الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




ثلاث رسائل، ولاية الفقيه - السيد مصطفى الخميني

ثلاث رسائل، ولاية الفقيه

السيد مصطفى الخميني


[ 1 ]

ولاية الفقيه تأليف العلامة المحقق آية الله المجاهد الشهيد السعيد السيد مصطفى الخميني قدس سره مؤسسة تنظيم ونشر آثار الامام الخميني قدس سره

[ 2 ]

بمناسبة الذكرى السنوية العشرين لشهادة العلامة المجاهد آية الله السيد مصطفى الخميني (قدس سره) هوية الكتاب * اسم الكتاب: ثلاث رسائل * * المؤلف: السيد مصطفى الخميني (قدس سره) * * تحقيق ونشر: مؤسسة تنظيم ونشر آثار الامام الخميني (قدس سره) * * سنة الطبع: آبان 1376 - جمادى الثاني 1418 * * الطبعة: الاولى * * المطبعة: مطبعة مؤسسة العروج * * الكمية: 3000 نسخة * * السعر: 9000 ريال * جميع الحقوق محفوظة للناشر

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم

[ 5 ]

كلمة حول الكتاب إن للمؤلف (قدس سره) رسائل متعددة في العلوم النقلية والعقلية وقد ضاع كثير منها ولم تصل إلينا إلا هذه الرسائل الثلاث: ألف - ولاية الفقيه هذه الرسالة ليست رسالة مستقلة، بل كما هو دأب الفقهاء في العصور الاخيرة البحث عن شؤون الفقيه وولايته في كتاب البيع، أورد المؤلف (قدس سره) هذه المباحث في كتاب البيع من " تحريرات في الفقه " ومما يؤسف له - كثيرا - فقدان معظم أجزاء كتاب البيع ومنها مباحث ولاية الفقيه أيضا. ولكن بحمد الله ومنه قد اطلعنا على أن سماحة حجة الاسلام والمسلمين السيد محمد السجادي - حفظه الله ورعاه - قد استنسخ هذه المباحث في سالف الزمان لنفسه من مخطوطة المصنف (قدس سره) ومن علينا بتقديمها للتحقيق والنشر فلله تعالى دره وعليه أجره.

[ 6 ]

ب - العوائد والفوائد وهي رسالة اجتمعت فيها نكات طريفة من العلوم العقلية والنقلية، كتبها (قدس سره) في بورسا من بلاد تركيا، حيثما كان طاغوت إيران نفاه مع والده المحقق الامام الراحل (قدس سرهما) إليها قبل الاقصاء إلى النجف الاشرف. ج - دروس الاعلام ونقدها هذه الرسالة حصيلة حضور المؤلف (قدس سره) في أوان وروده في دروس أعلام النجف الاشرف، وهو قد حضر بحوثهم الفقهية والاصولية، والمطالع الكريم يطلع على سعة علم المؤلف وقوة ما أورده على هذه الاعاظم من تلك البحوث. وفي الختام نشكر جميع الاخوة الافاضل الذين ساعدوا على نشر هذا الكتاب في ضمن تراث المؤلف الشهيد. والحمد لله رب العالمين. مؤسسة تنظيم ونشر آثار الامام الخميني (قدس سره) فرع قم المقدسة

[ 1 ]

ولاية الفقيه

[ 3 ]

تمهيد حول ما للرسل من تشكيل الحكومات الدنيوية خاتم [ الانبياء والرسل إذا كانت وظيفته الالهية، غير محصورة بسور الشريعة والهداية إلى دار الاخرة، وكان يجمع بين ] الروحية والمادية [ ولا يكون - حسب بعض الاخبار - متمحضا في أمر الاخرة ولا في أمر الدنيا، كبعض الاسلاف من الرسل والانبياء (عليهم السلام)، بل هو الحد الوسط والميزان المقتصد، فلا عيسوية ولا موسوية، بل هي الحقيقة المحمدية البيضاء (صلى الله عليه وآله وسلم)، فكيف يمكن اختصاصه (صلى الله عليه وآله وسلم) بهداية الناس من الجهالة والضلالة إلى الاخرة وشؤونها. بتوهم أن الناس والغرائز الموجودة فيهم، كافية لاصلاح حال البشر، ولا يحتاج الانسان بما هو مدني بالطبع إلى رسول متكفل بالقوانين السياسية؟!

[ 4 ]

فهذه الشبهة واهية، ولا يمكن أن يعتقد أحد من المسلمين بأن الاسلام دين كافل لامهات الامور الراجعة إلى سعادة البشر، من حيث تبعات الاعمال من العقوبات ] والمثوبات وحسب [، فالانبياء أطباء النفوس، والسلاطين امراء وحكام على الخلق، وكافلون لامور الناس، وعليهم نظم البلاد والعباد. بل الاسلام دين متكفل بجميع المصالح والمفاسد على حد الاعتدال. ولا نبالي أن نقول: إن الاسلام يضاد الدنيا، ودين يوجه الناس إلى الاخرة توجيها أشد من التوجيه إلى الدنيا، لعدم احتياج البشر الشيطاني المادي - بالطبع والطبيعة - إلى توجيهات مادية، ويكفي للتوجهات الدنيوية، الغرائز والقوى المودوعة في جبلتهم وسجيتهم، فالاخرة أحوج إلى المنبهات والموجهات قطعا وطبعا. الرسول الاعظم كان متكفلا لجيمع الامور برمتها ولكن ليس هذا يرجع إلى أنه غير قابل لان يتصدى العائلة البشرية - في أمر دنياهم وما يحتاجون إليه - لتشكيل الحكومة والنظام العسكري والبلدي، أو غير مأمورين بذلك، حتى يتوهم أن اللازم من ذلك ما يتوقف عليه الهداية إلى دار الاخرة. وبعبارة اخرى: أن الزعامة وتشكيل الحكومة كان لبسط الاسلام وتعريفه إلى المجتمع في ذلك اليوم، وإصغاء الاخرين إلى يوم

[ 5 ]

القيامة، حتى لا يزول بزوال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فهو (صلى الله عليه وآله وسلم) قد تكفل بهذه الامور السياسية لحفظ الديانة من الاندراس، ولو كان الاسلام يمشي في البلاد بموافقة ملوك الامصار، لما كان (صلى الله عليه وآله وسلم) ينظم الحكومة ويشكل الزعامة والسلطنة، فإن هذا التوهم باطل غير سديد جدا، لما نجد في القوانين الاسلامية ما يفي بسعادة البشر في جميع شؤونه وفي كافة اموره، ضرورة أن الاسلام له قوانين في شتى المراحل والمنازل، وفي مختلف الجهات المرتبطة بالافراد والاحاد وبالمجتمعات والجماعات، فلا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا وقد أحصاها، فهو دين الدينا والاخرة. وليس كلمة الدين - كما يتبادر منه بدوا - ما كان يوجه البشر إلى الاخرة محضا، بل الدين هي السياسة العظمى الكافلة لجميع أنحاء السعادات الجزئية والكلية، الدنيوية والاخروية، ولذلك نجد أن الاسلام جامع شتات المسائل الروحية والمادية والفردية والاجتماعية، بخلاف سائر القوانين والملل، فإن قوانينهم الاساسية قاصرة عن الاحكام الفردية والروحية، بل هي قواصر حتى في امور دنياهم، والتفصيل يطلب من مواقف اخر. حول أن التوصية وجعل القيم من شعب الرسالة العامة ولعمري إنه إذا كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) خاتم الرسل، ولا يأتي من بعده نبي ولا رسول، وكان شغل الرسول الاعظم الختمي (صلى الله عليه وآله وسلم) هذا الذي

[ 6 ]

أسمعناك، فهل يمكن أن نلتزم بأن يكون دينه بلا وصي ولا قيم في مختلف الامصار والاعصار، لا في عصر خاص دون عصر؟! أفنحتاج إلى الدليل اللفظي على لزوم تصديه لما يلزم من إهما له الهرج والمرج، بالامر وبإصدار الفرمان بتشكيل إحدى الحكومات الممكنة من المشهورات في هذا العصر، وهي الحكومة الجمهورية أو المشروطة أو الاستبدادية أو غير ذلك من أنحائها؟! أفلا يكون عليه - فرارا عن الفساد في البلاد على العباد - تعيين الوظيفة بنحو الكلي للمسلمين وزعمائهم وأكابرهم؟! فهل يوجد عاقل في العالم لا يقول بالتصدي لمثل ذلك، بعد ما يجد قول الله تعالى: (إنك ميت وإنهم ميتون) (1)؟! أو ترضى أن تقول: إن الله تعالى تقضي رحمته الواسعة وعفوه الكريم ولطفه العميم ببعث الرسل وإنزال الكتب، ولا تقضي بأزيد من ذلك، وهو أن يأمر الرسول بتعيين الوظيفة للمسلمين في طول الدهر ومدى الايام، ولا سيما بعد كونه خاتم الرسل والانبياء، وبعده ينقطع الوحي والتنزيل، أم العقل السليم والذهن المستقيم لا يصطفي ذلك، ولا يحتمله في حقه تعالى، فإن ذلك من شعب تلك الرسالة العظيمة، ومن أغصان هذه الشجرة الطيبة. أو ترضى أن يتكفل بأمر الاسلام، الذي اهريق لبنائه دماء الافاضل،


1 - الزمر (39): 30.

[ 7 ]

وهتك لاجله أعراض الاماجد في جميع الازمان، لا الزمن الخاص المحدود بالحدود المتناهية - ولاسيما إذا تناهت إلى خمسين ومائتي عام على المذهب الحق - أم يجب على الله تعا لى، كما يجب عليه إرسال الرسل وإنزال الكتب، أن يتكفل بعائلة البشر دينا ودنيا بعد ما ينقطع الوحي إلى الابد. وهذا معنى ما اشتهر عنا: أن العلماء في هذه الامة كأنبياء بني إسرائيل (1)، لانهم أنبياء عن الرسول الاعظم بعد وصول الكتاب الالهي إليهم، والمتون النبوية لديهم، وإلى هذه البارقة الالهية يشير ما في الاحاديث: أن الفقهاء امناء الرسل (2)، وأنهم حصون الاسلام (3)... وهكذا. فلعمري إن هذه المسألة لا ينبغي أن تعد من النظريات، بعد الغور فيما هو السبب لبعثة الانبياء والرسل، ما هو سر لطفه تعالى بالرعية، ولاجل وضوح المسألة لا يوجد في الكتاب والسنة ما يفي - حسب المصطلحات الاخيرة - بإثبات هذه الحكومة الكلية لغير الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) أو من يحذو حذوه، لما يشكل تارة في سنده، واخرى في دلالته على سبيل منع الخلو. فتحصل حتى الان: أن لزوم ذلك على الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) من الواضح والبديهي، وإن كان المسلمون مختلفين في ذلك الامر من بعد الرسول


1 - عوالي اللالي 4: 77 / 67، بحار الانوار 2: 22 / 67. 2 - الكافي 1: 46 / 5، عوالي اللالي 4: 59 / 2، 77 / 65. 3 - الكافي 1: 38 / 3.

[ 8 ]

الاعظم (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولكنهم متفقون في حاجة الاسلام والمسلمين إلى الحكومة، ولكنهم اعتقدوا أن الحكومة جمهورية مستبدة باستبداد القانون، لا الفرد والشخص. والمذهب المنصور يقول: بأن الرسول الاعظم أظهر كمال رسالته بتعيين الامير العزيز علي بن أبي طا لب - عليه آلاف التحية والصلوات والسلام - وهو ليس من خصائصه، بل ذلك حكم الله تعا لى، وإظهار لمن نصبه الله تعالى، وهكذا الامر في سائر المواقف، فإنه (ما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى) (1). المقدمة الاولى: حول أن الانبياء والرسل كافلون لامر الدين والدنيا إذا عرفت وأحطت بما تلوناه عليك، وعلمت أن الخاتمية تقتضي التصدي لنصب القيم والرئيس والسائس بين العباد، لصون البلاد عن الفساد، وإلا فيحتاج البشر إلى رسول آخر، يتكفل أمر معاشهم ومعادهم فيما يحتاجون إليه حسب شرائط الحياة في الازمنة الاتية، كما نجد اختلاف الامم في ذلك من حيث رقي الشؤون الدنيوية والمظاهر المادية، فلا نحتاج بعد ذلك إلى إقامة البراهين العقلية والنقلية حول المسألة. ولكن لما كان الناس والفقهاء مختلفي الفهم والادراك، فكم من


1 - النجم (53): 3 و 4.

[ 9 ]

فقيه جامع لعلوم القرآن، ولا يدرك حقيقة الاسلام، وكم من رجل لا يعلم اجتهادا مسألة من المسائل الشرعية، ولكن الله فتح قلبه لادراك لزوم مثل تلك الحكومة في الاديان، وإلا فيصبح الديانة مغفولة، وتصير من الامور التشريفاتية، كما نجد ذلك في بلاط روحانيي المسيح وفي كليسا وغيره، وما هذا إلا لايجاد الخلل والفصل بين الدين والدنيا، ولكن كما أن لفظتي الدين والدنيا متقاربتان جدا، كذلك هما في هذه النشأة، قريبان متشابكان متداخلان لا ينفك أحدهما عن الاخر. وهذا لا ينافي ضدية الاسلام مع مظاهر الدنيا، لما رأينا أن رئيس هذه الحكومة، وهو الرسول الاعظم والامير المعظم، كانا يرأسان ويتصديان لامر السياسة في البلاد والحكومة على العباد، ولكنهما معرضان عن الدنيا أشد الاعراض، وكانا في غاية الانزجار ونهاية التنفر عن شؤونها والاقبال إليها، فإذا كان رئيس الحكومة على مثالهما، يتمكن من أن يتقدم في أمر المملكة وبسطها بمدة قصيرة وعدة يسيرة، وإنما كانوا في صدر الاسلام بسطوا الديانة في كافة أقطار العالم، حتى وصلت صولتهم إلى مضيق جبل طارق، فأصبح الاسلام في القارات الثلاث المعروفة في ذلك العصر: القارة الاروبية والافريقية وآسيا، فهل حدث هذا إلا لما كان رئيس الاسلام والحكومة يعيش على الاقتار والتقتير، ولا يعيش كعيش المسرفين والمترفين والمبذرين وكأهل الدنيا والشهوات، ولا يمضي عليه ساعة إلا وهو فيها يهتم بامور المسلمين والاسلام، فإذا

[ 10 ]

كانت وجهة النظر إلى هؤلاء الاعاظم، فلا يتمكن البشر عن التخطئ عن هذه السيرة والطريقة. فبالجملة: أصل لزوم هذه الحكومة، واحتياج الانسان المطبوع على التمدن إلى التشكيلات بعرضها العريض حسب الاحتياجات، مما لاريب فيه ولا شبهة تعتريه، ولا أجد مخالفا في ذلك الاصل بحسب الكبرى الكلية، إلا من يرى أن أساس البعثة والانبياء هداية البشر إلى الاخرة، ولكن أمر الدنيا محول إلى أهلها وسلاطينها، ولا يصح لاحد من الانبياء التدخل في هذه النشأة. ولو رأينا نبيا يصنع هكذا، فإما نتهمه أو نحمل فعله على الصحة، بدعوى احتياج الهداية وبسطها في الجملة إليها، فإذا بلغ إلى آذان الناس تلك الرسالة والنبوة، فلا حاجة بعد ذلك إليها. وأنت خبير بما فيها، ولا بأس بالاشارة الاجمالية إلى بعض هذه الادلة العقلية واللفظية، وفي طي هذه الادلة يظهر صغرى هذه الكبرى المسلمة، وأن من يصح له التصدي لابد وأن يكون كذاوكذا، فانتظر. المقدمة الثانية: المشتملة على الاصل الاخر في هذه المسألة نشير إليها إجمالا، لاحتياجها - كما سبق - إلى رسالة مستقلة، وهي خارجة عما نحن بصدده هنا، من إثبات ولاية الفقيه على الايتام والاطفال، ولكن لا بأس بالايماء إليه، فنقول:

[ 11 ]

لا شبهة في اختلاف المعروفات عقلا وشرعا، وتفاوت الخيرات كتابا وسنة، فمن المعروفات والامور الخيرة ما يكون معروفا من شخص خاص أو في حالة خاصة، فيكون واجبا في تلك الاحوال وعلى تلك الاحاد والافراد، وذلك مثل كثير من الواجبات الفردية، مثلا لبس الابريسم والذهب محرم، وترك معروف ولازم، ولكنه على المكلف، ويجوز ذلك للاطفال والصغار، ولا يجب على الاولياء خلعهما عنهم، لعدم معروفية تركه، وعدم بلوغ ذلك إلى الخيرات المطلقة، وإلى ما لابد من تركه من أي شخص كان، أو في أية حالة كانت، وإذا ارتقى النظر إلى الدرجة الوسطى من المعروفات والخيرات، نجد أن ذلك واجب ولابد من إيجاده أو إعدامه، كما إذا أراد الصغير أن يشرب الخمر، أو يزني، وغير ذلك - إذا أمكن له ذلك - وهكذا مما يشابهه، فإنه وإن لا يجب عليه شئ ولا يحرم، ولكن على الاولياء المنع عنه، لما علم من الشرع مبغوضية أصل وجوده، لا من شخص خاص أو في حا لة خاصة. وإذا كان شئ واجب الوجود في نظر الشرع، أو واجب الترك، ولا يتمكن الشرع من تكليف كل أحد به، كالامثلة المزبورة، فعليه تكليف الاخرين بالمحافظة والمواظبة على الخير المزبور والمعروف المذكور، حتى ينسد باب العدم عليه، ويصل المولى إلى مرامه ومقصده بتلك الطريقة قهرا وطبعا. وربما يكون الخير والمعروف واجبا ولازم الوجود، ولا يلاحظ

[ 12 ]

قياسا إليه شئ يزاحم ذلك، بل جميع المزاحمات ] تبعد [ وتطرد، ويكون وجوده في اللزوم، بالغا إلى حد يتوصل المولى في ذلك إلى كل ما أمكن، وذلك مثل النظم والمنع عن الهرج والمرج، والممانعة عن اختلال نظام الاعراض والاموال والنفوس، فإنه بصراحة العقل مطلوب لكل أحد كان ذا عقل سليم وفهم مستقيم بالضرورة القطعية، ولذلك تجد جميع الحكومات - في جميع الاعصار والامصار - متصدين لابراز ذلك والتباهي به، وهذا هو أساس ] التقدمات في الوصول إلى المرام والمقصود في العالم الفعلي والحالي، كما هو الظاهر البارز. وهذا الاصل - وهو حفظ سياسة المدن ونظم البلاد ودفع الفساد عن عوائل البشر - مورد ] اهتمام [ الانبياء والمرسلين وسائر الحكومات، ولا يمكن أن يتمكن أحد في مرامه، إلا بإظهاره أنه يريد تنفيذ هذا الاصل، ويشتهي بناء هذا المقصد، وكانوا من السلف إلى الخلف يتهم كل الاخر بأ نه غير لائق لمثله. وإن الناس لا يعيشون في مأمن صحيح، ولا يستريحون راحة طيبة، فوجود النظم البلدي والمملكتي كوجود النظم الفلكي والافاقي متلازمان، فكما أن الباري عز اسمه لمصالح نظام الجمع والكياني، لا يلاحظ القضايا الشخصية والفردية، وتفنى مصا لح الافراد حذاء مصالح الجماعة، فينزل من السماء ماء، فينبت من الارض نباتا حسنا وإن يتضرر به العقار والبناء، فإنه في قبال ذلك ملحق بالاعدام، كذلك في النظام الجزئي البلدي والمملكتي والارضي

[ 13 ]

والاعتباري، يراعى ذلك الاصل، ويلاحظ مصالح المجتمع وتفنى المصا لح الفردية للعباد، فأمره التكويني والتشريعي على مقياس واحد، وهذا هو المشاهد بالبرهان والوجدان، وليس من القياس أو الاستئناس بالاستحسان والاستذواق، كما لا يخفى على ذي مسكة، فضلا عن العاقل. وثمرة هذا الاصل: أن الواجبات الشرعية النظامية في الاسلام، المجعولة لسياسة البلدان، والمحافظة على الناس أموالا وأعراضا، مما لابد من إجرائها، وهي - بحسب ما يظهر - واجبة الاجراء من غير مراعاة حال خاص أو شخص. نعم لما كان تفويض أمرها إلى كل أحد مستلزما لما يفر منه، وهو الاختلال في النظم، فعليه مراعاة الاصل المزبور في تعيين المنفذ والمجري، فيحول الامر إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والولي (عليه السلام) أو غيرهما إلى منتهى عمر الدنيا والدين، فمن ذلك الاصل يعلم لزوم وجود من يتكفل أمر السياسة في المدن ويتصدى لمحافظة البلدان والنظام عن الفساد والاغتشاش، وحيث إن الذي خلق السماوات والارض هو العالم العادل، فيبعث العا لم العادل إلى العباد كالرسل، وينزل الكتب المشتملة على الاحكام العادلة في الرعية، ويعين عليهم تعيين العالم العادل في الرعية، خاصا كالاولياء (عليهم السلام)، وعاما كالفقهاء، حسب ما يأتي تفصيله وإثباته بالادلة اللفظية. فلو قام هؤلاء العدول والفقهاء على المعروف المزبور اللازم

[ 14 ]

وجوده، حفظا للحدود والثغور والنفوس والدماء والاعراض والاموال فهو، وإلا فلا يكون المعروف متروكا، وعند ذلك تصل النوبة إلى ما اريد أن أقول: ولا يصل إليه فهم الاخرين وإني اذاكره لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا.

[ 15 ]

الدليل العقلي للمسألة حول أن النظام التشريعي والتكويني بمثابة واحدة وهو أن تخلف الارادة التكوينية عن التشريعية، بتسلط الجائرين المحافظين في الجملة على الرعية والناس، فإن الميسور لا يسقط بالمعسور، ضرورة أن النظام الكياني والافاقي، ليس وحده واجبا، بل النظام في جميع المراحل الكلية والجزئية لازم وواجب، فإن تمكنت الارادة التشريعية من بعث الفقهاء العدول - مثلا - إلى تشكيل النظام الصحيح - الذي في ظله وتحت ظلاله تحفظ النواميس البشرية - فهو، وإلا فلابد من انبعاث السلاطين الاخرين، فإن الحكام قوام العدل في الجملة، ولعل إليه يشير ما روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في كتب الخاصة والعامة: السلطان ولي من... (1)، هكذا


1 - تذكرة الفقهاء 2: 592، الحدائق الناضرة 23: 239، رياض المسائل 2: 81، سنن أبي داود 1: 634 / 2083، سنن الترمذي 2: 280 / 1108، سنن ابن ماجة 1: 605 / 1879 - 1880.

[ 16 ]

في العوائد (1). ولكن غير خفي أن ذلك لا يورث معذورية الفقهاء العدول عن إحداث تلك الحكومة الاسلامية الجامعة، لانهم على الواجب والمعروف المذكور ] أقدر [ إلى تنفيذه أتم وأثبت، فهم الحريون بذلك. وثمرة هذا الاصل أيضا صحة المراجعة - على نحو الترتب - إلى هؤلاء الفساق والطواغيت، إذا استلزم عدم الرجوع اختلال النظام وإيجاد الفساد. وغير خفي أن ذلك لا يستلزم معذورية الجائرين في التصدي، فالفقيه القاصر في تشكيل مثل تلك الحكومة غير معذور إذا تمكن، والجائر المتصدي أيضا غير معذور. ولكن التخلف المزبور واجب، ولا يستلزم عذر القاصر والمقصر، لما تحرر منا في الكتب العقلية: من كيفية الجمع بين الارادتين التشريعية والتكوينية، وبين الارادتين الالهية الازلية والفاعلية الحادثة المباشرة. ومما يترتب على هذا الاصل اندفاع شبهة وعويصة كنا نوردها على الاساطين: وهم في أمثالها غير متوغلين ولا واردين. حول عويصة في مسألة جعل الولاية العامة عقلا وهي أن الارادة التشريعية القانونية يمكن أن تترشح مع التخلف في الجملة، ولكن كيف يعقل ترشحها مع التخلف المطلق؟


1 - عوائد الايام: 534.

[ 17 ]

أي مثلا: إذا أراد الله تعالى بالارادة التشريعية بعث العباد نحو الصلاة وترك شرب الخمر - مثلا - وكان الناس من أول الخلقة إلى آخر الزمن، يتركون الصلاة ويشربون الخمر، فإن قلنا: بأن ما يصنعه العباد خارج عن حكومته تعالى، كان هذا التشريع أيضا غير ممكن، لانه لا يترشح منه الارادة الجدية مع كونه عالما بذلك، لانه من قبيل تكليف الحجر بعد العلم بعدم الانبعاث نحو المبعوث إليه. وإن قلنا: بأن إرادة العباد ظل إرادته فالامر أشد إشكالا وأصعب جدا، فكيف يمكن تشريع هذا القانون الكلي؟ والجواب: أن الارادة التشريعية الباعثة لعباده الصا لحين إلى تشكيل الحكومة، سبقت الارادة التكوينية، فكان بين الارادتين ترتب، وهو أنه تعالى يرى وجوب وجود النظم في العائلة البشرية، ويرى كمال ذلك بتصدي الفقهاء العدول - مثلا - فيأمرهم بذلك، وإذا كان يرى تخلفهم عن ذلك اختيارا مع القدرة عليه، يريد أن يتصدى الاخرون لهذا الشأن والشغل. ولعمري إن الشبهة عويصة، ولا تنحل بمثله، فلتتدبر لعل الله يهديك ويهدينا. وللمسألة مقام آخر، لاحتياجها إلى طور آخر من البحث خارج عن وضع الكتاب. والله هو المستعان. والذي يمكن أن يقال: هو أن ما اشير إليه: من امتناع ترشح الارادة

[ 18 ]

وتحققها إذا علم المريد عدم انبعاث العموم، يختص بالارادة التشريعية التكليفية، لا الوضعية، فإنها أخف مؤونة، ففيما نحن فيه يدور البحث حول الولاية العامة والسلطنة الكلية التي من الامور الاعتبارية، فيمكن ذلك لعدم الحاجة فيه إلى الانبعاث. وأنت خبير بأن اعتبار الاحكام الوضعية يتقوم بالاثر المطلوب منه، وهو تنفيذها وإجراؤها، فإذا علمنا أنه يتخلف دائما عن التنفيذ، فكيف يعقل تحقق إرادة جعلها؟! فالعويصة باقية بعد. لنا أن نقول - كما تحرر منا في الاصول (1) في مواقف كثيرة - إن عدم ترشح الارادة من قبل المولى على وجهين: أحدهما: أن يكون مستندا إلى عدم المقتضي، فهو لا يستتبع التكليف العقلي، ولا الثواب والعقاب. ثانيهما: أن يكون مستندا إلى وجود المانع وفقد الشرط القائم بالطرف، وهو عصيان الناس وكفرهم وعدم انبعاثهم وأمثال ذلك، فإن ذلك لا يمنع عن ثبوت الارادة والطلب اللازم مراعاته، المورث للتكليف عقلا وللعقاب والثواب، فإن الاطلاع على غرض المولى ومطلوبه يوجب التبعية، فإذا كان بمقتضى الدليل اللبي أمر الخلافة مفوضا إلى طائفة، وتبين أن ذلك مطلوب المولى لجماعة، فعليهم القيام بهذا المطلوب، وعلى الاخرين القيام بمقدماته، لانه مطلوب له تعا لى، ومعروف وجب


1 - تحريرات في الاصول 2: 30 - 34.

[ 19 ]

وجوده بين الناس وإن كان المكلف بالمباشرة الفقيه، ولكن على الرعية ترتيب الامور على وجه يتمكن هو من التصدي لذلك، لما به يحصل ما هو مورد الغرض والمقصود. فافهم واغتنم. وقد خرجنا عن طور الكتاب، فليعذرني إخواني إن شاء الله. إذا تبين هاتان المقدمتان فلنشرع بجهات البحث في هذه المسألة: الجهة الاولى: حول الدليل اللفظي للمسألة وهو على طوائف نذكر مهماتها: تنبيه: قد عرفت في ابتداء مسألة ولاية الاب والجد (1): أن الاصل عدم ثبوت الولاية لاحد على الاخر، وعدم نفوذ تصرفات أحد في سلطان الاخرين. قد خرجنا عنه حسب البناءات العقلائية الممضاة في الطائفة الاولى وحسب الادلة العقلية في الطائفة الثانية. وحيث تحتاج تلك العقليات إلى التأييد من ناحية النقليات، فلابد من الاشارة إليها مع رعاية الاختصار. وقبل الورود فيها لا بأس بالاشارة إلى أمر: وهو أن هذه الولاية الكلية - التي أردنا إثباتها للحاكم الاسلامي والفقيه الجامع للشرائط - غير الولاية الكلية الالهية التي تحررت لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وللائمة المعصومين (عليهم السلام) ولفاطمة المعصومة


1 - مما يؤسف له فقدان هذه المباحث من كتاب البيع.

[ 20 ]

الزهراء - عليها سلام الله تعالى - فإنها طور آخر من الولاية، ربما يرجع إلى ما لا اذن سمعت ولا عين رأت ولا خطر بقلب بشر، فلا ينبغي الخلط بين الامور التكوينية والاعتبارية التشريعية. الطائفة الاولى: الايات الكثيرة الشريفة منها: قوله تعا لى: (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الامر منكم) (1)، ولمكان تصدرها بقوله: (يا أيها الذين آمنوا) يكون الخطاب شاملا للمؤمنين في عصر الغيبة، ولانه - صلوات الله عليه - غائب لا يمكن إطاعته، يتعين أن يكون مصداق اولي الامر شخصا آخر، والقدر المتيقن منه هو الفقيه الجامع، فإذا تصدى الفقيه لامر لابد من أن يكون نافذا، قضاء لحق وجوب طاعته. وغير خفي: أن ما ورد من حصر ] اولي الامر [ بالائمة المعصومين (عليهم السلام) (2) فهو محمول في مقام الاجراء، لا التشريع، أي مع وجودهم لا ينبغي لاحد آخر أن يتصدى لاجراء الامور وتنفيذ الاحكام، وأما مع فقدهم فيؤخذ بعموم الكتاب. اللهم إلا أن يقال: لو سلمنا جميع المقدمات فلا يثبت موضوع الاطاعة بهذه الاية، فإن الحكم لا يعقل أن يتصدى لحدود موضوعه، فإن الاية


1 - النساء (4): 59. 2 - الكافي 1: 276 / 1.

[ 21 ]

دلت على وجوب الاطاعة، وأما أن الفقيه هل يجوز له أن يأمر بكذا وكذا، حتى يحصل موضوع الاية بالنسبة إلى المؤمنين، فهو يحتاج إلى الدليل. نعم إذا ثبت أن للفقيه أن يأمر بكذا، فعلى الامة الاسلامية - بل على الناس مثلا - عدم عصيانه. نعم يمكن الدعوى لقاعدة الملازمة المزبورة في أول كتاب البيع (1) ليصح العقد المشكوك صحته بعموم (أوفوا بالعقود) (2)، فكما أن هناك يكشف عموم الحكم عن صحة البيع شرعا، كذلك للفقيه أن يفهم من عموم وجوب الاطاعة صحة الامر وجواز النهي ونفوذ التصدي للامور في حق الاخرين. وتوهم: أن اولي الامر تمثل الطغاة والفسقة والسلاطين الجائرين، ولا يمكن الاخذ بعمومه، فيكون الكتاب من هذه الجهة مبهما، في غير محله، لان الضرورة قاضية بأنهم لا يصلحون لذلك، فكيف يمكن إيجاب إطاعة الفاسق الفاجر على المؤمن الصالح؟! اللهم إلا أن يقال: هذا في حد نفسه قبيح، ولكنه بالقياس إلى حفظ النظام والعدل في المجتمع حسن، فيكون الامر مع وجود الفقيه المتصدي مفوضا إليه، ثم بعد ذلك إلى الفساق، كما قيل ويأتي. ومنها: قوله تعالى في سورة المائدة: (إنما وليكم الله ورسوله


1 - تحريرات في الفقه، كتاب البيع، المقصد الاول، الجهة الثانية، المبحث الاول من مباحث المعاطاة. 2 - المائدة (5): 1.

[ 22 ]

والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون)، فانظر إلى ما في ذيل هذه الاية من الايات الاخر: (ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون * يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء واتقوا الله إن كنتم مؤمنين) (1). ولمكان وقوعها في سورة المائدة المصدرة بقوله: (يا أيها الذين آمنوا) لا يختص الخطاب بطائفة الموجودين، ولاجل أن المخاطبين هم المؤمنون، والولي في الاية أيضا يكون الله ورسوله والمؤمنين كافة، فلابد من الاخذ بأن المؤمنين في الاية طائفة خاصة، وإلا يلزم ولاية كل أحد على كل أحد، وتلك الطائفة لابد وأن تكون الائمة المعصومين، أو من يشابههم في الطريقة المنطبق عليه مفهوم الاية ومفادها، وهم الفقهاء العدول أو العدول، والفقهاء القدر المتيقن منها. وأما حمل الولاية على المحبة فهو خارج عن طريقة الانصاف، كحمل كلمة أولى في حجة الوداع على الولاء والمحبة، ولاسيما بعد تذييلها بقوله تعا لى: (فإن حزب الله هم الغالبون) فإن منه يعلم أن الاية في مقام تشكيل الحزب، وجعل رئيس الحزب، ومن يقود أفراد الحزب، وفي مقام ذكر خاصية الحزب والغلبة والتفوق.


1 - المائدة (5): 55 - 57.

[ 23 ]

وتوهم: أنها في مقام ردع الناس عن أهل الكتاب والكفار، فلا يشمل المقصود، كما يظهر من ذيل الاية الكريمة، في محله، إلا أنه يفيد الامر الاخر، وهو أن من لا يكون واردا في صدر الاية، يعد من الكفار في ذيلها، فتدبر جيدا. ومنها: قوله تعالى في سورة المائدة: (لولا ينهاهم الربانيون والاحبار عن قولهم الاثم وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يصنعون) (1) ولمكان كونها في مقام تعيير الرباني والحبر والعلماء في الامم، يعلم أن وظيفة العلماء والفقهاء من كل الامم ذلك، وهذا مما لا يمكن إلا بتشكيل الحكومة، وكون الاختيارات الكلية بيد الفقيه. وبعبارة اخرى: قضية ما تقرر في محله: أن الامر بالمعروف والنهي عن المنكر من الواجبات الفردية كالصلاة والصوم، ولكنها كفائية كصلاة الميت. ولكن الذي ينعقد لي قوته: أنها من الواجبات السياسية ويكون وظيفة الحكومة أولا، ولابد من تشكيل الوزراء للامر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما هو الان موجود في بعض البلاد المنتسبة إلى الاسلام. وهذا هو وظيفة الربانيين والاحبار، ولا معنى لذلك إلا بعد ذاك، لعدم إمكان التصدي للامر بالمعروف والنهي عن المنكر بالنسبة إلى الجائرين والسلاطين الكفار والفساق، إلا مع وجود المعدات


1 - المائدة (5): 63.

[ 24 ]

والمناسبات التي لا تنجر إلى الاضحوكة والاستهزاء، فإن الداني لا يتمكن من أمر العا لي، ولا يكون ذلك عند الاعلام أمرا، بل النهي والامر لا يتحققان إلا مع السيطرة والحكومة والاستعلاء أو العلو، كما قيل وقلنا في محله (1). بل في قوله تعا لى: (وقولهم الاثم) نوع شهادة على أن طرف النهي، لا يكون في الاية الاشخاص المتعارفين، وهكذا يشهد لذلك بعض الايات الاخر المتقدمة عليها، فراجع وتأمل. ومنها: قوله تعالى في سورة النساء: (ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا) (2). فانظر إلى الايات السابقة على هذه الاية: (إن الله يأمركم أن تؤدوا الامانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا * يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الامر منكم فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الاخر ذلك خير وأحسن تأويلا) (3). فإذا أحطت خبرا بما مضى في ذيل الاية الاولى من عموم الحكم


1 - كفاية الاصول: 83، تحريرات في الاصول 2: 11 وما بعدها. 2 - النساء (4): 60. 3 - النساء (4): 58 و 59.

[ 25 ]

بالنسبة إلي اولي الامر، تكون هذه الايات ظاهرة في أن المنازعة والتحاكم إلى الطاغوت يكون في الجهات المختلفة المتصدي لها الولاة والقضاة، ولا يختص بالثانية حتى يكون اولو الامر مرجعا للقضاء، دون سائر الامور المتنازع فيها. وتوهم: أن ولاية اولي الامر غير معلومة، لعدم تكراره في ذيل الاية الثانية، غير مفيد بعد النص، بل الاية الاولى مخصوصة بالحكام بين الناس، وقضية عمومه عدم اختصاصها بعصر دون عصر، فيكون وظيفة كل حاكم الحكم بالعدل، فمنه يعلم نفوذ حكمه إذا كان بالعدل، والقدر المتيقن من بين النافذين هم الفقهاء العدول. وغير خفي: أنه يمكن الشبهة في دلالة كل واحدة من الايات، إلا أنها لمكان احتفافها بتلك القرينة الخارجية اللبية يتم بها المطلوب. الطائفة الثانية: المآثير المستدل بها على المسألة والدالة على أن العلماء ورثة الانبياء: الكافي في باب صفة العلم وفضله: محمد بن يحيى، عن أحمد ابن محمد بن عيسى، عن محمد بن خالد، عن أبي البختري، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: إن العلماء ورثة الانبياء، وذلك أن الانبياء لم يورثوا درهما ولا دينارا، وإنما أورثوا أحاديث من أحاديثهم، فمن أخذ بشئ منها فقد أخذ

[ 26 ]

حظا وافرا (1) الحديث. وعلى أنهم الامناء: ففي الباب المزبور عن محمد بن سنان، عن إسماعيل بن جابر، عنه (عليه السلام)، قال: العلماء امناء، والاتقياء حصون، والاوصياء سادة (2). وعلى أنهم المنار: كما في الباب المزبور في رواية اخرى: العلماء منار (3) بالسند السابق ظاهرا. وعلى أنهم امناء الرسل: فيه عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عنه (عليه السلام)، قال: قال رسول (صلى الله عليه وآله وسلم): الفقهاء امناء الرسل ما لم يدخلوا في الدنيا. قيل: يار سول الله وما دخولهم في الدنيا؟ قال: اتباع السلطان، فإذا فعلوا ذلك فاحذروهم على دينكم (4). وعلى أن الرئاسة لا تصلح إلا للعلماء الصا لحين: في الكافي الباب المذكور عن محمد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، عن حماد بن عيسى، عن حريز عن ربعي بن عبد الله، عمن حدثه، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: من طلب العلم ليباهي به العلماء، أو يماري به السفهاء، أو يصرف به وجوه الناس، فليتبوأ مقعده من النار، إن الرئاسة لا


1 - الكافي 1: 32 / 2. 2 - الكافي 1: 33 / 5. 3 - مذكورة في ذيل الحديث السابق. 4 - الكافي 1: 46 / 5.

[ 27 ]

تصلح إلا لاهلها (1). والدالة على أنهم حصون الاسلام: ففي رواية علي بن أبي حمزة البطائني، عن أبي الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام)، وفيها تعليل بقوله: لان المؤمنين الفقهاء حصون الاسلام، كحصن سور المدينة لها (2). وعلى أنهم خليفة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ففي العيون قال: حدثنا أبو الحسن محمد بن علي بن الشاه الفقيه المروزي بمرو الرود، قا ل: حدثنا أبو بكر بن محمد عبد الله النيشابوري، قال: حدثنا أبو القاسم عبد الله بن أحمد بن عامر بن سليمان الطائي، قال: حدثنا أبي عام (260)، قال: حدثنا علي بن موسى الرضا (عليه السلام) عام (194). وأيضا حدثنا أبو منصور أحمد بن إبراهيم بن البكر الخوري بنيشابور، قال: حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن هارون بن محمد، الخوري، قال: حدثنا جعفر بن محمد بن زياد الفقيه الخوري، قال: حدثنا أحمد بن عبد الله المروي الشيباني، عن الرضا (عليه السلام). وأيضا حدثني أبو عبد الله الحسين بن محمد الاشناني الرازي العدل ببلخ، قال: حدثنا علي بن محمد بن مهرويه القزويني، عن داود بن سليمان الفراء، عن علي بن موسى الرضا (عليه السلام)، قال: حدثني أبي، عن آبائه، عن علي بن أبي طا لب (عليهم السلام) عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) (3).


1 - الكافي 1: 47 / 6. 2 - الكافي 1: 38 / 3. 3 - عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 2: 24 / 4.

[ 28 ]

ثم أورد الاحاديث الكثيرة البالغة إلى قريب من مائتين، وفي كل منها يقول: بهذا الاسناد... إلى أن قال: وبهذا الاسناد، وقال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): اللهم ارحم خلفائي ثلاث مرات. قيل له: ومن خلفاؤك؟ قال: الذين يأتون من بعدي، ويروون حديثي - أحاديثى وسنتي، فيعلمونها الناس من بعدي (1). وفي الفقيه قال: قال أمير المؤمنين: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): اللهم ارحم خلفائي. قيل: يا رسول الله... - إلى أن قال -: يروون حديثي وسنتي (2). وفي معاني الاخبار عن أبيه، عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن النوفلي، عن اليعقوبي، عن عيسى بن عبد الله العلوي، عن أبيه، عن جده، عن علي (عليه السلام) (3). وفي المجالس عن الحسين بن أحمد بن إدريس، عن أبيه، عن محمد بن أحمد، عن محمد بن علي، عن عيسى بن عبد الله، عن أبيه، عن آبائه، عنه (عليه السلام) (4) مثله. والدالة على أن الفقهاء والقضاة بالعدل هم أوصياء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم):


1 - عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 2: 37 / 94، وسائل الشيعة 27: 92، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 8، الحديث 53. 2 - الفقيه 4: 302 / 95. 3 - معاني الاخبار: 374 / 1. 4 - الامالي، الصدوق: 152 / 4.

[ 29 ]

وهذه كثيرة مذكورة في أبواب صفات القاضي في الوسائل باب 3، وفيها: أنه قال أمير المؤمنين لشريح: يا شريح قد جلست مجلسا لا يجلسه إلا نبي أو وصي نبي أو شقي (1)، ولو كان قابلا للتخصيص لكان شريح أن يقول: أو فقيه، فيعلم منه أن الفقيه القاضي وصي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، والوصي مفوض إليه الامر، فليتدبر. والدالة على أن الفقهاء وعلماء الامة كأنبياء بني إسرائيل (2): وفي الفقه الرضوي: منزلة الفقيه في هذا الوقت كمنزلة أنبياء بني إسرائيل، فما كان لموسى - وهو منهم - فهو للفقيه (3)، بعد عدم خصوصية الاشارة المزبورة فيه مثلا. والدالة على أن الحكومة للنبي أو وصي نبي، وبانضمام ما سبق تثبت الحكومة للفقيه، لانه وصي: في الباب المزبور عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: اتقوا الحكومة، فإن الحكومة إنما هي للامام العالم بالقضاء العادل (4). والدالة على أن مجاري الامور بيد العلماء بالله (5): وقد اختار جمع


1 - الكافي 7: 406 / 2، الفقيه 3: 4 / 8، تهذيب الاحكام 6: 217 / 509، وسائل الشيعة 27: 17، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 3، الحديث 2. 2 - عوالي اللالي 4: 77 / 67. 3 - الفقه المنسوب إلى الامام الرضا (عليه السلام): 338، بحار الانوار 75: 346 / 4. 4 - الكافي 7: 406 / 21، الفقيه 3: 4 / 7، تهذيب الاحكام 6: 217 / 511، وسائل الشيعة 27: 17، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 3، الحديث 3. 5 - تحف العقول: 238.

[ 30 ]

من الافاضل صحة كتاب تحف العقول (1)، ولكنه عندنا غير ثابت جدا، ولكن هذه الرواية المشتملة على المسائل الراقية الموافقة لافكار الراشدين من علماء الاسلام، ويستبعد أن يكون فقيه في ذلك العصر، يتمكن من تأسيس هذا البرنامج السياسي المشتمل على شتى الجهات تكون قريبة جدا في الصدور عن أهل بيت الوحي وسيد الشهداء عليه الصلاة والسلام وقد ذكرها الوافي بتمامها في كتاب الامر بالمعروف ومورد النظر فيها هذه الجملة: وذلك أن مجاري الامور والاحكام على أيدي العلماء بالله، الامناء على حلاله وحرامه (2) الرواية. والدالة على أن العلماء حكام: ففي المروي عن كنز الفوائد للكراجكي عن مولانا الصادق (عليه السلام) أنه قال: الملوك حكام على الناس، والعلماء حكام على الملوك (3). وفي الغرر: العلماء حكام على الناس (4). وعلى أنهم مأمورون بتشكيل السلطنة: لما روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في كتب العامة والخاصة: السلطان ولي من لا ولي له (5). فلابد من


1 - وسائل الشيعة 30: 156، (الخاتمة)، بحار الانوار 1: 29، تأسيس الشيعة: 413، ولاحظ مصباح الفقاهة 1: 5. 2 - الوافي 15: 177 - 179. 3 - كنز الفوائد 2: 33، مستدرك الوسائل 17: 316، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 11، الحديث 17. 4 - غرر الحكم: 47 / 205. 5 - تذكرة الفقهاء 2: 277 / السطر 1، مستند الشيعة 2: 284 / السطر 28، رياض المسائل 2: 81 / السطر 12، سنن أبي داود 1: 434 / 2083، كنز العمال 16: 313 / 44671.

[ 31 ]

وجود السلطان العادل، وإلا فالسلطان الجائر ليس بولي. وغير ذلك مما يطلع عليه المتتبع. فإن كان في ذلك وتلك اللبيات غنى وكفاية فهو، وإلا فاستمع لما يرد عليك من الروايات الاخر المستدل بها في الكتب، وإليك نبذة منها: الاولى: ما رواه الكافي والتهذيب عن صفوان بن يحيى، عن داود بن الحصين، عن عمر بن حنظلة، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث، فتحاكما إلى السلطان أو إلى القضاة، أيحل ذلك؟ فقال (عليه السلام): من تحاكم إليهم في حق أو باطل فإنما تحاكم إلى الطاغوت، وما يحكم له فإنما يأخذ سحتا وإن كان حقه ثابتا، لانه أخذه بحكم الطاغوت وقد أمر الله أن يكفر به. قلت: كيف يصنعان؟ قال: انظروا إلى من كان منكم قد روى حديثنا، ونظر في حلالنا وحرامنا، وعرف أحكامنا، فليرضوا به حكما، فإني قد جعلته عليكم حاكما، فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه، فإنما بحكم الله استخف، وعلينا رد، والراد علينا الراد على الله، وهو على حد الشرك بالله عزوجل (1). فإن كان كل واحد اختار رجلا من أصحابنا، فرضينا أن يكونا الناظرين في حقهما واختلفا فيما حكما، وكلاهما اختلفا في حديثكم؟ فقال (عليه السلام): الحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما وأصدقهما في الحديث


1 - الكافي 7: 412 / 5، تهذيب الاحكام 6: 218 / 514.

[ 32 ]

وأورعهما، ولا يلتفت إلى ما يحكم به الاخر... إلى آخر الرواية. مع اختلاف نسخة التهذيب (1) والكافي (2) في بعض الجمل مثل جملة في حق أو باطل، وهكذا بعض الجمل الاخر، ولكن لا يضر بالمعنى المعلوم منها. والرواية بحسب السند في التهذيب غير ثابت اعتبارها، لما فيه محمد بن الحسن بن شمون الغالي الواقف الضعيف على ما قالوا فيه (3). وما في الكافي غير بعيد اعتباره، فإن عمر بن حنظلة وإن لم يوثق في الاصول الخمسة، إلا أن الشهيد الثاني وثقه (4)، والعمدة رواية الاعيان - كزرارة وأمثا له - عنه، وهو عندنا دليل وشاهد على الوثاقة الكافية في هذا الباب. وربما تشكل الرواية مضمونا: بأن الظاهر منه ممنوعية الرجوع إلى الطواغيت مطلقا، مع أنه فيما يتوقف عليه معاش البشر وراحة الفكر، وفيما يستلزم الاخلال بالنظام، غير ممكن الالتزام به، وهو خلاف ما ثبت عنه (صلى الله عليه وآله وسلم): إني بعثت على الشريعة السهلة السمحة (5)، وخلاف


1 - تهذيب الاحكام 6: 302 / 845. 2 - الكافي 6: 412 / 5. 3 - رجال النجاشي: 335 / 899، رجال الطوسي: 436، مجمع الرجال 5: 186 - 187، معجم رجال الحديث 15: 220. 4 - الرعاية في علم الدراية: 131. 5 - الكافي 5: 494، بحار الانوار 32: 264 / 3.

[ 33 ]

اللبيات المشار إليها سابقا: من أن النظام واجب لا يزاحمه غيره. فبالجملة: الاخبار المشتملة على ترغيب الشرع في المقاومة السلبية في قبال الحكومة الجائرة، مقبولة إذا كان هذا التقادم تحت راية الحاكم الشرعي والنظام العقلائي، حتى يورث فشل السلطة وسقوط الحكومة، كما قد اتفق كثيرا. وأما إذا كان التقادم انفراديا والاعتزال عن الجائرين - لعنهم الله تعا لى - شخصيا، فهو مضافا إلى عدم استلزامه لما هو المقصود، ربما يؤدي إلى الاخلال بالنظام المستتبع للهرج والمرج، بل ربما يؤدي إلى ميل آحاد البشر إلى الالحاد، فإنه لابد على كل ديانة حقة من مراعاة حقوق البشر في هذه النشأة، حتى لا يذهب الناس إلى الباطل، ولا ينزجرون عن الاسلام والمسلمين. وأما دلالتها على ولاية الفقيه بالمعنى المقصود، وهو نفوذ تصرفاته عند عدم الاولياء الخاصة، كالاباء والاجداد والاوصياء في مطلق الامور، أو دلالتها على ولاية الفقيه تحت عنوان جواز تصديه للحكومة الاسلامية، وتشكيل الحكومات الجزئية والكلية، فهو عندي غير واضح. اللهم إلا أن يقال: إذا فرضنا أن تكليف الامة هي المراجعة في الاختلافات التي مرجعها القضاة، وفي الاختلافات التي مرجعها الحكام إلى الفقهاء العدول، كما هو الظاهر من الرواية فإنها كالنص في أن ما

[ 34 ]

هو يتصدى له السلطان أو القاضي، يتصدى له الفقيه، ولكنه بنحو الحكم الشخصي من قبل المتخاصمين، لا بنحو الحاكم الكلي المفوض إليه الامور، وفرضنا أن في بلدة كذا يرجعون إليهم في كل يوم آلاف الانفار، وفرضنا أن قبول ذلك واجب عليهم، فلا يعقل إدارة هذه المراجعات تحت النظام، إلا بتشكيل الحكومة، فإنه عند ذلك تجب ذلك، لتوقف أداء الوظيفة عليه بالضرورة. الثانية: مشهورة أبي سلمة الملقب بأبي خديجة سالم بن مكرم الجمال، قال: قال أبو عبد الله جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام): إياكم أن يحاكم بعضكم بعضا إلى أهل الجور، ولكن انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئا من قضايانا، فاجعلوه بينكم، فإني قد جعلته قاضيا، فتحاكموا إليه (1). واختصاص جواز المراجعة ونفوذ حكمه بالمرافعات بعيد جدا، بل هو مجعول لفصل الخصومة حتى في غير المرافعات التي مرجعها القضاة، فلو اختلفا في بعض الامور الاخر، كأن يقر المديون للدائن، ولكنه يؤخر مما طلا في الاداء، فإذا قبلا المحاكمة إلى رجل فقيه، فحكم - حسب بعض المصالح - بجواز التأخير إلى مدة، فإنه نافذ حكمه، ولا يجوز التخطي عنه. وتوهم ضعف السند في غير محله، بل السند - حسب ما رواه في


1 - الكافي 7: 412 / 4، الفقيه 3: 2 / 1، تهذيب الاحكام 6: 219 / 516، وسائل الشيعة 27: 13، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 1، الحديث 5.

[ 35 ]

الوسائل في الباب الاول من أبواب صفات القاضي عن الفقيه - قوي جدا اعتباره، فإنه يروي بسنده عن أحمد بن عائذ عنه، وسنده إليه معتبر عند المحققين (1)، وابن عائذ ثقة (2)، وابن مكرم ثقة عندنا، وتضعيف الشيخ في الفهرست (3) إياه، لا يقاوم شهادة النجاشي (4) وسائر الشواهد الاخر، فراجع وتدبر. وأما دلالته على ما هو المقصود الاعلى في هذا المقام، وهو السلطنة الالهية للفقيه الجامع للشرائط الشرعية، على جميع الاعراض والنفوس والاموال البشرية، في مواقف المصالح الاسلامية، فهو بعيد عنه إلا بالتقريب المحرر، فتأمل. ثم في رواية اخرى له ورد هكذا: اجعلوا بينكم رجلا ممن قد عرف حلالنا وحرامنا، فإني قد جعلته قاضيا (5). الثالثة: ما رواه الصدوق في العلل عن عبد الواحد محمد عبدوس النيسابوري العطار، قال: حدثني أبو الحسن علي بن محمد ابن قتيبة النيسابوري، قال: قال أبو محمد الفضل بن شاذان النيسابوري، عن أبي


1 - رجال العلامة الحلي: 280، جامع الرواة 2: 530، مجمع الرجال 7: 224، معجم رجال الحديث 2: 129 / 607. 2 - رجال النجاشي: 98 / 246. 3 - الفهرست: 79. 4 - رجال النجاشي: 188 / 501. 5 - تهذيب الاحكام 6: 303 / 846، وسائل الشيعة 27: 139، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 11، الحديث 6.

[ 36 ]

الحسن الرضا (عليه السلام) في حديث طويل قال فيه: فلم وجب عليهم معرفة الرسل والاقرار بهم والاذعان لهم بالطاعة؟... - إلى أن قال -: فلم جعل اولي الامر وأمر بطاعتهم؟ قيل: لعلل كثيرة منها: أن الخلق لما وقفوا على حد محدود، وامروا أن لا يتعدوا تلك الحدود، لما فيه من فسادهم، لم يكن يثبت ذلك ولا يقوم إلا بأن يجعل عليهم فيها أمينا يأخذ بالوقف... إلى أن قال: ومنها: أنا لا نجد فرقة من الفرق ولا ملة من الملل بقوا وعاشوا إلا بقيم ورئيس، لما لابد لهم منه في أمر الدين والدنيا، فلم يجز في حكمة الحكيم أن يترك الخلق، لما يعلم أنه لابد لهم منه ولا قوام لهم إلا به، فيقاتلون به عدوهم، ويقسمون به فيئهم، ويقيمون به جمعيتهم وجماعتهم، ويمنع ظالمهم من مظلومهم. ومنها: أنه لو لم يجعل لهم إماما قيما أمينا حافظا مستودعا، لدرست الملة وذهب الدين، وغيرت السنن والاحكام، ولزاد فيه المبتدعون، ونقص منه الملحدون وشبهوا ذلك على المسلمين، إذ قد وجدنا الخلق منقوصين محتاجين غير كاملين، مع اختلافهم واختلاف أهوائهم وتشتت حالاتهم، فلو لم يجعل قيما حافظا بما جاء به الرسول الاعظم، لفسدوا على نحو ما بيناه، وغيرت الشرائع والسنن والاحكام والايمان، وكان في ذلك فساد الخلق أجمعين (1). والاشكال في سندها على ما سلكناه في الرجال مندفع: بأن


1 - علل الشرائع: 251 - 254.

[ 37 ]

عبد الواحد يكفي لوثاقته وصحة الاعتماد عليه ترضي الصدوق (رحمه الله) عليه مع تصريحه: بأن رواياته مورد الاعتماد، وأنها صحيحة (1)، مع أن العلامة (قدس سره) صحح رواياته. قال العلامة في التحرير: روى ابن بابويه في حديث صحيح عن الرضا (عليه السلام)، والصدوق رواه عنه (2). وقال في المدارك: إن عبد الواحد بن عبدوس وإن لم يوثق صريحا، لكنه من مشايخ الصدوق المعتبرين، الذين اخذ عنهم الحديث، فلا يبعد الاعتماد على روايته (3). انتهى. وقال في الخاتمة: وكفى به مصححا، مع ما علم من مداقته في السند، وتبعه جماعة (4). انتهى. ويظهر من رواية الشيخ في التهذيب عن ابن فضال، عن محمد بن عبدوس، أن بيته بيت العلم (5)، وليتأمل. وهنا بعض الشواهد الاخر الدالة بمجموعها على أنه مورد الاعتماد والوثوق جدا. وبأن علي بن محمد بن قتيبة - المعبر عنه بالقتيبي - من مشايخ الكشي، وعليه اعتمد في رجاله، كما في النجاشي، قال: وهو أبو الحسن


1 - علل الشرائع: 251 - 254، عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 2: 127، ذيل الحديث 2. 2 - تحرير الاحكام 2: 110 / السطر 13. 3 - مدارك الاحكام 6: 84. 4 - مستدرك الوسائل 3: 622 / السطر 6، (الخاتمة). 5 - تهذيب الاحكام 9: 195 / 785، ولاحظ مستدرك الوسائل 3: 622 / السطر 7، (الخاتمة).

[ 38 ]

صاحب فضل بن شاذان وراوية كتبه (1). وفي لم: تلميذ الفضل بن شاذان نيشابوري فاضل (2)، ويروي عنه أيضا شيخ القميين أحمد بن إدريس وأبو محمد الحسن بن حمزة العلوي الطبري المرعشي، الذي قالوا في ترجمته: كان من أجلاء هذه الطائفة وفقهائها، وكان فاضلا أديبا عارفا فقيها زاهدا ورعا كثير المحاسن دينا (3)، يروى عنه شيوخ أصحابنا، كالمفيد وابن الغضائري والتلعكبري وأحمد بن عبدوس، ويروي هو كتب الفضل بن شاذان بتوسط علي بن محمد بن قتيبة. وقيل: ومن هنا ذكره العلامة في القسم الاول (4). وقال في ترجمة يونس بن عبد الرحمن: روى الكشي حديثا صحيحا عن علي بن محمد القتيبي، قال: حدثني الفضل بن شاذان، قال: حدثني عبد العزيز بن المهتدي، وكان خير قمي رأيته... إلى آخره. وفي حديث صحيح عن علي بن محمد القتيبي، عن الفضل بن شاذان، عن محمد ابن الحسن الواسطي... إلى آخره (5). قال في الخاتمة: وحيث وصف الحديث بالصحة فلابد من كون رجال سنده ثقات وقد ذكره صاحب الحاوي في قسم الثقات، وهذا من


1 - رجال النجاشي: 259 / 678. 2 - رجال الطوسي، باب من لم يرو عنهم (عليهم السلام): 478. 3 - رجال النجاشي: 64 / 150، رجال الطوسي: 495، رجال العلامة الحلي: 39. 4 - مستدرك الوسائل 3: 622 / السطر 28، (الخاتمة). 5 - رجال العلامة الحلي: 184 - 185.

[ 39 ]

الحق الذي لا مجال للتأمل فيه (1). وقال في موضع آخر حول حال الفضل: ولما كان الكتاب المزبور - العلل - كثير الحاجة في الفروع، فلا بأس بذكر بعض الشواهد على صحة الخبر المنقول عنه (2). انتهى. ثم شرع في ذكرها، فلو أمكن المناقشة في جل ذلك، ولكن من الكل يحصل ما هو الكافي في هذه المقامات، وإلا لانسد باب العلمي بالضرورة، فلا تخلط. وأما دلالتها: فهي عند المنصف الخبير من الواضحات الباهرات، ضرورة أن الامة تحتاج إلى القيومة والرئاسة في الادوار المختلفة والتحولات الجزئية والكلية، وهذه الحاجة باقية ببقاء احتياجهم إلى النظام السياسي، حتى لا يلزم ما لا يجوز عند كافة العقول، وهو الاختلال والهرج والمرج. وبديهة العقل حاكمة: بأن الرضا (عليه السلام) لا يكون في مقام إفادة الاحتياج إلى عصر الغيبة، ولا يريد إثبات أن الامام الغائب - عجل الله تعالى فرجه الشريف - هو الرئيس القيم مع كونه (عليه السلام) بعيدا عن الامة، فينحصر بالوجه الاخر، وهو تكفل الاخرين زعامة الامة الاسلامية، والقدر المتيقن منه هو الفقيه العادل البصير الخبير، الجامع بين


1 - مستدرك الوسائل 3: 622 / السطر 31، (الخاتمة). 2 - مستدرك الوسائل 3: 644 / السطر 6، (الخاتمة).

[ 40 ]

شتات الامور الدينية والدنيوية، العاقل الرشيد، وسيظهر وجه هذه القيود إن شاء الله تعا لى. ثم إن في كثير من خطب نهج البلاغة ما يؤيد مرامنا، ويسلك سبيلنا، فنهتدي به، ولا بأس بالاشارة إلى بعض منها: اللهم إنك تعلم أنه لم يكن الذي كان منا منافسة في سلطان، ولا التماس شئ من فضول الحطام، ولكن لنرد المعالم من دينك ونظهر الاصلاح في بلادك، فيأمن المظلومون من عبادك، وتقام المعطلة من حدودك. اللهم إني أول من أناب وسمع وأجاب، لم يسبقني إلا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بالصلاة، وقد علمتم أنه لا ينبغي أن يكون الوالي على الفروج والدماء والمغانم والاحكام إمامة المسلمين البخيل، فتكون في أموالهم نهمته، ولا الجاهل فيضلهم بجهله، ولا الجافي فيقعطهم بجفائه، ولا الخائف للدول فيتخذ قوما دون قوم، ولا المرتشي في الحكم فيذهب بالحقوق، ويقف بينها دون المقاطع، ولا المعطل للسنة فيهلك الامة... (1). أفتقنع بأن تقول: هذه العبائر تختص بالحكومة الموقتة الاسلامية خمس سنوات، أو بالحكومة المغصوبة خمسين ومائتي سنة، أم هذه العبائر ترمز وتشعر بمقاصد الاسلام وآمال زعمائه الابدية. تذنيب: ربما يمكن الاستدلال بالكتاب للزوم تشكيل الحكومة الحافظة للحدود والثغور، والدافعة للاعداء والمهاجمين، وهو قوله


1 - نهج البلاغة، صبحي الصالح: 189، الخطبة 131.

[ 41 ]

تعالى في سورة الانفال: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم وما تنفقوامن شئ في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون) (1). والدالة على إيجاد الروابط السياسية، وهو قوله تعالى: (وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم) (2). واختصاص الاية بطائفة واضح، لعدم إمكان التصدي للزعامة لكل أحد. ولكن دعوى اختصاص ذلك بالائمة المعصومين غير واضحة. والاية وإن كانت غير مصدرة بالخطابات القانونية الكلية، ولكن بمناسبة أطرافها ] تفيد [ عموم الحكم. فإذا كان الامر كما تقرر، فلابد من الناظم السائس المدبر المشكل للدولة، حتى يتمكن من الاستعدادات اليومية، بإيجاد الشبكات المختلفة والمراكز للقنبلة الذرية والمطارات للسير في الافاق ] وغيرها [، فإن كل ذلك إذا كان مما يتوقف عليه الواجب، يكون واجبا شرعا أو عقلا، على الخلاف في مقدمة الواجب. ذنابة: في المسألة بعض روايات اخر نشير إليها: 1 - في المروي عن المفيد بسنده إلى محمد بن علي (عليه السلام)، عن آبائه (عليهم السلام) أنه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): المتقون سادة، والفقهاء قادة،


1 - الانفال (8): 60. 2 - الانفال (8): 61.

[ 42 ]

والجلوس إليهم عبادة (1). 2 - التوقيع الشريف المروي عن الكليني عن إسحاق بن يعقوب، قال: سألت محمد بن عثمان العمري (رحمه الله) أن يوصل إلي كتابا سألت فيه عن مسائل أشكلت علي، فورد التوقيع بخط مولانا صاحب الزمان (عليه السلام): أما ما سألت عنه - أرشدك الله وثبتك - من أمر المنكرين لي من أهل بيتنا وبني عمنا، فاعلم أنه ليس بين الله وبين أحد قرابة، من أنكرني فليس مني، وسبيله سبيل ابن نوح (عليه السلام)، أما سبيل عمي جعفر وولده فسبيل اخوة يوسف (عليه السلام)، وأما الفقاع فشربه حرام، ولا بأس بالشلمباب. وأما أموالكم فلا نقبلها الا لتطهروا، فمن شاء فليصل، ومن شاء فليقطع، فما آتاني الله خير مما آتاكم. وأما ظهور الفرج فإنه إلى الله - تعالى ذكره - وكذب الوقاتون. وأما قول من زعم أن الحسين لم يقتل فكفر وتكذيب وضلال. وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله عليهم. وأما محمد بن عثمان العمري... إلى آخر التوقيع الشريف. وقال في آخره: وأكثروا الدعاء بتعجيل الفرج، فإن ذلك فرجكم. والسلام عليك يا إسحاق بن يعقوب وعلى من اتبع الهدى (2).


1 - الامالي، الطوسي: 225 / 392، بحار الانوار 1: 201 / 9، و 67: 290 / 25. 2 - كمال الدين: 483 / 4، الغيبة: 290، الاحتجاج 2: 542، وسائل الشيعة 27: 140، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 11، الحديث 9.

[ 43 ]

3 - ما روي عن التفسير المنسوب إلى الامام (عليه السلام): أنه يقال للفقيه: أيها الكافل لايتام آل محمد، الهادي لضعفاء محبيه ومواليه، قف حتى تشفع في كل من أخذ عنك، أو تعلم منك (1). وفي موضع آخر: يظهر أن أيتام آل محمد هم المسلمون، وإليه يشير ما عن الرسول الاعظم (صلى الله عليه وآله وسلم): يا علي أنا وأنت أبوا هذه الامة (2). وقال في موضع آخر: قال موسى بن جعفر (عليه السلام): فقيه واحد كفل يتيما من أيتامنا المنقطعين عن مشاهدتنا والتعلم من علومنا، أشد على إبليس من ألف عابد (3) فإنه يعلم من ذلك أن يتيم آل محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) أعم. وقال في موضع آخر: عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: أشد من يتم اليتيم، يتيم انقطع عن إمامه لا يقدر على الوصول إليه، ولا يدري كيف حكمه فيما يبتلى به من شرائع دينه... (4). أقول: احتياج الامة إلى السياسة والرئاسة، والنظم والناظم، وأن كل امة لا يكون صاحب الزعيم الكبير البصير يضمحل ويمحو بالضرورة مما لاشبهة فيه، ولا نحتاج إلى الرواية فلو استشكل في هذه الاخبار كما هو قابل لذلك، ولكنه لا يورث الخلل في أساس البحث وما


1 - التفسير المنسوب إلى الامام الحسن العسكري (عليه السلام): 344 / 223، بحار الانوار 2: 6 / 10. 2 - بحار الانوار 23: 128 / 59. 3 - التفسير المنسوب إلى الامام الحسن العسكري (عليه السلام): 343 / 222. 4 - التفسير المنسوب إلى الامام الحسن العسكري (عليه السلام): 339 / 214.

[ 44 ]

هو الدليل الوحيد الفريد المتين البين عند أهله ومنطقه. إنما البحث حول سؤال ونكتة وهو: أن هذه المسألة ليست قابلة لان تكون مخفية على أحد من الاصاغر، فضلا عن الاعلام والفقهاء، فلو كانت الديانة الاسلامية كسائر الاحزاب والديانات ذات طريقة وسياسة كافلة لعائلة البشر، سياسة ودينا ودنيا، لما كان يحتاج إلى الاستدلال والاستظهار. فهل يمكن ثبوت مثل هذه الدعوى برواية أو روايات، أم هذه المسألة لو كانت مورد نظر زعماء الاسلام من الاول، والائمة المعصومين (عليهم السلام) لكان عند العلماء كالنار على المنار بل كالشمس في رابعة النهار؟! وإن شئت قلت: لو كان الائمة الهداة الابرار (عليهم السلام) في هذه المواقف، لكان عليهم التصريحات على نحو ما صنعوه في سائر الاحكام على وجه لا يخفى على مثل الشيخ الانصاري وأتباعه (رحمهم الله)، وحتى لا يقال: بأن هذه المسألة من البدعة والضلالة في الدين الاسلامي، بل الاسلام والمذهب على الاعتزال، وعلى إمرار المعاش، وهداية الناس إلى الاحكام والشرائع عند السؤال والاحتياج، وإلا فلا يجب شئ حتى التبليغ، فإنه من خواص الرسل دون الاوصياء والفقهاء. فإذا كانت المسألة خفية في الجملة، يستكشف أنها ليست من الشرع جدا، لما أنها لو كانت منه لبانت كسائر المسائل المبتلى بها

[ 45 ]

والواقعيات العامة والتكاليف المهتم بها فلا تختلط. وأما اللبيات المسطورة في بدو المسألة، فهي ليست من الاوليات الضرورية، حتى لا يكاد يشك فيها ولا يمكن لعقول البشر الاحاطة الكاملة على جميع أطراف المسألة حتى يستولي على المصالح النوعية الكلية والمفاسد وتشخيص الحق عن الباطل، فربما كان بعث الانبياء والرسل والاوصياء والفقهاء في مقابل السلاطين والخلفاء والامراء والحكام، كما هو المشاهد بحسب الاتفاق والتأريخ، بل والتكوين لعدم السنخية بين العادل الواقعي والحكومة على الناس في هذه النشأة، فإنها لا يمكن إلا بضرب من التجاوز عن القوانين. الجهة الثانية: الاجماعات المنقولة والمحصلة على ولاية الفقيه قد يتوهم أن دعوى ثبوت الولاية الكلية الاعتبارية للفقيه من الدعاوى الحديثة والابتكارات الجديدة، ولذلك توهم أن المسألة لو كانت كما توهم لتبينت من الاول، وكل ذلك للغفلة عن حقيقة الحال. قال الشيخ المتتبع والنقاد البصير المتضلع الشيخ أحمد النراقي في العوائد: إن كلية ما للفقيه العادل توليه وله الولاية فيه أمران: أحدهما: كلما كان للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والامام (عليه السلام) - الذين هم سلاطين الانام وحصون الاسلام - فيه الولاية، وكان لهم، فللفقيه أيضا ذلك، إلا ما

[ 46 ]

أخرجه الدليل من إجماع أو نص أو غيرهما. ثانيهما: أن كل فعل متعلق بامور العباد في دينهم ودنياهم، ولا بد من الاتيان به ولا مفر منه، وعلم لابدية الاتيان به أو الاذن فيه، ولم يعلم المأمور به ولا المأذون فيه، فهو وظيفة الفقيه. أما الاول: فيدل عليه - بعد - ظاهر الاجماع، حيث نص به كثير من الاصحاب بحيث يظهر منهم كونه من المسلمات (1). انتهى. وفي بعض كتب المعاصرين الاجماع بقسميه - المنقول والمحصل - على الولاية العامة للفقيه (2)، وقد نقل الاجماعات الكثيرة عليها الشيخ (رحمه الله) في كتاب..... (3)، وفي البلغة: أن حكاية الاجماع على ذلك فوق حد الاحصاء (4)، وهكذا في العوائد (5)، وعن المحقق الثاني، أنه قال: اتفق أصحابنا على أن الفقيه العادل الجامع نائب من قبل الائمة المعصومين (عليهم السلام) في حال الغيبة في جميع ما للنيابة فيه مدخل (6). انتهى. وربما يقال: إن إحالة الفقهاء في الموارد الكثيرة إلى الحاكم تشهد على تلك الولاية. وإن شئت قلت: هذا النوع من الاجماع المحصل،


1 - عوائد الايام: 536. 2 - بلغة الفقيه 3: 221. 3 - سقط من النسخة التي بأيدينا إسم الكتاب ولم نعثر على نقل الاجماعات الكثيرة في المكاسب والقضاء وسائر مظانه من كتب الشيخ الاعظم (قدس سره). 4 - بلغة الفقيه 3: 234. 5 - عوائد الايام: 536. 6 - رسائل المحقق الكركي 1: 142، جواهر الكلام 21: 396.

[ 47 ]

أو قلت: هذه الولاية الكلية مبثوثة في الفقه من أوله إلى آخره، وكأنهم كانوا يتحاشون عن ذكر الاسم دون المسمى الواقعي، فقالوا بها في موارد كثيرة نذكر جملة منها: ما للحاكم الشرعي من الولاية في أطوار الفقه 1 - في وجوب دفع ما بقي من الزكاة في يد ابن السبيل - بعد وصوله إلى بلده - إلى الفقيه. 2 - في وجوب دفع الزكاة ابتداء أو بعد الطلب إليه. 3 - في تخيره بين أخذ خمس أرض الذمي. 4 - ولايته على مال الامام وميراث من لا وارث له. 5 - في توقف إخراج الودعي الحقوق على إذنه. 6 - ولايته على إجراء الحدود على إشكال يسند إلى ابني زهرة وإدريس. 7 - في أداء دين الممتنع من ما له. 8 - وتوقف حلف الغريم على إذنه. 9 - وفي القبض في الوقف على الجهات العامة. 10 - وفي نظارته لذلك. 11 - وفي توقف التقاص من مال الغائب على إذنه. 12 - ومن الحاضر في وجه كما قيل.

[ 48 ]

13 - وفي بيع الوقف حيث يجوز ولا ولي له. 14 - وفي قبض الثمن إذا امتنع البائع. 15 - وقبضه من قبل كل ممتنع عن قبول القبض وقبض حقه. 16 - وفي الدين المأيوس عن صاحبه. 17 - وبيع الرهن المتسارع إليه الفساد بإذنه. 18 - وتولية إجارة الرهن لو امتنعا. 19 - وتعيين عدل يقبض الرهن لو لم يرضيا. 20 - وتعيين ما يباع به الرهن مع تعدد النقد. 21 - وفي باب الحجر على المفلس. 22 - أو السفيه في قول. 23 - وولايته على الذي حدث جنونه أو سفهه بعد بلوغه مع وجود أبيه أو جده أو الوصي عنهما على المشهور. 24 - وفي قبض وديعة الغائب لو احتيج إلى الاخذ. 25 - وفي إجباره الوصيين على الاجتماع أو الاستبدال بهما. 26 - وفي ضم المعين إلى الوصي العاجز. 27 - وفي عزل الخائن على القول بعدم انعزاله بنفسه. 28 - وفي إقامة الوصي فيمن لا وصي له. 29 - أو مات وصيه. 30 - أو كان وانعزل.

[ 49 ]

31 - وفي تزويج المجنون. 32 - والسفيهة البالغة. 33 - وفي فرض المهر لمفوضه البضع. 34 - وضرب أجل العنين. 35 - وبعث الحكمين من اهل الزوجين. 36 - وإجبار الممتنع على أداء النفقة. 37 - وفي طلاق زوجة المفقود. 38 - وإجبار المظاهر على أحد الامرين. 39 - وإجبار المولى كذلك. 40 - واحتياج إنفاق الملتقط على اللقيط إلى إذنه. وغير ذلك مما يطلع عليه المتتبع، وقد جمع الموارد بعض المعاصرين في بعض رسائله (1). ويستفاد من تلك الكثرة المعتنى بها الفاقدة للدليل الخاص نوعا: أن الاصحاب من باب إنكارهم تلك الولاية الكلية كانوا يفتون بذلك، فلا تغفل. وأنت خبير بأن في مواقف الاجبار لابد من الحكومة والجند، وإلا فلا يمكن ذلك، لقيام المحكوم على ضرب الحاكم وشتمه، فلا يكون الحاكم في أمن من كيدهم ومكرهم، فلمكان توقف هذه الامور على وجود


1 - بلغة الفقيه 3: 234.

[ 50 ]

الحكومة، لابد من تشكيلها حتى لا يبقى المعروف معطلا، فتأمل. الجهة الثالثة: حول أن ضرائب الاسلام تستتبع الحكومة الاسلامية قد اتخذ الوالد المحقق في هذا الميدان سبيلا آخر للاستدلال على أن الاسلام دين السياسة والحكومة ويحتاج إليها بالضرورة، وإنكارها يرجع إلى دعوى منسوخية الاسلام، بل هذا أسوأ حالا من النسخ. وقيل: إن من يدعي ذلك كافر ويعد مرتدا، ويجب قتله، لانه من الضروريات ومن الواضح أبدية الاسلام وخاتمية الرسول الاعظم الاسلامي (صلى الله عليه وآله وسلم). وكان نظره في الاستدلال المذكور: إلى أن اقتصاديات الاسلام لابد أن تؤدي إلى الحكومة، وذلك لان وضع الاخماس والزكوات والخراجات على مختلف الاراضي، لا يمكن أن يكون لصرف في احتياجات فقراء الملة، لعدم احتياجهم إلى تلك الضرائب العجيبة، ولاسيما الخمس، فإنه من أعظم الضرائب وأحسنها، فلو كان ذلك لغرض إعاشة الفقير السيد، أو أبناء السبيل منهم، أو اليتامى، لكان يكفي خمس أحد الاسواق - كسوق بغداد - لذلك فمن التدبر في هذا الامر يظهر أن هذه الضرائب المختلفة ليست إلا لتشكيل الحكومة، كما يظهر من الاخبار الواردة في كتاب الخمس (1)، وقد ذكرنا هناك: أن الخمس ليس ملك


1 - وسائل الشيعة 9: 509 - 521، كتاب الخمس، أبواب قسمة الخمس، الباب 1 و 2 و 3.

[ 51 ]

الامام ولا الجهات، بل الخمس في يد الامام (عليه السلام)، وهو أولى بالتصرف، وهكذا الفقيه، وسهم السادات صندوق وضع لمعاش فقرائهم، وإذا فضل يرد إلى الحاكم، كما في الرواية (1). فبالجملة: يحصل للفقيه الناظر في أطراف المسألة: أن أخذ هذه الضرائب على الوجه الصحيح، لا يعقل إلا بانضمام الحكومة المبسوطة اليد القادرة على الاخذ والصرف، فتلك الحكومة: تارة تكون لغير الفقهاء، فيرجعون إليهم في امورهم، ويخيرونهم في مسائلهم، وهذا عندنا غير صحيح، لان ذلك يؤدي إلى ضعفها بين الاحاد، ولابد وأن تكون الحكومة المركزية قوية. واخرى تكون لانفسهم، وهذا هو الصحيح، فالحاكم على العباد لدفع الفساد عن البلاد، لابد وأن يكون هو بنفسه من الفقهاء العدول، حذرا عن هذا المحذور وغيره (2). انتهى. أقول: فذلكة البحث إلى هنا أن مقتضى ما تحرر وتقرر: أن الفقيه الجامع للشرائط زعيم الامة وسلطان على الرعية، وأن ما ثبت للامام (عليه السلام) من الولاية الاعتبارية على الانفس والاموال ثابت له، فله بل عليه القيام لانتظام البلاد ونظم العباد إذا أمكن. وتلك الولاية مجعولة لهم من قبل الله تعالى، أو من قبل


1 - الكافي 1: 453 / 4، وسائل الشيعة 9: 520، كتاب الخمس، أبواب قسمة الخمس، الباب 3، الحديث 1. 2 - البيع، الامام الخميني (قدس سره) 2: 459 - 499.

[ 52 ]

المعصومين فيه، وجهان. ولكل واحد منهما شواهد. والامر بعد ذلك سهل. الولاية العامة كانت مورد الافتاء من السلف ومن العجيب ما حكي عن الشيخ الكبير كاشف الغطاء، حيث أعطى الاذن للسطان فتح علي شاه في أخذ ما يتوقف عليه تدبير المملكة من الحقوق الشرعية، والاخذ من الاموال للدفع عن بلاد الاسلام، كما أمر بوجوب طاعته وعدم مخالفته في الجهاد لاعداء الرحمن، وقد جعله نائبا عنه في إدارة شؤون مملكة إيران، وأوجب على الشعب الايراني إطاعته في جهاده الاعداء، وأذن له بالاخذ من الزكاة والخراج في تدبير جنوده وعساكره، وإن لم تف أخذ من أموالهم بقدر ما يدفع به العدو عن أعراضهم ودمائهم (1). وهذا في غاية الجودة والمتانة بحسب الافتاء، ولكنه عندنا محل مناقشة من جهة اخرى: وهو أن الشيخ ] لو [ كان يتصدى لامر الزعامة - حسب هذه القوة - في بلاد العراق، وما يخلص الشيعة الاثني عشرية من هؤلاء الاعداء، لو كان بصدد ذلك لما بقي للسلطان العثماني مقاولة معه بعد اتفاق الشعب الايراني والعراقي، وبعد استيلاء الحكومة الايرانية على السلطات الكثيرة، فهذا وأمثال هذه الفرص صارت مغفولة، فأصبحنا مغفولين، وبين أيدينا أعداؤنا وأعداء الله يذهبون بالدين والاسلام،


1 - كشف الغطاء: 394 / السطر 24.

[ 53 ]

ونحن كالعاض يديه ناظرون إليهم. ثم إن المحكي عن الشيخ الورع والفاضل البارع الشيخ محسن خنفر (رحمه الله): أنه كان يذهب إلى الولاية العامة، وحكي عن بعض الثقات ] حدوث [ نزاع بينه وبين صاحب الجواهر (قدس سره) في الولاية العامة وكان المحسن يذهب إليها، ويقيم عليها الادلة، والشيخ ينكرها. وقال في أثناء البحث: إن كان الامر كما تزعم فزوجتك طالق، فأجابه: بأن الاشكال صغروي (1). ولا يخفى ما فيه لما سيأتي: من أن مسألة الولاية الثابتة للفقيه ليست ولاية الهرج والمرج، كما لا تثبت مثلها حتى للائمة (عليهم السلام) ولا لاحد من الانبياء والرسل، فإن ولايتهم تابعة للمصالح العامة أو الشخصية، وليست جزافا، وفاقا لصاحب البلغة (2)، وخلافا لظاهر كلمات الاعلام، بل وصريح بعضهم. الجهة الرابعة: في أقسام الولاية الاعتبارية وحول ما هو المقصود إثباته للفقيه قد عرفت إجمالا ثبوت الولاية للفقيه الجامع للشرائط الاتية، وإنما البحث حول أنحائها:


1 - أعيان الشيعة 9: 48 / السطر الاول. 2 - بلغة الفقيه 3: 217 - 218.

[ 54 ]

فاعلم أن الولاية تنقسم تارة: إلى الولاية الاختيارية كولاية الولي والوصي، وغير الاختيارية كولاية الاب والجد، واخرى: إلى الولاية العامة المطلقة والعامة المقيدة. أما الاولى: فهي الولاية الاعتبارية، التي تكون ثابتة للانسان على ماله وعرضه ونفسه من المتبدلات بأنحائها، ومن سلطنته على كيفية معاشه ومكانه وغير ذلك، ومن تزويجه وتطليقه من غير مصلحة أو مع المفسدة، وإن كانت لا تكون هي مطلقة بمعناها الواقعي، لعدم جواز تصرفاته على الاطلاق، لحرمة الاسراف والتبذير... وهكذا، بل المقصود إطلاق ولايته من حيث المصالح والمفاسد، في اختياره المكان المعين للعيش والزمان المعين لتشكيل العائلة... وهكذا. والثانية: هي الولاية الثابتة للاب والجد على الصغير، فإنها مقيدة بعدم المفسدة، أو بالمصلحة، حسب ما رآه الاصحاب، كما مر تفصيله. وثالثة: إلى أقسام اخر ربما تبلغ إلى عشرة حتى قيل: إن الاولياء عشرة أصناف أو أكثر، كولاية الزوج على الزوجة، والمقاص للمال عند اجتماع شرائط التقاص... وهكذا. والذي هو المقصود لنا: أن تلك الولاية الثابتة للانسان حسب الفطرة والشرع، هي الثابتة لغيره إماما كان أو فقيها أم لا، ثم على تقدير ثبوتها للامام (عليه السلام)، فهل هي تثبت للفقيه أم لا؟ فهنا مبحثان:

[ 55 ]

الاول: المعروف عنهم ثبوتها له (عليه السلام)، خلافا لما نسب إلى صاحب البلغة (قدس سره) (1)، وهو الاقوى، وذلك لان إثباتها الاعتباري متقوم بالغرض والشهرة، ولا يعقل أن يقدم المعصوم (عليه السلام) على مثل هذه الولاية وتنفيذها، فلا يعتبر له (عليه السلام) مثلها، أفيمكن اعتبار شئ لك ملكا مع عدم إمكان الاستيفاء الملكي منه؟! هذا أولا. وثانيا: الادلة قاصرة عن إثباتها. وتوهم: دلالة قوله تعالى: (إن النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم) (2)، وقوله تعالى: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة) (3)، وقوله تعالى: (إنما وليكم الله ورسوله) (4)، وما في بعض الروايات: كرواية أيوب بن عطية أنا أولى بكل مؤمن من نفسه (5)، وما في الخبر المتواتر بين الفريقين في غدير خم: ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قالوا: بلى. قال: من كنت مولاه فهذا علي مولاه... (6)، إلى آخره، وغير ذلك من الادلة السمعية، بل والعقلية.


1 - بلغة الفقيه 3: 217 - 218. 2 - الاحزاب (33): 6. 3 - الاحزاب (33): 36. 4 - المائدة (5): 55. 5 - الفقيه: 254 / 14، وسائل الشيعة 26: 251، كتاب الفرائض والمواريث، الباب 3، الحديث 14. 6 - الامالي، الصدوق: 12 / 2، بحار الانوار 37: 108 / 1.

[ 56 ]

غير واقع في محله، فإن في كل واحد منها نظرا، ولا يستفاد من المجموع إلا أصل الولاية، وأما إطلاقها بالمعنى المزبور فممنوع جدا عقلا وعرفا. مع أن الاية الشريفة لا تدل على أن النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم، بمعنى أولويته على نفس كل واحد من شخصه، بل لعل المقصود أولويته على المؤمنين بالنسبة إلى بعضهم مع بعض فلا يزاحمه الاب ولا الجد ولا الوصي... وهكذا، وأما ثبوت الولاية للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على تطليق زوجة زيد حسب ميله وطبعه (صلى الله عليه وآله وسلم)، وإن لا يكون فيه الصلاح الشخصي والنوعي، أو بيع داره وإنفاق أمواله وإن كان فيه المفسدة، فهو من الفاحش فساده. والذي هو المهم أن أمثال هذه الافعال لا تصدر عن تلك البيوت المرفوعة، فلا معنى لاعتبارها، فإذا لا تكون الولاية العامة للفقيه أيضا مطلقة بالضرورة، ويظهر ضعف سائر الاستدلالات مما اشير إليه. المبحث الثاني: هل ولاية الفقهاء بالنيابة والوكالة أو النصب؟ لو ثبت تلك الولاية للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حسب التوهم، فإن كان دليله العقل الحاكم بأ نهم ذات الولاية التكوينية، فجميع الاعتباريات ظل ذاك التكوين، فلا تكون هي للفقيه، وإن كان دليله الادلة السابقة فلا يفرق بينهم من هذه الجهة. والله العالم.

[ 57 ]

وإليه ترجع القصة المحكية عن نزاع الشيخين - الجواهر وحنفي - كما اشير إليه في الجهة السابقة. ثم إن الخلاف في أن هذه الولاية الثابتة للفقيه أو للامام (عليه السلام)، هل هي من قبيل الوكالة أو النيابة، أو هي من المناصب المفوضة التي تزول بموت الناصب والجاعل؟ ثم إن الناصب والجاعل هل هو الله تعالى، أم هو النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، أو الامام (عليه السلام) بالنسبة إلى الفقهاء، أو بالنسبة إلى الامام المتأخر، مما لا فائدة فيه كثيرة. مع أن الامر واضح، ضرورة أن قضية الادلة العقلية ثبوت هذه الولاية بأي وجه اتفق، وتفيد الادلة اللفظية أن الفقهاء منصوبون من قبل الرسول الاعظم (صلى الله عليه وآله وسلم)، فتكون الادلة الواردة عن الائمة المعصومين، إمضاء لذاك وإن كانت بصورة النصب، كقولهم: جعلته حاكما، أو هو حجتي عليكم، أو جعلته قاضيا، أو غير ذلك. وأما توهم: أن جعل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يحتاج إلى الامضاء المتأخر، وهكذا إلى أن تصل النوبة... في غاية السقوط: أما في المقيس عليه فلما تقرر في محله: أن أخبار التحليل (1) ناظرة إلى موضع خاص، هكذا اشتهر واتضح. وأما في المقيس فلان ما هو القدر المتيقن من قوله (صلى الله عليه وآله وسلم):


1 - وسائل الشيعة 9: 543، كتاب الخمس، أبواب الانفال، الباب 4.

[ 58 ]

حكمي على الاولين حكمي على الاخرين (1) هو أحكامه الخاصه، وإلا فأحكام الله ليست حكمه (صلى الله عليه وآله وسلم)، فما هو الصادر عنه بنحو الكلي والحكومة باق لا يضمحل بموته (صلى الله عليه وآله وسلم)، مع أن سكوت الائمة الهداة البررة، كاف لاستكشاف الخلافة الثابتة لهم من عصره (صلى الله عليه وآله وسلم)، فلاحظ، وتدبر جيدا. مع أن من الممكن استفادة تلك الحكومة من التوقيع الشريف من ناحيتين: الاولى: من قوله (عليه السلام): وأما الحوادث الواقعة، فإنها ناظرة في العموم لو لم تكن منصرفة إلى الامور السياسية الشخصية. وتوهم: أن سبق السؤال في كلام إسحاق بن يعقوب يمنع عن فهم المعنى المقصود أصلا وعموما، في غير محله بعد ما عرفت تمام التوقيع الشريف، فإن من سائر فقراته يتضح الامر عند المنصف جدا. الثانية: قوله (عليه السلام): فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله فإن الحجة - بمعناها اللغوي - ما يحتج به، ولكنها - بمعناها المصطلح - هو الذي فوض إليه أمر المخلوقين، فإذا قلنا في الشهادة: أشهد أن عليا أمير المؤمنين وحجة الله، ليس معناه إلا أنه حجة في جميع الامور، ولذلك


1 - لم نعثر على هذه الرواية بعينها لاحظ الكافي 5: 18 / 1 وفيه: حكم الله عزوجل في الاولين والاخرين... سواء، وعوالي اللالي 1: 454 / 197 وفيه: حكمي على الواحد حكمي على الجماعة.

[ 59 ]

يقال: لولا الحجة لساخت الارض بأهلها (1). ولقد أطال الكلام في المقام جد أولادي السيد الحجة الكوه كمري، لاستفادة جميع المناصب من هذا الاطلاق. وهذا أمر عجيب، فإنه لا يرضى بدلالة غيرها، فكيف ارتضى بما لا دلالة له رأسا على شئ؟! ولعل تسميته (رحمه الله) بالحجة أوقعه في ذلك، كما لا يخفى فليتأمل. نطاق رئاسة الفقيه محيط لجميع شؤون المملكة والذي حصلناه إلى الان: أن الفقيه الجامع، له الرئاسة الكلية على جميع الشؤون السياسية في مملكة الاسلام، ويكون له إفناء المصالح الشخصية حذاء المصالح العالية النوعية، فله التصرفات في أموال الناس، وله السلطنة على أنفسهم عند اقتضاء الحاجة النوعية ذلك، حفظا للنظام ودفاعا عن الحوزة المقدسة الاسلامية، فلا يقصر الاسلام عن سائر الحكومات العصرية في إدارة المملكة من نواح شتى، حتى قد ذكرنا في بعض المقامات: أن الحاكم في الاسلام يتمكن من إحداث الشوارع في البلد، بتخريب دور المسلمين من غير لزوم التقويم. نعم عليه الاسكان لا بعنوان البدلية والمعاوضة، بل لجهة أنه قيم الامة ورئيس الرعية.


1 - بحار الانوار 57: 213 / 22.

[ 60 ]

الجهة الخامسة: حول بعض الروايات التي ربما تدل على اختصاص الحكومة والبيعة بالائمة المعصومين ولا يجوز للاخرين ذلك، بل هي للامام القائم - عجل الله تعالى فرجه الشريف - ولا يكون لغيره (عليه السلام): فمنها: ما رواه الحلبي في البحار عن بعض مؤلفات أصحابنا، عن الحسين بن حمران، عن محمد بن إسماعيل وعلي بن عبد الله الحسين، عن أبي شعيب محمد بن نصر، عن عمر بن الفرات، عن محمد بن الفضل، عن مفضل بن عمر، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): يا مفضل كل بيعة قبل ظهور القائم فبيعة كفر ونفاق وخديعة، لعن الله المبايع لها والمبايع (1). ولا أظن رواية في رواياتنا أضعف سندا منها، فراجع آحادها. ومنها: ما رواه النعماني في الغيبة والكافي وفي الوسائل: عن ابن يعقوب، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن حماد بن عيسى، عن الحسين بن المختار، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: كل راية ترفع قبل قيام القائم، فصاحبها طاغوت يعبد من دون الله عزوجل (2).


1 - بحار الانوار 53: 8 / 1. 2 - الغيبة، النعماني: 31 و 111 و 114، الكافي 8: 295 / 452، وسائل الشيعة 15: 52، كتاب الجهاد، أبواب جهاد العدو، الباب 13، الحديث 6.

[ 61 ]

والسند غير نقي بالحسين الذي قيل في حقه: ضعيف جدا لا يلتفت إليه، كذاب وضاع للحديث، فاسد المذهب (1). ومنها: عن نهج البلاغة: الزموا الارض، واصبروا على البلاء، ولا تحركوا بأيديكم وسيوفكم في هوى ألسنتكم، ولا تستعجلوا بما لم يعجل الله لكم، فإنه من مات منكم على فراشه، وهو على معرفة حق ربه وحق رسوله وحق أهل بيته، مات شهيدا، ووقع أجره على الله، واستوجب ثواب ما نوى من صالح عمله، وقد مات البينة مقام إسلامه، فإن لكل شئ مدة وأجلا (2). وغير خفي: أن من يعرف بلاغته (عليه السلام) وفصاحته، يطمئن بأ نه من الاكاذيب المنسوبة إليه، لخلوها عن خصوصيات الخطب اللازمة رعايتها على الخطيب، وسيظهر وجه تصدي الخائنين لجعل هذه المآثير، بل ربما يجعلون وينسبون إلى غيره (عليه السلام) كأبي بكر ما يشبه ذلك، أو إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فراجع الاثار والاخبار. ومنها: ما رواه العياشي والشيخ والحر العاملي في إثبات الهداة والنوري في المستدرك: عن جابر، عن الباقر (عليه السلام): الزم الارض ولا تحرك يداولا رجلا حتى ترى علامات أذكرها لك، وفي ذيلها: وتقبل راية خراسان حتى تنزل ساحل دجلة، يخرج رجل من الموالي ضعيف


1 - قال الشيخ الطوسي في رجاله: أنه واقفي ولم نعثر على ما ذكره المؤلف (قدس سره)، لاحظ رجال الطوسي: 346. 2 - نهج البلاغة، صبحي الصالح: 282، الخطبة 190.

[ 62 ]

ومن تبعه، فيصاب بظهر الكوفة، ويبعث بعثا إلى المدينة فيقتل بها رجلا، ويهرب المهدي، والمنصور منها... (1) إلى آخر الحديث. ومنها: عن الباقر (عليه السلام) خطابا إلى أبي الجارود: أن تلزم بيتك وتقعد في دهماء هؤلاء الناس، وإياك والخوارج منا، فإنهم ليسوا على شئ، ولا إلى شئ... إلى أن قال: واعلم أنه لا تقوم عصابة تدفع ضيما أو تعز دينا، إلا صرعتهم البلية، حتى تقوم عصابة شهدوا بدرا مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لا يوارى قتيلهم، ولا يداوى جريحهم. فقلت: من هم؟ قال: الملائكة (2). ومنها: عن الباقر (عليه السلام): ومثل من خرج منا - أهل البيت - قبل قيام القائم (عليه السلام) مثل فرخ طار اوقع من وكره، فتلاعب به الصبيان (3). ومنها: ما عن أربعين المجلسي (رحمه الله) قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): ما خرج ولا يخرج منا - أهل البيت - إلى قيام قائمنا أحد، ليدفع ظلما وينعش حقا، إلا اصطلمته البلية، وكان قيامه زيادة في مكروهنا وشيعتنا (4). ومنها غير ذلك مما يمكن أن يطلع عليه المتتبع، ولكنه لا يجد إلا


1 - تفسير العياشي 1: 64، الغيبة، الطوسي: 441، إثبات الهداة 3: 732 / 78، مستدرك الوسائل 11: 37، كتاب الجهاد، أبواب جهاد العدو وما يناسبه، الباب 12، الحديث 11. 2 - الغيبة، النعماني: 194، مستدرك الوسائل 11: 35، كتاب الجهاد، أبواب جهاد العدو وما يناسبه، الباب 12، الحديث 5. 3 - الغيبة، النعماني: 199، مستدرك الوسائل 11: 37، كتاب الجهاد، أبواب جهاد العدو وما يناسبه، الباب 12، الحديث 9. 4 - لم نعثر عليه في الاربعين، لاحظ مقدمة الصحيفة السجادية: 16.

[ 63 ]

في مثل هذه الكتب المعدة لاسقاط الاحاديث، كما لا يخفى. نعم في الباب المزبور آنفا من الوسائل طائفة من الاخبار تحتوي على الردع عن القيام بالسيف، وقضية إطلاقها المنع عنه حتى للدفاع عن الحق، وهذا ضروري البطلان، مع ما في سند بعض منها ودلالة البعض الاخر، فراجع وتدبر. ثم إن عصر الخلفاء الجائرين كان يقتضي جعل هذه الاخبار، لاخماد النار المشتعلة ضدهم، وهذا الامر مما هو الواضح البارز من الاول إلى عصرنا هذا، وهو مقتضى كيد الكيدة ومكر المكرة، وأي كيد أحسن من ذلك، حتى أورث سكوت أعلام الشريعة في العصور المختلفة، وأوجب التردد في الامر والشك في الوظيفة؟! وهذه الايادي ربما نهضت لاخفاء المسألة عليهم، باستراق الاحاديث التي تحث المسلمين ضدهم. هذا، ولو سلمنا صدور مثلها عنهم (عليهم السلام) فجهة الصدور واضحة، وهي التقية من هؤلاء الجائرين الظالمين، فإنهم (عليهم السلام) كانوا متهمين بتطلب الرئاسة وجلب الناس إلى أنفسهم للحكومة الحقة، وما كان ذلك بمجرد الوهم والخيال، بل كانوا يرون ذلك منهم (عليهم السلام) في شتى النواحي الشتى حسب بعض الاثار والتواريخ. فبالجملة: لا يمكن العثور على تلك الاثار واللبيات الواضحة حذاء هذه الاخبار المخدوشة من جهات كثيرة، ولو لم يكن بسط الكلام

[ 64 ]

في المقام خروجا عن وضع الكتاب والباب، لدخلت المسألة من بابها وأوضحتها حقها، كي لا يبقى بعد ذلك شبهة عند أحد من المنكرين، فنرجو لله تعالى أن يوفقني لذلك، فإنه خير موفق. الجهة السادسة: حول شرائط الحاكم الاسلامي 1 - لابد وأن يكون الحاكم فقهيا عارفا بالحلال والحرام، ومجتهدا في المسائل الفرعية، بل وفي الاعتقادات الاصولية على إشكال فيه. ويدل عليه - مضافا - إلى أنه القدر المتيقن من الخارج عن الاصل - المآثير السابقة الشاملة لاعتبار عرفان الحاكم قضايانا والحلال والحرام ولرواية الحديث وسنة الرسول الاكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)، مع أن الاحتياط في السياسات مما لا يرجع إلى محصل، بل يستلزم ضعف الحكومة، وهكذا التقليد، فإن الرجوع إلى الفقهاء في فهم المسائل يورث ضعف الحكومة المركزية، وهو خلاف الفهم العقلائي والشم السياسي. ولكن في المسألة إشكالا: وذلك لان دليل العقل لا يقتضي أزيد من عدم جواز تعطيل الاحكام، وعدم جواز نسخ الشريعة وإلغائها وإنسائها، والدليل اللفظي - على ما عرفت منا - مؤيد لهذه المسألة العقلية، ولا يتم لافادة الحكومة الاسلامية. نعم رواية العلل جامعة لشتات المسائل، ولكنها ظاهرة في عدم اعتبار فقاهة الحاكم واولي الامر، وذلك

[ 65 ]

لقوله (عليه السلام): ومنها أنه لو لم يجعل لهم إماما قيما أمينا حافظا مستودعا لدرست الملة وذهب الدين، وغيرت السنة والاحكام... (1)، إلى آخره، فإنه لو كان الشرط كونه فقيها لاشار إليه ولذكره، لانه أولى بالذكر، مع أن الحاكم الاسلامي لا يتمكن من تحصيل الفقه بهذا الوسع وإدارة الشؤون السياسية، وهذا ربما يؤدي إلى ضعف الحكومة، فلا يشترط كونه فقيها، بل لو كان تحت سلطان الفقيه حسب الاحكام الاسلامية لكفى، كما كان سلاطين الصفوية وبعض القاجارية وأمثا لهم، مع أنهم كانوا يخطئونه ولا يأتمرون بأوامره ولا ينتهون عن نواهيه، ولذلك لو كان الفقيه يسلبه عن مقامه ويمنعه عن رئاسته، لكان يعدمه أحيانا. وأما لزوم ضعف الحكومة فهو في حد نفسه ليس ينكر في الجملة، ولكنه لا يؤدي إلى الفتور في الحكومة وأساسها، وليس هذا من الاحكام العقلية الواضحة حتى يعتبر شرعا في الحاكم. 2 - لابد وأن يكون عادلا، وهذا مما لا يكاد ينكر، وهو قضية العقل والنقل على ما عرفت في خلال المباحث السابقة، وقد ورد في الكتاب العزيز الامر بالحكم عن عدالة في المواضع الكثيرة، وهو مقتضى اعتبار الامانة والقيمومة والحفظ والاستيداع، كما في العلل وغيرها. وأما دعوى: أن الفسق في المسائل الشخصية، يجتمع مع العدل في المسائل النوعية والاجتماعية، ولا يعتبر أزيد من هذا القدر من


1 - علل الشرائع: 253.

[ 66 ]

العدالة، فهي غير مسموعة، لان مجرد الامكان الثبوتي لا يكفي، لان الفاسق الغير الامين على الحلال والحرام الالهيين الشخصيين وفي الاحكام الفردية، غير قابل لجلب الاعتماد وتحصيل الاطمئنان الذي به قوام الحكومات، فإن الملة لابد وأن تكون ذات طمأنينة بالنسبة إلى الحكومة، حتى يتمكن الحاكم من إمرار اموره وتقويم مملكته، فسقوط الفاسق عن نيل العهد والظالم عن درك الحكومة، عندي من الواضحات الاولية ومن البديهية الاولى، كما لا يخفى. نعم إذا رأى الفقيه مصلحة تصديه في مورد فهو إليه، كما كان ذلك في زمان بعض المعصومين (عليهم السلام). 3 - هل يعتبر كون الحاكم سائسا وخبيرا بالاوضاع وبصيرا بالامور، وعاقلا في تشخيص المصا لح وتنظيم المشاغل، أم يكفي مجرد كونه فقيها عادلا؟ لا شبهة في الاول، ضرورة أن قوام الامر الواجب وهي الحكومة وتشكيل السلطنة على الرعية، يحفظ النظام بين الامة بمثله، ولا يجوز لغيره تصديه، للزوم اتهام المذهب بالانحراف والابتذال، وهذا بحكم العقل غير جائز، بل في رواية العلل ما يؤيد ذلك، ويكون كالنص في اشتراط الامور الاخر في الرئيس والقيم، كما نرى ذلك في الرؤساء الجائرين. ولو قيل: مقتضى الشك في الشرطية جواز التصدي، لعمومات

[ 67 ]

الحل والبراءة. قلنا: مقتضى الاصل عدم جواز حكومة أحد على الاخر وعدم نفوذ تصرفاته، والقدر المتيقن من الخارج عنه من كان واجدا لتلك الشرائط، فما ترى في كتب الاصحاب فهو في محله، لعدم اشتراط هذه الخاصة في القاضي، والحكم في الخصوصيات الجزئية وإن كان ربما يرجع بعض الحركات المنتسبة إلى بعض أرباب الفقاهة والعدالة إلى قصور في الرشد، وهو غير صحيح قضاؤه حينئذ. ولا يقدم العقلاء على جعل مثله حكما بينهم في أمرهم، فلا معنى لتخيل أن الشرع المقدس الاسلامي، يأتي بما ليس في حد الفهم العقلائي في هذه المسائل العرفية، بل ما جاء به الاسلام يطابق العقل البرهاني في المسائل البرهانية، والعقل العرفي في المسائل الاجتماعية وإدارة المملكة الاسلامية، فلاينبغي إسناد الجها لة إليه جدا. كيف، وكان رؤساء المذاهب ساسة البلاد كما في الزيارة الجامعة وغيرها، فالفقيه خليفة هؤلاء في جميع شؤونهم، فلابد وأن يكون واجدا للاوصاف المعتبرة في أمر الولاية والحكومة، دون ما لا يكون لازما في هذا الموقف، وهو العلم بالمغيبات والكائنات واصول الحروف والاعداد والجفر الجامع. وبالجملة: لا يلزم أن يكون رئيس الاسلام - في جميع الاعصار - معصوما عارفا بالواقعيات، عا لما بالاكوان السابقة واللاحقة، وإن كان

[ 68 ]

في برهة من الزمان الامر كما تحرر، إلا أن تلك الاوصاف ليست دخيلة في أساس المسألة، كما لا يخفى. فلو كان بين الامة ] شخص [ عارف بالقانون، وسائس عارف بالامور السياسية في تنظيم المصالح في المملكة الاسلامية، فعلى الفقيه نصب ذلك إن كان عادلا. وهذا من الشواهد على أن الفقاهة ليست شرطا في سائس البلاد الاسلامية، بل يكفي كونه منصوبا من قبل ذلك الفقيه، والله العالم بالامور، فتأمل. إفاضة القدير وإعادة الضمير: قد اشتهر في كلمات أصحابنا أن كلمة الامام منصرفة إلى الامام المعصوم (عليه السلام)، فما في الاخبار الكثيرة الواردة في الحدود والتعزيرات، من إحالتها إلى الامام، فالمراد منه هو الامام المعصوم (عليه السلام)، فلو كانت الحكومة الاسلامية لغيره (عليه السلام) لكان يجوز له إجراؤها، وهذا خلاف تلك النصوص الكثيرة البالغة إلى حد التواتر، والالتزام بالتخصيص في الحدود وبعض الاحكام الاخر، كما اشتهر حتى قيل بعدم جواز تصديه في أمثال الاخماس والزكوات وغيرهما من أخذ الكفارات وغيرها، يورث الفتور في الحكومة، ويكون شاهدا على جواز تعطيل أمثال هذه الاحكام، فلا يبقى مورد يتدخل فيه الفقيه من الامور السياسية، بعد إخراج هذه الكليات الاساسية، بل حفظ الحدود وسد الثغور يتوقف على أخذ الضرائب الاسلامية، وإذا كان هو مخصوصا به (عليه السلام)، فيكون هو أيضا معطلا، والله يعصمنا من ذلك التسويلات الباطلة.

[ 69 ]

والذي يظهر لي: أن كلمة الامام ليست منصرفة إلى الامام المعصوم (عليه السلام) إلا في الاعصار المتأخرة، وإلا فهي تدل على ما هو الموضوع له، وهو المقدم على الناس في امورهم وحاجاتهم، والملاذ والملجأ فيها عند الضرورات. ويشهد لذلك جملة من السير والتواريخ والاحاديث، ونشير إلى ] نبذة [ منها: 1 - عن الباقر (عليه السلام): إذا اخذ رقيق الامام لم يقطع، وإذا سرق واحد من رقيقي من مال الامارة قطعت يده (1) فقد وقعت المقابلة بين الامام والمعصوم (عليهم السلام) في هذه الرواية. 2 - وعن كتاب تحف العقول وغيره عن السجاد (عليه السلام)، قال: كل سائس إمام (2). 3 - وعن أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى عثمان: اعلم أن أفضل عباد الله عند الله إمام عادل هدى، فأقام سنة معلومة وأمات بدعة مجهولة (3). 4 - وعن المفيد عنه (صلى الله عليه وآله وسلم)، قال: إن شر الناس يوم القيامة الثلاث. قيل: وما الثلاث يا رسول الله؟ قال: الرجل يسعى بأخيه إلى


1 - تهذيب الاحكام 10: 111 / 439، وسائل الشيعة 28: 299، كتاب الحدود والتعزيرات، أبواب حد السرقة، الباب 29، الحديث 5. 2 - تحف العقول: 255، مستدرك الوسائل 11: 154، كتاب الجهاد، أبواب جهاد النفس وما يناسبه، الباب 3، الحديث 1. 3 - نهج البلاغة، صبحي الصالح: 234 - 235.

[ 70 ]

إمامه فيقتله، فيهلك نفسه وأخاه وأمامه (1) فإنه منحصر بالامام الجائر، كما لا يخفى. 5 - وعن ابن بابويه، عن أبي بصير، عن الصادق (عليه السلام)، قال: سمعته يقول: وعليكم بالطاعة لائمتكم، يعني بذلك ولد العباس (2). وربما كان يطلق الامام على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وبعض الخلفاء الجائرين الاولين، حسب الاشعار والتواريخ، فعن عمار في الجمل خطابا إلى عائشة: وأنت أمرت بقتل الامام وقاتله عندنا من أمر (3) 6 - وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): يا كميل لا غزو إلا مع إمام عادل، ولا نقل إلا عن إمام فاضل (4). 7 - وعن الصادق (عليه السلام): الواجب على الامام إذا نظر إلى رجل يزني ويشرب خمرا، أن يقيم عليه الحد، ولا يحتاج إلى بينة مع نظره، لانه أمين الله في خلقه (5). وفيه - مضافا إلى دلالته على أن المراد من الامام ليس المعصوم،


1 - الاختصاص: 228، مستدرك الوسائل 18: 214، كتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب 2، الحديث 13. 2 - بحار الانوار 47: 162 / 1. 3 - مروج الذهب 2: 371. 4 - وسائل الشيعة 27: 30، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 34. 5 - تهذيب الاحكام 10: 44 / 157، وسائل الشيعة 28: 57، كتاب الحدود والتعزيرات، أبواب مقدمات الحدود، الباب 32، الحديث 2.

[ 71 ]

لانه لا يتعارف منه النظر إلى الزاني حين زناه - دلالة على أن الرئيس أمين الله في خلقه، ويكون متصديا لامور الخلق، فتأمل. ثم إن في جملة من الاخبار في كتاب الحدود لفظة: الوالي (1) والسلطان (2)، وعن مقنعه المفيد في رواية سلطان الاسلام (3)، ولا شبهة في انصراف أمثال هذه الكلمات إلى الاعم، مع أن في كثير من الاخبار ترخيص إجراء الحدود حتى إلى سلاطين الجور (4)، واحتمال أنه من الاذن الخاص، فلا يجوز للفقيه ذلك، في غير محله. فتحصل: أن كلمة الامام ليست منصرفة إلى المعصوم (عليه السلام)، ففي روايات العيد إشارة إلى أن ذلك إلى إمام المسلمين (5)، ولا شبهة في أن الفقهاء يحكمون في مواقف الشك. نعم ربما يمكن دعوى عدم جواز إجراء الحدود قبل تشكيل الحكومة، لانه بدونه يستلزم الفاسد للمجري، بل


1 - وسائل الشيعة 28: 208، كتاب الحدود والتعزيرات، أبواب حد القذف، الباب 22، الحديث 1، و: 212، الباب 25، الحديث 2، و: 228، أبواب حد المسكر، الباب 6، الحديث 6. 2 - وسائل الشيعة 28: 18، كتاب الحدود والتعزيرات، أبواب مقدمات الحدود وأحكامها العامة، الباب 4، الحديث 1 والباب 17، الحديث 1. 3 - المقنعة: 810، وسائل الشيعة 28: 49، كتاب الحدود والتعزيرات، أبواب مقدمات الحدود وأحكامها العامة، الباب 28، الحديث 2. 4 - وسائل الشيعة 28: 141، كتاب الحدود والتعزيرات، أبواب حد الزنا، الباب 36، الحديث 2. 5 - وسائل الشيعة 10: 132، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 57، الحديث 5.

[ 72 ]

هو قبلها لا يعد إماما فلا ينبغي الخلط بين المسائل. الجهة السابعة: في الامور المشكوكة تفويضها إلى الفقيه إذا تبين أن للفقيه الجامع إصلاح حال المسلمين فيما يحتاجون إليه في أمر دينهم ودنياهم، فلا يبقى شئ إلا وله الدخا لة فيه، حتى لا يبقى الناس في الضلالة عن دينهم، ولا يحصل في قلوبهم الفتور في أمر مذهبهم. ومع ذلك فربما يشكل الامر في امور، ربما قيل: إنها غير مفوضة إلى الفقهاء في عصر الغيبة، أو يشك في أن هذا الامر - مثلا الجهاد - هل يختص بالامام المعصوم (عليه السلام) وفي عصره أم يشترك فيه غيره. فهنا مقامان: المقام الاول: لا شبهة في أن كل معروف علم من الشرع أن ذلك اعتبر واجب الوجود، ولا تكون الهيئة بالنسبة إليه مقيدة ولا مشروطة، بل الطلب مطلق، إلا أن الاجراء مترتب، ويكون المتصدون للاجراء مختلفي الرتب ومتفاوتي النسب، فهو موكول إلى الفقيه الجامع، لانه القدر المتيقن. وإنما الشبهة فيما إذا لم يكن المعروف هكذا، ولا يستلزم تعطيله اختلال النظام، فإن كان في تعطيله تضعيف ديانة الناس وتبعية رغبة الامة إلى الاسلام، أو صرف أذهانهم إلى سائر الديانات السهلة، فلابد

[ 73 ]

من تصديه، لما مر من الادلة الكافية لاثبات أن الامور بيد هؤلاء الاعلام، ومن ذلك تطليق المرأة في مواقف الضرورة، والمحافظة على أموال آحاد الناس والصغار... وهكذا. وإذا لم يكن تعطيله مستلزما لمثل ذلك، فإن كان فيه بسط الحكومة الاسلامية ولا يكون تمزيق الديانة الحقة، الذي احتملنا عند تركه ويستوحش الفرق الباطلة من مثل تلك الملة والشريعة، فعليهم القيام بذلك. ومن هنا يظهر: أن المسائل المالية وجميع الضرائب الاسلامية والمسائل السياسية وجميع الجزائيات الاسلامية، كلها من الوضحات التي بيدهم، وعليهم الاجراء عند اجتماع الشرط الاخر، وهو وجود الحكومة والرئاسة، ومنها الدفاعيات الاسلامية، فردية كانت، أو كلية ونوعية، فإنها من الوظائف الاولية، بل في اختصاص الجهاد الاصطلاحي بالمعصوم (عليه السلام) إشكال جدا. فهذه الامور وإن استشكل فيها، إلا أنها عندنا واضحة السبيل، فعلى كل حال خلود الاسلام المقتضي لخلود الاحكام الفردية والنظامية، يقتضي خلود الوظيفة الاصلية، وهو التبليغ والارشاد وبسط الحكومة في البلد والقطر، وما ترى في عصرنا من عدم جواز تصدي أحد لاحد غير صحيح، بل المرام لابد من نشره إلى أقصى البلاد وأبعد النقاط، ولذلك نجد الفرق الواضح بين الحكومات التي تكون ذات مرام، كما في الاقطار

[ 74 ]

الشيوعية، وبين غيرها، فإن الاولى في جميع الاحيان بصدد البسط والتوسعة، والاسلام هكذا فإن التزم المخا لف بالجزية فهو، وإلا فلابد من الجهاد حتى لا يبقى حكومة حذاء تلك الحكومة الحقة. وإن لم يكن في بسطه صلاح لحال الاسلام ولا المسلمين، ولا إصلاح حال الفرد، فلا يجوز له التصدي، لما عرفت منا أن منزلة الحكومة الاسلامية كسائر الحكومات العرفية، تابعة للمصا لح النوعية، مراعية للمرامات والاعتقادات الدينية، ومحافظة لتمايلات عائلة البشر بالنسبة إلى الدين والمذهب المقدس. والله العا لم بحقائق الامور. ثم إن لكل واحد من تلك الموضوعات، كالزكاة والخمس والجهاد والامر بالمعروف، وهكذا المسائل الحقوقية والحدود الديات والقصاص، وغيرها من السياسات، كتابا خاصا مشتملا على مسائلها، ولا نتمكن الان من الغور في خصوصياتها، وذكر بعض القرائن منها على هذا المشرب الاصلي والاعلى، والاحا لة إلى محالها، وأحسن كما مر. المقام الثاني: إذا شك في أمر أنه من مختصات النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أو يجوز للولي (عليه السلام) أن يتولاه ولم يكن دليل لرفع الشبهة، فإن كان مما يدرك العقل لزومه فهو، وإلا فمقتضى الاصل عدم جواز التصدي له (عليه السلام)، وهكذا بالنسبة إلى الفقيه، ولكنه كما لا معنى للشك الاول لا مورد للشك الثاني، لقيام الادلة.

[ 75 ]

ولا يمكن لي الالتزام بأن الاسلام يكون ذا أحكام عا لية راقية تحوج إليها الامة، وتكون ذات تدبير في الرعية، ومع ذلك مشروط إجراؤها بشخص، وهو إماميت أو غائب. نعم في الامور الجزئية إذا حصلت الشبهة فالاصل عدم جواز التصدي، لعدم نفوذ تصرفه، ولو صح التمسك بالبراءة للمتصدي فلا يصح التمسك بها للتصحيح كما تحرر. وغير خفي: أن التصدي إذا كان مشكوكا حكمه جوازا وحرمة، وكان الدليل الاولي مانعا عنه، فلا تصل النوبة إليه. نعم إذا كان إطلاق ذلك ممنوعا فلها المجرى، مثلا إذا شك في جواز المحافظة على مال الصغير، فإنه تجري البراءة العقلية عن شبهة التحريم، ولكنه إذا لم تكن المحافظة ممنوعة شرعا ابتداء، لانها تعد تصرفا وهو غير جائز. اللهم إلا أن يقال بقصور تلك الادلة عن شمول مثله، فيجوز ذلك تكليفا لا وضعا، فلا تخلط. الجهة الثامنة: في أن تصدي الزعامة مشروط بشروط هل يجوز لاحاد الفقهاء - المنتشرين في البلاد في هذه الاعصار - التصدي لتلك الزعامة قبل تشكيل الحكومة، المشتملة على القوة الدفاعية عند الهجمة عليه من قبل الحكومة المركزية، أم لا، بل

[ 76 ]

لابد من تفويض الامر إلى غيره، ولا يجوز له إجراء أي من الاحكام السياسية، ولا الدخالة في أمر من الامور المالية وغيرها، إلا بمقدار الضرورة التي يحتاج إليها فردا؟ أقول: لا شبهة في وجوب تشكيل الحكومة الجامعة للنظام الداخلي والمشتملة على القوى اليومية للدفاع، فإذا لم يتمكن الفقيه من ذلك - كما في عصرنا هذا - فإن خاف من التصدي أن يتعرض من قبل الحكومات الجائرة بالنسبة إلى نفسه أو أحد آخر محترم المال والعرض، فلا يجوز بالضرورة من العقل والشرع. وإذا ساعدته الحكومة الجائرة على إجراء بعض الاحكام الشرعية، فهل يجوز له تصديه، أم لا؟ وجهان: من أن الواجب لا يسقط إلا بمقدار الضرورة، ولا يجوز تعطيل الحدود إلا ما لا يمكن إقامتها. ويشهد لذلك ما اشير إليه من بعض الروايات، الدالة على أن الائمة (عليهم السلام)، كانوا يرجعون إلى سلاطين الجور لاجرائهم الحد الالهي بالنسبة إلى المستحقين. ومن أن ذلك ينافي المقاومة السلبية التي يستظهر من الاخبار لزومها (1)، فإن التصدي لبعض الامور، ربما يؤدي إلى بقاء السلطان الجائر وتسليط الحكومة الفاسدة وإحكام بنيانها.


1 - وسائل الشيعة 27: 11 - 14، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 1، الحديث 1 - 6.

[ 77 ]

وبعبارة اخرى: ترك ما هو الوظيفة بنحو الاطلاق، ربما يؤدي إلى سقوط حكومة الباطل، لاستلزامه الهرج والمرج، مثلا بخلاف التفكيك والتجزئة، فإن ذلك تحكيم للباطل وتنفيذ لما هو المبغوض الاعلى. اللهم إلا أن يقال: بأن في المسألة تفصيلا، فإنه تارة يكون في ترك التصدي على الاطلاق، رجاء إسقاط الجائر عن الحكومة المغصوبة، واخرى لا يكون الامر كذلك، ففي الصورة الاولى يتعين ذاك، وفي الثانية يتعين ذلك. والله العالم بحقائق الامور. الجهة التاسعة: حول ممنوعية الفقيه عن مزاحمة الزعيم والامام قضية ما تحرر حسب الاخبار: أن الفقهاء لهم الولاية التامة في أمر الدين والدنيا تحت ظلال القانون الالهي، وعلى هذا ربما يشكل الامر في صورة التزاحم. والذي هو الظاهر لي: أن الفقيه الذي بنى الحكومة الاسلامية، وتصدى للزعامة العامة، وشكل النظام البلدي والقطري في المملكة الاسلامية، فهو المتبع في المصالح والمفاسد، ولا يجوز للفقيه الاخر أن يتدخل في الامور، بحيث يورث ضعف الحكومة الاسلامية، حتى إجراء الحدود وأخذ الضرائب، لان هذه الامور بيد الامام والوالي، ومن هو الامام والوالي؟ هو المتقدم عرفا ] وولي [ الامر عند العقلاء، لا الذي هو المجعول حكومته في مقبولة عمر بن حنظلة، فإنه حاكم بين الشخصين

[ 78 ]

في الامور الجزئية الشخصية، كما عرفت منا تحقيقه. وهذا الذي ذكرناه يجري حتى بالنسبة إلى قضائه وفصل خصومته، لعدم الدليل على نفوذ قضائه في هذه الصورة. ولقد عرفت منا سابقا: أن مسألة إجراء الحدود وأخذ الضرائب وغيرهما موكول إلى الوالي والامام، وليس المراد من الامام والوالي هو المقبوض اليد بل الامام هو المتصدي المبسوط اليد، فإذا قام ونهض أحد من الفقهاء، وبنى أساس الحكومة كسائر الحكومات، فعليه تنفيذ هذه الاحكام وعلى الاخرين اتباعه في الاراء والعقائد، إلا فيما لا يرجع إلى التخلف عن الحكومة بتضعيفها، كما لا يخفى. ثم إن من الممكن دعوى: أن الزعيم الفقيه هو الذي تعين عليه الواجبات الكفائية، فلا يجوز للاخر مزاحمته، ولا التدخل في سلطانه وإن لم يورث الضعف والفساد، للزوم سد باب الاحتمال، فإن ذلك مظنة تضعيف الحكومة المركزية، ويكفي للمنع هذا الاحتمال، بعد عدم وجود إطلاق ناهض على جواز تصديه في هذه الصورة، كما هو كذلك في الحكومات العرفية. نعم في صورة تخلف الفقيه عن الوظائف يسقط قهرا، وعلى الاخر عند الامكان منعه ونصب الاخر، أو التصدي بنفسه، فلا تخلط، وكن على بصيرة من أمرك. ثم إن إثبات الولاية للفقيه على الصغار وغيرهم عند وجود

[ 79 ]

الاولياء المنصوصين، مشكل وإن كان ربما يستظهر من بعض الاخبار، ولا حاجة لنا في هذا المضمار البحث عنه، فالعدول عنه أولى. ملحق البحث وثمرة مسألة الولاية فذلكة الكلام في المقام: هو أنه تعالى قد جعل للفقيه كل ما جعله للامام (عليه السلام)، من حيث رئاسته على كافة الانام، وسلطنته على سائر العباد، وإدارته لشؤون الملة وإمامته لقيادة الامة وتنفيذ القوانين الدينية وتطبيقها وتدبير الشؤون الحياتية في الرعية وتنظيمها، والفقهاء - رضي الله عنهم - عبروا عن هذه الرئاسة الكافلة للايتام بالولاية، وهي التي من آثارها الافتاء والقضاء وقبض ما يعود لمصالح المسلمين، كأموال الخراج والمقاسمة والاوقاف العامة والنذور والجزية والصدقات ومجهول المالك واللقطة قبل التعريف وقبض ما يعود للامام (عليه السلام) من الاموال، كحق الامام والانفال وإرث من لا وارث له، والتولي للوصايا مع فقد الوصي وللاوقاف مع فقد المتولي، وحفظ أموال الغائبين واليتامى والمجانين والسفهاء، والتصرف بما فيه المصلحة لهم، حفظا أو إجارة أو بيعا أو نحو ذلك، وجعل بيت المال، ونصب الولاة على الامصار والوكلاء والنواب والعمال - المعبر عنهم في لسان الفقهاء بالامناء - وتجهيز الجنود والشرطة للجهاد ولحفظ الثغور، ومنع التعديات وحماية الدين وإقامة الحدود على المعاصي والتعزيرات

[ 80 ]

على المخالفات، وإعاشتهم وتقدير أرزاقهم وتعيين رواتبهم، ونصب القضاة لرفع الخصومات وحمل الناس على مصا لحهم الدينية والدنيوية، كمنع الغش والتدليس في المعايش والمكاييل والموازين، وكمنع المضايقات في الطرقات، ومنع أهل الوسائط من تحميلها أكثر من قابليتها، والحكم على المباني المتداعية بهدمها، أو إزالة ما يتوقع منها الضرر على السابلة، وضرب السكة وإقامة الصلاة وإجبار الممتنع عن أداء الحقوق الخا لقية والمخلوقية، وقيامه مقامه في الاداء، وإجبار المحتكر والراهن على الاداء والبيع، وإجبار الشريك على القسمة، وإجبار الممتنع عن حضور مجلس الترافع والخصومة، وتسيير الحج، وتعيين يوم طلوع الاهلة، والجهاد في سبيل الله - على إشكال فيه - وإصلاح الجسور وفتح الطرق الترافع والخصومة، وتسيير الحج، وتعيين يوم طلوع الاهلة، والجهاد في سبيل الله - على إشكال فيه - وإصلاح الجسور وفتح الطرق وحفر الترع وصنع المستشفيات، وسياسة الرعية، وإعطاء الراية والعلم واللواء، وتقسيم الغنيمة والامر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدفاع عن الحدود والنفوس والاعراض والاموال. وبالجملة: حل جميع المشاكل الفردية والاجتماعية، وتشكيل الوزارات في مختلف شؤون المملكة. والله العالم. الطائفة الثالثة: عدول المؤمنين، فإن المعروف عنهم أن النوبة تصل إليهم في التصدي لاموال الصغار واليتامى عند فقد الفقيه، وبعد مفروغية أن الشرع لا يرضى بذلك، أي بترك حفظ أموالهم وبترك

[ 81 ]

التصدي لامورهم، فإنه عند ذلك يكون العدل المؤمن هو القدر المتيقن من بينهم، فيجوز له التصرف فيها، وبذلك نخرج عن إطلاق المنع من أموال الغير إلا بإذنه. الترافع والخصومة، وتسيير الحج، وتعيين يوم طلوع الاهلة، والجهاد في سبيل الله - على إشكال فيه - وإصلاح الجسور وفتح الطرق وحفر الترع وصنع المستشفيات، وسياسة الرعية، وإعطاء الراية والعلم واللواء، وتقسيم الغنيمة والامر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدفاع عن الحدود والنفوس والاعراض والاموال. وبالجملة: حل جميع المشاكل الفردية والاجتماعية، وتشكيل الوزارات في مختلف شؤون المملكة. والله العالم. الطائفة الثالثة: عدول المؤمنين، فإن المعروف عنهم أن النوبة تصل إليهم في التصدي لاموال الصغار واليتامى عند فقد الفقيه، وبعد مفروغية أن الشرع لا يرضى بذلك، أي بترك حفظ أموالهم وبترك

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية