الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




شرح العروة الوثقى - السيد محمد باقر الصدر ج 1

شرح العروة الوثقى

السيد محمد باقر الصدر ج 1


[ 1 ]

محمد باقر الصدر بحوث في شرح العروة الوثقى الجزء الاول الطبعة الاولى مطبعة الاداب - النجف الاشرف 1391 ه‍ - 1971 م بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على الرسول الاعظم وآله الطاهرين حماة الشريعة الخاتمة وقادة البشرية الصالحة. وبعد: فان هذا الجزء من هذا الكتاب يعبر في بحوثه عن ممارسة علمية لفترة زمنية بدأت يوم الاربعاء العاشر من شهر جمادي الثانية عام ألف وثلاثمائة وخمس وثمانين تناولت عددا من مسائل المياه من العروة الوثقى بالشرح والاستدلال بأساليب البحث العلمي السائد وبنفس صيغة التي تعارف عليها علماؤنا الابراء انسجاما مع الظروف التدريسية العامة. وواضح لدي - وأنا الاحظ بحوث هذا الكتاب - ان المنهج بحاجة إلى تطوير أساسي يعطي للبحث الفقهي ابعاده الكاملة، كما أن عبارة الكتاب بحكم أنها لم تعد لغرض التأليف وانما تمت صياغتها وفق متطلبات الموقف التدريسي، تتسم بقدر كبير من استهداف التوضيح والتوسع في الشرح، وبهذا فقدت جانب الاختزال والتركيز اللفظي الذي يميز الكتاب الفقهي عادة. وهذه النقاط إن كان لابد من الاعتراف بها فالمبرور لها هو ان الكتاب يمثل - كما ذكرنا - ممارسة تدريسية قد خضعت لنفس الاعراف المتبعة في مجال التدريس السائد من ناحية المنهج ولغة البحث والتوسع في الشرح والتوضيح واتجهت إلى تعميق المحتوى والمضمون كلما اتيح لها ذلك تاركة تطوير المنهج ولغة البحث إلى حين تتوفر الظروف الموضوعية التي يتطلبها ذلك، وحافظت

[ 2 ]

على نفس العبارة التي استعملت خلال تلك الممارسة عن طريق تسجيلها - مع شئ من التغيير والتهذيب -. ولئن فات هذا الكتاب أن يبرز بالعبائر المضغوطة التي تستوعب المعنى بأصغر حجم لفظي ممكن، فقد استطاع أن يوفر بدلا عن ذلك درجة كافية من الوضوح لما عبر عنه من أنظار ومباني. وآخر دعوانا أن الحمد الله رب العالمين محمد باقر الصدر

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على محمد وآله المعصومين وبعد: فقد كان من توفيقات الله سبحانه وتعالى ومننه علي ما شرفني به سيدي المفدى واستاذي الكبير - دامت ظلاله الوارفة - من خدمة هذا السفر الفقهي الجليل، حيث أولاني سماحته شرف القيام بتحقيقه وتخريج أحاديثه ومصادر الروايات التي يشار إليها في مجال البحث والاستدلال دونما تعرض لتفاصيلها، وتفصيل بعض المباني الاصولية التي أفادها سماحته في ابحاثه في علم الاصول، والتي اكتفى في متن الكتاب بالاشارة إليها على سبيل الاجاز، فكان من الجديران تشرح تلكم المباني في الحدود التي تتناسب مع المقام وتسنح بها الفرص. ومن الله نستمد العون إنه ولي التوفيق. محمود الهاشمي

[ 5 ]

كتاب الطهارة

[ 7 ]

الماء المطلق والمضاف (تعريف الماء المطلق والمضاف. طهارة الماء المطلق ومطهريته. طهارة الماء المضاف. عدم مطهريته من الحدث والخبث. إنفعاله بملاقاة النجاسة. صور الشك في الاطلاق والاضافة. فروع وتطبيقات).

[ 9 ]

[ فصل (في المياه) الماء إما مطلق أو مضاف (1) كالمعتصر من الاجسام أو الممتزج بغيره مما يخرج عن صدق اسم الماء. ] (1) قسم المصنف - قدس سره - تبعا للفقهاء في بحث المياه عنوان الماء إلى قسمين: مطلق ومضاف. حديث ان كلمة (إما) هنا للتقسيم وليست للترديد، ولهذا لابد من فرض قدر جامع يكون مقسما وجامعا بين المطلق والمضاف ليحصص إلى هاتين الحصتين. ومن هنا توهم في المقام أن لفظ الماء بنفسه موضوع لمعنى شامل للماء المطلق والمضاف، واستدل على ذلك بنفس صحة التقسيم، بدعوى أنها تكشف عن أن لفظ (الماء) يدل على سنخ معنى قابل للانقسام إلى هاتيم الحصتين، وهو مساوق مع فرض كونه موضوعا للجامع، فيكون اطلاق لفظ (الماء) على ماء الرمان اطلاقا حقيقا. وهذا الاستدلال سنخ ما وقع في علم الاصول من الاستدلال في عدة موارد على عمومية المعنى بصحة التقسيم، فقد استدل بصحة تقسيم الامر إلى الوجوب والاستحباب على انه موضوع للاعم، واستدل الاعمي في بحث الصحيح والاعم بصحة تقسيم الصلاة إلى الصحيحة والفاسدة على وضعها للاعم.. وهكذا. وفي مقابل ذلك: ذهب المشهور إلى ان لفظ (الماء) موضوع لخصوص المطلق، وأن إلاقه على الماء المضاف مجاز، ولهذا يحتاج في مقام استعماله في الماء المضاف إلى قرينة، وهي اضافة الماء إلى ما بين المقصود

[ 10 ]

ففي قولنا (ماء الرمان) تكون كلمة الرمان هي القرينة على التجوز، ككلمة (يرمي) بالنسبة إلى (الاسد). وهناك وجه ثالث يتراءى من بعض كلمات السيد الاستاذ - دام ظله - (1) وحاصله هو: أن كلمة (ماء الرمان) مثلا هي بنفسها موضوعة لهذه الحصة من المائع المعتصر من حبات الرمان، فاستعمال كلمة الماء في قولنا (ماء الرمان) في هذا المائع المعتصر يكون استعمالا حقيقيا لانها موضوعة له، غاية الامر إنها موضوعة على وجه التقييد. فالفرق بين المضاف والمطلق - مع أن لفظة الماء موضوعة لكل منهما - هو أن لفظة (الماء) بلا قيد موضوعة للمطلق) ومع قيد الرمان موضوعة لهذا المائع المخصوص. فهذه وجوه ثلاثة، يتلخص أولها في تخيل دلالة التقسيم على ان لفظ الماء موضوع للمعنى الجامع بين المضاف والمطلق، بحيث يكون إطلاق لفظ الماء على المضاف حقيقيا. ويتلخص ثانيها في أن المطلق معنى حقيقي والمضاف معنى مجازي، ويحتاج استعمال اللفظ فيه إلى نصب قرينة. والوجه الثالث كأنه متوسط بين الوجهين، وهو أن لفظة الماء حقيقة في كل من المطلق والمضاف، لا أنه مجاز في المضاف كما هو الحال على الوجه الثاني، ولكنها لا تكون حقيقة في كل منهما بلا قيد كما هو على الوجه الاول، بل هي بلا قيد موضوعة للمطلق ومع قيد الرمان مثلا موضوعة للمقيد. وكل هذه الوجوه محل نظر في المقام: أما الوجه الاول، فيرد عليه: أن صحة التقسيم متفرعة على أن المعنى الذي استعمل فيه لفظ المقسم من جملة التقسيم عام، وليست متفرعة على عموم المعنى الموضوع له. وكون المعنى المستعمل فيه اللفظ عاما أحيانا


(1) التنقيح الجزء الاول ص 7

[ 11 ]

لا يثبت عموم المعنى الموضوع له، لان الاستعمال أعم من الحقيقة. وتصوير معنى جامع يستعمل فيه لفظ الماء عند تقسيمه إلى المطلق والمضاف لا ينافي كون احدهما حقيقيا والاخر مجازيا، إذ يمكن أن يتم ذلك إما بتقريب انتزاع عنوان جامع في طول المعنى المجاري، كعنوان ما يطلق عليه اللفظ ويقسم إلى المطلق والمضاف. وإما بتقريب: أن يكون الجامع معنى مجازيا في عرض المعنى المجازي الذي يراد تقسيم الجامع إليه، بأن يؤخذ عنوان المائع مثلا، لكن لا يعرضه العريض، بل بنحو من التضييق، فنستعمل لفظة الماء في طبيعي المائع المحدد ويقسم إلى المطلق والمضاف. وأما الوجه الثاني الذي ذهب إليه المشهور، فحاصله كما عرفنا: أن لفظ الماء له معنيات: حقيقي وهو الماء المطلق، ومجازي وهو الماء المضاف وفي استعمال لفظ الماء في الماء المضاف نحتاج إلى ذكر المضاف إليه ليكون قرينة على الاستعمال المجازي. وهذا الكلام بحاجة إلى تدقيق وتوسيع. وتوضيح ذلك: أنه في باب استعمال اللفظ في غير المعنى الموضوع له مجازا يكون مقوم المجازية هو المشابهة التي تصحح الاستعمال المجازي ثبوتا وهذه المشابهة تارة تكون قائمة بين المعنى الحقيقي للفظ ومعنى آخر مستقيل من نفسه، من قبيل أن نستعمل كلمة (القلب) في الصورة الرسومة على الورقة باعتبار وجود مشابة بين هذه الصورة وقلب الانسان. وهذا الاستعمال يكون صحيحا، سواء أقيمت قريمة على ذلك أولا، فان صحة الاستعمال المحازي متقومة بالمشابهة، وهي موجودة في المقام، فلا يستهجن هذا الاستعمال. غاية الامر انه في عدم قيام القرينة لا يفهم المطلب لمن لا يكون ملتفتا إلى النكات، لانه يجري أصالة الحقيقة ويتخيل أن اللفظ استعمل في معناه الحقيقي، ولكن الافهام وعدم الافهام شئ وكون الاستعمال المجاري في نفسه صحيحا شئ آخر. هذا نحو من المجاز.

[ 12 ]

وأخرى، يكون التجوز بصورة اخرى، إذ قد نفرض أننا نستعمل كلمة (القلب) مجازا في شئ لز خلينا نحن وهو فلا شباهة بينه وبين قلب الانسان اصلا، وإنما الشباهة باعتبار الاضافة، كما نقول مثلا: (الصحن الشريف هو قلب النجف الاشرف). فنحن إذا لاحظنا الصحن الشريف بما هو لانجد أي شباهة بينه وبين قلب الانسان كتلك الشباهة التى كنا نجدها بين قلب الانسان والصورة المرسومة له على الورق. ففي هذه الحالة لو أردنا أن نستعمل كلمة (القلب) في الصحن الشريف من دون إضافة كان الاستعمال غلطا ولا يكون صحيحا لا حقيقة ولا مجازا، لعدم المشابهة بينهما، وانما يصبح الاستعمال بهذه الصورة صحيحا إذا استعملت كلمة (القلب) مضافة إلى كلمة (البلد) فيقال مثلا: (الصحن قلب البلد)، فحينئذ يكون هذا الاستعمال مجازيا صحيحا. والنكتة في ذلك هي: أن المشابهة هنا قائمة بالاضافة لا بذات المضاف بما هو، ففي قولنا: (الصحن قلب البلد) استعملنا كلمة (قلب) في شئ تكون نسبته إلى البلد كنسبة القلب إلى بدن الانسان، فالمشابهة هنا بين النسبتين لابين ذات المعنيين المضافين بما هما معنيان اسميان قائمان بأنفسهما. فبهذا نعرف: أن المجازية تحتاج دائما إلى المشابهة التي هي المصحح الثبوتي للتجوز، وهذه المشابهة تارة تكون قائمة بمعنى نفسي بحد ذاته، وأخرى تكون قائمة بالاضافة. فنحتاج في مقام تصحيح الاستعمال المجازي إلى الاضافة، فالاضافة في قولنا (قلب البلد) ليس من قبيل كلمة يرمى في قولنا (اسد يرمى)، فان كلمة يرمى ليست مقومة لصحة الاستعمال المجازي لكلمة اسد في الرجل الشجاع، بل هي قرينة على التجوز في مقام التفهيم، فلو لم تكن هذه الكلمة واسعمل لفظ الاسد في الرجل الشجاع بدونها لكان استعمالا مجاريا صحيحا، غاية الامر أن المتكلم لم يفهم مقصوده. وأما

[ 13 ]

لو استعملت كلمة (القلب) في الصحن دون أن تلحظ الاضافة كان استعمالا غير صحيح، لان المصحح للاستعمال المجازي هو المشابهة قائمة بالاضافة الصحن إلى البلد لا توجد مشابهة مصححة للاستعمال المجازي. فإذا استطعنا أن نفرق بين هذين النحوين من المجازية نقول: إن كل ما نطلق عليه اسم الماء المضاف فهو مجاز بالنحو الثاني، بمعنى أنه واجد لملاك النحو الثاني من التجور، وهو المشابهة بين الاضافتين. وقد يكون اضافة إلى ذلك واجدا لملاك النحو الاول من التجوز، وهو المشابهة بين ذات الشيئين، وقد لا يكون واجدا لملاك النحو الاول اصلا، ففي قولنا (ماء الرمان) و (ماء الذهب) و (ماء الوجه) و (ماء الورد) يكون استعمال لفظ الماء مجازيا على أساس المشابهة بين اضافتين، فماء الرمان أو ماء الذهب يعني شيئا نسبته إلى الرمان أو إلى الذهب من حيث أن له ذوبانا كنسبة ماء العين إلى العين، فهو من قبيل استعمال البلد وارادة الصحن به. وكلمة الرمان أو الذهب ليست مجرد قرينة على التجوز في مقام التفهيم ككلمة يرمي، بل هي مقومة للملاك المصحح للتجوز في هذه الاستعمالات وهو المشابهة بين الاضافتين والنسبتين، فبدون ذكر المضاف إليه لا يكون محط المشابهة ملحوظا. وأما المشابهة بين ذات الشيئين فهذا كثيرا ما لا يكون متحققا، كما في (ماء الذهب) و (ماء الفضة) و (ماء الوجه) ونحو ذلك، ولهذا نجد أن استعمال كلمة الماء بدون اضافته إلى الذهب أو الوجه وارادة ماء الذهب وماء الفضة وماء الوجه منها ليس استعمالا صحيحا أصلا ولو نصب المستعمل قرينة على مراده، لان المشابهة قائمة بين الاضافنين لابين الذاتين.

[ 14 ]

نعم في بعض أقسام المياه المضافة زائدا على المشابهة القائمة بين الاضافتين توجد مشابهة أخرى قائمة بنفس الذات بلا اضافة من قبيل ماء الرمان، فيصح عرفا إطلاق لفظ الماء عليه بلا قيد على سبيل التجوز، فيقال عنه (ماء) بلحاظ المشابهة في الميعان والصفات بينه وبين الماء المطلق بينما لا يصح ولو مجازا إطلاق لفظ الماء من دون لحاظ الاضافة على ما انحصرت المشابهة فيه بالمشابهة في الاضافة. كما انه بالنسبة إلى بعض أقسام الماء المجازي قد يكون التجوز بلحاظ المشابهة في نفسه، بحيث يكون مركزها نفس الذات لا الاضافة، فلا تصح فيه الاضافة. وذلك كما في الماء المخلوط بمقدار من التراب بحيث يخرجه عن صدق اسم الماء المطلق عليه، فانه لا يصح أن يقال له (ماء التراب) وأن كان اطلاق لفظ الماء عليه مجازا صحيحا بدون اضافة، لا المشابهة المصححة للتجوز هنا بين الذاتين لابين الاضافتين. وبهذا ظهر أن الماء المجازي له ملا كان، ولكل، ولكن منهما مركز غير مركز الاخر، والنسبة بينهما هي العموم من وجه. فأحد الملاكين هو المشابهة القائمة بين النسبتين والاضافتين، وتكون اضافة كلمة الماء إلى المعتصر منه والمأخوذ منه مصححة للاستعمال المجازي ثبوتا، لاأنها مجرد قرينة كاشفة اثباتا. والملاك الاخر هو المشابهة بين الذاتين، من دون أن يكون للاضافة دخل في تتميم هذه المشابهة، وانما هي مجرد قرينة على المقصود. ويجتمع الملاكان في مثل (ماء الرمان) و (ماء الورد)، ويفترق الملاك الاول في مثل (ماء الذهب) و (ماء الوجه)، ويفرق الملاك الثاني في مثل الماء المخلوط بمقدار من التراب. وكل ما نطلق عليه اسم الماء المضاف ونستتعمل لفظ الماء فيه مضافا إلى مصدر المأخوذ منه فهو جار وفق الملاك الاول، وكل ما يصح أن

[ 15 ]

نطلق عليه لفظ الماء المجرد عن الاضافة على سبيل التجوز فهو جار وفق الملاك الثاني، وما كان جاريا وفق الملاك الاول كثيرا مالا يصح اطلاق اسم الماء المجرد عليه ولو على سبيل التجوز فضلا عن أن يكون إطلاقا حقيقيا. وعلى هذا الاساس نعرف أن المقصود من الماء المضاف الذي يقع الكلام فقيها في شمول بعض أحكام الماء المطلق له وعدم الشمول ليس ما يصح اطلاق لفظ الماء عليه مع الاضافة، إذ قد يصح اطلاق لفظ الماء مع الاضافة على شئ مع عدم وجود أي مشابعة نفسية بينه وبين الماء المطلق ومثل هذا لا معنى للتكلم عن إسراء أحكام الماء المطلق إليه. بل المقصود من قسم الماء المطلق الذي يقع الكلام فيه فقهيا ما يصح إطلاق لفظ الماء مجارا عليه بلا اضافة، بحيث تكون الاضافة مجرد قرينة على المعنى المجاري لامقومة لملاك التجوز، فيشمل الماء المخلوط بالتراب، فانه يصح إطلاق لفظ الماء المجرد عليه الماء المضاف، فلا يقال (ماء التراب) ولا يشمل (ماء الذهب) مثلا، لانه لا يصح إطلاق لفظ الماء المجرد عليه ولو مجازا، بالرغم من كونه ماء مضافا، بمعنى صحة اطلاق لفظ الماء عليه مع الاضافة. فالنسبة بين الماء المقابل للماء المطلق الذي يقع الكلام فقهيا في شمول أحكام المطلق له، وبين الماء المضاف هي العموم من وجه، واضافة كلمة الماء إلى المصدر المأخوذ منه الشئ هي في استعمالات المجازي وتصحيحه ثبوتا وليست مجرد قرينة عليه اثباتا، كما هو الحال في كلمة (يرمى) في قولنا: (رأيت اسدا يرمى).. أما الوجه الثالث: وحاصله أن اطلاق لفظ (الماء) على ماء الرمان أن كان بلا إضافة إلى الرمان فهو مجاز، وإذا كان معها فهو اطلاق حقيقي، لان كلمة (الماء) بما هي مضافة تدل حقيقة على ماء الرمان، فان أريد

[ 16 ]

بهذا دعوى كبرى كلية في باب المجاز والحقيقة، وهي أن كل لفظ له وضع لمعناه المجازي ولكنه وضع نوعي، وبذلك يختلف عن المعنى الحقيقي. فالكلام في ذلك كبرويا موكول إلى بحث تصوير الحقيقة والمجاز كلية، وقد حققنا في علم الاصول عدم احتياج المجاز إلى الاوضاع النوعية. وأن اريد بيان مطلب يختص بالمقام - بعد الاعتراف بأن التجوز كلية لا يحتاج إلى الوضع، فيرد عليه: أن هذا لا يستقيم على المباني المشهورة في باب الوضع، إذ يكون وضع كلمة (الماة) المضافة إلى الرمان بما هي مضافة لماء الرمان لغوا، لانه إن أريد بهذا الوضع تصحيح الاستعمال واخراجه عن كونه غلطا، فالمفروض أن صحة الاستعمال المجازي كلية لا تحتاج إلى وضع، وهذا استعمال مجازي فلا يحتاج تصحيحه إلى وضع، وأن اريد بهذا الوضع جعل الاستعمال مستغنيا عن القرينة وفي عرض المعنى الحقيقي الاول فهذا أيضا غير صحيح، لان الموضوع مقيد بفرض وجود القرينة، لان كلمة (الرمان) هي القرينة في المقام، وقد قيدت بها كلمة الماء، فكيف يطلب من هذا الوضع الاستغناء عن القرينة مع أنه مقيد بوجودها. فالذي ينبغي أن يقال مستخلصا من مجوع ما ذكرناه: أن لفظ (الماء) حقيقة في الماء المطلق واستعماله في غيره مجاز، عير أن التجوز تارة يكون بلحاظ المشابهة بين الاضافبين، وأخرى يكون بلحاظ المشابهة بين الذاتين ففي الاول تكون الاضافة مقومة لصحة الاستعمال المجازي ثبوتا، وفي الثاني تكون مجرد قرينة على تفهيم المقصود اثباتا. وما يقع الكلام في إسراء احكام الماء المطلق إليه انما هو الماء المجازي بالنحو الثاني لا الماء المجازي بالنحو الاول، والنسبة بين الماءين المجاريين العموم من وجه.

[ 17 ]

[ والمطلق أقسام: الجاري، والنابع غير الجاري، والبئر، والمطر، والكر، والقليل (1). ] (1) بعد أن قسم الفقهاء الماء إلى مطلق ومضاف، قسموا المطلق بدوره إلى أقسام: الجاري، والبئر، والمحقون. إلى: القليل، والكثير. واعترض عليهم باهمال ماء المطر مع انه من اقسام الماء المطلق، وباهمال الماء النابع الذي له مادة وليس اه عمق في الارض. وقد تدارك المصنف - قدس سره - ذلك فقسيم الماء المطلق إلى: الجاري، والنابع غير الجاري، والبئر، والمطر، والكر، والقليل. وقد ذكر السيد الاستاذ - دام ظله - في مقام الاشكال على هذا التقسيم: أنه مادام الملحوظ في هذا التقسيم بيان أحكام هذه الاقسام - من حيث الاعتصام والانفعال - فلامن اضافة قسم آخر إليه، وهو ماء الحكام لانه يتميز بالاعتصام رغم كونه ماء قليلا (1). والتحقيق: أنا إذا بنينا في ماء الحمام على أن تقوي السافل بالعالي على القاعدة، كما هو المختار، فماء الحمام يدخل في الكر حقيقة، ولا موجب لجعله قسما برأسه. وإذا بنيبا على أن هذا البقوي ثابت بأخبار ماء الحمام - بدعوى: أنها تتكفل تنزيل مجموع السافل والعالي منزلة الماء الواحد وإلغاء شرطية تساوي السطوح، كما ذكر السيد الاستاذ في أخبار الحمام - فمعنى ذلك أن ملاك اعتصام ماء الحمام هو الكرية ايضا، ولكن بعناية التعبد الشرعي فهو مصداق لاحد الاقسام المعتصمة المذكورة في التقسيم، وهو الكر، بعد فرض إعمال العناية في توسعته، فلاضرورة لجعل ماء الحمام قسيما له. هذا مضافا إلى أن الظاهر أنه ينبغي أن يكون المراد من أمثال هذا التقسيم بيان اقسام واقعية مستوعبة للماء استطراقا إلى الحريث عن أحكامها،


(1) التنقيح الجزء الاول ص 9.

[ 18 ]

[ وكل واحد منها مع عدم ملاقاة النجاسة طاهر مطهر من الحرث والخبث (1). ] وتحقيق ما يناسب كل قسم من الحكم بالانفعال أو الاعبصام أو البفصسل، وليس التقسيم بلحاظ تحديد موضوعات الاحكام ابتداء، فحتى لو فرض أن ماء الحمام موضوع مستقل للاعتصام لا موجب لجعله قسما. (1) لا اشكال في طهارة الماء في طهريته في الجملة. وذلك واضح لا لضرورة، بل يمكن أن يقال بأن مطهرية الماء هي مقتضي الاطلاق المقامي لنفس أدلة النجاسات الواردة بلسان (هذا قذر) أو (نجس)، لان ظاهرها بيان فرد اعتباري وجعلي للمفهوم العام المعلوم عند العرف من القذر والنجس، ويفهم العرف بالاطلاق المقامي لهذا البيان أنه يجب أن يصنع به في مقام دفعه ما يصنع بالقدر الحقيقي من غسله بالماء. وانما يقع البحث حول تحصيل أدلة خاصة من الكتاب أو السنة على الطهارة والمطهرية، لاجل الحصول على اطللاق في دليل الطهاة والمطهرية يرجع إليه في موارد الشك، إذ لا إطلاق للضرورة لحالة الشك. وقد استدل على ذلك بالايات والروايات: الدليل من الايات: أما الايات، فهناك آينان يستدل بهما على ذلك: (الاية الاولى): فالاية الاولى قولى قوله تعالى: (وأنزلنا من السماء ماء طهورا) (1).


سورة الفرقان الاية 48.

[ 19 ]

والقريب الابتدائي للاستدلال بها واضح، وتحقيق ذلك يكون بلحاظ الموضوع تارة، وبلحاظ الحكم اخرى، فهنا جهتان: (الجهة الاولى) - من ناحية الموضوع وشمول الماء في الاية الكريمة لتمام أقسام الماء والوجه في دعوى شمولها لجميع المياه هو إطلاق كلمة (ماء) في الاية الشريفة. وقد استشكل في ذلك بوجهين: الوجه الاول - أن الموضوع فيها خصوص ماء المطر، بقرينة كلمة الانزال، فلا تشمل مطلق المياه. ويمكن الجواب على ذلك بوجوه: الاول: ما في الجواهر، من تتميم الاستدلال بها بالاجماع المركب (1). وفيه: أنه إن صح التمسك بالاجماع المركب في عدد من الموارد، فلا يصح التمسك به في مثل هذا المورد، لان الاجماع على مطهرية تمام أقسام المياه التي لم يقع فيها خلاف انما هو اجماه بسيط فعلي، ولم يثبت اجماع على مطهرية سائر المياه غير المطر على تقدير مطهرية ماء المطر، بحيث لو لم يقم دليل الاعلى طهارة ماء المطر لحكموا بطهارة باقي المياه. فان اريد التمسك بذلك الاجماع البسيط الفعلي، فهو خروج عن الاستدلال بالاية وأن اريد التمسك بهذا الاجماع التعلبقي، فهو لم يثبت. هذا مضافا إلى أنه لو فرض تمامية ذلك لم يتحصل لنا إطلاق نتمسك به في موارد الشك والخلاف إذا اتفقت، لان المفروض تتميم الاية بالاجماع الذي هو دليل لبي لا إطلاق له. الثاني: دعوى أنه ليس المراد من (الاينزال) و (السماء) الانزال والسماء الحسيين بل المعنويين، فقد أطلق لفظ السماء على المعنوي في قوله


جواهر الكلام الجزء الاول ص 71.

[ 20 ]

تعالى: (وفي السماء رزقكم وما توعدون) (1)، وأطلق لفظ الانزال على المعنوي في قوله تعالى: (قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوأتكم) (2) فليكن الانزال من السماء جمعا بين المعنويين، فيراد الانزال المعنوي من السماء المعنوية. وفيه: أن هذا - وأن لم يكن بعيدا عن اللغة، إذ يمكن القول بأن معنى الا يزال والسماء أعم لغة من المصداق الحسي، وانما ينصرف ذهننا إلى خصوص المصداق الحسي بدلا عن المعنوي لشدة أنس ذهننا بالماديات - لكن ليس للاية ظهور على أي حال في ارادة الانزال والسماء المعنويين، أن لم نقل بظهورها في ماء المطر، باعتبار شدة أنس الذهن بأن (ماء السماء) هو المطر، وشيوع استعماله في ذلك عرفا. ويكفي مجرد الاجمال وتردد الانزال بين المادي والمعنوي لتثبيت الاشكال والمنع عن الاطلاق، لانه يكون محفوفا بما يحتمل قرينيته، فيبتلى بالاجمال ولا ينعقد للاية ظهور في الاطلاق. الثالث: أن جميع المياه نزلت من السماء، كما تدعيه بعض الفرضيات الحديثة فلا تكون الانزال موجبة للتقييد. وفيه: أن هذا - وإن كان ممكنا في نفسه - لكن التصديق به يحتاج إلى دليل عقلي أو نقلي، وكلاهما مفقود في المقام: أما الاول، فلان الدليل العقلي المتصور في المقام هو الادلة العلمية القائمة على أساس التجربة، ولم يقم أي دليل علمي على ذلك، وانما هي فرضية فرضها بعض العلماء في مقام تفسير تكون المياه، وانه بشدة الحرارة حصل البخار وأدى إلى هطول المطر، فتكون الماء على الارض. وأما الثاني، فقد استدل السيد الاستاذ دام ظله على نزول المياه بأجمعها


(1) الذاريات 51: 22. (2) الاعراف 7: 26.

[ 21 ]

من السماء بآيات (1) منها قولله تعالى: (وإن من شئ الاعندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم) (2)، ومنها قوله تعالى (ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه بنابيع في الارض) (3)، ومنها قوله تعالى: (وأنزلنا من السماء ماء بقدر فاسكناه في الارض وانا على ذهاب به لقادرون) (4). والظاهر أن لا دلالة في هذا الايات الكريمة على نزول المياه بأجمعها من السماء: أما الاية الاولى، فهي مخصوصة بماء الكلام، لان المراد من التنزيل فيها التنزيل المعنوي لا التنزيل من السماء، لان التنزيل من السماء لا يمكن أن يشمل جميع الاشياء، وقد صرح في الاية بشمول التنزيل لجميع الاشياء، فلا تدل إذن على المياه نازلة من السماء. وأما الاية الثانية، فهي مخصوصة بماء المطر، ولا تدل على أن جميع المياه حتى البحار مثلا قد أنزلت من السماء، بقرينة قوله تعالى: (ألم تر أن الله أنزل من السماء ماة)، فان الاية بصدد التنبيه على حادثة اعتيادية يراها الانسان في حياته، وهي نزول المطر وما يترتب عليه من آثار تدل على الحكمة والتدبير. وأما الاية الثالثة، فليس فيها إطلاق، بل هي إخبار عن إنزال ماء من السماء بقدر، وكلمة (ماء) نكرة في سياق الاثبات، فلا يمكن التمسك باطلاقها لاثبات أن جميع المياه نازلة من السماء. ودعوى أن التهديد في


(1) التنقيح الجزء الاول ص 13. (2) الحجر 15: 21. (3) الزمر 39: 21. (4) المؤمنون 23: 18.

[ 22 ]

ذيل الاية المستفاد من قوله تعالى: (وإنا عن ذهاب به لقادرون) يدل على إرادة مطلق الماء لا خصوص ماء المطر، لان الذهاب بماء المطر وحده لا يوجب بلاء، لامكان اكتفاء الناس بسائر المياه. مدفوعة بأن ارادة ماء المطر وحده كافية في صحة التهديد، لان لماء المطر آثارا عظيمة في حياة الانسان، وزراعته لا يمكن الحفاظ عليها بدونه. هذا مضافا إلى أن قرينة التهديد لا توجب إثبات الاطلاق، بل كون النازل من السماء مقرارا يصح التهديد بذهابه، وهذا لا يكفي لاثبات أن جمنع المياه حتى ماء البحر مثلا نازل من السماء، لاننا إذا افترضنا أن المقصود بالماء المتوعد بذهابه هو غير ماء البحر من بقية المياه مثلا لكفى ذلك في صدق التهديد، فلا يمكن جعل التهديد قرينة على الاطلاق. على اننا يمكننا ان نفرض تبخير ماء وصيرورة البخار ماء، فان سلمنا أن الماء الاول كان نازلا من السماء، لا نسلم كون الماء المستحيل إليه البخار عين الماء الاول، بل يعد ماء جديدا وليس نازلا من السماء، فلا يشمله الاطلاق. ولهذا فان نفس من يستدل بقوله تعالى: (وأنزلنا من السماء ماء) يعترف بأن الماء النجس يستحيل بالتبخير ويكون الماء الحاصل من بحاره طاهرا. الرابع: أن الطهورية المستفادة من الاية إنما هي ثابتة لماء المطر بما هو ماء بقطع النظر عن مطريته وإنزاله من السماء، فانها جعلت صفة للماء الذي جعل موضوعا للانزال، فالانزال تعلق بالماء الطهور لا أن الطهورية تعلقت بالماء النازل، وهذا يعنى أن الطهور ثابتة للماء في المرتبة السابقة على الانزال، وإذا ثبتت طهارته بما هو ماء ثبتت طهارة جميع المياه. وفيه: أن هذا غاية ما يدل عليه أن الانزال من السماء ليس بما هو إنزال، دخيلا في موضوع الحكم بالطهورية، ولكنه لا ينفي دخالة أمر آخر

[ 23 ]

يكون الانزال معرفا عنه ومساوقا له، وحيث أن الموضوع لااطلاق فيه لغير النازل فلا يمكن نفي دخالة ذلك الامر الاخر بالاطلاق. ثم لو قطع النظر عن كل هذه المناقسات، وفرض شمول الاية الكريمة كتمام أقسام المياه، فغاية ما تدل عليه طهورية الماء حين إنزاله بمعنو كونه طاهرا بطبعه، وليس لها اطلاق أحوالي يدل على دوام طهوريته، ففي موارد الملاقاة مع التنجس ونحو ذلك - التي هي موارد الشك في الطهارة والمطهرية - لا يمكن التمسك بالاطلاق. الوجه الثاني - أن كلمة (ماء) في الاية الشريفة نكرة في سياق الاثبات، فلا تفيد العموم. الاثبات، فلا تفيد العموم. وأجيب عن ذلك بوجهين: الاول: ما ذكره السيد الاستاذ - مد ظله - من أن الاية الشريفة في مقام الامتنان على جميع العباد، وفي كل بلد من بلادهم يوجد قسم من المياه، فلكي يكون الامتنان على الجميع لابد أن يراد بالماء تمام تلك الاقسام (1). وفيه: أن هذا إنما يتم لو لم يكن قسم من المياه مشتركا بين تمام البلاد والعباد، لكن ماء المطر مشترك بين تمامها، فيكفي إرادته من الاية لتصحيح الامتنان على الجميع. الثاني: ما ذكره السيد الاستاذ ايضا، من أن الاية في مقام الامينان كما تقدم، وثبوت ماء طهور لا ندري أنه أي الاقسام ليس فيه امتنان، إذ لا فائدة فيه، فيظهر بذلك أن جميع أقسام الماء طهور حتى يمكن الاستفادة من الماء الطهور (2). وفيه: أن هذا إنما يتم لو لم يكن هناك قدر متيقن ولو من الخارج،


(1) التنقيح الجزء الاول ص 14. (2) نفس المصدر والصفحة.

[ 24 ]

كالماء الكثير في مقابل القليل، أوماء العيون. العيون. فان هذه المياه المتيقنة التي لاشك في ارادتها تكفي لتصحيح الامتنان من دون حاجة إلى افتراض الاطلاق الذي يصلح أن يكون مرجعا في موارد الشك. والحاصل أن الامتنان بطهورية الماء بنحو القضية المهملة إنما لا يتأتى فيما إذا لم يكن للقضية المهملة قدر متيقن، وإلا فالامتنان في محله، فلا قرينة على الاطلاق. لا يقال: إن وجود القدر المتيقن من الخارج - بل وحتى في مقام التخاطب - لا يضر بالاطلاق والتمسك بمقدمات الحكمة، كما حقق في محله. لانه يقال: إن هذا إنما هو في الاطلاق اللفظي الثابت بالقرينة العامة المسماة ب‍ (مقدمات الحكمة). وأما الاطلاق الذي يراد إثباته بدلالة الاقتضاء تصحيحا للسان الامتنانى للاية الكريمة، فهو يتوقف على عدم إمكان تصحيح اللسان الامتنانى بدون افتراض الاطلاق، مع أنه ممكن مع فرض وجود القدر المتيقن. ولنا جواب ثالث على الاشكال الذي نشأ من كون كلمة (ماء) نكرة في سياق الاشكال المذكور مبني على أن يكون التنوين في كلمة (ماء) للتنكير، لكي تكون الكلمة نكرة في سياق الاثبات، ودالة على قيد الوحدة المانع عن الشمول لتمام الافراد. ولكن قد يقال في مقابل ذلك: إن التنويو هو تنوين التمكين لا التنكير، وتنوين التمكين يؤتى به لاشباع حاجة الكلمة المعربة، في لسان العرب تستند إلى اللام في أولها أو إلى التنوين في آخرها، ولا تستقر مجردة عن ذلك، فحال هذا التنوين التمكيني حال اللام لا يقيد الوحدة وإنما أريد من الكلمة نفس الماهية، فيتم الاطلاق الشمولي لكلمة (ماء) في الاية، كما لو كانت الكلمة معرفة باللام ببركة مقدمات الحكمة.

[ 25 ]

ومما يشهد لكون التنوين في كلمة (ماء) للتمكين لا للتنكير، قوله تعالى بعد تلك الجملة: (لنحيي به بلدة ميتا)، فان المراد من هذه العبارة الامتنانية جنس البلدة لابللدة واحدة، وإلا لم تكن امتنانا على جميع الناس. وبمقتضى قرينة وحدة السياق يظهر كون التنوين في (ماء) هو التمكين أيضا لا التنكير. وهذا هو الجواب الصحيح عن الاشكال، ولكن هنا نكتة توجب ارتفاع موضوع أصل الاشكال وأجوبته، بما فيها هذا الجواب الذي حققناه. وبيان هذه النكتة هو: أن المتشكل والمجيب كأنهما اتفقا على أن كلمة (ماء) في الاية الكريمة لو كانت مع اللام بدلا عن التنوين لتم الاطلاق الشمولي لجميع المياه، وإنما المانع عن ذلك هو التنوين، فيتكلم في مانعيته وعدمه. ولكن التحقيق أن الاشكال الثابت في المقام أعمق من هذا، بحيث يوجب عدم تمامية الاطلاق ولو كانت كلمة (ماء) في الاية غيرر مبتلاة بالتنوين، وهو أن الحكن بالطهورية لم يسند في الاية الكريمة إلى الماء بنسبة تامة، حتى يقال بأن مقتضى الاطلاق انه حكم على طبيعة الماء بلا قيد، وإنما اسند إليه بنحو التوصيف والنسبة الناقصة التحصيصية، فلا يمكن إثبات عموم الحكم لتمام أفراد الموصوف بالاطلاق، ففرق كبيد بين أن نقول: (الماء طهور) وبين أن نحكم على الماء الطهور بأنه نازل من السماء مثلا. ففي الجملة الاولى كانت الطهورية منسوبة إلى الماء بالنسبة التامة، ويمكن حينئذ التمسك باطلاق كلمة (الماء) لاثبات طهورية تمام أقسامه، وأما في الجملة الثانية فقد أخذت الطهورية قيدا للماء على نهج النسبة الناقصة لاحكما للماء على نهج النسبة التامة، فلا معنى للتمسك بالاطلاق لاثبات طهورية تمام أقسام المياه. فالجملة الاولى من قبيل قولنا (الغيبة محرمة)، والجملة الثانية من قبيل

[ 26 ]

قولنا (إن الله يعاقب على الغيبة المحرمة)، فكما أن التمسك بالاطلاق لاثبات حرمة تمام أقسام الغيبة إنما يصح في الجملة الاولى دون الثانية كذلك في المقام، فالاشكال على التمسك بالاطلاق إذن ليس من ناحية التنكير، حتى يجاب عليه بأن التنوين للتمكين، بل من ناحية أن الطهورية نسبت إلى الماء بنسبة ناقصة تحصيصية لا بنسبة تامة حكمية، فلا يمكن التمسك بالاطلاق هذا هو تمام الكلام في الجهة الاولى - اي في ناحية الموضوع. وأما الكلام في الجهة الثانية، وهي ناحية الحكم، فهناك أربع احتمالات لكلمة (طهور) في الاية الشريفة: الاول: كونها مفيدة لمعنى المطهرية باعتيار وضع كلمة (طهور) لنفس النسبة التأثيرية التي تدل عليها كلمة (مطهر)، إما بأن تكون هذه النسبة هي احد معاني هيئة فعول الموضوعة لها بالوضع النوعي، وإما بأن تكون كلمة (طهور) بالخصوص موضوعة بالوضع الشخصي للنسبة التي تدل عليها كلمة (مطهر). الثاني: كونها مفيدة معنى الالية، وفرقه عن الاول كالفرق بين الفاتح والمفتاح، أو مطلق اسم الفاعل واسم واسم الالة، حيث أنه طعم في الثاني معنى التهيؤ والالية. الثالث: كونها مفيدة معنى المبالغة. الرابع: كونها مفيدة معنى طاهر. وحيث أن السيد الاستاذ - دام ظله - رأى أن المعنيين الاخيرين لا يتناسبان مع الاستدلال بالاية الكريمة على مطهرية الماء، تصدى لابطال الاحتمال الثالث والرابع لتتميم الاستدلال بها (1). أما الاحتمال الثالث، فقد أفاد ابطاله: أن المبالغة فيما نحن فيه


(1) التنقيح الجرء الاول ص 10.

[ 27 ]

غير معقولة، لان الطهارة أمر اعتباري، فلا تقبل المبالغة والشدة. وأما الاحتمال الرابع، فأبطله: بأن كلمة (طهور) لو كانت بمعنى (طاهر) لصح إطلاقها على كل طاهر، فيقال (ثوب طهور) و (فراش طهور)، مع أنه لا يصح ذلك. إما ما أفيد في إبطال الاحتمال الثالث، فيرد عليه: أولا: أنه ليس من اللازم تطعيم الاعتبار في مادة طهور ومبدأ اشتقاقه حتى يقال بعدم إمكان طرو المبالغة على الاعتبار مثلا، بل يمكن طرو الاعتبار على المبالغة على الطهارة الحقيقية القابلة للشدة وبهيئتها تدل على المبالغة في تلك الطهارة، ويطرأ الاعتبار على الطهارة المبالغ فيها، ويكون الدال على الاعتبار نفس هيئة الجملة الدالة على نسبة الطهور إلى الماء. فهذا أمر معقول، لان مرجعه إلى اعتبار الطهارة الشديدة، لا إلى شدة اعتبار الطهارة. وثانيا: أنه يمكن المبالغة حتى مع تطعيم الاعتبار في مادة طهور، وذلك بأن تكون المبالغة بلحاظ شدة التصاق وصف الطهارة الاعتبارية بالماء بنحو لا يزول عنه بسهولة، كما في سائر الاشياء التي يزول عنها وصف الطهارة بملاقاة النجس أو المتنجس، فالمبالغة؟؟؟ النجس أو المتنجس، فالمبالغة منتزعة بلحاظ شدة التصاق الوصف الاعتباري بالموصوف وبطء زواله عنه. لا يقال: إنه لو صح ذلك لصح إطلاق (طهور) على باطن الانسان وطاهر الحيوان، بلحاظ انه لا يتنجس بالملاقاة وشدة التصاق وصف الطهارة الاعبنارية به. لانه يقال: إنما تنتزع المبالغة بهذا اللحاظ إذا كان الالتصاق على أساس شدة النكتة التي أوجبت أصل اعتبار الطهارة لذلك الشئ، كما في

[ 28 ]

الماء لا على اساس شئ آخر، كالتوسعة على الخلق. ومن هذا القبيل عنوان المعتصم والواسع، فانه يطلق على الماء انه (واسع) أو (معتصم) ولا يطلق على باطن الانسان. وأما ما أفيد في إبطال المعنى الرابع، فتحقيق الحال فيه أنه لو كان المقصود في الاحتمال الرابع، من كون (طهور) بمعنى (طاهر)، أن طهور بمعنى طاهر بدون نكتة زائدة، فيرد عليه ما أفيد من استلزامه صحة إطلاق طهور على كل شئ طاهر. ولكن يمكن أن يبين الاحتمال الرابع بتقريب آخر لابتجه عليه هذا الايراد. وحاصله: أن طهور بمعنى طاهر مع ملاحظة نكتة زائدة تتميز بها كلمة (طهور) على (طاهر)، وهي أن التصاق الطهارة بالماء يكون من قبيل التصاق الشئ بمنبعه ومعدنه، فكان الماء فرض معدنا للطهارة ومفيضا لها ولو بالنسبة إلى نفسه، حيث أنه كلما ألقيت فيه القذارة والنجاسة تغلب عليها بما ينبع منه من الطهارة ويبقى نفسه طاهرا، فهذا معنى محتمل في كلمة (طهور) وهو سنخ معنى لا يناسب اطلاقه على أشياء طاهرة من قبيل الفراش والثوب، لعدم صدق بلك النكتة الزائدة عليها بحسب النظر العرفي. بل قر يئهى أن باقي المعاني لكلمة (طهور) أو لصيغة فعول عموما - أعني النسبة التأثيرية والالية والمبالعة - راجعة إلى هذا المعنى، بأن يقال: إن صيغة فعول ليست بمعنى النسبة التأثيرية تارة، وبمعنى الالية اخرى، وبمعنى المبالغة ثالثة، وبمعنى المعدنية وفيضان تلك المادة من ذلك الشئ رابعة. بل هي دائما بهذا المعنى الرابع، أعنى اتصاف الشئ بوصف مع كونه بنحو بعد معدنا لذلك ومنبعا له، غاية الامر أمر أن معدنيته لذلك الوصف ينتزع عنها ويفهم منها بنظر العرف أمور مختلفة باختلاف المناسبات: فقد يستفاد منها الالية، وقد يستفاد منها الميالغة والشدة، وقد يستفاد منها

[ 29 ]

الافاضة من هذه الخصوصيات حسب اختلاف المناسبات واحد من هذه الخصوصيات حسب اختلاف المناسبات. ومن هنا قد يقال: أن (طهور) تدل على معدنية الماء للطهارة ومنبعيته لها، وهذه المعدنية تناسب في باب الطهارة المطهرية، فتدل كلمة (طهور) بهذا اللحاظ على مطهرية الماء، وفي طول ذلك تستفاد الالية باعتبار أن الماء عادة يستعمله شخص في التطهير لا أنه بنفسه يطهر. لكن هذا لا يصير كلمة (طهور) قريبة من الجوامد، كما لو فرضناها اسم آلة، ولذا ترى انه لافرق بحسب الذوق في صحة التوصيف وحسنه بين أن نصف الماء بطهور أو بمطهر، مع أن التوصيف باسم الالة لا يخلو من حزازة، وأدعي المنع عنه. وعلى أي حال فهذا مجرد احتمال، ولا يصحح الاستدلال الاية الكريمة على المطهرية، لان في مقابل احتمال دلالتها على المطهرية يوجد احتمال دلالتها على المبالغة وشدة الطهارة، إما بمعنى كون المبالغة بنفسها مدلولا لهيئة فعول، كما هو مقتضى الاحتمال الثالث الذي تبين أنه معقول في المقام، وإما بمعنى كون مفار فعول هو معدنية الذات ومنبعيتها للصفة، فطهور بمعنى طاهر ولكن مع نكتة المعدنية والمنبعية، كما هو مقتضى الاحتمال الرابع. وتكون المبالغة والشدة من الخصوصيات المستفادة من نفس نكتة المعدنية والمنبعية، دون أن يفترض فيها إفاضة المبدأ على الغير كما هو الحال في (فكور). وما دام من المحتمل أن تكون (طهور) للمبالغة، فلا يتم الاستدلال بالاية الكريمة على المطهرية، لانها على تقدير إرادة المبالغة منها للايستفاد منها المطهرية. ودعوى أنه على تقدير ارادة المبالغة قد يكون الكلام دالا على المطهرية

[ 30 ]

أيضا، لان المبالغة كما قد تفيد الشدة من حيث التلبس بالشئ (كطوال) بمعنى شديد الطول، وتفيد أحيانا الكثرة من حيث كمية التلبس بالمبدأ (كضراب) بمعنى كثير الضرب، كذلك قد تفيد كثرة إيجاد المبدأ في غيره، (كطهور) بمعنى كثير المطهرية. مدفوعة: بأن كلمة (طهور) إن كانت مبالغة في معنى اسم الفاعل وهو طاهر فلا تفيد إلا معنى كثرة الطهارة وشدتها، وتكون المطهرية أجنبية عن مفاد الكلمة، إلا أن تكون افادة الشدة في الطهارة بعناية كون الماء مطهرا، بحيث يكون المدلول الاستعمالي - وهو الشدة في الطهارة - كناية عن المطهرية، بدعوى أن التناسب العرفي بين شدة اتصاف الذات بالمبدأ وصلاحيتها لايجاده في الغير يجعل بالامكان الكناية بالمعنى الاول عن المعنى الثاني. غير أن هذه عناية بحاجة إلى قرينة، ولا قرينة عليها بعد أن تعقلنا الشدة في نفس الطهارة والمبالغة فيها، فلا موجب إلى جعل ذلك استطراقا وكناية لافادة المطهرية. وأن كانب كلمة (طهور) مبالغة في المعنى المتعدي - وهو التطهير - فهذا خلاف القاعدة، فإن مقتضى القاعدة كون فعول مبالغة في معنى فاعل، وغير ذلك يحتاج إلى دليل. بقيت هنا نقطتان: الاولى - أنه لو سلمنا دلالة (طهور) في الاية الكريمة على المطهرية فنحن كما نحتاج إلى الاطلاق من حيث إقسام الماء وقحواله، نحتاج أيضا إلى الاطلاق من حيث المتعلق حتى يثبت بذلك مطهرية الماء لكل متنجس بالرجوع إلى ذلك الاطلاق، وما يتوهم كونه دالا على الاطلاق من هذه الناحية حذف المتعلق، بدعوى أن حذف المتعلق يدل على العموم. وهذا لو فرض تسليم كبراه، فهو إنما يتم صغيرويا في المقام، إذا أثبتنا كون المقصود من (طهور) المطهرية ابتداء أو الطهارة مع المعدنية، بناء

[ 31 ]

على أن العرف ينزع من ذلك المطهرية، بحيث تكون مدلولا عرفيا للفظ واما إذا فرض كون (طهور) بمعنى اسم الالة فلا يكون له متعلق محذوف، بناء على أن اسم الالة يعامل معه في الاستعمالات العربية معاملة الجوامد، فلا يؤخذ له متعلق حتى بقال بأن حذفه دليل العموم. وكذلك الامر ايضا بناء على أن يكون المدلول الاستعمالي لكلمة (طهور) المبالغة في نفس الطهارة، وان تكون استفادة المطهرية بلحاظ جعل المدلول الاستعمالي استطراقا إلى إفادة المطهرية على سبيل الكناية، فإن المدلول الاستعمالي حينئذ لا يكون له متعلق محذوف، ليكون حذفه منشأ لانعقاد ظهور في الاطلاق من هذه الناحية. الثانية - إننا إذا استفدنا من كلمة (طهور) في الاية الشريفة المطهرية ببعض الوجوه السابقة، يقع الكلام في أنه هل المراد من المطهرية المعنى المقصود - وهو الرافعية للنجاسة بالمعن الشرعي - إو ما يشمل هذا المعنى، أو أن المراد المراد المطهرية التكوينية بمعنى الرافعية للاوساخ الظاهرة؟ وقد أبدى السيد الاستاذ - دام ظله - احتمال أن يكون المراد بالمطهرية المطهرية التكوينية، لعدم الجزم بثبوت الحقيقة الشرعية في زمان نزول الاية، بل وعدم الجزم بأن أحكام النجاسات التعبدية كانت قد شرعت وقتئذ (1). والتحقيق أن بالامكان إبداء قرينة على أن المراد بالمطهرية المطهرية التكوينية لا التشريعية، وهي أن الاية الكريمة وردت في سياق المحاجة مع الكفار وبيان أن الله تعالى كيف يسبغ عليهم النعم ويقابلونها بالكفران والعصيان والمناسب لهذا المقام إنما هو ذكر النعم المعترف بكونها نهما من قبل الكفار، كما هو الحال في الماء ومطهرينه للا وساخ الظاهرية. وأما مطهريته


(1) التنقيح الجزء الاول ص 15.

[ 32 ]

من النجاسة الشرعية فليست نعمة في نظر من لا يتعبد بتلك النجاسة. وقد يتوهم تتميم الاستدلال بالاية على المطهرية التشريعية - بالرغم من حملها على المطهرية من القذر التكويني - إما بدعوى إطلاق المطهرية لكلتا المطهريتين، وإما بدعوى حكومة أدلة التعبد بقذارة النجاسات الشرعية على الاية الشريفة. بتقريب: أن الاية تدل على أن الماء مطهر من القذر الحقيقي التكويني، ودليل جعل النجاسة مفاده التعبد بكون النجس الشرعي فردا من القذر الحقيقي، لان مرجع النجاسة الشرعية إلى اعتبار القذارة الحقيقية للشئ، وبذلك يوجد دليل جعل النجاسة بالحكومة والتعبد فردا من القذد الحقيقي الذي تكفلت الاية باثبات مطهرية الماء له. وكلتا الدعويين عير تامة: أما الاولى فلان كلمة (طهور) في قولنا (الماء طهور) تقع محمولا، والمحمول يدل على صرف الوجور، ولا معنى للتمسك باطلاقه لاثبات اتصاف الموضوع بتمام أفراده، وانما يحري الاطلاق في طرف الموضوع. فإذا قلنا مثلا (الشيخ المفيد عالم) لا معنى للتمسك باطلاق المحمول لاثبات إن المفيد عالم بتمام العلوم، بخلاف ما إذا وقع العالم موضوعا فقلنا (العالم يفيد البشرية)) فإن بالامكان التمسك بالاطلاق في جانبه، بوصفه موضوعا لاثبات أن تمام افراد العالم مفيدون. وأما الدعوى الثانية فيردها: ان الحكومة إنما تتم لو كان المحكوم مبينا لحكم شرعي لاإخبارا عن أمر تكويني، لان الحكومة توسعة مولوية وتعبدية لموضوع الدليل المحكوم مثلا، وهذا إنما يعقل فيما إذا كان مفاد الدليل المحكوم مجعولا تشريعيا تحت سلطان المولى بما هو مولى. وأما إذا كان مفاده امرا تكوينيا فلا معنى لاعمال المولوية والعناية التعبدية في توسعة موضوعه، والمفروض في المقام أن الاية الكريمة في مقام الاخبار عن أمر

[ 33 ]

تكويني امتناني، فلا تتم الحكومة. (الاية الثانية): والاية الثانية التي استدل تها على مطهرية الماء المطلق فهي قوله تعالى (وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به) (1). ويقع الكلام حول هذه الاية الكريمة من جهتين: من ناحية الموضوع تارة، ومن ناحية الحكم أخرى. (اما الجهة الاولى) - وهي من ناحية الموضوع، فقد يدعى الاختصاص ويمنع عن الاطلاق من ناحيتين: احداهما - ان الاية الكريمة وردت في طائفة خاصة، وهم المسلمون الذين كانوا يحاربون الكفار في وقعة بدر، ومع اختصاص المورد لا يمكن التعدي عنه. والناحية الاخرى بلحاظ كلمة (ماء) لاختصاصها بماء المطر، بقرينة قوله (وينزل عليكم)، فلا إطلاق يشمل سائر أقسام المياه الاخرى، أو باعتبارها نكرة في سياق الاثبات فلا ينعقد لها الاطلاق. أما الناحية الاولى من دعوى الاخبصاص، فقد أجاب عليها السيد الاستاذ - دام ظله - بأن هناك روايات دلتنا على أن ورود آية من آيات الكتاب في موررد أو تفسيرها بمورد خلص لا يوجب اختصاص الاية بذلك، لان القرآن يشكل جميع الاطوار والاعصار، ولا يختص بقوم دون قوم، فببركة هذه الروايات التي تسمى أخبار الجري ندفع دعوى الاختصاص المزبورة (2). والتحقيق عدم إمكان المساعدة على هذا الجواب، لان المدعى في


(1) الانفال 8: 11. (2) التنقيح الجزء الاول ص 15.

[ 34 ]

دعوى الاختصاص المزبورة أن الاية تكفلت بيان حكم قوم وهم المجاهدون مع الكفار، فلا بمكن إسراء الحكم إلى قوم آخرين. ومن المعلوم أن أخبار الجري ليس معناها أن الاية إذا وردت في مقام بيان حكم قوم - كالفقراء مقلا أو كالمجاهدين للكفار - فلابد من تعميم الحكم المستفاد منها للاغنياء أيضا أو للقاعدين، بدعوى أنها لا تختص بقوم دون قوم. بل إن أخبار الجري لا يستفاد منها تشريع أحكام غير مشرعة في القران الكريم، فإذا ورد حكم في القران الكريم على قوم لا بقتضى أخبار الجري إعطاء الاية إطلاقا ليس ثابتا فيها بحد ذاتها وتعميم الحكم لاقوام آخرين، ما لم يحصل بقطع النظر عن أخبار الجري جزم بعدم الفرق بين قوم وقوم بلحاظ ذلك الحكم، وإنما معنى أخبار الجري انه إذا ورد حكم عام أو مطلق فلا بنبغي فرض تخصيصه وتقييده بخصوص الظروف والملابسات التي اشتمل عليها المصداق الذى كان شبب النزول لذلك الحكم العام، فإذا ورد حكم على طبيعي المجاهرين بلتزم باطلاقه وشموله لتمام المجاهرين عملا باطلاق الاية، ولا نحصصه بخصوص المجاهديت في غزوة بدر مثلا، لمجرد أن الاية نزلت بمناسبة غزوة بدر. كما أنه إذا ورد تفسير الاية المطلقة بحصة خاصة من حصص الموضوع المأخوذ فيها التزمنا بأنه من باب التطبيق لامن باب الحصر. والحاصل: إن أخبار الجري ليست في مقام إعطاء اطلاقات للايات القرآنية غير ثابتة لتلك الايات في حد أنفسها، وانما هي في مقام الحفاظ على الاطلاقات الثابتة للايات القرآنية في حد أنفسها، وتوضيح أن تلك الاطلاقات لا ينبغي رفع اليد عنها لمجرد كون مورد النزول خاصا أو لمحئ روايات تفسيرية تتكفل بعض المصاديق. فبهذا يظهر أن أخبار الجري لا تنفع في دفع دعوى الاختصاص المزبورة في المقام، لان المدعى أن الاية خطاب للمجاهدين، فلعل المطهرية حكم

[ 35 ]

خاص بالمجاهدين، وليس في الكلام القراني إطلاق ليتمسك به. والتحقيق قي الجواب على هذه الشبهة: أن احتمال اختصاص الحكم بالمخاطبين - وهم المسلمون الذين كانوا يحاربون الكفار في وقعة بدر - إن كان بلحاظ أشخاصهم فهو خلاف قاعدة الاشتراك، وإن كان بلحاظ وصفهم وكونهم مجاهدين فلا يشترك في الحكم إلا من كان مشتركا في الوصف، فهو وإن لم يكن خلاف قاعدة الاشتراك ولكنه غير صحيح، لان خصوصية الجهاد ملغية بحسب الارتكاز العرفي لمناسبات الحكم والموضوع، فان مناسبات التطهير بالماء المركوزة في الذهن العرفي بأبى عن أن يكون لخصوصيات نفس الانسان المطهر دخل في التطهبر، وإنما ترى المطهرية بحسب الارتكاز العرفي من شؤون الماء ومما يرتبط بخصوصياتة، فدخل خصوصية من خصوصيات الماء في المطهرية - من قبيل كونه كثيرا اوذا مادة - ليس على خلاف الارتكاز، ولكن دخل خصوصية من خصوصيات الانسان المطهر في الحكم بالمطهرية فهو على خلاف الارتكاز العرفي لمناسبات الحكم والموضوع، فبقرينة هذا الارتكاز بنعقد للاية الشريفة ظهور في الاطلاق، وتندفع بذلك دفوى الاختصاص من الناحية الاولى. وأما الناحية الثانية من دعوى الاختصاص: فهي أن الاية مختصة ببعض أقسام الماء، إما بلخاظ كلمة (وينزل عليكم) التي تكون قرينة على الاختصاص بماء المطر، وإما بلحاظ أن كلمة (ماء) نكرة في سياق الاثبات، فلا إطلاق لها. وقد أجاب السيد الاستاذ - دام ظله - على اللحاظ الاول من هذه الدعوى: بأن المياه كلها نازلة من السماء. وأجاب على اللحاظ الثاني منها: بأن اللسان الامتناني قرينة عدم الاختصاص بقسم من الماء دون آخر، على

[ 36 ]

النحو الذى تقدم نقله عنه في الاية الاولى (1). أما ما أفيد من الجواب على اللحاظ الاول، فهو - بعد تسليم أن كل المياه نازلة من السماء - إنما يتم لو فرض أن الاية الكريمة فيها إطلاق يدل على مطهرية كل ماء نازل من السماء، من قبيل أن يقال (إن الماء النازل من السماء مطهر)، فحينئذ إذا أمكننا أن نثبت أن كل المياه نازلة من السماء أثبتنا بذلك إطلاق الدليل لسائر أفسام المياه، ولكن الكلام في أصل وجود إطلاق في الاية الكريمة يدل على أن الماء النازل من السماء بتمام أقسامه مطهر، فان الاية لم ترد بلسان الاخبار عن مطهرية الماء النازل من السماء لكي ينعقد لها اطلاق في كل ماء نازل، بل بلسان الاخبار عن أن الله تفالى ينزل من السماء الماء المطهر. وكونه ينزل من السماء الماء المطهر لا يعني أن كل ماء ينزل من السماء مطهر، فهناك فرق مثلا بين أن يقال (لكتب لكم ما فيه شقاء) أو يقال (ما اكتبه لكم فيه شفاء)، فان الاول لا يدل بالاطلاق على أن كل ما يكتيه القائل فيه شفاء، بخلاف الثاني فانه يدل على ذلك بالاطلاق. وتركيب الاية الكريمة من قبيل الاول لامن قبيل الثاني، فغاية ما تدل عليه أن الله سبحانه ينزل من السماء الماء المطهر، لا أن كل ماء ينزله من السماء فهو ماء مطهر. هذا كله مضافا إلى أن السياق الفرآني للاية الكريمة واضح في أنه بصدد استعراض الاحداث الجرئنة التفصيلية التي وقعت للمسلمين في غزوة بدر وما تفضل به الله تعالى على المسلمين، فال تعالى (إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين... إذ يغشيكم النعاس أمنة منه وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم نه ويذهب عنكم رجز الشيطان). وهذا السياق الاستعداضي للاحداث واللسان الامتناني بنفسه قرينة على أن المراد بقوله (وينزل عليكم) التفضل بالمطر، وليس المراد منه التنزيل


(1) راجع ص 21، 22، 23.

[ 37 ]

الثابت لتمام أقسام المياه المساوق لايجاد الماء. ولوضوح أن تمام المنة الذبانية إنما حصل بنزول المطر على المسلمين بعد ابتلائهم بالاحتلام في نومهم، فالمطر ونزوله عليهم بعنوانه هو مصب التفضل والامتنان، وليس مصب التفضل والامتنان وجود الماء في العالم النازل من السماء بمقتضى أشله وطبعه، فكلمة (وينزل عليكم) - بقرينة السياق الاستعراضي لاجداث غزوة بدر واللسان الامتناني على المسلمين وقنئذ - تكون مساوفة (ويمطركم)، فيختص بالمطر المتعارف الذي هو قسم من أقسام المياه. وإن شئت قلت: إن الوارد في الاية الكريمة ليس مجرد تنزيل الماء المطهر من السماء حتى يقال إن كل ماء منزل من السماء، بل (ينزل عليكم) أي التنزيل على اللناس، وهذا يختص بماء المطر المتعارف، ولا يشمل ماء البحر ولو فرض كونه نازلا من السماء. وأما ما أفيد من الجواب على اللحاظ الثاني، فإضافة إلى ما تقدم بشأنه في بحث الاية السابقة يمكن التنظر فيه باعتبار أنه مبني على دعوى كون الامتنان بالمطهرية امتنانا على جميع العباد، وحيث أنهم مختلفون في أقسام المياه الموجودة عندهم فلكي يكون الامتنان عاما لابد أن يشمل تمام الاقسام. ومن الواضح أن عمومية الامتنان في الاية الثانية أول الكلام، بعدما عرفت من ظهور سياقها في كونها استعراضا للاحداث التي وقعت للمسلمين في غزوة بدر وامتنانا عليهم بما حباهم الله من نعم. ويبدو أن الاستاذ - دام ظله - قد التزم في موضع متأخر من بحثه بالاشكال، واعترف باختصاص الاية الثانية بماء المطر، فقد ذكر أن الاية الثانية تزيد على الاية الاولى بمناقشة أخرى، وهي اختصاصها بماء المطر، لانها يزلت في وقعة بدر حيث لم يكن عند المسلمين ماء فأنزل الله الماء عليهم من السماء ليتطهروا به، فتختص الاية بياء المطر. وللكن مع هذا

[ 38 ]

يمكن استفادة مطهرية طبيعي الماء على إطلاقه من الاية الكريمة: إما بتقريب أن الغالب في استعمال ماء المطر استعماله في التطهير بعد وقوعه على الارض واجتماعه في الغدران، ومن الظاهر أن حكم ماء المطر بعد نزوله حكم سائر مياه الارض ولا يختلف حكمه عن حكمها. وإما بتقريب أن الضمير في قوله تعالى (ليطهركم به) إنما يرجع إلى الماء بقيد نزوله من السماء، فيدل على مطهرية جميع أفراد المياه. هذا خلاصة ما أفادة السيد الاستاذ، بعد أالتزم باختصاص الاية الثانية بماء المطر (1). والتحقيق أن ما أفيد من اختصاص الاية الكريمة بماء المطر صحيح بل هو المتعين، حتى بقطع النظر عن نزول الاية في وقعة بدر، لما عرفت سابفا من أن قوله تعالى (وينزل عليكم) قرينة على الاختصاص بماء المطر وعدم الشممول لسائر أقسام المياه، وان قيل بأنها نازلة من السماء، لان مجرد النزول من السماء بالمنى المدعى لتمام أفسام مياه الارض لا يصحح التعبير ب‍ (ينزل عليكم) فكون الماء منزلا على الناس مساوق لماء المطر بالمعنى المتعارف المقابل لسائر المياه، سواء كانت الاية واردة في غزوة بدر أولا. وأما ما أفيد من إمكان الاستدلال بالاية على عموم المطهرية حتى على تقدير إختصاصها بماء المطر، فلا يخلو عن نظر بكلا تقريبيه: أما التقريب الاول - وهو دعوى أن ماء المطر بعد تجمعه في الغدران حكمه حكم سائر المياه، فإذا ثبتت مطهريته ثبتت مطهريتها - ففيه: أن المقصود العلمي من الاستدلال بالاية تحصيل مطلق دال على المطهرية، بحيث يرجع إليه في غير ما هو المتيقن مطهريته من أقسام المياه من قبيل ماء البحر


التقيح الجزء الاول ص 18.

[ 39 ]

الذي وقع الخلاف في مطهريته في الجملة ومن المعلوم عدم الجزم بالمساواة في الحكم بين ماء المطر ولو بعد تجمعه على الارض وبين ماء البحر، فكيف يمكن الاستدلال باطلاق الاية. وأما التقريب الثاني - وهو دعوى أن الضمير راجع إلى ذات الماء لا إلى الماء بما هو نازل - فيرد عليه: أن مرجع الضمير وإن كان كلمة (ماء) بذاتها، ولكن الماء الذي رجع الضمير إليه بعد فرض كونه مفعولا (ينزل) يستحيل أن يكون له إطلاق لغير الحصة المنزلة، فلو قال شخص لاخر (أرسل إليك العالم فأكرمه) يكون مرجع الضمير هو العالم، ولكن يستحيل أن يكون لمرجع الضمير إطلاق يشمل الافراد غير المرسلة من قبل القائل. نعم يمكن بيان هذا التقريب بنكتة أخرى، وهي: ان التنزيل - وإن كان قد أخذ في الاية الكريمة - ولكن التنزيل باعتباره من مبادئ إيجاد الماء يختلف عن باقي خصوصيات الماء التي تكون من شؤونه وأو صافه لا من مبادئ ايجاده، فهو كما يمكن أن يكون مأخوذا على نحو الموضوعية بحيث يكون بعنوانه دخيلا في موضوع الحكم بالمطهرية، كذلك يمكن أن يكون مأخوذا على نحو الطريقية وبما هو طريق محض إلى ايجاد الماء، بحيث يكون تمام الموضوع للحكم بالمطهرية هو ذات الماء، ولا يكون للانزال دور إلا بوصفه طريقة في إيجاد الماء الذي هو تمام الموضوع. وبعد التردد بين الموضوعية والطريقية يمكن تعيين الطريقية بمناسبات الحكم والموضوع المركوزة فو الذهن العرفي، فان المرتكز بمناسبات الحكم والموضوع العرفية أن موضوع المطهرية العرفية طبيعي الماء، طأن الانزال من ليس له دخل في المطهرية العرفية الا بوصفه طريقا لا يجاد ذات المطهر الذي هو الماء. وهذا الارتكاز بنفسه يكون قرينة لبية ومنشأ لظهور الاية في كونه مأخوذا على

[ 40 ]

نحو الطريقية الصرفة إلى وجود ذات الماء، وبذلك بنعقد للاية الكريمة ظهور في مطهرية طبيعي الماء. هذا هو تمام الكلام في الجهة الاولى الني تبحث عن تحديد الموضوع في الاية الكريمة. وأما الجهة الثانية من ناحية الحكم: فهذه الاية أحسن حظا من الاية السابقة، لان الكلمة فيها صربحة في المطهرية، ولا تتطرق إليها الاشكالات التي كانت في كلمة (طهور) وتحقيق مفاد هيئة فعول. ولكن السيد الا ستاذ - دام ظله - أثار بشأن هذه الاية ما نقلناه عنه في بحث الاية السابقة، من إبداء احتمال ان تكون المطهرية في كلتا الايتين مطهرية تكوينية، فلا يستفاد منها رافعية منها رافعية الماء للنجاسة، إذ لم يثبت انعقاد الحقيقة الشرعية في عصر صدور الايتين، بل لم يثبت أن أحكام النجاسة الخبثية كانت مشرعة (1). وقد انتهى السيد الاستاذ إلى القول بأن الايتين تدلان على طهارة الماء في نفسه وعلى مطهريته من الجنابة من الجنابة، ولا تدلان على المطهرية من النجاسة (2). أما دلالتهما على طهارة الماء في نفسه فلانهما في مقام الامتنان بتكوين الماء وبمطهريته التكوينية للاقذار، ولا منى للامتنان في إزالة القذر بالنجس، فيستكشف من ذلك طهارته. وأما دلالتهما على مطهرية الماء من الحدث فلان الحدث كان مشرعا ومعتبرا منذ ابتداء الشريعة المقدسة، باعتبالر اشتمال الشريعة منذ البدء على الصلاة، ولا صلاة الا بطهور.


(1) التنقيح الجزء الاول ص 15. (2) نفس المصدر ص 18.

[ 41 ]

وأما عدم دلالتهما على مطهرية الماء من النجاسة، فلما تقدم من عدم إحراز كونها مشرعة في ذلك الوقت، فضلا عن صيرورة الطهارة حقيقة في المعنى الشرعي. وما افيد في دلالة الايتين على الطهارة وعدم دلالتهما على المطهرية من النجاسة متين، فان احتمال إرادة المطهرية التكوينية لا دافع له في كلتا الايتين، وان كان هو قي الاية الاولى أقوى منه في الثانية، لان الاولى في سياق استعراض النعم للجاحدين، فتناسب المطهرية التكوينية كما أشرنا سابقا، وأما الثانية فهي في سياق استعراض النعم للمؤ منين، وهم يناسب شأنهم أن ينبهوا إلى نعمة المطهرية التشريعية. وأما دلالة الايتين على المطهرية من الحدث إلى جانب المطهرية التكوينية: فهي محل اشكال. لان كلمة (طهورا) في الاية الاولى وكلمة (يطهركم) في الاية الثانية انما تدل على صرف المطهرية، ولا يمكن إجراء الاطلاق فيهما لا ثبات فردين من المطهر، لان الاطلاق إنما يمكن اجراؤه في جانب موضوع الحكم لاثبات شموله لتمام افراده، لافي جانب المحمول. فإذا قلنا (الماء طهور) أو (الماء يطهر) فلا يمكن ان نثبت باطلاق المحمول كونه واجدا لنجوين من المطهرية، لان مفاد المحمول - بحسب التفاهم العرفي دائما - هو صرف الوجود، فكما أنا إذا قلنا (العلم نافع) لا يمكن ان نثبت باطلاق كلمة (نافع) ترتب تمام المنافع على العلم، وانما نثبت باطلاق الموضوع ترتب صرف المنفعة على تمام أفراد العلم، كذلك في المقام. نعم لا بأس بدلالة الاية الثانية على المطهرية من الجنابة بلحاظ ما علمناه من ورود ها بشأن المجاهرين في غروة بدر، إذ احتلموا فمن الله عليهم بالمطر فاغتسلوا به. ومن هنا قد يتوهم دلالة الاية الثانية التزاما على المطهرية

[ 42 ]

من الخبث أيضا، لان الجنب لا تنفك جنابته في حال الاحتلام عن نجاسة في بدنه أو ثوبه، فتكون الاية دالة بالدلالة الالتزامية العرفية على المطهرية من الخبث أيضا. ولكن هذا التوهم لا مجال له بعد فرض عدم إمكان إحراز تشريع نجاسة المني في ذلك الوقت، ومع فرض عدم تشريعها في ذلك الوقت فلا ملازمة عرفا بين التطهير من حدث الجنابة والتطهير من الخبث. ومطهرية الماء من الحدث يمكن استفادتها أيضا من قوله تعالى: (إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم... وان كنتم جنبا فاطهورا) (1) فان مقتضى الاطلاق في الغسل كفاية مطلق الماء، سواء قبل باختصاص صدق عنوان الغسل بالماء أو شموله لمطلقا لمائع. كما أن مقتضى الاطلاق المقامي لقوله (فاطهروا) هو كون المأمور به التطهير بالماء، لمركوزية مطهرية الماء عرفا، ويشهد لهقوله بعد ذلك (فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا). الدليل من الروايات: والاستدلال بالروايات يقع في جعتين: (الجهة الاولى) - في الاستدلال بالروايات على طهارة الماء بتمام أقسامه، وقد استدل على ذلك بعدد من الطوائف: منها، ما ذكره السيد الاستاذ - دام ظله - من الروايات الذالة على أن الماء كله طاهر حتى تعلم أنه قذر، فانها تدل على الطهارة الواقعية لطبيعي الماء: أما بناء على تكفلها لاثبات الطهارة الواقعية ابتداء فواضح، وأما بناء على تكفلها لقاعدة الطهارة وتمحضها في ذلك، فانها تدل حينئذ على الطهارة


(1) المائدة 5: 6.

[ 43 ]

الواقعية بالالتزام، إذ لو كان الماء نجسا واقعا فلا بعقل جعل قاعدة الطهارة ظاهرا (1). والتحقيق أنه بناء على نمحض هذه الروايات في قاعدة الطهارة: إما أن يبنى على شمولها للشبهة الحكمية للطهارة والشبهة الموضوعية معا، كما هو المعروف في قاعدة الطهارة، وإما أن يبنى على الاختصاص بالشبهة الموضوعية فان بنى على الاختصاص بالشبهة الموضوعية أمكن الاستدلال بروايات هذه القاعدة على الطهارة الواقعية الذاتية لطبيعي الماء مطلقا. وأما إذا بنى على عدم الاختصاص - كما هو المعروف - وكون محصل الروايات: أن كل مالا يعلم بكونه قذرا من الماء فهو طاهر، سواء شك فيه بنحو الشبهة الموضوعية أو بنحو الشبهة الحكمية. فلا يمكن الاستدلال بروايات القاعدة حينئذ على الطهارة الذاتية واقعا لمطلق الماء، ولا تكون دالة على دلك بالالتزام، لان جعل قاعدة الطهارة على الماء المشكوك بهذا المعنى يلائم مع فرض انقسام طبيعي الماء واقعا إلى قسمين احدهما نجس والاخر طاهر، إذ يكفي ذلك في تعقل جعل قاعدة الطهارة، ولا يتوقف جعلها على أن تكون تمام أقسام المياه محكومة بالطهارة الذاتية واقعا. فلا تحقق هذه الطائفة الدليل المطلق المطلوب، وانما تثبت طهارة الماء بنحو القضية المهملة التي تتكفل الضرورة إثباتها. ومنها ما ذكره السيد الاستاذ وغيره من الروايات الدالة على مطهرية الماء، فانها تدل على طهارة الماء في نفسه، إذ لا يمكن تطهير المتنجس بالنجس (2). والتحقيق في حال هذه الطائفة أن الدليل المتكفل مثلا للامر بالغسل


(1) التنقيح الجزء الاول ص 19. (2) نفس المصدر ص 20.

[ 44 ]

بالماء مدلوله المطابقي هو مطهرية الماء، وهذا المدلول المطابقي مقيد بدليل لبى كالاجماع أو بالادلة اللفظية بغير الماء النجس، لان الماء النجس لا يصح الغسل به اجماعا ونصا، فالدليل على عدم مطهرية الماء النجس يكون مقيدا لاطلاق قوله (اغسله بالماء). ومعه فإذا شك بعد ذلك في ماء أنه نجس أو طاهر لا يجوز التمسك باطلاق قوله (اغسله بالماء) لاثبات مطهريته، لانه تمسك بالعام أو بالمطلق في الشبهة المصداقية، حيث أن معنى الشك في طهارة ماء ونجاسته هو احتمال كونه فردا للموضوع الخارج بالتخصيص، وهو عنوان الماء النجس. ولا فرق في ذلك بين أن يكون الشك في نجاسة الماء بنحو الشبهة الموضوعية أو بنحو اللشبهة الحكمية، فان الشك على أي حال يعتبر بلحاظ العنوان الخارج بالتخصيص - وهو طبيعي الماء النجس - شبهة مصداقية، وهذا يعني أن أي قسم من الماء شك في طهارته الذاتية لا يمكن التمسك باطلاق دليل المطهرية لاثبات مطهريته وبالتالي طهارته، لانه تمسك بالعام في الشبهة المصداقية. وهذا الكلام تام بناء على مباني المحقق النائيني (ره) والسيد الاستاذ - دام ظله - القائلين بعدم جواز التمسك بالعام المخصص في الشبهة المصداقية للعنوان الخارج بالتخصيص مطلقا. ولكن يمكن دفعه بناء على المختار في تلك المسألة التمسك بالعام في الشبهة المصداقية للعنوان الخارج بالتخصيص هو التفصيل، وحاصله: إن الفرد المشكوك في كونه فردا للعنوان الخارج بالتخصيص: تارة يفرض أن نسبة المولى إلى الشك فيه بما هو مولى كنسبة المكلف بحيث لا يكون لمولى دخل في نفس الشك، كما إذا قيل (اكرم كل عالم) وقيل (لا تكرم فساق العلماء) وشك في عالم أنه فاسق اولا، فهنا ليس من شأن المولى بما هو مولى أن يكون عالما بواقع حال هذا الفرد، بل نسبته بما هو مولى - لا بما هو

[ 45 ]

[ علام الغيوب - إلى حال هذا الفرد كنسبة المكلف. وأخرى يكون حال المولى بما هو مولى بالنسبة إلى الفرد المشكوك مختلفا عن خال المكلف، بمعنى أن نفس مولوية المولى تقتضي أن يكون أعرف بحال ذلك الفرد، كما لو كانت الشبهة المطداقية لدليل التخصيص شبهة حكمية في نفسها، فان المولى بحكم كونه مولى أعرف بحكم الشبهة الحكمية، كما إذا قيل (كل بيع صحيح) وقيل في دليل مخصص (ان البيع إذا وقع في وقت وجوب صلاة الجمعة على البائع فلا يصح)، وشك في أن البائع المسافر هل تجب عليه صلاة الجمعة أولا؟. فهذه شبهة حكمية في نفسها ولكنها شبهة مصداقية بالنسبة إلى دليل التخصيص. وقد اخترنا في الاصول ان عدم جواز التمسك بالعام الخصص في الشبهة المصداقية لدليل التخصيص يختص بالنحو الاول، لان نكتة عدم الجواز لا تنطبق إلا عليه. وأما في النحو الثاني من الشبهة المصداقية فيجوز التمسك بالعام في الشبهة المصداقية، وتحقيق الكلام في المبني موكول إلى علم الاصول. والشبهة المصداقية التي نبهنا عليها في المقام من قبيل النحو الثاني، فيتمسك فيه بالعام أو المطلق (1). ] (1) والوجه الذي أفاده سماحته - دامت ظلاله الوارفة - في علم الاصول: أنه مهما كان الشك في الشبهة المصداقية للمخصص ذا اعتبارين: فبلحاظ المخصص شبهة مصداقية بينه وبين العام، وبلحاظ نفسه شبهة حكمية - كما في مثال مطهرية الماء الذى يشك في حكم الشارع عليه بالنجاسة - ففي مثل ذلك يجوز التسك بعموم مطهرية كل ماء لاثبات مطهرية ذلك الصنف من الماء المشكوك في نجاسه وطهارته، لان الخطاب العام بحسب طهوره شامل له، فيكون حجة بمقتضى أصالة العموم. ولا يرد عليه ما أوردناه على التمسك بالعام في الشبهة المصداقية التي لا تكون شبهة حكمية في نفسها، بل تكون متمحضة في المصداقية كما -

[ 46 ]

[.................... ] - في مثل (اكرم كل عالم) الذي خصص بالمنفصل بغير الفساق، وشك في عالم هل هو فانه لا يجوز فيه التمسك بعموم (اكرم كل عالم) لاثبات وجوب إكرام الفرد المشكوك في عدالته وفسقه. فان المانع الذي تصورناه هناك هو أن خطاب (اكرم كل عالم) لو أراد الدلالة على وجوب إكرام الفرد المشكوك في عدالته وفسقه، فهل يدل على وجوب اكرامه ولو كان فاسقا، بأن يدل على وجوب إكرامه لانه عالم سواء كان فاسقا في الواقع أم عادلا، أو يدل على وجوب اكرانه لانه عادل، بأن يدل مطابقة على وجوب إكرامه والتزاما على أنه عادل؟. فهناك نحوان من وجوب الاكرام يتصور ثبوتهما للفرد المشكوك، وكلاهما لا يمكن اثباته بالعام. أما النحو الاول: فلانه يقطع بعدمه بعد ورود المخصص الدال على أن موضوع الحكم ليس هوو العالم فقط، بل العالم العادل، فلو كان الحكم ثابتا على الفرد المشكوك فلابد وأن يكون بعنوان أنه عالم عادل. وأما النحو الاول: فلانه يقطع بعدمه بعد ورود المخصص الدال على أن موضوع الحكم ليس هو العالم فقط، بل العالم العادل، فلو كان الحكم ثالتا على الفرد المشكوك فلابد وأن يكون بعنوان أنه عالم عادل. وأما النحو الثاني: بأن يتمسك بظهور العام وشموله للفرد المشكوك لاثبات وجوب الاكرام بالمدلول المطابقي واستكشاف أنه وجوب بملاك كونه عادلا، فيكون إخبارا عن تحقق موضوع الحكم بالمدلول الالتزامي. فهذا أيضا غير صحيح، لا ن الشارع عند بيانه للاحكام على نحو القضايا الحقيقية ليس في مقام الاخبار عن تحقق أفراد الموضوع خارجا وأن زيدا عالم عادل أم فاسق، فانه ليس إلا في مقام تشريع أصل الحكم وجعله على موضوعه بنحو القضية الحقيقية، فهو في هذا المقام لا يعلم بعدالة زيد أو فسقه حتى يخبر عن تحققها. نعم ربما يعلم بذلك من باب أنه عالم بالغيب ولكن هذا ليس البناء على إعماله في مقام بيان الا تحكم الشرعية، فالشارع -

[ 47 ]

[................... ] - بما هو متكلم بالكلام العام لا يمتاز عنا في تشخيص الموضوعات حتى يكون في كلامه ظهور في أنه يثبت وجوب الاكرام له لانه عادل، فنسبة المولى إلى هذه الجهة كنسبتنا إليها تماما، فكما نشك في وجوب إكرامه لكونه عادلا كذلك المولى شاك في ذلك، فلا يمكن التمسك بخطابه لاثبات هذا النحو من الوجوب فكلا النحوين من الحكم لا يمكن اثباته للفرد المشكوك وليس في المقام نحو ثالث من الوجوب حتى يثبت بالعام. هذا ملخص الوجه المختار في مقام المنع عن التمسك بالعام في الشبهة المصداقية لمخصصه المنفصل، وهو كما ترى مخصوص بما إذا كانت الشبهة ذات اعتبار واحد، بحيث تكون نسبة المولى إليها كنسبتنا إليها. وأما إذا كانت الشبهة المصداقة شبهة حكمية في نفس الوقت - كما في مثال الماء الذي يشك في طهارته ونجاسته بنحو الشبهة الحكمية لا الموضوعية - فلا يتم فيها هذا البيان، بل يكون ظهور العام الدال على مطهرية كل ماء شاملا للفرد المشكوك ودالا بالالتزام على طهارته، لان بيان الشبهة الحكمية من وظيفة المولى نفسه، فهو بما هو مولى أعرف بحدودها وشؤونها، وليست نسبتها إليه كنسبتها الينا. والمفروض أن خطاب المولى ظاهر بنفسه في شمول هذا الفرد المشكوك واثبات حكم العام له، لان ال عموم يثبت الحكم على كل فرد فرد بحيث يكون الشك في خروج فرد شكا في تخصيص زائد، فلا بأس أن يتمسك بأصالة العموم وعدم التخصيص الزائد، ويكون دالا بالتزام على تحقق الموضوع - وهو الطهارة - فيه، وهو الطهارة - فيه، وأن ثبوت الحكم انما هو لكونه واجد للموضوع، بعد أن كان أمر هذا الموضوع بيد المولى يفسه جعلا ورفعا وسعة وضيقا. وأما الوجوه الاخرى التي ذكروها للمنع عن حجية العام في الشبهة المصداقية، فغير تامة في نفسها فضلا عن تماميتها في أمثال المقام، حيث -

[ 48 ]

[.............. ] ] - تكون الشبهة المصداقية حكمية أيضا، كما هو موضح في البحث الاصولي. هذا كله في العام، وأما الخطاب المطلق الذي وفع الشك فيه بنحو الشبهة المصداقية بينه وبين مقيده فلا يتم في حقه هذا البيان، باعتبار أن المطلق ليس فيه دلالة على ثبوت الحكم لكل فرد فرد من أفراد الموضوع كي يتمسك بهذا الظهور بالنسبة إلى الفرد المشكوك، وإنما الحكم قد انصب في المطلق على الطبيعة ابتداء، وانطباقها على الافراد ليس إلا بحكم العقل لابدلالة اللفظ، والمفروض إحراز التقييد في المطلق وأن الحكم بالمطهرية مثلا مرتب على الماة الطاهر لا طبيعي الماء، فعند الشك في فرد من المياه هل هو طاهر أم نجس لا يمكننا اثبات الحكم فيه لابدلالة اللفظ في المطلق لانه لم يكن شاملا للافراد، ولا بدلالة العقل وتطبيق الطبيعة على أفرادها لاننا احرزنا أن الطبيعة المأخوذة في موضوع الحكم مقيدة بالطاهر، وهو مشكوك الانطباق حسب الفرض. ومن هنا نحتاج إلى تقريب آخر يوصلنا إلى نفس النتيجة في المطلقات عند الشك بنحو الشبهة المصداقية بينها وبين مقيداتها. وحاصل ذلك التقريب هو: أننا - وأن احرزنا التقييد وأن الماء النجس ليس بمطهر في المثال - عير أن هذا لا يتعين في أن يكون تقييدا لاطلاق مطهرية كل ماء طالما نحتمل طهارة جميع المياه كما هو المفروض. والوجه في ذلك: هو أننا نحتمل أن يكون المولى قد أحرز مساواة الطبيعة المطلقة خارجا مع الطبيعة المقيدة. وهذا من شؤونه، وهو أعرف به باعتبار أن القيد حكم شرعي في نفسه والشبهة حكمية بهذا الاعتبار، وليست نسبتها إليه كنسبتها الينا على ما تقدم. وبهذا الاعتبار قد جعل الحكم بالمطهرية على طبيعي الماء، فيكون -

[ 49 ]

[....................... ] - الظهوتر الاطلاقي في المطلق كاشفا عن ثبوت الملاك في تمام موارد انطباق الطبيعة، وأن المطهرية ثابتة فيها لثبوت الطهارة فيها جميعا. وهكذا نثبت بنفس الظهور الاطلاقي تحقق القيد في الفرد المشكوك كما كنا نثبتة في باب العموم. نعم هذا البيان لا يتم فيما إذا أحرزنا تحقق مصداق للمقيد خارجا، كما لو أحرزنا نجاسة ماء البحر مثلا، فانه حينئذ لا يمكننا إثبات الحكم في ماء آخر نشك في طهارنه ونجاسته، لاننا علمنا في مثل ذلك أن الطبيعة المطلقة ليست مساوية مع الطبيعة المقيد التي هي موضوع الحكم واقعا. ومعه لا معنى للتمسك بالظهور الاطلاقي لاثبات تحقق القيد، والملاك في تمام موارد انطباق الطبيعة ليثبت به ذلك في الفرد المشكوك. وهذا بخلاف الحال في العام المخصص، فانه حتى لو علمنا فيه بتحقق مصداق للمخصص خارجا وان الطبيعة لا تساوي المقيدة، مع ذلك يصح التمسك بالعموم في الفرد المشكوك، لانه مشمول بنفسه لدلالة العام على ثبوت الحكم لكل فرد فرد، فيكون الشك فيه لا محالة شكا في تخصيص زائد بلحاظ هذا الظهور منفيا بأصالة العموم، لا باحتمال مساواة الطبيعة المطلقة مع المقيدة حتى لايتم ذلك في مورد القطع بعدم المساواة. الا أن هذا الفارق بين المطلق والعام غير مؤثر في المقام، فان خطابات الامر بالغسل ومطهرية الماء عن القذر - وإن كانت دلالتها بالاطلاق لا بالعموم وقد علمنا من الخارج بعدم مطهرية الماء النجس واشتراط الطهارة فيها - غير أنا لا نعلم بثبوت ماء نجس خارجا، بل كل ما ينطبق عليه طبيعة الماء نحتمل وجدانه لملاك الحكم وقيده، وهو الطهارة الذاتية. وعليه فلا مانع من التمسك بالظهور الاطلاقي في هذه الخطابات -

[ 50 ]

[ ومنها ما دل على اعتصام طبيعي الماء وإنه لا ينفعل إلا بالتغير، من قبيل قوله في صحيح حريز: (كلما غلب الماء على ريح الجيفة فتوضأ من الماء واشرب) (1)، فانه - وان كان مسوقا لبيان الاعتصام وعدم الانفعال بمجرد الملاقاة - غير أنه يدل ضرورة على ثبوت الطهارة الذاتية. وهذه الطائفة - وإن كانت تامة دلالة كما بينا وتامة موضوعا، لان الموضوع فيها طبيعي الماء فيتحصل منها إطلاق يثبت طهارة تمام أقسام ] لاثبات طهارة كل ماء. إن قيل: اشتراط الطهارة في المطهر أمر ارتكازي عرفا ومتشرعيا، فيكون خروج الماء النجس عن دليل المطهرية بمثابة المخصص المتصل لا المنفصل. وعليه فمن أول الامر ظهور الخطاب لم يشمل غير الماء الطاهر، والمفروض الشك في انطباقه على الماء المشكوك، فيكون التمسك به من التمسك بالعام أو المطلق في الشبهة المصداقية لنفسه لابينه وبين المخصص أو المقيد، وهذا مما لا يصح بلا إشكال. قلنا: ارتكازية عدم مطهرية الماء النجس لا تكون مقيدة لاطلاق أدلة مطهرية المياه، بعد افتراض أننا احتملنا طهارة جميع أقسام المياه في نفسها، وأن حكم الشارع بالمطهرية على مطلق المياه كان بملاك إحراز تحقق قيد الطهارة فيها، فان هذا الظهور الاطلاقي يكون رافعا لموضوع المقيد ودالا على أن القيد - وهو الطهارة - محفوظ في تمام موارد انطباق الطبيعة المطلقة، وليس منافيا مع نفس التقييد واشتراط الطهارة في المطهر حتى يرتفع بعد ثبوت التقييد. (1) وسائل الشيعة باب 3 من ابواب الماء المطلق، حديث - 1 - ص 102 ج 1 من الطبعة الجديدة.

[ 51 ]

المياه - ولكن مع هذا بشكل الاستدلال بها، لان المدلول المطابقي لها هو الاعتصام والدلول الالتزامي هو الطهارة الداتية، ونحن قد علمنا بلحاظ أدلة عدم اعتصام الماء القليل أن هذه الطائفة مخصصة، وأن الماء القليل خارج عن نطاق المدلول المطابقي وهو الاعتصام تخصيصا، وبعد سقوط المدلول المطابقي لهذه الطائقة بالنسبة إلى غبر المعتصم من المياه، فلا يمكن التمسك بمدلوله الالتزامي لاثبات الطهارة الذاتية لذلك القسم الذي خرج عن مدلوله المطابقي تخصيصاا، لان الدلالة الالتزامية تابعة للدلالة المطابقية في الحجية كما حققناه في الاصول. فإذا لم تكن هذه الطائفة حجة في ثبات الاعتصام للماء القليل لا تكون حجة في اثبات الطهارة الذاتية له، إلا إذا ضم إلى ذلك ارتكازية عدم دخل القلة والكثرة في اصل التجاسة الذاتية. ومنها مادل على الانفعال بالملاقاة أو بالتغير، فانه يتضمن لامجالة إفادة الطهارة الذاتية للماء، لان ما يكون نجاسا بالذات لا معنى للحكم بانفعاله بالملاقاة أو بالتغير. ودليل اللانفعال بانحائه يستوعب تمام أقسام المياه، لان أدلة إناطة الانفعال بالتغير تشمل بمجموعها مجموع المياه العتصمة، وأدلة الانفعال بمجرد اللملاقاة تشمل الماء القليل غير المعتصم. بل ان دليل الانفعال بالملاقاة يدل بمفرده على طهارة جميع أقسام المياه: أما القليل فلانه مورد الدليل، وأما غيره فلانه أولى بالطهارة الذاتية من القليل. وبهذا تتحصل طهارة تمام أقسام المياه بلحاظ ما ذكرنا من الذوايات وتغير ما ذكرناه من سائر الاخبار التي تدل على طهارة الماء بأنحاء من الذلالة. (الجهة الثانية) - في دلالة الذوايات على مطهرية الماء من الحدث والخبث: أما المطهرية من الحدث فهي مفاد الاخبار البيانية في باب الوضوء والغسل، وأما المطهرية من الخبث فيدل عليها مادل على مطهرية الماء بعنوانها

[ 52 ]

من قبيل ما ورد من أن بني اسرائيل كانوا إذا أصاب أحدهم قطرة بول قرضوا لحومهم بالمقاريض، وقد وسع الله تعالى عليكم وجعل لكم الماء طهورا (1). فان المراد من الطهورية هنا المطهرية بقرينة صدر الرواية. وما دل على الامر بالغسل إما مطلقا وإما مقيدا بالماء، فان الامر بالغسل ارشاد إلى نجاسة اللمغسول منه ومطهرية الغسل كما سيأتي انشاء الله تعالى، وكثير من النجاسات انما استفيد نجاستها من الادلة المتكفلة للامر بالغسل. وقد أشرنا سابقا إلى أن الادلة التي استفيدت منها مجاسة الشئ بعنوانها أيضا على مطهرية الماء بلحاظ إطلاقها المقامي. وتنستفيد من أدلة الماء أن كل ماء مطهر، وانه مطهر لكل جسم قابل للغسل، وانه ومزيل للنجاسة العرضية مهما كان القذد المسبب لها. أما أن كل ماء مطهر فللتمسك بالاطلاق اللفظي لكلمة (الماء) فيما دل على طهورية الماء بمعنى مطهريته، والاطلاق اللفظي للامر بالغسل فيما دل على الامر بالغسل من النجاسات، والاطلاق المقامي لنفس أدلة النجاسات. وأما أن كل جسم قابل للغسل يطهر بالماء، فلقوله في موثقة عمار: (ويغسل كل ما أصابه ذلك الماء) (2)، فان مقتضاه قابلية كل جسم للتطهير بالغسل، مضافا إلى استفادة ذلك من الروايات الواردة في موارد خاصة بعد إلغاء الخصوصية بالارتكاز العرفي. وأما أن رافع للنجاسة العرضية الناشئة من أي نوع من القذد،


(1) وسائل الشيعة باب: 1 من ابواب الماء المطلق حديث - 4 - ص 100 جزء 1 من الطبعة الجديدة. (2) وسائل الشيعة باب: 4 من ابواب الماء المطلق حديث - 1 - ص 106 من الجزء الاول الطبعة الجديدة.

[ 53 ]

[ (مسألة - 1) الماء المضاف مع علم ملاقاة النجاسة طاهر للكنه غير مطهر لامن الحدث ولا من الخبث ولو في حال الاضطرار (1). ] فهذا ما يقتضيه الااطلاق الناشئ من حذف المتعلق فيما دل على طهورية الماء بمعنى مطهريته، والاطلاق اللفطي للامر بالغسل الوارد في مورد افتراض القذر الشامل باطلاقه لتمام أنواع النجاسة، والاطلاق المقامي لنقس أدلة تنجس الاشياء، فان مركوزية كون الماء مطهرا للشئ عند تقذره توجب ظهور الدليل الدال على تنجس الشئ عند سكوته عن كيفية تطهيره في أنه يطهر بنقس الطريقة المركوزة - أي بالغسل بالماء. وأما كيقية الغسل المطهر وشرائطه فبحث ذلك موكول إلى فصل المطهرات. (1) الكلام في الماء المضاف يقع في مسائل: المسألة الاولى: في طهارة الماء المضاف في نفسه. فنقول: إنه في مقام إثبات الطهارة له لابد من ملاحظة أصله، حيث أن المضاف يحصل: إما بالاعتصار ونحوه، وإما بالمزج والتركيب. ولا يخلو حال الاصل: إما أن يكون موردا للدليل اللفظي الدال على الطهارة أو النجاسة، أو سكون موردا للدليل اللبي االدال على حكمه، أو يكون موردا للا صل العملي متمثلا في استصحاب الطهارة أو النجاسة، أو يكون موردا للاصل العملي متمثلا في قاعدة الطهارة. فان فرض أن الاصل كان موردا للدليل اللفظي الدال على الطهارة أو النجاسة، فنفس هذا الدليل يثبت به بقاء الحكم بعد الاعتصار وبعد

[ 54 ]

الامتزاتج، بلا حاجة الي الرجوع إلى الاصول العملية. وذلك لان الذليل اللفظي إما أن يكون له إطلاق لفظي من أول الامر بحيث يشمل الرمان مثلا في حالتي اعتصاره وما قبل اعتصاره - كما لو فرض ان الدليل قال (ما يكون اصله من هذه الشجرة فهو طاهر) - فهذا عنوان مطلق يشمل الذمان قبل العصر والرمان بعد العصر، وإما أن نفرض أن الدليل اللفظي قد حكم بالطهارة أو النجاسة على عنوان يزول بعد العصر، كما لو قال (اارمانة طاهرة). ومن المعلوم ان ماء الرمان لا يصدق عليه أنه رمانة: فعلى الاول لا اشكال في التمسك باطلاق - لو خلي وحده - ولكن ينعقد له الاطلاق بضم القرائن الارتكازية المتصلة، لان خصوصية كون الرمان غير معتصر مثلا ملغاة بحسب الارتكاز العرفي ومناسبات الحكم والموضوع لا بمعنى أننا ندعي القطع بالملاكات الشرعية وان الحكم الشرعي ليس منوطا بتلك الخصوصية واقعا، وإنما ندعي أن ارتكازية عدم دخل هذه الخصوصية في النظر العرفي بحسب ما يقهمه العرف من مناسبات الحكم والموضوع تمون منسأ لظهور الدليل في إلغائها وكونها مجرد مورد، مع تعلق الحكم بالجامع المحفوظ حتى بعد الا عتصار، وبذلك نتمسك بالاطلاق. وأما إذا افترضنا أن الاصل كان محكوما بالطهارة أو النجاسة بدليل لبى، فان فرض شموله لما بعد الاعتصار - كما إذا كان الذليل اللبى اجماعا وكان لمعقده إطلاق - أخذ به والا فلا يمكن التمسك باطلاق الدليل، لان الدليل هنا لبى وارتكاز إلغاء الخصوصية في الذهن العرفي انما ينفع في باب لادلة اللفظية، لانه يكون من القرائن المكتنفة بالكلام الموجبة لانعقاد طهورات فيه، وهذه الظهورات هي الحجة بمقتضي دليل حجية الظهور. وهذا على خلاف الادلة اللبية من قبيل الاجماع مثلا، فانه بعد فرض عدم

[ 55 ]

إحراز سموله في نفسه لما بعد الاعتصار لا تكون ارتكازية إلغاء الخصوصية بالنظر العرفي موجبة لتوسعة دائرة الاجماع. نعم لو ادعي القطع الوجداني بالمساواة بين حالة ما بعد الاعتصار وحالة ما قبله، بدعوى الاطلاع على الملاكات الواقعية، أفاد ذلك في اثبات الحكم. والحاصل: إن مناسبات الحكم والموضوع الارتكازية ليست بنفسها موضوعا للحجية، وإنما هي منشأ لايجاد الظهور في الذليل اللفظي بوصفها من القرائن اللبية المتصلة به، وهذا الظهور هو موضوع الحجية. ومن المعلوم أن هذا لا يتصور في الادلة اللبية، وحينئذ فلابد من الرجوع في هذه الحالة إلى الا صول العملية إذا لم يحصل القطع الوجداني بالملاك الواقعي واستمراره، فان بنينا على جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية وفرضنا ان الاعتصار والامتزاج لا يوجب تغير الموضوع جرى في المقام الستصحاب الحكم السابق وإذا اختل احد هذين الامرين فيرجع إلى أضالة الطهارة. وأما إذا فرضنا أن الاصل كان محكوما بأصل عملي، فان كان هذا الاصل العملي أصالة الطهارة فهنا نرجع بقاة بعد الاعتصار والشك في أن المعتصر طاهر أو نجس إلى اصالة الطهارة كما كنا نرجع إليها حدوثا. ولا معنى هنا للرجوع إلى الاستصحاب، لانه إن أريد به استصحاب الطهارة الظاهرية المجعولة في أصالة الطهارة فهذه لاشك في بقائها بل هي مقطوعة البقاة، لان الطهارة الظاهرية المجعولة في أصالة الطهارة موضوعها عدم العلم بالنجاسة، وعدم العلم ثابت بعد الاعتصار أيضا، فلا شك في بقائها، فالطهارة الواقعية لا يقين بحدوثهال، والطهارة الظاهرية لاشك في بقائها، فلا معنى للرجوع إلى الاستصحاب، بل يبعين الرجوع إلى أصالة الطهارة.

[ 56 ]

وأما لو فرض أن الاصل كان محكوما بالاستصحاب، فهذا يتصور فيما إذا فرضنا أن الماء المضاف قبل الاعتصار والامتزاج كانت له حالتان: حالة أولى دل الدليل على طهارته أو نجاسته فيها، وحالة ثانبة شك في بقاء الحكم الذي دل عليه ذلك الذليل فيها. ولم يكن هناك ارتكاز عرفي يقتضي انعقاد الاطلاق في الذليل، فيتمسك حينئذ بلستصحاب بقاء الحكم، فبعد صيرورنه مضافا يجري استصحاب نفس ذلك الحكم الذي دل عليه الدليل الاجتهادي في الحالة الاولى، بمعني أن نفس الاستصحاب الذي كان جاريا في الحالة الثانية قبل الاضافة بنفسه يجري في حالة الاضافة بعد فرض عدم تغير الموضوع بالنظر العرفي. المسألة الثانية: في مطهرية الماء اللمضاف من الحدث وفي دلك أقوال ثلاثة: احدها لابن عفيل، وهو التفصيل بين من كان واجدا للماء المطلق فلا يجوز له رفع الحدث بالماء المضاف، ومن كان فاقدا للمطلق فيجوز له ولا ينتقل إلى التيمم. وثانيها، ما ذهب إليه الشيخ الصدوق من التقصيل في الجواز بين ماء الورد وغيره، ووافقه على ذلك السيد الاستاذ مع اخراج ماء الورد عن دائرة الماء المضاف في الجملة (1) وثالثها عدم جواز رفع الحدث بالماء المضاف مطقا لاحال الاختيار ولا حال الانحصار، لا بماء الورد ولا بغيره. وقبل تحقيق حال هذه الاقوال لابد من تنقيح ما هو مقتضى الاصل العملي في المسألة، لذا شك في مطهرية الماء المضاف من الحدث فنقول: إن الشك في مطهرية الماء المضاف من الحدث تارة يفرض عدم


التنقيح الجزء الاول ص 27.

[ 57 ]

انحصار الماء في المضاف، واخرى في فرض انحصاره في المضاف: أما في القسم الاول، فمرجع الشك فيه إلى العلم بأصل وجوب الوضوء والشك في تقيد الوضوء الواجب بقيد زائد وهو الغسل بالماء المطلق، فتجري البراءة عن الالتقيد الزائد بناء على كون الشك في الشرطية والجزئية في الوضوء والغسل من باب الاقل والاكثر الارتباطيين، لامن باب الشك في المحصل وكون الطهور الواجب في الصلاة عبارة عن نفس الفعل لا أمرا مسببا عنه مغايرا له في الوجود، وسيأتي تحقيق ذلك في محله. فعليه يجوز الاكتفاء بالوضوء بالمضاف استنادا إلى الاصل المذكور. وقد يتوهم عدم كون هذا الاصل مجديا في تصحيح الصلاة، لان البراءة عن التقيد الزائد لا تثبت رافعية الاقل للحدث، فيجري استصحاب الحدث اللمتيقن سابقا بدون محذور، ومعه لا يجوز الدخول في الصلاة. ولكن هذا التوهم مدفوع: بأن رفع الحدث السابق بعنوانه ليس واجبا، وانما الثابت من الادلة أمران: أحدهما أن المحدث يجب عليه أن يصلي بطهور، فمتعلق الامر هو الصلاة والطهور لاعنوان ارتفاع الحدث، والمفروض أن الطهور هو نفس الغسلات والمسحات لاأمرا مسببا عنها مغايرا لها وجودا، فإذا تردد بين الاقل والاكثر وجرت البراءة عن التقيد الزائد وأتى بالصلاة مع الاقل فقد خرج عن عهدة التكليف المعلوم اجمالا. والامر الاخر أن إيقاع الحدث في أثناء الصلاة يوجب بطلانها لكونه قاطعا، ولهذا يحكم ببطلان الصلاة حتى لو وقع في الاكوان المتخللة، والمفروض في المقام عدم وقوع الحدث في الاثناء، فالصلاة صحيحة. وأما في القسم الثاني - وهو فرض انحصار اللماء بالمضاف - فتارة نفرض كون المكلف واجدا للتراب ايضا، واخرى يفرض عدم كونه واجدا له:

[ 58 ]

فان فرض الاول تشكل علم اجمالي بوجوب الوضوء بالمضاف أو التيمم، وهو منجز، فمقتضى الاصل انه يجب عليه الجمع بينهما. ويمكن دعوى انحلال العلم الاجمالي بوجعين: الاول: ان تنجيز هذا العلم الاجمالي فرع تعارض الاصلين في طرفيه، مع أن أصالة البراءة عن وجوب الوضوء حاكمة على أصالة البراءة عن وجوب التيمم، لكونها منقحذ لموضوعه، حيث أن التيمم وظيفة من لا يكون الوضوء وظيفة له، فلا يتعارض الاصلان، بل تجري البراءة عن الوضوء ويتعين التيمم. وهذا الوجه مدفوع، أولا: بأن وجوب التيمم مترتب على عدم وجدان الماء لا على عدم وجوب الوضوء، فلا يتنقح موضوعه بالاصل النافي في طرف الوضوء، بل يتعارض الاصلان. وثانيا: بأنا لو سلمنا كون موضوع وجوب التيمم عدم وجوب الوضوء، فمع هذا لا تكفي أصالة البراءة عن وجوب الوضوء لتنقيح موضوع وجوب التيمم، لان موضوعه إتما هو عدم الوجوب واقعا لاعدم الوجوب ولو ظاهرا، والعدم الواقعي للوجوب لا يمكن أن يثبت ولو تعبدا بأصل البراءة، بناء على كونه من الاصول غير التنزيلية. نعم لو بني على كونه أصلا تنزيليا مثبتا للواقع تعبدا أو أبدل بأصل تنزيلي من هذا القبيل كالا ستصحاب فلا بأس. الثاني: ان تنجيز العلم الاجمالي فرع عدم إمكان إثبات طرف معين من طرفيه بمنجز تعييني واصل مثبت، وإلا انحل العلم الاجمالي بجريان الاصل المثبت في أحد طرفيه والنافي في الطرف الاخر. وفي المقام يتمسك بأصالة البرراءة عن شرطية إطلاق الماء، فيثبت بذلك وجوب الوضوء، فينحل العلم الاجمالي. وفيه: أن أصالة البراءة عن شرطية أو جزئية شئ إنما تجري فيما

[ 59 ]

إذا كان أصل وجوب المركب في الجملة معلوما بالفعل ودار أمر المركب بين الاقل والاكثر، فتجري البراءة عن الزائد جزء أو شرطا، فالبراءة هنا ليست وظيفتها المطلوبة منها إخراز وجوب الاقل، لان وجوب الاقل إما مستقلا أو في ضمن الاكثر معلوم على كل حال، وإنما وظيفتها التأمين من ناحية وجوب الاكثر. وأما لو فرض في مورد عدم إحراز وجوب الاقل الجامع بين الاستقلالي والضمني من أجل تعذر القيد المشكوك، فالامر دائر بين وجوب الاقل مستقلا وسقوط الوجوب رأسا. ففي مثل ذلك لا يمكن اثبات وجوب الاقل بأصالة البراءة عن شرطية القيد المشكوك المفروض تعذره، لانه إن اريد بالبراءة عن هذه الشرطية البراءة عن وجوب المقيد بذلك القيد فعلا فهو باطل، لان وجوب المقيد معلوم الانتفاء وجدانا بعد فرض تعذر القيد، فلا معنى لاجراء البراءة عنه، مضافا إلى أنه لا يمكن أن يثبت به وجوب الاقل. وإن أريد بالبراءة عن هذه الشرطية البراءة عن دخل القيد المشكوك في حق القدر عليه. فيرد عليه: ان دخل القيد المشكوك في حق القادر على القيد لا يتضمن إلزاما بالنسبة إلى العاجز عن القيد، فلا يعقل للعاجز اجزاؤه البراءة عما لا يكون متضمنا للالزام والكلفة بالنسبة إليه، مضافا إلى أن ذلك لا يمكن أن يثبت وجوب الاقل على العاجز عن القيد، لان عدم دخل القيد المشكوك في حق القدر ملازم لسعة دائرة التكليف بالاقل وشمولها للعاجز عن القيد، ومثل هذا الملازم لا يثبت بالاصل كما هو واضح. هذا كله إذا فرضنا تمكن المكلف الذي انحصر الماء عنده بالمضاف من التراب، وأما إذا فرضنا الفرض الثاني - وهو عدم التمكن من التراب - فان قلنا في فاقد الطهورين بوجوب الصلاة عليه بلا طهارة فالامر هنا دائر بين الاقل والاكثر الارتباطيين، إذ لو كان الوضوء بالمضاف صحيحا وجب

[ 60 ]

عليه الصلاة مع الطهارة، وإلا فيكون فاقدا للطهورين وتجب عليه الصلاة بلا طهارة معلوم الوجوب على كل حال، والوضوء بالمضاف مشكوك الوجوب، فتجري البراءة عن الزائد، وهي الطهارة - أي الوضوء بالمضاف - ويكتفى في مقام الامتثال بالاقل المعلوم وجوبه، وهو جامع الصلاة. واما إذا قلنا بسقوط الصلاة عن فاقد الطهورين فيكون المقام من موارد الشك في أصل التكليف، لانه لو كان الوضوء بالمضاف جائزا فالصلاة واجبة وإلا فلا وجوب دأسا. وهذا يعني أن أصل وجوب الصلاة مع ذلك الوضوء مشكوك، فتجري البراءة عنه. وقد يتوهم في المقام تشكيل علم إجمالي، وهو العلم الاجمالي بأنه إما يجب عليه فعلا الصلاة مع الوضوء بالماء المضاف في داخل الوقت، وإما يجب عليه مستقبلا الصلاة مع الوضوء بالماء المطلق قضاء خارج الوقت، فأصالة البراءة عن وجوب الصلاة الادائية معارض بأصالة البراءة عن وجوب الصلاة القضائية. ويندفع هذا التوهم بأن وجب القضاء على فرض عدم الاتيان بالصلاة مع الوضوء بالمضاف في داخل الوقت معلوم وجدانا، فلا معنى لجعله طرفا لعلم إجمالي ولا لاجراء البراءة عنه، وانما المشكوك من وجوب القضاء وجوب القضاء على تقدير الاتيان بالصلاء مع الوضوء بالمضاف في داخل الوقت، قضيغة العلم الاجمالي هي أن اللمكلف يعلم الجمالا أما بوجوب الصلاة مع الوضوء بالمضاف في داخل الوقت وإما باطلاق وجوب القضاء لصورة ما إذا أتى بتلك الصلاة في داخل الوقت. ومثل هذا العلم الاجمالي ليس منجزا ولا مانعا عن جريان الاصول المؤمنة في أطرافه، فتجري البراءة عن وجوب الصلاة الادائية المقرونة بالوضوء بالمضاف، وتجري البراءة عن وجوب القضاء على تقدير وقوع

[ 61 ]

الصلاة مع الوضوء بالمضاف منه في داخل الوقت، إذ لا يلزم من إجراء الاصول كذلك الترخيص في المخالفة القطعية للعلم الاجمالي الذي هو ملاك التعارض بين الاصول لان الجمع بين الاصلين المذكورين لا يعني الترخيص في الجمع بين التركين، لان الاصل الثاني إنما يتضمن الترخيص في ترك القضاء على تقدير وقوع الصلاذ مع الوضوء بالمضاف في داخل الوقت، فلا يؤدي الجمع بين الاصلين إلى الترخيص في الجميع بين التركين. وعليه فإذا ترك المكلف الصلاة الادائية المقرونة مع الوضوء بالمضاف اعتمادا على البراءة عن وجوبها تعين عليه القضاء، للعلم الوجداني التفصيلي بوجوب القصاء حينئذ. إذا أتى المكلف بالصلاة الادائيذ المقرونة مع الوضوء بالمضاف أمكنه أن يجري بعد ذلك أضالة البراءة عن وجوب القضاء نعم يمكن تصوير العلم الاجمالي المنجز في بعض الفروض، كما إذا فرضنا أن هذا الشخص الذي انحصر عنده المضاف وكان فاقدا للتراب قد أتى بالصلاة الادائية مع الوضوء بالمضاف احتياطا، ثم استمرت به حالة الانحصار والفقدان إلى وقت فريضة أخرى، فانه يعلم علما إجماليا بأنه: إما يجب عليه فعلا الاتيان بالفريضة الاخرى التي حل وقتها مع الوضوء بالمضاف، وإما يجب عليه قضاء الصلاة السابقة التي صلاها مع الوضوء بالمضاف، لان الوضوء بالمضاف إن كان صحيحا فتجب عليه الصلاة أداء الان، وإلا فقضاء الصلاة السابقة واجب. والقضاء - وان لم يكن وجوبه فعليا لعدم القدرة فعلا على الماء المطلق - ولكنا نفرض أنت المكلف يحرز قدرته في المستقبل على الماء المطلق، فيكون من العلم الاجمالي في التدريجات فأصالة البراءة عن وجوب إيقاع الفريضة الاخرى التي حل وقتها فعلا مع الوضوء بالمضاف معارضة بأصالة البراءة عن وجوب قضاء الصلاة السابقة التي أراها مع الوضوء بالمضاف.

[ 62 ]

وبعد هذا يقع الكلام في تحقيق الاقوال الثلاثة المتقدمة: اما القول الاول فهو التفصيل بين حال الاختيار وحال الاضطرار، وما يستدل به على ذلك وجهان: (الاول) - رواية عبد الله بن المغيرة عن بعض الصادقين، قال: إذا كان الذجل لا يقدر على الماء وهو يقدر على اللبن فلا يتوضأ باللين، أنما هو الماء أو التيمم، فان لم يقدر على الماء وكان نبيذ فاني سمعت حريزا يذكر في حديث أن النبي صلى الله عليه وآله قد توضأ بنبيذ ولم يقدر على الماء (1). فهذه الرواية تدل على جواز الوضوء بالمضاف، حيث أن النبيذ ماء مضاف. ولكن يختص الجواز المستفار منها بفرض عدم القدرة على الماء، وهو مععنى التفصيل في جواز رفع الحدث بالمضاف بين حالتي الاختيار والاضطرار. غير أن هذه الرواية لو تمت دلالتها في نفسها وتم سندها فينبغي الاقتصار على موردها في مقام الخروج عن مقتضى القاعدة، فان مقتضى ما سوف نشير إليه من الادلة الاجتهادية عدم جواز رفع الحدث بالمضاف، فإذا تمت رواية عبد الله بن المغيرة تكون مخصصة، ولكن يقتصر في التخصيص على موردها، فلا يتعدى من التبيد إلى غيره من المضاف، ولا من الوصوء إلى الغسل، فلا يثبت بالرواية تمام المدعى في القول الاول، فكان القائل بهذا القول ألغى حصوصية المورد باعتبار أنه لم يحتمل الفرق بين التبيذ وغير ولا بين الوضوء وغيره. وعلى أي حال، فقد استدلال بهذه الذواية بعدة اشكالات أحدها: ان رواية حريز عن وسول الله صلى الله عليه وآله إن كانت جزءا


(1) وسائل الشيعة، باب 2 من أبواب المضاف، حديث - 1 -.

[ 63 ]

من المنقول عن الامام عليه السلام فلا بد من البناء على حجيتها، ان كانت في نفسها مرسلة - لان نقل الامام لها ظاهر عرفا في الاستناد إليها في اثبات الحكم الشرعي - فتكون حجة باعتبار إمضاء الامام لها، وأما أذا لم تكن جزءا من المنقول عن الامام فلا تكون حجة، لانها رواية مرسلة. وحيث انه تلم يثبت كونها جزءا من المنقول لاحتمال أن يكون كلام الامام المنقول قد انتهى بقوله (إنما هو الماء أو التيمم) وان يكون ما بعده كلاما للزاوي ابتداءا فلا حجية في خبر حريز. وهذا الاحتمال - وان كان خلاف ظهور الكلام في نفسه، لان اتصال الجمل بعضها ببعض بدون إشعار بتغير السياق ظاهر في انها بتمامها مقولة لبغض الصارقين - ولكن توجد قرينة تفين ذلك الاحتمال وتتوجب رفع اليد عن الظهور، وهي أن المناسبات التاريخية وطبقة حريز لا تسمح عادة بأن يروي عنه الامام الصارق عليه السلام رواية، فان حريزا وإن روى ناردا عن الامام الصادق إلا أنه عادة يروي عن أصحاب الامام الصادق، ومن يروي عن الامام بالواسطة غالبا كيف يفترض أن الامام يروي عنه. وهذا الاشكال قابل للدفع، لان هذه القرينة التاريخية لا توجب رفع اليد عن ظهور الكلام في أنه بتمامه مقول لبعض الصارقين، فان ظاهر الكلام المبدوء بكلمة (قال) ما لم يشعر بالعدول عن مقتضيات بلك الكلمة هو ان تمام الجمل المتعاطفة هي من مقول (قال)، غاية الامر إن هذه القرينة التاريخية تكشف عن أن المراد ببعض الصادقين غير الامام الصادق عليه السلام من سائر الائمة عليهم السلام، فليكن الامام الكاظم مثلا. والحاصل - بعد تسليم أن المراد ببعض الصادقين بعض الائمة - فلا موجب لحمله على خصوص الامام الصادق عليه السلام، فلا تكون القرينة التاريخية المذكورة كاشفة عن انفصال الجزء الثاني من الكلام عن الجزء الاول.

[ 64 ]

ثانيها: إنا لو سلمنا صدور الجزء الثاني من الكلام المشتمل على رواية حريز من الامام فلابد من حمله على التقية، لوضوح أن الامام لا يحتاج في مقام إثبات الحكم الشرعي وبيانه إلى رواية مرسلة لحريز عن النبي صلى الله عليه وآله، فان هذا لا يناسب مقامه ووضعه، فاعتماده على هذه الرواية المرسلة بضم قرينة سأن الامام يكون ظاهرا في أنه في مقام التقية لا في مقام الجد. وهذا الاشكال ايضا قابل للدفع، لان ظاهر كلام الامام الافتاء بجواز الوضوء بالنبيذ والاعتماد في ذلك تعلى خبر حريز، والقرينة المذكورة إتما تكشف عن عدم الجدية في الامر الثاني، وهو الاعتماد والاستدلال بخبر حريز، وأما الامر الاول - وهو الافتاء بجواز الوضوء - فتبقى فيه أصالة الجد على حالها. والحاصل إن سقوط أصالة بقرينة ما في الاستدلال بالرواية لا يستلزم سقوطها في نفس الحكم المستدل عليه بذلك الدليل. ومرجع التقية في الاستدلال دون الحكم المستدل عليه إلى ان الامام لو خلي وطبعه لافتى بالحكم دون أن يستدل بخبر حريز، لان فتواه بحكم كونه إماما مستغنية عن هذا الاستدلال، ولكن حيث أنه كان في مقام إثبات الحكم للغير مع اتقائه من حيث وصف الامامة فاستدل بخبر حريز، فالاتقاء من حيث وصف الامامة اقتضى سلوك نهج غير طبيعي في مقام الاستدلال، لاسلك نهج غير طبيعي في أصل الافتاء بالحكم. ثالثها: ان هذه الذواية دلت على جواز التوضئ بالنبيذ، والنبيد لو كان متمحضا في النبيذ المضاف لكانت هذه الرواية أخص مطلقا مما دل على عدم جواز الوضوء في حالة فقدان الماء المطلق، من قبيل قوله تعالى (فلم تجدوا ماءا فتيمموا صعيدا طيبا) (1) ولكن النبيذ ليس كذلك، فانه ببعض مراتبه


(9 1 المائدة 5: 6.

[ 65 ]

وان كان مضافا ولكنه ببعض مراتبه ماء مطلق متغير، والماء المتغير غير الماء المضاف فتكون دلالة الرواية على جواز الوضوء بالنبيذ المضاف بالضاف بالاطلاق، وبهذا تكون التسبة بينها وبين مادل على عدم جواز الوضوء في حالة فقدان الماء - كالاية الكريمة - العموم من وجه، ووتسقط الرواية حينئذ في مادة الاجتماع عن الحجية لمخالفتها للكتاب الكريم، وتختص بالتبيذ الباقي على إطلاقه. وهذا الاشكال قابل للدفع ايضا، لما اشار إليه السيد الاستاذ - دام ظله (1) من أن النبيذ في نفسه وان كان يشمل حالة التغير مع بقاء الاطلاق، ألا أنه في خصوص هذه الرواية فرض ذلك مساوق لفرض أن النبيذ قد وصل إلى درجة بحيث يخرج عن كونه ماءا مطلقا، فتكون الرواية أخص مطلقا من دليل عدم الجواز. رابعها: إن التبيذ البالغ إلى حد الاضافة مسكر، والمسكر نجس، والنجس لا يجوز الوضوء به جزما. فان ادعينا قطعية هاتين القضيتين وجدانا (نجاسة المسكر وعدم جواز الوضوء بالنجس) فهذا يعني أن مفاد الرواية معلوم البطلان في موردها - وهو التبيذ المضاف - ومع سقوطها في شخص موردها لا يمكن العمل بها في سائر المضافات المحكومة بالطهارة شرعا. وان لم ندع القطعية الوجدانية لنجاسة النبيذ المسكر بالدليل الاجتهادي - فهذا الذليل الاجتهادي يكون طرفا للمعارضة مع رواية عبد الله بن المغيرة، لان الروايد تدل بالالتزام على طهارة النبيذ المسكر، للعلم وجدانا بأن النجس لا يجوز الوضوء به. وإذا حصل التعارض وفرض التساقط فلا يبقى دليل على جواز الوضوء بالنبيذ المضاف.


(1) التنقيح الجزء الاول ص 29.

[ 66 ]

ويتم هذا الوجه حتى بناءا على مبنى من يرى طهارة المسكر، بدعوى التعارض بين الاخبار الذالة على الطهارة والاخبار الدالة على النجاسة، والرجوع بعد تساقط الطائفتين إلى أصالة الطهارة، فانه على هذا المبنى تكون رواية عبد الله بن المغيرة واحدة من الاخبار الدالة على الطهارة، وتسقط بالمعارضة مع سقوط سائر الاخبار الدالة على الطهارة. تعم، إذا بنينا على أن بطلان الوضوء بالنبيذ المسكر على تقدير نجاسته ليس قطعيا وجدانا، وانما ينحصر مدركه باطلاق مادل على تقدير نجاسة ليس قطعيا وجدانا، وانما ينحصر مدركه باطلاق مادل على عدم جواز الوضوء بالنجس، فلا تقع المعارضة بين رواية عبد الله بن المغيره وما دل على نجاسة النبيذ المسكر، إذ لاعلم لنا بأن النجاسة في النبيذ تستلزم بطلان الوضوء، فلا يكون خبر عبد الله بن المغيرة دالا بالالتزام على الطهارة لكي يعارض الروايات الدالة على النجاسة، بل مقتضى القاعدة حينئذ العمل به وبها، فيحكم بجواز الوضوء بالنبيذ بنجاسته. لا يقال: بل تقع المعارضة بينهما بعد التمسك باطلاق مادل على عدم جواز الوضوء بالنجس، فاننا بهذا الاطلاق نثبت أن كل نجس لا يجوز الوضوء به، فيكون دليل جواز الوضوء في النبيذ معارضا بدليل نجاسته. لانه يقال: بل تقع المعارضة بينهما بعد التمسك باطلاق مادل على عدم جواز الوضوء بالنجس، فاننا بهذا الاطلاق نثبت أن كل نجس لا يجوز الوضوء به ت، فيكون دليل جواز الوجوء في النبيذ معارضا بدليل نجاسته. لانه يقال: إن إطلاق مادل على عدم جواز الوضوء بالنجس لا يمكن التمسك به في المقام، لان رواية عبد الله بن المغيرة - بعد فرص حجيتها - توجب إحراز سقوط ذلك الاطلاق إما تخصيصا وإما تخصصا، بمعنى أنها تدل على أن النبيذ إما نجس يجوز الوضوء به وهو معنى التخصيص، وإما طاهر رأسا وهو معنى التخصص. فاطلاق مادل على عدم جواز الوضوء بالنجس ساقط بهذا الاعتبار، فلا موجب لايقاع التعارض بين رواية ابن المعيرة والروايات الدالة على نجاسة المسكر. ولكن الصحسح هو ان عدم جواز الوضوء بالنبيذ على تقدير نجاسه ثابت، للعلم الوجداني بأن النجس

[ 67 ]

لا يطهر ولا نحتاج في اثباته إلى التمسك باطلاق الدليل، ليقال إن أمره دائر بين التخصيص والتخصص، ومع ذلك العلم تتالوجداني لا محالة تقع المعارضة بين رواية عبد الله بن المغيرة والروايات الذالة على نجاسة النبيذ. ولكن هذا الوجه إنما يتم إذا بنينا على عدم وجود نبيذ مضاف غير مسكر، واعينا أن الاصافة بلازم دائما أو عادة الاسكار، وأما إذا فرضنا وجود مرتبة متوسطة شائعة واقعة بين تالتغير والاسكار - بمعنى أن النبيذ يكون ماءا مطلقا متغيرا ثم يكون ماءا مصضافا مسكرا - فلا يتم الوجه المذكوذ، لاننا حينئذ نقيد إطلاق النبيذ في رواية عبد الله بن المغيرة بغير القسم المسكر النجس منه، ولا موجب لايقاع المعارضد بينها وبين مادل على نجاسة المسكر. وخامسها: أهم الاشكالات ويوجب سقوط الاستدلال بهذه الذواية، وهو أن بعض الصادقين الذي يروي عنه ابن المغيرة لم يعلم أنه هو الامام، لان غاية ما يقال في تعيين أنه الامام أحد امرين: الاول ان المقام الفقهي لعبدالله بن المغيرة لا يناسب أن يروي عن غير الامام، والثاني ان اللام في بعض الصادقين عهدية، ومع كونها عدية فلا يوجد من يناسب الاشارة إليه باللام لمعهوديته ولو نوعا إلا الائمة. ويرد على الاول: ان نقل ابن المغيرة عن غير الامام في المقام لعله ليس من أجل التعبد بكلامه حتى لا يكون مناسبا لمقام ابن المغيرة، بل بلحاظ اشتمال المنقول على الرواية النبوسة، ولاجل إثبات النقل عن حريز وصف الواسطة بأنه صادق، فلا يكون في ذلك ما ينافي شأن عبد الله بن المغيرة. ويرد على اللثاني: ان احتمال العهد - وان كان موجودا بل لعل ذلك مظنون - ولكن الظن وحده لا يجدي ما لم ينعقد ظهور عرفي للام في العهدية، وبدون هذا الظهور لا يمكن التعويل على الظن الناشئ من القرائن

[ 68 ]

الخارجية، لان في مقابله إحتمال كون اللام للجنس، فتسقط الرواية عن الحجية. هذا كله في الوجه الاول الذي يستدل به على القول الاول مع مناقشاته. (الوجه الثاني) - لاثبات جواز رفع الحدث بالمضاف عند تعذر المطلق التمسك بقاعدة الميسور، بدعوى أن الوضوء بالمضاف ميسور من الواجب فيجب. وهذا الوجه: يتوقف أولا: على التسليم بكبرى قاعدة الميسور. وقد ذكرنا في الاصول عدم تماميتها. ويتوقف ثانيا: على أن يكون الوجوب متعلقا بالمركب، أي بنفس الاغسال والمسحات، واما إذا قيل بأن الطهارة التي تعلق بها الوجوب عنوان بسيط مسبب عن الغسل والمسح أو عنوان بسيط ينطبق عليه على حد انطباق العنوان الانتزاعي على منشأ انتزاعه، فلا يمكن التمسك بقاعدة الميسور، لان الواجب إذا كان عنوانا بسيطا فللا يتصور فيه التبعض في التعسر والتيسر، بحيث يكون مقدار منه مسسورا ومقدار معسورا لتجرى قاعدة الميسور، بل امر الواجب دائر بين التعسر بقول مطلق والتيسر بقول مطلق، لبساطته وتردده بين الوجود والعدم، فهو من قبيل ما إذا وجب عنوان التعظيم وفرض أن هذا العنوان لا يحصل الا بثلاثة أمور مجتمعة وتعذر واحد منها، فان قاعدة الميسور لا تجري حينئذ، إذ لا يتصور التبعض في التيسر في عنوان التعظيم. ويتوقف ثالثا، بعد فرض تمامية قاعدة الميسور وكون الواجب امرا مركبا لاعنوانا بسيطا: على أن يكون فاقد القيد ميسورا عرفا من واجده. وتوضيحه: إن المقيد يرجع بالتحليل إلى مركب من جزئين تحليليين،

[ 69 ]

وهما ذات المقيد، وفاقد القيد يشتمل على أحد هذين الجزئين، فهو يمثل جزء الواجب بالنظر الدقي، وبهذا النظر يكون ميسورا من الواجب، ولكنه بالنظر العرفي قد لا يكون ميسورا من الواجب وجزءا منه، بل يعد مباينا له، من قبيل ما إذا وجب إكرام الانسان العالم وتعذر إكرامه ولكن تيسر اكرام الانسان الجاهل، فهنا لا يرى العرف ان إكرام الانسان الجاهل ميسور من اكرام العالم باعتباره مشتملا على جزء المركب التحليلي، بل يرى أنه مباين للواجب. ففي المقام إذا كان الوضوء بماء الرمان بالنسبة إلى الوضوء بالماء المطلق كاكرام الانسان الجاهل بالنسبة إلى إكرام الانسان العالم، فلا تجري قاعدة الميسور. ثم لو غض النظر عن كل ذلك وفرضنا شمول اطلاق دليل قاعدة الميسور للمقام، فمع هذا لايتم المدعى، لوقوع التعارض بين إطلاق قاعدة الميسور وإطلاق دليل وجوب التيمم. وتوضيح ذلك: ان مقتضى إطلاق قاعدة الميسور - بعد فرض التنزل عن االملاحظات السابقة - هو السمول لبات الوضوء، بمعنى أنه إذا تعذر منه شئ كخضوضية الماء المطلق وجب الباقي، اي الوضوء بالمضاف. ومقتضى دليل وجوب التيمم وهو قوله تعالى (فلم تجدوا ماءا فتيمموا صعيدال طيبا) بعد فرض أن الماء فيه بمعنى الماء المطلق، أنه في فرق عدم وجدان الماء المطلق يجب التيمم، سواء كان هناك مائع آخر يمكن التوضي به أولا، ولا يمكن العمل بكلا الاطلاقين - أي باطلاق دليل الميسور واطلاق دليل التيمم - لان لازم ذلك الالتزام بواجبين: احدهما الوضوء بالمضاف بمقتضى الاطلاق الاول، ولاخر التيمم بمقتضى الاطلاق الثاني، مع العلم بعدم وجوب كلا الامرين معا في الواقع، فتقع المعارضة بنحو العموم من وجه بين إطلاق دليل التيمم وإطلاق قاعدة الميسور،

[ 70 ]

لانهما يجتمعان في مور د تعذر الماء المطلق وتيسر المضاف، فهذا المورد هو مادة الاجتماع والتعارض للدليلين، ومادة الافتراق لدليل وجوب التيمم مااذا فرض عدم تيسر الماء المطلق والمضاف معا، ومادة الافتراق لدليل قاعدة الميسور ما إذا كان التعسر في غير الوضوء من الواجبات التي لم يجعل لها بدل. وهنا قد يتوهم - بعد الاعتراف بالمعارضة بنحو العموم من وجه بين قاعدة الميسور والاية الكريمة الدالة على وجوب التيمم - ان قاعدة الميسور حاكمة في اللمقام على دليل بدلية التيمم، لان دليل البدلية أخذ في موضوعه عنوان تعذد الواجب، وقاعدة الميسور تثبت أن الواجب غير متعذر الذي أخذ في موضوع دليل البدلية، وبهذا تكون حاكمة عليه. إلا أن هذه الحكومة في غير محلها، وذلك لان دليل البدلية وان اخذ في موضوعه تعذر الواجب، ولكن قاعدة الميسور لاتنقإفي تعذده ولا تثبت تيسره، فهي لا تنزل الباقي منزلة التام، وانما تثبت الوجوب للباقي، وفرق بين اللسانين - أي بين لسان إن الميسور من الوضوء مصداق للوضوء التام بتنزيل الباقي منزلة تمام المركب، وبين لسان أن الباقي واجب بعد سقوط الوجوب عن المركب بالتعذر -، وما يكون من شأنه الحكومة هو اللسان الاول، وما يكون مفاد قاعدة الميسور هو اللسان الثاني. فمو ضوع دليل البدلية وهو تعذر الوضوء التام محقق في المقام، كما أن موضوع قاعدة الميسور ثابت بحسب الفرض، فيقع التعارض، ولابد من تطبيق قواعد باب التعارض، وبهذا نقدم دليل التيمم على دليل الميسور في مقام التعارض. والوجه في هذا التقديم أن دليل التيمم قرآني، فهو السند، ودليل الميسور لو تم فهو رواية من أخبار الاحاد، وقد ذكرنا في محله أن خبر

[ 71 ]

الواحد إذا عارض الدليل القطعي السند كالقرآن الكريم ينحو العموم من وجه يسقط عن الحجية في مادة الاجتماع، ومعه يتعين العمل بالطلاق الاية الدالة على تشخسإيص الوظيفة في التيمم. هلا تمام الكلام في إبطال ما ذهب إليه ابن أبي عقيل - قدسره -. وأما القول الثاني وهو جواز رفع الحدث بماء الورد مطلقا ولو في حال الاختيار، فقد استدل له بما رواه الشيخ باسناده إلى الكليني، والكليني عن علي بن محمد عن سهل بن زياد عن محمد بن عيسى عن يونس عن أبي الحسن عليه السلام، قال: قلت له: الرجل يغتسل بماء الورد ويتوضأ به للصلاة؟ قال: لا بأس بذلك (1). والتحث في هذا الحديث يقع تارة من ناحية الدلالة، واخرى من ناحية السند: أما الكلام من ناحية الدلالة، فتقريب الاستدلال بهذا الحديث هو: انه عليه السلام أجاز الاغتسال والتوضي بماء الورد، والمراد بهما المعنى الشرعي لا اللمعنى لان الحمل على المعنى اللغوي خلاف الظاهر في نفسه وخلاف ظهور الاضافة إلى الصلاة الذالة على أن المراد بالغسل والوضوء ماهوو دخيل في الصلاة. ومهم المناقشة في دلالة هذا الحديث وجهان: (الوجه الاول) ما أفاده السيد الاستاذ - دام طله - من أن ماء الورد يشمل عدة أقسام المعتصر من الورد والمجاور والمخلوط والمصعد، والقسم الاول ماء مضاف، والقسم الثاني ماء مطلق، وكذلك الثالث حيث أن تصعيد الماء المخلوط بالورد لايحعله مضافا بل يجعله معطرا ومتغيرا،


(1) وسائل الشيعة باب 3 من ابوب الماء المضاف حديث - 1 -

[ 72 ]

وانما يصير مضافا إذا خلطه الورد بمقدار اكثر من الماء كما في ماء الرمان، ومن الواضح ان المصعد ليس كذلك، فان اكثره ماء (1). وعلى هذا فيكون الحديث دالا على جواز الوضوء بالمضاف من ماء الورد باطلاقه للقسم الاول، وهذا الاطللاق معارض مع اطلاق قوله تعالى (فلم تجدوا ماءا فتيمموت صعيدا طيبا)، والمعارضة بنحو العموم من وجه، ومادة الاجتماع هي وجدان المضاف من ماء الورد دون غيره، ومادة الافتراق للحديث غير المضاف من أقسام ماء الورد، ومادة الافترراق للاية حالة عدم وجدان الماء ولا ماء الورد، ويقدم إطلاق الاية على إطلاق الرواية في مادة الاجتماع، لما دل على سقوط الحجية عن الخبر المخالف للكتاب الكريم ولو بنحو العموم من وجه في مورد المخالفة. ويرد عليه اولا: ان هذا لايتم عللى مباني السيد الاستاذ، لانه يبني في الخبر المخالف للكتاب الكريم بنحو العموم من وجه على التفصيل بين ما إذا كان شمول الرواية والاية لمادة الاجتماع بالعموم الوضعي أو بالاطلاق الثابت بمقدمات الحكمة، فان كان شمولهما لمادة الاجتماع بالعموم الوضعي صدق على الرواية عنوان الخبر المخالف للكتاب، فيسقط عن الحجية بمقدار المخالفة. وان كان شمولها لمادة الاجتماع بالاطلاق الثابت بمقدمات الحكمة فلا يصدق على الخبر عنوان الخبر المخالف للكتاب، لان الاطلاق ليس مدلولا للفظ القراني، وإنماا هو مدلول لمقدمات الخكمة، فلا سصدق على الخبر أنه مخالف للكتاب (2). وبناءا على هذا التفصيل لا تتم المناقشة المذكورة في حديث يونس، لان شمول كل من خبر يونس وآية التيمم لمادة الاجتماع إنما هو بالاطلاق


(1) التنقيح الجزء الاول ص 26 - 27. (2) مباني الاستنباط 4 ص 3. 5.

[ 73 ]

[ ومقدمات الحكمة، فيلزم من التفصيل المذكور أن لا يصدق على خبر يونس عنوان الخبر المخالف للكتاب الكريم، فلا موجب لتقديم الاية عليه، وانما يتعين التساقط بين الاطلاقين من مادة الاجتماع على ما هو المعروف، وبعد التساقط قد ينتهي إلى القول بجواز الوضوء بماء الورد المضاف، فيما إذا كان الدليل الاجتهادي الدال على عدم الجواز منحصرا باطلاق آية التيمم، وما كان من قبيله مما يسقط بالمعارضة مع اطلاق دواية يونس، فانه يتعين حينئذ الرجوع إلى الاصل العملي، وهو ينتج جواز الوضوء بالمضاف على ما تقدم في تأسيس الاصل. ولكن التحقيق في الخبر المخالف للكتاب بالعموم من وجه سقوطه عن الحجية في مادة الاجتماع مطلقا، سواء كان شمول الدليلين لمادة الاجتماع بالوضع أو بمقدمات الحكمة، فالمبنى الاصولي للمناقسة المذكورة في خبر يونس تامة (1). ] (1) وتوضيح تمامية هذا المبنى الاصولي ان دعوى عدم صدق عنوان الخبر المخالف على الخبر المخالف للكتاب بنحو العموم من وجه فيما إذا كان عموم الكتاب بالاطلاق ومقدمات الحكمة بمكن بياتها بأحد تقريبين، وكلاهما قابل للدفع: الاول - ان الاطلاق ليس مدلولا للفظ القرآني لكى يصدق عنوان المخالفة للقرآن، لان اسم الجنس إنما يدل على الطبيعة المهملة الجامعة بين المطلق والمقيد، وإنما يكون الاطلاق مدلولا لمقدمات الحكمة - أي لعدم نصب المتكلم قرينة على التقييد مع كونه في مقام البيان - فعدم القدينة على التقييد هو الدال على الاطلاق لااسم الجنس المصرح به في الكلام. وهذا الامر العدمي ليس قرآنا ليكون المخالف له مخالفا للكتاب الكريم، ففي مسألتنا مثلا يكون خبر يونس منافيا لالما تدل عليه كلمة (ماء) القرآنية -

[ 74 ]

[....................... ] - في آية التيمم، لان هذه الكلمة تدل على المخمل لا المطلق، بل هو ينافي ما يدل على عدم نصب القرينة على التقييد من ارادة الطلاق، فما يكون الخبر مخالفا له - وهو الامر العدمي - ليس قرآنا، وما يكون قرآنا وهو كلمة (ماء) لا ينافيه الخبر، لانه لا يدل على الاطلاق. ويرد على هذا التقريت: انه لو سلم كون الخبر المخالف مخالفا بالدقة للامر اللعدمي وكون هذا لا يكفي بالنظر العرفي لاضافة عنوان المخالفة إلى نفس القران، فهو لا يكفي لاثبات المدعى. ودلك لان المستظهر من الدليل الدال على إسقاط الحجية عن الخبر المخالف للكتاب، أن جعل هذه المزية للكتاب ليس باعتباره قرانا بل باعتباره قرآنا بل باعتباره رليلا قطعي الصدور والسند، ولهذا يتعدى من المخالفة للكتاب إلى المخالفة للسنة القطعية، فالميزان إذن مخالفة الخبر الواحد للدليل القطعي السند،، سواء كان قرآنا أو سنة، وسواء كان قولا أو تقريرا أو فعلا. ومن الواضح أن عدم نصب المولى للقرآنية على التقييد في الكلام القدآني أمر قطعي السند، إذ لاسحتمل النقصان في النص القرآني، فكما أن وجود كلمة (ماء) في القرآن قطعي كذلك عدم وجود كلمة دالة على التقييد قطعي أيضا، فالخبر الواحد مخالف للدليل القطعي على أي حال، وكون هذا الدليل القطعي قولا أو سكوتا لادخل له في ملاك إسقط الخبر الواحد عن الحجية. الثاني - أن يقال: إن الاطلاق الذي يثبت بمقدمات الحكمة ليس مدلولا للفظ القدآني، بل لامر عدمي، هو عدم القرينة على التقييد، ولكن هذا الامر العدمي ليس بمعني عدم نصب القرينة في نفس الكلام على التقييد لكي يقاال إن عدم نصب القرينة المتصلة في نفس الكلام القرآني قطعي، بل بمعنى عدم القرينة ولو منفصلة، فعدم مطلق ما يدل على التقييد -

[ 75 ]

[....................... ] ولو منفصلا هو الدال على الاطلاق. ومن المعلوم ان العدم بهذا المعنى ليس قرآنا ولا قطعيا، لاننا لا نعلم وجدانا بعدم صدور. قرينة منفصلة، فالخبر المخالف للاطلاق لا سكون حينئذ مخالفا للدليل القطعي. ويرد عليه: ان هذا المبنى ساقط كما حقق في محله، فان الظهور الاطلاقي يتم بمجرد انتهاء الكلام من قبل المتكلم بدون أن ينصب قرينة على التقييد، ومجئ القرينة المنفصلة لا يكشف عن عدم الدلالة على الاطلاق من أول الامر، بل يوجب سقوط حجية الظهور الاطلاقي بعد انعقاده، والا لما أمكن اثبات الاطلاق، لان استفادة الاطلاق لو كانب متوقفة على عدم مطلق ما يكون بيانا للتقييد متصلا أو منفصلا فلا يمكن إحراز هذا العدم، بل ينسد حينئذ اثبات الاطلاق بمقدمات اللحكمة. ولا يتوهم امكان احرازه بأصالة عدم القرينة، لان أصالة عدم القرينة إنما تجري فيما إذا كان هناك ظهور في مقام الاثبات يقتضي افادة معنى احتمل ورود القرينة على خلاف هذا الظهور، ففي مثل ذلك تجري أصالة عدم القرينة، ومرجعها لبا وروحا إلى أصالة الظهور وعدم جواز رفع اليد عن كشفه النوعي لمجرد الاتحتمال. وأما في المقام فلا يوجد - بقطع النظر عن مقدمات الحكمة - أي ظهور يقتضي إفادة الاطلاق، بل اللفظيرا على الطبيعة المهلة الجامعة بين المطلق والمقيد، فلا معنى لاصالة عدم القرينة. وإن شئت قلت: إن أصالة عدم القرينة إنما تجري فيما إذا كانت القرينة المنفية بالاصل موجبة لتكذيب ظهور متحقق في مقام الاثبات، لان هذا الظهور بنفسه يكون كاشفا نوعنا عن عدمها. وأما إذا لم تكن موجبة لذلك، فلا كاشف نوعي عن عدمها. ومعه لا يجري العقلاء أصالة عدم القرينة، لانهم إنما يجرون أمثال هذا الاصلابلحاظ الطريقية والكاشفية

[ 76 ]

[....................... ] - لامن باب التعبر الصرف. وربما يبين هذا التقريب ببيان سليم عن هذه المناقشة، بأن يقال: إن عدم البيان المأخوذ في مقدمات الحكمة هو عدم مطلق البيان، سواء كان متصلا أو منفصلا. ولكن لا بأن يكون عدم القرينة المنفصلة المتأخرة شرطا في انعقاد الاطلاق كي يبتلى بمحذور الاجمال وعدم امكان إحراز الاطلاق، بل بأن يكون الظهور الاطلاقي في كل زمان يتوقف على عدم بيان القيد إلى ذلك الزمان:، فعندما يتكلم المولى بالخطال المطلق ولم ينصب قرينة على التقيير، ينعقد بذلك ظهور وكاشف فعلي عن إرادة الاطلاق، وهذا الظهور الكاشف يبقى مستمرا مادام لا قرينة على خلافه، فإذا جاءت القرينة ارتفع هذا الظهور لمجيئ البيان الكاشف عن أن المراد الجدي هو المقيد لا المطلق. وبهذا التوجيه يتفادى محذور الاجمال عند احتمال القرينة المنقصلة، فيمكن أحراز الاطلاق، لان الظهور في الخطلب المطلق فعلي مع قطع النظر عن القرية المنفصلة، فيكون مكذبا لاختمال وجود القرينة وكاشفا عن عدمها عند الشك فيها، فتجري + صالة عدم القرينة، كما انه يتم بهذا الوجه المقصود في المقام، حيث يكون الخبر المخالف رافعا لموضوع الاطلاق القراني، فلم يبق ظهور في القرآن كي يصدق على الخبر عنوان المخالفة مع الكتاب. غير أن هذا التقريب أيضا لا يمكن قبوله، فانه إذا كان المقصود من ارتفاع الظهور الاطلاقي بالقرينة المنفصلة ارتفاع حجيته لاأصل وجوده وكاشفيته فهذا صحيح وهو المختار أيضا، لكنه ينتج عكس المقصود تماما، فان معناه أن المطلق قد انعقد ظهوره التصديقي في إرادة الاطلاق بمجرد -

[ 77 ]

[....................... ] - انتهاء الخطاب، والمفروض أنه يبقي على حاله حتى بعد ورود البيان المنفصل، فيصدق عليه أنه مخالف مع القرآن إذا ما كان المطلق قرآنيا. وإن كان المقصور من ارتفاع الظهور الفعلي، أن القرينة المنقصلة تزيل أصل الظهور التصديقي في إرادة الاطلاق من الخطاب - ولعل هذا هو الظاهر من بعض كلماتهم - فعندئذ لا يبقى معنى معقول لهذا التقريب، بحيث يكون مجيئ القرينة في كل زمان موجبا لارتفاع الظهور التصديقي بلحاظ ذلك الزمان. أذ المتكلم: إما أن يكون ظاهر حاله أنه في مقام بيان تمام مراده الجدي بشخص خطابه المطلق، فهذا يعني أن مجرد عدم نصب القرينة متصلا بالمطلق كاف في انعقاد الظهور الاطلاقي للخطاب، ولايكون هذا الظهور مرفوعا بمجئ البيان المنفصل، لان ملاكه هو ظهور حال المتكلم في أنه بين تمام مراده بشخص خطابه، والمفروض انه أتم خطابه وأوقعه مجردا عن القرينة، فقد تحقق ملاك الظهور وانعقد الاطلاق، فلا يتغير عما وقع عليه. وإما أن يكون المتكلم في مقام بيان تمام مراده الجدي من مجموع خطاباته لا بشخص خطابه المطلق، فهذا معناه أنه لا ينعقد للمطلق ظهور في الاطلاق إلا بعد ملاحظة مجموع ما يصدر عنه من خطابات، لانه لا يفصح عن مراده دفعة واحدة بل تدريجا، فيرجع إلى التقريب السابق الذي كان يبتلى بمحذور الاجمال عند احتمال وجود بيان منفصل ولو متأخرا. وليس هناك حالة وسطى بين الحالتتين، كي يقال مثلا: إننا نفترض كون ظاهر حال المتكلم في كل زمان أنه يفصح عن مراده بلحاظ مجموع ما صدر عنه إلى ذلك الزمان.

[ 78 ]

[....................... ] - لان ذلك يعني أن للمتكلم في كل زمان مرادا يختلف عن مراده في الزمان الاخر باختلاف ما صدر منه. وهذا خلاف المفروض، إذ المفروض أن هناك حكما واقعيا واحدا ثابتا يكشف المخصص متى ما جاء عن حدوده من أول الامر. هذا مضافا إلى أن هذا التقريت يرد في حقه تساؤل آخرر، حاصله: إن الرافع للظهور الاطلاقي بالنسبة لكل زمان هل هو وصول البيان والقيد إلى المكلف أو يكفي وجوده الواقعي لذلك؟. أما الاول: فلا معنى لادعائه في المقام، إذ من الواضح أن خصوصية الوصول غير دخيلة في تكون الاطلاق الكاشف عن مراد المتكلم، وانما هو دخيل في الحجية والتنجيز والتعذير. وأما الثاني: فيلزم منه أننا لو احتملنا ورود بيان منفصل في الزمان الثاني يبتلى المطلق بالاجمال بلحاظ ذلك الزمان، لانه على تقدير حدور البيان واقعا يكون الاطلاق مرفوعا في ذلك الزمان، ولا يمكن التمسك بأصالة عدم القرينة، لانه فروع وجود كاشف فعلي كما قلنا فيما سبق، فلا محيص الا عن التمشك باستصحاب بقاء محيص الا عن التمسك باستصحاب بقاء الظهور الاطلاقي المنعقد في الزمان الاول. وبين هذا الاصل وأصالة عدم القرينة العقلائية فوارق بحسب الاثر والنتيجة تظهر بالتأمل. وهكذا لابد من الالتزام بأن الاطلاق الثابت بمقدمات الحكمة يكفي فيه عدم القرينة المتصلة، لكي ينعقد الظهور الاطلاقي بنفس فراغ المتكلم من الكلام وخلوه من القيد. وعليه فيكون الخير المخالف لا طلاق الكتاب الكريم مخالفا لدليل قطعي الصدور والثبوت، وهذا يكفي في سقوطه عن الحجية، سواء تمثل هذا الدليل القطعي الثبوت في لفظ أو في سكوت.

[ 79 ]

[....................... ] ويرد على هذه المناقشة ثانيا: ان هيئة الاضافة في كلمة " ماء الورد " لابد أن تكون دالة على نسبة معينة بين الماء والورد، وهذه النسبة قد تكون في المجاورة بما هي معنى حرفي. فيكون ماء الورد بمعنى الماء المجاور للورد، وقد تكون هي نسبة النبعية بما هي معنى حرفي، أي كون الورد منبع للمضاف والمضاف نابعا ومأخوذا من الورد على حد نابعية الماء المطلق من عيونه ومصادره وهاتان النسبتان متباينتان مفهوما. والمدعى في المقام أن المنساق من اضافة كلمة " الماء " إلى شئ يصلح أن يكون مصدرا ومنبعا للماء المضاف بالعصر ونحوه، هو ارادة المنبعية بما هي معنى حرفي من تلك الاضافة " فحينما نقول " ماء الورد " أو " ماء الرمان " أو " ماء البرتقال " لا يشك عرفا في أن المستظهر من الاضافة إرادة المائع الذي يكن الورد والرمان والبرتقال بمثابة المنبع له. وعلى هذا لا يكون عنوان ماء الورد المأخوذ في رواية يونس شاملا للماء الذي يجاور الورد. وإن شئت قلت: إن عنوان الاضافة إلى الورد إذا أخذناه بمفهومه الاسمي فقلنا " الماء المضاف إلى الورد " كان لهذا العنوان إطلاق يشمل الماء المنتسب إلى الورد بالمجاورة كما يشمل الماء المنتسب إلى الورد بالمنبعية، ولكن المأخوذ في رواية يونس ليس عنوان الماء المضاف إلى الورد، بل واقع الماء الورد، بمعنى أن هيئة الاضافة مستعملة في واقع نسبة معينة ببين الماء والورد، فإذا استظهرنا من الاضافة أن هذه النسبة هي نسبة المنبعية فلا يكون للكلمة إطلاق يشمل الماء المجاور للورد. ومع خروج الماء المجاور عن مدلول الكلمة يبقى نحوان من ماء الورد: الماء المعتصر، والماء المصعد. أما الماء المعتصر فهو المتيقن من الكلمة، وأما الماء المصعد فان ادعينا أنه لم يكن متعارفا في تلك الايام فينحصر المدال الواقعي للكلمة بالماء المعتصر، وهو ماء مضاف، فتكون رواية يونس أخص مطلقا من الآية لا معارضة بنحو العموم من وجه.

[ 80 ]

وقد يقرب دعوى أن المصعد لم يكن متعارفا إلى زمان الشيخ الطوسي - قدس سره - أن الشيخ في التهذيب عند التعليق على رواية يونس تعرض لقسمين من ماء الورد، وهما المعتصر والمخلوط به الورد، ولم يتعرض للمصعد اصلا (1): فان استظهر من ذلك عدم تعارف المصعد في زمان الشيخ وما قبله انحصر المدلول الواقعي للكلمة بالماء المعتصر، وإن فرض تعارف المصعد أيضا كانت الرواية شاملة للمعتصر والمصعد، لان كلامنهما واجد لنسبة النبعية بلحاظ الورد: أما المعتصر فواضح، وأما المصعد فلا شتماله على ما يكون مصعدا من ماء الورد، فنسبه الورد إلى المصعد منه نسبة المنبعية، فهو ماء الورد بهذا اللحاظ. ويطلق هذا الاسم على المجموع المركب من المصعد من الماء والمصعد من الورد رغم كون المصعد من الورد أقل بكثير من المصعد من الماء. ونكتة هذا الاطلاق أن اسم الجزء قد يطلق على المركب بلحاظ أهمية ذلك الجزء في المركب إما لكثرة وإما لامتيازه وتوجه النظر إليه بالخصوص، فهنا ماء الورد وان كان هو الجزء إلا أن هذا العنوان يطلق على المجموع، لا لغالبية ذلك الجزء من الناحية الكمية بل لغالبيته من الناحية الكيفية والنوعية وتوجه النظر إليه بالخصوصية. ومن هنا يعرف انه ليس ماءا مطلقا، ومجرد كون الماء فيه اكثر بمراتب من ماء الورد لا ينافي خروجه عن الاطلاق، بعد فرض أن الخصوصيات الكيفية يتفق أحيانا أن يكون لها تأثير يساوي


(1) فقد ذكر في التهذيب ص 219 الجزء الاول: "... ويحتمل أيضا أن يكون أراد عليه السلام بقوله " ماء الورد " الماء الذي وقع فيه الورد، لان ذلك يسمى ماء ورد وان لم يكن معتصرا من، لان كل شئ جاور غيره فانه يكسبه اسم الاضافة إليه وان كان المراد به المجاورة ألا ترى أنهم يقولون " ماء الحب " و " ماء المصغ " و " ماء القرب " وان كانت هذه الاضافات انما هي اضافات المجاورة دون غيرها " وفى هذا إسقاط ما ظنوه... ".

[ 81 ]

تأثير الغلبة الكمية، فمقدار من النفط قد يوثر في إخراج الماء البالغ أضعافه من الاطلاق، وعليه فتكون الرواية أخص مطلقا من الآية. هذا كله في الوجه الاول من الاعتراض الذي وجه إلى الاستدلال برواية يونس. وأما الوجه الثاني للاعتراض على هذا الاستدلال، فهو ما أبداه بعض الفقهاء من إبداء احتمال أن تكون لفظة " ورد " بكسر الواو وسكون الراء بمعنى الماء الذي ترد عليه الدواب وغيرها للشرب، فتكون الراية أجنبية عن الماء المضاف. وقد رد السيد الاستاذ - دام له - على هذا الاعتراض (1) بأنه اعتراض ساقط، لانه إنما يتجه فيما لو كانت الاخبار الواجب اتباعها مكتوبة في كتاب وواصلة إلى أرباب الحديث بالكتابة. فبما أنها ليست معربة يمكن أن يتطرق إليها إحتمال الكسر، ولكن الامر ليس كذلك، فانهم أخذوا الاخبار عن رواتها الموثوق بهم بالقراءة، ووصلت إليهم سماعا عن سماع وقراءة بعد قراءة. وحيث أن راوي هذه الرواية - وهو الصدوق - قدس سره - قد نقلها بفتح الواو حيث استدل بها على جواز الوضوء بالماء المأخوذ من الورد فيجب إتباعه في نقله والتحقيق أن الرواية وصلت الينا عن طريق الكليني والشيخ لاعن طريق الصود، وغاية ما نعرف عن الصدوق أنه أفتى بمضمونها مثلا. ولا دليل على أن الرواية قد تلقاها بالقراءة، فقد يكون وجدها في أصل من الاصول فأخذها منه. نعم، يمكن أن يدعى أن الشيخ الطوسي - قدس سره - تلقى الرواية بالقراءة، بقرينة ما ذكره في مشيخة التهذيب من طرقه إلى مصنفات وأحاديث


(1) التنقيح الجزء الاول ص 28.

[ 82 ]

الكليني فقد صرح في بعض تلك الطرق أنه تلقى جميع مصنفاته وأحاديثه سماها وإجازة (1) وحيث أن الشيخ كان بانيا على فتح الواو - بقرينة أنه اعتبر الرواية واردة في الماء المأخوذ من الورد - فيثبت بذلك فتح الواو. ولكن الصحيح أن ثبوت ذلك يتوقف على إحراز أن تمام أفراد السلسلة قد تلقوا الرواية بالقراءة. وهذا لا طريق له بالنسبة إلى الكليني ومن قلبه، ومجرد غلبة التلقى بالقراءة لا يكفي ما لم يوجب الاطمئنان الشخصي. فمن المحتمل، اذن أن يكون الكليني أو من قبله قد تلقى الرواية في كتاب. فان قيل: إنا إذا أثبتنا أن الراوي عن الكليني مثلا قد أخذ الرواية منه على سبيل القراءة وقد سمع منه الواو مفتوحا. فهذا يكشف عن أن الكليني قد أخذها ممن قبله على سبيل القراءة أيضا، لانه لو كان قد أخذها من الكتاب لما أمكنه أن يشهد بفتح الواو، فشهادته بفتح الواو كاشفة عن تلقيه للرواية ممن قبله قراءة، وهكذا إلى ان نصل إلى الامام نفسه. قلنا: بل من المحتمل أن يكون الكليني مثل أو شخص قبله قد تلقى الرواية عن طريق الكتاب، ومع هذا نقل الرواية قراءة بفتح الواو وأخذت منه هكذا، وذلك بسبب غفلته عن وجود وجه آخر في قراءة، كلمة " الورد " وتخيل انحصار طريقة نطقها. وقراءتها العربية بذلك. فان مثل هذه الغفلة محتملة ولا يمكن نفيها بأصالة عدم الغفلة التي هي من الاصول


(1) حيث رد في المشيخة قوله: "... وأخبرنا به أيضا احمد بن عبدون المعروف بابن الحاشر " عن احمد بن ابي رافع ابي الحسين عبد الكريم بن عبد الله بن نصر البزاز بتنيس وبغداد، عن أبي جعفر محمد بن يعقوب الكليني جميع مصنفاته وأحاديثه سماعا واجازة ببغداد بباب الكوفة بدرب السلسلة سنة سبع وعشرون وثلاثمائة.. ". مشيخة التهذيب، الجزء العاشر ص 39.

[ 83 ]

العقلائية. لان العقلاء، إنما يبنون على أصالة عدم الغفلة فيما إذا كانت الغفلة المشكوكة التي يراد نفيها بالاصل غفلة عن شئ محسوس أو قريب من المحسوس، كما إذا حتملنا أن يكون المتكلم قد قال كلام غير أن السامع غفل من الاستماع إلى جزء منه فنقل لنا بعضه مدعيا ان كل الكلام الذي صدر من ذلك المتكلم. ففي مثل ذلك ننفي احتمال هذه الغفلة بالاصل، لانها غفلة عن امر محسوس، وأما الغفلة عن أمر معني عقلي ومطلب فكرى فليس الاصل عدمه. والمقام من هذا القبيل، لان قابلية الكلمة لان تقرا على وجهين ليست من قبيل الامور المحسوسة وإنما هي أمر معنوي ولا يوجد أصل ينفي الغفلة عن هذا المستوى من الامور المعنوية، فلا يوجد اذن دافع صناعي وفني لاحتمال الكسر في كلمة " الورد " إلا الاستبعاد المجرد والظن. وعلى كل حال، فسواء، تمت دلالة الرواية أو لم تتم، فالاشكال الوارد في السند، من ناحية عدم ثبوت وثاقة سهل بن زياد لا يمكن دفعه، فالخبر إذن ساق عن الحجية. وبعد إبطال كلا القولين تنتهي إلى القول الثالث للمشهور، وهو عدم جواز رفع الحدث بالمضاف مطلقا. وقد استدل على ذلك السيد الاستاذ وغيره من الفقهاء (1) باطلاق قوله تعالى " فلم تجدوا ماءا فيتمموا صعيدا طيبا " (2)، فان مقتضى الاطلاق هو الانتقال إلى التيمم ولو كان الماء المضاف ميسورا. وبخبر أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام عن الرجل يكون معه اللبن أيتوضأ منه للصلاة؟ قال: لا، إنما هو الماء والصعيد (3).


(1) التنقيح الجزء الاول ص 24. (2) المائدة 5: 6. (3) وسائل الشيعة باب 3 من ابواب الماء المضاف حديث - 1.

[ 84 ]

والعمدة في المقام الاستدلال باطلاق قوله " فلم تجدوا ماء "، وبه يقيد اطلاق الامر بالغسر الوارد في أول الآية إذا قيل بصدقه على الغسل بالمضاف، فانه يعتبر عرفا قرينة على أن المراد بالغسل الغسل بالماء. وأما خبر أبي بصير فهو غير تام سندا. لان فيه ياسين الضرير. وهو لم يثبت توثيقه. ويمكن التعويض عنه الروايات الدالة على طلب الماء غلوة أو غلوتين بالنسبة إلى فاقد الماء والآمرة بالتيمم على تقدير عدم وجدانه (1) فانها باطلاقها تنفي كفاية الماء المضاف، وإلا لما وجب طلب الماء مع وجوده ولما انتقل إلى التيمم. وقد يستأنس لذلك بالاخبار البيانية الواردة في مقام تعليم كيفية الوضوء، حيث ورد فيها الامر بصب الماء، الظاهر في لزوم كون الغسل بالمطلق (2) غير أن هذا مبني على عدم كون أخذ قيد الماء جاريا على المتعارف، بحيث يكون هذا التعارف بنفسه مانعا عن ظهور القيد في المولوية.


(1) من قيل رواية زرارة عن احدهما عليهما السلام قال: إذا لم يجد المسافر الماء فليطلب مادام في الوقت، فإذا خاف أن يفوته الوقت فليتيمم وليصل. وقد نقلها الكليني عن علي بن ابراهيم عن أبيه عن ابن ابي عمير عن ابن أذينة عن زرارة... والسند صحيح. وسائل الشيعة باب - 1 - من ابواب التيمم. (2) من قبيل ما ورد في رواية زرارة وبكير أنهما سألا أبا جعفر عليه السلام عن وضوء رسول الله صلى الله عليه وآله، فدعا بطست أو تور فيه ماء، فغسل يده اليمنى فغرف بها غرفة فصبها على وجهه فغسل بها وجهه... إلى آخر الحديث. وسند الحديث صحيح حيث ينقله الكليني عن علي بن ابراهيم عن ابيه عن ابن ابي عمير عن عمر ابن أذينة عن زرارة وبكير. وسائل الشيعة باب 15 من أبواب الوضوء حديث - 3 -.

[ 85 ]

المسألة الثالثة: في مطهرية الماء المضاف من الخبث فقد وقع الكلام في ذلك. وذهب المشهور إلى عدم جواز رفع الخبث بالمضاف وذهب البعض إلى الجواز. ودعوى الجواز إن كانت بلحاظ انكار أصل سراية النجاسة إلى الملاقي والاكتفاء بازالة العين. فمرجعها إلى مطهرية زوال العين مطلقا. وتحقيق هذه الدعوى وإبطاها يأتي في بحث المطهرات في مطهرية زوال العين، وانما يقع الكلام هنا بعد الفراغ عن سراية النجاسة إلى الملاقي واحتياجها إلى المطهر التعبدي إذ قد يدعى كفاية الغسل بالمضاف في تحصيل هذا المطهر التعبدي. والكلام في تحقيق هذه الدعوى يقع في مقامين: أحدهما في تحقيقها بلحاظ الاصول العملية الجارية في المقام، والآخر في تحقيقها بلحاظ الادلة الاجتهادية. " اما المقام الاول " - فلابد أولا من ملاحظة دليل الاستصحاب، ويمكن تقريب التمسك به بأحد وجهين: الاول - إجراء استصحاب النجاسة في الشئ. المغسول بالماء المضاف، حيث يشك في ارتفاعها بمثل هذا الغسل بعد الفراغ عن ثبوتها حدوثا فتستصحب. الثاني - إجراء استصحاب المطهرية للماء المضاف، فإذا ألقي في الماء دواء مخصوص صيره مضافا يقال: إن هذا المائع كان مطهرا قبل الاضافة، فتستصحب مطهريته. أما الوجه الثاني لاجراء الاستصحاب فهو غير تام، بناءا على عدم جريان الاستصحاب التعليقي، لان المطهرية ليست حكما شرعيا مجعولا

[ 86 ]

بعنوانها، وانما هي منتزعة تعليقية عن قضية، وهي " أنه لو غسل الشئ المتنجس به لطهر " فبعد صيرورة الماء مضافا يشك في بقاء هذه القضية التعليقية، فيبتنى استصحابها على جريان الاستصحاب التعليقي، ولو فرض جريانه فهو لا يفيد إلا في المضاف المسبوق بالاطلاق. وعليه فالمتعين هو الوجه الاول في إجزاء الاستصحاب، اي استصحاب نجاسة المغسول، ولكنه استصحاب في الشبهة الحكمية، فإذا قلنا به - كما هو الصحيح - فهو، وإلا فلا مجال للتمسك بالاستصحاب في المقام. فإذا بنى على عدم جريان الاستصحاب في الشبهة الحكمية فلابد من التنزل إلى أصل آخر: فهل يمكن التمسك بقاعدة الطهارة عملا باطلاق " كل شئ نظيف حتى تعلم بأنه قذر " بناء على شمول القاعدة للشبهة الموضوعية والحكمية معا، فيحكم بطهارة الشئ المغسول المضاف لانه شئ. لا يعلم بنجاسته، فتجرى فيه أصالة الطهارة بعد فرض عدم وجود استصحاب حاكم؟ والتحقيق أن دليل قاعدة الطهارة إذا قلنا بأنه في نفسه له إطلاق لموارد الشك في بقاء النجاسة. وانما لا يؤخذ به لحكومة دليل الاستصحاب عليه. فلا مانع في المقام من الاخذ به، لان المفروض عدم شمول دليل الاستصحاب للمقام باعتباره شبهة حكمية. ولكن التحقيق أن دليل قاعدة الطهارة في نفسه ليس له إطلاق لموارد الشك في بقاء النجاسة. فعدم جريان القاعدة في هذه الموارد لقصور المقتضي لا لوجود الحاكم، كما سوف ننبه عليه في مورده. ونكتة ذلك: ان كلمة " قذر " الواردة في قوله " كل شئ نظيف حتى تعلم أنه قذر " مرددة في حركتها بين أن تكون بالمعنى الوصفي وأن تكون بمعنى الفعل. فعل الاول، يكون للقاعدة إطلاق لموارد الشك في بقاء

[ 87 ]

النجاسة، لان محصلها هو أن كل مالا يعلم بأنه موصوف بالقذارة فهو نظيف وهذا يشمل ما يشك في بقاء النجاسة. وعلى الثاني لا يكون للقاعدة إطلاق لموارد الشك في بقاء النجاسة، لان محصلها: أن كل شئ نظيف حتى يعل بحدوث القذارة فيه. والشئ الذي يعلم بنجاسته سابقا يعلم بحدوث القذارة فيه، فالغاية المجعولة لقاعدة الطهارة على هذا التقدير معلومة الحصول، فلا تشمله القاعدة. وحيث أن كلمة " قذر " غير متعينة في أحد الوجهين، لان الذال قد تكون مكسورة مع فتح ما قبلها فتكون بالمعنى الوصفي، وقد تكون مضمومة مع فتح ما قبلها فتصلح أن يراد بها الفعل، فيكون الدليل مجملا وبالاخرة لا ينعقد له إطلاق لموارد الشك في بقاء النجاسة، فعدم الشمول لهذه الموارد لقصور المقتضي، فلا يمكن الرجوع إلى قاعدة الطهارة. وإذا تعذر الرجوع إلى الاستصحاب وقاعدة الطهارة معا فلابد من الانتقال إلى المرتبة الثالثة من الاصول. وقاعدة الطهارة الحكمية الجارية في مرتبة آثار الطهارة، وأحكامها، كأصالة البراءة عن حرمة الاكل. وفي هذه المرتبة لابد من التفصيل. وتحقيق ذلك: انه بلحاظ حرمة الاكل تجري البراءة، لانه شك في أصل التكليف، فإذا تنجس شئ قابل الاكل وغسلناه بالمضاف جرت البراءة عن حرمة أكله. وأما بلحاظ جواز التيمم بالتراب المتنجس إذا غسل بالماء المضاف. وما كان من قبيله من الآثار فتجري أصالة الاشتغال، لان الثابت بالدليل اشتراط الطهارة في التراب، فيكون الشك في طهارة التراب من موارد الشك في حصول الشرط، ومرجعه إلى الشك في الاتيان بالمكلف به بعد الفراغ عن التكليف، فتجري أصالة الاشتغال. وأما بلحاظ جواز الصلاة في الثوب المتنجس إذا غسل بالمضاف فتجري أصالة البراءة، بناءا

[ 88 ]

على ان المجعول هو مانعية الثوب المتنجس لا شرطية الطاهر. وحيث أن المانعية انحلالية ومتعددة بعدد المتنجس خارجا، فإذا شك في شئ أنه متنجس أولا فقد شك في فرد زائد من المانعية، فتجري البراءة عنها على ما هو المحقق في موارد دوران الامر بين الاصل والاكثر الارتباطيين. وأما الكلام في المقام الثاني - اي في تحقيق المسألة بلحاظ الادلة الاجتهادية - فقد استدل على كل من نفى المطهرية إثباتها بالدليل الاجتهادي. أما ما استدل به على نفي مطهرية المضاف من الخبث فهو وجوه: " الوجه الاول " - التمسك لاثبات النجاسة بعد غسل المتنجس بالمضاف باطلاق ما دل على نجاسته، فان إطلاق دليل نجاسته يقتضي ثبوت النجاسة له واستمرارها حتى بعد الغسل بالمضاف. وهذا الاطلاق حاكم على الاصول المؤمنة التي تنتج الطهارة بعنوانها أو بآثارها. كقاعدة الطهارة أو البراءة. ولكن التمسك بهذا الاطلاق غير تام: أما أولا: فلان دليل النجاسة في كثير من الموارد إنما جاء بلسان الامر بالغسل من تلك النجاسة، وعدم صدق الغسل على الغسل بالمضاف أو الكلام عند الخصم فانه يدعي صدقه على، فلا تكون النجاسة الثابتة بارشادية الامر بالغسل ذات إطلاق حتى بما لعد وقوع الغسل بالمضاف. وثانيا: إن هذا الاطلاق لا يتم حتى في ملاقي نجس رد الحكم بنجاسته بعنوانها لا بعنوان الامر بالغسل، لان ارتكازية وجود المطهر في الجملة بحسب الاذهان العرفية والمتشرعية تكون كالقرينة اللبية المتصلة على تقييد مفاد الدليل بما قبل التطهير، فلا يمكن التمسك به في موارد الشك في وقوع التطهير وصحته. ولو سلم وجود الاطلاق وقطع النظر عن كلا هذين الاعتراضين فهو

[ 89 ]

لا يقاوم دليل الخصم إذا تم في نفسه. لانه يستدل على مطهرية المضاف باطلاق الامر بالغسل، ومن المعلوم أن هذا الاطلاق لو تم يكون مقدما على إطلاق دليل النجاسة في الشئ المغسول، لانه مقيد له. " الوجه الثاني " التمسك برواية ابن فرقد (1) الظاهرة بقرينة الامتنان في انحاصر المطهر بالماء كما ذكر السيد - قدس سره - في المستمسك (2) فقد جاء في رواية ابن فرقد قوله " وقد وسع الله تعالى عليكم بأوسع ما بين السماء والارض، وجعل لكم الماء طهورا ". ويرد عليه: أن الرواية تدل على مطهرية الماء، ومطهرية الماء لا تنفي مطهرية المضاف، واستفادة الانحصار من اللسان الامتناني لا أعرف لها وجها إلا دعوى أن المطهر لو كان أوسع من الماء لكان المناسب للسان الامتناني ذكر الجامع الاوسع لانه اكثر امتنانا، فالاقتصار على الماء دليل الانحصار. وهذه الدعوى مدفوعة: بأن ندرة الماء المضاف وكونه معدا بطبعه لفوائد أخرى غير التطهير - كالاستعمال في الطعام والشراب - يمنع عن كون الحكم بمطهرية المضاف كماء الرمان مثلا موجبا في النظر العرفي لمرتبة زائدة من الامتنان ملزمة عرفا للعدول في مقام البيان عن ذكر الماء إلى ذكر الجامع الاوسع. " الوجه الثالث " - الاستدلال بالروايات الواردة فيمن انحصر ثوبه الساتر بالنج مع عدم التمكن من الماء، فان في بعضها الامر بالصلاة فيه، وفي بعضها الامر بالصلاة عريانا وانه إذا وجد الماء الماء غسل ثوبه (3)


(1) وسائل الشيعة، باب 1 من ابواب الماء المطلق الحديث - 4 -. (2) مستمسك العروة الوثقى الجزء الاول ص 92 من الطبعة الثانية. (3) فلقد ورد عن علي بن جعفر عن أخيه موسى عليه السلام قال: سألته عن رجل عريان وحضرت الصلاة فأصاب ثوبا نصفه دم أو كله دم. يصلي فيه أو يصلي عريانا؟ قال: إن وجد -

[ 90 ]

فان مقتضى الاطلاق في هذه الروايات أن الوظيفة المجعولة فيها ثابتة، سواء كان المضاف موجودا أولا. وهذا يقتضي عدم مطهرية المضاف. وهذا الاطلاق إذا تم فيصلح أن يكون معارضا لدليل الخصم. وهو إطلاق الامر بالغسل لو سلم اطلاقه وشموله للمضاف، والنسبة بين الاطلاقين العموم من وجه، وبعد التساقط يرجع إلى ما هو مقتضى الاصل العملي في المقام الاول، " الوجه الرابع " - ما دل على الامر بالغسل بالماء بعنوانه، فانه ظاهر في الارشاد إلى مطهرية الغسل وكون الماء قيدا في الغسل المطهر. وبذلك يقيد الاطلاق الذي يتمسك به الخصم إذا تم في نفسه. وسيأتي تفصيل الكلام في ذلك عند مناقشة أدلة القول بمطهرية المضاف. وأما ما استدل به على اثبات المطهرية للمضاف فوجوه: الاول: التمسك باطلاقات الامر بالغسل، فانه في جملة من الروايات ورد بالامر بالغسل من دون تقييد بالماء، والغسل كما يتحقق بالماء المطلق كذلك يتحقق بالمائعات الاخرى، فمقتضى هذه المطلقات مطهرية الغسل بالمضاف. وقد يورد على هذا الوجه باعتراضين: أحدهما - أن مقتضى إطلاق دليل انفعال المضاف بالملاقاة انه ينجس بالملاقاة للشئ المتنجس الذي يراد غسله بذلك المضاف، ومقتضى إطلاق دليل نجاسة الشئ الملاقي للمائع المتنجس أن الشئ المغسول يتنجس، ونتيجة مجموع هذين الاطلاقين هو الحكم الشئ المغسول بالمضاف فعلا، وهذا يعارض مع اطلاق الامر بالغسل للمضاف الذي يقتضي طهارة الشئ المغسول بالمضاف فعلا.


(1) - ماءا غسله، وإن لم يجد ماءا صلى فيه ولم يصل عريانا. وسائل الشيعة باب 45 من أبواب النجاسات حديث - 5 -.

[ 91 ]

وهذا التقريب واضح البطلان، وذلك لانه لا يمكن التمسك بمجموع الاطلاقين المزبورين لا ثبات نجاسة الشئ المغسول بالمضاف، وذلك للعلم الوجداني بأن الشئ المغسول لا يمكن أن يتصف بالنجاسة من ناحية ملاقاته للماء المضاف، لان المضاف إن كان مطهرا فلا معنى للحكم بمنجسيته، وان لم يكن مطهرا فالشئ المغسول به نجس في نفسه بالنجاسة السابقة، ولا معنى لتنجسه مرة أخرى بالمضاف المتنجس بسببه. فمنجسية الماء المضاف للشئ المغسول به معلومة العدم وجدانا. فلا يبقى إلا الشك في بقاء النجاسة السابقة الثابتة قبل الغسل، فيكون إطلاق الامر بالغسل كافيا لاثبات ارتفاعها. نعم، يمكن أن نبدل الاطلاق الثاني باطلاق مادل على أن النجس لا يكون مطهرا. فانه لو فرض وجود دليل له إطلاق على هذا المعنى وضممناه إلى الاطلاق الاول الدال على انفعال المضاف بالملاقاة للشئ المغسول به استنتجنا من ذلك عدم كون المضاف مطهرا، فيعارض ذلك مع إطلاق الامر بالغسل وشموله للمضاف. لا يقال: إن الكلام نفسه يأتي بالنسبة إلى الغسل بالماء، فان مقتضى الجمع بين دليل انفعال الماء بالملاقاة ودليل عدم مطهرية النجس هو عدم مطهرية الماء ايضا، وهذا يعني أن الجمع بين إطلاق هذين الدليلين يوجب إلغاء مطهرية الغسل رأسا، ومعنى ذلك أن دليل مطهرية الغسل أخص من مجموع الدليلين، فيوخذ به على إطلاقه، لان إطلاق الدليل الاخص مقدم على الدليل الاعم المعارض له، فيثبت مطهرية المطلق والمضاف معا. لانه قال: إن الماء القليل لا يوجد ما يدل على انفعاله بالمتنجس الخالي عن عين النجس كما سيأتي في محله، وأما المضاف القليل فينفعل بملاقاة المتنجس بمقتضى دليله، فلا يكون الماء القليل المغسول به المتنجس في غير الغسلة المزيلة ماءا متنجسا ليشمله مادل على عدم مطهرية النجس.

[ 92 ]

أما المضاف القليل المغسول به المتنجس فيتمسك باطلاق مادل على انفعال المضاف بالمتنجس لاثبات نجاسته، فيشمله مادل عللى عدم مطهرية النجس، ويكون حينئذ معارض لاطلاق الامر بالغسل الدال على مطهرية المضاف. ولكن هذا التقريب لو تم لا يثبت عدم جواز استعمال المضاف في الغسلة الاولى، لان مادل على عدم مطهرية النجس يختص بخصوص الغسلة التي تتعقبها طهارة المحل. كما سيأتي إن شاء الله تعالى في بحث ماء الغسالة. والشأن في وجود إطلاق في دليل انفعال المضاف بالمتنجس بحيث يشمل حالة غسله به، وسيظهر حال ذلك في مسألة انفعال الماء المضاف. والاعتراض الثاني على التمسك باطلاقات الغسل: أنها مقيدة بالروايات العديدة في الموارد المختلفة التي أخذت قيد الماء بنحو يستفاد منها لزوم كون الغسل بالماء في مقام التطهير، فيرفع اليد بها عن تلك الاطلاقات. وينبغي أن يكون المراد بالروايات التي أخذ فيها قيد الماء الاخبار المتكلفة للامر بالغسل بالماء، فان شأنها مع مطلقات الامر بالغسل شأن المقيد مع المطلق، بعد العلم بأنها في مقام بيان حكم واحد. وهو ما هو المطهر. فأحدهما ذكر أن المطهر هو الغل، والآخر ذكر أن المطهر هو الغسل بالماء، فمقتضى القاعدة حمل المطلق على المقيد. نعم لو أريد من الروايات التي أخذ فيها قيد الماء الاخبار التي ردت في الوجه الثاني والثالث من الوجوه التي تقدمت للقول بعدم المطهرية فهي ليست أخص مطلقا من روايات الامر بالغسل، بل النسبة بينهما العموم من وجه كما أشرنا إليه. ثم إنه قد استشكل تارة في المطلقات وأخرى في المقيدات، فقيل في المقيدات: إنها ليس لها ظهور في التقييد. لان القيد - وهو الماء - مورد الغالب، فكون القيد غالبيا ومحفوظا بمقتضى الطبع والعادة لا يبقى لاخذه ظهورا في

[ 93 ]

التقييد المولوي، وقيل في المطلقات أيضا: إن الماء حيث أنه قيد غالبي للغسل والغسل بغير الماء حيث أنه نادر فالمطلق ينصرف عن الفرد النادر، فالاطلاق غير ثابت، فكون الماء قيدا غالبيا جعل تارة إبطالا لظهور المقيد في التقييد وأخرى لظهور المطلق في الاطلاق. والتحقيق في المقام أن يقال: إن غالبية هذا القيد وندرة ما يقابله: إما ان يكون موجبا لهدم الظهور في كل من الدليلين، أي هدم ظهور دليل الخصم في الاطلاق وهدم ظهور دليل المشهور في التقييد، وإما أن لا يكون صالحا لهدم أي واحد منهما. وإما أن يكون موجبا لهدم ظهور المطلق في الاطلاق دون ظهور المقيد في التقييد، وإما بالعكس. فعلى التقدير الاول ينهدم ظهور كلا الدليلين، وبذلك يبطل دليل الخصم على مطهرية المضاف، وحينئذ نرجع في مقام إثبات قول المشهور ونفي المطهرية إلى الاصول العملية، ومقتضاه اجراء استصحاب النجاسة بعد فرض بطلان الاطلاق الذي استدل به على المطهرية. وعلى التقدير الثاني يتم كل من الظهورين في نفسه: فالمطلق ظاهر في الاطلاق، والمقيد ظاهر في التقييد. وبمقتضى قانون حمل المطلق على المقيد واقوائية ظهور الدليل المقيد في التقييد من ظهور الدليل المطلق في الاطلاق، لابد من تقييد المطلق ورفع اليد عن اطلاقه، وبذلك يثبت أيضا قول المشهور وتبطل دعوى مطهرية المضاف. وعلى التقدير الثالث يبطل الدليل المدعى للمطهرية، وهو الاطلاق. ويكون ظهور المقيد في التقييد ثابتا، فيثبت المطلوب. والتقدير الرابع هو الذي يكون في صالح القول بالمطهرية، ولكن يمكن أن يقال: إنه في نفسه غير محتمل لان ظهور المقيد، في التقييد أقوى من ظهور المطلق، في الاطلاق، ولهذا كان مقدما عليه في مقام الجمع، فلا يحتمل

[ 94 ]

أن يكون نكتة هادمة للظهور الاقوى في دليل التقييد، ولا تكون صالحة لهدم ظهور المطلق في الاطلاق. ولكن التحقيق أن هذا إنما يتم فيما إذا كانت نكتة مانعية كون القيد غالبيا عن انعقاد الظهور الاطلاقي نفس نكتة ما نعيته عن انعقاد الظهور التقييدى، ولكن الصحيح أن كلا من المانعيتين بنكتة: فقد تكون نكتة ما نعيته عن الظهور التقييدي قوية بحيث تغلب عليه وتهدمه. وأما نكتة مانعيته عن الظهور الاطلاقي فليست قوية، فلا تغلب الظهور الاطلاقي بالرغم من أن الظهور الاطلاقي أضعف من الظهور التقييدي. وتوضيح ذلك: أنه يوجد في كلام المولى ظهورر عام، وهو ظهوره في التطابق بين المقدار المبين مولويا بحسب مقام الاثبات والمقدار المجعول مولويا بحسب قمام الثبوت. وهذا الهور هو أساس انعقاد الظهور الاطلاقي في الدليل الطلق ببركة مقدمات الحكمة، وانعقاد الظهور التقييدي في الدليل المقيد. فإذا قال المولى " اكرم عالما " فمقتضى الظهور في التطابق بين المقدار المبين في مقام الاثبات مولويا والمقدار المجعول ثبوتا أن مصب الحكم بوجوب الاكرام هو ذات العالم، من دون أن يؤخذ خصوصية زائدة ثبوتا وهذا معنى الاطلاق، فمرجعه إذن إلى التطابق بين العدم اثباتا والعدم ثبوتا وإذا قال المولى " أكرم عالما عادلا " فمقتضى الظهور في التطابق بين المقدار المبين في مقام الاثبات مولويا والمقدار المجعول ثبوتا، ان العدالة مأخوذة في مصب الحكم بوجوب الاكرام، فكما أنها أخذت إثباتا أخذت ثبوتا، وهذا معنى الظهور التقييدي، فمرجعه إذن إلى التطابق بين الاخذ اثباتا والاخذ ثبوتا. هكذا نعرف ان الظهور في التطابق بين مقام الاثبات المولوي ومقام

[ 95 ]

الثبوت المولوي هو منشأ استفادة الاطلاق من المطلق ومنشأ استفادة التقييد من المقيد. وهذا الظهور هو في المقيد أقوى منه في المطلق، أي ان كون ما يصرح به المولى اثباتا مأخوذا ثبوتا أوضح من كون ما يسكت عنه المولى اثباتا غير مأخوذ ثبوتا. وبعد معرفة ملاك الظهور، الاطلاقي والتقييدي يجب أن نعرف ان كون القيد غالبيا كيف يزعزع استفادة الاطلاق واستفادة التقييد؟ أما زعزعته لاستفادة الاطلاق فلها أحد وجهين: الاول: أن يكون القيد غالبيا، ويكون فقده نادرا بدرجة لا يرى العرف الطبيعة مقسما للواجد والفاقد، بل يراها مختصة بالواجد لندرة الفاقد. ومن المعلوم أن الاطلاق الثابت بمقدمات الحكمة يتوقف على أن يكون مدلول اللفظ مقسما بين الواجد والفاقد ليصح فيه الاطلاق، وليس المراد بالمقسمية المقسمية بالنظر الدقي العقلي بل المقسمية بالنظر العرفي، فإذا أدت ندرة الفاقد وغلبة الواجد إلى خروج الطبيعة عن كونها مقسما في النظر العرفي تعذر اثبات الاطلاق. الثاني: أن لا تكون غالبية القيد سببا في خروج الطبيعة عن المقسمية، ولكن الغالبة بمرتبة يحتمل الاعتماد في مقام التقييد، فلا نفترض خروج الطبيعة عن المقسمية عرفا، ولكن غلبة القيد تكون صالحة للاعتماد عليها في مقام إفادة التقييد، لان المتكلم كما قد يعتمد في إفادة التقييد على قرينة خاصة كذلك قد يعتمد على قرينة عامة، نظير الاعتماد على الشهرة في موارد المجاز المشهور. ومعه يكون اللفظ مجملا، ولا ينعقد للكلام ظهور فعلي في الاطلاق، فبهذا تكون غالبية القيد مؤثرة في إبطال الاطلاق. وأما مانعيتها عن ظهور الدليل المقيد في التقييد فتوضيحها: أن مقتضى ظهور التطابق بين أخذ القيد مولويا في مقام الاثبات وأخذه مولويا في مقام

[ 96 ]

الثبوت، هو كون القيد دخيلا في موضوع الحكم كما تقدم، غير أن هذا الظهور التطابقي فرع أن يكون المولى قد أخذ القيد في لسانه بما هو مولى. وأما إذا كان قد أخذه لا بما هو مولى فيكون خارجا عن موضوع ذلك الظهور التطابقي المزبور، ولا شك أن الظهور المقامي والحالي للمولى حينما يأخذ قيدا في كلامه أن يكون اخذه له بما هو مولى، فيوجد عندنا في الحقيقة ظهوران أحدهما ظهور أخذ المولى للقيد في كلامه في كونه قد أخذه بما هو مولى، والآخر ظهور أخذ المولى بما هو مولى للقيد اثباتا في كونه مأخوذا في موضوع الحكم ثبوتا. والظهور الاول يحقق الصغرى للظهور الثاني. وغالبية القيد وكون وجوده أمرا عاديا طبيعيا قد يؤدى إلى اختلال الظهور الاول من هذين الظهورين، إذ يحتمل أن يكون أخذ المولى للقيد لا بما هو مولى بل بلحاظ طبع القضية، فحينما يقول " اغسل الماء " حيث ان الغسل عادة يكون بالماء فقد لا يبقى لاخذ قيد الماء ظهور في أنه أخذ مولوي، بل قد يكون من ناحية طبع القضية، وبهذا يتعذر التمسك بالظهور الثاني - أي ظهر التطابق - لان التمسك به فرع إحراز صغراه. ويتلخص من ذلك كله: ان نكتة مانعية القيد الغالبي والطبعي عن انعقاد الظهور الاطلاقي غير نكتة مانعيته عن انعقاد الظهور التقييدي، بمعنى أن ما نعيته ليست في كل منهما يعني الاخلال بالظهور التطابقي، حتى يقال: إن الظهور التطابقي في المقيد أقوى منه في المطلق، فلا يحتمل الاخلال بالاقوى دون الاضعف. بل عرفت أن مانعية غالبية القيد عن استفادة التقييد ليست بلحاظ الاخلال بالظهور التطابقي، بل بلحاظ الاخلال بالظهور الذي يحقق الصغرى لذلك الظهور التطابقي، وهو ظهور حال المولى في أنه يأخذ القيد في لسانه اثباتا بما هو مولى، فبالامكان أن يدعى أن

[ 97 ]

عرفية القيد وكونه أمرا عاديا في مقام الغسل يوجب الاخلال بهذا الظهور، وإن كان قد لا يوجب الاخلال بالظهور، الاطلاقي. والصحيح في رد الاستدلال الخصم بمطلقات الامر بالغسل هو إنكار الاطلاق في نفسه. بلا حاجة إلى التفتيش عن الروايات المقيدة. وذلك لان كلمة " الغسل " مختصة بالغسل بالماء، ولا تشمل الغسل بمثل ماء الرمان، إن لم يكن وضعا فانصرافا. والوجه في هذا الانصراف هو: أن الاوامر الواردة في مقام الامر بالغسل ليس المنساق منها الامر تعبدا بالغسل، وانما المتفاهم منها عرفا الامر بالغسل بما هو تنقية وتنظيف. والمركوز في ذهن العرف أن الماء الذي ينقى به وينظف الشئ بغسله فيه إنما هو المطلق، وان الماء المضاف كسائر الاشياء الاخرى مما ينقى منه لا مما ينقى به، وهذا الارتكاز بنفسه يكون قرينة وملاكا لانصراف الامر بالغسل الوارد في مقام التنقية والتنظيف إلى الغسل بالماء المطلق. الثاني من الوجوه التي استدل بها على مطهرية المضاف قوله تعالى: " وثيابك فطهر " (1) بدعوى: ان التطهير هنا بمعنى التنقية والازالة. فيكون الامر أمرا بازالة القذر عن الثياب، والازالة كما تتحقق بالماء المطلق كذلك بالمضاف. ويرد عليه أولا: انه لو سلمت دلالة الآية على ذلك فتكون باطلاقها دالة على كفاية الازالة بأي مزيل، سواء كان بالغسل أو بغير ذلك. وهذا يعني أن جميع ما دل على الامر بالغسل يكون أخص مطلقا من الآية الكريمة، فبعد تقييد الآية بما دل على الامر بالغسل يكون العمل عليه لا عليها. فلا يمكن التمسك باطلاقها. فان فرض في الغسل إطلاق يشمل الغسل بالمضاف فيكون


(1) المدثر 74: 4.

[ 98 ]

ذلك استدلالا بأدلة الامر بالغسل لا باطلاق الآية. نعم، تظهر فائدة الاستدلال بالآية فيما لو فرض أن إطلاق الامر بالغسل تعارض بنحو العموم من وجه مع إطلاق آخر يقتضي عدم الاكتفاء بالغسل، كما هو الحال على بعض التقادير كما تقدم، فانه حينئذ لا بأس بالرجوع إلى إطلاق الآيات لاثبات كفاية الغسل بالمضاف باعتبارها عاما فوقانيا بعد تساقط إطلاق الدليل المخصص مع معارضه، أو باعتبارها، مرجحا لاحد المتعارضين على الآخر - لو قيل بالترجيح حتى في المتعارضين بالعموم من وجه -. ويرد عليه ثانيا: ان الاستدلال بالآية الكريمة لا يكفي فيه مجرد حمل التطهير على الازالة، بل لابد مع ذلك من ضم أحد أمرين: الاول - ان المأمور بازالته ليس هو النجاسة الحكمية التعبدية، بل أعيان النجاسة من قبيل الدم والبول ونحوهما. وذلك لان المراد لو كان الامر بازالة النجاسة الحكمية لما كان في الآية تعرض لما تتحقق به الازالة. فقد لا يكفي في إزالتها مجرد الغسل بالمضاف، ومن المعلوم أن دليل الحكم لا يتعرض لاثبات موضوعه. الثاني - ان الامر بالازالة ليس امرا نفسيا، وإنما هو أمر ارشادي، بمعنى كونه إرشادا إلى نجاسة الاعيان التي أمر بازالتها. وإلى سراية النجاسة إلى الثياب بملاقاتها، وإلى كون الازالة لتلك الاعيان مطهرة للثياب. وأما إذا كان الامر نفسيا بنحو الوجوب أو الاستحباب لاجل تحصيل النظافة من القذارات العينية، فلا يكون للآية نظر إلى كيفية إزالة النجاسة الحكمية الحاصلة بالملاقاة وانها تحصل بمطلق ما يزيل العين. وعلى أي حال، فالمتحصل من مجموع ما ذكرناه صحة ما ذهب إليه المشهور من عدم مطهرية المضاف، ولا يفرق في ذلك بين حالتي الاختيار

[ 99 ]

والاضطرار، خلافا لما نسب إلى ابن أبي عقيل من التفصيل الذي يمكن أن يدعى في تصوير مدركه أن مقتضى مطلقات الامر بالغسل كفاية الغسل بالمضاف. وهذه الاطلاقات مقيدة بما دل على الامر بالغسل بالماء، غير أن هذا الامر مختص بالقادر على الماء، إذ لا معنى لامر فاقد الماء بالغسل بالماء، فيرفع اليد عن إطلاق تلك المطلقات، في خصوص حال القدرة على الماء، ويبقى إطلاقها على حاله في غير تلك الحالة. ويرد عليه: أن الامر بالغسل ليس امرا تكليفيا، بل هو أمر ارشادي، فهو إرشاد وبيان لما هو المطهر، فيكون للامر بالغسل بالماء إطلاق، حتى لفرض فقدان الماء. المسألة الرابعة: في انفعال الماء المضاف بالنجاسة ويمكن أن نصنف هذه المسألة إلى اربعة فروع: الفرع الاول: في انفعال الماء المضاف القليل بملاقاة عين النجاسة. الفرع الثاني: في انفعال الماء المضاف الكثير بملاقاة عين النجاسة. الفرع الثالث: في انفعال الماء المضاف القليل بملاقاة المتنجس. الفرع الرابع: في انفعال الماء المضاف الكثير بملاقاة المتنجس. (أما الفرع الاول): وهو انفعال المضاف القليل بملاقاة عين النجاسة. فهذا مما لا ينبغي الاشكال فيه، بعد البناء على ما هو الصحيح من أن الماء القليل ينفعل بملاقاة عين النجاسة، كما سيأتي في محله ان شاء الله تعالى، فان نفس أدلة انفعال الماء القليل تكفي لاثبات انفعال المضاف، إذ لا يحتمل أن الماء بخروجه عن الاطلاق إلى الاضافة يصبح اكثر عصمة. نعم لو بني

[ 100 ]

على عدم انفعال الماء المطلق القليل بملاقاة عين النجاسة لاحتجنا في اثبات انفعال المضاف بها إلى بحث ودليل مستقل، ويظهر حال ذلك من كلامنا في الفروع الآتية. (الفرع الثاني): في انفعال المضاف الكثير بملاقاة عين النجاسة. ومرادنا بالماء المضاف الكثير هو المضاف الذي لو كان مطلقا لكان معتصما، بأن كان بالغا حد الكرية أو كانت له مادة، وقد يشمل الكلام في هذا الفرع بعض المائعات التي ليست بماء مضاف عرفا. كالنفط الذي له مادة، فانه مائع كثير بالمعنى الذي ذكرناه، فيقع الكلام في انفعاله بملاقاة عين النجاسة. وقد استدل على الانفعال في المقام بوجوه: " الوجه الال " - ما أفاده السيد الاستاذ من الاستدلال بأخبار السؤر (1)، وحاصل الاستدلال بها: أن هذه الاخبار فرض فيها سؤر النجاسة كسؤر الكلب والخنزير وغيرهما، فحكم عليه بالنجاسة، وعنوان السؤر عنوان مطلق يشمل الماء المضاف الذي ساوره الحيوان كما يشمل المطلق الذي يساوره ويشمل القليل والكثر معا، غاية الامر خرج منه الماء المطلق الكثير بلحاظ أدلة اعتصامه، وغيره يبقى تحت إطلاقات السؤر، فيحكم بانفعال المضاف بالملاقاة لعين النجاسة ولو كان كثيرا. والتحقيق أن الاستدلال بأخبار السؤر على انفعال المضاف بين النجاسة - ولو كان كثيرا - لا يخلو عن إشكال، لان بعض أخبار السؤر مخصوصة بخصوص الماء صريحا، من قبيل رواية العباس حيث جاء فيها حينما سأله عن سؤر الكلب " وأصبب ذلك الماء " (2) فان هذا قرينة على أن السؤر


(1) التنقيح الجزء الاول ص 43. (2) وسائل الشيعة، الباب 1 من أبواب الاسئار، حديث - 4 -.

[ 101 ]

المسؤول عنه ماء، والماء عبارة عن الماء المطلق ولا يشمل المضاف. وبعض الروايات - وإن لم تكن صريحة في توصيف السؤر بالماء - ولكنها ظاهرة في ذلك عرفا، من قبيل رواية معاوية بن شريح حيث سأل الامام عليه السلام عن سؤر السنور واشباهه؟ فقال عليه السلام: نعم اشرب منه وتوضأ. وسأل عن الكلب؟ فقال لا (1) فان عنوان الماء وإن لم يذكر صريحا ولكن بقرينة عطف الوضوء على الشرب والحكم بجوازهما معا في سؤر السنور وعدم جوازهما في سؤر الكلب، يعرف أن محل الكلام سنخ سؤر صالح في نفسه للشرب والوضوء وليس هو الا الماء المطلق. وحمل الشرب على أنه بلحاظ طبيعي السؤر، وحمل الوضوء على أنه بلحاظ حصة منه خلاف الظاهر، ولا أقل من أن يكون عطف الوضوء على الشرب محتملا للقرينية، بحيث يوجب الاجمال وعدم انعقاد الاطلاق (2)


(1) وسائل الشيعة، الباب 1 من ابواب الاسئار، حديث - 6 -. (2) لا يقال: اختصاص هذه الاخبار بالماء المطلق لا يضر الاستدلال بها على انفعال الماء المضاف الكثير، لانها لو دلت على انفعال، الماء المطلق بالملاقاة مع عين النجاسة فتدل بالاولوية على انفعال المضاف أيضا، لانه أولى بالانفعال من المطلق، والمفروض أن المقدار الثابت بالتخصيص اعتصامه هو المطلق الكثير فقط، فيبقى الماء المطلق القليل والمضاف القليل أو الكثير مشمولا لدليل الانفعال وباقيا تحت إطلاقه فهذه الاخبار يصح الاستدلال بها على انفعال المضاف، سواء قيل باختصاصها منطوقا بالمطلق أم لا. فانه يقال: شمول هذه الاخبار للمضاف لو كان باطلاق المنطوق والدلالة المطابقية تم ما ذكر، وأما إذا لم تشمله بالمنطوق وإنما كانت تدل عليه بالاولوية والدلالة الالتزامية - حيث أن انفعال المطلق القليل يلازم انفعال المضاف القليل وانفعال المطلق الكثير يلازم انفعال المضاف الكثير - فهذه الدلالة الالتزامية على انفعال المضاف الكثير لا تكون حجة بعد سقوط مدلولها المطابقي - في المطلق الكثير - عن الحجية بالتخصيص، بل هي تسقط أيضا تاعا، بناءا على ما هو الصحيح في أمثال المقام من تبعية الدلالة الالتزامية للدلالة المطابقية في الحجية، اذن فالاستدلال بهذه الاخبار على انفعال المضاف الكثير يتوقف على أن تكون بمنطوقها ومدلولها المطابقي شاملة للمضاف، ولا يكفى شمولها له بالدلالة الالتزامية والاولوية.

[ 102 ]

وبعض أخبار السؤر معارضة في موردها بروايات أخرى، فتسقط بالمعارضة، من قبيل أخبار سؤر الكافر واليهودي والنصراني (1) فتسقط معارضة بما دل على طهارتهم، ولا يوجد جمع عرفي في صالح. ما يدل على النجاسة: فإما ان يلتزم بالتساقط، أو بالجمع العرفي الموجب لتقديم دليل الطهارة، وعلى التقديرين لا يمكن الاستدلال حينئذ بأخبار السؤر المزبورة لاثبات انفعال المضاف. وبعض أخبار السؤر ليس في مقام بيان انفعال السؤر ليتمسك باطلاقه وانما هو في مقام بيان حكم آخر، كرواية علي بن جعفر قال: سألته عن خنزير شرب من اناء كيف يصنع به؟ قال: يغسل سبع مرات (2) فان الظاهر من السؤال المفروغية عن الانفعال، وإنما السؤال عن تشخيص الوظيفة تجاه الاناء وكيفية تطهيره. فلا يكون الجواب في مقام البيان من ناحية أصل الحكم بالانفعال ليتمسك باطلاقه. وبعض أخبار السؤر يعلم وجدانا باختصاصها بالماء المطلق، من قبيل ما ورد في سؤر الناصب في أخبار ماء الحمام، كرواية ابن ابي يعفور التي ورد فيها قوله " وإياك ان تغتسل من غسالة الحمام، ففيها تجتمع غسالة اليهودي والنصراني والمجوس والناصب " (3) فان من الواضح أن ماء الحمام هو الماء المطلق لا المضاف. وبعض أخبار السؤر لا يشمل المائع الكثير: إما بتمام أقسامه، وإما ببعض أقسامه على الاقل، من قبيل الروايات التي ورد فيها عنوان الاناء،


(1) وسائل الشيعة باب 3 من ابواب الاسئار. (2) وسائل الشيعة باب 1 من ابواب الاسئار حديث - 2 -. (3) وسائل الشيعة باب 11 من ابواب الماء المضاف حديث - 5 -.

[ 103 ]

كرواية محمد بن مسلم في اناء يشرب منه الكلب؟ قال: إغسل الاناء (1) فان موردها بقرينة كلمة " الاناء " لا يشمل ماله مادة جزما، بل قد لا يشمل المائع البالغ كرا، بناءا على انصراف كلمة " الاناء " إلى الاواني المتعارفة التي لا تحمل كرا. وأحسن أخبار السؤر حالا من حيث الاستدلال بها في المقام رواية أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ليس بفضل السنور بأس أن يتوضأ منه ويشرب، ولا يشرب سؤر الكلب إلا أن يكون حوضا كبيرا يستقى منه (2) لان موضوع الحكم في هذه الرواية عنوان سؤر الكلب وهو يشمل المطلق والمضاف القليل والكثير، وبالاستثناء المتصل خرج منه المطلق الكثير، لان الحوض الكبير الذي يستقى منه إنما هو المطلق الكثير، بقرينة الاستقاء الذي هو من شؤون المطلق لا المضاف، فيبقى المضاف الكثير تحت اطلاق المستثنى منه فيحكم بنجاسته. ولكن تمامية هذا الاطلاق لا يخلو من إشكال أيضا، وذلك لان كلمة " يستقى منه " المأخوذة قيدا في المستثنى إذا كان المراد به أخذ الاستقاء قيدا في موضع الحكم بالاعتصام على وجه الموضوعية، فلا بأس يجعله قرينة على اختصاص المستثنى بخصوص الماء المطلق، سواء أريد بالاستقاء فعلية الاستقاء أو كونه في معرض أن يستقى منه، لان الاستقاء فعلية ومعرضية لا يشمل الماء المضاف، والظهور الاولي لاخذ القيد - وان كان يقتضي دخله بنحو الموضوعية - ولكن يرفع اليد عن هذا الظهور في المقام بقرينة الارتكاز المبنى على مناسبات الحكم والموضوع المركوزة في الذهن العرفي، فان كون الماء مما يستقى منه أو في معرض الاستقاء ليس بعنوانه دخيلا في اعتصام الماء وعدم انفعاله بحسب ما هو المركوز عرفا من المناسبات الدخيلة في الاعتصام.


(1) و (2) وسائل الشيعة باب 1 من ابواب الاسئار حديث - 3، 7 -.

[ 104 ]

فارتكازية عدم دخل الاستقاء بعنوانه تكون قرينة على رفع اليد عن الظهور الاولي للقيد في الموضوعية وحمله على الطريقية. بمعنى أن كون الحوض مما يستقى منه يكون دخيلا بما هو معروف لخصوصية من الخصوصيات، فالمأخوذ في موضوع الحكم حقيقة تلك الخصوصية لا الاستقاء. وهناك ثلاث خصوصيات يصلح الاستقاء ان يكون مأخوذ بما هو معرف لها: الاولى كون الماء كثير الوضوح ان الاستقاء لا يكون الا من الكثير. الثانية كونه مطلقا، لان المياه المضافة لا يسقى منها للزرع والحيوانات ولو كان كثيرا، الثالثة كونه بصفة معينة من حيث الطعم والعذوبة، لوضوح أن المياه المالحة من قبيل مياه البحر غير صالحة للاستقاء منها. فان كان المراد بقوله " يستقى منه " أخذه معرفا لمجموع الخصوصيات الثلاث اختص المستثنى بقسم من الماء المطلق، وان كان المراد أخذه معرفا للخصوصيتين الاوليين خاصة اختص المستثنى بالماء المطلق، وان كان المراد أخذه معرفا للخصوصية الاولى فقط فلا يختص المستثنى بالمطلق، بل يكون قوله " يستقى منه " توضيحا لقوله " حوضا كبيرا " فكأنه قال: إلا أن يكون حوضا كبيرا بحيث يناسب كبره مع الاستقاء منه، فيشمل المستثنى مطلق الحوض الكبير، سواء كان مطلقا أو مضافا. ويكفى لابطال الاستدلال بالرواية - بعد رفع اليد عن ظهور القيد في الموضوعية - الاجمال والتردد في ما أخذ القيد معرفا له، لان الاجمال يوجب تردد المستثنى بين مطلق الكثير وقسم خاص من الكثير. ويسري هذا الاجمال إلى المستثنى منه، لان إجمال الاستثناء المتصل يسري إلى المستثنى منه. فلا يمكن التمسك باطلاق المستثنى منه لاثبات انفعال المضاف الكثير. هذا إذا لم نقل بأن المستثنى منه ابتداءا مختص بالماء المطلق، بدعوى ان المراد بسؤر الكلب نفس ما أريد بفضلة الهرة. إذ قيل " ليس بفضل

[ 105 ]

السنور بأس أن يتوضأ منه ويشرب ولا يشرب سؤر الكلب " فكأنه في مقام التفرقة بين السنور والكلب بلحاظ موضوع واحد. وحيث أن المراد بفضل السنور خصوص الماء المطلق بقرينة عطف الوضوء على الشرب فليكن المراد من سنور الكلب ذلك أيضا. " الوجه الثاني " الاستدلال بما ورد في بعض الاخبار من أن الفارة إذا وقعت في السمن فماتت فيه: فان كان جامدا فألقها وما يليها وكل ما بقي وان كان ذائبا فلا تأكله واستصبح به، والزيت مثل ذلك (1). وقد ذكر السيد الاستاذ - دام ظله - في تقريب الاستدلال بذلك (2) ان الحكم بانفعال السمن والزيت يدل على انفعال المضاف بالملاقاة، لانهما وان لم يكونا من المضاف ولكن بعد أن عرفنا أن الانفعال مستند إلى ميعانهما وذوبانهما. فكل مائع له ذوبان يحكم بنجاسة إذا لاقى نجسا، بلا فرق في ذلك بين قلته وكثرته. أقول: يوجد لينا حكمان بالانفعال: أحدهما الحكم بالانفعال السمن والزيت في مقابل ان يحكم باعتصامهما على حد اعتصام الكر والجاري، والآخر بعد فرض ثبوت الحكم الاول بالانفعال يحكم بانفعال تمام السمن والزيت في مقابل ان يختص الانفعال بخصوص موضع الملاقاة كما في الجوامد. وعلى هذا فما أفيد من معلومية أن المستند للحكم بانفعال السمن والزيت


(1) وقد ورد هذا المضمون في رواية زرارة عن ابي جعفر عليه السلام المروية في باب 5 من ابواب الماء المضاف من الوسائل حديث - 1 - (2) التنقيح الجزء الاول ص 44.

[ 106 ]

هو ذوبانهما وميعانهما فيحكم بانفعال كل مائع: إن أريد بذلك أن الحكم الاول بالانفعال مستند إلى الذوبان - أي أن أصل الانفعال في مقابل الاعتصام مستند إلى الذوبان والميعان - فهذا غير معلوم. بل معلوم العدم، لان الحكم بالانفعال في مقابل الاعتصام لا يختص بالمائعات وليس بملاك الميعان، لانه ثابت في الجوامد أيضا. وإن أريد بذالك أن الحكم الثاني - وهوأن الانفعال لا يختص بموضع الملاقاة - مستند إلى الذوبان والميعان فهو صحيح. ولهذا نسري الحكم الثاني إلى كل مائع، ولكن هذا لا يثبت المقصود، لان كلامنا في الماء المضاف ليس في أن الانفعال يختص بموضع الملاقاة منه أو يشمله بتمامه، بل الكلام في أصل الانفعال في مقابل الاعتصام. والحاصل: ان الحكم الذي يكون الذوبان مناطا له ليس هو محل الكلام، وما هو محل الكلام - وهو اصل الانفعال في مقابل الاعتصام - ليس الذوبان مناطا له حتما. لانه ثابت في الاجسام الجامدة أيضا. فان قيل: إن قوله " وان كان ذائبا فلا تأكله " يتكفل بجزائه مجموع الحكمين، أي أصل الانفعال وشموله لتمام الجسم، وحيث أنه علل ذلك بالذوبان فيستفاد منه انه متى وجد الذوبان ترتب مجموع الحكمين. قلنا: إن المعلق على الذوبان والمعلل به في هذه الجملة هو الحكم الثاني لا الاول، لان أصل الانفعال قد حكم بثبوته على كل حال، وإنما فصل بين حالتي الانجماد والذوبان بلحاظ الحكم الثاني. ولو سلم كون أصل الحكم بالانفعال معلقا على الذوبان. فلا يمكن أن يستفاد من ذلك إسراء الحكم إلى كل ذائب. لان الذوبان ذكر شرطا في ثبوت الانفعال للسمن لا تعليلا لثبوته له، ففرق بين أن يقول " السمن ينفعل لانه ذائب " وبين أن يقول " السمن إذا كان ذائبا ينفعل "، فان القول

[ 107 ]

الاول يقتضي التعدي إلى كل ذائب، لان مقتضى التعليل إلغاء خصوصية المورد وجعل الحكم دائر مدار العلة. وأما القول الثاني فهو لا يقتضي التعدي لانه إنما يدل على أن الذوبان شرط في ثبوت الانفعال للسمن،، وهذا لا يعني أنه يستتبع نفس الحكم في موضوع آخر. بل هو من قبيل قولنا " إذا كان العالم عادلا فأكرمه " فان هذا لا يدل على أن غير العالم إذا كان عادلا يجب إكرامه أيضا. والوارد في الرواية هو القول الثاني لا الاول، فلا موجب للتعدي. نعم، لو كان الارتكاز العرفي قاضيا بعدم الفرق بين السمن والزيت وبين الماء المضاف لصح التعدي بتوسط الارتكاز، ولكن هذا الارتكاز ممنوع، لان مائية الماء المضاف من الخصوصيات التي يحتمل دخلها في تميز الماء المضاف عن السمن والزيت. " الوجه الثالث " - الاستدلال برواية عمار الساباطي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سئل عن الخنفساء والذباب والجراد والنملة وما اشبه ذلك يموت في البئر والزيت والسمن وشبهه؟ قال: كل ما ليس له دم فلا بأس (1) وتقريب الاستدلال بهذه الرواية له وجهان: احدهما - استفادة النجاسة من مفهوم قوله " كل ما ليس له دم فلا بأس " فان مفهومه يدل على الانفعال عند ملاقاة ميتة ذي النفس السائلة. وموضوع الحكم هو الزيت والسمن وشبههما، فيشمل كل ما يكون شبيها بالزيت والسمن، وبهذا يعم كل أقسام الماء المضاف. ويرد عليه: ان قوله: " كل ما ليس له دم فلا بأس " لو كان مشتملا على أداة الشرط - من قبيل ان يقال إذا لم يكن له دم فلا بأس - فهو يدل منطوقا على عدم الانفعال ويدل مفهوما على الانفعال، ومقتضى


(1) وسائل الشيعة باب 35 من ابواب النجاسات حديث - 1 -.

[ 108 ]

إطلاق المنطوق عدم الانفعال في تمام ما يكون شبيها بالسمن والزيت. ومقتضى اطلاق المفهوم ثبوت الانفعال في تمام ما يكون شبيها بالسمن والزيت ليست مشتملة على أداة الشرط، وانما هي مشتملة على التفريع بقرينة الفاء، إلا أن هذا بمجرده لا يكفي في إثبات مفهوم من سنخ مفهوم الشرط للجملة. نعم " يستفاد من الجملة ثبوت الحكم بالانفعال ول وفي الجملة فيها له دم. إذ ل وكان حكم ماله دم وما ليس له دم واحد لكان أخذ عنوان ما ليس له دم لغوا، فيثبت بهذا اللحاظ أن ماله دم منجس ولو في الجملة دفعا للغوية واعطاء للتفريع حقه، فلا يمكن التمسك باطلاقه لا ثبات أن ماله دم منجس لكل ما يكون شبيها بالسمن والزيت. والوجه الآخر لتقريب الاستدلال ما ذكره السيد الاستاذ (1) من أن المستفاد من جواب الامام إقرار السائل على ما هو المركوز في ذهنه من أن وقوع ماله نفس سائلة في شئ من المائعات يقتضي نجاسته. أقول: إن تخيصى السائل سؤاله بالخنفساء والذباب وأمثالهما - وان كان يشعر أو يدل على أن المركوز في ذهنه منجسية ماله نفس سائلة من الميتة - ولكن هذا الارتكاز حيث أن الراوي لم يكن في مقام بيانه، فلا يمكن ان نحدد أن المركز في ذهنه هل كان هو انفعال كل ما يكون شبيها بالسمن في الذوبان والميعان بوقوع الميتة النجسة فيه، أو انفعال ما يكون شبيها بالسمن في بعض المراتب بحيث لا يشمل كل مائع. وحيث ان الراوي لم يكن ابتداءا في مقام إفادة هذا الارتكاز وإنما استفيد بقرينة تخصيصه للسؤال بأمثال الخنفساء والجراد، فلا يمكن التمسك باطلاق أو ظهور في كلامه لاثبات ان ارتكاز منجسية الميتة النجسة كان يشمل كل ما يكون


(1) التنقيح الجزء الاول ص 45.

[ 109 ]

شبيها للسمن في أصل الميعان والذوبان. ومع تردد ارتكاز الراوي وعدم تبين حدوده لا يمكن أن يستكشف من سكوت الامام وعدم ردعه عنه امضاء الموجبة الكلية لانفعال كل مائع بالملاقاة، سواء صدق عليه أنه ماء أولا، وسواء كان قليلا أو كثيرا. " الوجه الرابع " - مادل من الروايات على نجاسة المرق في القدر إذا وقعت فيه نجاسة، من قبيل رواية السكوني عن جعفر عن أبيه أن عليا سئل عن قدر طبخت وإذا في القدر فارة؟ قال: يهرق مرقها ويغسل اللحم ويؤكل (1). والاستدلال بذلك على المطلوب يتم بدعوى: أن المرق يشمل ماء اللحم الذي هو ماء مضاف، وكلمة " القدر " تشمل القدر الكبير الذي يحتوي كرا من المرق أو أزيد، فيكون للدليل إطلاق يقتضي انفعال المضاف الكثير بملاقاة النجاسة. ولكن رواية السكوني ضعيفة، وكذلك رواية زكريا بن آدم القريبة منها (2). " الوجه الخامس " - التمسك بالقاعدة العامة، وهي " ان كل شئ ينفعل بملاقاة النجاسة إلا ما خرج بالدليل، وحيث لا دليل على عدم انفعال المضاف فيحكم بانفعاله عملا بالقاعدة. وقد قرب السيد الاستاذ هذا الوجه (3) باثبات هذه القاعدة العامة بموثقة عمار التي ورد فيها " اغسل كل ما أصابه ذلك الماء " (4)، فقد


(1) وسائل الشيعة باب 5 من أبواب الماء المضاف حديث - 3 -. (2) وسائل الشيعة، باب 38 من ابواب النجاسات، حديث - 8 -. (3) التنقيح الجزء الاول ص 43. (4) وسائل الشيعة، باب 4 من ابواب الماء المطلق، حديث - 1 -.

[ 110 ]

جعل من هذه الموثقة دليلا على أن كل شئ ينفعل بالملاقاة، فإذا ادعي في شئ أنه لا ينفعل فلابد من دليل على عدم الانفعال، ولا دليل على عدم الانفعال في المضاف الكثير. والتحقيق أن الاستدلال على انعفال المضاف الكثير بالقاعدة العامة يتطلب منا أن نتسأل عن الدليل الذي به نثبت تلك القاعدة العامة: فان كان مدرك القاعدة المدعاة هو موثقة عمار المشار إليها، فيرد عليه: ان القاعدة المستفادة من موثقة عمار لا يمكن أن تكون أو سع من مدلول هذه الموثقة، وهذه الموثقة - وإن دلت على الامر بغسل كل ما أصابه النجس، وحيث أن الامر ارشاد إلى النجاسة فتدل على انفعال الملاقى للنجس مطلقا - ولكن حيث أن الارشاد إلى النجاسة كان بالامر بالغسل فلا يكون الدليل شاملا لما لا يقبل الغسل من الاجسام من قبيل الماء المضاف، فان الماء المضاف لا معنى للامر بغسله، فلا يصح الارشاد إلى نجاسته بلسان الامر بالغسل، فالدليل الدال على نجاسة الملاقي بلسان الامر بالغسل لا يشمل الماء المضاف، ولا يكون دليلا على انفعاله بالملاقاة مادام لا يعقل بشأنه الغسل. وإن شئت قلت: كما لا يمكن ورد الدليل الخاص على انفعال الماء المضاف عند ملاقاة النجس له بلسان " إغسل ماء الرمان " كذلك لا يمكن شمول الدليل الدال على الانفعال بلسان الامر بالغسل له. وإن كان مدرك القاعدة هو الاجماع، وفروض انعقاد الاجماع على الانفعال في كل ملاقي حتى المضاف، فهذا في الحقيقة استدلال بالاجماع، وحيث أنه مدركي وليس تعبديا فقد يقال بعدم حجيته، لاحتمال استناده إلى بعض الوجوه السابقة. وإن كان مدرك القاعدة مجموع الاخبار الواردة في الانفعال، بمعنى كونها قاعدة متصيدة من مجموع الاخبار. فلا يمكن تطبيقها على مورد إلا

[ 111 ]

إذا كان هذا المورد داخلا في نطاق الاطلاق اللفظي للاخبار، أو كان الارتكاز العرفي يلغي خصوصية الفرق بينه وبين ما هو داخل في نطاق الاطلاق اللفظي للاخبار. واما إذا لم يكن المورد داخلا تحت الاخبار - لا لفظا ولا ارتكازا - فلا معنى لتطبيق القاعدة عليه، والماء المضاف في المقام كذلك: أما عدم دخوله تحت الاخبار لفظا فقد اتضح حاله عند الكلام في الوجوه السابقة، وأما عدم دخوله تحتها بتوسط الارتكاز فلان الارتكاز العرفي لا يلغي خصوصية الفرق بين المضاف وبقية الاجسام، لان مائية المضاف من المحتمل دخلها في اعتصامه وتميزه من هذه الناحية على سائر الاجسام. الفرع الثالث: في انفعال الماء المضاف القليل بملاقاة المتنجس وحاصل الكلام في ذلك انه: إذا قلنا أن الماء المطلق القليل ينفعل بملاقاة المتنجس كفى نفس الدليل الدال على ذلك دليلا على انفعال المضاف القليل بملاقاة المتنجس أيضا، إذ لا يحتمل كون الاضافة سببا للزيادة في العصمة، وأما إذا بنينا على أن الماء القليل المطلق لا ينفعل بملاقاة المتنجس الخالي من عين النجس فلابد من بحث مستقل في هذا الفرع، بقصد الحصول على دليل يدل على الانفعال بملاقاة المتنجس الخالي عن عين النجس في الماء المضاف القليل بعد الفراغ عن انفعاله بملاقاة عين النجس. والاخبار المتقدمة كلها واردة في مورد ملاقاة المضاف أو شبه المضاف لعين النجاسة، فلا يمكن أن نستفيد منها الانفعال بملاقاة المتنجس الخالي عن عين النجس. إذ لا ملازمة بين الانفعال بعين النجس والانفعال بالمتنجس، بعد البناء على التفكيك بينهما في الماء المطلق القليل كما هو المفروض. ويمكن أن يستدل على انفعال المضاف القليل بملاقاة المتنجس بأحد وجهين:

[ 112 ]

الاول - التمسك بأخبار سور الكتابي، من قبيل قوله: سألته عن سؤر اليهودي؟ قال: لا تشرب منه (1) بناءا على احد المحتملات الثلاثة لهذه الاخبار، فان هذه الاخبار قد تحمل على النجاسة الذاتية للكتابي بوصفه كافرا كما هو المشهور، وقد تحمل على التنزه والاستحباب جمعا بينها وبين ما دل على طهارة أهل الكتاب، وقد تحمل على أنها في مقام الحكم بأصالة النجاسة العرضية في الكتابي، فالكتابي وان لم يكن نجسا ذاتا ولكن بلحاظ مساورته للنجاسات أخرجه الشارع عن عموم قاعدة الطهارة وحكم بأن الاصل فيه هو النجاسة العرضية ما لم يتفق العلم بانتفائها. وقد جعل بعض الفقهاء هذا الاحتمال الثالث وجه جمع بين مادل على النجاسة وما دل على الطهارة. فإن بني على الاحتمال الاول فروايات السؤر أجنبية عن محل الكلام، لان موردها حينئذ هو فرض الملاقاة لعين النجس. وإن نبي على الاحتمال الثالث أمكن الاستدلال بها في المقام، بدعوى أن الكتابي بناءا على هذا الاحتمال محكوم عليه شرعا بأنه متنجس لاعين النجس، وقد حكم بنجاسة سؤره " والسؤر شامل للمضاف، فهذا يدل على أن المضاف ينفعل بملاقاة المتنجس، إذ لولا ذلك لما حكم بنجاسة سؤره مع عدم كونه نجسا ذاتا. وأما إذا بني على الاحتمال الوسط - أي الثاني - فالرواية لا تدل على نجاسة السؤر ليتمسك بها في المقام، إلا أن يقال: إن النهي فيها عن سؤر الكتابي - وإن كان تنزيهيا على هذا الاحتمال - ولكن المتفاهم عرفا أن نكتة التنزيه هي احتمال كون الكتابي متنجسا بالنجاسات التي يساورها عادة، هذا يعني لزوم الاجتناب عن السؤر لو علم بتنجس الكتابي، ولكن يمكن


(1) وسائل الشيعة باب 14 من ابواب النجاسات، وكذلك في باب 3 من ابواب الاسآر.

[ 113 ]

أن يكون التنزه بلحاظ مرتبة من الحزازة الذاتية في نفس الكتابي من دون نظر إلى النجاسة العرضية، فلا تكون أخبار السؤر دالة على أن المضاف ينفعل بالمتنجس. الثاني - التمسك برواية عمار الساباطي عن ابي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن الدن يكون فيه الخمر هل يصلح أن يكون فيه خل أو ماء كامخ أو زيت؟ قال: إذا غسل فلا بأس (1) فانه سواء قلتا بأن مراد السائل بقوله " الدن يكون فيه الخمر " فعلية وجود الخمر في الدن، أو كون الدن مستعملا سابقا ظرفا للخمر، وان لم يكن الخمر موجودا بالفعل، وسواء قلنا بأن مراد السائل بقوله " هل يصلح أن يكون فيه خل " السؤال عن صلاحية الخل الموضوع في دن الخمر كما هو الظاهر، أو السؤال عن صلاحية وضعه في دن الخمر بما هو استعمال لظروف الخمر على أي حال، نستفيد من تعليق نفي البأس على الغسل أنه مع عدم الغسل وازالة النجاسة عن الدن يكون هناك محذور، ومناسبات الحكم والموضوع المركوزة في الذهن المتشرعي والعرفي تعين هذا المحذور في سراية النجاسة من الدن إلى المائع ما لم يغسل الدن، وهذا دليل باطلاقه على انفعال المائع بملاقاة المتنجس الخالي من عين النجس. ويتوقف تتميم هذا الوجه على عدم الالتزام بسقوط هذه الرواية بالمعارضة مع الرواية الدالة على طهارة الخمر، وإلا فلا مجال للاستدلال بها، لان مفادها - وهو الحكم بانفعال المضاف الموضوع في الدن قبل غسله - لازم لمجموع أمرين: أحدهما نجاسة الخمر، والآخر انفعال المضاف بملاقاة المتنجس، وبعد فرض ابتلاء الرواية بالمعارض بلحاظ الاخبار الدالة على طهارة الخمر فلا يمكن بقاء هذه الرواية على الحجية في مفادها، لانه


(1) وسائل الشيعة باب 51 من ابواب النجاسات حديث " 1 ".

[ 114 ]

لازم لنجاسة الخمر، ولا يمكن الالتزام بحجيتها في أحد ملزومى مفادها مع رفع اليد عن حجيتها بالنسبة إلى مفادها لكي يثبت بها انفعال المضاف بملاقاة المتنجس دون نجاسة الخمر، لان هذا تفكيك بين المدلول المطابقي والالتزامي في الحجية. الفرع الرابع: في انفعال المضال الكثير بملاقاة المتنجس. ولو حصلنا على دليل يدل على انفعال المضاف الكثير بملاقاة المتنجس لكان بنفسه دليلا على الانفعال في الفرع الثاني، لان انفعال المضاف الكثير بالمتنجس يستلزم انفعاله بعين النجس. ولا بد في تحقيق الحال في ذلك من الالتفات إلى الفرع الثالث، فان لم يكن قد تم فيه دليل على انفعال المضاف القليل بملاقاة المتنجس فلا دليل في المقام أيضا، وان تم في الفرع السابق أحد الوجهين المتقدمين فلابد من ملاحظة مديى شمولهما للمضاف الكثير. أما الوجه الاول - وهو أخبار سؤر الكتابي بناءا على الاحتمال الثالث المتقدم فيها - فقد يقال: إنها إذا تمت دلالتها على انفعال المضاف بملاقاة المتنجس فلا يفرق في ذلك بين القليل منه والكثير، لصدق عنوان السؤر على كل منهما، وستأتي تتمة تحقيق لذلك. وأما الوجه الثاني - وهو رواية الدن - فقد يدعى الاطلاق فيها للمضاف الكثير، على أساس أن الدن من الظروف الكبيرة، وفرض سعته للكر فرض اعتيادي يشمله الاطلاق، ولكن هنا نكتة في خصوص رواية الدن توجب الاشكال في الاستدلال بهذا الاطلاق على انفعال المضاف الكثير بالملاقاة، وهي: إن الرواية لو كانت تفرض دنا مليئا بالمضاف ثم

[ 115 ]

تقع فيه النجاسة أو المتنجس لامكن الالتزام باطلاقها لاثبات أن المضاف الكثير ينفعل أيضا. ولكن الرواية تفرض دنا متنجسا بالخمر ويوضع فيه المائع المضاف، ومن المعلوم أن المائع المضاف حينما يوضع في الدن المتنجس بسبب سابق يكون حين صبه في الدن غير متساوي السطوح عادة. بمعنى أنه يتشكل أسفل وأعلا، من قبيل ما إذا أردت أن تصب ماءا من الابريق، فإذا قلنا إن تقوي السافل بالعالي ليس على مقتضى يالقاعدة وإنما هو حكم تعبدي ثبت بلحاظ أخبار ماء الحمام - كما هو مبنى السيد الاستاذ - دام ظله - فلا يكون الحكم بانفعال المضاف الذي يوضع في الدن المتنجس كاشفا باطلاقه عن أن المضاف الكثير ينفعل بالملاقاة أيضا، بل لعله بلحاظ أن الملاقاة في مورد الرواية لا تكون مع المضاف الكثير الا مع اختلاف سطوحه. أي ان الملاقي هو الجزء السافل، فإذا لم نقل بتقوي السافل بالعالي على القاعدة - وقلنا ان مقتضى القاعدة هو الانفعال وإنما خرجنا عنها في خصوص الماء المطلق لاخبار ماء الحمام - فلا يكون الحكم بنجاسة المضاف في مورد الرواية كاشفا عن عدم اعتصام المضاف الكثير، بل المتيقن استكشافه من ذلك عدم تقوي السافل بالعالي، والمفروض أن هذا هو مقتضى القاعدة حتي في الماء المطلق. وأما فرض إلقاء المضاف في الدن المتنجس بنحو لا تختلف سطوحه ولا يحصل له عال وسافل، فهو فرض نادر لا معنى للتمسك بالاطلاق بلحاظه. بل يمكن أن يدعى أكثر من ذلك، فيقال بعدم الاطلاق في الرواية للماء المضاف الكثير الملاقي مع النجس أو المتنجس، لانه من غير المتعارف عادة وضع الخل أو غيره في الدن دفعة واحدة عن طريق الصب المستمر بنحو الاتصال بأنبوب أو نحوه، بحيث يكون المضاف حين ملاقاته مع الدن كرا، وإنما المتعارف وأن يفرغ الخل أو الزيت أو غيرهما مما يحفظ في

[ 116 ]

الدن متقطعا بواسطة الاواني الصغيرة. فافتراض تفريغ المضاف الكر في الدن بنحو يكون متصلا حين الملاقاة، هذا الافتراض الذى هو المطلوب في المقام نادر جدا، فلا معنى لدعوى الاطلاق بلحاظه. بقيت نقطة مهمة مرتبطة بالاستدلال بأخبار السؤر على انفعال المضاف الكثير بعين النجاسة في الفرع الثاني وعلى انفعال المضاف الكثير بالمتنجس في الفرع الرابع بالتقريب المتقدم. وهذه النقطة مبنية على تحقيق مطلب كلي له نفع في المقام وفي كثير من المقامات التي وقع فيها الاستدلال على نجاسة شئ من الاشياء بالروايات. وتوضيح الحال في ذلك المطلب الكلي: أننا إذا لاحظنا حال السائل الذي يسأل عن حكم شئ من حيث النجاسة والطهارة عند ملاقاته لشئ آخر، فهو بحسب مقام الثبوت يحتمل ثلاثة احتمالات: الاول: أن يكون نظره في السؤال متجها محضا إلى حيثية أن الملاقى - بالفتح - هل هو نجس بحيث تسرى منه النجاسة بالملاقاة أولا، مع فراغه عن أن الشئ الملاقي - بالكسر - قابل للانفعال في نفسه وليس معتصما. الثاني: أن يكون نظر السائل في السؤال متجها محضا إلى حيثية أن الملاقي - بالكسر - هل هو معتصم أو قابل للانفعال بملاقاة النجس، مع فراغه عن أن الشئ الملاقي - بالفتح - نجس في نفسه ومنجس لما لا يكون محكوما بالاعتصام. الثالث: أن يكون نظر السائل متجها إلى كلتا الجهتين، فهو لا يدري أن الملاقي - بالفتح - نجس أولا، ولا يدري ان الملاقي - بالكسر - هل هو معتصم أو قابل للانفعال بالنجس، فلم يفرغ عن كل من الجهتين. هذا بحسب مقام الثبوت، أو ما بحسب مقام الاثبات فقد يستظهر الاحتمال الاول، ومناط استظهاره أن يكون اعتصام الملاقي - بالكسر -

[ 117 ]

خلاف الارتكاز العام. فبقرينة ارتكازية أن الملاقي - بالكسر - لا يتميز عن سائر الاشياء التي تنفعل بالنجاسة يستظهر عرفا أن نظر السائل ليس إلى اعتصام الملاقي - بالكسر - بل إلى نجاسة الملاقى - بالفتح - مع الفراغ عن عدم اعتصام الملاقي له في حد نفسه. ومثاله: ما إذا ورد السؤال عن حكم الثوب الذي أصابه دم البراغيث، فان المستظهر عرفا من هذا السؤال أن الملحوظ للسائل حيثية أن دم البرغوث نجس أولا، لا حيثية أن الثوب هل هو معتصم كاعتصام الجاري وماء المطر أولا، لان احتمال الاعتصام في الثوب حيث أنه على خلاف الارتكاز فيوجب الارتكاز انسباق الحيثية الاخرى، فيكون كلام السائل ظاهرا في الاحتمال الاول. وقد يستظهر الاحتمال الثاني، ومناط هذا الاستظهار أن يكون الملاقي - بالكسر - مما يناسب بحسب الارتكاز العرفي احتمال كونه بعنوانه معتصما. بحيث لا يوجد ارتكاز على عدم اعتصامه ومساواته لغيره من الاجسام، وان يكون الملاقي - بالفتح - مما انعقد الارتكاز المتشرعي والعرفي على نجاسته. ففي مثل ذلك ينعقد للكلام ظهور في أن نظر السائل إلى حيثية الاعتصام اثباتا ونفيا مع الفراغ عن نجاسة الملاقى - بالفتح - ومثاله: ما إذا سأل السائل عن كر من الماء وقع فيه البول أو الميتة، أو عن الماء الجاري يقع فيه البول أو الميتة، لان احتمال اعتصام الكر أو الماء الجاري ليس على خلاف الارتكاز، بينما نجاسة البول أو الميتة مركوزة، فينسبق إلى الذهن العرفي من السؤال الاحتمال الثاني. وقد لا يستظهر شئ من الاحتمالين الاوليين، بأن تكون نسبة كلتا الجهتين إلى نظر السائل واحدة بحسب الفهم العرفي، وذلك فيما إذا لم يكن هناك ارتكاز لعدم اعتصام الملاقي - بالكسر - بحيث يوجب انصراف الذهن عن كون السؤال عن ذلك. ولم يكن هناك ارتكاز لعدم طهارة الملاقى

[ 118 ]

- بالفتح - بحيث يوجب انصراف الذهن عن كون السؤال عن ذلك. ومثاله ما إذا وقع السؤال عن غدير من الماء تبول فيه الدواب، فان افتراض توجه نظر السائل إلى حيثية أن بول الدواب هل هو نجس ومنجس في نفسه يساوي في النظر العرفي افتراض توجه نظر السائل إلى أن مياه الغدران هل تنفعل بالملاقاة أو معتصمة لا تنفعل بذلك. وتعيين ما هو المستظهر من الاحتمالات الثلاثة له دخل في مقام استنباط الحكم بالنجاسة والطهارة من الادلة، وذلك لان السؤال: ان استظهر منه الاحتمال الاول - وهو أن السائل يسأل عن نجاسة الملاقى بالفتح مع فراغه غن كون الملاقي بالكسر قابلا للانفعال في نفسه - فيمكن حينئذ التمسك بالاطلاق لاثببات نجاسة الملاقى بالفتح بتمام افراده، فإذا قيل " ثوبي وبدني اصابه دم " وأجيب بأنه " أغسله " واستظهر، من ذلك الاحتمال الاول أمكن التمسك بالاطلاق لاثبات نجاسة كل دم، لان المفروض أن السؤال متجه إلى التعرف على حكم الدم، فيكون الجواب في مقام بيان نجاسة الدم فيتمسك باطلاقه لاثبات نجاسة الدم مطلقا. وعلى العكس من ذلك إذا قيل " ماء البئر تقع فيه الميتة " فأجيب بأنه " انزحه " واستهر من ذلك الاحتمال الثاني، فانه لا يمكن التمسك بالاطلاق فيه لا ثبات نجاسة الميتة بتمام أقسامها حتى ما ليس له نفس سائلة مثا، لان المفروض أن السؤال متجه إلى التعرف على حكم البئر من حيث الاعتصام وعدمه، مع الفراغ عن نجاسة الملاقى - بالفتح -، فلا يكون الجواب في مقام البيان من ناحية نجاسة الميتة ليتمسك باطلاقه لاثبات نجاستها مطلقا. إذا عرفت ذلك أتينا بعد ذلك إلى تطبيقه على اخبار سؤر الكتابي التي استدل بها السيد الاستاذ على انفعال المضاف الكثير تمسكا باطلاقها كما

[ 119 ]

تقدم في الفرع الثاني، والتى تمسكنا بها لاثبات انفعال المضاف الكثير بعنوان بملاقاة المتنجس في الفرع الرابع تمسكا باطلاقها، فنقول: إن ما جاء في هذه الروايات من أنه سئل عليه السلام عن سؤر اليهودي فقال " لا تشرب منه ". إنما يكن التمسك باطلاقه لاثبات انفعال المضاف الكثير إذا لم نستظهر أو نحتمل استظهار الاحتمال الاول من الاحتمالات الثلاثة المتقدمة. تضيح ذلك: إن نظر السائل في هذه الرواية إذا استظهرنا أنه متجه إلى حيثية أن اليهودي نجس أولا مع الفراغ عن أن السؤر بحد ذاته مما ينفعل بملاقاة النجاسة، فيكون المدلول العرفي للسؤال هو: أن اليهودي نجس أولا. ويكون الجواب في مقام بيان نجاسته، ولا يكون في مقام بيان أن السؤر متى ينفعل بملاقاة النجاسة ليتمسك باطلاقه من هذه الناحية لاثبات انفعال المضاف الكثير، فالسؤال عن نجاسة اليهودي، كما قد يكون بلسان أن اليهودي نجس أولا يكون بلسان أو سؤر اليهودي ما هو حكمه. وكما لا يكون للجواب على اللسان الاول نظر إلى أن المضاف الكثير ينفعل بملاقاة النجاسة، كذلك لا يكون للجواب على اللسان الثاني نظر إلى ذلك، لان اللسانين أسلوبان في الاستفهام عن مطلب واحد. نعم، لو قلنا إن نظر السائل إلى حيثية كون السؤر معتصما أولا. أو ان نظره شامل لهذه الحيثية على الاقل، فيكون الجواب في مقام البيان من ناحية نفي الاعتصام ايضا، فيتمسك باطلاقه لاثبات عدم اعتصام المضاف الكثير أيضا. لكن لا ينبغي الاشكال في أن الظاهر من الروئاية هو الاحتمال الاول، لان المناط الذي ذكرناه لاستظهار الاحتمال الاول موجود في المقام، وهو أن احتمال كون السؤر معتصما في نفسه وليس احتمالا عرفيا، فان الطعام والشراب الذي يساوره اليهودي حاله بحسب الارتكاز العرفي حال سائر الاجسام في قابلية الانفعال. نعم. المضاف الكثير بعنوان كونه كثيرا

[ 120 ]

لا ارتكاز على عدم اعتصامه، ولكنه غير ما هو المفروض في السؤال، فان المفروض السؤر. فبقرينة ارتكازية عدم عصمة السؤر بما هو ينصرف كلام السائل عرفا إلى ان السؤال عن حيثية نجاسة الكتابي لا عن حيثية اعتصام السؤر وعدمه. فلا يكون الجواب في مقام البيان من ناحية عدم الاعتصام ليتمسك باطلاقه. وهذا بخلاف ما لو فرض أن السائل سأل عن مضاف كثير ساوره اليهودي، بحيث أخذ قيد الكثيرة عنوانا لمورد السؤال، ففي مثل ذلك لا بأس بدعوى أن نظر السائل متجه أو شامل لحيثية الاعتصام في الملاقي - بالكسر - لان احتمال اعتصام المضاف الكثير بما هو كثير احتمال عرفي لا يوجد ارتكاز على خلافه، فلا ينعقد ظهور على صرف السؤال عنه. ولكن هذا مجرد فرض. فإن قيل: أليس من المحتمل أن يكون السائل شاكا في أصل سراية النجاسة من عين النجس إلى الملاقى، فهو يحتمل أن سؤر اليهودي طاهر، لا لاحتمال كونه متميزا عن سائر الاشياء بالاعتصام حتى يقال إن هذا احتمال غير عرفي، بل لانه يحتمل أن النجاسة لا تسري أصلا بالملاقاة من عين النجس إلى الملاقي لها، فيكون الجواب في مقام بيان أن النجاسة تسري من اليهودي إلى سؤره. ومقتضى اطلاقه حينئذ أنها تسري إليه، سواء كان قليلا أو كثيرا. قلنا: إن الاحتمال المذكور - وان كان ثابتا بما هو احتمال عقلي - ولكن ارتكازية أصل سراية النجاسة عرفا ومتشرعيا من عين النجس إلى ملاقيه إلى جانب معهودية، كون نجاسة الكتابي في نفسه موردا للشك والسوال والاثبات والنفي، يوجب الانسباق وظهور الكلام عرفا في كونه متجها إلى تلك الجهة المعهودة دون جهة أخرى، على خلاف الارتكاز العرفي والمتشرعي.

[ 121 ]

ثم انه بعد الفراغ عن قيام الدليل على انفعال المضاف بالملاقاة، ينبغي أن يقع الكلام فيما قد يقدع بوصه معارضا لدليل الانفعال من الروايات التي قد يستدل بها على عدم الانفعال: فمن ذلك رواية سعيد الاعرج، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قدر فيها جزور وقع فيها قدر أوقية من دم أيؤكل؟ قال: نعم، فان النار تأكل الدم (1). ويتوقف الاستدلال بهذه الرواية على أمرين: الاول - دعوى أن الدم منصرف إلى الدم النجس، إذ لو كان مطلقا وشاملا للطاهر فيكون مادل على انفعال المضاف بملاقاة النجس الدم وغيره أخص مطلقا من هذه الرواية، فيقيدها بخصوص الدم الظاهر، بخلاف ما لو ادعى انصراف الهدم فيها إلى النجس. الثاني - دعوى أن قوله في مقام تعليل جواز الاكل " فان النار تأكل الدم " ليس المراد منه بيان مطهرية النار، والا لم تكن الرواية دالة على عدم الانفعال، وإنما تدل حينئذ على أن المضاف ينجس وان النار تطهره. فلابد من دفع احتمال أن الرواية بصدد بيان مطهرية النار. وذلك بتقريب: ان مطهرية النار لا يناسبها التعليل بأن النار تأكل الدم، لان الدم لو كان منجسا للمرق لما أفاد أكل النار وافناؤها له في رفع النجاسة الواقعة بسببه، لوضوح أن النجس إذا نجس شيئا بالملاقاة فلا يرتفع أثره بمجرد اعدام ذلك النجس. فهذا التعليل لا يناسب المطهرية بهذه القرينة. وانما يناسب بيان أن المكلف لا يبتلى إذا تناول من المرق بشرب الدم المحرم شربه، لان الدم قد أكلته النار، فلم يبق دم يبتلى بمحذور شربه. فالرواية اذن أجنبية عن جعل المطهرية للنار، وإنما هي بصدد دفع المحذور النفسي


(1) وسائل الشيعة باب 44 من ابواب الاطعمة المحرمة حيث - 2 -.

[ 122 ]

في شرب الدم بوصفه محرما في نفسه، فتكون الرواية دليلا على عدم انفعال الماء المضاف بملاقاة عين النجس، إذ لو كان ينفعل لتنجس ما في القدر ولحرم التناول منه، لان أجل محذور شرب الدم بل من أجل محذور أكل النجس. ولكن الصحيح مع هذا عدم إمكان الاستدلال بهذه الرواية، لان الرواية حكمت بجواز الاكل من الجزور - أي من اللحم - ولم تقتصر على تجويز شرب المرق فحسب. وعليه فإذا حملنا الدم فيها على الدم النجس فلابد من الالتزام بأحد أمرين: إما أن الاوقية من الدم لم تصل إلى الجزور أصلا بحيث انها استهلكت قبل ان يصل شئ منها إلى الجزور، وإما أن الجزور لا يتنجس بملاقاة الدم ايضا. وكلا الامرين غريب: أما الاول فلان من البعيد جدا أن يستهلك الدم كله دون أن يلاقي مع الجزور، وأما الثاني فلان الكلام إنما هو في انفعال المضاف وعدم انفعاله بعد الفراغ من انفعال غيره من الاجسام، ويتعين على هذا الاساس رفع اليد عن الامر الاول الذي بتينا عليه الاستدلال بالرواية، وحمل الدم فيها على الدم الطاهر الذي ينحصر محذوره في شربه، وهو محذور يرتفع بسبب اكل النار الدم. ومن ذلك رواية علي بن جعفر عن أخيه عليه السلام قال: سألته عن قدر فيها ألف رطل ماء يطبخ ففيها لحم وقع فيها أو قيمة من دم هل يصلح أكله؟ فقال: إذا طبخ فكل فلا بأس (1). وحيث أن الرطل في هذه الرواية مجمل فلا يعلم أن المراد به هل


(1) وسائل الشيعة باب 44 من ابواب الاطعمة المحرمة حديث - 3 -.

[ 123 ]

نعم إذا كان جاريا من العالي إلى السافل ولاقى سافه [ النجاسة لا ينجس العالي منه (1) كما إذا صب الجلاب من إبريق على يد كافر فلا ينجس ما في إلا بريق وإن كان متصلا بما في يده الرطل العراقي ليكون المائع أقل من الكر، أو الرطل المكي أو المدني ليكون اكثر من الكر، فينعقد للجواب إطلاق بملاك ترك الاستفصال بعد فرض اجمال الكلمة، ومقتضى الاطلاق الناشئ من ترك الاستفصال عدم انفعال المضاف بالملاقاة. سواء كان قليلا أو بالغا حد الكر. وحينئذ يعارض مع مادل على انفعال المضاف بالملاقاة مطلقا لو كان، غير أن بالامكان تصوير حذ هذا التعارض بناءا على انقلاب انسبة، بأن يقال: إن مادل على عدم الانفعال له مقيد أخص منه مطلقا، وهو ما ورد في انفعال ما في الاناء ونحو ذلك مما هو مختص بالقليل، فيختص دليل عدم الانفعال بالكثير، وبذلك تنقلب نسبته إلى مادل على انفعال طبيعي المضاف الشامل باطلاقه للكثير. إذ يكون أخص منه مطلقا، فيخصصه وينتج التفصيل بين القليل والكثير من المضاف في الانفعال بناءا على تماية انقلاب النسبة. ولكن هذا كله لو استظهر انصراف الدم في الرواية إلى خصوص الدم النجس، وأما مع فرض الاطلاق والشمول للطاهر فتكون جميع أدلة انفعال المضاف أخص مطلقا من الرواية، فتحمل على الدم الطاهر. بل عرفت أن الحمل على الدم النجس فيه محذور أحد أمرين كلاهما لا يلتزم به، كما تقدم في رواية سعيد الاعرج. وهناك روايات أخرى قد يظهر الحال فيها من مجموع ما تقدم. (1) توضيح الحال في ذلك: ان عدم سراية النجاسة من السافل إلى العالي هو المشهور في الماء المضاف مع نقل الخلاف عن بعض، كما أنه هو

[ 124 ]

المشهور في الماء المطلق بنحو لم ينقل الخلاف فيه. ولابد قيل تحقيق هذه المسألة من توضيح مدرك سراية النجاسة في المائع الساكن إلى تمام أجزائه بمجرد ملاقاة النجس لجزء منه. لكي يرى أن ما هو مدرك السراية في المائع الساكن هن يشمل الماء الجاري. ويقتضي سراية النجاسة إلى جزئه العالي بملاقاة النجس لجزئه السافل، فالكلام إذن يقع في مقامين: (المقام الاول) في توضيح مدرك سراية النجاسة في المائع الساكن إلى تمام اجزائه. على عكس الجامد الذي لا ينفعل بالملاقاة إلى موضع الملاقاة منه. فقد يقال في بادئ الامر: إن دليل الانفعال بالملاقاة واحد، هو يشمل المائع والجامد على السواء، فكيف اقتضى في المائع انفعال تمام أجزائه بملاقاة النجس لجزئه، واقتضى في الجامد انفعال موضع الملاقاة منه خاصة؟ فان كان عنوان الملاقي المحكوم بالانفعال في هذا الدليل ينطبق على الجزء خاصة، فلما ذا تسري النجاسة إلى باقي الاجزاء في المائع. وان كان ينطبق على الكل لزم سريان الانفعال إلى تمام الجامد ايضا عند ملاقاة النجس لشئ منه. وقد يجاب على ذلك بعدة وجوه: " الوجه الاول " - إن دليل الانفعال العام لا يقتضي في المرتبة الاولى إلا انفعال الجزء الملاقي، من المائع للنجس، إلا ان اجزاء المائع لما كانت تتحرك وتنفذ فبتحرك الجزء الملاقي ونفوذه ينجس سائر الاجزاء. ويرد على هذا الوجه - يقطع النر عما سوف يأتي - ان لازم تفسير السراية على هذا الاساس احتياج استيعاب الانفعال لتمام المائع إلى مرور برهة من الزمن، مع ان السراية المدعاة لا تتوقف على ذلك. " الوجه الثاني " - ان دليل الانفعال العام لا يقتضي في المرتبة الالى

[ 125 ]

إلا انفعال الجزء الملاقي من المائع للنجس، غير أن هذا الجزء ينجس بدره الجزء الثاني، لحصول الملاقاة بينهما في الآذن الاول، ويتنجس الثالث بالثاني وهكذا تحصل نجاسات مترتبة، ولكن ترتبا رتيبا لازمانيا، لان الملاقاة بين الاجزاء كلها حاصلة في الآن الاول، فلا حاجة إلى نفوذ وتحرك ومرور زمان. وقد اعترض في كلمات المحقق الهمداني - قدس سره - وغيره على هذا التفسير للسراية، وذهبوا إلى أن المائع عند ملاقاة النجس لجزء منه يتنجس كله في عرض واحد. ويتحصل من كلماتهم توجيه اعتراضين إلى التفسير المذكور للسراية: الاعتراض الاول - ان صاحب هذا المبنى يفترض أن الجزء الاول من المائع الملاقي للنجس يتنجس بملاقاة النجس، ثم يتنجس الجزء الثاني بملاقاة الجزء الاول، وهكذا، ولكننا نستشكل في نفس تنجس الجزء الاول، وذلك لان الجزء الاول له سطحان: أحدهما ملاق للنجس، والآخر ملاق للجزء الآخر من الماء. فإذا أردنا أن نقتصر على التطبيق الدقيق لدليل الانفعال بالملاقاة دون إدخال أي توسعة عرفية فلابد أن نلتزم ان الملاقي للنجس إنما هو أحد السطحين للجزء الاول، فتختص النجاسة به ولا تسري إلى السطح الآخر، ومع عدم تنجس السطح الآخر فلا موجب لسراية النجاسة من الجزء الاول إلى الجزء الثاني. وهكذا يبدو أن التطبيق الدقيق لدليل الانفعال بالملاقاة لا يمكن أن يفسر سراية النجاسة إلى السطح الآخر من الجزء الاول فضلا عن سائر الاجزاء. وأما إذا أريد إعمال العناية العرفية وتبرير نجاسة السطح الآخر من الجزء الاول، بدعوى أن العرف يرى الجزء الاول بتمام سطوحه مصداقا لعنوان الملاقي للنجس فيحكم بنجاسته، فلتعمل هذه العناية العرفية بالنسبة

[ 126 ]

إلى مجموع المائع ابتداءا. ويقال: إنه بتمام مصداق لعنوان الملاقي للنجس وفرد واحد من موضوع دليل الانفعال، فيحكم بنجاسة تمام اجزائه في عرض واحد بسبب الملاقاة للنجس، بلا حاجة إلى تفسير السراية على أساس انفعال الجزء الثاني بالجزء الاول، والثالث بالثاني، وهكذا. الاعتراض الثاني - انا لو قطعنا النظر عن الاعتراض السابق وفرضنا عدم التمييز بين سطحي الجزء الاول، وان نجاسة السطح الملاقي منه للنجاسة مساوقة لنجاسة الجزء الاول بتمام سطوحه. نقول: إن هذا المبنى يتوقف على القول بالجزء الذي لا يتجزأ، فانه حينئذ يمكن أن يدعى أن المقدار الذي يتنجس مباشرة بملاقاة النجس هو الجزء الذي لا يتجزأ من الماء، ثم تسرى النجاسة منه إلى الجزء المجاور له وهكذا، وأما بناءا على استحالة الجزء الذي لا يتجزأ وقابلية كل ما يفرض جزءا للانقسام إلى جزئين، فهذا يعني أن أي جزء تفرضه فهو له جزء أيضا. وعلى هذا الاساس نقول لصاحب ذلك المبنى - القائل بأن الذي يتنجس مباشرة هو الجزء الاول - إن أي جزء يفرض انه الجزء الاول فهو بحسب الحقيقة يمكن تقسيمه إلى جزء أقرب إلى النجاسة وجزء أبعد عنها، فهل ان الجزء الابعد يتنجس بنفس ملاقاة النجس مباشرة في عرض الجزء الاقرب، أو انه يتنجس بملاقاة الجزء الاقرب؟ فان قيل: إنه يتنجس بنفس النجس، فهذا لا يمكن أن يتم على أساس التطبيق الدقيق لدليل الانفعال، بل يتوقف على إعمال المؤونة العرفية التي تجعل المجموع مصداقا لعنوان الملاقي، ومعه نعمل المؤونة لجعل مجموع المائع بتمام اجزائه مصداقا لعنوان الملاقي. وان قيل بأن الجزء الابعد لا ينجس بنفس النجس بل بالملاقاة للجزء الاقرب، نقلنا الكلام إلى الجزء الاقرب، فانه بدوره ينقسم إلى جزئين

[ 127 ]

ايضا: احدهما اقرب، والآخر أبعد. وكررنا الكلام السابق في جزئه الابعد، وهكذا حتى لا ننتهي إلى النتيجة. أما تحقيق الحال في الاعتراض الاول من هذين الاعتراض، فهو: ان تصوير السراية على اساس تنجس الجزء الاول من المائع بالنجس وتنجس الجزء الثاني بالجزء الاول وهكذا، إن اريد به محاولة تفسير السراية وتبريرها في حدود التطبيق الدقيق العقلي لدليل الانفعال بالملاقاة، فيرد عليه الاعتراض الاول من الاعتراضين السابقين، لان التطبيق العقلي لدليل الانفعال لا يفسر نجاسة السطح الآخر من الجزء الاول، واما إذا أريد به محاولة تفسير السراية وتبريرها بتطبيق دليل الانفعال على ضوء المؤونات العرفية المرتكزة، بأن يقال: إن المركوز في الذهن العرفي أن الجزء الاول بتمامه مصداق لعنوان الملاقي وفرد من موضوع دليل الانفعال فتثبت النجاسة لتمام سطوحه، وينجس الجزء الثاني بسببه، فهو تصوير معقول ثبوتا ومحتاج إلى البحث اثباتا، ولا يكفي في الايراد عليه أن يقال: ما ورد في الاعتراض الاول من أنه بعد فرض الاحتياج إلى المؤونة العرفية فلنعمل المؤونة لجعل مجموع المائع مصداقا لعنوان الملاقي، لان البحث ليس في الصور المعقولة ثبوتا لاعمال المؤونة حتى يقال: إنه إذا تعقلنا إعمالها بالنسبة إلى الجزء الاول فمن المعقول إعمالها بالنسبة إلى تمام المائع، وانما البحث في تحليل ما هو الواقع من الارتكازات والمؤونات العرفية، إذ بالامكان أن يدعى ان العرف يساعد على إعمال تلك المؤونة بالنسبة إلى الجزء الاول، ويرى بارتكازه ان النجاسة تسرى إلى الجزء الثاني بتوسط الجزء الاول، ولا يساعد على إعمال تلك المؤونة بالنسبة إلى المائع بتمام أجزائه. فالبحث إذن من هذه الناحية إثباتي لابد فيه من تحليل الارتكاز العرفي في باب السراية الذي لا يبعد أن يكون منعقدا على الوجه المذكور.

[ 128 ]

بحيث ينفعل كل جزء من المائع بسبب ملاقاته للجزء السابق، لان السراية فيما يستقذره العرف ثابتة في أذهانهم العرفية على هذا النحو، فمن الطبيعي أن يفهموا من دليل الانفعال بالملاقاة هذا النحو نفسه. والسر في ثبوت السراية في أذهانهم العرفية بذلك النحو: انهم لا يرون تقذر المائع الملاقي للقذر أمرا تعبديا، ليمكنهم ان يفترضوا تقذر المائع بتمامه في عرض واحد بملاقاة جزئه للنجس، وانما هو بملاك نفوذ أثر تلك القذارة التكويني في تمام المائع. ومن المعلوم أن نفوذ هذا الاثر انما هو بتوسط الجزء الملاقي للقذر، لا أن أثر القذارة يطفر بطفرة لا يتعقلها العرف إلى تمام أجزاء المائع، بل ينفذ هذا الاثر إلى كل جزء أبعد بتوسط الجزء الذي هو اقرب. ويشهد لذلك خفة القذارة في نظر العرف مهما بعد الجزء عن النجاسة، ولهذا لو فرضنا أن المائع موضوع في انبوب طويل جدا ولا قت القذارة مع الجزء الاول منه نجد ان استقذار العرف من الجزء الابعد أخف من استقذاره من الجزء الاقرب، لان تنجس الجزء الابعد إنما يكون بالجزء الاقرب لا بالقذارة العينية مباشرة. واما الاعتراض الثاني المتقدم الذي وجهه المحقق الهمداني وغيره، وركزوا فيه على ان الوجه المذكور للسراية يتوقف على القول بالجزء الذي لا يتجزأ مع انه مستحيل، فيرد عليه: انه لاربط لمسألة استحالة الجزء الذي لا يتجزأ فلسفيا بتحليل السراية من وجهة نظر الارتكاز العرفي، لان تحليلها من وجهة النظر هذه يستدعي فرض أصغر جزء من المائع. بحيث يقبل أن يكون موضوعا للحكم بالنجاسة في نظر العرف، لان قابلية اتصاف الاجسام بالنجاسة عرفا تتوقف على حد أدنى من الحجم، ولهذا لا يتعقل العرف اتصاف البخار بالنجاسة مع أنه جسم بالنظر الدقيق، ولكن صغر

[ 129 ]

الذرات البخارية يجعلها غير صالحة عرفا للحكم عليها بالنجاسة، فالجزء الاول الذي يتنجس بملاقاة النجس وينجس بدوره الجزء الثاني هو ذلك المقدار الذي لا يتعقل العرف اتصاف ما هو أصغر منه حجما بالنجاسة، سواء قام برهان فلسفي على إمكان تجزئته أم لا. فالوجه المذكور في تفسير السراية سليم إذن عما وجه إليه من اعتراضات، غير أنه محتاج على أي حال إلى ضم عناية عرفية ارتكازية إلى دليل الانفعال بالملاقاة، لكي نبرر على أساسها شمول الانفعال الناشئ من ملاقاة النجس مع جزء المائع لتمام أعماق ذلك الجزء وسطوحه، إذ لو بقينا نحن ودليل الانفعال العام بمجرده لما استفدنا إلا إنفعال السطح الملاقي للنجس من ذلك الجزء فقط. ولا شك في وجود تلك العناية العرفية الارتكازية، غير أن الكلام يقع في تحليل نكتتها، وتوضيح ذلك: إن الملاقاة على نحوين في نظر العرف: أحدهما ملاقاة يرى فيها العرف نحوا من التسلط للنجس أو المتنجس على ملاقيه، وهذا التسلط ينزعه النظر العرفي من صلاحية النجس للنفوذ في أعماق ملاقيه، من قبيل ملاقاته للمائع. والآخر ملاقاة مجردة عن هذا النحو من التسلط في النظر العرفي لعدم وجود تلك الصلاحية، من قبيل الملاقاة للجامد الذي لا يصلح النجس للنفوذ فيه عرفا. والعرف بحسب مناسبات الحكم والموضوع المركوزة لديه يرى ان الانفعال الذي ينشأ من النحو الاول من الملاقاة أوسع دائرة من الانفعال المسبب عن النحو الثاني، وعلى هذا الاساس يرى وقوف الانفعال على خصوص السطح الملاقي للنجس في الجامد، وسريانه إلى تمام الجزء المائع الملاقي، وشموله لسائر سطوحه وأعماقه. " الوجه الثالث " - ان دليل الانفعال العام يتكفل الحكم بنجاسة

[ 130 ]

الملاقي للنجس، وعنوان الملاقي في باب المائعات ينطبق على تمام المائع، لانه فرد واحد. وأما في باب الجوامد فلا ينطبق إلا على الجزء الملاقي من الجامد للنجس، لان كل جزء فرد مستقل. فلا يصدق عنوان الملاقي إلا على ذلك الجزء خاصة. ويرد عليه: ان المقصود بدعوى التفرقة بين المائع والجامد من ناحية صدق عنوان الملاقي على الكل في الاول وعلى الجزء في الثاني، ان كان دعوى التفرقة بينهما في نفسيهما بقطع النظر عن دليل الانفعال، ووقوعهما موضوعين له. فهذا واضح البطلان، لاننا لانجد فرقا بين المائع والجامد من هذه الناحية، فبنظر دقيق في مقام تطبيق عنوان الملاقي يمكننا أن نقول حين نمس بأصبعنا جسما جامدا ومائعا " ان الملاقي للاصبع ليس الا الجزء " حقيقة وبنظر توسعي مسامحي، كما يصدق القول " بأن اصبعي لاقى ماء الاناء " كذلك يصدق انه لاقى ثوب زيد. وان كان المقصود دعوى التفرقة بلحاظ وقوع الجامد والمائع موضوعين في دليل الانفعال، فهذا يعني ملاحظة مناسبات الحكم والموضوع الارتكازية عرفا، وتحكيمها في كيفية تطبيق الدليل على المائع والجامد، وهو رجوع في الحقيقة إلى العناية العرفية الارتكازية التي تقدم الكلام عنها في الوجه السابق. " الوجه الرابع " - ان يعترف بأن دليل الانفعال العام لا يقتضي في المائع والجامد معا إلا نجاسة موضع الملاقاة خاصة، وإنما يلتزم السراية في المائع على أساس دليل خاص، وهو إما الاجماع وإما الروايات الخاصة الواردة في الماء القليل والمضاف والسمن إذا كان ذائبا، حيث نهى عن استعماله والوضوء منه أو الاكل منه عند ملاقاة النجس له، وحيث أن موضوع النهي فيها أوسع من خصوص موضع الملاقاة فيعرف من ذلك أن الانفعال في المائعات يسري إلى تمام المائع.

[ 131 ]

ويرد عليه: انا إذا لاحظنا الارتكاز العرفي القاضي بالسراية في باب المائعات، فسوف يكون بنفسه قرينة على فهم السراية من هذه الروايات، ولكن مع هذا الارتكاز لا حاجة إلى هذه الروايات، بل يثبت المقصود بنفس الدليل العام للانفعال مع تحكيم الارتكاز في فهمه. وأما إذا قطعنا النظر عن ذلك الارتكاز وافترضنا أن العرف لا يرى السراية اثباتا ولا نفيا، فيشكل اثبات السراية بالمعنى المقصود من الروايات الخاصة المشار إليها، لان النهي فيها - وإن كان يستفاد منه النجاسة - ولكن كما يمكن أن يكون بلحاظ نجاسة المائع بتمامه، يمكن أن يكون بلحاظ اشتماله على النجس وعدم امكان تميز النجس عن غيره عادة. فان قيل: بالامكان تعيين الاول على أساس ظهور الدليل في الحكم الواقعي، فاننا إذا حملنا النهي عن المجموع على السراية كان واقعيا، وإذا حملناه على الاختلاط كان ظاهريا. قلنا: إن نفي الظاهرية وتعيين الواقعية إنما يكون باطلاق الدليل لغير صورة الشك. فان هذا الاطلاق هو الذي ينفي الظاهرية، لتقوم الحكم الظاهري بالشك. وهذا الاطلاق غير موجود في المقام، لان التمييز بين الجزء المتنجس وغيره غير ممكن عادة. وعلى أي حال فقد اتضح أن النجاسة تسري إلى تمام المائع، بلحاظ دليل الانفعال العام مع تحكيم الارتكاز. (المقام الثاني) بعد الفراغ عن سراية النجاسة إلى تمام المائع لابد أن نلاحظ ان النجاسة هل تسري إلى الجزء العالي إذا كان الماء جاريا ولاقت النجاسة الجزء الاسفل كما لو كان ساكنا، اولا؟ وما يقرب به عدم السراية إلى الجزء العالي وجوه: " الاول " - انه لم يتحصل لدينا دليل لفظي على انفعال الماء أو المضاف

[ 132 ]

وإنما العمدة في إثبات انفعاله والخروج عما هو مقتضى القاعدة من الحكم بالطهارة هو الاجماع. ومن المعلوم أن الماء أو المضاف إذا كان بعضه عاليا وبعضه سافلا، ولاقت النجاسة مع السافل منه في حالة الجريان، فلا إجماع على نجاسة تمامه بهذه الملاقاة، وإنما الاجماع على نجاسة الجزء السافل منه فحسب. وهذا الوجه لا يتوقف على دعوى ان النجس لا يصدق عليه عرفا انه لاقى الماء أو المضاف بتمامه، بل حتى لو سلم صدق ملاقاته للمضاف بتمامه يقال: بأنه لا دليل على الحكم بنجاسة الجزء العالي منه، لعدم شمول الاجماع له. وهذا الوجه غير تام، بناءا على ان الدليل اللفظي على انفعال الماء القليل والمضاف بالملاقاة تام كما تقدم، فلابد من ملاحظة إطلاقه. " الثاني " - أن يبنى في تفسير السراية في المقام الاول على الوجه الرابع، وذلك بأن يقال - بعد فرض تسليم وجود دليل لفظي يدل على انفعال المضاف بالملاقاة -: إن هذا الدليل بمجرده لا يثبت سراية النجاسة إلى غير السطح الذي حصلت معه الملاقاة، فالسراية إنما هي بدليل خاص كالاجماع والروايات الخاصة، وهذا الدليل الخاص لا يشمل محل الكلام، ولا يقتضي السراية إلى الجزء العالي، لعدم الاجماع على ذلك وخروجه عن مورد الروايات. ويرد عليه ما تقدم: من أن السراية في باب المائعات ثابتة بنفس دليل الانفعال بقرينة الارتكاز العرفي، فلابد من ملاحظة كيفية استفادة السراية منه لنرى مدى شمولها لمحل الكلام. " الثالث " - ان يبنى على الوجه الاول للسراية في المقام السابق، وذلك بأن يقال - بعد الفراغ عن أن كلا من الانفعال والسراية ثابت بالدليل اللفظي -: إن النجس الملاقي للمائع ينجس الجزء الملاقي له، وإنما

[ 133 ]

تسري النجاسة إلى باقي الاجزاء بتحرك هذا الجزء وتغلغله في باقي الاجزاء. وهذا الوجه للسراية لا ينطبق على محل الكلام، لان الجزء السافل - بحكم كونه سافلا - لا يمكن أن يتحرك نحو العالي وينفذ فيه، لكي تسري النجاسة إليه. وهذا الوجه غير صحيح، لما تقدم في المقام الاول من أن مدرك السراية ليس هو هذا الوجه. " الرابع " - ما ذكره السيد الاستاذ - دام ظله - (1) من أن الماء الجاري بتدفق يعتبر مائين لا ماءا واحدا، فالسافل منه ماء والعالي ماء آخر، ومع فرض كونهما مائين فلا موجب لنجاسة العالي منهما عند ملاقاة السافل منهما للنجاسة. ولاجل كونهما مائين لا يتقوى أحدهما بالآخر على القاعدة، فالعالي لا ينفعل بملاقاة السافل للنجاسة ولا يتقوى السافل به، إذا فرض ان المجموع من السافل والعالي كان كرا لانهما ماءان، فلا موجب للانفعال ولا للتقوي على القاعدة، وإنما قيل بتقوي السافل بالعالي على أساس التعبد بلحاظ أخبار ماء الحمام، ولا تعبد بانفعال العالي عند ملاقاة السافل للنجاسة، فيبقى على ما يقتضيه تعدد الماء من عدم السراية. وهذا خلافا للماء الساكن فانه بمجموعه يعتبر فردا واحدا من الماء، فينجس بتمام اجزائه عند ملاقاة النجس لجزء منه، كما أن بعضه يتقوى ببعض، هذا خلاصة ما أفاده - دام ظله - ولنا حول هذا الوجه كلامان: أحدهما - إن مجرد إبراز تعدد الماء عرفا وكون العالي ماءا في مقابل السافل. لا يكفي لاثبات طهارة العالي، لان كونهما مائين ينفي تنجس العالي بنفس ملاقاة السافل للنجاسة، ولكن يبقى مع ذلك سؤال انه: لماذا


التنقيح ص 47 الجزء الاول.

[ 134 ]

لا يتنجس بملاقاته للسافل نفسه الذي تنجس بالنجس، لان المفروض اتصال السافل بالعالي، وهذا الاتصال - لو سلم أنه لا يوجب وحدة العالي والسافل - فهو يوجب على الاقل ملاقاة أحدهما للآخر، فلابد من استئناف نكتة أخرى لتفسير عدم انفعال العالي بالملاقاة للسافل. والكلام الآخر - إن كون الماء الساكن ماءا واحدا بحيث يصدق عنوان الملاقي عليه بتمامه، وكون الماء الجاري مائين بحيث لا يصدق عنوان الملاقي عليه بتمامه عند ملاقاة النجس للجزء الاسفل منه، بحاجة إلى بحث لانه: إن أريد اختلاف صدق عنوان الملاقي فيهما بقطع النظر عن وقوعهما موضوعين لدليل من الادلة - بمعنى اختلاف دائرة صدق عنوان الملاقاة عرفا بصورة منفصلة عن وقوع الملاقاة موضوعا للحكم في الدليل الشرعي - فهو غير واضح، لان الملاقاة بما هي ليست إلا بمعنى المماسة، ونحن كثيرا مالا نجد أي فرق بين ما إذا لاقى الشئ مع الجزء السافل من الماء الساكن أو مع الجزء السافل من الماء المتحرك. فإذا أدخلت يدي في نهر جاري وأدخلت أخرى في ماء ساكن أمكننى بالعناية أن أضيف كلتا الملاقاتين إلى مجموع الماء، ولا يمكننى بالدقة إلا أن أقتصر على اضافتهما إلى الجزئين المماسين لليد من الماء. وان أريد بذلك التكلم عن دائرة صدق عنوان الملاقاة عرفا بلحاظ وقوعها موضوعا للحكم بالانفعال في الدليل الشرعي، فهو يعني إدخال مناسبات الحكم والموضوع الارتكازية عرفا، فبالامكان حينئذ أن يقال مثلا: إننا نفهم بقرينة ارتكازية السراية في باب المائعات أن الملاقاة للمائع الساكن ملحوظة موضوعا للحكم بالانفعال والتنجيس بما هي منسوبة إلى مجموع المائع، ونفهم بقرينة ارتكازية عدم السراية من السافل إلى العالي

[ 135 ]

في الماء الجاري. أن الملاقاة للمائع الجاري ملحوظة موضوعا للتنجيس بما هي منسوبة إلى الجزء لا إلى مجموع المائع. ولكن هذا لا يعني تعدد الماء الجاري عرفا ووحدة الماء الساكن عرفا في نفسيهما، بل تعدد ذاك ووحدة هذا بلحاظ دليل الانفعال وبضم مناسبات الحكم والموضوع الارتكازية التي تعين مدلول هذا الدليل، فيرجع في الحقيقة إلى دعوى ان ارتكازية السراية اثباتا ونفيا هو الذي يحدد دائرة الانفعال المجعول في دليل الانفعال بالملاقاة. وبذلك يظهر النظر فيما أفاده السيد الاستاذ من جعل عدم إنفعال العالي بالسافل وعدم تقوي السافل بالعالي على القاعدة بنكتة واحدة، وهي تعدد الماء عرفا. وحاصل ما يقال في توضيح ما أفاده - دام ظله - إن النجس الملاقي للجزء السافل من الماء الجاري إن صدق عليه أنه ملاق للمجموع من أجل وحدة الماء، فيلزم انفعال المجموع لو كان قليلا وعدم انفعال الجميع حتى السافل لو كان المجموع كرا. وإن لم يصدق على النجس أنه ملاق للمجموع من أجل تعدد الماء فيلزم عدم انفعال العالي ولو كان المجموع قليلا، وعدم اعتصام المجموع ولو كان كرا. ولكن ظهر بما ذكرناه أن اختلاف دائرة صدق عنوان الملاقي باختلاف الماء - من حيث الجريان والسكون - إن أريد بذلك أن دائرة الصدق تختلف عرفا بقطع النظر عن ضم مناسبات الحكم والموضوع الارتكازية. فقد عرفت أن دائرة الصدق بهذا المعنى لا نختلف، وإن أريد بذلك أن دائرة الصدق تختلف حينما تلحظ الملاقاة بما هي موضوع للحكم بالانفعال لا بذاتها. فهذا رجوع إلى المناسبات الارتكازية للحكم والموضوع. ومعه لا ملازمة بين أن يكون دائرة الصدق واحدة بلحاظ مسألة انفعال العالي بملاقاة السافل. ومسألة تقوي السافل بالعالي، إذ يوجد في كل من المسألتين

[ 136 ]

دليل، فهناك دليل انفعال الشئ بالملاقاة، وهناك دليل اعتصام الماء إذا بلغ كرا. وما دام اختلاف دائرة الصدق بلحاظ مناسبات الحكم والموضوع الارتكازية عرفا، فلا تلازم بين الدليلين في دائرة الصدق، بل قد تكون مناسبات الحكم والموضوع المرتكزة عرفا بلحاظ الانفعال تقتضي عدم سراية النجاسة من الجزء السافل إلى العالي وتطبيق عنوان الملاقي بما هو موضوع للانفعال على خصوص الجزء السافل، لعدم تعقل العرف صعود النجاسة من السافل إلى العالي، ومناسبات الحكم والموضوع المرتكزة عرفا بلحاظ الاعتصام تقتضي تقوي السافل بالعالي، وتطبيق عنوان الكر المأخوذ موضوعا لدليل الاعتصام على المجموع المركب من السافل والعالي، بل قد يفرق بين السافل والعالي، فيبنى على تقوي الاول بالثاني دون العكس. " الخامس " - من وجوه عدم سراية النجاسة إلى الجزء العالي، وهو مبني على أن سراية الانفعال إلى تمام المائع بالملاقاة مستفادة من نفس دليل الانفعال العام بضم قرينة الارتكاز. وذلك إما بإعمال العناية الارتكازية في سراية الانفعال إلى تمام الجزء الاول بأعماقه ومختلف سطوحه، ثم تسري النجاسة من الجزء الاول إلى الثاني بالملاقاة بينهما من إعمال العناية مرة اخرى في سراية الانفعال إلى تمام الجزء الثاني، وهكذا على ما تقدم في الوجه الثاني من وجوه السراية في المقام الاول. وإما إعمال العناية الارتكازية في إسراء الانفعال إلى تمام المائع في عروض واحد، كما اختاره المحقق الهمداني بحيث بنجس بتمامه بنفس الملاقاة للنجس. قال افترضنا إعمال العناية الارتكازية على النحو الاول، فنقول في تقريب الوجه الخامس: إن تلك العناية التي تقتضي سراية النجاسة بالملاقاة إلى تمام الجزء بالملاقاة وعدم وقوفها على سطحه الملاقي فقط، لا تنطبق على الجزء العالي، فلا موجب لنجاسة، لا من ناحية الملاقاة الاصلبه مع

[ 137 ]

النجس ولا من ناحية ملاقاة الجزء العالي للجزء السافل المتنجس بالنجس: أما من الناحية الاولى فلاننا نتكلم على افتراض ان النجس بالملاقاة لا ينجس بصورة مباشرة إلا الجزء دون المائع بتمامه، وأما من الناحية الثانية فلان الجزء العالي - وان كان ملاقيا للسافل المتنجس ومتصلا به - إلا أن هذه الملاقاة ليست موردا للعناية الارتكازية التي تقتضي انفعال تمام الجزء الملاقي، لان نكتة هذه العناية - كما تقدم في الوجه الثاني من المقام الاول - هي تحقق الملاقاة بنحو التسلط في النظر العرفي المنتزع عن صلاحية الشئ للنفوذ في ملاقيه، فالملاقاة التسلطية هي ملاك سراية الانفعال إلى تمام الجزء الملاقي في المائع. ولما كانت الملاقاة للجامد غير تسلطية فلا توجب إلا إنفعال السطح خاصة... ومن الواضح ان ملاقاة الجزء السافل المتنجس للجزء العالي من المائع هي على حد ملاقاة النجس للجامد ليست تسلطية، لعدم صلاحية الجزء السافل للنفوذ في العالي، فالنكتة الارتكازية لسراية الانفعال وتعديه عن السطح إلى تمام الجسم غير موجودة في ملاقاة السافل للعالي. وإن افترضنا إعمال العناية الارتكازية على النحو الثاني الذي استقر به المحقق الهمداني، فنقول أيضا: إن العناية العرفية التي تستوجب سريان النجاسة إلى تمام المائع في عرض واحد من قبل ملاقاة النجس لجزئه مباشرة " مردها إلى كون النجس ملاقيا للمائع بنحو التسلط، ومن الواضح أن الملاقاة بهذا النحو تختص بالجزء السافل ولا تشمل الجزء العالي، بخلاف ما لو كان الماء ساكنا، فان تسلط النجس بالملاقاة حينئذ يضاف إلى المائع بتمامه. وهكذا يتضح أن الملاك في عدم سريان النجاسة إلى الجزء العالي هو أن العناية الارتكازية التي بضمها إلى دليل الانفعال استخلصنا دلالته على سريان النجاسة في المعائعات، لا تقتضي اسراء النجاسة إلى الجزء العالي من الماء الجاري.

[ 138 ]

[ (مسألة - 2) الماء المطلق لا يخرج بالتصعيد عن إطلاقه. نعم لو مزج معه غيره وصعد - كما الورد - يصير مضافا. (مسألة: 3) المضاف المصعد مضاف (1) ] وليس المراد بالعالي والسافل العلو والسفل المكانيين بل المعنويين، ففي الفوارات يعتبر المتدفع منه عاليا والمتدفع إليه سافلا. (1) تعرض الماتن - قدس سره - في هذه المسألة والمسألة السابقة عليها إلى ثلاثة فروع: الفرع الاول - هو أن المصعد من المطلق مطلق، تعرض لذلك في المسألة الثانية. الفرع الثاني - أن المصعد من المضاف مضاف، تعرض لذلك في المسألة الثالثة. الفرع الثالث - أن الماء المطلق إذا مزج معه غير ثم صعد يكون مضافا، تعرض لذلك في ذيل المسألة الثانية. أما الفرع الاول، فلا اشكال فيه، لان مجرد تصعيد الماء المطلق لا يوجب إضافة شئ إليه من الخارج كي يترقب خروج من الاطلاق. وأما الفرع الثاني، فكأن المائن - قدس سره - يريد أن يقدم بهذا الفرع والفرع السابق ميزانا كليا في تشخيص إضافة المصعد وإطلاقه. وهو ملاحظة أصله، فان كان أصله مطلقا فالمصعد منه مطلق أيضا، وان كان أصله مضافا فالمصعد منه مضاف أيضا. ويستشكل في هذا الميزان الكلي بأه غير مطرد، فان المصعد من المضاف قد يكون مطلقا، وتفصيل ذلك: أنه لابد من النظر إلى الجهة التي صار بها المضاف مضافا، وملاحظتها من حيث أنها هل تقبل التبخر أولا: فان فرض أن تلك الجهة لا تقبل التبخر أصلا فلا يكون المصعد

[ 139 ]

من ذلك المضاف مضافا، بل مطلقا دائما، كما هو الحال في الماء الذي صار مضافا باضافة كمية من التراب إليه، فإذا صعد صار مطلقا، لان التراب لا يقبل التبخر. وإن فرض أن العنصر الآخر الذي به صار المضاف مضافا كان قابلا للتبخر، فلابد من ملاحظة درجة قابليته للتبخر: فلو فرض كونها بدرجة قابلية الماء للتبخر، فالمصعد من مثل هذا المضاف مضاف دائما. لان نفس النسبة بين الماء والعنصر الآخر سوف تكون ثابتة في المصعد منه أيضا، وإذا فرض أن قابلية العنصر الآخر للتبخر أبطأ من قابلية الماء فقد يتفق أن يكون المقدار المستحصل أولا بالتصعيد مطلقا لغلبة الماء فيه على العنصر الآخر، وقد يبقى مطلقا، وقد يصبح مضافا في مراحل متأخرة من التصعيد حسب درجة قابلية العنصر الآخر للتبخر. وأما الفرع الثالث الذي فرض فيه مزج شئ من الماء ثم تصعيده. فإما أن يريد بالمزج المزج الحقيقي، من قبيل إلقاء عصير الرمان في الماء وإما ان يريد به المزج بمعنى الاضافة والجمع، كما هو الحال في إلقاء كمية من الورد في الماء، فان اريد الاول فاللازم ان يلاح الماء الممتزج قبل تصعيده، فان كان قد خرج بذلك عن الاطلاق دخل في الفرع الثاني، وإلا دخل في الفرع الاول ولا يكون هذا فرعا برأسه. وإن أريد الثاني فما في المتن من أن المصعد منه محكوم بالاضافة ليس على اصلاقه صحيحا، لان خروج الماء عن الاطلاق إلى الاضافة له ميزانان بحسب الارتكاز العرفي كمي وكيفي، فالميزان الكمي هو عبارة عن غلبة العنصر الآخر على الماء بكميته وكثرته، فيخرج المائع عن كونه متمحضا في الماء ويصبح مضافا، والميزان الكيفي هو أن يكون العنصر الآخر واجدا لكيفية مخصوصة تجعل القليل منه بحكم الكثير بحسب الارتكاز العرفي، فيخرج الماء عن الاطلاق إلا الاضافة.

[ 140 ]

[ (مسألة - 4) المطلق أو المضاف النجس يطهر بالتصعيد لاستحالته بخارا ثم ماءا (1) ] ففي المقام إذا أضفنا إلى الماء شيئا ثم صعدناه واستحصلنا بالتصعيد على ماء يحتوي على أجزاء مائعة من ذلك الشئ الذي أضفناه إلى الماء، فلابد من ملاحظة تلك الاجزاء المائعة: فان كانت بكمية معتد بها خرج الماء عن الاطلاق إلى الاضافة، وكذلك إذا كانت بكيفية مخصوصة تعوض عن الجهة الكمية، كما قد يقال ذلك في المصعد من الماء الملقى فيه الورد، فان كمية المائع الوردي في المصعد وان كانت قليلة ولكنها بلحاظ رائحتها وتأثيرها قد توجب خروج المائع المصعد في نظر العرف عن التمحض في الماء، فيصبح مضافا. واما إذا لم تكن الاجزاء المائعة الموجودة في المصعد متميزة لا بجهة كمة ولا بجهة كيفية تعوض عن الكلم، فلا موجب للحكم بالاضافة على المصعد، بل يكون مطلقا كأصله. (1) الكلام في هذه المسألة يقع في جهتين: احداهما في حكم البخار الحاصل بتبخير المائع المتنجس حالة كونه بخارا، والاخرى في حكم البخار بعد تحوله إلى الماء. (أما الجهة الاولى) فالمتراءى من كلماتهم جعل البخار الحاصل بتبخير المائع المتنجس من مصاديق الاستحالة، وبناء الحكم بالطهارة فيه على مطهرية الاستحالة. والتحقيق أن الحكم بارتفاع النجاسة وعدم ثبوتها في البخار - الحاصل بتبخير المائع المتنجس - ليس من صغريات مطهرية الاستحالة ومن فروعها، بمعنى أننا حتى لو بنينا على أن الاستحالة في المتنجسات لا توجب الحكم بالطهارة نلتزم في المقام بعدم نجاسة البخار الحاصل من تبخير المائع المتنجس، فان هناك خلافا في أن الاستحالة هل توجب ارتفاع النجاسة في المتنجسات اولا، كما إذا استحال الخشب رمادا على ما يأتي تفصيله في

[ 141 ]

محله ان شاء الله تعالى. ومنشأ الخلاف أن ما هو موضوع الحكم بالنجاسة، هل يكون محفوظا بعد الاستحالة أولا؟ فالقائل بعدم ارتفاع النجاسة بتحول الخشب إلى رماد يقول: إن موضوع الحكم بالنجاسة في المتنجس انما هو الجسم، ولا دخل لخصوصية الخشبية والرمادية فيه، وحيث أن الجسم لا يزال محفوظا فالنجاسة باقية، والقائل بارتفاع النجاسة عن المتنجس بالاستحالة يصور للنجاسة موضوعا بنحو لا يكون محفوظا بعد الاستحالة. ولكن في مسألتنا - وهي عدم الحكم بنجاسة البخار الاصل من المائع المتنجس - ينبغي الالتزام بعدم النجاسة على كلا ذينك القولين في مسألة استحالة المتنجاست، وليس عدم النجاسة للبخار في المقام متوقفا على القول بعدم النجاسة في سائر موارد استحالة المتنجسات، وذلك لان كبرى البحث في مطهرية الاستحالة في المتنجسات والنزاع في ذلك بين القولين المزبورين إنما هو في مورد يكون المستحال إليه في نفسه قابلا للاتصاف بالنجاسة في نفسه، كما هو الحال في مورد استحالة الخشب إلى رماد، فان الرماد قابل للاتصاف بالنجاسة في نفسه، ولهذا لو لا قته النجاسة مع الرطوبة وهو رماد لحكم بنجاسته بلا إشكال. وإنما الكلام - بعد الفراغ عن قابليته للنجاسة - في أن النجاسة التي كانت ثابتة له سابقا حال الخشبية هل ترتفع عنه بزوال الخشبية أولا؟ فمن يقول بأن النجاسة الثابتة له سابقا لا ترتفع عنه، يدعى أن الخشبية لا دخل لها في موضوع تلك النجاسة. وأن موضوعها محفوظ بعد الرمادية أيضا. وأما في مسألتنا - أي في البخار الحاصل من المائع المتنجس - فهو خارج عن موضوع ذلك النزاع، ويتعين فيه الالتزام بعدم نجاسة البخار حتى لو قبل بنجاسة الرماد في تلك المسألة، لان البخار في نفسه لا يقبل

[ 142 ]

الحكم بالنجاسة عليه بالارتكاز العرفي كسائر الغازات، وهذا هو الفرق بينه وبين الرماد، ولهذا لو لاقت النجاسة المرطوبة مع البخار حال كونه بخارا لا يحكم بنجاسته، ولا يصح التمسك باطلاق أدلة الانفعال بالملاقاة. لانها منزلة على الارتكاز العرفي القاضي بعدم قابلية الاجزاء البخارية للانفعال والتنجس، وهذا يعني أننا حتى لو فرض أنا التزمنا بنجاسة الخشب المتنجس بعد تحوله إلى رماد - بدعوى أن نفس الموضوع للنجاسة محفوظ فتكون النجاسة باقية تمسكا باطلاق دليلها أو بالاستصحاب - لا يمكننا أن نلتزم بذلك في البخار الحاصل من المائع المتنجس، لا بدعوى أن اطلاق دليل نجاسة المائع المتنجس يشمل حاله كونه بخارا أيضا، كما يفترض شمول إطلاق دليل نجاسة الخشب المتنجس لحالة كونه رمادا. ولا بدعوى استصحاب النجاسة الثابتة قبل تحول المائع إلى بخار. أما الدعوى الاولى فيدفعها: أن دليل نجاسة المائع المتنجس إنما هو دليل الانفعال بالملاقاة، وهو منزل على الارتكاز العرفي، وحيث أن البخار لا يقبل الحكم عليه بالنجاسة والقذارة بحسب الارتكاز العرفي فلا يكون لدليل الانفعال إطلاق ليشمل البخار، والا للزم التمسك باطلاقه لا ثبات أن البخار يتنجس ابتداءا عند ملاقاة النجاسة له بما هو بخار. وهذا بخلاف الخشب المتنجس المستحيل رمادا، إذ قد يتوهم هناك بعد فرض أن الرماد في نفسه قابل للنجاسة وجود إطلاق في دليل الانفعال بالملاقاة يشمل الخشب بعد صيرورته رمادا. لا نحفاظ الموضوع، وهو عنوان الجسم مثلا. وأما الدعوى الثانية فيرد عليها: ان معنى عدم قابلية البخار بما هو غاز للحكم بالنجاسة بحسب الارتكاز العرفي، أن الحالة المقابلة للبخارية والغازية دخيلة في موضوع الحكم بالنجاسة بحسب الارتكاز العرفي ومقومة له، فمع زوالها لا يكون الموضوع العرفي محرزا بقاءا ليجري الاستصحاب.

[ 143 ]

وهكذا اتضح أن المتبعين هو الالتزام بعدم نجاسة البخار، وأن هذا ليس متوقفا على قبول كبرى المطهرية في الاستحالة في باب المتنجسات، وإن كنا نقبل ذلك الكبرى أيضا، على ما يأتي في محله ان شاء الله تعالى. (وأما الجهة الثانية) وهي في حكم البخار الحاصل من الماء المتنجس بعد تحوله إلى ماء، فقد ذكر السيد - قدس سره - في المستمسك (1) وغيره من الفقهاء أن هذا الماء بعد فرض مغايرته للماء المتنجس الاصلي عرفا، لا يمكن إجراء استصحاب النجاسة فيه، بل يرجع إلى قاعدة الطهارة، والتحقيق أنا إذا فرضنا أن البخار حقيقة نوعية مغايرة للماء المتبخر عرفا، فلا محالة يكون البخار المتحول إلى الماء فردا جديدا من الماء غير الفرد السابق من الماء الذي تحول إلى بخار، وفي هذه الحالة لا حاجة إلى قاعدة الطهارة، بل يرجع في إثبات طهارة هذا الفرد الجديد من الماء إلى الادلة الاجتهادة. أي إلى الاطلاقات الدالة على طهارة الماء - على القول بوجودها - لان الشك في طهارة الفرد الجديد من الماء هو في الحقيقة شك في تخصيص زائد لتلك الاطلاقات، وليسس شبهة مصداقية. وبكلمة أخرى: يوجد ماءان: أحدهما الماء المتنجس المتبخر، والآخر الماء المتحول إليه ذلك البخار. والاطلاقات تشمل كلا المائين في نفسها، ولكن الاول خرج بدليل انفعال الماء بالملاقاة، وأما الثاني فلا موجب لخروجه، فيتمسك بنفس الاطلاقات لاثبات طهارته. هذا كله على فرض الالتزام بأن البخار حقيقة نوعية مغايرة عرفا للماء كما اشرنا إليه، وأما لو قيل بأن البخار ليس حقيقة نوعية مغايرة وإنما هو نفس الاجزاء المائية، غاية الامران هذه الاجزاء لشدة صغرها وتشتها خرجت عرفا عن القابلية للحكم بالنجاسة عليها، وتحول البخار إلى ماء


(1) مستمسسك العروة الوثقى الجزء الاول ص 96 الطبعة الثانية.

[ 144 ]

معناه تجمع تلك الاجزاء الصغيرة مرة أخرى. لو قيل بهذا، فالماء المتكون من البخار نفس الماء السابق الذي تحول إلى البخار، فهناك ماء واحد ذقت أجزاؤه وتشتت ثم تجمعت، من قبيل ما إذا استهلك المتنجس في المعتصم ثم أمكن استخراجه وعزل تمام أجزائه وتجميعها مرة أخرى. والمرجع عندئذ نفس الاطلاق في دليل انفعال الماء بملاقاة، إذ بعد فرض أن هذا الماء هو نفس ذلك الماء الذي حكم بانفعاله قبل التبخر بدليل الانفعال فيشمله الاطلاق والاحوال لدليل الانفعال، إذا كان فيه إطلاق أحوالي، وإذا لم يكن فيه إطلاق أحوالي - كما لو فرض أن دليل الانفعال كان لبيا مثلا وكان القدر المتيقن منه انفعال الماء قبل التبخر - فان كان في الادلة الاجتهادية الدالة على طهارة الماء إطلاق أحوالي - كما لو فرض أن دليل الانفعال كان لبيا مثلا وكان القدر المتيقن منه انفعال الماء قبل التبخر - فان كان في الادلة الاجتهادية الدالة على طهارة الماء إطلاق إحوالي، فيقال: إن المرجع هو إطلاقها الاحوالي، أن الخروج عنها إنما يكون بمقدار القدر المتيقن من الدليل اللبي على الانفعال، وفيما زاد عليه يرجع إلى الاطلاق الاحوالي لتلك الادلة الاجتهادية الدالة على طهارة الماء. وإذا فرضنا عدم الاطلاق في دليل الانفعال وعدم الاطلاق الاحوالي في أدلة طهارة الماء فالماء المتنجس بعد رجوعه مرة أخرى إلى المائية غير مشمول لكل من الديلين، فتنتهي النوبة حينئذ إلى الاصل العملي، ويقع الكلام عندئذ في أن المراجع هل هو الاستصحاب أو أصالة الطهارة. وهكذا يتضح بما ذكرناه أن ما تقدم عن سيدنا الحكيم - قدس سره - من الاستناد في الحكم بالطهارة إلى دعوى جريان قاعدة الطهارة في الماء المتحول إليه البخار وعدم جريان استصحاب النجاسة لتعدد الموضوع عرفا، لا يخلو عن نظر، لاننا إذا كنا نتكلم على تقدير كون البخار حقيقة نوعية في مقابل الماء عرفا - كما هو المفروض عنده - فالمرجع هو الدليل الاجتهادي، أي الاطلاق الافرادي في دليل طهورية الماء، لان الشك في طهارة الماء

[ 145 ]

[ (مسألة - 5) إذا شك في مائع أنه مضاف أو مطلق: فان علم حالته السابقة أخذ بها، الا فلا يحكم عليه بالاطلاق ولا بالاضافة. لكن لا يرفع الحدث والخبث وينجس بملاقاة النجاسة إن كان قليلا، وإن كان بقدر الكر لا ينجس، لاحتمال كونه مطلقا، الاصل الطهارة (1) ] المتحول إليه البخار شك في تخصيص زائد، ولا حاجة للرجع إلى قاعدة الطهارة، وإذا كنا نتكلم على تقدير كون البخار ماءا عرفا غاية الامر ان دقة أجزائه وصغر حجمها يمنع عن صلاحيتها لتقبل النجاسة عرفا، فلابد من الرجوع بعد صيرورة البخار ماءا إلى اطلاق دليل انفعال الماء لو كان، وإلا فالاطلاق الاحوالي لادلة طهارة الماء لو كان، وإلا فإلى الاصل. وعلى هذا التقدير فالاصل هو قاعدة الطهارة لا استصحاب النجاسة، ولكن لا لتعدد الموضوع. لان المفروض أن الماء محفوظ عرفا - حتى في حال البخارية - بل لان الشك في الحقيقة شك في حدوث النجاسة بعد العلم بارتفاعها. فلا معنى لا ستصحاب النجاسة. (1) الكلام فيما إذا شك في مائع أنه مطلق أو مضاف يقع في مقامين: (المقام الاول) فيما إذا كانت الشبهة مفهومية، كما إذا كان هناك مقدار معلوم من الماء ألقينا فيه مقدار معلوما من الزعفران. فأوجد فيه درجة محددة من التغير في رائحته طعمه ولونه، وشككنا في أن هذه الدرجة من التغير هل تخرج الماء عن الاطلاق رأسا، أو أن الماء يبقى في نظر العرف - رغم ذلك التغير - على الاطلاق، غاية الامر انه ماء متغير لا ماء مضاف، فهذه شبهة مفهومية، والكلام فيها يقع في جهات: " الجهة الاولى " - في جريان الاستصحاب الموضوعي، وهو استصحاب الاطلاق في المثال السابق. وهذا مبني على جريان الاستصحاب

[ 146 ]

في الشبهات المفهومية، والتحقيق عدم جريانه، لان ما هو مصب اليقين والشك لى هو الموضوع للحكم الشرعي، وما هو الموضوع للحكم الشرعي ليس مصبا لهما، فان موضوع الاحكام الشرعية ليس هو الشئ المسمى بالماء بما هو مسمى بهذا اللفظ، بحيث تكون التسمية مأخوذة في موضوع الحكم. بل الموضوع ذات المسمى بما هو. وما هو المشكوك في المقام إنما هو بقاء المسمى بما هو مسمى، وأما يقع النظر عن التسمية فلا شك في شئ، للعلم بكمية الماء وكمية الزعفران ودرجة التغير الحاصلة، فذات ما هو المسم بلفظ الماء ليس مشكوكا، بل هو مقطوع البقاء أو مقطوع الارتفاع. وعنوان المسمى - وإن كان مشكوكا - ولكن لم يقع هذا العنوان موضوعا للحكم الشرعي ليشمله دليل الاستصحاب. وتفصيل الكلام في ذلك موكول إلى علم الاصول. " الجهة الثانية " - انه بعد فرض تعذر إجراء الاستصحاب الموضوعي في نفس الاطلاق والاضافة. تنتهي النوبة إلى الحديث عن الاصول الحكمية التي تكون جارية في مرتبة آثار الاطلاق والاضافة. وآثار الاطلاق هي: أولا جواز الوضوء والغسل به، وثانيا كونه مطهرا للثوب المتنجس مثلا، وثالثا أنه لو كان كرا فهو معتصم لا ينفعل بملاقاة النجاسة، ورابعا أنه يطهر بالاتصال بالمعتصم، لان الماء المطلق إذا تنجس يطر بالاتصال مع المعتصم، بخلاف المضاف فانه لا يجوز الوضوء والغسل به، ولا يكون مطهرا ولا معتصما، ولا يطهر بالاتصال بالمعتصم إذا تنجس. فهذه آثار أربعة يقع الكلام في إجراء الاستصحاب فيها، والصحيح عدم جريان الاستصحاب، لا لما افاده السيد الاستاذ - دام ظله - (1) من أن الاستصحاب الحكمي في الشبهات المفهومية لا يجري في نفسه دائما


(1) التنقيح ص 51 الجزء الاول.

[ 147 ]

من ناحية الشك في بقاء الموضوع لا يجري الاستصحاب. فان ما افيد لا يمكن تسليمه كقرار عام في الاستصحاب الحكمية في الشبهة المفهومية، لان المفهوم المجمل قد يكون دخله في الحكم بنحو الحيثية التعليلية، وقد يكون دخله فيه بنحو الحيثية التقييدية بالنظر العرفي. فعلى الاول يكون الموضوع العرفي محرز البقاء على أي حال. سواء كان المفهوم المجمل وسيعا أو ضيقا. وعلى الثاني لا يكون الموضوع العرفي محرز البقاء. وعليه فحال الشبهات الحكمية المفهومية حال الشبهات الحكمية غير المفهومية. غاية الامر أننا في الشبهات المفهومية نعم بدخل خصوصية مفهومية وتكون مرددة عندنا بين الوسيع والضيق، وفي الشبهات الحكمية الاخرى نشك في أصل دخل تلك الخصوصية. ففي كل مورد نلتزم فيه بجريان الاستصحاب الحكمي في نفسه إذا شك في أصل دخل خصوصية نلتزم بجريانه إذا كان الشك في سعتها وضيقها مع العلم بأصل دخلها، وتفصيل الكلام في ذلك موكول إلى علم الاصول. بل المهم في المنع عن جريان الاستصحاب في مرتبة تلك الآثار الاربعة انه استصحاب تعليقي، فلا يجري بناءا على عدم جريان الاستصحاب في القضايا التعليقية، لان مرجع جواز الوضوء والغسل بالماء إلى أنه لو توضأ به لا رتفع الحدث، ومرجع جواز غسل الثوب بالماء إلى انه لو غسل به الثوب لا رتفعت عنه النجاسة. واعتصام الماء منتزع عن أنه لو لاقى النجاسة لم ترتفع طهاره. وكونه يطهر بالاتصال بالمعتصم مرجعه إلى أن الماء المتنجس لو اتصل بالمعتصم لطهر، فالآثار الاربعة إذن كلها قضايا تعليقية. " الجهة الثالثة " - في أنه إذا لم يجر الاستصحاب الموضوعي ولا الاستصحاب الحكمي في مرتبة آثار نفس الاطلاق الاربعة المتقدمة، فيجب

[ 148 ]

علينا أن نفكر في مرتبة ثالثة لاجراء الاصل، أي في اجراء الاصول الحكمية في مرتبة أدنى من ذلك. وهي مرتبة الثوب المغسول بهذا الماء، ومرتبة المحدث المتوضئ أو المغتسل به، أو مرتبة الطهارة الفعلية لهذا الماء. وقد ذهب السيد الاستاذ - دام ظله - إلى أنه يجرى في المقام استصحاب بقاء الحدث، لو توضأ الانسان أو اغتسل بهذا المائع الذي يشك في إطلاقه لانه يشك في بقاء الحدث فيستصحبه. ويجري استصحاب بقاء النجاسة في الثوب المغسول بذلك الماء، وأما لو لاقى هذا الماء المشكوك مع النجاسة وكان كرا فتجرى أصالة الطهارة، لانه محتمل الطهارة فعلا، لاحتمال كونه مطلقا ومعتصما، وليس عندنا أصل موضوعي يثبت كونه مطلقا أو ينفى ذلك، فتجري أصالة الطهارة. هذا هو ما ذكره السيد الاستاذ في تشخيص الاصول الجارية في هذه المرتبة (1) الا أن ما أفيد فيه بعض المواقع للنظر، وهي كما يأتي: الاول - إن استصحاب بقاء الحدث في الانسان المتوضئ والمغتسل بذلك الماء لا يمكن للسيد الاستاذ التمسك به لانه من الاستصحابات الجارية في الشبهة الحكمية. وهو لا يقول بجريان الاستصحاب في الشبهة الحكمية. وتوضيح ذلك: أن الشبهة المفهومية قسم من الشبهة الحكمية، والمحدث المتوضئ أو المغتسل بالماء المشكوك - وإن كان يشك في بقاء حدثه - ولكن هذا الشك يعبر عن شبهة حكمية بلحاظ دليل جعل الحدث لا شبهة موضوعية لانه لا يدري أن الحدث المجعول في دليله هل جعل بنحو وسيع وباق حتى بعد التوضي والاغتسال بمثل ذلك الماء، أو بنحو محدد ومقيد بعدمه، وهذه شبهة حكمية، فيكون استصحاب بقاء الحدث إلى ما بعد التوضى والاغتسال بذلك الماء معارضا باستصحاب عدم جعل الحصة الزائدة من الحدث. فكان


(1) التنقيح ص 51، 52 الجزء الاول.

[ 149 ]

اللازم على مباني السيد الاستاذ رفض هذا الاستصحاب والرجوع إلى أصول حكمية أخس منه وفي طوله. الثاني - إنا لو افترضنا بناء السيد الاستاذ - دام ظله - على جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية، تصحيحا للتمسك باستصحاب بقاء الحدث في الانسان المتوضئ أو المغتسل بذلك الماء المشكوك، فهل يكون استصحاب الحدث كافيا لتنجيز تمام الآثار الالزامية الثابتة واقعا على تقدير عدم كون الماء المشكوك مطلقا أولا؟ وتفصيل ذلك: أنه على تقدير عدم كون الماء المشكوك مطلقا في الواقع. فهناك آثار إلزامية متعددة: منها أن المغتسل بذلك الماء المشكوك يحرم عليه المكث في المساجد مثلا لانه لا يزال جنبا، ومنها أن صلاته باطلة أما الاثر الاول - وهو ما كان من قبيل حرمة المكث في المساجد - فقد يقال: إنه يترتب على استصحاب بقاء الحدث ويتنجز به، لان استصحاب الحدث ينقح الموضوع الشرعي لذلك الاثر الالزامي، وأما الاثر الثاني - وهو بطلان الصلاة - فلو بني على أن استصحاب بقاء الحدث في أمثال المقام يكفي للحكم ببطلان الصلاة، بدعوى أن الصلاة من المحدث باطلة، وهذه صلاة من المحدث بلحاظ استصحاب بقاء الحدث، للزم من ذلك كون الاصل العملي في باب الوضوء والغسل والتيمم إذا شك في شرط أو جزء زائد مقتضيا دائما للاحتياط من ناحية الصالة لا للبراءة عن المشكوك. توضيح ذلك: إن الشبهة المفهومية في المقام مرجعها إلى الشك في تقييد زائد في الوضوء والغسل. لان المكلف يعلم وجوب الوضوء أو الغسل عليه، ولكه لا يدري أن الغسل والوضوء هل هو مقيد بأن يكون بمائع أصفى من هذا المائع، أو بأن يكون بمائع شامل لهذا المائع ايضا، فالشك في الحقيقة شك في التقييد الزائد، كما لو شك في أنه هل يشترط في

[ 150 ]

الوضوء أن يكون بماء غير مستعمل في الوضوء سابقا، أو شك في أن المسح في الوضوء هل يجب أن يكون بتمام الكف أو لا. فكما أن الشك في هذه الموارد شك في التقيد الزائد. كذلك في المقام. فان بني في المقام على جريان استصحاب الحدث بعد التوضى والاغتسال بالماء المشكوك - كما ذكره السيد الاستاذ - للزم من ذلك إراء استصحاب الحدث في سائر موارد الشك في التقييد الزائد في باب الوضوء والغسل والتيمم، فإذا شك في وجوب كون المسح بتمام الكف يجرى استصحاب بقاء الحدث لو اقتصر على الاقل ومسح بأقل من الكف ويؤدي ذلك إلى غلق باب البراءة في باب الطهارات الثلاث والالتزام بأن موارد دوران الامر بين الاقل والاكثر في باب الوضوء والغسل والتيمم، لابد فيها من الاتيان بالاكثر تخلصا من استصحاب الحدث، ولا تجرى البراءة عن الزائد، مع ان المعروف عند السيد الاستاذ وغيره من المحققين جريان البراءة عن الزائد في موارد الوضوء والغسل والتيمم بناءا على كون الطهارة هي نفس هذه الافعال لا أمرا مسببا عنها. وهذا يعني أن استصحاب الحدث لا يجري بنحو يقتضي الحكم ببطلان الصلاة، فبأي نحو نوجه به عدم اقتضاء هذا الاستصحاب للحكم ببطلان الصلاة في سائر موارد الشك في التقييد الزائد في باب الوضوء والغسل، نوجه به أيضا عدم إمكان الحكم ببطلان صلاة من توضأ واغتسل بالماء المشكوك في المقام استنادا إلى استصحاب الحدث. والحاصل: إن المقام من موارد الشك في التقييد الزائد، فحاله حال الشك في التقييد الزائد بنحو الشبهة الحكمية في سائر الموارد، فمن يبنى في سائر الموارد على أن هذا الشك داخل في كبرى دوران الامريين الاقل والاكثر الارتباطيين ويتمسك بالبراءة لنفي الزائد ولجواز الاقتصار على الاقل، لابد له أن يبني في المقام ايضا على إجزاء أصالة البراءة عن

[ 151 ]

عن التقييد الزائد وجواز الاقتصار على الاقل، ومعنى الاقل في المقام هو التوضي بالماء المشكوك إطلاقه بنحو الشبهة المفهومية. وأما تحقيق كيفية التخلص من دعوى بطلان الصلاة الواقعة مع ما هو الاقل من الوضوء أو الغسل استناد إلى استصحاب الحدث، فيمكن أن يكون بأحد وجهين: الاول - أن يدعى حكومة أصالة البراءة عن التقييد الزائد في الوضوء أو الغسل على استصحاب الحدث، بتقريب: ان الشك في بقاء الحدث مسبب عن الشك في تقييد الوضوء بالقيد الزائد، فالاصل النافي لهذا التقيد يكون حاكما على الاصل المتعبد ببقاء الحدث. ويرد على هذا الوجه أن مفاد أصالة البراءة في موارد دوران الامبر بين الاقل والاكثر ليس إلا نفي الالزام التكلفي بالزائد والتأمين من ناحيته دون أن يكون له نظر إلى اثبات الاطلاق في الواجب. ولهذا فان الاقل بحده، أي الاقل لا بشرط - لا يثبت بالبراءة. وانما البراءة تنفي الاقل بشرط شئ - اي الزائد - والعلم الاجمالي يثبت الاقل الجامع بين المطلق والمقيد، فيجزي. عقلا حينئذ الاتيان بالمطلق، لان التكليف بأزيد منه مؤمن عنه البراءة. وعلى هذا فلا معنى لدعوى حكومة البراءة على استصحاب الحدث، لان الشك في بقاء الحدث مسبب عن الشك في حصول غايته، حيث أن الحدث معني بالوضوء والغاية مرددة بين المطلق والمقيد، ولا يوجد أصل يعين فيها الاطلاق ليؤدي إلى التعبد بتحققها في ضمن الاقل. الثاني - اننا إذا قلنا بأن المحدثية إعتبار شرعي قائم بالمحدث، وقد أخذ مانعا عن الصلاة، بمعنى أن الصلاة أخذت مقيدة بعدمه مضافا إلى تقييدها بالطهارة، فباستصحاب بقاء المحدثية يثبت اقتران الصلاة بالمانع. فيحكم ببطلانها، ولا ينفع لتصحيحها أصالة البراءة عن التقييد الزائد،

[ 152 ]

لان هذا الاصل ينفي الالزام التكليفي، ولا يقتضي التعبد بارتفاع الحدث. وأما إذا قلنا بأن المحدثية بهذا المعنى لم تؤخذ مانعة عن الصلاة، وإنما أخذ الوضوء شرطا، غاية الامر إن الشرط هو الوضوء الذي لا يتعقبه ولا ينقضه حدث. كما أن وقوع الحدث في اثناء الصلاة قاطع لها وموجب لبطلانها ولو كان في كون من أكونها، فالمكلف لابد له أن يحرز وقوع الصلاة مع وضوء غير منقوض وعدم تخلل الحدث القاطع في أثنائها. فلا يكون استصحاب بقاء الحدث الذي يراد إجراؤه بعد الاقصار على ما هو الاقل في الوضوء موجبا للحكم ببطلان الصلاة، وتكون البراءة عن التقييد الزائد في الوضوء كافية لتجويز الاقتصار على الصلاة الواقعة مع هو الاقل في الوضوء. فاتضح من مجموع ما ذكرناه: أن الحكم ببطلان الصلاة الواقعة ممن توضأ بالماء المشكوك في المقام استنادا إلى استصحاب الحدث، لا يتم على مباني السيد الاستاذ - دام ظله -: اولا: لانه استصحاب للحكم في الشبهة الحكمية الكلية. وثانيا: لان مرجع الشك في المقام إلى دوران أمر الوضوء أو الغسل الواجب بين الاقل والاكثر، والمختار في موارد دوران الامر بين الاقل والاكثر في الوضوء والغسل إجراء البراءة عن الزائد والحكم بصحة الصلاة الواقعة مع الاقل. ولو كان استصحاب بقاء الحدث في المقام موجبا لعدم جواز اكتفاء المصلي بالوضوء من الماء المشكوك للزم من ذلك عدم جواز اكتفاء المصلي بالوضوء الفاقد لاي شئ يحتمل كونه جزءا أو شرطا، ولا نسد باب البراءة في تمام الشبهات الحكمية للجزئية والشرطية للغسل والوضوء. الثالث - ان ما تمسك به السيد الاستاذ من استصحاب بقاء النجاسة في الثوب المغسول بالماء المشكوك، لا يلائم أيضا ما بنى عليه - دام ظله -

[ 153 ]

من عدم جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية، فان الثوب عند غسله بالماء المشكوك - وإن كان يشك في بقاء النجاسة فيه - إلا أن هذا الشك يعبر عن شبهة حكمية في دليل نجاسة الثوب، إذ لا يعلم بأن النجاسة المجعولة في ذلك الدليل على الثوب هل هي وسيعة بحيث تبقى بعد الغسل بذلك الماء المشكوك أو ضيقة، فكان اللازم على القول بعدم جريان الاستصحاب في الشبهة الحكمية رفض هذا الاستصحاب والرجوع إلى أصول حكمية أخس منه وفي طوله، فما هو المرجع بعد رفض هذا الاستصحاب على مباني السيد الاستاذ؟ وتحقيق الحال في ذلك: أن دليل نجاسة ذلك الثوب المغسول: إما ان يلتزم بأن له إطلاقا في نفسه. بحيث لو خلينا نحن معه لحكمنا بمقتضى هذا الاطلاق ببقاء النجاسة حتى مع الغسل بالماء المطلق، وإنما خرجنا عنه بلحاظ المخصص المنفصل الدال على مطهرية الغسل بالماء المطلق، وإما أن يلتزم بأن دليل نجاسة الثوب ليس له في نفسه إطلاق بهذا النحو، وإنما مفاده هو إثبات النجاسة ما لم يغسل بالماء، وليس له نظر إلى نفي مطهرية الغسل بالماء. فبناءا على الاول يتعين في المقام الرجوع إلى إطلاق دليل نجاسة الثوب الحاكم على الاستصحاب، لان المقام من قبيل موارد المخصص المنفصل الدائر أمره بين الاقل والاكثر، لان مقتضى دليل نجاسة الثوب بحسب الفرض أن الثوب نجس مطلقا حتى لو غسل بالماء، ومقتضى المخصص المنفصل الدال على مطهرية الماء رفع اليد عن ذلك الاطلاق، غير أن الماء حيث أن مردد بين الاقل والاكثر - أي بين ما لا يشمل هذا المائع المشكوك وما يشمله - فحالة الغسل بالمائع المشكوك لا يعلم بدخولها في المخصص المنفصل، فيتمسك فيها باطلاق دليل نجاسة الثوب الحاكم على استصحاب النجاسة،

[ 154 ]

لو قيل بجريانه في المقام. وبناءا على الثاني لا يمكن التمسك بدليل نجاسة الثوب، لان المفروض أن مفاده هو إثبات النجاسة ما لم يغسل بالماء، ونحن نشك في أن هذا غسل بالماء فلا يمكن التمسك به، كما لا يمكن إجراء استصحاب النجاسة على مبنى الاستاذ، فيتعين له الرجوع إلى قاعدة الطهارة. نعم الرجوع إلى قاعدة الطهارة لا يخلو من اشكال على أساس نكتة نبهنا عليها سابقا، وهي أن دليل القاعدة ليس له إطلاق في نفسه لموارد الشك في بقاء النجاسة، بمعنى أن عدم شمول القاعدة لموارد الشك في بقاء النجاسة ليس بلحاظ حكومة دليل الاستصحاب على دليلها، ليختص ذلك بموارد جريان الاستصحاب، بل بلحاظ القصور في المقتضى وعدم وجود إطلاق في ليل القاعدة شامل لتلك الموارد، كما تقدم وجهه، فعلى هذا الاساس لا تجري في المقام قاعدة الطهارة أيضا، بل لابد من الرجوع إلى أصول حكمية طولية أدنى منها مرتبة. الرابع - من مواقع النظر يرتبط بما أفاده السيد الاستاذ - دام ظله - (1) من أن هذا المائع المشكوك إذا كان كرا ووقعت فيه النجاسة جرى فيه استصحاب الطهارة أو قاعدتها، ونفس الشئ ذكره غيره من الفقهاء كالسيد - قدس سره - في المستمسك (2). والتحقيق أن المورد ليس من موارد الرجوع إلى أصالة الطهارة، بناءا على ما هو مختارهم من وجود العمومات أو الاطلاقات الدالة على الانفعال، فاننا إذا نبينا مثلا على أن أخبار السؤر تدل على انفعال السؤر مطلقا - قليلا كان أو كثيرا - بملاقاة النجاسة كما ذكر السيد الاستاذ في


(1) التنقيح الجزء الاول 52. (2) مستمسك العروة الوثقى الجزء الاول ص 97 الطبعة الثانية.

[ 155 ]

مسألة انفعال المضاف، غاية الامر أن المطلق الكثير خرج بمخصص منفصل، وهو أدلة اعتصام الكر، فيكون المقام من موارد المخصص المنفصل الدائر أمره بين الاقل والاكثر مفهوما. حيث أن الخارج بالتخصيص هو الماء المطلق الكر. ولما كان المطلق مرددا مفهوما بين ما يشمل المائع المشكوك في مفروض المسألة وما لا يشمله، فيتمسك باطلاق أدلة الانفعال لاثبات أن هذا المائع المشكوك ينفعل بملاقاة النجاسة، لان احتمال عدم انفعاله يرجع إلى احتمال تخصيص زائد على المقدار المتيقن خروجه بالتخصيص من دليل الانفعال، فلا مجال إذن على هذا الاساس للرجوع إلى أصالة الطهارة: بقي الكلام في أثر آخر أشرنا إليه سابقا من آثار الاطلاق، وهو: انه لو تنجس لطهر بالاتصال بالمعتصم. فلو فرضنا أن هذا المشكوك الاطلاق بنحو الشبهة المفهومية تنجس ثم اتصل بالمعتصم على نحو بقي الشك في إطلاقه على حاله. فتحقيق الحال فيه أن دليل نجاسة المائع - ماء أو غيره - بالملاقاة، إن فرض فيه اطلاق يقتضي ثبوت النجاسة حتى لما بعد الاتصال بالمعتصم، وانما خرجنا عن هذا الاطلاق في الماء المطلق لدليل منفصل دال على المطهرية بالاتصال، كرواية ابن بزيع (1) مثلا، فيكون المقام من موارد المخصص المنفصل المردد بين الاقل والاكثر مفهوما، فيتمسك في الزائد بالعام، فنحكم ببقاء النجاسة في الماء المشكوك بعد الاتصال بالمعتصم، تمسكا باطلاق دليل النجاسة. وإذا لم نفرض في دليل نجاسة المائع - ماء أو غيره - إطلاقا من هذا القبيل ناظر إلى إثبات النجاسة لما بعد الاتصال بالمعتصم، فالمرجع هو استصحاب النجاسة، بناءا على جريان الاستصحاب


(1) عن محمد بن اسماعيل بن بزيع عن الرضا عليه السلام قال: ماء البئر واسع لا يفسده شئ الا ان يتغير ريحه أو طعمه، فينزح حتى يذهب الريح ويطيب طعمه، لان له سادة. وسائل الشيعة باب 14 من ابواب الماء المطلق حديث 6، 7.

[ 156 ]

في الشبهات الحكمية. (المقام الثاني) فيما إذا كانت الشبهة موضوعية، وللشهبة الموضوعية أربع صور: " الصور الاولى " - ما إذا كانت الحالة السابقة هي الاطلاق، ولا اشكال عندهم في استصحاب الاطلاق حينئذ وترتيب آثار الاطلاق على الماء المشكوك بسبب إحراز موضوعها بالاستصحاب. ولكن التحقيق لزوم التفصيل، وذلك أن الماء الذي يشك في خروجه عن الاطلاق إلى الاضافة بنحو الشبهة الموضوعية لا يتصور فيه هذا الشك إلا مع احتمال طرو شئ يوجب خروجه عن الاطلاق، ومن المعلوم أن الشئ الذي يوجب خروج الماء عن الاطلاق،: تارة يكون موجبا لذلك بالكمية، وأخرى يكون موجبا لذلك بالخاصية. أما الموجب بالكمية فهو من قبيل إلقاء كمية من الحليب في الماء، بحيث لا يستهلك فيه، فيكون موجبا لخروجه عن الاطلاق، نظرا إلى عدم تمحضه في المائية. وأما الموجب بالخاصية فهو من قبيل أن نلقى قطرة من مادة كيماوية معينة في ماء لها خاصية بموجبها يتحول الماء عن خصائصه ويخرج عن الاطلاق إلى الاضافة. ففي الموجب بالخاصية لا يلزم أن يكون له مقدار معتد به، بل قد يكون ضئيلا جدا. بخلافه في الموجب بالكمية، فانه لا يخرج الماء عن الاطلاق إلا إذا كان بمقدار لا يقبل الاستهلاك في الماء. وعلى هذا الاساس نقول: إن الشك في صيرورة الماء المطلق مضافا إن كان لاحتمال طرو ما يكون موجبا لذلك بالخاصية، فأركان الاستصحاب تامة، إذ يمكن أن نشير إلى نفس الماء الفعلي ونقول " هذا كان مطلقا ونشك في بقائه على الاطلاق فنستصحب اطلاقه ". وأما إذا كان الشك في صيرورة الماء المطلق مضافا لاحتمال طرو ما يكون موجبا لذلك بالكمية،

[ 157 ]

ففي جريان الاستصحاب إشكال، وذلك لاننا حينما نلقي كمية من الحليب في الماء فلا يخلو من احد فروض ثلاثة: إما أن يكون الحليب قليلا بنحو يستهلك في الماء وينعدم عرفا، وإما أن يكون كثيرا جدا بحيث يستهلك الماء فيه فيكون المتحصل بعد المزج حليبا كله، وإما أن يكون حالة متوسطة فلا يستهلك كل منهما في الآخر. وهذا يعني تكون مائع ثالث لا هو ماء مطلق محضا ولا هو حليب محضا، بل هو مزيج من الماء والحليب. فالمائع الذي يتحصل بعد مزج الماء بالحليب هو ماء مطلق في الفرض الاول، وحليب مطلق في الفرض الثاني، وماء غير مطلق في الفرض الثالث لان المفروض أن الحليب لم يستهلك. ومع كونه موجودا بالفعل ضمن المائع لا يكن المائع متمحضا في المائية، فلا يكن ماءا بقول مطلق. وفي هذا الضوء نعرف أن الشك في خروج الماء عن الاطلاق عند إضافة كمية من الحليب إليه إنما يعقل فيما إذا لم نقطع باستهلاك الحليب في الماء، وأما مع القطع بذلك فلا شك في بقاء الاطلاق. وهكذا يكون الشك في الاطلاق مساويا لاحتمال أن يكون المائع الفعلي بعد المزج مشتملا على حليب له وجود عرفي غير مستهلك، وعليه فلا يمكن أن نشير إلى هذا المائع الفعلي ونقول: إنه كان مطلقا فنستصحب اطلاقه. لاننا نحتمل أن يكون الحليب جزءا من المشار إليه، ومن المعلوم أن الحليب لم يكن مطلقا سابقا ليستصحب إطلاقه، فالمائع المتحصل بعد المزج ليس له حالة إطلاق محرزة سابقا ليجري استصحابها. نعم يمكننا أن نشير إلى ذات الماء السابق المحفوظ فعلا في المائع بعد المزج، فنقول: إن هذا كان مطلقا سابقا ولا ندري هل خرج من الاطلاق أولا، لان الحليب إن كان بقدر مستهلك فهو باق على الاطلاق، وإن كان بقدر لا يستهلك ولا يهلك فهو خارج عن الاطلاق، ولكن لا ينفعنا

[ 158 ]

اجراء الاستصحاب لاثبات إطلاقه، لان ذلك لا يثبت إطلاق المائع المتحصل فعلا بعد المزج. لكي نرتب عليه آثار المطلق، إلا بناءا على الاصل المثبت، لان بقاء ذلك الماء على اطلاقه يستلزم استهلاك الحليب المساوق لفرض كون المائع الفعلي بتمامه ماءا مطقا. فاتضح أن ما نريد إثبات الاطلاق له وترتيب أحكام المطلق عليه - وهو المائع الفعلى المتحصل بعد المزج - ليس الاطلاق حالة سابقة محرزة له لاحتمال أن يكون الحليب جزءا منه، وذلك على فرض عدم الاستهلاك والحليب لم يكن مطلقا سابقا، وما يكون الاطلاق حالة سابقة محرزة له لا ينفع استصحاب إطلاقه في تريتب أحكام المطلق على المائع الموجود فعلا إلا بالملازمة العقلية. وعليه فينبغي أن يفصل في إثبات إطلاق المائع المشكوك بالاستصحاب: بين ما إذا كان الشك ناشئا من احتمال وجود ما يوجب خروجه عن الاطلاق بالخاصية، وما إذا كان الشك ناشئا من احتمال وجود ما يوجب خرجه عن الاطلاق بالكمية، فالاستصحاب يجرى في الاول دون الثاني. " الصورة الثانية " - ان تكون الحالة السابقة هي الاضافة، فيجري استصحابها عندهم. والتحقيق أن احتمال خروج المضاف عن الاضافة إلى الاطلاق: إن كان بلحاظ احتمال وجود ما يوجب ذلك بالخاصية فلا بأس باستصحاب عدم الاطلاق وترتيب آثاره لتمامية أركانه، وإن كان بلحاظ احتمال وجود ما يوجب ذلك بالكمية فمن المعلوم على ضوء ما تقدم أن ما يوجب خروج المضاف إلى الاطلاق بالكمية إنما هو إلقاء ماء عليه بنحو يستهلك فيه المضاف وينعدم عرفا، إذ بدون ذلك لا يوجد الاطلاق، فاحتمال الاطلاق، يكون مساوقا لاحتمال استهلاك المضاف السابق واندكاكه فيما ألقي عليه من ماء، ومع احتمال ذلك لا يكون هناك مائع محفوظ بقاء يشار إليه

[ 159 ]

يقال " إن هذا كان مضافا فتستحب إضافته " لاننا إلى ماذا نشير ونقول " هذا كان مضافا " ونجري فيه استصحاب الاضافة: فان كنا نشير إلى المائع الفعلي الحاصل بعد مزج المضاف بالمطلق، فمن الواضح أننا نحتمل أن يكون الغالب على هذا المائع هو الماء الملقى على المضاف، فكيف نستصحب إضافته، وإن كنا نشير إلى نفس المائع الذي كان مضافا جزما وألقينا عليه الماء فنستصحب اضافته. فبرد عليه: أن هذا الاستصحاب لا يثبت أن المائع الفعلي المتحصل بعد المزج مضاف إلى بالملازمة العقلية، بل قد يقال: انه لا معنى لهذا الاستصحاب مع احتمال انعدام المضاف واستهلاكه، حيث لا يكون الموضوع محفوظا بقاءا لتستصحب صفته - وهي الاضافة. والحاصل: انه إذا كان لدينا ماء رمان وألقينا عليه ماءا مطلقا، فان جزمنا باستهلاك ماء الرمان في الماء الملقى عليه فلا شك في الاطلاق ولا موضوع للاستصحاب حينئذ، وإن جزمنا بعدم استهلاك ماء الرمان في الماء الملقى عليه فلا شك في الاضافة ولا موضوع للاستصحاب، سواء جزمنا باستهلاك الماء الملقى أم لم نجزم بذلك، وأما إذا لم نجزم باستهلاك ماء الرمان في الماء الملقى - لا إثباتا ولا نفيا - فهذا يعني أن المائع المتحصل بعد إلقاء الماء المطلق في ماء الرمان يحتمل اندكاك المضاف فيه وفناؤه في المطلق. ومع هذا الاحتمال كيف نشير إليه ونقول " هذا كان مضافا والآن كما كان بالاستصحاب " لاننا من المحتمل أن نشير بهذا إلى الماء الملقى لا إلى ماء الرمان، والماء الملقى ليس له حالة إضافة سابقة، فلا معنى لاستصحاب الاضافة. " الصورة الثالثة " - أن لا يكون للمائع المشكوك حالة سابقة أصلا كما لو وجد مائع مردد من حين تكونه بين الاطلاق والاضافة، فان بني

[ 160 ]

على جريان الاستصحاب في الاعدام الازلية جرى استصحاب العدم الازلي للاطلاق وترتب على ذلك نفي تمام آثار الاطلاق. ولا يعارض باستصحاب العدم الازلي للاضافة، لان الآثار الشرعية مترتبة وجودا وعدما على الاطلاق وجودا وعدما لا على الاضافة عدمها. وأما إذا بني على علم جريان هذا الاستصحاب، فلا بد من الرجوع إلى الاصول الطولية، وحينئذ يتعين بلحاظ الشك في بقاء الخبث عند الغسل بذلك الماء المشكوك الرجوع إلى استصحاب بقاء الخبث فيما غسل به، ويتعين بلحاظ الشك في بقاء طهارة الماء المشكوك إذا لاقى النجس وكان كرا إجراء استصحاب الطهارة وقاعدتها، ويتعين بلحاظ الشك في بقاء النجاسة في الماء المشكوك إذا اتصل بعد تنجسه بالماء المعتصم الرجوع إلى استصحاب النجاسة. وأما بلحاظ الشك في صحة الصلاة الواقعة مع الوضوء بذلك الماء المشكوك فتجري أصالة الاشتغال، لان تقيد الوضوء الواجب بالماء معلوم وإنما الشك في انطباق القيد المعلوم على الماء المشكوك خارجا، فيكون من الشك في الامتثال لا من الشك في أصل التكليف، فلا يقاس بالمائع المشكوك الاطلاق على نحو الشبهة المفهومية، فان الشك هناك في أصل سعدة القيد وضيقه في عالم الجعل. فهو شك في التقييد الزائد والتكليف الزائد. وأما في المقام فالقيد محدود معلوم. وانما الشك في انطباقه، فمقتضى أصالة الاشتغل عدم جواز الاكتفاء بالصلاة الواقعة مع الوضوء بالماء المشكوك في المقام. هذه هي الاصول التي تحدد المرجع في المقام بعد فرض عدم جريان الاستصحاب الموضوعي. ويوجد حول مرجعية هذه الاصول ثلاث نقاط: النقطة الاولى: إن السيد الاستاذ - دام ظله: تمسك في المقام باستصحاب بقاء الحدث إذا توضأ المحدث أو اغتسل بالماء المشكوك، فان

[ 161 ]

أريد بهذا الاستصحاب تنجيز الوضوء بغير للصلاة وإثبات أن الصلاة الواقعة مع الوضوء بذلك الماء المشكوك غير مجزية في مقام الامتثال، فقد عرفت آنفا أن عدم الاجتزاء بهذه الصلاة يثبت بنفس أصالة الاشتغال، وأما لو قطع النظر عن أصالة الاشتغال وفرض أن المورد من موارد البراءة عن التقييد الزائد، لما كان استصحاب الحدث كافيا للتعبد ببطلان الصلاة الواقعة مع الوضوء بذلك الماء المشكوك. على ما تقدم من التفصيل والتوضيح في الشبهة المفهومية للماء المشكوك الاطلاق. فان قيل: لما ذا لا تتمسكون في المقام لابطال الصلاة باستصحاب عدم وقوع الوضوء بماء مطلق، فان الصلاة مشروطة بوقوع الوضوء بماء مطلق، والوضوء بالماء المشكوك الاطلاق على نحو الشبهة الموضوعية يشك في كونه مصداقا للشرط، فيستصحب عدم وقوع الوضوء بالماء المطلق. قلنا: إن عنوان الوضوء بالماء المطلق تارة نأخذه بنحو التركيب، بأن نفترض كونه مركبا من جزئين - وهما الوضوء بشئ وان يكون ذلك الشئ ماءا مطلقا - وأخرى نأخذه بنحو التقييد، بأن يكون امرا واحدا تقييديا، فعلى الاول لا يتم إجراء الاستصحاب المذكور، لان العنوان بعد فرض كونه مركبا من جزئين فلا بد من اجراء الاصول في كل جزء بما هو لا في المجموع بما هو مجموع، وفي المقام الجزء الاول - وهو الوضوء بشئ - محقق وجدانا، والجزء الثاني - وهو أن يكون ما توضأ به ماءا مطلقا - فهذا ليس له حالة سابقة اثباتا ولا نفيا، فلا يمكن اجراء الاستصحاب فيه، ومجموع الجزئين بما هو مجموع ليس موردا للاثر ليجري استصحاب عدمه. وعلى الثاني لا بأس باجراء استصحاب عدم ذلك الامر الواحد التقييدي، ولكن لازم هذا المبنى أن الماء لو كانت حالته السابقة الاطلاق لما أجدى استصحاب الاطلاق لتصحيح الوضوء به، لان استصحاب

[ 162 ]

الاطلاق لا يثبت ذلك الامر الواحد التقييدي إلا على نحو الاصل المثبت، لان معنى أخذ الوضوء بالماء المطلق بما هو أمر واحد تقييدي: أن الوضوء مقيد بالماء المطلق بما هو مطلق، هذا التقيد لا يمكن إثباته، لان ما هو الثابت وجدانا إنما هو الوضوء بذات هذا المائع، وما هو الثابت استصحابا أن هذا المائع مطلق، أما تقيد الوضوء بالماء المطلق فهو لازم عقلي لمجموع ما ثبت بالوجدان وبالاستصحاب. وهذا بخلاف ما إذا كان الوضوء بالماء المطلق مأخوذا بنحو التركيب، بحيث يرجع إلى الوضوء بشئ وكون هذا الشئ ماءا، فلو توضأ بمائع مستصحب الاطلاق فالجزء الاول ثابت وجدانا والجزء الثاني ثابت بالاستصحاب. النقطة الثانية: ان استصحاب بقاء الحدث في المتوضئ والمغتسل بذلك الماء المشكوك. واستصحاب بقاء الخبث في الثوب المغسول به، واستصحاب بقاء النجاسة في الماء المشكوك إذا تنجس ثم اتصل بالمعتصم، كلها استصحابات حكمية جزئية وليس استصحابات موضوعية، لان المفروض في المقام أنه لا توجد حالة سابقة بالنسبة إلى نفس الاطلاق وعدمه، فالمستصحب هو نفس الحكم الجزئي بالخبث أو الحدث، وحينئذ فان بنينا على جريان الاستصحاب في الاحكام بوجه عام - كما هو المختار - فلا اشكال، وإذا بنينا على عدم جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية. من أجل التعارض بين استصحاب المجعول واستصحاب عدم الجعل الزائد، فلابد من ملاحظة هذا التعارض المدعى، فان ادعي في الشبهات الحكمية الكلية فقط فلا بأس بجريان الاستصحاب في الاحكام الجزئية، وأما إذا عممنا التعارض بين الاستصحابين للشبهات الحكمية الجزئية أيضا، فلا يمكن في المقام التمسك بالاستصحابات المزبورة، لانها كلها استصحاب للحكم الجزئي وليس جارية في موضوعه، فتكون مبتلاة - بحسب الفرض -

[ 163 ]

باشكال المعارضة بين استصحاب المجعول واستصحاب عدم الجعل الزائد، وقد حققنا في الاصول ان الصحيح هو جريان الاستصحاب في الاحكام مطلقا، ولا يكون استصحاب عدم الجعل معارضا لاستصحاب المجعول، كما أنا بينا هناك أن التعارض بين الاستصحابين - لو فرض صحته - يختص بالشبهات الحكمية الكلية، ولا يشمل الشبهات الحكمية الجزئية. وبما أشرنا إليه هنا ظهر وجه النظر فيما ذكره السيد الاستاذ في المقام، من التمسك باستصحاب بقاء الحدث واستصحاب بقاء النجاسة في الثوب المغسول، مع تصريحه في الاصول بأن إشكال المعارضة بين الاستصحابين الذي بنى عليه كما يجري في الاحكام الكلية كذلك يجري في الاحكام الجزئية وان دليل الاستصحاب يختص بالموضوعات (1) فان مقتضى ذلك عدم إحراء الاستصحاب في الحدث والخبث، لان الحدث والخبث - وان كانا موضوعين للاحكام الشرعية - ولكنهما بأنفسهما حكمان مجعولان أيضا، فيتطرق إليها أيضا اشكال المعارضة بين الاستصحابين. النقطة الثالثة: عرفت أن الماء المشكوك بنحو الشبهة الموضوعية في المقام إذا بنينا على جريان استصحاب لعدم الازلي فيه فيحكم بانفعاله عند ملاقاة النجاسة له. وإلا فتجري فيه أصالة الطهارة واستصحابها. ولكن قد يقال بوجود قاعدة حاكمة على هذه الاصول، وهي القاعدة التي ادعاها المحقق النائيني - قدس سره - (2). وحاصلها: أنه إذا انشأ المولى حكما إلزاميا على عنوان عام، شم استثنى منه عنوان وجودي وشك في مصداقية فرد للعنوان الوجودي، فلا يجوز في مقام العمل رفع اليد عن حكم العام لمجرد احتمال دخول الفرد في العنوان الوجودي المستثنى. فإذا قال


(1) مباني الاستنباط الجزء الرابع ص 70. (2) فوائد الاصول الجزء الثالث ص 140.

[ 164 ]

المولى " لا تدخل على أحدا إلا أصدقائي " فلا يكفي لجواز إدخال شخص مجرد احتمال أن يكون صديقا له، بل لا يجوز إدخال أحد ما لم يحرز كونه صديقا. وفي المقام قد علق الحكم بالانفعال على عام. وهو طبيعي المائع أو الشئ مثلا، واستثني منه عنوان وجودي، وهو الماء المطلق الكر، فإذا شك في إطلاق كر لم يكف ذلك لرفع اليد عملا عن الحكم بالانفعال. ولكن التحقيق أن هذه القاعدة التي ادعاها المحقق النائيني - قدس سره - لا يمكن المساعدة عليها، سواء رجعت إلى دعوى أن الخارج من دليل العام واقعا هو خصوص الحصة المعلومة. بحيث يكون الفرد الذي لا يعلم بدخوله تحت عنوان المستثنى باقيا تحت العام حقيقة، أو رجعت إلى دعوى أن الخارج بالاستثناء - وان كان واقع الحصة - ولكن الدليل له مدلولان عرفيان: احدهما مدلول مطابقي يتكفل الحكم الواقعي، وفي هذا المدلول قد استثنى واقع الصديق، أو واقع الماء الكر مثلا لا بقيد أن يكون معلوما. والآخر مدلول إلتزامي يتكفل الحكم الظاهري بوجوب الاحتياط في موارد الشك في دخول الفرد تحت العنوان المستثنى. أما الدعوى الاولى فواضحة البطلان، لان لفظ " الصديق " أو " الماء المطلق " مثلا موضع للمعنى لا بقيد المعلومية، فلا موجب لدعوى اختصاص الاستثناء واقعا بالحصة المعلومة. وأما الدعوى الثانية فلا منشأ لها، إلا أن يدعى مثلا أن المرتكز عقلائيا معاتبة العبد إذا أدخل على مولاه في المثال السابق كل من يحتمل كونه صديقا، وصحة هذا العتاب عقلائيا كاشفة عن استفادة خطاب طولي ثانوي من كلام المولى يتكفل جعل حكم ظاهري بوجوب الاحتياط، وإلا لم يكن هناك مصحح لذلك العتاب عقلائيا. ولكن يندفع باحتمال أن تكون المعاتبة العقلائية للعبد المزبور بلحاظ

[ 165 ]

(مسألة - 6) المضاف النجس يطهر بالتصعيد كما مر وبالاستهلاك في الكر أو الجاري (1) ارتكازية الاستصحاب وعقلائيته، والاستصحاب يقضي بعدم كون المشكوك صداقته صديقا، فلعل العتاب بهذا اللحاظ. " الصورة الرابعة " - أن نفرض مائعا مشكوك الاطلاق بنحو الشبهة الموضوعية، وقد تواردت عليه كلتا الحالتين الاطلاق والاضافة. ولا يعلم المتقدم والمتأخر منها. فان فرض أن ما اوجب الاطلاق وما أوجب الاضافة كان موجبا بالخاصية لا بالكمية تعارض الاستصحابان، وبعد التعارض والتساقط يرجع إلى الاصول التي بينها في الصورة السابقة. (1) طهارة المضاف المتنجس باستهلاك في الماء المعتصم تقرب بعدة وجوه: " الوجه الاول " - ما هو المتراءى من كلمات جملة من الفقهاء، وحاصله: إن الاستهلاك مطهر بملاك السالبة بانتفاء الموضوع. فنجاسة المضاف المستهلك ترتفع باعتبار انعدام النجس وزواله. لاننا إذا ألقينا مضافا قليلا متنجسا في كر من الماء فهو - وان لم يكن منعدما بالنظر الدقيق العلمي - ولكنه منعدم بالنظر العرفي، ومع انعدامه ترتفع النجاسة. ومن هنا ذكر السيد الاستاذ - دام ظله - أن عد الاستهلاك مطهرا مبني على المسامحة، فان فرض المطهر هو فرض انحفاظ ذات النس وزوال النجاسة عنه، وهنا لم ينحفظ ذات النجس في مورد الاستهلاك بل هو منعدم عرفا (1) وهذا الوجه لو تم لا يفرق فيه بين ما إذا فرض الاستهلاك في المطلق المعتصم أو في المطلق غير المعتصم، إذا بني على عدم انفعال الماء القليل


(1) التنقيح الجزء الاول ص 57.

[ 166 ]

بملاقاة المتنجس مطلقا، أو فرض استهلاك الجامد النجس في الجامد الطاهر، كفضلة الفارة المستهلكة في كمية كبيرة من الطحين، فان السالبة بانتفاء الموضوع لا يفرق فيها بين مورد ومورد، والنظر العرفي للاستهلاك لا يفرق فيه بين استهلاك واستهلاك. إلا أن هذا الوجه بظاهره مما لا محصل له، وذلك لانه: إن أريد باستهلاك النجس وزوال ذاته، أن المضاف النجس بما هو مضاف يزول ويستهلك، فمرجع ذلك إلى زوال صفة الاضافة واستهلاكها مع بقاء ذاته، فهذا صحيح، لان المضاف بما هو مضاف لم يبق محفوظا بل خرج بالاستهلاك عن كونه مضافا إلى كونه مطلقا، إلا أن مجرد خروج المضاف عن الاضافة لا يجب بمجرده الحكم بالطهارة. ولهذا لو فرض أنه اخرج عن الاضافة بعملية كيماوية فصار ماءا مطلقا لا تزول عنه النجاسة عند القائلين بمطهرية الاستهلاك بلا اشكال، فانعدام المضاف بما هو مضاف الذي يرجع إلى انعدام صفة الاضافة مع بقاء ذات الموصوف ليس بنفسه ملاكا للتطهير، بل لابد من إبراز نكتة إضافية لا ثبات المطهرية، ولو كان هذا ملاكا للتطهير لما كانت مطهرية الاستهلاك من باب السالبة بانتفاء الموضوع، كما صرح به السيد الاستاذ وغيره. وإن أريد باستهلاك المضاف وانعدامه زوال ذات المضاف، بمعنى أن ذات المائع منعدم وان انعدام أو صافه من الاضافة والنجاسة إنما هو بتبع انعدام ذات الموصوف، فهذا مما لا نسلم موافقة النظر العرفي عليه، فان دعوى أن العرف - بما هو عرف - يرى أن ذات المضاف الملقى في الكر قد فني وانعدم لقلته وضالته، عهدتها على مدعيها. ولا يمكن التسليم بها، بل إن العرف يرى أن ذات المضاف لا يزال محفوظا في الكر، وانما المستهلك صفة الاضافة فيه لاذاته، ومجرد كونه قليلا جدا بالنسبة إلى الكر

[ 167 ]

لا يصحح كونه منعدما وفانيا في النظر العرفي. وقولنا: ان المضاف القليل الملقى في الكر يستهلك فيه، وان كان قولا صحيحا في نظر العرف، ولكن العرف لا يعنون بذلك أن ذات المضاف قد انعدم انعداما مطلقا، إذ فرق بين أن نقول إن المضاف الملقى منعدم ومستهلك، وبين أن نقول إنه منعدم ومستهلك في الكر بحيث يجعل الكر ظرفا للانعدام والاستهلاك. وما يراه العرف صحيحا إنما هو الثاني لا الاول، ويعنون بالاستهلاك في الكر تحول خصائصه وصفاته إلى نفس خصائص الكر وصفاته، ولهذا يجعل الكر ظرفا لهذا الاستهلاك، لا أنه انعدم ذنا. والشاهد على أن المنعدم في النظر العرفي هو الصفة لا الذات: أنا لو فرضنا أن القليل الملقى كان متحدا في الصفة مع الكثير الملقى عليه، بأن نفرض أننا بدلا عن إلقاء ربع كيلو من ماء الرمان في ماء مطلق كثير ألقينا ربع كيلو من الماء المطلق في ماء مطلق كثيرا، أو ربع كيلو من ماء الورد في ماء الورد الكثير، فهل يقال باستهلاك القليل الملقى أولا؟ فان قيل بعدم استهلاكه فهذا منبه على أننا حينما نلقى ربع كيلو من ماء الرمان في ماء مطلق كثير لا يستهلك إلا صفة، إذ لو كانت الذات تستهلك لقلتها لم يكن فرق في استهلاكها بين ما إذا كانت من جنس الملقى فيه أو من غير جنسه وإن قيل بأن القليل الملقى في كثير من جنسه يستهلك ذاتا ايضا، فهذا خلاف الوجدان العرفي، ويمكن الاتيان بمنبهات على هذا الوجدان، فمثال: إذا كان لدينا ماء مطلق أقل من الكر بمقدار ربع كيلو فألقينا فيه ربع كيلو من الماء، فلا شك في أن العرف يرى أن هذا الماء قد أصبح أزيد من السابق، ويطبق عليه عنوان الكر، ويبنى على انطباق دليل اعتصام الكر عليه. واعتراضه بما هو عرف بهذه الزيادة هو بنفسه دليل على أنه لا يرى الماء القليل الملقى منعدما وفانيا في نفسه. بل يرى

[ 168 ]

أن هذه الزيادة هي نفس ذلك الماء القليل الملقى لا أنها من خلق الساعة. بل يمكن ان نفرض أننا ألقينا في ذلك الماء الذي يقل عن الكر ربع كيلو من ماء الرمان الطاهر، إذ قد يلتزم بالاعتصام لصدق عنوان الكر المطلق على ما هو الموجود فعلا، مع أن هذه الزيادة ليست في نظر العرف من خلق الساعة، بل هي نفس ماء الرمان، وهذا يعني أنه لم يستهلك ولم ينعدم ذاتا، وإنما استهلك صفة، بمعنى أن إضافته انعدمت لا ذاته. ومثال آخر يمكن جعله منبها إلى الوجدان العرفي المدعى، وهو: انا لو ألقينا قنينة من ماء الورد في ماء ورد كثير يبلغ ألف قنيته مثلا، فلا ينبغي الاشكال في أن الملقى لا يعتبر تالفا عرفا وإلا لزم اشتغال الذمة بقيمته على فرض ان يكون قيميا إذا كان القليل مملوكا للغير وأخذه ملك الماء الكثير وألقاه في ماء ورده، لان الميزان في الانتقال إلى القيمة هو التلف العرفي للمال وان كان محفوظا دقة، كما لو غسل الانسان بدنه بماء الغير، فان الماء يعتبر تالفا عرفا وتشتغل ذمة الغاسل بقيمته وان كان الماء محفوظا دقة في الرطوبات المتبقية، فلو التزم في المقام بأن الملقى مستهلك ذاتا يلزم اشتغال الذمة بالقيمة، مع انه لا ينبغي الاشكال في أن الارتكاز العرفي قاض بالشركة في ماء الورد الخارجي بكسر خارجي يناسب نسبة أحد المائين إلى آخر. والحاصل: انه ينبغي الاعتراف بأن المضاف المتنجس الملقى في المعتصم محفوظ في النظر العرفي ذاتا، ولكنه غير محفوظ صفته. وعلى هذا الاساس تقرب مطهرية الاستهلاك ببيان آخر، وحاصله: إن من جملة الصفات التى يفقدها المضاف المتنجس الملقى هي القابلية للحكم بالنجاسة، لان انتشاره في ما ألقي فيه وتشتت أجزائه يوجب وصول كل جزء من أجزائه إلى درجة من الصغر، بحيث لا تصلح بحسب الارتكاز العرفي لان تكون موضوعا

[ 169 ]

للاستقذار والنجاسة، وبهذا يكون الاستهلاك مطهرا، لان قابلية الجسم الاستقذار عرفا يتوقف على حد ادنى من الحجم، وبهذا لا يحكم بالنجاسة على الاجزاء العقلية غير المحسوسة المتبقاة في موضع النجاسة، لان صغرها يأبى عن استقذارها عرفا. وهذا الوجه يطابق الوجدان العرفي، ولا يتوقف على دعوى كون المضاف الملقى مستهلكا ذاتا، كما انه يتم في تمام فروض المسألة، فيكون مدركا للحكم بمطهرية الاستهلاك لو ألقي مقدار ملعقة من المضاف المتنجس في الف رطل عراقي من الماء المطلق، لو بني على أن الماء القليل لا ينفعل بملاقاة المتنجس، كما أنه يكون مدركا للحكم بمطهرية الاستهلاك لو القي الجامد في جامد آخر كثير. وإن شئت قلت: إن المضاف الملقى بعد أن ينتشر ونصغر أجزاؤه وتدق يكون للعرف نظرتان إليه: فهو حين ينظر إلى كل جزء من تلك الاجزاء بمفرده يراه مستهلكا وفانيا، وحين ينظر إلى المضاف الملقى المنتشر بنظرة جمعية يراه موجودا. ولكن اعترافه بوجوده بالنظرة الجمعية لا يوجب أن يحكم عليه بالنجاسة، لان الاجزاء واصلة إلى درجة من الصغر بحيث لا تقبل الاستقذار عرفا. " الوجه الثاني " - لتقريب مطهرية الاستهلاك: ان المضاف المتنجس بعد فرض استهلاك صفته - بمعنى الاضافة عنه كما بينا في مناقشة الوجه الاول - يصبح ماءا مطلقا متنجسا، والماء المطلق المتنجس يطهر بالاتصال بالمعتصم، فيحكم بطهارته في المقام. لا تصاله بالكر أو الجاري. وهذا الوجه يختلف عن الوجه السابق ملاكا ونتيجة: أما من ناحية الملاك، فلان الوجه السابق لم يكن بحاجة إلى ضم دليل مطهرية الاتصال بالمعتصم للماء المطلق المتنجس كصحيح ابن بزيع مثلا - لو قيل بدلالته على ذلك - بخلاف هذا الوجه الذي يرجع في الحقيقة إلى

[ 170 ]

جعل المقام صغرى لدليل مطهرية الاتصال للماء المطلق المتنجس، لان المضاف بعد تحوله إلى الاطلاق بسبب الاستهلاك يصبح. من صغريات ذلك الدليل، فالمطهر ليس هو الاستهلاك بل الاتصال بالمعتصم، والاستهلاك يحقق الصغرى لهذا المطهر، لانه يحول المضاف إلى ماء مطلق. وأما من ناحية النتيجة، فقد عرفت أن مطهرية الاستهلاك بالوجه الاول لا تختص بالاستهلاك المائع في الكر والجاري، وأما مطهرية الاستهلاك بهذا الوجه فيختص بذلك ولا يشمل مثل استهلاك الجامد في الجامد أو المائع في ماء غير معصم، حتى على القول بعدم انفعال الما بملاقاة المتنجس مطلقا. لان دليل مطهرية الاتصال إنما ورد في اتصال الماء المطلق المتنجس بالماء المطلق المعتصم خاصة. " الوجه الثالث " - هو استفادة ذلك من الاخبار الدالة علي نفي البأس عن الكر إذا وقع فيه البول مثلا (1). وبيان ذلك باحد تقريبين: أحدهما: ان البول إذا وقع في الكر فالاجزاء المحيطة بهذا البول تتغير لا محالة فتصير من المضاف المتنجس، والمفروض أن تلك الاخبار دلت على طهارتها ونفي البأس عن تمام ما في الكر. وهذا الوجه يتوقف على إحراز كون الغالب في الاجزاء المجاورة للبول أن تصبح مضافة، وأما إذا لم يحرز ذلك وقيل إن المتيقن حصول التغير فيها الا الاضافة، فلا يتم هذا التقريب. والتقريب الآخر: هو التمسك بالاولوية، بأن يقال: إن ظاهر نفي البأس في تلك الاخبار هو نفي البأس عن المتحصل بعد الملاقاة لاعما كان


(1) من قبيل رواية محمد بن مسلم عن أبي عبد الله عليه السلام: " وسئل من الماء تبول فيه الدواب وقلغ فيه الكلاب ويغتسل فيه الجنب؟ قال: إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شئ ". وسائل الشيعة، كتاب الطهارة باب 9 من أبواب الماء الماء المطلق حديث - 1 -.

[ 171 ]

ماء قبل الملاقاة فقط، وحينئذ يدل باطلاقه على طهارة نفس البول بالاستهلاك لاو البول جزء من المتحصل بعد الملاقاة، فاطلاق نفي البأس يشمله. وإذا طهر عين النجس بالاستهلاك فيطهر المضاف المتنجش بالاولوية العرفية وهذا الوجه يختص أيضا بالاستهلاك في المعتصم، لان مورد الروايات طهارة عين النجس بالاستهلاك في المعتصم. فهي إنما تدل بالاولية على طهارة المتنجس بالاستهلاك في المعتصم ولا تشمل الاستهلاك في غيره. ثم إن ظاهر العبارة المنقولة عن الشيخ - قدس سره - في باب تطهير المضاف المتنجس، أنه يشترط في ذلك أن لا يتغير الماء المطلق الذي يراد تطهير المضاف به من ناحية أو صاف المضاف المتنجس، فان تغر بأوصافه لا يحكم بالطهارة. وقد بنى السيد - قدس سره - في المستمسك (1) والسيد الاستاذ - دام ظله - (2) هذا على مسألة في بحث التغير، وهي: ان تغير الماء المعتصم بأوصاف المتنجس هل يوجب نجاسة الماء أولا؟ فان بني على أنه يوجب النجاسة فهذا الشرط صحيح، والا فلا موجب له. والتحقيق أنه لابد لدى دراسة هذا الشرط من الرجوع إلى مدرك مطهرية الاستهلاك، فقد تقدم أن مطهرية الاستهلاك يمكن أن يستدل عليها بأحد وجوه ثلاثة، فلى بعض تلك الوجوه يتعين هذا الشرط الذي ذكره الشيخ، حتى لو لم نقل بأن التغير بأوصاف المتنجس منجس. وذلك لاجل قصور دليل المطهرية عن الشمول، لفرض فقدان ذلك الشرط، وعلى بعض تلك الوجوه لا قصور في دليل المطهرية في نفسه عن الشمول لفرض فقدان ذلك لشرط، فتكون المسألة رهنا بما يختار في تغير المعتصم بأوصاف


(1) مستمسك العروة الوثقى الجزء الاول ص 97 الطبعة الثانية. (2) التنقيح الجزء الاول ص 57.

[ 172 ]

المتنجس. وعلى بعض تلك الوجوه يمكن أن يدعى قصور دليل المطهرية في نفسه عن الشمول لفرض فقدان ذلك الشرط، كما يمكن أن يدعى الشمول فيه. بمعنى احتياج إثبات القصور أو الشمول إلى بحث واستظهار. وتوضيح الكلام في ذلك: إن الدليل على مطهرية الاستهلاك إن كان منحصرا بالوجه الثالث - من الوجوه الثلاثة السابقة - فيتعين المصير إلى ذلك الشرط لقصور الدليل عن الشمول لفرض فقدانه. وبيانه: إن الوجه الثالث هو التمسك بالاخبار الواردة في بول بقع في كر والنافية للبأس عنه، فان هذه الروايات لها مدلول مطابقي، وهو طهارة نفس البول بالاستهلاك في الكر، ومدلول التزامي، وهو طهارة المضاف المتنجس بالاستهلاك في الكر ولا إشكال في أن المدلول المطابقي مختص بصورة ما إذا لم يتغير الماء بأوصاف البول المستهلك لان الماء لو تغير بأوصافه ينجس بلا اشكال ولو استهلك البول فيه، لان كل ماء معتص ينجس بالتغير أو صاف عين النجاسة، وإذا ثبت أن المدلول المطابقي مختص بخصوص هذه الصورة فالمدلول الالتزامي إنما يثبت بقانون الاولية طهارة المضاف المتنجس بالاستهلاك أيضا، مع حفظ صورة عدم تغير الماء المطلق بأوصاف المستهلك إذ في غير هذه الصورة لا جزم لنا بالاولوية. فلو قارنا بين صورة استهلاك البول في الماء مع عدم تغير الماء بأوصافه وصورة استهلاك المضاف المتنجس في الماء مع تغير الماء بأوصاف المضاف المتنجس، فلا قطع لنا بأوليوة الصورة الثانية بالطهارة من الصورة الاولى ولا بالمساواة بين الصورتين، وإنما يحصل القطع بالاولوية فيما إذا تحفظنا على تمام القيود المأخوذة في المدلول المطابقي التي منها: أن لا يكتسب الماء صفات ما يستهلك في جانب المدلول الالتزامي، وقارنا حين حالة

[ 173 ]

بول يستهلك في ماء دون أن يكتسب صفته وحالة مضاف متنجس يستهلك في ماء دو نأن يكتسب صفته. وهكذا يتضح أنه مع فرض تغير الماء بوصف المضاف المتنجس لا إطلاق في دليل المطهرية يقتضي طهارة الماء المضاف في هذا الفرض. هذا إذا كان دليل المطهرية منحصرا بالوجه الثالث. وأما إذا قبلنا الوجه الثاني قلنا: إن المضاف المتنجس يتحول بالاستهلاك إلى الماء مطلق متنجس، فيطهر بالاتصال بالمعتصم. كما هو الحال في كل ماء مطلق متنجس، فلا قصور في دليل مطهرية الاستهلاك حينئذ عن الشمول الفرض تغير الماء المعتصم بأوصاف المضاف المتنجس المستهلك فيه. وذلك انا إذا بنينا في مسائل التغير على أن تغير الماء المعتصم بأوصاف المتنجس لا ينكسه فلا يبقى أي قصور في التمسك باطلاق دليل مطهرية الاستهلاك للحكم بطهارة المضاف المتنجس المستهلك حتى مع فرض تغير الماء المعتصم بأوصافه، لان المضاف المتنجس قد خرج بالاستهلاك عن الاضافة إلى الاطلاق عرفا بحسب الفرض، غاية الامر انه أوجب صيرورة الماء المستهلك فيه ماءا متغيرا، إلا أن هذا التغير لم يخرج الماء المستهلك فيه عن الاعتصام. لانه تغير بأوصاف المتنجس لا بأوصاف النجاسة، فعلى الوجه الثاني ينحصر مدرك الشرط الذي ذكره الشيخ في البناء في مسائل التغير على أن التغير بأوصاف المتنجس يوجب تنجس المعتصم ايضا. وأما إذا كان المدر لمطهرية الاستهلاك الوجه الاول: إما بتقريبة المشهور وهو ان المضاف منعدم في النظر العرفي، وإما بتقريبه الذي أو ضحناه وهو أن اجزاء المضاف تصبح بدرجة من الضآلة تجعجل النظر العرفي - رغم اعترافه بوجودها - يحلقها بالمعدوم من ناحية عدم الاستقذار، فقد يشك بناءا على هذا الوجه في شموله لفرض تغير الماء المعتصم بأوصاف المضاف المتنجس المستهلك فيه. إذ قد يدعى - على أساس التقريب الاول - أن

[ 174 ]

ظهور وصف المضاف المتنجس في الماء يكون بنفسه منبها للعرف ومانعا له عن إعمال المسامحة في رؤيته فانيا ومنعدما، وقد يدعى على أساس التقريب الثاني أن انفعال الشئ بملاقاة النجس وتأثره به وإن كان يتوقف على حد أدنى من الحجم لذلك الشئ فلا يتعقل العرف تأثر ما هو أصغر من ذلك حجما كما لا يتعقل تأثر الجامد اليابس بالملاقاة بسبب عدم الرطوبة ولكن إذا توفر الحجم المطلوب وانفعل الشئ فبقاء النجاسة ليس رهنا ببقاء ذلك الحجم، كان أن الرطوبة إذا توفرت لدى الملاقاة فان يكون بقاء الانفعال رهنا ببقائها. وإنما بقاء القذارة في القذر عرفا رهن بأن يكون لوجوده مظهر متمصل إما في حجم معتد به أو في الصفات التي هي مرتبة معتد بها من وجوده عرفا. ثم ينبغي أن يعلم أن استهلاك المضاف المتنجس في الماء المعتصم هو إحدى حالات اتصال المضاف المتنجس بالمعتصم. فان اتصال احدهما بالآخر له حالات: الاولى - أن يستهلك المضاف المتنجس في المعتصم. وهي الحالة التي درسناها. الثانية - أن تستهلك الخصوصية التي بها صار المضاف المتنجس مضافا دون أن يستهلك هو، كما إذا كان مضافا بمقدار من الاجزاء الترابية فألقى على خمسة أضعافه من الماء المطلق، فان تلك الكمية من التراب سوف تتوزع في مجموع الماء، وبذلك تضمل عرفا ويخرج الماء الذي كان مضافا بسببها عن الاضافة إلى الاطلاق نتية لا ضمحلالها. فالاستهلاك هنا للخصوصية لا لذات المضاف، لان نسبة الواحد إلى الخمسة لا توجب ضآلة اجزائه إلى درجة الاستهلاك. وفي هذه الحالة لا ينطبق الوجه الاول، وهو انعدام المضاف.

[ 175 ]

لوضوح أن المستهلك خصوصيته التي بها صار مضافا لا نفسه، ولا ينطبق الوجه الثالث، لان الاولوية غير موجودة مع فرض عدم الاستهلاك. وأما الوجه الثاني فقد يقال بانطباقه لان المضاف المتنجس بعد استهلاك الخصوصية التي بها صار مضافا يصح مطلقا متنجسا فيطهر بالاتصال بالمعتصم. وهذا صحيح إذا أمكن افتراض أن الماء الذي ألقي فيه لم يتجزأ ولم ينفصل بعضه عن بعض سبب ما ألقي فيه على نحو ينقص عن الكرية. الحالة الثالثة - أن يلقى الماء المضاف في الماء المعتصم بنحو لا يستهلك أحدهما في الآخر، لكن يؤدي إلى خروج الماء المطلق عن كونه مطلقا إلى كونه مضافا. وهذا يتصور بأحد وجهين. أحدهما: أن يفترض للماء المضاف من الناحية الكيفية خواص وصفات شديدة التأثير، بحيث يخرج الماء المطلق عن الاطلاق بالتأثير الكيفي لا الكمي أي التأثير بالخاصية لا بالكمية. وفي مثل ذلك لا ينبغي الاشكال في الحكم بنجاسة الجميع وعدم انطباق شئ من الوجوه الثلاثة المتقدمة. والآخر: أن يفترض تساي الماء المضاف والماء المطلق أو تقاربهما في الخواص والكمية معا، فحينما يلقى أحدهما في الآخرة تدق وتصغر أجزاء كل من المضاف والمطلق بنسبة واحدة، فلا جزء المطلق يتغلب على جزء المضاف ولا العكس، بل إن جزء كل من المضاف. ولنفرضفه ماء الرمان مثلا، والمطلق يبلغ بالتفرق والتشابك الحاصل بين المطلق والمضاف إلى درجة من الصغر والضالة بحيث لا يتوجه العرف إليه توجها استقلاليا. لان هناك حدا أدنى من الحجم للشئ الذي يتوجه إليه العرف توجها استقلاليا، وهذا يعني أن أدنى ما يتوجه إليه العرف من أجزاء هذا المائع هو مركب من جزء من المضاف وجزء من المطلق. وأما الجزء المتمحض في كونه جزءا للمطلق أو في كونه جزءا للمصاف فلا يتوجه إليه العرف

[ 176 ]

توجها استقلاليا لصغره، ويؤدي ذلك إلى صيرورة المائع بمجموعة ماءا مضافا، لان العرف - بما هو عرف - كيفما نظر إلى أجزاء هذا المائع لا يرى ماءا متمحضا في المائية، بل يرى ماءا شيئا آخر، وهو معنى خروج الماء عن التمحض في المائية، اي عن الاطلاق، وفي مثل ذلك يحكم بنجاسة الجميع لعدم تطرق شئ من الوجوه الثلاثة المتقدمة في الاستهلاك. الحالة الرابعة - أن يلقى الماء المضاف على الماء المطلق بنحو يبقى المضاف مضافا والمطلق مطلقا، ويصدق العرف بأن لكل منهما وجودا صالحا لان يقع موضوعا مستقلا للحكم بالطهارة أو النجاسة. وهذه الحالة تحصل: إما في فرض تكون الملاقاة فيه بين المضاف المتنجس والماء بمجرد اتصال أحدهما بالآخرة دون امتزاج. وإما في فرض حصول الامتزاج ولكن بدرجة من الامتزاج الناقص الذي يتيح للعرف أن يميز نقاط تجمع الماء المطلق. ففي الفرض الثاني بحكم بنجاسة الجميع، إذا فرض أن الامتزاج أدى إلى تقطع أو صال الكر، بحيث لم يعد هناك خط اتصال بين نقاط التجمع للماء المطلق، إذ يصح الماء المطلق الكر عبارة عن عدة مياه مطلقة قليلة، فتنفعل بالملاقاة بناءا على انفعال الماء القليل، ويبقى المضاف على انفعاله، فيحكم بنجاسة الجميع. وأما في الفرض الاول فكل من المضاف والمطلق يبقى على حكمه: أما المضاف فيبقى نجاسا، لاو الوجه الثلاثة لمطهرية الاستهلاك كلها لا تأتي، وأما المطلق فيبقى طارا، لانه لا يزال ماءا مطلقا كرا. فلا ينفعل بالملاقاة والاحكام التي بيناها للحالات الاربع مبنية على عدم قيام دليل على مطهرية الماء المطلق للماء المضاف المتنجس بالاتصال، وأما إذا بني على قيام دليل على أن الماء المطلق يطهر المضاف المتنجس بالاتصال كما يطهر

[ 177 ]

المطلق اللمتنجس بالاتصال - على ما ذهب إليه العلامة قدس سره - فلابد من الحكم بطهارة المضاف في الحالة الرابعة، بل وفي الحالة الثالثة ايضا. لان الماء المطلق لا يصبح في الحالة الثالثة مضافا بمجرد الاتصال بالمضاف المتنجس، فيمكن أن نفرض وقوع الاتصال مع الماء المطلق بما هو مطلق ثم تحول المطلق إلى المضاف، فيكون التحول إلى الاضافة بعد وقوع المطهر وزوال النجاسة. ومن هنا يقع الكلام فعل في تلك الدعوى المنسوبة إلى العلامة، وهي مطهرية الماء المطلق للماء المضاف بالاتصال، على حد مطهريته للمطلق المتنجس عند اتصاله بالمعتصم. وما يستدل به على ذلك وجهان: الوجه الاول: التمسك بمطلقات مطهرية الماء. الوجه الثاني: التمسك بما دل على حصول التطهير بالماء بمجرد الاصابة أو الرؤية، من قبيل ما ورد من قوله مشيرا إلى ماء المطر " كل شئ يراه ماء المطر فقد طهر " (1) أو مشيرا إلى غدير من الماء " إن هذا لا يصيب شيئا لا وطهره " (2) ووسف نشير إلى نكتة امتياز هاتين الروايتين على المطلقات المستدل بها في الوجه الاول. " أما الوجه الاول " - فان أريد بالمطلقات إطلاق مادل على الامر بالغسل من قبيل قوله في موثقة عمار " اغسل كل ما أصابه " (3) بتقريب


(1) وهي رواية الكاهي المروية في وسائل الشيعة باب 6 من ابواب الماء المطلق حديث - 5 -. (2) وهو ما رواه العلامة في المختلف مرسلا، عن بعض علماء الشيعة. انه كان بالمدينة رجل يدخل إلى ابي جعفر محمد بن علي عليه السلام وكان في طريقه ماء فيه العذرة والجيفة كان يأمر الغلام يحمل كوزا من ماء يغسل رجله إذا أصابه، فأبصره يوما ابو جعفر عليه السلام فقال: إن هذا لا يصيب شيئا الا طهره فلا تعد منه غسلا. ص 3. (3) وسائل الشيعة باب: 4 من ابواب الماء المطلق حديث - 1 -.

[ 178 ]

أن الامر بالغسل إرشاد إلى مطهرية الماء فيدل بعمومه على عموم المطهرية فيرد عليه: ان الامر بالغسل ليس له إطلاق لما لا يعقل فيه الغسل كالمائع المتنجس. فلا معنى لاثبات مطهرية الماء له بلسان الامر بغسله بعد فرض عدم صلاحيته للغسل، فالاوامر بالغسل مختصة بغير المائعات. وإن أريد بالمطلقات مادل على طهورية الماء، بتقريب: أن مادل على طهورية الماء - وإن لم يتعرض بلسانه اللفظي لما يكون الماء مطهرا له - إلا أن مقتضى حذف المتعلق هو انعقاد الاطلاق من هذه الناحية " فيثبت كونه مطهرا لكل ما يتنجس. فيرد عليه: أن بعض ما دل على طهورية الماء لا يعلم بأن المراد من الطهورية فيه المطهرية ليتمسك باطلاقه، لاحتمال أن يكون المراد بالطهورية فيه الشدة في النقاء والطيب المساوقة للاعتصام، وذلك كالحديث النبوي المعروف " خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شئ إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه " (1) فان الطهورية فيه يحتمل أن تكون بمعنى شدة النقاء المساوقة للاعتصام، ويكون قوله " لا ينجسه شئ " بمثابة التفسير للطهورية وتكرار معناها، ولهذا لم يعطف بالواو. وبعض ما دل على طهورية الماء لم يكن في مقام بيان طهورية الماء ابتداءا ليتمسك باطلاقه من هذه الناحية، كما في قوله " إن الله جعل التراب طهورا كما جعل الماء طهورا " (2) فان هذه الرواية مسوقة لبيان طهورية التراب وتشبيهه في الطهورية بطهورية الماء المفروغ عنها في نفسها والمرتكزة ارتكازا نوعيا. فلو لم نقل بأن هذا التشبيه بنفسه يكون قرينة على أن المراد بطهورية الماء المطهرية من الحدث خاصة، لان هذا هو الشأن البارز للتراب في مقام


(1) وسائل الشيعة باب: 1 من ابواب الماء المطلق حديث - 9 -. (2) وسائل الشيعة باب: 1 من أبواب الماء المطلق حديث - 1 -.

[ 179 ]

المطهرية، فلا أقل من القول بعدم إمكان التمسك باطلاق الرواية لاثبات مطهرية الماء لكل شئ، لانها غير مسوقة لبيان ذلك. بل هي متفرعة على المفروغية عنه. وفي مقام تقريب طهورية التراب وتشبيهها بطهورية الماء المفروغ عنها. وبعض ما دل على طهورية الماء ورد بلسان " إن الماء يطهر ولا يطهر " (1) والمستظهر من مثل هذا اللسان - بقرينة التقابل بين يطهر ولا يطهر - أنه في مقام بيان التقابل بين المطهرية بالكسر والمطهرية بالفتح، فهو من قبيل قولنا " يرزق ولا يرزق " أو " يعلم ولا يعلم "، فان ما يسفاد من نظائر هذا اللسان أن هذا شأنه وذاك ليس شأنه، وأما أن هذا الذي هو شأنه ما هي حدوده وسعته؟ فليس في مقام البيان من هذه الناحية ليتمسك باطلاقه. وبعض مادل على طهورية الماء يقترن بما يصلح أن يكون حاكما على الاطلاق الناشئ من حذف المتعلق، من قبيل قوله في رواية داود ابن فرقد " كان بنو إسرائيل إذا أصاب أحدهم قطرة بول قرضوا لحومهم بالمقاريض، وقد وسع الله عليكم بأوسع ما بين السماء والارض، وجعل لكم الماء طهورا " (2). فان كلمة " لكم " تصلح أن تكون بيانا لمتعلق الطهورية، فكأنه قال: بناءا على هذا الاحتمال وجعل الماء طهورا لكم. فيدل على مطهرية الماء للانسان في مقابل بني اسرائيل الذين كان الماء لا يطهرهم إذا أصابهم البول بل يقرضون لحومهم بالمقاريض، ومع احتمال ذلك لم يحرز حذف المتعلق لينعقد للدليل ظهور في الاطلاق. وهكذا يظهر أن كثيرا مما يستدل به على إطلاق المطهرية في الماء غير


وسائل الشيعة باب 1 من ابواب الماء المطلق حديث - 6، 7 -. (2) وسائل الشيعة باب 1 من ابواب الماء المطلق حديث 4.

[ 180 ]

خال من المناقشة في المقام، ولو تم لدينا ما يسلم عن كل المناقشات السابقة فيرد ايضا على الاستدلال به: أولا - إن حذف المتعلق إنما يدل على الاطلاق لو لم توجد قرينة على تعيين هذا المتعلق، إذ مع وجودها لا مجال لاجراء مقدمات الحكمة لا ثبات الاطلاق. والقرينة في المقام موجودة، وهي الارتكاز العرفي، فان ارتكازية كون الماء مطهرا بالملاقاة المماسة لا بالمجاورة مثلا أو غير ذلك من الاشياء، تكون قرينة على أن المتعلق المحذوف هنا هو عنوان الملاقي، ومعه يكون الدليل دالا على مطهرية الماء لما يلاقيه، والمضاف المتنجس المتصل بالمعتصم تختص ملاقاة المعتصم بالسطح المماس منه للمعتصم. فلا موجب للحكم بطهارة سائر سطوحه غير الملاقية للمعتصم، على ما سوف يأتي إن شاء الله تعالى. وثانيا - ان هناك بحثا كليا في كون حذف المتعلق ملاكا للاطلاق فان هذا كلام مشهور لا أساس له، وإنما ادعاه جماعة، لانهم يرون في كثير من موارد حذف المتعلق استظهار الاطلاق عرفا، فخيل لهم أن منشأ ذلك هو كون حذف المتعلق ملاكا للاطلاق، مع أن منشأ في الحقيقة قرينية الارتكاز بمناسبات الحكم والموضوع على ما هو المحذوف. وأما مع فرض غض النظر عن الارتكاز ومناسبات الحكم والموضوع: فتارة يفرض أن الكلمة المحذوفة معينة مفهوما، ولكن لا ندري أن المراد هل هو مطلقها أو مقيدها، فيثبت الاطلاق في ذلك. من قبيل ما إذا قال " لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفسه " وفرضنا العلم بأن الكلمة المحذوفة التي هي متعلق لا يحل كلمة " التصرف " فمرجع الكلام - بعد فرض تثبيت المحذوف وابراز المستتر - لا يحل التصرف في مال امرئ مسلم. فإذا تردد الامر بين أن يكون المراد تحريم التصرف مطلقا أو خصوص

[ 181 ]

التصرف المقيد بكونه متلفا للمال تمسكنا بالاطلاق، ومقدمات الحكمة، إذ لا فرق في التمسك بمقدمات الحمة بين الكلمة المذكورة صريحا والكلمة المحذوفة والموجودة تقديرا. وأخرى يفرض أن الكلمة المحذوفة مرددة أساسا بين كلمتين ومفهومين كما لو فرض أن متعلق " لا يحل " في المثال السابق مردد بين " الاكل " بالمعنى المساوق للتملك وبين " التصرف " هما مفهومان متبانيان من الناحية المهومية. وبينهما عموم وخصوص مطلق. ففي مثل ذلك لا يمكن لمقدمات الحكمة أن عين كون المراد للمتكلم أعم المفهومين، ففرق كبير بين ما إذا تعين كون مفهوم ما مرادا للمتكلم ودار الامر بين أن يريد مطلقه أو مقيده ه وبين ما إذا لم يتعين كون مفهوم ما مرادا للمتكلم ودار الامر بين أن يريد مفهوما أعم أو مفهوما أخص. ففي الاول الدال على أصل ارادة المفهومة مفروض، والدال على إطلاقه هو نفس عدم نصب القرينة على التقييد، لكون التقييد، مؤونة زائدة عرفا، كما هو مقتضى مقدمات الحكمة، وأما في الثاني فلا يوجد ما يدل على إرادة ذات المفهوم الاعم في نفسه لكي تصل النوبة إلى اثبات إطلاقه. ومجرد كون أحد المفهومين أعم من الآخر لا يجعل إرادة المفهوم الآخر ذا مؤنة زائدة عرفا، بعد فرض كونهما مفهومين متباينين في عالم المفهومية عرفا. بمعنى أن المفهوم الاعم غير محفوظ ضمن المفهوم الاخص على حد انحفاظ ذات المطلق ضمن المقيد، ليكون الامر في المؤونة دائرا عرفا بين الاقل والاكثر، كما في موارد جريان مقدمات الحكمة. وعلى هذا الاساس ففي موارد حذف المتعلق إذا تعينت الكلمة المحذوفة مفهوما - بمناسبات الحكم والموضوع الارتكازية - وشك في اطلاقها وتقييدها أمكن إثبات الاطلاق بمقدمات الحكمة، لان الامر في المؤونة دائر بين

[ 182 ]

الاقل والاكثر، فمؤونة لحاظ ذات الملق متيقة ومؤونة لحاظ القيد الزائد لا قرينة عليه. فتنفى بالاطلاق، وأما إذا لم تتعين الكلمة المحذوفة وترددت بين كلمتين لكل منهما مفهوم وأحد المفهومين أعم مطلقا من المفهوم الآخر فلا يمكن تعيين المفهوم الاعم ونفي الاخص بمقدمات الحكمة. لان المفهوم الاعم حث أن ليس محفوظا بذاته في ضمن المفهوم الاخص فلا يكون متيقنا ليؤخذ به وينفى الزائد عليه بالاطلاق، وإنما هو مباين للمفهوم الاخص ولا معين لاحدهما، فيكون المقام من قبيل ما إذا كان المولى قد صرح بالمتعلق ونحن لم نسمع الكلمة وتردد أمرها بين كلمتين احداهما أعم مفهوما من الاخرى، فكما لا إشكال هنا في عدم جواز التمسك بمقدمات الحكمة لاثبات أن مراده هو المفهوم الاعم. كذلك لو قدر المولى المتعلق تعديرا ونحن لم نعرف ماذا قدر وتردد بين مفهوم أعم ومفهوم أخص. ومن أجل هذا البيان قلنا بالاجمال في قوله " لا يحل مال امرئ مسلم " بحيث لا نتمسك باطلاقه لاثبات حرمة غير الاكل من أنحاء التصرفات. لان المحذوف مردد بين كلمتين ولا معين لاحداهما بحسب الارتكاز العرفي، وهما " الاكل " و " التصرف ". لا أن المحذوف معين في كلمة بالذات، ويكون التردد في إطلاقها وتقييدها. هذا كله فيما يتعلق بالاستدلال باطلاقات مطهرية الماء، أي الوجه الاول. وأما الوجه الثاني فيمتاز على الوجه الاول: يأننا لو منعنا الاطلاق بملاك حذف المتعلق فيما يستدل باطلاقه على مطهرية الماء الجميع الاشياء في الوجه الاول لما أمكن إسراء المنع إلى ما استدل به في الوجه الثاني. لان قوله " ان هذا لا يصيب شيئا إلا وطهره " لا يشمل على الاطلاق بملاك حذف المتعلق بل بملاك التصريح بالمتعلق، ولكنه يشرك مع روايات طهورية الماء في الوجه الاول

[ 183 ]

في اعتراض واحد، وهو: أن مناط المطهرية فيها جميعا هو رؤية الماء وإصابته وملاقاته، غاية الامر إن هذا العنوان مصرح به في روايات الوجه الثاني ومستفاد بقرينة الارتكاز من روايات طهورية الماء في الوجه الاول، وحينئذ فلابد من ملاحظة أن الماء المضاف هل يعتبر فردا واحدا من موضوع دليل المطهرية، فيكون الملاقي لاي جزء منه ولاي سطح ملاقيا لمجموع ذلك الماء، أو يعتبر أفرادا متعددة، فإذا لاقى بسطح أو بجزء الماء المطلق اختص أثر الرؤية والاصابة بذلك السطح والجزء خاصة: فعلى الاول يمكن التمسك بدليل المطهرية لاثبات ان المضاف المتنجس يطهر بالاتصال بالمعتصم، وعلى الثاني لا يمكن التمسك بذلك لاثبات المطهرية، لان المعتصم لا يلاقي إلا سطحا معينا، فلا موجب لمطهرية لسائر السطوح والاجزاء، ما يمكن أن يتوهم دليلا على إثبات الاول وكون الماء المضاف فردا واحدا من موضوع دليل المطهرية: انه لاإشكال في أن الماء المضاف ينفعل بتمامه عند ملاقاة النجاسة لاي جزء منه، وليس ذلك إلا لان الماء المضاف يلحظ عرفا فردا واحدا من موضوع دليل الانفعال، بحيث تنسب ملاقاة النجاسة إلى مجموع الماء المضاف، وان كانت النجاسة بالدقة لم تلاق إلا جزءه. فكما يلحظ المضاف فردا واحدا من موضوع دليل الانفعال على هذا النحو، كذلك لابد أن يلحظ بما هو فرد واحد من موضوع دليل المطهرية. وإن شئت قلت: إن الماء المضاف - بما هو معروف للملاقاة - إن كان يلحظ عرفا بما هو فرد واحد فلا فرق في ذلك بين ملاقاة النجس وملاقاة المعتصم، فكما ينجس كله بملاقاة جزئه للنجاجسة لانه ملحوظ بالنسبة إلى الملاقاة بما هو فرد واحد، كذلك يطهر كله بملاقاة جزئه للمعتصم. وان كان الماء المضاف بالنسبة إلى الملاقاة يلحظ عرفا بما هو أفراد متعددة

[ 184 ]

كالجوامد، فكما يلزم من ذلك أن لا تكون ملاقاة المعتصم له مطهرة كذلك يلزم أن لا تكون ملاقاة النجس منجسة له بتمامه. ولكن هذا البيان غير تام، وذلك: أما أولا: فلان كون الماء المضاف ملحوظا - بما هو فرد واحد من موضوع دليل الانفعال - لا يلزم منه أن يلحظ بما هو فرد واحد من موضوع دليل المطهرية، لاننا أوضحنا سابقا أن معنى كونه فردا واحدا بلحاظ موضوع دليل تحكيم مناسبات الحكم والموضوع التي ترتبط بالحكم المجعول في ذلك الدليل، فقد تكون مناسبات الحكم والموضوع المركوزة التي ترتبط بالحكم المجعول في دليل الانفعال مقتضية لملاحظة المضاف بما هو فرد واحد من موضوعه، بخلاف مناسبات الحكم الموضوع المركوزة التي ترتبط بالحكم بالمجعول في دليل المطهرية، فالمعول على الارتكاز العرفي في كل من الدليلين. وأما ثانيا: فلانك عرفت فيما سبق أن سراية النجاسة إلى تمام الماء المضاف لم تكن بملاك ملاحظة الماء المضاف بتمامه بما هو فرد واحد من موضوع دليل الانفعال، ليقال اعملوا نفس الملاحظة بالنسبة إلى دليل المطهرية، بل كانت بملاحظة أن الجزء الصغير الملاقي للنجاسة من الماء المضاف يعتبر فردا واحدا من موضوع دليل الانفعال فينجس. وبملاقاة الجزء الثاني له تسري النجاسة إلى الجزء الثاني وهكذا إلى ان تشمل تمام أجزاء المضاف بنحو التسلسل الترتبي من دون تخلل زمان. وهذا البيان لا يأتي في جانب دليل المطهرية، بمعنى أننا لا يمكن أن نسرى المطهرية من الجزء الاول إلى الثاني، هكذا بنفس الطريقة التي تصورنا بها سريان النجاسة من جزء إلى جزء، لاننا لو ساوينا بين النظرة العرفية في باب التطهير والنظرة العرفية في باب الانفعال، وقلنا: إن

[ 185 ]

[ (مسألة - 7) إذا ألقي المضاف النجس في الكر فخرج عن الاطلاق إلى الاضافة تنججس إن صار مضافا قبل الاستهلاك وإن حصل الاستهلاك والاضافة دفعة لا يخلو الحكم بعدم تنجسه عن وجه، لكنه مشكل (1) ] الاتصال بالمعتصم يوجب تطهير الجزء الصغير المتصل بالمعتصم من الماء المضاف كما كان الاتصال بالنجاسة موجبا لتنجس ذلك الجزء، غير أنه لا موجب بعد ذلك لفرض سريان المطهرية والطهارة من الجزء الاول إلى الجزء الثاني. لان المطهر هو الاتصال بالماء المعتصم والملاقاة له، والجزء اثاني من المضاف. متصل بالجزء الاول المضاف وملاق له وليس ملاقيا لنفس الماء المعتصم، ومجرد طهارة الجزء الاول من المضاف لا يكفي لجعله مطهرا لما يلاقيه. وهذا بخلاف باب الانفعال، فان انفعال الجزء الاول من المضاف بملاقاة النجاسة يكفي لصيرورة هذا الجزء منجسا للجزء الثاني من المضاف المتصل به، وهكذا حتى تسري النجاسة إلى تمام المائع. (1) عرفنا فيما سبق أن المضاف المتنجس يطهر بالاستهلاك في الماء المعتصم، وان الماء المعتصم يتنجس إذا ألقي عليه المضاف فتحول بسبب ذلك إلى الاضافة، وهذا يعني وجود حالتين مترقبتين عند إلقاء المضاف المتنجس في المعتصم: استهلاك المضاف، وإضافة المعتصم، وقد تقدم الكلام عن حكم كل من الحالتين إذا كانت هي الموجودة دون الاخرى، وفي هذه المسألة تعرض الماتن - قدس سره - لحكم وجود الحالتين معا، وهذا يتصور بثلاث صور: إذ تارة تفرض الاضافة ثم الاستهدلاك. وأخرى الاستهلاك ثم الاضافة، وثلاثة يفرض الاضافة والاستهلاك في وقت واحد. والكلام في تحقيق حال هذه الصور الثلاث يقع في مقامين: احدهما في البحث عن معقولية الفرض في كل واحدة من هذه الصور في نفسه،

[ 186 ]

والآخر في البحث عن حكمه الشرعي من حيث الطهارة والنجاسة بعد البناء على معقولية الفرض. (أما المقام الاول) فتفصيل الكلام فيه: انا تارة نفترض انحصار العامل المؤثر في جعل المعتصم مضافا أو جعل المضاف مستهلكا في الجانب الكمي، بمعنى أن إضافة المعتصم نشأت من اندكاكه الكمي في جنب المضاف، واستهلاك المضاف نشأ من اندكاكه الكمي في جنب المعتصم. دون أن ندخل في الفرض أي تأثير آخر غير مستند إلى الكمية. وأخرى نتصور إلى جانب العامل الكمي عاملا كيفيا له تأثير في اضافة المعتصم. فعلى فرض حصر التأثير بالعامل الكمي والاندكاك الكمي لاحدها في الآخر، فالصور الثلاث كلها غير معقولة، لان فرض استهلاك المضاف في المعتصم على هذا هو فرض اندكاكه في جنب المعتصم لكونه أقل منه بكثير، ومعه لا يقبل أن نفرض في نفس الوقت ولا في وقت سابق ولا في وقت لاحق صيرورة المعتصم مضافا، لان هذا يناقض فرض اندكاك المضاف في جنب المعتصم. وإن شئت قلت: إننا بعد قصر النظر على الجانب الكمي نواجه ثلاثة احتمالات عند إلقاء الحليب المتنجس في المعتصم: الاول - أن يكون الجنب أقل بكثير، فيندك ويستهلك في المعتصم. الثاني - أن يكون المعتصم أقل بكثير، فيندك ويستهلك في الحلب. الثالث - أن لا يكون كل منهما أقل من الآخر بكثير، فيكون المائع مركبا منهما ويخرج بذلك عن الاطلاق إلى الاضافة وإن لم يصدق عليه عنوان الحليب بالخصوص. وهذه التقريرات الثلاثة متنافية ومتقابلة، وفرض استهلاك المضاف في المعتصم هو فرض التقدير الاول، وفرض صيرورة المعتصم مضافا هو فرض

[ 187 ]

أحد التقريرين الاخيرين، وهذا يعني أن فرض الاستهلاك والاضافة معا هو فرض اجتماع التقدير الاول مع أحد التقديرين الاخيرين، وهو محال. ولا يفرق في استحالة هذا الفرض بين افتراض الاستهلاك والاضافة في زمان واحد أو في زمانين، لاننا متى فرضنا اندكاك المضاف من الناحية الكمية في جنب الماء المعتصم، فلا يمكن أن نفرض عدم انكاكه في نفس الوقت ولا في وقت لاحق، ما لم نفترض إلقاء كمية جديدة من المضاف في المعتصم. كما اننا متى فرضنا أن المضاف حين إلقائه في المعتصم لم يندك وبقي له وجود، لعجز الكمية المفروضة للماء المعتصم عن التسبب إلى استهلاكه، فلا يمكن أن نفترض أيضا استهلاك المضاف واندكاكه من الناحية الكمية في جنب الماء، لا في نفس الوقت ولا في قت لاحق ما لم نفرض ازديادا طارئا في كمية الماء المعتصم. وأما على فرض عدم انحصار التأثير بالعامل الكمي وفتح المجال لافتراض عوامل كيفية وخصوصيات تؤثر في جعل الماء المعتصم مضافا بدون اندكاك كمي، فلا اشكال في إمكان الصورتين الاليين معا وعدم استحالتهما عقلا، وهما: صورة حصول الاستهلاك ثم الاضافة، وصورة حصول الاضافة ثم الاستهلاك. وذلك لامكان أن نفرض أن مسحوقا معينا يبرز وينتشر في حالة كون الماء حارا مثلا ويستتر ويختفى في حالة كونه باردا، فإذا ألقي هذا المسحوق في ماء معتصم بارد استهلك فيه، فإذا اسطلت الحرارة بعد ذلك على الماء المعتصم برز المسحوق وأصبح الماء المعتصم مضافا، لان الحرارة تجعل في ذلك المسحوق خواصا تقتضي اضافة المعتصم. كما يمكن عقلا أن نفترض العكس، بأن يلقى هذا المسحوق في ماء معتصم حار فيبرز ويصبح الماء مضافا، ثم تسلب من الماء حرارته فيستتر المسحوق ويصبح مستهلكا، كما لو ألقي من أول الامر في ماء بارد، ويعود الماء إلى اطلاقه.

[ 188 ]

وبما ذكرناه ظهر أن ما قد يقال (1) من امكان الصورة الاولى عقلا واستحالة الصورة الثانية عقلا، لا سلتزامها الخلف والتناقض، لا يخلو من نظر. لان المفروض إن كان هو الاقتصار على العامل الكمي فقط بدون ادخال أي فرض زائد، فكلتا الصورتين غير معقولة، إذ كما لا يمكن للمضاف أن يستهلك ويندك بقاءا بعد فرض عدم اندكاكه حدوثا، كذلك لا يمكن للمضاف الذي يندك حدوثا في المعتصم أن يكتسب بعد ذلك حجما اكبر. فيخرج عن الاستهلاك ويصبح المجموع مضافا، وإن لم نقتصر على العامل الكمي وفتحنا المجال لفرضيات التأثير بالخاصية، فلا استحالة عقلية في كلتا الصورتين، إذ كما لا محذور عقلي في أن نفرض مسحوقا يخفى ويستهلك في البداية ثم يظهر ويطفو بسبب الحرارة أن غيرها حتى يصير المطلق مضافا، كذلك لا محذور في افتراض مسحوق يظهر ويطفو في البداية بسبب الحرارة أو غيرها حتى يصير المطلق مضافا، ثم يستتر ويتلاشى إلى ان يستهلك عندما يفقد الماء حرارته. وأما الصورة الثالثه - وهي حصول الاستهلاك والاضافة في وقت واحد - فان كان مراد السيد الماتن باستهلاك المضاف المتنجس استهلاكه في الماء المطلق، فهذه الصورة غير معقولة، سواء لوحظ العالم الكمي فقط أو لوحظت العوامل الكيفية أيضا، إذ كيف يفرض أن المضاف المتنجس يستهلك في المطلب بما هو مطلق، مع انه لا مطلق بحكم افتراض الاضافة في نفس الوقت. ففرضية استهلاك المضاف المتنجس في المطلق تعني أن هناك مطلقا موجودا بالفعل على صفة الاطلاق يستهلك فيه المضاف وفرضية حصول الاضافة في نفس الوقت تعني أنه لا مطلق بالفعل، وهذا تهافت.


(1) التنقيح الجزء الاول ص 59 - 63.

[ 189 ]

وإن كان المراد من استهلاك المضاف المتنجس، استهلاكه واندكاكه ولو لم يكن المستهلك فيه مطلقا بالفعل. فهذه الصورة مستحيلة عقلا إذا لو حظ العامل الكمي فقط وممكنة عقلا إذا لوحظ العامل الكيفي. أما أنها مستحيلة عقلا إذ لو حظ العامل الكمي فقط فلان كمية المضاف الملقى وكمية المعتصم الملقى عليه إن لم تكن إحداهما أقل من الاخرى بكثير، فلا استهلاك لاي منهما في الآخر، بل يتحصل مائع مركب منهما معا، وهذا المائع مضاف ولا يصدق عليه العنوان التفصيلي لكل واحد من المائعين المختلطين. وإن كانت كمية المضاف أقل بكثير فيتعين استهلاك المضاف واندكاكه كميا، ولا يتصور في هذه الحالة خروج المعتصم من الاطلاق إلى الاضافة بعامل كمي، وان كانت كمية المطلق أقل بكثير تعين استهلاك المطلق في المضاف وامتنع استهلاك المضاف. فعلى كل حال لا يتصور استهلاك المضاف واضافة المطلق في وقت واحد. وأما إذا فتح المجال لفرضيات العامل الكيفي أيضا، فهذه الصورة معقولة، وذلك لامكان أن نفترض أن المضاف أقل بكثير من المطلق، وبهذا يندك ويعتبر مستهلكا عند إلقائه فيه، بمعنى أن أجزاءه تتوزع وتدق وتتضاءل إلى الدجرة التي تخرج عن كونها صالحة عرفا للحكم بالنجاسة والطهارة عليها بصورة استقلالية، ولكن المضاف يملك رغم قلته من الناحية الكمية خاصية تؤثر عند نفذها في الماء تأثيرات كيفية توجب خروج الماء عن الاطلاق، فإذا فرضنا أن الزمان الذي يتطلبه انتشار أجزاء المضاف في المطلق وتضاؤلها إلى درجة الاستهلاك هو نفس الزمان الذي يتطلبه تأثير تلك الخاصية الثابتة للمضاف في إخراج الماء عن الاطلاق، فسوف تقترن الاضافة والاستهلاك في وقت واحد، غاية الامر إن الاستهلاك مستند إلى العامل الكمى والاضافة مستندة إلى العامل الكيفي.

[ 190 ]

(وأما المقام الثاني) وهو في تحقيق حكم الصور الثلاث بعد الفراغ عن معقوليتها في نفسها، فحاصل الكلام في ذلك: إن الصورة الاولى - هي فرض حصول الاضافة أولا ثم الاستهلاك - لا اشكال في أن الحكم فيها هو النجاسة، لان المفروض فيها أن المضاف حينما ألقي في المعتصم بقي محتفظا بووده ولم يستهلك وأثر في صيرورة المعتصم مضافا، وبذلك يصبح المعتصم بسبب الاضافة قابلا للانفعال بالملاقاة، فينفعل بالملاقاة مع المضاف المتنجس المفروض انحفاظ وجده. وبهذا يحكم بنجاسة تمام المائع. وليس استهلاك المضاف المتنجس. بعد ذلك من المطهرات، لان الشئ بعد أن تنجس لا يطهر بمجرد فناء ذلك الشئ الذي نجسه، كما هو واضح. وأما الصورة الثانية - وهي فرض حصول الاستهلاك. أو لا ثم الاضافة - فقد يقال (1) إنه لا اشكال في هذه الصورة في الحكم بالطهارة، لان الماء المطلق كان معتصما مادام المضاف موجودا، وحين صيرورته مضافا كان قد استهلك وانعدم. فلم تحصل ملاقاة مع المضاف المتنجس حال عدم الاعتصام. والتحقيق أنا إذا بنينا على مطهرية الاستهلاك على أساس انعدام المستهلك في النظر العرفي أو كونه ملحقا بالمعدوم عرفا، فقد تكون الاضافة الحاصلة بعد الاستهلاك معبرة، عن عودة المستهلك من جديد إلى الوجود عرفا، وذلك لان فرض الاضافة بعد الاستهلاك في هذه الصورة له نحوان: الاول: ان يفرض استهلاك إجزاء المضاف المتنجس أولا ثم بفاعلية الحرارة أو أي عامل آخر تبرز هذه الاجزاء من جديد وتتمدد، بحيث يصبح لها وجود عرفي يسبب صيرورة الماء المعتصم مضافا.


(1) التنقيح الجزء الاول ص 58.

[ 191 ]

الثاني: أن يفرض أن أجزاء المضاف بعد استهلاكها عرفا لا تعود إلى الوجود العرفي، ولكن نظرا إلى أنها موجودة واقعا - رغم تفرقها وتشتتها - تكون بوجودها المتشتت المستهلك جزء العلة، لظهور صفات وخصوصيات في الماء تجعله مضافا، والجزء الآخر للعلة هو العامل الكيفي كالحرارة مثلا. والحاصل، إن الحرارة التي يفترض طروها على الماء المعتصم بعد استهلاك المضاف فيه وسببيتها لاضافة الماء تارة تكون سببا لا عادة نفس المضاف المستهلك إلى الوجود العرفي، وبذلك تصير الماء مضافا، وأخرى يظل المضاف على استلاكه ولكن المجموع من المضاف المستهلك والحرارة علة لظهور صفات في الماء تخرجه عن الاطلاق. ففي النحو الاول يكون المقام من صغرات إعادة المتنجس المستهلك إلى الوجود العرفي بعد الاستهلاك، والمختار في ذلك هو أن المتنجس إذا طهر بالاستهلاك وتشت أجزاؤه ثم أمكن تجميعها من جديد بحيث عاد إلى الوجود عرفا يحكم عليه بالنجاسة، لان مطهرية الاستهلاك ليست ة لا بمعنى تشتت أجزائه وتضاءلها بحيث لا تصلح موضوعا مستقلا للاستقذار عرفا، فإذا تجمعت الاجزاء، من جديد ثبتت له النجاسة بنفس دليل نجاسته سابقا، لانه نفس ما كان قبل الاستهلاك. وقد تعرض السيد الماتن في بحث الاستهلاك إلى ذلك وحكم وبالنجاسة وفرق بين عود الشئ النجس بعد استهلاكه وعوده بعد استحالته، فحكم بالنجاسة في الاول دون الثاني، وعليه فبعد طرو الحرارة مثلا يعود المضاف المتنجس إلى الوجود العرفي، فيحكم عليه بالنجاسة، وحيث أن الماء المطلق أصبح مضافا ايضا فينفعل بالملاقاة ويحكم بنجاسة الجميع. وأما في النحو الثاني فالمضاف المتنجس غير بارز بذاته لا حدوثا ولا

[ 192 ]

بقاءا. وإنما يبرز بقاءا عند طرو الحرارة اثره وفاعليته في اخراج الماء على الاطلاق إلى الاضافة. فان قبل: بأن استهلاك المضاف عرفا متقوم بأن لا يكون له اثر محسوس ايضا كما لا يكون له أجزاء محسوسة، بدعوى أن العرف مع رؤيته للاثر لا يعمل المسامحة في البناء على انعدام المضاف واستهلاكه. فهذا يعني أن المضاف المتنجس بقاءا لم يعد متهلكا في نظر العرف، فيصير الحال هو والحال على النحو الاول، ويتعين الحكم بالنجاسة. وان قيل: بأن استهلاك الشئ عرفا متقوم بأن لا يكون له أجزاء، محسوسة، ولا يضر بالاستهلاك وجود أثر محسوس له. لزم الحكم بالطهارة لان المضاف النجس مستهلك حدوثا وبقاءا. وعليه فحين زوج المعتصم من الاطلاق إلى الاضافة لا وجود عرفي للمضاف النجس لكي ينفعل بملاقاته. هذا كله إذا كانت مطهرية الاستهلاك للمضاف المتنجس تقوم على أساس انعدام بالاستهلاك عرفا أو كونه ملحقا بالمعدوم. وأما إذا كانت تقوم على أساس ان استهلاك المضاف في المطلق يحول المضاف إلى مطلق فيطهر بالاصال بالمعتصم، فلا يضر بعد ذلك بطهارته عوده مضافا كما هو واضح. وأما الصورة الثالثة - وهي فرض حصول الاضافة والاستهلاك في وقت واحد بالطريقة التي تعقلنا بها هذه الصورة - فوجه الحكم بالطهارة فيها هو: أن الماء المعتصم مادام معتصما لا يضره ملاقاة المضاف المتنجس وفي حال خروجه عن الاطلاق والاعتصام لا وجود للمضاف للمتنجس لكي ينفعل بملاقاته. وتحقيق الحال في ذلك: أننا لا بد أن نلاحظ مدرك مطهرية المضاف المتنجس بالاستهلاك، قد تقدم أن مدرك ذلك أحد الوجوه الثلاثة التي

[ 193 ]

شرحناها في المسألة السابقة. فان كان المدرك هو الوجه الثالث من تلك الوجوه - وهو الاستدلال بفحوى مادل على طهاره البول بالاستهلاك في الكر - فهذا الوجه - لا يأتي في المقام، لان المفروض في ذلك الدليل عدم كون البول موجبا لخروج الماء الكر عن الاطلاق، فهو إنما يدل بالفحوى على طهارة المضاف المتنجس بالاستهلاك في حالة عدم كونه موجبا لخروج الماء المستهلك فيه عن الاطلاق، إذ لا أولية إلا بلحاظ هذه الحالة. وإن كان المدرك الوجه الثاني من تلك الوجوه - وهو أن المضاف المتنجس ينقلب بالاستهلاك ماءا مطلقا فيشمله مادل على طهارة الماء المطلق المتنجس بالاتصال بالمعتصم - فمن الواضح أن هذا الوجه لا يأتي في المقام ايضا، لان المفروض أن المضاف لم يصبح مطلقا بالاستهلاك، بل إن المطلق أصبح مضافا، فلا ينطبق عليه مادل على طهارة الماء المتنجس بالاتصال بالماء المطلق المعتصم. وإن كان المدرك الوجه الاول من تلك الوجوه - وهو دعوى إن المضاف ينعدم بالاستهلاك والتشتت أو تصبح أجزاؤه بدرجة من الصغر لا تصلح موضوعا مستقلا للاستقذار عرفا - فالحكم بالطهارة متوقف على صدق الاستهلاك بمجرد الاندكاك الكمي للمضاف وان كان له أثر محسوس، فمعه يحكم بالطهارة فيما إذا اقترن الاندكاك الكمي للمضاف بتحول المطلق المعتصم من الاطلاق إلى الاضافة. لان تحول المطلق إلى الاضافة - وإن كان اثرا للمضاف وهو اثر محسوس - ولكن المفروض أن ذلك لا يمنع عن صدق الاستهلاك، والا لما أمكن تعقل الصورة الثالثة رأسا. والحاصل، ان حكم الصورة الثالثة على الوجه الاول من الوجوه الثلاثة هو حكم ما إذا استهلك المضاف المتنجس في المعتصم وتغير المعتصم بأوصافه

[ 194 ]

[ (مسألة - 8) إذا انحصر الماء في مضاف مخلوط بالطين ففي سعة الوقت يجب عليه أن يصبر حتى يصفو ويصير الطين إلى الاسفل ثم يتوضأ على الاحوط، وفي ضيق الوقت يتيمم، لصدق الوجدان مع السعة دون الضيق (1). ] دون ان يصبح مضافا: فمن يقول هناك بأن بروز اثر المضاف المتنجس متمثلا في تغير المعتصم لا يضر بصدق الاستهلاك، يمكنه أن يقول في المقام أيضا ان يروز أثر المضاف المتنجس متمثلا في صيرورة المعتصم مضافا فلا يضر بصدق الاستهلاك. مادام المضاف مندكا من الناحية الكمية في كمية الماء الملقى فيه. وأما إذا قيل بأن ظهور أثر محسوس للمضاف الملقى يمنع عن صدق الاستهلاك عليه عرفا - وان كانت اجزاؤه مندكة من الناحية الكمية - فهذا يعني أن الاستهلاك والاضافة لم يجتمعا في وقت واحد. كما هو المفروض في الصورة الثالثة. (1) إذا فرض الضيق فلا إشكال في وجوب التيمم على جميع المياني. وإذا فرض سعة الوقت: فقد ذكر السيد - قدس سره - في المستمسك (1) ان الحكم في ذلك مبني على الخلاف في التيمم، من حيث أن موضوعه هل هو عدم وجدان الماء أو عدم القدرة على الوضوء؟ فعلى الاول يصح التيمم في المقام، وعلى الثاني لا يصح. وتحقيق الحال في المقام يتوقف على بيان أمرين: " الاول " - ان في باب التيممم خلافين: احدهما ما أفيد، والآخر أن العدم المأخوذ موضوعا لليتمم - سواء كان عدم وجدان الماء أو عدم القدرة على الوضوء - هل هو العدم في حال ارادة الامتثال والقيام للصلاة


(1) مستمسك العروة الوثقى الجزء الاول ص 98 الطبعة الثانية.

[ 195 ]

أو العدم إلى آخر الوقت؟ " الثاني " أن يتصور هنا فروع ثلاثة: 1 - أن يفرض كون الماء المخلوط مضافا وأنه لا يصفو إلا بمضي الزمان. 2 - أن يفرض كون الماء المخلوط مضافا وأنه يمكن تصفيته بمثل الثوب ونحوه، فيكون الوضوء مقدورا فعلا بالقدرة على مقدمته، بخلافه في الفرع السابق، لان الضوء في الفرع السابق يتوقف على مرور الزمان، وهو خارج عن القدرة. 3 - أن يفرض أن الماء ليس مضافا وإنما فيه شئ من التراب، بنحو لو أريد استعمال الماء لثارت الاجزاء الترابية واشتد اختلاطها بالماء وأصبح مضافا، ولابد للتخلص من هذا المحذور من مرور زمان. إذا عرفت هذين الامرين فنقول: أما الفرع الاول من هذه الفرووع الثلاثة فهو غير مترتب على الخلاف الاول، وإنما هو مترتب على الخلاف الثاني. فان فرض كفاية العدم حال إرادة الامتثال صح التيتم لثبوت هذا العدم. سواء أريد به عدم وجدان الماء أو عدم القدرة على الوضوء، لصدق كلام العدمين بلحاظ زمان إرادة الامتثال فعلا، وان فرض اشتراط العدم إلى آخر الوقت لم يصح التيمم مطلقا، سواء كان العدم بمعنى عدم وجدان الماء أو بمعنى عدم القدرة على الوضوء، لان كلام العدمين غير ثابت بلحاظ تمام الوقت. وأما الفرع الثاني، فان اختير في الخلاف الثاني المبنى الثاني - أي اشتراط العدم إلى آخر الوقت - لم يصح التيمم مطلقا، سواء كان العدم بمعنى عدم الوجدان أو عدم القدرة، لان العدم إلى آخر الوقت غير ثابت بكلا معنية، وان اختبر في الخلاف الثاني المبني الاول - أي اشتراط العدم

[ 196 ]

حين إرادة الامتثال - فالمسألة تبنى حينئذ على الخلاف الاول: فان فرض أن المراد بهذا العدم عدم الوجدان صح التيمم، لان عدم الوجدان حين إرادة الامتثال فعلا محقق، وإن كان المراد بهذا العدم عدم القدرة على الوضوء لم يصح التيمم، لان الوضوء مقدور بالقدرة على مقدمته. وأما الفرع الثالث، فان اختير في الخلاف الثان ني المبنى الثاني لم يصح التيمم مطلقا كما في الفرع السابق، وان اختير في الخلاف الثاني المبنى الاول - وهو كفاية العدم حين ارادة الامتثال - فان أريد بالعدم عدم القدرة على الوضوء صح التيمم، لان القدرة على الوضوء منتفية فعلا بعد فرض عدم التمكن من التصفية، وإن أريد بالعدم وجدان الماء فلا يصح التيمم، لان عدم الوجدان غير محقق فعلا، حيث أن المفروض أن الماء المخلوط ماء مطلق فعلا. غاية الامر أن التوضي به غير متيسر إلا بعد مروز زمان. إلا أن يقال: إن عدم الوجدان إنما يؤخذ موضوعا للتيمم، بمعنى عدم وجدان ماء يمكن التوضي به. فالماء المطلق الذي لا يمكن التوضي به وجدانه كلا وجدان. ولعل الظاهر من عبارة السيد الماتن هو الفرع الاول من هذه الفروع الثلاثة. وقد احتاط فيه بوجوب الصبر والانتظار حتى يصفور ولم يفت بالوجوب على سبيل الجزم، مع أنه أفتى في مسائل التيمم بعدم جواز المبادرة مع العلم بحصول الماء في آخر الوقت. وإذا أريد توجيه هذا الاحتياط بنحو لا يناقض تلك الفتوى، فيمكن توجيهه بأحد تقريبين: الاول - أن يقال بأن مقتضى ظهور الآية - لو خلينا نحن وهي - ان المناط في التيمم عدم الوجدان حال القيام إلى الصلاة، فلا يضر بصحة التيمم تبدل عدم الوجدان إلى الوجدان في آخر الوقت، من دون فرق بين

[ 197 ]

أن يكون تبدل عدم الوجدان بالوجدان ناشئا من تحول غير الماء إلى ماء، أو من تحول المكلف من مكان بعيد عن الماء إلى مكان قريب، غير أن الروايات دلت على عدم جواز البدار إلى التيمم مع وجود الماء في آخر الوقت. ولكن مورد هذه الروايات هو تبدل عدم الوجدان بالوجدان بسبب تحول المكلف من مكان بعيد عن الماء إلى مكان قريب، كما هو الحال في المسافر ونحوه الذي يفقد الماء في الصحراء ويجده بعد مسيرة ساعة أو ساعات، ولا تشمل حالة تبدل عدم الوجدان بالوجدان بسبب تحول غير الماء إلى ماء، فنبقى في هذه الحالة على ظهور الآية المقتضى الجواز البدار. وحيث أن دعوى عدم شمول الروزايات لهذه الحالة - ولو بتوسط ارتكازية عدم الفرق بين الحالتين - ليست واضحة، فيكون المورد مورد الاحتياط، ولكن من البعيد أن يكون نظر الماتن إلى توهم هذا الوجه. الثاني - أن يكون النظر في الحكم بالصبر والانتظار احتياطا إلى إبداء احتمال عدم الوجوب، لا بمعنى احتمال عدم وجوب الوضوء عليه مع فرض ابقاء المائع على حاله والاكتفاء بالتيمم فعلا قبل تحوله إلى الاطلاق، لكي يكون ذلك منافيا للفتوى بعدم جواز البدار في مسائل التيمم، بل بمعنى احتمال جواز إراقة الماء المضاف فعلا والاكتفاء بالتيمم، لان قول الماتن - قدس سره - " يجب عليه أن يصبر حتى يصفو " يستبطن أمرين بحسب الحقيقة: أحدهما وجوب إبقاء الماء وعدم جواز إراقته، والآخر أنه مع فرض بقائه لابد له أن يتوضأ به بعد صيرورته مطلقا ولا يمكنه المبادرة إلى التيمم قبل ذلك. فلعل الاحتياط وعدم الجزم كان بلحاظ الامر الاول، وهو وجوب ابقاء الماء وعدم جواز اراقته، وهو أمر يناسب حتى مع البناء جزما على أن موضوع مشروعية اليتمم العدم في تمام الوقت لا العدم حين ارادة الامتثال. إذ قد يدعى أن إراقة هذا الماء المضاف في أثناء الوقت ليس

[ 198 ]

كاراقة الماء المطلق في الوقت مع فرض انحصار الماء به، فان الثاني لا يجوز، لانه تفويت للوضوء الواجب بعد تحقق شرط وجوبه وهو وجدان الماء، وأما الاول فقد يقال: إن إراقة الماء المضاف في مفروض المسألة توجب عدم تحقق شرط وجوب الوضوء وهو الوجدان، لا أنه تعجيز عن الوضوء بعد فعلية وجوبه بفعلية شرطه، فيكن جائزا.

[ 199 ]

الماء المتغير (انفعال الماء المعتصم بالتغير، شمول الحكم لسائر أقسام المعتصم، أنحاء التغير، التغير التقديري، فروع وتطبيقات. كيف يطهر الماء المتغير).

[ 201 ]

[ (مسألة - 9) الماء المطلق - بأقسامه حتى الجاري منه - ينجس إذا تغير بالنجاسة (1) ]. (1) الحكم بانفعال الماء المطلق عند تغيره بالنجاسة من الواضحات فقهيا ومتشرعيا. ومتسالم عليه بين الفقهاء في الجملة. وقد دلت عليه روايات كثيرة صنفها السيد الاستاذ إلى ثلاث طوائف: طائفة واردة في طبيعي الماء، وطائفة واردة في الماء الراكد، وطائفة واردة في ماء البئر (1). (أما الطائفة الاولى) فقد مثل لها براية حريز عن أبي عبد الله عليه السلام: كلما غلب الماء على ريح الجيفة فتوضأ من الماء واشرب، فإذا تغير الماء وتغير الطعم فلا توضأ منه ولا تشرب (2). والتحقيق أن رواية حريز لا يخلو سندها من إشكال، وذلك لانها بطريق الشيخ، وإن كانت صحيحة. لانها تصل بسند معتبر إلى حماد بن عيسى عن حريز عن أبي عبد الله عليه السلام، ولكنها في طريق الكليني تصل إلى حماد بن عيسى عن حريز عمن أخبره عن أبي عبد الله عليه السلام فان احتملنا أن هناك روايتين بنفس المتن سمع حريز إحداهما من الامام وسمع الاخرى من شخص عن الامام وقد اقتصر الشيخ على نقل الاولى والكليني على نقل الثانية، فلا بأس بالبناء على الرواية حينئذ، لانها تامة السند. وأما إذا حصل الاطمئنان بوحدة الرواية بلحاظ أن متن الرواية واحد والامام المنقول عنه واحد والراوي والراوي عن الراوي واحد - وهو


(1) التنقيح الجزء الاول ص 66. (2) وسائل الشيعة باب 3 من أبواب الماء المطلق حديث - 1 -.

[ 202 ]

حماد بن عيسى عن حريز - عدم تعرض كل من الشيخ والكليني إلا إلى رواية واحدة. فعلى هذا تسقط الرواية عن الحجية، إذ لا يمكن حينئذ أن نحرز أن حريزا نقل الرواية استنادا إلى السماع من الامام - كما هو ظاهر نقل الشيخ - إذا لعله نقلها بتوسط واسطة مجهولة كما هو مقتضى نقل الكليني الاكثر ضبطا. ويمكن استبدال رواية حريز بروايات أخرى، من قبيل النبوي " خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شئ الا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه " (1). ورواية سماعة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن الرجل يمر بالماء وفيه دابة ميتة قد انتنت؟ قال: إذا كان النتن الغالب على الماء فلا تتوضأ ولا تشرب (2). ورواية سماعة الاخرى قال: سألته عن الرجل يمر بالميتة في الماء؟ قال: يتوضأ من الناحية التي لبس فيها الميتة (3). بناءا على عدم انصراف الماء الذي يمر به الرجل إلى الغدير والنقيع ونحوه، وعل يأن الملحوظ في صرفه عن الوضوء من الناحية التي فيها الميتة هو التغير لا مجرد الملاقاة، إذ على الثاني لا فرق بين الناحيتين كما هو واضح. ولكن غير الرواية الاخيرة لا يخلو أضا من اشكال سندي، كما هو الحال في رواية حريز: أما النبوي فمستنده ابن ادريس، إذ ذكره ووصفه بأن متفق على روايته. ومن المحتمل أن يكون مقصوده من الاتفاق على نقله الاتفاق بين


(1) وسائل الشيعة باب 1 من ابواب الماء المطلق حديث - 9 -. (2) وسائل الشيعة باب 3 من ابواب الماء المطلق حديث - 6 -. (3) وسائل الشيعة باب 5 من ابواب الماء المطلق حديث - 5 -.

[ 203 ]

الفريقين، بمعنى كون منقولا في طرق السنة وطرق الشيعة، لا بمعنى كونه متفقا على روايته من قبل تمام أصحاب الحديث من الخاصة، لكي يرجع إلى دعوى الاستفاضة والتواتر. وغاية ما يمكن ان يقال في صحيح سند النبوي رغم كونه مرسلا من قبل ابن ادريس انه - قدس سره - نسب الحديث إلى النبي ابتداءا وهذا يعني إخباره بذلك وجزمه بصدوره من النبي صلى الله عليه واله، وهذا الجزم - وان كان في نفسه مرددا بين الجزم الحدسي الاجتهادي الذي لا يكون الاخبار المستند إليه حجة، والجزم الحسبي أو ما يقرب من الحس المستند إلى استفاضة نقل الرواية وتواترها الذي يكون الاخبار المستند إليه حجة، غير أن مقتضى أصالة الحس تعين الثاني. إن قيل: إن أصالة الحس إنما تجري فيما إذا كان الاخبار متعلقا بواقعة معاصرة قابلة للحس بالنسبة إلى المخبر، لا في مثل المقام مما يفرض فيه صدور الحديث قبل مدة طويلة من الزمان. قلنا: إن الحسية بالنسبة إلى وقائع متقدمة من هذا القبيل ليست بمعنى الاحساس المباشر بها. بل بمعنى يشمل وضوحها واشتهار نقلها. فهو من قبيل إخبار الشيخ الطوسي بوثاقة عمار الساباطي مثلا أو غيره من الرواة المتقدمين عليه بأجيال. فان هذا الاخبار حجة بعد إجراء أصالة الحس، لا بمعنى افتراض ان الشيخ عاشر عمار الساباطي بنفسه، بل بمعنى افتراض أنه استند إلى مقدمات يكون انتاجها للعدالة وكشفها عنها انتاجا وكشفا عرفيا لا كشفا اجتهاديا نظريا. فكما يبنى على حجية إخبار الشيخ الطوسي بوثاقة عمار، كذلك يبنى على حجية إخبار ابن ادريس بصدور الكلام من المعصوم، ولا فرق بين الموردين، لان احتمال كون الخبر مستندا إلى وضوح المطلب ومدارك عرفية عليه إن كان كافيا للبناء على

[ 204 ]

حجية الخبر، فيكون كلا الخبرين حجة، وإن لم يكف فكلاهما يسقط عن الحجية. ولكن هذا البيان إنما يتم لو كان يوجد احتمال عقلائي معتد به لوجود اشتهار للحديث الذي نقله ابن ادريس واستفاضة في نقله، ولكن هذا الاحتمال في نفسه غير موجود، إذ كيف يحتمل احتمالا معتدا به الاشتهار والوضوح في حديث لم يصل إلينا مسندا ولو بطريق ضعيف من طرق الخاصة. ومع هذا لا يمكن التعويل على نقل ابن ادريس - قدس سره - وأما رواية سماعة الاولى، فقد صرح الشيخ الطوسي في متن التهذيب والاستبصار (1) بطريقه إليها، فقال: أخبرني الشخ عن أحمد بن محمد، عن ابيه، عن الحسين بن الحسن بن ابان، عن الحسين بن سعيد، عن عثمان بن عيسى، عن سماعة. وهذا الطريق غير تام. ولو فرض البناء على وثاقة الحسين بن الحسن ابن أبان، وذلك لان أحمد بن محمد الذي أخبر عنه الشيخ المفيد لم يثبت توثيقه، ولو أن الشيخ - قدس سره - بدأ بالحسين بن سعيد مثلا وحذف طريقه إليه لصحت الرواية، لان معنى ذلك أنه - قدس سره - قد أخذ الروزاية من كتب الحسين بن سعيد، فتشمله جميع الطرق التي ذكرها في المشيخة للروايات التي نقلها عن الحسين بن سعيد. فإذا كان بعضها صحيحا وخاليا من أحمد بن محمد كفى ذلك في تصحيح الرواية. وأما مع التصريح بطريق مخصوص إلى الحسين بن سعيد مشتمل على أحمد بن محمد، فهل يمكن مع هذا تطبيق الصحيح على الرواية، بدعوى أن يذكر الطريق المشتمل على احمد بن محمد كان من باب المثال، أو يقال: إن هذا متعذر، إذ مع التصريح بالطريق المشتمل على احمد بن محمد لا يعلم بأن الرواية


(1) الاستبصار الجزء الاول ص 12 والتهذيب الجزء الاول ص 216.

[ 205 ]

مأخوذة من كتب الحسين بن سعيد لتشملها طرق المشيخة؟ في ذلك كلام وبحث مفصل نتعرض له في موضع انسب فيما يأتي ان شاء الله تعالى. (وما الطائفة الثانية) الواردة في الماء الراكد، فقد مثل لها السيد الاستاذ - دام ظله (1) برواية ابي بصير عن ابي عبد الله عليه السلام انه سئل عن الماء النقيع تبول فيه الدواب؟ فقال: إن تغير الماء فلا تتوضأ منه، وان لم تغيره أبوالها فتوضأ منه. وكذلك الدم إذا سال في الماء وأشباهه (2). وقد جعل محل الاستشاد فيها قوله " وكذلك الدم إذا سال في الماء وأشباهه " وأما صدرها الذي دل على نجاسة أبوال الدواب فلعله محمول على التقية، لان العامة ذهبوا إلى نجاسة بول البغال والحمير ونحوهما. والظاهر أنه رواية ابي بصير لا تخلو من إشكال سندا ودلالة: أما الاشكال السندي فبلحاظ ورود ياسين الضرير فيها الذي لم يثبت توثيقه عندنا. وبلحاظ ورود احمد بن الحسن على الكلام المتقدم. وأما الاشكال الدلالي فلاننا إذا حملنا الجملة الاولى المتعلقة بأبوال الدواب على التقية ما صنع السيد الاستاذ فقد يمكن الاستدلال بالجملة الثانية وهي قوله " وكذلك الدم إذا سال في الماء وأشباهه " ولكن إذا حملنا النهي في الجملة الاولى على التنزه فليس الامر كذلك. وتوضيح ذلك: إن قوله في الجملة الاولى " لا تتوضأ منه " إما أن يفرض كونه إرشادا إلى النجاسة بلسان النهي عن الوضوء منه، فتكون النجاسة مستفادة منه ابتداءا، وإما أن يفرض كونه إرشادا إلى بطلان الوضوء وحيث يعلم بأنه لا منشأ للبطلان الا النجاسة فتثبت النجاسة بالدلالة


(1) التنقيح الجزء الاول ص 67. (2) وسائل الشيعة باب 3 من ابواب الماء المطلق حديث - 3 -.

[ 206 ]

الالتزامية لقوله " لا تتوضأ منه ". وعلى كل حال. فبعد فرض معلومية طهارة أبواب الدواب وطهارة الماء المتغير بها وجواز الوضوء منه. لابد من أحد تصرفين في مدلول هذه الجملة: فإما أن نبقي المدلول الاستعمالي على حاله في افادة النجاسة أو بطلان الوضوء ونرفع اليد عن أصالة الجد بجمل هذه الجملة على التقية، وإما أن نتصرف في المدلول الاستعمالي بحمل النجاسة وبطلان الوضوء على مرتبة تنزهية من النجاسة أو البطلان جمعا بينه وبين مادل على نفي المرتبة اللزومية من النجاسة والبطلان. ويظهر الاثر العملي بين هذين الوجهين بلحاظ الجملة الثانية، وهي قوله " وكذلك الدم إذا سال في الماء وأشباهه " لان المدلول الاستعمالي للجملة الثانسة ليس ناظرة إلا إلى اسراء المدلول الاستعمالي للجملة الاولى إلى مورد الدم وأشباهه، فإذا بنينا على التصرف بالوجه الاول في الجملة الاولى، فهذا يعني التحفظ على مدلولها الاستعمالي الاولي، وهو النجاسة والبطلان، ويكون المدلول الاستعمالي للجملة الثانية إسراء تلك النجاسة والبطلان إلى مورد الدم وأشباهه، ومقتضى أصالة الجد جدية كلا المدلولين الاستعماليين، فإذا علم بعدم جدية أحدهما فلا موجب مثلا لرفع اليد عن أصالة الجد في الآخر. وأما إذا بنينا على التصرف بالوجه الثاني في الجملة الاولى - يجعل دليل طهارة أبوال الدواب قرينة على أن مدلولها الاستعمالي مرتبة تنزهية من النجاسة - فيكون مفاد الجملة الثانية إثبات نفس تلك المرتبة في مورد الدم وأشباهه، كما هو مقتضى قوله " كذلك " المتكفل لاسراء المدلول الاستعمالي للجملة الاولى إلى مورد الدم وأشباهه، فلا يمكن الاستدلال بالرواية حينئذ على المطلوب في المقام. ويمكن التعويض عن رواية أبي بصير بروايات أخرى، من قبيل

[ 207 ]

رواية عبد الله بن سنان قال: سأل رجل أبا عبد الله عليه السلام - وانا حاضر - عن غدير أتوه وفيه جيفة؟ فقال: إن كان الماء قاهرا ولا توجد منه الريح فتوضأ (1) ورواية زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: إذا كان الماء اكثر من راوية لم ينجسه شئ، تفسخ فيه أو لم يتفسخ، إلا أن يجئ له ريح تغلب على ريح الماء (2). (وأما الطائفة الثالثة) فمثالها صحيحة ابن بزيع عن الرضا عليه السلام قال: ماء البئر واسع لا يفسده شئ، إلا أن يتغير ريحه أو طعمه - الخ (3) وهناك طائفة رابعة وردت في ماء المطر لم يتعرض لها السيد الاستاذ وسوف تأتي الاشارة إليها إن شاء الله تعالى. وعلى أي حال فلا إشكال في تمامية الدليل في نفسه على انفعال الماء المطلق بتمام أقسام بالتغير، ولكن يمكن أن يقال: إنه في مقام التمسك بهذا الدليل لاثبات إنفعال كل قسم من أقسام الماء المعتصم بالتغير لابد من ملاحصة النسبة بين دليل الانفعال بالتغير ودليل اعتصام ذلك القسم من الماء. فقد تكون النسبة بينهما العموم من وجه بنحو يتساقطان في مادة الاجتماع ويرجع إلى أصالة الطهارة، ولهذا سوف نتكلم من أجل تحقيق هذه الناحية في عدة جهات: " الجهة الاولى " - في تحقيق النسبة بين دليل انفعال الماء الراكد بالتغير ودليل اعتصام الماء الراكد المطلق، فقد يقال: إن النسبة بينهما العموم من وجه، لان دليل الاعتصام المتمثل في مثل قوله " إذا بالغ الماء قدر


(1) وسائل الشيعة باب 3 من ابواب الماء المطلق حديث - 11 -. (2) نفس المصدر والموضع حديث - 9 -. (3) نفس المصدر والموضع حديث - 12 -.

[ 208 ]

كر لا ينجسه شئ " يقتضي باطلاقه عدم تنجس الكر بالملاقاة، سواء تغير بسبب ذلك أولا، ودليل انفعال الماء الراكد بالتغير يقتضي باطلاقه أن الكر يتفعل بالتغير أيضا. فمادة الاجتماع هو الكر المتغير، ومادة الافتراق لدليل الاعتصام الكر الملاقي للنجس بدون تغير. ومادة الافتراق لدليل انفعال الماء الراكد بالتغير الماء القليل. وبعد سقوط العامين من وجه في مادة الاجتماع يرجع إلى الاصول المقتضية للطهارة. وما يمكن ان يجاب به على ذلك أحد وجوه: الاول: أن يقال: إن دليل اعتصام الكر ليس مفادة قضية تعبدية تأسيسية يصح الجمود على اطلاقه. لوضوح أن عصمته الكر ومانعية الكثرة في الماء عن الاستقذار عند ملاقاة الماء للقذر أمر عرفي مركوز، ومن أجل ذلك يكون للعرف نظر حسب مناسبات الحكم والموضوع المركوزة في ذهنه. ومن المعلوم أن المركوز في الذهن أن مانعية الكثرة عن الاستقذار ليس بما هي كثرة في نظر العرف، بل بما هي موجبة للغلبة على القذر والقاهرية عليه، فمناسبات الحكم والموضوع الارتكازية تكون قرينة عرفية على أن الكثرة المأخوذة موضوعا للحكم بالاعتصام إنما أخذت بما هي مساقة للغلبة والقاهرية على القذر الملاقي للماء، فمع فرض تغير الماء بالقذر وسيطرة القذر على لونه وطعمه وريحه لا إطلاق لدليل الاعتصام ليتمسك به. الثاني: أنه مع فرض قطع النظر عن تحكيم المناسبات الارتكازية للحكم والموضوع والتسليم بوجود إطلاق في دليل اعتصام الكر، يقال: إن المعارضة تكون بنحو العموم من وجه بين دليل إعتصام الكر، ودليل انفعال الماء الراكد بالتغير، وحيث دل دليل ثالث على أن الماء القليل ينفعل بمجرد الملاقاة قبل حصول التغير، فهذا الدليل الثالث يكون أخص مطلقا من دليل إنفعال الماء الراكد بالتغير، فيخرج عن موضوعه الماء القليل، لان الدليل

[ 209 ]

الثالث يثبت أن المنجس له هو مجرد الملاقاة لا التغير، وإذا خرج الماء القليل عن موضوع دليل إنفعال الماء الراكد بالتغير أصبح هذا الدليل أخص مطلقا من دليل اعتصام الكر، فيقيد به. ويرد عليه: أن هذا التقريب مبني على القول بانقلاب النسبة فيما إذا تعارض عامان من وجه، ووجد خاص يخرج من نطاق أحد العاميين مادة الافتراق له عن العام الآخر، بحيث يصبح العام المخصص بعد تخصيصه مخصصا بدوره للعام المعارض له. وقد حققنا في الاصول أن انقلاب النسبة غير تام، نعم لو فرض أن تنجس الماء القليل - بمجرد الملاقاة بلا حاجة إلى التغير - أمر ارتكازي في ذهن المتشرعة، بحيث يكون الارتكاز بمثابة المخصص اللبى المتصل بدليل انفعال الماء الراكد بالتغير، فهذا يعني أن دليل انفعال الماء الراكد بالتغير انعقد ظهوره من أول الامر في خصوص الكر نتيجة لاتصال ذلك المخصص اللبى به. فيكون أخص مطلقا من دليل اعتصام الكر، فيخصصه بلا حاجة إلى القول بانقلاب النسبة. الثالث: الاستعانة بكبرى انقلاب النسبة أيضا، ولكن بوجه آخر. فقد كنا في الوجه السابق نفرض نشوء انقلاب النسبة من مخصوص يخرج مادة الافتراق لاحد العامين من وجه، وفي هذا الوجه يدعى إمكان انقلاب النسبة على أساس وجود مخصص لاحد العامين المتعارضين بنحو التساوي، بأن يقال: إن لدينا دليلا يدل باطلاقه على عدم انفعال الكر بالملاقاة، سواء حصل التغير أولا، ولدينا أيضا دليل ثاني يدل باطلاقه على انفعال الكر بالملاقاة، سواء حصل التغير أولا، وهذا الدليل هو رواية ابي بصير قال: سألته عن كر من ماء مررت به وأنا في سفر قد بال فيه حمار أو بغل أو انسان؟ قال: لا تتوضأ منه ولا تشرب منه (1).


(1) وسائل الشيعة باب 3 من ابواب الماء المطلق حديث - 5 -.

[ 210 ]

وهذان الدليلان متعارضان بنحو التساي، بمعنى أن كلا منهما يشمل كلتا حالتي التغير وعدمه. وهناك دليل ثالث، وهو ما ورد في نفي الانفعال عن الكر في مورد الملاقاة غير المغيرة، من قبيل قوله في رواية أبي بصير " لا تشرب من سؤر الكلب إلا أن يكون حوضا كبيرا يستقى منه " (1)، فان العادة قاضية بأن شرب الكلب من حوض كبير لا يوجب تغيره. فهذه الرواية مختصة موردا بالملاقاة غير المغيرة، فتكون أخص مطلقا من الدليل الثاني الدال على انفعال الكر بالملاقاة، فيقيد الدليل الثاني بما إذا أوجب البول تغير الماء، وبذلك يصبح أخص مطلقا من الدليل الاول الدال على أن الكر لا ينجسه شئ، فينتج أن الكر ينجس بالتغير ولا ينجس بالملاقاة. وهذا الوجه مبني على انقلاب النسبة ايضا، والتحقيق خلافه على ما بينا في الاصول، نعم لو استظهرنا من الدليل الثاني وروده في مورد التغير بحيث كان مختصا بصورة التغير في نفسه لا بمخصص منفصل. كان مخصصا للدليل الاول على القاعدة. وذلك يتوقف على دعوى أن المستظهر من فرض السائل مروره وهو مسافر بكر قد بال فيه انسان أو حمار أو غيره، انه لم ير الانسان أو الحمار يبول في الكر حين مروره عليه، وإنما مر بكر قد بال فيه الانسان أو الحمار، هذا يعني أنه إنما عرف ذلك بتبين آثار ذلك في الماء، فتكون الرواية واردة في مورد التغير. الرابع: التمسك برواية شهاب بن عبد ربه (2) حيث أنها وردت


(1) وسائل الشيعة باب 9 من ابواب الماء المطلق حديث - 3 -. (2) وهي على ما في وسائل الشيعة: " محمد بن الحسن الصفار في كتاب (بصائر الدرجات) عن محمد بن اسماعيل يعني البرمكي، عن علي بن الحكم. عن شهاب بن عبد ربه قال: أتيت ابا عبد الله عليه السلام اسأله. فابتد أني فقال: إن شئت فسل يا شهاب، وإن شئت أخبرناك بما جئت =

[ 211 ]

في الكر بعنوانه، ودلت على انفعاله بالتغير، فيكون لها ميزة على سائر ما دل على انفعال الماء الراكد بالتغير، وهي أنها أخص مطلقا من دليل الاعتصام. ويرد عليه: أن هذه الرواية - وإن عبر عنها بالصحيحة - (1) ولكن الصحيح أن سندها غير تام. لانها يرويها صاحب الوسائل عن كتاب بصائر الدرجات وطريق صاحب الوسائل إلى بصائر الدرجات إنما هو بتوسط الشيخ، والشيخ طريقه إلى الصفار - وان كان صحيحا - ولكن طريقه الصحيح إليل الصفار لا يشمل بصائر الدرجات، وطريقه إلى بصائر الدرجات ليس صحيحا، فالرواية غير تامة سندا. الخامس: التمسك برواية العلاء بن الفضيل، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الحياض يبال فيها؟ قال: لا بأس إذا غلب لون الماء لون البول (2) وذلك بدعوى ان عنوان الحياض إن لم يكن منصرفا إلى الكثير البالغ مقدار الكر فلا أقل من عدم، امكان تقييده بخصوص القليل، فيكون بمفهومه أخص من دليل اعتصام الكر. غير أن هذه الدعوى لو سلمت فالاشكال في سند الرواية ثابت على كل حال، لان في سندها محمد بن سنان. نعم، يمكن أن نستبدل رواية الحياض برواية الراوية المتقدمة عن


= له. قلت: أخبرني. قال: جئت تسألني عن الغدير أن يكون في جانبه الجيفة أتوضأ منه أولا؟ قال: نعم. قال: تضأ من الجانب الآخر الا أن يغلب الماء الريح فيتن. وجئت تسأل عن الماء الراكد من الكر مما لم يكن فيه تغير أو ريح غالبة، قلت: فما التغير؟ قال: الصفرة، فتوضأ منه وكلما غلب كثرة الماء فهو طاهر. " باب 9 من ابواب الماء المطلق حيث - 11 -. (1) التنقيح الجزء الاول ص 69. (2) وسائل الشيعة باب 3 من ابواب الماء المطلق حيث - 7 -.

[ 212 ]

زرارة، بعد فرض كون الراوية مساوقة أو مقاربة للكر بنحو لا يمكن تقييدها بما هو أقل من كر، فان قوله في تلك الرواية " إذا كان الماء اكثر من راوية " الخ، قد رواه الكليني بسند معتبر، وان كان طريق الشيخ إليه غير نقي. السادس: التمسك بصحيحة ابن بزيع (1) الوزاردة في البئر، بعد ضم دعوى ان الغالب في ماء البئر أن لا يقل عن كر، فإذا كان الكر من ماء البئر ينفعل بالتغير مع ان له مادة فانفعال الكر المجرد عن المادة ثابت بالفحوى أو الاولوية العرفية. ويرد عليه: أنا لم نحرز مثل هذه الغلبة في الآبار، خصوصا الآبار التي يخرج ماؤها بنحو الرشح. هذا مضافا إلى أن النزاع الذي وقع بين الفقهاء في انفعال البئر بالملاقاة ولو كان كرا - مع التسالم على عدم انفعال الكر الراكد بالملاقاة - كأنه يكشف عن عدم التزامهم بهده الاولوية، فإذا كان من المحتمل أن ينفعل البئر البالغ كرا بالملاقاة مع أن الكر من غيره لا ينفعل بالملاقاة، فليكن من المحتمل أن ينفعل البئر البالغ كرا بالتغير مع أن الكر من غيره لا ينفعل بالتغير. السابع: أن يدعى عدم وجود إطلاق في دليل اعتصام الكر يقتضي نفي انفعاله بالتغير، وذلك بتقريب أن المستظهر من هذا الدليل كونه ناظرا إلى ما ثبت كونه منجسا للماء لولا الكثرة، ومسوقا لبيان انه لا ينجس الماء مع الكثرة، فيكون مرجع قوله " لا ينجسه شئ " بناءا على دعوى هذا الاستظهار ان الماء مع الكثرة لا ينجسه شئ مما كان منجسا له مع عدم الكثرة. وحيث أن ما هو المنجس للماء مع عدم الكثرة مجرد الملاقاة لا


(1) محمد بن يعقوب، عن عدة من اصحابنا. عن احمد بن محمد، عن محمد بن اسماعيل بن بزيع، عن الرضا عليه السلام قال: ماء البئر واسع لا يفسده شئ الا ان يتغير به. وسائل الشيعة باب 14 من ابواب الماء المطلق حديث - 1 -.

[ 213 ]

التغير، لان التغير بسسب الملاقاة مسبوق دائما بالتنجس بالملاقاة. فيكون مفاد قوله " لا ينجسه شئ " متجها إلى نفي منجسية الملاقاة ولا ينفي منجسية المتغير. والحاصل: انه ينفي كون المنجس للماء القليل منسجا للكثير، وحيث أن التغر ليس منجسا للقليل بل المنجس للقليل هو الملاقاة السابقة على التغير دائما. فالمنفي عن الكر هو التنجس بالملاقاة لا التنجس بالتغير. وهذا التقريب ان تم في بعض روايات الاعتصام فتتميمه في سائر الرايات في غاية الاشكال. الثامن: أنا لو فرضنا التعارض بين دليل اعتصام الكر ودليل انفعال الماء الراكد بالتغير، وكان التعارض بالعموم من وجبه. وفرض التساقط في مادة الاجتماع. فلا تصل النوبة إلى الاصول العملية المقتضية للطهارة إذا أمكن الحصول على عام فوقاني يدل على انفعال الماء عند ملاقاة النجاسة بحيث يكون مطلقا شاملا للقليل والكثير ولحالة التغير بالملاقاة وحالة عدم التغير بها. فان مثل هذا المطلق يكون دليل اعتصام الكر أخص مطلقا منه، لان المطلق يشمل القليل والكثير بحسب الفرض، بينما يختص دليل الاعتصام بالكثير، كما أن دليل منجسية التغير أخص مطلقا منه أيضا، لان مقتضى إطلاق المطلق المفروض أن الملاقاة منجسة، سواء انضم إليها تغير ألا، فما يدل على اناطة الانفعال بانضمام التغير إلى الملاقاة، يكون أخص من ذلك المطلق. وعليه فيكون المطلق المفروض مرجعا فوقانيا - بعد تساقط دليل اعتصام الكر مع معارضه في مادة الاجتماع - فان الملاقاة المغيرة للماء بين النجس والكر لم يثبت خروجها عن المطلق المفروض لان خروجها فرع حجية إطلاق دليل اعتصام الكر، والمفروض سقوطه بالمعارضة فيحكم بنجاسة الكر الملاقي للنجاسة بملاقاة مغيرة، عملا باطلاق ذلك المطلق بوصفه مرجعا فوقانيا بعد تساقط الخاصين.

[ 214 ]

وهذا التقريب تام إذا جدنا مرجعا فوقانيا من هذا القليل، ولكن الكلام في وجوده، لان وجود ما يدل على انفعال الماء الشامل باطلاقه للقليل والكثير قد يكون توفرا في كثير من الروايات، ولكن الغالب فيها فرض أنحاء من الملاقاة التي لا تستلزم التغير عادة. فتكون مختصة موردا بالملاقاة المجردة عن التغير، وبهذا لا تصلح أن تكون مرجعا في المقام. وذلك من قبيل ما جاء في رواية عما: سئل عن ماء شربت منه الدجاجة؟ قال: إن كان في منقارها قذر لم يتوضأ منه ولم يشرب (1) فان من المعلوم أن القذر الذي يقع على منقار الدجاجة لا يوجب التغير عادة. نعم. قد يدعى توفر شروط ذلك المرجع الفوقاني في رواية علي بن جعفر التي نقلها صاحب الوسائل عن كتابه، قال: سألته عن جرة ماء فيه ألف رطل وقع فيه أوقية بول هل يصلح شربه أو الوضوء منه؟ قال: لا يصلح (2) فان كلمة " الرطل " لما كانت مجملة ومرددة بين العراقي وغيره فينعقد لجواب الامام إطلاق بملاك ترك الاستفصال يقتضي أن الماء البالغ ألف رطل - سواء كان بالارطال العراقية أو بغيرها - يخرج عن الصلاحية بوقوع أوقية بول فيه، وبهذا يصبح الموضوع شاملا للقليل والكثير، لان ألف رطل بالعراقي قليل والف رطل بالمكي أ والمدني كثير، بناءا على المفروغية عن أن الكرهو ألف ومائتا رطل بالعراقي، كما أن وقوع أوقية من البول مناسب لكل من حالة التغير وحالة عدم التغير، وهذا يعني أن الرواية تحقق شروط المرجعج الفوقاني، لانها تدل على انفعال الماء بملاقاة البول، سواء كان قليلا أو كثيرا، وسواء تغير أو لم يتغير، وخرج عن هذا الاطلاق مادة الافتراق لدليل اعتصام الكر، أي الكثير عن ملاقاته


(1) وسائل الشيعة باب 4 من ابواب الاسئار حديث - 3 -. (2) وسائل الشيعة باب 8 من أبواب الماء المطلق حديث - 16 -.

[ 215 ]

للبول بدون يتغير. وأما مادة التعارض بين دليل اعتصام الكر ودليل انفعال الماء الراكد بالتغير - وهي ملاقاة النجس للكثير المؤدية إلى التغير - فلا موجب لاخراجها عن إطلاق المطلق بعد تساق دليل الاعتصام ودليل الانفعال في مادة الاجتماع. والحقيقة أن مرجعية رواية علي بن جعفر المذكورة تتوقف على تحقيق أن إجمال الرطل في السؤال هل يجب سريان الاجمال إلى الجواب، فان كان الاجمال يسري فلان يكون للجواب إطلاق يشمل القليل والكثير معا ليكون مرجعا فوقانيا، وان كان لا يسري بل ينعقد الاطلاق للجواب بملاك ترك الاستفصال فلا بأس بالمرجعية. وسوف ندرس هذه النقطة بصورة أساسية في بعض البحوث المقبلة ان شاء الله تعالى، تحت عنوان: ان اجمال السؤال هل يسري إلى الجواب أولا؟ التاسع: أن دليل انفعال الماء بالتغير حاكم على دليل اعتصام الكر، فيقدم عليه بالحكومة، لان رواية حريز مثلا التي دلت على انفعال الماء بالتغير فرضت ماءا لا ينفعل بالملاقاة وحكمت عليه بأنه ينفعل بالتغير، وفرض ماء لا ينفعل بالملاقاة هو فرض اعتصام الماء، فتكون الرواية ناظرة إلى دليل الاعتصام، ومبينة ان الماء الذي لا ينفعل بالملاقاة ينفعل بالتغير، فتكون حاكمة بملاك النظر على دليل عدم الانفعال بالملاقاة. وهذا الوجه غير تام، لان رواية حريز لم تجعل الماء الذي لا ينفعل بالملاقاة أمرا مفروضا مفروغا عنه، بحيث تتجه فقط إلى بيان حيثية انه ينفعل بالتغير لكي يكون لها نظر إلى دليل الاعتصام، بل أن الرواية بنفسها تصدت لبيان أن الماء لا ينفعل بالملاقاة وينفعل بالتغير. ففرق بين أن تكون رواية حريز هكذا " الماء الذي لا ينفعل بالنجاسة يتنجس إذا تغير " وبين أن تكون هكذا " الماء لا ينفعل بالملاقاة وينفعل بالتغير " فالعبارة الاولى

[ 216 ]

هي التي تقتضي حكومة رواية حريز على تمام أدلة الاعتصام. دون العبارة الثانية التي لا تستبطن افتراض حكم مفروغ عنه بالاعتصام وعدم الانفعال بالملاقاة، وإنما تتصدى هي لبيان ذلك في عرض تصديها لبيان ان الماء ينفعل بالتغير. العاشر: أن دليل اعتصام الكر ودليل الانفعال بالتغير - وان كانا متعارضين بالعموم من وجه غير أن تقديم دليل الانفعال على دليل الاعتصام في مادة التعارض لا يلزم منه إلغاء دليل الاعتصام رأسا، بخلاف تقديم دليل الاعتصام على دليل الانفعال، فانه يلزم منه إلغاء دليل الانفعال رأسا، وفي حالة من هذا القبيل يقدم دليل الانفعال. وتوضيحه - ان مفاد رواية حريز مثلا - التي تمثل دليل الانفعال بالتغير - هو إناطة النجاسة بالتغير، بمعنى أن النجاسة تابعة للتغير نفيا، وإثباتا، فالماء لا ينجس بالملاقاة غير المغيرة وينجس بالملاقاة المغيرة. وأما قوله " إذا بلغ الماء قدر كر لا ينسه شئ " الذي يمثل دليل الاعتصام. فله منطوق ومفهوم، مقتضى إطلاق منطوقه أن الكر لا ينجس بملاقاة النجس مطلقا، سواء كانت مغيرة أولا، ومقتضى إطلاق مفهومه أن غير الكر ينجس بالملاقاة، النجس، سواء كانت مغيرة أولا (1). ومن الواضح أن كلا من المنطوق والمفهوم لو لو حظ بصورة مستقلة فهو معارض لرواية حريز بنحو العموم من وجه، فالمنطوق ينفي باطلاقه تنجس الكر بالتغير، بينما رواية حريز تثبت باطلاقها أن الكر ينجس بالتغير، والمفهوم يثبت باطلاقه تنجس القليل بالملاقاة غير المغيرة. بينما رواية حريز تنفى باطلاقها تنجس القليل بمجرد الملاقاة. فرواية حريز إذن معارضة لكل من إطلاق المنطوق وإطلاق المفهوم بنحو العموم من وجه، فلو قدمنا


(1) إن قيل: سوف يأتي في محله ان شاء الله تعالى أن القضية =

[ 217 ]


= الشرطية: " الماء إذا بلغ قدر كر لا ينجسه شئ " ليس لها مفهوم على نحو الموجبة الكلية، وإنما مفهومها الموجبة الجزئية، عليه فلا يمكن استفادة الاطلاق من مفهومها لكل من الانفعال بالملاقاة والانفعال بالتغير، إذ لعل المقدار المندرج تحت هذا المفهوم الجزئي هو الانفعال بالتغير فحسب، ومعه لا يكون المفهوم معارضا مع رواية حريز، بل المعارضة بينها وبين إطلاق المنطوق فقط. قلنا: إننا تارة نستظهر من كلمة " لا ينجسه شئ " الاطلاق الافرادي لكل من الملاقاة والتغير، بمعنى أن يكون التغير شيئا منجسا على حد سائر الاشياء والافراد المنجسة، فهنالك لا نستطيع اثبات الاطلاق في المفهوم للملاقاة المغيرة وغير المغيرة. بعد أن كان مفهوم القضية الشرطية جزئية لا كلية، أي " ان الماء إذا لم يبلغ قدر كر فينجسه بعض الاشياء ". فلعل هذا البعض هو التغير. وتارة أخرى نقول: إن مناسبات الحكم، والموضوع تأبى من أن يندرج التغير تحت الاطلاق الافرادي لكلمة " شئ " باعتبار أن المركوز عرفا في باب الاستقذار والتقذر كون النجس هو الملاقى النجس، وحتى في حالات التغير يكون الانفعال بالملاقي ولا يلحظ التغير إلا بوصفه مزيد تأثير للملاقي النجس في الماء. اذن. فكلمة " شئ " في " لا ينجسه شئ " اطلاقها الافرادي عبارة عن الاشياء النجسة التي يلاقيها الماء لا التغير، فانه ليس فردا من هذا الاطلاق، نعم هو مشمول لاطلاق آخر هو الاطلاق الاحوالي في كلمة " شئ "، حيث أن الملاقي المنجس تارة يكون مغيرا للماء وأخرى لا يكون مغيرا، ومقتضى الاطلاق الاحوالي ثبوت الانفعال للماء القليل =

[ 218 ]

إطلاق المنطوق وإطلاق المفهوم معا على رواية حريز - كلا منهما بلحاظ مادة تعارضه مع رواية حريز - فهذا يعني أن الماء القليل ينفعل بالملاقاة مطلقا حتى بدون تغير، والكثير لا ينفعل بالملاقاة أصلا حتى مع التغير، ويؤدي ذلك إلى إلغاء رواية حريز رأسه، إذ لا يبقى ماء يكون منفعلا بالتغير لا بالملاقاة كما هو مفاد رواية حريز، كما إذا قدمنا رواية حريز الممثلة لدليل الانفعال على كل من إطلاق المنطوق واطلاق المفهوم معا في قوله " إذا بلغ الماء قدر كر لا ينجسه شئ " فهو يؤدي إلى ان الماء - سواء كان قليلا أو كثيرا - لا ينفعل بالملاقاة. وينفعل بالتغير، هو يعني إلغاء الفرق بين القليل والكثير رأسا، أي إلغاء القضية الشرطية. وأما تقديم رواية حريز على أحد الاطلاقين في القضية الشرطية، فلا يلزم منه محذور الالغاء لاي واحد من الدليلين، فان قدمنا رواية حريز على اطلاق المنطوق انتج أن القليل ينجس بالملاقاة والكثير لا ينجس الا بالتغير. وبذلك يحفظ الفرق بين القليل والكثير، ويحفظ الفرق بين الملاقاة والتغير بلحاظ الكثير. وإن قدمنا رواية حريز على اطلاق المفهوم انتج أن القليل لا ينفعل بالملاقاة بل بالتغير، وان الكثير لا ينفعل حتى بالتغير. وبهذا ينحفظ أيضا الفرق بين القليل والكثير، ويحفظ الفرق بين الملاقاة والتغير بلحاظ القليل. وخلاصة الموقف على هذا الاساس: أن العمل بكلا الاطلاقين في


= في كلتا الحالتين. وهذا الاطلاق ثابت في مفهوم القضية الشرطية، سواء كان مفهومها بلحاظ أفراد النجس كليا أو جزئيا، على ما يتضح ذلك لدى التعرض إلى النكات الفنية في تحديد مدلول هذه القضية الشرطية منطوقا ومفهوما في بحث الماء الراكد إن شاء الله تعالى.

[ 219 ]

دليل اعتصام الكر غير ممكن، لاستلزامه إلغاء روزاية حريز رأسا، كما أن العمل برواية حريز في مقابل كلا الاطلاقين معا غير ممكن، لاستلزامه إلغاء القضية الشرطية في دليل الاعتصام رأسا، فيتعين رفع اليد عن أحد الاطلاقين: إما اطلاق المنطوق، وإما اطلاق المفهوم. فإذا لم نفرض مرجحا لاحد الاطلاقين على الآخر وقع التعارض بين الاطلاقين نفسيهما، وبالتعارض يتساقطان، ومع التساقط لا يبقى ما يعارض إطلاق رواية حريز للماء الكثير، فيثبت انفعال الكثير بالتغير. والتحقيق أن لغة هذا التقريب ليست صحيحة من الناحية الفنية، لان جعل خبر حريز مسوغا لرفع اليد عن أحد الاطلاقين لا يكفي فيه أن إعمال الاطلاقين معا يؤدي إلى إلغاء خبر حريز، بل لابد أن يكون بدعوى قرينية خبر حريز وأخصيته أو ما هو بحكم الاخصية، مما يجب صلاحيته عرفا للقرينة على تقييد أحد الاطلاقين. ومن هنا نقول: إننا إذا قلنا بانقلاب النسبة وخصصنا رواية حريز بخصوص الماء الكثير بلحاظ دليل انفعال القليل بالملاقاة، فسوف يصبح خبر حريز مقدما على إطلاق المنطوق في القضية الشرطية لدليل اعتصام الكر بملاك القرينية، لانه يصبح بعد انقلاب النسبة أخص مطلقا من منطوق القضية الشرطية. وأما إذا لم نقل بانقلاب النسبة وبنينا على أن خبر حريز يبقى على نسبة العموم من وجه مع إطلاق دليل الاعتصام - ولو بعد التخصيص - فلابد من الفحص عن أساس آخر لقرينية خبر حريز. وفي توضيح ذلك يمكن أن يقال إن قوله في خبر حريز " كلما غلب الماء على ريح الجيفة فتوضأ من الماء واشرب، فإذا تغير الماء وتغير الطعم فلا توضأ " له ثلاث دلالات: الاولى: دلالة الجملة الاولى على أن مجرد الملاقاة لا ينجس الماء.

[ 220 ]

إطلاقها يقتضي عدم الفرق بين القليل والكثير. والثانية: دلالة الجملة الثانية على أن الملاقاة المغيرة تنجس الماء، وإطلاقها يقتضي عدم الفرق بين القليل، والكثير. والثالثة: دلالة التفصيل بين فرضي التغير وعدمه. على أن هناك نحو نجاسة تثبت بالتغير ولا تثبت بدونه. وهذه الدلالة محفوظة ولو لم يثبت الاطلاق في شئ من الدلالتين السابقتين. فان التفصيل يدل عرفا على أن هناك نحو امتياز للتغير في التنجس واطلاق الدلالة الاولى يعارض اطلاق مفهوم " إذا بلغ الماء قدر كر لا ينجسه شئ " بالعموم من وجه، وإطلاق الدلالة الثانية يعارض إطلاق منطوق هذه القضية الشرطية بالعموم من وجه " وليس في شئ من هاتين الدلالتين ما يصلح للقرينية - وأما الدلالة الثالثة فتعارض مجموع إطلاقي المنطوق والمفهوم للقضية الشرطية، لان هذا المجموع يلغي الفرق بين صورة التغير وصورة عدمه، وهذه الدلالة الثالثة بحكم الاخص بالنسبة إلى مجموع إطلاقي المنطوق والمفهوم. لانها تقتضي بطلان أحد الاطلاقين على الاقل، وكما قد يكون دليل أخص من دليل آخر بعينه كذلك قد يكون أخص من مجموع دليلين فيقدم على المجموع بالقرينية، وهذا يعني لزوم رفع اليد على أحد الاطلاقين في القضية الشرطية، وحيث لا معين فيتساقطان، ويرتفع بذلك المعارض لا طلاق الدلالة الاولى والدلالة الثانية في خبر حريز. وهكذا يتضح أن الدلالة الثالثة في خبر حريز تشكل قرينة على مجموع الاطلاقين المعارضين للدلالتين الاوليين في خبر حريز، وهذا يؤدي إلى تساقطهما وسلامة دلالات خبر حريز عن المعارض. وهذه الصياغة للتقريب فنية، ولكن يرد عليها: إن نفس الشئ نقوله عن القضية الشرطية لاخبار الكر، فان فيها دلالات ثلاث:

[ 221 ]

الاولى: دلالة المفهوم على ان القليل ينجس بالملاقاة، واطلاقه يثبت الانفعال بالملاقاة المجردة عن التغير. الثانية: دلالة المنطوق على ان الكر لا يتنجس، وإطلاقه ينفي الانفعال بالتغير. الثالثة: دلالة التعليق والتفصيل على أن هناك نحو امتياز للكثير على القليل. والدلالة الاولى معارضة للدلالة الاولى من دلالات خبر حريز الثلاث، والثانية معارضة للثانية هناك، وأما الدلالة الثالثة للقضية الشرطية فنسبتها إلى الدلالتين الاولى والثانية من دلالات خبر حريز كنسبة الدلالة الثالثة لخبر حريز إلى الدلالتين الاولى والثانية من دلالات القضية الشرطية. بمعنى أن الدلالة الثالثة للقضية الشرطية يمكن أن تعتبر أخص من مجموع اطلاقي الدلالتين الاولى والثانية لخبر حريز، إذ مع الحفاظ على هذين الاطلاقين لا يبقى مائز بين القليل والكثير، وهذا يعني أن الدلالة الثالثة للقضية الشرطية نصلح مقيدة لمجموع ذينك الاطلاقين، وبعد لزوم رفع اليد عن أحدهما لوجود المقيد للمجموع يقع التعارض بينهما والتساقط، فلا يسلم الاطلاق في دليل الانفعال بالتغير على نحو يشمل الكر. وعلى أي حال فقد ثبت ببعض التقريبات المتقدمة أن إطلاق دليل الانفعال بالتغير للكر ثابت بلا إشكال. " الجهة الثانية " - في نسبة دليل اعتصام المطر إلى دليل الانفعال بالتغير، وقد يلاحظ في روايات اعتصام ماء المطر أن جملة منها واردة في نفي الافعال عن ماء المطر في موارد الملاقاة التي لا تقتضي عادة التغير، بحيث لا يكون فيها إطلاق يقتضي نفي الافعال حتى في صورة التغير، ولكن بعض الروايات الدالة علي اعتصام ماء المطر يمكن أن يدعى فيها الاطلاق والشمول لفرض

[ 222 ]

التغير، من قبيل رواية علي بن جعفر قال: وسأله عن الرجل يمر في ماء المطر وقد صب فيه خمر فأصاب ثوبه هل يصلي فيه قبل أن يغسله؟ فقال: لا يغسل ثوبه ولا رجله ويصلي فيه ولا بأس (1). فان فرض كون الخمر موجبا لتغير ماء المطر مشمول للاطلاق. ورواية هشام عن ابي عبد الله عليه السلام في ميزابين سالا أحدهما بول والآخر ماء المطر فاختلطا فأصاب ثوب رجل لم يضره ذلك (2) فان العادة - وإن كانت جارية بأن يكون الماء المطر الذي يبلغ إلى حد يجري من الميزاب اكثر بكثير من البول الذي يسيل لتبول صبي ونحوه - ولكن الاكثرية لا تكفي لا ستحالة التغير، ففرض التغير مشمول للاطلاق أيضا. وعليه فيكون في دليل اعتصام ماء المطر ما يدل باطلاقه على عدم انفعاله حتى بالتغير، وعليه فتكون النسبة بينه وبين مادل على انفعال طبيعي الماء بالتغير العموم من وجه، وفي مادة التعارض قد يلتزم بتساقط الاطلاقين والرجوع إلى أصالة الطهارة. نظير ما تقدم في الكر. وبعض ما تقدم في الجواب على هذه الشبهة في الكر يأتي هنا بلا تعديل. وبعضه يأتي بتعديل وهناك وجوه يختص بها المقام. ويتضح ذلك من خلال الامور التالية: " الاول " - إننا فيما سبق كنا نجعل المعارض لاطلاق دليل اعتصام الكر مادل على انفعال الماء الراكد بالتغير، والنسبة بينهما هي العموم من وجه، وبعد إخراج الماء القليل من دليل انفعال الماء الراكد بالتغير يختص هذا الدليل بالكثير، فيصبح أخص مطلقا من دليل اعتصام الكر، فيخصصه بناء على انقلاب النسبة. وأما في المقام فالمعارض لدليل اعتصام ماء المطر إنما هو مادل على انفعال طبيعي الماء بالتغير لا ما ورد في الماء الراكد خاصة، وما دل على انفعال


(1) و (2) وسائل الشيعة باب 6 من ابواب الماء المطلق حديث - 442 -.

[ 223 ]

طبيعي الماء بالتغير يشمل القليل غير المعتصم ويشمل المعتصم بأقسامه من المطر وغيره. وبهذا لا ينفع القول بانقلاب النسبة وإخراج الماء القليل غير المعتصم عن دليل الانفعال بالتغير في جعل هذا الدليل أخص مطلقا من دليل اعتصام ماء المطر، بل تكون النسبة بين دليل اعتصام ماء المطر ودليل انفعال طبيعي الماء بالتغير بعد إخراج غير المعتصم منه هي العموم من وجه ومادة الاجتماع ماء المطر المتغير، ومادة الافتراق لدليل الانفعال المتغير من سائر رالمياه المعتصمة. ومادة الافتراق لدليل اعتصام ماء المطر ماء المطر الملاقي للنجاسة دون أن يتغير. وعلى هذا الاساس لا يكون انقلاب النسبة نافعا في جعل النسبة بين الدليلين العموم والخصوص، كما كان نافعا في الجهة السابقة. بل لابد من ضم عناية زائدة، وذلك بأن يقال: إن مادل على انفعال طبيعي الماء بالتغير - بعد فرض خروج القليل غير المعتصم منه موضوعا - وملاحظته بعد ذلك كما هو مقتضى انقلاب النسبة إذا قايسناه مع دليل اعتصام ماء المطر بالخصوص، فالنسبة بينهما - وان كانت هي العموم من وجه - ولكن إذا قايسناه مع مجموع أدلة اعتصام المياه المعتصمة من مطر وكر ونابع نجد انه يكون أخص مطلقا من مجموع أدلة الاعتصام، لان كل واحد من أدلة الاعتصام يقتضي باطلاقه نفي النجاسة حتى مع التغير، فمجموعها يقتضي أن مطلق المعتصم لا ينفعل حتى مع التغير. مع أن المفروض أن دليل الانفعال بالتغير قد اصبح مورده مختصا بالمياه المعتصمة بعد إخراج القليل غير المعتصم بالتخصيص، فيكون أخص مطلقا من مجموع أدلة الاعتصام، فيقدم على المجموع بالاخصية، وبعد تقديمه على المجموع بالاخصية تقع المعارضة بين نفس إطلاقات أدلة الاعتصام وتتساقط. من قبيل ما يقال في لا ضرر " من أنه لو اوحظ دليل لا ضرر مع كل دليل بالخصوص، كدليل وجوب الوضوء

[ 224 ]

مثلا - فالنسبة بينهما العموم من وجه، لكن حينما يلحظ دليل لا ضرر مع مجموع الادلة فهو أخص مطلقا منها، فيقدم على المجموع وتتساقط إطلاقات الادلة بالتعارض. وهكذا يتضح أن انقلاب النسبة في المقام إنما يجعل دليل الانفعال بالتغير بعد تخصيصه أخص مطلقا من مجموع أدلة الاعتصام، لا من دليل اعتصام ماء المطر بالخصوص. ولكن هذا التقريب غير تام، حتى مع القول بانقلاب النسبة: أما أولا: فلانه مبني على افتراض أن يكون لدليل كل قسم من أقسام الماء المعتصم إطلاق يقتضي نفي الانفعال حتى مع التغير، وسوف يأتي ان شاء الله تعالى أن دليل اعتصام الماء النابع ليس له مثل هذا الاطلاق. وعليه فلا يتصور تقديم دليل الانفعال على مجموع أدلة الاعتصام، لكي تقع المعارضة بعد ذلك بين اطلاقات نفس أدلة الاعتصام، لان مجموع أدلة الاعتصام لا يقتضي نفي الانفعال عن مطلق المعتصم مع التغير، مادام دليل اعتصام بعض أقسام المعتصم لا اطلاق له. وأما ثانيا: فلو سلم أن في أدلة كل قسم من قسام المعتصم ما يكون مطلقا وشاملا حتى لحال التغير. إلا أن الاطلاق الموجود في أدلة بعض تلك الاقسام مقيد بما دل على الانفعال بالتغير في خصوص ذلك القسم كما في النابع، فانه قد، وردت بعض روايات الانفعال بالتغير فيه بالخصوص، فيكون مقيدا لما يوجد من اطلاق في بعض أدلة اعتصامه. ومعه فلا معنى لايقاع المعارضة بين دليل انفعال طبيعي الماء بالتغير ومجموع أدلة الاعتصام، وتقديمه على المجموع بالاخصية. " الثاني " - إننا لو افترضنا استحكام التعارض بنحو العموم من وجه بين إطلاق دليل اعتصام ماء المطر وإطلاق دليل الانفعال بالتغير في طبيعي

[ 225 ]

الماء وتساقط الاطلاقين، فلا يصح الرجوع إلى قاعدة الطهارة. بل يرجع إلى بعض أدلة انفعال الماء القليل، وتوضيح ذلك: إن مقتضى مادل على إن الماء القليل مطلقا ينفعل بملاقاة النجاسة، أن الماء القليل ينفعل بالنجاسة، سواء كان مطرا أو غيره. وسواء كانت الملاقاة مع التغير أو بدونه، ودليل اعتصام ماء المطر يدل على أن الماء القليل إذا كان مطرا لا ينفعل بالنجاسة، فهو أخص مطلقا من الدليل المفروض لانفعال الماء القليل فيخصصه، فإذا ابتلي إطلاق الدليل المخصص بالمعارض وسقط معه لزم الرجوع إلى إطلاق دليل انفعال الماء القليل، فيقال: إن ماء المطر القليل إذا لاقته النجاسة بدون تغير فلا ينجس، عملا دليل اعتصام المطر المخصص لدليل انفعال الماء القليل. وأما إذا لاقته النجاسة وغيرته. فحيث أن اطلاق دليل الاعتصام - المقتضي لنفي النجاسة في هذه الحالة - قد سقط بالمعارض، فيرجع إلى اطلاق دليل الانفعال، اقتصارا في الخارج منه على المتيقن. فان قيل: إن دليل انفعال الماء القليل لا يصلح أن يكون مرجعا وأن يتمسك به لاثبات نجاسة المطر القليل بالتغير، لان مفاد دليل انفعال الماء القليل هو انفعاله بالملاقاة، وما هو المحتمل هو انفعال المطر القليل بالتغير لا بالملاقاة، فكيف يمكن أن نثبت نجاسته بعد تساقط اطلاق دليل اعتصام المطر مع معارضه بدليل انفعال الماء القليل. قلنا: إن مفاد دليل انفعال الماء القليل هو تنجس الماء القليل بالملاقاة ومقتضى الاطلاق فيه عدم تقيد الملاقاة بالتغير، وما هو المحتمل في المطر القليل انفعاله بالملاقاة المغيرة لا بصرف التغير ولو لم تكن ملاقاة. فنحن نثبت باطلاق دليل انفعال الماء القليل أن المطر القليل ينفعل بالملاقاة، ولكن لا مطلقا بل بالملاقاة المغيرة. فالمراد إثباته بدليل انفعال الماء القليل ليس هو الانفعال بصرف التغير ولو لم تكن ملاقاة، حتى يقال: إن هذا ليس

[ 226 ]

هو مدلول دليل الانفعال في الماء القليل. بل المراد اثباته انفعال المطر القليل بالملاقاة، ولكن لا مطلقا بل في حال التغير. وأما المطر البالغ درجة الكرية إذا لاقى النجاسة وتغير بها وفرض سقوط إطلاق دليل الانفعال بالتغير مع إطلاق دليل اعتصام المطر بالمعارضة فلا يمكن الرجوع فيه إلى إطلاق دليل انفعال الماء القليل، كما هو واضح. " الثالث " - التمسك في المقام بالنبوي " خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شئ إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه " (1)، فان هذا الحديث يتميز عن سائر الروايات الدالة على انفعال طبيعي الماء بالتغير، بنكتة تجعله مقدما على إطلاق دليل اعتصام ماء المطر، وهي: إن الظاهر من الحديث أن الاحكام المذكورة فيه ثابتة للماء من حين خلق الله له، ولهذا جعلت أوصافا للماء، واسند الخلق الالهي إليه بما هو موصوف بتلك الصفات من الطهورية وعدم الانفعال الا بالتغير، فإذا ضممنا إلى ذلك دعوى أن مياه الارض الاصلية كلها خلقت بنحو المطر في ابتداء وجودها، فيثبت أن ماء المطر ينفعل بالتغير، لاننا لو بنينا على أن المطر لا ينفعل حتى بالتغير فهذا معناه أن الله خلق الماء لا ينجسه شئ حتى ما غير لونه وطعمه وريحه. والحاصل: إن الحالة الاولية التي خلق عليها الماء منظور إليها بالخصوص في هذا الحديث، وحيث أن هذه الحالة هي حالة المطرية - بحسب الفرض - فلا يمكن تخصيص الحديث والالتزام بأن المطر لا ينفعل حتى بالتغير، لان معنى ذلك - كما عرفت - أن الله خلق الماء بنحو لا ينفعل حتى بالتغير. وهذا الوجه إذا سلمنا استظهاراته وفروضه، فهو غير تام مع ذلك لعدم التعويل على سند النبوي المذكور.


(1) تقديم فيما سبق ص 202.

[ 227 ]

" الرابع " - الاستدلال ببعض الروايات الواردة في ماء المطر بعنوانه، بدعوى استفادة منجسية التغير منها، فتكون أخص مطلقا مما دل باطلاقه على عدم انفعال المطر حتى بالتغير، وتلك هي رواية هشام بن سالم عن أبي عبد الله عليه السلام انه سأل عن السطح يبال عليه فتصيبه السماء فيكف فيصيب الثوب؟ فقال: لا بأس به ما أصابه من الماء اكثر منه (1). فان قوله " ما أصابه من الماء أكثر منه " بمثابة التعليل لعدم الانفعال فيكون دالا على أن الميزان في عدم الانفعال - الذي يدور عدم الانفعال مداره - هو اكثرية الماء من البول، وليس المراد بالاكثرية هنا الاكثرية الكمية، بمعنى كون كمية المطر النازل على السطح اكثر من كمية البول الواقع عليه، وذلك لانه إن أريد كون الماء اكثر من البول الموجود فعلا على السطح، فهذا خلاف الظاهر، إذ لم يفرض في الرواية وجود البول فعلا على السطح، وإنما فرض أن السطح يبال عليه، ومع عدم فرض وجود البول فعلا على السطح لا معنى لحمل الاكثرية على اكثرية الماء من شئ لم يفرض وجوده. وإن أريد كون الماء أكثر من البول الواقع على السطح خلال معدة استعماله مبالا، فهذا أيضا خلاف الظاهر، إذ لا طريق حينئذ إلى دعوى كون ماء المطر النازل أكثر من مجموع ما أصاب السطح من بول. مضافا إلى ان كثرة ما أصاب السطح وقلته على طول الزمان لا دخل له في الارتكاز العرفي بالانفعال فعلا وعدمه، فيتعين أن يكون المراد بالاكثرية الاكثرية المعنوية لا الكمية. والمراد بالاكثرية المعنوية القاهرية والغالبية المساوقة لعدم التغير، فيكون التعليل في هذه الرواية بنفسه دليلا على أن اعتصام ماء المطر مشروط بعدم التغير. " الجهة الثالثة " - في النسبة بين دليل اعتصام ماء الحمام ودليل


(1) وسائل الشيعة باب 6 من ابواب الماء المطلق حديث - 1 -.

[ 228 ]

الانفعال بالتغير، والتحقيق في ذلك أن كثيرا من روايات ماء الحمام الدالة على عدم انفعاله بالنجاسة ليس لها اطلاق لحالة التغير، لورودها في أنحاء من الملاقاة التي لا توجب التغير عادة، أو لان المتيقن منها ذلك بنحو لا يكون له إطلاق. وذلك من قبيل رواية محمد بن مسلم قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: الحمام يغتسل فيه الجنب وغيره اغتسل من مائه؟ قال: نعم - الخ (1) فان عرض اغتسال الجنب لا يستلزم عادة التغير بأوصاف النجاسة، فلا يكون له إطلاق يقتضي نفي الانفعال حتى في حال التغير. وبعض روايات ماء الحمام استفيد منها الاعتصام. بلسان أن ماء الحمام بمنزلة الماء الجاري، كما في رواية داود بن سرحان (2) وسوف يأتي أن الماء الجاري لا يوجد في دليل اعتصامه إطلاق ينفي الانفعال في حال التغير، فلا يكون في هذا اللسان ما يقتضي نفي الانفعال عن ماء الحمام في حال التغير. وفي روايات الاعتصام خبر بكر بن حبيب عن ابي جعفر عليه السلام. ماء الحمام لا بأس به إذا كانت له مادة (3). فان استفدنا من هذا الخبر تنزيل ماء الحمام منزلة ماله مادة فلا يزيد اعتصامه على اعتصام ماله مادة. وسوف يأتي أن دليل اعتصام ماله مادة ليس له إطلاق لحال التغير. نعم يمكن أن يدعى الاطلاق في مثل روزاية اسماعيل بن جابر عن ابي الحسن


(1) وسائل الشيعة باب 7 من أبواب الماء المطلق حديث - 2 -. (2) ونص الرواية: قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: ما تقول في ماء الحمام؟ قال: هو بمنزلة الجاري. المصدر السابق والباب حديث - 1 -. (3) نفس المصدر والباب، حديث - 4 -.

[ 229 ]

الاول عليه السلام قال: ابتدأني فقال: ماء الحمام لا ينجسه شئ (1). بدعوى أن مقتضى إطلاقه عدم الانفعال حتى مع التغير، فيكون معارضا بالعموم من وجه لما دل على الانفعال بالتغير. بل قد يقال علاوة على ذلك: إن أدلة انفعال الماء بالتغير في نفسها ليس لها إطلاق يشمل ماء الحمام، بعد فرض الاستشكال في سند النبوي وسند رواية حريز، إذ أن سائر الروايات وردت بعنوان الغدير أو النقيع أو الماء يمر به الرجل، ونحو ذلك من العناوين التي تنصرف عرفا عن ماء الحمام، فالمقتضي في دليل الانفعال بالتغير قاصر عن الشمول لماء الحمام. ولكن الصحيح أن هذا كله إنما يكون له مجال لو كان من المحتمل أن يكون لماء الحمام بعنوانه خصوصية ونكتة تقتضي الاعتصام، ولكن سوف يأتي في محله ان شاء الله تعالى أن عنوان ماء الحمام من العناوين التي يلغيها العرف، بقرينة مناسبات الحكم والموضوع. ولهذا فان الحكم بالاعتصام المستفاد من روايات الباب ليس موضوعه - بعد إلغاء خصوصية الحمامية - الا مطلق الماء السافل المتصل بماء عال، وليس المراد جعل هذه الهيئة الاتصالية بين السافل والعالي بنفسها ملاكا للاعتصام في مقابل الكرية والنابعية، فان هذا أيضا على خلاف الارتكاز العرفي ومناسبات الحكم والموضوع، فان اختلاف السطوح يناسب عرفا مع ترقب كونه مانعا عن الاعتصام، لا ترقب كونه بنفسه ملاكا للاعتصام ولو لم تكن هناك كرية أو نبع. فالمتفاهم عرفا من تلك الروايات بيان أن كون أحد المائين سافلا والآخر عاليا لا يمنع عن ملاحظتهما ماءا واحدا. والحكم عليهما بما يحكم به على الماء الواحد، فلا يكون المجعول في هذه الروايات اعتصاما جديدا وراء الاعتصام المجعول بطبيعي الماء إذا بلغ كرا. ليتمسك باطلاقه حتى لحال


(1) وسائل الشيعة باب 7 من ابواب الماء المطلق حديث - 8 -.

[ 230 ]

التغير، بل لا يكون فيها إطلاق أزيد من إطلاق أدلة الاعتصام الاولية للكر في نفسها. " الجهة الرابعة " - في النسبة بين دليل اعتصام الماء النابع أو الجاري ودليل الانفعال بالتغير. والتحقيق في ذلك: ان دليل اعتصام الماء النابع أو الجاري ليس له إطلاق في نفسه يشمل صورة التغير، لكي تقع المعارضة بينه وبين مادل على انفعال طبيعي الماء بالتغير على نحو العموم من وجه، لان منهم الدليل على اعتصام الماء النابع أو الجاري أحد وجهين: الاول: رواية داود بن سرحان (1) التي دلت على أن ماء الحمام بمنزلة الماء الجاري. وحيث نعرف من الخارج أن ماء الحمام معتصم فيثبت أن المنزل عليه محكوم بالاعتصام. وهذا التقريب لا يمكن أن يثبت للماء الجاري اعتصاما أوسع من الاعتصام الثابت لماء الحمام، وحيث أن اعتصام ماء الحمام لا إطلاق في دليله لحالة التغير - كما عرفنا في الجهة السابقة - فكذلك اعتصام الجاري المستقاد من هذه الرواية. الثاني: رواية ابن بزيع، وهي ايضا قاصرة عن اثبات عدم الانفعال في صورة التغير، سواء كان الاستدلال بمتنها المختصر الوارد في أحد طريقيها وهو " ماء البئر واسع لا يفسده شئ الا ان يتغير " (2) بدعوى أن السعة الثابتة لماء البئر ثابتة له لا بما هو بئر بل بما هو نابع. بإلغاء خصوصية البئرية بالارتكاز العرفي لمناسبات الحكم والموضوع. أو بمتنها المفصل المذيل بقوله " فينزح حت يطيب الطعم ويذهب الريح لان له مادة " (3) بدعوى أن مقتضى التعليل بأن له مادة - بناء على كونه تعليلا للحكم بالسعة - هو


(1) تقدم نص الروزاية فيما سبق ص 228. (2) وسائل الشيعة باب 3 من ابواب الماء المطلق حديث - 10 -. (3) نفس المصدر والباب حديث - 12 -.

[ 231 ]

شمول الاعتصام لكل نابع. أما المتن المختصر فواضح. لان الحكم المجعول على البئر انما هو عدم الانفعال المشروط بعدم التغير، فبعد إلغاء خصوصية البئر وإسراء الحكم الطبيعي النابع لا يثبت إلا نفس ذلك العدم المشروط. وأما المتن المفصل فلان المادة جعلت فيه علة للمقدار المجعول في صدر الرواية من الاعتصام من غير ناحية التغير. وعليه فدليل اعتصام الجاري والنابع في نفسه لا إطلاق له لصورة التغير. نعم، لو تم لدينا الاستدلال على اعتصام الماء الجراي برواية سماعة قال: سألته عن الماء الجاري يبال فيه؟ قال: لا بأس. لامكن أن يدعى أنها مطلقة حتى لصورة حصول التغير على نحو تقطع طرفا للمعارضة مع إطلاق مادل على انفعال الماء بالتغير، وتعالج المعارضة عندئذ ببعض ما تقدم من علاجات، غير أن جملة من الاكابر، ومنهم السيد الاستاذ - دام ظله - لم يرتض دلالة تلك الرواية على الاعتصام، على ما يأتي تفصيله في بحث الماء الجاري ان شاء الله تعالى. وهكذا يتضح أن تمام أقسام المياه المعتصمة تنفصل بالتغير. وكما أن التعميم بلحاظ أقسام المياه ثابت، كذلك بلحاظ أقسام النجاسات العينية: فان بعض روايات الباب فرض فيها التغير بنحو مطلق، يشمل التغير بأي نجاسة عينية كما في رواية ابن بزيع، وبعض روايات الباب - وإن فر ضفيها التغير بنجاسة معينة كالروايات التي وقع السؤال فيها عن الماء المتغير بالجيفة والميتة ونحو ذلك - ولكن مع هذا يصح التمسك باطلاقها ولا ينبغي أن يدعى اختصاصها موردا بالتغير بالميتة مثلا، فلا تشمل التغير بغيره من النجاسات. وذلك لان السؤال والجواب في هذه الروايات منصرف بحسب الارتكاز المتشرعي إلى حيثية نجاسة هذه الجيفة والميتة،

[ 232 ]

[ في أحد أوصافه الثلاثة، من الطعم والرائحة واللون (1) ] فالسؤال عن الماء المعتصم وإلى جانبه الجيفة والميتة. والجواب بالتفصيل بين التغير وعدمه كلاهما بحسب الارتكاز المتشرعي ينصرفان إلى ان النظر إلى الجيفة بما هي نجاسة لا بما هي ميتة بالخصوص، ومنشأ هذا الانصراف مركوزية كبرى سريان النجاسة بالملاقاة، فان ارتكاز هذه الكبرى في الذهن المتشرعي - بل والعرفي - يوجب انصراف الذهن إلى كون الملحوظ في السؤال عن الماء الذي إلى جانبه الجيفة، وفي الجواب على ذلك بالتفصيل بين التغير وعدمه إلى تلك الكبرى الارتكازية، فيكون المقصود بيان حكم الميتة بما هي نجاسة لا بما هي ميتة، فيشمل الحكم سائر النجاسات. وهذا نحو من التبادر الناشئ من قرينية الارتكاز، وبهذا التقريب. نستفيد إلغاء الخصوصية في كثير من المقامات. (1) أما الطعم والرائحة فمنصوص عليهما، ولا اشكال فيهما. نعم استشكل في اللون. والاستشكال في اللون يمكن ان يبين بأحد تقريبين: الوأل: ما ذكره السيد الاستاذ - دام ظله - من عدم التعرض له في الاخبار الدالة على الانفعال بالتغير، بعد فرض عدم الاعتماد على النبوي المرسل. وأجاب على ذلك: بأن الامر ليس كما ادعي، فان اللون مذكور في الروايات، فدونك روزاية حريز المشتملة على قوله " وكذلك الدم "، فان التغير بالدم - على ما يستفاد منه عرفا - ليس إلا التغير باللون. ورواية العلا ابن الفضيل " لا بأس إذا غلب لون الماء لون البول ". وعلى تقدير المناقشة في الرواية بضعفها، فحسبك صحيحة محمد بن الحسن الصفار في كتاب بصائر الدرجات. وفيها تطبيق للتغير على الصفرة، وهي من انحاء التغير اللوني (1)


(1) التنقيح الجزء الاول ص 69.

[ 233 ]

أقول: إن هذه الروايات الثلاث كلها غير تامة السند: أما رواية حريز فالمراد بها خبر حريز عن أبي بصير (1)، وهو ضعيف السند بياسين الضرير كما تقدم. وأما رواية العلا بن الفضيل (2) فضعيفة بمحمد بن سنان. وأما رواية بصائر الدرجات (3) فهي ساقطة سندا، لان الشيخ الحر ينقلها في الوسائل عن كتاب بصائر الدرجات، وهو يروي هذا الكتاب بطريقه إلى الشيخ الطوسي، وبطريق الشيخ الطوسي إلى الكتاب، والشيخ الطوسي له طريقان إلى الصغار: أحدهما صحيح ويروي به سائر روايات الصفار، ولكن استثنى من ذلك كتاب بصائر الدرجات. فهو غير مروي بذلك الطريق الصحيح. والآخر طريق يروي به الشيخ كتاب بصائر الدرجات ولكنه غير صحيح، كما يظهر من مراجعة الفهرست (4) نعم، يمكن أن يستدل على كفاية التغير اللوني في التنجس بخبرين آخرين: أحدهما - صحيح ابن بزيع بمتنه المختصر الذي رواه الشيخ عن احمد ابن محمد عن محمد بن اسماعيل عن الرضا عليه السلام قال " ماء البئر واسع


(1) وسائل الشيعة باب 3 من ابواب الماء المطلق حديث - 3 - (2) نفس المصدر والموضع حديث - 7 -. (3) وسائل الشيعة باب 9 من ابواب الماء المطلق حديث - 11 - (4) قال في الفهرست ص 170 من الطبعة الثانية في ترجمة محمد بن الحسن الصفار القمي "... أخبرنا بجميع كتبه ورواياته بن أبي جيد، عن ابن الوليد عنه، وأخبرنا بذلك أيضا جماعة عن ابن بابويه، عن محمد بن الحسن. عن محمد بن الحسن الصفار، عن رجاله. إلا كتاب بصائر الدرجات، فانه لم يروه عنه ابن الوليد، وأخبرنا به الحسين بن عبيدالله، عن احمد بن محمد ابن يحيى، عن ابيه، عن الصفار. "

[ 234 ]

لا يفسده شئ إلا أن يتغير " فان مقتضى إطلاق التغير فيه الشمول للتغير اللوني، إلا ن التمسك بهذا الاطلاق فرع كون هذا المتن رواية مستقلة لا جزءا من المتن المفصل المروي عن نفس الراوي، والذي جاء فيه " إلا أن يتغير ريحه وطعمه فينزح حتى يذهب الريح ويطيب طعمه ". والخبر الآخر صحيح هشام بن سالم المتقدم الذي ورد في ماء المطر، وعلل فيه عدم انفعاله بالبول بالاكثرية. فان الاكثر - بعد ارجاعها إلى القارهية كما عرفت سابقا - تكون دالة على أن عدم الانفعال منوط بقاهرية الماء على البول، فإذا لم يكن قاهرا لم يحكم بعدم الانفعال، بل يحكم بالانفعال بمقتضى مفهوم التعليل. ومن المعلوم أن القاهرية منتفية مع فرض تغير لون الماء بسبب البول، فيتمسك باطلاق مفهوم التعليل لاثبات النجاسة. ولكن هذا التقريب يتوقف على وجود مفهوم لتعليل بحيث بتمسك باطلاقه، وهو لا يخلو على إشكال، فان مقتضى التعليل إلغاء خصوصية المورد وإسراء الحكم المعلل إلى سائر موارد العلة، وليس متضاه حصر الحكم المعلل بالعلة بحيث ينتفي بانتفائها. فإذا قلنا " أكرم زيدا لانه عالم " دل التعليل على إسراء الحكم بوجوب الاكرام إلى سائر العلماء، ولكن لا يدل التعليل على أن ملاك وجوب الاكرام منحصر بالعلم، بحيث لا يجب إكرام غير العالم ولو كان عادلا أو كبير السن مثلا. ففي المقام تعليل عدم انفعال ماء المطر بقاهريته على البول يقتضي إسراء عدم الانفعال إلى سائر موارد قاهرية الماء، ولا يقتضي انتزاع المفهوم بحيث يدل على أنه في مورد عدم القاهرية يحكم بالانفعال مطلقا. والتحقيق أن التعليل - وإن كان ليس له مفهوم بحيث يتمسك باطلاقه لنفي الحكم عند انتفاء العلة المنصوصة مطلقا - ولكنه يدل على مدخلية العلة في موارد وجودها ومؤثريتها في الحكم بلا اشكال.

[ 235 ]

وفي خبر هشام بن سالم - بعد حمل الاكثرية على القاهرية - نقول: إن مقتضى إطلاق القاهرية قاهرية الماء بقول مطلق، أي طعما وريحا ولونا، إذ لو كان مغلوبا للبول في واحدة من هذه الصفات لم يكن قاهرا بقول مطلق، فمقتضى إطلاق القاهرية في الصفات الثلاث، فيكون مقتضى التعليل إستثناء عدم الانفعال إلى القاهرة المطلقة، أي القاهرية في الصفات الثلاث فلو قيل بأن التغير اللوني ليس منجسا أصلا، لا ختل بذلك ظهور التعليل في كون القاهرية المطلقة علة لعدم الانفعال. وإن شئت قلت: إن ظاهر التعليل كون القاهرية المطلقة علة لعدم الانفعال، وهذا لا يمكن انحفاظه الا إذا كان الانفعال يكفي في ثبوته مقهورية الماء، ولو في واحدة من صفاته الثلاث. وأما إذا كانت المقهورية في اللون مثلا ليست كافية للحكم بالانفعال، فلا يعقل أن يستند عدم الانفعال إلى القاهرية المطلقة الماء، أي إلى القاهرية طعما وريحا ولونا، بل يستند إلى القاهرية طعما وريحا فقط، مع أن مقتضى اطلاق القاهرية والاكثرية في رواية هشام بن سالم استناد عدم الانفعال إلى القاهرية المطلقة، فيدل على كفاية التغير اللوني في الحكم بالانفعال. هذا كله في التقريب الاول للاستشكال في منجسية التغير اللوني بلحاظ عدم شمول الادلة له. التقريب الثاني: دعوى دلالة بعض روايات التغير على نفي منجسية التغير اللوني بحيث لو وجد ما يدل باطلاقه على كفاية التغير اللوني في التنجيش تقع تلك الروايات معارضة له، وذلك من قبيل رواية حريز " فإذا تغير الماء وتغير الطعم " (1) فان مقتضى الجمود على ظاهر اللظ أنه إذا لم يتغير الطعم لا يحكم بالانفعال، ومقتضى إطلاق ذلك أنه لا نجاسة حتى


(1) وسائل الشيعة باب 3 من ابواب الماء المطلق حديث - 1 -.

[ 236 ]

مع تغير اللون. وكذلك رواية القماظ " إن كان الماء قد تغير ريحه أو طعمه فلا تشرب " (1) فان مقتضى الاطلاق في المفهوم أنه إذا لم يتغير ريحه أو طعمه فلا نجاسة، سواء تغير لونه أولا، وكذلك رواية ابن بزيع " إلا ان يتغير ريحه أو طعمه ". ولو تمت دلالة هذه الروايات باطلاقها على عدم كفاية التغير اللوني، فتقع معارضة مع ما يدل باطلاقه على كفايته، والنسبة بينهما العموم من وجه وبعد التساقط إن كان لدليل اعتصام ذلك الماء المتغير لونا لا طمعا ورائحة إطلاق يشمل صورة التغير، وإنما خرجنا عنه في صورة التغير لمقيدية دليل منجسية التغير، فيكون هذا الاطلاق هو المرجع لاثبات عدم الانفعال، بعد سقوط إطلاق المقيد بالمعارضة في مورد التغير اللوني. وإذا لم يكن لدليل الاعتصام إطلاق في نفسه كان المرجع دليلا أعم منه، وهو دليل انفعال الماء بملاقاة النجاسة، لان مقتضى هذا الديلل هو انفعال ذلك الماء المتغير لونه بملاقاة النجاسة، غاية الامر إننا خرجنا عن إطلاق دليل الانفعال بلحاظ مقيدية دليل الاعتصام له، وبعد فرض أن المقيد ليس له إطلاق لصورة التغير اللوني فالمرجع هو إطلاق دليل الانفعال. ولو فرض أن دليل الانفعال بالملاقاة لم يصلح للمرجعية أيضا لعدم وجود إطلاق فيه، فالمرجع هو الاطلاق الاحوالي في دليل طهورية الماء لو كان، والا فأصالة الطهارة واستصحابها. هذا كله لو فرض تمامية الاطلاق في الروايات التي أشرنا إليها بنحو يقتضي نفي منجسية التغير اللوني، إلا أن تمامية الاطلاق فيها بنحو يقتضي نفي منجسية التغير اللوني محل إشكال:


(1) وسائل الشيعة باب 3 من ابواب الماء المطلق حديث - 4 -.

[ 237 ]

أما رواية حريز التي ورد فيها " إذا تغير الماء وتغير الطعم " ففي عطف تغير الطعم فيها على تغير الماء احتمالان: الاول: أن يكون المقصود والملحوظ حقيقة تغير الطعم، وقد أتي بالجملة الاولى الدالة على طبيعي التغير في الماء تمهيدا لبيان التغير الخاص " أي التغير الطعمي. الثاني: أن يكون كل من طبيعي التغير والتغير الطعمي مقصودا وملحوظا، فالتغير ملحوظ مناطا للتنجيس، والتغير الطعمي كذلك، ويكون من باب عطف الخاص على العام بنكتة المورد، حديث أن العادة جارية في مورد الرواية - وهو الماء الذي فيه الجيفة - أن يحدث فيه التغير من ناحية الطعم. والاستدلال بالرواية على عدم كفاية التغير اللوني موقوف على الاحتمال الاول الذي لا معين له في مقابل الثاني، فمع احتمال كونه من باب عطف الخاص على العام لا من باب الاتيان بالعام لصرف التمهيد إلى ذكر الخاص لا يتم الاستدلال. هذا مضافا إلى أننا لو فرضنا الاحتمال الاول وأن الملحوظ هو التغير الطعمي وان الجملة الاولى سيقت تمهيدا للجملة الثانية، فلا يمكن مع هذا التمسك باطلاق مفهوم قوله " إذا تغير الطعم " لا ثبات عدم تنجس الماء إذا لم بتغير طعمه بالجيفة ولو تغير لونه، لان فرض تغير اللون، بالجيفة مع عدم تغير الطعم ليس فرضا متصورا تصورا عرفيا ليشمله إطلاق المفهوم، لان العادة جارية في الماء الذي فيه الجيفة - الذي هو مورد الرواية - أنه إذا لم يتغير طعمه فلا يكون لونه متغيرا. نظرا إلى أن التغير اللوني بالجيفة مرتبة أشد من التغير الطعمي، فلا يمكن التمسك بالاطلاق. ويضاف إلى ذلك الاشكال السندي في رواية حريز كما تقدم.

[ 238 ]

[ بشرط أن يكون بملاقاة النجاسة، فلا يتنجس إذا كان بالمجاورة، كما إذا وقعت ميتة قريبا من الماء فصار جائفا (1) ] ومما ذكرناه يظهر الحال في رواية القماط الواردة في ماء راكد مبتلى بالميتة، فان مفهوم قوله " إن كان الماء قد تغير ريحه أو طعمه " هو عدم الانفعال في فرض عدم تأثر الماء طعما وريحا بالميتة، وهذا الفرض ليس له إطلاق عرفي لفرض التغير باللون، لكي يتمسك باطلاق المفهوم لنفي منجسية التغير اللوني. وعلى وجه العموم يمكن أن يناقش في سائر الاطلاقات: بأن سبق التغير الطعمي على التغير اللوني بحسب العادة يمكن أن يكون من القرائن اللبية التي يعتمد عليها المولى في تقيد الاطلاق. وقد تلخص من مجموع ما ذكرناه أن التغير اللوني منجس. (1) توضيح الحال في ذلك: أن اكثر روزايات الباب ليس فيها ما يوهم الاطلاق لفرض التغير بالمجاورة، إذ جاءت في مقام الجواب على أسئلة فرض فيها وقوع النجاسة في الماء، ففصل بين فرض التغير وعدمه، وحكم بالنجاسة على الاول دون الثاني، فلا إطلاق في هذه الروايات لفرض التغير بدون ملاقاة. وما يوهم كونه موجبا للحكم بالنجاسة في فرض التغير بالمجاورة إحدى روايات ثلاث، حيث أنها لم ترد في مقام الجواب على سؤال فرض فيه وقوع النجاسة في الماء، فقد يتوهم التمسك باطلاقها لاثبات ذلك. " الاولى " - التمسك باطلاق النبوي " خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شئ إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه " (1) على القول باعتباره. وتقريبه أن يقال: إن المستثنى عبارة عن الشئ المغير، ولم يؤخذ


(1) وسائل الشيعة باب 1 من ابواب الماء المطلق حديث - 9 -.

[ 239 ]

فيه قيد الملاقاة فيثبت أن طبيعي المغير منجس، وهذا يشمل المغير بالمجاورة وتفصيل الكلام في هذا الحديث: أنه لا بد من تشخيص ما هو الشئ المنفي عنه التنجس في طرف المستنثى منه، حيث أن المستثنى قيد أخرج من هذا الشئ، فيلزم أولا معرفة حدود هذا الشئ ليعرف ما هي حدود الحصة التي استثنيت منه. وتوضيحه أن يقال: إن نفي ا لحكم عن صنف من الطبيعي تارة يرد في مورد يحتمل فيه احتمالا عرفيا اختصاص ذلك الصنف بالحكم المنفي، فيرد النفي توضيحا لعدم ثبوت الحكم. وأخرى يرد في مورد لا يحتمل فيه احتمالا عرفيا اختصاص ذلك الصنف بالحكم المنفي من بين أصناف الطبيعي، وإنما المحتمل عرفيا ثبوت الحكم له ضمن ثبوته للطبيعي، فيرد النفي توضيحا لعدم اثبوت الحكم على ذلك الصنف، إما لان الحكم لم يثبت للطبيعي رأسا وإما لانه يثبت له ولكنه لم يشمل هذا الصنف. فمثال الاول أن يقال " لا يجب إكرام العالم " فان اختصاص صنف العالم بوجوب الاكرام محتمل إحتمالا عرفيا، فيرد النفي توضيحا لعدم ثبوت الحكم. ومثال الثاني أن يقال " لا تحرم غيبة الفاسق " فان اختصاص الفاسق بحرمة الغيبة ليس محتملا احتمالا عرفيا. وانما المحتمل ثبوت الحرمة له في ضمن طبيعي المكلف، فيرد النفي توضيحا لعدم ثبوت الحكم على الفاسق. إما لان الحكم بحرمة الغيبة لم يثبت للطبيعي رأسا، وإما لانه ثابت له ولكنه لا يشمل الفاسق. ثم إن نفي الحكم الوارد بالنحو الثاني - أي المنصب على صنف لا يحتمل عرفا اختصاص الحكم المنفي به من بين أصناف الطبيع ي - تارة يقترن بارتكازية ثبوت الحكم المنفي على الطبيعي بنحو القضية المهملة، بحيث يكون

[ 240 ]

ثبوت الحكم على أصل الطبيعي أمرا مركوزا، وأخرى لا يقترن بارتكازية ثبوت الحكم على أصل الطبيعي. ففيما إذا اقترن بالارتكاز المذكور ينعقد للنفي ظهور عرفي في كونه ناظرا إلى ذلك الحكم المركوز ثبوته على أصل الطبيعي، وموضحا عدم دخول الصنف الخاص تحت ذلك الطبيعي المركوز حكمه، وهذا من قبيل أن يقال " لا تجب الزكاة على الفقير " أو " لا يجب الوضوء على المريض " ونحو ذلك فان المتبادر عرفا من أمثال ذلك كونه ناظرا إلى كبرى وجوب الزكاة وكبرى وجوب الوضوء، وبصدد استثناء الفقير والمريض منها. وهذا التبادر وانصراف النفي إلى اللسان الاستثنائي نتيجة مجموع أمرين: احدهما: أن الفقير أو المريض لا يحتمل عرفا اختصاص بوجوب الزكاة أو وجوب الوضوء. وإنما المحتمل ثبوت الحكم له في ضمن الطبيعي. وهذا يعني أن نفي الحكم عنه مرجعه إلى نفي الحكم عنه. إما لان الحكم لم يثبت للطبيعي رأسا، وإما لانه مختص بغيره من اصناف الطبيعي. والامر الآخر: ارتكازية ثبوت الحكم المنفي - وهو وجوب الزكاة أو الوضوء - على الطبيعي، فانه بضم هذا الارتكاز إلى الامر الاول يتبادر إلى الذهن من نفي وجوب الزكاة على الفقير أو نفي وجوب الوضوء على المريض، إنه لسان استثنائي ناظر إلى الكبرى المركوزة، وموضح أن هذا الصنف غير مشمول لها. وبهذا البيان اثبتنا نظر " لا ضرر " إلى الاحكام الاولية، حيث أن ثبوت الحكم المنفي بلا ضرر في خصوص مورد للضرر غير محتمل عرفا، وإنما المحتمل ثبوته له في ضمن ثبوته للطبيعي، وهذا بضم ارتكازية ثبوت الاحكام الالزامية للطبيعي يوجب انعقاد ظهور الخطاب " لا ضرر " في النظر إلى الاحكام المجعولة وتحديدها، وبذلك تكون لها الحكومة على أدلتها.

[ 241 ]

وهذه النكتة تنطبق على محل الكلام. فان قوله " خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شئ " تصدى إلى نفي التنجيس عن الماء، ويتوفر في المورد كلا الامرين، فان الماء لا يحتمل عرفا اختصاصه بالتنجس - أي كونه أقل عصمة من سائر الاشياء - وإنما المحتمل ثبوت التنجيس للطبيعي بنحو يشمله. وحيث أن كبرى تنجس الاشياء بالملاقاة للنجس ارتكازية، فينصرف النفي المذكور إلى كونه لسانا استثنائيا وناظرا إلى الكبرى المركوزة وموضحا خروج الماء عن تحتها. وعليه، فيكون المتحصل عرفا من الكلام المذكور: أن ما ينجس غير الماء لا ينجس الماء إلا ما غيره. ومن الواضح أن ما ينجس غير الماء - بقطع النظر عن التغيير - هو ما يلاقيه من النجاسات لا ما يجاوره. فالمغير للون أو الطعم أو الريح مستثنى من الملاقي، فلا يشمل المغير بالمجاورة. " الثانية " - التمسك برواية ابن بزيع " ماء البئر واسع لا يفسده شئ إلا أن بتغير " (1) بدعوى التمسك باطلاق المستثنى، كما في الحديث السابق بعد فرض عدم اخذ الملاقاة قيدا في مورد الرواية. والتحقيق أن قوله " إلا أن يتغير " تارة يراد به محصل قولنا إلا التغير، بتأويل أن والفعل بالمصدر، فيكون المستثنى نفس التغير. وأخرى يراد به محصل قولنا إلا شيئا حالة التغير، فيكون التغير حالة للمستثنى. ولا إشكال في أن الثاني هو الظاهر من الرواية، إما بلحاظ ما أشرنا إليه من ظهور النفي في كونه ناظرا إلى الكبرى المركوزة وبيانا لعدم تنجس الماء بما يكون منجسا لغيره، ومن المعلوم أن ما ينجس غير الماء إنما هو مجرد الملاقاة لا التغير. وإما بلحاظ أن كلمة " شئ " اسم صريح " وان يتغير " اسم مؤول، واستثناء الاسم المؤول من الاسم الصريح لا يخلو من


(1) ص 193.

[ 242 ]

عناية. وإما بلحاظ أن التنجيس يضاف عرفا إلى العين من الدم والبول وغيرهما من الاجسام، لا إلى الملاقاة والتغير، بل الملاقاة والتغير يعتبر شرطا في تنجيس تلك العين، من قبيل النار التي يضاف الاحراق إليها عرفا وتعتبر الملاقاة شرطا في تأثيرها. فإذا قيل " لا يحرقه شئ " يراد بذلك " لا تحرقه " أي نار، فكذلك في المقام حين قيل " لا ينجسه شئ " يراد بالشئ الدم والبول وغير ذلك من الاجسام القذرة والمتقذرة، فلا يناسب أن يستثنى منها التغير، فالتغير إذن ليس هو المستثنى بل حالة للمستثنى، فلابد أن يفرض أن المستثنى سنخ شئ كان داخلا في المستثنى منه، ثم استثنى بلحاظ حالة واحدة من حالاته، وهي حالة التغير. فيكون محصل العبارة في هذه الرواية هو محصل قوله، " لا ينجسه شئ الا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه " في الحديث السابق، ويجري عليه نفس الكلام، " الثالثة " - رواية حريز " كلما غلب الماء على ريح الجيفة فتوضأ من الماء واشرب، وإذا تغير الماء وتغير الطعم فلا تتوضأ ولا تشرب " (1) بدعوى أن التغير يشمل باطلاق التغير بالمجاورة. ولكن الصحيح ان الجملة الاول المتكفلة لبيان عدم انفعال الماء بريح الجيفة ظاهرة بالنكتة التي شرحناها آنفا في كونها ناظرة إلى الكبرى المركوزة للتنجيس، ومبينة عدم شمول تلك الكبرى للماء. وبهذا لا يكون النفي المجعول فيها شاملا لفرض المجاورة، لان فرض المجاورة خارج عن الكبرى المركوزة المنظور إليها. لوضوح أن مجرد المجاورة للنجس لا ينجس شيئا. فالنفي إذن في الجملة الاولى نفي لمنجسية ما هو منجس في نفسه. وهو الملاقى. وموضوع الجملة الثانية المثبة للانفعال بالتغير هو نفس موضوع الجملة الاولى، لان الجملة الثانية - وإن لم تكن


(1) رسائل الشيعة باب 3 من ابواب الماء المطلق حديث - 1 -.

[ 243 ]

[ وأن يكون التغير بأوصاف النجاسة دون أوصاف المتنجس، فلو وقع فيه دبس نجس فصار أحمر أو اصفر لا ينجس الا إذا صرره مضافا - نعم لا يعتبر ان يكون بوقوع عين النجس فيه، بل لو وقع متنجس حامل لاوصاف النجس فغيره بوصف النجس تنجس أيضا (1) ] بعنوان الاستثناء من الجملة الاولى كما هو في الروايتين السابقتين - ولكن الظاهر في هذه الرواية فرض شئ واحد حكم عليه بعدم التنجيس عند غلبة الماء وبالتنجيس عند تغير الماء، فكما أن الاول لا يشمل فرض المجاورة كذلك الثاني، أي الحكم بالتنجيس. فتحصل: أن الماء لا ينفعل بالتغير بمجاورة النجس، بل لابد في انفعاله من التغير بملاقاه النجس. (1) فراعت هذه المسألة إلى فروع: " الفروع الاول " - ما إذا فرض أن المتنجس كان حاملا لعين النجس، بحيث كان عين النجس موجودا وجودا عرفيا، وتغير الماء بملاقاته لذلك المتنجس بلحاظ ما يحمل المتنجس من أجزاء النجس. ولا إشكال هنا في انفعال الماء المعتصم بالتغير، لانه تغير بنفس ملاقاة النجاسة، وكون المتنجس حاملا لها لا يضر بالتنجيس. نعم، يقع هنا بحث في أنه لو فرض استناد التغير إلى الحامل والمحمول معا لا إلى خصوص النجاسة العينية المحمولة، فهل يحكم بالنجاسة أولا؟ وسوف تأتي الاشارة إلى ذلك ان شاء الله تعالى. " الفرع الثاني " - ما إذا فرض أن المتنجس لم يكن عين النجس موجودا فيه وجودا عرفيا، ولكنه أوجب خروج الماء المعتصم عن الاطلاق إلى الاضافة، فبناءا على عدم اعتصام المضاف الكثير بحكم بانفعاله، لانه

[ 244 ]

بعد خروجه عن الاطلاق ينفعل بمجرد الملاقاة للمتنجس إذا لم يكف ما وقع قبل الاضافة في تطهير المتنجس. " الفرع الثالث " - ما إذا فرض أن النجس ليس له وجود عرفي في المتنجس. وان المتنجس لم يوجب خروج الماء المعتصم عن الاطلاق، وإنما أوجب تغيره بأوصاف المتنجس. كما إذا ألقينا كمية من ماء الرمان أو ماء الورد المتنجس في المطلق المعتصم فتغير الماء بلون ماء الرمان أو رائحة ماء الورد مع بقائه على الاطلاق. ومن الواضح أن اكثر روايات الباب الدالة على النجاسة بالتغير ليس فيها إطلاق لهذا الفرض، لانها واردة في مورد ملاقاة الماء لنفس النجاسة العينية، فلا تشمل التغير بملاقاة المتنجس. وغاية ما يمكن أن يستدل به على الحكم بالنجاسة في فرض التغير بملاقاة المتنجس امران: الاول: التمسك باطلاق النبوي " خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شئ الا ما غير لونه " بتقريب: أن محصل هذه العبارة - بعد استظهار كونها ناظرة إلى المنجسات المفروغ عن منجسيتها ارتكازا - هو أن الماء لا ينجسه ما ينجس غيره الا مع التغيير، وحيث أن غير الماء كما يتنجس بعين النجس يتنجيس بالمتنجس أيضا، فالمستثنى منه يشمل كل ما يلاقي الماء من النجاسات أو المتنجسات، فيكون المستثنى شاملا لكل ما يوجب التغير من تلك النجاسات أو المتنجسات، فيثبت الانفعال في صورة التغير بملاقاة المتنجس عملا باطلاق المستثنى. والجواب على ذلك - مضافا إلى الاشكال السندي في النبوي المذكور - أن ظاهر الاستثناء استثناء ما كان مغيرا بما هو محكوم بالنجاسة، أي كون

[ 245 ]

الحيثية التي بها صار الشئ محكوما بالنجاسة هي الحيثية التي تغير الماء بها، بحيث تكون حيثية الحكم بالنجاسة حيثية تقييدية في المغير، فما كان مغيرا بالحيثية التي بها صار نجسا يشمله المستثنى، وما كانت حيثية التغيير فيه غير الحيثية التي بها صار نجسا فلا يشمله المستثنى. فالدم مثلا إذا غير الماء بحمرته. فحيث أن الحمرة من شؤونه بما هو دم والنجاسة حكم له بما هو دم، فالحيثية التي بها صار نجسا هي بنفسها الحيثية التي استوجبت التغير، فالمغير في هذا الفرض غير الماء بما هو نسج، فيشمله المستثنى. وأما ماء الورد المتنجس بملاقاة الدم إذا غير الماء برائحته فلا يشمله المستثنى، لان الرائحة من شؤونه بما هو ماء ورد، والنجاسة حكم له لا بما هو ماء ورد بل بما هو ملاق للدم مثلا، فالحيثية التي بها صار نجسا ليست هي نفس الحيثية التي استند التغيير إليها. فماء الورد لم يغير رائحة الماء بما هو نجس، أي بما هو ملاق للدم، إذ لا دخل لهذه الحيثية في التغيير. هذا إذا استظهرنا الحيثية التقييدية ولو بمناسبات الحكم والموضوع العرفية التي هي المرجع في تعيين كون الحيثية تقييدية أو تعليلية، وإلا فلا أقل من الاجمال واحتمال كون الحيثية تقييدية، ومعه لا يكون الاطلاق محرزا ليتمسك به. الثاني: التمسك برواية ابن بزيع " ماء البئر واسع لا يفسده شئ إلا ان يتغير فينزح حتى يذهب الريح ويطيب الطعم ". وتقريب الاستدلال هو التقريب المتقدم في النبوي، باعتبار أنه لم يفرض في هذه الرواية الملاقاة لعين النجس، فيتمسك فيها باطلاق المستثنى ويمكن الجواب على الاستدلال بهذا الاطلاق بعدة وجوه: الاول - ما اشرنا إليه في الجواب على الاستدلال باطلاق المستثنى في النبوي المتقدم.

[ 246 ]

الثاني - يقوم على أساس نكتة تختص برواية ابن بزيع وقد لا تأتي في النبوي المتقدم، وحاصل هذه النكتة: ان موضوع الكلام في هذه الرواية ليس هو طبيعي الماء بل ماء البئر خاصة، بخلاف النبوي الذي لم يقيد موضوع الكلام فيه بقسم خاص من أقسام الماء، ولهذا كان النبوي في نفسه من أدلة اعتصام مطلق الماء لولا دليل انفعال الماء القليل، وأما رواية ابن بزيع فهي من ادلة اعتصام ماء البئر خاصة. وبهذا يختلف النفي المستفاد من قوله " لا ينجسه شئ " في النبوي عن النفي المستفاد من قوله " لا ينجسه شئ " في رواية ابن بزيع، فان كلا النفيين - وإن كان ناظرا إلى ما ثبت كونه منجسا للغير وموضحا ان ما يكون منجسا للغير لا يكون منجسا لما هو مورد الكلام - غير أن النظر في رواية ابن بزيع في قوله " ماء البئر واسع لا ينجسه شئ " يمكن أن يدعى كونه متجها إلى ما ثبت كونه منجسا لغير ماء البئر من المياه، فيكون ناظرا إلى دليل انفعال الماء القليل ومبينا لخروج ماء البئر من تحه. وعليه فلا يشمل النفي في المستثنى منه إلا ما كان منجسا للماء القليل في نفسه. ويكون محصل الاستثناء في رواية ابن بزيع: ان ما يكون منجسا للماء القليل لا ينجس ماء البئر إلا إذا فرض التغير. والمختار في محله أن المتنجس الخالي من عين النجس لا ينجس الماء القليل بالملاقاة، فلا يكون مشمولا للنفي في عقد المستثنى منه في رواية ابن بزيع ويترتب على ذلك أن لا يكون فر ضتغييره للماء داخلا في عقد المستثنى. وهذه النكتة قد لا تكون ثابتة في النبوي، لان لسان النبوي في نفسه إذا كان لسان الحكم باعتصام طبيعي الماء فلا معنى لدعوى انعقاد ظهور فيه للنظر إلى دليل انفعال الماء القليل وما يكون منجسا له، بل يكون نظره إلى ما يكون منجسا في الجملة ولو لغير الماء، ومن المعلوم أن المتنجس بعين

[ 247 ]

النجس ينجس غير الماء بالملاقاة ولو كان خاليا من عين النجس. الثالث - ما يظهر من عبارة الشيخ الاعظم - قدس سره - في طهارته. حيث ذكر أن عقد المستثنى ليس له إطلاق للتغير بأوصاف المتنجس، لان المستثنى منه - وهو شئ - لا يشمل المتنجس. بل المراد منه في قوله " لا ينجسه شئ " عين النجس. لان المتنجس إنما ينجس بالنجس لا بذاته. وهذه العبارة لا تخلو من إجمال، ولعل مراده - قدس سره - أنه لا معنى لان تشمل كلمة " شئ " النجس والمتنجس في عرض واحد، بحيث يكون المولى في مقام نفي تنجيس النجس في عرض كونه في مقام نفي تنجيس المتنجس. لان تنجيس المتنجس إنما يتوهم باعتبار انتهائه إلى النجس. فملاقي ماء الورد المتنجس مثلا ان تنجس فهو انما يتنجس باعتبار كونه ملاقيا بالواسطة وبالعناية مع عين النجس. لا باعتباره ملاقيا مع المتنجس، بما هو ماء ورد، وحينئذ فلا محصل عرفا لان يكون المولى في مقام نفي منجسية المتنجس في عرض كونه في مقام نفي منجسية النجس. إذ مع نفي منجسية النجس عند ملاقاته حقيقة للشئ كيف يبقى احتمال لمنجسية النجس عند ملاقاته بالعناية وبتوسط المتنجس، لكي يتصدى في عرض النفي الاول لنفي ذلك. فهذا التصدي ليس عرفيا، وعدم عرفيته قرينة على عدم الاطلاق في كلمة " شئ " واختصاصه بعين النجس. والجواب على ذلك: ان التصدي لنفي منجسية المتنجس في عرض التصدي لنفي منجسية النجس إن كان يتمثل في مؤونة زائدة في مقام البيان فقد يقال: إن ارتكاب هذه المؤونة الزائدة ليس عرفيا، ولكن هذا التصدي في المقام ليس كذلك، فان المدعى حصوله بنفسه الاطلاق، والاطلاق ليس فيه مؤونة زائدة دقة وعرفا أو عرفا فقط، فلا يكون مثل

[ 248 ]

هذا التصدي خارجا عن كونه بيانا عرفيا. هذا مضافا إلى أن كلمة " شئ " وقعت موضوعا الحكمين في الرواية: أحدهما عدم التنجيس في طرف المستنثى منه. والآخر التنجيس على فرض التغيير في طرف المستثنى، وعلى هذا فيمكن للمولى عرفا أن يلحظ كلتا الحصتين النجس والمتنجس في كلمة " شئ " ولو كان في ذلك مؤونة زادئة استطراقا إلى باين سريان التنجيس في فرض المستثنى إلى كلتا الحصتين ايضا، ولا يكون مثل هذا اللحاظ لغوا أو خارجا عن كونه لحاظا عرفيا في مقام التفهيم والمخاطبة. الرابع - دعوى وجود قرينة متصلة على تقييد اطلاق كلمة " شئ " بخصوص عين النجس، على ما أفاده الشيخ الاعظم - قدس سره - في طهارته. حيث ذكر أن قوله " ينزح حتى يطيب الطعم " يستبطن فرض كون الطعم خبيثا بحيث يطيب بالنزح. وهذا ظاهر في أن ما هو مفروض إنما هو التغير بوصف عين النجس لا التغير بوصف المتنجس لان وصف المتنجس لا يساوق الخباثة بل قد يكون طيبا كرائحة ماء الورد، فقوله " حتى يطيب الطعم " ظاهر في أن الوصف المفروض كونه مجلسا سنخ وصف مساوق مع الخباثة وليس هذا إلا وصف عين النجس. وتفصيل الكلام في ذلك: ان الطيب والخبث فيه احتمالات ثلاثة: أحدها: أن يراد الطيب والخبث في النظر العرفي. بقطع النظر عن الشرع والشريعة. وهذا الاحتمال ساقط. لان العرف المنفصل عن الشرع والشريعة لا يرى خبث كل النجاسات ولا طيب كل ما يكون طاهرا. فالخمر والمسك من الميتة أو حليب الكافرة - لو قيل بنجاستهما شرعا - لا يرى العرف خبثها رغم نجاستها شرعا. كما ان جيفة اللحم الطاهر يرى العرف استخبائها رغم طهارتها، فليس المناط في التنجيس هو الاستخباث والطيب

[ 249 ]

بالنظر العرفي المستقل جزما. ثانيها: أن يراد الطيب والخبث في النظر المتشرعي، ويراد بطيب الطعم طيب ذي الطعم ويخبثه خبث ذي الطعم. فمعنى قوله " حتى يطيب الطعم " أي حتى يذهب الطعم الخبيث، بمعنى أن يذهب طعم الخبيث الشرعي الذي هو النجس. وهذا الاحتمال خلاف الظاهر، فان ظاهر اسناد الطيب والخبث إلى الطعم هو الاسناد الحقيقي لا الاسناد باعتبار متعلقة. لكن لو تم هذا الاحتمال لامكن دعوى وجود الاطلاق في الرواية للمتنجس، لان طعم المتنجس طعم للخبيث الشرعي وان لم يكن نفس الطعم خبيثا. ثالثها: أن يراد بالطيب والخبث الطيب والخبث المسند إلى نفس الطعم، لكن لا بلحاظ الانظار العرفية المستقلة، بل بلحاظ الانظار العرفية بما هي متشرعة، وبحسب المناسبات المركوزة في ذهنهم الناشئة من التشريعات. وبناءا على هذا الاحتمال تكون الرواية شاملة لطعم البول والدم ونحوهما من النجاسات العينية، لان عدم قابلية الشئ من البول أو الدم للطهارة يجعل ملازمة بين طعمه والنجاسة، وهذه الملازمة توجب - بالنظر العرفي للمتشرعة - سريان الاستخباث من الذات إلى الصفة، فهم بوصفهم متشرعة يرون الدم أو البول خبيثا. وبوصفهم عرفيين يرون سريان هذا الاستخباث من العين إلى الصفة، بنكتة التلازم بين هذه الصفة وتلك العين الخبيثة، فكأن مالا ينفك عن الخبيث خبيث. فالخبث هنا مسند إلى الطعم حقيقة، لكن ملاك إسناده إلى الطعم هو تلك الملازمة. وأما طعم المتنجس فلا تشمله الرواية، لان المتنجس - وإن كان خبيثا بالنظر المتشرعي بما هو متنجس - ولكن الاستخباث لا يسري إلى وصفه، لعدم تطرق تلك النكتة التي أوجبت سريان الاستخباث في الاعيان النجسة من البول والدم ونحوهما، وهي الملازمة بين الوصف والنجاسة، لان

[ 250 ]

وصف المتنجس موجود في المتنجس قبل تنجسه. وهذا يعني عدم تلازمه مع النجاسة، فلا يسري الاستخباث إليه. وإن شئتم قلتم: إن الوصف تارة يكون ناشئا من نفس الحيثية التي هي ملاك الاستخباث، وأخرى يكون ناشئا من حيثية ثانية وان اجتمعت الحيثيتان في شئ واحد: فالاول من قبيل أوصاف الدم والبول " فان حيثية ثبوت الطعم المخصوص للدم أو البول هي كونه دما أو بولا، والحيثية الموجبة لاستخباث الدم أو البول هي دميته أو بوليته، وفي مثل ذلك يسري الاستخباث إلى الطعم، لان حيثيته وحيثية النجاسة واحدة. والثاني من قبيل أوصاف ماء الورد المتنجس، فان حيثية الطعم المخصوص الثابت لماء الورد هي كونه ماء ورد، والحيثية الموجبة لاستخباث ماء الورد هي كونه ملاقيا للنجس. فلم تتحد الحيثيتان، فلا يسري عرفا الاستخبات إلى الطعم في مثل ذلك. وعلى هذا فالرواية - بقرينة كون الطعم المفروض فيها طعما خبيثا - لا تشمل طعوم المتنجسات، وتختص بطعوم البول والدم ونحوها من أعيان النجاسات. فان قيل: إن مغايرة الحيثية للطعم مع الحيثية الموجبة للنجاسة موجودة في بعض النجاسات العينية أيضا، كحليب الكافرة. قلنا: إن ما كان من هذا القبيل من النجاسات العينية - وإن لم يكن مشمولا لا طلاق الروزاية لعدم كون الطعم فيها خبيثا - ولكن يتعدى في الحكم إليها. لعدم احتمال الفرق فقهيا بين التغير ينجس دون نجس، خلافا للمتنجسات التي لا يمكن التعدي في الحكم إليها، بعد عدم شمول الاطلاق للتغير بطعمها، لان احتمال الفرق بين التغير بالنجس والتغير بالمتنجس موجود.

[ 251 ]

الخامس - انا لو سلمنا الاطلاق في قوله " إلا ان يتغير " بحيث يشمل الغير بأوصاف المتنجس، يمكننا أن نوقع المعارضة بينه وبين مادل باطلاقه على نفي التغير بأوصاف المتنجس، من قبيل ما ورد في بعض أدلة اعتصام ماء البئر، من أنه طاهر لا يفسده شئ إلا ان ينتن. فقد قيدت النجاسة بحال النتن، ومقتضى إطلاق المستثنى منه هو أنه إذا لم ينتن لا بأس به، وهو خبر معاوية بن عمار عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول: لا ينجس الثوب، ولا تعاد الصلاة مما يقع في البئر إلا أن ينتن. فمقتضى إطلاق المستثنى منه في هذا الخبر أن ماء البئر لا ينفعل بغير النتن، فلو ألقى فيه ماء الورد المتنجس وتغير رائحته بسبب ذلك يكون مشمولا لا طلاق المستثنى منه. وهذا يعارض مع اطلاق المستثنى في رواية ابن بزيع بالعموم من وجه، لان مقتضى اطلاق المستثنى في رواية ابن بزيع أن الماء ينفعل بالتغير، سواء كان بصفة النجاسة أو بصفة ماء الورد المتنجس. ومقتضى إطلاق المستثنى منه في رواية معاوية بن عمار أن الماء إذا لم ينتن لا يتنجس، سواء تغير برائحة ماء الورد المتنجس أولا، فالتغير بصفة ماء الورد المتنجس هو مادة الاجتماع والتعارض. وقد يشكل في المقام بأن صفة النتن في هذه الرواية اثباتا ونفيا ليست دائرة مدار عين النجس، لوضوح أن النتن اثباتا لا يختص بعين النجس بل يشمل التغير بوصف المتنجس أيضا، كجيفة اللحم المذكى المتنجس، فانها توجب النتن أيضا. كما أن التغير لا بنحو النتن لا يختص بالمتنجس، بل قد يحصل التغير بعين النجس بدون نتن. والصحيح أن الرواية ليس لها إطلاق في نفسها يرجع إليه في المقام، لان استثناء النتن فيها يفهم منه عرفا أن اسم الموصول في قوله

[ 252 ]

" مما وقع في البئر " يراد به الحيوانات التي تقع في البئر فتموت فيها وتكون في معرض أو ينتن البئر بها، بمعنى أن استثناء حالة النتن قرينة على أن المفروض وقوعه في البئر، سنخ شئ في معرض أن يوجد نتنا في الماء على تقدير تغير الماء به، فلا إطلاق في الرواية ينظر إلى ملاقاة النجس. هذا تمام الكلام في الفرع الثالث، وهو ما إذا تغير الماء بأوصاف المتنجس. " الفرع الرابع " - وفرضه نفس فرض الفرع الثالث، إلا أنا نفرض هنا تغير الماء بأوصاف عين النجس التي اكتسبها المتنجس. وقد اتضح حكمه مما تقدم، حيث أن النكات المعتبرة التي على أساسها منعنا في الفرع السابق شمول إطلاق المستثنى في رواية ابن بزيع بصورة التغير بأوصاف المتنجس، لا تأتي في صورة التغير بأوصاف النجس التي اكتسبها المتنجس منه. فنكتة استظهار الحيثية التقييدية التي كانت تشكل الجواب الاول على التمسك باطلاق المستثنى في رواية ابن بزيع، محصلها كما عرفنا: ان ظاهر الرواية أن ما يكون مغيرا بما هو نجس يتنجس، فلابد أن تكون الحيثية التي بها صار نجسا هي نفس الحيثية التي بها صار مغيرا. وهذا لا يصدق في التغير برائحة ماء الورد المتنجس كما عرفت، ولكن يصدق في التغير بالمتنجس باستمداد أوصاف عين النجس التي يحملها منه، فان المتنجس في هذا الفرض كانت الحيثية التي صار نجسا، وهي ملاقاته لعين النجاسة وتأثره بها، عين الحيثية التي بها صار مغيرا. لان المفروض أنه صار مغيرا بالصفات التي اكتسبها من تلك الملاقاة، فظهور الدليل في كون المغير مغيرا بما هو نجس محفوظ، فيشمله الاطلاق. كما أن نكتة استظهار الاختصاص بصفة عين النجاسة بلحاظ، فرض كون الطعم خبيثا، التي كانت تشكل الجواب الرابع من الاجوبة المتقدمة في

[ 253 ]

الفرع السابق، لا تقتضي في المقام عدم شمول الاطلاق لمحل الكلام في هذا الفرع. لان المفروض في هذا الفرع أن التغير كان بوصف عين النجاسة الذي هو وصف خبيث بملاك التلازم والترابط النوعي بينه وبين عين النجس ففرض كون الطعم خبيثا لا يأبى عن الشمول لما هو محل الكلام. نعم. يبقى الكلام في الجواب الثاني من الاجوبة التي دفعنا بها التمسك باطلاق المستثنى في رواية ابن بزيع في الفرع السابق، وهو: أن محصل الرواية أن ما يكون منجسا للماء القليل لا يكون منجسا لماء البئر إلا إذا غيره، والمتنجس لا ينجس الماء القليل، فلا يكون مشمولا للمستثنى منه، وبالتالي لا يكون فر ضالتغير به مشمولا للمستثنى. فان هذا الجواب قد يقتضي عدم شمول المستثنى لفرض التغير بالمتنجس مطلقا، سوزاء كان التغير بأوصافه الاصلية أو بأوصاف النجاسة التي اكتسبها، لان شمول المستثنى منه له، وبعد فرض خروج المتنجس رأسا من دائرة المستثنى منه فلا يمكن إدخاله تحت المستثنى، ولو بلحاظ بعض انحاء التغير. وقد استدل على النجاسة في هذا الفرع بوجوه أخرى لا تخلو من إشكال: الوجه الاول: أننا لو لم نلتزم بكفاية التغير بأوصاف عين النجس التي يحملها المتنجس لاشكل الامر في اكثر الموارد أو كلها، إذ الغالب في تأثير عين النجاسة في فرض ملاقاتها للماء توسيط المتنجس الحامل لاوصاف عين النجاسة، لنأ عين النجاسة حيثما يلاقي مع الماء المعتصم لا يؤثر ابتداءا في تغيير تمام الماء المعتصم، وإنما يعير مقدارا من الماء الذي حوله، ثم هذا الماء الذي حوله باعتبار شدة ما فيه من التغير بأوصاف النجاسة يؤثر باختلاطه مع ما حوله، وهكذا. فلو قيل بأن التغير بأوصاف النجس التي يحملها المتنجس لا يكفي للتنجيس، لاختص الانفعال في موارد ملاقاة

[ 254 ]

عين النجاسة والتغير بها بدائرة صغيرة من الماء، وهي الدائرة التي استمدت التغير من عين النجس ابتداءا، ولما شمل الانفعال باقي الماء. وهذا الوجه لا ينتج المقصود، إذ غاية ما ينتجه أن التغير بأوصاف عين النجس الموجودة في المتنجس يكفي في حالة اقترانه بملاقاة عين النجاسة، وأما استفادة كفاية ذلك في فرض عدم اقترانه بملاقاة النجاسة فهي بلا موجب. الوجه الثاني: أنه نووجد عندنا ماء متغير بعين النجاسة، وجمعناه مع ماء آخر طاهر معتصم، ولم يستهلك كل منهما في الآخر، وإنما تغير ذلك الكر الطاهر المعتصم بسبب اتصاله بالمتنجس الحامل لاوصاف النجاسة، فصار المجموع ماءا واحدا متغيرا. فإما أن يقال: بأن تمام الماء ينجس، أو يقال بأن تمامه يطهر، أو يقال بأن ما كان متغيرا بعين النجاسة يبقى على النجاسة والمقدار الآخر الذي تغير بملاقاة المتنجس يبقى على الطهارة. والاول هو المقصود، ويثبت به أن التغير بأوصاف النجس التي يحملها المتنجس كاف في الانفعال. والثاني باطل، لانه خلاف اطلاق رواية ابن بزيع الدالة بظاهرها على ان النجاسة في الماء المتغير لا تزول إلا بزوال التغير، كما هو مقتضى قوله " فينزح حتى يطيب الطعم "، والمفروض أن الماء الذي كان متغيرا من الاول لم يذهب تغيره. وإنما سرى تغيره إلى الكر الملحق به، فكيف يطهر. والثالث باطل أيضا، لان التفكيك بين أجزاء الماء الواحد في الطهارة والنجاسة غير متعقل بحسب الارتكاز العرفي، أو على خلاف اجماع تعبدي قائم على أن كل ماء واحد له حكم واحد من حيث الطهارة والنجاسة. وقد اعترض على ذلك السيد الاستاذ - دام ظله - (1) بأن مقتضى الصناعة في ذلك هو الحكم بطهارة الجميع، لان اطلاق رواية ابن بزيع


التنقيح الجزء الاول ص 76.

[ 255 ]

الدالة على أن الماء المتغير يبقى على النجاسة ما لم يذهب تغيره. يقتضي الحكم ببقاء النجاسة في الماء الذي كان متغيرا ولا يزال على تغيره بعد إلحاق الكر به. واطلاق مادل على اعتصام الكر وعدم انفعاله إلا بالتغير بملاقاة عين النجاسة، يقتضي بقاء الكر المخلوط بذلك الماء المتغير على الطهارة حيث أنه لم بتغير بملاقاة عين النجاسة. وحيث أننا نعلم بأن الماء الواحد لا يتبعض حكمه من حيث الطهارة والنجاسة، فيتعارض الاطلاقان ويتساقطان ويرجع إلى قاعدة الطهارة في الماء، بلا فرق في ذلك بين القول بجريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية وعدمه، إذ بناءا على القول بجريانه أيضا كان الاستصحابان متعارضين، فيرجع بالنتيجة إلى قاعدة الطهارة. وحول ما أفاده السيد الاستاذ عدة نقاط لابد من تحقيقها: " النقطة الاولى " - إن الرجوع إلى الاصول العملية - بعد تساقط الاطلاقين - فرع عدم وجود عام فوقاني وإلا تعين الرجوع إليه بعد التساقط فمثلا: لو لو حظت رواية عمار " سألته عن الدن يكون فيه الخمر هل يصلح أن يكون فيه خل أو ماء أو كامخ أو زيتون؟ قال: إذا غسل فلا بأس " (1) وقلنا بأنها تدل على انفعال ما في الدن بملاقاة المتنجس نظرا إلى أن الدن متنجس بالخمر، سواء كان كرا أو أقل من كر. إذا قيل بذلك أمكن جعل الرواية مطلقا فوقانيا دالا باطلاقه على انفعال الكر من الماء بملاقاة المتنجس، سواء تغير أو لم يتغير. وهذا المطلق مخصص بدليل اعتصام الماء الكر الدال على عدم الانفعال، غير أن هذا المخصص قد وقع إطلاقه طرفا للمعارضة مع إطلاق رواية ابن بزيع بالنحو الذي بينه السيد الاستاذ، ففي مورد ابتلاء المخصص بالمعارضة


(1) وسائل الشيعة باب 30 من الابواب الاشربة المحرمة حديث - 1 -.

[ 256 ]

يرجع إلى العام الفوقاني، فيتمسك به لا ثبات انفعال الماء الكر بملاقاة المتنجس المقرونة بالتغير التى هي مادة التعارض بين دليل الاعتصام ورواية ابن بزيع. " النقطة الثانية " - أنه لو لم يكن هناك عام فوقاني وتعين الرجوع إلى الاصول العملية، فلا نسلم عدم امسكان إجراء الاستصحاب على كلا المبنيين في جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية. وتوضيح ذلك: أننا تارة نقول بأن الماء الواحد لا يتبعض حكمه من حيث الطهارة والنجاسة واقعا، مع امكان تبعضه في مقام التعبد والحكم الظاهري. وأخرى نقول بأنه لا يمكن أن يتبعض ويتصف بعضه بالطهارة وبعضه بالنجاسة، لا واقعا ولا ظاهر. فان قلنا بالاول أمكن الالتزام بجريان كلا الاستصحابين: استصحاب الطهارة في الكر، واستصحاب النجاسة في الماء المتغير، بناءا على جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية. ولا معارضة بين الاستصحابين، لان مجرد العلم الاجمالي بمخالفة أحدهما للوزاقع لا يوجب التعارض ما لم يؤد جريانهما معا إلى المخالفة العملية القطعية لتكليف معلوم بالاجمال. وحيث لا يوجد في المقام علم إجمالي بالتكليف اصلا، فلا محذور في جريان الاستصحابين معا، بل قد يدعى حينئذ أن استصحاب النجاسة يكون موجبا للغوية جريان استصحاب الطهارة، إذا لا أثر للحكم بطهارة ماء مختلط بالنجس. بخلاف استصحاب الطهارة، فانه لا يوجب لغوية التعبد بنجاسة الماء المختلط به، كما هو واضح. فيجري استصحاب النجاسة فيما كان متغيرا، ولا يجري استصحاب الطهارة في الكر، لا للمعارضة بل للغوية. وإن قلنا بالثاني - أي بأن الماء الواحد لا يتبعض واقعا وظاهرا -

[ 257 ]

فالاستصحابان متعارضان، بناءا على جريان الاستصحاب في الشبهة الحكمية. ولكن على مبنى السيد الاستاذ القائل بعدم جريان الاستصحاب في الشبهة الحكمية، كان ينبغي له أن يتمسك باستصحاب الطهارة في الكر، لانه يفصل بين الاحكام الالزامية والاحكام الترخيصية، فهو يرى أن الاستصحاب في الشبهة الحكمية لا يجري في الحكم الالزامي، ولكنه يجري في الاحكام الترخيصية، من قبيل الطهارة أو الاباحة، فكان بامكان السيد الاستاذ - على مبناه - أن يجري استصحاب الطهارة في الماء الكر. وبعد أن فرضنا التلازم بين أبعاض الماء الواحد في الحكم واقعا وظاهرا فيكون دليل الاستصحاب الدال بالمطابقة على التعبد الاستصحابي بطهارة الماء الكر دالا بالالتزام على التعبد بطهارة الماء الآخر المختلط به أيضا، وبذلك تثبت طهارة جميع الماء بدليل الاستصحاب أحد جزئيه بالمطابقة والآخر بالالتزام. وليس هذا من إثبات اللوازم العقلية بالاستصحاب، لان المفروض أن التلازم ثابت حتى في مرحلة الظاهر، فاللازم الذي نثبته - وهو طهارة الماء المتغير ظاهرا - لازم لنفس الاستصحاب لا للمستصحب، فلا اشكال في امكان إثباته (1)


(1) يجب الانتباه هنا إلى أن عدم تبعض الماء الواحد في الحكم واقعا وظاهرا، قد يكون مدركه هو الاجماع، وقد يكون مدركه هو الارتكاز العرقي. ويلاحظ أن ما ذكر في النقطة الثانية من جريان استصحاب الطهارة دون أن يعارضه استصحاب النجاسة، قد علق في المتن على مدركية الاجماع وكونه هو الدليل على عدم تبعض الماء الواحد في الحكم ولو ظاهرا. وذلك لان المدرك لو كان هو الارتكاز لسقط استصحاب الطهارة بالمعارضة مع استصحاب النجاسة، حتى بناءا على مبنى انكار إجراء الاستصحاب في الشبهات الحكمية الالزامية. =

[ 258 ]

" النقطة الثالثة " - أنه لو فرض عدم وجود العام الفوقاني وعدم شمول دليل الاستصحاب لمفروض الكلام، فهل يمكن التمسك بدليل قاعدة


= وتوضيح النكتة في ذلك أن المدرك إذا كان هو الارتكاز، فسوف لن يتم البيان المذكور لا ثبات الطهارة، لان اسصتحاب الطهارة في الماء الكر يعارض باستصحاب النجاسة فيما كان متغيرا. ولا يجدي مخلصا عن المعارضة كون استصحاب النجاسة معارضا مع استصحاب آخر هو استصحاب عدم الجعل الزائد، إذا الاصل الواحد يعارض الاصلين في عرض واحد، ولا معنى لترجيح إحدى المعارضتين على الاخرى. وحيث أن كلتا المعارضتين في داخل دليل واحد - وهو دليل الاستصحاب احداهما بملاك التناقض والاخرى بملاك الارتكاز الذي هو أيضا كاستحالة التناقض قرينة متصلة بالخطاب - فلا محالة يبتلى دليل الاستصحاب بالاجمال، وعدم شمول شئ من الاستصحابات الثلاثة. وإذا كان المدرك لعدم تبعض حكم الماء الواحد هو الاجماع الذي لا يشكل قرينة متصلة بل منفصلة، فالبيان المذكور تام عندئذ، حيث يجري استصحاب الطهارة في الماء الكر لاثبات طهارة تمام الماء. ولا يعارض ابتلى بالاجمال الداخلي على أساس المناقضة مع استصحاب عدم الجعل الزائد. وأما المنافاة بينه وبين استصحاب الطهارة فليست قائمة على أساس الاجماع الذي لا يشكل إلا قرينة خارجية منفصلة لا تمنع عن انعقاد الاطلاق في نفسه، اذن فاطلاق الدليل لاستصحاب الطهارة تام. بخلاف إطلاقه لاستصحاب النجاسة، فيثبت الاول ويسقط الثاني لا محالة، لان المجمل لا يمكنه أن يعارض المبين.

[ 259 ]

الطهارة لاثبات طهارة تمام الماء؟ إن تحقيق ذلك مربوط بنكتة أشرنا إليها سابقا، فقد ذكرنا فيما تقدم أن دليل قاعدة الطهارة لا يشمل موارد الشك في بقاء النجاسة، لا من أجل حكومة دليل الاستصحاب لكي يتمسك به - حيث لا يوجد استصحاب حاكم - بل من أجل قصور في إطلاقه في نفسه. الوجه الثالث: إستفادة ذلك من رواية ابن بزيع، بتقريب حاصله: إن الامام عليه السلام قد أمر فيها بنزح ماء البئر حتى يطيب طعمه، حيث أن النزح يوجب تجدد نبع المادة، وكلما نبعت المادة يخف التغير حتى يزول فما لم يزل التغير بحكم بنجاسة الماء، وهذا يعني أن المتجدد نبعه من المادة ينفعل ما لم يغلب على التغير ويعدمه، وليس ذلك إلا لتغيره بملاقاة المتنجس الحامل الاوصافعين النجس. فيثبت بذلك أن المتغير بهذا النحو منجس. ولابد أن يلاحظ بصدد هذا الوجه: أن النبع المتجدد إذا افترضنا أنه يمتزج عادة بالماء المتغير خلال عملية النزح، فهذا يعن أن خط اتصاله بالنبع ينقطع ويتخلل بينه وبين منبعه الماء المتغير النجس، فيكون ماءا قليلا وينفعل بملاقاة الماء المتنجس على القاعدة، ولا يكون داخلا فيما هو محل الكلام. فالاستدلال بالوجه المذكور - على أن الماء المعتصم ينفعل بالتغير بملاقاة الماء المتنجس - يتوقف على أن لا يكون فرض النزح في رواية ابن بزيع مساوقا لامتزاج ما يتجدد نبعه وتخلله في الماء المتغير النجس، وإلا لكان ماءا قليلا، وخرج عن كونه معتصما بانقطاع خط اتصاله عن منبعه، ومعه ينفعل بالملاقاة ويخرج عن موضوع مسألتنا. ثم إن هذا الوجه وسابقيه لم تم شئ منها فانما يثبت انفعال الماء عند التغير بالماء المتنجس المتغير، لا عند التغير بكل متنجس بحمل أوصاف النجس.

[ 260 ]

[ وإن يكون التغير حسيا (1) فالتقديري لا يضر، فلو كان لون الماء أحمر أو أصفر، فوقع فيه مقدار من الدم كان يغيره لو لم يكن كذلك لم ينجس، وكذلك إذا صب فيه بول كثير لا لون له، بحيث لو كان له لون غيره، وكذا لو كان جائفا فوقع فيه ميتة كانت تغيره لو لم يكن جائفا، وهكذا. ففي هذه الصور ما لم يخرج عن صدق الاطلاق محكوم بالطهارة على الاقوى. ] (1) ان البحث عن كفاية التغير التقديري وعدم كفايته من أهم بحوث الباب، وينبغي أن يعلم بهذا الصدد أن التغيير الذي أخذ موضوعا للحكم بالتنجيس ليس المراد منه التغيير الواقعي الذي يمكن اكتشافه ولو بالوسائل العلمية الدقيقة، وذلك: أما أولا فلانصراف النصوص في أنفسها عن مثل هذا التغير. وأما ثانيا فلان ذلك لا يناسب عددا من الروزايات، كرواية شهاب بن عبد ربه (1) فانه سأل ما هو التغير؟ قال: الصفرة. معأنه من المعلوم أن هناك مراتب من التغير الواقعي قبل أن يصبح الماء أصفر. وكذلك الروايات الواردة في ملاقاة الماء المعتصم لعين النجس، من قبيل قوله " ماء تبول فيه الدواب والحمير وبال فيه انسان " لان من الواضح أن وقوع مثل هذه الاعيان النجسة في الماء يوجب مرتبة من التغير الواقعي القابل للاكتشاف بالوسائل الدقيقة. فيعرف من كل ذلك أن التغير بمطلق مراتبه ليس موضوعا للحكم بالنجاسة، بل موضوع النجاسة هو التغير بدرجة يكون بها قابلا للاحساس والادراك الحسي.


(1) وسائل الشيعة باب 9 من أبواب الماء المطلق حديث - 11 -.

[ 261 ]

وبعد الفراغ عن ذلك يقع البحث في أن هذه المرتبة القابلة للاحساس التي هي موضوع التنجيس أهي موضوعة له بوجودها الفعلي أو بوجودها التعليقي، أي إن مناط الانفعال حدوث تلك المرتبة من التغير فعلا أو كونها حادثة على تقدير؟ وهذا التقدير إما أن يرجع إلى استناد عدم فعلية التغير إلى عدم تمامية المقتضى، كما لو كانت النجاسة فاقدة للصفة، أو إلى استناد عدم فعلية التغير إلى فقدان الشرط، كما لو كان من شروط تأثر رائحة الماء بالميتة درجة معينة من الحرارة ولم تكن هذه الدرجة متوفرة، أو إلى استناد عدم فعلية التغير إلى وجود المانع، كما لو ألقي الدم الاحمر في ماء مصبوغ بصبغ أحمر يمنع عن تأثر الماء وتغيره بحمرة الدم. وسوف نبدأ بالكلام في الفرض الثالث للتغير التقديري الذي يستند فيه عدم فعلية التغير إلى وجود المانع، فان تم الدليل في هذا الفر ضعلى النجاسة تكلمنا بعد ذلك في شموله لفر ضعدم المقتضي أو عدم الشرط. وعلى هذا الاساس نقول: إنه يمكن أن يقرب الحكم بالنجاسة في فرض وجود المانع عن فعلية التغيير بوجوه عديدة: " الاول " - إن اختفاء الوصف الطبعي للماء الذي ألقي فيه الصبغ ثم الدم يستند حدوثا إلى الصبغ، ويستند بقاءا إلى مجموع الامرين الصبغ والدم، حيث ان كلا منهما صالح في نفسه لان يكون علة تامة لخفاء الوصف الطبيعي. فعند اجتماع العلتين التامتين يصبح كل منهما جزء العلة للتغير. ويكون التغيير واختفاء الوصف الطبعي للماء مستندا إليهما معا في مرحلة البقاء، والاثر كما يصح اسناده بلا عناية عرفا إلى علته التامة، كذلك يصح اسناده بلا عناية عرفا إلى جزء العلة له إذا كان في نفسه صالحا للاستقلال بالعلية والتأثير، وإنما صار جزء العلة، لاجتماع علتين مستقلتين في وقت واحد. وعليه فيصح اسناد التغيير واختفاء الوصف الطبعي

[ 262 ]

بقاء إلى الدم باعتباره جزء العلة لذلك في مرحلة البقاء مع صلاحيته للاستقلال بالعلية، فيشمله إطلاق ما دل على النجاسة بالتغير المستند إلى الدم. وهذا المقدار من البيان لا يكفي لا مكان الجواب عليه: بأن التغيير الذي أخذ موضوعا للحم بالانفعال في الادلة منتزع عن العدم الحدوثي للوصف لا عن العدم البقائي، بمعنى أن عدم الوصف بعد ثبوته يكون تغيرا، وأما بقاء عدم الوصف واستمراره معه فليس تغييرا، فحينما يحدث للماء أن يفقد صفته ينتزع عن ذلك عنوان التغير، وأما استمرار هذا الفقدان والعدم فلا ينطبق عليه عنوان التغيير عرفا. فإذا اتضح أن التغيير هو العدم الحدوثي لا العدم البقائي نقول: إن الدم في مفروض المسألة ليس مؤثرا في العدم الحدوثي أصلا، أي انه ليس مؤثرا في إحداث العدم لاي وصف من أوصاف الماء، لاننا إذا لا حظنا وصفه ولونه الطبعي فهو معدوم عرفا من حيث إلقاء الصبغ فيه، وليس الدم هو المحدث لعدمه. وإذا لاحظنا لونه العرضي الذي حصل بسبب بالصبغ فهو ثابت ولم يعدم بعد إلقاء الدم. نعم، لو كان المأخوذ في موضوع الادلة عنوان مؤثرية الدم في الماء لا عنوان التغيير. لامكن أن يقال: إن المؤثرية موجودة في مفروض الكلام. لان عدم الوصف الطبعي للماء مستند حدوثا إلى الصبغ، ومستند ببقائه إلى كل من الصبغ والدم. وسوف تأتي تتمة الكلام في تحقيق ذلك. " الوجه الثاني " - إننا لو فرضنا ماءا كرا وغير مصبوغ ألقينا فيه الصبع الاحمر والدم في وقت واحد، وكان كل منهما بكمية كافية بمفردها لتغييره وازالة وصفه الطبعي، ففي مثل هذا الفرض يحكم بنجاسة الماء، لان العدم الحدوثي - أي زوال الوصف الطبعي للماء - مستند إلى الصبغ والدم معا. وحيث أن الدم صالح لاستقلال بالعلية في نفسه. فيصح إسناد

[ 263 ]

ذلك العدم الحدوثي إلى الدم. وهذا يعني أن التغير يصح عرفا اسناده إلى الدم، فيشمله إطلاق الدليل اللفظي الدال على انفعال الماء بالتغير المستند إلى الدم. وبعد هذا يقال: بأن الارتكاز العرفي يأبى عن الفرق بين هذا الفرض وما هو محل الكلام يلقى فيه الدم بعد إلقاء الصبغ، إذا لو لم نحكم بالنجاسة في محل الكلام مع الحكم بالنجسة في فرض إلقاء الصبغ والدم في وقت واحد، لكان معنى ذلك أن كون الماء مصبوغا يزيد في عصمته وطهارته. وهذا على خلاف الارتكاز العرفي. فالدليل الشامل بلسانه اللفظي لفرض اقتران الصبغ من الدم. يدل بتوسط ذلك الارتكاز وبالملازمة العرفية على ثبوت الحكم، فيما إذا ألقي الدم بعد الصبغ أيضا. وسوف يأتي الكلام في تحقيق ذلك. " الوجه الثالث " - إننا لو فرضنا ماءين كرين متساويين أحدهما مصبوغ دون الآخر، وجئنا بكميتين متساويتين من الدم فألقينا في كل من الكرين مقدارا مماثلا لما ألقيناه في الآخر، فتغير الماء غير المصبوغ ولم ينعكس التغير على الماء المصبوغ. فلا إشكال في شمول دليل الانفعال بالتغير للماء غير المصبوغ، لحدوث التغير فيه بالفعل. فلو بني على عدم انفعال الماء الآخر المصبوغ، لكان معناه: أن الماء يعتصم بالصبغ الاحمر. وحيث أن هذا على خلاف الارتكاز العرفي، فالدليل الدال على انفعال الماء غير المصبوغ دال بالالتزام العرفي على انفعال الماء المصبوغ. ومرجع هذا الوجه الوجه السابق إلى نكتة واحدة، وهي: ان البناء على عدم الانفعال في الماء المصبوغ معناه اعتصام الماء بالصبغ. ويمكن الجواب على ذلك: بأن بالامكان الالتزام بأن الكر المصبوغ لا ينفعل، مع أن الكر الآخر ينفعل، وليس ذلك لكون الصبغ الاحمر

[ 264 ]

دخيلا في تقوية اقتضاء المقتضي للاعتصام في ذلك الكر، بل اقتضاء الاعتصام في كل من الكريم على نحو واحد. والمقتضي للاعتصام فيهما معا هو كثرة الماء دون أن يكون للصبغ دخل في الاقتضاء للاعتصام. وهذا المقتضي الثابت فيهما معا له مانع يعيقه عن التأثير لو اقترن به، ولا يقوي المقتضي أن يتغلب على ذلك المانع. وهذا المانع سنخ مانع واحد في كل من الكرين، وهو التغير، فكل ما يغلب إقتضاء المقتضى في الكر غير المصبوغ يغلب اقتضاء في الكر المصبوغ أيضا. فلا دائرة الاقتضاء في المصبوغ أضعف ولا دائرة المانع في غير المصبوغ أوسع. بل المقتضي هو المقتضي. والمانع هو المانع في كليهما. غاية الامر إن الصبغ يتدخل في منع وجود المانع في الكر المصبوغ. إذ يحول دون تغير الماء بالدم. وهذا لا يعنى دخله في تقوية اقتضاء الماء للاعتصام. فكم فرق بين أن يتقوى اقتضاء الكر المصبوغ للاعتصام بحيث يتغلب على المانع الذي يمنع عن تأثير اقتضاء الكر الآخر للاعتظام. وبين أن يكون اقتضاء الكر المصبوغ للاعتصام كاقتضاء الكر الآخر غير قادر على التغلب على المانع لو وجد ولكن الصبغ يحول دون وجوده. وما هو مستلزم لكون الصبغ دخيلا في تأكد الاعتصام إنما هو الاول، وما هو اللازم من التفرقة بين الكرين في المقام هو الثاني. وإن شئتم توضيح ذلك فلاحظوا حال الماء الكثير مع الماء القليل، حيث يقال: إن الكثير لا ينفعل بالملاقاة والقليل ينفعل، فان هذا يعني أن الكثرة مؤكدة لاقتضاء الماء للطهارة، لانها توجب أن يكون الشئ المانع عن الطهارة في القليل - وهو الملاقاة - غير مانع لو وجد في الكثير. وأما إذا وجد ماءان قليلان وهم كلب بأن يشرب من كل منهما إلا انه وجد أحدهما نتنا فانصرف عنه وشرب من الآخر، فانه ينجس ما شرب منه الكلب دون ذلك الماء النتن.

[ 265 ]

ولا يقال هنا: إن النتن صار مؤكدا لاقتضائه للطهارة، بل إن النتن سبب في أن لا يوجد المانع، لا في أن لا يكون المانع مانعا. ومحل الكلام من هذا القبيل، فان الصبغ سبب أن لا يوجد التغير لا في أن لا يكون التغير مانعا. ومثل هذا ليس معناه تقوية اعتصام الماء بالصبغ. وهذا الجواب - وان كان فنيا، لتوضيح أنه لا يلزم من البناء على عدم الانفعال في موارد النقض دخل الصبغ في تقوية ملاك الاعتصام - ولكنه لا ينافي كون الحكم بعدم الانفعال في الكر المصبوغ على خلاف الارتكاز العرفي، وإذا كان على خلاف الارتكاز حقا فهذا يكشف عن وجود نكتة أخرى لهذا الارتكاز العرفي غير نكتة استلزام عدم الانفعال لكون الصبغ دخيلا في تقوية ملاك الاعتصام. وتكون فائدة هذه الفرضيات المذكورة في الوجه الثاني والثالث المساعدة على التنبه إلى ذلك الارتكاز على ما سوف نشرحه ان شاء الله تعالى. " الوجه الرابع " - نفرض ماءا ألقينا فيه صبغا أحمر لكن بدرجة لا تكفي لتغيره. وبقي بينه وبين أن يظهر عليه علائم التغير شئ يسير جدا فجئنا بمقدار قليل من الدم فألقيناه في ذلك الماء الذي أصبح على وشك التغير، فتيغر الماء. ففي هذا الفرض يستبعد الفقيه جدا الحكم بانفعال الماء بذلك الدم القليل، لانه - وإن تغير الماء بسببه - ولكن قلته وضالته تأبى عن قبول الشمول في اطلاق دليل النجاسة بالتغير لهذا الفرض، وهذا يعني أن التغيير الذي يكون منجسا هو التغيير الذي يحصل في الماء حينما يلحظ لولا الطوارئ، وحيث أن الماء في هذا الفرض لو لوحظ لولا الاصباغ التي ألقيت فيه لما تغير بالدم القليل الذي ألقيناه فيه فلا يحكم بنجاسته. فالميزان في التنجيس - إثباتا ونفيا - هو التغيير لولا الطوارئ،

[ 266 ]

فكما أننا لا نحكم بالنجاسة مع وجود تغيير بالفعل في الفرض المذكور لان التغيير لولا الطوارئ لم يحصل، كذلك نحكم بالنجاسة مع عد ما لتغيير بالفعل في محل الكلام، لان التغيير لولا الطوارئ حاصل. والجواب على هذا الوجه: أن الحكم بعدم نجاسة الماء في المثال المفروض قد يكون الملاك فيه عدم حصول التغير الفعلي بالدم، لا مجرد عدم التغير لولا الطوارئ. وأما التغير الفعلي الذي ظهر في الماء عقيب إلقاء الدم فيه فهو ليس تغير فعليا بالدم وحده. بل هو تغير فعلي بالمجموع المركب من الدم والصبغ السابق، فالحكم بعد النجاسة في الماء المفروض ينسجم مع كون الميزان في التنجيس هو التغير الفعلي بالدم. وتوضيح ذلك: أن الصبغ الملقى أولا في الماء إن كان مجرد مقدمة إعدادية مكلمة الاستعداد الماء ومقربة له نحو التغير ويكون التغير مستندا بنحو الايجاد والتأثير للدم، فيصدق إسناد التغيير إلى نفس الدم، من قبيل شخص يبتلى بأمراض عديدة تؤدي إلى أن يموت بضربة عادية، فان الموت يسند عرفا إلى الضربة، ويرى أن تلك الامراض مقدمات إعدادية لمؤثرية الضربة في الموت. فعلى هذا التقدير يكون التغير الفعلي بالدم حاصلا في المثال المفروض، ويتوقف الحكم بعدم النجاسة حينئذ على دعوى أن ملاك التنجيس ليس هو التغير الفعلي بل التغير لولا الطوارئ. وأما إذا لم يكن الصبغ السابق مجرد مقدمة إعدادية بل جزء العلة للتغيير بحيث يستند التغيير إلى الصبغ والدم معا، فلا يوجد تغيير فعلى مسند إلى الدم مستقلا، ولا موجب للحكم بالنجاسة حتى مع جعل الميزان في التنجيس التغير الفعلي بالنجاسة. وهذا هو المتعين، فان تغير لون الماء إنما يكون بانتشار أجزاء الصبغ أو الدم فيه بنحو يغطي على لونه الطبعي، فالاجزاء الصبغية مع أجزاء الدم بانتشارها في الماء أوجبت تغطية لونه

[ 267 ]

الطبعي، فهذه التغطية مستندة إلى اجزاء الصبغ والدم فعلا، فالتغير الفعلي بالدم غير ثابت. " الوجه الخامس " - التمسك بما ورد من قوله: " إذا كان الماء قاهرا فلا بأس " (1) وقوله " كلما غلب الماء على ريح الجيفة فتوضأ منه واشرب " (2) مما دل على أن العبرة في عدم النجاسة والاعتصام بالقاهرية والغلبة للماء، ومن المعلوم عدم القاهرية والغلبة فيما نحن فيه، فيحكم بالنجاسة. ولكن هذا لو سلم لا يفيد، لان إطلاقه الدال على النجاسة مع عدم قاهرية الماء - ولو لم يحصل تغيير فعلي - معارض بما دل على عدم النجاسة بدون التغير الفعلي ولو لم يكن الماء قاهرا. وبعد التعارض والتساقط يرجع إلى ما يقتضي الحكم بالطهارة. " الوجه السادس " - أن نستظهر من أخبار التغيير كون التغيير ملحوظا بنحو الطريقية، وتوضيح ذلك: إن التغيير المأخوذ موضوعا للحكم بالنجاسة في أخبار التغيير لو كان مأخوذا على وجه الموضوعية لامكن الاستشكال في الحكم بالنجاسة في محل الكلام، لعدم فعلية التغير. ولكن يمكن أن يستظهر بقرينة الارتكاز العرفي أخذ التغير بما هو طريق ومعرف لا بما هو، فلابد من ملاحظة ما أخذ التغير معرفا له، ليرى أنه موجود في محل الكلام أولا.


(1) الوارد في مثل رواية عبد الله بن سنان: سأل رجل ابا عبد الله عليه السلام - وأنا حاضر - عن غدير أتوه وفيه جيفة؟ فقال: إن كان الماء قاهرا... الخ. وسائل الشيعة باب 3 من ابواب الماء المطلق حديث - 11 - (2) الوارد في رواية حريز عن ابي عبد الله عليه السلام قال: كلما غلب الماء... الخ وسائل الشيعة باب 3 من ابواب الماء المطلق حديث - 1 -.

[ 268 ]

وفي هذا المجال نلاحظ أن المقدار الذي يستوجب التغير من الدم عادة، يختلف باختلاف شدة لونه وضعفه مثلا. فإذا فرنا أنه يتراوح من نصف أوقية إلى أوقيتين اتجه السؤال إلى ان التغير يؤخذ طريقا إلى أي مقدار من تلك المقادير. وبهذا الصدد يمكن تصوير اخذ التغير طريقا بأنحاء: الاول: أن التغير يؤخذ موضوعا للانفعال بما هو طريق إلى كم مخصوص، بحيث يجعل التغير أمارة عليه. لغلبة انحفاظه في موارد التغير. والطريقية بهذا المعنى خلاف الظاهر جدا من أخبار التغير، لاستلزامها حمل النجاسة المجعولة للماء المتغير في هذه الاخبار على الحكم الظاهرى، مع أنها ظاهرة في بيان الحكم الواقعي. الثاني: أن التغير يؤخذ موضوعا للانفعال بما هو طريق إلى أصغركم ومقدار من المقادير الصالحة لا يجاد التغير. وهذا يعني أن النجاسة في موارد التغير واقعية، لعدم انفكاك التغير عن أصغركم صالح، ولكن تصبح الطهارة المجعولة في تلك الاخبار على غير المتغير ظاهرية، لامكان تحقق كم صالح مع انفكاكه عن التغير، لفقدان الكيفية الدخيلة في التأثير. وينفي ذلك ظهور الدليل في كون الحكم بالطهارة مع عدم التغير واقعيا، كالحكم بالنجاسة عند التغير. الثالث: أن التغير يؤخذ موضوعا للنجاسة بما هو طريق إلى تمامية الحيثيات الدخيلة في التغير من ناحية الدم. وتوضيحه: إن تغير ماء بلون الدم مثلا يتوقف على ثلاثة امور: احدها - أن يكون اللدم مقدار معتد به، فلو كان ضئيلا لم يغير مهما كان لونه شديدا. ثانيها - أن يكون للدم كيف ولون مخصوص، فلو كان فاقدا للون

[ 269 ]

لم يغير مهما كانكثيرا. ثالثها - أن لا يكون الماء مشتملا على لون مماثل للون الدم، والا لما تغير به. وأخذ التغير على ونحو الموضوعية معناه دخل هذه الامور الثلاثة جميعا في التنجيس. ومعين أخذ التغير بنحو الطريقية أخذه بما هو طريق إلى الامرين الاولين. فلا يكون للامر الثالث دخل في الانفعال. وذلك بتقريب: أن المتفاهم عرفا من أخبار التغيير، أن الحافظ لاعتصام الماء وطهارته هو عدم التغيير بوصفه كاشفا عن نحو نقص وضالة في النجس نفسه، فلو لم يكن عدم التغير في مورد كاشفا عن ذلك - بل كان بلحاظ خصوصية في نفس الماء - فلا يصلح أن يكون حافظا لطهارته. فكما أن المفهوم عرفا من دليل اعتصام الكر أن العاصم له هو كم الماء وكثرته، كذلك المفهوم عرفا من إناطة هذا الاعتصام بعدم التغير أن اعتصام هذا الماء منوط بأن لا يكون في مقابل كثرة الماء كثرة في النجاسة الملاقية له. وحيث أن هذه الكثرة في النجاسة محفوظة كما وكيفا رغم عدم حصول التغير فعلا، فيكون موضوع النجاسة محققا في محل الكلام. والتحقيق: ان الحكم بالنجاسة في محل الكلام لا يتوقف على استظهار هذه الطريقية، بل حتى إذا بنينا على أن التغير - إثباتا ونفيا - مأخوذ على وجه الموضوعية يتعين المصير إلى الحكم بالنجاسة، كما سيأتي ان شاء الله تعالى " الوجه السابع " - أن نقول: إن التغير في محل الكلام فعلي وليس تقديريا: وذلك لان المفروض في محل الكلام أن الدم الذي ألقي في الماء المصبوغ كان بمقدار، ويوصف بحيث يكفي في نفسه لتغير الماء بالنحو الذي غثره الصبغ. فإذا فرضنا مثلا أن تأثير الدم في نفسه بمقدار تأثير الصبغ في نفسه، كان مقتضى ذلك بحسب العادة أن تشتد الحمرة شدة محسوسة حينما

[ 270 ]

يلقى أحدهما في الماء بعد الآخر، لان تأثير الصبغ أو الدم في احمرار الماء إنما هو بانتشار أجزائه فيه، ومن المعلوم أن الاجزاء الحمراء المتنشرة في الماء إذا تضاعفت اشتدت الحمرة فيه، وهذه الشدة بنفسها مصداق للتغير، لان التغير كما يصحل بزوال لون كذلك يحصل بحدوث لون أو مرتبة جديدة من اللون، فيكون التغير فعليا. نعم، يبقى الكلام فيما إذا أمكن أن نفترض أن الماء حصل بالصبغ على مرتبة عالية من الاحمرار، بحيث لا مجال للاحساس باشتدادها مهما ألقينا في الماء بعد ذلك من دم، ولابد أن يلتزم في الفرض يضا بأن شدة الاحمرار التي اكتسبها الماء من الصبغ والتي بلغت إلى مرتبة غير قابلة للاشتداد الحسي لم تصير الماء مضافا، والا لتنجس بالملاقاة مع الدم بلا اشكال، فإذا أتيح تصور مثل هذا الفرض فلا يكفي هذا الوجه لاثبات النجاسة فيه. " الوجه الثامن " - أن يقال: إن إلقاء الدم بعد الصبغ - في مفروض الكلام - يؤثر في شدة الاحمرار دائما، غاية الامر اننا نتنازل عن الوجه السابق ونعترف بأن هذه الشدة ليست حسية، ولكن لا مجال لانكار أصل وجودها، إذ بعد فرض أن الدم الملقى بمقدار كاف في نفسه لايجاد الحمرة، فلابد أن يكون موجبا لاشتدادها فيما إذا ألقي الدم بعد الصبغ، فالتغير غير الحسي فعلي إذن ولس تقديريا، وإنما التقديري هو التغير الحسي، فالتقديرية في حسية التغير لا في أصل التغير. وإذا تم هذا تمسكنا باطلاق ما دل على النجاسة بالتغير، لان مادل على النجاسة بالتغير - وإن كان لا يشمل التغيرات غير الحسية - ولكن علم شموله لها: إما للانصراف الناشئ من ارتكازية أن التغير بوجوده الواقعي الذي لا يرى إلا بالوسائل العلمية والمكبرات الحسية لا يضر بالاعتصام وإما بلحاظ مادل على أن الماء المعتصم لا ينفعل بملاقاة النجاسة، مع أن

[ 271 ]

الملاقاة تستلزم التغير الواقعي غير المحسوس دائما. ومن المعلوم أن كلا هذين التقريبين لا يجريان في التغيير الواقعي غير المحسوس الذي هو ثبات في محل الكلام، إذا لاارتكاز يقتضي عدم انفعال الماء المعتصم في محل الكلام. كما أن دليل عدم الانفعال بالملاقاة لا يستلزم عدم الانفعال بالملاقاة التي توجب التغير التقديري بالمعنى الذي هو محل الكلام. وإن شئت قلت: إن التغير تارة يكون مستترا بطبعه، وأخرى يكون مستترا لعارض، كما هو المفروض في محل الكلام. والقدر المتيقن خروجه عن إطلاق مادل على النجاسة بالتغير هو التغير المستتر عن الحس بطبعه لا المستتر لعارض، فيبقى هذا تحت إطلاق قوله " خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شئ إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه " (1) لو أمكن الاعتماد على اطلاق مثل هذا الحديث. " الوجه التاسع " - أن التغير في محل الكلام ليس تقديريا بل هو فعلي، لا بوجوده الواقعي فقط بل بوجوده الواقعي الحسي. وتوضيح ذلك: أن تأثير الصبغ في احمرار الماء ليس بالاعتبار انتشار الاجزاء الصبغية في الماء فالحمرة المرئية في الماء هي حمرة الاجزاء الصبغية حقيقة، ويرى بها أن الماء أحمر، وبعد إلقاء الدم وانتشار أجزائه في الماء توجد حمرتان في الماء: حمرة الصبغ، وحمرة الدم - احداهما تحملها الاجزاء الصبغية المنتشرة، والاخرى تحملها الاجزاء الدموية المنتشرة - وكلتاهما مرئية. وهذا يعني أن الدم أوجب تغيرا حسيا، لانه أوجب ظهور حمرة جديدة محسوسة لم تكن قبله. وهي حمرة الدم. غاية الامر إن الملاحظ للماء فعلا لا يستطيع أن يميز الحمرة التي نشأت من الدم والتي تحملها الاجزاء


(1) وسائل الشيعة باب 1 من ابواب الماء المطلق حديث - 9 -.

[ 272 ]

الدموية المنتشرة، من الحمرة التي نشأت من الصبغ والتي تحملها الاجزاء الصبغية المنتشرة. وكون الاثر الذي تستوجبه النجاسة متميزا غير كونه فعليا ومحسوسا. وما هو لازم لترتب الانفعال كونه فعليا ومحسوسا وهو حاصل، وما هو مفقود - وهو التميز - ليس له دخل في موضوع الحكم بالانفعال. وبما ذكرنا ظهر أن دعوى استحالة تغير الماء المصبوغ صبغا أحمر بالدم فعلا لاستحالة اجتماع المثلين - أي حمرتين في شئ واحد - مدفوعة بأن حمرة الماء بالصبغ أو بالدم ليست إلا بانتشار أجزاء المادة الحمراء في الماء، وعليه فأي مادة حمراء تلقى في الماء ولا تستهلك فيه تعطى للماء حمرتها. وليس هذا من اجتماع المثلين على موضوع واحد، لان كل حمرة قائمة بمادتها الاصيلة، وإنما تضاف حمرتان أو اكثر إلى الماء نتيجة لانتشار المواد الحاملة لتلك الاحمرارات فيه. وقد يقال: إن هذا البيان يقوم على أساس التحليل الواقعي لكيفية تغير الماء بلون الصبغ أو الدم التي تعني في الحقيقة انتشار أجزاء الاحمر في الماء دون أن يكتسب الماء لون الحمرة واقعا، فإنا من زاوية هذا التحليل يمكن أن نفترض حدوث حمرتين في الماء أحداهما بعد الاخرى، إذ توجد حمرة الصبغ أولا ثم حمرة الدم ثانيا، دون أن يلزم محذور اجتماع المثلين. ولكن هذه الزاوية تحليلية وليست عرفية، بل العرف يقيم مفهومه عن كيفية تغير الماء بلون الصبغ أو الدم على أساس ما يتراءى في الادراك الحسي - ولو خطأ - من ثبوت الحمرة للماء، فالنظر العرفي يرى أن الماء حينما العرفي لا نرى تغيرا في هذا الماء المصبوغ إذا ألقي فيه الدم بعد ذلك، لان الدم الملقى إن أثر في شدة الحمرة المرئية رجع هذا إلى وجه سابق،

[ 273 ]

[ (مسألة - 10) لو تغير الماء بما عدا الاوصاف المذكورة من أوصاف النجاة س - مثل الحرارة والبرودة والرقة والغلظة والخفة والثقل - لم ينجس ما لم يصر مضافا (1) ] وان لم يؤثر شدة فلا نرى بالمنظار العرفي حمرة جديدة، فلا تغير في نظر العرف. وعلى ضوء ما قلنا يتبين الحال في التغير التقديري الذى يستند عدم فعليته إلى عدم المقتضي أو انتفاء الشر ط، فان مهم الوجوه التي قد يمكن الاعتماد عليها فيما تقدم لا تأتي في موارد التقدير من ناحية المقتضى أو الشرط، فمقتضى ظهور أخبار التغيير في إناطة الحكم بالنجاسة في الماء المعتصم بالتغيير اثباتا ونفيا كون المناط فعلية التغيير، كما هو الحال في سائر العناوين المأخوذ في موضوعات الادلة، فانها ظاهرة في الفعلية وتوقف الحكم على فعلية وجود تلك العناوين ولا يكفي وجودها التقديري. (1) قد يتمسك للحكم بالنجاسة بالتغير في هذه الاوصاف بمطلقات التغير، إذ يمكن دعوى الاطلاق في بعض روايات الباب، من قبيل رواية أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام انه سئل عن الماء النقيع تبول فيه الدواب؟ فقال: إن تغير الماء فلا تتوضأ منه - الخ (1). ورواية ابن بزيع المختصرة عن الرضا عليه السلام قال: ماء البئر واسع لا يفسده شئ إلا أن يتغير (2) وما يمكن أن نناقش به الاطلاق المدعى في روايتي أبي بصير وابن بزيع عدة وجوه: " الاول " - إن الظاهر من دليل انفعال الماء بالتغير بالنجاسة كون النجاسة مغيرة بما هي نجاسة، أي أن يستند تغيره إلى نفس الحيثية التي بها


(1) و (2) وسائل الشيعة باب 3 من ابواب الماء المطلق حديث - 3، 10 -.

[ 274 ]

كانت النجاسة مستقذرة، فمتى كانت حيثية الاستقذار والتغير واحدة حكم بالانفعال. وهذا معنى أن حيثية الاستقذار ملحوظة حيثية تقييدية، بنحو يكون التغير مستندا إلى النجس بما هو متحيث بتلك الحيثية. ومنشأ هذا الاستظهار مناسبات الحكم والموضوع الارتكازية، كما تقدمت الاشارة إليه، فإذا تم هذا الاستظهار اختص الانفعال بالتغير بالاوصاف اللازمة والطبعية لعين النجس. لا الاوصاف المكتسبة من الحرارة أو البرودة أو الرائحة العرضية. فالبول إذا أوجب تغير الماء بلحاظ الرائحة الطبيعية للبول كان التغير مستندا إلى البول بما هو بول، واتحدت بذلك حيثية الاستقذار وحيثية التغيير. وأما إذا أجب البول تغير الماء بلحاظ رائحة معطرة اكتسبها البول من الخارج أو بلحاظ برودة شديدة اكتسبها البول من الخارج، فلا يكون التغيير مستندا إلى البول بما هو بول، بل بما هو معطر برائحة ماء الورد أو بما هو بارد، وهي حيثيات لا ترجع إلى كونه بولا. نعم، لو كانت هنالك صفة أخرى ثابتة للبول بطبعه فأوبج البول تغير الماء بلحاظها، شمله الدليل، لاستناد التغيير حينئذ إلى البول بما هو بول، ولو لم تكن الصفة طعما أو ريحا أو لونا، فهذا الوجه يقتضي قصور المطلقات عن الشمول لموارد التغيير بالصفات العرضية للنجس. " الثاني " - إن أهم ما ادعي وجود الاطلاق فيه إنما هو إحدى روايتين: رواية ابن بزيع المختصرة، ورواية أبي بصير، وكلتاهما غير تامة: أما الاولى فلوثوق بأنها نفس الرواية الموسعة التي جاء فيها قوله " إلا أن يتغير ريحه أو طعمه " لاتحادهما في الامام والراوي عنه والراوي عن الراوي، وكون العبارة الواردة في الرواية المختصرة جزءا من العبارة الواردة في الرواية المفصلة، فلا يمكن التمسك بالاطلاق فيها.

[ 275 ]

وأما الثانية - رواية أبي بصير - فلضعف سندها كما تقدم بياسين الضرير الذي لم يثبت توثيقه. مضافا إلى إمكان منع إطلاقها، لان موردها السؤال عن الماء تبول فيه الدواب لا عن الماء يقع فيه بول الدواب، فلو كان السؤال على الوجه الثاني لامكن أن يدعى وجود الاطلاق لما إذا سال في الماء أبوال الدواب بعد تجمعها واكتسابها صفات أوجبت تغير الماء بها ر. دون أن يتغير طعمه أو ريحه أو لونه. ولكن حيث أن السؤال على الوجه الاول فليس من الفروض الممكنة عادة أن تبول الدواب في الماء مباشرة فيتغير الماء بوصف لذلك البول غير الاوصاف الثلاثة قبل أن يتغير لونه أو طعمه أو ريحه، إذ لا يوجد لبول الدواب بحسب طبعه وصف قابل لتغيير الماء بنحو أسرع من تغيره بالصفات الثلاثة ليتمسك باطلاق الرواية. ومثل رواية أبي بصير - هن هذا الناحية - رواية هشام بن سالم في ماء المطر المتقدمة، بعد حمل الاكثرية فيها على القاهرية، فان القاهرية في موردها لا يتصور الا بلحاظ اللون أو الطعم أو الرائحة، فليس فيها إطلاق. وقد يقال بوجود الاطلاق في بعض الروايات الاخرى، من قبيل رواية سماعة قال: سألته عن الرجل يمر بالميتة في الماء؟ قال: يتوضأ من الناحية التي ليس فيها الميتة (1) يدعوى أن الجواب مطلق وليس مختصا يرض التغير في الصفات الثلاث. ويندفع ذلك: بأن الرواية لم يفرض فيها ضئ سوى ملاقاة أحد طرفي الماء للميتة، غير أن الترخيص في الوضوء من الطرف الآخر للماء قرينة على أن ملاك المنع في طرف الميتة ليس هو مجرد الملاقاة، لارتكازية أن الماء غير المعتصم ينفعل بتماه عند الملاقاة، فبهذه القرينة تكون الرواية ظاهرة في افتراض شئ زائد على مجرد الملاقاة، وهذا الشئ الزائد لم يبين


(1) وسائل الشيعة باب 5 من ابواب الماء المطلق حديث - 5 -.

[ 276 ]

صريحا، فكان افتراض وقوع الميتة في طرف الماء المذكور في الرواية مساوق الافتراض ذلك الامر الزائد، ولهذا استغنى عن ذكره باعتباره لازما عرفيا لما هو مذكور، وليس هذا إلا التغير برائحة الميتة. فلا يكون للرواية اطلاق. " الثالث " - ما ذكره السيد الاستاذ - دام ظله - (1) من أن الاطلاق مقيد بما دل على حصر التغير المنجس بالتغير في الاوصاف المخصوصة، من قبيل رواية ابن بزيع الموسعة القائلة " إلا ان يتغير ريحه أو طعمه فينزح حتى يذهب الريح ويطيب طعمه " فان مقتضى هذه الرواية حصر التغير الموجب للنجاسة بالتغير الطعمي والريحي وبعد عطف اللوني عليه أيضا بروايات أخرى يقيد اطلاق التغير في رواية ابن بزيع المختصرة وغيرها من الروايات المطلقة بذلك. والتحقيق: أن النسبة بين المستثنى في الرواية المختصرة لابن بزيع التي يتمسك باطلاقها (أو ما يساويها من الروايات) والمستثنى في الرواية المفصلة لابن بزيع التي جعلها السيد الاستاذ مقيدة. وإن كانت هي نسبة العموم والخصوص المطلق، لان المستثنى في الرواية المختصرة التغير، والمستثنى في الرواية المفصلة التغير الطعمي والريحي، ولكن طرفي المعارضة ليساهما عقد المستثنى في الرواية الاولى وعقد المستثنى في الرواية الثانية، لان عقد المستثنى يدل على ثبوت النجاسة على موضوعه، ولا تعارض بين المطلق والمقيد إذا كانا مثبتين، وإنما التعارض بين عقد المستثنى في الرواية المختصرة وعقد المستثنى منه في الرواية المفصلة، لان مفاد الاول هو ثبوت النجاسة بالتغير، ومقتضى إطلاقه ثبوتها بالتغير في غير الاوصاف الثلاثة أيضا، ومفاد الثاني هو ثبوت الطهارة بدون تغير في الاوصاف الثلاثة، ومقتضى إطلاقه ثبوتها


التنقيح الجزء الاول ص 83.

[ 277 ]

حتى معالتغير في وصف آخر. والنسبة بين إطلاق المستثنى في الرواية المختصرة وإطلاق المستثنى منه في الرواية المفصلة العموم من وجه. ومادة الاجتماع هي التغير في وصف غير الاوصاف الثلاثة، ومادة الافتراق للرواية الاولى صورة التغير في الثلاثة. ومادة الافتراق للرواية الثانية صورة عدم التغير رأسا، فلا موجب لجعل أحدهما مقيدا للآخر، بل يحصل التعراض بين الاطلاقين. والشئ نفسه قوله في حق الرواية المفصلة لابن بزيع مع رواية ابي بصير التي أشرنا إلى التمسك باطلاقها، فان النسبة بين منطوق رواية ابي بصير الدال على كفاية مطلق التغير مثلا وعقد المستثنى منه في الرواية المفصلة لابن بزيع، هي العموم من وجه، فلا موجب لتطبيق قانون التقييد. ويتوقف توجيه ما أفاده السيد الاستاذ من الالتزام بالتقييد على أحد تقريبين: أحدهما - أن يقال: بأن اداة الاستثناء تدل بظهورها الوضعي ومدلولها على حصر الخارج عن نطاق المستثنى منه بمدخولها، بحيث يكون مفادها وضعا حصر نقيض حكم المستثنى منه في المستثنى، فتكون أداة الاستثناء بنفسها معارضة مع إطلاق المستثنى في الرواية المختصرة أو مع اطلاق رواية ابي بصير، ويتعين عندئذ الالتزام بتقييد هذين الاطلاقين بلحاظ الحصر المستفاد من أداة الاستثناء، لان الاطلاق في منطوق رواية أبي بصير أو في المستثنى الوارد في الرواية المختصرة لابن بزيع ثابت بمقدمات الحكمة، وأما حصر المنجس بالتغير الطعمي والريحي فهو ثابت بالظهور الوضعي بحصب الفرض، فيقدم الظهور الوضعي لاداة الاستثناء في الحصر على الاطلاقين المذكورين بناءا على تقدم الظهور والوضعي على الظهور الاطلاقي. وهذا بخلاف ما إذا قلنا بأن أداة الاستثناء لا تدل وضعا إلى على إخراج مدخولها عن حكم المستثنى منه، وأما ان الخارج منحصر به فلا دلالة

[ 278 ]

لاداة الاستثناء وضعا على ذلك، وإنما ينفي خروج غير المدخول عن حكم المستثنى منه تمسكا باطلاق المستثنى منه، فانه بناءا على هذا يكون طرف المعارضة مع الاطلاقين اندالين على كفاية مطلق التغير إطلاق المستثنى منه في الرواية المفصلة لابن بزيع. والنسبة حينئذ هي العموم من وجه كما تقدم والتقريب الآخر أن يقال: إن المقيد لاطلاق المستثنى في الرواية المختصرة لابن بزيع مفهوم الوصف في عقد المستثنى من الرواية المفصلة لابن بزيع، فان عقد المستثنى في الرواية المفصلة دل على ثبوت الانفعال بالتغير الطعمي والريحي، ومنطوقه - وإن كان مثبتا ولا يعارض إطلاق المستثنى منه في الرواية المختصرة لابن بزيع - ولكنه بمفهوم الوصف فيه يدل على انتفاء الانفعال عند الوصف الذي قيد به التغير، وهو الطعمية والريحية. فهو من قبيل أن يقال " لا يجب عليك إكرام أحد سوى العالم " ويقال " لا يجب عليك إكرام أحد سوى العالم العادل "، فان إطلاق العالم في المستثنى الوارد في القول الاول يقيد بمفهوم الوصف في المستثنى الوارد في القول الثاني، لان مقتضى مفهوم تقيد العالم بوصف العادل في المستثنى الوارد في القول الثاني هو انتفاء الحكم بوجوب الاكرام عن العالم الفاقد للوصف، وبذلك يكون مقيدا لاطلاق المستثنى الوارد في القول الاول. فالمقيد لاطلاق المستثنى الوارد في الرواية المختصرة لابن بزيع في المقام ليس هو منطوق عقد المستثنى الوارد في الرواية المفصلة لابن بزيع. ليقال إنه لا تعارض بين المنطوقين، بل المقيد هو مفهوم الوصف في عقد المستثنى الوارد في الرواية المفصلة. غير أن هذا يتوقف على الالتزام بمفهوم الوصف، حتى في أمثال المقام الذي يكون مفهوم الوصف فيه اخفى منه في غيره. " الرابع " - أنا لو سلمنا الاطلاق الدال على كفاية مطلق التغير،

[ 279 ]

[ (مسألة - 11) لا يعتبر في تنجسه أن يكون التغير بوصف النجس بعينه. فلو حدث فيه لون أن طعم أو ريح غير ما بالنجس - كما لو اصفر الماء مثلا بوقوع الدم - تنجس، وكذا لو حدث فيه بوقوع البول أو العذرة رائحة أخرى غير رائحتهما، فالمناط تغير أحد الاوصاف المذكورة بسبب النجاسة، ] وسلمنا عدم وجود مقيد له. فلا أقل من كون النسبة بين مادل باطلاقه على كفاية مطلق التغير وما دل باطلاقه على عدم الانفعال بدون تغير في الطعم والريح واللون هي العموم من وجه، فيتعارضان ويتساقطان، وبعد ذلك يرجع إلى مطلقات أدلة الاعتصام التي تنفي النجاسة عن الكر مطلقا لان هذه المطلقات إنما نخرج عنها بلحاظ المقيد، وهو إخبار منجسية التغير، فإذا ابتلى اطلاق المقيد بالمعارض بنحو العموم من وجه رجعنا في مادة التعارض إلى تلك المطلقات. وعلى كل حال، فقد تحصل أن الماء المعتصم لا ينفعل بالتغير الخارج عن نطاق الاوصاف الثلاثة، بل لا نعرف قائلا بالانفعال بمطلق التغير، وإن نقلت نسبة القول بالانفعال بالتغير في غير الاوصاف الثلاثة إلى صاحب المدارك - قدس سره - ونسب إليه أيضا القول بعدم دلالة الخأبار على انفعال الماء بالتغير في اللون. وأدى ذلك إلى الاستغراب منه حيث أن كيف يقول بدلالة الاخبار على كفاية التغير في غير الاوصال الثلاثة ثم يستشكل في كفاية التغير اللوني. ولكن الظاهر أن صاحب المدارك لا يقول بكفاية التغير في غير الاوصاف الثلاثة، فقد قال في شرح المراد من نجاسة الماء الجاري باستيلاء النجاسة على أحد أوصافه: والمراد بها اللون والطعم والرائحة، لا مطلق الصفات كالحرارة والبرودة، وهذا مذهب العلماء كافة - الخ.

[ 280 ]

[ وإن كان من غير سنخ وصف النجس (1). ] (1) قد تحمل هذه المسألة على التعرض لحكم التغيير بالتأثير، حيث يقال: إن التغير قسمان: احدهما يحصل بانتشار النسج في الماء " والآخر يحصل بالتأثير. والقسم الاول يوجب اتصاف الماء بأوصاف النجس ولو بمرتبة ضعيفة منها. ولا يتصور فيه انتاج التغيير لظهور وصف آخر غير وصف المنجس. كما هو مفروض المسألة المبحوث عنها. وإنما يتأتى ذلك في التغير بالتأثير، فالكلام انفعال الماء المتغير بظهور وصف مغاير لوصف النجس يعني البحث حول التغير بالتأثير. ولكن يرد على ذلك: أن التغيير بالانتشار قد يؤدي إلى ظهور وصف غير وصف النجس، فهناك مجال للبحث بصور منفصلة عن التغير بالتأثير في أن التغير بالانتشار هل ينجس الماء مطلقا أو بشرط ظهور نفس وصف النجس في الماء؟ ومثال التغير بالانتشار المؤدي إلى ظهور وصف آخر يتضح في ماء متصف بوصف مضاد لوصف النجاسة. توضيح ذلك: إن الماء إذا فرضنا أنه مصبوغ بالازرق وألقينا فيه كيمة من الدم، فان لم تحدث فيه أي تغيير فعلي فلا ينجس، وإن كنا نعلم بأن تلكالكمية من الدم تصلح لتغييره لو كان الماء باقية على لونه الطبيعي، لان هذا التغير التقديري يختلف عن التغير التقديري الذي قلنا بأنه منجس في الماء المصبوغ بالاحمر إذا ألقي فيه الدم. فقد يقال هناك بالانفعال دونه هنا. وأما إذا فرضنا أن الدم الملقى كان بدرجة أدت إلى حصول تغير في الماء الازرق وظهور لون جديد فيه، ففي هذه الحالة قد يكون هذا اللون الجديد هو نفس لون الدم، وذلك عند ما تغلب حمرة الدم على زرقة الماء وقد يكون هذا اللون الجديد لونا آخر غير الازرق والاحمر قد حصل من امتزاج اللونين وانتشارهما

[ 281 ]

في الماء، وهذا تغير بوصف غير وصف النجس عرفا، وسبب التغير هو الانتشار. ومقتضى الاطلاقات هو الحكم بالنجاسة في هذا الفرض، لصدق عنوان التغير. فإذا أريد نفي النجاسة في هذا الفرض، فلابد من إبراز قرينة على تقييد تلك الاطلاقات، والقرينة المتصورة أحد أمور: " الاول " - ما ذكره السيد الحكيم - قدس سره - في المستمسك (1) من أن الارتكاز العرفي يساعد على اعتبار ظهور وصف النجاسة في الماء، لاختصاص الاستقذار العرفي بذلك. وطرو وصف أجنبي أو زوال وصف الماء لا يوجب النفرة. فيكون هذا الارتكاز بنفسه قرينة لبية على تقييد الاطلاق. والتحقيق أنه إن اريد اختصاص الاستقذار العرفي - بفرض ظهور وصف النجاسة في الماء - أن الاستقذار العرفي من الوصف الحاصل بالتغير يختص بما إذا كان هذا الوصف الذي سببه التغير من سنخ وصف النجاسة، فقد يدعى ذلك على أساس أن الوصف بما هو وصف لاملاك في استقذاره إلا إذا كان مصداقا لاوصاف النجس المستقذرة باعتبار كونها أوصافا للنجس فما لم يتحقق مصداق عرفي لتلك الاوصاف، قد يقال بأنه لا استقذار للوصف الحاصل بالتغير. ولكن الحكم بالانفعال في موارد التغير لا ينحصر ملاكه في استقذار الوصف الحاصل بالتغير، بل قد يكون استقذار الماء المتغير لا باعتبار استقذار الوصف الحاصل فيه بالتغير، بل باعتبار أن التغير الحاصل فيه بسبب وقوع النجاسة فيه منبه عرفي إلى وجود النجاسة في الماء بمرتبة توجب استقذاره، فكأن العرف يرى أن النجاسة تضيع في الماء الكثير وتتلاشى فلا يستقذر الماء، ولكن إذا تغير الماء بسببها كان ذلك ملازما لمرتبة من الوجود للنجاسة في الماء تحول دون استساغته تؤدي إلى استقذاره،


(1) مستمسك العروة الوثقى الجزء الاول ص 103 الطبعة الثانية.

[ 282 ]

فنكتة الاستقذار هي مرتبة من الوجود للنجس التي يعبر عنها التغير، لا نفس الوصف الظاهر بالتغير. وإذا كانت هذه هي نكتة الاستقذار في موارد التغير، فلا يفرق فيها بين موارد التغير بوصف النجس وموارد التغير بوصف آخر. " الثاني " - التمسك بقوله في رواية ابن بزيع " حتى يذهب الريح ويطيب طعمه " (1) فان ظاهر جعل طيب الطعم غاية للحكم بالنجاسة أن الطعم الذي يفترض في موارد التغير طعم غير طيب وخبيث، وهذا لا يكون إلا طعم نفس النجاسة، إذ لا خبث في طعم آخر، فيدل على اختصاص التغير المنجس بالتغير بنفس طعم النجس ووصفه. ويرد عليه: أن فرض كون الطعم غير طيب - كما قد يكون بلحاظ أن التغير كان بوصف النجس - كذلك قد يكون بلحاظ أن الوصف الذي سببه التغير كان نتيحة لفاعلية النجاسة بما هي نجاسة في الماء، فان كون الوصف ناتجا عن انتشار النجاسة وتأثيرها بما هي نجاسة يكفي لصدق عنوان غير الطيب عليه وان لم يكن من سنخ وصف النجس، لان الاستخباث والاستقذار يسري بحسب النظر العرفي من نفس النجس إلى الوصف المتولد منه بما هو نجس. وإن شئتم قلتم: كما أن وصف النجاسة ليس بطيب عرفا كذلك الوصف الذي تولده النجاسة لما هي نجاسة في الماء، فلا يكون فرض الطيب غاية للنجاسة كاشفا عن اختصاص التغير بما إذا كان بوصف النجس. وبهذا يظهر جواب آخر على الوجه السابق أيضا. " الثالث " - التمسك بقوله في رواية العلاء " لا بأس إذا غلب لون الماء لون البول " (2)، بدعوى ان المستظهر منها أن المناط في الانفعال ظهور.


(1) و (2) وسائل الشيعة 3 من ابواب الماء المطلق حديث - 12، 7 -.

[ 283 ]

لون البول، فلا يكفي ظهور لون آخر بسبب البول. ويرد على ذلك: أن غلبة لون الماء على لون البول - التي جعلت مناطا لنفي البأس في رواية العلاء - لو كان يكفي فيها مجرد كون الماء بنحو لا يسمح للون البول بالظهور ولو لم يظهر لون الماء نفسه، فقد يتجه التمسك باطلاق الرواية لاثبات الطهارة مع غلبة لون الماء، ولو بهذا النحو من الغلبة الذي يلتئم مع ظهور وصف آخر غير وصف النجس. ولكن الظاهر أن المعنى العرفي لغلبة لون الماء على لون البول لا يتحقق بمجرد عدم ظهور لون البول مع عدم احتفاظ الماء بلونه، إذ في هذه الحالة لا غالب ولا مغلوب عرفا، وإنما الغلبة مساوقة لاستهلاك اللون المغلوب، واندكاكه في اللون الغالب، فلان يكون في رواية العلاء إطلاق يشمل صورة التغير بغير وصف النجس. لان فرض هذه الصورة هو فرض زوال لون النجس ولون الماء معا، فلا هذا غالب ولا ذاك. وإن لم نستظهر هذا المعنى من الغلبة فعلى الاقل هو محتمل احتمالا عرفيا موجبا للاجمال. " الرابع " - التمسك برواية شهاب بن عبد ربه: في الجيفة تكون في الغدير؟ قال: إلا ان يغلب الماء الريح فينتن - إلى أن قال - قلت: فما التغير؟ قال عليه السلام: الصفرة (1). فانه قد أناط الانفعال بغلبة ريح الجيفة على الماء بنحو يصيبه النتن، ومقتضى ذلك الحكم بالطهارة مع عدم التغير بالنتن الذي هو ريح النجس، وإطلاقه يدل على عدم انفعال الماء المتغير بغير وصف النجس، كما أن مقتضى تفسير التغير بالصفرة أنه لو حدث لون آخر غير اللون المناسب للنجس فلا ينجس الماء. لكن هذا الاطلاق لو سلم في نفسه، فهو غير مستقر بلحاظ ما ذيلت به الجملة، إذ قال عليه السلام عقيب ذلك " وكلما غلب كثرة


(1) وسائل الشيعة باب 9 من ابواب الماء المطلق حديث - 11 -.

[ 284 ]

الماء فهو طاهر "، فان ظاهر هذا الذيل هو أن المناط في عدم الانفعال غلبة كثرة الماء، والغلبة معناها عرفا القاهرية واندكاك المغلوب في جنبه، وفي حالة تغير الماء بغير وصف النجاسة لا يكون الماء غالبا وقاهرا كما أشرنا إليه سابقا. ومعه يحصل التهافت بين جعل المناط في الانفعال غلبة وصف النجاسة في صدر الرواية، وجعل المناط في عدم الانفعال غلبة الماء وقاهريته في ذيل الرواية، وتكون الرواية مجملة. " الخامس " - التمسك بقوله في رواية سماعة " إذا كان النتن الغالب على الماء فلا يتوضأ ولا يشرب " (1). ويمكن تقريب الاستدلال بها بوجهين: الاول - أن مقتضى الاطلاق في مفهومه أنه مع عدم التغير بريح النجس لا يحكم بالنجاسة، ولو تغير الماء بغير وصف النجس وريحه. ويرد عليه: أن رواية سماعة وردت في الرجل يمر بالماء وفيه دابة ميتة قد أنتنت، والفرض العادي لمورد الرواية ليس له إطلاق لصورة تغير الماء بالدابة الميتة دون أن يظهر عليه النتن. ولم سلم الاطلاق فهو معارض باطلاق ما دل على النجاسة بالتغير، الشامل للتغير بظهور وصف مغاير لوصف النجس. والمعارضة بالعموم من وجه، لان رواية سماعة تقول بمفهومها: إن الماء لا ينفعل مع عدم ظهور وصف النجس. سواء حصل تغير بظهور وصف آخر أولا. وما دل على النجاسة بالتغير يقول: إن الماء ينفعل بالتغير بالنجس، سواء ظهر وصفه أولا. وبعد تساقط الاطلاقين يرجع إلى عموم فوقاني، من قبيل عموم دليل الاعتصام لو كان، وإلا فعمومات الانفعال لو كانت، وإلا فالاصول العملية. الثاني - أن ظاهر أخذ عنوان غلبة وصف النجس وريحه في موضوع


(1) وسائل الشيعة باب 3 من ابواب الماء المطلق حديث - 6 -.

[ 285 ]

الانفعال دخله في الحكم، فلو التزمنا بأن الانفعال يكفي فيه مجرد إختفاء وصف الماء - ولو بظهور وصف آخر غير وصف النجس - للزم أن لا يكون لغلبة وصف النجس بعنوانها أي دخل في الانفعال. وامتياز هذا الوجه على سابقه أن يبرز نكتة لتقديم إطلاق المفهوم في رواية سماعة على إطلاق مادل على النجاسة بالتغير، وهي: أنه يلزم من تقديم الاطلاق الثاني إلغاء دخل غلبة وصف النجس في الحكم رأسا، خلافا لما إذا قدمنا الاطلاق الاول، فان غاية ما يلزمه تقييد التغيير المأخوذ في موضوع الاطلاق الآخر، لا إلغاء دخله في الانفعال رأسا. ويريد عليه: أنه من الواضح التلازم العرفي في مورد الرواية بين عدم ظهور وصف النجس وعدم التغير مطلقا، لان مورد الرواية ماء فيه دابة قد أنتنت، وفرض التغير فيه مساوق لفرض النتن، إذ لا يتصور عرفا أن تؤثر الدابة المنتنة ريحا في الماء غير ريح النتن، ومع هذا التلازم العرفي لا يبقى لاخذ عنوان غلبة النتن - الذي هو ريح النجس - على الماء ظهور في أن الغلبة بعنوانها هي المناط وجودا وعدما في الانفعال وعدمه، بل يحتمل أن يكون أخذها باعتبارها هي التعبير المنحصر عن التغير في مورد الرواية، إذ لا يتصور التغير في موردها عرفا بدون ذلك. ولو سلم الظهور المذكور فهو يقع طرفا للمعارضة مع ظهور مماثل له في رواية حريز " كلما غلب الماء على ريح الجيفة فتوضأ ". فان ظاهرها أن غلبة الماء بعنوانها دخيلة في الحكم بعدم الانفعال، فلو بني على كفاية عدم ظهور وصف النجس في نفي الانفعال لسبب ذلك إلغاء دخل غلبة الماء في عدم الانفعال رأسا. هذا كله مضافا إلى أن روايات العلاء وشهاب بن عبد ربه وسماعة لا تخلو عن إشكال سندي تقدم الكلام عنه.

[ 286 ]

وقد اتضح من مجموع ما تقدم: أن العمل بالمطلقات هو المتعين، لان العنوان المأخوذ في موضوعها تغير نفس الماء، وهو كما يحصل في صورة ظهور وصف النجس كذلك يحصل في صورة طرو اختلاف في صفات الماء بسبب انتشار النجاسة فيه، وإن لم يكن الاختلاف بدرجة توجب ظهور وصف النجس بحده. ومما ذكرناه ظهرت نكات البحث في فرض التغير بالتأثير المقابل للتغير بالانتشار، غير أن تحصيل مطلقات تشمل التغير بالتأثير أشكل من تحصيل المطلقات في صورة التغير بالانتشار من دون ظهور وصف النجس، لان التغير بالتأثير إنما يعهد في اللون، ولا إطلاق يعتد به في الروايات الصحيحة يقتضي شمول الحكم بالانفعال لموارد التغير بالتأير في اللون. ويلاحظ أن السيد الاستاذ - دام ظله - قد استدل على كفاية التغير بالتأثير في الحكم بالانفعال باطلاق رواية ابن بزيع، إذ ورد فيها قوله: " إلا أن يتغير " بدعوى أن التغير يشمل التغير بالانتشار والتغير بالتأثير، مع أن رواية ابن بزيع لا إطلاق فيها للتغير اللوني، وإنما هي مخصوصة بالتغير الريحي والطعمي، كما اعترف السيد الاستاذ في مسألة التغير باللون. ولهذا لم يستدل على الانفعال عند التغير اللوني بهذه الرواية، بل استدل بروايا ت أخرى، وهو - دام ظله - يرى أيضا أن التغير بالتأثير غير معهود إلا في باب اللون. فإذا كان التغير بالتأثير غير معهود في باب الطعم والرائحة. وكانت رواية ابن بزيع مختصة بالتغير الطعمي والريحي، ولا تشمل التغير اللوني الذى يعهد فيه التغير بالتأثير، فكيف يتمسك باطلاق الرواية لاثبات الانفعال في موارد التغير بالتأثير؟ وأما رواية هشام بن سالم التي تمسكنا باطلاق قوله فيها " ما أصابه

[ 287 ]

[ (مسألة - 12) لا فرق بين زوال الوصف الاصلي للماء أو العارضي، فلو كان الماء أحمر أو أسود لعارض فوقع فيه البول حتى صار أبيض تنجس. وكذا إذا زال طعمه العرضي أو ريحه العرضي (1). ] من الماء اكثر منه " (1) لاثبات انفعال الماء بتغير لونه. بحمل الاكثرية على مطلق القاهرية، فلا يتصور في موردها عادة التغير اللوني بالتأثير ليتمسك باطلاقها. (1) هذه المسألة مرتبطة نحو ارتباط في مبانيها بالمسألة السابقة، بمعنى أن ما يكون ملاكا ودليلا لعدم الانفعال في تلك المسألة يصلح أن يكون كذلك في هذه المسألة، خلافا لما قد يقال من عدم الارتباط بين المسألتين. وتوضيح ذلك: إن تغير الماء بالنجس قد يتمثل في ظهور لون النجس مثلا، وقد يتمثل في ظهور لون مغاير للون النجس وللون السابق للماء معا. وقد يتمثل في زوال أو خفة " اللون السابق للماء دون أن يظهر فيه ما يعتبر لونا جديدا في نظر العرف. والاول هو المتيقن من أخبار الباب، والثاني فرض معقول في موارد التغير بالانتشار، وهو موضوع البحث في المسألة السابقة. والثالث يتعقل أيضا، لافي الماء الباقي على لونه الطبيعي، بل في ماء متلون بلون عارض لان الماء الباقي على لونه الطبيعي لا ينفك زوال لونه الطبيعي عن حدوث لون جديد فيه. لان مرجع لونه الطبيعي إلى عدم اللون، وأما الماء المتلون فقد يتفق أن تكون النجاسة موجبة لخفة لونه العرضي أو زواله دون أن تعطيه لونا جديدا، بأن نفرض فقدان النجاسة للون، فحينما تلقى في الماء المتلون تضعف لونه العرضي دو أن تعطيه لونا جديدا.


(1) وسائل الشيعة باب 6 من ابواب الماء المطلق حديث - 1 -.

[ 288 ]

فإذا بني في المسألة السابقة على أن مناط الانفعال هو غلبة وصف النجس كان ذلك بنفسه أساس لعدم الانفعال في كلتا المسألتين، لعدم تحقق هذه الغلبة فيهما معا. كما أننا إذا بنينا في المسألة السابقة على أن موضوع الانفعال في الاخبار هو طبيعي التغير لا خصوص التغير بظهور وصف النجس، فلا بأس بالتمسك باطلاق الادلة لاثبات الانفعال في هذه المسألة أيضا، لان التغير موجود أيضا، ومتمثل في اختفاء صفة من صفات الماء، فكما أن ظهور لون جديد عرفا يكون تغيرا كذلك اختفاء لون سابق. وما يمكن أن يقرب به المنع عن الاطلاق المذكور لصورة حصول التغير بزوال وصف عرضي للماء، هو: دعوى أن المستظهر من أخبار التغيير أن احتفاظ الماء بصفاته هو الموجب لعصمته والضمان لبقائه على الطهارة، إذا بزوالها وتيغرها ينفعل الماء بالنجاسة، وبمناسبات الحكم والموضوع المركوزة عرفا يختص ذلك بالصفات الطبيعة للماء، لانها هي التي تناسب بحسب الارتكاز العرفي أن تكون ملاكا للاعتصام وضمانا للطهارة، دون الصفات العرضية التي يكتسبها من الاصباغ ونحوها، لان نكتة الاعتصام في النظر العرفي قائمة بالماء بما هو ماء، وهذا يعني ارتباطها بالصفات الطبيعة للماء لا بالصفات المكتسبة، فزوال الصفة المكتسبة لا يكون موجبا للانفعال، لانه على خلاف ارتكازية أن الصفة المكتسبة لا دخل لها في اعتصام الماء. وهذه الدعوى مدفوعة: بأن انفعال الماء عند التغير بزوال صفته العرضية ليس باعتبار كون الصفة يؤدي زوالها إلى خروجها عن الاعتصام فينفعل بملاقاة النجاسة، ليقال بأنه على خلاف الارتكاز، بل باعتبار أن التغير بالنجاسة وكون الماء موردا لاثر حسي لها ملاك للانفعال أقوى من

[ 289 ]

[ (مسألة - 13) لو تغير طرف من الحوض مثلا تنجس، فان كان الباقي أقل من الكر تنجس الجميع، وإن كان بقدر الكر بقي على الطهارة، وإذا زال تغير ذلك البعض طهر الجميع ولو لم يحصل الامتزاج على الاقوى (1). ] اقتضاء الماء الطبعي للاعتصام، وذلك الملاك ثابت في المقام. (1) لان ذلك البعض متصل مع الباقي، والباقي كر. وهذا مبنى على أن الماء المتنجس يطهره الماء المعتصم، وأن تطهير المعتصم له يكفي فيه مجرد الاتصال دون الاحتياج إلى امتزاج. وتحقيق ذلك يقع في جهتين: إحداهما في البحث حول أصل مطهرية الماء المعتصم للماء المتنجس، والاخرى بعد الفراغ عن أصل المطهرية يقع الكلام فيها عن كفاية الاتصال في المطهرية أو الاحتياج إلى الامتزاج: " أما الجهة الاولى " - فلا إشكال في مطهرية الماء المعتصم للماء المتنجس في الجملة، وقد استدل على ذلك بوجوه: الاول: أن الماء المتنجس إذا أوصلناه بالماء المعتصم - كالكر مثلا - على نحو صار ماءا واحدا: فاما أن نحكم بنجاسة الجميع، أو بطهارة الجميع، لان الماء الواحد ليس له إلا حكم واحد. بمعنى أن أبعاضه متلازمة في الحكم طهارة أو نجاسة. والحكم بنجاسة الجميع خلاف إطلاق دليل اعتصام الكر الذي أوصلنا الماء المتنجس به، فيتعين الحكم بطهارة الجميع. ومرجع هذا الدليل في الحقيقة إلى الاستدلال بالدلالة الالتزامية العرفية لدليل اعتصام الكر، لان التلازم بين أبعاض الماء الواحد في الحكم ليس مدلولا لدليل لفظي أو عقلي، وإنما هو تلازم عرفي، فيكون منشأ لدلالة التزامية عرفية في دليل اعتصام الكر الدال على بقاء الكر على طهارته بعد إيصاله بالماء المتنجس، إذ يدل من أجل ذلك التزاما على أن الماء

[ 290 ]

المتنجس قد طهر للتلازم بين الامرين عرفا. وهذا الاستدلال يتوقف على أن لا يكون لدليل انفعال الماء المتنجس الذي يراد تطهيره بتوحيده مع الكر إطلاق أحوالي يشمل حال ما بعد التوحد، وأما إذا كان له إطلاق من هذا القبيل فتقع المعاضة بين هذا الاطلاق، وإطلاق دليل الاعتصام. وقد مر في بحث تغير الماء المعتصم بأوصاف النجس التي يحملها الماء المتنجس ما له نفع في المقام. الثاني: الاستدلال بما دل على اعتصام ماء الحمام لا تصاله بالمادة، وهو خبر حنان قال: سمعت رجلا يقول لابي عبد الله عليه السلام: اني أدخل الحمام في الحسر وفيه الجنب وغير ذلك، فأقوم فاغتسل فينتضح علي بعد ما أفرغ من مائهم؟ قال: أليس هو جار. قلت: بل. قال: لا بأس (1). حيث نفي الامام البأس في صورة جريان الماء واتصاله بالمادة، والنفي مطلق باعتبار عدم الاستفصال، فيعم الدفع والرفع. بمعنى أنه إذا اتصل بالمادة فهو طاهر ولا بأس به، سواء كان متنجسا قبل الاتصال - وهو معنى الرفع - أم لا - وهو معنى الدفع - والتحقيق: أن هذا الاستدلال إنما يتم إذا كان مراد السائل من مائهم الذي ينتضح عليه بعد ما يفرغ ماء الحياض الذي ساوره الجنب، فكأن الاستشكال عند السائل نشأ من ناحية أن ماء الحياض قد ساوره الجنب وغيره ممن هو نجس أو متنجس، وهو ماء قليل فينفعل. ويكون مرجع الجواب حينئذ إلى أن ماء الحياض الذي ينتضح منه عليه إذا كان متصلا بالمادة فلا بأس به. سواء ساوره الجنب قبل الاتصال بالمادة اوحينها - فيدل الجواب باطلاقه على زوال النجاسة عن الماء المتنجس ببركة المادة.


(1) وسائل الشيعة باب 9 من أبواب الماء المطلق حديث - 8 -.

[ 291 ]

وأما إذا كان المتفاهم من السؤال في الرواية السؤال عن الماء الذي ينتضح على السائل من الجنب، فمعنى السؤال حينئذ هو أن السائل كان واقفا يغسل نفسه - كما أن الجنب كان واقفا يغسل نفسه - ويغترف من الحوض لاجل غسل بدنه، وحينما كان يصب الماء على بدنه انتضح منه وأصاب السائل. فالسائل أصابه من الماء الذي كان الجنب يصبه على بدنه، لامن ماء الحوض مباشرة. فعليه يكون الجواب بظاهره غير مفهوم. لانه ينيط نفي البأس باتصال ماء الحوض بالمادة، مع أن هذا الاتصال لا دخل له بجهة الاستشكال، لان ما أصاب السائل ليس من ماء الحوض مباشرة بل. من الماء الذي يصبه الجنب على بدنه النجس مثلا. وهذا ماء قليل غير معتصم على كل حال، ولا ينفع في طهارته أن يكون ماء الحوض معتصما، فان كان الماء القليل ينفعل بملاقاة النجس أو المتنجس وكان بدن الجنب نجسا وأ متنجسا، فالمحذور ثابت على كل حال، والسائل يبتلى بالنجاسة بسبب ما انتضح عليه، سواء كان ماء الحوض متصلا أم لا. وإذا كان الماء القليل لا ينفعل بالملاقاة فلا محذور على كل حال، ولو لم يكن ماء الحوض متصلا بمادته. فالاتصال بالمادة لا دخل له في نفي البأس، وتكون الرواية - بعد عدم تعقل ظاهرها - مجملة، لان ذلك يكشف عن وجود خلل في نقها أدى إلى عدم تعقل المقدار المنقول، ومعه لا يمكن الاستدلال بالرواية. الثالث: رواية محمد بن اسماعيل بن بزيع: ماء البئر واسع لا يفسده شئ إلا ان يتغير ريحه أو طعمه، فينزح حتى يذهب الريح ويطيب طعمه لانه مادة (1). ونلاحظ في هذا النص أن المتحصل من متنه المذيل بالتعليل أربعة أمور:


(1) وسائل الشيعة باب 3 من ابواب الماء المطلق حديث - 12 -.

[ 292 ]

أحدها - الحكم باعتصام ماء البئر، المستفاد من قوله " ماء البئر واسع لا ينجسه شئ ". ثانيها - الحكم بانفعاله بالتغير، المستفاد من قوله " إلا أن يتغير ". ثالثها - الحكم بارتفاع النجاسة بزوال التغير بالنزح، المستفاد من قوله " فينزح حتى يذهب الريح "، لان الامر بالنزح إرشاد إلى حصول الطهارة به. رابعها - كون النزح موديا إلى زوال التغير، وبتعبير آخر ترتب زوال التغير على النزح. ولا شك في أن التعليلى بالمادة ليس راجعا إلى الامر الثاني، لان المادة ليست هي السبب في النجاسة بالتغير. كما ان رجوع التعليل إلى الامر الرابع خلاف الظاهر، لان الامر الرابع ليس مدلولا مباشرا للكلام، وإنما هو معنى متصيد ومنتزع من مدلول الكلام. وظاهر التعليل كونه تعليلا لنفس مفاد الكلام لا لمعنى متصيد منه. خصوصا إذا كان المعنى المتصيد مطلبا عرفيا ليس من الشأن الاولي للامام بيانه وتعليله، فيبقى الامر الاول والثالث. ومن المعلوم أن رجوع التعليل إلى خصوص الامر الاول أيضا خلاف الظاهر، لان التابع المتعقب لجمل ومدلولات متعاقبة إما أن يكون راجعا إلى الاخير أو إلى الجميع. وأما إرجاعه إلى خصوص الاول فليس عرفيا إلا معنصيب قرينة. على أن النظر الرئيسي للمتكلم في مقام الافادة إلى خصوص الاول وان غيره ذكر بالتبعية. ومثل هذه القرينة غير موجودة في المقام، وعليه فالتعليل إما أن يرجع إلى المطهرية وارتفاع النجاسة بالنزح فقط، أو إليه والى الاعتصام المبين أولا. وعلى كل حال، فيدل على أن المادة تقتضي زوال النجاسة على الماء المتنجس وتطهيره. وبعد إلغاء خصوصية المادة في مقابل سائر أقسام المعتصم يستفاد من التعليل عرفا مطهرية الماء المعتصم للماء المتنجس مطلقا، فان المادة

[ 293 ]

ليس متميزة في الارتكاز العرفي إلا باعتبار سعتها وكونها ماءا كثيرا بالمعنى، وان لم تكن مشتملة على ماء كثير بالفعل. ولعله لهذا عبر عن الماء النابع في نفس رواية ابن بزيع بأنه واسع، إذ قيل ماء البئر واسع، بناءا على أن السعة بلحاظ كون المادة ماءا كثيرا بالمعنى فيكون مرجع التعليل بالمادة بلحاظ هذه الارتكاز العرفي إلى التعليل بالكثرة فيشمل ما كان معتصما بالكثرة بل يشمل ماء المطر أيضا بناءا على كونه ذا مادة في نظر العرف أيضا، وان كانت مادته مختلفة عن مادة الماء النابع، باعتبارها مادة علوية لا أرضية. إلا ان خصوصيات المادة لا دخل لها في التعليل فيستفاد الحكم بمطهرية المعتصم مطلقا للماء المتنجس. وأما الجهة الثانية - وهي أن الماء المعتصم هل يطهر بمجرد الاتصال أو يحتاج إلى الامتزاج؟ فتحقيق ذلك يتوقف على النظر إلى دليل المطهرية ليرى أنه هل يوجد له اطلاق يقتضي حصول التطهير بصرف الاتصال أولا: أما الوجه الاول للمطهرية المذكور في الجهة الاولى - وهو أن الماء المتنجس والمعتصم بعد إيصال أحدهما بالآخر ماء وادح، والماء الواحد لا يتبعض حكمه - فهذا الوجه ملاكه حصول الوحدة بين المائين التي هي الملاك في تقوي أحد المائين بالآخر. فكلما كان الماء المتنجس متصلا بالمعتصم بنحو، بحيث لولا نجاسته لتقوى به واصبح مشمولا لدليل اعتصامه، فهو حيثن اتصاله به بذلك النحو من الاتصال وهو متنجس يطهر به، فكل نحو من الاتصال يحقق تقوي المتصل بالمعتصم الموجب لدفع النجاسة يحقق أيضا تطهير المتصل بالمعتصم المساوق لرفع النجاسة، لان عدم تقوي ماء قليل بالكر يعني تعقل تنجسه مع بقاء الكر على طهارته، ومتى تعلقنا ذلك لم يتم الوجه الاول في المقام. فالوجه الاول إذا يقتضي عدم اعتبار الامتزاج وكفاية الاتصال بالنحو

[ 294 ]

الذي يكفي في تقوي المتصل بالماء المعتصم ودفع النجاسة عنه. وأما الوجه الثاني - وهو خبر حنان - فقد تقدم التأمل بشأن مفاده. وأما الوجه الثالث - وهو خبر ابن بزيع المشتمل على التعليل بقوله " لانه له مادة " - فقد استدل به على كفاية الاتصال في الحكم المطهرية، باعتبار أن تمام العلة المذكورة للمطهرية هو المادة، فلو فرض أن الامتزاج كان دخيلا في المطهرية لاشير إليه في التعليل أيضا، وحيث أنه لم يذكر واقتصر على ذكر صرف المادة الذي لا يساوق الامتزاج وإنما يساوق الاتصال، فيكون دالا على كفاية الاتصال بالمادة في التطهير. وهنا إشكال معروف على الاستدلال بهذه الصحيحة على كفاية الاتصال، وحاصله: إن مورد الرواية هو الامتزاج، لان الامام أمر بنزح ماء البئر فقال " ينزح حتى يطيب الطعم ويذهب ريحه " لان له مادة. ومن المعلوم أنه بالنزح يحصل الامتزاج، لانه يتجدد النبع كلما أخذ من ماء البئر شئ إلى أن يمتزج الماء النابع مع الماء المتنجس ويسيطر عليه، بحيث يزيل طعمه وريحه القذر ويبدله إلى ريح وطعم طيب. ففرض الكلام في الصحيحة إذن هو فرض الامتزاج، فكيف يمكن التعدي من فرض الامتزاج إلى غيره؟ والجواب على هذا الاشكال بعدة وجوه: الاول: التمسك باطلاق العلة في التعليل، وذلك لان مورد المعلل - وإن كان هو الامتزاج لان ماء البئر حينما ينزح منه يمتزج الماء النابع مع مائه - إلا أنه بملاحظة التعليل تلغى خصوصية المورد، ويكون تمام المناط في الحكم بالمطهرية هو المادة. وفرض المادة مساوق للاتصال وليس مساوقا للامتزاج. فهو من قبيل أن يشير القائل إلى فقيه ويقول " أكرم هذا العالم لانه عالم " فمورد الاشارة هنا - وان كان هو الفقيه - ولكنا نلغي هذه الخصوصية بلحاظ اطلاق التعليل ونلتزم بشمول وجوب الاكرام لكل

[ 295 ]

أصناف العلماء. ولا يمكن قبول هذا الجواب، وذلك لان التعليل بالمادة إنما هو تعليل لمطهرية النزح لا لمطهرية زوال التغير ولو من نفسه، وتوضيحه: أنه لو كان المفروض في المعلل مطهرية زوال التغير ولو من نفسه ثم علل ذلك بالمادة دون أخذ عناية الامتزاج فيها، فيكون مقتضى قانون التعليل الالتزام بثبوت الحكم المعلل في سائر موارد العلة. والحكم المعلل بحسب الفرض هو مطهرية زوال التغير، فيلتزم بأنه كلما زال التغير كان مطهرا في حالات وجود المادة للماء، وإطلاق هذا يعني عدم اعتبار الامتزاج وكفاية الاتصال. ولكن المفروض في المعلل الحكم بمطهرية النزح الذي يستبطن الامتزاج، وقد عللت مطهرية النزح بوجود المادة، فمقتضى قانون التعليل وإلغاء خصوصية المورد أن مطهرية النزح لا تختص بمورد ماء البئر، بل تثبت كلما كانت هناك مادة، وهذا لا يثبت كفاية الاتصال. والحاصل: إن التعليل بعلة لا يقتضي التعميم إلا في الحكم الذي سبقت العلة لتعليله، وليس الحكم في المقام إلا مطهرية النزح، فالتعليل بالمادة يقتضي أن النزح مطهر في كل ماء له مادة، ولا يقتضي أن غير النزح يكون مطهرا، وتعميم مطهرية النزح لا يفيد لاثبات كفاية الاتصال، لانه يناسب مع اعتبار الامتزاج، لان القائل باعتبار الامتزاج يقر بهذا التعميم أيضا. الثاني: ما ذكره السيد في المستمسك (1) من أن الاشكال نشأ من نايحة أن مورد الرواية هو الامتزاج، باعتبار أخذ النزح المساوق للامتزاج في موردها. ويندفع بأن خصوصية النزح ليس معتبرة: أولا للاجماع على


(1) ص 106 الجزء الاول الطبعة الثانية.

[ 296 ]

كفاية الامتزاج بدون نزح، وثانية لاجل أن البناء على اعتبارها تعبدا يوجب حمل التعليل على التبعدي وهو خلاف الارتكاز. وانما الدخيل مجرد زوزال التغير بأي سبب فإذا بني لذلك على إلغاء خصوصية النزح كان المدار على مجرد زوال التغير. والتحقيق: أن النزح يحتوي على خصوصيتين: احداهما كونه مشتملا على إنزال دلو بوضع مخصوص، والاخرى كونه أداة لمزج الماء القديم بماء جديد. ومقتضى الجمود على ظاهر اللفظ في نفسه دخل النزح بكلتا خصوصيتيه في مود الرواية، غير أن القرينتين المذكورتين إنما توجبان إلغاء دخله بلحاظ الخصوصية الاولى لا إلغاء دخله بلحاظ الخصوصية الثانية، إذ لا يوجد إجماع ولا ارتكاز على عدم دخل النزح بما هو أداة للامتزاج في الحكم بالمطهرية، فلابد من التحفظ على هذه الخصوصية. وبذلك يرجع الاشكال من جديد على الاستدلال بالرواية لاثبات كفاية الاتصال. وإن شئتم قلتم: إن الارتكام المشار إليه القاضي بعدم دخل إنزال الدلو بما هو انزال الدول للدلو في التطهير بنفسه، يكون من قبيل القرينة اللبية المتصلة التي توجب انعقاد ظهور الكلام من أول الامر في كون النزح مأخوذا بلحاظ خصوصيته الثانية لا الاول يومعه لا يبقى في مورد الرواية إطلاق لفرض الاتصال المجرد عن الامتزاج. الثالث: ابداء أن كلمة " حتى " في قوله " حتى يطيب الطعم " تعليلية لاغائية، بأن يقال: إن قوله " فينزح حتى يطيب الطعم " معناه فينزح لكي يطيب الطعم، فكأنه قال: أذهب الريح فيطهر لان له مادة. ولا إشكال بناءا على استفادة التعليلية في إلغاء خصوصية النزح رأسا، إذ يكون مجرد استطراق إلى حصول مدخول حتى وهو زوال التغير، فلا يكون مأخوذا بما هو انزال دلو ولا بما هو أداة مزج، بل بما هو مؤد

[ 297 ]

إلى صرف زوال التغير، وذلك بقرينة " حتى " بعد فرض كونها تعليلية. فيندفع الاشكال، إذ يكون المطهر هو زوال التغير، وقد عللت مطهرية زوال التغير بالمادة، ومقتضى قانون التعليل وإطلاقه كون التغير مطهرا مادامت المادة محفوظة. سواء حصل الامتزاج أم لا. ولكن الكلام في استظهار التعليلية من " حتى " مع كونها ظاهرة في الغائية بحسب طبعها. ولا أقل من الاجمال الموجب لعدم تمامية هذا التقريب. الرابع: وه والتحقيق في المقام، وحاصله: إنماء البئر في مورد رواية ابن بزيع قد فرضناه متغيرا. وكلما ينزح منه ينضما ماء جديد إلى هذا الماء المتغير ويتنجس به، إذ بتغير بتغيره. غير أن التغير بضعف بالتدريج حتى يزول، وبمرجد زوال التغير يطهر هذا الماء، وفي هذه الحالة إذا لاحظنا هذا الماء في آن زوال التغير نجد أن هذا الماء في آن زوال التغير ماء متنجس كله: إما للتغير بعين النجس. أو للتغير بالماء المتنجس الحامل لاوصاف عين النجس وبمجرد زوال التغير يحكم عليه بالطهارة، بمقتضى رواية ابن بزيع، مع أنه لم يصحل امتزاج بعد زوال التغير، لان الامتزاج المفروض في الرواية إنما هو قبل زوال التغير، فيظهر من هذا أنه يكفي في الحكم بالمطهرية مجرد الاتصال. وان شئتم قلتم: إن الامتزاج الذي يقول القائلون بالامتزاج بدخله في التطهير، هو امتزاج الماء المتنجس بماء طاهر معتصم بالفعل حال الامتزاج. وفي مورد رواية ابن بزيع لم يمتزج الماء المتنجس بماء طاهر معتصم حال الامتزاج. لان الماء الذي امتزج به خلال عملية النزح تغير به وأصبح متنجسا، فلم يحصل امتزاج الماء المتنجس بالماء الطاهر المعتصم حال الامتزاج الذي هو المطهر عند القائلين باعتبار الامتزاج، فالرواية إذن بلا حاجة إلى التكلفات السابقة تكون دليلا على حصول الطهارة بمجرد الاتصال.

[ 298 ]

وهذا الوجه هو الوجه الذي نعتمد عليه لاثبات هذا المدعى، وإن دغدغنا فيه في بعض كتاباتنا القديمة بما حاصله: إن هذا الوجه يكون واضحا جدا لو فرضنا أن الماء المتنجس المتغير الموجود في البئر يبقى بتمامه متغيرا إلى لحظة معينة ثم يزول التغير عنه بتمامه، فيقال حينئذ: بأن هذا ماء متنجس إلى تلك اللحظة وقد طهر بمجرد الاتصال، دون أن يمتزج بماء معتصم طاهر بالفعل. وبكن بالامكان أن نفرض أن ماء البئر الذي كان موجودا حين التغير بالنجاسة ليس على نحو واحد، بحيث يكون متغيرا تمامه ثم يصبح بريئا من التغير بتمامه دفعة واحدة، بل يمر بثلاث حالات متعاقبة: الاولى - حالة التغير الشديد، واثر هذا التغير الشديد أنه كلما يضاف إليه بالنزح ماء جديد يغيره أيضا، فهو تغير مغير. الحالة الثالثة - حالة التغير الضعيف، بحيث لا يعطى صفته لما ينضم إليه من الماء، وفي هذه الحالة يشكل ذلك الماء المتغيرى طبقة أولى، ويشكل ما بتجدد نبعه من حين ابتداء الحالة الثانية طبقة ثانية غير متغيرة. والحالة الثالثة - حالة زوال التغير عن تلك الطبقة الاولى نهائيا، وهكذا نلاحظ ان الطبقة الاولى تتصف أولا بالحالة الاولى، وهي حالة التغير المغير، وكل ما ينبع بسب النزح في هذه الحالة يتغير ويلتحق بالطبقة الاولى بحكم فعاليتها وشدة تغيرها. ولكن في الوقف نفسه يضعف التغير في مجموع الطبقة الاولى، لان توصع الطبقة الاولى وانضمام المتجدد إليها يؤدي إلى انبساط التغير على كمية اكبر من الماء، فيخف بالتدريج إلى أن تنتقل الطبقة الاولى إلى الحالة الثانية التي يفقد فيها التغير قدرته على التأثير، فيتكون في أحشائها ماء غير متغير بالتدريج. ويصبح هذا الماء خلال فترة طبقة ثانية ممتزجة ومتفاعلة مع الطبقة الاولى، ويستمر التغير في التناقص

[ 299 ]

وزالضعف بسبب انبساط ولو بمراتب غير محسوسة على الطبقة الثانية، حتى تنتقل الطببة الاولى إلى الحالة الثالثة التي يزول فيها التغير رأسا، نتيجة لانبساطه بنحو لا يبقى له مظهر محسوس. وفي آن دخول الطبقة الاولى إلى الحالة الثالثة يحكم بطهارته. وفرض دخولها في هذه الحالة بالنحو الذي شرحنا مساوق لحصول الامتزاج بماء طاهر معتصم بالفعل قد حصل خلال مرور الطبقة الاولى بالحالة الثانية التي تكونت فيها طبقة جديدة من الماء غير المتغير، فتكون الطهارة حينئذ بعد الامتزاج، ويعود الاشكال على الاستدلال بالرواية. والتخلص عن هذه الدغدغة بنحو يصحح الجواب الرابع على الاشكال يتم: بدعوى أن هذه الفرضية ليست هي الفرضية الوحيدة التي تقع عادة خلال عملية النزح، بل كثيرا ما يتفق عدم وقوعها وتغير تمام الماء وتحوله دفعة واحدة من التغير إلى عدمه. وذلك كما لو فرضنا: أن ماء البئر قليل بحيث يوجب إنزال الدلو وأخذ الماء منه تموجه بالدرجة التي تختلط تمام أجزائه بعضها ببعض، ففي هذه الحالة سوف يكون التغير خلال عملية النزح مستوعبا دائما لتمام الماء، ويضعف بنسبة واحدة في تمام الماء حتى يزول، كما يمكن تحقيق ذلك بالعناية حتى في الماء الكثير، بأن نحرك الدلو في البئر على نحو نجعل التغير في مجموع مائه بدرجة واحدة دائما إلى أن يزول. فاطلاق المورد المعلل في الرواية لا ينحصر بفرض الامتزاج. بل يشمل فرض زوال التغير عن تمام الماء دفعة واحدة عرفا. والحكم بالطهارة في هذا الفرض معللا بالمادة يقتضي كفاية الاتصال بالمادة، وعدم الاحتياج إلى الامتزاج بما معتصم طاهر بالفعل. فان قيل: إن الجزء الاخير من علة زوال التغير لابد أن يكون هو الدفعة الاخيرة من الماء النقي التي تمتزج بالماء المتغير، لان زوال التغير

[ 300 ]

[ (مسألة - 14) إذا وقع النجس في الماء فلم يتغير ثم تغير بعد مدة، فان علم استناد هذا التغير إلى ذلك النجس تنجس وإلا فلا (1) (مسألة - 15) إذا وقعت الميتة خارج الماء ووقع جزء منها في الماء وتغير بسبب المجموع من الداخل والخارج ] لا يكون إلا بامتزاج دفعات متعاقبة من الماء النقي، والدفعة الاخيرة - بحكم كونها آخر دفعة مساهمة في إزالة التغيير - لا تتغير، خلافا للدفعات التي قبلها، وهكذا حصلنا على الامتزاج بماء غير متغير. قلنا: إن الامتزاج المدعى اعتباره في تطهير الماء المتنجس إنما هو الامتزاج بماء طاهر معتصم، ومن الواضح أن الدفعة الاخيرة التي تمتزج بالماء المتنجس تنقطع بالامتزاج عن خط الاتصال مع المادة، فلا تكون معتصمة بالفعل، فلا يتحقق امتزاج مع طاهر معتصم بالفعل. (1) ما افاده - قدس سره - هو الصحيح، وهو ينحل إلى أمرين: الاول: أن التغير إذا كان مستندا إلى ذلك النجس فهو يوجب تنجس الماء، ومجرد مرور الزمان ودخله في التأثير بدليل تأخر ظهور التغير عن أول أزمنة الملاقاة لا ينافي صدق اسناد التغير إلى النجاسة عرفا بل حقيقة، لان التغير في هذه الحالة مستند إلى نفس النجس على استناد كل أثر إلى مقتضيه التام، غاية الامر إن مرور الزمان كان له دخل في ترتب الاثر على مقتضيه، ومثل هذا لا يوجب سلخ عنوان المؤثرية التامة عن النجس كما هو واضح. الثاني: إنه إذا لم يعلم باستناد التغير إلى النجس يحكم بالطهارة الماء، وهذا سوف يأتي تحقيقه في شرح المسألة السادسة عشر لانه من صغرباتها.

[ 301 ]

[ تنجس، بخلاف ما إذا كان تمامها خارج الماء (1) ] (1) قد يستشكل في تفصيل الماتن - قدس سره - بين فرض التغير بالمجموع من الداخل والخارج، وفرض التغير بالخارج من أجل المجاورة المحضة، بأن يقال: روايات التغير إما أن يدعى انه أخذ في موضوع التغير فيها عنوان الملاقي واسند التغير إلى الملاقي، فيكون موضوع الحكم بالانفعال هو حصول الملاقي المغير. وإما أن يقال: بأن قيد الملاقاة لم يؤخذ، وأن تمام الموضوع هو المغير، سواء كان ملاقيا أم لا. فعلى الاول ينبغى الحكم بعدم الانفعال حتى في فرض حصول التغير بسبب المجموع من الداخل والخارج. لان الملاق بما هو ملاق ليس مغير، والمغير ليس بتمامه ملاقيا، فلم يتحقق عنوان الملاقي المغير. وعلى الثاني ينبغي الحكم بالانفعال حتى في فرض حصول التغير بالمجاورة محضا، لصدق طبيعي المغير عليه وعدم دخل الملاقاة بحسب الفرض، التفصيل بين الفرضين بلا موجب، ولكن يمكن توجيه التفصيل بأن يقال: إن المستفاد من أخبار التغيير اعتبار الملاقاة والتغيير معا في الحكم بالانفعال، ولكن لا على نحو طولي، بحيث يكون المعتبر تغيير النجس الملاقي بما هو ملاق، ليرجع إلى اشتراط استناد التغير إلى الملاقاة محضا، بل على نحو عرضي، بحيث يكون المعتبر في الانفعال أن يتصف نجس واحد بأنه ملاق وانه مغير، فتكون الملاقاة والتغيير وصفين عرضيين للشئ الذي حكم بأنه منجس. فعلى هذا يتجه التفصيل والحكم بعدم الانفعال عند التغير بالمجاورة محضا، لعدم وجود جزء الموضوع وهو الملاقاة، والحكم بالانفعال عند التغير بالمجموع من الداخل والخارج، لان كلا جزئي الموضوع محقق. فلابد من تحقيق أن الملاقاة والتغير هل لو حظا بنحو طولي أو بنحو عرضي؟

[ 302 ]

وفي هذا المجال يمكن أن يقال: إن جملة من روايات الباب التي تصدت إلى بيان عدم الانفعال بدون تغير وثبوته مع التغير لم يؤخذ في موضوعها عنوان الملاقاة، من قبيل رواية حريز " كلما غلب الماء على ريح الجيفة فتوضأ " فإذا تغير الماء وتغير الطعم فلا توضأ ". ومقتضى الجمود على إطلاق كل من نفي الانفعال في الجملة الاولى وإثبات الانفعال في الجملة الثانية، شموله للمجاور أيضا، ولكن لما كان عدم الانفعال بالمجاور من دون تغيير ليس مترقبا عرفا فينصرف موضوع نفي الانفعال في الجملة الاولى إلى ما كان له ملاقاة مع الماء، وبلحاظ ظهور الجملتين في وحدذة الموضوع يسقط اطلاق الحكم بالانفعال في الجملة الثانية لصورة المجاورة المحضة ويختص بفرض الملاقاة. وهذا يعنى دخل الملاقاة في الحكم بالانفعال الماء المتغير. وأما ان التغير لابد أن يكون مستندا إلى الملاقاة محضا، فهذا تقييد زائد لا قرينة عليه، ومجرد دخل الملاقاة يلائم مع ملاحظة الوصفين - الملاقاة والتغير - بنحو عرضي فيتم الاطلاق لمحل الكلام. هذا مضافا إلى امكان الاستدلال في المقام بالروايات التي فرضت فيها الملاقاة صريحا أيضا، من قبيل ما ورد السؤال فيها عن الماء الذي فيه الميتة، وجاء الجواب بالحكم بالانفعال مع تغير الماء. فان مقتضى إطلاق الجواب هو الحكم بالانفعال عند التغير، سواء كان التغير مستندا إلى ملاقاة الميتة محضا أو كانت الميتة طافية على الماء واستند التغير إلى جزئيها الاسفل والاعلى، بحيث تدخل الجزء غير الملاقي في إيجاد التغيير، ويتعدى من ذلك إلى كل حالة مماثلة، سواء صدق فيها عنوان أن الميتة في الماء أو لم يصدق. لان الارتكاز العرفي يرى أن دخل هذا العنوان في التنجيس إنما هو بلحاظ الملاقاة، فمع حفظ الملاقاة وحصول التغير يحكم بالانفعال.

[ 303 ]

[ (مسألة - 16) إذا شك في التغير وعدمه، أو في كونه للمجاورة أو بالملاقاة، أو كونه بالنجاسة أو بطاهر، لم يحكم بالنجاسة (1) ] نعم، هذا البيان لا يجري فيما إذا لم يكن الجزء الملاقي من الميتة العامل الاهم والاساسي في التغيير، لان العادة في الماء الذي تقع فيه الميتة ويتغير بها أن يكون دور الجزء المنغمس منهما في الماء أهم كثيرا من دور الجزء الاعلى في إيجاد التغيير، فلا يمكن التعدي إلى ميتة غير ملاقية للماء إلا بجزء يسير منها، بحيث كان للمجاورة دخل أساسي في ايجاد التغيير. (1) لا إشكال في أنه إذا شك في أي قيد من القيود الدخيلة في موضوع الحكم بالتنجيس لا يحكم بالنجاسة، إذ لاأقل من الرجوع إلى استصحاب الطهارة أو أصالة الطهارة، حيث أن مرجع ذلك إلى الشك في الطهارة، وهي مورد للقاعدة والاستصحاب معا. إلا أن يقع الكلام في كل فرض من فروض الشك المذكورة في المتن، في أنه هل هناك مرجع أعلى من أصالة الطهارة واستصحابها بحيث يكون مقدما على الاصلين المذكورين أولا: فنقول: إذا شك في التغير وعدمه، فالشك في التغير تارة يكون بنحو الشبهة المفهومية وأخرى بنحو الشبهة المصداقية، فان كان بنحو الشبهة المفهومية تعين الرجوع إلى مطلقات أدلة الاعتصام لو كانت، من قبيل " إذا بلغ الماء قدر كر لا ينجسه شئ " لان هذه المطلقات خرج منها بالمخصص المنفصل ما إذا حصل التغير فيه، وهذا المخصص المنفصل أمره دائر بين الاقل والاكثر مفهوما، وحينئذ ففي الزائد على القدر المتيقين من المخصص المنفصل يتمسك بالمطلقات، فيحكم بالاعتصام والطهارة. وان كان الشك في التغير بنحو الشبهة المصداقية جرى استصحاب عدم التغير بلا إشكال ويكون هذا الاستصحاب موضوعيا بالنسبة إلى استصحاب الطهارة وقاعدتها

[ 304 ]

وحاكما عليهما على المبنى المشهور. وإذا علم بالتغير وشك في كون التغير بالنجس أو بالطاهر، كما إذا وجدنا الماء متغيرا ولم ندر أن هذا التغير هل نشأ من الجيفة الطاهرة أو من الجيفة النجسة، فقد أجرى السيد الاشتاذ - دام ظله - استصحاب عدم تغير الماء المستندة إلى النجس، لان الحكم بانفعال الماء المعتصم مترتب على التغير المستند إلى النجس، فإذا شك في استناد التغير إلى النجس جرى استصحاب عدم وقوع التغير المستند إلى النجس في الماء. ولا يراد بهذا الاستصحاب أن ينفى استناد هذا التغير الخارجي المعلوم إلى النجس. لكي يكون منيا على إجراء الاستصحاب في الاعدام الازلية، حيث أن هذا التغير الخارجي لم يمر عليه زمان كان موجودا وليس مستندا إلى النجس. وإنما عدم استناده إلى النجس بعدم وجوده، بل المراد بالاستصحاب أن ينفى وقوع التغير المستند إلى النجس في هذا الماء. وهذا استصحاب صحيح حتى على مبنى من ينكر الاستصحاب في الاعدام الازلية، لان العدم المستصحب فيه عدم مع حفظ الموضوع، إذ يقال: إن الماء قد كان ولم يكن متغيرا بالنجس والآن كما كان. هذا ما أفاه السيد الاستاذ (1) والتحقيق في المقام أن التغير المستند إلى النجس - الذي رتب عليه انفعال الماء المعتصم في لسان الدليل - تارة يكون مأخوذا على نحو التقييد، وأخرى يكون مأخوذا على نحو التركيب ومعنى أخذه على نحو التقييد، أن يكون المأخوذ هو التغير المستند إلى النجس، بحيث يكون استناد التغير إلى الشئ بما هو نجس مأخوذا في موضوع الحكم، فالحكم مترتب على أمر واحد، وهو الحصة الخاصة من التغير التي


(1) التنقيح الجزء الاول ص 93.

[ 305 ]

تنحل إلى مقيد وتقيد، أي إلى تغير واستناد التغير إلى النجس. ومعنى أخذه على نحو التركيب أن يكون الحكم بالانفعال مترتبا على موضوع مركب من جزئين: أحدهما تغير الماء بشئ، والآخر أن يكون ذلك الشئ نجسا. والفرق بين هذا التركيب وذلك التقييد، أن نسبة التغير إلى الشئ بما هو نجس ليست مأخوذة في فرض التركيب وتكون مأخوذة في فرض التقييد، إذ في فرض التركيب لم يضف التغير إلى الشئ بما هو نجس، بل إلى الشي، وجعلت نجاسة الشئ جزءا آخر مأخوذا في موضوع الحكم في عرض التغير. والاثر العملي للوجهين - من التقييد والتركيب - يظهر في جريان الاصول العملية، فان الموضوع إذا كان مأخوذا على نحو التقييد بحيث ترتب الحكم بالانفعال على التغير الخاص المستند إلى النسج بما هو حصة خاصة من طبيعي التغير، صح اجراء الاستصحاب بالنحو الذي أجراه السيد الاستاذ في المقام، إذ يجري حينئذ استصحاب عدم تلك الحصة الخاصة. ولكن لازم ذلك من ناحية أخرى أننا لو علمنا بتغير الماء بشئ مسبوق بالنجاسة ونشك في بقائه على النجاسة حين تغير الماء به، كميتة الانسان التي يشك في أنها غسلت قبل أن بتغير الماء بها أولا، لم يجر استصحاب بقاء النجاسة أو استصحاب عدم تغسيل الميت، لاثبات انفعال الماء المعتصم، لان استصحاب بقاء النجاسة أو عدم تغسيل الميت، لا يمكن أن يثبت به استناد التغير إلى النجس ولو بضم الوجدان إلى التعبد، لان ما هو ثبات بالوجدان استناد التغير إلى ذات هذا الشئ، وما هو ثابت بالتعبد أن ذات هذا الشئ نجس. وأما إضافة التغير إلى الشئ بما هو نجس. فهي لازم عقلي لمجموع الامرين السابقين. وأما إذا كان الموضوع مأخوذا على وجه التركيب، بأن كان مركبا

[ 306 ]

من جزئين وهما: تغير الماء بشئ، وان يكون ذلك الشئ نجسا دون أن يؤخذ في الموضوع نسبة التغير إلى الشئ بما هو نجس. فاستصحاب نجاسة الميت الذي تغير الماء بسببه في الفرض الذي افترضنا يجري وينفع بضم التعبد إلى الوجدان في إحراز الموضوع، لان الجزء الاول من الموضوع - وهو التغير بشئ - وجداني، وكون الشئ نجسا ثابت بالاستصحاب، ولا نحتاج إلى اثبات شئ ثالث، فيترتب الحكم بالانفعال. ولا يكون الاستصحاب مثبتا، ولكن بناءا على فرضية التركيب لا يجري الاستصحاب الذي تمسك به السيد الاستاذ في المقام، وهو استصحاب عدم التغير المستند إلى النجس، أي استصحاب عدم المقيد بما هو مقيد، لان المقيد بما هو مقيد ليس هو موضوع الحكم الشرعي ليجري استصحابه، بل الموضوع مركب من جزئين، فلابد من ملاحظة كل جزء والنظر إلى تمامية اركان الاستصحاب فيه وعدم تماميتها، فالجزء الاول هو تغير الماء بشئ، وهذا مقطوع به وجدانا. فلا معنى لاستصبحا عدمه. والجزء الثاني أن يكون هذا الشئ نجسا، بحيث يكون إضافة النجاسة إلى الشئ في عرض إضافة التغير إليه، والمفروض أننا لا نشك في نجاسة شئ خارجا، بل نعلم أن هذا نجس وذاك طاهر، وإنما الشك في نسبة التغير إلى أي واحد منهما، فكل واحد من جزئي الموضوع المركب إذن لا مجال إلى أي واحد منهما، فكل واحد من جزئي الموضوع المركب إذن لا مجال لاجراء الاستصحاب فيه. وأما إجزاء الاستصحاب لنفي اجتماع الجزئين - أي نفي المقيد بما هو مقيد - فلا يمكن، لان عنوان الاجتماع المساوق للمقيد بما هو مقيد ليس دخيلا في موضوع الحكم الشرعي بالانفعال. وهذه نكتة سيالة في سائر الموضوعات المماثلة للاثار الشرعية، فالتغير بالنجس مثلا المأخوذ في موضوع الحكم بالانفعال، من قبيل الغسل بالماء المطلق الطاهر المأخوذ موضوعا للحكم بالطهارة، فيجري فيه نفس الكلام، إذ يمكن

[ 307 ]

أن يلحظ الغسل بالماء المطلق على نحو التركيب. فيرجع إلى جزئين: احدهما الغسل بشئ، والآخر أن يكون هذا الشئ ماءا مطلقا وطاهرا. ويترتب على ذلك أنه لو غسل بماء مشكوك الاطلاق أو الطهارة وحالته السابقة هي الاطلاق والطهارة جرى استصحابهما. ويتضح بذلك موضوع الحكم بطهارة الشئ المغسول، لان موضوع هذا الحكم مركب من الغسل بشئ وأن يكون ذلك الشئ ماءا مطلقا طاهرا، والاول وجداني، والثاني ثابت بالاستصحاب. فيترتب الحكم. ولا يجري في هذا الفرض استصحاب عدم وقوع الغسل المقيد، أي الغسل بالماء المطلق الطاهر. لان المقيد بما هو مقيد لم يؤخذ موضوعا للحكم الشرعي، وإنما أخذ المركب، وهو لا يشمل على التقيد ونسبة الغسل إلى الماء المطلق الطاهر بما هو مطلق طاهر. ويمكن أن يلحظ الغسل بالماء المطلق على نحو التقييد، بحيث يكون موضوع الحكم هو الحصة الخاصة من الغسل المشتملة على نسبة الغسل إلى الماء المطلق والطاهر بما هو مطلق وطاهر. ويترتب على ذلك أنه في فرض غسل الثوب بماء مسبقو بالاطلاق والطهارة يجري استصحاب عدم وقوع الحصة الخاصة من الغسل، أي عدم وقوع الغسل بالماء المطلق الطاهر، ولا يجدي استصحاب بقاء الاطلاق والطهارة، لانه لا يحرز تقيد الغسل بالماء المطلق الطاهر بما هو مطلق طاهر الذي هو دخيل في موضوع الحكم، بناءا على فرضية التقييد، لان هذا التقيد لازم عقلي لضم ما ثبت بالاستصحاب إلى ما هو ثابت بالوجدان، فان كون الغسل قد وقع بهذا المائع وجداني، وكون هذا المائع ماءا مطلقا ثابت بالاستصحاب، ولازم مجموع هذين الامرين وقوع الغسل بالماء المطلق. وبما حققنا ظهر أن ما أفاده السيد الاستاذ - دام ظله - من إجراء

[ 308 ]

استصحاب عدم التغير بالنجس في فرض العلم بأصل التغير والتردد في استناده إلى النجس أو الطاهر، إن كان معبنائه على كون التغير بالنجس مأخوذا بنحو التركيب في موضوع الحكم، فلا يمكن المساعدة على هذا الاستصحاب. لان المقيد بما هو مقيد - بناءا على هذا - لم يؤخذ موضوعا للحكم الشرعي لكي يجري استصحاب عدمه، وإن كان إجراء ذلك الاستصحاب - مع بنائه على كون التغير بالنجس مأخوذا بنحو التقييد في موضوع الحكم - فلا بأس بهذا الاستصحاب. ولكن يبقى السؤال حينئذ عن الفرق بين موضوعية التغير بالنجس للحكم بالانفعال، وموضوعية الغسل بالماء للحكم بالطهارة وامثاله؟ فان كان المدعى أن الغسل بالماء وأمثاله أيضا مأخوذة بنحو التقييد، فلازمه - كما عرفت - عدم إمكان الحكم بطهارة الثوب النجس المغسول بماء مستصحب الاطلاق أو الطهارة، لكون الاستصحاب حينئذ مثبتا كما شرحنا، مع أن بناء القوم على إجراء أمثال هذا الاستصحاب. وإن كان المدعى أن الغسل بالماء مأخوذ على نحو التركيب، فما هو الفرق بين عنواني التغير بالنجس والغسل بالماء؟ ولما ذا يحمل أحدهما على التقييد والآخر على التركيب؟ وعل يأساس ما ذكرناه تبين ميزان كلي، وهو أنه كلما كان شئ مأخوذا في موضوع الحكم، وقد لو حفظ اتصافه بوصفين في مقام ترتب الحكم عليه، وكان أحد الوصفين ثابتا له بالوجدان في ظرف الشك في بقاء الوصف الآخر فيه، والوصف الآخر ثابت له بالاستصحاب. فتارة يكون كل من الوصفين ملحوظا بما هو وصف لذلك الشئ دون أن يؤخذ في الموضوع أي نسبة بين نفس الوصفين، وأخرى يكون أحد الوصفين الثابت بالوجدان منسوبا إلى ذلك الشئ بما هو موصوف بالوصف بالآخر، بحيث يكون الشئ من قيبل الحد الاوسط لقيام نسبته بين نفس الوصفين

[ 309 ]

وأخذ هذه النسبة في موضوع الحكم. فان كان من قبيل الاول أفاد استصحاب أحد الوصفين وضمه إلى وجدانية الوصف الآخر في إحراز موضوع الحكم، وان كان من قبيل الثاني فالاستصحاب غير مجد لكونه مثبتا. ومن هذا القبيل أيضا إكرام العالم إذا وقع موضوعا أو متعلقا لحكم شرعي، وكان الشخص مشكوك العلم مع كونه عالما سابق. فاننا إذا فرضنا أن إكرام العالم قد أخذ بنحو التركيب المنحل إلى جزئين اكرام شخص وان يكون عالما - بحيث أن الاكرام والعلم لو حظا وصفين للشخص في مرتبة واحدة ولم تؤخذ أي نسبة بين نفس الوصفين - فيجري استصحاب العلم وينقح بضمه إلى وجدانية اكرام الشخص موضوع الحكم الشرعي، إذ يقال: هذا إكرام للشخص وجدانا، وهذا الشخص عالم استصحابا. ولا نريد اكثر من هذا. وإذا فرضنا أن إكرام العالم قد أخذ بنحو التقييد، بحيث لو حظ الاكرام منسوبا إلى الشخص العالم بما هو عالم، وأخذت هذه النسبة في موضوع الحكم الشرعي، فلا يجدى استصحاب العلم في الشخص لتنقيح الموضوع، لان المووضع هو إكرام العالم، وترتب أن هذا الاكرام إكرام للعالم على وجدانية أن هذا الاكرام إكرام لهذا الشخص وتعبدية ان هذا الشخص عالم ترتب عقلي. فإذا فرض إكرام الشخص المشكوك في ارتفاع علمه. فلا محالة يشك في تحقق اكرام العالم ويجري استصحاب عدمه. وقد ذكرنا في الاصول أن الظهور الاولي لاخذ عناوين من قيبل التغير بالشئ النجس، أو الغسل بالماء المطلق الطاهر، أو إكرام الانسان العالم، هو أخذها بنحو التقييد، أي بأن يكون التغير أو الغسل أو الاكرام منسوبا إلى الشئ أو الماء أو الانسان بما هو نجس أو مطلق طاهر أو عالم. فان هذه العناوين مشتملة على نسبتين وتقيدين: أحدهما تقيد الشئ بالنجس

[ 310 ]

والماء بالمطلق الطاهر والانسان بالعلم، والآخر تقيد التغير بالشئ والغسل بالماء والاكرام بالانسان. ولا شك أن التركيب اللفظي يقتضي كون هذين التقيدين طوليين، بمعنى أن طرف التقييد بالتغير هو الشئ النجس، وطرف التقيد بالغسل هو الماء المطلق، وطرف التقيد، بالاكرام هو الانسان العالم. ولو أخذها بهذا الظهور الاولى لانسد باب إجراء الاستصحاب، لاحراز النجاسة أو الاطلاق أو العلم. ولكن بينا في الاصوف قيام قرينة نوعية ارتكازية على تحويل المقيد إلى مركب وكون العنوان ملحوظا على نحو التركيب، بحيث ينحل قولنا التغير بالنجس إلى التغير بشئ وأن يكون الشئ نجسا. وبذلك ينفتح باب اجراء الاستصحاب في جزء الموضوع، وينغلق اجراء الاستصحاب في عدم المقيد بما هو مقيد، فلا يكون استصحاب عدم التغير بالنجس جاريا في محل الكلام. وبنفس بالنكات التي أوضحنا على أساسها عدم جريان هذا الاستصحاب تنحل عدة مشاكل في الاصول، من قبيل توهم المعارضة بين الاستصحاب في مجهول التاريخ والاستصحاب في معلوم التاريخ، وتفصيل ذلك موكول إلى محله. وإذا لم يجر استصحاب عدم التغير بالنجس جرت الاستصحابات والاصول الحكمية. وهناك فرض ثالث للشك تعرض له الماتن، وهو أن يشك في استناد التغير إلى الملاقاة أو إلى المجاورة بعد العلم بأصل التغير. وهذا الشك على نحوين: أحدهما أن يكون أصل الملاقاة النجس للماء مشكوكا ولكن مغيريته للماء معلومة، والآخر أن تكون ملاقاة النجس للماء معلومة ولكن مغيريته مشكوكة، إذ لا ندري أن التغير الواقع في الماء هل هو مستند إلى ذلك النجس الملاقي أو إلى نجس آخر مجاور.

[ 311 ]

[ (مسألة - 17) إذا وقع في الماء دم وشئ طاهر أحمر فاحمر بالمجموع لم يحكم بنجاسته (1). ] أما في النحو الاول فلا إشكال في جريان استصحاب عدم الملاقاة، لان موضوع الحكم بالانفعال ركب من: التغير بشئ، وأن يكون ذلك الشئ نجسا، وأن يكون ملاقيا للماء. فإذا علم بتغير الماء بشئ نجس وشك في ملاقاته له، يجري استصحاب عدم الملاقاة، فيحكم بطهارة الماء. وأما في النحو الثاني فيجري استصحاب عدم التغير، بتقريب: أن الحكم بالانفعال مترتب - بناءا على التركيب - على أن يكون هناك شئ يتصف بأنه مغير للماء وبأنه نجس وبأنه ملاق له، بحيث تكون الاوصاف الثلاثة منسوبة إلى الشئ في عرض وادح. وفي النحو المفروض من الشك عندنا شيئان: أحدهما يعلم بكونه ملاقيا للماء وبكونه نجسا ولكن لا يعلم بكونه مغيرا، والثاني يعلم بكونه نجسا ويعلم بأنه ليس ملاقيا ويشك في كونه مغيرا، والشك في مغيرية الثاني لا أثر له للعلم بعدم كونه منجسا مادام غير ملاق للماء، وإنما منشأ احتمال نجاسة الماء هو الشك في مغيرية الشئ الاول، فنستصحب عدم مغيريته. (1) الدم الملقى: إما أن يكون في نفسه صالحا للاستقلال بالتغيير وإما أن لا يكون كذلك. ففي الفرض الاول ينحصر توهم عدم الانفعال في دعوى أنه بعد اجتماعه بالاحمر الطاهر أصبح المجموع علة بالفعل للتغيير، فلم يستند التغيير بالفعل إلى النجس بصورة مستقلة، فلا تشمله أخبار الباب. وجميع ما تقدم من الوجوه الحلية لا ثبات كفياة التغير التقديري في ماء مصبوغ بالاحمر إذا ألقى فيه الدم الصالح للتغيير في نفسه يجرى في المقام لدفع هذا التوهم. فأي وجه منها تم هناك يثبت به الانفعال هنا، بل قد

[ 312 ]

[ (مسألة - 18) الماء المتغير إذا زال تغيره بنفسه من غير اتصاله بالكر أو الجاري لم يطهر (1) نعم الجاري والنابع إذا زال تغيره بنفسه طهر بالماء، وكذا البعض من الحوض إذا كان الباقي بقدر الكر كما مر. ] لا تتم بعض الوجوه هناك ولكنها تتم هنا، من قبيل دعوى أن الاستقلالية في التأثير للنجس المفروضة في أخبار التغيير إنما هي لتصحيح اسناد الاثر إلى النجس عرفا، وهذا الاسناد العرفي تكفي فيه الاستقلالية الطبعية، ولا يتوقف على الاستقلالية الفعلية التي تزول عند اجتماع سببين، فان هذه الدعوى تكفي في المقام لاثبات الانفعال، ولم تكن تكف هناك لاثبات ذلك الا بضمائم لم يعترف بها. وأما في الفرض الثاني فلا شك في عدم شمول روايات الباب له، لظهور اسناد التغيير إلى النجس في استقلاليته - ولو طبعا - في مقام التأثير وما قد يقرب به الحكم بالانفعال في هذا الفرض هو أن يقال: إن تغير الماء بلون الدم معناه أن ترى حمرة الدم في الماء، وليس معناه انتقال الحمرة إلى نفس الماء، وفي المقام ترى حمرة الدم في الماء، لان الحمرة المرئية هي حمرة المجموع المركب من الدم والشئ الطاهر، فحمرة الدم مرئية ضمنا وإن كان الناظر لا يميزها عن حمرة الجزء الآخر. ويندفع هذا القول بأنا لو سلمنا أن تغير الماء بالدم معناه عرفا رؤية حمرة الدم فيه، فلابد أن يكون التغير بهذا المعنى مستندا إلى النجس، بنحو يكون الدم هو السبب في حفظ حمرته في الماء المساوق لرؤيتنا لها. وأما إذا لم يكن الدم قادرا على ذلك - كما هو المفروض - فلا يستند حفظ حمرة الدم إلى الدم نفسه، بل إلى المجموع المركب من الدم والشئ الطاهر. (1) بعد الفراغ في البحوث السابقة عن طهارة الماء المتغير إذا زال

[ 313 ]

عنه التغير واتصل بالمعتصم، يقع الكلام الآن في كفاية مجرد زوال التغير في حصول الطهارة للماء الذي كانت نجاسته بسبب التغير. والكلام في ذلك يقع في مرحلتين: " الاولى " - على مستوى الاصول العملية، وفي هذه المرحلة تمسك المشهور باستصحاب النجاسة. بعد فرض أن التغير ليس من الحيثيات التقييدية المعددة للموضوع عرفا، وتمسك السيد الاستاذ بأصالة الطهارة بناءا منه على عدم جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية، وحيث أن الشك في النجاسة في المقام شبهة حكمية فلا يجري فيها استصحاب النجاسة. والتحقيق: أنا إذا بنينا على جريان الاستصحاب في الشبهة الحكمية تعين إجراء الاستصحاب، والا أشكل الرجوع إلى أصالة الطهارة أيضا، لان الرجوع إليها يتوقف على أمرين: الاول البناء على شمول دليل القاعدة للشبهة الحكمية، وهذا سوف يأتي الكلام فيه عند الحديث عن أصالة الطهارة تفصيلا. الثاني كون الغاية في قوله: " حتى تعلم انه قذر " كلمة " قذر " بالمعنى الوصفي لا بمعنى الفعل. إذا لو انكرنا الامر الاول فمن الواضح عدم جواز التمسك بأصالة الطهارة في المقام، لان الشبهة حكمية. كما أنا لو انكرنا الثاني وافترضنا أن " قذر " بمعنى الفعل، فيكون مفاد القاعدة أن كل شئ نظيف حتى تعلم بأنه تقذر، فلا يشمل موارد الشك في بقاء القذارة، لان العلم بأنه تقذر موجود فيها، ويكفي في المقام إجمال الغاية وترددها بين الوجهين، لعدم إمكان التمسك باطلاق دليل القاعدة. ومن هنا قلنا سابقا: إن عدم شمول دليل القاعدة لموارد استصحاب النجاسة ليس من أجل حكومة دليل الاستصحاب عليه، بل لقصوره في نفسه بسبب ذلك الاجمال. وبعد فرض عدم جريان الاستصحاب وعدم

[ 314 ]

جريان أصالة الطهارة من اجل ذلك الاجمال يرجع إلى أصالة البراءة عن حرمة الشرب، وأصالة الطهارة في الملاقي، وأصالة الاشتغال فيما أخذت فيه طهارة الماء شرطا للشك في وجود الشرط خارجا، وأصالة البراءة عن المانعية فيما إذا جعل الماء المتنجس مانعا للشك في مانعية هذا الماء الذي زال عنه التغير، ونحو ذلك من الاصول المؤمنة أو المنجزة. " الثانية " - على مستوى الادلة الاجتهادية، وفي هذه المرحلة قد يتمسك لاثبات النجاسة باطلاق روايات التغير، بدعوى أن الحكم بالنجاسة فيها شامل - بمقتضى الاطلاق - لما بعد زوال التغير، لان عنوان التغير لم يؤخذ قيدا في الموضوع، كما لو قيل " الماء المتغير نجس " لئلا يكون للدليل إطلاق لما بعد زوال التغير، بل أخذ شرطا للحكم فقيل " إذا تغير الماء وتغير الطعم فلا تشرب "، فيكون الحكم في الجزاء منوطا بحدوث الشرط، ومطلقا من ناحية بقائه أو ارتفاعه، فيثبت المطلوب بالاطلاق. والمناقشة في التمسك بهذا الاطلاق يمكن تقريبها بأحد وجهين: الاول: إن القيود المأخوذة على نهج الشرط في القضية الشرطية - كالتغير في روايات الباب - يختلف حالها، فان المستظهر من بعضها أن القيد مأخوذ قيدا بحدوثه وبقائه، بحيث يكون بقاء الحكم في طرف الجزاء منوطا ببقائه، والمستظهر من بعضها الآخر أن القيد مأخوذ بحدوثه، بحيث لا يضر ارتفاعه في بقاء الحكم المجعول في طرف الجزاء على حاله، وذلك لان مقتضى الدلالة اللفظية الاولية للقضية الشرطية هو كفاية حدوث الشرط في تحقيق الجزاء، ومقتضى إطلاق الحكم في طرف الجزاء حينئذ عدم إناطة بقائه ببقاء الشرط، غير أن مناسبات الحكم والموضوع الارتكازية في ذهن العرف قد تصبح أحيانا قرينة على أن القيد أخذ بحدوثه وبقائه قيدا للحكم، بحيث ينعقد للكلام ظهور في ذلك بضم هذه المناسبات الارتكازية التي تشكل القرينة

[ 315 ]

اللبية. وقد لا تكون أحيانا بتلك المثابة ولكنها توجب اجمال الكلام وعدم انعقاد الاطلاق في طرف الجزاء لحالة ارتفاع الشرط بسبب اقترانه بتلك القرينة اللبية التي يعامل معها معاملة القرائن المتصلة. ففي قولنا " إذا اصبح شخص عالما فأكرمه " نستفيد منه نفس ما نستفيده من قولنا " أكرم العالم "، رغم أن العلم مأخوذ قيدا للموضوع في الثاني وشرطا لثبوت الحكم على موضوعه في الاول. لان مناسبات الحكم والموضوع الارتكازية تقتضي أن تكون فعلية العلم مناطا للحكم لا مجرد حدوثه، فينعقد للكلام ظهور في نفس ما كان القول الثاني دالا عليه بحيث لا يبقى للجزاء اطلاق لفرض ارتفاع الشرط. وقد ينعكس المطلب فيكون القيد مأخوذا في موضوع الحكم في لسان الدليل، ولكن مناسبات الحكم والموضوع تقتضي أخذه بوجوده الحدوثي مناطا للحكم. فينعقد لدليل بضم هذه القرينة اللبية ظهور في ثبوت الحكم واستمرراه حتى بعد ارتفاع القيد. كما إذا ورد " أكرم الشخص المكرم لك " فان القيد هنا اخذ في الموضوع، ومقتضى الجمود على الدلالة اللفظية الاولية للدليل أن وجوب إكرام الشخص منوط بكونه مكرما بالفعل، فلا يبقى بعد انتهاء الاكرام من الشخص الآخر، ولكن مناسبات الحكم والموضوع وارتكازية مجازاة الاحسان بالاحسان عرفا تكون كالقرينة المتصلة على كون المكرمية بوجودها الحدوثي قد أخذت قيدا للحكم، بحيث ينعقد للخطاب ظهور في اطلاق وجوب الاكرام لما بعد انتهاء فعلية الاكرام من الشخص الآخر. وهكذا يكون للمناسبات الارتكازية العرفية دور في تحديد كيفية دخل القيد بنحو يحكم على ما هو مقتضى الطبع الاولى للكلام. والشئ نفسه ينطبق على باب الطهارة والنجاسة، فحين يقال " المائع

[ 316 ]

إذا كان بولا فهو نجس " لا تسمح مناسبات الحكم والموضوع بالتمسك باطلاق الحكم في طرف الجزاء لما إذا خرج المائع عن كونه بولا، لان البولية بحسب ما هو المركوز من تلك المناسبات تناسب أن تكون مناطا للنجاسة الذاتية حدوثا وبقاءا. وحين يقال " ملاقي البول نجس " لا تسمح مناسبات الحكم والموضوع بدعوى عدم وجود إطلاق في هذا الخطاب لاثبات النجاسة بعد ارتفاع الملاقاة، بل ان ارتكازية كون الملاقاة حيثية تعليلية لا تقييدية حدوثا وبقاءا، تكون بنفسها قرينة على انعقاد ظهور لقولنا " ملاقي البول نجس " في نفس ما يكون مستفادا من قولنا " إذا لاقى الشئ البول فهو نجس "، فكما أن الثاني يقتضي باطلاقه بقاء النجاسة بعد ارتفاع الملاقاة بالفعل كذلك الاول. وعليه فيمكن للقائل بطهارة الماء المتغير بزوال التغير أن يقول: إن التغير - وإن كان مأخوذا شرطا في لسان الدليل لا عنوانا للموضوع - ولكن هذا لا يكفي للتمسك باطلاق الدليل لاثبات بقاء النجاسة بعد زوال التغير، بل لابد من ملاحظة مناسبات الحكم والموضوع العرفية، فقد تقتضي إعطاء الدليل نفس الظهور الذي ينشأ من جعل التغير عنوانا للموضوع. بحيث يرجع قولنا " إذا تغير الماء فهو نجس " إلى قولنا " الماء المتغير نجس ". فلا يكون له إطلاق يقتضي إثبات النجاسة بعد زوال التغير. ومع فرض منع الاطلاق في أخبار النجاسة، فلابد للقائل بالطهارة أن يرجع إما إلى أصالة الطهارة لو قال بها، أو إلى دليل اجتهادي، مثل قوله " إذا بلغ الماء كرا لم يحمل خبثا " بدعوى: أن المنفى فيه جامع الحمل المنطبق على الحمل في زمان فعلية التغير والحمل بعد انتهاء التغير، وخرج منه بلحاظ أخبار النجاسة بالتغير زمان فعلية التغير، وأما زمان ما بعد زوال التغير فهو باق تحته، فيتمسك به لاثبات الطهارة والاعتصام.

[ 317 ]

وبما ذكرناه ظهر أن خبر " إذا بلغ الماء كرا لم يحمل خبثا " لا يكفي بمفرده للاستدلال به على القول بالطهارة ولو صح سندا وتم دلالة، بل لابد أن يضم إليه قصور أخبار التغيير عن الاطلاق، وإلا كان اطلاقها مقدما، لكونها أخص مطلقا من الخبر المذكور. الثاني: من التقريبين للمناقشة في التمسك باطلاق، دعوى وجود المقيد، وهو قوله " حتى يطيب الطعم " في رواية ابن بزيع. وهذه الدعوى تتوقف على مجموع أمرين: أحدهما - أن تكون " حتى " تعليلية لا غائية وهذا يعني أن مفاد العبارة هو تعليل الامر بالنزح بزوال التغير، ومقتضى قانون التعليل أن يكون الحكم المعلل - وهو الحكم بالمطهرية الذي سيق الامر بالنزح إرشادا إليه - دائرا مدار العلة وهي زوال التغير، فيثبت أن زوال التغير مطهر. والامر الآخر: أن لا يكون قوله " لانه له مادة " تعليلا لمطهرية زوال التغير المستفاد من التعليل الاول، والا لكان يعني اشتمال الخبر على تعليلين طوليين: تعليل مطهرية النزح بزوال التغير. وتعليل مطهرية زوال التغير بالمادة. ومقتضى التعليل الثاني إناطة الطهارة بالاتصال بالمادة لا بمجرد زوال التغير. وكلا الامرين غير ثابت: أما الاول فلان حمل " حتى " على التعليلية لا يساعد عليه الظهور الاولي لهذه الكلمة، ولا قرينة عليه. وأما الثاني فلما سيأتي من كون التعليل بالمادة راجعا إلى الحكم بالمطهرية، وبناءا عليه تكون رواية ابن بزيع بنفسها دالة على عدم حصول الطهارة بمجرد زوال التغير، إذا لو كان زوال التغير بمجرده مطهرا لما كان هناك معنى لتعليل ذلك بالمادة، فتعليل المطهرية بالمادة - سواء فرضت " حتى " تعليلية أو غائية - يدل عرفا على أن المادة هي المناط في المطهرية لا زوال التغير كفيهما اتفق، وبهذا يثبت بقاء النجاسة في الماء المتغير

[ 318 ]

بعد زوال التغير ما لم يتصل بالمعتصم. وقد يقال: إننا إذا سلمنا أن " حتى " تعليلية ثم الاستدلال بالرواية على أن زوال التغير مطهر، ولا يضر بذلك التعليل الآخر المستفاد من قوله " لانه له مادة " لان هذا التعليل - وإن كان يقتضي دخل المادة في الحكم بطهارة ماء البئر - ولكن هذا الدخل ثابت على كل حال، سواء قلنا بمطهرية زوال التغير من نفسه أو لم نقل، فلا يكون الدخل المذكور نافيا لمطهرية زوال التغير. وذلك لاننا إذا لم نقل بمطهرية زوال التغير فالمادة دخيلة في الحكم بطهارة ماء البئر، لانه إنما يطهر بعد زوال تغيره بسبب الاتصال بالمادة. وإذا قلنا بمطهرية زوال التغير فمن المعلوم أن زوال التغير إنما يكون مطهرا في الماء المعتصم حسب طبعه وشأنه، ولهذا لا يقال عادة بطهارة الماء القليل إذا زال عنه التغير. فمطهرية زوال التغير فرع أن يكون الماء معتصما بحسب طبعه، أي فرع كونه كثيرا أو ذا مادة. فصع على هذا الاساس تعليل مطهرية زوال التغير بالمادة على القول بكفاية زوال التغير في التطهير، لان كفاية ذلك إما هي في الماء المعتصم بطبعه، وحيث أن الاعتصام الطبيعي لماء البئر إنما هو بالمادة اتجه تعليل مطهرية زوال التغير بالمادة، ومرد الكلام حينئذ إلى أن زوال التغير كاف في تطهير ماء البئر، لانه معتصم بطبعه بسبب المادة، وكل ماء معتصم بطبعه يكفي في ارتفاع النجاسة عنه زوال التغيير. والتحقيق على ضوء ما بيناه: أن التعليل بالمادة - وإن كان قابلا للتفسير بنحو ينسجم مع القول بكفاية زوال التغير في التطهير - ولكن حيث أنه محتمل للوجهين فيكون موجبا لاجمال الرواية، وعطم انعقاد ظهور لكلمة " حتى " التعليلية في مطهرية زوال التغير بمجرده، لان هذا الظهور مقترن بالتعليل بالمادة الذي يوجب على الاقل إجماله.

[ 319 ]

كل هذا لو سلمنا أن كلمة " حتى " تعليلية، وأما بناءا على استظهار كونها غائية - كما هو الصحيح - فلا يبقى لها ظهور في نفسه لاثبات أن زوال التغير بمجرده مطهر للماء لكي نحتاج في هدم هذا الظهور إلى الاستعانة بذيل الرواية المتكفل للتعليل بالمادة، بل يكون الامر بالنزح المستمر إلى زوال التغير بنفسه دالا على انحصار المطهر بذلك، وعدم كفاية زوال التغير بمجرده. وبهذا نعرف أننا لو شككنا في إطلاق سائر روايات التغيير لاثبات النجاسة لما بعد زوال التغير بالتقريب الاول للمناقشة الذي تقدم سابقا، فبامكاننا إثبات النجاسة لما بعد زوال التغير بنفس ظهور الامر بالنزح المستمر إلى زوال التغير والمعلل بالمادة في انحصار المطهر بذلك. فالصحيح اذن هو البناء على عدم كفاية زوال التغير بمجرده للحكم بالطهارة.

[ 321 ]

الماء الجارى (اعتصام الماء الجاري. الملاك في الاعتصام هو المادة. صور الشك في المادة. تفريعات وتطبيقات)

[ 323 ]

[ الماء الجاري وهو النابع السائل على وجه الارض فوقها أو تحتها كالقنوات (1) لا ينجس بملاقاة النجس ما لم يتغير، سواء كان كرا أو أقل (2). ] (1) قد وقع الكلام بينهم في تحقيق معنى الماء الجاري، فاعتبر المشهور في مدلوله النبع من المادة والسيلان، واكتفى بعضهم بالاول، وبعضهم بالثاني. ويمكن أن يعترض على المشهور بأن الجريان - الذي هو المبدأ الاشتقاقي للجاري - إن أخذ بنحو الفعلية فلا بأس باعتبار السيلان، ولكن لا موجب لاعتبار النبع. وإن أخذ بنحو الشأنية فالامر على العكس. فاعتبار الامرين معا بلا موجب. إلا أن هذا إنما يتجه إذا لم يكن المشهور يدعى حمل الجريان على الفعلية، واستفادة النبع من مجموع جملة " الماء الجاري " باعتبار معهودية انقسام الماء إلى الراكد والجارى. والتحقيق: أن الكلام عن مدلول الماء الجارى إن كان بدافع تشخيص المعنى الظاهر من العبارة في نفسها فلا أثر لذلك كما هو واضح، وإن كان بدافع تشخيص موضوع الحكم بالاعتصام وغيره من الاحكام التي لا إشكال في ثبوتها للماء الجارى في الجملة، فلابد - تحقيقا لذلك - من ملاحظة ما هو العنوان المأخوذ في موضوع كل دليل من أدلة تلك الاحكام، وتشخيص ما هو المفهوم منه عرفا بضم سائر الخصوصيات الدخيلة في تشخيصه بما فيها مناسبات الحكم والموضوع. فقد يكون المتحصل منه عرفا في دليل حكم غير المتحصل منه عرفا في دليل حكم آخر، لاختلاف المناسبات العرفية الارتكازية لكل من الحكمين. (2) لا إشكال في اعتصام الجارى البالغ كرا، لان الكربة بنفسها

[ 324 ]

ملاك للاعتصام حتى في الراكد، وإنما الكلام في اعتصام القليل الجارى. وقد ذهب المشهور إلى ذلك، ونسب إلى العلامة والشهيد الثاني - قدس سرهما - القول باشتراط الكرية في الاعتصام. والبحث في ذلك يقع في مقامين: أحدهما فيما استدل به على اعتصام الماء الجارى، إذ يبحث عن أصل دلالته على الاعتصام وشموله للقليل. والآخر في النسبة بين أدلة الاعتصام بعد فرض شمولها للقليل من الجاري وأدلة انفعال الماء القليل بالملاقاة. " أما المقام الاول " - فقد يستدل على اعتصام الماء الجاري بعدد من الروايات: منها: الروايات الدالة على نفي البأس ببول الرجل في الماء الجارى (1) وقد جعلها المحقق الهمداني - قدس سره - مؤيدة للقول بالاعتصام (2)، وإن نقل عنه أنه ادعى صراحتها في ذلك. ومن الواضح أن هذه الروايات: إن كان السؤال فيها عن حكم البول في الماء الجاري. فهو ظاهر في استعلام الحكم التكليفي للبول في الماء الجاري بما هو فعل للمكلف، ولا يكون للرواية نظر حينئذ إلى الاعتصام وإن كان السؤال فيها عن حكم الماء الذي يبال فيه، فهو استعلام لحال الماء بعد وقوع البول فيه، ويدل عندئذ نفي البأس في الجواب على طهارته واعتصامه. والطبع الاولي لمثل قوله " سألته عن البول في الماء الجاري " هو السؤال عن حكم البول في الماء الجاري بما هو فعل للمكلف، فيكون سؤالا عن الحكم التكليفي. وغاية ما يمكن أن يدعى في مقابل ذلك: أن السائل باعتبار عرفيته


(1) وسائل الشيعة باب 5 من ابواب الماء المطلق. (2) مصباح الفقيه كتاب الطهارة ص 7.

[ 325 ]

يكون لكلامه ظهور في النظر إلى حيثية محتملة احتمالا عرفيا، فإذا دار نظره في السؤال بين حيثيتين يكون الاحتمال في إحداهما أقرب إلى الذهن العرفي بما هو ذهن عرفي من الاخرى. انصرف سؤاله إلى تلك الحيثية. ومن الواضح أن كبرى نجاسة البول وانفعال الشئ بملاقاة النجاسة ومركوزة في الذهن العام، ومانعية جريان الماء عن منجسية البول أمر محتمل احتمالا عرفيا، فإذا حملنا السؤال على الاستفهام عن حكم البول في الماء الجاري من يحث المنجسية له كان معناه النظر إلى حيثية محتملة احتمالا عرفيا، وهي كون الجريان مانعا عن الانفعال. وأما إذا حمل السؤال عن الاستفهام عن الحكم التكليفي للبول في الماء الجاري. فهو يعني أنه يحتمل كون جريان الماء موجبا لحزازة البول فيه، أو مانعا عن الحزازة الثابتة للبول في مطلق الماء. وهذا الاحتمال ليس للذهن العرفي انس به على حد أنسه باحتمال الاعتصام والانفعال، فينصرف السؤال إلى الجهة الاكثر انسجاما مع عرفية الشك. إلا أن هذا البيان قد يخدش بأن كثرة الروايات المتعرضة للحكم التكليفي للبول في الماء وحزازته النفسية - وإن كان أكثرها ضعيف السند - توجب قوة احتمال كون هذه الحزازة مركوزة إجمالا في الذهن المتشرعي وقتئذ، وكون مانعية الجريان عن هذه الحزازة على حد مانعيته عن الانفعال من حيث الاحتمال في الذهن العام. هذا مضافا إلى أن بعض روايات الباب جعلت فيه كراهة البول في الماء الراكد في مقابل نفي البأس عن البول في الماء الجاري، وهذا يؤكد ظهوره في الحكم التكليفي بقرينة كلمة " الكراهة ". وهناك رواية من روايات البول في الماء الجاري، ميزها المحقق الهمداني

[ 326 ]

- قدس سره - وهي رواية سماعة (!) التي وقع فيها السؤال عن الماء الجاري يبال فيه، إذ قد يستظهر منها بالخصوص أن السؤال عن حكم الماء الجاري من حيث الاعتصام لاحكم البول في الماء الجاري تكليفا. وذلك لان مدخول السؤال فيها هو الماء الجاري يبال فيه، بنحو تكون جملة " يبال فيه " من قيود الماء الجاري. وهذا يعني أن المسؤول عنه بحسب ظاهر القضية هو الماء الجاري المتصف بأنه يبال فيه. ومن الواضح أن الحكم المترقب للماء الجاري المفروغ عن اتصافه بوقوع البول فيه إنما هو الانفعال وعدمه. ويتوقف حمل السؤال على حكم البول في الماء الجاري إما على التفكيك بين كلمة " الماء الجاري " والجملة الفعلية " يبال فيه " بتقدير اداة الاستفهام بينهما، وإما على أن السؤال ليس عن حكم المدخول بما هو، أي الماء الجاري المتصف بوقوع البول فيه، بل عن حكم قيده ووصفه، وهو البول فيه، وكلاهما خلاف الظاهر. وقد يقال: إن السؤال والاستفهام لابد أن يتعلق بجملة تامة، لان السؤال دائما إنما هو سؤال عن ثبوت شئ لشئ، وهذا إنما يكون إذا لوحظت بين الشيئين نسبة تامة. وأما حيث يلاحظ أحد الشيئين وصفا للآخر بنحو النسبة الناقصة، فليس هناك إلا شئ واحد وهو المقيد. ولابد لتصحيح السؤال والاستفهام عنه من ملاحظة شئ آخر واستحضار نسبة تامة بينهما ليكون السؤال متجها نحو ذلك فعلى هذا الاساس إذا لاحظنا رواية سماعة نجد أن جملة " يبال فيه " جملة فعلية وتامة بطبعها، فان قدرنا دخول أداة الاستفهام عليها تم المطلب وتحصل معنى معقول للسؤال والاستفهام، فكأنه قال: سألته عن الماء الجاري هل يبال فيه؟ وإن جعلنا


(1) وسائل الشيعة باب 5 من ابواب الماء المطلق حديث - 4 -

[ 327 ]

هذه الجملة بمثابة القيد للما الجاري خرجت بذلك عن التمامية وحصلنا على جملة ناقصة مركبة من المقيد والقيد، وهي جملة الماء الجاري المبال فيه، وحينئذ يتوقف تعقل السؤال على تقدير شئ آخر وملاحظة نسبة تامة بين المقيد وذلك الشئ الآخر، إذ لا معنى للسؤال عن المقيد بما هو. وهذا يعني أن التقدير لازم على كل حال، وأن جملة " سألته عن الماء الجاري يبال فيه " لابد أن ترجع إما إلى قولنا " سألته عن الماء الجاري هل يبال فيه " وإما إلى قولنا " سألته عن الماء الجاري المبال فيه هل هو طاهر ". فلا يبقى في الرواية ظهور في النظر إلى حكم الماء الجاري من حيث الاعتصام وتكون مجملة. ثم لو سلمنا الاجمال في سؤال سماعة وعدم تبين جهة السؤال، فهل يسري هذا الاجمال إلى جواب الامام أولا؟ وهذا بحث كلي يسري في نظائر المقام في الفقه، ولابد من تحقيقه فنقول: إن إجمال السؤال بالنسبة إلينا يكون بأحد نحوين: الاول: أن نحتمل أن يكون للسؤال ظهور عرفي في معنى معين، ولكنا نحن لم نستطع أن نحرز ذلك الظهور ونعينه. الثاني: أن نجزم بأن السؤال ليس له ظهور عرفي في أحد المعنيين، بل هو مجمل لدى الانسان العرفي. ففي النحو الاول لا إشكال في سراية الاجمال من السؤال إلى الجواب، لاحتمال أن يكون المجيب قد شخص بالظهور العرفي المعنى المقصود للسائل فأجاب عليه. وحيث أنه مجهول لدينا فيكون الجواب مجملا، وأما في النحو الثاني فقد يقال: مادام السؤال مجملا عرفا فالمجيب بما هو انسان عرفي - لا بما هو علام الغيوب - يكون السؤال مجملا بالنسبة إليه أيضا، فلا يعرف ان السائل هل يسأل عن حكم الماء المبال فيه مثلا أو عن حكم

[ 328 ]

البول في الماء. وفي هذه الحالة إذا أجاب بنفي البأس أمكن التمسك بالاطلاق الناشئ من ترك الاستفصال لاثبات أن كلا منهما لا بأس به إذ لو كان الماء المبال فيه موردا للبأس وكان التبول في الماء موردا لنفي الباس لما صح الجواب بنفي البأس بدون تفصيل مادام السؤال مجملا لدى المجيب، وما دام المجيب بما هو انسان عرفي يحتمل أن السائل يسأل عن حكم المبال فيه، وبهذا تتحقق ضابطة كلية لسريان الاجمال من السؤال إلى الجواب إثباتا ونفيا. ولكن قد يقال: إن السؤال في النحو الثاني - وإن كان مجملا عرفا - ولكن المجيب من المحتمل أن يكون قد استطاع التعرف على غرض السائل رغم إجمال السؤال فأجاب بلحاظ، فيكون الجواب مجملا أيضا. فان قيل: إن تعرف المجيب على غرض السائل ومورد سؤاله: إما ان يكون عن طريق الظهور العرفي لصيغة السؤال التي نقلها الراوي الينا، وإما أن يكون عن طريق العلم الغيبي، وإما أن يكون عن طريق قرائن مكتنفة لم تنقل إلينا في الرواية. والكل منفي: أما الاول فلان المفروض عدم الظهور العرفي، وأما الثاني فلان المجيب يتعامل في مقام التفهيم والتفهم بما هو انسان عرفي ولا يدخل علمه الغيبي في ذلك وإلا لانسد باب الاستدلال بالاطلاق وترك الاستفصال في جميع الموارد، وأما الثالث فلان احتمال القرينة منفي على أساس عدم نقل الراوي لها. ولو انفتح احتمال وجود قرائن محذوفة من الراوي لسرى الاجمال إلى سائر الروايات، وعليه فيتم التمسك باطلاق جواب الامام بملاك ترك الاستفصال لاثبات نفي البأس على كلا التقديرين المحتملين في السؤال. قلنا: قد يأتي أحيانا احتمال أن المجيب قد استطاع أن يعين غرض السائل، لا بقرينة متصلة ولا يعلم غيبي، بل بقرائن منفصلة أوجبت أن

[ 329 ]

ينسبق إلى ذهنه من السؤال معنى خاص، فأجاب طبقا له، وهذا كثيرا ما يتفق للاسنان العرفي، ولا دافع لهذا الاحتمال، لان الراوي غير ملزم بنقل القرائن المنفصلة. نعم، إذا كان لكلام السائل ظهور عرفي فعلي في الاستفهام عن مطلب، فنفس أصالة الظهور تنفي وجود قرينة منفصلة عل معنى مخالف لظاهر اللفظ، وبذلك ينفي احتمال اعتماد المجيب على قرينة منفصلة في فهم كلام السائل وأما حيث يكون كلام السائل مجملا فلانا في لاحتمال القرينة المنفصلة، ومعه يكون احتمال اعتماد المجيب عليها قائما، فلا ينعقد إطلاق في الجواب بملاك ترك الاستفصال. هذا كله في رواية سماعة من حيث الدلالة، وأما من ناحية السند فلا تخلو من إشكال: تارة بلحاظ ورود عثمان بن عيسى في سندها الذي أرى أن اهم مستند لتوثيقه رواية أحد الثلاثة عنه، وأخرى بلحاظ أن الشيخ صرح في كتابي التهذيب والاستبصار بطريقه، فرواها في الاستبصار عن الشيخ المفيد عن أحمد بن محمد بن الحسن عن أبيه عن الحسين بن الحسن بن أبان عن الحسين بن سعيد عن عثمان بن عيسى عن سماعة (1)، وورد نفس السند في التهذيب مع شئ من الفرق (2). وهذا يعنى أن الشيخ لم يبدأ في نقل الرواية بالحسين بن سعيد ليؤخذ طريقه إليه من المشيخة والفهرست، بل صرح بطريقه المشتمل على أحمد بن محمد بن الحسن، وهو غير موثق. وقد أشرنا سابقا إلى ان هذا إشكال مطرد في كثر من روايات الطهارة من كتاب التهذيب، فان بنينا على أن ذلك لا يمنع من الرجوع إلى الطرق الصحيحة التي للشيخ إلى الحسين بن سعيد وإن تصدى الشيخ إلى ذكر طريق بعينه كان بقصد الاستيفاء والتوسع ولم يكن بنكتة التنبيه


(1) الاستبصار الجزء الاول ص 13. (2) التهذيب الجزء الاول ص 34.

[ 330 ]

على أن الرواية غير مأخوذ من كتب الحسين بن سعيد وانها مستثناة من طرق المشيخة والفهرست الاخرى فيتم الاستدلال بالرواية، وإلا سقطت الرواية عن الحجية لاشتمال سندها على من لم يثبت توثيقه. ومنها: ما ورد في تطهير الثوب المتنجس بالبول، كصحيح محمد ابن مسلم (1) حيث أمر بغسله في المركن مرتين وفي الماء الجاري مرة واحدة. والاستدلال بذلك يمكن تقريبه بوجوه: " الاول " - ان الرواية فرضت ورود المتنجس على الماء الجاري بقرينة كلمة " في الماء الجاري "، وإذا ضممنا إلى ذلك الدليل الدال على اشتراط ورود الماء على المتنجس عند التطهير بغير المعتصم، نستكشف اعتصام الماء الجاري بنحو نقيد به عمومات الانفعال. والصحيح أن المقام من موارد دوران الامريين المعارضة والتخصص، لانه لو سلم وجود دليل على اعتبار ورود الماء على المتنجس في غير المعتصم من قبيل الروايات الآمرة بصب الماء مثلا (2)، فأمر هذه الرزوايات مع صحيح محمد بن مسلم دائر بين التخصيص والمعارضة، إذ لو كان الماء الجاري معتصما فهو خارج تخصصا عن موضوع تلك الروايات، لان المفروض أن موضوعها غير المعتصم، وإذا لم نقل باعتصام الماء الجاري بعنوانه تقع المعارضة بالعموم من وجه، لان صحيح محمد بن مسلم المجوز لورود المتنجس على الماء الجاري مطلق من حيث كون الجاري بالغا حد الكرية أولا، وروايات الامر بالصب الملزمة بورود الماء غير المعتصم على المتنجس


(1) قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الثوب يصيبه البول؟ قال: اغسله في المركن مرتين، فان غسلته في ماء جاري قمرة واحدة. وسائل الشيعة باب 2 من ابواب النجاسات. (2) وسائل الشيعة باب 1 من ابواب النجاسات.

[ 331 ]

مطلقة من حيث كونه جاريا وذا مادة أولا. فالتعارض بنحو العموم من وجه. وهذا معناه أن صحيح محمد بن مسلم: إما معارض لروايات الامر بالصب، وإما مساوق للتخصص. وهو من قبيل دوران الامريين التخصيص والتخصص. فان بنينا في أمثال ذلك على تعيين التخصص بمقتضى أصالة عدم التخصيص أو أصالة عدم المعارض، تم الاستدلال بصحيح محمد بن مسلم مع ضمه إلى الروايات الآمرة بالصب على اعتصام الماء الجاري، وإذا لم نبن على ذلك - كما هو محقق في محله - فلا موجب للالتزام بالتخصص، بل يبقى احتمال أن يكون الماء الجاري - رغم عدم اعتصامه - مطهرا ولو بورود المتنجس عليه، خلافا لدليل اشتراط ورود الماء على المتنجس في غير المعتصم. " الثاني " - أن الرواية سكتت عن بيان انفعال الماء الجاري بملاقاة النجس، ومقتضى الاطلاق السكوتي والمقامي عدم الانفعال، وإلا لكان على الامام البيان. ويرد عليه: أن كون الامام عليه بيان الانفعال لو كان الماء الجاري ينفعل: إن كان بوصفه إماما مسؤولا عن تبليغ الاحكام. فهذا صحيح، إلا أن سكوته الكاشف عن عدم الانفعال حينئذ هو سكوته بما هو امام، اي سكوته المطلق لا سكوته في شخص ذلك الخطاب المنقول في صحيح ابن مسلم. وهذا السكوت المطلق غير ثابت لوجود عمومات الانفعال. وإن كان ذلك بلحاظ أن الامام في تلك الرواية في مقام البيان من سائر الجهات. فسكوته في شخص تلك الرواية كاف لنفي الانفعال. ففيه: أن الامام في تلك الرواية حاله حال أي متكلم يكون الاصل العقلائي فيه أنه في مقام البيان من ناحية مدلول كلامه لامن ناحية شئ

[ 332 ]

آخر، ومدلول كلامه في شخص تلك الرواية هو مطهرية الجاري، فلو شك في إطلاقها وتقييدها أمكن التمسك بالاطلاق، لان الاصل كونه في مقام بيان المطهرية وحدودها. وأما حال الماء الجاري بعد التطهير فلا يوجد أصل عقلائي يقتضي كونه في مقام بيانه. وإن كان ذلك بلحاظ وجود قرينة على أن المتكلم في مقام بيان حال الماء الجاري بعد التطهير أيضا - وان لم يكن ذلك مدلولا لكلامه مباشرة - بتقريب: أن بيان مطهرية الماء الجاري لما يرد عليه من المتنجس مع السكوت عن حال الماء بعد التطهير مظنة لغفلة السامع وتخيله عدم نشوء محذور من ناحية ورود المتنجس على الماء الجاري، فكون هذا البيان مظنة لذلك يقتضي عرفا التنبيه على المحذور لو كان، فمع عدم التنبيه يستكشف عدم المحذور. نظير ما ذكره في الكفاية لنفي اعتبار قصد الوجه من التمسك بالاطلاق المقامي بناءا على عدم إمكان التمسك بالاطلاق اللفظي للخطاب، لان كون قصد الوجه معرضا للغفلة نوعا يوجب التنبيه على دخله. فيرد على ذلك: أن هذا إنما يتم في فرض غفلة نوعية، بحيث توجب ترقب البيان ولزومه عرفا لرفعها، فيستكشف من عدمه مطابقة الغفلة للواقع وإما إذا كانت الغفلة شخصية فلا يوجد لزوم عرفي لرفعها، فلا يكشف عدم البيان عن مطابقتها للواقع، والمقام من هذا القبيل. " الثالث " - أن يقال بعد استظهار كون الغسل بالجاري على نحو يرد فيه الثوب على الماء الجاري: إن الماء الجاري في هذه الحالة يعتبر ماء غسالة تتعقبها طهارة المحل، لاننا بغمس الثوب فيه واخراجه منه نظهر الثوب، فإذا بنينا على الارتكازات التي أفادها السيد الاستاذ - دام ظله - (1) واستند إليها في إثبات طهارة الغسالة التي تتعقبها طهاررة المحل، أمكن


(1) التنقيح الجزء الاول ص 332.

[ 333 ]

الاستناد إليها في المقام أيضا. فكما يقال هناك عند صب الماء في الغسلة الاخيرة على المتنجس: إن الماء لا ينجس رغم ملاقاته للنجس. لانه إن كان ينجس بعد الانفصال فهو غريب، وإن كان ينجس بالملاقاة ومع هذا يطهر المحل فهو غريب أيضا. كذلك يقال هنا: إن الماء الجاري لا ينجس عند ورود الثوب النجس فيه. لانه إن كان ينجس بعد أخذ الثوب منه فهو غريب، وإن كان ينجس بمجرد الملاقاة ومع هذا يطهر الثوب فهو غريب أيضا، ويثبت بذلك عدم انفعال الماء الجاري. ولكن من يبني على الفرق بين الغسالة وغيرها في الماء القليل لا يمكنه أن يثبت بهذا الوجه في المقام عدم انفعال الماء الجاري مطلقا، إذ لعله من هذه الناحية كالماء القليل. والصحيح هو أن أصل الارتكازات التي على أساسها يبنى الحكم بطهارة الغسالة التي تتعقبها طهارة المحل، محل إشكال على ما يأتي تحقيقه في بحث الغسالة إن شاء الله تعالى. " الرابع " - وهو مبني على أن نستفيد من الدليل أن غسل الثوب المتنجس بالماء الراكد الكر يعتبر فيه التعدد كالراكد القليل: إما بدعوى أن الغسل في المركن معناه مل ء المركن بالماء وغسل الثوب به، فيشمل المركن الكبير والصغير. وإما بدعوى أن الغسل في المركن يحمل على المثال لما يجب فيه التعدد، وهو غير الجاري من المياه بمقتضى مفهوم قوله " وإن غسلته في ماء جار فمرة " فيشمل الكثير والقليل. وإما بدعوى التمسك باطلاق " إغسل من أبوال مالا يؤكل لحمه مرتين " لان المتيقن خروجه من الاطلاق هو الماء الجاري بمقتضى صحيحة محمد بن مسلم. وأما الراكد الكر فيبقى تحت الاطلاق. فإذا ثبت بأحد هذه البيانات أن الثوب المتنجس لا يطهر بالراكد الكر إلا إذا غسل به مرتين ويطهر بالماء الجاري إذا غسل به مرة واحدة،

[ 334 ]

فيقال: إن نفس الدليل الدال على كفاية المرة الواحدة في الجاري يدل بالالتزام العرفي، على أن الماء الجاري ليس أقل طهارة وعصمة من المياه التي يحتاج فيها تطهير الثوب إلى التعدد، لان العرف يرى قوة المطهرية من شؤون قوة طهارة الشئ، وعصمته في نفسه، وهذا يعني أن الصحيحة الدالة بالمطابقة على كفاية المرة في الجارى، تدل بالالتزام على انه لا يمكن أن يكون الكر الراكد أقوى منه عصمة وطهارة إذا كان التطهير به محتاجا إلى التعدد، فما دام الكر الراكد معتصما بدليله رغم احتياج التطهير به إلى التعدد في الثوب، فالماء الجاري الذي يحتاج التطهير به إلى التعدد أولى بالاعتصام. ومنها: رواية داود بن سرحان قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: ما تقول في الماء الحمام؟ فقال: هو بمنزلة الماء الجاري (1). وتقريب الاستدلال بها أنها تنزل ماء الحمام منزلة الماء الجاري، وحيث أننا نعلم من الخارج بأن ماء الحمام معتصم فلابد أن يكون الماء الجاري معتصما ليصح التنزيل. وقد استشكل في ذلك: تارة بما في المستمسك (2) وغيره من أن وجه التنزيل في الرواية غير معلوم، فلعله أمر آخر غير الاعتصام، وأخرى بأن التنزيل إذا كان بلحاظ الاعتصام فلابد من الالتزام بأن اعتصام الماء الجاري على حد اعتصام ماء الحمام، وحيث أن عصمة ماء الحمام منوطة بالكرية فيكون الامر في الجاري كذلك. ولا أقل من عدم دلالة الرواية على اعتصام الجاري إلى في حالة كونه كرا. والجواب على الاشكال الاول: بأن الارتكازات العرفية تعين الجهة


(1) وسائل الشيعة باب 7 من ابواب الماء المطلق حيث - 1 -. (2) مستمسك العروة الوثقى الجزء الاول ص 109 من الطبعة الثانية.

[ 335 ]

المسؤول عنها في قوله " ما تقول في ماء الحمام " لان ارتكازية كبرى انفعال الماء بملاقاة النجاسة وكون الطهارة والنجاسة هي أهم الآثار الشرعية الملحوظة في ماء الحمام وأقربها إلى الذهن العرفي المتشرعي، تكون منشأ لانسباق الحيثية المسؤول عنها إلى الذهن وكونها حيثية الاعتصام، ويتعين حينئذ حمل التنزيل على أنه بلحاظ الاعتصام، فتكون الرواية ظاهرة في النظر إلى الاعتصام، بلا حاجة إلى الاستشهاد لذلك بروايات أخرى كما ورد في التنقيح، إذ جاء فيه أن تشبيه ماء الحمام بالجاري موجود في غير رواية داود بن سرحان من الاخبار أيضا، والمستفاد منها أن التشبيه إنما هو من حيث الاعتصام، وأنا لم أطلع على ورود تشبيه لماء الحمام بالماء الجاري بعنوانه في شئ من روايات الباب. نعم ورد ذلك في الفقه الرضوي الذي لا نبني على كونه رواية تبعا للسيد الاستاذ - دام ظله - وورد في رواية ابن ابي يعفور تشبيه ماء الحمام بماء النهر، غير أنها رواية مرسلة أيضا رواها الكليني عن بعض الاصحاب وأما الاشكال الثاني فقد أجاب عليه في المستمسك (1) بأن التنزيل إنما يقتضي ثبوت حكم المنزل عليه للمنزل، أي حكم الماء الجاري لماء الحمام لا حكم ماء الحمام للماء الجاري. وهذا الجواب لا يكفي، لاننا نريد أن نثبت للماء الجاري اعتصاما مطلقا شاملا لحال عدم الكرية، وبعد العلم من الخارج بأن ماء الحمام لم يثبت له هذا الاعتصام المطلق الشامل حتى لحال عدم الكرية وإنما ثبت له الاعتصام المنوط بالكرية، فقد يكون حكم المنزل عليه هو الاعتصام المنوط أيضا، إذ لا كاشف بحسب الفرض عن حكم الماء الجاري إلا حكم ماء الحمام المنزل منزلته، فإذا لم يكن حكم ماء الحمام هو الاعتصام المطلق فلا


(1) مستمسك العروة الوثقى الجزء الاول ص 109 الطبعة الثانية.

[ 336 ]

دليل على أن حكم الجاري هو الاعتصام المطلق. فالتنزيل - وإن كان لا يقتضي ثبوت حكم ماء الحمام للماء الجاري بل ثبوت حكم الماء الجاري لماء الحمام كما أفيد - غير أن الكاشف عن حكم الماء الجاري إذا كان منحصرا بما نعرفه من حكم ماء الحمام المنزل منزلته، فمثل هذا الكاشف لا يمكن أن يكشف عن ثبوت مرتبة للاعتصام في الجاري اوسع من المرتبة الثابتة في ماء الحمام. وقد يجاب عليه - كما في مصباح الفقيه للمحقق الهداني قدس سره - (1) بأن المنزل منزلة الماء الجاري إن كان هو ماء الحمام بمعناه الجامع بين القليل والكثير لامكن أن يقال: إن هذا الجامع في طرف المنزل لما كان موضوعا للاعتصام المنوط بالكثرة لا للاعتصام الفعلي على كل حال، فلا يثبت بمعرفية التنزيل للماء الجاري إلا ما يكون في قوة الاعتصام المنوط، فلا تكون دليلا على اعتصام الجاري القليل، وأما إذا كان المنزل منزلة الجاري هو ماء الحمام المتعارف الذي يستبطن الكرية حتما، فهو ليس موضوعا للاعتصام المنوط، بل هو موضوع للاعتصام الفعلي، لان الكرية مستبطنة فيه، فيكون الماء الجاري موضوعا للاعتصام الفعلي أيضا، وحيث أن الماء الجاري عنوان ينطبق على القليل والكثير فيثيت الاعتصام لهما معا. وهناك اعتراض آخر على الاستدلال بالرواية أفاده السيد الاستاذ - دام ظله - (2) وهو: ان ماء الحمام كان مثارا للاسئلة من الرواة بعد فراغهم عن كبرى انفعال الماء القليل بملاقاة النجاسة واعتصام الكر، وبعد وضوح أن الحمامات المنظورة للرواة كانت تشمل بمادتها على كر بل أكرار من الماء، ومعلومية أن كون الماء في الحمام لا يغير أحكامه الثابتة له في غير الحمام، لا يوجد منشأ لا ثارة تلك الاسئلة إلا تشكك الرواة في أن ماء الحوض


(1) ص 7 كتاب الطهارة. (2) التنقيح الجزء الاول ص 107 - 108.

[ 337 ]

الصغير هل يعتبر متصلا بما في الحوض الكبير بمجرد وجود أنبوب بينهما، بحيث يكفي هذا لملاحظة المجموع ماءا واحدا وتقوى أحدهما بالآخر أولا. وقد تصدى الامام لتوضيح اعتصام ماء الحمام وإزالة التشكك الواقع في نفوس الرواة، وذلك بتنزيل ماء الحمام منزلة الماء الجاري. ومن الظاهر أن المياه الجارية في أراضي العرب والحجاز منحصرة بالجاري الكثير، ولا يوجد فيها جار قليل، فالتنظير والتشبيه بلحاظ أن الجاري الكثير كما أنه معتصم لكثرته وتقوى بعضه ببعض، كذلك ماء الحمام يتقوى بعضه ببعض. ولو لاجل مجرد الاتصال بأنبوب، فلا نظر في الرواية إلى اعتصام الجاري بالمادة مطلقا، قليلا كان أم كثيرا. وهذا البيان الذي أفاه السيد الاستاذ في الاعتراض وجيه، ولا يتوقف على دعوى أن المياه الجارية في أراضي العرب منحصرة بالجاري الكثير، بل يتم حتى مع فرض تعارض القليل والكثير معا. وذلك لان المفروض أن السبب المثير لاسئلة الرواة عن ماء الحمام هو التشكك في وحدته مع اختلاف سطوحه. ومن الواضح أن هذا التشكك إنما هو في فرض جريان الماء، وأما الماء الساكن المختلف السطوح فلا إشكال عرفا في وحدته وانفعاله إذا كان قليلا وتقوى بعضه ببعض إذا كان كثيرا، وانما يحصل التشكك في حالة اختلاف السطوح مع الجريان، لاحتمال كون الجريان من سطح إلى سطح موجبا لتعدد الماء. وعلى هذا الضوء يمكن أن نفسر التنزيل في قوله " ماء الحمام بمنزلة الماء الجاري " على أساس أنه في مقام مناقشة هذا التشكك. بتوضيح: أن جريان ماء الحمام لا ينافي وحدته، كما أن جريان الماء الجاري الطبيعي لا ينافي وحدته، فكأنه يريد أن يقول: كما أن الماء الجاري الطبيعي لا يخرج بالجريان عن الوحدة إلى التعدد كذلك لا يخرج ماء الحمام بالجريان عن

[ 338 ]

الوحده إلى التعدد. وفي مقام إفادة هذا المعنى لا يلزم ملاحظة خصوص المياه الجارية الكثيرة، لان المقصود ليس إلا بيان أن الجريان في الماء لا يعدد الماء المفروض وحدته لولا الجريان. وهذا معنى لا يفرق فيه بين الماء الجاري الكثير والماء الجاري القليل، فلا يرد حينئذ على البيان المذكور أنه لا قرينة على ملاحظة خصوص الكثير من الماء الجاري، ومجرد الغلبة خارجا لا يوجب الانصراف وظهور اللفظ في الخاص. ومنها: رواية ابن بزيع المتقدمة. وما قيل أو يمكن أن يقال في تقريب الاستدلال بها وجوه عديدة: " الوجه الاول " - مبني على ملاحظة صدر الرواية بدون حاجة إلى ضم التعليل المستفاد من قوله " لانه له مادة " وذلك بأن يقال: إن صدر الرواية - وهو قوله " ماء البئر واسع لا ينجسه شئ " - صريح في اعتصام ماء البئر وعدم انفعاله، وهذا بنفسه يكفي للحكم باعتصام كل ماله مادة من مياه العيون، بحيث لو كانت رواية ابن بزيع تقتصر على هذا الصدر لكفى في اثبات المطلوب، لان مياه العيون تشترك مع ماء البئر في وجود المادة وتختلف عنه في أنه واقع في قعر الارض، بخلاف مياه العيون النابعة على سطحها، ومن الواضح أن الارتكاز العرفي يأبي عن دخل خصوصية قعر الارض، وكون الماء النابع لا يتوصل إليه إلا بالحفر في الحكم بالاعتصام. فبقرينة هذا الارتكاز تلغى خصوصية البئرية، ويفهم العرف أن موضوع الاعتصام هو ماء البئر لا بما هو في قعر الارض بل بما هو نابع، وبعد إلغاء خصوصية البئرية على هذا النحو يكون صدر الرواية بنفسه دليلا على اعتصام مطلق الماء النابع، سواء كان التعليل المصرح به في ذيل الرواية راجعا إلى الصدر أو إلى جزء آخر من فقرات الرواية. وليس هذا من باب القياس، بل من باب حمل العنوان المذكور في

[ 339 ]

الدليل على المثالية بقرينة مناسبات الحكم والموضوع المركوزة في الذهن العرفي، وتعيين الموضوع الحقيقي الذي ذكر ذلك المثال له بتوسط تلك المناسبات الارتكازية التي تكون باعتبارها من القرائن اللبية المتصلة منشأ لا نعقاد ظهور الدليل نفسه في ذلك، فيكون العمل على ظهور الدليل. وهذا تقريب صحيح، ولعله أوضح التقريبات في المقام. " الوجه الثاني " - مبني على أن العرف لا يلغي بمناسباته الارتكازية خصوصية البئرية، فنستعين في إلغائها بقرينة لفظية مأخوذة من صدر الرواية أيضا، أي من قوله " ماء البئر واسع لا ينجسه شئ " بقطع النظر عن الجمل المتعقبة لذلك. وتوضيحه يتوقف على شرح معنى كلمة " واسع " فان السعة في كلمة " واسع " إما بمعنى السعة في الحكم، فتكون مساوقة للاعتصام المعبر عنه بقوله " لا ينجسه شئ " وإما بمعنى السعة في الحجم، فتكون بيانا لنكتة الاعتصام. وحيث أن السعة في الحكم وصف للماء بلحاظ حكمه لا بلحاظ نفسه، فلا يخلو توصيف الماء بهذا المعنى من السعة من عناية، بخلاف السعة بالمعنى الثاني فانها وصف للماء حقيقة. فقد يقال على هذا الاساس بظهور السعة في المعنى الثاني، غير أنه رجح في المستمسك أن تكون السعة بمعنى السعة في الحكم لا بمعنى الكثرة، لان الكثرة أمر خارجي عرفي، فيكون حمل كلمة " واسع " عليه خلاف ظاهر البيان الوارد من الشارع، ولا سيما بملاحظة عدم المناسبة في التعبير عن الكثرة بالسعة. ولكن هذا الترجيح مما لا يمكن قبوله. لان الكثرة - وإن كانت أمرا خارجيا - ولكن ذكر الشارع له يناسب حاله بما هو شارع إذا كان الغرض

[ 340 ]

من ذكره التنبيه على نكتة الاعتصام ومناط الحكم بعدم الانفعال الذي بينه بقوله " لا ينجسه شئ " فكأنه قال " لا ينجسه شئ لانه واسع "، فليس ذكر السعة لمجرد الاخبار من أمر خارجي ليقال إنه مناف مع ظهور حال الشارع، بل تمهيد لبيان الحكم الذي تستتبعه هذه السعة وإشارة إلى نكتة ذلك الحكم. خصوصا إذا كان المراد بالسعة الكثرة المعنوية لا الكثرة الفعلية. ونريد بالكثرة الفعلية ما هو موجود بالفعل من الماء في جوف البئر ونريد بالكثرة المعنوية ما هو موجود في عروق الارض من الرطوبات التي تتكون منها مادة ماء البئر. وظاهر قوله " ماء البئر واسع " كونه بطبعه مساوقا للسعة، وهذا قرينة على أن نظره في توصيفه بالسعة إلى ما هو موجود في عروق الارض من المادة لا إلى ما هو موجود بالفعل من الماء في البئر، إذ ليس الغالب في هذا الماء أن يكون كثيرا. فبهذه القرينة تكون كلمة " واسع " ظاهرة في النظر إلى ما في المادة. وحيث أن ما في المادة ليس ماءا بالفعل وإنما هو رطوبات على الاغلب. فكأن الامام في مقام بيان أن ماء البئر مصداق للكبرى الارتكازية المفروغ عنها، وهي عصمة الماء الكثير، وهي مصداقية لا تخلو من عناية، لان تكون ماء البئر كثيرا إنما هو بما في المادة، وما في المادة ليس في الغالب ماء بالفعل بل رطوبات فبعناية تنزيل تلك الرطوبة منزلة الماء المتصل بعضه ببعض يكون ماء البئر مصداقا للماء الكثير، وباعتبار هذه العناية احتاج الامام عليه السلام إلى توصيف ماء البئر بأنه واسع، تنبيها على هذه العناية وإشارة إلى نكتة الاعتصام في ماء البئر، وأين هذا من الاخبار عن مجرد أمر خارجي ليقال: إنه خلاف الظاهر. وأما ما أفيد من عدم المناسبة في التعبير عن الكثرة بالسعة. ففيه:

[ 341 ]

أن السعة لم يرد منها الكثرة بمفهومها، بل حيث أن للماء حجما والحجم يتصف بالسعة فيصح توصيف الماء بأنه واسع، كما يقال " مكان واسع " و " بلد واسع " وهذا يعطي في الماء معنى الكثرة. نعم. قد يستشهد لكون السعة بمعنى السعة في الحكم بأن قوله " لا ينجسه شئ " لم يعطف بالواو على كلمة " واسع " وحذف حرف العطف قد يكون قرينة عرفا على أن الثاني مجرد تكرار للاول، فيدل على أن السعة بمعنى السعة في الحكم. ولكن لو سلم أن حذف حرف العطف يدل على شئ، فيكفي في ذلك كون الثاني متفرعا عن الاول ومن شؤونه، من قبيل قوله في موثقة عمار الواردة في العصير العنبي " خمر لا تشربه " (1). وإذا تم لدينا استظهار أن السعة بمعنى مساوق للكثرة، وأن المراد بالكثرة الكثرة المعنوية بعناية تنزل ما في المادة من رطوبات منزلة الماء الفعلي المتصل بعضه ببعض، فمن المعلوم أن الظاهر من ذكر السعة في صدر الرواية بيان نكتة الحكم الذي يتلوه، وبهذا يرجع قوله " ماء البئر واسع لا ينجسه شئ إلى القول بأن ماء البئر لا ينجسه شئ لانه ذو سعة وكثرة معنوية، فيسري الحكم إلى كل ما كان كثيرا بهذا النحو من الكثرة المعنوية. وهذا الوجه يتم - كالوجه الاول - بدون حاجة إلى الاستعانة بالتعليل الوارد في ذيل الرواية المستفاد من قوله " لانه مادة ". " الوجه الثالث " - التمسك بالتعليل المستفاد من قوله " لان له مادة " بدعوى أن مقتضى تعليل الحكم باعتصام ماء البئر بالمادة إلغاء خصوصية المورد - أي البئرية - وإسراء الحكم بالاعتصام إلى سائر موارد وجود المادة. وهذا الوجه يتوقف على إرجاع التعليل بالمادة إلى الحكم بالاعتصام


(1) التهذيب الجزء 9 ص 122 حديث - 261 -.

[ 342 ]

وفي ذلك بحث. وتفصيل الكلام في ذلك: أن ما قبل فقرة التعليل توجد عدة مقاطع: الاول " ماء البئر واسع " الثاني " لا ينجسه شئ " الثالث " إلا أن يتغير " الرابع " فينزح " الخامس " حتى يذهب الريح ويطيب الطعم ". فلابد من تحقيق حال هذه المقاطع الخمسة من حيث صلاحية التعليل بالمادة للرجوع إلى أي واحد منها: أما المقطع الاول المتكفل لاثبات السعة فمن الممكن تعليله بالمادة، لان مرد السعة المعنوية لماء البئر إلى مادته كما أشرنا سابقا. وكذلك الامر في المقطع الثاني المتكفل للحكم بالاعتصام. وأما المقطع الثالث فهو متكفل للحكم بالانفال بالتغير، ولا معنى لارجاع التعليل بالمادة إليه، لان نجاسة الماء المتغير لا تتوقف على المادة، وأما المقطع الرابع - وهو الامر بالنزح - فهو على حد الامر بالغسل إرشاد إلى مطهرية النزح المذهب للتغير، فكما يستفاد من الامر بالغسل الحكم بطهارة الشئ عند غسله كذلك يستفاد من الامر بالنزح المذهب للتغير الحكم بطهارة ماء البئر، ويمكن إرجاع التعليل إليه بأن تكون المادة علة في حصول الطهارة عند تحقق النزح الموجب لزوال التغير. وأما المقطع الخامس - وهو قوله " حتى يذهب الريح ويطيب الطعم " - فليس له مفاد مستقل، لان حرف الانتهاء وهو " حتى " إنما يدل على نسبة ناقصة مرجعها إلى تحديد مقدار النزح المأمور به. نعم، هناك قضية متصيدة من هذا المقطع، وهي أن زوال التغير مترتب على النزح. وهذه قضية يصح تعليلها بالمادة، لان المادة هي التي تؤدي إلى ترتب زوال التغير على النزح نتيجة لما يستجد بالنزح من ماء. ولكن حيث أن هذه القضية متصيدة وليست مدلولا مباشرا للكلام. فإرجاع التعليل إليها لا يخلو من عناية، وعلى هذا فأمر التعليل بحسب

[ 343 ]

الاستظهار العرفي يدور بين ثلاثة أمور، وهي السعة والاعتصام والطهارة بعد زوال التغير فإذا كان التعليل راجعا إلى الحكم بالاعتصام تم الاستدلال به على المطلوب، وكذلك إذا كان راجعا إلى السعة. لان السعة إذا كانت بمعنى السعة في الحكم فتعليلها بالمادة هو بنفسه تعليل للاعتصام بالمادة وإذا كانت بمعنى الكثرة فتكون دالة على ما هو المناط لاعتصام البئر، ويكون التعليل بالمادة موضحا أن المقصود بالسعة السعة المعنوية، فيتعدى إلى سائر موارد السعة المعنوية الناشئة من المادة. وأما إذا كان التعليل راجعا إلى حصول الطهارة بعد ارتفاع التغير بالنزح، فيكون دالا على مطهرية المادة، ولا يبقى فيه دلالة على أن المادة ملاك للاعتصام في نفسه، ما لم تضم إلى ذلك عناية أن الدفع أهون من الرفع وأن المطهر من النجاسة دافع لها على ما سوف يأتي في الوجه الرابع إن شاء الله تعالى. وحيث أن الحكم بالمطهرية أقرب إلى التعليل في سياق الرواية من الحكم بالاعتصام، فقد يقال: إن رجوع التعليل إلى المطهرية هو المتيقن بحسب الظهور العرفي، وأما رجوعه إلى الاعتصام: فان كان بنحو يختص به فهو خلاف الظاهر. وان كان بنحو يشمله مع الحكم بالمطهرية فهو محتاج إلى القرينة. فلا يكون في الرواية ظهور في رجوع التعليل إلى الحكم بالاعتصام. وعلى هذا الاساس يتوقف تصحيح الوجه الثالث على إحدى دعويين: إما دعوى استظهار رجوع التعليل إلى الحكم بالاعتصام ولو مستقلا، لان صرف التعليل من المتأخر إلى المتقدم في السيقا - وإن كان خلاف الظاهر بطبعه - ولكن ذلك فيما إذا لم يستظهر كون المتقدم هو محور الكلام ومحط النظر الرئيسي للمتكلم. وكون ما بعده ملحوظا في مقام الافادة بنحو التبعية، وحيث أن الكلام في الرواية مسوق بصورة رئيسية لافادة الاعتصام فيكون ظاهرا في رجوع التعليل بالمادة إليه.

[ 344 ]

وأما دعوى أن الحكم بالطهارة بعد ارتفاع التغير هو عين الحكم بالاعتصام المبين أولا. فهناك حكم واحد بالاعتصام والطهارة قد بين في الرواية ببيان واحد بقوله " واسع لا ينجسه شئ " واستثنى من ذلك صورة فعلية التغير، فلا يوجد بيانان - أحدهما بيان للاعتصام حدوثا والآخر بيان لارتفاع النجاسة بقاءا - ليكون التعليل مجملا لتردده بينهما. وكلتا الدعويين بلا موجب ولا قرينة. إذ أن قوله " فينزح حتى يذهب الريح " ظاهر في كونه بيانا لافادة المطهرية على حد بيانية الاوامر بالغسل لذلك. فهناك إذن بيان آخر وراء بيان الاعتصام في صدر الرواية ولا قرينة على كون البيان الثاني ملحوظا على نحو التبعية بالنسبة إلى البيان الاول. " الوجه الرابع " (1) - وهو مبني على تسليم رجوع التعليل بالمادة إلى الحكم بالطهارة بعد ارتفاع التغير بالنزح، وحاصله: إن المادة إذا كانت مطهرة ورافعة للنجاسة بمقتضى المدلول المطابقي للتعليل فهي دافعة وعاصمة بمقتضى المدلول الالتزامي له، لان رافعيته للنجاسة تستلزم عرفا وبنكتة ارتكاز أهونية الدفع من الرفع كونه دافعا لها أيضا، وهو معنى الاعتصام. وقد يقال: إن أهونية الدفع من الرفع نقتضي أن تكون المادة صالحة لدفع النجاسة التي تصلح لرفعها، وهناك نحوان من النجاسة: أحدهما النجاسة بالتغيير التي يبتلى بها الماء المعتصم، والآخر النجاسة بالملاقاة التي يبتلى بها الماء غير المعتصم، وقد ثبت بالمدلول المطابقي للتعليل أن المادة رافعة للنجاسة الناشئة من التغيير حينما يزول التغير. ومن الواضح أن المادة غير صالحة لدفع هذه النجاسة، لان دفعها معناه منع النجاسة عن الماء عند تغيره، وهذا معلوم العدم. وأما النجاسة الناشئة من الملاقاة فلم يثبت بالتعليل كون المادة رافعة لها لكي يثبت أنها رافعة أيضا. وما هو المطلوب


(1) التنقيح الجزء الاول ص 109

[ 345 ]

بالتعليل كون المادة رافعة لها لكي يثبت أنها دافعة أيضا. وما هو المطلوب في المقام أن نثبت كون المادة دافعة للنجاسة الملاقاتية، لكي يتحقق اعتصام الماء النابع، وما لم يثبت كون المادة رافعة لهذه النجاسة الملاقاتية لا يثبت كونها دافعة لها. وأما رافعيتها للنجاسة التغييرية فلا يكفي لاثبات المطلوب. فإن قيل: إذا ثبت أنالمادة رافعة للنجاسة التغييرية يثبت أيضا كونها رافعة للنجاسة الملاقاتية، لان الناجسة التغييرية أشد من النجاسة الملاقاتية، وما يرفع الاشد يرفع الاضعف. وإذا ثبت كون المادة رافعة للنجاسة الملاقاتية بهذا البيان استكشفنا من ذلك أنها دافعة للنجاسة الملاقاتية أيضا، وهو معنى الاعتصام. فكأننا نعمل ملازمتين عرفيتين: إحداهما أن رفع النجاسة الشديدة بالمادة يلزم منه رفع النجاسة الاضعف بالمادة أيضا، والاخرى أن دفع النجاسة الاضعف بالمادة يلزم منه دفعها بالمادة أيضا، قلنا: بالامكان المناقشة في الملازمة العرفية الاولى، وذلك لان رافعية المادة للنجاسة الشديدة - وإن كانت تستلزم عرفا رافعيتها للنجاسة الاضعف بالاولوية - إلا أن هذا إنما يصح فيما إذا حفظت ظروف متماثلة في الحالتين ففي رفع المادة للنجاسة الناشئة من التغيير لا ترفع المادة هذه النجاسة إلا بشرط زوال التغير، فإذا أردنا الاحتفاظ بظرف مماثل بالنسبة إلى رفع المادة للنجاسة الاضعف يجب أن نقول: بأن لازم ذلك أن المادة ترفع النجاسة الناشئة من الملاقاة بعد زوال الملاقاة. فالملاقاة بمثابة التغير، فكما لا ترفع المادة للنجاسة التغييرية إلا بعد ارتفاع التغير قد لا ترفع النجاسة الملاقاتية إلا بعد ارتفاع الملاقاة، وهذا لا يثبت المطلوب، وهو عدم انفعال الماء النابع بالملاقاة. فإن قيل: إن مقتضى خبر ابن بزيع أن ماء البئر يطهر بعد زوال التغير بسب المادة، سواء كان عين النجس لا يزال موجودا أم لا، وهذا

[ 346 ]

يعني أن المادة تمنع عن النجاسة الملاقاتية أيضا، وهو معنى الاعتصام، قلنا: لا إشكال في أن ماء البئر بعد زوال التغير يعتبر طاهرا ولو كان عين النجس فيه، إلا أن عدم تأثير ملاقاة النجس في انفعاله قد لا يكون بسبب المادة، لان ماء البئر معتصم على أي حال، والرواية نص في ذلك، وإنما التأمل في أن اعتصامه هل هو لكونه ماء بئر أو لكونه ماءا نابعا. والتعليل بالمادة إنما هو تعليل لارتفاع النجاسة التي نشأت من التغير، وأما عدم الانفعال بالملاقاة فهو من شؤون اعتصام ماء البئر المفروغ عنه، والذي بعد لم يتبين حتى الآن هل هو من شؤون البئرية أو المادة؟ فإن قيل: إن النجاسة التي ترفعها المادة بمقتضى التعليل هي نجاسة غير مقرونة بالتغيير، فيصح أن يقال: إن المادة إذا كانت رافعة لنجاسة غير مقرونة التغيير فهي دافعة أيضا لكل نجاسة غير مقرونة بالتغيير. قلنا: إن ما ثبت بالتعليل كون المادة رافعة للنجاسة التي نشأت من التغيير بعد زوال التغيير، ولم يثبت بالتعليل بنحو كلي أن المادة دافعة لكل نجاسة غير مقرونة بالتغيير، ليثبت كونها دافعة لكل نجاسة غير مقرونة بالتغيير الذي هو معنى الاعتصام. نعم، قد يتمم هذا الاستدلال بضم أدلة لبية منفصلة، وذلك بأن يقال: إن المادة لما كانت ترفع النجاسة التغييرية بعد زوال التغير، فلا يحتمل أن تكون النجاسة الملاقاتية أشد، بحيث تبقى حتى بعد زوال الملاقاة رغم وجود المادة، وإذا ثبت أن الماء النابع لا يحكم عليه بالنجاسة بعد زوال الملاقاة بسبب المادة. فيثبت أنه لا يحكم عليه بها في ظرف فعلية الملاقاة أيضا، إذ لا يوجد قول التفكيك بين الامرين، وبمعنى أن الماء النابع: إما ان ينفعل بالملاقاة وتبقى النجاسة حتى بعد زوال نفس الملاقاة، وإما ان لا ينفعل بالملاقاة من أول الامر، فإذا انتفى الاول تعين الثاني.

[ 347 ]

" الوجه الخامس " - (1) وهو مبني - كالوجه السابق أيضا - على رجوع التعليل إلى ارتفاع النجاسة، وتقريبه: إن الماء النابع إذا لاقى النجاسة فإما أن لا ينفعل أصلا، وإما أن ينفعل ويبقى على النجاسة رغم وجود المادة، وإما أن ترتفع عنه النجاسة بمجرد حدوثها بسبب المادة. والاول هو المطلوب، والثاني خلاف ما دلت عليه رواية ابن بزيع من كون المادة سببا في ارتفاع النجاسة. والثالث لغو وغير معقول عرفا، إذ لا معنى لان يحكم على الماء النابع بالنجاسة مع رفعها في الآن الثاني، فيتعين الاول وهو المطلوب. وهذا البيان ظهر جوابه مما ذكرناه في مناقشة الوجه السابق، فان هنا - بقطع النظر عن الاجماع ونحوه من الادلة اللبية - احتمالا رابعا، وهو أن ينجس الماء النابع بالملاقاة ولا يطهر بسبب المادة إلابعد ارتفاع الملاقاة فمثل هذه النجاسة ليس لغوا كالنجاسة آناما، لان المفروض استمرارها مادام عين النجس في الماء، كما أنها ليست على خلاف مادلت عليه رواية ابن بزيع من كون المادة علة لارتفاع النجاسة، لان غاية مادلت عليه هذه الرواية - كما عرفنا سابقا - أن المادة علة لارتفاع النجاسة الناشئة من التغيير بعد زوال التغير، وهذا لا يلزم منه بالاولوية ارتفاع النجاسة الناشئة من الملاقاة مع فعلية الملاقاة. وعلى كل حال، فقد اتضح أن أحسن ما يستدل به على اعتصام الماء النابع هو خبر ابن بزيع بتقريبه الاول والثاني من الوجوه الخمسة التي أوضحناها. (المقام الثاني) في تحقيق النسبة بين دليل اعتصام الماء النابع، ودليل انفعال الماء القليل بالملاقاة.


(1) التنقيح الجزء الاول ص 109.

[ 348 ]

فقد ذكر السيد الاستاذ - دام ظله - (1) أن دليل انفعال الماء القليل الشامل للماء النابع القليل هو مفهوم قوله " إذا بلغ الماء قدر كر لا ينجسه شئ " ودليل اعتصام الجاري ولو كان قليلا خبر ابن بزيع. ومن هنا قد يتوهم أن النسبة بينها العموم من وجه، فيتعارضان في النابع القليل، ويفترق المفهوم بالقليل الراكد، ويفترق خبر ابن بزيع بالنابع الكثير. ولكن الصحيح تقدم خبر ابن بزيع على المفهوم، وذلك أما بناءا على الاستدلال بالتعليل في قوله " لانه له مادة " كما هو الصحيح عند الاستاذ - دام ظله - فلان التعليل يكون أخص مطلقا من المفهوم، لان المفهوم ينفي وجود ملالك للاعتصام غير الكثرة، والتعليل صريح في أن المادة ملاك للاعتصام، فيكون أخص مطلقا من ذلك النفي، فيتقدم عليه بالتخصيص. وإن شئتم قلتم: إن ما علل اعتصامه بالمادة لا يعقل أن يراد به الكثير خاصة لان الكثير معتصم بنفسه بلا حاجة إلى ملاحظة المادة، فالتعليل المذكور نص في شمول الاعتصام المعلل للقليل، فيتعين تقييد دليل انفعال الماء القليل بغير النابع. وأما بناءا على غض النظر عن التعليل بالمادة والاقتصار على الاستدلال بصدرها، فبالامكان أن نستدل بصدرها على طهارة ماء البئر، سواء كان قليلا أو كثيرا، فيكون معارضا بالعموم من وجه مع مادل على انفعال الماء القليل سواء كان راكدا أو بئرا. ويتعين عندئذ تقديم صدر الصحيحة على دليل الانفعال، لاننا إذا قدمنا صدر الصحيحة فلا يلزم منه إلغاء دليل انفعال الماء القليل وسلخ عنوان الماء القليل عن الموضوعية للانفعال رأسا، بل يلزم منه تضيق دائرة دليل الانفعال، وأما إذا عكسنا الامر وقدمنا دليل الانفعال الماء القليل على الصحيحة، فهو يسلتزم انحصار اعتصام البئر


(1) التنقيح الجزء الاول ص 110 - 111.

[ 349 ]

بما إذا كان كرا، وهذا يعني إلغاء عنوان البئر وسلخه عن الموضوعية للاعتصام رأسا، إذ يكون حاله حال غيره من المياه التي لا تعتصم إلا بالكثرة، فيصبح أخذ عنوان ماء البئر في الصحيحة لغوا، وحيث أن حمل كلام الحكيم على اللغو غير ممكن، فيكون هذا موجبا لتقدم رواية ابن بزيع على دليل الانفعال. هذا حاصل ما أفاده السيد الاستاذ - دام ظله - في تحقيق النسبة بين الدليلين بلحاظ الاستدلال بالتعليل في رواية ابن بزيع وبلحاظ الاستدلال بصدر الرواية. وما أفاده على كلا اللحاظين فيه بحث: أماما أفاده - بناءا على ما اختاره من الاستدلال بالتعليل بالمادة الوارد في ذيل رواية ابن بزيع - فتوضيح الحال فيه: ان دعوى الاخصية على هذا التقدير إنما تتم لو كان الاستدلال بالتعليل على النحو الذي بيناه في الوجه الثالث من الوجوه الخمسة المتقدمة لتقريب دلالة الرواية، فان التعليل على هذا الوجه يكون تعليلا لنفس الحكم بالاعتصام ابتداءا، فلا يمكن أن يختص الاعتصام المعلل بالكثير، لان اعتصام الكثير مستند إلى ذاته لا إلى مادته، فالتعليل بنفسه يكون قرينة على أن الملحوظ هو الماء القليل ذو المادة، فيكون أخص مطلقا من دليل الانفعال. غير أن السيد الاستاذ - دام ظله - لم يستدل بالرواية بذلك التقريب، بل افترض رجوع التعليل إلى ارتفاع النجاسة لا إلى الاعتصام، واستفاد الاعتصام من أولوية الدفع من الرفع عرفا، فالمدلول المطابقي للتعليل ليس هو بيان ملاك الاعتصام بل بيان ملاك المطهرية والرافع للنجاسة بعد زوال التغيير، وإذا كان هذا هو مدلول التعليل. فمن الواضح أن شموله للتعليل إنما يكون بالاطلاق بالنصوصية، وهو كأي إطلاق آخر قابل للتقييد

[ 350 ]

دون أن يلزم محذور زائد، بأن يلتزم مثلا بأن مطهرية المادة للماء المتنجس تختص بما إذا كان الماء المتنجس كثيرا في نفسه، فالماء الكثير المتنجس يطهر بالمادة دون القليل بناءا على التقييد. وبهذا يتضح أن التعليل بناءا على ارجاعه إلى المطهرية يكون شموله للقليل بالاطلاق. وهذا يعني أن دلالته الالتزامية على كون المادة دافعة للنجاسة عن القليل النابع من شؤون الاطلاق ايضا، فيقع هذا الاطلاق طرفا للمعارضة مع إطلاق دليل انفعال الماء القليل دون أخصية لاحدهما من الآخر. فهناك فرق كبير بن أن يكون التعليل في الرواية مسوقا لبيان الاعتصام ابتداءا وتعليله بالمادة، وبين كونه مسوقا لبيان ارتفاع النجاسة وتعليله بالمادة، فانه على الاول لا يمكن تخصيصه بخصوص الكثير، بل يكون نصا في النظر إلى القليل، إذ لا معنى لتعليل اعتصام الكثير بالمادة. وأما على الثاني فالتعليل قابل لان يتخصص بالكثير، غاية الامر ان له إطلاقا للقليل،، وإطلاقه له يسلتزم إفادة الاعتصام، بنكتة أن الدفع أهون من الرفع. وبهذا يعارض إطلاقه مع إطلاق دليل انفعال القليل ولا يكون أخص منه، لامكان تخصيص التعليل بخصوص الكثير، بأن تكون المطهرية متوقفة على المادة، وكون الماء المطهر (بالفتح) كثيرا في نفسه. وأما ما أفاده السيد الاستاذ - دام ظله - بناءا على الاستدلال على اعتصام ماء البئر ولو كان قليلا باطلاق صدر الصحيحة - فتوضيح الحال فيه: أن تقديم دليل انفعال الماء القليل على صدر الصحيحة - وإن كان يستلزم كون ماء البئر كغيره من المياه لا يعتصم إلا بالكثرة - إلا أن هذا ليس فيه محذور، ولا يلزم منه أن يكون أخذ عنوان ماء البئر في الصحيحة لغوا، لامكان أن يكون الغرض من قوله " ماء البئر واسع لا ينجسه شئ " هو

[ 351 ]

التنبيه على أن حال ماء البئر كحال غيره من المياه الراكدة التي تعتصم في حال الكثرة، وذلك لان ماء البئر مظنة في نفسه لان يكون أسوأ من المياه الراكدة الاعتيادية، بحيث لا يعتصم حتى بالكثرة، ولهذا ذهب جل علماء الطائفة مئات السنين إلى انفعاله بالملاقاة ولو كان كثيرا، فهذا كاشف عن أن ماء البئر كان في الانظار المتشرعية في معرض أن يكون أسوأ حالا من غيره من المياه بحيث لا يعتصم ولو كان كثيرا، فإذا فرض اختصاص الاعتصام المجعول في صدر الصحيحة مجال الكثرة لا يلزم من ذلك لغويتها، بل كونها بصدد بيان أن ماء البئر كغيره من المياه التي تعتصم بالكثرة. نعم لو كان ماء البئر مما لا يحتمل متشرعيا كونه أسوأ من غيره من المياه الراكدة. فيتعين أن يكون غرض المولى من التصدي لاخذ عنوان البئر في موضوع كلامه، والحكم عليه بالاعتصام بيان امتياز له على سائر المياه بكونه معتصما، ولو كان قليلا. وإن شئتم قلتم: إن العنوان الذي أخذ في موضوع الحكم تارة يحتمل بحسب التصورات المتشرعية النوعية كونه مانعا عن ذلك الحكم، وأخرى لا يحتمل ذلك وإنما المحتمل كونه مناطا لثبوته، ففي الاول لا ينعقد للدليل ظهور في كون العنوان دخيلا في الحكم، بل غاية ما يستفاد منه عدم كونه مانعا. وفي الثاني ينعقد ذلك الظهور، وماء البئر في المقام في معرض احتمال أن يكون أسوأ، من غيره بحيث لا يعتصم كثيره أيضا، كما يحتمل أن يكون معتصما حتى في القلة. فان تم إطلاقه للقليل ثبت اعتصامه، ودخل عنوان ماء البئر في الاعتصام، وأما إذا سقط إطلاقه للقليل بالمعارضة مع إطلاق دليل انفعال الماء القليل فلا يبقى ما يدل على أن أخذ عنوان ماء البئر من اجل دخله في الاعتصام، بل يحتمل أن يكون لنفي مانعيته عن المقدار الثابت عن

[ 352 ]

الاعتصام لسائر المياه. والتحقق إذن على ضوء ما قلناه: أن حال النسبة بين دليل اعتصام الماء النابع ودليل انفعال الماء القليل يختلف باختلاف نوع الدليل المعتمد عليه في اثبات اعتصام الماء النابع، فان كان الدليل هو رواية ابن بزيع بلحاظ إرجاع التعليل بالمادة إلى الحكم بالاعتصام أو استظهار كون كلمة " واسع " بالمعنى الذي شرحناه سابقا بيانا لنكتة الاعتصام، فدليل الاعتصام أخص مطلقا من دليل انفعال الماء القليل، لانه يكون ناظرا إلى القليل بنفسه، إذ لا معنى لتعليل اعتصام الكثير بالمادة وبالسعة المتمثلة في تلك المادة. وكذلك يقدم دليل الاعتصام إذا كان هو رواية داود بن سرحان. لظهورها في أن الماء الجاري بعنوانه موضوع للاعتصام. فلو قدم عليه دليل انفعال الماء القليل للزم إلغاء العنوان رأسا. وأما إذا كان مدرك الاعتصام، رواية ابن بزيع بالتقريب الاول أو الرابع أو الخامس، فالدلالة على اعتصام القليل بالاطلاق، ولا موجب لتقدمه على دليل الانفعال، وكذلك الامر إذا كان المدرك رواية محمد بن مسلم، لانها لو دلت على الاعتصام فانما تدل على ذلك باطلاقها لفرض ورود المتنجس على الماء الجاري، أو باطلاقها لفرض كون البول موجودا بعينه في الثوب عند وروده على عين المتنجس. وأما إذا كان المدرك للاعتصام رواية سماعة فقد يقال: إن دلالتها على اعتصام القليل النابع بالاطلاق، لان نفي البأس عن الماء الجاري الذي يبال فيه شامل للقليل الجاري بالاطلاق، فيكون معارضا مع دليل انفعال الماء القليل، وقد يقال: إن ظاهر السؤال والجواب في رواية سماعة أن عنوان الماء الجاري دخيل في الحكم، وحيث يلزم من تقييد الجواب بالكثير طرح هذا الظهور، فلا بد من تقديم رواية سماعة على أدلة الانفعال.

[ 353 ]

ثم في التقادير التي نفرض فيها التعارض بالعموم من وجه بين دليل انفعال الماء القليل ودليل اعتصام الماء النابع، لابد من تشخيص المرجع بعد تساقط الاطلاقين، وقد أفيد في المستمسك (1) أن المرجع عموم النبوي الدال على اعتصام الماء مطلقا ولو كان قليلا ما لم يتغير، ومثل النبوي الذي أفيد رواية حريز " كلما غلب الماء على ريح الجيفة فتوضأ واشرب ". ولكن قد يقال في مقابل ذلك: إنه يوجد مرجع فوفي في مرتبة ذلك المرجع يدل على النجاسة، وهو مادل على انفعال الماء مطلقا بملاقاة النجاسة، من قبيل رواية عمار بن موسى قال: سئل عن ماء شرب منه باز أو صقر أو عقاب؟ فقال. كل شئ من الطير بتوضأ مما يشرب منه إلا أن ترى في منقاره دما، فان رأيت في منقاره دما فلا توضأ منه ولا تشرب. وسئل عن ماء شربت منه الدجاجة؟ قال: إن كان في منقارها قذر لم يتوضأ منه ولم يشرب (2). فانه يمكن أن يقال: إن هذه الرواية تدل باطلاقها على أن الماء ينفعل بالقذر، سواء كان قليلا أو كثيرا، وسواء كان نابعا أو راكدا. وقد خرج منها الكثير بدليل اعتصام الكر، وأما القليل النابع فهو مورد التعارض، فيرجع فيه إلى إطلاق الرواية بعد تساقط المتعارضين. وإذا تم دليل على انفعال الماء مطلقا ودليل على اعتصام الماء مطلقا فليس أحدهما أولى بالمرجعية من الآخر بعد تساقط المتعارضين في الماء النابع، فيتعارض المرجعان أيضا، وبعد التساقط يتعين الرجوع إلى الاصول النافية والمؤمنة. وقد تلخص من مجموع المقامين المتقدمين أن الماء الجاري معتصم مطلقا


(1) مستمسك العروة الوثقى الجزء الاول ص 111 الطبعة الثانية. (2) وسائل الشيعة باب 4 من ابواب الاسئار حديث - 2، 3 -.

[ 354 ]

[ وسواء كان بالفوران أو بنحو الرشح (1) ومثله كل نابع وان كان واقفا (2). (مسألة - 1) الجاري على الارض من غير مادة نابعة أو راشحة إذا لم يكن كرا ينجس بالملاقاة (3). نعم إذا كان ] سواء كان كثيرا أو قليلا. (1) إذ لا فرق بينهما. سواء كان الدليل على اعتصام الماء رواية ابن بزيع أو الروايات الواردة في الماء الجاري: أما على الاول فلان دلالة الرواية على اعتصام الماء النابع إن كانت بلحاظ مادلت عليه من اعتصام ماء البئر مع إلغاء خصوصية البئرية، فمن الواضح أن البئر كما قد يكون في مادته فورانيا كذلك قد يكون رشحيا، فمع إلغاء الخصوصية يحكم باعتصام مطلق النابع. وإن كانت بلحاظ التعليل بالمادة والسعة. فمن المعلوم أن كون الماء ذا مادة لا يتوقف على أن تكون المادة على مستوى الفوران، إذ لم يؤخذ في مفهومها درجة خاصة من الامداد، وأما على الثاني فلان عنوان الماء الجاري متقوم بمطلق المادة أيضا، فينطبق على الجاري النابع من مادة رشحية. (2) أما بناءا على الاستدلال برواية ابن بزيع فواضح، إذ لم يؤخذ فيها عنوان الجريان، وأما بناءا على الاستدلال بروايات الماء الجاري فالجمود على مقتضى اللفظ - وإن كان يقتضي اعتبار فعلية الجريان في موضوع الاعتصام إضافة إلى المادة، لظهور اللفظة في فعلية التلبس بالمبدأ - ولكن يمكن أن يقال: إن مناسبات الحكم والموضوع الارتكازية عرفا تلغي خصوصية الجريان الفعلي، بحيث ينعقد للكلام ظهور في أن الماء الجاري موضوع للاعتصام بما هو ماء نابع لا بما هو ماء يجري بالفعل. (3) لوضوح أن المادة مقومة للحكم بالاعتصام. سواء كان دليل الاعتصام رواية ابن بزيع أو روايات الماء الجاري: أما على الاول

[ 355 ]

[ جاريا من الاعلى إلى الاسفل لا ينجس أعلاه بملاقاة الاسفل للنجاسة وإن كان قليلا (1). (مسألة - 2) إذا شك في أن له مادة أم لا وكان قليلا ينجس بالملاقاة (2). ] فواضح. سواء كان الاستدلال بلحاظ التعليل أو بلحاظ إلغاء خصوصية البئرية، وأما على الثاني فلظهور عنوان الماء الجاري في كونه نابعا عن مادة: إما في نفسه بدعوى انصرافه إلى انقسام الماء المعهود إلى الراكد والجاري، وإما بمناسبات الحكم والموضوع التي تأبى ارتكازتها عن جعل السيلان بمجرده ملاكا. (1) تقدم توضيح ذلك في مسائل الماء المضاف - فليراجع. (2) وتضيح ذلك: انه إذا كانت له حالة سابقة من ثبوت المادة أو عدمها جرى استصحابها ورتبت آثارها. وإذا كانت له حالتان متواردتان من المادة تارة وعدمها أخرى لم يجر الاستصحابان، إما للتعارض أو لعدم المقتضي، وقد يحكم في هذا الفرض بالنجاسة: إما تمسكا بعموم الانفعال، بناءا على صحة التمسك بالعام في الشبهة المصداقية، وإما تمسكا بقاعدة المقتضي والمانع، بدعوى أن المستفاد من دليل الانفعال ودليل الاعتصام بالمادة كون الملاقاة مقتضية للانفعال وكون المادة مانعة، فإذا أحرز المقتضي وشك في المانع جرت قاعدة المقتضي والمانع، وإما تمسكا بالقاعدة التي أفادها الميرزا في موارد الاستثناء من عام إلزامي بعنوان وجودي من لزوم إحراز ذلك العنوان، والكل غير تام، وعليه فمع ملاقاة الماء المشكوك للنجاسة يبنى على طهارته لاستصحاب الطهارة ولقاعدتها. وإذا لم يكن للماء المشكوك حالة سابقة اصلا - بأن كانت مادته مشكوكة من حين تكونه - فهذا يتميز على الفرض السابق بامكان إجراء

[ 356 ]

استصحاب العدم الازلي فيه، بناءا على صحته كبرويا، كما حققناه في الاصول. ثم إن السيد الاشتاذ - دام ظله - ذكر (1) انه في الفروض التي لا يجري فيها الاستصحاب لو غسل شئ تنجس بالماء المشكوك بنحو من الغسل الذي لا يكون مطهرا إلا على تقدير كونه ماءا نابعا معتصما - كما لو غسل الثوب به بوروده على الماء وقلنا بوجود دليل لفظي على اشتراط ورود الماء على المتنجس المغسول في غير المعتصم - فيجري في الثوب استصحاب النجاسة. وهذا الذي أفيد لا يتم على مبناه من عدم جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية، للمعارضة بين استصحاب بقاء المجعول واستصحاب عدم الجعل الزائد إذا عممنا المعارضة إلى الشبهات الحكمية الجزئية أيضا. نعم، إذا بنينا على جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية مطلقا، أو خصصنا إشكال المعارضة بالشبهات الحكمية الكلية، صح اجراء استصحاب النجاسة في الثوب المغسول كما افيد. وقد يتوهم وجود استصحاب موضوعي موافق. وهو استصحاب عدم وقوع الغسل المطهر، لان الغسل المطهر غسلان: إما الغسل بنحو الورود على الماء في القليل، أو مطلق الغسل مهما كان الوارد والمورود عليه ولكن في خصوص المعتصم، والاول معلوم العدم والثاني مستصحب العدم. ويندفع التوهم: بأن الغسل بالماء المعتصم موضوع مأخوذ بنحو التركيب لا بنحو التقييد، ومرجعه إلى الغسل بماء وان يكون معتصما أو ذا مادة مثلا، والمفروض أن الجزء الثاني ليست له حالة سابقة إثباتا أو نفيا.


(1) التنقيح الجزء الاول ص 124.

[ 357 ]

[ (مسألة - 3) يعتبر في عدم تنجس الجاري اتصاله بالمادة، فلو كانت المادة من فوق تترشح وتتقاطر فان كان دون الكر ينجس (1) نعم إذا لا قى محل الرشح للنجاسة لا ينجس. (مسألة - 4) يعتبر في المادة الدوام (2) فلو اجتمع الماء من المطر أو غيره تحت الارض ويترشح إذا حفرت لا يلحقه حكم الجاري. ] (1) وذلك لعدم الاتصال كما افاد. وتحقيق الحال في ذلك: أن عدم الاتصال تارة يكون لوضع حاجب يحول دون استمداد الماء من المادة، وفي مثل ذلك لا إشكال في أن عدم الاتصال يؤدي إلى عدم الاعتصام. وأخرى يكون عدم الاتصال نتيجة لكون الموضع المفروض للمادة منفصلا بطبعه عن محل تجمع الماء، كما هو مفروض المسألة في المتن. وفي مثل ذلك قد يقال: إن عدم الاتصال لا يضر بصدق عنوان المادة، إذ لا يراد بالمادة إلا أن للماء مخزنا يمون الماء ويمده بالمثل، ويكفي في صدق التموين والامداد أن تكون المادة بنحو تتقاطر من السقف باستمرار فان كان الاتصال معتبرا مع فرض صدق عنوان المادة بدونه فهو بحاجة إلى دليل. ولكن الصحيح اعتباره، وذلك لان تقوي الماء بالمادة المتقاطرة عليه مع عدم الاتصال الفعلي مما لا يتعقله العرف، إذ لا يتقبل الارتكاز العرفي أن يكون الجسم منفصل عن الآخر تأثير في عصمته وحفظه من الانفعال. ومثل هذا الارتكاز يكون من القرائن اللبية التي تمنع عن ثبوت إطلاق في دليل الاعتصام يشمل المادة المتقاطرة بالنحو المفروض. (2) اعتبار الدوام في المادة قد يكون ناظرا إلى التفصيل بين المادة الطبيعية والمادة الجعلية، وقد يكون ناظرة إلى التفصيل بين العيون المستمرة النبع في تمام الفصول والعيون التي تنبع في فصل دون فصل، وقد يكون

[ 358 ]

ناظرا إلى التفصيل بين المادة القوية والمادة الضعيفة التي تمد آنا وتكف عن الامداد آنا، وقد يكون ناظرا إلى التفصيل بين أن يكون النبع مستمرا حين ملاقاة النجس أو منقطعا بسد ونحوه، وقد يكون ناظرا إلى التفصيل بين مادة نابعة بالفعل ومادة يتوقف نبعها على أخذ شئ من مائها، وقد يكون ناظرا إلى التفصيل بين مادة نابعة بالفعل ومادة يتوقف نبعها على حفر زائد. أما التفصيل بين المادة الطبيعية والمادة الجعلية، فقد استوجهه السيد الاستاذ - دام ظله - (1) وحمل عليه عبارة المتن، وذكر أن المادة الجعلية لا توجب الاعتصام، لان ظاهر قوله " لانه له مادة " أن يكون للماء مادة يجري عنها الماء بطبعها، فلا تصدق المادة على الجعلية. فإذا جعلنا مقدارا من الماء في أرض منخفضة الاطراف أو اجتمع فيها ماء المطر، فانه يوجب الرشح في جوانبها وجريان الماء إلا أنها غير عاصمة، لان المادة جعلية. وما أفيد متين لابد من المصير إليه، ولكن يبقى بحاجة إلى تمييز ما هو الضابط لكون المادة طبيعية وجعلية، فقد يقال: إن المادة الطبيعية هي المادة المتكونة بدون دخل الانسان، والمادة العلية ما كانت من صنع الانسان. ولكن على هذا يصبح ماء المطر المجتمع في أرض منخفضة مادة طبيعية. لانه مجتمع بدون دخل الانسان فيه مع أنه قد اعتبر مادة جعلية. وقد يقال: إن المادة الطبيعية هي المادة التي تشعبت في أعماق الارض حتى أصبحت مجرد رطوبات وتتحول بالنبع إلى ماء نتيجة لتجمع تلك الرطوبات، وأما المادة الجعلية فهي ماء مستور في الارض، سواء كان الساتر هو الانسان أو أمرا طبيعيا. ولكن هذا أيضا مشكل، لان جملة من العيون التي نعتبرها طبيعية تحتوي عروقها الارضية على ماء بالفعل، فكون المادة مشتملة على ماء فعلي


(1) التنقيح الجزء الاول ص 129.

[ 359 ]

لا على مجرد رطوبات يؤكد عنوان المادة، فكيف يجعل مانعا عن صدق عنوان المادة المأخوذ مناطا للاعتصام. وقد يقال: إن العيون الطبيعية هي العيون التي تتمتع مادتها بصفة الدوام. لا بمعنى أنها تنبع في كل فصول السنة بل بمعنى أنها سواء كانت فصلية أو سنوية دائمة في ذلك العطاء السنوي والفصلي، ولا يقد بالدوام الدوام المطلق بل الزمن المديد عرفا الذي ينتزع العرف منه عنوان الدوام في مقابل المواد الجعلية التي ليس لها مثل ذلك الدوام عادة بل تنفد خلال أيام أو أسابيع أو شهور. وهذا هو الذي يفسر لنا نكتة التعبير عن اشتراط كون المادة طبيعية في مقابل الجعلية بدوام النبع. وأما التفصيل بين العيون الفصلية وغيرها. فهو بلا موجب بعد انطباق عنوان المعتصم على العين الفصلية في فصل نبعها. وكأنه خلط بين الدوام بالمعنى المقوم للمادة الطبيعية في مقابل الجعلية، والدوام بالمعنى المقابل للنبع الفصلي. وأما التفصيل بين العيون القوية والعيون الضعيفة التي تمد آنا وتكف آنا، فيحكم باعتصام الاولى مطلقا وعدم اعتصام الثانية في غير حالة الاتصال فهو كالتفصيل بين وجود ما يسد المادة وعدمه. ومرجع ذلك كله إلى اشتراط الاتصال الفعلي بالمادة في الاعتصام. وأما التفصيل بين مالا يتوقف نبعه على أخذ شئ منه وما يتوقف على ذلك نتيجة لوصول الماء إلى حد مساو لسطح النبع، فهو بلا موجب. لان عنوان المادة المأخوذ ملاكا للاعتصام لا يستنبطن النبع الفعلي، بل الاتصال بالماء على نحو يمده كلما نقص منه شئ، وهذا حاصل في المقام. وأما التفصيل الاخير فهو في محله. لان الماء إذا كان قد استنفد طاقته في طبقة من الارض وتوقف النبع على الحفر فلا مادة بالفعل، لان الماء

[ 360 ]

[ (مسألة - 5) لو انقطع الاتصال بالمادة - كما لو اجتمع الطين فمنع من النبع - كان حكمه حكم الراكد (1) فان أزيل الطين لحقه حكم الجاري وان لم يخرج من المادة شئ، فاللازم مجرد الاتصال. (مسألة - 6) الراكد المتصل بالجاري كالجاري، فالحوض المتصل بالنهر بساقية يلحقه حكمه، وكذا أطراف النهر وان كان ماؤها واقفا (2) (مسألة - 7) العيون التي تنبع في الشتاء مثلا وتنقطع في الصيف يلحقها الحكم في زمان نبعها (3). (مسألة - 8) إذا تغير بعض الجاري دون بعضه الآخر فالطرف المتصل بالمادة لا ينجس بالملاقاة وان كان قليلا (4) والطرف الآخر حكمه حكم الراكد إن تغير تمام ] الارضي في هذه الحالة لا يمد الماء النابع بشئ، فلا يكون معتصما. (1) هذا مبنى على اشتراط الاتصال بالمادة، وقد تقدم الكلام عن ذلك وتبين ان اشتراط الاتصال بأحد المعنيين مساوق لاشتراط المادة، واشتراطه بالمعنى الآخر بقرينة الارتكاز. (2) لان موضوع الاعتصام لو كان هو الماء الجاري لامكن دعوى الاستشكال، لاستظهار فعلية الجريان من العنوان جمودا على ظاهر اللفظ. ولكن بعد كون الموضوع هو الماء الذي له مادة، فهذا يتصدق في المقام بلا إشكال، لان الماء الراكد المفروض يستمد من المادة ولو أخذ منه شئ منحته المادة بدل ما تحلل منه، وهذا يجعله ماء له مادة فيحكم فاعتصامه (3) لما تقدم من عدم اشتراط الدوام بالمعنى المقابل للنبع الفصلي. (4) إذا تغير الماء النابع في الوسط فلا إشكال في نجاسة الماء المتغير،

[ 361 ]

[ قطر ذلك البعض المتغير، وإلا فالمتنجس هو المقدار المتغير فقط لاتصال ما عداه بالمادة. ] كما لا إشكال في طهارة المقدار المتخلل بينه وبين المادة واعتصامه، لكونه ماءا ذا مادة. وأما المقدار الواقع من الطرف الآخر فهو معتصم بالمادة بلا إشكال إذ لم يكن التغير قد شمل تمام قطر الماء في الوسط، لاتصاله بالمادة حينئذ اتصالا لا يتخلله الماء المتغير، وأما إذا كان التغير قد شمل تمام قطر الماء في الوسط، فهناك كلام في أن الماء الواقع في الطرف الابعد عن المادة هل يعتصم بالمادة أو أن المادة لا تعصمه لكون الماء المتغير الواقع في الوسط فاصلا ومانعا عن اتصاله بالمادة، فلا يحكم باعتصامه إلا إذا كان كرا في نفسه. ومع عدم كريته يحكم بانفعاله لملاقاته مع الماء المتغير. وقد احتمل صاحب الجواهر - قدس الله نفسه - (1) اعتصام الماء المتصل بالماء المتغير في هذه الصورة، بدعوى: أن تغير بعض الجاري لا يخرج البعض الآخر عن هذا الاطلاق. وأيضا احتمال الدخول تحت الجاري معارض باحتمال الخروج، فيبقى أصل الطهارة سالما. فيحكم عليه بالطهارة. وقد اعترض عليه السيد الحكيم - قدس الله سره - في المستمسك (2) بأن الانصراف موجب للخروج عن الاطلاق، وان معارضة احتمال الدخول باحتمال الخروج مرجعها إلى اجمال دليل اعتصام الجاري، والمتعين الرجوع حينئذ إلى عموم انفعال القليل لا أصالة الطهارة. وقد عولجت (3) كلتا النقطتين في كلام صاحب الجواهر بشكل آخر: أما النقطة الاولى - وهي تقريب شمول دليل الاعتصام للماء المفروض


(1) جواهر الكلام الجزء الاول ص 89 الطبعة السادسة. (2) مستمسك العروة الوثقى الجزء الاول ص 118. (3) جواهر الكلام الجزء الاول ص 89 الطبعة السادسة.

[ 362 ]

في محل الكلام - فقد اعترض على ذلك بأن موضوع الحكم بالاعتصام ليس هو عنوان الجاري، وانما حكم عليه بعدم الانفعال، لان له مادة، والمادة ما يمد الماء، والمادة بهذا المعنى غير متحققة في الماء المتأخر، فانه لا يستمد من المادة بوجه لانفصاله عنها، فلا يصدق انه ماء له مادة. وأما النقطة الثانية - وهي تقريب صاحب الجواهر للاجمال في دليل الاعتصام والرجوع إلى الاصل المقتضى للطهارة - فقد وجه ذلك بأن المسألة مبنية على النزاع المعروف حول التمسك بالعام أو استصحاب حكم المخصص، لان الدليل قد دل بعمومه على انفعال كل ماء قليل بملاقاة النجس، وقد خرج عنه القليل الذي له مادة، وحيث أنا فرضنا إجمال المخصص المذكور وكان المتيقن منه هو القليل الذي يستمد من مادته، ففيما زاد عليه يدور الامر بين استصحاب حكم المخصص والحكم بعدم الانفعال، لانه قبل أن يتغير المتوسط منه بالنجس كان محكوما بالطهارة وبين الرجوع إلى عمومات انفعال القليل، فلعل صاحب الجواهر يرجح استصحاب حكم المخصص في المقام. بدعوى أن الزمان حيث أن مأخوذ ظرفا لا بنحو مفرد فلا يوجد عموم أزماني يرجع إليه بعد انتهاء زمان التخصيص. أما ما أفيد (1) فيما يتصل بالنقطة الاولى فليس حاسما، لان موضوع الاعتصام - وإن كان هو الماء الذي له مادة - ولكن للقائل بطهارة الماء الابعد في مفروض الكلام أن يقول: إن مجموع الماء المشتمل على المتغير في الوسط هو ماء له مادة، لانه يستمد من منبعه بالضرورة، فيكون صداقا لموضوع الاعتصام. ومقتضى دليل الاعتصام لولا مادل على نجاسة المتغير أن طاهر بتمام أجزائه، غير أن مادل على نجاسة المتغير يقتضي سلب الاعتصام عن جزء من ذلك الماء وأما الباقي فيبقى مشمولا لدليل الاعتصام.


(1) التنقيح الجزء الاول ص 131.

[ 363 ]

ولا جواب لمثل هذا الكلام إلا الانصراف الذي أشير إليه في المستمسك وحاصله: أن الارتكاز العرفي يأبى عن تعقل اعتصام الماء الابعد بنحو الطفرة، ولا يتصور طفرة الاعتصام من أحد جانبي الماء المتغير إلى الآخر. وأما ما أفيد (1) فيما يتصل بالنقطة الثانية فهو لا يخلو عن إشكال، لان من يمنع عن التمسك بالعام بعد انتهاء زمان التخصيص كالمحقق الخراساني - قدس سره - مثلا نطره إلى العموم الازماني للعام، فحيث أن الزمان مأخوذ بما هو ظرف والحكم مجعول على نهج الدوام والاستمرار في عمود الزمان. فإذا انقطع في الوسط بالتخصيص وانتهى زمان التخصيص لا يوجد عموم أزماني في العام يرجع إليه. وهذا - لو تم - إنما يجري فيما إذا كان الشك متمحضا في حصة زمانية متأخرة، بأن يكون هناك فرد من أفراد العام له حصتان متتاليتان خرجت الاولى بدليل التخصيص ويشك في الثانية، فلا يتمسك لاثبات الحكم فيها بالعام إذا لم يكن الزمان مأخوذا بنحو مفرد على منى أمثال صاحب الكفاية، لان التمسك: إن كان بالعموم الافرادي للعام فهو غير صحيح، لان الشك ليس في خروج فرد زائد، وإن كان بالعموم الازماني فهو غير صحيح، لعدم وجود هذا العموم. وهذا من قبيل الشك في حرمة مقاربة الحائض بعد البرء وقبل الغسل، فان في هذا الفرض حصتين زمانيتين متتاليتين وهما زمان وجود الدم وزمان البرء وقبل الغسل، والشك إنما هو شك في سعة التخصيص من حيث الزمان. إلا أن شبهة القائل بعدم التمسك بالعام بعد انتهاء زمان التخصيص لا تأتي فيما إذا كان مركز الشك قابلا لفرضه في فرد من أول الامر، إذ يكون مرجع الشك في التخصيص حنيئذ إلى الشك في تخصيص أفرادي زائد،


(1) التنقيح الجزء الاول ص 131.

[ 364 ]

وهذا مما يمكن نفيه بالعموم الافرادي للعام. ومحل الكلام من هذا القبيل، فانا لو فرضنا أن الماء الابعد عن المادة المفصول عنها بالماء المتغير كان كرا، ثم نقص عن الكر فأصبح فردا من موضوع عموم دليل انفعال الماء القليل فهذا فرد من موضوع دليل العام يشك منذ صيرورته فردا لموضوع العام في شمول حكم العام له. والتمسك هنا بحسب الحقيقة تمسك بالعموم الافرادي لدليل العام، إذ لو لم يحكم بانفعال هذا الماء لكان معنى ذلك خروج فرد زائد، لا مجرد سعة دائرة الخروج الزمانية في الفرد المفروغ عن خروجه. وفي مثل ذلك لا إشكال في التمسك بالعام. وعلى كل حال فالصحيح هو الحكم بانفعال الماء الابعد إذا لم يكن كرا. لعدم شمول دليل الاعتصام له جزما بقرينية الارتكاز وبقائه تحت عمومات انفعال الماء القليل.

[ 365 ]

الماء الراكد (انفعال الراكد القليل بالنجس. عدم انفعاله بالمتنجس. اعتصام الكر. تقدير الكر بالوزن. تقديره بالمساحة. صور الشك في الكرية والملاقاة. فروع وتطبيقات).

[ 367 ]

فصل [ الراكد بلا مادة إن كان دون الكر ينجس بالملاقاة ] (1) (1) الكلام في انفعال الماء القليل يقع على مستويين: تارة على مستوى القضية المهملة، وأخرى على مستوى القضية الكلية التي تعني انفعال الماء بكل نجس ومتنجس: 1 - الحكم بالانفعال على نحو القضية المهملة أما الانفعال على نحو القضية المهملة فهو المشهور الذي استفاض نقل الاجماع عليه، ولم ينقل الخلاف فيه إلا من شواذ. وادعي أن النصوص الدالة على ذلك تبلغ المئات، والكلام في ذلك يقع في جهتين: الاولى في الرويات المستدل بها على الانفعال، والثانية في الروايات المستدل بها على عدم الانفعال: (أما الجهة الاولى) فالروايات التي استدل بها على الانفعال طوائف من الاخبار: " الطائفة الاولى " - مادل على انفعال الماء القليل بملاقاة النجس بلسان الحكم بالنجاسة عليه بعنوانها ولو مفهوما، كمفهوم قوله " إذا بلغ الماء قدر كر لا ينجسه شئ "، فان المفهوم - سواء كان موجبة كلية أو موجبة جزئية - يثبت النجاسة بعنوانها ولو على نحو القضية المهملة. " الطائفة الثانية " - مادل على على البأس عند ملاقاة النجاسة للماء القليل، من قبيل رواية سماعة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا أصاب الرجل جنابة فأدخل يده في الاناء فلا بأس إذا لم يكن أصاب يده شئ من المني (1)


(1) وسائل الشيعة باب 7 من ابواب الماء المطلق حديث - 9 -.

[ 368 ]

ومقتضى مفهوم هذه الرواية ثبوت البأس مع وقوع المني على اليد، والبأس - وإن لم يكن مساوقا للنجاسة مفهوما - ولكن الظاهر منه في المقام إرادة النجاسة، والتعبير عنها بالبأس لان ارتكازية نجاسة المني وارتكازية سراية النجاسة بالملاقاة في الجملة توجب انصراف ذهن الانسان العرفي المتشرعي المحتوي على تلك الارتكازات إلى فهم نجاسة الماء من البأس. " الطائفة الثالثة " - مادل على عدم جواز الوضوء بالماء القليل الملاقي لعين النجاسة، من قبيل رواية علي بن جعفر قال: سألته عن الدجاجة والحمامة واشباههما تطأ العذرة ثم تدخل في الماء يتوضأ منه للصلاة؟ قال: لا إلا ان يكون الماء كثيرا قدر كر من ماء (1). والجمود على دلالة اللفظ المنفصلة عن الارتكازات - وان كان لا يكفي لاستفادة النجاسة من دليل النهي عن الوضوء لانه لازم أعم - ولكن تتم هذه الاستفادة عن طريق فهم اللفظ في وضوء الارتكازات العرفية المتشرعية فان ارتكازية اشتراط الوضوء بطهارة الماء وارتكازية سراية القذارة بالملاقاة في الجملة توجب انصراف الكلام سؤالا وجوابا إلى حيثية نجاسة الماء وانفعاله بالقذر. ويؤكد النظر إلى هذه الحيثية استثناء فرض كثرة الماء. لان مناسبات الحكم والموضوع تقتضي مناسبة الكثرة للاعتصام. وكون استثناء الكثير استثناء من الحكم بالانفعال، فحمل الرواية على المانعية التعبدية لملاقاة الماء للقذر عن صحة الوضوء به، خلاف المفهوم عرفا على ضوء تلك الارتكازات. ومثل ذلك يقال عن الروايات الناهية عن الشرب من الماء الملاقي للنجس. " الطائفة الرابعة " - الروايات الآمرة بصب الماء وإراقته عند ملاقاة النجاسة له. من قبيل رواية ابي بصير قال: إذا دخلت يدك في الاناء


(1) وسائل الشيعة باب 8 من ابواب الماء المطلق حديث - 13 -

[ 369 ]

قبل أن تغسلها فلا بأس، إلا أن يكون أصابها قذر بول أو جنابة، فان أدخلت يدلك في الماء وفيها شئ من ذلك فأهرق ذلك الماء (1). ولما كان الامر بالاراقة ارشادا إلى عدم صلاحيته للاستعمال في الوضوء والغسل والتطهير والشرب، فيكون كاشفا عن سراية النجاسة إلى الماء على ضوء الارتكازات المشار إليها سابقا. بل قد يقال: إن الامر بالاراقة إرشاد إلى قذاره الماء ابتداءا، فان الشئ القذر يصح أن يعبر عرفا عن قذارته بلسان أهرقه، فيكون دالا عرفا على النجاسة وانفعال الماء مطابقة بلا حاجة إلى توسيط تلك الارتكازات. " الطائفة الخامسة " - ما فرض فيه وقوع قذر في أحد الاناثين وأمر باراقتهما معا والتيمم (2) وقد أفردنا هذه الطائفة عن سابقتها مع اشتراكهما في الامر بالاراقة لمزية في هذه الطائفة تجعلها أو ضح في الحكم اللزومي، وفي أن القذارة التي تثبتها في الماء الملاقي للنجس قذارة لزومية لا تنزيهية، لانها واردة في فرض انحصار الماء بالمائين المشتبهين، فلو كانت القذارة تنزيهية لكان اللازم التوضي من أحدهما وعدم الانتقال إلى البدل، وهو التيمم الذي لا تصل النوبة إليه إلا بعد تعذر الوضوء. " الطائفة السادسة " - ما دل من الاخبار عن النهي عن سؤر الكتابي ونحوه، من قبيل رواية سعيد الاعرج قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن سؤر اليهودي والنصراني؟ قال: لا (3).


(1) وسائل الشيعة باب 8 من ابواب الماء المطلق حديث - 4 -. (2) من قبيل رواية سماعة عن ابي عبد الله عليه السلام في رجل معه اناء ان وقع في احدهما قذر ولا يدري أيهما هو وليس يقدر على ماء غيرهما؟ قال: يهربقهما ويتمم. وسائل الشيعة باب 12 من ابواب الماء المطلق. (3) نفس المصدر باب 3 من ابواب الاسئار حديث - 1 -.

[ 370 ]

وهذه الاخبار، إذا لم تقترن بما يدل على أن المراد بالسؤر منها الماء المطلق خاصة، فهي إنما تدل على انفعال الماء المطلق باطلاق، لان عنوان السؤر يشمله. ودلالتها على ذلك تتوقف على أن لا يكون الملحوظ في السؤال عن سؤر الكافر الاستفهام عن نجاسته وعدمه، والا لكانت الرواية سؤالا وجوابا بصدد إثبات النجاسة للكافر، ولا تكون في مقام البيان من ناحية أن أي قسم من السؤر ينفعل وأي قسم لا ينفعل. وعلى هذا فلابد من الاتجاه إلى الاستدلال حينئذ بما يشتمل على قرينة تعين أن المراد بالسؤر منه الماء. ولكن روايات سؤر الكتابي مبتلاة بالروايات الدالة على طهارة أهل الكتاب، وبعد تقديم روايات الطهارة عليها المقتضية لطهارة السؤر وحمل النهي على التنزه، يشكل الاستدلال بها في المقام على انفعال الماء القليل بملاقاة النجس. " الطائفة السابعة " - الاخبار التي دلت على الامر بغسل ما يلاقي الماء الملاقي للنجاسة، من قبيل في رواية عمار: وأغسل كل ما أصابه ذلك الماء (1). أو قوله في رواية علي بن جعفر الواردة في خنزير يشرب من إناء كيف يصنع به؟ قال: يغسل سبع مرات (2). فان شرب الخنزير من الاناء لا يسارق عادة ملاقاة الخنزير لنفس الاناء فالامر بغسل الاناء كان على أساس ملاقاته للماء الذي يشرب منه الخنزير. وبهذه الطائفة نثبت أولا نجاسة الملاقي الذي تعلق الامر بغسله، وثانيا نجاسة الماء الذي كانت ملاقاة الشئ له سببا للامر بغسله. أما الاول - فلان الامر بالغسل عموما يدل على النجاسة، وذلك


(1) وسائل الشيعة باب 4 من ابواب الماء المطلق. (2) وسائل الشيعة باب 1 من ابواب الاسئار حديث - 2 -.

[ 371 ]

لنكتتين نوعيتين: إحداهما من ناحية أن ارتكازية كون الغسل بالماء هو المنظف للشئ من القذارات العرفية، فان ارتكاز ذلك مع ارتكازية وجود قذارات ونجاسات شرعية في الجملة يوجب انصراف الذهن العرفي والمتشرعي - عند توجه الامر بالغسل من قبل الشارع - إلى أن ذلك على أساس نجاسة الشئ شرعا. والارشاد إلى ما هو المطهر له، وليس أمرا نفسيا. والاخرى من ناحية مادة الغسل التي تساوق عرفا مع الازالة والتنظيف، فالامر بالغسل يساوق الامر بازالة القذر، فيكون دالا على النجاسة. وأما الثاني - فللتلازم الارتكازي عرفا بين نجاسة الشئ بسبب ملاقاته. للماء ونجاسة ذلك الماء، فالدليل على نجاسة الملاقي - بالكسر - دال على نجاسة الملاقي - بالفتح -. " الطائفة الثامنة " - الروايات الدالة على اعتصام عناوين مخصوصة، وتعليل هذا الاعتصام بعلل مخصوصه، من قبيل مادل على اعتصام عنوان ماء البئر أو الماء الجاري أو الماء الذي له مادة أو ماء البئر لان له مادة، ونحو ذلك من الالسنة الواردة في الروايات التي لا معنى لها لو كان الحكم بالاعتصام ثابتا للمياه عموما قليلها وكثيرها على السواء، وهذه الروايات تكفي لنفي الاعتصام المطلق للماء، ولكنها لا تدل على أن كل ماء قليل ينفعل بملاقاة النجاسة. هذه طوائف ثمانية تدل على انفعال الماء القليل بملاقاة النجاسة، أفردنا كل واحدة منها عن الباقي لتميز في تقريب الدلالة أو درجتها أو مناقشة الاستدلال. وباستيعاب ما تقدم من الطوائف يبدو أن دليل الانفعال واضح جدا. (وأما الجهة الثانية) فقد استدل على عدم انفعال الماء القليل بملاقاة

[ 372 ]

النجاسة بعدد من الروايات: منها: رواية زرارة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن الحبل يكون من شعر الخنزير يستقى به الماء من البئر يتوضأ من ذلك الماء؟ قال: لا بأس (1). وتقريب الاستدلال بها كما عن السيد الاستاذ - دام ظله - (2) أن شعر الخنزير نجس، والغالب تقاطر الماء من الحبل على الماء الموجود في الدلو، فلو كان القليل ينفعل بملاقاة النجس لتنجس ماء الدلو، فحكم الامام بجواز الوضوء من ماء الدلو دليل على عدم انفعال الماء القليل. وقد اعترض - دام ظله - على ذلك بأربع اعتراضات: الاول - أن هذه الرواية ساقطة عن الحجية، لان دليل انفعال الماء القليل قطعي السند نتيجة لاستفاضة روايات الانفعال، فتكون هذه الرواية معارضة للسنة القطعية، وهذا يسبب سقوطها. الثاني - ان من الجائز أن لا يكون الحبل المتخذ من شعر الخنزير متصلا بالدلو على نحو يصل إليه الماء ويتقاطر منه على الدلو، وإنما سأل الراوي لاحتمال بطلان الوضوء بذلك الماء، لا من أجل نجاسته بل من أجل أن الوضوء امر عبادي وقد تختل عباديته باستقاء له بنجس العين، إذ قد يكون استعمال نجس العين حراما. الثالث - ان دلالة الرواية على عدم انفعال القليل بالاطلاق، لان ماء الدلو قد يكون قليلا وقد يكون كرا، فيقيد بأدلة الانفعال. الرابع - أن الرواية لعلها ناظرة إلى طهارة شعر الخنزير، وعليه فيتعين حملها على التقية، لذهاب جماعة من العامة إلى عدم نجاسة شعر الخنزير والكلب


(1) وسائل الشيعة باب 14 من ابواب الماء المطلق حديث - 2 -. (2) التنقيح الجزء الاول ص 144.

[ 373 ]

والتحقيق أن هذه الاعتراضات الاربعة لا يمكننا التسليم بأي واحد منها بالصيغة التي نقلناها: أما الاعتراض الاول - فيرد عليه أن الرواية ليس معارضة للدليل القطعي المتحصل من الروايات المستفيضة الدالة على الانفعال، لان جل تلك الروايات إنما ورد في انفعال الماء القليل بعين النجس. ورواية زرارة لا تدل على أن ماء الدلو للا ينفعل بملاقاة عين النجس. وإنما تدل على أنه لا ينفعل بقطرات الماء الواقعة فيه بعد ملاقاتها للحبل المتخذ من شعر الخنزير، وهذه القطرات متنجسة، فغاية ما تدل عليه أن الماء القليل لا ينفعل بملاقاة المتنجس ولو كان مائعا. وهذه المعنى لا يتعارض مع السنة القطعية، لكي تسقط الرواية عن الحجية. وبما ذكرناه ظهر الجواب الصحيح على الاستدلال بهذه الرواية، وهو أنها إذا تمت دلالتها فهي لا تنفي الانفعال بعين النجس الذي هو موضوع البحث فعلا. وأما الاعتراض الثاني - فيرد عليه: أن احتمال بطلان الوضوء والخلل في عباديته بسبب الاستقاء له على وجه محرم وإن كان موجودا عقلا ولكنه ليس احتمالا عرفيا، فيكون حمل نظر السائل عليه خلاف الظهور العرفي لسؤاله. لان الاحتمال العرفي ما كانت حيثياته المشكوكة من الحيثيات التي يلتفت إليها العرف بما هو عرف ويترقب أن تكون منشأ للحكم شرعا بالبطلان. ولا شك أن مصداق ذلك في الرواية هو احتمال بطلان الوضوء من ناحية النجاسة، لا احتمال البطلان من ناحية أن عبادية الوضوء تنافي مع الحصول على الماء بمقدمة محرمة. وهي استخدام نجس العين مثلا. وخصوصا أنه لم يفرض في الرواية سؤالا ولا جوابا أن المتوضئ هو نفس الذي يستقي من البئر، بل ظاهر الرواية السؤال عن صحة الوضوء من ماء الدلو

[ 374 ]

في نفسه، سواء كان المتوضئ هو نفس الشخص الذي استقى أو غيره. ومن الواضح في هذا الضوء أن الجهة المنظورة ليست هي منافاة العبادية مع المقدمة المحرمة. إذا لا يتصور ذلك مع توضي غير المستقي، وإنما هي نجاسة الماء التي لا يفرق فيها بينما أن يكون المتوضئ نفس المسقي أو غيره. وأما الاعتراض الثالث - فيرد عليه: الدلو لو سلم أنه يشمل الاحجام الكبيرة التي تسع كرا من الماء. فلا شك في أن تقييد الحكم في الرواية بصورة كون ماء الدلو كرا ليس عرفيا، لان الغالب في الدلو أن يكون أقل منذلك، فيكون تقييدا بالفرد بالنادر. وما أفاده السيد الاستاذ في هذا الاعتراض من حمل الدلو على الكر ينافي ما صرح به في رواية ابي مريم الانصاري من غرابة حمل الدلو على الكر (1). وأما الاعتراض الرابع - فيرد عليه: أن نجاسة شعر الخنزير إما أن تكون ثابتة بدليل خاص قطعي يحتم حمل مادل على طهارته على التقية، وإما أن تكون ثابتة بدليل خاص ظني معتبر، وإما أن تكون ثابتة باطلاق دليل نجاسة الخنزير، بدعوى أن اطلاق ما دل على نجاسة الخنزير يقتضي نجاسة تمام اجزائه حتى الشعر. أما على الاول: فيندفع الاعتراض الرابع بأن القائل بعدم انفعال الماء القليل يمكنه أن يستدل على ذلك بالمجموع المركب من رواية زرارة والدليل القطعي الدال على نجاسة شعر الخنزير، لان المجموع المركب منهما يدل بالالتزام على أن الماء القليل لا ينفعل بالملاقاة، لان جواز الوضوء من ماء الدلو له أحد سببين: إما طهارة شعر الخنزير، وإما عدم انفعال الماء القليل. فالدال على الجواز مع الدال على نفي السبب الاول المحتمل يدل التزاما على نعين السبب الثاني، فيكون المجموع المركب من الدالين طرفا


(1) التنقيح الجزء الاول ص 145.

[ 375 ]

للمعارضة مع أدلة الانفعال. ولكن حيث أن الدال على نفي السبب الاول المحتمل قطعي - بحسب الفرض - فسوف يكون طرف المعارضة الحقيقي مع أدلة الانفعال الدليل الدال على الجواز، وهو رواية زرارة، ومع تكافؤ المتعارضين يتساقطان معا ويظل دليل نجاسة شعر الخنزير ثابتا. وأما على الثاني: فالمعارضة أيضا تقع بين مجموع الدالين ودليل الانفعال غير أن هذه المعارضة سوف تكون على هذا التقدير ثلاثية الاطراف، بمعنى العلم بأن واحدا من الادلة الثلاثة لابد من سقوطه. لان نجاسة شعر الخنزير وانفعال الماء القليل وجواز الوضوء من ماء الدلو لا يمكن أن تثبت جميعا، ومع فرض التكافؤ تسقط الاطراف الثلاثة جميعا. وأما على الثالث -: فالمعارضة أيضا ثلاثية الاطراف، لكن حيث أن دليل نجاسة شعر الخنزير على هذا التقدير ليس إلا إطلاق دليل نجاسة الخنزير، فيمكن أن يكون المجموع المركب من دليل انفعال الماء القليل بالملاقاة ورواية زرارة الدالة على جواز الوضوء من الدلو مقيد لذلك الاطلاق، لان هذا المجموع المركب يدل بالالتزام على طهارة شعر الخنزير، فيقبد اطلاق دليل نجاسة الخنزير به. ونتيجة ذلك الالتزام بطهارة شعر الخنزير وانفعال الماء القليل بالملاقاة. وقد تلخص مما ذكرناه أن تقريب الاستدلال بالرواية بالطريقة التي أفادها السيد الاستاذ، لو تم لا يثبت وجهة نظر المنكر للانفعال في هذه المسألة. لانه يدل على عدم انفعال ماء الدلو بالمتنجس لا عدم انفعاله بعين النجس، ولهذا لابد من تغيير تقريب الاستدلال وبيانه على نحو ينتج - لو تم - عدم انفعال الماء القليل بملاقاة عين النجس. وتفصيل ذلك: أن الحيثية الملحوظة للسائل في سؤاله مرددة ثبوتا بى ما يلي من حيثيات:

[ 376 ]

1 - أن تكون هي احتمال بطلان الوضوء، لانعباديته تنافي مع ارتكاب مقدمة محرمة في طريقه. 2 - أن تكون هي احتمال بطلان الوضوء، لاحتمال نجاسة ماء الدلو بسبب القطرات المتساقطة عليه من الحبل. 3 - أن تكون هي احتمال بطلان الوضوء، لاحتمال نجاسة ماء الدلو بسبب أن ماء البئر لعله غير معتصم وينفعل بملاقاة الحبل. 4 - أن تكون هي احتمال بطلان الوضوء بعد الفراغ عن اعتصام ماء البئر، لاحتمال نجاسة ماء الدلو بسبب ملاقاة الحبل له بعد انفصاله عن ماء البئر. 5 - أن تكون الجهة الملحوظة للسائل هي أن شعر الخنزير هل هو نجس لكي ينفعل ماء الدلو أو طاهر. 6 - أن تكون الجهة الملحوظة للسائل هي الشك في الملاقاة بعد الفراغ عن الانفعال على تقديرها. والاحتمال الاوسط سابقط بالظهور العرفي كما تقدم. وكذلك الاحتمال الثالث، لان مرجعه إلى أن السؤال حقيقة عن حكم ماء البئر، مع أن ظاهر توجه السؤال في الرواية إلى الوضوء من ماء الدلو لا إلى ماء البئر أن المحذور المنظور للسائل مرتبط بماء الدلو لا البئر، وإلا لكان الانسب عرفا جعل ماء البئر نفسه محطا للسؤال، ولو كان غرض السائل التعرف على حكم البئر وكان جهله بحكم ماء الدلو بسبب عدم معرفته بحكم ماء البئر من حيث الاعتصام والانفعال. والاحتمال الخامس ساقط أيضا، ولو بلحاظ ضم الدليل الخاص الدال على نجاسة شعر الخنزير - إذا كان موجودا - بالنحو الذي أو ضحناه في مناقشة الاعتراض الرابع السيد الاستاذ - دام ظله -.

[ 377 ]

والاحتمال السادس تقييد الاطلاق بلا موجب، لان الفرضية المطروحة من قبل السائل - كما تناسب مع الشك في ملاقاة ماء الدلو للقطرات المتساقطة أو للحبل - كذلك تناسب مع الجزم بتساقط القطرات. وحيث أن الشك بعنوانه لم يؤخذ في السؤال ولا في الجواب، فمقتضى الاطلاق سؤالا وجوابا وعدم تقييد الحكم بالجواز سؤالا وجوابا بصورة الشك، أن النظر إلى الحكم الواقعي لا إلى الحم الظاهري في صورة الشك. فيبقى الامر دائرا بين الاحتمالين الثاني والرابع، وحينئذ يتوقف الاستدلال بالرواية على عدم انفعال الماء القليل بملاقاة عين النجس على أحد أمور: الاول - أن يدعى استظهار الاحتمال الرابع من الرواية. الثاني - أن يدعى كون الملاقاة بين الحبل وماء الدلو أمرا غالبيا ولازما عاديا في الفرضية التي طرحها السائل، فان هذه الغلبة الخارجية تنفع لاثبات عدم الانفعال بعين النجس ولو لم يكن نظر السائل إلى الحيثية المذكورة في الاحتمال الرابع. فمثلا: لو فرضنا أن السائل كان يسأل بلحاظ القطرات المتساقطة أو بلحاظ احتمال البطلان التعبدي، وكان الماء القليل ينفعل بملاقاة عين النجاسة، وكانت ملاقاة الحبل لماء الدلو أمرا غالبيا وعاديا في مورد الرواية، للزم أن يكون الحكم بالجواز حيثيا لا فعليا، أي أن يكون جوازا بلحاظ النايحة الملحوظة للسائل دون أن يكتسب الفعلية أصلا في مقام العمل، وهذا خلاف الظاهر. الثالث - أن يفترض اجمال السؤال، فلا يعلم هل يسأل عن حكم ملاقاة الحبل لماء الدلو أو حكم ملاقاة القطرات المتساقطة له. ولكن حيث أن الامام عليه السلام حكم بجواز الوضوء دون أن يستفصل ويراجع السائل في تعيين مقصوده. فيدل جوبه باطلاق الناشئ من ترك الاستفصال على أنه

[ 378 ]

لا محذور، سواء كان الملحوظ ملاقاة نفس الحبل لماء الدلو أو ملاقاة القطرات. وهذه الامور الثلاثة كلها غير تامة: أما الاول - فلانه لا موجب لاسظتهار الاحتمال الرابع من الرواية، لان نظر السائل في شكه الباعث على السوال بما هو نسان عرفي صالح للاتجاه إلى حيثية ملاقاة نفس الحبل للماء وإلى حيثية ملاقاة القطرات، بل لعل الثاني أقرب، لان الحيثية الملحوظة للسائل لابد أن تكون - مهما امكن - مأخوذة من نفس سؤاله: إما بأن تكون مفروضة في السؤال صريحا، وإما بأن تكون لازما عاديا أو غالبى للفرضية المطروحة في السؤال. وحيثية ملاقاة الحبل لماء الدلو بعد انفصاله عن ماء البئر لم تفرض في كلام السائل ولا هي من اللوازم الغالبية للفرضية المطروحة من قبله، بل الغالب خلافها لان الدلو بعد ملئه بالماء ومحاولة جذبه إلى أعلى يتوقف صعوده على جذب الحبل فيكون الحبل أول ما يجذب ثم الدلو، فأين تحصل ملاقاة الحبل لماء الدلو بعد انفصاله عن ماء البئر؟ وعلى العكس من ذلك حيثية تقاطر القطرات من الحيل في ماء الدلو، فانها - وإن لم يصرح بها السائل - ولكنها من الامور العادية بالنسبة إلى الفرضية التي طرحها، فينصرف السؤال إليها. وبما ذكرناه يظهر بطلان الامر الثاني القائم على أساس دعوى غلبة ملاقاة الحبل لماء الدلو، فقد عرفت أنالغالب عكس ذلك، ولا أقل من عدم إحراز هذه الغلبة. وأما الامر الثالث المبني على افتراض الاجمال في السؤال، فهو من صغرات بحث كلي في أن الاجمال في السؤال هل يسري إلى الجواب أولا، من عدم إحراز هذه الغلبة. وقد حققنا ذلك في بحث سابق وأثبتنا سريان الاجمال. وعليه فلا يمكن الاستدلال بالرواية على عدم انفعال الماء القليل بملاقاة

[ 379 ]

عين النجس، وسوف يأتي الحديث عن الرواية مرة أخرى ان شاء الله تعالى من زاوية الاستدلال بها على عدم انفعال الماء القليل بملاقاة المتنجس. ومنها: ما عن زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: قلت له: رواية من ماء سقطت فيها فارة أو جرذ أو صعوة ميتة؟ قال: إذا تفسخ فيها فلا تشرب من مائها ولا تتوضأ تصبها، وإن كان غير متفسخ فاشرب منه وتوضأ واطرح الميتة إذا أخرجتها طرية، وكذلك الجرة وحب الماء والقربة وأشباه ذلك من أوعية الماء. قال: وقال أبو جعفر عليه السلام: إذا كان الماء اكثر من رواية لم ينجسه شئ تفسخ فيه أو لم يتفسخ فيه، إلا أن يجئ له ريح تغلب على ريح الماء (1). وتقريب الاستدلال بها واضح، وقد يعترض على ذلك باعتراضين: (2) الاول: أن القائل بانفعال الماء القليل يقول إنه ينفعل بملاقاة الميتة سواء تفسخت فيه أم لا، والقائل بعدم الانفعال يقول إنه لا ينفعل بالملاقاة سواء تفسخت الميتة فيه أم لا ما لم يحصل التغير. فالتفصيل في انفعال الماء القليل بين حالة التفسخ وعدمه - كما في الرواية - مما لم يقل به أحد. الثاني: ان مقدار الرواية أقل من الكر، وقد حكمت الرواية بالفرق بين ما يزيد على راوية وما هو أقل من ذلك. مع أنه لا قائل بهذا الفرق، لان القائل بالانفعال يفرق بين الكر وما هو أقل منه، والقائل بعدمه لا يفرق بين القليل والكثير أصلا. أما الاعتراض الاول - فيمكن الجواب عليه بأن الرواية لها دلالتان: إحداهما دلالة بالصراحة على أن الملاقاة لعين النجس بمجردها لا تسبب انفعال الماء القليل، والاخرى دلالة بالظهور على أن الملاقاة المقرونة بالتفسخ


(1) وسائل الشيعة باب 3 من ابواب الماء المطلق حديث - 8 و 9 -. (3) التنقيح الجزء الاول ص 146.

[ 380 ]

توجب الانفعال، فان كنا نحتمل فقيها أن يكون للتفسخ بعنوانه تأثير في الانفعال - بوصفه مرتبة متوسطة بين الملاقاة المجردة والتغير - تعين الاخذ بكلتا الدلالتين للرواية. وإن كنا لا نحتمل فقهيا ذلك فلابد من الاخذ بالدلالة الاولى للرواية ورفع اليد عن ظهور الدلالة الثانية في موضوعية التفسخ بعنوان للحكم بالانفعال، وحمله على أن أخذ باعتباره لحدوث التغير ولو في مقدار قليل من الماء، وهو المقدار الذي يحيط بالميتة المتفسخة ويتخللها. فان هذا المقدار يتغير عادة سبب تفسخ الميتة فيكون نجسا. وحينما يتوضأ الشخص من الماء ويختلط بعضه ببعض - وإن كان ذلك المقدار المتغير سوف يختلط بغيره عادة ويزول تغيره - ولكن زوال التغير عن الماء القليل قد لا يكون مطهرا ما لم يتصل بالمادة أو الكر. وبذلك يظهر الفرق بين ما إذا تفسخت الميتة في ماء كثير كر أوفي ماء قليل، فان مقدارا قليلا من الماء - وإن كان سوف يتغير في كلتا الحالتين - ولكن المقدار المتغير في الكثير يطهر إذا زال عنه التغير بالاتصال بالكثير، وأما المقدار المتغير في القليل فلا يطهر لانه لم يتصل بالكثير. وهكذا نلاحظ إمكان توجيه الفرق بين حالة التفسخ وعدمه في الماء القليل، وتوجيه الفرق بين حالة التفسخ في القليل وحالة التفسخ في الكثير، بعد البناء على أن التفسخ يلازم عادة تغير مقدار قليل من الماء، والبناء على أن المتغير لا يطهر حتى إذا زال تغيره إلا بالاتصال بالمادة أو الكثير، ولا يكلف ذلك إلا رفع اليد عن ظهور الدلالة الثانية للرواية في كون التفسخ مأخوذا على وجه الموضوعية للحكم بالانفعال. ومن المعلوم أن تعين رفع اليد عن ذلك لا يسوغ رفع اليد عن الدلالة الاولى الصريحة في عدم الانفعال. وأما الاعتراض الثاني - فيرد عليه: أن عنوان اكثر من راوية إن لم يكن مطابقا أو مقاربا لمقدار الكر. فهو على الاقل عنوان مطلق قابل

[ 381 ]

للتقييد بالكر، فلا يؤدي الاعتراض المذكور الا إلى رفع اليد عن إطلاق هذا العنوان. وقد نقل عن ابن الجنيد أن الكر قلتان والقلتان راوية، مع انه لم ينقل عنه شئ في وزن الكر خلاف ما عليه المشهور. وهذا يبرر احتمال أن تكون الرواية في ذلك العصر مقاربة للكر وزنا، ولو فرضنا أن الراوية كانت اقل من الكر فليقيد اطلاق قوله " إذا كان اكثر من راوية " بالكر. وقد جاء في التنقيح في بحث مساحة الكر الاعتراف بأن مادل من هذه الراوية على اعتصام ما كان اكثر من راوية قابل للتقييد. فالمهم في التخلص من الاستدلال بالراوية المذكورة على الانفعال ضعف السند، لانه جاء في طريقها علي بن حديد، وهو لم يوثق. نعم الجملة الاخيرة الخارجة عن محط الاستدلال - وهي " إذا كان الماء اكثر من راوية " الخ - نقلت بسند صحيح ولم يعلم فيه النقل عن الامام. ومها: مادل على عدم انفعال الماء الا بالتغير، من قبيل رواية حريز " كلما غلب الماء على ريح الجيفة فتوضأ واشرب، فإذا تغير الماء وتغير الطعم فلا توضأ منه ولا تشرب " (1). ورواية العلاء بن الفضيل قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن الحياض يبال فيها؟ قال: لا بأس إذا غلب لون الماء لون البول. ونحوهما غيرهما (2). ويرد على الاستدلال بهذه الروايات: أما ما أخذ في موضوعها عنوان الحوض ونحوه - كرواية العلاء - فقد يتأمل في شمولها للقليل، بدعوى انصراف الحياض التي يبال فيها للكثير. وان منع هذا الانصراف فحالها حال رواية حريز وغيرها، وهي لا تشكل دليلا على عدم انفعال


(1) و (2) وسائل الشيعة باب 3 من ابواب الماء المطلق حديث - 1، 7 -.

[ 382 ]

القليل الا باطلاقها للماء القليل، وهو إطلاق قابل للتقييد بالروايات الواردة في انفعال الماء القليل الراكد بأنحاء من الملاقاة التي لا تقتضي التغيير عادة، لان هذه الروايات أخص مطلقا من أمثال رواية حريز. ولا نحتاج مع هذا إلى دعوى تقييد إطلاق رواية حريز وأضرابها بمفهوم " إذا بلغ الماء قدر كر لا ينجسه شئ " كما أفيد (1) لكي ينشأ اشكال حاصله: إن منطوق هذه الجملة ينفي انفعال الكر حتى بالتغير. ومفهومها يدل على نقيض السالبة الكلية، أي على انفعال القليل في الجملة، والقدر المتيقن منه الانفعال بالتغير، فلا يكون فيها ما يدل على انفعال القليل بمجرد الملاقاة لكي تكون مقيدة لاطلاق رواية حريز الدال على عدم الانفعال. وقد أجاب السيد الاستاذ - دام ظله - على هذا الاشكال: بأن الانفعال بالتغير خارج عن إطلاق النفي في المنطوق، بل المنفي منطوقا هو الانفعال بالملاقاة. بقرينة مادل على انفعال ماء البئر بالتغير، مع أن الغالب فيه الكرية. وراية شهاب بن عبد ربه الواردة في الكر المتغير والحاكمة بانفعاله، وإذا كان المنفي منطوقا هو الانفعال بالملاقاة فالثابت مفهوما هو انفعال القليل بالملاقاة، فيكون مقيدا لاطلاق رواية حريز. وما أفيد من اختصاص النفي في المنطوق بالملاقاة وعدم شموله للتغير بالقرينتين المشار اليهما، لا يخلو من إشكال: أما القرينة الاولى فلان جمهور الفقهاء الذين بنوا على انفعال ماء البئر بالملاقاة مطلقا التزموا بامكان اسوئية ماء البئر من الماء الراكد، وإذا كان احتمال الاسوئية ثابتا فلا يمكن الاستدلال بما دل على انفعال ماء البئر بالتغير على أن الماء الراكد ينفعل بالتغير أيضا. وأما القرينة الثانية فلان رواية شهاب غير تامة سندا وان عبر عنها في التنقيح


(1) التنقيح الجزء الاول ص 138.

[ 383 ]

بالصحيحة (1). وقد تقدم في بحث التغير وانفعال الكر المتغير ماله نفع في المقام - فليلا حظ. ومنها: خبر محمد بن ميسر قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل الجنب ينتهي إلى الماء القليل في الطريق ويريد أن يغتسل منه وليس معه إناء يغرف به ويداه قذرتان؟ قال: يضع يده ثم يتوضأ ثم يغتسل، هذا مما قال الله عزوجل " ما جعل عليكم في الدين من حرج " (2). والاستدلال بهذا الخبر وتمييزه عن المطلقات السابقة - من قبيل رواية حريز - مبني على أن يكون القليل المأخوذ قيدا في كلام السائل بالمعنى المقابل للكثير العرفي، فيكون الخبر واردا في الماء القليل بالمعنى المبحوث عنه. ولا مجال لتقييده بأدلة الانفعال، ولكن حمل القليل على هذا المعنى بلا موجب كما اشار إليه السيد - قدس سره - في المستمسك (3)، بل لعله بمعنى القليل العرفي الصادق على مالا يمكن الارتماس فيه ولو كان كرا، فيقبل التقييد بأدلة الانفعال. ولا فرق في تسجيل هذه المناقشة في الاستدلال بين أن نفترض أن نظر السائل إلى احتمال محذور انفعال الماء بملاقاة النجاسة، أو إلى احتمال نجاسة الماء بوصفه ماء مستعملا كما احتمل ذلك في التنقيح (4) نظرا إلى أن جماعة من فقهاء العامة أفتوا بأن الماء المستعمل نجس ما لم يبلغ عشرة أشبار في عشرة، غير أن قوله " وليس معه إناء يغرف به ويداه قذرتان " واضح في أن للسائل نظرا إلى انفعال الماء بالقذارة، وليس نظره إلى محذور الماء


(1) الجزء الاول ص 137. (2) وسائل الشيعة باب 8 من ابواب الماء المطلق حديث - 5 -. (3) مستمسك العروة الوثقى الجزء الاول ص 120 الطبعة الثانية. (4) الجزء الاول ص 140.

[ 384 ]

المستعمل فقط. وقد يجاب على الاستدلال بهذا الخبر عن طريق ابراز قرينة على اختصاص هذا الخبر بالماء البالغ كرا، وهو ظهور كلام الامام في أن الحكم بالانفعال في مورد الرواية يعتبر لونا من الحرج، مع أن من الواضح عدم الحرج في الحكم بانفعال الماء القليل كما في المستمسك (1). ولكن قد يكون تطبيق الحرج مع افتراض أن الماء قليل بعناية انحصار الماء بذلك الماء القليل، كما يناسبه مورد الرواية، فيكون الحكم بانفعال الماء القليل في هذا الفرض مؤديا إلى بقاء المسافر على نجاسته وحدثه ووقوعه في المشقة العرفية من هذه الناحية، فمثل هذا يكفي لتبرير الاستشهاد بنفي الحرج عرفا فالمهم إذن هو أن الرواية تدل على عدم انفعال القليل بالاطلاق القابل للتقييد. وإذا لم نستظهر من القذاره في قوله " ويداه قذرتان " القذارة العينية بالخصوص، فهناك إطلاق آخر في الرواية من ناحية وجود عين النجس على اليد وعدمه، فلو فرضنا أنه كان مختصا بالقليل المقابل للكر يظل قابلا للتقييد أيضا بما دل على انفعال الماء القليل بملاقاة عين النجاسة. ومنها: خبر أبي مريم الانصاري الدال على أن الامام عليه السلام توضأ من ماء الدلو الذي رأى فيه الراوي العذرة (2). وهذا الخبر لعله أصرح ما في الباب، ورغم ما وجهت إليه من تشكيكات فلا شك في قوة دلالته عرفا، ولكنه ساقط سندا. وهناك روايات أخرى يستدل بها على عدم الانفعال يعرف حالها على ضوء ما ذكرناه.


(1) مستمسك العروة الوثقى الجزء الاول ص 120 الطبعة الثانية. (2) وسائل الشيعة باب 8 من ابواب الماء المطلق الحديث - 12 -.

[ 385 ]

وهكذا يتضح أن الروايات المستدل بها على عدم الانفعال بين مالا يدل على ذلك، أو يدل ولكنه مقيد بأدلة الانفعال، أو غير تام سندا وإن كان تام الدلالة بنحو لا يقبل التقييد، كروايتي زرارة وأبي مريم الانصاري، وعلى هذا الاساس يثبت أن روايات الانفعال لا معارض لها. ولكن إذا فرضنا أن روايات عدم الانفعال المتقدمة كانت كلها تامة سندا، وحصل على هذا الاساس دليل كامل على عدم الانفعال، ووقعت المعارضة بين دليلي الانفعال وعدمه، فلابد من تحقيق ما تتطلبه هذه المعارضة من إجراء. ويمكن تصوير هذا الاجراء بعدة وجوه كما يلي: الوجه الاول: لعلاج التعارض بين الطائفتين دعوى وجود الجمع العرفي، بحمل النواهي عن الوضوء والشرب من الماء القليل الملاقي للنجاسة على الكراهة، وبتعبير آخر على مرتبة غير لزومية من النجاسة، وحمل روايات الكر على أنها في مقام تحديد المقدار الذي لا يتغير بالملاقاة عادة. جمعا بينها وبين مادل على طهارة الماء القليل الملاقي للنجس مع عدم التغير، ولكن هذا الجمع ليس عرفيا بلحاظ جملة من روايات الانفعال، خصوصا الروايات الواردة في إناطة عدم الانفعال بالكرية، فان حملها على أنها في مقام بيان مرتبة الكثرة الملازمة لعدم التغير أو الكاشفة عند تعبدا غير مقبول عرفا، لا لمجرد أن ذلك بيان الامر خارجي وليس من شأن الامام حتى يقال: إنه متكفل لجعل الا مارية وهو أمر تشريعي. بل لان التغير الذي هو أمر محسوس لا معنى عرفا لجعل مرتبة معينة من وزن الماء أو مساحته أمارة على عدمه، مع أن تشخيص كون الماء بهذا الوزن أو بهذه المساحة كثيرا ما يكون أخفى بمراتب من تشخيص نفس التغير إثباتا ونفيا،

[ 386 ]

فالتعارض العرفي مستحكم. هذا مضافا إلى أن الجمع بين الطائفتين من الاخبار بالوجه المذكور لو كان عرفيا، فهو إنما يتعين بعد الفراغ عن حجية كل من الطائفتين في نفسها، وأما إذا كان التعبد بالرواية المدعى قرينيتها ساقطا للاطمئنان الشخصي بكذب مدلولها، فلا معنى لجعلها قرينة، كما سوف يظهر في بعض الوجوه التالية. الوجه الثاني: أن يقال بأن التعارض بين الطائفتين من باب تعارض الحجة مع الا حجة، لان مادل على عدم الانفعال من الخبر الواحد المعارض للسنة القطعية، نظرا إلى استفاضة روايات الانفعال وتواترها إجمالا، وخبر الواحد المعارض للسنة القطعية ساقط عن الحجية في نفسه، لتقيد دليل حجية خبر الواحد بأن لا يكون معارضا للكتاب أو السنة القطعية. وتمامية هذا الوجه تتوقف على عدم تمامية الوجه السابق، إذا لو كان الجمع العرفي ممكنا لما أصبح الخبر الدال على عدم الانفعال معارضا للسنة القطعية بل قرينة عليها، بل إن تمامية هذا الوجه تتوقف على عدم صلاحية هذا الخبر للقرينية ولو بالنسبة إلى بعض الروايات الدالة على الانفعال التي يعلم اجمالا بصدور بعضها، إذ لو كان الخبر الدال على عدم الانفعال صالحا للقرينية بالنسبة إلى البعض، فلا يحرز حينئذ انطباق عنوان المخالف للسنة القطعية عليه، لان المعلوم إجمالا صدوره من المعصوم محتمل الانطباق على الروايات التي يصلح الخبر أن يكون قرينة عليها. الوجه الثالث: ان ندعي سقوط مادل على عدم الانفعال، لا على أساس انطباق عنوان المعارض للسنة القطعية عليه لكي يتوقف على عدم صلاحيته للقرينية - بل على أساس آخر يتم ولو فرضنا الصلاحية للقرينية. وذلك لان صلاحيته للقرينية لا تنافي أن يكون كل خبر من الاخبار الدالة

[ 387 ]

على عدم الانفعال بظهوره كاشفا كشفا وجدانيا ناقصا عن بطلان الحكم بعدم الانفعال بقطع النظر على أدلة الحجية التعبدية، وحينما تكون أخبار الانفعال كثيرة جدا فنضم كاشفية كل واحد منها الوجدانية إلى كاشفية الآخر، ويتفق أن يحصل بذلك اطمئنان شخصي بالانفعال نتيجة لتراكم الامارات الاحتمالية، ومعه بسقط الخبر الدال على الانفعال ولو كان صالحا للقرينية في نفسه لو انفرد مع اي واحد من الاخبار الدالة على الانفعال. الوجه الرابع: أن يفترض استحكام التعارض بين الطائفتين مع وجود مقتضى الحجية في كل منهما، وتقدم الطائفة الدالة على عدم الانفعال إعمالا للمرجح الاول في باب التعارض بين الخبرين، وهو موافقة الكتاب، حيث أن ما دل على عدم الانفعال يثبت الطهارة والطهورية للماء، فيوافق إطلاق طهورية الماء في القرآن الكريم. وهذا الوجه يتوقف على التسليم بوجود إطلاق قرآني يدل على طهارة الماء، ولا يكفي افتراضه من ناحية افراد الماء فحسب، بل لابد أن يكون له نظر أحوالي وأزماني، بحيث يدل على ثبوت الطهارة للماء في تمام حالاته المتعاقبة، وقد مر في أوائل هذا الكتاب أن هذا الاطلاق غير موجود في القرآن الكريم. الوجه الخامس: بعد افتراض استحكام التعارض بين الحجتين وخلو الكتاب الكريم من الحكم. يطبق المرجح الثاني. وهو مخالفة العامة، فتحمل الروايات الدالة على عدم الانفعال على التقية لموافقتها للعامة. وهذا الوجه غير صحيح، لان المسألة في الاتجاه الفقهى السني ذات قولين معروفين كما يظهر من تذكرة العلامة، مضافا إلى ان حمل مثل رواية أبي مريم على التقية في غاية البعد، لان التقية لا تلزم عادة باستعمال ماء الدلو المشتمل على العذرة مع وجود مبررات طبعية لعدم الاستعمال.

[ 388 ]

الوجه السادس: بعد فرض استحكام التعارض وعدم وجود المرجح يحكم بالتساقط ويرجع إلى الاصول المؤمنة كأصالة الطهارة واستصحابها، غير أن هذا يتوقف على غض النظر عن أمور، من قبيل وجود عمومات فوقية لانفعال كل شئ بالملاقاة، والا أمكن دعوى أنها هي المرجع بعد تساقط الطائفتين، فلا تصل النوبة إلى الاصل العملية. الوجه السابع: بعد فرض استحكام التعارض وعدم وجود المرجح يحكم بالتساقط، ويرجع إلى عمومات أو مطلقات الانفعال. وهذا الوجه يفترض سقوط كل ما تمسك به القائل بعدم الانفعال بالمعارضة، مع أن ما تمسك به هذا القائل قسمان: أحدهما دل بظهوره على اعتصام الماء القليل، والآخر دل باطلاقه على اعتصام الماء القليل. والقسم الثاني لا يمكن أن يسقط بالمعارضة مع روايات انفعال الماء القليل، لانها أخص منه. والعام لا يعقل سقوطه بالمعارضة مع مخصصه، وهذا يعني أن القسم الاول من أدلة القائل بعدم الانفعال يعارض روايات الانفعال، وبعد التساقط يرجع إلى القسم الثاني الدال على اعتصام القليل بالاطلاق، لانه يعتبر مرجعا فوقيا، ومعه لا تصل النوبة للرجوع إلى عمومات الانفعال الاولية لو كانت، لان مطلقات اعتصام الماء أخص مطلقا منه. فتكون هي المرجع بعد تساقط الادلة الاكثر أخصية، غير أن مرجعية مطلقات الاعتصام تتوقف على عدم وجود مطلقات تدل على انفعال الماء. توضيح ذلك: انه كما توجد لدينا روايات تدل على اعتصام الماء الراكد مطلقا - وهي القسم الثاني من أدلة القائل بعدم الانفعال - كذلك توجد روايات تدل على انفعال الماء الراكد مطلقا دون تفصيل بين القليل والكثير، وحينئذ فيتعارض المطلق الدال على الاعتصام في طبيعي الماء الراكد مع المطلق الدال على الانفعال في طبيعي الماء الراكد، ولا يصلح شئ

[ 389 ]

منهما للمرجعية، ويتعين عندئذ الرجوع إلى المطلقات الفوقية الدالة على انفعال الاشياء بالملاقاة، الشاملة لاصل الماء بالاطلاق - لو كانت - ويمكن تصحيح الوجه السابع وتعيين مطلقات اعتصام الماء الراكد للمرجعية، بناءا على انقلاب النسبة بأن يقال: إن مادل على انفعال الماء الراكد مطلقا بالملاقاة - وإن كان معارضا بالتباين مع مطلقات اعتصام الماء الراكد - ولكن بعد خروج الكر منه بالتخصيص - للدليل القطعي الدال على اعتصام الكر - يصبح أخص مطلقا من مطلقات اعتصام الماء، ويكون حاله حال سائر روايات انفعال الماء القليل التي تسقط بالمعارضة مع القسم الاول من أدلة عدم الانفعال، وتبقى مطلقات اعتصام الماء الراكد بدون معارض في رتبتها فيتعين الرجوع إليها. الوجه الثامن: ان ملاحظة الرتب تستدعى فرض أربع رتب: الرتبة الاولى - هي رتبة المطلقات الدالة على أن الشئ ينفعل بملاقاة النجاسة، الشاملة باطلاقها للماء الرتبة الثانية - هي رتبة المطلقات الدالة على أن الماء لا ينفعل بالملاقاة، الشاملة باطلاقها للماء القليل. فان هذه المطلقات أعلى رتبة من مطلقات الانفعال، لكونها اخص منها. وهذه المطلقات على قسمين: احدهما ورد في طبيعي الماء كرواية حريز. وبعضها ورد في خصوص الماء الراكد. الرتبة الثالثة - هي رتبة الروايات الدالة على انفعال الماء الراكد القليل عند ملاقاة النجاسة، بدلالة ظهورية قابلة للحمل على التنزه والكراهة، من قبيل مادل على النهي عن الوضوء من الاناء الملاقي للنجس. وهذه الروايات أعلى رتبة من مطلقات اعتصام الماء لكونها أخص منها، لورودها في الماء القليل خاصة. الرتبة الرابعة - هي رتبة الروايات الدالة بالصراحة العرفية على عدم

[ 390 ]

انفعال الماء الراكد القليل، كرواية أبي مريم الانصاري وغيرها مما يصلح أن يكون قرينة على حمل النهي الوارد في روايات الرتبة الثالثة على التنزه. وهذه الروايا أعلى رتبة من الروايات السابقة لتقدمها عليها بالقرينية. وعلى هذا الاساس لابد من ملاحظة أدلة انفعال الماء القليل، لنرى هل يوجد فيها ما يدل بالصراحة العرفية على الانفعال أولا، فان كان يوجد ما يدل كذلك على نحو لا تصلح روايات عدم الانفعال لحمله على التنزه - كأخبار الكر مثلا - فهذا الدليل يساوي روايات عدم الانفعال الواقعة في الرتبة الرابعة، وبعد تساقط الصريحين العرفيين الواقعين في المرتبة الرابعة تصل النوبة إلى المرتبة الثالثة التي تشتمل على الاخبار الظاهرة في الانفعال، مع صلاحيتها العرفية للحمل على التنزه، فتكون هي المرجع. ولا يمكن الرجوع ابتداءا إلى ما هو واقع في المرتبة الاولى أو الثانية، كما هو واضح. وهذا التحقيق يتوقف على أن لا يكون في أدلة عدم انفعال الماء القليل ما يقع في المرتبة الثالثة، بأن كانت روايات عدم الانفعال منحصرة بمطلقات اعتصام الماء الواقعة في المرتبة الثانية ومثل رواية أبي مريم وزرارة الصريحة عرفا في عدم الانفعال الواقعة في المرتبة الرابعة، فان المرتبة الثالثة عندئذ تتمخص للروايات الظاهرة في انفعال الماء القليل بدون معارض في درجتها. فتكون هي المرجع بعد تساقط روايات المرتبة الرابعة بالتعارض.. ومما ذكرناه في تصوير هذا الوجه يتحصل ميزان كلي لعلاج الروايات المتعارضة له آثار كثيرة في الفقه، والكفرة الاساسية في هذا الميزان هي أننا لا ينبغي أن نأخذ الروايات الدالة على حكم والروايات الدالة على نفيه ككل، بحيث تلحظ هذه المجموعة وتلك المجموعة ونعاملهما معاملة الروايتين المتعارضتين، فنحكم بتساقط المجموعتين على طريقة تساقط الروايتين، بل لابد من تنسيق رتب الروايات في داخل كل مجموعة، فقد تشتمل إحدى

[ 391 ]

المجموعتين على رتبتين من الظهور، بينما تشتمل المجموعة الاخرى على روايات كلها من الرتبة الاقوى من الظهور التي تصلح للقرينة على روايات المجموعة الاخرى طرفا للمعارضة مع روايات الرتبة الاقوى من الظهور في المجموعة الاولى. وأما روايات الرتبة الثانية من الظهور في المجموعة الاولى، فلا يمكن أن تقطع طرفا للمعارضة مع روايات المجموعة الاخرى، لان روايات المجموعة الاخرى صالحة - بحسب الفرض - للقرينة عليها، وذو القرينة يستحيل أن يعارض القرينة، فتتعين الرتبة الثانية من المجموعة الاولى للمرجعية. وهذه الفكرة الاساسية هي نفسها الفكرة الاساسية التي التزم الفقهاء بموجبها بالرجوع إلى العام الفوقاني بعد تساقط الخاصين، حيث يتعين الرجوع إلى العام ببرهان استحالة وقوعه طرفا للمعارضة مع الخاص المنافي له، لان الخاص المنافي له صالح للقرينية عليه، فلابد من افتراض وقوع التعارض بين الخاصين محضا في الرتبة الاولى، ثم الرجوع إلى العام الفوقاني بعد تساقط الخاصين بدون أن يعارضه شئ. ولكن الفقهاء في مجال تطبيق هذه الفكرة لم يعتادوا على الاخذ بها إلا في فرض تعارض الخاصين مع وجود العام الموافق لاحدهما، ولكن بعد معرفة التفسير الفني للفكرة وتبين أبعادها يتضح أن اللازم تطبيقها بدقة في كل الحالات المماثلة. وسوف يظهر لذلك اثار عديدة في مسائل مستقبلة، من قبيل مسألة نجاسة الخمر والمسكر، على ما سوف نحققه في موضعه إن شاء الله تعالى. فعلى سبيل المثال: إذا ورد أن الخمر طاهر، وورد ان الخمر نجس وورد الامر بغسل الثوب الذي أصابه الخمر، فلا يقع التعارض في رتبة واحدة بين الاول

[ 392 ]

والاخيرين، بل بين الاوليين خاصة، ويكون الثالث مرجعا بعد تساقطهما. 2 - الحكم بالانفعال على نحو القضية الكلية بعد أن فرغنا عن الحكم بانفعال الماء القليل على نحو القضية المهملة، يجب أن ندرس التفصيلات التي تستهدف إنكار الموجبة الكلية، وهي كما يلي: اولا - التفصيل بين النجس والمتنجس: وهذا التفصيل يعني أن الماء القليل ينفعل بملاقاة عين النجس دون المتنجس الخالي من عين النجس، وذلك: إما لعدم المقتضي بحسب مقام الاثبات بمعنى عدم وجود ما يدل باطلاقه على انفعال المال القليل حتى بالمتنجس، وإما لوجود المانع بحسب مقام الاثبات، بمعنى افتراض أن إطلاق دليل الانفعال لملاقاة المتنجس ثابت في نفسه، ولكنه مبتلى بالمقيد أو المعارض. فهناك إذن طريقان لاثبات هذا التفصيل: أما الطريق الاول - فحاصل تقريبه: إن دليل الانفعال إما مفهوم أخبار الكر وإما الروايات الخاصة، والاول ليس فيه اطلاق، لان المنطوق سالبة كلية " والمفهوم هو إثبات نقيض المنطوق عند انتفاء الشرط ونقيض السالبة الكلية موجبة جزئية، فيدل المفهوم على أن الماء إذا لم يبلغ كرا ينجسه شئ في الجملة، والقدر المتيقن منه عين النجس. والثانى لا اطلاق فيه أيضا، لان الروايات واردة في موارد فرضت فيها الملاقاة لعين النجس. والكلام حول هذا الطريق يقع في مقامين: أحدهما في تحقيق حال المفهوم في أخبار الكر، والاخر في تحقيق حال الروايات الخاصة. " أما المقام الاول " - فتحقيق الحال فيه أنه بعد الفراغ عن كون

[ 393 ]

الثابت بالمفهوم نقيض ما هو المعلق على الشرط في منطوق القضية الشرطية، لابد من معرفة ما هو المعلق على الشرط في منطوق القضية، فهل المعلق هو المطلق أو أن الاطلاق يطرأ على المعلق، فان كان التعليق يطرأ على المطلق بما هو مطلق فالمفهوم يدل على انتفاء المطلق، وهو يساوق القضية الجزئية لا الكلية. وإن كان الاطلاق يطرأ على المعلق بعد الفراغ عن تعليقه، ويكون التعليق تعليقا لذات الشئ في المرتبة السابقة على طرو الاطلاق عليه، فالمهوم يدل على انتفاء ذات الشئ لا انتفاء مطلقه فقط، وهو يساوق القضية الكلية. توضيح ذلك: إن المعلق - وهو قوله " لا ينجسه شئ " - إما أن نلحظه في المرتبة السابقة على التعليق، فتجري فيه مقدمات الحكمة، ونثبت أن الشئ المنفي تنجيسه مطلق شامل لكل ما يحكم بنجاسته.، إذ لو كان المراد به حصة خاصة لكان عليه البيان. ثم بعد أن نثبت هذا الاطلاق ويكون لقوله " لا ينجسه شئ " دلالة على أن كل الاشياء لا تنجس، يطرأ عليه التعليق. ونقصد بالبعدية هنا البعدية بحسب اللحاظ والنظر العرفي في مقام اقتناص مفاهيم الالفاظ من الالفاظ، فمعنى طرو التعليق بعد الاطلاق أن العرف يفهم الاطلاق في جانب ذات المعلق أولا، ثم يفهم من الكلام تعليقة على الشرط. ففي هذه الحالة يكون التعليق تلعيقا للمطلق، فالمفهوم يدل على انتفاء المطلق، وهو يلائم ثبوت المقيد أيضا، فلا يثبت بالمفهوم قضية كلية. وإما أن نلحظ قوله " لا ينجسه شئ " قبل إجراء الاطلاق وبلحاظ الطبيعة المهملة ونعلقه على الشرط ثم نجري مقدمات الحكمة في المعلق بعد فرض تعليقه. وهذا يعني أن المعلق على الشرط ليس هو المطلق، بل الجامع بين المطلق والمقيد، فيدل التعليق على انتقاء الجامع والمقيد بانتفاء الشرط، فيدل المفهوم على أن نفي التنجيس - بكلا قسميه المطلق والمقيد -

[ 394 ]

منتف بانتفاء الكرية، وهو مساوق للحكم بانفعال الماء القليل بنحو القضية الكلية. وهذا هو الميزان الكلي في اقتناص المفهوم في الموارد. فمثلا: إذا قال الشارع " إذا جاء زيد إلى بيتك فاستمع إلى حديثه " نلاحظ أن المعلق هو وجوب الاستماع إلى الحديث، ولا شك في إطلاق هذا الوجوب بنحو يقتضي وجوب الاستماع إلى حديثه، سواء كان حديثه في أمر ديني أو أمر دنيوي. وهذا الاطلاق إن كان مقتنصا في المرتبة السابقة على التعليق أنتج أن التعليق يطرأ على الوجوب المطلق، أي على وجوب الاستماع إلى كل أحاديث زيد، فلا يدل المفهوم إلا على أنه في حالة انتفاء الشرط ينتفي الوجوب المطلق، فلا يجب الاستماع إلى كل أحاديث زيد ولا ينافي وجوب استماع حديث مخصوص، كالاستماع إلى حديثه الديني. وأما إذا كان التعليق في المرتبة السابقة على هذا الاطلاق - أي أننا في مرتبة التعليق نلاحظ وجوب الاستماع الجامع بين المطلق والمقيد ونعلقه على مجيئ زيد إلى البيت ثم نجري فيه مقدمات الحكمة - فالمعلق ليس هو المطلق، بل الجامع بين المطلق والمقيد. فيدل المفهوم على انتفاء هذا الجامع. وهو لا يكون إلا بانتفاء المطلق والمقيد معا، وبهذا ينفي المفهوم في حالة عدم الشرط كلا من وجوب الاستماع إلى كل الاحاديث ووجوب الاستماع إلى بعض الاحاديث وإذا اتضح الملاك الفني لتشكيل المفهوم قضية كلية أو قضية جزئية، فنقول: إن مقتضى القاعدة هو ورود التعليق على الجزاء في المرتبة السابقة على إجراء الاطلاق فيه، بمعنى أن موضوع التعليق هو ذات الحكم قبل تخصصه بخصوصية الاطلاق. والنكتة في ذلك: أن كل ما وقع موضوعا لحكم إذا دار أمره بين أن يكون موضوعا بمطلقه أو بمقيده تعين بمقدمات الحكمة كونه موضوعا بمطلقه، لان الاطلاق أخف مؤونة من التقييد، ولكن إذا أمكن وقوعيه موضوعا لذلك الحكم دون أن يتحصص لا بمؤونة الاطلاق

[ 395 ]

ولا بمؤونة التقييد تعين ذلك، إذ لا موجب عندئذ للالتزام بالمؤونة. وعلى هذا الاساس إذا لاحظنا الاستماع إلى الحديث - في قوله " إذا جاء زيد إلى بيتك فاستمع له " - بوصفه موضوعا للوجوب، فلابد أن يكون إما مطلقا وإما مقيدا. فيتعين الاطلاق بمقدمات الحكمة، ولكن إذا لاحظنا نفس وجوب الاستماع بوصفه موضوعا للتعليق على الشرط، فلا يدور الامر فيه بين أن يكون مأخوذا موضوعا للحكم بالتعليق بما هو مطلق أو بما هو مقيد، بل قد يكون موضوع التعليق الجامع بين المطلق والمقيد، أي ذات وجوب الاستماع دون فرض أي من عنابتي الاطلاق والتقييد فيه. وما دام هذا ممكنا فيتعين، إذ لا موجب حينئذ لفرض المؤونة، فينتج أن التعليق طرأ على الوجوب في المرتبة السابقة على الاطلاق، وأن المفهوم يدل على انتفاء المطلق والمقيد معا عند انتفاء الشرط. غير أن هذه النكتة إنما تتم فيما إذا لم يكن هناك في طرف الجزاء دال لفظي أو نحوه على إرادة الاطلاق ونفي إرادة المقيد، بقطع النظر عن مقدمات الحكمة، وإلا فقد يتفق أن هذا الدال اللفظي يحصص الحكم المجعول في الجزاء بالاطلاق في المرتبة السابقة على طرو التعليق بحيث يطرأ التعليق على المطلق، كما إذا كان الجزاء مشتملا مثلا على اداة العموم، من قبيل قولنا " إذا جاء زيد إلى البيت فاستمع إلى كل أحاديثه "، فان شمول وجوب الاستماع إلى كل الاحاديث ليس هنا بالاطلاق، بل بدال لفظي وهو اداة العموم. وفي مثل ذلك يطرأ التعلق على المطلق والعام، فيكون المفهوم دالا على انتفاء وجوب الاستماع إلى كل أحاديثه عند انتفاء الشرط، ولا ينافي وجوب الاستماع إلى حديث خاص. وقد تلخص مما ذكرناه حتى الآن عدة أمور: الاول: ان ملاك استفادة الكلية والجزئية من المفهوم هو كون الاطلاق

[ 396 ]

واردا على المعلق، أو التعليق واردا على المطلق. الثاني: أن مقتضى القاعدة في الاطلاقات الثابتة بمقدمات الحكمة أنها واردة على المعلق، وان التعليق يطرأ على الحكم في طرف الجزاء في الرتبة السابقة على اطلاقه. الثالث: أن الاطلاق إذا كان له دال لفظي في طرف الجزاء فقد يقتضي ذلك طرو التعليق على المطلق، وينتج دلالة المفهوم على نفي المطلق لا النفي المطلق. وعلى ضوء هذه الامور نتناول قوله " إذا بلغ الماء قدر كر لا ينجسه شئ "، فنلاحظ أن المعلق هو قوله " لا ينجسه شئ "، وهذا النفي المعلق على الكرية لا يخلو من أحد امور ثلاثة: أحدها أن يكون بمعنى نفي تنجيس عين النجس، ثانيها أن يكون بمعنى نفي تنجيس المتنجس، ثالثها أن يكون بمعنى نفي تنجيس النجس الشامل لعين النجس وللمتنجس. فعلى الاول يدل المفهوم على أن الماء إذا لم يبلغ الكرية ينجس بعين النجس، ويكون ساكتا عن الانفعال بالمتنجس. وعلى الثاني يدل المفهوم على أن غير الكر ينفعل بملاقاة المتنجس، ولكن هذا الاحتمال في نفسه ساقط، لعدم امكان اتجاه القضية الشرطية منطوقا ومفهوما إلى ملاقاة المتنجس خاصة، مع أنها وردت في مورد الملاقاة مع عين النجس في اغلب رواياتها، ومع كون الملاقاة مع عين النجس هي أوضح الافراد واقربها إلى الذهن. وأما على الثالث فلابد - تطبيقا لما مر من نكات - أن نلاحظ أن الدال على الشمول لعين النجس وعدم الاختصاص بالمتنجس هل هو منحصر بمقدمات الحكمة فيكون الاطلاق حكميا، أو ان الدليل بظهوره العرفي يقتضي النظر إلى عين النجس والشمول له بقطع النظر عن مقدمات الحكمة

[ 397 ]

فعلى الاول يكون الاطلاق واردا على المعلق، ويكون التعليق واردا على الجامع بين النفي المطلق الشامل لعين النجس والنفي المقيد المختص بالمتنجس، ومقتضى المفهوم حينئذ انتفاء هذا الجامع بانتفاء الكرية، وهو مساوق للموجبة الكلية (1). وعلى الثاني يكون الشمول لعين النجس بالظهور العرفي للدليل، وفي مثل ذلك يطرأ التعليق على المطلق الشامل لعين النجس. كما هو الحال فيما إذا كان الشمول بأداة العموم. وإذا طرأ التعليق على المطلق دل بالمفهوم على انتفاء المطلق، وهو مساوق للموجبة الجزئية. ومن الواضح أن شمول " لا ينجسه شئ " لعين النجس ليس بالاطلاق الحكمي الناشئ من مقدمات الحكمة، بل هو بالظهور العرفي، إذ توجد قرينة خاصة بقطع النظر عن قرينة الحكمة على أن النظر متجه رئيسيا في نفي تنجيس الكر إلى ما يشمل عين النجس، ولو بلحاظ كون الملاقاة مع عين النجس هي مورد السؤال. فالحكم بنفي التنجيس في طرف الجزاء يشتمل على الاطلاق لعين النجس بهذه القرينة، وفي مثل ذلك يكون التعليق واردا على المطلق، فلا يثبت بالمفهوم إلا قضية جزئية.


(1) وإنما أبرز الجامع المعلق بوصفه جامعا بين النفي المطلق الشامل لعين النجس والنفي المقيد المختص بالمتنجس بدلا من إبراز جامعيته بين النفي المطلق والنفي المختص بعين النجس. لان تعليق الجامع بين النفي المطلق والنفي المختص بعين النجس لا يحقق مفهوما دالا على تنجيس المتنجس للماء القليل، إذا لمفهوم على هذا التقدير هو انتفاء الجامع بين النفي المطلق والنفي المختص بعين النجس. وانتفاء الجامع يكون بانتفاء كلا فرديه. وفي المقام انتفاء الفردين - أعني النفي المطلق الشامل للنجس والمتنجس والنفي المقيد بعين النجس - لا يستلزم ثبوت الانفعال بالمتنجس، بل يكفي في ذلك ثبوت الانفعال بعين النجس كما هو واضح.

[ 398 ]

وإن شئتم قلتم: إن إطلاق النفي وشموله في المنطوق لعين النجس لو كان لمجرد مقدمات الحكمة لكان بالامكان أن يراد واقعا من النفي مالا يشمله، لان إرادة المقيد عند ذكر المطلق ليس مستهجنا عرفا، وإن كان على خلاف الطبع، مع أننا نلاحظ الاستهجان في المقام لو كان المراد من النفي مالا يشمل عين النجس فوزان قولنا " إذا بلغ الماء قدر كر لا ينجسه شئ " وزان قولنا " إذا أراد زيد أن يسافر فلا يحول دونه شئ ". فكما أنه من المستهجن عرفا أن يقول صاحب القول الثاني بعد ذلك: إني كنت أريد بذلك أنه لا يحول دون خروجه قطرات المطر المتقطعة لا المطر الشديد. كذلك من المستهجن أن يقول صاحب القول الاول بعد ذلك: إني كنت أريد بذلك أنه لا ينجسه المتنجس لا أعيان النجاسات. وكلما كان الاطلاق والشمول بملاك الظهور العرفي على هذا النحو كان التعليق واردا على المطلق، فلا يدل المفهوم إلا على قضية جزئية. وبامكانكم على ضوء النكات التي ذكرناها أن تطبقوا تلك الموازين على سائر الامثلة المماثلة لمحل الكلام. فقد يقول القائل مثلا " إذا جد زيد في درسه فلا يفوقه أحد "، وقد يقول " إذا كنت غنيا فأكرم كل عالم مهما كان عمره ". وقد يقول " إذا كنت غنيا فأكرم العالم ". ففي القول الاول يدل المفهوم عرفا على أن زيدا إذا لم يجد في درسه فسوف يفوقه أحد، لا أنه يفوقه كل احد، وهذا يعني أن التعليق طرأ على المطلق، والوجه فيه أن الاطلاق هنا له قرينة عرفية خاصة، وليس ثابتا بمجرد مقدمات الحكمة، إذ لا يحتمل عرفا اختصاص كلمة " احد " المذكورة في طرف الجزاء بخصوص العادي من الناس، بحيث لو كان القائل يريد بكلامه السابق أن زيدا إذا جد في درسه لا يسبقه الاغبياء من الناس لما كان كلامه عرفيا. وما دام الاطلاق مدلولا لقرينة خاصة فيكون التعليق

[ 399 ]

واردا عليه، كما هو الحال في أخبار الكر. وفي القول الثاني يدل المفهوم على أن من لم يكن غنيا لا يجب عليه إكرام عموم العلماء، أما اكرام الشيوخ والعجزة منهم لا ينفي المفهوم وجوبه، لان التعليق هنا ورد على المطلق بسبب أن الاطلاق له دال لفظي. وفي القول الثالث يدل المفهوم على أن من لم يكن غنيا لا يجب عليه اكرام العالم، سواء كان العالم شابا أو شيخا، أي أن المفهوم يتكفل قضية كلية، لان اطلاق كلمة " العالم " في طرف الجزاء للشيخ والشاب إنما ثبت بمقدمات الحكمة، ويحث انه إطلاق الحكمي فيكون التعليق واردا على الجزاء في الرتبة السابقة عليه. فيدل على انتفاء الجامع بين المطلق والمقيد بانتفاء الشرط، وهو معنى استفادة القضية الكلية من المفهوم. وعلى أي حال فقد اتضح أن الاستدلال بمفهوم أخبار الكر على انفعال الماء القليل بملاقاة المتنجس غير صحيح. (وأما المقام الثاني) ففي النظر إلى الروايات الخاصة. والصحيح أن بعض الروايات الخاصة يمكن التمسك باطلاقها لاثبات انفعال الماء القليل بملاقاة المتنجس الخالي من عين النجس، وذلك كرواية شهاب عن أبي عبد الله عليه السلام: في الرجل يسهو فيغمس يده في الاناء قبل ان يغلسها؟ قال: انه لا بأس، إذا لم يكن أصاب يده شئ. ورواية سماعة عن أبي عبد الله عليه السلام: قال إذا أصاب الرجل جناية فأدخل يده في الاناء، فلا بأس إذا لم يكن اصاب يده شئ من المني. ومثلهما غيرهما. فان هذه الروايات تدل بمفهومها على ان الماء ينفعل بملاقاة اليد التي أصابها المني. وهذا مطلق يشمل صورة بقاء المني إلى حين الملاقاة، وصورة عدم بقائه، فيثبت بها الماء القليل بملاقاة المتنجس.

[ 400 ]

وهكذا نعرف ان الطريق الاول لاثبات عدم انفعال الماء القليل بملاقاة المتنجس، وهو الاستناد إلى عدم الدليل... غير صحيح، فلابد من الاتجاه إلى تحقيق حال الطريق الثاني، الذي يستهدف ايقاع المعارضة بين اطلاق دليل الانفعال، الشامل لملاقاة المتنجس الخالي من عين النجس.. واطلاق آخر، فيسقط عن الاعتبار. وحاصل الكلام في الطريق الثاني، يرتبط بدراسة بعض الروايات التي يمكن ان يدعى دلالتها على عدم انفعال الماء القليل بالمتنجس، وهي كما يلي: الرواية الاولى رواية زرارة المتقدمة في البحث السابق، قال: سألته عن الحبل يكون من شعر الخنزير، يستقى به الماء من البئر، هل يتوضأ من ذلك الماء؟ قال: لا بأس. وقد تقدم ابداء ستة احتمالات في تشخيص حيثية السؤال، واستظهرنا من الرواية نفي أربعة منها، وبعد هذا الاستظهار يظل احتمالان: احدهما ان السؤال بلحاظ احتمال نجاسة ماء الدلو، بوقوع شعر الخنزير فيه. والآخر: أن السؤال بلحاظ احتمال نجاسة ماء الدلو، بتساقط القطرات فيه. ومن الواضح ان الفرض الاول هو فرض ملاقاة عين النجس، والفرض الثاني هو فرض ملاقاة الماء القليل للمائع المتنجس. والاستدلال بالرواية على عدم انفعال الماء القليل بملاقاة المتنجس، يمكن تقريبه بعدة وجوه: الاول: ان يدعى استظهار اتجاه السائل إلى حيثية القطرات المتساقطة لا حيثية وقوع الحبل في الدلو، لانه وان لم يصرح بشئ منها، ولكن حيث ان تساقط القطرات اكثر وقوعا من ملاقاة الحبل لماء الدلو، في فرضية السؤال.. فينصرف السؤال إلى ذلك، فتكون الرواية بنفسها دليلا على عدم الانفعال بملاقاة المتنجس، بعد الفراغ عن نجاسة شعر الخنزير. الثاني: ان يقال بأن السائل حيث لم ينصب قرينة على اتجاه سؤاله

[ 401 ]

إلى احدى الحيثيتين، وانما اتجه بسؤال إلى نفس ماء الدلو وجواز الوضوء به، فيتمسك باطلاق جواب الامام بالنسبة إلى مصب السؤال، فيقال: بأنه يجوز الوضوء بماء الدلو سواء وقع فيه الحبل ام لا، وسواء تساقطت فيه القطرات أم لا. فيكون الجواب دالا على عدم انفعال الماء القليل، لا بملاقاة النجس ولا بملاقاة المتنجس. فيعارض مثل رواية سماعة الدالة باطلاقها على انفعال الماء باليد التي اصابها القذر، سواء بقي فيها ام لا، لان رواية سماعة تدل باطلاقها على الانفعال بالنجس والمتنجس، ورواية زرارة تدل على عدم الانفعال بالنجس أو المتنجس، وهذان متعارضان بنحو التباين. وبعد ذلك ندخل الموقف الدليل الوارد في خصوص ملاقاة الماء القليل لعين النجس، والدال على انفعاله بذلك، فنلاحظ انه اخص مطلقا من رواية زرارة، فيوجب تقييدها بما إذا لم يقع الحبل في ماء الدلو، ومعه تصبح رواية زرارة اخص مطلقا من مثل رواية سماعة، بناءا على انقلاب النسبة لان رواية زرارة بعد التخصيص تختص بالملاقاة مع المتنجس، ورواية سماعة اعم من ملاقاة المتنجس وملاقاة عين النجس، فيقيد اطلاق رواية سماعة للمتنجس الخالي من عين النجس بخبر زرارة بعد تقييده بأدلة انفعال الماء القليل بعين النجس. الثالث: ان يقال سلمنا ان رواية زرارة ليست ظاهرة في النظر إلى حيثية تساقط القطرات، وسلمنا عدم الاطلاق في جواب الامام عليه السلام، وافترضنا إجماله... فغاية ذلك: ان مفاد جواب الامام يكون مرددا بين الحكم بعدم انفعال ماء الدلو بملاقاة عين النجس، والحكم بعدم انفعال ماء الدلو بملاقاة المتنجس. وهو على الاول يدل بالالتزام والاولوية على أن ماء الدلو لا ينفعل بملاقاة المتنجس. وعلى الثاني يدل بالمطابقة على ذلك. وهذا يعني ان هذا الدليل المجمل يعلم بدلالته على عدم انفعال الماء القليل

[ 402 ]

بملاقاة المتنجس على كل تقدير، إما مطابقة، وإما التزاما، ولا يعلم بدلالته على عدم الانفعال بملاقاة عين النجس، فيؤخذ بما هو المتيقن من دلالته، وهو دلالته على عدم انفعال الماء القليل بالمتنجس، وهذه الدلالة لم يحرز معارضة أدلة انفعال الماء القليل لها، لاحتمال ان تكون دلالة مطابقية لا التزامية بتبع نفي الانفعال بالنجس رأسا. فهناك إذن دلالة على عدم انفعال الماء القليل بالمتنجس، ولم يحرز وجود معارض لها. وعدم العلم بالمعارض كاف للحجية. فتكون حجة ودليلا في نفسها على عدم الانفعال. والتحقيق عدم صحة هذا البيان، لان مرجعه إلى دعوى وجود علم اجمالي بدلالة في رواية زرارة على عدم الانفعال بالمتنجس، مرددة بين الدلالة المطابقية والدلالة الالتزامية. وهذا العلم الاجمالي لا أثر له، لان الدلالة الالتزامية لرواية زرارة على عدم الانفعال بالمتنجس، يعلم بعدم حجيتها، إما لانتفائها، وإما لسقوطها بتبع سقوط الدلالة المطابقية، فلا يكون العلم الاجمالي بالدلالة المرددة بين دلالة ليست بحجة جزما، ودلالة صالحة للحجية منجزا وأما دعوى ان عدم احراز المعارض كاف للحجية فيرد عليها: ان ذلك إنما يصح فيها إذا شك في المعارضة لدلالة بعينها، لا فيها إذا تردد أمر الدليل بين دلالتين: احداهما لها معارض، والاخرى ليس لها معارض. فالمهم إذن أحد الوجهين السابقين، في تقريب الاستدلال برواية زرارة الرواية الثانية - رواية أبي بصير عنهم عليهم السلام: إذا أدخلت يدك في الاناء قبل أن تغسلها، فلا بأس، إلا أن يكون أصابها قذر بول، أو جنابة. فان أدخلت يدك في الماء وفيها شئ من ذلك، فأهرق ذلك الماء " (1) فان قوله: (فان ادخلت يدك في الماء وفيها شئ من ذلك) يدل بمفهومه على أنه إذا لم يكن فيها شئ من ذلك، حين إدخالها في الماء


(1) وسائل الشيعة باب 8 من ابواب الماء المطلق حديث - 4 -.

[ 403 ]

فلا بأس. وهذا يعني أن المناط في عدم الانفعال هو خلو اليد حين ملاقاة الماء من البول والمني. فان قلنا: ان قوله هذا كلام مستقل، كان لمفهومه اطلاق حاصله: ان الماء لا ينجس مع عدم وجود البول والجنابة فعلا، سواء كان قد أصابه ذلك سابقا وجف أولا، فيكون معارضا مع الاطلاقات التي تقدم الاستدل بها على انفعال الماء بالمتنجس على نحو العموم من وجه وان قلنا: ان جملة " فان أدخلت يدك في الماء " الخ مبنية على ما سبقها ومحتفظة بما تقدم عليها من اشتراط الاصابة فيكون محصل قوله: " إلا أن يكون أصابها قذر بول أو جنابة. فان أدخلت يدك في الماء وفيها شئ من ذلك فأهرق الماء " هو ان الجنب لا بأس بأن يدخل يده في الماء قبل غسلها، إلا أن يكون أصابها قذر بول أو جنابة، وحينئذ ففي فرض الاصابة ان أدخل يده في الماء، وفيها شئ من البول أو الجنابة تنجس الماء. وهذا يعني أن مفهوم قوله: " فان أدخلت يدك في الماء وفيها شئ من ذلك "، هو أن يدك التي أصابها البول والجنابة. إن لم يكن عليها جنابة بالفعل حين إدخالها في الماء، فلا بأس. فيكون اخص مطلقا من الاطلاقات التي تقدم الاستدلال بها على الانفعال بالمتنجس، لان أصل الاصابة تكون مأخوذة في موضوع هذه القضية الشرطية، منطوقا ومفهوما. وتكون القضية الشرطية مسوقة لبيان شرط زائد، وهو فعلية وجود القذر على اليد وعلى كل حال يثبت المطلوب: إما بالتعارض والتساقط، والرجوع إلى الاصول المقتضية للطهارة، وإما بالتقييد. وقد اعترض السيد الاستاذ - دام ظله - (1) على الاستدلال بهذه الرواية سندا ودلالة. أما من ناحية السند: فعلى اساس ان عبد الله بن المغيرة لم يثبت انه هو الثقة، فلعله عبد الله بن المغيرة الآخر. وأما من


التنقيح الجزء الاول ص 156.

[ 404 ]

ناحية الدلالة: فعلى اساس ان كلمة " قذر " اما ان يراد بها المعنى الاشتقاقي اي حامل القذارة، وإما ان يراد بها المعنى المصدري، اي القذارة، فعلى الاول تكون الاضافة في قول " قذر بول أو جنابة " بيانية، أي قذر هو بول أو جنابة، فيكون ظاهره اشتراط وجود عين النجس على اليد عند الملاقاة، وعلى الثاني تكون الاضافة نشوية، اي قذر ناشئ من البول أو الجنابة، فيشمل صورة زوال العين ايضا. ولا تدل عندئذ على اشتراط وجود عين النجس. ومع اجمال كلمة " قذر " وترددها بين المعنيين، لا يمكن الاستدلال بالرواية على عدم الانفعال بالمتنجس. اما الاعتراض السندي فجوابه: ان اطلاق كلام ابراهيم بن هاشم، الواقع في طريق الرواية، والناقل عن عبد الله بن المغيرة... ينصرف إلى عبد الله بن المغيرة البجلي، لشهرته وكثرة رواياته، فهو ممن نقل الكشي اجماع العصابة على تصحيح ما يصح عنه، وقيل عنه انه صنف ثلاثين كتابا ونقل عنه العلم جمع غفير من كبار الرواة والفقهاء من قبيل إبراهيم بن هاشم، والحسن بن علي بن فضال، وايوب بن نوح، وكثير غيرهم... فكيف يمكن ان لا ينصرف إليه اللفظ عند الاطلاق، في مقابل عبد الله بن المغيرة الخزاز، الذي لم يذكره النجاشي في كتابه، ولا الشيخ في فهرسته، ولم يذكر طريق إلى رواياته وكتابه؟! واما الاعتراض الدلالي: فالظاهر ان الاضافة يمكن ان يكون بيانية، حتى إذا كانت كلمة " قذر " بالمعنى المصدرى، فيكون معنى قوله " قذر بول أو جنابة " قذارة هي بول أو جنابة لان البول ونحوه من الاعيان النجسة، تارة يلحاظ بما هو جسم مستقل، فيوصف عرفا بأنه " قذر "، بالمعنى الاشتقاقي، واخرى: يلحظ بما هو حال في الاجسام الاخرى، وموجب الاستقذارها بتلطخها به، فيوصف عرفا بأنه قذارة، فهو بهذا

[ 405 ]

اللحاظ بنفسه قذارة للاشياء الاخرى. وهكذا يتضح ان حمل كلمة " قذر " على المعنى المصدري لا يحتم كون الاضافة نشوية، بل يصح ان تكون بيانية، بأن يكون البول والمني ملحوظا بما هو شأن لليد المتلطخة به، لا بما هو شئ مستقل، فانه بما هو شأن لليد يكون قذارة. والصحيح ان يقال: إن القذارة في كلمة " قذر " إما ان يراد بها القذارة الحكمية التشريعية " واما ان يراد القذارة العينية، المنتزعة عرفا من نفس الاعيان القذرة، بقطع النظر عن الاعتبار والتشريع. فان اريد القذارة الحكمية، التي يكون وجودها اعتباريا لا عينيا... فيمكن ان يدعى - عندئذ - ان الاضافة نشوية، وان المراد بقوله " قذر بول أو جنابة " قذارة اعتبارية حكمية ناشئة من البول أو الجنابة، فلا يدل الكلام عندئذ على اشتراط وجود عين النجس. وأما إذا اريد (القذارة العينية) اي القذارة التي ينتزعها العرف من نفس الاعيان القذرة - ففرض هذه القذارة مساوق لفرض عين النجس عند الملاقاة، فيتم الاستدلال بالرواية، والذي يمكن ان يستشهد به لاثبات الثاني، فهو قوله: " وفيها شئ من ذلك "، فانه ظاهر في النظر إلى القذارة العينية، التي لها أجزاء وقد يبقى منها شئ ويزول شئ، واما القذارة الحكمية الاعتبارية، فلا معنى لان يفرض زوال جزئها وبقاء جزئها الآخر. وان شئت قلت: إن ما هو في معرض ان يبقى منه شئ ويزول شئ، انما هو القذارة العينية، لا القذارة الاعتبارية، فيكون هذا قرينة على ان الرواية في مقام اشتراط فعلية القذارة العينية، وهو مساوق لاشتراط وجود عين النجس، فيتم الاستدلال بالرواية. الرواية الثانية - رواية محمد بن ميسر المتقدمة: في الجنب ينتهى إلى الماء القليل، ويداه قذرتان... حيث رخصت في ادخال يديه القذرتين

[ 406 ]

في الماء، وتقريب الاستدلال بهذه الرواية: انها تدل على عدم انفعال الماء القليل بالنجس أو المتنجس. لان اليد القذرة كما تصدق على اليد المتنجسة الواجدة لعين النجس فعلا، كذلك تصدق على اليد المتنجسة التي زال عنها عين النجس، وبهذا تكون معارضة لتمام مدلول الروايات الدالة على انفعال الماء القليل باليد المتنجسة، سواء كان عليها عين النجس ام لا، والتعارض بينهما بالتباين، ثم تقيد رواية ابن ميسر بما دل على انفعال الماء القليل بعين النجس بالخصوص، فتختص باليد القذرة الخالية من عين النجس، فتصبح أخص مطلقا من الروايات المستدل باطلاقها على انفعال الماء القليل بالمتنجس. وهذا التقريب مبني أولا: على كبرى انقلاب النسبة. وثانيا: على وورد رواية ابن ميسر في القليل بالمعنى المقابل للكر، لا القليل العرفي الشامل للكر. وإلا كانت الروايات المستدل باطلاقها على انفعال الماء القليل بالمتنجس اخص مطلقا منها. وثالثا: على عدم قبول انصراف عنوان اليد القذرة إلى ما كانت متلطخة بالقذارة العينية، ورابعا: على تمامية سند الرواية، والامور الاربعة كلها محل اشكال، أو منع. وعلى أي حال فقد اتضح من مجموع ما ذكرناه: ان الدليل على عدم انفعال الماء القليل بالمتنجس الخالي من عين النجس موجود، فان تم تقريبه بنحو يكون أخص ملطقا من دليل الانفعال الشامل باطلاقه لملاقاة الماء القليل للمتنجس، تعين التخصيص، وان تمت بعض التقريبات الاخرى، التي تجعل المعارضة بالعموم من وجه، فبعد التساقط قد يتوهم الرجوع إلى اطلاق مادل على انفعال الاشياء عموما بملاقاة ما هو محكوم بالنجاسة، فان هذا العام الفوقاني يشمل باطلاقه الماء. ولكن الصحيح عدم وجود عام من هذا القبيل، سوى ما ورد في بعض روايات إليات الغنم، أو روايات وقوع الفأرة

[ 407 ]

في القدر، إذ قد يتوهم استفادة القاعدة الكلية للانفعال منهما، ولكن سيأتي ان شاء الله عدم صحة هذه الاستفادة في بحث تنجيس المتنجس. ثانيا - التفصيل بين المتنجس الاول وما بعده وإذا تجاوزنا عن التفصيل السابق، وافترضنا أن خبر سماعة وغيره - مما دل باطلاقه على أن اليد التي أصابها المني تنجس الماء، سواء كان عليها مني بالفعل أم لا - تام ولا مقيد له ولا معارض... نواجه تفصيلا آخر قد يدعي في المقام، وهو التفصيل بين المتنجس الاول والمتنجس بالمتنجس. فيقال: ان رواية سماعة ورواية شهاب ونحوهما من الروايات، موردها المتنجس الاول، اي اليد التي أصابها المني مباشرة، فلا تدل على انفعال الماء القليل بالمتنجس الثاني، لا باطلاقها في نفسه ولا بضم الارتكاز العرفي. أما الاول فلعدم وجود الاطلاق، مع وردها في مورد المتنجس الاول. وأما الثاني فلان الارتكاز العرفي لا يأبي عن ضعف النجاسة، من خلال سرايتها من مرتبة إلى مرتبة، فقد تكون ضعيفة في مرتبة المتنجس الثاني بنحو لا يكون لها أثر في التنجيس، وهذا أمر ثابت في الوجدان العرفي بالنسبة إلى القذارات العرفية، وسرايتها بالملاقاة، فلا إباء للعرف عن تقبل التفكيك بين المتنجس الاول وما بعده، ومعه فلا يكن إلغاء خصوصية المورد في رواية سماعة ونحوها. والتعدى منه إلى كل متنجس. وما يقال في التخلص من هذا التفصيل، واثبات التسوية بين المتنجس الاول والثاني في التنجيس، عدة أمور: الاول: التعليل الوارد في بعض روايات نجاسة سؤر الكلب: بأنه نجس، حيث يستفاد من ذلك إعطاء ضابطة كلية، وهي: ان نجاسة الشئ

[ 408 ]

تكفي لنجاسة الماء الذي يلاقيه، وقد جاء هذا التعليل في رواية البقباق، ورواية معاوية بن شريح (1) ويرد عليه: أنه لم يتضح من الروايتين ان الامام عليه السلام كان في مقام تعليل سراية النجاسة إلى الماء بنجاسة الكلب، حتى يتعدى إلى كل نجس يلاقي الماء، ولم يكن المقام يناسب ذلك، إذ لم يشعر الراوي بأنه كان مستشكلا في سراية النجاسة من النجس إلى ملاقيه، وانما كان مستشكلا في أصل نجاسة الكلب. فالبقباق سأل عن فضل الكلب في سياق سؤاله عن فضل عدد كبير من الحيوانات، وفي مقام التعرف على طهارتها ونجاستها بهذا اللسان، كما ان عذافر - في رواية معاوية بن شريح - كان يخيل له أن الكلب حكمه حكم سائر السباع، من حيث الطهارة، فانظر إذن منصب على استيضاح حكم الكلب الذي كانت نجاسته محل الاشكال، نتيجة لفتوى فقهاء من العامة بطهارته. فلا يستفاد من حكم الامام بأنه رجس أو نجس، انه في مقام اعطاء ضابطة كلية للسريان، ليتمسك بها لاثبات انفعال الماء بالمتنجس مطلقا، لو سلم انطباق عنوان الرجس والنجس على المتنجس بمراتبة المختلفة. الثاني: ما ورد من الحكم بنجاسة الماء إذا أدخل الجنب يده فيه


(1) فقد جاء في رواية البقباق (قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن فضل الهرة والشاة فقال: لا بأس به، حتى انتهيت إلى الكلب؟ فقال: رجس نجس، لا تتوضأ بفضله، وأصيب ذلك الماء - الخ). وفي رواية معاوية بن شريح، (قال: سأل عذافر أبا عبد الله عليه السلام، - وأنا عنده - عن سؤر السنور والشاة.... فقال: نعم أشرب منه وتوض. قال: قلت له: الكلب؟ قال: لا. وسائل الشيعة باب 1 من أبواب الاستار حديث - 604 -

[ 409 ]

وهي قذرة (1)، بدعوى: ان القذارة في نظر الشارع، كما تثبت لليد الملاقية للنجس ابتداءا كذلك تثبت لليد الملاقية للمتنجس، فهي في الحالين قذرة ونجسة شرعا، فيشملها الاطلاق. ويمكن الرد على هذه الدعوى: بابداء الجزم، أو احتمال ظهور القذارة في الفرد العيني الحقيقي وانصرافها إليه في مقابل الفرد الاعتباري التنزيلي، ومعه لا يكون لعنوان اليد القذرة اطلاق يشمل ما هو محل الكلام. الثالث: صحيحة زرارة قال: (قال أبو جعفر: ألا أحكى لكم وضوء رسول الله صلى الله عليه وآله؟ فقلنا: بلى. فدعا بقعب فيه شئ من ماء، فوضعه بين يديه، ثم حسر عن ذراعيه، ثم غمس فيه كفه اليمنى، ثم قال: إذا كانت الكف طاهرة) (2). وتقريب الاستدلال بها: ان قوله الاخير يدل بمفهوم الشرط، على أنه إذا لم تكن طاهرة فلا يدخلها في الماء، حيث أنه يقع محذور، ولا شك أن المنسبق عرفا بلحاظ مناسبات الحكم والموضوع، وارتكازية سراية النجاسة بالملاقاة في الجملة أن المحذور هو نجاسة الماء وانفعاله، لا محذور آخر تعبدي غير عرفي، من قبيل صيرورة الماء ماء غسالة، حيث تطهر اليد غير الطاهرة بادخالها في ذلك الماء، فيصبح الماء غسالة. وهذكا تدل الرواية بالمفهوم: على أن الماء ينفعل بملاقاة اليد غير الطاهرة. ومقتضى الاطلاق عدم الفرق بين المتنجس الاول والثاني.


(1) من قبيل رواية أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام (قال: سألته عن الجنب يحمل (يجعل خ ل) الركوة أو التور فيدخل اصبعه فيه؟ قال: إذا كانت يده قذرة فأهرقه، وان كان لم يصبها قدر فليغتسل منه... الخ). وسائل الشيعة باب 8 من أبواب الماء المطلق. (2) وسائل الشيعة باب 15 من أبواب الوضوء حديث - 2 -.

[ 410 ]

ولكن يمكن أن يناقش في ذلك: بأن الامام حينما غمس كفه في الماء وقال (وهكذا إذا كانت الكف طاهرة) غاية ما يدل عليه كلامه هذا: أنه إذا لم تكن الكف طاهرة، فليس هكذا. أما ما هو هذا المشار إليه، الذي ينتفي بانتفاء طهارة اليد، فلا يضح من الكلام. فلعله الابتداء بالوضوء، لان الامام عليه السلام غمس كفه في الماء مبتدئا بذلك عملية الوضوء، ومن الواضح ان الكف إذا لم تكن طاهرة فلا يمكن الابتداء بعملية الوضوء إلا بعد تطهيرها، لان طهارة محال الوضوء شرط في صحته. فكما يمكن أن يكون نظره إلى أن الكف إذا لم تكن طاهرة، فلا ينبغي إدخالها في الماء لانه ينفعل بها.. كذلك يمكن أن يكون نظره إلى أن الكف إذا لم تكن طاهرة، فلا ينبغي الابتداء بالوضوء، بل لابد من تطهيرها قبل ذلك. وإن شئتم قلتم: إن الامام بادخال كفه في الماء حقق أمرين: ملاقاة يده للماء، والبدء بعملية الوضوء حيث أنه ادخل يده ليغترف ماء الوضوء، وما هو معلق على طهارة الكف، إن كان هو الادخال بلحاظ الامر الاول دل على انفعال الماء بملاقاة اليد غير الطاهرة. وان كان هو الادخال بلحاظ الامر الثاني وبما هو بدء بعملية الوضوء، دل على ان من كانت كفه غير طاهرة فلا يبدأ بالوضوء، وهذا واضح لان عليه تطهيرها قبل ذلك. وعلى أي حال، فان تمت دلالة الرواية على انفعال الماء القليل بالكف غير الطاهرة، وقعت طرفا للمعارضة مع ما أشرنا إليه في التفصيل السابق، مما يدل على عدم انفعال الماء القليل بملاقاة المتنجس مطلقا. فرواية أبي بصير مقلا، التي تقدم منا الاستدلال بها على عدم انفعال الماء القليل بملاقاة المتنجس الاول، فضلا عن الثاني.. تكون طرفا للمعارضة مع اطلاق المفهوم في صحيحة زرارة. بل يمكن أن يقال: انا حتى إذا انطلقنا في فهم رواية أبي بصير

[ 411 ]

وجهة نظر السيد الاستاذ - دام ظله - وتم لدينا على هذا الاساس الدليل على انفعال الماء القليل بالمتنجس الاول.. حتى مع هذا تصلح رواية أبي بصير للدلالة بالاطلاق على عدم انفعال الماء القليل بالمتنجس الثاني، وتصلح للمعارضة مع اطلاق رواية زرارة. فان السيد الاستاذ يقول: بأن المقصود من (قذر بول أو جنابة) القذارة الناشئة من البول والجنابة، وعلى هذا الاساس ذكر انها محفوظة حتى بعد زوال عين البول أو المني. وهذا لو سلم فمن الواضح انه لا ينطبق على القذارة الناشئة من ملاقاة ملاقي البول أو المني، بل يختص بالقذارة الناشئة من ملاقاة نفس البول والمني. فقوله عليه السلام: (ان أدخلت يدك في الاناء قبل أن تغسلها، فلا بأس، إلا أن يكون أصابها قذر بول أو جنابة. فان أدخلت يدك في الماء وفيها شئ من ذلك فأهرق ذلك الما).. يدل منطوقا - من وجهة نظر السيد الاستاذ - على ان الماء ينفعل بملاقاة اليد التي أصابها المني، سواء بقي عليها أم لا، ويدل مفهوما على أن يد الجنب إذا لم يكن أصابها المني فلا ينجس الماء بها، وهذا مطلق يشمل صورة ما إذا كانت يد الجنب قد لاقت مع الثوب المتنجس بالمني أيضا، وهي صورة اعتيادية بالنسبة إلى الجنب يشملها الاطلاق جزما. والشئ نفسه يقال في رواية سماعة: (إذا أصاب الرجل جنابة فأدخل يده في الناء فلا بأس إذا لم يكن أصاب يده شئ من المني). فإنها تشترط في البأس أن تكون يده قد لاقت المني مباشرة، ومقتضى اطلاق نفي البأس مع عدم ملاقاته: ان الماء لا ينفعل باليد ولو كانت متنجسه بالثوب المتنجس بالمني مثلا، فيقع هذا الاطلاق طرفا للمعارضة، مع إطلاق المفهوم في رواية زرارة. اللهم الا أن يدعي: أن نفي البأس عن إدخال الجنب يده في الماء في روايات أبي بصير وسماعة وغيرهما.. ناظر إلى نفي البأس من ناحية

[ 412 ]

كون اليد يد جنب، فلا يمكن التمسك باطلاقها لدفع محذور آخر. ثالثا - التفصيل بين الملاقاة المستقرة وغيرها وقد استقرب هذا التفصيل استاذنا وشيخنا الاعظم - قدس سره - في مجلس بحثه، وفي بعض الطبعات المتقدمة من رسالته العملية (بلغة الراغبين) وحاصل هذا التفصيل هو الحكم بطهارة قطرات الماء التي تصيب المتنجس بل النجس، وتنزو منه بسرعة. والحكم بطهارة هذه القطرات، اما أن يقوم على أساس دعوى قصور أدلة الانفعال عن الشمول لمثل هذه الملاقاة غير المستقرة، أو على أساس وجود دليل خاص على عدم الانفعال، يقيد اطلاقات أدلة الانفعال. أما الاساس الاول فهو وجيه لو جمدنا على دلالة اللفظ لا دلالة الانفعال، لان أخبار الكر - وإن دلت مفهوما على أن الماء القليل ينفعل - غير انها لا تتكفل بيان نحو الملاقاة الذي يوجب الانفعال. من دون فرق بين أن نفترض كون المفهوم متكفلا لقضية مهملة أو كلية، من ناحية نوع الاشياء الموجبة للتنجيس، فانه - علي أي حال - مهمل من ناحية كيفية الملاقة التي يحصل بها التنجيس، فيقتصر على المتيقن من الكيفية. وأما الاخبار الخاصة، فقد وردت في موارد الملاقاة المستقرة، من قبيل القطرة تقع في الاناء، أو الدجاجة تشرب من الماء، ونحو ذلك. فلا يمكن التعدي منها إلى الملاقاة غير المستقرة. ولكن الصحيح: ان مثل أخبار الكر ينعقد لها اطلاق مقامي يقتضي الحوالة على النظر العرفي في تشخيص نحو الملاقاة التي تكون منجسة. والعرف يرى الملاقاة غير المستقرة موجبة لسراية القذارة أيضا، فيشملها الاطلاق

[ 413 ]

المقامي لدليل الانفعال. هذا إذا ادعينا حكم العرف بأن الملاقاة بانحائها المختلفة موجبة لسراية القذارة. واما إذا ادعينا ما هو أكثر من ذلك، وقلنا: بأن العرف يرى بارتكازه، المساواة بين انحاء الملاقة في درجة التأثير في السراية، فهذا يعني التلازم العرفي بينها في الحكم، فيكون كل ما دل من الروايات الخاصة على الانفعال بالملاقاة المستقرة، دالا بالالتزام العرفي على الانفعال بالملاقة غير المستقرة ايضا. وأما الاساس الثاني، فقد استدل على عدم الانفعال برواية عمر بن يزيد قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: اغتسل في مغتسل يبال فيه ويغتسل من الجنابة، فيقع في الاناء ما ينزو من الارض؟ فقال: لا بأس به (1). ووجه الاستدلال واضح، حيث أن الراوي فرض ان المكان يبال فيه، فهو مما يقع فيه عين النجس، بل قد يكون هذا التعبير بمعنى انه مكان معد لقضاء الحاجة، ففيه الفضلات عادة، ومع هذا حكم بطهارة القطرة. ومقتضى اطلاق الجواب طهارتها ولو كانت واقعة على عين النجس، وهو يدل على ان الملاقاة غير المستقرة لا تنجس. وقد حمل جماعة هذه الرواية على ملاقي أحد أطراف الشبهة المحصورة، بمعنى أن القطرة لاقت موضعا من المكان مرددا بين النجس وغيره. فإن أريد بهذا الحمل دعوى إستظهار ذلك من الرواية، فهو ممنوع، إذ لم يشر في الرواية إلى الشك. وإن أريد بذلك ان الرواية انما تدل على عدم منجسية الملاقاة غير المستقرة، بإطلاقها لصورة العلم بوقوع القطرة على النجس، فيمكن تقييد هذا الاطلاق بلحاظ اطلاق أدلة انفعال الماء القليل الشامل للملاقاة غير المستقرة. فيرد عليه: انه لو سلم كون الدلالة بالاطلاق فتقع المعارضة بالعموم من وجه، بين اطلاق الرواية لصورة العلم، واطلاق


(1) وسائل الشيعة باب 9 من أبواب الماء المضاف حديث - 7 -.

[ 414 ]

ادلة انفعال الماء القلل للملاقاة غير المستقرة. وبعد التساقط يرجع إلى إصالة الطهارة، لو لم نقل بقطعية دليل الانفعال المتكفل للاطلاق المقامي الشامل للملاقاة غير المستقرة، وإلا سقط معارضه في مادة الاجتماع عن الحجية. ولكن هنا كلام آخر في الرواية توضيحه: ان قوله (لا بأس به)، إما أن يكون ناظرا إلى نفس القطرة التي تنزو، ومتكفلا للحكم بطهارتها.. فيدل على المدعى في هذا التفصيل. وإما أن يكون ناظر إلى ماء الاناء الذي وقعت فيه القطرة، فيدل على طهارة ماء الاناء، وهذا لا يدل - حينئذ - على أن القطرة لم نتنجس، بل على انها لم تنجس، فليكن ذلك على أساس عدم انفعال الماء القليل بالمتنجس ولو كان مائعا، فيطابق رواية زرارة المتقدمة في ماء الدلو. فإن قيل: ان القطرة لو كانت قد تنجست واختلطت بماء الاناء فلا يجوز استعماله والوضوء به، حتى على القول بعدم انفعال الماء القليل، لان القطرة لا موجب لطهارتها بعد تنجسها، فيكون ماء الاناء مخلوطا بالنجس، فلا يصح استعماله. قلنا: ان المفروض وقوع القطرة والقطرات، وهذا يستهلك في ماء الاناء عادة فلا محذور من ناحيته. هذا كله مضافا إلى ضعف سند الرواية، لورود غير الموثق فيه، كالمعلى بن محمد. رابعا - التفصيل بين ما يدركه الطرف من الدم وغيره وقد نسب هذا التفصيل إلى الشيخ الطوسي - قدس سره - وظاهر عبارته في المبسوط هو: عدم الاختصاص بالدم. فانه ذكر: أن الدم وغيره، إذا كان مما لا يدركه الطرف، فهو معفو عنه، لانه مما لا يمكن التحرز

[ 415 ]

عنه، فلا ينجس الماء الملاقي له. وظاهر ذلك انه لا فرق بين الدم وغيره من هذه الناحية. ولهذا لا يناسب أن يكون المدرك رواية علي بن جعفر، المختصة بالدم، بل يمكن أن يحمل كلامه على أن الافراد العقلية للدم والبول وغيرهما، ليست موجبة للتنجيس، ما لم تكن أفرادا عرفية: فكل ماهية إذا لو حظت لحاظا عقليا، يرى أن الكمية لم تؤخذ فيها، ولكن إذا لوحظت بالنظر العرفي، يرى أن حدا أدنى من الكمية مأخوذ في مفهوم اللفظ الدال عليها، فلو نقص فرد عن تلك الكمية لم يكن مصداقا لمفهوم اللفظ عرفا، وان كان فردا حقيقيا من الماهية عقلا. وليس هذا من الاخذ بنظر العرف في تشخيص المصداق، بل من الاخذ بنظره في تحديد المفهوم، لان مرتبة أدنى من الحجم قد أخذت في نفس مدلول اللفظ عرفا. والدم إذا كان مما لا يدركه الطرف في نفسه، فلا يكون مصداقا للدم العرفي، ولا تشمله أدلة انفعال الماء القليل بالدم. وكذلك الامر في سائر أعيان النجاسات. وهذا في الحقيقة ليس تفصيلا، ولا يحتاج إلى دليل خاص. وانما يتحقق التفصيل لو قيل: بأن بعض المصاديق العرفية للدم لا تنجس، لضالتها وعدم استبانتها في الماء عند الملاقاة، وان كانت في نفسها قبل الملاقاة قابلة للرؤية. فإن مثل هذا القول يحتاج إلى دليل يقيد اطلاقات أدلة انفعال الماء القليل. ومن هنا قد يستدل على ذلك، برواية علي بن جعفر، التي نقلها الكليني في الكافي والشيخ في التهذيب والاستبصار. ونقل في التنقيح ان الشيخ الطوسي رواها في المبسوط، ولكنا لم نجد في المبسوط هذه الرواية، وهي: (قال سألته عن رجل رعف فامتخط، فصار بعض ذلك الدم قطعا صغارا، فأصاب إناءه، هل يصلح له الوضوء منه؟ فقال: ان لم يكن شيئا يستبين في الماء فلا بأس، وإن كان شيئا

[ 416 ]

بينا فلا يتوضأ منه) (1). وقد احتمل الاصحاب في هذه الرواية ثلاث احتمالات: أحدها: ان تكون واردة في مورد الشبهة المحصورة، بمعنى العلم إجمالا بوقوع الدم على الاناء، ولا يعلم على أي جانبيه. وحيث ان الجانب الخارجي لا أثر لنجاسته، فلا يكون العلم الاجمالي منجزا. ثانيها: ان تكون الرواية واردة في مورد العلم التفصيلي باصابة الدم للاناء بما هو اناء، والشك في اصابته لما في الاناء من الماء، وحيث انه شك بدوى فلا يعتنى به. ثالثها: ان تكون الرواية واردة في فرض اصابة الدم للاناء، بمعني الماء الذي في الاناء، فتكون دالة على التفصيل المدعي. وقد يستظهر الاحتمال الثاني، حملا لكلمة (الاناء) على معناها الحقيقي المغاير للماء، لان حمل (الاناء) على (ماء الاناء) لا يخلو من عناية، ولا قرينة على هذه العناية (2). ولكن الانصاف ان حمل (الاناء) على الظرف دون الماء لا يخلو من عناية مقابلة أيضا، لان الضمير في قوله: (هل يصلح الوضوء منه) يرجع إلى الاناء. ومن المعلوم ان الوضوء انما يكون من ماء الاناء حقيقة، لا من الاناء، لان الاناء بما هو اناء لا يتوضأ منه. وهذا بنفسه قد يصلح قرينة على ارادة الماء من الاناء. هذا مضافا إلى ان المراد لو كان هو الاناء بمعنى الظرف، فهذا يعني ان السؤال انما هو بلحاظ الشك في وقوع الدم في الماء، بعد فرض وصوله إلى الاناء، وهذا غير مذكور في كلام الراوي، فيلزم على هذا أن تكون الحيثية الملحوظة


(1) وسائل الشيعة باب 8 من أبواب الماء المطلق حديث - 1 -. (2) التنقيح الجزء الاول ص 163.

[ 417 ]

في السؤال، وهي الشك في اصابة الدم للماء... غير مذكورة في كلام السائل، وهو خلاف الظاهر. بخلاف ما إذا كان المراد بالاناء نفس الماء، فان الحيثية الملحوظة في السؤال والموجبة للاستخبار، تكون مذكورة في كلام السائل، وهي ملاقاة دم قليل للماء الموجود في الاناء. وعلى هذا الاساس يمكن استظهار الاحتمال الثالث، في مقابل الاحتمالين الاولين. ولكن قد يقال: بأن الظاهر من قوله: (إن لم يكن شئ يستبين في الماء، فلا بأس. وإن كان شيئا بينا فلا يتوضأ منه). إناطة جواز الوضوء - إثباتا ونفيا - باستبانة دم في الماء فعلا، وعدم استبانته فعلا، فليس مناط الجواز أن لا يكون الدم قد استبان في الماء عند سقوطه فيه، بل ان لا يكون هناك شئ يستبين في الماء فعلا. وهذا يعني إناطة الجواز باستهلاك الدم، وعدم الجواز بعدم استهلاكه. فتكون الرواية قريبة من الروايات الدالة على عدم انفعال الماء القليل بملاقاة النجس بدون تغير، وتعارضها - حينئذ - رواية علي بن جعفر: (في رجل رعف وهو يتوضأ، فتقطر قطرة في انائه، هل يصلح الوضوء منه؟ قال: لا) (1). فان القطرة لا تستبين في الماء بعد وقوعها ببرهة قصيرة عادة، لانتشارها واستهلاكها فيه. فلو كان المناط في جواز الوضوء، عدم وجود شئ مستبين فعلا، لجاز الوضوء من الماء بعيد وقوع القطرة فيه. والحاصل: ان المقصود من الاستبانة - اثباتا ونفيا - لو كان هو الاستبانة بلحاظ آن الملاقاة لانطبقت الرواية على التفصيل المشار إليه، واما إذا كان المقصود الاستبانة وعدمها فعلا، فلا تنطبق على ذلك التفصيل. وهذا إن لم يكن هو الظاهر من الرواية، فهي على الاقل مجملة محتملة للامرين.


(1) وسائل الشيعة باب 8 من أبواب الماء المطلق حديث - 1 -.

[ 418 ]

خامسا - التفصيل بين ورود الماء على النجاسة والعكس وهذا التفصيل يدعى فيه: ان الماء لا ينفعل بالملاقاة الحاصلة من وروده على النجاسة. إما لقصور في المقتضى، لان أخبار الكر لا تدل على تعيين نحو الملاقاة الموجبة للتنجيس، كما تقدم في التفصيل الثالث. والروايات الخاصة وردت في موارد ورود النجاسة على الماء، فلا يمكن التعدي منها. وهذا بخلاف غير الماء، فان مقتضى قوله في موثقة عمار: (اغسل كل ما أصابه ذلك الماء).. ان مناط سراية النجاسة إلى غير الماء، اصابة النجس له، والاصابة تشمل ورود الشئ على النجس أيضا. وإما لابداء المانع، وهو ما دل على حصول التطهير بصب الماء القليل على المتنجس، إذ لو كان ينفعل بوروده على النجس والمتنجس أيضا، لما حصل التطهير به. أما دعوى قصور المقتضى، فالجواب عليها عن طريق التمسك بالاطلاق المقامي، المقتضى لتحكيم النظر العرفي في باب السراية، وهو لا يفرق بين النحوين من الملاقاة. وقد يجاب أيضا: (1) بوجود اطلاق في بعض الروايات، فيتمسك به. وذلك في رواية أبي بصير عن أبي عبد الله: (قال ما يبل الميل ينجس حبا من ماء) (2)، فان في اطلاق هذه الرواية كفاية لابطال التفصيل المذكور، لانها لم تفصل بين ورود الخمر على الماء وعكسه.


(1) التنقيح الجزء الاول ص 167. (2) وسائل الشيعة باب 38 من أبواب النجاسات حديث - 6 -.

[ 419 ]

ولكن الظاهر عدم امكان التمسك بهذه الرواية، أما اولا: فلسقوط سندها بالارسال، إذ وقع فيها عنوان بعض أصحابنا. وأما ثانيا: فلان الرواية، ان أريد دعوى الاطلاق المقامي فيها بلحاظ ارتكاز عدم الفراق في نظر العرف، بين انحاء الملاقاة.. فلا يختص ذلك بهذه الرواية، ولا يكون جوابا آخر وراء الجواب الذي يقوم على أساس التشبث بالنظر العرفي. وان أريد دعوى الاطلاق اللفظي فيها، فيرد على ذلك ان الرواية انما تدل ان الميل من الخمر ينجس الماء، واما كيفية التنجيس، وبأي نحو يحصل، فليس للرواية اطلاق لفظي من هذه الناحية. وان شئتم قلتم: بأن من الواضح ان الميل من الخمر لا ينجس حب الماء مطلقا، حتى مع انفصال أحدهما عن الاخر، بل انما ينجسه بحصول نحو من التفاعل بينهما، وهذا يعني ان مرتبة من التفاعل ملحوظة تقديرا في مقام الحكم بمنجسية الميل من الخمر للماء. وحينئذ فان رجعنا إلى الارتكاز العرفي أمكننا أن نعين هذه المرتبة الملحوظة تبديرا، بأنها مطلق الملاقاة. وأما إذا قطعنا النظر عن الارتكاز، فلا يمكن التمسك باطلاق الرواية، لاثبات كفاية مطلق الملاقاة، بل تكون مجملة لان مرتبة التفاعل الملحوظة فيها تقديرا مرددة - حينئذ - بين الملاقاة الخاصة، أو مطلق الملاقاة، ولا معين لاحدهما. فان قيل: لماذا لا نثبت بمقدمات الحكمة، ان مطلق الملاقاة كاف في المتنجس؟! قلنا: لان الجمود على اطلاق اللفظ، يقتضى الحكم بمنجسية ميل الخمر للماء، حتى مع الانفصال. وبداهة بطلان ذلك قرينة عرفية، على أن مفاد العبارة هو أن الميل من الخمر ينجس الماء لا بذات وجوده في الخارج، بل بنسبة معينة بينه وبينه. فهناك إذن دال عرفي في الكلام على ملاحظة هذه النسبة، ولما كان مدلول هذا الدال مرددا بين مطلق الملاقاة والملاقاة الخاصة، وكنا قد قطعنا النظر عن الارتكاز في مقام

[ 420 ]

[ من غير فرق بين النجاسات حتى برأس إبرة من الدم الذي لا يدركه (1) سواء كان مجتمعا أم متفرقا مع اتصالها بالسواقي. فلو كان هناك حفر متعددة فيها الماء واتصلت بالسواقي ولم يكن المجموع كرا إذا لاقى النجس واحدة منها تنجس الجميع. وان كان بقدر الكر لا ينجس وان كان متفرقا على الوجه المذكور، فلو كان ما في كل حفرة دون الكر وكان المجموع كرا ولاقى واحدة منها النجس لم تنجس لاتصالها بالبقية. (مسألة - 1) لا فرق في تنجس القليل بين أن يكون واردا على النجاسة أو مورودا (2). (مسألة - 2) الكر بحسب الوزن ألف ومائتا رطل بالعراقي (3). ]


تعيينه) فيكون المقام من قبيل الكلام المقترن بمقيد متصل، مع تردد هذا المقيد بين الاقل والاكثر، فيوجب إجمال الكلام. وهكذا يتضح أن الاستدلال برواية أبي بصير لا يتم، إلا بتحكيم الارتكازات العرفية، ومعه يتم الاستدلال بسائر الروايات. وأما دعوى ابداء المانع، فلو تم هذا المانع لاختص بخصوص الماء الوارد على المتنجس، الذي يطهر به، ولا يشمل الماء الوارد على جسم غير قابل للتطهير، كعين النجس، إلا أن يضم إليه دعوى ارتكازية عدم الفرق بين الورود التطهيري للماء، والورود غير التطهيري. وسوف يأتي تفصيل الكلام في هذا المانع المدعى ومناقشته، في بحث ماء الغسالة ان شاء الله. (1) هذا إشارة إلى التفصيل الرابع المتقدم. (2) هذا إشارة إلى التفصيل الخامس المتقدم. (3) هذا هو المشهور بين فقهائنا. وقد وردت بشأن الوزن روايتان:

[ 421 ]

إحداهما مرسلة ابن أبي عمير (1)، التي حددته بألف ومائتي رطل. والاخرى صحيحة محمد بن مسلم (2)، التي حددته بستمائة رطل. وحيث أن الرطل له اصطلاح عراقي، ومكي، ومدني، والمكي ضعف العراقي. فيتوقف التحديد الوزني للمشهور على حمل الرطل في المرسلة على العراقي، وحمله في الصحيحة على المكي. وما يمكن أن يقرب به التحديد المشهور على ضوء روايات الباب بما فيها الروايتان المذكورتان أحد وجوه: الوجه الاول: مبني على القول بحجية الصحيحة والمرسلة معا، وهو ما ذكره جملة من الفقهاء، كالسيد الحكيم - قدس سره - في المستمسك (3) من جعل كل من الروايتين قرينة على تعيين المراد من الرواية الاخرى. فان قرينية الدليل على رفع إجمال الدليل الاخر وتعيين مفاده، أولى من قرينية دليل على تخصيص دليل آخر، لان التخصيص لا يخلو من ارتكاب خلاف الظاهر، بخلاف تعيين المشترك في أحد معانيه. ولا يتوهم: أن قرينية دليل، فرع أن يكون له ظهور معتبر في شئ، لكي يجعل قرينة على الدليل الاخر، وفي المقام لا ظهور معتبر في كل من الروايتين، لاجمالها فكيف تجعل قرينة؟! لان هذا التوهم يندفع: بأن كل واحدة من الروايتين نص في أحد المعاني على البدل، فرواية محمد بن مسلم بمالها من النصوصية في أحد المعاني الثلاثة على البدل، تكون قرينة على تعيين الرطل في المرسلة بالعراقي، ومرسلة ابن أبي عمير بمالها من النصوصية في أحد المعاني الثلاثة على البدل، تكون قرينة على تعيين الرطل في رواية محمد بن مسلم في الرطل المكي. ومن أجل أن ندرس الفكرة الاساسية التي يقوم عليها هذا التقريب


(1) و (2) وسائل الشيعة باب 11 من أبواب الماء المطلق حديث - 1، 3 -. (2) مستمسك العروة الوثقى الجزء الاول ص 125 الطبعة الثانية.

[ 422 ]

يجب أن نتكلم في مرحلتين: الاولى: في كبرى تعيين مفاد الدليل المجمل بدليل آخر مفصل، وهي كبرى تحتاج إلى تحقيق وتنقيح، لانها لم تدرس في كلمات فقهائنا، بصورة خاصة. والثانية: - بعد الفراغ عن صحة تلك الكبرى - ندرس ما إذا كان بالامكان تعيين مفاد دليلين مجملين كل منهما بقرينية الاخر، على النحو الذي نعين به مفاد الدليل المجمل بقرينية الدليل المفصل. أما المرحلة الاولى من البحث فتحقيق الحال فيها: إن الدليل المجمل الذي يراد رفه إجماله بالدليل المفصل، تارة يكون مفاده الجامع بين أمرين، ونريد بالدليل المفصل الذي ينفي أحد فردي هذا الجامع، أن نعين الجامع في فرده الاخر. وأخرى: يكون مفاده أحد الامرين بخصوصه، ولكنه مشتبه علينا، ونريد بالدليل المفصل تعيينه. فالمقصود على الاول تعيين مصداق مفاد الدليل المجمل، وعلى الثاني تعيين نفس مفاده. ومثال الاول: أن يرد السؤال عن حكم الوضوء من ماء وقعت فيه قطرة الخمر، فقيل لا بأس. فان نفي البأس بدل على الجامع بين طهارة الخمر) أو اعتصام الماء. ولنفرض عدم وجود نكتة في نفس الجواب تعين أحد الامرين، وانما نريد أن نعين ان الجامع منطبق على اعتصام الماء بضم الدليل الخارجي الدال على نجاسة الخمر، فهذا تعيين لمصداق الجامع بالدليل الخارجي. ومثال الثاني: أن يرد أكرم زيدا، وهناك زيد بن خالد، وزيد بن سعيد، ويرد في دليل آخر لا تكرم زيد بن خالد، ونريد أن نعين ان زيدا الذي أمر الدليل الاول باكرامه هو زيد بن سعيد، بقرينة الدليل الثاني، فهنا مفاد الدليل المجمل ليس هو الجامع) بل أحد الفردين بخصوصه. وكذلك إذا ورد: ان الكر ستمائة رطل، وورد في دليل آخر: ان الكر ألف ومائتا رطل بالعراقي، ونريد أن نعين أن الرطل في الدليل الاول هو الرطل المكي، على ضوء الدليل الثاني، الذي يأبى عن كونه ستمائة رطل الا بالمكي.

[ 423 ]

فان كان مفاد الدليل المجمل هو الجامع، فهو في الحقيقة ليس مجملا في مرحلة المدلول والمفاد، بل مبينا وهو الجامع، فيكون حجة في إثبات الجامع. والدليل الاخر الدال على نفي الفرد الثاني للجامع، يدل بالالتزام على قضية شرطية، وهي: إنه لو كان الجامع موجودا فهو موجود في الفرد الاول، والدليل على الجامع يدل على تحقق شرط هذه القضية الشرطية وبذلك يلزم من مجموع الدليلين ثبوت الجزاء فعلا، وهو أن الجامع موجود في الفرد الاول، وبذلك يرتفع الاجمال. وان كان مفاد الدليل المجمل أمرا خاصا مرددا، كزيد المردد بين الزيدين، فهنا قد يقال: بأن الدليل الثاني الدال على عدم مطلوبية اكرام زيد بن خالد، يدل على قضية شرطية أيضا، وهي أنه لو كان أحد الزيدين مطلوب الاكرام، لكان زيد بن سعيد. والدليل الاول يحقق الشرط لهذه القضية الشرطية) فيكون المدلول الالتزامي لمجموع الدليلين: ان زيد ابن سعيد مطلوب الاكرام. ولكن من الواضح: ان استخلاص هذا المدلول الالتزامي من مجموع الدليلين، فرع إجراء إصالة الجهة في كل منهما. وأما إذا لم تجر إصالة الجهة في الدليل المجمل، المتكفل للامر باكرام زيد، فلا يكون المدلول الالتزامي، الذي يساهم ذل الدليل المجمل في تكوينه حجة. وعلى هذا الاساس نقول: ان الجهة في الدليل المجمل، إن كانت قطعية تم التقريب المذكور وكان المدلول الالتزامي المستخلص من مجموع الدليلين حجة، واما إذا لم تكن الجهة في الدليل المجمل قطعية، وكانت بحاجة إلى اصالة الجهة فلا بد من النظر إلى أن إصالة الجهة، هل تجري في المقام؟ فاننا هنا نواجه دليلا مجملا، مراده الاستعمالي مردد بين زيد بن خالد وزيد بن سعيد، والاول لا يحتمل كونه مرادا جدا بخلاف الثاني، فهل أن إصالة الجهة

[ 424 ]

بإمكانها أن تعين المراد الاستعمالي، حينما يتردد بين شيئين، أحدهما يعلم بعدم جديته دون الاخر) كما نثبت جدية المراد الاستعمالي حينما يكون متعينا وتكون جديته مشكوكة؟ في جديته وعدمها، واخرى: يكون أحد المطلبين غير جدى جزما، والمطلب الآخر ممكن الجدية أو معلومها، ويحصل التردد في أن المراد الاستعمالي هل هو ذاك أو هذا. والمتيقن من جريان اصالة الجهة، إما هو جريانها في الفرض الاول، واما جريانها في الفرض الثاني، بنحو تقتضي تعيين المراد الاستعمالى، فهو غير معلوم. وعلى هذا الاساس نرى ان المحقق الخراساني والسيد الاستاذ وغيرهما من الاعلام... يلتزمون في العام المخصص بأن العام مستعمل في العموم، مع العلم بعدم جدية العموم عملا بظاهر اللفظ، ولا يرون إصالة الجهة مقتضية لاثبات ان العام مستعمل في غير العموم، تحفظا على الجدية. وليس ذلك إلا لان إصالة الجهة لا تعين عندهم المراد الاستعمالي عند تردده بين ما هو جدى وغير جدي، وانما تعين جدية المراد الاستعمالى عند الشك في جديته وعدم جديته. وإذا لم تكن إصالة الجهة جارية في دليل اكرم زيدا لتعيين ما هو المراد الاستعمالى من زيد فيبقى قائما احتمال ان يكون المراد بزيد زيد بن خالد الذى علمنا من الدليل الآخر انه غير المطلوب الاكرام. وغاية ما يلزم من ذلك ان لا يكون دليل اكرم زيدا بداعي الجد، ولا بأس بذلك، بعد فرض سقوط اصالة الجهة في امثال المقام. فان قيل: ما هو الفرق إذن بين صورة تكفل الدليل المجمل لاحد الامرين بالخصوص، وصورة تكفله للجامع، حيث قلتم في هذه الصورة بامكان تعيين الجامع في احد فرديه، بضم الدليل الخارجي الدال على نفي

[ 425 ]

الفرد الآخر: قلنا: الفرق ان الدليل المتكفل للجامع تجري فيه إصالة الجهة، لان مفاده ومدلوله الاستعمالى متعين، وانما الشك في جديته وعدمها، فلا يراد هناك باصالة الجهة تعيين المدلول الاستعمالي، بل اثبات جديته. وهذا بخلاف صورة دلالة الدليل على احد الامرين بالخصوص، التي يراد فيها تعيين المراد الاستعمالى باصالة الجهة. فان قيل: اليس كل كلام. يكون على تقدير اتصاله بالكلام الآخر قرينة عليه ومفسرا له، يستحق التقديم عليه، وجعله قرينة في فرض الانفصال ايضا، وفي المقام لو اتصل المفصل بالمجمل، لرفع اجماله، كما لو قال القائل: اكرم زيدا، ولا تكرم زيد بن خالد، فيكون حجة في رفع إجماله في فرض الانفصال أيضا. قلنا: ان رفع المفصل لاجمال المجمل عند اتصاله به، في قول القائل " اكرم زيدا ولا تكرم زيد بن خالد "... ينشأ من ظهور عطف احدى الجملتين على الاخرى، فانه ظاهر بنفسه في ان احدى الجملتين ليست عدولا أو إلغاء لمفاد الجملة الاخرى، وانها مسوقة لاضافة مفاد إلى مفاد الجملة الاخرى، لا لتبديل مفاد بمفاد. وهذا الظهور يكون قرينة عرفا على ان المراد الاستعمالي من زيد في كل من الجملتين غير زيد في الجملة الاخرى. ومن الواضح ان مثل هذا الظهور غير موجود في فرض الانفصال. فكلما كان الخطابان - المجمل والمفصل - لكل منهما نظر تسليمي إلى الآخر، ولو بقرينة عطف احدهما على الآخر. فهذا النظر التسليمي يكون هو القرينة على حمل المجمل على معنى لا يعارض المفصل، لان فرض معارضته للمفصل يخالف النظر التسليمي لكل من الخطابين إلى آخر. واما إذا لم تقم قرينة من قبيل هذا النظر التسليمي على ارادة معنى من المجمل لا يعارض به المفصل، وكان احتمال التقية في المجمل موجودا... فلا دافع لاحتمال ان يكون المراد

[ 426 ]

الاستعمالي بالمجمل، معنى يعارض به المفصل، وان يكون ذلك من باب التقية، إذ ينحصر الدافع لهذا الاحتمال في اصالة الجهة وقد عرفت حالها. وهكذا تتضح نظرية كاملة لقرينية المفصل الثابت على المجمل، حاصلها: ان الدليل المجمل، ان كان مفاده الجامع، فيمكن تعيينه في احد الفردين بضم المفصل النافي للفرد الآخر. وان كان مفاد المجمل أحد الامرين بالخصوص فكذلك يمكن تعيين مفاد المجمل على ضوء المفصل، إذا كانت الجهة في المجمل قطعية، أو كان للمجمل نظر تسليمي إلى المفصل، كما لو كان مجموعين في كلام واحد ومعطوفين احدهما على الآخر. وأما إذا كانت الجهة محتاجة إلى اصالة الجهة ولم يكن هناك نظر تسليمي، فيشكل تعيين مفاد المجمل وتشخيصه فيما لا يعارض المفصل. هذا هو الكلام في المرحلة الاولى، وعلى ضوئه تعرف: ان الخطابين المفترضين في تحديد الكر. لو كان أحدهما مجملا والآخر مفصلا. لاشكل تعيين المجمل بالمفصل، إذا كانت الجهة غير قطعية، فضلا عما لو كانا معا مجملين. فلو ورد: الكر ستمائة رطل وورد: الكر ستمائة رطل عراقي، فالثاني مفصل والاول مجمل، كاجمال اكرم زيدا، ومن المحتمل ان يراد بالرطل فيه الرطل المدني أو المكي. ولا دافع لذلك إلا إصالة الجهة، إذ يلزم من حمل الرطل على المكي أو المدني في المجمل كون أحد الخطابين تقية. وهو خلاف إصاله الجهة. فان أمكن تعيين المراد الاستعمالي باصالة الجهة تعين مفاد المجمل في الرطل. العراقي، وإلا فلا نافي الاحتمال ارادة الرطل غير العراقي في المجمل. هذا إذا كان احتمال التقية موجودا. ولكن قد يقال: ان احتمال التقية في المقام غير موجود، لعدم معهودية أقوال للعامة تبرر ورود روايات التحديد مجاراة لها، وعليه تكون إصالة الجهة قطعية، فيصح تعيين المجمل بالمفصل على أساسها.

[ 427 ]

ثم إذا افترضنا التجاوز عن اشكالات هذه المرحلة. وإمكان جعل المفصل قرينة على تعيين المراد الاستعمالي من المجمل - على أساس إصالة الجهة - ننتفل إلى المرحلة الثانية. والمرحلة الثانية هي فيما إذا كان كل من الخطابين مجملا، كصحيحة محمد بن مسلم، ومرسلة ابن أبي عمير فان الرطل في كل منهما مجمل. فهل يمكن جعل كل منهما قرينة لرفع اجمالا الآخر؟. والصحيح إمكان ذلك، إذ المفروض - بعد تجاوز الاشكال المشار إليه في المرحلة السابقة - ان إصالة الجهة يمكن أن يعين بها المراد الاستعمالي. وعليه فاصالة الجهة في المقام تجري في كلا الخطابين المرويين في الصحيحة والمرسلة، ويتعين بها المراد الاستعمالي في كل من الخطابين، بأن يحمل الرطل في الصحيحة على المكي، وفي المرسلة على العراقي، لان أي حمل آخر ينافي اصالة الجهة الجارية في كلا الخطابين. والتحقيق: إمكان تقريب الاستدلال، بمجموع الروايتين على الوزن المشهور بوجه أحسن وأسلم، لا يدعى فيه رفع اجمال كل من الروايتين بقرينة الرواية الاخرى. وهذا هو ما يلي: الوجه الثاني: ان شمول دليل الحجية لرواية. يتوقف - اولا - على عدم إحراز المعارض ولا يضربه احتمال المعارض - وثانيا - على أن يكون التعبد بالرواية منتهيا إلى أثر عملي، لئلا يكون جعل الحجية لها لغوا. وعلى هذا الاساس نلاحظ ان الصحيحة والمرسلة يمكن ان يشملها دليل الحجية - معا - على اجمالها، دون حاجة إلى دعوى جعل احداهما قرينة على تعيين مفاد الاخرى، وذلك الوجود كلا الشرطين. أما الاول: فلو ضوح انا لم نحرز التعارض بين الروايتين، لاحتمال أن يكون المراد بالرطل في الصحيحة: المكى، وفي المرسلة: العراقي،

[ 428 ]

وهذا يكفي لعدم وصول المعارضة وتنجزها. واما الثاني: فلان كلا من الروايتين وان كانت مجملة، ولكن اجمالها لو كان إجمالا مطلقا لا يتحصل منه شئ.. لما أمكن شمول دليل الحجية لها، إلا إذا أمكن رفع الاجمال عن كل منهما ولو بقرينية الاخرى. ولكن الواقع ان اجمال كل من الروايتين تقارنه في الصحيحة دلالة - لا اجمال فيها - على الحد الاقصى للكر. وتقارنه في المرسله دلالة - لا اجمال فيها - على الحد الادنى للكر، فيعقل شمول دليل الحجية للروايتين، مادام التعبد بها ينتهي إلى أثر عملي. بلحاظ اثبات الحد الادنى والحد الاقصى للكر، فتكون الروايتان معا حجة على اجمالها، ويثبت بهما ان الحد الادنى للكر هو ستمائة رطل مكى، وان الحد الاقصى هو الف ومائتا رطل عراقي، وبذلك يثبت المطلوب. وهذا يعنى ان الكر ليس بأقل من ستمائة رطل مكى - على كل محتملات رواية الستمائة - وليس بأكثر من الف ومئتي رطل عراقي، على جميع محتملات الرواية الاخرى. وبهذا يتحدد مقدار الكر، إذ ان ستمائة رطل مكى هو بعينه الف ومأتا رطل عراقي. والفرق بين هذا الوجه وسابقه: ان هذا الوجه لا يتوقف على دعوى قرينية كل من الروايتين على تعيين مفاد الاخرى، خلافا للوجه السابق الذي كان يقوم على أساس هذه القرينية. ويتوقف كلا الوجهين على القول باعتبار مراسيل ابن أبي عمير، بناءا على أنه لا يروي وإلا عن ثقة كما ادعاه الشيخ قدس سره، ونسب البناء على ذلك إلى الطائفة، فانه يقتضي كون رواية ابن أبي عمير عن شخص، شهادة بوثاقته، فلا يضر باعتبار الرواية عدم ذكر أسم الواسطة في مراسيله بعد ان كان يشهد ضمنا بوثاقة الواسطة. وقد يستشكل في ذلك: بأنالو سلمنا دعوى الشيخ، يتشكل عموم يقتضي الشهادة من قبل ابن أبي عمير

[ 429 ]

بوثاقة كل من يروي عنه. وحيث أن بعض الاشخاص الذين روى عنهم قد ورد في حقهم معارض أقوى، يشهد بعدم الوثاقة. وسقطت من أجل ذلك الشهادة الضمنية لابن أبي عمير بوثاقتهم عن الحجية. فحينما يرسل إبن أبي عمير يحتمل أن تكون الواسطة أحد أولئك الاشخاص. الذين سقطت شهادته عن الحجية بالنسبة إليهم. وهذا يعني أنها شبهة مصداقية، ولا يمكن التمسك بالعام في الشبهة المصداقية: هذا إذا كانت أفراد العام تمثل الرواة، فانه مع العلم بسقوط حجية العام بالنسبة إلى بعض الرواة تصبح الشبهة في المراسيل مصداقية، بخلاف ما إذا افترضنا أن أفراد العام تمثل الروايات، بحيث كانت كل رواية فردا من العام المشهود بوثاقة طريقه. فان هذا الافتراض يجعل الشك في وثاقة الواسطة في المرسلة، شكا في تخصيص زائد. الوجه الثالث، وهو مبني على قصر النظر على ملاحظة صحيحة محمد ابن مسلم دون المرسلة، إذ يقال: بأن هذه الصحيحة تحديد للكر الخارج بمخصص منفصل عن عمومات انفعال الماء القليل، وحيث أن مردد بين الاقل والاكثر، فيعلم بأن الماء البالغ ستمائة رطل مكي خارج عن تلك العمومات ويشك فيما هو أقل من ذلك. مما يبلغ ستمائة رطل عراقي مدني فيرجع في الزائد المشكوك إلى عمومات الانفعال. وقد ذكر السيد الاستاذ - دام ظله - (1) في توضيح ذلك: اننا نواجه في بادئ الامر طائفتين متعارضتين بالنسبة إلى عصمة الماء، أحداهما تدل على أن طبيعي الماء لا ينفعل بالملاقاة، من دون فرق بين القليل والكثير والمحقون وغيره، كرواية حريز، والاخرى: تدل على انفعال الماء مطلقا سواء كان قليلا أو كثيرا محقونا أو ذا مادة، من قبيل موثقة عمار " في الدجاجة تطأ على العذرة ثم تدخل الماء، قال لا تشرب منه ولا تتوضأ ".


(1) التنقيح الجزء الاول ص 173 - 174.

[ 430 ]

وهاتان الطائفتان متعارضتان، وموضوعهما واحد، إلا ان هذا التعارض ينحل نتيجة لوجود مخصص منفصل للطائفة الثانية، يخرج منها ماله مادة من الماء كرواية ابن بزيع. فتصبح أخص مطلقا من الطائفة الاولى فتخصصها. ثم ان هذه الطائفة الثانية ورد عليها مخصص، مردد بين الاقل والاكثر مفهوما. وهو دليل اعتصام الكر. ففيما زاد على المتيقن يتمسك باطلاق الطائفة الثانية الدالة على الانفعال. لا بالطائفة الاولى الدالة على الاعتصام لان ما هو الحجة لولا دليل اعتصام الكر، الطائفة الثانية لا الاولى. ولكن حول هذا الكلام عدة نقاط: الاولى: انه مبني على انقلاب النسبة، وإلا لم يكن موجب لجعل الطائفة الثانية اخص مطلقا من الطائفة الاولى، بعد ورود المخصص المنفصل الدال على اعتصام الماء النابع، وهذا المبنى لا نقول به. الثانية: انا لو سلمنا كبرى انقلاب النسبة، نلاحظ ان الطائفة الاولى التي دلت على اعتصام الماء على قسمين: احدهما: ورد في طبيعي الماء. كرواية حريز (2) والآخر: ورد في الماء المحقون خاصة، كعنوان الغدير والمستنقع ونحوه، من قيبل رواية عبد الله بن سنان قال: سأل رجل ابا عبد الله عن غدير أتوه وفيه جيفة... الخ (3) وعلى هذا الاساس فالطائفة الثانية الدالة على الانفعال - بعد اختصاصها بالماء المحقون وخروج الماء النابع منها - وان كانت تصبح اخص مطلقا من القسم الاول في الطائفة الاولى ولكنها لا تكون اخص مطلقا من القسم الثاني في الطائفة الاولى، لان الموضوع في هذا القسم هو الماء المحقون، فلا موجب لجعل الطائفة الثانية - ولو بعد اخراج الماء النابع منها - اخص مطلقا من جميع روايات الطائفة الاولى. والذي يتضح بملاحظة روايات الباب، انه يوجد لدينا ما يدل على اعتصام


(1) و (2) وسائل الشيعة باب 3 من ابواب الماء المطلق حديث - 1، 11 -.

[ 431 ]

طبيعي الماء. ويوجد ما يدل على انفعال طبيعي الماء، كما يوجد ما يدل على الاعتصام في المحقون، ويوجد ما يدل على الانفعال في المحقون، بدون فرق بين القليل والكثير. الثالثة: انا لو سلمنا انقلاب النسبة وافترضنا انحصار روايات الطائفة الاولى بالقسم الاول، الوارد في طبيعي الماء... فيمكن القول: بأن كلا من الطائفة الاولى والثانية ورد عليها مخصص سليم عن المعارض. فالطائفة الثانية مخصصها هو ما دل على اعتصام الماء النابع، كما ذكر السيد الاستاذ - دام ظله - والطائفة الاولى لها مخصص وهو الروايات الدالة على الانفعال الواردة في مورد الماء المتيقن القلة، من قبيل روايات الاناء ونحوها. فكما يخرج من اطلاق روايات الانفعال الماء النابع. كذلك يخرج من اطلاق روايات الاعتصام الماء المتيقن القلة، الذي لا يزيد على ستمائة رطل عراقي. ومعه فسوف تكون النسبة بين الطائفتين - بعد ملاحظة كلا التخصيصين - العموم من وجه، ويتعارضان في الماء المحقون المشكوك كريته. فلا موجب لمرجعية احدهما دون الآخر. وإن شئتم قلتم: ان نفس اخبار الكر لا اشكال في حجيتها في اثبات الانفعال للماء القليل، المردد بين الاقل والاكثر، وهي اخص مطلقا من الطائفة الاولى، الدالة على الاعتصام. فتوجب بمفهومها اخراج متيقنها في القلة في اطلاق الطائفة الاولى، وتوجب بمنطوقها اخراج متيقنها في الكرية من اطلاق الطائفة الثانية، كما ان دليل اعتصام الماء النابع، يوجب اخراج النابع من اطلاق الطائفة الثانية فلو كنا نلحظ نسبة الطائفة الثانية بعد تخصيصها، إلى الطائفة الاولى قبل تخصيصها، لكانت اخص منها مطلقا، ولكن هذا بلا موجب بناءا على انقلاب النسبة، وإلا لامكن أن نلاحظ نسبة الطائفة الاولى بعد التخصيص إلى الطائفة الثانية قبل التخصيص، فتكون

[ 432 ]

اخص منها مطلقا، بل المتعين هو إعمال كلا التخصيصين لكتا الطائفتين ثم ملاحظة النسبة بينهما، وحينئذ يرى ان النسبة هي العموم من وجه. ومادة الاجتماع هي الماء المحقون البالغ ستمائة رطل عراقي والناقص عن ستمائة رطل مكي، ومادة الافتراق للطائفة الاولى - بعد إعمال التخصيصات - الماء النابع والماء المحقون البالغ ستمائة رطل مكي، ومادة الافتراق للطائفة الثانية - بعد إعمال التخصيصات - الماء المحقون غير البالغ ستمائة رطل عراقي. الوجه الرابع ما قد يقال - بناء على قصر النظر على الصحيحة - من ان اخبار المساحة لا تناسب كون الكر ستمائة رطل عراقي أو مدني، لان المساحة المحددة للكر فيها تستوعب كمية اكبر من الماء. فهي تناسب حمل الرطل في الصحيحة على المكي. وفيه: انه لو سلم امكان جعل الدليل المفصل رافعا لاجمال الرطل في الصحيحة، فهو يتوقف على حجية اخبار المساحة. وعدم سقوطها بالتعارض، على ما سوف يأتي ان شاء الله تعالى. الوجه الخامس: انه ورد في خبر أبي بصير: " ولا يشرب سؤر الكلب، إلا ان يكون حوضا كبيرا يستقى منه " (1). ولا شك في أن عنوان الحوض الكبير الذي يستقى منه، لا يصدق على ما يكون ستمائة رطل بالعراقي أو المدني، بل حتى ما يكون كذلك بالمكي. ففي مورد الشك في الكرية مفهوما، ويرجع إلى اطلاق المستثنى منه في خبر ابي بصير. وهو أخص مطلقا. وهذا الوجه متين، ويتميز على الوجه السابق - مع اتفاقهما في الرجوع في مورد اجمال الصحيحة إلى عمومات الانفعال - في ان المرجع المحدد في هذا الوجه أخص مطلقا من روايات الاعتصام في نفسه، واما المرجع المحدد في الوجه السابق فيراد جعله أخص مطلقا من روايات الاعتصام،


(1) وسائل الشيعة باب 1 من ابواب الاسئار حديث - 7 -.

[ 433 ]

بالاستعانة بمخصص منفصل على اساس انقلاب النسبة. الوجه السادس: التمسك برواية علي بن جعفر عن اخيه " قال: سألته عن جرة ماء فيه الف رطل، وقع فيه اوقية بول، هل يصلح شربه أو الوضوء منه؟ قال: لا يصلح " (1). وتوضيح ذلك: ان هذه الرواية دلت على انفعال ألف رطل بالبول، وهو اكثر من ستمائة رطل عراقي أو مدني قطعا. ومقتضى اطلاقه هو الانفعال حتى مع عدم التغير، فان وقوع اوقية بول في الف رطل من الماء ليس ملازما لتغير الماء. وامتياز هذا الوجه على الوجه الثاني من الوجوه المتقدمة: ان نفس المكسب الذي كنا نريد الحصول عليه عن طريق مرسلة ابن ابي عمير، نحصل عليه الآن عن طريق رواية علي بن جعفر. التي نقلها الشيخ الحر عن كتابه، بلا حاجة إلى تصحيح مراسيل ابن ابي عمير، وهي رواية معتبرة سندا، لان الشيخ الحر له طريق إلى كتاب علي بن جعفر، بتوسط الشيخ الطوسي وماله من إسناد إليه. وعلى هذا الاساس: فالماء البالغ ستمائة رطل عراقي، وما زاد عليه إلى الف رطل عراقي، لما كان يشك في دخوله تحت اطلاق صحيحة محمد ابن مسلم، لاجمالها، ويعلم بدخوله تحت رواية علي بن جعفر. رغم اجمالها، فيحكم بانفعاله، واما ما زاد على الف رطل عراقي، ولم يبلغ الف ومائتين، فهو وان كان مشكوك الدخول تحت كل من الخبرين، ولكن يحكم بانفعاله. لعدم احتمال التفكيك فقيها بينه وبين الف رطل عراقي، فإذا ثبت انفعال هذا برواية علي بن جعفر، ثبت انفعال ذاك. فيثبت المطلوب. نعم قد يدعى: ان رواية علي بن جعفر انما تدل على انفعال الف رطل من الماء بمجرد الملاقاة بالاطلاق، لانها مطلقة من حيث حصول


(1) وسائل الشيعة باب 8 من ابواب الماء المطلق حديث - 16 -.

[ 434 ]

[ وبالمساحة ثلاثة واربعون شبرا إلا ثمن شبر (1). ] التغير وعدمه، فتقطع طرفا للمعارضة، مع ما دل على عدم انفعال طبيعي الماء بدون تغير، بالعموم من وجه. ومادة الاجتماع هي: الف رطل من الماء يلاقي النجاسة مع عدم التغير. ومادة الافتراق لرواية علي بن جعفر: فرض التغير. ومادة الافتراق لدليل عدم انفعال الماء بالملاقاة: الماء الكثير المتيقن الكرية. ومع كون الرواية مبتلاة بهذه المعارضة، فلا يمكن الرجوع إليها في مورد اجمال صحيحة محمد بن مسلم، لانه بعينه مورد التعارض بين رواية علي بن جعفر وروايات الاعتصام. وعلى أي حال فقد اتضح من مجموع ما ذكرناه، صحة ما ذهب إليه المشهور من تقدير الوزن بألف ومائتي رطل عراقي. (1) وردت في تحديد مساحة الكر عدة روايات: الاولى: رواية اسماعيل بن جابر المتيقنة الصحة - عندهم - من روايات الباب، قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: الماء الذي لا ينجسه شئ؟ قال: ذراعان عمقه، في ذراع وشبر سعته (1). والتحديد في هذه الراية إذا حملناه على المربع، فالناتج ستة وثلاثون شبرا (2)، وإذا حملناه على المدور: فان فرضت نسبة المحيط إلى القطر ثلاثة إلى واحد، فالناتج سبعة وعشرون شبرا (3). وان فرضت 22 / 7، فالناتج 2 / 28 (4) والفرض الثاني أقرب إلى واقع النسبة، ولكن الفرض الاول هو الذي كان متعارفا في العمل الخارجي.


(1) وسائل الشيعة: باب 10 من ابواب الماء المطلق حديث - 1 -. (2) 4 (العتق) 3 (x ضلع المربع) 3. 63 = x (3) 5 / 1 (نصف القطر) 5 (x x 1 3 4 / x العتق) = 27. (4) 5 / 5 1) * (. 8 82 / 2 = x 7 4 / x 1 22 / x

[ 435 ]

الثانية: رواية اسماعيل بن جابر الاخرى، المحتملة الصحة على كلام يأتي قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: وما الكر؟ قال: ثلاثة اشبار في ثلاثة اشبار (1). وهذا التحديد إذا حملناه على المربع، فالناتج سبعة وعشرون شبرا، وإذا حملناه على المدور: فان فرضت النسبة ثلاثة إلى واحد، فالناتج 1 / 20 4 (2). وان فرضت 22 / 7، فالناتج 3 / 21 14 شبرا (3). الثالثة: رواية ابي بصير، التي هناك كلام في تصحيح سندا ايضا: قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام: عن الكر من الماء. كم يكون قدره؟ قال: إذا كان الماء ثلاثة اشبار ونصف في مثله ثلاثة اشبار ونصف في عمقه في الارض (4). وهذا التحديد إذا حمل على المربع، فالناتج 7 / 42 8 شبرا، وإذا حمل على المدور ولو حظت النسبة المسامحية للقطر إلى المحيط. فالناتج 5 / 32 32 (5) وإذا حمل على المدور ولو حظت النسبة الاكثر دقة، فالناتج 11 / 33 16 شبرا (6). وهناك رواية رابعة مقطوعة الضعف سندا، وهي رواية الحسن بن صالح عن ابي عبد الله عليه السلام قال: قلت: وكم الكر؟ قال: ثلاثة اشبار ونصف عمقها، في ثلاثة اشبار ونصف عرضها " وفي نسخة اخرى: " ثلاثة اشبار ونصف طولها، في ثلاثة اشبار ونصف عمقها، في ثلاثة اشبار


(1) وسائل الشيعة باب 10 من ابواب الماء المطلق حديث - 4 -. (2) 5 / 5 1 (x x 3 3 / 1 / x العمق) = 1 / 20 4. (3) 5 / 5 1. 41 12 / 3 = x 7 3 / x 1 22 / x (4) وسائل الشيعة باب 10 من ابواب الماء المطلق حديث - 6 -. (5) 75 / 1 (نصف القطر) 75. 23 23 / 5 = x 3 3 / x 1 5 / x (6) 75 / 75 1) * (. 61 33 / 11 = 7 / x 3 22 / x 1 5 / x

[ 436 ]

ونصف عرضها (1) وكما اختلفت روايات الباب فقد اختلفت الاقوال في المسألة، ولعل أقل تحديد مساحي في الاقوال المعروفة هو ان يكون الناتج سبعة وعشرين شبرا، وأوسع مساحة قدرت للكر في تلك الاقوال هو التحديد المشهور القائل ان الكر ما بلغ اثنين واربعين شبرا وسبعة اثمان. وهناك بينهما اقوال ووجوه من قبيل ثلاثة وثلاثين شبرا أو ستة وثلاثين شبرا. التحديد بسبعة وعشرين. وهذا منسوب إلى المشهور بين القميين. ويمكن التوصل إلى اثباته بأحد طرق: الطريق الاول: يقوم على اساس قصر النظر على صحيحة اسماعيل بن جابر الاولى، المتيقنة الصحة، من أجل المناقشة في سند سائر الروايات. واستفادة التحديد المذكور من هذه الصحيحة تتوقف على مقدمتين: إحداهما: ان الذراع عبارة من شبرين لا اكثر. والاخرى: ان تحديد السعة بشبر ونصف، الذي مرجعه عل ضوء المقدمة الاولى إلى التحديد بثلاثة اشبار.. ظاهر في المدور، لا في المربع. فإذا تمت هاتان المقدمتان عرفنا: ان المدور الذي يبلغ عمقه اربعة اشبار وقطره ثلاثة اشبار يعتبر كرا، ومساحة هذا المدور هو سبعة وعشرون شبرا، إذا تجاوزنا عن زيادة المحيط على القطر بأكثر من ثلاثة اضعاف بمقدار قليل. ومبرر هذا التجاوز هو انعقاد سيرة البنائين والمساحين على اهمالها عند أخذ مساحة الدائرة إلى


وسائل الشيعة باب 10 من ابواب الماء المطلق حديث - 5 -.

[ 437 ]

زمن قريب، فيحمل التحديد في الرواية على ما هو المتبع - نوعيا - في عرف هؤلاء. اما المقدمة الاولى: فقد ذكر السيد الاستاذ - دام ظله - (1) انها وجدانية، وناقش فيها المحقق الهمداني - قدس سره - (2) مدعيا: ان الذراع اكثر من شبرين بمقدار معتد به، وقد يؤيد ذلك بتفسير الذراع في بعض الروايات بالقدمين، من قبيل الروايات الواردة في الوقت، إذ يدعى ان القدم أطول من شبر بمقدار السدس مثلا. ولكن لا ينبغي الشك: ان الذراع عند اطلاقه يشمل الذراع المساوى لشبرين، بوصفه ذراعا متعارفا في الخارج بالوجدان، ووجود ذراع أطول لا يضر، بعد ان كان المقياس هو أقصر المصاديق المتعارفة، كما سيأتي. على ان بالامكان ان يدعي: ان الشبر لما كان مضاهيا لنصف الذراع - على أي حال - بحسب الارتكاز الذهني عرفا، فينسبق إلى الذهن من قوله: " ذراع وشبر ". ان المقصود بيان (ذراع ونصف). ونفس هذا الانسباق قرينة على ان الذراع في الصحيحة لو حظ بما هو مضاعف الشبر. واما المقدمة الثانية: فقد وجه بشأنها استظهاران متعاكسان، احدهما ما استظهره السيد الاستاذ - دام ظله - (3) من ان مورد الرواية هو المدور، لان قوله " ذراع وشبر سعته " ظاهر في تحديد سعته من جميع جهاته بذراع وشبر، وهذا لا يتصور الا في الدائرة. لان الحظ المرسوم من أي نقطة من الدائرة إلى أي نقطة منها - مع فرض المرور بنقطة المركز - هو واحد خلافا للمربع مثلا، فان الخطوط المرسومة من نقاط إلى نقاط أخرى فيه،


(1) التنقيح الجزء الاول ص 178. (2) مصباح الفقيه كتاب الطهارة ص 30. (3) التنقيح الجزء الاول ص 178.

[ 438 ]

قد تتفاوت حتى مع مرورها جميعا على المركز، فان الخط المفروض بين الزاويتين من المربع اطول من الخط المرسوم بين الضلعين. والآخر: ما استظهره المحقق الهمداني - قدس سره - (1) من حمل الرواية على المربع، لانه الذي لو لوحظ الخط الواقع بين اي نقطة واقعة في احد اضلاعه، النقطة المقابلة لها... فهو ثلاثة اشبار، سواء كان مارا على نقطة المركز ام لا. واما المدور فليس كذلك. فان الخطوط التي تفترض بين نقطتين متقابلتين من محيطها، ليست كلها ثلاثة اشبار. وانما تكون الخطوط المارة بالمركز هكذا فقط. وإذا اردنا ان نكون استظهارا عرفيا على ضوء هذه التدقيقات، فالاستظهار الاول أوجه، لان المراد من تحديد السعة بثلاثة اشبار، تقدير اطول خط تتحمله سعة هذا السطح، وليس تقدير أقصر خط يتحمله. فان أي سطح نفترضه سواء كان مربعا أو مدورا أو غير ذلك، يمكن ان نتصور فيه خطوطا قصيرة متفاوتة، ولكنها لا تمثل سعة ذلك السطح. وانما البعد الذي يقدر، عند ارادة تحديد مساحة ذلك السطح، هو أطول. خط يتحمله امتداد السح وسعته. ومن الواضح ان أطول خط تتحمله سعة الدائرة، هو واحد، ولا يختلف من جانب إلى آخر، إذ لابد في اطول خط من المرور بالمركز. واما في المربع، فأطول خط يختلف باختلاف الجوانب، فان اطول خط بين الزاويتين يختلف عن اطول خط بين الضلعين، فلا يكون التقدير بالاطول على الاطلاق، بل بالاطول المقيد بملاحظة امتداده بين الضلعين. ولكن يمكن ان يقال: ان هذا إنما يتم إذا افترضنا ان المقدر بذراع وشبر، وهو الخط الممثل للسعة، بينما يمكن ان نفترض ان المقدر هو نفس


(1) مصباح الفقيه كتاب الطهارة ص 28.

[ 439 ]

السعة. وتوضيح ذلك: ان السعة عبارة عن السطح لا الخط، وذراع وشبر هو مرتبة من مراتب امتداد الخط، وقد حددت السعة في الصحيحة بذراع وشبر، وحيث لا معنى لتطبيق الخط على السطح، فلابد من إعمال احدى عنايتين: اما ان يقال بأن مرجع تحديد السعة بذراع ونصف إلى تحديد الخط الممثل لتلك السعة وهو الخط الاطول، فالمحدد - بالفتح - حقيقة ليس هو السعة بل الخط الممثل لها، والخط ليس له الا بعد واحد، وحينما يضم إلى العمق يصبح لدينا بعدان، وحيث ان الدائرة في نظر العرف ليس لها الا بعدان، صح تطبيق الرواية على الدائرة، بقرينة اقتصارها على بعدين واما ان يقال: بأن المحدد - بالفتح - ليس هو الخط، بل نفس السعة، والسعة عبارة اخرى عن السطح، ولما كان السطح يحدد دائما ببعدين يضرب احدهما في الآخر، امتنع ان يكون البعد الواحد المصرح به - كتحديد للسعة - تحديدا كاملا، لان السطح - بما هو سطح - لا يمكن ان يحدد ببعد واد، فلا بد إذن من ملاحظة بعد آخر في مقام تقدير السطح، حيث انه لم يذكر يحمل على كونه مماثلا للبعد المذكور، حتى يوجد مبرر عرفي لحذفه. وهذا معناه ان السطح يساوي ذراعا ونصفا في ذراع ونصف، اي تسعة اشبار. وهكذا يتضح: ان إعمال العناية في تحديد السعة بذراع ونصف لابد منه، اما بحمل المحدد - بالفتح - على الخط، واما بحمل المحدد - بالكسر - على مجموع بعدين. وان لم يكن الثاني هو الاظهر فعلى الاقل يتساوى الاحتمالان، ويسقط الاستدلال بالرواية - حينئذ - على القول بسبعة وعشرين. الطريق الثاني: يقوم على اساس الاعتراف بسند روايتي اسماعيل بن جابر معا. وينطلق من التسليم بأن صحيحة اسماعيل بن جابر المتقدمة مجملة.

[ 440 ]

ومرددة بين الحمل على (المدور) الذي ينتج ان الكر سبعة وعشرون، والحمل على (المربع) (الذي ينتج ان الكر ستة وثلاثون، وحاصل هذا الطريق ان يقال: ان هذه الصحيحة رغم اجمالها، تدل - على كل حال - على ان الكر لا يقل عن سبعة وعشرين شبرا، ولا يزيد عن ستة وثلاثين شبرا، ورواية اسماعيل بن جابر الاخرى التي تقدر الكر بثلاثة في ثلاثة، هي ايضا مجملة، ومرددة بين الحمل على (المدور) الذي يقتضى ان الكر حوالي عشرين شبرا، والحمل على (المربع) الذي يقتضي ان الكر سبعة وعشرون شبرا، وهذه الرواية رغم اجمالها تدل على ان الكر لا يزيد عن سبعة وعشرين، وبهذا يمكن رفع اجمال كل من الروايتين بالمتيقن من مدلول الرواية الاخرى، فيقال: ان الكر لا ينقص عن سبعة وعشرين عملا بالصحيحة، ولا يزيد على ذلك عملا بالرواية الاخرى، نظير ما تقدم في روايتي الوزن. وهذا الطريق كما لا حظنا يتوقف على التسليم بسند الرايتين واجمالها معا، وقد عرفتم حال الاجمال والاستظهار بالنسبة إلى الصحيحة، وسوف يظهر حال ذلك بالنسبة إلى رواية اسماعيل بن جابر الاخرى. الطريق الثالث: وهو يقوم على اساس الاعتراف بسند روايتي اسماعيل ابن جابر معا، كما هو الحال في الطريق السابق، إلا ان المدعى في هذا الطريق الظهور الرواية الثانية لاسماعيل بن جابر في السبعة والعشرين، فقد قيل (1) انها صريحة في الدلالة على ذلك، لانها وان لم تشتمل على ذكر ثلاثة ابعاد وانما اكتفت بالقول بأن الكر ثلاثة في ثلاثة، إلا أن السائل كغيره يعلم ان الماء من الاجسام، وكل جسم مكعب يشتمل على ابعاد ثلاثة، ولا معنى لكونه ذا بعدين فإذا قيل ثلاثة في ثلاثة، مع عدم ذكر البعد الثالث


(1) التنقيح الجزء الاول ص 180.

[ 441 ]

علم انه ايضا ثلاثة، ويرد على ذلك: ان الجسم - أي جسم - وان كان له ثلاثة أبعاد، بحسب الدقة الرياضية، غير ان الجسم المدور ليس له في النظر العرفي - عند التقدير - ابعاد ثلاثة لان طوله وعرضه مندمجان احدهما في الآخر، فيرى ان له بعدين، وهما قطر الدائرة -: الممثل لسعة سطحها، وعمقها، فاغفال البعد الثالث في رواية اسماعيل الثانية كما يناسب تقدير بعد ثلاث مماثل. كذلك يناسب الحمل على المدور، الذي يقدر عرفا ببعدين فقط، وهما القطر والعمق، ولا معين للاول، إن لم يكن الثاني اظهر، وإن شئتم قلتم: ان المتكم إذا أحرزنا انه يتكلم بشأن جسم له ثلاثة ابعاد في مقام التقدير عرفا - كالمربع - ورغم ذلك اقتصر على ذكر بعدين وسكت عن الثالث، أمكننا ان نعتبر سكوته عن الثالث بعد معلومية وجودة قرينة على انه مقدر بنحو مماثل للبعدين المصرح بهما، واما إذا اقتصر المتكلم على تحديد بعدين ولم نحرز انه يتكلم عن جسم من قبيل المربع، الذى له ابعاد ثلاثة في مقام التقدير عفا، أو عن جسم مدور يصلح ان يقدر عرفا ببعدين فقط، وهما القطر والعمق.. في مثل ذلك لا موجب لافتراض بعد ثالث، والبناء على انه مماثل للبعدين المصرح بهما، بل قد يكون السكوت عنه بنفسه معينا لكون الكلام مسوقا بشأن جسم لا يحتاج تحديده عرفا إلا إلى ضبط بعدين له التحديد بستة وثلاثين وقد ذهب إلى ذلك بعض الفقهاء. ويمكن تخريجه: إذا اقتصرنا على صحيحة اسماعيل بن جابر اولا، والتزمنا بأن الذراع فيها شبران ثانيا، ولم نحملها على المدور ثالثا. وذلك: اما بحملها على المربع على ما تقدم

[ 442 ]

استظهاره من قبل المحقق الهمداني - قدس سره - وأما بحملها على ما يناسب تمام الاشكال الهندسية، بأن يقال ان المحدد بذراع ونصف فيها هو السعة بمعنى السطح، وبهذه القرينة لابد من تطعيم الحد وهو ذراع ونصف معنى السطح، ليصلح تحديدا للسطح. بأن يراد منه مسطح ذراع ونصف، دون نظر إلى خصوصية شكله الهندسي، من ناحية كونه مربعا أو غير ذلك، كما تقدم توضيحه، إلا ان الاستدلال بالصحيحة على ستة وثلاثين باستظهار ذلك منها، يتوقف على عدم تمامية شئ من الروايات الاخرى سندا، وإلا وقعت المعارضة، لان المستفاد من سائر الروايات يختلف عن ستة وثلاثين، بمقادير لا يتسامح بها عادة في مقام التحديد. ويقع الكلام عندئذ في طريقة علاج التعارض. التحديد باثنين واربعين وسبعة اثمان وهذا هو المشهور بين الفقهاء، ويمكن الاستدلال عليه بأحد طريقين: الطريق الاول: مبني على ملاحظة روايتي أبي بصير والحسن بن صالح الثوري المتقدمتين، واستظهار حملهما على المربع، والاستدلال بهاتين الروايتين مبني على استفادة الابعاد الثلاثة منهما، وهي لا تخلو من اشكال. أما روزاية الحسن بن صالح - المتعرضة للعمق والعرض - فقد يقرب استفادة البعد الثالث منها: اما بلحاظ ان فرض العرض يسلتزم فرض الطول، ولا يمكن أن يكون الطول اقصر من العرض، كما انه لو كان أكبر من العرض للزم التنبيه على ذلك. فيثبت بسكوت الامام عن تحديده كونه مساويا للعرض. وأما بملاحظة متنها في الاستبصار، حيث اشتمل على الابعاد الثلاثة

[ 443 ]

خلافا لما جاء في التهذيب والكافي. اما اللحاظ الاول، فيرده ان العرض ليس بمعنى البعد المقابل للطول لكي يكون قرينة على افتراض الطول، بل هو بمعنى السعد. وحينئذ: فان حملت السعة على سعة المدور وكان التحديد بثلاثة ونصف تحديدا لقطرها كان التحديد المستفاد منها اقل من التحديد المشهور، وان حملت السعة على سعة المربع، وانها محددة بثلاثة نصف - بمعنى ان ضلع هذا المربع يساوي ثلاثة ونصف - انطبقت على التحديد المشهور، ولكن لا معين للثاني، ان لم نقل بأقربية الاول، لانه لا يستدعى اعمال عناية التكرار في التحديد بثلاثة ونصف، لان المدور تحدد سعة بخط واحد وهو القطر، خلافا لما إذا حملنا على الثاني اي على المربع، فان مساحة المربع تحدد بخطين، وهما الطول والعرض، فلابد من إعمال عناية التكرار في ثلاثة ونصف. هذا خصوصا إذا لاحظنا ان رواية الحسن بن صالح وردت في الركي، اي البئر وقال: ان الغالب فيها هو الاستدارة، فإذا كان محل الكلام في الرواية المدور، فمن البعيد ان ينتقل الامام إلى ملاحظة المربع في مقام التحديد. واما اللحاظ الثاني فقد يقال: ان المقام من موارد تعارض اصالة عدم الزيادة مع اصالة عدم النقيصة، وحيث ان الزيادة ابعد من النقيصة. يقدم الاصل الاول على الثاني، فيتعين تقديم العمل بمتن الرواية كما جاءت في الاستبصار، تقديما لذلك على المتن الناقص في الكافي والتهذيب. ولكن يرد على ذلك: اولا: ان ابعدية احتمال الزيادة من احتمال النقيصة لس أمرا مطردا حتى مع فرض تساوي الروايتين في الضبط، فضلا عن صورة كون المنقص أضبط. وكون المزيد بنفسه منقصا في كتاب آخر. وذلك لان بعض الزيادات تعتبر قريبة من الذهن حسب المناسبات الارتكازية، بحيث قد

[ 444 ]

ينساق إليها الذهن بالتداعي ومثل هذه الزيادة لا يكون احتمال خطأ الراوي في نقلها ابعد من احتمال خطأ الراوي الآخر في ترك نقلها. ومقامنا من هذا القبيل، لان انتقال الذهن إلى فرض الطول بعد فرض العرض والعمق قريب من المناسبات المركوزة. وثانيا: ان الابعدية لو سلمت فلا تكفي ميزانا للتقديم، ما لم يحرز بناء العقلاء على العمل بذلك. وجعل تلك الابعدية النوعية حجة في مقام الترجيح. وثالثا: انه لو سلم ذلك، فانما يتم لو علمنا ان الشيخ في الاستبصار قد نقل الزيادة، مع ان نسخ الاستبصار مختلفة، ومع هذا الاختلاف لا يحصل الوثوق بواقع ما نقله الشيخ في الاستبصار. واما رواية ابي بصير هناك ايضا محاولات لاستفادة البعد الثالث منها ببعض العنايات، لكي تصلح دليلا على التحديد المشهور. فمن تلك العنايات ان يقال: ان البعدين - الطول والعرض - مندمجان في قوله: " إذا كان الماء ثلاثة اشبار ونصف " وذلك بأن يراد بهذا تقدير السطح، لا تقدير البعد، وحيث ان السطح له بعدان، فحينهما يقدر ببعد واحد وهو ثلاثة ونصف، يفهم ان المراد تحديد كلا بعديه بثلاثة ونصف، إذ لا معنى لتقدير السطح ببعد واحد. ويرد على ذلك انا لو سلمنا ان المقدر بثلاثة ونصف هو السطح، لا أحد الابعاد، فبالامكان حمله على المدور دون التزام بعناية اندماج البعيدين في تقدير واحد، لان سطح المدور يقدر ببعد واحد وهو القطر. هذا على ان فرض كون المقدر هو السطح يحتاج إلى قرينة. ومن تلك العنايات: ان يحمل قوله " ثلاثة اشبار ونصف في عمقه " على انه خبر ثان ل‍ (كان) الواردة في قوله: " إذا كان الماء " فيستفاد

[ 445 ]

من قوله: " إذا كان الماء ثلاثا اشبار ونصف في مثله " بعدان، وقوله: " ثلاثة اشبار ونصف في عمقه " يدل على البعد الثالث. وهذا أيضا بحاجة إلى قرينة تنفي كونه بدلا من كلمة " مثله " وإلا فدوران الامر بين البدلية والخبرية بنفسه كانف لابطال الاستدلال. مضافا إلى ان العناية المذكورة تستلزم حذف حرف العطف، وهو ليس حذفا عرفيا في امثال القام، مما ينشأ منه غموض المقصود. ويلاحظ أيضا ان كلمة نصف لم تجئ منصوبة، مع انه لو كان خبرا ثانيا لكانت منصوبة. وان اكن الامر من هذه الناحية هينا، لان النصف المذكور أولا لم يتضح انها جاءت منصوبة أيضا. ويمكن اعمال هذه العناية بشكل آخر وذلك: بأن تجعل الجملة الثانية - وهي قوله: (ثلاثة اشبار ونصف في عمقه) - معطوفة على المجرور ب‍ (في) أي كلمة (مثله) بحيث يكون قوله اولا " إذا كان الماء ثلاثة اشبار ونصف " مضروبة مرتين. وهذا ايضا خلاف الظاهر لما تقدم. ومن تل العنايات ان يدعى: ان مرجع الضمير الموجود في كلمة (مثله) ليس هو الماء. إذ لا معنى لان يقال: إذا كان الماء ثلاثة اشبار ونصف في مثل هذا الماء. لعدم وجود مائين، وانما هو ماء واحد يراد تقديره، فالضمير يرجع إلى نفس التقدير، فيكون المعنى: إذا كان الماء ثلاثة اشبار ونصف في مثل ذلك الثلاثة اشبار ونصف. وإلى هنا يستفاد بعدان، ثم يقال: ان الضمير في كلمة (في عمقه) يرجع إلى نفس ما رجع إليه الضمير في كلمة (في مثله) اي في عمق ثلاثة اشبار ونصف، فيكون في عمقه بيانا مستقلا للبعد الثالث، بارجاع ضميره إلى التقدير، لا إلى الماء. الا ان هذا خلاف الظاهر ايضا. لان العمق من شؤون الماء لامن

[ 446 ]

شؤون التقدير، الا ان يقال بحمل إضافة العمق إلى التقدير على الاضافة البيانية، اي عمق هو ثلاثة اشبار ونصف، وبهذا تتجه هذه العناية. ومن تلك العنايات ان البعد الثالث محمول على البعدين المذكورين، وهي حوالة عرفية مقبولة. ويرد على ذلك: ان هذه الحوالة انما تكون مقبولة إذا علم ان الملحوظ في التقدير جسم يحتاج تقديره إلى ملاحظة ثلاثة ابعاد كالمربع، واما مع احتمال كون الملحوظ هو المدور، الذي لا يحتاج تقديره إلى ملاحظة البعدين المذكورين فلا موجب لحمل السكوت عن البعد الثالث على انه حوالة على البعدين المذكورين، بل قد يكون قرينة على ان الملحوظ هو المدور. الطريق الثاني للاستدلال على التحديد المشهور، وهو يتركب من عدة امور: الاول: ان ندعي سقوط روايات المساحة جميعا عن الحجية، ولو بسبب وقوع التعارض بينها واستحكامه، لان هذه الروايات متنافية في تحديداتها، فصحيحة اسماعيل بن جابر - مثلا - تشتمل على التحديد: اما بسبعة وعشرين إذا حلمت على المدور، واما بستة وثلاثين على المربع. ورواية ابي بصير تشتمل على التحديد: اما باثنين واربعين وسبعة اثمان إذا حملت على المربع، واما بحوالي اثنين وثلاثين شبرا إذا حملت على المدور، فالتحديدان على كل حال متنافيان، وبهذا تسقط روايات المساحة عن الحجية بالتعارض. الثاني: ان نفترض ان العالم الفوقي الذي تكون اخبار المساحة وادلة اعتصام الكر طارئة عليه، هو العام الدال على انفعال طبيعي الماء بالملاقاة. الثالث: ان الكر - رغم اجمال مساحته بعد تعارض روايات المساحة - لا يحتمل ان يكون المعتبر فيه مساحة اكبر من اثنين واربعين وسبعة اثمان، بل الامر فيه مردد بين مساحات تبدأ بسبعة وعشرين، وتنتهى بذلك.

[ 447 ]

فإذا تمت هذه الامور الثلاثة، يمكن اثبات مذهب المشهور في التحديد، وذلك بأن يقال: ان اخبار المساحة بعد التعارض بينها تتساقط، وحينئذ تبقى مساحة الكر مشكوكة، وحيث ان اي مساحة اقل من اثنين واربعين وسبعة اثمان لا يعلم بكفايتها في الكرية، فيرجع فيها إلى عموم الانفعال. لعدم العلم بخروج ذلك المقدار منه، فيحكم بعدم اعتصام ما قل عن اثنين واربعين وسبعة اثمان. واما ما بلغ هذا المقدار، فحيث لا يحتمل أن تكون مساحة الكر اكبر من ذلك، فيكون هو المتيقن خروجه عن عموم الانفعال فيحكم باعتصامه. ومن اجل تمحيص هذا الطريق لابد من تحقيق حال الامور الثلاثة، ولنبدأ بالثالث وننتهي إلى الاول. اما الثالث: فكون الماء البالغة مساحته اثنين واربعين وسبعة اثمان، كرا - على كل حال - يحتاج إلى دليل. وما يمكن الاستدلال به على تيقن الكرية في مقدار: اما دعوى الاجماع من قبل الفقهاء، لانهم على اختلافهم في تحديد المساحة متفقون على انها لا تزيد على ذلك، واما دعوى: التمسك بالدلالة الالتزامية لنفس اخبار المساحة فانها - رغم تعارضها في المدلول المطابقي - تدل جميعا - بالالتزام على ان الكر لا يزيد على 7 / 42 8، فيؤخذ بالمدلول الالتزامي لها، لعدم المعارض له. واما دعوى: ان الماء البالغ هذا المقدار من المساحة يعلم على كل حال باشتماله على الوزن المقرر للكر، ولا يعلم بذلك فيما هو اقل من هذه المساحة. اما الدعوى الاولى فمن الصعب الاعتماد عليها، لان الاجماع المذكور مقتنص - في الحقيقة - عن الاقوال التفصيلية للفقهاء، ولا يعلم من شأن كل فقيه الالتزام بأن الكر لا يزيد على المساحة المذكورة بقطع النظر عما يفتى به من المساحة للكر، فهو إجماع مركب لا تعويل عليه.

[ 448 ]

واما الدعوى الثانية فهي تتوقف على احد امرين: إما ان يقال: باستفاضة اخبار المساحة بنحو يوجد اطمئنان فعلي بصدور واحد منها على الاقل، فيكون هذا الواحد المعلوم الصدور اجمالا دالا على المطلوب. واما ان يقال: بانها وان كانت ظنية ولا اطمئنان بصدور بعضها، إلا ان التعارض بينها بلحاظ الدلالة المطابقية لا يوجب سقوط دلالتها الالتزامية المتفق عليها من الحجية وكلا الامرين غير تام، اما الاول فلمنعه صغرى واما الثاني فلمنعه كبرى، حيث ان المختار في امثال المقام تبعية الدلالة الالتزامية للدلالة المطابقية في الحجية. والتحقيق ان يقال: انا إذا بنينا في موارد التعارض على تساقط المتعارضين في المدلولين المطابقين، فلابد ان يسقط عن الحجية ايضا مدلولهما الالتزامي ولو كان متفقا عليه بينهما، وذلك للتبعية. واما إذ بنينا في موارد التعارض على عدم التساقط المطلق بلحاظ المدلول المطابقي وبقاء كل منهما حجة في المدلول المطابقي ولكن لا على الاطلاق بل منوطا بكذب الآخر... فهناك علم اجمالي - حينئذ - بحجية احد المتعارضين في المدلول المطابقي والالتزامي معا، وبذلك يثبت المطلوب. واما الدعوى الثالثة، فقد يقال تارة: ان هذا ليس تعيينا في الحقيقة للتحديد المشهور في المساحة، بل هو في قوة الاعتراف بعدم وجود تحديد مساحي، الرجوع إلى التحديد الوزني، وقد يقال اخرى: ان مادل على التحديد الوزني حيث لا يطابق اي مساحة من المساحات التي اشتملت عليها اخبار المساحة، فهو ايضا يقع طرفا للمعارضة من اخبار المساحة. وتسقط روايات الوزن والمساحة في رتبة واحدة، ومعه لا يبقى دليل على كرية الماء البالغ 7 / 42 8. ولكن التحقيق ان دليل الوزن إذا لو حظ مع اي دليل من أدلة المساحة

[ 449 ]

المتعارضة، لا يرى بينهما تعارض بنحو التباين الذي يؤدي إلى سراية التعارض إلى السند، بل غايته وقوع التعارض الاطلاقي الذي لا يسري إلى السند. فان الوزن يتفق في الجملة مع كل مساحة من المساحات، ويختلف عنها اختلافا اطلاقيا. ومع عدم وجود تعارض تبايني بين دليل الوزن واخبار المساحة. واختصاص هذا اللون من التعارض بأخبار المساحة نفسها، يكون التعارض السندي مختصا بها، ويسلم دليل الوزن عن المعارضة، فأخبار المساحة مع خبر الوزن من قبيل ان يرد يجب اكرام العادل، ولا يجب اكرام العادل، ويجب اكرام العالم، فان الاول والثاني متعارضان بنحو التباين ولهاذ يسرى تعارضهما إلى السند، كالحال في اخبار المساحة. واما الثالث مع الاول فالتعارض بينهما اطلاقي لا تبايني، لان النسبة بينهما العموم من وجه، فلا يسرى تعارضهما إلى السند، كالحال في دليل الوزن مع اخبار المساحة، ومعه يختص التساقط السندي بالدليل الاولين ويبقى دليل وجوب اكرام العالم على الحجية سندا واطلاقا (1)


ولا بأس بهذا الصدد ان تنطبق الونز على المساحة، فقد عرفنا ان الكر الف ومائتا رطل عراقي، والمقصود ان ننقل هذا الوزن إلى المساحة. آخذين بعين الاعتبار قسمين من الماء احدهما الماء المقطر، والآخر ماء يحتوي على اجزاء ترابية بدرجة نفترض انه يصبح بموجبها اثل من الماء المقطر بنسبة 1 / 20، بمعنى ان الكيلو من هذا الماء يأخذ من المساحة 19 / 20 من المساحة التى يأخذها الكيلو من الماء المقطر. اولا: ان الف ومائتي رطل عراقي يعادل 120 / 393 1000 من الكيلوات على ما في كتاب الاوزان والمقادير ثانيا: ان كل غرام من الماء المقطر يملا سنتمترا مكعبا، والكيلو =

[ 450 ]


من الماء المقطر يعادل (1000) سنتمتر مكعب. ثالثا: ان الماء الآخر المخلوط، حيث فرضنا انه اثقل من الماء المقطر بالدرجة التي حددناها، فالكيلو منه يأخذ مساحة 950 سنتمتر مكعب. والنتيجة المستحصلة من هذه المصادرات هي: 1 - ان الكر من الماء المقطر يعادل 393120 ينتمتر مكعب: 120 100 021393 = 0001 393 / x 2 - ان الكر من الماء الآخر المخلوط يعادل 373464 سنتمتر مكعب 120 950. 464373 = 0001 393 / x فهذا هو حساب المساحة بالسنتمترات. وحينما نريد ان نحول المساحة من السنتمترات إلى الاشبار، يختلف الحال باختلاف مقدار طول الشبر، ونحن هنا نتكلم على خمسة فروض: 1 - أن يكون الشبر 21 سنتمترا. 2 - ان يكون الشبر 22 سنتمترا. 3 - أن يكون طوله 23 سنتمترا. 4 - ان يكون طوله 1 / 23 4. والنكتة في ادخالنا لهذا الكسر في الحساب، هي ان صاحب كتاب الاوزان والمقادير - حفظه الله تعالى - ذكر: انه اختبر الذراع بتمام الدقة من متوسط القامة فكان 46 سنتمترا ونصف سنتمتر، وعليه فبناءا على ما قال من ان الشبر نصف الذراع يكون الشبر 1 / 23 4. 5 - ان يكون طوله 24 سنتمترا. وعلى هذه الفروض فالحساب كما يلي. =

[ 451 ]


مساحة الكر من الماء المقطر: اولا: نفرض ان الشبر طوله (21) سنتمترا، فعدد السنتمترات في الشبر المكعب هو (9261) فيقسم عدد سنتمترات الكر من الماء المقطر - وهو على ما مضى (393120) - على هذا العدد، ويكون الناتج هو الكر بالاشبار على هذا التقدير: 393120 - 9261 = 22 / 42 49 شبرا مكعبا. وهذه النتيجة مطابقة تقريبا مع احوط الاقوال من المساحة، الذي قد يستفاد من حديث أبي بصير. ثانيا: نفرض ان الشبر طوله (22) سنتمترا، فعدد السنتمترات في الشبر المكعب هو (10648) فنقسم عليه مساحة الكر بالسنتمرات كي يخرج مساحته بالاشبار على هذا التقدير: 393120 - 10648 = 1224 / 36 1331 شبرا مكعبا. وثالثا - نفرض ان الشبر طوله (23) سنتمترا فعدد السنتمترات في الشبر المكعب على هذا التقدير (12167) فنقسم عليه مساحة الكر بالسنتمترات فتخرج مساحته بالاشبار: 393120 - 12167 = 3776 / 32 12167 شبرا مكعبا. رابعا: نفرض ان الشبر طوله (1 / 23 4) سنتمترا، فعدد السنتمترات في الشبر المكعب هو (93 / 93 4 46 / 753408 = 4 / x 4 39 / x، أو بالكسر العشري (078125 ر 12568) فنقسم عليه مساحة الكر بالسنتمترات، فتخرج مساحة بالاشبار: =

[ 452 ]


393120 - 804357 / 64 = 8319 / 31 2791 شبرا مكعبا. وخامسا: نفر ض ان الشبر (24) سنتمترا، فعدد السنتمترات في الشبر المكعب على هذا التقدير (13824)، فيقسم عليه مساحة الكر بالسنتمرات لتخرج مساحته بالاشبار: 393120 - 13824 = 7 / 28 16 شبرا مكعبا. وهذا التقدير مطابق تقريبا مع صحيحة اسماعيل بن جابر التي ينقلها صفوان، بناءا عى حملها المدور، وفرض نسبة الدائرة إلى القطر 22 / 7 حيث كان الناتج على ما تقدم 2 / 28 7. مساحة الكر من الماء غير المقطر وقد افترضنا أن الماء غير المقر اثقل من الماء المقطر بنسة 1 / 20، فيمكننا على هذا أن نستثني من النتائج التي توصلنا إليها في الماء المقطر بنسبة 1 / 20 وعليه: فأولا: نفرض الشبر (21) سنتمترا فيكون الناتج: 22 / 42 49 - 22 / 49 / 42 20 = 2080 / 49 - 204 / 49 = 2976 / 49 = 16 / 40 49 شبرا مكعبا. وثانيا: نفرض الشبر (22) سنتمترا فيكون الناتج: 124 / 36 1331 - 1224 / 1331 / 36 20 =

[ 453 ]


49140 / 1331 - 2457 / 1331 = 46683 / 1331 = 98 / 35 1331 شبرا مكعبا ونلاحظ هنا أن نتيجة هذا الفرض تطابق تقريبا مع صحيحة اسماعيل ابن جابر التي ينقلها صفوان، بناءا على حملها على المربع، حيث كان المستفاد منها على هذا التقدير ان الكر (36) شبر، غير أن النتيجة التي استنتجناها في الماء المقطر تكون اكثر من هذا بقليل، بينما في الماء غير المقطر تنقص عنه بقليل. وثالثا: نفرض الشبر (23) سنتمترا فيكون الناتج: 3776 / 3776 32 12167 / 32 12167 = 393120 - 19656 12167 / 12167 = 373464 / 12167 = 8454 / 30 12167 شبرا مكعبا. ورابعا: نفرض الشبر 1 / 23 4 سنتمترا فيكون الناتج. 8319 / 31 29791 - 8319 / 29791 / 31 20 = 931840 / 29791 - 46592 / 29791 = 885248 / 29791 = 21309 / 29 29791 شبرا مكعبا. وخامسا: نفرض الشبر (24) سنتمترا فيكون الناتج: 7 / 28 16 - 7 / 16 / 28 20 = 455 / 16 - 91 / 64 = 1729 / 64 = 1 / 27 64 شبرا مكعبا. ونلاحظ هنا أيضا نتيجة هذا الفرض مطابق تقريبا مع الرأى القائل =

[ 454 ]

هذا كله في الامر الثالث في الامور الثلاثة التي يتكون منها الطريق الثاني لاثبات مذهب المشهور. واما الامر الثاني من هذه الامور الثلاثة وهو وجود عام فوقي يدل على انفعال طبيعي الماء بالملاقاة، فقد تقدم تحقيق ذلك في بحث الوزن. اما الامر الاول من تلك الامور الثلاثة، وهو الالتزام بوقوع التعارض واستحكامه بين روايات المساحة فبسط الكلام في ذلك: انا تارة، نلتزم بعدم صحة السند في جميع اخبار المساحة، لانها جميعا لا تخلو من اشكال سندي حتى صحيحة اسماعيل بن جابر المتيقنة الصحة عندهم، على ما سوف يأتي ان شاء الله تعالى، واخر: نلتزم بصحة السند في واحدة من الروايات. وثالثة: نلتزم بالصحة السندية في اكثر من رواية فهذه ثلاثة تقديرات. ونحن نتكلم بشأنها في مقامين: احدهما: فيما هو مقتضى الصناعة على كل واحد من هذه التقديرات، لكي نعرف على أي تقدير يتم الامر الاول. والاخر: في تمحيض نفس هذه التقديرات، بدراسة اسانيد روايات الباب. اما المقام الاول فحاصل الكلام فيه: أنا إذا التزمنا بالاشكال السندي في كل روايات المساحة، ولم نقبل استفاضتها اجمالا، فيكون وجودها كالعدم، وعليه فيتم الامر الاول في هذا الطريق لان المهم في هذا الامر أن تسقط أخبار المساحة عن الحجية، سواء كان للتعارض أو للقصور السندي وبضم الامرين الاخيرين إليه يتم الاستدلال على مذهب المشهور، نعم على = إن الكر (27) شبرا، المستفاد من صحيحة اسماعيل بن جابر التي ينقلها صفوان، بناءا على حملها على المدور، وفرض نسبة المحيط إلى القطر 3 / 1 كما هو في التقدير المسامحي، والمستفاد من حديث اسماعيل بن جابر الآخر بناءا على حملها على المربع.

[ 455 ]

هذا التقدير لا يمكن اثبات الامر الثالث بالدلالة الالتزامية لاخبار المساحة حتى لو انكرنا تبعية الدلالة الالتزامية للمطابقية في الحجية. لان المفروض سقوط خبار المساحة عن الاعتبار في نفسها. وأما إذا تمت لدينا رواية واحدة من روايات الباب - ولنفرض كنموذج لهذا التقدير انها رواية اسماهيل بن جابر الاولى، بوصفها متيقنة الصحة - نسبيا - بالنسبة إلى سائر روايات المساحة - فمن الوزاضح أن الامر الاو ل - وهو السقوط المطلق الاخبار المساحة - لا يتم حينئذ، بل لابد في هذه الحالة من ملاحظة هذه الراية المفترض صحتها. فان كانت هذه الرواية ظاهرة في حد معين أخذ به، كما إذا كنا نستظهر من رواية اسماعيل بن جابر التحديد بستة وثلاثين شبرا مثلا، وبعد ذلك يقع البحث في كيفية التوفيق بينها وبين رواية الوزن، على ما سوف يأتي ان شاء الله تعالى. وأما إذا ثبتت عندنا حجية سند أكثر من رواية واحدة، فان كان هذا الاكثر متمثلا في روايتين - مثلا - متفقتين في المدلول ظهورا - كروايتي اسماعيل ابن جابر، إذا استظهرنا من الاولى - المدور - ومن الثانية - المربع - أو إجمالا، كرواية الحسن بن صالح ورواية أبي بصير إذا افترضان ترددهما معا بين المدور والمربع بنحو يعلم أن المراد منها على اجماله واحد - فلا تعارض بينهما، بل يؤخذ بهما مع ا، وكذلك إذا كانت كل من الروايتين مجملة مع عدم تطابق الاجمالين ووجود طرف مشترك بينهما - كما إذا قيل بتردد روايتي اسمايعل بن جابر معا بين المدور والمربع، فان الطرفل المشترك في الاجمالي هو السبعة والعشرون - فأيضا لا تعارض. وأما إذا كان الاكثر من رواية متمثلا في روايتين أو روايات ظاهرة في مساحات مختلفة، أو مجملة مع عدم طرف مشترك - كما لو قلنا بحجية رواية اسماعيل بن جابر الاولى ورواية

[ 456 ]

أبي بصر وترددهما بين المربع والمدور، فانهما مختلفان. حينئذ على كل تقدير - ففي مثل ذلك يقع التعارض بين أخبار المساحة - ولكي يتحقق الامر الاول - وهو سقوط أخبار المساحة عن الحجية - لابد من النظر إلى الاستحكام هذا التعارض وعدمه، وذلك باستعراض الوجوه المحتملة للجمع العرفي بين روايات مساحة المختلفة، فان تم شئ منها لم تسقط عن الحجية وإن لم تتم استحكم التعارض وسقطت الرواية جميعا، وبذلك يتحقق الامر الاول. وما يتصور وجها للجمع بين روزايات المساحة المتعارضة وجوه: الوجه الاول: حمل أخبار المساحة على العلامية، بأن يقال: انها ليست في مقام بين الحد الواقعي للكر لكي تتعارض، بل في مقام جعل العلامة على الحد الواقعي، فلا تعارض بينهما، وتحقيق هذا الكلام - بنحو يظهر فيه وجهه ومناقشته - هو أن أخبار المساحة يتصور فيها بدوا ثلاثة احتمالات: أحدها: أن تكون فلي مقام بين الحد الواقعي للكر، من قبيل التحديد الواقعي للمجتهد مثلا: بالقادر على الاستنباط، وهذا حد من الدرجة الاولى. ثانى. ها: ان تكون في بيان الحد من الدرجة الثانية للكر، ونقصد به العلامة الواقعية عل يالحد الواقعي للكر، من قبيل جعل الافتاء من شخص علامة على اجتهاده. ومن خصائص هذه العلامة أن بالامكان ان تكون أخص من الحد الواقعي، ولكن لا يمكن أن تكون أعم منه، لان الاخص يصلح علامة على الاعم بخلاف العكس. ثالثها: أن تكون هذه الروايات في مقام بيان العلامة الظاهرية، بحيث قد يتفق خطأها وانفكاكها عن الحد الواقعي إلا أن الشارع عبدنا باماريتها، من قبيل التعبد بكون حسن الظاهر امارة على العدالة، ومثل هذه العلامة تكون أعم مطلقا أو من وجه. فإذا بنينا على الاحتمال الاول، وقع التعارض بين اخبار المساحة.

[ 457 ]

وأما إذا بنينا على الاحتمال الثاني. فقال يقال: انه لا تعارض عندئذ، إذ لا مانع من فرض كون العناوين المذكورة في الروايات كلها علامات على الحد الواقعي، وتبرير هذا الاحتمال فنيا: ان الرواية الدالة على اصغر المساحات - ولنفرضها ثلاثة في ثلاثة في ثلاثة - نص في بيان الحد الواقعي، إذ لا يمكن الالتزام بأن الحد الواقعي هو المذكور في الروايات الاخرى وان تلك الروزاية في مقام جعل العلامة عليه، إذ لا معنى لجعل لا علم علامة الاخص، وأما سائر الرواية فهي وان كانت ظاهرة في بيان الحد الواقعي، ولكنها ليست نصا في ذلك، لامكان حملها على العلامية، وان الحد الواقعي هو ما بين في تلك الرواية، لا مكان جعل الاخص علامة على الاعم، فيجمع بين النص والظاهر، بحمل الظاهر على العلامية، بقرينية النص، فيكون الحد الواقعي للكر واحدا، والعلامات عليه متعددة، بل قد يكون الحد الواقعي هو الوزن والمساحات كلها علاما عليه. ولا يقدح في ذلك اختلافها بالقلة والكثرة، بدعوى لغوية جعل الاكثر علامة في ظرف جعل الاقل... لان ذلك الاختلاف في نتيجة ضرب الابعاد، لا في نفس الاشكال المختلفة، وإلا فهي متباينة، والمجعول علامة ليس هو النتيجة، فعلامية ثلاثة ونصف في المربع، وعلامية ثلاثة في اربعة في المدور... ليست من قبيل جعل الاكثر علامة في ظرف جعل الاقل، لان العنوانين المذكورين متباينان وليسا أقل واكثر، وان كانت النسبة بين ناتج ضرب الابعاد في المربع المذكور وناتج ضرب الابعاد في المدور المذكور... هي الاقل والاكثر. والتحقيق: ان هذا الجمع - بحمل التحديدات المختلفة في أخبار الكر على العلامة ى - غير متجه، وتوضيحه بيان أمرين: الاول - إن جعل شئ علامة مساوق مع فرض دخل تمام العلامة في العلامة والكشف عن ذي. العلامة، بنحو لو اختل جزء من العلامة يختل الكشف العلامي لها، لا بمعنى

[ 458 ]

أن ذا العلامة لا يوجد إلا حين وجودها، فان العلامة يصح أن تكون أخص من ذيها، بل بمعنى أنه لا ينكشف إلا باستجماع العلامة لتمام أجزائها، إذ لو كان جزء من العلامة كافيا في الكشف عن ذيها لكان ادخال الجزء الآخر في العلامية لغوا عرفا. الثاني - أن أخبار المساحة - بعد حملها على العلامية الواقعية للحد الواقعي - بدل كل واحد منها بالمطابقة على أن الشكل الفلاني علامة على الكرية، ويدل بالالتزام على أن كل ما بلغت مساحته حاصل ضرب الابعاد المذكورة في ذلك الشكل فهو كر، مهما كان شكله. وعلى أساس هذين الامرين نلاحظ: أن الخبر الدال في نظر المشهور على التحديد بثلاثة ونصف في المربع طولا وعرضا وعمقا لا يمكن حمله على العلامية مع الالتزام بكفاية ما يكون مساحته سبعة وعشرين شيرا، إذا يلزم من ذلك أن لا يكون لجزء من العلامة أي دخل في العلامة، وهو نصف الشبر الذي هو جزء من ثلاثة أشبار ونصف، فأخذ المولى لهذا النصف مع افتراض أن الكر محفوظ بدونه دائما ليس أمرا عرفيا، فلا يمكن الالتزام بهذا الجمع. وكذلك الامر لو كان خبر أبي بصير - مثلا - واردا في المدور، والتزمنا فيه بالعلامية، وان الكر واقعا يكفي فيه السبعة والعشرون، فان لازم ذلك أن يكون جزء من العلامة قد ادخل في العلامة، مع امكان احتفاظ العلامة وعلاميتها بدونه، إذ لو جعلت العلامة كون المدور ثلاثة وربع في ثلاثة ونصف لما انفك أيضا عن الكر الواقعي، اعتبار شئ في العلامة لا دخل في علاميتها ليس أمرا عرفيا، فلا يمكن الالتزام بجمع يؤدي إلى ذلك. الوجه الثاني: أن يقال أن التعارض بين أخبار المساحة - بعد فرض حملها على الحد الواقعي - إنما يحصل إذا كان الشبر فيها جميعا ملحوظا بمقدار واحد، ومن هنا يمكن الجمع بينها يحمل الشبر فيما دل على تحديد

[ 459 ]

الكر بمساحة أصغر على شبر من الاشبار المتعارفة الطويلة، وحمله فيما دل على تحديد الكر بمساحة أكبر على شبر من الاشبار المتعارفة القصيرة. والتحقيق ان هذا قدتيجه إذا كانت كلمة الشبر مجملة في كل رواية ومرددة بين التقادير المتعارفة المختلفة، فان حال اخبار المساحة بلحاظ الشير يناظر حينئذ اخبار الوزن بلحاظ الرطل الذي كان مجملا، ورفع اجمالا بملاحظة مجموع اخبار الوزن، فهنا ايضا يرفع الاجمال بضم بعض اخبار المساحة إلى بعض، ولكن الصحيح ان لا إجمال في كلمة الشبر، وتوضيح ذلك: انه حينما يؤخذ عنوان من قبيل الشبر والقدم والذراع في موضوع الحكم: فتارة يكون الحكم إضافيا - بمعنى أن له نسبة إلى افراد المكلفين - كما إذا قيل امسح من رأسك مقدار شبر، أو قيل إذا طويت كذا ذراعا في سفرك فقصر، واخرى ز لا يكون الحكم بمضمونه مشتملة على نسبة إلى افراد المكلفين، كالحكم بالكرية والطهارة والنجاسة، فيما إذا قيل ان الماء إذا كان كذا شبرا كان كرا ولا ينجس بالملاقاة، فان الكرية وعدم الانفعال الواقعي لا معين لاضافتهما إلى هذا المكلف أو ذاك، فان كان الحكم من قبيل الاول، فهناك احتمالان ممكنان عرفا، احدهما: ان يراد بالشبر المعنى النسبي، أي شبر كل مكلف بلحاظ الحكم المضاف إليه، فهذا يجب عليه أن يمسح من رأسه مقدارا يساوى شبر نفسه، وذام يمسح بمقدار شبر نفسه وهكذا، والآخر: ان يراد بالشبر المعنى الموضوعي، اي نحو مقدار لا يختلف باختلاف آحاد المكلفين، وزان كان الحكم من قبيل الثاني تعين ان يراد بالشبر المعنى الموضوعي وسقط الاحتمال الاول، لان الحكم - بعد فرض كونه ذا معنى واحد محفوظ في نفسه بقطع النظر عن آحال المكلفين - لا معنى لا ناطته في حق كل مكلف بشبر نفسه. ثم انه كلما ثبت ان المراد بالشبر المعنى الموضوعي فهناك احتمالان بشأنه

[ 460 ]

احدهما: ان يراد بالشبر مطلق الشبر المتعارف، بمعنى الجامع بين الاشبار والآخر: ان يراد به مرتبة معينة من مراتب المتعارف. وفي هذا الضوء يوجد سؤالان: الاول - ما هي الطريقة التي نعين بها ان المراد بالشبر المعنى النسبي أو الموضوعي، فيما إذا كان كلا المعنيين ممكنا؟ والثاني - ما هي الطريقة التي نعين بها - بعد افتراض المعنى الموضوعي - ان المراد به المطلق أو مرتبة خاصة؟ أما السؤال الاول فمن الواضح - كما قدمنا - ان الحكم إذا كان من قبيل الثاني فالمعنى النسبي للشبر غير متعقل عرفا، بل يتعين - حينئذ - المعنى الموضوعي، وأما إذا كان الحكم من قبيل الاول فالمعين للنسبي أو الموضوعي مناسبات الحكم والموضوع المركوزة عرفا، فقد تقتضي الحمل على النسبي، كما هو الحال في امر أغسل وامسح بمقدار شبر، وقد تقتضي الحمل على الموضوعي، كما هو الحال في أمر قصر إذا طويت كذا قدما، لان ارتكازية عدم دخل قصر قدم الانسان وطوله في تقصير الصلاة واتمامها بالسفر. تكون قرينة على ذلك. وأما السؤال الثاني فجوابه: ان الحكم المجعول إذا كان سنخ حكم قابل للجعل على الجامع فيتعين الجامع على اطلاقه، بمقدمات الحكمة، وأما إذا كان الحكم مستدعيا بنفسه لفرض مرتبة خاصة -. كما هو الحال في الاحكام الواردة في مقام التحديد، حيث لا معنى لتحديد بالجامع بين الاقل والاكثر - فيتعين كون المراد من الشبر الموضوعي مرتبة خاصة، وعلى ضوء ما قلنا إذا درسنا اخبار المساحة في المقام نجد ان احتمال الشبر النسبي فيها ساقط. لان الكرية من قبيل الثاني لا الاول، فلا معنى عرفا لان يكون شئ كراواقعا بلحاظ شخص دون شخص. كما ان احتمال الشبر الموضوعي مع الحمل على الجامع غير ممكن، لانها في مقام التحديد

[ 461 ]

فيتعين ان يراد بها مرتبة خاصة، ومن هنا قد يتوهم ان هذه المرتبة حيث انها لم تحدد فتكون مجملة، وحينئذ يتم الجمع العرفي المذكور ولكن الصحيح ان هذ المرتبة تتعين بنفس مقدمات الحكمة في أقصر الاشبار المتعارفة، ولك لان المولى في مقام بيان الحد، ولم يبين سوى كلمة الشبر فلو كان الحد هو ثلاثة وصف مثلا بأقل شبر متعارف فقد بين مراده، لان اقل شبر مرجعه إلى جامع الشبر وعدم دخل الزيادة في الحد، وقد بين الجامع بكلمة شبر، وينفي دخل الزيادة بعدم ذكرها اثباتا، كما ينفي دخل أي خصوصية زائدة بسكوت المولى عنها في مقام الاثبات. وهذا بخلاف ما إذا افترضنا ان مراد المولى بالشبر مرتبة اكبر من ذلك، فان جهة الزيادة حينئذ المرادة له - بحسب هذا الفرض - لا توجد عليها قرينة في مقام الاثبات، فالاطلاق بمقدمات الحكمة يعين إذن إرادة اقصر الاشبار المتعارفة، ومعه يكون التعارض مستحكما. الوجه الثالث من وجوه الجمع بين أخبار المساحة حملها على مراتب الاعتصام والطهارة فتكن بعض تلك المراتب تنزهية وفي مقابل نجاسة تنزهية، وبعضها لزومية وفي مقابل نجاسة حقيقية، ويرد عليه: أن فكرة تعدد مراتب الطهارة والاعتصام، وإن كانت عرفية، إلا ن استخدام هذه الفكرة في الجمع بين أخبار المساحة ليس صحيحا، لقوة ظهورها في أنها في مقام تحديد أمر واحد وهو الكرية، باعتبارها كيلا مخصوصا، لا أنها في مقام بيان نفس الاعتصام والطهارة ابتداءا، على أن التفاوتات القليلة الموجودة بين مقداير الروايات لا يناسب حملها على مراتب الاعتصام. فان هذه المراتب إنما يتعقلها العرف بين مراتب من الكثرة مختلفة، لا بين مقادير متقاربة. الوجه الرابع أن يقال: إن التعارض إنما يتمثل في صحيحة إسماعيل

[ 462 ]

ابن جابر من ناحية، بدلالتها على سبعة وعشرين، ورواية أبي بصير ورواية الحسن بن صالح من ناحية أخرى بدلالتها على حوالي أثنين وثلاثين، بناءا على استظهار المدور منهما، أو عدم استظهار غيره على الاقل، وهذا يعني أن الاختلاف يساوي حوالي خمسة أشبار أو سنة، وحيث أن الصحيحة كانت في مقام تحديد الكر في نفسه، والروايتين كانتا في مقام تحيديد الكر واقع في الارض، فيمكن أن تحمل زيادة الاشبار الخمسة فيها على أمر غالبي متعارف، وهو أن لا يكون قعر المياه الموجودة في الارض على مستوى واحد، بل تكون نقطة الوسط في القعر أكثر انخفاضا من الجوانب، كما في الغدران وأمثالها مما يوجد في الارض. والصحيح: أن هذا التوفيق بين الروايات قد يكون معقولا في مقام ابراز نكتة واقعية، تبرر فهم كيفية صدور هذه الرواية من الامام بعد الفراغ عن صدورها ولكنه لا يصح أساسا للجمع العرفي بين الروايات، لان ذلك يتوقف على وجو قرينة في رواية أبي بصير مثلا على ملاحظة تلك العناية، وهي عدم التساوي في قعر الماء، ومجرد احتمال ذلك واقعا لا يجعل الجمع عرفيا كما هو واضح. والقرينة على ملاحظة ذلك ليست إلا دعوى: أن نظر رواية أبي بصير متجه إلى المياه الموجودة عادة في الارض كالغدران ونحوها، وإن غلبة عدم استواء القعر في هذه المياه تصلح أن تكون قرينة على ملاحظة تلك العناية، أو لا أقل من أن تصبح رواية أبي بصير في دلالتها على اعتبار الاشبار الخمسة أو الستة الزائدة مجملة، ومحتملة للحمل على دخل ذلك في الحد الواقعي وللحمل على تدارك تلك العناية، ولكن الانصاف عدم وجاهة هذه الدعوى، لان كون النظر في رواية أبي بصير إلى الغدران وأمثالها، من المياه المتبلاة غالبا بتلك العناية، ليس هناك منشأ لدعواه إلا ورود كلمة (الارض) في رواية أبي بصير،

[ 463 ]

حيث قال (في عمقه في الارض) بينما لم ترد هذه الكلمة في رواية اسماعيل ابن جابر، وهذا وحده لا يكفي لاعطاء الرواية ظهورا في الخروج عن القضية الفرضية، إلى الاتجاه في النظر نحو الافراد الخارجية المتعارفة من من المياه في امثال الصحراء، على ان مجرد غلبة ذلك خارجا في هذه المياه لا يبرر حمل الرواية على ملاحظة تلك العناية، ما لم تكن هذه الغلبة واضحة ومركوزة على نحو تصلح لاعتماد المولى عليها في صرف ظهور كلامه عن إناطة الكريمة بتمام ما ذكره في التحديد. هذا كله في المقام الاول. وأما المقام الثاني وهو في تحقيق اسانيد روايات الباب فحاصل الكلام في ذلك: ان رواية الحسن بن صالح فيها ضعف سندي، من ناحية عدم ثبوت في ذلك: ان رواية الحسن بن صالح فيها ضعف سندي، من ناحية عدم ثبوت وثاقة الحسن بن صالح. وبهذا تكون ساقطة عن الحجية. وأما رواية اسماعيل بن جابر المتيقنة الصحة عندهم، فكأنها لوحظت في الوسائل، حيث ذكر، ان الشيخ - قدس سره - نقلها عن محمد بن احمد بن يحيى، عن أيوب بن نوح، عن صفوان عن اسماعيل. وظاهر ذلك ان الشيخ نقل الرواية ابتداءا عن محمد بن احمد بن يحيى وهذا يعني انه أخذها من كتبه كما هو مبنى الشيخ فيمن ينقل الرواية عنه ابتداءا، وحيث ان الشيخ في المشيخة قد ذكر طرقه إلى الروايات التي أخذها من الاصول والكتب، ونص على طرقه إلى الروايات المأخوذة من كتب محمد بن أحمد بن يحيى، وبعض هذه الطرق صحيح، فتصبح الرواية صحيحة غير اننا لو لا حظنا الرواية في مصادر الوسائل - في التهذيب والاستبصار - لوجدنا ان الشيخ يبدأ في نقلها بمحمد بن أحمد بن يحيى، ليكون دالا على اخذها من كتابه، لكى يشملها ما نص عليه من الطرق في مشيخته،

[ 464 ]

بل ان الشيخ ذكر في الاستبصار: " اخبرني الحسين بن عبيدالله بن احمد ابن محمد بن يحيى عن أبيه عن محمد بن احمد بن يحيى... الخ " (1) وذكر في التهذيب: " اخبرني الشيخ أيده الله عن احمد بن الحسن عن أبيه محمد بن يحيى عن محمد بن أحمد بن يحيى... الخ " (2)، ونلاحظ ان في السند الاول احمد بن محمد بن يحيى، وفي السند الثاني احمد بن محمد ابن الحسن. وكلاهما لم يثبت توثيقه. فتصريح الشيخ بوسائطه إلى محمد بن احمد بن يحيى يفقدنا القرينة على كون الرواية مأخوذة من كتاب محمد بن أحمد، لان القرينة ليست الا البدء به، ومعه لا تنفع صحة بعض طرق المشيخة إلى محمد بن احمد بن يحيى، لانها كلها طرق إلى ما أخذ من كتب هذا الشخص. وهناك طرق قد تفترح للتخلص من هذا الاشكال السندي، وأحسن هذه الطرق: ان الشيخ في فهرسته ذكر انه يروي كتب وروايات محمد بن احمد بن يحيى بعدة طرق وبعضها صحيح، وواحد من تلك الطرق هو الطريق الذي صرح به في الاستبصار عند نقل رواية اسماعيل بن جابر، فإذا ضممنا إلى ذلك استظهار مطلب من عبارة الفهرست وهو ان كل ما يرويه الشيخ بأحد تلك الطرق فهو يرويه بالطرق الاخرى أيضا، انتج ان رواية اسماعيل بن جابر يرويها الشيخ بسائر طرقه إلى محمد بن احمد بن يحيى، نعم لو كان الشيخ قد صرح عند نقل رواية محمد بن احمد بن يحيى بطريق إليه مغاير للطرق التي ذكرها في الفهرست، فلا يشملها الاستظهار المذكور، ولا يمكن حينئذ تصحيحها بلحاظ صحة بعض تلك الطرق المذكورة في الفهرست.


(1) الجزء الاول ص 10 (2) الجزء الاول ص 41.

[ 465 ]

وأما رواية اسماعيل بن جابر الاخرى، فقد ورد في سندها ابن سنان ومن هنا نشأ الاشكال في سندها لتردده بين عبد الله بن سنان الثقة، ومحمد ابن سنان الذي لم يثبت توثيقه، وقد جاء في التنقيح: ان الرواية نقلت في الكافي وموضع من التهذيب عن عبد الله بن سنان، وكذا في الاستبصار على ما حكي، وفي موضع آخر من التهذيب عن محمد بن سنان، وفي الوافي عن ابن سنان، ويظهر من صاحب الوافي ان ابن سنان ينصرف إلى عبد الله ابن سنان فيتعين الحمل عليه. ولا أدري ما هي فائدة دعوى انصراف ابن سنان إلى عبد الله بن سنان إذا كان ابن سنان قد صرح في مراجع الوافي، بأنه عبد الله تارة كما في الكافي، وبأنه محمد اخرى كما في موضع من التهذيب؟! غير ان الصحيح ان الرواية لم تنقل في الكافي عن عبد الله بن سنان بل نقلت عن ابن سنان بهذا العنوان الاجمالي (1) وانما نقلها الشيخ الطوسى في التهذيب (2) عن عبد الله بن سنان، وكذلك صنع في الاستبصار (3) ونقلها في موضع آخر من التهذيب عن محمد بن سنان (4). وطريق الكليني في الرواية إلى ابن سنان على اجماله معتبر، إذ رواها عن محمد بن يحيى عن احمد بن محمد عن البرقي عن ابن سنان، فبناءا على اعتبار البرقي الاب يكون الطريق معتبرا. وأما الشيخ، فقد صرح في المواضع الثلاثة التي نقل فيها رواية اسماعيل بن جابر بطريقه كالما، ولم يحول على المشيخة. ففي احد الموضعين اللذين


(1) الجزء الثالث ص 3. (2) الجزء الاول ص 42. (3) الجزء الاول ص 10. (4) الجزء الاول ص 37.

[ 466 ]

نقل فيهما الرواية عن عبد الله بن سنان، ذكر: انه يرويها عن الحسين بن عبيدالله عن احمد بن محمد بن يحيى عن أبيه عن محمد بن احمد بن يحيى، وفي الموضع الاخر ذكر: انه يرويها عن الشيخ المفيد عن أحمد بن محمد بن الحسن عن أبيه عن محمد بن يحيى عن محمد بن احمد بن يحى. وفي الموضع الثالث الذي نقل فيه الرواية عن محمد بن سنان، ذكر: انه اخبره بالرواية الشيخ المفيد عن احمد بن محمد عن أبيه عن سعد بن عبد الله عن أحمد بن محمد عن محمد بن خالد عن محمد بن سنان عن اسماعيل بن جابر. وهذا يعني انه عوض هنا عن محمد بن احمد بن يحيى بسعد بن عبد الله. والطرق الثالث للشيخ كلها مبتلاة بالاشكال الذي أشرنا إليه في سند رواية اسماعيل بن جابر الاولى، حيث انه لم ينقلها عن محمد بن احمد بن يحيى أو عن سعد بن عبد الله ابتداءا، لكي يكون قرينة على الاخذ من كتابه وشمول طرق المشيخة له. فإذا بنينا على التسامح من هذه الناحية، وجعل التعرض للوسائط إلى أصحاب الكتب من التوسعات التي اشار الشيخ إلى حذفها وعدوله عنها بعد ذلك (1) دون ان تعني اي فرق حقيقي بين ذكر


(1) فقد ذكر في مشيخة التهذيب ما هذا لفظه: "... ووفينا بهذا الشرط في اكثر ما يحتوى عليه كتاب الطهارة، ثم أنا رأينا أنه يخرج بهذا البسط عن الغرض، ويكون مع هذا الكتاب مبتورا غير مستوفى، فعدلنا عن هذه الطريقة إلى ايراد احاديث اصحابنا رحمهم الله المختلف فيه والمتفق، ثم رأينا بعد ذلك ان استيفاء ما يتعلق بهذا المنهاج أولى من الاطناب في غيره، فرجعنا وأوردنا من الزيادات ما كنا أخللنا به، واقتصرنا من إيراد الخبر على الابتداء بذكر المصنف الذي اخذنا الخبر من كتابه. أو صاحب الاصل الذي أخذنا الحديث من أصله... ". التهذيب ج 10 ص 4 من المشيخة.

[ 467 ]

تلك الوسائط وما استقر عليه بناء الشيخ بعد ذلك من حذفها.. فهذا يعني تتميم السند في المواضع الثلاثة، وعليه يحصل التعارض ما لم يحتمل تعدد الرواية، وأما إذا لم نبن على ذلك، واقتصرنا في التخلص من هذا الاشكال على البيان الذي تقدم في رواية اسماعيل بن جابر الاولى، فهذا البيان يختص بالموضع الاول من المواضع الثلاثة المتقدمة لان الطريق فيه هو احد الطرق المصرح بها في الفهرست، دون الموضعين الاخيرين (1). وعليه فلا يثبت التصريح بمحمد بن سنان في الموضع الثالث لان ثبوت ذلك فرع صحة سند الشيخ إلى سعد بن عبد الله، وهو غير صحيح بحسب الفرض، ومعه يندفع الاشكال السندي رأسا، لان التصريح بعبدالله بن سنان ثبت بطريق معتبر. ولم يثبت معارضه بطريق معتبر، ومعه تصح الرواية سواء كان عنوان ابن سنان في طريق الكافي مجملا أو ظاهرا في عبد الله بن سنان، نعم يبقى الكلام عندئذ فيما قد يدعى من وجود قرائن خارجية، توجب الوثوق بعدم كون ابن سنان الواقع في السند عبد الله، لعدم مناسبة الطبقة، حيث ان عبد الله بن سنان من اصحاب الامام الصادق عليه السلام، فلا يناسب ان يروى عنه محمد بن خالد، ولا ان يروى هو عن الصادق عليه السلام بالواسطة، وقد اجيب عن ذلك: بدفع الامر الاول، بأن البرقي من اصحاب الرضا، بل الكاظم ايضا، فلا استبعاد في ان يروي عن عبد الله بن سنان، الذي هو من الجيل الثاني من اصحاب الامام الصادق، خصوصا مع وجود روايات اخرى نقلها البرقي عن اصحاب الامام الصادق، كثعلبة وزرعة، ودفع الامر الثاني، ينفي الاستبعاد ايضا، ووقوع روايات لعبدالله بن سنان عن الصادق


(1) بمعنى ان الطريق المصرح به إلى محمد بن احمد بن يحى في الموضع الثاني ليس هو احد الطرق المذكورة في الفهرست، ليشمله استظهار انه كل ما روي ببعضها فهو مروي بالبعض الآخر، كما ان الطريق المصرح به إلى سعد في الموضع الثالث ليس هو احد الطرق المذكورة في الفهرست إلى سعد.

[ 468 ]

بالواسطة، بل قد يتفق ان يكون بعض وسائط عبد الله عين واسطة محمد بن سنان، من قبيل اسحاق بن عمار (1) وهذا الكلام صحيح في نفي الاستبعادات الخارجية، ولكن إذا بني على سقوط نقل الشيخ في المواضع الثلاثة، للاشكال السندي، ولم يبق لدينا الا طريق الكليني فهذا الكلام لا يفيد لتعيين ان المراد بابن سنان فيه عبد الله، والاجمال يكفي لسقوط السند عن الاعتبار، بعد اشتهار كل من الشخصين في عالم الرواية، وكون القام الثبوتي والاحترامي لعبدالله اكبر، لا يبرهن على الانصراف. واما رواية ابي بصير، فعبد فرض انصراف ابي بصير إلى الثقة، ووثاقة عثمان بن عيسى الواقع في السند، وكذلك ابن مسكان، ينحصر الاشكال في احمد بن محمد، الذي روى عنه محمد بن يحيى، وروى هو عن عثمان بن عيسى، إذ جاء مطلقا في طريق الكافي (2)، وكذلك في الاستبصار (3)، ولا اشكال في انصرافه حينئذ إلى الثقة أو احد الثقات المعهود رواية محمد بن يحيى عنهم، ولكنه جاء في طريق التهذيب بعنوان احمد بن محمد بن يحيى (4)، وهو مجهول لان أشهر من يعرف بهذا العنوان هو ابن محمد بن يحيى، الذي وقع في سند الرواية راويا عن احمد بن محمد، فلا يناسب ان يكون هو المقصود، وغيره ممن ذكر بهذا العنوان في كتب الرجال كذلك. فيكون الشخص مجهولا، وبهذا تسقط الرواية عن الحجية. والتخلص من هذا الاشكال يكون، اما بابداء احتمال تعدد الرواية، ومعه


(1) الحدائق الناضرة الجزء الاول ص 271 نقلا عن كتاب مشرق الشمسين للشيخ البهائي (قده). (2) الجزء الثالث ص 3. (3) الجزء الاول ص 10. (4) الجزء الاول ص 42.

[ 469 ]

يبقى ظهور احمد بن محمد غير المقيد في الثقة على حاله. واما بتجميع الشواهد التي توجب الظن الاطمئناني بالاشتباه في طريق التهذيب، حيث ان احدم بن محمد بن يحيى لو كان راويا وقاعا بين محمد بن يحيى، وعثمان بن عيسى، وكلاهما من المكثرين فكيف لم ير له رواية في هذ المرتبة في سائر الموارد الاخرى؟!، وكيف لم يتعرض له في الرجال مع وقوعه في مثل هذا الطريق؟!، ويكف أطلق الكليني (5) في الكافي احمد بن محمد، مع وضوح ان هذا الاطلاق في قوة التصريح بصرفه عن مثل هذا الراوي المجهول؟!، خصوصا مع ان الكليني بنفسه وقع في طريق التهذيب، الذي قيد أحمد بن محمد بأنه ابن يحيى، فكيف يفرض ان الكليني بنفسه يروي القيد ثم يسقطه في كتابه؟!، بل ان الشيخ نفسه في الاستبصار روى الرواية بنفس السند، مع اسقاط قيد ابن يحيى... إلى غير ذلك من المبعدات التي توجب سقوط نقل التهذيب عن الحجية. ومعه يبقى الانصراف في طريق الكليني سليما عن المعارض. وقد يقال في الجواب على الاشكال: ان الرواية وان كانت ضعيفة على طريق الشيخ في التهذيب، لاشتماله على احمد بن محمد بن يحيى ولكنها صحيحة على طريق الكليني، لوثاقة احمد بن محمد بن عيسى (1). وهذا الكلام انما يصح إذا رجع إلى ابداء احتمال تعدد الرواية، كما اشرنا إليه، بمعنى وجود شخصين باسم احمد بن محمد، كلاهما نقلا الرواية عن عثمان بن عيسى، وكلاهما نقلا الرواية لمحمد بن يحيى، واما مع استبعاد هذا الفرض فلا يكفي القول بأن ضعف الرواية على طريق الشيخ لا يضر باعتبارها على طريق الكليني، لان طريق الشيخ إلى نفس احمد بن محمد لا ضعف فيه، وحيث انه واحد. ولا يحتمل فيه التعدد، فيحصل التعارض


(1) التنقيح الجزء الاول ص 184،

[ 470 ]

[ فبالمن الشاهي - وهو ألف ومائتان وثمانون مثقالا - يصير أربعة وستين منا إلا عشرين مثقالا (1) (مسألة - 3) الكر بحقة الاسلامبول - وهي مائتان وثمانون مثقالا - مائتا حقة واثنتان وتسعون حقة ونصف حقة. ] بين الطريقين في تعيينه، لان مقتضى الظهور الانصرافي في طريق الكليني تعيينه في الثقة، ومقتضى التصريح في طريق التهذيب تعيينه في المجهول. ويتعين عندئذ التخلص من الاشكال باسقاط طريق التهذيب عن الحجية، والصلاحية لاثبات كلمة ابن يحيى بالنحو الذي أشران إليه. (1) بعد أن حدد وزن الكر بالارطال وقع البحث في تحديد الرطل العراقي. والمعروف أنه مائة وثلاثون درهما، وقد استدل على ذلك بما دل على أن الرطل المدني مائة وخمسة وتسعون درهما، كرواية ابراهيم بن محمد الهمداني (1) بضميمة ما دل على أن الرطل العراقي يعادل ثلثي الرطل المدني كرواية علي بن بلال (2) وأما مكاتبة جعفر بن ابراهيم بن محمد الهمداني، فقد تكون دليلا مستقلا على المطلوب، وقد تكون على مستوى رواية ابراهيم بن محمد الهمداني


(1) ومتن الرواية: " أن ابا الحسن صاحب العسكر عليه السلام كتب إليه (في حديث): الفطرة عليك وعلى الناس كلهم ومن تعول ذكرا كان أو انثى صغيرا أو كبرا حرا أو عبدا فطيما أو رضيعا، تدفعه وزنا: ستة أرطال برطل المدينة. والرطل مائة وخمسة وتسعون درهما، يكون الفطرة ألفا ومائة وسبعين درهما ". وسائل الشيعة باب 7 من أبواب زكاة الفطرة حديث - 4 -. (2) قال: كتبت إلى الرجل عليه السلام أسأله عن الفطرة وكم تدفع؟ قال: فكتب عليه السلام: ستة أرطال من تمر بالمدني، وذلك تسعة أرطال بالبغدادي. المصدر السابق حديث - 2 -.

[ 471 ]

ففي الكافي بسنده إلى جعفر أنه قال: كتبت إلى ابي الحسن عليه السلام على يدي ابي: جعلت فداك إن أصحابنا اختلفوا في الصاع بعضهم يقول الفطرة يصاع المدني وبعضهم يقول بصاع العراقي، قال: فكتب الي: الصاع بستة أرطال بالمدني، وتسعة أرطال بالعراقي. قال: واخبرني أنه يكون بالوزن ألفا ومائة وسبعين وزنة (1). فإن لوحظ في هذه الرواية ما قبل الجملة الاخيرة فهي على مستوى رواية ابراهيم، وإن لو حظت الجملة الاخيرة كانت الرواية وحدها كافية لاثبات المطلوب، إذا استظهرنا ان المخبر في قوله " اخبرني " هو الامام وان " وزنة " بمعنى درهم باعتباره الوحدة القياسية للوزن. والتحقق أنا لسنا بحاجة إلى تحديد الرطل العراقي لننتفع بهذه الروايات وإنما نحتاج إلى تحديد الرطل المكي، وتوضيحه: انا إذا بنينا على الجمع بين صحيحة محمد بن مسلم التي تحدد الكر بتسمائة ومرسلة ابن عمير التي تحدده بألف ومائتين بحمل الرطل في المرسلة على العراقي، اتجه العمل من أجل تعيين الرطل العراقي. وأما إذا لم نبن إلا على حجية الصحيحة واعتبرناه مجملة واقتصرنا في تقييد اطلاقات الانفعال على المتقين منها - وهو ستمائة رطل بالمكي - فسوف يكون المقياس لوزن الكر هو الرطل المكي، ونحتاج حينئذ إلى تحديده، ولا تنفع عندئذ الروايات السايقة ما لم تضم إلى ذلك تسالم العدد الكبير من فقهائنا على أن الرطل المكي ضعف العراقي، ومع الرجوع إلى التسالم يمكن الاستغناء به عن تلك الروايات في تمام ما يراد تحديده، إذ ليس هذا التسالم والاشتهار من قبيل اشتهار فتوى معينة حدسية بل هو من اشتهار أمر حسي يمكن أن يكون المستند في اشتهاره معروفية ذلك ووضوحه، فيعول عليه بدلا عن تلك الروايات التي لا بخلو بعضها


(1) المصدر السابق حديث - 1 -.

[ 472 ]

[ (مسألة - 4) إذا كان الماء أقل من الكر ولو بنصف مثقال يجري عليه حكم القليل. (مسألة - 5) إذا لم يتساو سطوح القليل ينجس العالي بملاقاة السافل كالعلكس (1). نعم لو كان جاريا من الاعلى إلى الاسفل لا ينجس العالي بملاقاة السافل، من غير فرق بين العلو التسنيمي والتسريحي. ] عن ضعف سندا. (1) لان نكتة السراية إلى تمام الماء لا يختلف الحال فيها بين الماء الساكن المتساوي السطوح والماء الساكن المختلف السطوح، كما يظهر بمراجعة ما حققناه مفصلا في بحوث المضاف من نكتة سريان النجاسة في باب المائعات، ونكتة عدم شمول ذلك للماء الجاري إذا لاقت النجاسة جزءة الاسفل، حيث لا ينفعل بذلك الجزء العالي منه. ومجمل الكلام في ذلك: أن الملاقاة تسبب دائرة للانفعال بقدر دائرة التسلط التي يراها العرف للنجاسة الملاقية على مالا قته، وحيث أن التسلط يدور في الارتكاز العرفي مدار صلاحية النجس للنفوذ، فكلما كانت الصلاحية أوسع كانت دائرة السلط المنتزع عرفا اكبر، وبالتالي يتحقق الانفعال في نطاق أشمل. ومن هنا كانت ملاقاة النجس للجامد متسلطة عرفا على خصوص السطح الذي حصلت معه المماسة، لعدم صلاحية النجس للنفوذ أصلا، وكلما كان الجسم الملاقي للنجس أبعد عن الانجماد أو أشد ميعانا كان التسلط المنتزع عرفا من ملاقاة المنجس شاملا لدائرة أكبر منه، وتسري النجاسة. إلى تمام تلك الدائرة.

[ 473 ]

[ (مسألة - 6) إذا جمد بعض ماء الحوض والباقي لا يبلغ كرا ينجس بالملاقاة (1). ولا يعصمه ما جمد، بل إذا ذاب شيئا فشيئا ينجس أيضا، وكذا إذا كان هناك ثلج كثر فذاب منه أقل من الكر. ] (1) لا إشكال في أن الكر - المركب من ماء منجمد وماء سائل - ليس معتصما، بل ينجس سائله ومنجمده، لان الانجماد قد يكون حالة عرضية بالنسبة إلى المفهوم العلمي للماء ولكنه في النظر العرفي يوجب خروج الماء على كونه ماءا، لتقوم الماء عرفا بالسيلان، فلا تكون أدلة اعتصام الماء الكر شاملة لذلك الكر المركب. ولو فرض الشك في ذلك لكفى في إثبات المطلوب أيضا، لان شمول دليل اعتصام الماء الكر له يكون مشكوكا بنحو الشبهة المفهومية، فيرجع في اثبات انفعال الجزء السائل من ذلك الكر إلى عموم انفعال الماء كرواية ابي بصير (1)، وفي إثبات انفعال الجزء المنجمد منه إلى عموم " اغسل كل ما أصابه " في موثقة عمار (2) لان المنجمد قابل للغسل، بل إن هذا العموم يمكن ان يثبت به انفعال المجموع ولو التزاما، لان المنجمد إذا انفعل دل ذلك على عدم اعتصام المجموع، فينفعل السائل أيضا. هذا على فرض الشك، ولكنه غير محتمل، فان العرف لا يتردد في نفي عنوان الماء عن المنجمد.


(1) عن أبي عبد الله عليه السلام (في حديث) قال: " ولا تشرب من سؤر الكلب الا أن يكون حوضا كبيرا يستقى منه ". فان الشك في صدق عنوان لماء لا ينافى الجزم بعدم صدق العنوان المستثنى لوضوح ان الاستقاء من الحوض الكبير لا يكون من الجامد بل السائل، (2) وسائل الشيعة باب 4 من ابواب الماء المطلق.

[ 474 ]

[ فانه ينجس بالملاقاة ولا يعتصم بما بقي من الثلج. (مسألة - 7) الماء المشكوك كريته مع عدم العلم بحالته السابقة في حكم القليل على الاحوط (1) وإن كان الاقوى عدم تنجسه بالملاقاة، نم لا يجري عليه حكم الكر، فلا يطهر ما يحتاج تطهيره إلى إلقاء الكر عليه، ولا يحكم بطهارة متنجس غسل فيه، وإن علم حالته السابقة يجري عليه حكم تلك الحالة. ] (1) إذا لم يكن للمشكوك حالة سابقة حكم عليه في المتن بعدم الانفعال وبعدم كونه مطهرا، على النحو الثابت للكر من المطهرية، وكل من هذين الحكمين بحاجة إلى بحث فهنا مقامان، (المقام الاول) في عدم انفعاله بالملاقاة، ولا شك في أن هذا هو مقتضى الاصول الاولية، كأصالة الطهارة، وانما الكلام في وجود حاكم على تلك الاصول، وبعد التجاوز عن دعوى الحكومة عن طريق التمسك بعموم الانفعال في الشبهة المصداقية، أو عن طريق قاعدة المقتضي والمانع، أو عن طريق القاعدة التي أسسها المحقق النائيني في الترخيصات الاستثنائية المعلقة على عنوان وجودي، لعدم تمامية شئ من ذلك كما تقدمت الاشارة إلى ذلك في بعض البحوث السابقة، ينحصر تصوير الحاكم في الاستصحاب وتقريبه بأحد وجهين: الاول: ما ذكره السيد الاستاذ - دام ظله - (1) من استصحاب عدم الكرية الثابت بنحو نعتي بعد وجود الماء خارجا، وذلك لان جملة من الآيات نطقت بأن أصل مياه الارض هو المطر، وكذلك ذكر المحدثون والمطر ينزل قطرة قطرة، فكل ماء إذن هو مسبوق بالقلة حين نزوله مطرا


(1) التنقيح الجزء الاول ص 198.

[ 475 ]

من السماء، فيستصحب عدم كريته. ودعوى أن لازم هذا البيان إمكان أجزاء استصحاب العصمة في الماء المشكوك، لانه كان معتصما عند نزوله من السماء حتما ويشك في بقاء هذا الاعتصام، مدفوعة بأنها تبتني على جريان الاستصحاب في القسم الثالث من الكلي، لان العصمة المطرية قد ارتفعت جزما، والعصمة المشكوكة فرد آخر من العصمة، وهي العصمة في ضمن الكر. وحول ما افيد عدة نقاط: " النقطة الاولى " - ان فرضية نزول تمام مياه الارض من السماء - لو سلمت - فلا نملك دليلا على ان نزولها كان بالشكل الذي نراه اليوم من المطر على سبل التقاطر، وليس في الآيات ولا الافتراضات الحديثة ما يدل على ذلك، ويكفي احتمال أن يكون الماء النازل متكونا بصورة سيل متدفق من الماء فننفي اليقين بالحالة السابقة، ة ذ لا يبقى مع هذا الاحتمال يقين بالقلة سابقا. هذا مضافا إلى أن الاستصحاب المذور لا ينفع في الفروض الاعتيادية للمسألة، لان الحالة الاعتيادية للشك في كرية الماء أن نملا حوضا من ماء الفرات ونحوه من الانهار ونشك في كرية ما فيه لعدم العلم بمقدار سعته. ففى مثل هذه الحالة لا يفيد استصحاب القلة التي يفرض إحرازها في بدء خلق الماء على الارض. " النقطة الثانية " - أن استصحاب الاعتصام الذي أشير إليه لابد من إرجاعه على مباني السيد الاستاذ - دام ظله - إلى ا ستصحاب عدم الانفعال بعد الملاقاة للنجاسة، لان الاعتصام بعنوانه لس من الاحكام المجعولة. بل هو منتزع، ومرجعه إلى قضية تعليقية، وهي أن هذا الشئ لا ينجس على تقدير الملاقاة.

[ 476 ]

وحيث أن استصحاب القضية التعليقية غير ممكن على مباني الاستاذ، فلابد أن يرجع استصحاب الاعتصام إلى استصحاب عدم الانفعال الفعلي. للانفعال الذي كان محققا قبل الملاقاة ليس مرددا بين عدمين، بل هو عدم واحد مشكوك البقاء. وهكذا نعرف أن استصحاب الاعتصام يعود في النهاية إلى استصحاب الطهارة. " النقطة الثالثة " - أن الاعتصام - لو سلمنا كون مجعولا بعنوانه وأنه مجرى للاستصحاب في نفسه. وفرضنا جريان الاستصحاب في القسم الثالث من الكلي - فمع هذا لا يجري استصحاب الاعتصام لو تم استصحاب عدم الكرية في نفسه. لحكومة استصحاب عدم الكرية عليه، لان الشك في بقاء الاعتصام مسبب عن الشك في كريته فعلا. فمع إجراء استصحاب عدم الكرية لا تصل النوبة إلى استصحاب بقاء الاعتصام. الثاني: إجراء استصحاب العدم الازلي للكرية الثابت قبل وجود الماء وبذلك يتنقح دخوله تحت عمومات الانفعال ظاهرا. لان عموم الانفعال في الماء كرواية أبي بصير مرفوعه مركب من ماءلاقي النجاسة ولم يكن حوضا كبيرا، فباستصحاب عدم كونه كرا مع وجداينة ملاقاته للنجاسة يثبت الانفعال. وقد يستشكل في هذا الاستصحاب: إما بلحاظ المنع عموما من إجراء الاستصحاب في الاعدام الازلية، وإما بلحاظ التفصيل في العوارض التي يراد استصحاب عدمها الازلي بين عوارض الماهية وعوارض الوجود، فلا يجري استصحاب العدم الازلي في الاول يويجري في الثانية مع دعوى أن الكر من عوارض الماهية. والكلام عن الكبرى الاصولية للمنع أو الكبرى الاصولية للتفصيل

[ 477 ]

موكول إلى الاصول، وقد حققنا في الاصول جريان الاستصحاب في العدم الازلي للوصف ما لم يكن الوصف من لوازم الشئ في لوح الواقع الذي هو أسع من لوح الوجود كالامكان للانسان، فإذا شك في ثبوت صفة للشئ على نحو ثبوت صفة الامكان للانسان، فلا يمكن إستصحاب عدمها إذ ليس لعدمها حالة سابقة. وتفصيل الكلام في تحقيق ذلك في علم الاصول، وإنما نقتصر في مجال البحث الفقهي على تحقيق أمر صغروي، حيث قيل كما في المستمسك (1) أن الكرية ليست من شؤون الماء في لوح الوجود ليستصحب عدمها، بل هي نحو سعة في مرتبة الطبيعة، فلا يصح أن تشير إلى كر من الماء وتقول " هذا قبل وجوده ليس بكر " لكي تستصحب عدم كريته الازلي عند الشك. وهذا اللون من التصور للكرية ليس صحيحا، وذلك لاني حينما أشير إلى كر من الماء فانما أشير في الحقيقة إلى عدد كبير من جزئيات الماء ووحداته الاساسية التي اتصل بعضها ببعض اتصالا عرفيا، فنتج عن هذا الاتصال العرفي امتداد ثلاثة ونصف في ثلاثة وصنف الذي هو معنى الكر مثلا، فالكرية إذن نتيجة لذلك الاتصال العرفي بين جزئيات الماء الذي صير منها شيئا واحدا في نظر العرف. ومن الواضح أن هذا الاتصال لا بمثل سعة مرتبة الطبيعة. بل يمثل حالة عرضية لعدد من مصاديق الطبيعة. وحيث أن وجود هذه الحالة العرضية تابع لوجود تلك المصاديق فهي مسبوقة بالعدم الازلي بعدم تلك المصاديق، ويمكن إجراء استصحاب هذا العلم عند الشك. وعلى هذا الاساس فلا إشكال في جريان استصحاب العدم الازلي. (المقام الثاني) وفيه جهتان: (- الاولى - في حكم هذا الماء المشكوك الكرية، وحكم الثوب المتنجس


(1) مستمسك العروة الوثقى الجزء الاول ص 137 - 138 الطبعة الثانية.

[ 478 ]

عند غسله به من غير مراعاة شرائط الغسل بالقليل، كما إذا غمسنا الثوب في الماء بناء على أن الماء القليل لا يكون مطهرا لشئ إلا بصبه عليه. ولا إشكال في الحكم بنجاسة الماء وبقاء الثوب على النجاسة إذا بنينا في المقام السابق على جريان استصحاب عدم الكرية، وأما مع المنع عنه فقد تمسك السيد الاستاذ - دام ظله - (1) بالنسبة إلى الماء بقاعدة الطهارة وباستصحاب الطهارة، بانيا ذلك على جريان الاستصحاب في الاحكام الجزئية خلافا للاحكام الكلية، وتمسك بالنسبة إلى الثوب باستصحاب عدم وقوع المطهر، لان أي مطهر فرضناه شرعا فوقوعه على المغسول المتنجس أمر حادث مسبوق بالعدم، فإذا شككنا في وقوع المطهر على الثوب مستصحب عدمه. وفي هذا المجال لابد من ملاحظة عدة نقاط: " الاولى " - ان إجراء استصحاب الطهارة في الماء ليس مبنيا على كون الحكم جزئيا، بل إن استصحاب الطهارة يجري على مباني السيد الاستاذ حتى في الشبهات الحكمية، لان المعارضة المدعاة بين استصحاب بقاء المجعول واستصحاب عدم الجعل الزائد إنما هي في الاحكام الالزامية لافي الاحكام الترخيصية. " الثانية " - ان استصحاب عدم المطهر بالنسبة إلى الثوب لا يجري، وإنما يجري استصحاب النجاسة. والوجه في ذلك: أن المراد باستصحاب عدم المطهر إن كان هو استصحاب عدم عنوان المطهر، فمن الواضح أن عنوان المطهر ليس هو الموضوع للحكم الشرعي بطهارة الثوب المغسول، وانما الموضوع واقع المطهر، وان كان المراد استصحاب عدم واقع المطهر، ففيه أن واقع المطهر عبارة عن موضوع الحكم بطهارة المغسول، وهذا الموضوع


(1) التنقيح الجزء الاول ص 200

[ 479 ]

مركب - بحسب الفرض - من جزئين: أحدهما الغسل بماء، والاخر ان يكون الماء كرا أو يكون واردا على المغسول: فالجزء الاول من الموضوع هو الغسل بالماء والجزء الثاني الجامع بين كرية الماء ووروده على المغسول وهذا الموضوع المركب إن أخذ بنحو التر كيب الصرف من دون أن يؤخذ فيه عنوان الاجتماع والمجموع، فلابد في إجراء الاستصحاب من ملاحظة كل من الجزئين في نفسه، فان كانت له حالة سابقة إثباتا أو نفيا جرى استصحابها، ولا يمكن إجراء الاستصحاب في مجموع الجزئين بما هو مجموع بأن يستصحب عدمه، والمفروض في المقام أن الجزء الاول - وهو الغسل بالماء - وجداني، والجزء الثاني - وهو أن يكون الماء كرا - ليس هل حالة سابقة لا إثباتا ولا نفيا. وفي هذا الضوء لا يكون لاستصحاب عدم وقوع واقع المطهر على الثوب معنى إلا ملاحظة مجموع الجزئين بما هو مجموع ويستصحب عدمه، وهذا خلف التركيب. وإن كان الموضوع مأخوذا بنحو التقييد - أي لو حظ الغسل بالماء الكر أو اقتران الغسل بالكريمة بتعبير آخر - فيصح حينئذ إجراء استصحاب عدم المطهر، لان مرجعه إلى استصحاب عدم الاقتران، ولكن لازم ذلك أن الماء إذا كان مسبوقا بالكرية لا ينفع إجراء استصحاب الكرية فيه، لانه مثبت حيث لا يمكن أن نحرز به، عنوان الاقتران بين الغسل والكرية، لكونه لازما عقليا لبقاء كرية الماء إلى حين الغسل به. النقطة الثالثة - ان شرط التطهير بالماء القليل تارة نثبت شرطيته بدليل خاص بعنوانه، ما إذا استفدنا من الامر بالصب مثلا اشتراط ورود الماء القليل، وأخرى يكون اشتراط الورود مثلا بلحاظ التحفظ على طهارته. فعلى الاول لا يمكن إحراز الشرط، بل يجري استصحاب النجاسة في الثوب وعلي الثاني يمكن إحراز طهارة الماء بعد ورود الثوب المتنجس فيه باستصحاب.

[ 480 ]

الطهارة، وبذلك تثبت طهارة الثوب وان لم نحرز كرية الماء بعنوانه، كما نبه على ذلك السيد الاستاذ - دام ظله - في بعض تحقيقاته. الجهة الثانية - فيما إذا استعملنا الماء المشكوكة كريته في تطهرية ماء نجس ولم نبن على جريان استصحاب عدم الكرية. وقد ذكر السيد - الاستاذ - دام ظله - (1) أن الماء المشكوك إذا مزج بالماء النجس تعارض استصحاب الطهارة في الماء المشكوك الكرية مع استصحاب النجاسة في الماء النجس، لان اختلاف المائين الممتزجين في الحكم من حيث الطهارة والنجاسة - ولو ظاهرا - غير ممكن، فالطهارة الاستصحابية لاحد المائين بنفسها تنافي النجاسة الاستصحابية للماء الآخر، وبعد تعارض الاستصحابين وتساقطهما يرجع إلى قاعدة الطهارة. ثم ذكر - دام ظله - أن بالامكاه منع هذه المعارضة، ودعوى أن استصحاب الطهارة لا يجري للغوية الحكم بطهارة الاجزاء المتداخلة مع النجس إذا لا يترتب على طهارتها أثر فيجرى استصحاب النجاسة بلا معارض. وحول ما أفيد نقاط من الكلام: النقطة الاولى: ان إسقاط استصحاب الطهارة على أساس اللغوية لايتم بناءا على ما أفيد من عدم إمكان التفكيك بين أجزاء الماء الواحد في الطهارة والنجاسة واقعا وظاهرا، إذ بناءا على هذا يكون دليل الاستصحاب - بشموله لاستصحاب طهارة الماء المشكوك الكرية - دالا بالمطابقة على الطهارة الظاهرية له، ودالا بالالتزام على الطهارة الظاهرية لما امتزج به من ماء، لان المفروض عدم إمكان التفكيك واقعا وظاهرا، ومعه لا يكون استصحاب الطهارة لغوا، لاقترانه بالطهارة الظاهرية لسائر الاجزاء. وإن شئتم قلتم: إن مجموع الطهارتين الظاهريتين اللتين يمثل احداهما


(1) التنقيح الجزء الاول ص 200 - 201.

[ 481 ]

استصحاب الطهارة وتثبت الاخرى بالدلالة الالتزامية لدليل الاستصحاب. أقول: إن مجموع هاتين الطهارتين له أثر عملي، فلا يكون جعلهما لغوا، فيستحكم التعارض بين الاستحابين. النقطة الثانية: إنا نتسأل لماذا أهمل هنا استصحا بعدم وقوع المطهر بينما رجع إليه في الجهة السابقة، فان حال الماء النجس حال الثواب النجس من حيث طرو المطهر عليه، فان جرى في الثوب عند غمسه في ماء مشكوك الكرية استصحاب عدم وقوع المطهر، فلماذا لا يجري عند مزج الماء النجس بماء مشكوك الكرية استصحاب عدم وقوع المطهر عليه. النقطة الثالثة: إن جريان قاعدة الطهارة - بعد افتراض تساقط الاستصحابين في الماء النجس الذي اريد تطهيره - لا يخلو من إشكال تقدمت الاشارة إليه مرارا، وهو ان موارد الشك في بقاء النجاسة خارجة عن إطلاق قاعدة الطهارة في نفسها بقطع النظر عن جريان استصحاب النجاسة، فلا يمكن في هذه الموارد الرجوع إلى القاعدة لو سقط الاستصحاب بالمعارضة. والتحقيق أن قاعدة عدم تبعض الحكم الواحد إذا كانت تقتضي عدم التبعض في الحكم واقعا فحسب جرى كلا الاستصحابين، بل كان استصحاب النجاسة حاكما على استصحاب الطهارة، لانه يوجب لغويته. وإذا كانت القاعدة المذكورة تقتضي عدم التبعض - ولو ظاهرا - تعارض الاستحصابان وتساقطا، وقد مر توضيح ذلك في بعض البحوث السابقة. وبما ذكرناه ظهر الحال فيما إذا كان الماء المشكوك الكرية قد مرت عليه حالتان متضادتان، فانه لا يجري فيه استصحاب العدم الازلي للكرية للعلم بانتقاضه. ويكون حكمه عندئذ حكم ما ليس له حالة سابقة على تقدير إنكار اجراء استصحاب عدم الكرية.

[ 482 ]

[ (مسألة - 8) الكر المسبوق بالقلة إذا علم ملاقاته للنجاسة ولم يعلم السابق من الملاقاة والكرية، إن جهل تاريخهما أو علم تاريخ الكرية حكم بطهارته، وإن كان الاحوط التجنب، وان علم تاريخ الملاقاة حكم بنجاسته (1). ] (1) الكلام في هذا الفرع يقع في جهتين: الاولى: في جريان استصحاب عدم الكرية واستصحاب عدم الملاقاة في نفسيهما. الثانية: في أن جريان ما يجري منهما هل يختص بصورة كونه مجهول التاريخ في نفسه أو يكفي الجهل النسبي بتاريخه بالاضافة إلى الآخر. أما الكلام في الجهة الاولى فمن أجل تمييزها بالبحث عن الجهة الثانية نفرض الآن أن كلا من الكرية والملاقاة مجهولة التاريخ في نفسها. لنرى ما هو الاستصحاب الذي يكون المقتضى لجريانه تاما، فإذا شخصناه بحثنا حينئذ في الجهة الثانية في أن الجهل النسبي يكفي لجريانه أولا. وتفصيل الكلام: أنه لا إشكال في صحة جريان استصحاب عدم الكرية. لانه يدخ لتحت كبرى احراز أحد جزئي الموضوع المركب بالتعبد مع كون الآخر محرزا بالوجدان، لان عموم انفعال الماء بالملاقاة موضوعه - بعد إخراج الكر منه، مركب من ملاقاة الماء للنجس وعدم كونه كرا، والاولى وجدانية والثاني يثبت بالاستصحاب، فيجوز الحكم بالانفعال شرعا. وأما استصحاب عدم الملاقاة إلى حين الكرية فقد يقال بجريانه. بدعوى أنه يقتضي نفي الانفعال بضمه إلى الوجدان، لان الانفعال أثر شرعي للملاقاة في زمان لا يكون فيه الماء كرا، وحينئذ يمكننا أن نشير إلى الماء المفروض ونقسمه إلى حالتين: حالة ما قبل حدوث الكرية. وحالة ما بعد حدوثها، فنقول: إن استصحاب عدم الملاقاة إلى حين

[ 483 ]

حدوث الكرية ينفي لنا الملاقاة في الحالة الاولى وأما الملاقاة في الحالة الثانية فهي - وإن كانت مشكوكة - ولكن لا أثر لها شرعا في الانفعال، لان عدم الكرية في هذه الحالة منتف. وهكذا بضم وجدانية انتفاء أحد جزئي موضوع الانفعال المركب في الحالة الثانية إلى تعبدية انتفاء أحد جزئيه في الحالة الاولى بالاستصحاب ننفي انفعال الماء. والصحيح تبعا للسيد الاستاذ - دام ظله - المنع من جريان استصحاب عدم الملاقاة إلى حين الكيرية غير أن تبرير عدم الجريان يتمثل في اتجاهين: الاتجاه الاول - ما ذكره السيد الاستاذ - دام ظله - (1) من انه كلما ترتب حكم على موضوع مركب من جزئين وكان احدهما معلوم الوجود سابقا ولكن يشك في بقائه إلى حين وجود الجزء الآخر، فيجري استصحاب بقائه إلى حين وجود الجزء الآخر، وبذلك يحرز موضوع الحكم مادام الموضوع مأخوذا بنحو التركيب لا بنحو التقييد. ولا يجري استصحاب عدم حدوث الجزء الآخر إلى حين ارتفاع الجزء الاولى، لكي يكون نافيا للحكم ومعارضا للاستصحاب الاولى. وقد جاء في تقريرات بحثه وجهان لاثبات هذا المدعى: أحدهما نقضي، وهو أن لازم جريان استصحاب عدم الجزء الآخر إلى حين ارتفاع الجزء الاول، ومعارضته لاستصحاب بقاء الاول إلى حين وجود الآخر إيقاع المعارضة بين الاستصحاب حتى في مورد صحيحة زرارة، وهو الشك في بقاء الطهارة إلى حين الصلاة، إذ يعارض استصحاب بقائها إلى حين الصلاة باستصحاب عدم وقوع الصلاة في زمان وجود الطهارة. والآخر حلي، وهو أن المفروض أن الحكم مترتب على ذات الجزئين، أي على وجودهما في زمان دون أن يؤخذ في الموضوع عنوان التقييد ومعه،


(1) التنقيح الجزء الاول من 210 - 211.

[ 484 ]

فباستصحاب أحد الجزئين إلى زمان مع وجدانية وجود الجزء الآخر في ذلك الزمان نحرز موضوع الحكم، وأما استصحاب عدم الجزء الآخر في زمان الجزء الاول فلا يجري لان الاثر غير مترتب على وجود الجزء الآخر المقيد، بأن يكون في زمان الجزء الاول بل على ذات الجزئين، فما يتصحب عدمه إن كان ذات الجزء الآخر فهو غير معقول للقطع بوجوده، وان كان المستصحب عدم وجوده المقيد - بأن يكون في زمان الجزء الاول - فهذا ليس موضوع للحكم الشرعي، لان المفروض أن موضوع الحكم الشرعي أخذ بنحو التركيب لا بنحو التقييد. وعلى هذا الاساس يجري استصحاب عدم الكرية إلى حين الملاقاة. فيثبت موضوع النجاسة المركب من ملاقاة ماء وعدم كريته، لان الجزء الاول وجداني والثاني محرز بالاستصحاب، ولا يعارض باستصحاب عدم الملاقاة إلى حين الكرية الذي يراد به نفي النجاسة. أما الوجه النقضي، فتحقيق الحال فيه: أن زرارة في مورد الرواية لو كان قد فرض وقوع صلاة وحدث مجهولي التأريخ. ومع هذا أجرى الامام له استصحاب عدم الحدث إلى حدين الصلاة ولم يجر استصحاب عدم الصلاة إلى حين الحدث، لكان نظير ما نفرضه في المقام من حدوث كرية وملاقاة مجهولين في تاريخهما، فيجري استصحاب عدم الكرية إلى حين الملاقاة على حد استصحاب عدم الحث إلى حيث الصلاة، ولا يعارض باستصحاب عدم الملاقاة إلى حين الكرية، كما لا يعارض استصحاب عدم الحدث باستصحاب عدم الصلاة إلى حين الحدث، غير أن زرارة لم يفرض حدثا وصلاة مجهولي التاريخ، بل الصلاة في مورد الرواية معلومة التاريخ في عمود الزمان، وإنما يشك في بقاء عدم الحدث إلى حينها، فهو من قبيل ما إذا كانت الملاقاة معلومة التاريخ ويشك في بقاء الكرية إلى حينها، فعدم إيقاع المعارضة بين الاستصحابين في مورد الصحيحة

[ 485 ]

لعله بلحاظ أن أحد الحادثين معلوم التاريخ والآخر مجهوله، فيجري الاستصحاب في طرف المجهول خاصة، على ما هو الصحيح من التفصيل في جريان الاستصحاب بين معلوم التاريخ ومجهوله على ما يأتي في الجهة الثانية ان شاء الله تعالى. وأما الوجه الحلي، فتوضيح الحال فيه: ان المستصحب عدمه من الجزء الآخر ليس هو وجوده في نفسه إلى الزمان الحاضر، ليقال إن وجوده معلوم فكيف يستصحب عدمه، ولا وجوده المقيد بوجود الجزء الاول ليقال إن الوجود المقيد بما هو مقيد ليس موضوعا للحكم لينفي بنفيه، بل المستصحب عدم وجود الجزء الآخر في زمان وجود الجزء الاول بنحو يكون المقصود الاشارة إلى واقع زمان وجود الجزء الاول بهذا العنوان وأخذ هذا العنوان معرفا إلى واقع ذلك الزمان، وبهذا يكون المنفي بنفسه جزء موضوع الحكم. فينفي الحكم بنفيه. وهذا البيان بنفسه هو المصحح لاجراء استصحاب بقاء الجزء الاول إلى زمان وجود الجزء الآخر، فان المراد بذلك ليس إثبات وجود للجزء الاول مقيد بأن يكون في زمان وجود الجزء الآخر لان من الواضح أن هذا الوجود المقيد ليس له حالة سابقة لتستصحب، بل المراد إثبات وجود للجزء الاول في واقع زمان وجود الجزء الآخر، بنحو نجعل عنون زمان الآخر معرفا صرفا إلى واقع الزمان الذي نريد جرد الجزء الاول إليه بالاستصحاب، فكما أن استصحاب بقاء الجزء الاول إلى زمان الجزء الآخر يحرز جزء الموضوع دون أن يثبت الوجود المقيد بما هو مقيد، كذلك استصحاب عدم الجزء الآخر في زمان وجود الجزء الاول ينفي جزء الموضوع دون أن ينفي المقيد بما هو مقيد. الانجاه الثاني - أن استصحاب عدم الملاقاة إلى حين حدوث الكرية

[ 486 ]

لا يجري لنكتتين: إحداهما خاصة بمسألتنا هذه، والاخرى تثبت تمام مدعى السيد الاستاذ - دام ظله - في سائر الموضوعات المركبة. أما النكتة الخاصة فهي مبنية على تحقيق مطلب، وهو ان لدينا دليلين: احدهما عموم انفعال الماء بملاقاة النجاسة، والآخر دليل اعتصام الكر، وموضوع الدليل الاول هو الماء الملاقي للنجاسة بنحو بشمل الكر، غير أن مقتضى تخصيصه بالدليل الثاني رفع اليد عن إطلاقه للكر. وهذا يتصور بأحد وجهين: الاول - أن يقيد الماء في موضوع الدليل الاول بعدم الكرية، فيكون موضوع الانفعال مركبا من أمرين: احدهما ملاقاة النجس للماء، والآخر عدم كرية الماء. الثاني - أن تقيد الملاقاة، بأن لا تكون ملاقاة للكر، فيكون موضوع الانفعال مركبا من أمرين: احدهما ملاقاة النجس للماء. والآخر عدم كون الملاقاة ملاقاة للكر. فإذا بنينا على الوجه الاول فقد يتصور أن استصحاب عدم الملاقاة مادام الماء قليلا يعارض استصحاب عدم الكرية إلى حين الملاقاة، وأما إذا بنينا على الوجه الثاني فلا يمكن إجراء استصحاب عدم الملاقاة مادام الماء قليلا، لان المراد نفي موضوع الانفعال، وموضوع الانفعال بناءا على هذا الوجه لا يمكن نفيه بهذا الاستصحاب، لان أحد جزئيه ملاقاة الماء للنجس - وهي وجدانية - والجزء الآخر عدم كون الملاقاة للكر، ونفي هذا الجزء معناه إثبات أن الملاقاة ملاقاة للكر. ومن الواضع ان استصحاب عدم وقوع الملاقاة مادام الماء قليلا لا يمكن أن نحرز به أن الملاقاة ملاقاة للكر، فلا أثر للاستصحاب المذكور. ولكن هذا البيان غير تام. لان الظاهر من مثل قوله في رواية أبي بصير الواردة في سؤر الكلب " لا شرب منه إلا أن يكون حوضا كبيرا "

[ 487 ]

تركب موضوع الانفعال، من ملاقاة للماء وعدم الكرية، فلا إشكال من هذه الناحية. وأما النكتة العامة التي يثبت بها أن استصحاب بقاء الجزء الاول إلى حين وجود الجزء الآخر في مجهولي التأريخ لا يعارض باستصحاب عدم الآخر في زمان وجود الاول فحاصلها: إن المراد باستصحاب عدم الآخر في زمان وجود الاول نفي الحكم الشرعي المترتب على وجود الجزئين، وهو النجاسة، وهذا لا يمكن إلا بنحو مثبت. وتوضيحه: أن استصحاب عدم الملاقاة في زمان عدم كرية الماء الذي يراد إجراؤه في المقام، لا ينفي في الحقيقة إلا فردا من الموضوع المركب الذي أنيطت به النجاسة شرعا، لان موضوع النجاسة - وهو ملاقاة الماء للنجس ولا يكون الماء كرا - قابل للوجود في أي زمان. وهذا يعني أن نفي النجاسة يتوقف على أن لا يكون هذا الموضوع المركب قد وجد في أي زمان من الازمنة التي مرت على هذا الماء، لان وجوده في أي زمان يكفي للحكم بنجاسة الماء فعلا، بعد فرض الفراغ عن عدم احتمال وقوع المطهر، فباستصحاب عدم الملاقاة في زمان عدم الكرية لا ننفي إلا وجدو الموضوع المركب في تلك الفترة من الزمن. وهذا بخلاف موارد الشك في أصل الملاقاة مع العلم بعدم كرية الماء، فإن استصحاب عدم الملاقاة في تمام الازمنة إلى الوقت الحاضر معناه نفي صرف وجود الموضوع المركب رأسا لا حصة منه. ومن الواضح أن الحكم الشرعي إذا كان مترتبا على صرف وجود الموضوع القابل للانطباق على قطعات طولية من الزمان، فلا يكفي لنفي الحكم نفي حصة من وجود الموضوع، وهي وجوده في واحدة من تلك القطعات.

[ 488 ]

وبعد هذا لا يبقى لتصحيح الاستصحاب إلا توهم أن الاستصحاب - وإن كان ينفي حصة من صرف الوجود لموضوع الحكم بالنجاسة - إلا أن الحصة الاخرى من وجود الموضوع منتفية وجدانا، فبضم الوجدان إلى التعبد ننفي الحكم. ويندفع هذا التوهم: بأن الحكم بالنجاسة ليس أحكاما متعددة مجعولة على حصص، بحيث يكون للملاقاة مع عدم الكرية في الزمان الاول حكم، وللملاقاة مع عدم الكرية في الزمان الثاني حكم آخر، وهكذا. ليقال: إن حكم الحصة الاولى منفي بالاستصحاب، وحكم الحصة الثانية منفي بالوجدان، بل هناك حكم واحد مجعول على جامع الملاقاة مع عدم الكرية بحيث يحلظ الجامع على نحو صرف الوجود، ويجعل الحكم عليه، فلابد إذن لنفي الحكم من نفي صرف الوجود. ومن المعلوم أن نفي صرف الوجود - يضم وجدانية انتفاع إحدى حصيته إلى استصحابية عدم الحصة الاخرى - يكون مثبتا، لان ترتب انتفاء صرف وجود الجامع على نفي الحصة عقلي، ومن أجل هذا نجد في موارد القسم الثاني من استصحاب الكلي الذي يكون الحكم الشرعي فيه مترتبا على الجامع بين القصير والطويل بنحو صرف الوجود، أن القوم لم يلتزموا بامكان نفي الجامع بضم استصحاب عدم الفرد الطويل إلى وجدانية عدم الفرد القصير في الزمان الثاني، وقالوا: بأن استصحاب عدم الفرد الطويل لا ينفي الكلي ولا يحكم على استصحاب الكلي. وهكذا نعرف أن الاثر متى ماكان مترتبا على صرف الوجود، لا يمكن نفيه باستصحاب ناف لبعض الحصص، ولو اقترن بوجدانية انتفاء الحصص الاخرى. فاستصحاب عدم الملاقاة متى ما كان جاريا بنحو ينفي بنفسه صرف

[ 489 ]

وجود الملاقاة جر.، كما هو الحال في موارد الشك في أصل الملاقاة، ومتى ما أريد إجراؤه لنفي حصة من الملاقاة - ويضم إليه إحراز انتفاء الحصة الاخرى وجدانا - فلا يجري ولا يصلح فني الحكم المترتب على صرف الوجود الجامع بين الحصتين. ونيتجة ما تقدم: أن المقتضي للجريان تام في استصحاب عدم الكرية فقط، لان المراد به ليس نفي صرف الوجود بنفي بعض حصصه، بل إثبات صرف الوجود للموضوع المركب بوجدانية أحد جزئية وتعبدية الآخر وأما الجهة الثانية - وهي أن استصحاب عدم الكرية إلى حين الملاقاة هل يختص بفرض الجهل بتاريخ الكرية أو يكفي فيه الجهل النسبي بتاريخها بالاضافة إلى الملاقاة وإن كان تاريخها في نفسه معلوما. فإذا كانت الكرية واقعة عند الزوال ويشك في أن الملاقاة هل وقعت قبلها أو بعدها هل يجري استصحاب عدم الكرية؟ قد يقال بعدم الجريان، إذا لا شك في العدم، حيث أن عدم الكرية قبل الزوال مقطوع به وبعده معلوم العدم، فاما يستصحب؟ وقد يقال في الجواب على ذلك؟ إن عدم الكرية إن لو حظ مضافا إلى عمود الزمان فلا شك فيه، ولكنه إذا لو حظ بالاضافة إلى زمان وجود الآخر فهو مشكوك فيه، فيجري استصحاب عدم الكرية إلى ذلك الزمان. والتحقيق عدم جريان الاستصحاب، وذلك لان المراد باستصحاب عدم الكرية إلى زمان وجود الملاقاة، إن كان ملاحظة زمان وجود الملاقاة بنحو الموضوعية بحيث نريد أن نثبت عدم الكريمة في زمان وجود الملاقاة بما هو زمان وجود الملاقاة - الذي مرجعه إلى إثبات التقيد بين الجزئين - فهذا ممتنع لان عدم الكرية المقيد بزمان الملاقاة ليس له - بما هو مقيد - حالة سابقة لتستصحب وبذاته وإن كان له حالة سابقة، ولكن استصحابه

[ 490 ]

[ وأما القليل المسبوق بالكرية الملاقي لها. فان جهل التاريخان أو علم التاريخ الملاقاة حكم فيه بالطهارة مع الاحتياط المذكور، وإن علم تاريخ القلة حكم بنجاسة (1). ] لا يمكن أن لا يحرز التقيد إلا بنحو مثبت، وإن كان المراد باستصحاب عدم الكرية إلى زمان وجود الملاقاة ملاحظة زمان وجود الملاقاة بنحو المعرفة الصرفة إلى واقع الزمان، بحيث يكون الثابت بالاستصحاب التعبد ببقاء عدم الكرية في واقع زمان، لا طريق لنا إلى الاشارة إليه إلا بعنوان أنه زمان وقوع الملاقاة، ودون أن يكون هذا العنوان مأخوذا في مصب التعبد الاستصحابي، فهذا ممتنع أيضا، لان واقع ذلك الزمان مردد بين زمان نعلم بعدم الكرية فيه وزمان نعلم بثبوتها فيه، فيبتلى بمحذور استصحاب الفرد المردد، وتتمة الكلام في علم الاصول. وعليه، ففي فرض كون الكرية معلومة التاريخ لا يجري الاستصحاب الموضوعي أصلا، وتجري أصلا الحكمية المثبتة للطهارة، (1) التحقيق في هذا الفرع: أن كلا الاستصحابين لا يجريان ولو فرض الجهل بتاريخهما معا: أما استصحاب عدم الملاقاة إلى حين القلة لانه لا يحرز الانفعال إلا بتوسط لازم عقلي، وهو وقوع الملاقاة في زمان القلة. لوضوح أن مجرد عدم الملاقاة قبلا لا يكفي لتنجيس الماء إلا بلحاظ استلزامه لوقوعها بعد ذلك وأما استصحاب بقاء الكرية إلى حين الملاقاة، فان فرض قيام دليل على جهل الطهارة على عنوان الماء الكر الملاقي للنجاسة جرى الاستصحاب المذكور، لانه يكون من الاستصحاب بالمحروز لجزء الموضوع، حيث أن الموضوع للطهارة بموجب هذا الفرض كون مركبا من ملاقاة وكرية.

[ 491 ]

[ (مسألة - 9) إذا وجد نجاسة في الكر ولم يعلم أنها وقعت فيه قبل الكرية أو بعدها يحكم بطهارته. إلا إذا علم تاريخ الوقوع (1). (مسألة - 10) إذا حدثت الكرية والملاقاة في آن واحد حكم طهارته، وان كان الاحوط الاجتناب (2). ] والاولى وجدانية والثانية استصحابية. وأما إذا لم تكن لدينا طهارة مجعولة على العنوان المذكور، وإنما يحكم على الكر الملاقي للنجاسة بعدم الانفعال باعتباره مصداقا لنقيض موضوع الحكم بالانفعال، فهذا يعني أن الحكم بالانفعال قد ترتب على موضوع مركب من ملاقاة وعدم كرية، ونقيض هذا الموضوع مساوق لعدم الانفعال، وهو يحفظ تارة في ماء قليل غير ملاق للنجاسة، وأخرى في ماء كثير ملاق للنجاسة. فبناءا على هذا لا يجري استصحاب بقاء الكرية إلى حين الملاقاة إذ لا يراد به - على هذا التقدير - إحراز جزء الموضوع، بل نفي جزء الموضوع للحكم بالانفعال إلى زمان، فيكون زانه وزان استصحاب عدم الملاقاة إلى حين الكرية في الفرع السابق. ومع عدم جريان الاستصحابين الموضوعيين تجري الاصول الحكمية المثبتة للطهارة. (1) هذا المسألة بظاهرها مستدركة، ومردها إلى المسألة السابقة. (2) والوجه في الحكم بالطهارة هو التمسك باطلاق أدلة اعتصام الكر الشامل لحالة المقارنة، بعد الفراغ عن عدم لزوم تقدم الموضوع على حكمه زمانا. وقد ذكر السيد - قدس سره - في المستمسك أن تخصيص الملاقاة

[ 492 ]

باللاحقة وحمل دليل الاعتصام على الكرية السابقة على الملاقاة حدوثا، يعني تقييد الجزاء بالملاقاة اللاحقة. وهو يسلتزم تقييد المفهوم بها. لان حكم المفهوم نقيض حكم المنطوق، فإذا قيد الحكم في المنطوق بقيد تعين تقييد الحكم في المفهوم به، فيكون مفهوم القضية المذكورة أنه إذا لم يكن الماء قدر كر في زمان ينجسه الشئ الملاقي له بعد ذلك. فتكون صورة المقارنة خارجة عن كل من المنطوق والمفهوم. والمرجع فيها إما عموم طهارة الماء أو استصحاب الطهارة (1). ولا يخلو هذا الكلام من نظر: أما أولا: فلان القيد المدعي في منطوق دليل الاعتصام والمانع عن شموله لحالة المقارنة، تارية يتصور أخذه في الشرط. وأخرى في الجزاء وثالثة في الموضوع. وأما أخذه في الشرط: يعني أن مرجع القضية الشرطية إلى قولنا " إذا بلغ الماء قدر كر ومر عليا لكرية زمان بودن ملاقاة فلا ينجسه شئ "، فيكون للاعتصام شرطان الكرية ومرور زمان على الكرية بدون ملاقاة، فتدل القضية بالمفهوم على انتفاء الاعتصام بانتفاء أي واحد منهما، وهو يعني شمول المفهوم لصورة المقارنة بين الكرية والملاقاة، ولا يلزم من أخذ هذا القيد في الشرط وتقييد الكرية بمرور زمان عليها بدون ملاقاة أن يقيد الجزاء تقييدا مستقلا بالملاقاة المتأخرة، بل مفاد الجزاء يبقى معبرا عن الحكم بعدم منجسية الملاقاة للماء. غير أن هذا الحكم منوط بتحقق الشرط المركب من امرين، وأحد الامرين مرور زمان على الكرية بدون ملاقاة، فإذا لم يمر زمان كذلك لا يحكم بدم المنجسية، وهو معنى الانفعال في صورة المقارنة.


(1) مستمسك العروة الوثقى الجزء الاول ص 140 - 141 الطبعة الثانية.

[ 493 ]

وأما أخذه في الجزاء بنحو يقيد الجزاء بالملاقاة اللاحقة: فكأن السيد - قدس سره - يرى أن هذا يستلزم تقييد المفهوم بالملاقاة اللاحقة، فيكون المفهوم " أنه إذا لم يكن الماء قدر كر في زمان لا ينجسه الشئ الملاقي له بعد ذلك " فلا يشمل صورة المقارنة، ولا أدري ما ذا أراد - قدس سره - بصورة المقارة التي تخرج من المفهوم على أساس الصياغة التي افترضها له، فان كانت صورة المقارنة بين الملاقاة وآن حدوث القلة، فهذه ليست موضع البحث، وإنما الكلام في صورة المقارنة بين الملاقاة وحدوث الكرية، وإن أراد خروج صورة المقارنة بين الملاقاة وحدوث الكرية. فمن الواضح أن هذه الصورة خارجة عن المفهوم على أي حال ما دمنا لم ندخل قيدا في جانب الشرط، سواء أدخلنا قيدا في جانب الجزاء أولا. لان لازم كون الشرط الكرية بلا قيد زائدا: هو أن فرض المفهوم مساوق لفرض عدم الكرية، فكيف يشمل صورة الكرية المقارنة للملاقاة؟. وهكذا يتضح أن صورة المقارنة بين حدوث القلة والملاقاة إذا كان خروجها من المفهوم من نتائج تقييد الجزاء بالملاقاة اللاحقة، فهذا لا يضر بمحل الكلام. لان البحث في المقارنة بين الملاقاة وحدوث الكرية، وإن صورة المقارنة بين الملاقاة وحدوث الكرية خروجها من المفهوم ليس مرهونا بتقييد الجزاء بالملاقاة اللاحقة، بل إن خروجها من المفهوم ثابت على أي حال مادام الشرط هو الكرية بلا قيد زائد، سواء قيد الجزء بالملاقاة اللاحقة أولا. كما يتضح أن من يمنع عن التمسك باطلاق دليل الاعتصام لاثبات عدم الانفعال في صورة المقارنة بين الكرية والملاقاة، يكفيه لهذا المنع إدخال القيد في جانب الشرط، أو ادخاله في جانب الجزاء، ولا ملازمة بين التقييدين.

[ 494 ]

وأما أخذ القيد في الموضوع، فهو يعني أن مرجع القضية الشرطية إلى قولنا " في حالة قبل الملاقاة إذا كان الماء كرا فلا ينجسه شئ ". فحيث تكون حالة قبل الملاقاة موضوعا للقضية الشرطية، فلابد من انحفاظه في جانب المفهوم، وهذا يعني أن مفهومها هو كما يلي " في حالة قبل الملاقاة إذا لم يكن الماء كرا فينجسه شئ ". فيثبت بالمفهوم الانفعال في صورة المقارنة بين الكرية والملاقاة. ويرد على السيد - قدس سره - ثانيا: أنا إذا افترضنا أخذ القيد في الجزاء بالنحو الذي أفاده، فيكون الجزاء هو " لا ينجسه شئ بعد ذلك " فنقول: إن في الجانب الجزاء أمرين: أحدهما، سنخ الحكم الذي هو موضوع التعليق على الشرط، ومن ناحية تعليقه على الشرط يستفاد المفهوم. والآخر شخص الحكم المنشأ في تلك القضية الشرطية، والذي يكون انتفاؤه بانتفاء الشرط عقليا، وليس من باب المفهوم والتقييد بأن تكون الملاقاة بعد الكرية إن كان مأخوذا في سنخ الحكم - أي في المرتبة السابقة - على طرو التعليق على الجزاء، بحيث يطرأ التعليق على سنخ الحكم المقيد بأن تكون الملاقاة فيه بعد الكرية. فهذا يؤدي إلى سقوط المفهوم للقضية الشرطية رأسا لا مجرد خروج صورة المقارنة لان المعلق على هذا التقدير هو عدم الانفعال بالملاقاة الحاصة بعد حدوث الكرية. ومن الواضح أنه مع انتفاء الشرط وعدم بلوغ الماء كرا، لا تتصور ملاقاة حاصلة بعد حدوث الكرية، لكي يحكم بمنجسيتها، فيكون الشرط محققا للموضوع. وإن كان تقيد الجزاء بالملاقاة اللاحقة غير مأخوذ في سنخ الحكم في المرتبة السابقة على طرو التعليق، بل كان من شؤون نفس التعليق، فهذا يعني أن المقيد بذلك شخص الحكم المنشأ في تلك القضية. وحيث أن تقيد شخص الحكم كان من شؤون تعليقة على الشرط، فلا يسري إلى سنخ الحكم الذي علق على الشرط، فلا ينشأ من

[ 495 ]

[ (مسألة - 11) إذا كان هناك ماءان أحدهما كر والآخر قليل، ولم يعلم أن أيهما الكر، فوقعت نجاسة في أحدهما معينا أو غير معين، لم يحكم بالنجاسة، وإن كان الاحوط في صورة التعين الاجتناب (1). ] ناحية هذا التقييد تغيير في المفهوم. وأما ثالثا: فلان ما أفيد من مرجعية استصحاب الطهارة أو عموم طهارة الماء بعد قصور القضية الشرطية منطوقا ومفهوما مشكل: أما استصحاب الطهارة فلانه محكوم لعمومات انفعال الماء بملاقاة النجاسة، وأما عموم طهارة الماء: فإن أريد به ما كان من قبيل " وأنزلنا من السماء ماءا طهورا " - بناءا على ثبوت إطلاق له حتى من ناحية الاحوال - فمن الواضع أن عمومات انفعال الماء أخص مطلقا من هذا العموم، فتكون هي المرجع. وإن أريد به ما كان من قبيل الروايات التي تفصل في طبيعي الماء أو في الماء الراكد بين التغير وعدمه، فتحكم بالنجاسة من التغير وبعدم النجاسة إذا كانت الملاقاة مجردة عن التغير، فهناك ما هو أخص مطلقا منها، وهو رواية أبي بصير في سؤر الكلب، حيث نهت عنه إلا أن يكون حوضا كبيرا يستقى منه، فان هذه الرواية يستفاد منها الحكم بانفعال الماء بالملاقاة إلا إذا كان كرا، فلابد من ملاحظة المستثنى في هذه الرواية، فان كان المستثنى ما كان كرا حدوثا قبل الملاقاة كانت صورة الاقتران داخلة في المستثنى منه، فيدل على الانفعال، وإن كان المستثنى مطلق الكرية دخلت صورة الاقتران في المستثنى، وصارت الرواية بنفسها دليل على عدم الانفعال. (1) إذا كانت النجاسة واقعة في المعين، فلابد من ملاحظة حالته السابقة، فان كانت القلة جرى استصحابها وحكم بالانفعال، وإن لم تكن له حالة سابقة جرى استصحاب عدم الكرية الازلي وحكم بالانفعال أيضا.

[ 496 ]

وفي كلتا هاتين الصورتين لا يعارض الاستصحاب المذكور باستصحاب مماثل في الماء الآخر، لا لانه لم يلاق نجسا بعد فلا أثر لاجراء الاستصحاب فيه، بل لعدم أداء الاستصحابين إلى المخالفة العملية، ولو فرض ملاقاة النجس لهما معا. وإن كانت الحالة السابقة للمعين هي الكرية كان استصحاب الكرية جاريا في نفسه، وهو غير معارض باستصحاب عدم تحقق الملاقاة في زمان كرية الماء. لا لان استصحاب عدم أحد الجزئين في زمان الجزء الآخر لا يصح إجراؤه - كما قيل - بل لان استصحاب عدم تحقق الملاقاة في زمان كرية الماء إنما يصلح للمعارضة إذا ثبت به انفعال الماء، ولا يثبت به الانفعال الا بالملازمة، لان الانفعال مترتب على الملاقاة في زمان عدم الكرية، وهو لازم لعدم تحقق الملاقاة في زمان كرية الماء. فعدم جريان هذا الاستصحاب غير متوقف على البناء على عدم إجراء الاستصحاب في نفي أحد الجزئين في زمان وجود الجزء الآخر. نعم، قد يقال: إن استصحاب كرية الماء المعين يعارض باستصحاب كرية الماء الآخر. إذا كانت الحالة السابقة فيهما معا الكرية، ولكن هذا غير مقبول على المباني المشهورة في أمثال المقام، حيث يرى المشهور في أمثال المقام أن التكليف ليس فعليا على كل تقدير، فلا محذور في جريان الاستصحابين معا. وإذا كانت النجاسة ملاقية لاحدهما غير المعين، فان كانت الحالة السابقة له هي الكرية فلا إشكال في طهارته، لاجراء استصحاب كرية الملاقي. وبضمه إلى وجدانية طهارة غير الملاقي يثبت المطلوب. وإذا كانت الحالة السابقة هي عدم الكرية - ولو بنحو العدم الازلي - كان لدينا استصحابان: أحدهما استصحاب عدم ملاقاة النجس للقليل الواقعي، والآخر استصحاب عدم كرية الملاقي للنسج. والاستصحاب

[ 497 ]

الاول - بضمه إلى وجدانية طهارة الكر الواقعي - يثبت طهارة المائين معا، والاستصحاب الثاني ثبت نجاسة الملاقي الواقعي. وحيث أنه مردد فيشكل علما إجماليا تعبديا بنجاسة أحد المائين. ولابد من ملاحظة أن هذين الاستصحابين يتعارضان أولا؟ فقد يقال بعدم التعارض، وذلك لان الاستصحاب الثاني: إن لو حظ بقطع النظر عما يستتبعه من علم إجمالي تعبدي وما يقتضيه هذا العلم التبعدي من وجوب الاحتياط، فلا يكون معارضا للاستصحاب الاول، إذ لم يحرز وحدة مصب الاستصحابين معا. ومع احتمال كون المصب متعددا لا يعقل التعارض بينهما، وإن لو حظ الاستصحاب الثاني بما يستتبعه من علم تعبدي ووجوب الاحتياط، فهو معارض لاستصحاب عدم ملاقاة النجس للقليل الواقعي، ولكن المعارض بحسب الحقيقة إنما هو قاعدة وجوب الاحتياط في موارد العلم الاجمالي وحيث أن هذه القاعدة لا تمنع عن صدور الترخيص المولوي في بعض أطراف العلم الاجمالي، فلا تكون مانعة عن إجراء استصحاب عدم الملاقاة للقليل الواقعي، ومع جريانه يلغو الاحتياط. إلا ان هذا كله فيما إذا لم نفرض ملاقاة اليد مثلا لكلا المائين، وإلا استحكم التعارض بين الاستصحابين، إذ في هذه الحالة يكون الاستصحاب عدم كرية الملاقي أثر شرعي مباشر بلا توسيط وجوب الاحتياط، وهو نجاسة اليد، للعلم بأنها لاقت مع الملاقي، وفي مقابل ذلك ينفي استصحاب عدم الملاقاة النجاسة للقليل الواقعي نجاسة اليد، فيتعارض الاستصحابان بلحاظ نجاسة اليد تنجيزا وتأمينا، وبعد تساقط يرجع إلى الاصول الحكمية المقتضية للطهارة. وينبغي الالتفات إلى أن هذا إنما هو فيما إذا كان القليل والكر غير معين وأما إذا كان كل منهما معينا ولاقت النجاسة أحدهما غير المعين، فلا إشكال

[ 498 ]

[ (مسألة - 12) إذا كان ماءان احدهما المعين نجس، ] في أن استصحاب عدم الكرية في الملاقي لا يجري، ولا يصح مقايسة ذلك بفرض عدم تعين القليل والكثير كما وقع في بعض الافادات (1). ونكتة الفرق هي: أنه في فرض تعين القليل والكثير لا مجال لاستصحاب عدم كرية الملاقي، لاننا إذا أردنا أن نستصحب عدم كرية الملاقي بما هو ملاق - بحيث نستصحب العدم المقيد بالملاقاة - فمن الواضع أن هذا العدم لس له حالة سابقة، وليس موضوع لحكم شرعي، لان الحكم الشرعي بالانفعال موضوعه مركب من عدم الكرية والملاقاة من دون اخذ التقيد فيه، وإذا أردنا أن نستصحب عدم الكرية المقيدة بالملاقاة، فمن الواضح أن الاثر الشرعي لم يترتب على الكرية المقيدة بالملاقاة بما هي مقيدة، ولا على عدم هذا المقيد بما هو مقيد، فلا معين لاستصحاب عدم الكرية المقيدة. وإذا أردنا أن نستصحب عدم كرية واقع الملاقي - بحيث نجعل عنوان الملاقي مجرد معرف إلى ذات الماء الذي نستصحب عدم كريته - فهذا غير ممكن في فرض تعين القليل والكثير خارجا، لان ذات الملاقي بما هو ليس مشكوك القلة والكثرة، إذ لا يخرج عن هذين المائين واحدهما معلوم الكثرة بعينه والآخر معلوم القلة بعينه. وهكذا يتضح أن الملاقي بعنوان كونه ملاقيا، وإن كان مشكوك الكرية ولكن لا يمكن استصحاب عدم كريته بما هو ملاق، وواقع الملاقي بعنوانه الاولى ليس مشكوك الكرية ليجري فيه استصحاب عدم الكرية. وهذا بخلاف صورة عدم تعين القليل والكثير، فان واقع الملاقي في هذه الصورة مشكوك الكرية، فيستصحب عدم كرية واقع الملاقى.


(1) التنقيح الجزء الاول ص 219.

[ 499 ]

[ فوقعت نجاسة لم يعلم وقوعها في النجس أو الطاهر، لم يحكم بنجاسة الطاهر (1). (مسألة - 13) إذا كان كر لم يعلم انه مطلق أو مضاف، فوقعت فيه نجاسة لم يحكم بنجاسته (2) وإذا كان كران احدهما مطلق والآخر مضاف وعلم وقوع النجاسة في احدهما ولم يعلم على التعيين يحكم بطهارتهما (3). (مسألة - 14) القليل النجس المتمم كرا بطاهر أو نجس نجس غلى الاقوى (4). ] (1) الاستصحاب عدم ملاقاة الطاهر للنجس، ولا يعارض باستصحاب عدم ملاقاة الماء الآخر له، لعدم الاثر بعد فرض نجاسة ذلك الماء. (2) هذا من قبيل ما إذا وقعت نجاسة في ماء مشكوك الكرية، فكما يجري هناك استصحاب عدم الكرية الازلي كذلك يجرى هنا استصحاب عدم الاطلاق الازلي، لا ندارجه تعبدا تحت موضوع عمومات الانفعال المفترضة. وأما بناءا على عدم جريان الاستصحاب في الاعدام الازلية، فالحكم بالطهارة هو المتجه، لاستصحابها وقاعدتها. (3) هذه المسألة من قبيل المسألة الحادية عشرة فلتلا حظ. (4) وتحقيق المسألة يقع في مقامين: أحدهما بلحاظ الاصول العملية، والآخر بلحاظ الادلة الاجتهادية. (أما المقام الاول) فان فرض أن كلا المائين المتمم أحدهما للاخر كانا نجسين قبل التتميم جرى استصحاب النجاسة فيهما معا، بناءا على جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية.. وأما بناءا على المنع من جريانه في الشبهات الحكمية، فيرجع على المشهور إلى قاعدة الطهارة في تمام الماء.

[ 500 ]

ويشكل الرجوع إليها، على ما نبهنا عليه سابقا من أن عدم شمول دليل قاعدة الطهارة لموارد الاستصحاب ليس لمجرد حكومة دليل الاستصحاب عليه، ليبني على شمول القاعدة في موارد سقوط دليل الاستصحاب، بل لعدم المقتضي وقصور الاطلاق في نفسه على ما تقدم، ومعه فلابد من الرجوع إلى أصول حكمية أدنى مرتبة. وأما إذا فرض تتميم الماء النجس بماء طاهر: فتارة نبني على أنه بعد التتميم يعلم بوحدة حكم المجموع واقعا وظاهرا، لعدم امكان التجزئة بحسب الارتكاز العرفي في الحكم الطهارة والنجاسة، وإما أن يكون من المقعول شرعا وعرفا اختلافهما في الحكم الظاهري على الاقل. فعلى الاول يتعارض استصحاب الطهارة في الطاهر مع استصحاب النجاسة في النجس، وبعد التساقط نثبت طهارة جميع الماء بقاعدة الطهارة: أما على المشهور فلان موضوع القاعدة محقق وهو الشك، وعدم وجود الحاكم وهو الاستصحاب. وأما على المختار - من عدم شمول القاعدة في نفسها لموارد الشك في بقاء النجاسة - فان القاعدة تشمل ابتداءا خصوص ما كان طاهراويشك في بقاء طهارته، ولكنه يدل بالالتزام على الطهارة الظاهرية للماء الآخر أيضا. لان المفروض عدم إمكان اختلاف المائين في الحكم ولو ظاهرا. فالدليل الاجتهادي الدال بالمطابقة على الطهارة الظاهرية لاحدهما دال بالالتزام على الطهارة الظاهرية الآخر. وأما على الثاني فلا يتعارض الاستصحابان، لان المفروض إمكان اختلاف المائين في الحكم الظاهري، سواء قيل بامكان اختلافهما في الحكم الواقعي أيضا أم لا... لان مجرد العلم بوحدة حكم المائين واقعا لا يوجد معارضة بين الاستصحابين، لعدم أدائهما إلى المخالفة العملية لتكليف معلوم بالاجمال. فيجري الاستصحابان معا، بل قد يكون أحدهما حاكما على الآخر في فرض

[ 501 ]

امتزاج المائين، وهو استصحاب النجاسة، إذا مع جريانه يلغو استصحاب الطهارة، لعدم ترتب أثر على الحكم الظاهري بطهارة ماء ممتزج بماء آخر محكوم بالنجاسة ظاهرا على خلاف العكس، فان استصحاب الطهارة لا يجعل استصحاب النجاسة لغوا. (وأما المقام الثاني) فقد يستدل على طهارة المتمم بوجوه أهمها وجهان: الاول: وهو مختص بما إذا كان أحد المائين طاهرا: وتوضيحه: إن مفاد قوله " إذا بلغ الماء قدر كر لا ينجسه شئ " هو نفي حدوث التنجيس بسبب الملاقاة للماء البالغ كرا. فإذا كان الماء ان المتمم أحدهما بالآخر نجسين معا، فلا مجال لتطبيق الدليل المذكور عليهما ولو بلغ مجموعهما الكرية، لان مفاده نفي حدوث التنجيس، وما هو المشكوك في حال هذيه المائين ليس هو حدوث التنجس، بل بقاء النجاسة وارتفاعها، وليس لدليل الاعتصام المذكور نظر إلى مرحلة البقاء. وأما إذا كان أحد المائين طاهرا وبلغ كرا بتممه النجس، فيكون مصداقا لمنطوق القضية الشرطية في دليل الاعتصام، فيثبت أن لا يحدث فيه التنجيس بالملاقاة. ومقتضى إطلاق دليل الاعتصام عدم التنجيس بالملاقاة المقارنة للكرية أيضا، وهذا يعني أن ملاقاة الماء الطاهر لمتممه النجس - وإن كانت حاصلة في آن حصول الكرية - ولكنها مع هذا لا تكون منجسة بموجب إطلاق الدليل المذكور، وإذا ثبت بهذا الاطلاق عدم حدوث النجاسة في الماء الطاهر، ثبت بالالتزام ارتفاع النجاسة عن النجس المتمم له، لعدم احتمال الاختلاف بينهما في الحكم الواقعي، وبهذا نستنتج طهارة مجموع الماء.

[ 502 ]

وقد يعترض على ذلك كما في المستمسك (1) بأن الكر أخذ في أدلة اعتصام الكر موضوعا للملاقاة، فلابد من ثبوت كريته في رتبة سابقة على الملاقاة، فلا يشمل ما نحن فيه. وظاهر هذا الاعتراض أن ما حكم بعدم منجسيته في دليل اعتصام الكر هو ملاقاة الكر، لان الكر أخذ موضوعا للملاقاة، وملاقاة الكر غير صادقة في المقام. ويرد عليه: أن الملاقاة لم تضف إلى الكر بما هو كر بحيث يكون الكر موضوعا لها، وإنما أضيفت إلى ذات الماء في عرض إضافة الكرية إليه ولولا ذلك لكان استصحاب الكرية مثبتا. بمعنى أنا لو قلنا " إن ما خرج من عمومات الانفعال بالملاقاة هو ملاقاة الكر بما هو كر " لما أمكن أن نثبت باستصحاب بقاء الكرية كون الملاقاة فعلا ملاقاة للكر. لان لازم كون هذا الماء باقيا على كريته مع كونه ملاقيا فعلا للنجس أن هذه الملاقاة منسوبة إلى الكر بما هو كر، فعروض الملاقاة للكر وتقيدها به لازم عقلي لاستصحاب الكرية إلى حين الملاقاة، فيكون الاستصحاب مثبتا. فالبناء على صحة إجراء استصحاب الكرية يكشف عن عدم أخذ الملاقاة في دليل الاعتصام منسوبة إلى الكر بما هو كر. وقد يعترض على التمسك بدليل اعتصام الكرى بصيغة أخرى مغايرة لصيغة المستمسك، وذلك بأن يقال: إن الظاهر من قوله " إذا بلغ الماء قدر كل لا ينجسه شئ " أن موضوع الحكم بالاعتصام ما كان كرا، بقطع النظر عن ملاقاة النجس. فالملاقاة والكرية - وإن لم تؤخذ الثانية منهما موضوعا للاولى وإنما أخذ الماء موضوعا لهما معا - إلا أن الكرية قد أريد بها الكرية الثابتة بقطع النظر عن الملاقاة.


(1) مستمسك العروة الوثقى ص 143 الطبعة الثانية.

[ 503 ]

وهذه الصيغة أيضا لا تخلو من إشكال، لان دعوى أن المراد بالكرية الكرية الثابتة بقطع النظر عن الملاقاة، مرجعها إلى دعوى تقييد في شرط القضية الشرطية وهذا التقييد بحاجة إلى إبراز قرينة. فلو فرض مثلا أن ملاقاة ماء قليل لقطرة دم توجب تكوينا نموه وزيادته في نفس آن الملاقاة، لامكن دعوى شمول إطلاق دليل الاعتصام له، مع أنه ليس كرا بقطع النظر عن الملاقاة. وإنما صار كرا بملاقاة تلك القطرة. وهذا يعني أن نكتة عدم شمول دليل الاعتصام لمحل الكلام ليس هو عدم كون الماء كرا بقطع النظر عن الملاقاة للنجس، بل النكتة هي مساهمة النجس ضمنا في تكوين كريته، إذ تكون الكر من الطاهر والنجس معا، وهذا لا يشمله دليل اعتصام الكر، لان هذا الدليل ينفي حدوث النجاسة بالملاقاة، وبهذا القرينة يختص موضوعه بماء طاهر لولا الملاقاة، إذ أن ما يكون نجسا بقطع النظر عن الملاقاة لا معنى لنفي حدوث النجاسة فيه بالملاقاة، ومعه لا ينطبق على الكر المركب من الطاهر والنجس. الثاني: الاستدلال بالمرسل " إذا بلغ الماء كرا لم يحمل نجاسة أو لم يحمل خبثا ". وامتيازه عن أخبار الكر المعهودة: أن لسانه نفي حمل الخبث فيشمل نفيه بعد وجوده أيضا، وليس لسانه نفي حدوث الخبث ليختص بالماء الطاهر في نفسه. وقد اعترض على هذا الاستدلال بوجوه: أحدها: ما أفاده السيد - قدس سره - في المستمسك (1) من أن قوله " لم يحمل خبثا " يحتمل بدوا أن يراد منه تشريع الاعتصام إثباتا ونفيا، فيكون ناظرا إلى مرحلة الحدوث منطوقا ومفهوما، ويحتمل أن يراد منه الرفع، فيكون ناظرا إلى مرحلة البقاء بعد فرض حدوث النجاسة.


(1) مستمسك العروة الوثقى ص 144 الطبعة الثانية.

[ 504 ]

المعنى الثاني مترتب على المعنى الاول، إذ لا يعقل النظر إلى مرحلة البقاء وتشريع ارتفاع النجاسة في هذه المرحلة إلا بعد الفراغ عن مرحلة الحدوث وتشريع حدوث النجاسة، وهذا يعني أن جملة " لم يحمل خبثا " إذا كانت في مقام الانشاء، فلا يمكن أن تستوعب المعنيين معا للطولية بينهما. ويرد عليه أولا (أن غاية ما يتقضيه البيان المذكور أن يكون تشريع ارتفع النجاسة في طول تشريع حدوثها، إذ لا ارتفاع لولا الحدوث، وما يراد الجمع بينهما انشاء في قوله " لم يحمل خبثا " إنما هما دفع النجاسة عن الكر وارتفاعها عن، وهذان لا طولية بينهما. نعم، تحصل طولية بين أحد الحكمين المنشأين في المنطوق وهو الرفع، والحكم المستفاد من المفهوم وهو انفعال الماء القليل بالملاقاة النجاسة. وحيث أن حمل القضية الشرطية على الانشائية لا يعني سوى كون الحكم المستفاد منطوقا المعلق على الشرط منشأ بهيأة الجزاء، فلا يلزم من انشائية القضية الشرطية أن يكون الحكم الثابت بالمفهوم منشأ بشخص تلك القضية. بل إن الظاهر من أدلة اعتصام الكر أنها ناظرة إلى أدلة انفعال الماء ومتصدية لاستثناء الكر من كبرى الانفعال، فلا يكون أصل الانفعال مجعولا بها. وثانيا - أن الطولية المدعاة بين الحكمين: إن أريد بها الطولية بينهما بحسب عالم الجعل، لان عنوان الرفع في طول الحدوث، فيرد عليه أن المجعول ليس هو عنوان الرفع بما هو رفع، بل النفي بجامعة الذي له فردان أحدهما الدفع والآخر الرفع، ففي عالم الجعل ومن زاوية العنوان المأخوذ في هذا العالم لا طولية بين إنشاء النفي بجامعة وبين الحم بانفعال الماء القليل. وإن أريد بها الطولية بين الحكمين في عالم الفعلية، بمعنى أنه لولا أن الماء القليل يتصف بالنجاسة حدوثا لما كان عدم نجاسته عند بلوغه كرا مصداقا للنفي المجعول في قوله " لم يحمل خبثا " لان النفي المجعول فيه

[ 505 ]

هو النفي بملاك الكرية، فلو لم يكن الماء نجسا حدوثا لم يكن عدم نجاسته عند بلوغه الكرية مصداقا لذلك النفي المجعول. فهذا صحيح، إلا أن تصدي قضية انشائية واحدة لانشاء حكم كلي جامع بين أفراد طولية في مرحلة الفعلية أمر صحيح عقلا وعرفا وشائع في الادلة. ثانيها: ان المرسل بعد فرض شموله للدفع والرفع معا، يعتبر إطلاقه لصورة تتميم الماء الطاهر كرا بنجس معارضا لاطلاق ما دل على انفعال الماء القليل بالملاقا، لان الماء الطاهر ماء قليل لاقي نجسا، فيشمله دليل الانفعال الوارد في القليل، والنسبة بين الدليلين العموم من وجه (1) ويرد عليه: أن تحصيل إطلاق في دليل انفعال الماء القليل بالملاقاة يشمل الملاقاة التي بها يصبح كرا، في غاية الاشكال، لان ما ورد من أدلة انفعال الماء القليل إنما جاء في أنحاء مخصوصة من الملاقاة لا يتصور فيها نشوء الكرية من ناحيتها، نعم لو قيل باطلاق أزماني في دليل انفعال القليل يقتضي بقاء النجاسة فيها، فيكون دليل الانفعال دالا بهذا الاطلاق على بقاء النجاسة في النجس من المائين، وبالتالي على نجاسة الماء الآخر أيضا للملازمة بينهما، فيكون طرفا للمعارضة مع إطلاق المرسل وشموله للرفع. وإذا سلمنا الاطلاقات المذكورة وفرضت المعارضة والتساقط، فلابد من تشخيص المرجع، فقد يقال - كما عن السيد الاستاذ - دام ظله - إن المرجع عمومات اعتصام الماء مطلقا وعدم انفعاله إلا بالتغير، لاننا لم نخرج عنها في الماء القليل إلا بلحاظ دليل مخصص، لها وهو دليل انفعال الماء القليل بالملاقاة، فإذا سقط إطلاق هذا الدليل المخصص بالمعارضة مع إطلاق المرسل تعين الرجوع إلى تلك العمومات، من قيبل قوله في رواية حريز " كلما غلب الماء على ريح الجيفة فتوضأ ".


(1) التنقيح الجزء الاول ص 225.

[ 506 ]

والتحقيق أن المائين المتمم أحدهما بالآخر إذا كانا معا نجسين، فمن الواضح أنه لا يمكن الرجوع لاثبات طهارتهما إلى عمومات اعتصام الماء، لان عمومات الاعتصام ناظرة إلى مرحلة الحدوث ونافية لحدوث النجاسة بالملاقاة، وبعد فرض حدوث النجاسة لا نظر لادلة الاعتصام إلى نفيها في مرحلة البقاء. وإن شئتم قلتم: إن المفهوم عرفا من مفادها ليس هو طهارة الماء. ليقال بأن له إطلاقا أزمانيا، فإذا خرج الزمان الاول بمخصص فلا موجب لاخراج الزمان الثاني، بل مفاده نفي التنجيس بالملاقاة وإثبات التنجيس بالتغير، فلا يكون له نظر إلى مرحلة البقاء بعد فرض حدوث أصل النجاسة. واما إذا كان أحد المائين طاهرا وتمم بنجس، فالشك بالنسبة إلى الماء الطاهر المتمم شك في أصل حدوث النجاسة. ولكن مع هذا يشكل التمسك بعمومات الاعتصام، فان عمومات الاعتصام في الماء معارضة بعمومات الانفعال فيه، وكلا العمومين فوقي بالنسبة إلى المرسل ودليل انفعال الماء القليل، لان المرسل أخص مطلقا من عموم الانفعال، ودليل انفعال الماء القليل أخص مطلقا من عموم الاعتصام فالمومان اذن فوقيان وفي مرتبة واحدة. وقد تقدم بعض التفصيلات لتوضيح ذلك في بحث تقدير الكر، كما تقدم هناك عن السيد الاستاذ، بناؤه على أن المرجع عموم الانفعال لا عموم الاعتصام الذي بنى عليه في المقام، وذلك بدعوى أن عموم الانفعال بعد إخراج الماء النابع منه يصبح أخص مطلقا من عموم الاعتصام، فيتعين للمرجعية. وإذا لم تحصل على عموم فوقي سليم عن المعارض في درجته صالح للمرجعية، تعين الرجوع إلى الاصول. ثالثها: إسقاط المرسل على أساس ضعف السند. وهذا هو المتعين

[ 507 ]

ولا ينفع للمرسل دعوى ابن ادريس الاجماع عليه، لانها موهونة جدا بعد وضوح خلو كتب الحديث جميعا عنه. ويتضح من مجموع ما تقدم: أن الكر الحاصل من جمع مائين نجسين أو مائين أحدهما نجس لا يحكم عليه بالطهارة. هذا تمام ما أردنا إيراده في تحقيق هذه المسألة ومن الله تستمد الاعتصام، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين. .

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية