الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




ثلاث رسائل، دروس الأعلام ونقدها - السيد مصطفى الخميني

ثلاث رسائل، دروس الأعلام ونقدها

السيد مصطفى الخميني


[ 1 ]

دروس الاعلام ونقدها

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين، ولعنة الله على أعدائهم أجمعين. وبعد: فهذه الدروس التي تلقيتها من أعلام النجف، حين ما اقصيت مع الوالد - مد ظله - من تركيا إليه، ولجهات مختلفة كنت أحضرها جميعا، وأضبطها مع ما أرى فيها من القصور والفتور:

[ 5 ]

الدرس الاول ما ألقاه السيد الشاهرودي حول جريان الاصول في أطراف العلم الاجمالي والذي ظهر لي منه: هو أن الاصول العملية لا تجري، لا لما قيل من لزوم المخالفة العملية، بل لاجل المناقضة في الجعل، لان الاصلين مجعولان عرضا وجمعا، لا طولا أو تدريجا، وعند ذلك تلزم المناقضة بين العلم الاجمالي ومفادها. نعم، إذا كان الاصل من قبيل الاصول اللبية أو اللفظية غير المتكفلة للجمع في الجعل، فإنه - حينئذ - لا يلزم الاشكال المزبور، ومن تلك الاصول الاستصحاب. وتوهم الفرق بين الدليل المتكفل للاصل الذي يكون من قبيل

[ 6 ]

العمومات، وبين ما هو من قبيل المطلقات، في غير مقامه، لان مقدمات الحكمة تقوم مقام ألفاظ العموم على ما تقرر في محله. ثم تعرض لمثال في المسألة، وهو المثل المعروف المشهور بينهم وهو: أنه لو خرج البلل المشتبه المردد بين البول والمني، ولم تكن الحالة السابقة معلومة، فإنه لا تجري أصالة عدم البولية، لعدم الاثر لها، ضرورة أن البول مع احتمال الحدث الاكبر، مشكوك الاثر، بخلاف المني، فإنه مع احتمال الحدث الاصغر ذو أثر، كما لا يخفى. وفيما ذكره - مع أنه ببيان مني - مجال للنظر، فإن الاصول تجري في أطراف العلم الاجمالي حتى الاستصحاب، وقد تقرر منا جواز ارتكاب مجموع الاطراف تدريجا، لتقدم أدلة الاصول على أدلة الاحكام الواقعية - ملاكا وخطابا ولحاظا - على ما تقرر منا (1). هذا، وما توهم من الجمع في الجعل، غير تام، ضرورة أن القوانين الكلية تكون من القضايا الحقيقية في الاعتبار، وتنحل حسب صغرياتها، فلا يكون جعل مستقل في عرض الجعل الاخر، بل جعل واحد على عنوان كلى، ينحل حسب المصاديق الطولية والعرضية، الجمعية والتدريجية، فكل واحد من الترخيصين، لا يلاحظ عند الترخيص الاخر حتى يتوهم التنافي. مع أنه لو سلمنا ذلك فالاختلاف في العنوانين يكفي، لان محرمية


1 - تحريرات في الاصول 6: 185 وما بعدها.

[ 7 ]

الخمر لا تنافي محللية مشكوك الخمرية بما هو مشكوك، من غير دخالة الخمر الواقعي في الترخيص. والتفصيل في مقام آخر (1)، وهذا هو التحقيق لاجراء الاستصحاب والاصول المحرزة في أطراف العلم. وما قاله سيدنا الاستاذ - مد ظله -: من عدم جريان أصالة عدم البول، لتقومها بعدم الجنابة في الاثر في بعض صور المسألة، إن كان يرجع إلى نفي جريانها فهو ممنوع، لان العلم بعدم الاثر غير حاصل، واحتمال الاثر لا يورث عدم الجريان ثبوتا وإن لا يثمر جريانها إثباتا. وأما التفصيل في المسألة فيعرف من الكتب الفرعية الاستدلالية، وربما تبلغ الصور إلى أزيد من أربع صور، كما لا يخفى.


1 - نفس المصدر.

[ 8 ]

الدرس الثاني ما ألقاه الوالد - مد ظله - حول التمسك بحديث السلطنة لتصحيح المعاطاة وهو: أن التمسك بعموم قوله: الناس مسلطون على أموالهم (1) لاجل تصحيح المعاطاة غير تام، لان غاية ما يمكن أن يقال تحريرا: هو أن مقتضى إطلاق السلطنة على الاموال سراية الحكم إلى الملازمات واللوازم العرفية، وعلى هذا يكون جعل السلطنة ملازما للحكم التكليفي والترخيص الوضعي، وهو جواز التصرفات تكليفا ووضعا، أي نفوذ النقل والانتقال الملازم لانفاذ الاسباب والعقود، ونفي صحة المعاطاة ينافي دعوى إطلاق قاعدة السلطنة.


1 - عوالي اللالي 1: 222 / 99، و 2: 138 / 383، بحار الانوار 2: 272.

[ 9 ]

وإن شئت قلت: القاعدة تورث السلطنة لكل أحد على كل أمواله سلطنة مطلقة، ومقتضى ذلك جواز جعل ما له حذاء المال الاخر للنقل الاعتباري. وأنت خبير بما فيه، ضرورة أن المعاملات العقلائية تحتاج عندهم في النفوذ إلى الامرين: السلطنة على مورد المعاملة فلو كان مجنونا أو مهجورا أو صبيا غير مميز، وهكذا، فإنهم وإن كانوا مالكين إلا أن معاملاتهم غير نافذة عقلا. والتبعية من المقررات العرفية والقوانين العقلائية، فلو باع شيئا من ما له بشئ من مال الاخر، لا يصح عندهم مع سلطنتهم على أموالهم. إذا عرفت ذلك فاعلم: أن القاعدة تعرضت للشرط الاول، وأنفذت ذلك القيد والمقرر العرفي، ولا يعقل تنفيذ السبب والعقد، لعدم الارتباط بين مفادها وهذه المسألة، ضرورة أن جعل السلطنة على الاطلاق لا يورث صحة سبب التصرف والنقل الاعتباري، لاجنبية هذه الموضوعات عن مورد القاعدة، وتوهم الاطلاق اللحاظي (1) خلاف التحقيق على ما تقرر في محله، بل الاطلاق - على ما تقرر في مقامه - رفض القيود، لا جمع القيود (2). واشتراط القوانين الاخر لصحة النقل والانتقال ولتأثير العقد فيهما،


1 - حاشية المكاسب، المحقق الاصفهاني 1: 26 / السطر 12. 2 - مناهج الوصول 2: 325، ولاحظ تحريرات في الاصول 5: 447 - 449.

[ 10 ]

لا يورث قصورا في موضوعها، لان القاعدة تورث السلطنة المطلقة على الاموال، وأما احتياج نفوذ موجبات النقل الاعتباري إلى قيود اخر، فهو لا ربط له بها، كما لا يخفى. وإن شئت قلت: لا إطلاق لها من تلك الجهة، بل هي متعرضة لاثبات السلطنة على الاموال وجاعلة لها، أو ممضية لما عليه طريقة العقلاء، ومتعرضة لعدم حجر الناس عن أموالهم (1). والذي يظهر لي في المسألة: أنها قاعدة إمضائية، وليست تأسيسية فلو شك في جواز التصرف، ورجع الشك إلى شك العقلاء فيه، لاشك الفقيه، فلا تكون هي المرجع لرفع الشك، كما في مسألة عموم دليل قاعدة اليد، فإن قوله (عليه السلام): من استولى على شئ فهو له (2) لا يكون مؤسسا في موقف شك العقلاء في كاشفية اليد المستولية، كالايادي المسبوقة بالخيانة المعروفة بها. والجمع بين التأسيس والامضاء وإن أمكن ثبوتا، إلا أنه خلاف المتفاهم العرفي إثباتا، فمسألة المعاطاة إن كانت من المسائل العقلائية المحتاجة إلى الامضاء، فعمومه ربما يكفي لامضائها، وأما مع قطع النظر عن تلك الجهة، فهي لا تدل على مشروعيتها وصحتها. فتحصل إلى هنا: أن المشهور جوزوا التمسك بقاعدة السلطنة


1 - البيع، الامام الخميني (قدس سره) 1: 79 - 81. 2 - تهذيب الاحكام 9: 302 / 1079، وسائل الشيعة 26: 216، كتاب الفرائض والمواريث، أبواب ميراث الازواج، الباب 8، الحديث 3.

[ 11 ]

لتصحيح المعاملات المعاطاتية، لاستلزام إطلاقها مشروعية الاسباب المؤدية إليها، بل نفس جعل ما له حذاء المال الاخر للنقل الاعتباري، من التصرف الجائز بعمومها، فلا نحتاج لتصحيح المعاملة إلى الاخذ بالملازمات حتى يشكل ذلك بأن الاطلاق غير كاف له. وأن الوالد المحقق - مد ظله - أنكر ذلك عليهم، واختار قصورها عنه، معللا: بأن الحيثيات لابد وأن ينفك بعضها من بعض. وقد عرفت أن القاعدة تعرضت لحيثية اخرى مع إطلاقها في تلك الحيثية، وأن الفاضل الخراساني (رحمه الله) أنكر إطلاقها، معللا: بأن القاعدة في مقابل الحجر، ولا نظر لها بالنسبة إلى الامور الاخر (1). وإن شئت قلت: بانصرافها عن أمثال هذه التصرفات، ومما يشهد على ذلك: أن العقلاء لا يفهمون منها نفوذ المعاملات الرائجة بينهم، ولا ينتقل ذهنهم منها إلى أن الشرع بها يصحح أسباب المعاملات والعقود، وهذا ليس إلا لاجل أن تلك الملازمة، لا تفي لكشف حكم الصحة من عموم القاعدة. ومما ذكرنا يظهر حال التوهم: لجواز التمسك بأن القاعدة تدل بالدلالة المطابقية على جواز التصرف، وشمول السلطنة لجميع أمواله في جميع الاحيان، وبالدلالة الالتزامية على أن الاسباب والعقود - بأي وجه اتفق - تكون صحيحة ونافذة.


1 - حاشية المكاسب، المحقق الخراساني: 14.

[ 12 ]

وبيان الملازمة: أن التصرف الغير النقلي يكون في مقابل التصرفات الناقلة قليلا، فإلقاء العموم المزبور قليل النفع، بل هو يكون ساقطا. وإن شئت قلت: تجويز التصرف بنحو الاطلاق يستلزم تجويز السبب، وإلا تلزم اللغوية. ووجه الظهور معلوم، ضرورة أن دلالة الالتزام هنا غير تامة لعدم اللزوم البين. واقتضاء دلالة الاقتضاء صحة الملازمات غير مرضي، لان الاقلية - لو فرضت - تكون مجوزة إذا لم يكن دليل آخر على صحة الاسباب، وأما مع دلالة الادلة الاخر فلا يلزم اللغوية، ولا يتم البحث الحيثي في المسائل الدلالية. هذا، مع أن الاقلية ممنوعة جدا، والفرار من لغوية الاطلاق ليس من سنن أرباب الفضل، للزوم ما لا يلتزم به. وتحصل: أن التحقيق لا هذا ولا ذاك، بل هو أنها قاعدة إمضائية، ولا يمكن أن تكون مرجعا عند الشك. نعم، لو فرضنا أنها من الامور العقلائية، وعليها بناؤهم - كما هو المتحقق في المعاطاة - يمكن أن يرجع إليها لامضاء تلك الطريقة، ولكنها غير كافية، لعدم مساعدة فهم العرف لكشف الامضاء من تلك القاعدة، فتدبر جيدا.

[ 13 ]

الدرس الثالث ما ألقاه السيد الاستاذ - مد ظله - الخوئي حول أقسام النواهي فقال: قد قسم شيخنا الاستاذ - قدس الله نفسه - النواهي على ثلاثة أقسام: منها: ما يكون إرشادا إلى الشرطية، كالنواهي الواردة في مسائل لبس ما لا يؤكل في الصلاة ونحوها، فإنها لا تكون مولوية ذات عقاب وثواب مستقل، وغايته بطلان الصلاة بدون المأمور به، أو العقاب على الفعل التشريعي، وأما نفس العمل فهو ليس محرما. ومنها: ما يكون إرشادا إلى المانعية وبطلان الصلاة معه، فتكون تلك النواهي مفيدة للقيود الوجودية والعدمية، المستلزمة بطلان

[ 14 ]

الطبيعة، عبادية كانت أو معاملية. ومنها: ما يكون نهيا مولويا مورثا لحرمة المتعلق. ففي هذه الصورة لو كان مقتضى إطلاق دليل الحرمة مصداقية الواجب له، فهل يكون الواجب العبادي باطلا أم صحيحا؟ فيه خلاف، فالمشهور على الصحة، واختار الشيخ الاستاذ البطلان، معللا: بأن النهي عن الشئ كما يدل بالمطابقة على محرمية مدلوله ومدخوله، يدل بالالتزام على أن الواجب ليس قابلا لان يكون فردا له، وعليه لو سقط دليل المحرم في مدلوله المطابقي - لاجل إحدى الجهات الموجبة له - لا يسقط دلالة الالتزام، فتكون العبادة باطلة. وقال السيد: ما ذكره الاستاذ لا يتم، لان الدلالة الالتزامية من توابع الدلالة المطابقية على ما تحرر منا في محله (1)، ولو لم يكن الامر كذلك يلزم النقوض الغير الملتزم بها الاصحاب، مثل ما لو قامت البينة على أن المال الكذائي لزيد، فإنه بالالتزام يدل على عدم كونه للاخرين، ولو سقطت البينة، يلزم كون الدلالة الالتزامية باقية ومعارضة مع البينة القائمة على أنه له. وأنت خبير بما في خلط الشيخ وتلميذه، فإن الدلالة الالتزامية من الدلالات اللفظية، وكونها منها لاجل أن الانتقال منها إلى المعنى الالتزامي، يكون بحيث يتوهم أنه من اللفظ، مع أنه من دلالة المعنى على


1 - أجود التقريرات 1: 269، الهامش، محاضرات في اصول الفقه 3: 72.

[ 15 ]

المعنى تحقيقا وواقعا، ولذلك قالوا باعتبار اللزوم البين في الدلالة الالتزامية (1)، فلا النهي يدل على المعنى الالتزامي المذكور، ولا البينة على المطلب المشار إليه، ضرورة أن النهي لا يكون متعرضا بتلك الدلالة لاخراج المحرم عن الفردية للواجب ولا البينة، فإن قوله: زيد في الدار، ليس يدل على أنه ليس في مكة، ولا في قعر البئر... وهكذا، مع أن ذلك من التوابع للاثبات. ولكن مجرد التبعية والتفسير ليس من الدلالة الالتزامية، فالنهي لا يدل إلا على المعنى المقصود وحرمة متعلقه، ومسألة كون الواحد مصداق الواجب والحرام، مما فرغنا عنها في محله، وجوزنا ذلك (2). وأما حديث تبعية الدلالة الالتزامية للدلالة المطابقية فهي ممنوعة، لان الالتزامات والملازمة قد تكون عقلية وعرفية وعادية وبنائية، فلو كان المتعارف من كلام المولى - لدأبه المعلوم منه - بعض اللوازم الجعلية، فإنه عند سقوط المدلول المطابقي لا يسقط الالتزامي، فلو ورد: أكرم زيدا، وهو يدل على إكرام بكر بالالتزام، لما علم منه ذلك، بحيث يكون من اللوازم لكلامه، ثم ورد دليل آخر معارض، وسقط بالمعارضة المدلول المطابقي، أو شك - لاجل بعض القرائن


1 - شرح المطالع: 33، شرح الشمسية: 44، الهامش. 2 - تحريرات في الاصول 4: 113 - 121.

[ 16 ]

الصالحة - في وجوب إكرام زيد، فإنه لا وجه لسقوط الدلالة الالتزامية، لعدم الارتباط التكويني ولا الجعلي بينهما، بل كل ذلك بمبادئ خاصة، ولذلك يعقل التصريح منه بعدم إرادته المدلول المطابقي، ومعه لا يكون تناقضا، كما لا يخفى. إن قلت: لو كانت الدلالة الالتزامية من توابع المدلول المطابقي، فعند عدم إرادته ذلك لا يعقل بقاؤها، لان المدلول الالتزامي من لواحق المدلول المطابقي. قلت: نعم، لو كان من توابع المدلول الجدي والمراد اللبي - دون المدلول الاستعما لي والمراد الانشائي - فما قاله المشهور: من صحة العبادة التي تكون مصداق المحرم، في محله، لا لاجل سقوط المحرم، ولا تغفل.

[ 17 ]

الدرس الرابع ما ألقاه الوالد - مد ظله - حول عدم شمول حديث السلطنة للشك في الاسباب وهو: أن قاعدة السلطنة ربما تكون كقوله تعالى: (أحلت لكم بهيمة الانعام) (1) بمعنى أنها لا إطلاق لها إلا إطلاقا ذاتيا، وإلا يلزم جواز التمسك بها لضرب المؤمن، لان مقتضى السلطنة على الاموال وإطلاقها ذلك، أو المعارضة بينهما وبين النهي عنه، وتكون النسبة عموما من وجه، والالتزام بهما خلاف الفهم العرفي قطعا. فعليه تكون القاعدة مثل الروايات المتعرضة لعد المحرمات والمحللات، في عدم نظارتها على حكم الطبيعة عند العوارض


1 - المائدة (5): 1.

[ 18 ]

والطوارئ، كما لا يخفى. فإطلاقها بالنسبة إلى الاسباب والعقود، مضافا إلى عدم معقوليته لخروجها عن موضوعها، غير تام عرفا (1). ويشكل الامر عليه - مد ظله - لان نفي الاطلاق يورث عدم صحة التمسك بها، لو شك في جواز أحد التصرفات لجهة من الجهات، وهو ممنوع، أو عدم جواز الرجوع إليها لكشف رضاه وإمضاءه، وهو مضروب عنه قطعا. فعليه يقال: بأن القاعدة مطلقة، إلا أنه لا يلزم من اختيار إطلاقها جواز المعارضة، لانصرافها عن مثل تلك الصور، بل على ما أفاده - دام ظله - في اخريات بحثه (2)، لا تعارض بين النواهي الشرعية وعمومها، لان البناءات العقلائية عند أبناء الملل التابعين للشرائع الالهية، تكون غير منجزة، ] بل [ معلقة على عدم منع الشرع عنها، ولا إطلاق لها حتى يكون بناؤهم على تسلط الناس على الاموال وإن لزم منه الهرج والمرج. بل لنا أن نقول: الامر كذلك حتى عند غيرهم بالنسبة إلى ما يرونه عصيانا وطغيانا في المجتمع البشري. فنفي الاطلاق الاحوالي بإثبات الاطلاق الذاتي لاجل ما مر، غير تام، للزوم ما لا يمكن الالتزام به.


1 - البيع، الامام الخميني (قدس سره) 1: 82 - 83. 2 - البيع، الامام الخميني (قدس سره) 1: 83.

[ 19 ]

ولو سلمنا إطلاق قاعدة السلطنة وجواز الرجوع إليها في الشبهات الحكمية، ولكنها لاجل عدم مؤسسيتها لا تقاوم الادلة المتكفلة للاحكام - المحرمات والواجبات - فيقال بعدم وجوب إخراج الاخماس والزكوات، لا نهم مسلطون على أموالهم. والذي يظهر لي: أنه لو كان مفادها ما يقتضيه ألفاظها، يلزم تعارضها البدوي مع جميع تلك الادلة، والعرف يشهد على خلافه، مع لزوم تخصيص الاكثر، أو المستهجن وإن لم يكن أكثر، كما لا يخفى. فيعلم أن مصب القاعدة ونطاق إمضائها مع إطلاقها، ليس بتلك التوسعة، لعدم مساعدة الفهم العرفي عليها، فافهم وتدبر.

[ 20 ]

الدرس الخامس ما ألقاه شيخنا الاستاذ محمد باقر الزنجاني - دام ظله - في مسألة الماء المردد بين القلة والكثرة إذا لم تكن الحا لة السابقة معلومة وقال: المشهور على نجاسته إذا لاقى النجس. والذي يمكن أن يتوهم لذلك، ويكون سندا لهذه الفتوى، امور: أولها: جواز التمسك بالعام في الشبهة المصداقية، فإن المستفاد من الادلة، هو أن الماء ينجس بملاقاة النجس إلا إذا كان كرا، وهذا المردد مصداق العام لكونه ماء، ولكنه مشكوك مصداقيته بعنوان المخصص.

[ 21 ]

وفيه: أن المسألة عموماتها ومخصصاتها على خلاف ذلك، بل المعروف فيها طهارة الماء إلا إذا كان قليلا، لمفهوم أدلة الكر (1)، ومن تلك العمومات: خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شئ (2) فلو كان يجوز التمسك المذكور، فالنتيجة على خلاف المنسوب إليهم. وثانيها: أن مقتضى قاعدة المقتضي والمانع هي النجاسة، ضرورة أن الماء بطبعه يقبل النجاسة، ويستقذر العرف من الملاقى - بالفتح -. نعم، إذا كانت الكرية والمطرية والعصمة معلومة، فإنه - حينئذ - يبني على الطهارة. وهذا هو الامر المساعد عليه في الفهم العرفي في هذه المسائل، ولا تأسيس للشريعة المقدسة في مسائل الطهارات والنجاسات. وفيه: أن قاعدة المقتضي والمانع في أمثال هذه المواقف والموضوعات الجزئية، غير جارية على ما تقرر منا في محله وكون بناء العقلاء على ترتيب الاثر مع عدم إحراز المانع، غير مقبول، فمع العلم بالمقتضي والشك في المانع لا يمكن مساعدتهم على النجاسة. وبعبارة مني: أن الماء المردد بين القليل والكثير والمحتمل أقليته عن الكرية، في غاية القلة، فإنه في هذه الصور عند العرف، تكون الكثرة العاصمة موجودة وإن لم يكن القدر الشرعي معلوم


1 - وسائل الشيعة 1: 158، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 9. 2 - المعتبر 1: 41، السرائر 1: 64، وسائل الشيعة 1: 135، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 1، الحديث 9.

[ 22 ]

الوجود، فمقتضى تلك القاعدة طهارة مثل ذلك دون نجاسته. وثالثها: ما يلوح من كلام شيخ مشايخنا الانصاري (1)، واتخذه شيخنا الاستاذ مدركا لفتواه في جميع الفروع المسانخة مع هذه المسألة: وهو أن الاحكام الترخيصية الشرعية - كالاباحة والحلية والطهارة - إذا كانت معلقة على أمر وجودي في لسان الادلة الشرعية، يستفاد من تلك الادلة عرفا قاعدة واقعية وقاعدة ظاهرية: أما الواقعية فهي أن الحكم - بحسب اللب والثبوت - مرهون لذلك الامر الوجودي، وأما الظاهرية فهي أنه مع الشك في وجود ذلك الامر الوجودي لابد من الاحتياط، وهذا أمر يساعد عليه العرف، وإن لم يكن الدليل عقلا مساعدا عليه (2). ولعل وجوب الاجتناب في الشبهات المعروفة - مثل ما لو شك في حلية مال زيد، أو حلية النظر إلى الاجنبية، وأمثالها - لاجل هذه القاعدة المغروسة في أذهانهم الواردة في قلوبهم، فإن الدليل جوز التصرف في مال الغير إذا كان بطيب نفسه، فلو شك في الطيب فلا يجوز ترك الاحتياط المستفاد منه، وهكذا جوز النظر إلى الانسان إذا كان من الاقرباء وغيرها لما تقرر في محله، فلو شك في ذلك فلا بد من الاحتياط حتى يحرز عنوان المستثنى. فالماء المردد بين القليل والكثير ينجس بملاقاة النجس، لان


1 - فرائد الاصول: 571 - 572. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 528 - 530.

[ 23 ]

عدم انفعا له مشروط بالكرية التي هي أمر وجودي، وقد اختار الفاضل الخراساني - في مسائل الاستصحاب (1) - جواز استفادة القواعد الثلاث من قوله (عليه السلام): كل شئ حلال حتى تعلم الحرام (2) وكل شئ طاهر حتى تعلم أنه قذر (3)، فلو كان غير معقول لما ذهب إليه أمثال هؤلاء الاعلام. وفيه: أن المسألة مما لا يمكن المماشاة معهم فيها، ولا الركون إليهم فيها، فإن الالفاظ موضوعة للمعاني النفس الامرية الواقعية، وكون الدليل الواحد متكفلا بالحكم الواقعي والظاهري، يحتاج إلى قوة وإعمال روية، لو فرضنا إمكانه الذاتي، وهذه الادلة لا تورث إلا قاعدة واحدة، متعرضة للحكم الواقعي بلا شبهة وإشكال، واستنباط القواعد المختلفة من لسان واحد خارج عن المتفاهم العرفي. فالمساعدة ] على مختار [ الشيخين والعلمين والمحقق الخراساني في تلك المسألة ممنوعة جدا. هذا، مع أن صغريات هذه المسألة في غاية الاشكال، فإن الادلة فيما علق الحكم الترخيصي على الامر الوجودي، بحيث لم يكن فيها خلافه، في غاية الشذوذ والندرة، وتشخيص صغرياتها في نهاية الاشكال.


1 - كفاية الاصول: 452 - 453. 2 - ونص الحديث هكذا: كل شئ هو لك حلال حتى تعلم أنه حرام بعينه. الكافي 5: 313 / 40، وسائل الشيعة 17: 89، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 4، الحديث 4. 3 - مستدرك الوسائل 2: 583، أبواب النجاسات والاواني، الباب 30، الحديث 4.

[ 24 ]

أقول: هذا ما ورد من الاستاذ - مد ظله - ثم بعد ذلك اختار طهارة الماء في صورة الجهل بالحالة السابقة، ومع العلم بها فالحكم يقتضي الاستصحاب من الطهارة والنجاسة. وقال: إن استصحاب الطهارة وقاعدتها الكبيرة والصغيرة لا يثبت الكرية، ولكنه إذا القي الماء على النجس يطهره، وإن لاقاه النجس فهو يبقى على النجاسة، وتلك على الطهارة. وتوهم: أنه خلاف الواقع، مدفوع بما مر في محله: من إمكان التفكيك بين المتلازمات تعبدا. وفيه: أن قاعدة الطهارة لا تورث مطهرية موردها لجريانها في جميع الاشياء، وكون الماء طاهرا غير كونه مطهرا، فإنه مجعول آخر وراء جعل الطهارة، ولذلك بنى الاصحاب على استفادة المطهرية من كلمة الطهور في كتاب الطهارة، فلا تغفل. والذي يظهر لي: أن مسألة القلة والكثرة ربما تكون من قبيل مسألة القصر والاتمام، فكما هناك يقال: بأن الحاضر يتم والمسافر يقصر، ولا أصل في المسألة ولا عموم، بل تكون المسألة من قبيل التنويع، فالماء القليل ينجس، والكثير الكر لا ينجس، والمردد مشكوك العنوان. ولا يجري ما قيل في المقام من الوجوه في المسألة إلا الوجه الثاني، فليتأمل جدا. ولو سلمنا أن المسألة من قبيل العام والخاص، فلا شبهة في أن

[ 25 ]

العمومات على إفادة طهارة الماء بذاته إلا القليل، والماء المردد بين القلة والكثرة لا يكون مشكوك السابق ومجهولا، لانه إذا خلق طاهرا، وله الطهارة الذاتية، والنجاسة تعرضه، ففي جميع الاحيان والفروض يجري الاصل الموضوعي، وهو استصحاب الطهارة الذاتية الثابتة له. فالكلام في مطهريته، فإنه ليس من العناوين الذاتية، فإن قلنا بالملازمة بين الطهارة والمطهرية فهو، ولكنه خلاف أدلة الكر. ودعوى الملازمة بين الطهارة والمطهرية في صورة اللقاء دون الاغتسال فيه، غير مسموعة، بل ممنوعة جدا. وتوهم أن قوله: الماء يطهر ولا يطهر (1) يشمل مطلق الماء خرج منه القليل، غير كاف عندنا على ما تقرر في محله. والاستصحاب التعليقي لو فرضنا جريانه في محله فهو في المعلقات الشرعية، دون الاختراعية والانتزاعية، فلا يصح أن يقال: إنه كان إذا يلقى على شئ يطهره فالان كذلك، لعدم ورود مثله في الادلة الشرعية، فأفهم وتدبر. وربما يخطر بالبال أن يقال بالتفصيل بين صور المسألة: فإنه تارة يكون الماء الملاقي معه النجس قليلا، يحتمل اتصاله بالمنبع المعتصم بحيث مع الشك يستقذره العقلاء، واخرى يكون الماء الملاقى - بالفتح -


1 - الكافي 3: 1 / 1، الفقيه 1: 6 / 2، وسائل الشيعة 1: 133 - 134، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 1، الحديث 3 و 6.

[ 26 ]

كثيرا جدا، ولكنه يحتمل اقليته من الكر بمثقال مثلا فإنه في الصورة الاولى يجب الاجتناب لانفعاله العرفي وعدم شمول المطلقات المقتضية لطهارته وفي الصورة الثانية لا يجب الاجتناب، لاعتصام العرفي وإن شك في وجود العصمة الشرعية، وهي الكثرة المخصوصة.

[ 27 ]

الدرس السادس ما ألقاه سيدنا الاستاذ الحكيم - دام ظله - حول لزوم الشركة وجوازها وآخر ما استفدنا منه هو: أن الاصحاب اختاروا جواز عقد الشركة (1)، واختار بعضهم لزومها (2). والذي يقتضيه التحقيق: هو أن الشركة على تقدير ] عقد [ لازم، وعلى تقدير ليست عقدا، بل هو إيقاع خارج عن مصب النزاع، وعلى تقدير


1 - المبسوط 2: 342، شرائع الاسلام 2: 107، قواعد الاحكام 1: 243 / السطر 6 - 7، جامع المقاصد 8: 22 - 23، العروة الوثقى 2: 703، المسألة 8. 2 - كما اختاره الميرزا آقا الاصطهباناتي الشيرازي في حاشيته على العروة الوثقى، راجع العروة الوثقى (طبعة المطبعة الاسلامية 1373 ه‍. ق)، كتاب المضاربة، فصل في أحكام الشركة، المسألة 5 و 8.

[ 28 ]

معاملة خاصة خارجة عن محل البحث في مسألة الشركة. وذلك لان الشركة: إن كانت بمعنى تشريك أحد الشركاء، الاخر في ما له حذاء تشريك الاخر، فإنه عقد لازم. وإن كانت بمعنى إذن صاحب المال للاخر في الاتجار بما له، فهو إيقاع. وإن كان يأذن له أن يتجر بما له، ويرد إليه الثلث والثلثين وغير ذلك من المقابلات، فهي معاملة اخرى وعقد آخر خارج عن معنى الشركة. فلا يظهر لي أن النزاع في اللزوم والجواز لاجل ماذا؟ (1). وفيه: أن من معاني الشركة هو أن يعقد الاثنان على أن يتجرا معا، ويكون الربح والخسران بينهما على نسبة ما لهما، وهذه هي الشركة العقدية المعروفة بين الناس، والمتداولة في الملل والاقوام، ويكون بناء العقلاء في هذه الايام والعصور على لزومها وإحداثها على نعت سائر العقود اللازمة، ولكن المعروف بينهم جواز هذا العقد لاقتضاء طبعه ذلك، وما هو محط النظر ويصلح للنفي والاثبات هو ذلك، من دون أن يكون في البين معاوضة وتبديل، بل هي مجرد العقد والعهد على الامر المعلوم في المدة المعلومة أو غير المعلومة. والذي يقتضيه التحقيق في المسألة: هو أن عقد الشركة


1 - مستمسك العروة الوثقى 13: 11 - 13 و 38 - 39.

[ 29 ]

والشركة العقدية، ليس مفادها التشريك في المال مطابقا، وإن يستلزم ذلك مطلقا أو أحيانا. وما قا له السيد: أنه إن كان معناه التشريك فهو لازم، غير تام، لان معنى التشريك لا يورث اللزوم تعبدا، فلابد من دلالة الدليل على لزومه، وعرفت أن الشركة غير العقدية تحصل من الشركة العقدية استلزاما، والكلام في أنه عقد لازم أم جائز، فلا ينبغي الخلط. إذا عرفت ذلك فاعلم: أن المحرر عندنا في كتبنا الاخر لزوم جميع العقود إلا ما خرج بالنص الصحيح الصريح (1)، وذلك لان وجه اللزوم في العقود اللازمة، ليس إلا العهد والتعاهد الحاصل بين العاقلين المتوجهين إلى الامور والقضايا، فلو تخلف أحدهما عما عاهد عليه يعد - عند العرف - فعله قبيحا، وهذا هو اللزوم العرفي. وأما حرمة التصرف في ما له بعد العقد، أو حرمة نقض العهد، أو سلب الملكية بالعقد، بحيث لا يتمكن من إرجاعها بعد العقد والقبض، فهو عندي من الاحكام الشرعية اللاحقة بالبناءات العرفية. ومن القوي ما يخطر ببالي: وهو أن الناس مختلفون في فهم هذه الامور، وهذه الامور متفاوتة بينهم، فربما يكون عندهم العقد لازما، أي غير جائز عرفا العود إلى السلف، ومنه ما لا يكون كذلك، كعقد الشركة،


1 - تحريرات في الفقه، كتاب البيع، المقصد الاول، الجهة الثانية، الامر الاول من الامور الدالة على أصالة اللزوم.

[ 30 ]

وعندئذ مقتضى عموم الادلة الملزمة لزوم عقد الشركة على رغم أنف العقلاء، لعدم الدليل اللفظي على جوازه، والشهرة والاجماع في مثل المسألة بعيدة، فقولهم بالجواز لبناء العقلاء غير تام، لارتداعهم بالعمومات اللفظية. فما اختاره السيد من لزومها وإن لا يبعد، إلا أن اعتراضه على القوم في غير مقامه. وعلى هذا تنحل عقدة مسألة الشركة العصرية، والبناءات الخاصة على لزومها وعدم جواز نقض عهدها، وأنه لو لم يرض بالتصرف في أمواله يكون رضاه غير مرعي، ولا يترتب الاثر على عدم طيب نفسه بتلك التصرفات، لان معنى العقد اللازم هو ذلك، كما لا يخفى. وربما يمكن دعوى جوازه، لاجل أن اللزوم يستلزم الامر المحرم، وهو التصرف في مال الغير بلا طيب النفس. وهو يندفع: أولا: بأنه أخص، فإن من الممكن بقاء الطيب، ومع ذلك يفسخ العقد لاجل الاغراض الاخر. وثانيا: عمومات إلزام العقود، مقدمة ظهورا على أدلة حرمة التصرف في مال الغير بلا طيب منه، وإن كانت النسبة عموما من وجه، لتعرضها للسبب الذي به حل التصرف في ما له، وهو العقد، وبعد ذلك يجوز التصرف حسب اقتضائها وإن زال الطيب.

[ 31 ]

ولكن الانصاف إما على خلافه أو على بقاء الاشكال بحا له، وعدم إمكان الخروج عنهما بالطريقة العرفية. ثم إنه - دام ظله - تعرض لمسألة اخرى وهي: مسا لة جواز اشتراط عدم الفسخ في ضمن العقد، وقال: قد تعرض المصنف في كتاب المضاربة واختار الجواز (1)، وأنه مقتضى عموم أدلة الشروط، والقدرة على إزالة العقد وفسخه لا تستلزم منع الاشتراط، كما لا يخفى. والحق في المسألة: هو أن شرط عدم الفسخ، أو الالتزام بعدم الفسخ مستقلا: إن كان يرجع إلى عدم انفساخ العقد به، فهو باطل، لانفساخه به بحكم الشرع فرضا، والشرط المخالف لحكم الشرع غير جائز وغير صحيح. وإن كان يرجع إلى الالتزام في ضمن العقد الجائز، ففيه خلاف، ظاهر بعضهم عدم جوازه (2)، لزيادة الفرع على الاصل، ولعدم مساعدة فهم العرف على معنى إلزامي في ضمن معنى جوازي وترخيصي. واختار الوالد المحقق - مد ظله - جوازه، ولزوم العمل على طبقه ما لم يفسخ العقد (3). وفي المسألة وجوه واحتمالات لا يسع المقام


1 - العروة الوثقى 2: 643، كتاب المضاربة، المسألة 2. 2 - العروة الوثقى 2: 644، كتاب المضاربة، الهامش 3، و 673، المسألة 46، الهامش 9. 3 - مباني العروة الوثقى، كتاب المضاربة 3: 40 - 42.

[ 32 ]

للتعرض لها وحلها ونقدها. ثم إن الذي ظهر لى بعد ذلك في وجه مرامه: هو أنه أراد أن عقد الشركة ليس من العقود، لانه إما التشريك في المال فهو نحو الهبة يكون لازما، وإما إذن في التصرف فلا يحتاج إلى القبول، وإما إذن بحذاء الاجرة فهو عمل ومعاملة خاصة غير الشركة. فما أفاده القوم من أنها من العقود، ثم بحثوا عن الجواز واللزوم، مما لا يرجع إلى محصل. ثم بعد ذلك استشكل في المسألة: بأن الاذن في الاتجار على أن يكون الربح بينهما، يستلزم دخول المعوض في ملك المأذون، مع أن العوض يخرج من كيس الشريك، وهذا غير صحيح. وأجاب: بأن المعوض يدخل في ملك الشريك، ثم منه يدخل في كيس المأذون في الاتجار. وأنت خبير بما فيه، فإن عقد الشركة من العقود عند العقلاء، وتحليله إلى الايقاع غير المحتاج إلى القبول لا يورث سقوطه، ضرورة أن كثيرا من العقود يرجع إلى العقود الاخر تحليلا، ولكن المناط على العنوان البسيط المتعارف عليه بين العقلاء والملل، والذي هو من خواص عقد لا يكون سببا لانقلاب عقد آخر إليه. فبالجملة: ليس عقد الشركة - بالحمل الاولي - الاذن في التصرف والاتجار بالمال، بل الاذن من آثاره، ولذلك قال الاصحاب: اطلاق عقد

[ 33 ]

الشركة ] لا [ يقتضي جواز تصرف كل منهما بالتكسب برأس المال. وقال الفقيه الوالد - مد ظله -: لا يقتضي عقد الشركة ولا إطلاقه جواز تصرف كل من الشريكين أحدهما في مال الاخر، إلا إذا دلت قرينة حا لية أو مقا لية عليه، كما إذا كانت الشركة حاصلة كالموروث فأوقعا العقد، ومع عدم الدلالة لابد من إذن صاحب المال، ويتبع في الاطلاق والتقييد (1) انتهى. فإنه صرح بعدم كونه من خواصه اللازمة. وتوهم: أنه غير تام، لاجل التناقض بين عقدها ونفي الاذن، في محله، إلا أنه لا يورث الاذن في التصرف، لا نه مع نفي الاذن يبقى العقد بلا أثر، فينقلب وينفسخ. فبالجملة: نفس عقد الشركة ليس إلا البناء على الاتجار بمال مشترك بين الشركاء وقبولهم ذلك. نعم، هذا يستلزم عرفا الاذن بعد العقد، إلا أنه يمكن نفي الاذن لاحد الشركاء في يوم وتجويزه في يوم آخر، وما هو المنافي لذات العقد هو نفي الاذن مطلقا، كما لا يخفى. فتحصل: أن الشبهة في عقديته لا ترجع إلى محصل. نعم لنا الشبهة في جوازه - خلافا للمشهور (2) - بعدم الدليل عليه


1 - تحرير الوسيلة 1: 625، كتاب الشركة، المسألة 8. 2 - لاحظ مستمسك العروة الوثقى 13: 37.

[ 34 ]

بعد اقتضاء العمومات لزومه. اللهم إلا أن يقال: بعدم العموم في المسألة، ولكنه خلاف بنائهم، لاستدلالهم بها في المسائل الكثيرة. وما قا له إيرادا في المسألة غير وارد لدى التحقيق، لعدم الاعتبار بالتبادل الما لكي في المعاملات، بل يصح خروج المال من ملك زيد ودخول عوضه في ملك عمرو، وعليه التعارف العقلائي. وتوهم: دخوله أولا في ملك من خرج عن ملكه المعوض، ثم دخوله في ملك عمرو، غير مساعد عليه العرف والعقلاء، وغير منظور إليه، ولا معنى لان يكون الامر كذلك من غير توجه من المتعامل، فإن الامور الاعتبارية ليست قهرية الوجود، حتى يقال لحل الشبهة بما لا يكون معقولا. ولو قيل: عدم اعتبار التبادل الما لكي في صحة المعاملات خلاف ظاهر المشهور بل صريحهم، وهذا لا يكون بناء عليه وجها لحل الشبهة. فلنا أن نقول: أولا: بأن نفي الكلي لا يورث النفي الكلي، فربما لا يكون شرطا فيما نحن فيه، لقولهم بذلك وعدم إمكان الفرار من الشبهة إلا بالوجه المشار إليه، الذي هو غير معقول قطعا. وثانيا: لا يدخل الشئ إلا في موضع خرج منه، وهو عنوان الشركة الحاصلة من البناء والعقد، فإن أحد الشركاء يكون بائعا من

[ 35 ]

قبل العنوان وبعنوان الشريك والشركة، لا من قبل نفسه، فالمبيع يخرج من كيس الشركة، والثمن يدخل في كيسها، وكل واحد منهم يربح من الكيس الكلي المشترك الفاني فيه الخصوصيات، ولذلك يقال بصحة اشتراء أحد الشركاء لنفسه من الشركة، وإلا يلزم بطلان المعاملة بالنسبة إلى حصته، لعدم معقولية اشتراء ما له لنفسه، فكما تنحل الشبهة في هذه المسألة بالتقرير المشار إليه، كذلك تنحل في أمثالها.

[ 36 ]

الدرس السابع ما ألقاه سيدنا الاستاذ أبو القاسم الخوئي - مد ظله - في مسألة المتوسط في الارض المغصوبة قائلا: إن في تلك المسألة اختلفت أنظارهم وتشتتت آراؤهم: فقد يقال بالحرمة الفعلية في جميع التصرفات الخروجية والدخولية على حد سواء (1)، وهو الحق. واخرى: يقال بوجوب الخروج (2). وثالثة: يقال باستحقاقه العقاب وإن لم يكن الخروج واجباولا محرما بالفعل. (3) والذي قيل في المقام: هو أن الامتناع بالاختيار لا ينافي


1 - لاحظ مطارح الانظار: 153 / السطر 30. 2 - مطارح الانظار: 153 / السطر 33، أجود التقريرات 1: 374. 3 - كفاية الاصول: 204.

[ 37 ]

الاختيار، فهو يكون معاقبا على التصرف الخروجي أيضا. وقال شيخنا الاستاذ: بأن تلك القاعدة لا تجري في المقام لوجوه: منها: أن مجراها لابد وأن يكون الملاك الالزامي والمبغوضية التحريمية تاما، ويكون قصور الخطاب لاجل عجز المولى من الايجاب والتحريم، كما في الحج، فإن الواجبات المعلقة ممتنعة، ولا يعقل الخطاب الفعلي قبل البلوغ إلى المواقف، ولكن الملاك تام، بحيث لو ترك المكلف المقدمات يستحق العقوبة على تفويت تلك المصلحة الملزمة بإعدامها، أو المفسدة المبغوضة بإيجادها، ففي الواجبات والمحرمات قد يكون الامر على هذه الوتيرة، وحينئذ يصح التمسك بهذه القاعدة. وفيما نحن فيه - وهو الخروج الغصبي - لا يكون الامر كذلك، لان ما هو الممتنع عليه بالاختيار، هو الجامع بين الخروج الغصبي والبقاء الغصبي، والاضطرار إلى الجامع لا يصحح ارتكاب الفرد، وإلا يلزم جواز شرب الماء النجس إذا اضطر إلى الماء، وكان عنده إناءان طاهر ونجس، وهكذا في صورة الاضطرار إلى المائع، وعنده الخمر والماء، ففي جميع هذه الصور لا يمكن دعوى صحة نفي الضرورة بارتكاب الماء، فالاضطرار إلى الجامع لا يورث ارتكاب الفرد، وهكذا في مسألة الاكراه على الجامع (1).


1 - أجود التقريرات 1: 374 - 377.

[ 38 ]

ثم قال - دام ظله - إن هذه القاعدة ليست من القواعد الشرعية حتى يدعى انصرافها في صورة كون الامتناع تكوينيا، بل هي قاعدة عقلية وملاكها العام يشمل الامتناعين: التكويني كما في الحج، والتشريعي كما فيما نحن فيه، فالتصرف بالخروج مما لابد منه، لان مع تركه يبتلي بالمحرم الاشد، وهو البقاء. وما قاله من الامثلة لا ينطبق على ما نحن فيه، لان الامر هناك يدور مدار الجامع بين المحرم والمباح، وهنا يكون الجامع بين المحرمين، فمقتضى القاعدة على هذا صحة العقوبة، ويكون المورد من مواردها، كما لا يخفى. أقول: أولا: لم يظهر وجه لما قاله وحكاه من أنه اختار جريانها فيما إذا كان الملاك تاما، وكان قصور الخطاب لاجل العجز الطارئ من سوء سريرة العبد، فإنه مما لا شبهة فيه، ولكن لا ربط له بالمقام. وثانيا: هذه القاعدة من القواعد الكلامية المحررة في محله (1)، لتصحيح عقوبة العباد إذا أوقعوا أنفسهم في مخالفة المولى عن علم وعمد، من غير نظر إلى مسألة صحة الخطاب وعدمها، ولا ربط بين المسألتين، بل مقتضى ما تحرر منا في محله (2) صحة الخطاب إليه،


1 - لاحظ تحريرات في الاصول 2: 52. 2 - تحريرات في الاصول 3: 453.

[ 39 ]

لعدم كونه خطابا شخصيا حتى يقال بامتناع نشوء الارادة الجدية، مع ابتلائه بامتناع صدور الفعل منه، أو عدم صدوره منه. وثالثا: ليس الخروج والبقاء والدخول محرمة بعناوينها، بل المحرم عنوان واحد، وهو الغصب. فتوهم الفرد الدخولي والخروجي والبقائي غير تام، بل ما هو مورد الاضطرار هو المحرم، وهو الغصب، أو التصرف في مال الغير، ومقتضى القاعدة أن العناوين المحرمة إذا كانت ذات أفراد اختيارية بلا وسط، واختيارية مع الوسط، لا يكون العنوان المحرم مخصوصا بالطائفة الاولى، بل الطائفة الثانية أيضا محرمة. فتحصل من مجموع ما ذكرناه: أن الوجوب وخلو الواقعة عن الحكم وأمثال ذلك كله من قصور الفهم، وإلا فالغصب محرم في جميع مصاديقه والتصرف في مال الغير حرام، من غير فرق بين حالات المتوسط في الارض المغصوبة، حتى لو ندم في الاثناء وتاب وأراد الخروج، فإنه يرتكب المحرم الشرعي المبغوض بالخطاب القانوني وإن لا يعاقب. وتفصيل المسألة وكيفية الخطابات الكلية يطلب من محله ومحرره، ولقد تعرضنا للمسألة بحدودها في كتاب الاصول (1)، ومن شاء فليراجع. ثم إن ما أورده عليه: بأن الامتناع أعم من التكوين، خال من التحصيل، فإن الممتنع التشريعي ليس كالممتنع العقلي - على ما تقرر


1 - تحريرات في الاصول 4: 259 - 267.

[ 40 ]

في تحريراتنا (1) - لان ذلك يستلزم قبح التكليف كما في التكوين، فلو كان الخروج مورد الاضطرار بحكم العقل والشرع، يلزم امتناع الخطاب بعنوانه، مع أنه بالضرورة باطل، لامكان الخروج، وشرط الخطاب - وهو إمكان المكلف به - حاصل، فالمراد من الامتناع في القاعدة هو الامتناع العقلي والتكويني، وأما الاضطرار إلى الخروج فهو ممنوع. نعم، إذا كان ناظرا إلى حكم الشرع ومبغوض المولى والاهم والمهم، فهو - حينئذ - لابد أن يختار الخروج، فرارا من العقاب الاشد مع قبح الخروج وحرمته وصحة العقوبة عليه، لان ترك الاقبح باختيار القبح لا يورث قصورا في قبحه ومبغوضيته. فتحصل: أن التمسك بالممتنع الشرعي كالممتنع العقلي، في غير محله، وقد تمسك به الاعلام كثيرا في مختلف المسائل (2)، كما لا يخفى.


1 - تحريرات في الاصول 4: 182 و 185 و 191. 2 - جواهر الكلام 4: 184، و 5: 235، كفاية الاصول: 172، أجود التقريرات 1: 281 و 332 و 368، نهاية الاصول: 217، مستمسك العروة الوثقى 12: 209، التنقيح في شرح العروة الوثقى 9: 444.

[ 41 ]

الدرس الثامن ما ألقاه الوالد المحقق - مد ظله - حول التمسك بعمومات الشروط على صحة المعاطاة إن الشرط - بحسب اللغة والعرف - هو الالتزامات الضمنية والمعهودة في العقود. وهذا مما لا شبهة فيه. وقد يطلق على ما علق عليه الشئ الاخر، ومنه القضية الشرطية وكلمة الشرط في الكتب النحوية والعقلية، وهذا هو المعروف بين أبناء العصر ب‍ الشرط بندي، فإنه وإن لم تساعد عليه اللغة، إلا أن العرف والاستعمالات في مختلف الكتب والفنون تساعد عليه. وأما إطلاقه على الامور الابتدائية، كالبيع والاجارة والمعاطاة، فهو

[ 42 ]

غير معلوم، بل ممنوع (1). والكلام بعد ذلك يكون في مقامين: أحد هما: في دعوى القدر الجامع بين المعنيين الاولين، وقد أنكره لعدم السنخية الذاتية بينهما، وما يقال: من أن الالتزام والربط وأمثالهما جامعهما (2)، غير تام لاجمعيته عنهما وأشمليته منهما، فإطلاق الشرط على ما في ضمن العقد هو المقصود من تلك الادلة، لتمسكهم في المآثير بها في مثلها، فدعوى إجمالها أو انصرافها إلى الثانية، غير مسموعة، فالقدر المتيقن دخول المعنى الاولي فيها (3). ثانيهما: حول دعوى إلحاق الشروط الابتدائية بالشروط الضمنية حكما وإن لم تلتحق بها موضوعا. وتدل عليها: أن الروايات في مختلف الابواب تتضمن ذلك، وأطلقت الشرط على المعاني الاستقلالية، وهكذا في بعض الادعية. واستشكل - مد ظله - في تماميتها: بأن الاطلاق أعم من الحقيقة، فمع فقد القرينة لا يمكن التمسك بالعمومات. هذا لو كان اريد منها كشف المعنى الحقيقي والالحاق الموضوعي. وأما لو اريد منها الالحاق الحكمي فهو - أيضا - غير تام، لان مقتضى


1 - البيع، الامام الخميني (قدس سره) 1: 87 - 88. 2 - لاحظ حاشية المكاسب، المحقق الايرواني 2: 61 / السطر 7، حاشية المكاسب، المحقق الاصفهاني 2: 138 / السطر 13. 3 - البيع، الامام الخميني (قدس سره) 1: 89.

[ 43 ]

التتبع فيها أنه في كثير منها اطلق على المعنى الثاني، وفي بعض منها اطلق بلحاظ الضمنية، وليس اطلق الشرط على البيع من غير وجود الجهة المقتضية له من الجهتين الاوليين. وقد تعرض - مد ظله - لعدة روايات وأنهاها إلى أكثر من عشرين، ولم يرض بما قيل فيها، ودعوى الحدائق (1) وإن كانت صادقة في أصل إطلاقه عليها، إلا أن نكتة الاطلاق خفيت عليه (2). فتحصل: أن الادلة بمدلولها المطابقي قاصرة عن تصحيح الشروط الابتدائية والمعلقات العرفية. نعم، بعد إلغاء الخصوصية من القيود المأخوذة فيها، ودعوى فهم العرف ذلك، ومساعدة العقلاء عليه يتمكن من تصحيح جميع المعاهدات العرفية القديمة والجديدة (3). أقول: لنا بحثان: الاول: أن المعاملات وإن لم تكن بصورة الشرط والقضية الشرطية، إلا أن كلها يتضمن القضية الشرطية، ويكون تسليط أحد المتعاملين المتعامل الاخر على ما له، مشروطا بالمقابلة وأن يصنع به ما صنعه به، وربما يصرحون بتلك القضية ويقول: هذالك إن أعطيتني ذلك من غير إرادة الهبة المعوضة، بل يريدون به البيع بتلك الصورة.


1 - الحدائق الناضرة 20: 73. 2 - البيع، الامام الخميني (قدس سره) 1: 90 - 91. 3 - البيع، الامام الخميني (قدس سره) 1: 93.

[ 44 ]

فبالجملة: لا إطلاق بلا شبهة في تعويض الشئ بالشئ، بل التعويض معلق على تعويض الاخر وقبوله. فعليه يمكن دعوى جريان مفهوم الشركة في جميع المعاملات. نعم، هو الشرط بالمعنى الثاني، دون الاول، ولا يخفى أن الجعا لة هي القضية الشرطية بهذا المعنى، لا نها هي أن يقول: من رد علي عبدي فله كذا، فيعلم منه أن العقود كلها كذلك، ولكن بعضها الصريح فيه، وبعضها يتضمن ذلك. الثاني: إطلاق الشرط على المعنى الاول ليس إلا لاستلزامه المعنى الثاني، وأنه لكونه عند انتقائه وتخلفه يورث الخيار والتسليط على الاعدام، يعبر عنه بالشرط، فقوله: بعت هذا بهذا على أن تخيط لي ثوبا عقد متضمن للشرط، أي لما لو لم يعمل به يتزلزل العقد، كما يكون شأن الشرط في سائر الامور، فإنه بعدمه ينتفي المشروط، وعدم انتفائه فيما نحن فيه رأسا لا يورث استقلاله في المعنى حتى يكون المعنى الاصلي ذلك، فالمعنى الاصلي الاولي هو المعنى الثاني الدارج في جميع العلوم والفنون، ومن ذلك انتقل مفهومه إلى المعنى الاول، فما اختاره في المسألة غير تام، ولاجله يصح أن يقال في ضمن العقد بعد ذكر الشرط: إن لم تخط لي ثوبي فلا تعاهد بيني وبينك، فإنه عند ذلك لو تخلف يبطل العقد من غير حاجة إلى إعمال الخيار لابطا له. فتحصل: أن حقيقة الشرط هو المعنى المعروف في الصلاة، وهو

[ 45 ]

الامر الدخيل في الشئ الخارج عن هويته وماهيته، والشرط في ضمن العقد أيضا شرط لاجل خروجه عن ماهية العقد، ولكنه دخيل في الاثر المطلوب منها، ومناط لتحصيلها. وهذا قد يكون مذكورا صريحا، كما في القضايا الابتدائية وفي الجعا لة، وقد يكون مطويا في المطا لب، وما يقال في القضية التعليقية أنها قضية شرطية، هو أيضا يرجع إلى الدخا لة في حصول الشئ وترتب الاثر عليه، فجميع المعاني ترجع إلى معنى واحد. نعم، المعاملات المتعارفة الخا لية عن التعليق والشرط بالمفهوم وإن تضمنت القضية الشرطية إلا أنها ليست مشمولة للعمومات في المسألة عرفا. نعم عقد الجعا لة مشمول لها بلا شبهة، وكل الشروط الابتدائية - المذكورة بهذه الوتيرة - تكون مشمولة لها كما لا يخفى. ثم إن قضية إلغاء الخصوصية فيما نحن فيه غير معلوم جريانه، لا نه نرى من العقود ماردع عنها الشرع، فمجرد التعاهد والعقد ليس تمام الموضوع، للزوم الوفاء حتى يقال بصحة المعاطاة. وتفصيل المسألة في كتاب الشروط، ولقد تعرضنا لحدود هذه العمومات في مباحث الاجارات (1)، فمن شاء فليراجع.


1 - كتاب الاجارة من تحريرات في الفقه للمصنف (قدس سره) مفقود.

[ 46 ]

الدرس التاسع ما أفاده السيد الاستاذ الشاهرودي - مد ظله - في مسألة العلم الاجما لي بأن هذين الثوبين الموجودين عنده مرددان بين الغصبية والنجاسة، بأن يدور الامر بين الغصبية والنجاسة، فإنه إن علم بالغصبية والنجاسة ولم يعلم شخص المغصوب والنجس، فإنه يعلم بالمانع تفصيلا، فلا يجوز له الصلاة في الثوبين جمعا وتدريجا. وأما لو لم يعلم إلا إحداهما: الغصبية أو النجاسة، فإنه مقتضى الصناعة جواز الصلاة في كل واحد منهما تدريجا، لان الممنوع هو معلوم الغصبية والنجاسة، وذلك منفي، لعدم العلم بنجاسة ما يصلي فيه ولا غصبيته بالضرورة.

[ 47 ]

وبعبارة مني: لا يكون العلم الاجما لي كالعلم التفصيلي في تلك الجهة، وهو لو كان الثاني مأخوذا جزءا في الموضوع، فلو ورد النهي عن الصلاة في معلوم الغصبية، فإنه لو علم إجمالا بغصبية شئ يجوز له الصلاة فيه، لعدم كونه معلوم الغصبية. هذا حسب القواعد، ولكنه مما يشكل الالتزام به، ولو أمكن الاشكال في جواز الصلاة في مشكوك النجاسة، لاشتراط الطهارة، وعندئذ لا تصح الصلاة، للزوم إحراز الشرط، لا يمكن ذلك في الطرف الاخر، لعدم اشتراط الاباحة، بل الظاهر مانعية الغصب، ولو أمكن جر الشبهة إلى هنا أيضا، فلنا فرض العلم الاجما لي فيما كان الطرفان من الموانع في الصلاة. مثلا: لو علم إجمالا بأن هذا الثوب أو ذاك من شعر الهرة، فإن الممنوع ليس وجوده الواقعي حتى يتنجز بالعلم بل الممنوع هو وجوده المعلوم، ومع العلم الاجما ليلا يكون كل واحد في حد نفسه معلوما، فالقيد الاخر للمانعية - وهو المعلومية - غير محرز، فتصح الصلاة، مع أن الالتزام به مشكل جدا. هذا في الثوبين. وما قيل يأتي في الثوب الواحد المعلوم غصبيته أو نجاسته، فإنه بناء على أن مفاد صحيحة ابن أبي عبد الله (1)، اشتراط المانعية بالعلم


1 - عبد الرحمن بن أبي عبد الله قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يصلي وفي ثوبه عذرة من إنسان أو سنور أو كلب، أيعيد صلاته؟ قال: إن كان لا يعلم فلا يعيد. وسائل الشيعة 3: 475، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 40، الحديث 5.

[ 48 ]

بالنجاسة، تجوز الصلاة فيه، لان المانعية من قبل النجاسة ممنوعة، ومن قبل الغصب مرفوعة بالبراءة، فعندئذ يجوز الصلاة عا لما عامدا في هذا الثوب. نعم، يمكن الشبهة، لاجل أن الغصبية ليست مانعة، بل الاباحة شرط، أو عدم الغصبية، وأن النجاسة كذلك، بل المانعية غير متصورة، وترجع الموانع الشرعية إلى القيود العدمية والشروط السلبية، ولا يمكن الرجوع بعد ذلك إلى الاصول العملية. وهذا - أيضا - خلاف فهم الفقهاء. والذي يظهر لي: هو أن المانعية قابلة التصوير بوجه فصلناه في رسا لتنا المعمولة في قاعدة لا تعاد (1). ولكن الغصبية ليست من الموانع، بل الاباحة شرط، بخلاف ما لا يؤكل لحمه، فإنه مانع في الصلاة حسب ظواهر الادلة وفهم العموم، إلا أن الشئ قد يكون مانعا بوجوده الواقعي، فإنه - حينئذ - يجب الاعادة حسب القواعد لو تبين وجوده في الصلاة، وحيث لا تجب فربما يستظهر ابتداء أمران: مانعية المعلوم، فيكون العلم جزء الموضوع، ومانعية الشئ بوجوده المنجز، فيكون صفة المنجزية جزءا، سواء حصلت من العلم التفصيلي، أو الاجما لي، أو الحجة الشرعية، كالاستصحاب ونحوه، أو الطرق العرفية العقلائية الممضاة، كخبر الواحد والبينة ونحوها.


1 - رسالة في قاعدة لا تعاد للمؤلف (قدس سره) (مفقودة).

[ 49 ]

وتوهم: دلالة قوله (عليه السلام) في الصحيحة - بعد السؤال عن الصلاة في الثوب النجس -: إنه لا يعيد إذا كان جاهلا على دخا لة العلم بعنوانه في المانعية، فاسد جدا، لعدم أخذه فيها، بل غاية ما يعلم منه أن مع الجهل لا يعيد، وهذا يحتمل وجوها: الاول: أن يكون الشئ بوجوده الواقعي مانعا، ولكنه إذا ارتكبه حال الجهل لا تكون الاعادة واجبة لمصا لح اخر، لا لاجل صحة الصلاة، كما في القصر والاتمام، والجهر والاخفات. الثاني: أن يكون حال الجهل غير مانع، من غير كون العلم شرطا، حتى يلزم جواز الصلاة حال العلم الاجما لى، بدعوى أنه ليس علما. وبعبارة اخرى: لو كان العلم جزء الموضوع يمكن دعوى ظهوره في التفصيلي. وأما لو كان الجهل مانعا عن مانعية الشئ، فهو منصرف إلى الجهل المطلق، دون العلم الاجمالي، مع أنه لو كان العلم شرطا وقيدا، فمع الشك فيه مقتضى الاصل جواز الصلاة للشك في المانع. وأما لو كان الشئ بوجوده الواقعي مانعا، ويكون الجهل مانعا عن مانعيته، فإنه في الشبهة الحكمية لابد من الاحتياط، للعلم بالمانع والشك فيما يمنع به المانع. الثالث: أن يكون الممنوع وجوده المنجز. الرابع: أن يكون الممنوع وجوده العلمي.

[ 50 ]

الخامس: هو أن يكون العلم جزء الموضوع على الطريقية، بناء على تصويره، لا الصفتية. السادس: أن يكون العلم الطريقي جزء الموضوع بقاطعيته في الطريقية لا ظنيته، فإنه على الصفتية لا تقوم مقامه الاصول والامارات، وهكذا على الطريقية بالمعنى الاخير، لا نها طرق غير قطعية. وهذا هو المحتمل قويا في عدد الركعات في الثنائية والثلاثية، كما احتمله الفقيه اليزدي في رسا لته المعمولة في ذلك المطبوعة (1)، فليراجع. هذا كله بحسب الثبوت. وأما بحسب مقام الاثبات والاستظهار، فلابد من ملاحظة الاخبار والنظر في مقتضى الجمع بينها.


1 - حاشية المكاسب، السيد اليزدي: 8.

[ 51 ]

الدرس العاشر ما ألقاه السيد الاستاذ الوالد - مد ظله - في مسألة إفادة المعاطاة الملكية المتزلزلة والمستقرة وأن المسألة - من حيث الادلة الاجتهادية والعملية - كيف تكون؟ وسيتعرض لمفاد الاولى (1)، وقال في مقتضى الثانية باستصحاب الملكية، وأن فسخ المشتري أو البائع لا ينفسخ، لعدم الدليل على الانفساخ، ومقتضى الشك بقاؤها. وقد أورد إشكالات في المقام: فمنها: أن استصحاب الكلي - القسم الثاني - غير جار، والمسألة من هذا القبيل.


1 - يأتي في الدرس 20 و 22 و 24 و 26 و 29.

[ 52 ]

ومنها: أنه لا أثر لهذا الاستصحاب، لان الامر الجامع بين الملكيتين ليس من المجعولات الشرعية والاحكام الالهية. ومنها: أنه لو فرضنا جريان الاستصحاب الكلي فهو هنا غير جار، لان الجامع بينهما غير معقول، لاختلافهما في تمام ذاتهما، وهما متفاوتان في هويتهما ومتباينان في الحقيقة، ضرورة أن المستقرة هي ما لا تزول بالمزيل، والمتزلزلة هي ما تزول به، ولا جامع بين هذين الامرين. ومنها: أنه من الشك في المقتضي، وحجية الاستصحاب فيه محل الاشكال. والظاهر جريانه لتمامية شرائطه وأركانه. وما قيل في محله: من عدم جريان القسم الثاني فهو تام، إلا أن العرف لا يساعد عليه، ونفي الجامع بين القصير والطويل عقلا، لا يورث نفيه عند العرف على ما تقرر في محله (1). ودعوى: لغوية الاستصحاب، غير مسموعة، لان الجامع الانتزاعي ليس من المجعولات الشرعية في التكاليف الالزامية، كالجامع بين الحرمة والوجوب، بخلاف الجوامع الاعتبارية العقلائية في الموضوعات العرفية، فالملكية من الجوامع العرفية بين الملكيتين، وبقاؤها مع قطع النظر عن الخصوصيات ربما يستلزم الاثر، ولا حاجة إلى الازيد منه بنظر العرف في مفاد قوله (عليه السلام): لا تنقض


1 - الاستصحاب، الامام الخميني (قدس سره): 84 - 86.

[ 53 ]

اليقين بالشك (1). وتوهم: عدم وجود الجامع، مضروب عنه، لان الملكيتين ليستا متقابلتين بالسلب والايجاب، ولا بالعدم والملكة، بل هما اعتباران وجوديان مختلفان في الحكم العقلائي والاثر، من غير فرق بينهما ذاتا، مع أن الاختلاف في الهوية والذات، لا يورث نفي الجامع إذا كان الاثر مترتبا على ذلك الجامع البعيد أيضا. وما قرع سمعك من الشبهة في المسألة لاجل أنها من الشك في المقتضي مدفوع: أولا: بعموم حجيته. وثانيا: بأن المسألة من قبيل الشك في الرافع، لان الكلام في أن هذه الملكية - سواء كانت متزلزلة أو مستقرة - لا تزول إلا بالفسخ، وهذا هو معنى كون الشبهة في بقائها من قبيل الشك في الرافع، كما لا يخفى (2). والذي هو التحقيق منا في مقامه: أن الاستصحاب في القسم الثاني جار عقلا وعرفا والتفصيل في محله (3)، وما تخيله من عدم جريانه عقلا خال عن التحقيق، وأن الاثر المقصود في الاستصحاب ليس الحكم التكليفي المجعول من قبل الشرع، بل هو الاعم منه ومن كل ما يكون


1 - وسائل الشيعة 8: 217، كتاب الصلاة، أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الباب 10، الحديث 3. 2 - البيع، الامام الخميني (قدس سره) 1: 94 - 99. 3 - تحريرات في الاصول 8: 464.

[ 54 ]

التعبد به موجبا للاثر كالجوامع الانتزاعية، ولذلك تجري الاصول في عدم الاحكام الكلية مع أنها ليست مجعولة. فما اشتهر: أن المستصحب لابد وأن يكون حكما شرعيا أو موضوعا ذا حكم شرعي (1)، غير تام، لجريان الاصول الموضوعية في الاعدام المضافة لنفي الاثر عن المضاف إليه. والوالد كان يعتقد بذلك، إلا أنه لا يلتزم به فعلا، فالملكية الانتزاعية تستصحب والاثر مترتب عليها. اللهم إلا أن يقال: بأن الجامع بين الوجوبين الشرعيين مورد الاثر، لان بقاء الالزام تعبدا موضوع للزوم الطاعة والاطاعة، بخلاف الجامع بين الموضوعين وإن كانا من الاحكام الوضعية كالملكية، لعدم الاثر له. نعم، ربما يمكن دعوى مساعدة العرف على مثل ذلك الجامع، وأنه يعتبره في المتعددات المملوكة، فتأمل جدا. وربما ينفعك بعض الكلام في جريان الاستصحاب الشخصي في المسألة، كما لا يخفى. ومن تلك الاشكالات: أن استصحاب الملكية محكوم لاستصحاب عدم حدوث الملكية المستقرة، لتسبب شكه من شكه (2).


1 - كفاية الاصول: 394 و 422، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 458 و 471، تهذيب الاصول 2: 397 و 575. 2 - حاشية المكاسب، السيد اليزدي: 73 / السطر 8.

[ 55 ]

وفيه: أنه من المثبتات الواضحة، ضرورة أن نفي الفرد لا يكون أثره الشرعي نفي الكلي، سواء قلنا بأن الطبيعي موجود بذاته، أو قلنا بأن الفرد علة وجود الطبيعي، فإنه على الثاني واضح، وعلى الاول هما مختلفان في عا لم الاعتبار والموضوعية للحكم، فتدبر (1).


1 - البيع، الامام الخميني (قدس سره) 1: 96 - 97.

[ 56 ]

الدرس الحادي عشر ما ألقاه الشيخ باقر الزنجانى - مد ظله - في مسألة إحراز عنوان المخصص بالاستصحاب في الفروض المختلفة قائلا: إن أخذ الوجود والعدم المحمولين في دليل على نعت الكثرة، لا التقييد والتركيب، مما يمكن ثبوتا، ويحرز بالاستصحاب إثباتا، وأما العناوين المنتزعة من الوجودين المأخوذين في موضوع الحكم وإن كانت دخيلة في الموضوع، إلا أن إحراز منشأ الانتزاع يكفي لاحرازها، لعدم وجود لها إلا بتلك المناشئ، ولا أثر لها إلا بها. فعلى هذا لو ورد: أكرم زيدا إذا كان زيد في الدار وعمرو فيها، وكان

[ 57 ]

وجود زيد محرزا بالوجدان، وعمرو محرزا بالاصل، فإنه يجب الاكرام، وأما لو كان معنى المقارنة دخيلا في الحكم، فهو أيضا حاصل، لعدم وجود لها منحازة إلا بهما، وهكذا في مسألة السبق واللحوق، فتلك العناوين لو كانت دخيلة، فهي تحصل بالاستصحاب الجاري في الموضوعين، سواء كانا وجوديين، أو عدميين، أو وجوديا وعدميا، وعلى جميع التقادير سواء كان مفاد الناقصة أو التامة، كان كانت أو ليس، فإنه - في جميع الصور - إن دل الدليل على اعتبار المقارنة أو السبق واللحوق، فلا يكون الاصل مثبتا، وإن لم يدل دليل عليه بدال مخصوص، فالواقع لا يخرج عن أن يكون تلك العناوين دخيلة لامتناع الانفكاك، كما لا يخفى. فما أفاده المشهور من جريان الاصول في محله، إلا أن القوم ذهبوا إلى عدم الدخا لة، فلا يكون الاصل مثبتا. وما هو التحقيق: هي الدخا لة وعدم لزوم الاصل المثبت، لان مع فرض الوجودين لابد من إحراز المنشأ للانتزاع. وهذا هو مفاد ما حققه شيخنا الاستاذ في مباحث اللباس المشكوك. والذي يظهر لي: هو أن الخلط بين التكوين وبين كيفية جعل الشئ موضوعا للحكم، أورث أن يقع القوم فيما وقعوا فيه، وذلك أن المسائل العقلية تؤخذ من الخارجيات، من غير دخا لة لحاظ أحد فيه، فيكون المرجع الوجدان والشهود والبرهان، والموضوعات المأخوذة في الادلة تابعة للحاظ المولى ثبوتا ويؤخذ ذلك من الدلالات الواقعة منه

[ 58 ]

في كلامه وخطابه، من غير دخا لة الامور المقارنة والملازمة معه في موضوعية ذلك الموضوع، بحيث لو أمكن التفكيك لبقي الموضوع الشرعي بحا له في موضوعيته. فعلى هذا: تارة يكون الموضوع الامرين الموجودين في زمان واحد من غير لحاظ المقارنة، وهكذا في السبق واللحوق، واخرى يلاحظ ذلك في الموضوع، فإن دل الدليل على الاول فالاستصحاب ينقح الموضوع، وإلا فلا، والملازمة العقلية بين المنتزع والمنتزع منه لا تستلزم الملازمة الشرعية. ولعمري إن ما توهمه من الاصل أظهر مصاديق الاصل المثبت، كيف والتفكيك بين المتلازمين معمول به في التعبد، فضلا عما نحن فيه، فما تخيله - مد ظله - ساقط، كما أن ما ذهب إليه الاخرون: من أن التقارن غير مستفاد من الدليل، غير محصل، لان الكلام في المسائل فرضي، وذلك مما يمكن. ومما يترتب على ذلك: أن أخذ القضية بنحو الكثرة دخيلة في الحكم، لا يعقل إلا فيما كانت تلك القضية معلقا عليها الحكم، لا أن تكون موضوعة، فإن الحكم الواحد لا يتعلق بالكثرات لتشخص الارادة بالمراد، ولا يعقل جعل الحكم الواحد على الكثير بما هو كثير على ما تحرر في محله (1).


1 - تحريرات في الاصول 3: 444 - 445.

[ 59 ]

فإذا كان الامر كذلك ففي جميع الموضوعات لا يعقل إحراز جزء منه بالاصل والجزء الاخر بالوجدان مما بينهما من المعنى الحرفي الرابط، وفي المعلقات عليها الاحكام تفصيل بين استظهار العناوين المذكورة وعدمه، فافهم ولا تغفل.

[ 60 ]

الدرس الثاني عشر ما ألقاه سيدنا المحسن الحكيم - مد ظله - في مسألة عقد الشركة وجوازه وقد مر منا تحريره (1). وقال بعد تكرار المسألة: إن عقد الشركة بمعنى التشريك في الاموال، فيقول فلان لصاحبه: أنا شاركتك فيما أشتريه، أو في ما لي، أو في هذا الدرهم، فإنه يحتاج إلى القبول، ويكون عقدالازما، لعموم (أوفوا بالعقود) (2) وأصا لة اللزوم، وعقدها بمعنى الاذن في الاتجار، فهو ليس من العقد على تفصيل مضى منا (3).


1 - تقدم في الدرس السادس. 2 - المائدة (5): 1. 3 - تقدم في الدرس السادس.

[ 61 ]

وقد عرفت ما في مختاره، فإن الشركة بالمعنى الثاني - المسماة بالشركة العقدية - هي العقد على أن تحصل الشركة في المنافع المترتبة عليها والاثار والثمرات الحاصلة من الاتجار بها، بحيث تكون مشتركة بينهما، وربما تكون على وجه لا يمكن تمييزها وإن حصلت مع التمييز أيضا أحيانا. ولو صح رجوع العقود المتعارفة العقلائية - بدعوى ارتكازهم على ذلك وإن لم يكونوا مشعرين بها - إلى العقود المعروفة، لكانت ترجع المضاربة والمساقاة والمزارعة إلى نوع من الاجارة مع الشرائط في ضمن عقدها، فالاشتراك في الاثر واللازم، لا يورث رجوع الموضوع إلى الموضوع الاخر إلا مع الاتحاد في الاثار والاعتبار، كما لا يخفى. ودعوى لزوم الشركة بالمعنى الاول ممنوعة، لا نه عبارة اخرى عن هبة المشاع بلفظة الشركة، وهذا مما يرتكزه العقلاء، فافهم ولا تغفل.

[ 62 ]

الدرس الثالث عشر ما أفاده السيد الوالد - مد ظله - في مسألة جريان الاستصحاب الشخصي في الملكية الحاصلة بالمعاطاة، المرددة بين المتزلزلة والمستقرة فقال: يمكن دعوى عدم جريانه، لاجل أن الملكية اعتبار مقولة الاضافة أو الجدة، وهما لا يتقبلان الاشتداد والضعف، وليستا ذات مراتب، فهي من الكليات ذات الانواع، فلا يعقل جريان الاستصحاب الشخصي، لان الموجود في الخارج: إما صنف المتزلزل، أو المستقر، وحيث لا يعلم الخصوصيات الفردية، فلا يعلم الشخص حتى يستصحب، وما هو المتيقن هو الجامع بينهما، وهي نفس الملكية.

[ 63 ]

فما أفاده الشخص من استصحاب الجزئي في غير مقامه. ولنا دعوى جريانه بتقريب منا: وهو أن الملكية ليست من المقولات قطعا، واحتمال كونها اعتبار إحدى المقولتين، مدفوع: بأن المقولات متأخر زمان العلم بها عن اعتبار الملكية، فعندما يعتبرها العقلاء لم يكن يعلم بالمقولات أحد من الفلاسفة بالضرورة، فضلا عن أهل السوق والبوادي وكونها اعتبار المقولة، لا يستلزم سريان جميع أحكام المقولة إليها، حتى لا تكون ذات مراتب، ولم يجر فيها التشكيك الخاصي. فالحق أنه اعتبار من غير لحاظ المقولة في ذلك، ولا شبهة أنها كسائر العقود والاعتباريات، ليست من العلل والمعا ليل التكوينية، حتى يكون في البين تأثير وتأثر، فيقال: بأن الملكية معلول العقد كمعلولية الحرارة للنار وأمثا لها. وهكذا لا شبهة في أن لزوم الملكية وجوازها، ليس من الاثار القهرية الحاصلة من لزوم العقد وجوازه، ولا مبدءا تكوينيا للزوم العقد وجوازه، حتى يكون لزوم السبب من آثار لزوم المسبب، أو يستند إليه بالمجاز والعرض، أو يكون اللزوم مستندا إلى السبب بالذات وإلى الملكية بالعرض وهكذا. بل التحقيق: أن اللزوم والجواز من اعتبارات الاسباب والعقود، ويكون عند العقلاء العقود على صنفين: لازمة وجائزة والملكية

[ 64 ]

الحاصلة من العقود ليست شديدة وضعيفة حتى يتوهم التشكيك الخاصي فيها، بل السبب إذا كان عقدالازما، فهو يورث الملكية الغير المنفكة بالفسخ، وإذا كانت عقدا جائزا فهو يورث الملكية المنفسخة بأسبابه، وذلك ليس معناه اشتداد المعنى الاعتباري، كما يتصور في الماهيات الحقيقية، بل الزوال وعدمه من آثار الاسباب. فالملكية الحاصلة من العقد المردد بين الجواز واللزوم، هي الملكية الشخصية، لان الجواز واللزوم ليسا من الجهات الدخيلة في النقل والانتقال، بل العقد بعنوانه دخيل في النقل، وإيجاد الملكية والجواز واللزوم الطارئ عليه، لا مدخلية له في النقل بالضرورة. وإن شئت قلت: لو فرضنا أن المسألة من قبيل المسائل التكوينية، وأن العقود تؤثر في معا ليلها، فالذي هو المؤثر ليس الجواز واللزوم بالقطع واليقين، بل المؤثر هو الحيثية العقدية، فالاستصحاب الشخصي جار لعدم اختلاف الاثر بين العقد اللازم والمتزلزل، بل الملكية الحاصلة منهما معنى واحد شخصي، واعتبار خاص جزئي، وجواز الفسخ وانتقال الملكية وزوالها من آثار خصوصية الجهة الناقلة، وهو اللزوم والجواز، فلا تغفل. ثم إنه إذا جرى الاستصحاب الشخصي، يمكن إجراء الكلي القسم الاول منه، كما لا يخفى (1).


1 - البيع، الامام الخميني (قدس سره) 1: 99 - 101.

[ 65 ]

هذا ما أفاده المحقق النحرير في المسألة، وما قا له وإن وافقناه في أصل المسألة، إلا أن اللازم علينا الاشارة إلى نكتة فيها وهي: أن اللزوم والجواز من الاحكام العقلائية للعقد، وليسا من الاثار، ولا ذوي الدخل في التأثير، فلا يكونان من قيود المؤثر، ولا من قيود الملكية المتأثرة، وصفة الاستقرار والتزلزل، من الصفات الاعتبارية المنتزعة من الحكمين الثابتين للعقود، فما ظنه: من أنهما من قيود المؤثر وإن لم يكونا دخيلين في التأثير، غير تام، كما أن نفي التشكيك الخاصي من الملكية، لا يورث نفي التشكيك العامي، ولذلك اختار الفقيه اليزدي في ملحقات العروة صريحا - وغيره في غيرها كثيرا -: أن الملكية ذات مراتب (1)، والمراد منه اختلافها في الاحكام والاثار. بل الوالد - مد ظله - اختار في حواشيه على إرث الملا هاشم الخراساني الملك الضعيف بالنسبة إلى مراتع القرى والقصبات (2)، فراجع. ثم إن الملازمة بين جريان الاستصحاب الشخصي والكلي القسم الاول ممنوعة، كما فيما نحن فيه، فإنه يصح دعوى بقاء الملك الشخصي، ولكنه لا يعتبر الملك الكلي على حذو الاستصحاب الشخصي، وبيانه يعرف بالرجوع إلى المثال.


1 - حاشية المكاسب، السيد اليزدي 2: 4 / السطر 33، الاجارة، المحقق الرشتي: 13 / السطر 24. 2 - حاشية الامام الخميني (قدس سره) على إرث ملا هاشم الخراساني (مخطوطة).

[ 66 ]

ففي مثل العلم بوجود زيد في الدار، يعلم وجود الانسان في الدار، فيستصحب كل واحد على حدة، ويترتب عليه الاثر المقصود، وربما يغني أحدهما عن الاخر، أو الشخصي عن الكلي، أو بالعكس على تفصيل تقرر في محله (1). وأما إذا علم بوجود ملكية الدار لزيد بالعقد المعاطاتي، فلا يعلم بالملكية الكلية، بل يعلم بملكية مضافة إلى الدار، والمضاف إلى الشخصي والجزئي في مثل المسأ لة جزئي. نعم، يمكن دعوى إجرائه في موقف آخر، وهو أنه بعد العلم المذكور يعلم بما لكية زيد لشئ، وإذا فسخ العقد يشك في بقاء العنوان المزبور، ولكنه ليس على حذو الاستصحاب الشخصي، ولا يعقل دعوى كفاية أحد الاستصحابين عن الاخر، فافهم وتدبر.


1 - تحريرات في الاصول 8: 455 - 458.

[ 67 ]

الدرس الرابع عشر ما ألقاه سيدنا الاستاذ الشاهرودي - دام مجده - في مسألة العلم الاجما لي بأن أحد الشخصين دائن أو الاشخاص بشرط أن لا تكون غير محصورة، فإنه في هذه الصورة ربما تكون من المجهول المالك والداخلة في أحكام المظالم: فقال: قد يقال بالقرعة، وقد يقال بالتنصيف بعد لزوم تحصيل الرضا، والظاهر هو التقسيم بالنسبة، وذلك لان العلم بالاشتغال محرز، ولزوم التفريغ معلوم، فإن أمكن التراضي وإن لم يعط شيئا فهو، وإلا فلا وجه للقرعة، لانها موضوعة لمواقف لم تكن الحجج الاخرى جارية

[ 68 ]

حتى الاصول العقلائية، وفيما نحن فيه مقتضى الاصل العقلائي هو التقسيم بالنسبة، وأما التنصيف فهو غير تام، لان اختلاف الدائن في مقدار الدين، يورث عند العقلاء أن يكون المال على نحو المال المبذول للغرماء. وتوهم: أن الشبهة المحصورة كغير المحصورة، فيكون الدين مظلمة ومجهول المالك، في غير محله. وكان يظهر منه - حفظه الله تعا لى - عدم لزوم الاحتياط بأداء الدين بالاشخاص، ولعله لاجل استلزامه الضرر المفروغ نفيه، فليتدبر. وعدم قبول الدائن بعنوان الدين لا يورث خللا في تكليفه، إذا تمكن من أدائه ولو بالعناوين الاخر على زعمه، كما لا يخفى. أقول: فيما ذكره مواقف للنظر، ولما يكثر النفع فيه لا بأس بالاشارة إليها. وقد عنون الاصحاب المسألة: ويظهر من الفقيه اليزدي وجوها في المسألة: إرضاءهم بأي وجه كان أو وجوب اجراء حكم مجهول المالك عليه، أو استخراج المالك بالقرعة، أو توزيع ذلك المقدار عليهم بالسوية، واختار الاخير ولعل اختيار التسوية لمفروضية تساوى الديان (1). والتحقيق: أن مقتضى العلم الاجمالي هو الاحتياط بحكم العقل، وعليه يجب دفع الدين حتى يعلم بالفراغ.


1 - العروة الوثقى 2: 381، كتاب الخمس، فصل فيما يجب فيه الخمس، المسألة 30.

[ 69 ]

وتوهم: لزوم الضرر وهو منفي، في غير محله، لان ما يستلزم الضرر هو حكم العقل دون الشرع، وما هو المنفي على الفرض - طبق اقتضاء القاعدة - هو الحكم الشرعي. وأما جهلنا بالواقعة، وسوء تدبيرنا، وعدم ضبط الدائن وذي الحق، وغير ذلك، فهو ليس منفيا، ولا ذا حكم منفي. وما توهمه: من عدم جريان أدلة القرعة فيما نحن فيه لاجل الاصل العقلائي، في غاية الوهن، لان جميع موارد القرعة يجري فيه هذا الاصل، وهو التقسيم بالنسبة أو السوية، فعدة من أخبارها في مورد اختلاف الوارث والمورث حياة ومماتا، والجهل بحا لهم... وهكذا، فلو كان الامر كما توهمه، يلزم سقوط أصل القرعة، وسقوط الاخبار المتمسك بها في تلك المواضع، فلا تغفل. نعم، في مورد العلم الاجما لي فليس الامر مشكلا، لحكم العقل في المسألة. اللهم إلا أن يقال: إنها لكل أمر مجهول، وهو يشمل المورد. وفيه: أن الظاهر رجوع مفهوم الجهل إلى الاشكال، لا نه يورثه. هذا بناء على التمسك بعمومات القرعة في غير مواقف فتوى الاصحاب وعملهم بها، كما ذهب إليه الوالد المحقق - مد ظله - وبعض الاعلام المعاصرين (1) على ما يظهر منهم. ثم إن اختيار التسوية في التقسيم أو النسبة فيه يحتاج إلى


1 - الاستصحاب، الامام الخميني (قدس سره): 398 - 399، مصباح الاصول 3: 341 - 343.

[ 70 ]

الدليل، فلو كان حق أحدهما أقل من النصف، فربما يتعين إيفاء حقه ثم إيفاء حق الاخر، لا نه يدور الامر بين القطع بعدم إيفاء حقهما، وبين العلم بإيفاء بعض الحقين واحتمال إيفاء حق أحدهما كلا. وربما يقال: بأن البذل بأحدهما مطلقا أرجح، لاحتمال وفائه بالدين، بخلاف ما لو قسمه عليهما، فإنه يعلم ببقاء الدين، فإن تقليل الدين ليس من الواجبات الشرعية، بل الواجب هو أداؤه، وهو غير ميسور، فمقتضى العقل هو الفرار عن المخالفة القطعية بموافقة احتمالية. ثم إن مقتضى ما تحرر منا في محله، جريان الاصول في أطراف العلم الاجمالي، وجواز ارتكاب المجموع (1) إلا في مواقف خاصة، وفي كون ما نحن فيه منها إذا كان الاطراف كثيرة، وإن لم تدرج في الشبهة غير المحصورة وعدمه، وجهان، والتفصيل في مواضعه. والعجب من الفقيه اليزدي، حيث اختار في المسألة التوزيع (2)، وفي ختام الزكاة قال: إذا علم اشتغال ذمته بالخمس أو الزكاة وجب عليه إخراجهما إلا إذا كان هاشميا فإنه يجوز للهاشمي ] أن [ يقصد ما في الذمة (3). وأنت خبير بما فيه، ضرورة أنه في مسألة الدين وتعلق حق الغير


1 - تحريرات في الاصول 6: 185 وما بعدها، و 7: 195 وما بعدها. 2 - العروة الوثقى 2: 381، كتاب الخمس، فصل فيما يجب فيه الخمس، المسألة 6. 3 - العروة الوثقى 2: 381، كتاب الخمس، فصل فيما يجب فيه الخمس، المسألة 30.

[ 71 ]

بذمته، ليست الجهة المشتركة موجودة، بخلافها هنا، فإنه يصح له أن يرد المال الواحد المردد إلى وكيل المستحقين للزكاة والخمس، فحينئذ يتمكن من الفرار من الاحتياط نوعا، مع أنه اختار الاحتياط تعيينا. نعم، إذا لم يتمكن من ذلك، وقلنا بعدم جواز صرفه بعنوان الوكيل من قبلهم، تكون المسألة من قبيل هذه المسألة، وتأتي فيها الوجوه السابقة.

[ 72 ]

الدرس الخامس عشر ما ألقاه السيد الاستاذ الخوئي - دام مجده - في مسألة ترجيح جانب النهي والحرمة على الامر والوجوب فقال: قد ذكروا في المسألة وجوها: منها: الاستقراء، فإنه بعد ما نراجع الفقه نجد ترجيح الشرع جانب الحرمة على الوجوب. ومنها: إيجابه الاستظهار بعد انقطاع دم الحيض، مع أن المسألة تدور بين وجوب العبادة وحرمتها، وهكذا في مسألة إراقة الماءين المعلوم نجاسة أحدهما، فإنه قدم جانب الحرمة على الوجوب وإلزام الاهراق والتيمم. وفي ذلك نظر، ضرورة أن الاستقراء الناقص لا يحصل بالموردين،

[ 73 ]

فضلا عن التام، فهو من القياس الذي لا نقول به، مع أن كونهما من موارد القاعدة ممنوع، ضرورة أن ترجيح ترك العبادة على فعلها لو كان معلوما في الشريعة، فلا يعلم أنه لتلك الجهة، بل لعله لجهات اخرى مثل استصحاب حكم الحيض أو موضوعه، مع أن العبادة ليست محرمة - على ما قال به جماعه - إلا تشريعا، والكلام في المحرم الذاتي، مع أن وجوب الاستظهار محل خلاف، وقد اختار استحبابه الفقيه اليزدي (1)، والحق وجوبه يوما، وقيل: ثلاثة أيام، ولو كان الامر كما ذكر، لما كان وجه لما قيل في المسألة وقلنا، فالمسألة خارجة بالضرورة عن القاعدة. نعم، على القول بالحرمة الذاتية ووجوب الاستظهار في تمام المدة، ربما يمكن أن يحتمل ذلك، ولكنه مجرد احتمال، وهو غير كاف، وهكذا المورد الاخر، فإن الوضوء بالماء النجس ليس من المحرمات، حتى يقال: بأن ذلك من باب ترجيح جانب النهي على الامر، فالاراقة والتيمم لاجل الجهات الاخر، وإلا فمقتضى القاعدة هو التوضي بالماءين، والتطهير بالثاني قبل الوضوء، والصلاة بعد كل وضوء، فإنه عند ذلك يعلم بالفراغ، ومع ذلك الزم بالتيمم. فهذا الوجه غير تام، لاختيار بطلان الصلاة في الدار المغصوبة، لغلبة جانب النهي وخروج الفرد من الواجب المطلق، فتدبر.


1 - العروة الوثقى 1: 338، المسألة 1.

[ 74 ]

أقول: ما كانت تمس الحاجة إلى هذا البسط لابطال هذا الوجه، المعلوم ضعفه كالنار على المنار، بل كالشمس في رابعة النهار. ولعمري إن قلة فهم الطلاب وتداني منزلتهم العلمية والافق الفكري، أوقع هذا الاستاذ وأمثاله في صف الاخرين، ويعدون في عصرنا من وجوه المحققين، ونرجو من الله تعالى أن يوفقنا لما يحب ويرضى. وفي كلماته مواقف للنظر: أولا: أنه يظهر منه جواز الاتكال على الاستقراء الناقص، حيث نفى قولنا بالقياس، فلا تغفل. وثانيا: لو كانت العبادة في أيام الاستظهار محرمة تشريعا - لجواز الاتيان بها بداعي الامر - لكان ذلك جائزا في أيام الحيض أيضا، لاحتمال عدم صحة ما يدل على حرمة العبادة عليهن ثبوتا ولبا، ولذلك قلنا بعدم جوازها وحرمتها، وإلا يلزم ] حلية [ جميع المحرمات، باحتمال أن الادلة المقتضية لحرمتها غير صادرة، لعدم الدليل على صدورها إلا الحجج الشرعية والعقلائية، وهذه هي لا تورث القطع بالحكم. وأنت خبير بما فيه، فلا ينبغي اختيار ذلك وإن قال به كثير من الاعلام في كثير من المقامات. والتفصيل في محله. هذا، مع أن الاختلاف في المبنى لا يورث سقوط البناء على جميع التقادير، ولذلك يسقط احتمال التمسك بالاستصحاب. وثالثا: خروج المحرم التشريعي عن محل الكلام ليس لاجل

[ 75 ]

اختصاصه بغيره كما يظهر منه، بل ذلك لاجل أن المحرم التشريعي متقوم بقصد المكلفين، وهو يتبع جعل الشرع، بخلاف المحرم الذاتي الغير المنوط بالقصد. اللهم إلا أن يقال: إذا لا حظ الشرع أن الامر في تلك الايام يدور بين ترك العبادة وإتيانها، وحيث لو أتى بها يقصد بها ما يحتمل مبغوضيتها، أو أن نفس الاتيان بها تشريع محرم ولا يؤاخذ على العبادة، بل يؤاخذ على الاتيان بها في تلك الحالة المجهولة، تكون المسألة من دوران الامر بين الحرام والواجب، ولا حظ الشرع جانب المحرم، فافهم. ورابعا: غرض المستدل من التمسك بالموردين بيان: أن الشرع في دوران الامر بين الفعل والترك قدم جانب الترك، فيقدم جانب الحرمة، لانها الترك، أي لاحظ جانب الوضوء بالنجس وترك الوضوء، فقدم الثاني على الاول، ولذلك لا يكون المورد الثاني فعلا وتركا داخلا في المسألة بعنوانها. وخامسا: ربما يكون غرضه جعل أمثال هذه الموارد، قرائن عرفية للاستظهار في المواقف الخالية من تلك القرائن في التمسك بالاستقراء والقياس، فإن الاستقراء عندنا كالقياس لا يفيد شيئا إلا إذا رجع بالاستظهار من الدليل فلا يخفى. وسادسا: لا حاجة إلى الصلاة بعد الوضوء الاول، لا نه بعد ما توضأ بالماء الاول، ثم طهر مواضع الوضوء والمسح بالثاني، ثم توضأ

[ 76 ]

به، يعلم بالوضوء الصحيح، ثم يشك في نجاسة بدنه، وتجري أصا لة الطهارة لو قلنا بجريان الاصلين وسقوط الحالة السابقة، وإلا فبعد الحا لة السابقة فإنه يبني على الطهارة. نعم، في بعض الصور يحتاج إلى تخلل العبادة بينهما، كما لو كانت الحالة السابقة الطهارة، فالاخذ بنقيض تلك الحالة يرجع إلى نجاسة اليد، فعليه يلزم التكرار، فليتدبر جيدا.

[ 77 ]

الدرس السادس عشر ما أفاده الوالد المحقق - مد ظله - في مسألة جريان الاستصحابات المعارضة مع استصحاب الملكية من أنها ليست جارية في حد ذاتها، أو ليست مثمرة. فمنها: الاستصحاب التعليقي، فإنه بعد المعاملة كان له إذا يفسخ العقد ينفسخ للخيار، ويحتمل بقاؤه، لاجل تزلزل الملك وكون المعاطاة من العقود الجائزة المفيدة ملكية متزلزلة. وفيه: أن التعليقات الاختراعية غير جارية. ومنها: استصحاب جواز الفسخ وضعا ونفوذه، ولا تعليق شرعا، بل هو

[ 78 ]

حكم منجز. وفيه أنه ليس من الاحكام الشرعية، بل الثابت هو أن البيعين بالخيار، وأما المعنى المنتزع منه - الصادق على البيع الخياري والعقد الجائز - فهو غير كاف، لانه ليس من الاحكام الشرعية (1). ومنها: استصحاب عدم كون العقد لازما بالعدم الازلي. وفيه: أن الاصول العدمية الازلية أمرها بين اللاجريان والمثبتية على ما تقرر في محله (2)، والاعدام الناعتية أيضا في الموضوعات المعدولة غير جارية، سواء كانت من قبيل القضايا الموجبة المعدولة المحمول، أو السالبة المحمول، أو السالبة المحصلة المفروض وجودها. والتفصيل في محله (3). وفي ما ذكره - مد ظله - بعض الانظار: منها: أن الامور الانتزاعية القابلة للبقاء، والمثمرة في الاطاعة والثواب، يجري فيها الاستصحاب، فاستصحاب الوجوب المنتزع من الوجوبات الشرعية يجري، ونتيجته لزوم الاطاعة، فالمناط هو الاثر العملي لا غير، وإلا يلزم عدم جريان استصحاب عدم الوجوب والحرمة، فليتدبر. فعلى هذا نقول: كان المالك نافذا فسخه، والان كذلك.


1 - البيع، الامام الخميني (قدس سره) 1: 102 - 104. 2 - مناهج الوصول 2: 259 - 269، الاستصحاب، الامام الخميني (قدس سره): 96 - 106. 3 - نفس المصدر.

[ 79 ]

وإن شئت قلت: العرف يستظهر من قوله: البيعان بالخيار (1) نفوذ الفسخ ويستند ذلك إلى الشرع، فإن معنى الخيار عرفا ذلك وثمرته هو، فلنا استصحاب بقائه لاجل احتمال حدوث العلة الاخرى، القائمة مقام العلة المقتضية لجعل ذلك الخيار، واستصحاب عدم حدوث تلك العلة غير كاف لرفع اليد عن ذلك الاستصحاب، فتدبر. ومنها: أن المقرر منا في مقامه أن الاصل العدم الازلي إذا كان نفس التعبد به موضوع الاثر، كما لو ورد: أكرم زيدا إن لم يكن عمرو موجودا يكون جاريا (2)، ففيما نحن فيه يصح دعوى أن نفس التعبد بعدم لزوم العقد، يكفي لنفي الحكم الشرعي. وتوهم: تعارضه مع الاصل الجاري في صفة الجواز، أيضا في غير محله، لان الالتزام بهما ممكن، لامكان خلو العقد من الصفتين تعبدا، ولا علم إجمالا بأنه موصوف بهما واقعا، مع أن الاثر إذا كان للاعم من العقد العاري منهما ومن الموصوف بالجواز، لا يلزم في المسألة إشكال، فتأمل. ثم إنه - مد ظله - حكى الاستصحاب الاخر، وهو استصحاب بقاء العلقة الجامعة بين الملكية الزائلة والاسترجاع المشكوك بقاؤها. وفيه: أنه يندرج في القسم الثاني، والمجرى أمر كلي انتزاعي لا


1 - وسائل الشيعة 18: 6، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 1، الحديث 5. 2 - تحريرات في الاصول 8: 493.

[ 80 ]

أثر له شرعا، ونفس التعبد بها لا يورث ترتيب أثر العلقة الخاصة إلا بالاثبات. ولنا أن نقول: هو من القسم الثالث، لان علقة الاسترجاع وحق الارجاع من الامور المستحدثة، وليست في عرض حق التصرف في ماله والاستفادة عنه والعلقة الملكية لانه من توابع خروج المال عن ملكه، ولو سلمنا جريان القسم الثالث في بعض الصور لمساعدة العرف عليه، فهو هنا ممنوع لعدم المساعدة عليه. فرع لو شك في أن اللزوم والجواز من آثار العقد وأوصافه، أو من آثار الملك وعوارضه، فهل يجري الاستصحاب أم لا؟ والمفروض هو أن اللزوم والجواز لو كانا من توابع العقد، يكون الاستصحاب الشخصي جاريا للعلم بحصول الملكية، وإذا كانا من أوصاف الملكية فيلزم اختلافهما ذاتا ووجودا، فلا يعلم بالشخص حتى يجري الاستصحاب الشخصي، وإذا شك في أنهما من أوصاف الاسباب أو المسببات، حتى تكون الملكية أمرها دائر بين كونها موصوفا بأحدهما، أو لا موصوفا مطلقا إلا بالعرض والمجاز تبعا للاسباب، فالشخصي غير جار، بخلاف الكلي. وتوهم: أنه في هذه الصورة تكون المسألة من الشبهات

[ 81 ]

الموضوعية للاستصحاب (1)، فاسد جدا، لعدم إمكان الشبهة الموضوعية، لعموم لا تنقض من جهة القيدين - الشك واليقين - وإن أمكن من جهة سائر القيود المعتبرة في جريانها. ثم إنه لم يظهر لي وجه ما وقع فيه بعض الاعاظم، من أن التمسك به هنا من التمسك بالاستصحاب في الشبهة المصداقية، وحيث يكون المخرج لبيا يجوز التمسك به (2). وقال الوالد: لو كانت المسألة من شبهات تلك المسألة، فقد فرغنا من عدم الفرق بين اللبيات واللفظيات في محله (3)، وأن اللبي كاللفظي، فإن كان مجملا فلزوم القدر المتيقن منه دليل جواز التمسك، لكن الشك يرجع إلى الشك في أصل التخصيص، وإن كان مبينا فلا يجوز، لتأتي ما قلناه في وجه عدم الجواز هناك هنا. والتفصيل موكول إلى محله (4). والاصحاب في تلك المسألة، وقعوا في الخلط بين الشبهة المصداقية والشبهة في أصل التخصيص، وعرجوا منها إليها، فراجع. ولنا سؤال منهم جميعا في خصوص مسألتنا: وهو الشك في أن اللزوم والجواز من طوارئ الاسباب والمسببات، فإنه لا ربط له بالشبهة


1 - حاشية المكاسب، السيد اليزدي 1: 73 / السطر 31، منية الطالب 1: 61 / السطر 14. 2 - منية الطالب 1: 61 / السطر 18. 3 - مناهج الوصول 2: 252 - 254. 4 - مناهج الوصول 2: 247 - 251.

[ 82 ]

المصداقية، بل هو لو فرض فيه الشبهة، فهو لاجل كونها من الشبهة الموضوعية لعموم لا تنقض، ولا مخصص له حتى يبحث عن لبيته ولفظيته وعن إجما له ومبينيته. والحاصل: جريان الاصل الكلي - دون الشخصي - عقلا وعرفا.

[ 83 ]

الدرس السابع عشر ما ألقاه سيدنا الاستاذ الشاهرودي - مد ظله - في مسألة تردد الحق المتعلق بالغير بين الافراد المحصورة وقد عرفت تفصيلها (1)، وهو - حفظه الله - كان يخلط بين المسألتين: إحداهما: ما لو علم بمديونيته إما لزيد أو عمرو. ثانيتهما: ما لو علم مديونيته لزيد وعمرو، وليس له إلا المال القاصر عن دينه. فإن المسألة الثانية فيها التوزيع قبل الحجر، وبعده يتعلق الدين بالخارج، ولا يأتي البحث عن التوزيع بالنسبة فيها. وأما المسألة الاولى فهي موضوع المحتملات السابقة، ولا يأتي


1 - تقدم في الدرس الرابع عشر.

[ 84 ]

فيها البحث عن التوزيع بالنسبة إلا على تقدير، وهو ما لو علم إجمالا بمديونيته لزيد أو عمرو، ولكنه يعلم أنه إن كان مديونا لزيد، فهو الاقل من الفرض الثاني، فإنه على القول بالتوزيع في أصل المسألة يمكن دعوى التوزيع بالنسبة، فلاحظ وتدبر جيدا. ثم إنه - مد ظله - اختار في المسألة التوزيع - كما هو مختار الفقيه اليزدي (1) - معللا: بأن تنجيز العلم الاجما لي في هذه المواقف غير معلوم، وهو خلاف الضرورة، وأن القرعة في هذه المواضع غير جارية، لجريان الاصول العقلائية غير المردوعة، وإجراء حكم مجهول الملك غير موجه. وأما التوزيع فربما يساعد عليه البناءات العقلائية الحجة لعدم مردوعيتها. وهذا خلاف ما ذكره في حواشيه على المسألة في كتاب الخمس، حيث قال - بعد اختيار السيد التوزيع -: كونه أقوى الوجوه غير معلوم. نعم، هو أقوى من بعض الوجوه. ومن هنا يعلم الحال في الفرع الاتي (2). انتهى. والذي هو الحق: أن مقتضى الصناعة هو الاحتياط، إلا أن الرجوع إلى مآثير القرعة (3)، يورث الاطمئنان بأن مسألتنا هذه تعرف منها، فكأن


1 - العروة الوثقى 2: 381، كتاب الخمس، فصل فيما يجب فيه الخمس، المسألة 30. 2 - العروة الوثقى 2: 382، كتاب الخمس، فصل فيما يجب فيه الخمس، الهامش 2. 3 - تهذيب الاحكام 6: 233، الباب 90، وسائل الشيعة 27: 257، أبواب كيفية الحكم وأحكام الدعوى، الباب 13.

[ 85 ]

الامام (عليه السلام) لم يعمل بقاعدة الاحتياط ولا التوزيع، فيعلم منه أن المسألة من موارد القاعدة، فليتأمل. وإن شئت قلت: العمل بالعمومات الواردة في القرعة إن لم يكن موافقا للتحقيق، ولكن استكشاف حكم هذه المسائل مما ورد فيها خصوصا، مما لا يمكن إنكاره لعدم التعبد في الخصوصيات المفروضة في الروايات (1)، فليراجع.


1 - نفس المصدر.

[ 86 ]

الدرس الثامن عشر ما ألقاه سيدنا الاستاذ الحكيم - مد ظله - في مسألة جواز إيقاع عقد المزارعة بالامر قائلا: أنه غير صحيح إلا إذا كان المقصود الانشاء به، دون نفس المدلول المطابقي، أو الاستعمال المجازي، فإنه من المجازات البعيدة المستنكرة قطعا، والامر لا يتقوم بالقبول، فلو كان المقصود من الامر إحداث المعنى الاعتباري كالتكويني فهو يحصل، ولا يحتاج إلى المقابل، بخلاف ما لو قصد به المعنى الحاصل من الايجاب. ثم إن المعروف جواز تقديم القبول على الايجاب، ولكنه ممنوع، لان القبول: تارة يكون بالمعنى اللغوي المستعمل في المقاصد المتعارفة مثل قوله: أنا أقبل أن أكون كذا وكذا، سواء كان من الامور

[ 87 ]

الممتنعة أو الممكنة. واخرى: يكون بالمعنى المتقوم به العقد المقابل للايجاب، ويعد قبولا للايجاب وقبول المنشأ. فإنه على الاول لا يتقدم ولا يتأخر، لعدم معقولية التقديم والتأخير فيه، وعلى الثاني لابد وأن يتأخر، لانه لابد وأن يلتقم ما انشئ بالايجاب ويبلعه، ويكون قبولا في العقد قبال الايجاب، وهذا غير معقول تقدمه عن الايجاب، لتقومه بالوجود الانشائي السابق المعلق في الهواء حتى يأخذه ويقبله ويلتقمه. وما قرع سمعك من جواز تقديم القبول على الايجاب في البيع، فيقول المشتري: أشتري منك الفرس بدرهم، ويقول البائع: قبلت أو بعت (1)، فهو ليس من تقديم القبول على الايجاب، بل هو من قبيل تقديم الايجاب على القبول. نعم، يجوز في عقد البيع الايجاب بكلمة الاشتراء والبيع، والسر هو: أن المبيع والمعوض في الفرضين هو الفرس، والدرهم هو العوض، ولا يختلف العوض والمعوض باختلاف التعابير، بل هما من الامور الواقعية في عالم الاعتبار، ويكونان محفوظين إجمالا. فحصل: أن القبول قبول الانشاء، وهو يتقوم بسبق الانشاء، وما


1 - كما في جواهر الكلام 22: 254.

[ 88 ]

لا وجود له كيف يقبل القبول؟! (1). أقول: في كلامه مواقف للنظر: أولا: أن المراد من الامر والايقاع الامري ليس إلا إنشاء المعنى المقصود بتلك الصيغة، ولا يستعمل في جميع الفروض، الامر إلا في معنى واحد، وإنما الاختلاف في الدواعي والمقاصد الخارجة عن الاستعمال، ولا مجاز في البين حتى يكون من المجازات المستنكرة. وثانيا: لا نفرض القبول العقدي ما يلتقم المعنى المنشأ حتى يلزم ما ذكر، ويكون من القضايا ] التي [ قياساتها معها، بل القبول العقدي هو قبول المعنى الانشائي المعلوم في البين، والمعروف بين الطرفين، غير المظهر بعد، فيقول المشتري: إني قابل بيعك ومزارعتك وإجارتك، ويقول البائع: بعتك وآجرتك وزارعتك... وهكذا، والامور الاعتبارية لا تأتي فيها التوالي الفاسدة الاتية في الامور الحقيقية على ما تقرر (2). وثالثا: لو فرضنا لزوم كون القبول قبول المنشأ الفعلي الموجود سابقا، لا نسلم اشتراط العقد بذلك، بل معنى العقد هو الاعم من العهد الموجود من تقدم الايجاب على القبول والعكس، فالكبرى - حينئذ - في المسألة ممنوعة جدا.


1 - مستمسك العروة الوثقى 13: 50 - 51. 2 - تحريرات في الاصول 3: 32.

[ 89 ]

ورابعا: أن عناوين المشتري والمستأجر والبائع والمؤجر والمعوض والعوض وإن كانت لها واقعية محفوظة في عالم الاعتبار في الجملة، بخلاف الايجاب والقبول، ولكن ذلك لا يورث خللا فيما أشرنا إليه، كما لا يخفى.

[ 90 ]

الدرس التاسع عشر ما ألقاه السيد الخوئي - مد ظله - في مسألة جريان النزاع في الاجتماع والامتناع فيما إذا كان العناوين مختلفة حسب اختلاف الاضافات: فإن صاحب الكفاية - قدس الله نفسه - اختار ذلك (1)، وقال: لو ورد: أكرم العلماء ولا تكرم الفساق، واتحد مصداق العا لم والفاسق، يجري البحث المعروف والنزاع في إمكان اجتماع الامر والنهي، لان النزاع في الحقيقة دائر مدار تعدد العنوان المورث لتعدد المعنون، ويكون التركيب انضماميا، أو تعدده لا يورث تعدده، فيكون التركيب اتحاديا.


1 - كفاية الاصول: 216.

[ 91 ]

والاضافة الحاصلة في ماهية الاكرام تورث تكثره، فإن قلنا بالامتناع في العناوين المختلفة بالذات نقول به هنا، وإن قلنا بالجواز نقول هنا بالجواز، ضرورة أن الحصة المضافة من تلك الطبيعة، غير الحصة المضافة إلى الطبيعة الاخرى. ويتوجه عليه: أولا: أن المثال المذكور لا يكون مثالا لهذه المسألة، لاشتراط المندوحة وإمكان الامتثال في المسألة، والمكلف فيما نحن فيه لا يقدر على الامتثال والجمع، فترجع المسألة إلى باب التزاحم أو التعارض، وتخرج عن مبحث الاجتماع، لعدم معقولية الجعل والخطاب على ما تقرر. وما هو مثال المسألة: أكرم العالم، ولا تكرم الفاسق، ويكون الواجب إكرام صرف الوجود، فإنه يتمكن من الجمع بين التكليفين، فلو ابتلي بهما لسوء اختياره فيأتي النزاع - مثلا - فيه. وثانيا: البحث في مسائل الاجتماع والامتناع، يدور مدار التراكيب الانضمامية والاتحادية، والقائل بالاولى يجوز، والثاني لا يجوز، وهذه الاختلافات - الاتية من قبل الاضافات - خارجة عن ميزان المسألة، ضرورة أن الفسق والعلم من عوارض الوجود الخارجي المجتمع قطعا، ولا يعقل فرض التركيب الاتحادي حتى يجري النزاع، فالكبرى في كلامه أيضا ممنوعة، وفيه مواضع للنظر لا ثمرة للبحث عنه وإن تعرض له الاستاذ، وقال في آخر كلامه: فجميع ما قاله صاحب الكفاية في الامر

[ 92 ]

الاخير غير قابل للتصديق، فليتدبر. أقول: ما توهمه: من خروج المثال من كبرى المسألة، مبني على اشتراط المندوحة في المسألة، وهو ممنوع على ما فصلناه (1). وما تخيله: من أن مدار المسألة على التركيب الاتحادي والانضمامي، من قلة الباع وقصور الفهم. وقد تحرر من الوالد المحقق في محله ما هو الحقيق بالتصديق، وأن مسائل الاعتباريات لا ربط لها بالعقليات (2). وقد تحرر منا في غير مقام: أن العلل والمفاسد في الامور العقلية والتكوينية - مثل اجتماع الاضداد والامثال - لا تجري في الاعتباريات (3)، وأن مسألة اجتماع الامر والنهي ترجع إلى أن العناوين المختلفة - اعتبارا وذهنا وحكما - إذا تصادقت على موضوع واحد يلزم سراية أحد الحكمين إلى الاخر، ومن متعلقه إلى المتعلق الاخر، حتى يلزم اجتماع المتنافيات، أو يسقط أحد الحكمين لجهة اخرى، أو يبقى الحكمان على موضوعهما، ولا ربط بين عالم الجعل والامتثال والخارج، فإن الخارج ظرف السقوط، ولا يعقل الاجتماع فيه، والمتعلقات للاحكام في ظرف التعلق والجعل مختلفات قطعا، فلا وجه لتوهم امتناع الاجتماع. ولعمري إن الغفلة عن البحث وحيثياته أوقعهم في توهم


1 - تحريرات في الاصول 4: 178 - 179. 2 - تهذيب الاصول 1: 210 - 211 و 224. 3 - تحريرات في الاصول 6: 225.

[ 93 ]

محظورية الاجتماع. فعليه يكون الاختلاف الذاتي والحاصل من الاضافات داخلا في حريم المسألة، ويصح دعوى الاجتماع بالضرورة، فافهم وتدبر. فقوله: أكرم العلماء، وقوله: لا تكرم الفساق، كلاهما باقيان بفعليتهما إلا أن المكلف قاصر عن الجمع، لامتناع اجتماع الاكرام وتركه، والامتناع في صورة جزئية، لا يورث امتناع الخطاب القانوني وإن يورث امتناع الخطاب الشخصي، والخلط بينهما أوقع أصحابنا فيما لا ينبغي أن يقعوا فيه. فما توهمه السيد المشار إليه كله خال عن التحصيل.

[ 94 ]

الدرس العشرون ما ألقاه سيدنا الاستاذ الوالد - مد ظله - حول قاعدة السلطنة والاستدلال بها للزوم المعاطاة والتقريب هو: أنها قاعدة شرعت حسب ظاهرها لاثبات سلطنة الناس على أموالهم، ومقتضى إطلاقها عدم جواز التصرف في ملك الغير وما له تصرفا خارجيا أو اعتباريا، فلا معنى لتملك المالك الاول ماله بعد المعاطاة والاخراج عن الملك، وهذا هو معنى اللزوم المقصود في الباب. وتوهم: عدم الاطلاق لاجل أنها في قبال نفي الحجر (1)، ممنوع كما لا يخفى. إن قلت: مقتضى نفي إطلاقها، وعدم صحة التمسك بها لصحة


1 - حاشية المكاسب، المحقق الخراساني: 12 و 14.

[ 95 ]

المعاطاة، عدم جوازه للزومها لاتحاد المناط والملاك. قلت: لا، ضرورة أن قيود الاسباب وإنكار سببية المعاطاة، لا يزاحم السلطنة الثابتة على الاموال، بخلاف تملك المالك الاصلي المال الموجود في يد المالك الثاني، فإنه خلاف سلطنته، فلا يخفى. إن قلت: مقتضى كونها قاعدة حيثية، كقاعدة تحريم الخبائث والمحرمات، وكقوله تعالى: (أحلت لكم بهيمة الانعام) (1) عدم جواز التمسك بها للزوم القصد، لانه أمر خارج عن تلك الجهة. قلت: لا، ضرورة أن نفي الاطلاق بالنسبة إلى العوارض كضرب اليتيم بماله، لا يورث نفي الاطلاق في مورده الحيثي، فكما لو شك في حلية بهيمة يتمسك بالاية، كذلك فيما نحن فيه يتمسك بإطلاق القاعدة، فنفي الاطلاق من جهة لا يورث نفيه المطلق. إن قلت: مقتضى ما تحرر منكم: هو أن القاعدة معلقة عرفا على أن لا يكون للشارع المقدس سلطنة قبال هذه السلطنة، ولا تعارض سلطنته المقدسة الثابتة - بالعقل والنقل - على الاعراض والاموال والنفوس قطعا (2). فعليه إذا فسخ المالك الثاني، فربما يكون ذلك تملكالمال


1 - المائدة (5): 1. 2 - البيع، الامام الخميني (قدس سره) 1: 83 وتقدم في الدرس الرابع.

[ 96 ]

المالك الاول لسلطنة مالك الملوك، وإذا شك في ذلك فلا تكون القاعدة مرجعا لرفع الشبهة الحكمية، لان المعلق عليه أمر عقلي مستقل، وتكون الشبهة في حكم الشبهة الموضوعية المتفق عليه عدم جواز التمسك بالعمومات فيها لامتناعه. قلت: القيود العقلية والمعلقات اللبية على صنفين: أحدهما: ما يكون من العقليات البديهية، التي يتذكرها العقول عند ذكر الدليل وإنشاء القانون، بحيث يعد عندهم من أول الامر قانونا مضيقا. وثانيهما: ما يكون نظريا حاصلا بعد التأمل والتدبر. ففي الاول لا يجوز التمسك لعين ما مر، وفي الثاني يجوز، لان الظهور منعقد على سعته، والحكم اللبي العقلي ليس أزيد من المخصص المنفصل، فإذا شك في نفوذ الفسخ، وفحصنا عن دليله، ولم نجد ما يكون دليلا على قصر سلطنة المالك، فالقاعدة محكمة لعمومها، فافهم وتدبر جيدا (1). أقول: مفاد هذه القاعدة معارض بدوامع جميع الادلة المقيدة للسلطنة والمزيلة لها، مثل أدلة الاخماس والزكوات والكفارات وأمثا لها، فإن إيجابها وإخراجها بإيجاد الشركة مخالف لبسط السلطنة وإطلاقها، خصوصا على القول بالاشاعة، وعلى الحكم الوضعي زائدا


1 - البيع، الامام الخميني (قدس سره) 1: 105 - 110.

[ 97 ]

على الامر التكليفي، كما هو المشهور المعروف. والخروج من تلك الشبهة يحتاج إلى البسط في المسألة، للزوم التخصيص الكثير وإن لم يكن أكثر، ومن تلك التحقيقات العقود الجائزة الواقعة على الاموال كالهبة، فإنه بعد ما ملك الموهوب له الموهوب، فتملك الواهب ثانيا خلاف السلطنة. ثم إن هذه القاعدة عرفية عقلائية، ناظرة إلى ما عليه المرتكزات العقلائية، وكونها قابلة لرفع الشك والشبهة الحكمية ممنوع، مع لزوم كونها قاعدة إمضائية وتأسيسية. وهذا لا ضير فيه لامكانه، إلا أن العرف لا يساعد عليه، فإن الادلة الناظرة إلى المرتكزات العرفية ليست مرجعا لرفع الشبهات الحكمية. وما قاله: من أن جواز تملك المال مناف للسلطنة، ممنوع، ضرورة أن الفاسخ لا يتملك المال بالاصالة، فإنه يفسخ العقد، ويرجع فسخ العقد إلى رجوع كل مال إلى مالكه لاقتضائه، فليس إطلاقها قابلا لمنع الفسخ، فلا دلالة لها على لزوم الملك وإبقاء المال عند المالك الثاني. ثم إن المراد من اللزوم في هذه المسألة ونظائرها، هو المعنى القابل للاجتماع مع الخيار الواقع على خلافه، ولو كان اللزوم في العقود مستفادامن تلك القاعدة، يلزم ممنوعية جعل الخيار في ضمن العقد، لانه على خلاف حكم الله وكتابه، فتأمل. وأما ما قاله: من التفصيل بين اللبي البديهي والنظري، فهو غير

[ 98 ]

مهذب، فإن الفهم العقلائي والحكم العقلي، لا يورث عنوانا معلوما قيوده وتعبيره في الدليل، ولا يمكن أن يتصرف في العام بجعل القيد وإخراجه من العموم إلى العموم المقيد، بل غاية ما يفهم هو أنه لو قال: أكرم العلماء ينال أن المقصود غير المضرين بالديانة، فإن أحرزوا ذلك فلا يكرمونه، وإلا فبناؤهم على الاكرام وعدم الاعتناء بالاحتمال مطلقا، فلاحظ وتدبر جيدا.

[ 99 ]

الدرس الحادي والعشرون ما أفاده السيد الحكيم - مد ظله للاسلام - في مسألة صحة الايجاب من كل من الزارع والما لك وهو: أن ذلك لا يورث تجويز تقدم القبول على الايجاب، ويجوز القبول الفعلي بعد الايجاب القولي، كما صرح به العروة (1) والقواعد (2)، ولا وجه للاختصاص، لجواز القبول القولي بعد الايجاب الفعلي. وقد يتوهم: أن التسانخ بين الايجاب والقبول شرط، فإن المعاطاة تجري في المزارعة، وهكذا العقد اللفظي، وأما الملفق منهما فلا، ولعله


1 - العروة الوثقى 2: 707، كتاب المزارعة، الشرط الاول. 2 - قواعد الاحكام 1: 237 / السطر 12.

[ 100 ]

لقصور الادلة عن هذه الصورة، وعدم التعارف يكفي له، ولدعوى عدم السيرة عليه. والذي يظهر لي: هو أن الايجاب الفعلي من جانب الفلاح مشكل التصور، إلا بالتصرف في الارض بعنوان العامل والمزارعة، وهذا غير كاف لاحتياج العقد إلى القيود الاخر المحتاجة إلى الذكر، ومنها الاذن من المالك للتصرف، وعند عدمه لا يجوز، وهكذا في جانب الما لك يشكل، لان تسليم الارض إليه، والاذن في التصرف بعنوان المزارعة وأمثاله، يكون من غير الفعلي، ضرورة أن أساس العقود على الالتزامات القلبية المبرزة بنوع من المبرزات، قولا كان أو فعلا أو إشارة أو كتابة. اللهم إلا أن يدعى أن الثلاثة الاخيرة تحت عنوان واحد، وهو الفعل. ثم إنه كان يقول بعدم الحاجة في المسائل العقدية إلى المبرز رأسا، بل نفس علم الطرفين بتلك الالتزامات المقيدة موضوع دليل اللزوم، لان ما به قوام العقد ليس إلا الامر القلبي، والمظهرات نحتاج إليها عند خفائه، فلو بنوا على العقد المذكور وعملوا، فظاهر تعابيره يقتضي صحة المعاوضية، ولزوم الاتباع بناء على أصا لة اللزوم. وقد يشكل: بأن المبرزات لادخا لة لها في تقوم المعنى العقدي، إلا أن الحاجة إلى المهملة منه مما لا يكاد ينكر في مرحلة الاثبات - أي لزوم الوفاء به عرفا - لا الثبوت، أي عقدية ذلك العقد.

[ 101 ]

وبعبارة اخرى: القيود في المسألة على صنفين: قسم منهما ما هو الدخيل في موضوعية الموضوع، كالقيود الشرعية والعرفية في حصول حقيقة العقد من التنجيز وغيره، وهذه تحصل وإن لم يكن في البين إبراز، بل نفس اطلاع كل منهما على ذلك المعنى القلبي كاف. وقسم منهما ما هو الدخيل في الحكم - أي لزوم الوفاء بالعقد - وهو المبرز بنحو الاهمال، فإنه في غير تلك الصورة ربما لا يلتزمون به، كما لا يخفى.

[ 102 ]

الدرس الثاني والعشرون ما ألقاه الوالد - مد ظله - حول حديث: لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة نفس منه (1) وإجماله: أن هذه الرواية تدل على اللزوم، والمراد منه هو بقاء الملك. وتقريبه هو: أن الحلية والحرمة - من حيث اللغة - لا تنقسم إلى التكليفية والوضعية، بل هما من الاعتبارات المخترعة من الخصوصيات الحاصلة من موارد الاستعمال والاطلاق، فلا يكون


1 - الفقيه 4: 66 / 195، وسائل الشيعة 5: 120، كتاب الصلاة، أبواب مكان المصلي، الباب 3، الحديث 1.

[ 103 ]

محذوف فيها، بل المراد منه ممنوعية مال الغير، إلا أن الممنوعية كما توجب المنع التكليفي وحرمته مستلزمة للعقاب، كذلك توجب البطلان والمنع الوضعي، لان معنى ممنوعية المال قطع يد الاجانب عنه، ولو كان يدعي ممنوعية عنوان آخر مضاف إليه فلا يفيد ذلك، فالتملك بالفسخ ممنوع أشد المنع، وهكذا التملك الخارجي والرجوع إليه في البين بالتصرف العملي. إن قلت: هذا هو استعمال مجازي قطعا، والذي ينقدح لدى الاذهان العرفية حذف المضاف، وهو التصرف، وهو منصرف إلى التصرفات الحسية، دون الاعتبارية. قلت أولا: كونه من المجازات بالاصطلاح المعروف ممنوع، بل هو الحقيقة، إلا أن الاستعمال قد يكون بدواع مختلفة مورثة لانتقال النفس من الاستعمال إلى المرادات الجدية، فلا حذف على ما تقرر منا في محله (1). وثانيا: لا دليل على أن المحذوف مفهوم خاص كالتصرف، فلعله أمر آخر، ومجرد وقوع هذه الجملة في التوقيع الشريف: لا يجوز لاحد أن يتصرف في مال الغير إلا بإذن الغير (2) لا يورث حذفها هنا، والدليل على أن المحذوف أعم نفس حذفها، فإنه قرينة العموم.


1 - مناهج الوصول 1: 104 - 106. 2 - كمال الدين: 520 / 49، الاحتجاج 2: 559، وسائل الشيعة 9: 540، كتاب الخمس، أبواب الانفال، الباب 3، الحديث 6.

[ 104 ]

وثالثا: التصرف لغة أعم من التصرف الحسي، ويظهر ذلك بمراجعة اللغة قطعا (1)، فليراجع. ورابعا: إلغاء الخصوصية ومناسبة الحكم والموضوع، يوجبان الاعمية في الفهم وإن كانت العبارة قاصرة، فلا تغفل. ودعوى: نفي الاطلاق بدعوى ظهور الحديث في المنع الخاص، لاجل القرينة في صدرها، وهي قوله (عليه السلام) - على ما في الرواية -: لا يحل دم امرئ مسلم ولا ماله إلا بطيبة نفسه (2)، فكما أن نفي الحلية في الدم يوجب التكليفي كذلك هنا، غير مسموعة لما عرفت، فلاحظ. وتوهم: أن الحديث مثل قاعدة السلطنة في عدم شمول التصرفات المزيلة للملكية، لا نهما متعلقان بالمال، فلابد من وجوده في جميع الفروض والصور، فكما لا يجوز التمسك بها لنقل المال، لانه إفناء المال، وهو مسلط على المال، دون إفنائه وإعدامه، لا يجوز التمسك به لحفظ المال عند صاحبه وإبقائه ونفي إزالته، فاسد جداعقلا وعرفا. أما الثاني: فهو واضح مما يضحك الثكلى. وأما الاول: فلان المال محفوظ الوجود حال السلطنة على الازالة، وخروجه بها لا يورث قصورا فيها. وإن شئت قلت: المال من العناوين الخارجة عن مفهومي الوجود


1 - المنجد: 423، مادة (صرف). 2 - الفقيه 4: 66 / 195، وسائل الشيعة 5: 120، كتاب الصلاة، أبواب مكان المصلي، الباب 3، الحديث 1.

[ 105 ]

والعدم، وهما يعرضانه، وما هو مورد السلطنة هو ذلك العنوان، إلا أن العنوان المأخوذ هو الموجود منه، وما به شيئية المال هو ماليته وصورته المالية دون مادته، فلو كان ما ذكره كلاما تحقيقيا، يلزم منع تجويز التصرف المورث لانقلاب صورة ماليته إلى صورة مالية اخرى، لان المحفوظ في الحالتين ليس مالا، بل هو المادة التي لا دخالة لها في شيئية الشئ، فكما لا يمكن الالتزام بذلك، كذلك لا يمكن الالتزام بممنوعية إحراقه، لاجل عدم السلطنة عليه، أو لعدم دلالتها عليه، فإيراث الصورة الثانية المعدمة للصورة الاولى كإزالة المال عن المالية، فلاحظ جيدا (1). هذا هو ملخص ما قاله الوالد، مع إضافات كثيرة منا حول تقريب الاستدلال. ثم إنه لو فرضنا أن المحذوف هو التصرف، ومفهوم التصرف لا يشمل إلا التصرف الحسي، فالتملك الفعلي ممنوع، لانه تصرف حسي - أي لا يجوز للمالك الاصلي أن يتصرف - بالتصرف الحسي - في المال الموجود عند المشتري بعنوان الفسخ، مع أنه جائز في العقود الجائزة، فإذا يلزم التفصيل، ومع القول بعدم الفصل يلحق الفسخ القولي بالفعلي، فتأمل. أقول: محل الكلام هو أن فسخ المالك الاول يكون نافذا، أم لا؟


1 - البيع، الامام الخميني (قدس سره) 1: 110 - 114.

[ 106 ]

وهذا غير مرتبط بالمال والتصرف فيه ولو كان تصرفا اعتباريا، فإن الفسخ يتعلق بالعقد، وانفساخ العقد يرجع إلى انعدام المقتضي لبقاء المالين عند المتعاملين، وإذا انعدم المقتضي فلابد أن يرجع كل منهما إلى مالكهما الاول، وأين هذا من الحديث حتى يرجع إليه لرفع الشبهة الحكمية؟! وما ذكرنا: من إلحاق الفسخ القولي بالفعلي غير تام، لعدم القول بعدم الفصل، وعدم القول بالفصل غير كاف، فليتدبر. ثم إن المستثنى يشهد على أن المقصود أخص، لان الطيب في العقود لا يتعلق بالمال، بل هو متعلق بالعقد، ولو كان متعلقا بالمال لكان يجوز التصرف فيه ولو كان العقد فاسدا، مع أنه لا يلتزم به، خصوصا الوالد - مد ظله - كما سيأتي (1). فالانصاف: أن الفهم العرفي غير مساعد على استفادة صحة العقود، وهكذا عدم نفوذ الفسخ، وعدم جواز بيع مال الغير وأمثاله، لقوله (عليه السلام): لابيع إلا في ملك (2)، لا لاجل هذا الحديث، فإنه ساكت عن ذلك، فلا ينبغي الخلط. فبالجملة: عطف المال على الدم واستثناء صورة الطيب، مما يصح أن يكونا قرينة على المعنى التكليفي، لو لم نقل بظهوره فيه مطلقا، فكأن


1 - البيع، الامام الخميني (قدس سره) 1: 247. 2 - عوالي اللالي 3: 205 / 37، مستدرك الوسائل 13: 230، كتاب التجارة، أبواب عقد البيع وشروطه، الباب 1، الحديث 4، وفيه لا بيع إلا فيما تملكه.

[ 107 ]

الحديث سيق لحفظ النفوس والاموال من الغارات والسرقات. وإن شئت قلت: هو يمنع التصرفات الحسية لسوق الذهن العرفي إليها، وإنشاء العقود على مال الغير ليس ممنوعا في حد ذاته، ولكنه ليس بنافع ما لم يتعقب بالتسليم والتسلم الذي هو من التصرف المنهي عنه، والنهي عن التسليم لاجل التصرف الحسي يورث قهرا سقوط الانشاءات المتعلقة بتلك الاموال، فهولا يشمل إلا التكليف المحض، ولكنه ينفع لسلب الاثر عن العقود، وأما فسخ العقد فهو غير ساقط، لعدم مس الحاجة إلى التصرف الحسي، إلا بعد الشك في كونه مال الغير، ولا يجوز التمسك به بعده. نعم، لك استصحاب المالية للغير وبقائها عنده، فإنه - حينئذ - يشمله الحديث، ويحرز به موضوعه وينقح به متعلقه، كما لا يخفى. ولو قلنا بأن العقود لا تمنع به، لانه بعد العقد على مال الغير يشك في بقائه عنده، ولا يجوز التمسك بالعموم والاطلاق في الشبهات الموضوعية. وبعبارة اخرى: إذا عقد على مال الغير واحتمل انتقاله إليه، فيشك في كونه مال المالك الاول، فلا يصح التمسك. قلت: ما ذكرنا من جريان الاصل المنقح آنفا يأتي في هذه المرحلة أيضا، ويلزم سقوط العقود لعدم الاثر لها متعارفا، فلا تغفل.

[ 108 ]

الدرس الثالث والعشرون ما أفاده سيدنا الاستاذ الشاهرودي - مد ظله - في مسألة إمكان التعبد بالامارات وأن ما أوقعه ابن قبة غير تام فقال: ليست الامارات العقلائية الممضاة إلا مثل القطع، وأن العبد معذور حال المخالفة، ويدرك الواقع والمصا لح النفس الامرية حال الموافقة، وهذا من الامور الخارجة عن اختياره، والشرع أمضاها لمصالح في إمضائها، ومنها لزوم العسر والحرج لو أوجب الاحتياط، مع أن إدراك الواقع به على نحو كلي غير تام وممنوع، فالمصالح النوعية الغالبة توجب صرف النظر عن الملاك التام في مورد جزئي.

[ 109 ]

فما ظنه ابن قبة: من لزوم التناقض والتضاد، والجمع بين المصالح والمفاسد والحرمة والوجوب وغير ذلك، خال عن التحقيق. ودعوى: أن الامارات إيجاب شرعي وتعبد إلهي، غير مسموعة، للزوم كونها كالاصول الشرعية، لرجوعها إلى إيجاب ترتيب الاثر، وهو عين الاصول الشرعية، فلا وجه لتقدمها عليها، وغير ذلك مما قيل فيها. وهذه الملاحظة بين المصالح الغالبة النوعية والمغلوبة الشخصية، تجري في الامور العينية والتكوينية، كما لا يخفى. وهذا لا يرجع إلى اختصاص الحكم بالعالم، حتى تلزم لغوية البراءة الشرعية والرخص الالهية، بل الحكم في جميع الاحيان عام يشمل العالم والجاهل، فلو أخل الجاهل بالطرق وخالفت الواقع لصح العقاب، لتركه الواقع من غير عذر، فالملاك في صورة المخالفة موجود تام، إلا أن جعل الاحتياط كان يستلزم المفسدة، فعليه غض عينه عنه وأن يطلبه غاية الطلب لباوثبوتا، والترخيص في نيل الواقع بالطرق الاخر مثل الرمل والجفر، كان على خلاف المصالح العامة فتركه. أقول: هذا ما أشار إليه في مجلس درسه، مع إضافات منا في تقريب كلامه وتنظيم مرامه، وما ذكره هو في المسألة - أي في خصوص بحث

[ 110 ]

الامارات - يوافق ما سلكه الوالد المحقق - مد ظله - في المقام (1)، ولعله هو الاوفق بالذهن من سائر ما قيل في الباب. نعم، ما توهم: من أن الامارات لو كانت كالاصول في كونها تعبدية يلزم ما لزم، غير تام، لما تقرر منا في محله: أن من الممكن تعبد وإيجاب الشارع في مورد أصلا شرعيا أو عقلائيا طبق الامارات، وترتيب آثارها عليه حذوا بحذو، فلا يلزم التوالي الفاسدة، فتدبر. ثم إنه على مسلكهما يلزم اختيارهما الاجزاء في صورة التخلف، لان حقيقة الاجزاء ليست إلا مضي الشرع عن واقعه لمصالح، وأساس الاكتفاء بالناقص هو أنه اكتفى بالبعض، لان في عدمه مفاسد كثيرة. فلو كان الجمع بين الامارات والواقعيات بذلك يلزم ] منه [ عدم وجوب الاعادة مطلقا، حتى في صورة ترك الطبيعة، فإنه وإن لم يكن من الاجزاء المصطلح عليه، إلا أنه في اصطلاحنا هو الاجزاء بالمعنى الاعم، فإطلاق دليل الامضاء - سكوتيا كان أو لفظيا - يقتضي عدم الاعادة مطلقا - أي سواء ترك بعض الطبيعة أو كلها - لانه بعد ملاحظة الملاكات رجح جانب العمل بالطرق والامارات على الاخر، وكان لا يرى وجوب تحصيل تلك المصالح الفائتة في ضمن العمل بها. وتوهم: كون الامر مراعى إلى حال كشف الخلاف، ومعلقا على عدم العلم بتخلف المحرزات العقلائية عن الواقع، في غير محله، بعد إطلاق


1 - أنوار الهداية 1: 196 - 202.

[ 111 ]

الادلة اللفظية الامضائية وسكوتهم الاطلاقي، فانحفاظ الواقع بعد العلم بالتخلف يحتاج إلى دليل آخر غير دليل الواقع، وما هو التحقيق في الجمع بين الحكم الظاهري والواقعي ليس إلا ذلك، وما هو رافع الشبهة في سائر الامور المجعولة - حجة شرعية أو إمضائية - المؤدية إلى خلاف الواقع، كالاصول المحرزة وغيرها، ليس إلا ذلك. ولقد تقرر منا: جريان الشبهة في العلم الجزمي التكويني (1)، لانه مراده - تعالى - الجاعل للاحكام التشريعية، فبإرادته التكوينية خلق الطريق المؤدي إلى خلاف الواقع، فيأتي الاشكال هنا أيضا، مع أن حجية العلم ليست ذاتية، بل هي كحجية سائر الامور تحتاج إلى الجعل أو الانجعال، الحاصل من عدم ردع صاحب الشرع، فسلب جعل الحجية عنه لكونها ذاتية له، في غير محله.


1 - تحريرات في الاصول 6: 216 - 217.

[ 112 ]

الدرس الرابع والعشرون ما أفاده الوالد المحقق - مد ظله - حول قوله تعالى: (لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم) (1) فقال: الكلام فيها يقع في ثلاثة مقامات: المقام الاول: حول جملة المستثنى منه وكيفية الاستدلال بها للزوم المعاملة بعد الفسخ على نحوين: أحدهما: أن الباطل من المفاهيم العرفية، والفسخ عند العقلاء


1 - النساء (4): 29.

[ 113 ]

يكون باطلا فالاكل بعد الفسخ يكون من الاكل المنهي عنه بالاية الكريمة، فالاية بالمطابقة تشمل الفسخ، لان اللزوم أمر عقلائي، وإرجاع المال به من الاكل بالباطل وبالسبب الغير النافذ، فالفسخ غير نافذ. ثانيهما: مقتضى إطلاقها حرمة الاكل والتصرف، فالاكل بعد الفسخ حرام، وإذا كان حراما يستكشف عرفا عدم نفوذ الفسخ، لعدم الوجه المعقول للجمع بين حرمة الاكل ونفوذ الفسخ، فالملازمة العرفية ثابتة بين حرمته وعدم نفوذه قطعا. إن قلت: الفسخ هو إرجاع العقد وإبطاله، فالاكل مستند إلى مقتضى الاول، ولا سببية للفسخ حتى يكون موضوع الاية الشريفة. قلت: لا دلالة للاية على أن الباطل السبب منهي عنه، بل مطلق ما هو الباطل الدخيل في الاكل منهي عنه، وهو يشمل الفسخ، كما لا يخفى. ولكن بعد اللتيا والتي يشكل التمسك بها، لاجل أن المخصص المفروض للاية الكريمة ليس من التخصيص الحكمي لابائها عنه، فإن العرف غير مساعد على فرض بطلان السبب الدخيل في الاكل وفرض نفوذه. وما اختاره السيد من التخصيص غير تام (1). بقي الكلام: في أنه يكون من الخروج الموضوعي، ويكون ما هو الباطل بنظر العرف غير باطل بعد التخصيص أيضا بنظر العرف، وهذا في


1 - حاشية المكاسب، السيد اليزدي 1: 126 / السطر 34.

[ 114 ]

حد نفسه غير معقول، لعدم إمكان الانقلاب الواقعي في فهم العرف، فلابد وأن نقول: بأن العرف التابع للشرع لا يحكم ببطلان شئ إلا بعد ملاحظة الشرع، المتبوع المالك لهم بأنفسهم وأموالهم، فلو فرضنا استفادة نفوذ سبب من الشرع فالعرف يراه حقا وغير باطل، فيكون حكمه بالبطلان معلقا على عدم ردع الشرع ] عن [ ذلك، وعدم ترتيب الاثار عليه من قبله شرط إدراكه الباطل، فلو يرى أنه رتب آثار النفوذ فهو يدرك صحته، وإلا فيدرك بطلانه. فعلى هذالا يمكن التمسك بها لو شك في حصول المعلق عليه، فبعد الفسخ لا يمكن التمسك بالاية الكريمة، لان إحراز الموضوع شرطه، وهو ممنوع للشك في نظر الشرع، وحصول المعلق عليه غير معلوم، كما هو المفروض. وما قرع سمعك: من أن اللبيات الحافة بالعمومات والمطلقات لا تورث قصور التمسك بها، غير موافق للتحقيق هنا، ضرورة أن ذلك فيما إذا كان الحكم معلقا دون الموضوع، مع أن في المسألة تفصيلا بين اللبيات النظرية والبديهية، كما عرفت. المقام الثاني: حول جملة المستثنى وتقريب الاستدلال بها للزوم المعاطاة على وجه يخلو من الاشكال: هو أن الظاهر منها حصر مجوز الاكل في التجارة على أن يكون ملكا للاكل

[ 115 ]

لا لغيره، حتى لا يلزم خروج المباحات وأمثا لها منها، وحيث إن الفسخ ليس من التجارة، ولا عن تراض، فليس موجبا لصحة الاكل والتصرف. وتوهم امتناع التمسك بالجملتين للزوم المعاطاة، غير تام، لاختلاف الوجه في كيفية التمسك، كما لا يخفى. ويمكن دعوى عدم الحاجة إلى تفسير التجارة بما سبق، لامكان تخصيص المستثنى ببعض المخصصات اللفظية وغيرها، وهذا لا ينافي الحصر، لان الحصر ليس إلا ما يستفاد من الظهور، فإذا قاومه ظهور آخر مقدم عليه، يبقى الحصر بحاله بالاضافة كسائر العمومات. فبالجملة: مقتضى الجملة الثانية جواز أكل مال التجارة، وأن العرف يفهم منها أن الاموال لا يجوز أكلها بالباطل، ويجوز أكلها بالتجارة، فإن كان المال مقيدا بالتجارة فلا يمكن التمسك، لان الفسخ مشكوك تجاريته، وإن لم يكن مقيدا، إما لامتناع تقييد المعلول بالعلة - كما قيل - وهو غير تام، لامكان فرض ذلك في القانون، وإما لعدم الدليل عليه، وإن يكن المال الجائز أكله هو المال الاتي من قبل التجارة ثبوتا، فالتمسك أيضا غير جائز، ضرورة أن إطلاق جواز الاكل لا يشمل صورة عدم علته، للزوم شمول عدم نفسه، فبعد الفسخ لا يمكن تجويز الاكل، لانه يحتمل انتفاء التجارة التي هي سبب جواز الاكل، وإطلاق جوازه لا يشمل صورة انتفاء التجارة، وعندما يشك في وجودها لا يصح التمسك، لانه شبهة موضوعية.

[ 116 ]

وتوهم: أن الفسخ ليس تجارة فلا يصح التمسك بها لعدم نفوذه، مدفوع بما سيوافيك إن شاء الله تعالى. فتحصل: أن التمسك بالجملتين بناء على فرض الاستقلال لا يورث لزوم المعاملة، لان الشك في الموضوع لا يندفع بالدليل. المقام الثالث: التمسك بالاية الكريمة ملاحظا حال الجملتين فقد يقال: بأن الاستثناء متصل، لان المنقطع خلاف الصناعة، وذلك إما لاجل أن كلمة الباطل من القيود الغير الاحترازية، فيكون مفادها: لا تأكلوا أموالكم إلا كلوها بالتجارة، وإما لاجل أن المستثنى منه محذوف والاستثناء مفرغ، فيكون المعنى: لا تأكلوا أموالكم بينكم بوجه من الوجوه إلا بوجه التجارة، وعلى هذا يتم الاستدلال، لان إطلاق المستثنى وتجويز الاكل، يرفع الشك في جواز الاكل بعد الفسخ، ولا تناسب بين جواز الاكل ونفوذ الفسخ، فيعلم ارتفاع النفوذ، فيبقى المال عند المالك الثاني، وهذا هو مفاد اللزوم المقصود. والذي يتوجه عليه: هو أن إمكان فرض الاستثناء المتصل لا يلازم كونه موافقا للظهور، ولا شبهة في أن الظاهر هو كون الباطل قيدا، ويكون الاخراج موضوعيا، لاباء المستثنى منه عن التخصيص، ولاجله أتى بالمنقطع، فالمستثنى الانقطاعي في كمال الصناعة في هذه المواقف، مما يترتب عليه تأكيد العموم والاطلاق، وأنه لم يكن مورد التخصيص حتى

[ 117 ]

يخصص وحيث إن نفس المستثنى منه يأبى عنه، لان الباطل غير قابل للتخصيص، وغير قابل للتنفيذ والتجويز عرفا، بل وعقلا، كما لا يخفى. فتوهم التخصيص الحكمي - كما عن السيد المحشي (رحمه الله) (1) - في غير مقامه، ودعوى عدم لياقة المنقطع للكلام الالهي، غير مسموعة، بل ربما هي لائقة دون المتصل، كقوله تعالى: (لا يسمعون فيها لغواولا تأثيما * إلا قيلا سلاما سلاما) (2)، فإنه في مقام أن اللغو في الجنة هو السلام، وهذا في الحقيقة يرجع إلى انتفاء اللغو إلا ادعاء، أي لو كان فيها لغو فهو هذا، أي السلام وأمثاله، فافهم وتدبر جيدا. والذي هو التحقيق: أن المستفاد عرفا من الكريمة، هو أن ما هو تمام الموضوع والعلة لتحريم الاكل، هو الباطل ليس إلا، ولا خصوصية للمال والاكل وغير ذلك، ولا يلزم استفادة العلية من حروفها المخصوصة بها، وإذا كانت الجملة الاولى مفيدة لمثل ذلك، فلتكن الثانية أيضا في مقابلها، إلا أن التقابل بين مصداق الحق ومفهوم الباطل، فيكون الامر في الجواز وعدمه دائر امدار الحق والباطل، ولا خصوصية للتجارة حتى يلزم التخصيص وغيره. وعلى هذا إن كان الفسخ - بعد المعاملة المعاطاتية - معلوما من الباطل أو الحق فهو، وإلا فالاية تقصر عن شموله.


1 - حاشية المكاسب، السيد اليزدي 1: 126 / السطر 34. 2 - الواقعة (54): 25 - 26.

[ 118 ]

وبعبارة اخرى: مجرد كونه حقا أو باطلا عرفا، لا يكفي لشمول الاية، لما عرفت أن حكم العرف على الباطل والحق، معلق على عدم دخالة الشرع، كما مر. ومقتضى ما تقرر: أن الفسخ وإن لم يكن من التجارة، إلا أن المستفاد منها أن جواز الاكل يدور مدار الحق، سواء كان في التجارة، أو في الايقاعات المستتبعة لجواز أكل المال، الخارجة عرفا من مفهوم التجارة. ودعوى انصرافها إلى البيع لا تفيد شيئا، كما لا يخفى. هذا كله ما أفاده الوالد المحقق - مد ظله - في المسألة، مع بيان مشتمل على زيادات منا لتقريب مقصوده ومرامه. أقول: أولا: على مسلكه يلزم سقوط الاية عن المرجعية في جميع الشبهات الحكمية، لانه ينفي صحة التمسك بها حتى بعد الفحص، لانه بعده لا تنقلب الشبهة الموضوعية عما هي عليه، وإلا فبعد الفحص عن حكم الفسخ يلزم جواز التمسك بها، فكون الموضوع معلقا يورث سقوط الاية عن الاستدلال، كما اخترناه في بعض كتبنا (1). وإجماله: هو أن الحق والباطل ليسا معلقين، بل هما من العناوين المستقرة كسائر العناوين، إلا أن الاخراج الموضوعي، يرجع إلى تنبه


1 - تحريرات في الفقه، كتاب البيع، المقصد الاول، الجهة الثانية، الاية الاولى من الايات المستدل بها على أصالة اللزوم في المعاطاة.

[ 119 ]

العرف للملاكات المخفية الموجبة لانفاذ ما هو الباطل بنظره، وعندئذ يسقط التمسك لصيرورة مفهوم الباطل والحق من الموضوعات المستنبطة، أي لا يجوز الاتكال على تخصيص العرف، بل الموضوع في هذه القضية يتخذ من الشرع لخصوصية فيه، ضرورة أن الشرائع في أنظارهم تختلف مفاهيم الباطل والحق، لما يرون المصالح الكلية، فيكون الكذب أحيانا حقا والصدق باطلا... وهكذا، فلابد من الرجوع إليهم في فهم ذلك، وعليه تسقط الاية. ولعمري إن العرف والعقلاء لا يدركون البواطل، لما لا يدركون سيرانها، ولا ضير في أن يقال: هذا العنوان في حكم الحقائق الشرعية، لتقومها بالملاك الغير المعلوم لنا، فالقول بالتعليق بعيد إنصافا، لما نجد خلافه من أنفسنا بعد الرجوع إلى وجداننا. ثم إن المقرر عندنا: جواز التمسك بالعمومات في الشبهات المصداقية، إذا كانت المخصصات من اللبيات العقلية أو العقلائية دون الاجماع، وعدم جواز التمسك مطلقا إذا كانت من اللفظيات وإن كانت مجملات، والتفصيل في محله (1). فعليه لا وجه لما ذهب إليه المحقق الوالد - مد ظله -. والذي ينحل به الخطب هو: أن في الشريعة لا يوجد مورد يكون باطلا عرفا وممضى شرعا، فلا وجه لدعوى التعليق، بل في جميع المواقف


1 - تحريرات في الاصول 5: 251 وما بعدها.

[ 120 ]

يكون الباطل مرفوضا. وتوهم: أن الاخذ بالشفعة وأكل المارة من الباطل الموضوعي، غير تام، ضرورة أن الدقة في الامر تورث كون الاكل من باب الحق، لما أن الشرفات على الشوراع يترقى قيمها السوقية، لاجل كونها في مسعي الناس وممرهم، فتلك الزيادة القيمية تحصل من ذلك، وتورث جواز الاستيفاء، وكون الاخذ من باب علاج التشاح قبل وقوعه، بل الشريك يكون ذاحق عرفي بالنسبة إلى ذلك المال، ولذلك يكون حق الشفعة من الحقوق العقلائية، دون الشرعية والاحكام الالهية، وهكذا في كل موقف ظننت ذلك، فإنه بعد التدبر والدقة تجد إلى نكتة التجويز سبيلا لطيفا، موافقا للموازين العلمية الاقتصادية، فالتخصيص الحكمي والتعليق الموضوعي مما لا يمكن المصير إليهما. وما وجدنا بعد موردا يكون باطلا وهو من المقررات الشرعية، حتى يلزم دعوى تخطئة العرف، وأن في المسألة مصالح خفية عنهم. وعلى هذا يقال: لو شك في نفوذ الفسخ - بعد كونه باطلا في نظر العقلاء - يصح التمسك بجملة المستثنى منه، لان الاستثناء منفصل. اللهم إلا أن يقال: بأن المتبادر منها هو النهي عن التصرف بالوجوه والاسباب الباطلة المبتدأة، وليس الفسخ منها، وذلك لان الباء إما للسببية فلا يشمل الفسخ، لانه حل العقد، والاكل مستند إلى نقيض آخر أو يكون لافادة معنى في المسببات، فهو أيضا خارج ولو أمكن إدخاله

[ 121 ]

عقلا، ولكن دعوى التبادر والانصراف غير بعيدة إنصافا. فالمسألة خارجة عن المستثنى منه، وقابلة لادراجها في المستثنى، لانه بعد الفسخ يشك في بقاء العنوان، ومقتضى الاستصحاب جواز الاكل وبقاء الموضوع، ونفي التمسك بها في الشبهات الموضوعية - بعد وجود الاصل المحرز غالبا - غير موافق للمقصود، فليتدبر. فعلى هذا لو كان المستثنى عنوان مال التجارة، فهو قابل للاستصحاب بعد الشك في خروجه عنه بالفسخ، ولو كان المستثنى عنوان التجارة عن تراض - بدعوى أن الاموال هي التجارة - فهو أيضا قابل للاحراز بالاصل المنقح. وما يظهر منهم: من أن اللزوم المقصود ليس إلا ما يثبت بالكتاب وظاهره أو الاستصحاب أو السنة، غير معلوم الوجه فإن اللزوم من الاحكام ا لعقلائية، وليس المستثنى في باب الشروط شاملا لها على ما تقرر منا (1)، بل مفاد الاستثناء فيها الاحكام المجعولة في الشريعة، أي يكون المطرود كل شرط خالف حكم الله التأسيسي، دون الامضائي، فإنه ليس حكم الله عرفا. ولو كان اللزوم ثابتا بالشرع، ويكون حكما ثابتا بالكتاب والسنة، فجعل الخيار المزاحم له القابل لحل العقد، خلاف الكتاب، فتدبر.


1 - تحريرات في الفقه، كتاب الخيارات، المقصد الثالث: في الشروط، المبحث الرابع: ما هو الضابط للشرط المخالف والمضاد.

[ 122 ]

ثم إنه لو فرضنا أن الفسخ بعد المعاطاة غير معلوم حقيقته وباطليته، وقلنا بأن التجارة لا تصدق عليه، فإنه يرجع - حينئذ - إلى استصحاب جواز الاكل للمالك الثاني، وبقاء التجارة المورثة لجواز الاكل، أو إلى إطلاق دليل منع التصرف في مال الغير إلا بإذنه، فإنه قد خرجنا عنه بالتجارة إلى زمن الفسخ، وأما بعده فهو مشكوك. وبعبارة اخرى: مقتضى الدليل الاجتهادي عدم جواز الاكل في جميع الازمنة، بعد كونه مال المالك الاول، وقد خرج عنها الزمن الخاص، وهو - إلى وجود رضا المالك الاول ووجود التجارة - يشك في أن المال خرج من ملكه مطلقا، أو خرج إلى زمن الفسخ، فمقتضى الاستصحاب عدم خروجه عن ملكه مطلقا وبقاؤه في ملكه، ومقتضى الاطلاق ممنوعية التصرف فيه إلا بإذنه، وهذا هو المقدم على الاستصحاب الجاري في طرف المالك الثاني حكميا كان أم موضوعيا. وأنت خبير بما فيه، ضرورة أن المفروض خروجه من سلطانه على الاطلاق، فليتدبر.

[ 123 ]

الدرس الخامس والعشرون ما أفاده السيد الحكيم - مد ظله للاسلام - في مسائل المزارعة وشروطها فقال: قال في العروة: ومنها: تعيين المزروع من الحنطة والشعير وغيرهما، مع اختلاف الاغراض فيه، فمع عدمه يبطل إلا أن يكون هناك انصراف يوجب التعيين، أو كان مرادهما التعميم (1). وقد يشكل ذلك، لاجل أن وجه البطلان في صدر العبارة هو الغرر اللازم. ووجه الاشكال: هو أن الغرر لا ينتفي ولو كان المراد التعميم،


1 - العروة الوثقى 2: 708، كتاب المزارعة، المسألة 8.

[ 124 ]

ضرورة أن عمومية المراد هي رضا الفلاح والما لك على الامر المطلق، ويكون بالخيار في المزروع، مع أن هذه العمومية تورث صحة بيع الموجود في الكيس المردد بين الشيئين إذا كان المراد أعم، أي يشتري المشتري ما في الكيس - سواء كان الدينار أو الدرهم - لتعلق الغرض بالاعم، مع أنها ممنوعة عندهم، للزوم معلومية المبيع وليس اختيار الامر بيدهما حتى يشتري ما فيه، فيقول: بعني ما فيه ولو كان حجرا، فإنه عند الشرع غير نافذ قطعا. فالتعميم المفروض في كلام السيد بعد اختلاف البذور في الجهات المختلفة، من المدة المحتاج إليها في الزرع، ومن أن الارض تترك في بعض الفروض في سنوات، لعدم إمكان استيفاء الزرع منها، وغير ذلك، فالاخذ بالقدر المتيقن في الاجر لا يورث صحة المعاملة، كما عرفت في المثال المذكور. ثم إن دليل نفي الغرر غير تام عندنا، لان ما هو المعروف هو نفي الغرر في البيع (1)، وما هو غير المعروف هو النهي عن الغرر (2)، والاجماع غير كاشف عن نهيه (صلى الله عليه وآله وسلم) عنه في جميع المعاملات، حتى يقال بالبطلان في بعض الصور التي لا يعتنى فيها بالغرر، فليتدبر. هذا، مع أن المناط في لزوم التعيين ليس اختلاف الاغراض، فإنها


1 - وسائل الشيعة 17: 448، كتاب التجارة، أبواب آداب التجارة، الباب 40، الحديث 3. 2 - تذكرة الفقهاء 2: 291، المسألة 2، لاحظ مستمسك العروة الوثقى 12: 7، و 13: 271، و 14: 403 - 404.

[ 125 ]

ربما لا توجب شيئا في المعاملة، بل المناط هو اختلاف القيم واجرة الارض بالنسبة إلى البذر، فإن الارض التي تزرع حنطة تزيد اجرتها على المزروعة شعيرا... وهكذا، ولعل المراد من الاختلاف في الاغراض هو الاختلاف في المالية والتقويم، كما لا يخفى (1). أقول: مقتضى ما تقرر منا في محله: أن الغرر المورث لبطلان المعاملة، هو الغرر الذي لا يقدم العقلاء عليه بطبعهم، ولا تعبد من الشرع في المسألة، والتفصيل في محله (2). ثم إن مراد السيد ربما كان صورة اخرى وهي: ما لو كان مرادهما التعميم مع عدم الاختلاف في الاغراض، بالمعنى الذي مضى تفسيره، فتأمل. أو أن وجه تعيين المزروع في الصورة الاولى، لانه يرجع إلى الفرد المردد، وليس وجه البطلان الغرر حتى يتوجه إليه ما مر، ولاجل ذلك قال بالصحة في الصورة الثانية، وهي صورة التعميم، لانه يصير كالكلي. والانصاف: أن العقلاء لا يقدمون على مثل هذه بعد تفاوت الارض المزروعة في الاستفادة للسنوات الاتية، وعليه تختلف القيم، فلو كان البذر حنطة فربما يعين ثلثها، ولو كان شعيرايعين ربعها، بل وخمسها، ولا


1 - مستمسك العروة الوثقى 13: 59 - 60. 2 - تحريرات في الفقه، كتاب البيع، المقصد الثاني، الشرط الرابع، المرحلة السابعة، الامر الاول: قاعدة نفي الضرر.

[ 126 ]

جامع حتى يمكن تصحيح هذه المعاملة، إلا بالغض عما هو المعتبر في صحتها. وإذا كان مجرد الاغراض العقلائية غير كاف لصحة المعاملات، فتلك التجارات منهي عنها قطعا، وإن أقدم عليها العرف لاغراض خاصة خارجة عن الاغراض المعاملية، كما لو فرضنا تعلق غرض المالك بزرع الارض لمنافع جما لية، ولا نظر له إلى قيمتها وما يخرج منها، فإن ردعهم عن تلك المعاملة مشكل، مع أن مقتضى دعوى الاصحاب بطلانها، كما في بيع ما في الخزينة المردد بين الكثير، فليتدبر.

[ 127 ]

الدرس السادس والعشرون ما ألقاه السيد الوالد المحقق - مد ظله - حول أدلة خيار المجلس، وكيفية الاستدلال بها للزوم المعاطاة فقال: مقتضى إطلاق هذه المآثير شمول عناوينها للمعاطاة، ومقتضى ذيلها وجوب البيع، وهو ظاهر في اللزوم. وبعبارة اخرى: المستفاد منها أن طبع البيع على اللزوم، إلا إذا اعتبر فيه خيار، فإنه مادام الخيار لم يجب، وإذ اتم أمده يجب البيع، ولا فرق بين البيوع اللفظية والفعلية. وقد يشكل: بأن الخيار مجعول فيما كان لازما بطبعه، أي لا يعقل

[ 128 ]

جعله في العقد الجائز، للتنافي، أو للغوية ذلك، وهذا هو حكم العقل خارجا وإن لم يدل من الشرع دليل عليه، فيكون الدليل اللبي والادراك العقلي: على أن ما هو الجائز بطبعه لا يجعل فيه الخيار، فما هو المشكوك جوازه ولزومه كالمعاطاة، معلوم البيعية إلا أنه مشكوك الجواز، وفي جواز التمسك بالعمومات والمطلقات في مثل هذه الفروض وجوه أو أقوال. والمختار عدم الجواز، لان ما هو السر - المحرر في محله - لعدم جوازه في اللفظيات، جار هنا أيضا (1)، فالجملة المغياة - مع قطع النظر عن الغاية - غير قابلة للتمسك بها للزومه. وأما الغاية وهي قوله (عليه السلام): وإذا افترقا وجب البيع (2) فهي أيضا لا تدل على المقصود، وذلك لان مقتضى ظاهر الرواية اتحاد الموضوع المفروض في الجملتين - أي البيع في الصدر هو البيع في الذيل - ولا يكون بينهما الاختلاف بالتباين، ولا بالاطلاق والتقييد، فلو فرضنا إطلاق الصدر، وإمكان جعل الخيار للاعم من اللازم والجائز، يلزم التهافت بين الجملتين، لان الصدر يورث الخيار في الجائز، والذيل يحكم باللزوم، والحكم باللزوم مع فرض الاطلاق ممتنع، فلابد من التصرف في إحدى الجملتين، فإن قلنا: بأن الصدر خارج عنه الجوائز،


1 - مناهج الوصول 2: 247 - 254. 2 - وسائل الشيعة 18: 6، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 1، الحديث 4 و 9، والباب 2، الحديث 4.

[ 129 ]

فلا يمكن التمسك، للشبهة في أن المعاطاة جائزة أم لازمة. وإن قلنا: بأن الذيل ناظر إلى ما بطبعه اللزوم، ويكون الموضوع في الذيل أخص، فهو - أيضا - غير نافع لما هو المقصود كما ترى. ثم إنه لو فرضنا إمكان اعتبار الخيار في الجوائز، فالذيل لا يدل على اللزوم، وذلك أن نفي الخيار لا ينافي بقاء الجواز، ضرورة أن الخيار من الحقوق، والجواز من الاحكام، ولا تلازم بينهما وجودا وعدما، فنفي الخيار لا يورث اللزوم، فيمكن أن يكون جائزا غير ذي خيار بناء على إمكان الفرض، فلا تخلط. ودعوى: أن إطلاق الوجوب يقتضي الوجوب المطلق - أي وجب البيع بذاته وعلى الاطلاق - غير مسموعة، لجريان الخيارات الاخر فيه قطعا، وفي الاخبار شواهد على أن المقصود من الوجوب هو الحكم الحيثي، لا الاطلاقي حتى يلزم التقييد المستهجن. فتحصل: أن هذه المآثير غير قابلة للاستناد إليها (1). أقول: فيما ذكره مواقف للنظر: أولا: أن المختار جواز التمسك باللفظيات في الشبهات المصداقية اللبية العقلية أو العقلائية (2). وثانيا: لو سلمنا ذلك ففيما نحن فيه لا يجوز التمسك، لان العنوان


1 - البيع، الامام الخميني (قدس سره) 1: 120 - 123. 2 - تحريرات في الاصول 5: 251 وما بعدها.

[ 130 ]

المدرك بالعقل ليس أخص من العام اللفظي، بل النسبة بينهما العموم من وجه، لان ما يدركه العقل عدم مساعدة الامر الجائز على جعل الخيار، سواء كان بيعا أو صلحا أو غير ذلك، فالموضوع للخيار ليس جائزا بالطبع. وهذا أعم من الدليل اللفظي، فإذا شك في جواز المعاطاة ولزومها بعد كونها بيعا، يرجع إلى الاطلاق لكشف العرف - حينئذ - عن لزومها بذلك الاطلاق، فلو فرضنا نصا من المولى على لزوم المعاطاة، فكما أنه لا ينافي الادراك العقلي، كذلك الكلي والعموم الكاشف عن حال المعاطاة جوازا ولزوما. وثالثا: وجه مصيره - مد ظله - إلى عدم التمسك في اللفظيات: هو أنه بعد خروج عنوان من العام، يشك في جريان أصالة التطابق بين الجد والاستعمال في الشبهة المصداقية، وهذا غير جار هنا، لعدم خروج عنوان من العام، لعدم وجود البيع الجائز، ومجرد الحكم العقلي على العنوان المذكور، لا يورث قصورا في جريان الاصل العقلائي. فالوجه لعدم صحة التمسك: عدم جريان الاصل العقلائي بالنسبة إلى طائفة، وأن العرف - من دليل المخصص - توجه إلى عدم الارادة الجدية من المولى إلى هذه الطائفة، فإذا شك في مصداق فلنا الشك في جريانها في هذه الشبهة، فإن العقلاء ربما يترددون في ذلك، فالوجه للتردد ولشكهم هو العلم بخروج جماعة من العام، وأن طائفة من العام غير موافق فيهم الاستعمال مع الجد، وفيما نحن فيه ليس الامر ذلك. ولعمري

[ 131 ]

إنه - مد ظله - غفل عن سر مختاره في تلك المسألة، فليراجع ويتأمل. هذا، مع أن المختار لعدم الجواز ليس ذلك، وقد فرغنا عن تزييفه في محله (1)، وما هو الوجه لعدم جواز التمسك في الشبهات المصداقية اللفظية، لا يجري في هذا المقام. ثم إن التحقيق هو: أن هذه المآثير ليست ناظرة - قبل حصول الغاية - إلى الجواز واللزوم، بل الموضوع لجعل الخيار، هو البيع العاري عن جميع الاعتبارات الخارجة عن مفهوم البيع، من الاحكام والقيود، ولا نظر فيها إلى جعل الخيار للبيع اللازم، أو غير الجائز، أو هما معا، لان الاطلاق رفض القيود بأجمعها، ففي نفس طبيعة البيع يجعل الخيار حتى يفترقا، ثم بعد ذلك ينظر إلى جعل اللزوم الحيثي، وسقوط خيار الاجتماع والمجلس، وهذا لا يورث لزوم المعاطاة، لان وجه الاستفادة منها للزوم المعاطاة لغوية جعل الخيار فيما هو الجائز ثبوتا، وهو غير كاف، ضرورة أن هذه اللغوية نظير لغوية شمول أدلة الاستصحاب للاصل المسببي، فإنه لا معنى لشموله ومحكوميته، فكما يجاب هناك بأن اللغوية في الاطلاق مما لا ضير فيها، وما هو الممنوع اللغوية في أصل الدليل وتمامه، يجاب هنا أيضا، فمقتضى هذه الاخبار ثبوت الخيار لمطلق البيع، وسقوطه في صورة الافتراق، واللغوية في إطلاق الجعل لا تورث نفعا لنا في المسألة، فخذ واغتنم.


1 - تحريرات في الاصول 5: 256 وما بعدها.

[ 132 ]

نعم، لو قلنا: بأن الغاية لها إطلاق وتورث وجوب البيع على الاطلاق، فهو ينفع إلا أنه التزام غير موافق معه الادلة قطعا. إن قلت: ما ذكرتم يورث سقوط هذه الادلة عن الاستناد إليها، إلا أن كثرة المعاملة المعاطاتية، تكون إلى حد يشكل دعوى اللغوية في إطلاق تلك الادلة، بل هو يوجب اللغوية في أصل الدليل والخطاب. قلت: بعد النظر إلى مجموع الاعصار والازمان والامصار، ليست الكثرة بالغة إلى هذا الحد، وما ترى في نفسك من دلالة هذه الاخبار على المسألة، فذلك لاجل ما ترى في نفسك من لزوم المعاطاة، وأنها واجبة، فكيف لا يشملها الحديث، وهذا مما لا غبار فيه، ضرورة أن هذه المآثير تدل على ثبوت الخيار في المعاطاة، لانها من العقود اللازمة، سواء كانت بيعا وصلحا ومتشكلا بأشكال العقود، أو كانت عقدا مستقلا، ومع إلغاء الخصوصية يثبت فيها الخيار، كما قلنا به في الاجارة (1)، فليراجع. وقد يخطر بالبال أن يقال: بأن هذه الروايات ليست إلا في مقام جعل الخيار وأمده، وأما أن الموضوع له هو البيع مطلقا، أو بيع خاص، فلا إطلاق لها، لعدم نظرها إلى تلك الجهة، ومن تأمل في أخبار المسألة، يطمئن إلى عدم ثبوت الاطلاق لها في هذه المرحلة، التي هي مرحلة القيود المأخوذة في الموضوع، ويكون أساس النظر إلى ترتيب الحكم عليه وبيانه، فتأمل جيدا.


1 - كتاب الاجارة من تحريرات في الفقه للمؤلف (قدس سره) (مفقود).

[ 133 ]

الدرس السابع والعشرون ما ألقاه السيد الخوئي - حفظه الله تعالى - في مسألة أن الصحة والفساد من الامور القابلة للجعل فحكى القول بقبولهما الجعل، وبعدم قبولهما الجعل مطلقا، وقال: اختار صاحب الكفاية التفصيل بين العبادات والمعاملات: بأن الصحة في العبادة لا تقبل الجعل مطلقا، ضرورة أنها من الامور الانتزاعية، فإن طابق المأتي به المأمور به يكون - حينئذ - اعتبار الصحة، وإلا فيعتبر الفساد، وعليه هما من الواقعيات النفس الامرية الموجودة بوجود المناشئ، فلا يعقل تعلق الجعل بهما - لا مستقلا ولا تبعا - بخلافهما في المعاملات، فإنهما فيها يعتبران من حكم الشرع

[ 134 ]

بالتأثير وحصول الاثر وعدمه، وعند ذلك يكونان قابلين للجعل بالتبع (1). واختار شيخنا الاستاذ - قدس الله نفسه - تفصيلا آخر بين الصحة الواقعية والظاهرية، فاختار عدم قبولهما الجعل في الاولى دون الثانية، لان الواقعية - في العبادات كانت أم المعاملات - تعتبر حال الوجود، ولا يعقل اتصاف الطبائع الكلية بالصحة والفساد، فإذا كان الموجود في الخارج مجتمع الشرائط، فيكون صحيحا من غير فرق بين العبادة والمعاملة، ثم إذا كان الموجود في الخارج فاسدا بحسب الواقع، فيكون تعبد الشرع دليلا على الصحة وجعلها، فهما لا تنالهما يد التشريع بالنسبة إلى الواقع، لانها غير مبسوطة، بخلافها بالنسبة إلى مقام الامتثال والظاهر، فإنها مبسوطة (2). ولنا أن نلتزم بهما - أي بالمقالتين - أي نختار عدم قبولهما الجعل في العبادات مطلقا، وقبولهما الجعل في المعاملات والظاهرية، فما هو التحقيق هو التفصيلان، وذلك لما مضى في العبادات، وأن الصحة والفساد من لواحق الوجود الخارجي قطعا، وأن الحكم الفعلي المنجز لا يورث اتصاف المتعلق بهما. وأما الظاهرية فلان الشرع بعد التصرف والتعبد والتوسعة في الامتثال، يوجب اتصاف المصداق الخارجي بالصحة، فهي مجعولة.


1 - كفاية الاصول 1: 220 - 222. 2 - أجود التقريرات 1: 392.

[ 135 ]

وأما في المعاملات فهو أن العبادات تكون متعلقات الاحكام، والمعاملات تكون موضوعاتها، والاحكام في المعاملات متعلقة بالخارج النافذ، أي كل ما صدق عليه البيع المملك والناقل، صدق عليه أنه الصحيح، فعلى هذا لا معنى لنفي قابليتها عن الجعل، ضرورة أن حكم الشرع بحصول الاثر مبدأ ذلك الوصف، فهو قابل للجعل تبعا. فتحصل: أن باب العبادات غير باب المعاملات، فإن الاحكام في الاولى تعلقت بالطبائع، وفي الثانية هي موضوعاتها على ما تحرر منا في محله. وإذا كان الامر كذلك فالصحة في الاولى لا توجد إلا بعد وجود الطبيعة، وأما في الثانية فقد فرض الشارع تلك الطبيعة موجودة، وحكم بحصول الاثر، فالحكم بحصول الاثر والنفوذ والحلية بعد الوجود المفروض، وبعد ذلك يعتبر الصحة، فهي في العبادات توجد بعد وجودها وإن كان الحكم قبله فعليا تاما لا يكفي لوجودها، بخلافها في العبادات، فإنها فيها توجد بعد الحكم، فهي من توابعه ومجعولاته التبعية فلاحظ وتدبر. أقول: يتوجه عليه: أولا: أن البابين من باب واحد، ولا يعقل تعلق الحكم بالوجود المفروض وجوده، ضرورة أن ما وجد في الخارج مفروضا، فهو في مرتبة ذاته: إما يكون مؤثرا أولا، فإن كان مؤثرا فلا حاجة إلى الحكم

[ 136 ]

الشرعي، ولا يعقل تأثيره به، لعدم دخالته فيه، بل هو إمضاء ما وجد مؤثرا، ولا سببية له للتأثير، وإن كان غير مؤثر فلا معنى للحكم بالتأثير، فالحكم الشرعي دليل إمضاء ما هو المؤثر العقلائي. وثانيا: ليس الفرق بين العبادات والمعاملات بأن الاولى متعلق الاحكام والثانية موضوعها، لان الموضوع فيهما هو المكلف، والعمل المتعلق للحكم أمر يتسبب إليه، وهو الصلاة والعقد، وكما أن حلية العقد - بمعنى نفوذه وتأثيره - من توابع الوجود، كذلك تأثير الصلاة - وأنها معراج المؤمن - من توابع ذلك، وحلية العقد بمعنى أنه الجامع للشرائط المعتبرة الشرعية، فهي عين معناها في الصلاة المحللة. وأما الحكم التكليفي فيهما فهو أيضا من سنخ واحد، فكما يجب الصلاة ربما يمكن أن يصير البيع واجبا بالعرض. فتوهم: أن الحكم في العبادات ليس منشأ لاعتبار الصحة، بخلاف الحكم في المعاملات، فاسد جدا، فإنه فيهما ليس مبدأ الاتصاف. وثالثا: هذا المقدار من الجعل التبعي المفروض في المعاملات، يأتي في العبادات، لان الصلاة من الامور الاختراعية والاحكام الوضعية، وإذا كانت هي بيد الشارع، فأوصافها - أيضا - قابلة للجعل تبعا لجعل الموصوف واعتباره. ورابعا: كان عليه وعلى أقرانه مطالعة تقريرات الوالد

[ 137 ]

المحقق (1) - مد ظله - حتى يتوجهوا إلى مسائل جديدة، وهو أن الصحة والفساد لا يقبلان الجعل على الاطلاق، فإن الاحكام متعلقة بعناوينها والمصاديق إذا كانت مجتمعا فيها ذلك العنوان بشرائطه وقيوده تصير موصوفة بالصحة، وإلا فبالفساد، فالبيع الفاسد هو ما كان موجودا في الخارج، ولم يكن منطبقا عليه العناوين بشروطها الشرعية كالصلاة، ومسألة أن البيع موضوع للمؤثر باطلة قطعا، لما ترى من صدقه على الاعم بالوجدان والضرورة. وما ترى من اتصاف الصلاة الفاقدة للشرط والجزء بالصحة، فهو ليس لاجل اعتبار هما فيها، بل الوجه دخالة الشرع في منشأ ذلك الاتصاف، وإلا فلا يعقل وجوب السورة مطلقا، ومع ذلك تكون الصلاة الفاقدة لها صحيحة، بل الصلاة تصير صحيحة إذا كانت بدونها - حال الجهل وغيره - واجبة، وتكون السورة جزءا في بعض الحالات. ومن هنا ظهر حال مختار الوالد - مد ظله - في المسألة، ولعله لا يقول بعدم قبولهما الجعل العرضي والتبعى، لان معنى الجعل العرضي هو جعل شئ آخر مستقلا، وانتساب الجعل إليه ثانيا ومجازا، ولذلك تصح دعوى أنها من المجعولات الشرعية، لمجعولية ما هو الدخيل في وجودهما، فلو لا الصلاة ولولا القيود الشرعية في المعاملات لا يعقل اعتبارهما إلا بالنسبة إلى القيود العرفية، فلا تغفل.


1 - تهذيب الاصول 1: 411 - 412.

[ 138 ]

هذا ما هو عند القوم. والذي ذهبنا إليه واخترناه: هو أن الصحة والفساد من العناوين العرفية مع قطع النظر عن الشرع، وعندهم تكون العبادة صحيحة والمعاملة فاسدة، وإذا راجعنا ] نجد [ أن منشأ اتصافهما بهما ليس إلا جهة واحدة، فيعلم أن تلك الجهة - أيضا - منشأ لاعتبارهما بالنسبة إلى العبادات والمعاملات بعد الشرع، وبعد التوسعة والتضييق الواقعين فيهما بأمره ونهيه. فتوهم: دخالة الامر الشرعي والحكم في تلك الامور الرائجة بين الملل والاقوام، ناشئ من القصور. وتحقيق المسألة يستدعي الاشارة الاجمالية، وقد أوضحناه في محله (1)، وهو أن المقرر في مقامه: أن العناوين والطبائع الحقيقية بأنفسها موجودات في الخارج، وما اشتهر: أن الكلي الطبيعي موجود بمصداقه وشخصه دون نفسه (2)، خال عن التحصيل وكلام لا يساعد عليه العقل والعقلاء، ولما يرون أن الانسان في الخارج، وهكذا العناوين الاختراعية والاعتبارية، فإنها تصير بأنفسها في الخارج، ولاجله يكون حكم الشرع ساقطا بالعقل قطعا، وإلا نحتاج إلى إقامة الدليل لو لم يكن المأمور به بنفسه في الخارج. فإذا كان المأمور به والحلال الوضعي بنفسه في الخارج، فإن


1 - شرح المنظومة، قسم المنطق: 21 / السطر 13 - 17. 2 - الحكمة المتعالية 4: 213.

[ 139 ]

كان بتمام أجزائه خارجيا وفي الخارج، فهو منشأ اتصافه بالصحة، وإلا فهو يوصف بالفساد لعدم تمامية الاجزاء والشرائط، وعند عدمه لا يترتب عليه آثارها من معراجية المؤمن ومن الملكية والزوجية، فلا تعدد بين المأتي به والمأمور به حتى يقال: ينتزعان من التطابق واللا تطابق، كما هو مختار المحققين في المسألة - كلا أو بعضا حتى الوالد - مد ظله (1) - مع أنه كان ينبغي أن ] يتذكر [ إلى تلك الجهة، فعنوان الصحة يعتبر من الماهية الموجودة، لا من التطابق بين المأمور به والمأتي به. نعم، إذا كانت الماهية الموجودة تامة الاجزاء والشرائط تتصف بالصحة، وإلا فبالفساد وما ذكره القوم - مضافا إلى أنه غير موافق لما تقرر في الكتب العقلية - يلزم منه عدم سقوط الامر، لان ما اتي به هو مصداق المأمور به، والامر متعلق بالطبيعة وسقوط ذلك الامر بهذا المصداق يحتاج إلى الدليل، بخلاف الذي قررناه، فإن المأمور به بنفسه يأتي في الخارج، وإذا أتى فيه فهو ظرف السقوط قهرا، ولا يعقل الثبوت، فا لصحة والفساد من الكيفيات المزاجية في التكوين والتشريع اعتبارا، وغير قابلين للجعل، فتأمل.


1 - تهذيب الاصول 1: 211، كفاية الاصول: 222، مناهج الوصول 2: 154 - 155، نهاية الاصول: 280، أجود التقريرات 1: 390.

[ 140 ]

الدرس الثامن والعشرون ما ألقاه السيد الشاهرودي - حفظه الله تعالى - حول شبهات ابن قبة وقال: ليست الامارات من الامور المجعولة الشرعية، ولا أساس لما قيل من التنزيل، بل هي كالعلوم القطعية إلا أن الشرع يتمكن من الردع عنها. وعلى هذا بعد التأمل في المسألة يظهر: أن المناط في مسألة الامارات على العلم العادي والظن النظامي، الحاصل من التفحص والتدبر في التاريخ والتراجم والكتب الرجالية، فإنه لولا حصول العلم بمقالة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والائمة (عليهم السلام)، لا يمكن الاستناد إليهم، لان مجرد الشك تمام الموضوع لحرمة الافتراء والكذب عليهم، وتخيل

[ 141 ]

حصول العلم بقول الرجالي لا يكفي لصحة الاستناد، بل الرجالي لا يدرك إلا ما لا يورث شيئا، فلابد من تحصيل الظنون المتراكمة حتى يحصل العلم بحال الراوي، وإلا فأصحاب الكتب الرجالية لا يكلفون بالشهود على أحوال الرواة، بل هم باستماعهم من المشيخة - غير المعلومة حالهم أيضا - قالوا: فلان ثقة، وهذا عندنا غير كاف، لعدم الدليل على اعتبار أقوالهم وتوثيقاتهم خصوصا، فكل خبر تضمن حجية خبر الثقة بنفسه مشكوك الحجية، ولا قطع بالنسبة إلى خبر معين - كما قيل - وهذا لا يورث دعوى إنكار العلم بوثاقة الرجال، لا نا نعلم وثاقة مثل محمد بن مسلم وزرارة وأمثا لهما، وليس هذا إلا لكثرة المراجعة إلى أحوالهم وخصوصياتهم، وعند ذلك يجب تحصيل ذلك العلم بالنسبة إلى غيرهم أيضا، وإلا فالعمل بقولهم - مع حرمة الافتراء والكذب على الله تعالى ورسوله - غير صحيح. أقول: ولعمري إنه ما كان يريد من هذه المطالب أمراجديا، وإلا لما كان يقتدر على الافتاء إلا في مسائل نادرة جدا، فيعلم من رسائلة العملية أن ارتكازه وطينته على خلاف مقالته، وأنه يعمل بالظن، فضلا عن المتراكم منه، وعن القطع والعلم. والذي هو التحقيق ما قررناه في محله (1). ويتوجه عليه ثانيا: أن كون الشك تمام الموضوع لحرمة الافتراء


1 - تحريرات في الاصول 6: 222 وما بعدها.

[ 142 ]

والنسبة خلاف الصناعة، لان المحرم هو الكذب على الله ورسوله، والكذب مخا لفة الواقع وإذا شك في قضية يشك في كونها كذبا، يشك في حرمتها. وأما كون النسبة بغير العلم محرما، فهو من الادلة اللفظية والروايات غير القطعية، وتحصيل العلم هنا إن أمكن يمكن في مواقف اخر، وإلا فلا. والعجب أنه يذكر رواية للاستدلال على أن الشك تمام الموضوع، حال البحث عن عدم حجية الاخبار إلا بعد الاطمئنان والعلم النظامي، فليتدبر.

[ 143 ]

الدرس التاسع والعشرون ما أفاده الوالد المحقق - مد ظله - حول الكريمة الشريفة في مسألة لزوم المعاطاة فقال: الاستفادة من قوله تعالى: (أوفوا بالعقود) (1) على تقريبين ومبنيين في معنى الوفاء، فإنه على المختار هو أن الوفاء بالعقد هو العمل على طبق المعهود والمقرر، فإن كان بالصيغة فمعنى الوفاء به هو ترتيب آثارها، من التسليم على وفق المقرر في ضمن العقد، وإن كان على نحو المعاطاة فقد يشكل تصوير الوفاء، لانه يتقوم بالتسليم، وهو حاصل. وفيه: أن المعاطاة تجري في النسيئة والسلف، وتفرض مع كون


1 - المائدة (5): 1.

[ 144 ]

العطاء من طرف واحد، فيكون الوفاء بالنسبة إلى الاخر بالتسليم، ولو كان العقد حاصلا بالطرفين ووقع التعاطي في زمن واحد، فمعنى الوفاء هو البقاء على المقرر المعاطاتي، فلو رجع إلى رفيقه لاسترداد ماله بعنوان نقض العهد والعقد، فهو خلاف الوفاء بالعقد عرفا، فكما يجب التسليم قبله بعنوان الوفاء كذلك يجب الابقاء بعنوانه، فبعد العقد الفعلي لو استرد ماله بعنوان نقض العهد فقد خالف الحكم، وإن أخذه بعنوان السرقة فقد أكل مال الغير. هذا كله هو أحد المعنيين في الوفاء. والمعنى الثاني: هو عدم حل العقد بالفسخ، وعدم نقضه بإعمال ما يورث حل العقدة، وأما وجوب التسليم والرد فهو غير مربوط بمفهوم الوفاء بالعقد، وإلا يلزم خروج المعاطاة، لعدم إمكان فرض الوفاء فيها. والذي هو التحقيق: هو المعنى الاول، لفهم العرف ذلك، ولكننا نبين كيفية استفادة اللزوم من المعنيين فيه. فالكلام على هذا يقع في مرحلتين: اولا هما: في الطرق الممكنة لاستفادة اللزوم من الكريمة بناء على المعنى الاول، وهي كثيرة: فمنها: أن يكون وجوب الوفاء بالعقد كناية عن لزوم العقد، لان معنى الوفاء هو ترتيب آثار العقد عليه وإيجاد ما يقتضيه، فإذا اريد بيان اللزوم فتارة يصرح: بأن العقد لازم، وأن زيدا جواد، واخرى يأتي بالكناية الابلغ من التصريح، فيقول: يجب الوفاء بالعقد، وإن زيدا كثير

[ 145 ]

الرماد، فإذا كان يجب الوفاء والتسليم - مثلا - وعدم الاسترداد بالكناية، أي لانتقال النفس منه إلى وجوب ملزومه، وهو العقد، تنتقل النفس من المراد الجدي وهو الثاني، ولا جد بالنسبة إلى المراد الاستعمالي، فلا يجب في الحقيقة الوفاء بالعقد إلا أنه أطلق ذلك للانتقال إلى أنه يجب العقد ويلزم، ولولا ذلك لما قال بوجوب الوفاء، وهذا بعينه كالمثال المعروف المشار إليه. ومنها: أن يكون الوفاء بالعقد واجبا بالكريمة كوجوبه ببناء العقلاء، فاريد إيجاب الوفاء جدا، إلا أنه إذا كان يجب ذلك على الاطلاق، فيعلم منه عدم إمكان الفسخ وعدم تأثيره، وإلا فلا وجه للايجاب المطلق، ولسد باب الفسخ والحل على المكلفين، بعد إمكان تجويز امتناعه من التسليم بإعمال الفسخ، الرافع لموضوع العقد المقتضي للزوم التسليم، فإذا وجب الوفاء على الاطلاق جدا، فيجب العقد ويلزم قهرا في نظر الشرع والعرف، وهذا هو الوجوب الطريقي الشرعي. ومنها: أنه يكون الهيئة مولوية، ويجب تكليفا الوفاء، وإذا وجب ذلك ويكون التصرف في المال الموجود عنده محرما شرعا، فلابد من القول بلزوم العقد، وهذا - أيضا - من توابع الاطلاق المستفاد من الاية الشريفة. ولا يخفى أن الوجوب المذكور يمكن أن يكون مولويا ذاعقاب

[ 146 ]

وثواب، ويمكن أن يكون مترشحا من حرمة التصرف في مال الغير، لا نه بالعقد صار ملكا للاخر، والالتزام بالاول إن يشكل فالالتزام بالثاني ممكن، وتصير النتيجة لزوم العقد أيضا. ومنها: لو فرضنا صحة ما قيل: من أن الامر بالشئ يقتضي النهي عن ضده العام، فالامر بالوفاء يقتضي النهي عما يناقضه ويضاده ضدية لا ثالث لهما، وهذا النهي إذا لوحظ بالنسبة إلى التصرفات الناقضة الكثيرة، يفيد فائدة النهي المولوي لاقتضاء موضوعه عرفا، وإذا لوحظ بالنسبة إلى الفسخ - بناء على أنه أيضا مناقض الوفاء - يفيد فائدة النهي الارشادي إلى أنه غير مفيد للفسخ وغير مؤثر، وعليه يعلم لزوم العقد، لان الفسخ إذا كان غير مفيد لحل العقد يكون العقد واجبا ولازما. هذا كله غاية ما يمكن أن يقال في المسألة. ولكنك تعلم أن الوجهين الاخيرين مما لا يمكن الالتزام به، ويكون خلاف المتفاهم العرفي، فإن الارتكاز العقلائي على لزوم العقود في الجملة، وهذه الكريمة إرشاد وإلزام طريقي إليه. الجهة الثانية: في كيفية استفادة اللزوم من المعنى الثاني، وهو يتوقف على مقدمة: وهي أن الامر بالوفاء وعدم الفسخ يقتضي القدرة على المأمور به، فلو كان العقد لازما عند العقلاء، فلا يكون المؤمنون قادرين على ترك الوفاء، لان الفسخ لا يؤثر عندهم لانتقال المال إلى المالك الاول،

[ 147 ]

فهذا أمر بما هو حاصل، ولا يمكن التخلف عنه. فعلى هذا لابد من أحد أمرين: إما اختيار كونه أمرا إرشاديا إلى أنه لابد من الوفاء، لانه لا يمكن غير ذلك، كما في النهي عن الصلاة فيما لا يؤكل لحمه، فإنه ليس نهيا مولويا، بل هو نهي يورث عجز المكلف عن الاتيان بالصلاة معه، وهو معنى ما نعيته عنها، وإما اختيار أن الشرع أقدر المكلفين على تكليفه، فجعل العقود جائزة، ثم أمرهم بالوفاء بذلك، وهذا تارة يكون مستفادا من لازم الخطاب وحكم العقل، واخرى من دعوى الكناية، وأنها تكون إرشادا إلى الجواز، وحيث لا يعقل كونه إرشادا إليه مع نهيه عنه وأمره بالوفاء مولويا، للزوم الجمع بين الارشاد والمولوية والمجاز والكناية، وهذا - ولو أمكن تصويره - غير مناسب حمل الكلام عليه، وتكون الاية عليه من اللغز والاحجية، كما لا يخفى، يتعين الحمل الاول، لما أن دعوى أن العقل يستكشف منه جواز العقد في نظر الشرع - فيكون على هذا هذه الكريمة من أدلة جواز العقود وإن كان يجب الوفاء بالعقد - ممكنة، إلا أن الالتزام بذلك غير صحيح، للزوم جواز الاكل بعد الفسخ، مع عدم إمكان الالتزام به قطعا. فبالجملة: لو سلمنا مساعدة العرف بدوا على مثل ذلك، وتكون الاية ناظرة إلى دعوى جواز العقود، أو كانت هذه الدعوى مسبوقة بها وإن لم تصل إلينا، غير ملتزم به، لما يلزم من إنكار الحكم الوضعي رأسا في المعاملات، وأنه بعد العقد - سواء كان بالصيغة أو بالمعاطاة - يجوز

[ 148 ]

وضعا، ويمكن أكل المال للمالك الاول وإن يحرم عليه حل العقد وفسخه. ولو قلت: بأن الاية إذا كانت كناية عن الجواز، أو كانت إرشادا إلى الجواز، يكون الحمل عليهما حملا خارجا عن محيط العقلاء، لان مثل هذه الطريقة في الكناية مثل اللغز، ولان الارشاد إلى الجواز يستلزم كونه جائزا قبل ذلك، وحيث هو لازم، فيلزم الجمع بين جعلها العقود جائزة وإرشادها إليه بعد ذلك الجعل، وهو جمع غير معقول، أو غير قابل لحمل الكلام عليه. وأما لو كانت محمولة على المعنى المطابقي، إلا أن مثلها مثل النهي عن العبادة والمعاملة إذا كان مولويا، فإنه كما يستلزم الصحة - وإلا فلا يعقل - كذلك الامر هنا، وهذا الحمل ليس خارجا عن محيط العقلاء. قلنا: نعم، إلا أن إدراك العقل ذلك اللازم، لا يكون قابلا للاستظهار منه، لانه ليس في قالب لفظي، فليتدبر. ثم إنه قد يتوهم: أن الهيئة في الكريمة تكون موعظة حسنة، أو إرشادا إلى حسن في الوفاء بالعهد والعقد، ويشهد له قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا)، فإن ذلك في حكم القرينة على أن الامر كذلك. وفيه: أن العدول عن الهيئة الظاهرة في الوجوب، أو الهيئة التي هي الحجة - ولا يمكن العدول عنها إلا بمثلها، أو الكاشفة نوعا

[ 149 ]

عن الارادة اللزومية - بمثل ذلك غير ممكن (1). أقول: قد تقرر منا في محله أجنبية الكريمة الشريفة - حسب القرائن المتصلة والمنفصلة - عن هذه المواقف والمسائل، أو أنها غير قابلة للاستظهار منها أمرا تكليفيا شرعيا، وليست مؤسسة لمعنى شرعي جزئي تكليفي أو وضعي، وتفصيله يطلب من بعض كتبنا الاخرى (2). والذي لا بأس بأن نقول هنا: هو أن مقتضى إطلاقها وجوب الوفاء الاعم من المعنى الاول والثاني، ولا وجه للاختصاص فإن اللازم الوفاء بالعقد، والممنوع هو التخلف عن المقرر في المعاملة، وهذا كما يقتضي لزوم تسليم الثمن والمبيع، كذلك يستلزم إبقاء العقد بحاله وعدم فسخه، وعدم استرجاع ماله بعنوان إرجاع المعاملة. وما قرع سمعك: من أن المعنى الثاني، مفروض على نحو يتمكن فيه المكلف من الوفاء وعدمه، دون المعنى الاول، لا يرجع إلى محصل، فإن وجوب الوفاء بالعقد يلازم عرفا ممنوعية نقض العهد والعقد، أي أن العرف يفهم من الكريمة أنه لا يجوز نقض العهد، وهذا لا يمكن اعتباره إلا مع القدرة عليه، المستلزم لحل العقد بعد النقض، فإن من نقض عهده ولم يوف بعقده فقد حله، لان معنى نقضه ذلك، فيعلم من هنا أن معنى العهد والعقد فيها، هو الذي لا ينقضه الامر الوضعي الخارج عن قدرة العبد


1 - البيع، الامام الخميني (قدس سره) 1: 125 - 131. العرف يفهم من الكريمة أنه لا يجوز نقض العهد، وهذا لا يمكن اعتباره إلا مع القدرة عليه، المستلزم لحل العقد بعد النقض، فإن من نقض عهده ولم يوف بعقده فقد حله، لان معنى نقضه ذلك، فيعلم من هنا أن معنى العهد والعقد فيها، هو الذي لا ينقضه الامر الوضعي الخارج عن قدرة العبد

1 - البيع، الامام الخميني (قدس سره) 1: 125 - 131. 2 - تحريرات في الفقه، كتاب البيع، المقصد الاول، الجهة الثانية، الاية الرابعة من الايات المستدل بها على أصالة اللزوم في المعاطاة.

[ 150 ]

وحيطة سلطانه، وحملها على الارشاد إلى لزوم الوفاء وممنوعية النقض - بأن ذلك لازم، وإلا يلزم أكل مال الغير قهرا وقطعا - حمل بعيد عن مساق الاية، الظاهرة في أنه من الامور التي يرغب فيها المؤمنون، ولا يستمع إليها الكفار، فالصدر يشهد على أن المسألة داخلة في قدرة العباد، وتكون من الامور المخصوصة بالمؤمنين، ويكون المتوقع منهم ذلك، دون غيرهم. العرف يفهم من الكريمة أنه لا يجوز نقض العهد، وهذا لا يمكن اعتباره إلا مع القدرة عليه، المستلزم لحل العقد بعد النقض، فإن من نقض عهده ولم يوف بعقده فقد حله، لان معنى نقضه ذلك، فيعلم من هنا أن معنى العهد والعقد فيها، هو الذي لا ينقضه الامر الوضعي الخارج عن قدرة العبد

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية