الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




مستند تحرير الوسيلة - السيد مصطفى الخميني ج 1

مستند تحرير الوسيلة

السيد مصطفى الخميني ج 1


[ 1 ]

مستند تحرير الوسيلة تأليف العلامة المحقق آية الله المجاهد الشهيد السعيد السيد مصطفى الخميني قدس سره الجزء الاول مؤسسة تنظيم ونشر آثار الامام الخميني قدس سره بمناسبة الذكرى السنوية العشرين لشهادة العلامة المجاهد آية الله السيد مصطفى الخميني (قدس سره) هوية الكتاب * اسم الكتاب: مستند تحرير الوسيلة (ج 1) * * المؤلف: السيد مصطفى الخميني (قدس سره) * * تحقيق ونشر: مؤسسة تنظيم ونشر آثار الامام الخميني (قدس سره) * * سنة الطبع: آبان 1376 - جمادى الثاني 1418 * * الطبعة: الاولى * * المطبعة: مطبعة مؤسسة العروج * * الكمية: 3000 نسخة * * السعر: 14500 ريال * جميع الحقوق محفوظة للناشر

[ 2 ]

بسم الله الرحمن الرحيم كتاب الطهارة

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين، واللعنة الدائمة الابدية على أعدائهم إلى يوم الدين.

[ 5 ]

[ فصل في المياه الماء إما مطلق، أو مضاف، ] حول تقسيم المياه إلى المطلق والمضاف قوله مد ظله: أو مضاف. هذا التقسيم - مضافا إلى عدم وفائه بما هو المقصود الاصلي - لا يمكن أن يكون على وجه صحيح، ضرورة أن التقسيم عد من الامارات الدالة على اشتراك المقسم بين الاقسام على نعت الحقيقة (1)، ويكون أحيانا من علائم الحقيقة والمجاز في المحاورات العرفية، وليس لفظة الماء قابلة للصدق على المضاف، حسب الوضع الاولي، إلا إذا استعملت في المعنى المجازي، وهو المائع الكذائي، ثم تقسم إلى المطلق - وهو ما يصح إطلاق لفظة الماء عليه من غير إضافة - وإلى المضاف،


1 - مفاتيح الاصول: 77 / السطر 9، تقريرات المجدد الشيرازي 1: 131.

[ 6 ]

[ كالمعتصر من الاجسام، كماء الرقي، والرمان، ] كماء الرمان وغيره، مراعيا في الاستعمال المذكور، أن يكون الجامع غير صادق على أمثال النفط وغيره، هذا. وغير خفي: أن الماء المضاف، إن اريد منه الاضافة في مقام اللفظ، فربما لا يكون شئ واحد مضافا بحسب لغة أعجمية، ويكون مضافا بحسب العربية. وإن اريد منه ما هو بحسب المسمى والطبيعة الخارجية مخلوط، فهو ليس من الاضافة، بل هو من الخلط والمزج، والامر - على كل تقدير - سهل. وكان ينبغي تقسيم المائع بحسب الاحكام الشرعية إلى: ما يطلق عليه الماء فيكون طاهرا ومطهرا، ولا ينفعل على شرائط. وما لا يكون مطهرا، كسائر المائعات، ومنها اللبن، وماء الورد، والرقي، وغير ذلك، ويتنجس. وما يكون نجسا، كالابوال مما لا يؤكل لحمه، وهكذا. فإنه تقسيم عام بلحاظ الاحكام المختلفة الثابتة في الشرع لافراده. قوله مد ظله: كماء الرقي. قد اشير آنفا إلى أن اللغات مختلفة في التعبير عن حقيقة ماء الرقي، ولا يكون النظر هنا إلا إلى أن الادلة المشتملة على كلمة

[ 7 ]

[ والممتزج بغيره مما يخرجه عن صدق اسم الماء كماء السكر والملح. ] الماء الناطقة بأنه يطهر ولا يطهر (1) أو كذا وكذا، لا تشمل أمثال هذه المائعات، التي يطلق في اللسان العربي عليها الماء مضافا إلى شئ آخر. وعندئذ يتوجه إليهم: أنه ربما تضاف لفظة الماء إلى البئر والبحر والنهر فهذا أيضا من أغلاط التقسيم المذكور، بعد معلومية المقصود الاصلي. ثم إن الماء بما أنه متقيد بالاطلاق، ليس موضوعا للحكم، حتى يشكل جريان الاستصحاب، وسيمر عليك تحقيقه في محله، إن شاء الله تعالى (2). وغير خفي: أن المياه المضافة بحسب الخلقة، مركبة من الماء الحقيقي، والمادة المنتشرة فيه، فإذا انحلت - بحسب الالات الحديثة - إلى الاجزاء الاصلية، تترتب على جزئه المائي أحكام الماء المطلق، ولعل وجه صحة إطلاق الماء المضاف عليه، هو ذلك، لا لاجل الميعان المشترك بينه وبين سائر المائعات. قوله مد ظله: والممتزج بغيره. الماء الممتزج بغيره، له مراتب، فربما يمتزج بالغير، ولا يضر ذلك


1 - وسائل الشيعة 1: 133 - 135، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 1، الحديث 3 و 6 و 7. 2 - يأتي في الصفحة 25.

[ 8 ]

[ والمطلق أقسام: الجاري، والنابع بغير جريان، والبئر، ] بصدقه عليه، وفي المرتبة الثانية يصدق عليه الماء والسكر ففي هذه الصورة، يشكل منع جريان أحكامه. وإذا غلبت المادة الدخيلة، لا يبقى لصدق اسم الماء عليه ولو كان بالاضافة في الاسم مجال، إلا إذا كان الوجه المصحح، ميعانه الاعم المشترك فيه سائر المائعات، فلا تخلط. أقسام الماء المطلق قوله مد ظله: والمطلق أقسام. إن كان النظر إلى ذكر عناوين المياه، فكان ينبغي ذكر ماء الحمام، بل والمستعمل، والمشكوك. وإن كان النظر إلى ما يخص بحكم، فلا ينبغي ذكر النابع بغير جريان. هذا مع أن الجريان، أعم من الجاري فوق سطح الارض، والذي يفور من الارض إلى الفوق، كما لا يخفى. فما عن الوحيد البهبهاني: من أن النابع بغير جريان، بحكم البئر عند الفقهاء (1)، في غير محله، فإن ماء العين غيره بالضرورة، فإن قوام ماء


1 - حكاه في مستمسك العروة الوثقى 1: 110، ولكن في ثبوت النسبة تردد، لاحظ حاشية الوحيد البهبهاني على مدارك الاحكام: 14 / السطر 41 من التعليقة وأيضا مفتاح الكرامة 1: 61 و 77.

[ 9 ]

[ والمطر، والواقف، ويقال له: الراكد. ] العين بالغليان، لا الجريان على سطح الارض، والامر سهل. قوله مد ظله: والمطر. لم يذكر في كلام جماعة ماء المطر هنا (1). وتوهم: أنه في محله، لان المقسم ماء الارض (2)، غير صحيح، لانه أيضا من الارض أولا. وثانيا: لا وجه لاخذ الخصوصية في المقسم. قوله مد ظله: والواقف. لا معنى لعد الواقف من المياه، وإن صنعه جماعة (3)، فإن المحقون ليس موضوعا للحكم بما هو هو، ضرورة أنه على القول: بانفعال القليل، يكون هناك ماءان: قليل، وكثير، وعلى القول: بعدم الانفعال، فهو وبعض المياه الاخر مشترك في الحكم. والذي هو الاوفق بالتقسيم: أن الماء إما أن يكون ذا مادة - طبيعية


1 - شرائع الاسلام 1: 4، مصباح الفقيه، الطهارة: 6 / السطر 33. 2 - مستمسك العروة الوثقى 1: 109، التنقيح في شرح العروة الوثقى 1: 12. 3 - قواعد الاحكام 1: 4 / السطر 24، منتهى المطلب 1: 4 / السطر 26.

[ 10 ]

[..... ] أو جعلية - أو ليس كذلك. وعلى الثاني: إما يكون كثيرا، أو قليلا. وعلى الثاني: إما يكون مستعملا، أو غير مستعمل، أو يكون مشكوكا. وهذا التقسيم باعتبار الاثار والاحكام، وإلا فالماء واحد بالضرورة.

[ 11 ]

[ مسألة 1: الماء المضاف طاهر في نفسه، ] حكم الماء المضاف قوله مد ظله: طاهر. أي ليس من النجاسات. وتوهم: أن مستندها إن كانت قاعدة الطهارة، فجريانها في الشبهات الحكمية محل منع أو إشكال، في غير محله، لان المياه المضافة لو كانت من النجاسات لبانت، وعلى هذا لا وجه لتعرضهم لذلك، كما لا يتعرضون لطهارة سائر الاشياء. ولو تنجس التفاح والرمان، ثم اخذ ماؤهما بالالات الحديثة، فهل يكون نجسا؟ فيه إشكال، ينحل بمراجعة أهله، وربما تختلف الفواكه، كما تختلف كيفية أخذ مائها. بقي شئ: وهو أن اعتبار طهارة هذا الماء وسائر الاشياء، صحيح على أحد المباني في باب الطهارة والنجاسة، فإنه لو قلنا: بأن الطهارة من المجعولات الشرعية، فلا دليل على مجعوليتها لكل شئ، والتمسك بقاعدة الطهارة في غير محله، كما تحرر في الاصول (1)، وكون الطهارة العرفية ممضاة شرعا، ليس معناه إلا عدم النجاسة، كما لا يخفى.


1 - لاحظ تحريرات في الاصول 8: 378 - 379.

[ 12 ]

[ وغير مطهر، لا من الحدث، ] قوله مد ظله: لا من الحدث. على المشهور (1)، وهو مقتضى الاصل، فإن المطهرية تحتاج إلى الدليل. وربما يستدل بآيات (2)، أوضحها قوله تعالى: (فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا) (3). وفيه: قوة احتمال كون الماء أحد مصاديق المطهر، لعدم كون الاية إلا لبيان ظرف انتقال الحكم المائي إلى الترابي، فنفي مطهرية غير الماء في عرض الماء بالاية مشكل. نعم، نفي مطهرية غيره، في طول الماء والتراب، أو نفي مطهريته في عرض التراب، غير بعيد. وبالجملة: حكاية اتفاق المسلمين على عدم مطهريته للحدث الاكبر ممكنة، وإن نسب إلى ظاهر ابن أبي عقيل تجويز الاستعمال عند الضرورة (4)، ولكن احتمال انصرافه إلى الوضوء قوى.


1 - مستند الشيعة 1: 130، جواهر الكلام 1: 311، الطهارة، الشيخ الانصاري 1: 294، مستمسك العروة الوثقى 1: 111. 2 - مختلف الشيعة 1: 222، مدارك الاحكام 1: 110، مستمسك العروة الوثقى 1: 111. 3 - المائدة (5): 6. 4 - جواهر الكلام 1: 311 - 312، ولاحظ أيضا مختلف الشيعة 1: 222.

[ 13 ]

[..... ] وأما مطهريته بالنسبة إلى الاصغر، فهو المحكي (1) عن الصدوق (2)، وإليه مال الكاشاني (3) من أصحابنا وعن أصحاب الحديث (4)، وهم بمنزلة الاخباريين منا، إلا أنهم كلا خصوا الحكم بماء الورد. وعن أبي حنيفة: تجويز التوضي بماء النبيذ ونبيذ التمر عند عدم الماء (5). وبالجملة: جماعة من المخالفين قالوا: بالترتيب، فجوزوا التوضي عند الضرورة بالنبيذ (6). وعن الاوزاعي: الجمع بينه وبين التراب (7). وقد عرفت: أن الاية تنفي الطولية وعرضية المضاف مع التيمم، والاصل ينفي الكل، إلا أن عندنا رواية عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: قلت له:


1 - مدارك الاحكام 1: 110، مستند الشيعة 1: 130. 2 - الهداية ضمن الجوامع الفقهية: 48 / السطر 12، الامالي: 514، الفقيه 1: 6 بناء على نسخة الاصل كما ذكره المجلسي في روضة المتقين 1: 41. 3 - الوافي 6: 325، مفاتيح الشرائع 1: 47. 4 - الخلاف 1: 55. 5 - الخلاف 1: 56، المجموع 1: 93 / السطر 3 و 15. 6 - نفس المصدر. 7 - هذا القول منسوب إلى محمد بن الحسن الشيباني، وقول الاوزاعي هو جواز التوضي بكل نبيذ، لاحظ الخلاف 1: 56، المجموع 1: 93.

[ 14 ]

[..... ] الرجل يغتسل بماء الورد، ويتوضأ به للصلاة، قال: لا بأس بذلك (1). وهي مضافا إلى ضعف سندها - لما فيه من سهل بن زياد (2)، وعلي بن محمد المشترك، ومحمد بن عيسى عن يونس (3) - جهة الصدور فيها غير واضحة، لمعارضتها لكثير من الاخبار الظاهرة في حصر المطهر بالماء والتراب (4)، كما ستمر عليك في البحوث الاتية. مع أن ظاهرها جواز الاغتسال، وهو خلاف اتفاق المسلمين، وتصريح الشيخ: بأن الرواية مما أجمعت العصابة على ترك العمل بها (5). وبالجملة: مضافا إلى كل هذه الامور، أنها لا تدل على جواز استعمال المضاف، لقوة احتمال تعارف ماء الورد في تلك الاعصار غير مضاف، وغير خارج عن اسم الماء لقلة الورد في تلك الامصار، فالتمسك بترك


1 - الكافي 3: 73 / 12، وسائل الشيعة 1: 204، كتاب الطهارة، أبواب الماء المضاف، الباب 3، الحديث 1. 2 - سهل بن زياد، أبو سعيد الادمي الرازي كان ضعيفا في الحديث، غير معتمد فيه، وكان أحمد بن محمد بن عيسى يشهد عليه بالغلو والكذب وأخرجه من قم إلى الري. رجال النجاشي 185 / 490. 3 - ذكر أبو جعفر بن بابويه عن ابن الوليد أنه قال: ما تفرد به محمد بن عيسى من كتب يونس وحديثه لا يعتمد عليه. رجال النجاشي: 333 / 896. 4 - راجع وسائل الشيعة 1: 201، كتاب الطهارة، أبواب الماء المضاف، الباب 1 و 2. 5 - تهذيب الاحكام 1: 219.

[ 15 ]

[ ولا من الخبث، ] الاستفصال، ليس في محله كما لا يخفى. قوله مد ظله: ولا من الخبث. على المشهور (1)، خلافا لما نسب (2) إلى المرتضى (3) وشيخه (4)، وهو قضية الاصل الوجودي والعدمي، ولو كان يكفي المضاف لكان الامر واضحا بين المتشرعة، لكثرة الابتلاء، فلا تحتاج المسألة إلى الاستدلال بالاخبار، ويكفي قصور الادلة لاثبات مطهرية المضاف. وما في بعض الاخبار: من مطهرية ماء البصاق (5)، ولو كان نقي الاسناد والدلالة، إلا أنه مضافا إلى اختصاص الحكم بالدم فيه - كما في خبري غياث، ففي أحدهما: لا يغسل بالبزاق شئ غير الدم (6)، وفي الاخر:


1 - جواهر الكلام 1: 315، الطهارة، الشيخ الانصاري 1: 295، مستمسك العروة الوثقى 1: 112. 2 - المعتبر 1: 82، مدارك الاحكام 1: 112، مستند الشيعة 1: 131، الطهارة، الشيخ الانصاري 1: 296. 3 - الناصريات ضمن الجوامع الفقهية: 219، المسألة 22. 4 - لاحظ المعتبر 1: 82، حيث حكى هذا القول عن المفيد (رحمه الله) في المسائل الخلافية. 5 - وسائل الشيعة 1: 205، كتاب الطهارة، أبواب الماء المضاف، الباب 4. 6 - تهذيب الاحكام 1: 423 / 1339، وسائل الشيعة 1: 205، كتاب الطهارة، أبواب الماء المضاف، الباب 4، الحديث 1.

[ 16 ]

[..... ] لا بأس أن يغسل الدم بالبصاق (1) - ربما يكشف عن عدم نجاسة الدم شرعا، إلا بمرتبة ضعيفة تزول به، فيكون من الاخبار المعارضة لاخبار نجاسته (2)، ولعله كان في عصر صدور الخبرين، قول من أبناء المخالفين بطهارته (3)، فتكون الاخبار الموافقة تقية. وأما تضعيف التمسك بإطلاق الغسل والتطهير الصادقين في مورد المضاف وسائر المائعات كالنفط والكحول الصناعي بناء على طهارته، بالاجمال أو التقييد بالاخبار الامرة بالغسل بالماء (4)، فهو قابل للمناقشة: بأن الصدق قوي جدا، وأخذ الماء - لغلبة وجوده - جائز عرفا. اللهم إلا أن يقال: بأن التمسك بالاطلاقات أيضا ممنوع، لكثرة القيد وجودا، ولالتزام الناس بإزالة النجاسة بالماء خارجا عادة وتعارفا،


1 - تهذيب الاحكام 1: 425 / 1350، وسائل الشيعة 1: 205، كتاب الطهارة، أبواب الماء المضاف، الباب 4، الحديث 2. 2 - وسائل الشيعة 3: 429 - 440، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 20 - 22 و 24 و 25. 3 - لاحظ المجموع 2: 557. 4 - تمسك بهذا الاطلاق السيد المرتضى (رحمه الله) في الناصريات: 219، المسألة 22، وضعفه في جواهر الكلام 1: 315 - 316، ومستمسك العروة الوثقى 1: 112.

[ 17 ]

[..... ] ولا ينبغي الخلط بين مسألة عدم تنجس الاشياء بالاعيان النجسة، وبين مسألة التوسعة فيما يتطهر به، ولو كان من قبيل المائعات، بل والحك ونحوه، وفيما نحن فيه لا تثبت التوسعة. ولاحد التفصيل بين النجاسات، لاختلاف الاخبار فيها، ففي مثل البول لا يجزي فيه إلا الماء، كما في بعض النصوص (1)، وفي مثل الدم يجزي حتى البزاق دون غيره، وأما في غيرهما فيجزي مطلق كل شئ يصدق معه الغسل والتطهير. كما يجوز التفصيل بين حالتي الاضطرار والاختيار، وهو المنسوب إلى الحسن بن أبي عقيل (2). أو التفصيل بين الاشياء، فما منها يستعمل في الاكل والشرب، يختلف مع ما يستعمل في غسل الثوب والفراش. وبالجملة: تحصل أن قضية أدلة مطهرية المياه المضافة، مطهرية جميع المائعات. بل الاخبار المستدل بها لمطهرية الماء المضاف، أجنبية عنها


1 - تهذيب الاحكام 1: 50 / 147، وسائل الشيعة 1: 316، كتاب الطهارة، أبواب أحكام الخلوة، الباب 9، الحديث 6. 2 - لاحظ مختلف الشيعة 1: 222.

[ 18 ]

[ ولو لاقى نجسا ينجس جميعه ] حسب ما اصطلحوا عليه، لان البزاق والنبيذ ليسا منه، وهكذا العرق الوارد في خبر ابن حكيم (1). قوله مد ظله: نجسا. بناء على منجسية النجاسات، أو متنجسا بناء على المسألة المعروفة التي يأتي تفصيلها في محلها. قوله مد ظله: جميعه. على المشهور المعروف المدعى عليه الاجماعات المحكية (2) عن جماعة، كالفاضلين (3)، والشهيدين (4)، وغيرهم (5). والمقصود بالبحث هنا أعم من المضاف الاصطلاحي، وإلا فالاستدلال بأخبار تنجس الزيت ونحوه (6)، في غير محله، كما مر.


1 - الكافي 3: 55 / 4، وسائل الشيعة 3: 401، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 6، الحديث 1. 2 - مستمسك العروة الوثقى 1: 114. 3 - المعتبر 1: 84، تذكرة الفقهاء 1: 33، المسألة 9. 4 - ذكرى الشيعة: 7 / السطر الاخير، الروضة البهية 1: 18 / السطر 16. 5 - السرائر 1: 59. 6 - منتهى المطلب 1: 127، مجمع الفائدة والبرهان 1: 249.

[ 19 ]

[..... ] وعلى كل: نحتاج إلى إلغاء الخصوصية، بالنسبة إلى سريان الحكم إلى كل مائع من كل نجس، بعد كون الاصل طهارة المضاف، بعد الملاقاة عند الشك فيها. والتمسك لنجاسته: بأن الملاقاة توجب كون الملاقي - بالكسر - مصداقا للرجز والنجس، عند العرف والعقلاء، فيلزم من الاجتناب عنهما، الاجتناب عن جميع ملاقياتهما، في غير محله، كما هو واضح. والقول: بأنه إذا كان القليل من الماء تنجس، فالمضاف ينجس قليله وكثيره، ضرورة أن الكرية و ] كثرة الماء [ تمنع عن السراية، ولا شق آخر كما تحرر (1)، فهو لا يبعد، إلا أنه استدلال لا يناسب التعبديات الشرعية. وبالجملة: الدليل الوحيد الاخبار المتفرقة (2) المشار إليها، الظاهرة في أن الامر بالاراقة وغيرها، لاجل النجاسة، دون الجهات الاخر، كالخباثة أو الحرمة أو غيرهما، مما يرجع إلى الطبابة. وتوهم معارضتها بمروي الكليني، عن سعيد الاعرج قال: سألت


1 - لاحظ الطهارة، الشيخ الانصاري 1: 300. 2 - وسائل الشيعة 1: 206، كتاب الطهارة، أبواب الماء المضاف، الباب 5، وسائل الشيعة 3: 470، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 38، الحديث 8.

[ 20 ]

[ ولو كان ألف كر. نعم، إذا كان جاريا من العالي إلى السافل ولو بنحو الانحدار مع الدفع بقوة، ولاقى أسفله النجاسة، ] أبا عبد الله (عليه السلام) عن الفأرة والكلب يقع في السمن والزيت يخرج منه حيا. قال: لا بأس بأكله (1) في غير محله، لضعفه سندا، وعدم وجود الكلب في بعض النسخ (2)، ولامكان التفكيك بين النجاسة وحرمة الاكل، فلا تخلط وتأمل. قوله مد ظله: ولو كان ألف كر. نظرا إلى إطلاق معاقد الاجماعات، وهي غير نافعة في أصل المسألة. وإلى السراية المعلوم وجودها في المقام، وهو ممنوع مطلقا، وليس من مذهبنا السراية. ولزوم وجود الرطوبة في محل اللقاء، لا يستدعي القول بالسراية، المتوقفة على وجود الساري والانتقال، غير القابل للتصديق في ملاقاة الكافر والمتنجس وغيره. وإلى إطلاق الاخبار السابقة (3)، القابلة للمنع جدا، ولا سيما في الكثير كالاوقيانوس من المائع بالقياس إلى رأس الابرة النجسة.


1 - الكافي 6: 261 / 4. 2 - تهذيب الاحكام 9: 86 / 362. 3 - تقدم في الصفحة 19، الرقم 2.

[ 21 ]

[..... ] وإلى بعض الاخبار، كمعتبر أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ليس بفضل السنور بأس أن يتوضأ منه ويشرب، ولا يشرب سؤر الكلب إلا أن يكون حوضا كبيرا يستقى منه (1). فإن المستثنى منه أعم من الماء، فيشمل المضاف، والمستثنى مخصوص بالماء، لكلمة الاستقاء وفيه ما لا يخفى. فالاصل هو المتبع إلا ما خرج منه بدليل، والمسألة - بوجه - تصير من الشبهة الموضوعية. وأما حديث النفط وعيونه (2)، فهو في غير محله، لان دعوى العلم بالملاقاة مع النفط في البحيرة منه، غير تامة حسب العادة، وفيما يتم القول بالعلم باللقاء يكون قليلا. ولا يخفى: أن في صورة الكثرة، المنع عن النجاسة يرجع إلى إنكار تنجسه حتى في محل الملاقاة، لا في الطرف البعيد عن محل اللقاء فقط، وإلا فتلزم الشبهة السببية.


1 - تهذيب الاحكام 1: 226 / 650، وسائل الشيعة 1: 226، كتاب الطهارة، أبواب الاسآر، الباب 1، الحديث 7. 2 - مستمسك العروة الوثقى 1: 114.

[ 22 ]

[ تختص بموضع الملاقاة وما دونه، ولا تسري إلى الفوق. ] قوله مد ظله: تختص. نظرا إلى قصور الادلة المذكورة، وإلى أن النجاسة تمنع عن السريان إلى الفوق. وسيمر عليك: أن حديث السراية، لا أصل له، وإلا يلزم تنجس الماء القليل في الانبوب الطويل تدريجا، أو إنكار نجاسته رأسا. مثلا: إذا كان بين النجف والحائر - على مشرفيهما السلام انبوب على سطح الارض ا لمستوي، وكان ماؤه أقل من الكر، ولاقى النجس طرفه الذي في النجف فلا يكون الماء في الطرف الاخر في الان نجسا، لعدم مساعدة الارتكاز على نجاسته، أو يصير الماء في الطرف الحائري نجسا بعد يوم مثلا، لان السراية تحتاج إلى الزمان، والتقديران ممنوعان، فالسراية ممنوعة. فحديث عدم تنجس العالي بملاقاة السافل للنجس، إذا كان الجريان بقوة، أو عدم نجاسة السافل كما في الفوارة بملاقاة العالي، وعدم نجاسة ما في الابريق بإراقة مائه على يد الكافر، أجنبي عن بحث السراية التي شوهدت في كلمات جملة منهم (1). كما أن ذهاب الكل إلى طهارة العالي والسافل في الصورتين،


1 - لاحظ روض الجنان: 136 / السطر 27.

[ 23 ]

[...... ] وفي مثل الابريق - خلافا لصاحب المناهل (1) - يحتاج إلى دعوى أن في هذه المواقف، يكون الماء متعددا عرفا، أو يشك في الوحدة العرفية اللازمة في الحكم بالنجاسة، ونتيجة ذلك طهارة جانب الحائر في الانبوب المذكور، فلاحظ واغتنم.


1 - لاحظ الطهارة، الشيخ الانصاري 1: 301.

[ 24 ]

[ مسألة 2: الماء المطلق لا يخرج بالتصعيد عن الاطلاق. نعم، لو مزج معه غيره وصعد ربما يصير مضافا، كماء الورد ونحوه، كما أن المضاف المصعد، قد يكون مضافا. والمناط هو حال الاجتماع بعد التصعيد، فربما يكون المصعد الاجزاء المائية، وبعد الاجتماع يكون ماء مطلقا، وربما يكون مضافا. ] حكم الماء المصعد قوله مد ظله: لا يخرج. قد تحرر منا ممنوعية تدخل الفقيه في تشخيص المصاديق والصغريات، بعد كون الامر موكولا إلى العرف (1)، ضرورة أنه ربما يتوهم العرف أن تشخيصه مورد للاتكاء شرعا، فيتبعه على خلاف ما تشخصه أنفسهم. فأمثال هذه المسائل والبحث حولها من اللغو المنهي عنه، لعدم حجية نظر الفقيه فيها، ويستتبع أحيانا إيقاعهم في خلاف ما هو المتبع عند الفقهاء، كما هو واضح.


1 - تعليقة على العروة الوثقى: 40 - 42.

[ 25 ]

[ مسألة 3: إذا شك في مائع أنه مطلق أو مضاف، فإن علم حالته السابقة يبنى عليها، إلا في بعض الفروع، كالشبهة المفهومية، والشك في بقاء الموضوع. ] حكم الماء المشكوك إطلاقه قوله مد ظله: يبنى عليها. على المعروف بين الاصحاب، نظرا إلى الاستصحاب المفروغ عن اعتباره في الشبهة الموضوعية الناشئة عن الجهات الخارجية (1). ويتوجه إليه: أنه بعد كون الاطلاق والاضافة، منتزعين عن الاوصاف النوعية، وأن الماء المطلق هو الماء، وغيره ليس بماء، لا معنى لجريان الاستصحاب، للشك في الموضوع، وفي اتحاد القضيتين، ضرورة أنه لا يجوز أن يقال: هذا مشيرا إلى ما في الخارج كان ماء لاحتمال كون المشار إليه مباينا له ومضافا، أي غير ماء في صورته النوعية، فلا تخلط. وهكذا الامر في استصحاب أحكامه. قوله مد ظله: المفهومية. عدم جريانه في الشبهة الموضوعية الناشئة عن الشبهة المفهومية، مفروغ عنه، وسيمر عليك وجهه، بما لا تبقى فيه شبهة، إن شاء


1 - مستمسك العروة الوثقى 1: 116، دروس في فقه الشيعة، القسم الثاني من المجلد الاول: 45 - 46.

[ 26 ]

[ وإن لم يعلم حالته السابقة فلا يرفع [ حدثا ولا خبثا ]. وإذا لاقى النجاسة فإن كان قليلا ينجس قطعا. وإن كان كثيرا فالظاهر أنه يحكم بطهارته. ] الله تعالى، وأما في المقام فالامر واضح بالاولوية. وأما قوله - مد ظله‍: والشك في بقاء الموضوع فلا مورد له إلا في الموضوعية، كما عرفت. ولو قيل: إذا كان الماء مطلقا، ثم أخذنا في خلطه بالتراب تدريجا، يقع الشك في بقاء إطلاقه في إحدى مراتب الخلط، فيستصحب، ويقع الشك في بقاء الموضوع في المرتبة الاخرى، كما لا يبقى شك في المرتبة الاخيرة. قلنا: قد عرفت أنه لا معنى للشك في إطلاقه، إلا برجوعه إلى الشك في أنه ماء، فلا محل للاستصحاب، فلا تذهل. قوله مد ظله: فلا يرفع. لا وجه لاسناد عدم الرفع إليه، نعم لا يترتب عليه شئ في مرحلة الاثبات، فيستصحب الحدث والخبث. قوله مد ظله: يحكم بطهارته. وقيل: بنجاسته (1)، نظرا إلى استصحاب العدم الازلي، وحيث هو غير جار في مثل المقام، فأصل الطهارة سالم عن الحاكم.


1 - دروس في فقه الشيعة، القسم الثاني من المجلد الاول: 46 - 47.

[ 27 ]

[...... ] وربما يتوهم الحكم بالنجاسة، لاجل قاعدة المقتضي والمانع المعتبرة هنا (1)، ولكنه بمعزل عن التحقيق. وأما دعوى: عدم كفاية استصحاب عدم كونه ماء، لمعارضته باستصحاب عدم كونه مضافا، فهي قابلة للدفع بعدم الاثر للثاني، بخلاف الاول فتأمل.


1 - الطهارة، الشيخ الانصاري 1: 292.

[ 28 ]

[ مسألة 4: الماء المطلق بجميع أقسامه، يتنجس فيما إذا تغير - بسبب ملاقاة النجاسة - أحد أوصافه: اللون، والطعم، والرائحة. ] في تنجس الماء المطلق بالتغير قوله مد ظله: تغير. وهو قول من يحفظ عنه العلم، كما في المنتهى (1). وفي الجواهر: إجماعا محصلا، ومنقولا كاد يكون متواترا (2). وتدل عليه قبل هذه الاجماعات: الاخبار الناهية عن التوضي والشرب (3). وهي في محل المنع، للاعمية، ولما في صحيحة الحلبي، عن أبي عبد الله (عليه السلام): في الماء الاجن يتوضأ منه، إلا أن تجد ماء غيره فتنزه منه (4). وفي رواية أبي بصير، عنه (عليه السلام): أنه سئل عن الماء النقيع تبول فيه الدواب. فقال: إن تغير الماء فلا تتوضأ منه، وإن لم تغيره أبوالها فتوضأ منه (5).


1 - منتهى المطلب 1: 20. 2 - جواهر الكلام 1: 75. 3 - وسائل الشيعة 1: 137 - 141، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 3. 4 - الكافي 3: 4 / 6، وسائل الشيعة 1: 138، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 3، الحديث 2. 5 - تهذيب الاحكام 1: 40 / 111، وسائل الشيعة 1: 138، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 3، الحديث 3.

[ 29 ]

[.... ] فاستفادة النجاسة من نفي الاحكام في غير محلها. بقي النبوي المشهور المتفق على روايته - كما في السرائر (1) - والمتواتر (2) عن الصادق (عليه السلام)، عن آبائه (عليهم السلام) - فيكون منجبرا -: خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شئ، إلا ما غير لونه، أو طعمه، أو ريحه (3). وقد طعن عليه في الحدائق (4) ونحن قد استقصينا البحث حوله في كتابنا الكبير (5). والنتيجة: أنه ربما يكون بصدد أمر آخر، وهو أن الماء غير المتغير لا يتنجس بشئ، لما فيه من صفة الاعتصام، وأما إذا تغير في أحد أوصافه، فتسلب عنه هذه الصفة، ويصلح للتنجس بملاقاة النجس، كما يساعده الاعتبار. وهذا هو الظاهر منه، لقوله في الاستثناء: إلا ما غير لونه، أو طعمه، أو ريحه، الظاهر في أنه استثناء من ابتداء الكلام، فيقرأ مجهولا، أي خلق الله الماء طهورا، إلا ما غير لونه وريحه وطعمه، فإنه ليس طهورا،


1 - السرائر 1: 64. 2 - مدعي التواتر ابن أبي عقيل، راجع جواهر الكلام 1: 76. 3 - المعتبر 1: 40، وسائل الشيعة 1: 135، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 1، الحديث 9. 4 - الحدائق الناضرة 1: 180. 5 - تحريرات في الفقه، قسم الطهارة، المبحث الثالث، الجهة الاولى.

[ 30 ]

[ ولا يتنجس فيما إذا تغير بالمجاورة، كما إذا كان قريبا من جيفة، فصار جائفا. نعم، إذا وقعت الجيفة خارج الماء، ووقع جزء منها فيه، وتغير بسبب المجموع من الداخل والخارج، يتنجس. ] وينجسه النجس. فبالجملة: الخبر أجنبي عما فهموه منه. ودعوى انجباره فهما بفهمهم، غير مسموعة، لاستنادهم - قويا - إلى القرائن الموجودة الاخر الواصلة، فالمسألة عندي مشكلة جدا، ومخالفة الاصحاب والاجماع أكثر إشكالا، فالاحتياط لا يترك جدا. ويؤيد ما احتملناه، ذيل خبر زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: وقال أبو جعفر (عليه السلام): إذا كان الماء أكثر من راوية لم ينجسه شئ، تفسخ فيه أو لم يتفسخ، إلا أن يجئ له ريح تغلب على ريح الماء (1)، فاغتنم. قوله مد ظله: ولا يتنجس. بلا خلاف (2)، ومعناه أنه إذا تغير ماء في أوصافه الثلاثة بالنجس المجاور، وأثر فيه أشد التأثير لا ينجس، ولكنه إذا تغير في إحداها - ولو لم يكن من سنخ النجس - يتنجس ولو كان ضعيفا في التغير، فهل ترى من


1 - تهذيب الاحكام 1: 412 / 1298، وسائل الشيعة 1: 139 - 140، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 3، الحديث 8. 2 - جواهر الكلام 1: 82.

[ 31 ]

[...... ] نفسك صحة نسبته إلى الشرع؟! أم تجد أن المطلقات محكمة، والموارد الخاصة غالبية، بل لو لم يكن هناك إطلاق، لا تستفاد الخصوصية. نعم، بناء على ما أبدعناه تعتبر الملاقاة، لان الماء بالتغير يسلب عنه نعت الاعتصام، فتؤثر فيه النجاسة بالملاقاة. وبالجملة: اشتراط اللقاء ممنوع جدا.

[ 32 ]

[ مسألة 5: المعتبر تأثر الماء بأوصاف النجاسة، لا المتنجس، فإذا احمر الماء بالبقم المتنجس، لا ينجس إذا كان كرا، أو جاريا، ونحوهما. ] قوله مد ظله: بأوصاف النجاسة. لا يعتبر أزيد من التغير بالنجاسة وإن لم يكن من أوصافها، كما يأتي في المسألة الاتية. نعم، يعتبر عندهم التغير بالنجاسة في الاوصاف الثلاثة، فالعبارتان متناقضتان. قوله مد ظله: لا المتنجس. على المعروف المشهور الذي كاد أن يكون إجماعيا. وإدخال المسألة في حديث الاستقذار الطبعي (1)، ينافي تصريحهم بعدم تنجسه في صورة تأثره في الثقل والوزن، فإنه يوجب الاستقذار جدا. وبالجملة: يكفي قصور الادلة لعدم تنجسه، والاستصحاب.


1 - مستمسك العروة الوثقى 1: 120.

[ 33 ]

[ مسألة 6: المناط تغير أحد الاوصاف الثلاثة. ] قوله مد ظله: أحد الاوصاف. بلا خلاف، فلا تعتبر الثلاثة مجموعة، وهو مقتضى كثير من الاخبار (1). نعم، في الروايات صحيح حريز بن عبد الله، عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال: كلما غلب الماء على ريح الجيفة، فتوضأ من الماء واشرب، فإذا تغير الماء وتغير الطعم، فلا توضأ منه، ولا تشرب (2). ومثله خبر أبي خالد القماط (3). وتوهم: أنه إن أمكن عرفا الجمع بينهما فهو، وإلا فالخبران معرض عنهما، مع ما في سند الخبر الثاني. مندفع: بعدم موهنية هذا الاعراض الواضح الاستناد، وسند الثاني يصح عندهم بحماد بن عيسى، فإنه من أصحاب الاجماع. نعم، الترجيح مع الطائفة الاولى، ومجئ أو بمعنى الواو - ولو كان في الكتاب الالهي - لا يكفي، كما لا يخفى.


1 - وسائل الشيعة 1: 137، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 3. 2 - تهذيب الاحكام 1: 216 / 625، وسائل الشيعة 1: 137، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 3، الحديث 1. 3 - تهذيب الاحكام 1: 40 / 112، وسائل الشيعة 1: 138، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 3، الحديث 4.

[ 34 ]

[..... ] بقي شئ: وهو أن المشهور كفاية التغير باللون (1)، وربما يناقش فيه بخلو الاخبار منه، وهو في محل المنع، لاشتمال النبوي (2) وحديثي العلاء بن الفضيل (3) وشهاب بن عبد ربه (4) عليه. والمناقشة في النبوي بما مر (5)، وفي الثاني بوجود محمد بن سنان فيه، وفي الثالث من جهات كثيرة، قابلة للدفع، بعد صراحة كلمات الاقدمين (6) فيه، مع مساعدة الاعتبار له. والاشكال العقلي: بسبق الطعم والريح على اللون (7)، فلا وجه لعده كما في الحدائق (8)، أو المناقشة: بأن اللون غير موجود إلا في النهار،


1 - مدارك الاحكام 1: 57، حبل المتين 106 / السطر 13، ذخيرة المعاد: 116 / السطر 37. 2 - المعتبر 1: 40، وسائل الشيعة 1: 135، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 1، الحديث 9. 3 - تهذيب الاحكام 1: 415 / 1311، وسائل الشيعة 1: 139، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 3، الحديث 7. 4 - بصائر الدرجات: 258، الجزء الخامس، الباب 10، الحديث 13، وسائل الشيعة 1: 161، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 9، الحديث 11. 5 - تقدم في الصفحة: 29. 6 - المقنعة: 64، المبسوط 1: 6، تذكرة الفقهاء 1: 15، المسألة 2. 7 - حبل المتين: 106 / السطر 15. 8 - الحدائق الناضرة 1: 181.

[ 35 ]

[ بسبب النجاسة وإن كان من غير سنخ النجس، فلو اصفر الماء مثلا بوقوع الدم فيه تنجس. ] دون الليالي، أو في حال وجود الانوار، دون صورة فقدها، لان الالوان من الانوار، ولعل إهمال الاخبار بالنسبة إليه كثيرا، للاشارة إلى هذه النكتة، قابل للدفع بحسب الفهم العرفي والمسامحة العقلائية، فتأمل. قوله مد ظله: بسبب النجاسة. للاطلاق المعتضد بالاعتبار، بناء على القول: بنجاسة الماء المتغير. وتوهم الانصراف لاجل قلة الوجود والاتفاق، أو لاجل انس الذهن بالمسانخة بين العلة والمعلول، لا يرجع إلى محصل.

[ 36 ]

[ مسألة 7: لو وقع في الماء المعتصم، متنجس حامل لوصف النجس بوقوعه فيه، فغيره بوصف النجس، لم يتنجس على الاقوى، كما إذا وقعت ميتة في ماء، فغيرت ريحه، ثم اخرجت منه، وصب ذلك الماء في كر، فغير ريحه. نعم، لو حمل المتنجس أجزاء النجس، فتغير المعتصم بها، تنجس. ] قوله مد ظله: لم يتنجس على الاقوى. خلافا لجماعة، ومنشأ الاختلاف اختلاف فهمهم من النبوي أولا، واختلاف نظرهم في مناسبات الحكم والموضوع ثانيا، ضرورة أن المراد من كلمة شئ إن كان نجس العين، فالتنجس لا يورث نجاسة الماء بالتغير. وإن كان المراد أعم - كما هو قضية النكرة في سياق النفي هنا وفي أخبار الكر (1) - فلازمه نجاسة الكر المعتصم. والذي يسهل الخطب: أن مقتضى النبوي، نجاسة الماء المتغير بعنوانه، ومقتضى الاخبار أن الماء المتغير بالنجس، من النجاسات الذاتية، كنجاسة بدن الميت، والعصير على القول به، وليس هو من المتنجس الاصطلاحي. فلو كان المراد أخص، تصير النتيجة أيضا: نجاسة الماء المذكور، فلو وقع في الماء المعتصم مقدار من الماء المتغير، فهو كوقوع البول فيه.


1 - وسائل الشيعة 1: 158 - 164، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 9.

[ 37 ]

[..... ] نعم، بناء على ما احتملناه في النبوي، يسقط البحث كما مر، هذا فيما إذا كان المتنجس ماء متغيرا. وأما إذا وقع في الماء المعتصم، جامد متنجس فغير الماء، فالنزاع المذكور يأتي فيه. وما هو الحق: أن الخصوصية ملغاة من موارد الاخبار الخاصة، فلو كان حجر كبير فيه رائحة الميتة وغيرها، فوقع في الماء، فغيره إلى ريح الميتة، ينجس على الاظهر. ومن الغريب التفصيل بين حمل الاجزاء وغيره، فإن العرف غير مساعد، والعقل لا يفرق بين الفروض، في كون التغير مستندا إلى الاجزاء، فهنا اتفق مقتضى العقل والعرف، وإن خالفهما جماعة آخرون. ولا يعتبر أن يكون الحامل متنجسا، كما يظهر من قوله - مد ظله -: لو حمل المتنجس أجزاء النجس... إلى آخره، فإن الميزان حمل الاجزاء، سواء كان الحامل متنجسا، أو غير متنجس.

[ 38 ]

[ مسألة 8: الماء الجاري - وهو النابع ] حكم الماء الجاري قوله مد ظله: وهو النابع. على المشهور المدعى عليه الاجماعات. وفي المدارك (1) والدلائل (2): إجماع الاصحاب على أن الجاري لا عن نبع، من أقسام الراكد. وعن ابن أبي عقيل: نفي اعتبار النبع (3). وفي ظاهر المنسوب إلى المصنف - مد ظله -: كفاية تبدل الابخرة إلى الماء في صدق الجاري (4) ولا حاجة إلى وجود المخازن الارضية في صدقه. فلو كان النبع معتبرا لكفى كونه من المخازن الارضية، وليكف كونه مستندا إلى تسبيب البشر، كما هو جائز في هذه الازمنة. فبالجملة: لا دليل من اللغة والعرف، على دخالة النبع في صدقه،


1 - مدارك الاحكام 1: 28. 2 - لاحظ مفتاح الكرامة 1: 61. 3 - جامع المقاصد 1: 110، مستمسك العروة الوثقى 1: 131. 4 - الطهارة (تقريرات الامام الخميني (قدس سره) اللنكراني: 4 / السطر 11 و 12 (مخطوط).

[ 39 ]

[ السائل - ] وتوهم كشف ذلك بالاجماع (1)، في غير محله. نعم، دعوى انصرافه إلى ذلك في محيط الاخبار - ولا سيما في تلك الامصار والاعصار - غير بعيدة، إلا أنها غير مستقرة، لكفاية المخازن والمتصير تحت الارض في صدقه، إذا اتفق سريانه منها إلى الخارج. فبالجملة: لابد من وجود مادة تكون مبدء لوجوده، ولو كانت هي الثلوج والبرد، وإلا يلزم عدم كون الفرات ودجلة والكارون من المياه الجارية، وتفصيله في كتابنا الكبير (2). قوله مد ظله: السائل. على المعروف بينهم (3)، خلافا لما يظهر من المسالك (4). والذي هو الحق: أن السيلان معتبر، لا بمعنى الجريان على وجه الارض، فلو كانت فوارة نابعة من الارض إلى السماء، ولكنها لا تجري عليها، بل ترجع إلى نفس المخزن فهي من الجاري، كما أنه لا يعتبر السريان والسيلان دائما في صدقه، بل تكفي الشأنية.


1 - مدارك الاحكام 1: 28. 2 - تحريرات في الفقه، كتاب الطهارة، المقصد الاول، المبحث الرابع، حول الماء الجاري. 3 - لاحظ مستمسك العروة الوثقى 1: 131. 4 - مسالك الافهام 1: 12.

[ 40 ]

[ لا ينجس بملاقاة النجس، كثيرا كان أو قليلا. ] ثم إن الدوام غير بعيد اعتباره في الجملة، فلو حدث النابع السائل ساعة وانقطع، فلا يكون من ذاك الجاري. قوله مد ظله: أو قليلا. بلا خلاف يعتد به، وعليه حكاية الاجماعات المنقولة، والشهرات المحققة (1). وقد خالفهم السيد في الجمل (2) والعلامة في أكثر كتبه (3) - إلا فيما يظهر من الارشاد (4) - وثاني الشهيدين في كتبه الثلاثة (5). وتوهم تمامية الاجماع التعبدي في المسألة (6)، غير تام، لان المستند أخبارها، مع إهماله في كلام جمع من القدماء (7)، ولو صرح به


1 - المعتبر 1: 41، منتهى المطلب 1: 27، جواهر الكلام 1: 85. 2 - رسائل الشريف المرتضى 3: 22. 3 - تذكرة الفقهاء 1: 17، قواعد الاحكام 1: 4 / السطر 18، منتهى المطلب 1: 27، نهاية الاحكام 1: 228. 4 - إرشاد الاذهان 1: 235. 5 - روض الجنان: 134 / السطر 25، الروضة البهية 1: 13 / السطر 8، مسالك الافهام 1: 12. 6 - مدارك الاحكام 1: 30، جواهر الكلام 1: 85. 7 - المقنعة: 64، المراسم: 37، النهاية ضمن الجوامع الفقهية: 263 / السطر 16.

[ 41 ]

[..... ] ابن البراج (1) وبعض أقرانه (2). والتمسك بإطلاق النبوي، في غير محله، لان المفروض فيه ليس هو الماء القليل ولو قطرة، فإذا كان المفروض فيه الكثرة فهو مجمل من تلك الجهة، بل الظاهر من المستثنى هو الكثير من الماء. ومثله مضمرة سماعة قال: سألته عن الرجل يمر بالميتة في الماء. قال: يتوضأ من الناحية التي ليس فيها الميتة (3). وأما التمسك (4) بما في الباب الخامس من الوسائل (5) فهو في غير محله، لانها أخبار ناظرة إلى نفي البأس عن البول فيه تكليفا، وفيه معتبر ابن مهران قال: سألته عن الماء الجاري يبال فيه. قال: لا بأس به (6).


1 - المهذب 1: 20. 2 - الوسيلة: 72، الغنية، ضمن الجوامع الفقهية: 489 / السطر 28. 3 - تهذيب الاحكام 1: 408 / 1285، وسائل الشيعة 1: 144، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 5، الحديث 5. 4 - مدارك الاحكام 1: 32. 5 - وسائل الشيعة 1: 143 - 144، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 5. 6 - تهذيب الاحكام 1: 34 / 89، وسائل الشيعة 1: 143، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 5، الحديث 4.

[ 42 ]

[..... ] فإنه ظاهر في السؤال عن الماء الكذائي. إلا أن الاطلاق هنا وفي سائر الاخبار المستدل بها، غير واضح، لانصرافها إلى المياه الجارية البالغة كرا، وقليل وجود القليل منها جدا. ومن هنا يظهر عدم تمامية الاستدلال بما ورد في ماء الحمام (1)، بتوهم أن الكرية لو كانت شرطا في الجاري، لما كان وجه للتنزيل (2)، وأن ماء الحمام بمنزلة الماء الجاري كما في معتبر ابن مسلم (3)، أو أن ماء الحمام كماء النهر، يطهر بعضه بعضا كما في رواية ابن أبي يعفور (4). وأنت خبير بجواز أن يقال: ماء الحمام بمنزلة الكر. نعم، لا تبعد استفادة كفاية الجريان من قوله (عليه السلام) في رواية بكر بن حبيب: إذا كانت له مادة (5) وقوله (عليه السلام): في موثقة حنان بن سدير قال: أليس هو جار؟.


1 - وسائل الشيعة 1: 148، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 7. 2 - جواهر الكلام 1: 86. 3 - لم نجد هذا التعبير في روايات محمد بن مسلم، نعم قد ورد في تهذيب الاحكام 1: 378 / 1170 عن داود بن سرحان. 4 - الكافي 3: 14 / 1، وسائل الشيعة 1: 150، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 7، الحديث 7. 5 - الكافي 3: 14 / 2، وسائل الشيعة 1: 149، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 7، الحديث 4.

[ 43 ]

[..... ] قلت: بلى. قال: لا بأس (1). لان المتفاهم منه، أن المناط كون الماء ذا مادة، ولا يعتبر شئ حتى الجريان، لانه باعتبار كونه ذا مادة، كما هو المستفاد من معتبر ابن بزيع (2). اللهم إلا أن يقال: بما مر من الاشكال في الاطلاق (3)، لعدم الحاجة إلى ذكر القيد، كما لا يخفى. نعم، يبقى حديث لغوية التعليل بالمادة، لو كان الشرط كرية الماء (4)، وهذا متين جدا. وكون النسبة بين أدلة اعتبار الكرية وهذه الاخبار، عموما من وجه، لا يضر، لما سيمر عليك من عدم ثبوت المفهوم لاخبار الكر، وإلا فالترجيح بأقوائية ظهور التعليل (5)، في غير محله، لما تحرر من أن


1 - الكافي 3: 14 / 3، وسائل الشيعة 1: 213، كتاب الطهارة، أبواب الماء المضاف، الباب 9، الحديث 8. 2 - تهذيب الاحكام 1: 234 / 676، وسائل الشيعة 1: 172، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 14، الحديث 7. 3 - تقدم في الصفحة 41. 4 - جواهر الكلام 1: 86. 5 - مستمسك العروة الوثقى 1: 134.

[ 44 ]

[ ويلحق به النابع الواقف، كبعض العيون، وكذلك البئر على الاقوى، ] الاظهرية، مما لا أساس لها في باب الترجيحات. كما أن ما اشتهر: من ترجيح أخبار الجاري، للزوم اللغوية لو قدمت روايات الكر، ولا عكس (1)، غير وجيه عندنا، ضرورة أن الجمع بين الاخبار ليس واجبا، حتى يلزم الجمع بالوجه المزبور، فإذا كانت متعارضة فرضا، فالترجيح مع الاخبار الناطقة بعدم اعتبار الشرطية، كما هو واضح. ومن هنا يظهر وجه تقييد الاطلاقات المستدل بها لنجاسة كل ماء إلا الكثير. وربما يعارض بينها وبين الاطلاق النافي لنجاسة كل ماء إلا بالتغير، فيرجع إلى الطائفة الثالثة، الموجبة لانقلاب نسبة التباين بين الاوليين، إلى الاطلاق والتقييد، وتصير النتيجة: كفاية كون الماء ذا مادة. قوله مد ظله: النابع الواقف. قد عرفت: أنه من الجاري موضوعا، وتبين أن المناط كونه ذا مادة. قوله مد ظله: البئر على الاقوى. وفاقا لما حكى أبو يعلى الجعفري عن ابن الغضائري، وللعماني،


1 - جواهر الكلام 1: 86.

[ 45 ]

[..... ] ولمحمد بن الجهم (1)، بل هو مذهب الشيخ كما في المختلف (2) وربما يستظهر من الهداية (3) والتهذيب (4). فما عن درس عميد الدين - كما في غاية المراد (5) -: من أن القول بالطهارة، إبداع شيخ العلامة ابن الجهم، وتبعه العلامة في نوع كتبه (6)، في غير محله. وما يظهر من منفردات السيد (رحمه الله) في الانتصار (7) في غير محله أيضا، فقد حكي عن أمالي الصدوق (8): أنه من دين الامامية، وعليه فتوى الفقهاء، من زمن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، إلى يومنا هذا (9). وفي المنتهى نقل القول بالنجاسة عن جماعة من الصحابة


1 - لاحظ مفتاح الكرامة 1: 79 / السطر 14. 2 - مختلف الشيعة 1: 187. 3 - الهداية ضمن الجوامع الفقهية: 48 / السطر 18. 4 - تهذيب الاحكام 1: 232. 5 - غاية المراد 1: 71. 6 - منتهى المطلب 1: 56 و 68، تذكرة الفقهاء 1: 27، مختلف الشيعة 1: 187. 7 - الانتصار: 11. 8 - الامالي: 514. 9 - مفتاح الكرامة 1: 78 / السطر 15.

[ 46 ]

[..... ] والتابعين (1). ويظهر من الخلاف ذهاب أبي حنيفة إلى نجاسته بلغ ما بلغ (2). وعن موضع من المعتبر نسبة النجاسة إلى الجمهور (3). فتحصل: أن الاجماعات المدعاة على الطهارة، والشهرات المحكية، ليست تعبدية، ولا تامة، لاختلاف الاخبار، واضطراب الاراء، فالمعتمد عليه هو النصوص. وتحصل: أن العامة تقول بالنجاسة، فأخبار النجاسة قابلة للحمل على التقية. ومن الواضح: أن مقتضى الاطلاقات والاصول، هي طهارة ماء البئر بعد كونه ماء ذا مادة، فالقول بالنجاسة يحتاج إلى التأييد بالاخبار، وهي - مع تشتتها متنا وسندا، وقابلية بعضها دلالة، وتماميته سندا - لا تقاوم تلك المآثير الناهضة على طهارته بالخصوص، وعلى تقدير المعارضة تكون أخبار الطهارة مخالفة للعامة. اللهم إلا أن يقال: بأنها خلاف الشهرة، وهي وإن لم تكن بالغة إلى


1 - منتهى المطلب 1: 57. 2 - الخلاف 1: 192. 3 - المعتبر 1: 55.

[ 47 ]

[ فلا ينجس المياه المزبورة إلا بالتغير. ] حد إحداث الوهن فيها كما هو واضح، ولكنها قابلة لترجيحها على معارضها، فيقع التعارض بين المرجحات، ويكون المرجع تلك الاطلاقات. وتوهم: أن الترجيح مع الشهرة عند المعارضة، في غير محله، مع أن أساس المرجحات بلا أصل، كما تحرر في الاصول. وأما توهم: أن المسألة من صغريات انقلاب النسبة، وتصير النتيجة: نجاسة ماء البئر، فهو غير تام، لانه ليس من الجمع العرفي، فراجع. قوله مد ظله: إلا بالتغير. على ما عرفت، وهنا إشكال آخر زائدا على إشكال نجاسة مطلق المياه بالتغير، وهو: أن الاخبار الناطقة - فرضا - بنجاسة الماء المتغير، موضوعها الماء المطلق فتعارضها الاخبار الناطقة بعدم تنجس الماء الجاري، وأنه يطهر بعضه بعضا (1) وهو مقتضى الاطلاق الناطق بعدم البأس بالماء الجاري الذي يبال فيه (2). فالنسبة بين الطائفتين عموم من وجه، وتصير النتيجة: عدم


1 - الكافي 3: 14 / 1، وسائل الشيعة 1: 150، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 7، الحديث 7. 2 - وسائل الشيعة 1: 143، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 5، الحديث 1 - 4 و 6.

[ 48 ]

[..... ] نجاسة الجاري بالتغير، بخلاف بعض المياه الاخر الوارد في خصوصه تنجسه بالتغير (1). اللهم إلا أن يقال: بأن الادلة الناطقة بنجاسة المتغير من المياه، ناظرة إلى المياه الخاصة، كالنبوي (2) ونحوه (3). أو يقال: إطلاق عدم تنجس الجاري والواقف، ممنوع. وبالجملة: في خصوص البئر نقول بنجاسته بالتغير، لمعتبر ابن بزيع (4)، إلا على الاشكال العام الذي مر تحريره (5).


1 - وسائل الشيعة 1: 170، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 14. 2 - وسائل الشيعة 1: 135، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 1، الحديث 9. 3 - وسائل الشيعة 1: 137، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 3. 4 - الكافي 3: 5 / 2، وسائل الشيعة 1: 170، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 14، الحديث 1. 5 - تقدم في الصفحة 28 - 29.

[ 49 ]

[ مسألة 9: الراكد المتصل بالجاري حكمه حكم الجاري، فالغدير المتصل بالنهر بساقية ونحوها، كالنهر. وكذا أطراف النهر، وإن كان ماؤها واقفا. ] قوله مد ظله: حكم الجاري. يظهر منه ومن جمع آخر: أنه ليس من الجاري موضوعا (1)، فعليه يشكل، لانه ليس من الكر، ولا من ذي مادة، ولا البئر. وتوهم: أنه ذو مادة (2)، فاسد، لان المراد منها ما لا ينطبق على مثله، أو يكون مورد انصراف دليلها، ضرورة أنه متحد مع المادة سطحا وتشخصا، فإذا كان قليلا ينفعل. اللهم إلا أن يقال: بأنه جار عرفا، لاتحاده مع ما في النهر، ولا يعتبر في جريان الماء الجاري، كون جميع أجزائه جاريا، فالاقرب أنه جار موضوعا. نعم، إذا كان اتصاله بالنهر رقيقا، فالحكم بعدم تنجسه مشكل، للزوم تعدد ما في الساقية مع ما في النهر، فتدبر.


1 - العروة الوثقى 1: 30، فصل الماء الجاري، المسألة 6. 2 - مستمسك العروة الوثقى 1: 139.

[ 50 ]

[ مسألة 10: يطهر الجاري وما في حكمه - إذا تنجس بالتغير - إذا زال تغيره ولو من قبل نفسه، وامتزج بالمعتصم. ] قوله مد ظله: يطهر الجاري. بالاتفاق في صورة الامتزاج، لان هذا هو القدر المتيقن، وإنما الخلاف في الراكد وفي الجاري إذا لم يمتزجا. وهذا هو مقتضى ما ورد في خصوصه: إن ماء الحمام كماء النهر، يطهر بعضه بعضا (1) فإن مورده ما إذا تغير ثم زال التغير، فإنه يطهر بعضه بعضا، لغلبته عليه، ولامتزاجه به عادة وغالبا. وسيظهر ما عندنا في المسألة الاتية (2) من البحوث المختلفة في طهارة الماء المتنجس بالتغير، وفي بحث طهارة القليل المتنجس إن شاء الله تعالى (3). والذي نشير إليه هنا: هو أن الظاهر من أخبار تنجس الماء المتغير، هو أن الماء ينجس به، فإن قلنا: بأن النجس هو العنوان كالكافر فنفس الزوال كاف، ولا حاجة إلى الاتصال، كما نسب (4) إلى جمع من المخالفين،


1 - الكافي 3: 14 / 1، وسائل الشيعة 1: 150، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 7، الحديث 7. 2 - يأتي في الصفحة 60. 3 - يأتي في الصفحة 65. 4 - منتهى المطلب 1: 64، جواهر الكلام 1: 166.

[ 51 ]

[..... ] كالشافعي، وأحمد، والمؤالفين كابن سعيد (1)، والشهيد (2)، بل والعلامة في بعض كتبه كالنهاية (3). وإن قلنا: بأن الماء ينجس بالتغير، ولا تزول بزواله، فيصير في الاعتبار من الاعيان النجسة، ولا طريق للعقلاء في تنظيف هذا الماء بالامتزاج، ولا بالاتصال، بل هو كالجامد، إلا أنه لا يقبل التطهير إلا بالاستهلاك. وهو ليس من التطهير المطلوب، لان الكر من البول يطهر بالاستهلاك أيضا، فعلى هذا لابد من قيام دليل شرعي صريح في هذا المعنى الذي هو على خلاف مرتكز القوم والعقلاء. ويؤيد ذلك النبوي (4) والعلوي (5): أن الماء يطهر ولا يطهر لانه بالاستهلاك ليس ماء.


1 - الجامع للشرائع: 18. 2 - الروضة البهية 1: 13 / السطر 6. 3 - نهاية الاحكام 1: 258. 4 - الكافي 3: 1 / 1، وسائل الشيعة 1: 134، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 1، الحديث 6. 5 - المحاسن: 570 / 4، وسائل الشيعة 1: 135، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 1، الحديث 7.

[ 52 ]

[..... ] وأما صحيح ابن بزيع (1)، فمع ما فيه من الشبهات، لا يدل على كفاية الاتصال، لان النزح يلازم الامتزاج، ولا على كفاية الامتزاج، لان ذهاب الريح وعود الطيب، ربما لا يكون إلا بالاستهلاك العرفي، فإطلاقه ممنوع جدا، والنتيجة حينئذ هو الاخذ بالقدر المتيقن، وهو الاستهلاك. ولعمري، إن المتغير يطهر بزوال تغيره، والصحيح المزبور ظاهر عندنا في كون التعليل الاخير، راجعا إلى الصدر، عند من يعرف العربية، ويأنس باسلوب كلام الاديب الاريب، فيكون معتبر ابن بزيع دليلا على كفاية ذهاب الريح وعود الطيب، ولا يثبت الاجماع التعبدي كما اشير إليه (2)، فتدبر.


1 - تهذيب الاحكام 1: 234 / 676، وسائل الشيعة 1: 172، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 14، الحديث 7. 2 - تقدم في الصفحة 40.

[ 53 ]

[ مسألة 11: الراكد بلا مادة ينجس بملاقاة النجاسة، إذا كان دون الكر، ] في الماء الراكد قوله مد ظله: ينجس. كان المعروف بحسب التأريخ، انفعال القليل من قديم الايام، فعن ابن عباس، وابن عمر، وأبي هريرة، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وأحمد، وإسحاق، وأبي عبيدة، وأبي ثور، اعتبار القلتين (1)، فما في مفتاح الكرامة: أن الحكم بالطهارة مشهور بينهم (2) غير واضح. وقد تبعهم أبو حنيفة، إلا أنه قال: الماء القليل الذي يتحرك أحد جانبيه بملاقاة الجانب الاخر ينجس (3). وقد خالفهم مالك، والبصري، والنخعي، وداود (4)، وهم الاقدم على المذاهب الاربعة. فالمسألة كانت معنونة، والمشهور بين الاولين هي النجاسة، فما عن الكاشاني: من أن الطهارة كانت مفروغا عنها، والمسألة حديثة


1 - لاحظ الخلاف 1: 191. 2 - مفتاح الكرامة 1: 74 / السطر 3. 3 - لاحظ المجموع 1: 113. 4 - المجموع 1: 113.

[ 54 ]

[..... ] متأخرة (1) في غير محله. فعليه لا يجوز صدور الاخبار تقية لو كانت تدل على الطهارة، ولا سيما مع اضطراب رأي الشافعي في المسألة (2)، وقيل: المعروف منه هي النجاسة (3). ثم، إن المجمع عليه بين أصحابنا والقول المشهور من السلف: هي النجاسة أيضا، وعليه الاجماعات البالغة إلى الثلاثين أو الاكثر (4). نعم، نسب الخلاف إلى العماني (5)، والقاضي أبي حنيفة الشيعي (6)، بل والكليني (7)، والصدوق (8)، ولكنه غير تام، وظاهر الاخير أنه من المفصلين (9)، وقيل: إن الكليني ذهب إلى تنجس القليل مطلقا. إلا أن الشأن عدم تمامية الاجماع الكاشف عن رأي المعصوم، أو


1 - الوافي 6: 20. 2 - المغني 1: 24 و 25. 3 - مقابس الانوار: 67 / السطر 14. 4 - لاحظ مفتاح الكرامة 1: 72، مهذب الاحكام 1: 168. 5 - مختلف الشيعة 1: 176، تذكرة الفقهاء 1: 22. 6 - دعائم الاسلام 1: 111 و 112. 7 - لاحظ مقابس الانوار: 66 / السطر 22. 8 - لاحظ مقابس الانوار: 66 / السطر 26. 9 - الهداية ضمن الجوامع الفقهية: 48 / السطر 12.

[ 55 ]

[..... ] النسبة غير الواصلة إلينا، فإنه بعيد بعد وجود الاخبار الناطقة بالنجاسة، حتى حكي عن المعالم والمجلسي والبهبهاني تواترها (1). وعن الرياض: جمع منها بعض الاصحاب مائتي حديث (2). وعن بعضهم: أنها تبلغ ثلاثمائة أو أكثر (3). وعليه تكون الاخبار الاخر الناطقة بالطهارة - فرضا - وإن كانت معارضة معها، إلا أن في المسألة يتقوى إعراض المشهور عنها، لاحتمال كونها صادرة أحيانا تقية. ولو كان التعارض مستقرا، فالاخذ بالمشهور - وهي الطائفة الاولى متعين، فإنه يتعاضد ا لشهرة الفتوائية بالشهرة الروائية، ويكفي للنجاسة - مضافا إلى مساعدة الاعتبار والنظافة الاسلامية - اغتراس الاذهان الاسلامية والمتشرعة. وقد مضى: أن القول بانقلاب النسبة بين المقيدين المتعارضين مع العام الفوقاني، بالجمع العقلائي بين العام الاول - وهي طهارة المياه، وعدم تنجسها - وأخبار النجاسة بالتقييد، ثم الجمع بينه وبين الطائفة


1 - لاحظ مستمسك العروة الوثقى 1: 141. 2 - رياض المسائل 1: 144. 3 - مستمسك العروة الوثقى 1: 142.

[ 56 ]

[..... ] الثانية، ليس من الجمع العقلائي، وإلا فهو هنا يورث نجاسة القليل أيضا. ثم إن كثيرا من الاخبار المتمسك بها للطهارة، غير مرتبطة بالمسألة، لان الكلام حول انفعال الماء القليل، وأما حد القلة فهو بحث آخر، فالرواية الناطقة بعدم تنجس ماء الراوية وأشباهها (1)، ليست من تلك الطائفة، لجواز القول: بأن حد القليل ينطبق على الراوية وأشباهها، كما يأتي تحقيقه (2)، كما أن المخالفين في حدود الكر، كلهم من القائلين: بنجاسة القليل، وذاهبون إلى تقسيم الماء إلى الحدين: القلة، وما يزيد عليها. وغير خفي: أنه بعد التدبر في أخبار المسألة، لا يمكن أن يجعل الوثوق بدلالة طائفة معتبرة على الطهارة إنصافا، ولا يجوز الاستناد في مثل هذه المسألة إلى رواية ولو كانت صحيحة ودالة كما لا يخفى، وإذا زادت عليها زاد وهنا، فاغتنم.


1 - تهذيب الاحكام 1: 412 / 1298، وسائل الشيعة 1: 139، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 3، الحديث 8. 2 - يأتي في الصفحة 66 - 69.

[ 57 ]

[ سواء كان واردا عليها أو مورودا. ويطهر بالامتزاج بماء معتصم، كالجاري والكر وماء المطر. ] قوله مد ظله: مورودا. قال السيد في الناصريات بالتفصيل المذكور، قائلا بعد العنوان: لا أعرف فيها نصا لاصحابنا، ولا قولا صريحا، والشافعي يفرق بين ورود الماء على النجاسة، وورودها عليه، فيعتبر القلتين في ورود النجاسة على الماء، ولا يعتبر في ورود الماء على النجاسة، وخالفه سائر الفقهاء في هذه المسألة، ويقوى في نفسي عاجلا إلى أن يقع التأمل بذلك، صحة ما ذهب إليه الشافعي وأبو حنيفة (1) انتهى. وحكي (2) موافقة الحلي له، وقال في ذيل المسألة: إنه الموافق لاصل المذهب وفتاوى الاصحاب (3) انتهى. وأنت خبير: بأنه لا يخفى على السيد (رحمه الله)، ما هو من فتاوى الاصحاب كما في كلامه، والامر سهل. وفي المسألة بحسب التصور احتمالات، إلا أن الاظهر عندي أن مقصود الباحثين السالفين، ليس ما يرتبط بمسألة الغسالة، أو كيفية


1 - لاحظ الناصريات، ضمن الجوامع الفقهية: 215. 2 - مستمسك العروة الوثقى 1: 149. 3 - السرائر 1: 181.

[ 58 ]

[ والاقوى عدم الاكتفاء بالاتصال بلا امتزاج. ] تطهير المتنجسات، بل المقصود هو أنه لو مر القليل على عين النجس - لا النجس على القليل - فهل ينجس، نظرا إلى أن أخبار المسألة كلها حول النجاسة الواقعة في الماء، أو ما يشبه ذلك؟ وأما في صورة العكس، فقصور الادلة الخاصة، يكفي لكون الاصل أو المطلقات مرجعا عند الشك، وليس المنظور ورود الماء على النجس، فبقي النجس في الماء، فإنه قول قبيح صدوره من العاقل. وبالجملة: مسألة طهارة الغسالة أمر مربوط بتطهير المتنجس، ومسألتنا هذه غسالة النجس، أي الماء المار عليه، من غير كون النظر إلى اختلاف السطوح، والعالي والداني، فإنه أيضا بحث آخر. والذي يظهر: أنه إذا كانت الغسالة نجسة، فهو أولى به، وأما إذا كانت طاهرة، فالقول: بنجاسة الماء المار على النجس المنفك عنه، يكون تنجسه مستفادا من أدلة تنجس الجامد بالرطوبة (1)، فإنه أولى بذلك، كما لا يخفى. قوله مد ظله: بالاتصال. خلافا لطائفة من الاجماعات المحكية والشهرات المحققة (2)


1 - وسائل الشيعة 3: 441، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 26. 2 - مقابس الانوار: 82 / السطر 12 و 33، الطهارة، الشيخ الانصاري 1: 138.

[ 59 ]

[..... ] إلى عصر المعتبر وقيل: هو أول من اعتبر فيه الامتزاج (1) كما نحن أول من اعتبر الاستهلاك. ويجوز منع الاجماع الشهرة، حيث يظهر من متون المبسوط (2) والسرائر (3) والوسيلة (4) اعتبار الزائد على الاتصال، لقولهم بتكاثر الماء الوارد وتدافعه، فعليه يكون المرجع القواعد الموجودة، وهي تقتضي نجاسته إلى أن يحرز مزيلها. وما يستدل به (5) لكفاية الاتصال - من إطلاق معتبر ابن بزيع (6) - غير تام، ضرورة أن المتفاهم من التعليل أنه علة لقوله (عليه السلام): ماء البئر واسع لا يفسده شئ وسائر الجمل من تبعات هذه المسألة. أو يكون قوله (عليه السلام): لان له مادة علة لما يحصل من النزح، وهي طهارة الماء، فلابد من النظر إلى دخالة النزح، وهي ممنوعة قطعا بما هو هو.


1 - لاحظ الطهارة، الشيخ الانصاري 1: 138. 2 - المبسوط 1: 7. 3 - السرائر 1: 63. 4 - الوسيلة: 73. 5 - الطهارة، الشيخ الانصاري 1: 145، مستمسك العروة الوثقى 1: 125. 6 - تهذيب الاحكام 1: 234 / 676، وسائل الشيعة 1: 172، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 14، الحديث 7.

[ 60 ]

[..... ] نعم، لمكان الملازمة الخارجية بين النزح والامتزاج أو الاستهلاك، لا يبقى محل للاطلاق. وأما كفاية الامتزاج، فهي ممنوعة عندنا، لان الظاهر من مورد الخبر، كون البئر باق فيه الماء بعد النزح، لقوله (عليه السلام): حتى يذهب الريح ويطيب طعمه فعليه تكون من الابار التي يكثر فيها الماء، ويحصل به الاستهلاك العرفي، بحيث لا يبقى من الماء الاول إلا شئ قليل فان في جنب الماء الوارد الباقي، فإطلاقه لكفاية الامتزاج أيضا ممنوع. ويؤيد ما سلكناه: أن الماء المتنجس كالجامد في تطهيره، فكما لا يكفي تطهير جانب من الجامد عن الجانب الاخر، كذلك الماء. نعم، الماء المتغير يطهر - على الاشبه - بزوال الوصف كما مر (1)، فليتدبر جيدا.


1 - تقدم في الصفحة 52.

[ 61 ]

[ مسألة 12: إذا كان الماء قليلا، وشك في أن له مادة أم لا، فإن كان ذا مادة وشك في انقطاعها، يبني على الحالة السابقة الاولى، ] قوله مد ظله: يبني على الحالة.... نظرا إلى استصحاب الكون الرابط، وهو أنه كان ذا مادة، والان كذلك. وفيه نظر، لان ما هو موضوع الاعتصام وعدم التنجس بالملاقاة، هو الماء، والعلة الشرعية لا ترجع إلى قيد الموضوع في الاحكام الالهية، فاستصحاب كونه ذا مادة، لا أثر له إلا على القول بحجية الاصل المثبت. وبالجملة: الخمر لا يقيد بالاسكار في الموضوع المعروض للتحريم، فما في كلمات الكل هنا خال عن التحصيل، وليس في الادلة ما يفي بأن الموضوع هو الماء ذو المادة. وهناك صور حول الماء على أنواعها، مثل كون الجريان والمادة معا، موضوعا للحكم، وهكذا... وأما إذا كانت حالته السابقة عدم المادة، فاستصحاب سلب العلة لنفي الحكم، ممنوع جريانه، وهو ليس من قبيل استصحاب عدم الموضوع لعدم الحكم، ولا يكون الموضوع أيضا مقيدا، كما اشير إليه. وأما استصحاب المطهرية والعاصمية التنجيزي، أو بعض الاستصحابات التعليقية، فهي وإن كانت سليمة من الاشكال المذكور، إلا أنه لا دليل على جعل العصمة والمطهرية، إلا إذا قلنا: بأن الطهور معناه ذلك، فتصل النوبة إلى إثباته في الصورة الاولى، ونفيه في الصورة الثانية، فاغتنم.

[ 62 ]

[ وإلا فلا. لكن مع ملاقاته للنجاسة يحكم بطهارته على الاقوى. ] قوله مد ظله: وإلا فلا. أي وإن لم يكن له الحالة السابقة، أو كانت وهي غير معلومة، أو كانت حالته السابقة عدم المادة، فإنه في الجميع غير محكوم بشئ، إلا أنه - بحسب الحكم - طاهر عند الملاقاة. قوله مد ظله: على الاقوى. خلافا لجماعة حيث قالوا: بنجاسته (1)، وذلك إما لاجل التمسك بالعام في الشبهة المصداقية، أو لاجل استصحاب العدم الازلي الجاري في أمثال المسألة، أو لاجل أن المقتضي موجود، والمانع مشكوك الوجود، فيحكم بها لحكم العقلاء. والوجوه محررة في كتابنا الكبير (2)، وقد تحرر منا جواز التمسك بالعام فيها، إلا أن كون ما نحن فيه من باب العام والخاص، أو التنويع لاقسام المياه إلى الانواع والاقسام، أو لعدم ثبوت المعنى المطلوب لطبيعة الماء - وهو الاعتصام - ولو كان من باب التخصيص دون التنويع، فلا يتم المطلوب، وهي نجاسة الماء المذكور على جميع التقادير. ولو كان معنى الطهور الثابت بالعمومات لطبيعة الماء هو


1 - العروة الوثقى 1: 33، فصل الماء الجاري، المسألة 2. 2 - كتاب الطهارة، المقصد الاول، المبحث الرابع، المسألة الاولى من الخاتمة.

[ 63 ]

[..... ] الاعتصام، تثبت الطهارة فيما نحن فيه بالادلة الاجتهادية، كما لا يخفى. بقي شئ: وهو أن مجرد ثبوت الطهارة، لا يكفي للمطهرية، فلابد من التماس دليل آخر محرر في كتابنا الكبير (1)، وهذا من غير فرق بين أن يريد التطهير بإيراد المتنجس في الماء، أو بإيراد الماء على المتنجس، فلا تخلط.


1 - كتاب الطهارة، المقصد الاول، المبحث الرابع، المسألة الاولى من الخاتمة.

[ 64 ]

[ مسألة 13: الراكد إذا بلغ كرا، لا ينجس بالملاقاة إلا بالتغير. وإذا تغير بعضه، فإن كان الباقي بمقدار كر، يبقى غير المتغير على طهارته، ويطهر المتغير إذا زال تغيره بالامتزاج بالكر الباقي. ] حكم ماء الكر قوله مد ظله: لا ينجس. بلا خلاف، إما لانه كر، أو لعدم اعتبار الكرية. قوله مد ظله: بالتغير. قد مر (1) وجه الاشكال في نجاسة المياه بالتغير، وأما قوله: وإذا تغير بعضه... فالوجه معلوم، لما اشير إليه آنفا. قوله مد ظله: بالامتزاج. مر (2) وجهه ووجه كفاية زوال التغير في طهارته، من غير حاجة إلى الامتزاج والاتصال. نعم، في القليل المتنجس نحتاج إلى الاستهلاك العرفي حسب الاظهر، وهو الاحوط.


1 - تقدم في الصفحة 28 - 29. 2 - تقدم في الصفحة 50 - 51، 60.

[ 65 ]

[ وإذا كان الباقي دون الكر، ينجس الجميع. ] قوله مد ظله: ينجس الجميع. لما سيأتي من انفعال الماء القليل، هذا بناء على المشهور، من نجاسة المتغير بما هو متغير ولو كان كثيرا، وأما على ما مر من المناقشة في تنجس المتغير (1) فلا، وقد مر الاحتياط.


1 - تقدم في الصفحة 28 - 29.

[ 66 ]

[ مسألة 14: للكر تقديران: أحدهما: بحسب الوزن... (إلى أن يقول:) وثانيهما: بحسب المساحة، وهو ما بلغ ثلاثة وأربعين شبرا إلا ثمن شبر على الاحوط، بل لا يخلو من قوة. ] قوله مد ظله: لا يخلو من قوة. اعلم: أن هذه المسألة من المسائل الخلافية من بدو طلوع الاسلام إلى عصرنا، والذي لا ينبغي الشك فيه ولا يرتاب أحد حوله - بعد التأمل في نواحيه - انفعال الماء القليل في الجملة، وإنما الاختلاف في حده. وما يتوهم من أن المسألة من المستحدثات، كما يظهر من الكاشاني (رحمه الله) (1) وغيره، فهو من قلة التدبر، فإن المحكي عن ابن عباس، وابن عمر، وأبي هريرة، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وأحمد، وإسحاق، وأبي عبيدة، وأبى ثور - الذين هم في القرن الاول - هو اعتبار القلتين (2)، ويظهر منهم أنهم يريدون من التحديد تنجس ما دون الحد. وعن أبي حنيفة التفصيل والقول بالنجاسة نوعا (3)، وبها يقول الشافعي في أحد قوليه أو أقواله (4)، وقيل: المعروف عنه هي


1 - الوافي 6: 20. 2 - الخلاف 1: 191، المغني 1: 24، المجموع 1: 112. 3 - الخلاف 1: 192، المغني 1: 25. 4 - الخلاف 1: 191، المغني 1: 24.

[ 67 ]

[..... ] النجاسة (1)، وهكذا ابن حنبل (2). فإذا وصلت النوبة إلى أرباب التأليف منا، فذهبوا إلى النجاسة، وعليها الاجماعات البالغة حد الثلاثين أو أكثر، والشهرات المحققة في الاعصار والامصار، ويساعده الاعتبار جدا. وعن العلامة الطباطبائي صاحب الرياض: أن روايات هذه المسألة تبلغ ثلاثمائة (3). هذا مع أن السيرة الموجودة الوسيعة جدا، تكشف عن أن المسألة، كانت من المسائل المتلقاة من أصحاب الائمة (عليهم السلام) الاولين، فأصل تنجس الماء القليل في الجملة، مما لا سبيل إلى مناقشته، ولو كان مذهب بعض العامة الطهارة (4) أو بعض من الخاصة - كما نسب إلى العماني (5)، والقاضي نعمان أبي حنيفة الشيعي (6) - فلا يضر. ومن الغريب، توهم ذهاب الكليني والصدوق إلى الطهارة، فما في


1 - مقابس الانوار: 67 / السطر 14. 2 - المغني 1: 24، المجموع 1: 112. 3 - انظر رياض المسائل 1: 5 / السطر 8. 4 - الخلاف 1: 192، المجموع 1: 113 / السطر 4. 5 - مختلف الشيعة 1: 176، تذكرة الفقهاء 1: 22. 6 - دعائم الاسلام 1: 111 و 112.

[ 68 ]

[..... ] المقابيس (1) في غير محله، كما أن كلام مفتاح الكرامة من نسبة الطهارة إلى مشهور العامة (2)، غير تام. فعلى ما تحرر: لو فرضنا وجود طائفة من الاخبار ظاهرة في الطهارة (3)، فهي إما معرض عنها، أو محمولة على التقية، أو ساقطة بالمعارضة. نعم، هي موافقة لاطلاق الكتاب (4) على تقدير كون الطهور بمعنى العصمة، مع أن جمعا من المياه ليس من السماء، والبحث أعم، فافهم. إلا أن موافقة الشهرة مقدمة عليها، مع أن النوبة لا تصل إلى الترجيح، لان المسألة من صغريات تمييز الحجة عن اللا حجة، كما لا يخفى. ولعمري، إن الشك والشبهة في هذه المسألة، معلول التسويل، ويشبه الشك في ركعتي الفجر، ولا نحتاج إلى الاجماع (5) والرواية، كي يناقش في الاجماع صغرويا، وفي الرواية كبرويا.


1 - مقابس الانوار: 66 / السطر 22 و 26. 2 - مفتاح الكرامة 1: 74 / السطر 3. 3 - وسائل الشيعة 1: 135، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 1، الحديث 8 والباب 3. 4 - الفرقان: 48. 5 - لاحظ مفاتيح الشرائع 1: 83.

[ 69 ]

[..... ] واحتمال حدوث الاغتراس، لاجل فتوى الفقهاء وإن كان ممكنا، إلا أنه بعد تلك المؤيدات بعيد جدا، ولا يقاس بحديث نجاسة ماء البئر إلى عصر ابن الجهم والعلامة (1)، كما هو معلوم، فلا تخلط. هذا تمام الكلام حول انفعال القليل. وأما حده، فهو مورد الخلاف جدا، فالمنسوب إلى المشهور أنه بحسب المساحة ثلاثة أشبار ونصف في مثله (2)، فيصير المجموع ما في المتن، وإلى ذلك يرجع ما في الناصريات (3) والانتصار (4) والغنية (5) وعليه فيها الاجماع. وعن الصدوق: أنه من دين الامامية (6). وعن التنقيح: أنه المشهور بين الاصحاب (7). وذهب جمع إلى أنه ثلاثة أشبار عرضا وطولا وعمقا، وإليه ذهب


1 - جامع المدارك 1: 7. 2 - مفتاح الكرامة 1: 71 / السطر 6، الروضة البهية 1: 13 / السطر 21، جواهر الكلام 1: 173. 3 - الناصريات ضمن الجوامع الفقهية: 214. 4 - الانتصار: 8. 5 - الغنية ضمن الجوامع الفقهية: 489 / السطر 33. 6 - لاحظ مستند الشيعة 1: 56، الامالي للصدوق: 514 / المجلس 93. 7 - التنقيح الرائع 1: 41.

[ 70 ]

[..... ] المختلف (1) والروض (2) والمجمع (3) وفي السرائر نسبته أيضا إلى القميين (4). وعن ابن جنيد: ما بلغ مائة شبر، جمعا (5). وعن الراوندي: ما يبلغ عشر أشبار ونصف (6). وعن جماعة من المعاصرين تبعا للمدارك (7): أنه ستة وثلاثون شبرا (8). وعن الاستاذ في حاشية المدارك: أنه ثلاثة وثلاثون شبرا تقريبا (9). وعن ابن طاوس: تجويز العمل بمجموع ما في الاخبار (10).


1 - مختلف الشيعة 1: 184. 2 - روض الجنان: 140 / السطر 24. 3 - مجمع الفائدة والبرهان 1: 260. 4 - السرائر 1: 60. 5 - مختلف الشيعة 1: 183، مستند الشيعة 1: 61. 6 - لاحظ مستند الشيعة 1: 61. 7 - مدارك الاحكام 1: 51. 8 - لاحظ العروة الوثقى 1: 35، كتاب الطهارة، فصل الراكد بلا مادة، المسألة الخامسة، الهامش 5. 9 - مفتاح الكرامة 1: 72 / السطر 8. 10 - لاحظ مستند الشيعة 1: 61.

[ 71 ]

[..... ] وحيث أن المسألة ليست بين القدماء واضحة، لاختلاف كلمات الناقلين والمنقول عنهم في المقدار والمساحة، بل والمساحة خصوصا أيضا، فلا مستند إلا الاخبار الموجودة، والمتبع هي الصناعة، فإنها الحجة. ولاجل ذلك كانت هذه المسألة - كجل المسائل الفقهية - بكرا، فأردت حل مشكلتها، بعد الغور بعين الانصاف في رواياتها، وهو أن مما قرع سمعك من السلف، هو أن مسروقا وابن سيرين، ذهبا إلى أن موضوع المنفعل والمعتصم عرفي، وهو الماء القليل والكثير (1)، وعلى هذا يحول الامر إلى العقلاء، كسائر المفاهيم. وبعبارة اخرى: إرجاع العناوين الكثيرة إلى العنوان الواحد، غير جائز، لانه يشبه القياس، إلا إذا اقتضت القرائن الخاصة، وقد صنع المشهور ذلك في كثير السفر من غير وجود قرينة، ولذلك عدل المتأخرون عنه إلى الاخذ بتلك العناوين الكثيرة المذكورة في الروايات (2)، كالجمال والمكاري والذي يدور في تجارته وهكذا.


1 - لاحظ التفسير الكبير، الفخر الرازي 24: 96. 2 - وسائل الشيعة 8: 484، كتاب الصلاة، أبواب صلاة المسافر، الباب 11.

[ 72 ]

[..... ] وأما فيما نحن فيه، قد اضطربت المآثير (1) حسب بيان ما هو الحد، وإرجاع هذه الحدود المختلفة إلى الواحد، أيضا غير جائز إلا مع القرينة، فإذا قامت هي على أن ما هو الموضوع للاعتصام هو الماء الكثير، وما في الاخبار تحديد صوري وتوضيح لمصاديق العنوان المذكور - من غير دخالة الحد الخاص فيه - يتبين أن القليل العرفي موضوع الانفعال. والذي يساعد ذلك: أن الموضوعات الشرعية - بحسب الطبع - عرفية، وقليل منها مورد تدخل الشرع، وأن الاخذ بالتحديد الشرعي، يورث لزوم الدقة العرفية في ذلك الحد، وهذا مما يطعن فيه بحسب الارتكاز البدوي. مع أن من ثمرات هذا المسلك، الاخذ بمجموع الاخبار، كما أومى إليه ابن طاوس (2) أيضا، ولكن لا يلزم اتباع ما فيها، فلو كان حد الكثير أقل من سبع وعشرين - كما هو رأي جمع من المعاصرين (3) - يكون هو المتبع، فالذي هو المعتصم هو الكثير المعتنى به عرفا، كالموجود في الحياض


1 - وسائل الشيعة 1: 164، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 10 و 11. 2 - مستند الشيعة 1: 61. 3 - التنقيح في شرح العروة الوثقى 1: 197.

[ 73 ]

[..... ] الصغار، والاواني الكبار، وأشباه ذلك، فما هو المهم هو الغور في تلك القرائن، وإليك نبذة منها، وتفصيلها في كتابنا الكبير (1). ففي معتبر حريز، عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: قلت له: راوية من ماء... إلى أن يقول: قال: إذا تفسخ فيها فلا تشرب من مائها، ولا تتوضأ وصبها، وإن كان غير متفسخ فاشرب منه وتوضأ، واطرح الميتة إذا أخرجتها طرية، وكذلك الجرة وحب الماء والقربة، وأشباه ذلك من أوعية الماء. قال: وقال أبو جعفر (عليه السلام): إذا كان الماء أكثر من راوية لم ينجسه شئ، تفسخ فيه، أو لم يتفسخ... (2) الحديث. وفي رواية معتبرة مضت، قال: سألته عن الدجاجة والحمامة وأشباههما، تطأ العذرة، ثم تدخل في الماء، يتوضأ منه للصلاة؟ قال: لا، إلا أن يكون الماء كثيرا، قدر كر من ماء (3). وفي معتبر أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: ليس بفضل السنور


1 - تحريرات في الفقه، كتاب الطهارة، المبحث الخامس، الامر الثامن. 2 - تهذيب الاحكام 1: 412 / 1298، وسائل الشيعة 1: 139، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 3، الحديث 8. 3 - تهذيب الاحكام 1: 419 / 1326، وسائل الشيعة 1: 155، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 8، الحديث 13.

[ 74 ]

[..... ] بأس أن يتوضأ منه ويشرب، ولا يشرب سؤر الكلب، إلا أن يكون حوضا كبيرا يستقى منه (1). وفي خبر صفوان الجمال قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الحياض التي ما بين مكة إلى المدينة، تردها السباع، وتلغ فيها الكلاب، وتشرب منها الحمير، ويغتسل منها الجنب، ويتوضأ منه. فقال: وكم قدر الماء؟. قلت: إلى نصف الساق، وإلى الركبة وأقل. فقال: توضأ منه (2). وفي الكافي: عن عبد الله بن المغيرة، عن بعض أصحابنا، عنه (عليه السلام) قال: الكر من الماء نحو حبي هذا وأشار إلى حب من تلك الحباب التي تكون بالمدينة (3). وفيما سبق كفى دلالة على ما أشرنا إليه، مع أن الاخير له الحكومة


1 - تهذيب الاحكام 1: 226 / 650، وسائل الشيعة 1: 226، كتاب الطهارة، أبواب الاسآر، الباب 1، الحديث 7. 2 - تهذيب الاحكام 1: 417 / 1317، وسائل الشيعة 1: 162، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 9، الحديث 12. 3 - الكافي 3: 3 / 8، وسائل الشيعة 1: 166، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 10، الحديث 7.

[ 75 ]

[..... ] على أخبار الكر في الشرع، وأنه ليس له الحد إلا الكثرة العرفية، لاختلاف الحباب طبعا. وأيضا في التهذيبين عن ابن المغيرة، عن بعض أصحابه، عنه (عليه السلام)، قال: إذا كان الماء قدر قلتين لم ينجسه شئ والقلتان: جرتان (1). فيعلم منه ومما سبق: أن الكثرة المتسامح فيها موضوع الاعتصام. وفي معتبر محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الثوب يصيبه البول. قال: اغسله في المركن... (2). ويزيدك شاهدا نفس اختلاف أخبار التحديد للكر. وبالجملة: تبين أن المتأمل في هذه الطائفة من المآثير، يتبين له حال الطوائف الاخر (3)، وينكشف لديه أصل المسألة بما لا مزيد عليه. ولا منع من دعوى اختلاف الاخبار، بحسب اختلاف مقدار النجس كما وكيفا واستعمالا، إلا أن النتيجة عدم انفعال القليل في مورد، واعتصام


1 - تهذيب الاحكام 1: 415 / 1309، الاستبصار 1: 7 / 6، وسائل الشيعة 1: 166، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 10، الحديث 8. 2 - تهذيب الاحكام 1: 250 / 717، وسائل الشيعة 3: 397، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 2، الحديث 1. 3 - وسائل الشيعة 1: 158، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 9.

[ 76 ]

[..... ] الكر على المشهور من كافة النجاسات كما وكيفا واستعمالا، إلا إذا تغير. ولكنه حيث تبين فساده، يظهر انفعال القليل العرفي بالقليل، وعدم انفعال الكثير المعتنى به - ولو كان خمسمائة رطل أو خمسة وعشرين شبرا - بالكثير المذكور أنظاره في الاخبار.

[ 77 ]

[ مسألة 15: الماء المشكوك كريته إن علم حالته السابقة، يبني على تلك الحالة، وإلا فالاقوى عدم تنجسه بالملاقاة، ] قوله مد ظله: تلك الحالة. من القلة والكثرة، نظرا إلى الاستصحاب الموضوعي، أو استصحاب اعتصامه وانفعاله من غير أن يرجع إلى التعليقي، ولو كان منشأ الشبهة مفهوميا - كما هو الاكثر على ما سلكناه - فالاصل غير جار. كما أنه لو كان الماء الكثير السابق خارجا عن المتعارف كثرة، ثم في ظرف الشك يشكل جريانه، لاختلاف موضوعي ظرف اليقين والشك، فافهم. وفي حاشية المصنف إشارة إلى الصورة الاخيرة (1) ظاهرا، فينافي إطلاق كلامه هنا، فراجع. قوله مد ظله: فالاقوى. نظرا إلى قصور الادلة الناهضة عن تنجسه، وقد مر الكلام في الجاري المشكوك اتصاله بالمادة (2)، وهذا من غير فرق بين أن تكون الكرية مانعة، أو شرطا لعدم الانفعال (3). بل الاظهر: أن مستند القول بطهارته، ليس قاعدة الطهارة، بل هو


1 - العروة الوثقى 1: 36، فصل الراكد بلا مادة، المسألة 7. 2 - تقدم في الصفحة 42 - 43. 3 - كتاب الطهارة، الشيخ الانصاري 1: 160، مستمسك العروة الوثقى 1: 163.

[ 78 ]

[ وإن لم يجر عليه سائر أحكام الكر. ] الاطلاق الحاكم بطهورية الماء، لما تحرر منا جواز التمسك بالعام في الشبهة المصداقية (1). نعم، في كون معنى الطهور هو الاعتصام، إشكال محرر في محله. وأما توهم: أن الماء المفروض مجرد فرض، فإن الماء يخلق تدريجا، فهو في غير محله، فلا تغفل. قوله مد ظله: أحكام الكر. اعلم: أن الاقوال في هذا الماء بين طهارته ومطهريته، ونجاسته، وطهارته دون مطهريته، ولكل وجه: أما نجاسته، فقد مر وجهها. وأما طهارته دون مطهريته بإيلاج المتنجس فيه، فلاستصحاب بقاء نجاسة المتنجس، ضرورة أنه في صورة كونه قليلا ينجس ولا يطهر. وأما إذا تطهر به، بإيراد الماء على المتنجس، فلا بأس به، إلا إذا كان بعد ملاقاة النجاسة، فإن قاعدة الطهارة لا يثبت بها إلا طهارته، وأما عنوان الماء المطهر فلا يثبت بها. وأما وجه جريان سائر الاحكام ومطهريته، فهو بين ما يكون عرفيا، نظرا إلى الملازمة العرفية الموجودة بين المتشرعة، لان الغسل بما


1 - تحريرات في الاصول 5: 251 وما بعدها.

[ 79 ]

[..... ] لا ينفعل شرعا - ولو ظاهرا - مطهر. ولا يخفى سخافته، ضرورة أن عدم الانفعال من تبعات الكر أو الكثرة، وليس هو في نفسه حكما وضعيا مستقلا. أو صناعيا، نظرا إلى جواز التمسك بالعام في الشبهة المصداقية، وأن معنى الطهور هو الاعتصام والمطهرية ولو بورود النجس عليه، وفيه ما مر آنفا. وغير خفي: أن العموم الذي يتمسك به لطهارة المشكوك الكرية، هو عموم خلق الله الماء طهورا... (1) والعموم الذي يتمسك به للنجاسة، هو العموم المستفاد من أخبار الكر، وأن الماء ينجس إلا في صورة الكرية. والذي يظهر لي: أن تمسك القوم للنجاسة في المسألة بذلك العموم غير صحيح، وذلك لان نفس أخبار الكر عمومها مذيل بالاستثناء (2)، فلا تكون المسألة من صغريات التمسك بالعام في الشبهة المصداقية. وأما العموم المنفصل، فلا يوجد - على ما ببالي عجالة - في أخبارنا، بل الامر بالعكس، كما اشير إليه، فما في كتب الاصحاب (رحمهم الله) (3)،


1 - وسائل الشيعة 1: 135، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 1، الحديث 9. 2 - وسائل الشيعة 1: 158، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 9، الحديث 3 و 4. 3 - مستمسك العروة الوثقى 1: 163، التنقيح في شرح العروة الوثقى 1: 217.

[ 80 ]

[..... ] في غير محله، فليلاحظ. وربما يتوهم التفكيك بين أحكامه، ففي مثل تطهير الماء المتنجس يمكن القول: بطهارة الماء الملقى عليه بعد إلقاء ذلك المشكوك، وأما في غيره فلا، وذلك إما لكونه من النجس المتمم كرا بالطاهر، أو لما قيل: بأن الماء الواحد ليس ذا حكمين بالاجماع، نظرا إلى أن استصحاب نجاسة الماء الملقى عليه وطهارة ما القي متساقطان، فتصل النوبة إلى قاعدة الطهارة (1). وفيه: أنه لو صارا واحدا فلا محط للاستصحاب، ولو بقيا على شخصيتهما فلا إجماع، لكونه لبيا، وقدر تيقنه - على فرض أصل وجوده - صورة الوحدة الاستهلاكية، فاغتنم.


1 - الطهارة، الشيخ الانصاري 1: 153، مستمسك العروة الوثقى 1: 165.

[ 81 ]

[ مسألة 16: إذا كان الماء قليلا فصار كرا، وقد علم ملاقاته للنجاسة، ولم يعلم سبق الملاقاة على الكرية أو العكس، يحكم بطهارته، ] قوله مد ظله: يحكم بطهارته. على المعروف بين المتعرضين للمسألة. وقيل: بالاحتياط (1)، بل وبالنجاسة (2)، وذلك إما لاجل عدم جريان الاستصحابين ذاتا في مجهولي التأريخ خلافا للتحقيق، أو لجريانهما وسقوطهما بالمعارضة، على إشكال يأتي الايماء إليه (3)، وعندئذ نحتاج في الطهارة إلى إحراز كريته حين الملاقاة، لحكم العقلاء، أو لانه في خصوص ما نحن فيه وأمثاله، لابد من إحراز المانع، نظرا إلى الادلة، لان الحكم بعدم الانفعال معلق على أمر وجودي، وقد تحرر في الاصول (4) فساد التوهمين ولو كانا من العلامتين (رحمهما الله) (5). وعلى هذا يحكم بالطهارة، إلا أن دليله استصحابها لا القاعدة، ضرورة أن الاستصحاب الساقط بالمعارضة، غير استصحاب طهارة الماء المفروضة، فلا تختلط.


1 - التنقيح في شرح العروة الوثقى 1: 238، العروة الوثقى 1: 32، حاشية السيد الخوئي. 2 - لاحظ ذخيرة المعاد: 126 / السطر 12. 3 - يأتي في الصفحة 86 - 88. 4 - لم نعثر عليه فيما بأيدينا من مباحثه الاصولية. 5 - فرائد الاصول، الشيخ الانصاري 2: 666، كفاية الاصول: 477.

[ 82 ]

[..... ] ويمكن المناقشة في جريان استصحاب عدم الملاقاة إلى عصر وجود الكرية لما لا أثر له إلا عقلا، فإن نفي السبب والموضوع - لاجل نفي الاثر - من الاحكام العقلية، إلا أن بناءهم على جريانه، ولا تنحل المشكلة إلا بما تحرر منا، من حجية الاصول المثبتة (1). ويمكن منع جريانهما ذاتا، لاجل انصراف دليل الاستصحاب، دون حديث عدم اتصال زمان الشك باليقين، فإنه من الغرائب الواقعة في كلمات الكفاية (2) وغيره (3)، والتفصيل في محله. هذا في صورتي جهالة تأريخهما. وأما في صورة العلم بتأريخ الكرية، وأنها حدثت أول الزوال مثلا، فاستصحاب عدم الملاقاة إلى الزوال يستلزم عدم النجاسة، نظرا إلى نفي المسبب أو الحكم بنفي السبب أو الموضوع، وقد اشير إلى ما فيه على مسلكهم، ولكن لا وجه لنجاسة الماء بعد جريان قاعدة الطهارة - بل واستصحابها كما عرفت - وجها يعتد به. نعم، إجراء أحكام الكر عليه مشكل، لان الكر الموضوع


1 - تحريرات في الاصول 8: 523. 2 - كفاية الاصول: 478. 3 - مستمسك العروة الوثقى 1: 166، التنقيح في شرح العروة الوثقى 1: 234.

[ 83 ]

[..... ] لاحكامه، هو الذي لم يتنجس وصار كرا، فيكون الموضوع مقيدا، ولا يحرز ذلك بالاستصحاب أو القاعدة، إلا على القول: بالاصل المثبت. أو يقال: بعدم سريان القيود الثبوتية واللبية إلى الاثبات، كما هو الحق، فسلب الملاقاة كاف، ولا نحتاج إلى إحراز القيد اللبي، كما حررناه في أمثاله (1)، وذكرنا: أن بحث المرأة غير القرشية وحديث غير المذكى وأمثاله، غير واقع في محله، لان العام الاولي لا ينفى إثباتا، والعبرة بذلك، دون الثبوت واللب المجهول كيفية ورود القيد عليه، المحتمل فيه أزيد من عشرة احتمالات. نعم، في صورة كون الدليل المنفصل المتضمن للقيد، ناظرا إلى العام في محيط التقنين، يسري القيد إليه عرفا، وليلاحظ جيدا. وعندئذ تختلف صور مجهولي التأريخ، كما تختلف صور معلوم التأريخ ومجهوله، فإنه ربما يوجب جهالة أحدهما جهالة في معلوم التأريخ بالقياس والنسبة، فتندرج في مجهولي التأريخ بحسب جريان الاستصحاب. ومما لا ينبغي اختفاؤه، أنه كما يعارض استصحاب العدم النعتي العدم النعتي الاخر في مجهولي التأريخ مثلا، يعارض عدمه الازلي في عرض ذلك، فتوهم سقوط العدمين النعتيين، وجريان العدم الازلي، في


1 - تحريرات في الاصول 8: 486 - 488.

[ 84 ]

[ إلا إذا علم تأريخ الملاقاة دون الكرية. وأما إذا كان كرا فصار قليلا، وقد علم ملاقاته للنجاسة، ولم يعلم سبق الملاقاة على القلة أو العكس، فالظاهر الحكم بطهارته مطلقا، ] غير محله، والتفصيل في الاصول (1) وفي كتابنا الكبير (2). قوله مد ظله: إلا إذا علم. على المعروف بينهم، واحتاط بعضهم (3)، وقيل: بالطهارة (4)، وقد تبين وجه القول بالنجاسة، لعدم المعارضة، أو لم يكن الاستصحاب جاريا، لكونه مثبتا. وقد عرفت: أن الانسب استصحاب طهارة الماء، وعندئذ لا يترتب عليه أحكام الكر، كما مر ومر وجه ترتبه. وأما وجه الطهارة والاحتياط، فهو أن مجرد عدم وقوع الكرية إلى الزوال - الذي حصلت فيه الملاقاة - غير كاف، لان موضوع النجاسة ليس عنوان ما ليس كرا حتى يقال: بإحراز ملاقاة النجس لما لا يكون كرا إلى الزوال، بل موضوعه القليل، وهو غير ثابت به.


1 - لم نعثر على تفصيله في مباحثه الاصولية الموجودة لدينا. 2 - تحريرات في الفقه، كتاب الطهارة، المقصد الاول، المبحث الخامس، الامر الثامن. 3 - التنقيح في شرح العروة الوثقى 1: 233 و 238. 4 - التنقيح في شرح العروة الوثقى 1: 234.

[ 85 ]

[..... ] مع أنه لو كان الموضوع هو العنوان المذكور، فلا إطلاق لادلة الكر مفهوما حسب التحقيق، وما له الاطلاق موضوعه العنوان الاخر، فما ترى من استصحاب عدم الكرية إلى زمان علم فيه تأريخ الملاقاة (1)، غير تام، فلا وجه لنجاسته. ومما اشير إليه ظهر وجه الاحتياط، وهو أن لادلة الكر مفهوما ذا إطلاق احتمالا قويا، فما ليس بكر ينفعل بالملاقاة، أو لان عنوان القليل وعنوان ما ليس بكر واحد عرفا في محيط الادلة الاجتهادية، فيثبت المطلوب من غير أن يلزم كونه مثبتا، وحيث أنه أمر غير واضح فلابد من الاحتياط. والاشبه بالقواعد هو الطهارة، وعدم ترتب أحكام الكرية، ولكن حيث عرفت عدم سراية القيد المنفصل إلى المطلق أو العام إثباتا، يمكن ترتيب أحكامها عليه أيضا، والمسألة لا تخلو عن عمق، فلا تغفل. وربما يتوهم معارضة استصحاب عدم الكرية إلى الزوال، باستصحاب عدم تحقق الملاقاة التي توجب النجاسة، فإن ما هو المعلوم هي ملاقاة النجس مع الماء في أول الزوال، إلا أن الملاقاة لها الاحوال، وما هي المفيدة هي الملاقاة الموجبة لسراية النجاسة إلى الماء، وهي - مقيدة بذلك القيد - مشكوكة، لاحتمال كون الماء كرا، واستصحاب عدم الكرية


1 - مستمسك العروة الوثقى 1: 167، التنقيح في شرح العروة الوثقى 1: 238.

[ 86 ]

[ حتى فيما إذا علم تأريخ القلة، ] إلى ما بعد الزوال، لا يحرز القيد المذكور إلا على القول بالاصل المثبت. وفيه: - مضافا إلى أنه عندنا معتبر تبعا للاشهر بين السلف - أنه لا يكون الاصل مثبتا، وذلك لان القيد المذكور مجرد تخيل من مقايسة الادلة في مرحلة الثبوت واللب. وأما توهم: أن الشك المزبور ناشئ عن الشك في الكرية في أول الزوال، فيكفي الثاني لرفع الاول، فهو في غير محله كما لا يخفى. قوله مد ظله: تأريخ القلة. في المسألة أيضا وجوه، تبين وجه الكل مما مضى في الصور الثلاث، فإن في مجهولي التأريخين يتعارض الاستصحابان، فتصل النوبة إلى استصحاب الطهارة أو قاعدتها. ويحتمل أن يكون الاصل المقتضي لتأخر زوال الكرية عن الملاقاة، المنتهي إلى نجاسة الماء، معارضا للاصل الجاري في رتبته ولاستصحاب طهارة الماء ولقاعدتها، فما مر منا واشتهر بين أبناء التحصيل غير صحيح، ضرورة أن ما مع المتقدم ليس بمتقدم، فيعارض الاصل المذكور تلك الاصول الثلاثة. ويحتمل عدم جريان استصحاب الكرية، لان ما هو المجعول في الشرع، هو تنجس القليل، وأما اعتصام الكثير فلا تناله يد الجعل، بل هو

[ 87 ]

[..... ] أمر واقعي، فلا معارض لاستصحاب عدم الملاقاة إلى زمان القلة، فتثبت النجاسة، لان أصل الملاقاة قطعي. وينعكس الامر، بدعوى جريان استصحاب بقاء الكرية إلى زمان الملاقاة، دون معارضه، لانه مثبت. ومجرد التعبد بعدم الملاقاة غير كاف، إلا بلحاظ نفي عدم التنجس. وفي جريان الاصل في سبب النجاسة بالتعبد بعدمه - لعدم الحكم الذي هو أيضا عدمي - إشكال، لان عدم التنجس لعدم الكثير، ليس مجعولا شرعا وإن أمكن في الاعتبار ثبوتا. وبما ذكرنا يظهر وجه صورتي معلومي التأريخ، سواء كان هو القلة أم الملاقاة، وقد اشتهر نجاسته في صورة العلم بتأريخ القلة، نظرا إلى تأخر الحادث وهي الملاقاة، إلا أن ذاتها ليست ذات أثر إلا باعتبار موجبيتها لنجاسة الماء، فالتعبد بالسبب لا يكفي لترتب آثاره، بخلاف الموضوع والحكم، فتأمل. وربما يخطر بالبال قصور أدلة الاستصحاب عن شمول هذه الموارد التي نقضت باليقين اللاحق، فإن إطلاق: انقضه بيقين آخر يشمل ما نحن فيه، ولو لزم الاجمال بين الصدر والذيل في بعض الاخبار، يشكل التمسك بإطلاق سائر الاخبار، لسرايته إليها لاجل كونه ناظرا إليها، كما حررناه في الاصول، فتأمل.

[ 88 ]

[..... ] ثم إنه قد عرفت وجه المناقشة في جواز ترتيب آثار الكرية ولو كان طاهرا بالاستصحاب أو بالقاعدة في بعض الصور التي يمكن، مثل الصورة الاولى من الصور الثلاث. وغير خفي: أن مفروض مسائل المتن صور السبق واللحوق، وأما صور احتمال الاقتران بين حدوثهما بحسب الزمان، فلها جهات مذكورة في كتابنا الكبير (1)، لاختلاف آثارها وأحكامها.


1 - تحريرات في الفقه، كتاب الطهارة، المبحث الخامس، الامر السادس.

[ 89 ]

[ مسألة 17: ماء المطر حال نزوله من السماء كالجاري، فلا ينجس ما لم يتغير. والاحوط اعتبار كونه بمقدار يجري على الارض الصلبة، وإن كان كفاية صدق المطر عليه لا يخلو من قوة. ] حكم ماء المطر قوله مد ظله: كالجاري. هكذا وصل إلينا من السلف، وفيه ما لا يخفى، إلا أن مرادهم معلوم، وهو أن ماء المطر الموجود في الارض وغيرها من الاواني كالجاري، إذا كان يتقاطر وينزل وتمطر السماء عليه. وبالجملة لا شبهة في المسألة. بل ماء المطر هو القدر المتيقن من الكتاب (1)، فهو طهور بالضرورة، وإنما الاختلاف في إطلاقه وقيوده. والذي هو الغامض في المسألة، وهي مشكلتنا في هذا المقام، أن قضية طائفة من الاخبار معتضدة بذهاب الاكثر إليها، عدم اعتبار شئ أزيد من صدق المطر ففي مرسلة الكاهلي - التي توهم انجبارها بعمل الاصحاب - عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال: كل شئ يراه ماء المطر فقد طهر (2).


1 - الفرقان (25): 48. 2 - الكافي 3: 13 / 3، وسائل الشيعة 1: 146، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 6، الحديث 5.

[ 90 ]

[..... ] وفي مصحح هشام بن سالم: أنه سأل أبا عبد الله (عليه السلام)... (إلى أن يقول:) فقال: لا بأس به، ما أصابه من الماء أكثر منه (1). وأصرح من هاتين الروايتين في كفاية مطلق المطر، ما عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الكنيف يكون خارجا، فتمطر السماء، فتقطر علي القطرة. قال: ليس به بأس (2)... وغير ذلك. ومقتضى الطائفة الثانية اشتراط الجريان (3)، ومنها معتبر علي بن جعفر، عن أخيه موسى (عليه السلام) قال: سألته عن البيت يبال على ظهره، ويغتسل من الجنابة، ثم يصيبه المطر، أيؤخذ من مائه فيتوضأ به للصلاة؟ فقال: إذا جرى فلا بأس به (4) وتشبهه الروايتان


1 - الفقيه 1: 7 / 4، وسائل الشيعة 1: 144، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 6، الحديث 1. 2 - تهذيب الاحكام 1: 424 / 1348، وسائل الشيعة 1: 147، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 6، الحديث 8. 3 - وسائل الشيعة 1: 144، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 6، الحديث 2 و 3 و 9. 4 - الفقيه 1: 7 / 6، وسائل الشيعة 1: 145، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 6، الحديث 2.

[ 91 ]

[..... ] الاخريان (1). وقد أخذ كل مهربا للجمع، ولم يأت به أحد إلا من أخذ بهما، فقال: باعتبار الجريان، كما هو المحكي (2) عن الشيخ (3) والوسيلة (4) على إشكال في عبارتهما المحكية عنهما. والذي ظهر لي: أن في هذه الاخبار لوحظ حكم الماءين: ماء المطر وهو الماء الموجود النازل من السماء، ونفس المطر النازل على المتنجس، فما كان من الاول فلا يعتبر فيه شئ، حسب الاطلاق والتعليل، وما كان من الثاني فلا يكفي مجرد التقطر على النجس، فلو كان موضع من البدن نجسا، فأصابته قطرة، فهي غير كافية حسب الطائفة الثانية. وأما ماء المطر المجتمع غير الجاري، فهو معتصم وطاهر ومطهر، وهو في الحقيقة في هذه الصورة - وهو حال تقاطر السماء عليه - بعيد عندنا من الماء ذي المادة، وقد مر أنه لا يعتبر اتصال المادة بالماء


1 - قرب الاسناد: 177 / 654، وسائل الشيعة 1: 145، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 6، الحديث 3، مسائل علي بن جعفر (عليه السلام): 130 / 115، وسائل الشيعة 1: 148، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 6، الحديث 9. 2 - تهذيب الاحكام 1: 411. 3 - لاحظ مفتاح الكرامة 1: 63 / السطر 4 وجواهر الكلام 6: 313. 4 - الوسيلة: 73.

[ 92 ]

[..... ] المعتصم بها مطلقا، فعلى هذا فصلت المخاصمة بحمد الله. والخبر الاخير مضافا إلى ضعف سنده (1) - لاهمال رجل هو فيه - غير تام دلالة كما لا يخفى، ضرورة أن القطرة ليست هي القطرة النازلة بشخصها، فلا بعد في كونها من الماء الموجود، لا المطر، فليتدبر. وتصير النتيجة: عدم اعتبار شئ في مطهرية ماء المطر، ويعتبر في قطرة تنزل على المتنجس وتسمى بالمطر كما ترى في الطائفة الثانية، ولذلك عد قول القائل: بكفاية القطرة من الشواذ جدا (2)، حتى حكي في ترجمة صاحبه في كتب التراجم (3). وربما يتوهم تأيد هذا النظر، بما في الباب 16 من أبواب النجاسات، حيث روى الصدوق بإسناده عن زيد الشحام: أنه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن الثوب يكون فيه الجنابة، فتصيبني السماء حتى يبتل علي. فقال: لا بأس به (4). فإذا كانت البلة مطهرة، فالقطرة أولى.


1 - وسائل الشيعة 1: 147، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 6، الحديث 8. 2 - لاحظ روض الجنان: 139 / السطر 3، مستند الشيعة 1: 7 / السطر 18. 3 - لاحظ روضات الجنات 2: 294. 4 - الفقيه 1: 40 / 5، وسائل الشيعة 3: 425، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 16، الحديث 7.

[ 93 ]

[..... ] وفيه: - مضافا إلى ما في سنده إلى زيد، عن أبي جميلة، الذي عندي أمره مشكل - أنها ربما لا تقتضي مطهرية البل، بل قوله (عليه السلام): لا بأس به لعدم كفايته لسراية النجاسة إلى البدن، لاعتبار القطرة فيه، فاغتنم.

[ 94 ]

[ مسألة 18: المراد بماء المطر الذي لا يتنجس إلا بالتغير، القطرات النازلة والمجتمع منها تحت المطر حال تقاطره عليه. وكذا المجتمع المتصل بما يتقاطر عليه المطر، فالماء الجاري من الميزاب تحت سقف - حال عدم انقطاع المطر - كالماء المجتمع فوق السطح المتقاطر عليه المطر. ] قوله مد ظله: إلا بالتغير. قد مر (1) وجه المناقشة في التنجس بالتغير. قوله مد ظله: القطرات. قد تبين: أن ما هو المطر هي القطرات، فلو استولت على بدنك المتنجس تطهره، وتوهم كفاية رؤية بعضه لطهارة جميع البدن - حسب إطلاق الخبر - واضح المنع، كما يأتي إن شاء الله تعالى. وما هو ماء المطر، هي الطائفة المجتمعة في الارض الحاصلة من المتقاطر من السماء، كما هو كثير الدور. قوله مد ظله: حال تقاطره عليه. فيه إشارة إلى الشرطين: الاول: اعتباره التقاطر. والثاني: كون التقاطر على ذلك الماء الذي يغسل فيه النجس وهو قليل.


1 - تقدم في الصفحة 28 - 29.

[ 95 ]

[..... ] أما الشرط الاول: فهو واضح، ومجرد كونه ماء المطر، لا يكفي لما ينفيه الادلة الخاصة الواردة في القليل الموجود بين مكة والمدينة (1) وغيرها (2)، الذي ليس إلا من المطر. مع أن صدق ماء المطر عليه فعلا محل مناقشة، وإجراء الاستصحاب ممنوع، لكونه من الشبهة المفهومية، فلا تختلط. هذا مع أنه مورد الارتكاز والاجماع. نعم، إذا كان على وجه ينقطع ويتصل - كما في بعض البلاد - ربما يمكن توهم اعتصامه، إلا أنه بعد كونه قليلا يشكل جدا. وأما الشرط الثاني: فهو ظاهر الاصحاب (رحمهم الله)، وإن كانت عباراتهم قابلة للحمل على إفادة الشرط الاول، ولذلك صرح به المتأخرون (3)، نظرا إلى دفع التوهم المذكور في الجواهر (4) بل تمايل إليه، وهو - بما أنه من


1 - تهذيب الاحكام 1: 417 / 1317، وسائل الشيعة 1: 162، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 9، الحديث 12. 2 - وسائل الشيعة 1: 163، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 9، الحديث 14 و 15. 3 - مصباح الفقيه، الطهارة: 645 / السطر 34، العروة الوثقى 1: 39، فصل ماء المطر، المسألة 3. 4 - جواهر الكلام 6: 322.

[ 96 ]

[..... ] ماء المطر - ربما يشكل إثباته، لعدم إطلاق في أخبار المسألة (1) من هذه الجهة، فإثبات مطهريته بها وبالاستصحاب محل منع. نعم، هو عندي مطهر، لكونه من الماء ذي المادة، ولا يعتبر الاتصال في المادة، وربما يكون أساس مطهرية ماء المطر، لاجل كونه من هذا القسم، كما هو كذلك في الحمام وغيره، فما في المتن من الصورة الثانية الملتحقة بماء المطر، محل شبهة. وربما يكتفى بتقاطر السماء في كون القليل من المطر، ولو لم يكن متصلا بالماء الاخر المتقاطر عليه، لانه من ماء المطر حال التقاطر. وفيه ما لا يخفى، للزوم كون التقاطر في قطر من الارض، عاصما للقليل في القطر الاخر.


1 - وسائل الشيعة 1: 144، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 6.

[ 97 ]

[ مسألة 19: يطهر المطر كل ما أصابه من المتنجسات القابلة للتطهير، من الماء والارض والفرش والاواني. ] قوله مد ظله: ما أصابه. أي ما استولى عليه، ولا يعتبر الغسالة في حصول الطهارة، فلو كان المتنجس تحت المطر بمقدار استولت عليه القطرات، فالظاهر - حسب الاخبار (1) - كفايته، دون الاعتبار فإنه المساعد - في وجه - لان يكون الماء حاملا نجاسته، ولاجل ذلك قيل: بنجاسة الغسالة (2). ويمكن دعوى: أن المتعارف في الاغتسال بالمطر حصول الغسالة، وإطلاق قوله (عليه السلام): كل شئ يراه ماء المطر... (3) غير مأخوذ به في الجوامد، ولو لم يكن ماء المطر على ذلك الوجه لا يكون أكثر، بناء على ما في بعض أخبار (4) من العبرة بالاكثرية، فالقدر المتيقن في حصول الطهارة بماء المطر النازل على المتنجس، كونه على وجه ينفصل عنه بعد الاصابة والرؤية، ولا يكفي مجرد الاستيلاء المحض، وهذا غير الجريان


1 - وسائل الشيعة 1: 144، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 6، الحديث 1 و 5. 2 - مستمسك العروة الوثقى 1: 229. 3 - الكافي 3: 13 / 3، وسائل الشيعة 1: 146، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 6، الحديث 5. 4 - الفقيه 1: 7 / 4، وسائل الشيعة 1: 144، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 6، الحديث 1.

[ 98 ]

[ والاقوى اعتبار الامتزاج في الاول، ولا يحتاج في الفرش ونحوه إلى العصر ] الفعلي أو الشأني المعتبر عند جمع (1)، الممنوع عندنا في المطر، فلا تختلط. قوله مد ظله: اعتبار الامتزاج. قد مر: أن الاشبه عدم تطهير المياه النجسة والمائعات إلا بالاستهلاك (2) العرفي، وقضية إطلاق العموم المخصوص بماء المطر، كفاية الرؤية (3) والاصابة (4) حتى في المائعات الاخر، كالنفط، والزيت السائل، والدبس المائع، ولا يقولون به، ومقتضى الاصل ما ذكرناه. قوله مد ظله: ونحوه. أي كل شئ يقبل العصر، وفي كون الفرش المتعارف في العصر مما يقبل العصر تدبر، بل منع. قوله مد ظله: إلى العصر. لعدم الدليل عليه كي يتمسك به في كل مقام.


1 - لاحظ مفتاح الكرامة 1: 63، مستمسك العروة الوثقى 1: 176. 2 - راجع التعليقة رقم 36. 3 - الكافي 3: 13 / 3، وسائل الشيعة 1: 146، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 6، الحديث 5. 4 - الفقيه 1: 7 / 4، وسائل الشيعة 1: 144، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 6، الحديث 1.

[ 99 ]

[..... ] وتوهم: أن صدق الغسل منوط به (1)، في غير محله إذا غلب الماء عليه وانفصل منه، فلو لم يكن إطلاق يعتنى به في ناحية ماء المطر، يكفي إطلاق أدلة اعتبار الغسل (2) بعد صدقه. نعم، لو شك في صدقه بدون العصر فيشكل، لامكان التمسك باستصحاب نجاسة المغسول، إلا أنه لمكان كون الشبهة حكمية - نظرا إلى إجمال النص - ففي جريان الاستصحاب تأمل عندنا، فالمرجع هي قاعدة الطهارة - بناء على جريانها فيها - وحديث الرفع. وغير خفي: أن منشأ منع جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية الكلية العدمية شئ، ومنشأ عدم جريانه في الكلية الوجودية العنوانية شئ آخر، ومنشأ عدم جريانه في الكلية المضمونية - كما نحن فيه - شئ ثابت، إلا أن في أخبار ماء المطر (3) ما يكفيك، كما يأتي إن شاء الله تعالى.


1 - التنقيح في شرح العروة الوثقى 1: 267. 2 - وسائل الشيعة 3: 468، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 38. 3 - وسائل الشيعة 1: 144، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 6.

[ 100 ]

[ والتعدد، ] قوله مد ظله: والتعدد. اعلم: أن مقتضى اعتبار التعدد في بعض النجاسات (1)، وقضية مصحح ابن سالم (2) ومرسلة الكاهلي (3) في المقام، متكاذبان بالعموم من وجه، وقد اشتهر تقديم جانب هذه المسألة، فرارا عن اللغوية، ولزوم عدم خصوصية للمطر، ولا عكس (4). وفيه: أن الجمع بين الاخبار ليس مما يجب عقلا أو بمقتضى رواية أو إجماع، حتى يتوسل بالطريقة المعروفة، وما هو بناء العقلاء وأرباب فهم القوانين العرفية، هو الجمع بين العام والخاص والمطلق والمقيد، وأما فيما نحن فيه فلا عهد منهم، ولا أقل من الشك، فالمعارضة باقية، وقد حررنا خروج العامين من وجه عن تحت الروايات العلاجية (5)، كما هو الظاهر، فلابد من الترجيح.


1 - تهذيب الاحكام 1: 250 / 717، وسائل الشيعة 3: 397، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 2، الحديث 1. 2 - الفقيه 1: 7 / 4، وسائل الشيعة 1: 144، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 6، الحديث 1. 3 - الكافي 3: 13 / 3، وسائل الشيعة 1: 146، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 6، الحديث 5. 4 - مستمسك العروة الوثقى 1: 180. 5 - لم نعثر عليه فيما بأيدينا من مباحثه الاصولية.

[ 101 ]

[..... ] ولكن لو كان لدليل بعض النجاسات إطلاق بالنسبة إلى التعدد (1)، من غير ظهور له في ماء خاص، كالراكد والقليل الوارد عليه، وكان مقتضى إطلاق سائر المياه كفاية المرة (2)، يقدم أخبار التعدد طبعا، ولا تلزم اللغوية، ولها الحكومة عليها، ولا وجه لتقديم أخبار ماء المطر وسائر المياه عليها، لتعرض تلك الاخبار لما لا يتعرض له روايات المياه، وإن كان في تلك الاخبار ما يدل على اعتبار التعدد بالنسبة إلى ماء خاص (3)، فلا إطلاق حتى تقع العارضة بالعرض، فالمسألة تطلب من أحكام النجاسات. ثم إنك عرفت فيما مر: أن ماء المطر من المياه التي تكون ذات مادة، كالحمام والبئر والجاري، ولا خصوصية إلا كونها ذات مادة أعم من المتصلة والمنفصلة والجعلية والانجعالية، فإلغاء خصوصية المطر مما لا بأس به، فإن الاظهر من صحيح ابن بزيع (4)، أن كل ما كان ذا مادة، معتصم لا يفسده شئ، وماء المطر أيضا من مصاديقه.


1 - وسائل الشيعة 3: 395، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 1. 2 - وسائل الشيعة 1: 144، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 6 و 7 و 9 و 14. 3 - تهذيب الاحكام 1: 250 / 717، وسائل الشيعة 3: 397، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 2، الحديث 1. 4 - تهذيب الاحكام 1: 234 / 676، وسائل الشيعة 1: 172، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 14، الحديث 7.

[ 102 ]

[ بل لا يحتاج في الاواني أيضا إلى التعدد. نعم، إذا كان متنجسا بولوغ الكلب، فالاقوى لزوم التعفير أولا، ثم يوضع تحت المطر، فإذا نزل عليه يطهر، ] قوله مد ظله: في الاواني. سيظهر تحقيقه في محله، كما أن محط المسألة هناك، وإلا يلزم في كل فصل ذكر هذه المسائل، فلا تغفل، وأساس البحث ما عرفت، والمهم هو الفحص عن إطلاق مخصوص بالاواني. قوله مد ظله: لزوم التعفير. كما يأتي، واحتمال عدم الحاجة إليه، لاطلاق دليل ماء المطر، فهو يسري إلى إطلاق دليل ماء الحمام والجاري والبئر، بل وإطلاق دليل الماء القليل، ولا ترجيح لتقديم أدلة التعفير (1) على بعضها دون بعض، فأدلة التعفير حاكمة، لتعرضها لما لا يتعرض له دليل ماء المطر. ولو وصلت النوبة إلى المعارضة، فجريان استصحاب النجاسة محل إشكال، لان الشبهة حكمية، وأما تخيل معارضته مع استصحاب عدم


1 - وسائل الشيعة 1: 226، كتاب الطهارة، أبواب الاسآر، الباب 1، الحديث 4، و 3: 415، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 12، الحديث 2، و 3: 516، أبواب النجاسات، الباب 70، الحديث 1، مستدرك الوسائل 2: 602، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 45.

[ 103 ]

[ من دون حاجة إلى التعدد. ] جعل النجاسة - كما عن النراقي (قدس سره) (1) في الاحكام التكليفية - فهو غير راجع إلى محصل. قوله مد ظله: إلى التعدد. قد عرفت وجه الحاجة إليه، حسب الصناعة والاحتياط.


1 - الاستصحاب، الامام الخميني (قدس سره): 121.

[ 104 ]

[ مسألة 20: الفراش النجس إذا وصل إلى جميعه المطر، ونفذ في جميعه، يطهر ظاهرا وباطنا. ولو أصاب بعضه يطهر ما أصابه. ولو أصاب ظاهره ولم ينفذ فيه، يطهر ظاهره فقط. ] قوله مد ظله: يطهر. قد مر: أن مجرد نزول المطر واستيلائه غير واضح كفايته، والاشبه خروج شئ من المطر عنه. نعم، الغسل في ماء المطر، يكفي على الوجه المذكور. قوله مد ظله: يطهر ما أصابه. بالشرط المذكور، وغير خفي أنه في هذا الفرع والفرع التالي عند انقطاع المطر، تسري النجاسة إلى الظاهر إذا كانت شرائطها موجودة. نعم، تقف النجاسة على الخط المتصل، وسرايتها إلى سائر الخطوط بوساطته محل شبهة، ولا سيما الخطوط ذوات الوسائط.

[ 105 ]

[ مسألة 21: إذا كان السطح نجسا، فنفذ فيه الماء، وتقاطر من السقف حال نزول المطر، يكون طاهرا وإن كان عين النجس موجودا على السطح، وكان الماء المتقاطر مارا عليه. وكذلك التقاطر بعد انقطاع المطر، إذا احتمل كونه من الماء المحتبس في أعماق السقف، أو كونه غير مار على عين النجس، ولا على ما تنجس بها بعد انقطاع المطر. وأما لو علم: أنه من المار على أحدهما بعد انقطاعه، يكون نجسا. ] قوله مد ظله: يكون. أي يكون ما تقاطر طاهرا، بشرط عدم التغير على الاحوط، وقد عرفت أن شرطية التقاطر على السطح المذكور ممنوعة، ويكفي اتصال هذا الماء النافذ بما يتقاطر عليه من السماء. وقوله: وتقاطر حال نزول المطر موافق للتحقيق، ومخالف لما مر منه - مد ظله - للزوم التقييد المذكور. قوله مد ظله: إذا احتمل. لقاعدة الطهارة، بل استصحابها، ولا وجه للاشارة إلى هذه الشبهات الموضوعية. ويحتمل طهارة الماء المتقاطر ولو علم أنه من المار على أحدهما بعد انقطاعه، خلافا لما في المتن: أما في صورة الانقطاع والنزول فورا، فالوجه واضح.

[ 106 ]

[..... ] وأما في صورة الانقطاع الكلي، فلما مر (1) أنه من تبعات مختار الجواهر (رحمه الله) (2)، لكونه قريب الوجود والصدق بالنسبة إلى المطر، فيكون مطرا عرفا. نعم، في مورد الفصل البعيد بين القطع والنزول فلا، ولكن الالتزام بها في الفرضين مشكل جدا.


1 - تقدم في الصفحة 97 - 98. 2 - جواهر الكلام 6: 320 و 319.

[ 107 ]

[ مسألة 22: الماء الراكد النجس، يطهر بنزول المطر عليه وامتزاجه به، وبالاتصال بماء معتصم كالكر والجاري، والامتزاج به. ولا يعتبر كيفية خاصة في الاتصال، بل المدار على مطلقه ولو بساقيه أو ثقب بينهما، كما لا يعتبر علو المعتصم أو تساويه مع الماء النجس. نعم، لو كان النجس جاريا من الفوق على المعتصم، فالظاهر عدم الكفاية في طهارة الفوقاني في حال جريانه عليه. ] قوله مد ظله: يطهر. قد مر حكم هذه المسألة واختلاف الانظار (1)، ومقتضى إطلاق أدلة المطر، كفاية الرؤية والاصابة في المائع والجامد، وحيث لا يلتزم به في الثاني فالاول مثله، واشتراط الامتزاج بلا وجه يعتد به، والقدر المتيقن لزوم الاستهلاك العرفي، بفناء النجس في الطاهر. قوله مد ظله: فالظاهر. لاعتبار الامتزاج، وهو منتف، ولازمه طهارة المقدار الوارد الممتزج، ونجاسته ما لم يمتزج بعد، وهذا مرجعه إلى أن للماء الواحد حكمين، والاجماع منقول على خلافه. وأما على ما هو المذهب، فالمقدار المستهلك فان في المعتصم، والباقي ماء آخر، فلا يلزم تعدد الحكم مع وحدة الماء، كما لا يلزم على القول: بكفاية الاتصال، وما اشير إليه لا يفرق بين صورتي العلو والتساوي، كما لا يخفى.


1 - تقدم في الصفحة 58 - 60.

[ 108 ]

[ مسألة 23: الماء المستعمل في الوضوء، لا إشكال في كونه طاهرا ومطهرا للحدث والخبث. ] حكم الماء المستعمل قوله مد ظله: طاهرا. من غير نقل خلاف في طهارته، وأما جواز ترتيب جميع آثار الطهارة عليه - كالشرب مثلا - فهو كلام آخر، لانه ليس مجرد طهارته كافيا فيه، وما نسب (1) إلى بعض الاجانب من أن نجاسته مغلظة (2)، فهو - على ما عندي - محل منع، ولا ينبغي الخلط بين الطهارة الاصطلاحية والنظافة العرفية. قوله مد ظله: مطهرا. وهو المشهور المعروف المدعى عليه ضرورة المذهب (3)، وعليه أكثر المخالفين (4). وغير خفي: أن مقتضى الاصل عدمها، فإن المطهرية من الاعتبارات المحتاجة إلى الامضاء، لجواز سلبها عنه بالضرورة، وما يستدل به (5) من


1 - مستمسك العروة الوثقى 1: 219. 2 - المجموع 1: 151. 3 - مستمسك العروة الوثقى 1: 219. 4 - المغني 1: 18. 5 - مستمسك العروة الوثقى 1: 219.

[ 109 ]

[..... ] الاطلاقات المثبتة لمطهرية جميع المياه (1)، محل إشكال مضى وجهه في أوائل البحوث السابقة (2)، وتفصيله في كتابنا الكبير (3)، ضرورة أن مفهوم الطهور غير ظاهر بعد بحسب اللغة والاستعمال. وحديث الادلة الخاصة (4) التي لا سند لها، لا يرجع إلى محصل بتوهم الانجبار، لان الشهرة ليست عملية، حتى ينجبر بها تلك الاخبار، مع أن من المحتمل اعتقاد السلف بأن المطهرية مقتضى القواعد، فالاستناد إلى بعض أخبار (5) مسألتنا لا يكفي، لعدم استفادة حصر دليلهم به، مع الحاجة إلى فهم الانحصار في الانجبار. فبقي أمر ثالث: وهو الاستصحاب، وما هو التعليقي منه غير جار، لانه ليس من تلك التعليقيات الجارية، والتنجيزي منه - وهو نفس عنوان المطهرية الثابتة له قبل الاستعمال بالضرورة - غير مخدوش بما قيل، ولكنه مخدوش بما تحرر منا في الاستصحابات الحكمية الكلية،


1 - وسائل الشيعة 1: 133، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 1. 2 - تقدم في الصفحة 63. 3 - تحريرات في الفقه، كتاب الطهارة، المبحث التاسع، فصل في المستعمل في الوضوء. 4 - وسائل الشيعة 1: 209، كتاب الطهارة، أبواب الماء المضاف، الباب 8. 5 - تهذيب الاحكام 1: 221 / 630، وسائل الشيعة 1: 210، كتاب الطهارة، أبواب الماء المضاف، الباب 8، الحديث 2.

[ 110 ]

[..... ] كما أشرنا إليه سابقا. فعلى هذا، مطهرية الماء المستعمل في الوضوء غير ثابتة جدا، وهذا هو المناسب لروح الايمان واصول النظافة. وربما إليه يرجع ما عن المحقق الاكبر والمفيد الاعظم - رضوان الله تعالى عليه - حيث اعتبر التحري (1)، ولكن قضية ما مر هو التعميم، لان المستظهر من الكتاب والسنة للانتقال إلى الترابية، فقد المطهر ولو كان ماء عرفا، فتأمل جيدا. وحيث لا يجري استصحاب العدم الازلي، لحل مشكلة الماء الموجود بين يديك، فلابد من الاحتياط بالتوضؤ به والترابية. هذا مع أن استصحاب عدم جعل المطهرية، أيضا غير جار عندنا ذاتا، فلا تصل النوبة إلى تخيل المعارضة، حتى يقال: بفقد المعارض الوجودي، فيبقى الازلي العدمي بلا معارض، فاغتنم. وربما يجوز لاحد دعوى القطع، بأن مثل هذا الماء غير النظيف، غير مطهر شرعا، فلا حاجة إلى الجمع بينهما. أو يقول: إن التطهر والمطهرية، ليست لها حقيقة شرعية، بل لها ميزان عرفي رضي به الشرع، والعرف هنا غير مساعد، اللهم إلا أن يقال:


1 - المقنعة: 64.

[ 111 ]

[ كما لا إشكال في كون المستعمل في رفع الحدث الاكبر، طاهرا ] باختلاف العرف. ولا ينبغي للعاقل التفكر لملاحظة جهة خاصة في الاحكام الشرعية، مثلا النظر في مسألة النظافة لازم، ولكن النظر في بقائها من الحرج، وعدم اختلال نظم جماعة - هي الاكثر - ألزم، مع أن للشرع أنظارا اخر معنوية مخفية علينا، فاتباع الادلة أشد وأكثر لزوما وتحفظا، فلا تكن من الجاهلين. قوله مد ظله: طاهرا. حسب الاجماعات المنقولة (1)، والشهرات المحكية، والاشتهار المحقق بين المؤلفين من الخاصة والعامة. وفيهم من يقول: بنجاسته (2)، وربما ينسب (3) إلى ابن حمزة (4)، وهو حسب ما في عبارته - غير تام، مع أن القائل بالنجاسة ربما يكون نظره إلى النجاسة العرضية الاتية من قبل نجاسة البدن عادة، وتخيل أنه يرفع الحدث، كما ترفع الغسالة نجاسة الخبث، فهما في هذا الامر


1 - الخلاف 1: 172، مختلف الشيعة 1: 233، مستمسك العروة الوثقى 1: 219. 2 - الخلاف 1: 172، المغني 1: 19 / السطر 5. 3 - مستمسك العروة الوثقى 1: 219. 4 - الوسيلة: 74.

[ 112 ]

[ ومطهرا للخبث، بل الاقوى كونه مطهرا للحدث أيضا. ] مشتركان، لما لا يخفى. نعم، مقتضى معتبر ابن مسلم الاتي ذكره، نجاسته إلا إذا كان كرا (1)، ولكن غلبة تنجس بدن الجنب تمنع عن انعقاد الاطلاق. قوله مد ظله: ومطهرا للخبث. على المعروف المتفق عليه بين القديم والجديد، إلا ما عن ابن حمزة (2) وقد مضى أنه غير موافق للقواعد الاجتهادية والعملية، وتلك الشهرات والاجماعات - غير الواضحة عندنا، بل الواضح اتكاؤهم على هذه الايات والسنة التي بين أيدينا - لا تنفع ولا تضر، والمتبع هو البرهان، دون عقول الرجال وأفكار الفرسان. قوله مد ظله: للحدث. وفاقا للشهرة الحديثة، بل في الروض (3) والدلائل (4): أنه


1 - تهذيب الاحكام 1: 39 / 107، وسائل الشيعة 1: 158، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 9، الحديث 1. 2 - لاحظ مفتاح الكرامة 1: 88 / السطر 17، الوسيلة: 74. 3 - روض الجنان: 158 / السطر 8. 4 - مفتاح الكرامة 1: 88 / السطر 19.

[ 113 ]

[..... ] المشهور، وإليه ذهب طائفة من القدماء (1)، كالسيد (2)، وأبي يعلى (3)، وابن زهرة (4)، وخلافا لجمع (5)، كالصدوقين (6)، والطوسي (7)، والقاضي (8)، والمحقق (9)، وعن الخلاف: هو مذهب أكثر أصحابنا (10). وظاهر ما نسب إلى أهل الخلاف (11)، هي الطهارة بلا تفصيل. ويستظهر من المبسوط قول ثالث (12)، مذكور في الكتاب الكبير (13). وما هو محط البحث، هو الماء القليل الوارد أو المورود، وأما


1 - نفس المصدر. 2 - رسائل الشريف المرتضى 3: 22. 3 - لاحظ مفتاح الكرامة 1: 88 / السطر 19. 4 - الغنية ضمن الجوامع الفقهية: 490 / السطر 19. 5 - لاحظ مفتاح الكرامة 1: 88 / السطر 22. 6 - الفقيه 1: 10. 7 - الوسيلة: 74. 8 - جواهر الفقه: 8، المسألة 4. 9 - شرائع الاسلام 1: 8. 10 - الخلاف 1: 172. 11 - لاحظ نفس المصدر. 12 - المبسوط 1: 11. 13 - تحريرات في الفقه، كتاب الطهارة، المقصد الاول، المبحث التاسع، فصل: المستعمل في الحدث الاكبر.

[ 114 ]

[..... ] الكر والجاري فهما - على الظاهر - خارجان عنه، وتفصيل البعض (1) هنا في غير محله. ويشهد على حدود الخلاف بينهم، معتبر ابن مسلم المذكور في أخبار الكر، عن أبي عبد الله (عليه السلام) - وسئل عن الماء تبول فيه الدواب، وتلغ فيه الكلاب، ويغتسل فيه الجنب - قال: إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شئ (2). وقد عرفت كفاية الشك عندنا في ممنوعية المطهرية، وهي هنا أقوى، لاعتضاد القاعدة بما اشير إليه من الخلاف، وبطائفة من المآثير (3) التي لا تخلو عن الضعف سندا ودلالة على سبيل منع الخلو، المحمولة على صورة نجاسة بدن الجنب، أو الكراهة، نظرا إلى أن مقتضى إطلاق بعضها، المنع (4) حتى عن الكثير الذي اغتسل فيه الجنب، وهذا مما لا يمكن الالتزام به.


1 - التنقيح في شرح العروة الوثقى 1: 339. 2 - تهذيب الاحكام 1: 39 / 107، وسائل الشيعة 1: 158، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 9، الحديث 1. 3 - وسائل الشيعة 1: 148، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 7، الحديث 5، و 1: 163، الباب 9، الحديث 15، و 1: 211، أبواب الماء المضاف، الباب 9، الحديث 13، و 1: 217، الباب 10، الحديث 2، والباب 11، الحديث 1. 4 - تهذيب الاحكام 1: 221 / 630، وسائل الشيعة 1: 215، كتاب الطهارة، أبواب الماء المضاف، الباب 9، الحديث 13.

[ 115 ]

[..... ] بقي شئ: وهو أن مقتضى بعض الروايات، تجويز الاغتسال بالماء المستعمل (1)، فهي مقدمة على قضية القاعدة المشار إليها، ومن تلك الاخبار معتبر ابن مسلم: قلت لابي عبد الله (عليه السلام): الحمام يغتسل فيه الجنب وغيره، أغتسل من مائه؟ قال (عليه السلام): نعم، لا بأس أن يغتسل منه الجنب، ولقد اغتسلت فيه... (2). وفيه: أن الماء الذي يغتسل منه في الحمام، هي مياه الحياض الصغار، وهي عندنا كثير، مع أنها متمادية بالمادة الجعلية، فتكون خارجة عن محط الخلاف، ضرورة أنه - بحسب الطبع دائما - على التبادل، وما هو مورد البحث هو الماء الذي اغتسل به الجنب، وانفصل من بدنه، واجتمع في ظرف وإناء، فأراد هو أو غيره أن يغتسل به أو يتوضأ، فإنه - حسب ما مر - يحتاج مطهريته إلى دليل، وقد عرفت قصور الادلة برمتها. وربما يوجد في بعض الاخبار أيضا، ما يقرب من الاستدلال المزبور، وهو خال عن التحصيل، وستمر عليك طائفة من الاخبار المتوهم دلالتها


1 - وسائل الشيعة 1: 211، كتاب الطهارة، أبواب الماء المضاف، الباب 9. 2 - تهذيب الاحكام 1: 378 / 1172، وسائل الشيعة 1: 211، كتاب الطهارة، أبواب الماء المضاف، الباب 9، الحديث 3.

[ 116 ]

[..... ] على هذه المسألة، مع أنها تدل على طهارة ماء الغسالة، أو الماء المستعمل، دون المطهرية. فبالجملة: التوضي من الاناء الذي فيه الماء، وإن يوجب صدق كونه المستعمل في الوضوء أو الغسل ولكنه غير مقصود الباحثين، وما هو محط النظر - كما مر - ممنوع مطهريته عندنا هنا، كما مر في الوضوء. ومما يؤيد ما أبدعناه، موثق ابن ابي يعفور قال: لا تغتسل من البئر التي تجتمع فيها غسالة الحمام (1) فتأمل.


1 - الكافي 3: 14 / 1، وسائل الشيعة 1: 219، كتاب الطهارة، أبواب الماء المضاف، الباب 11، الحديث 4.

[ 117 ]

[ مسألة 24: الماء المستعمل في رفع الخبث المسمى بالغسالة نجس مطلقا. ] قوله مد ظله: نجس مطلقا. وفاقا للمعروف المشهور بين المتأخرين (1)، وهو مختار المبسوط (2) والخلاف (3) وظاهر المقنع (4) والوسيلة (5) وخلافا لاكثر القدماء (6)، وقد نسب إلى شيوخ المذهب، كالسيد (7)، والشيخ في مسألة الولوغ من المبسوط (8) وإلى أبناء أبي عقيل، وحمزة (9)، وإدريس (10).


1 - تذكرة الفقهاء 1: 36، جامع المقاصد 1: 128، الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية 1: 25 / السطر 4. 2 - المبسوط 1: 11 و 92. 3 - الخلاف 1: 179، المسألة 135. 4 - المقنع: 18. 5 - الوسيلة: 74. 6 - لاحظ مفتاح الكرامة 1: 90 / السطر 21. 7 - الناصريات ضمن الجوامع الفقهية: 215، المسألة الثالثة، راجع مدارك الاحكام 1: 119. 8 - المبسوط 1: 15 / السطر 3. 9 - الوسيلة: 74. 10 - مفتاح الكرامة 1: 90 / السطر 22.

[ 118 ]

[..... ] وهو ظاهر صاحب الجواهر (رحمه الله) (1)، والاشبه إلى القواعد، ضرورة أن مقتضى الاستصحاب وقاعدة الطهارة ذلك، ولو نوقش في الاول تسلم الثاني عن الاصل الحاكم. وقد أوضحنا فساد الوجوه الخسمة - التي يمكن الاتكاء عليه لنجاستها - في الكتاب الكبير (2)، فإن حديث الاجماع (3)، وإلغاء الخصوصية عرفا، وارتكاز العرف على حمل الماء نجاسة المحل إلى الخارج، فيكون الماء نجسا، غير راجعة إلى محصل، حتى تكون دليلا وحجة، كي لا يصل الشك في الحكم، حتى تشمله القاعدة. وأما قضية مفهوم (4) أخبار الكر (5) فهي - مضافا إلى أن حجية مفهوم الشرط أولا، وحجية القضية الشرطية التي أداتها حروف وقتية كإذ وإذا. ثانيا، فإنها أقرب إلى بيان قيد للموضوع، دون التعليق للحكم، محل


1 - جواهر الكلام 1: 353. 2 - تحريرات في الفقه، كتاب الطهارة، المقصد الاول، المبحث التاسع، فصل في المستعمل في رفع الخبث. 3 - مستمسك العروة الوثقى 1: 229. 4 - مستمسك العروة الوثقى 1: 229. 5 - وسائل الشيعة 1: 158، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 9.

[ 119 ]

[..... ] المنع - أن كشف الاطلاق للمفهوم - من جهات - محط النظر: فأولا: من جهة أن كون كلمة شئ أعم من الاعيان والمتنجسات غير واضح، فلا يثبت عموم الدعوى به. وثانيا: أن مفاد المنطوق بعد كون كلمة شئ كناية عن المنجس هو أن الماء إذا كان يبلغ كرا لا ينجسه منجس وهذا غير معقول بعد كونه منجسا، فلابد أن اريد به أنه لا ينجسه ما يمكن أن يكون منجسا لغيره، وفي ناحية المفهوم يثبت إمكان التنجس، وهو الاعم. وثالثا: ليس مفهوم لا ينجسه شئ جملة إثباتية كما في كلام القوم، أي ينجسه شئ بل المفهوم أيضا سلب السلب جاء، أي ليس لا ينجسه شئ وهو ظاهر في الجزئية. وقد تحرر: أن كلمة ليس لا سور القضية الجزئية (1)، فالخلاف بين العلمين (رحمهما الله) (2) في المسألة الكلية - ولو كان خلافا - مقيد بها، ليس بخلاف في خصوص هذه القضية، ولا سيما على الوجه الاخير، فإنه ولو كان النكرة قائمة مقام أداة العموم، كي يستفاد هنا أن الماء المذكور


1 - تحريرات في الاصول 5: 130. 2 - لاحظ تحريرات في الاصول 5: 124 - 125، مطارح الانظار: 173 / السطر 29، كتاب الطهارة، الشيخ الانصاري 1: 318، هداية المسترشدين: 291 / السطر 16.

[ 120 ]

[..... ] لا ينجسه كل شئ، ولكن إذا كان مفهومه ينجسه كل شئ يثبت العموم الافرادي، وفي المرحلة الثانية العموم الاحوالي، كما هو مرام الشيخ الانصاري (قدس سره). إلا أن مفهومه هو أنه ليس ينجسه كل شئ وهو بحكم الاهمال، وإثبات الاطلاق لاجل الفرار عن لغوية الاهمال ممنوع، لامكان الاخذ بالقدر المتيقن، وهو القليل المورود، لا الوارد والقليل الوارد الباقي فيه عين النجس مثلا، لا الزائل ولو كان مما لا يطهر إلا بالتكرر، خلافا لما ينسب إلى بعضهم من التفصيل بين الغسلة الاولى والثانية (1)، وبين الغسلة المزيلة وغيرها (2)، كما أومى في المتن إليهما بقوله: مطلقا. فالمهم في المسألة هي الاخبار الخاصة، ومن بينها ما هو الظاهر، كخبر العيص بن القاسم، الذي رواه الشيخ في الخلاف (3) والصدوق في المقنع (4) على عادته، والشهيد في الذكرى (5) والمحقق في


1 - لاحظ مفتاح الكرامة 1: 90 / السطر 8. 2 - العروة الوثقى 1: 39 / السطر 3. 3 - الخلاف 1: 179. 4 - المقنع: 18. 5 - ذكرى الشيعة: 9 / السطر 17.

[ 121 ]

[..... ] المعتبر (1) قال: سألته عن رجل أصابته قطرة من طشت فيه وضوء. فقال: إن كان من بول أو قذر فيغسل ما أصابه (2). وفي الخلاف قال: وإن كان من وضوء الصلاة فلا بأس (3). وذهاب الجل - وفيهم الوالد المحقق (4) - إلى أنه نقي السند، لظهور نقل الشيخ عن كتابه، وطريقه إليه حسن، بل صحيح كما يظهر من الفهرست (5) وصرح بحسنه الحدائق (6) وغيره (7) - ويؤيده وجود مضمونها في المقنع (8) جدا، فلا يضر إضمارها - غير تام عندي، لان الخلاف كتاب ألفه الشيخ في شبابه، ولو كان عنده كتابه لحكاها في التهذيبين مع أنه أفتى على خلافه في موضع على الاطلاق (9)، وفي موضع


1 - المعتبر: 90. 2 - وسائل الشيعة 1: 215، كتاب الطهارة، أبواب الماء المضاف، الباب 9، الحديث 14. 3 - الخلاف 1: 179، بتفاوت في ألفاظها. 4 - الطهارة (تقريرات الامام الخميني (قدس سره)، اللنكراني: 28 (مخطوط). 5 - الفهرست، الشيخ الطوسي: 121. 6 - الحدائق الناضرة 1: 479. 7 - الطهارة، الشيخ الانصاري 1: 322، مستمسك العروة الوثقى 1: 231. 8 - المقنع: 18. 9 - الخلاف 1: 181، المسألة 137.

[ 122 ]

[..... ] بالتفصيل (1)، فلم يعمل به هو ولا الصدوق، مع ما نسب إلى القدماء من القول: بالطهارة (2). هذا مع أن في طريقه إليه ابن أبي جيد، وهو علي بن أحمد القمي (3) غير المذكور بمدح ولا ذم. وفي سائر الاخبار (4) المستدل بها نظر واضح، لا يحتاج إلى التدبر. هذا مع أن هذه المسألة من المسائل المبتلى بها، فلو كانت نجسة لبانت غايتها، من غير حاجة إلى هذه الدلائل الساقطة. وقد أوضحنا المؤيدات للقول بالطهارة في الكتاب الكبير (5)، وفي روايات الاستنجاء (6) أيضا بعض الشواهد القوية (7) على المسألة، وقول


1 - الخلاف 1: 179، المسألة 135. 2 - لاحظ مفتاح الكرامة 1: 90 / السطر 22. 3 - لاحظ معجم رجال الحديث 21: 124، تنقيح المقال 2: 267 / 8162. 4 - وسائل الشيعة 1: 212، كتاب الطهارة، أبواب الماء المضاف، الباب 9، الحديث 4 و 14، والباب 11، و 3: 496، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 53، الحديث 1. 5 - تحريرات في الفقه، الطهارة، المبحث التاسع، فصل في المستعمل في رفع الخبث. 6 - تهذيب الاحكام 1: 86 / 228، وسائل الشيعة 1: 222، كتاب الطهارة، أبواب الماء المضاف، الباب 13، الحديث 4. 7 - كما في معتبر محمد بن النعمان الاحول عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت له: أستنجي ثم يقع ثوبي فيه وأنا جنب فقال: لا بأس به، وسائل الشيعة 1: 222، كتاب الطهارة، أبواب الماء المضاف، الباب 13، الحديث 4.

[ 123 ]

[..... ] الفقيه الهمداني (رحمه الله): بأن من استثناء ماء الاستنجاء يكشف نجاسة الغسالة (1) من الظرافة في الاستدلال، أو كشف الاتفاق المعلوم حاله. ولو وصلت النوبة إلى تمسكهم بالاخبار، تقع العارضة بين ما مر وما يأتي في مسائل الاستنجاء إن شاء الله تعالى، والترجيح مع الثانية، لذهاب المعروفين من العامة إلى النجاسة (2)، مع أن القول بالطهارة موافق للكتاب (3) على وجه، كما لا يخفى.


1 - مصباح الفقيه، الطهارة: 64 / السطر 36. 2 - لاحظ الخلاف 1: 179 و 181، المسألة 135 و 137، المجموع 1: 158 و 2: 585. 3 - الفرقان: 48.

[ 124 ]

[ مسألة 25: ماء الاستنجاء - سواء كان من البول أو الغائط - طاهر ] قوله مد ظله: طاهر. على المعروف والمشهور، والمصرح به في كلام جمع عدم الفرق بين الخبثين (1). نعم، ما هو المحكي عن الذخيرة (2) بل وفي المدارك (3): أن عدم الفرق بمقتضى النص مشكل جدا، لعدم ورود نص فيه. مع أن قضية اللغة أن الاستنجاء مربوط بالخبث الاكبر، وإن ألحقوا به الاصغر في الحكم من الطهارة أو العفو. وبالجملة: في مسألة أعمية الاستنجاء قد تبين عندنا - في كتابنا الكبير (4) - أنه أعم بلا شبهة في محيط الاستعمال والاخبار، ففي خبر الساباطي قال: سألته عن الرجل إذا أراد أن يستنجي بالماء، يبدأ بالمقعدة أو بالاحليل؟ فقال: بالمقعدة... (5) الحديث.


1 - المعتبر 1: 91، تذكرة الفقهاء 1: 37، الدروس الشرعية 1: 122. 2 - لاحظ مفتاح الكرامة 1: 93 / السطر 23، ذخيرة المعاد: 143 / السطر 45. 3 - مدارك الاحكام 1: 124. 4 - تحريرات في الفقه، كتاب الطهارة، المبحث التاسع، فصل في ماء الاستنجاء. 5 - الكافي 3: 17 / 4، وسائل الشيعة 1: 323، كتاب الطهارة، أبواب أحكام الخلوة، الباب 14، الحديث 1.

[ 125 ]

[..... ] وفيه أيضا: لو أن رجلا أراد أن يستنجي من الغائط (1)... الحديث. وفي رواية عبد الملك بن عمرو في الباب الثالث عشر من أبواب نواقض الوضوء: في الرجل يبول ثم يستنجي، ثم يجد بعد ذلك بللا (2)... الحديث. وفي حديث عن سماعة مثله (3). مع أن مقتضى التحقيق: أن حقيقة مادة النجو هو القطع من اصول الشجرة، فالمستنجي كأنه يقطع في الجانبين اصول الخبثين، فراجع وتدبر. وأما مسألة طهارته على الاطلاق، أو نجاسته على الاطلاق، أو عفو بعض أحكامه، أو التفصيل بين البول والغائط، بنجاسة الاول دون الثاني، أو العفو عن الثاني دون الاول، فهي وجوه بل أقوال، يلحق بالاتفاق القول: بالطهارة الموضوعية أو الحكمية، المعبر عنها بالعفو فيما يقتضيه


1 - تهذيب الاحكام 2: 201 / 789، وسائل الشيعة 1: 318، كتاب الطهارة، أبواب أحكام الخلوة، الباب 10، الحديث 3، بتفاوت يسير. 2 - تهذيب الاحكام 1: 20 / 50، وسائل الشيعة 1: 282، كتاب الطهارة، أبواب نواقض الوضوء، الباب 13، الحديث 2. 3 - تهذيب الاحكام 1: 51 / 150، وسائل الشيعة 1: 283، كتاب الطهارة، أبواب نواقض الوضوء، الباب 13، الحديث 4.

[ 126 ]

[..... ] الدليل، ولو قلنا: بطهارته، فالمنع يحتاج إلى دليل. والذي هو الحق: أن ماء الاستنجاء - بالمعنى المراد عندهم كما يأتي عند ذكر الشرائط - يعد من الغسالة، وقد مر طهارتها عندنا (1)، فهي هنا تكون أقوى، ولا سبيل إلى التمسك (2) بأدلة انفعال القليل، لما مر. وأما على القول: بنجاسة الغسالة، فالاشبه والاقرب نجاسة الاستنجاء، جمعا بين أدلة انفعال القليل، وبين أدلة منجسية المتنجس (3)، وبين أخبار المسألة، بحملها على عدم شرطية طهارة الثوب الذي يصلى فيه الواقع في ماء الاستنجاء، كما في روايات الاستنجاء (4). فما في كتب المتأخرين بعيد عن الصواب، لان هذه الاخبار إما تدل على طهارة الغسالة، ولا خصوصية لها، بل كثرة الابتلاء بغيرها في حدها، وإما لا تدل على شئ إلا جواز الصلاة في الثوب الواقع فيه، ضرورة أن الجهة المسؤول عنها بين السائل والمجيب في الثوب المذكور في الروايات الكثيرة، هو الصلاة فيه، دون شئ آخر، فإنه بعيد، كشرب


1 - راجع التعليقة رقم 117. 2 - كتاب الطهارة، الشيخ الانصاري 1: 346، التنقيح في شرح العروة الوثقى 1: 360. 3 - الفقيه 1: 14 / 26، وسائل الشيعة 1: 142، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 4، الحديث 1. 4 - وسائل الشيعة 3: 501، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 60.

[ 127 ]

[..... ] الماء إذا وقع فيه الثوب، أو الطواف به. كما أن المتفاهم منها اختصاص الحكم بالماء الذي استنجي به الخبث الاكبر، لانه الذي يقع فيه الثوب المتعارف في بلد الاخبار والروايات، فلا تصل النوبة إلى معارضة العمومات الثلاثة، والابتلاء بما لا يعتنى به، كما في كتب بعض المتأخرين، كالشيخ (رحمه الله) (1) وأتباعه (2). نعم، في تلك الاخبار رواية التهذيب بسند معتبر، عن عبد الكريم ابن عتبة الهاشمي قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يقع ثوبه على الماء الذي استنجى به، أينجس ذلك ثوبه؟ فقال: لا (3). فإنه وإن يشهد على نجاسة الماء كما هو خيرة القائلين بالعفو، وتكون شاهدة على مفاد سائر الاخبار الساكتة عن الحكم الوضعي، ولكنها تدل على طهارة الملاقي، ولازم ذلك تخصيص منجسية المتنجس على القول بإطلاق دليله، كما لا يخفى. ويحتمل أن يكون عدم منجسيته، لاجل عدم نجاسته، فتدل على الطهارة،


1 - الطهارة، الشيخ الانصاري 1: 347. 2 - مصباح الفقيه، الطهارة: 65 / السطر 25. 3 - تهذيب الاحكام 1: 86 / 228، وسائل الشيعة 1: 223، كتاب الطهارة، أبواب الماء المضاف، الباب 13، الحديث 5.

[ 128 ]

[..... ] وتؤيد التفاهم البدوي من سائر الاخبار. ويحتمل أن تكون ناظرة إلى عدم تنجس الثوب حكما، لجواز الصلاة فيه، وحيث إنه الاثر الواضح صح السلب المذكور، فلا يلزم تخصيص في أخبار انفعال القليل، ولا في منجسية المتنجس. وغير خفي: أنه لو خصص أخبار الانفعال بتلك الادلة، فيلزم خروجه موضوعا عن إطلاق دليل تنجيس المنجس، ولا تقييد، كما أن الامر كذلك بالنسبة إلى دليل شرطية طهارة ثوب الصلاة (1). ولو قلنا: بأنه نجس غير منجس، يبقى عموم أدلة الانفعال على حاله، دون العموم الثاني، ويخرج موضوعا عن العام الثالث، فتلك العمومات ليست عرضية، بل هي طولية غير متعارضة صناعة. والذي يسهل الخطب: أن ابن عتبة اللهبي الهاشمي أمره مريب عندي، ولا يكفي مجرد توثيق الشيخ (رحمه الله) (2) ورواية بعض أصحاب الاجماع (3)، لما في تأريخه بعض الكلام، ولذلك قيل: في توثيق الشيخ


1 - وسائل الشيعة 3: 428، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 18 - 22 و 30 و 31 و 40 - 47. 2 - رجال الطوسي: 354. 3 - وهو أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي الواقع في طريق الصدوق (رحمه الله) إليه، مشيخة الفقيه 4: 55.

[ 129 ]

[ إذا لم يتغير أحد أوصافه الثلاثة. ولم يكن فيه أجزاء متميزة ] عند عده من أصحاب أبي الحسن (عليه السلام) إشكال (1) لكونه منهم غير واضح، ولم يوثقه غيره إلا تبعا له (2)، ولا هو إلا في ذلك الموضع. ولكن مع ذلك كله، لا يبعد اعتباره، لامكان ما قيل في حياته من الخدشة (3) فراجع، نعم هو من المعمرين ظاهرا، ومع ذلك قليل الرواية جدا. وتوهم الانجبار في غير محله، لان الشهرة أولا على الطهارة غير معلومة، مع أنها شهرة غير عملية. قوله مد ظله: أحد أوصافه الثلاثة. قد مر ما فيه وما في اختصاص الحكم بالثلاثة (4)، فالاحتياط لا يترك على الاطلاق. قوله مد ظله: متميزة. لما في رواياتها من الاختصاص بالماء المستنجى به (5). اللهم إلا أن يقال: بأن المتعارف وجودها فيه، ودعوى أن وقوع الثوب في ذلك الماء بعد تبديل المكان، غير واضحة، مع أن السكوت وعدم ذكر


1 - لاحظ تنقيح المقال 2: 160 / السطر 3. 2 - لاحظ تنقيح المقال 2: 159. 3 - تنقيح المقال 2: 160. 4 - تقدم في الصفحة 28 و 33. 5 - وسائل الشيعة 1: 221، كتاب الطهارة، أبواب الماء المضاف، الباب 13.

[ 130 ]

[ من الغائط، ولم يعد فاحشا على وجه لا يصدق معه الاستنجاء ] السؤال من قبل المعصومين (عليهم السلام) في هذه الحال، أيضا يؤكد. وبذلك يقع الفرق بين ماء الغسالة وماء الاستنجاء عندنا، فإن الاول طاهر بالشرط، والثاني غير مشروط بما افيد على الاشبه، فتأمل. قوله مد ظله: من الغائط. أي الذي استنجي منه، وأما ما هو الخارج الاجنبي عنه فالانفعال قطعي. قوله مد ظله: لا يصدق معه الاستنجاء. لا منع من صدقه إذا كان يستنجي بالنسبة إلى محل النجوة والمحل المتعدى إليه، فإنه يصدق، ومع ذلك يشكل، لصدق الاستنجاء مقرونا بغسل المحل الاخر، فتدبر. هذا بناء على نجاسة الغسالة، وإلا فمع شرائط طهارة الغسالة فلا يضر التجاوز المذكور. وربما يتوهم في صورة اختلاط ماء الاستنجاء مع ماء المحل الزائد الفاحش، تعارض الاطلاقين إذا صدق على الماء الموجود الواقع فيه الثوب ماء الاستنجاء والغسالة. وتخيل تقدم الاطلاق الثاني على الاول، في غير محله، كما أن توهم انصراف الاطلاق إلى غير هذه الصورة، ممنوع.

[ 131 ]

[ ولم تصل إليه نجاسة من خارج، ومنه ما إذا خرج مع البول أو الغائط نجاسة اخرى مثل الدم، حتى ما يعد جزء منهما على الاحوط. ] نعم، إنكار الاطلاق لاخبار الباب - من أجل أنه إطلاق سكوتي - ممكن، لان الغلبة مع عدم التعدي الفاحش، فلا يحصل من ترك الاستفصال شئ، كما لا يخفى. قوله مد ظله: من خارج. قد مر وجهه، ولا يختص الحكم بالنجاسة، فإن بحكمها المتنجس. والاولى أن يقال: وأن لا يتنجس بمنجس آخر فإنه يشمل صورة وصولها إليه، أو ورود الماء عليها. قوله مد ظله: مثل الدم. يندرج ذلك في الشرط السابق، لانه شئ أجنبي خارج، كدم البواسير والنواسير وأمثالهما، فما في بعض الكتب، من عده شرطا آخر (1)، في غير محله. قوله مد ظله: على الاحوط. فيما إذا كان يتبدل الخرء بالدم في الجوف، ربما يشكل القول بنجاسته (2). اللهم إلا أن يقال: بعدم ثبوت الاطلاق في الباب رأسا، فيرجع إلى


1 - العروة الوثقى 1: 47، فصل الماء المستعمل في الوضوء، المسألة 2. 2 - نفس المصدر.

[ 132 ]

[..... ] أدلة انفعال القليل، وما في كلام القوم، من توهم الاهمال من هذه الجهة في أخبار المسألة (1)، غير تام، ولا تختلط. وأما وجه الاحتياط في صورة عده جزء من الخرء والغائط فواضح، ضرورة أنه - قويا - يحتمل كون المورد واردا في محط الاخبار، مما يعد ماؤه من ماء الاستنجاء بالنسبة إلى الجزء الاخر، وقضية المعارضة هو الاحتياط، لامكان ترجيح كل من الاطلاقين على الاخر كما مر، فلا تثبت المعارضة حتى تندرج في الاخبار العلاجية. نعم، على ما عرفت منا، يقدم أخبار الانفعال. نعم، في ثبوت الاطلاق هناك أيضا بحث، فاغتنم. ثم إن هاهنا شروطا اخر ذكرناها في كتابنا الكبير (2)، وفي بعض تعاليقنا على العروة الوثقى (3) فليراجع، ومن تلك الشرائط، الاستنجاء في المحل الذي بال عليه كما هو المتعارف، وترشح من مائه على ثوبه مثلا بعد ملاقاته لذلك المحل، فإنه - حسب ما يستظهر منهم - نجس، لكونه ملاقيا للنجاسة الخارجية، إلا أن احتمال طهارته قوي، للتعارف في البول، كما مر في الغائط، اللهم إلا أن يقال: التعارف غير معلوم، فتأمل.


1 - مستمسك العروة الوثقى 1: 237. 2 - تحريرات في الفقه، كتاب الطهارة، المبحث التاسع، فصل في شروط طهارة ماء الاستنجاء. 3 - تعليقة على العروة الوثقى: 70 - 71 وتحرير العروة الوثقى: 65.

[ 133 ]

[ مسألة 26: لا يشترط في طهارة ماء الاستنجاء، سبق الماء على اليد وإن كان أحوط. مسألة 27: إذا اشتبه نجس بين أطراف محصورة - كإناء في عشرة - يجب الاجتناب عن الجميع، وإذا لاقى بعض أطرافه شئ... ] قوله مد ظله: يجب الاجتناب. على المعروف والمشهور بين المحصلين، والكلام هنا في مفروض الماتن. وبالجملة: مقتضى العلم الاجمالي هو الاجتناب عقلا، كما تحرر في محله (1)، من غير فرق بين تعلقه بالحكم، أو بالحجة القائمة على وجوب الاجتناب عن النجس شرعا، هذا هو مقتضى العقل. وأما قضية النقل، ففيما إذا تكن الحالة السابقة في بعضها النجاسة، فالمعروف عنهم أمران: أحدهما: عدم جريان أدلة الاصول رأسا. وثانيهما: جريانها ذاتا، وسقوط الكل بالمعارضة، سواء كانت الاصول العدمية الازلية، أو الاصول الوجودية، من الاستصحاب، أو قاعدة الطهارة.


1 - تحريرات في الاصول 6: 184.

[ 134 ]

[..... ] والذي قويناه في محله (1)، جريانها وعدم سقوطها، من غير أن يلزم المناقضة والرخصة في المعصية أو اللغوية، كما تحرر في كتابنا الكبير فقها (2) واصولا (3). هذا كله بحسب جميع أطراف المعلوم بالاجمال. وأما في خصوص المعلوم نجاسته، فربما يستظهر من قاعدة الطهارة، دخالة العلم بالنجاسة تفصيلا، كما عن الحدائق ولكنه ضعيف. أو يستظهر: أن ما هو موضوع القاعدة، عنوان المشكوك نجاسته وبينه وبين عنوان النجس - كالبول مثلا - عموم من وجه، وفي موارد العلم الاجمالي يكون كل واحد موضوعا للقاعدة، وما هو البول واقعا موضوع دليل تحريم النجس، فتقع المعارضة، ويلزم إنكار الحكم الظاهري، فإن الطهارة حكم مجعول واقعا على العنوان المزبور، كالنجاسة على عنوان البول فإن أحرزنا أهمية جانب الحكم الواقعي - كما في الشبهات المهتم بها - يقدم جانبه، وإلا فيقدم جانب الحكم الاخر المسمى بالظاهري عند الاصحاب (رحمهم الله). وهذا نظير موارد الاضطرار والاستكراه في صورة اعتبار الشرع عذرية


1 - تحريرات في الاصول 7: 331 - 332. 2 - تحريرات في الفقه، كتاب الطهارة، المبحث العاشر، فصل إذا علم إجمالا بنجاسة ماء في إحدى الانائات. 3 - تحريرات في الاصول 7: 331 - 332.

[ 135 ]

[..... ] الاضطرار والاستكراه، فإنه لا يلزم - على ما هو الحق - رفع الحكم في مواردهما، بل الحكم الفعلي باق، والرخصة ثابتة، لاهمية جانب الرخصة، والشرع في موارد الشك اعتبر الرخصة ذات أهمية، لما فيها من السهولة والسماحة التي بنيت عليها الشريعة، وتمام الكلام في محل آخر. ولو أبيت عن تصديق الوجه الاخير، فيكفيك الوجه العام المقتضي لجريان جميع الاصول في أطراف جميع موارد العلم الاجمالي، وكما في الشبهات المهتم بها، فإنه في غيرها يجوز ارتكاب الكل على الاشبه. ولعل إلى ما ذكرناه يرجع ما نسب (1) إلى العلمين، الخوانساري والقمي (رحمهما الله) (2)، فإنهما لا ينكرون تنجيز العلم ظاهرا، بل يرخصان ارتكاب المجموع، فليراجع، واغتنم جيدا.


1 - فرائد الاصول، الشيخ الانصاري 2: 451. 2 - مشارق الشموس: 77، قوانين الاصول 2: 37 / السطر 3.

[ 137 ]

كتاب الصلاة القول في الخلل

[ 139 ]

[ مسألة 4: من صلى الى جهة بطريق معتبر، ثم تبين خطأه، فإن كان منحرفا عنها إلى ما بين اليمين والشمال، ] القول في خلل القبلة (1) قوله مد ظله: اليمين والشمال. في النصوص عنوانان، عنوان المشرق والمغرب، كما في معتبر زرارة (2) وغيره (3)، وعنوان اليمين والشمال، كما في معتبر معاوية بن عمار (4) الاتي إن شاء الله تعالى، وعبائر القوم مختلفة.


1 - هذه المسألة من المقدمة الثانية من مقدمات الصلاة في تحرير الوسيلة، ذكرها المصنف (قدس سره) هنا جمعا بين مسائل خلل الصلاة في موضع واحد. 2 - الفقيه: 180 / 855، وسائل الشيعة 4: 312، كتاب الصلاة، أبواب القبلة، الباب 9، الحديث 2. 3 - وسائل الشيعة 4: 314 - 315، كتاب الصلاة، أبواب القبلة، الباب 10، الحديث 1، 2، 4، 5. 4 - الفقيه 1: 179 / 846، وسائل الشيعة 4: 314 كتاب الصلاة، أبواب القبلة، الباب 10، الحديث 1.

[ 140 ]

[ صحت صلاته، ] وعن كشف اللثام: لم أر عن قبل الفاضلين اعتبار المشرق والمغرب (1). والامر عند المحقق سهل، لان النظر الى المحدود في الاخبار دون المشرق والمغرب، كي يذهب بعضهم إلى أن المتعين ما في المتن، غافلا عن اختلاف الاخبار في المعتبر، مع أن اتباع عناوين الاخبار أقرب إلى الواقع. قوله مد ظله: صحت صلاته. على الاطلاق بالنسبة إلى الصلوات، والمفروض هنا هو الملتفت العالم، الخاطئ طريقه المعتبر شرعا الذي مر تفصيله. وبالجملة: لا وجه لتوهم البطلان بعد الشهرة (2) والاخبار الكثيرة (3)، والقدر المتيقن منها هو المجتهد، أو الاعم منه، ومن المتحرر المختبر الفاحص عن العلامات المستخرجة من قبل المجتهدين. وغير خفي: أن الماتن (قدس سره) غير متعرض لحكم سائر الفرق، كالجاهل،


1 - كشف اللثام 1: 180 / السطر 34. 2 - تذكرة الفقهاء 3: 32، شرائع الاسلام 1: 58، جامع المقاصد 2: 73، مفتاح الكرامة 2: 123 / السطر 30. 3 - وسائل الشيعة 4: 314 - 315، كتاب الصلاة، أبواب القبلة، الباب 10.

[ 141 ]

[..... ] والناسي بقسميه، والغافل وغيره هنا، ولا في فصل الخلل، وقد أوضحنا حال المسألة في الكتاب الكبير (1). وما قد يتوهم (2) من ذهاب جملة من الاقدمين إلى الاعادة في الصورة المذكورة. كمثل السيد في الناصريات (3) بل والمفيد في المقنعة (4) والشيخ في المبسوط (5) والنهاية (6) والخلاف (7) وجملة من تلامذته (8)، وابن إدريس في السرائر (9) فهو باطل، لان المفروض هو أن يصلي إلى غير القبلة، مع أن القبلة لمثل المجتهد مثلا، ما بين المشرق والمغرب، كما في جملة من الاخبار (10).


1 - تحريرات في الفقه، الخلل في الصلاة: 96 وما بعدها. 2 - مستمسك العروة الوثقى 5: 228. 3 - الناصريات، ضمن الجوامع الفقهية: 230 / السطر 29. 4 - المقنعة: 97. 5 - المبسوط 1: 80. 6 - النهاية: 64. 7 - الخلاف 1: 303. 8 - الوسيلة: 99، الغنية، ضمن الجوامع الفقهية: 494 / السطر 4 - 5. 9 - السرائر 1: 205. 10 - وسائل الشيعة 4: 314 - 315، كتاب الصلاة، أبواب القبلة، الباب 10.

[ 142 ]

[ وإن كان في أثنائها مضى ما تقدم منها، واستقام في الباقي، ] ويكفيك ذهاب المشهور إلى صحة صلاته، فيعلم منه أن المقصود في كلامهم، هو أن يصلي دبر القبلة، وأنه هو غير القبلة في الشرع. قوله مد ظله: في الباقي. حسب القاعدة، لان الشرط بحسب الجعل هو استقبال الكعبة، لا استقبال ما بين المشرق والمغرب، فإنه خلاف الضرورة الاسلامية. نعم، حيث كانت الصلاة الواقعة بتمامها حال الاجتهاد الخاطئ صحيحة حسب الاخبار، فإذا وقع بعضها الى ما بين المشرق والمغرب، وبعضها الى الكعبة، فهو أولى بالصحة، وإلا فمقتضى الفهم العقلائي شرطية القبلة في الصلاة مطلقة، فيلزم بطلانها إذا توجه إلى الاخلال بها. ويحتمل صحتها، حسب إطلاق عقد المستثنى، لكفاية كون بعض الصلاة الى القبلة، وانصرافه عن العامد، فاغتنم. هذا مع ذهاب الجميع (1) إلى الصحة، والاستقبال في الاثناء، وفاقا لبعض النصوص، ومعتبرها ما عن الكتب الثلاثة عن الساباطي، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في رجل صلى على غير القبلة، فيعلم وهو في الصلاة قبل أن يفرغ عن صلاته، قال:


1 - شرائع الاسلام 1: 58، تذكرة الفقهاء 3: 29، جواهر الكلام 8: 37، مستمسك العروة الوثقى 5: 230.

[ 143 ]

[ من غير فرق بين بقاء الوقت وعدمه. ] إن كان متوجها فيما بين المشرق والمغرب، فليحول وجهه إلى القبلة ساعة يعلم، وإن كان متوجها إلى دبر القبلة، فليقطع ثم يحول وجهه إلى القبلة، ثم يفتتح الصلاة (1). ويؤيد ما ذكرنا في المسالة السابقة، ذهاب الاقدمين في هذه المسألة إلى ما مر، وإلا يلزم طرح مجموع أخبار المسألة، فليتدبر. ولو كان زمان العلم بالانحراف إلى زمان الانحراف مضرا بالصحة فرضا، يلزم أيضا طرح خبر الساباطي، كما لا يخفى. قوله مد ظله: وعدمه. بناء على تقريب عرفت أن الصحة حسب القاعدة، وبناء على إطلاق المعتبر السابق، وحمله على ضيق الوقت، حمل على النادر، ولو كان مورده سعة الوقت ففي الضيق أوضح، فليتدبر. فعلى هذا يتبين عدم الفرق من الجهتين.


1 - الكافي 3: 285 / 8، تهذيب الاحكام 2: 48 / 159، وسائل الشيعة 4: 315، كتاب الصلاة، أبواب القبلة، الباب 10، الحديث 4.

[ 144 ]

[ وإن تجاوز انحرافه عما بينهما، أعاد في الوقت دون خارجه وإن بان إستدباره، إلا أن الاحوط القضاء مع الاستدبار، ] قوله مد ظله: أعاد. على المشهور القريب من الاجماع (1)، إلا أن الاشبه عندنا خلافه، وذلك لان مقتضى معتبر زرارة في الفقيه، عن أبى جعفر (عليه السلام) أنه قال: لاصلاة إلا إلى القبلة قال: قلت: أين حد القبلة؟ قال: ما بين المشرق والمغرب قبلة كله قال: قلت: فمن صلى لغير القبلة، أو في يوم غيم في غير الوقت؟ قال: يعيد (2). وإذا لوحظ ذلك إلى عقد المستثنى من لا تعاد (3) يتبين سعة القبلة تعبدا، بل صدر الرواية تومئ إلى أن الصلاة بدون القبلة ليست بصلاة ادعاء، كي تكون مصداق المأمور به، ويسقط بها الامر. وما بين المشرق والمغرب ليس إلا المحدودة، التي تتراوح فيها الشمس شرقا وغربا، وذلك (3 4) من دائرة فلك المصلي تقريبا، ودبر القبلة


1 - الخلاف 1: 303، كشف اللثام 1: 180 / السطر 31، مفتاح الكرامة 2: 125 / السطر 25، مستمسك العروة الوثقى 5: 233. 2 - الفقيه 1: 180 / 855، وسائل الشيعة 4: 312، كتاب الصلاة، أبواب القبلة، الباب 9، الحديث 2. 3 - الفقيه 1: 181 / 857، تهذيب الاحكام 2: 152 / 597، وسائل الشيعة 4: 312، كتاب الصلاة، أبواب القبلة، الباب 9، الحديث 1.

[ 145 ]

[..... ] يكون ذلك الربع الباقي تقريبا. ولا وجه لحمل الرواية على المشرق والمغرب الشتائي أو الاعتدالي، أو المشرق والمغرب بالنسبة إلى المصلي في زمان الصلاة، فإن كل ذلك تصرف فيه، بل مقتضى الاطلاق، ولاسيما التأكيد المذكور سعة القبلة، وكأن النظر في الاخبار إلى أن التقسيم ثنائي، والباطل من الصلاة ما وقع دبر القبله، والصحيح غير ذلك، ولا ثالث كما ترى في معتبر الساباطي السابق. والاخبار المشتملة بكثرتها على أن الصلاة لغير القبلة باطلة، للامر فيها بالاعادة في الوقت، وعدمها خارجه (1)، ناظرة إلى مثل هذه القبلة المذكورة في معتبر زرارة، وهو مشتمل أيضا على قوله: فمن صلى لغير القبلة. ومن الغريب ما في المفصلات، من توهم المعارضة أو غير ذلك (2)، أو التمسك ببعض الاخبار الضعيفة الاخر، كرواية معمر بن يحيى (3) المشتملة على إيجاب الاعادة خارج الوقت، الدالة طبعا على بطلانها في


1 - وسائل الشيعة 4: 315 - 318، كتاب الصلاة، أبواب القبلة، الباب 11. 2 - كشف اللثام 1: 180 / السطر 28، ولاحظ مصباح الفقيه، الصلاة: 114 / السطر 2 و 7. 3 - التهذيب 2: 46 / 149، وسائل الشيعة 4: 313 كتاب الصلاة، أبواب القبلة، الباب 9، الحديث 5.

[ 146 ]

[..... ] الوقت، كي يلزم إعادتها خارجه حسب القواعد، مع معارضته بالاخبار المفصلة الاتية إن شاء الله. نعم، في خصوص المجتهد المخطئ يحتمل سعة القبلة، وصحة صلاته ولو كان دبر القبلة، وذلك لبعض روايات (1)، ومهمها ومعتبرها خبر الحلبي في أبواب الجماعة، حيث اشتمل على أن الاعمى يؤم القوم وهو على غير القبلة، قال (عليه السلام): يعيد ولا يعيدون، فإنهم قد تحروا (2). وذلك لان التعليل وإن كان قابلا لان تقيد به الاطلاقات الادعائية، أو قابلا لان يكون قوله (عليه السلام) ابتداء: لا صلاة إلا إلى القبلة فتكون القبلة المنظورة في معتبر زرارة وغيره، مخصوصة بالمجتهد المخطئ، ولكنه مجرد تخيل القابلية، ولا واقعية له جدا، لاحتمال كون مصب خبر الحلبي خارج الوقت، وفي مورد يمكن التحري، فلم يتحر الاعمى وغير ذلك، إلا أن الاشبه الاقرب أنه صلى إلى غير القبلة، وهو الدبر حسب ما عرفت منا، فيعيد ولا يعيدون. وبالجملة: مقتضى الطوائف المختلفة من الاثار، صحة صلاة المنحرف


1 - وسائل الشيعة 4: 315 - 318، كتاب الصلاة، الباب 11، الحديث 2 و 6 و 7. 2 - الكافي 3: 378 / 2، تهذيب الاحكام 3: 269 / 771، وسائل الشيعة 8: 338، كتاب الصلاة، أبواب صلاة الجماعة، الباب 21، الحديث 6.

[ 147 ]

[ بل مطلقا. ] إلى ما بين المشرق والمغرب، وإلى المشرق والمغرب، وعدم صحة المصلي مستدبرا، ووجوب الاعادة، لوقوع صلاتهم إلى غير القبلة، إلا المجتهد الخاطئ، والله العالم. قوله مد ظله: بل مطلقا. بل الاحوط هي الاعادة، لان مثل معتبر زرارة وغيره، بعد ملاحظة سائر الاخبار، يصير مجملا، والقدر المتقين منه هو ثمن الدائرة، وإذا احتمل إعراض هؤلاء الاقدمون عنه، نرجع إلى مقتضى الضرورة، وهو أن نفس الكعبة قبلة، لان احتمال الاعراض ليس كاحتمال التخصيص والتقييد، كما تحرر في محله (1). ومن هنا يظهر وجه القول باعتقاد القبلة بالنسبة إلى ثمن الدائرة، كما ذهب إليه سيدنا الاستاذ الفقيه البروجردي، وتبين وجه اعتقاده بالنسبة إلى نصف الدائرة في المجموع - أي: ربعها من جانب - كما ظهر وجه ما أبدعناه، وهكذا وجه إيجاب الاعادة مطلقا في الوقت، نعم بالنسبة إلى خارج الوقت، الاعادة للنصوص الكثيرة (2).


1 - تحريرات في الاصول 6: 402 - 403. 2 - وسائل الشيعة 4: 315 - 318، كتاب الصلاة، أبواب القبلة، الباب 11.

[ 148 ]

[ وإن انكشف في الاثناء انحرافه عما بينهما، فإن وسع الوقت حتى لادراك ركعة قطع الصلاة وأعادها مستقبلا، والا استقام للباقي، وصحت على الاقوى [ ولو مع الاستدبار، والاحوط قضاؤها أيضا ]. ] قوله مد ظله: أعادها. في الصورة المذكورة، أو يختص ذلك بما إذا كان مستدبر القبلة، فإنه عندئذ لا دليل على اعتقاد القبلة، ولا على سعتها، فمقتضى القاعدة بطلانها، كما هو الظاهر، وهكذا مقتضى القاعدة الثانية، بناء على إطلاق عقد المستثنى كما هو الاشبه، بل هي ليست بصلاة حسب صدر معتبر زرارة. اللهم إلا أن يقال: بعد عوده إلى القبلة، يشمله إطلاق عقد المستثنى على التقريب السابق، وتكون الصلاة التي بيده بعد العود إليها، صلاة واجدة للقبلة عقلا وعرفا، ولو كانت فاقدة بالنسبة إلى بعض الاجزاء، ولا معنى لتوهم فقدانها للقبلة، بعد العلم وقبل العود وحينه، كما هو واضح. وأما خبر القاسم بن الوليد (1) فليس بمعتبر سندا، على إضماره، بل وإعراضهم عنه، فتأمل.


1 - وسائل الشيعة 4: 314، كتاب الصلاة، أبواب القبلة، الباب 10، الحديث 3.

[ 149 ]

[ القول في الخلل الواقع في الصلاة مسألة 1: من أخل بالطهارة من الحدث، بطلت صلاته مع العمد، والسهو، والعلم، والجهل، ] قوله مد ظله: بطلت صلاته. اتفاقا قطعيا (1)، وحسب النصوص الخاصة (2) المتفرقة في المسائل السابقة، ولم يعهد نقل خلاف من أحد في مطلق الاخلال العمدي وغيره. نعم، لو أخل بالطهارة المائية بأن أهرق الماء عمدا، وأتى بالترابية، فالمعروف صحة صلاته (3)، وعندي فيها مناقشة، وتفصيله في أحكام التيمم، كما أنه يمكن على وجه، اختيار الصحة حتى في صورة العمد بالاخلال بالطهور، ولكنه عندي غير معقول، تحرر تفصيله في


1 - شرائع الاسلام 1: 81، تذكرة الفقهاء 3: 271، جواهر الكلام 11: 2 و 3، مستمسك العروة الوثقى 6: 525 - 526. 2 - وسائل الشيعة 1: 365 - 374، كتاب الطهارة، أبواب الوضوء، الباب 1 - 4. وسائل الشيعة 7: 233 - 237، كتاب الصلاة، أبواب قواطع الصلاة، الباب 1. 3 - جواهر الكلام 5: 88، العروة الوثقى 1: 471 فصل في التيمم، المسألة 13، مستمسك العروة الوثقى 4: 320، تحرير الوسيلة 1: 103 فصل في التيمم، المسألة 9.

[ 150 ]

[ بخلاف الطهارة من الخبث، كما مر تفصيل الحال فيها وفي غيرها من الشرائط، كالوقت، والاستقبال، والستر وغيرها. ] الاصول (1)، وفي رسالة لا تعاد (2). نعم، لو أخل بالطهور بالنسبة إلى بعض أجزاء الصلاة، فهو من نقصان الشرط، إلا أن المركب واجد له في الجملة، فربما يكفي ذلك، كما في مثل الوقت، ولا ينافيه مستثنى لا تعاد كما لا يخفى، فلو توجه في أثناء الصلاة إلى فقدان الطهور فتوضأ، صحت صلاته حسب القاعدة، فتأمل. قوله مد ظله: من الخبث. ربما يستظهر أن الفاقدة للطهور الخبثي والحدثي ليست بصلاة، فكيف بكونها صحيحة، نظرا إلى قوله (عليه السلام): لا صلاة إلا بطهور (3) وهذا أصل، والصحة في بعض الفروض ربما لا تنافي التعبير المذكور، وتفصيله في محله (4).


1 - تحريرات في الاصول 8: 97 وما بعدها. 2 - رسالة في قاعدة لا تعاد للمؤلف (قدس سره) (مفقودة). 3 - تهذيب الاحكام 1: 49 / 144 و 209 / 609، الفقيه 1: 35 / 129، وسائل الشيعة 1: 315، كتاب الطهارة، أبواب أحكام الخلوة، الباب 9، الحديث 1. 4 - تحريرات في الفقه، الخلل في الصلاة: 194.

[ 151 ]

[ ومن أخل بشئ من واجبات صلاته عمدا، ولو حركة من قراءتها وأذكارها الواجبة، بطلت، ] قوله مد ظله: صلاته عمدا. حسب درك العقل في المركبات، وحكم العقلاء، بعد الفراغ عن جزئية حال العمد، وهو المفروغ عنه عند الاصحاب كافة، قديما وحديثا (1). وقد أشرنا إلى توهم إمكان الالتزام بالصحة (2)، كما في كلام العلامة التقي الشيرازي (3)، والوالد المحقق (4)، والعلامة الاراكي (5) - عفي عنهمولكنه ممتنع عندنا (6). وغير خفي: إنه إذا ترك القراءة فمضافا إلى ترك الجزء، أخل بشرط تكبيرة الافتتاح والسورة، لاشتراط كل منهما بلحوق القراءة وسبقها. اللهم إلا أن يقال بممنوعية ذلك، لانه مجرد انتزاع، أو اعتبار وتحليل عقلي، ولا يكون شرعيا.


1 - شرائع الاسلام 1: 103، نهاية الاحكام 1: 527، مفتاح الكرامة 3: 281، مستند الشيعة 7: 86. 2 - تقدم في الصفحة 149. 3 - الخلل في الصلاة، للمحقق الشيرازي (رحمه الله): 194 / السطر 16. 4 - الخلل في الصلاة، الامام الخميني (رحمه الله): 6. 5 - نهاية الافكار 3: 434. 6 - تحريرات في الفقه، الخلل في الصلاة، للمؤلف (قدس سره): 7 وما بعدها.

[ 152 ]

[ وكذا إن زاد فيها جزء متعمدا، قولا أو فعلا من غير فرق بين الركن وغيره، ] قوله مد ظله: وكذا ان زاد. إذا تمكن من ذلك ولو عرفا - أي: بعد زيادة عرفية - يكون باطلا للاجماع (1)، بل الضرورة، ولاختصاص لا تعاد بالنقيصة، وإطلاق معتبر زرارة من زاد في صلاته فعليه الاعادة (2). ولما تحرر منا في الاصول: أن الفرد الممتثل به، المقرون بالمحرم والبدعة، بأن يزيد في صلاته على وجه يعد بدعة، أو يحسب تشريعا، ولو لا يعقل التشريع بحسب القصد، إلا أنه يريد بذلك عد عمله من الشريعة. وبالجملة: من يريد امتثال الامر والتقرب، قليل الوجود إن يريد ذلك، إلا أنه إذا اتفق لاجل جهة ذلك، يلزم بطلانه، ولا معنى لدعوى صرفه عن العالم العامد، بحيث تصح صلاته لو اتفق، بل لو قيل بذلك فلاجل عدم اتفاقه خارجا، لما لا يخفى. هذا مع أن المحرر في الاصول: أن الزيادة في مثل الماهية المحدودة تكون مبطلة، حسب الاصل كالنقيصة (3)، وكما أن السهو من


1 - شرائع الاسلام 1: 103، مستند الشيعة 7: 86 - 90، جواهر الكلام 12: 228. 2 - الكافي 3: 355 / 5، تهذيب الاحكام 2: 194 / 764، الاستبصار 1: 376 / 1429، وسائل الشيعة 8: 231، كتاب الصلاة، أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الباب 19، الحديث 2. 3 - تحريرات في الاصول 8: 121 - 122.

[ 153 ]

[ بل ولا بين كونه موافقا لاجزائها أو مخالفا، وإن كان الحكم في المخالف، بل وفي غير الجزء الركني لا يخلو من تأمل وإشكال. ] النقيصة في غير الاركان لا يبطل، كذلك في الزيادة، وكل ذلك لاستفادة أن الصلاة في الشريعة ماهية محدودة عرفية اعتبارية تأليفية، وإن لم يلزم من الزيادة نقصان، كالاخلال بالتوالي والماهية الاتصالية. وقوله (عليه السلام): من زاد ربما هو ناشئ عن القاعدة الدالة على محدودية الماهية والصلاة، فاغتنم. قوله مد ظله: أو مخالفا. على المعروف المشهور (1)، لان الزيادة لاتعقل إلا بلحاظ لحوق الفرد، والمأتي به حتى في المماثل، فعليه يمكن إلحاق الاجنبي به، حسب النية، والقصد والارادة، كما ترى ذلك في العمد المعذور، بالنسبة إلى التكتف وقول آمين. قوله مد ظله: وإشكال. كما هو في المستند بالنسبة إلى المخالف (2)، وفي كتب بعض أصحابنا، بالنسبة إلى الجزء غير الركني (3)، وقد عرفت وجه البطلان والزيادة.


1 - العروة الوثقى 2: 4، فصل في الخلل الواقع في الصلاة، المسألة 4، مستند العروة الوثقى 6: 31. 2 - مستند الشيعة 7: 82. 3 - جواهر الكلام 12: 274، مصباح الفقيه، الصلاة: 546 / السطر 1.

[ 154 ]

[..... ] نعم، إذا كان مما يناجي به ربه، ويذكر به الله تعالى، فهو من الصلاة - أي من اللواحق المصداقية - كما هو يعلم بالقياس إلى المركبات التأليفية. نعم، بناء على عموم المستثنى منه، وانصراف من زاد إلى الركعة، أو تقدمه عليه، وإن لم يكن منصرفا، لا تبطل الصلاة بتلك الزيادة العرفية، لانه إذا كان قاصدا به الصلاة يكون منها تعبدا، بل حقيقة، ويشمله ما ورد من جواز ما يناجي به ربه، ولاجله قال - دام ظله -: وإن كان الحكم... إلى آخره، فيعلم منه أنه لا تردد له في كونه زيادة ولاحقا، ولا تردد له في بطلان الصلاة بالمخالف، لما لا يناجي به ربه، ولا يذكر به الله. وفيه: إن هذه الاخبار ناظرة إلى صورة الاتيان بها ذكرا وتقربا، لا تشريعا وتعبدا، على الوجه الممكن المحرر في محله، فيبقى إطلاق المستثنى منه، وهو أعم من الموافق والمخالف، بعد كونه لاحقا بالمصداق. ولو استشكل في إمكان الزيادة لتقومها بالقصد، فلافرق بينهما أيضا، بل دعوى بطلانها بالموافق أقوى، لحصول الزيادة قهرا، لاجل السنخية، بخلاف المخالف.

[ 155 ]

[ ويعتبر في تحقق الزيادة في غير الاركان، الاتيان بالشئ بعنوان أنه من الصلاة أو أجزائها، فليس منها الاتيان بالقراءة والذكر والدعاء في أثنائها، إذا لم يأت بها بعنوان أنها منها، فلا بأس بها ما لم يحصل بها المحو للصورة، كما لا بأس بتخلل الافعال المباحة الخارجية، كحك الجسد ونحوه، لو لم يكن مفوتا للموالاة، أو ماحيا للصورة كما مر سابقا. ] قوله مد ظله: في غير الاركان. لاوجه له، لان بطلان الصلاة بزيادة الركن مسألة أجنبية عن مسألة الزيادة فيها. قوله مد ظله: أو أجزائها. لا يعتبر أكثر من الاتيان بعنوان الصلاة، فإن الجزئية تحصل قهرا، كما يستفاد من إفاداته مد ظله في الدروس. نعم، قصد الشئ الاخر ربما يضر بذلك كما إذا قرأ في الصلاة بعد تكبيرة الافتتاح، بعنوان الترحيم والنفسية لمؤمن، فإنها لا تكون صلاة. اللهم إلا أن يقال بكفايتها، لدليل أنه يذكر ويناجي به الرب، ويكون من الصلاة مقيدا أو واقعا، فتأمل. ثم إن من المحتمل قويا كون الزيادة على قسمين: منها ما يبطل الصلاة، ومنها: ما يستكمل بها الصلاة، بعد الفراغ عن إمكان الزيادة بالنسبة إلى الماهية التقديرية، اللاحقة بالفرد الممتثل به وعلى

[ 156 ]

[..... ] هذا لا وجه لمحو الصلاة بتلك الزيادة، للزوم محو الصلاة بالصلاة، حسب ما يستفاد من المتن، ولا بما يوجب كمالها حسب ما ذكرناه، فقوله مد ظله: ما لم يحصل أبعد عن الحق حسب مختاره، كما لا يخفى. فرع: في الاتيان بالزيادة المستحبة تشريعا على الوجه المذكور، خلاف، والاشبه بطلانها بها، كما تحرر في التعبدي والتوصلي (1)، وفي الاتيان بها لا بعنوانه، ففي بطلانها بها قولان. ومن الغريب توهم أن ما في رواية الحلبي: قال أبو عبد الله (عليه السلام): كل ما ذكرت الله عزوجل به والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فهو من الصلاة (2) يشعر بوجوبه، لكونه منها (3)، غافلا عن أنه ناظر إلى أن الاتيان به حين الاشتغال بها، فهو منها قهرا أو تعبدا، وعلى هذا، الاتيان بالقنوت في الاولى حسب القاعدة مبطل، لكونه من الزيادة، فعليه الاعادة، إلا أن مقتضى هذه الرواية وأشباهها: أن ما يناجي به الله في الصلاة لا يضر بها، فتأمل.


1 - تحريرات في الاصول 2: 184 - 185. 2 - الكافي 3: 337 / 6، تهذيب الاحكام 2: 316 / 1293، وسائل الشيعة 7: 263، كتاب الصلاة، أبواب قواطع الصلاة، الباب 13، الحديث 2. 3 - مستمسك العروة الوثقى 7: 388.

[ 157 ]

[ وأما الزيادة السهوية، فمن زاد ركعة، ] قوله مد ظله: ركعة. لا وجه للتعرض له، بعد كون المراد مجموع الركوع والسجدتين، وبعد بطلانها بزيادة واحد منهما، إلا أن المسألة في هذه الصورة أظهر، للنصوص الكثيرة (1). هذا مضافا إلى الاتفاق القطعي، ولم يعرف من أحد خلافه، وهو مقتضى القاعدة الاولية والثانوية، إلا إطلاق حديث الرفع (2)، بناء على جريانه في سهو الموضوع، ولكنه محكوم الادلة الخاصة، كما هو كذلك بالنسبة إلى خبر سفيان بن السمط (3) الماضي. وبالجملة: معتبر الشحام يكفي لقوله: سألته عن الرجل يصلي العصر ست ركعات، أو خمس ركعات، قال (عليه السلام): إن استيقن أنه صلى خمسا أو ستا فليعد (4) وغير خفي: أن اختصاص مثله بالفارغ عن الصلاة غير


1 - وسائل الشيعة 8: 231 - 233، كتاب الصلاة، أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الباب 19. 2 - وسائل الشيعة 8: 249، كتاب الصلاة، أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الباب 30، الحديث 2. 3 - وسائل الشيعة 8: 251، كتاب الصلاة أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الباب 32، الحديث 3. 4 - تهذيب الاحكام 2: 352 / 1461، وسائل الشيعة 8: 232، كتاب الصلاة، أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الباب 19، الحديث 3.

[ 158 ]

[..... ] معلوم، بل إطلاقه أعم. فعلى هذا لافرق بين ما إذا استيقن قبل التشهد، أو بعده، أو جلس بمقداره في الرابعة وفي الاخيرة. ومن الغريب ما ذهب إليه جل من أصحابنا، كالشيخ في التهذيب (1) والمحقق في المعتبر (2) والعلامة في جمع من كتبه (3)، وعن ثاني الشهيدين نسبته إلى المتأخرين، وهو أنه إن كان جلس آخر الرابعة بقدر واجب التشهد، صحت صلاته (4). وبعد التدبر في أخبار المسألة، يؤيد المذهب المذكور: أن التشهد سنة، وهي لا تنقض الفريضة، والجلوس المذكور بمقداره، يوجب الخروج ولا تكون الخامسة من الزيادة موضوعا، بخلاف زيادة الركوع، فإن مقتضى الاخبار الاتية بطلانها بها. ويؤيده أن لا تعاد مخصوص بالنقيصة، والزيادة خارجة عنها،


1 - تهذيب الاحكام 2: 194 ذيل الحديث 67. 2 - المعتبر 2: 380. 3 - مختلف الشيعة 2: 394، تحرير الاحكام 1: 49 / السطر 9 و 10، المنتهى 1: 409 / السطر 14. 4 - مسالك الافهام 1: 286.

[ 159 ]

[..... ] ولو كانت مبطلة، فهو خلاف أن السنة لا تنقض الفريضة (1) لان اشتراطها بعدم الخامسة من السنة. وتوهم الاعراض عن الاخبار الناطقة بالتفصيل المذكور (2)، في غير محله، بعد ذهاب التهذيب والمحقق إليه. نعم، الاخبار المفصلة (3) مخصوصة بالخامسة دون الرابعة، في المغرب، والثالثة في الغداة، وصلاة المسافر. فعلى هذا يقيد الاطلاق السابق، الحاكم ببطلان الصلاة بزيادة الركعة بمثل هذه النصوص، كصحيح ابن مسلم (4) وجميل (5). ومن الغريب ما عن بعضهم بحمل هذه الاخبار على الجلوس بمقدار التشهد والاتيان بوظائفه، والسلام (6)، غافلا عن أن هذه الاخبار بصدد أن


1 - وسائل الشيعة 5: 470، كتاب الصلاة، أبواب أفعال الصلاة، الباب 1، الحديث 14. 2 - مستمسك العروة الوثقى 7: 392. 3 - وسائل الشيعة 8: 232 - 233، كتاب الصلاة، أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الباب 19، الحديث 4، 5، 6، 7. 4 - وسائل الشيعة 8: 232، كتاب الصلاة، أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الباب 19، الحديث 5. 5 - وسائل الشيعة 8: 232، كتاب الصلاة، أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الباب 19، الحديث 4 و 6. 6 - مستمسك العروة الوثقى 7: 392.

[ 160 ]

[..... ] مثل هذه الركعة ليست زيادة، لانه قد أتى بما عليه. ويؤيدهم الاخبار الاخر الحاكمة بتمامية الواجب يإتيان الطهور والركوع والسجود (1)، وحيث أن الفرض المذكور في الاخبار نادر الاتفاق، فيلزم بطلان الصلاة بالركعة الزائدة دائما، كما لا يخفى. والذي يسهل الخطب: أن كيفية الصلاة اليومية، وبطلانها بالركعة الزائدة، مما قامت عليها السيرة العملية الشرعية أبا عن جد، مع ذهاب أبي حنيفة والثوري (2) إلى التفصيل المذكور، ومع أن أخبارها عن الائمة المعاصرين لهما، ولذلك يعد القول المذكور منكرا في الفقه، وعند الخواص، فضلا عن عوام الشيعة، فيكون هناك معارضة لا جمع عقلائي. مع أن معتبر محمد بن مسلم لا يخلو عن غرابة، ففي الفقيه عن العلاء، عن محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: سألته عن رجل صلى الظهر خمسا، فقال (عليه السلام): إن كان لا يدري جلس في الرابعة أم لم يجلس، فليجعل أربع ركعات منها الظهر، ويجلس ويتشهد، ثم يصلي وهو جالس ركعتين وأربع سجدات، فيضيفهما إلى الخامسة، فتكون نافلة (3).


1 - وسائل الشيعة 6: 310، كتاب الصلاة، أبواب الركوع، الباب 9، الحديث 1. 2 - المجموع 4: 163 / السطر 4 و 15، المغني 1: 684 - 685. 3 - الفقيه 1: 229 / 1017.

[ 161 ]

[ أو ركنا من ركوع وسجدتين من ركعة أو تكبيرة الاحرام سهوا، ] فإن ذلك وإن كان ناظرا بحسب الذيل إلى عد الركعتين جلوسا ركعة من قيام، إلا أنه أمر مبتدع أيضا في الشريعة، كما لا يخفى. وبالجملة: قضية الصناعة ولو كان ذلك، ولكنه خلاف المرتكز في الشريعة، ويعد مستنكرا جدا. قوله مد ظله: ركنا. إجماعا، بل لم يعهد الخلاف في الطائفة، وهكذا في السجدتين، كما عن المدارك (1) وغيره كالرياض ونحوه (2). وتوهم أنه مقتضى الركنية في غير محله، كما أن التمسك بالاخبار الخاصة المتعرضة لبطلان الصلاة كمعتبرين - على إشكال جدا - لمحمد ابن مسلم (3) الاتيين، وبعض الاخبار الاخر المشتملة على بطلان الصلاة بالركعة، نظرا إلى أن الاصل أن الركعة هي الواحد من الركوع، فإنه مصدر مثله، ويطلق في طائفة من الاخبار (4) على الركوع بقرينة المقابلة


1 - مدارك الاحكام 4: 222 - 223. 2 - رياض المسائل 1: 212 / السطر 15، مستند الشيعة 7: 123، مفتاح الكرامة 3: 289 / السطر 29. 3 - وسائل الشيعة 8: 232 - 233 أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الباب 19، الحديث 5 و 7. 4 - وسائل الشيعة 6: 314، كتاب الصلاة، أبواب الركوع، الباب 11، الحديث 2.

[ 162 ]

[..... ] مع السجدة، غير تام، لانه، إما بحمل أو منصرف إلى تمام أجزاء الركعة، ولا يبعد الثاني، فينحصر الوجه في غير الاجماعات والشهرات المستقيمة وغير المستقيمة، لانها لا تكشف عن شئ وراء ما عندنا. وحيث هي ليست عملية، فليست جابرة لبعض الاخبار الخاصة الناطقة بالبطلان كخبر منصور بن حازم، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: سألته عن رجل صلى فذكر أنه زاد سجدة، فقال (عليه السلام): لا يعيد صلاته من سجدة، ويعيدها من ركعة (1). ومثله خبر عبيد بن زرارة (2) ولو أمكن تصحيح الخبرين، ولاسيما الاول، فكونها صريحة في المراد، محل منع، وفي نسخة من الفقيه: يعيدها من ركوعه (3). ويحتمل أن يقرأ، يعيدها من ركعة فإن الركع والركوع مصدران، ولكنه بعيد، إلا أن أضبطية الفقيه تورث الوثوق بعد ذهاب المشهور إليه، على القول بكفاية التطابق بين مفاد الخبر والشهرة الفتوائية


1 - الفقيه 1: 228 / 1009، تهذيب الاحكام 2: 156 / 610، وسائل الشيعة 6: 319 كتاب الصلاة، أبواب الركوع، الباب 14، الحديث 2. 2 - وسائل الشيعة 6: 319، كتاب الصلاة، أبواب الركوع، الباب 14، الحديث 3. 3 - لاحظ جامع أحاديث الشيعة 6: 288 / 9487.

[ 163 ]

[ بطلت صلاته على إشكال في الاخير. وأما زيادة القيام الركني، ] للجبر، كما عن سيدنا الاستاذ البروجردي (رحمه الله) (1) إلا أنه غير تام عندنا. نعم، سند الفقيه إلى منصور معتبر عندي، فلا حاجة معه إلى الجبر. وبالجملة: مضافا إلى ما مر، يكون البطلان بزيادة الركوع والسجود، قضية من زاد حسب ما عرفت منا، وأجنبية لا تعاد عن الزيادة على الاطلاق، إلا في بعض الفروض، وما نحن فيه ليس منها. ومرسل سفيان أيضا حسب ما في ذيله، يومئ إلى أن ترك سجدة واحدة يجتمع مع الصحة دون السجدتين، كما أن في الاخبار (2) الحاكمة بالاعادة في صورة ترك الركوع والدخول في السجدة، إشعارا قويا بذلك. ويكفيك ارتكاز ذهن المتشرعة بمثله، الذي ابتلي به المسلمون في كل يوم مرات، ولا يقاس مثله بمسألة طهارة ماء البئر ونجاسته بتوهم أن تلك الارتكازات مختلفة. قوله مد ظله: على إشكال في الاخير. وبلا إشكال عند كافة الاصحاب (3)، وفي المستند: أنه إجماعي (4)


1 - نهاية الاصول 2: 541 - 542. 2 - وسائل الشيعة 6: 313، كتاب الصلاة، أبواب الركوع، الباب 10، الحديث 3 و 4. 3 - مفتاح الكرامة 2: 336، جامع المقاصد 2: 234، المعتبر 2: 151، تذكرة الفقهاء 3: 111. 4 - مستند الشيعة 7: 123.

[ 164 ]

[..... ] ويحتمل لزوم الاخذ بالقدر المتيقن منه، وهو الزيادة العمدية، أو التقصيرية الجهلية دون السهوية، وحيث لا نص على بطلانها بزيادتها، فالاصل يقتضي الصحة. وفيه: مضافا إلى أنه خلاف الاصل عندنا في الماهيات المعدودة اعتبارا، وخلاف إطلاق من زاد في صلاته (1) بعد عدم جواز الاعتماد على مرسلة سفيان السابقة، واختصاص لا تعاد بالنقيصة، يكون معقد الاجماع ظاهرا في السهوية والجهلية، دون العمدية، مع تعرض كثير منهم لصورة المسألة. اللهم إلا أن يقال: إن من زاد في صلاته إما معناه أن الزيادة مانعة عن تحقق الصلاة إدعاء، فهي ليست من الزيادة في الصلاة، وإن كان معناه أنه يشترط في الصلاة عدم الزيادة، ووحدة التكبيرة والركوع مثلا، فلازمه بطلانها من جانب النقيصة، فيندرج في المستثنى منه من قاعدة لا تعاد، لان تكبيرة الاحرام ليست من الخمسة، مع ظهور المستثنى في النقيصة، مع أنه لا يعقل خلافه كما تحرر.


1 - وسائل الشيعة 8: 231، كتاب الصلاة، أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الباب 19، الحديث 2.

[ 165 ]

[ فلا تتحقق إلا مع زيادة الركوع أو تكبيرة الاحرام. ] ولو قلنا بأن الزيادة الموجبة للنقيصة، لا تكون إلا في صورة كونها في الصلاة بحسب المصداق، كزيادة الركوع، والقراءة، والقنوت وأمثالها، وإلا فلا توجب النقيصة، فلازمه كون الموانع والقواطع من الصلاة. نعم، يمكن دعوى أن في مثل الموانع والقواطع يلزم النقيصة، ولا يعد المخل بها من الصلاة بالضرورة، وأما ما كان من جنس الصلاة وأجزائها، ففي صورة الاتيان بها سهوا تعد من الصلاة. ولو اقتضت لا تعاد صحتها، ومن زاد بطلانها، يقدم الثاني، لما تحرر في وجه تقدم من زاد على لا تعاد فزيادة تكبيرة الاحرام، مبطلة حسب الصناعة الدقيقة، مؤيدة بتلك المحكيات من الشهرة والاجماعات. وقيل بعدم البطلان (1)، وهو غير متين. قوله مد ظله: فلا تتحقق. كما في المستند (2) ولا دليل على أن زيادة الركن بما هو هو، توجب البطلان، ولا على أن حقيقة الركن ما يوجب نقصانه وزيادته البطلان. ومجرد كلام المهذب البارع (3) مع أنه معارض بكلام المحقق


1 - مستند العروة الوثقى، كتاب الصلاة 6: 52 - 53. 2 - مستند الشيعة 7: 126. 3 - المهذب البارع 1: 356.

[ 166 ]

[..... ] الثاني (1) وغيره (2)، غير كاف، وليست المسألة إلا فقهية اصطلاحية، مصطادة عن اختلاف الاحكام، وتعابير الاخبار، وربما تكون بعض الامور مقوم الماهية تعبدا، كقوله (عليه السلام): لا صلاة إلا بطهور (3) أو لا صلاة لمن لم يقم صلبه (4) على إشكال في الاخير. والمسألة على هذا ترجع إلى زيادة الركوع والافتتاحية، وغير خفي: أنه لو كان في خصوص القيام حال تكبيرة الاحرام مثلا دليل على أنه مبطل، يمكن الاخذ بإطلاقه، ولو كانت تكبيرة الاحرام باطلة شرعا، وصحيحة على الاعم، فافهم. فعلى هذا نمنع الملازمة، كما لا ملازمة بين صدق الركوع والقيام، ولاجله يعد حراما ركوع القاعد للاصنام والازلام، مع أنه ركوع عرفا، كما لو هوى من الجلوس إلى حد الركوع، لا يشمله مستثنى لا تعاد بالضرورة


1 - لاحظ جامع المقاصد 2: 199، مفتاح الكرامة 2: 303 / السطر 7، الجواهر 9: 239. 2 - روض الجنان: 258 / السطر 16 و 271 / السطر 23 و 275 / السطر 1. 3 - تهذيب الاحكام 1: 49 / 144، وسائل الشيعة 1: 315، كتاب الطهارة، أبواب الخلوة، الباب 9، الحديث 1. 4 - الكافي 3: 300 / 6 و 320 / 4، الفقيه 1: 180 / 856، وسائل الشيعة 5: 488 - 489، كتاب الصلاة، أبواب القيام، الباب 2، الحديث 1 و 2. لكن ورد في الحديث: من لم يقم صلبه في الصلاة فلا صلاة له.

[ 167 ]

[ وأما النية فبناء على أنها الداعي لا تتصور زيادتها، وعلى القول بالاخطار لا تضر، وزيادة غير الاركان سهوا، لا تبطل وإن أوجبت سجدتي السهو على الاحوط كما سيأتي. ] عندنا، وتفصيله في أفعال الصلاة. قوله مد ظله: لا تتصور زيادتها. لو نوى الظهر، ثم غفل غفلة موجبة للذهول عن خزانة النفس، فإن قلنا بأن الصلاة على ما افتتحت، معناه كفاية تلك النية البدوية، فتلزم الزيادة الداعية إلى إتمام ما بيده ظهرا، إلا أنها لا تضر مثلا، أو يلزم بطلان الصلاة بذهولها بتاتا. قوله مد ظله: لا تضر. لو كان من قصده التشريع، وبالجملة لو كان ملازما لعمل محرم، فكفاية ما يأتي به عندي محل تردد جدا. قوله مد ظله: لا تبطل. على المشهور المعروف قديما وحديثا (1)، وقد عرفت قصور لا تعاد عن شمول الزيادة، بل قد حررنا مناقشة في جواز التمسك بها في النقيصة على إشكال، وأوضحنا امتناع شمولها للزيادة، كما حررنا وجه بطلان مثل


1 - شرائع الاسلام 1: 105، مدارك الاحكام 4: 224 - 225، مستند الشيعة 7: 126.

[ 168 ]

[..... ] الصلاة بالزيادة (1)، حسب القاعدة، وهو مقتضى إطلاق من زاد في صلاته. نعم، لو لا إرسال خير سفيان بن السمط كان الاعتماد عليه وجيها، لتقدمه على من زاد كما تقدم وجه، ولا شاهد على الشهرة العملية بالنسبة إليه. اللهم إلا أن يقال بكفاية الشهرة الروائية حجة، حسب ما حررناه في الاصول (2). ومن الغريب إنكار دلالته على صحة الصلاة، مع أن قاعدة الملازمة، تكشف عن مفروغية صحة الصلاة المزيد فيها على الاطلاق. والحمد لله رب العالمين


1 - الظاهر أنه في رسالة لا تعاد وهي مفقودة. 2 - تحريرات في الاصول 6: 383.

[ 169 ]

كتاب الصوم

[ 171 ]

[ القول في النية مسألة 1: يشترط في الصوم النية، بأن يقصد إلى تلك العبادة المقررة في الشريعة، ويعزم على الامساك عن المفطرات المعهودة ] قوله مد ظله: النية. بالضرورة، لانه من الواجبات العنوانية التي لا تحصل خارجا إلا بها، بخلاف مثل الغسل، فإنه يحصل ولو كان من باب الاتفاق، وهذا هو المراد من النية المعتبرة قبال القربة، وسائر العناوين الاخر التي تأتي الاشارة إليها. قوله مد ظله: عن المفطرات المعهودة. سيمر عليك تفصيله (1)، وقد صرح المصنف بعدم لزوم ذلك، وقال بصحة صوم من يعتقد أن الاحتقان ليس بمفطر وتركه من باب الاتفاق.


1 - يأتي في الصفحة 236.

[ 172 ]

[ بقصد القربة. ولا يعتبر في الصحة، العلم بالمفطرات على التفصيل، فلو نوى الامساك عن كل مفطر، ولم يعلم بمفطرية بعض الاشياء كالاحتقان مثلا، أو زعم عدمها ولكن لم يرتكبه، صح صومه، ] قوله مد ظله: بقصد القربة. بالضرورة، لانه من العبادات، وقضية الاطلاق عدم اعتباره، والقول بعدم جواز التمسك بمثله في مثلها ناشئ عن شبهات عقلية مندفعة في محلها (1)، فالتقييد ثابت من سيرة المتشرعة، والاجماعات المحكية (2)، والشهرات المحققة. قوله مد ظله: على التفصيل. لان طبيعة الصوم ليست إلا الامساك وقصد التجنب عن مثل الاكل والشرب، وللشرع إضافات وأحكام، فلا يعتبر العلم الاجمالي، كما يظهر من الفرع الاتي الذي تفرع عليه بقوله: فلو نوى الامساك وغير خفي أنه ليس متفرعا على قوله: على التفصيل بل المتفرع عليه قوله: وكذا لو نوى... إلى آخره، والامر سهل. وبالجملة: مقتضى التحقيق أن الصوم متقوم بقصد الامساك عن شئ،


1 - تحريرات في الاصول 2: 118 - 132. 2 - التنقيح الرائع 1: 348، مستند الشيعة 10: 171، مهذب الاحكام 10: 11.

[ 173 ]

[ وكذا لو نوى الامساك عن امور يعلم باشتمالها على المفطرات، صح على الاقوى. ] وليكن ذلك مثل الاكل والشرب، وأما سائر المفطرات، فهي إضافات شرعية، فلا يعتبر الالتفات إليها وقصد تركها، كما في مثل ترك القهقهة في الصلاة، وترك تروك الاحرام في الحج، بناء على ما تحرر منا في محله (1). بل لو كان يعزم على ترك الامور التي ليست من المفطرات الشرعية، جهلا، واتفق أن ترك المفطرات في ظرف الصوم، فلا يبعد صحة صومه، لان قصد القربة المعتبرة ليس مصبه إلا نفس الصوم، على أن القيود خارجة والتقيد داخل، ومن الواضح أن ما هو مورد الامر هو الصوم، لا ترك هذه الامور بعناوينها حتى يعتبر العلم بها، ويعتبر قصد القربة بالنسبة إلى تلك التروك. قوله مد ظله: صح على الاقوى. هذا هو أولى بالصحة من الفرع السابق، لما أنه قصد - فرضا جميع المفطرات، والزائد عليها كالحجر جنب الانسان. نعم لو كان في قصده التشريع بالنسبة إلى الزائد، فيمكن المناقشة في الصحة، فتأمل.


1 - تحريرات في الفقه، كتاب الصوم، الجهة الثانية من المقدمة.

[ 174 ]

[ ولا يعتبر في النية بعد القربة والاخلاص، سوى تعيين الصوم الذي قصد إطاعة أمره، ويكفي في صوم شهر رمضان نية صوم غد، ] قوله مد ظله: تعيين الصوم. لان المفروض تقسيم الصوم إلى الانواع والاصناف كسائر العناوين، ومنها الصلاة، فلا يكفي مجرد قصد الصوم القربي، لان المأمور به متقيد بقيد آخر داخل في محط الامر غير حاصل إلا بالقصد. نعم، ربما يكون القيد المأخوذ في محط الامر غير دخيل في الملاك، وقد تشبث به المولى الامر، نظرا إلى أنه لا يتمكن من تكثير الامر التأسيسي إلا بفرض القيد في الطبيعة، فإن تكثر المتعلق لازم في تكثر الامر المتعلق به - على ما تحرر في الاصول (1) فحينئذ لا يلزم قصد ذلك القيد. ولذلك لو أتى بصلاة الغفيلة - مثلا غافلا عن وقت مشروعيتها، صحت صلاته نافلة مطلقة، لانها مورد الامر والطلب بحسب اللب، وإن كان بحسب الاثبات متقوما بقيد، حتى يمكن تكرار الامر المتعلق بالغفيلة وبالنافلة المطلقة، فاغتنم.


1 - تحريرات في الاصول 2: 257 - 259، و 5: 87 - 89.

[ 175 ]

[ من غير حاجة إلى تعيينه، ] قوله مد ظله: من غير حاجة. على المشهور عندنا، وبه قال بعض المخالفين (1)، وعن الغنية والتنقيح الاجماع عليه (2)، وهو مقتضى الاطلاق وغيره. وفي التذكرة: إن القصد من نية التعيين تمييز أحد الفعلين، ولا يتحقق التعدد هنا فأشبه رد الوديعة (3). وقيل: إن الامر ليس كذلك ولو لم يصح فيه غير صومه، لان القربة معتبرة بالنسبة إلى خصوصيات المأمور به (4). وهذا في غير محله، لان مراد القائلين عدم خصوصية للصوم في رمضان، وأنه في شهر رمضان لا يكون المأمور به إلا نفس الطبيعة الفارغة عن مطلق القيود، فما افيد خال عن التحصيل. والذي يظهر لي، واشير إليه آنفا، عدم إمكان تعلق الامر التأسيسي بالطبيعة المطلقة ثم الامر التأسيسي الاخر بها أو بالمقيدة، بل لابد من


1 - المغني 3: 27 / السطر 9 - 15، و 28 / السطر 1 - 2، فتح العزيز 6: 292. 2 - الغنية، ضمن الجوامع الفقهية: 509 / السطر 3، التنقيح الرائع 1: 348. 3 - العبارة هكذا: لان القصد من نية التعيين تمييز أحد الفعلين أو أحد وجهي الفعل الواحد عن الاخر، ولا يتحقق التعدد هنا، فإنه لا يقع في رمضان غيره، فأشبه رد الوديعة. لاحظ تذكرة الفقهاء 6: 8. 4 - مستمسك العروة الوثقى 8: 201.

[ 176 ]

[ بل لو نوى غيره فيه جاهلا به أو ناسيا له صح ووقع من رمضان ]، التباين بينهما في مرحلة الجعل والتشريع، فصوم شهر رمضان بما أنه مضاف إلى الشهر مورد الامر، وهو قيد له يوجب تمييزه عن غيره، كالظهرية والعصرية. نعم، ربما لا يكون القيد - بحسب مرحلة الامتثال - واجب التحصيل إذا اقتضت القرينة ذلك، فالخصوصية لازمة جعلا، وغير لازمة أحيانا امتثالا، ومن القرينة الاجماع والشهرة، وعدم وقوع غيره فيه على الاطلاق، ووقوع غيره فيه، منه حال الجهل والنسيان، مع أن المكلف قصد الخلاف. ولو نوقش في ذلك - كما سيمر عليك أحيانا (1) - لكان لنا استظهار كفاية ذلك من الكتاب، لقوله تعالى: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) (2) فإن الشهر مفعول به، فلابد أن يكفي نفس الطبيعة في مرحلة الامتثال، ولو كانت مقيدة عقلا بحسب مرحلة الجعل والثبوت. قوله مد ظله: ناسيا له، صح. على المعروف بينهم المحكي عليه الاجماعات الكثيرة (3)، وقد اشير


1 - يأتي في الصفحة 190 - 193. 2 - البقرة (2): 185. 3 - مدارك الاحكام 6: 31، جواهر الكلام 16: 205، مستمسك العروة الوثقى 8: 201، مهذب الاحكام 10: 17.

[ 177 ]

[ بخلاف العالم به، فإنه لا يقع لواحد منهما. ] إلى أن قضية القواعد فيما يستفاد من الادلة، هو الاجتزاء أيضا، لان صوم رمضان غير متلون بلون الخصوصية إلا في مرحلة الجعل - على وجه لا يلزم في مرحلة الامتثال مراعاته فعليه يصح عن رمضان، ويقع عنه. ويشهد لخصوص صورة الجهل معتبر سماعة، قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام): رجل صام يوما - إلى أن قال (عليه السلام): وإنما ينوي من الليلة أنه يصوم من شعبان، فإن كان شهر رمضان أجزأ عنه، بتفضل الله تعالى، وبما قد وسع على عباده، ولولا ذلك لهلك الناس (1). ولا يبعد استفادة صورة النسيان منه، لاجل ما في ذيله إلا أنه ظاهر في الحكمة، لا العلة. ثم إن مقتضى عدم صالحية شهر رمضان لصوم غيره أيضا هي الصحة، وسيمر عليك تحقيقه (2)، وكان ينبغي التعرض لتلك المسألة أولا، ثم لفروعها، وتأتي إن شاء الله تعالى مناقشتنا في عدم صالحيته، فانتظر حتى حين. قوله مد ظله: لواحد منهما. أما عن رمضان فهو مختار جمع كالحلي، والشهيدين، بل والكركي،


1 - الكافي 4: 82 / 6، تهذيب الاحكام 4: 182 / 508، وسائل الشيعة 10: 21، كتاب الصوم، أبواب وجوب الصوم ونيته، الباب 5، الحديث 4. 2 - يأتي في الصفحة 190 - 193.

[ 178 ]

[..... ] والمدارك (1) وأما عن نفسه فلما سيمر عليك من عدم صلاحية رمضان لصوم غيره (2)، المدعى عليه الاجماع (3) والضرورة (4). ويحتمل وقوعه عنهما، لان المقيد يوجب سقوط أمره والامر المتعلق بالمطلق، لا بمعنى تعلقه به في مرحلة التشريع والجعل، فإنه محال وممتنع، بل بالمعنى الذي مر (5) الايماء إليه، فيكون في مرحلة السقوط كافيا قصد الطبيعة القربية، كما يسقط أمر النافلة المطلقة وأمر صلاة التحية بإتيان الصلاة المخصوصة، وهذا هو الاشبه بالقواعد لولا الاجماع، أو الرواية (6). ويحتمل وقوعه عن رمضان، كما هو الظاهر من التذكرة (7)، بل


1 - السرائر 1: 372، الدروس الشرعية 1: 268، مسالك الافهام 2: 12، جامع المقاصد 3: 59، مدارك الاحكام 6: 32. 2 - يأتي في الصفحة 190 - 193. 3 - الدروس الشرعية 1: 268. 4 - جواهر الكلام 16: 203. 5 - تقدم في الصفحة 176. 6 - الكافي 4: 130 - 131 / 1 و 5، وسائل الشيعة 10: 203، كتاب الصوم، أبواب من يصح منه الصوم، الباب 12، الحديث 4 - 5. 7 - تذكرة الفقهاء 6: 10.

[ 179 ]

[..... ] والشرائع (1)، وهو المحكي عن المبسوط (2) والمعتبر (3)، نظرا إلى ما في الخبر السابق، ولما في ذيل خبر الكافي عن الزهري، عن علي بن الحسين (عليه السلام) - في حديث طويل - قال: وصوم يوم الشك أمرنا به ونهينا عنه - إلى أن قال -: فقلت: وكيف يجزي صوم تطوع عن فريضة؟ فقال: لو أن رجلا صام يوما من شهر رمضان تطوعا، وهو لا يعلم أنه من شهر رمضان، ثم علم بذلك لاجزأ عنه، لان الفرض إنما وقع على اليوم بعينه (4) وكون المفروض حال الجهل لا يضر، لعدم اتفاقه حال العلم نوعا وغالبا. ويحتمل وقوعه عن الطبيعة المخصوصة، لاعن رمضان، لان وقوعه عن رمضان بلا وجه، وعلى خلاف القاعدة، وفي موارد وقوعه عنه تكون الرواية الخاصة مقتضية إياه، لاختصاصها بغير صورة العلم، بل المستند هو الاجماع (5)، ومعقده مخصوص بغير صورة العمد، بل فيها الاجماع


1 - شرائع الاسلام 1: 169. 2 - المبسوط 1: 276. 3 - المعتبر 2: 645. 4 - الكافي 4: 83 / 1، وسائل الشيعة 10: 22 كتاب الصوم، أبواب وجوب الصوم ونيته، الباب 5، الحديث 8. 5 - مدارك الاحكام 6: 31، جواهر الكلام 16: 205، مستمسك العروة الوثقى 8: 201.

[ 180 ]

[ ولابد فيما عدى شهر رمضان من التعيين، ] على خلافه (1)، إلا أنه لمكان كونه غير حاك عن الحجة، لما عرفت، فالاقرب ما عرفت، ولا يترك الاحتياط جدا، لان دعوى العلم بعدم سقوط الامرين معا قريبة، فليتدبر. قوله مد ظله: من التعيين. وعليه الاجماعات المحكية عن ابن إدريس (2)، ومعتبر المحقق، ومنتهى العلامة وتذكرته (3) إلا أن المهم في المسألة ما تقتضيه القواعد، وقد تبين امتناع تعدد الامر التأسيسي، إلا في صورة ورود القيد على الطبيعة، حتى تصير متعددة في الاعتبار وفي عالم الجعل واللحاظ، وإذا كان القيد مورد الامر طبعا فلابد من تحصيله، وهو لمكان كونه ذهنيا لا يتحصل إلا في الذهن. هذا، ولكن يجوز عدم اعتبار تحصيله في مرحلة الامتثال، لعدم دخالته في الملاك، بل المولى تشبث به، ليتعدد به الامر التأسيسي، ولا يصير الامر الثاني بحكم التأكيد. وعلى هذا إذا اقتضى دليل في مرحلة الاثبات كفاية مطلق الطبيعة،


1 - مجمع الفائدة والبرهان 5: 155. 2 - السرائر 1: 368 - 371. 3 - المعتبر 2: 644، منتهى المطلب 2: 557 / السطر 25 - 26، تذكرة الفقهاء 6: 9.

[ 181 ]

[ بمعنى القصد إلى صنف الصوم المخصوص، كالكفارة والقضاء ] فهو، وإلا فلابد - حسب الظاهر - من امتثال الامر المتعلق بالطبيعة المقيدة، التي لا توجب سقوطه إلا بعد تحققها بتمام قيودها الخارجية والذهنية. وعلى هذا لابد من التدبر في الامثلة التي ذكرها الماتن، وفي أدلتها حتى يتبين ذلك. قوله مد ظله: كالكفارة. قضية الظاهر من الادلة، لزوم الاتيان بعنوانها إذا كانت هي مأخوذة تحت الامر، ولكن ربما يخطر بالبال اختلاف الكفارات. مثلا: في كفارة الظهار يستظهر وجوب صوم شهرين متتابعين، فإذا أتى بهما فقد امتثل الامر قهرا، لتعلقه بالشهرين المتتابعين ولا يزيد عليه شئ، فعلى هذا ربما تختلف الكفارات. قوله مد ظله: والقضاء. يظهر من صحة الصلاة - مثلا - فيما إذا أخطأ في النية، أن عنوان القضاء والاداء ليس ذا ملاك، بل هو لمجرد تكثير الامر تأسيسا، وتعدد الامر النفسي المستتبع للعقوبة والمثوبة الخاصتين، فعلى هذا يكفي في قضاء الصوم نفس الطبيعة الفارغة مادامت لم تقيد بقيد القضاء، بل قضية القاعدة سقوط الامرين. هذا، ولو كان القضاء بعنوانه مورد الامر، كما هو كذلك في مثل صلاة

[ 182 ]

[ والنذر المطلق، ] الولد الاكبر، أو في الصلاة على القول به، ولكنه في ما نحن فيه مشكل، لظهور الكتاب في جعل عدة أيام اخر (1)، فلو صام كذلك، يقع عن رمضان قهرا، ولاسيما إذا لم يكن عليه شئ من الصيام، ولم يكن قاصدا للندب وللعنوان الخاص، فعنوان قضاء رمضان كأنه غير لازم، فتأمل. قوله مد ظله: المطلق. وهو المشهور المعروف، ويظهر عن موضع من التذكرة ذهاب جمع من العامة إلى الخلاف (2). والمراد من المطلق هو أن لا يكون في زمان خاص، وما لا يكون في زمان خاص، بين ما يكون مطلق الصوم القابل للصدق على الصيام الخاص، أو يكون الصوم المطلق الفارغ عن النية، فيكون فراغه عن النية الخاصة من قيوده، إلا أنه لا يعتبر لحاظه في مرحلة الامتثال، بخلاف الفرض الاول، فإن صومه يصح نذرا ولو كان صوم الكفارة. ثم إن البحث المربوط بالصوم النذري: تارة يدور حول الطبيعة المنذورة، وهو ما اشير إليه، واخرى يدور حول النية والقصد الاتي من قبل النذر، وهذا مشكل تحقيقه جدا، فإن الظاهر من القوم كفاية الاتيان


1 - البقرة (2): 185. 2 - تذكرة الفقهاء 6: 9.

[ 183 ]

[..... ] [ بذات المنذور امتثالا عن أمر النذر (1). وقد خالفهم السيد الماتن - حفظه الله تعالى - وقال: إن الوفاء بالنذر مورد الامر النذري، فلابد من مراعاته، وإلا فلا يسقط أمره، نظرا إلى ظاهر أدلته (2). وحيث إن الالتزام بمقالة المشهور، مورد الشبهة العقلية، ضرورة أن نذر الصلاة الواجبة لو كان موجبا لحدوث الامر الجديد النفسي التأسيسي، فلابد وأن يتعلق بالعنوان الاخر، وإلا فيلزم رجوعه إلى التأكيد، ولا يترتب عليه الحنث، لان الامر النذري موجب للحنث، لا مطلق مخالفة المولى. فبالجملة: مقتضى هذه الشبهة امتناع حدوث الامر الثاني التأسيسي، وحيث إن الالتزام بأن الوفاء واجب، يستلزم كون الوفاء بالعقد أيضا واجبا بعنوانه، مع أنه ليس كذلك، وهكذا الوفاء بالشرط في باب المعاملات، ويستلزم عدم كفاية رد المال المتعلق به النذر إلى المنذور له بلا قصد الوفاء، مع أنه خلاف الفهم العرفي والعقلائي بالضرورة، لانه من قبيل


1 - مستمسك العروة الوثقى 8: 198، مستند العروة الوثقى، كتاب الصوم 1: 190. 2 - العروة الوثقى 1: 186، كتاب الطهارة، في غايات الوضوء، التعليقة 2، مناهج الوصول 1: 167 - 168 و 2: 141، كتاب الطهارة، الامام الخميني (قدس سره) 2: 4.

[ 184 ]

[ بل المعين أيضا على الاقوى. ] رد الوديعة ومال الغير إلى صاحبه، فلابد من اختيار الشق الثالث وهو: أن الوفاء بالنذر والعهد لا يصير واجبا، ولا يحدث بالنذر أمر ولا نهي، بل يحدث به لاجل حكم الشرع استحقاق العقوبة، ولا يعتبر في استحقاق العقوبة على شئ كونه واجبا أو حراما بأصل الشرع، فقد حكم جمع باستحقاق العقوبة في موارد التجري من غير التزامهم بحرمته التشريعية (1)، فليتدبر فإن المسألة تحتاج إليه. قوله مد ظله: على الاقوى. كما هو المعروف المشهور، ويظهر عن الجواهر احتمال كفاية نفس الطبيعة (2). وقيل بكفايته سهوا وغفلة، لا عمدا (3)، كما قيل به في صوم شهر رمضان. والذي يتوهم أنه مستند المسألة هو: أن كل زمان كان صالحا لوقوع الصومين فيه، فلابد فيه من القصد الخاص وإلا فلا (4).


1 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 335 - 340، نهاية الاصول: 410 - 417. 2 - جواهر الكلام 16: 189. 3 - جواهر الكلام 16: 189، مصباح الفقيه 14: 305. 4 - مصباح الفقيه 14: 305.

[ 185 ]

[ ويكفي التعيين الاجمالي، ] وهذا ولو كان صحيحا ثبوتا، ولكنه غير صحيح إثباتا، لعدم الدليل عليه، ولاسيما فيما نحن فيه، فإن يوم الخميس لا يخرج عن الصالحية الوضعية عن تحمل سائر الصيام، إذا كان مورد النذر الخاص، لانه أمر آخر خارج عن حيطة دليل النذر. ولا يقاس ذلك بنذر بذل المال الخاص، مع أنه أيضا غير محرز تحقيقه، فما في الجواهر والمصباح (1) غير راجع إلى المحصل جدا، وتفصيله محرر منا في كتابنا الكبير (2). قوله مد ظله: الاجمالي. بمعنى الاشارة إلى الخصوصية المأخوذة، أو أخذ العنوان على وجه لا ينطبق إلا عليه، لحصول قيد المأمور به الذهني بتلك الطريقة. وأما تميز الامر بذلك، فهو بلا محصل، لان الامر يتميز في نفس الواقع بالخصوصية، ويكون لاجلها مترشحا على حدة. فما قد يقال: إن المنظور من ذلك نفس التمييز ولا أثر آخر ورائه (3)، ر صحيح، لان القيد المأخوذ ربما يكون ذا ملاك ثبوتا، وهو الظاهر إثباتا.


1 - جواهر الكلام 16: 189، مصباح الفقيه 14: 305. 2 - تحريرات في الفقه، كتاب الصوم، الفصل الثالث من الموقف الاول. 3 - مستند العروة الوثقى، كتاب الصوم 1: 16 - 19.

[ 186 ]

[ كما إذا كان ما وجب في ذمته صنفا واحدا، فقصد ما في الذمة فإنه يجزيه. والاظهر عدم اعتبار التعيين في المندوب المطلق، ] قوله مد ظله: ما في الذمة. إنه غير كاف، لانه يجوز أن يكون في ذمته الصوم الاخر، وهو لا يعلم، فلا بد من أخذ العنوان على الوجه الذي لا ينطبق إلا على المأمور به المنجز، وما هو مقصود المكلف حين الامتثال. قوله مد ظله: في المندوب المطلق. خلافا لصريح العروة وغيره (1). والوجه: أن الاوامر، كما عرفت تحتاج في تكثيرها إلى تكثير الطبيعة بالقيود، فيكون كل قيد واردا مورد الامر، فلابد من القصد إليه ولو إجمالا. وأما وجه ما في المتن: ما اشير إليه من أن القيود المأخوذة ربما تكون غير ذات مصلحة، فيكون نفس الطبيعة الفارغة عن كل لون، مورد الملاك بشرط القربة، إلا أن المولى لا يتمكن من إفادة تعدد المطلوب، إلا بهذا الوجه، ولذلك أفتى الكثير منهم بصحة الصلاة الفارغة عن كل نية إلا القربة (2)، ولوقوع صلاة الغفيلة مثلا إذا ترك ونسي خصوصياتها،


1 - العروة الوثقى 2: 6، فصل في النية، المعتبر 2: 644، تذكرة الفقهاء 6: 9. 2 - انظر مسالك الافهام 2: 11، مدارك الاحكام 3: 311.

[ 187 ]

[ فلو نوى صوم غد لله تعالى، صح ووقع ندبا لو كان الزمان صالحا له، وكان الشخص ممن يصح منه التطوع بالصوم، بل وكذا المندوب المعين أيضا إن كان تعينه بالزمان الخاص، كأيام البيض والجمعة والخميس. نعم، في إحراز ثواب الخصوصية يعتبر إحراز ذلك اليوم وقصده. ] صلاة مطلقة، ونافلة، وما ذلك إلا لاجل أن نفس الطبيعة مطلوبة، وإن لا يمكن تعلق الامر بها إلا مقيدا كما عرفت (1). هذا كله بحسب الثبوت، وأما بحسب الاثبات، فربما يستظهر من الدليل دخالة الخصوصية والقيد، فلابد من الاتيان بها كصوم الحاجة في المدينة للمسافر (2). قوله مد ظله: التطوع بالصوم. هذا واضح، وسيمر عليك موارد جواز التطوع، والزمان الصالح له إن شاء الله تعالى. قوله مد ظله: بالزمان الخاص. وذلك أيضا لما عرفت، ولازم ذلك وقوع صوم أيام البيض ولو كان


1 - تقدم في الصفحة 174. 2 - تهذيب الاحكام 4: 232 / 682، المقنعة: 350، النهاية، للطوسي: 162، مدارك الاحكام 6: 150، وسائل الشيعة 10: 202، كتاب الصوم، أبواب من يصح منه الصوم، الباب 12، الحديث 1.

[ 188 ]

[..... ] يقصد صوم الكفارة، لان المنظور وقوع الصوم القربي وهو حاصل، فلو كان الصوم فارغا عن كل خصوصية إلا القربة يقع عن صوم البيض وأمثاله، وهكذا في صورة التقييد، لاجتماع المطلق معه قهرا. اللهم إلا أن يقال بانصراف دليله عن ذلك، ومن هنا يظهر حديث ترتب الثواب، فإنه لا وجه لاختصاصه بصورة القصد بعد إطلاق دليله، بل هو يترتب حتى في صورة قصد الخصوصية الاخرى، وأما بدونها فلا وجه للشك في ترتب الثواب، لانه تابع ما أتى به، وأسقط به أمره الخاص، والمفروض حصول صوم أيام البيض في تلك الصورة، فتأمل فإن لحديث الثواب منهجا آخر.

[ 189 ]

[ مسألة 2: يعتبر في القضاء عن الغير نية النيابة. ] قوله مد ظله: نية النيابة. نظرا إلى أن الامر لا يسقط إلا بذلك، كما لا يكفي مجرد نية النيابة عن الغير الكلي، بل لابد من أن يكون الشخص المنوب عنه متعينا ولو إجمالا. وغير خفي أن لا تعتبر نية النيابة الاصطلاحية، وهو القيام مقام الشخص في الذات، بل يكفي أن يقصد الصوم الذي في ذمة زيد، وأما موارد جواز النيابة، فتطلب عن محله.

[ 190 ]

[ مسألة 3: لا يقع في شهر رمضان صوم غيره، واجبا كان أو ندبا، سواء كان مكلفا بصومه أم لا، كالمسافر ونحوه، بل مع الجهل بكونه رمضانا أو نسيانه، لو نوى فيه صوم غيره يقع عن رمضان كما مر. ] قوله مد ظله: لا يقع. عند أصحابنا (1)، وفي الجواهر: إنه كاد يكون من قطعيات أرباب الشريعة، إن لم يكن من ضرورياتها (2) انتهى. ويستظهر عن مالك، والشافعي في أحد قوليه، وأبي حنيفة لغير المقيم تجويز غيره فيه (3)، لاعتبارهم قصد التعيين في صوم شهر رمضان، فلا يكون حديث لا صالحية لشهر رمضان من قطعيات أرباب الشريعة. وعن المبسوط منعه حال الحضر لا السفر، فراجع (4). وبالجملة: لو كان مستند الاصحاب والشهرة، الخبرين المرويين في الباب الثاني عشر (5)، الضعيف سند أحدهما قطعا، والاخر عند القاطبة إلا


1 - مدارك الاحكام 6: 30 - 31، مستند الشيعة 10: 181، مستمسك العروة الوثقى 8: 201 - 204. 2 - جواهر الكلام 16: 203. 3 - تذكرة الفقهاء 6: 8، المغني 3: 27 - 28، المجموع 6: 294 و 302. 4 - المبسوط 1: 276 - 277، مختلف الشيعة 3: 378. 5 - وسائل الشيعة 10: 203، كتاب الصوم، أبواب من يصح منه الصوم، الباب 12، الحديث 4 و 5.

[ 191 ]

[..... ] نحن، حيث اتخذنا سبيلا خاصا (1)، فللاشكال في الحكم وجه، لان الانجبار ولو لم يكن قطعا، لاجل أن المستند إن كان الخبرين فهو، وإن لم يكن ذلك الخبرين، فلا بد من وجود حجة عندهم على الوجه المحرر، ولكن احتمال كونه الخبرين بعد قصور دلالتهما، يكفي لعدم تمامية السند لفتوى المشهور. وأما ضعف دلالتهما، فلان ما رواه فيه مرسلا، قال، قال: خرج أبو عبد الله (عليه السلام) من المدينة في أيام بقين من شهر شعبان، فكان يصوم، ثم دخل عليه شهر رمضان، وهو في السفر فأفطر فقيل له: أتصوم شهر شعبان، وتفطر شهر رمضان؟ فقال: نعم شعبان إلي، إن شئت صمت، وإن شئت لا، وشهر رمضان عزم من الله تعالى على الافطار (2). والخبر مضافا إلى دلالته على جواز الصوم في السفر، وهو غير مفتى به، لا يدل على عدم صالحية الشهر للحاضر، الذي يجوز له ترك صوم الشهر، كالشيخ والشيخة وغير ذلك. وفي المرسل الثاني، قال: كنت مع أبي عبد الله (عليه السلام) فيما بين مكة


1 - لاحظ تحريرات في الفقه، كتاب الصوم، الفصل الرابع من الموقف الاول. 2 - الكافي 4: 130 / 1، وسائل الشيعة 10: 203، كتاب الصوم، أبواب من يصح منه الصوم، الباب 12، الحديث 4.

[ 192 ]

[..... ] والمدينة في شعبان، وهو صائم، ثم رأينا هلال شهر رمضان، فأفطر، فقلت له: جعلت فداك أمس كان من شعبان، وأنت صائم، واليوم من شهر رمضان، وأنت مفطر؟! فقال: إن ذلك تطوع، ولنا أن نفعل ما شئنا، وهذا فرض، فليس لنا أن نفعل إلا ما امرنا (1). وهذا الخبر كأنه الخبر السابق، ولاسيما مع وحدة الراوي. وبالجملة: ظاهر الخبرين أن النظر إلى الكتاب، وأنه تعالى قال (فمن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر) (2) وأن الصوم على إطلاقه يكون كذلك، وأما الحاضر، فحكمه مسكوت عنه، فلو بنى على العصيان، فصام بعنوان آخر، فربما يمكن تصحيحه على الترتب، على التقريب الذي أبدعناه (3)، دون الترتب المصطلح عليه (4). وهكذا في موارد الرخصة، كما اشير إليه، فالاحوط الذي لا يترك ما ذهب إليه المشهور المفروغ عنه في كلماتهم، وهي الحجة،


1 - الكافي 4: 131 / 5، وسائل الشيعة 10: 203، كتاب الصوم، أبواب من يصح منه الصوم، الباب 12، الحديث 5. 2 - البقرة (2): 185. 3 - تحريرات في الاصول 3: 344 - 350 و 512 - 515. 4 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 336، درر الفوائد، المحقق الحائري: 140 - 145.

[ 193 ]

[..... ] لان قصور الخبرين عن إطلاق معقد الاجماع، يشهد على أنهما ليسا مورد الاستناد. واحتمال كونهما السند، بضميمة اجتهادهم وفهمهم عدم الخصوصية، وإن كان موجودا، ولكنه بعيد، فليتدبر جيدا.

[ 194 ]

[ مسألة 4: الاقوى أنه لا محل للنية شرعا في الواجب المعين، رمضانا كان أو غيره، بل المعيار حصول الصوم عن عزم وقصد باق في النفس، ولو ذهل عنه بنوم أو غيره. ولا فرق في حدوث هذا العزم بين كونه مقارنا لطلوع الفجر أو قبله، ] قوله مد ظله: لا محل للنية شرعا. كان الاولى أن يقال: لا يجوز في الواجب المعين لغير ذوي الاعذار، تأخير النية عن طلوع الفجر، ضرورة أنه محل للنية، وهو قبل طلوع الفجر لطائفة خاصة تأتي (1). قوله مد ظله: مقارنا أو قبله. فلا يصح لو حصلت بعده بالاختيار حال التوجه والعلم، إجماعا محكيا (2)، وشهرة معتدا بها (3). وهو المعروف بين المخالفين، إلا عن أبي حنيفة (4). وفي أصحابنا من اختار التوسعة إلى الزوال كالسيد (5)، وإلى ما


1 - تأتي في الصفحة 198. 2 - الحدائق الناضرة 13: 47، مهذب الاحكام 10: 28. 3 - تذكرة الفقهاء 6: 10، مدارك الاحكام 6: 39، جواهر الكلام 16: 194. 4 - تذكرة الفقهاء 6: 11، المغني 3: 22، المجموع 6: 301 / السطر 9 - 11. 5 - الانتصار: 60، رسائل الشريف المرتضى 3: 53.

[ 195 ]

[..... ] قبل الغروب كابن الجنيد (1). وقد حكي عن ابن أبي عقيل لزوم التقديم ليلا (2). وحيث إن قضية القواعد أن مطلق الامساك وترك المفطرات بين الحدين، ليس من الصوم اللغوي والشرعي بالضرورة، فلابد من اقترانه بالقصد، فإنه به يصير صوما، وإلا فيلزم أن يمتد وقت الصوم من الليل إلى الليل، لو ترك المفطرات اتفاقا، فتركها بين الحدين لا يصير صوما إلا باقترانه بالقصد. وأما توسعة الشرع في الواجب غير المعين مثلا إلى الزوال، وفي المندوب إلى ما قبل الغروب، فلا يوجب توهم السيد وابن الجنيد، أن طبيعة الصوم تكون هكذا، لانه توسعة لاجل المصالح، ولا يعقل أن يصير الصوم المقرون بالقصد أثناء النهار، صوما من أول الفجر، إلا باعتبار الاثر الخاص. وتوهم أن الامساك بين الحدين إذا اقترن جزء منه بالنية يعد من الصوم تمام النهار، لكفاية توصيف العام المجموعي بتوصيف بعضه (3)،


1 - مختلف الشيعة 3: 365 و 367. 2 - مختلف الشيعة 3: 365 و 367، جواهر الكلام 16: 193. 3 - المبسوط، للسرخسي 3: 162 / السطر 3 - 5، ولاحظ مصباح الفقيه 14: 309.

[ 196 ]

[..... ] فهو موهون ومحمول على المجاز لا الحقيقة. ولازم ذلك جواز أن ينوي، ثم ينصرف، ثم ينوي وهكذا، بل يلزم كفاية جزء من النهار منويا، عن الصوم إلى آخره ولو كان ذلك الجزء أول الطلوع. فبالجملة: ماهية الصوم ومفهومه تأبى عن التوسعة، ويصير صوما من حين القصد، ولا يوصف الامساك المطلق قبلها بصوم، كما لا يوصف الامساك بين الحدين به بالضرورة. هذا، وإذا كان المفهوم كذلك، فلا وجه للتشبث بحديث عبادية الصوم (1)، وأنه لابد وأن تكون أجزاؤه عبادة، وهي لا تقع إلا مع القصد حتى يناقش فيه (2)، فإنه بعيد عن الصواب، ضرورة أنه نوع عبادة خاصة، لا يتحمله الذوق، ولا يقبل أن يكون نائما من قبل الطلوع إلى الغروب جنبا، ويكون عابدا زاهدا مسلما، فلا تخلط. وبالجملة: هذا هو الاصل، وسيمر عليك مواضع الخروج عنه، ويجوز دعوى استفادة توسعة الشرع في ظرف النية إلى ما قبل الزوال، حتى في الواجب المعين مطلقا، ولكن قضية النصوص الواردة هي


1 - مستند الشيعة 10: 203، مصباح الفقيه 14: 309، مستمسك العروة الوثقى 8: 212. 2 - مستمسك العروة الوثقى 8: 212.

[ 197 ]

[..... ] التوسعة في غير الواجب المعين (1)، كما أن مقتضى تلك النصوص الاتية، فساد القول بالتوسعة إلى ما بعد الوقت، لما يستفاد منها مفروغية عدم التوسعة في المعين، ولاسيما شهر رمضان. وأما القول المنسوب إلى ابن أبي عقيل (2)، فهو مضافا إلى عدم ثبوته، لان المحكي عنه ظاهر في توسعته في ظرف النية، كما هو الجائز بالضرورة، كما أنه يظهر منه عدم اختصاص التوسعة في خصوص الواجب المعين، أنه لو سلمنا صحة النسبة فهي بلا مستند إلا بعض


1 - عن عمار الساباطي عن أبي عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يكون عليه أيام من شهر رمضان ويريد أن يقضيها، متى يريد أن ينوي الصيام؟ قال: هو بالخيار إلى أن تزول الشمس، فإذا زالت الشمس فإن كان نوى الصوم فليصم، وإن كان ينوي الافطار فليفطر، سئل: فإن كان نوى الافطار يستقيم أن ينوي الصوم بعدما زالت الشمس؟ قال: لا... الحديث. تهذيب الاحكام 4: 280 / 847، وسائل الشيعة 10: 13، كتاب الصوم، أبواب وجوب الصوم ونيته، الباب 2، الحديث 10. عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت له: الرجل يصبح لا ينوي الصوم فإذا تعالى النهار حدث له رأي في الصوم؟ فقال: إن هو نوى الصوم قبل أن تزول الشمس حسب له يومه، وإن نواه بعد الزوال حسب له من الوقت الذي نوى. تهذيب الاحكام 4: 188 / 532، وسائل الشيعة 10: 12، كتاب الصوم، أبواب وجوب الصوم ونيته، الباب 2، الحديث 8. 2 - تقدم في الصفحة 195، الرقم: 2.

[ 198 ]

[ ولا بين حدوثه في ليلة اليوم الذي يريد صومه أو قبلها، ] المراسيل (1) الشائعة في الكتب الاستدلالية (2). قوله مد ظله: أو قبلها. لان النية الارتكازية كما تكون كافية في أثناء النهار وهو نائم، كذلك عند الطلوع، ولزوم الخطور في الابتداء دون الاثناء، لقيام الضرورة على عدم اعتباره في الاثناء، مبني على ما تحرر فساده في محله (3). وغير خفي: أن النائم الباني على الصوم، له الارتكاز النفساني على ترك المفطرات، وربما يجتنب عنها حال النوم وفي النوم، فليس الكفاية حكمية، بل هي موضوعية أيضا إلا أنها إجمالية ارتكازية، مع أن الذهول والغفلة المطلقة لا يضر، ولو كان لو اتفق، لا يترك المفطر، اللهم إلا أن يقال بأنه لا يخلو عن إشكال.


1 - عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، أنه قال: لا صيام لمن لا يبيت الصيام من الليل. عوالي اللئالي 3: 132 / 5، مستدرك الوسائل 7: 316، كتاب الصيام، أبواب وجوب الصوم ونيته، الباب 2، الحديث 1. 2 - المعتبر 2: 646، تذكرة الفقهاء 6: 16، مستمسك العروة الوثقى 8: 213. 3 - تحريرات في الفقه، كتاب الصوم، الفصل الثاني عشر من الموقف الاول.

[ 199 ]

[ فلو عزم على صوم الغد من اليوم الماضي، ونام على هذا العزم إلى آخر النهار، صح على الاصح. نعم، لو فاتته النية لعذر، كنسيان أو غفلة أو جهل بكونه رمضانا أو مرض أو سفر، فزال عذره قبل الزوال، يمتد وقتها شرعا إلى الزوال، ] قوله مد ظله: على الاصح. هذا في غير الصورة التي كان صائما في اليوم السابق، وإلا فتكون المسألة مندرجة في صوم الوصال الاتي. قوله مد ظله: يمتد وقتها. قد اشير (1) إلى أن قضية القاعدة عدم إمكان تحقق الصوم بالنية اللاحقة، لان مفهوم الصوم مأخوذ فيه الامساك وهو لا يتحقق إلا بالقصد. وتوسعة الشرع إجمالا في مورد، لا يكفي حتى في ذلك المورد، لصيرورة الصوم صوما من أول الفجر، فعليه لابد من الدليل للخروج منه، من إجماع، أو نص، وإلا فيقتصر على موردها، فخروج جميع الحالات والاعذار، بالنسبة إلى مطلق الصوم، لا يمكن إثباته كما سيظهر. نعم، لو قلنا بأن الصوم هو ترك المفطرات، كما قويناه سالفا (2)، وليس


1 - تقدم في الصفحة 194 - 196. 2 - تحريرات في الفقه، كتاب الصوم، الجهة الثانية من المقدمة، والجهة الاولى من الفصل الحادي عشر.

[ 200 ]

[..... ] معنى قصديا في مفهومه اللغوي، ولا في مفهومه المنصرف إليه شرعا، فيجوز تصحيح الصوم في مطلق الصور بطرو النية ولو في آخر الوقت، عليه، ولحوقها به، لان ترك المفطرات بين الحدين حاصل، والاقتران بالنية في الجملة، الذي هو لازم بالضرورة، أيضا متحقق، فلا حاجة إلى الادلة الخاصة. وهنا وجه آخر وهو: أن الصوم ولو كان بماهيته الامساك المتقوم بالقصد، إلا أن من توسعة الشرع في الصيام المستحب وفي الواجب غير المعين، إلى الزوال ليكشف تصرفه فيه جوهريا، وهكذا في موارد خاصة كالمسافر الجائي إلى وطنه وغير ذلك، فإن من المجموع يحصل الوثوق، بأن الصوم عند الشرع هو الترك المقرون بالنية في برهة من زمانه. نعم، فيما بعد الزوال لا تكفي النية اللاحقة به، في مثل الصوم الواجب، وهكذا في المعين إذا كان عن عمد. وبالجملة: يؤيد الوجه الاخير أن الضرورة قاضية بجواز السفر قبل الزوال، ولازم ذلك جواز كون المكلف بانيا على ارتكاب المفطرات، بعد التجاوز عن حد الترخيص، والضرورة قاضية بجواز العود من تلك النية، والبناء على البقاء في محله، وعلى هذا كيف تكون نية الصوم غير موسعة إلى الزوال حتى للعامد، ولو كان الصوم هو المعنى المتقوم بالامساك القصدي، لا يمكن تجويز الامر المذكور، كما يأتي بتفصيل.

[ 201 ]

[...... ] فمن هنا يستكشف أن الصوم فيما يستقر، وهو بعد الزوال، لا يمتد وقته إلى ما بعده، وأما إذا كان غير مستقر على المكلف القاصد للاكل في مكان كذا، فيكون موسع الوقت، ولولا مخافة مخالفة الاجماع، لكان تجويز تأخير القصد لغير العازم على السفر، في محله. وتوهم أن الفرق بين القصد إلى ارتكاب المفطر في هذا المكان دون ذاك المكان، يكفي لتحقق مفهوم الصوم (1)، ناشئ عن ملاحظة الحكم الشرعي، وإلا فعند اللغة والعرف، من كان عازما على الاكل عند زيد دون عمر، لا يكون صائما وممسكا بالمعنى المعهود عنه بحسب اللغة، وبحسب المتفاهم منه عرفا. مع أن دعوى اختصاص الحكم بالمسافر، وفي موارد الجهل للاجماع وبعض الا خبار الخاصة (2) غير صحيحة، لان في الاحكام الوضعية يستفاد المعنى الوضعي المشترك، كما في باب النجاسات والنواقض، فليتدبر.


1 - مستمسك العروة الوثقى 8: 214. 2 - إن ليلة الشك أصبح الناس فجاء أعرابي فشهد برؤية الهلال، فأمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مناديا ينادي: من لم يأكل فليصم، ومن أكل فليمسك. المعتبر 2: 646، المبسوط، للسرخسي 3: 62 / السطر 13 - 17.

[ 202 ]

[ لو لم يتناول المفطر، فإذا زالت الشمس فات محلها. ] قوله مد ظله: لو لم يتناول. بلا شائبة خلاف من أحد، لانه ليس بصائم بجميع معانيه، وهو مقتضى طائفة من الاخبار المنتشرة الاتية، ومنها حديث مجئ الاعرابي، الذي تمسك به في هذه المسألة خصوصا. قوله مد ظله: فات محلها. إجماعا قويا، لم يحك الخلاف فيه إلا عن ابن الجنيد (1)، ويكفي للحكم هنا فوت محلها في الواجب غير المعين، حسب النصوص الاتية (2)، فإن الاولوية واضحة، ومفروغية الحكم عند السائل والمجيب، مستفادة عن تلك الاخبار، ولاجل احتمال كون المجمعين مستندين إلى تلك الاخبار، فيكون في البين اجتهاد، يمكن المناقشة أولا في الاجماع، وثانيا في تلك الاولوية. اللهم إلا أن يقال: مقتضى ما ورد في المسافر القادم في شهر رمضان (3) أيضا، بطلان وقت النية في الواجب المعين بإلغاء الخصوصية، ولما


1 - مختلف الشيعة 3: 365 و 367. 2 - يأتي في الصفحة 204، الرقم 3 و 4. 3 - تهذيب الاحكام 4: 255 / 754 و 327 / 1020، وسائل الشيعة 10: 191 كتاب الصوم، أبواب من يصح منه الصوم، الباب 7، الحديث 6 و 7.

[ 203 ]

[ نعم، في جريان الحكم في مطلق الاعذار إشكال، بل في المرض لا يخلو من إشكال وإن لا يخلو من قرب. ] اشير إليه. قوله مد ظله: مطلق الاعذار. مضى وجهه، وما فيه (1)، وأما في خصوص المرض، فلاختصاص نصوص المسألة بالجاهل والمسافر، واختصاص حديث الرفع (2) على فرض صحة الاستناد إليه في أمثال المقام، بالناسي والجاهل بالحكم والموضوع والغافل، ولا نص في خصوص المريض. ولكن المهم قصور تلك الادلة، إلا ما ورد في المسافر، عن إثبات التفكيك، وقد عرفت وجه اشتراك الحكم في جميع الاعذار بما لا مزيد عليه.


1 - تقدم في الصفحة 200. 2 - الخصال: 417 / 9، التوحيد: 353 / 24، وسائل الشيعة 15: 369، كتاب الجهاد، أبواب جهاد النفس، الباب 56، الحديث 1.

[ 204 ]

[ ويمتد محلها اختيارا في غير المعين إلى الزوال، ] قوله مد ظله: إلى الزوال. إجماعا قطعيا (1)، معتضدا بالاخبار الكثيرة الصريحة (2)، أو المنصرفة إلى الواجب المعين، وتأتي من ذي قبل الاشارة إليها. ويحتمل اختصاص الحكم بالقضاء، أو النذر دون مطلق الواجب غير المعين، ولكنه غفلة عن مآثير المسألة المطلقة، الناطقة بكفاية النية قبل الزوال. ففي معتبر هشام بن سالم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت له: الرجل يصبح ولا ينوي الصوم، فإذا تعالى النهار حدث له رأي في الصوم؟ فقال (عليه السلام): إن هو نوى الصوم قبل أن تزول الشمس، حسب له يومه، وإن نواه بعد الزوال، حسب له من الوقت الذي نوى (3). ومثله خبر ابن بكير (4)، ومعتبر الحلبي، عن أبي عبد الله (عليه السلام) أن رجلا


1 - مدارك الاحكام 6: 22، مستند الشيعة 10: 212، مستمسك العروة الوثقى 8: 215. 2 - وسائل الشيعة 10: 10 - 14، كتاب الصوم، أبواب وجوب الصوم ونيته، الباب 2. 3 - تهذيب الاحكام 4: 188 / 532، وسائل الشيعة 10: 12، كتاب الصوم، أبواب وجوب الصوم ونيته، الباب 2، الحديث 8. 4 - عن ابن بكير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سئل عن رجل طلعت عليه الشمس وهو جنب ثم أراد الصيام بعدما اغتسل ومضى ما مضى من النهار؟ قال: يصوم إن شاء، وهو بالخيار إلى نصف النهار. تهذيب الاحكام 4: 322 / 989، وسائل الشيعة 10: 68، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 20، الحديث 3.

[ 205 ]

[ دون ما بعده، فلو أصبح ناويا للافطار ولم يتناول مفطرا، فبدا له قبل الزوال أن يصوم قضاء شهر رمضان، أو كفارة أو نذرا مطلقا، جاز وصح، دون ما بعده، ] أراد أن يصوم ارتفاع النهار، أيصوم؟ فقال (عليه السلام): نعم (1) وغير ذلك من المطلقات السكوتية، الحاصلة من ترك الاستفصال تقية. قوله مد ظله: دون ما بعده. على الاقوى المدعى عليه الاجماع (2)، وأما المحكي عن ابن الجنيد (3) هنا حسب إطلاق كلامه، فهو مختار الكاشاني والسبزواري (4)، وهو مورد تمايل بعض المتأخرين (5) لبعض الاطلاقات السابقة، المعتضد بمعتبر ابن الحجاج، قال: سألت أبا الحسن موسى (عليه السلام) عن الرجل يصبح، ولم يطعم ولم يشرب، ولم ينو صوما، وكان عليه يوم من شهر رمضان، أله أن يصوم ذلك اليوم وقد ذهب عامة النهار؟ فقال: نعم،


1 - الكافي 4: 121 / 1، وسائل الشيعة 10: 10، كتاب الصوم، أبواب وجوب الصوم ونيته، الباب 2، الحديث 1. 2 - الانتصار: 60، كتاب الصوم، الشيخ الانصاري: 108 و 111. 3 - مختلف الشيعة 3: 365. 4 - مفاتيح الشرائع 1: 244، ذخيرة المعاد: 514 / السطر 27. 5 - مصباح الفقيه 14: 317.

[ 206 ]

[...... ] له أن يصومه، ويعتد به من شهر رمضان (1) بعد ظهور عامة النهار في الاكثر. ومرسل البزنطي، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت له: الرجل يكون عليه القضاء من شهر رمضان، ويصبح فلا يأكل إلى العصر، أيجوز له أن يجعله قضاء من شهر رمضان؟ قال: نعم (2). وحيث إن تلك الاطلاقات، مقيدة بمعتبر عمار الساباطي (3) الصريح في عدم الجواز، تبقى المعارضة التوهمية بينه وبين الخبرين اللذين لاسند للثاني، ولا دلالة للاول، وعلى تقدير تمامية سند الثاني، تكون مهجورة معرضا عنها.


1 - تهذيب الاحكام 4: 187 / 526، وسائل الشيعة 10: 11، كتاب الصوم، أبواب وجوب الصوم ونيته، الباب 2، الحديث 6. 2 - تهذيب الاحكام 4: 188 / 529، الاستبصار 2: 118 / 385، وسائل الشيعة 10: 12 كتاب الصوم، أبواب وجوب الصوم ونيته، الباب 2، الحديث 9. 3 - عن عمار الساباطي، عن أبي عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يكون عليه أيام من شهر رمضان ويريد أن يقضيها، متى يريد أن ينوي الصيام؟ قال: هو بالخيار إلى أن تزول الشمس، فإذا زالت الشمس فإن كان نوى الصوم فليصم، وإن كان ينوي الافطار فليفطر، سئل: فإن كان نوى الافطار يستقيم أن ينوي الصوم بعدما زالت الشمس؟ قال: لا... الحديث. تهذيب الاحكام 4: 280 / 847، وسائل الشيعة 10: 13 كتاب الصوم، أبواب وجوب الصوم ونيته، الباب 2، الحديث 10.

[ 207 ]

[...... ] وكون المراد من عامة النهار هو المقدار الكثير جائز، وعلى تقدير المعارضة يتعين الاخذ بما يدل على عدم الجواز، لانه موافق الشهرة، وتعضده النصوص الواردة في السفر (1)، الناطقة بالافطار لزوما. ففي معتبر سماعة، قال: سألته عن الرجل، كيف يصنع إذا أراد السفر - إلى أن قال: إن قدم بعد زوال الشمس أفطر، ولا يأكل ظاهرا (2)، والقول بالتفكيك (3) بين أقسام الواجب الغير المعين ولو أمكن، ولكنه خلاف ما بنينا عليه فيما سبق (4)، من ظهور الاخبار في المسائل الوضعية إلى اشتراك الحكم في الامثال والنظائر، مع أنه لم ينقل القول بالتفصيل في مثل المسألة. ومن الغريب توهم الجمع بين خبري ابن الحجاج والساباطي باستحباب الافطار (5)، ضرورة أن الامر بالافطار إرشاد إلى بطلان الصوم حسب الاصل، ولا يساعده المقام لاستحباب الافطار نفسيا، وذلك كله


1 - وسائل الشيعة 10: 189 - 191، كتاب الصوم، أبواب من يصح منه الصوم، الباب 6. 2 - تهذيب الاحكام 4: 327 / 1020، وسائل الشيعة 10: 191، كتاب الصوم، أبواب من يصح منه الصوم، الباب 6، الحديث 7. 3 - مسالك الافهام 2: 9. 4 - تقدم في الصفحة 202. 5 - مستمسك العروة الوثقى 8: 217.

[ 208 ]

[ ومحلها في المندوب يمتد إلى أن يبقى من الغروب زمان يمكن تجديدها فيه. ] لقوله (عليه السلام) فيه فإن كان نوى الصوم فليصم، وإن كان ينوي الافطار فليفطر. سئل فإن كان نوى الافطار، يستقيم أن ينوي الصوم بعد ما زالت الشمس؟ قال (عليه السلام): لا (1) فإنه كالنص في سلب القابلية. قوله مد ظله: يمكن تجديدها. إجماعا محكيا (2) عن الانتصار والغنية والسرائر (3) وهو المحكي عن الصدوق، والاسكافي، والسيد، والشيخ، والعلامة، والشهيدين (4) وأضرابهم (5). ومن الغريب ما عن المسالك والمدارك من نسبة الخلاف إلى


1 - تهذيب الاحكام 4: 280 / 847، الاستبصار 2: 121 / 394، وسائل الشيعة 10: 13 كتاب الصوم، أبواب وجوب الصوم ونيته، الباب 2، الحديث 10. 2 - جواهر الكلام 16: 196، مستمسك العروة الوثقى 8: 217. 3 - الانتصار: 60، الغنية، ضمن الجوامع الفقهية: 570 / السطر 35 - 37، السرائر 1: 373. 4 - الفقيه 2: 97 / 11، حكاه عن الاسكافي في مختلف الشيعة 3: 367، رسائل الشريف المرتضى 3: 54، المبسوط 1: 278، منتهى المطلب 2: 559 / السطر 22، الدروس الشرعية 1: 266، الروضة البهية 1: 193 / السطر 9. 5 - الوسيلة: 140، المعتبر 2: 648، الحدائق الناضرة 13: 26.

[ 209 ]

[...... ] المشهور (1)، وعن الذخيرة إلى الاكثر (2)، فقالوا بالامتداد إلى الزوال، فلا فرق بينه وبين الغير المعين من الواجب، وهذه النسبة غير واضحة جدا. وعلى كل، المعول هي الروايات، وهي بين ما تدل على الامتداد إلى ما بعد الزوال بإطلاقه، كمعتبر محمد بن قيس، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إذا لم يفرض الرجل على نفسه صياما، ثم ذكر الصيام قبل أن يطعم طعاما أو يشرب شرابا، ولم يفطر، فهو بالخيار إن شاء صام، وإن شاء أفطر (3). وبين ما هو ظاهر في الاختصاص به، كمعتبر هشام بن سالم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يدخل إلى أهله فيقول: عندكم شئ وإلا صمت؟ فإن كان عندهم شئ أتوه به وإلا صام (4). وحيث يستبعد كون صومه غير الصوم الندب، فيكون مختصا به


1 - مسالك الافهام 2: 9، مدارك الاحكام 6: 25. 2 - ذخيرة المعاد: 514 / السطر 18 و 27. 3 - تهذيب الاحكام 4: 187 / 525، وسائل الشيعة 10: 11، كتاب الصوم، أبواب وجوب الصوم ونيته، الباب 2، الحديث 5. 4 - تهذيب الاحكام 4: 188 / 531، وسائل الشيعة 10: 12، كتاب الصوم، أبواب وجوب الصوم ونيته، الباب، الحديث 7.

[ 210 ]

[...... ] فلا تغفل، ومن هذا القسم خبر أبي بصير، بل معتبره (1). وبين ما يدل بإطلاقه على اختصاص السعة إلى الزوال، كخبر هشام بن سالم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت له: الرجل يصبح ولا ينوي الصوم، فإذا تعالى النهار، حدث له رأي في الصوم، فقال: إن هو نوى الصوم قبل أن تزول الشمس، حسب له يومه، وإن نواه بعد الزوال، حسب له من الوقت الذي نوى (2). ومعتبر ابن بكير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سئل عن رجل طلعت عليه الشمس، وهو جنب، ثم أراد الصيام بعد ما اغتسل، ومضى ما مضى من النهار، قال: يصوم إن شاء، وهو بالخيار إلى نصف النهار (3). هذا والجمع بين المطلقين المتباينين، بالصريح في التوسعة إلى


1 - عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الصائم المتطوع تعرض له الحاجة؟ قال: هو بالخيار ما بينه وبين العصر، وإن مكث حتى العصر ثم بدا له أن يصوم وإن لم يكن نوى ذلك فله أن يصوم ذلك اليوم إن شاء. الكافي 4: 122 / 2، تهذيب الاحكام 4: 186 / 521، وسائل الشيعة 10: 14، كتاب الصوم، أبواب وجوب الصوم ونيته، الباب 3، الحديث 1. 2 - تهذيب الاحكام 4: 188 / 532، وسائل الشيعة 10: 12، كتاب الصوم، أبواب وجوب الصوم ونيته، الباب 2، الحديث 8. 3 - تهذيب الاحكام 4: 322 / 989، وسائل الشيعة 10: 68، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 20، الحديث 3.

[ 211 ]

[...... ] ما بعد الزوال، جمع مقبول عند القوم، فالنسبة تنقلب قهرا، ولو نوقش فيه فلازمه السقوط إن لم يكن مرجح، والشهرة ترجح الطائفة الاولى، ولو وصلت النوبة إلى التخيير بينهما، فالقول قول المشهور أيضا، كما هو الظاهر.

[ 212 ]

[ مسألة 5: يوم الشك في أنه من شعبان أو رمضان، يبنى على أنه من شعبان، فلا يجب صومه. ] قوله مد ظله: يبنى. لا أثر له، بل يكفي نفس الشك في أن الغد من شهر رمضان لاستحباب صومه مثلا. نعم، لو كان له الاثر الخاص فلا بأس به. قوله مد ظله: فلا يجب صومه. بلا شبهة. نعم، عن بعضهم القول بالحرمة (1)، وعن المفيد كراهته (2)، وهي محمولة على صورة خاصة، كما هو ظاهر عبارته المحكية عنه، وعلى كل تقدير، المراد منها، هي الكراهة في باب العبادات. اللهم إلا أن يقال: إن مقتضى طائفة من الاخبار (3) ممنوعية صوم يوم الشك، وقضية إطلاقه عدم الفرق بين أن يصوم بنية شعبان أو رمضان. ولكن هناك نصوص اخر، صريحة في جواز الصوم على أنه


1 - الحدائق الناضرة 13: 41، الفقه على مذاهب الاربعة 1: 553. 2 - المقنعة: 298، البيان: 362. 3 - تهذيب الاحكام 4: 183 / 509 - 510، وسائل الشيعة 10: 25 - 29، كتاب الصوم، أبواب وجوب الصوم ونيته، الباب 6.

[ 213 ]

[ ولو صامه بنية أنه من شعبان ندبا، أجزأه عن رمضان لو بان أنه منه. وكذا لو صامه بنية أنه منه قضاء أو نذرا أجزأه لو صادفه، ] شعبان (1)، فتحمل تلك الاخبار على الصوم بعنوان رمضان، أو على كراهته وأقلية الثواب دون الحرمة. وأما الخبر الناهي عن الصوم في اليوم الذي يشك فيه (2)، فربما يكون ناظرا إلى إجراء الاستصحاب الحاكم بعدم الشك تعبدا. قوله مد ظله: ندبا أجزأه. بالضرورة، وهذا هو المصرح به في النصوص (3) المعتضدة بالاجماعات القطعية (4). قوله مد ظله: أجزأه لو صادفه. حسب القواعد، ضرورة أن صوم رمضان لا لون له، فقد وقع الفرض


1 - وسائل الشيعة 10: 26 كتاب الصوم، أبواب وجوب الصوم ونيته، الباب 6، الحديث 4، و 10: 21 - 22، كتاب الصوم، أبواب وجوب الصوم ونيته، الباب 5، الحديث 4 و 8. 2 - تهذيب الاحكام 4: 183 / 509 - 510، وسائل الشيعة 10: 25 - 26، كتاب الصوم، أبواب وجوب الصوم ونيته، الباب 6، الحديث 2 و 3. 3 - الكافي 4: 82 / 6 و 85 / 1، وسائل الشيعة 10: 21 - 23، كتاب الصوم، أبواب وجوب الصوم ونيته، الباب 5، الحديث 4 و 8. 4 - مدارك الاحكام 6: 35، مستند الشيعة 10: 186، جواهر الكلام 16: 211، كتاب الصوم، الشيخ الانصاري 12: 122، مستمسك العروة الوثقى 8: 221.

[ 214 ]

[...... ] في محله كما عرفت (1)، وهو المصرح به في خبر الزهري (2)، وأما عدم وقوع ما نواه عما نواه، فلما مر من المفروغية عندهم، فلا نحتاج هنا إلى الدليل بعدما عرفت (3). هذا مع أن مقتضى عدم صلاحية رمضان للصوم الاخر، هو وقوع كل صوم فيه عنه. نعم، في صورة العمد، قد مر الاشكال، وما هو الحق أيضا، قد مر عليك (4) فلا نعيده. وأما المناقشة في تعليل خبر الزهري (5)، بأنه يشمل صورة العلم، والمفروض فيه نفي ذلك (6)، فهي غريبة، لانه لا يضر بإطلاق التعليل في غير الفرض مع أن في الفرض لا يحكم الخبر بعدم الصحة، لاجل العمد، بل هو مجرد فرض، لانه الغالب وعليه العادة فلا تخلط.


1 - تقدم في الصفحة 175 - 177 و 186 - 187. 2 - الكافي 4: 85 / 1، وسائل الشيعة 10: 22، كتاب الصوم، أبواب وجوب الصوم ونيته، الباب 5، الحديث 8. 3 - تقدم في الصفحة 176 - 177. 4 - تقدم في الصفحة 190 - 193. 5 - وسائل الشيعة 10: 23، كتاب الصوم، أبواب وجوب الصوم، الباب 5، الحديث 8. 6 - مستمسك العروة الوثقى 8: 223.

[ 215 ]

[...... ] بل لو صامه على أنه إن كان من شهر رمضان، كان واجبا وإلا كان مندوبا، لا يبعد الصحة ولو على وجه الترديد في النية في المقام. قوله مد ظله: لا يبعد الصحة. بل هي قطعية، لعدم معقولية الترديد في تعلق الارادة بصوم الغد القربي، والتقييد المذكور لا يوجب الترديد في المنوي، فإذا كان صوم الغد مورد القصد قطعا، وهو متقرب، يقع عن رمضان لما مر، كما إذا تبين في الفرض أنه من شعبان، فإنه لا معنى للشك في الصحة، لان صوم شعبان ليس إلا ما أتى به. وهذا نظير الاقتداء بالخارج، وبالامام الحاضر إن كان زيدا، وإن لم يكن فلا يكون مقتديا، فإنه لا يعقل إلا أن يقع اقتداؤه بالموجود العادل الخارجي، فصحت جماعته، وله نظائر كثيرة، وتفصيله في محله (1). فما عن (2) خلاف الشيخ والمبسوط والعماني، وابن حمزة، والعلامة في المختلف والشهيد في ظاهر الدروس والبيان وهو المتمايل إليه للاردبيلي، والكاشاني من الصحة (3)، في غاية المتانة،


1 - تحريرات في الفقه، كتاب الصوم، الفصل الثالث عشر، الجهة الخامسة. 2 - مستند الشيعة 10: 196 - 197. 3 - الخلاف 2: 179، المبسوط 1: 277، حكاه عن العماني واختاره في مختلف الشيعة 3: 383، الوسيلة: 140، الدروس الشرعية 1: 268، البيان: 359، مجمع الفائدة والبرهان 5: 164، الوافي 11: 107، مفاتيح الشرائع 1: 246.

[ 216 ]

[...... ] إلا أن الوجوه العقلية المتشبث بها غير نقية. ومن الغريب مناقشة الشيخ الاعظم الانصاري في الصحة (1)، وغير خفي أنه لا تحتاج المسألة إلى الرواية بعد عدم وجود نص على البطلان. وأما توهم وجود الاجماع المذكور في التذكرة (2)، فيضعفه مختلفه (3)، وذهاب أمثال الشيخ إلى خلافه (4)، مع تعليله بما لا يرجع إلى محصل (5). وأما قول الماتن مد ظله: ولو على وجه الترديد... إلى آخره، فهو غير صحيح، لانه من الترديد في الخصوصية، غير اللازم العلم بها في صحته، شعبانا كان أو رمضانا. ثم إنه لو قصد الكفارة مثلا إن كان شعبان، وقصد رمضان إن كان رمضان، فإنه أولى بالصحة مما إذا جزم على أنه شعبان وندب فتبين أنه ضان واجب، فتأمل جيدا.


1 - كتاب الصوم، الشيخ الانصاري 12: 121. 2 - تذكرة الفقهاء 6: 20. 3 - مختلف الشيعة 3: 383. 4 - الخلاف 2: 179، المبسوط 1: 277. 5 - مستمسك العروة الوثقى 8: 226.

[ 217 ]

[ نعم، لو صامه بنية أنه من رمضان، لم يقع لا له ولا لغيره. ] قوله مد ظله: لم يقع. هنا مسائل ثلاث: المسألة الاولى: في جواز صوم يوم الشك بعنوان رمضان هل يجوز أن يصوم بعنوان رمضان في يوم الشك أم لا يجوز تكليفا؟ وجهان: من أنه من التشريع، ومن أنه يقصد رجاء الواقع والاصابة، كسائر موارد الاحتياط، واحتمال الامر. نعم، هناك طائفة من الاخبار، ظاهرة في الممنوعية التكليفية، كخبر الزهري السابق، وفيه: أمرنا بصيامه، ونهينا عنه، أمرنا أن يصومه الانسان على أنه من شعبان، ونهينا عن أن يصومه على أنه من شهر رمضان، وهو لم ير الهلال (1). وفيه: أنه لا يدل على الحرمة في صورة الرجاء واحتمال إدراك الواقع، وظاهر النهي هي الحرمة الوضعية وبطلانه، وعدم صحة الاجتزاء به عن رمضان. وكمعتبره السابق ونهينا عنه أن ينفرد الرجل بصيامه، في اليوم


1 - تهذيب الاحكام 4: 164 / 463، وسائل الشيعة 10: 26، كتاب الصوم، أبواب وجوب الصوم ونيته، الباب 6، الحديث 4.

[ 218 ]

[...... ] الذي يشك فيه الناس... (1). وفيه: أنه يلزم منه ممنوعية صوم يوم الشك مطلقا، لان قوله: فيه الناس متعلق بقوله: يشك وهذا خلاف الاخبار المرخصة (2)، هذا مع أنه ربما يكون النهي متعلقا بعنوان خارج عن الصوم، وهو التفرد اللاحق به، فلا تغفل. نعم، مرسلة الصدوق، قال: كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: لئن أفطر يوما من شهر رمضان، أحب إلي من أن أصوم يوما من شعبان، أزيده في شهر رمضان (3) ظاهرة فيما نحن فيه، إلا أنه مرسل، مع أن ظاهره غير بعيد أن يكون هو فرض التجزم في النية، دون الاتيان رجاء، فالحرمة التكليفية الذاتية إذا كانت ممنوعة، يبقى الكلام في حرمته التشريعية لاجل عدم وجود الامر، وهو خلاف الضرورة، فإنه بلا شبهة إذا كان الغد رمضان، يكون مورد الامر واقعا، وإلا يلزم اختصاص الحكم بالعالم بالموضوع، وهو خلاف الادلة.


1 - تقدم في الصفحة 179، الرقم 4 و 214، الرقم 2. 2 - الكافي 4: 81 - 83، وسائل الشيعة 10: 20 - 22، كتاب الصوم، أبواب وجوب الصوم ونيته، الباب 5، الحديث 1 و 3 و 6. 3 - الفقيه 2: 79 / 349، وسائل الشيعة 10: 28، كتاب الصوم، أبواب وجوب الصوم ونيته، الباب 6، الحديث 8.

[ 219 ]

[...... ] المسألة الثانية: على تقدير الاتيان بالصوم جزما أو رجاء، فهل يقع ويجتزى به عن رمضان؟ قضية القاعدة نعم، إلا في صورة التجزم، لانه من انضمام التشريع المحرم إلى العمل والنية والقصد، فلو كان هو غير موجب لتحريم العبادة وبطلانها، ولكن يساعد الاعتبار ورود الاخبار الحاكمة بالقضاء، لاجل تلك الجهة احتمالا. ومنها: معتبر ابن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام)، في الرجل يصوم اليوم الذي يشك فيه من رمضان، فقال (عليه السلام): عليه قضاؤه وإن كان كذلك (1) ومقتضى رجوع قول الراوي من رمضان إلى قوله: يصوم ولزوم القضاء عليه، هو البطلان. ويؤيد رجوعه إلى قوله: يصوم معتبر ابن سالم، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال في يوم الشك: من صامه قضاه، وإن كان كذلك (2) - يعني: من صامه على أنه من شهر رمضان فلو صام على هذا على أنه رمضان، يصير باطلا بالتعبد، ولو كان صومه من الصوم المأمور به، إلا أنه


1 - تهذيب الاحكام 4: 182 / 507، الاستبصار 2: 78 / 239، وسائل الشيعة 10: 25 كتاب الصوم، أبواب وجوب الصوم ونيته، الباب 6، الحديث 1. 2 - تهذيب الاحكام 4: 162 / 457، وسائل الشيعة 10: 27، كتاب الصوم، أبواب وجوب الصوم ونيته، الباب 6، الحديث 5.

[ 220 ]

[...... ] لاجل الجهات اللاحقة يكون باطلا. اللهم إلا أن يقال: الظاهر رجوع الجار إلى الفعل القريب، فيكون الخبر الاول من أخبار تعارضها الاخبار الكثيرة الظاهرة، بل والصريحة في صحة صوم يوم الشك في الجملة (1)، فيحملان على استحباب القضاء. وقوله: يعني في الخبر الثاني، من كلام الراوي، فلا يكفي حجة. وتوهم ظهور الصدر في قصد رمضان، لقوله: وإن كان كذلك (2) غير جيد، بل هو الانسب للاستحباب، وكأنه لدفع توهم ذلك، وأنه كيف يجمع بين الامرين، صحة صومه رمضانا واستحباب القضاء. ثم إن حمل الاخبار على من يصوم عن رمضان مع التفاته وتوجهه إلى الشك فيه، حمل نادر جدا، والالتزام ببطلان الصوم في صورة الجهل بالحكم غير مصرح به في كلامهم هنا. فبالجملة: يبقى دليل بطلان الصوم في يوم الشك، إذا أتى به عن رمضان، منحصرا في معتبر ابن سالم، وقضية إطلاقه بطلان جميع صور المسألة، وإخراج كلها إلا صورة واحدة، أيضا بعيد، فالبطلان مشكل جدا.


1 - الكافي 4: 81 - 82 / 1 و 2 و 4، وسائل الشيعة 10: 20 - 22، كتاب الصوم، أبواب وجوب الصوم ونيته، الباب 5، الحديث 1 و 2 و 6. 2 - مستمسك العروة الوثقى 8: 224.

[ 221 ]

[...... ] فما ذهب إليه العماني، والاسكافي (1)، بل والشيخ على المحكي عنه من الاجزاء (2) لو كان مفروضهم هذه الصورة، قريب إلى الصناعة، إلا أن الظاهر أن مصب فرضهم غيرها، فراجع ولا تغتر. ومما لا يخفى أنه يؤيد رجوع الجار إلى الفعل القريب، معتبر ابن وهب، قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام): الرجل يصوم اليوم الذي يشك فيه من شهر رمضان، فيكون كذلك؟ فقال (عليه السلام): هو شئ وفق له (3). وتوهم المعارضة (4) غير سديد، بل من الحكم يتبين أن مرجع الجار والمجرور هو الفعل الاقرب، كما يساعده الادب، وغير ذلك مما هو يوجب أن يكون الانسب أصوب، فمقتضى القاعدة هي الصحة هنا ولو قلنا بالفساد في غير المقام، وذلك لان الفعل المتشرع به أو الملازم للمحرم والتشريع، ربما لا يصلح للتقرب، إلا أن الصوم ليس فعلا، فربما ينوي في الليل فينام إلى الليل، فلا فعل منه يتشرع به أو ينتزع منه وينطبق عليه المحرم، فافهم.


1 - حكاه عنهما في مختلف الشيعة 3: 380. 2 - حكاه عنه في مختلف الشيعة 3: 380، الخلاف 2: 180. 3 - الكافي 4: 82 / 3، وسائل الشيعة 10: 22، كتاب الصوم، أبواب وجوب الصوم ونيته، الباب 5، الحديث 5. 4 - ذخيرة المعاد: 516 / السطر 5، الحدائق الناضرة 13: 38.

[ 222 ]

[...... ] هذا، ولو أتى به برجاء شهر رمضان والامر الالهي، فلا يبطل، لخروج هذه الصورة عن الاخبار الناهية السابقة (1)، وحيث أن فيها معتبر الزهري، ويكون نهيه إرشادا إلى الوضع ظاهرا، فيمكن الجمع بين الاخبار بحمل ما يدل على الصحة على غير هذه الصورة. وما في الجواهر من: أن النواهي ظاهرة في التكليفية المقتضية للبطلان (2) ممنوع هنا لما اشير إليه، وإن كانت صحيحة في العبادات في غير المقام، والتفصيل في محله (3). المسألة الثالثة: في وقوع صوم يوم الشك عن شعبان بناء على البطلان، بمعنى عدم وقوعه عن رمضان، ففي وقوعه عن شعبان وجهان: من النهي المتعلق به، فيورث بطلانه، لا البطلان الحيثي. ومن أن ظاهر النهي تعلقه بالقيد، لا المقيد على إطلاقه، كما هو كذلك في نوع المحاورات، فيستفاد مبغوضية الطبيعة عرضا لا ذاتا، ومجازا لا حقيقة، وكون المفروض في الاخبار، الامر بالصوم بعنوان شعبان، لا يورث حصر الصحة به، وإن كان يوهمه قويا، كما لا يخفى.


1 - تقدم في الصفحة 213، الرقم 2. 2 - انظر جواهر الكلام 16: 207. 3 - تحريرات في الاصول 4: 337.

[ 223 ]

[ مسألة 6: لو كان في يوم الشك بانيا على الافطار، ثم ظهر في أثناء النهار أنه من شهر رمضان، فإن تناول المفطر أو ظهر الحال بعد الزوال وإن لم يتناوله، يجب عليه إمساك بقية النهار تأدبا، ] قوله مد ظله: بقية النهار تأدبا. بلا خلاف بين الخاصة (1)، وهو المحكي عن جمع من المخالفين (2)، وعن الشيخ الاعظم (قدس سره) المناقشة في سند المسألة (3)، لعدم تمامية حديث الاعرابي (4)، ولا قائم عليه شهرة عملية. وكيف لا يكفيه الاجماع المحكي عن جماعة (5)، ولو لم يكفه حديث إطلاق حرمة المفطرات بالضرورة، ولو كان موجبا للكفارة ارتكابها بناء على القول به، كما سيمر عليك (6)؟! اللهم إلا أن يقال: إن مقتضى الالتزام بالكفارة هو وجوب الامساك، وهو ظاهر الامر بوجوب الصيام إلى الليل، فإن المتخلف عن ترك الواجب في


1 - الخلاف 2: 79، تذكرة الفقهاء 6: 19، مستمسك العروة الوثقى 8: 228. 2 - الخلاف 2: 179، المجموع 6: 271 - 272. 3 - كتاب الصوم، الشيخ الانصاري: 122 - 123، مصباح الفقيه 14: 352. 4 - تقدم في الصفحة 201، الرقم 2. 5 - الخلاف 2: 179، كتاب الصوم، الشيخ الانصاري 12: 122، مستمسك العروة الوثقى 8: 228. 6 - يأتي في الصفحة 232.

[ 224 ]

[...... ] برهة، لا يضر بالاطلاق، فتأمل. ويجوز دعوى أن تلك الاجماعات عليلة، لان في خبر الزهري: كل من أفطر لعلة في أول النهار، ثم نوى بعد ذلك امر بالامساك بقية يومه تأديبا (1) وهو ربما يكون مستندهم، بناء على أن المراد من قوله: أفطر - أي: لم يقصد الصوم لا أنه أتى بالمفطرات وتناولها. وأيضا في المسافر القادم، الامر بالكف عن الاكل، والنهي عن المواقعة (2)، فبالغاء الخصوصية لاجل فهم الادب منها، يحكم مطلقا، فالاجماعات أصبحت غير حجة. وحيث إن الخبر الاول غير كاف دلالة، وما في المسافر غير شاهد على الوجوب، لتجويز الاكل بعد الزوال في بعض الاخبار (3)، وتجويز


1 - الكافي 4: 86 / 1، الفقيه 2: 48 / 208، تهذيب الاحكام 4: 296 / 895. 2 - عن سماعة قال: سألته عن مسافر دخل أهله قبل زوال الشمس وقد أكل؟ قال: لا ينبغي له أن يأكل يومه ذلك شيئا، ولا يواقع في شهر رمضان إن كان له أهل. الكافي 4: 132 / 8، وسائل الشيعة 10: 191 - 192، كتاب الصوم، أبواب من يصح منه الصوم، الباب 7، الحديث 1. 3 - عن سماعة قال: سألته عن الرجل كيف يصنع إذا أراد السفر - إلى أن قال: - إن قدم بعد زوال الشمس أفطر ولا يأكل ظاهرا وإن قدم من سفره قبل زوال الشمس فعليه صيام ذلك اليوم إن شاء. تهذيب الاحكام 4: 327 - 328 / 1020، وسائل الشيعة 10: 191، كتاب الصوم، أبواب من يصح منه الصوم، الباب 6، الحديث 7.

[ 225 ]

[ وقضاء ذلك اليوم، وإن كان قبل الزوال ولم يتناول مفطرا، يجدد النية وأجزأ عنه. ] المواقعة بعد الزوال فيها (1) أيضا، فلو كان من الادب فلا فرق بين قبل الزوال وبعده، فيشكل إثبات وجوب الامساك جدا، نعم هو الاحوط. قوله مد ظله: وأجزأ عنه. لما مر من استكشاف توسعة وقت النية إلى الزوال حتى للعامد (2)، حسب الاصل الثانوي إلا أنه في خصوص العامد لا نقول به، ولو لم يكن مجزيا عنه تكون المسألة من موارد وجوب الامساك تأدبا.


1 - عن محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يقدم من سفر بعد العصر في شهر رمضان فيصيب امرأته حين طهرت من الحيض، أيواقعها؟ قال: لا بأس به. تهذيب الاحكام 4: 242 / 710، و 254 / 753، وسائل الشيعة 10: 193، كتاب الصوم، أبواب من يصح منه الصوم، الباب 7، الحديث 4. 2 - تقدم في الصفحة 200 - 202.

[ 226 ]

[ مسألة 7: لو صام يوم الشك بنية أنه من شعبان، ثم تناول المفطر نسيانا، وتبين بعد ذلك أنه من رمضان، أجزأ عنه. نعم، لو أفسد صومه برياء ونحوه لم يجزه منه ] قوله مد ظله: أجزأ عنه. بالاولوية، لانه لو أفطر في شهر رمضان نسيانا، لا يضر. هذا مع أن صومه بحسب الواقع صوم رمضان حسب الفرض، فلا يكون بعد التبين، من رمضان حتى يتوهم الاشكال كما لا يخفى. قوله مد ظله: لم يجزه منه. لعين ما مر، فإن صومه كان صوم شهر رمضان فأبطله. نعم، في مبطلية الرياء كلام محرر منا في محله (1)، وعلى تقدير بطلان العبادة به ففي الصوم مشكل تحقق الرياء، لما ليس فعلا يصدر حتى يكون ريائيا، فلو تقول بعض الاقاويل، فهو ليس من الرياء بالصوم فالاخبار الريائي عن الصوم، والاعلان الريائي عنه، يشبه الاخبار والاعلان بعد العمل، فتأمل. نعم، إذا رجع الرياء إلى الاخلال بأصل عبادية الصوم، فتكون الحلقة الاولى من حلقات النيات مخدوشة، يصير باطلا.


1 - تحريرات في الفقه، الواجبات في الصلاة: 88 وما بعدها.

[ 227 ]

[ حتى لو تبين كونه منه قبل الزوال وجدد النية. قوله: وجدد النية. ] قد اشير آنفا إلى أن صومه صوم رمضان فلا معنى لتجديد النية، بل هو يضر، فما في كلمات جمع منهم من تجديد النية بالنسبة إلى شهر رمضان (1)، غير واضح سبيله. وأما لو كان صومه حال الرياء غير صوم شهر رمضان، فأبطله بالرياء، فهو ليس بمتناول بالنسبة إلى المفطرات، فله تجديد نية صوم شهر رمضان بالضرورة، فإبطال الصوم بغيرها لا يضر بإمكان تصحيحه رمضانا، كما إذا سافر قبل الزوال فعاد قبله، ولم يتناول شيئا، فإنه لم يحدث حدثا، فله أن يصوم، ويصح عنه قطعا.


1 - شرائع الاسلام 1: 169، قواعد الاحكام 1: 63 / السطر 22 - 24.

[ 228 ]

[ مسألة 8: كما تجب النية في ابتداء الصوم، تجب الاستدامة عليها في أثنائه، فلو نوى القطع في الواجب المعين بمعنى قصد رفع اليد عما تلبس به من الصوم، بطل على الاقوى، وإن عاد إلى نية الصوم قبل الزوال، ] قوله مد ظله: قصد رفع اليد. إذا كان الصوم هو قصد ترك المفطرات، وتكون ماهيته الامساك القصدي عنها، فمجرد التخلف عن ذلك، يلزم ترك الصوم الواجب، فاعتبار الاستدامة، ووجوب البقاء عليه ليس أمرا وراء ذلك حتى يحتاج إلى دليل آخر، فليس للشرع أن يقبل الصوم المقطوع، ويقبل نفس ترك المفطرات صوما، ويعتبره إمساكا لاجل الاثار الخاصة كما مر، فلا معنى لاحتمال صحة الصوم بعد الترك المذكور حتى يقال في المتن: على الاقوى. ثم إن الاستدامة موضوعية، كما اشير إليه، وليست حكمية، لان الارتكاز، على أن لا يرتكب المفطر إذا ابتلى به، ولا يعتبر أزيد منه، لان من الناس من لا يبتلي ببعض المفطرات مادام العمر، ولا يتمكن من إبطال صومه به. قوله مد ظله: وان عاد. وهو المفروغ عنه في كلماتهم (1)، إلا أن الاشكال في إطلاقه محلا،


1 - العروة الوثقى 2: 175، كتاب الصوم، الفصل الاول، المسألة 22، مستند العروة الوثقى، كتاب الصوم 1: 83 - 85، مهذب الاحكام 10: 47 - 48.

[ 229 ]

[ وكذا لو قصد القطع لزعم اختلال صومه، ثم بان عدمه. ] لاحتمال كفاية العود فورا بحيث لا يضر بالصدق، كما قالوا به في مثل الجماعة (1)، بل والصلاة (2)، فإن الاتصال والهيئة الاتصالية لا يتضرر بالعدول الاني. اللهم إلا أن يقال بالفرق، لان الصوم تمام ماهيته القصد، والمرجع هو العرف المحقق، فليتأمل. قوله مد ظله: وكذا لو قصد. ويأتي هنا ما مر. والذي هو المهم في المسألة ما مر من قصور الادلة عن إثبات شرطية اعتبار القصد من الاول، والقدر المتيقن من مورد الاجماع هو الاخلال به عمدا، فلتصحيح الصوم في أمثال هذه الفروع وجه تبين مما مضى. وتحصل: أن الصوم ولو كان ماهيته القصد إلا أن الشرع حسب الظاهر تدخل فيه، فراجع.


1 - العروة الوثقى 1: 771، في صلاة الجماعة، المسألة 20. 2 - العروة الوثقى 1: 620، في نية الصلاة، المسألة 16.

[ 230 ]

[ وينافي الاستدامة، التردد في إدامة الصوم أو رفع اليد عنه، وكذا لو كان تردده في ذلك لعروض شئ لم يدر أنه مبطل لصومه أو لا. ] قوله مد ظله: التردد. لا معنى لكونه منافيا، بل لا تبقى النية مع التردد الطارئ، كما لا توجد مع التردد من الاول. قوله مد ظله: لم يدر. كما هو حال كثير من الجاهلين بالمفطرات تفصيلا، ولو صح ما في المتن، فيلزم وجوب تعلم المفطرات بتفصيلها، لان إبطال الصوم الواجب المعين غير جائز. ومعنى عروض شئ لم يدر، أعم من أن ارتكبه ثم شك أو لم يرتكبه، فإنه على الثاني وإن يمكن التحفظ على صومه بتركه، وأما في الفرض الاول فلا. اللهم إلا أن يقال: بأن ارتكابه حال الجهل ليس مضرا بالصحة، فإذا كان عالما بذلك لا يلزم وجوب التعلم المذكور، ولكنه محل إشكال، بل هو صريح كلامه في البطلان إذا كان عن جهل تقصيري، واحتاط في القصوري. ثم إنه يستلزم القول ببطلان الصوم هنا، بطلان الصوم الاحتياطي، مع أن الضرورة على خلافه، ولذلك قال في العروة بعدم البطلان (1)، لان


1 - العروة الوثقى 2: 175، كتاب الصوم، الفصل الاول، المسألة 22.

[ 231 ]

[ وأما في غير الواجب المعين لو نوى القطع، ثم رجع قبل الزوال صح صومه، هذا كله في نية القطع. ] المتردد المذكور بان على الصوم على تقدير الصحة، بل في موارد الشك في ارتكاب المفطر موضوعا، يكون التردد موجودا إلا أنه تردد في صحة صومه، وبناء على الصوم على تقدير الصحة، ولا بد من الالتزام بصحته عملا بالسيرة القطعية. نعم، ربما يكون نظر الماتن هنا إلى استلزام التردد المذكور، التردد في أصل البقاء على الصوم قهرا وارتكازا، بخلاف الصورتين المذكورتين إلا من كان متوجها إلى الاستلزام المذكور، فإنه إذا بنى على الصوم لو كان صحيحا صح صومه. قوله مد ظله: صح صومه. بناء على ما عرفت من الاصل المحرر في المعين، ففي غير المعين يكون الامر أوضح، بل اعتبار الشرع صحة الصوم من أول طلوع الفجر، ولو قصده قبل الزوال آنا ما، يشهد قويا على الاصل الذي أبدعناه. ومع قطع النظر عن ذلك الاصل شمول الادلة الناهضة على توسعة النية في الواجب غير المعين (1) لمثل ما نحن فيه، محل إشكال، لان


1 - وسائل الشيعة 10: 10 - 14، كتاب الصوم، أبواب وجوب الصوم ونيته، الباب 2، الحديث 2 و 4 و 5 و 6 و 9 و 10.

[ 232 ]

[ وأما نية القاطع، بمعنى نية ارتكاب المفطر، فليست بمفطرة على الاقوى، ] المفروض في أدلته غير هذه الصور، فتدبر. قوله مد ظله: على الاقوى. نظرا إلى أن الظاهر من الادلة، استناد المفطرية إلى ذوات المفطرات، وأن الكفارة كفارة ارتكابها فيما إذا تكرر، فلو كان نية القاطع ترجع إلى نية القطع، فاعتبار مبطلية هذه الامور غلط. ومما يشكل أمره أن ما هو الشرط، وقوام الصوم، هو القصد، وإذا كانت نية القاطع منافية له تكوينا، فلا يعقل أن يعتبر الشرع صحة الصوم عند نية القاطع، للزوم التناقض، فللفرار عنه ينصرف الاستناد والنسبة المذكورة إلى خلاف الظاهر، فيتعين قول جماعة يقولون بالبطلان (1)، وهو المشهور بين متعرضي المسألة (2). وينحل الاشكال بأن من تلك الظواهر يستكشف أن ما هو الشرط، هي نية الامساك وقصد الصوم على وجه لا يتضرر بنية المفطر، ويتضرر بنية


1 - الكافي في الفقه: 182، مختلف الشيعة 3: 385، مسالك الافهام 2: 15، مستند الشيعة 10: 219. 2 - الدروس الشرعية 1: 267، مدارك الاحكام 6: 40، العروة الوثقى 2: 175، في نية الصوم، المسألة 22.

[ 233 ]

[...... ] القطع، فإن الاول ينافيه بالاستلزام، والثاني بالاستقلال. وبالجملة: لا يعتبر قصد الامساك على الاطلاق، فلو انعدمت من هذه الطريقة التبعية فلا بأس به، لعدم الدليل على اشتراطها على الوجه المذكور، بل الدليل على خلافه. وتوهم: أنه لا معنى لاعتبار المفطر حينئذ، لعدم النية تكوينا، فالنسبة على كل تقدير مجازية، يندفع بأن المفطرية باعتبار هدم النية السابقة، وإفسادها على وجه لا تصلح للصحة بانضمام النية اللاحقة كما لا يخفى. نعم في أصل اعتبار المفطر، إشكال محرر في مسألة كيفية اعتبار المانعية في الصلاة، وقد تحرر منا امتناعه هناك (1)، وأما هنا فهو كذلك بالنسبة إلى المفطرات الشرعية دون العرفية كالاكل والشرب، وعلى هذا ترجع المفطرات إلى شرطية تركها بحكم العقل، فالمجاز قطعي حسب الدليل العقلي، ولكن حسب النظر العرفي الذي هو المتبع، لابد من التحفظ على الحقيقة التي أمكنت. وعلى هذا يمكن الالتزام بعدم فساد الصوم عند نية القاطع، إلا أنه يشكل الامر من جهة أن نية القطع لا تكون، بعد أن يكون الصوم نفس


1 - تحريرات في الاصول 8: 86 - 89.

[ 234 ]

[...... ] القصد إلى ترك المفطرات، إلا مستلزما لنية القاطع، ضرورة أن ما هو الشرط - كما عرفت هو البناء على ترك المفطرات عند الابتلاء، وفي صورة الابتلاء بإحدى المفطرات، فإذا ترك الصوم، وقصد قطع النية، فمعناه أنه لا بناء منه على تركها عند الابتلاء، فيلزم الاخلال بالشرط الذي هو وجه صحة الصوم كما اشير إليه، وعليه ترجع نية القطع إلى الاخلال بما هو أساس الصوم، وهو البناء على ترك المفطر إذا ابتلي به، لانه يضمحل قصده المذكور بالرجوع عن النية. ومن هنا يظهر: أن ما هو الموجب لبطلان الصوم، كل ما يوجب خلو الصائم عن القصد المذكور، سواء كان نية القطع أو القاطع، وتبين أن كل واحد منهما ليس موجبا بما هو هو للبطلان، بل انعدام الشرط يستتبع عدم سقوط الامر، فتدبر. ولو قيل: الصائم: من كان من قصده ترك المفطر إذا ابتلي به فلو ترك القصد المذكور، فلا يلزم أن يكون بانيا على الاكل، لامكان ترك الاكل لاجل جهة اخرى. قلنا: نعم، إلا أنه مع فرض انتفاء الجهة الاخرى لا يكون بانيا على الترك. وبالجملة: نية القطع والقاطع على وجه واحد، تخل بما هو الشرط وما به الصوم صوما.

[ 235 ]

[ وإن كانت مستلزمة لنية القطع تبعا. نعم، لو نوى القاطع والتفت إلى استلزامها ذلك فنواه استقلالا، بطل على الاقوى. ] قوله مد ظله: تبعا. اعترافه - مد ظله - بذلك لابد أن يستلزم الاعتراف بأن الاستدامة المطلقة على النية ليست شرطا كما مر (1). قوله مد ظله: على الاقوى. لانه من نية القطع، وقد اشير آنفا إلى أن الموجب للفساد ليس إلا ترك ما هو الشرط، أو ما هو قوام الصوم به، ولا خصوصية لنية القطع ولا القاطع.


1 - تقدم في الصفحة 229 و 231.

[ 236 ]

[ القول فيما يجب الامساك عنه مسألة 1: يجب على الصائم الامساك عن امور: الاول والثاني: الاكل والشرب، ] قوله مد ظله: يجب. وجوبا شرطيا، وليس ارتكاب المفطرات من المحرمات التكليفية، ولا تركها من الواجبات النفسية، بناء على إمكان كون الترك واجبا - كما في تروك الاحرام كما هو التحقيق، وتفصيله في الاصول (1). وبالجملة: ما هو الواجب النفسي ليس إلا الصوم، وتركه موجب لاستحقاق العقوبة على ترك الواجب، فما يستظهر عنهم أحيانا في غير محله (2). قوله مد ظله: الاكل والشرب. في الجملة بلا شائبة إشكال، وعليه الاجماع المدعى (3)، المقرون


1 - تحريرات في الاصول 3: 300 و 316 - 317 و 336 - 337. 2 - مسالك الافهام 2: 17 - 18، مستند الشيعة 10: 223، مصباح الفقيه 14: 363. 3 - تذكرة الفقهاء 6: 21، مدارك الاحكام 6: 43، الحدائق الناضرة 13: 56، جواهر الكلام 16: 217.

[ 237 ]

[...... ] بدعوى القطع والضرورة (1). والذي هو الاصل: أن حديث ترك الطعام والشراب ليس من شرائط الصوم، بل هما من مقومات ماهية الصوم، وكان تركهما، بل وترك الجماع حسب ما يظهر من الكتاب، مما ارتكزت عليه أذهان المتشرعة، وأرباب الشرائع السالفة، فإن قوله تعالى: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) (2) كان ما يفهمه صدر الاسلام أبناء المنطقة، فيعلم منه أن أصل ترك الاكل والشرب كان معهودا، بل ومن قوله تعالى: (احل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم) (3) أيضا يعلم أن تركه كان معهودا في ذلك. وقد اشتهر أن زمان الصوم كان إلى زوال الشمس، ولاجله ورد (ثم أتموا الصيام إلى الليل) (4). هذا، فالاولى أن يكون ترك الطعام والشراب، والامساك عنهما مورد العنوان أولا، ثم إلحاق مطلق الاكل إليه إذا اقتضاه الدليل، وذلك لان معتبر ابن مسلم يتضمن عنوان الطعام والشراب كما يأتي (5)، وليس في


1 - جواهر الكلام 16: 217. 2 - البقرة (2): 185. 3 - البقرة (2): 187. 4 - البقرة (2): 187. 5 - يأتي في الصفحة 243.

[ 238 ]

[...... ] الاخبار الصحيحة ما يدل على أن عنوان الاكل مورد الحكم. وتوهم أن قوله تعالى: (كلوا واشربوا...) (1) إلى آخره يشهد على أن ترك الاكل لازم إلى الليل (2)، غير جائز، لعدم كونه في هذا المقام، لما عرفت أن ترك الاكل في الجملة من مقومات الصوم، والاية بصدد دفع ما كان صوما في الجاهلية إلى الزوال، ويكون توطئة لقوله تعالى: (ثم أتموا الصيام إلى الليل) (3). نعم، في طائفة من الاخبار عنوان الاكل والشراب (4)، وهي وإن لم تكن نقية الاسناد، ولكنها لاجل الاجماعات منجبرة. اللهم إلا أن يقال: لا يكون الاجماع والشهرة عملية حتى تكون جابرة، ولا يكفي لقوة استفادتهم ذلك من الكتاب والسنة، فتجعل اجتهادهم، يمر عليك ما ينفعك في التعليقة الاتية إن شاء الله تعالى.


1 - البقرة (2): 187. 2 - مدارك الاحكام 6: 43. 3 - البقرة (2): 187. 4 - وسائل الشيعة 10: 32، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 1، الحديث 3، و 10: 34، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 3، الحديث 6.

[ 239 ]

[ معتادا كان كالخبز والماء أو غيره كالحصاة وعصارة الاشجار، ] قوله مد ظله: الحصاة. إلحاق غير المعتاد بالمعتاد مذهب الاصحاب، وعليه الاجماعات المحكية عن الخلاف والغنية والسرائر (1)، وعن السيد نفي الخلاف فيه بين المسلمين (2). نعم، حكي عن الحسن بن صالح، وأبي طلحة الانصاري تجويزه (3)، وهو المحكي عن ابن الجنيد (4)، بل ونفس السيد (رحمه الله) في بعض كتبه (5)، وهذا لا ينافيه دعواه الاجماع. وبالجملة: يظهر أن المسألة خلافية جدا بين أهل الخلاف في جهة اخرى، وهي الكفارة دون البطلان (6). وتوهم كفاية إطلاقات الاكل والشرب أو إلغاء الخصوصية (7)، في


1 - الخلاف 2: 212، المسألة 71، الغنية، ضمن الجوامع الفقهية: 509 / السطر 8 - 12، السرائر 1: 377، مستمسك العروة الوثقى 8: 233. 2 - الناصريات، ضمن الجوامع الفقهية: 242 / السطر الاخير. 3 - الخلاف 2: 212 - 213، تذكرة الفقهاء 6: 21، المغني 3: 36، المجموع 6: 317 / السطر 5 - 6. 4 - حكاه عنه في المختلف 3: 387. 5 - رسائل الشريف المرتضى 3: 54. 6 - جواهر الكلام 16: 217 - 218. 7 - مستند العروة الوثقى، كتاب الصوم 1: 93 - 94.

[ 240 ]

[...... ] غير محله، ضرورة أنها مضافا إلى ممنوعيتها، منصرفة عن غير المعتاد. ولعمري إنه لو كان مورد للانصراف فهذا أحق به، لعدم الدواعي إلى ذلك حسب العادة الغالبة جدا. نعم، يمكن دعوى الالحاق، وإن لم يصدق عليه الاكل والشرب المفطرين، أو وإن لم يكن طعاما وشرابا متعارفا، أو وإن لم يكن أكلا وشربا، لان المأكولات والمشروبات هي الانواع الخاصة، لا مطلق ما يؤكل ويشرب، فتأمل، وذلك لتلك الشهرة العظيمة، ولما ورد في الغبار الغليظ (1)، ولا يخفى ما في الثاني، فإن مبطلية الغبار ممنوعة كما تأتي (2)، ولو كان مبطلا فهو أمر وراء الاكل كما في نصه، ويكون نفس إيصاله إلى الحلق مبطلا ولو لم يكن أكلا، فلا يخلو التمسك المزبور (3) من غرر به. وأما حديث الشهرة فهو قريب، وذلك لان في المسألة بعض نصوص ظاهرة في أن المبطل هو المتعارف من الطعام، ففي خبر مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، عن آبائه (عليهم السلام)، أن عليا (عليه السلام) سئل عن الذباب يدخل


1 - تهذيب الاحكام 4: 214 / 621، وسائل الشيعة 10: 69 - 70، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 22، الحديث 1. 2 - يأتي في الصفحة 280 - 283. 3 - كتاب الصوم، الشيخ الانصاري 12: 21، مستند العروة الوثقى، كتاب الصوم 1: 93.

[ 241 ]

[...... ] حلق الصائم، قال: ليس عليه قضاء، لانه ليس بطعام (1). وعن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام) في الصائم يكتحل، قال: لا بأس به، ليس بطعام ولا شراب (2) ومقتضاهما أن غير المتعارف غير مبطل، ومع ذلك ذهب الاصحاب إلى خلافهما، فيعلم منه أن المسألة كانت معهودة عندهم من السلف. وكون السؤال عن ورد الذباب إلى الحلق نسيانا، ولا عن اختيار، لا يضر بمفاد التعليل، والمنظور من الاكتحال، هو دخول أجزائه من ناحية الحلق إلى المرئ، كما هو المحسوس، فيكون نظر السائل بطلان الصوم به، والخبر نفاه، فليتدبر جيدا. ويمكن المناقشة في تلك الشهرة بدعوى ظهور كلماتهم في استنادهم في الالتحاق إلى الاكل والشرب، فراجع (3).


1 - الكافي 4: 115 / 2، تهذيب الاحكام 4: 323 / 994، وسائل الشيعة 10: 109، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 39، الحديث 2. 2 - الكافي 4: 111 / 1، تهذيب الاحكام 4: 258 / 765، وسائل الشيعة 10: 74، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 25، الحديث 1. 3 - الخلاف 2: 212 - 213، تذكرة الفقهاء 6: 21، الحدائق الناضرة 13: 57.

[ 242 ]

[ ولو كانا قليلين جدا كعشر حبة وعشر قطرة. ] قوله مد ظله: قليلين جدا. على المعروف بينهم (1) إلا أن الاخبار الكثيرة المنتشرة في الابواب المتفرقة، تدل على جواز القليل كالاخبار الواردة في جواز الاستياك وكراهته بالعود الرطب (2)، وما في مسألة المضمضة (3)، وفي مسألة مضغ الطعام للصبي، وزق الطائر (4)، وذوق المرق (5)، وبلع بصاق الغير (6). وحملها على إخراج تلك الاجزاء عن محيط الفم أو حملها على الاستهلاك (7)، غير صحيح، فبعد قصور الادلة رأسا، وتلك الاخبار صراحة، يكون نفي القليل البالغ في القلة إلى الاجزاء الصغار دون غيرها، قريب كما أن شرب عشر القطرة لا معنى له، بل وشرب القطرة، كما لا يخفى، وتأمل.


1 - العروة الوثقى 2: 176، فصل فيما يجب الامساك عنه في الصوم، مستمسك العروة الوثقى 8: 234. 2 - وسائل الشيعة 10: 82 - 86، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 28. 3 - وسائل الشيعة 10: 70 - 72، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 23. 4 - وسائل الشيعة 10: 108، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 38. 5 - وسائل الشيعة 10: 105 - 108، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 37. 6 - وسائل الشيعة 10: 102، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 34. 7 - مستند العروة الوثقى، كتاب الصوم 1: 99.

[ 243 ]

[ مسألة 2: المدار على صدق الاكل والشرب ولو كانا على النحو غير المتعارف، فإذا أوصل الماء إلى جوفه من طريق أنفه، صدق الشرب عليه وإن كان بنحو غير متعارف. ] قوله مد ظله: صدق الشرب. قد عرفت: أن تعيين الصدق غير جائز للفقيه إذا كان موجبا لوقوع المقلد في الضلالة، فما هو وظيفته تعيين الحكم، والذي يظهر لي: أن معتبر ابن مسلم يقول: لا يضر الصائم ما صنع إذا اجتنب ثلاث خصال: الطعام والشراب... (1) وليس البحث حول الاكل المصدري، والشرب المصدري، بل اللازم هو اجتنابه عنهما. نعم، الاجتناب عنهما ليس بمعنى الاجتناب عن القمار، بل هو معناه العرفي، وهو استيفاء الحظ منه، سواء كان عن طريق الاكل والشرب المصدريين أو الحقنة، فإن حقنة الطعام داخل في هذا الحديث أيضا، كما لا يخفى. فتلقيح المواد والاغذية من سائر الثقب كثقب الاحليل، أو سائر الطرق المتعارفة في اليوم، يمكن منعه، لانه خلاف الاجتناب عن الطعام والشراب - أي: المشروب بقرينة الطعام.


1 - تهذيب الاحكام 4: 189 / 535، الاستبصار 2: 80 / 244، وسائل الشيعة 10: 31 كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 1، الحديث 1.

[ 244 ]

[ الثالث: الجماع ] فما قد يتوهم من استنباط ممنوعية الادخال في الجوف من موارد مختلفة (1)، فهو غير صحيح لجواز الحقنة بالجامد، فالطريق الوحيد ما أشرنا إليه، وهو يقبل التقييد. وحمل خبر ابن مسلم على الاكل من الفم (2)، فهو لاجل فهم الناس بحسب القطر والمنطقة، لا بحسب الواقع ومراد المتكلم، فلا تغفل. ومن ذلك يظهر حكم كثير من الفروع المستحدثة التي وقفت أنظار جمع فيها صرعى، والله ولي التوفيق والحمد. قوله مد ظله: الجماع. بضرورة الاسلام، وعد تركه من الشروط لا يخلو عن مناقشة، لما يظهر أنه كان من مقومات الصوم عند طلوع الاسلام، ولاجله وردت آية التحليل في الليل، بعد الامر بالصوم على إطلاقه (3). وأما التمسك بقوله تعالى: (فالان باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين...) (4).


1 - مستمسك العروة الوثقى 8: 238. 2 - مستمسك العروة الوثقى 8: 238. 3 - البقرة (2): 187. 4 - البقرة (2): 187.

[ 245 ]

[ ذكرا كان الموطوء أو انثى، ] بدعوى أن الغاية مربوطة أيضا بقوله تعالى: (باشروهن) فتدل الاية على المنع عن المباشرة نهارا (1)، فهو غير جيد، محرر تفصيله في كتابنا الكبير (2). وربما تخلل قوله تعالى: (وابتغوا ما كتب الله لكم) (3) يكفي لصرف الغاية عنه، واختصاصها بالجملة الاخيرة. فالجماع في الجملة مما لا شائبة خلاف فيه، وأما فروعه فتأتي في التعاليق الاتية إن شاء الله تعالى. قوله مد ظله: ذكرا كان. حسب الاجماع المحكي على الملازمة بين موجب الغسل، ومبطل الصوم (4)، ولكنه اصطياد وليس بتمام. وما هو الاقرب دلالة الاخبار الناهية والزاجرة عن النكاح (5)،


1 - مدارك الاحكام 6: 44، الحدائق الناضرة 13: 106 - 107. 2 - تحريرات في الفقه، كتاب الصوم، الثالث من المفطرات. 3 - البقرة (2): 187. 4 - الغنية، ضمن الجوامع الفقهية: 509 / السطر 9 - 12، مختلف الشيعة 3: 390، كتاب الصوم، الشيخ الانصاري 12: 25 - 26، مستمسك العروة الوثقى 8: 240. 5 - الفقه المنسوب للامام الرضا (عليه السلام): 203، دعائم الاسلام 1: 268، مستدرك الوسائل كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 1، الحديث 2، والباب 2، الحديث 1.

[ 246 ]

[...... ] ويكفيك من بينها معتبر المروزي، قال: سمعته يقول: إذا تمضمض الصائم في شهر رمضان - إلى أن قال: فإن ذلك له مفطر مثل الاكل والشرب والنكاح (1). والمناقشة في صدق النكاح (2) غير نقية، بعد كون المراد هو الدخول، مع صدقه على نكاح البهائم، ولا يتوقف المنع على صدق الجماع، بل ليس في ظاهر الكتاب والاخبار عنوان الجماع، مورد النظر، إلا أنه قد ورد في طي بعض الاخبار (3)، وعلى كل تقدير يكفي صدق النكاح بعد كون النسبة بينهما مثبتين. نعم، مفهوم معتبر ابن مسلم (4)، يوجب حصر المبطل بترك الاجتناب عن النساء، فيلزم التقييد ولو كان بينهما العموم من وجه، ولكنك أحطت خبرا بعدم المفهوم له، فليتدبر.


1 - تهذيب الاحكام 4: 214 / 621، وسائل الشيعة 10: 69 - 70، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 22، الحديث 1. 2 - مصباح الفقيه 14: 373 - 374. 3 - وسائل الشيعة 10: 39 - 40، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 4. 4 - تقدم في الصفحة 243.

[ 247 ]

[ إنسانا أو حيوانا، قبلا أو دبرا، ] قوله مد ظله: حيوانا. إجماعا راجعا إلى الاجماع السابق، فلا يكون مفطرا بما هو هو، لان المعروف في تلك المسألة شرطية الانزال، فالمستند ما مر من صدق النكاح، ولا وجه لدعوى الانصراف (1) جدا. اللهم إلا أن يقال: إن معتبر ابن مسلم الاسبق يفسر المراد من النكاح، ويكون منشأ للانصراف في محيط الاخبار. قوله مد ظله: دبرا. أما دبر النساء فلاطلاق معتبر ابن مسلم. ومن الغريب توهم دلالة ما رواه الشيخ عن بعض الكوفيين، يرفعه إلى أبي عبد الله (عليه السلام) - الاتي ذكره على ما نحن فيه (2)، فإنها وما يرجع إليها في حكم الصائمة الموطوءة، لا الصائم الواطئ في الدبر. فبالجملة: وجه المناقشة هو الانصراف، وهو - بعد ما عرفت ممنوع، مع أنه لم يحك عليه خلاف من أحد من السلف والخلف. وأما دبر الحيوان فهو وقبله بحكم واحد كما مر وجه الاشكال فيه.


1 - مصباح الفقيه 14: 373 - 374. 2 - الحدائق الناضرة 13: 109 - 110.

[ 248 ]

[ حيا أو ميتا، صغيرا أو كبيرا، واطئا كان الصائم أو موطوءا، ] قوله مد ظله: ميتا. لما مر ودعوى أنه ليس من الجماع ولا النكاح، لو كانت مسموعة، ولكن خلاف الاجتناب اللازم عليه إذا كان الميت من النساء، ولا بأس في صورة الشك من حديث الاستصحاب، فتأمل. قوله مد ظله: صغيرا. وربما يكون الوطء مع الزوجة الصغيرة من الافطار المحرم. ودعوى أنها ليست من النساء ولو كانت مسموعة، إلا أن صدق النكاح والجماع كاف، وفي هذا وأمثاله وجه لدعوى القطع بالحكم، ولو كان القياس ممنوعا محرما. قوله مد ظله: موطوءا. هنا إشكال، لان النساء مورد وجوب الاجتناب للصائم، فكون صومهن باطلا بمعتبر محمد بن مسلم (1) ممنوع جدا. ويؤيد ذلك خبر التهذيب (2) السابق (3)، عن أبي عبد الله (عليه السلام): في


1 - تقدم في الصفحة 243. 2 - تهذيب الاحكام 4: 319 / 975، وسائل الشيعة 2: 200، كتاب الطهارة، أبواب الجنابة، الباب 12، الحديث 3. 3 - تقدم في الصفحة 247.

[ 249 ]

[ فتعمد ذلك مبطل وإن لم ينزل. ] الرجل يأتي المرأة في دبرها وهي صائمة؟ قال: لا ينقض صومها، وليس عليها غسل. وقريب منه الخبر الاخر (1)، ولعلهما واحد كما هو الاظهر، فلولا ضعفهما الذاتي، وذهاب الامة إلى بطلان صوم الموطوء على الاطلاق، كان هنا وجه للمنع. وأما بطلان صوم الرجل الموطوء فيستظهر من الوجوه السابقة، ضرورة أن النكاح الممنوع يشمل الفروض حتى فرض موطوئية الصغير والمرأة. ومن هنا يظهر ضعف تمايل المبسوط إلى المناقشة في مفطرية الوطئ دبرا (2)، فراجع. قوله مد ظله: وإن لم ينزل. إجماعا في الجملة (3)، وهو مقتضى الاطلاقات المستفادة منها مضرية مباشرة النساء والنكاح والجماع (4)، والمناقشة فيها ناشئة عما


1 - تهذيب الاحكام 4: 319 / 977. 2 - المبسوط 1: 270. 3 - جواهر الكلام 16: 219 - 220، مستمسك العروة الوثقى 8: 240. 4 - وسائل الشيعة 10: 31، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 1، الحديث 1، والباب 22، الحديث 1.

[ 250 ]

[ ولا يبطل مع النسيان أو القهر السالب للاختيار، دون الاكراه فإنه مبطل أيضا، فإن جامع نسيانا أو قهرا فتذكر أو ارتفع القهر في الاثناء، وجب الاخراج فورا، فإن تراخى بطل صومه. ولو قصد التفخيذ مثلا فدخل بلا قصد لم يبطل، وكذا لو قصد الادخال ولم يتحقق، لما مر من عدم مفطرية قصد المفطر. ] يرجع إلى المناقشة في الوطئ قبلا وإن لم ينزل، ولا فرق بين الفروع في شمول الادلة حسب الاظهر، وهو المناسب في المقام، وتقتضيه مناسبة الحكم والموضوع جدا. قوله مد ظله: لا يبطل. سيظهر وجهه في المسألة الثامنة عشرة وهكذا وجه بطلان صوم المكره. قوله مد ظله: بطل صومه. أما الوجوب فلما مر، وأما البطلان فلان الاجتناب عن النساء لا يحصل إلا بمثله في مفروض المسألة، ولو تراخى وجب الاخراج أيضا على الاحوط، حسب لزوم ترك المفطرات على المفطر. قوله مد ظله: لم يبطل. إما لكونه عن غير عمد أو لعدم صدق النكاح والجماع، فتدبر. قوله مد ظله: وكذا. ليس الادخال بعنوانه من المفطرات، فما هو مورد البحث هو قصد

[ 251 ]

[ ويتحقق الجماع بغيبوبة الحشفة أو مقدارها، بل لا يبعد إبطال مسمى الدخول في المقطوع وإن لم يكن بمقدارها. ] المفطر، وقد مر (1) ما يتعلق به، وقوينا في محله التفصيل بين مثل قصد الاكل والشرب وبين مثل قصد الكذبة والاحتقان، فإن الاول من قصد المفطر بخلاف الثاني، لعدم إمكان اعتبار المفطر إلا برجوعه إلى اشتراط تركه في المأمور به، فتأمل جيدا. قوله مد ظله: بل لا يبعد. بل لا يبعد إبطال مسمى الدخول ولو في غير المقطوع، وذلك لاطلاق معتبر ابن مسلم (2)، ضرورة أنه ينافي الاجتناب عن النساء. ولو أشكل الامر في صدق الجماع والنكاح لاجل استفادة الحد الشرعي مما ورد في موجب الغسل، وهو التقاء الختانين (3)، فلامحل للاشكال في الاطلاق المذكور، مع أن الاستفادة المزبورة غير واضحة جدا، لعدم الملازمة بين المسألتين.


1 - تقدم في الصفحة 232 - 234. 2 - تقدم في الصفحة 243. 3 - الكافي 3: 46 / 2 و 3، وسائل الشيعة 2: 183، كتاب الطهارة، أبواب الجنابة، الباب 6، الحديث 2 و 3.

[ 252 ]

[ الرابع: إنزال المني ] وأما الاجماع الناهض على الملازمة بين الموجب للغسل والمبطل (1) فهو على أمر اصطيادي من الاخبار، وقد أشرنا إلى عدم تماميته. قوله مد ظله: إنزال المني. بلا خلاف في الجملة، وعليه الاجماعات المحكية (2) عن الانتصار والوسيلة والغنية والتذكرة (3). وعن المدارك: عليه أجمع العلماء كافة (4). ولعل نظره إلى المخالفين، ففي الخلاف: أنه قول مالك والشافعي (5). والمناقشة في هذه المحكيات بأنها ليست تعبدية، لوجود بعض النصوص (6) في المسألة، والمناقشة في تلك النصوص بعدم تماميتها استنادا للحكم، موجبة لسريان الشك في أصل المفطرية، وذلك لان حديث


1 - تقدم في الصفحة 245، الرقم 5. 2 - مستند الشيعة 10: 240، مستمسك العروة الوثقى 8: 244 - 245. 3 - الانتصار: 64، الوسيلة: 142، الغنية، ضمن الجوامع الفقهية: 509 / السطر 9 - 12، تذكرة الفقهاء 6: 24. 4 - مدارك الاحكام 6: 21. 5 - الخلاف 2: 198. 6 - الكافي 4: 102 / 4، تهذيب الاحكام 4: 206 / 597، وسائل الشيعة 10: 39، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 4، الحديث 1.

[ 253 ]

[ باستمناء أو ملامسة أو قبلة أو تفخيذ أو نحو ذلك من الافعال التي يقصد بها حصوله، ] وحدة موجب الغسل والمفطر غير تمام، لان الاحتلام في النهار موجب للغسل وليس بمفطر، والانزال العمدي بعده موجب للبطلان دون الغسل. ومعتبر ابن مسلم لا يشمل الاستمناء اليدوية، وكذا معتبر عبد الرحمن ابن الحجاج (1) الوارد في العابث بأهله، فإنزال المني باستمناء في مقابل الاستمناء بالملاعبة مع الاهل وغيره، لا يتبين مبطليته إلا دعوى القطع أو استفادة الحكم من الاخبار بإلغاء الخصوصية. هذا وغير خفي: أن تلك الاجماعات كأنها ناظرة إلى لعب خاص، وهو الاستمناء على الوجوه المذكورة غير الوجه الاول، ولذلك ما تعرضت العروة الوثقى لهذا الفرض. قوله مد ظله: يقصد بها. أي: من الافعال المتعارفة في هذا الامر، وتكون عادية نوعية، وإن لم يكن من العادة بالنسبة إلى شخص خاص، وهذا ظاهر العبارة إلا أن المنظور ليس إلحاق غير المعتاد بالمعتاد. وبالجملة: مبطلية الاستمناء بتلك الطرق تستفاد مضافا إلى تلك


1 - عن عبد الرحمن بن الحجاج، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يعبث بأهله في شهر رمضان حتى يمني؟ قال: عليه من الكفارة مثل ما على الذي يجامع.

[ 254 ]

[...... ] الاجماعات، من معتبر ابن مسلم، وإطلاقه يقتضي ترك كل هذه الامور إلا ما قام الدليل على خلافه أو كان انصراف، لاجل أنها تنافي الاجتناب عن النساء محللات كن أم محرمات. ومن معتبر ابن الحجاج قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يعبث بأهله في شهر رمضان حتى يمني؟ قال: عليه من الكفارة مثل ما على الذي يجامع (1). وفيه نظر، لاجل أن كلمة حتى ربما تكون للغاية، بمعنى ما إليه الحركة، لا ما لاجله الحركة، ولازم ذلك البطلان ولو لم يكن قاصدا فيعارضه الاخبار الاخر (2)، بل تكون الرواية حينئذ معرضا عنها، فلا تغفل. ولو صح ما في المدارك من ضعف جميع أخبار هذه المسألة إلا الخبر المذكور (3)، فيلزم سقوط الكل، لاجل ما اشير إليه، ولكنه غير صحيح لما فيها المعتبر عندنا. ومن معتبر ابن الحجاج أيضا إلا أنه مثله دلالة، ومن معتبر سماعة قال: سألته عن رجل لزق بأهله فأنزل، قال: عليه إطعام ستين مسكينا، مد


1 - الكافي 4: 102 / 4، تهذيب الاحكام 4: 206 / 597، وسائل الشيعة 10: 39، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 4، الحديث 1. 2 - وسائل الشيعة 10: 97 - 101، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 33. 3 - مدارك الاحكام 6: 61 - 62.

[ 255 ]

[ بل لو لم يقصد حصوله، وكان من عادته ذلك بالفعل المزبور، فهو مبطل أيضا. ] لكل مسكين (1). ومقتضى إطلاقه أيضا عدم اختصاص الحكم بصورة القصد، وحيث إن مقتضى الادلة الاتية في طي المسألة 18 عدم مبطلية المفطرات في غير حال العمد فيقيد الاطلاقات هنا. فتحصل أن اللعب بالمرأة المنتهي إلى الامناء وسبق الماء، يوجب الفساد، إلا أن الظاهر من أخبارها (2) اختصاص الفساد بصورة خاصة، وهو اللعب بالافعال العادية دون مطلق الفعل، كما يأتي إن شاء الله تعالى. قوله مد ظله: مبطل أيضا. وذلك لطائفة من الاخبار كمعتبر زرارة ومحمد بن مسلم جميعا، عن أبي جعفر (عليه السلام) أنه سئل، هل يباشر الصائم أو يقبل في شهر رمضان؟ فقال: إني أخاف عليه فليتنزه من ذلك إلا أن يثق أن لا يسبقه منيه (3). ومعتبر ابن حازم، قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام): ما تقول في الصائم يقبل


1 - تهذيب الاحكام 4: 320 / 980، وسائل الشيعة 10: 40، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 4، الحديث 4. 2 - وسائل الشيعة 10: 39، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 4. 3 - تهذيب الاحكام 4: 271 / 821، وسائل الشيعة 10: 100، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 33، الحديث 13.

[ 256 ]

[...... ] الجارية والمرأة؟ فقال: أما الشيخ الكبير مثلي ومثلك فلا بأس، وأما الشاب الشبق فلا، لانه لا يؤمن، والقبلة إحدى الشهوتين (1). فإن قضية الاخبار الماضية وهذه المآثير، أن مجرد الفعل غير كاف، بل لابد وأن يكون منضما إليه العادة، كما أن الفعل الذي هو الموجب بانضمام العادة، هو الفعل الخاص، لانه مما لا يؤمن منه، ولا يحصل فيه الوثوق والاطمئنان فعند عدم حصول الوثوق لابد من الاجتناب، وفي ما كان الفعل مما يتعارف انتهائه إلى الامناء لا يكون وثوق عادة ونوعا، إذا كان من عادته ذلك. ولان مع الاعتياد لا يبعد صدق العمد عليه، ويعد من سوء الاختيار والاهمال فيناسب حينئذ العمل بإطلاق ما مر من مثل معتبر ابن الحجاج (2) وغيره (3) الناطق بالكفارة على الاطلاق. ويناقش، أولا: في أصل الحكم بطائفة من الاخبار الصريحة في جواز ذلك في شهر رمضان مطلقا، وأحسنها سندا ودلالة، ما في المقنع عن أمير المؤمنين (عليه السلام) لو أن رجلا لصق بأهله في شهر رمضان فأمنى، لم يكن


1 - الكافي 4: 104 / 3، وسائل الشيعة 10: 97، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 33، الحديث 3. 2 - تقدم في الصفحة 254، الرقم 1. 3 - تقدم في الصفحة 254، الرقم 1 و 255، الرقم 1.

[ 257 ]

[...... ] عليه شئ (1). إلا أنها لاجل ما سبق، ولضعف السند عندنا، ولعدم إمكان العمل بمضمونه، محمول على صورة عدم القصد أو عدم الاعتياد أو غير ذلك. اللهم إلا أن يقال: دلالة الاخبار السابقة على المبطلية غير واضحة، فيجوز أن يكون مكروها، ولكنه بعيد إنصافا. وثانيا: في اعتبار الافعال الخاصة ففي خبر أبي بصير، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل وضع يده على شئ من جسد امرأته فأدفق؟ فقال: كفارته أن يصوم شهرين متتابعين... (2)، فإنه صريح في أن فعلا ما يكفي. نعم، يقيد إطلاقه بصورة العمد، وبما إذا لم يكن مأمونا، فلو كان يؤمن عليه، فلا بأس به لما مر. اللهم إلا أن يضعف الخبر أو يقيد بصورة القصد، ولعمري أن هذه المسألة متشتت الاخبار، ومضطرب الاثار، وتنقيحها يوجب الخروج عن وضع الكتاب الذي هو على الاختصار، ولها موقف آخر، من شاء فليراجع


1 - المقنع: 188 - 199، وسائل الشيعة 10: 98، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 33، الحديث 5. 2 - تهذيب الاحكام 4: 320 / 981، وسائل الشيعة 10: 40، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 4، الحديث 5.

[ 258 ]

[ نعم، لو سبقه المني من دون إيجاد شئ يترتب عليه حصوله - ولو من جهة عادته من دون قصد له لم يكن مبطلا. ] كتابنا الكبير (1). قوله مد ظله: لم يكن مبطلا. نظرا إلى أنه من غير العمد موضوعا، وغير لاحق به حسب الاخبار السابقة، لان المفروض عدم اعتياده به.


1 - تحريرات في الفقه، كتاب الصوم، الرابع من المفطرات.

[ 259 ]

[ مسألة 3: لا بأس بالاستبراء بالبول أو الخرطات لمن احتلم في النهار، وإن علم بخروج بقايا المني الذي في المجرى إذا كان ذلك قبل الغسل من الجنابة. وأما الاستبراء بعده، فمع العلم بحدوث جنابة جديدة فالاحوط تركه، بل لا يخلو لزومه من قوة. ] قوله مد ظله: إذا كان ذلك. لعدم حصول الجنابة الجديدة حتى يقال بأن الامناء الموجب للغسل مبطل بالاجماع السابق تنقيحه وحده (1)، ولعدم كفاية الادلة اللبية واللفظية عن منعه لو لم تكن السيرة الاجمالية، ولاسيما بالبول، على خلافه. قوله مد ظله: من قوة. نظرا إلى إجماع السلف، وقد عرفت بما لا مزيد عليه، فلافرق بين الصورتين في الحكم على الاظهر. وتوهم أنه من الامناء العمدي الممنوع (2)، ولو صح فهو أيضا يوجب عدم الفرق بين الصورتين، مع ما عرفت من قصور الادلة.


1 - تقدم في الصفحة 252 - 253. 2 - مستمسك العروة الوثقى 8: 248، ذيل الرقم 3.

[ 260 ]

[ ولا يجب التحفظ من خروج المني بعد الانزال إن استيقظ قبله، خصوصا مع الحرج والاضرار. ] قوله مد ظله: لا يجب. شرطيا فيصح صومه لما مر، ولو أمكن الالتزام بوجوبه تكليفا أو حرمة إدامة الخروج، نظرا إلى أنه من الاستمناء الممنوع مثلا. ولذلك استشكل بعضهم في المسألة في كتاب الطهارة (1)، ولعمري إن أمثال هذه التوهمات غير لائق بأمثال فقهائنا - رضوان الله تعالى عليهم -. قد تم الفراغ يوم الثلاثاء من الاسبوع الاخير من شهر رمضان لعام 1394 هجري - قمري في النجف الاشرف على صاحبها آلاف الثناء والتحية، ونسأل الله أن يوفقنا لاتمامه في سائر شهور الصيام إن شاء الله تعالى (2).


1 - العروة الوثقى 1: 283 فصل في غسل الجنابة، المسألة 7. 2 - وقد سقط هنا عدة مسائل، وما عثرنا عليه بعد ذلك هو السادس من المفطرات.

[ 261 ]

[ السادس: تعمد الكذب على الله تعالى ورسوله. ] قوله مد ظله: الكذب. على المشهور بين القدماء (1)، وادعي عليه الاجماع مرارا (2)، ونسب إلى العماني (3) والسيد في جمله (4) وإلى ابن إدريس (5)، والمحقق في الشرائع ومعتبره (6) وإلى جملة من المتأخرين (7)، عدمه. وخالفهم أصحابنا المتأخرين (8)، نظرا إلى أن هذه المسألة من المسائل المبتلى بها جدا. ويبعد استنادهم فيها إلى الاخبار حتى يناقش فيها سندا أو دلالة، مع أنه لم يثبت نسبة الخلاف إلى السيد، ولاسيما بعد دعواه الاجماع (9).


1 - المقنعة: 344، الكافي في الفقه: 179، النهاية 1: 388، الخلاف 2: 221، المسألة 85. 2 - الانتصار: 62 - 63، الغنية، ضمن الجوامع الفقهية: 509 / السطر 11 - 12، جواهر الكلام 16: 224، مستمسك العروة الوثقى 8: 251. 3 - حكاه عن العماني في مختلف الشيعة 3: 397. 4 - رسائل الشريف المرتضى 3: 54. 5 - السرائر 1: 376. 6 - شرائع الاسلام 1: 173، المعتبر 2: 656 و 671. 7 - تذكرة الفقهاء 6: 32، التنقيح الرائع 1: 363، مسالك الافهام 2: 24، مدارك الاحكام 6: 46. 8 - مستند الشيعة 10: 253، العروة الوثقى 2: 180، كتاب الصوم، الفصل الثاني في المفطرات، المسألة 18، جامع المدارك 2: 158. 9 - الانتصار: 62 - 63.

[ 262 ]

[...... ] وحيث إنه من المسائل التي انفردت بها الامامية، وخالفهم الجمهور (1)، تكون الاخبار الظاهرة في أن الكذب ناقض الكمال لا الصحة (2)، محمولة على التقية. هذا وفي الاخبار معتبر سماعة، قال: سألته عن رجل كذب في رمضان، فقال: قد أفطر، وعليه قضاؤه فقلت: فما كذبته؟ قال: يكذب على الله وعلى رسوله صلى الله عليه وآله (3) ودلالته واضحة. والمناقشة فيها (4) باشتمال بعض الاخبار على أن الكذبة تنقض الوضوء (5)، وأن الغيبة مفطر (6)، وأن النظرة والظلم مفطر (7)،


1 - الخلاف 2: 221، المغني 3: 35، المجموع 6: 312. 2 - وسائل الشيعة 10: 33 - 35، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 2. 3 - تهذيب الاحكام 4: 189 / 536، وسائل الشيعة 10: 33، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 2، الحديث 1. 4 - مصباح الفقيه 14: 378. 5 - تهذيب الاحكام 4: 203 / 585، وسائل الشيعة 10: 33، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 2، الحديث 2. 6 - كتاب النوادر: 23 / 12، وسائل الشيعة 10: 35، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 2، الحديث 8 و 10. 7 - اقبال الاعمال: 87 / السطر 1 - 2، وسائل الشيعة 10: 35، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 3، الحديث 9.

[ 263 ]

[...... ] وأمثاله (1)، ليست في محلها، وإلا يلزم الاشكال في وجوب الصلاة والصوم والزكاة والحج وغيرها، لاختلاف ألسنة أخبارها. ثم إن توهين الخبر بوحدة السياق في الخبر الاخر (2) ولو كان جائزا، ولكنه بعد تمامية صدور الجملة الناطقة بأن الكذبة تنقض الوضوء، وبعد تمامية جهة الصدور، وبعد تمامية الدلالة، والاخبار التي تشتمل عليها (3)، بين ما لا يثبت به صدور الجملة المذكورة، وبين ما يحتمل كونها تقية، لذهاب العامة إلى نواقض الوضوء غير ما عندنا، ويجوز أن يكون الكذبة منها وإن لم يذكر عنهم، وبين ما يحتمل أن يكون المراد من الوضوء نفس الصوم، لانه طهور كما عن بعض المراسيل (4)، ويساعده الاعتبار. هذا مع أن عدم ذهاب الكل إلى ناقضية الكذبة يورث الاجمال،


1 - مستدرك الوسائل 7: 322، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 2، الحديث 1. 2 - مصباح الفقيه 14: 378 - 381. 3 - الكافي 4: 89 / 10، تهذيب الاحكام 4: 203 / 586، كتاب النوادر: 24 / 14، وسائل الشيعة 10: 33 - 34 كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 2، الحديث 2 و 3 و 5 و 7. 4 - الفقيه 2: 56 / 1.

[ 264 ]

[...... ] فلا يبقى لتلك الاخبار وجه لصالحيتها للقرينة بالنسبة إلى معتبر سماعة، ومعتبر ابن يونس، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام): إن الكذب على الله، وعلى رسوله، وعلى الائمة (عليهم السلام) يفطر الصائم (1) فلا تخلط. بقي شئ: في المراد من تعمد الكذب تعمد الكذب هو الكذب العمدي الصادر عن العالم بالكذب، ومن المحرر في محله: أن العالم بالكذب لا يتمكن من الكذب، ومن الاذعان بالقضية، ومن الاخبار عن الواقع (2)، كما لا يعقل أن يخاف الانسان من الاسد مع العلم بالعدم، فالمراد من التعمد هو التشبه بالعمد وتصنع العمد، كما هو مقتضى هيئة باب التفعل، أو يكون المراد من العمد هنا شبه العمد، لان عمد الكذب لا يرجع إلا إليه. فالاشكال الصغروي بأن الكذب العمدي مفطر، ولا مصداق له، وما هو له المصداق ليس بمفطر حتى الهزل، كما يأتي عنهم، ينحل بذلك، وأما التشبث لحل معضلة المسألة عقلا، بما في المفصلات، فكله خال عن


1 - الفقيه 2: 67 / 277، وسائل الشيعة 10: 34، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 2، الحديث 4. 2 - لاحظ تحريرات في الفقه، كتاب الصوم، الخامس من المفطرات.

[ 265 ]

[ والائمة (عليهم السلام) على الاقوى ] التحصيل، ومن شاء فليراجع. قوله مد ظله: والائمة (عليهم السلام). إجماعا قطعيا، ويدل عليه معتبر ابن يونس، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام): إن الكذب على الله، وعلى رسوله، وعلى الائمة (عليهم السلام) يفطر الصائم (1). والقدر المتيقن من الكذبة على الله، وعلى الرسول، وعليهم (عليهم السلام)، هو ما إذا كانت المسائل التشريعية الاسلامية، وتكون الكذبة على الله أصل الشرع، وصاحب الشريعة، دون غيره، وإذا كانت الكذبة على غيره راجعة إليه تعالى، موجب للبطلان، والرجوع إليه ليس قهريا، بل لابد من القصد والارادة وإلا فلا تحصل النسبة والكذبة، كما لا يخفى. وعليه لا يكون فرق بينهم (عليهم السلام)، وبين فاطمة الزهراء - سلام الله عليها والفقهاء وغيرهم من هذه الجهة، وكل ذلك لان الخبر الناطق بمفطرية الكذبة ليس له الاطلاق ظاهرا، لان النظر فيه وفي ما يشبهه إلى أبناء العامة القائلين بعدم المفطرية، والمفتين في الاسلام على خلاف موازين الافتاء، وناسبين الاحكام في الفتوى إلى صاحب الاسلام،


1 - الفقيه 2: 67 / 277، وسائل الشيعة 10: 34، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 2، الحديث 4.

[ 266 ]

[ وكذا باقي الانبياء والاوصياء (عليهم السلام) على الاحوط، من غير فرق بين كونه في الدين أو الدنيا. ] ورب الشرع. هذا، مع أن أخذ الرسول بعنوان الرسالة، والائمة بعنوان الامامة، يشعر بما يرتبط بالعنوانين، دون ما هو خارج عنهما، فلو كان واحد يكذب على الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، ويقول: إنه تسرع في حكم كذا، وليس من الوحي فبطلان صومه ممنوع إلا إذا كان قوله ردة، وبطلان الصوم بالردة بحث آخر، ربما يمكن تصحيحه بالتوبة إذا لحقته فورا، فلا تخلط. قوله مد ظله: أو الدنيا. على المعروف بينهم (1)، خلافا لما نسب إلى صاحب الكشف (2) (قدس سره) وهو قوي جدا، ضرورة أنه مضافا إلى ما مر من عدم ثبوت الاطلاق جدا، لا يجوز أن يلتزم أحد بأن نسبة الضحك والبكاء على الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) حين الولادة، وحين ما كان مثلا في القماط، أو نسبة أن قماطه كان أبيض أو أسود أو كونه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يضرب بكذا، وهكذا ساير الائمة وغيرهم، من


1 - تحرير الاحكام 1: 78 / السطر 1، منتهى المطلب 2: 565 / السطر 9 - 10، مصباح الفقيه 14: 381 - 382، العروة الوثقى 2: 180 - 181، كتاب الصوم، في المفطرات، المسألة 18. 2 - كشف الغطاء: 321 / السطر الاخير، جواهر الكلام 16: 226.

[ 267 ]

[ وبين كونه بالقول أو بالكتابة أو الاشارة أو الكناية، ونحوها مما يصدق عليه الكذب عليهم (عليهم السلام). فلو سأله سائل: هل قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كذا؟ فأشار: نعم في مقام لا، أو لا في مقام نعم، بطل صومه. وكذا لو أخبر صادقا عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، ثم قال: ما أخبرت به عنه كذب، أو أخبر عنه كاذبا في الليل، ثم قال - في النهار: إن ما أخبرت به في الليل صدق، فسد صومه، ] المفطر المبطل للصوم ولو كان محرما وأحيانا موجبا للارتداد، فلا تخلط، وكن على بصيرة من أمرك. قوله مد ظله: مما يصدق. وهو لا يحصل إلا في صورة الارادة والقصد، فلو كان الكلام بحسب النوع كنائيا، ولكنه لم يقصد به النسبة والاخبار عن المكنى عنه، لا يفطر، لما لا يتحقق به الاخبار والكذب. قوله مد ظله: بطل صومه. بشرط كونه مما يرجع إلى الدين، ويريد الاخبار والكذب على صاحب الدين وأصل الشرع. قوله مد ظله: فسد صومه. إلا إذا كان النظر إلى إفادة أنه صادق أو كاذب، ولا يكون مقصوده مون المنجر به، فإطلاق الفرعين ممنوع.

[ 268 ]

[ والاحوط عدم الفرق بين الكذب عليهم في أقوالهم أو غيرها. كالاخبار كاذبا بأنه فعل كذا أو كان كذا، والاقوى عدم ترتب الفساد مع عدم القصد الجدي إلى الاخبار بأن كان هازلا أو لاغيا. ] قوله مد ظله: أو غيرها. مما يرجع إلى الاحكام دون العادات والاداب، كما إذا أخبر بأنه (عليه السلام) عندما كان ابن خمس سنين يحب الرمان، أو لا يأكل المرق، وهكذا بالقياس إلى عصر إمامتهم (عليهم السلام)، ولعمري إنه من يتدبر في ما يستلزم فتواهم هنا يطمئن بأن الكذبة المفطرة مخصوصة بالمسائل الخاصة. قوله مد ظله: القصد الجدي. قد مر أن القصد الجدي الحاصل في أكل الربا وشرب الخمر، لا يحصل في الكذبة بعد العلم بكذبها، وما يحصل من الكاذب هو التصنع بالجد، والهازل والكاذب بالجد غير مفترق إلا في الاغراض، مثلا إذا كان رجل يكذب ثم يسئل عنه: هل أنت صادق؟ فيخبر بصدقه، فإنه لا يكون إخبارا جديا إلا أنه يتمثل الجد. وبالجملة: عدم مبطلية الكذبة عن هزل لقصور الاطلاق، ولذلك احتاط فيه بعض الاصحاب (1).


1 - كشف الغطاء: 322 / السطر 1 - 2.

[ 269 ]

[ مسألة 13: لا فرق بين أن يكون الكذب مجعولا له أو لغيره. كما إذا كان مذكورا في بعض كتب التواريخ، أو الاخبار إذا كان على وجه الاخبار، نعم لا يفسده إذا كان على وجه الحكاية والنقل من شخص أو كتاب. السابع: رمس الرأس في الماء على الاحوط. ] قوله مد ظله: أو لغيره. غير خفي أن ما هو المجعول لغيره لا يمكن أن تناله يد الجعل ثانيا، فلا محالة إذا حكاه يستند إلى الغير، ولو لم يستند إليه يكون كذبا آخر مجعولا له إلا أنه مماثل مع الكذبة المجعولة في الكتاب، والامر سهل. قوله مد ظله: على الاحوط. وفاقا للاكثر (1)، بل قيل هو المشهور (2)، وعليه دعوى الاجماع (3)، خلافا للجمهور من العامة (4)، وذهب الاستبصار وابن إدريس والشرائع والمعتبر إلى التحريم بلا فساد (5).


1 - المقنعة: 344، النهاية 1: 396، المبسوط 1: 270، الخلاف 2: 221، جواهر الكلام 16: 227 - 228. 2 - جواهر الكلام 16: 227، مستمسك العروة الوثقى 8: 262. 3 - الانتصار: 62 - 63، الغنية، ضمن الجوامع الفقهية: 509 / السطر 11 - 12. 4 - تذكرة الفقهاء 6: 33، المجموع 6: 348 / السطر 8 - 9. 5 - الاستبصار 2: 85، ذيل الحديث 263، السرائر 1: 386 - 387، شرائع الاسلام 1: 173، المعتبر 2: 656.

[ 270 ]

[...... ] وعن جمع: يكره الارتماس (1)، وفاقا لطائفة من العامة (2). ويحتمل عدم الكراهة، فتكون النواهي إرشادا إلى المنقصة في الصوم كالصلاة في الحمام، وحيث إن العبرة بروايات الباب (3)، فهي ظاهرة في الارشاد إلى الفساد حسب الاصل المحرر، إلا أنه هناك بعض القرائن المقتضية لكون النواهي الصريحة محمولة على التكليف، لا الوضع، وذلك لوحدة السياق، كما في معتبر حريز: لا يرتمس الصائم، ولا المحرم رأسه في الماء (4). ولقوله (عليه السلام) - على ما في خبر عبد الله بن سنان، عنه (عليه السلام): يكره للصائم أن يرتمس في الماء (5).


1 - تهذيب الاحكام 4: 209، ذيل الحديث 605، رسائل الشريف المرتضى 3: 54، مستند الشيعة 10: 262، مستمسك العروة الوثقى 8: 263. 2 - حكاه عنهم في تذكرة الفقهاء 6: 33، المغني والشرح الكبير 3: 45 / السطر 8 - 9 و 24 - 25. 3 - وسائل الشيعة 10: 35 - 38، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 3. 4 - تهذيب الاحكام 4: 203 / 588، وسائل الشيعة 10: 38 كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 3، الحديث 8. 5 - تهذيب الاحكام 4: 209 / 606، وسائل الشيعة 10: 38 كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 3، الحديث 9.

[ 271 ]

[...... ] ولمعتبر إسحاق بن عمار الناطق بالصحة وعدم لزوم القضاء (1)، فهو وذان شواهد قطعية على صرف الظواهر من الارشاد إلى التحريم أو التنزيه. وحيث إن هناك معتبر محمد بن مسلم الحاصر السابق (2)، الظاهر في مفطرية الارتماس، يلزم التعارض بينه وبين معتبر إسحاق بن عمار، فيكون المرجع خبر ابن مسلم، لمخالفته للعامة، فيكون الشاهد على صرف تلك الظواهر، ساقطا، وشهادة رواية ابن سنان ممنوعة، لضعفها سندا ودلالة. وحديث وحدة السياق لا يقتضي أن يكون الارتماس غير مبطل، لامكان كونه حراما ومبطلا كما لا يخفى. نعم ربما يتوهم أن دلالة معتبر ابن مسلم الحاصر على البطلان، ليست وضعية، بل هي إطلاقية سياقية، فيمكن الجمع بينه وبين خبر إسحاق عرفا (3)، فلاتصل النوبة إلى المعارضة، ضرورة أن الارتماس


1 - عن إسحاق بن عمار قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام): رجل صائم ارتمس في الماء متعمدا، عليه قضاء ذلك اليوم؟ قال: ليس عليه قضاؤه ولا يعودن. تهذيب الاحكام 4: 209 - 210 / 607، وسائل الشيعة 10: 43، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 6، الحديث 1. 2 - تقدم في الصفحة 243. 3 - مستمسك العروة الوثقى 8: 263.

[ 272 ]

[...... ] يجوز أن يكون مضرا، وموجبا لنقصان الصوم فقط. ولاجل ذاك وذلك احتاط الماتن وجمع من المعاصرين (1). كما أن لاجل إمكان الخدشة في سند خبر إسحاق - لوجود عمران بن موسى فيه اشتهر القول بالبطلان، لضعف الشواهد الاخر على صرف الظواهر، بعد تأييدها بما في الحصر المستفاد من خبر ابن مسلم (2). ولكن بعد اللتيا والتي الاخذ بمدلول الحصر، وظهوره في البطلان، بعد اعتبار خبر إسحاق، مشكل. وحمل النواهي على التحريم غير جايز، لان الارتماس في الصوم غير الواجب المعين ليس بحرام قطعا، وحمل الاخبار عليه بلا شاهد، وحملها على التنزيه أيضا غير وجيه، لقوله (عليه السلام) في خبر إسحاق بن عمار ولا يعودن الظاهر في النهي عن العود، وهكذا بعض الاخبار الاخر الظاهرة في غير الكراهة المصطلحة (3) المحمول كلها على الارشاد إلى أن الارتماس موجب للمنقصة في الصوم، فلا يكون مكروها حسب الاصطلاح.


1 - العروة الوثقى 2: 183، السابع من المفطرات، وسيلة النجاة: 137، فصل فيما يجب الامساك عنه، المسألة 13. 2 - تقدم في الصفحة 243. 3 - وسائل الشيعة 10: 35 - 38، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 3.

[ 273 ]

[ ولو مع خروج البدن. ] وهناك بعض الشواهد الاخر على ما أبدعنا محرر في كتابنا الكبير (1). ومنها: أن الذوق السليم، والفهم المستقيم حول الاوامر والنواهي الصادرة حول المركبات الشرعية، بين ما هي إرشاد إلى الشرطية والمانعية، فتكون تلك المركبات باطلة عند الاختلال، وبين ما هي إرشاد إلى حصول المنقصة في المركب بارتكاب المنهى عنه أو بترك المأمور به. وأما حرمة نفس المنهي عنه أو كراهته أو وجوب نفس المأمور به أو استحبابه على وجه يكون المركب ظرفا لهما، فهو مضافا إلى شبهة في إمكانه - لعدم تمامية القضايا الحينية في الاعتباريات مطلقا أنه غير موافق لفهم العرف جدا، فالصلاة والصوم هنا واحد من هذه الجهة، فكما أن نواهيها الواردة في نواحيها المختلفة ترجع إلى قلة ثوابها في ضميمة تلك الخصوصية، كذلك نواهي الصوم ترشد إلى نقصان الصوم درجة، وثوابا، وأثرا معنويا، وغير ذلك، فلا تخلط. قوله مد ظله: البدن. وعن الميسي عدم البطلان (2)، وعن الدروس التوقف فيه (3)،


1 - تحريرات في الفقه، كتاب الصوم، السابع من المفطرات. 2 - مستمسك العروة الوثقى 8: 264. 3 - الدروس الشرعية 1: 278.

[ 274 ]

[ ولا يلحق المضاف بالمطلق، نعم لا يترك الاحتياط في مثل الجلاب، خصوصا مع ذهاب رائحته، ولا بأس بالافاضة. ] والوجه انصراف الاخبار إلى ما هو المعتاد وأنه لو كان باطلا الصوم به، يلزم كون الارتماس المستند في الاخبار إلى الشخص، مبطلا، والمستند إلى الرأس كما في معتبر ابن مسلم قال: ولا يغمس رأسه في الماء (1)، مبطلا آخر. اللهم إلا أن يقال: قضية الصناعة رفع الابهام والاجمال في الخبر الاول بما في الخبر الثاني، فيكون ارتماس البدن، من الحجر في جنب الانسان. قوله مد ظله: المضاف. وعن الشهيد: إن في حكم الماء مطلق المائع وإن كان مضافا (2)، وعن صاحب الكشف إلحاق خصوص المضاف بالمطلق (3)، فقول الشهيد: وإن كان مضافا في غير محله، لانه أولى بالالحاق من مطلق المائع. ولو كان مجرد الارتماس، يلزم بطلان الصوم بالرمس في التراب،


1 - الكافي 4: 106 / 3، تهذيب الاحكام 4: 262 / 785، وسائل الشيعة 10: 36، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 3، الحديث 2. 2 - مسالك الافهام 2: 16. 3 - كشف الغطاء: 320 / السطر 12.

[ 275 ]

[ ونحوها مما لا يسمى رمسا وإن كثر الماء، بل لا بأس برمس البعض وان كان فيه المنافذ، ولا بغمس التمام على التعاقب بأن غمس نصفه، ثم أخرجه، وغمس نصفه الاخر. ] كما هو مقتضى اللغة، فالحكم في غير المطلق بلا وجه جدا، ولا معنى لالغاء الخصوصية بعد اختصاص الحكمة بالماء. نعم احتمال عدم مبطلية الارتماس في الماء الحار الفائر غير بعيد، لدعوى الانصراف، ولمناسبة الحكمة له. قوله مد ظله: رمسا. أو شك في الصدق، نعم إذا كان الماء المفاض على وجه إذا يدخل الصائم فيه يستولي عليه فيغشيه، فإنه لا يبعد صدق الارتماس، لعدم اشتراط الارتماس بكون المرتمس واردا عليه من السطح العالي، ولذلك لو ألقى عليه مقدار من الماء بحيث يرمسه، ويحتويه دفعة، يصدق الارتماس عليه.

[ 276 ]

[ مسألة 14: لو ارتمس الصائم مغتسلا، فإن كان تطوعا أو واجبا موسعا بطل صومه، وصح غسله. وإن كان واجبا معينا، فإن قصد الغسل بأول مسمى الارتماس بطل صومه وغسله، على تأمل فيه. ] قوله مد ظله: بطل صومه. على المبنى الذي عرفت فيه، وفي صحة غسله إشكال ناشئ عن النواهي المطلقة عن ارتماس الصائم، بناء على كونها محرمة، بل ومكروهة على الاطلاق، ولكن عرفت ما فيه بما لا مزيد عليه. قوله مد ظله: صومه وغسله على تأمل. أما الصوم فربما يبطل بنفس القصد، بناء على أن نية القطع قاطعة كما عرفت أنه الاحوط (1)، وأما بطلان الغسل فهو ممنوع، لان الارتماس منهي بالنواهي الارشادية حسب مبناهم، ولا يقولون بأنه محرم في ذاته حتى يلزم أن يكون من الافطار بالمحرم، فما هو سبب عصيان العبد تركه الواجب المعين بإبطاله بالارتماس، فالغسل صحيح، ولاسيما إذا قلنا بأن نية القاطع قاطعة، فلا يكون الارتماس من باب المقدمية لترك الواجب ممنوعا أيضا لو قلنا به، مع أنه كلام غير متين محرر في محله (2)، فتأمل


1 - تقدم في الصفحة 232 - 234. 2 - تحريرات في الاصول 3: 283 - 323.

[ 277 ]

[ وإن نواه بالمكث أو الخروج صح غسله، دون صومه في غير شهر رمضان، وأما فيه فيبطلان معا. ] الماتن في غير محله، وفتواهم بالبطلان (1) أسوأ حالا منه. قوله مد ظله: صح غسله. بناء على ما هو المعروف عنهم في كفايته لصحة الغسل (2)، وإلا فللمناقشة - من جهة لزوم الولوج في الماء، ولا يكفي حين الخروجوجه محرر في محله (3)، وأما وجه التقييد بغير شهر رمضان سيظهر من الفرض الاتي إن شاء الله تعالى. قوله مد ظله: فيبطلان معا. أما بطلان الصوم فحسب الفرض، وأما بطلان الغسل فبتوهم أن الخروج والمكث مبغوضان أو محرمان، وعلى كل تقدير لا يصلحان ليتحقق بهما العبادة، ضرورة أن المفروض دخوله وارتماسه عمدي، فما يترتب عليه تصح العقوبة عليه. ولو كان خارجا عن الاختيار، لان الامتناع بالاختيار لا ينافي جواز العقاب،


1 - العروة الوثقى 2: 186، فصل فيما يجب الامساك عنه في الصوم، المسألة 43. 2 - العروة الوثقى 1: 295 - 297، في الغسل الارتماسي. 3 - تحريرات في الفقه، كتاب الصوم، السابع من المفطرات.

[ 278 ]

[...... ] بل والخطاب، ولاسيما على ما هو المحرر من قانونية الخطابات (1)، ولذلك كان الاقوى محرمية الخروج والمكث خطابا وعقابا. ولكن مما يؤسف عليه، أجنبية هذه المسألة عما نحن فيه، ضرورة أن المفطر هو الارتماس، وقد مر (2) أنه ليس بحرام تكليفا ولو كان ما هو الواجب الاجتناب عنه بعد بطلان الصوم بعنوان التأديب، هو المفطر وهو الارتماس، فلا يكون البقاء والمكث من المفطر بالضرورة، لان ما هو المفطر هو المعنى الحدثي الاني المتحقق، وقد زال وانعدم بعد الارتماس. فما في العروة الوثقى (3) وغيره (4)، وما سلكه المحشون نوعا أو كلا، خال عن التحصيل، فالغسل حال الخروج، والمكث يصح إلا على القول بلزوم الولوج في صحته على ما تحرر في كتاب الطهارة، ولا وجه لتوهم النهي عنه. ثم إن الحق: صحة الغسل ولو كان الارتماس محرما تكليفا أو مكروها كما هما القولان في المسألة، لان بين العنوانين عموم من وجه،


1 - تحريرات في الاصول 3: 449 - 455. 2 - تقدم في الصفحة 272 - 273. 3 - العروة الوثقى 2: 186، فصل، المسألة 44. 4 - وسيلة النجاة: 137، فصل، المسألة 15.

[ 279 ]

[ إلا إذا تاب ونوى الغسل بالخروج، فإنه صحيح حينئذ. ] فيكون كمسألة الصلاة في الدار الغصبية. وتوهم أن الغسل الارتماسي مورد الامر ممنوع، بل المأمور به هو الغسل، والارتماسي أحد مصاديقه، والترتيبي مصداق آخر له. ثم إنه إذا قلنا بأن الارتماس مبطل، وحرام تكليفا فالصحة أيضا معلومة، لما عرفت آنفا، فعلى جميع التقادير لا فرض يفسد فيه الغسل. نعم، قد ذكرنا في تنبيهات التوصلي والتعبدي: أن في صورة تمكن العبد من امتثال الواجب أو المستحب الغير الملازم مع المحرم، لا يبعد حكم العرف بلزوم ذلك كشفا نوع تقييد في المأمور به (1)، ولكنه هنا لا ينفع، لان الارتماس على رأينا واضح، وعلى رأيهم مفسد، وليس من المحرم التكليفي بعنوانه، فلا تخلط. قوله مد ظله: إلا إذا تاب. ذلك لما اشير إليه من أن بعد الارتماس العمدي الممنوع، يكون المكث والخروج مورد العقاب، وإذا كان واجبا الخروج، ومحرما المكث، فالغسل حين المكث غير نافذ. وأما إذا تاب عما صنعه فلا يستحق العقوبة بالنسبة إلى المكث حين


1 - تحريرات في الاصول 2: 184 - 188.

[ 280 ]

[ الثامن: إيصال الغبار الغليظ إلى الحلق، بل وغير الغليظ على الاحوط. ] الخروج، وبالنسبة إلى الحركة الخروجية، فإذا غسل حينها يصح، ولكن كل ذلك مما لا ينبغي. وكفاية التوبة بالنسبة إلى نفي الاستحقاق في مثل الخروج عن الارض المغصوبة، محل إشكال، لان من شرائط التوبه إمكان ترك المنهي عنه، وهو هنا منتف. قوله مد ظله: إيصال الغبار. إجماعا كما عن الناصرية والغنية والسرائر (1) وغيرها (2)، وقيل على المشهور شهرة عظيمة، كادت تكون إجماعا، إذ لم يعرف مخالف فيه صريحا إلى الازمنة المتأخرة (3). والذي يظهر لي: أن خلو كتب الخلاف والتذكرة في المقام عن نقل الاجماع (4)، وصريح الشرائع نسبة الخلاف في المسألة (5)، وخلو


1 - الناصريات، ضمن الجوامع الفقهية: 242، المسألة 129، الغنية، ضمن الجوامع الفقهية: 509 / السطر 8 - 12، السرائر 1: 377. 2 - التنقيح الرائع 1: 357، نهج الحق وكشف الصدق: 461، كتاب الصوم، الشيخ الانصاري 12: 44 - 45. 3 - مستمسك العروة الوثقى 8: 259. 4 - الخلاف 2: 177، تذكرة الفقهاء 6: 25. 5 - شرائع الاسلام 1: 170.

[ 281 ]

[...... ] كلمات الصدوق، والمفيد، بل والشيخ في المصباح وسلار في المراسم وهكذا السيد (1)، يشعر بأن المسألة ليست إجماعية، ولا مشهورة وإنما الشهرة اخذت في كلمات المتأخرين كالحدائق فإنه استظهر أنه المشهور (2). فلما وصلت النوبة إلى الجواهر (3) فقال ما قال من غير تأمل في كلمات القوم، فإن مثل الشيخ في الخلاف مع أن دأبه على نقل الاجماع، تمسك بالاخبار (4). ومما يشهد على عدم تأملهم نقلهم الاجماع (5) عن التذكرة وهي فاقدة له (6)، فراجع. نعم الجمهور قالوا بعدم المبطلية (7)، وهو الاقرب، كما عليه كثير


1 - المقنع: 188 - 191، المقنعة: 303 و 344 و 345، رسائل الشريف المرتضى 3: 54، مصباح المتهجد، الجزء الثالث: 484 - 485، المراسم: 98. 2 - الحدائق الناضرة 13: 72. 3 - جواهر الكلام 16: 232 - 233. 4 - الخلاف 2: 177. 5 - مستند الشيعة 10: 227، مستمسك العروة الوثقى 8: 259. 6 - تذكرة الفقهاء 6: 25. 7 - المغني 3: 39 - 41، الشرح الكبير 3: 50، المجموع 6: 327، المبسوط، السرخسي 3: 98 / السطر 14.

[ 282 ]

[...... ] من المتأخرين (1)، وهو ظاهر جمع من الاقدمين (2). فإذا لم تكن الشهرة تامة فالخبر (3) المستدل به (4)، مضافا إلى ضعف سنده لاضماره، غير معمول به، لذهاب بعضهم أو كثير منهم إلى القضاء دون الكفارة (5)، وفيه الكفارة شهرين متتابعين. هذا مع أن تقييد الغبار بالغليظ غير موجود في الشرائع (6) وفي الخبر المذكور.


1 - مجمع الفائدة والبرهان 5: 53 - 54، مفاتيح الشرائع 1: 248، الحدائق الناضرة 13: 72. 2 - المقنع: 188 - 191، رسائل الشريف المرتضى 3: 54، المراسم: 98. 3 - تهذيب الاحكام 4: 214 / 621، وسائل الشيعة 10: 69 - 70، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 22، الحديث 1. 4 - استدل به في منتهى المطلب 2: 565، المسألة التاسعة. عن سليمان بن جعفر المروزي قال: سمعته يقول: إذا تمضمض الصائم في شهر رمضان أو استنشق متعمدا أو شم رائحة غليظة أو كنس بيتا فدخل في أنفه وحلقه غبار فعليه صوم شهرين متتابعين، فإن ذلك له مفطر مثل الاكل والشرب والنكاح. تهذيب الاحكام 4: 214 / 621، وسائل الشيعة 10: 69، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 22، الحديث 1. 5 - المقنعة: 359، الكافي في الفقه: 183، السرائر 1: 377، مجمع الفائدة والبرهان 5: 84. 6 - شرائع الاسلام 1: 170.

[ 283 ]

[ وإن كان الاقوى خلافه، سواء كان الايصال بإثارته بنفسه بكنس أو نحوه، أو بإثارة غيره أو بإثارة الهواء مع تمكينه من الوصول، وعدم التحفظ. ] ولعل القائلين بالبطلان يعتقدون أنه من الاكل فاعتبروا الغلظة، لان في غير هذه الصورة يشك في حصوله. فبالجملة: لو كان مثل الغبار مبطلا، وهو مورد الابتلاء جدا، لبان حكمه ولاشتهر بينهم، فالحصر الظاهر من معتبر ابن مسلم (1) محكم. وتوهم (2) جبران الضعف بتلك الشهرة، أو الشهرة الروائية فاسد، محرر تفصيله في الاصول (3). والشهرة الفتوائية العملية جابرة، وهي ممنوعة أيضا فلا تخلط. قوله مد ظله: خلافه. نظرا إلى أن الرقيق منه مورد السيرة القطعية، والغليظ منه متعارف في كنس البيت الوارد فيه الخبر، فيكون في حكم المقيد.


1 - عن محمد بن مسلم قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: لا يضر الصائم ما صنع إذا اجتنب ثلاث خصال: الطعام والشراب، والنساء، والارتماس في الماء. تهذيب الاحكام 4: 189 / 535، وسائل الشيعة 10: 31، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 1، الحديث 1. 2 - كتاب الصوم، الشيخ الانصاري 12: 45 - 46، مستمسك العروة الوثقى 8: 259 - 260. 3 - تحريرات في الاصول 6: 388 - 403.

[ 284 ]

[ وفيما يعسر التحرز عنه تأمل، ] وإلى أن المشهور المدعى قالوا به في مورد الغليظ (1)، وإن كان كلام الشرائع خاليا وفارغا عنه (2) إلا أنه لا يضر. وإلى أن خبر ابن سعيد (3) يصرح بجواز الغبار الداخل في الحلق، المحمول على الرقيق. والحكم بالبطلان في الفروض المذكورة كلها، لصدق الايصال، مع أن في الخبر الذي استندوا إليه ليس عنوان الايصال، قال: أو كنس بيتا، فدخل في أنفه وحلقه غبار، فعليه صوم شهرين متتابعين... (4) الحديث. قوله مد ظله: تأمل. إما لعدم صدق الايصال، أو لان المنصرف من الخبر غير ذلك، أو لان القدر المتيقن من الاجماع والشهرة غير هذه الصورة، أو لان السيرة


1 - المبسوط 1: 271، المعتبر 2: 654، تذكرة الفقهاء 6: 25. 2 - شرائع الاسلام 1: 170. 3 - عن عمرو بن سعيد، عن الرضا (عليه السلام) قال: سألته عن الصائم يتدخن بعود أو بغير ذلك فتدخل الدخنة في حلقه؟ فقال: جائز، لا بأس به، قال: وسألته عن الصائم يدخل الغبار في حلقه؟ قال: لا بأس. تهذيب الاحكام 4: 324 / 1003، وسائل الشيعة 10: 70، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 22، الحديث 2. 4 - تقدم في الصفحة 282، الرقم 4.

[ 285 ]

[ ولا بأس به مع النسيان أو الغفلة، أو القهر الرافع للاختيار، أو تخيل عدم الوصول، إلا أن يجتمع في فضاء الفم، ثم أكله اختيارا، ] قائمة على عدم التحرز في مورد التعسر. قوله مد ظله: مع النسيان. لا وجه لذكر هذه الفروع هنا، لما يأتي اختصاص المفطرية بصورة العمد، والعلم بالموضوع. قوله مد ظله: ثم أكله. غير خفي أن إيصال الغبار إلى الحلق بعنوانه مفطر، لا من باب صدق الاكل، فهذا التفريع في غير محله. ثم إنه من هنا يظهر: أن ما في الخبر كما اشير إليه، ناظر إلى وصول الغبار، ودخوله قهرا، وفي حال الكنس من غير توسط الازدراد. نعم، هو اختياري بالقياس إلى المبادي البعيدة كالكنس ونحوه. ويؤيد ذلك أنه قال المخبر في ذيل الخبر: شهرين متتابعين فإن ذلك له طر (1) مثل الاكل والشرب والنكاح (2).


1 - تهذيب الاحكام 4: 214 / 621. 2 - تقدم في الصفحة 282، الرقم 4.

[ 286 ]

[ والاقوى عدم لحوق البخار به ] قوله مد ظله: عدم لحوق البخار. خلافا للمحكي عن المتأخرين (1)، حيث ألحقوه به إذا كان غليظا. وعن المدارك (2) وجمع من المتأخرين (3) المناقشة فيه، بل عن التنقيح الجزم بعدمه (4). وقال في العروة: الاقوى إلحاق البخار الغليظ (5). والذي هو المستند توهم إلغاء الخصوصية، وأن البخار الغليظ أقوى في التأثير في البدن، فيكون أقرب إلى المنع، فلو كان الغليظ من الغبار ممنوعا، فهو مثله. اللهم إلا أن يقال: إن الوصول إلى الحلق لمثل الغبار يحرم، بخلاف البخار، فإنه ليس بحرام في نفسه. أويقال: إن الوصول إلى الحلق ليس بمحرم، ولو كان ترابا، لان الاكل حرام، ولازم ما ذكره القوم والتزموه بطلان الصوم بالوصول إلى الحلق، ولو


1 - جامع المقاصد 3: 70، مسالك الافهام 2: 17، مدارك الاحكام 6: 52 - 53. 2 - مدارك الاحكام 6: 53. 3 - كفاية الاحكام: 46 / السطر 18، ذخيرة المعاد: 499 / السطر 29، الحدائق الناضرة 13: 75. 4 - التنقيح الرائع 1: 358، مستمسك العروة الوثقى 8: 261. 5 - العروة الوثقى 2: 183، المسألة 29.

[ 287 ]

[ إلا إذا انقلب في الفم ماء وابتلعه، كما أن الاقوى عدم لحوق الدخان به أيضا، نعم، يلحق به شرب الادخنة على الاحوط. التاسع: الحقنة. ] أرجعه إلى الخارج كما هو متيسر أحيانا، وهذا أيضا من مبعدات مرامهم في المسألة. وتوهم أنه لو أرجعه يكون من القئ، لا يخلو عن تأسف. قوله مد ظله: وابتلعه. هذا أيضا خروج عن فروع هذه المسألة، كما عرفت. قوله مد ظله: الدخان. قد مر وجه اللحوق وعدمه في ذيل المسألة الاخيرة، ويؤيد عدم اللحوق، مضافا إلى قصور الادلة المقتضية للحوقه به، وجود الدخنة في رواية ابن سعيد، عن الرضا (عليه السلام)، قال: سألته عن الصائم يتدخن بعود أو بغير ذلك، فتدخل الدخنة في حلقه قال: جائز لا بأس به (1). قوله مد ظله: على الاحوط. وذلك إما لاجل أنه من الغليظ الملحق بالغبار الغليظ، لالغاء الخصوصية أو لاجل صدق الشرب فعلا، وفي عصرنا، أو لاجل تنافيه في


1 - تقدم في الصفحة 284، الرقم 3.

[ 288 ]

[...... ] في محيط المتشرعة للصوم والامساك، أو لاجل أن المستفاد من الادلة ممنوعية الادخال في الجوف، كما سيظهر تقريبه في ذيل المسألة الاتية إن شاء الله تعالى. وأما توهم أن شرب الادخنة لا يدخل في المعدة، ولا في المري، فلا يلحق بالامور السابقة، فهو في غير محله، لانه وإن يدخل قصبة الرئة إلا أنه يدخل في الحلق أولا، ثم من الحلق ينقسم مجرى الهواء، ومجرى الغذاء، وقد عرفت أن الايصال إلى الحلق مورد المنع، فإذا التحق بالغبار التدخين فالمنع لاجل ذلك، أو لاجل أن الادخال في الجوف ممنوع، فلا فرق بين المجريين.

[ 289 ]

كتاب المكاسب والمتاجر وهي أنواع، نذكرها ونذكر المسائل المتعلقة بها في طي كتب:

[ 291 ]

[ مقدمة تشتمل على مسائل (1) مسألة 1: لا يجوز ] حرمة الاكتساب بالاعيان النجسة قوله: لا يجوز. تكليفا ووضعا على المشهور بينهم، وعليه الاجماعات الكثيرة المحكية عن القدماء والمتأخرين (2). وتوهم حصر النزاع في الوضع (3)، ناشئ من الغفلة عن تقسيمهم


1 - المتن من أول كتاب المتاجر إلى المسألة 9 من وسيلة النجاة وأضفنا إليه تعاليق الامام الخميني (قدس سره) في عضادتين. 2 - الخلاف 3: 166، المسألة 270، الغنية، ضمن الجوامع الفقهية: 524 / السطر 19، تذكرة الفقهاء 1: 464 / السطر 5، ولاحظ: مفتاح الكرامة 4: 11 - 24، المكاسب، الشيخ الانصاري: 3 - 6. 3 - انظر منية الطالب 1: 4 / السطر 2.

[ 292 ]

[...... ] المكاسب إلى الحرام والمكروه والمباح، بل إلى الواجب والمستحب، وعن تخصيصهم البحث على حدة بالمكاسب المحرمة، لرجوع المسألة الوضعية في المقام إلى كتاب البيع، والاجارة، وغيرهما، من اشتراط المالية والملك فيهما، أو الطهارة، فالتمسك بكلام العلامة في التذكرة ودعواه الاجماع على عدم صحة البيع (1)، في غير محله، لانه فرض البحث حول اشتراط الطهارة في المعقود عليه جهات البحث في حرمة التكسب بالاعيان النجسة. وعلى هذا يقع الكلام في هذه المسألة في جهات: أصل الحرمة التكليفية، وعمومها، وأصل الحرمة الوضعية، وعمومها. ولا شبهة في الحرمتين إجمالا، ولاوجه يعتمد عليه لعموم المدعى في الطرفين، وذلك لان أمر سنده دائر بين ما هو ضعيف دلالة وسندا، كعمومات المسألة المستدل بها، مثل رواية تحف العقول (2) والفقه


1 - تذكرة الفقهاء 1: 464 / السطر 4 - 5. 2 - سأله سائل... وأما تفسير التجارات، في جميع البيوع ووجوه الحلال من وجه التجارات التي يجوز للبائع أن يبيع مما لا يجوز له. وكذلك المشتري الذي يجوز له شراؤه مما لا يجوز له فكل مأمور به مما هو غذاء للعباد وقوامهم به في امورهم في وجوه الصلاح الذي لا يقيمهم غيره مما يأكلون ويشربون ويلبسون وينكحون ويملكون ويستعملون من جهة ملكهم ويجوز لهم الاستعمال له من جميع جهات المنافع التي لا يقيمهم غيرها من كل شئ يكون لهم فيه الصلاح من جهة من الجهات فهذا كله حلال بيعه وشراؤه وإمساكه واستعماله وهبته وعاريته. وأما وجوه الحرام من البيع والشراء فكل أمر يكون فيه الفساد مما هو منهي عنه من جهة أكله وشربه أو كسبه أو نكاحه أو ملكه أو إمساكه أو هبته أو عاريته أو شئ يكون فيه وجه من وجوه الفساد نظير البيع بالربا، لما في ذلك من الفساد، أو البيع للميتة، أو الدم، أو لحم الخنزير، أو لحوم السباع من صنوف سباع الوحش، أو الطير، أو جلودها، أو الخمر، أو شئ من وجوه النجس، فهذا كله حرام ومحرم، لان ذلك كله منهي عن أكله وشربه ولبسه وملكه وإمساكه والتقلب فيه بوجه من الوجوه لما فيه من الفساد، فجميع تقلبه في ذلك حرام وكذلك كل بيع ملهو به وكل منهي عنه مما يتقرب به لغير الله، أو يقوى به الكفر والشرك من جميع وجوه المعاصي، أو باب من الابواب يقوى به باب من أبواب الضلالة، أو باب من أبواب الباطل، أو باب يوهن به الحق فهو حرام محرم، حرام بيعه وشراؤه وإمساكه وملكه وهبته وعاريته وجميع التقلب فيه إلا في حال تدعو الضرورة فيه إلى ذلك. تحف العقول: 332 - 333.

[ 293 ]

[...... ] الرضوي (1) والدعائم (2) والنبوي (3) المنسوب إلى الشهرة بين


1 - اعلم - يرحمك الله - أن كل مأمور به مما هو صلاح للعباد، وقوام لهم في امورهم، من وجوه الصلاح الذي لا يقيمهم غيره - مما يأكلون ويشربون ويلبسون وينكحون ويملكون ويستعملون - فهذا كله حلال بيعه وشراؤه وهبته وعاريته. وكل أمر يكون فيه الفساد - مما قد نهي عنه من جهة أكله وشربه ولبسه ونكاحه وإمساكه، لوجه الفساد، مما قد نهي عنه، ومثل: الميتة، والدم، ولحم الخنزير، والربا، وجميع الفواحش، ولحوم السباع، والخمر، وما أشبه ذلك - فحرام ضار للجسم وفاسد للنفس. الفقه المنسوب للامام الرضا (عليه السلام): 250. 2 - عن جعفر بن محمد (عليه السلام) أنه قال: الحلال من البيوع كل ما هو حلال من المأكول والمشروب وغير ذلك مما هو قوام للناس وصلاح ومباح لهم الانتفاع به، وما كان محرما أصله منهيا عنه لم يجز بيعه ولا شراؤه، وهذا من قول جعفر بن محمد (عليه السلام) قول جامع لهذا المعنى. دعائم الاسلام 2: 18 / 23. 3 - قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): إن الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه. مسند أحمد 1: 247 / السطر 21 و 322 / السطر 20، سنن أبي داود 2: 302 / 3488، عوالي اللئالي 2: 110 / 301، مستدرك الوسائل 13: 73، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 6، الحديث 8.

[ 294 ]

[...... ] الفريقين (1)، وبين ما هو قوي سندا، ولكنه لا يفي بعموم المقصود، مثل ما ورد بيع الخمر (2) والميتة (3)، بل والعذرة (4)، ونوع من الكلب (5)، فتأمل.


1 - لاحظ المكاسب، الشيخ الانصاري: 3 / السطر 20، منية الطالب 1: 4، الشرح الكبير، في ذيل المغني 4: 15. 2 - وسائل الشيعة 17: 223، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 55، الحديث 1. 3 - وسائل الشيعة 17: 93، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 5، الحديث 5. 4 - وسائل الشيعة 17: 175، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 40، الحديث 2. 5 - وسائل الشيعة 17: 119، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 14، الحديث 3.

[ 295 ]

[...... ] اللهم إلا أن يقال: بإلغاء الخصوصية، وبدعوى فهم العرف منها عدم رضا الشرع بذلك وأنه مبغوض لديه، ولكنه مشكل جدا. ودعوى انجبار ضعفها بتلك الاجماعات والشهرات (1)، بعد كونها شهرة غير عملية، غير مسموعة. واستكشاف استنادهم إليها بعدم وجود رواية في المسألة غيرها، غير ممكن، لاحتمال استنادهم إلى ما لم يصل إلينا أو أستنادهم إلى فهمهم من شتات المآثير. ولو كانت هذه النصوص عندهم، فكيف لم ينقلوها في كتبهم المعدة لنقل الاخبار؟! فهذه الشهرة ليست مستندة إلى مثلها. وكونها كاشفة عن رواية عندهم ممنوع، لما سمعت، فينحصر الامر بين أمرين، أو أمور: اتكالهم على القواعد. أو اطلاعهم على رأي المعصوم وفتواه. أو استنباطهم ذلك من الجزئيات بعد إلغاء الخصوصيات. وحيث إن قضية القواعد حليتها وصحتها، لان الكلام في المعاملات الجامعة للشرائط العرفية، من شرط المالية وغيرها، ودرج مالا منفعة


1 - مفتاح الكرامة 4: 16 / السطر 4.

[ 296 ]

[ التكسب بالاعيان النجسة ] له فيها من الغلط، لرجوعه إلى أن البطلان ناشئ من فقد المقتضي. والحرمة لو كانت من جهة التشريع، فهي ليست مستندهم، لانهم حرموا المعاملات الدارجة العقلائية التي فيها المنافع المحللة المقصودة - كما ترى في المتن - واتفاقهم في الرأي لا يناسب كون مستندهم الفهم من الموارد الاخر، بعد ما نعلم من أنهم ليسوا أهل هذا النحو من الاجتهاد المشابه للقياس. فيتعين اطلاعهم من أساتيذهم على الرأي الحجة وقول المعصومين (عليهم السلام) وبذلك يتم عموم المدعى بعد عموم دعواهم، فتدبر، وربما يشكل ذلك، لاستنادهم بالنبوي وغيره، فتأمل. قوله: بالاعيان النجسة. لا خصوصية لهذا العنوان، ولا يوجد في الكتب منه أثر إلا في تحف العقول (1) فلو كانت التجارة بها محرمة فهي لكونها من الاعيان المحرمة، باعتبار الاكل والشرب والانتفاع، كما يعرب عنه بعض فقرات الرواية المذكورة. ولا يتم الاستشهاد بالنبوي (2) إلا بمثل ذلك.


1 - تقدم تخريجه في الصفحة 292، الهامش 2. 2 - تقدم تخريجه في الصفحة 293، الهامش 3.

[ 297 ]

[ بجميع أنواعها بالبيع والشراء، وجعلها ثمنا في البيع، وأجرة في الاجارة، وعوضا، [ لا يخلو عمومه من إشكال، لكن لا يترك الاحتياط ] ] مع أن القائل بطهارة الخمر (1) لا يقول بصحة بيعه وجوازه، لا للنصوص الخاصة، بل لتلك العمومات. وهكذا الدم الطاهر، فإنه لكونه محرما في الكتاب (2) على الاطلاق يمنع عن جواز بيعه، وصحته بناء على الاخذ بالنبوي، وهكذا يحرم التكسب بالجلال المحرم والموطوء، فتدبر. قوله: بجميع أنواعها. من البول، والغائط، والمني، والدم، والميتة، والخمر، والكلب، والمتنجس الذي لا يقبل التطهير، فإنه يصير منها أيضا، وغيرها كالخنزير، والفقاع، والاعراق المذكورة في محلها، وقد عرفت مافى هذا العموم، كما أشار إليه الاستاذ الوالد - مد ظله في التعليقة. نعم في طائفة منها وردت روايات خاصة، لا بأس في نقلها، وبيان حدود دلالتها، وقبل الخوض فيه لابد من الاشارة الاجمالية إلى جهتين: اولاهما: هي أن مقتضى الاصل الاولي في المقام حلية المعاوضة


1 - انظر المقنع: 453. 2 - (إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم). البقرة (2): 173.

[ 298 ]

[...... ] عليها، وصحتها بعد كونها جامعة لشرائطها العرفية، وهكذا الشرعية غير الطهارة. والاشكال في صحتها، لاجل أنها مما لا ينتفع منها، وليست لها الفائدة العقلائية، ناشئ من الغفلة عن الجهة المبحوث عنها في المكاسب المحرمة بالذات، وهى حرمتها تكليفا ذاتا، لا تشريعا وبالعرض، وهى حرمتها وضعا، لاجل إحداث الشريعة شرطا شرعيا فيها مثل الطهارة، أو مانعا عنها - بناء على إمكان تصويره - كالنجاسة، أو المحللية والمحرمية بشرط أن لا يرجعان إلى اعتبار المالية، فلا تغفل جدا. ومستند هذا الاصل عمومات الكتاب والسنة، واقتضاء بناء العقلاء والملة، بل هو مقتضى الاصل العملي إذا وصلت النوبة إليه، فتدبر. ثانيتهما: مقتضى الاصل الثانوي الحديث النبوي (1) المعلل به في بعض كتب الشيخ (2)، والمعروف بانجبار السند، والمشهور بين الفريقين، فإنه يورث حرمتها تكليفا ووضعا، لان النجاسات وغيرها مما ثبتت حرمتها في الشريعة، إما حرمة أكثر منافعها كالميتة والخنزير والخمر والكلب، أو معظمها، أو نوع منها كالعذرة والبول والمني والدم، فإنه يحرم أكلها


1 - تقدم تخريجه في الصفحة 293، الهامش 3. 2 - الخلاف 3: 185، المسألة 310.

[ 299 ]

[...... ] فيحرم ثمنها، وهو الملازم عرفا لفساد المعاملة، كما لا يخفى. وقد يقال: بأن الحرمة المنتسبة إلى ذات الشئ لا تشمل إلا ما هو المحرم بجميع منافعه، أو ما يصحح هذه النسبة (1)، فلا تشمل مثل الابوال والعذرات والاعراق، مما لاوجه محرم لها إلا الاكل الذي هو متروك طبعا، ولاجل ذلك لا يقال: العذرة والبول من المحرمات، بخلاف الخمر والخنزير. ولا تشمل مثل الدم أيضا وإن ورد في الكتاب حرمته (2)، لانه مخصوص بمحرمية الاكل، فإثبات الحرمة المطلقة بالنبوي يتوقف على ثبوت الحرمة للشئ على وجه الاطلاق واقعا، أو ادعاء. فلو كانت منافع العذرة والبول من التسميد والصبغ محرمة، فيشملها النبوي، لانها المنافع المرغوب فيها التي بها تصح دعوى حرمتها بذاتها، وعليه لا يثبت عموم المدعى به على فرض صحة سنده. هذا وإلغاء الخصوصية من الثمن، وإسراء الحكم إلى سائر المعاوضات، في غاية الاشكال. ويمكن دعوى: أن القضية الشرطية قضية واحدة، لابد من لحاظ


1 - انظر تذكرة الفقهاء 1: 464 / السطر 5، مصباح الفقاهة 1: 24. 2 - البقرة (2): 173.

[ 300 ]

[...... ] خصوصيات الالفاظ المستعملة فيها، ثم الاستظهار منها، وعليه مقتضى نسبة الحرمة الى الشئ في الصدر، أن المقصود هو الذي يمكن أن يكون محرما، وهو الفعل دون الذات فإن الله إذا حرم شيئا - أي الاكل والشرب والانتفاع - حرم ثمنه. ومقتضى كلمة الثمن أن المحرم هو الذات، لانها تقابل الشئ. وبعد ملاحظة أن الثمن لا خصوصية له من جهة، وهو كونه الدرهم والدينار، بلا شبهة، وبعد إفتاء الاصحاب وتمسكهم به في غير البيع (1)، يقدم ظاهر الصدر فيقال: الشئ إذا كان محرما أكله، فإن باعه للاكل يحرم ثمنه وإلا فلا، وهكذا. فتكون النتيجة: حرمة ثمن العذرة في صورة، وهكذا حرمة ثمن سائر النجاسات والمحرمات. وهذا هو المساعد للاعتبار إلا أنه لا ينفع في المقام. وتوهم: أنه خلاف ما هو المحقق في محله من أن الثمن لا يقابل المنافع (2)، غير مفيد، ضرورة أن الثمن لبا يقابل المنفعة وإن كان في


1 - جواهر الكلام 36: 340، العروة الوثقى 1: 156، فصل في الاواني، المسألة 4، و 2: 477، كتاب الحج، الفصل الثاني، المسألة 110. 2 - جواهر الكلام 22: 208، المكاسب، الشيخ الانصاري: 79.

[ 301 ]

[...... ] الانشاء خلافه، بل قيل: تملك الاعيان ليس إلا تملك المنافع على النحو الكلي من جميع الجهات (1). وقد يمكن دعوى: أن معنى الحديث هو: أن المحرم الشرعي كالمحرم العقلي، فكما أن الشئ بلا منفعة لا يبذل بأزائه شئ، كذلك هو، فما كان محرما بحيث يعد ساقطا لدى الشرع يحرم ثمنه، إما وضعا فقط، أو هو مع التكليف. والمراد من الحرمة الثانية ما هو المراد من الحرمة الاولى، فيكون تكليفا، ولكنه يلازم عرفا فساد المعاملة، وإن يمكن دعوى دلالته على الصحة أخذا بمفهوم الثمن أولا، وجمعا بينه وبين ما يدل على صحة المعاملة، مثل قوله (عليه السلام): لا بأس ببيع العذرة (2) على ما يأتي، ثانيا. وحول هذه الجملة تفاسير اخر أوردناها في كتابنا الكبير في مواضع مختلفة منه (3)، فليراجع. ولعمري إن هذا الحديث لا يسمن ولا يغني من جوع، لضعف السند، وقوة اصطياده من المواقف الاخر المسانخة معه، وعدم وضوح المقصود،


1 - لاحظ مصباح الفقاهة 1: 24. 2 - الكافي 5: 226 / 3، تهذيب الاحكام 6: 372 / 1079، وسائل الشيعة 17: 175 كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 40، الحديث 3. 3 - المكاسب المحرمة من تحريرات في الفقه (مفقودة).

[ 302 ]

[...... ] فعليه لابد من الفحص عن الموارد الخاصة. فمنها العذرة: وقد وردت فيها روايات، بعضها يدل على أنه لا بأس ببيع العذرة، وبعضها يدل على أن ثمنها من السحت (1)، وبعضها مشتمل على الجهتين كمعتبرة سماعة (2)، فإنها مع اشتمالها على أن ثمنها محرم، وهكذا بيعها، مشتملة على أنه لا بأس ببيع العذرة. والرواية الاولى والثانية غير منقحتي السند، إلا أن فتوى المشهور على العمل بالثانية (3)، ولكنها ليست شهرة عملية، واستكشاف الشهرة العملية، كما هو دأب جماعة مشكل جدا، كما مضى الايماء إليه. وذلك فتواهم في البول والمني (4) مع عدم ورود النص فيهما، فيعلم أن المستند أمر آخر، ولا أقل من الشك وهو كاف في المقام، فعليه يتعين


1 - تهذيب الاحكام 6: 372 / 1080، وسائل الشيعة 17: 175، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 40، الحديث 1. 2 - عن سماعة بن مهران قال: سأل رجل أبا عبد الله (عليه السلام) وأنا حاضر فقال: إني رجل أبيع العذرة فما تقول؟ قال: حرام بيعها وثمنها. وقال: لا بأس ببيع العذرة. تهذيب الاحكام 6: 372 / 1081، وسائل الشيعة 17: 175 كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 40، الحديث 2. 3 - السرائر 2: 219، مفتاح الكرامة 4: 20 / السطر 28. 4 - الخلاف 3: 166، المسألة 270، مفتاح الكرامة 4: 20 / السطر 28.

[ 303 ]

[...... ] الاخذ بالمجوزة لموافقتها لعموم الكتاب أولا، ومخالفتها لفتوى العامة (1) ثانيا. نعم، لو ثبتت الشهرة العملية يتعين الاخذ بالناهية، لانها المخيرة بين الحجة واللاحجة، وعلى تقدير كونها لا حجة أيضا يتعين ذلك، كما لا يخفى. وحمل الرواية الناهية على مالا منفعة فيه غير تام، كما صنعه المجلسي (قدس سره) (2)، ضرورة أنها وردت في موقف الانتفاع منها بالتسميد، فنفس ورودها فيها، دون مثل البول والمني، يشهد على رائجية الانتفاع منها، فلا معنى للحمل المذكور، وتأبى كلمة السحت من الحمل على الكراهة. والرواية الثالثة تورث في المسألة أمرا آخرا وقد أشرنا إليه، وهو: أن الممنوع شرعا هو الثمن، دون عنوان البيع بما هو بيع، وذلك لورود النهي عن الثمن في المواضع الاخر، ولتصريح الرواية بجواز البيع. وانتساب الحرمة إلى عنوان البيع في رواية سماعة (3)، من باب


1 - الفقه على المذاهب الاربعة 2: 231، الشرح الكبير، في ذيل المغني 4: 14. 2 - ملاذ الاخيار 10: 379. 3 - تقدم في الصفحة 302، الهامش 2.

[ 304 ]

[...... ] العرض والمجاز، لقوله (عليه السلام) في ذيلها: لا بأس ببيعها. وحمل الرواية على الروايتين مستندا إلى: أن سماعة كان يعمل به في مضمراته، لا يفيد حجة شرعية في المسألة، بعد اتحاد الرواية ظاهرا، فإنه منه خيانة بالاحكام إلا في بعض المواضع، وما نحن فيه ليس كذلك، فتأمل جيدا. والحق: أن المسألة مشكلة جدا، ضرورة أن تعرض الاصحاب للمكاسب المحرمة، وذكر هذه الامور فيها كلها، شهيد على أن للشرع الاقدس أمرا جديدا في هذه المعاملات، وكان لا يرضى بها، لاستلزامها بعض مالا ينبغي لنفوس المؤمنين، وصرف النظر عنها والاعتماد على الصناعة مشكل إنصافا. وإثبات الجواز بما عن توحيد المفضل المروي في المستدرك (1)


1 - عن الصادق (عليه السلام)، أنه قال: فاعتبر بما ترى من ضروب المآرب، في صغير الكلب وكبيره، وبما له قيمة وما لا قيمة له، وأخس من هذا وأحقره الزبل والعذرة، التي اجتمعت فيها الخساسة والنجاسة معا، وموقعها من الزروع والبقول والخضر أجمع الموقع، الذي لا يعدله شئ، حتى أن كل شئ من الخضر لا يصلح ولا يزكو إلا بالزبل والسماد، الذي يستقذره الناس ويكرهون الدنو منه. توحيد المفضل: 107، مستدرك الوسائل 16: 188، كتاب الاطعمة والاشربة، أبواب الاطعمة المحرمة، الباب 20، الحديث 1.

[ 305 ]

[...... ] كإثبات المنع بما عن دعائم الاسلام المروي في الجواهر (1)، لا يرجعان إلى محصل، فما ذهب إليه جماعة من المتأخرين، من تجويز بيعها (2) بعدما أحطت بما ذكرناه، في غاية الاشكال. ومنها المني: فإنه قد ورد في رواية الحسين بن علي (عليهما السلام)، عن أبيه في الخصال في حديث: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) نهى عن خصال تسعة، عن مهر البغي، وعن عسيب الدابة - يعني كسب الفحل - وعن خاتم الذهب (3) والظاهر أن التفسير من المعصوم (عليه السلام)، أو عنه (صلى الله عليه وآله وسلم). وربما يشكل استفادة الحكم الالزامي التكليفي أو الوضعي منها، لعدم الاطلاع بكيفية النهي بعد اختلاف الافادة في اختلاف التعابير. وعلى أي تقدير يعلم مبغوضية الكسب لوحدة السياق، والكسب


1 - روينا عن جعفر بن محمد عن أبيه عن آبائه عن علي أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) نهى عن بيع الاحرار، وعن بيع الميتة والدم والخنزير والاصنام وعن عسب الفحل وعن ثمن الخمر، وعن بيع العذرة، وقال هي ميتة. دعائم الاسلام 2: 18 / 22، جواهر الكلام 22: 17. 2 - مجمع الفائدة والبرهان 8: 39، مفتاح الكرامة 4: 21. 3 - هكذا في وسائل الشيعة 17: 95، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 5، الحديث 13 وفي الخصال 2: 417. مع تفاوت يسير.

[ 306 ]

[...... ] أعم من الاجارة والبيع، فلو كان كسب الفحل بيع المني، فهو وإن لم يكن منه، إلا أنه متحد معه في الحكم عرفا، بل تحريم عنوان كسب الفحل لاشتماله على ما هو الساقط والمحرم مثلا، فتدبر. ولو كان مجرد التوافق والشهرة الفتوائية كاف في انجبار ضعف السند، كان القول بممنوعية كسب الفحل متعينا. ومنها الدم: فإن مقتضى إطلاق الاية الشريفة حرمته (1)، وممنوعية بيعه ولو كان طاهرا، وهكذا قضية مرفوعة الواسطي (2).


1 - (إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم). البقرة (2): 173. 2 - عن أبي يحيى الواسطي رفعه، قال: مر أمير المؤمنين (عليه السلام) بالقصابين، فنهاهم عن بيع سبعة أشياء من الشاة، نهاهم عن بيع: الدم والغدد، وآذان الفؤاد، والطحال، والنخاع، والخصي، والقضيب، فقال له بعض القصابين: يا أمير المؤمنين. إما الطحال والكبد إلا سواء، فقال: كذبت يالكع إيتني بتورين من ماء، انبئك بخلاف ما بينهما، فاتي بكبد وطحال وتورين من ماء فقال: شقوا الكبد من وسطه، والطحال من وسطه، ثم أمر فمر سافي الماء جميعا، فابيضت الكبد، ولم ينقص منها شئ، ولم يبيض الطحال، وخرج ما فيه كله، وصار دما كله، (وبقي جلد وعروق)، فقال له: هذا خلاف ما بينهما، هذا لحم، وهذا دم. الكافي 6: 253 / 2، وسائل الشيعة 24: 171، كتاب الاطعمة والاشربة، أبواب الاطعمة المحرمة، الباب 31، الحديث 2.

[ 307 ]

[...... ] اللهم إلا أن يحملان على الاكل، لاقتضاء السياق فيهما، فيجوز بيعه لغير الاكل ولو كان من النجس. ومنها الميتة: فإن مقتضى الاية الشريفة (1) - المستدل بها لحرمة الانتفاع بها مطلقا في الخلاف (2) وغيره (3) - ممنوعية بيعها على الاطلاق، وهو المدعى عليه الاجماعات الكلية والجزئية (4). والذي يقتضي حرمته التكليفية قوله (عليه السلام) في عدة روايات أن ثمنها من السحت (5)، فليزم ممنوعيته تكليفا، أو ممنوعية عنوان الثمن. ومما يشهد على فساد بيع الميتة على الاطلاق، رواية جامع البزنطي صاحب الرضا (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل تكون له الغنم، يقطع من الياتها وهي أحياء، أيصلح له أن ينتفع بما قطع؟ قال: نعم يذيبها


1 - البقرة (2): 173. 2 - الخلاف 3: 240، المسألة 34. 3 - تذكرة الفقهاء 1: 464 / السطر 5. 4 - السرائر 3: 574، تذكرة الفقهاء 1: 464 / السطر 5، مفتاح الكرامة 4: 19. 5 - وسائل الشيعة 17: 93، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 5، الحديث 5 و 8 و 9.

[ 308 ]

[...... ] ويسرج بها ولا يأكلها ولا يبيعها (1). ورواية قرب الاسناد عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن الماشية تكون للرجل، فيموت بعضها، يصلح له أن يبيع جلودها ودباغها ويلبسها؟ قال: لا، وإن لبسها فلا يصلي فيها (2). ودعوى: أن هذه الطوائف بمقتضى مناسبة الحكم والموضوع وإلغاء الخصوصية عرفا، كلها ناظرة إلى المنع عن البيع بالنسبة إلى ما هو المحرم فيها، وهو لحمها دون جلدها وغيره، فلو كانت سائر أجزائها ذات منفعة محللة، صحت المعاوضة عليها (3). غير مسموعة، لان الانتفاع بجلدها مما لا يبعد جوازه في غير ما يشترط فيه الطهارة، ولكن إطلاق المنع عن البيع يشمله، لان تعارف التجارة بها كما تشهد به الروايات - خصوصا رواية الصيقل الاتية - ينافي الصرف المذكور. فما ورد أن ثمن الميتة سحت (4) يشمل جميع أجزائها، لانها من


1 - السرائر 3: 573، وسائل الشيعة 17: 98، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 7، الحديث 6. 2 - هكذا في وسائل الشيعة 17: 96، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 5، الحديث 17، وفي قرب الاسناد: 268 / 1067 مع تفاوت يسير. 3 - انظر المكاسب المحرمة، الامام الخميني (قدس سره) 1: 84 - 86. 4 - وسائل الشيعة 17: 93، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 5، الحديث 5 و 8 و 9.

[ 309 ]

[...... ] الميتة حتى ما لاتحله الحياة، وحتى الميتة الطاهرة. نعم، في كل مسألة مستثنيات لا منع من الالتزام بها، فلاينبغي الخلط بين الجهات في المسألة. ثم لما كان مذهب العامة في مسألة بيع الميتة مختلفا، ومنه مذهب أبي حنيفة، وهو الاعرف من غيره، وهو يقول بجواز بيع جلود الميتة بعد الدباغ وقبله (1)، وكان الشافعي جديدا يقول بجوازه بعد الدباغ (2)، ويظهر من منتهى العلامة: أنه مذهب جماعة منهم (3)، سكت المعصوم (عليه السلام) - على احتمال قوي - في صحيحة الصيقل (4)، بعد كونها مكاتبة، مع أنهم (عليهم السلام) ليس دأبهم ذلك، أي الاختصار في الجواب بعد ما سأل عن مسائل


1 - المجموع 9: 231. 2 - المجموع 1: 227 - 229. 3 - منتهى المطلب 2: 1009 / السطر 5. 4 - عن أبي القاسم الصيقل وولده: كتبوا إلى الرجل (عليه السلام): جعلنا الله فداك إنا قوم نعمل السيوف ليست لنا معيشة ولا تجارة غيرها ونحن مضطرون إليها، وإنما علاجنا جلود الميتة والبغال والحمير الاهلية لا يجوز في أعمالنا غيرها، فيحل لنا عملها وشراؤها وبيعها ومسها بأيدينا وثيابنا، ونحن نصلي في ثيابنا، ونحن محتاجون إلى جوابك في هذه المسألة يا سيدنا لضرورتنا؟ فكتب: اجعل ثوبا للصلاة. التهذيب 6: 376 / 1100، وسائل الشيعة 17: 173، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 38، الحديث 4.

[ 310 ]

[...... ] كثيرة، فالرواية مع صراحة دلالتها وتمامية سندها، مخدوشة جهة صدورها، هذا بعد ذهاب الطائفة إلى عدم جواز بيع الجلود إلا من شذ منهم (1). ومن المحتمل قويا: أن الرواية ناظرة إلى صورة الاضطرار، لما فيه من تصريحه بذلك في الموضعين، فلاحظ وتدبر جيدا. ومنها الخمر: وهي في الكتاب مثل الميتة، وإطلاقه - على ما صرح به شيخ الطائفة (2) - يقتضي ممنوعية جميع التقلبات فيه، وهذا هو قضية المآثير الكثيرة المروية في الكافي (3) والفقيه (4) والمقنع (5) وجامع الاخبار (6) وعقاب الاعمال (7) ودعائم الاسلام (8) وفقه الرضا (9)


1 - لاحظ مفتاح الكرامة 4: 19 - 20. 2 - الخلاف 3: 240، المسألة 34. 3 - الكافي 5: 230، باب بيع العصير والخمر. 4 - الفقيه 3: 105 / 435. 5 - المقنع: 451. 6 - جامع الاخبار: 426 / 1190. 7 - ثواب الاعمال وعقاب الاعمال: 291 / 11. 8 - دعائم الاسلام 2: 131 / 458. 9 - الفقه المنسوب للامام الرضا (عليه السلام): 279.

[ 311 ]

[...... ] ولب اللباب (1) للراوندي وعوالي اللالي (2). وقد صرح الاستاذ الوالد - مد ظله: بأن أسنادها وإن لا تخلو عن خدشة، لكن يمكن دعوى الوثوق والاطمئنان بالصدور إجمالا (3). انتهى. ولو كان مستند المجمعين احتمالا تلك الاخبار، كان للاشكال في حكم المسألة وجه، لعدم تمامية دلالتها، لان أحسن ما يستدل له على المدعى رواية جابر المتضمنة للعن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بائعها ومشتريها (4)، وكفاية اللعن في إثبات الحرمة مشكلة (5)، مع ما فيها من لعنه (صلى الله عليه وآله وسلم) غارسها، مع أنه مما لا معنى له إلا بالتوجيه، فتدبر. ثم إن قضية إطلاق معاقد الاجماعات (6)، ممنوعية بيع الخمر ولو


1 - مستدرك الوسائل 13: 182، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 47، الحديث 3. 2 - عوالي اللالي 3: 562 / 62. 3 - المكاسب المحرمة، الامام الخميني (قدس سره) 1: 16. 4 - عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: لعن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في الخمر عشرة: غارسها وحارسها وعاصرها وشاربها وساقيها وحاملها والمحمولة إليه وبائعها ومشتريها وآكل ثمنها. الكافي 6: 429 / 4. وسائل الشيعة 17: 224، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 55، الحديث 4. 5 - لاحظ المكاسب المحرمة، الامام الخميني (قدس سره) 1: 16 - 17. 6 - الخلاف 3: 185، المسألة 311، السرائر 2: 219، مفتاح الكرامة 4: 18.

[ 312 ]

[...... ] كان للخل، وقد يشكل ذلك للانصراف، كما ادعاه الشيخ في نظيره (1)، مع أنه ورد في الخبر جواز أخذه وجعله خلا بالافساد قبال الدين (2). وكون مقتضى إطلاق ما يدل على سحتية ثمنه (3) ذلك أيضا، ممنوع، لاقتضاء المناسبة بين الحكم والموضوع، مقصورية حكم التحريم في صورة بيع المسكر، لا المادة التي تنقلب خلا، سواء كان مسكرا أم لا، وسواء فيه حال المشتري من العلم والجهل. وهذا الانصراف بعد النظر في موارد الاستثناءات والتجويزات في الشريعة، قوي جدا، ولا أقل من كونه قابلا للقرينية في قبال المطلقات، وإليه ذهب الاستاذ الوالد - مد ظله (4). والانصاف: أن الانصراف لو تم في سائر الاخبار لايتم في النبوي (5)، وما ادعاه الشيخ الاعظم في بيع الاصنام (6) لا يلازم صحة دعواه هنا، لعدم


1 - المكاسب، الشيخ الانصاري: 14 / السطر 24. 2 - تهذيب الاحكام 9: 118 / 508، الاستبصار 4: 93 / 358، وسائل الشيعة 25: 371 كتاب الاطعمة والاشربة، أبواب الاشربة المحرمة، الباب 31، الحديث 6. 3 - وسائل الشيعة 17: 92، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 5. 4 - المكاسب المحرمة، الامام الخميني (قدس سره) 1: 40 و 121. 5 - تقدم في الصفحة 293، الهامش: 3. 6 - المكاسب، الشيخ الانصاري: 14 / السطر 34.

[ 313 ]

[...... ] شمول النبوي تلك المسألة، وذلك لان موضوعه الشئ نكرة، فكأنه يورث حرمة الثمن إذا كانت الذات منتسبة إلى الحرمة بوجه، فهذا الخمر والعصير المغلي مما حرمهما الله تعالى فحرم ثمنهما، فلاحظ وتأمل. ومما ذكرنا يظهر حكم كل مسكر. ولو كان الاستدلال بروايات الخمر تاما، فالنصوص المتعرضة لخمرية الفقاع (1)، بل كل ما يورث عاقبة الخمر (2)، تكون حاكمة عليها، أو مبينة لما خفي على القوم من مصاديقها، والاظهر هو الثاني. وتوهم أن هذه المسألة من متفرعات القول بنجاسة المسكر المائع، فاسد جدا لما مضى من أن عناوين النجس لا خصوصية لها. ومنها الكلب: وقد ورد فيه الروايات الكثيرة الناطقة بأن ثمنه سحت (3)، أو هو


1 - وسائل الشيعة 17: 225، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 56، الحديث 1 و 2، وسائل الشيعة 25: 359، كتاب الاطعمة والاشربة، أبواب الاشربة المحرمة، الباب 27. 2 - الكافي 6: 412 / 1 و 2، تهذيب الاحكام 9: 112 / 486، وسائل الشيعة 25: 342، كتاب الاطعمة والاشربة، أبواب الاشربة المحرمة، الباب 19، الحديث 1 و 2. 3 - وسائل الشيعة 17: 93 - 95، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 5، الاحاديث 5 و 7 و 8 و 9 و 14 و 17: 118، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 14.

[ 314 ]

[...... ] منهي (1). والاشكال في إطلاقها بما مر، لا يرجع إلى محصل، بعد فهم أصحاب الحديث منها الاطلاق، وهو يشهد على أن لها ذلك، كما لا يخفى. وما أورده الاستاذ الوالد المحقق - مد ظله هنا، زائدا على ما مر من: أن هذه المآثير، المتضمنة لعد أثمان المحرمات والانجاس من السحت، ليس إلا مثل ما ورد في تعديد الواجبات والمحرمات، فإن المقام مقام الاهمال لا الاطلاق (2)، غير بعيد إنصافا. نعم، الطائفة الاخرى المتعرضة لتحريم ثمن الكلب الذى لا يصيد (3)، مما لا يمكن إنكار إطلاقها، لان التقييد من أمارات الاطلاق ومؤكداته. ويمكن دعوى: أن الاستثناء يشهد على أن المقصود هو الكلب الذى لا منفعة عقلائية فيه، من الحراسة ونحوها، وعليه يجوز بيع الكلب الهراش إذا كان يتخذه المشتري فيعلمه، كما هو الان في بلدتنا قم المشرفة معمول، فإنه كالعصير المغلي، فكيف لا يجوز هنا ويجوز


1 - وسائل الشيعة 17: 119، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 14، الحديث 4. 2 - المكاسب المحرمة، الامام الخميني (قدس سره) 1: 98. 3 - وسائل الشيعة 17: 118، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 14، الحديث 1 و 3 و 5 و 6 و 7.

[ 315 ]

[...... ] هناك؟! وما أفاده الشيخ الاعظم هناك، من انصراف النبوي وغيره (1)، يأتي هنا. وهل يصح الالتزام بأن الشرع يقول بتحريم ثمن الكلب في الموضع الذى لا يقدم العاقل على بيعه وشرائه لسفهية المعاملة؟ ودعوى ممنوعية ذلك، لان هذه الروايات تمنع عن اشتراء الكلب للتفريح والتفرج، كما هو المتعارف في يومنا، بل ربما يقال: بأنها ناظرة إلى تحريم ثمن الكلاب التى يشتريها الخلفاء ويلعبون بها، مشكلة جدا، لان إثبات النكتة الاخيرة غير ممكن، والاصحاب يقولون بصحة بيع ماله المنفعة العقلائية (2)، وهي الاعم من الاغراض العالية والدانية، ولذلك أفتوا بصحة بيع أواني الذهب والفضة، في صورة جواز الاقتناء (3)، وهكذا المجسمة (4)، فلاحظ وتدبر.


1 - المكاسب، الشيخ الانصاري: 8 / السطر 14. 2 - المكاسب، الشيخ الانصاري: 20 / السطر 15، حاشية المكاسب، السيد اليزدي: 13 / السطر 23 - 37. 3 - مسالك الافهام 3: 123، العروة الوثقى 1: 156، فصل في الاواني المسألة 4. 4 - مفتاح الكرامة 4: 33 / السطر 15، و 4: 49 / السطر 11 و 23، المكاسب، الشيخ الانصاري: 25 / السطر 1، المكاسب المحرمة، الامام الخميني (قدس سره) 1: 291.

[ 316 ]

[...... ] ومنها الخنزير: وما وردت فيه (1) قاصرة الدلالة على حرمتها تكليفا، والعجب أنه لم يرد فيها الكلمة المعروفة في غيرها، من عد ثمنه سحتا، ولا ظهور لمعاقد الاجماعات (2) في تلك المسألة التى هي المقصودة في هذا الكتاب، وقد غفل عنها بعض الاصحاب (3). وأما دلالتها على فساد المعاملة، فهى عندهم واضحة. وتوهم عدم ورود الرواية فيها في غير محله، لان الروايات المجوزة المرتبطة بالذمي (4)، كاشفة عن ممنوعيتها من الغير، مع أنه روي في الوسائل عن بعض أصحابنا، عن الرضا (عليه السلام) قال: سألته عن نصراني أسلم، وعنده خمر وخنازير وعليه دين، هل، يبيع خمره وخنازيره، فيقضي دينه؟ قال: لا (5).


1 - وسائل الشيعة 17: 226، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 57، الحديث 1 و 2. 2 - المبسوط 2: 165 - 166، تذكرة الفقهاء 1: 464 / السطر 5، المكاسب، الشيخ الانصاري: 6 / السطر 11. 3 - تذكرة الفقهاء 1: 24 / السطر 5، جواهر الكلام 22: 10 - 11، مصباح الفقاهة 1: 79 - 81. 4 - وسائل الشيعة 17: 232، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 60. 5 - وسائل الشيعة 17: 226، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 57، الحديث 1.

[ 317 ]

[...... ] ومقتضى الاطلاقات بترك الاستفصال، جواز المعاملة عليها، إلا أن الثمن محرم تكليفا في جهة دون اخرى، وكأنه في مقام بيان أن الشئ إذا كان محرما، فهو إما محرم من جميع الجهات، فيحرم ثمنه كذلك، وإذا كان محرما من جهة كالاكل مثلا، فهو محرم أكله لا صرفه في الدين مثلا، وعلى مثل هذه قد وردت روايات كثيرة، جمعها في الوسائل. فمنها رواية محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام)، في رجل كان له على رجل دراهم، فباع خمرا وخنازير، وهو ينظر، فقضاه، فقال: لا بأس به، أما للمقتضي فحلال، وأما للبائع فحرام (1). ومنها: رواية زرارة، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، في الرجل يكون لي عليه الدراهم، فيبيع بها خمرا وخنازير، ثم يقضي منها، قال: لا بأس أو قال: خذها (2) وغير ذلك (3). واشتمالها على الخمر يورث حمل المطلقات هناك على فرض صرف الثمن في المأكل والمشرب.


1 - الكافي 5: 231 / 9، وسائل الشيعة 17: 232، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 60، الحديث 2. 2 - الكافي 5: 232 / 11، وسائل الشيعة 17: 233، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 60، الحديث 3. 3 - وسائل الشيعة 17: 232، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 60.

[ 318 ]

[...... ] بل مطلق المعاوضة عليها ولو بجعلها مهرا، أو عوضا في الخلع ونحو ذلك، وقوله: وأما للبائع فحرام، نص في أن المسألة كما ذكرناها، إلا أن الالتزام به في غاية الاشكال، والتفصيل يطلب من كتابنا الكبير (1). فتحصل إلى هنا: أن الحرمة التكليفية والوضعية في عموم المسألة غير مستندة، وفي الكل يمكن الخدشة، إلا أن الضرورة قائمة بأن الشرع المقدس في هذه المسائل له أمر جديد، وهو غير إلحاق المحرمات الشرعية بما لا منفعة له عقلائية. واشتهار الفتوى في القديم والجديد، وفى الكتب غير المعتمدة، دليل على أن الخروج عنها في غاية الاشكال، فالحرمة التكليفية في الميتة والكلب، بل والخنزير، والعذرة، بل والبول، بل والمني والخمر، قوي جدا فيما إذا كانت المعاملة فاسدة، لاجل حرمته وسقوط منفعته، أو لاشتراط الطهارة، فلا تغفل. قوله: مطلق المعاوضة. على المعروف بينهم، ولم أجد من صرح بهذا العموم مدعيا عليه الاجماع. ويدل عليه: الروايات العامة، مثل تحف العقول الناطقة بأن المحرم جميع التقلبات، والمصرح فيها بالهبة والعارية (2).


1 - مباحث المكاسب المحرمة من كتابه الكبير (مفقودة). 2 - تقدم في الصفحة 292، الهامش: 2.

[ 319 ]

[...... ] وفى دلالة الفقه الرضوي (1) شبهة. وفى الدعائم اختصاص بالبيوع، حيث قال: الحلال من البيوع كل ما هو حلال من المأكول... (2)، مع أنه قاصر الدلالة على الحرمة التكليفية في موردها. وبطلان جميع المعاوضات عليها أيضا، محل المنع، لقصور سند المسألة. والتمسك بإلغاء الخصوصية عن مواقف الادلة الخاصة، في غاية الاشكال، لان للبيع أحكاما خاصة، ولو صح الالغاء في هذه الموارد كان الحكم بورود الربا في جميع المعاوضات متعينا، بل تفصيل الشرع بين المعدود وغيره (3) يشهد على أن هذه الامور من القياس المنهي، وإن نبتلى بها في مختلف من المواضع. وتوهم كون كلمة الثمن ظاهرة في العوض في البيع، من الظهور المستحدث بعد الاصطلاح، لما يظهر من بعض كتب اللغة خلافه، فاسد جدا، قال في أقرب الموارد: الثمن: ما قدره العاقدان عوضا للمبيع، وإذا


1 - تقدم في الصفحة 293، الهامش: 1. 2 - تقدم في الصفحة 293، الهامش: 2. 3 - وسائل الشيعة 18: 132، كتاب التجارة، أبواب الربا، الباب 6، و 152، الباب 16.

[ 320 ]

[...... ] أطلق الثمن أريد به الدراهم والدنانير، قال الفراء: الثمن عند العرب ما يكون دينا في الذمة (1). انتهى. وليس مقصود الفراء من كلمة ما أعم من البيع، فإنه ناظر كلامه إلى أن مطلق العوض ليس ثمنا. ولو تم إلغاء الخصوصية فهو هنا غير بعيد إنصافا، فمطلق العوض في البيع محرم بالنبوي. ودعوى: أن سقوط ماليته في البيع يستلزم فساد سائر المعاوضات، بل لاجلها اختار الماتن في غيرها أيضا، غير مسموعة. أولا: بمنع لزوم اعتبار سقوط ماليته شرعا، بل الشرع منع عن البيع وسائر المعاوضات مثلا بإيجاد شرط في المبيع، كما هو ظاهر التذكرة من اشتراط الطهارة في المعقود عليه، وادعى عليه الاجماع (2)، ولو كان الامر كما توهم كان ذلك لغوا بل وتناقضا، لانه اشترط المالية، ثم اشترط الطهارة، وكونها شرطا متقوم باعتبار المالية وبقائها. وثانيا: التفكيك في الامور الاعتبارية والشرعية واقع قطعا، فلا بأس بإسقاط المالية لمصالح في البيع دون غيره، فكيف لا وأنت ترى أن


1 - أقرب الموارد 1: 95. 2 - تذكرة الفقهاء 1: 464 / السطر 4.

[ 321 ]

[ بل يقوى عدم جواز هبتها والصلح عنها أيضا. ولا يدور حرمة بيعها والتكسب بها مدار عدم المنفعة، ] الشرع فصل، في مسألة تحريم الخمر والخنزير وأمثالهما بين المستحل وغيره فهل يعقل ذلك، إلا بوجه يورث معقوليته هنا أيضا؟! وعلى هذا تحتاج المسألة إلى التأمل. قوله: بل يقوى. واستشكل فيه بعض المحشين والشراح، والوجه في المسألة، والوجه في إشكالها، ما مضى. ودخول المعاملات الغير المعاوضية في معقد الاتفاق ممنوع جدا. ثم اعلم: أن قضية القواعد فيما تردد المبيع بين كونه من الاعيان النجسة والطاهرة، أو كونه من الاعيان المحرمة وغير المحرمة، هو الرجوع إلى أصالتي الحل والطهارة لحكومتهما على الاطلاقات المانعة. ويمكن دعوى التفصيل بين القاعدتين، بأن الاعيان النجسة ممنوع المعاملة، لاعتبار الطهارة، ولا دليل على سقوط ماليتها، بخلاف الاعيان المحرمة، فإنها ساقطة ماليتها، فمثل العذرة ليست من المحرمات، بخلاف الميتة والخمر، فعند ذلك يشكل إحراز المالية بعموم إصالة الحل. اللهم إلا أن يقال: بأن المالية كما تعتبر من الحلال الواقعي تعتبر من

[ 322 ]

[ بل يحرم ذلك ولو كانت لها منفعة محللة مقصودة كالتسميد في العذرة. ] الحلية الظاهرية بنحو الكشف لا الانتزاع، فلا تخلط. أو يقال: بأن قاعدتي الحل والطهارة تتكفلان الحليتين والطهارتين الواقعية والظاهرية. وربما يمكن دعوى أنه على جميع التقادير لا يصح التمسك ولا يفيد، لعدم الدليل الشرعي على اعتبار المالية في المعاملات حتى تحصل الحكومة، فتأمل جيدا. وتختص قاعدة الطهارة بشبهة وهي: إن الشرط إن كان الطهارة فهي تفيد، ولو كانت النجاسة مانعة فإثبات الطهارة لا يفي برفع المانع إلا بالاصل المثبت. وربما يخطر بالبال اشتراك قاعدة الحل معها في تلك الشبهة أيضا كما لا يخفى. قوله: ولو كانت. قد عرفت أن بناء الكتاب على بيان المكاسب المحرمة بالذات، لا المحرمة بالتشريع (1)، والفاسدة عرفا، حتى يجعل ذلك مورد التصريح على نحو ما في المتن.


1 - تقدم في الصفحة 298.

[ 323 ]

[ ويستثنى من ذلك العصير المغلي قبل ذهاب ثلثيه بناء على نجاسته، ] حكم التكسب بالعصير العنبي قوله: العصير المغلي. في كونه استثناء إشكال، لعدم الدليل على صحة بيع العصير المغلي قبل ذهاب ثلثيه خصوصا. نعم، يشكل شمول العمومات لمثله، لان النجس القابل للطهارة خارج عنها، وإلا جميع المتنجسات مشمول قوله في تحف العقول: وجوه النجس (1) كما عرفت، وهكذا النبوي (2)، لان المحرم فيه هو الذي حرم، ولا يحل إلا بانقلاب الموضوع، ولذلك العصير المغلي بنفسه لا يكون مستثنا، لانه يعد خمرا في الروايات (3). بل في مفتاح الكرامة: قد نص عليه الاكثر من المتقدمين (4). ولعمري إن النصوص في هذه المسألة ناظرة إلى تجويز العصير


1 - تقدم في الصفحة 292، الهامش 2. 2 - تقدم في الصفحة 293، الهامش 3. 3 - وسائل الشيعة 17: 229، كتاب التجارة باب 59 حديث 2 و 5 و 256: 285، كتاب الاطعمة والاشربة المحرمة باب 2، حديث 6 و 7 وباب 3 حديث 3 و 4، الكافي 6: 419، حديث 1 و 2 و 3 و 4، التهذيب 9: 119 - 120، حديث 513 و 514 و 515. 4 - مفتاح الكرامة 4: 12 / السطر 17.

[ 324 ]

[...... ] المغلي، قبل أن ينقلب خمرا (1). وبعبارة اخرى: هذه المسألة من صغريات المستثنى منه إذا غلى العصير بنفسه، وإذا غلى بالنار، فتلك الادلة قاصرة عن شمولها، وعمومات المسألة مثلها. اللهم إلا أن يقال: بأنه من وجوه النجس، لان العين النجس ليست ما لا تقبل الطهارة، بل هي: ما يكون نجاسته من قبل نفسه، مقابل المتنجس، وأنه حين غليانه محرم، فيشمله النبوي. واختار الاستاذ الوالد - مد ظله جواز المعاوضة عليه مطلقا، حتى حال خمريته (2)، ولم يظهر لي وجه لمرامه، بعد كونه خمرا وتشمله تلك الروايات الواردة في الخمر. نعم، لو قلنا: بأنه لا يصير خمرا حتى لوغلى بنفسه، فهو بحث تام صغروي فلا تخلط. والمسألة من حيث صغراها تحتاج إلى التأمل في مباحث النجاسات، وحيث أن أخبار المسألة كلها ضعاف غير معتبرة، فلا خير في


1 - وسائل الشيعة 17: 229، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 59. 2 - المكاسب المحرمة، الامام الخميني (قدس سره) 1: 124.

[ 325 ]

[ والكافر بجميع أقسامه حتى المرتد عن فطرة على الاقوى، ] نقلها، وقد أقصينا البحث حولها في كتابنا الكبير (1). حكم التكسب بالكافر قوله: والكافر. إجماعا، وقيل: عليه ديدن المسلمين في صدر الاسلام وربما يستشم الحكم من بعض الروايات في المسألة (2). قوله: على الاقوى. لان شرائط الصحة، من المالية وغيرها، موجودة، ولا دليل على المنع عنه. ولو كان وجوب القتل منافيا لنفوذ البيع، لما كانت تصح إجارة من يجب قتله قصاصا، وغيره من الاسباب الاخر المقتضية له، مع أن الامر هناك بديهي، فنفس الوجوب يجامع صحة المعاملة. وأما تصدي الوالي لقتله فهو يوجب سفهية إقدام المعامل عليه إلا لغرض العتق، وهذا لا ينحصر بصورة، بل لو تصدى الظالم ذلك قهرا عليه،


1 - مباحث المكاسب المحرمة من كتابه الكبير (مفقودة). 2 - وسائل الشيعة 17: 122، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 16، الحديث 1، وسائل الشيعة 18: 243، كتاب التجارة، أبواب بيع الحيوان، الباب 1 و 2.

[ 326 ]

[ وكلب الصيد، وربما يلحق به كلب الماشية والزرع والبستان والدور أيضا [ هذا هو الاقوى ]، وفيه تأمل وإشكال، ] فإنه يوجب فساد المعاوضة لجهة اخرى، كما لا يخفى. هذا ولكن الحق: أن إيجاب القتل لا يجامع الارادة الجدية بوجوب الوفاء بالعقد، المستلزمة لحفظه. نعم، لو كان الحكم مشروطا، ولم يكن شرطه موجودا، فهو مما لا بأس به، ولكنه خلاف الفرض، ومثله مالو كان معلقا، بل الحكم كذلك عرفا، فلو سلمنا إمكان الجمع ترتبا، فالعقلاء لا يساعدون على صحة هذه المعاملة، وعلى أن الشرع جمع بين إيجاب القتل وتصحيح البيع، فالحكمان التكليفيان غير قابلين للجمع، والحكم التكليفي والوضعي أيضا كذلك. وفى المسألة إن قلت، قلتات حول هذه الشبهة، فالاحوط ترك مثل هذا النقل والانتقال. جواز بيع كلب الصيد قوله: وكلب الصيد. بالاجماع، والشهرة القطعية (1)، والنصوص الكثيرة (2)، ولا خلاف


1 - الخلاف 3: 181، منتهى المطلب 2: 1009 / السطر 12، مفتاح الكرامة 4: 28 / السطر 11. 2 - وسائل الشيعة 17: 118، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 14.

[ 327 ]

[...... ] في المسألة من حيث الاستثناء في الجملة، ومن أنه الكلب الصيود، إنما الكلام في سائر الاصناف الاخر، ومنها الكلاب المستخدمة في البيوت، والتي هي الملاعب بها في القصور، وقد مر بعض الكلام حول المستثنى منه، وأشير هناك إلى حق القول في المسألة (1). وطريق الاشكال في المسألة من وجهين: قصور المطلقات عن شمول هذه الاصناف، لانها بالاستثناء تكون ظاهرة في: أن المنع لفقد الجهة العقلائية في المستثنى منه. وأنت خبير بما فيه، فإن هذه الروايات ناظرة إلى تحريم ما هو الراسخ عند العقلاء، لا الذيلا يرتكبه العرف بطبعه بالضرورة. وإلغاء الخصوصية من المستثنى أو ادعاء أن المراد من الصيد ليس ما هو المصطلح عليه، بل هو الكلب الذي يصطاد، وهي الكلاب التي فيها صفة اللهث، وهي الاعم من الصفة التي يأخذ بها الغزال أو السارق أو الذئب، فكلها مما يصطاد، ويختلف صيدها حسب تربيتهم، أو حسب اقتضاء في طباعهم. ويؤيد هذه الطريقة مرسلة المبسوط القاضية بجواز بيع كلب


1 - تقدم في الصفحة 314 - 315.

[ 328 ]

[ نعم لا إشكال في إجارتها وإعارتها. ] الماشية والحائط (1)، فما أفاده الماتن من التردد والاشكال في الالحاق، في نهاية المتانة والقوة، خلافا لما ذهب إليه الوالد الاستاذ - مد ظله. وربما يقال: بأنه كيف يمكن الالتزام بجواز بيع كلب الصيد الذي يستعمله أبناء الملوك في السفر المحرم واللهو، وبحرمة الكلب الحارس للماشية والبيوت الذي يحتاج إليه الناس في معاشهم؟! فعليه تكون هذه الروايات ناظرة إلى طائفة خاصة من الكلاب، وهي المستعملة في لعب السلاطين وأتباعهم الرائجة في ذلك اليوم بينهم كثيرا، فلاحظ وتدبر. قوله: لا إشكال. للاجماع، وإلا فقضية القواعد سريان الاشكال من البيع إلى غيره أيضا، مثل الصلح ونحوه لما سرى منه إلى سائر التقلبات. وعندي في تمامية هذا الاجماع المنقول، بل والمحصل منه شبهة، ضرورة أن المسألة ذات رواية وذات وجوه اعتبارية، ولعلهم إليها استندوا. فالتفصيل بين البيع وغيره هنا، أي في المستثنى دون المستثنى منه خصوصا في الكلب، في غاية الاشكال، بل والمنع، فتدبر.


1 - المبسوط 2: 166.

[ 329 ]

[ مسألة 2: الاعيان النجسة عدا ما استثني وإن لم يعامل معها شرعا معاملة الاموال، فلا يجوز الاكتساب بها، ولا يصح جعلها عوضا أو معوضا في المعاوضات، بل وهبتها والصلح عنها كما عرفت، ] قوله: معاملة الاموال. في المعاوضات إجمالا على ما عرفت تفصيله. وأما لو أتلفها فإن قلنا بأنها غير جائز اقتناؤها، فيعلم سقوطها في الشريعة من جميع الجهات، فلا يكون المتلف ضامنا، وإلا فهو ضامن، لعدم خروجها عن الملكية وإن سقطت ماليتها في الجملة، لان الملكية من الاعتبارات المتقومة بأثر ما، على ما تحرر في محله. بل مقتضى ما سمعت منا أن المالية تقبل التفكيك (1)، ولذلك يصح بيع شئ للمستحل ولا يصح لغيره، وقد علمت أن مسألة سقوط المالية مما لا أساس لها رأسا إلا مع تصريح الشرع به، أو خلعه جميع آثارها، نعم الاثر النادر في حال لا يورث عد شئ مالا. ويمكن دعوى: أن أدلة الضمانات قاصرة عن شمول هذه الموارد، وإلا يلزم ضمان تلف الخمر، وقد ورد في النصوص الامر بإهراقه (2).


1 - تقدم في الصفحة 320 - 321. 2 - الكافي 5: 230 / 2، تهذيب الاحكام 7: 136 / 601، وسائل الشيعة 17: 223، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 55، الحديث 1.

[ 330 ]

[ لكن لمن كانت هي في يده وتحت استيلائه حق اختصاص متعلق بها، ناشئ إما من حيازتها، أو من كون أصلها مالا له، كما إذا مات حيوان له فصار ميتة، أو صار عنبه خمرا. ] اللهم إلا أن يقال: بأن كل شئ إذا كان ذا منفعة محللة مقصودة عند العقلاء، يعد مالا وإن حرم المبادلة عليه بأنواعها، والامر بالاهراق لا ينافي ذلك، بعد قوة احتمال أن صاحبها يشربها. قوله: حق اختصاص. قضية الصناعة: أن الحق ليس من الملك الضعيف، ولا من مراتب السلطنة، وعليه فنفس الاستيلاء يورث الحق المذكور، ولا دخالة لملك العين في ذلك، فإنه إذا خرج عن ملكه لا يخرج عن تحت يده، فيعتبر عندئذ حق الاختصاص له. فالعذرة التي تحتاز، والتي هي في يده إذا كانت قابلة للانتفاع بها شرعا وعرفا، لا يجوز التصرف فيها بدون إذن صاحب الحق. وما ورد في الحديث النبوي من سبق إلى مالا يسبق إليه مسلم فهو أحق به (1) وإن لا يشمل الفرض الثاني، ولكنه حكم قطعي لا يحتاج إلى شمول دليل، مع أن قضية الاستصحاب في بعض فروض المسألة، ممنوعية


1 - عوالي اللالي 3: 480 / 4، مستدرك الوسائل 17: 111، كتاب إحياء الموات، الباب 1، الحديث 4.

[ 331 ]

[ وهذا الحق قابل للانتقال إلى الغير بالارث وغيره، فيصح أن يصالح عنه بلا عوض، بل بالعوض أيضا لو جعل مقابلا لذلك الحق، لاعوضا لنفس العين، لكنه لا يخلو من إشكال، بل لا يبعد دخوله في الاكتساب المحظور. ] الغير عن التصرف فيه. هذا والذي يظهر لي: أن كبرى المسألة، وهي ثبوت الحق في الجملة، مما لاشبهة فيها، ولكنها في هذه الامور ممنوعة، ضرورة أن هذه الاعيان لها المنافع المحللة وإن لم تكن غالبة، ولا كثيرة إلا أنها ليست قليلة، خصوصا في بعض منها، وتلك الامور علل اعتبار الملك هنا، ولا دليل على سقوط الملكية ولو فرضنا سقوط المالية، مع ما عرفت فيه أيضا، فتدبر. فقياس الاماكن المشتركة بهذه المسألة مع الفارق جدا، مع قصور دليله عن شمول تمام المدعى كما ذكرناه. قوله: بالارث وغيره. إطلاق العبارة يقضي بجوازه بيعا أيضا، بل يصح جعل متعلقه مورد الاجارة. اللهم إلا أن يدعى اعتبار كون المبيع عينا، وكون الاجارة ناقلة للمنفعة، وهما هنا منتفيان، ولكنها ضعيفة على ما حررناه في محله (1).


1 - لم نعثر عليه فيما بأيدينا من كتبه، ولعله في كتاب الاجارة المفقودة.

[ 332 ]

[...... ] والعجب إنه قد يتوهم: أن تضييع الحق لا يوجب الضمان، لانه ليس مالا. وما فيه أوضح من أن يبين. نعم، دعوى: أن المنع عن عموم التقلبات يشمله، لانه وإن لم يكن من التقلب في المحظور والمحرم إلا أنه يستلزمه، ولا فرق طبق إطلاقها بين التقلبات الواردة عليها بالذات والواردة عليها بالعرض، ممكنة. وأعجب مما مضى توهم أن المعاملات الاخر الواردة على الاعيان، لا تورث إلا التقلب في الملكية المتعلقة بالاعيان، فلا فرق بين الحق المتعلق بالعين والملكية، فالحكم في الفرضين متحد. وما فيه واضح، بداهة أن العرف يكذبه، وأن الملكية ليست معتبرة في التبادلات، كما في تبديل أحد الحاكمين الخمس بالزكاة في مورد، وكون الحق متقوما في المالية بالعين الخارجي لا يورث كونه مثل الملكية في الاعتبار، بل لا يعقل التبديل في الملكية على أن تكون الاضافة بالذات مورد المعاملة. نعم، التبديل بين العينين في الملكية يستلزم الملكية المستأنفة بالتبع فلا تغفل. وبالجملة في المسألة إشكال مبنوي مضى سبيله، وعلى فرض صحة المبنى صحة الدعوى السابقة مشكلة، فالمرجع هو الاصل السابق.

[ 333 ]

[ نعم، لو بذل له مالا ليرفع يده ويعرض عنها فيحوزها الباذل، سلم من الاشكال، نظير بذل المال لمن سبق إلى مكان من الامكنة المشتركة كالمسجد والمدرسة، ليرفع يده عنه ويسكنه الباذل. ] قوله: من الاشكال. إذا لا يعد من الاكل بالباطل، كما لو كان بناء الحائز في المسجد عليه، فيكون ذلك متجره، ويشكل مطلقا، لانه يعد من المعاوضة عرفا، وليس منه العين والاثر في الانحاء المعروفة منها، وهو يندفع بالاطلاقات في محلها. وربما يشكل جواز حيازتها، لانها من الاسباب المملكة، فيندرج في العموم المنفي في تحف العقول.

[ 334 ]

[ مسألة 3: لا إشكال في جواز بيع ما لاتحله الحياة من أجزاء الميتة، مما كانت له منفعة محللة مقصودة كشعرها وصوفها، بل ولبنها أيضا إذا قلنا بطهارته، كما مر في النجاسات. ] قوله: من أجزاء الميتة. لعدم الدليل، وتوهم صدق الميتة عليها غير تام، لانها من صفات ذوات الارواح، وإطلاقها على النباتات، باعتبار الروح النباتي، من المجاز. اللهم إلا أن يقال: بالتبعية في الحكم، لفناء الجزء في حكم الكل. فلو ورد مثلا: الكلب نجس فكما يعلم منه نجاسة جميع أجزائه، كذلك لو ورد: لا يجوز بيع الميتة فإنه لا يلاحظ صدق الميتة بالنسبة إلى جميع الاجزاء. ولك دعوى: أن الميتة من صفات الحيوان كالذكاة، وليست الاجزاء حتى ما تحله الحياة ميتة إلا تسامحا، فعد الاليات المقطوعة ميتة لا يورث صحة الاطلاق على نعت الحقيقة، فعليه لابد من الاحتياط إلا في مثل لبنها، فإنه لا يعد من أجزائها، بل هو كحجر المثانة، ولذلك ليس فيه الروح النباتي، فضلا عن غيره.

[ 335 ]

[ وفي جواز بيع الميتة الطاهرة كالسمك الطافي إذا كانت له منفعة ولو من دهنه، إشكال، لا يبعد الجواز، بل لا يخلو من قوة [ القوة ممنوعة فلا يترك الاحتياط فيها ]. ] قوله: لا يخلو من قوة. استشكل الوالد الاستاذ - مد ظله في القوة ومنعها، فاحتاط في المسألة وقال في المكاسب المحرمة: ثم إن الميتة من غير ذي النفس السائلة تجوز المعاوضة عليها وعلى أجزائها، لقصور الادلة (1). انتهى ما أردنا نقله منه - دام ظله. والمسألة ليست من المسائل الاجماعية، لعدم معروفيتها بين القدماء، فدعوى الشيخ (رحمه الله) نفي الخلاف (2) لا تورث شيئا. وتوهم أن تقييد مورد الاجماع بذي النفس السائلة، معناه اتفاقهم على جواز البيع في غيرها، فاسد، ضرورة أنه لاجل درجها في النجاسات فلا شهرة على جواز بيعها، فالمتبع إطلاقات الادلة، والانصراف غير معلوم. واقتضاء المناسبة بين الحكم والموضوع ليست تامة، بل في رواية البزنطي (3)، تجويز الانتفاع والنهي عن بيعها، فيعلم نفي الملازمة بمثلها


1 - المكاسب المحرمة، الامام الخميني (قدس سره) 1: 96. 2 - المكاسب، الشيخ الانصاري: 6 / السطر 10. 3 - السرائر 3: 573، وسائل الشيعة 24: 72، كتاب الصيد والذبائح، أبواب الذبائح، الباب 30، الحديث 4.

[ 336 ]

[...... ] المؤيد بتلك الاطلاقات، ولا ينافيها قوله (عليه السلام): هو الطهور ماؤه، والحل ميتته (1). ولعمري إن هذه الاطلاقات ليست في حد الاطلاقات الكلية القانونية، بل هي ناظرة إلى ما تعارف في عصر الصدور من أكل الميتة، ومنها مالا يراعى فيه الشرائط الشرعية في تذكيته، فتأمل. والمراد من السمك الطافي: هو الذي يموت ويعلو الماء، سواء كان من المحلل أو المحرم. ولو قلنا بقبول سائر الحيوانات البحرية التذكية، فبيعها يجوز، لانها ليست ميتة. وظاهر الاصحاب في تلك المسألة نفي ذلك، لعدم الاثر عليها، وهو ممنوع كما عرفت.


1 - وسائل الشيعة 1: 136، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 2، الحديث 4.

[ 337 ]

[ مسألة 4: لا إشكال في جواز بيع الارواث الطاهرة إذا كانت لها منفعة، وأما الطاهر من الابوال، ] قوله: لا إشكال. على المعروف بين المتعرضين (1)، وذلك لتمامية المقتضي وعدم المانع، إلا توهم شمول أدلة المنع عن بيع العذرة، لانها منها لغة، كما يعرب عنه جمع الشيخ في الاستبصار بين أخبار تلك المسألة، بحمل ما يدل على البأس بعذرة الانسان، وما يدل على عدم البأس بعذرة غير الانسان (2)، ويؤيد عموم الغة ما في أقرب الموارد (3). وقد عرفت: أن قضية القواعد تعين العموم بما يدل على أن بيع العذرة سحت ولا تهافت بين تلك الروايات (4). نعم لك دعوى: أن السيرة خصوصا في البلاد العربية - ولاسيما في الاعصار السابقة - على خلاف هذا الاطلاق، ولا يمكن ردعها بمثله، فيعلم أن الحكم هو الجواز.


1 - الخلاف 2: 82 مسألة 310 من كتاب البيوع، مجمع الفائدة والبرهان 8: 38 - 39، جامع المقاصد 4: 14، جواهر الكلام 22 / 19، المكاسب، الشيخ الانصاري: 4، المكاسب المحرمة، الامام الخميني (قدس سره) 1: 58. 2 - الاستبصار 3: 56. 3 - أقرب الموارد 2: 757. 4 - تقدم في الصفحة 302 - 305.

[ 338 ]

[ فأما بول الابل فيجوز بيعه بلا إشكال، وأما غيره ففيه إشكال، لا يبعد الجواز، فيما كان له منفعة محللة مقصودة. ] قوله: فيجوز بيعه. إجماعا محكيا عن جامع المقاصد (1) وهو لا يفيد شيئا. وما ورد في الحديث: أبوالها خير من ألبانها (2)، فيحتمل أن يكون في مقام ذم الالبان، لامدح الابوال، ولا دلالة لمثله على جواز البيع، كما لا يخفى. فلو كان محللا شربه كما يكون محللا كثير من الاشياء إذا لم يورث الضرر، فهو لا يوجب صحة المعاملة، لاشتراط المنفعة النوعية في صحتها، بحيث يعد عند العرف من الاموال حال الاختيار، كما هو مختار الاصحاب طرا. نعم، إذا كانت لها المنفعة الغالبة، فهي وغيرها في هذا الحكم متحدان، لتمامية المقتضي وقصور أدلة المنع. وبالجملة: لم يرد: إن الله إذا حلل شيئا حلل ثمنه نعم، بناء على شمول النبوي (3)، الابوال المحرم شربها يشكل ثمنها، ولكن حرمتها بعنوانها الذاتي غير تامة، وبعنوانها العرضي وإن كانت مورد الفتوى إلا أن المعاوضة


1 - جامع المقاصد 4: 14. 2 - الكافي 6: 338 / 1، وسائل الشيعة 25: 114، كتاب الاطعمة والاشربة، أبواب الاطعمة المباحة، الباب 59، الحديث 3. 3 - تقدم في الصفحة 293، الهامش 3.

[ 339 ]

[...... ] ليست عليها. وبعبارة اخرى: تارة يبيع الخبث، واخرى يبيع البول، فإن باع الخبث فالثمن محرم، وإلا فلا، فليتأمل جيدا. وربما يرد على المصنف: أن منع المعاوضة في الاعيان النجسة ولو كانت ذوات منافع محللة مقصودة وعدم المنع هنا، بلا وجه، لاطلاق الدليلين وكون أحدهما متعرضا لعنوانها الذاتي، والاخر للعنوان العرضي، لا يوجب الفرق المزبور.

[ 340 ]

[ مسألة 5: لا إشكال في جواز بيع المتنجس الذي يقبل التطهير، وكذا مالا يقبله، ولكن يمكن الانتفاع به مع وصف نجاسته في حال الاختيار، بأن لا تكون منفعته المحللة المقصودة في حال الضرورة متوقفة على طهارته، كالدهن المتنجس الذي يمكن الانتفاع به بالاسراج وطلي السفن، والصبغ والطين المتنجسين، والصابون الذي لا يمكن تطهيره. وأما ما لا يقبل التطهير وكان الانتفاع به متوقفا على طهارته، كالسكنجبين النجس ونحوه، فلا يجوز بيعه والمعاوضة عليه. ] قوله: لا إشكال. إتفاقا وهذا هو مقتضى الاصل المتقدم (1) بعد قصور الادلة العامة. اللهم إلا أن يتوهم: أن المتنجس من وجوه النجس الواردة في حديث تحف العقول ولكنه بمعزل عن التحقيق، بل لو قلنا: بأن المتنجس ليس إلا نجسا لا يشمله الحديث، مع ما عرفت في أصل الحكم في النجاسات. ثم إن وجه المسائل المشار إليها في المتن معلوم، مما سبق. نعم، بناء على اعتبار المنفعة النوعية في صحة البيع مثلا، يشكل بيع الادهان النجسة في المصارف النازلة، ولو تم الحكم فيها، فلا بأس ببيع السكنجبين لبعض المصارف اللازمة أحيانا.


1 - تقدم في الصفحة 295 و 297 - 298.

[ 341 ]

[...... ] وما يدل على صحة بيع الدهن للاستصباح (1) إما يدل على جواز جميع هذه البيوع، أو يدل على ممنوعية بيع الدهن للاستصباح في عصرنا، لانه من المنافع النادرة، ومنها طلي السفن بدهن الشاة النجس، فما ذكره صدرا وذيلا غير راجع إلى محصل.


1 - وسائل الشيعة 17: 97، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 6.

[ 342 ]

[ مسألة 6: لا بأس ببيع الترياق المشتمل على لحوم الافاعي [ إذا لم يثبت أنها من ذوات أنفس سائلات ]، مع استهلاكها فيه، كما هو الغالب، بل المتعارف، فجاز استعماله وينتفع به منفعة محللة معتدا بها، وأما المشتمل على الخمر فلا يجوز بيعه، لعدم قابليته للتطهير، مع عدم حلية الانتفاع به مع وصف نجاسته. ] قوله: لا بأس. هذا الحكم واضح إذا لم تكن الافاعي من ذوات الانفس السائلة أو شك فيه، والمراد من الاستهلاك هو: أن لا يعد في نظر العرف المركب المعجون ذا أجزاء معلومة، بل كان عنوانا آخر بسيطا أو مركبا، فالمسألة نظير البيضة الموجود فيها الدم، فإنه على القول بنجاسته فلا يجوز أكلها وإن استهلك، لتنجسها به قبل ذلك، وعلى القول بطهارته يجوز أكلها بعد الاستهلاك، وفي مثل الترياق الذي ليس من العناوين الذاتية المعلومة عند العرف يشكل الحكم، لانه يسأل عنه ولا يجاب إلا بأنه: المعجون المشتمل على كذا وكذا، بخلاف البيضة، كما لا يخفى. فكبري المسألة واضحة، بخلاف صغراها وقد مضى حكم صحة البيع وعدمها في المسألة السابقة، فلا وجه لاعادته وتكراره.

[ 343 ]

[ وجواز التداوي به عند الاضطرار ليس عليه المدار، بل المدار على حلية الانتفاع بالشئ في حال الاختيار. ] قوله: عند الاضطرار. المقصود منه ليس حال المرض، وإلا يلزم سقوط صحة بيع الادوية طرا، بل المقصود حال انحصار التداوي به، ويشهد له قوله: حال الاختيار فما توهمه بعض الشراح ناشئ من قلة الباع.

[ 344 ]

[ مسألة 7: يجوز بيع الهرة ويحل ثمنها بلا إشكال. وأما غيرها من أنواع السباع فالظاهر جواز بيع ما كان منها ذا منفعة محللة مقصودة عند العقلاء، وكذا الحشرات، بل المسوخ أيضا إذا كانت كذلك. فهذا هو المدار في جميع الانواع، فلا إشكال في بيع العلق الذي يمص الدم الفاسد، ودود القز، ونحل العسل وإن كانت من الحشرات، وكذا الفيل الذي ينتفع بظهره وعظمه وإن كان من المسوخ. ] قوله: يجوز. في إطلاقه إشكال، فإن المدار على ما أفاده في ذيل المسألة، وقد مر ما يتعلق بهذه الكبرى (1). وتوهم إطلاق صحيحة محمد بن مسلم (2)، حتى يجوز بيعه وإن كان فاقدا للشرائط العرفية، لا يخلو من تعسف، ولقد عرفت منا: أن هذه الروايات، سواء كانت مشتملة على صحة البيع، أو على فساده، ناظرة إلى الشرائط الشرعية، سواء رجعت إلى إلغاء الشرط العرفي تعبدا


1 - تقدم في الصفحة 295 و 297 - 298. 2 - عن محمد بن مسلم وعبد الرحمن بن أبي عبد الله قال: ثمن الكلب الذي لا يصيد سحت، ثم قال: ولا بأس بثمن الهرة. تهذيب الاحكام 6: 356 / 1017، وسائل الشيعة 17: 119، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 14، الحديث 3.

[ 345 ]

[...... ] كالمالية، أو إلى إيجاب الشرط الشرعي كالطهارة مثلا، ففي مثل مسألتنا هذه تكون الرواية ناظرة إلى أن الهرة جامعة للشرط الذي هو مفقود في غيرها كالكلب والخنزير. ثم إنه غير خفي أن التعرض لهذه المسائل في هذا الكتاب خروج عن وضعه، ضرورة أن الجهة المبحوث عنها هنا هي المكاسب المحرمة تكليفا، لا المحرمة وضعا، ولا المحللة، فلا ينبغي الخلط. ودعوى دلالة رواية سهل بن زياد (1) على المنع من بعض المسوخ، غير مسموعة، مع ضعف سندها بغيره. ومثلها في الضعف رواية صفوان، عن عبد الحميد بن سعيد المشتملة على نفي البأس عن بيع عظام الفيل وشرائها (2)، فإنها لا تدل على الاشكال في نفسه، لعدم الانتفاع من غير عظمه. وهكذا رواية علي بن جعفر عن أخيه المشتملة على نفي البأس


1 - الكافي 5: 227 / 7، وسائل الشيعة 17: 171، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 37، الحديث 4. 2 - الكافي 5: 226 / 1، وسائل الشيعة 17: 171، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 37، الحديث 2.

[ 346 ]

[...... ] عن بيع جلود السباع وركوبها إذا لم يسجد عليها (1)، والتقييد محمول على صورة عدم التذكية، بناء على قبولها إياها، كما هو المعروف (2).


1 - مسائل علي بن جعفر: 189 / 382، وسائل الشيعة 17: 172، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 37، الحديث 5. 2 - شرح اللمعة 2: 267، كتاب الذباحة، مجمع الفائدة والبرهان 11: 87 - 89، المهذب 2: 442، مسالك الافهام 2: 186، كتاب السرائر 3: 114، جواهر الكلام 36: 192 - 200، قواعد الاحكام 1: 154.

[ 347 ]

[ مسألة 8: يحرم بيع كل ما كان آلة للحرام، بحيث كانت منفعته المقصودة منحصرة فيه، مثل آلات اللهو كالعيدان، والمزامير، والبرابط ونحوها، وآلات القمار كالنرد، والشطرنج ونحوهما، ] قوله: يحرم بيع. أما حرمتها الوضعية فبدعوى سقوط المالية عرفا، بعد تحريم المنافع الرائجة. وأما حرمتها التكليفية فللاجماعات المنقولة (1)، والشهرات المحققة، بل ادعى صاحب الرياض الاجماع المستفيض عليه (2)، وللروايات الخاصة في خصوص الهياكل المبتدعة (3)، وإن لم يمثل بها الماتن، وفي خصوص النرد، والشطرنج، والاربعة عشر، وآلات المزامير، وامور الجاهلية (4). وضعف سندها منجبر بعمل الاصحاب، وفتواهم، ولو كان مستندهم غير هذه الاخبار لوصل إلينا.


1 - منتهى المطلب 2: 1011 / السطر 34، مجمع الفائدة والبرهان 8: 41، مفتاح الكرامة 4: 31. 2 - رياض المسائل 1: 499 / السطر 29. 3 - وسائل الشيعة 17: 176، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 41. 4 - وسائل الشيعة 17: 318، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 102 و 103 و 104.

[ 348 ]

[ وكما يحرم بيعها وشرائها يحرم صنعتها، ] اللهم إلا أن يقال بتلقيهم المسألة من مشايخهم من غير احتياجها إلى الرواية، فالامر دائر بين كون المستند تلك المآثير الدالة على المقصود، وبين كون المسألة من المتلقيات عن الائمة الطاهرين - سلام الله تعالى عليهم أجمعين. ووجوب الكسر يشهد على بطلان المعاملة أيضا، لحرمة الاقتناء، وسقوط الشرط العرفي، ولزوم التضاد بين إيجاب الكسر وإيجاب الوفاء، بل وتنفيذ المعاوضة والتجارة. ودعوى القطع برضا الشرع المقدس بهذا الحكم وعمومه، غير بعيدة انصافا. نعم، في خصوص هياكل الاصنام يشكل الامر في مثل هذه الاعصار، ولذلك قوينا جواز التجارة بها إلا للعبادة، وتفصيل المسألة يطلب من كتابنا الكبير (1). قوله: يحرم صنعتها. على المعروف بينهم، ولا خلاف بين المتعرضين لها وإن لادليل عليها


1 - مباحث المكاسب المحرمة من كتابه الكبير (مفقودة).

[ 349 ]

[...... ] إلا رواية تحف العقول وقد مر ما يتعلق بها (1)، ولكن المسألة قطعية، لان مذاق الشرع معلوم فيها. ودعوى جواز صنعتها إذا كانت للاقتناء والتزيين، كما في الاواني (2)، غير مسموعة، لان ذلك فيها يوجب انحفاظ ماليتها بخلافه في تلك الالات، كما لا يخفى. وفى خصوص الشطرنج رواية عن أبي بصير تدل على مبغوضيته بجميع مراتب وجوده (3)، فيحكم في الباقي بمثله، لعدم القول بالتفصيل، فتأمل. بل قضية رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر (عليه السلام) والانتفاع بشئ من هذا حرام من الله محرم (4) ممنوعية الاقتناء، ولعل إطلاق الامر بالاجتناب في الكتاب (5) يورث ممنوعية الصنعة، وأخذ الاجرة عليها، وغيرهما مما ينافي الاجتناب، فتدبر.


1 - تقدم في الصفحة 292 - 295. 2 - مسالك الافهام 3: 123. 3 - السرائر 3: 577، وسائل الشيعة 17: 323، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 103، الحديث 4. 4 - تفسير القمي 1: 180، وسائل الشيعة 17: 321، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 102، الحديث 12. 5 - (يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والانصاب والازلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون). المائدة (5): 90.

[ 350 ]

[ والاجرة عليها، ] قوله: والاجرة عليها. أي على صنعة هذه الامور كلها. وكونها محرمة وضعا فلبطلان الاجارة، لاشتراط كون موردها محللا، وقد استوفينا البحث عنه في كتاب الاجارة (1). والعجب إن الاصحاب تمسكوا بالنبوي (2) في هذه المواقف (3)، مع بنائهم في المسائل السالفة على أنه يدل على أن ما حرم من الاعيان حرم ثمنه، ولا معنى لحمله على ما حرم أكله ونظائره، للزوم كون الثمن حذاء العين، وهي في الفرض ليست محرمة، مع أن ظاهره أن ثمن المثمن المحرم، حرام. وتوهم أن حرمة الاعانة بالاثم توجب حرمة الاجارة، والاجرة، والصنعة وغيرها، فاسد جدا، لعدم صدق الاعانة في هذه المواضع، مع أنه لا يورث فساد المعاملة. ولو كان مثل صنعة الامور المؤدية إلى المحرم إعانة عليها، لكان


1 - كتاب الاجارة، للمؤلف الشهيد (قدس سره) (مفقود). 2 - تقدم في الصفحة 293، الهامش 3. 3 - شرح تبصرة المتعلمين للمحقق العراقي 5: 9، المكاسب، الشيخ الانصاري: 14، وراجع مصباح الفقاهة 1: 148. وربما يستظهر من المكاسب المحرمة للامام الخمينيقدس سره الشريف - وان لم يصرح بالرواية: 172.

[ 351 ]

[ بل يجب كسرها وتغيير هيئتها. ] جميع الحركات، من جميع الناس إلا ما شذ مثلها. قوله: بل يجب كسرها. إذا كانت تحت استيلائه، لانها - على ما يعلم من الكتاب، والسنة مبغوضة جدا، وإذا لم تكن كذلك ففي وجوب استراقها ولو سرقة ما يخل با للعب بها ووجوب كسرها وإن اطلع عليها، ويؤدي إلى الضرر والحرج في أدنى مراتبهما المتعارف تحملهما في نوع الامور، وعدمه، وجهان، والاقوى هو الاول. والمقصود من الكسر إفناؤها ولو بإلقائها في البحر، والبر، بعد الامن من الانتفاع بشئ منها. نعم، إبقاؤها في الصندوق، مع القطع بعدم الانتفاع بها مطلقا، مادامت موجودة غير جائز، لان قطعه لا يفيد شيئا بعد إمكان التخلف، فحسما لمادة الفساد لابد من كسرها أو تغييرها، بحيث لا يمكن الاستفادة منها، ومع كونهما غير ممكنين، يتعين الممكن من المراتب النازلة عقلا.

[ 352 ]

[ نعم، يجوز بيع مادتها من الخشب، والصفر مثلا بعد الكسر، بل قبله أيضا إذا اشترط على المشتري كسرها [ أو يبيع المادة ممن يثق به أنه يكسرها ] وأما مع عدم الاشتراط ففيه إشكال. ] قوله: بعد الكسر. بالاتفاق (1)، لتمامية الشرائط المعتبرة في صحته، ولا دليل على ممنوعيته تكليفا، وهكذا قبل الكسر، مع اشتراط الكسر، خصوصا إذا كان المشتري موثوقا به، وأنه وفى به وكسره. وربما يشكل صحة المعاملة مطلقا ولو مع الشرط والوثاقة، لان المبيع عرفا ليس إلا ما هو المنهي، ولايكون التفكيك بين المادة والصورة عرفيا. نعم، إذا كانت الهيئة فانية في الانظار، بحيث لا يعد المبيع إلا في جملة الاحطاب، بقرينة اشترائه بقيمتها، يجوز اليبع من غير لزوم الشرط، فالشرط لا يفيد صحة المعاملة، وتركه لا يورث فسادها. اللهم إلا أن يقال بعدم الدليل على ممنوعية بيع تلك الالات، على نحو الاطلاق، فإذا باعها ممن يستعملها في المحرم، فهو ممنوع، لحرمة الاعانة على الاثم، وإذا شرط على المشتري الكسر، أو كان موثوقا به في كسرها، فهو لا يعد من الاعانة عليه.


1 - جامع المقاصد 4: 16، مسالك الافهام 3: 122، رياض المسائل 1: 499.

[ 353 ]

[...... ] وفيه: إن مجرد البيع والشراء ليس من الاعانة على الاثم، مع أنها لا توجب فساد المعاملة، لانطباقها عليها. ودعوى: أن صحة بيعها من غير كسرها، توجب صحة بيع الخمر، إذا كان مقصود المتبايعين المعاملة على المائع، وصحة بيع اللباس الحرير، إذا كان المقصود اشتراء الابريسم، غير نافعة، لان من الممكن مساعدة العرف، في بعض الفروض دون بعض. وتوهم أن إيجاب البيع والوفاء به يضاد إيجاب الكسر (1)، في محله إذا كان ما يجب كسره وإعدامه داخلا في البيع بالمعنى الاسمي الدخيل في القيمة وإلا فلا، وما فرضناه من الصورة الثانية، فتدبر. وربما يمكن دعوى صحة بيع تلك الالات، بالنسبة إلى مادتها المملوكة، لا هيئتها، فيكون من بيع ما يملك وما لا يملك. ولو أتلفها متلف فهل يضمن بالنسبة إلى المادة أو لا أو يفصل فإن كسرها فأتلفها بإحراقها فهو ضامن، وإن أحرقها حال تصور المادة بالصورة فلا يحرق إلا ما هو المبغوض، لان المادة غير ملحوظة، وجوه فتأمل جيدا. ومما ذكرناه يظهر وجه الاشكال الذى أشار إليه الماتن (قدس سره).


1 - المكاسب المحرمة، الامام الخميني (قدس سره) 1: 166.

[ 354 ]

[ وأما أواني الذهب والفضة، فحرمة بيعها وعدمها مبنيان على حرمة اقتنائها، والتزين بها باقية على صورتها وهيئتها، وعدمها، فعلى الاول يحرم بيعها وشرائها، بل وصياغتها، وأخذ الاجرة عليها، بخلافه على الثاني، وقد مر في أحكام الاواني: أن أحوطهما الاول، وأظهرهما الثاني. ] قوله: مبنيان. ليس الامر كما ذكر، فإنه يجوز بيعها إذا كانت مادتها مورد المعاملة، كما عرفت، فلو كان اقتناؤها محرما يصح بيعها قبل كسرها، ولايجوز بيعها إذا كان الاقتناء والتزين من المنافع النادرة، أو المتروكة، أو غير المتعارفة، وهذا على مبناه رحمه الله تعالى. ووجه الحكم في سائر أحكامها يظهر مما مر. ويمكن دعوى: أن الممنوع هي الهيئة مع المادة الكذائية، لا الهيئة وحدها، ولا المادة وحدها، ضرورة أن الذهب جائز بيعه وهكذا الانية، وما هو المحرم آنية الذهب والفضة، فلو باع الاواني بنعت الكلي، ثم سلم الاواني من الذهب والفضة، من غير كون المادة قيدا في مورد المعاملة، يجوز البيع، ويصح الوفاء على إشكال، فتأمل.

[ 355 ]

[ مسألة 9: الدراهم الخارجة أو المغشوشة، المعمولة لاجل غش الناس، تحرم المعاملة بها، وجعلها عوضا أو معوضا في المعاملات، مع جهل من تدفع إليه، بل مع علمه واطلاعه أيضا، على الاحوط لو لم يكن أقوى.... ] قوله: تحرم المعاملة. أما في الدولة الحقة فالحكم قطعي، للدخول في سلطان الحق، وأما في الدولة الباطلة، فما كان منها مغشوشا بالمقدار المتعارف المقدر بالثلث في بعض الروايات (1)، فهو مما لا بأس به قطعا، لانه ليس


1 - عن العلاء بن رزين، عن زيد الصانع قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام): إني كنت في قرية من قرى خراسان يقال لها: بخارى، فرأيت فيها دراهم تعمل ثلث فضة، وثلث مسا وثلث رصاصا. وكنت تجوز عندهم وكانت أعملها وأنفقها، قال: فقال أبو عبد الله (عليه السلام): لا بأس بذلك إذا كان تجوز عندهم، فقلت: أرأيت إن حال عليها الحول وهي عندي وفيها ما يجب علي فيه الزكاة، ازكيها؟ قال: نعم، إنما هو مالك، قلت: فإن أخرجتها إلى بلدة لا ينفق فيها مثلها فبقيت عندي حتى حال عليها الحول، ازكيها؟ قال: إن كنت تعرف أن فيها من الفضة الخالصة ما يجب عليك فيه الزكاة فزك ما كان لك فيها من الفضة الخالصة (من فضة) ودع ما سوى ذلك من الخبيث، قلت: وإن كنت لاأعلم ما فيها من الفضة الخالصة إلا أني أعلم أن فيها ما تجب فيه الزكاة؟ قال: فاسبكها حتى تخلص الفضة ويحترق الخبيث ثم تزكي ما خلص من الفضة لسنة واحدة. الكافي 3: 517 / 9، وسائل الشيعة 9: 153، كتاب الزكاة، أبواب زكاة الذهب والفضة، الباب 7، الحديث 1. عن عمر بن يزيد قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن إنفاق الدراهم المحمول عليها، فقال: إذا جازت الفضة المثلين فلا بأس. تهذيب الاحكام 7: 108 / 463، الاستبصار 3: 96 / 330، وسائل الشيعة 18: 186 كتاب التجارة، أبواب الصرف، الباب 10، الحديث 3.

[ 356 ]

[...... ] لاجل غش الناس. وأما ما هو المحمول عليه بالمقدار الزائد على الثلث، فإن جعله ثمنا في بلاد الكفار، مع الامن من وصوله إلى سوق المسلمين، فمع اطلاع البائع لا بأس به، ومع عدم اطلاعه لا تجوز المعاملة، إذا كان من قصده الاعطاء به، وتجوز فيما كان الثمن كليا، فأعطى المغشوش، فإنه حينئذ يكون للبائع الخيار. وأما في بلاد الاسلام، فمع العلم أيضا مشكل، للزوم المفاسد الكثيرة، فضلا عن الجهل، فإنه في هذه الصورة وإن لا يلزم الغرور، ولكنه في معرض التبادلات الفاسدة. اللهم إلا أن يقال بأن نوع المعاملات في الاثمان كلية، فلا يلزم الفساد، فيجوز حتى مع الجهل، فتأمل. ولكن الانصاف: أن المستفاد من الاخبار، جواز الانفاق والصرف في القسم الاول، وعدم جوازه، ووجوب كسره في القسم الثاني، لاستلزام وقوع الناس في أيدي السلطان الجائر إذا اطلع عليه، ولذلك امروا بالكسر.

[ 357 ]

[...... ] نعم، لا يلزم إيقاعها في البالوعة، لان الامر به (1) كناية عن شدة الحكم في الكسر، فلا تغفل وتدبر. ويمكن دعوى: أن قضية بعض المآثير في بيع الصرف، مثل رواية علي بن رئاب قال: لا أعلمه إلا عن محمد بن مسلم قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام): الرجل يعمل الدراهم، يحمل عليها النحاس أو غيره، ثم يبيعها، قال: إذا بين ذلك فلا بأس (2)، هو التفصيل بين صورتي العلم والجهل، وقضية المفهوم فساد المعاملة مع الحرمة التكليفية. وفيه: إن مقتضى بعض النسخ إذا بين الناس ذلك (3) وهذا هو الارشاد إلى ما ذكرناه من: أنه إذا كان عند الناس معلوما حتى لا يقعوا في الفساد، فهو مما لا بأس به، لا المشتري وحده فعليه قضية الجمع بين روايات المسألة ما سمعت منا.


1 - الكافي 5: 160 / 3، وسائل الشيعة 17: 280، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 86، الحديث 5. 2 - تهذيب الاحكام 7: 109 / 467، وسائل الشيعة 18: 185، كتاب التجارة، أبواب الصرف، الباب 10، الحديث 2. 3 - الكافي 5: 253 / 2.

[ 358 ]

[ إلا إذا وقعت المعاملة على مادتها، ويشترط على المتعامل كسرها، أو يكون موثوقا به في الكسر، إذ لا يبعد وجوب إتلافها ولو بكسرها، دفعا لمادة الفساد. ] قوله: إلا إذا وقعت. من هنا يكون المتن من تحرير الوسيلة للسيد الاستاذ الوالد - مد ظله العالي - الذي ألفه في بورسا - والوجه ما عرفت، وقد مضى: أن اللازم جواز بيعها وإن كانت باقية على هيئتها، لعدم لحاظ الهيئة. نعم، فيه ما ذكرناه في خصوص الدراهم من لزوم الكسر ولو كان البيع للتزيين، لاطلاق الدليل، ومساعدة الحكم العقلي والموضوع عرفا، ففي الالات السابقة كان يجوز البيع، من غير الحاجة إلى اشتراط الكسر، ولا كون المشتري موثوقا به، وهنا يجب الكسر، ولا ينفع الشرط، لانه به لا يحصل الامن من الفساد العظيم الجائي، على احتمال قوي من قبله، لان الاشتراط لا يورث الفرار منه. نعم، لا بأس بالبيع إذا كان المتعامل موثوقا به في الكسر، وقد كسره بعده، وإلا تبطل المعاملة حسب ما يستفاد من المآثير.

[ 359 ]

[...... ] والمراد من المغشوش تارة: يكون ما هو فيه الغش، حسب المادة إذا غشت الشركة المجازة، واخرى: ما عليه الهيئة والسكة الباطلة، وهو الفرض الاول في المتن، وثالثة: هما معا.

[ 360 ]

[ مسألة 10: يحرم بيع العنب أو التمر ليعمل خمرا، والخشب مثلا ليعمل صنما، أو آلة لللهو، أو القمار ونحو ذلك، إما بذكر صرفه في المحرم والالتزام به في العقد، أو تواطئهما على ذلك ] قوله: يحرم. على المعروف بينهم، من زمن المحقق (1)، ولا أظن عنوان المسألة في الاقدم عليهم، فلاشهرة في المسألة. وقضية الصناعة جواز البيع، وصحته، وفساد الشرط، لما تحرر من أنه لا يسري إلى المشروط. وتوهم أنه إعانة على الاثم (2) فاسد جدا، لما تقرر: أن عمل الخمر ليس محرما أولا، فيمكن حينئذ الالتزام بصحة الشرط أيضا، في خصوص الخمر، لا في مثل آلات القمار. وثانيا: هذا أسوأ حالا من الاعانة، وليس منها عنوانا، لان المعين هو: الذي يدخل في إثم المعان، بأن يكون بانيا على الحرام، فأعانه، وأما إعطاء شئ به، مشروطا صرفه في المحرم ليس من الاعانة وإن كان أسوأ منه عقلا، فلا وجه لحرمته التكليفية ولو كانت الغاية محرمة.


1 - مجمع الفائدة والبرهان 8: 50، مفتاح الكرامة 4: 37، جواهر الكلام 22: 30. 2 - مجمع الفائدة والبرهان: 8 - 50، مفتاح الكرامة 4: 37 / السطر 16، المكاسب، الشيخ الانصاري: 16 / السطر 5.

[ 361 ]

[...... ] نعم، دعوى استفادة العرف من حرمة الاعانة على الاثم، حرمة هذه الامور (1)، بمكان من الامكان، فتأمل، ولكنه لا يورث فساد التجارة إلا على بعض المباني الفاسدة. وأما حرمته الوضعية فهي في ما نحن فيه، وهو بيع العنب بشرط الصرف في المحرم، ممنوعة إلا على القول بالسراية. نعم، في خصوص الصليب، والصنم يحرم ذلك للنص، وهو موثق عمرو بن حريث (2)، وصحيح ابن اذينة (3). وأما إرجاع الشرط إلى القيد الداخل في مورد الانشاء، فيكون المملوك مالا يعد ملكا للبائع عرفا، لان ملكية الاعيان ليست ذات حيثيات وحصص حتى يكون الخمر في الدار ملكا غير مالية الخمر في البيت،


1 - حاشية المكاسب، السيد اليزدي: 10 / السطر 23. 2 - عن عمرو بن حريث قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن التوت أبيعه يصنع للصليب والصنم؟ قال: لا. تهذيب الاحكام 6: 373 / 1084، وسائل الشيعة 17: 176، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 41، الحديث 2. 3 - عن ابن أذينة قال: كتبت إلى أبي عبد الله (عليه السلام) أسأله عن رجل له خشب فباعه ممن يتخذه برابط؟ فقال: لا بأس به. وعن رجل له خشب فباعه ممن يتخذه صلبانا؟ قال: لا. الكافي 5: 226 / 2، وسائل الشيعة 17: 176، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 41، الحديث 1.

[ 362 ]

[ ولو بأن يقول المشتري لصاحب العنب مثلا: بعني منا من العنب لاعمله خمرا، فباعه. وكذا تحرم إجارة المساكن، ليباع ويحرز فيها الخمر، أو ليعمل فيها بعض المحرمات، وإجارة السفن، أو الحمولة لحمل الخمر وشبهها بأحد الوجهين المتقدمين. ] فهو خارج عن هذه المسألة المفروض فيها الالتزام بالمحرم في العقد. هذا والمسألة بعد تحتاج إلى التدبر والتأمل. قوله: لاعمله خمرا. لا يخفى إن هذه العبارة تورث اندراج المسألة في المبحث الاتي، وهو بيع العنب ممن يعلم أنه يعمله خمرا. قوله: تحرم إجارة. وجه الحرمة التكليفية حرمة الاعانة على الاثم، ووجه الفساد ما مر في أصل المسألة، وقوله (عليه السلام) في معتبرة جابر قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يؤاجر بيته، فيباع فيه الخمر، قال: حرام أجره (1) ولعله يفيد الحرمة التكليفية المستلزمة عرفا للفساد أيضا، فلو أشكل إثبات الحكم التكليفي من تلك الجهة لا يشكل هنا، كما لا يخفى.


1 - تهذيب الاحكام 6: 371 / 1077، وسائل الشيعة 17: 174 كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 39، الحديث 1.

[ 363 ]

[...... ] وكلمة فيباع إما معناه حتى يباع أو معناه التفريع، وبيان الصدفة من دون تعلق الغرض به، فإن كان الاول فيحرم الاجر وتحرم الاجارة، وإن كان الثاني فالفرض الاول لازمه بالاولوية العرفية، فيثبت الحكم قطعا، فكونها مجملة في الاستعمال لا يورث سقوط الكشف القطعي الحاصل من التقديرين، فتأمل. هذا ولكن الانصاف: إن كلمة فاء ظاهرة في الثاني، وتكون الرواية معارضة بصحيح ابن اذينة، قال: كتبت إلى أبي عبد الله (عليه السلام) سألت عن الرجل، يؤاجر سفينته ودابته لمن يحمل فيها أو عليها الخمر والخنازير، قال: لا بأس (1). وقضية الجمع الالتزام بالكراهة الشديدة، أو معاملة التعارض، لاباء كلمة التحريم من الحمل على الكراهة، بعد إلغاء الخصوصية، والنتيجة هي الاخذ برواية ابن اذينة، لتوافقها مع الكتاب، بعد سقوط الشهرة بين المتأخرين عن المرجحية والمميزية، فلا تغفل.


1 - الكافي 5: 227 / 6، وسائل الشيعة 17: 174، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 39، الحديث 2.

[ 364 ]

[ وكما يحرم البيع والاجارة فيما ذكر يفسدان أيضا، فلا يحل له الثمن والاجرة. ] قوله مد ظله: يفسدان. لما عرفت، ولان الشرط المذكور يرجع إلى خلاف مقتضى ذات العقد، لانه في حكم حصر انتفاع المشتري من الوجه المحرم، فكأنه باعه بشرط عدم تملكه، لانه بالنسبة إلى المنافع المحللة محروم حسب الشرط، وبالنسبة إلى المنفعة المحرمة محروم حسب الشرع، وهذا يرجع إلى عدم اعتبار الملكية للمشتري لتقومها به إجمالا. هذا والحق: أن الشرط المذكور لا يورث تقييد المبيع بالحصة، وإلا يلزم بطلان البيع، لاجل عدم اعتبار الملكية المتحصصة بين المالك والعين، كما اشير إليه، وفصلناه في كتاب الاجارة (1)، وقلنا: أن المنافع تحصص بالازمنة، بخلاف الاعيان، فإنها لاتحصص بها، ولا بتلك القيود، فعليه هذا في حكم الالتزام في الالتزام المورث للخيار عند التخلف، وحيث هو فاسد ولا يسري فساده إلى المشروط، يصح البيع وغيره من سائر المعاملات. وإذا كان الحكم كذلك في هذه الفروض، فصحة المعاوضات في الفروض الاتية بطريق أولى. والتمسك بتحف العقول لا يخلو عن ذهول، بعدما عرفت ما فيه من


1 - كتاب الاجارة، للمؤلف (قدس سره) (مفقود).

[ 365 ]

[ وكذا بيع الخشب لمن يعلم أنه يجعله صليبا أو صنما، بل وكذا بيع العنب، والتمر، والخشب ممن يعلم أنه يجعلها خمرا، وآلة للقمار وللبرابط، وإجارة المساكن لمن يعلم أنه يعمل فيها ما ذكر، أو يبيعها وأمثال ذلك، في وجه قوي، والمسألة من جهة النصوص مشكلة جدا، والظاهر أنها معللة. ] الشبهات، واضطراب المتن والفقرات (1). قوله مد ظله: وكذا بيع الخشب. هذا هو مختاره، ولا موافق له في المسألة ظاهرا إلا السيد صاحب الرياض (2). والوجه فيه: أنه بعد المراجعة إلى الرواية الناهية عن بيع الخشب لمن يعلم أنه يجعله صلبانا (3)، وبعد المراجعة إلى الاخبار الواردة في أن الشرع الانور يضاد الخمر في جميع حلقات وجوده، حتى نهى عن غرسها، ولعن رسول الله كذا وكذا (4)، يعلم: أن الخمر مبغوض الوجود، والايجاد، ومنهي كل ما يوصل إلى عمله، ومحرم ذلك كله.


1 - تقدم في الصفحة 292، الهامش 2. 2 - رياض المسائل 1: 500 / السطر 16. 3 - الكافي 5: 226 / 2، وسائل الشيعة 17: 176، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 41، الحديث 1. 4 - وسائل الشيعة 17: 224، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 55، الحديث 3 - 5.

[ 366 ]

[...... ] ولو وردت روايات ظاهرة في الترخيص (1)، فهي غير قابلة للتصديق، خصوصا بعد لزوم تخصيص آية تحريم المعاونة (2)، والالتزام بما لا يليق بشأن الائمة (عليهم السلام)، من بيع عنبهم لمن يعمل خمرا، مع استنكار أواسط الناس عن ذلك، وتقبيح العقل مثله الابي عن التقييد قطعا، فما أفاده الاردبيلي (3)، وتبعه السيد صاحب الرياض (4) في غاية المتانة. وعلى هذا في جميع الصور يشكل الحكم، ويقرب القول بفساد المعاملات، ويحرم تكليفا لحرمة الاعانة على الاثم. هذا والحق: أن المستفيضة المتضمنة لنهي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولعنه الخمر، وغارسها إلى عشرة طوائف (5)، غير داخلة في الادلة الناهضة على تحريم الشئ، لان لعنه لا يدل على أزيد من الكراهة الشديدة، مع


1 - وسائل الشيعة 17: 229، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 59. 2 - المائدة (5): 2. 3 - مجمع الفائدة والبرهان 8: 46 - 51. 4 - رياض المسائل 1: 500 / السطر 32. 5 - عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: لعن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في الخمر عشرة: غارسها وحارسها وعاصرها وشاربها وساقيها وحاملها والمحمولة إليه وبائعها ومشتريها وآكل ثمنها. الكافي 6: 429 / 4، وسائل الشيعة 17: 224، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 55، الحديث 4.

[ 367 ]

[...... ] عدم إمكان الالتزام بجميع المدلول، وخصوصا بعد معارضته بما يدل على جواز ذلك، كما عرفت في صحيحة ابن اذينة (1). وحديث حرمة المعاونة على الاثم لا يشمل جميع المعدات المطلقة، والاسباب الناقصة الدخيلة، بل هي تختص بطائفة خاصة وهي التي وقع في تتميم الاثم الذي أراد الاثم إتيانه. وأما إعطاء الشراب مع اشتراط الشرب ليس عرفا من المعاونة، ومجرد كونها أسوأ حالا لا يكفي، لانه مما لا يفتى به، كما في مثل ظهور الرجال عراة عند النساء، فتدبر. فعليه لا وجه لصرف النظر عن النصوص الصحيحة الصريحة، في جواز بيع العنب لمن يعلم أنه يصنعها خمرا (2)، وجواز بيع الخشب لمن يصنعه برابط (3). بل، لنا قلب الدليل، وجعل هذه الروايات قرينة قطعية على أن المسألة ليست على ما يظهر من تلك المآثير، فلا تغفل ولا تخلط.


1 - تقدم في الصفحة 361. 2 - وسائل الشيعة 17: 229، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 59. 3 - الكافي 5: 226 / 2، وسائل الشيعة 17: 176، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 41، الحديث 1.

[ 368 ]

[ مسألة 11: يحرم بيع السلاح من أعداء الدين حال مقاتلتهم مع المسلمين، بل حال مباينتهم معهم، بحيث يخاف منهم عليهم، وأما في حال الهدنة معهم، أو زمان وقوع الحرب بين أنفسهم، ومقاتلة بعضهم مع بعض، فلابد في بيعه من مراعاة مصالح الاسلام والمسلمين، ومقتضيات اليوم، ] قوله: يحرم. بالضرورة، والحكم في بعض الفروض قطعي، ولايحتاج إلى الدليل. والذي هو المقصود في هذه المسألة، دعوى فساد هذه المعاملة، وحرمتها التكليفية وإن لا ينطبق عليها العناوين والقواعد الكلية، بداهة أن نظر العقل في هذه المسألة معلوم، بخلافه في سائر المواضيع، فله تجويز بيع العنب ليعمل خمرا، دون تجويز بيع السلاح حال الهدنة، مع احتمال استعمالها في الحرب علينا، لاختلاف الموضوعات بعد التأمل حولها. فما ورد من المطلقات الناهية عن بيع السلاح (1)، ربما يكون ناظرا إلى دفع مادة الفساد. ومجرد القطع بعدم ترتب الحرب عليها لا يورث جوازه، لعدم الملازمة بين القطع والواقع، فإنه كثيرا ما يتخلف عن الواقع، فما أشار


1 - وسائل الشيعة 17: 102، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 8، الحديث 4 - 7 6.

[ 369 ]

[ والامر فيه موكول إلى نظر والي المسلمين، وليس لغيره الاستبداد بذلك. ] إليه الشهيد، بل أفتى به من ممنوعية بيع السلاح منهم (1)، غير بعيد، خصوصا بعدما أفاد من ترتب التقوية قهرا عليه، ضرورة أن المسلمين إذا وقفوا على أهمية مواقفهم الحربية، يخافون منهم، وذلك يؤدي إلى وقوع الفساد في حومتهم، وإلى مفاسد اخر والتي لابد من مراعاتها. وما ورد من تجويز ذلك حال الهدنة (2) أو مطلقا (3)، محمول بالضرورة على صور مخصوصة، مع مراعاة الجهات الكثيرة. والمراد من السلاح هو سلاح كل عصر، والمقصود من أعداء الدين أعم من الهاجمين على المملكة الاسلامية وإن لم يكونوا كذلك. قوله مد ظله: والي المسلمين. والمتصدي لحفظ مصالحهم ولو كان من الجائرين، إذا كان التصدي بإذن المجتهد العادل. فبالجملة: ملاحظة المصالح قد تؤدي إلى تجويز حمل السلاح إلى بلاد الكفر، لعدم ترتب الفساد عليه، ومقتضى العمومات حليته


1 - مفتاح الكرامة 4: 35 / السطر 2. 2 - وسائل الشيعة 17: 101، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 8، الحديث 1. 3 - وسائل الشيعة 17: 103، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 8، الحديث 5.

[ 370 ]

[...... ] وصحته، وقد تؤدي إلى المنع عنه، ومفاد المآثير يدور حول ذلك (1). والعجب من الشيخ الاعظم حيث قال بعدم دلالة النواهي في هذه المسألة على الفساد (2). وأنت خبير بأن الحمل المنهي عنه في المآثير، وإن كان أعم من البيع، ولكنه يورث فساد جميع أنحاء الحمل المعاوضي، لمعلوميته من تلك المآثير، بل في رواية السراد، عن الصادق (عليه السلام)، أو رجل عنه، قال: قلت له: إني أبيع السلاح، قال: فقال: لاتبعه في فتنة (3)، ما يورث الفساد على القاعدة كما ترى. ومثله رواية الصدوق، في وصية النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لعلي (عليه السلام) (4). ومما ذكرنا يظهر الوجه في سائر الفروع المذكورة في المسألة. ولو قيل: العدول عن مقتضى الاخبار، بحكم العقل غير جائز، لان هذه


1 - وسائل الشيعة 17: 101، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 8. 2 - المكاسب، الشيخ الانصاري: 20 / السطر 4. 3 - الكافي 5: 113 / 4، وسائل الشيعة 17: 102، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 8، الحديث 4. 4 - الفقيه 4: 257 / 821، وسائل الشيعة 17: 103، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 8، الحديث 7.

[ 371 ]

[...... ] الامور مما لا يدرك جميع المصالح الممكنة في أطرافها، فلابد من المراجعة إلى المطلقات، وهي جواز بيع السلاح من المشركين، والكفار، وأهل الحرب، وأعداء الدين إلا في صورة واحدة، وهي حال قيام الفتنة والحرب، للنص كصحيحة الحضرمي (1)، أو صورة اخرى، وهي حال الهدنة مع العلم بقيام الحرب بها، لقوله (عليه السلام) ذيل الصحيحة المشار إليها فمن حمل إلى عدونا سلاحا يستعينون به علينا، فهو مشرك (2). قلنا: هذه الاحكام من الضروريات الاولية، ولا يعقل التجاوز عنها بإطلاق رواية ولو كانت صحيحة، وتحتاج المسألة الى غور آخر حولها، ولقد تعرضنا لحدودها في كتابنا الكبير (3)، ولا يخفى أن عناوين المشركين، وأهل الحرب، وأعداء الدين مختلفة الصدق، ولكن المقصود معلوم.


1 - عن أبي بكر الحضرمي قال: دخلنا على أبي عبد الله (عليه السلام) فقال له حكم السراج ما تقول فيمن يحمل إلى الشام السروج وأداتها؟ فقال: لا بأس أنتم اليوم بمنزلة أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، إنكم في هدنة، فإذا كانت المباينة حرم عليكم أن تحملوا إليهم السروج والسلاح. الكافي 5: 112 / 1. وسائل الشيعة 17: 101، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 8، الحديث 1. 2 - وسائل الشيعة 17: 101، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 8، الحديث 2. 3 - مباحث المكاسب المحرمة من تحريرات في الفقه (مفقودة).

[ 372 ]

[ ويلحق بالكفار من يعادي الفرقة الحقة، من سائر الفرق المسلمة، ولا يبعد التعدي إلى قطاع الطريق وأشباههم، ] قوله مد ظله: من سائر. على المعروف بينهم، وهو قضية معتبرة الحضرمي صريحا، ورواية السراج، وإطلاق الفتنة، بل القدر المتيقن منه ذلك كما قيل (1)، وهذا مع قطع النظر عن المصالح المعلومة أحيانا، فإنه عند ذلك لابد من متابعتها. قوله مد ظله: ولا يبعد. بمقتضى إطلاق بعض الاخبار المشار إليها، وقد يشكل: أن إطلاقها غير ثابت، ومقتضى القواعد صحته إلا إذا كان من قصده ذلك، فيندرج في المسائل السابقة، وحيث أن سند رواية السراد أو السراج غير منقح، لايتم الاستدلال بها في خصوص مسألتنا. وتوهم ممنوعية ذلك لادائه إلى قتل المؤمن، ناشئ من الجهل بالمسألة، كما لا يخفى. وبالجملة: هذه المسألة خارجة عن كبرى كلية منقحة، في المكاسب المحرمة، وهي: ممنوعية بيع السلاح لاعداء الدين، بل في نفسي أن هذه الكبرى تندرج حسب الاخبار في مسألة بيع العنب لمن يصنعه خمرا ويشربه، وتكون من جهة الحرمة مثل بيع الخشب لمن


1 - الحدائق الناضرة 18: 208.

[ 373 ]

[ بل لا يبعد التعدي من بيع السلاح إلى بيع غيره مما يكون سببا لتقويتهم على أهل الحق، كالزاد، والراحلة، والحمولة ونحوها. ] يجعله صنما وصلبانا، نعم، حسب القواعد العقلية عرفت تفصيلها. قوله مد ظله: بل لا يبعد. لحكم العقل، ومن المحتمل جوازها لاطلاق معتبرة علي بن جعفر، عن أخيه موسى (عليه السلام) قال: سألته عن حمل المسلمين إلى المشركين التجارة، قال: إذا لم يحملوا سلاحا فلا بأس (1) فإن مقتضى الاطلاقين، منطوقا ومفهوما، ممنوعية حمل السلاح لانه لا يستفاد منه إلا في الحرب الباطل، وجواز غيره لانه لا ينتفع به على المسلمين في الحرب. وتقوية المحارب لو كانت ممنوعة، لما كان وجه لما حكي من صنع بعض المعصومين (عليهم السلام)، من عدم منع الماء على الاعداء (2) فتدبر. وقد يتوهم اختصاص المنع المطلق بالمشركين، لان دليل التقييد موضوعه المسلمين وأهل الشام، ولا يخفى وهنه وفساده، كما أشرنا إليه آنفا.


1 - مسائل علي بن جعفر: 176 / 320، وسائل الشيعة 17: 103، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 8، الحديث 6. 2 - وقعة صفين: 162، تاريخ الطبري 6: 572، الكامل في التاريخ 3: 285.

[ 374 ]

[ مسألة 12: يحرم تصوير ذوات الارواح من الانسان، والحيوان إذا كانت الصورة مجسمة كالمعمولة من الاحجار، والفلزات، والاخشاب ونحوها. ] قوله مد ظله: يحرم. بالاتفاق، وعليه الاجماعات المنقولة (1)، بل والمحصلة، ولا خلاف في الصورة الاولى، وهي تجسيم ذوات الارواح، وهي القدر المتيقن من معاقدها، وتلك المطلقات والنصوص الواردة في المسألة أو المهملات (2) وإلى زماننا لا مخالف لها، إلا أن المحتمل ممنوعيتها في عصر اتخاذها أوثانا من دون الله تبارك وتعالى، والقرينة المقامية كالكلامية في المانعية عن انعقاد الاطلاق، وكما يصح أن يتكل المتكلم بها يصح بذاك أيضا بالضرورة، فربما تكون الروايات في المسألة ناظرة إلى تلك المسألة. هذا ومناسبة الحكم والموضوع لا تقتضي في المقام إلا الكراهة، ولعله يشير إلى هذه الجهة ما ورد من الاخبار المشتملة على الامر بتوهين الصور، وجعلها في الظهر، والخلف، والتحت، ووطئها (3)، وأن


1 - مجمع الفائدة والبرهان 8: 54، مفتاح الكرامة 4: 48 / السطر 16، جواهر الكلام 22: 41. 2 - لاحظ وسائل الشيعة 5: 303، كتاب الصلاة، أبواب أحكام المساكن، الباب 3 و 17: 295، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 94. 3 - وسائل الشيعة 4: 436، كتاب الصلاة، أبواب لباس المصلي، الباب 45، و 5: 170، كتاب الصلاة، أبواب مكان المصلي، الباب 32، و 5: 308، كتاب الصلاة، أبواب أحكام المساكن، الباب 4.

[ 375 ]

[...... ] الاعاجم يعظمونها، وإنا لنمتهنها (1)، ونحقرها، ونهينها، والاخبار الكثيرة الزاجرة عن جعلها في القبلة (2)، وفي اللباس الذي يصلى فيه (3)، وهكذا مما يكون وجهه إلى ما كان عليه آبائهم، من العبادة، ومن بقايا حبهم لها، وميلهم إليها. ولو صح الاخذ بالمطلقات في المسألة - كما يأتي يلزم تخصيص الاكثر. وما ورد من تكليفهم بالنفخ في عدة روايات (4)، يستلزم عود الاجسام في المعاد، مع (إن الدار الاخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون) (5) ولذلك جل أخبار الباب، وكل الروايات المتضمنة لهذه الجملة، غير نقي السند. ولا تكفي مرسلة ابن أبي عمير (6)، مع الاشكال في حجيتها، لاثبات هذا


1 - الكافي 6: 477 / 7، وسائل الشيعة 5: 308، كتاب الصلاة، أبواب أحكام المساكن، الباب 4، الحديث 1. 2 - وسائل الشيعة 5: 170، كتاب الصلاة، أبواب مكان المصلي، الباب 32. 3 - وسائل الشيعة 4: 436، كتاب الصلاة، أبواب لباس المصلي، الباب 45. 4 - وسائل الشيعة 17: 297، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 94، الحديث 6 - 9. 5 - العنكبوت (29): 64. 6 - الكافي 6: 527 / 4، وسائل الشيعة 5: 304، كتاب الصلاة، أبواب أحكام المساكن، الباب 3، الحديث 2.

[ 376 ]

[...... ] الرأي، مع أنها غير مشتملة على كلمة العذاب ومجرد التكليف أعم من الحرمة المقصودة، كما لا يخفى. ولنعم ما أفاد الوالد المحقق - مد ظله في ابتداء المسألة، من أن ظاهر طائفة من الاخبار بمناسبة الحكم والموضوع، أن المراد بالتماثيل والصور فيها هي: تماثيل الاصنام التي كانت مورد العبادة، لانها مشتملة على التشديدات التي لا تناسب مطلق عمل المجسمة، أو تنقيش الصور، لاعظمية الكبائر منها، وهي ليست من الكبائر رأسا (1). ولكنه بعد ذلك التزم بحرمة عمل التجسيم على الاطلاق (2)، فكأنه آخذ بأن هذه الامور لا تضر بالاطلاقات، وهو غير جيد. وسيأتي: أن الامر يدور بين أمرين، إما جواز عمل التصوير حتى التجسيم، وإما حرمته حتى النقش، وحرمة اقتنائه، ضرورة أن التمثال والصور حسب الاستعمال واللغة، أعم من المجسمات، والتقييد المستهجن ممنوع، فيكون القدر المتيقن منها، ما صنع للعبادة، أو لحفظ الاثار والعتائق إشعارا بشعائرية هذه الامور في السلف الفاجر.


1 - المكاسب المحرمة، الامام الخميني (قدس سره) 1: 257. 2 - المكاسب المحرمة، الامام الخميني (قدس سره) 1: 260.

[ 377 ]

[ والاقوى جوازه مع عدم التجسيم، وإن كان الاحوط تركه. ] وأما غير ذلك مما يرجع إلى ذوق الانسان، وحسن فكرته، وظهور قدرته، فلا دليل قطعي على ممنوعيته. ومما يشهد على جواز التجسيم هو ما يدل على جواز الاقتناء (1)، فإن التفكيك غير مساعد لفهم العرف قطعا، كما سيأتي. قوله مد ظله: جوازه. وهو الظاهر من متون الاصحاب، حيث قالوا بعد العنوان كعمل الصور المجسمة (2) وسكتوا عن النقوش، وليس سكوتهم نسيانا، بل هم لا يقولون بحرمة أزيد من الفرض الاول، وإليه ذهب الجواهر بل يستظهر منه أن الشهرة على خلاف التحريم (3). وقد اختار جمع حرمته (4)، والدليل الوحيد هي الروايات الخاصة، بعد دعوى قصور العمومات عن شمولها، مثل قوله (عليه السلام): من صور صورة (5) أو من مثل مثالا (6) لان موضوعهما الاخص، أو هو المنصرف


1 - وسائل الشيعة 5: 170، كتاب الصلاة، أبواب مكان المصلي، الباب 32. 2 - شرائع الاسلام 2: 4، قواعد الاحكام 1: 120 / السطر 24، كفاية الاحكام: 85 / السطر 20. 3 - جواهر الكلام 22: 42. 4 - المهذب 1: 344، السرائر 2: 215، الحدائق الناضرة 18: 100. 5 - وسائل الشيعة 17: 297، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 94، الحديث 6 - 7. 6 - وسائل الشيعة 5: 306، كتاب الصلاة، أبواب أحكام المساكن، الباب 3، الحديث 10.

[ 378 ]

[...... ] إليه، أو يكون ذيل هذه الروايات، مثل قوله (عليه السلام) كلف أن ينفخ فيها وليس بنافخ (1) قرينة على الاخص، ولا أقل من صلاحيتها للاقتران، وقد تقرر عدم جواز التمسك في هذه المواقف (2). ومن تلك الروايات صحيحة ابن مسلم الثقفي (رحمه الله) قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن تماثيل الشجر، والشمس، والقمر، فقال: لا بأس ما لم يكن شيئا من الحيوان (3) وهي أظهر ما في الباب، مع وضوح قصورها، لعدم معلومية وجه السؤال أولا، فمن المحتمل أن يكون المقصود الصلاة عليها، كما في روايات (4)، أو اللعب بها، أو غيرهما، ولان كلمة البأس بمعنى العذاب، وهي الظاهرة في الحرمة بخلاف كلمة لا بأس فإنه على ما في أقرب الموارد (5) يناسب الكراهة، والمفهوم المستفاد من هذه الرواية لا يفيد حينئذ شيئا لتبعيته للمنطوق قهرا. ومن هنا يعلم الوجه


1 - وسائل الشيعة 17: 297، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 94، الحديث 6 و 7 و 9. 2 - تقدم في الصفحة 134 - 136. 3 - المحاسن: 619 / 54، وسائل الشيعة 17: 296، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 94، الحديث 3. 4 - وسائل الشيعة 4: 436، كتاب الصلاة، أبواب لباس المصلي، الباب 45. 5 - أقرب الموارد: 28.

[ 379 ]

[...... ] في النواهي المتعلقة بها مع مجهولية الوجه. ودعوى الاخذ بالاطلاق، والخروج عنه بالدليل، غير مسموعة في هذه المواقف، ولاسيما بعد لزوم كونه على الكراهة في أكثر منافعها، بل كلها إلا إيجادها فلا تغفل. ومما ذكرنا يظهر الوجه في فساد التمسك (1) بروايات الحسين بن زيد (2)، وأبي بصير (3)، وجراح المدائني (4)، وعبد الله بن طلحة (5)، فإنها كلها ضعيفة، بل في دلالة بعضها نظر واضح. وتوهم دلالة موثقة أبي العباس، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله عزوجل (يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل) (6) فقال: والله ما هي


1 - انظر الحدائق الناضرة 18: 99، المكاسب المحرمة، الامام الخميني (قدس سره) 1: 264. 2 - الفقيه 4: 3 / 1، وسائل الشيعة 17: 297، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 94، الحديث 6. 3 - الكافي 6: 526 / 1، وسائل الشيعة 5: 303، كتاب الصلاة، أبواب أحكام المساكن، الباب 3، الحديث 1. 4 - تهذيب الاحكام 1: 461 / 1505، وسائل الشيعة 5: 306، كتاب الصلاة، أبواب أحكام المساكن، الباب 3، الحديث 9. 5 - مستدرك الوسائل 13: 210، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 75، الحديث 2. 6 - سبأ (34): 13.

[ 380 ]

[ ويجوز تصوير غير ذوات الارواح كالاشجار، والاوراد ونحوها ولو مع التجسيم، ] تماثيل الرجال والنساء، ولكنها الشجر وشبهه (1) على محرمية النقش (2)، غير تام، لما في السند إشكال، لاشتراك أبي العباس، ولان من المحتمل كونها زاجرة عن النسبة الباطلة إلى النبي (عليه السلام)، وهو سليمان من غير النظر إلى حكم المنسوب، من الكراهة والحرمة، كما في نسبة الولد إلى الحق تعالى. قوله مد ظله: ويجوز تصوير. بالاتفاق على ما يستظهر، خلافا لجماعة ممن لا يضر خلافهم. ولعمري إن المسألة من حيث الروايات واضحة، اللهم إلا أن يقال بإطلاقات الاخبار العامة (3)، وعدم دلالة الروايات الخاصة (4) على جواز الايجاد، فإن الوجود غير مبغوض، بخلاف الايجاد، وما عرفت من


1 - الكافي 6: 527 / 7، وسائل الشيعة 17: 295، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 94، الحديث 1. 2 - المكاسب، الشيخ الانصاري: 23 / السطر 21. 3 - وسائل الشيعة 5: 303، كتاب الصلاة، أبواب أحكام المساكن، الباب 3. 4 - وسائل الشيعة 17: 295، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 94، الحديث 1 - 3.

[ 381 ]

[...... ] الروايات المشار إليها في المسألة الثانية (1)، غير ناهض لتحريم النقش، ولا لتجويز تجسيم غير ذوات الارواح، وتصويرها. وقضية ذيل المآثير السابقة، ومقتضى التشبه بالخالق، في ترسيم الاشجار، وبعض الاحجار، ممنوعية الكل. وقصة النفخ ليست ظاهرة إلا في الكناية عن تعذيب العامل، وأنه تعالى كان إذا صنع هذه الامور يقدر على أن ينفخ فيها فانفخ فيها، لو كنت تزعم الالوهية، أو تدخل في حومتها. ولك القول بممنوعية الاشجار، دون غيرها، لانها ذوات الارواح، خصوصا على رأي بعض المحققين. كما لك اختيار اختصاص الحكم بالحيوان، دون الانسان والملك والجن، لانصرافه عنهم، كما في لباس المصلي، وأعمية كلمة ذوات الارواح منه مخصص به، فتأمل. فبالجملة: ليس كل ما يمكن أن يقال مورد الفتوى، وقد عرفت: أن المسألة من رأسها محل إشكال إلا في صورة واحدة، وهي ما لو عمل الصور للعبادة، كما كانوا يصنعون ذلك، فتدبر. وفي تلك الصورة يحرم عملها مطلقا، ولايجوز اقتناؤها، ويجب كسرها،


1 - تقدم في الصفحة 378.

[ 382 ]

[ ولا فرق بين أنحاء التصوير من النقش، والتخطيط، والتطريز، والحك وغير ذلك، ويجوز العكس المتداول في زماننا بالالات المتداولة، بل الظاهر أنه ليس من التصوير. ] لاقتضاء الادلة السابقة في مشابهها بالقطع. وفي المسألة احتمال آخر وهو حرمة عمل صورة الانسان، دون سائر الحيوانات، لانها ليست ذوات الارواح، وهو قضية رواية تحف العقول حيث قال في الصناعات المحللة: وصنعة صنوف التصاوير ما لم يكن مثل الروحاني (1) فإنها تقيد إطلاقات الادلة المانعة بالمفهوم. قوله مد ظله: ولافرق. لعدم الدليل بعد شمول الادلة إياها، نعم في العكس المتعارف في هذه الازمنة، يشكل الحكم تارة: من أجل صدق التصوير، بدعوى أنه انعكاس الانوار النقروية على الصفحة السوداء، وفي العمل الثاني يظهر ما وقع على تلك الصفحة، فالقوة في الانعكاس انفعالية، كما في انفعال النفس من الصور الخارجية مثلا، والتصوير فعل النفس، فلا يصدق عليه، كما صرح به الفقيه الاصفهاني رحمه الله تعالى (2) أيضا. واخرى: من أجل انصراف الادلة عن مثل العمل الابداعي، كما في


1 - تقدم في الصفحة 292، الهامش 2. 2 - وسيلة النجاة 2: 3، المسألة 12.

[ 383 ]

[ وكما يحرم عمل التصوير من ذوات الارواح مجسمة، يحرم التكسب به، وأخذ الاجرة عليه، هذا كله في عمل الصور. وأما بيعها، واقتناؤها واستعمالها، والنظر إليها، فالاقوى جواز ذلك كله حتى المجسمات. ] المجسمة الصادرة عن المكائن الحديثة، فتدبر. قوله مد ظله: يحرم التكسب. بلا إشكال للنبوي المذكور إن الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه (1) وأنت خبير بقصوره عن إثبات الحرمة التكليفية لعنوان الكسب، فصيرورته أجيرا للعمل المذكور، أو بيعه ما صنعه، ليس من المحرمات، نعم، يحرم ثمنه تكليفا، ووضعا على ما عرفت. وربما يقال بالترتب في الاحكام الوضعية، وتصويره يطلب من كتبنا الاصولية (2). قوله مد ظله: جواز ذلك. وهو المشهور، وقد حكي (3) عن الاردبيلي تحريم الاقتناء (4)، لان العرف يجد لملازمة بين الوجود والايجاد، في المحبوبية والمبغوضية، فما كان


1 - تقدم في الصفحة 293، الهامش 3. 2 - تحريرات في الاصول 2: 108 وما بعدها. 3 - جواهر الكلام 22: 44. 4 - مجمع الفائدة والبرهان 8: 56.

[ 384 ]

[...... ] منها محرما إيجاده مبغوض وجوده، بل مبغوضية الوجود باعثة إلى النهي عن الايجاد، وما كان منها جائزا وجوده جائز إيجاده، ومجرد إمكان التفصيل غير كاف. نعم، لابد من القرائن الصريحة، فإن الالتزام بحرمة عمل التصوير على الشمعة الزائلة فورا، في غاية البعد، فما دام لم يكن الايجاد متعقبا بالوجود الباقي عرفا، لا يكون محرما. وقد يقال بوجود القرائن القطعية على التفصيل المذكور (1)، ولكنها غير تامة. ومما ذكرناه يظهر: أن الايجاد في التماثيل والصور حتى المجسمة، غير ممنوع، مما اتفقت الاخبار المذكورة في كتاب الصلاة على جواز الاقتناء (2) بالضرورة، فيعلم أن ما هو المنهي في المآثير الزاجرة، يختص بما هو المبغوض بقاء، وهي الصور المصنوعة للاحترام والعبادة، وحفظا للاثار القديمة، والتفصيل يطلب من كتابنا الكبير (3).


1 - المكاسب المحرمة، الامام الخميني (قدس سره) 1: 286. 2 - وسائل الشيعة 4: 436، كتاب الصلاة، أبواب لباس المصلي، الباب 45. 3 - مباحث المكاسب المحرمة للمؤلف الشهيد (قدس سره) (مفقودة).

[ 385 ]

[ نعم، يكره اقتناؤها وإمساكها في البيت. ] قوله مد ظله: يكره. للنصوص الكثيرة (1)، وربما يمكن دعوى استحباب كسرها، للامر به في النصوص (2)، وتزول الكراهة بالتوهين، والتفريش، والوطي بمقتضى بعض الروايات (3)، بل الظاهر استحباب هتكها في جميع الاماكن، والسر في ذلك كله هو: أن هذه النقوش والمجسمات تشابه ما كانوا يعبدونه، والله العالم.


1 - وسائل الشيعة 5: 303، كتاب الصلاة، أبواب أحكام المساكن، الباب 3. 2 - وسائل الشيعة 4: 441، كتاب الصلاة، أبواب لباس المصلي، الباب 45، الحديث 18 - 20 - 21، و 5: 171، كتاب الصلاة، أبواب مكان المصلي، الباب 32، الحديث 5 - 10 - 12. 3 - وسائل الشيعة 17: 296، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 94، الحديث 4.

[ 386 ]

[ مسألة 13: الغناء حرام فعله، ] قوله مد ظله: فعله. إجماعا واتفاقا، ولا مخالف في حرمته إجمالا، وما نسب إلى العلمين السبزواري (1) والكاشاني (2)، وتبعهما النراقي (3)، لا يستلزم إشكالا، بعد ظهور جملاتهم في التزامهم بالحرمة في المجلس الخاص. ويدل على أصل الحكم آيات (4)، وروايات وردت في ذيلها (5)، وطوائف اخرى منها وردت مستقلة (6)، ولا شبهة في ذلك قطعا. إنما البحث في إطلاق الحكم، وما يمكن أن يكون سندا له قوله تعالى: (واجتنبوا الرجس من الاوثان واجتنبوا قول الزور) (7) وقد فسر الثاني بالغناء (8). وقوله تعالى: (ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل


1 - كفاية الاحكام: 86 / السطر 19. 2 - الوافي 3: 35 / السطر 8. 3 - مستند الشيعة 2: 343 / السطر 10. 4 - الحج (22): 30، الفرقان (25): 72، لقمان (31): 6. 5 - وسائل الشيعة 17: 303، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 99. 6 - نفس المصدر. 7 - الحج (22): 30. 8 - وسائل الشيعة 17: 303، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 99، الحديث 2 - 8 - 9 - 20 - 26.

[ 387 ]

[...... ] الله ويتخذها هزوا اولئك لهم عذاب مهين) (1). وقوله تعالى: (والذين لا يشهدون الزور) (2) فإن الغناء - على ما في روايات - من لهو الحديث (3)، والزور هو الغناء. ويشكل: أولا: بأن ماهية الغناء ليست قول الزور، فهو من مصاديقه باعتبار اشتماله على الزور الذي هو الباطل، فما هو الواجب اجتنابه مالا يمكن الالتزام به، وهو مطلق الباطل. وثانيا: بأنه من الكبائر ولا يلتزم به الفقيه. وثالثا: بعدم دلالته على الحرمة، خصوصا حرمة الفعل. هذا مع أن الروايات الواردة في ذيل الايات، بل وغيرها بكثرتها البالغة حد التواتر اللغوي، غير نقية السند إلا ما شذ منها. والذي يظهر لي: أن الغناء بمفهومه الوسيع مما لا دليل على حرمته، وما هو المحرم نوع منه، وقد تعرضنا للمسألة في كتابنا الكبير (4)، وهذا غير ما صدر عن السابقين، فإني أقول بحرمته ولو لم يكن معه المحرمات


1 - لقمان (31): 6. 2 - الفرقان (25): 72. 3 - وسائل الشيعة 17: 304، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 99، الحديث 6 - 7 - 11 - 16 - 20 - 25. 4 - مباحث المكاسب المحرمة من تحريرات في الفقه (مفقودة).

[ 388 ]

[...... ] الاخر، ولكنه لابد من أن يكون مجلس فيه الغناء، ومعدا لللهو والباطل. ويشهد له، مضافا إلى قصور الادلة عن إثبات حرمة مطلق الغناء، واحتمال كون المآثير ناظرة إلى المجالس المتعارفة في عصر الاخبار والاحاديث، ما في اللغة: بأن الغناء مجلس التغني، وما في جملة من الروايات، كرواية ابن أبي عمير، عن مهران بن محمد، عن الحسن بن هارون، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: الغناء مجلس لا ينظر الله إلى أهله، وهو مما قال الله عزوجل (ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله) (1) (2) وهذه الرواية لها الحكومة على المطلقات المفروضة. وصحيحة زيد الشحام قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): بيت الغناء لا تؤمن فيه الفجيعة (3) الحديث. ورواية ابن محمد المدني، عمن ذكره، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سئل عن الغناء وأنا حاضر، فقال: لا تدخلوا بيوتا الله معرض عن أهلها (4) ورواية


1 - لقمان (31): 6. 2 - الكافي 6: 433 / 16، وسائل الشيعة 17: 307، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 99، الحديث 16. 3 - الكافي 6: 433 / 15، وسائل الشيعة 17: 303، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 99، الحديث 1. 4 - الكافي 6: 434 / 18، وسائل الشيعة 17: 306، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 99، الحديث 12.

[ 389 ]

[...... ] علي بن جعفر في كتابه، عن أخيه موسى بن جعفر (عليهما السلام) قال: سألته عن الرجل يتعمد الغناء يجلس إليه، قال: لا (1) وغيرها. فبالجملة: بعد التدبر في المسألة يشكل حكمه، وعندي: أن حكم الغناء أصعب من موضوعه وما ترى من إرسال حرمته من غير التدبر في السند، من القصور في الاجتهاد ضرورة أن ما أوعد الله عليه النار (2) كيف يرخصه في الاعراس؟! وهل هذا إلا الاستثناء المستهجن؟! ومما يشهد على ما ذكرناه، بل يدل عليه، صحيحة أبي بصير قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): أجر المغنية التي تزف العرائس ليس به بأس، وليست بالتي تدخل عليها الرجال (3). ورواية ابن جعفر، عن أخيه (عليه السلام) قال: سألته عن الغناء، هل يصلح في الفطر والاضحى والفرح؟ قال: لا بأس به ما لم يعص به (4)


1 - مسائل علي بن جعفر 148 / 186، وسائل الشيعة 17: 312، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 99، الحديث 32. 2 - الكافي 6: 431 / 4، وسائل الشيعة 17: 304، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 99، الحديث 6. 3 - الكافي 5: 120 / 3، وسائل الشيعة 17: 121، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 15، الحديث 3. 4 - قرب الاسناد: 294 / 1158، وسائل الشيعة 17: 122، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 15، الحديث 5.

[ 390 ]

[...... ] وغيرها (1). فإن هذه الروايات كالنص في نفي الحرمة عن بعض الاغاني. وما ورد في المغنيات والمغني (2)، لا يدل على حرمة الغناء مرة واحدة، لان الموضوع أخص، بل فيه إشعار باختصاص الحرمة ببعض الفروض، ويشهد للاختصاص مرسلة الصدوق (رحمه الله) قال: سأل رجل علي بن الحسين (عليه السلام) عن شراء جارية لها صوت، فقال: ما عليك لو اشتريتها فذكرتك الجنة (3) وفي الاحاديث ما يساعد هذه المقالة كثير. والجمع بين الاخبار في نهاية الاشكال، بل قضية ما تحرر منا في محله، حمل المطلق على المقيد في المتوافقين أيضا، لامتناع تعلق الارادة الجدية بهما، لان المقيد هو المطلق مع القيد. ويشترط في حصول الارادتين الجديتين على العنوانين من كونهما متباينين، أو عموما من وجه، فإنهما في عالم التشريع متباينان، وتصادقهما خارج من محيط التقنين (4).


1 - وسائل الشيعة 17: 120، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 15، الحديث 1 و 2. 2 - وسائل الشيعة 17: 122، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 16. 3 - الفقيه 4: 42 / 139، وسائل الشيعة 17: 122، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 16، الحديث 2. 4 - تحريرات في الاصول 5: 492.

[ 391 ]

[...... ] وقد يقال: بأن الاخبار تجمعها نكتة اخرى وهي: أن الغناء بحسب المفهوم اللغوي عام، وهو ليس موضوعا في الادلة، بل الموضوع الصوت المطرب الذي يأتي تفصيله (1)، وهو المعنى الاخص العرفي، ولكنه غير تام، ضرورة أنه يستلزم القول بانصراف الادلة إلى الحصة الخاصة، أو الحقيقة الثانوية، كما قيل في لفظة الحيوان وهذا غير صحيح، مع أنه به لا يجمع بين شتات المآثير، كما لا يخفى. فما ذهب إليه الجماعة من اختصاص الحرمة بالاقتران بالمعاصي (2)، غير تام، لعدم تمامية سنده، وما ادعي عليه الاجماع بقسميه في الجواهر في كتاب الشهادات (3)، غير مرضي، فلا يترك الاحتياط جدا. وقد يستدل على حرمة الغناء مطلقا بحرمة الاستماع ولو مرة واحدة، للتلازم العرفي (4). وفيه: أن حرمة الايجاد ملازم عرفا لحرمة الاستماع، لانه الاثر الواضح منه ولا عكس، هذا مع أن المحرم من الاستماع كما يأتي، ليس إلا


1 - يأتي في الصفحة 396. 2 - الوافي 3: 35 / السطر 8، مفاتيح الشرائع 2: 21، كفاية الاحكام: 86 / السطر 19، مستند الشيعة 2: 243 / السطر 10. 3 - جواهر الكلام 41: 47. 4 - الحدائق الناضرة 18: 106 - 108. انظر: مختلف الشيعة 5: 19 - 20.

[ 392 ]

[ وسماعه، ] الاستماع إلى الغناء المحرم، وعليه الشاهد في مآثيره الاتية. قوله مد ظله: وسماعه. اتفاقا، ولم يعهد المفصل والذي يقول بحرمة نوع منه يحرم استماعه، ولا يقول بحرمة الاستماع مطلقا، للتلازم عرفا وملاكا ودليلا. ويدل عليه: مضافا إلى إطلاق الامر بالاجتناب، بل إطلاق ما يدل على حرمته، فإن الغناء إيجادا واستماعا من المطلوب للنفوس، فما أوعد الله عليه النار هو الغناء، وإطلاقه يشمل إيجاده واستماعه، ولا يقاس بالكذب ونحوه، لعدم التلذذ في سماعه بخلاف الغيبة، قوله تعالى: (والذين لا يشهدون الزور) (1) فإنه ظاهر في ذم الاستماع، وبناء على الملازمة العرفية يعرف مذمومية الايجاد. وفيه: ما قد عرفت من قصوره عن الدلالة على الحرمة. وإدراج قول المستمع أحسنت في قول الزور، كما في معتبرة حماد ابن عثمان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن قول الزور، قال: منه قول الرجل للذي يغني أحسنت (2)، يورث وهن الهيئة في اللزوم، خصوصا بعد


1 - الفرقان (25): 72. 2 - معاني الاخبار: 349 / 2، وسائل الشيعة 17: 309، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 99، الحديث 21.

[ 393 ]

[...... ] اقترانه بالهيئة السابقة الظاهرة في الارشاد، بل لابد من الالتزام بكون الهيئة إرشادا إلى أمر آخر، وإلا يلزم وجوب الاجتناب عن قول الزور، لا حرمة الغناء. وأيضا يدل على الحكم المذكور، معتبرة عنبسة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: استماع اللهو والغناء ينبت النفاق، كما ينبت الماء الزرع (1) وفيه مالا يخفى. رواية عاصم بن حميد قال: قال لي أبو عبد الله (عليه السلام): أنى كنت؟ فظننت أنه قد عرف الموضع فقلت: جعلت فداك، إني كنت مررت بفلان، فدخلت إلى داره، ونظرت إلى جواريه، فقال: ذاك مجلس لا ينظر الله عزوجل إلى أهله، أمنت الله على أهلك ومالك (2). وهي تشهد على ما قويناه حسب الناظر القاصر، بناء على ارتباطها بهذه المسألة، وكونها كناية عن مجلس الغناء. ولعمري إن الاشكال في حرمة الاستماع على الاطلاق حسب الصناعة، قوي، ولكن العرف لا يقبل التفكيك.


1 - الكافي 6: 434 / 23، وسائل الشيعة 17: 316، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 101، الحديث 1. 2 - الكافي 6: 434 / 22، وسائل الشيعة 17: 317، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 101، الحديث 4.

[ 394 ]

[ والتكسب به، ] قوله مد ظله: والتكسب به. للنص الخاص في المغني والمغنية (1)، ولان الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه (2) ولبناء الاصحاب على الملازمة بين حرمة الشئ وحرمة التكسب به، مع الالتزام بفساده. وقد يشكل في خصوص المقام أن قوله (عليه السلام)، في جملة من الروايات أن ثمن المغنية حرام أو سحت (3) وورود الرواية في خصوص الجواري (4)، يومي إلى أن اتخاذه كسبا من المحرم، فيقيد بالمفهوم هنا عموم النبوي، فتأمل. وتوهم: أن هذه الروايات مخصوصة بمسألة بيع القينات والجواري المغنيات، غير تام، لان الثمن، كما في النبوي أعم، فتحرم الاجارة وغيرها من سائر أنواع الكسب، نعم في خصوص بيعها بعض


1 - الفقيه 3: 105 / 436، وسائل الشيعة 17: 307، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 99، الحديث 17. 2 - تقدم في الصفحة 293، الهامش 3. 3 - وسائل الشيعة 17: 122، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 16، الحديث 3 - 7. 4 - وسائل الشيعة 17: 122، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 16، الحديث 4 - 7.

[ 395 ]

[ وليس هو مجرد تحسين الصوت، بل هو مده وترجيعه، بكيفية خاصة مطربة، تناسب مجالس اللهو، ومحافل الطرب، وآلات اللهو والملاهي، ] الروايات المتعارضة (1)، وتفصيل البحث حولها يطلب من محاله. ومما يدل على حرمة الاجارة النصوص الخاصة الناطقة بأن أجر المغنية وكسبها سحت وحرام (2). قوله مد ظله: مجالس. وقد بلغت الاقوال والاحتمالات في تعريفه إلى أكثر من عشرين، بل والثلاثين، واضطربت كلمات الفقهاء في ذلك، وقد أشار إليها السيد العاملي في مفتاح الكرامة (3) وصنف شيخ مشايخنا محمد رضا الاصفهاني في هذه المسألة رسالة لطيفة وقال: الغناء: صوت الانسان الذي من شأنه إيجاد الطرب بتناسبه لمتعارف الناس، والطرب: هي الخفة التي تعتري الانسان فيكاد أن يذهب بالعقل، وتفعل فعل المسكر لمتعارف الناس أيضا (4) انتهى.


1 - وسائل الشيعة 17: 122، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 16، الحديث 1. 2 - وسائل الشيعة 17: 120، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 15، الحديث 1 و 4، و 17: 307، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 99، الحديث 17. 3 - مفتاح الكرامة 4: 50 / السطر 10. 4 - هذه الرسالة غير مطبوعة ونقل عنه الامام الخميني (قدس سره) في المكاسب المحرمة 1: 300.

[ 396 ]

[...... ] وقال الوالد الاستاذ - مد ظله، بعد ذلك وبعد الغور في تفصيل كلامه: فالاولى تعريف الغناء: بأنه صوت الانسان الذي له رقة، وحسن ذاتي ولو في الجملة، وله شأنية إيجاد الطرب بتناسبه لمتعارف الناس (1) انتهى. والذي ظهر لي: أنه من الصوت ما طرب به، وكونه مطربا فعليا ولو لجماعة غير مستمعين إليه، ولا وجه للاختصاص بالانسان، ولا سائر القيود الزائدة، بل هو أمر عند العرف واضح. ويمكن دعوى: أنه - في اللغة والاستعمال - مطلق الصوت الذي يؤدي للتلذذ وإن لم يتلذذ به إلا صاحبه، وكان في حد نفسه من أنكر الاصوات، خصوصا إذا قلنا بأنه محرم بالعرض، لاجل انطباق عنوان المحرم عليه، كاللهو والباطل، والزور، فإنها أوسع دائرة في الصدق. والذي يظهر من الشيخ الاعظم (قدس سره) أنه ينكر حرمة الغناء، حيث قال، بعد الفراغ عن البحث حوله: فكل صوت يكون لهوا بكيفية، ومعدودا من ألحان أهل الفسوق والمعاصي، فهو حرام وإن فرض أنه ليس بغناء، وكل مالا يعد لهوا، فليس بحرام وإن فرض صدق الغناء عليه، فرضا غير محقق، لعدم الدليل على حرمة الغناء إلا من حيث كونه باطلا، ولهوا، ولغوا،


1 - المكاسب المحرمة، الامام الخميني (قدس سره) 1: 305.

[ 397 ]

[ ولا فرق بين استعماله في كلام حق من قراءة القرآن، والدعاء، والمرثية وغيره، من شعر أو نثر، ] وزورا (1) انتهى. وهذه العبارة صريحة في إنكارها حرمته الذاتية، وإثباتها أنه محرم بالعناوين الكثيرة المحرمة، فلا تغفل وتدبر. قوله مد ظله: ولافرق. للاطلاقات السابقة، وعدم معارضتها بشئ، والامر عموما بتحسين القرآن (2) لا يقاوم النهي الالزامي، وخصوصا بالترجيع فيه، ولا يستلزم جواز الطرب به، وبالتغني به، كما في رواية، عن تفسير الشيخ أبي علي وتغنوا بالقرآن، فمن لم يتغن بالقرآن فليس منا (3) فلا تورث جواز ما ثبت حرمته، ولاسيما بعد معارضتها برواية عبد الله بن سنان، الناهية عن ترجيع القرآن، والاتيان به بمثل ألحان أهل الفسق، والكبائر (4)، ولكنه خالفهم الاردبيلي (قدس سره) في القرآن والمراثي (5)، ولعله لما مضى من قصور الادلة،


1 - المكاسب، الشيخ الانصاري: 37 / السطر 22. 2 - وسائل الشيعة 6: 211، كتاب الصلاة، أبواب قراءة القرآن، الباب 24، الحديث 5 - 6. 3 - مجمع البيان 1: 86، مع تفاوت يسير. 4 - الكافي 2: 450 / 3، وسائل الشيعة 6: 210، كتاب الصلاة، أبواب قراءة القرآن، الباب 24، الحديث 1. 5 - مجمع الفائدة والبرهان 8: 61.

[ 398 ]

[ بل يتضاعف عقابه لو استعمله فيما يطاع به الله تعالى. نعم، قد يستثنى غناء المغنيات في الاعراس، وهو غير بعيد، ولا يترك الاحتياط بالاقتصار على زف العرائس، والمجلس المعد له مقدما ومؤخرا، لا مطلق المجالس، بل الاحوط الاجتناب مطلقا. ] واغتشاشها، وضعف أسنادها إلا عدة منها، مع ضعف ما ورد في خصوص القرآن، والنهي عن الترجيع فيه (1). قوله مد ظله: بل يتضاعف. لاستلزامه اللعب بما هو الموضوع للعبادة، وقد عنون في الوسائل بابا في خصوص وجوب إكرام القرآن، وحرمة إهانته (2)، والمراد من تضاعف العقاب ليس اشتداده، بل يتكرر ذلك لتكرر العنوان المحرم المنطبق على العمل الوحداني. قوله مد ظله: وهو غير بعيد. وهذا هو الصريح في كلام جماعة (3)، والمخالف في المسألة فخر الدين (4)،


1 - وسائل الشيعة 6: 210، كتاب الصلاة، أبواب قراءة القرآن، الباب 24. 2 - وسائل الشيعة 6: 169، كتاب الصلاة، أبواب قراءة القرآن، الباب 2. 3 - النهاية: 367، تذكرة الفقهاء 1: 582 / السطر 22، جامع المقاصد 4: 24، مسالك الافهام 3: 126. 4 - ايضاح الفوائد 1: 405.

[ 399 ]

[...... ] ولعله المنساق من كلام كل من تعرض للمسألة ولم يتعرض لهذا الاستثناء، وخصوصا بعد تعرضه للبعض الاخر (1)، للاشكال في موضوعه. وما يدل على الاستثناء روايات أبي بصير قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): أجر المغنية التي تزف العرائس ليس به بأس (2). وفي روايته الاخرى قال: المغنية التي تزف العرائس، لا بأس بكسبها (3). وروايته الثالثة قال في كسب المغنيات: التي يدخل عليها الرجال حرام، والتي تدعى إلى الاعراس ليس به بأس (4). ولو تم الاشكال في سند بعضها لمكان علي بن أبي حمزة، أو لجهة اخرى، ولكن الظاهر تمامية بعض الاسناد، فمثلها تخرج عن المطلقات


1 - شرائع الاسلام 4: 117، قواعد الاحكام 2: 236 / السطر 20، الدروس الشرعية 2: 126، كفاية الاحكام: 85 / السطر 31. 2 - الكافي 5: 120 / 3، وسائل الشيعة 17: 121، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 15، الحديث 3. 3 - الكافي 5: 120 / 2، وسائل الشيعة 17: 121، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 15، الحديث 2. 4 - الكافي 5: 119 / 1، وسائل الشيعة 17: 120، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 15، الحديث 1.

[ 400 ]

[...... ] المانعة (1). ويشكل العمل بهذه الروايات، لاجل إباء قوله (عليه السلام): الغناء مما وعد الله عليه النار (2) عن مثل هذا التقييد. ولاجل أن المطلقات الكثيرة الواردة في المقامات المختلفة البالغة إلى حد التواتر (3) والاكثر، تأبى عن التقييد برواية، فإن من المحتمل قويا كون روايات أبي بصير، رواية واحدة مختلفة الاسناد إلى أبي بصير، فيلزم التعارض، ولا تقاوم هي ذاك قطعا. ولاجل إعراض القدماء (4)، في احتمال قوي لما سمعت منا، وعمل المتأخرين كالمحقق والعلامة (5)، لا يورث شيئا كسرا وجبرا. نعم، ولاجل احتمال كون الغناء في المستثنى المرتبة الاولى منه على ما عرفت من بعض البحث فيه.


1 - وسائل الشيعة 17: 303، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 99. 2 - الكافي 6: 431 / 4، وسائل الشيعة 17: 304، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 99، الحديث 6. 3 - وسائل الشيعة 17: 120، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 15، و 17: 303 كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 99. 4 - الكافي في الفقه: 281، المقنعة: 588، السرائر 2: 222. 5 - المختصر النافع: 116، تذكرة الفقهاء 1: 582 / السطر 22.

[ 401 ]

[...... ] ولاجل احتمال كون المغنية تدعى للزف لا للغناء، ولاجل إعراض المشهور قطعا عنها لو اخذ بقيدها ومفهومه، لان في الرواية الثالثة قال كسب المغنيات: التي يدخل عليها الرجال حرام (1) مع أنه حرام على الاطلاق، وبعد كونها رواية واحدة ينعقد إعراضهم عنها، بل قيل في صورة الشك في الاعراض، يشكل العمل بالسند، للزوم تقييده (2)، فلا يخفى. هذا مع أن في السند بحثا آخر. والحاصل من هذه الامور ذهاب الوثوق النوعي عن مثلها، فالاستثناء حكما، مشكل إلا على القول الاخر، وهو عدم ثبوت الاطلاق في الادلة الناهية، والقدر المتيقن منها ما أسمعناك فلاحظ. ولعل الماتن - مد ظله، لاجل هذه الامور أخذ بالقدر المتيقن في الاستثناء، واحتاط في أصل المسألة، والله العالم. ثم إنه غير خفي أن موارد الاستثناء المذكورة في الروايات، كثيرة


1 - الكافي 5: 119 / 1، وسائل الشيعة 17: 120، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 15، الحديث 1. 2 - انظر المكاسب، الشيخ الانصاري: 39 / السطر 3.

[ 402 ]

[...... ] مثل العيدان، والفرح (1)، والنياح (2)، والعرس (3) وغيرها (4)، إلا أن ثبوت الحكم في بعضها، والموضوع في الاخر، غير معلوم.


1 - قرب الاسناد: 121، وسائل الشيعة 17: 122، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 15، الحديث 5. 2 - الفقيه 3: 98 / 376، وسائل الشيعة 17: 127، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 17، الحديث 7. 3 - وسائل الشيعة 17: 120، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 15، الحديث 1 - 3. 4 - وسائل الشيعة 6: 211، كتاب الصلاة، أبواب قراءة القرآن، الباب 24، الحديث 5، مستدرك الوسائل 4: 273، كتاب الصلاة، أبواب قراءة القرآن، الباب 20، الحديث 7 - 8.

[ 403 ]

[ مسألة 14: معونة الظالمين في ظلمهم، بل في كل محرم، حرام بلا إشكال، بل ورد عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: ومن مشى إلى ظالم ليعينه وهو يعلم أنه ظالم، فقد خرج عن الاسلام (1) وعنه (صلى الله عليه وآله وسلم): إذا كان يوم القيامة ينادي مناد: أين الظلمة وأعوان الظلمة حتى من بري لهم قلما ولاق لهم دواتا قال: فيجتمعون في تابوت من حديد، ثم يرمى بهم في جهنم (2). ] قوله: حرام. على المعروف المشهور، وفي عنوان المسألة احتمالات: أن يكون المقصود حرمة الاعانة على الاثم، وذكر الظلم لكونه أعظم، ولخصوص بعض الروايات، مثل خبر طلحة بن زيد، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: العامل بالظلم والمعين له والراضي به شركاء ثلاثتهم (3) ولعل المراد من الاول هو المتصدي لظلم الظالم، لا الذي يظلم بنفسه. وأن يكون المقصود إعانة من يعد من الظالمين والمتجاوزين على أموال الناس وأعراضهم، في ظلمهم، أو سائر المعاصي، وجميع ما نهوا عنه.


1 - تنبيه الخواطر 1: 54، وسائل الشيعة 17: 182، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 42، الحديث 15، مع تفاوت يسير. 2 - تنبيه الخواطر 1: 45، وسائل الشيعة 17: 182، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 42، الحديث 16. 3 - الكافي 2: 250 / 16، وسائل الشيعة 17: 177، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 42، الحديث 2.

[ 404 ]

[...... ] وأن يكون المقصود إعانتهم في ظلمهم، وهو غصب الحكومة وإن لم يكن من أعوانهم الاصطلاحي. وأن يكون المقصود الدخول في الامور المرتبطة بهم، بحيث يعد من عمالهم وأعوانهم. والذي هو التحقيق: إن ها هنا مسائل: الاولى: مسألة حرمة الاعانة على الاثم ولو كان الاثم ظلما، كما يظهر من الكتاب (إن الشرك لظلم عظيم) (1) ويكون المراد من الظالمين المتلبسين بالمبدأ، من غير حصول الكثرة، والحرفة فيه. والحق: أنها محرمة بالكتاب (2)، ويساعده الاتفاق والعقل في الجملة، ويدل عليه بعض الاخبار (3)، على إشكال فيه، وهو مقتضى الادلة الدالة على وجوب الامر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فإن العرف يفهم منها حرمة الاعانة عليه.


1 - لقمان (31): 13. 2 - المائدة (5): 2. 3 - وسائل الشيعة 17: 177، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 42.

[ 405 ]

[...... ] الثانية: مسألة إعانة الظالمين المشغولين بالظلم كا لحكومات الجائرة وأمثالهم - ولو كانوا شيعة - في ظلمهم وتعديهم على الناس، من غصب الاموال، وقتل الانفس، وهتك الاعراض، وهذا هو المحرم للجهتين، بناء على معقوليته فيما كان بين العنوانين عموما مطلقا، وهو القدر المتيقن من الروايات الواردة في المسألة (1). ومن الظلم غصب الخلافة، ولعل المقصود من بعض الروايات المطلقة الفرض الاخير، لعدم تنافيه مع الاطلاق. الثالثة: معونة الظالمين في غير الظلم وسائر المحرمات والمعروف هو الجواز، لعدم الدليل، وللزوم بعض الاشكالات، ولاستلزامه الصعوبة في الدين، ولمنافاته لما دل على مجاملتهم، وحسن العشرة معهم، وجلب قلوبهم، كي يقولوا: رحم الله جعفر بن محمد، ما أحسن ما كان يؤدب به أصحابه (2). وما ورد من المطلقات غير معمول به، فيدور الامر بين الاخذ بإطلاقها،


1 - وسائل الشيعة 17: 177، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 42. 2 - وسائل الشيعة 8: 430، كتاب الصلاة، أبواب صلاة الجماعة، الباب 75، الحديث 1 و 12: 5، كتاب الحج، أبواب أحكام العشرة، الباب 1، الحديث 2.

[ 406 ]

[ وأما معونتهم في غير المحرمات، فالظاهر جوازه ما لم يعد من أعوانهم وحواشيهم والمنسوبين إليهم، ] أو حملها على الصورة السابقة، أو سقوطها رأسا، لان منشأ الاعراض يمكن أن يكون وجود القرائن المورثة للاجمال، كما لا يخفى، أو بعض جهات اخر في سندها. نعم، مقتضى بعض الروايات (1)، وحكم العقل بلزوم دفع الظلم، وجوب الاعراض عنهم، الموجب لسقوطهم، وهذا ما لا يحصل إلا بالاتفاق. ولعمري إن اشتهار الفتوى بالجواز، وترغيب الناس إلى امورهم لبعض المصالح المتوهمة، أوقعهم فيما وقعوا فيه، وابتلوا بالبليات المدهشة إلى يوم القيامة، ولو كانوا متأملين في هذه المسألة وما ورد فيها، لما بقي لهم شبهة في حرمة العشرة معهم إلا في بعض المواضع الخاصة مما كان التابعون قليلين، وإلى ما ذكر اشير في المآثير (2). قوله مد ظله: ما لم يعد من أعوانهم. للنصوص الخاصة، ففي معتبرة ابن أبي يعفور، قال: كنت عند


1 - وسائل الشيعة 17: 177، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 42، الحديث 1 - 2. 2 - الكافي 5: 106 / 4، وسائل الشيعة 17: 199، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 47، الحديث 1.

[ 407 ]

[...... ] أبي عبد الله (عليه السلام) إذا دخل عليه رجل من أصحابنا، فقال له: جعلت فداك إنه ربما أصاب الرجل منا الضيق والشدة، فيدعى إلى البناء يبنيه، أو النهر يكريه، أو المسناة يصلحها، فما تقول في ذلك؟ فقال أبو عبد الله (عليه السلام): ما احب أني عقدت لهم عقدة، أو وكيت لهم وكاء، وإن لي ما بين لابتيها، لا ولا مدة بقلم، إن أعوان الظلمة يوم القيامة في سرادق من نار حتى يحكم الله بين العباد (1). ودلالتها على المطلوب قطعية، لانه القدر المتيقن منه. نعم، توهم إطلاق الصدر بعد ظهور الذيل في العنوان المخصوص، مشكل إلا بدعوى أعمية عنوان أعوان الظلمة، فإن عون الضعيف صدقة أعم، والظلمة لو كانت أخص لا تورث أعمية المضاف بعد اقتضاء المناسبة خلافه. ثم إنه قد يتوهم اختصاص الظلمة بالحكام والسلاطين الجائرين، والامراء الفاسقين، من أهل الخلاف، المعاندين لاهل الحق في دينهم، أو الذين يقتلون النبيين وأئمة المؤمنين، حفظا لسلطانهم كالعباسيين، وأما سلاطين الشيعة المظهرين للوداد والمحبة بالنسبة إليهم، وإن كانوا


1 - الكافي 5: 107 / 7، وسائل الشيعة 17: 179، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 42، الحديث 6.

[ 408 ]

[ ولم يكن اسمه مقيدا في دفترهم وديوانهم، ] فاسقين وغاصبين حقوق الفقهاء والمجتهدين، فهو خارج من هذه المآثير (1). نعم، إذا كان مظهرا للتشيع، ومبدعا للاحكام الكافرة ومضيعا للقوانين الحقة، فهو داخل في حكم هذه المسألة بحكم العقل. ويندفع ذلك بالعمومات (2)، بعد اقتضاء المناسبة بين الحكم والموضوع ذلك، كما هو الظاهر. قوله مد ظله: مقيدا. مقتضى إطلاق هذه العبارة ممنوعيته وإن لم يلزم منه صدق العون، وأنه من أعوان الظلمة. وهذا هو قضية رواية يعقوب بن يزيد، عن ابن بنت الوليد بن صبيح الكاهلي، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: من سود اسمه في ديوان ولد سابع حشره الله يوم القيامة خنزيرا (3) ويمثله الحواشي فإنهم لا يعدون أعوانا. ولكنه ورد في المعتبرة قال، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ما اقترب عبد من سلطان جائر إلا تباعد من الله، ولا كثر ماله إلا اشتد حسابه، ولا كثر تبعه إلا


1 - المكاسب المحرمة، الامام الخميني (قدس سره) 2: 154 - 156. 2 - وسائل الشيعة 17: 177، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 42. 3 - تهذيب الاحكام 6: 329 / 913، وسائل الشيعة 17: 180، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 42، الحديث 9.

[ 409 ]

[ ولم يكن ذلك موجبا لازدياد شوكتهم وقوتهم. ] كثرت شياطينه (1). وفي معتبرة اخرى قال، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إياكم وأبواب السلطان وحواشيها، فإن أقربكم من أبواب السلطان وحواشيها أبعدكم من الله عزوجل، ومن آثر السلطان على الله أذهب الله عنه الورع وجعله حيرانا (2). وقضية المعتبرتين وغيرهما، حرمة العنوان الاخر، وهو كونه من المقربين والمعروفين بأنه مورد احترامه، ويكون نافذا فيه، وسيأتي في المسائل الاتية، عند تعرض المصنف - مد ظله تمام الكلام في المقام (3). قوله: ولم يكن موجبا. يمكن دعوى لحوقها بالعنوان المشار إليه، فإن ذلك من الاعانة على الاثم، وهو غصب الخلافة، فإن ما يوجب بقاء الاثم في إثمه أو شركته في الاثم محرم بالعقل والنقل، أو لحوقه بعنوان أعوان الظلمة، فإن من كان فعله المباح مرة واحدة موجبا لذلك يعد به من أعوانه عرفا، وفي


1 - عقاب الاعمال: 310 / 1، وسائل الشيعة 17: 181، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 42، الحديث 12. 2 - عقاب الاعمال: 310 / 2، وسائل الشيعة 17: 181، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 42، الحديث 13. 3 - ذيل مسألة 24 من التحرير عند تعرض المصنف عدم جواز الدخول في الولايات 4: 313.

[ 410 ]

[...... ] خصوص ذلك ما اشير إليه. ومن العجيب أن المسألة عندهم واضحة ولكن المسموع من بعض السالفين، والمشهور من جماعة من المعاصرين هداهم الله تعالى، خلاف ذلك، ولقد أخرتني الدهور إلى عصر عجيب، وذو ردة واهية نرى ميل العلماء إلا الشاذ منهم إلى الملوك والسلاطين، مستدلين بصنع علي بن يقطين (1)، غافلين عن الجهات، ذاهلين لشدة الحب إلى ما هم عليه عما هو وظيفتهم، وقد اتفق في عصرنا رجوع الناس عن تقليد الراكن إلى أبوابهم، ووقع في قلوبهم الخلل والزلل بالنسبة إلى عقائدهم، فبئس الملوك وبئس العلماء، خذلهم الله تعالى أو هداهم.


1 - انظر وسائل الشيعة 17: 193، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 46، الحديث 1.

[ 411 ]

[ مسألة 15: يحرم حفظ كتب الضلال، ونسخها، وقراءتها، ودرسها وتدريسها إن لم يكن غرض صحيح في ذلك، كأن يكون قاصدا لنقضها وإبطالها، وكان أهلا لذلك، ومأمونا من الضلال، وأما مجرد الاطلاع على مطالبها، فليس من الاغراض الصحيحة المجوزة لحفظها لغالب الناس، من العوام الذين يخشى عليهم الضلال والزلل، فاللازم على أمثالهم التجنب عن الكتب المشتملة على مايخالف عقائد المسلمين، خصوصا ما اشتمل منها على شبهات ومغالطات، عجزوا عن حلها ودفعها، ] قوله مد ظله: يحرم حفظ. وعن التذكرة والمنتهى (1) نفي الخلاف عنه، ولعله المشهور بين جماعة من القدماء المتعرضين للمسألة (2)، إلا أن الادلة المذكورة من الايات والروايات، قاصرة عن إثبات هذا العنوان، والدليل العقلي لا يورث الحرمة الشرعية، لعدم تمامية قاعدة الملازمة، خصوصا في مثل المقام فإن ما هو المبغوض في الشريعة معلوم، وهو الافساد في الارض، والاضلال، والمقدمات حتى الموصلة منها ليست محرمة على ما تحرر في محله (3).


1 - تذكرة الفقهاء 1: 582 / السطر 37، منتهى المطلب 2: 1013 / السطر 34. 2 - المقنعة: 589، النهاية: 365، السرائر 2: 218، شرائع الاسلام 2: 4. 3 - تحريرات في الاصول 3: 206 و 290 - 291.

[ 412 ]

[...... ] وقوله (عليه السلام) في معتبرة عبد الملك الوارد في التنجيم: احرق كتبك (1) لا يورث المطلوب بعد ظهور الصدر في أن الذيل كناية أو إرشاد إلى ترك العمل والقضاء بما في كتبه. وقضية حكم العقل في الشبهات المهتم بها بعد معلومية غرض المولى، هو الاحتياط، وذلك بلا فرق بين كتب الضلال، والمدارس التي توجبه، ومن يكون مضلا وهاديا إلى سبل الفساد، والزلل في العقائد، فإن عنوان المسألة مما لا شاهد عليه خصوصا. وليس مطلق القراءة ممنوعا، بل القراءة الممنوعة هي الملازمة للاثر الفاسد شخصا، أو نوعا، وهي التي يعقبها النظر، والتفكر. وسائر العناوين المشار إليها ليست من المحرمات المتعددة عنوانا والمستقلة دليلا وملاكا. والامان من الضلال إن كان شخصيا فيلزم جواز الاطلاع عليها وإن لا يقصد النقض والابطال، وإن كان نوعيا فلا يجوز له النظر ولو للرد والابطال، والمدار على حكم العقل ولا يكفي مجرد الاحتمال، وإلا يمكن منع القاطع بالامن، لان القطع يخطئ ويصيب.


1 - الفقيه 2: 175 / 779، وسائل الشيعة 11: 370، كتاب الحج، أبواب آداب السفر، الباب 14، الحديث 1.

[ 413 ]

[ ولايجوز لهم شراؤها، وإمساكها، وحفظها، بل يجب عليهم إتلافها. ] وبالجملة: يندرج في المسألة الكتب الفلسفية المشتملة على شبهات عقلية في المبدأ والمعاد، ومغالطات علمية في التوحيد وغيره مما لا يسلم منها إلا الاوحدي. وأما الكتب المضلة عن سواء السبيل، والراغبة إلى المعاصي والفسق، والباعثة إلى المفاسد الاخلاقية، فهي أيضا ربما تكون منها، لقوله تعالى: (ثم كان عاقبة الذين أساؤا السوءا أن كذبوا بآيات الله) ومنها: الصحف والجرائد، والمنشورات الرائجة في عصرنا، المشتملة على الفواحش، فإنه ربما يشملها قوله تعالى: (والذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا). قوله دام ظله: ولايجوز. في المواضع الممنوعة عقلا يكون الحكم ممنوعية هذه الامور احتياطا، وغاية ما يمكن أن يقال للحرمة الوضعية، دعوى عدم رضا الشرع بذلك، ولكنه ممنوع، لما ورد عنهم (عليهم السلام) من بيع العنب لمن يعلم أنه يصنع خمرا، فإن في هذه الروايات ما يومئ إلى أن فساد المطالب الاخر لا يسري إلى موضوعات اخرى. وبالجملة: لا حرمة لمقدمات المحرم حتى الموصلة منها، فالمنع مبني على الاحتياط. واستكشاف الحكم التكليفي من قاعدة الملازمة على تقدير صحتها

[ 414 ]

[...... ] في نفسها، وكون المورد من مصاديقها يستلزم فساد المعاملة عليها، بناء على تمامية النبوي سندا ودلالة، فافهم وتدبر. ومما ذكرناه يظهر حال إتلافها وإمساكها، فإن الامر فيهما كما عرفت، وقد يستظهر من قوله تعالى في مسألة المفسد في الارض من أنه يصلب، أو يقطع، أو ينفى، أن هذه الكتب تحرق ولكنه غير تام، وللحاكم والوالي جمع الكتب المضلة الرائجة بين الناس، الموجبة لوقوعهم في الضلال والزلل، فافهم وتأمل.

[ 415 ]

[ مسألة 16: عمل السحر وتعليمه وتعلمه والتكسب به حرام، والمراد به ما يعمل من كتابة، أو تكلم، أو دخنة، أو تصوير، أو نفث، أو عقد يؤثر في بدن المسحور، أو قلبه، أو عقله، فيؤثر في إحضاره، أو إنامته، أو إغمائه، أو تحبيبه، أو تبغيضه ] قوله دام ظله: حرام. أما عمله فعليه الاجماع منقولا (1)، بل ومحصلا، وليس في المسلمين من يجوزه على إطلاقه، بل في الجواهر: هو من الضروريات التي يدخل منكرها في سبيل الكافرين (2). والذي هو القدر المتيقن منه ما يستعمل ليضل عن سبيل الله تعالى، ويوجب الزلل في العقائد، وحدوث احتمال كون عمل الانبياء (عليهم السلام) من سنخ أعمالهم، وهكذا لو ترتب على عمله ما لا يرضى به الشرع الاقدس من المفاسد، فإن محمد بن إدريس روى في آخر السرائر عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من مشى إلى ساحر أو كاهن أو كذاب، يصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل الله تعالى من كتاب (3). وظاهره كونه قرينة على ما ورد في السحر، بعد قصور تلك الروايات


1 - منتهى المطلب 2: 1014 / السطر 17، رياض المسائل 1: 503 / السطر 24. 2 - جواهر الكلام 22: 75. 3 - السرائر 3: 593.

[ 416 ]

[...... ] عن إثبات حرمة السحر بإطلاقه، فإن قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): ساحر المسلمين يقتل، وساحر الكفار لا يقتل (1) بعد شبهة في سنده، وإشكال أدبي في عبارته، لا يدل على أن السحر بذاته حرام، وعلى إطلاقه ممنوع، ولاسيما على ما احتملناه في الكتاب الكبير (2)، من أنه من الاضافة اللفظية - أي سحر الكافر لا يورث شيئا في نفس الكافر حتى يقتل ساحره، بخلاف المسلم، فلو أتى الكافر بسحر المسلم فهو أيضا يقتل. وقوله: من كتاب ربما يكون إشارة إلى ما ورد فيه: (ولا يفلح الساحر حيث أتى) (3). وقوله تعالى: (ما جئتم به السحر إن الله سيبطله إن الله لا يصلح عمل المفسدين) (4). فإن المشي إليه خلاف الاعتقاد بالكتاب إلا للتفريح. وقوله تعالى:


1 - عن جعفر بن محمد، عن أبيه (عليهما السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ساحر المسلمين يقتل وساحر الكفار لا يقتل، قيل: يارسول الله لم لا يقتل ساحر الكفار؟ قال: لان الشرك أعظم من السحر، لان السحر والشرك مقرونان. الفقيه 3: 371 / 1752، وسائل الشيعة 17: 146، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 25، الحديث 2. 2 - مباحث المكاسب المحرمة، من تحريرات في الفقه (مفقودة). 3 - طه (20): 69. 4 - يونس (10): 81.

[ 417 ]

[...... ] (عمل المفسدين) أيضا دليل على ما ذكرناه. وهكذا قوله تعالى: (ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما انزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم) (1). بل في قوله تعالى: (ولا ينفعهم) إشارة إلى تجويز الضرر المتدارك بالنفع، كما لا يخفى. ومما يدل، أو يشهد على ما مر رواية إبراهيم بن هاشم عن شيخ من أصحابه الكوفيين، قال: دخل عيسى بن ثقفي على أبي عبد الله (عليه السلام) وكان ساحرا، يأتيه الناس، ويأخذ على ذلك الاجر، فقال له: جعلت فداك، أنا رجل كانت صناعتي السحر، وكنت آخذ عليه الاجر، وكان معاشي، وقد حججت منه، ومن الله علي بلقائك، وقد تبت إلى الله عز وجل، فهل لي في شئ من ذلك مخرج؟ فقال له أبو عبد الله (عليه السلام): حل ولا تعقد (2). ولو كان نفس السحر وتعلمه حراما كان صرفه في الحل أيضا ممنوعا،


1 - البقرة (2): 102. 2 - الكافي 5: 115 / 7، وسائل الشيعة 17: 145، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 25، الحديث 1.

[ 418 ]

[...... ] وكان اللازم الامر بإنسائه وإزالته من النفس، فيعلم منه: أن إعماله فيما تعارف - مما يكشف عن اعتقاد العامل والمستأجر به - محرم. والامر بالحل ليس مقصورا بأن صورة جوازه تنحصر به، بل العرف يفهم منها أن الممنوع هو العقد، ولو كان في عمله تفريح فلا بأس به. وما روي أن توبة الساحر أن يحل ولا يعقد (1) دليل على أن ما عمله من المحرمات لا يغفر إلا بذلك، لا أن نفس كونه ساحرا وعالما بالسحر، محرم يحتاج إلى التوبة فإنه لا معنى لان يكون الحرام توبة عن الحرام، بل اللازم إيجاب الانساء، كما لا يخفى. حرمة تعليم وتعلم السحر مما ذكرنا يظهر حال التعليم والتعلم، وما ورد عن علي (عليه السلام) أنه قال: من تعلم شيئا من السحر، قليلا كان أو كثيرا فقد كفر، وكان آخر عهده بربه، وحده أن يقتل إلا أن يتوب (2) يحمل على ما عرفت، مع أنه لو كان كافرا،


1 - علل الشرائع: 546، الباب 338، ذيل الحديث 1، وسائل الشيعة 17: 147، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 25، الحديث 3. 2 - قرب الاسناد: 152 / 554، وسائل الشيعة 17: 148، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 25، الحديث 7.

[ 419 ]

[...... ] بالسحر لا يقتل لما ورد عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فتأمل. وتوهم: أن التعلم محرم بمعناه المصدري على الاطلاق، وأما لو عصى وتعلم فعليه التوبة، وهي الحل، وهذا هو مفاد الاخبار، وإن لا يبعد في حد ذاته إلا أن الالتزام بالتفكيك مشكل في نظر العرف. وربما يخطر بالبال أن تحريم السحر نوع فرار من الاتيان بما يشابه ما يتحدى به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهذا يورث سوء الظن بالمعجزة، بل المساعد للاعتبار تجويز السحر، حتى يعلم منه حقيقة المعجزة، وتكون العقائد الحاصلة منها راسخة، فمن يتصدى للامور المزاحمة لدعوة الانبياء، ربما يكون نظره تحقيق ما عندهم وإبطال ما عنده، فلو لم يلق السحرة ساجدين، لم يؤمن بموسى أحد من بني إسرائيل. ولعل قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): ساحر الكفار لا يقتل لانه غير مكلف بهذا الفرع خصوصا، وهذا لا ينافي التعليل المذكور في الرواية على إجمال فيه، فراجع. وبالجملة: التصدي للاتيان بسورة من الكتاب لو كان محرما في الشريعة فهو يستلزم الخلل، وحيث أن الساحر لا يفلح حيث أتى ولا يبقى ولا يستمر يكون الكتاب معجزة خالدة، فعندئذ يقال: بأن السحر المحرم هو ما تعارف بين أبنائه من الامور الفاسدة، التي يترتب عليها ما لا يرضي الشرع المقدس به.

[ 420 ]

[...... ] حكم التكسب بالسحر ثم إن التكسب به ربما يكون ممنوعا ولو كان إعماله جائزا، بناء على أن المستفاد من الادلة: أن الحل توبة السحر فكأنه مبني على المجانية، وأما على ما استظهرناه واحتملناه ففي مواقف المحرم يكون ممنوعا تكليفا، وأما حرمته وضعا فيمكن منعها، لانه (عليه السلام) سكت في رواية إبراهيم بن هاشم عن حكم الاجر المأخوذ قبال سحره، والوجه الثالث: أن عمله وتعليمه وتعلمه فيما كان حراما أخذ الاجرة عليها وإعطاء الاجرة حذاءها محرم وضعا وتكليفا، للنبوي وغيره مما عرف من الشرع. فبالجملة: لو سلمنا جميع ما في المتن من أنه من السحر موضوعا فما هو المحرم منه صنف خاص، ومما يدل أو يشهد على ما قويناه بعد عدم مساعدة الدليل لحرمة التعليم والتعلم تكليفا، خصوصا بعد سكوت الشرائع عن الاول (1)، وقصور رواية أبي البختري عن تحريم التعلم الصرف، رواية الصدوق، في العيون عن الحسن بن علي العسكري (عليه السلام)، وهي رواية مفصلة وردت في تفسير الكتاب، وقصة


1 - شرائع الاسلام 2: 4.

[ 421 ]

[ ونحو ذلك. ] العسكري (عليه السلام)، وهي رواية مفصلة وردت في تفسير الكتاب، وقصة الملكين ببابل هاروت وماروت (1) ومثلها رواية علي بن الجهم، عن الرضا (عليه السلام) (2). حقيقة السحر وأقسامه قوله دام ظله: ونحو ذلك. في كون هذه الامور من السحر موضوعا بحث، فإنه مقابل المعجزة ويعرف بها، فهي ما لا واقعية لها، ويخيل أنه الواقع، وأما مجرد خفاء مأخذه كما في بعض كتب اللغة (3)، فهو لا يكون سحرا، لان منه ما هو مأخذه معلوم، من التصوير والكتابة، ولو كان ذلك منه يلزم كون الادعية المكتوبة المؤثرة في بدن المريض، وفي صيرورة الطفل ذكرا وهكذا، من السحر، لخفاء مأخذه، ولو رجع الامر إليه تعالى، فهو أيضا مشترك، لعدم


1 - عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 1: 266 / 1، وسائل الشيعة 17: 147، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 25، الحديث 4. 2 - عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 1: 271 / 2، وسائل الشيعة 17: 147، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 25، الحديث 5. 3 - المصباح المنير: 317.

[ 422 ]

[ ويلحق بذلك استخدام الملائكة، وإحضار الجن وتسخيرهم، وإحضار الارواح وتسخيرها، وأمثال ذلك. ] إمكان الخروج من حكومته، فالسحر موضوعا في غاية الاشكال. والذي هو منه ما يقابل المعجزة، من إحياء الاموات، وتحريك الكائنات، وإراءة التخيلات بالتصرف في المبصرات بوجه لا يطلع الانسان على الخطأ في الحس وإن كان له الواقعية التخيلية في وعائها. ثم إن دعوى: أن الشريعة لا ترضى بهذه الامور، وترى الاكل منها بالباطل، لانه خروج عما هو بناء النظم، في محله. قوله دام ظله: ويلحق به. حكما، لدعوى الفخر أن مستحله كافر (1) وهي غير كافية، وليس دأب الشرائع تحريم الامور النادرة التي لا يتفق إلا للاوحدي. نعم، ما تعارف في العصر من الاكاذيب والاغراء بالجهل ممنوع ويعد من الاكل بالباطل، ومن الملحقات بها، ويعد منها المينايتزم وبعض الامور الاخر الحاصلة من القوى النفسانية التي حصلت من الرياضات الباطلة والصحيحة، وهي التي بها يفعل الانسان ما يشابه أعمال الانبياء من بني إسرائيل، وكيف تكون هي محرمة وعلماء الامة أفضل منهم، أو مثلهم، وقد حكيت مشابهاتها من السابقين؟! والله العالم.


1 - إيضاح الفوائد 1: 405.

[ 423 ]

[ بل يلحق أو يكون منه الشعبذة، وهي: إراءة غير الواقع واقعا، بسبب الحركة السريعة. ] نعم، لو كان في الاستخدام والاحضار والتسخير ظلم فهو محرم، وأما لو كان ذلك برضاهم وميلهم فالحرمة تحتاج إلى دليل آخر. وربما يقال: إن هذه الامور كلها أكاذيب، ولا يجوز عليه تعالى إقدار جماعة على جماعة بمثل هذه الكيفية، فليتدبر. قوله دام ظله: وهي إراءة. بل هي: الحركة السريعة الواقعة من المشعبذ غير قابلة للرؤية، مما يشترط فيها من زمان تكون تلك الحركة قبل مضيه فيتوهم خلاف الواقع. مثلا: المشعبذ يجعل تحت القلنسوة الموجودة في المجلس عند الناظرين، مالا يراه هؤلاء النظار، فإذا يسألونهم عما تحتها، فيجيبون، لا شئ، مع أن في تحتها شيئا. ثم إن مقتضى ما في كتب الاصحاب قديما وحديثا حرمتها (1)، وهي قضية رواية الاحتجاج (2)، والاجماع، ولكن للنظر فيها مجال واسع، لعدم كفاية هذه الاسناد. نعم، يبطل الكسب بها، لانه باطل، وهي فيما إذا استلزمت محرما آخر ممنوعة عقلا.


1 - جواهر الكلام 22: 94، المكاسب، الشيخ الانصاري: 34 / السطر 32. 2 - الاحتجاج 2: 220.

[ 424 ]

[ وكذلك الكهانة: وهي: تعاطي الاخبار عن الكائنات في مستقبل الزمان، بزعم أنه يلقى إليه الاخبار عنها بعض الجان، أو بزعم أنه يعرف الامور بمقدمات وأسباب يستدل بها على مواقعها. ] قوله دام ظله: الكهانة. وهي محرمة عرضا، لانها من السحر، أو ذاتا، لما ورد في النصوص ما يدل عليه، ففي رواية أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: من تكهن أو تكهن له فقد برئ من دين محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) (1). وفي اخرى: الكاهن ملعون (2). وفي ثالثة: الكاهن كالساحر، والساحر كالكافر، والكافر في النار (3). وفي رواية أبي خالد الكابلي، قال: سمعت زين العابدين (عليه السلام) - إلى أن قال: - والذنوب التي تظلم الهواء السحر والكهانة (4). وفي صحيحة الهيثم، قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام) - إلى أن قال: - قال


1 - الخصال: 19 / 68، وسائل الشيعة 17: 149، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 26، الحديث 2. 2 - الخصال: 297 / 67، وسائل الشيعة 17: 143، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 24، الحديث 7. 3 - الخصال: 297 / ذيل الحديث 67، وسائل الشيعة 17: 143، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 24، الحديث 8. 4 - معاني الاخبار: 270 / 2، وسائل الشيعة 16: 281، كتاب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، أبواب الامر والنهي، الباب 41، الحديث 8.

[ 425 ]

[...... ] رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): من مشى إلى ساحر أو كاهن أو كذاب يصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل الله من كتاب (1) وغيرها (2). ومنها يعلم: أنها ما يشابه فعل الانبياء والرسل العالمين بما لا يعلم به الناس من قبل الله تعالى، فلو كان إخباره مطابقا للواقع فيورث الزلل في معتقدات الناس، وأن غير النبي يتصل بالمبادئ الخارجة عن افق أفهام الناس وعقولهم، وفي ذلك مهلكة، لامكان الاعتقاد بأنه يطلع من قبل الملائكة المحدثين، ولا منع من الالتزام بحرمته على الاطلاق، لتمامية بعض الروايات، ولكنه مع ذلك لا يخلو عن إشكال إذا لم يترتب عليه الباطل نوعا. ومما يدل على محرمية الكهانة النصوص الناطقة بأن أجر الكاهن من السحت، ففي رواية السكوني، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: السحت ثمن الميتة - إلى أن قال: - وأجر الكاهن (3) ومثلها ما في وصية


1 - تقدم في الصفحة 425، الهامش 1. 2 - وسائل الشيعة 11: 373، كتاب الحج، أبواب آداب السفر، الباب 14، الحديث 8، وسائل الشيعة 12: 309، كتاب الحج، أبواب أحكام العشرة، الباب 164، الحديث 11، وسائل الشيعة 17: 93، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 5، الحديث 5 و 8 و 9. 3 - الكافي 5: 126 / 2، وسائل الشيعة 17: 93، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 5، الحديث 5.

[ 426 ]

[...... ] النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لعلي (عليه السلام) (1)، وفيها مضافا إلى الدلالة على الحكم التكليفي دلالة على الوضعي، على ما تقرر في وجه صحيح. وتوهم: أن الملازمة العرفية ثابتة بين حرمة العمل وحرمة التعليم والتعلم وإن سكت عنه الماتن مد ظله، غير بعيد، فتأمل. وتعريف الكهانة بما في المتن غير تام، لانطباقه على إخبار المنجم، فهي عندي: الاخبار عن مقدرات الانسان، متلقيا من غير الطرق المألوفة، جازما أو متجزما. وأما العالم بعلم المنايا والبلايا متلقيا من الانبياء والاولياء فهو ليس بكاهن، فكأنه متصل بالغيب من غير الوسائط الشرعية، وكثيرا ما يتفق صدق أخبارهم. ومن هؤلاء الذين يقرؤون خطوط الكف ويخبرون بما هو واقع حقيقة، ولكن حرمة هذه الكهانة مشكلة جدا. نعم، مع عدم اعتبار المستند، وعدم العلم بصدق الخبر لا يجوز الاخبار، ووجهه يحتاج إلى بسط، تعرضنا له في كتابنا الكبير (2).


1 - الفقيه 4: 262 / 824، وسائل الشيعة 17: 94، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 5، الحديث 9. 2 - مباحث المكاسب المحرمة، من تحريرات في الفقه (مفقودة).

[ 427 ]

[ والقيافة وهي: الاستناد إلى علامات خاصة في إلحاق بعض الناس ببعض، وسلب بعض عن بعض على خلاف ما جعله الشارع ميزانا للالحاق وعدمه، من الفراش وعدمه. ] قوله دام ظله: والقيافة. كان ينبغي تغيير العبارة، للزوم احتمال كونها من السحر، بناء على العطف، كما هو الظاهر، وقد حكي على حرمتها الاجماع (1)، وعن جماعة: تحريمها بما إذا ترتب عليها محرم (2) وفي حرمتها بعنوانها إشكال، لقصور الادلة سندا ودلالة، بل في بعضها ما يدل على جوازها بذاتها (3)، وما اتفق عليه الاصحاب أعم من الحرمة الشرعية، فإنهم كثيرا ما عدوا من المحرمات ما هو الممنوع عقلا، للملازمة بينه وبين المحرم الشرعي، أو للاستلزام. ثم إن ماهية هذا العلم أعم مما في المتن من جهات، ولعله يريد بيان الموضوع المحرم، وهو الصنف الخاص منه.


1 - منتهى المطلب 2: 1014 / السطر 32، مفتاح الكرامة 4: 80 / السطر 30. 2 - الدروس الشرعية 3: 165، جامع المقاصد 4: 33، مسالك الافهام 3: 329. 3 - الكافي 1: 322 / 14.

[ 428 ]

[ والتنجيم وهو: الاخبار على البت والجزم عن حوادث الكون، من الرخص والغلاء، والجدب والخصب، وكثرة الامطار وقلتها، وغير ذلك من الخير والشر، والنفع والضرر، مستندا إلى الحوادث الفلكية، والنظرات والاتصالات الكوكبية معتقدا تأثيرها في هذا العالم، على نحو الاستقلال، أو الاشتراك مع الله تعالى عما يقول الظالمون، دون مطلق التأثير ولو بإعطاء الله تعالى إياها، إذا كان عن دليل قطعي. وليس منه الاخبار عن الخسوف، والكسوف، والاهلة، واقتران الكواكب وانفصالها، بعد كونه ناشئا عن اصول وقواعد سديدة، والخطأ الواقع منهم أحيانا ناشئ من الخطأ في الحساب، وإعمال القواعد كسائر العلوم. ] قوله مد ظله: والتنجيم. قد وردت في المسألة طوائف من الروايات إحداها: ما يمنع عنه، ففي مرسلة الصدوق قال: وقال (عليه السلام): المنجم كالكاهن... (1). ثانيها: ما يظهر منه الجواز، ففي رواية عبد الرحمن بن سيابة، قال:... وإن كانت لا تضر بديني فوالله لاشتهيها وأشتهي النظر فيها، فقال: ليس كما يقولون، لا تضر بدينك ثم قال: إنكم تنظرون في شئ منها كثيره لا يدرك،


1 - الخصال: 297 / 67، وسائل الشيعة 17: 143، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 24، الحديث 8.

[ 429 ]

[...... ] وقليله لا ينتفع به (1) الحديث. ومقتضى الطائفة الثالثة الجمع بينهما، بأن يكون المحرم الاعتقاد بأن الهموم والغموم والافراح والخيرات والشرور والبركات مستندة إلى الافلاك، وهي المأخوذات والمؤثرات، كما في كثير من أشعار العرب والعجم، والاخبار بأن الموجودات العلية مناشئ المقدرات الحسنة والسيئة، كما كان دأب المنجمين والناظرين في العلويات، وعليه اعتقاد كثير من الفلاسفة. ففي الخصال، عن أبي الحصين، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: سئل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عن الساعة، فقال: عند إيمان بالنجوم وتكذيب بالقدر (2). وفي مرسلة الاعلام المحقق والعلامة والشهيدين، قالوا: قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): من صدق كاهنا أو منجما فهو كافر بما انزل على محمد (3).


1 - الكافي 8: 195 / 233، وسائل الشيعة 17: 141، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 24، الحديث 1. 2 - الخصال: 62 / 87، وسائل الشيعة 17: 143، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 24، الحديث 6. 3 - المعتبر 2: 688، تذكرة الفقهاء 6: 137، مسالك الافهام 2: 53، وسائل الشيعة 17: 144، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 24، الحديث 11.

[ 430 ]

[...... ] فدعوى: أن التنجيم غير جائز ولو كان معتقدا تأثيره الاعدادي، لاطلاق دليل المنع أو لاستلزامه الكذب غير تامة، لان صدق الخبر وكذبه خارج عن الاختيار، وإذا كان مستنده موجبا لحصول العلم فهو كسائر المسانيد في العلوم الاخر. بل قضية رواية هشام الخفاف، قال: قلت: لا والله، لا أعلم ذلك، قال: فقال: صدقت، إن أصل الحساب حق، ولكن لا يعلم ذلك إلا من علم مواليد الخلق كلهم (1)، هو أن المنجم يبتلي بالكذب، لما هو جاهل، وعليه لو كان الاطلاع على جميع الجهات محتاجا إلى العلم المذكور دون الامور المتعارفة، فالاخبار بنحو البت مع تمامية السند حسب القواعد، يكون جائزا، كما أفاده في المتن، والمراد من دليل قطعي ليس المقطوع به عقلا كما هو واضح. وفي حرمة التعليم والتعلم فيما كان حراما نظر، والوجه ما قد عرفت. ويمكن دعوى دلالة معتبرة عبد الملك بن أعين، الامرة بإحراق الكتب التي في النجوم (2) على ممنوعيتها، فتدبر.


1 - الكافي 8: 351 / 549، وسائل الشيعة 17: 141، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 24، الحديث 2. 2 - الفقيه 2: 175 / 779، وسائل الشيعة 11: 370، كتاب الحج، أبواب آداب السفر، الباب 14، الحديث 1.

[ 431 ]

[...... ] ثم إن تعريف التنجيم بما في المتن غير تام، والمقصود بيان أن ما هو المحرم هو العنوان المأخوذ حدا له تسامحا، كما أن منع تأثير العلل المادية بنحو الاعداد غير جائز، وإثبات الاستقلال والعلية التامة ممنوع، وكما أن الاول جبر وكفر كذلك الثاني شرك وتفويض، فالاستقلال بالوجهين ممنوع سواء كان المقصود كونها مؤثرات لعدم الاعتقاد بالله العالم أو كان المقصود كونها عللا مستقلة بإفاضة القدير، فإنه ممتنع أيضا على ما تقرر في محاله. هذا ويمكن دعوى: أن المتراءى من كلمات الاصحاب، وعد التنجيم من المحرمات لا موجبات الكفر والشرك، أن نفس النظر إليها، والاعتقاد بأنها ذات آثار في الارض ومن عليها، والقضاء على طبقه محرم، ولو كانت مؤثرات بنحو الاعداد أو العلية كعلية النار للحرارة، فما هو الممنوع لا يستلزم سلب تأثيرها واقعا، فافهم وتدبر.

[ 432 ]

[ مسألة 17: يحرم الغش ] قوله دام ظله: يحرم. على ا لمعروف بينهم، وعليه النصوص، ففي معتبرة هشام بن سالم، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لرجل يبيع التمر: يا فلان، أما علمت أنه ليس من المسلمين من غشهم؟! (1). وقد يشكل الحكم، لاجل أن ما صح سنده غير تامة دلالته وبالعكس، خصوصا إذا كانت المعاملة صحيحة. نعم، إذا قلنا: بأن بيع المغشوش باطل وهو منهي أو فيه الغرر فيكون فاسدا فالتحريم مناسب، أو يقال: بأن الغش محرم وإن لم يتفق التجارة بالمغشوش، كان لذلك أيضا وجه، وهو مساعدة بعض النصوص في المسألة، ففي معتبرة السكوني، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: نهى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يشاب اللبن بالماء للبيع (2). ومثلها غيرها مما يدل على ذلك (3)، وسيأتي زيادة توضيح إن شاء الله تعالى.


1 - الكافي 5: 160 / 2، وسائل الشيعة 17: 279، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 86، الحديث 2. 2 - الكافي 5: 160 / 5، وسائل الشيعة 17: 280، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 86، الحديث 4. 3 - وسائل الشيعة 17: 279، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 86.

[ 433 ]

[ بما يخفى في البيع والشراء كشوب اللبن بالماء، وخلط الطعام الجيد بالردئ، ومزج الدهن بالشحم أو بالدهن النباتي ونحو ذلك، من دون إعلام، ] قوله دام ظله: البيع والشراء. خلافا لما يظهر من الاخرين (1)، ومنهم العلامة في القواعد (2)، وهو قضية المطلقات، فهو حرام في سائر المعاوضات، بل وفي مثل الخلع والنكاح والمبارات، ولو صدق في الهبات والصدقات فهو كذلك. نعم، مقتضى عدة من النصوص - ومنها ما مر - الاختصاص بالبيع (3) جمعا بين المطلقات وتلك المقيدات، ولكن حمله على المثال والغالبية أولى من الحمل المزبور بعد كونهما موجبتين، ولمناسبة الموضوع للحرمة أينما كان أصدق. قوله دام ظله: ونحو ذلك. ليس الغش مجرد الخلط بين الجنسين المختلفين في القيمة، ولا منه ما لو خلط بينهما وباع بقيمة الجنس الادنى، وليس منه أن يؤدي في مقام الوفاء الجنس الاعلى، ولا يختص بالمعاوضات الجنسية، بل


1 - السرائر 2: 216، شرائع الاسلام 2: 4، تذكرة الفقهاء 1: 582 / السطر 29، الروضة البهية 1: 310 / السطر 15. 2 - قواعد الاحكام 1: 121 / السطر 2. 3 - وسائل الشيعة 17: 279 كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 86.

[ 434 ]

[ ولا تفسد المعاملة به وإن حرم فعله وأوجب الخيار للطرف بعد الاطلاع، ] يصدق في الهبة المعوضة، وليس معناه الغرور والتدليس حتى يكونا متساوقين ومترادفين، وليس منه ما يطلع عليه المشتري ويرفع الغرر فيه بالمشاهدة، ولا منه بيع المغشوش والمخلوط بغش الاخر، بل هو: دس الشئ في الشئ، وإراءة الجنس، الغالي وبيعه بقيمة أو للبيع بقيمته. وبعبارة اخرى: هو إحداث العيب الاختياري، وليس منه ما لو كان الجنس الغالي قليلا في قبال الداني، وأن لا يطلع عليه المشتري، وعند ذلك يشكل صحة المعاوضة، لا لانه يصدق عليه الغش حتى يقال ما يقال، بل لانه يعد أكلا للمال بالباطل، وأدلة خيار العيب لا تشمل ما إذا حدث العيب باختيار البائع، بل هي تختص ببيع المعيب، والله العالم. قوله دام ظله: ولا تفسد. لعدم تعلق النواهي في الباب إلا بعنوان خارج، وقد عرفت آنفا. قوله دام ظله: الخيار. خيار العيب فيما كان الغش موجبا للاختلال في سلامة المبيع، وخيار التدليس لو قلنا بجريان الغش في النكاح أو بجريان خياره في البيع حذاء خيار تخلف الوصف، وخيار تخلف الوصف فيما كان الغش بإظهار خلاف الواقع في الوصف المعتبر فيه، وللمسألة مقام آخر يطلب منه، وخيار تبعض الصفقة فيما كان المغشوش ما يتمكن المشتري عادة

[ 435 ]

[ نعم لو كان الغش بإظهار الشئ على خلاف جنسه كبيع المموه على أنه ذهب وفضة ونحو ذلك فسد أصل المعاملة. ] عادة من إخلاصه. وفي كونه من الغش، إشكال، لانه قد يعتبر كونه مما لا يعلم إلا من قبل البائع أو الخبير المتضلع، وذلك في غير هذا الفرض يستلزم الغرر، لانه يرتفع بالمشاهدة، وعند ذلك يكون البيع باطلا لجهة اخرى. اللهم إلا أن يقال: بأن ذلك غش في البيع الفاسد، وليس من شرائط حرمته صحة البيع، بل ولا إثباته الخيار، لانه لو غش في المبيع يسيرا فإنه لا يورث الخيار عرفا وإن كان محرما شرعا. قوله دام ظله: فسد. إذا كانت المعاوضة شخصية، ولو كانت كلية فالوفاء فاسد دونها، وهكذا في الفروض السابقة، والوجه في المسألتين واضح لا يحتاج إلى التأمل.

[ 436 ]

[ مسألة 18: يحرم أخذ الاجرة على ما يجب عليه فعله عينا، بل ولو كفائيا، ] قوله دام ظله: يحرم. وضعا على المشهور، بل ادعى عليه الرياض الاجماع، وحاكيا عن جماعة (1)، وفي الجواهر: بلا خلاف معتد به أجده فيه (2) وهو الموافق لما تقرر عندنا في الكتاب الكبير، إذا كان المراد من الاجرة المجعول في الاجارة، لا مطلق العوض، ومنها الجعل في الجعالة، ومثلها عندي - على إشكال في كبراها - الاباحة بالعوض. وأما أخذ العوض في الشروط البدوية، بناء على صحتها، أو في ضمن العقود اللازمة، بل والجائزة، فهو عندي جائز، وذلك لعدم تمامية الوجوه المذكورة في الكتب المفصلة، وقد تعرضنا لها في المكاسب المحرمة، وفي صلاة الاستئجار، وفي قضاء الولي (3). والوجه الوحيد فيها هو: أن لكل معاملة مصب خاص، معلوم الحدود عند العرف والعقلاء، ولا يجوز التوصل إلى العقل في الاستنتاج منها حتى يدخل البيع في مورد الاجارة وبالعكس، والوكالة في مورد


1 - رياض المسائل 1: 505 / السطر 27. 2 - جواهر الكلام 22: 116. 3 - مما يؤسف له فقدان هذه المباحث من مؤلفات المؤلف (قدس سره).

[ 437 ]

[...... ] الاستئجار على العمل، وبالعكس، حتى لا تجوز الاجارة في مواقف النيابة، فإن لها موقفا خاصا، وتكون النيابة بحذاء الاجارة والوكالة، ولنا كتاب آخر في الفقه، وهو كتاب النيابة كالاجارة والوكالة، والاستئجار على النيابة، كالاستئجار على الوكالة، مما لا أصل له عند الناس. ولو صح خلط مواقف العقود لكان القول: بأن الاجارة من أصناف البيع حقا وبالعكس وهكذا، فعلى هذا يعلم: أن ماهية الاجارة موضوعة لمواقف معلومة عند العقلاء، وليس اعتبارها بيد الفضلاء حتى يجروها إلى أي مصب شاؤوا. فالقول بالصحة الاجارة فيما نحن فيه، في غاية الوهن، ونهاية الوهم، لعدم تأتي ماهيتها في هذه المواضيع، مع أن لنا في كون استئجار الحر من الاجارة حقيقة كلاما، ذكرناه في كتاب الاجارة (1)، ولذلك لا تصح هي في المستحبات، وفي المباحات المشابهة مع الواجبات، بأن يستأجر مثلا لزرع أرضه نفسه، ومثلها الواجبات النظامية، على إشكال في وجوبها. ومن العقود الباطلة في هذه المواقف، الجعالة، فإن ماهيتها عند العرف مخصوصة بمصب معين، ولا معنى للاستفادة منها في كل موقف أشكل


1 - كتاب الاجارة، للمؤلف (قدس سره) (مفقودة).

[ 438 ]

[...... ] الاستفادة عن سائر العقود، وهكذا الصلح، وغيره. والخلط بين المعتبرات المنجزة العقلائية، وبين الاعتبارات التقديرية المستحسنة التي كان يليق اعتبارها، أوقعهم في هذه المهالك، مع بعض الاخلاط الاخر. وبالجملة: ظاهرهم تحريم العوض من غير النظر إلى العناوين المنطبقة عليه، وحيث لا إطلاق لمعاقد الاجماعات المدعاة، بل فيها الموهنات، فالقول بجواز أخذ العوض في الصور المذكورة قوي. بل في المسألة بعض روايات تدل على جوازه، وحملها على خلاف ظاهرها بلا وجه. ففي مصححة محمد بن الحسن الصفار، عن أبي محمد (عليه السلام): أنه كتب إليه: رجل كان وصي رجل فمات وأوصى إلى رجل، هل يلزم الوصي وصية الرجل الذي كان هذا وصيه؟ فكتب (عليه السلام): يلزمه بحقه إن كان له قبله حق إن شاء الله (1). وسيأتي الكلام في الروايات الاخر، التي يمكن دعوى استفادة حرمة مطلق العوض بإلغاء الخصوصية. هذا تمام الكلام فيما هو الخارج عن


1 - التهذيب 9: 215 / 850، وسائل الشيعة 19: 402، كتاب الوصايا، الباب 70، الحديث 1.

[ 439 ]

[...... ] المكاسب المحرمة. وأما ما هو المقصود، وهو حرمته التكليفية فلعل الاجماعات ناظرة إليه، ضرورة أن عنوانه في هذا الباب قبال المكاسب المستحبة، والمكروهة، قرينة قطعية عليه، وبطلانها لا يحتاج إلى إعمال التعبد بعد اقتضاء القواعد إياه. وربما يستشهد على الحرمة التكليفية بما ورد في النهي، وإظهار المبغوضية بالنسبة إلى أجر الاذان، والامامة، والقضاء، وتعليم القرآن، في كتاب الامر بالمعروف (1)، والقضاء والشهادات (2)، وكتاب الحج (3)، والصلاة (4)، فإنه بعد إلغاء الخصوصية يعلم ذلك في غير موردها. هذا ولكن الروايات في المسائل المشار إليها، غير نقية السند، وما هو يتم سنده محمول عندهم على الكراهة، ولو سلمنا تمامية السند


1 - وسائل الشيعة 16: 275، كتاب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، أبواب الامر والنهي، الباب 41، الحديث 6. 2 - وسائل الشيعة 27: 221، كتاب القضاء، أبواب آداب القاضي، الباب 8، الحديث 1 و 5. 3 - وسائل الشيعة 11: 163، كتاب الحج، أبواب النيابة في الحج، الباب 1. 4 - وسائل الشيعة 5: 447، كتاب الصلاة، أبواب الاذان والاقامة، الباب 38، و 6: 181، كتاب الصلاة، أبواب قراءة القرآن، الباب 8، الحديث 1 و 3 و 7 و 8.

[ 440 ]

[...... ] والدلالة فإلغاؤها للتجاوز إلى عنوان المسألة حتى يشمل التوصليات الواجبة، غير صحيح. نعم، دعوى الاولوية بالنسبة إلى سائر المستحبات والواجبات التعبدية، ليست غريبة، خصوصا بعد ملاحظة رواية العلاء بن سيابة، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: لا يصلى خلف من يبتغي على الاذان والصلاة الاجر (1). ومعتبرة حمران المشتملة على المنكرات المبتلى بها الناس، ومنها: ورأيت الاذان بالاجر، والصلاة بالاجر (2) فإنهما ظاهرتان في أخذ الاجر قبال الصلاة. ولكن الانصاف اختصاصهما بالصلاة بالناس، كما في رواية معتبرة عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: لا تصل خلف من يبغي على الاذان والصلاة بالناس أجرا، ولا تقبل شهادته (3). وقضية الاولوية ممنوعية مطلق العوض حتى في الصور التي جوزناها وضعا.


1 - الكافي 7: 396 / 11، وسائل الشيعة 27: 377، كتاب الشهادات، الباب 32، الحديث 2. 2 - الكافي 8: 36 / 7، وسائل الشيعة 16: 275، كتاب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، أبواب الامر والنهي، الباب 41، الحديث 6. 3 - الفقيه 3: 27 / 75، وسائل الشيعة 27: 378، كتاب الشهادات، الباب 32، الحديث 6.

[ 441 ]

[ على الاحوط فيه، كتغسيل الموتى وتكفينهم ودفنهم، نعم لو كان الواجب توصليا كالدفن، ولم يبذل المال لاجل أصل العمل، بل لاختيار عمل خاص، لا بأس به، فالمحرم أخذ الاجرة لاصل الدفن، وأما لو اختار الولي مكانا خاصا وقبرا مخصوصا وأعطى المال لحفر ذلك المكان الخاص، فالظاهر أنه لا بأس به، كما لا بأس بأخذ الطبيب الاجرة للحضور عند المريض وإن أشكل أخذها لاصل المعالجة، ] نعم، لا بأس قطعا بإيجاد الداعي إلى العبادات، بعد عدم لزوم الاخلال بشرائطها، كما تقرر في محله (1)، بل مقتضى أدلة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، جواز إعطاء الاجر للتوصل إلى المعروف على الوجه المزبور عندنا، ولكنه أعم، ولو تم ما اشير إليه يتعين التقييد جمعا بين الادلة. ثم إن ظاهر المتن جواز أخذ الاجرة حذاء الواجب التخييري ولو كان تعبديا، والوجه قصور القواعد عن إبطاله وإجمال معاقد الاجماعات، وقد عرفت ما فيهما، ويكفي الاول. قوله دام ظله: على الاحوط. مخافة الاجماع، وإلا فمقتضى ما أفاده في وجه بطلان أخذ الاجرة في العيني، عدم بطلانه هنا.


1 - تحريرات في الاصول 3: 256.

[ 442 ]

[...... ] وإجماله: أن جميع الواجبات العينية التعيينية كالصلاة والصوم والحج ونحوها اعتبر فيها مضافا إلى أصل الوجوب، كونها على ذمة العبد نحو الديون الخلقية، ويشهد لذلك المرام آيات وروايات، وعليه تكون الاعمال الواجبة ملك لله تعالى، ودين على العبد، فلا يجوز إجارة نفسه لما لا يملكه، ويكون ملكا للغير، فما كان من سائر الواجبات داخلة في هذا الاعتبار تخييريا كان أو كفائيا، فلا يجوز أخذ الاجرة عليها، وإلا فيجوز، وليس في الادلة ما يورث اندراج الكفائيات فيها، فالاقوى صحة الاستئجار فيها، كما لا يخفى. وفيه: مضافا إلى قصور دليله عن العينيات التوصلية، وانحصار أمثلته في العبادية والتقربية كالخمس، والزكاة، أن المكلف بهذه التكاليف ليس أجيرا خاصا في نظر الشرع والعرف، ولو سلمنا ذلك فالاجارة الثانية تبطل على المشهور، خلافا لما اخترناه في كتاب الاجارة (1). ثم إن بطلان الاجارة لا يورث بطلان أخذ الاجر بعنوان آخر، مثلا لو امتنع الاجير الخاص من القيام بالوظيفة، فأعطاه المستأجر أو الاجنبي أجرا، لاجل قيامه بالوظيفة الشرعية الحاصلة من عقد الاجارة، يكون


1 - كتاب الاجارة، من تحريرات في الاصول (مفقود).

[ 443 ]

[...... ] ذلك غير ممنوع، مع أن كلام الاصحاب ظاهر في منع مطلق الاجر (1)، بل استئجار المستأجر أجيره الخاص على الاقدام بإيجاد ما استؤجر له، غير ممنوع حسب ما أفاده في حقيقة الاجارة (2). وعليه لا بأس بالاجارة في تلك الواجبات، لانها في طولها، وما هو الممنوع كون الاجارة الثانية، مزاحمة لمفاد الاجارة الاولى والتكاليف الالهية، لا المؤكدة والباعثة كما لا يخفى. وبالجملة: لا تجري العقود المعروفة، والمعاوضات المتعارفة في هذه المواقف، لقصور ماهياتها، وعدم كونها بيدنا في السعة والضيق، من غير دخالة الوجوب والاستحباب، بل في الاعمال المباحة هي قاصرة عن الجريان إلا في بعض الصور الاتية. والعجب من جماعة، حيث توهموا: أن الممنوع في المقام هو الاجرة، لا مطلق الاجر، ولكنه عندي غير ممنوع. وتوهم تنافيه لقصد القربة في العباديات، مدفوع بما تقرر في محله (3). ثم إن الصورة المستثناة من الاستثناء المنقطع، مع أنه قد يشكل


1 - لاحظ: تذكرة الفقهاء 1: 583 / السطر 12، جامع المقاصد 4: 35، مجمع الفائدة والبرهان 8: 89. 2 - تحرير الوسيلة 1: 570، كتاب الاجارة، المسألة 1. 3 - تحريرات في الاصول 3: 256.

[ 444 ]

[...... ] ذلك، لاتحاد الخصوصية مع الخاص، والتفكيك ليس عرفيا. ومنه يعلم حال أخذ الاجرة للحضور، أو المشي إلى البيت، أو حمل الاثاث، ومقدمات العمل، والطبابة، فإنه مما يفهم العرف بأن الشرع لو منع أخذ الاجرة للطبيب حذاء الطبابة، منع عن هذه الامور، مما كان الصلاح في أمر ينقلب إلى الفساد بتلك الحيل القريبة من الاذهان العرفية، فكأنه منع من إعاشة الطبيب من تلك الطريقة، واعتبر مجانية العمل وضعا، ولزوم ذلك تكليفا. والذي هو التحقيق: أن الواجبات وغيرها، مما يتعلق بالناس، وليس من الوظائف الفردية، مثل العباديات، وما شابهها من التوصليات عينية كانت، أو تخييرية، أو كفائية، أو غيرها، تجري فيها المعاوضات العقلائية، لتمامية المقتضي وعدم وجود المانع، وما توهمت مانعيته لا يرجع إلى محصل، كما تحرر منا في كتابنا الكبير (1). وما هو من الوظائف الفردية التي لا تكون للناس فيه الاغراض والمنافع، لا تجري فيه ماهيات المعاوضات. نعم، أخذ الجعل حذاء صلاة نفسه بوجه مضى، مما لا بأس به. فالواجبات النظامية التي هي ترجع في الحقيقة إلى الواجبات العقلية أو


1 - مباحث المكاسب المحرمة، من تحريرات في الفقه (مفقودة).

[ 445 ]

[ وإن كان الاقوى جوازه. ] الغيرية، لحرمة الاخلال والهرج والمرج، مصب عناوين المعاوضات، فلا بأس بأن يأخذ الطبيب أجرين، أجرا حذاء طبابته من المريض، وأجرا حذاء تهيئته للعيادة من الامير والحاكم، وهذا الاجر الاخير ينبغي أن يكون محل البحث، دون الاول، فلا تغفل. وبعبارة اخرى: تارة يأخذ البقال والصانع مقابل البقل والصنع، واخرى مقابل البقالية والتصنيع بالمعنى المصدري، أو بالمعنى الاخر، وهو تحمل قبول ذلك، لانه أعظم شأنا من أن يكون طبيبا وصانعا وبقالا، إذا تبين ذلك فيعلم: أن ما لا تأتي فيه ماهيات العقود ما هو، وما تأتي فيه ما هو، وتقدر على التمييز، ويعلم أيضا وجه عدم استثناء الماتن للواجبات النظامية الكفائية، أو التخييرية. قوله: والاقوى جوازه. ولو كان متعينا فإن التعين والتعيين في الكفائية والتخييرية، لا يورث تصرفا في الجعل، كما في المشروطة والموسعة، فإنه بحصول الشرط وضيق الوقت، لا يكون واجبا مطلقا ومضيقا، بل ولو اقتضى ذلك، كما عرفت. نعم، لا معنى للمعاوضة على أن يكون طبيبا لنفسه، فإنه من قبيل الاستئجار على أن يصلي صلاته. وتوهم الاشكال في أخذ الاجرة على أصل الطبابة، ودفعه بأخذها

[ 446 ]

[ ولو كان العمل مبتدئا يشترط فيه التقرب كالتغسيل فلا يجوز أخذها عليه على أي حال. ] حذاء المقدمات، كتوهم الاشكال في أخذها حذاء العبادة، ودفعه بأخذها حذاء النيابة، فإن إمكان اعتبار المالية لشئ باعتبار الامر الاخر كما في الاوراق النقدية، لا يكفي، بل لابد من كونه عقلائيا، فلا تغفل. قوله دام ظله: فلا يجوز. إجماعا، وهذا هو القدر المسلم من معاقد الاجماعات المحكية (1)، وإليه يشير قوله على أي حال، وذلك لتنافي قصد القربة والامتثال معها، لانها هي المؤثر والمحرك نحو العمل. نعم، إذا كانت الاجرة محركة بالعنوان الالهي المنطبق عليها، كما في التحرك من الجنة والنار، ومن التوسعة في الرزق، وغيرها، فهي جائزة. ومن هذا القبيل لو استأجر فأعطى الاجرة قبل العمل، وصرفها، ثم بعد ذلك تمشي من القربة، للزوم أداء الدين، ولا يشترط القدرة على تسليم مورد الاجارة حين العقد، بل اللازم منها حين التسليم، كما هو الظاهر. بل الذي يظهر هو: أن العمل المأتي به لابد من كونه عبادة لله تعالى، من غير رياء، ولا حاجة في عبادية الشئ إلى الامر حتى يلزم كون


1 - مجمع الفائدة والبرهان 8: 89، رياض المسائل 1: 505 / السطر 27، مفتاح الكرامة 4: 92 / السطر 5.

[ 447 ]

[ نعم، لا بأس بأخذها على الامور غير الواجبة، كما تقدم في غسل الميت. ] التحرك من قبله، بل الاوامر كلها توصلية يتسامح والاختلاف في التعلقات، فلا تكون العبادة عبادة إلا بصلاحية الذات والقصد، فلو عبد الله لما أمره الاب، والامر بالمعروف، ولغير ذلك من البواعث المختلفة، صحت عبادته، ولا دليل على تقوم الصحة بالامر، ولا بمضرية التحرك من قبل الامر الاخر بأبعادها. ولكنه مع ذلك كله تكون المعاوضات - لعدم مشروعيتها إلا في مواضع معلومة عند العقلاء - باطلة في المقام، وفي المسائل الاتية أيضا، وليس مجرد إمكان الاسراء كاف في صحة سريان عناوين المعاملات في جميع المواضيع. ومما حصلنا يظهر بطلان الاجارة في صلاة الاستئجار، وصومه، وحجه، وغير ذلك، وقد فصلنا البحث حوله في كتاب الصلاة، من كتابنا الكبير (1) وفي هذا المختصر لا وجه للاعادة. قوله دام ظله: لا بأس. قد عرفت وجه الاشكال في صحة المعاوضة على الامور اللاحقة (2)، غير ذات المالية إلا بالتقييد.


1 - لم نعثر عليه فيما بأيدينا من مباحث كتاب الصلاة من تحريرات في الفقه. 2 - تقدم في الصفحة 443 وما بعدها.

[ 448 ]

[ ومما يجب على الانسان تعليم مسائل الحلال والحرام، فلا يجوز أخذها عليه. ] قوله دام ظله: ومما يجب. كفائيا، وفي كونه واجبا عند السؤال عينا إشكال، بل منع، ولعل نظره إلى الافتاء، أو نقل الفتوى للمحتاج إليه، في صورة الجواز، وأما نقله لمن يعرف فساده، فهو غير جائز، للزوم تفويت المصلحة، بل وفي وجه، الالقاء في التهلكة، والاغراء إلى الجهل، دون من يؤخذ منه الصناعات العلمية، والعلوم، لتحصيل الملكات الاجتهادية. ولكن ممنوعية الاخذ غير تامة بالوجوه المتوهمة، لانها ترجع إلى توهم تنافي الوجوب معه، وقد تقرر خلافه، وعليه يأخذ الاجر حذاءه، وإذا لم يؤد فيعلمه، لئلا يقع في الهلكة. ودعوى لزوم تجويزها للانبياء غير مسموعة، لاستلزامه الاخلال بالمقصد، مع ظهور فعلهم في المجانية. وبالجملة: هذا في الحقيقة يشبه الواجبات النظامية التي تجب مع العوض، وإن لم يوجد من يؤديه فعليه ذلك مجانا.

[ 449 ]

[ وأما تعليم القرآن فضلا عن غيره من الكتابة وقراءة الخط وغير ذلك، فلا بأس بأخذها عليه. ] قوله دام ظله: فلا بأس. ولعله يشمل نفي الكراهة، كما عن القواعد (1) والارشاد (2). وعن الاستبصار: أنه حرام مع الشرط (3) وتبعه العلامة في التذكرة (4)، وعن بعضهم: إطلاق الحكم بالتحريم (5)، وفي المسألة أقوال اخر (6). والمشهور، بل المدعى عليه الاجماع (7)، هو الجواز، وهو في محل الضعف، مع أنه لا حاجة إليه. والاخبار مختلفة، ففي طائفة منها ما هو الصريح في الجواز بلا كراهة، مثل رواية الفضل بن أبي قرة (8)، وفي اخرى ما هو كالنص في


1 - قواعد الاحكام 1: 230 / السطر 8. 2 - إرشاد الاذهان 1: 358. 3 - الاستبصار 3: 65 - 66. 4 - تذكرة الفقهاء 2: 299 / السطر 39. 5 - الكافي في الفقه، الحلبي: 283. 6 - مفتاح الكرامة 4: 84 / السطر 6 ومابعده. 7 - السرائر 2: 223، مفتاح الكرامة 4: 86 / السطر 3. 8 - الكافي 5: 121 / 2، وسائل الشيعة 17: 154، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 29، الحديث 2.

[ 450 ]

[ والمراد بالواجبات المذكورة ما وجب على نفس الاجير، وأما ما وجب على غيره، ولا يعتبر فيه المباشرة، ] التحريم، مثل رواية الفقيه والتهذيب عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه أتاه رجل، فقال: يا أمير المؤمنين، والله إني لاحبك في الله، فقال له: والله إني لابغضك لله، قال: ولم؟ قال: لانك تبغي على الاذان أجرا، وتأخذ على تعليم القرآن أجرا، وسمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: من أخذ على تعليم القرآن أجرا، كان حظه يوم القيامة (1). ولا جمع بينهما حسب الدلالة، ولا وجه لحمل مثلها على التقية. نعم، دعوى إعراض المشهور عن هذه الرواية وما شابهها، في محله، فتكون النتيجة حينئذ عدم الكراهة، مع ضعف أسناد المشتملات على النهي. وتجويز الكسب مع الغرر، وعدم تعيين الاجر، بأن لا يشترط ضمن تجار، خلاف القواعد، وسيأتي بعض الكلام حوله إن شاء الله تعالى.


1 - الفقيه 3: 109 / 461، تهذيب الاحكام 6: 376 / 1099، وسائل الشيعة 17: 157، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 30، الحديث 1، مع تفاوت.

[ 451 ]

[ فلا بأس بأخذ الاجرة عليه حتى في العبادات التي يشرع فيها النيابة، فلا بأس بالاستئجار للاموات في العبادات كالحج والصوم والصلاة. ] قوله دام ظله: فلا بأس. قد مر تفصيل البحث حول ذلك في كتاب الصلاة (1)، والمختار عدم جوازه.


1 - كتاب الصلاة للمؤلف الشهيد (قدس سره) (مفقود).

[ 452 ]

[ مسألة 19: يكره اتخاذ بيع الصرف، والاكفان، والطعام، حرفة، وكذا بيع الرقيق، فإن شر الناس من باع الناس، وكذا اتخاذ الذبح، والنحر صنعة، وكذا صنعة الحياكة، والحجامة، ] قوله دام ظله: يكره اتخاذ. وهو مقتضى رواية إسحاق بن عمار، قال: دخلت على أبي عبد الله (عليه السلام) فخبرته أنه ولد لي غلام، قال: ألا سميته محمدا؟ قلت: قد فعلت - إلى أن قال: - إذا عزلته عن خمسة أشياء فضعه حيث شئت، لا تسلمه صيرفيا، فإن الصيرفي لا يسلم عن الربا، ولا تسلمه بياع أكفان، فإن صاحب الاكفان يسره الوباء إذا كان، ولا تسلمه بياع طعام، فإنه لا يسلم من الاحتكار، ولا تسلمه جزارا، فإن الجزار تسلب منه الرحمة، ولا تسلمه نخاسا، فإن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: شر الناس من باع الناس (1). ودعوى ظهورها في الاتخاذ حرفة، غير بعيدة، كما في الجواهر (2). قوله دام ظله: والحجامة. قد ورد في روايات المسألة تجويزها عند عدم الشرط (3)، وظاهرها


1 - الكافي 5: 114 / 4، تهذيب الاحكام 6: 361 / 1037، وسائل الشيعة 17: 135، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 21، الحديث 1. 2 - جواهر الكلام 22: 129 - 130. 3 - وسائل الشيعة 17: 104، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 9، التهذيب 6: 354 / 1008.

[ 453 ]

[...... ] صحة هذا التكسب الفاقد للشرط، وهو خلاف الضرورة الثابتة في محله، من لزوم كون العوض معلوما في جميع المكاسب القديمة والحديثة. ودعوى أنه ليس كسبا غير تامة جدا. ودعوى التخصيص مما لا بأس به، بل هذه المآثير تشهد على ما اخترناه في كتاب الاجارة، من التوسعة في هذه الامور، وعدم تمامية ما سلكه المشهور، من لزوم الاطلاع على القيود في العقود. ثم إن من المحتمل قويا، توجيه بعض مآثير الباب، الواردة في الحياكة (1)، إلى الحائك الذي هو الكاذب، لا الذي هو الناسج وما ورد من أن ولد الحائك لاينجب إلى سبعة أبطن (2) محمول عليه، فتأمل جيدا.


1 - وسائل الشيعة 17: 140، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 23. 2 - لم نعثر على هذه الرواية في المعاجم الروائية ولكن نقلها عدة من الفحول في كتبهم لاحظ مجمع الفائدة والبرهان 8: 16 ومفتاح الكرامة 4: 7 وجواهر الكلام 22: 132.

[ 454 ]

[ وكذا التكسب بضراب الفحل، بأن يؤاجره لذلك، مع ضبطه بالمرة والمرات المعينة، أو بالمدة، أو بغير الاجارة. نعم، لا بأس بأخذ الاهداء والاعطاء لذلك. ] قوله دام ظله: وكذا التكسب بضراب الفحل. بلا خلاف معروف بين المتعرضين، لما ورد به الخبر (1). وصحة هذا النحو من الكسب الفاقد لشرط المعاوضة هنا، مشكلة لعدم الدليل عليه، ولا يكفي الاتفاق المشار إليه، لقصوره عن الجبر. ثم إن الكسب بالفحل إما بالاجارة، أو بالبيع، وفي الفرضين إشكال آخر، فإن النطفة من النجاسات، وما ورد من الاجماعات في محله يشمل الفرض، إلا أن قضية صحيحة معاوية بن عمار (2) وغيرها (3)، هو الجواز، وقد تعرضنا لها في محله وقلنا بدلالتها على أن المنع في سائر النجاسات، ربما كان لاجل فقد الشرط، فتدبر.


1 - وسائل الشيعة 17: 111، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 12. 2 - الكافي 5: 116 / 5، وسائل الشيعة 17: 111، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 12، الحديث 2. 3 - وسائل الشيعة 17: 111، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 12، الحديث 1.

[ 455 ]

[ مسألة 20: لا ريب أن التكسب وتحصيل المعيشة بالكد والتعب محبوب عند الله تعالى، وقد ورد عن النبي صلى الله تعالى عليه وآله، والائمة (عليهم السلام) بالحث والترغيب عليه مطلقا (1)، وعلى خصوص التجارة (2)، والزراعة (3)، واقتناء الاغنام، والبقر (4) روايات كثيرة، نعم، ورد النهي عن إكثار الابل (5). مسألة 21: يجب على كل من يباشر التجارة، وسائر أنواع التكسب، تعلم أحكامها، والمسائل المتعلقة بها، ليعرف صحيحها من فاسدها، ويسلم من الربا، ] قوله مد ظله: يجب. في أنه أي قسم من الوجوب خلاف، فعن جماعة كالاردبيلي (6)، احب المعالم (7) وجوبه النفسي ولو أتى بالواقع، وعن كثير وجوبه


1 - وسائل الشيعة 17: 66، كتاب التجارة، أبواب مقدماتها، الباب 23. 2 - وسائل الشيعة 17: 41، كتاب التجارة، أبواب مقدماتها، الباب 1 و 2 و 4. 3 - وسائل الشيعة 17: 41، كتاب التجارة، أبواب مقدماتها، الباب 10، و 19: 32، كتاب المزارعة والمساقاة، الباب 3. 4 - وسائل الشيعة 11: 508، كتاب الحج، أبواب أحكام الدواب، الباب 29 و 30 و 48. 5 - وسائل الشيعة 11: 501، كتاب الحج، أبواب أحكام الدواب، الباب 24. 6 - انظر مجمع الفائدة والبرهان 2: 110 عند قوله: واعلم أيضا ان سبب بطلان الصلاة.... 7 - معالم الدين: 201.

[ 456 ]

[...... ] حال تخلف المأتي به عن الواقع (1)، فيعاقب مرتين، والحق عدم وجوبه، على ما تقرر في مقامه (2). نعم، يصح العقوبة على الواقع مع الجهل الذي ليس عذرا، وما ورد من الترغيب إلى التعلم (3) لا يدل على أكثر منه وإمكان الحمل على النفسي لا يكفي بعد عدم مساعدة العرف فهما. وتوهم الاستحباب النفسي مطلقا أو في خصوص الصورة الاتية، لا يتم حسب ظواهر المآثير. وبالجملة: إذا كان المتاجر في بلد يعلم المشتري أحكام التجارة، فلا يجب عليه التعلم إلا إذا احتمل تخلفه عن علمه، فالمقدار اللازم هو ما إذا احتمل وقوعه في الخلاف، فكما لا يجب على البقال تعلم أحكام الربا، لعدم ابتلائه به، كذلك لا يجب على العالم بعدم الابتلاء، بخلاف الواقع المنجز المستلزم للعقاب.


1 - لاحظ تحريرات في الاصول 8: 229. 2 - تحريرات في الاصول 3: 87 - 90. 3 - وسائل الشيعة 17: 381، كتاب التجارة، أبواب آداب التجارة، الباب 1.

[ 457 ]

[ والقدر اللازم: أن يكون عالما ولو عن تقليد بحكم التجارة والمعاملة التي يوقعها حين إيقاعها، بل ولو بعد إيقاعها إذا كان الشك في الصحة والفساد فقط، ] قوله دام ظله: ولو عن تقليد. لا وجه له بعد إمكان الاحتياط، نعم إذا لم يمكن ذلك يجب التعلم، وهو الاعم من الاجتهاد. ويمكن دعوى وجوبه مطلقا، لما تقرر منا من: أن حجية العلم كحجية غيره في الحاجة إلى الامضاء، لامكان سلبها عنه (1)، ومقتضى إطلاق هذه المآثير عدم حجية العلم بعدم التورط في الحرام، فتأمل. ثم إن وجوب التعلم يختص بمورد يحتمل فيه الحكم الالزامي، كما في التقليد أيضا ولو لاجل التشريع، وقد مر البحث حوله في كتاب التقليد (2). قوله: ولو بعد إيقاعها. وذلك، لان العقل الحاكم في المسألة يرى كفاية الحجة الشرعية، ومنها التقليد، فالمعذر عن احتمال مخالفة الواقع، أنحاء، والكل في نظره بنسبة واحدة، فلا حاجة إلى الاجتهاد.


1 - تحريرات في الاصول 6: 20 - 21. 2 - مباحث الاجتهاد والتقليد من مستند تحرير الوسيلة مفقودة.

[ 458 ]

[ وأما إذا اشتبه حكمها من جهة الحرمة والحلية، لا من جهة مجرد الصحة والفساد، يجب الاجتناب عنها ] ثم إنه قد يشكل تجويز المعاملة مع الشك في أحكامها، لاستلزامه الاخلال بمقومها، وهو القصد والارادة الجدية، فإنها كيف تترشح إلى عنوان التجارة مع الشك في وقوعها، ومع التزامه بعدم الوقوع لو تبين الخلاف؟! وليس صورة المعاملة بيعا ولا إجارة، مادام لم يكن موجودا، وإن كان فاسدا في نظر الشرع أو العرف الخاص. نعم، إذا اتفق غفلته عن حاله، فإنه حينئذ يتمكن، ولكنه خلاف المفروض في المتن ظاهرا. قوله دام ظله: يجب. لما تقرر في محله واشير إليه، فإن البراءات الثلاثة العقلية، والعقلائية، والشرعية، غير جارية، فلو أقدم على ذلك، فإن لم يتمكن من الانشاء الجدي - كما عرفت فتلك المعاملة غير قابلة للتصحيح. اللهم إلا أن يقال: بأن أدلة الفضولي لا تقصر عن شمول المورد، فإنه وإن لم يكن بيعا إلا أنه يصير بيعا بعد لحوق الامضاء، كما يصير في الموارد الاخر مؤثرا به. وإن تمكن منه، فإن تبين بعد المراجعة أنه الصحيح الحلال فلا شئ

[ 459 ]

[ كموارد الشك في أن المعاملة ربوية، بناء على حرمة نفس المعاملة أيضا، كما هو كذلك على الاحوط. ] عليه إلا التجري، وإن تبين أنه الصحيح الحرام فلا شئ عليه إلا التوبة، وإن تبين أنه الفاسد الحلال، فإن كان من موارد المقبوض المغصوب فعليه أحكامه، وإن كان من موارد المقبوض المرضي تقديرا فلاشئ عليه إلا التجري، وإن تبين أنه الفاسد الحرام فقد علم حكمه مما اشير إليه. قوله دام ظله: ربوية. لا يبعد ظهور الكتاب (1) والسنة (2) في: أنه محرم تكليفا كالقمار، بل لو كان المحرم فيه التصرف في مال الغير كسائر المعاملات الفاسدة، فلا وجه لقوله تعالى: (فأذنوا بحرب من الله...) (3) ولاسيما لو كان من الموارد الحاصل فيها الطيب التقديري. وقد يشكل: بأن المحرم - الذي لا يبعد كونه أشد من عشرين زنية (4)، بل ثلاثين زنية (5) كما يأتي - في الكتاب، هو الربا وهو الزيادة


1 - البقرة (2): 275 - 279. 2 - وسائل الشيعة 18: 117، كتاب التجارة، أبواب الربا، الباب 1. 3 - البقرة (2): 279. 4 - وسائل الشيعة 18: 119، كتاب التجارة، أبواب الربا، الباب 1، الحديث 6 و 22. 5 - وسائل الشيعة 18: 118، كتاب التجارة، أبواب الربا، الباب 1، الحديث 5.

[ 460 ]

[...... ] بعنوانها لا بعنوان التصرف في مال الغير، فكون نفس المعاملة الربوية محرمة، غير معلوم، ولاسيما على مختار جماعة، من صحة أصل المعاملة (1)، كما لا يخفى.


1 - جواهر الكلام 23: 334.

[ 461 ]

[ مسألة 22: للتجارة والتكسب آداب مستحبة ومكروهة، أما المستحبة فأهمها: الاجمال في الطلب، والاقتصاد فيه، بحيث لا يكون مضيعا ولا حريصا. ومنها: إقالة النادم في البيع والشراء لو استقاله. ومنها: التسوية بين المبتاعين في السعر، فلا يفرق بين المماكس وغيره، بأن يقلل الثمن للاول ويزيده للثاني، نعم لا بأس بالفرق بسبب الفضل والدين، ونحو ذلك ظاهرا. ومنها: أن يقبض لنفسه ناقصا ويعطي راجحا. ] قوله دام ظله: آداب. استحباب هذه المذكورات وغيرها المزبور في المفصلات وكراهتها شرعا إلا بعضا منها، غير معلوم. نعم، بناء على إثباتها بأدلة التسامح (1) فلا يبعد، خصوصا على القول بشمولها لفتوى الفقيه الذي لا يكون سندها إلا الرواية دون الفتوى المستندة إلى القواعد. قوله دام ظله: إقالة النادم. كونها من الاداب مبني على عدم كونها من المعاملات كالبيع، ومثلها الفسخ. ثم إن اشتراط الندامة مشكل بعد إطلاق بعض الروايات (2)،


1 - وسائل الشيعة 1: 80، كتاب الطهارة، أبواب مقدمة العبادات، الباب 18. 2 - الكافي 5: 153 / 16، وسائل الشيعة 17: 386، كتاب التجارة، أبواب آداب التجارة، الباب 3، الحديث 2.

[ 462 ]

[...... ] وتعارف القيد في الاخرى (1) لا يورث التقيد، واختصاصها بالبيع غير معلوم بعد الاطلاق في رواية سماعة (2)، وتعارف القيد المذكور في الاخرى (3)، وقد ذكرنا المسألة في كتاب الاجارة (4)، واشتراطها بالاستقالة، لاجل أن الندامة لا تلازم رضاه بالاقالة، لانه خلاف شرفه ودينه، وإذا لم يكن نادما فلابد منها حتى يتحقق عنوان الاقالة. واعتبار كون المستقيل مسلما أو مؤمنا، غير ثابت لما اشير إليه، إلا أن ظهور القيد هنا قوي في التقييد، فكأن هذا القيد أولى بالذكر مما صنعه الماتن تبعا لغيره. ومما ذكرناه: يظهر وجه النظر في سائر القيود المذكورة في المتون تبعا للنصوص، على أن إلغاء الخصوصية هنا غير بعيد جدا.


1 - وسائل الشيعة 17: 385، كتاب التجارة، أبواب آداب التجارة، الباب 3، الحديث 1 و 3 و 4 و 5. 2 - الخصال: 224 / 55، وسائل الشيعة 17: 387، كتاب التجارة، أبواب آداب التجارة، الباب 3، الحديث 5. 3 - وسائل الشيعة 17: 385، كتاب التجارة، أبواب آداب التجارة، الباب 3، الحديث 1 و 2 و 4. 4 - كتاب الاجارة للمؤلف (قدس سره) (مفقود).

[ 463 ]

[ وأما المكروهة فامور: مدح البائع لمتاعه، ومنها: ذم المشتري لما يشتريه، ومنها: اليمين صادقا على البيع والشراء، ومنها: البيع في موضع يستتر فيه العيب، ومنها: الربح على المؤمن إلا إذا كان الشراء للتجارة، أو كان اشتراؤه للمتاع أكثر من مائة درهم، فإن ربح قوت اليوم منه غير مكروه، أو للضرورة، ومنها: الربح على من وعده بالاحسان إلا مع الضرورة، ومنها: السوم ما بين الطلوعين، ] قوله دام ظله: يستتر فيه العيب. هذا هو المعروف بينهم، ومن الممكن دعوى ممنوعيته، لانه أكل للمال بالباطل، وما ورد في خيار العيب (1) ربما كان يختص بما إذا لم يكن المالك عامدا إلى ستره. وهذا هو الظاهر من رواية السكوني، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): من باع واشترى فليحفظ خمس خصال، وإلا فلا يشترين، ولا يبيعن: الربا، والحلف، وكتمان العيب، والحمد إذا باع، والذم إذا اشترى (2). وكون بعضها مكروها لا يكون قرينة بعد كون الربا محرما، وبعد اقتضاء القواعد حرمته.


1 - وسائل الشيعة 18: 29، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 16. 2 - الكافي 5: 150 / 2، وسائل الشيعة 17: 383، كتاب التجارة، أبواب آداب التجارة، الباب 2، الحديث 2.

[ 464 ]

[ ومنها: الدخول في السوق أولا والخروج منه آخرا، ومنها: مبايعة الادنين الذين لا يبالون بما قالوا وما قيل لهم، ] وما ورد عن الرضا (عليه السلام) حين مروره على هشام بن الحكم بائع السابري في الظلال: يا هشام إن البيع في الظلال غش، والغش لا يحل (1) أيضا يدل على ما ذكرناه. نعم، إذا كان المشتري مقدما على المعيب لما تعلق غرضه بالاعم، ويعامل معه على قيمة المعيب، فتكون المعاملة صحيحة لازمة. قوله دام ظله: الدخول. بنحو التقييد، فلو كان أول داخل فقط فلا كراهة ظاهرا. ويمكن دعوى ظهور الخبر في الحرمة (2)، إلا أن اشتماله على خلاف ضرورة الاسلام من كون أبغض البقاع عند الله الاسواق يوهنه، فلا تثبت الكراهة، ويحتمل أن يكون المراد الاسواق الخاصة، ويكون أول من دخل، وآخر من خرج على الدوام عاصيا.


1 - الكافي 5: 160 / 6، وسائل الشيعة 17: 466، كتاب التجارة، أبواب آداب التجارة، الباب 58، الحديث 1. 2 - وسائل الشيعة 17: 468، كتاب التجارة، أبواب آداب التجارة، الباب 60، الحديث 1 - 2.

[ 465 ]

[ ومنها: التعرض للكيل أو الوزن أو العد أو المساحة إذا لم يحسنه، ومنها: الاستحطاط من الثمن بعد العقد. ] قوله دام ظله: إذا لم يحسنه. سواء كان ذلك تبرعا، أو بالاستئجار من قبل المالكين، أو للايفاء بتجارته، والثاني هو المقصود هنا ظاهرا، ولعله المراد من رواية الحناط، عن أبي عبد الله (عليه السلام) مرسلا، قال: قلت له: رجل من نيته الوفاء، وهو إذا كال لم يحسن أن يكيل، قال: فما يقول الذين حوله؟ قلت: يقولون: لا يوفي، قال: هذا ممن لا ينبغي له أن يكيل (1). وقد يشكل: إن عدم الاحسان في الماليات الموجب للاحتمال العقلائي على التضييع، خلاف الاحتياط، بل ممنوع، فعليه تحمل الرواية على الصورة الثالثة، مع القطع بالوفاء، واحتمال تضييع ماله بإعطاء الزائد، ومما يشهد على أنه الاحتمال العقلائي قولهم فيها: أنه لا يوفي. وكلمة لا ينبغي ليست صريحة في الجواز، لاستعمالها في المحرمات، كما في روايات الاستصحاب (2)، فتدبر.


1 - الكافي 5: 159 / 4، وسائل الشيعة 17: 394، كتاب التجارة، أبواب آداب التجارة، الباب 8، الحديث 1. 2 - وسائل الشيعة 3: 482، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 44، الحديث 1.

[ 466 ]

[ ومنها: الدخول في سوم المؤمن على الاظهر، وقيل بالحرمة، ولايكون منه الزيادة فيما إذا كان البيع في المزايدة، ومنها: تلقي الركبان والقوافل، واستقبالهم للبيع عليهم، أو الشراء منهم قبل وصولهم إلى البلد، ] قوله دام ظله: على الاظهر. وفاقا لجماعة (1)، وخلافا لمثل الشيخ (2) والسرائر (3) والغنية (4) والمقصود منه: جلب البيع بالمداخلة في مقاولة أخيه المسلم أو المؤمن. وهذا هو المراد من النبوي: لا يسوم الرجل على سوم أخيه (5) ومن رواية الحسين بن زيد، عن الصادق (عليه السلام)، عن آبائه، عن أمير المؤمنين (عليهم السلام)، وفيه: ونهى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يدخل الرجل في سوم أخيه المسلم (6).


1 - شرائع الاسلام 2: 14، تذكرة الفقهاء 1: 5 84 / السطر 29، اللمعة الدمشقية: 109. 2 - النهاية: 374، المبسوط 2: 160. 3 - السرائر 2: 235. 4 - الغنية، ضمن الجوامع الفقهية: 525 / السطر 3. 5 - هذه الرواية غير موجودة في الجوامع الروائية الامامية وإن كانت موجودة في كتبهم الفقهية، راجع المبسوط 2: 160، السرائر 2: 234. لاحظ دعائم الاسلام 2: 34 / 74، مسند أحمد بن حنبل 2: 411، السنن الكبرى، البيهقي 5: 345. 6 - الفقيه 4: 3 / 1، وسائل الشيعة 17: 458، كتاب التجارة، أبواب آداب التجارة، الباب 49، الحديث 3.

[ 467 ]

[...... ] ومن مرسلة مجمع البحرين: لا يسوم أحدكم على سوم أخيه (1). ويمكن دعوى عدم تمامية الكراهة فضلا عن الحرمة، لان ضعف السند لاينجبر بعمل بعض القدماء، خصوصا إذا كان من المحتمل تلقيهم الحكم من غير ما استندوا إليه كما هو كثير، ولا تكون الشهرة قوية حتى يكشف بها رأي المعصوم، أو الرواية التي تكون واضحة الدلالة. وما في الجواهر من: أن الاشد منه البيع على البيع، المروي في المرسل عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) (2)، لا يخلو من غرابة، لانه مضافا إلى تحريف معنى السوم، وما حكى عن الصحاح من اشتباهاته، ومن خلط المعنى المجازي بالصحيح، أن تحريك البائع إلى الفسخ والاستقالة ليس أشد، لان الاقربية إلى اللزوم ليست مناطه، كما لا يخفى. وحمل النبوي على السوم بمعنى البيع، وغيره على السوم بمعنى المقاولة، غير صحيح. وبالجملة: ينبغي الدقة في الاستعمالات، حتى لا يلزم الخلط، فربما يستعمل البيع مجازا وتوسعا في المقاولة، وربما ينعكس ويستعمل السوم فيه.


1 - مجمع البحرين 6: 94. 2 - جواهر الكلام 22: 460، الفقيه 4: 4 / 1، وسائل الشيعة 17: 357، كتاب التجارة، أبواب عقد البيع وشروطه، الباب 12، الحديث 12.

[ 468 ]

[ وقيل: يحرم وإن صح البيع والشراء، وهو الاحوط، ] ثم إن خصوصية السوم في البيع والشراء غير مصدقة، وشرطية الايمان غير مبرهنة، ولعل ذلك يكشف عن استنادهم إلى غير هذه الروايات، ومثل الخصوصية المشار إليها خصوصية الرجل، فإنها ملغاة أيضا، واحتمال كون المراد من النبوي الاخ النسبي لا يضر بظهوره بعد ملاحظة غيره. وربما يمكن دعوى دلالة متن هذه الروايات على الكراهة، بعد الغض عما في سندها، بأن تعليق الحكم على الرجل إشارة إلى أن هذا التدخل خلاف الرجولية، وهو المساعد للاعتبار ويقتضيه المناسبة بين الحكم والموضوع. قوله دام ظله: وقيل يحرم. وهو قول جماعة كابن الجنيد (1)، والشيخ في الخلاف (2) والتقي (3)، والقاضي (4)، والسرائر (5) وغيرهم (6)، وعن الاسكافي، بطلانها (7)،


1 - لاحظ مختلف الشيعة: 346 / السطر 29. 2 - الخلاف 3: 172، المسألة 282. 3 - لاحظ مختلف الشيعة: 346 / السطر 20 - 21. 4 - نفس المصدر. 5 - السرائر 2: 237. 6 - الدروس الشرعية 3: 179، جامع المقاصد 4: 37. 7 - لاحظ مختلف الشيعة: 346 / السطر 29.

[ 469 ]

[...... ] والمشهور على الكراهة، ويظهر من المحكي عن نهاية الاحكام ذهاب جمع إلى عدم الكراهة (1). وبكل وجه، وذلك لامكان الشبهة في السند، وعدم تمامية الجبر، فلا كراهة، ولامكان تصحيحه، ووجود النهي عن عنوان المعاملة وأثرها وهو جواز الاكل، في النصوص (2)، ولامكان دعوى ظهور النهي في المعاملة في التكليف محضا، وما تعلق بعنوان الاشتراء (3) ليس يفيد الفساد لتعلقه بغير في غيره، فيكون النهي ظاهرا في الحرمة، ولوجود القرينة لا يستفاد منه البطلان، ولامكان دعوى أن قضية الجمع بين المآثير المختلفة في الموضوعات المنهية، هي الكراهة. ويمكن دعوى: أن المحرم هو عنوان تلقي الركبان، والاشتراء ليس محرما، ولكنه فاسد، جمعا بينها، ولك اختيار القول السادس، أو السابع، وهو حرمة التلقي، أو الكراهة، وصحة المعاملة، وكون البائع بالخيار بعد الاطلاع على حدود القيم السوقية، فإن العرف ينتقل من هذه المآثير إلى أن النهي لاجل وقوعهم في الغبن، أو لصدق الغرر.


1 - نهاية الاحكام 2: 517. 2 - وسائل الشيعة 17: 443، كتاب التجارة، أبواب آداب التجارة، الباب 36، الحديث 2 و 3. 3 - نفس المصدر.

[ 470 ]

[ وإن كان الاظهر الكراهة، وإنما يكره بشروط: أحدها: كون الخروج بقصد ذلك. ثانيها: تحقق مسمى الخروج من البلد. ] نعم، فيما زاد على الاربعة فراسخ، وفيها، فهو مكان آخر يعد الخارج مسافرا إلى التجارة، وجالبا لمال التجارة إلى البلد، ويختلف قيمة الاشياء بعد لحاظ هذه المسافة، التي هي تحتاج إلى المؤونة الملحوظة في الاموال، فلا بأس به. قوله دام ظله: الاظهر الكراهة. وذلك لتمامية السند، لوجود أرباب الاجماع فيه وصحته إليهم، ولذهاب الامة إلى الممنوعية بالمعنى الاعم، مستندين إليها، أو ظاهرهم الاستناد إليها. ولم يحك من أحد نقل عدم الكراهة، وما عن نهاية الاحكام باطل لما قال في ذيله: وليس حراما، إجماعا (1) مع أنك عرفت ذهاب العظام إليها. ولان اختلاف الموضوعات المنهي عنها في النصوص بنحو الترتب، شاهد قوي على الكراهة، فإن المقنن ليس من دأبه فرض العصيان.


1 - نهاية الاحكام 2: 517.

[ 471 ]

[ ثالثها: أن يكون دون الاربعة فراسخ، فلو تلقى في الاربعة فصاعدا لم يثبت الحكم، بل هو سفر تجارة، ] وقوله (عليه السلام): لا تلق، ولا تشتر ما تلقى، ولا تأكل منه (1) وقوله (عليه السلام) أيضا: لاتلق، ولا تشتر ما تلقى، ولا تأكل من لحم ما تلقى (2) معناه أنه لاتلق، وإذا لقيت فلا تشتر، وإذا اشتريت فلا تأكل، وهذا يناسب الكراهة عرفا على الاظهر. قوله دام ظله: ثالثها. أما وجه الاول عدم صدقه بدون القصد، فإن المخاطب هو الحاضر في البلد، الخارج منه إلى ما دون المسافة، ويكون خروجه للتجارة والارتزاق، وهو المنصرف من الروايات، ومنه يعلم وجه الشرط الثاني، ويعلم انحلال الشرط الاول إلى شرطين، كما لا يخفى. وأما وجه الثالث فلما ورد في النص عن منهال القصاب قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): لا تلق، فإن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) نهى عن التلقي قال: وما حد التلقي؟ قال: ما دون غدوة وروحة قلت: فكم الغدوة والروحة؟ قال:


1 - الكافي 5: 168 / 2، وسائل الشيعة 17: 443، كتاب التجارة، أبواب آداب التجارة، الباب 36، الحديث 2. 2 - الفقيه 3: 174 / 779، وسائل الشيعة 17: 443، كتاب التجارة، أبواب آداب التجارة، الباب 36، الحديث 3.

[ 472 ]

[ والاقوى عدم اعتبار كون الركب جاهلا بسعر البلد. ] أربعة فراسخ قال ابن أبي عمير: وما فوق ذلك فليس بتلق (1). وما ورد من الاطلاق في بعض الاحاديث (2)، محمول عليه. ووجه التفسير واضح، لان سير القوافل في اليوم ثمانية فراسخ، ففي نصفه نصفها، فإذا سار أربعة فراسخ يتحقق السفر، ويكون بحسب النص جلبا، وقد مضى البحث حوله. قوله دام ظله: والاقوى. لاطلاق النص، وقد يقال: إن الاحوط عدم الخروج لاستلزام الغرر، والعاقل لا يقدم على المعاملة مع الجهل بحال السعر في البلد المتوجه إليه، والقريب منه، فلو أقدم تكون المعاوضة سفهية وباطلة، خصوصا إذا أخبر الخارج كذبا عن سعر البلد. وتوهم إطلاق النص خصوصا للفرض الاخير، غير تام، ولكنه في غير الفرض الاخير يتم، فإن الجهالة في المبيع ترتفع، وإذا كان البائع عاقلا فإقدامه على السعر خارج البلد، ربما كان لاجل الجهات المرغوب فيها،


1 - الكافي 5: 169 / 4، وسائل الشيعة 17: 442، كتاب التجارة، أبواب آداب التجارة، الباب 36، الحديث 1. 2 - وسائل الشيعة 17: 443، كتاب التجارة، أبواب آداب التجارة، الباب 36، الحديث 2 و 3.

[ 473 ]

[ وهل يعم الحكم غير البيع والشراء كالاجارة ونحوها؟ وجهان. ] من عدم المكث الكثير في البلد وغيره. وأما في الفرض الاخير فيشكل وضعا، لانه أكل بالباطل، وأدلة خيار الغبن (1) ناظرة إلى غير تلك الصورة. وربما يمكن دعوى حرمته التكليفية، زائدا على الكذب المحرم، للعلم بأن مذاق الشرع برئ من هذا النحو من التكسب. قوله دام ظله: وجهان. من وجود النهي عن الاشتراء في الروايتين اللتين هما الاصل في المسألة (2)، ومن إطلاق بعض مآثير الباب (3)، وإمكان إلغاء الخصوصية بحمل القيد على الغالب في خصوص المقام، لاقتضاء النكتة أعميته. ويمكن دعوى التفصيل بين ما يكون مثل البيع في نقل العين، كالصلح ونحوه، وما هو مثل الاجارة، فإن المآثير منصرفة عنها، خصوصا إذا كان الركب مستأجرين والخارج مؤجرا، كما لا يخفى.


1 - وسائل الشيعة 18: 31، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 17. 2 - وسائل الشيعة 17: 443، كتاب التجارة، أبواب آداب التجارة، الباب 36، الحديث 2 و 3. 3 - وسائل الشيعة 17: 442، كتاب التجارة، أبواب آداب التجارة، الباب 36، الحديث 1 و 5.

[ 474 ]

[...... ] ثم إن مقتضى رواية عروة بن عبد الله، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): لا يتلقى أحدكم تجارة خارجا من المصر (1) خصوصية التجارة وزائدا عليها، خصوص البلد والمصر، ومقتضى الاطلاقات عدمها. ويمكن اختصاص الحكم بالتجارة، فإنها الاعم من البيع، وأخص من الهبة المعوضة أحيانا، وقضية الاطلاقات عدم الفرق بين كون القادم من أهالي البلد وغيره.


1 - الكافي 5: 168 / 1، وسائل الشيعة 17: 443، كتاب التجارة، أبواب آداب التجارة، الباب 36، الحديث 5.

[ 475 ]

[ مسألة 23: يحرم الاحتكار، ] قوله: يحرم. إذا كان يؤدي الاحتكار إلى الاضرار، وإحداث الهرج، وإخلال النظام، فهو ممنوع عقلا، لان العناوين الاخر المحرمة مترتبة عليه، فما هو محل البحث إما نفس المنع والحبس انتظارا للغلاء، أو هو مع استلزامه وقوعهم في المشقة لاحتياجهم إليه، فإنه عندئذ يمكن تجويزه ذاتا، ومنعه وتحريمه. والذي يظهر لي: أن الاصحاب لا يختلفون في حكم المسألة، إلا في بعض الجهات الراجعة إلى حدود موضوعها، فمن قال بالكراهة يكون ناظرا إلى المعنى اللغوي للاحتكار، ومن اختار الحرمة نظرا إلى الموضوع المقصود في الاخبار. وما يساعده المآثير والمناسبات (1) هو: أن نفس الحكرة ليست محرمة، وهي بمقتضى إطلاق طائفة من النصوص (2) ممنوعة كراهة، لان كلمة اللعن وأشباهه، مع بعض القرائن الاخر، لا تدل إلا على الكراهة. نعم، إذا كانت الحكرة في موقف حاجة الناس والمسلمين، وفي


1 - وسائل الشيعة 17: 427، كتاب التجارة، أبواب آداب التجارة، الباب 28. 2 - وسائل الشيعة 17: 424، كتاب التجارة، أبواب آداب التجارة، الباب 27، الحديث 3 و 8.

[ 476 ]

[ وهو: حبس الطعام وجمعه، يتربص به الغلاء، مع ضرورة المسلمين وحاجتهم، وعدم وجود من يبذلهم قدر كفايتهم، نعم مجرد حبس الطعام انتظارا لعلو السعر، مع عدم ضرورة الناس، ووجود الباذل، ليس بحرام. وإن كان مكروها. ] موضع استلزم وقوعهم في الحرج والمشقة، بأن لا يكون عند غيره الطعام، فالظاهر حرمته، لقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): إياك أن تحتكر (1) واردا في موقف ضرورتهم، وأمره (صلى الله عليه وآله وسلم) بالبيع والنهي عن الحبس (2). وتوهم كون الروايات في الفرض الاول قرينة على صرف هذه النواهي في الفرض الثاني، لا يخلو من غرابة. قوله دام ظله: المسلمين. قضية المآثير قاطبة (3) عدم الفرق بينهم وبين غيرهم، من الذين هم في ذمة الاسلام، أو في تعاهدهم من المحترمين أموالا وأنفسا. نعم، في رواية حذيفة بن منصور، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، ذكر المسلمين على حسب اقتضاء القضية الخارجية، لا الاشتراط والتقييد، وتوهم


1 - الكافي 5: 165 / 4، وسائل الشيعة 17: 428، كتاب التجارة، أبواب آداب التجارة، الباب 28، الحديث 3. 2 - الكافي 5: 164 / 2، وسائل الشيعة 17: 429، كتاب التجارة، أبواب آداب التجارة، الباب 29، الحديث 1. 3 - وسائل الشيعة 17: 423، كتاب التجارة، أبواب آداب التجارة، الباب 27 - 28 - 29 - 30.

[ 477 ]

[ ولو حبسه في زمان الغلاء لصرفه في محاويجه، لا للبيع، فلا حرمة فيه، ولا كراهة، ] اقتضاء بعض الخطابات ذلك، غير تام. فالاقوى ممنوعيته حتى بالنسبة إلى غيرهم، خصوصا أهل الذمة، ولو كان الامر كما توهم لكان ذلك طريقا إلى منافع أرباب الاحتكار، وليس في الاخبار منه العين والاثر، مضافا إلى أنه خلاف المذاق من الشريعة المقدسة. قوله دام ظله: فلا حرمة. لظاهر اللغويين القائلين: إن الحكرة هي: الحبس انتظارا للغلاء (1)، ولا خصوصية لمفهوم الحبس في موضوع الحكم، بل المنع عن التقلبات من الشراء وغيره أيضا، محرم ومكروه في موضعهما المذكور ولو اقتضى كلام بعض أهل اللغة أعمية مفهوم الحكرة (2)، ولكن الظاهر من الاخبار هو ذاك، فتأمل. ثم إن الاطلاق المذكور يمنع فيما يؤدي الاحتكار إلى الاخلال بالنظم، ووقوع المسلمين والمحترمين في المشقة المؤدية احتمالا إلى الهلاكة، إلا إذا كان الاحتمال المذكور ساريا في حق المحتكر أيضا، فلا تغفل.


1 - الصحاح، 2: 635، المصباح المنير: 175، لسان العرب 3: 267. 2 - معجم مقائيس اللغة 2: 92.

[ 478 ]

[ والاقوى عدم تحققه إلا في الغلات الاربع، والسمن، والزيت، ] قوله دام ظله: والاقوى. للنص، ففى معتبر غياث بن إبراهيم، عن الصادق (عليه السلام): ليس الحكرة إلا في الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب، والسمن (1) وفي المروي عن الخصال زيادة: الزيت على الخمسة (2). وللتجاوز عنها إلى غيرها نحتاج إلى الغاء الخصوصية، وهي ممنوعة جدا، أو إلى دعوى الاطلاق، وهي مضافا إلى ظهور بعض كلمات بعض اللغويين في: أن مادة الاحتكار أخص (3)، خلافا لبعضهم الاخر (4)، يقيد بالمفهوم في رواية غياث. نعم، دعوى لغوية خصوصيتها إذا لم تكن مورد الحاجة المتعارفة، كالحنطة في طبرستان مثلا، ولحوق غيرها بها فيما صار من الرزق الغالب بعد مراجعة النصوص في المسألة، غير بعيدة. هذا وقد يشكل جريانها في الزيت، لان مقتضى ما تحرر منا في محله (5):


1 - الكافي 5: 164 / 1، وسائل الشيعة 17: 425، كتاب التجارة، أبواب آداب التجارة، الباب 27، الحديث 4. 2 - الخصال 1: 329 / 23. 3 - المصباح المنير: 175، لسان العرب 3: 267. 4 - القاموس المحيط 2: 13. 5 - تحريرات في الاصول 5: 455 وما بعدها.

[ 479 ]

[...... ] أن الجمع بين مفهوم الحصر والمنطوق بالتقييد، ليس من الجمع العقلائي، وعندئذ إذا ثبت سند القيد يحمل الحصر على الافراد التي تشتمل على الاهمية بالذكر، وعليه يمكن دعوى: أن الحكرة ممنوعة في جميع ما يحتاج إليه المسلمون. هذا فيما لم يكن مستلزما لوقوعهم في المشقة المستلزمة للاخلال بالنظم، وإلا فهو ممنوع عقلا، كما مر الايماء إليه. ثم إن أمثال هذه المسائل بيد أمير المصر، وسلطان الممالك، وعليه حفظ شؤون الملك حسب ما يراه مع رعاية مصالح المالك والملك والرعية. ويحتمل أن تكون المسألة من قبيل المسائل الصادرة عن النبي والامير صلى الله تعالى عليهما بما هما سلطان الناس، وسائس الامة، ومقتضى قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): حكمي على الاولين حكمي على الاخرين (1) نفوذه في عصرنا، ولزوم التبعية لهما (عليهما السلام).


1 - لم نعثر على هذه الرواية في مجامعنا الروائية وكذا في كتب العامة ويقرب منه ما ورد في الكافي وفيه: لان حكم الله في الاولين والاخرين... سواء وأيضا ما في عوالي اللالي 1: 456 / 197 وفيه حكمي على الواحد حكمي على الجماعة لاحظ أيضا العناوين 1: 26 والقواعد الفقهية 2: 45.

[ 480 ]

[ نعم هو أمر مرغوب عنه في مطلق ما يحتاج إليه الناس، لكن لا يثبت لغير ما ذكر أحكام الاحتكار. ] قوله دام ظله: هو أمر مرغوب عنه. قد عرفت وجه ما ذكره الاصحاب وجها له، مضى ما فيه، ولعله - مد ظله أجمل في بيان الحكم فيما سوى الستة، لما في دليله من الاجمال، فإن قوله: مرغوب عنه أعم من الحرمة، والكراهة، والمذمومية الاخلاقية المعلومة من مذاق الشريعة، وما يحتاج إليه الناس أعم من المأكولات، والمشروبات، والملابس، والالات. ولعل قوله تعالى: (ويمنعون الماعون) (1) من الرمز إلى هذه المسألة، فإن الماعون معناه المعروف، وكل ما ينتفع الناس به. قوله دام ظله: لا يثبت لغير ما ذكر. لان المرغوب عنه أعم من الحرمة كما عرفت، وأما إذا كان محرما، كما هو الظاهر من المتن بعد ملاحظة هذه العبارة، فإن كان دليله نصوص هذه المسألة بوجه مضى أو بوجوه اخر اشير إليها، فعندئذ تثبت أحكام الحكرة، وإن كان دليله قاعدة نفي الضرر والحرج ففي جريانهما في المقام، بحيث ينتج حرمة الحبس والمنع بحث، لا أظن التزامه به إلا على بعض التقاريب، ضرورة أن القاعدتين تتكفلان نفي ما يوجب الضرر والحرج على المكلف لا الاخرين.


1 - الماعون (107): 7.

[ 481 ]

[ ويجبر المحتكر على البيع، ] اللهم إلا أن يقال: بأن مورد قاعدة لا ضرر يدل على نفي سلطنة المالك، إذا كان إطلاقها موجبا لوقوع الغير في الضرر، فتدبر. ويمكن دعوى: أن القاعدتين عامتان متكفلتان لنفي الاحكام المزاحمة، وتحريم الاضرار والاحراج، فعندئذ لا يجوز الاحتكار المؤدي إلى ضرر المسلمين، ووقوعهم في المشقة والحرج. ومن المباحث في القاعدتين: أنهما ناظرتان إلى نفي الضرر والحرج عن النوع من غير النظر إلى الشخص، فلو كان الاحتكار موجبا للضرر على النوع، ونفيه موجبا للضرر على الشخص، وهكذا في جانب الحرج، يقدم لحاظ النوع، فإنهما منة على الامة لا على كل واحد واحد منهم حتى يلزم التزاحم بين الضرر الشخصي والنوعي، والمشقة الشخصية والنوعية. فعليه يحرم الاحتكار، ويمنع عنه، من غير سريان أحكامه الخاصة الثابتة في الموارد المنصوصة. قوله دام ظله: ويجبر المحتكر. إجماعا محكيا عن غير واحد (1)، وهو قضية النص (2)، وفي إطلاق


1 - المهذب البارع 2: 370، التنقيح الرائع 2: 42، مفتاح الكرامة 4: 109. 2 - وسائل الشيعة 17: 429، كتاب التجارة، أبواب آداب التجارة، الباب 29، الحديث 1، والباب 30، الحديث 1.

[ 482 ]

[ ولا يعين عليه السعر على الاحوط، ] المتن نظر، ولعله يريد صورة الاحتكار المحرم، لا الاعم منه ومن المكروه. قوله مد ظله: على البيع. لما في النص، ولكنه محمول على المثال، فلو اجبر على التجارة فاختار القرض أو الهبة المعوضة أو غير ذلك من الصلح ونحوه، فهو أيضا جائز، لمعلومية الملاك، والمقصود من الاجبار، بل الاجبار على الامر الكلي، واختيار المجبور أحد مصاديقه، أوفق بالاحتياط من الاجبار على خصوص البيع، فتدبر. قوله: السعر على الاحوط. إجماعا محكيا عن المبسوط (1) والسرائر (2) والتذكرة (3) وهو الموافق للقواعد، لان الاجبار على خلافها، وتقتضيه النصوص (4)، وعن السرائر: أخبار متواترة (5). وقد يشكل في ذلك كله، لان الاجماعات معلومة السند، والقواعد


1 - المبسوط 2: 195. 2 - السرائر 2: 239. 3 - تذكرة الفقهاء 1: 585 / السطر 32. 4 - وسائل الشيعة 17: 430، كتاب التجارة، أبواب آداب التجارة، الباب 30. 5 - السرائر 2: 239 وحكى عنه مفتاح الكرامة 4: 109.

[ 483 ]

[...... ] محكومة بما يقتضيه ظاهر كلام الامير في النهج قال: فامنع من الاحتكار، فإن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) منع منه، وليكن البيع بيعا سمحا بموازين عدل، واسعا لا يجحف بالفريقين من البائع والمبتاع (1) فإن الظاهر اختيار البيع بيد الحاكم. ولا ينافيه رواية ضمرة (2) مع إجمالها، وعدم تمامية سندها، ولا رواية حذيفة بن منصور، عن أبي عبد الله (عليه السلام) فإن قوله: وبعه كيف شئت، ولا تحبسه (3) مجمل من حيث أنواع الكيف، مع أنه غير قابل للعمل به في صورة الاجحاف، ولا دلالة فيه على المنع من التسعير. وما ورد في الروايات الكثيرة: أن السعر بيد الله عز وجل (4) غير هذا التسعير المقصود في المقام، كما لا يخفى.


1 - نهج البلاغة: 615، وسائل الشيعة 17: 427، كتاب التجارة، أبواب آداب التجارة، الباب 27، الحديث 13. 2 - تهذيب الاحكام 7: 161 / 713، وسائل الشيعة 17: 430، كتاب التجارة، أبواب آداب التجارة، الباب 30، الحديث 1. 3 - مر تخريجها في الصفحة: 298، الهامش: 2. 4 - وسائل الشيعة 17: 430، كتاب التجارة، أبواب آداب التجارة، الباب 30.

[ 484 ]

[ بل له أن يبيع بما شاء إلا إذا أجحف، فيجبر على النزول، من دون أن يسعر عليه، ] قوله دام ظله: إلا إذا أجحف. وهو مختار جماعة (1)، وقضية ما في النهج، وضعف السند ينجبر بعملهم بعد اقتضاء القواعد بطلان المعاملة المجبور عليها، فتأمل. وهذا هو المناسب في المقام من إرادة الحاكم رفع المشقة والحرج، وإحداث النظم في المصر والبلد، ضرورة أنه مع الاجحاف لا يرفع ذلك، ولا يحصل المقصود من تجويز البيع بلا رضا المالك، ولاسيما في الاجحاف الكثير. قوله: فيجبر على النزول. رعاية للقواعد ونصوص المسألة، وحفظا على الخروج عنها بالقدر المتيقن، ومما مضى وتقدم. ثم إن تعيين السعر عليه يختص على فرض الجواز بما إذا لم يرد المالك البيع بأقل من الثمن المتعارف، وفي المسألة بعض مباحث ترجع إلى بيع المكره، فتطلب من محالها.


1 - الوسيلة: 260، مختلف الشيعة: 346 / السطر 15، إيضاح الفوائد 1: 409، الروضة البهية 1: 331 / السطر 24.

[ 485 ]

[ ومع عدم تعيينه يعين الحاكم بما يرى المصلحة. ] قوله دام ظله: يعين الحاكم. أو من هو المنصوب من قبله في خصوص هذه القضية، أو في الامر الكلي. قوله مد ظله: بما يرى المصلحة. وهي العمل بموازين العدل من غير أن يجحف بالفريقين.

[ 486 ]

[ مسألة 24: لا يجوز مع الاختيار الدخول في الولايات، والمناصب، والاشغال من قبل الجائر وإن كان أصل الشغل مشروعا، ] قوله دام ظله: لا يجوز. على المشهور، بل في الفرض الثاني حرمته من الضروريات المفروغ عنها، وذلك إما لانها محرمة بذاتها وبعنوان التولي والتقلد من قبل السلطان الجائر، كما هو ظاهر بعض النصوص (1)، وهذا هو الداخل في الروايات الزاجرة عن الدخول في أعوان الظلمة (2)، بل هم الظالمون، أو لان تصدى الخلافة الاسلامية، والسلطنة على الرعية غصب، فيكون محرما، فلا يحرم عمل العاملين من قبلهم بهذا العنوان. اللهم إلا أن يقال: هو أيضا غصب الولاية التي هي حق الشيعة وأتباع الائمة (عليهم السلام)، أو يختلف وجه الحرمة المنطبق، فإن الخليفة يحرم فعله لكونه غصبا وعدوانا، والعمال يحرم فعلهم وتصديهم لكونه دخولا في سلطان الغير، أو لكونه عون الظالم أو سببا لبقاء الظلم وازدياد شوكته، أو لان التدخل في هذه الامور يستلزم المحرمات فيكون ممنوعا عقلا. والذي تقتضيه الصناعة حلية العنوان المذكور بنفسه، ولا دليل على حرمة غصب الخلافة بعنوانه.


1 - وسائل الشيعة 17: 187، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 45. 2 - وسائل الشيعة 17: 177، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 42.

[ 487 ]

[...... ] نعم، هو قبيح عقلا، لانه ظلم، ولا يحرم الظلم عندنا بعنوانه حتى يلزم كون الغصب محرما بعنوانين، بل لا يعقل، لان النسبة بين عنوان الظلم والعناوين الخاصة - التي من مصاديقه - العموم المطلق، لا من وجه. وهذا هو المتراءى من روايات المسألة، لان مقتضى الجمع بين ما يدل على حرمته بعنوانه (1)، وما يدل على حرمته لاستلزامه المحرم (2) هو الالتزام بحلية العنوان المذكور ذاتا، وحرمته عقلا وتبعا. ونتيجة هذا: أنه لو فرض عدم ترتب المحرم على تقلد الامر وتصدي الخلافة، لكان هذا جائزا، بل ولمكان حفظ المسلمين عن المفاسد المرتقبة في المعيشة ودفع شر الكفار عنهم، يكون مأجورا. وهذا هو الصريح في رواية ابن إدريس نقلا من كتاب مسائل الرجال (3). وتوهم الفرق بين العامل الكذائي والمعمول له غير تام، فإن سلطان الاسلام لو كان يدخل في أمره لدفع الشر عن حدود الاسلام، مريدا بسط السنة والكتاب، معتقدا أن غيره لا يتمكن من ذلك، غير مبال بأمر الامام


1 - وسائل الشيعة 17: 191، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 45، الحديث 12. 2 - وسائل الشيعة 17: 188، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 45، الحديث 4 - 6 - 7. 3 - السرائر 3: 583.

[ 488 ]

[...... ] ونهيه، فإنه مثل العامل الداخل في الامر مريد هذه الحسنات. هذا فيعلم من ذلك أن المآثير في المسألة قاصرة عن إفادة ما هو المحرم في الشريعة قطعا، أو تحتاج إلى التعمق والتأمل الشديد، وهو يعطي أن المآثير في المقام خمس طوائف، على ما فصلناها في كتابنا الكبير. ونتيجة هذه الطوائف: أن التولي وتقلد الامر من أعظم المحرمات الالهية، التي لا تترخص إلا في مواقف التقية والضرورة، مع لزوم جبر المفسدة الواقعة فيها بالاعمال الصالحة، وقضاء حوائج الشيعة، ف‍ (إن الحسنات يذهبن السيئات) (1) كما في رواية مفضل بن مريم (2)، وكفارة عمل السلطان قضاء حوائح الاخوان كما في الفقيه (3)، وما ورد في ترخيص الدخول في ولاياتهم ومناصبهم كثيرا (4) على مبنى التقية حتى عن مثل زرارة، كما في صحيحة الوليد بن صبيح (5)، ولاسيما إن المسألة في نهاية


1 - هود (11): 114. 2 - وسائل الشيعة 17: 198، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 46، الحديث 6. 3 - الفقيه 3: 108 / 453، وسائل الشيعة 17: 192، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 46، الحديث 3. 4 - وسائل الشيعة 17: 192، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 46. 5 - الكافي 5: 105 / 2، وسائل الشيعة 17: 187، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 45، الحديث 1.

[ 489 ]

[...... ] الدقة في الحفظ على دمائهم ودماء أصحابهم. ودخول مثل علي بن يقطين للاذن الخاص ولمصالح عالية مؤقتة (1). وبالجملة: تصدي امور الممالك محرم، والاعانة على هذا الظلم العظيم محرم بأن يتصدى الولايات والمناصب حتى على الشيعة، والاستثناء ينحصر بصورة التقية والضرورة، راعيا مصالح الامة حال الاشتغال. ولا معنى لان يكون المستثنى في المقام مستحبا لما تقرر: أن الاستثناء عن العناوين المقبحة لا يعقل، إلا فيما زاحم الملاك الاقوى البالغ حد الايجاب، والسر كل السر أن الشقاوة والسعادة الدنيوية والاخروية تنشأ عن الخلافة الصحيحة والسلطنة العادلة، والفاسدة الظالمة، وجميع الخيرات والشرور مربوطة بهما، وعندئذ يجب بحكم العقل إيجاد هذه واقتناء ذاك ولو بالسياسة المنفية، التي هي المنساق من مآثير المسألة بعد التدبر والتأمل. هذا كله حول السطان الجائر المدعي للخلافة الاسلامية، الذي هو القدر المتيقن من الادلة حسب زمان صدورها. وأما من يتصدى الممالك الاسلامية من غير الادعاء المذكور، فهو


1 - وسائل الشيعة 17: 192، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 46، الحديث 1 و 8 و 16.

[ 490 ]

[...... ] عندي أيضا من الفساق في تقلده، لما تقرر منا أنه حق الفقهاء (1)، وليس أمر الممالك مرخى ومرسل العنان من قبل الشريعة الخاتمة، للزوم الخلف فعلى الاسلام تعيين الوظيفة في جميع الاعصار، ولا يجوز عليه إيقاع المسلمين في الهرج والمرج حتى يتكدر منه روح كل أحد، ولا يميل إليه ذو مسكة. ولا فرق عندنا بين الامام والمنصوب من قبله عاما وخاصا، في وجوب تصدي الملك، وتعيين الحدود، وبسط العدل والاسلام إلى أن يأتي قائم الامة - عجل الله تعالى فرجه -. ولو كان الامر كما زعمه زملائنا القدماء والمتأخرون (2)، لكان يجب إرسال الرسول، لاتحاد هذه الجاهلية مع الجاهلية الاولى في الاقتضاء، فلا يجوز وضع اليد على اليد مدعيا أن الاسلام أمر به، فإنه إثم وبهتان عظيم، وهذا مما لا يحتاج فيه إلى الدليل، كما في أصل التوحيد والرسالة، ولا ينبغي الخلط بين المانع عن التقدم والبسط، وعدم اقتضاء الاسلام ذلك، فإنه في الثاني نقص عليه وخذلان.


1 - لاحظ ثلاث رسائل للمؤلف (قدس سره) رسالة ولاية الفقيه. 2 - انظر مفتاح الكرامة 4: 114.

[ 491 ]

[ مع قطع النظر عن توليه من قبله كجباية الخراج وجمع الزكاة، وتولي المناصب الجندية والامنية، وحكومة البلاد ونحو ذلك، فضلا عما كان غير مشروع في نفسه، كأخذ العشور والمكوس وغير ذلك من أنواع الظلم المبتدعة. ] قوله دام ظله: غير مشروع في نفسه. المراد من المناصب المشروعة هي المتعارفة في جميع الحكومات حتى العادلة، ومن غير المشروعة هي ما لا يتعارف في حكومة العدل، فإن أخذ المكوس والعشور ليس من شؤون السلطان العادل. نعم، هو بعنوانه ليس من المحرمات حتى يكون حراما، مع رضاء الامة الراقية القائلة بلزومها لحفظ المملكة، ولذلك يمكن إحداث هذه الشؤون في الدولة الحقة إذا كانت محتاجة إلى الاعانة في الادارة، فيأمر السلطان العادل الرعية بأن يعطي كذا وكذا زائدا على الاخماس والزكوات. ومما يؤسف عليه أن الاسلام ليس معروفا كما هو، ولا متلقيا من أتباعه حقه، فهو الغريب كما بدأ غريبا.

[ 492 ]

[ نعم، يسوغ كل ذلك مع الجبر والاكراه، بإلزام من يخشى من التخلف عن إلزامه على نفسه أو عرضه أو ماله المعتد به، إلا في الدماء المحترمة بل في إطلاقه بالنسبة إلى تولي بعض أنواع الظلم كهتك أعراض طائفة من المسلمين، ونهب أموالهم، وسبي نسائهم، وإيقاعهم في الحرج، مع خوفه على عرضه ببعض مراتبه الضعيفة، أو على ماله إذا لم يقع في الحرج، ] قوله: يجوز كل ذلك. للعقل والنقل، ففي موثقة مسعدة بن صدقة قال: سأل رجل أبا عبد الله (عليه السلام) عن قوم من الشيعة يدخلون في أعمال السلطان، يعملون لهم، ويجبون لهم، ويوالونهم، قال: ليس هم من الشيعة، ولكنهم من اولئك ثم قرأ أبو عبد الله (عليه السلام) هذه الاية: (لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم...) (1) إلى أن قال: ثم احتج الله على المؤمنين الموالين للكفار فقال: (ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم أنفسهم...) (2) - إلى قوله تعالى: (ولكن كثيرا منهم فاسقون) (3) فنهى الله عز وجل أن يوالي المؤمن الكافر إلا عند التقية (4).


1 - المائدة (5): 78. 2 - المائدة (5): 80. 3 - المائدة (5): 81. 4 - تفسير القمي 1: 176، وسائل الشيعة 17: 190، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 45، الحديث 10.

[ 493 ]

[ بل مطلقا في بعضها إشكال، بل منع. ] وهذه الرواية تشتمل على جهات شتى دالة على ما أفدناه، من حرمة التولي بذاته، ومن ممنوعية الدخول حتى للشيعة، ومن حرمة تصدي الخلافة والسلطة بالاولوية القطعية، ومن أنهم في حكم الكافر، والشيعة بما هي شيعة لا تتصدى أمرهم، فيعلم ممنوعيته شديدا، ومقتضى مفهوم الحصر انحصار الدخول بحال التقية دون مصالح اخر يأتي ذكرها، ومن أعمية السلطان من المدعين للخلافة الاسلامية، ومن كونه عاميا مسلما، واستثناء التقية شاهد على أن الموالاة هي التولي، لا الوداد والمحبة، وحملها على ترتيب آثار الوداد فاسد. قوله دام ظله: إشكال، بل منع. وذلك لان وجه الرخصة إن كان مراعاة المقتضيات، فهي في جانب المستثنى منه أقوى، بل لا تقاوم الاموال الاعراض، فلا يجوز هتك عرض المؤمن ولو بذهاب جميع أمواله، وإن كان المآثير الخاصة (1)، وعمومات التقية (2)، وحديث الرفع (3)، فهي منصرفة عن هذه المواقف، فإنه كيف يجوز


1 - وسائل الشيعة 17: 202، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 48، الحديث 4 - 5. 2 - وسائل الشيعة 16: 203، كتاب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، أبواب الامر والنهي، الباب 24 - 25. 3 - التوحيد: 353 / 24، الخصال: 417 / 9، وسائل الشيعة 15: 369، كتاب الجهاد، أبواب جهاد النفس وما يناسبه، الباب 56، الحديث 1.

[ 494 ]

[ ويسوغ خصوص القسم الاول - وهو الدخول في الولاية على أمر مشروع في نفسه - القيام بمصالح المسلمين وإخوانه في الدين، بل لو كان دخوله فيها بقصد الاحسان إلى المؤمنين، ودفع الضرر عنهم كان راجحا، ] الالتزام بهدم الكعبة، ورد الكتاب والسنة حذاء النفس فضلا عن المال، فيما إذا كان في هدمه ورده ضلالة الناس وكفرهم، والتزلزل في عقائدهم، والتفصيل يطلب من مقام آخر. أفما سمعتم تقبل المئات من أعاظم المؤمنين وأقارب الرسول الاكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) في الجهاد لبسط الاسلام وهداية الضالين؟ أفما تدرك أن أساس التقية لحفظ اصول الاسلام، وعقائد الناس، وإحداث الوحدة الاسلامية بين الملل قبال الملة الكافرة؟ فلا ينبغي إجرار أذيال هذه الادلة إلى غير مصابها حتى يضل القاصرون. قوله: القيام بمصالح. إجماعا محكيا (1)، وهو قضية حكم العقل والنقل (2)، فإن ملاك الدخول يتكاسر بالمصالح العالية الاسلامية فتارة: تبلغ المصلحة إلى حد الوجوب، كما لو تمكن من حفظ الدماء المحترمة والاعراض، واخرى: إلى حد الندب، كما لو تمكن من دفع المنكرات غير البالغة إلى حد


1 - فقه القرآن، الراوندي 2: 24، انظر مفتاح الكرامة 4: 114، جواهر الكلام 22: 160. 2 - وسائل الشيعة 17: 201، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 48.

[ 495 ]

[...... ] القاهرية على ملاك مفسدة الدخول ولكنها غالبة، وثالثة: إلى حد الكراهة، كما لو انكسر ملاك الحرمة بمصلحة مترتبة عليه. وفي صحيحة الحلبي قال: سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن رجل مسلم، وهو في ديوان هؤلاء، وهو يحب آل محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، ويخرج مع هؤلاء في بعثهم فيقتل تحت رايتهم، قال: يبعثه الله على نيته قال: وسألته عن رجل مسكين خدمهم رجاء أن يصيب معهم شيئا فيغنيه الله به، فمات في بعثهم، قال: هو بمنزلة الاجير، إنه إنما يعطي الله العباد على نياتهم (1). وأنت خبير بقصور هذه الوجوه عن تجويز ما هو الممنوع صغرى وكبرى، فإن الاجماع المحكي والمحصل منه في أمثال المسألة لا يفي بشئ، لكثرة الادلة واطلاع العقل على حدودها. وانكسار المفاسد بالمصالح لا يورث تجويز المحرم، كما لا ينكسر ملاك المحرم بانطباق عناوين كثيرة من المستحبات. وحفظ الملاك الاهم في فرض لا يورث إنقلاب الحكم المحرم واجبا أو مستحبا أو مرجوحا، على ما تقرر منا في الاصول (2).


1 - تهذيب الاحكام 6: 338 / 944، وسائل الشيعة 17: 201، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 48، الحديث 2. 2 - تحريرات في الاصول 4: 216 - 218.

[ 496 ]

[...... ] نعم، العامل معذور في ارتكاب المهم، مع أن الاطلاع على هذه التكاسرات في الملاكات والمصالح غير ممكن بنحو الكلي، ولاسيما إذا كان اللازم القطع بترتب المصالح على دخوله فيها ومع كونه مطابقا للواقع، وإلا فلا يعد معذورا، لان المقرر جواز عدم كون العلم من الاعذار، ويمكن سلب اعتباره عنه. فالدليل الوحيد هو النصوص، والذي يظهر لي بعد التعمق فيها: قصور هذه الطائفة من الاخبار لترخيص الدخول، فإن شدة المنع في المستثنى منه توجب الشبهة في هذه المآثير، مع ضعف سند كثير منها وقصور دلالة الاخيرين، فإن خبر الحلبي مشعر بأنه (عليه السلام) لاحظ بعض المحاذير في العصر، وأقدم على الجواب بما هو المجمل، فإن من المحتمل قويا إرادته من قوله: يبعثه الله على نيته ما لا ينافي ممنوعية فعله شرعا، ومن قوله (عليه السلام): هو بمنزلة الاجير ما ورد في قصة صفوان الجمال (1)، الذي هو أجير هارون، المحب لبقائه حتى يرد اجرته، ولو كان المقصود منها تجويز الدخول لمجرد القصد إلى توجيه الخير إلى المسلم لا يبقى أحد إلا وهو مسود السمعة في ديوانهم.


1 - رجال الكشي 2: 740 / 828، وسائل الشيعة 17: 182، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 42، الحديث 17.

[ 497 ]

[...... ] ولعمري إنه كيف يمكن الركون إلى مثل رواية زياد بن أبي سلمة، عن أبي الحسن موسى (عليه السلام)، فقال لي: يا زياد، لان أسقط من حالق فأتقطع قطعة أحب إلي من أن أتولى لاحد منهم عملا، أو أطأ بساط رجل منهم، ألا لماذا؟ قلت: لا أدري جعلت فداك، قال: إلا لتفريج كربة عن مؤمن، أو فك أسره، أو قضاء دينه... (1). فإنه مع ندائها بمثل ذلك في جانب يرخص هذا الامر العظيم والمحرم الكبير في نهاية السهولة في قبال الامر اليسير جدا، ولاسيما أن الظاهر منها الرخصة في قبال القصد إليه وإن لم يتحقق أو يكون مظنون العدم تحققه. وإلى مثل ما رواه الكشي في ترجمة محمد بن إسماعيل بن بزيع على نقل الشيخ عنه عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال: إن لله تعالى في أبواب الظلمة من نور الله به البرهان، ومكن له في البلاد ليدفع به عن أوليائه، يصلح الله بهم امور المسلمين، إليهم ملجأ المؤمنين من الضر، وإليهم مرجع ذوي الحاجة من شيعتنا، بهم يؤمن الله روعة المؤمنين في دار الظلمة، اولئك المؤمنون حقا، اولئك امناء الله في أرضه، اولئك نور الله في رعيته يوم القيامة،


1 - الكافي 5: 109 / 1، وسائل الشيعة 17: 194، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 46، الحديث 9.

[ 498 ]

[...... ] ويزهر نورهم لاهل السماوات كما يزهر نور الكواكب الدرية لاهل الارض، اولئك نورهم يوم القيامة تضئ منه القيامة، خلقوا والله للجنة، وخلقت الجنة لهم فهنيئا لهم، ما على أحدكم أن لو شاء لنال هذا كله؟ قلت: بماذا جعلت فداك؟ قال: يكون معهم فيسرنا بإدخال السرور على المؤمنين من شيعتنا، فكن منهم يا محمد (1). فإنه كيف يحصل لاحد احتمال صدق مثل هذه المآثير قبال ما ورد عن الائمة المعصومين (عليهم السلام)، ويحتمل إرادة الجماعة الغائبين عن أعينهم، الحافظين لمنافع المؤمنين والله العالم. فالخروج عن المآثير المانعة عن الدخول (2) بمثل هذه وأشباهها، في غاية الاشكال والمنع. ثم إنه مما تقرر يظهر الوجه في سائر ما أفاده - مد ظله، ولو كان وجه الرخصة انكسار الملاك في المستثنى منه، لما كان وجه لاختصاص الترخيص بالقسم الاول، كما لا يخفى. فما سلكه في المقام الشيخ الاعظم من تحرير المسألة حول ما


1 - حكى الشيخ الاعظم الرواية عن رجال الكشي راجع المكاسب، الشيخ الانصاري: 56 / السطر 23، ولكن الرواية ليست موجودة في رجال الكشي بل رواها النجاشي في رجاله، انظر رجال النجاشي: 331، الرقم 893. 2 - وسائل الشيعة 17: 177، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 42 و 45.

[ 499 ]

[ بل ربما بلغ الدخول في بعض المناصب والاشغال لبعض الاشخاص أحيانا إلى حد الوجوب، كما إذا تمكن شخص بسببه على دفع مفسدة دينية، أو المنع عن بعض المنكرات الشرعية مثلا، ومع ذلك فيها خطرات كثيرة إلا لمن عصمه الله تعالى. ] يدركه العقل من المصالح والمفاسد (1)، لا يرجع إلى محصل، وهكذا ما أفاده غيره حول الدليل اللفظي (2). ومن العجب أنهم كانوا يرون الخطرات في هذه الاشغال والمناصب، ويؤيدهم المآثير الناطقة بأن تناول السماء أيسر عليك من ذلك (3) - أي العدل - ومع ذلك كانوا يرخصونه في حذاء احتمال الامر اليسير، أو الظن به. قوله دام ظله: مفسدة دينية. مقتضى ما تحرر منه - مد ظله في كتابه الكبير (4) انحصار الدليل في المستثنى بالمآثير، ولو تم ذلك فيشكل إلحاق مصالح الدين بمصالح المسلمين إلا بدعوى الاولوية القطعية، ضرورة أن المسلم بما هو مسلم


1 - المكاسب، الشيخ الانصاري: 56 / السطر 10. 2 - انظر حاشية الايرواني على المكاسب 1: 45 / السطر 3 ومابعده. 3 - الكافي 5: 107 / 9، وسائل الشيعة 17: 188، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 45، الحديث 4. 4 - المكاسب المحرمة، الامام الخميني 2: 174 - 175 وما بعدها.

[ 500 ]

[...... ] محترم، فكيف لا يراعي الاسلام في المقام؟! مع أن إطلاقات أدلة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر (1) يرخص في هذه المواقف، وكون النسبة عموما من وجه بينها وبين نصوص المسألة يؤيد الرخصة للرجوع إلى البراءة أو قاعدة التزاحم مع أن دليل العقل لو لم يكن تاما في كثير من المواضيع لعدم الاطلاع على الملاكات، ولكنه هنا يتم إذا كان الداخل عالما بحصول المعروف ودفع المنكر ورفعه. اللهم إلا أن يقال: بأن هذه المسألة من قبيل مسألة تزاحم المحرمات والمستحبات، فكما تكون أدلتها قاصرة عن شمول موردها كذلك هنا.


1 - وسائل الشيعة 16: 117، كتاب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، أبواب الامر والنهي، الباب 1.

[ 501 ]

[ مسألة 25: - ما تأخذه الحكومة من الضريبة على الاراضي مع شرائطها جنسا أو نقدا، وعلى النخيل والاشجار، يعامل معها معاملة ما يأخذه السلطان العادل، فيبرأ ذمة الدافع عما كان عليه من الخراج الذي هو اجرة الارض الخراجية، ويجوز لكل أحد شرائه، وأخذه مجانا وبالعوض، والتصرف فيه بأنواع التصرف، بل لو لم تأخذه الحكومة وحول شخصا على من عليه الخراج بمقدار فدفعه إلى المحال، يحل له، ] قوله دام ظله: يعامل معها. وفي الرياض: وعليه الاجماع المستفيض (1)، ضرورة عدم استقامة تعيش الانسان بدون نماء الاراضي والغرس فيها، والفرض أن الجميع بأيديهم. وفي الجواهر ما يشبه ذلك، إلى أن قال: بل لعل المسألة من الضروريات، لا يحتاج في إثباتها إلى الروايات، ولعل وقوع البحث بين الكركي والقطيفي - رحمهما الله تعالى دعا إلى التطويل في المسألة، وكم من مسألة ضرورية صارت نظرية لسبق الشبهة (2). أقول: الاراضي في زمن السلطان الجائر على قسمين: إما للمسلمين، وإما للامام (عليه السلام)، فما كان منها مفتوحة بأيديهم بإذنه (عليه السلام) فهي لهم، وما كان غير ذلك فهي له (عليه السلام) مع سائر الشرائط المقررة، وعلى التقديرين تصدي


1 - رياض المسائل 1: 508 / السطر 1. 2 - لاحظ جواهر الكلام 22: 181 - 182.

[ 502 ]

[...... ] السلطان الجائر وعماله لها على خلاف الموازين الشرعية، لانها بيد الامام العادل، أو المنصوب من قبله خاصا أو عاما، فتقبلها منهم أولا وتقبيلها للغير ثانيا، غير جائز على حسب الاصل الاولي، والتصرف في منافعها وثمارها حسيا واعتباريا، أيضا ممنوع بمقتضى ما عرفت. وتوهم أنها لو كانت لهم فتصرفهم فيها جائز غير تام، لانه على تقدير كونها لهم، على نحو كون الزكاة للفقراء، بمعنى أنه كما يجوز للفقير أخذ الزكاة تمامها وإن كان الفقير الاخر موجودا، فيجوز له الاستيفاء من الارض أكثر من نصيبه، ولكنه أيضا غير جائز لاحتياجه إلى الاذن، فيكون تقبله باطلا. إذا عرفت ذلك، فإن استكشفنا إمضاء الشرع لتصديهم فيكون الاموال عندهم كالاموال عند السلطان العادل، فيجوز جميع الاستمتاعات منها بلا فرق بين أنحائها، وما اشتهر من ممنوعية مثل الاحالة لعدم كونها مقبوضة (1)، غير راجع إلى محصل. وعندئذ لا فرق بين أنحاء الفرق الاسلامية، والمحترمين في الدولة الاسلامية، ويجب حينئذ مراعاة شؤون العامل المتصدي، ولا يجوز الاستراق، ولا التخلف عما تعاهدوا عليه من الثلث والربع الخمس باسم المقاسمة، ولا من الخراج المعين عليه، كما أن العامل إذا تعدى وأخذ


1 - لاحظ مجمع الفائدة والبرهان 8: 107، مفتاح الكرامة 4: 246 - 247.

[ 503 ]

[...... ] الزائد على السهم المقرر، فإنه لا يجوز التصرف فيما أخذه ظلما وعدوانا، فهولاء أهل الجور كأهل العدالة بعد إمضاء صاحب الشريعة. بل قضية صحيحة أبي عبيدة، قيل له: فما ترى في الحنطة والشعير يجيئنا القاسم، فيقسم لنا حظنا، ويأخذ حظه، فيعزله بكيل، فما ترى في شراء ذلك الطعام منه؟ فقال: إن كان قبضه بكيل وأنتم حضور ذلك فلا بأس بشرائه منه من غير كيل (1) هو أن الاخذ من العامل بغير كيل اتكالا على كيله بعد حضورهم جائز، والاخذ منه إذا يأخذ ظلما وجورا من غير مراعاة الشرائط المقررة ممنوع، فليتأمل. وإذا احتملنا أن الذي وقع عليه الامضاء ليس إلا الانتفاعات من تلك الاموال، وللحذر عن وقوع المسلمين في الحرج والمشقة، وخصوص الشيعة في التعب والاعضال، أجازوا ذلك، فحينئذ لا يلزم مراعاة النظم، ويجوز الاستنقاذ والفرار من إعطاء الثمن فيما إذا اشترى ولو ببذل شئ إلى العامل، مثلا يأخذ منه المقاسمة، وغير ذلك، مما تعارف في هذه الاعصار، ويعدونه الرشوة فرارا عن العشور والضريبة الموظفة من قبل الدول. ولو كان قضية الحرج أو لزوم الاختلال والهرج، جواز التصرف،


1 - الكافي 5: 228 / 2، وسائل الشيعة 17: 219، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 52، الحديث 5.

[ 504 ]

[...... ] وصحة الاثار المترتبة عليها، من براءة الذمة عن الخراج والمقاسمة ومن عدها من المؤونة في الزكاة، فهو مقصور ولا يمكن توزينه، ويستلزم ذلك المشقة والاعضال، بل والاختلال، فإذن ينحصر الدليل بالسيرة، والادلة اللفظية. أما السيرة: فهي قضية خارجية تقصر عن إفادة وجه الجواز، ولعل الوجه امور مختلفة في الموضوعات المتشتتة، وللحاكم الالهي ترخيص المسلمين في التصرف في أموال محترمة، في مواقف خاصة. بل من المحتمل قويا كون جميع ما في أيديهم الباطلة للامام (عليه السلام)، لكونها من الانفال، فلا يستفاد منها إمضاء الضريبة على الاراضي الخراجية التي هي للمسلمين، فما يأخذ السلطان الجائر لو ينحصر بالمحرم أو اختلط بالمحرم، ووجه الاختلاط كما يمكن أن يكون لحلية الخراج والمقاسمة، أو لحلية الانفال، أو لحلية الاموال الاخر الداخلة في أموالهم فرضا، كما في عصرنا، فهو غير ممنوع التصرف والتقلب، لتلك السيرة المشاهدة بين الملل والعلماء، بل والمعروف من الائمة (عليهم السلام). وأما أنها تكفي وتبرئ الذمة فللاجماعات المحصلة والمنقولة (1)، ولعدم معهودية خلافه، مع أنه لو كان لبان، لابتلاء المتدينين من أول الامر بتلك الاراضي. وأما الادلة اللفظية: فهي مختلفة ومتشتتة في الكتب، والمحصل لنا


1 - مفتاح الكرامة 4: 246 / السطر 22 ومابعده.

[ 505 ]

[...... ] منها ليس إلا رفع المنع عن تلك الاموال، ولا دلالة لها على إمضاء التصدي حتى يترتب عليه الحلية حتى لنفس العامل فيما يأخذه عوضا عن عمله، أو فيما يتصرف فيه عندما يدخل ضيفا عند أحد من المسلمين، فإن إمضاء التصدي خلاف ما عليه الروايات الكثيرة الواردة في الذب عنهم (1)، والنهي عن التدخل في امورهم (2)، والمشي معهم (3)، والمعاونة لهم (4)، والتسويد في ديوانهم (5) وهكذا، فكل ما كان من قبلهم (عليهم السلام) فهو بالنسبة إلى الامة راحة وترخيص وإرشاد وتحليل وخلاص من المشقة والحرج، وبالنسبة إلى سلطانهم تضييق وتحديد ومنع وعناد، لان في تصديهم بقاء الاباطيل وسلطان الشيطان. فالامر بالاشتراء (6)، ورد سهم السلطان (7)، وأمثال ذلك لا يدل على أمر،


1 - وسائل الشيعة 17: 177، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 42. 2 - وسائل الشيعة 17: 188، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 45، الحديث 4 و 12. 3 - وسائل الشيعة 17: 182، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 42، الحديث 15. 4 - وسائل الشيعة 17: 177، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 42. 5 - وسائل الشيعة 17: 180، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 42، الحديث 9. 6 - وسائل الشيعة 17: 218، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 52، الحديث 1 و 3 و 4. 7 - وسائل الشيعة 9: 192، كتاب الزكاة، أبواب زكاة الغلات، الباب 10، و 19: 44، كتاب المزارعة والمساقاة، الباب 10، الحديث 1.

[ 506 ]

[...... ] بعد احتمال كون كثير من الروايات الموافقة لمذاقهم محمولا على التقية، وصادرا من الجهات السياسية، ومنها التقية المداراتية حقنا لدمائهم، وصونا لاعراضهم. فالفرار من إعطاء سهم السلطان مع الامن من الوقوع في الهلكة، وخصوصا مع القدرة على رده إلى السلطان العادل سرا، جائز، بل واجب ويشهد له: معتبر زرارة، قال: اشترى ضريس بن عبد الملك وأخوه من هبيرة ارزا بثلاثمائة ألف، قال: فقلت له: ويحك، انظر إلى خمس هذا المال فابعث به إليه واحتبس الباقي، فأبى علي، قال: فأدى المال، وقدم هؤلاء فذهب أمر بني امية، قال: فقلت ذلك لابي عبد الله (عليه السلام)، فقال مبادرا للجواب: هو له، هو له، فقلت له: إنه قد أداها، فعض على إصبعه (1). فإنه يعلم منه: أن مع بروز آثار ضعف الدولة السابقة كيف أدى إليهم ما ليس لهم؟! ولا يستظهر منها أن المسألة مبنية على اختلاط الحرام بالحلال، وأنه يجوز في هذه الصورة التصرف، والحرام هي الزكاة، والحلال هي الضريبة حتى يلزم مراعاة أحكام العلم الاجمالي، ومجرد وجود بعض المآثير الظاهرة في ذلك لا يورث كون هذه المسألة على هذا المبنى.


1 - تهذيب الاحكام 6: 337 / 936، وسائل الشيعة 17: 218، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 52، الحديث 2.

[ 507 ]

[...... ] وقد عرفت كلام صاحب الرياض (1) والجواهر (2) الفحلين - رضوان الله تعالى عليهما، الظاهر في تحليل المحرم، وعرفت أن الظاهر عدم ثبوت الاذن من قبل الائمة، والعادل من الامة في الجهاد حتى تكون الاراضي للمسلمين فيكون تصرفهم فيها من التصرف في أموالهم، وكان ذلك بحسب الحكم الوضعي حلالا، وتصرفا غير غصبي، وإن يحرم ذلك لجهة اخرى تكليفية محضة، مثل تصرف الناذر في ماله إذا نذر ترك التصرف لامر راجح. ورواية الاحتجاج (3) غير تامة سندا، وغير قابلة للتصديق دلالة. ورضاهم ببسط الاسلام لا يكفي ظاهرا، لكون تلك الاراضي المحياة فئ المسلمين، ولاجل ذلك لابد من الاقتصار على القدر الخارج من الاصل، المحرر بالدليل المعتبر. ومقتضى الاصول العملية عند الشك في أن تلك الاراضي للمسلمين أو من الانفال، كونها للامام (عليه السلام)، لان ما لا يكون بخيل، ولا ركاب، ولا كذا وكذا فهو للامام، والاستصحاب النافي للقيد يورث شرعا ذلك، فليتأمل


1 - رياض المسائل 1: 508 / السطر 1. 2 - جواهر الكلام 22: 181 - 182. 3 - الاحتجاج 2: 572، وسائل الشيعة 17: 217، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 51، الحديث 15.

[ 508 ]

[ وتبرأ ذمة المحال عليه عما عليه، ] جيدا. وما ورد: هو له، هو له أو إن لك في بيت المال نصيبا (1) لا يدل على خلاف ذلك، لان من المحتمل قويا كون الجملتين إنشائية أو إخبارا عن الانشاء، والتحليل السابق، بل تجويز الاخذ من تلك الاموال من غير مراعاة النصيب المعين وأخذهم (عليهم السلام) منها كثيرا، يشهد على أن الاموال المأخوذة من ثمرات أملاكهم، فلاحظ وتدبر. قوله: وتبرأ. لما عرفت، وما يظهر من جماعة من أن الحلية منوطة بالاخذ والقبض (2)، لا يرجع إلى محصل. نعم، لا ملازمة بين الحلية والابراء، إلا أن سقوط الذمة إجماعي، مع أنه كان مورد الابتلاء، فلو لم يترتب عليه تلك الاثار الواضحة لكان واضحا عند الاصحاب، ومعلوما عند المتأخرين منهم - رضوان الله تعالى عليهم.


1 - تهذيب الاحكام 6: 336 / 933، وسائل الشيعة 17: 214، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 51، الحديث 6. 2 - لاحظ مجمع الفائدة والبرهان 8: 107، المكاسب، الشيخ الانصاري: 73 / السطر 25.

[ 509 ]

[ لكن الاحوط خصوصا في مثل هذه الازمنة رجوع من ينتفع بهذه الاراضي، ويتصرف فيها في أمر خراجها، وكذلك من يصل إليه من هذه الاموال شئ، إلى حاكم الشرع أيضا. ] قوله مد ظله: هذه الازمنة. البحث في هذه المسألة كان من جهات، بين أكثرها، لانه تارة: يبحث عن أن تقبل الارض يندرج تحت أحد العناوين المتعارفة من الصلح والاجارة، أو يختص بعنوان مستقل آخر؟ الظاهر هو الثاني. وربما يكون من جهة شبيه الضمان الاجتماعي وعقد التأمين، فإن الخراج يؤخذ على الارض سواء تمكن العامل من الاستيفاء من الارض أم لا، وسواء حصلت الشرائط في صحة الاجارة فيها أم لم تحصل، فتأمل. ولو كان تلاحظ هذه الشرائط دون المدة لكان الاول أقرب، لما تقرر منا: أن المدة ليست من مقومات المنفعة (1) خلافا لما توهمه بعض المحققين، ولا دليل على مانعية الغرر في مطلق المعاملات، خصوصا فيما نحن فيه. واخرى: يبحث عن تقبيل المتقبلات من الاخرين، وسيأتي بعض الكلام فيه، وهذان البحثان يشترك فيهما العادل والجائر. وثالثة: في أن تلك الاراضي إذا لم تكن أنفالا، ملك المسلمين، أم هي لهم منفعة وحقا؟ الظاهر هو الثاني، لعدم مساعدة الاعتبار لملكية الذات،


1 - لم نعثر عليه فيما بأيدينا من كتبه ولعله في كتاب الاجارة المفقودة.

[ 510 ]

[...... ] مع المنع عن التصرفات الناقلة كالبيع وغيره، والتفصيل يطلب من مقام آخر. وهكذا الانفال للامام ملكا شخصيا، أو للامام - أي للدولة الاسلامية - بأنه لا يرث الثاني من الاول حتى يتقسم، أو يختص بولد دون ولد؟ الظاهر هو الثاني، وهي الضريبة لبسط الاسلام، وترويج الدولة الحقة، وتشكيل المدينة الفاضلة. ورابعة: أن حلية تلك الاموال الموجودة في خزائن الدول تختص بالدولة الاسلامية المدعية خلافة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، أو يشترك فيها غيرهم؟ وأنها تختص بالموجودين في عصر الائمة، كبني امية وبني العباس، أو يشترك فيها غيرهم؟ وأنها تختص بالدولة الاسلامية الجائرة أو يشترك فيها المعنونون بالاسلام، والذاكرون له وإن كان عملهم مورثا لكفرهم شرعا، وهم عند علماء المذهب من الكفار والمرتدين، ككثير من سلاطين الدول الاسلامية الفعلية، فإنهم على حسب صنائعهم يعدون مرتدين عن الطريقة الحقة، ومعاندين للاسلام ولعلمائه وأبنائه؟ وخامسة: هل الحلية تختص بالشيعة وغيره ممنوعون، أو يشترك فيها أهل الاسلام دون العمال ومن هم في ديوانهم ومن أعوانهم، أو يشترك فيها هؤلاء أيضا إلا إذا كان العمل الذي تصداه من المحرمات الشرعية أو يشترك فيها أهل الذمم أيضا، بل الدول المعاهدة مع الدولة الاسلامية،

[ 511 ]

[...... ] فلا يكون تصرف هؤلاء فيها غصبا؟ وسادسة: يظهر في بعض امور لا حاجة إلى الايماء إليها. والذي يظهر لي في الامر الرابع هو أن قضية المنع الاكيد من الدخول في الولايات والمناصب، ومن الاعانة ونحوها تمايلهم إلى إبطال هذه الدولة وبعث الامة الاسلامية إلى تشكيل السلطنة الحقة، وإليه يشير ما في بعض الاخبار (1)، وقد مضى أن مفادها إغراء المسلمين إلى السياسة الخاصة المصطلح عليها بالسياسة المنفية (2). ولو كان الاذن عاما لجميع الامم، بل لجميع أفراد الشيعة، لاختل نظام تلك السياسة، بل قضيتها منع الناس عن هذه الاراضي وثمارها، وإيجاد المشقة والكلفة عليهم حتى يتولد منها الثورة، ويتزايد التهاجم على تلك الدول الباطلة بوجه محفوظ من إراقة الدماء، وهتك الاعراض، كما قد يشاهد ذلك في الامم الراقية، التي هي تابعة في الاعتقادات الدينية للرجل الديني المتضلع، ولكنه مع ذلك كله صدر الاذن للشيعة، لطيب مولدهم ومأكلهم ومشربهم، وإليه يشير ما ورد من فساد منابتهم، وإندراجهم في من


1 - الكافي 5: 106 / 4، وسائل الشيعة 17: 199، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 47، الحديث 1. 2 - تقدم في الصفحة 489 - 490.

[ 512 ]

[...... ] لاطيب لمولده، ويعد من أولاد الزنا (1). فالذي هو القدر المتيقن من الامر الخامس هو الاذن الخاص، وما يظهر من الاصحاب ومن عموم تعليلاتهم، خصوصا ما ورد في كلام صاحب الرياض (2) والجواهر (3) - رحمهما الله تعالى من التعليلات الراجعة إلى السيرة، والمشاهدات الخارجية والقضايا الجزئية، غير قابل للتصديق. نعم، الظاهر اشتراك الحاضر والغائب في هذا الاذن، ولا يختص به التابعون الاولون من المهاجرين والانصار. ويمكن دعوى لزوم الرجوع إلى الحاكم، لان الاذن الصادر من الامام العادل لا يكفي لحلية الاموال للغياب، ولكنها إذا كانت بنحو العموم الظاهر في الاعمية من العصر الحاضر، تكون مستلزمة لكشف الكفاية، وإلا لم يكن وجه لمثله، فتدبر.


1 - بحار الانوار 27: 145، كتاب الامامة، الباب 5، و 38: 189، تاريخ أمير المؤمنين، الباب 63 في النوادر، الحديث 1. 2 - رياض المسائل 1: 508 / السطر 1. 3 - جواهر الكلام 22: 181.

[ 513 ]

[ والظاهر أن حكم السلطان المؤالف كالمخالف، وإن كان الاحتياط بالرجوع إلى الحاكم في الاول أشد. ] قوله دام ظله: كالمخالف. قد عرفت عموم الاذن بالنسبة إلى الطائفة الحقة مطلقا، والاحتياط بالرجوع إلى الحاكم خصوصا في المؤالف، ولاسيما في المؤالف الصوري، لا الواقعي، حسن جدا، لما علمت من بعض الاحتمالات في المسألة، ومنها يعلم وجه الاشدية أيضا، فليتدبر جيدا.

[ 514 ]

[ مسألة 26: يجوز لكل أحد أن يتقبل الاراضي الخراجية، ويضمنها من الحكومة بشئ، وينتفع بها بنفسه بزرع أو غرس أو غيره، ] قوله: يقبلها. ظاهرهم أنه عنوان آخر مستقل حيال سائر العناوين، ولا يلتزمون بعدم خروجهم عن العناوين الشائعة، كما يشاهد منهم في المواضع غير العزيزة، وما قيل من أن الاجماع قائم على الحصر غير مصدق في محله. هذا ولكن الانصاف شاهد على أن حقيقة الاجارة ليست إلا هذا، وعدم لزوم مراعاة جميع الشرائط المعتبرة في صحتها في غير ما نحن فيه هنا لا يورث انسلاب ماهيتها عما نحن فيه. ثم إنه يمكن أن يتقبلها بعنوان الصلح والمزارعة أيضا، مع لزوم مراعاة الشرائط الشرعية فيهما، لان القدر المتيقن من سقوط الشرط هو ما كان التقبل بعنوان الاجارة، وذلك لوقوعه قهرا إجارة، بخلاف المزارعة والصلح فإنهما لا يقعان قهرا، فالتقبل ليس عنوانا مستقلا، بل هو الاجارة بالحمل الشائع، وقضية السيرة عدم مراعاة شرائطها فيه بحيث توهم كونه ماهية اخرى حذاء سائر الماهيات الاعتبارية. ويدل عليه: مضافا إلى مقطوعية الحكم، صحيح داود بن سرحان، عن

[ 515 ]

[ أو يقبلها ويضمنها لغيره ولو بالزيادة، على كراهية في هذه الصورة، إلا أن يحدث فيها حدثا كحفر نهر أو عمل فيها بما يعين المستأجر، بل الاحوط ترك التقبيل بالزيادة إلا معه. ] أبي عبد الله (عليه السلام) (1) وصحيح الحلبي (2) وغيرهما (3). قوله دام ظله: لغيره. مع مراعاة الشرائط المحررة في تحويل مورد المعاوضة إلى الغير، ومع كون التقبل الاول غير محدود سلطنته على مورد التقبل، كما في سائر الكتب كالمزارعة والاجارة والمساقاة وغيرها. ويمكن دعوى خصوصيته في المقام وهو أن العين للمسلمين، فتحويلها إلى المستأجر الثاني غير ممنوع، فلتتأمل تعرف. قوله دام ظله: على كراهية. لما تقرر في كتاب الاجارة، وقالوا هناك: أن الاقوى جواز الاجارة ثانيا


1 - الكافي 5: 265 / 5، وسائل الشيعة 19: 57، كتاب المزارعة والمساقاة، الباب 17، الحديث 1. 2 - تهذيب الاحكام 7: 201 / 888، وسائل الشيعة 19: 59، كتاب المزارعة والمساقاة، الباب 18، الحديث 3. 3 - وسائل الشيعة 19: 45، كتاب المزارعة والمساقاة، الباب 10، الحديث 2، 19: 52، كتاب المزارعة والمساقاة، الباب 15، الحديث 3.

[ 516 ]

[...... ] مع عدم الشرطين في الارض على كراهية، وإن كان الاحوط الترك (1)، وقد مضى البحث حول هذه المسائل في محلها في كتابنا الكبير (2). والذي هو الاشكال هنا هو: أن التقبل ليس من الاجارة المتعارفة حتى تأتي فيها الممنوعات فيها وشرائطها، بل ظاهر جماعة أنه عنوان آخر، فشمول أخبار تلك المسألة (3) لهذه الصورة محل بحث. والمراد من الشرطين إحداث الحدث، وكون الاجرة في الاجارة الثانية من غير جنس الاجرة في الاجارة الاولى، وكان عليه - مد ظله الاشارة إلى الشرط الثاني في المتن أيضا حتى يستوفي المسألة من جهاتها، ولاسيما بعد تصديقه الشرط الثاني في كتاب الاجارة على إشكال فيه (4).


1 - العروة الوثقى 2: 608، كتاب الاجارة، الفصل 5، المسألة 1. 2 - كتاب الاجارة من تحريرات في الفقه مفقود. 3 - وسائل الشيعة 19: 126، كتاب الاجارة، الباب 21. 4 - تحرير الوسيلة 1: 579، كتاب الاجارة، المسألة 25.

[ 517 ]

[ هذا آخر ما أردناه في هذا المضمار، وقد تم بيد الفقير إلى الله الغني، صباح يوم الجمعة، التاسع من شهر صفر المظفر، من السنة السابعة، من العشر التاسع، من القرن الرابع عشر، من الهجرة النبوية، على هاجرها آلاف الصلاة والتحية، في النجف الاشرف، في الايام التي كنا فيها بحكم القضاء الالهي مقصيين من بلادنا، وقد أخرجنا ربنا منها إلى تركيا، ثم منه إلى هذه البلدة الطيبة على مشرفها الثناء الجميل، ونرجوا منه الخير الكثير، وأن يوفقنا لان نقتل في سبيله بعد ما نقتل أعدائه، والحمد لله أولا، وآخرا، وظاهرا، وباطنا، فإنه خير موفق ومعين. 7 / صفر المظفر 1397 ه‍. ق. ] .

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية