الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




مستند تحرير الوسيلة - السيد مصطفى الخميني ج 2

مستند تحرير الوسيلة

السيد مصطفى الخميني ج 2


[ 1 ]

مستند تحرير الوسيلة تأليف العلامة المحقق آية الله المجاهد الشهيد السعيد السيد مصطفى الخميني قدس سره الجزء الثاني مؤسسة تنظيم ونشر آثار الامام الخميني قدس سره.

[ 2 ]

بمناسسبة الذكرى السنوية العشرين لشهادة العلامة المجاهد آية الله السيد مصطفى الخميني (قدس سره) هوية الكتاب * اسم الكتاب: مستند تحرير الوسيلة (ج 2) * * المؤلف: السيد مصطفى الخميني (قدس سره) * * تحقيق ونشر: مؤسسة تنظيم ونشر آثار الامام الخميني (قدس سره) * * سنة الطبع: آبان 1376 - جمادى الثاني 1418 * * الطبعة: الاولى * * المطبعة: مطبعة مؤسسة العروج * * الكمية: 3000 نسخة * * السعر: 12000 ريال * جميع الحقوق محفوظة للناشر

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم

[ 1 ]

كتاب البيع

[ 3 ]

[ مسألة 1: عقد البيع يحتاج إلى إيجاب وقبول، وقد يستغني عن القبول، ] في الايجاب والقبول قوله مد ظله: يحتاج. إجماعا واتفاقا بين الملل، سواء قلنا باشتراط صدق العقد على عناوين المعاملات المعاوضية والمتقومة بالطرفين، أو قلنا بعدمه، كما هو التحقيق، فإن الضرورة قاضية بصحة البيع ولزومه وإن سلب عنه عنوان العقد وما ورد في الكتاب والسنة، فهو ناظر إلى ما هو بالحمل الشائع بيع وإجارة، وتكون لفظة العقد إشارة إليها. ثم إن تقسيم القوم العناوين إلى العقود والايقاعات، ليس في محله، فإن جميع الماهيات الاعتبارية مشتركة في تحققها بالموجب تحققا إنشائيا، ولكنها لا تؤثر في العقود إلا بإمضاء المشتري، فماهية البيع هي التمليك، أو إنشاؤه، أو التبادل، أو المبادلة، أو غيرها، وكل ذلك يحصل بإنشاء الموجب، ولكنها - كالفضولي - لا أثر لها إلا بعد ظهور الرضا من

[ 4 ]

[... ] قبل الطرف المقابل، فلو كان الاثر الفعلي من مقومات الماهية، يلزم عدم كون بيع الفضولي بيعا حقيقة، ولو لم يكن ذلك مقوما لها، فهي - وهي إنشاء التمليك بالعوض - متحققة في الاعتبار قطعا. ودعوى: أنه ليس عقدا، ممنوعة أولا بما عرفت. وثانيا: بأن عقدية العقد تحصل بالعقدة، وهي توجد بإنشاء الموجب. بل الخاطر بالبال: أن ماهية المعاملات ومنها البيع، لها إطلاقات، قد يراد منها المعنى المسببي، وهو النقل والانتقال، ولعله المراد من قوله تعالى: (وأحل الله البيع) (1). وقد يراد منها السبب التام المتعقب بالاثر والمسبب، وهذا لعله المراد منه. ويمكن أن يطلق ويراد منه فعل البائع الملازم لقبول المشتري. وتارة: يراد منه فعله وإن لم ينضم إليه القبول، ضرورة أنه يصح أن يقال: باع زيد وما اشترى عمرو منه. وما هو المقصود في أدلة النفوذ وفي الاستعمالات المتعارفة، أحد الاولين، وليس معناه على التقديرين متقوما بالاثر الفعلي، وعليه كما يتحقق


1 - البقرة (2): 275.

[ 5 ]

[ كما إذا وكل المشتري أو البائع صاحبه في البيع والشراء، أو وكلا ثالثا، فيقول: بعت هذا بهذا فإن الاقوى عدم الاحتياج حينئذ إلى القبول. ] تمام ماهيته بالايجاب، كذلك يتحقق بالقبول فيما كان مثل: اشتريت وتملكت فإنهما مثل: بعت وملكت في عدم حصول الاثر حقيقة إلا بهما، وفي حصول تمامية الماهية الاعتبارية بهما، وهي إنشاء المعاوضة عن جد. قوله مد ظله: الاقوى عدم الاحتياج. لما عرفت من عدم تقوم الماهية به، فإذن يحصل عقد البيع - بعمله الوحداني - واجدا جميع الاثار والاحكام. وهذا هو الظاهر من قوله تعالى: (فلما قضى زيد منها وطرا زوجنا كها...) (1) فإنه لم يعهد منه (صلى الله عليه وآله وسلم) قبوله بعد ذلك، فلو أوقع ولي الابن والبنت بينهما عقد الزواج، فلا معنى للقبول بعده. ولعله الظاهر من بعض ما ورد في قصص زواج المعصومين: علي وفاطمة سلام الله تعالى عليهما وكون الاية قابلة لحملها على الاخبار، لا ينافي ظهورها العرفي في الانشاء بعد اقتضاء القواعد صحته. نعم، قضية الاجماعات المحصلة ممنوعيته وشرطية القبول، ولكنها بمعزل عن إفادة أمر وراء ما فهموه، فتدبر.


1 - الاحزاب (33): 37.

[ 6 ]

[ والاقوى عدم اعتبار العربية، بل يقع بكل لغة ولو مع إمكان العربي. ] قوله دام ظله: ولو مع إمكان العربي. خلافا لجمع، كالسيد عميد الدين (1)، والفاضل المقداد (2)، والثاني من المحققين (3) والشهيدين (4)، معللا بالحجج العليلة، مثل إنكار صدق العقد مع التمكن من العربية، وهو قضية التأسي، وغير ذلك، ووفاقا للمحققين (5)، لعدم الدليل، وللعمومات. بل الذي سلكناه في كتابنا الكبير (6)، أن الاحوط أن يعقد كل بلسانه، لانه أخبر بخصوصياته، فيتمكن من الغفلة عن اللغات بإبراز المعنى المقصود، وإنشاء العقد والايقاع، ولقد سمعت عن بعض المشايخ التجنب عن تكفل عقد النكاح بالعربي، لان العاقد لا يعتبر الزواج، ولا ينشئ عقدة النكاح، بل تمام توجهه إلى الالفاظ وكيفية الاستعمالات، غافلا عن إبراز المعنى وإيجاد المعتبر.


1 - نقل عنه مفتاح الكرامة 4: 162 / السطر 25. 2 - كنز العرفان 2: 72. 3 - جامع المقاصد 4: 59 - 60. 4 - الروضة البهية 1: 313 / السطر 14. 5 - انظر المكاسب، الشيخ الانصاري: 95 / السطر 34. 6 - تحريرات في الفقه، كتاب البيع، المقصد الاول، الجهة الثالثة، المسألة الرابعة، الفرع الاول.

[ 7 ]

[ كما أنه لا يعتبر فيه الصراحة، بل يقع بكل لفظ دال على المقصود عند أهل المحاورة، ك‍ بعت وملكت ونحوهما في الايجاب، وقبلت واشتريت وابتعت ونحو ذلك في القبول. ] مع دعوى انصراف العمومات إلى العقود المتعارفة بين الملل والاقوام، وهي ما حصلت بألفاظهم، دون ألفاظ آخرين، وهذا هو القدر المتيقن، دون ما توهمه بعض الاصحاب (رحمهم الله). قوله دام ظله: بكل لفظ. على المعروف بين المتأخرين (1)، وفي المسألة أقوال ربما تبلغ إلى سبعة. وقد يشكل جوازه بغير الالفاظ المتعارفة الصريحة الموضوعة المشتملة على عناوين المعاملات، لما يظهر من كل متصد للفقه اعتبار ألفاظ مخصوصة، حتى تصدى جمع لتأليف كتاب في ألفاظ الصيغ، فيعلم التعبد الشرعي بالاجماع القطعي، ففي غير هذه الصورة يشكل شمول عمومات الكتاب والسنة للعقد العرفي، والتمسك بها غير جائز، لاستلزامه الاخلال بمعقد الاجماع. ولكنه بمعزل عن التحقيق، ضرورة أن الاجماع لا يكشف في هذه المسائل عن رأي متبع، ولو سلمنا فله القدر المتيقن، ولا يلزم منه


1 - المكاسب، الشيخ الانصاري: 94 / السطر 3.

[ 8 ]

[ والظاهر عدم اعتبار الماضوية، فيجوز بالمضارع وإن كان أحوط. ] ممنوعية التمسك بالعمومات في جميع ما يحتمل دخا لته. نعم، بعض المجازات البعيدة أو الكنايات غير المأنوسة، غير قابل لايقاع العقد به، دون غيره. ثم إن المقصود من الدلالة في الجملة الثانية بعد نفي اعتبار الصراحة، هي الدلالة بالقرائن المقامية والمقا لية، وظاهرهم عدم الصحة بالالفاظ الموضوعة بالخصوص بين المتعاملين، بأن كان بناؤهم على إيقاع البيع بألفاظ النكاح وهكذا، فإن المدار على الاسباب العرفية، دون مطلق ما يمكن أن يتسبب به. ويظهر من بعض الاجلة جوازه بها أيضا (1)، ولكنه مشكل. نعم، إذا اقتضت الضرورة إخفاء المقاصد العرفية، فأرادوا بألفاظ النكاح البيع، لجهة عقلائية، فإنه حينئذ لا يبعد شمول الادلة، لو لا مخافة مخا لفة الاجماع المزبور، فتدبر. قوله دام ظله: وإن كان أحوط. لما عن العلامة في التذكرة من دعوى الاجماع عليه (2)، ومما يدل


1 - انظر مصباح الفقاهة 3: 19. 2 - تذكرة الفقهاء 1: 462 / السطر 11.

[ 9 ]

[ ولا يعتبر فيه عدم اللحن من حيث المادة والهيئة والاعراب، إذا كان دالا على المقصود عند أبناء المحاورة، وعد ملحونا منه، لا كلاما آخر ذكر في هذا المقام، كما إذا قال: بعت بالفتح، أو بكسر العين وسكون التاء. وأولى بذلك اللغات المحرفة، كالمتداولة بين أهل السواد ومن ضاهاهم. ] على خلافه النصوص الواردة في كتاب النكاح في مسألة الاستيجاب (1)، فإنها كما تدل على حكم المسألة الاتية، تدل على حكم هذه المسألة. وما قد يتوهم من عدم مساعدة العرف، لا يخلو من غرابة، لان الماضي ليس موضوعا للانشاء، بل الاستعمال فيه مع القرينة خصه به، وهذا أيضا يصح في غيره، أمرا كان، أو مضارعا. قوله مد ظله: ولا يعتبر. لعدم الدليل عليه بعد، ولو كان كلاما آخر فقد عرفت وجه الاشكال وتصحيحه في بعض الحالات. وأما إذا كانت اللغات المحرفة من أهل السواد، ففي صحة تعبيرها إشكال مضى سبيله في مسألة اعتبار العربية.


1 - وسائل الشيعة 20: 264، كتاب النكاح، أبواب عقد النكاح وأولياء العقد، الباب 1، الحديث 10. و 21: 43، كتاب النكاح، أبواب المتعة، الباب 18.

[ 10 ]

[ مسألة 2: الظاهر جواز تقديم القبول على الايجاب إذا كان بمثل اشتريت وابتعت إذا اريد به إنشاء الشراء، لا المعنى المطاوعي، ولا يجوز بمثل: قبلت ورضيت. وأما إذا كان بنحو الامر والاستيجاب، كما إذا قال من يريد الشراء: بعني الشئ الفلاني بكذا فقال البائع: بعتكه بكذا ] قوله دام ظله: إذا اريد به. فإنه في هذه الصورة يكون من الايجاب المقدم بلفظ الشراء، وفيما كان نظره إلى المطاوعة يعد من الالفاظ الصريحة في القبول الممنوع عندهم والمدعى عليه الاجماع في الخلاف (1). قوله: ولا يجوز. عقلا وإجماعا، ضرورة أن المعدوم غير قابل للقبول. وفيه: أن إنشاء التمليك بألفاظ الايجاب، كإنشاء القبول بألفاظه، فكما أن الاعتبار هناك قائم ببقاء الملكية المنشأة، كذلك الاعتبار قائم هنا بحدوثه، فهو يقبل ما يراه في الخارج ويجده. وإن شئت قلت: هو من تأخر القبول أيضا في مفهومه، ولو كان متقدما في وجوده، فعليه تندفع الشبهة العقلية من غير حاجة إلى تصوير الواجب المشروط أو المعلق.


1 - الخلاف 3: 40، المسألة 56.

[ 11 ]

[ فالظاهر الصحة وإن كان الاحوط إعادة المشتري القبول. ] قوله دام ظله: فالظاهر الصحة. وذلك لان الامر الباعث إلى البيع، يستلزم عرفا رضا الامر بالمأمور به، ولا نحتاج في قبول الانشاء المتأخر إلا الرضا بالمنشأ البارز بأحد الدلالات الثلاثة، وهكذا الاستيجاب. ولكنه يشكل على مبنى القوم، وهو ممنوعية القبول المتقدم، والرضا المظهر بالايجاب المتأخر غير كاف عندهم، فما اختاره الماتن هنا يناقض منعه في مثل: قبلت ورضيت. اللهم إلا أن يقال: إن وجه التفصيل هو الاجماع، دون الدليل العقلي والقواعد العقلائية. إن قلت: فرق بين الامر، وتقديم القبول بلفظه، فإنه شامل للماهية المقصودة من البيع وغيره، بخلافه. قلت: نعم، إلا أن مقصود المجوز ليس تقديم مادة القبول من غير سبق المقاولة، وإذا سبقت المقاولة، فترى بعد تماميتها يصح أن يقول المشتري: قبلته والبائع: بعته من غير إشكال. هذا مع أنه يمكن أن يقول المشتري بدوا: قبلت هذا بهذا مبيعا فيقول البائع: بعته فإنه عند العقلاء أيضا صحيح قطعا.

[ 12 ]

[ مسألة 3: يعتبر الموالاة بين الايجاب والقبول، بمعنى عدم الفصل الطويل بينهما بما يخرجهما عن عنوان العقد والمعاقدة ولا يضر القليل، بحيث يصدق معه أن هذا قبول لذلك الايجاب. ] قوله: يعتبر الموالاة. إجماعا، وعليه السيرة القطعية، والخروج عنه خلاف المرتكز العرفي. ولعله يرجع إلى المسألة الاتية من لزوم التطابق، فإن القبول المتأخر إذا لم يعد من قبول الايجاب المتقدم، فلا يحصل التطابق، فتدبر. وقد يقال: إن عنوان العقد لا يحصل إلا به، وهو ممنوع كما في العقود الجائزة، وقد مر عدم الحاجة إليه في تحقق عناوين المعاملات صحة ولزوما، فما في المتن واضح المنع. واختار الماتن في مقام آخر عدم اعتبار الموالاة (1)، لما اختار أن تمام ماهية المعاملة تحصل بالايجاب (2)، وقد أنكر العقود بالمعنى المعروف بين الاصحاب (رحمهم الله) فالعقد يحصل بنفس الايجاب، وتأخر القبول كتأخر الاجازة في الفضولي. وهذا وإن كان موافقا للتحقيق، إلا أنه لا يستنتج منه نفي اعتبارها، لانه لا يحصل التطابق المعتبر عرفا، فتأمل.


1 - البيع، الامام الخميني (قدس سره) 1: 227. 2 - البيع، الامام الخميني (قدس سره) 1: 219.

[ 13 ]

[ مسألة 4: يعتبر في العقد التطابق بين الايجاب والقبول، فلو اختلفا بأن أوجب البائع على وجه خاص من حيث المشتري، أو المبيع، أو الثمن، أو توابع العقد من الشروط، وقبل المشتري على وجه آخر، لم ينعقد، فلو قال البائع: بعت هذا من موكلك بكذا، فقال الوكيل: اشتريته لنفسي لم ينعقد. ] قوله مد ظله: التطابق. لا شبهة في كبرى هذه المسألة، ولا معنى لعده من الشرائط، لانه من مقومات ماهية البيع المتوقف على القبول المتعلق بإنشاء الموجب. نعم، هو من الشرائط، بناء على كون القبول علة تأثير الماهية الموجودة بفعل الموجب، على ما تقرر. نعم، قد يشكل الامر في حصوله في بعض الفروض المذكورة في المتن، وأنه حصلت صغرى التطابق، أم لا. قوله دام ظله: لم ينعقد. إذا كان مورثا لقصور الانشاء وتحدده، أو احتمل ذلك، وأما لو كان المقصود بيع متاعه مخاطبا في بيعه أحد الحضار من أجل أنه واحد منهم، من غير النظر إلى الخصوصية في أمره، فإنه إذا قبله الاخر ينعقد، ومن ذلك يعلم النظر في مشابهات المسألة. قوله: لم ينعقد. إلا في الوجه المشار إليه.

[ 14 ]

[ نعم، لو قال: بعت هذا من موكلك فقال الموكل الحاضر غير المخاطب: قبلت لا يبعد الصحة. نعم، لو قال: بعتك هذا بكذا فقال: قبلت لموكلي فإن كان الموجب قاصدا لوقوع البيع للمخاطب نفسه، لم ينعقد، وإن كان قاصدا له أعم من كونه أصيلا أو وكيلا، صح. ولو قال: بعتك هذا بألف فقال: اشتريت نصفه بألف أو بخمسمائة لم ينعقد. ] قوله: لا يبعد الصحة. لا وجه لنفي البعد لقطعية الصحة. بل قبول الوكيل مع حضور الموكل الذي هو المشتري حقيقة، الناظر الشاعر بالبيع وخصوصياته، لا يخلو من توهم الاشكال، بدعوى قصور أدلة الوكالة عن شمول هذه الموارد، فتدبر. قوله: صح. إذا رجع الانشاء إلى الجامع المنطبق عليهما، أو رجع ذلك إلى إلغاء الخصوصية عن المخاطب، بدعوى ما أشرنا إليه، وإلا فهو المستحيل، لان المخاطب الجزئي إما هو الوكيل، أو الموكل. وعلى هذا، يتوجه إليه - مد ظله - عدم الفرق بين ما نحن فيه، والمسألة السابقة، التي مضى قوله فيها بعدم الانعقاد. قوله: لم ينعقد. إلا فيما كان البيع عند العرف ينحل إلى البيوع، فإنه ينعقد

[ 15 ]

[ بل لو قال: اشتريب كل نصف منه بخمسمائة لا يخلو من إشكال. نعم، لا يبعد الصحة لو أراد كل نصف مشاعا. ولو قال لشخصين: بعتكما هذا بألف فقال أحدهما: اشتريت نصفه بخمسمائة لم ينعقد. ولو قال كل منهما ذلك لا يبعد الصحة، وإن لا يخلو من إشكال. ] بالنسبة إلى البعض، كما إذا قال: بعتك هذه القطعات من الارض الكذائية بكذا فقبل في واحدة منها بالنسبة أو الازيد، فإنه ينعقد. قوله مد ظله: لا يخلو من إشكال. لا وجه للاشكال بعد إرادة اشتراء جميع المبيع، لانه قد قبل جميع ما أنشأه، واختلاف الالفاظ وتشتت التعابير لا يضر بالتطابق المعتبر، من غير فرق بين اشتراء النصف المعين، أو المشاع، لانه أمر خارج عن إنشاء البيع، فإن البائع لا ينشئ إلا بيع أمر وحداني من غير النظر إلى القسمة الوهمية، فلو قبل تمامه بأي وجه كان، فقد أتى بما هو اللازم في التطابق قطعا. قوله: لم ينعقد. إلا إذا كان المطلوب متعددا، فأورث عرفا انحلال البيع. نعم، في غير هذا الوجه يبطل، لظهور اللفظ في وحدة الغرض، فلا ينبغي الخلط بين الفروض المشار إليها. قوله دام ظله: من إشكال. لا إشكال فيه، ولا وجه لتوهمه، من غير فرق بين أن يقول كل واحد

[ 16 ]

[ ولو قال: بعت هذا بهذا على أن يكون لي الخيار ثلاثة أيام مثلا، فقال: اشتريت بلا شرط لم ينعقد. ولو انعكس بأن أوجب البائع بلا شرط، وقبل المشتري معه، فلا ينعقد مشروطا. وهل ينعقد مطلقا وبلا شرط؟ فيه إشكال. ] منهما: اشتريت نصفه بخمسمائة أو يقول: بألف ولو صح الاشكال فيه يلزم عدم التمكن من قبول هذا الايجاب على الوجه الصحيح، إلا بأن يوكلا أحدا فيقبل منهما، وهذا شاهد على أن الاشكال المذكور لا أصل له. قوله: فيه إشكال. في المسألة صورتان: إحداهما: ما إذا كان الشرط في كلام المشتري بنفع البائع، بأن يقول: قبلت على أن أخيط لك ثوبا فإنه في هذه الصورة ينعقد البيع قطعا، وفي لزوم هذا الشرط عليه إشكال. إلا أن يقال: بأن عمومات الشروط تشملها، لانها في الانشاء تبع العقد، وفي الحقيقة ليس إلا مجرد الوعد، وما يدل على عدم وجوب الوفاء بالوعد - وهي السيرة - قاصرة عن شمول هذا المورد وأمثا له. ثانيتهما: ما لو كان الشرط في كلامه ينفعه، بأن يقبل على أن يكون له الخيار إلى ثلاثة أيام، أو على أن يخيط له البائع ثوبه، فإنه في هذه الصورة لا ينعقد بلا إشكال، لان القبول المقيد غير القبول المطلق.

[ 17 ]

[ مسألة 5: لو تعذر التلفظ لخرس ونحوه، تقوم الاشارة المفهمة مقامه، حتى مع التمكن من التوكيل على الاقوى. ولو عجز عن الاشارة أيضا فالاحوط التوكيل أو المعاطاة، ومع تعذرهما إنشاؤه بالكتابة. ] قوله مد ظله: على الاقوى. وهو قضية المطلقات الواردة فيه (1)، مع إمكان التوكيل نوعا. ثم إن قيامه مقامه كما في أكثر المتون، ربما كان للاشارة إلى سريان الاحكام الخاصة بالعقد اللفظي إليه، وأنه ليس من قبيل المعاطاة المتنازع فيها صحة ولزوما. والذي هو التحقيق: أن هذه المبرزات مشتركة في تحقق عنوان العقود والايقاعات بها وإن لا يحصل اعتبار العقد مفهوما، لعدم الاحتياج إليه في صحتها، ولا في لزومها، على ما تقرر منا سابقا. ولا إجماع على خلاف ذلك بعد اقتضاء الادلة العامة مشروعيتها. فما في المتن من الاحتياط طولا، إن كان يرجع إلى قصور الكتابة بذاتها عن السببية، فهي ممنوعة مطلقا، لا في فرض. وإن كان يرجع إلى قصور الادلة العامة عن شمولها في عرض غيرها، أو يرجع إلى وجود الاجماع على الممنوعية بالكتابة إلا في هذه


1 - وسائل الشيعة 6: 136، كتاب الصلاة، أبواب القراءة في الصلاة، الباب 59. و 19: 373، كتاب الوصايا، الباب 49. و 22: 47، كتاب الطلاق، أبواب مقدماته وشرائطه، الباب 19.

[ 18 ]

[... ] الصورة، فهو غير تام. وما ورد في طلاق الاخرس (1) وقراءته (2)، لا يورث تعين الاشارة في غير موردها، ولا تقدم التوكيل والمعاطاة على الكتابة، لان عرفان الاخرس للكتابة غير ممكن في عصر المآثير، وحمل الاخرس على الاعم فيها بحيث يستنتج منه ذلك، خلاف المتبادر من الاخبار. ولعمري، إنه بعد عدم دخا لة الشرع الاقدس في السبب، فدخا لة أرباب الفتوى نفيا وإثباتا، توجب الفساد، لتوهم العرف لزوم تبعيتهم لهم في ذلك. فالاولى الاحوط أن يقال: إذا تحقق البيع فأحكامه كذا وكذا، وما به يتحقق موكول إلى العرف، وتشخيص مصاديقه بيدهم، وعليهم - رضوان الله تعالى عليهم - اتباعهم، فهم والعرف متعاكسان في المرجعية. وما قد يتوهم من لزوم المراجعة إلى العرف في المفاهيم، دون تشخيص المصاديق (3)، إن كان ذلك يرجع إلى أن مع اتحاد العرف على مصداقية أمر لعنوان، لابد من العمل على طبق تشخيصه دون تشخيصهم،


1 - وسائل الشيعة 22: 47، كتاب الطلاق، أبواب مقدماته وشرائطه، الباب 19. 2 - وسائل الشيعة 6: 136، كتاب الصلاة، أبواب القراءة في الصلاة، الباب 59. 3 - كفاية الاصول: 77.

[ 19 ]

[... ] فهو باطل، لانه يرجع إلى عدم دركه المفهوم العرفي من العنوان الوارد في الدليل مثلا. وإن كان ذلك يرجع إلى أن مع اختلاف العرف في ذلك، أو مع جهلهم بالواقعة، لا يصح الاتكال على دركهم، فهو الحق الذي لا محيص عنه، وللمسألة مقام آخر يحتاج إلى البسط فيها.

[ 20 ]

[ مسألة 6: الاقوى وقوع البيع بالمعاطاة في الحقير والخطير، وهي عبارة عن تسليم العين بقصد صيرورتها ملكا للغير بالعوض، وتسلم العوض بعنوان العوضية. ] قوله دام ظله: البيع بالمعاطاة. على المعروف بين متأخري المتأخرين (1)، خلافا للمشهور وللجواهر (2) وغيره (3). والذي تقتضيه القواعد هو صحة المعاطاة التي كان عليها مدار المبادلات في الازمنة الاولية، وغيرها يحتاج إلى الدليل، ضرورة أن الاعتبارات الموجودة بين الملل، حصلت بعد ما كانت تلك المفاهيم الاعتبارية متخذة من المصاديق التكوينية، وما من مفهوم اعتباري إلا وهو ذو مصداق تكويني، هو الموضوع في اللغات، وعليه كان العمل لدى الاسلاف. وبعد التوسعة في المعيشة، وإمساس الاحتياج إلى المبادلات نسيئة وكا ليا بكال، أحسوا الاعتبار والتبادل التوهمي وغير الواقعي، منزلين ذلك منزلة ذلك التعاطي الخارجي. وهذا المعنى أيضا قد كان


1 - جامع المقاصد 4: 58، مجمع الفائدة والبرهان 8: 139. 2 - جواهر الكلام 22: 210. 3 - السرائر 2: 250، شرائع الاسلام 2: 7، قواعد الاحكام: 123 / السطر 20، الحدائق الناضرة 18: 348.

[ 21 ]

[... ] حاصلا قبل الشريعة المقدسة بالضرورة، وليس من المستحدثات الاخيرة. وحينئذ يقع الكلام في أنها بعد مرورها عليهما، وعلى هذين السبيلين المتعارفين، هل أمضتهما، أو أمضت ما هو الاصل دون الفرع، أو أمضت العكس، وردعت عن الاصل، أو يفصل بين العقود؟ بل يمكن دعوى الشك في حصول اعتبار بعض العقود قبل الاسلام، مثل عقد المساقاة وأمثالها مما قل تداولها في الملل السابقة التي تمضيها الشريعة المقدسة. وجوه وأقوال: ظاهر المشهور مردوعية المعاطاة، وإمضاء الفرع والعقود القولية، وما يحتمل حدوثها بعدها يستصح بالعمومات الواردة في الكتاب، والسنة، والنصوص الخاصة في كل كتاب وباب. وظاهر غيرهم عدم مردوعيتها (1)، ويكفي ذلك من غير الحاجة إلى الادلة الامضائية، كتابا كانت، أو سنة، مع إمكان تأتي الخدشات فيها: من قصور موضوعاتها عن شمولها، أو قصور إطلاقها وعمومها عن الشمول. وما يتوهم كونه رادعا - مضافا إلى الاجماعات المحصلة، والشهرات المحققة قديما وحديثا، بل إرسا لها من المسلمات، لشهادة


1 - جامع المقاصد 4: 58، مجمع الفائدة والبرهان 8: 139.

[ 22 ]

[... ] كل كتاب من كل مصنف عليه، مع تكفل جماعة لتأليف كتب في صيغ العقود - بعض المآثير المذكورة في الكتب المفصلة (1). إلا أنها لا ترجع إلى محصل، بل المقرر في محله: أن الاغتراسات العرفية التي ذات العروق في القلوب والبواطن، غير قابلة للردع بروايات، فضلا عن الرواية المهجورة، أو الاطلاق والعموم في الكلام المحتمل فيه الوجوه، والاجماع في المسألة غير كاشف، واشتهار المسألة عند القدماء غير ثابت. مع أنه لو فرضنا جميع هذه المبادئ، فاستكشاف الرواية الصريحة أو الرأى الحجة في هذا الموقف - الذي لا وجه لخفائه بعد شدة الابتلاء - مشكل. فتحصل: أن المعاطاة ليست مردوعة، والمعاملات العقدية أحوج إلى الدليل، وقد تحرر منا في كتاب الاجارة (2) عدم وجود الدليل على إمضاء الاجارة القولية، وإن امكن إثبات نفوذها من بعض الطرق الخفية.


1 - الكافي 5: 201 / 6، وسائل الشيعة 18: 50، كتاب التجارة، أبواب أحكام العقود، الباب 8، الحديث 4. 2 - كتاب الاجارة للمؤلف (قدس سره) (مفقود).

[ 23 ]

[ والظاهر تحققها بمجرد تسليم المبيع بقصد التمليك بالعوض، مع قصد المشتري في أخذه التملك بالعوض، فيجوز جعل الثمن كليا في ذمة المشتري. وفي تحققها بتسلم العوض فقط من المشتري بقصد المعاوضة إشكال، ] قوله دام ظله: فيجوز. لما مر، ولعدم ثبوت الدليل على التعاطي من الطرفين، بل السيرة الناهضة عليه، أقوى من القائمة على التبادل من الجانبين. قوله: إشكال. منشأه قصور السيرة، وعدم تحقق عنوان البيع والعقد والشرط وأمثا لها بمثله، ولا أقل من الشك. وقد يقال: إنه إذا أمكن إنشاء التمليك بتسلم العوض، ولا يكون البيع أكثر منه، فعدم كونه بيعا عند العرف هو لا يضر، لعدم لزوم التبعية لهم في تشخيص المصاديق، بل المتبع هي المفاهيم، كما مضى بعض البحث حوله في التعا ليق السابقة (1). وأنت خبير برجوع ذلك إلى الاختلاف في المفهوم أيضا، كما لا يخفى.


1 - تقدم في الصفحة 18 - 19.

[ 24 ]

[ وإن كان التحقق به لا يخلو من قوة. ] قوله مد ظله: لا يخلو من قوة. وفاقا لاكثر القائلين بصحة المعاطاة، وخلافا للفقيه الاصفهاني (قدس سره) (1)، وحيث إن السيرة ناهضة على كفايته في حصول عنوان المعاملة، فالاقوى تحققها به، وما ترى من المساهلات لا يرجع إلى قصور المعاطاة في إفادة الملكية، وإلا يلزم الاشكال مطلقا. نعم، إذا كان المعوض في هذه الصورة كليا، فكأن العرف لا يمتنع من بيع جميع ما عنده، وإن كان فيه ما باعه بنحو الكلي، وذلك لما لا يرى أن ذلك تصرف في ملك الغير، فلاحظ وتدبر.


1 - وسيلة النجاة 2: 11، كتاب البيع، المسألة 6.

[ 25 ]

[ مسألة 7: يعتبر في المعاطاة جميع ما يعتبر في البيع بالصيغة من الشروط الاتية ] قوله مد ظله: جميع ما يعتبر. لانها القدر المتيقن من الادلة، ولو فرض إهمالها فالاولى الشك في اعتبار تلك الشروط في البيع بالصيغة. نعم، قد يشكل بناء على أن المعاطاة ليست بعقد، فحينئذ لو كان في الادلة المتكفلة لبيان الشروط عنوان العقد فإنه حينئذ ينحصر بالصيغة، ولا يشمل المعاطاة. هذا، ولكنه - مضافا إلى فساد المبنى - لا أثر من البناء في المآثير والاخبار. وما قد يتوهم: من أن أدلة الشروط قاصرة عن شمول المعاطاة، لانها مختصة بما فيه الالتزام، والمعاطاة خالية منه (1)، في غير موضعه، وذلك لفساد المبنى أيضا، وهو خلوها منه، وعدم الحاجة إليه في شمول تلك الادلة، فإن الشرط إما بماهيته يشمل جميع المعاهدات بدوية كانت أو ضمنية، أو تكون الماهية قاصرة عنه، وتختص بالتعاليق الضمنية، ولا يوجد في كلام الاصحاب ما يورث كونه مختصا بما في ضمن الامر الالتزامي، والذي يصدق عليه العقد فافهم وتأمل.


1 - انظر البيع، الامام الخميني (قدس سره) 1: 92 و 143.

[ 26 ]

[ ما عدا اللفظ، فلا تصح مع فقد واحد منها، سواء كان مما اعتبر في المتبايعين، أو في العوضين. ] قوله: ما عدا اللفظ. فيه احتمالان: أحدهما: أن يكون من الاستثناء المنقطع، فتأتي الشروط المربوطة بالصيغة في المعاطاة، كالموالاة، والتنجيز، والتطابق، وغيرها. ثانيهما: أن يكون متصلا، فلا تأتي تلك الشرائط فيها. وبالجملة: في المسألة تفصيل، فما كان من قبيل شرطية التنجيز، وقلنا: بأن دليله الاجماع، فالقدر المتيقن منه عندهم هي الصيغة، دون الفعل. وإن قلنا بإلغاء الخصوصية عرفا، أو إن دليله العقل، فهي مشتركة معها في ذلك. وأما توهم عدم تصوير هذه الشروط في الفعل، فهو غير قابل للتصديق، مثلا إذا اعتبر التعاطي من الطرفين، يأتي البحث عن مسألة اعتبار الموالاة. وإذا سلم البائع المبيع إلى المشتري بعنوان البيع معلقا على مجئ زيد مثلا، وقبله عليه، فإنه عنده أمانة إلى حال المجئ، ويصير بعده ملكه، وإلا فعليه رده إليه، كما إذا باعه بالصيغة، وسلم المبيع قبل حصول المعلق عليه، فما يظهر منهم من قصور الفعل عن تأتي هذه الشروط فيه غير تام.

[ 27 ]

[ كما أن الاقوى ثبوت الخيارات الاتية فيها. ] وإذا سلم البائع بعنوان البيع، وقبله المشتري بعنوان الهبة، فلا يحصل التطابق المعتبر. فعلى هذا، يشترط في المعاطاة جميع الشرائط. نعم، بناء على ما هو التحقيق من تحققها بفعل الطرف الواحد، لا معنى لشرطية الموالاة، اللهم إلا أن يقال: بأنه تتصور الموالاة هنا بين بسط يد المالك لبيع ماله، وتأخير المشتري في قبضه، الذي هو بمنزلة القبول في ماهيته. قوله دام ظله: الاقوى. لاطلاق أدلتها، وقد يمكن دعوى إمكان جريانها فيها ولو قلنا: بأنها جائزة، لانه من قبيل جريان خيار المجلس في الحيوان وبالعكس، ولا يمكن إنكاره هناك. اللهم إلا أن يقال: بأن العرف يأبى عن ذلك إلا بالدليل، وهو ناهض هناك، دون ما نحن فيه، فتدبر. كما يمكن دعوى عدم جريان الخيارات ولو قلنا: بأنها لازمة بالذات أو بإحدى الملزمات، وذلك لان الخيار هو حل العقد، والعقد لا يحصل إلا باللفظ. وأنت خبير: بأن القائل بعدم كونها عقدا، لابد وأن يلتزم إما بأن الخيار

[ 28 ]

[... ] معناه أعم، أو باختصاصه بالصيغة. وعلى كل تقدير: ما هو الحق أن المعاطاة عقد، وعقدية الصيغة في الرتبة المتأخرة كما عرفت (1)، وعرفت أن من البديهي بطلانه، عدم الحاجة في المعاملات إلى إثبات عقديتها مطلقا، ومعنى الخيار ليس إلا الاقالة الايقاعية، ولا شبهة في جريان الاقالة في المعاطاة بعد لزومها. ويشهد له أن موضوع أدلتها البيع، لا العقد.


1 - تقدم في الصفحة 20 - 22.

[ 29 ]

[ مسألة 8: البيع بالصيغة لازم من الطرفين ] قوله دام ظله: لازم. للادلة الخاصة (1)، ولبناء العقلاء، وأما التمسك (2) بآية وجوب الوفاء (3)، فهو غير تام عندنا، لاجنبيتها عن الموقف، أو لاجمالها. وربما يشكل التمسك ببناء العرف، لانه غير ثابت قبل الاسلام على البيع العقدي، والبناء بعده غير كاف، خصوصا إذا كان مستندا إلى الاسلام، فالدليل الوحيد هو النص الخاص في البيع، وبعض العمومات الاخر المذكورة في المفصلات (4). ولو فرضنا قصورها، وإجمال النص الوارد في خيار المجلس عن البيع اللفظي، لان موضوعه ليس مطلق البيع، بل هو البيع اللازم، وهو المعاطاة عند العرف قطعا، فلا يدل على لزوم العقد بالصيغة، فيكفينا الاتفاق، فتأمل.


1 - وسائل الشيعة 18: 8، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 2. 2 - انظر المكاسب، الشيخ الانصاري: 215 / السطر 12. 3 - المائدة (5): 1. 4 - المكاسب، الشيخ الانصاري: 215 - 216.

[ 30 ]

[ إلا مع وجود الخيار. نعم يجوز الاقالة، وهي الفسخ من الطرفين. والاقوى أن المعاطاة أيضا لازمة من الطرفين إلا مع الخيار، وتجري فيها الاقالة. ] قوله مد ظله: إلا مع وجود. لا تخلو العبارة من المسامحة، لان الخيار لا ينافي لزومه الذاتي، ولذلك لا يجوز حله وفسخه بطريق آخر غير الحق الثابت له، فلو أراد مع وجود خيار المجلس الاقالة، فهي لا يمكن إلا برضا الاخر وهكذا، فليتدبر. فعليه البيع ذو الخيار لازم بذاته، وجائز حيثي، أي فيه طريق معين لحله وفسخه. قوله مد ظله: وتجري فيها. لاطلاق أدلتها (1)، بل هي أي المعاطاة القدر المتيقن. نعم إذا قلنا بجوازها، فإجراء الاقالة أيضا موافق للاحتياط. وفي كونها الاقالة الشرعية التي وردت بها النصوص (2)، إشكال بل منع، لان ظاهرها في مورد لزوم ما يستقال، كما لا يخفى.


1 - وسائل الشيعة 17: 385، كتاب التجارة، أبواب آداب التجارة، الباب 3. 2 - نفس المصدر.

[ 31 ]

[ مسألة 9: البيع المعاطاتي ليس قابلا للشرط على الاحوط، فلو اريد ثبوت خيار بالشرط، أو سقوطه به، أو شرط آخر - حتى جعل مدة وأجل لاحد العوضين - يتوسل بإجراء البيع بالصيغة، وإدراجه فيه. وإن كان قبوله لذلك بالمقاولة قبيله، والتعاطي مبنيا عليها، لا يخلو من وجه وقوة. ] قوله مد ظله: لا يخلو من وجه وقوة. لان غاية ما يمكن أن يكون وجها للمنع امور: وهو أن الافعال تأبى عن قبوله، لانها ليست إلا مورثة للنقل والانتقال. ولان معنى الشرط هو الامر الحاصل في ضمن العقد، والمعاطاة ليست عقدا. ولان حال ذكر الشرط لم يتحقق البيع، وبعد تحقق البيع لا يذكر الشرط. ولدعوى الاجماعات في كلمات الشيخ (1) وغيره (2)، وعليه الشهرة في باب ذكر الشرط قبل العقد، وإيقاع العقد مبنيا عليه، فإنهم منعوا من نفوذ مثله.


1 - المبسوط 3: 299 / السطر 16، كتاب الوقوف والصدقات، وانظر الخلاف 3: 354، المسألة 23. 2 - انظر تذكرة الفقهاء 2: 114 / السطر 25، مسالك الافهام 5: 239، المكاسب، الشيخ الانصاري: 99 / السطر 15. ونقل الشيخ الانصاري القول بالاجماع عن عدة من الفحول، انظر المكاسب: 99.

[ 32 ]

[... ] وأنت خبير: بأن هذه الوجوه قاصرة عن منع ذلك، بل لو سلمنا عدم تعلق الشرط بالمعاملة إذا ذكر قبلها، فالذي هو الخارج عن عموم أدلة الشروط، هي الشروط البدوية، لا التي تذكر على العقد والمعاوضة، ولذلك أفتى الاصحاب بلزوم المهر المذكور بعد عقد النكاح بالتراضي، ولا يجوز لاحدهما التخلف (1)، وهذا ليس أمرا تعبديا صرفا. ولو سلمنا ذلك، فإيقاع المعاطاة مبنية على القيود والشروط، كإيقاع العقود بالصيغة كذلك، ولا يكاد يمنع عنه، وقد صرحوا في مواضع كثيرة بصحة ما وقع العقد مبنيا عليه، ولا خصوصية للشرط (2). والاجماع المدعى - بعد قصوره عن كشف رأي المعصوم (عليه السلام) - منقوض بمخالفة الخلاف (3) والمختلف (4) فتدبر. مع أن ظاهرهم منع نفوذ الشرط المذكور في العقد بالصيغة، ولو كان ذلك من التعبد فلنا دعوى عدم جريانه في المعاطاة.


1 - الخلاف 4: 376، المسألة 17. 2 - الخلاف 3: 160، المسألة 254 و 257. 3 - الخلاف 3: 21، المسألة 28. 4 - مختلف الشيعة: 350 / السطر 17.

[ 33 ]

[ مسألة 10: هل تجري المعاطاة في سائر المعاملات مطلقا، أو لا كذلك، أو في بعضها دون بعض؟ سيظهر الامر في الابواب الاتية إن شاء الله تعالى. ] قوله دام ظله: سيظهر. والذي لابد من التنبيه عليه هنا: هو أن كثيرا ما يشكل جريان المعاطاة صغرويا: بأن لا يقبل العوضان النقل والانتقال، كالاراضي، فتحويل الارض اليابسة لا يمكن إلا بالمقاولة واللفظ، أو يكون كل من العوضين عند المتعاوضين قبل العقد. ومجرد الامكان لا يكفي لخروجه من المتعارف، كما لا يخفى.

[ 34 ]

[ مسألة 11: كما يقع البيع والشراء بمباشرة المالك، يقع بالتوكيل أو الولاية من طرف واحد، أو الطرفين. ويجوز لشخص واحد تولي طرفي العقد أصالة من طرف ووكالة، أو ولاية من آخر، أو وكالة من الطرفين، أو ولاية منهما، أو وكالة من طرف، وولاية من آخر. ] قوله دام ظله: ويجوز. لعدم الدليل على المنع، وتحقق عناوين المعاملات بما يصنعه قطعا، مع دعوى الاجماع بقسميه عليه في الجواهر (1) وهو مقتضى النصوص الواردة في تقويم الجارية على نفسه (2)، والاقتراض من مال المولى عليه (3)، كما عن فعل السجاد (عليه السلام) (4). وتوهم الفرق بين الوكيل والوصي كما عن بعض (5)، ظنا أن النص وارد في الثاني دون الاول، غير مرضي. ومن القوي أن الجهة المبحوث عنها في مسألة تولي طرفي العقد،


1 - جواهر الكلام 22: 324. 2 - وسائل الشيعة 17: 267، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 79، الحديث 1 - 2. 3 - قرب الاسناد: 119، وسائل الشيعة 17: 264، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 78، الحديث 6. 4 - الكافي 5: 131 / 5، وسائل الشيعة 17: 258، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 76، الحديث 1. 5 - لاحظ جواهر الكلام 22: 331.

[ 35 ]

[... ] مورد الاتفاق، والذي مورد الاشكال هو ما إذا أمر آمر بالبيع والشراء وغيرهما، والمأمور باعه من نفسه، أو اشترى له من ما له، فإنه هنا مشكل لامر آخر، فلا ينبغي الخلط، فهذه المسألة اتفاقية، وتلك المسألة أيضا تامة، إلا إذا كان في البين موجب الانصراف. وتوهم استفادة المنع (1) من معتبرة عمار الساباطي في كتاب النكاح (2)، فاسد، لاحتمال الخصوصية جدا في موردها.


1 - انظر جواهر الكلام 22: 330. 2 - تهذيب الاحكام 7: 378 / 1529، وسائل الشيعة 20: 288، كتاب النكاح، أبواب عقد النكاح وأولياء العقد، الباب 10، الحديث 4.

[ 36 ]

[ مسألة 12: لا يجوز على الاحوط تعليق البيع على شئ غير حاصل حين العقد، سواء علم حصوله فيما بعد، أم لا، ولا على شئ مجهول الحصول حينه. وأما تعليقه على معلوم الحصول حينه، كأن يقول: بعتك إن كان اليوم يوم السبت مع العلم به، فالاقوى جوازه. ] قوله دام ظله: على الاحوط. خلافا للاجماعات المحكية على بطلانه جزما عن الفخر (1)، والشهيد الثاني (2)، والشيخ (3)، والمسألة معروفة بين المتأخرين (4) وإن قيل: هو متسالم عليه عند الكل ولكنه غير معلوم، خصوصا بعد تعليلهم بعلل، فإنه يعلم منهم عدم ثبوت الاجماع التعبدي في المقام. وإجمال البحث: أن القيد المذكور إما راجع إلى الانشاء، أو المنشأ، أو المتعلق، أو الموضوع، كقوله: بعتك هذا إن كنت عالما فإنه يرجع إلى أنه باعه للعالم جزما، فهو إن كان عالما فقبله صح البيع، وهذا في الحقيقة راجع إلى كون المشتري كليا، وقد فرغنا سابقا عن صحة مثله (5).


1 - لاحظ المكاسب، الشيخ الانصاري: 99 / السطر 9. 2 - مسالك الافهام 5: 357. 3 - المبسوط 3: 299 / السطر 16، كتاب الوقوف والصدقات. 4 - لاحظ المكاسب، الشيخ الانصاري: 99 / السطر 7. 5 - تقدم في الصفحة 13.

[ 37 ]

[... ] ورجوع القيد إلى الانشاء دون المنشأ، هو الذي اختار المتأخرون امتناعه (1)، لانه من التعليق في الايجاد، واضطراب كلماتهم لعدم نيلهم ما هو مقصودهم، فلو قال: بعت إن كان كذا فالعنوان المعلق حاصل، ولا يعقل تعلق هذا المعلق بقيد، وهذا هو الضروري عند من يتصور أطراف المسألة. ولذلك قلنا بجواز التعليق في التكوينيات، قضاء لحق البراهين القطعية في مسألة ارتباط الحوادث فيما لا يزال بالموجود الازلي. فما هو الممنوع عقلا في المقامين: التكوين، والتشريع، هو التعليق في الانشاء، بمعنى أن لا يحصل المعنى المعلق، لا الامر الاخر الاتي ذكره. ثم رجوع القيد إلى المنشأ أو الانشاء، بمعنى منعه عن تأثيره، وتوقفه في إفادة الاثر على أمر آخر، إذا حصل تحصل العلة التامة، هو من الواضح إمكانه ووقوعه، ولا فرق بين المنشأ والانشاء إلا في اللحاظ، فما هو المعلق هو البيع السببي المدلول عليه بالهيئة الموضوعة للانشاء والايجاد الاعتباري. وإن شئت قلت: إنما الامور ثلاثة: أحدها: إيجاد السبب التام من غير قيد في الكلام، وهو المتعارف في المقام.


1 - كفاية الاصول: 122 وما بعدها، فوائد الاصول 1: 175 - 176.

[ 38 ]

[... ] ثانيها: إيجاد السبب الناقص المتوقف تأثيره على الجزء الاخر الذي أخذه البائع قيدا وجزء، فإنه عند ما حصل يترتب الاثر، ولا شبهة عندنا في ذلك. وما قيل في منع تقييد المعاني الحرفية، تام (1)، إلا أنه لا يفيد ذلك، لان التوصيف غير التقييد في اصطلاحنا، كما في الاعلام الشخصية، والتفصيل في محله. نعم، يمكن دعوى عدم نفوذ دخالة المالكين في الاسباب العرفية والشرعية، ولعل المانعين يمنعون لاجله، بل هو صريح كلام جماعة، حيث حكي عنهم: أن العقود انيطت بضوابط متلقاة من الشرع، وتبطل فيما خرج عنها وإن أفاد فائدتها (2). ولكنها غير مسموعة، لعرفية ذلك، وعدم المنع اللفظي، ويكشف الامضاء من طرق ذكرناها في محلها. ثالثها: إيجاد السبب التام على المسبب المتأخر وجوده، بمعنى أن الارادة تعلقت بالمتأخر، وهذا في التكوين له بساط آخر لا يليق بالجاهل الورود فيه، وأما هو في التشريع فمع كون السبب تاما يتحقق المسبب،


1 - فوائد الاصول 1: 180 - 183، نهاية الاصول: 170. 2 - مسالك الافهام 5: 241 / السطر 2، المكاسب، الشيخ الانصاري: 99 / السطر 14.

[ 39 ]

[... ] وهو خلف، وإذا كان السبب - بمعنى الزمان المتوسط - مسببا، فهو خلف أيضا. فعليه إما يقال: بأن المسبب يحصل بعد السبب، فيكون المستأجر للسنة الاتية مالكا لمنفعة الدار فعلا، ويجوز له إيجارها قبل مجئ السنة، إلا أن ظرف مملوكه متأخر، كالتأخر المكاني، وهذا هو المتراءى منهم في كتاب الاجارة (1)، فلا تعليق أصلا، وإنما التأخر لامر آخر. أو يقال: بأن خلط الاسباب التكوينية بالاعتبارية، أورث ذلك، فهو أيضا يستلزم الخلف، كما لا يخفى. فرجوع القيد إلى المتعلق والمادة ممتنع، بأن يكون السبب التام موجودا، والمسبب متعلقا على أمر غير حاصل، فإنه تفكيك بين العلة والمعلول على الفرض، وبين الموضوع والحكم على الاعتبار الاخر المذكور تفصيله في مقامه. فتحصل: أن التصرف في السبب أمر واضح إمكانه، وأما بعد تمامية السبب فلا يعقل التصرف في المسبب، فإنه خارج عن مصب الاختيار والقدرة. وتوهم وقوع ذلك في الوصية والتدبير، فاسد، ضرورة أن


1 - مسالك الافهام 5: 193، جواهر الكلام 37: 273، العروة الوثقى 2: 421، أحكام الاجارة، المسألة 19.

[ 40 ]

[... ] المستحيل لا يمكن بالدليل. ففي كل موقف كذائي، يعلم إما بقصور السبب، ولا يكون مضي الزمان دخيلا في تأثيره، ولا يعقل اعتبار السبب التام مع عدم المسبب، لانه متقوم بالغرض، ولا معنى لتمامية السبب إلا حصول المسبب خلفه بلا وسط. أو يكون المسبب حاصلا بلا فصل فهو حر فعلا دبر حياته، ولكنه مادام لم يمت لم يتحقق الموضوع، كما في الاجارة. ومن هنا يعلم: أن الواجب المعلق أمر واقعي بهذا المعنى، لان الواجب متحقق بعد الانشاء، ومتأخر لتأخر ما هو الخارج عن حدود الانشاء، لا بمعنى حصول الامر والانشاء، وعدم حصول الواجب إلا بعد دخول الوقت فتدبر، فكما أن الانتقال حاصل بعد حصول سببه، ولكن الاستيفاء من المنتقل إليه لا يمكن إلا بعد برهة من الزمان، كذلك الواجب حاصل بعد الايجاب، ولكن الانبعاث نحوه وانقداح إرادة العبد، لا يعقل إلا في ظرفه. فعلى ما أسمعناك، يظهر جواز التعليق في الانشاء، أي مفاد الهيئة، وفي المنشأ، أي مفادها الانتزاعي، والحاصل المصدري، وجواز التعليق في المادة والمتعلق والمنشأ، بمعناه الاخر بالوجه الذي عرفت. هذا حسب القواعد الكلية. وأما قضية الاجماع فممنوعية التعليق، بمعنى اشتراط الجزم، ومصبه أعم، ولكن تمامية هذا الاجماع ممنوعة.

[ 41 ]

[... ] وقد يشكل جوازه في المتعلق فقط، دون الهيئة، وهو مختار الوالد المحقق - مد ظله - (1): بأن ما يدل على ممنوعية رجوع القيد إلى الانشاء، غير كاف، ولكن نقل ملكية العين يوم الجمعة، أو ملكية العين المقيدة بمجئ زيد، غير صحيح، لعدم ما لكية الانسان للاملاك المتعددة إذا كان مالكا لعين واحدة، فالتحصيص بالحصص في الاجارة لا يستلزم، صحته في البيع، لانها متقومة بالزمان، فبحسبه يصح التحصيص، ولكنه مغفول فيه الزمان والعصر، فلا يكون زيد ما لكا للعين المقيدة هكذا وكذا، حتى ينقله إلى غيره. وهذا بحسب نظر العرف بدوا تام، ولكنه فرق بين ما إذا اريد نقل ملكية العين يوم الجمعة على أن يكون قيد الملكية، وتكون العين منتقلة إليه في يوم الجمعة، وبين ما كان المقصود انتقال ملكية العين يوم الجمعة من يوم الجمعة، فإن الاول باطل، ولا أظن أنه المراد هنا، والثاني صحيح، وهو مقصود القائلين بصحة التعليق، فافهم وتدبر جدا. ثم إن تكثير الصور، فيه النتيجة لو كان المستند الاجماع المحكي في كلام جمع كما تقدم (2)، وإلا فعلى القواعد لا فرق. إلا أن يقال بشرطية الجزم، فيكون التعليق على الحاصل غير مناف للجزم، فافهم.


1 - البيع، الامام الخميني (قدس سره) 1: 234. 2 - تقدم في الصفحة 36.

[ 42 ]

[ مسألة 13: لو قبض المشتري ما ابتاعه بالعقد الفاسد لم يملكه، ] قوله مد ظله: لم يملكه. بالعقد بالضرورة، للزوم الخلف، فإن السبب المملك هو العقد، وإذا كان فاسدا فهو كأن لم يكن شيئا مذكورا. وأما تملكه بسبب آخر مثل القبض، أو يقال بكفاية الالفاظ المذكورة في النقل وإن لم يكن بيعا، حتى يجري فيه أحكامه، وبه يجاب عن من يتوهم أن سببية الفعل والقول المذكورين، تنافي اعتبار العقد واعتبار القيود فيه، فهو غير معلوم. اللهم إلا أن يقال: ليس البيع إلا التمليك بالعوض إنشاء، والمبادلة بين المالين في الاضافة من الملكية أو السلطنة، وهو حاصل بالسببين عرفا، فيعلم أن العقد الفاسد والقبض المترتب عليه، لا يورث النقل شرعا. نعم، العقد الفاسد عند الشرع سبب عند العرف، فيحصل النقل والانتقال، إلا أنه غير ممضى، بمعنى أنه لا يجوز لكل واحد منهما ترتيب آثار الملكية على المقبوض، وإذا رد إلى صاحبه يحصل لهما الملكية الجديدة عند العرف، ولكن لدى الشرع الاقدس يعاد مملوكه إليه، وفي المسألة من هذه الجهة بحث يطلب من مقام آخر، فتدبر. إن قلت: ليس القبض هنا أسوأ حالا من المعاطاة المورثة للملكية. قلت: المدار في المعاملة على الانشاء، وهو هنا غير حاصل، بخلافه هناك، فالاعطاء المقارن لانشاء التمليك، غير الاعطاء المقارن للوفاء

[ 43 ]

[ وكان مضمونا عليه، ] بالعقد، فإذا كان السبب فاسدا فلا معنى لكون المسبب مفيدا لمعنى السبب بالضرورة، أو إذا كان المقتضي بلا أثر، فلا يعقل كون المقتضى - بالفتح، وهو النقل والانتقال الخارجي - قائما مقام المقتضي بالكسر. قوله مد ظله: مضمونا عليه. شهرة كادت تكون إجماعا، وفي المسالك (1) والكفاية (2) دعوى الاتفاق والقطع به في كلام الاصحاب (رحمهم الله) بل في التذكرة تأكيد دعوى إجماعه بكلمة أجمع (3). ولكن ظاهر الشيخ في الخلاف - لعدم تمسكه بالاجماع - أن المسألة ليست إجماعية، قال: إذا اشترى جارية شراء فاسدا، ثم قبضها فأعتقها، لم يملك بالقبض، ولم ينفذ عتقها، ولا يصح شئ من تصرفه فيها، مثل البيع، والهبة، والوقف، وغير ذلك، ويجب عليه ردها على البائع بجميع نمائها المنفصل منها، وبه قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: يملك بالقبض، ويصح تصرفه فيها، ويجب على كل واحد منهما فسخ الملك ورد المبيع على صاحبه.


1 - مسالك الافهام 2: 207 / السطر 26. 2 - كفاية الاحكام: 256 / السطر 28. 3 - تذكرة الفقهاء 1: 495 / السطر 22.

[ 44 ]

[... ] دليلنا على ذلك: أنه إذا كان... إلى آخره (1) من الوجه العرفي، وعدم الدليل على صحته، فلاحظ. ولا يخفى: أن أكثر عبارات القوم حول عدم سببية الفاسد، وعدم جواز التصرف فيما قبضه، وعدم نفوذ تصرفاته فيه، ولكن الضمان مسكوت عنه إلا فيما نسب إلى رهن الشيخ (2)، وفي موضع من البيع (3)، وحكي عن شرح القواعد أيضا أن تلفه عليه بالاجماع (4) وهذا هو الظاهر من السرائر لدعواه أن البيع الفاسد يجري مجرى الغصب عند المحصلين في الضمان (5). ومنه يعلم: أن دعوى غصبية المقبوض موضوعا فاسدة، ويكذبها شهادة العرف بخلافه، مع ظهور قولهم: إن الغصب هو الاستيلاء عدوانا (6) في كونه عا لما بأنه مال الغير على نعت جزء الموضوع، فإثبات الضمان


1 - الخلاف 3: 158، المسألة 250. 2 - المبسوط 2: 204 / السطر 15. 3 - الخلاف 3: 158، المسألة 251. 4 - جامع المقاصد 4: 61، لاحظ المكاسب، الشيخ الانصاري: 101 / السطر 24. 5 - السرائر 2: 285. 6 - الروضة البهية 2: 222 / السطر 8، رياض المسائل 2: 300 / السطر 30.

[ 45 ]

[... ] بأدلة مخصوصة بالغصب (1)، غير مرضي جدا. نعم، بناء العقلاء على الضمان حسب ما قررناه في قاعدة الاقدام (2): من أن الاقدام على تسليم المال إلى الغير على نحوين: مجاني، وغير مجاني، فلو كان التسليط مجانيا - سواء كان على العين كالهبة، أو المنفعة كالعارية - فإنه لا يورث الضمان عندهم، إلا في صورة الاتلاف في الفرض الثاني بل لا يبعد حكمهم به في صورة التلف أيضا. وإذا كان غير مجاني، بل يحاذيه شئ مفروض أو مجهول، فإنه مضمون عندهم قطعا، والقابض يقبضه على هذا الوجه. وهذا عندهم بلا فرق بين الصورتين: قبل القبض، وبعده، لحصول الملكية عندهم بالفاسد الشرعي، ولكنه لدى الشرع الاقدس قبل القبض فيما كان صحيحا في البيع، أو فاسدا فيه، وفي غيره ليس على الطرف، ولا يكون تلفه عليه، وأما بعده فقضية البناء العرفي والسيرة المستمرة، ضمان المقبوض بالفاسد. ثم إنه قد يتوجه إلى قصور هذه القاعدة بعض إشكالات لا أساس


1 - وسائل الشيعة 25: 390، كتاب الغصب، الباب 7. 2 - تحريرات في الفقه، كتاب البيع، المقصد الاول، الجهة الثالثة، المسألة الرابعة، الفرع السابع، الامر الثالث.

[ 46 ]

[... ] لها، مع أنها ليس كافلة للضمان إلا مع لحاظ شرائطها، وعدم المخصص الشرعي في مورد من مواردها، فلا ينبغي الخلط كما وقع من الاعلام (1)، وما تمسكوا به من أدلة الضمان في المقام (2)، غير تام، والتفصيل يطلب من كتابنا الكبير (3). هذا، وقد يشكل قاعدة الاقدام، لاجل أن إسقاط الشرع اعتبار العوضية، وإيجابه عدم ترتيب آثار الملك على كل من العوض والمعوض، لا يستلزم كون المقبوض بلا عوض عرفا، ولا يورث في معتبر العقلاء أن يصير مالا يقصد به المجانية مجانا، حتى يجب عوضه الواقعي، أو المماثل مع المسمى في الما لية. بل غاية ما يظهر، سقوط المعاملة عن التأثير في محيط الشرع، أو عدم جواز ترتيب الاثار، وهذا غير ذاك قطعا، فعليه يكون المقبوض ذا عوض، فلو قبضا ما ابتاعا فتلفا، فلا شئ عند العقلاء عليهما بعد ذلك، كما


1 - انظر المكاسب، الشيخ الانصاري: 102 / السطر 32 ومابعده، حاشية المكاسب، السيد اليزدي: 92 / السطر 10. 2 - لاحظ المكاسب، الشيخ الانصاري: 102، البيع، الامام الخميني (قدس سره) 1: 247 وما بعدها. 3 - تحريرات في الفقه، كتاب البيع، المقصد الاول، الجهة الثالثة، المسألة الرابعة، الفرع السابع.

[ 47 ]

[... ] لو لم يتلف العوض الشخصي مثلا، فإنه وإن لا يجب حسب الشرع رده، لعدم كونه ملك الغير، ولكنه حسب حكم العقلاء يجب، حتى يسقط ضمانه بالنسبة إلى المعوض التالف في يده. فقاعدة الاقدام أيضا قاصرة عن إثبات عموم المدعى، وهو ضمان المقبوض على الاطلاق، كالمغصوب، فما اشتهر من الحكم بالضمان في المسألة، محل إشكال. اللهم إلا أن يقال: بأن معنى فساد العقد عدم الانتقال شرعا، ومعنى ذلك أن المقبوض ملك الطرف، ومعناه أنه لا يجوز التصرف فيه إلا بإذنه وطيبة منه، ومعنى ذلك أنه لو أخبره وأعلنه بعدم رضاه بعد الاطلاع - مع قيامه برد ما عنده من القابض، كما هو المفروض في الجهة المبحوث عنها - أنه يكون غاصبا، فيكون ضامنا، ولكنه لا يفي للضمان قبل الاعلام، وفيما كان غافلا عن فساد العقد. أقول: حال كل واحد من المتعاقدين بالنسبة إلى المقبوضين، لا تخلو من صور: إما يكون كل واحد راضيا فعلا بما عند الاخر، كما هو المتعارف في العقود، لان مقصود الناس في العقود هو الوصول إلى مقاصدهم وأغراضهم، فلو علم كل واحد: بأن طيب الاخر لا يحصل إلا بطيبه، فإنه يتحقق منه ذلك الطيب بالتصرف، لقيام غرضه بذلك، فعندئذ لا معنى

[ 48 ]

[... ] للضمان، كما أفاده في المتن. وإما يكون كل واحد راضيا تقديرا، فهي مثل السابقة في الكفاية عرفا، وإن كان ظاهر المستثنى في الروايتين الواصلتين عن أول المعصومين وآخرهم صلوات الله عليهم - وهو قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): إلا بطيبة نفس منه (1) وقوله عجل الله تعالى فرجه: بغير إذنه (2) - هو الرضا الفعلي، ولكن العرف يتجاوز منه إلى الاعم، فتدبر جيدا. فلو تلف أحدهما قبل الاعلام وفي حال الغفلة، وكان الامر قبل التلف على ذلك، فلا ضمان أيضا قطعا. أو يكون التلف بعد الاعلام بعدم رضاه، فهو من الغصب موضوعا بالضرورة. أو يكون التلف في حال الغفلة، أو قبل الاعلام، وكان في نفسه عدم رضاه بذلك، لندامته على أصل المعاملة، فإن الحكم - حسب البناء العرفي - عدم الضمان وعدم الاعتناء به، ولا يرون استحقاقه إلا للمسمى، وليس لصاحب العوض منعه عنه، بدعوى أنه ليس عوضه الشرعي،


1 - الفقيه 4: 66 / 195، وسائل الشيعة 5: 120، كتاب الصلاة، أبواب مكان المصلي، الباب 3، الحديث 1، مع تفاوت. 2 - إكمال الدين: 520 / 49، وسائل الشيعة 9: 540، كتاب الخمس، أبواب الانفال، الباب 3، الحديث 7.

[ 49 ]

[ بمعنى أنه يجب عليه أن يرده إلى مالكه، ] ولاضمان بالنسبة إلى المعوض، لانه خلاف قاعدة الاقدام التي قدر متيقنها هذه الصورة، كما اشير إليه. وأما حسب القواعد الشرعية، فالحق قصورها عن إثباته، ومقتضى البراءات الشرعية وا لعقلائية والعقلية، عدم الضمان. قوله مد ظله: يجب عليه أن يرده. عقلا وشرعا إن كان المقصود من الرد أعم من التخلية بينه وبين صاحبه ومالكه. وأما وجوب الرد بالمعنى الاخص - وهو الايصال إلى صاحبه - فهو غير معلوم حتى إذا صارت يده غاصبة، لانه ليس من الغصب الحدوثي. وتوهم: أنه يحرم الامساك، فيجب الرد عقلا أو شرعا (1)، فاسد لانه أول البحث، والذي يحرم هو التصرف بدون الاذن، وليس الامساك منه عرفا، كما في العين المستأجرة بعد انقضاء مدة الاجارة، فلا تغفل. ودعوى دلالة صحيحة زيد الشحام المشتملة على قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): ألا من كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من إئتمنه عليها، فإنه لا يحل دم امرئ


1 - لاحظ المكاسب، الشيخ الانصاري: 104 / السطر 12 - 13.

[ 50 ]

[ ولو تلف ولو بآفة سماوية يجب عليه رد عوضه من المثل أو القيمة. ] مسلم ولا ماله إلا بطيبة نفسه (1) على وجوب الرد (2)، لان ظاهرها الاستدلال على وجوب رد الامانة بالجملة الاخيرة، غير تامة، لان الصحيحة ليست في هذا الموقف، لان وجوب الاداء منوط بالطلب، فيعلم منه: أن المقصود المنع عن الخيانة في الامانة. ولو كان الامر كما توهم، فالتأدية ليست بالرد حتى يستلزم وقوع المؤتمن في المشقة بلا وجه، بل هي بالتخلية - كما هو المفتى به في الامانة - بالمعنى الاخص، مع ظهور الصحيحة فيها، وعدم شمولها لمطلق الامانة الشرعية والما لكية، فلا تخلط. قوله مد ظله: يجب عليه رد عوضه. المقصود ضمانه في المثليات بالمثل، وفي القيميات بالقيمة، ولا يجب الرد على الاطلاق ولو لم يطلب، بل ولو طلب لا يجب إلا التخلية، ولعل المقصود منه ليس إلا هي. قوله دام ظله: من المثل أو القيمة. اختلفت آراء القوم في هذه المسألة على أن قضية العرف والشرع،


1 - الكافي 7: 273 / 12، وسائل الشيعة 29: 10، كتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس، الباب 1، الحديث 3. 2 - المكاسب، الشيخ الانصاري: 104 / السطر 13 - 14.

[ 51 ]

[... ] هل هي أصالة المثلية، بمعنى وجوب المثل، أو لا، وإذا تعذر تتعين القيمة؟ أو أصالة القيمية؟ أو الاشياء مختلفة، فمنها المثليات، ومنها القيميات؟ أو أصالة تخيير المالك، فإن عين المثل فهو، وإن عين القيمة فهي. أو أصالة تخيير الضامن؟ أو الاشياء مختلفة عند المالك، فما كان النظر فيها إلى ماليتها - كأموال التجارة - يتعين القيمة، وإذا كان النظر فيها إلى خواصها وآثارها يتعين رد المثل؟ أو المالك والضامن كلاهما بالخيار، فإن توافقا على أمر فهو، وإلا فيرجع الامر إلى الحاكم؟ أو غير ذلك من الوجوه والمحتملات؟ والذي يستدعي مقا لة المشهور وإليه ذهب الماتن أمران: الاول: دعوى بناء العقلاء على هذا التفصيل، وأن الاشياء المتعارفة في هذه المدن والازمان والعصور والامصار، مختلفة عند العرف، ولا طريقة للشرع الاقدس حذاء بنائهم. والثاني: لو سلمنا أصالة المثلية، لانه الاقرب إلى القواعد والافهام، خصوصا في هذه الايام التي تخرج من المكائن الاشياء المتماثلة المتحدة في جميع الجهات المرغوب فيها، إلا الهوية الشخصية غير

[ 52 ]

[... ] المرغوب فيها، مع أنها قيميات عند المشهور على ما عرفوهما في كتبهم (1). ولكن ذلك فيما كان المثل كثيرا ومتعارفا في الاسواق، وأما مجرد المماثلة مع ندرة الوجود، فهو غير مرضي عند أحد في إلزام الضامن تسليمه، كما هو الظاهر وفيما لم تكن الادلة الشرعية قاضية بالقيمة في كثير من المواقف، ومقتضى الجمع بين حكم العرف وتلك الادلة التي موردها القيميات - كأثاث البيت (2)، والحيوانات (3) - مذهب المشهور. وأنت خبير بما في الامرين: أما الدعوى المزبورة، فهي غير مسموعة جدا، ولا حاجة إلى بيانها بعد وضوحها بمجرد المراجعة إلى الوجدان، وإلى العقلاء والعرف في الاسواق ومعاملاتهم. وأما الجمع بين الادلة، فلم لا يقتضي التخيير؟! فإنه الاقرب إلى الصناعة، فإن في المذكورات وأثاث البيت الواردة في المآثير والروايات، مثليا وقيميا، ولا وجه لحصرها بها. مع أن المتقيمات بالقيمة معناها أعم من القيمة بالمعنى الاخص، وهي المالية المتقومة


1 - لاحظ المكاسب، الشيخ الانصاري: 105 / السطر 16 و 106 / السطر 1. 2 - وسائل الشيعة 29: 279، كتاب الديات، أبواب موجبات الضمان، الباب 41. 3 - وسائل الشيعة 29: 250، كتاب الديات، أبواب موجبات الضمان، الباب 14.

[ 53 ]

[... ] بالنقود، أو المالية السارية. هذا مع أن ذكر القيمة من باب أحد مصاديق التخيير، لا من باب التعيين، فإنه لا يتم إلا بتمامية الدعوى الاولى، فتكون حجة المشهور أمرا واحدا بلا بينة وبرهان. ونفس الاشتهار في خصوص المسألة، مع عدم كونه حكما عقلائيا، ربما يكشف عن اطلاعهم على رأي المعصوم عليه الصلاة والسلام إلا أنها غير ناهضة بعد قوة احتمال اعتقادهم ذلك من الجمع بين الشرع والعرف، فتدبر. والذي كان يستقر عليه رأينا في السلف، هو تخيير الضامن، لعدم وجوب شئ عليه إلا إفراغ ذمته وإسقاط ضمانه، ولا دليل على الازيد منه، حسب الادلة الشرعية والعملية عند الشك، على ما تقرر في محله تفصيلا، ولا يلزمون العقلاء أحدا بتسليم المثل أو القيمة، وإن كان أحدهما رائجا دون الاخر. نعم، لوتم ما سلكناه في الجملة، من أن تلف العين في باب الضمانات القائمة بالميول والرغبات، بتلف جميع الامثال، وأن الوحدة والكثرة في هذا الموقف، غير الوحدة والكثرة في العلوم الاخر، فإذا كان المماثل واجدا لجميع ما في التالف - مما ترغب إليه النفوس، ما لية، وغيرها من الالوان المطلوبة - فلا يعد ذلك غيره عرفا، بل هي ذاك، فعندئذ يتعين أصالة المثلية.

[ 54 ]

[ نعم، لو كان كل من البائع والمشتري، راضيا بتصرف الاخر مطلقا فيما قبضه ولو على تقدير الفساد، يباح لكل منهما التصرف والانتفاع بما قبضه ولو بإتلافه، ولا ضمان عليه. ] قوله دام ظله: ولا ضمان عليه. لان التلف بإذن ما لكه ورضاه، ومنه يعلم عدم جواز تصرفه فيه بما يتوقف على الملك. ومراده من التصرف ليس مطلق التصرفات. وتوهم كفاية الرضا المعاملي عن ذلك الرضا (1)، في غير محله، لان المتعلقين مختلفان، ولا يعقل ترشح الرضا منه مع الاعتقاد بالصحة، لانه لا يرى ما بيده ما له حتى يرضى بتصرف الاخر فيه، ولا معنى لرضاه بتصرف الاخر في ما له، ومع الشك في الصحة أو العلم بالفساد، لا يترشح منه الارادة الجدية للمعاملة المؤثرة في النقل إلا مع الغفلة، وعندئذ لا يكون ذلك الرضا أيضا كافيا. فعلى ما تحصل، يمكن دعوى حصول الملكية في غير صورة العلم بالصحة، لانه تحصل المبادلة عندهم بين الما لين بعد القبض، ولا حاجة إلى أكثر منها في المعاملات العقلائية. وهذا يشبه المعاطاة، ويترتب عليه أحكامها. بل في الصورة الاولى وهي الاعتقاد بالصحة، يمكن دعوى عدم


1 - انظر مجمع الفائدة والبرهان 8: 193.

[ 55 ]

[... ] الضمان إذا أتلف، لانه فيما يسلم المبيع إلى المشتري مثلا، يكون راضيا بتصرفه فيه وإن كان منشأ الغفلة عن القصة والواقعة، فإن التقييد في الموضوعات الخارجية والمعاني الجزئية، لا يستلزم الكثرة النفس الامرية كما لا يخفى، فعلى هذا يمكن دعوى كفاية التسليط الخارجي في رفع الضمان. هذا كله بناء على اشتراط التصرفات الناقلة بالملكية، كما هو المشهور المقطوع به في كلام الاصحاب. وعندي فيه نظر فصلناه في كتابنا الكبير (1)، وقد بينا هناك: أن القواعد لا تقضي بذلك، ويجوز تبادل المالين في الملكية، وتكون الاضافة الحادثة بين المالين والمالكين الاخرين - لا الاولين - في الملكية، أو السلطنة، أو هما معا، فعليه لا منع من تصرفات القابض بعد رضا المالك بجميع التصرفات فيما قبضه، من غير لزوم الالتزام بالملكية آناما الذي هو من الاباطيل الواضحة، أو الالتزام بالهبة، أو غير ذلك.


1 - تحريرات في الفقه، كتاب البيع، المقصد الثاني، الشرط الرابع، الامر السابع.

[ 57 ]

القول في شروط البيع وهي إما في المتعاقدين، وإما في العوضين

[ 59 ]

[ القول في شرائط المتعاقدين وهي امور: الاول: البلوغ، فلا يصح بيع الصغير ] قوله: بيع الصغير. إجماعا بقسميه، بل عليه اتفاق المسلمين في الجملة، ولا فرق بين بيعه وغيره من العقود إلا بعض منها يأتي في محالها تفصيلها. وهذا فيما كان غير رشيد وكان غير يتيم قطعي. إلا أن الاشكال في غير اليتيم الرشيد، فإنه خارج من الاية (1)، ومن كثير من الروايات في المسألة (2)، ولا ينبغي الخلط، ولا معنى لالغاء الخصوصية بعد وضوح وجودها في اليتيم بالضرورة.


1 - النساء (4): 6. 2 - وسائل الشيعة 18: 409، كتاب الحجر، الباب 1 - 2، و 19: 366، كتاب الوصايا، الباب 45.

[ 60 ]

[... ] وأما الاخبار التي موضوعها الصغير والصغيرة (1) فهي - بعد صحة إسنادها ذاتا، أو انجبارا - تدل على عدم جواز أمره والمنصرف إليه منها ما كان متعارفا من الصغار، دون الرشيد الذي هو الاقوى من البالغ بمراتب ومراحل، فإن المآثير ربما تكون منصرفة عنه. وقضية القواعد والعمومات عدم الفرق بين عقد الصبي وغيره. بل فيما رواه الصدوق بإسناده عن الاصبغ، عن أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام إلى يوم الدين: أنه قضى أن يحجر على الغلام المفسد حتى يعقل (2) دلالة واضحة على حكم العقلاء، ومساعدة الحكم والموضوع أيضا توجب الانصراف. ومثلها رواية الحلبي، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن المرأة المعتوهة الذاهبة العقل، أيجوز بيعها وصدقتها؟ قال: لا (3). فإنها تدل مضافا إلى الحكم المذكور في الجملة، على اغتراس ذهن السائل في أن المدار على العقل. وأوضح منهما معتبر السكوني الاتي المروي في الكافي (4).


1 - وسائل الشيعة 19: 360، كتاب الوصايا، الباب 44 - 45. 2 - الفقيه 3: 19 / 43، وسائل الشيعة 18: 410، كتاب الحجر، الباب 1، الحديث 4. 3 - الكافي 6: 191 / 2، وسائل الشيعة 18: 409، كتاب الحجر، الباب 1، الحديث 2. 4 - يأتي في الصفحة 64.

[ 61 ]

[ ولو كان مميزا، أو كان بإذن الولي، إذا كان مستقلا في إيقاعه، ] قوله دام ظله: ولو كان مميزا. إجماعا، وعليه المنقولات والشهرات المحققة في جميع الاعصار، بل هو المنساق من الادلة، لان ما لا تمييز له لا يحتاج إلى السؤال. قوله مد ظله: مستقلا في. لانه عندئذ يكون الامر بيده، وهو التصدي لشأن المعاملة، ويشمله الادلة، مثل دليل خيار المجلس (1) ونحوه، فهو البيع قطعا، وإذا ورد أنه لا يجوز أمره في البيع والشراء (2) فإطلاقه يشمل الفرضين من الاستقلال: استقلاله النفسي، واستقلاله الاعطائي من قبل الولي والحاكم. هذا مع أن قضية الحكمة أو العلة عدم الفرق بينهما، لان منعه من هذه التصرفات وعدم إمضائها، ليس إلا لاجل عدم ترتب الفساد عليه، والمقصود سده حتى في صورة الاحتمال، وعدم الوقوع في المشاكل. فما قد يتوهم: من أن إذن الولي هنا كإذنه في نكاح البا لغة الرشيدة، وأنه تعبد محض لحفظ الاحترام، في غير محله، لشهادة العرف على خلافه. واختلاف الفقهاء هناك (3)، واتفاقهم هنا (4)، أيضا يمنع عن هذا


1 - وسائل الشيعة 18: 5، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 1 - 2. 2 - وسائل الشيعة 18: 410، كتاب الحجر، الباب 2، الحديث 1. 3 - الحدائق الناضرة 23: 210 / السطر 23. 4 - تذكرة الفقهاء 2: 73 / السطر 25، المكاسب، الشيخ الانصاري: 114 / السطر 8 وما بعده.

[ 62 ]

[ على الاقوى في الاشياء الخطيرة، وعلى الاحوط في غيرها. ] الموهوم، كما لا يخفى. فبالجملة: لو تم ما تخيلناه من خروج الرشيد من الادلة، وهو غير المميز المعنون في متون الاصحاب، فلا حاجة إلى الاذن مطلقا، وإلا فقضية الاطلاق - بعد الشمول - عدم الفرق بين الصور، حتى الصور الاتية من ذي قبل إن شاء الله تعالى. ولعل الاردبيلي على ما ذكرنا كلامه في كتابنا الكبير (1)، ذهب إلى ما أفدناه في أصل المسألة (2)، فراجع وتدبر. قوله مد ظله: في الاشياء الخطيرة. لانها القدر المتيقن من الادلة، ومن الخروج عن السيرة غير المردوعة. قوله دام ظله: في غيرها. وهو الاعم من السيرة جدا، وغير الخطيرة، فإن كثيرا من التجارات والمكاسب ليست خطيرة، ولا يسيرة، مثل ما تعارف بين الاطفال، فعليه يمكن دعوى شمول العبارة لثلاثة صور:


1 - تحريرات في الفقه، كتاب البيع، المقصد الثاني، الشرط الاول، الفرع الثاني. 2 - مجمع الفائدة والبرهان 8: 152.

[ 63 ]

[ وإن كانت الصحة في اليسيرة إذا كان مميزا مما جرت عليها السيرة، لا تخلو من وجه وقوة. ] أولها: عدم الجواز فيها هو الاقوى. ثانيها: الحكم فيها على الاحتياط، لان قضية الاطلاقات (1) هي الممنوعية، ولا شاهد على شمول السيرة لها. ثالثها: ما هو الحكم فيها الجواز، وهي اليسيرة المعبر عنها ب‍ معاملات الصغير على نعت إضافة الموصوف إلى الصفة، فتدبر. قوله دام ظله: من وجه وقوة. لان تلك السيرة أولا: متصلة، وليست منقطعة الاول بالضرورة. وثانيا: ليست مردوعة، ودعوى أنها غير مرتدعة، وهي عندئذ غير كافية (2)، غير مسموعة جدا، ولو كان الامر كما قيل يلزم وضوح الحكم، وصدور المآثير الكثيرة، ولا يكفي في هذه الموضوعات التي عليها العقلاء، الاطلاق والعموم فيعلم منه قصور الادلة عن الرادعية، عنها. بل يستلزم ذلك فسق العلماء والفقهاء رضوان الله تعالى عليهم لعدم أمرهم بالمعروف، ونهيهم عن المنكر. مع ابتلائهم في جميع الاعصار والامصار بها في كل يوم مرارا، وهذا يستلزم العسر والحرج في معيشة


1 - وسائل الشيعة 17: 360، كتاب التجارة، أبواب عقد البيع وشروطه، الباب 14. 2 - لاحظ المكاسب، الشيخ الانصاري: 116 / السطر 3، جواهر الكلام 22: 263.

[ 64 ]

[... ] الانسان، وهي مشقة أعظم من الالتزام بالاطفال، أو التدخل في امورهم، فتبصر. فعلى هذا، الحكم كما في المتن قوي جدا، ودعوى الاجماع عليه (1)، غير ثابتة، خصوصا بعد وجود النصوص في المسألة. هذا مع شهادة معتبر السكوني في الكافي عن أبي عبد الله عليه الصلاة والسلام قال: نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عن كسب الاماء، فإنها إن لم تجد زنت، إلا أمة قد عرفت بصنعة يد، ونهى عن كسب الغلام الصغير الذي لا يحسن صناعة بيده، فإنه إن لم يجد سرق (2) على أن كسب الغلام في الجملة، مما لا بأس به. ولقد تعرضنا للوجوه المحتملة في هذه الرواية في محالها (3)، ولكنها بكثرتها لا تنافي دلالتها عرفا على الصحة إجمالا. بل قضية إطلاقها صحتها في جميع الصور ولو كان منهيا من قبل الولي، ولا منع من الالتزام به لو لا مخافة مخالفة الاجماع فيما كان رشيدا مميزا بالغا في العقل، وإن كان غير بالغ إلى أشده - وهو الجسم - بالاحتلام ونحوه.


1 - تقدم في الصفحة 61. 2 - الكافي 5: 128 / 8، وسائل الشيعة 17: 163، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 33، الحديث 1. 3 - تحريرات في الفقه، كتاب البيع، المقصد الثاني، الشرط الاول، الفرع الثاني، بحث وتفصيل.

[ 65 ]

[ كما أنه لو كان بمنزلة الالة - بحيث تكون حقيقة المعاملة بين البالغين - مما لا بأس به مطلقا. ] قوله دام ظله: مطلقا. ولو كان منهيا من قبل وليه، لانه لا يؤثر في شئ: أما تكليفا فواضح. وأما وضعا، فلاجنبيته عنه، فإنه إذا لم يكن إذنه شرطا، فلا دليل على مضرية منعه. وتوهم شمول الاطلاقات لهذه الصورة، غير تام، لانه ليس متصديا لامر المعاملة حتى يكون مشمول الادلة. هذا، ولكن النظر الدقيق يؤدي إلى عدم الفرق، ضرورة أن ما يتكفله الصغير وإن لم يكن أمر البيع والشراء، إلا أنه لابد وأن ينطبق عليه أحد العناوين المعروفة، وهو هنا الوكالة ولا شبهة في أنه عندئذ ممنوع عنها. وتوهم عدم كونها شيئا حتى يحتاج إلى تطبيق العناوين عليه، فاسد، ضرورة أن من الممكن أخذ الاجر وحق الوكالة على ذلك الامر، فعدم جواز أمره يؤدي إلى جميع اموره، خصوصا في الوكالة. وكونه آلة مثل الحيوان، لا يستلزم عدم انطباق عنوان عليه، وإلا يلزم ذلك فيما يتصدى الكبير لاجراء العقد، ويأخذ الاجر حذاءه، ولا يمكن الالتزام بخروجه عن العناوين المعروفة بالضرورة.

[ 66 ]

[... ] اللهم إلا أن يقال: بعدم الدليل على عدم نفوذ أمره على الاطلاق، وإلغاء الخصوصية عما ورد في البيع والشراء مشكل، لما أنه التجارة المتعارفة المستلزمة لوقوعه في الهلكة، بخلاف غيرها، خصوصا إذا لم يكن مرتبطا بالماليات التي هي المقصودة في عدم الامضاء قويا. وما ورد في الخصال بسند صحيح إلى أبي الحسين الخادم بياع اللؤلؤ، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سأله أبي وأنا حاضر عن اليتيم الذي يجوز أمره. قال: حتى يبلغ أشده. قال: وما أشده؟ قال: احتلامه. قال: قلت: قد يكون الغلام ابن ثمان عشرة سنة، أو أقل أو أكثر ولم يحتلم. قال: إذا بلغ وكتب عليه الشئ، ونبت عليه الشعر، جاز عليه أمره، إلا أن يكون سفيها أو ضعيفا (1). وإن كان مطلقا، إلا أن أبا الحسين غير معلوم، ودعوى كونه آدم بن


1 - الخصال: 495 / 3.

[ 67 ]

[... ] المتوكل (1) وإن كانت قريبة، إلا أنها لا تتم حجة. اللهم إلا أن يقال: بتماميتها، لرواية البزنطي عنه. نعم، لا يبعد إطلاق معتبر ابن سنان الاخر عنه (عليه السلام) قال: سأله أبي وأنا حاضر عن قول الله عز وجل: (حتى إذا بلغ أشده) (2). قال: الاحتلام. قال فقال: يحتلم في ست عشرة، أو سبع عشرة سنة ونحوها؟ فقال: لا، إذا أتت عليه ثلاث عشرة سنة كتبت له الحسنات، وكتبت عليه السيئات، وجاز أمره... (3). ولكن الذي يسهل الخطب: أن إسراء الحكم من اليتيم إلى غيره في غاية الاشكال، فافهم وتأمل جدا. نعم، الظاهر تمامية إطلاق المنع بالنسبة إلى اليتيم في أمواله، فإنه في غاية المتانة. وأما عدم صحة وكالته في إجراء العقد بالنسبة إلى أمواله، فهي لاجل عدم مساعدة الاعتبار، وعليه لا منع من تصديه لاجرائه،


1 - رجال النجاشي: 104 / 260، معجم رجال الحديث 1: 121 - 122 / 10. 2 - الاحقاف (46): 15. 3 - تهذيب الاحكام 9: 182 / 731، وسائل الشيعة 19: 363، كتاب الوصايا، الباب 44، الحديث 8.

[ 68 ]

[ وكما لا تصح معاملة الصبي في الاشياء الخطيرة لنفسه، كذلك لا تصح لغيره أيضا. ] لان تلك المطلقات ناظرة إلى عدم نفوذ أمره، أي بيعه وشرائه، أو وكالته وإجارته، وهذا ليس منها. نعم، بناء على كونه مسلوب العبارة كما يأتي الايماء إليه، يلزم عدم نفوذ تصديه له أيضا، ولكنه غير تام. وتوهم: أنه وكيل عن وليه، طويل الذيل، من شاء فعليه بالرجوع إلى الكتاب الكبير (1). قوله دام ظله: لا تصح لغيره أيضا. للاطلاق في النص (2)، والفتوى (3)، ولان تصديه لامر الغير يرجع إلى الوكالة، أو الولاية، أو النيابة، وكل يطلب من محله، أو يرجع إلى بعض العقود الاخر، كما لا يخفى.


1 - تحريرات في الفقه، كتاب البيع، المقصد الثاني، الشرط الاول، الفرع الثاني، بحث وتفصيل في نفوذ أمر الصبي مطلقا. 2 - وسائل الشيعة 17: 360، كتاب التجارة، أبواب عقد البيع وشروطه، الباب 14 و 18: 409، كتاب الحجر، الباب 1 - 2، و 19: 366، كتاب الوصايا، الباب 45 - 46. 3 - جواهر الكلام 22: 260، المكاسب، الشيخ الانصاري: 114 / السطر 8.

[ 69 ]

[ إذا كان وكيلا حتى مع إذن الولي في الوكالة، وأما لو كان وكيلا لمجرد إجراء الصيغة وكان أصل المعاملة بين البالغين فصحته لا تخلو من قرب، فليس هو مسلوب العبارة، لكن لا ينبغي ترك الاحتياط. ] قوله مد ظله: لا تخلو من قرب. قد عرفت وجهه ووجه الاشكال فيه (1)، وغاية ما يوجه به نفوذ هذا الامر، عدم ثبوت الاطلاق، وعدم صحة إلغاء الخصوصية. والعجب أنه - مد ظله - وأصحابه يعتقدون بأن الاخبار المشتملة على حكم اليتيم، لا تختص به، والموضوع فيها الصبي (2) كما يشهد به بعض المآثير (3) وهما، ومع ذلك أفتوا بذلك!! وهل هذا إلا دعوى الانصراف؟! وهي غير مسموعة، لعدم تمامية سندها وكأنه لكونه فعلا يسيرا لا يعبأ به، يكون خارجا منها، ولو تم ذلك يلزم بعض ما لا يتلزمون به، فتدبر جيدا. قوله: فليس هو. خلافا لما نسب إلى الشهرة (4)، وسند هجرانه ليس بناء العقلاء حتى


1 - تقدم في الصفحة 65. 2 - البيع، الامام الخميني (قدس سره) 2: 16. 3 - وسائل الشيعة 18: 410، كتاب الحجر، الباب 2، الحديث 1 و 5. وأيضا الباب 1، الحديث 1 و 3. 4 - جواهر الكلام 22: 262، المكاسب، الشيخ الانصاري: 114 / السطر 25 - 26.

[ 70 ]

[... ] يكون منشأه قصور المقتضي، بل سنده بعض الاطلاقات، كحديث الرفع (1)، وأن عمد الصبي وخطأه واحد (2) وبعض النصوص الناطقة بأن الحسنات لا تكتب له إلا بعد البلوغ (3)، والامور تكون إما حسنة أو سيئة، والعقود ليست خارجة عنها، فإذن هو مسلوب العبارة تعبدا، خرج منه بعض المواضع، كالوصية (4)، والعتق (5)، والطلاق (6)، والتدبير (7)، وفي باب الشهادات باب منعقد لاستماع شهادته في القتل (8)، وهذا لا يضر بتلك


1 - الخصال: 93 / 40 و 175 / 233، وسائل الشيعة 1: 45، كتاب الطهارة، أبواب مقدمة العبادات، الباب 4، الحديث 11. 2 - تهذيب الاحكام 10: 233 / 920، وسائل الشيعة 29: 400، كتاب الديات، أبواب العاقلة، الباب 11، الحديث 2. 3 - وسائل الشيعة 1: 42، كتاب الطهارة، أبواب مقدمة العبادات، الباب 4، الحديث 1، و 19: 363، كتاب الوصايا، الباب 44، الحديث 8 و 11 و 12. 4 - وسائل الشيعة 19: 362، كتاب الوصايا، الباب 44، الحديث 3 و 5. 5 - وسائل الشيعة 23: 91، كتاب العتق، الباب 56، الحديث 1. 6 - وسائل الشيعة 19: 212، كتاب الوقوف والصدقات، الباب 15، الحديث 2. 7 - لم نعثر على خبر في هذا الباب لكن الشيخ (رحمه الله) قال بصحة تدبير الصبي إذا كان مميزا عاقلا مراهقا وقال قيده أصحابنا بما إذا بلغ عشر سنين فصاعدا إذا كان عاقلا وقال دليلنا إجماع الفرقة وأخبارهم على أن الصبي إذا بلغ عشر سنين صحت وصيته والتدبير وصيته، انظر الخلاف 2: 672، المسألة 21. 8 - وسائل الشيعة 27: 343، كتاب الشهادات، الباب 22.

[ 71 ]

[... ] الاطلاقات والنصوص، كما لا يخفى. ومثلها حجه وسائر عباداته التي ورد الامر بحث الموالي إياه عليها (1)، الظاهرة - على إشكال - في صحتها، وقضية الجمع بين الادلة كونها تمرينية، وليست حسنة. أقول: قد تعرضنا لهذه الادلة تفصيلا وما يتوجه إليها في كتابنا الكبير (2)، والمحرر في محله: أن حديث الرفع (3) - مضافا إلى عدم ثبوت سند قوي له - غير واضح الدلالة، وفيه المحتملات الكثيرة (4)، ولعل الاظهر من بينها، أن ما هو الثابت في الشريعة على نحوين: أحدهما: ما هو ثابت للانسان. وثانيهما: ما هو ثابت للكبير. فما هو المرفوع هو الثاني، لان الظاهر أن منشأ الرفع هو صباه وجنونه ونومه، فما يثبت للكبير العاقل المنتبه مرفوع عن الثلاثة، وأما


1 - وسائل الشيعة 4: 18، كتاب الصلاة، أبواب أعداد الفرائض، الباب 3 - 4 و 10: 234، كتاب الصوم، أبواب من يصح منه الصوم، الباب 29، الحديث 3 و 11. 2 - تحريرات في الفقه، كتاب البيع، المقصد الثاني، الشرط الاول، الفرع الثاني. 3 - تقدم في الصفحة 70. 4 - تحريرات في الفقه، كتاب البيع، المقصد الثاني، الشرط الاول، الفرع الثاني، ذنابة قد يستدل على أنه مسلوب العبارة.

[ 72 ]

[... ] هذا الامر ما هو؟ فهو يحتاج إلى دليل آخر، والقدر المسلم هو العقاب والعتاب. وأما نسبة الرفع فهي خفيفة المؤونة، فإن توجيه الخطاب القانوني، أو جعل - العنوان الكلي القابل للانطباق عليه في القانون الكلي، كاف لصحة الرفع، ولا تمس الحاجة إلى الشرائط العامة في ذلك، بل هي شرائط الارادة الجدية وتنجيز الحكم. وأما التسوية، فهي ثابتة ومدعاة بين خطأ الصبي وعمده، لا الخطأ وعمده، وما هو المفيد هو الثاني، دون الاول، فإذا قال: عمد الصبي خطأ... (1) فإطلاقه يستلزم ارتفاع جميع الاحكام الثبوتية عنه، فهو مسلوب العبارة، وإذا قال: عمد الصبي وخطأه واحد كما في صحيحة ابن مسلم (2)، فهو دليل على أن لخطأ الصبي حكما خاصا لابد من الفحص عنه وإثباته لعمده، وهذا الحكم هو الحكم الثبوتي، لا الاعم منه ومن العدمي، ولا يختص بالعدمي، فلا ينبغي الغفلة عن هذه النكتة، فتكون الرواية مخصوصة بباب الدية. هذا مع أن الالتزام بالتسوية، يستلزم الفقه الجديد.


1 - وسائل الشيعة 29: 400، كتاب الديات، أبواب العاقلة، الباب 11، الحديث 3. 2 - تقدم في الصفحة 70.

[ 73 ]

[... ] اللهم إلا أن يقال: بأن ما توهمه جمع من اللزوم المذكور (1)، منشأه الاعتقاد بصحة عباداته، وإذا قلنا: بأنها تمرينية فلا يلزم، فتدبر جدا، ولا تغفل. وإن شئت قلت: لما كانت الصحيحة في مقام الامتنان، فكل حكم - ولو كان عدميا ثابتا للخطأ امتنانا - فهو ثابت لعمد الصبي، وما لا امتنان فيه - مثل الاحكام الثابتة لخطأ غير الصبي - فهو غير ثابت للصبي، رعاية لحق الامتنان عليه، وأما النصوص (2) فشمولها للعقود ممنوع، لانها عرفا ولغة ليست حسنة. ودعوى الاولوية غير بعيدة، إلا أن الالتزام بمفاد هذه الاخبار، مشكل بعد خروج الحسنات المكتوبة، فتحمل على حسنات الواجبات المرفوعة. مع أنها معارضة بمعتبر طلحة بن زيد، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن أولاد المسلمين موسومون عند الله عز وجل شافع ومشفع، فإذا بلغوا اثنتي عشرة سنة كتبت لهم الحسنات، فإذا بلغوا الحلم كتبت عليهم السيئات (3).


1 - لاحظ مصباح الفقاهة 3: 254. 2 - تقدم في الصفحة 70. 3 - الكافي 6: 3 / 8، وسائل الشيعة 1: 42، كتاب الصلاة، أبواب مقدمة العبادات، الباب 4، الحديث 1.

[ 74 ]

[... ] والتحديد الاول لافادة التمييز، مع أن المعارضة بين المفهوم والمنطوق، فهذه الرواية في حكم القرينة على انتفاء الاول. فتحصل: أن المآثير الدالة بالمفهوم على أن الحسنات والسيئات تكتب بعد البلوغ (1)، قاصرة عن إثبات مسلوبية عبارة الصبي، بل وعدم مشروعية عبادته. مع أن عدم المشروعية غير عدم مكتوبية الحسنات، فيصح الالتزام بالثاني من غير لزوم الالتزام بالاول، فجميع عباداته ومعاملاته صحيحة إما بالفعل، أو بالقوة، فتحتاج إلى الاجازة، إلا أنها إذا كانت ذات حسنة لغيره، لا تكتب تلك الحسنة له.


1 - تقدم في الصفحة 70.

[ 75 ]

[ الثاني: العقل، فلا يصح بيع المجنون. ] قوله دام ظله: بيع المجنون. صحته فعلية إذا ترشح منه الجد إلى المعاملة، وصحته بالقوة مطلقا. هذا فيما إذا تصداها حال جنونه، وإلا فالصحة مطلقا قوية جدا. واحتمال عدم إمضاء عقد المجنون على إطلاقه وإن كان عاقلا في برهة (1)، كاحتمال عدم إمضاء المجنون في بعض الامور وهو عاقل في المعاملات، وكلاهما غير مبرهن. اللهم إلا أن يقال: باستيحاش العقلاء من تجارة هؤلاء، لعدم الاعتماد عليهم وعندئذ يؤيد الاطلاق في بعض الاخبار (2). وقد مضى في قضاء الامام علي (عليه السلام) - على ما روي - في الصغير (3)، ما يدل على أن المدار على كونه عاقلا (4)، فتبصر.


1 - لاحظ مقابس الانوار: 114 / السطر 16. 2 - وسائل الشيعة 1: 45، كتاب الطهارة، أبواب مقدمة العبادات، الباب 4، الحديث 11، و 28: 23، كتاب الحدود والتعزيرات، أبواب مقدمات الحدود وأحكامها العامة، الباب 8، الحديث 2. 3 - الفقيه 3: 19 / 43، وسائل الشيعة 18: 410، كتاب الحجر، الباب 1، الحديث 4. 4 - تقدم في الصفحة 60.

[ 76 ]

[ الثالث: القصد، فلا يصح بيع غير القاصد، كالهازل، والغالط، والساهي. ] قوله دام ظله: فلا يصح بيع غير. صحته فعلية بالضرورة، وصحته بالقوة، بحيث لا تنفع الاجازة اللاحقة، لعدم ترشح الارادة إلى معنى العقد، بل ولا إلى معنى اللفظ. وإن شئت قلت: القصد ليس من شرائط ماهية العقد، ولا من شرائط المتعاقدين، ولا من مقومات الماهية، بل هو السبب لوجود العقد، فيكون العقد بوجوده متقوما به. وهذا القصد كما يعتبر في المداليل التصورية، ويعتبر في تحقق الالفاظ الموضوعة لتلك المعاني، ويعتبر في المداليل التصديقية الناقصة، كقوله: بعت زيدا غير آجرته كذلك يعتبر في المداليل التصديقية التامة. وأما دخالته في الاثر الفعلي، فهي كلام طويل الذيل في بحث الفضولي. إن قيل: القصد إجمالا من أجزأ ماهية العقد، وإلا يلزم صحة عقد الهازل بالقوة، وإذا لحقته الاجازة يصح بالفعل. قلنا: فرق بين كون الشئ من أجزاء الماهية، وبين كونه دخيلا في

[ 77 ]

[... ] كونه الماهية ماهية، مثلا ماهية الانسان ليست إلا الاجناس المترتبة والفصل الاخير، ولكن الانسان لا يصدق بالحمل الشائع إلا حين الوجود. فالبيع ليس إلا إنشاء المبادلة، وهذا الانشاء ليس انشاء إلا بالوجود والجد والارادة المتعلقة بمضمونه. ومما ذكرناه يظهر مواقف النظر والخلط في كلمات القوم صدرا وذيلا (1). ثم إن في المقام فروعا كثيرة تعرضنا لحدودها في كتابنا الكبير، ومن شاء تفصيلها فليراجع هناك (2)، وتدبر فيما أسمعناك.


1 - لاحظ مقابس الانوار: 114 / السطر 22 وما بعده، المكاسب، الشيخ الانصاري: 117 / السطر 3 وما بعده. 2 - تحريرات في الفقه، كتاب البيع، المقصد الثاني، الشرط الاول، الفرع الثالث.

[ 78 ]

[ الرابع: الاختيار، فلا يصح البيع من المكره... ] قوله دام ظله: فلا يصح. إجماعا، وعليه بناء العقلاء، وأما النصوص الواردة في مواقف اخر (1)، فدلالتها على بطلان البيع بعد عدم وجه للسراية منها إليه. مع إشكال في كونها واردة في مفروض كلام الاصحاب، وهو القاصد إلى البيع، واعتباره في الخارج كغيره. بل ظاهر بعض منها إبطال الطلاق، لعدم القصد إليه، كرواية منصور ابن يونس (2). وقد عرفت عدم الحاجة إلى الرواية في المسألة بعد وضوحها حسب القواعد العقلائية. إن قلت: العمومات والاطلاقات تردع عن البناء المعروف، بعد كون عقد المكره بيعا جامعا للشرائط. قلت أولا: يمكن منع صدق العناوين عليه، لا لفقدانه القصد والاختيار، بل لفقدانه الشرط الاخر: وهو عدم كون الارادة المتعلقة بتلك العناوين، مقهورة للارادة الاخرى عرفا، وموجودة بالارادة الاخرى عند العقلاء والعرف.


1 - وسائل الشيعة 15: 369، كتاب الجهاد، أبواب جهاد النفس، الباب 56، و 22: 86، كتاب الطلاق، أبواب مقدماته، الباب 37، الحديث 18 و 5: 120، كتاب الصلاة، أبواب أحكام المصلي، الباب 3، الحديث 1 و 3. 2 - وسائل الشيعة 22: 87، كتاب الطلاق، أبواب مقدماته، الباب 38، الحديث 1.

[ 79 ]

[... ] وثانيا: الانصراف فيما نحن فيه قطعي بالوجدان، بل العقل قاض بأ نه كيف يمكن الالتزام بإجبار الغير على البيع، ثم بعد ذلك يجبره الحاكم على رد المبيع بعنوان الامتناع من التسليم؟! وهذا حكم لو صدر من أحد، فهو أحوج إلى المعالجة من التحصيل. إن قيل: فما معنى اشتراط الاختيار في كلمات الاصحاب؟ قلنا: إن كان المقصود منه اشتراط الاستقلال في الارادة حسب الدواعي الشخصية - قبال المكره الذي هو وإن كان مستقلا في الارادة بنظر العقل، إلا أنه بنظر العرف ليس مستقلا فيها، وتكون إرادته مترشحة من القاهر الجابر - فهو صحيح (1).


1 - هذا آخر ما عثرنا عليه من إفادات شهيدنا السعيد (قدس سره) شرحا لمبحث البيع من تحرير الوسيلة.

[ 81 ]

كتاب الخيارات

[ 83 ]

[ القول في الخيارات وهي أقسام: الاول: خيار المجلس ] قوله مد ظله: في الخيارات. وهي جمع الخيار على خلاف القياس، والخيار بحسب اللغة من الاختيار (1)، وهو اصطفاء خير الامرين وطلب خير الشيئين. وفي الاصطلاح فسر بتفاسير: فعن المشهور: هو ملك إقرار العقد وإزالته (2). وعن موضع من الايضاح: هو ملك فسخ العقد (3). وقيل: هو ملك فسخ العقد وتركه (4). وعن رابع: هو السلطنة والاستيلاء.


1 - لسان العرب 4: 257، أقرب الموارد 1: 311. 2 - رياض المسائل 1: 522 / السطر 30، جواهر الكلام 23: 3. 3 - إيضاح الفوائد 1: 482. 4 - لاحظ البيع، الامام الخميني (قدس سره) 4: 5 - 6.

[ 84 ]

[... ] واختار المصنف: أنه حق اصطفاء الفسخ (1) مقرا بأنه معنى مباين مع معناه اللغوي، إلا أنه أقرب من معانيه الاخر. والذي هو الاقرب من افق التحقيق: أن المعاني الاصطلاحية الاعتبارية الجعلية، مصاديق المعاني اللغوية حقيقة، ولما كان صاحب الخيار قبل الاعتبار، غير مستول على فسخ العقد وإعدامه، ما كان مختارا في أمر العقد، كما هو ليس مختارا في كثير من الامور الخارجية، وكما أنه ربما يعطى إليه الاختيار تكوينا، كذلك اعطي إليه اختيار العقد اعتبارا، لاعتبارية محله ومورده، فقوله (عليه السلام): هو بالخيار كما في خيار المجلس (2)، معناه أنه مفوض إليه أمر العقد حلا ونقضا. نعم، المتبادر منه في محيط الاخبار في المعاملات، ليس معناه اللغوي، بل هو المعنى الاخص، وغلب عليه حتى صار حقيقة فيه ثانيا، لتبادره منه بلا قرينة. اللهم إلا أن يقال: بأن من القرينة كونه في محيط خاص، والامر سهل. ثم إن هذا الخيار ليس من أوصاف الافعال، بل هو اعتبار ثابت لذي


1 - البيع، الامام الخميني (قدس سره) 4: 5. 2 - تهذيب الاحكام 7: 20 / 86، وسائل الشيعة 18: 5، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 1.

[ 85 ]

[... ] الخيار، وينتزع منه أن العقد خياري، وأما الاصطفاء فهو بمعنى الاختيار وإعمال القدرة والارادة. وبعبارة اخرى: هو إعمال الاختيار النفساني المشترك فيه كافة أرباب الارادة، ومنهم رب الارباب. وأما تفسيره بالملك، فهو أيضا في غير محله، إلا إذا اريد منه الاقتدار الاعتباري الثابت، ولاجل ذلك كان الاولى تفسيره بالسلطنة. وأما أنه السلطنة على العين، أم العقد، أو فسخ العقد، فكل ممكن، ولو قام دليل عليه فهو المتبع، وإلا فما هو مورد الخيار بلا تأويل هو الفسخ، دون العقد والعين كما لا يخفى. وحيث إن السلطنة على الفسخ تستتبع قهرا الاقتدار على ترك إعمال السلطنة المزبورة، يكون الفسخ خياريا ومورد الاختيار، فلا حاجة إلى ذكر قولهم: وتركه بل لا يعقل تعلق الاختيار بالترك. ومن هنا يظهر سقوط النزاع المشهور: وهو أن طرفي الخيار هل هما وجوديان، أم وجودي وعدمي (1)؟ هذا مع أن الخيار يتعلق بالعنوان حقيقة، وما هو شأنه ذلك لا يمكن أن يتعلق مع وحدته بالعنوانين: الازالة، والاثبات. وإرجاعه إلى الكثير على نعت التخيير وإن كان ممكنا، إلا أنه


1 - منية الطالب 2: 2 / السطر 7، حاشية المكاسب، الاصفهاني 2: 3 / السطر 32 - 33.

[ 86 ]

[ فإذا وقع البيع فللمتبايعين الخيار ما لم يفترقا، ] خارج عن فهم الاصحاب (رحمهم الله) وحدة الخيار تعيينا. قوله مد ظله: فللمتبايعين الخيار. اتفاقا (1)، ودعوى أن المسألة مجمع عليها في الجملة بين المسلمين قريبة، وعليها النصوص الكثيرة، كمعتبر ابن مسلم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): البيعان بالخيار حتى يفترقا... (2). ومعتبر ابن يزيد، عنه (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إذا التاجران صدقا بورك لهما، فإذا كذبا وخانا لم يبارك لهما، وهما بالخيار ما لم يفترقا... (3). وما في خبر غياث بن إبراهيم، عن علي (عليه السلام) قال: قال علي (عليه السلام): إذا صفق الرجل على البيع فقد وجب وإن لم يفترقا (4)، محمول.


1 - جواهر الكلام 23: 4. 2 - الكافي 5: 170 / 5، وسائل الشيعة 18: 5، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 1، الحديث 1. 3 - تهذيب الاحكام 7: 26 / 110، وسائل الشيعة 18: 7، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 1، الحديث 6. 4 - تهذيب الاحكام 7: 20 / 87، وسائل الشيعة 18: 7، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 1، الحديث 7.

[ 87 ]

[... ] ودعوى: أن قضية الجمع حمل تلك الاخبار على أنها بصدد تجويز البيع إلى الافتراق، وهذا على تجويزه إلى التصفيق، قريبة جدا، أو تقييد مفهوم الطائفة الاولى بذلك الخبر، فتدبر. هذا مع أنه لا تدل تلك الاخبار صراحة على أن كل واحد منهما - مع قطع النظر عن الاخر - بالخيار، فتأمل. ووجه عدوله - مد ظله - من البيعين إلى المتبايعين، ما في معتبر ابن مسلم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: المتبايعان بالخيار ثلاثة أيام في الحيوان، وفيما سوى ذلك من بيع حتى يفترقا (1). وكأن معناه وفيما سوى ذلك أي الحيوان هما من بيع أي باقيان على البيع ادعاء، أو هما بالقدرة والاختيار على التبادل والمبادلة والتراد الاعتباري بتوسيط الخيار حتى يفترقا. وأيضا: الايماء إلى أن الحكم يدور مدار صدق المتبايعين سواء كانا أصيلين، أو وليين، أو وكيلين، أو مأذونين، أو مختلفين. وقال - مد ظله -: إن قضية القواعد عدم صدقهما إلا على مباشري العقد والبيع، دون الموكلين، ضرورة أن ماهية البيع هي المبادلة


1 - تهذيب الاحكام 7: 23 / 99، وسائل الشيعة 18: 10، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 3، الحديث 3.

[ 88 ]

[... ] الانشائية، وهي تحصل بإرادة المباشر دون الموكل، ونسبتها إلى الموكل من المجاز قطعا. ودعوى استعمال اللفظ في المعنيين: الحقيقي، والمجازي، ممكنة غير نافعة، لان ذلك مضافا إلى الحاجة إلى القرينة، بعيدة عن افق التقنين (1). نعم، لا يثبت هذا الخيار للوكيل في إجراء الصيغة انصرافا، فكان عليه - مد ظله - التصريح بعدم الخيار له، لصدق المتبايعين عليهما عنده. والذي محرر عندي: أن الموضوع هو التاجران لانه الاعم، وفي المثبتين يؤخذ بالاعم، ضروره أنهما يصدقان على غير المتبايعين في سائر العقود التجارية والمعاوضية، وقد صرح في اللغة ب‍ " أن التجارة هي تقليب المال " (2) أو التصرف فيه (3) وهو المناسب لاية التجارة (4). وما يقال: من أن التاجر أخص، لعدم صدقه على مجرد من يصدر منه البيع (5) في غير محله، كما يظهر بأدنى تأمل.


1 - لاحظ البيع، الامام الخميني (قدس سره) 4: 58 - 62. 2 - أقرب الموارد 1: 74. 3 - المفردات، الراغب الاصفهاني: 73. 4 - النساء (4): 29. 5 - البيع، الامام الخميني (قدس سره) 4: 56.

[ 89 ]

[... ] هذا مع أن البيع بحسب اللغة هو الاخذ والاعطاء على وجه الثمنية والمثمنية (1) وحققنا في محله أن عقد البيع ليس من الاضافة البيانية، بل هو معناه العقد على البيع والتقابض، فالعاقدان ليسا بالخيار، وتفصيله في كتابنا الكبير، وتصير النتيجة أن الموكلين ربما يعدان تاجرين، كما في الفرض المزبور. نعم، الوكيل على التجارة والاخذ والاعطاء بالخيار، دون الموكل، فاغتنم. وبعبارة أوضح: اختص الخيار بالمعاطاة التي هي لازمة حسب الاصل المحرر، وأما عقد البيع فلا يجري فيه الخيار، سواء قلنا: بأنه لازم، أم قلنا: بأنه جائز، نعم إذا حصل الاخذ والاعطاء فلهما الخيار. ثم إن مقتضى إطلاق المتن ثبوت الخيار في المعاوضات، بل وفي الفضولي، إلا أن انصراف الادلة عنه قوي، كما ادعاه - مد ظله - (2). نعم، فيمن باع لنفسه فأجاز المالك البيع للفضولي، فالاقرب عندي ثبوته، ويظهر وجهه بأدنى تأمل إن شاء الله تعالى.


1 - أقرب الموارد 1: 70. 2 - البيع، الامام الخميني (قدس سره) 4: 78.

[ 90 ]

[ فإذا افترقا ولو بخطوة، وتحقق بها الافتراق عرفا، ] قوله مد ظله: ولو بخطوة. كما في الخلاف وفيه أن الشافعي أرجع إلى العادة، وقسم أقساما (1). ويظهر من التذكرة (2) ونسب إلى جماعة، أنه يكفي أدنى الانتقال (3). وقال الشيخ (رحمه الله): ويظهر من بعض اعتبار الخطوة، اغترارا بتمثيل كثير من الاصحاب لاقل الافتراق، وعن صريح جماعة التأمل في كفاية الخطوة، لانصراف الاطلاق إلى أزيد منها (4)، وقيل إنه الظاهر من الاخبار (5) الحاكية لفعل الباقر (عليه السلام) حيث مشى خطى (6). ويظهر من بعضهم كفاية أقل الجمع، وهي الثلاث: وعن صاحب الكفاية أن العبرة بالافتراق المطلق، لا مطلق الافتراق (7)، لعدم تمامية مقدمات الحكمة بعد كون نظر العرف إلى عدم كفاية مطلق الافتراق تبعا.


1 - الخلاف 3: 21، المسألة 26. 2 - تذكرة الفقهاء 1: 517 / السطر 29. 3 - تحرير الاحكام 1: 165 / السطر 29، مسالك الافهام 3: 196. 4 - المكاسب، الشيخ الانصاري: 222 / السطر 14. 5 - وسائل الشيعة 18: 8، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 2، الحديث 2 - 3. 6 - مجمع الفائدة والبرهان 8: 384. 7 - حاشية المكاسب، المحقق الخراساني: 168.

[ 91 ]

[... ] والذي هو التحقيق: أن المسألة حيث لا تكون إجماعية، ولا علمية وتعبدية، تكون موكولة إلى العرف، وقد تقرر في محله أن المرجعية متقسمة بين العوام والاعلام، فإن للعوام أن يقلدوا الاعلام في الاحكام الشرعية، وللاعلام أن يراجعوا العوام في المفاهيم الافرادية اللغوية العرفية (1). ثم إن ما هو المتبع هي الاراء العرفية الدقيقة، لا التسامحية والتدقيقات العقلية، كما تحرر أيضا مرارا منا في محاله (2)، وكثير من الاختلافات المرئية في تشخيص العرف، مستند إلى الخلط بين العرف المسامح والمحقق. نعم، اختلف الاصوليون في أن المرجعية في التطبيق والتصديقيات، للعرف والعوام أيضا، أم هي للعقل، فذهب جمع إلى الاول، وفيهم المصنف - مد ظله (3) - وآخرون إلى الثاني، وفيهم صاحب الكفاية (4) والتقريرات (5).


1 - تحرير العروة الوثقى: 32، تعليقة على العروة الوثقى: 41. 2 - تحريرات في الاصول 1: 224. 3 - مناهج الوصول 1: 231، تهذيب الاصول 1: 128. 4 - كفاية الاصول: 77. 5 - فوائد الاصول 4: 574.

[ 92 ]

[ سقط الخيار من الطرفين ولزم البيع، ] والذي هو المحرر عندي: أن الفقهاء العظام لا يليق بهم إلا توجيه الناس نحو الاحكام، وحدود المداخلات الشرعية في الموضوعات العرفية، وأما التعرض لتعيين المصاديق والحدود اللغوية، فهو ربما ينتهي إلى الاغراء بالجها لة، والالقاء في الهلكة، ضرورة أن آراءهم في مفهوم الافتراق غير لازمة الاتباع، فلو عينوا حده يحذو حذوهم العقلاء المقلدة؟! مع أن الامر بالعكس، ولذلك ترى أن رواياتنا بأسرها خالية عن تعيين حدود الموضوعات، وكانوا (عليهم السلام) يوكلون هذه المرحلة إلى الناس حسب عقولهم، فالبحث عن هذه المفاهيم من اللغو المنهي عنه، وربما يكون خلاف الاحتياط جدا، ولذلك قال - مد ظله -: وتحقق بها الافتراق عرفا. قوله مد ظله: سقط الخيار. اتفاقا قطعيا (1) في مفروض كلامه، حيث إن الظاهر منه افتراقهما معا. ولو فارق أحدهما، وبقي الاخر، فربما يقال: بأنهما أيضا افترقا، لان البقاء في المحل بالاختيار افتراق إرادي، فيصح إسناد الفراق إليهما كما عن الفخر (2)، نظرا إلى علة عليلة. وقد أصر المصنف - مد ظله - على أن النسبة صادقة، لان مادة


1 - مفتاح الكرامة 4: 542 / السطر 18. 2 - إيضاح الفوائد 1: 482.

[ 93 ]

[... ] الافتراق وإن لا تقتضي شيئا إلا نفس الطبيعة، ولكن هيئة باب الافتعال للمطاوعة، فلو فارق أحدهما الاخر يكون الاخر مفترقا بقبول الفراق، فيسقط الخيار في جميع الفروض بافتراقهما، سواء اخذ أحدهما في الفراق، أو اخذا معا فيه، وسواء فيه الافتراق الاكراهي وغيره، بل لا يجري في المطاوعة الاكراه. نعم، يتصور الاكراه بالنسبة إلى البقاء في المجلس. وقد يظهر هذا أيضا من الفقيه اليزدي (قدس سره) (1) والعلامة الايرواني (قدس سره) (2). وبالجملة: من قوله - مد ظله -: من الطرفين يظهر أن النظر في قوله: ولو افترقا أي ولو افترق كل منهما سقط عنهما، وأما أن سقوط خيار الطرف مستند إلى أن افتراق الاخر غاية خيارهما، أو أن افتراق كل غاية خيار نفسه فهو أمر آخر، ولكن لا يلزم في صدق الافتراق على الاخر أن يتصدى للافتراق بالفاعلية. والذي هو التحقيق: أن لهيئة باب الافتعال معاني، ومنها المطاوعة، وكثيرا ما تجئ لغير المطاوعة، ومنها قوله تعالى: (لها ما كسبت وعليها


1 - حاشية المكاسب، السيد اليزدي 2: 14 / السطر 11. 2 - حاشية المكاسب، المحقق الايرواني 2: 14 / السطر 11.

[ 94 ]

[... ] ما اكتسبت) (1). وقوله تعالى: (عند مليك مقتدر) (2). وقوله تعالى: (اجترحوا السيئات) (3). ومنه اجتذب بمعنى جذب، واحتسب بمعنى حسب، وهكذا مما يطلع عليه الخبير البصير. ودعوى: أن الاظهر من معانيه غير المطاوعة قريب. وفي مادة الافتراق قالوا: هو ضد اجتمعوا مع أن الاجتماع يحصل بفعلهم، ولا ينبغي الخلط بين اللازم والمطاوعة. ولو شك في المسألة، فلا يتم ما سلكه أيضا، ولابد من التمسك بالاصول، وهي مختلفة، فتأمل. ثم إن الظاهر من المطاوعة أن الفاعل غير القابل، مع أنهم غير ملتزمين به كما هو الواضح. وربما يؤيد المطاوعة: أن الاخبار المتضمنة لخيار المجلس عن طريق العامة، كلها مشتملة على التفرق (4) وهو أيضا للمطاوعة. وفيه ما مر، فإن باب التفعل يجئ لغير المطاوعة، على وجه


1 - البقرة (2): 286. 2 - القمر (54): 55. 3 - الجاثية (45): 21. 4 - صحيح البخاري 3: 136، كتاب البيوع، الباب 220 - 225.

[ 95 ]

[... ] لا يمكن أن يحمل عند الشك على المطاوعة، ومنه قوله تعالى: (فتبينوا) (1) و (تفسحوا) (2) و (أفلا يتدبرون) (3) وغير ذلك. ولعمري إن ما قرع سمعهم الشريف كان من عهد صباهم رحمهم الله تعالى. ثم إن الظاهر من المتن ومن إطلاقه، أن الافتراق بما هو هو سبب سقوط الخيار. وما قيل: من أن المسقط هو الالتزام القلبي، والافتراق كاشف عنه نوعا، فاسند إليه لاجله (4) غير صحيح، وأن الرضا ليس شرطا وقيدا، فلو حصل الافتراق وإن لم يكن عن رضاهما، يسقط الخيار. إن قلت: هذا خلاف معتبر الفضيل، عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: البيعان بالخيار ما لم يفترقا، فإذا افترقا فلا خيار بعد الرضا منهما (5). فإن الظاهر أن الافتراق المتقيد بالرضا مسقط، ونتيجة التقييد المزبور عدم كفاية الافتراق الاكراهي والسهوي والذي يحصل عن جهل


1 - النساء (4): 44، الحجرات (49): 6. 2 - المجادلة (58): 10. 3 - النساء (4): 82، محمد (47): 24. 4 - المكاسب، الشيخ الانصاري: 222 / السطر 31. 5 - الكافي 5: 170 / 6، وسائل الشيعة 18: 6، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 1، الحديث 3.

[ 96 ]

[... ] وعن إطارة الريح. بل لازم الجمع بينه وبين الاخبار الحاكية لفعل الباقر (عليه السلام) - حيث إنه (عليه السلام) أسرع في المشي والخروج عن المجلس، ليجب البيع حين الافتراق (1)، مع أن الطرف حسب الظاهر كان باقيا، وربما لم يكن راضيا - أن افتراق أحدهما إذا كان مقرونا برضاه، هو غاية سقوط الخيارين. وبذلك يجمع بين هذه الطائفة والمطلقات، بأن افتراقهما مسقط للخيارين، وافتراق أحدهما أيضا يورث سقوط الخيارين إذا كان عن الرضا المقرون به. قلت: لهذه المسألة تفصيل طويل الذيل تعرضنا له بشقوقه المحتملة في كتابنا الكبير، وقد أعرض المصنف عن الرواية، معللا بأنها مجملة، لما تحتمل احتمالات من ناحية التقييد بالرضا، ومن ناحية التقييد بقوله (عليه السلام): بعد الرضا ومن جهة أن تقييد تلك المطلقات بها يستلزم الغلط، ولا تكون المسألة من باب حمل المطلق والمقيد، ضرورة أن المطاوعة إذا قيدت بالرضا، ترجع إلى غير المطاوعة (2).


1 - وسائل الشيعة 18: 8، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 2، الحديث 1 و 2 و 3. 2 - البيع، الامام الخميني (قدس سره) 4: 165 - 167.

[ 97 ]

[... ] وقد أجبنا عن هذه المناقشات هناك بما لا مزيد عليه، وذكرنا أن المنظور من هذه الرواية - بعد الجمع بينها وبين غيرها - هو أن التفرق الاكراهي لا أثر له، وكأن العامة كانوا يتمايلون - حسب أخبارهم - إلى كفاية مطلق الافتراق، وهو أحد قولي الشافعية (1)، وربما كان هو في عصر الرواية أظهر وأشهر، فتكون ناظرة إلى مقالتهم الفاسدة، ولذلك ذهب المشهور - المدعى عليه الاجماع - إلى بقاء الخيار إذا كان الافتراق إكراهيا (2). ويحتمل الحمل على التقية، لما أن القول الاخر مشهور عندهم، بل لم ينسب إليه في الفقه على المذاهب الاربعة إلا بقاء الخيار إذا افترقا عن كره (3)، فليتأمل جيدا. وبعد اللتيا والتي تكون الرواية من جهة موافقتها لمذهب العامة مطروحة، ولاجل ذهاب المشهور إلى مضمونها مأخوذة، وفيما دار الامر بينهما تقتضي الصناعة بقاء الخبر على حجيته، لتعارضهما. اللهم إلا أن يقال: بتقدم الموافقة على المخا لفة لتقدمها في


1 - تذكرة الفقهاء 1: 518 / السطر 13، المجموع 9: 181 - 182. 2 - جواهر الكلام 23: 9. 3 - الفقه على المذاهب الاربعة 2: 172.

[ 98 ]

[ ولو فارقا مجلس البيع مصطحبين بقي الخيار. ] الاخبار العلاجية (1) أولا، ولان الشهرة تزيل موضوع المراجعة إلى المرجحات، فتأمل. قوله مد ظله: بقي الخيار. بلا خلاف معتد به بين المسلمين (2)، نعم عن بعض الشافعية غريبة في المسألة (3). ويمكن المناقشة فيه أولا: بالانصراف. وثانيا: بأن الظاهر من افترقا هو أن يفترق كل عن الاخر بالقياس إلى أمر ثالث، وهو مجلس البيع. وثالثا: أن السقوط مقتضى التسمية، وإلا كان ينبغي أن يسمى ب‍ خيار الاجتماع ولازم ذلك عدم ثبوت الخيار إذا كان البيع حال المشي، لما لا مجلس للبيع. وأنت خبير بما في جميع هذه التخيلات، بعد تمامية الاطلاقات، والتسمية - بعد تصريحهم ببقاء الخيار كدعوى الانصراف - لا تنفع شيئا.


1 - وسائل الشيعة 27: 106، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي وما يجوز أن يقضى به، الباب 9. 2 - مفتاح الكرامة 4: 542 / السطر 13. 3 - تذكرة الفقهاء 1: 517 / السطر 26، المجموع 9: 180 / السطر 9.

[ 99 ]

[... ] وقضية إطلاق المتن بقاء الخيار ولو كانا متلاصقين، أو كان البيع والمشتري واحدا شخصيا يتولى طرفي العقد. وعدم إمكان طرو المسقط من ناحيه الافتراق لا ينافي ثبوته، لا مكان إسقاطه بسائر المسقطات، كما لا يخفى. والانصاف: أن المتن كما يكون منصرفا عن الفرضين الاخيرين، تكون الاخبار مثله، ولا سيما بشهادة قوله (عليه السلام): فإذا افترقا وجب البيع (1) فإنه يشهد على أن مصب الخيار مخصوص بما إذا أمكن التفرق، ضرورة أن كلمة: إذا الشرطية موضوعة عند النحاة للشرط الذي يتحقق (2)، فاغتنم. ومن هنا يظهر وجه كون المتبايعين بالهاتف ونحوه - ولو رأيا صورتهما - بالخيار، كما لو تناديا من بعيد، ويظهر أيضا وجه المناقشة، لان افتراقهما حاصل. ودعوى إمكان الافتراق ولو بأن يقتربا ممكنة، ولكنها مخدوشة. اللهم إلا أن يقال: بأن الافتراق والبعد ذوا مراحل قريبة وبعيدة، كما ينبئ عنه العارف الهمداني بقوله:


1 - الكافي 5: 170 / 7، وسائل الشيعة 18: 6، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 1، الحديث 4. 2 - مختصر المعاني في شرح تلخيص المفتاح 1: 139.

[ 100 ]

[... ].......... كه اين دورى بس يا دورتر شم (1) وعليه يثبت الخيار، ويسقط بافتراقهما بإيجاد البعد الاكثر، فتدبر.


1 - قال بابا طاهر الهمداني ما هذا لفظه: بشم از حاجيان حج بپرسم كه اين ديرى بسه يا ديرتر شم

[ 101 ]

[ الثاني: خيار الحيوان فمن اشترى حيوانا ثبت له الخيار إلى ثلاثة أيام ] قوله مد ظله: ثبت له الخيار. إجماعا وبلا خلاف بين أصحابنا الامامية (1)، ويظهر أنه من مختصاتنا الثابتة بالنص الحاكي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) (2) والاخبار المروية عن أئمتنا المعصومين (عليهم السلام) (3) وسيأتي أن في الحيوان خيارا يمتد إلى ثلاثة أيام، وهو غير خيار المجلس (4). نعم، اختار المصنف في درسه أن خيار المجلس لا يأتي في الحيوان (5)، وبه يقول الفقيه اليزدي (قدس سره) (6) والعلامة الايرواني (رحمه الله) (7) فيكون إطلاق ما مر في الخيار السابق ممنوعا، وهو عندنا غير جيد. ثم إن قضية إطلاق المتن ثبوت الخيار في مطلق الحيوان، إلا أن قوله - مد ظله -: حيوانا ربما يشعر بممنوعية جريانه في الكلي، كما منعه


1 - مفتاح الكرامة 4: 553 / السطر 1، جواهر الكلام 23: 23. 2 - الكافي 5: 170 / 5، وسائل الشيعة 18: 5، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 1، الحديث 1 و 2. 3 - وسائل الشيعة 18: 10، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 3. 4 - يأتي في الصفحة 105 - 106. 5 - البيع، الامام الخميني (قدس سره) 4: 94 - 95 و 183 - 185. 6 - حاشية المكاسب، السيد اليزدي 2: 17 / السطر 28. 7 - حاشية المكاسب، المحقق الايرواني 2: 17 / السطر 14.

[ 102 ]

[ من حين العقد. ] جمع (1)، ويقوى في النظر جريانه في الكلي في المعين، لا المقيد، فإنه غيره كما تحرر في محله. ولو كان يموت قبل ثلاثة أيام، وكانت حياته غير مقصودة بالبيع، ففي جريان الخيار وجهان، منعه في مجلس بحثه (2)، ولذلك لا يكون تلفه من التلف قبل القبض، ولا يكون إتلافه مورث الضمان. ولكنه بمعزل عن التحقيق، قضاء للاطلاقات، ولان خيار الحيوان ليس قصديا، وإلا يلزم إنكاره فيما إذا اشترى الحيوان مكيلا أو موزونا باعتبار اللحم، كما هو المتعارف في بيع الشاة بين جمع من القصابين. وفي المسألة بالنسبة إلى الحيوانات الخاصة دعاوي الانصراف كثيرة، يطلب تفصيلها من كتابنا الكبير. قوله مد ظله: من حين العقد. على المشهور المعروف المدعى عليه الاجماع (3). وعن ابن زهرة حكاية كون المبدأ فيه بعد التفرق من مجلس


1 - المكاسب، الشيخ الانصاري: 224 / / السطر 19 - 20، البيع، الامام الخميني (قدس سره) 4: 177. 2 - لاحظ البيع، الامام الخميني (قدس سره) 4: 176. 3 - جواهر الكلام 23: 23، لاحظ مفتاح الكرامة 4: 553 / السطر 1.

[ 103 ]

[... ] البيع (1)، أي بعد سقوط خيار المجلس. ويؤيده - مضافا إلى الاصل لو شك فيه - أن خيار الحيوان مجعول بعد خيار المجلس، فتكون أخباره منصرفة إلى العقد اللازم، لما لا حاجة إلى جعل الخيار ثانيا، فيكون المبدأ من حين اللزوم، وهو الافتراق، وأن مقتضى جمع من الاخبار أن تلف الحيوان من مال البائع (2)، ولو كان المشتري له الخيار فالتلف منهما، لان التلف في زمان الخيار المشترك ليس من مال البائع، وفي زمان الخيار المختص من مال من لا خيار له. هذا مع أن الادلة ولو كانت بحسب الظاهر تقتضي كون المبدأ حين العقد، لانه مبدأ الاتصاف بالصاحب، ولكن قضية العقل - وهو امتناع جريان الخيار الثاني في البيع الخياري - هو مبدئية الافتراق، ضرورة أن العقد لا يقبل التزلزل مرتين، كما لا يقبل اللزوم مرتين، ولا يعقل أن يترشح الجد من الجاعل بعد كونه خياريا، وهذا هو المراد من اجتماع السببين على مسبب واحد. وأما إذا اريد منه اجتماع الخيارين على العقد الواحد، فهو ليس من اجتماع السببين، لانه لا منع من أن يكون له خياران، ولكنه في مقام


1 - الغنية، ضمن الجوامع الفقهية: 525 / السطر 33 - 34. 2 - وسائل الشيعة 18: 14، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 5.

[ 104 ]

[... ] الاعمال لا يستفيد إلا من واحد منهما، فتأمل. ثم إنه يلزم أيضا اجتماع المثلين في العقد، وهو محال كاجتماع الضدين. وأنت خبير: بأن هذه الشبهات وإن كانت حسبما قررناه قوية، ولا يكون جواب القوم عنها كافيا، إلا أنه مندفعة بما تحرر تفصيله. وإجماله: أن العقد الخياري ليس متزلزلا عندنا، بل الخيار آلة لهدم العقد أعطاها الشرع أو العقلاء، ولو لا اللزوم الموجود في الاعتبار الثابت للعقد، لما كان لاعتبار الاختيار والاقتدار على حل العقد وجه صحيح. وأن النسبة بين خيار المجلس والحيوان - بحسب المصب - عموم من وجه وعندئذ يمكن ترشح الارادة الجاعلة بعد كون الخيار المجعول متصفا بقيد آخر، وإن كانت الخيارات واحدة بالطبيعة، إلا أنها في مرحلة الجعل تصنف، فيكون أحدها خيار المجلس، والاخر حيوانا... وهكذا. وحديث اجتماع السببين على مسبب واحد، ينحل - على تقدير صحته الاجمالية - بأن العقد يمكن إزالته وإعدامه بخيارين واقتدارين، لان السببية ليست واقعية، بل هي اعتبارية، فيصح أن ينحل العقد بهما، كما ربما يقتل شخص بالالتين العرضيتين اللتين كان يكفي كل واحدة منهما للقتل، فلا تخلط.

[ 105 ]

[... ] وعلى ما ذكرنا من اختلاف مصب الخيارين بالاضافة، يظهر عدم لزوم اجتماع المثلين. مع أن اجتماع الضدين والمثلين في الاحكام الشرعية الاعتبارية، ليس ممتنعا ذاتا، بل امتناعه يرجع إلى امتناع تمكن المولى من الجعل، فتأمل تعرف. فتحصل لحد الان: أن مبدأ الخيار هو العقد. نعم، إذا قلنا: بأن خيار المجلس لا يجري في بيع الحيوان، فلا يتوجه إشكال، ويكون حل المشاكل بإنكار المبنى والاساس أسهل ولاجل هذه الشبهات، وطائفة من الاثار - وأظهرها قوله (عليه السلام) في معتبر محمد بن مسلم: المتبايعان بالخيار ثلاثة أيام في الحيوان، وفيما سوى ذلك من بيع حتى يفترقا (1) - ذهبوا إلى أن خيار المجلس مخصوص بما سوى الحيوان (2)، ضرورة أن الظاهر منه هو أنه (عليه السلام) اعتبر الخيار الواحد في الحيوان إلى كذا، وفي غيره إلى كذا. وأنت خبير: بأن الخيار المجعول إلى ثلاثة هو خيار الحيوان، وهذا المجعول لا يعقل أن يكون لغير الحيوان إلى أن يفترقا، فما هو


1 - تهذيب الاحكام 7: 23 / 99، وسائل الشيعة 18: 10، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 3، الحديث 3. 2 - مفتاح الكرامة 4: 554 / السطر 28، جواهر الكلام 23: 28.

[ 106 ]

[ وفي ثبوته للبائع أيضا إذا كان الثمن حيوانا إشكال، ] المجعول في الحيوان غير ما هو المجعول في غير الحيوان، وحينئذ لا ينعقد ظهور لفظي للتقييد بالنسبة إلى المطلقات الناطقة بثبوت خيار المجلس للبيعين إلى أن يفترقا، فليتأمل جيدا. هذا مع أن هذا الخبر مورد المناقشة والاجمال من جهات مختلفة، وإن فرغنا عن إجما له بتوضيحات في الكتاب الكبير، وظهوره في ثبوت الخيار للبائع ولو كان الثمن نقدا مورد الاعراض، كما سيظهر توضيحه إن شاء الله تعا لى (1). هذا كله حول ما قيل. والذي قويناه: هو أن مبدأ الخيار في المعاطاة بعد نقل الحيوان إلى المشتري، وفي غيرها بعد حصول القبض، نعم قبض الوكيل يكفي (2). قوله مد ظله: إشكال. أما إذا كان الثمن غير حيوان، فقد ذهب معظم أصحابنا الاقدمين - كالشيخين (3)، والصدوقين (4)، والاسكافي (5)، وابن حمزة (6) - وكثير آخرون


1 - يأتي في الصفحة 108 - 109. 2 - تقدم في الصفحة 89. 3 - المقنعة: 592، المبسوط 2: 78. 4 - لاحظ مفتاح الكرامة 4: 554 / السطر 3 والمكاسب، الشيخ الانصاري: 224 / السطر 21. 5 - لاحظ مختلف الشيعة: 350 / السطر 21. 6 - الوسيلة: 248.

[ 107 ]

[... ] كما في المقابيس (1) إلى عدمه، وهو المعروف بين المتأخرين (2)، وعليه الاجماع المحكي عن الغنية (3) وظاهر الدروس (4). ولعله هو رأي السيد في الانتصار (5) وما نسب إليه فيه من أنه يقول بثبوت الخيار له (6)، غير محرز. ويشهد لما احتملناه دعواه الاجماع، مع أنه بلا وجه جدا، لعدم القول بخيار الحيوان بين المخا لفين أصلا، ولذهاب الطائفة إلى عدمه للبائع في هذه المسألة. ويؤيد ما نسب إليه ما اشير إليه آنفا، وهو معتبر محمد بن مسلم الظاهر فيه. وما قيل: من أن المتبايعين في الحيوان معناه التبايع فيه، فيكون الثمن أيضا حيوانا كما في الوسائل (7) وهو مختار المصنف في درسه (8)،


1 - لاحظ مقابس الانوار: 243 / السطر 31. 2 - جامع المقاصد 4: 291، مجمع الفائدة والبرهان 8: 391، جواهر الكلام 23: 24. 3 - هذه العبارة سقط من الغنية المطبوعة في ضمن الجوامع الفقهية راجع إلى سلسلة الينابيع الفقهية 13: 211. 4 - الدروس الشرعية 3: 272. 5 - الانتصار: 207. 6 - نسب إليه الشيخ الانصاري في المكاسب: 224 / السطر 29. 7 - وسائل الشيعة 18: 10، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 3، ذيل الحديث 3. 8 - البيع، الامام الخميني (قدس سره) 4: 180.

[ 108 ]

[... ] غير موافق لقوله (عليه السلام): وفيما سوى ذلك فإن الظاهر من قوله: سوى ذلك هي الحنطة والشعير والعناوين الذاتية، والضرورة قاضية بعدم لزوم المماثلة في خيار المجلس بين الثمن والمثمن. هذا مع أن الظاهر من الخبر هو أن خيار الحيوان منحصر في المتبايعين في الحيوان، وأن تمام الموضوع لخيار الحيوان هو المتبايعان، مع أن الامر ليس كذلك، وحمل كلام الامام (عليه السلام) - بعد كونه ملقى بدوا من غير سؤال - على بيان فرع من فروع المسألة، غير تام جدا. فحجية السند بعد هذه الغائلة ممنوعة، مع ما مر: من أن قوله (عليه السلام): وفيما سوى ذلك من بيع حتى يفترقا لا يخلو عن الاجمال، لان الصدر كان يكفي عن هذا التقييد، وقد أوضحناه حلا لهذه المشكلة في محله، فراجع. ومن الغريب ما في كلام الشيخ الاعظم (قدس سره) من تأييد هذا الخبر (1)، وأنه لا يعارضه معتبر ابن رئاب!! مع أن معتبر ابن رئاب صريح في أن الخيار ليس للبائع، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل اشترى جارية، لمن الخيار للمشتري، أو للبائع، أو لهما كليهما؟ فقال: الخيار لمن اشترى ثلاثة أيام نظرة، فإذا مضت ثلاثة أيام فقد وجب الشراء (2).


1 - المكاسب، الشيخ الانصاري: 224 / السطر 31. 2 - قرب الاسناد: 78، وسائل الشيعة 18: 12، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 3، الحديث 9.

[ 109 ]

[ بل عدمه لا يخلو من قوة. ] فلو كان يمكن الجمع بين هذه الاخبار، لكان حمل خبر محمد بن مسلم على غير مورد خبر ابن رئاب معينا. وبالجملة: الاخبار (1) متعاضدة في صراحتها على اختصاص الخيار بالمشتري، وأن البائع إذا كان الثمن غير حيوان لاخيار له، وقضية المعارضة ترجيح جانب المشهور، لما أن الاخبار مشهورة ولان إنكار الخيار للبائع مطابق للكتاب (2)، فتأمل. ويمكن أن يقال: بأن هذه الاخبار بصدد حصر خيار الحيوان بالمشتري، في مقابل سائر المعاملات والمعاوضات، فيكون ظاهر خبر محمد بن مسلم، معارضا مع صريح ابن رئاب، ولكن قوة السند الاول تترجح مع كونه في الكتب الاربعة. ولا يخفى ما فيه. قوله: من قوة. وفاقا لظاهر المشهور (3)، وخلافا لجمع من المتأخرين، ومنهم الفقيه الاصفهاني (قدس سره) (4) وللمصنف في درسه (5)، حيث قوى جريانه في مبادلة


1 - وسائل الشيعة 18: 10، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 3 - 4. 2 - المائدة (5): 1. 3 - جواهر الكلام 23: 24، المكاسب، الشيخ الانصاري: 224 / السطر 20. 4 - وسيلة النجاة 2: 18. 5 - البيع، الامام الخميني (قدس سره) 4: 180 - 183.

[ 110 ]

[... ] الحيوان بالحيوان، قضاء لمعتبر محمد بن مسلم السابق، وأن الاخبار الناطقة بأن خيار الحيوان للمشتري، في مقابل نفى الخيار عن البائع في البيوع المتعارفة، وهو بيع الحيوان بغير الحيوان، أو بالنقد، فيكون قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): وصاحب الحيوان... (1) مأخوذا إطلاقه، فيكون البائع بالخيار إذا كان صاحب الحيوان. وأما معتبر ابن فضال قال: سمعت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) يقول: صاحب الحيوان المشتري بالخيار ثلاثة أيام (2) ففيه احتمال القراءتين: الفتح، والكسر، وعلى هذا يحتمل كونه قيدا محققا للموضوع، ولا مفهوم له. ولا يخفى حزازته، هذا مع أن الاحتمال المزبور يأتي على القراءتين، فيكون الخبر دافعا لاحتمال كون صاحب الحيوان بالارث بالخيار. نعم، احتمال كونه في مقام رد احتمال سريان خيار الحيوان في غير البيع والشراء، فيكون له المفهوم من هذه الجهة، لا يخلو عن بأس. ولكن الانصاف: أن هذه الرواية ناظرة إلى قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) بإيراد القيد فيه، ولا يكون هنا احتمال إلا احتمال كون البائع الصاحب بالخيار فدفعه.


1 - الكافي 5: 170 / 5، وسائل الشيعة 18: 5، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 1، الحديث 1 و 2. 2 - تهذيب الاحكام 7: 67 / 287، وسائل الشيعة 18: 10، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 3، الحديث 2.

[ 111 ]

[... ] وأما توهم: أن الاختصاص خلاف المذاق الظاهر من الاخبار، وخلاف المناسبات بين الحكم والموضوع (1)، فهو قوي جدا، ولكن إذا تأملنا في أن تقنين القوانين الكلية، ربما يكون بلحاظ الملاحظات الخاصة التي هي حاصلة في المسائل المبتلى بها نوعا، دون الموضوعات النادرة في جنبها، مثلا تحريم الربا في البيع لاجل المفاسد، ولكن لا بأس بتحليله في غيره مثلا كالصلح ونحوه، لاجل قلة وجوده، فإن المفسدة المترتبة على قليل الوجود لا يهم الشرع دفعها. وهكذا فيما نحن فيه، فإن التوسعة المقصودة هنا على المشتري، مورد اهتمام الشرع، دون البائع، لندرة كونه صاحب الحيوان، ولا يصح قياس منطقة الصدور في مثل القوانين الاسلامية التي جاءت لعائلة البشر في جميع الاعصار والامصار. وينبغي أن تدققوا النظر في هذه المسألة، فإنها تنفعكم في الفقه كثيرا، وتستلزم المحاسن الكثيرة كما لا يخفى. وبناء على هذا، يكون قوله (عليه السلام): وصاحب الحيوان المشترى... على القراءتين مورث القيد أيضا، لانه ناظر إلى ما صدر عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) كما هو الظاهر.


1 - لاحظ البيع، الامام الخميني (قدس سره) 4: 183.

[ 112 ]

[ مسألة 1: لو تصرف المشتري في الحيوان تصرفا يدل على الرضا دلالة نوعية، ويكشف عنه كشفا غالبيا، سقط خياره، مثل نعل الدابة، وأخذ حافرها، وقرض شعرها، وصبغها، بل وصبغ شعرها، إلى غير ذلك. ] قوله مد ظله: سقط خياره. في مفروض المتن سقوط الخيار لعله القدر المتيقن من الاجماع المحكي عن التذكرة (1) وهو صريح المحكي عن عبائر جمع من القدماء (2)، بناء على أن يكون المراد من التصرف المزبور - بضميمة الامثلة المزبورة - هو إحداث الحدث. والمهم في المسألة نصوصها الناطقة: كمعتبر الصفار بأنه إذا أحدث فيها حدثا فقد وجب الشراء إن شاء الله تعالى (3). وفي معتبر ابن رئاب: فإن أحدث المشتري فيما اشترى حدثا قبل الثلاثة الايام، فذلك رضا منه، فلا شرط... (4). فإن المستفاد من أخبار المسألة بدوا، هو أن الالتزام والرضا بالعقد


1 - تذكرة الفقهاء 1: 519 / السطر 8. 2 - المقنعة: 599، الوسيلة: 248، النهاية: 408، السرائر 2: 280. 3 - تهذيب الاحكام 7: 75 / 320، وسائل الشيعة 18: 13، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 4، الحديث 2. 4 - الكافي 5: 169 / 2، وسائل الشيعة 18: 13، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 4، الحديث 1.

[ 113 ]

[... ] يلازم سقوط الخيار ولزوم البيع، وما يكون من الاحداث دليلا عليه يكون مسقطا، إلا في صورة القطع بالخلاف. وبالجملة: يتم ما في المتن، بناء على كفاية الالتزام والرضا، وأن الاخبار في المسألة ليس لها الاطلاق، حتى يلزم منه أن مطلق التصرف مسقط، أو الحدث غير الكاشف مسقط، بل الاخبار في موقف بناء العقلاء بحسب الصغرى، بعد تمامية الكبرى المشار إليها، فلا تعبد جديد من الشرع في هذه الناحية، ولو كان أصل خيار الحيوان تعبديا. ويدل على أن الكبرى ممنوعة: معتبر السكوني عن أبي عبد الله (عليه السلام): أن أمير المؤمنين (عليه السلام) قضى في رجل اشترى ثوبا بشرط إلى نصف النهار، فعرض له ربح فأراد بيعه. قال: ليشهد أنه قد رضيه فاستوجبه، ثم ليبعه إن شاء، فإن أقامه في السوق ولم يبع فقد وجب عليه (1). فان مقتضاه وقضية القاعدة، هو أن الخيار لا يسقط إلا بأمر تسبيبي يتسبب به إليه، كسائر الامور الانشائية، فلو كان معتبر ابن رئاب دليلا على كفاية الرضا، فهو يقيد بهذا الخبر.


1 - الكافي 5: 173 / 17، وسائل الشيعة 18: 25، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 12، الحديث 1.

[ 114 ]

[... ] وعلى أن الصغرى غير صحيحة: أن حمل المطلق في مكاتبة الصفار على صورة الحدث الخاص المقرون بالالتفات، حمل على النادر، وخلاف ما ذهب إليه المشهور ودل عليه النص، من أن التقبيل والنظر واللمس حدث (1)، فإنه ولو كان حدثا، ولكنه لا يلازم كونه كاشفا نوعيا، فعلى هذا ما في المتن غير تام كبرى وصغرى. والذي هو الاقرب: أن مسألة الخيار لا يسقط إلا بالاسقاط، وأما المسقط فلا يعتبر أن يكون قولا أو فعلا - بل قد تحرر منا في محله، عدم اعتبار السببية العقلائية في التسبب إلى الاسقاط - غير مسألة أن الحدث المستند إلى المشتري بما هو هو، هل يكون مورثا للسقوط تعبدا، أم لا؟ وما هو التحقيق في المسألة الاخيرة، هي مسقطية إحداث الحدث، كما في جملة من الاخبار في المواضع المختلفة (2)، وأن المستفاد من هذه الاخبار أن الحدث تعبدا من المسقطات، ولا يجوز التعدي من رواية إلى غير موردها، لان التصرفات الجنسية إما من الاحداث، أو تعبد في موردها


1 - الكافي 5: 169 / 2، وسائل الشيعة 18: 13، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 4، الحديث 1، وأيضا قرب الاسناد: 78، وسائل الشيعة 18: 13، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 4، الحديث 3. 2 - وسائل الشيعة 18: 13، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 4، و 18: 98، كتاب التجارة، أبواب أحكام العيوب، الباب 2.

[ 115 ]

[ وليس مطلق التصرف منه، ولا إحداث الحدث، كركوبها ركوبا غير معتد به، وتعليفها وسقيها. ] لخصوصية فيه، فإطلاق المكاتبة باق على حاله، وقوله (عليه السلام): فذلك رضا منه إما بيان تعبدي، أو توضيح لحكمة مسقطية الحدث، وفيه الاحتمالات الاخر التي ربما تنتهي به إلى الاجمال، فيبقى إطلاق المكاتبة على حاله. نعم، الركوب فراسخ، والتصرفات الاعتبارية كالبيع ونحوه، إذا كانت بداعي الاسقاط فهو، وإلا فيشكل الامر حسب الخبرين السابقين الظاهر من أحدهما أن ركوب فراسخ لا يسقط، والعرض للبيع - ولو انتهى إلى البيع - لا يكون كافيا لسقوط الخيار، والالتزام بهما مشكل جدا. قوله مد ظله: غير معتد به. لا يخفى: أنه إن اريد أن الركوب المعتد به من الاحداث، فهو ممنوع. وإن اريد أن الميزان ما يكشف نوعا عن الرضا والالتزام، والركوب المزبور منه، فهو خلاف الاخبار الناطقه بأن الاحداث موضوع السقوط. وإن اريد أن الركوب المعتد به بنفسه من المسقطات، فهو خلاف الظاهر من الخبر. وقد عدل المصنف في مجلس بحثه عن جعل الموضوع لحكم السقوط

[ 116 ]

[... ] عنوان التصرف (1) لما ليس في الاخبار منه العين والاثر، بل فيها الحدث المستند إلى المشتري وهو أخص من التصرف المطلق وبينه وبين التصرف الكاشف عموم من وجه، وقد أشرنا إلى أن تقييد إحداث الحدث بالكاشفية النوعية. نعم، ممنوع لو كان تقييد المكاتبة بمعتبر ابن رئاب ممكنا، ولكنك عرفت أنه تقييد بالنادر (2). مع أن في متنه الاضطراب. ولو وصلت النوبة بعد عدم إمكان التقييد إلى المعارضة، فالشهرة مع المكاتبة. مع أن الاعتبار يساعدها، ضرورة أن من أبواب الخدعة والخيانة أن يشتري الدابة ويستفيد منها في الثلاثة الايام، ثم يردها في الساعة الاخيرة، وهذا مما يشكل الالتزام به، ولذلك يقوى في النظر أن الفسخ إما يكون من الابتداء، فيكون ضامنا، وهذا خلاف صريح بعض الروايات، كمعتبر الحلبي (3)، أو يكون التصرف بالركوب - بغير داعي الاختبار ومقدماته ومقارناته - من الحدث، فتأمل فإن المسألة لا تخلو من نوع غموض، والله من وراء القصد.


1 - البيع، الامام الخميني (قدس سره) 4: 201 - 202. 2 - تقدم في الصفحة 113 - 114. 3 - الكافي 5: 173 / 1، وسائل الشيعة 18: 26، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 13، الحديث 1.

[ 117 ]

[ مسألة 2: لو تلف الحيوان في مدة الخيار فهو من مال البائع، ] قوله مد ظله: من مال البائع. بالضرورة سواء قلنا: بأنه في زمن الخيار للبائع، كما نسب إلى الشيخ الاقدم (قدس سره) (1) أو قلنا: بأنه للمشتر ى، فإنه - حسب النصوص الكثيرة (2) - من مال البائع، ومنها معتبر عبد الله بن سنان قال: سالت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يشتري الدابة أو العبد، ويشترط إلى يوم أو يومين، فيموت العبد أو الدابة، أو يحدث فيه حدث، على من ضمان ذلك؟ فقال: على البائع حتى ينقضى الشرط ثلاثة أيام، ويصير المبيع للمشتري (3). ولا يخلو ما فيه من نوع مناقشة. وبا لجملة المسألة قطعية. نعم، ربما يناقش فيه: بأن الضمان في زمان الخيار المشترك من الطرفين، ومقتضى إطلاق هذه الاخبار اختصاص الضمان بالبائع ولو كان له خيار المجلس، وقد تحرر سابقا بعض الكلام حولها (4). والانصاف: أن دعوى انصرافها إلى صورة التلف بعد المجلس كما عن


1 - الخلاف 3: 22، المسألة 29. 2 - وسائل الشيعة 18: 14 كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 5. 3 - الكافي 5: 169 / 3، وسائل الشيعة 18: 14، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 5، الحديث 2. 4 - تقدم في الصفحة 103 و 105 وما بعدها.

[ 118 ]

[ فيبطل البيع، ويرجع إليه المشتري بالثمن إذا دفعه إليه. ] الشيخ الاعظم (قدس سره) (1) قريبة، إلا أنها تستلزم الضمان عليهما لو تلفت في المجلس، وهو خلاف ما يستظهر منهم حسبما نسب إلى المشهور، فالالتزام بالتقييد مما لا بأس به. وهنا بعض بحوث فصلناها في كتابنا الكبير. قوله مد ظله: فيبطل البيع. مسألة بطلان البيع آنا ما قبل التلف، أو بطلانه بعد التلف، أو عدم بطلانه رأسا، أو عدم كونه بيعا شرعا في زمان الخيار، مورد الخلاف بين الاخبار، وليست مسألة منصوصا بها إلا الوجه الاخير، فإن قضية جمع من الاخبار - ومنها الخبر السابق أيضا - أن المبيع ليس يصير ملكا للمشتري إلا بعد الثلاثة، فلا معنى لبطلان البيع إلا بمعنى سقوطه عن القابلية للتأثير، وقضية جمع آخر هو حصول الملكية، ومنها معتبر الحلبي المشار إليه الصريح في حلية شرب لبنها، وعدم الضمان بالنسبة إليه، وحيث إن قضية الجمع بينهما هو أن يكون النظر في الطائفة الاولى إلى استقرار الملكية، يكون البيع مؤثرا كما تقتضيه القواعد. ولو كانت الاخبار متعارضة تصل النوبة إليها، وتصير النتيجة كما تحررت. فإذا كان البيع مؤثرا، فانفساخه لابد وأن يكون بفاسخ، كالاقالة


1 - المكاسب، الشيخ الانصاري: 225 / السطر 19.

[ 119 ]

[... ] والخيار من الامور العقلائية، وإلا فيكون البيع باقيا، لان تصرف الشرع بكون الضمان على البائع، لا يتوقف على اعتبار الفسخ، ولا يؤثر اعتباره في الفسخ واقعا، لما لا واقعية له إلا عند الاعتبار العقلائي الذي هو على خلافه، فبطلان البيع بعد الموت وغيره غير موجه، فضلا عن القول: بأنه يبطل آنا ما، كما هو في كلام جمع منهم (1). نعم، يمكن دعوى بطلانه لاجل أن تلف المبيع من تلف مقوم العقد، وهذا يورث البطلان. وفيه: أن العقود ليست متقومة ببقاء العوضين، ويكفي بقاؤه في ظرف وجوده لحله بعد ذلك، وترتب الاثر عليه، أو يكفي بقاء العوض لبقاء العقد الحاصل بإنشاء العاقدين الباقي ببقائهما أو أحدهما، بل يكفي لبقائه الوراثة، كما هو كذلك في الخيار المورث. وبالجملة: بطلانه بموت المبيع يحتاج إلى الدليل، مع أنه خلاف الاصل. والذي هو الاقرب: أن للعقد موطنا، وللبيع موطنا آخر، العقد محله باق، بخلاف البيع، فيبطل البيع دون عقد البيع، وقد تحرر منا في محله التفكيك بينهما، ويترتب عليه الاثار الكثيرة. وهذا الذي أبدعناه لا ينافي في كون البيع لازما، فإن عقد البيع أمر


1 - مسالك الافهام 3: 216، المكاسب، الشيخ الانصاري: 301 / السطر 33.

[ 120 ]

[ مسألة 3: العيب الحادث في الثلاثة من غير تفريط من المشتري، لا يمنع عن الفسخ والرد. ] آخر تقدم على البيع والمبادلة، لانها أمر خارجي، وليس يحصل بالعقد ومجرد المعاقدة، فليتدبر واغتنم. قوله مد ظله: من غير تفريط. لو كان المناط ما في الاخبار وهو إحداث الحدث، فالتفريط لا يورث سقوط الخيار، نعم التعدي يورثه، فكأن العبارة محرفة، وكانت هكذا: من غير تعد من المشتري. نعم، التفريط إذا استلزم نسبة الحادث والحدث إلى المفرط صح، ولكنه غير تام، فتأمل. قوله مد ظله: لا يمنع. لانه خاصة خيار الحيوان، وإلا ينقلب هو إلى خيار العيب، وهو مقتضى إطلاق دليله. نعم، ربما يمكن المناقشة فيه، لاجل احتمال انصراف دليل الخيار إلى صورة انكشاف العيب في الثلاثة، وهو الظاهر من الحكمة ومن معتبر ابن رئاب في قرب الاسناد وفيه فقال: الخيار لمن اشترى ثلاثة أيام نظرة، فإذا مضت ثلاثة أيام فقد وجب الشراء... (1).


1 - قرب الاسناد: 78، وسائل الشيعة 18: 12، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 3، الحديث 9.

[ 121 ]

[... ] فإن المراد من النظرة هي الامهال للاطلاع على ما يظهر فيه، فيكون خيار الحيوان من موارد خيار العيب. نعم، يختلف معه لاجل دليله فيما إذا لم يظهر العيب بعد، ولكنه يحتمل ظهوره.

[ 122 ]

[ الثالث: خيار الشرط أي الثابت بالاشتراط في ضمن العقد، ويجوز جعله لهما، ] قوله مد ظله: ويجوز جعله لهما. لا إشكال بين الفقهاء في نفوذ خيار الشرط (1)، وعليه العقلاء من كافة الملل. نعم، ربما يناقش في ذلك بشبهات أشرنا إليها في كتابنا الكبير، وكلها مندفعة بما لا مزيد عليها، وتكون من الشبهة في قبال البديهة. هذا مع أن في كثير من النصوص ما يشهد على صحة الشرط المزبور، ففي معتبر السكوني، عن أبي عبد الله (عليه السلام): أن أمير المؤمنين (عليه السلام) قضى في رجل اشترى ثوبا بشرط إلى نصف النهار، فعرض له ربح فأراد بيعه. قال: ليشهد أنه قد رضيه فاستوجبه، ثم ليبعه إن شاء، فإن أقامه في السوق ولم يبع فقد وجب عليه (2). بناء على أن المراد من الشرط هو خياره. وفي خبر عبد الرحمان بن أبي عبد الله قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل اشترى أمة بشرط من رجل يوما أو يومين، فماتت عنده وقد قطع


1 - تذكرة الفقهاء 1: 519 / السطر 20، المكاسب، الشيخ الانصاري: 228 / السطر 4. 2 - الكافي 5: 173 / 17، وسائل الشيعة 18: 25، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 12، الحديث 1.

[ 123 ]

[ أو لاحدهما، أو لثالث. ] الثمن، على من يكون الضمان؟ فقال: ليس على الذي اشترى ضمان حتى يمضي شرطه (1). بناء على تمامية السند، وأن خيار الحيوان ساقط بلازم الشرط الاقل فيكون قوله (عليه السلام) في الجواب ناظرا إلى شرط الخيار، لا شرط الحيوان. ومعتبر ابن سنان عنه (عليه السلام) في حديث قال: وإن كان بينهما شرط أياما معدودة، فهلك في يد المشتري قبل أن يمضي الشرط، فهو من مال البائع (2). هذا مع أن العمومات كافية، والبناءات العقلائية لا ترتدع ببعض الشبهات الواهية، فيصح جميع ما في المتن من الفروض الثلاثة. قوله مد ظله: أو لثالث. حسب العمومات، بل وإطلاق بعض الاخبار السابقة، مضافا إلى دعوى الاجماع عليه (3)، وهو المفروغ عنه في المتون الفقهية، وفي


1 - الكافي 5: 171 / 9، وسائل الشيعة 18: 14، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 5، الحديث 1. 2 - تهذيب الاحكام 7: 24 / 103، وسائل الشيعة 18: 20، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 8، الحديث 2. 3 - لاحظ تذكرة الفقهاء 1: 521 / السطر 18، جواهر الكلام 23: 34، المكاسب، الشيخ الانصاري: 229 / السطر 11.

[ 124 ]

[ ولا يتقدر بمدة، بل هو بحسب ما اشترطاه، قلت أو كثرت، ] الجواهر بعد قول الشرائع: وله مع الاجنبي بلا خلاف أجده، بل الاجماع بقسميه عليه (1). وربما يناقش في ذلك أيضا بمناقشات ذكرناها في كتابنا الكبير مع دفعها، وأهمها أنه تدخل في سلطان الغير، وهو محرم، أو أنه تمليك يحتاج إلى القبول، فلا يثبت عموم المدعى. وأنت خبير: بأن الدخول في سلطان الغير بعنوانه ليس من المحرمات مع أنه لا يستلزم ذلك لو لم يكن مؤكدا لبسط سلطنته، هذا مع أن إعطاء الحق إليه - كما في الوقف - لا يحتاج إلى القبول، ولا يكون من الدخول في سلطانه. نعم عند تراكم الشبهات الكثيرة ربما يتقوى الانصراف. ولكن ربما كان بناء العقلاء على جعل الخيار للاجنبي البصير، وللدلالين الواقفين على حقيقة الحال، فالمناقشة غير جيدة جدا. قوله دام ظله: أو كثرت. ربما يناقش في الكثرة المستوعبة حياة العوضين، فإن الشرط في مقدار من الزمان المذكور في العقد، ولا يعلم المقدار الباقي، فيصير مجهولا بالعرض وإن كان معلوما بالذات، فتأمل.


1 - جواهر الكلام 23: 34.

[ 125 ]

[ ولابد من كونها مضبوطة من حيث المقدار، ] قوله مد ظله: مضبوطة. إجماعا صريحا (1) وقولا واحدا، معللا بالغرر المنهي في البيع (2) خاصا، وفي مطلق المعاوضات عاما، والشرط الغرري يورث غررية البيع لاجل تزلزله بالخيار، فلابد من معلومية مدة التزلزل، مع أن نفس الشرط غرري، والغرر منهي، وعلى هذا يكون الشرط المجهول خلاف الكتاب، فيكون باطلا. هذا مع أن المالية تختلف باختلاف الخيارية وغير الخيارية، فتختلف الما لية باختلاف مدة الخيارية. ويدل عليه مضافا إلى ما مر: الاخبار الماضية، حيث إنها مشتملة على الشرط المعلوم، وهو يشهد على مفروغية الحكم عند أصحابنا الاقدمين، ولعله هو المبني عليه عند العرف والعقلاء. أقول: في جميع هذه الوجوه مناقشة، والمهم أن كبرى المسألة غير نقية، لان الغرر المطلق المنهي أجنبي عن مسائل المعاملات، لانه عنوان خارج عنها، وحديث الحكومة واضح المنع، والغرر في البيع منهي بما لاسند له كما تحرر، ولا دلالة له أيضا، لاختلاف الاحتمالات فيها، وجبر


1 - مفتاح الكرامة 4: 563 / السطر 21، جواهر الكلام 23: 32. 2 - وسائل الشيعة 17: 448، كتاب التجارة، أبواب آداب التجارة، الباب 40، الحديث 3.

[ 126 ]

[ ومن حيث الاتصال والانفصال. نعم، إذا ذكرت مدة معينة كشهر مثلا واطلقت، فالظاهر اتصالها بالعقد. ] الدلالة بفهم الفريقين ليس من دأب المجتهدين إلا في بعض الاحيان. فعلى ما تحصل وفصلنا الكلام في محله: إن الجهالة المطلقة ممنوعة في غير الشرط، وأما في الشرط فالمسألة غير واضحة جدا. قوله دام ظله: والانفصال. خلافا لبعضهم حيث استشكل في صورة الانفصال: بأنه من الجواز بعد اللزوم، وهو غير جائز (1) غفلة عن خيار التفليس والرؤية. نعم، لنا تقريب آخر: وهو أن اللزوم اعتبار وحداني للعقد، وباق باعتبار بقائه، والشرط المزبور يرجع إلى شرط خلاف الكتاب، ضرورة أن الشرط المتصل يمنع عن حدوث اللزوم، فلا يكون خلاف الكتاب، وأما المنفصل فيزيل الحادث الثابت بالطبع حسب حكم الكتاب، ولا يتجزأ ولا ينحل إلى الاحكام حتى يقال: إنه أيضا راجع إلى المنع عن الحدوث في قطعة، وعلى هذا يشكل الامر في صورة الانفصال وهكذا نجوما ويوما، لا ويوما. نعم، ولو صح الشرط منفصلا، فلازمه جواز شرط الخيار في البيع الثاني للبيع الاول الفارغ عنه، مع أن الظاهر منهم عدم التزامهم به،


1 - كما قال به الشافعي، لاحظ تذكرة الفقهاء 1: 520 / السطر 38.

[ 127 ]

[... ] ولعله ضروري عندهم. ولكن بعد اللتيا والتي يستحسن هذا الاعضال على مبنى القوم، وأما على ما هو مختارنا - من أن جعل الخيار في ضمن العقد، ليس مورثا لتزلزل العقد، وخروجه عن اللزوم إلى الجواز الحقي، فضلا عن الحكمي - فلا يكون منافيا للكتاب، ولا مستلزما للتجزئة والتحليل. وأما ممنوعية جعل الخيار للبيع السابق، فهي غير واضحة حتى على رأي القوم في تفسير الشرط المخالف، ضرورة أن اللزوم ناشئ من الاطلاق، فيكون باقيا إلى طرو الخيار، فليتدبر جيدا. وأما حديث التجزئة، فهو وإن كان في حد ذاته غير صحيح، لان اللزوم من تبعات عقد البيع، والبيع غير مرهون بالزمان، ولكن جعل الخيار إلى مدة يستلزم تطبيق العقد بحسب صفة الخيار والاختيار منطبقا عليه، وعندئذ يجوز التقطيع، لما يترتب عليه الاثر كما هو الواضح.

[ 128 ]

[ مسألة 1: يجوز أن يشترط لاحدهما أو لهما الخيار بعد الاستئمار والاستشارة، بأن يتشاور مع ثالث في أمر العقد، فكل ما رأى من الصلاح إبقاء له أو فسخا يكون متبعا. ] قوله مد ظله: بعد الاستئمار. لعموم دليل الشرط. وأما المناقشة فيه: بأنه من جعل الخيار، ومبدأه مجهول، كما صنعه المصنف - مد ظله - في درسه (1). فمدفوع: بأن ما هو من الجها لة مضر غير حاصل، وما هو حاصل غير مضر، ضرورة أن في ظرف الانشاء لاخيار فلا تضر الجهالة وفي ظرف حدوث الخيار لاجهالة، لان المفروض امتداد الخيار في المدة المعلومة، ويكون مبدأه الاستشارة المجهولة الوقت. قوله مد ظله: يكون متبعا. ربما يتخيل المناقضة بين المفروض، وبين ما رتبه عليه، فإن المفروض كونه بالخيار، وما رتبه عليه كونه تابعا للمستشار في الفسخ والامضاء، وهذا ينافي الخيار. اللهم إلا أن يقال: بأنه بالخيار وهذا شرط آخر نافذ، ولكنه إذا


1 - البيع، الامام الخميني (قدس سره) 4: 221 - 222.

[ 129 ]

[ ويعتبر في هذا الشرط أيضا تعيين المدة، وليس للمشروط له الفسخ قبل أمر ذلك الثالث، ولا يجب عليه لو أمره، بل جاز له، فإذا اشترط البائع على المشتري - مثلا - بأن له المهلة إلى ثلاثة أيام حتى يستشير صديقه أو الدلال، فإن رأى الصلاح يلتزم به، ] تخلف عن رأيه يكون فسخه نافذا أيضا على خلاف ما رآه. ولو كان الشرط المزبور موجبا لتضييق الامر عليه يشكل صحته، لكونه خلاف مقتضى ذات الخيار، فتأمل. ويظهر من المصنف في العبارة أنه بالخيار بعد الاستشارة، ولا ينفذ فسخه قبلها، ولكن يجوز التخلف عن أمره، حيث قال: وليس للمشروط له الفسخ قبل أمر ذلك الثا لث، ولا يجب عليه لو أمره، بل جاز له انتهى، وهذا أيضا ينافي قوله: يكون متبعا فافهم. قوله مد ظله: تعيين المدة. حسب اصول المذهب والاجماع (1)، والمراد منه تعيين زمان الخيار، كثلاثة أيام وخمسة بعد الاستشارة، وقد مر ما ينفعك آنفا.


1 - جامع المقاصد 4: 292، مفتاح الكرامة 4: 563 / السطر 21.

[ 130 ]

[ وإلا فلا يكون مرجعه إلى جعل الخيار له على تقدير أن لا يرى صديقه أو الدلال الصلاح، لا مطلقا، فليس له الخيار إلا على ذلك التقدير. ] قوله مد ظله: يكون مرجعه. جواب عن الشرط، وصحة هذا الشرط أيضا بلا إشكال، وإنما الاشكال في أن الظاهر من قوله في الاشتراط: إن رأي الصلاح يلتزم به، وإلا فلا... أنه عندما لا يرى الصلاح لا يكون ملتزما بالعقد، ولا يلتزم به بعد ذلك، ونتيجة ذلك هو الانفساخ القهري. اللهم إلا أن يقال: بأن المقصود عدم الالتزام المساوق للخيار، لا الانفساخ.

[ 131 ]

[ مسألة 2: لا إشكال في عدم اختصاص خيار الشرط بالبيع، بل يجري في كثير من العقود اللازمة. ولا إشكال في عدم جريانه في الايقاعات، كالطلاق، والعتق، والابراء ونحوها. ] قوله مد ظله: لا إشكال في. تطلب هذه المسألة صحة وسقما في محالها إن شاء الله تعالى.

[ 132 ]

[ مسألة 3: يجوز اشتراط الخيار للبائع ] قوله مد ظله: يجوز اشتراط. عندنا كما في التذكرة (1) وعليه حكاية الاجماع عن غيرها (2). وتدل عليه النصوص الخاصة (3)، وأظهرها موثق إسحاق بن عمار قال: حدثني من سمع أبا عبد الله وسأله رجل وأنا عنده، فقال: رجل مسلم احتاج إلى بيع داره، فجاء إلى أخيه فقال: أبيعك داري هذه وتكون لك، أحب إلي من أن تكون لغيرك، على أن تشترط لي إن أنا جئتك بثمنها إلى سنة أن ترد علي. فقال (عليه السلام): لا بأس بهذا، إن جاء بثمنها إلى سنة ردها عليه. قلت: فإنها كانت فيها غلة كثيرة، فأخذ الغلة، لمن تكون الغلة؟ فقال (عليه السلام): الغلة للمشتري، ألا ترى أنه لو احترقت لكانت من ماله؟! (4). وفي الفقيه عن إسحاق بن عمار، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سأله


1 - تذكرة الفقهاء 1: 521 / السطر 39. 2 - جواهر الفقه، القاضي ابن البراج: 54، المسألة 192، جامع المقاصد 4: 293، مسالك الافهام 3: 202. 3 - وسائل الشيعة 18: 18، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 7 - 8. 4 - تهذيب الاحكام 7: 23 / 96، وسائل الشيعة 18: 19، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 8، الحديث 1.

[ 133 ]

[ إذا رد الثمن بعينه أو ما يعم مثله إلى مدة معينة، فإن مضت ولم يأت بالثمن كاملا لزم البيع، وهو المسمى ب‍ " بيع الخيار " في العرف. ] رجل (1)... ومثله ما في الكافي (2) فاحتمال كون الحديث مرسلا، مدفوع بما فيهما المتقدمين على التهذيب واحتمال أخذ التهذيب من كتاب آخر بعيد، وإن كان احتمال كون النسخة التي عند الشيخ منهما، أقوى من النسخة الموجودة، ولكن اضطراب روايات ابن عمار نوعا، يؤيد أن المقصود من قوله: وأنا عنده نفسه، لا الرجل السائل، فإنه غير مناسب. فبالجملة: جواز هذا الشرط مقطوع به عندنا، خلافا لبعض المخا لفين (3). قوله مد ظله: أو ما يعم مثله. والذي هو المتعارف في بيع الخيار اشتراط رد المثل، لان الحاجة إلى الثمن توجب البيع بالاقل، وهكذا الفرار من الربا القرضي يجر الناس إليه. نعم، رد العين هنا - كرد العين في القرض - لا بأس به بالضرورة. إن قلت: يشكل صحة هذا البيع، لان جعل الخيار بعد الرد يرجع إلى


1 - الفقيه 3: 128 / 559. 2 - الكافي 5: 171 / 10. 3 - تذكرة الفقهاء 1: 521 / السطر 41.

[ 134 ]

[... ] جهالة مبدأ الخيار، لما لا يكون زمان الرد معلوما، وقد ذهب المصنف إلى أن هذه الجها لة تضر، وفاقا لبعض آخر (1). قلت: قد عرفت في خيار الاستئمار دفع هذا الاشكال (2). إن قلت: جعل هذا الخيار ولو كان في ضمن العقد، يكون من قبيل الايقاع المشروط والمعلق. قلت: نعم، إلا أنه لمكان كونه من قبيل شرط النتيجة يكون جائزا، وقد ادعي ما يدل في الاخبار عليه خصوصا (3)، وقد تعرضنا له في كتابنا الكبير. إن قلت: إذا رد الثمن إلى المشتري يكون الخيار للبائع، فإذا فسخ فلابد من عود العين إلى البائع، وعود الثمن الاخر إلى المشتري، ضرورة أن معنى الشرط رد العوض الذي هو للمشتري إليه، فيكون هو له بنفس الرد، والالتزام بذلك واضح المنع. قلت: نعم، ظاهر الشرط رد مال المشتري إليه، إلا أن الفسخ لا يقتضي إلا حل العقد، وأما تبادل العوضين وتراجعهما فهو في محل قابل، وفيما نحن


1 - البيع، الامام الخميني (قدس سره) 4: 223 - 224. 2 - تقدم في الصفحة 128. 3 - البيع، الامام الخميني (قدس سره) 4: 223.

[ 135 ]

[... ] فيه لا محل له. وإن شئت قلت: إن مورد الاخبار هو أن رد الثمن سبب الفسخ، لقوله (عليه السلام) في الخبر السابق: إن جاء بثمنها إلى سنة ردها عليه. وهكذا في معتبر سعيد بن يسار قال (عليه السلام): إن جاء بالمال للوقت فرد عليه (1). فإن الخيار لا يتوسط بينهما، بل نفس الرد تمام السبب للفسخ، فيكون الشرط على وجه يكون الرد سببا للفسخ، وعلى هذا لا خيار ولا فسخ بعد الرد حتى يؤخذ بما هو لازمه، فاغتنم. لا يقال: إن الرد ليس من أسباب الفسخ، وأدلة الشروط قاصرة عن التشريع بالنسبة إلى باب الاسباب والمسببات. لانا نقول: - مضافا إلى عدم تمامية هذه الدعوى - إن الاخبار الخاصة تكفي لمشروعيته. هذا مع أن فسخ العقد وحله، ليس من تلك المسببات المخصوصة والمحصورة بالاسباب الخاصة والادوات والصيغ المعينة، فلا تخلط.


1 - الكافي 5: 172 / 14، وسائل الشيعة 18: 18، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 7، الحديث 1.

[ 136 ]

[ والظاهر صحة اشتراط أن يكون للبائع فسخ الكل برد بعض الثمن، أو فسخ البعض برد بعضه، ويكفي في رد الثمن فعل البائع ماله دخل في القبض من طرفه وإن أبى المشتري من قبضه، فلو أحضر الثمن وعرضه عليه ومكنه من قبضه، فأبى وامتنع، فله الفسخ. ] قوله مد ظله: والظاهر صحة. نعم، إلا أنه خارج عن مصب الاخبار، فلو كان لهذا الخيار أثر خاص، فهو في غير الصورتين. ووجه صحته إطلاق أدلة الشرط، لان مبدأ صحة هذا الخيار ليس إلا الاشتراط، وتكون أخبار المسأ لة دليلا على صحة الشرط في طي العقد، ولو الغيت الخصوصية بالنسبة إلى رد تمام الثمن يترتب عليه آثاره الخاصة لو كانت. وفي كون البائع بعد رد البعض وفسخ البعض، ذا خيار التبعض، كي يكون له استرداد ثمنه برد العين، أو يكون له التصرف في العين في صورة التأخير بانكشاف عدم نفوذ خيار المشتري تردد. ولا تردد إذا كان شرط المشتري من الاول رد البعض بحذاء البعض، كما هو المذكور في المتن. قوله مد ظله: فله الفسخ. نظرا إلى حصول الشرط، وذلك لان المتفاهم من الشرط ليس إلا تمكين المشتري وإقداره عليه.

[ 137 ]

[... ] ويمكن المناقشة في ذلك: بأن الشرط هو الرد إليه، وهو لا يحصل بذلك، كما تأتي الاشارة إليه في الرد إلى الوكيل والحاكم (1)، وبناء على هذا الاحتمال، يلزم جواز الامتناع من القبول اختيارا بالفرار أو بدونه، ويلزم جواز تهديد البائع على الرد، فإنه لا يثبت له الخيار إذا لم يرد، والالتزام بالفروض السابقة والمشابهة معها غير صحيح عرفا. نعم، في صورة التهديد إذا لم يرد يشكل الامر، كما لا يخفى والمسألة ليست إجماعية، ولا روائية، وما وجدنا من تعرض لها، والله العالم.


1 - تأتي في الصفحة 148 - 150.

[ 138 ]

[ مسألة 4: نماء المبيع ومنافعه في هذه المدة للمشتري، ] قوله مد ظله: للمشتري. حسب القواعد، لانه ملكه، وعدم جواز التصرف المتلف لا يلازم كون النماء للبائع، ويدل عليه الاخبار (1) والخبر السابق (2). وهذا على خلاف ما نسب إلى الشيخ (قدس سره) من قوله بأن المبيع ليس يدخل في ملك المشتري قبل استقرار العقد (3). اللهم إلا أن يقال: بأن النماء له في زمان لاخيار للبائع فيه، وهو قبل الرد. وهذا مخالف لما نسب إلى المشهور من اختيارهم أن الخيار للبائع من الابتداء (4). وقد استظهرنا في كتابنا الكبير، أن شرط رد الثمن ربما يرجع إلى أن البائع بالخيار، إلا أنه خيار مع الواسطة، لامكان فسخه العقد من الاول برد الثمن، ولا نعني من الخيار إلا اختيار الفسخ ولو مع الوسط كما تحرر، وهذا هو المعنى الحقي الاعتباري، فلا تغفل.


1 - وسائل الشيعة 18: 19، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 8. 2 - تقدم في الصفحة 132. 3 - الخلاف 3: 22، المسألة 29. 4 - جواهر الكلام 23: 39، المكاسب، الشيخ الانصاري: 231 / السطر 27.

[ 139 ]

[ كما أن تلفه عليه، ] قوله مد ظله: كما أن تلفه عليه. أي على المشتري، قضاء لحق القواعد الاولية والثانوية، أما الاولى فلان العين ملكه، وقد تلفت في ملكه. نعم، لو أتلفه البائع فهو له ضامن، لقاعدة الاتلاف، وهذا في الحقيقة ليس استثناء من هذه المسألة. وأما قضية القاعدة الثانوية، وهي أن التلف في زمن الخيار ممن لا خيار له - بناء على شمولها لما نحن فيه، مع إشكالات في ذلك على ما هو المحرر في كتابنا الكبير - فهي أيضا من المشتري، لانه لا خيار له. ويحتمل كون التلف من كيس البائع، لقوله (عليه السلام) في أخبار خيار الحيوان الماضية في معتبر عبد الله بن سنان قال: على من ضمان ذلك؟. فقال (عليه السلام): على البائع حتى ينقضي الشرط ثلاثة أيام، ويصير المبيع للمشتري (1). ولكنه احتمال مبني على مذاق الشيخ، والخبر من أدلته، ولكنه محمول على استقرار الملك جمعا بين الاثار.


1 - الكافي 5: 169 / 3، وسائل الشيعة 18: 14، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 5، الحديث 2.

[ 140 ]

[ والخيار باق مع التلف إن كان المشروط الخيار والسلطنة على فسخ العقد، فيرجع بعده إلى المثل أو القيمة، وساقط إن كان المشروط ارتجاع العين بالفسخ. ] قوله مد ظله: والخيار باق. على المعروف بين من تعرض للمسألة، واحتمل الشيخ الانصاري (قدس سره) عدمه بناء على أن مورد هذا الخيار هو الزام أن له الرد وارتجاع المبيع، وظاهره اعتبار بقاء المبيع في ذلك، فلا خيار مع تلفه (1). وقواه المصنف في الدرس بأن المفروض في الاخبار بقاء العين، لقوله: فالدار دارك كما في خبر معاوية بن ميسرة، عن أبي الجارود (2)، وأن المعهود في هذا الخيار مفروغية بقاء العين، وأن صورة تلفها مغفول عنها، فيكون الخيار مجعولا على الوجه الخاص (3). والانصاف: أن أمثال هذه المباحث ليست علمية، وربما تختلف الامصار والاعصار لجهة الانصراف والتعارف المستند إلى اختلاف العهد والبناء، ولو خلي الامر وطبعه يكون تضييق الخيار محتاجا إلى غاية خاصة مصرح بها، وإلا فهو بالطبع يرجع إلى العقد، ويكون النظر


1 - المكاسب، الشيخ الانصاري: 231 / السطر 28. 2 - تهذيب الاحكام 7: 176 / 780، وسائل الشيعة 18: 20، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 8، الحديث 3. 3 - البيع، الامام الخميني (قدس سره) 4: 240 - 241.

[ 141 ]

[ وليس للمشتري قبل انقضاء المدة التصرف الناقل وإتلاف العين، إن كان المشروط ارتجاعها، ولا يبعد جوازهما إن كان السلطنة على فسخ العقد. ] والقصد والغرض خارجا عن حدود المجعول. نعم، لو اشترط استرجاع العين عند الرد، فهو لا يستحق شيئا عند التلف، وليس هذا من الخيار المصطلح عليه وإن جاز وكان يشبه حكم الخيار. وأما الرجوع إلى المثل أو القيمه، فعلى مقتضى القواعد في باب الضمانات، وقد تحرر منا أن مسألة ضمان المثل في المثليات والقيمة في القيميات مما لا اساس لها، والذي هو الاساس أمر آخر يطلب من محله. ومن هنا يظهر: أن مجرد كون الشرط ارتجاع العين لا يكفي، لعدم استحقاقه البدل، بخلاف ما إذا شرط استرجاع العين. قوله مد ظله: التصرف الناقل. حسبما يظهر من المتعرضين للمسألة (1)، وذلك لاقتضاء الشرط الضمني. وفيه: أن مع تمكن إرجاع العين بعد الفسخ، لا معنى للمنع لو صح الشرط المزبور كما لا يبعد.


1 - مفتاح الكرامة 9: 195 / السطر 3، المكاسب، الشيخ الانصاري: 296 / السطر 29.

[ 142 ]

[... ] وأما إتلاف العين، فلا يبعد الممنوعية مطلقا وإن كانت السلطنة على العقد للشرط الضمني المزبور. نعم، في صورة الشك أو عدم الشرط ضمنا، فالاتلاف لا ينافي الاشتراط حتى من البائع. نعم، يمكن أن يستظهر أحيانا أنه يشهد على إسقاط الخيار، ولكنه ممنوع كما ترى. ويحتمل أن يكون شرط السلطنة على استرجاع العين، كناية عرفا عن الخيار المتعلق بالعقد طبعا، فلا يسقط الخيار بالتلف، ويجوز الاتلاف للمشتري، فتأمل.

[ 143 ]

[ مسألة 5: الثمن المشروط رده إن كان كليا في ذمة البائع - كما إذا كان في ذمته ألف درهم لزيد، فباع داره بما في ذمته، وجعل له الخيار مشروطا برد الثمن - يكون رده بأداء ما كان في ذمته، وإن برئت ذمته عما كان عليه بجعله ثمنا. ] قوله مد ظله: يكون رده بأداء. لان في مفروض المسألة لابد من ذلك، ضرورة أن قضية البيع سقوط ما في ذمته، ومقتضى الشرط رد الثمن خارجا، وهذا لا يتيسر إلا بتفويض مصداق منه. ويمكن أن يقال: إن للبائع أن يحتال حتى يفسخ المشتري عقده، فإذا انفسخ العقد اشتغلت ذمة البائع بما برئت منه، فيكون هذا رد الثمن إليه، فيصح الفسخ والانفساخ بقاء. ولا يخفى ما فيه.

[ 144 ]

[ مسألة 6: إن لم يقبض البائع الثمن أصلا، سواء كان كليا في ذمة المشتري، أو عينا موجودا عنده، فهل له الخيار والفسخ قبل انقضاء المدة المضروبة، أم لا؟ وجهان، لا يخلو أو لهما من رجحان. قوله دام ظله: من رجحان. ] وعلل الشيخ الانصاري (قدس سره): بأن الرد شرط على تقدير قبضه، ويحتمل عدم الخيار مع عدم القبض، لان المشروط إذا كان رد الثمن، فلازمه مشروطية القبض أيضا قبله، فلم يحصل شرط الخيار، وهو الرد المسبوق بالقبض (1) انتهى. وقال السيد الفقيه اليزدي (رحمه الله): المسألة مبتنية على أن الرد هل هو معتبر من باب الموضوعية، أو من باب الطريقية لوصول الثمن إلى المشتري، أي حصوله عنده؟ فعلى الاول لاخيار، لعدم تحقق شرطه وهو الرد المسبوق بالقبض، لا لاشتراط القبض قبله كما بينه المصنف، بل لعدم تحقق الموضوع حينئذ. وعلى الثاني فله الخيار، لان المفروض حصول الثمن عنده، والغالب في أنظار العرف هو الطريقية (2) انتهى.


1 - المكاسب، الشيخ الانصاري: 230 / السطر 19. 2 - حاشية المكاسب، السيد اليزدي 2: 26 / السطر 33.

[ 145 ]

[ ولو قبضه، فإن كان الثمن كليا فالظاهر أنه لا يتعين عليه رد عين ذلك الفرد المقبوض، بل يكفي رد فرد آخر ينطبق الكلي عليه، إلا إذا صرح باشتراط رد عينه إليه. وإن كان شخصيا لم يتحقق الرد إلا برد عينه، فلو لم يمكن رده بتلف ونحوه سقط الخيار، ] وما ذكره خيار المتأخرين على الاكثر. أقول: لو كان يكفي حصول الثمن عنده، فيلزم الخيار لو رده إليه بعنوان الامانة، أو لو غصبه المشتري، وحيث إنه لاخيار فيهما فيعلم: أن رد الثمن من العناوين القصدية التي لا تحصل إلا بتفويض الثمن، أو الرضا بالبقاء عند المشتري إذا وصل إليه ولو كان من زمان قبل البيع عنده. وأما في صورة الغفلة عن الحال، فلا يبعد ثبوت الخيار بدعوى: أن قصد عنوان الوديعة والغصب الخارجي يضر بالشرط، وأما عند عدمهما فيحصل الشرط عرفا، لعدم الخصوصية بإلغائها، لا الطريقية المذكورة في كلماتهم. فأخذ عنوان الرد لا يلغى مطلقا، كما لا يؤخذ به مطلقا، والسر أن المسألة عرفية واستظهارية، ربما يختلف كيفية الجهل في الافادة والاستفادة، وفي صورة الشك لا يثبت الخيار. قوله مد ظله: إلا إذا صرح. فإنه في صورة الاطلاق وإن تعين الكلي بالفرد، إلا أن بناء البيع

[ 146 ]

[ إلا إذا شرط صريحا رد ما يعم بدله مع عدم التمكن من العين. نعم، إذا كان الثمن مما انحصر انتفاعه المتعارف بصرفه، لا ببقائه كالنقود، ] الخياري على التصرف في الثمن أي تصرف شاءه البائع، فيكون البناء المذكور شاهدا على جواز رد الفرد الاخر، ولذلك لا يتعين إلا مع التصريح بالخلاف هدما لهذا البناء. قوله دام ظله: إلا إذا شرط صريحا. في صورة عدم الاشتراط يسقط الخيار، لعدم تمكنه من شرط خياره وهو رد الثمن بعينه. بل ولو كان له الخيار وكان تنفيذه بالرد، يسقط الخيار أيضا، وربما يستند السقوط إلى أمر أسبق على التلف، كما إذا أتلفه البائع، فتأمل. وأما في صورة الاشتراط، فربما يناقش في صحة هذا الشرط: بأن في صورة الفسخ لابد من تبادل العوضين، وحيث لا ثمن فلا يعتبر فسخ العقد، فلا يصح شرط رد غير الثمن المذكور في العقد. وأنت خبير بما فيه، ضرورة أن ماهية الفسخ ليست إلا حل العقد، وأما رد العوضين إلى ما كانا عليه قبل العقد، فهو من آثار الفسخ، وعند امتناع رد العوض بالتلف يرد بدله، وحيث إن مع التصريح بأن سبب الخيار أعم من رد الثمن وبدله عند تلفه، يثبت الخيار برد البدل، وينفسخ العقد، ويكفي البدل عن ضمان المبدل.

[ 147 ]

[ يمكن أن يقال: إن المنساق من الاطلاق في مثله ما يعم بدله ما لم يصرح بالخلاف. ] قوله مد ظله: ما لم يصرح بالخلاف. قد عرفت: أن المتعارف في البيع الخياري كون النظر والمقصود إلى صرف الثمن، سواء كان نقدا، أو جنسا كالحنطة ونحوها، فكلما يتفق خلافه فلابد من القرينة اللفظية أو الحا لية كخصوصية في ذات الثمن تنهض على أن الخيار مرهون برد الثمن شخصيا، فما أفاده غير تام بحسب العادة في هذه الاعصار والامصار. ثم إن قوله: ما يعم بدله يحتمل كون البدل في عرض المبدل، فيكون مع وجود عين الثمن رد البدل كافيا، ويحتمل كونه في طوله، فيكون مع تلف المبدل رد البدل موجبا للخيار، وعلى التقديرين لا بأس بهما.

[ 148 ]

[ مسألة 7: كما يتحقق الرد بإيصاله إلى المشتري، يتحقق بإيصاله إلى وكيله المطلق، ] قوله مد ظله: وكيله المطلق. نظرا إلى أن الشرط أعم. وأما إذا كان المفروض رده إلى المشتري خصوصا، أو على وجه لا ينطبق إلا عليه، فقد استشكل المصنف في درسه: بأن أدلة الشروط قاصرة، ودليل الوكالة لا يقتضي إلا نفوذ إيكال الامر إلى الغير. نعم، لو كانت الوكالة هي النيابة في الذات، والتنزيل في الصفات والافعال، كان لذلك وجه (1). اللهم إلا أن يقال: إن حكومة أدلة الوكالة على العنوان المأخوذ شرطا غير صحيحة، لانها من قبيل حكومة قوله (عليه السلام): الطواف بالبيت صلاة (2) على العنوان المأخوذ في النذر فإنه من نذر أن يصلي صلاة كذا لا يجزي عنها الطواف بالضرورة، مع أن مقتضى الحكومة هو الاجزاء. وتوهم: أنه فيما إذا صرح بالخصوصية لا يجوز الرد إلى الوكيل حينئذ (3)، في غير محله، لانه لو ثبت التنزيل تحرز الخصوصية.


1 - لاحظ البيع، الامام الخميني (قدس سره) 4: 244. 2 - عوالي اللالي 1: 214 / 70، مستدرك الوسائل 9: 410، كتاب الحج، أبواب الطواف، الباب 38، الحديث 2. 3 - المكاسب، الشيخ الانصاري: 232 / السطر 4. منية الطالب 2: 53 / السطر 16.

[ 149 ]

[ أو في خصوص ذلك، أو وليه، كالحاكم لو صار مجنونا أو غائبا، بل وعدول المؤمنين في مورد ولايتهم. هذا إذا كان الخيار مشروطا برد الثمن، أو رده إلى المشتري، وأطلق. ] نعم، إذا كانت للخصوصية مفهوم نفي الغير، فلا يكفي بالضرورة. والانصاف: أن الحكومة متحققة بحسب الموازين، ولكن انصراف دليل الحاكم عن التوسعة في أمثال المقامات قطعي، ولذلك لا يجوز الطواف عن صلاة الصبح أيضا، وتكون الحكومة فيما إذا نذر أن يعطي الفقير، وكان زيد فقيرا بالاستصحاب، فإنه تحصل الحكومة بالضرورة، فتأمل. قوله: أو في خصوص ذلك. هذا بلا إشكال بشرط كون الشرط هو الرد إلى الاعم، وإلا فيتوجه إليه ما مر، ومن هنا يظهر ما في المسائل الاتية. نعم، فيما إذا كان الشرط هو الرد إلى الحاكم بعنوانه، فلا يبعد ظهور الشرط في الاعم، كما إذا شرط الاب أن يرد المبيع إلى ولي الطفل، فإن الرد إلى الحاكم والجد جائز مع مراعاة الترتيب. وأما توهم: أن الرد إلى النائب جائز، لان الوكالة هي إيكال الامر إلى الغير، والحكومة والولاية هي تولي الغير امور الغائب والمجنون، فلا يحرز التنزيل، بخلاف النيابة، فإنها تنزيل الغير مقامه

[ 150 ]

[ وأما لو اشترط برده إليه بنفسه وإيصاله بيده، فلا يتعدى منه إلى غيره. ] بحيث يعد هو هو في الاعتبار، فيجوز - حسب أدلة النيابة - الرد إلى النائب ولو كان الشرط مخصوصا بالرد إلى نفسه، لانه نفسه. فهو غير تام: فأولا: لان النيابة في غير استرداد الثمن لا تكون كافية، وهكذا الوكالة، لانها امور تقبل التفكيك، فلابد من كونه نائبا عاما في جميع الشؤون، أو نائبا خاصا في هذه المسألة، كما هو المفروض هنا أيضا. وثانيا: لا أثر لادلة النيابة ولا خبر فيها إلا البناءات العقلائية، وهي قاصرة عن إثبات هذا النحو من الاتحاد والوحدة حتى لا يجوز الاقتداء بالنائب عن الميت، لانه الميت مثلا وهكذا. قوله دام ظله: لا يتعدى منه. قد تبين مما سلف وجه التعدي، ولكن الانصاف أن التعدي ممنوع، كما أنه في صورة الاطلاق لا يبعد الاكتفاء، لان الشرط أعم، فلا تخلط.

[ 151 ]

[ مسألة 8: لو اشترى الولي شيئا للمولى عليه ببيع الخيار، فارتفع حجره قبل انقضاء المدة ورد الثمن، فالظاهر تحققه بإيصاله إلى المولى عليه، فيملك البائع الفسخ بذلك، ] قوله مد ظله: فالظاهر تحققه. لما مر، ولكن سقوط ولايته عليه برفع الحجر، لا يوجب جواز رد الثمن إليه، فله الامتناع عن القبول بدعوى: أن الشرط مخصوص به. نعم، إذا شرط أن يرد إليه تعيينا أو تخييرا، عرضا أو طولا، فوصلت النوبة إليه، يملك البائع الفسخ بالرد إليه. وغير خفي: أن عبارة المتن ساكتة عن كون الشرط هو الرد إلى الولي، أو هو الاعم. وتوهم عدم جواز الشرط برد الثمن إلى المولى عليه إلا في بعض الصور، كما إذا كان تأريخ رفع الحجر معلوما، وإلا فتلزم الجهالة في المدة، في محله، إلا أنه قد عرفت المناقشة في كبرى المسألة (1). وبالجملة: لو كان الشرط رجوعه إلى نفسه أو إلى الولي، فيجوز الرد إلى الولي الاخر، قضاء للاعم. وأما إذا كان الشرط أخص فالرد إلى الولي الاخر أيضا غير بعيد، لان الخصوصية تكون ناظرة إلى نفي الاجنبي.


1 - تقدم في الصفحة 134 و 128.

[ 152 ]

[ ولا يكفي الرد إلى الولي بعد سلب ولايته. ] وأما إذا كانت الخصوصية المأخوذة نافية للحاكم والولي الاخر، فإن كان الولي مثل الاب بل الجد، فلا يبعد صحة الشرط، لعدم اعتبار المصلحة في تصرفاته، بخلاف ما إذا كان من قبيل الحاكم، فإنه لابد من رعاية الغبطة والمصلحة، فعليه يجوز للمولى عليه عند رفع الحجر دعوى: أن الرد خلاف المصلحة، أو فيه المفسدة، وتكون هي مسموعة، بناء على اعتبار عدم المفسدة حتى في تصرفات الاب والجد، فتأمل جدا. قوله مد ظله: ولا يكفي. ولو كان الشرط هو الرد إليه شخصا فإذن يشكل، لانه يستلزم ضرر البائع، ضرورة أن الخيار باعتبار دفع الضرر أحيانا أو الحرج، وإذا منع المشتري من القبول بانسلاب ولايته، والمولى عليه لا يقبل الرد، لكونه أجنبيا عن الشرط، يلزم وقوعه في الضرر والحرج المنفيين. وينحل الاشكال بأنه من قبيل جعل الخيار للاجنبي فإنه بموته ينسد باب الرد عليه، فيقع بسوء اختياره، وفيما نحن فيه أيضا كذلك، فكان عليه المحافظة على أمره وشرطه.

[ 153 ]

[ ولو اشترى أحد الوليين كالاب، فهل يصح الفسخ مع رد الثمن إلى الولي الاخر كالجد؟ لا يبعد ذلك، خصوصا فيما إذا لم يتمكن من الرد إلى الاب في المثال. وأما لو اشترى الحاكم ولاية، فالاقوى عدم كفاية الرد إلى حاكم آخر. وهذا أيضا كما مر في المسألة السابقة فيما إذا لم يصرح برده إلى خصوص المشتري بنفسه، وإلا فلا يتعدى منه إلى غيره. ] قوله مد ظله: لا يبعد ذلك. لما مر من أن الشرط أعم (1) حتى في صورة ذكر الخصوصية، اللهم إلا إذا رجعت على وجه لا ينطبق إلا على الاب مثلا، فيأتي ما مر من التفصيل، لاحتمال لزوم مراعاة جانب المولى عليه مصلحة ومفسدة، فلا تغفل. قوله مد ظله: خصوصا. لا وجه له، لانه إن كان الشرط أعم فيجوز على الاطلاق، وإن كان أخص فلا يجوز على الاطلاق. قوله مد ظله: فالاقوى. قد تبين وجه المسألة، ووجه التفصيل بين صورتي الامكان وعدمه، ووجه فساده. وبالجملة: المدار على ملاحظة حال الشرط وحدود دلالة القضية


1 - تقدم في الصفحة 148.

[ 154 ]

[... ] الشرطية. وأما توهم: أن قبول الحاكم الثاني مزاحم للحاكم الاول، فهو ولو كان من الشيخ (رحمه الله) (1) في غير محله، لانه إن كان الشرط خاصا فلا يجوز الرد، ولو كان عاما فهو تأكيد لحكم الاول، لا مزاحمة. نعم، في تخصيص الحاكم على وجه لا ينطبق إلا على نفسه - بحيث لا يكفي الرد الى غيره - إشكال، للزوم كونه على مصلحة المولى عليه، فالاطلاق المشاهد هنا في المتن، ممنوع من جهات اشير إليها في طي المسائل.


1 - المكاسب، الشيخ الانصاري، الشيخ الانصاري: 232 / السطر 23.

[ 155 ]

[ مسألة 9: لو مات البائع ينتقل هذا الخيار - كسائر الخيارات - إلى وراثه، فيردون الثمن ويفسخون، فيرجع إليهم المبيع على قواعد الارث، كما أن الثمن المردود أيضا يوزع عليهم بالحصص. ولو مات المشتري فالظاهر جواز الفسخ، برد الثمن إلى ورثته. نعم، لو جعل الشرط رده إلى المشتري بخصوصه وبنفسه وبمباشرته، فالظاهر عدم قيام ورثته مقامه، فيسقط الخيار بموته. ] قوله مد ظله: ينتقل هذا الخيار. يأتي تفصيله في أحكام الخيار إن شاء الله تعالى (1). قوله: عليهم. أي على وراث المشتري، ويشكل التورث لاجل أن العوضين يرجعان إلى ملك المتعاقدين، ولا يورث حينئذ، لانه من الملك الجديد بعد الموت، وتفصيله مع حله في محله إن شاء الله تعالى. قوله: فالظاهر. إذا فهم من الشرط معنى أعم، وإلا فإن قلنا: بأن الارث هو انتقال الاعيان إلى الورثة، فلا يجوز، وإن قلنا: إنه قيام الورثة مقام المورث، ويكون من التنزيل في الاعتبار وعند الشرع، فيجوز مطلقا حتى في صورة التخصيص، وحيث لا سبيل إلى الثاني - لانه باطل عرفا وشرعا - يشكل الجواز هنا جدا.


1 - يأتي في الصحفة 319 - 323.

[ 156 ]

[ مسألة 10: كما يجوز للبائع اشتراط الخيار له برد الثمن، كذا يجوز للمشتري اشتراطه له برد المثمن. والظاهر المنصرف إليه الاطلاق فيه رد العين، فلا يتحقق برد بدله ولو مع التلف، إلا أن يصرح برد ما يعم البدل، ] قوله: كذا يجوز للمشتري. على القواعد العامة، من غير حاجة إلى إلغاء الخصوصية من الاخبار الخاصة بالمسألة السابقة، وما عن المستند من المناقشة في الاصل (1) يجري هنا، والجواب واضح، فإن الشرط المزبور ليس مخالفا للكتاب. قوله: برد ما يعم البدل. في هذه الصورة تكون المعاملة عقلائية إذا كان المثمن شخصيا، كما إذا اشترى فرسا بكتاب على أنه إن رد إليه الفرس أو بدله مثلا أو قيمته، يرد إليه الكتاب، ويكون له الخيار. وأما إذا كان المثمن كليا، فالشرط المزبور يرجع إلى أنه إن رد إليه الفرس أو شيئا بدله، يرد إليه ألف دينار، وهذا ليس من شرط رد المثمن، بل هو من شرط رد ما يماثله، لما لا تعين له، والامر سهل.


1 - مستند الشيعة 2: 384 / السطر 34.

[ 157 ]

[ ويجوز اشتراط الخيار لكل منهما برد ما انتقل إليه. ] قوله دام ظله: لكل منهما. على سبيل الاستقلال، وعلى سبيل الاجتماع، فلو رد أحدهما دون الاخر لا يكون على الفرض الثاني له الخيار، واشتراط رد ما انتقل إليه أيضا يمكن على الوجوه المزبورة. بقي شئ: وهو أن في عصرنا بيع الخيار وبيع الشرط، والمشهور بين المعاصرين بطلانه (1)، لانه ليس من بيع الخيار الشرعي، فإن فيما تعارف يكون للمشتري حق بيع الدار بأخذ الثمن، ورد الباقي إلى البائع، والذي تحرر منا جواز ذلك بالشرط في ضمن البيع، نظرا إلى الادلة العامة، ولا بأس بأن يكون هو من قبيل الفرار من الربا، فلا تخلط.


1 - منهاج الصالحين، السيد الخوئي، قسم المعاملات: 42 المسألة 164.

[ 158 ]

[ الرابع: خيار الغبن. وهو فيما إذا باع بدون ثمن المثل، أو اشترى بأكثر منه مع الجهل بالقيمة، فللمغبون خيار الفسخ. وتعتبر الزيادة والنقيصة مع ملاحظة ما انضم إليه من الشرط، فلو باع ما يسوى مائة دينار بأقل منه بكثير مع اشتراط الخيار للبائع فلا غبن، لان المبيع ببيع الخيار ينقض ثمنه عن المبيع بالبيع اللازم، وهكذا غيره من الشروط. ] قوله مد ظله: خيار الفسخ. وفاقا للاكثر، بل عن الغنية (1) والمختلف (2) الاجماع عليه صريحا، وعن نهج الحق نسبته إلى الامامية (3)، وفي التذكرة إلى علمائنا (4)، خلافا لاكثر المخالفين إلا مالك (5). واستدل عليه في الكتب المفصلة (6) بالكتاب آية التجارة (7)، وبالسنة بطائفتين من


1 - هذه العبارة سقطت من الغنية المطبوعة في ضمن الجوامع الفقهية. راجع سلسلة الينابيع الفقهية 13: 214. 2 - مختلف الشيعة 1: 346 / السطر 32. 3 - نهج الحق: 481. 4 - تذكرة الفقهاء 1: 522 / السطر 40. 5 - المغني لابن قدامة 4: 90 - 91 والشرح الكبير 4: 79. 6 - المكاسب، الشيخ الانصاري: 234 / السطر 23، البيع، الامام الخميني (قدس سره) 4: 265 وما بعدها، مصباح الفقاهة 6: 293 وما بعدها. 7 - النساء (4): 29.

[ 159 ]

[... ] الاخبار (1) غير راجعتين إلى محصل، لان الدلالة ممنوعة، مضافا إلى ضعف سندهما. وقضية الاية بطلان البيع الغبني إن كان باطلا، وإلا فيصح، ولا تدل على الجواز الحقي إلا ببعض تقاريب غير نقية ذكرنا أحسن وجوهها في كتابنا الكبير. وأما الاستدلال عليه بقاعدة لا ضرر... (2) فهي مضافا إلى المناقشات الكثيرة، تقصر عن إثبات الجواز الحقي المورث أيضا. هذا مع أن مقتضى ما عرفت منا أن القاعدة تنفي اللزوم، والخيار الثابت بأدلته في غير المقام يجتمع مع اللزوم في الاعتبار فإن العقد الخياري ليس معناه التزلزل في العقد، بل معناه تمكن الانسان من إعدامه، كسائر البناءات والعقود.


1 - الطائفة الاولى المرسلة المروية عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه نهى عن تلقي الركبان وقال: من تلقاها فصاحبها بالخيار إذا دخل السوق، عوالي اللالي 1: 218 / 85 ودعائم الاسلام 2: 31 / 64. الطائفة الثانية جملة من الروايات كرواية إسحاق بن عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: غبن المسترسل سحت، ورواية ميسر عنه (عليه السلام) قال: غبن المؤمن حرام. وسائل الشيعة 18: 31، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 17. 2 - الكافي 5: 292 / 2، وسائل الشيعة 18: 32، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 17، الحديث 3 - 5.

[ 160 ]

[... ] مثلا: عقد البيع لازم، وجميع العقود غير الخيارية المعاوضية لازمة، مع أنها تنفسخ بالتقايل، من غير كونها متزلزلة ولا جائزة، والخيار بمنزلة التقايل الطرفي الذي سلطه الشارع على حله، فاغتنم. وبالجملة: حقيقة الخيار ذلك، وتلك القاعدة تقصر عن إثبات مثله. وربما استدل المصنف ببناء العقلاء (1)، وهو لو كان حقا فربما يدعى مردوعيته بأدلة لزوم العقد، ك‍ (أوفوا بالعقود) (2) وذيل روايات خيار المجلس (3)، فإن قوله (عليه السلام): فإذا افترقا وجب البيع (4) يقتضي بإطلاقه لزوم البيع الغبني، ولو قلنا بقصورها عن إمكان الرادعية - كما تحرر في سائر البناءات العقلائية - فإن الاطلاق والعمومات لا تكفي لذلك، بل لا بد هناك من نصوص خاصة. فالاظهر: أن بناء العقلاء قاصر عن إثبات الخيار على الوجه المقصود، ضرورة أن مع بذل التفاوت يشكل دعواه، بل الظاهر أنه لا بناء لهم عليه في الصورة المذكورة في المتن، فإن العقلاء غير ملتزمين بخيار


1 - البيع، الامام الخميني (قدس سره) 4: 281. 2 - المائدة (5): 1. 3 - وسائل الشيعة 18: 5، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 1 و 2. 4 - الكافي 5: 170 / 7، وسائل الشيعة 18: 6، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 1، الحديث 4.

[ 161 ]

[... ] الغبن في بيع الخيار جزما، وما ذكروه لتصوير الخيارات في البيع الواحد عرضا أو طولا، كما نحن فيه فإن الخيار المشروط في العقد مقدم على الخيار الغبني، بناء على القول بأن مبدأه التسليم كما قيل، أو مبدأه ظهور الغبن كما عن الاكثر (1)، وهو الظاهر من أخبار تلقي الركبان (2). فبالجملة: قد ذكرنا في كتابنا الكبير أن الخيار الثابت للعقلاء فرضا في البيع الغبني، هو الاختيار بين الامضاء والرد الذي هو ثابت في بيع الفضولي والمكره، فإن المغبون إذا كان ملتفتا إلى الغبن، فلابد لاقدامه على المعاملة الضررية من غرض عقلائي، فلا خيار له، وإلا فيكون من البيع والاكل بالباطل، وهكذا لو كان جاهلا وغير معتن بهذه الامور. ولو كان من الضرر اليسير غير الفاحش فلا خيار أيضا له عندهم. وبالجملة: تحصل أن خيار الغبن بالمعنى المقصود غير ثابت، كما استشكل عليه المحقق في درسه الشريف (3)، واختار الاسكافي أنه لا خيار (4)، ولو شك فقضية الاصل هو اللزوم على ما تحرر. ومن هنا يظهر وجه قوله - مد ظله - في الفرع الاتي، ويتبين وجه المناقشة في ثبوت


1 - المبسوط 2: 87، سلسلة الينابيع الفقهية 13: 214، شرائع الاسلام 2: 16. 2 - مستدرك الوسائل 13: 280، كتاب التجارة، أبواب آداب التجارة، الباب 29. 3 - لاحظ الدروس الشرعية 3: 275. 4 - لاحظ مختلف الشيعة: 346 / السطر 29، والدروس الشرعية 3: 275.

[ 162 ]

[... ] الخيار ولو كان غبنا في بيع الخيار وفي سائر الشروط. وربما يتوهم: أن مبنى خيار الشرط على تخلف الوصف أو الشرط الضمني، كما اختاره السيد الفقيه اليزدي وجمع كثير (1)، تبعا للشيخ في غير المقام (2)، وهذا أهون وأظهر فسادا من دعوى بناء العقلاء على رجوع خيار الغبن إلى خيار آخر. هذا مع أن الاشتراط الضمني يرجع إلى الاشتراط الذكري، فيصح أن يحتج المشروط له على المشروط عليه بذلك، مع أن الضرورة تحكم بخلافه، ولا عهد منه بين العقلاء في صورة تخلف المشروط عليه، ولا ينبغي الخلط بين المعاملات العامة الدائمية، وبين قسم خاص منه ربما يكون فيه ذلك. ومما يشهد على أن خيار الغبن لا أصل له: أن المسائل العقلائية لها مناشئ خاصة، مثلا ثبوت خيار الغبن يكون لاجل أن بناء المعاملات على عدم الاغترار، ومعناه المساواة في المالية مساواة عرفية تسامحية، فعلى هذا يكون البيع مرددا بين الصحة والفساد، فيحتاج إلى الرضا والامضاء على وجه لا يعد من السفه في المعاملة كما لا يخفى، فتأمل.


1 - حاشية المكاسب، السيد اليزدي 2: 38 / السطر 24، ومنية الطالب 2: 57 / السطر 18. 2 - المكاسب، الشيخ الانصاري: 234 / السطر 24.

[ 163 ]

[ ويشترط فيه أن يكون التفاوت بما لا يتسامح فيه في مثل هذه المعاملة، وتشخيص ذلك موكول إلى العرف، وتختلف المعاملات في ذلك، فربما يكون التفاوت بنصف العشر بل بالعشر، مما يتسامح فيه، ولا يعد غبنا، وربما يكون بعشر العشر غبنا، ولا يتسامح فيه، ولا ضابط لذلك، بل هو موكول إلى العرف. ] قوله مد ظله: بما لا يتسامح فيه. كما في كلام جل من المتأخرين (1)، آخذين ذلك عن الشهيد الثاني في تفسير ما لا يتغابن به الناس (2) وقد اشتملت كلمات الاسبقين على ذلك (3)، ولعله متخذ عما في رواية دعائم الاسلام (4) فيكون المناط على ما لا يتغابن به الناس، وفيها التصريح بأن الخيار ثابت إذا كان الامر فاحشا والغبن بينا، وعلى كل تقدير يكون المقصود معلوما، وهو إلحاق الغبن المتقارب من الغبن المتعارف به، وما هو موضوع الخيار هو الغبن الفاحش. وغير خفي: أن قضية لا ضرر... ثبوت الخيار مطلقا، والانصراف المدعى أحيانا غير ثابت، فتكون القاعدة مخصصة بالاجماع والسيرة.


1 - المكاسب، الشيخ الانصاري: 234 / السطر 24. 2 - الحدائق الناضرة 19: 41، رياض المسائل 1: 525 / السطر 9، جواهر الكلام 23: 43. 3 - الروضة البهية 1: 377 / السطر 21. 4 - دعائم الاسلام 2: 56 / 150.

[ 164 ]

[ مسألة 1: ليس للمغبون مطالبة الغابن بتفاوت القيمة، بل له الخيار بين أن يفسخ البيع، أو يرضى بالثمن المسمى. كما أنه لا يسقط خياره ببذل الطرف التفاوت، نعم مع تراضيهما لا بأس به. ] قوله دام ظله: ليس للمغبون. ما ذكره في هذه المسألة مبني على أن هذا الخيار إجماعي، ولا دليل شرعا على أزيد من خيار حل الفسخ، ولا دليل على سقوطه بما وراء المسقطات الاتية، فإن سقوطه بها لا يرجع إلى اشتراطه بعدمها، بخلاف هذا فإن معنى سقوطه به اشتراطه بعدم البذل.

[ 165 ]

[ مسألة 2: الخيار ثابت للمغبون من حين العقد، وليس بحادث عند علمه بالغبن، ] قوله دام ظله: من حين العقد. إجماعا كما في التذكرة (1) ويعارضه الاجماع في الغنية (2) وظاهر المبسوط (3) والشرائع (4) وعليه شهرة المتأخرين (5). وبالجملة: ما هو السند قبل الاتفاق، أن اشتراط الظهور أو كونه تمام الموضوع، يحتاج إلى دليل لا أثر منه. نعم، ربما يستظهر من أخبار تلقي الركبان (6)، دخالة الظهور في ثبوت الخيار، حيث ورد فيها عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه نهى عن تلقي الركبان. وقال: من تلقاها فصاحبها بالخيار إذا دخل السوق (7). والظاهر منه دخا لة القيد ولو افيد ب‍ إذا التي هي للتوقيت أقرب


1 - تذكرة الفقهاء 1: 522 / 40. 2 - هذه العبارة سقط من الغنية المطبوعة في ضمن الجوامع الفقهية. راجع سلسلة الينابيع الفقهية 13: 214. 3 - المبسوط 2: 87. 4 - شرائع الاسلام 2: 16. 5 - جواهر الكلام 23: 43. 6 - مستدرك الوسائل 13: 280، كتاب التجارة، أبواب آداب التجارة، الباب 29. 7 - مستدرك الوسائل 13: 281، كتاب التجارة، أبواب آداب التجارة، الباب 29، الحديث 2.

[ 166 ]

[... ] من كونها للتعليق، ولو لا ضعف إسنادها لكان دلالتها تامة. وأفاد المصنف امتناع كون العقد مبدأ اعتبار الخيار، والظهور شرطا لانه عند ظهور الشرط لا مشروط، ضرورة أن الغبن حين العقد معنى حدثي. وأجاب عنه: بأن ما هو موضوع حكم العقلاء أو الشرع، هو المعنى الحدثي الباقي في ظرفه (1). وإن شئت قلت: الخيار ثابت للبائع بالنسبة إلى العقد الباقي لاجل الغبن، فلا سببية للغبن بوجوده الخارجي. وبالجملة: قضية القواعد أن الغبن تمام الموضوع لاعتبار الخيار في العقد، بناء على كون العقد تمام الموضوع للزوم. وأما بناء على أن في الاعتبارات العقلائية عقدا وبيعا، والبيع وفاء بالعقد، وقبل المبادلة لا يكون العقد لازما، فيكون الخيار ثابتا من حين المبادلة، وهذا هو الذي قويناه في كتابنا الكبير (2). وتوهم جواز إسقاط الخيار قبل العلم به في ضمن العقد وقبل المبادلة الخارجية ولو من طرف واحد، وهو يشهد على أن الخيار ثابت من الاول، ويكون مبدأ اعتباره العقد الغبني، غير سديد، لان الاسقاط قبل


1 - البيع، الامام الخميني (قدس سره) 4: 302 - 304. 2 - هذه المباحث من كتاب الخيارات من تحريرات في الفقه مفقودة.

[ 167 ]

[... ] الثبوت وبعد تمامية ما هو كالمقتضى، جائز عندهم، ففي صورة احتمال الغبن يصح الاسقاط التقديري، ويؤثر أثره في ظرفه، فتدبر. وغير خفي: أن ما يدل من الاخبار فرضا على الغبن - كخبر إسحاق بن عمار، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: غبن المسترسل سحت (1) أو غبن المؤمن حرام (2) - ولو كان بإطلاقها دالة على أن الغبن الواقعي يوجب الخيار، إلا أن المنصرف منها ما هو العقد والبيع الذي لو لا الغبن لكان لازما من جهة عدم الغبن، ولو كان فيه خيار الحيوان والمجلس. هذا مع أن القوم ناقشوا في دلالتها على أصل المسألة (3). وبالجملة: ما هو الوحيد لاثبات خيار الغبن الحقي المقصود منه هنا هو الاجماع، والقدر المتيقن منه حال الظهور، فقول المتأخرين غير متين جدا.


1 - الكافي 5: 153 / 14، وسائل الشيعة 18: 31، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 17، الحديث 1. 2 - الكافي 5: 153 / 15، وسائل الشيعة 18: 32، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 17، الحديث 2. 3 - جواهر الكلام 23: 42، المكاسب، الشيخ الانصاري: 235 / السطر 29، البيع، الامام الخميني (قدس سره) 4: 281.

[ 168 ]

[ فلو فسخ قبل ذلك وصادف الغبن انفسخ. ] نعم، قد عرفت منا: أن خيار الغبن عندنا كإجازة الفضولي (1)، فلا نحتاج إلى تحرير الاجماع وتقريره، فاغتنم. فتحصل: أن الاحتمالات ثلاثة، والثا لث ما أبدعناه وقربناه، وهو أن مبدأ هذا الخيار هو البيع، أي التبادل المترتب على عقده. قوله مد ظله: انفسخ. لا إشكال عندنا في أن الفسخ يؤثر في حل العقد في هذه الصورة، لانه إن كان تبادل وغبن فقد كان له الخيار، وإن لم يكن تبادل فالعقد غير لازم. وإنما الاشكال في أن الانفساخ لاجل الخيار المستند إلى الغبن الواقعي، أم هو لاجل ما ذكرنا، وقد عرفت أن مقتضى ما هو مرامهم - من أن الخيار الحقي ثابت، ولا يجوز بذل ما به يرتفع الغبن - هو الاخذ بالقدر المتيقن، لان الدليل المثبت لهذا الحق، ليس إلا الاجماع بالضرورة عند المحصلين منهم، فراجع.


1 - تقدم في الصفحة 160 - 161.

[ 169 ]

[ مسألة 3: لو اطلع على الغبن ولم يبادر بالفسخ، فإن كان لاجل جهله بحكم الخيار، فلا إشكال في بقائه. وإن كان عالما به، فإن كان بانيا على الفسخ غير راض بالبيع بهذا الثمن، لكن أخر الفسخ لغرض، فالظاهر بقاؤه. ] قوله: فلا إشكال. وفي المتاجر: لا خلاف في معذورية الجاهل بالخيار في ترك المبادرة، لعموم نفي الضرر (1) انتهى. والتعليل عليل، إما لاجنبية القاعدة عن مسألة الحكومة على الادلة، أو لاجنبيتها عن المقام، لما لا يثبت بها الحق. نعم، لا يبعد ذلك بحكم العقلاء إذا كان الخيار عقلائيا، كما هو مختار الماتن (2). ولو كان المستند هو الاجماع (3) - كما هو الاظهر - فلا يبعد السقوط، لان الحكم مشترك بينهما، فإن فورا ففور على الاطلاق، وإن تراضيا فكذلك ولو أمكن احتمال الاختصاص. قوله مد ظله: فالظاهر بقاؤه. لما اشير إليه من البناء العقلائي عليه في أصل الخيار وحكمه (4)،


1 - المكاسب، الشيخ الانصاري: 244 / السطر 15 - 16. 2 - البيع، الامام الخميني (قدس سره) 4: 281. 3 - المكاسب، الشيخ الانصاري: 235 / السطر 34. 4 - تقدم في الصفحة 160 - 161.

[ 170 ]

[... ] وهو مقتضى إطلاق آية الوفاء بالعقود (1)، لانه المرجع، دون الاستصحاب. هكذا مبناه - مد ظله (2) -. والحق: أن آية الوفاء بالعقود أجنبية عن المسائل التجارية، واستصحاب الخيار ممنوع جريانه في ذاته، فتصل النوبة إلى استصحاب حكم العقد، وهو أيضا غير محرز لاصل السبب المانع عن جريان حكم الخيار، ضرورة أن الشك إن كان كليا فمنشأه احتمال الفسخ، وهو هنا غير محتمل، وإن كان منشأه إجمال الدليل، فلا يمكن الاستصحاب، للزوم جر الحكم إلى موضوع آخر. وإن كان شخصيا، فلا يقين بالنسبة إلى ما في الخارج، لان الخارج مصدوق عليه، ولابد من كون موضوع الدليل خارجيا حتى يفيد اليقين المتعلق به، وأما اليقين المتعلق بالشخص المنطبق عليه عنوان الدليل، فهو ليس موضوع الحكم عند الشرع وإن كان موضوعا بمقتضى الشكل الاول والقياس المنطقي. وعلى هذا، يكون المرجع إطلاق دليل قطعي غير الاية، إذا كان يقتضي لزوم العقد، فحديث جريان استصحاب حكم المخصص بلا أساس ذاتا، والتفصيل في محله.


1 - المائدة (5): 1. 2 - البيع، الامام الخميني (قدس سره) 4: 369.

[ 171 ]

[ نعم، ليس له التواني فيه بحيث يؤدي إلى ضرر وتعطيل أمر على الغابن، بل بقاؤه مع عدم البناء على الفسخ، وإنما بداله بعد ذلك، لا يخلو من قوة. ] قوله مد ظله: إلى ضرر. لان الاضرار محرم، وهكذا التعطيل، فإنه تحريج، وهو أيضا غير جائز. ولا يلزم من ذلك سقوط خيار لو كان على التراخي، إلا على القول بحكومة مصداق من القاعدة على مصداق آخر. ويمكن دعوى: أن جميع التصرفات في العوض للغابن جائزة حتى الاتلاف، فلا يتصور الضرر والحرج، لان المناط قيمة يوم الفسخ. نعم، لو قلنا: بأن المناط قيمة يوم المطالبة كما هو الاقوى عندنا، فتأخير الطلب ربما يمنع، فلا تغفل. قوله مد ظله: لا يخلو من قوة. مر وتبين وجهه، فإن التفصيل بين الفرضين بلا وجه.

[ 172 ]

[ مسألة 4: المدار في الغبن على القيمة حال العقد، فلو زادت بعده لم يسقط ولو قبل علم المغبون بالنقصان حينه، ] قوله مد ظله: لم يسقط. لان الخيار المذكور تعبدي، فلو كان عقلائيا فلا خيار بالضرورة، ولا سيما إذا كانت الزيادة الجابرة للغبن فورية. نعم، إذا اطلع على الغبن، وكانت الزيادة في الازمنة المتأخرة، فالسقوط غير واضح. ولو كان مستند الخيار الاشتراط الضمني، حتى يكون الخيار خيار تخلف الشرط حقيقة كما عليه جمع (1)، تبعا لاحد محتملات الشيخ (قدس سره) (2) فيه، فالامر كذلك، لان ثبوت خيار التخلف عقلائي أيضا وهو في هذه الصورة غير معلوم أصلا. ومثله لو كان قاعدة لا ضرر.... ولو شك فالمرجع في أمثال هذه الاحكام هو استصحاب الخيار، لعدم الدليل اللفظي حتى يكون هو المرجع. هذا مع أن مقتضى التحقيق: أن الخيار دليل لزوم العقد حتى حين ثبوته، كما تحرر في كتابنا الكبير (3)، فلا مرجعية صالحة إلا الاستصحاب.


1 - حاشية المكاسب، السيد اليزدي 2: 38 / السطر 24، منية الطالب 2: 57 / السطر 18. 2 - المكاسب، الشيخ الانصاري: 234 / السطر 24. 3 - هذه المباحث من كتاب الخيارات من تحريرات في الفقه مفقودة.

[ 173 ]

[ ولو نقصت بعده لم يثبت. ] وتوهم إطلاق الادلة اللفظية المثبتة لخيار الغبن، غير سديد أصلا، مع ما فيها أساسا. قوله مد ظله: لم يثبت. وإلا يلزم ثبوت الخيار في كل بيع، ضرورة أن النقصان المتأخر لو كان يورث الخيار للمشتري، يلزم أن تكون الزيادة على القيمة حين العقد موجبة للخيار للبائع، فلا يقوم حينئذ للمسلمين سوق. ثم إنه كما لا يثبت على القول: بأن مبدأ الخيار هو العقد، كذلك لا يثبت على القولين الاخرين، فتوهم أن الظهور لو كان شرطا شرعيا، لكانت الزيادة المتأخرة أو النقصان المتأخر موجبا للخيار (1)، غير تام. ومن هنا يظهر: أن الزيادة الجابرة للغبن حين العقد، إذا كانت قبل الظهور، تمنع عن ثبوت الخيار، بناء على القول: بأن مبدأ الخيار هي المبادلة أو ظهور الغبن. بقي فرع: لو باع داره، وكان المشتري مغبونا بالعشر، وقلنا إنه يوجب الخيار، ثم نقصت قيمتها السوقية جدا، أو باع داره، وكان البائع مغبونا، ثم زادت قيمتها، ففي الفرعين يثبت بقاعدة لا ضرر... خيار لكل منهما، ويرتفع الخيار، لكونه ضرريا.


1 - لاحظ حاشية المكاسب، المحقق الاصفهاني 2: 54 / السطر 39 ومابعده.

[ 174 ]

[... ] وتنحل المشكلة أولا: بأن القاعدة ليست مستند الخيار. وثانيا: بعدم وجه لانحلالها إلى مصاديق، يكون أحدها مثبتا، والاخر رافعا. وثالثا: لو انحلت يكون إطلاق المصداق الاول، مثبتا للخيار إلى حال اختلاف القيمة زيادة ونقيصة، والمصداق الاخر يقيده، ويوجب رفع الخيار في تلك الحال، فتأمل.

[ 175 ]

[ مسألة 5: يسقط هذا الخيار بأمور: أحدها: اشتراط سقوطه في ضمن العقد، ] قوله دام ظله: اشتراط سقوطه. قد مرت المناقشة فيه (1) لو رجع إلى عدم الثبوت، وأما الاسقاط في ضمن العقد المنتهي إلى سقوط ما يثبت بإطلاق الادلة الشرعية، فهو فرع كون خيار الغبن حقا يسقط، فلو كان المستند الاجماع أو الاخبار، فلا يبعد انصراف المعقد ومحطها إلى أنه الخيار المصطلح العقلائي الذي يسقط. ومثله لو قلنا: إنه الشرط الضمني (2)، على إشكال فيه التزم به من اتخذه سندا. وأما إذا كان المستند الاية أو القاعدة (3)، فلا يثبت به الحق وإن قربناه في محله، وحيث اختار المصنف أن المستند هو بناء العقلاء (4)، فالاشتراط المزبور في محله. نعم، إشكال التعليق وعدم الجزم (5)، ينحل بعدم مضريته حتى


1 - تقدم في الصفحة 159. 2 - تقدم في الصفحة 172، الهامش 1. 3 - وسائل الشيعة 25: 428، كتاب إحياء الموات، الباب 12، الحديث 3. 4 - البيع، الامام الخميني (قدس سره) 4: 281 و 307 - 308. 5 - المكاسب، الشيخ الانصاري: 238 / السطر 25 - 26، وأيضا حاشية المكاسب، المحقق الاصفهاني 2: 59 / السطر 33.

[ 176 ]

[ ويقتصر فيه على مرتبة من الغبن كانت مقصودة عند الاشتراط، وشملته العبارة، فلو كان المشروط سقوط مرتبة من الغبن كالعشر، فتبين كونه الخمس، لم يسقط. ] في الايقاعات، فضلا عن أمثال هذه الايقاعات. ثم، أن المراد من ضمن العقد أعم من كونه بين الايجاب والقبول، أو بعدهما، بعد كون الجملة متعلقة به عرفا، وتفصيل الكلام ربما اشير إليه في الخيارين السابقين: المجلس، والحيوان. قوله مد ظله: اشتراط سقوطه. وهذا مما هو المتفق عليه المفروغ عنه في كلماتهم (1)، وهو مقتضى كونه حقا، والاشكال فيه تارة: من جهة أن سند خيار الغبن قاصر عن إثبات حقيته (2)، واخرى: بأن السقوط خلاف الكتاب، في غير محله، وينفعك ما مر في خيار المجلس وغيره (3). قوله مد ظله: عند الاشتراط. ذلك لان الحق يحتاج في إسقاطه إلى الانشاء، ولا معنى لسقوط


1 - الدروس الشرعية 3: 276، جامع المقاصد 4: 302، المكاسب، الشيخ الانصاري: 238 / السطر 31. 2 - حاشية المكاسب، المحقق الاصفهاني 2: 59 / السطر 3. 3 - تقدم في الصفحة 92 وما بعدها.

[ 177 ]

[ بل لو اشترط سقوطه وإن كان فاحشا أو أفحش لا يسقط، إلا ما كان كذلك بالنسبة إلى ما يحتمل في مثل هذه المعاملة، لا أزيد، فلو فرض أن ما اشتراه بمائة لا يحتمل فيه أن يسوى عشرة أو عشرين، وأن المحتمل فيه من الفاحش إلى خمسين، والافحش إلى ثلاثين، لم يسقط مع الشرط المذكور إذا كان يسوى عشرة أو عشرين. هذا كله إذا اشترط سقوط الخيار الاتي من قبل العشرة مثلا بنحو التقييد، ويأتي الكلام في غيره في الامر الثاني. ] ما زاد عن مفاد العبارة. وهذا ليس معناه سقوط مقدار من الحق، حتى يقال بعدم تعدد الحق، بل معناه عدم سقوط الحق فميا إذا كانت المعاملة مشتملة على المرتبة العليا من الغبن، وكانت ألفاظ إنشاء الاسقاط، غير منطبقة عرفا إلا على إسقاط الحق والخيار الناشئ من الغبن في المرتبة الخاصة، وسيمر عليك في المسقط الاتي تمام ما يتعلق بالبحث هنا. قوله دام ظله: لا يسقط. لان الانصراف المذكور في المتن في حكم التصريح بالمقيد، فلا تشمل العبارة إلا سقوط الخيار الناشئ من الغبن بمرتبة خاصة. ولنا في المسألة بحث نشير إليه: وهو أن تجزؤ الخيار بحسب التصور والتصديق - كما في باب الارث - مما لا إشكال فيه، وعلى هذا إذا كان البيع مشتملا على الغبن الافحش، فإن قلنا: بأن صرف وجود الغبن

[ 178 ]

[... ] يورث الخيار، فالتقييد في مقام الاسقاط بالسبب، يورث عدم سقوطه إذا كان القيد غير منطبق على الخارج. وإذا قلنا: بأن مجرد التجاوز عن الحد المتسامح فيه يورث الخيار، وسائر مراتب الغبن كالحجر جنب الانسان، فالتقييد بالمرتبة العليا لا يورث سقوط الخيار الناشئ من تلك المرتبة، لاجل عدم وجود خيار له مقيدا بها. نعم، يستظهر منه عرفا سقوط خياره، لان الراضي بالعقد والملتزم بالبيع الغبني بالغبن الافحش، ملتزم بالفاحش عرفا ولو أمكن التفكيك عقلا، كما لا يخفى. وفي المسألة احتمالات اخر ربما تجئ بعد ذلك. وأما ما هو الاظهر من بين الاحتمالين فهو الثاني بحسب النظر البدوي. ويمكن الالتزام بسقوط خيار الغبن في صورة التقييد بالمرتبة الاولى، ولو كان الغبن في المرتبة العليا خلاف المرتكز العرفي، ويؤيد الاحتمال الاول، فيكون الغبن في كل بيع بمرتبة موجبا للخيار. أو يقال: إن إسقاط الخيار المتقيد بالمرتبة الاولى، يورث سقوطه على نعت التجزؤ، وتصير النتيجة عدم الخيار له إذا كان الافحش مما يتسامح فيه بعد سقوط تلك المرتبة. مثلا: إذا كان غبنه لاجل العشرين، وأسقط الخيار الناشئ من

[ 179 ]

[ ثانيها: إسقاطه بعد العقد ولو قبل ظهور الغبن، إذا أسقطه على تقدير ثبوته. ] الخمسة عشر، يسقط خياره، والمقدار الباقي لا يقتضي الخيار، وإسقاط الخيار المقيد يرجع في الحقيقة إلى مضيه عن حقه وهو الخمسة عشر، وإلى إعطاء ما له مثلا مجانا إلى الغابن، فلا خيار له بعد ذلك إلا إذا كان المقدار الباقي فاحشا. قوله دام ظله: على تقدير ثبوته. على ما صرح به الشيخ (1) وغيره (2). والمناقشة فيه: بأنه أمر غير عقلائي. أو أنه من التعليق المجمع على بطلانه شرعا. أو أنه من إسقاط ما لا يجب، فلا يجوز عقلا (3). غير قادحة: أما الاولى: فلان التزلزل ربما يورث ضعفا يحتاج إلى سده، فيكون عقلائيا. وأما الثانية: فلان ما أجمعوا على بطلانه، ليس مثل التعليق المتقوم مفهوم الانشاء به، كالابراء في موارد احتمال الاشتغال. مع أن الاجماع ممنوع،


1 - المكاسب، الشيخ الانصاري: 238 / السطر 23. 2 - منية الطالب 2: 70 / السطر 9. 3 - لاحظ المكاسب، الشيخ الانصاري: 238 / السطر 23، منية الطالب 2: 70 / السطر 11.

[ 180 ]

[ وهذا أيضا يقتصر فيه على مرتبة من الغبن كانت مشمولة للعبارة، فلو أسقط مرتبة خاصة منه كالعشر، فتبين كونه أزيد، لم يسقط إذا كان الاسقاط بنحو التقييد، بأن يسقط الخيار الاتي من قبل العشر مثلا بنحو العنوان الكلي المنطبق على الخارج بحسب وعائه المناسب له. ] ولو كان فلا دليل على كونه تعبديا. وأما الثالثة: فالاسقاط بالحمل الشائع، لا يعقل إلا مع كون الذمة مشغولة مثلا، وأما في صورة الاحتمال فيجوز الاسقاط، ولا يعلم أنه إسقاط بالحمل الشائع - أي أنه مسقط واقعا - أم لا، وهذا لا يضر بالمقصود، فلا تخلط. هذا مع أن سد باب تأثير المقتضي بإيجاد المانع، أو تضعيف المقتضي، ممكن، ولكنه خلاف الكتاب في الفرض الثاني، وغير ممكن في الاول، فتأمل. قوله دام ظله: وعائه المناسب. أي أن لكل قضية وعاء الصدق والكذب، وفي المقام إن العقد خياري في وعاء الاعتبار، فإذا تقيد الخيار الخاص في مرحلة الاسقاط، يجوز أن يكون غير منطبق على ما هو في الخارج اعتبارا.

[ 181 ]

[ وأما إذا أسقط الخيار المتحقق في العقد، بتوهم أنه مسبب من العشر، فالظاهر سقوطه، سواء وصفه بالوصف المتوهم، أم لا، فلو قال: أسقطت الخيار المتحقق في العقد الذي هو آت من قبل العشر فتخلف الوصف، سقط خياره على الاقوى. وأولى بذلك ما لو أسقطه بتوهم: أنه آت منه. ] قوله دام ظله: فالظاهر سقوطه. لاجل أن الساقط ليس معنى كليا، بل أمر جزئي خارجي، والامور الجزئية الخارجية تكون القيود الواردة عليها من الحالات، نظير تقييد الامام الموجود في المحراب بقيود كذائية، فإنه بالتقييد لا يلزم عدم وقوع الاقتداء بأمر غير خارجي، بل في جميع الحالات يقع الاقتداء بالخارج، فإذا كان عادلا يكون اقتداؤه بالعادل الكافي لصحة جماعته. ومن هنا يظهر وجه قوله دام ظله: سواء وصفه... إلى آخره، فإن التوصيف تقييد وتضييق، ولكن لا يورث تقسيم الخارج، لامتناع انقسامه إلى الكثير، فإذا كان له الخيار في العقد يسقط، لان إنشاء إسقاطه مرتبط به، وسبب سقوطه. وهذا هو الفرع الموجود في كلام الشيخ (قدس سره) حيث قال: ولو أسقطه بزعم كون التفاوت عشرة فظهر مائة، ففي السقوط وجهان (1) انتهى. ولو كان متحيرا في ترجيح أحدهما على الاخر في فرض الزعم، ففي


1 - المكاسب، الشيخ الانصاري: 238 / السطر 14.

[ 182 ]

[... ] فرض التوصيف يكون التحير أولى. وإليه يشير قوله دام ظله: وأولى بذلك ما لو أسقطه بتوهم أنه آت منه... إلى آخره، ولكن لا حاجة إليه بعد تصريحه في أول المسألة بالتسوية. والانصاف خلافه، ولو صح ما قيل يلزم سقوط خيار العيب بإسقاط خيار الغبن. ولا تقاس هذه المسألة بمسالة الاقتداء، فإنه لا يعقل هناك الاقتداء بغير الخارج في جميع الصور، بخلاف ما نحن فيه، فإنه يعقل إسقاط العنوان، فلو قيد خياره بقيد - سواء كان قيدا، أو شرطا - يكون الساقط متضيقا غير منطبق عليه، ولاسيما في مثل الشرط الذي هو يرجع إلى الهيئة، لا المادة. فقوله دام ظله: وكذا الحال... إلى آخره، في غير محله، لان الشرط يورث قصورا في السبب الذي يتسبب به إلى السقوط، لان الحق جواز جعل الشرط قيد الهيئة عنده. ولا يقاس ما نحن فيه ببيع الفرس الخارجي الموصوف ب‍ العربي بل هو من قبيل بيع الفرس الخارجي الموصوف ب‍ العربي المتبين أنه حجر، فإنه لا يصح البيع بالضرورة ولو كان مصب البيع والانشاء أمرا خارجيا، فإذا قيل: أسقطت خيار العيب في هذا العقد لا يسقط خيار الغبن به، وهكذا إذا قال: أسقطت الخيار الناشئ من الغبن الكذائي في

[ 183 ]

[ وكذا الحال في اشتراط سقوطه بمرتبة وإن كان فاحشا، بل أفحش. ] هذا العقد وكل ذلك لعدم مساعدة العقلاء على سقوط خياره. ولا يجوز الاشكال بالصناعة العلمية والقياسات النافية الباطلة بعضها في محلها أيضا. هذا مع أن السقوط بالاسقاط الكذائي، ضرر يمكن منع إطلاقه بقاعدة لا ضرر.... وتوهم: أنه ليس أمرا شرعيا (1)، في غير محله، لكفاية كونه بيد الشرع نفيا وإمضاء، فتأمل. ويحتمل قصور قاعدة لا ضرر... عن شمول الفرض، لان ثبوته ضرري، وهو ناشئ من القاعدة الجابرة للضرر، فتكون منصرفة أصلا. نعم، يثبت له الخيار بدليل آخر بعد سقوط القاعدة عن الاستناد. قوله: كذا الحال. قد عرفت وجهه ووجه ما فيه (2). وغير خفي: أنه يمكن الالتزام بالتجزئة أيضا، وإنما الاشكال في أنه أمر عرفي يساعد عليه السوق أم لا، فليتدبر جيدا.


1 - لاحظ البيع، الامام الخميني (قدس سره) 4: 314. 2 - تقدم في الصفحة 175 وما بعدها.

[ 184 ]

[ وكذا يأتي ما ذكر فيمن صالح على خياره، فبطل إن كان بنحو التقييد، فتبين الزيادة، دون النحوين الاخرين. وكما يجوز إسقاطه بعد العقد مجانا، يجوز المصالحة عليه بالعوض، فمع العلم بمرتبة من الغبن فلا إشكال، ] قوله دام ظله: فبطل. أي الصلح، فإنه إن كان بنحو التقييد بالمرتبة المذكورة في المسألة السابقة، فلا يسقط الخيار، وإن كان بالنحوين الاخرين - التوصيف، أو الزعم والتوهم - فيسقط الخيار، ويصح الصلح، والوجه وما فيه قد مر (1)، فتدبر. قوله دام ظله: يجوز المصالحة. وهو المصرح به في كلام الاصحاب (رحمهم الله) (2) نظرا إلى أن في الصلح، لا يعتبر كون المصا لح عليه عينا، أو منفعة، أو حقا، والامر كذلك عندنا في البيع، ولا سيما في الحق. نعم، في المنفعة تأمل جدا. وإنما الاشكال في أن الصلح والمصالحة شرعت لرفع الخصومة، فإطلاق مشروعيتها محل إشكال. ولو كان الصلح كالبيع يلزم جريان الخيارات فيه، مع أن الظاهر أن مصبه في محيط لا يبقى بعد المصالحة شئ، فينسحب إلى النزاع والمخاصمة، والتفصيل في محله.


1 - تقدم في الصفحة 181 وما بعدها. 2 - جواهر الكلام 26: 230، المكاسب، الشيخ الانصاري: 238 / السطر 16.

[ 185 ]

[ ومع الجهل بها صح المصالحة مع التصريح بعموم المراتب، بأن يصالح على خيار الغبن المتحقق في هذه المعاملة بأي مرتبة كانت. ] قوله دام ظله: مع التصريح. حتى يكون العوض في مقابل المعوض، ضرورة أن في صورة التقييد، يشك في تحقق المعاوضة العامة الجنسية المشترك فيها البيع والصلح بالعوض وغيرهما. وظاهر المتن عدم جواز الصلح في صورة احتمال الغبن والخيار أيضا، وفيه خلاف بين الاعلام، فا لشيخ (رحمه الله) اختار الجواز بشرط الانضمام (1)، ولا يخفى ما فيه. وعن العلامة الخراساني (رحمه الله) جوازه (2)، لان الصلح واقع على الاحتمال، وهو أمر حاصل. وذهب الماتن إلى جواز الصلح على الاسقاط في صورة احتمال الخيار (3)، والاسقاط متحقق إنشاء، والمناقشة في مالية الاسقاط والاحتمال (4)، تنافيها ماهية الصلح المشروعة لحل المشاكل، فلو كان


1 - المكاسب، الشيخ الانصاري: 238 / السطر 29. 2 - حاشية المكاسب، المحقق الخراساني: 187. 3 - البيع، الامام الخميني (قدس سره) 4: 315. 4 - لاحظ حاشية المكاسب، المحقق الخراساني: 188، حاشية المكاسب، المحقق الاصفهاني 2: 61 / السطر 21.

[ 186 ]

[... ] معتبرا في العقد مالية واقعية، فهي غير معتبرة فيه إلا على الوجه الموجود في المسألة. ومن هنا يظهر: أن الصلح على المرتبة الخاصة المحتملة - كالصلح على المنفعة - لا تأتي فيه الوجوه الثلاثة: بطلان الصلح، ولزومه، وجوازه، بل فيه التفصيلات السابقة المذكورة في أصل المسألة.

[ 187 ]

[ الثالث: تصرف المغبون بعد العلم بالغبن فيما انتقل إليه، بما يكشف كشفا عقلائيا عن الالتزام بالعقد وإسقاط الخيار، ] قوله مد ظله: تصرف المغبون. حسب بعض الاجماعات المحكية (1)، وعليه فتوى جماعة (2)، وفي كلامهم ما يورث كونه من التصرفات المسقطة لاحد الخيارات السابقة، كالمجلس، والحيوان. وربما يعارض الاجماع بإطلاق كلام جمع منهم، بأن هذا الخيار لا يسقط بالتصرف (3)، ولكن القدر المتيقن منه قبل العلم بالغبن. وبالجملة: كون التصرف مسقطا بلا وجه عند العقلاء، واستفادته من الاخبار الخاصة السابقة ممنوعة. قوله: كشفا عقلائيا. لا تنافي بين عدم سقوط الخيار، والالتزام القلبي بالعقد، ومجرد كون التصرف كاشفا عن الالتزام غير كاف، لان الخيار حق لابد من إسقاطه إما بالقول أو الفعل، والتصرف يمكن أن يكون مسقطا، كالمعاطاة في البيع،


1 - لاحظ المكاسب، الشيخ الانصاري: 239 / السطر 8. 2 - لاحظ المكاسب، الشيخ الانصاري: 239 / السطر 8، مصباح الفقاهة 6: 350، البيع، الامام الخميني (قدس سره) 4: 320. 3 - شرائع الاسلام 2: 16، إرشاد الاذهان 1: 374.

[ 188 ]

[... ] ولكن الكاشفية العقلائية عن الالتزام، لا تدل إلا على الرضا بالبيع، والاسقاط أمر آخر تسبيبي. اللهم إلا أن يقال: بكفاية الانصراف عن الحق ثبوتا وإن لم يبرز، فيكون خياره ساقطا بينه وبين ربه، وهذا غير بعيد. وعلى كل تقدير: الاحتياج إلى الكاشفية العقلائية، غير تام إلا في مرحلة الدعوى وطرح الخصومة. ثم إن قوله - مد ظله -: وإسقاط الخيار يناقض الالتزام بالعقد، فإن الاسقاط أمر تسبيبي من القول أو الفعل، والالتزام أمر قلبي، ولو كان التصرف مسقطا للخيار، يكفي ولو لم يكن ملتزما بالعقد، وبانيا على التخلف عن الوفاء به بقاء. وغير خفي: أن المسقط لا يعتبر أن يكون أمرا عقلائيا، قولا كان، أو فعلا، نعم في مرحلة التداعي إذا كان غير عرفي لا يسمع قول مدعيه، فلا ينبغي الخلط. ولا ينبغي المقايسة بين العقود وإسقاط الدين والحق، لما عرفت من إمكان سقوط الدين والحق بمجرد الانصراف عن حقه بناء وقلبا، ثم الاخبار عنه، فليتدبر.

[ 189 ]

[ كالتصرف بالاتلاف، ] قوله مد ظله: بالاتلاف. على الاشهر خلافا لغير واحد (1)، ومنهم المصنف في درسه (2)، وهو الظاهر من الشيخ (رحمه الله) (3) وذلك لان الملازمة العرفية بين الاتلاف والاسقاط، أو الالتزام بالعقد - بناء على كفايته - غير تامة، والادلة الواردة في بعض الخيارات السابقة ومنها خيار الحيوان، غير وافية بكون التصرف المزبور فيما نحن فيه موجبا لسقوط الخيار تعبدا، وقد مر الكلام حولها في موردها بما لا مزيد عليه (4). نعم، يجوز أن يقصد بالاتلاف إظهار سقوط الخيار، ولكنه خروج عن المقصود بالبحث، ولذلك لانحتاج إلى تقييد إطلاق كلام الماتن وغيره في المقام، خلافا لما يستظهر من بعض الاعلام (5).


1 - شرائع الاسلام 2: 16، إرشاد الاذهان 1: 374، حاشية المكاسب، السيد اليزدي 2: 42 / السطر 17. 2 - البيع، الامام الخميني (قدس سره) 4: 326. 3 - المكاسب، الشيخ الانصاري: 239 / السطر 21. 4 - تقدم في الصفحة 112 وما بعدها. 5 - لاحظ حاشية المكاسب، السيد اليزدي 2: 42 / السطر 14، حاشية المكاسب، المحقق الايرواني 2: 34 / السطر 16.

[ 190 ]

[ أو بما يمنع الرد، أو بإخراجه عن ملكه، كالبيع اللازم، بل وغير اللازم، ونحو التصرفات التي مر ذكرها في خيار الحيوان. ] قوله مد ظله: أو بما يمنع الرد. كالاستيلاء، والكلام فيه ما مر. قوله مد ظله: بإخراجه. وهذا مثل ما سبق، بل الامر في غير التصرفات التا لفة أخفى، كما لا يخفى. نعم، في المسألة شئ: وهو أن مقتضى كون خيار الغبن فوريا، وقضية المفروض في صور البحث، سقوط الخيار بعد العلم بالغبن. اللهم إلا أن يقال: إنه يمكن أن تكون الصور واردة مورد جهالة المغبون بالحكم ولو كان عا لما بالغبن، والظاهر هو الاخير، وذلك لقولهم: بأن التصرف الكاشف الكذائي يوجب سقوط الخيار ولو كان عا لما بالغبن وبفورية الخيار، فلا حاجة إلى التقييد المذكور، لان السقوط بالتصرف المزبور قطعي. اللهم إلا أن يقال: بإمكان بقاء الخيار إذا لم يكن التصرف منافيا للفورية، فتدبر.

[ 191 ]

[ وأما التصرفات الجزئية - نحو الركوب غير المعتد به، والتعليف، ونحو ذلك مما لا يدل على الرضا - فلا. كما أن التصرف قبل ظهور الغبن لا يسقط، كتصرف الغابن فيما انتقل إليه مطلقا. ] قوله مد ظله: لا يسقط. خلافا للمصرح به في كلام المحقق (1) ومن تأخر عنه (2)، وقيل: إنه المشهور (3). ويظهر من الروضة أن السقوط إجماعي (4)، ولو كان مورد الاجماع لما خالفهم الشهيد (رحمه الله) في اللمعة (5). وقال الشيخ (رحمه الله): إنك عرفت عدم عنوان المسألة في كلام من تقدم على المحقق (رحمه الله) فيما تتبعت (6) انتهى. وبالجملة: ولو كان إجماعيا، ولكنه يحتمل استناده إلى أخبار خيار الحيوان، فاهمين منها عدم الفرق بين صورتي العلم والجهل، فراجع.


1 - شرائع الاسلام 2: 16. 2 - إرشاد الاذهان 1: 374، مسالك الافهام 3: 204 - 207، جواهر الكلام 23: 44. 3 - مفاتيح الشرائع 3: 74 ولاحظ المكاسب، الشيخ الانصاري: 239 / السطر 24. 4 - الروضة البهية 1: 378 / السطر 9. 5 - اللمعة الدمشقية: 119. 6 - المكاسب، الشيخ الانصاري: 239 / السطر 34.

[ 192 ]

[... ] ولذلك وذاك اشتهر بين المعاصرين خلافه (1)، وأنه لا وجه لسقوط الخيار هنا، كما لا وجه لسقوط الخيار بتصرف الغابن فيما انتقل إليه مطلقا، كما هو الواضح. ويمكن أن يقال: بأن وجه سقوط الخيار في المسألتين قصور دليله، فإن مع تلف العين موضوعا أو حكما، لا يبقى مورد لجواز استرداد العين بالفسخ، فلا معنى لفسخ العقد، فلا معنى للخيار. وفيه مالا يخفى، فإن الفسخ من عوارض العقد، وهو لا ينتفي بتلف العين، ولا سيما التلف الحكمي، فلو التفت بعد ذلك إلى الغبن، له أن يرضى بالعقد ويجيزه، وله حله وأن لا يجيزه، ويرجع الغابن إليه بالبدل مطلقا، أو في صورة التلف والتعذر. والقول: بأن قبول البدل ضرري، فثبوت الخيار بعد التلف ممنوع (2) في محله لو كان مستند الخيار قاعدة لا ضرر... والمعارضة المذكورة في كلام الشهيد (رحمه الله) (3) بين الضررين، مندفعة بأخصية ضرر الغابن من ضرر المغبون، وإطلاق خيار المغبون يقيد بصورة بقاء العين.


1 - وسيلة النجاة 2: 40، البيع، الامام الخميني (قدس سره) 4: 322. 2 - لاحظ المكاسب، الشيخ الانصاري: 239 / السطر 28. 3 - اللمعة الدمشقية: 119.

[ 193 ]

[... ] وأما لو كان المستند الاجماع والتعبد كما هو الظاهر، والقاعدة قاصرة عنه، فلا يرجع إليها حتى يقيد بها مورد الاجماع، أو إطلاق معقد الاتفاق، فافهم جيدا، وفي المسألة بعض دقائق صناعية تطلب من الكتاب الكبير (1) إن شاء الله تعالى.


1 - هذه المباحث من كتاب الخيارات من تحريرات في الفقه مفقودة.

[ 194 ]

[ مسألة 6: لو فسخ البائع المغبون البيع، فإن كان المبيع موجودا عند المشتري باقيا على حاله استرده، وإن كان تالفا أو متلفا رجع إليه بالمثل أو القيمة. ] قوله مد ظله: استرده. بمعنى أن له فسخ العقد، ومقتضى التفاسخ رجوع كل من العوضين إلى محله، وأما الاسترداد فهو تابع رده العين، ولا يجوز له أن يسترد العين قبل رد العوض، كما في الوفاء بالعقد، فلكل واحد منها حق الامتناع وحق الحبس ظاهرا. قوله مد ظله: رجع إليه. حسب القواعد العامة في باب الضمانات، ويظهر منهم أن المقصود رجوعه إليه في المثلي بالمثل، وفي القيمي بالقيمة. وأما وجه رجوعه إليه، فهل هي قاعدة على اليد... أم هو إطلاق قاعدة لا ضرر... على التقريب الذي أبدعناه (1)، أو قاعدة الاتلاف في صورة الاتلاف، أم هو مقتضى الفسخ، أو هو حكم العقلاء بعد الفسخ؟ وجوه يكون الاخير متعينا، ضرورة أن التلف أو الاتلاف كان في ملكه، ولا معنى للضمان قبل الفسخ، فيكون الفسخ من الحين، ومعناه حصول التلف في ملكه. وانقلاب اليد إلى يد ضمان بلا وجه حتى على القول:


1 - تحريرات في الاصول 8: 270 وما بعدها.

[ 195 ]

[... ] بأن العين التالفة تعتبر في ذمة المفسوخ عليه، لان ذلك ليس من استيلائه عليها، وهكذا قاعدة الاتلاف، للزوم كون المدار على قيمة يوم التلف، وهذا خلاف حكم العقلاء بالضرورة ولو كان المعتبر عين التالفة في الذمة، لانه لا معنى له هنا بعد كون الاتلاف في ظرف تحققه، واقعا على ملك المتلف. وبالجملة: ما هو الاقرب أن الفسخ حيث هو يكون من حين، وينحل به العقد، فما هو حكم العرف لزوم رجوع العين، وحيث هي مفقودة فيرجع إلى القيمة أو المثل، ولو كان الفسخ في الاعتبار هنا على بقاء العين التالفة في وعاء الاعتبار إلى حال الفسخ، أو إلى اعتبار بقائها حين الفسخ، فلا تلف بعد الفسخ حتى يوجب الضمان. نعم، يتعذر رد التا لفة، فينتقل إلى القيمة أو المثل. ثم إن تعين القيمة في القيميات، والمثل في المثليات، غير تام عندنا في مطلق باب الضمانات، وما أفادوه (1) لا يرجع إلى محصل، ومحط بحثه في محل آخر. وقوله - مد ظله -: أو القيمة ظاهر في اختيار المضمون عليه والمغبون، ولكنه خلاف مسلكهم قطعا، فيكون المقصود رجوعه بالمثل


1 - المكاسب، الشيخ الانصاري: 241 / السطر 31 وما بعدها.

[ 196 ]

[ وإن حدث به عيب عنده، سواء كان بفعله، أو بغيره من آفة سماوية ونحوها، أخذه مع الارش. ] في المثليات، والقيمة في القيميات. نعم، ما هو الحق حسب الصناعة تخيير الضامن. ثم إن لصورة الاتلاف فروعا كثيرة مذكورة في كتابنا الكبير، والمقصود هنا صورة كون التلف بإتلاف الغابن، لانه القدر المتيقن من الحكم المترتب عليه. هذا كله بناء على كون البيع الغبني صحيحا، كما لا يخفى. قوله دام ظله: أخذه مع الارش. وهو كأنه مفروغ عنه في كلامهم، وقال الشيخ (رحمه الله): كما هو مقتضى الفسخ، لان الفائت مضمون بجزء من العوض، فإذا رد تمام العوض وجب رد مجموع المعوض، فيتدارك الفائت منه ببدله (1) انتهى. وفيه مالا يخفى، فإن العيب والصحة لا يقابلان بشئ في البيع، حتى يكون جزء الثمن في قبال الصحة، فيرد الارش عند تعذر رد الصحيح. ويوجه كلامه بمقالة: وهي أن المبيع في البيع، والمملوك في ملكية الاعيان، ليس ذوات الاعيان بجوهريتها التي تكون مركز الخلاف بين المشائين والاشراقيين مثلا، لانها غير ذات أثر في الاعتبار، وما هو المملوك في باب الضمانات والتجارات هي المنافع، إلا أنها إذا كانت مرسلة من


1 - المكاسب، الشيخ الانصاري: 240 / السطر 28.

[ 197 ]

[ ولو أخرجه عن ملكه بوقف أو معاملة لازمة، فالظاهر أنه بحكم الاتلاف، ] جميع الجهات والنواحي، تكون في الاعتبار عين المنفعة، وإذا كانت معتبرة في جهة لاجل جهة تكون منفعة العين، فتأمل تعرف. وأما التمسك بقاعدة على اليد... أو قاعدة كل مبيع تلف في زمن الخيار... أو قاعدة لا ضرر... فهو بمعزل عن التحقيق، ولذلك استظهر السيد الماتن (1) عدم وجوب الارش، والالتزام به مشكل جدا، وهذا يكشف أيضا عن أن البيع الغبني ليس قبل لحوق الرضا به بيعا عرفا، ويكون من الفضولي حكما. ويصح دعوى: أن التضمين حكم عقلائي، أو المساواة بعد الفسخ شرط ضمني، فلو ورد عيب يخرج عن المساواة، فلابد من رد ما به تحصل. وفيها أيضا مالا يخفى. قوله مد ظله: بحكم الاتلاف. قد مر وجهه وما فيه (2).


1 - البيع، الامام الخميني (قدس سره) 4: 342. 2 - تقدم في الصفحة 189.

[ 198 ]

[ فيرجع إليه بالمثل أو القيمة، وإن كان بنقل غير لازم كالبيع بخيار والهبة، ] قوله مد ظله: إليه بالمثل أو القيمة. مر ما يتعلق به (1)، وأن المثل في المثلي والقيمة في القيمي فيما نحن فيه، غير معلوم تعينه ولو كان متعينا في باب ضمان اليد وغيره. قوله مد ظله: بنقل غير لازم. كما عن جماعة (2)، وهو الظاهر من عبارة القوم، حيث اعتبروا الخروج عن الملك على وجه اللزوم يمتنع الرد، فكأن في صورة جواز العقد لا يمتنع الرد. والحق: أن منشأ الاشكال هو أن إلزامه على الفسخ ليس مفيدا، لان الملكية الحاصلة بعد الفسخ ليست الملكية السابقة، ومقتضى الفسخ وإعمال الخيار، رجوع كل من العوضين إلى الملكية السابقة قبل العقد، وقد زالت تلك الملكية بالهبة، ولو كان ذلك كافيا لكان لالزامه في صورة خروجه عن ملكه بالبيع اللازم وجه، ضرورة أنه يمكن الاقالة والاشتراء أحيانا، وما يأتي في الفرع الاتي أيضا محل إشكال


1 - تقدم في الصفحة 195 - 196. 2 - تذكرة الفقهاء 1: 523 / السطر 12، جامع المقاصد 4: 296، المكاسب، الشيخ الانصاري: 240 / السطر 3.

[ 199 ]

[... ] من هذه الجهة أيضا. وأما توهم: أن منشأ الاشكال قصور الادلة عن إلزامه، فهو فاسد، لاطلاق الهيئة. نعم، يمكن أن يقال: بأن في صورة الفسخ قبل رجوعه في هبته، لا يعتبر للبائع المغبون ملك إلا ملك البدل، لان كون الاعتبار مراعى بالرجوع بلا وجه، بل غير معقول، وكونه موجبا لعود ملك الموهوب له إلى المغبون، غير جائز، للزوم كونه ملك الشخصين، فعلى هذا لا معنى لالزامه بعد انتقال البدل إليه بالفسخ. اللهم إلا أن يقال: إن الفسخ لا يقتضي إلا حل العقد، وأما رجوع كل عوض إلى صاحبه فهو من الاحكام العقلائية، فإن كان كل عوض بلا مانع، فيرجع إليه قهرا في الاعتبار، ويكون ملكا له، ويجب عليه رده خارجا، وإذا كان العوض ممنوعا - بالبيع اللازم كان، أو بغيره - فعليه رد العين الموجودة عرفا وإن لم تكن ملكا للمغبون، فإن ذلك حكم العقلاء. نعم، في صورة التعذر عليه البدل، كما في باب الضمانات. ومن خلال هذا الاجمال تبين: أن الاشكال المزبور في غير محله، لانه لو كان له وجه كان يشترك فيه الفرع السابق، أو الفرع اللاحق. والذي هو التحقيق في المقام: أن تصرفات الغابن كلها في حكم الفضولي، فيسقط جميع ما افيد. هذا ولو قلنا: بأنها صحيحة نافذة، فالاولى أن

[ 200 ]

[ ففي جواز إلزامه بالفسخ وإرجاع العين إشكال. ولو رجعت العين إلى المشتري بإقالة، أو عقد جديد، أو فسخ، قبل رجوع البائع إليه بالبدل، لا يبعد أن يكون له إلزامه برد العين ولو كان الانتقال السابق لازما. ] الفسخ يورث خروج العين من الملكية الطارئة إلى الملكية السابقة، سواء كان ما لكها الغابن، أو طرف الغابن، فإذا رجعت العين إلى المغبون يرجع الطرف الغابن إليه، وهذا مما يجمع به الحقوق، ولا ضيق في الاعتبار حتى يكون هناك رادع عن تحقق الفسخ بمعناه الواقعي، فليتدبر. قوله دام ظله: إلزامه. واستشكل في الدرس: بأن الخروج عن الملكية ثم العود ثانيا، يضر بإمكان الفسخ، لان الفسخ حل العقد على وجه ترجع العين إلى الملكية السابقة بعد خروجها عن الملكية الاتية من قبل ذلك العقد (1). وما في المتن أقوى، لعدم الدليل على الدعوى المزبورة، بل قد عرفت مقتضى الفسخ بما لا مزيد عليه. والشيخ لم يختر في المسألة شيئا، وقال: وربما يبنيان على أن الزائل العائد كالذي لم يزل، أو كالذي لم يعد (2) انتهى، وهذا هو المرموز


1 - البيع، الامام الخميني (قدس سره) 4: 329 - 330. 2 - المكاسب، الشيخ الانصاري: 240 / السطر 6.

[ 201 ]

[ ولو نقل منفعتها إلى الغير بعقد لازم كالاجارة، لم يمنع ذلك من الفسخ، ] إليه في كلام بعض الشافعية (1)، والنظر إلى أن مقتضى الفسخ ما افيد. ولكن يمكن دعوى: أن العود إلى الملكية ليس حدوثا لها، بل هو من قبيل إعادة المعدوم عرفا، وفيه ما لا يخفى، فإن العرف لا يتسامح في ذلك، ومسألة المعدوم العرفي ولو كانت صحيحة، ولكنها في بعض الامثلة الاخرى، كالتقطير الحاصل من أبخرة البول، فإن البخار خروج عن صورة البولية، ولكن بعد التقطير يرجع إليها عرفا، فتدبر. قوله مد ظله: لم يمنع. خلافا لما نسب إلى الصيمري (2) وأبي العباس (3)، ووفاقا للاكثر (4)، فإن وجه الانتقال إلى البدل هي المزاحمة لحق المنتقل إليه بالبيع ونحوه، وأما في مثل الاجارة فلا مزاحمة، لان فسخ عقد البيع الغبني لا يقتضي إلا رجوع العين مثلا إلى المحل الاول بالفعل مثلا، وهذا حاصل في مفروض البحث، وعدم نقل المنفعة لا يضر به. اللهم إلا أن يقال: إن قضية الفسخ رجوع العين على ما كانت حين


1 - المكاسب، الشيخ الانصاري: 261 / السطر 12، المجموع 6: 127 و 12: 301. 2 - مفتاح الكرامة 4: 575 / السطر 29، المكاسب، الشيخ الانصاري: 240 / السطر 7. 3 - المهذب البارع 2: 377. 4 - لاحظ المكاسب، الشيخ الانصاري: 240 / السطر 8.

[ 202 ]

[ كما أنه بعد الفسخ تبقى الاجارة على حالها، وترجع العين إلى الفاسخ مسلوبة المنفعة، وله سائر المنافع غير ما ملكه المستأجر لو كانت. ] العقد إلى ما لكها قبل العقد، وهذا ممتنع هنا، ويظهر من السيد (رحمه الله) اختياره في المنفعة، والمقام مثله (1). وفيه ما عرفت: من أن الفسخ ليس إلا حل العقد، وأما بعد ذلك فالامر موكول إلى العقلاء وأحكامهم، ولا اقتضاء للفسخ، لانه ليس إلا إعدام العقد في افق الاعتبار. قوله مد ظله: تبقى الاجارة. فيما إذا فسخ المغبون في أثناء مدة الاجارة، فقاسوا ما نحن فيه بالعقد على المستأجرة. ويمكن المناقشة فيه: بأن مالكية الغابن للمنفعة على إطلاقها ممنوعة، وليست كمالكية المالك بالملك المستقر، بل هي كما لكية البطن الموجود، فإن إجارتهم على وجه يستوعب عصر البطن المعدوم، ممنوعة الصحة عندهم في نوع صور الوقف، وإن فصلنا في المسألة في محلها، وعلى هذا إذا فسخ المغبون، يكشف ذلك عن عدم مالكية الغابن للمنفعة بعد الفسخ، فلا تبقى الاجارة صحيحة، كما لا يكون للغابن التصرف بالفرس على وجه يكون له حق الابقاء بعد الفسخ، فالبطلان قوي جدا.


1 - حاشية المكاسب، السيد اليزدي 2: 44 / السطر 32.

[ 203 ]

[ وفي جواز رجوعه إلى المشتري باجرة المثل بالنسبة إلى بقية المدة، وجه قوي، كما يحتمل أن يرجع إليه بالنقص الطارئ على العين من جهة كونها مسلوبة المنفعة في تلك المدة، فتقوم بوصف كونها ذات منفعة في تلك المدة مرة، ومسلوبة المنفعة فيها اخرى، فيأخذ مع العين التفاوت بين القيمتين، ] ويؤيد ذلك مساعدة العرف على البطلان، ولا سيما فيما إذا كانت مدة الاجارة طويلة، والمنفعة المعتد بها موردها. قوله مد ظله: وجه قوي. وقد أنكره في درسه - مد ظله (1) - نظرا إلى أن القواعد قاصرة عن تثبيت الضمان وجواز المراجعة إلى الغابن، لقصور قاعدة لا ضرر... ولعدم الاقتضاء للفسخ أكثر من عود العين وقد عادت، ولان حكم العقلاء ليس محرزا، وربما ينشأ عن الجهات غير الالزامية. وبعدما عرفت فساد الاجارة، فلاتصل نوبة البحث إلى ذلك، والترديد المتراءى في كلمات القوم هنا، يشهد على فساد مرامهم رأسا في أصل صحة تصرفات الغابن، ولا سيما التصرفات الباقية بعد الغبن، كالاجارة والعارية وغيرهما. وغير خفي: أن مقتضى ما تحرر منا في رسالتنا الموسعة في قاعدة


1 - البيع، الامام الخميني (قدس سره) 4: 341 - 345.

[ 204 ]

[... ] لا ضرر... أنها قاعدة عامة نافية ناهية (1)، وفي صورة كونها نافية رافعة دافعة جابرة ومشرعة أحيانا، وعلى هذا إذا كان الفسخ ضرريا يكون الخيار منفيا، فلو أعمل المغبون خياره مع علمه بالجهات الموجودة فلا بأس، وإلا فلا خيار له كشفا بالقاعدة، لا أقول: له خيار في الخيار، أي له استرداد العين بعد الفسخ، وله فسخ الفسخ، بل يكشف بها عدم نفوذ فسخه، فاغتنم. وأما رجوعه إليه بالمثل أو القيمة، ولا سيما في صورة توجه المغبون إلى إجارة الغابن، وأن العين مسلوبة المنفعة، فهو في صورة عدم إمكان انجبار ضرره من ناحية اخرى هي المتقدمة عليه، وهو نفي الخيار بعد الاجارة. نعم، إذا كان المقدار الذي تغابن فيه موجبا لاعما له الخيار، فقضية كونها قاعدة جابرة لزوم المثل أو القيمة، وفي المسألة بحوث دقيقة، من شاء فعليه بالرجوع إلى كتابنا الكبير إن شاء الله تعالى (2).


1 - رسالة في قاعدة لا ضرر للمؤلف (قدس سره) مفقودة. 2 - هذه المباحث من كتاب الخيارات من تحريرات في الفقه مفقودة.

[ 205 ]

[ والظاهر أنه لا تفاوت غالبا بين الوجهين. ] قوله مد ظله: والظاهر. لا معنى لتعرض الفقيه لامثال هذه المسائل الخارجة عن فنه غير اللازم ذكرها، وغير الواجب اتباعه، وعلى كل تقدير وجود التفاوت وعدمه أجنبي عن البحث، وغير جدير بهم.

[ 206 ]

[ مسألة 7: بعد فسخ البائع المغبون لو كان المبيع موجودا عند المشتري، لكن تصرف فيه تصرفا مغيرا له إما بالنقيصة، أو بالزيادة، أو بالامتزاج، فلو كان بالنقيصة أخذه، ورجع إليه بالارش كما مر. ولو كان بالزيادة، فإما أن تكون صفة محضة، كطحن الحنطة، وقصارة الثوب، وصياغة الفضة، أو صفة مشوبة بالعين، كالصبغ إذا كان له عين عرفا، أو عينا محضا، كالغرس والزرع والبناء: أما الاول: فإن لم يكن للزيادة دخل في زيادة القيمة، يرجع إلى العين، ] ولا شئ عليه، كما أنه لا شئ على المشتري، وإن كان لها دخل في زيادتها يرجع إلى العين. قوله مد ظله: ولا شئ عليه. وضعا، وأما تكليفا فيمكن أن تكون الزيادة ملكا للمحدث، فيمنع عن التصرف في العين إلا بإذنه. ولكن المحقق في محله: أن ما هو مال محترم، دون الملك. مع أنه لا أساس للتفكيك بينهما. قوله مد ظله: على المشتري. إلا توهم: أن إحداث الصفة أوجب زوال قابلية العين عن الزيادة المقومة، فإنه يعد من النقيصة. وأما قوله آنفا: رجع إليه بالارش كما مر فقد مر ما فيه (1) إن كان


1 - تقدم في الصفحة 196.

[ 207 ]

[ وفي كون زيادة القيمة للمشتري لاجل الصفة، فيأخذ البائع العين، ويدفع زيادة القيمة، أو كونه شريكا معه في القيمة، فيباع ويقسم الثمن بينهما بالنسبة، ] المراد من النقيصة نقصان صفة الكمال، أو صفة الصحة، ضرورة أن الاوصاف ليس بحذائها شئ من الثمن. وإن اريد منه نقصان الجزء ومقدار من الكمية، لا الكيفية، كما هوا لظاهر من التعبير ب‍ الارش فالتقسيط في محله إذا كان تلف بعض الاجزاء لم يكن موجبا لتلف الكل عرفا، ولم يكن التصرف بالنقيصة ملحقا بالتلف رأسا، كما إذا كسر الرقي والبطيخ، أو نقص شئ من الحجر الكريم. فبالجملة: الامتعة تختلف، فإطلاق الحكم محل منع جدا. قوله مد ظله: زيادة القيمة. لان البائع بمقتضى الفسخ، يملك العين قهرا، والصفة شئ قائم بالعين تابع لها، ولا يحاذيها شئ من الثمن كما هو المعلوم، وأما ذلك فلا يستلزم سقوط مالية الصفة الموجبة لزيادة مالية العين، فلا تنهدر على محدثها بحكم العرف والعقلاء، ولا حق له أكثر من طلب تلك الزيادة. قوله مد ظله: أو كونه شريكا. الشركة في القيمة ليست معناها الشركة بعد البيع في الثمن، فإنه لا يورث وجوب البيع، ويلزم على هذا هتك ماله إذا وهبها بلا عوض

[ 208 ]

[ أو شريكا معه في العين بنسبة تلك الزيادة، أو كون العين للبائع، ] فما يظهر من بعض الاعلام من الشركة في القيمة بالمعنى المزبور (1)، غير جيد. نعم، يعتبر الشركة في المالية الشخصية الموجودة بوجود العين، وهذا هو الظاهر من المتن، إلا أنه لا يلزم البيع، بل يتعين إرجاع ما به التفاوت إلى المحدث الغابن، نظرا إلى أن إعطاء الزيادة بلا حصول الشركة في المالية، معناه كون الزيادة ملكا للغابن، مع أنها وصف يورث ازدياد القيمة، وليست شيئا مستقلا، مثل وصف كون العين قرب السوق، أو وصف العلم والصفة، فإن هذه الامور لا تملك، ولا تكون مورد الحق، فالوجه الاول غير حسن. وأما هذا الوجه، فلازمه كون الوصف تبعا للعين، ولا يكون مستقلا في الملكية، ويوجب الشركة القهرية في المالية الموجود بوجود العين، فترجع إليه القيمة، وتزداد تلك بازدياد القيمة السوقية، فيكون على المغبون إرجاع ما به التفاوت على حساب يوم المطالبة مثلا. قوله مد ظله: أو شريكا معه في العين. لان المالية المشترك فيها قائمة بها، ومتحدة معها، ولا يعقل التفكيك بينهما. أو لان لازم عدم كون الصفة المحدثة للمرغوبية هدرا،


1 - لاحظ حاشية المكاسب، السيد اليزدي 2: 45 / السطر 7.

[ 209 ]

[ وللمشتري اجرة عمله، أو ليس له شئ أصلا، وجوه أقواها الثاني، ولا يكون البائع ملزما بالبيع، بل له أخذ المبيع، وتأدية ما للمشتري بالنسبة. ] هي الشركة في العين، ضرورة أن الشركة في المالية فرع اعتبار المالية، وهذا أمر حادث بعد حدوث العروض والنقود، وأما في العصور القديمة - بل في القرى النائية في هذه العصور أيضا - فليس من الما لية والتقويم أثر، بل الناس يتبادلون الاجناس والامتعة، لاحتياجاتهم الشخصية، ولادارة حياتهم ومعاشهم الاولية، فالوجه الثاني أيضا غلط، فالشركة لو كانت فهي في العين. قوله مد ظله: اجرة عمله. نظرا إلى أن حرمة عمله محفوظة، والشركة في المالية وفي العين باطلة مطلقا، ضرورة أن الغابن حين التصرف في العين كان مالكا عند الاصحاب (رحمهم الله) فلا معنى للشركة قبل الفسخ، وبعد الفسخ لابد أولا من اعتبار الملك المستقل للغابن، ثم الشركة، مع أنه لو اعتبر له ملك مستقل لشئ لا تحصل الشركة، لان الاستقلال في الملكية ينافي الاشاعة التي هي من لوازم الشركة، فالوجه السابق أيضا غير متحصل. قوله مد ظله: أو ليس له شئ. نظرا إلى أن العمل المزبور كان في عصر ما لكيته للعين، فلا معنى لما لكيته في ذلك العصر بالنسبة إلى نفس العمل أو الاجرة، وبعد

[ 210 ]

[... ] الفسخ لا معنى لكون المغبون ضامنا لما عمله في ملكه، وإلا يلزم ذلك في مطلق الانتقالات. وكونه متزلزلا لا يقتضي ذلك، لعدم كونه فارقا. وحيث إن إنكار ذلك والقول بعدم شئ له، خلاف الطريقة العقلائية، والفهم العرفي، والاحكام العرفية بالضرورة، اختار الماتن - مد ظله - الوجه الثاني، وهو - كما عرفت - ضعيف. والذي هو الاقوى عندي: أن مالكية الاوصاف مالكية صحيحة عقلائية، ومنها مالكية السرقفلية، وقد تحرر منا بيانها وحدودها في رسالتنا الخاصة بها المكتوبة في سجن قزل قلعه (1)، وهي الان مع كثير من مكتوباتنا في سجن عند حكومة إيران خذلها الله، وخذل كل ظالم وجائر. وبالجملة: تكون الاوصاف كالمنافع مملوكة ولو كانت أعراضا قائمة، فإنها أقوى من المنافع المتدرجة حدوثا. نعم، في كل مورد لا يساعد العقلاء على مالكيتها، فلابد من الالتزام بأن له شيئا في العين، وحقا قائما بها غير مهتوك. ومن الغريب أنه - مد ظله - استقرب في الدرس الوجه الاخير (2)!! ولازمه أن الصورة التي تقوم في الصياغة أضعاف قيمة الذهب


1 - هذه الرسالة للمؤلف (قدس سره) مفقودة. 2 - البيع، الامام الخميني (قدس سره) 4: 345.

[ 211 ]

[ وأما الثاني: فيأتي الوجوه المذكورة فيه أيضا. ] والفضة تكون هدرا. نعم، إذا كان الغابن متوجها إلى الغبن، ومتوجها إلى أن المغبون لا يرتضي ويفسخ، ومع ذلك أقدم على ذلك، كان للقول بأنه أقدم على نفسه وجه، ولكنه أيضا غير وجيه. هذا على ما اشتهر من مالكية الغابن وتمامية البيع. وأما على ما قويناه - وإن كان يمكن بعض الوجوه المزبورة، إلا أنه لمكان كونه تصرفا في المقبوض بالعقد الفاسد، المحكوم بالغصب عند المحصلين، حسبما قا له ابن إدريس (رحمه الله) (1) - فلازمه عدم كونه صاحب عرق، ولكنه أيضا ليس معناه انهدار ملكه، بل معناه أنه لا يراعي رضاه، بل يقلع ويرمي عنده، وفيما نحن فيه يعطي قيمة الصورة في الصياغة مثلا إليه، فإن قبل فهو، وإلا فيؤديها إلى الحاكم ووليه، لانه ولي الممتنع. قوله مد ظله: إذا كان له عين عرفا. فإنه في هذه الصورة يكون الوجه الذي قويناه أقرب، ويؤيد به سائر الصور، لعدم دخالة للعين في هذه الجهة كما هو الواضح.


1 - السرائر 2: 285.

[ 212 ]

[ وأما الثالث: فيرجع البائع إلى المبيع، ويكون الغرس ونحوه للمشتري، وليس للبائع إلزامه بالقلع والهدم، ] قوله مد ظله: يكون الغرس. لصاحبه ومالكه، وهكذا البناية التي أحدثها الغابن في الارض. وتوهم: أن البيع يرجع بعد زوال الغرس وانهدام البناية، لتعذر الرجوع فارغا، وقد اعتبر رجوع البيع بالفسخ على ما كان عليه حين العقد، واضح المنع. قوله مد ظله: بالقلع والهدم. ولعله المشهور هنا أيضا، وقيل: إن الشهرة فيما إذا رجع بائع الارض المغروسة بعد تفليس المشتري (1) وعن المختلف في الشفعة إلزامه بالقلع بلا أرش (2). وعلى كل تقدير: المسألة مورد القاعدة من جهات شتى، فلا إجماع ولا شهرة مفيدة فيها، ضرورة أن الغابن المالك للارض ليس ظالما حتى لا يكون له عرق، ولا يقتضي الخيار قلع الشجرة وهدم البناية، ولو كان متعلقا بالعين فلا يجوز التصرف في مال الغير، ولا يحل مال المسلم إلا


1 - المكاسب، الشيخ الانصاري: 241 / السطر 3. 2 - مختلف الشيعة: 408 / السطر 22.

[ 213 ]

[... ] بطيبة نفس منه (1) وإعطاء الارش لا يجوز ذلك، كما في سائر الموارد. ودعوى: أن الغارس بعد الفسخ، يكون قد هجم على مال الغير بإشغال الارض، فلصاحب الارض الدفاع ولو بالقلع وقتل صاحبه إذا منع عن التخليص، غير مقبولة عند العقلاء، ولا صحيحة شرعا. وتوهم: أن إطلاق قاعدة السلطنة يقتضي جوازه، كما هو ظاهر الشيخ الانصاري (قدس سره) حيث قال: فلكل منهما تخليص ما له عن مال صاحبه (2) غير صحيح، لما لا أساس لها سندا، ولا إطلاق لها دلالة من هذه الجهة، ولا سيما إذا استفاد العرف منها نفي سلطنة الانسان على مال الغير، فتكون قاعدة مثبتة لها، ونافية للسلطنة على مال الغير، هذا والتصرف حرام، والاضرار بالغير ممنوع إما وضعا، أو هو وتكليفا، بناء على عموم قاعدة لا ضرر... كما قربناه في رسالتنا فيها (3). وبالجملة: لا يقبل العقلاء منا ذلك، وهذا يكفي لعدم ثبوت إطلاق لدليل يقتضي جواز القلع والهدم، كما لا يخفى.


1 - الرواية هكذا:... فإنه لا يحل دم امرئ مسلم ولا ماله إلا بطيبة نفسه، وسائل الشيعة 5: 120، كتاب الصلاة، أبواب مكان المصلي، الباب 3، الحديث 1. 2 - المكاسب، الشيخ الانصاري: 241 / السطر 10. 3 - رسالة قاعدة لا ضرر للمؤلف (قدس سره) مفقودة، لكنه أورد بعض مباحثها المربوط بها في تحريرات في الاصول 8: 249 - 309.

[ 214 ]

[ ولا بالارش، ولا إلزامه بالابقاء ولو مجانا. ] قوله: ولا بالارش. خلافا للشيخ (رحمه الله) كما اشير إليه (1)، نظرا إلى عدم هدر المال وحرمته، فيجوز القلع بالارش. وقيل: لو جاز القلع، وكان ذلك حقا لصاحب الارض، فيجوز القلع، وعلى صاحب الشجرة طم الحفرة (2) ولا يخفى ما فيه. قوله مد ظله: ولا إلزامه بالابقاء. لانه صاحب الشجر والزرع والبناية، ولا سلطنة له إلا على ما له، أو على تخليصه. ويمكن دعوى ذلك، لان إطلاق القاعدة يحكم به، ضرورة أن بالقلع يلزم الحفرة الممنوعة، ويستلزم التصرفات المحرمة، والاضرار بالارض منهي، وبناء على الجبران بطم الحفرة، لا يصحح ذلك بالضرورة. ولكنه بمعزل عن التحقيق، والمجانية في الابقاء لا تستلزم السلطنة على مال الغير، ولا سيما إذا كان في الابقاء ضرر على صاحب الشجر والزرع.


1 - تقدم في الصفحة 212. 2 - لاحظ المكاسب، الشيخ الانصاري: 241 / السطر 10.

[ 215 ]

[ كما أنه ليس للمشتري حق الابقاء مجانا وبلا اجرة، فعلى المشتري ] قوله مد ظله: حق الابقاء مجانا. لان غاية ما يمكن أن يقال لاستحقاقه: إن تصرفه كان عن حق، فله استيفاء الارض في زمان ما لكيته المرسلة للعين وتبعاتها، فإذا رجعت العين والارض إلى ربها ترجع مسلوبة المنفعة، كما في غير المقام. وفيه: أن ما نحن فيه ليس نظير بيع العين المستأجرة، بل لو كان له نظيرا، فهو من قبيل إجارة البطن الاول بالنسبة إلى عصر البطن المتأخر في كثير من فروض الاوقاف على البطون والذريات. وبالجملة: لا يقاس بمسألة بيع العين المستأجرة، لان هناك اعتبرت منفعة الدار في زمان كذا ملكا لمالك الدار، ثم انتقلت إلى المستأجر، ولا ترجع إلى المشتري بانتقال العين، للتفكيك السابق على البيع، بخلاف المقام، فإنه كان ينتفع من الارض تدريجا، فإذا انتقلت الارض فلا حق له. ولو قيل: لا يعتبر إثبات حق له حتى يجوز له الابقاء، بل ممنوعية المالك عن التصرف في الارض بالقلع والهدم يكفي. قلنا: كما أن المالك ممنوع، كذلك الابقاء المستلزم للاضرار، كما ربما يتحقق أحيانا، أو الابقاء الموجب للانتفاع من أرض الغير. بل الابقاء المنتزع منه إشغال مال الغير ممنوع، لقوله (عليه السلام): لا يحل

[ 216 ]

[ إما إبقاؤها بالاجرة، وإما قلعها مع طم الحفر، وتدارك النقص الوارد على الارض، وللبائع إلزامه بأحد الامرين. ] مال امرئ... (1) فإن اسناد عدم الحلية إلى المال، يصح في موقف الممنوعية عن جميع أنحاء الاضافات إليه، ومنها الاشغال، فإنه بحكم العرف يعد عدوانا على المالك، ويكون عندئذ من الظا لم الذي لا عرق له. فتحصل لحد الان: أن هناك محاذير كثيرة، ولا يمكن الفرار من الكل، فيتعين أقلها، وتلك المحاذير - مضافا إلى ما عرفت - هي التبذير، وإلزام كل واحد الاخر على شئ، وأخذ كل واحد الاجرة إذا كان لما لك الارض غرض في بقاء الشجرة والبناية... وغير ذلك، فليست المحاذير محصورة بما مر وما قيل، ولاجل ذلك تكون المسألة مشكلة، وربما تكون من المسائل التي ترد إلى أهلها (عليهم السلام). قوله مد ظله: بالاجرة. ما اختاره الماتن - مد ظله - ليس أقل المحاذير، ضرورة أن ذلك إذا لم يكن مالك الارض راضيا، يستلزم التصرفات المحرمة والاضرار المحرم، وربما لا ينجبر الاضرار بالارض بالطم ونحوه، ولا يجوز إلزام المالك بأخذ الاجرة. هذا مع أن قلعها ربما يكون تبذيرا للزرع والشجر والبناية، فلو كان


1 - عوالي اللالي 1: 222 / 98.

[ 217 ]

[... ] رضا المالك معتبرا يستلزم القلع ذلك، بالنظر إلى الدليل شرعا. ففي جانب الغابن لا سبيل إلى الاختيار المزبور. وأما في ناحية المغبون، فإنه بعد الفسخ إذا أجبره بالاجرة يلزم أيضا - مضافا إلى ما مر في ناحية إجباره على القلع - أن الاجبار ممنوع، وأخذ الاجرة مع عدم رضاه ممنوع شرعا، والتصرف فيه محرم، ولذلك ربما يكون أخذ الاجرة في صورة الامتناع عنها عن ثمرة الشجرة والزرع ومنافع البناية، أقل محذورا. والذي ربما يكون هو الاقرب إلى القواعد: أن دفع المنكر والنهي العملي القالع لمادة الفساد واجب، وحيث إن المنكر والمحرم في المسألة من تبعات المالكين، لان في عدم رضاهما يلزم كثير من المحاذير، فعندئذ تجب المراضاة لهدم مادة المنكر المحرم، فإذا تراضيا على أمر فهو، وإلا يرجع الامر إلى الحاكم. وربما يستشم من مورد قاعدة لا ضرر... بعض ما ينفعك للمقام، والمسألة تطلب من كتابنا الكبير إن شاء الله تعالى (1).


1 - هذه المباحث من كتاب الخيارات من تحريرات في الفقه مفقودة.

[ 218 ]

[ نعم، لو أمكن غرس المقلوع بحيث لم يحدث فيه شئ إلا تبدل المكان، فللبائع أن يلزمه به. والظاهر أنه لا فرق في ذلك بين الزرع وغيره. ] قوله مد ظله: أن يلزمه به. ولو صح ذلك للزم جواز إلزام مالك الشجر مالك الارض فيما إذا لم يلزم من بقائه فيه شئ، ولكن جواز السلطنة على الغير مرهون بإذن الحاكم. نعم، إذا لم يكن في قلع الشجر شئ فله ذلك. والتصرف في مال الغير بدون الاذن، ليس أسوأ من إعمال القدرة، مع أن في إعمال القدرة ربما ينتسب التصرف في مال الغير إلى المقتدر المسبب، ولا سيما في صورة أقوائيته، كما هو كذلك في مفروض الكلام، وعندئذ يلزم المحذوران. وربما يشهد لما أشرنا إليه مورد قاعدة لا ضرر... حيث أمر (صلى الله عليه وآله وسلم) بالقلع، ولم يلزمه بذلك (1). قوله مد ظله: الزرع وغيره. وقال في المسالك: وأما الزرع فيتعين فيه الابقاء بالاجرة، لان له أمدا ينتظر (2).


1 - الكافي 5: 292 / 2، وسائل الشيعة 25: 428، كتاب إحياء الموات، الباب 12، الحديث 3. 2 - هكذا نقل الشيخ في المكاسب: 241 / السطر 19، ولكن في المسالك بغير اجرة لا حظ مسالك الافهام 1: 193 / السطر 12.

[ 219 ]

[... ] وقال الشيخ: ولعله لامكان الجمع بين الحقين على وجه لا ضرر فيه على الطرفين، بخلاف مسألة الشجرة، فإن في تعيين إبقائه بالاجرة ضررا على مالك الارض، لطول مدة البقاء، فتأمل (1) انتهى. وغير خفي: أن الامر لو كان على ما أفاداه، للزم التفصيل بين موارد الزرع والشجر، ولا ينبغي الحكم المطلق عليهما، وبناء على ما قويناه - من لزوم الفرار من مادة الفساد بقلعها، نظرا إلى أدلة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر - لا فرق بين الموارد. ولو لم يرضيا على أمر، ولم يتوافقا على شئ، وخالفا أمر المولى، فلا يبعد سقوط حرمة مالهما بمقدار يدفع به الفساد، وينحل به الاشكال والاعضال، وربما يكون ذلك من الحسبيات، لانجراره إلى الفساد والنزاع في الازمنة المتأخرة. ولو كان في قلعه غلبة الفساد والتشاجر، فلابد من المحافظة على ما هو الاوفق.


1 - المكاسب، الشيخ الانصاري: 241 / السطر 19.

[ 220 ]

[ وأما إن كان بالامتزاج، فإن كان بغير جنسه بحيث لا يتميز، فكالمعدوم يرجع بالمثل أو القيمة، من غير فرق بين ما كان مستهلكا وعد تالفا، كما إذا خلط ماء الورد بالزيت، أو انقلبا إلى حقيقة اخرى عرفا. ولا يترك الاحتياط بالتصالح والتراضي في غير الصورتين، ] قوله مد ظله: يرجع بالمثل. في صورة الاستهلاك يكون الوجه عدم وجود المعقود عليه حتى يكون راجعا إلى مالكه الاول، وهذا في حد ذاته مما لا إشكال فيه. وإنما الاشكال بحسب نظر العرف، حيث يرى ماله فيه، ويجد أحقيته به من الاجنبي، فعدم بقاء المعقود عليه يستلزم البدل، أو يتعين على الغابن بعد الفسخ رد البدل من المال المستهلك فيه، أم يكون العرف حاكما ببقائه فيه، كما أن العقل يحكم بذلك حتى في المائعات الرقيقة، لان الوحدة الاتصالية المساوقة للوحدة والتشخص وللوجود، والجزئية الحقيقية غير حاصلة في هذه الوحدات الموجودة بين أيدينا، فانقلاب الكأسين إلى كأس واحد، ليس في الحقيقة انعدام الهويتين إلى هوية ثالثة فيما بين أيدينا من المائعات، وإن كان لابد من وجود الواحد الحقيقي صاحب الوحدة الاتصالية في بينها، لامتناع الجوهر الفرد والجزء الذي لا يتجزأ، والتفصيل في محله. وبالجملة: وجوه في المسألة، والوجه الاخير أقرب.

[ 221 ]

[ وإن كان جريان حكم التالف في الخلط الذي يرفع به الامتياز ] وأما ما في كلام بعض المعاصرين - كالفقيه اليزدي (1) وغيره (2) - من تعين رد البدل من المستهلك فيه، فهو غريب، لان الاقربية ممنوعة صغرويا، ولا دليل عليه بعد القول بالنقل إلى البدل والاشتغال في الذمة. وأما في صورة الانقلاب، كانقلاب الخل خمرا، والبيض فرخا، أو الانقلاب العرفي بالاستهلاك، فلا يأتي فيها التفصيل الانف. وربما يقال: بأن الانقلاب المزبور إذا كان في يد الغاصب، فضمانه ضمان التلف، فتأمل. قوله مد ظله: في الخلط. كخلط الجامد بالجامد، كدقيق الحنطة بالشعير، وقد استقرب جمع رجوع الباقي إلى المالك الاول بعد الفسخ. ومجرد تعسر التسليم أو تعذره، لا يوجب عدم عوده إليه، ضرورة أن العقلاء يحكمون عليه بأحكام خاصة، وهي ناشئة من بقاء المعقود عليه عندهم، ولذلك احتاط بالتصالح، كسائر الموارد المتعذر فيها حل المشاكل المالية. وربما يقال بالشركة تعبدا، لاقتضاء معقد الاجماع حصول الشركة،


1 - حاشية المكاسب، السيد اليزدي 2: 46 / السطر 29. 2 - منية الطالب 2: 82 / السطر 3 وما بعده.

[ 222 ]

[ لا يخلو عن قوة. ] أحد الوجهين في كلام الشيخ (قدس سره) (1) وحيث إن الشركة غير معقولة في الصورتين، ضرورة أنه في صورة الاستهلاك والتلف يكون الاستهلاك في ظرف مالكية الغابن، ولا معنى لها عندئذ، وبعد الفسخ لا يرجع إلى المغبون شئ مما في الخارج حتى يكون شريكا، إلا على ما مر من كون العرف حاكما بأن ماله في ماله، وفي صورة وجود العين بعد الفسخ يرجع إلى مالكه الاول، فلا معنى بعد ذلك للشركة العقلائية. نعم، لو كان تعبد فهو المتبع، إلا أنه غير ثابت. وأما الشركة في المالية، أو الشركة في القيمة بعد البيع، فهي من الاباطيل، فإن المالية الموجودة اعتبارا في العين، ليست أمرا آخر وراءها بحيث تحصل الشركة فيها دون الخارج، وإذا اريد منه الشركة في القيمة، فلازم ذلك وجوب البيع أو جواز المماطلة، وكلاهما ممنوعان كما ترى. قوله: لا يخلو عن قوة. وقد تبين وجه ذلك ووجه ضعفه مما مر، فإنه إذا لم يكن بحكم التالف الاستهلاك، فهو أولى بذلك. هذا ورفع الامتياز العقلي غير ممكن، والعرفي تسامحي لا حقيقي.


1 - المكاسب، الشيخ الانصاري: 241 / السطر 24.

[ 223 ]

[ وإن كان الامتزاج بالجنس، فالظاهر ثبوت الشركة بحسب الكمية، ] قوله: ثبوت الشركة. كما صرح به الشيخ (رحمه الله) (1) وكأنه المفروغ عنه في صورة التساوي، وهكذا في صورة الامتزاج بالاردأ. وقد مر الايماء إلى وجه المناقشة فيها، فإن الشركة لا تحصل قبل الفسخ، لما لا معنى لها بعد كون المعقود عليه ملك الغابن، وبعد الفسخ لا وجود للمعقود عليه ممتازا، حتى يعود إليه ثم تحصل الشركة، ولو كان ممتازا فلا شركة إلا تعبدا، نظرا إلى الاجماع المحتمل كون معقده مخصوصا بصورة الخلط الحاصل بين المالين لمالكين. وبالجملة: لو كان المعقود عليه بحكم القطرة بالقياس إلى الممتزج فيه، فهو من التالف حتى في صورة الخلط بغير الجنس. نعم، في صورة التساوي في الكمية، كمزج من من اللبن بمن منه، فلا يبعد وجوب رد من من اللبن على الغابن عرفا ولو حصلت الشركة، ولكن يكون للغابن التصرف بعد الفسخ أيضا حتى يبقى المعقود عليه القابل للرد، فتأمل. ولا يجوز للمغبون استرداد ماله بدون رضاه، فإن الواجب على الغابن رد المعوض. نعم إذا امتنع فلا يبعد.


1 - المكاسب، الشيخ الانصاري: 241 / السطر 25.

[ 224 ]

[ وإن كان بالاردأ أو الاجود، مع أخذ الارش في الاول، ] فقوله: بحسب الكمية ممنوع في الفرض المشار إليه جدا. قوله مد ظله: الارش في الاول. بناء على حصول الشركة، وقد احتمل في كلماتهم الشركة في المثمن، وعدم الارش (1). أما الاول: فلعدم سقوط حق المالك. وأما الثاني: فلحصول الشركة والمبادلة بالمقدار فرارا من الربا، ولا يثبت الزائد عليه بعد حكم الشرع بالشركة، وحرمة الربا، فلو وقع خلط بين من من اللبن، ومنين من اللبن الاردأ، يرد إليه من من اللبن الموجود. وربما يشهد ذلك على صحة ما ذكرنا من إنكار الشركة هنا، للزوم تضييع حق المغبون. اللهم إلا أن يقال: حرمة الربا ولو كان مطلقة في باب المعاوضات، إلا أنها منتفية هنا، لكونها ضررية. وبالجملة: إنه في حكم التالف إذا كان الممزوج فيه أضعاف المعقود عليه.


1 - لاحظ المكاسب، الشيخ الانصاري: 241 / السطر 26، حاشية المكاسب، السيد اليزدي 2: 47 / السطر 9.

[ 225 ]

[ وإعطاء زيادة القيمة في الثاني. ] وأما في صورة التساوي في الكمية مثلا، فلا يبعد وجوب رد القيمة أو المثل إذا لم تحصل الشركة التي منعناها حتى في صورة التساوي في الكيفية، ولو حصلت فالمبادلة - ولو بإعطاء الارش - من الربا. اللهم إلا أن يقال: بأنه مبني على المشارطة، وهي هنا بحكم الشرع بعد المزج، وليس من الربا رأسا. قوله مد ظله: زيادة القيمة في الثاني. قد عرفت وجهها ووجه منعها من جهات شتى، ولا سيما من باب الربا موضوعا وحكما. وعن الشيخ (قدس سره) في مسألة رجوع البائع على المفلس بعين ماله: أنه يستلزم الربا (1)، وقال الشيخ الانصاري (قدس سره): قيل (2): وهو حسن مع عموم الربا لكل معاوضة (3) انتهى. وظاهره المنع من غير تجويز الزيادة الاجنبية، لانها أيضا عندهم من الربا. اللهم إلا أن يقال: بأنه ضرري، ولا يكون بإقدامهما فلا حرمة.


1 - المبسوط 2: 263. 2 - المكاسب، الشيخ الانصاري: 241 / السطر 28. 3 - مسالك الافهام: 193 / السطر 25.

[ 226 ]

[ لكن الاحوط التصالح، خصوصا في الثاني. ] أو يقال: بأنه لا يكون من الربا، لما لا مشارطة ولا معاملة، وجريان الربا في كل معاوضة أجنبي من هذه المسألة، فإنه من التعارض القهري، لا المبادلة الانشائية. قوله مد ظله: خصوصا في الثاني. لعدم حصول الشركة حتى يجوز له التصرف في ذلك بغير رضاه ولو يعطي قيمته، وأما في الفرض الاول فإن التصرف جائز، لرضا الغابن طبعا وإن كان يحتمل عدم رضاه. وإذا كان المعقود عليه في المزج بالاردأ أيضا في حكم التالف، يكون عدم رضاه مضرا بالتصرف، فالاحوط التصالح جدا، لان مادة المنكر لا تقلع إلا به بعد قصور دليل الشركة، وبعد عدم سقوط حق الغابن في الخلط، ولا المغبون بالاردأ والاجود، بل في صورة التساوي في الجودة، كما اشير إليه.

[ 227 ]

[ مسألة 8: لو باع أو اشترى شيئين صفقة واحدة، وكان مغبونا في أحدهما دون الاخر، ليس له التبعيض في الفسخ، بل عليه إما فسخ البيع بالنسبة إلى الجميع، أو الرضا به كذلك. ] قوله مد ظله: ليس له التبعيض. الشيئان إما يكونان كجزئي باب الدار وكالنعال، فالامر كما تحرر ولو كان لكل جزء قيمة على حدة، لاختلافهما فيها، وقد قوم كل واحد منهما مستقلا. وإما يكونان كالرقيتين والبطيختين وأمثال ذلك، فلا يبعد أيضا فيه ذلك. نعم، لو رضي الغابن بالنسبة إلى الفسخ في الجملة، بناء على جواز ذلك في الاقالة، فدعوى خيار تبعض الصفقة غير مسموعة، لانه خيار لا يقتضيه إطلاق دليل شرعي حتى يكون هو المرجع. مع انصرافه عنه. ولو كانت الاشياء تقوم أجزاؤها على حدة، كما في بيع المتفرقات في المزايدة، وكان الجمع في الانشاء من الجمع في التعبير وكأنه هناك بيوع مستقلة ومعاملات كثيرة، لا يسري عيب إحداها إلى الاخرى، ولا يكون فساد إحداها موجبا لخيار التبعض، فلازم كل واحد برأسه، فإطلاق ما في المتن ممنوع عرفا. وإن كان يمكن المناقشة فيه: بأن الانشاء الواحد لا يعقل أن يتعلق إلا بالكثير الفاني في الواحد الاعتباري، كما في تعلق أمر الصلاة بها، وعليه يكون البيع واحدا شخصيا ولا أساس للانحلال هنا، ولا في غير المقام.

[ 228 ]

[... ] اللهم إلا أن يقال: إنه مقتضى الصناعة العلمية غير المعهودة بين العقلاء في بيع الاشياء المتفرقة، التي لا تجمعها الامور الخارجية، ولا الاغراض. نعم، لا بأس بأن يعتبر ذلك زائدا على المؤونة المتعارفة، فيكون من قبيل الشرط في ضمن العقد الواقع على المجموع، ولو صح ذلك فيعلم منه وحدة العقد، وإلا فالشرط لم يقع في ضمن شئ، فتأمل جيدا.

[ 229 ]

[ الخامس: خيار التأخير. وهو فيما باع شيئا ولم يقبض تمام الثمن، ولم يسلم المبيع إلى المشتري، ولم يشترط تأخير تسليم أحد العوضين، فحينئذ يلزم البيع ثلاثة أيام، فإن جاء المشتري بالثمن فهو أحق بالسلعة، وإلا فللبائع فسخ المعاملة. ] قوله مد ظله: يلزم البيع. إجماعا محكيا عن الانتصار (1) والخلاف (2) والتذكرة (3) وغيرها (4)، وهذا من منفردات الامامية، وقد قال المخالف باللزوم حسب الاصل (5)، وليس في أخبارنا رواية تحكي قول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في هذا الخيار، بخلاف خيار المجلس والحيوان. والمهم في المسألة قبل تلك الاجماعات، أخبارنا المحكية في الباب التاسع من أبواب الخيار، ففي معتبر زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال قلت له: الرجل يشتري من الرجل المتاع، ثم يدعه عنده فيقول: حتى آتيك بثمنه.


1 - الانتصار: 210. 2 - الخلاف 3: 20 المسألة 24. 3 - تذكرة الفقهاء 1: 523 / السطر 14. 4 - رياض المسائل 1: 525 / السطر 26، جواهر الكلام 23: 51. 5 - لاحظ الخلاف 3: 20 المسألة 24، تذكرة الفقهاء 1: 523 / السطر 18.

[ 230 ]

[... ] قال: إن جاء فيما بينه وبين ثلاثة أيام، وإلا فلا بيع له (1). وظاهره بعد القبض، فهو معرض عنه. ومعتبر ابن يقطين: أنه سأل أبا الحسن (عليه السلام) عن الرجل يبيع البيع، ولا يقبضه صاحبه، ولا يقبض الثمن. قال: فإن الاجل بينهما ثلاثة أيام، فإن قبض بيعه، وإلا فلا بيع بينهما (2). وفيه من الاحتمالات ما يبلغ أكثر من خمسين، والخروج عنها على وجه الحجة غير ميسور. وخبر ابن الحجاج (3) الممنوع اعتباره، لروايته عن أبي بكر بن عياش القاضي. وخبر إسحاق بن عمار، عن عبد صالح (عليه السلام) قال: من اشترى بيعا


1 - الفقيه 3: 127 / 554، وسائل الشيعة 18: 21، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 9، الحديث 1. 2 - تهذيب الاحكام 7: 22 / 92، وسائل الشيعة 18: 22، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 9، الحديث 3. 3 - الكافي 5: 172 / 16، وسائل الشيعة 18: 21، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 9، الحديث 2.

[ 231 ]

[... ] فمضت ثلاثة أيام ولم يجئ، فلا بيع له (1) وفيه: - مضافا إلى ما قاله العلامة في سنده (2)، وإلى أن المتعارف التعبير عنه (عليه السلام) ب‍ العبد الصالح والتنكير يورث أنه غيره (عليه السلام) وظهوره في أنه غيره ربما يمنع عن استظهار كونه هو لقول الراوي: (عليه السلام) مع أن التعبير عنه به للتقية، وهو ينافيها - أن جميع النسخ لم يجئ، ولعل هناك محذوفا، فيشكل أمره متنا. وخبر ثان عن ابن يقطين قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل اشترى جارية وقال: أجيئك بالثمن. فقال: إن جاء فيما بينه وبين شهر، وإلا فلا بيع له (3). وفيه: - مضافا إلى اشتراك محمد بن أبي حمزة وأبي إسحاق - أن المتن معرض عنه، مع ظهوره في قبض المبيع والجارية، لان بقاءها عند البائع يستتبع المحاذير العرفية والشرعية، فيكون الخبر معرضا عنه من هذه الجهة أيضا.


1 - تهذيب الاحكام 7: 22 / 91، وسائل الشيعة 18: 22، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 9، الحديث 4. 2 - رجال العلامة الحلي: 200. 3 - تهذيب الاحكام 7: 80 / 342، وسائل الشيعة 18: 23، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 9، الحديث 6.

[ 232 ]

[... ] ثم إن اختصار الخيار المذكور بصورة عدم قبضهما، فلو كان الثمن غير مقبوض والمبيع مقبوضا، كان اعتبار الخيار للبائع أولى، لانه لو أخر إلى بعد الثلاثة كان مبيعه عنده فيأخذه تقاصا أو غير ذلك، بخلاف ما إذا قبضه المشتري. هذا، وهذا الخيار ليس مما يعهده العقلاء، إلا إذا رجع إلى خيار تخلف الشرط الضمني الثابت حينئذ للبائع والمشتري ويظهر من انتصار السيد تقريبه لمثله (1)، إلا أنه يؤيد به مفاد الاخبار، وهو مما لا منع عنه. ولو قيل: بناء عليه تكون الشهرة والاجماع مستندا قبل الاخبار، أو تكون الاخبار منجبرة سندا ودلالة. قلنا: قد تحرر منا إمكان انجبار السند والدلالة بالشهرة والاجماع، فيما إذا كان خبر ضعيف ظاهرا في أمر خلاف ما أفتوا به، وأما في موارد الاخبار المضطربة القابلة لاعمال الاجتهاد فيها - كما في أخبار ماء البئر (2) - فلا سبيل إليه، لقوة تخلل الاراء. وتوهم اشتهار الحكم بقيوده وشرائطه الاربعة بين أصحابهم (عليهم السلام) ثم وصوله إلى أرباب التصنيف والتأليف وإلى المتون الفقهية،


1 - الانتصار: 210. 2 - وسائل الشيعة 1: 170، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 14 - 24.

[ 233 ]

[ ولو تلفت السلعة كانت من مال البائع. ] ك‍ " المقنع " و " النهاية " غير سديد، فالمستند هي الاخبار الموجودة المشتملة لاحتمال خطئهم في السند والدلالة. هذا، وقد ذكرنا في كتابنا الكبير: أن مصب هذه الروايات - لاجل القرائن الكثيرة المتفرقة في الابواب المختلفة - هي المعاهدة والمقاولة على البيع، ولم يكن عقد وبيع حتى يكون لازما في الثلاثة، وباطلا أو خياريا، أو منفسخا أو زائلا أثره - وهي الملكية - بحكومة شرعية بعد الثلاثة، فلا أساس لخيار التأخير، وإن شئت فراجع إليه حتى تطلع على تلك الشواهد، وتدري أن على فرض التنزل من السند والدلالة يكون الاحتمال الرابع أظهر ما في الباب، فلا خيار، ولا بطلان، ولا انفساخ، بل لا يعقل الانفساخ، بل هناك ما يكون مثل محجورية المالك المطلقة المساوقة لعدم اعتبار الملك له حكومة شرعية. قوله مد ظله: من مال البائع. فيما إذا كان بعد الثلاثة اتفاقا وإجماعا مستفيضا، بل متواترا كما عن الرياض (1). وإذا كان في الثلاثة ففيه قولان: فالمشهور على أنه من مال البائع،


1 - رياض المسائل 1: 526 / السطر 9.

[ 234 ]

[... ] والمحكي عن السيدين (1) بل والمفيد (2) أنه من مال المشتري، وعليه الاجماع في الخلاف (3) وغيره (4). وما في كلام الشيخ من نسبة إجماع الخلاف إلى أن التلف من مال البائع (5)، في غير محله. والمستند النبوي المعروف المشهور بين أصحابنا شهرة عملية (6)، وفي الغوالي نصه (7)، ومقتضى إطلاقه عدم الفرق بين الصورتين، كما عليه أكثر المتأخرين (8). نعم، نسب إلى بعض الاجلة التفصيل (9)، والوجه عدم انجبار إطلاق


1 - الانتصار: 210، الغنية، ضمن الجوامع الفقهية: 525 / السطر 30. 2 - المقنعة: 592. 3 - الخلاف 3: 20، المسألة 24. 4 - الانتصار: 210، الغنية، ضمن الجوامع الفقهية: 525 / السطر 30. 5 - المكاسب، الشيخ الانصاري: 248 / السطر 3 - 4. 6 - كل مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بايعه، شرائع الاسلام 2: 277، تذكرة الفقهاء 1: 523 / السطر 31، المكاسب، الشيخ الانصاري 247 / السطر 35. 7 - عوالي اللالي 3: 212 / 59. 8 - إيضاح الفوائد 1: 485، مجمع الفائدة والبرهان 8: 406، جواهر الكلام 23: 57 - 58. 9 - لا حظ منية الطالب 2: 102 / السطر 9.

[ 235 ]

[... ] القاعدة، بعد ذهاب تلك الجماعة مدعين الاجماع على أن في الثلاثة على المشتري فما في كلام بعض المتأخرين من الاستيحاش من التفصيل (1) خال من التحصيل. وأما رواية عقبة بن خالد (2) فهي في غير المورد، كما لا يخفى. ثم إن القاعدة الشرعية المشار إليها، ربما تعارض بقاعدة الخراج بالضمان بما في خبر إسحاق بن عمار، عن أبي إبراهيم (عليه السلام) الوارد في الرهن، وفي ذيله: وكذلك يكون عليه يكون له (3). فإنه إشارة إلى قاعدة عقلائية من له الغنم فعليه الغرم وبقاعدة التلف في زمن الخيار ممن لا خيار له. وما أفادوه حلا للمعارضة من أخصية الاولى منها، ومن أجنبية الثانية والثالثة عن موردها (4)، غير موافق للتحصيل. نعم، أجنبية الثانية غير بعيدة في ذاتها، إلا أن فهم المشهور جابر،


1 - منية الطالب 2: 102 / السطر 9. 2 - الكافي 5: 171 / 12، وسائل الشيعة 18: 23، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 10، الحديث 1. 3 - الكافي 5: 234 / 10، وسائل الشيعة 18: 387، كتاب الرهن، الباب 5، الحديث 6. 4 - لا حظ المكاسب، الشيخ الانصاري: 248 / السطر 1، البيع، الامام الخميني (قدس سره) 4: 415 - 417.

[ 236 ]

[ وقبض بعض الثمن كلا قبض. ] فيكون التعارض بالعموم من وجه، وحل المشكلة في محله إن شاء الله تعالى. ويجوز أن يقال: بأن مصب أخبار خيار التأخير - إلا واحدا منها - هو البيع مع قبض المبيع، فيكون من مال المشتري، وما هو الشرط عدم قبض المبيع المستمر غير المتعقب بتركه عند البائع، فتأمل. وبالجملة: بناء على ما تلوناه عليك، فلا بحث هنا يخص بخيار التأخير، وأما البحث عن تعارض القواعد فسيمر عليك إن شاء الله تعالى. قوله مد ظله: كلا قبض. اعتبروا شروطا ثلاثة في ثبوت هذا الخيار: عدم حصول التقابض، وعدم اشتراط تأخير أحد العوضين، وعند ذلك يلزم البيع ثلاثة أيام، وبعد الثلاثة يكون للبائع خيار إذا لم يجئ المشتري، ولم يمكن البائع منه. وهذا كله مستفاد من أخبار المسألة: أما الاولان: فلان المفروض في أكثرها عدم حصول التقابض، وفي معتبر ابن يقطين نص عليه (1). نعم، ربما يستفاد من معتبر زرارة (2) أن القبض المتعقب بالترك عند


1 - تقدم في الصفحة 230. 2 - تقدم في الصفحة 229.

[ 237 ]

[... ] البائع لا يضر بثبوت الخيار، كما هو الاظهر، وقد اشير إليه في ذيل الحاشية السابقة. ويمكن أن يقال: إن مقتضى بعض الاخبار - كخبر إسحاق بن عمار (1) - هو عدم اعتبار عدم قبض المبيع. ويؤيده بعض آخر، ويساعده الاعتبار، لان قبض المبيع وعدم إعطاء الثمن، أولى بالخيار من صورة عدم قبضه، لانه يتمكن عندئذ من التقاص. وفيه: أن الجهة العمدة في هذا الخيار رفع المزاحم الموجب لتحريج الامر على البائع، وتمكين استفادة الناس من المتاع، وإدارة المعاش على أحسن الوجوه الممكنة، فلا يجوز توهم الخيار في الصورة المذكورة. وأما خبر ابن عمار، فهو مقيد بما في معتبر ابن يقطين. اللهم إلا أن يقال: بأن بين معتبر ابن يقطين ومعتبر زرارة، تعارضا بالمباينة، فيكون المرجع معتبر ابن عمار المطلق، ولا يجوز تقييده بأحدهما بتوهم انقلاب النسبة، لان شرط التقييد مفقود، والترجيح بلا مرجح غير جائز. وسره: أن قوله (عليه السلام) في خبر ابن عمار: من اشترى بيعا فمضت ثلاثة


1 - تقدم في الصفحة 231.

[ 238 ]

[... ] أيام ولم يجئ، فلا بيع له محمول بالضرورة على صورة عدم التقابض من الطرفين مجموعا، وإلا فلا معنى لعدم مجيئه، وأما أنه لم يجئ لاخذ المبيع أو لاعطاء الثمن، فهو غير واضح، فيكون الحذف يفيد الاطلاق، ولا يمكن تقييد هذا الاطلاق بأحد السابقين معينا. نعم، يمكن دعوى: أن الخبرين الاولين متباينان لو لا هذا الاطلاق، وإذا قيسا إليه يقيد بهما، فترتفع المباينة قهرا، وتصير النتيجة الشرط المشهور. وأما الشرط الثالث: فلا دليل له - بعد الاجماع والاتفاق - إلا دعوى انصراف الاخبار إلى غير صورة رضاهما بالتأخير، وغير خفي أنه لازم ذلك عدم الخيار للبائع ولو كان المتاع مما يفسد بعد الثلاثة، وهذا خلاف ما يستفاد من تلك الادلة الناهضة على الخيار لما يفسد ليومه، الظاهرة في أن الشرع لا حظ جانب المتاع وخسران المجتمع بفساده، لا الفرد، والله العالم. وفي كيفية الشرط المزبور - وأقسامه البالغة إلى أكثر من خمسين صورة - تفصيل لا يسعه المقام. ومن هنا يظهر وجه ما في المتن من: أن قبض بعض الثمن كلا قبض لان الظاهر المنصرف من الاخبار ذلك.

[ 239 ]

[ مسألة 1: الظاهر أن هذا الخيار ليس على الفور، فلو أخر الفسخ عن الثلاثة لم يسقط إلا بإحدى المسقطات. ] قوله مد ظله: ليس على الفور. كما هو الاعرف، لاطلاق أدلته، ومن الغريب ما في التذكرة الظاهر في أنه يقول بالفور، لانه يتمسك بانسداد التضرر في صورة الاتيان بالثمن بعد الثلاثة، ويصرح بسقوط الخيار فيها، لهدم مقتضيه!! (1) وهذا غير جائز في شرعنا بعد كون الاخبار مستند المسألة، لا القاعدة. ويظهر من الشيخ (قدس سره): أنه بعد ما لم يكن معنى لا بيع له إلا نفى اللزوم، فلازمه نفيه على وجه لا يعود لازما أبدا، فتأمل (2) انتهى. ولو كان ذلك حقا لكان الاسقاط غير جائز، كما لا يخفى.


1 - تذكرة الفقهاء 1: 523 / السطر 29. 2 - المكاسب، الشيخ الانصاري: 247 / السطر 30.

[ 240 ]

[ مسألة 2: يسقط هذا الخيار ] قوله مد ظله: هذا الخيار. سقوط الخيار بإحدى المسقطات، فرع كونه حقا من الحقوق القابلة له، وفي كونه حقا أولا، وعلى التقدير قابلا للاسقاط إشكال، لان دليله لو كان الاجماع فهو لا ينفع، لانه ليس تعبديا. وإن كان قاعدة من القواعد الشرعية، فهو لا يثبت إلا نفي اللزوم الملازم للجواز الاعم. وإن كان الاخبار، فهو إما ظاهر فيما ذكرناه، وهو خروج المبيع بعد الثلاثة من ملك المشتري إلى ملك البائع، فيكون محجورا عنه بحكم الشرع، ولا يعتبر بعد ذلك ملكا له، أو تكون الاخبار من هذه الجهة مجملة. وما أصر عليه الماتن في درسه: من أن ظاهره كونه خياريا، والخيار يقبل الاسقاط بحكم العقلاء (1) غير واضح. ولو كان خيارا ففي كونه يقبل الاسقاط مناقشة، لان من أحكام الحقوق عند العقلاء قبول التورث والنقل، مع أن كثيرا من الحقوق لا يكون كذلك، فلو كان شئ حقا فلابد من وجود أثر له حتى يمتاز به عن الحكم، فرارا من لغوية اعتباره، ويكفي فيما نحن فيه قبوله النقل، فالاسقاط غير مبرهن نفعه ونفوذه، إلا أنه غير بعيد عرفا.


1 - البيع، الامام الخميني (قدس سره) 4: 411.

[ 241 ]

[ باشتراط سقوطه في ضمن العقد، وبإسقاطه بعد الثلاثة. وفي سقوطه بالاسقاط قبلها إشكال، والاقوى عدمه. ] قوله مد ظله: باشتراط سقوطه. وهو المحكي عن الدروس (1) وجامع المقاصد (2) وتعليق الارشاد (3). ويشكل ذلك، لاجل أن هذا الشرط طبعا يمنع عن حدوث الخيار بعد الثلاثة، ويكون في حكم الشرط المخالف للكتاب. نعم، لو كان الامر على وجه يحدث ثم يسقط، فهو في محله، إلا أنه مجرد فرض، ولا يساعد عليه الاعتبار، ولا يقولون بذلك. وحديث آنا ما مما لا أساس له - حتى في موضع من الفقه - في الملكية، فضلا عما نحن فيه. قوله مد ظله: وبإسقاطه بعد الثلاثة. إجماعا كما هو ظاهر الشيخ (رحمه الله) (4) ووجه المناقشة فيه ما مر، فتدبر. قوله مد ظله: والاقوى عدمه. خلافا لنصه في درسه (5)، نعم اختار أن الاغتراسات العرفية لا تساعد


1 - الدروس الشرعية 3: 276. 2 - جامع المقاصد 4: 302. 3 - لا حظ المكاسب، الشيخ الانصاري: 247 / السطر 11. 4 - المكاسب، الشيخ الانصاري: 247 / السطر 9. 5 - البيع، الامام الخميني (قدس سره) 4: 134.

[ 242 ]

[ كما أن الاقوى عدم سقوطه ببذل المشتري الثمن بعدها قبل فسخ البائع. ] على الاسقاط قبل العقد، وأما بعد العقد فإن اريد منه الاسقاط المنجز، فهو غير صحيح. وإن اريد منه الاسقاط المعلق أو المشروط - بأن يكون الاسقاط حاليا، والسقوط استقبا ليا - فلا بأس به، وهو الاقوى لو لا المناقشات السابقة. وأما حديث الاجماع المحكي على بطلان التعليق (1)، فهو مضافا إلى نص السيد الفقيه اليزدي (قدس سره) على عدم وضوح مسيره (2)، أن القدر المتيقن منه نفي العقد. قوله مد ظله: كما أن الاقوى. واستحسنه الشيخ قائلا: لو كان مستند الخيار هو الاخبار، وأما إذا استند فيه إلى الضرر، فلا شك في عدم الضرر حال بذل المشتري المثمن، فلا ضرر ليتدارك بالخيار (3) انتهى. وفي التذكرة تصريح بالسقوط (4) كما مر.


1 - المكاسب، الشيخ الانصاري: 99 / السطر 11. 2 - حاشية المكاسب، السيد اليزدي 2: 55 / السطر 1. 3 - المكاسب، الشيخ الانصاري: 247 / السطر 15. 4 - تذكرة الفقهاء 1: 523 / السطر 29.

[ 243 ]

[... ] وغير خفي: أن شأنهما أجل من أن يذكرا في مسطوراتنا، إلا أنه لا شأن لمن لا يراعي الجانب الصحيح في المسائل الفرعية، وهو الاخبار الواردة في المسألة، فإن قاعدة لا ضرر... تفيد في غير مورد الاخبار، أو تكون حاكمة على إطلاقها لو كان ضرريا، وأما بعد سكوت الشرع عن ذكر القاعدة هنا - لم يسكت عنها نسيانا - فلا وجه لارجاع الاخبار إلى قاعدة لا ضرر... ثم الاخذ بها سندا، وتحليل الفروع على مدارها صدقا ولا صدقا، فإنه بعيد عن هؤلاء الامثال الابدال، تغمدهم الله بلطفه الخفي. هذا مع أن قاعدة لا ضرر... لو كانت مستنده، وغير جارية هنا عند بذل الثمن، لكانت لا تفيد خيار الغبن عند بذل التفاوت، مع أن الاجماع قائم على ثبوته بالغبن، سواء أعطى التفاوت بعد المعلومية، أم لم يعط، فلا تخلط. وقد مر: أن الخيار الحقي لا يمكن أن يكون مستند قاعدة من القواعد الحاكمة على الادلة، ومجرد وجود بعض التقارير - ما قربناه في كتابنا الكبير (1)، وفى رسالتنا (2) - لا يكفي مستندا للفقه، كما هو الواضح.


1 - هذه المباحث من الخيارات من تحريرات في الفقه مفقودة. 2 - رسالة في قاعدة لا ضرر للمؤلف (قدس سره) (مفقودة).

[ 244 ]

[ ويسقط لو أخذه بعدها بعنوان الاستيفاء، لا بعنوان آخر. ] قوله مد ظله: بعنوان الاستيفاء. فلا يتحقق ذلك في صورة الجهل، ولا يسقط بمجرد الاخذ. وقال الشيخ (رحمه الله) بالسقوط لانه التزام فعلي بالبيع، ورضا بلزومه (1) انتهى. وفيه: أنه أعم أو لا، ومجرد الالتزام والرضا بالبيع لا يكفي للسقوط، وإلا فهو حاصل ثانيا. ولو كان هناك التزام جديد زائد على أصل الالتزام بالبيع، ففي كفايته للسقوط إشكال، بل منع، لان السقوط من المسائل المترقبة من الاسباب الانشائية، والقول بالتعبد كان غير مرضي في مورد أخبار الرضا الواردة في خيار الحيوان (2)، فضلا عما نحن فيه. نعم، لو كان عمل البائع على وجه يعتبر منه الاعراض عن الملك والحق، كان لذلك وجه. ولعل معنى قوله - مد ظله -: بعنوان الاستيفاء يرجع إلى ذلك، وإلا فالخيار الموضوع له بحكم الاخبار لا يسقط إلا بالاسباب. نعم، فرق بين مقام الدعوى، وبين مقام التصرف، ففي مقام الدعوى لابد وأن يكون السبب قابلا لان يتسبب به إلى السقوط عرفا وشرعا، وإلا


1 - المكاسب، الشيخ الانصاري: 274 / السطر 19. 2 - تذكرة الفقهاء 1: 523 / السطر 30.

[ 245 ]

[ وفي سقوطه بمطالبة الثمن وجهان، الظاهر عدمه. ] فالقول قول البائع، وأما إذا كان في مقام التصرف بينه وبين ربه، فلا يعتبر شئ، لانه يسقط حتى بالاعراض القلبي، ويكون كالديون غير محتاج إلى الاسباب الظاهرة. وربما يكون الالتزام القلبي والرضا الجديد بالعقد - لاجل استلزامه الاعراض - موجبا للسقوط بينه وبين ربه، فلا ينبغي الخلط بين الصورتين. قوله مد ظله: الظاهر عدمه. قد ظهر الوجه مما مر بما لا مزيد عليه، ويظهر مواضع الضعف في كلمات القوم، وتفصيل المسألة يطلب من خيار المجلس والحيوان. وأما التمسك بالاصل هنا، كما في التذكرة (1) واسترضاه الشيخ (2) والماتن (3) عفي عنهما، ففي غير محله، لما تقرر منا في الاصول من ممنوعية جريان الاستصحابات الحكمية الكلية مطلقا ذاتا، لا بالمعارضة (4)، فإنه غير صحيح، فتدبر.


1 - تذكرة الفقهاء 1: 523 / السطر 30. 2 - المكاسب، الشيخ الانصاري: 247 / السطر 23. 3 - البيع، الامام الخميني (قدس سره) 4: 412 - 413. 4 - تحريرات في الاصول 8: 436 - 438 و 533 - 534.

[ 246 ]

[ مسألة 3: المراد ب‍ ثلاثة أيام هو بياض اليوم، ولا يشمل الليالي عدا الليلتين المتوسطتين، فلو أوقع البيع في أول النهار يكون آخر الثلاثة غروب النهار الثالث. نعم لو وقع في الليل تدخل الليلة الاولى أو بعضها أيضا في المدة. والظاهر كفاية التلفيق، فلو وقع في أول الزوال يكون مبدأ الخيار بعد زوال اليوم الرابع، وهكذا. ] قوله مد ظله: بياض اليوم. في المسألة بحوث لا يليق هذا المختصر بالبحث عنها، وقد فصلنا الكلام في ذيل خيار الحيوان في محله (1)، والمهم بعض الاستظهارات العرفية، أو الاشتقاقات اللغوية. والذي لا بأس بالاشارة إليه أن المقادير التي تؤخذ في الادلة: تارة: يكون النظر إلى خصوصياتها، كالبياض والظلمة المسبكين بعناوين النهار والليل المخلفين. واخرى: إلى المقدار المحض والكمية الخاصة، سواء كان فيما بينه وبين البائع يوم أو ليل، أم كان كله اليوم، أو كله الليل. فما في هذه الاخبار فهو بلحاظ القطر والمنطقة بالقطع واليقين، وإلا فمضي خمسة عشرة سنة غير لازم حتى إذا كان إنسان في محط قد نتف لحاه، واشتعل رأسه شيبا، لم يبلغ بالسن!! فإنه واضح الفساد ولا يجوز


1 - مباحث خيار الحيوان من تحريرات في الفقه مفقودة.

[ 247 ]

[... ] إسناده إلى الشرع. وأما أن المقدار فيما نحن فيه هل هو امتداد ثلاثة أنهر، وثلاث ليال؟ كما قيل (1) واستظهرنا ذلك في أحكام صلاة المسافر (2)، فإن اليوم غير موضوع - ظاهرا - على وجه يكون مرادنا للنهار، بل هو أكثر إطلاقا على أصل الوقت. وأيام البيض أيضا باعتبار أوقات البيض، لا باعتبار صدق اليوم على الليل كما توهم. وعندئذ تكون أصالة الاطلاق فيما زاد على الانهر الثلاثة والليلتين محكمة، لما مر من عدم جريان الاستصحاب رأسا. وبالجملة: ربما يراد من جملة ثلاثة أيام أي ثلاثة أوقات الليل والنهار، فيكون القول المزبور قويا. ولو كان اليوم بمعنى النهار مصب الخيار، فلازمه عدم ثبوت الخيار فيما إذا وقع العقد في أول الليل. واستفادة الحكم من قطعية الامر بالمناسبات الخارجية صحيحة، إلا أن الانسب الدقة في لغة العرب، وأما سائر التشبثات الاخر فهي غير متينة جدا.


1 - مفتاح الكرامة 4: 558 / السطر 30 - 31. 2 - مباحث صلاة المسافر من تحريرات في الفقه مفقودة.

[ 248 ]

[ مسألة 4: لا يجري هذا الخيار في غير البيع من سائر المعاملات. ] قوله مد ظله: في غير البيع. وفي البيع على ما سلف احتما له، بل قوته. نعم، تأخير الثمن أو المثمن بالمقدار المتعارف، لا يورث شيئا. ولو زاد عليه، وأقبض أحدهما الاخر متاعه، ولم يسلم الاخر، فلا يبعد الخيار العقلائي المترشح من الاشتراط الضمني كما يلوح ذلك من انتصار السيد (قدس سره) (1). وربما يتخيل رجوع خيار التأخير إليه، ولكنه خيار تأخير الثمن، لا المثمن. ولو كان الامر كما توهم لكان الخيار ثابتا لهما، وإنما للشرع تحديده زمانا، حفاظا على النظام، كما صنع ذلك في غير مورد.


1 - الانتصار: 210.

[ 249 ]

[ مسألة 5: لو تلف المبيع كان من مال البائع في الثلاثة، وبعدها على الاقوى. ] قوله مد ظله: على الاقوى. قد مرت في أول خيار التأخير هذه المسألة (1).


1 - تقدم في الصفحة 233 - 234.

[ 250 ]

[ مسألة 6: لو باع ما يتسارع إليه الفساد، بحيث يفسد لو صار بائتا، كالبقول، وبعض الفواكه، واللحم في بعض الاوقات ونحوها، وبقي عنده، وتأخر المشتري، فللبائع الخيار قبل أن يطرأ عليه الفساد، فيفسخ البيع، ويتصرف في البيع كيف شاء. ] قوله مد ظله: الخيار قبل أن يطرأ. على المشهور المعروف المتسالم عليه (1)، واستدلوا عليه بمرسلة عن أبي عبد الله (عليه السلام) أو أبي الحسن (عليه السلام): في الرجل يشتري الشئ الذي يفسد من يومه، ويتركه حتى يأتيه بالثمن. قال: إن جاء فيما بينه وبين الليل بالثمن، وإلا فلا بيع له (2) (3). وفي الفقيه عن ابن رباط، عن زرارة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث قال: العهدة فيما يفسد من يومه - مثل البقول، والبطيخ، والفواكه - يوم إلى الليل (4).


1 - مفتاح الكرامة 4: 583 / السطر 28. 2 - رياض المسائل 1: 526 / السطر 19، جواهر الكلام 23: 59، المكاسب، الشيخ الانصاري: 248 / السطر 14. 3 - الكافي 5: 172 / 15، تهذيب الاحكام 7: 25 / 108، وسائل الشيعة 18: 24، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 11، الحديث 1. 4 - الفقيه 3: 127 / 555، وسائل الشيعة 18: 25، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 11، الحديث 2.

[ 251 ]

[... ] ولا بأس بكونه من خيار التأخير، إلا أنه حدد بيوم واحد. وأما كونه خيار تأخير المثمن، لان النظر إلى عدم طرو الفساد، فلو كان أقبض الثمن ولم يأت ليأخذ المبيع فله الخيار، كما صرح به الفقيه اليزدي (1)، فهو بعيد عن ساحة الاخبار بالضرورة. وثبوت الخيار في نصف اليوم أو في اليومين، لقاعدة لا ضرر... غير خيار التأخير الثابت بالخبر الخاص، لاختلافهما في الحكم أحيانا، كما في حكم الفورية والتراخي، فلا تخلط. وقد مر منا: أن هاتين الروايتين من شواهد ما أسسناه في المسألة، وهو أن المسؤول عنه والمفروض في الاخبار ليس البيع وحصول العقد والمبادلة، بل هو في فرض المقاولة، كما هو المتعارف (2)، ويبعد العقد غير المعاطاتي في مثل هذه الامور بالضرورة، فإذن يحصل القطع بأنه لم يكن بين البائع والمشتري إلا القرار على البيع، وتركه عنده اختصاصا به، لا ملكا له. وعلى هذا تم البحث، ولا يتوجه الاشكال إلى الاخبار وفي بعض فروع المسألة، وإلا فالانصاف أن في محيط بلاد الرواية، تفسد


1 - حاشية المكاسب، السيد اليزدي 2: 57 / 1 السطر 20. 2 - تقدم في الصفحة 233.

[ 252 ]

[... ] الخضروات في ساعات من النهار، وقلما تبقى فاكهة شجرية في يوم الصيف الطويل، فما في الاخبار ناظر إلى المسائل الاخلاقية والمعاهدات، وتكون العهدة فيها يوما إلى الليل ما لم تفسد، وإلا فلا قرار ولا معاهدة حتى يتبع استحبابا وإنسانية. وقد مر: أن قوله: لا بيع له بمعنى أنه لا يكون البيع والقرار عليه له، لا أن البيع المتحقق المملك ليس له، فاغتنم. وبالجملة: ثبوت الخيار في هذه الموارد إذا كان البيع متحققا، مما لا إشكال فيه، لدليل آخر غير هذه الاخبار. وغير خفي: أن مقتضى ما تحرر عندنا عدم حصول البيع إلا بالقبض وبالمعاطاة، وما هو الحاصل بالعقد اللفظي هو عقد البيع والعقد على المبادلة الخارجية، فإذا لم يقبض المشتري مبيعه فلا بيع، وإذا قبضه فيكون تلفه عليه فلا خيار، وتفصيل المسألة يطلب من كتابنا الكبير (1).


1 - هذه المباحث من كتاب الخيارات من تحريرات في الفقه للمؤلف (قدس سره) (مفقودة).

[ 253 ]

[ السادس: خيار الرؤية وهو فيما إذا اشترى شيئا موصوفا غير مشاهد، ثم وجده على خلاف ذلك الوصف، بمعنى كونه ناقصا عنه، وكذا إذا وجده على خلاف ما رآه سابقا، فيكون له خيار الفسخ. ] قوله مد ظله: فيكون له خيار. على المشهور (1): أما في الصورة الاولى: فالدليل بناء العقلاء، بل هو من h لمسلمات. نعم، ربما يشكل أصل صحة المعاملة، لاجل أن التوصيف ليس رافعا للجهالة والغرر، فإذا كانت الجهالة مرتفعة به أو بوجه آخر، كان له الخيار، فما حكي عن الاردبيلي (قدس سره) (2) وتبعه صاحب الحدائق (رحمه الله) من البطلان في موارد التخلف (3)، ممنوع إطلاقه. ومن المحتمل صحة البيع على الاطلاق، وذلك لا لاجل أن التوصيف يرفع الجها لة، لانه إذا كان من البائع وكان موجبا للوثاقة يصح، وإلا فلا. ولو قلنا بحجية إخبار البائع ولو كان في ضمن التوصيف، فهو في صورة عدم معلومية حا له من الكذب الواقعي، فالتوصيف ليس


1 - جامع المقاصد 4: 301، مجمع الفائدة والبرهان 8: 410، الحدائق الناضرة 19: 56. 2 - مجمع الفائدة والبرهان 8: 183. 3 - الحدائق الناضرة 19: 59.

[ 254 ]

[... ] مستندا لرفع الغرر. نعم، لا يضر جهالة الاوصاف بصحة البيع، لعدم الدليل عليها، وقد أوضحنا المسألة بما لا مزيد عليه في هذا المقام في كتابنا الكبير (1). وأما في الصورة الثانية: فلا خيار له بحسب الموازين العقلائية، لان الغرر والجهالة المرتفعة بالمشاهدة، لا يقتضي كون العقد مبنيا على الوصف والشرط. نعم، قضية معتبر جميل بن دراج قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل اشترى ضيعة... إلى أن قال: قال (عليه السلام): إنه لو قلب منها، ونظر إلى التسعة والتسعين قطعة، ثم بقي منها قطعة ولم يرها، لكان له في ذلك خيار الرؤية (2) ثبوت الخيار في الصورة الثانية أيضا، فإن المتفاهم البدوي منها هو الخيار في صورة تخلف المبيع عما شاهده واعتقده على وصف خاص مثلا، بعد ظهور قوله (عليه السلام): في ذلك أي في الاشتراء، لانها للبعيد، وما هو مرجع الاشارة - بعيدا - هو الاشتراء. وبالجملة: هذا الخيار ليس بخيار الرؤية، إلا أنه بالنسبة إلى


1 - مما يؤسف له فقدان هذه المباحث من كتاب الخيارات من تحريرات في الفقه. 2 - تهذيب الاحكام 7: 26 / 112. وسائل الشيعة 18: 28، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 15، الحديث 1.

[ 255 ]

[ وفيما إذا باع شيئا بوصف غيره، ثم وجده زائدا على ما وصف، أو وجده زائدا على ما رآه سابقا. أو وجد الثمن على خلاف ما وصف، أي ناقصا عنه، فله خيار الفسخ في هذه الموارد. ] طائفة من الموارد خيار تخلف الوصف والشرط، وهو عقلائي، وبالنسبة إلى اخرى خيار تعبدي شرعي، وهو خيار الرؤية وتخلف الوصف غير المبني عليه العقد. واحتمال كون الخبر ناظرا إلى أن الوصف المتخيل بالمشاهدة موجب للخيار، غير صحيح، لان وصف الصحة لا يورثه، فضلا عن وصف الكمال. نعم، لا يبعد أن يكون مورد الخبر خيار العيب، وليس بالرؤية، لان الجهالة ارتفعت بالمشاهدة، وخيار العيب عرفي، وعلى هذا ينقلب الخيار المذكور إلى خيار تخلف الوصف والشرط، وإلى خيار العيب، ولا أساس لخيار الرؤية بالمعنى الاخر وراءهما، والخبر ناظر - حسب الاظهر - إلى خيار العيب، والقول بالتأسيس بعيد، ولا سيما مع كون المسألة ذات رواية واحدة. قوله مد ظله: فله خيار الفسخ. أما في الصورة الاولى: فله الخيار إذا كان الوصف يقوم، كما هو المقصود. وليس هذا من خيار تخلف الوصف، بل إما هو من خيار تخلف التوصيف، أو من خيار الغبن كما هو الظاهر.

[ 256 ]

[... ] وأما كونه مندرجا في الخبر - بناء على كونه ناظرا إلى الخيار التعبدي - فهو مشكل جدا، لان الخبر في مورد المشتري لا البائع، وما هو الثابت للاعم هو خيار تخلف الوصف والتوصيف العقلائي، لا الخيار التعبدى، فلا ينبغي الخلط وإن ظهر منهم - حتى من الشيخ (قدس سره) (1) - ذلك، فراجع. وأما في صورة الثانية: فلا خيار حسب الموازين العقلائية إلا خيار الغبن، وقد تبين وجه انطباق الخبر عليه أيضا. ولكنه في ناحية المشتري دون البائع، ولا وجه لالغاء الخصوصية بعد اقتضاء الادلة لزومها. وأما في الصورة الثالثة: فالخيار خيار تخلف الوصف. وهنا صورة رابعة: وهي أن يرى الثمن على خلاف ما شاهده، فإنه لا يثبت له إلا خيار العيب لو كان التخلف عيبا، أو كان موجبا للغبن الفاحش، فليتدبر جيدا.


1 - المكاسب، الشيخ الانصاري: 249.

[ 257 ]

[ مسألة 1: الخيار هنا بين الرد والامساك مجانا، وليس لذي الخيار الامساك بالارش. ] قوله مد ظله: الامساك بالارش. ضرورة أن الارش لا يتصور إلا فيما إذا كان الموجب له مورد المعاملة، وفي جميع صور خيار تخلف الوصف والرؤية، يكون المنظور في العقد من أوصاف المبيع، ولا يعد من أجزائه. نعم، في خصوص خيار العيب يثبت الارش تعبدا، فلو كان هذا الخيار من أصنافه فهو، وإلا فلا أرش. ولو كان في بعض صور المسألة خيار الغبن، فهو أيضا بالاجماع، خلافا للتذكرة (1) والشيخ (رحمه الله) (2) خير بين الامساك والفسخ. نعم، حكم العقلاء يختلف عن مصب الاجماع، لانه لا معنى للخيار بعد إعطاء البائع الغابن ما تغابن به المشتري المغبون مثلا. ويمكن دعوى: أن هذا الخيار ولو كان من أصناف خيار العيب إلا أنه لا أرش، لاطلاق معتبر جميل إطلاقا مقاميا، فتدبر. اللهم إلا أن يقال: بأن معتبر جميل لا إطلاق له، لانه بصدد إثبات الخيار تشريعا. ولكنه بمعزل عن التحقيق.


1 - تذكرة الفقهاء 1: 523 / السطر 11. 2 - المكاسب، الشيخ الانصاري: 235 / السطر 7.

[ 258 ]

[ كما لا يسقط خياره ببذله، ولا بإبدال العين بالاخرى. نعم، لو كان للوصف المفقود دخل في الصحة، توجه أخذ الارش للعيب، لا لتخلف الوصف. ] قوله مد ظله: ببذله. وهكذا عنونه الشيخ (1)، ولكنه غير صحيح، لانه من الواضح غير المحتاج إلى البيان. بل لا معنى لسقوط خياره بعد الثبوت التعييني ببذل البائع أو تبديله كما لا يخفى، لان بذله وبذل الاجنبي على حد سواء. نعم، كان ينبغي التعرض لعدم سقوطه بقبول ما يبذله أو قبول البدل، لانه أعم. نعم، إذا كان القبول فعلا أنشأ به السقوط فهو، أو كان نظره الاعراض عن خياره وحقه فهو، وإلا فلا دليل عليه. قوله مد ظله: توجه أخذ الارش. قد عرفت منا: أن المتفاهم من مورد معتبر جميل كون الضيعة معيبة (2)، وأن المفروض في الجواب ليس عدم الرؤية بما هو هو، بل هو عدم الرؤية اللازم للكشف المخالف، بأن يصير متوجها إلى فساد فيها وفي المتاع الذي ارتفعت جهالته بالمشاهدة الاجمالية.


1 - المكاسب، الشيخ الانصاري: 252 / السطر 1. 2 - تقدم في الصفحة 254 - 255.

[ 259 ]

[... ] ولو صح ما قا لوه من أخذ الارش (1)، يلزم التهافت بين معتبر جميل - لاطلاقه المقامي، بل اللفظي - وإطلاق أخبار خيار العيب، في مورد الخيارين الثابت أحدهما بالخبر المذكور، فإن إطلاقه يورث الخيار من غير عدل، وحمل المعين على المخير، ليس من الجموع العرفية، وتوهم أنه من رفع الاجمال بالمبين، غير تام، وقضية التساقط هو الاخذ بالقدر المتيقن، وهو الخيار بلا أرش.


1 - السرائر 2: 242، ولا حظ جواهر الكلام 23: 94 - 95.

[ 260 ]

[ مسألة 2: مورد هذا الخيار بيع العين الشخصية الغائبة حين المبايعة، ويشترط في صحته إما الرؤية السابقة مع حصول الاطمئنان ببقاء تلك الصفات، وإلا ففيه إشكال. ] قوله مد ظله: الغائبة حين المبايعة. لو كان هذاا لخيار من الخيار العقلائي، فلا مورد له بخصوصه، لان خيار تخلف الوصف والشرط أعم موردا بالضرورة. ولو كان من الخيار التعبدي، فمورده مذكور في معتبر جميل، وهي العين الحاضرة المشاهدة بالشهود غير الكامل الرافعة للغرر الموجب للصحة، فما في كلام القوم وصريح الشيخ (1) والمتن، خلاف التحقيق على كل تقدير. قوله مد ظله: إما الرؤية السابقة. فإنه بها ترتفع الجهالة إذا لم يتغير العين حسب تخيله واعتقاده. بل يكفي أصالة السلامة إذا كان التغير إلى العيب، لانها عقلائية. وأما استصحاب بقاء العين على حالها، نظرا إلى حكومته على دليل الشرط، لتنزيله منزلة العلم المأخوذ صفة أيضا كما حررناه (2)، فهو متين، إلا أنه ربما يشكل لكونه مثبتا، ضرورة أن بقاء الفرس على العروبة


1 - المكاسب، الشيخ الانصاري: 249 / السطر 12. 2 - تحريرات في الاصول 6: 147.

[ 261 ]

[ وإما توصيفه بما يرفع به الجهالة عرفا، بأن حصل له الوثوق من توصيفه الموجب لرفع الغرر، بذكر جنسها ونوعها وصفاتها التي تختلف باختلافها الاثمان ورغبات الناس. ] لا يثبت به التقيد، وهو اعتبار كون المبيع معلوما. نعم، إذا كان المستفاد من الادلة اشتراط معلومية المتاع إذا بيع، فلا بأس به. ومن هنا يظهر وجه إشكال الماتن في غير صورة بقاء الوثوق والاطمئنان، ويظهر وجه المناقشة في إطلاق إشكاله. قوله مد ظله: وإما توصيفه. لان التوصيف في طي الجمل التامة الخبرية أو الانشائية، بمنزلة الاخبار عرفا، فإذا كان الخبر موجبا للوثوق فهو، وإلا فإخبار البائع الصريح غير ثابتة حجيته، أو لو كان مقتضى أدلة حجيته ولو كان لا يتولد منه الوثوق، فهو مخصوص بما إذا كان صريحا، فلا تشمل الاخبار الضمني. اللهم إلا أن يقال: قضية بناء العقلاء حجية الخبر مادام لم يحرز ضعف المخبر، فإذا احرز فسقه وكذبه فلا يعتنون بإخباره. والذي هو التحقيق: أن معلومية المبيع من جهات الوصف، غير واضح اعتبارها، ومن أهم الاوصاف الصحة، ولا يعتبر العلم بها، ومن الواضح عندهم أن الما لية والقيمة ليست معلوميتها شرطا، وقد أجمعوا على

[ 262 ]

[... ] صحة البيع في صورة براءة البائع من العيوب، وهو مقتضى النص (1) كما قيل (2). ودليل النهي عن بيع الغرر ربما يختص بما إذا كان الشئ داخلا في البيع والمبيع بما هو مبيع، والاوصاف خارجة عن متعلق العقد والمعاطاة. مع أن دليله غير منقح سندا ودلالة، كما تحرر في محله (3). فالقدر المسلم دلالة أخبار المكيل والموزون على أن لا تكون المعاملات جزافية ظاهرا (4)، فعليه يعتبر في مثل المكيل والموزون معلوميتهما، لان المقدار والكم داخل في المبيع، ويعد من أجزائه، ويقسط الثمن عليه، بخلاف الكيف، ومقتضى تلك الاخبار في المكيل - مع ما فيها من المناقشات الكثيرة المذكورة في كتابنا الكبير (5)، ومر شطر منها هنا - أنه ليس الخروج عن الجزاف شرطا على الاطلاق، حتى ينافيه صحة البيع في صورة براءة البائع من العيوب، فراجع وتدبر.


1 - تهذيب الاحكام 7: 66 / 285، وسائل الشيعة 18: 111، كتاب التجارة، أبواب أحكام العيوب، الباب 8. 2 - المكاسب، الشيخ الانصاري: 260 / السطر 18. 3 - تحريرات في الفقه، كتاب البيع، الشرط الرابع، الامر الثاني عشر، المرحلة السادسة. 4 - الكافي 5: 193 / 1، تهذيب الاحكام 7: 122 / 531، الانتصار 3: 102 / 356، وسائل الشيعة 17: 341، كتاب التجارة، أبواب عقد البيع وشروطه، الباب 4. 5 - هذه المباحث من كتاب البيع من تحريرات في الفقه مفقودة.

[ 263 ]

[ مسألة 3: هذا الخيار فوري عند الرؤية على المشهور، وفيه إشكال. ] قوله مد ظله: فوري. لانه عند المشهور من الخيارات العقلائية، لانه خيار تخلف الوصف المبني عليه العقد، سواء كان صريحا في العقد، أو ضمنيا، وعليه يكون فوريا، لبناء العقلاء أولا، ولان الخيارات العقلائية بحسب التضرر والمشاكل، فإذا أخره كثيرا فيسقط، لعدم تمامية مقتضيه. ولو شك في ذلك فهو محل الخلاف، والحق - كما تحرر منا في الاصول - عدم جريان الاصول العملية، لا استصحاب حكم المخصص، ولا استصحاب حكم العام (1)، وأما التمسك بعموم العام أو إطلاقه، ففيه منازعة اخرى. والحق في المقام: أن إطلاق الدليل المقتضي لاصالة اللزوم مرجع، دون الشئ الاخر، والنتيجة هي الفورية. قوله مد ظله: فيه إشكال. بناء على كونه من الخيار التعبدي، فإنه يحتمل قويا تراخيه، لاطلاق دليله. واستشكل الوالد المحقق الماتن - مد ظله - في إطلاقه: بأن الخبر


1 - تحريرات في الاصول 5: 241.

[ 264 ]

[... ] في موقف التشريع (1)، وهو مناف لما يتمسك به في الاصول وغيره بالايات الالهية القرآنية، مع أنها للتشريع أيضا. وبالجملة: مجرد كون الحكم متعرضا للتشريع، لا يقتضي الاهمال أولا. وثانيا: لو كان معتبر جميل تشريعا أوليا، لكان عليه أن يسأل عن هذا الخيار الجديد غير المسبوق ولاشتهر بين الاصحاب الاولين فيسألون. وبالجملة: في الخبر بعض الملامح إلى أنه ليس الامر كما تحرر، فتدبر.


1 - البيع، الامام الخميني (قدس سره) 4: 433.

[ 265 ]

[ مسألة 4: يسقط هذا الخيار باشتراط سقوطه في ضمن العقد، إذا لم يرفع به الوثوق الرافع للجهالة، ] قوله مد ظله: باشتراط سقوطه. قد مر جهات المناقشة في صحة هذا الشرط وفروضه (1)، وفي المقام إشكال آخر اشير إليه في المتن: وهو أن هذا الخيار إن كان مبناه الخبر، ومورده العين المرفوع غررها بالمشاهدة، ولم يكن العقد مبنيا على صفة من الاوصاف، فلا شبهة في جواز شرط السقوط على إطلاقه، لما لا يتضرر منه العقد ولا الشرط بالضرورة. وهكذا إذا كان مورده العين الشخصية الظاهر عيبها، فيكون الخبر متعرضا لخيار العيب، إلا أنه ليس هنا بخيار الرؤية، لما مر. وأما إذا قلنا: بأنه خيار ثابت في مورد تخلف الوصف، فلو كان الغرر مرفوعا بالتوصيف، وأن البائع يصف العين والفرس ب‍ العروبة ويشترط على المشتري سقوط خياره الناشئ من تخلف العروبة، فكيف يمكن صحة هذا البيع؟! لان لازم الشرط المذكور سراية الجهالة إلى المبيع، وذهاب الوثوق الحاصل من التوصيف السابق، أو عدم حصول الوثوق بانضمام الشرط المذكور نوعا وعادة، فإذا فسد العقد فسد الشرط.


1 - قد تقدم في الصفحة 176.

[ 266 ]

[... ] فما في المتن: من أن فساد الشرط سبب لفساد العقد، مناقض لما فيه أيضا: من رفع الوثوق بالشرط، فإن العقد يفسد أولا. وبالجملة: قد ذكرنا في الكتاب الكبير وجوها تسعة لبطلان البيع، بين ما هي عقلية، وعقلائية، وشرعية (1)، إلا أن جميعها قابل للدفع ولو كان المستشكل أمثال الشيخ، والمحشين المحققين، وفيهم الوالد - مد ظله (2) -. وما هو المهم في المسألة هي الشبهة الشرعية التي توجب البطلان في الجملة لا مطلقا، ضرورة أن من الممكن أن يكون شرط السقوط، منضما لشرط مؤكد لثبوت الوصف، كما إذا باع على أن يسقط، وشرط أنه لو تخلف الوصف يعطيه أضعاف المثمن، وأما البائع فيشترط ذلك لبعض الاغراض الخاصة، فلا تخلط. هذا، وربما يكون البائع من الثقات العدول، بحيث لا يضر اشتراطه السقوط بالوثوق والاطمئنان، ويورث أن يجعل المشتري شرطه على الاغراض الاخر. وبالجملة لا وجه للمنع المطلق شرعا. وأما تصحيحه على الاطلاق، فلما اشير إليه مرارا: وهو منع الكبرى،


1 - هذه المباحث من كتابه الكبير (تحريرات في الفقه) مفقودة. 2 - المكاسب، الشيخ الانصاري: 251 / السطر 5 وما بعده، حاشية المكاسب، المحقق الايراوني 2: 32 / السطر 49، حاشية المكاسب، المحقق الاصفهاني 2: 90 / السطر 33، البيع، الامام الخميني (قدس سره) 4: 435 - 440.

[ 267 ]

[ وإلا فيفسد ويفسد العقد، وبإسقاطه بعد الرؤية، وبالتصرف في العين بعدها تصرفا ] وهو اشتراط معلومية المبيع من جهات الكيف والاوصاف ولو كانت الاوصاف ذات قيم ومالية. نعم، إذا تبين التخلف يلزم الخيار للغبن، أو يكون له خيار العيب، وأما البطلان المستند إلى الجهالة الناشئة من الاوصاف، فهي قابلة للمنع جدا، فتدبر جيدا. وربما لا يكون له خيار رأسا، لعدم مقتضيه كما لا يخفى. قوله مد ظله: بعد الرؤية. بلا إشكال وريب، وهو المتسالم عليه. ويمكن المناقشة فيه أولا: من جهة كونه حقا، لان خيار الرؤية يثبت بالنص، ودليله قاصر عنه. ومجرد التعبير عنه ب‍ الخيار لا يكفي لكونه حقا. وثانيا: مجرد كونه حقا لا يكفي لجواز إسقاطه، لان حقية الحق منوط بأثر من آثاره ومنها القابلية للاسقاط. وفي كلا الوجهين نظر وجدانا وإن لم يكن مقتضى الصناعة، وذلك لظهور الخيار في كونه الخيار العقلائي، فيكون حقا، كما هو كذلك عند العقلاء، وأن الاسقاط من الاثار الواضحة اللازمة لكل حق عرفي

[ 268 ]

[ كاشفا عن الرضا بالبيع، وبعدم المبادرة على الفسخ، بناء على فوريته. ] وشرعي، بخلاف المعاوضة والتورث فإنهما من الاثار التي يمكن تفكيكها، كما هو الواقع في كثير من الحقوق. قوله مد ظله: كاشفا عن الرضا. الرضا بالبيع كان منكشفا قبل التصرف، واستفادة كون التصرف مسقطا بما هو هو من الاخبار الخاصة، ممنوع حتى في موردها وهو خيار الحيوان. نعم، لا بأس بأن يريد ذو الخيار إسقاط خياره بالفعل. وفي كفاية مطلق الفعل نظر قوينا سابقا كفايته، وإن لم يكن في مرحلة الدعوى قول مدعي الاسقاط مسموعا، لاختلاف مرحلة السقوط ثبوتا، ومرحلة المخاصمة إثباتا، والتفصيل في محله، فاغتنم. ثم إنه لو تصرف تصرفا كاشفا عن الالتزام الجديد بالبيع المرضي، ففي كفايته إشكال منعنا ذلك، لان الخيار أمر حقي وضعي تسبيبي، لا يسقط إلا بالانشاء القولي، أو الفعلي، أو بالاعراض، فإن كان في التصرف إعراض عنه، فهو كالاعراض عن الملك والدين، وإلا فمجرد الالتزام لا يكفي للسقوط فيستصحب، فتأمل. قوله مد ظله: وبعدم المبادرة. لا يخفى: أن عدم المبادرة لا يوجب سقوطه، بل هو راجع إلى قصور

[ 269 ]

[... ] مقتضيه. وعلى كل حال وتقدير، يسقط أحيانا خياره بقبول الارش، أو بقبول البدل، لانه ظاهر في الاعراض عن حقه إذا كان عالما بالخيار، وإلا ففي كفاية الالتزام بالبيع المنكشف بهما جهلا بالحال إشكال، ولو قلنا بكفاية الالتزام الجديد بالبيع، فإنه مخصوص بصورة العلم بالخيار. اللهم إلا أن يقال: إنه ولو كان جاهلا، قد التزم بالبيع التزاما قطعيا ربما يخطر ببا له ذلك ولو كان ذا خيار، فالرضا الجديد والالتزام الحادث متعلق بالبيع الموجود، وهو لا يجتمع مع خياره. وفيه ما عرفت منا: من أن البيع الخياري لازم، وهو مثل البيع غير الخياري في لزومه، وإنما الخيار اختيار هدم العقد اللازم في ذاته عرفا وشرعا، ولا يورث الخيار قصورا في العقد، ولا معنى له ولا للعقد المتزلزل، ولا لتوصيف العقد ب‍ التزلزل فعلى هذا مجرد الالتزام المذكور غير كاف على إطلاقه عندنا، إلا إذا رجع إلى إعراضه عن حقه وملكه ودينه، فليتدبر جيدا.

[ 270 ]

[ السابع: خيار العيب وهو فيما إذا وجد المشتري في المبيع عيبا، فيتخير بين الفسخ والامساك بالارش، ] قوله مد ظله: فيتخير. إجماعا منقولا عن جماعة، ك‍ الغنية (1) وغيرها (2)، وشهرة عظيمة كادت تكون اتفاقا ومقطوعا به بينهم، خلافا لما نسب إلى الشيخ في بعض مواضع المبسوط (3) وللاخبار الكثيرة الظاهرة في أنه له الخيار في صورة بقاء العين، وله الارش في غير هذه الصورة (4)، فيكون التخيير طوليا. واستفادة التخيير العرضي من أخبار المسألة (5) ولو كان ممكنا، إلا أنها ليست من الاستفادة عرفا، فلو كان في الاخبار بعض الاطلاقات المثبتة للرد، أو بعض آخر يثبت الارش، فالجمع بينهما - حسب الطائفة الثالثة المشار إليها - هو بالتخيير الطولي أيضا. مع أن الاطلاق المذكور ممنوع، إما لعدم السند، أو لعدم الدلالة،


1 - الغنية، ضمن الجوامع الفقهية: 526 / السطر 6. 2 - رياض المسائل 1: 537 / السطر 28، جواهر الكلام 23: 236. 3 - المبسوط 2: 131. 4 - وسائل الشيعة 18: 30، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 16، الحديث 3 وأبواب أحكام العيوب، الباب 4. 5 - لاحظ الحدائق الناضرة 19: 64.

[ 271 ]

[... ] وسيمر عليك في البحوث الاتية بعض أخبار المسألة إن شاء الله تعالى (1). فالعمدة هنا هي الشهرة، إلا أنها غير واضح كونها بالغة إلى حد يكشف بها الرأي، أو الخبر الموثوق به الصريح في المطلوب، وذلك للمحكي عن الشيخ (2) أولا، ولعدم ذهاب العامة - إلا من شذ (3) - إلى ما يوجب اشتهار الحكم عند الاولين فتأمل، وأن في المعاملات يبعد طبعا التعبد الصرف، فالمسألة مشكلة، والتصا لح أحوط جدا. هذا مع أن التخيير بين المعنيين الوضعيين - كالتخيير بين نجاسة الشيئين - مما لا معنى معقول له. وتوهم: أنه ليس من التخيير، بل المشتري له حق الخيار، وله حق الارش، والكل يورث، إلا أن الجمع بين الحقين غير ممكن، ضرورة أنه بإعمال الخيار لا يبقى وجه لاخذ الارش، ومن الاخذ بالارش يلزم سقوط خياره. غير مرضي عندنا وإن أبدعناه في كتابنا الكبير (4)، ضرورة أن للشرع التصريح ببقاء خياره ولو بعد الارش، لاجل أن ظهور العيب سبب، ولو انسد


1 - تأتي في الصفحة 375 وما بعدها. 2 - المبسوط 2: 131. 3 - الشرح الكبير 4: 86 ولا حظ أيضا تذكرة الفقهاء 1: 524 / السطر 26. 4 - هذه المباحث من كتاب الخيارات من تحريرات في الفقه مفقودة.

[ 272 ]

[ ما لم يسقط الرد قولا ] خسارة المشتري بالارش - كما إذا شرط - فإنه لا يسقط بالارش، فعليه لا يمكن القول بكونهما بمنزلة التخيير. نعم، قضية النص (1) والفتوى (2) هو التخيير بين الفسخ والاخذ بالارش، وهذا من التخيير بين المعنيين الحدثيين، وهو جائز، إلا أنه ليس من الحق المصطلح عليه في أبواب الخيار. اللهم إلا أن يقال: بجواز تورث مثله، لمساعدة العقلاء، ولا دليل على كون المورث مالا أو حقا ثابت واعتبارا وضعيا، بل يكفي تعبيرهم عن التخيير المذكور ب‍ الحق لكونه مورثا وقابلا للاسقاط، وإن لم يكن من الاعتبارات الخارجية، فلا تخلط. قوله مد ظله: ما لم يسقط. لا تخلو العبارة من الغرابة، وبا لجملة يسقط الخيار المذكور - وهو حق فسخ العقد - بالقول الصريح وما يقرب منه، بل بمطلق القول بينه وبين ربه وإن كان له إنكار الاسقاط. ويسمع قوله بغير الالفاظ المأنوسة العقلائية.


1 - وسائل الشيعة 18: 29، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 16 وأبواب أحكام العيوب، الباب 4. 2 - شرائع الاسلام 2: 29، قواعد الاحكام 1: 145 / السطر الاخير، اللمعة الدمشقية: 119.

[ 273 ]

[ أو بفعل دال عليه، ] وأما قول المصنف بعدم سقوطه ثبوتا إلا بما يتعاهد الاسقاط به (1)، فهو غير مرضي، لان إبراز الالتزام بالعقد تمام الموضوع لاعتبار سقوط خياره عند العقلاء، ولا حاجة إلى الاسباب الخاصة في التسبب إلى السقوط. نعم، إنشاء السقوط وإسقاط الحق إنشاء، ربما يحتاج إلى مراعاة المعهودات العرفية في الالفاظ، لانه يكفى الشك في السببية لعدم ترتب الاثر. ولو كانت الالفاظ المتسبب بها غير مؤثرة في شئ، بل هي موضوعات لاعتبار العقلاء لسقوط الخيار، فالامر أيضا كما تحرر. وأما في مثل سقوط الحق وإبراء الذمة الكافي فيه الالتزام القلبي المبرز، فلا يعتبر الازيد من طبيعي الابراز. قوله مد ظله: بفعل. فيما إذا كان قاصدا بالفعل، فلا جدير بالذكر، ولا يأتي فيه ما مر من الكفاية ثبوتا وعدمها، باعتبار الاحتمال المذكور في القول، فعليه لا فرق بين أقسام الفعل. وأما إذا كان غير قاصد للاسقاط، فصنع ما يدل بالنوع عليه، فإن كان عارفا وذاكرا عدم قصد السقوط، فلا دليل على السقوط ثبوتا، لان


1 - البيع، الامام الخميني (قدس سره) 5: 23.

[ 274 ]

[... ] المفروض عدم تغيير في العين، ولا حدث فيها. وتوهم دلالة معتبرة زرارة الاتية على أن مطلق التصرف يكفي (1)، غير جيد كما يأتي. وقد يستظهر من عبارات جلة من الفقهاء، أن التصرف لمكان الدلالة على الرضا موجب للسقوط، فمع ذكر المشتري عدم رضاه به حين التصرف، لا يبقى وجه لسقوطه (2). اللهم إلا أن يقال: إن الشرع اعتبر التصرف غير المقرون بالرضا من الرضا، كما ورد في خيار الحيوان، وأن الرضا هو السبب الاولي للسقوط، والفعل والتصرف سبب جعلي شرعي تعبدي، فلنا التجاوز عما ورد هناك إلى ما نحن فيه. وعهدة إثباته بيد غيري، لاني أستبعد التزام أحد بذلك، لعدم تمامية الوجه المذكور حتى في محله، فضلا عن المقام، لقوة احتمال كون التصرف شاهدا على اقترانه بالرضا، فعبر عنه ب‍ أن ذلك رضا منه فراجع. فالمراد من قوله - مد ظله -: بفعل دال عليه، هو أنه بعد مفروغية قصد السقوط، لا بد وأن يكون ذلك بفعل دال عليه نوعا وكما مر، ومر ما يتعلق به مناقشة وتأييدا.


1 - تذكرة الفقهاء 1: 525 / السطر 42. 2 - المبسوط 2: 139، الوسيلة: 256، الغنية، ضمن الجوامع الفقهية: 526 / السطر 12، جامع المقاصد 4: 332.

[ 275 ]

[ ولم يتصرف فيه تصرفا مغيرا للعين، ] قوله مد ظله: مغيرا للعين. اتفاقا محكيا عن جمع (1)، وهو المفروغ عنه بينهم، ولم يعهد نقل الخلاف عن أحد في هذه الصورة: وهي ما إذا كان التغير مستندا إلى تصرفه، وذلك لانها القدر المتيقن من معتبر زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: أيما رجل اشترى شيئا وبه عيب وعوار، لم يتبرأ إليه، ولم يبين له، فأحدث فيه بعد ما قبضه شيئا، ثم علم بذلك العوار وبذلك الداء، أنه يمضي عليه البيع، ويرد عليه بقدر ما نقص من ذلك الداء والعيب من ثمن ذلك لو لم يكن به (2). ومرسلة جميل، عن بعض أصحابنا، عن أحدهما (عليهما السلام): في الرجل يشتري الثوب أو المتاع، فيجد فيه عيبا. فقال: إن كان الشئ قائما بعينه رده على صاحبه، وأخذ الثمن، وإن كان الثوب قد قطع أو خيط أو صبغ، يرجع بنقصان العيب (3). فعلى هذا، سقوط الخيار في هذه الصورة قطعي وإن لم يكن قاصدا له. اللهم إلا أن يقال: إنه في صورة قصد السقوط أو الشك فيه، فيكون


1 - جواهر الكلام 23: 239. 2 - الكافي 5: 207 / 3، تهذيب الاحكام 7: 60 / 257، وسائل الشيعة 18: 30، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 17، الحديث 2. 3 - الكافي 5: 207 / 2، الفقيه 3: 136 / 592، وسائل الشيعة 18: 30، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 16، الحديث 3.

[ 276 ]

[... ] إحداث الصفة المغيرة موجبا له، للكشف النوعي عنه، فتكون هذه الاخبار مشيرة إلى مصداق ما في خيار الحيوان: من أن التصرف من الرضا الموجب للسقوط اعتبارا، فلو أحدث شيئا مغيرا، وكان من قصده الرجوع إليه والرد بعد ذلك، فلا يسقط. ولكنك خبير بأنه مجرد احتمال بديع. ويمكن دعوى عدم سقوط الخيار نظرا إلى قضية القواعد، فإن موضوعه العقد أو العاقد، كما هو الحق عندنا، فيكون مثل خيار الغبن وغيره، وهذه الاخبار بين ما لا سند لها، أو تكون معرضا عنها، لظهورها في التخيير بين الرد والارش طولا، مع أن الاجماع على أن التخيير عرضي رغم أنف العقلاء. وهي غير مسموعة، لان معتبر زرارة وإن كان في سنده موسى بن بكر، ولم يوثق، إلا أنه عندنا معتبر، ومن الغريب توصيفها في الكتب الاستدلالية ب‍ الصحة (1)!! وهي ظاهرة في أنها بصدد بيان وقت سقوط الخيار، ولا ينافيه كون الرد في عرضه، بخلاف المرسلة، فإنها كالنص في أن الرد في صورة قيام العين، والارش في صورة عدمه، لانها مشتملة على القضية الشرطية الاولى، وقد تعرض في القضية الثانية لمفهوم القيد من تلك


1 - جواهر الكلام 23: 237، المكاسب، الشيخ الانصاري: 254 / السطر 4، حاشية المكاسب، السيد اليزدي 2: 71 / السطر 17.

[ 277 ]

[ ولم يحدث فيه عيب عنده بعد خيار المشتري المضمون على البائع، ] القضية، لان مفهوم الشرط من السلب التام، ضرورة أن مفهومه إن لم يكن الشئ قائما بعينه وهو يصدق في صورة انتفاء العين برأسها، وعلى كل تقدير لا بأس بالاعتماد عليها. مع أن الاعراض غير ثابت، لاستدلالهم بتلك الاخبار، وهذا هو الموهن للاعتماد على الاجماع والشهرة القائمة على أصل التخيير بين الفسخ والرد، لان لازمه اجتهادهم واتكالهم عليها في الفتوى أحيانا، فلا تخلط. قوله مد ظله: عيب عنده. العيب الحادث بعد العقد، وقبل القبض، وقبل مضي الخيار المضمون ولو كان بعد القبض، لا يوجب سقوط الخيار الثابت بالعيب الموجود القديم الحاصل حين العقد، على المشهور المدعى عليه الاجماع (1). بل ربما يقال: بأن هذا الحادث يوجب الخيار الجديد، فيكون لاجل العيب الحادث قبل القبض وبعد العقد، خياران مستندان إلى فردين من العيب (2). وللقول: بأن العيب الثا لث الحادث بعد القبض، وقبل مضئ الخيارات المضمونة الثلاثة المذكورة في المتن، يوجب خيارا ثالثا،


1 - المكاسب، الشيخ الانصاري: 257 / السطر 17 - 18. 2 - نفس المصدر.

[ 278 ]

[... ] وجه، فيكون لاجل كون المبيع حيوانا فيه أربعة خيارات، وإذا كان في المجلس ففيه خمسة، وبالشرط يبلغ إلى ستة، وتفصيل بحوث هذه المسألة يطلب من كتابنا الكبير (1). والذي اشير إليه في المتن، مسألة سقوط الخيار الثابت بالعيب القديم الحاصل حين العقد لاجل العيب الحادث في يد المشتري، أي بعد القبض، وكان قبل مضي الخيارات الثلاثة، فإنه إذا كان بعد القبض وبعد مضيها، فالاجماع والقاعدة يقضيان السقوط، وأما في صورة وجود الخيارات الثلاثة فقضية الاخبار - بل والاتفاق - عدم سقوط الخيار. نعم، يمكن دعوى: أن خيار العيب بما أنه خيار العيب، يسقط حسب معتبر زرارة ومرسلة جميل، لما أحدث فيه شيئا، وتغير عما كان عليه حين العقد، ولكن العقد خياري بعد، لاجل وجود المجلس والحيوان والشرط، فما في المتن: من بقاء خيار العيب الثابت حين العقد حتى بعد حدوث العيب بعد القبض وقبل المضي، فهو لاجل أن معتبر زرارة موضوعه الاحداث، لا الحدث، وأن المرسلة غير قابلة للاعتماد عليها، لارسالها أولا، ولا عراض المشهور عنها، لظهورها في التخيير بين الرد والارش طولا، لا عرضا.


1 - تحريرات في الفقه، كتاب الخيارات، الرابع من مسقطات خيار العيب.

[ 279 ]

[ كخيار الحيوان، وكخيار المجلس والشرط، إذا كانا له خاصة. ] أو لاجل أن الخيار طبيعي قابل للتكثير، ولكنه لا يتكثر إلا بالعناية الخاصة، فتتداخل الاسباب، فيكون واحدا باقيا، ولازمه سقوط خيار الحيوان بإسقاط خيار العيب في الثلاثة، ولا يلتزمون به، فالوجه الاول أقرب وإن لم يلتزم به الماتن. وبالجملة: عدم سقوط الخيار القديم بالعيب الجديد، مطابق للقاعدة، ومخالف لما استظهروه من معتبر زرارة وخبر جميل (1)، إلا أن في أخبار خيار الحيوان ما يستظهر منه أيضا أن حدوث الحدث في عصر الخيار لا يوجب شيئا. ولكن الانصاف اختصاصه بالحيوان. فالاقرب هو السقوط، لو كان الخبران تامين فيما استظهروه منه، وسيأتي ضعفه، وعلى هذا لا وجه لسقوط خيار العيب، لاجل القواعد، لا لما اشير إليه، فلا تخلط. قوله مد ظله: إذا كانا له خاصة. أي للمشتري، فلو كان البائع لاجل الشرط أيضا بالخيار، أو لاجل كون المثمن حيوانا، أو قلنا بأن خيار المجلس ثابت للمشتري فقط فيما إذا باع الوكيل والوصي، فلا يدوم الخيار فيما كان البائع أيضا بالخيار، لان العوضين مضمونان في أيام خيارهما، فيكون العيب الحادث بعد


1 - البيع، الامام الخميني (قدس سره) 5: 52.

[ 280 ]

[ والظاهر أن الميزان في سقوطه عدم كون المبيع قائما بعينه، بتلف ] القبض وقبل مضي الخيارات الثلاثة، من العيب غير الموجب لسقوط الخيار، لاختصاص دليله بصورة ضمان البائع دون المشتري، وعلى هذا يرجع إلى مفاد الخبرين الناطقين بأن الحدث والتغير موجب للسقوط، وسيأتي ما في التمسك بهما. قوله مد ظله: بتلف. على المعروف، وكأنه المفروغ عنه، للاولوية القطعية، ولمفهوم خبر جميل: إن لم يكن الشئ قائما بعينه. ويتوجه إلى الاول: أن الظاهر منه هو إحداث شئ فيه، ولعله يوجب السقوط لكونه رضا تعبديا من المشتري، كما في خيار الحيوان، فلا يحمل الاحداث على الحدث حتى يستنبط منه الاولوية. نعم الاتلاف من الاحداث. وإلى الثاني: أن المفهوم إن كان سلبا أعم فلا يفيد، وإن كان سلبا أخص مع فرض الموضوع، فلا يشمل صورة التلف، ولا سيما إذا كان التلف بفناء الشئ واحتراقه. فبالجملة: لا شبهة في أن الاتلاف يوجب سقوط الرد، وأما التلف فغير ظاهر مستنده إلا الاجماع المحتمل تعليله.

[ 281 ]

[ أو ما بحكمه، أو عيب، أو نقص وإن لم يكن عيبا. ] قوله مد ظله: بحكمه. من التصرفات الاعتبارية الايقاعية كالعتق، العقدية اللازمة كالصدقة والبيع، والجائزة كالعقود الخيارية والجوائز منها. ولو لم يكن في المسألة إجماع فنفس ذلك - مضافا إلى أنه ليس من التغير المذكور في معتبر جميل، ولا من الحدث المستفاد من خبر زرارة - لا يوجب السقوط على وجه لو رجع إلى ملكه لم يكن له الرد، لقوة احتمال اختصاص السقوط بصورة عدم العود، فلا سقوط في الخروج المتعقب بالعود، لعدم الدليل عليه على وجه يشمل المقام. وأما العود بعد السقوط كما هو ظاهر الفقيه اليزدي (1)، فهو متفرع على استفادة العنوان الكلي من الخبرين. مع أن الظاهر منهما ما هو الظاهر من أخبار خيار المجلس، فإذا حصل الافتراق يسقط، ولا يعود بعود المجلس. قوله مد ظله: أو عيب أو نقص. كل ذلك بناء على أن المستفاد من الخبرين منطبق عليهما، سواء كان الموضوع خبر جميل، ويرد إليه خبر زرارة، أو كان خبر زرارة، ويرد إليه خبر جميل، بناء على أن معتبر زرارة، ليس في مقام إدخال النسبة


1 - حاشية المكاسب، السيد اليزدي 2: 79 / السطر 29.

[ 282 ]

[ نعم، الظاهر أن التغيير بالزيادة، لا يسقطه إذا لم يستلزم نقصا ولو بمثل حصول الشركة. وكيف كان: مع وجود شئ مما ذكر ليس له الرد، بل ثبت له الارش خاصة. وكما يثبت هذا الخيار للمشتري إذا وجد العيب في المبيع، ] الصدورية في موضوع السقوط، بل النسبة معنى حرفي مغفول عنه، أو بناء على الاخذ بهما، لان النسبة بينهما الايجاب، ولا تنافي وقد عرفت أن الوجه الاخير مما لا بأس به، والارجاع غير جائز بعد قوة احتمال كون الاحداث من مصاديق الرضا تعبدا. ولكنه لا ينفع، لان خبر جميل وإن لم يضر إرسا له، بل هو عندنا ليس مرسلا، ولكنه غير معمول به، وظاهر المشهور إعراضهم عنه، وتمسك المتأخرين - لا غيرهم - به من باب التسامح فيما هو المفروغ عنه. قوله مد ظله: لا يسقطه. لان مجرد التغير بالزيادة كالسمن ونحوه، مورد انصراف الخبر ومعقد الاجماع، وفيما إذا كان نقصا يكون من الحدث، أو من الاحداث إذا تغير بفعل المشتري مثلا، ولا وجه لانصراف خبر جميل عنه، فليتأمل. قوله: خاصة. ربما يشكل: بأن الواجب التخييري إذا تعذر أحد الاطراف، لا يجب الطرف الاخر، لان الامر واحد مردد، فيكون كالتعييني إذا تعذر جزء منه، فلابد من التمسك بقاعدة الميسور وأشباهها التي لا يجوز الركون إليها

[ 283 ]

[ كذلك يثبت للبائع إذا وجده في الثمن المعين. ] على ما تحرر (1). وفيه ما أشرنا إليه من احتمال كون الحقين - حق الفسخ، وحق الارش - ثابتين، إلا أنه لا يمكن الجمع بينهما، أو لا يجوز، وهذا غير التخيير وإن ناقشنا في تمامية هذا المبنى (2) الذي اختاره الماتن - مد ظله - في درسه (3)، وكنا احتملناه قبله - مد ظله -. ويمكن أن يقال: إن في الواجب التخييري ليس ترديد واقعي، لانه مستحيل، بل هو أمر آخر يرجع إلى المعينين ثبوتا، مع كفاية أحدهما إثباتا، وعلى هذا لو تعذرت إحدى الخصال تجب الاخرى وهكذا، فإسقاط حق الرد لا يستلزم سقوط حق الارش. قوله مد ظله: في الثمن المعين. نظرا إلى فهم الاصحاب، وعدم وجود من يفصل بينهما، بل صريح العلامة (4) وغيره هنا وفي باب الصرف ذلك (5)، واستظهر الشيخ أنه


1 - تهذيب الاصول 2: 401، مصباح الاصول 2: 471. 2 - تقدم في الصفحة 270. 3 - البيع، الامام الخميني (قدس سره) 5: 13. 4 - تذكرة الفقهاء 1: 532 / 40. 5 - تذكرة الفقهاء 1: 513 / السطر 8.

[ 284 ]

[... ] لا خلاف فيه وإن كان مورد الاخبار ظهور العيب في المبيع (1) انتهى. ومن الغريب عدم التفاتهم إلى أن الارش في عرض الفسخ على خلاف الاصل، فكيف تمكنوا من إلغاء الخصوصية، وحمل الاخبار على الغالب؟! هذا وقد تحرر منا: أن الثمن المعين ولو كان نقدا، يرجع إلى المعاوضة، وهي ليست بيعا عندنا في العصور الاخيرة، ولو كانت بيعا في بدو معيشة الانسان عيشا اجتماعيا (2)، فجريانه فيها محل المناقشة. اللهم إلا أن يقال: ارتكاز العقلاء على أخذ الارش ولو في طول ترك الفسخ، ولا يلتزمون بجواز إلزام المشتري البائع على الارش بدوا، ولكن بعد ثبوت الالتزام المذكور منضما إلى الارتكاز المزبور، لا يجدون خصوصية بين العصور والفروع، فليتدبر. ثم إنه يجري خيار العيب في غير المعين، سواء كان بيعا، أو عوضا، ولا يرجع ذلك إلى خيار التبديل، نظرا إلى أن المبيع الكلي والثمن الكلي - لاجل أصا لة السلامة والبناء على الصحة - يكونان مقيدين، وإذا تبين عيبهما فلا خيار بالضرورة، لانه يرجع إلى عدم وفائهما بما عليهما


1 - المكاسب، الشيخ الانصاري: 253 / السطر 33. 2 - تحريرات في الفقه، كتاب البيع، الجهة الاولى في ماهية البيع.

[ 285 ]

[ والمراد ب‍ " العيب " كل ما زاد أو نقص عن المجرى الطبيعي والخلقة الاصلية، ] كالعمى، والعرج، وغيرهما. بمتقضى العقد. هذا، ولكنه مع ذلك لا يرجع إلى خيار التبديل، بل هو راجع إلى خيار العيب، وذلك لان الكيفيات خارجة عن حدود المعاوضات على الاعيان، وإن كانت داخلة في رقي الثمن، هكذا تحرر، فعليه لا يكون في بيع البقرة ما هو المبيع إلا البقرة، وليست الصحة قيدا بحيث إذا تخلفت لم يكن وفاء بالعقد، بل هي من قبيل الالتزام في الالتزام، فإذا رد المبيع يكون ما في الخارج نفس المبيع، فإن الطبيعي موجود بشخصه، وإذا لم يكن صحيحا يلزم خيار العيب، لان المبيع الكلي المتشخص في الخارج، لا يمكن تبديله، لاتحاد الطبيعي في محط الخارج والانشاء، وعلى هذا يجري الخيار المذكور في غير المعين. نعم، إذا كان الارتكاز على وجه التقييد، فيكون البيع مقيدا ولو بقيد ارتكازي نوعي، لا تعاهدي شخصي، فلا يتشخص البيع الانشائي بإقباض المعيب، ولا يلزم خيار في العقد إلا إذا تعذر، فيكون خيار تعذر التسليم، فلا تغفل. قوله مد ظله: والمراد بالعيب. على المعروف المشهور في كثير من المتون، مع اختلاف يسير في

[ 286 ]

[... ] التعبير، والكل كأنه متخذ من رواية مرسلة وضعيفة محكي فيها قول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): كل ما كان في أصل الخلقة فزاد أو نقص فهو عيب... (1). وغير خفي: أن شأن الفقيه في تعريف العيب شأنه في تعريف الماء والتراب ولا يجوز الاعتماد على تشخيصه إلا بما أنه رجل ثقة عادل، ولا يزيد عليه، ولو كان نظره عدم جواز الاعتماد على خبر العدل الواحد، فربما يضر تصرفه وتعيينه، ويكون غير جائز، لتوهم الراجعين إليه أنه رجوع إلى الحجة الشرعية، فتعريف العيب غير صحيح. مع أنه من العناوين التي تختلف البلدان والاعصار والازمان والامصار بالنسبة إليه جدا، ولا يصح دعوى: أن ما كان عيبا في زمن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فهو عيب إلى يوم القيامة، كما قيل به في الموضوعات الربوية (2)، فربما يكون النقصان من العيب في منطقة، ومن الكمال في قطر آخر وبالعكس. نعم، إذا تدخل الشرع الاقدس في موضوع من الموضوعات، وكان فيه تعبد صرف، فهو المتبع، وإلا فمجرد وجود رواية - ولو كانت صحيحة -


1 - الكافي 5: 215 / 12، تهذيب الاحكام 7: 65 / 282، وسائل الشيعة 18: 97، كتاب التجارة، أبواب أحكام العيوب، الباب 1، الحديث 1. 2 - جواهر الكلام 23: 362، مسالك الافهام 3: 323.

[ 287 ]

[... ] غير كاف، لاحتمال كونها بصدد تعريف ما هو العيب في المنطقة، فيحمل عليه، ولا يزداد ولا يتجاوز عنه، ضرورة بعد كونه تعبدا صرفا ولو كان أصل الاخذ بالارش في عرض الخيار تعبدا، إلا أنه لقيام الاجماع، مع ما تحرر منا في محله من الاشكال (1). فعلى ما تبين، لا دليل شرعا على الازيد مما هو العيب بحسب متفاهم الناس في محيط التجارة والمعاملة. مع أن الرواية بحسب المتن مضطربة جدا، وتحتاج إلى إلغاء الخصوصية بالنسبة إلى كثير من السلع والامتعة الحديثة، بل وفي مثل بيع الدور وغيرها مما تكون وحدتها تأليفية، ولا خلقة أصلية لها إلا إذا اريد من الخلقة الاعم من الخلق المستند إليه تعالى وإلى غيره، كما لا يبعد.


1 - تقدم في الصفحة 270.

[ 288 ]

[ مسألة 1: يثبت هذا الخيار بمجرد العيب واقعا عند العقد وإن لم يظهر بعد، فظهوره كاشف عن ثبوته من أول الامر، لا سبب لحدوثه عنده، ] قوله مد ظله: لا سبب لحدوثه. كما في الغبن وإن كان ظاهر كثير من كلماتهم، يوهم حدوثه بظهور العيب، وهو الظاهر من جملة من الاخبار، ومنها مرسلة جميل (1)، وخبر عمر بن يزيد (2). إلا أن أخذ عنوان العلم وأمثا له لا يوجب شيئا، ولا سيما وأن معتبر زرارة ظاهر في سقوط خياره بالاحداث، مع أن المفروض فيه أنه علم بعد ذلك بالعيب والعوار، وهذا الدليل أقوى مما تمسك به الشيخ (رحمه الله) (3). والذي هو التحقيق: أن عقد البيع كما مر غير البيع، وهو التبادل الخارجي الاعتباري، وعلى هذا حيث تكون المبادلات نوعا معاطاتية، فالخيار ثابت من حين المبادلة، لا من حين العقد اللفظي والانشائي، ولا من حين ظهور العيب، فإنه واضح المنع جدا. ولو كان العلم دخيلا في ذلك، فهو محتاج إلى العناية الشديدة الزائدة.


1 - تقدمت في الصفحة 275. 2 - الكافي 5: 206 / 1 و 2، تهذيب الاحكام 7: 60 / 258 و 259، وسائل الشيعة 18: 29، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 16، الحديث 1. 3 - المكاسب، الشيخ الانصاري: 253 / السطر 26 - 34.

[ 289 ]

[ فلو أسقطه قبل ظهوره سقط. كما يسقط بإسقاطه بعده، وكذلك باشتراط سقوطه في ضمن العقد، ] قوله: سقط. بالضرورة، لعدم الحاجة في إسقاط الحق إلى العلم به، وإلا فلا يمكن الابراء حين الشك والجهالة، ولا يحتاج الانشاء إلى أزيد من احتمال التأثير والموضوعية لحكم العقلاء بالسقوط. بل لو لم يثبت يسقط بالاسقاط أيضا، وبالشرط المذكور في ضمن العقد، كما مر في خيار المجلس، فلا يتوقف سقوط خيار العيب على ثبوته من حين العقد، على ما يتوهم من المتن. وليس هذا من إسقاط ما لم يجب، بل هو يرجع إلى الدفع لتمامية الشرائط والمقتضي لاعتباره. فعلى ما سلكناه من ثبوته من حين المقابضة والقبض والمعاطاة، يجوز شرط سقوطه في ضمن العقد. بل الظاهر أنه يرجع إلى التبري، ويكون البيع مبنيا على الاطلاق، فلا يكون شرط السقوط إلا كناية عن الارتضاء المعاملي بالبيع على كل تقدير، وليس شيئا آخر، فاغتنم. قوله مد ظله: بإسقاطه بعده. بالاولوية القطعية طبعا. نعم، ربما يشكل السقوط والاسقاط مطلقا، نظرا إلى أن خيار العيب

[ 290 ]

[... ] ليس - كخيار المجلس والغبن - من الحقوق، بل هو خيار من التخيير الشرعي الترخيصي بين الرد والارش، أي بين الفعلين، كسائر التخييرات الشرعية، فعليه لا معنى للسقوط والاسقاط هنا، وهذا هو الظاهر من الفتوى والنص. اللهم إلا أن يقال: إجماعهم على جواز الاسقاط، يشهد على أنه نوع حق تخييري، وقد مر امتناعه. أو نوع حق تعييني، فيكون هناك حقان غير قابلين للجمع، وقد مر فساده. أو حق متعلق بالعنوان الكلي المنطبق على أحدهما، وقد مر امتناعه وفساده. أو أنه حق انتزاعي من الفعلين اللذين هما مورد التخيير، فهو حق صحيح كما هو المختار (1)، ويكفي ذلك لقابلية السقوط بالشرط والاسقاط بعده. أو هو ليس بحق، ولكن الشرع رخص للمكلف في إخراج أحد طرفي الواجب التخييري، وقلبه تعيينيا، وهذا أيضا ممكن، ولكنه لابد من الاختصار على مقدار ما يثبت ترخيصه، وهو بعد العقد والمعاطاة، وأما حينه فهو غير ثابت.


1 - تقدم في الصفحة 270 - 271.

[ 291 ]

[ وبالتبري من العيوب عنده بأن يقول: بعتك بكل عيب. وكما يسقط بالتبري من العيوب الخيار، يسقط استحقاق مطالبة الارش أيضا. ] قوله مد ظله: وبالتبري. إجماعا محكيا عن الخلاف (1) والغنية (2) وهو الظاهر من التذكرة (3) وهو المفروغ عنه عندهم، لانه يرجع إلى عدم المقتضي للخيار، ضرورة أنه إذا باع على أن يكون العيب على المشتري، فلا خيار، وهذا مثله في الحقيقة. ويدل على الحكم في الجملة صحيح زرارة السابق (4). ولعل إجمال الدليل اللفظي، أوجب ذهاب الاسكافي إلى المناقشة في سقوطه به في صورة الاجمال (5)، بعد عدم صلاحية بناء العقلاء للمرجعية، حيث إن الحكم في باب العيب على خلاف مذاق العرف، فاغتنم. قوله مد ظله: استحقاق مطالبة. وهو الظاهر من الاصحاب (رحمهم الله) حيث عدوا التبري عن العيوب من


1 - الخلاف 3: 127، المسألة 213. 2 - الغنية، ضمن الجوامع الفقهية: 526 / السطر 7. 3 - تذكرة الفقهاء 1: 526 / السطر 16. 4 - تقدم في الصفحة 275. 5 - مختلف الشيعة: 371 / السطر 27.

[ 292 ]

[... ] مسقطات الخيار والارش (1)، وهو مقتضى أدلة سقوط الخيار، مع قصور المقتضي عن إثباته كما هو الواضح. وربما يشكل: بأن التبري من العيوب، يوجب بطلان البيع للغرر، ولا يتم ما يتوهم جوابا له (2) إلا إنكار أصل كبرى المسألة، كما ذكرنا في كتابنا الكبير (3)، ضرورة أنه لا دليل على اعتبار المعلومية المطلقة. والالتزام بالتخصيص - بعد عدم وجود الاطلاق الصحيح - غير وجيه. كما يشكل كفاية التبري لسقوطهما، لاجل أنه يرجع إلى الشرط، وخيار العيب ليس من قبيل الخيارات الاخر حتى يكون حقا، بل هو من الاحكام الشرعية، فيكون الشرط على خلاف الكتاب. أو لو كان شرطا، فلابد من وجود الدليل على قبول الطرف ذلك الشرط، فمجرد التبري غير كاف. والذي هو الحق: أن التبري ليس شرطا، بل هو موجب لهدم البناء الاولي الثابت بين العقلاء، القائم على اشتراء الاشياء على صفة الصحة، كما هو هدم لاجراء أصالة السلامة في إحرازها، فيكون موقف المعاملة


1 - الخلاف 3: 127، المسألة 213، تذكرة الفقهاء 1: 526 / السطر 16، المكاسب، الشيخ الانصاري: 260 / السطر 18. 2 - لا حظ البيع، الامام الخميني (قدس سره) 5: 72 - 73. 3 - تحريرات في الفقه، كتاب الخيارات، الثاني من مسقطات الرد والارش.

[ 293 ]

[ كما أن سقوطه بالاسقاط في ضمن العقد أو بعده، تابع للجعل. ] المذكورة خارجا عن سائر مواقف المعاملات، من غير شرط ضمني في العقد. مع أن في كل من كونه شرطا مخالفا، أو محتاجا إلى القبول، مناقشة. ومما يشهد على أنه ليس من الشرط: أن بالتبري لا يحدث تكليف بالوفاء به، بل يلزم منه خروج البائع عن تحمل الزائد، مع أن المتعارف في الشروط لزوم الوفاء بها بعد الاشتراط حتى في شرط النتيجة، كما لا يخفى. قوله مد ظله: تابع للجعل. بالضرورة، وهو مقتضى كونه حقا، فإن لكل ذي حق إسقاط حقه واستيفاءه. نعم، ربما يناقش - كما اشير إليه آنفا - في كونه حقا، لما لا يعقل التخيير والترديد بين الاحكام الوضعية، فلا يعقل جعل النجاسة لاحد الشيئين. نعم، في الواجبات التخييرية يعقل، لانه يرجع إلى التخيير في إيجاد المعنى الحدثي، نظير تخيير الانسان طبعا في إيجاد كل شئ، وتفصيله في الاصول (1). ولاجل ذلك يظهر: أن الاصحاب (رحمهم الله) فيما نحن فيه قا لوا: بأن


1 - نفس المصدر.

[ 294 ]

[... ] المشتري مثلا مخير بين الرد والارش، وهو الظاهر من أخبار المسألة، فلا حق وضعي في خصوص هذا الخيار. ولاجل ذلك ذهب الماتن - مد ظله - إلى أن هناك حقين تعيينيين لا يجتمعان ذاتا أو شرعا، وناقشنا في ذلك، وذكرنا: أن الالتزام بوحدة الخيارات سنخا غير لازم، ومع ذلك لا بأس بتجويز الشرع، وإقدار المكلف على إخراج أحد طرفي هذا المعنى التخييري الترخيصي، فيكون الاسقاط وشرط السقوط، معناه تعجيزه شرعا عن إعمال الفسخ في ضمن العقد. وربما يتوهم: أن الواجبات التخييرية التكليفية، أيضا ترجع إلى الواجب العيني، فيكون وجوب الاطراف عقليا مستكشفا بالشرع، أو إلى الواجب المشروط، أو المعلق، والكل باطل عاطل محرر في قواعدنا الاصولية (1). ثم إن السقوط بالاسقاط في ضمن العقد غير واضح، لانه لو شرط الاسقاط لم يسقط بمجرد القبول، فإذا أسقط فهو، وإلا فالعقد باق والتصرفات جائزة، ولو كان آثما بالتخلف عن الشرط. وربما يتوهم بطلان التصرفات الناقلة، لان الامر بالوفاء بالشرط مستتبع النهي عن تلك التصرفات، المستتبع للفساد، وقد تحرر بطلان


1 - نفس المصدر.

[ 295 ]

[... ] الاستتباع الاول دون الثاني. وأما قول الاعلام بعدم تمامية الاستتباع الثاني أيضا، لانه ليس نهيا كاشفا عن الفساد، ولا مرشدا إلى البطلان (1)، فهو ممنوع عندنا محرر في محله (2).


1 - فوائد الاصول 1: 316 و 456، تهذيب الاصول 1: 416، محاضرات في اصول الفقه 5: 6. 2 - تحريرات في الاصول 4: 362 وما بعدها.

[ 296 ]

[ مسألة 2: كما يثبت الخيار بوجود العيب عند العقد، كذلك يثبت بحدوثه بعده قبل القبض. ] قوله مد ظله: قبل القبض. سواء كان المشتري بالخيار المضمون على البائع، كخيار الشرط والمجلس والحيوان، على ما قيل، أو كان العقد غير خياري مطلقا. والمفروض هنا كون المبيع صحيحا حين العقد، وصار معيبا بعد العقد وقبل القبض، وقد حكي الاجماع (1) في الجملة على ثبوت الخيار بهذا العيب الحادث قبل القبض، ولو كان في ملك المشتري، كما إذا وقع العقد اللفظي، بناء على كونه تمام السبب للملكية، أو كان بعد إقباض المشتري الثمن، بناء على لزوم القبض في الجملة في حصولها إذا كان السبب معاطاة. وأما لو كان الملكية غير حاصلة إلا بالتعاطي من الطرفين، فلا تصور لهذه المسألة. كما لا تتصور فيما إذا كان إقباض المبيع دخيلا فيه. وعلى كل تقدير: في مفروض المسألة اشتهر الحكم بحدوث الخيار والارش وإنما الاشكال في سنده بعد قصور الشهرة والاجماع عن الاستناد، لعدم إحرازهما. وغاية ما ربما يقال: إن قضية التلف قبل القبض من مال بائعه هو


1 - جواهر الكلام 23: 241.

[ 297 ]

[... ] الخيار فيما نحن فيه، لان تلف العين إذا كان مضمونا على البائع، وموجبا لا نفساخ العقد، فتلف الصفة أيضا مضمون عليه يوجب الارش، ولابد وأن يوجب ضعفا في العقد، وهو الخيار. وهذا التقريب أحسن ما يمكن أن يقال في المقام، ولكن اوصيك أيها الطا لب بالتحذر من أمثال هذه الطرق في الاجتهادات. ويمكن دعوى بناء العقلاء، ولكنه في محل منع بالنسبة إلى الارش، ومن تصرف الشرع في بنائهم يلزم ردعهم في هذا المقام، فتدبر. وأما الاخبار الخاصة، فهي في مورد المعاطاة، ولا إطلاق فيها، ولا سيما معتبر زرارة (1)، لان المفروض فيه الاحداث، وفرض كون العيب والعوار حاصلا قبل القبض وبعد العقد، من النوادر التي لا تكشف بترك الاستفصال ولا بغيره، فلا تخلط. وعلى هذا يتبين ما هو الحق: وهو أن العقد اللفظي ليس سببا للملكية، فيكون العيب الحادث قبل القبض في ملك البائع، وموجبا للخيار والارش، ويكون تلفه من مال البائع، ولو كان ملكا للمشتري، وموجبا للارش إذا حدث فيه العيب أو الخيار، فهو من الضرر والضرار على


1 - الكافي 5: 207 / 3، تهذيب الاحكام 7: 60 / 257، وسائل الشيعة 18: 30، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 16، الحديث 2.

[ 298 ]

[... ] البائع وجدانا، ولا سيما إذا كان المشتري يريد به ذلك، نظرا إلى كشف حال المتاع. هذا فيما إذا حدث العيب. ولو كان العيب الحادث كاشفا عن السبب السابق، فيكون العيب ظاهرا بعد العقد وقبل القبض، فالقول بالخيار والارش أقوى. وقد حكي عن جماعة ك‍ خلاف الشيخ (1)، والحلي (2)، والمحقق (3)، المناقشة في الارش دون الخيار، نظرا إلى أن وصف الصحة غير داخل في أجزاء المبيع، وليس مضمونا، وقضية الارش غير هذا كما لا يخفى، ويكون تعبدا صرفا. وأنت خبير: بأنه لو كان الوجه الذي ذكرناه تاما فلا فرق بين الخيار والارش في دلالة القاعدة وأخبارها عليه، وإلا فالامر كما تحرر. وتوهم بناء العقلاء على الخيار دون الارش، في محله، إلا أنه بناء مشكوك اعتباره، لان الشرع تصرف فيه بجعل العدل له، وهو الارش، وهذا نوع ردع عنه يوجب الشك في الامضاء والارتضاء شكا يعتنى به، فتأمل.


1 - الخلاف 3: 109، المسألة 178. 2 - السرائر 2: 298. 3 - شرائع الاسلام 2: 23.

[ 299 ]

[ والعيب الحادث بعد العقد يمنع عن الرد لو حدث بعد القبض، وبعد خيار المشتري المضمون كما مر. ولو حدث قبل القبض فهو سبب للخيار، فلا يمنع عن الرد والفسخ بسبب العيب السابق بطريق أولى. ] قوله مد ظله: يمنع عن الرد. لان المفروض وجود العيب السابق الموجب للرد والارش، فإذا حدث العيب في مفروض المسألة - وهو بعد القبض والمضي - فيكون متغيرا غير باق على عينه، وقضية مرسلة جميل سقوط حق الرد حينئذ. نعم، له أخذ الارش، كما صرح به معتبر زرارة والمرسلة، وهو المعروف عنهم والمشهور بينهم. إلا أنه يشكل سقوط الخيار بمجرد التغير، لعدم قابلية المرسلة المذكورة للاعتماد عليها في المقام، ومقتضى معتبر زرارة أن إحداث الشئ فيه يوجب تعين الارش، لا الحدوث. ويحتمل قويا كون الاحداث مصداقا للرضا، فيكون كاشفا تعبدا عن الالتزام الملازم للاسقاط المستتبع لسقوط الخيار، فلا تغفل. قوله مد ظله: سبب للخيار. كما مر، إلا أن المفروض هنا أن المبيع معيب حين العقد، ولاجل ذلك يشكل عقلا: بأن ما هو السبب هو طبيعي العيب، فكيف يؤثر في الخيارين، وعرفا: بأنه لا معنى لاعتبار خيار عيب آخر وراءه.

[ 300 ]

[... ] وتوهم: أنه تظهر الثمرة في الاسقاط، غير صحيح في محيط العقلاء، وإن قال به الفقيه اليزدي (رحمه الله) في تعليقته الشريفة (1). وغير خفي: أن الطبيعي لا يؤثر، وما هو المؤثر هو الفرد، فكان الاولى أن يقال: إن السبب هو خيار العيب، وهو لا يقبل التعدد بتعدد السبب إلا إذا تلون بلون خاص، كما يتلون الخيار بلون المجلس والحيوان والغبن. هذا مع أن طبيعي العيب ليس سببا، وإلا يلزم أن يؤثر العيب بعد القبض والمضي في إيجاد الخيار، فإذا ثبت وجود قيد فلا بأس بأن يعتبر كل عيب سببا، حسب الاطلاق المقتضي عقلا لذلك. وبالجملة: هنا مسألتان: الاولى: أن العيب الحادث في مفروض المسألة، هل يوجب الخيار، أم لا؟ والثانية: أنه على تقدير إيجابه، هل يوجب سقوط الخيار السابق، أم لا؟ وظاهر المتن سببية العيب الثاني للخيار الاخر من غير سقوط الخيار الاول، وحيث إن المفروض حدوث العيب الثاني، لا اتساع العيب


1 - حاشية المكاسب، السيد اليزدي 2: 77 / السطر 17.

[ 301 ]

[... ] الاول - وقد مر منا المناقشة في أصل موجبية العيب الحادث قبل القبض لشئ ولو كان المبيع صحيحا (1) - فالامر هنا أوضح. وعلى تقدير القول بسببية العيب الحادث قبل القبض، فالالتزام بتعدد الخيار من غير سراية القيد إليه ممتنع، كما تحرر في مسألة تداخل الاسباب والمسببات (2). وإسراء القيد إليه يحتاج إلى مؤونة زائدة مفقودة في المقام، لعدم إطلاق فيها من هذه الجهة إنصافا، وعدم مساعدة فهم العرف على ذلك أصلا، فليتدبر جيدا.


1 - تقدم في الصفحة 296 - 297. 2 - تحريرات في الاصول 5: 91 وما بعدها.

[ 302 ]

[ مسألة 3: لو كان معيوبا عند العقد، وزال العيب قبل ظهوره، فالظاهر سقوط الخيار. ] قوله مد ظله: سقوط الخيار. وهو المفروغ عنه والمقطوع به لو كان ظهور العيب دخيلا في ثبوت الخيار. ولو لم يكن ثبوته مربوطا بالظهور، فالامر كذلك في مفروض الماتن عند كثير منهم المتعرضين للمسألة (1). والحق عدم ثبوت الفرق بين الظهور وعدمه بعد سقوط دخالته، فما في المتن من التقييد ساقط جدا، ولذلك صرح في موضع من التذكرة بالسقوط ولو بعد العلم (2). وبالجملة: لم أجد مخالفا لسقوط الخيار بعد زوال العيب وقبل الرد، كما هو مقصود الماتن، وذلك لان الظاهر من أدلة الخيار، بقاء العيب إلى حال الرد والفسخ. مع أنه حكم العقلاء، ومقتضى سببية العيب للخيار. ولا محل لاستصحاب الخيار، لان الشك في بقائه، راجع إلى الشك في اعتبار دوام العيب في ثبوت الخيار، وتصير النتيجة مرجعية إطلاق دليل اللزوم، ولا يجري الاستصحاب رأسا. نعم، بناء على جريان البراءة الشرعية عن الشرطية في


1 - تذكرة الفقهاء 1: 541 / السطر 23، جامع المقاصد 4: 352. 2 - تذكرة الفقهاء 1: 541 / 23.

[ 303 ]

[ بل سقوط الارش أيضا لا يخلو من قرب، والاحوط التصالح. ] المعاملات، كما في العبادات حذوا بحذو، فلا منع من هذه الجهة عن جريانه، إلا أنه ممنوع لاجل كونه في الشبهة الحكمية، وقد تحرر منا منعه على الاطلاق (1). ويحتمل أن يكون زوال العيب بعد الرد، شاهدا على عدم وقوع الرد في محله، فيكون العقد باقيا، وعلى المشتري رد الثمن، وذلك لعدم ثبوت التحديد باشتراط دوام العيب إلى الرد. وقضية حكم العرف ومناسبة الموضوع والحكم، ذلك ولا سيما فيما إذا رد فزال العيب فورا، فثبوت الخيار من الاول مشكوك، فيرجع إلى أدلة اللزوم، فتأمل جيدا. وأما توهم امتناع بقاء الخيار عند زوال العيب قبل الرد، أو بعده، لعدم العلة، فهو مندفع باحتمال الوساطة في الثبوت، كما في بقاء نجاسة الماء عند زوال التغير، ومقتضى الادلة بدوا هي الوساطة لا العنوانية، إلا أنها وساطة في العروض عرفا. قوله مد ظله: سقوط الارش. خلافا لظاهر الشيخ الاعظم الانصاري (قدس سره) معللا: بأن الارش لما ثبت استحقاق المطالبة به، لفوات وصف الصحة عند العقد، فقد استقر بالعقد، خصوصا بعد العلم بالعيب، والصحة إنما حدثت في ملك


1 - تحريرات في الاصول 8: 436 - 438 و 533 - 535.

[ 304 ]

[... ] المشتري، فبراءة ذمة البائع عن عهدة المضمون عليه تحتاج إلى دليل، فالقول بثبوت الارش وسقوط الرد قوي، لو لم يكن تفصيلا مخالفا للاجماع، ولم أجد من تعرض لهذا الفرع قبل العلامة أو بعده (1) انتهى. وفي مقابله احتمال عدم استحقاق الارش، حتى لو زال العيب بعد الاخذ بالارش، فيرد ما أخذه المشتري إلى البائع، وذلك لا لاجل أنه نوع جمع بين العوض والمعوض، حتى يقال: إن وصف الصحة لم يكن يقابل بشئ، ويرد ذلك في الجملة: بأن من العيوب ما يستلزم فقد الجزء، وفساد البعض بزوا له كما لا يخفى، بل لاجل أن الارش على خلاف الاصل، ولا إطلاق في أدلته، والقدر المتيقن منه غير هذه الصورة. وما في كلامه غريب بعد ادعائه آنفا ظهور الاخبار في بقاء العيب إلى حال الرد!! لان معناه في الحقيقة ظهورها في أنه في ظرف الاخذ بالارش، يكون له حق الفسخ. نعم، مرسلة جميل تناسب زوال العيب، ونص في سقوط الخيار عند أخذ الارش، إلا أنها معرض عنها، لان الخيار والارش في عرض واحد جعلا، ولذلك ذكرنا مرارا أنها غير صالحة للاعتماد في المسألة. فالقول بسقوط الارش أقوى من سقوط الخيار، لانه حكم عقلائي.


1 - المكاسب، الشيخ الانصاري: 261 / السطر 9.

[ 305 ]

[... ] هذا مع أن إطلاق دليل الارش، ضرري بالنسبة إلى البائع في صورة زوال العيب، فينفي بالقاعدة، بخلاف الخيار، لانه بالفسخ يرد إليه الثمن. نعم، ربما يكون خياره أيضا في صورة زوال العيب ضرريا، أو يورث حرجا على البائع، فيلزم أن يكون وجوب رد الثمن حرجيا منفيا. وتوهم عدم جريان القاعدة لتقييد دليل خيار العيب، لانه نفسها، في غير محله، ضرورة أن دليله ليس القاعدة. مع أنه من قبيل حكومة الاصل السببي على المسببي، فليتأمل.

[ 306 ]

[ مسألة 4: كيفية أخذ الارش بأن يقوم الشئ صحيحا، ثم يقوم معيبا، وتلاحظ النسبة بينهما، ثم ينقص من الثمن المسمى بتلك النسبة، فإذا قوم صحيحا بتسعة، ومعيبا بستة، وكان الثمن ستة، ينقص من الثمن اثنان وهكذا. ] قوله مد ظله: من الثمن المسمى. على المعروف المشهور بينهم، وهو المقصود ظاهرا من الاطلاق الوارد في كلام جمع (1). وما في كلام الشيخ (رحمه الله): من أن ظاهر كلام جمع من القدماء - كأكثر النصوص - توهم إرادة قيمة المعيب كلها (2) انتهى، غير جيد، فإن النصوص بين ما لا إطلاق له من هذه الجهة، وبين ما هو المنصرف إلى المتعارف. نعم، قضية بعض الاخبار كخبر طلحة بن زيد، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في رجل اشترى جارية فوطأها، ثم وجد فيها عيبا، قال: تقوم وهي صحيحة، وتقوم وبها الداء، ثم يرد البائع على المبتاع فضل ما بين الصحة والداء (3). هو الاخذ بقيمة المعيب بالنسبة إلى القيمة الواقعية.


1 - جواهر الكلام 23: 288، المكاسب، الشيخ الانصاري: 271 / السطر 13 - 14 و 272 / السطر الاخير. 2 - المكاسب، الشيخ الانصاري: 271 / السطر 14. 3 - الكافي 5: 214 / 4، تهذيب الاحكام 7: 61 / 265، وسائل الشيعة 18: 102، كتاب التجارة، أبواب أحكام العيوب، الباب 4، الحديث 2.

[ 307 ]

[... ] إلا أنه معارض بصحيح زرارة السابق، لمكان قوله (عليه السلام): ويرد عليه بقدر ما نقص من ذلك الداء والعيب من ثمن ذلك لو لم يكن به (1). اللهم إلا أن يقال: بأن المراد من قوله (عليه السلام): ثمن ذلك ثمنه الواقعي، لا المسمى، ولكنه بعد انصرافه إليه يصير صالحا للتقييد ولو كانا موجبين، كما لا يخفى. وربما يناقش: بأن ما به التفاوت بالنسبة إلى المسمى مطابق للعدل والانصاف، بخلاف الواقعي، ضرورة أنه ربما يلزم الجمع بين العوض والمعوض، لان أخذ الارش بالنسبة إليه يستوعب أحيانا تمام الثمن، وهذا هو المراد من الجمع المذكور. وفيه: أنه مجرد فرض، وإلا فلو اتفق اختلاف لقيمته المسماة والواقعية على هذا المقدار، يلزم سقوط الخيار والارش، لانه يكشف عن أن البيع مهاباتي مبني على الاغراض الاخر، فتدبر. هذا، ولو اتفق أن يكون الارش قليلا جدا فله الخيار، مع أن في موارد تقنين القوانين العامة لا يلاحظ هذه الموارد النادرة، لالتزام المقنن به نظرا إلى مصالح عامة في التقنين الكلي، كما في سائر المواضع، فاغتنم.


1 - تقدم في الصفحة 275.

[ 308 ]

[ والمرجع في تعيين ذلك أهل الخبرة، ] وبالجملة: حيث إن العبرة بالقيمة يوم البيع وحال البيع، دون الاحوال الاخر، كحال سقوط الخيار، أو حال مطالبة الارش، أو حال الاطلاع، فقلما يتفق اختلاف القيمتين: المسماة، والواقعية، إلا بمقدار يتسامح فيه في مرحلة التقويم، فتدبر. وغير خفي: أن مقتضى الاصول العملية هو الاقل، سواء كان الارش دينا، أو كان حقا، أو كان تكليفا. وما عن العلامة الخراساني من استصحاب بقاء الحق إلى أن يعطي الاكثر، بعيد عن ساحته (قدس سره) (1) مع أنه لا يجوز للبائع أخذه، لان المشتري يعطي على أنه يستحقه، والاصل لا يثبت استحقاقه، فاغتنم. كما أن مقتضى المحاكم العرفية والبناءات العقلائية، أيضا ذلك. فاستفادة التعبد الخاص تحتاج إلى تأكيد وتشديد، وإن كان أصل الارش تعبدا في صورة كونه في عرض الخيار، ولكن ذلك مؤيد بالاجماع، مع ما عرفت منا في ذلك، فراجع. قوله مد ظله: أهل الخبرة. وكذا الشاهد الحاكي لنظر الخبرة، إلا أن الشهادة تارة: تكون عن رأي الخبرة، واخرى: عن القيمة السوقية، للوثوق والاطمئنان الحاصل


1 - حاشية المكاسب، المحقق الخراساني: 232.

[ 309 ]

[ والاقوى اعتبار قول الواحد الموثوق به من أهلها، وإن كان الاحوط اعتبار ما يعتبر في الشهادة من التعدد والعدالة. ] للشاهد من قول أهل الخبرة. وقد صرح الشيخ تبعا لظاهر الاصحاب (1)، باعتبار ما يعتبر في الشاهد من العدالة والتعدد هنا (2)، وهذا أمر غير ثابت، لان اعتبار العدالة والتعدد في مطلق الشهادة محل إشكال، وقد مر شطر من البحث في حديث حجية شهادة البائع في كتابنا الكبير، فإنها حجة من غير اعتبار القيدين فيها. ومن هنا يظهر وجه ما في المتن آتيا: هو أن الاحوط اعتبار ما يعتبر في الشهادة ويظهر وجه النظر فيه. قوله مد ظله: اعتبار قول الواحد. كما قواه جمع (3)، ومنعه جمع (4)، واحتاط كثير (5)، لان المسألة مشكلة، ضرورة أن مقتضى البناءات العقلائية أعم، كما أن في موارد


1 - الدروس الشرعية 3: 288، جامع المقاصد 4: 336، جواهر الكلام 23: 290. 2 - المكاسب، الشيخ الانصاري: 273 / السطر 2. 3 - حاشية المكاسب، السيد اليزدي 2: 103 / السطر 13، وسيلة النجاة 2: 45، القول في الخيارات، المسألة 36. 4 - جامع المقاصد 4: 336، جواهر الكلام 23: 290، البيع، الامام الخميني (قدس سره) 5: 136. 5 - الحدائق الناضرة 24: 148، ولا حظ العروة الوثقى 1: 46، فصل ماء البئر، المسألة 9، وما علقه الاعلام عليها.

[ 310 ]

[... ] خاصة أيضا يكفي ذلك، ومنها نقل الفتوى، وقد تحرر أن ما اشتهر من حجية قول الثقة في نقل الحكم، غير صحيح (1)، لان الثقة لا يحكي إلا الموضوع، فإن زرارة لا ينقل إلا قول الصادق (عليه السلام) وهو موضوع من الموضوعات، كما لا يخفى. ومقتضى ما هو الظاهر من الاصحاب وخبر مسعدة بن صدقة - فإن فيه الاشياء كلها على ذلك أي الحلية حتى يستبين لك ذلك، أو تقوم به البينة (2) ومن المقابلة يظهر عدم كفاية الخبر الواحد - أن خبر أهل الخبرة ولو تعدد غير كاف، إلا إذا كان بينة، أو حصل الاستبانة والوثوق والاطمئنان الشخصي. وحيث لا يمكن الاستدلال به، للزوم الدور، فيعلم كفاية خبر الثقة في نقل الاخبار، ولا يكون المراد من البينة حسب الظاهر إلا الحجة، وإلا يلزم خروج مثل الاستصحاب والاقرار، بل وخروج كثير من الموارد المحتاج إثباتها إلى الاكثر من البينة الواحدة الاصطلاحية، فتكون الرواية شاهدة على كفاية قول الثقة، وإن لم يحصل منه الاستبانة


1 - تحريرات في الاصول 6: 535. 2 - الكافي 5: 313 / 40، وسائل الشيعة 17: 89، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 4، الحديث 4.

[ 311 ]

[... ] والاطمئنان، وإلا فيكون من الحجة الشخصية، فالرواية مضافا إلى عدم دلالتها على ردع خبر الثقة، تدل على حجية قوله. وفي خصوص الرجوع إلى أهل الخبرة بناء عملي لو لا ذلك لما كان للمسلمين سوق (1) وفي الاصول بحوث حول هذا الخبر، ولا مزيد على ما حررناه هناك (2) فراجع، مع ما في سنده كما لا يخفى. واحتمال اعتبار التعدد أقوى من احتمال اعتبار العدالة، لامكانه أو لا، إلا إذا كان نفس الاسلام وعدم ظهور الفسق عدالة شرعية، وذلك لما في خبر عبد الله بن سليمان: إلا إذا شهد شاهدان أن فيه الميتة (3). وبالجملة: اتباع بناء العقلاء، بعد الحاجة إلى عدم الردع، مع قوة وجود الاتفاق على الحاجة إلى البينة في مطلق الموضوعات إلا ما خرج خصوصا، مشكل. اللهم إلا أن يقال: إن الشك في وجود الرادع لا يكفي، إما لجريان الاستصحاب، أو لبناء من العقلاء، فافهم.


1 - الكافي 7: 387 / 1، تهذيب الاحكام 6: 261 / 695، وسائل الشيعة 27: 292، كتاب القضاء، أبواب كيفية الحكم، الباب 25، الحديث 2. 2 - لا حظ تحريرات في الاصول 6: 298 - 299. 3 - الكافي 6: 339 / 2، وسائل الشيعة 25: 118، كتاب الا طعمة والاشربة، أبواب الا طعمة المباحة، الباب 61، الحديث 2.

[ 312 ]

[ مسألة 5: لو تعارض المقومون في تقويم الصحيح أو المعيب أو كليهما، فالاحوط التخلص بالتصالح، ] قوله مد ظله: فالاحوط التخلص. بلا شبهة، إلا أن المسألة حيث تكون مندرجة في الاقل والاكثر بحسب العادة، فيكون تعارض المقومين منتهيا إلى أن قول أحدهما يعين أن ما به التفاوت هو العشرون، والاخر يزيد عليه شيئا، ولو تساقطا فلابد وأن نرجع إلى البراءة، وهي ربما تعين الاقل، ولا شبهة في أن بناء العقلاء على الاخذ بالاقل، وذلك إما لانه القدر المتيقن من قولهما، فلا يتساقطان بالنسبة إليه بحسب المداليل المطابقية والالتزامية، أو لبناء خاص على الاخذ بالاقل. وتوهم المراجعة إلى حكم الحاكم، أو الاكثر، أو القرعة، أو غير ذلك مما يرى في كلمات القوم (1)، كله في غير محله بالضرورة، ولا وجه للقرعة في أية صورة كانت بعد كونها لامر مشتبه، أو مشكل ومجهول. نعم، في موارد التباين كما إذا قال أحدهما في مبادلة الحنطة بالعدس، بلزوم مقدار من الجنس الخاص، لما يرى من أنه ما به التفاوت من الجنس المذكور، ولو كان من جنس آخر فما به التفاوت مقدار كذا، وقال الاخر على خلافه، ولا قدر متيقن، لما ليست القيمة فيهما مورد النظر،


1 - جواهر الكلام 23: 290، المكاسب، الشيخ الانصاري: 273 / السطر 12.

[ 313 ]

[ ولا تبعد القرعة، خصوصا في بعض الصور. ] كما في كثير من القرى والقصبات، فربما يشكل الامر كما هو الواضح. واختلفت آراء القوم في المسألة، فذهب المعظم إلى الاخذ بكيفية (1)، والشهيد وبعض آخر إلى كيفية ثانية (2)، ويحتمل الثالثة، والكل غير تام، لما عرفت الامر في أصل المسألة. وفيما كانت المعاوضة بين الجنسين لا يثبت الارش، لانه على خلاف الاصل، وأخبار المسألة مخصوصة بالبيوع بالاثمان، ولو صح إلغاء الخصوصية لصح ذلك بالاولوية في خيار الغبن، لان حقيقة خيار العيب راجعة إلى الغبن حسب العادة كما لا يخفى، فلا تخلط. قوله مد ظله: خصوصا في بعض. خلافا لما صرح به في الدرس: من أنه لا محل لها بعد تعيين الشرع بالبراءة عن الاكثر، أو استصحاب نفي الاشتغال بالزائد (3) اللهم إلا أن يريد منه صورة المعاوضة، فتدبر.


1 - لا حظ جواهر الكلام 23: 290 - 291. 2 - نفس المصدر. 3 - البيع، الامام الخميني (قدس سره) 5: 141.

[ 314 ]

[ مسألة 6: لو باع شيئين صفقة واحدة، فظهر العيب في أحدهما، كان للمشتري أخذ الارش، أو رد الجميع، وليس له التبعيض برد المعيب وحده. ] قوله مد ظله: كان للمشتري. أي في صورة وحدة المشتري، فالمفروض أولا في المتن وحدة البائع والمشتري، مع تعدد السلعة. وفي هذه الصورة فيما إذا كان الوحدة الاعتبارية على حد يعد السلعة جزء الصفقة - كما إذا باعا منا من الحنطة، أو من البطيخ - فلا إشكال حسب القواعد، ولعل الاخبار أيضا لا تأبى عن الشمول. اللهم إلا أن يقال: بظهورها في الوحدة الطبيعية أو التأليفية، وأما الوحدات الاعتبارية التي تعانقها الكثرة الخارجية فلا، ولا سيما بضميمة ما في أخبار بيع العبيد والاماء، بعد كون الاخذ بالارش على خلاف الاصل. وأما فيما إذا كانت السلع والامتعة كثيرة عنوانا واستفادة وغرضا، وقد اجتمعت في التعبير عنها في مقام المعاملة، نظرا إلى إجراء صيغة البيع مرة واحدة، فإنه لا يبعد انحلال البيع إلى البيوع، فيجوز التبعيض، ويظهر النظر من هنا فيما أفاد بقوله على الاطلاق: وليس له التبعيض برد المعيب وحده. وأما إذا كانت الوحدة الاعتبارية يجمعها العنوان الواحد - كمصراعي الباب، والحذاءين، ونحوهما المجتمع في الاغراض الدخيلة في باب المعاملات، ضرورة أن الاغراض بحسب الطبع ملغاة، وأجنبية عنها صحة

[ 315 ]

[... ] ولزوما - فإنه بلا شبهة لا يجوز التبعيض. ولا يبعد - إنصافا - شمول أخبار المسألة لمثل تلك الكثرة الفانية في الوحدة العرفية، فيثبت خيار العيب بالرد أو الارش. وفي صورة الشك في أن البيع ينحل أو لا - لاجل الجهات الخارجية - فالتبعيض على خلاف الاصل، وعليه يحمل الاجماع المحكي عن جمع (1) على عدم مشروعية التبعيض. هذا ما هو الحق في هذه المسألة. وأما توهم: أن رد البعض دون بعض، من التصرف والحدث الموجب لسقوط الخيار (2)، فهو بعيد عن ساحة المتوهم، لان الحدث يوجد بعد الرد أو بالرد، فلا تغفل. وتوهم: أن محط الخيار هل هو المجموع، أو المعيب (3)؟ فإنه خلاف خارج عن التحقيق، وقد مر منا: أن الخيار اعتبر للمتعاقد والبيع بالنسبة إلى حل العقد، ولا يرتبط بالعين، هذا في غير خيار العيب. وأما فيه، ففي كونه من قبيل سائر الخيارات إشكال، ومنعه بعضهم،


1 - الخلاف 3: 110 / المسألة 180، هذه العبارة سقطت من الغنية المطبوعة في ضمن الجوامع الفقهية، راجع سلسلة الينابيع الفقهية 13: 214، جواهر الكلام 23: 248. 2 - المكاسب، الشيخ الانصاري: 258 / السطر 26. 3 - جواهر الكلام 23: 248.

[ 316 ]

[ وكذا لو اشترك اثنان في شراء شئ، وكان معيبا، ليس لاحدهما رد حصته خاصة إن لم يوافقه شريكه، على إشكال فيهما، خصوصا في الثاني. ] والتفصيل يطلب من كتابنا الكبير (1). قوله مد ظله: لم يوافقه شريكه. قد ظهر حكم المسألة مما مر في صور تعدد المبيع والمشتري، بشرط أن يكون الجمع في مقام الانشاء والبيع فقط، وكان كل مبيع لكل واحد منهما معينا ومعلوما، فإنه تنحل الصيغة الواحدة إلى الكثير من غير لزوم الشركة. نعم، في موارد الاشتراك كما هو مفروض المتن، فيشكل أصل ثبوت الارش، لقصور في أدلته كما اشير إليه، وأما الخيار فهو ثابت، وحكم ذلك حكم الشريكين في اشتراء حيوان أو شئ فيه الغبن، وهكذا. قوله مد ظله: على إشكال فيهما. أي في كون المشتري بالخيار بين الفسخ وأخذ الارش في المسألتين، أو في عدم كونه ذا حق للتبعيض، وهو المقصود، لما في ذيله. وقد عرفت: أن صور المسألة مختلفة، وفي صورة عدم الانحلال لا معنى


1 - تحريرات في الفقه، كتاب الخيارات، الجانب الرابع من المسقط الرابع من مسقطات خيار العيب.

[ 317 ]

[... ] للتبعيض، كما لا معنى له إذا وجد عيبا في متاعه، وكان واحدا، فإنه ليس له إلا الرد أو الارش، أو الرد بالنسبة إلى البعض، والارش بالنسبة إلى البعض، فهو ممنوع اتفاقا. ودعوى: أن وحدة الخيار وتعدده، تتبع وحدة وجوب الوفاء وتعدده، فكما أنه يجب على كل واحد منهما الوفاء في الصورة الثانية، وعلى المشتري بالنسبة إلى كل واحد من الشيئين، فلكل واحد منهما الخيار، وأخذ الارش، وهكذا له بالنسبة إلى كل واحد من المتاعين، غير كافية: فأولا: للزوم التبعيض في صورة كون المتاع واحدا، ضرورة أن الوفاء واجب برد جميع الصبرة إلى المشتري مثلا، فلو رد بعضا منها فإنه وإن امتثل الامر في الجملة عرفا، إلا أنه لم يف بما هو مقتضى العقد، ولذلك لو رضي المشتري في هذه الصورة بالبعض يقسط الثمن، وليس هو بيعا على حدة، فتأمل جيدا. وثانيا: التزموا بوحدة الخيار للعام المجموعي في بعض المواقف، ولا يلتزمون بوحدة التكليف فيه إذا رضي الطرف، مثلا إذا باع شيئا، وكان له الخيار فمات، قال جمع: بأن الخيار للمجموع، ولو لم يكن له الخيار وامتنع بعضهم عن التسليم، فعلى الاخرين تسليمه فاغتنم.

[ 318 ]

[ نعم، لو رضي البائع يجوز ويصح التبعيض في المسألتين بلا إشكال. ] وفي المسألة (إن قلت قلتات) عقلية لا يسعها هذا المختصر (1). قوله مد ظله: بلا إشكال. وربما يشكل، لان الامر بيد الشرع لا بيده، فإن كان الخيار المجعول ثابتا، فللمشتري إعماله سواء رضي البائع أم لم يرض، وإن لم يكن فلا تخيير بين الفسخ والارش. وأما المراضاة على شئ، فهي ربما ترجع إلى مبادلة ثانية، أو إلى الاقالة، أو المضي عن حق أو مال، وهذا أجنبي عن المسألة. ولكنه مندفع ولو كان الارش على خلاف القواعد، كما هو الواضح. هذا، ولو رضي البائع، وكان المشتريان شريكين في السلعة، فهل يثبت للشريك الاخر خيار؟ وجهان. وأيضا: هل يكون له الاخذ بالشفعة، بناء على ثبوتها في مطلق الامتعة، أو كان المتاع من قبيل ما فيه حق الشفعة، أم لا؟ وجهان: من اختصاصه بالبيع ونحوه، كالوقف. ومن أن الرد معاملة جديدة، أو بحكمها في المسألة، بعد قولهم بحق الشفعة في أشباه البيع، غير مثل جعله صداقا أو فدية أو هبة، فتأمل.


1 - لا حظ تحريرات في الفقه، كتاب الخيارات، أحكام الخيار، المسألة الثالثة من مسائل إرث الخيار.

[ 319 ]

[ القول في أحكام الخيار وله أحكام مشتركة بين الجميع، وأحكام مختصة ببعض لا يناسب هذا المختصر تفصيلها. فمن الاحكام المشتركة: أنه إذا مات من له الخيار انتقل خياره إلى وارثه، من غير فرق بين أنواعه. ] قوله مد ظله: انتقل. بلا خلاف كما عن الرياض (1) وهو المستظهر من الحدائق (2) وفي الغنية دعوى الاجماع على خصوص خيار المجلس (3). وفي التذكرة: أن الخيار عندنا موروث، لانه من الحقوق - كالشفعة والقصاص - في جميع أنواعه (4). ويظهر منه (رحمه الله) أن المسألة اتفاقية بين المسلمين، لاستثناء الشافعي فقط في خصوص خيار الشرط والمجلس (5).


1 - رياض المسائل 1: 527 / السطر 22. 2 - الحدائق الناضرة 19: 70. 3 - الغنية، ضمن الجوامع الفقهية: 536 / السطر 5. 4 - تذكرة الفقهاء 1: 536 / السطر 39. 5 - نفس المصدر.

[ 320 ]

[... ] وحيث إن المسألة عند أصحابنا مطابقة للقواعد والكتاب وبناء العقلاء في الجملة، فلا ثمرة في الاجماع، ولا دليل على جبر النبوي المشهور: وهو أن ما تركه الميت من حق فلوارثه (1). وأيضا: حيث إن مقتضى القاعدة صرف أموال الميت في وجوه الخير، وبقاءها في ملكه استصحابا باطل شرعا وعرفا، والارث على خلافه، وبناء العقلاء غير واف بجميع المطلوب، ولا سيما في كثير من الخيارات غير الراجعة إلى جهة مالية، - بل ربما يتوهم: أن مثل خيار المجلس والحيوان ليسا عقلائيين حتى يورثا بحكمهم، فتأمل - فلابد حينئذ من إطلاق وعموم يفي بتمام المقصود، فإن كان هناك دليل شرعي، يستكشف به حقية الخيار وقابليته للنقل، حسب قاعدة الملازمة بين الحكم المذكور وهاتين الجهتين عقلا وعرفا، كما قيل بها لكشف صحة العقد المعاطاتي وغيره، بعد الاعتماد على العموم والاطلاق المقتضيين للزوم العقد فهو، وإلا فالامر مشكل. ولا يصلح للمرجعية هنا إلا بعض آيات الارث، دون عمومها، خلافا لما


1 - لم نعثر على هذه الرواية في كتب الاحاديث من العامة والخاصة بعد الفحص عنها في مظانها، ولكن استدل بها صاحب الرياض. رياض المسائل 1: 527 / السطر 22.

[ 321 ]

[... ] في حاشية الفقيه اليزدي (رحمه الله) (1) ومن تلك الايات قوله تعالى: (للرجال نصيب مما ترك الوالدان والاقربون...) (2) إلى آخر الايات. ويؤكد إطلاقها قوله تعالى: (مما قل منه أو كثر) (3). ومن المتروكات حقوق هي له، والمراد من القلة والكثرة أعم من كونه قابلا بشخصه للتقليل والتكثير، أو غير قابل بشخصه، ولكنه قابل بنوعه فليتدبر. وفيه: - مضافا إلى قصورها عن شمول الاطفال والصغار، بل الخناثى إذا كن طبقة ثالثة - أنه يلزم التخصيص الكثير، أو التخصيصات المستهجنة، لخروج كثير من الحقوق وجميع الاحكام المتروكة على أية حا لة، والرجوع إلى فهم العرف من الاية معنى أخص، يرجع إلى حصر الاية بما عليه بناؤهم، فلا يثبت لها الاطلاق الصالح للمرجعية عند الشك. اللهم إلا أن يقال: إن الخيارات التي فيها الحظ والنصيب، تورث بحكم العقلاء وإمضاء الاية، وما ليس فيها الحظوظ والخيرات فلا تورث، وهذا التفصيل قريب جدا. والمراد من النصيب والحظ أعم من كونه


1 - حاشية المكاسب، السيد اليزدي 2: 142 / السطر 27 - 28. 2 - النساء (4): 7. 3 - نفس المصدر.

[ 322 ]

[... ] سببا لارجاع العين، أو كان يبذل بإزاء الاسقاط أو الاعمال شئ، كخيار الزوجة على الاراضي مثلا، أو خيار غير الولد الاكبر في مورد الحبوة، وكخيار الاجنبي، فليلاحظ جيدا. وأما المشاكل الثبوتية في إرث الحقوق مطلقا، أو في بعض الصور، كما يأتي في المسألة الاولى (1)، فهي مندفعة بتفصيل في كتابنا الكبير (2). وقد تبين في هذه الوجيزة: أن موضوع الحق هو ذو الخيار، وطرفه هو العقد، وليس العقد متزلزلا في زمان الخيار، ولا الملكية متزلزلة زائدا على معنى إمكان حله بمثل الاقالة، فلا مشكلة في البين، ضرورة أنه لو مات الرجل وكان له دين، ينتقل إلى الورثة ولا يفوت، كذلك الحق المذكور، فليس متقوما به كي يتوهم امتناع نقله، لانه عين الاضافة الفائتة بارتحال الرجل وموته. بل الحقوق كالاموال طرف إضافة الملكية، وكالكليات الذمية، وليس الحق مقابل الملكية، فاغتنم.


1 - يأتي في الصفحة 326. 2 - تحريرات في الفقه، كتاب الخيارات، أحكام الخيار، حول مشاكل إرث الحقوق.

[ 323 ]

[ وما هو المانع عن إرث الاموال - لنقصان في الوارث، كالقتل والكفر - مانع عن هذا الارث أيضا. كما أن ما يحجب به حجب حرمان - وهو وجود الاقرب إلى الميت - يحجب به هنا أيضا. ولو كان الخيار متعلقا بمال خاص يحرم عنه بعض الورثة - كالارض بالنسبة إلى الزوجة، والحبوة بالنسبة إلى غير الولد الاكبر - ] قوله مد ظله: مانع عن هذا. تحتاج هذه المسألة إلى إطلاق في المانعية، وهكذا في الثانية، والصورة الثانية وإن كانت قريبة جدا، بل ربما يصح عدها من الضروريات في الفقه، ولكن الاولى غير واضحة تطلب من كتاب الارث. قوله مد ظله: متعلقا بمال خاص. هذا خلاف التحقيق، فإن العقد ليس متعلقا بالمال، فضلا عن الخيار، ضرورة بقاء العقد في الاعتبار عند تلف العين، بل العقد له العمل الخاص، وهو نقل العين، وليس معنى لتعلقه بها زائدا عليه، والخيار له العمل الخاص، وهو هدم العقد الذي عمل عمل النقل مثلا. فالحرمان من العين، لا يقتضي الحرمان من العقد بحرمانه من حق الخيار الذي يعد خطأ أو مسامحة عرفا، متعلقا بوجه بالعقد، وإلا فهو في الحقيقة غير متعلق به، لامتناع كونه معدما له، بل الخيار اعتبار وضعي ثابت للعاقد، ويستتبع تمكنه من حل العقد.

[ 324 ]

[ فلا يحرم ذلك الوارث عن الخيار المتعلق به مطلقا. ] قوله مد ظله: فلا يحرم. على الخلاف. وثالث الاقوال: هو التفصيل بين كون ما يحرم الوارث عنه نقلا إلى الميت، أو عنه، فيرث في الاول، وهو المحكي عن الفخر (1) والشهيد (2) والسيد العميد (3). ورابعها: عدم الجواز في تلك الصورة، والاشكال في غيرها، كما هو المحكي عن صريح جامع المقاصد (4). وفي كلام الشيخ (رحمه الله): ولم أجد من جزم بعدم الارث مطلقا (5). وغير خفي: أن ثبوت الخيار للمحروم عن الاراضي والحبوة، يستتبع تمكنه من إرث المال على كل تقدير، لانه لو انتقل إليه ففسخ، يرد إليه الثمن فيورث، وإن انتقل عنه فيسقط الخيار كي يرث من ثمنه. اللهم إلا في بعض الصور، وهو موارد المعاوضة بين الاراضي والحبوات، وفي بعض الوجوه الاخر، فتدبر.


1 - إيضاح الفوائد 1: 487. 2 - مفتاح الكرامة 4: 590 / 13. 3 - نفس المصدر. 4 - جامع المقاصد 4: 306. 5 - المكاسب، الشيخ الانصاري: 290 / السطر 31.

[ 325 ]

[... ] ولاحد المنع، لا لاجل بعض الوجوه الاعتبارية التسويلية، بل لدعوى قصور أدلة التورث أو انصرافها عن مثل المقام، سواء قلنا: بأن التورث هي نيابة الوارث مقام المورث في مقدار يرثه، أو قلنا: إن الموت سبب التورث، كسببية البيع، فيكون نقل منه إليه به.

[ 326 ]

[ مسألة 1: لا إشكال فيما إذا كان الوارث واحدا، ولو تعدد فالاقوى أن الخيار للمجموع، بحيث لا أثر لفسخ بعضهم بدون ضم فسخ الباقين، لا في تمام البيع، ولا في حصته. ] قوله مد ظله: للمجموع. وفاقا لجماعة ك‍ القواعد (1) وابنه الايضاح (2) والدروس (3) والمسالك (4) ولعله المعروف بين القائلين بتورث الحق، خلافا للعلامة الخراساني (رحمه الله) (5). وربما يشكل هنا من جهة لزوم تجزئة البسيط، لو كان لكل واحد حصة، ولو كان للمجموع بما هو هو وجود اعتباري، فهو منصرفة عنه أدلة الارث. ويمكن دفع التجزئة: بأن التكثير الخارجي ممنوع، والاعتباري جائز، وهو كاف. اللهم إلا أن يقال: لابد في الاعتباري من الغرض الشخصي، أو النوعي الفعلي، أو التقديري، وحيث لا أثر - كما يأتي - لفسخ أحدهم بدون ضم الاخر، فلا وجه لاعتبار الكثرة.


1 - قواعد الاحكام 1: 143 / السطر 23. 2 - إيضاح الفوائد 1: 487. 3 - الدروس الشرعية 3: 285. 4 - مسالك الافهام 1: 154 / 41. 5 - حاشية المكاسب، المحقق الخراساني: 254.

[ 327 ]

[... ] وفيه: أن الصلح عليه في هذه الصورة جائز ظاهرا، مع أن لكل ذي حق الاعراض عن حقه، فلو كان لعنوان واحد - وهو المجموع بما هو مجموع - فلا يصح إعراضه شخصا، بخلاف ما إذا كان بنحو التجزئة في نفس التورث، وإن لم يكن أثر في فسخه على الاطلاق، كما يأتي إن شاء الله تعالى. ودعوى: أنه في صورة الاعراض يلزم عدم ترتب الاثر على فسخ الباقين، فيكون حقهم بإعراضه لاحق، غير واضحة. بل خروجه عن المجموع، لا يضر بكون الباقين متلقين حقهم، كما في الاعراض عن حق التحجير. هذا مع أن صيرورتهم بلا حق غير ممنوعة، بعد كون الانضمام دخيلا في تأثير فسخ الكل، وامتناع لغوية التجزئة ممنوع ثبوتا، لان اللغوية في أصل الخطاب والجعل هي الممنوعة عقلا، لا في الاطلاق كما تحرر. ويحتمل أن يقيد إطلاق دليل صحة إعراضه بنفي الضرر، كما في موارد اخر. فكونه إرثا للمجموع بما هو مجموع، أو لصرف الوجود، أو على نعت العموم الاستغراقي، بلا وجه، بل هو كسائر أملاكه يقسط، إلا أنه لا أثر له إلا بالانضمام، كما في تورث المصراعين من باب واحد وأمثا له، فافهم وتأمل.

[ 328 ]

[ مسألة 2: لو اجتمع الورثة على الفسخ فيما باعه مورثهم، فإن كان عين الثمن موجودا، دفعوه إلى المشتري، وإن لم يكن موجودا اخرج من مال الميت. ولو لم يكن له مال، ففي كونه على الميت، واشتغال ذمته به، فيجب تفريغها بالمبيع المردود إليه، فإن بقي شئ يكون للورثة، ] قوله مد ظله: دفعوه. في صورة كون الثمن من الامتعة، أو ماله الخصوصية العقلائية. وأما النقود ولا سيما (الاسكناس) فالاظهر عدم لزوم رد العين حتى في صورة الاستدعاء والطلب، ولا ينبغي ترك الاحتياط. قوله مد ظله: اخرج. من مال الميت بعلاقة سابقة، وإلا فالمتروكات للورثة، ولا مال له بمجرد الموت، والفسخ من الحين حسب المفروض، ويدخل المبيع في كيسهم. وكون العقد مما تسبب به الميت في نقل العين، لا يورث شيئا إلا الخيار المنتقل إلى الورثة، فإذا فسخوه يقع التبادل الرجعي بين العين والثمن، من غير دخالة وحدة المخرج والمدخل. بل المحرز عندنا جواز أن يشتري صديق لصديقه شيئا، على وجه ينتقل المبيع من الابتداء إلى ملك الصديق المشترى له، ويخرج الثمن من كيس المشتري، وما هو المشهور غير تام جدا، وإلا يلزم دخول العين بعد الفسخ في ملك الميت، ولا معنى لتورثه، لانه مخصوص بما هو

[ 329 ]

[ وإن لم يف بتفريغ ما عليه يبقى الباقي في ذمته، أو كونه على الورثة كل بقدر حصته، وجهان أوجههما أولهما. ] متروكه حين موته. وأما في المورد الخاص كالدية، فهو للنص. وهذا الذي اشير إليه، أحد الاشكالات على تورث حق الخيار المحرر تفصيله في كتابنا الكبير. قوله مد ظله: أوجههما أو لهما. بل الاوجه هو الثاني، وقد اشير إلى وجه أوجهية الاول الراجع إلى إنكار تورث العين بعد الفسخ، وصرفها في خيرات الميت، وحيث إنه ظاهر الفساد، لتعارف خلافه، وضرورة رجوع العين من الابتداء إلى الورثة، يجب عليهم رد العوض. نعم، إذا لم يكن لهم ما يفي بالعوض، ولم تكن لهم الذمة، أو كانت محكومة بالحجر على وجه لا يفي بديته بالنسبة إلى الطرف، يمكن دعوى عدم نفوذ فسخه، لكونه ضرريا، فتأمل. بل لو لم يكن في إعمال خياره إلا انتقال العين إليه، وهي تعادل دينه بالنسبة إلى العوض، فترجع شخصا إليه، أو عليه بيعها ورد الثمن إليه، ففي تورث الخيار مناقشة علمية وعقلائية، وتكفي الثانية وإن لم تتم الاولى. قد فرغنا أيام تسفير الحوزة، يوم السبت (1396) النجف الاشرف.

[ 331 ]

كتاب النكاح

[ 333 ]

[ مسألة 11: المشهور الاقوى جواز وطء الزوجة دبرا ] قوله مد ظله: المشهور الاقوى جواز. بل عن الانتصار والخلاف والغنية والسرائر حكاية الاجماع عليه (1). وعن كشف اللثام عن القميين، وابن حمزة، والشيخ أبى الفتوح الرازي، والراوندي في اللباب والسيد أبي المكارم (2)، وعن بعض آخر (3)، حكاية التحريم. ولعل إجماع كتب الثلاثة الاوائل - ولا سيما الخلاف والغنية - غير الاجماع المصطلح عليه كما تحرر (4)، فالشهرة قابلة للمنع، فضلا عن


1 - الانتصار: 125، الخلاف 4: 338، الغنية، ضمن الجوامع الفقهية: 550 / السطر 28، السرائر 2: 606. 2 - كشف اللثام 2: 54 / السطر 6. 3 - لا حظ كشف الرموز 2: 105. 4 - تحريرات في الاصول 6: 364.

[ 334 ]

[... ] الاجماع. والمسألة لكونها روائية، لا تحتاج إلى شئ مما ذكر. نعم، هو المشهور بين المتأخرين (1)، وعليه النصوص الكثيرة (2)، وفيها معتبر علي بن الحكم قال: سمعت صفوان يقول: قلت للرضا (عليه السلام) إن رجلا من مواليك أمرني أن أسألك عن مسألة، فهابك واستحيى منك أن يسألك. فقال (عليه السلام) ما هي؟. قال قلت: الرجل يأتي امرأته في دبرها؟ قال: نعم، ذلك له. قلت: وأنت تفعل ذلك؟ قال (عليه السلام): لا إنا لا نفعل ذلك (3). مضافا إلى إطلاق الايتين: (فأتوهن من حيث أمركم الله) (4)، وقوله تعالى: (نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم) (5).


1 - شرائع الاسلام 2: 214، جامع المقاصد 12: 497، الروضة البهية 2: 55 / السطر 7، جواهر الكلام 29: 107. 2 - وسائل الشيعة 20: 145، كتاب النكاح، أبواب مقدمات النكاح وآدابه، الباب 73. 3 - تهذيب الاحكام 7: 415 / 1663، وسائل الشيعة 20: 145، كتاب النكاح، أبواب مقدمات النكاح وآدابه، الباب 73، الحديث 1. 4 - البقرة (2): 222. 5 - البقرة (2): 223.

[ 335 ]

[... ] والاستدلال بالاولى يتم بالثانية، كما لا يخفى. والمناقشة في الثانية، باختصاصها بالقبل، لانه الحرث (1) متأيدة بما في معتبر معمر بن خلاد قال: قال لي أبو الحسن (عليه السلام): أي شئ يقولون في إتيان النساء في أعجازهن؟. قلت: إنه بلغني أن أهل المدينة، لا يرون به بأسا. فقال: إن اليهود كانت تقول: إذا أتى الرجل المرأة من خلفها، خرج ولده أحول، فأنزل الله عز وجل (نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم)، من خلف أو قدام، خلافا لقول اليهود، ولم يعن: في أدبارهن (2). وبغيره مما ورد في تفسيرها (3). وفي الاولى بخبر ابن أبي يعفور الاتي، لا يوجب المنع والتحريم عقلا، لامكان التحليل بغير الاية. نعم، فيه اشتراط الجواز بالرضا، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يأتي المرأة في دبرها.


1 - لا حظ السرائر 2: 606، مسالك الافهام 7: 61. 2 - تهذيب الاحكام 7: 415 / 1660، وسائل الشيعة 20: 145، كتاب النكاح، أبواب مقدمات النكاح وآدابه، الباب 72، الحديث 1. 3 - وسائل الشيعة 20: 143، كتاب النكاح، أبواب مقدمات النكاح وآدابه، الباب 72، الحديث 6 - 10.

[ 336 ]

[... ] قال: لا بأس إذا رضيت. قلت: فأين قول الله عز وجل (فأتوهن من حيث أمركم االله)؟! قال: هذا في طلب الولد، فاطلبوا الولد من حيث أمركم الله، إن الله تعالى يقول: (نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم) (1). وربما به يجمع بين شتات المآشير، واختلاف الايات، من حيث التفسير (2). ولو لا مخافة المخا لفة، كان القول المزبور قويا حسب الصناعة. وربما يظهر من بعض الاخبار - كمرسل الصدوق ونحوه - التفصيل بين نساء الامة وغيرهن، ويختص الحرمة بالاولى: قال محمد بن على بن الحسين: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): محاش نساء امتي على رجال امتي حرام (3). وبالجملة: قضية الاصل حرمة الوطء، إلا إذا قلنا: بأن جوازه - كجواز الوطء من القبل - من مقتضيات العقد عرفا، ولا يحتاج إلى الدليل الخاص. ولكنه مشكل، بل الظاهر خلافه فتأمل.


1 - تهذيب الاحكام 7: 414 / 1657، وسائل الشيعة 20: 146، كتاب النكاح، أبواب مقدمات النكاح وآدابه، الباب 73، الحديث 2. 2 - لا حظ جواهر الكلام 29: 108. 3 - الفقيه 3: 299 / 1430، وسائل الشيعة 20: 143، كتاب النكاح، أبواب مقدمات النكاح وآدابه، الباب 72، الحديث 5.

[ 337 ]

[ على كراهة شديدة، والاحوط تركه، خصوصا مع عدم رضاها. ] قوله مد ظله: على كراهة شديدة. حملا للنواهي الواردة (1) عليها، لاجل نصوص الجواز (2). وفي التذكرة: ذهب علماؤنا إلى كراهة إتيان النساء في أدبارهن (3). ويمكن المناقشة في الكراهة: بأن الادلة المانعة ربما تكون ظاهرة في الحرمة، لاشتما لها على كلمة الحرمة (4) فتكون هي معرضا عنها. مع أن المحكي عن الشيخ (رحمه الله): أن أحدا من العامة لا يجيز ذلك (5) فتكون الاخبار المانعة محمولة على التقية، ولو أمكن الجمع العرفي. هذا، ولنا إنكار الكراهة مع رضاها، فإن في مرسل أبان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: هي لعبتك، فلا تؤذها (6). وأما ما اشتهر بين أهل العصر، وعن الاطباء الحاذقين، من الضرر الكثير المؤدي إلى اختلال نظام البدن ومزاجه، فهو - مضافا إلى عدم


1 - وسائل الشيعة 20: 141، كتاب النكاح، أبواب مقدمات النكاح وآدابه، الباب 72. 2 - وسائل الشيعة 20: 145، كتاب النكاح، أبواب مقدمات النكاح وآدابه، الباب 73. 3 - تذكرة الفقهاء 2: 576 / السطر 34. 4 - وسائل الشيعة 20: 142 - 143، كتاب النكاح، أبواب مقدمات النكاح وآدابه، الباب 72، الحديث 2 و 5. 5 - الاستبصار 3: 244. 6 - الكافي 5: 540 / 1، وسائل الشيعة 20: 143، كتاب النكاح، أبواب مقدمات النكاح وآدابه، الباب 72، الحديث 4.

[ 338 ]

[... ] ثبوته - غير مستوعب بالنسبة إلى جميع الاشخاص، وإلى جميع الاحوال، فلا وجه للمنع الكلي. نعم، لو ثبت في مورد فنحكم بحرمته، نظرا إلى ما اشتهر بينهم: من حرمة المضر، وهذا لا يخص بالدبر كما لا يخفى.

[ 339 ]

[ مسألة 12: لا يجوز وطء الزوجة قبل إكمال تسع سنين، ] قوله مد ظله: لا يجوز. حسب النصوص (1)، والاجماعات المنقولة (2). وفي معتبر الحلبي، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إذا تزوج الرجل الجارية وهي صغيرة، فلا يدخل بها حتى يأتي لها تسع سنين (3). وأما التخيير الوارد في طائفة منها بين التسع والعشر (4)، فربما يكون شاهدا على أن الحكم مبني على الكراهة. وحملها على استحباب التأخير إلى العشر (5)، خلاف الظاهر من التخيير كما ترى. ويؤيد الكراهة، اشتمال طائفة اخرى على ضمان الزوج (6)، ومنها


1 - وسائل الشيعة 20: 101، كتاب النكاح، أبواب مقدمات النكاح وآدابه، الباب 45. 2 - مسالك الافهام 7: 67، كشف اللثام 2: 54 / السطر 30، جواهر الكلام 29: 414، رياض المسائل 2: 76 / السطر 11. 3 - الكافي 5: 398 / 2، وسائل الشيعة 20: 101، كتاب النكاح، أبواب مقدمات النكاح وآدابه، الباب 45، الحديث 1. 4 - الكافي 5: 398 / 1 و 3، وسائل الشيعة 20: 101 - 102، كتاب النكاح، أبواب مقدمات النكاح وآدابه، الباب 45، الحديث 2 و 4. 5 - لا حظ وسائل الشيعة 20: 103، كتاب النكاح، أبواب مقدمات النكاح وآدابه، الباب 45، ذيل الحديث 7، جواهر الكلام 29: 414، مستمسك العروة الوثقى 14: 79. 6 - وسائل الشيعة 20: 103، كتاب النكاح، أبواب مقدمات النكاح وآدابه، الباب 45، الحديث 5 - 8.

[ 340 ]

[... ] معتبر حماد، عن الحلبي، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: من وطأ امرأته قبل تسع سنين، فأصابها عيب، فهو ضامن (1). ومن المكن التمسك بهذه الطائفة من الاخبار على جواز الوطء دبرا، لظهور قوله (عليه السلام): حتى يأتي لها تسع سنين في جواز الدخول بها مطلقا، وإن كان إطلاقه ممنوعا فتدبر. وأما ما ورد في هذا الباب، عن غياث بن إبراهيم، عن علي (عليه السلام) قال: لا توطأ جارية لاقل من عشر سنين، فإن فعل فعيبت فقد ضمن (2). فهو أيضا يؤيد ما أبدعناه، وإلا فلهم المناقشة فيه سندا ودلالة، بحمله على الاستحباب، أو على أن المراد ابتداء العشر، فيكون الشرط - بناء على هذا - كونها بالغة، وكان الحكم من متفرعات حد البلوغ، كما لا يخفى. وأما ما اشتهر من بعض أبناء العصر: من المناقشة في ضرب هذا القانون، وأنه من المختصات ببعض الاقطار العربية، لامتناع الصبايا والفتيات عنه نوعا، لضعف رشدهن، ويكون ذلك إضرارا بحقهن، فهو مندفع: بأن الامر مفوض إليهن وإلى أوليائهن بعد الاكمال، وليس فيه الالزام


1 - تهذيب الاحكام: 410 / 1638، وسائل الشيعة 20: 103، كتاب النكاح، أبواب مقدمات النكاح وآدابه، الباب 45، الحديث 5. 2 - تهذيب الاحكام 7: 410 / 1640، وسائل الشيعة 20: 103، كتاب النكاح، أبواب مقدمات النكاح وآدابه، الباب 45، الحديث 7.

[ 341 ]

[... ] والايجاب. هذا مع إمكان انجبار ضعفهن بذلك، كما شوهد. ثم إنه ربما يشكل الحكم، من أجل ما في المنجد: من أن الجارية هي الامة (1) وينحل بما في الاقرب من أنها الفتية (2). ولا يبعد عموميتها جدا على ما في بعض أخبار المسألة، من أخذ عنوان المرأة (3) كمعتبر حماد، عن الحلبي (4). كما ربما يمنع إطلاق الحكم بالنسبة إلى المدخول بها قبل الاكمال وشبهها، بدعوى الانصراف أولا. وبما في خبر طلحة بن زيد، عن علي (عليه السلام) قال: من تزوج بكرا، فدخل بها في أقل من تسع سنين، فعيبت ضمن (5). وفي معتبر حمران، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سئل عن رجل تزوج


1 - المنجد: 88. 2 - أقرب الموارد 1: 119. 3 - وسائل الشيعة 20: 102 - 103، كتاب النكاح، أبواب مقدمات النكاح وآدابه، الباب 45، الحديث 3 و 5 و 8. 4 - تهذيب الاحكام 7: 410 / 1638، وسائل الشيعة 20: 103، كتاب النكاح، أبواب مقدمات النكاح وآدابه، الباب 45، الحديث 5. 5 - تهذيب الاحكام 7: 410 / 1639، وسائل الشيعة 20: 103، كتاب النكاح، أبواب مقدمات النكاح وآدابه، الباب 45، الحديث 6.

[ 342 ]

[ دواما كان النكاح، أو منقطعا. ] جارية بكرا لم تدرك... (1) إلى آخره، فكأن الحكم كان مغروسا في خصوص غيرهن ثانيا وبأن الحكم كان بلحاظ ما يترتب عليه من الفساد ثالثا، فليتأمل جيدا. قوله مد ظله: دواما كان النكاح أو.... حسب إطلاق معاقد الاجماعات السابقة، وقيل: في خصوصه الاجماع بقسميه (2). ولكن ذلك غير ظاهر عندي، وهو مقتضى إطلاق النصوص المشار إليها. اللهم إلا أن يقال: بأن الاظهر منها كونها ناظرة إلى الدائمة، لما فيها من أقوالهم (عليهم السلام): حتى يأتي لها تسع فإنه يومئ إلى طول المدة، وهو خلاف المتعاهد، ولا سيما في الصغيرة، بل متعة الصغيرة لاجل الاستمتاع، نادر جدا. نعم، لا قصور في شمول الادلة لها من جهة الحكم الوضعي والضمان، الاتي بتفصيل (3) إن شاء الله تعالى، ولا منع من التفكيك جدا.


1 - الفقيه 3: 272 / 1294، وسائل الشيعة 20: 103، كتاب النكاح، أبواب مقدمات النكاح وآدابه، الباب 45، الحديث 9. 2 - جواهر الكلام 29: 414. 3 - يأتي في الصفحة 357.

[ 343 ]

[ وأما سائر الاستمتاعات كاللمس بشهوة، والضم، والتفخيذ - فلا بأس بها حتى في الرضيعة. ] قوله دام ظله: فلا بأس بها. خلافا للاصل، ووفاقا لمقتضى العقد. ولو استشكل في اقتضائه: بأن القدر المسلم منه جواز الدخول قبلا والتقبيل والضم، دون مثل التفخيذ ونحوه، فيكون المعول استصحاب الحرمة الثابتة قبله. هذا، وللمنع عنه مجال، لاجل الاخبار المانعة عن الاستمناء، الدالة بإطلاقها على حرمته، ومنها مرسلة علاء بن رزين، عن رجل، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألت عن الخضخضة. فقال: هي من الفواحش، ونكاح الامة خير منه (1) وخبر إسحاق بن عمار (2) فراجع. ولاجل ما ورد من الاثار السيئة المترتبة على الزنا ونحوه (3). وبالجملة: وإن أمكن المناقشة في كل ذلك، ولكن جواز بعض


1 - الكافي 5: 540 / 1، وسائل الشيعة 20: 353، كتاب النكاح، أبواب النكاح المحرم وما يناسبه، الباب 28، الحديث 5. 2 - الكافي 7: 262 / 12، وسائل الشيعة 20: 352، كتاب النكاح، أبواب النكاح المحرم وما يناسبه، الباب 28، الحديث 4. 3 - وسائل الشيعة 20: 307، كتاب النكاح، أبواب النكاح المحرم وما يناسبه، الباب 1.

[ 344 ]

[ ولو وطأها قبل التسع ولم يفضها، لم يترتب عليه شئ غير الاثم على الاقوى. ] الاستمتاعات غير المتعارفة، الخارجة عن اقتضاء العقد، محتاج إلى الدليل المرخص. قوله دام ظله: لم يترتب عليه شئ غير الاثم. أما الاثم، فقد مضى في أول المسألة. وأما غيره، فقد نسب (1) إلى المقنعة (2) والنهاية (3) بل وابن إدريس (4)، حرمتها عليه أيضا، ولعله مستند إلى بعض ما عندهما، أو إلى مرسل يعقوب بن يزيد، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إذا خطب الرجل المرأة، فدخل بها قبل أن تبلغ تسع سنين، فرق بينهما، ولم


1 - جواهر الكلام 29: 418. 2 - لم نعثر عليه في المقنعة بل يظهر منه الحكم في صورة الافضاء كما في باب ضمان النفوس من أبواب القضايا والاحكام من المقنعة: 747، فلعل النسبة غير ثابتة كما يظهر من جواهر الكلام 29: 418. 3 - لا حظ النهاية، الشيخ الطوسي: 453، ولكن قيده بالتعيب في الصفحة 481. ذكر السيد علي وفي رياض المسائل 2: 76 / السطر 16: أن الشيخ رجع عن الاطلاق في النهاية إلى التقييد في الاستبصار كما في المهذب لا حظ الاستبصار 4: 294 ذيل الحديث 1111 والمهذب البارع 3: 210. 4 - السرائر 2: 530.

[ 345 ]

[... ] تحل له أبدا (1). والاشكال عليه: بأنه - مضافا إلى ضعف السند، وشموله لصورة عدم الافضاء - يدل على انتفاء الزوجية بمجرد الوطء، على خلاف النصوص الاتية (2) (3) انتهى، في غير محله، لذهاب النهاية المعدة للاصول المتلقاة إليه (4). ولان الارسال عن بعض أصحابنا لا يضر، لظهور الجملة في أنه من الفقهاء أو الثقات. ولانها لا تدل على حصول الفراق قهرا، بل ظاهرها وجوب التفريق. وأما شمولها لصورة عدم الافضاء، فهو ليس وهنا بعد ذهاب العلمين إليه، ولا سيما فيهما، مع عدم دعوى الاجماع على المسألة. وبالجملة: عدم الحرمة مقتضى الاصل، والحرمة مستندة إلى مثله.


1 - الكافي 5: 429 / 12، وسائل الشيعة 20: 494، كتاب النكاح، أبواب ما يحرم بالمصاهرة ونحوها، الباب 34، الحديث 2. 2 - وسائل الشيعة 20: 493 - 494 كتاب النكاح، أبواب ما يحرم بالمصاهرة ونحوها الباب 34، الحديث 1 و 3. 3 - مستمسك العروة الوثقى 14: 81. 4 - النهاية للشيخ الطوسي: 453.

[ 346 ]

[ وإن أفضاها - بأن جعل مسلكي البول والحيض واحدا، أو مسلكي الحيض والغائط واحدا - ] وتوهم معارضته (1) مع الخبرين الاتيين (2)، في غير محله كما يأتي. ولاجل ذلك احتاط الاستاذ البروجردي (قدس سره) في المسألة (3) وما يتراءى من استشمام الاجماع على عدم الحرمة في صورة عدم الافضاء (4)، في غير محله أيضا. كما أن توهم انجبار ضعف المرسل بعمل المشهور به (5)، في غير محله كما لا يخفى. وعلى كل حال: تحتاج المسألة إلى مزيد تأمل، وسيظهر بعضه. قوله دام ظله: بأن جعل مسلكي.... اختلفت كلماتهم في حقيقة الافضاء (6) بعد معلومية المراد منه في


1 - جواهر الكلام 29: 418، مستمسك العروة الوثقى 14: 81. 2 - هما خبرا حمران وبريد بن معاوية، راجع وسائل الشيعة 14: 380 كتاب النكاح، أبواب ما يحرم بالمصاهرة ونحوها، الباب 34، الحديث 1 و 3. 3 - العروة الوثقى: 695 كتاب النكاح، الفصل الثاني، المسألة 2، (المطبوع في سنة 1373 ق مع تعليقة المحقق البروجردي). 4 - مستمسك العروة الوثقى 14: 82. 5 - جواهر الكلام 29: 418. 6 - جواهر الكلام 29: 419.

[ 347 ]

[... ] الروايات، وهو الخلل الواقع بالمقاربة والجماع في المجاري والمسالك، من غير أن تكون المقاربة بالدخول في القبل أو الدبر. اللهم إلا أن يقال: بعدم معلومية الاطلاق في النصوص من هذه الجهة. وذلك الخلل هو أن تتداخل المجاري، سواء كان ذلك بالاتحاد، كما يتفق نوعا بين مسلكي البول والحيض، أو بالتثقيب، كما يتفق بين مسلكي الغائط والحيض. وأما إمكان الاتفاق بين مسلك البول والغائط، دون الحيض، فهو منفي في محله. نعم، ربما يتفق اتحاد المسسكلين في القدام، وتجعل الثقبة بينه وبين الدبر. وعلى كل حال: ما هو موضوع الحكم، مورد الخلاف جدا، والخروج عنه بتعيين الواحد منها، في نهاية الاعضال، ويحتاج إلى الخرص والتخمين المنهي عنه. نعم، القدر المتيقن هي الصورة الاولى، وهي المتعارفة إمكانا. ويمكن إلحاق الثانية بها لغة أولا، وحكما بالاولوية ثانيا، كما يمكن دعوى أن المناط ما في معتبر حمران الاتي، حيث قال (عليه السلام): قد أفسدها وعطلها

[ 348 ]

[ حرم عليه وطؤها أبدا، ] على الازواج... (1) إلى آخره، وهذا الامر في الثانية أولى من الاولى. اللهم إلا أن يقال: بأن المقصود هو الافساد التشريعي، لقوله (عليه السلام): فعلى الامام أن يغرمه ديتها... إلى آخره، وكون الافضاء بمعنى الجماع - كما في القاموس (2) ونحوه (3) - غير جيد. نعم، لا يبعد أن يكون بمعنى الانتهاء، ومنه قوله تعالى: (وقد أفضى بعضكم إلى بعض) (4) فراجع. قوله دام ظله: حرم عليه. على المشهور، وعليه حكاية الاجماعات المنقولة عن الايضاح (5) والتنقيح (6) وغاية المرام (7) وأمثا لها (8)، وهو المستظهر من


1 - الفقيه 3: 272 / 1294، وسائل الشيعة 20: 103، كتاب النكاح، أبواب مقدمات النكاح وآدابه، الباب 45، الحديث 9، و: 493، أبواب ما يحرم بالمصاهرة ونحوها، الباب 34، الحديث 1. 2 - القاموس المحيط 4: 376. 3 - المصباح المنير: 572. 4 - النساء (4): 21. 5 - إيضاح الفوائد 3: 76. 6 - التنقيح الرائع 3: 26. 7 - جواهر الكلام 29: 416، مستمسك العروة الوثقى 14: 80. 8 - مسالك الافهام 7: 67، الحدائق الناضرة 23: 91.

[ 349 ]

[... ] السرائر (1) أيضا. ويمكن أن يستدل له بمعتبر حمران، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سئل عن رجل تزوج جارية بكرا لم تدرك، فلما دخل بها اقتضها فأفضاها. فقال: إن كان دخل بها حين دخل بها ولها تسع سنين، فلاشئ عليه، وإن كانت لم تبلغ تسع سنين، أو كان لها أقل من ذلك بقليل حين دخل بها فاقتضها، فإنه قد أفسدها وعطلها على الازواج، فعلى الامام أن يغرمه ديتها، وإن أمسكها، ولم يطلقها حتى تموت، فلا شئ عليه (2). وذلك لمكان قوله (عليه السلام) فإنه قد أفسدها فإنه الظاهر في التحريم، والمفروغ عنه أنها تكون لغيره، ولكنها معطلة عليه، لمكان الافضاء، وحيث أن الحرمة الابدية مستندة إلى الشرع، فعلى الامام غرامة ذلك، دون الزوج. والمراد من الامساك وعدم الطلاق هو إبقاؤها في بيته بتحمل نفقتها، فلا شئ على الامام من التغريم. وأما خبر بريد بن معاوية، عن أبي جعفر (عليه السلام): في رجل اقتض جارية - يعني امرأته - فأفضاها. قال (عليه السلام): عليه الدية، إن كان دخل بها قبل أن تبلغ


1 - السرائر 2: 531. 2 - تقدم في الصفحة 348، الهامش 1.

[ 350 ]

[... ] تسع سنين. قال: وإن أمسكها ولم يطلقها، فلا شئ عليه... (1) الحديث، فهو لا ينافي سابقه، لما أن عهدة الاداء على الامام. مع ما في سنده من الاهمال، لوجود الحارث بن محمد بن النعمان صاحب الطاق (2). وأما ما عن الجواهر: من الاستدلال له (3) بخبر يعقوب بن يزيد (4) الماضي، فهو في غير محله كما ترى. وأغرب منه توهم انجباره بالاجماع على أمر مقيد (5). وربما يشكل الامر في أصل الحكم، لضعف الاستدلال المزبور، ولعدم تمامية الاجماعات المحكية الموجودة في الكتب الاخيرة، ولظهور الروايتين - بناء على ما فهمه المشهور - في بقاء الزوجية، وهي تنافي التحريم الابدي، لعدم مساعدة الاعتبار.


1 - الكافي 7: 314 / 18، وسائل الشيعة 20: 494، كتاب النكاح، أبواب ما يحرم بالمصاهرة ونحوها، الباب 34، الحديث 3. 2 - حيث لم يرد في حقه مدح أو ذم في كتب الرجال، راجع رجال النجاشي: 140 / 363، رجال الطوسي: 179، باب الحاء من أصحاب الامام الصادق (عليه السلام)، والفهرست، الشيخ الطوسي: 64 / 245. 3 - مستمسك العروة الوثقى 14: 80، جواهر الكلام 29: 417. 4 - الكافي 5: 429 / 12، وسائل الشيعة 20: 494، كتاب النكاح، أبواب ما يحرم بالمصاهرة ونحوها، الباب 34 الحديث 2. 5 - لا حظ جواهر الكلام 29: 418.

[ 351 ]

[ لكن على الاحوط في الصورة الثانية. ] إلا أن يقال: بحرمة الوطء فقط، دون سائر التمتعات، ومعاقد الاجماعات ساكتة عن ذلك، وهو القدر المتيقن منها، ويساعده الاعتبار. ولاجل هذا وذاك احتاط الفقيه اليزدي (1)، بل المحكي عن النزهة (2) وكشف اللثام (3) هو الحل. ومن العجيب تقوية الجواهر ذلك!! (4). قوله دام ظله: على الاحوط. وذلك إما لاجل عدم ثبوتها من الافضاء موضوعا، أو لاجل عدم إطلاق لدليل المنع والتحريم، وظاهره أن الحكم يستوي فيه العاصي وغيره في الصورتين.


1 - العروة الوثقى 2: 811، كتاب النكاح، الفصل الثاني، المسألة 2. 2 - نزهة الناظر: 96. 3 - كشف اللثام 2: 39 / السطر 29. 4 - جواهر الكلام 29: 417.

[ 352 ]

[ وعلى أي حال: لم تخرج عن زوجيته على الاقوى، فيجري عليها أحكامها، من التوارث، وحرمة الخامسة، وحرمة اختها معها وغيرها، ] قوله مد ظله: على الاقوى. وفاقا لما عن الشرائع بل والسرائر والجامع وغيرها (1)، وعن كشف اللثام: أنه الاقوى (2). وهو قضية القواعد، لان الخروج عنها بالتحريم غير ثابت. وما ربما يقال: بالتنافي العرفي (3)، قد اشير إليه آنفا، لامكان منعه. ولو كانت الحرمة مستوعبة لجميع أنحاء الاستمتاعات، فتكون أشد حرمة من الاجنبية أيضا، لجواز النظر إليها للتزويج. وذلك - نظرا إلى الاثار الخاصة، من إيجاب النفقة وأمثا لها - رغم أنفه، وهذا ولو كان عن عمد واختيار. وربما يستدل عليه بالخبرين الممرور بهما (4)، وهما معتبرا حمران، وخبر بريد (5).


1 - مستمسك العروة الوثقى 14: 82، شرائع الاسلام 2: 214، السرائر 2: 530، الجامع للشرائع: 428، كشف الرموز 2: 110، الروضة البهية 2: 55 / السطر الاخير. 2 - كشف اللثام 2: 39 / السطر 32. 3 - مستمسك العروة الوثقى 14: 82. 4 - نفس المصدر. 5 - وسائل الشيعة 20: 493 - 494، كتاب النكاح، أبواب ما يحرم بالمصاهرة ونحوها، الباب 34، الحديث 1 و 3.

[ 353 ]

[... ] ولكنك عرفت: أن احتمال كون المراد من الامساك هو الابقاء في الدار وتحت العيلولة، كان قويا لولا ما في ذيل خبر بريد، ولكنه لا يضر بعد ضعف سنده (1). مع أن الظاهر من معتبر السكوني، عن جعفر، عن أبيه، عن علي (عليهم السلام) هو ذلك، وفيه: أن رجلا أفضى امرأة، فقومها قيمة الامة الصحيحة، وقيمتها مفضاة، ثم نظر ما بين ذلك فجعل من ديتها، وأجبر الزوج على إمساكها (2). فإن الاجبار لا يتعلق إلا بالتكوين، ولا يسلب اختياره بالنسبة إلى الطلاق، كما لا يخفى. ويمكن المناقشة في أصل الحكم: بأن اعتبار بقاء الزوجية بلحاظ الاثار الشرعية، ليس من الامور الاختيارية، والعقلاء يعتبرون الزواج في محيط آخر، لاغراض اخر، ولاجل ذلك منعنا جواز النكاح باعتبار رفع حرمة النظر، فإن ذلك من الاحكام الشرعية المترتبة على الموضوعات العرفية، فليتدبر جيدا وعندئذ تصير الحرمة ذاتية، لا عرضية كالحرمة حال الحيض.


1 - تقدم في الصفحة 349 - 350. 2 - تهذيب الاحكام 10: 249 / 986، وسائل الشيعة 29: 282، كتاب الديات، أبواب موجبات الضمان، الباب 44، الحديث 3.

[ 354 ]

[ ويجب عليه نفقتها ما دامت حية وإن طلقها، ] قوله دام ظله: وإن طلقها. على خلاف الاصول وابن الجنيد (1)، ووفاقا لجملة من الاجماعات المحكية عن جماعة (2). والمهم معتبر الحلبي، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن رجل تزوج جارية، فوقع بها فأفضاها. قال: عليه الاجراء عليها ما دامت حية (3). فدعوى السقوط بالطلاق (4)، غير مسموعة، ولا ينبغي عدها منافي الاطلاق. نعم، يمكن المناقشة فيه: بظهورها في غير الصغيرة، لخروجها عن المتعارف أولا، ولانصراف الجارية إلى الكبيرة البالغة ثانيا.


1 - حكاه عنه في جواهر الكلام ولا حظ أيضا مختلف الشيعة: 525 / السطر 6 - 7. 2 - لا حظ جواهر الكلام 29: 426، مستمسك العروة الوثقى 14: 84. 3 - تهذيب الاحكام 10: 249 / 985، وسائل الشيعة 29: 282، كتاب الديات، أبواب موجبات الضمان، الباب 44، الحديث 2. 4 - وهي المحكية عن ابن جنيد الاسكافي كما في جواهر الكلام 29: 426، ومستمسك العروه الوثقى 14: 84.

[ 355 ]

[ بل وإن تزوجت بعد الطلاق على الاحوط، بل لا يخلو من قوة. ] قوله مد ظله: بل وإن تزوجت. لما مر، وعليه حكاية الشهرة (1)، وخالفهم جمع ك‍ الايضاح والروضة وابن فهد (2)، وأمثالهم (3). واستشكل القواعد فيه، معللا بتعاليل غير لائقة (4)، ضرورة أن زوال الزوجية لو كان مضرا بوجوبها، لكان الوجوب منتفيا وإن لم تتزوج. وأما تعطيلها على الازواج، فهو مذكور في معتبر حمران عند ذكر الدية. وأما وجوب النفقة ثانيا على الزوج الثاني، فهو لا ينافيه، لانه وضعي. نعم لو كان تكليفيا صرفا، وكان يجب الاكساء والاطعام، فربما يلزم المحذور مثلا. ومن الغريب توهم: أن ظاهر معتبر الحلبي، هو أن وجوب الاجراء مستند إلى الافضاء، لا الزوجية (5)!! مع أن الموضوع مذكور في كلام


1 - مستمسك العروة الوثقى 14: 85. 2 - إيضاح الفوائد 3: 78، الروضة البهية 2: 56 / السطر 3، المهذب البارع 3: 212. 3 - مثل الصيمري وابن القطان كما في جواهر الكلام 29: 427، والشيخ الانصاري في كتاب النكاح: 428. 4 - قواعد الاحكام 2: 16 / السطر 12. 5 - مستمسك العروة الوثقى 14: 85.

[ 356 ]

[... ] السائل، والحكم في كلام الامام (عليه السلام)، فلا تخلط. نعم، يمكن الاشكال في أصل الحكم أو في إطلاقه: بأن العرف ينتقل من إيجاب الاجراء، إلى أن هذا حكم مترشح عن الافضاء المنتهي إلى سقوط المرأة في جامعة الزواج، فلو كانت مزوجة غير معطلة على الازواج، فلا مصلحة في الاجراء. وبأن هذا حكم من قبيل الكفارة، وإرغام لانفه، فيكون في مورد الافضاء بسوء الاختيار والعمد. ويمكن دعوى: أن قوله (عليه السلام): عطلها على الازواج أولى بأن يكون علة لوجوب النفقة من وجوب الدية، فإذا تزوجت فليست عليها النفقة، فتأمل جيدا. وأما كون وجوب النفقة مطابقا للاحتياط (1)، فهو ممنوع إلا إذا طابت نفسه، وإلا فعلى الزوجة ردها.


1 - العروة الوثقى 2: 811 - 812 كتاب النكاح، الفصل الثاني، المسألة 2.

[ 357 ]

[ ويجب عليه دية الافضاء، وهي دية النفس، فإذا كانت حرة فلها نصف دية الرجل، مضافا إلى المهر الذي استحقته بالعقد والدخول. ] قوله دام ظله: دية الافضاء. أما وجوب الدية، فلما مر من معتبر حمران، ورواية ابن معاوية (1). وأما أنها دية النفس، فيأتي إن شاء الله تعالى تفصيله في كتاب الديات من هذا الكتاب. ويمكن المناقشة في أصل الحكم: بأن المستند لو كان الخبرين، فالحكم مقيد بما إذا لم يمسكها، وقد أعرض عنهما المشهور. وأما التفكيك في الفقرات بحسب الحجية، فربما يكون خارجا عن بناء العقلاء. نعم، لو كان المستند هي الشهرة الفتوائية القديمة، فلا موقع للاشكال فيه الا عند جمع من الاخباريين وبعض الاصوليين. مع أن في المسألة بعض نصوص اخر تطلب من محلها (2). قوله دام ظله: بالدخول. اللهم إلا أن يمنع مدخلية مثل هذا الدخول في تمام المهر.


1 - تقدما في الصفحة 349. 2 - الفقيه 4: 111 / 377، وسائل الشيعة 29: 330 كتاب الديات، أبواب ديات الاعضاء، الباب 26، الحديث 1، الكافي 7: 313 / 11، وسائل الشيعة 29: 370 كتاب الديات، أبواب ديات المنافع، الباب 9، الحديث 1.

[ 358 ]

[ ولو دخل بزوجته بعد إكمال التسع فأفضاها، لم تحرم عليه، ] قوله دام ظله: لم تحرم عليه. للاصل والاتفاق، وقد مضى وجه المناقشة في الحرمة قبل الاكمال. وأما وجه المناقشة في الحلية هنا، فهو أن الظاهر من قوله (عليه السلام): فإنه قد أفسدها وعطلها على الازواج... (1) هو الافساد التشريعي. وكون مورد التعليل التي لم تبلغ، لا يضر بذلك. وأما قوله (عليه السلام) في صدر معتبر حمران - بعد فرض كونها غير بالغة - فلا شئ عليه فهو ناظر إلى نفي الدية، فراجع وتأمل. وأما ما في ذيل رواية ابن معاوية: وإن كان دخل بها ولها تسع سنين، فلا شئ عليه، إن شاء أمسك، وإن شاء طلق (2) فهو لا ينافي التحريم عندهم كما لا يخفى. هذا مع أن تحريم الرشيدة البالغة بالافضاء، أولى بالاعتبار من الصغيرة غير البالغة، فربما يستظهر التحريم هنا بالاولوية، والله العالم بأحكامه.


1 - تقدم في الصفحة 348، الهامش 1. 2 - تقدم في الصفحة 350، الهامش 1.

[ 359 ]

[ ولم تثبت الديه، ولكن الاحوط الانفاق عليها مادامت حية، ] قوله دام ظله: لم تثبت الدية. حسب الاتفاق، والاصل، ونصوص المسألة (1). اللهم إلا أن يقال: إن مقتضى بعض المطلقات - مثل معتبر سليمان بن خا لد (2)، وما رواه الفقيه (3) - ثبوت الدية مطلقا، وخبر ابن معاوية غير نقي السند (4)، ومعتبر حمران - لاشتما له على ما لا يقول به المشهور (5) - غير محرز اعتباره. قوله دام ظله: الاحوط الانفاق. عملا بما مر عن الحلبي (6). بل قضية ما سلف منا فيه، اختصاصه


1 - وسائل الشيعة 20: 493 - 494 كتاب النكاح، أبواب ما يحرم بالمصاهرة ونحوها، الباب 34، الحديث 1 و 3. 2 - الكافي 7: 313 / 11، وسائل الشيعة 29: 370 كتاب الديات، أبواب ديات المنافع، الباب 9، الحديث 1. 3 - الفقيه 4: 111 / 377، وسائل الشيعة 29: 330 كتاب الديات، أبواب ديات الاعضاء، الباب 26، الحديث 1. 4 - تقدم في الصفحة 350، الهامش 2. 5 - لا حظ جواهر الكلام 29: 426، العروة الوثقى 2: 811 - 812 كتاب النكاح، الفصل الثاني، المسألة 2. 6 - تقدم في الصفحة 340.

[ 360 ]

[ وإن كان الاقوى عدم الوجوب. ] بالكبيرة على احتمال قوي (1)، ولا أقل من أن تقييده، يستلزم خروج الفرد الشايع، ولاجل ذلك احتاط كثير من المتأخرين هنا (2)، وقيل (3): تمايل إليه الشيخ في محكي الخلاف (4). قوله مد ظله: عدم الوجوب. وفاقا للمعظم، وعليه حكاية المشهور القديمة. بل ربما يظن كون المسألة إجماعية (5)، لو لا أنها معللة، لما في المسألة من الاثار، فإن الاطلاق المزبور ربما كان مصبه الصغيرة، لانها تحرم دونها، والاجراء عليها والانفاق بمناسبة الافضاء المنتهي إلى التحريم، حسبما يستفاد من مجموع الاخبار. وأما توهم نفي الوجوب، مستندا إلى قوله (عليه السلام) في صدر معتبر حمران: فلا شئ عليه (6) فهو في غير محله، لان في ذيله: أنها إذا كانت غير بالغة تسع سنين، فعلى الامام تغريم ديتها فالرواية غير ناظرة إلى


1 - تقدم في الصفحة 340. 2 - العروة الوثقى 2: 813 كتاب النكاح، الفصل الثاني، المسألة 5. 3 - راجع مستمسك العروة الوثقى 14 / 88، الهامش 2. 4 - لم نعثر عليه في الخلاف ولكن راجع الاستبصار 4 / 294. 5 - جواهر الكلام 29: 426. 6 - مستمسك العروة الوثقى 14: 88.

[ 361 ]

[... ] مسألة النفقة. ولو كان لها الاطلاق، فلازمه نفي النفقة ولو كانت في حبالته، والالتزام به وبالتقييد أبعد عن الواقع، وإلا فالنسبة بين الاطلاقين - إطلاق قوله (عليه السلام) فلا شئ عليه وإطلاق معتبر الحلبي - عموم من وجه كما هو الظاهر، ولو كان ترجيح فهو مع إطلاق معتبر الحلبي وإلا فالمرجع هي الشهرة، أو هي المرجح، أو الشهرة الفتوائية مرجع، والروائية مرجح، وهما هنا مع معتبر حمران، ولاجل ذاك وذلك أفتى بعض المتأخرين بوجوبها (1)، والاخر بعدمه (2). ولو أمكن المناقشة في دلالة معتبر الحلبي، لاحتمال كون مورده الجارية وهي الامة كما في المنجد (3) فتصبح مجملة من هذه الجهة، وتسقط عن الدلالة والمعارضة في هذه المسألة، كما ترى.


1 - لا حظ مستمسك العروة الوثقى 14: 88. 2 - جواهر الكلام 29: 427. 3 - المنجد: 88.

[ 362 ]

[ مسألة 13: لا يجوز ترك وطء الزوجة أكثر من أربعة أشهر ] قوله مد ظله: لا يجوز. كأن المسألة مقطوع بها، ولم يعهد نقل الخلاف فيها (1)، مع أنها مستندة - حسب الظاهر - إلى أخبار مذكورة في كتاب النكاح (2) والايلاء (3)، وفيها معتبر صفوان بن يحيى، عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام): أنه سأله عن الرجل تكون عنده المرأة الشابة، فيمسك عنها الاشهر والسنة لا يقربها، ليس يريد الاضرار بها، يكون لهم مصيبة، يكون في ذلك إثما. قال: إذا تركها أربعة أشهر، كان آثما بعد ذلك (4). وسيمر عليك بعض أخبار كتاب الايلاء في فروع المسألة. والمناقشة هنا غير ممكنة، إلا بما يرى في المتن من الغلق في الجمل، مع الغلط النحوي الذي يرى في قوله: يكون في ذلك إثما (5) هذا مع أنه لا دلالة لها على وجوب الوطء، لامكان كفاية المضاجعة


1 - جواهر الكلام 29: 115، مستمسك العروة الوثقى 14: 72. 2 - وسائل الشيعة 20: 33، كتاب النكاح، أبواب مقدمات النكاح وآدابه، الباب 7. 3 - وسائل الشيعة 22: 341 - 354، كتاب الايلاء والكفارات، أبواب الايلاء، الباب 1 و 2 و 5، الحديث 1 والباب 8، الحديث 1 و 3 - 7، والباب 9 و 10، الحديث 1 و 2 و 4، والباب 11، الحديث 6. 4 - تهذيب الاحكام 7: 412 / 1647، وسائل الشيعة 20: 140، كتاب النكاح، أبواب مقدمات النكاح وآدابه، الباب 71، الحديث 1. 5 - بناء على كونه على وزن فعلا لا فاعلا.

[ 363 ]

[ إلا بإذنها، ] والملاعبة والتفخيذ، ونحوها مما يجوز عندهم. وغير خفي: أن ما فيه الاضرار بها، هو تركها المستمر بترك المراودة، دون الوطء. نعم، في أخبار الايلاء ما يستدل به على هذه الجهة في المسألة، كما يأتي إن شاء الله تعالى. قوله مد ظله: إلا بإذنها. بناء على كون ذلك من حقوقها، وهو خلاف ظاهر معتبر صفوان. نعم، قضية معتبر بكير بن أعين، وبريد بن معاوية، عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليهما السلام) أنهما قالا: إذا آلى الرجل أن لا يقرب امرأته، فليس لها قول ولا حق في الاربعة أشهر، ولا إثم عليه في كفه عنها في الاربعة أشهر، فإن مضت الاربعة أشهر قبل أن يمسها، فسكتت ورضيت، فهو في حل وسعة، فإن... (1). فإنه مضافا إلى ظهوره في المسألة السابقة، يدل على أن برضاها وبسكوتها لا يأثم. واحتمال اختصاص الحكم بذلك الباب، غريب جدا.


1 - الكافي 6: 131 / 4، وسائل الشيعة 22: 342، كتاب الايلاء والكفارات، أبواب الايلاء، الباب 2، الحديث 1.

[ 364 ]

[ حتى المنقطعة على الاقوى. ] قوله دام ظله: حتى المنقطعة. خلافا للمحكي عن الجواهر (1) ووفاقا لاطلاق كثير من المتون (2)، وتنصيص جملة منها (3). والسر في الاشكال، قصور معقد الاجماع عن شمولها، والرواية المذكورة عنها أيضا، لقوله: تكون عنده المرأة الشابة، فيمسك عنها الاشهر والسنة (4) فإن الظاهر منه السؤال عن الدائمة. مع أن الاطلاق المزبور سكوتي، يحصل من ترك الاستفصال، وهو غير محتاج إليه، بعد كون الغالب في السؤال المزبور هي الدائمة، لحرمة المتعة عند المخالفين. هذا مع أن متن الحكم يناسب الدائمة، وفيه سياسة المنزل. والمراجعة إلى أخبار الايلاء وإن كانت تعطي العموم، ويمكن استفادة ذلك من تلك الاخبار وإن لم يجر الايلاء في المنقطعة، إلا أن


1 - مستمسك العروة الوثقى 14: 73، جواهر الكلام 29: 117. 2 - النهاية: 482، السرائر 2: 606، شرائع الاسلام 2: 214، تذكرة الفقهاء 2: 577 / السطر 36، الروضة البهية 2: 55 / السطر 22. 3 - العروة الوثقى 2: 810، كتاب النكاح، الفصل الاول، المسألة 7، مستمسك العروة الوثقى 14: 73. 4 - تقدم في الصفحة 362.

[ 365 ]

[ ويختص الحكم بصورة عدم العذر، وأما معه فيجوز الترك مطلقا مادام وجود العذر، كما إذا خيف الضرر عليه. ] الانصاف خلافه. مع ما عرفت من المناقشة في أصل دلالة معتبر صفوان على حكم المسألة (1)، فلاحظ. قوله مد ظله كما إذا خيف الضرر. لخروجه عن معقد الاجماع احتمالا، فتجري البراءة عن وجوبه عندا لخوف. وأما التمسك بقاعدة نفي الضرر (2)، فهو في مورد احرز الضرر، ولا يكفي خوفه كما لا يخفى. وهكذا التمسك بقاعدة حرمة الضرر بالنفس (3)، لانها كالجار. هذا مع أن الوا لد المحقق - مد ظله - من منكري قاعدة نفي الضرر وحكومتها على الادلة الاولية (4). ومع أن النسبة بين وجوب الوطء، وحرمة الاضرار بالنفس، عموم من وجه، ولا يبعد تقدم الثاني. ويمكن دعوى تقبيح العقلاء، الاقدام في الامور كلها في صورة خوف


1 - تقدم في الصفحة 362 - 363. 2 - مستمسك العروة الوثقى 14: 75. 3 - مستمسك العروة الوثقى 14: 75. 4 - بدائع الدرر: 129، تهذيب الاصول 2: 497.

[ 366 ]

[ ومن العذر عدم الميل المانع عن انتشار العضو. وهل يختص الحكم بالحاضر، فلا بأس على المسافر وإن طال سفره، أو يعمهما، فلا يجوز للمسافر إطالة سفره أزيد من أربعة أشهر، بل يجب عليه مع عدم العذر الحضور، لايفاء حق زوجته؟ قولان: أظهرهما الاول، لكن بشرط كون السفر ضروريا ولو عرفا، كسفر تجارة، أو زيارة، أو تحصيل علم ونحو ذلك، دون ما كان لمجرد الميل والانس والتفرج، ] الضرر، ويكون الحكم عند الاصابة منجزا، فعليه لا تجري البراءة. اللهم إلا أن يقال: بجريان الشرعية منها، فليتأمل جيدا. قوله دام ظله: ومن العذر. كان ينبغي أن يقول: ما دام وجود العذر، كعدم الميل. ومن العذر خوف الضرر. وبالجملة: مع عدم انتشار العضو، يكون معذورا عقلا. نعم مع التمكن من النشر بالعلاج يجب، إلا إذا استشكلنا في كبراها. قوله مد ظله: أظهرهما الاول. ويكفي له قصور أدلة المسألة، إجماعا كان، أو رواية، فإن احتمال كون مورد السؤال هي الحاضرة قريب. ولو أمكن المناقشة في الثانية، فقد عرفت الاشكال فيها رأسا، وأن الحكم - قويا - مستند إلى الاجماع. اللهم إلا أن يقال: بأن المراجعة إلى أخبار الايلاء، تعطي - بكثرتها -

[ 367 ]

[ ونحو ذلك على الاحوط. ] أن الحكم عام، ولاجل ذاك وهذا، ذهب جمع من المعاصرين إلى عدم الفرق (1)، خلافا للمحكي عن كشف اللثام حيث قيد الحكم بحضور الزوج، واستدل له بالسيرة (2). قوله دام ظله: على الاحوط. لانه القدر المتيقن من الخاررج عن معقد الاجماع بالسيرة، أو عن محط الرواية، فكأنه - مد ظله - استند إلى الاجماع والرواية إطلاقا، وإلى المخصص اللبي، وإلا فقصور أدلة المسألة، ينتهي إلى الاخذ بالقدر المتيقن، وهو الحاضر دون المسافر مطلقا، ولذلك لا يرى هذا التفصيل في المسألة. ويمكن المناقشة في السيرة العملية: بندرة الاتفاق، فلا يستكشف منها الامضاء، فهي مردوعة بالرواية، ولا سيما بعد سقوط الحكم برضا الزوجة، وخصوصا إذا لم يكن يجب إلا عند مطا لبتها، لكونه من الحقوق. وأما توهم مردوعية السيرة بالرواية مطلقا، فقد تقرر في محله بطلان الدور، ولكن ردع السيرة الاغتراسية العملية، لا يتعارف بإطلاق رواية واحدة، فيعلم منه أن المقصود منها محصور في غير مورد السيرة،


1 - العروة الوثقى 2: 810، كتاب النكاح، الفصل 1، المسألة 7. 2 - مستمسك العروة الوثقى 14: 74، كشف اللثام 2: 54 / السطر 26.

[ 368 ]

[... ] وتفصيله في محاله (1). تنبيه: في تأييد التفصيل بين الشابة والعجوز لو أمكن المناقشة في أصل الحكم، فهل ترك الوطء مطلقا يجوز، قضاء لحق الاستصحاب أو البراءة. أم لا يجوز، لانه خلاف طبع النكاح أو الشرط الضمني، ولاجل ذلك استشكل في نفوذ اشتراطه في ضمن العقد؟ أو يفصل بين العقود حسب اختلاف حالات المتعاقدين؟ وجوه. وكان ينبغي التفصيل بين الشابة والشائبة، لاختصاص مورد السؤال بالشابة (2)، مع مساعدة الاعتبار، بعد كون الاجماع غير معلوم المعقد، ولو كان فهو معلل بالرواية. نعم، ربما يستظهر عموم الحكم من أخبار الايلاء أحيانا (3) فراجع.


1 - تحريرات في الاصول 6: 501 - 507. 2 - تقدم في الصفحة 362. 3 - تقدم في الصفحة 364.

[ 369 ]

[... ] وأما إجماع الرياض على التعميم (1)، فهو من شعب التمسك بإطلاق معقد الاجماع، مع أن هذه الاجماعات لا تغني من الحق شيئا. ويؤيد التخصيص ما في بعض الاخبار: من الخوف على زناهن (2)، فما عن الجواهر من نسبة القول بالتخصيص إلى القاصرين (3) - كأمثال الوسائل (4) والمفاتيح (5) والحدائق (6) - في غير محله.


1 - رياض المسائل 2: 76 / السطر 22. 2 - الكافي 5: 566 / 42، وسائل الشيعة 20: 141، كتاب النكاح، أبواب مقدمات النكاح وآدابه، الباب 71، الحديث 2. إليك نص الرواية: روى الكليني بسنده عن محمد بن جعفر عن بعض رجاله عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: من جمع من النساء ما لا ينكح فزنا منهن شئ فالاثم عليه. 3 - جواهر الكلام 29: 116، مستمسك العروة الوثقى 14: 73. 4 - لا حظ وسائل الشيعة 20: 140، كتاب النكاح، أبواب مقدمات النكاح وآدابه، الباب 71، حيث عنون عنوان الباب كذا: باب تحريم ترك وطئ الزوجة الشابة أكثر من أربعة أشهر وإن لم يكن الترك بقصد الاضرار وإن كان لمصيبة. 5 - مفاتيح الشرائع 2: 290. 6 - الحدائق الناضرة 23: 90.

[ 370 ]

[ مسألة 14: لا إشكال في جواز العزل - وهو إخراج الالة عند الانزال، وإفراغ المني إلى الخارج - في غير الزوجة الدائمة الحرة، ] قوله مد ظله: في غير الزوجة الدائمة الحرة. قاعدة ونصا وإجماعا (1)، وهو مقتضى كثير من المطلقات المذكورة في الباب 75 (2) وفيها معتبر محمد بن مسلم. قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن العزل. فقال: ذاك إلى الرجل، يصرفه حيث شاء (3). وربما تدل هي على أن للمرء، صرف نطفته في أي مكان يريد، ومنه الارحام المحرم عليه الدخول بها، فلو حملت منه الاجنبية بالالات الحديثة صح، فتدبر جدا. ويمكن وقوع المعارضة بينه في مورد الحرة المتمتع بها، وبين معتبرة الثاني في الباب 76 عن أحدهما (عليهما السلام): أنه سئل عن العزل. فقال: أما الامة فلا بأس، وأما الحرة فإني أكره ذلك، إلا أن يشترط عليها حين يتزوجها (4).


1 - مستمسك العروة الوثقى 14: 68. 2 - وسائل الشيعة 20: 149، كتاب النكاح، أبواب مقدمات النكاح وآدابه، الباب 75. 3 - الكافي 5: 504 / 3، الفقيه 3: 273 / 1295، وسائل الشيعة 20: 149، كتاب النكاح، أبواب مقدمات النكاح وآدابه، الباب 75، الحديث 1. 4 - تهذيب الاحكام 7: 417 / 1671، وسائل الشيعة 20: 151، كتاب النكاح، أبواب مقدمات النكاح وآدابه، الباب 76، الحديث 1.

[ 371 ]

[ وكذا فيها مع إذنها. ] ويقيد به الاطلاق الاول، فيكون الحكم في موردها مبنيا على التحريم، وعندئذ يرجع في التخصيص إلى الاجماع المحكي عن جماعة (1)، أو تنكر دلالته رأسا على الازيد من الكراهة، أو يحمل على الكراهة الشخصية، برجوع الضمير في قوله (عليه السلام) حين يتزوجها إليه (عليه السلام). مع أنها على خلاف القواعد، لان الشرط على خلاف الكتاب، وتخصيص تلك الادلة به محل إشكال، لما قيل: من إبائها عنه فيكون هذا من الكراهة غير الاصطلاحية. مع أن تقييد تلك المطلقات بهذه الواحدة، محل المناقشة، فتقع المعارضة، وتقييدها بها يستلزم خروج الفرد الشايع جدا، ولا سيما مع صراحتها في الاطلاق، فليتأمل جيدا. قوله دام ظله: مع إذنها. بناء على كون الممنوعية في بعض الصور الاتية، مستندة إلى أنه إضرار بحقها عليه، وهو صريح معتبر ابن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام) في


1 - مستمسك العروة الوثقى 14: 68، الحدائق الناضرة 23: 86، مستند الشيعة 2: 472 / السطر 22، جواهر الكلام 29: 114.

[ 372 ]

[... ] حديث: إلا أن ترضى، أو يشترط ذلك عليها حين يتزوجها (1). والظاهر منهم عدم البأس بذلك مع رضاها حرمة وكراهة. وهذا هو مستثنى المروي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): أنه نهى أن يعزل عن الحرة إلا بإذنها (2). وإمكان المناقشة في كل واحد من الادلة، يوجب المناقشة في دليل المنع، لان منع كونه حقا، ومنع جحية النبوي ولو كان في محله، ولكن منع خبر ابن مسلم الاتي الدال على الكراهة، يوجب سقوط الحرمة من رأس. اللهم إلا أن يقال: إن لمحمد بن مسلم في هذه المسألة، خبرا واحدا وإن رواه الاصحاب بطريقين (3)، ولا يوجد قوله (عليه السلام): إلا أن ترضى فيما رواه صفوان، عن العلاء، عنه، فإذا كانا خبرا واحدا، تقع المعارضة بين أصالة الزيادة والنقيصة، ولا سبيل عند العقلاء - على نعت الجزم - إلى ترجيح أحدهما على الاخر، فيلزم بقاء الكراهة أو الحرمة بحا لها ولو رضيت


1 - تهذيب الاحكام 7: 417 / 1672، وسائل الشيعة 20: 151، كتاب النكاح، أبواب مقدمات النكاح وآدابه، الباب 76، الحديث 2. 2 - دعائم الاسلام 2: 212 / 777، مستدرك الوسائل 14: 233، كتاب النكاح، أبواب مقدمات النكاح، الباب 57، الحديث 1. 3 - تقدم في الصفحة 370.

[ 373 ]

[ أما فيها بدون إذنها، ففيه قولان، أشهرهما الجواز مع الكراهة، وهو الاقوى. ] بذلك. وهذا هو المساعد للاعتبار، ولسائر الادلة المتخيلة التي ربما يستند إليها للتحريم. قوله مد ظله: وهو الاقوى. خلافا لما نسب (1) إلى المقنعة (2) والمبسوط (3) من الحرمة، بل الاجماع عليه في الخلاف (4) ووفاقا لطائفة من الاخبار المطلقة الصريحة في الجواز (5). والدليل المقيد ما رواه الوسائل في باب 76 بسند معتبر، عن محمد بن مسلم، عن أحدهما (عليهما السلام) الماضي (6)، فإنه (عليه السلام) استكره ذلك في الحرة، وهي الظاهرة في الحرمة، والنبوي السابق. وفي الباب المزبور، عن يعقوب الجعفي قال: سمعت أبا الحسن (عليه السلام) يقول: لا بأس بالعزل في ستة وجوه: المرأة التي تيقنت أنها لا تلد، والمسنة،


1 - لا حظ جامع المقاصد 12: 53، جواهر الكلام 29: 111. 2 - المقنعة: 516. 3 - المبسوط 4: 266 و 267. 4 - الخلاف 4: 359، المسألة 143. 5 - وسائل الشيعة 20: 149، كتاب النكاح، أبواب مقدمات النكاح وآدابه، الباب 75. 6 - تقدم في الصفحة 370.

[ 374 ]

[ بل لا يبعد عدم الكراهة في التي علم أنها لا تلد، وفي المسنة، والسليطة، والبذية، والتي لا ترضع ولدها. ] والمرأة السليطة، والبذية، والمرأة التي لا ترضع ولدها، والامة (1). ويمكن إرجاعه إلى مفهوم القيد، إلا أن مقتضى المفهوم ليس الحرمة، لان البأس أعم منها، مع أن مفهوم القيد أيضا غير ثابت. مضافا إلى عدم نقاوة السند من جهات، ولا يمكن توهم انجباره بما مر، كما لا يخفى. قول مد ظله: عدم الكراهة. أما عدم الكراهة في المذكورات، فلما عرفت، وعرفت المناقشة في سنده، فلا يصلح للافتاء به بعد ما تقرر: أن أخبار التسامح في أدلة السنن (2)، لا تصلح للافتاء على طبقها في المستحبات والمكروهات (3). وأما المناقشة في الكراهة كلا، فلما مر: من أن معتبر ابن مسلم، لا يدل على الكراهة الشرعية (4)، لانها لا تجوز بالشرط، وقد عرفت


1 - الفقيه 3: 281 / 1340، وسائل الشيعة 20: 152، كتاب النكاح، أبواب مقدمات النكاح وآدابه، الباب 76، الحديث 4. 2 - وهي أخبار من بلغ ونحوه، راجع وسائل الشيعة 1: 80 كتاب الطهارة، أبواب مقدمة العبادات، الباب 18. 3 - تحريرات في الاصول 7: 232 - 237. 4 - تقدم في الصفحة 371.

[ 375 ]

[ كما أن الاقوى عدم وجوب دية النطفة عليه، وإن قلنا بالحرمة. وقيل: بوجوبها عليه للزوجة، وهي عشرة دنانير. وهو ضعيف في الغاية. ] حاله فيما سبق. فعلى ما تحصل إلى هنا: أمكن المناقشة في أصل مرجوحية العزل مطلقا، فضلا عن الحرمة. وهل ما تعارف في العصر من تغليف العضو، يكون من العزل. وجهان إن كان النظر إلى حق المرأة، وأنها تستحق نزول الماء في رحمها، وأمثال ذلك من النكت السياسية المذكورة بعضها في المطولات. قوله دام ظله: عدم وجوب دية.... على المشهور بين المتأخرين (1)، وفاقا للاصل، وهو مقتضى كون الحكم مكروها، مع أن القول بالحرمة أيضا لا يقتضي ذلك، فضلا عما سلف من نفي الكراهة الاصطلاحية، على احتمال قوي. قوله مد ظله: وقيل بوجوبها. وهو المحكي (2) عن جماعة من القدماء، كالشيخ، والقاضي،


1 - جامع المقاصد 12: 506، مسالك الافهام 7: 65، الحدائق الناضرة 23: 89، مستند الشيعة 2: 474 / السطر 32. 2 - مختلف الشيعة: 814 و 815، لا حظ أيضا مستمسك العروة الوثقى 14: 71.

[ 376 ]

[... ] وأبي الصلاح، وابني حمزة وزهرة (1)، وإ ليه ذهب العلامة في معظم كتبه (2)، وكشف اللثام (3). ويحتمل الوجوب وإن قلنا: بالكراهة أو نفيناها رأسا، وذلك لعدم التهافت بين الحكمين، وقد التزم جمع - في تأخير قضاء شهر رمضان إلى رمضان آخر - بالكفارة، وعدم الوجوب أيضا (4)، والدية مثلها لا تلازم حرمة الفعل. والمهم في المسألة هي رواياتها، وفيها ما رواه الوسائل في باب 19 في أحكام ديات الاعضاء، وعن الكليني (رحمه الله) بأسانيده إلى كتاب ظريف عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: جعل دية الجنين... إلى أن قال: وأفتى (عليه السلام) في مني الرجل يفرغ عن عرسه، فيعزل عنها الماء، ولم يرد ذلك، نصف خمس المائة، عشرة دنانير، وإذا أفرغ فيها عشرين دينارا... (5).


1 - الخلاف 4: 359، المسألة 143، المهذب 2: 510، الكافي، أبو الصلاح الحلبي: 392، الوسيلة: 456، الغنية، ضمن الجوامع الفقهية: 559 / السطر 4. 2 - إرشاد الاذهان 2: 5، قواعد الاحكام 2: 25 / السطر 11 و 336 / السطر 21، مختلف الشيعة: 815 / السطر 10. 3 - كشف اللثام 2: 54 / السطر 25. 4 - العروة الوثقى 2: 231 - 233، كتاب الصوم، الفصل 13 في أحكام القضاء، المسألة 14 و 18. 5 - الكافي 7: 342 / 1، وسائل الشيعة 29: 312، كتاب الديات، أبواب ديات الاعضاء، الباب 19، الحديث 1.

[ 377 ]

[... ] وما عن الشيخ في الصحيح، عن يونس، عن أبي الحسن (عليه السلام) في التهذيب، في طي خبر طويل: أفتى (عليه السلام) في مني الرجل يفرغ عن عرسه، فعزل عنها الماء، ولم يرد ذلك، نصف خمس المائة، عشرة دنانير (1). والظاهر أنه مثل سابقه، في أن المراد من قوله (عليه السلام): لم يرد أي لم تكن المرأة راضية بذلك، فالصحيح: لم ترد وقضيتهما الدية ولو كان العزل جائزا، ولذلك نسب إلى جمع الكراهة في المسألة السابقة، ووجوب الدية في هذه المسألة (2)، كما يظهر مما ذكرناه بالتأمل. وأما الخبر المروي في العروة الوثقى (3) فيمن أفرغ رجلا عن عرسه، فهو أجنبي عن هذه المسألة. وأما المناقشة في سندهما ولا سيما في الاول، فهي تذب بما تحرر منا في كتاب ظريف بن ناصح ويونس (4) فراجع. نعم، ربما يحتمل كونه دية بعد المرافعة وفصل الخصومة، لقوله في الثاني: قضى ولان المتراءى منهما صورة المخاصمة.


1 - تهذيب الاحكام 10: 285 / 1107. 2 - جواهر الكلام 29: 112، قواعد الاحكام 2: 25 / السطر 11، كشف اللثام 2: 54 / السطر 21 و 25. 3 - العروة الوثقى 2: 809، كتاب النكاح، الفصل 1، المسألة 6. 4 - لعله (قدس سره) ذكر ذلك في قواعده الرجالية أو فيما علقه على خاتمة المستدرك وكلاهما مفقودان.

[ 378 ]

[ مسألة 15: يجوز لكل من الزوج والزوجة النظر إلى جسد الاخر، ظاهره، وباطنه، حتى العورة، ] قوله دام ظله: يجوز. وهو قضية النكاح عرفا، وعد من الضروريات فقها (1)، وتواترت النصوص به (2). نعم، عن ابن حمزة مخا لفتهم في خصوص العورة - وهي الفرج - حال الجماع (3)، وأما الدبر فلا نهي عنه، لاختصاص ما رواه الصدوق - عن أبي سعيد الخدري في وصية النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لعلي (عليه السلام) - بالفرج، حيث قال: ولا ينظر أحد إلى فرج امرأته، وليغض بصره عند الجماع، فإن النظر إلى الفرج يورث العمى في الولد (4). ومقتضاه حرمة النظر إلى فرج المرأة، ووجوب الغض عند الجماع، فلا يكون لابن حمزة الاستناد إليه إلا بالتأويل، أو يكون الحكم - وهو حرمة النظر الى الفرج مطلقا - مؤكدا حال الجماع. وربما يحمل على الكراهة، قضاء لحق ذات الموضوع.


1 - جواهر الكلام 29: 73، مستمسك العروة الوثقى 14: 23. 2 - وسائل الشيعة 20: 120، كتاب النكاح، أبواب مقدمات النكاح وآدابه، الباب 59. 3 - مستمسك العروة الوثقى 14: 24، الوسيلة: 314. 4 - الفقيه 3: 359 / 1712، وسائل الشيعة 20: 121، كتاب النكاح، أبواب مقدمات النكاح وآدابه، الباب 59، الحديث 5.

[ 379 ]

[... ] وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) - على ما فيها -: فإن النظر إلى الفرج فإنه يناسب الكراهة. هذا مع أن سنده إليه مذكور في الفقيه وفيه جماعة غير مذكورين، وبعضهم من العامة (1)، ومع ورود معتبر سماعة على جواز النظر إلى الفرج (2). وربما يستظهر من بعض أخبار الباب، استحباب النظر إلى جسد المرأة، لقوله (عليه السلام): وهل اللذة إلا ذلك (3) من غير ثبوت الكراهة حتى بالنسبة إلى العورة. نعم، في حال المجامعة يكره، لما في معتبر سماعة قال: سألته عن الرجل ينظر في فرج المرأة وهو يجامعها. قال: لا بأس به، إلا أنه يورث العمى (4).


1 - راجع مشيخة الفقيه 4: 113. 2 - تهذيب الاحكام 7: 414 / 1656، وسائل الشيعة 20: 121، كتاب النكاح، أبواب مقدمات النكاح وآدابه، الباب 59، الحديث 3. 3 - الكافي 5: 497 / 6، تهذيب الاحكام 7: 413 / 1652، وسائل الشيعة 20: 120، كتاب النكاح، أبواب مقدمات النكاح وآدابه، الباب 59، الحديث 1. 4 - تهذيب الاحكام 7: 414 / 1656، وسائل الشيعة 20: 121، كتاب النكاح، أبواب مقدمات النكاح وآدابه، الباب 59، الحديث 3.

[ 380 ]

[ وكذا مس كل منهما بكل عضو منه كل عضو من الاخر، مع التلذد وبدونه. ] قوله مد ظله: وكذا مس. لعين ما مر، إلا أنه لم يرد به النص. ومقتضى الشبهة استصحاب الحرمة، وقضية إطلاقه جوازه بعد الموت أيضا، ولكنه لا يخلو من النظر. وقضية الشبهة استصحاب الحلية.

[ 381 ]

[ مسألة 16: لا إشكال في جواز نظر الرجل إلى ما عدا العورة من مماثله، شيخا كان المنظور إليه أو شابا، حسن الصورة أو قبيحها، إذا لم يكن مع تلذد وريبة. ] قوله مد ظله: لا إشكال. لانه لو كان ممنوعا لبان. وأما عده من ضروريات الدين كما عن الجواهر (1)، فلا يخلو من التأسف، وما هو منه هو جوازه في الحمام، والقياس غير جائز، ولا سيما في هذه الجهة. قوله دام ظله: ما لم يكن بتلذذ وريبة. وأما معهما فالعبارة قاصرة، إلا أن المقصود تحريم النظر، أو الاحتياط في المسألة، ويكون هناك نوع فرار من حكم المسألة على وجه دقيق، وذلك لعدم دليل على الحرمة - بعد اقتضاء الاصول حليته - إلا الاجماع الاتي في المسألة الثامنة عشرة (2) إن شاء الله تعالى، ويظهر هناك معنى الريبة أيضا. نعم، ربما يصح دعوى وضوح الحرمة حسب ذوق الشريعة المطهرة، فأنه إذا حرم - على الوجه المزبور - إلى الاجنبية، وإلى النساء من غير الامة الاسلامية، فهنا أولى بالحرمة بعد ذلك التحذير


1 - مستمسك العروة الوثقى 14: 22، جواهر الكلام 29: 71. 2 - يأتي في الصفحة 389.

[ 382 ]

[ والعورة هي القبل والدبر والبيضتان. وكذا لا إشكال في جواز نظر المرأة إلى ما عدا العورة من مماثلها، وأما عورتها فيحرم أن تنظر إليها كالرجل. ] العجيب، فدعوى مقطوعية الحكم هنا قوي جدا، والفساد اللازم هنا - احتمالا - أفحش شئ في الاسلام ظاهرا، حتى عد من الكفر (1) وأفتى به الصدوق (2)، فليراجع. قوله دام ظله: والعورة. تقصيل الكلام من هذه الجهة، يطلب من كتاب الطهارة، أحكام التخلي، إن شاء الله تعالى. قوله مد ظله: وكذا.... لما عرفت. وقوله دام ظله: وأما عورتها، فيحرم أن تنظر إليها كالرجل. أي كما أن ذلك يحرم على المماثل، كذلك يحرم على غير المماثل. وأما جواز نظر المرأة إلى مماثلتها مطلقا - كما يظهر من المتن، على


1 - الكافي 5: 544 / 3، وسائل الشيعة 20: 239، كتاب النكاح، أبواب النكاح المحرم وما يناسبه، الباب 20، الحديث 2. 2 - المقنع: 430.

[ 383 ]

[... ] خلاف ما يستظهر من العروة (1) - فهو في محل المناقشة، لامكان أن يكون في نظر المرأة إلى مماثلتها، الثوران والريبة إلى الفساد والمساحقة. اللهم إلا أن يقال: بعدم الدليل على حرمة مطلق النظر الريبي، كما لا يبعد. ثم إن حكم حرمة النظر إلى العورة أيضا، يطلب من أحكام التخلي، إن شاء الله تعالى.


1 - العروة الوثقى 2: 802، كتاب النكاح، المسألة 28.

[ 384 ]

[ مسألة 17: يجوز الرجل أن ينظر إلى جسد محارمه، ما عدا العورة، ] قوله دام ظله: يجوز. ولو كان محرما لبانت الحرمة بالضرورة، مضافا إلى الاجماعات المحكية عن جماعة (1)، ويظهر من بعض الاخبار المروية في المسألة، مفروغية الحكم، وفيها قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام): ما يحل للرجل أن يرى من المرأة إذا لم يكن محرما... (2). ومن الغريب ما حكي عن موضع من القواعد من المنع (3)، مع ما في عبارته من الابهام!! وهكذا ما عن التنقيح من استثناء الثدي حال الرضاع!! (4) فراجع، فإن الامر مريب. نعم، احتمال الممنوعية بالنسبة إلى بعض الحالات والشابات وهن عاريات بتمام جسدهن ما عدا العورة، قوي، ويساعده الارتكاز، وربما يحمل عليه كلام العلامة. وربما لا يستثنى الثدي جدا، ولا يكثر الابتلاء به إلى حد لو كان لبان، كما لا يخفى.


1 - مستمسك العروة الوثقى 14: 32. 2 - الكافي 5: 521 / 2، وسائل الشيعة 20: 201، كتاب النكاح، أبواب مقدمات النكاح وآدابه، الباب 109، الحديث 2. 3 - لا حظ مستمسك العروة الوثقى 14: 32، قواعد الاحكام 2: 273 / السطر 23. 4 - التنقيح الرائع 3: 22.

[ 385 ]

[... ] وكما يمكن الاستشهاد من قوله تعالى: (ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن....) (1) إلى آخره، لجواز النظر بالنسبة إلى المحارم، كذلك ليستشهد منه لممنوعيته بالنسبة إلى ما هو المستور طبعا حين المراودات في الخلوات، لخروجها عن حد الاية الشريفة أيضا. وما ورد في تغسيل المحارم مجردات، ويلقى على عورتهن خرقة (2)، لا يشهد على شئ (3)، لاختلاف الحكم باختلاف الحالات في المقام جدا، كالقواعد منهن، فلا تخلط. وأما خبر أبي الجارود المروي في تفسير علي بن إبراهيم فهو وإن يظهر منه المنع، لما فيه: وأما زينة المحرم، فموضع القلادة فما فوقها، والدملج فما دونه، والخلخال وما أسفل منه... (4) الحديث، إلا أنه لا يفيد شيئا، لانه - مضافا إلى عدم ثبوت سند له، وإلى ما في متنه من بعده عن متون الاخبار - غير معمول به. وبالجملة: مقتضى الاصل هي الحلية.


1 - النور (24): 31. 2 - وسائل الشيعة 2: 516، كتاب الطهارة، أبواب غسل الميت، الباب 20، الحديث 1 و 2. 3 - لا حظ مستمسك العروة الوثقى 14: 32. 4 - تفسير القمي 2: 101، مستدرك الوسائل 14: 275، كتاب النكاح، أبواب مقدمات النكاح، الباب 85، الحديث 3.

[ 386 ]

[ إذا لم يكن مع تلذذ وريبة. والمراد بالمحارم من يحرم عليه نكاحهن من جهة النسب، أو الرضاع، ] اللهم إلا أن يقال: بالحرمة في الاعراض والنظر إليهن، والله العا لم. قوله دام ظله: إذا لم يكن مع تلذذ. اتفاقا (1) واحتمال اختصاص الاجماع بمورد الاجنبية، ساقط ظاهرا، وسيظهر الامر إن شاء الله. قوله أو الرضاع. لو كان المستند ما اشتهر: من أن الرضاع لحمة كلحمة النسب (2) ولكنه غير ثابت. وأما قوله (عليه السلام): يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب (3) فلا يقتضي حلية ما احل بالنسب، كما لا يخفى. وأما الاطلاقات العرفية على الامهات الرضاعيات والاباء الرضاعيين فهي ليست على وجه الحقيقة بالضرورة، فكونهم آباء أو


1 - جواهر الكلام 29: 73. 2 - الوسيلة: 302، المهذب البارع 3: 236، جامع المقاصد 12: 241. 3 - وسائل الشيعة 20: 371، كتاب النكاح، أبواب ما يحرم بالرضاع، الباب 1، الحديث 1 و 3 و 4 و 6 و 7 و 8 و 10.

[ 387 ]

[ أو المصاهرة. ] امهات حتى تشملهم الاية (1)، يحتاج إلى دليل حاكم، وما في الاخبار من التعبير عن الاب الرضاعي ب‍ صاحب اللبن (2) أيضا يؤيد ذلك، ولو لا كون الحكم مقطوعا به عندهم، كان للمناقشة فيه مجال واسع. قوله مد ظله: أو المصاهرة. وهو قضية الاية الشريفة (3) إجمالا، لما فيها من استثناء بعولتهن وآباء بعولتهن وأبناء بعولتهن. وأما جواز النظر إلى ام الزوجة والربائب، فهو للاتفاق. وما يقال: إن جميع المحارم محرم فهو ممنوع ظاهرا في المحرم باللواط والزنا، على القول به. فآية تحريم النكاح (4)، ليست مخصصة لاية تحريم النظر (5).


1 - النساء (4): 23. 2 - لم نعثر على خبر يعبر صريحا عن الاب الرضاعي بصاحب اللبن، نعم يوجد بتعبير آخر مع اتحاد المفهوم، راجع وسائل الشيعة 20: 393، كتاب النكاح، أبواب ما يحرم بالرضاع، الباب 6، الحديث 13، و 20: 403، الباب 15، الحديث 3. 3 - النور (24): 31. 4 - النساء (4): 23. 5 - النور (24): 30 و 31.

[ 388 ]

[ وكذا يجوز لهن النظر إلى ما عدا العورة من جسده. ] هذا، وربما يناقش في دلالة الاية الثانية (1) على جواز النظر: بأنها متضمنة لجواز الاظهار على النساء، وهو أعم من جواز نظرهم إليهن، فإنه من الممكن التفكيك كما في الرجال، فإنه يجوز خروجهم عراة عليهن، مع حرمة نظرهن إليهم، وهنا - مراعاة للتسهيل عليهن - رخص في ذلك. نعم، ربما ينافيه قوله تعالى: (ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن...) (2) إلى آخره، فإن الظاهر من اللام جواز نظرهم إليهن، كما لا يخفى. وبالجملة: ليست المسألة ذات رواية حتى يعتمد عليها، وتدل على عموم المدعى، ولاجل ذلك استشكل فيها بعض الاخباريين. قوله دام ظله: وكذا يجوز لهن. لما مر في مسألة جواز نظرهم بعضهم إلى بعض (3)، وأما حكم العورة وموضوعها فيطلب من بحوث التخلي وأحكامه. وغير خفي: أن جواز نظرهن غير مقيد - حسب الفتوى - بعدم التلذذ والريبة، إلا أنه محتمل، لما يترتب عليه من الفساد والافتتان أحيانا. نعم مقتضى الاصل جوازه.


1 - النور (24): 31. 2 - النور (24): 31. 3 - تقدم في الصفحة 382.

[ 389 ]

[ مسألة 18: لا إشكال في عدم جواز نظر الرجل إلى ما عدا الوجه والكفين، من المرأة الاجنبية، من شعرها وسائر جسدها، ] قوله دام ظله: عدا الوجه والكفين. إجماعا مقطوعا به، ومفروغا عنه (1)، ويشهد له السيرة الالتزامية القطعية، ولعلها إسلامية، ولا يخالفنا أحد من المخالفين، حسب ما يظهر من موضع من التذكرة (2) وما عن الجواهر: أنه ضرورة من المذهب (3) في غير محله. واليه تسوق جملة من الاخبار الاتية في فروعها. ولو أمكن المناقشة فيها سندا أو دلالة، على سبيل منع الخلو كما لا يبعد، وأمكن المناقشة في إطلاق معقد الاجماع: بأن القدر المتيقن منه هو النظر وبتلذذ وريبة، كما يساعده الاعتبار، لامكن تأييد ذلك بمعتبر علي بن سويد، قلت لابي الحسن (عليه السلام): إني مبتلى بالنظر إلى المرأة الجميلة، فيعجبني النظر إليها. فقال (عليه السلام): يا علي لا بأس، إذا عرف الله من نيتك الصدق، وإياك والزنا، فإنه يمحق البركة، ويهلك الدين (4).


1 - جواهر الكلام 29: 75، مستمسك العروة الوثقى 14: 25. 2 - تذكرة الفقهاء 2: 446. 3 - جواهر الكلام 29: 75. 4 - الكافي 5: 542 / 6، وسائل الشيعة 20: 308، كتاب النكاح، أبواب النكاح المحرم وما يناسبه، الباب 1، الحديث 3.

[ 390 ]

[ سواء كان فيه تلذذ وريبة، أم لا. ] اللهم إلا أن يقال: بأن ما ورد في القواعد (1)، وما ورد في جواز النظر حال الاضطرار (2)، وأمثال ذلك، كلها دليل المنع الكلي، وسيأتي زيادة توضيح حول صحيح ابن سويد (3) إن شاء الله تعالى. وأما الاية الشريفة (4)، فغاية ما تدل عليه - بملاحظة ما ورد في نزولها (5) - هي حرمة النظر أو وجوب الغض عند الريبة والتلذذ. مع أن الغض ربما يكون كناية عن صرف النظر عن النساء، بالمحافظة على فروجهم، وبعدم الاعتناء بتطلباتها. قوله دام ظله: سواء كان فيه. ويدل على ذلك مضافا إلى ما اشير إليه، ما ورد في جواز النظر الى شعور نساء أهل الذمة وأيديهن (6)، وفي جواز النظر إلى شعور نساء


1 - وسائل الشيعة 20: 202، كتاب النكاح، أبواب مقدمات النكاح وآدابه، الباب 110. 2 - وسائل الشيعة 20: 233، كتاب النكاح، أبواب مقدمات النكاح وآدابه، الباب 130. 3 - يأتي في الصفحة 395. 4 - النور (24): 30، 31. 5 - الكافي 5: 521 / 5، وسائل الشيعة 20: 192، كتاب النكاح، أبواب مقدمات النكاح وآدابه، الباب 104، الحديث 4. 6 - وسائل الشيعة 20: 205، كتاب النكاح، أبواب مقدمات النكاح وآدابه، الباب 112.

[ 391 ]

[... ] الاعراب، وأهل السواد والعلوج، والمجنونة والمغلوبة (1). وبالجملة: يدل عليه قوله (عليه السلام) فيها لانهم إذا نهو الا ينتهون (2) فإنه يعلم منه كونه نهيا في أصل الشريعة، وهكذا ما ورد في عدم جواز النظر إلى شعر اخت الزوجة (3) فراجع وتأمل، وقضية كل ذلك - حسب إطلاقها - الممنوعية مطلقا. اللهم إلا أن يقال: بأن الكل منصرف إلى صورة النظر بتلذذ وريبة، وخوف الفتنة والفساد، وهذا لا ينافي حرمة السفور عليهن، ووجوب الحجاب بالنسبة إليهن بالضرورة. وبالجملة: في موارد الاستثناء، لا يكون جواز النظر بريبة، مورده بضرورة عقول المتشرعة ولو لم يكن عام واضح المرام يدل على المنع، ولكن يستفاد من القيود المأخوذة في هذه الطوائف، الممنوعية المطلقة، فليتدبر جيدا.


1 - وسائل الشيعة 20: 206، كتاب النكاح، أبواب مقدماته وآدابه، الباب 113. 2 - الكافي 5: 524 / 1، وسائل الشيعة 20: 206، كتاب النكاح، أبواب مقدمات النكاح وآدابه، الباب 113، الحديث 1. 3 - وسائل الشيعة 20: 199، كتاب النكاح، أبواب مقدمات النكاح وآدابه، الباب 107.

[ 392 ]

[ وكذا الوجه والكفان إذا كان بتلذذ وريبة. ] قوله مد ظله: بتلذذ وريبة. إجماعا. نعم يأتي من ذهب إلى جواز ذلك مرة واحدة (1)، وأما مطلقا فهو ممنوع عندهم، وهو مقتضى الادلة المانعة. ودعوى: أن الوجه وأمثاله، القدر المتيقن من تلك الادلة قريبة، فإنه أولى بالمنع، وعليه يدل ما ضبطه أهل السير والتأريخ، من أحوال النساء المؤمنات في عصر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وعصر الائمة (عليهم السلام) وكيفية ترددهن. نعم، هناك مطلقات، مثل الاستثناء في الاية الشريفة (2)، والاخبار الواردة في الوجه والكفين والقدمين (3)، فإن قضيتها الجواز مطلقا. ولو أمكن المناقشة في دلالة الاية على الجواز في المسألة - بأن الاستثناء هنا من قبيل الاستثناء في قوله تعالى: (وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ) (4) فما يحل لهن إبداء زينتهن إلا ما ظهر منها قهرا وطبعا، لا أنه يجوز الابداء بالنسبة إلى ما ظهر، وسيظهر الكلام ذيل المسألة إن شاء الله تعالى يمكن المناقشة في الاطلاقات المزبورة: بأنها معرض عنها أولا.


1 - شرائع الاسلام 2: 213. 2 - النور (24): 31. 3 - وسائل الشيعة 20: 201 - 202، كتاب النكاح، أبواب مقدمات النكاح وآدابه، الباب 109، الحديث 2 و 5، بحار الانوار 101: 34، الحديث 11. 4 - النساء (4): 92.

[ 393 ]

[ وأما بدونها ففيه قولان، بل أقوال: الجواز مطلقا، وعدمه مطلقا، والتفصيل بين نظرة واحدة فالاول، وتكرار النظر فالثاني. وأحوط الاقوال أوسطها. ] وبأن ما ورد من استثناء أيدي نساء أهل الذمة (1)، معارض لها بمفهومها الثابت له عرفا جدا ثانيا. مضافا إلى ما ورد من تجويز النظر إلى المجنونة والمغلوبة على عقلها ما لم يتعمد (2)، فمع التعمد لا يجوز فيهن، فضلا عن غيرهن ثالثا. وبالجملة: المسألة اتفاقية، ويقتضيها ذوق المتشرعة، ويناسبها اهتمام الاسلام بسد ثغور الفساد، ولا سيما في الاعراض. ويدل عليه معتبر ابن سويد الماضي، حيث قال (عليه السلام): إذا عرف الله من نيتك الصدق (3) ومجرد إمكان المناقشة فيما استقصيناه حسب الصناعة، غير كاف، لما يفهم العرف من المجموع، ما اختاره المجمعين إنصافا. قوله دام ظله: وأما بدونها. أقول: لهذه المسألة نظرتان:


1 - وسائل الشيعة 20: 205، كتاب النكاح، أبواب مقدمات النكاح وآدابه، الباب 112. 2 - وسائل الشيعة 20: 206، كتاب النكاح، أبواب مقدمات النكاح وآدابه، الباب 113. 3 - الكافي 5: 542 / 6، وسائل الشيعة 20: 308، كتاب النكاح، أبواب النكاح المحرم وما يناسبه، الباب 1، الحديث 3.

[ 394 ]

[... ] الاولى: استفادة جواز النظر من السيرة أي النظر إلى ما كان الناس يبتلون به يوما وليلا، وإلى ما في بعض الاخبار والاثار المؤيدة لهذه النظرة. وهو أن المسائل المبتلية بها الامة الاسلامية في أدوار حياتها الاجتماعية، إذا كانت من المحرمات الالهية، لابد وأن يتبين حالها وحكمها في الشريعة، على وجه لا يشك فيه الاثنان، لان الدعاة إليها كثيرون، والامة الاسلامية يحافظونها على الاجيال التالية طبعا، فعندئذ إذا رأينا أن مسألة النظر غير الشهوى، كانت مما يبتلي بها كافة المسلمين المتدينين وغيرهم، في معاشهم وتجارتهم، وفي محاوراتهم ومعاشرتهم اليومية الرائجة بين الاقوام والقبائل، ولم تكن حرمة واضحة في الاخبار والايات، على حد النار على المنار، والشمس في رابعة النهار، يتبين من ذاك وذاك أن الجواز قطعي، ولو كان الشرع يهتم بتحريم ذلك، لا وضحه في الايات المختلفة، والماثير الواضحة، بعبارات ظاهرة. فالانصاف: أن الفقيه المتدبر في الوقائع الخارجية، والتردد المتعارف بين العشائر والقبائل، والاقوام والاجيال، يجد أنه لا مخلص من هذا الامر، وأن مسألة النظر بلا شهوة وريبة وتلذذ، ما كانت مطرح الانظار السا لفة، وأن كل النظر كان حول تحريم النظر الباطل الخبيث، الذي

[ 395 ]

[... ] يجده الناظر من نفسه ووجد انه من غير حاجة إلى توضيح ذلك، ضرورة أن ما هو الممنوع وجدانا وخلقا، هو المحرم شرعا جدا. وربما يؤيده معتبر علي بن سويد السابق، الصريح في تجويز النظر مطلقا، إذا عرف الله من نيته الصدق. وحمله على الاضطرار للنظر بقصد العلاج (1)، أو على النظر الاتفاقي - كما في الكشف (2) والجواهر (3) - بلا وجه جدا، ضرورة أن ابن سويد ما كان معا لجا حسب تأريخ حياته، وكان النظر دأبه وعادته، من غير الاضطرار ولو كان معا لجا، لان قوله: إني رجل مبتلى بالنظر إلى المرأة الجميلة لا يناسب كونه طبيبا ومعا لجا، فكأنه كان ينظر إليها لاجل النيات الصادقة، وتقوية الايمان والتوحيد، حيث أنها جمال الله تبارك وتعالى. وما قيل: إن الظاهر أنه كان يتلذذ بالنظر إليهن (4) غير تام، لان هذا ينافي وثاقته (5)، ضرورة معروفية هذا الحكم بين الاصحاب الاولين، بل


1 - مستمسك العروة الوثقى 14: 31. 2 - كشف اللثام 2: 9 / السطر 23. 3 - جواهر الكلام 29: 79. 4 - النكاح، الشيخ الانصاري: 53 - 54. 5 - رجال الطوسي: 380، أصحاب الرضا (عليه السلام)، الباب العين / 6.

[ 396 ]

[... ] بين المسلمين. ثم إن الظاهر من الشرائع (1) والقواعد (2) وكل من قيدا لتحريم بقوله: بالتلذذ والريبة (3) أنه يجوز النظر في غير هذه الصورة مطلقا، من غير فرق بين النظرة الاولى والثانية. الثانية في أن القدر المتيقن حرمة النظرة الثانية بشهوة: إن مقتضى النظر إلى الاخبار الموجودة بين أيدينا، أن النظرة الاولى وغيرها سهم من سهام إبليس (4) وما ورد من التفصيل بين النظرة الاولى والثانية (5) أيضا، هو ممنوعية النظرة الثانية مطلقا، سواء كان بتلذذ وشهوة، أم كان بصدق ونية خا لصة، فالقول بالجواز مطلقا ينافيه الطائفتان. ولكنك عرفت فيما سبق حكم الطائفة الاولى، فإنها مع كثرتها غير نقية السند أو الدلالة. مع أن المنساق من إطلاقها هو النظر الخاص.


1 - شرائع الاسلام 2: 213. 2 - قواعد الاحكام 2: 3 / السطر 2. 3 - لا حظ مستمسك العروة الوثقى 14: 30. 4 - وسائل الشيعة 20: 190 - 192، كتاب النكاح، أبواب مقدمات النكاح وآدابه، الباب 104، الحديث 1 و 5. 5 - وسائل الشيعة 20: 193 - 195، كتاب النكاح، أبواب مقدمات النكاح وآدابه، الباب 104، الحديث 8 و 11 و 13 و 14 و 15 و 17.

[ 397 ]

[... ] وهكذا الامر في الطائفة الثانية، فإن منها ما في الفقيه قال: قال (عليه السلام): أول نظرة لك، والثانية عليك ولا لك، والثالثة فيها الهلاك (1). ومنها: ما في عيون أخبار الرضا (عليه السلام) عن آبائه (عليهم السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): من قتل حية قتل كافرا. وقال: لا تتبع النظرة النظرة، فليس لك - يا علي‍ إلا أول نظرة (2). وهاتان غير نقيتي السند، حسب ما تحرر عندنا في مراسيل الصدوق مطلقا. نعم منها: ما رواه بإسناده عن ابن أبي عمير عن عبد الله بن يحيى الاسدي الكاهلي، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): النظرة بعد النظرة، تزرع في القلب الشهوة، وكفى بها لصاحبها فتنة (3). وهو قريب اعتباره عندنا، وإن لم يوثق الكاهلي. ولكن الشأن في دلالة هذه الاخبار على الحرمة وإن لم تكن


1 - الفقيه 3: 304 / 1460، وسائل الشيعة 20: 193، كتاب النكاح، أبواب مقدمات النكاح وآدابه، الباب 104، الحديث 8. 2 - عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 2: 65 / 284 و 285، وسائل الشيعة 20: 193، كتاب النكاح، أبواب مقدمات النكاح وآدابه، الباب 104، الحديث 11. 3 - الفقيه 4: 11 / 3، وسائل الشيعة 20: 192، كتاب النكاح، أبواب مقدمات النكاح وآدابه، الباب 104، الحديث 6.

[ 398 ]

[... ] النظرة بشهوة، فإنها ممنوعة جدا، فإن المستفاد منها أن النظرة الاولى - لكونها نوعا فارغة عن النية الباطلة جائزة، ولكنها في المرة الثانية، تلازم نوعا تلك النية فتحرم، وأما فيما لم يكن النظر مقرونا بالنية الشيطانية، فهذه الاخبار غير ناظرة إليها جدا. وفي أخبار المسألة بعض الشواهد الاخر، الناهضة على أن الامر مبني على الكراهة، وإن لم يقل بها أحد. ومما ذكرنا يظهر وجه القول بالتحريم مطلقا، وبالتفصيل بين الاولى والثانية، كما ظهر وجه تحليل النظر الشيطاني في أول مرة. والقدر المتيقن هي حرمة الثانية، إذا كانت مقرونة بالتلذذ والريبة. ثم اعلم: أنه ربما يستفاد من أدلة استثناء الوجه والكفين (1) من عموم وجوب ستر المرأة نفسها، جواز النظر إليها، بدعوى الملازمة العرفية بين تجويز الاستثناء، وتجويز النظر على الرجال. ومن الغريب، خلط بعض الافاضل بين أدلة المسألتين (2)!! فإن مسألة وجوب الستر على المرأة، مذكورة في كتاب الصلاة، ومسألة حرمة


1 - وسائل الشيعة 20: 200، كتاب النكاح، أبواب مقدمات النكاح وآدابه، الباب 109، بحار الانوار 101: 34 / 11. 2 - لاحظ مستمسك العروة الوثقى 5: 240 و 241.

[ 399 ]

[... ] النظر إلى الاجنبية، معنونة في المقام، وأدلة تلك المسألة غير أدلة هذه المسألة. نعم، بناء على الملازمة العرفية، يمكن استظهار جواز النظر منها هنا. وفي آخر المسألة، لا بأس بذكر رواية عن الرضا (عليه السلام) ولا يبعد اعتبارها في قرب الاسناد تشعر بجواز النظر إلى الوجه والكفين، قال: سألته عن الرجل، يحل له أن ينظر إلى شعر اخت امرأته؟. فقال: لا، إلا أن تكون من القواعد. قلت له: اخت امرأته والغريبة سواء؟ قال: نعم. قلت: فما لي من النظر إليه منها؟ فقال: شعرها وذراعها (1). فإن الضمير في قوله منها يرجع إلى القواعد، وتجويز النظر فيها إلى الذراع، يشعر بأن الوجه والكفين كان يجوز، فتأمل. وقريب منه مرسلة ابن عبيد، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت له: ما يحل للرجل أن يرى من المرأة، إذا لم يكن محرما؟


1 - قرب الاسناد: 363 / 1300، وسائل الشيعة 20: 199، كتاب النكاح، أبواب مقدمات النكاح وآدابه، الباب 107، الحديث 1.

[ 400 ]

[... ] قال: الوجه والكفان والقدمان (1). ومما ذكرناه مع إجماله، يظهر وجه استثناء الكفين والوجه ولو كان يجب عليهن التستر، ولكنهن لا ينتهين في ذلك، ومع هذا لم يرد نص يمنع الرجال عن النظر صريحا، بل ورد بعض الظواهر على جوازه (2)، فلا تخلط.


1 - الكافي 5: 521 / 2، وسائل الشيعة 20: 201، كتاب النكاح، أبواب مقدمات النكاح وآدابه، الباب 109، الحديث 2. 2 - المصدر السابق.

[ 401 ]

[ مسألة 19: لا يجوز للمرأة النظر إلى الاجنبي كالعكس، ] قوله مد ظله: النظر إلى الاجنبي. مطلقا حسب ما يظهر، وعليه يدل - بعد الاجماع - عموم الحذف في الاية الشريفة (1). وقال في الرياض: تتحد المرأة مع الرجل، فتمنع في محل المنع، ولا تمنع في غيره إجماعا (2) انتهى. ويناقش في الاجماع: بأنه معلل بالاية. وفي الاية: بأن عموم الحذف، ينتهي إلى المنع عن كل شئ، وهو كما ترى، فتكون الاية في موقف تحريم خاص بحسب محل النظر والحال، والقدر المتيقن منه هو الأجنبي، إذا كان في حال الشهوة والريبة، فلا دليل على المنع المطلق حتى نحتاج إلى استثناء الوجه والكفين بدليل آخر. هذا مع أن تحريم النظر كان يتضح، لكثرة الابتلاء به، ومجرد خبر عامي يحكي قصة عائشة وحفصة (3)، أو رواية اخرى تحكي عن قضية


1 - النور (24): 31. 2 - رياض المسائل 2: 74 / السطر 27. 3 - عدة من أصحابنا عن أحمد بن أبي عبد الله قال: استأذن إبن ام مكتوم على النبي (صلى الله عليه وآله) وعنده عائشة وحفصة فقال لهما قوما فادخلا البيت، فقالتا إنه أعمى، فقال: إن لم يركما فإنكما تريانه. راجع الكافي 5: 534 / 2، وسائل الشيعة 20: 232، كتاب النكاح، أبواب مقدمات النكاح وآدابه، الباب 129، الحديث 1.

[ 402 ]

[ والاقرب استثناء الوجه والكفين. ] سيدة النساء سلام الله عليها في مورد ابن ام مكتوم، وروده في البيت (1)، لا يكفي لحل هذه المشاكل بالضرورة. ومن الغريب، دعوى جواز النظر إلى الوجه والكفين من النساء دون الرجال، بتوهم وجود الدليل (2) على الاستثناء هناك، لا هنا كما لا يخفى!! فإن الفقيه كل الفقيه، من يراجع السيرة السالفة، ويلا حظ الاخبار والاحكام الالهية بالقياس إليها، حتى يتضح له حالها. قوله دام ظله: والاقرب. لا مطلقا حتى بريبة وتلذذ، وقد عرفت وجهه. ويمكن دعوى جواز النظر للنساء ولو كان بتلذذ، لان التلذذ نادر، وربما لا يبالي الشرع بالنادر. كما أن التلذذ الحاصل بالنظر والاستدامة - إذا كان متعارفا - يمكن


1 - جعفر بن محمد عن أبيه عن جده علي بن الحسين عن أبيه أن فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) استأذن عليها أعمى فحجبته، فقال لها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): لم حجبته وهو لا يراك، فقالت: يا رسول الله إن لم يكن يراني فأنا أراه وهو يشم الريح، فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): أشهد أنك بضعة مني. الجعفريات: 95، مستدرك الوسائل 14: 289، كتاب النكاح، أبواب مقدمات النكاح، الباب 100، الحديث 1. 2 - مستمسك العروة الوثقى 14: 26.

[ 403 ]

[... ] تجويزه في موارد جوازه، كما نسب إلى الشيخ الانصاري (قدس سره) (1)، فتخص ممنوعية النظر بما إذا قصد التلذذ بالنظر، وهو المنسوب إلى ظاهر الشرائع (2).


1 - مستمسك العروة الوثقى 14: 30، ولا حظ كتاب النكاح، للشيخ الانصاري: 53. 2 - مستمسك العروة الوثقى 14: 30، ولا حظ شرائع الاسلام 2: 213.

[ 404 ]

[ مسألة 20: كل من يحرم النظر إليه يحرم مسه، ] قوله مد ظله: يحرم مسه. ويدل عليه قبل الاجماع - وفي الجواهر: لا أجد فيه خلافا، بل كأنه ضروري على وجه يكون محرما بنفسه (1) انتهى - الاخبار الكثيرة المتفرقة، ففي أبواب غسل الميت معتبر عبد الله بن سنان قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إذا مات الرجل مع النساء غسلته امرأته، وإن لم تكن امرأته معه غسلته اولاهن به، وتلف على يدها خرقة (2). ومقتضى ما ورد من جواز تغسيل المحارم بلالف (3)، اختصاص اللف بالاولى غير المحارم. وفي أبواب مقدمات النكاح وفيه مرسلة ابن أبي نجران، عنه (عليه السلام) قال: وزنا الفم القبلة، وزنا اليدين اللمس... (4) الحديث. وفي حديث المناهي: وقال (عليه السلام): ومن صافح امرأة تحرم عليه، فقد


1 - جواهر الكلام 29: 100. 2 - تهذيب الاحكام 1: 444 / 1436، وسائل الشيعة 2: 518، كتاب الطهارة، أبواب غسل الميت، الباب 20، الحديث 6. 3 - وسائل الشيعة 2: 516 - 519، كتاب الطهارة، أبواب غسل الميت، الباب 20، الحديث 1 إلى 5 و 7 و 8 و 9. 4 - الكافي 5: 559 / 11، وسائل الشيعة 20: 191، كتاب النكاح، أبواب مقدمات النكاح وآدابه، الباب 104، الحديث 2.

[ 405 ]

[... ] باء بسخط من الله عز وجل... (1) الحديث. وفي حديث عقاب الاعمال: قال: ومن صافح امرأة حراما، جاء يوم القيامة مغلولا، ثم يؤمر به إلى النار... (2) الحديث. وفي معتبر أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت له: هل يصافح الرجل المرأة ليست بذات محرم؟ فقال: لا، إلا من وراء الثوب (3). ومعتبر سماعة بن مهران، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن مصافحة الرجل المرأة. قال: لا يحل للرجل أن يصافح المرأة، إلا امرأة يحرم عليه أن يتزوجها، اخت، أو بنت، أو عمة، أو خالة، أو بنت اخت، أو نحوها، وأما المرأة التي يحل له أن يتزوجها، فلا يصافحها إلا من وراء الثوب، ولا يغمز كفها (4).


1 - الفقيه 4: 8 / 1، وسائل الشيعة 20: 195، كتاب النكاح، أبواب مقدمات النكاح وآدابه، الباب 105، الحديث 1. 2 - عقاب الاعمال: 334 / 1، وسائل الشيعة 20: 198، كتاب النكاح، أبواب مقدمات النكاح وآدابه، الباب 106، الحديث 4. 3 - الكافي 5: 525 / 2، وسائل الشيعة 20: 207، كتاب النكاح، أبواب مقدمات النكاح وآدابه، الباب 115، الحديث 1. 4 - الكافي 5: 525 / 1، وسائل الشيعة 20: 208، كتاب النكاح، أبواب مقدمات النكاح وآدابه، الباب 115، الحديث 2.

[ 406 ]

[... ] وفي أبواب النكاح المحرم في حديث عقاب الاعمال، عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: المرأة إذا طاوعت الرجل، فنال منها حراما وقبلها، وباشرها حراما، أو فاكهها، أو أصاب منها فاحشة، فعليها مثل ما على الرجل، فإن غلبها على نفسها، كان على الرجل وزره ووزرها (1)، ما ينفعك. وفي الباب السابق روايات تحكي كيفية بيعة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والنساء (2)، وفيها أيضا ما يشهد على الممنوعية، إن لم يكن ذلك من خصائصه (صلى الله عليه وآله وسلم) لما فيه من خوف يوجب الافتراق بلا طلاق. وغير خفي: أن ما هو المقصود تحريم المس، وهذه الطوائف قاصرة، إلا الاولى وحديث عقاب الاعمال. وإمكان المناقشة في ذلك - بعد اقتضاء الاعتبار تحريمه، وهو الموافق لمرتكز المتشرعة، ولا عسر ولا حرج في ذلك - في غير محله.


1 - عقاب الاعمال: 334 / 1، وسائل الشيعة 20: 321، كتاب النكاح، أبواب النكاح المحرم وما يناسبه، الباب 8، الحديث 2، باختلاف في الالفاظ. 2 - وسائل الشيعة 20: 208 و 211، كتاب النكاح، أبواب مقدمات النكاح وآدابه، الباب 115، الحديث 3 و 4 و 5، والباب 117 من هذه الابواب، الحديث 4.

[ 407 ]

[ فلا يجوز مس الاجنبي الاجنبية وبالعكس. بل لو قلنا: بجواز النظر إلى الوجه والكفين من الاجنبية، لم نقل بجواز مسهما منها، فلا يجوز للرجل مصافحتها. نعم، لا بأس بها من وراء الثوب، لكن لا يغمز كفها احتياطا. ] قوله مد ظله: فلا يجوز. إلا بدعوى انصراف أدلة المنع - حتى الاجماع - إلى مورد المس بتلذذ وريبة. وكان ينبغي أن يقال: فلا يجوز مسها حتى يناسب التفريع ما يتفرع عليه، فإن المصافحة أخص، لامكان تحريمها خصوصا، كما عرفت. وبالجملة: نص في الجواهر (1) وأقر به الشيخ الانصاري (قدس سرهما) (2)، على أن الملازمة ممنوعة، وفي المحكي عنه: إذا حرم النظر حرم اللمس قطعا، بل لا إشكال في حرمة اللمس وإن جاز النظر، للاخبار الكثيرة (3) انتهى. ومراده من الاخبار الكثيرة، لا بد وأن تكون الطائفة الاولى. إلا أن تحريمه على إطلاقه محل إشكال، فتدبر جدا. قوله مد ظله: لا يغمز. أي لا يجسها ولا يكبسها باليد، وقد مر في الاخبار ما يدل عليه


1 - جواهر الكلام 29: 100. 2 - النكاح، الشيخ الانصاري: 68. 3 - حكاه في مستمسك العروة الوثقى 14: 50، النكاح، الشيخ الانصاري: 68.

[ 408 ]

[... ] بالاولوية (1). ويظهر من طائفة منهم حسب إطلاقهم، جواز المس من وراء الثوب عند غير الضرورة، بل ولو كان فيه الريبة والتلذذ (2)، ويحتمل مفروغية الممنوعية من هذه الجهة، إلا أن إطلاق معتبر أبي بصير يسدها (3)، فتأمل.


1 - وسائل الشيعة 20: 207 و 208، كتاب النكاح، أبواب مقدمات النكاح وآدابه، الباب 115، الحديث 1، وفي الحديث 2 من ذلك الباب صرح بذلك حيث قال:... فلا يصافحها إلا من وراء الثوب ولا يغمز كفها. 2 - لا حظ العروة الوثقى 2: 804، كتاب النكاح، المسألة 40. 3 - الكافي 5: 525 / 2، وسائل الشيعة 20: 207، كتاب النكاح، أبواب مقدمات النكاح وآدابه، الباب 115، الحديث 1.

[ 409 ]

[ مسألة 21: لا يجوز النظر إلى العضو المبان من الاجنبي والاجنبية، ] قوله مد ظله: إلى العضو المبان. على المعروف بين المتعرضين. وفي القواعد استشكل في الحكم (1)، وفي كلام الشيخ المناقشة في استصحاب الحرمة الثابتة في ظرف الاتصال، بدعوى تعدد الموضوع، فإن موضوع المنع المرأة وهو غير صادق على الجزء المنفصل، فالمرجع أصل البراءة (2). ويمكن دعوى كفاية الادلة الاجتهادية المانعة، ضرورة أن المحرم هو النظر إلى الجسم والمادة، لا التي عرضته الروح الانسانية، ولذلك لا يجوز بعد الموت. وأيضا: يكون حكم التحريم تحليليا، حسب الاعضاء والاجزاء، فلا يجوز النظر إلى كل جزء من بدن الاجنبية والاجنبي، فلا يجوز النظر إلى اليد والرجل والبطن، لان الجثمان ليس موضوع التحريم على نعت العموم المجموعي بالضرورة، ولا على وجه الارتباط بين الاجزاء، حتى يكون المحرم هو النظر إلى اليد إذا صاحبه النظر إلى سائر الاجزاء، فالحكم الثابت بالدليل الاجتهادي، ينحل - في نظر العرف - إلى الاحكام المتعددة بتعدد الاجزاء، ويكون باقيا بقائها.


1 - قواعد الاحكام 2: 3 / السطر 5. 2 - النكاح، الشيخ الانصاري: 68.

[ 410 ]

[... ] وأما قضية الاستصحاب، فالحق أن جريانه محل إشكال، لا لما في كلام الشيخ الانصاري (قدس سره) (1)، كي يتوجه إليه: أن الموضوع الاستصحابي باق عرفا، وإن كان موضوع الدليل غير باق. بل لان الحكم الثابت للجزء، إن كان حكما مستقلا في ظرف الاتصال، فهو باق، ولا تصل النوبة إلى الاستصحاب، وإن كان حكما ضمنيا، فلا يعقل بقاؤه واحتمال بقائه، لانه تابع الكل، كبقية موضوعه له. مثلا: إذا حرم النظر إلى البيت فخرب، فإن النظر إلى الجزء المبان من البيت، لا يثبت حرمته باستصحاب حرمة النظر الثابتة في ظرف الاتصال، لان هذا الجزء المبان، ما كان - بما هو - مورد التحريم حتى يحتمل بقاؤه، ولو كان كذلك فلا يحتاج إلى الاستصحاب. ومن هنا يظهر حكم استصحاب نجاسة الجزء المقطوع من الكلب وأمثاله، فلا تخلط. هذا كله بحسب الصناعة. وهناك دعوى: أن انحلال التحريم يخص بصورة الحياة أو الاتصال، اتكالا على فهم العرف، فتصير الادلة الاجتهادية قاصرة عن التحريم، وتكون البراءة معولا.


1 - النكاح، الشيخ الانصاري: 69.

[ 411 ]

[ والاحوط ترك النظر إلى الشعر المنفصل. نعم، الظاهر أنه لا بأس بالنظر إلى السن والظفر المنفصلين. ] وربما يؤيد ذلك، إطلاق ما ورد من جواز وصل شعر غيرها بشعرها (1)، مع الملازمة العرفية والعادية بين ذلك وبين نظر الزوج ولمسه، ضرورة اطلاعهم عليه بإخبارهن به نوعا، فترك الاستفصال كما يأتي في الخبرين الاتيين، والاطلاق اللفظي والمقامي يعضدان الحلية، والله من وراء القصد. قوله مد ظله: والاحوط. خلافا للاكثر (2)، ووفاقا لبعضهم (3). وفي الجواهر ما يومئ إلى أنه لا ينبغي الاشكال في جواز النظر إلى مثل الظفر والسن، وكذا الشعر (4)، وفي كلام الشيخ الانصاري التصريح بذلك (5). وربما يمكن أن يوجه الاحتياط والاشكال: بأن الشعر لا يقاس بسائر الاعضاء، فإن فيه التحريك، ولا سيما في صورة الاطلاع على أنه من الاجنبية المعلومة الكذائية.


1 - وسائل الشيعة 20: 187، كتاب النكاح، أبواب مقدمات النكاح وآدابه، الباب 101. 2 - تذكرة الفقهاء 2: 574 / السطر 35، جواهر الكلام 29: 100، النكاح، الشيخ الانصاري: 69، العروة الوثقى 2: 638، كتاب النكاح، المسألة 45. 3 - جامع المقاصد 12: 46، إيضاح الفوائد 3: 10، مستند الشيعة 2: 473 / السطر 17. 4 - جواهر الكلام 29: 100. 5 - النكاح، الشيخ الانصاري: 69.

[ 412 ]

[... ] وبأن الادلة الخاصة، تدل على المنع عن النظر إلى شعورهن (1)، فإن الترخيص في شعور نساء أهل الذمة (2)، في مورد المنع عن غيرهم، وقضية إطلاقها المنع حال الانفصال ولو كان متصلا بشعر المرأة المحللة أوا لمحرمة فعلى هذا يتعين المنع. وحيث ورد في الاخبار ما يقتضي الجواز حال الانفصال ولو كان متصلا بشعر آخر (3)، وتكون هي غير نقية السند، ويحتمل انجبار ضعفها بالعمل، احتاط المصنف في المسألة. ومن تلك الاخبار، ما رواه الشيخ بسنده عن ثابت بن سعيد الذي لم يثبت وثاقته، قال: سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن النساء تجعل في رؤوسهن القرامل. قال: يصلح الصوف وما كان من شعر امرأة لنفسها، وكره للمرأة أن تجعل القرامل من شعر غيرها، فإن وصلت شعرها بصوف أو بشعر نفسها،


1 - وسائل الشيعة 20: 193 - 194، كتاب النكاح، أبواب مقدمات النكاح وآدابه، الباب 104، الحديث 12 و 16. 2 - وسائل الشيعة 20: 205، كتاب النكاح، أبواب مقدمات النكاح وآدابه، الباب 112، الحديث 1 و 2. 3 - وسائل الشيعة 20: 187، كتاب النكاح، أبواب مقدمات النكاح وآدابه، الباب 101.

[ 413 ]

[... ] فلا يضرها (1). ومنها: خبر مكارم الاخلاق عن سليمان بن خالد (2)، وهو قريب منه. وربما يمكن دعوى دلالتهما على المنع، لعدم إباء مفهوم الكراهة عن الاطلاق على الحرمة، فلا يكون قرينة على خلاف ما ثبت بالاخبار الاخر المشار إليها. ولان قوله: لا يضرها وفي خبر ابن خا لد: فإن وصلت شعرها بصوف أو شعر نفسها، فلا بأس به يدل بالمفهوم على الضرر والبأس المؤيد لما سبق. ولكن بعد اللتيا والتي، إثبات المنع ممنوع بما مر، لان أخبار المنع ناظرة إلى حال الوصل. نعم، إذا كان معلوما أنه من المرأة الجميلة المقصودة، وكان النظر واللمس إليه بداعي تلك المرأة، يمكن المنع جدا كما لا يخفى.


1 - الكافي 5: 520 / 3، وسائل الشيعة 20: 187، كتاب النكاح، أبواب مقدمات النكاح وآدابه، الباب 101، الحديث 1. 2 - مكارم الاخلاق: 84، وسائل الشيعة 20: 188، كتاب النكاح، أبواب مقدمات النكاح وآدابه، الباب 101، الحديث 3.

[ 414 ]

[ مسألة 22: يستثنى من حرمة النظر واللمس في الاجنبي والاجنبية، مقام المعالجة، إذا لم يمكن بالمماثل، ] قوله مد ظله: إذا لم يمكن بالمماثل. إجماعا كما في المسا لك (1) وبلا خلاف فيه كما عن آخر (2)، وهو الظاهر من معتبر أبي حمزة الثمالي، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن المرأة المسلمة، يصيبها البلاء في جسدها، أما كسر، وإما جرح، في مكان لا يصلح النظر إليه، يكون الرجل أرفق بعلاجه من النساء، أيصلح له النظر إليها؟. قال (عليه السلام): إذا اضطرت إليه فليعالجها إن شاءت (3). فإن قوله: يكون الرجل أرفق يشمل وجود المعا لج المماثل المرفق، ومع ذلك عدل (عليه السلام) عما في كلامه بالجواب عن عنوان آخر، وهو الاضطرار مع إرادة المرأة ومشيئتها، ولا شبهة أنه لا يصدق الاضطرار مع وجود المماثل. اللهم إلا أن يقال: بأن المناط اضطرارها إلى المعالجة، لا إلى المعالجة عند المعالج الخاص، فيكون نفس اضطرارها مجوز


1 - مسالك الافهام 7: 49. 2 - مستمسك العروة الوثقى 14: 34، رياض المسائل 2: 74. 3 - الكافي 5: 534 / 1، وسائل الشيعة 20: 233، كتاب النكاح، أبواب مقدمات النكاح وآدابه، الباب 130، الحديث 1.

[ 415 ]

[... ] المراجعة إليه، ومقتضى الخبر جواز نظر المعالج إليها. وربما يقال: إن الاضطرار العرفي، يحصل في موارد الحاجة العرفية، فلا يجب تحمل الالم، ولا تبعيد المسافة. والذي هو الاقرب: أن الحاجة إلى المعالجة، تختلف حسب اختلاف أماكن الابدان وأجزائها، وفي الخبر ما يومئ إليه، فإن قوله: في مكان لا يصلح النظر إليه ليس مثل الوجه والكفين بالضرورة، ويعلم منه أن في المرأة مكانا يصلح النظر إليه. وبالجملة: ربما أمكن تجويز النظر بمجرد الحاجة، كما يظهر من عبائر جمع من الاصحاب (1)، ومن مورد الاجماع المحكى عن المسالك (2) بدعوى أنه من الاضطرار المبيح، فتدبر. والذي يبقى في المقام، أن التمسك بقاعدة نفي الاضطرار وبالادلة العامة (3)، مورد الاشكال، وهكذا بقاعدة نفي الضرر (4)، وذلك لان اضطرار النساء إلى إبراز المكان غير الصالح، وإبداء محال الحرام، لا يورث


1 - السرائر 2: 608، إرشاد الاذهان 2: 5، تذكرة الفقهاء 2: 573 / السطر 15، كنز العرفان 2: 222. 2 - مستمسك العروة الوثقى 14: 34، مسالك الافهام 7: 49. 3 - جواهر الكلام 29: 87. 4 - مستمسك العروة الوثقى 14: 35.

[ 416 ]

[... ] جواز نظر المرء المعالج، ضرورة أن حرمة الابداء والاظهار ترتفع بالاضطرار، وأما وجوب الغض على المرء، فلا يستثنى منه بمجرد اضطرار المرأة الاجنبية، فإن حرمة النظر الى الاجنبية، ترفع إذا تعين العلاج عليه ويصير واجبا، فلا ينبغي الخلط بين المقامين. كما يظهر من التمسك بقاعدة نفي الضرر ذلك، فإن ما هو الضرري هو لزوم التحفظ على المرأة، وهذا لا يستلزم جواز النظر للمرء. وتوهم: أن دليل الاقتضاء يلازم ذلك، في غير محله، لانه يتمسك به، إذا لزم منه طرح الدليل كلا. وأما دعوى: أن المرأة تضطر إلى نظر المرء، فهي - مضافا إلى أن الاضطرار يستند إلى إظهار بدنها وإبرازه للاجنبي - أن الادلة العامة غير لائقة بنفي هذا النحو من الحكم، بمعنى أن اضطرار المكلف، أوجب رفع الحكم عن المكلف غير المضطر، فتدبر. وهذا نظير اضطرار المرأة إلى الجماع، مع أنها ذات بعل لا يتمكن منه، فإنه لا يوجب جواز الجماع للمرء الاجنبي. نعم، في موارد توقف حفظ النفس، يمكن الترخيص إذا كان الحفظ أهم. إن قلت: قضية إطلاق قاعدة نفي الضرر، نفي الحكم عن المرء الأجنبي ولو كان ضرريا بالنسبة إلى الاجنبية. قلت: هذا غير ثابت، للزوم جواز الامور الاخر، ولا يمكن الالتزام به، فتأمل.

[ 417 ]

[ كمعرفة النبض إذا لم تمكن بآلة نحو الدرجة وغيرها، والفصد، والحجامة، وجبر الكسر، ونحو ذلك، ] ثم إنه يمكن الاستدلال لجواز النظر، بمعتبر علي بن سويد الماضي (1)، بناء على القول: بأنه وارد مورد المعالجة (2)، فراجع. قوله مد ظله: ونحو ذلك. مما يتوقف على النظر أو اللمس والمسح. وفي استثناء غير النظر إشكال، لعدم الدليل عليه، وصحيح الثمالي (3) مخصوص بمورد النظر، وقد عرفت المناقشة في التمسك بالادلة العامة (4). نعم، يمكن دعوى: أن قوله (عليه السلام): إذا اضطرت إليه فليعالجها إن شاءت لا يخص بمورد السؤال، فإذا اضطرت إلى العلاج، وأرادت من المعا لج أن يعا لجها، يجوز له ذلك بمراجعتها إليه وباختياره. وفي هذا التعبير إشعار، بأن إباحة النظر له منوطة بذلك، ومخصوصة بهذه الصورة، فمجرد كون العلاج أصلح لا يكفي، وليتأمل جيدا.


1 - تقدم في الصفحة 389. 2 - مستمسك العروة الوثقى 14: 31. 3 - الكافي 5: 534 / 1، وسائل الشيعة 20: 233، كتاب النكاح، أبواب مقدمات النكاح وآدابه، الباب 130، الحديث 1. 4 - تقدم في الصفحة 415.

[ 418 ]

[ ومقام الضرورة، كما إذا توقف استنقاذه من الغرق والحرق، على النظر واللمس. ] ويمكن دعوى قيام السيرة على المراجعة إليهم للمعالجة، وهذه الادلة غير كافية لردعها، فتكون هي إما موجبة لصرفها عن صورة العلاج، أو مخصصة لها ومقيدة إياها. ولو كان المريض عالما: بأن النظر يكون عن شهوة وتلذذ، فلا يبعد أيضا جواز الرجوع، لاطلاق قوله (عليه السلام) في المعتبر المذكور، وهو قضية إطلاق كلماتهم. نعم، بناء على كون معتبر ابن سويد (1)، واردا في هذا المقام، فلازمه جواز ذلك إذا عرف الله من نيته الصدق، لا مطلقا، فلا تغفل. قوله مد ظله: ومقام الضرورة. غير خفى: أن المقام السابق مع رعاية القيود المأخوذة في كلماته، يندرج في هذا المقام. وعلى أي تقدير: في مفروض الكلام - بأن يدور الامر بين حفظ النفس عن الهلاك، وبين الابتلاء بالنظر واللمس وأمثالهما - لا إشكال، لان المحافظة واجبة على كل أحد. نعم، السبق إلى الاستنقاذ بدواع باطلة، مع وجود من فيه الكفاية،


1 - تقدم في الصفحة 389.

[ 419 ]

[ وإذا اقتضت الضرورة أو توقف العلاج على النظر دون اللمس، أو العكس، اقتصر على ما اضطر إليه، وفيما يضطر إليه اقتصر على مقدار الضرورة، فلا يجوز الاخر، ولا التعدي. ] غير جائز، ولعل إطلاق كلامهم منصرف عن هذه الصورة. ومما ذكرنا يظهر حكم ما إذا توقف النجاة من الهلاك على الاكثر من النظر واللمس، والله هو العالم. قوله مد ظله: اقتصر على.... كل ذلك حسب حكم العقلاء والعرف، بناء على حرمة النظر واللمس مطلقا. وأما على القول: بجوازهما إذا لم يكن بشهوة وريبة، ولا سيما بدعوى قصور الادلة العامة عن شمول هذه المواقف، فلا يقتصر على مقدار الضرورة، وربما ينتهي التدقيق في هذه الامور، إلى هلاك المرضى، لان المواظبة على مقدار الضرورة، توجب انحراف نظر المعالج عما هو اللازم عليه، ففي مقام المعالجة والاستنقاذ وأمثالهما، يكون رعاية ذلك على خلاف الاحتياط أحيانا، فلا تخلط.

[ 420 ]

[ مسألة 23: كما يحرم على الرجل النظر إلى الاجنبية، يجب عليها التستر من الاجانب. ولا يجب على الرجال التستر، وإن كان يحرم على النساء النظر إليهم عدا ما استثني. وإذا علموا بأن النساء يتعمدن النظر إليهم، فالاحوط التستر منهن، وإن كان الاقوى عدم وجوبه. ] قوله مد ظله: يجب عليها التستر. ومقتضى الاطلاق وجوبه بالنسبة إلى جميع أعضائها، حتى الوجه والكفين، وهذا لا ينافي جواز النظر للمرء إذا لم تسترها. وبالجملة: وجوب التستر بالقياس إلى غير الوجه والكفين، ضروري وإجماعي، وإنما الكلام في موارد الاستثناء الواقعة في كلام جمع (1)، وفي الاخبار الخاصة. وقبل الاشارة إليها، لا بأس بذكر الاية الشريفة، حيث وردت في هذا المقام، قال الله تعالى: (وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن أو نسائهن أو ما ملكت أيمانهن أو التابعين غير أولي الاربة من الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا


1 - المبسوط 4: 160، شرائع الاسلام 2: 113، تذكرة الفقهاء 2: 573 / السطر 9، الحدائق الناضرة 23: 53، مستند الشيعة 2: 470 / السطر 24.

[ 421 ]

[... ] على عورات النساء ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون) (1). وفي الكافي بسند فيه سعد الاسكاف - وهو مشكل أمره - عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: استقبل شاب من الانصار امرأة بالمدينة، وكان النساء يتقنعن خلف آذانهن، فنظر إليها وهي مقبلة، فلما جازت نظر إليها ودخل في زقاق قد سماه ببني فلان فجعل ينظر خلفها، واعترض وجهه عظم في الحائط أو زجاجة، فشق وجهه، فلما مضت المرأة نظر فإذا الدماء تسيل على ثوبه وصدره. فقال: والله، لاتين رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ولاخبرنه. فلما رآه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: ماهذا؟ فأخبره. فهبط جبرئيل (عليه السلام) بهذه الاية: (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون) (2) (3). والظاهر أن الاية السابقة (4)، أيضا وردت في ذيلها بهذه المناسبة،


1 - النور (24): 31. 2 - النور (24): 30. 3 - الكافي 5: 521 / 5، وسائل الشيعة 20: 192، كتاب النكاح، أبواب مقدمات النكاح وآدابه، الباب 104، الحديث 4. 4 - النور (24): 31.

[ 422 ]

[... ] فعلى هذا تكون الاية في مورد النظر، وفي محل إيجاب التستر عن نظر الاجنبي، فيمكن رفع الاجمال من هذه الناحية، حسب ما عليه كثير من أرباب التفسير (1). نعم، وجوب التستر عن مطلق النظر، وحرمة الابداء عند كل نظر، يحتاج إلى المؤونة، وتكفيها الاطلاق، فإن المورد لا يوجب التقييد. نعم، دعوى الانصراف إلى النظر الخاص وإن كانت قريبة في ذاتها، إلا أنها بعيدة، بعد ذهاب المعظم إلى ممنوعيته، ووجوب التستر عليهن في الجملة مطلقا. معنى آية غض النظر وبالجملة: معنى الاية: هو أن المؤمنات يوجدن الموانع والحواجب بينهن وبين ما يحرم عليهن النظر إليه (ويحفظن فروجهن) عن كل آفة عرفية، وخلاف عقلي، وممنوع شرعي، حسب الاطلاق، فإنه احيل فهم المحذوف إلى الامة، لانه أمر تدركه الطبائع السليمة، والانفس المتشرعة (ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها) واتفق ظهوره بجريان الرياح، فيكون حال هذا الاستثناء، حال الاستثناء في قوله تعالى: (وما كان


1 - التبيان 7: 429، مجمع البيان 7: 217.

[ 423 ]

[... ] لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ) (1) فلو ظهرت الزينة - كالجيوب والزندين والساقين، مما هي المحركات نوعا، وتثير الشهوات عادة - فلا بأس، ولكن لا يجوز إظهارها. ويؤيد ذلك قوله تعالى: (وليضربن بخمرهن على جيوبهن) (2) حتى لا يظهر ولو من باب الاتفاق والصدفة، وحين الغفلة والذهول. وأيضا: يشهد لما اشير إليه، تعقيب القول المزبور بقوله تعالى: (ولا يبدين زينتهن) (3) فيكون الوجه والكف والقدم، خارجة عن الاية صدرا وذيلا، ولا يكون الكف والوجه والقدم محل الزينة، حتى يصح إطلاق الزينة عليها باعتبار علقة الحلول. هذا مع قطع النظر عن أخبار المسألة. وأما بالنظر إليها، فلاحد دعوى أن قوله تعالى: (ويحفظن فروجهن) (4) يدل على وجوب تسترهن، لانهن كلهن فرج، لانه العورة، والمرأة كلها عورة كما في بعض الاخبار (5)، ولكن دون إثباتها خرط القتاد.


1 - النساء (4): 92. 2 - النور (24): 31. 3 - النور (24): 31. 4 - النور (24): 31. 5 - الفقيه 3: 247 / 1172، وسائل الشيعة 20: 66، كتاب النكاح، أبواب مقدمات النكاح وآدابه، الباب 24، الحديث 4 و 6.

[ 424 ]

[... ] وأما الاخبار المتضمنة لافادة أن (ما ظهر منها) هي الزينة الظاهرة، ومنها الخاتم والمسكة - وهي القلب - والكحل (1)، فهي غير نقية الاسناد، ولو أمكن تصحيح بعضها لكن حجيتها في مثل المقام - بعد ظهور الاية في الخلاف - مشكلة جدا. الاخبار الدالة على عدم وجوب ستر الوجه والكفين وبناء على هذا، لا تدل الاية على وجوب التستر بالقياس إلى مطلق الاعضاء. مع دلالة جملة من الاخبار على عدم وجوب التستر، بالنسبة إلى مثل الوجه والكفين (2): وفيها: معتبر الفضيل قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الذراعين من المرأة، هما من الزينة التي قال الله تعالى: (ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن) (3). قال: نعم، وما دون الخمار من الزينة، وما دون السوارين (4).


1 - الكافي 5: 521 / 3 و 4، وسائل الشيعة 20: 201، كتاب النكاح، أبواب مقدمات النكاح وآدابه، الباب 109، الحديث 3 و 4. 2 - وسائل الشيعة 20: 200 و 202، كتاب النكاح، أبواب مقدمات النكاح وآدابه، الباب 109، الحديث 1 و 2 و 5. 3 - النور (24): 31. 4 - الكافي 5: 520 / 1، وسائل الشيعة 20: 200، كتاب النكاح، أبواب مقدمات النكاح وآدابه، الباب 109، الحديث 1.

[ 425 ]

[... ] ومن الواضح: أن الوجه خارج عما يستره الخمار، وهو الرقبة والرأس، والكف فوق السوار لا دونه، فلا تشملهما الاية، ولا الفقرة الاولى أيضا، بهذه المناسبة، فلا تغفل. ومنها: معتبر أبي حمزة الثما لي السابق، الظاهر في أن في بدن النساء مكانا يصلح النظر إليه، وقد أشرنا فيما سبق إلى ذلك. ومنها: معتبر المفضل بن عمر قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام): جعلت فداك، ما تقول في المرأة تكون في السفر مع الرجال، ليس فيهم لها ذو محرم، ولا معهم امرأة، فتموت المرأة، ما يصنع بها؟ قال: يغسل منها ما أوجب الله عليه التيمم، ولا تمس، ولا يكشف لها شئ من محاسنها التي أمر الله بسترها. قلت: فكيف يصنع بها؟. قال: يغسل بطن كفيها، ثم يغسل وجهها، ثم يغسل ظهر كفيها (1). ويعاضد هذه الاخبار السيرة، وكثرة الابتلاء، ولو كان يجب ستر الوجه والكف، لبان وجوبه، كالنار على المنار، ولا يكفي لمثله خبر


1 - تهذيب الاحكام 1: 442 / 1429، وسائل الشيعة 2: 522، كتاب الطهارة، أبواب غسل الميت، الباب 22، الحديث 1.

[ 426 ]

[... ] أو خبران مثل مكاتبة الصفار (1). ولا ينبغي الخلط بين أخبار هذه المسألة، وروايات مسألة حرمة النظر، مما لا ملازمة بينهما كما مر (2)، فإطالة البحث هنا - كما في الجواهر (3) وغيره (4) - بذكر تلك الاخبار، في غير محله. ولو كانت الاية الشريفة ظاهرة فيما فهمه الجمهور، وتقتضية المآثير المزبورة، لكانت هي أما دالة على استثناء الوجه والكفين، أو مجملة من هذه الجهة. وإذا وصلت النوبة إلى معارضة الاخبار في المسألة، تكون روايات الجواز أقوى دلالة وسندا. مع أن أخبار المنع لا تبلغ إلى أقل الجمع، فيشكل اعتبارها، لما اشير إليه: من أن اتضاح أمثال هذه المسائل، لا يحتاج إلى الخبر والرواية، وقد علمت أن الاكثر من الاقدمين اختاروا الجواز (5)، وهو مقتضى بالاصول العملية، من الاستصحاب والبراءة.


1 - تهذيب الاحكام 6: 255 / 666، وسائل الشيعة 27: 401 كتاب الشهادات، أبواب الشهادات، الباب 43، الحديث 2. 2 - تقدم في الصفحة 398. 3 - جواهر الكلام 29: 75. 4 - مستمسك العروة الوثقى 14: 26. 5 - المبسوط 4: 160، شرائع الاسلام 2: 213، تذكرة الفقهاء 2: 573 / السطر 9. اللمعة الدمشقية: 174، ولا حظ المقنعة: 521. مجملة من هذه الجهة. وإذا وصلت النوبة إلى معارضة الاخبار في المسألة، تكون روايات الجواز أقوى دلالة وسندا. مع أن أخبار المنع لا تبلغ إلى أقل الجمع، فيشكل اعتبارها، لما اشير إليه: من أن اتضاح أمثال هذه المسائل، لا يحتاج إلى الخبر والرواية، وقد علمت أن الاكثر من الاقدمين اختاروا الجواز (5)، وهو مقتضى بالاصول العملية، من الاستصحاب والبراءة.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية