الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




خيارات - السيد مصطفى الخميني ج 2

خيارات

السيد مصطفى الخميني ج 2


[ 1 ]

تحريرات في الفقه كتاب الخيارات تأليف العلامة المحقق آية الله المجاهد الشهيد السعيد السيد مصطفى الخميني (قدس سره) الجزء الرابع مؤسسة تنظيم ونشر آثار الامام الخميني (قدس سره)

[ 2 ]

بمناسبة الذكرى السنوية العشرين لشهادة العلامة المجاهد آية الله السيد مصطفى الخميني (قدس سره) هوية الكتاب * اسم الكتاب: كتاب الخيارات (ج 4) * * المؤلف: السيد مصطفى الخميني (قدس سره) * * تحقيق ونشر: مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني (قدس سره) * * سنة الطبع: آبان 1376 - جمادى الثاني 1418 * * الطبعة: الاولى * * المطبعة: مطبعة مؤسسة العروج * * الكمية: 3000 نسخة * * السعر: 9500 ريال * جميع الحقوق محفوظة للناشر بسم الله الرحمن الرحيم المقصد الثالث في الشروط

[ 3 ]

مقدمة: تعريف الفقهاء لمفهوم الشرط وقبل الخوض في بحوثها، لا بأس بالإشارة إلى مقدمة وجيزة: فقد أشرنا في بحث خيار العيب إلى أن تدخل الفقهاء في تشخيص المفاهيم اللغوية، خروج عن الشأن اللائق بهم، وربما يوجب الإضلال والإغراء بالجهالة (1)، ومن الضرورة أن من تلك الموارد مفهوم " الشرط " فإن الشرع لم يعين مفهومه بشارعيته في هذا المقام أيضا. ولو تبين فرضا عند فقيه مفهوم الشرط بحدوده، فلا أثر عملي له في حد ذاته إلا أنه لمكان الإفتاء على طبقه، يلزم مراجعة المقلدين إليه. مع أنه لا تجوز المراجعة إليه في الرأي المستند إلى فهم المعنى اللغوي، بعد اختلاف المقلد معه في حده. بل وليس له الرجوع إليه مطلقا، إلا بما أنه أحد أهل الخبرة، لو كان منهم. فما ترى في المقام من اختلافهم في معنى " الشرط " وبنائهم على إرجاع المعاني المختلفة مثلا إلى واحد، فيكون من الاشتراك المعنوي، أو بنائهم على الاشتراك اللفظي، أو المجاز والحقيقة، على اختلاف


1 - تقدم في الجزء الثالث: 273.

[ 4 ]

المجازات، كله من الغفلة عن حقيقة الحال. فكما أن في الأخبار ورد توضيح أحكام الشروط من غير بيان ماهيتها ومفهومها، وأوكلوا الأمر إلى فهم المخاطبين، المقلدين، أو المجتهدين، كذلك وظيفتهم ذلك، ضرورة أن من المقلدين من يكون أهل الخبرة في المفهوم اللغوي، فيكون مرجعا للفقيه، فكيف يعقل حجية رأيه في مورد بالنسبة إليه، مع كون سبب فتواه فهم معنى الشرط على خلاف فهمه؟! هذا مع أن الأمصار والأعصار والبلدان والأزمان، يختلفن في ذلك، ويكون كل إلى علمه، وهذا مما لا بأس به بعد كون الكبريات الكلية عامة في جميع الأحيان والأماكن، ولا بأس بأن يكون في قطر الشروط البدوية شرطا حقيقة، وفي قطر آخر مجازا. وأما دعوى الاشتراك اللفظي، وإرادة المعاني المختلفة، لقيام القرائن أحيانا، فهي غير صحيحة، لأن قصة القوانين وضرب الكبريات التشريعية، غير قصص الشعر واللغز والأدب، فإن ساحتها بعيدة عن استعمال الواحد في الكثير، ولو كان جائزا واقعا. نعم، لا بأس عند اقتضاء القرائن، اختلاف أخبار المسألة، فيكون الشرط في " المؤمنون عند شروطهم " (1) بمعنى، وفي " المسلمون عند


1 - عن منصور بزرج، عن العبد صالح (عليه السلام)، قال: قلت له: إن رجلا من مواليك تزوج امرأة ثم طلقها فبانت منه فأراد أن يراجعها فأبت عليه إلا أن يجعل لله عليه أن لا يطلقها ولا يتزوج عليها، فأعطاها ذلك، ثم بدا له في التزويج بعد ذلك، فكيف يصنع؟ فقال: بئس ما صنع، وما كان يدريه ما يقع في قلبه بالليل والنهار، قل له: فليف للمرأة =

[ 5 ]

شروطهم " (1) بمعنى آخر، ولكنه مجرد فرض لا واقعية له ظاهرا. ومن هنا يظهر سقوط كثير من الإطالات في المسألة. في معنى الشرط ولكن بعد اللتيا والتي، يكون " الشرط " له معنى متيقنا، وهو المعنى الالتزامي في ضمن معنى آخر، سواء كان متقدما أو متأخرا أو في الأثناء، وسواء كان المعنى الثاني عقدا أو إيقاعا أو غير ذلك، وسواء كان منجزا أو معلقا، لأن الالتزام على كل تقدير تنجيزي، والملتزم به في صورة تنجيزي، وفي الاخرى تعليقي، فإذا باع داره على أن يكرم زيدا إذا جاءه، يكون الالتزام بالمضمون تنجيزيا، فلا تخلط. ولا يبعد كونه من الشرط إذا كانت المبادلات بصورة الاشتراط، لأنه في ضمن ما يحصل بعد ذلك، وهذا هو الأمر المتعارف بين الدول والشركات العامة، فتشترط حكومة أن تبيع من حكومة أمتعة خاصة، على أن تبيع منها الأمتعة الاخرى، وهي القرارات، وكأن كل واحد يبيع


= بشرطها، فإن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: المؤمنون عند شروطهم. تهذيب الأحكام 7: 371 / 1503، وسائل الشيعة 21: 276، كتاب النكاح، أبواب المهور، الباب 20، الحديث 4. 1 - عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: المسلمون عند شروطهم إلا كل شرط خالف كتاب الله عز وجل فلا يجوز. تهذيب الأحكام 7: 22 / 93، وسائل الشيعة 18: 16، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 6، الحديث 2.

[ 6 ]

متاعه على أن يبيعه الآخر متاعا خاصا، فيعد شرطا أيضا. وأما البدويات من الشروط، فهي ولو كانت شروطا لغة، إلا أنها غير ملتحقة بها حكما، فإن الضرورة قاضية بعدم وجوب الوفاء بها. مع أن احتمال كونها من الشرط لغة على الاشتراك اللفظي، مشكل. اللهم إلا أن يقال: إن وجه صدق " الشرط " على ما في ضمن العقد أو الإيقاع، ليس لأجل الضمنية، حتى يمتنع الاشتراك اللفظي، بل هو لأجل كونه قرارا وعهدا وإلزاما، بخلاف البيع، فإنه ليس إلزاما بدويا، ولكنه موضوع للإلزام. وبذلك يقال: " التكليف شرط من الله ". وغير خفي: أن في جميع موارد الاستعمال - سواء فيه الشرط اللغوي، والاصولي، والعقلي - يكون الشرط باعتبار نوع ربط، فأداة الشرط سميت " شرطا " و " أداة للشرط " والقضية تسمى " شرطية " باعتبار الربط بين التالي والمقدم، وكأن التالي في ضمن المقدم، فلاحظ ولا تغفل عما تلوناه عليك في أول المسألة. وأما موارد وجوب الوفاء بالشرط، فتأتي في طي البحوث الآتية، وسيظهر إن شاء الله تعالى: أنه لا منع ثبوتا بين بطلان المشروط فيه، ووجوب الوفاء بالشرط، قضاء لحق إطلاق أدلته، وصدق " الشرط " طبعا لو لا بعض المشاكل الاخر. وربما يجوز أن يشترط في ضمن شرط شرطا، فإن الشرط الأول باطل، لكونه بدويا، بخلاف الثاني، فافهم وتدبر.

[ 7 ]

تذنيب: حول كون الشرط أعم من البدويات ربما يستدل بطائفة من الأخبار على أن الشرط أعم، ويناقش بأنها في موارد تكون الشروط فيها ضمنية، ومنها: معتبر منصور بن يونس (1)، كما لا يخفى. وأما المناقشة: بأن جهة صدورها غير واضحة، فإنها تقية، فهي في غير محلها، لأن المنظور هي الاستفادة منها حسب استعمال الشرط في محيط أهل اللسان. بل كونها تقية أولى بذلك، فإن المخالفين يفهمون من " الشرط " معنى أعم، وهم أهل اللسان، فلا تخلط. نعم، في معتبر ابن عمار، عن جعفر، عن أبيه (عليه السلام): " إن علي بن أبي طالب (عليه السلام) كان يقول: من شرط لامرأته شرطا فليف لها به، فإن المسلمين عند شروطهم... " (2) إلى آخره. فإن قضية الإطلاق وجوب ذلك، ولو كانوا حين العقد غافلين عن الشرط المذكور قبله، فلا يكون عقد الزواج مبنيا عليه حتى يعد من الضمنية أيضا، فتأمل. والإنصاف: أنه - بعد عدم وضوح المسألة بحسب أهل اللغة، مع


1 - تقدم في الصفحة 4 - 5، وهو منصور بزرج لاحظ، رجال النجاشي: 413 / 1100، رجال الطوسي: 360، الفهرست، الطوسي: 164. 2 - تهذيب الأحكام 7: 467 / 1872، وسائل الشيعة 18: 17، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 6، الحديث 5.

[ 8 ]

احتمال كون الأصل فيه هو الخيط، فإن الشريط خيوط من حرير، أو منه ومن قصب تفتل مع بعضها، فيكون سائر الاستعمالات لأجل نحو خيط بين المشروط والمشروط فيه، ولذلك يقال لما تحفظ فيه الأصوات: " شريط " لأنه من قبيل الخيط - يشكل الوثوق بصدقه في غير الموارد التي ذكرناها من البدويات. مع أنه ربما يتوهم: أنه لابد وأن يراد من " الشرط " في النبويات الخاصة (1) والعامة (2) معنى أعم، وإلا فالشروط الضمنية تتبع العقود، ويفي بها دليل تلك العقود، فتأمل. إذا تبينت هذه الوجيزة، فالكلام يقع في طي بحوث:


1 - لاحظ تهذيب الأحكام 7: 371 / 1503، وسائل الشيعة 21: 276، كتاب النكاح، أبواب المهور، الباب 20، الحديث 4. 2 - صحيح البخاري 3: 195، كتاب الإجارة، الباب 315، سنن أبي داود 2: 328، كتاب الأقضية، الباب 12، الحديث 1.

[ 9 ]

البحث الأول فيما هو شرط صحة الشروط أو قيل أو يمكن أن يقال

[ 11 ]

الأول القدرة وهي من الامور المفروغ عنها. وغير خفي: أن البحث هنا ممحض في الشرط المفقود فيه القدرة، مع كونه جامعا لسائر الشرائط المعتبرة، كأن لا يكون سفهيا في ذاته، ولايكون غرريا، ولايكون مخالفا للسنة، وهكذا. وعلى هذا، اشتراط الطيران إلى السماء، أو خلق السماوات والأرض، أو غير ذلك، فهو وإن لم يكن مقدورا، ولكنه غير معهود، فيكون خارجا عن حدود الشروط وسفهيا طبعا. كما أن اشتراط خياطة الثوب مباشرة على غير العالم بها، أيضا من الشرط السفهي، فلو كان باطلا فربما يستند إلى الشرط الآتي، ويعد ذاك دليل بطلانه، وهكذا في صورة الغرر. فعلى هذا، فهل القدرة شرط في الصحة، أم لا؟ بعد كونه غير باطل من الجهات الاخر، لما أن المتعاقدين غير ملتفتين إلى عجز

[ 12 ]

المشروط عليه، فلا يكون لأجل العجز من السفه، وإن كان من الجهالة المركبة، ولكنها غير مضرة عندهم، لكفاية رفع الغرر ولو بالجهل المركب، فلا تغفل. ومن هنا تظهر مواضع ضعف في كلمات القوم دليلا، والأمثلة تظهر أنها غير مرتبطة بالمسألة، بل من المسألة ما إذا اشترط خياطة الثوب مباشرة غافلا عن العجز، حتى يمكن صدور الإرادة الجدية في إنشاء الشرط جدا، وإلا فيلزم البطلان من ناحية فقد قوام الشرط لاشرط الشرط، فلا تخلط. ويمكن دعوى: أن اشتراط عدم كونه من السفاهة كاف، لأن العجز الواقعي سفه، وتوهم القدرة لا يوجب خروجه عن السفاهة الواقعية، لأنها من صفات نفس الأمرية، بخلاف الغرر المقصود في باب المعاملات، وإلا فالجهالة أيضا من الصفات نفس الأمرية، ودليل نفي الغرر (1) دليل على اعتبار القدرة، ولذلك استدلوا في محله (2) على اعتبار القدرة، بما يدل على شرطية المعلومية، لأن جهالة التحصل والوجود أعظم من جهالة وقت الحصول وكيفيته.


1 - نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عن بيع المضطر وعن بيع الغرر. عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 2: 45 / 168، وسائل الشيعة 17: 448، كتاب التجارة، أبواب آداب التجارة، الباب 40، الحديث 3. 2 - لاحظ المكاسب، الشيخ الأنصاري: 185 / السطر 3.

[ 13 ]

تحقيق المسألة والذي هو التحقيق الحقيق بالتصديق: أن في موارد شرط الفعل يعتبر القدرة، ولكن لا بالمعنى المعهود بين القوم، ضرورة إمكان كون الشرط واجبا تكليفا وإن كان المشروط عليه عاجزا، لما تحرر من إمكان فعلية الخطاب والأمر على العنوان، لمكان أنه قانوني ولا ينحل إلى الخطابات الشخصية، وتفصيله في الاصول (1). وهكذا في شرط النتيجة، لأن الوفاء به أيضا قابل لأن يتعلق به التكليف، ويكفي في صورة كون المشروط عند المشروط له، إمكان أخذه منه، فإن الوفاء الواجب عليه معناه إبقاؤه عنده، كما في باب البيع والإجارة. فنفي اعتبار القدرة على الإطلاق، غير صحيح، فإن القانون العام لابد وأن يكون مقدورا للامة في الجملة، كما تحرر في محله (2). واعتبار القدرة بالنسبة إلى كل مورد، أيضا غير صحيح إذا كان المنظور كشف الصحة الوضعية من التكليف الشرعي الفعلي، فما أفاده القوم - حتى الوالد المحقق هنا (3) - في غير محله، لأن النفي المطلق والإثبات المطلق، كليهما ممنوعان. نعم، القدرة تكون شرطا من ناحية أن فقدها الشخصي في كل مورد


1 - تحريرات في الاصول 3: 347 - 455. 2 - نفس المصدر. 3 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 276. البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 5: 143.

[ 14 ]

خاص، ملازم للسفاهة الواقعية ولو كانت مغفولا عنها، كما أشرنا إليه أخيرا. إلا أن لازم ذلك هو التفصيل بين العجز حين العقد، وبين العجز حين الامتثال، وتكفي القدرة في الثاني للخروج به عن السفه بالضرورة. اللهم إلا أن يقال: إن السفاهة الواقعية المجهولة، لا تضر بإمكان صدور الإرادة الجدية، بالنسبة إلى شرط الخياطة مباشرة في الوقت الذي يعجز عن تعلمه، وإذا تبين عجزه عنها لا يلزم إلغاء الشرط بنحو لا يوجب الخيار، ففي صورة الالتفات إلى العجز لا يعقل حصول الجد، فلا معنى لعد القدرة شرطا، بل هي مقوم، وفي صورة الغفلة لا يلزم فقد التكليف كما عرفت، ولافقد الأثر الوضعي، وهو الخيار، لأنه ولو كان ملغى للسفه الواقعي، ولكنه لا يورث سقوط الخيار عند كافة العقلاء. وتوهم: أن إلغاء الشرع موجب لسقوط جميع الآثار، ممنوع أولا، إلا إذا ثبت النظر إلى ردع بناء العقلاء. وثانيا: فيما نحن فيه لادليل خصوصا بالنسبة إلى الإلغاء إلا بناء العقلاء وهو أيضا قائم على الخيار، كما لا يخفى. بقي شئ: البحث حول القدرة التي هي شرط صحة الشرط لأحد دعوى: أن الكلام هنا ليس حول القدرة التي هي شرط التكليف، حتى يقال ما قيل، بل البحث حول القدرة التي هي شرط صحة الشرط، وأنه في موارد العلم بالعجز أو الشك في العجز، يصح

[ 15 ]

الشرط، أم لا؟ وفي مورد الجهل المركب يقع صحيحا، أم لا؟ ثم بعد ذلك، هل ينافي بطلان الشرط شرعا لزوم الخيار عرفا واستلزام حق الفسخ عند العقلاء، أم لا؟ والذي لاشبهة فيه: أنه باطل، بمعنى عدم إمكان تحققه ثبوتا عند الالتفات إلى العجز، ولو كان قادرا واقعا فيقع الشرط مجرد لقلقة في اللسان، ولا يتحقق جدا، وعندئذ لا يكون في تخلفه الخيار أيضا بالضرورة، إلا إذا كان الشارط غافلا، والمشروط عليه عالما بالعجز. وأما في موارد الشك في القدرة، أو رجاء حصول القدرة في ظرف الامتثال، فلا منع ثبوتا من حصول الجد بالضرورة، ويستتبع الخيار طبعا، إلا إذا قيل ببطلانه لكونه من الجهالة في الحصول، وهي أعظم من الجهالة في وقته وكيفيته. فمن هنا يعلم: أن المسألة تحتاج أحيانا إلى دليل نفي الغرر (1)، فلو كان الغرر مضرا ومانعا، والمعلومية شرطا بهذا المعنى، فيلزم بطلان الشرط. ولكنه لا يستلزم سقوط الخيار، لعدم إلغاء الشرع هذا الشرط بهذه الكيفية. مع أنه لا يكفي دليل نفي الغرر لفساد الشرط في الصورة المذكورة، ضرورة أن الشرط معلوم وإن كان تحققه مجهولا، نظير اشتراط مدة التسع والتسعين في المتعة، فإن الشرط معلوم، وتحققه مجهول.


1 - لاحظ عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 2: 45 / 168، وسائل الشيعة 17: 448، كتاب التجارة، أبواب آداب التجارة، الباب 40، الحديث 3.

[ 16 ]

تنبيه: تصحيح الشرط مع العلم بالعجز يمكن أن يصح الشرط حتى في صورة علم الشارط بعجز المشروط عليه مطلقا، وذلك لأجل أخذه بالخيار. وتوهم: أنه يشترط عليه الخيار، في غير محله، لأنه لا يوجب تعينه، ولاسيما إذا احتمل - ولو ضعيفا - اقتداره على الشرط. نعم، إذا لم يرد من الشرط إلا الأخذ بالخيار عند التعذر، فوجوب الوفاء على المشروط عليه عند اتفاق قدرته عليه ممنوع، فتأمل. تذنيب: هل القدرة بوجودها الواقعي شرط أم بوجودها العلمي بعد فرض اشتراط القدرة في الجملة، فهل هي بوجودها الواقعي شرط، أم يكفي وجودها العلمي؟ فإن قلنا باعتبارها بالقياس إلى التكليف، فهي في مورد الاشتراط شرط بوجودها الواقعي، إلا أنه لا يلزم وجودها حين التكليف، كما تحرر. وإن قلنا باعتبارها بالنسبة إلى الصحة الوضعية، فلا يعتبر إلا وجودها العلمي، ضرورة أن الدليل القائم على اعتبارها لا يقتضي أكثر من ذلك، فإن السفاهة والغرر منتفيان. فلو انكشفت القدرة اتفاقا حين التسليم، فلا بحث. وإذا لم يكن المشروط عليه قادرا إلى الآخر، فانتفاء الخيار بانتفاء الشرط للعذر ممنوع، كما اشير إليه.

[ 17 ]

ومن هنا يظهر حكم مسألة اشتراط صفة في العين الشخصية، كشرط الحمل في الأمة أو الحيوان في المستقبل. ومن الغريب ما هو المحكي عن العلامة من البطلان، مستدلا بأنه من الغرر (1)! مع أن الحمل مما يدركه الخراصون وأهل فنون الحيوانات. وأما دعوى: أنه لا معنى لاعتبار القدرة بالنسبة إلى الشرط الراجع إلى اتصاف العين بصفة وحالة، بعد كون العين المبتاعة شخصية، فهي مندفعة، لأنه لا يزيد على مثل شرط النتيجة، وقد مر أنه يكفي لاعتبارها فيه باعتبار التسليم الذي هو مورد القدرة، وإذا كان قادرا عليه - ولو بواسطة القدرة على تسليم شخص العين - يكفي اشتراطه في قبال العاجز، ضرورة أنه بدون الشرط لا يرتفع الغرر أحيانا، كما يكفي لصحة اعتباره الخيار عند التخلف. وأغرب مما مر، ما أفاده الشيخ الأعظم (قدس سره) (2) حول نظرية الشيخ (3) والقاضي (رحمهما الله) (4)!! مع أن فتواهما موافقة للتحقيق، فإن اشتراط الحمل في المستقبل، جائز ولو كانت القدرة شرطا، لإمكان الاطلاع عليه، ولا يعتبر القدرة حين العقد بالضرورة، فلا يلزم من مقايسة نظرهم إلى نظر العلامة، التردد في اشتراط القدرة، والأمر سهل، فتأمل. بقي شئ: وهو أن نفوذ شرط النتيجة يحتاج إلى التدبر والتأمل، وربما يظهر تحقيقه في البحوث الآتية إن شاء الله تعالى.


1 - مختلف الشيعة: 385 / السطر 19. 2 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 276 / السطر 24. 3 - المبسوط 2: 156. 4 - جواهر الفقه، ابن البراج: 60، المسألة 219 و 220.

[ 19 ]

الثاني أن لا يكون الشرط بنفسه من الممنوعات والمحرمات ويكون المراد منه هو الاشتراط، لا المشروط. وفي كلام الشيخ (رحمه الله): " أن يكون الشرط سائغا في نفسه (1) ". ويشكل الأمر: بأنه يرجع إلى الشرط الرابع (2)، كما في كلام الفقيه اليزدي (3)، والعلامة الأصفهاني (رحمهما الله) (4). وربما يمكن أن يقال: إن المشروط في الرابع هو شرط مخالفة الكتاب والسنة بعنوانها الأولي، سواء كانت مخالفة واقعا، أم لا، فإنه شرط فاسد مثلا ولو تبين بعد الاشتراط أنه ليس من المخالفة. وهذا


1 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 276 / السطر 34. 2 - وهو عدم كون الشرط مخالفا للكتاب والسنة. 3 - حاشية المكاسب، السيد اليزدي 2: 109 / السطر 1 و 2. 4 - حاشية المكاسب، المحقق الأصفهاني 2: 142 / السطر 31.

[ 20 ]

الشرط ناظر إلى كون المشروط سائغا في نفسه، وجائزا بالحمل الشائع، ولذلك استدل بحديث استثناء إحلال الحرام، وإحرام الحلال (1) حسب التخيل، وفي مرحلة الإنشاء والبناء، وإلا فلا يعقل ذلك كما لا يخفى، ويأتي في محله إن شاء الله تعالى. وأما وجه خروجه به عن الجواز، فهو أن المستفاد من هذا الاستثناء هو التحميل بالشرط على المشروط عليه الإفتاء بغير ما أنزل الله تعالى الذي كان رائجا في عصر الأخبار، فربما كان في ذلك العصر شيطان يتمسك بدليل الشرط لتحليل الإفتاء المذكور، فورد في أخبارنا أنه شرط غير نافذ، فاشتراط شرب الخمر على المشتري مثلا ليس بنفسه من المحرمات، ولا يجب الوفاء به، بخلاف اشتراط الإفتاء، فإن الشرط غير جائز. وغير خفي: أنه كل ذلك مجرد تصور لا يقربه التصديق، وإن كان يمكن أن يكون نظر الشيخ (رحمه الله) فيه إلى ما ذكرناه، فتأمل. وما جعلناه عنوانا تبعا لما أفاده الوالد المحقق - مد ظله - في توجيه الفرق بين هذا الشرط، وشرط عدم كونه مخالفا للكتاب والسنة (2)، فهو وإن كان أيضا في نفسه ممكنا، ضرورة إمكان دعوى حرمة الاشتراط المصدري ولو كان المشروط جائزا، كما إذا نهى عن الاشتراط أحد الوالدين أو الحاكم، أو كان مخالفا للنذر وإخوانه، أو


1 - لاحظ المكاسب، الشيخ الأنصاري: 276 / السطر الأخير. 2 - البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 5: 148 - 150.

[ 21 ]

مخالفا لرضا الزوج، أو كان في وقت النداء أو الاعتكاف، إلا أن حرمة عنوان " الاشتراط " في جميع هذه الموارد ممنوعة، وكونه باطلا على فرض الحرمة، محل إشكال محرر في الاصول والمسائل الاخر، فتدبر. وما افيد أخيرا يشبه السفر المحرم، والسفر لغاية محرمة، فإن الثاني موجب للتمام، من غير لزوم كون نفس السفر حراما، والأول يحتاج إلى الدليل، وأمثلته ما مر من الأمثلة، وذكرنا المناقشة في جميعها في كتاب الصلاة (1). وغير خفي: أنه تفصيل متين لتوجيه الفرق تصورا، ولكنه غير مساعد لما في ذيل كلام الشيخ (2)، كما هو الظاهر، والأمر - بعد ذلك كله - سهل جدا. تنبيه: رجوع الشرط الرابع إلى هذا الشرط ربما يخطر بالبال أن يقال: برجوع ما في الشرط الآتي إلى هذا الشرط، لأن شرط مخالفة الكتاب - سواء كان بالحمل الأولي، أو الشائع - يستلزم حرمة ذات الاشتراط، نظرا إلى أنه منكر عرفا، فيجب دفعه. كما يمكن دعوى: أن الاشتراط المصدري إذا كان محرما في ذاته، يكون ملغى عند العقلاء، لأن بناءهم ليس في باب الشروط على التوسل بالشرط إلى نقض القوانين المعتبرة عندهم، كما يأتي في الشرط الآتي


1 - هذه المباحث من كتاب الصلاة من تحريرات في الفقه مفقودة. 2 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 277 / السطر 1.

[ 22 ]

إن شاء الله تعالى. ويحتمل أن يعد اشتراط كون العبد كافرا من الشروط المحرمة فيكون شرطا حراما بمعناه المصدري وبعنوانه الذاتي وإن لم يكن نفس عنوان " العبد كافرا " من المحرمات، فيحصل الفرق بين الشرط الثاني والرابع في كلامه.

[ 23 ]

الثالث كون الشرط ذا غرض عقلائي اعتبروا في صحة الشرط كونه ذا منفعة معتد بها، أو مورد غرض يعتنى به عند العقلاء (1). والذي يظهر لي: أن جميع هذه الشروط في الحقيقة، ترجع إلى شرط واحد، وهو أن يكون الشرط عقلائيا وعرفيا متعارفا، وإنما البحث عن اعتبار القدرة، يرجع إلى أن القدرة دخيلة في العقلائية، وأن العجز يضاد عرفيته، أم لا. والبحث عن كونه جائزا في نفسه، أيضا يرجع إلى أن حرمة ذاته تنافي العقلائية، أم لا. وقد عرفت بالمنافاة، ضرورة أن الشروط الصحيحة عندهم، ليست قابلة لنقض قوانينهم الرائجة، ويعد ذلك من الشروط غير الصالحة جدا، كما يأتي تفصيله في الشرط المخالف للكتاب.


1 - لاحظ المكاسب، الشيخ الأنصاري: 277 / السطر 1.

[ 24 ]

حول اشتراط عدم اللغوية أو ثبوت المنفعة في صحة الشروط وهذا الشرط أيضا يرجع إلى أن عقلائية الشرط منوطة بكونه ذامنفعة يعتد بها، أم يكفي عدم كونه لغوا؟ وجهان، بل قولان: يظهر من الأكثر الأول (1). وذهب الوالد المحقق - مد ظله - إلى الثاني (2). وسيظهر التحقيق في طي الشروط الآتية، وأن الجميع يرجع إلى شرط واحد، وإنما الموارد التي ذكروها ترجع إلى ما ذكرناه، فاغتنم. وأما الحق في المسألة: فهو أن مجرد كون النظر إلى إثبات الخيار بجعل الشرط في طي العقد، خروج عما هو مورد النظر في المقام، حتى يقال بكفاية عدم اللغوية، كما يظهر من " التذكرة " حيث استدل لإبطال الشرط باللغوية (3)، وكأنه لو كان غير لغو يكون الشارط له الخيار عند تخلف الشرط، وذلك لأن الخيار من أحكام تخلف الشرط، وكونه الغرض في اعتبار الشرط، بعيد عن البناءات العقلائية وإن لا يلزم اللغوية، ولكن لا يكفي ذلك لإمكان جعل الخيار بعنوانه في طي العقد. أو يقال: إنه من اشتراط الخيار على طريق معوج، وهذا أيضا مما


1 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 277 / السطر 1. 2 - البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 5: 150 - 151. 3 - تذكرة الفقهاء 1: 524 / السطر 25.

[ 25 ]

لا بأس به، ولكنه ليس من تخلف الشرط. وبالجملة: حيث إن الشرط يجب الوفاء به شرعا، حسب المعروف، فاشتراط كل أمر - ولو لم يكن من المحرمات - غير واضح جوازه، للزوم كونه قابلا للإيجاب في محيط التقنين، وقابلا للإسناد إلى الشرع المقدس، وأنه وإن لم يجب بعنوانه فرضا، ولكنه يجب لأجل إيجاب الشرط ما ينطبق عليه، وهذا أيضا مما لا يمكن أن يكون صالحا. وأما دعوى: أن البناءات العقلائية الخارجية وإن كانت قاصرة، لعدم معهودية أمثال الشروط النادرة ذات المنفعة القليلة، أو الغرض غير المعتنى به، ولكن إطلاق أدلة الشروط مرجع صالح لتنفيذ موارد الشك. فهي وإن كانت مورد تصديق جماعة من المحققين حسب الصناعة، إلا أن المحرر عندنا - في صورة كون قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): " المؤمنون عند شروطهم " (1) بصدد الإيجاب الشرعي - أنه غير صالح لتصحيح الشرط ونفوذه. وحديث الملازمة لا يفيد شيئا، كما ذكرناه في ذيل قاعدة الوفاء بالعقود (2). هذا مع أن المنصرف منها - نظرا إلى البناء القطعي الخارجي الذي هو بحكم القرينة - يكون أخص، فلا ينعقد الإطلاق، ولا أقل من الشك. وهذا من غير فرق بين المطلقات والعمومات، للزوم اختصاص


1 - تقدم في الصفحة 4 - 5. 2 - تحريرات في الفقه، البيع 1: 91 - 96.

[ 26 ]

مصبها، كما لا يخفى. فاشتراط جهالة العبد بالعبادات غير جائز، للزوم رجوعه إلى الرضا بوقوع المنكرات، وترك الواجبات، مع أنه يجب عليه تحصيل العلم. ولو اشترط ذلك، نظرا إلى تصدي الشارط لتعليم العبادات، فهو مما لا بأس به، فما في " الدروس " من الإطلاق (1)، في غير محله. تذنيب: في ثبوت الخيار عند اشتراط شرط باطل عن جهل في موارد الشروط غير الصالحة، إذا لم تكن واجبة الوفاء، لعدم كونها نافذة، فتكون ملغاة، هل يثبت الخيار إذا كان الاشتراط عن جهالة بالأمر، أم لا - بعد معلومية عدم ثبوت الخيار في صورة الاشتراط عن توجه إلى كونه من الشروط غير الصالحة عرفا -؟ وجهان. لا يبعد الثاني، لأن الخيار العقلائي ثابت في موارد إيجاب العقلاء الوفاء به، وإلا فمع انتفاء حكمهم بذلك لا معنى لحكمهم بالخيار، ولا دليل شرعا على ثبوت الخيار في صورة التخلف عن الشرط حتى في موارد الشروط الصالحة. ولو كانت تلك الشروط موجبة للخيار عند ترك الوفاء، لما كان فرق بين صورتي العلم والجهل، إلا إذا كان العلم مانعا عن ترشح الجد على الاشتراط. ولو قيل: في موارد العجز يكون حكم العقلاء عدم وجوب الوفاء، مع أنه يوجب الخيار.


1 - الدروس الشرعية 3: 215.

[ 27 ]

قلنا: فرق بين انتفاء الوجوب لتعذر الوفاء، وبين انتفائه لعدم صلاحية الشرط، مع أنه يجب الوفاء، إلا أنه معذور، كما تحرر في موارد العجز. اللهم إلا أن يقال: قضية حديث " رفع... ما لا يطيقون " (1) انتفاء الوجوب ذاتا ولو كان قابلا للإثبات قانونا، ويكون فعليا. وأما دعوى: أن الأحكام الوضعية تتبع التكليفية، فإذا لم يجب الوفاء فلا خيار، فهي - مضافا إلى عدم مسموعيتها في محلها - غير قابلة للتصديق في باب الخيارات، ضرورة أن خيار المجلس من الوضعيات، ولا تكليف، فتأمل.


1 - عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): رفع عن امتي تسعة أشياء: الخطأ، والنسيان، وما اكرهوا عليه، وما لا يعلمون، وما لا يطيقون، وما اضطروا إليه، والحسد، والطيرة، والتفكر في الوسوسة في الخلوة ما لم ينطقوا بشفة. التوحيد: 353 / 24، الخصال: 417 / 9، وسائل الشيعة 15: 369، كتاب الجهاد، أبواب جهاد النفس، الباب 56، الحديث 1.

[ 29 ]

الرابع عدم كونه مخالفا للكتاب والسنة قد اشتهر وهو المجمع عليه والمسلم في الجملة بين الفريقين، أن من شرائط صحة الشرط ونفوذه، عدم كونه مخالفا للكتاب، بل والسنة (1). مقدمة: في كون هذا الشرط تعبديا أو عقلائيا وقبل الخوض في مسائل المسألة الراجعة إلى أخبارها، نشير إلى نكتة مرت: وهي أن من الجائز توهم أنه شرط تعبدي، وليس بعقلائي. والذي يظهر لي: أنه إلى العقلائية أقرب من السوابق، وذلك لأن الميزان في مراعاة الأحكام العقلائية، النظر إلى محيط العقلاء


1 - لاحظ تذكرة الفقهاء 1: 489 / السطر 32.

[ 30 ]

وبناءاتهم بالنسبة إلى المحترمات عندهم، فإذا كانوا يزعمون قوانين خاصة، ويعتقدون بالمنظمات في إدارة العائلة البشرية، فلابد وأن يحترموا تلك القوانين، كما يدركون أن كل إنسان إذا كان يدرك حرمة قانون لازم في المجتمع - فرديا كان، أو اجتماعيا - يجب عليه التحفظ عليه، فلا معنى للشرط في ضمن عقد بيع الدار، على أن يخل بالنظام، أو ينقض القانون، وعلى ذلك يضحك كل ذي شعور دان، فضلا عن المتوجهين إلى أطراف المسألة بحدودها. فما قد يقال: من أنه ولو كان شرط السرقة غير صالح، ولاشرط القتل والتجاوز على العرض، وأما مثل شرط الربا والقمار، وشرب الخمر مرة، وعدم رد السلام، وأمثال ذلك، فهو ليس من الشروط غير الصالحة، فهو في غير محله، لأنه لوحظ من جانب، ولم يلاحظ من جوانب، ضرورة أن الربا من المسائل العقلائية أحيانا، أو شرب الخمر في الجملة، ولكن يحكمون بأن الشروط في محيط كل مجتمع، لابد وأن تكون صالحة بالقياس إلى المحترمات من قوانين ذلك المجتمع، فالمسلم المؤمن بالقوانين الإسلامية، لابد وأن يكون شرطه صالحا غير مخالف للقانون المحترم عنده، فإنها ليست ملعبة وهكذا، فشرط عدم رد السلام أيضا من هذا القبيل. مع أنه يجوز دعوى: أن الشروط المخالفة للآداب العقلائية الأخلاقية النافذة في الشريعة المقدسة، غير صالحة أيضا، ضرورة أن القوانين المحترمة لا تختص بالإلزاميات. وبالجملة: بعد مراعاة ذلك الأمر، يتبين عدم الفرق - حسب القواعد -

[ 31 ]

بين الشرط المخالف للكتاب والسنة القطعية، وغير القطعية، نبوية أو غير نبوية. وأما المخالف للقوانين العرفية التي تعد عقلا لازمة، للزوم الاختلال، ويرجع إلى خلاف قوانين الإسلام وحكومته، فهو كذلك. وأما المخالف للقوانين العرفية المحضة فلا، كما لو شرط في ضمن العقد أن يجد له طريقا للتخلص من العشار، أو ما يشبه ذلك من القوانين النظامية، نظرا إلى إطلاق دليل الوفاء بالعقد الشامل للشرط وللوفاء والقيام بالشرط، بل لعموم أدلته. ولو قيل: كما لو جاز في مورد خاص شرعا شرط مع كونه مخالفا للكتاب، يكون هو المتبع، فكذلك ما ثبت بالعموم، فدليل الوفاء بالشرط ولزوم القيام به، يعم جميع الشروط، لتجويز الشرع ذلك، إلا أنه يخرج منه ما هو المقدار الثابت من المخصص والمقيد، وهي مخالفة الكتاب، دون السنة. قلنا: الخاص لا يمكن ردعه بعد كونه تاما صدورا وجهة، وأما المطلق فلا ينعقد إطلاقه، لما مر. بل وهكذا العموم عندنا. بل ولو قلنا في العمومات بالدلالة اللفظية - كما عليه بعضهم - تكون القضية المذكورة موجبة لتحديد مصب العام، وقيدا له، ويرجع " كل عالم يجب إكرامه " إلى " كل عالم فقيه إسلامي " قضاء لحق ما يقتضيه المحيط، فلا تخلط. هذا مع أن الجمع المحلى بالألف واللام، لا يعقل دلالته الوضعية

[ 32 ]

على الاستيعاب الأفرادي، كما حررناه في الاصول (1)، فلاحظ. بل حجية الخاص هنا محل المناقشة، لكونه يرخص الأخذ بالمخالف للكتاب، مع أن في الأخبار أن المخالف له زخرف (2)، فتأمل. بقي شئ: يمكن أن يقال: إن العموم الوارد مستقلا، إذا ورد متعقبا بمجمل متصل به، يشكل الاتكال عليه، لسراية الإجمال إليه، نظرا إلى الجمع بينهما عرفا، وإلى ما يصلح للقرينية في محيط التقنين والتشريع، الذي يورث كون المنفصل في حكم المتصل من هذه الجهة. فما ورد من قوله: " المسلمون عند شروطهم " بسند معتبر عن أبي الحسن (عليه السلام) بقوله في رواية مفصلة: " والمسلمون عند شروطهم " (3)


1 - تحريرات في الاصول 5: 210 - 212. 2 - أيوب بن راشد، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ما لم يوافق من الحديث القرآن فهو زخرف. الكافي 1: 69 / 4، وسائل الشيعة 27: 110، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 9، الحديث 12، أيوب بن الحر قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: كل شئ مردود إلى الكتاب والسنة، وكل حديث لا يوافق كتاب الله فهو زخرف. الكافي 1: 69 / 3، وسائل الشيعة 27: 111، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 9، الحديث 14. 3 - علي بن رئاب، عن أبي الحسن موسى (عليه السلام) قال: سئل وأنا حاضر عن رجل تزوج =

[ 33 ]

وبسند معتبر عن عبد صالح حكاية عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): " المؤمنون عند شروطهم " (1) غير صالح للاتكال في الشرط المخالف للسنة، بعد إجمال المستثنى، وهو الشرط المخالف للكتاب. وأما المتمسك بعموم الوفاء بالعقود، فهو عندنا في غير محله (2)، من شاء فليرجع بابه فتأمل. وهناك رواية عن ابن الخشاب، وهو معتبر، عن غياث بن كلوب، عن إسحاق بن عمار، عن جعفر، عن أبيه (عليهما السلام): " إن علي بن أبي طالب (عليه السلام) كان يقول: من شرط لامرأته شرطا فليف لها به، فإن المسلمين عند شروطهم، إلا شرطا حرم حلالا، أو أحل حراما " (3). فإنه لولا المناقشة في سندها - لابن كلوب الذي لم يصرحوا بوثاقته، ولم تقم عليها الأمارات العامة، مع قوة كونه عاميا. وحكاية


= امرأة على مائة دينار على أن تخرج معه إلى بلاده، فإن لم تخرج معه فإن مهرها خمسون دينارا إن أبت أن تخرج معه إلى بلاده؟ قال: فقال: إن أراد أن يخرج بها إلى بلاد الشرك فلا شرط له عليها في ذلك، ولها مائة دينار التي أصدقها إياها وإن أراد أن يخرج بها إلى بلاد المسلمين ودار الإسلام فله ما اشترط عليها، والمسلمون عند شروطهم، وليس له أن يخرج بها إلى بلاده حتى يؤدي إليها صداقها أو ترضى منه من ذلك بما رضيت وهو جائز له. الكافي 5: 404 / 9، تهذيب الأحكام 7: 373 / 1507، وسائل الشيعة 21: 299، كتاب النكاح، أبواب المهور، الباب 40، الحديث 2. 1 - تقدم في الصفحة 4 - 5. 2 - لاحظ تحريرات في الفقه، البيع 1: 32 - 37 و 91 - 96. 3 - تهذيب الأحكام 7: 467 / 1872، وسائل الشيعة 18: 17، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 6، الحديث 5.

[ 34 ]

عمل الطائفة بأخباره عن " عدة الشيخ " (1) مضافا إلى عدم كفايتها، غير ثابتة، بل منعه بعض الفضلاء المعاصرين - مد ظله (2) - فما في كلام الشيخ الأنصاري (رحمه الله) من التوثيق (3)، في غير محله. اللهم إلا أن يقال: إن الشيخ اشترط شرطين في العمل بأخبار غير الإمامي الشيعي، ومن ذلك عدم كونه معارضا، والخبر المذكور منه. إلا أن يقال: بأن مفهوم الحصر في سائر الأخبار يعارضه كما سيمر عليك. وبالجملة: ما هو المهم أنه لا يكفي حكاية الشيخ لنا، ولا تفيد حجية خبر عندنا، كما لا يخفى - لكانت دلالتها على الإطلاق واضحة، فإن المناط في بطلان الشرط تحليل الحرام وبالعكس، سواء كان من الكتاب، أو غيره.


1 - عدة الاصول: 61 / السطر 5. 2 - لاحظ قاموس الرجال 8: 355 (غياث بن كلوب). 3 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 277 / السطر 13.

[ 35 ]

بحوث حول أخبار المسألة البحث الأول حمل الأخبار على الاستحباب قد وردت في أخبارنا روايات كثيرة في الترغيب بالوفاء بالعهود والعدات، وفي التحريض والحث عليها (1)، وهذا مما يصلح لأن يكون قرينة على أن هذه الأخبار من سنخها، فلا تدل على وجوب العمل على طبق الشروط وجوبا نفسيا شرعيا. ودعوى: أن الاستثناء يدل على الوجوب، غير مسموعة، لإمكان كونه دليلا على عدم الوجوب، ويكون شاهدا على أصل الرجحان والصحة الوضعية، ضرورة أنه لو كان المستثنى منه وجوب الوفاء بالشرط، لا يلزم الحرمة الوضعية في المستثنى.


1 - عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليف إذا وعد. الكافي 2: 364 / 2، وسائل الشيعة 12: 165، كتاب الحج، أبواب أحكام العشرة، الباب 109، الحديث 2. عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال:... أوفوا بعهد من عاهدتم. وسائل الشيعة 15: 223، كتاب الجهاد، أبواب جهاد النفس، الباب 14، الحديث 14.

[ 36 ]

اللهم إلا أن يقال: إن استفادة الوجوب في جانب المستثنى منه، تكون لأجل الصحة والتعهد، فيكون لازم الوفاء، وإذا لم يكن لازم الوفاء في جانب المستثنى فهو لأجل فقد الصحة. وفيه ما لا يخفى، فإن نفي الوجوب أعم، بخلاف إثباته. وبالجملة: لو كانت هذه الطائفة من الأخبار الآتية - إن شاء الله تعالى - دليلا على الوجوب التكليفي، فالظاهر نفي الوجوب، وهذا باطل بالضرورة، ضرورة أن ظاهرها إبطال الشروط في ناحية المستثنى، فيكون هو دليلا على أن في جانب المستثنى منه أيضا تكون الأخبار بصدد إفادة المعنى الوضعي، وأنه لازم بلزوم عقلائي. وأما النفسي المولوي فهو غير ثابت، فلا يستفاد إلا الخيار عند التخلف، كما هو المساعد عليه الاعتبار. هذا في شرط الفعل. وأما في شرط النتيجة، فبناء على صحته يكون الوفاء لازما، نظرا إلى لزوم الغصب الممنوع تكليفا. وربما يشعر إلى أنه حكم إرشادي، أخذ عنوان " المؤمن " و " المسلم " كما لا يخفى. ومجرد كون القضية الخبرية آكد وأظهر في الوجوب، لا يكفي بعد تلك القرينة، بل والقرائن الصالحة. بقي شئ: حول بعض الروايات التي يستفاد منها وجوب الوفاء وهو أن مقتضى بعض الأخبار الخاصة، وجوب الوفاء، ومنه يعلم: أن الوفاء بالشروط واجب شرعا، وهو المفروغ عنه المسلم عندهم.

[ 37 ]

فمنها: ما مر من قوله (عليه السلام): " من شرط لامرأة شرطا فليف لها به " (1). ومنها: ما مر الإيماء إليه، وهو معتبر منصور بزرج، عن عبد صالح قال قلت له: إن رجلا من مواليك تزوج امرأة... إلى أن قال: ثم بدا له في التزويج بعد، فكيف يصنع؟ فقال: " بئس ما صنع، وما كان يدريه ما يقع في قلبه بالليل أو النهار؟! قل له: فليف للمرأة بشرطها، فإن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: المؤمنون عند شروطهم " (2). وقضية التعليل استفادة التكليف من الكبرى الكلية. ويمكن دعوى: أنها في صورة صدورها مذيلة بالاستثناء، فلها ظهور غير الظهور البدوي، وفي صورة غير مذيلة، ولا منع من صدورها مرات مختلفة، فليتدبر. وفي ذلك الاستدلال نظر واضح، ضرورة أن هذه الطائفة من الأخبار، معارضة بما وردت في أن شرط عدم التزويج خلاف الكتاب ويكون باطلا (3)، فكونها صالحة لاستفادة الوجوب منها محل المناقشة، ويظهر في محلها تحقيقه، والمشهور على ترك العمل بها ظاهرا فراجع، والمسألة عندي غير واضحة، وتحتاج إلى مزيد فحص. وأما الإجماع فهو ثابت ظاهرا، إلا أنه عليل، لإستناد المجمعين إلى


1 - تقدم في الصفحة 33. 2 - تقدم في الصفحة 4 - 5. 3 - لاحظ وسائل الشيعة 21: 275 - 277، كتاب النكاح، أبواب المهور، الباب 20، الحديث 1 و 2 و 6، و: 296 - 297، الباب 38، الحديث 1 و 2.

[ 38 ]

الأخبار والكبريات أحيانا، والله العالم. وربما يؤيد ما ذكرناه معتبر ابن سنان قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الشرط في الإماء، لاتباع ولا توهب. قال: " يجوز ذلك غير الميراث، فإنها تورث، لأن كل شرط خالف الكتاب باطل " (1). وكونه كبرى كلية مستقلة بعيد، فيشهد على أن تلك الكبريات بصدد التصحيح والإبطال.


1 - تهذيب الأحكام 7: 67 / 289، وسائل الشيعة 18: 16، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 6، الحديث 3.

[ 39 ]

البحث الثاني فيما يستدل به على بطلان الشرط المخالف للسنة قضية ما مر منا في تنقيح المسألة، فساد الشرط المخالف والناقض للقوانين على الإطلاق، من غير حاجة إلى التشبث بالامور الاخر، إلا أن الأصحاب ركنوا إلى امور في توسعة الشرط الفاسد، وأنه أعم من المخالف للكتاب والسنة: الأول: أن المراد من " الكتاب " هو معناه اللغوي وهو المكتوب الإلهي الأعم من كونه مكتوبا واصلا بالقرآن العزيز، أو بطريق آخر من السنة وغيرها، فإن الكل حكم الله (1). وحمل " الكتاب " في أخبار المسألة (2) على القرآن، من الاصطلاح المتأخر، ولم يكن شائعا إلى حد ينصرف إليه، وفيما يشك في ذلك بعد كونه نقلا، يستصحب عدم النقل، وهو من الأصل العقلائي، فما دام لم يثبت إرادة المعنى الاصطلاحي المتأخر حدوثا، يثبت الظهور للمعنى اللغوي. وفيه: - مضافا إلى عدم ثبوت بناء من العقلاء، بعد تحقق المعنى


1 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 277 / السطر 21. 2 - وسائل الشيعة 18: 16 - 17، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 6، الحديث 1 - 4.

[ 40 ]

الاصطلاحي المنصرف إليه، والجهل بالتأريخ - أن أخبار المسألة الصادرة في عصر الأئمة المتأخرين، منصرفة إلى المعنى الاصطلاحي. نعم، ما عن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) (1) يحتمل الأعم، فيدور الأمر بين الأخذ بقاعدة اصولية وهي أنهما الموجبتان، ويؤخذ بالأعم بعد قصور كون الأخص مقيدا له كما نحن فيه. أم يحمل ما في كلامهم (عليهم السلام) على تفسير ما في كلامه (صلى الله عليه وآله وسلم) المروي من طرق العامة (2)، وهكذا النبوي المروي عن أبي عبد الله (عليه السلام) في طرقنا المصححة: " من اشترط شرطا سوى كتاب الله عزوجل فلا يجوز ذلك له،


1 - ابن سنان، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، في رجل قال لامرأته: إن نكحت عليك أو تسريت فهي طالق، قال: ليس ذلك بشئ، إن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: من اشترط شرطا سوى كتاب الله فلا يجوز ذلك له ولا عليه. تهذيب الأحكام 7: 373 / 1508، وسائل الشيعة 21: 297، كتاب النكاح، أبواب المهور، الباب 38، الحديث 2. 2 - هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: جاءتني بريرة فقالت: كاتبت أهلي على تسع أواق في كل عام أوقية فأعينيني فقالت: إن أحبوا أن أعدها لهم ويكون ولاؤك لي فعلت، فذهبت بريرة إلى أهلها فقالت لهم فأبوا عليها، فجاءت من عندهم ورسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) جالس فقالت: إني قد عرضت ذلك عليهم فأبوا إلا أن يكون الولاء لهم فسمع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فأخبرت عائشة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: خذيها واشترطي لهم الولاء فإنما الولاء لمن أعتق، ففعلت عائشة ثم قام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في الناس، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: ما بال رجال يشترطون شروطا ليست في كتاب الله، ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط، قضاء الله أحق وشرط الله أوثق وإنما الولاء لمن أعتق. صحيح البخاري 3: 376، كتاب الشروط، الباب 600، الحديث 930.

[ 41 ]

ولا عليه " (1) ويكون حمله على معناه اللغوي في عصره (صلى الله عليه وآله وسلم) قريبا، لعدم نزول جميع القرآن، وذلك الحمل لأجل أنه لو كان المراد في كلامه (صلى الله عليه وآله وسلم) أخص يكون التفسير المذكور من الخيانة، كما لا يخفى. والذي ربما يخطر بالبال: أنه لو كان المراد من " الكتاب " في لسان الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) هو الحكم، وفي لسان الأئمة (عليهم السلام) هو القرآن، يلزم التعارض، ولا يكونان من المثبتين، وتصير النتيجة تقييد العموم في لسانه (صلى الله عليه وآله وسلم) بما في لسانهم (عليهم السلام). هذا مع أن الظاهر من خبر بريرة، أن المراد من " كتاب الله " هو القرآن، لقوله: " فما كان من شرط ليس في كتاب الله عزوجل فهو باطل " ولو كان المراد من " الكتاب " هو الحكم المكتوب، لما كان وجه لكلمة " في " كما لا يخفى. وتوهم: أن فيه " والولاء لمن أعتق " وهو ليس في الكتاب، بل مخالف له، لأن الإرث للوارث، دون العتق، فاسد، لأنه ربما يكون ناظرا إلى أن العبد * (لا يقدر على شئ) * (2) فيكون شاهدا على أن ما للعبد هو لمولاه والولي هو معتقه لأنه لا عتق إلا عن ملك، فتأمل تعرف. ومن المصحح عن أبي عبد الله (عليه السلام) أيضا هو الحكم الموجود في القرآن، لأن له صدرا يشتمل على أحكام كلها مذكورة في الكتاب العزيز.


1 - تهذيب الأحكام 7: 373 / 1508، وسائل الشيعة 21: 297، كتاب النكاح، أبواب المهور، الباب 38، الحديث 2. 2 - النحل (16): 75.

[ 42 ]

الثاني: التصريح بالسنة في الأخبار إن في جملة من الأخبار تصريح ب‍ " السنة " كمعتبر محمد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام): أنه قضى في رجل تزوج امرأة، وأصدقته هي، واشترطت عليه أن بيدها الجماع والطلاق. قال: " خالفت السنة، ووليت حقا ليست بأهله " فقضى أن عليه الصداق، وبيده الجماع والطلاق، وذلك السنة (1). وفي نسخة الشيخ: " أن على الرجل النفقة " (2). وكمرسلة ابن فضال عن أبي عبد الله (عليه السلام): في امرأة نكحها رجل، فأصدقته المرأة، وشرطت عليه أن بيدها الجماع والطلاق، فقال: " خالف السنة، وولى الحق من ليس أهله " وقضى أن على الرجل الصداق، وأن بيده الجماع والطلاق، وتلك السنة (3). وكمرسلة مروان بن مسلم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت له: ما تقول في رجل جعل أمر امرأته بيدها؟ قال: فقال لي: " ولى الأمر من ليس أهله، وخالف السنة، ولم يجز


1 - الكافي 5: 403 / 7، الفقيه 3: 269 / 1276، وسائل الشيعة 21: 289، كتاب النكاح، أبواب المهور، الباب 29، الحديث 1. 2 - تهذيب الأحكام 7: 369 / 1497. 3 - الكافي 5: 403 / 7، وسائل الشيعة 22: 98، كتاب الطلاق، أبواب مقدماته وشرائطه، الباب 42، الحديث 1.

[ 43 ]

النكاح " (1). ويظهر المناقشة في كون المراد من " السنة " هي السنة الاصطلاحية: بأنه اصطلاح خاص. مع أن الأمثلة من أحكام الله في الكتاب، وقد تعارفت السنة استعمالا في القرآن العزيز. وبالجملة: لايتم هذا الوجه لاستفادة الأعمية. ودعوى: أن مرسلة الغنية (2) لاجتماع الكتاب والسنة فيها تشهد على الأعمية، غير مسموعة لإرسالها، فلا تخلط. الثالث: الإجماع والاتفاق المفروغ عنه وفيه: أنه معلل بما في هذه الأخبار القابلة للاستناد، كما ترى. الرابع: إلغاء الخصوصية إلغاء الخصوصية تارة من الأخبار المشتملة على الكتاب، بأن المخالفة للحكم الثابت بالكتاب ليست لها الخصوصية عرفا. واخرى: بأن أخذ " السنة " في هذه الطائفة موضوعا، يشهد على أن ما هو الموضوع هو الحكم بما هو حكم، لأنه السنة، وأما سائر


1 - الكافي 6: 137 / 4، تهذيب الأحكام 8: 88 / 301، وسائل الشيعة 22: 93، كتاب الطلاق، أبواب مقدماته وشروطه، الباب 41، الحديث 5. 2 - " الشرط جائز بين المسلمين ما لم يمنع منه كتاب ولا سنة " الغنية، ضمن الجوامع الفقهية: 526 / السطر 9.

[ 44 ]

خصوصيات الحكم الثابت بالكتاب - ككونه معجزا، ووحيا، وغير ذلك - فهي ملغاة لأجل ذلك. هذا مع أن في هذه الأخبار إبطال الشرط، لكون المشروط له تولى ما ليس حقا له، وليس له أهلا، وهذا أعم كما هو الواضح. وأنت خبير: بأن ما يثبت بالكتاب العزيز قطعي الصدور، بخلاف غيره، إلا ما ثبت بالسنة القطعية، وهو نادر في باب الشروط العقلائية المخالفة. وكون الكتاب محترما بين المسلمين وفي الإسلام، يوجب هذه المزية. وأما الأخبار الظنية فلا تقاس بالظواهر الظنية، فإن حجية الظواهر أقرب إلى الواقع، بخلاف حجية خبر الواحد مثلا، ولاسيما مع ما يتوجه إليه من المبعدات - المحررة في الاصول - جدا، فلا يقاس الحكم الثابت بالقرآن عز شأنه، بما يثبت بالخبر الواحد المتكفل له عامي فطحي، كما لا يخفى. وأما قضية تولية ما ليس أهلا له أو حقا له، فهو ليس أعم، لأن من الممكن أن لا يكون أهلا لتولي ما ثبت بالقرآن عز اسمه، دون غيره، لما اشير إليه، فما أفاده المحقق الوالد وجها للأعمية (1)، غير واضح سبيله.


1 - البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 5: 152 - 156.

[ 45 ]

الخامس: الاستدلال بآية: * (ما آتاكم الرسول فخذوه) * ما خطر بالبال هو أن يقال: إن كل شئ ثبت بالسنة النبوية أو العلوية أو غيرهما - لأجل كونها واحدا عندنا - يكون واحدا في الحكم، وكل ما ثبت من ناحية الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) فالشرط المخالف له شرط مخالف للكتاب الإلهي، لما فيه: * (ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) * (1) فعلى هذا كل شرط خالف السنة يكون مخالفا للقرآن عز قائله، فالتوسل بأدلة الشروط لتنفيذها غير صحيح. بقي شئ: في تعارض الآية والأخبار وهو أن مما أتى به الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): " المؤمنون عند شروطهم " (2) فيجب الأخذ به، ومن وجوب الأخذ به يلزم عدم وجوب الأخذ بما يشترط في طي العقد على خلاف قوله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فيدور الأمر بينهما، فلا يثبت به ما هو المطلوب هنا. اللهم إلا أن يقال بالانصراف، وأن الأمر يدور بين طرح جميع ما ثبت بالسنة، وطرح هذه السنة خصوصا، ولاريب في تعين الثاني، فتأمل جيدا.


1 - الحشر (59): 7. 2 - تقدم في الصفحة 4 - 5.

[ 46 ]

البحث الثالث هل المناط عدم كون الشرط مخالفا للكتاب أم يشترط كونه موافقا له؟ حول النظر إلى مفاد المستثنيات الواردة في هذه الأخبار، وأنه هل يعتبر أن لا يكون الشرط مخالفا للكتاب، أو يشترط أن يكون الشرط موافقا للكتاب، أو يكون مخالفة الكتاب مانعا عن نفوذ الشرط؟ وجوه واحتمالات. وهناك احتمال رابع: وهو أنه لا يعتبر كل واحد من هذه العناوين بالحمل الأولي، بل الميزان هو الأمر الخارجي: وهو أن يشترط في ضمن العقد ما هو ليس في الكتاب، من غير النظر إلى مفاهيم الموافقة والمخالفة، أو غير المخالف، أو يشترط في طيه ما يناقض الكتاب ويضاده بالحمل الشائع. وإنما اخذت العناوين مشيرة إلى ذلك، فلا يدور الأمر مدار هذه العناوين حتى يرجع عنوان " الموافقة " إلى عدم المخالفة، أو غير ذلك مما يصنع به في الأخبار الواردة في حجية الخبر الواحد، على اختلاف ألسنتها البالغة إلى خمسة (1)، أو الأخبار الواردة في علاج


1 - تحريرات في الاصول 6: 431 - 439.

[ 47 ]

المتعارضين (1). حول إمكان كون المناط عدم المخالفة للكتاب إثباتا وبالجملة: قبل الخوض فيما هو مورد النظر إثباتا، لا بأس بالإشارة إلى نكتة ثبوتية: وهي أنه ربما يقال: بأن اشتراط أن لا يكون الشرط مخالفا للكتاب، غير جائز ثبوتا، ولأجله ترى في كلمات القوم (رحمهم الله) ومتونهم، اعتبار اشتراط أن لا يكون الشرط مخالفا للكتاب، وذلك لامتناع تصوير المانعية في الامور الاعتبارية والموضوعات الاختراعية، بخلاف المسائل التكوينية، ضرورة أن الرطوبة تمنع عن تحقق الإحراق، بخلاف الحرير، فإنه لايمنع عن تحقق الصلاة بعد القول بالأعم، فلابد وأن يرجع مانعية الحرير إلى شرطية العدم، حتى لا ينطبق المأمور به على المأتي به، فيكون فاسدا. ومن الغريب ما ذهب إليه أخيرا الوالد المحقق - مد ظله - من إمكانه بحسب المصالح والمفاسد، أو بحسب الادعاء!! فإنه غير خفية ممنوعيته، ضرورة أن إطلاق الدليل متبع، وسعة الموضوع له مورد النظر، ولا منع من الادعاء شرعا، إلا أنه لا دليل عليه، ولا يساعد عليه ظواهر المانعية مثلها كما لا يخفى، وتفصيله في محله. وأما فيما نحن فيه فاعتبار المانعية مما لا بأس، ولا يقاس ما نحن فيه بمثل المركبات الاختراعية، ضرورة أن من الامور اللازمة لصحة


1 - وسائل الشيعة 27: 106، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 9.

[ 48 ]

الشرط، تنفيذ الشارع، فلو اعتبر المخالفة مانعا فلا تنفيذ في مورد الشرط، ولا يدور الأمر هنا مدار كون الموضوع له أعم، فكون المخالفة مانعا يرجع إلى عدم إمضاء الشرع الشرط المخالف. ففرق بين المانعية هنا، والمانعية في باب الصلاة، فإن المانعية هناك اعتبرت على وجه تمنع عن تحقق المأمور به، والصلاة خارجا، والمانعية هنا اعتبرت على وجه تمنع عن نفوذ الشرط، لا تحققه، فلا تخلط واغتنم. بقي كلام: حول إمكان الجمع بين تلك الاحتمالات الأربعة والذي لا يرتاب فيه: أنه لا يجتمع الاحتمال الرابع مع واحد من الاحتمالات الثلاثة، لأن قوامه بطرح عنوان " الموافقة " أو " المخالفة " وأن النظر ليس إلى صدق شئ من هذه المفاهيم، حتى يقال بصدق " المخالفة " في صورة كون الشرط مباينا لما في الكتاب. وأما إذا كانت النسبة بينهما الأعم والأخص، فلا تصدق " المخالفة " عرفا في محيط التشريعيات، وإن كانت تصدق في محيط آخر ضرورة، وهكذا. وأما الثلاثة الاخر، فبحسب مقام الثبوت يمكن الجمع بين كون الموافقة شرطا، والمخالفة مانعا، أي أنه في صورة وجود الحكم في الكتاب - كحرمة شرب الخمر - يكون كل غير صادق، فيلزم بطلان الشرط المذكور للجهتين: المخالفة المانعة، وعدم الموافقة التي

[ 49 ]

هي شرط نفوذ الشرط. وفي صورة عدم وجود الحكم في الإسلام، يلزم بطلانه لجهة واحدة: وهي فقد الشرط، وهي الموافقة. كما يلزم بطلانه في صورة الجهل بالحكم في الإسلام، لأن شرط نفوذ الشرط هي الموافقة، فلابد من إحرازها، مثلا إذا اشترط في ضمن العقد شرب التتن، وكان شرط نفوذ الشرط موافقة الكتاب والحكم، فإنه لادليل على نفوذه، ولا معنى للتمسك بالمطلقات والعمومات الاخر، بعد ورود تلك الاستثناءات المفيدة شرطية الموافقة للكتاب في النفوذ. وأما دعوى: أن الموافقة أعم من الموافقة للأحكام الواقعية والظاهرية، فهي مشكلة، ولاسيما على القول بانحفاظ الحكم الواقعي الجدي في مرحلة الحكم الظاهري، كما لا يخفى. إن قلت: يكفي اشتراط الموافقة عن مانعية المخالفة، لأن في موارد المخالفة ليست الموافقة حاصلة، فتلزم اللغوية في جعل المانعية. قلت: يجوز أن يكون المجعول أولا هي المانعية، ثم الشرطية، ولا يلزم منه إلغاء المانعية، بل يجوز إلغاء الشرطية الموافقة في موارد اتفاق الجهتين. بل لا يلزم منه ذلك بعد كون الثاني الأعم قانونيا. نعم لو قلنا: بأن الموافقة والمخالفة باعتبار الأحكام الموجودة في الكتاب، فإذا لم يكن حكم في الكتاب فلا موافقة، ولا مخالفة، لأجل انتفاء الموضوع، وهو خلف، فاشتراط الموافقة بعد فرض وجود الحكم في الكتاب، وهكذا جعل المانعية، فعندئذ يشكل الجمع بينهما،

[ 50 ]

لما يكفي جعل أحدهما على أي تقدير عن الآخر. كما يكون الأمر كذلك في جعل شرطية عدم المخالفة، وجعل مانعية المخالفة. وفي بالي: أن في " الجواهر " تجويز الجمع بين مانعية لبس الحرير، وشرطية عدم لبسه. وتوهم ظهور الثمرة في موارد الشك وجريان الأصل، لا ينفع هنا، لأن استصحاب عدم وجود المخالف والمانع ولو كان يجري، إلا أنه بعد كون مقتضى الدليل الاجتهادي موافقة الكتاب وشرطية لبس الحرير، فلا يفيد تقدمه عليه، ضرورة أن المفروض اعتبارهما معا، فليتدبر جيدا. وأما حديث عدم الملكة والعدم المطلق، فله موقف في البحوث العقلية أجنبي عن المسائل الاعتبارية. ما يستفاد من الأدلة إذا تبين ذلك، فلابد من النظر إلى الأدلة بحسب مقام الإثبات وما هو مورد التصديق: اعلم: أن المستثنى في الأخبار على طوائف: الطائفة الاولى: ما يكون ظاهرا في مانعية المخالفة للصحة والنفوذ فمنها: معتبر ابن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " المسلمون عند

[ 51 ]

شروطهم، إلا كل شرط خالف كتاب الله - عزوجل - فلا يجوز " (1). ومنها: ما مر من ابن سنان أيضا، إلا أنه ليس بشكل الاستثناء وقال: " لأن كل شرط خالف الكتاب باطل " (2). وفي رواية أبي المعزاء، عن الحلبي، وهو أيضا ليس بشكل الاستثناء، وقال عن أبي عبد الله (عليه السلام): " وإن كان شرطا يخالف كتاب الله - عزوجل - فهو رد إلى كتاب الله - عزوجل -... " الحديث (3). ومن هذه الطائفة ما مر من الأخبار المشتملة على السنة ومخالفتها (4). الطائفة الثانية: ما يستفاد منها اعتبار الموافقة فمنها: معتبر ابن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سمعته يقول: " من اشترط شرطا مخالفا لكتاب الله فلا يجوز له، ولايجوز على الذي اشترط


1 - تهذيب الأحكام 7: 22 / 93، وسائل الشيعة 18: 16، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 6، الحديث 2. 2 -... سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الشرط في الإماء لا تباع ولا توهب، قال: يجوز ذلك غير الميراث، فإنها تورث لأن كل شرط خالف الكتاب باطل. تهذيب الأحكام 7: 67 / 289، وسائل الشيعة 18: 16، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 6، الحديث 3. 3 - الكافي 5: 258 / 1، تهذيب الأحكام 7: 25 / 107، وسائل الشيعة 18: 17، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 6، الحديث 4. 4 - تقدم في الصفحة 42 - 43.

[ 52 ]

عليه، والمسلمون عند شروطهم مما وافق كتاب الله - عزوجل - " (1). الطائفة الثالثة: ما دلت على اعتبار وجود الشرط في الكتاب أي ما تشهد على أن العبرة ليست بمفهوم الموافقة أو المخالفة، حتى يقع فيه الخلاف، بل العبرة بالحمل الشائع، وهو لزوم كون الشرط مما يوجد في كتاب الله. فمنها: رواية حكاية بريرة السابقة، وفيها قال: " ما بال أقوام يشترطون شروطا ليست في كتاب الله؟! فما كان من شرط ليس في كتاب الله - عزوجل - فهو باطل، قضاء الله حق، وشرطه أوثق، والولاء لمن أعتق " (2). ومنها: مصحح نبوي عن أبي عبد الله (عليه السلام): " من اشترط شرطا سوى كتاب الله - عزوجل - فلا يجوز ذلك له، ولا عليه " (3). والظاهر منه أنه لابد وأن يكون الشرط مما يوجد في الكتاب، فلو كان خارجا عنه فلا يصح، من غير النظر إلى الموافقة أو المخالفة بحسب مقام الصدق والمفهوم.


1 - الكافي 5: 169 / 1، تهذيب الأحكام 7: 22 / 94، وسائل الشيعة 18: 16، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 6، الحديث 1. 2 - تقدم في الصفحة 40 من طرق العامة، ولاحظ دعائم الإسلام 2: 247 / 935، مستدرك الوسائل 13: 300، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 5، الحديث 2، و 15: 31، كتاب النكاح، أبواب نكاح العبيد والإماء، الباب 36، الحديث 2. 3 - تهذيب الأحكام 7: 373 / 1508، الاستبصار 3: 232 / 836، وسائل الشيعة 21: 297، كتاب النكاح، أبواب المهور، الباب 38، الحديث 2.

[ 53 ]

الطائفة الرابعة: ما يدل على بطلان الشرط المحلل للحرام منها خبر إسحاق بن عمار، عن جعفر، عن أبيه (عليهما السلام): " أن علي بن أبي طالب (عليه السلام) كان يقول... " وقد مر، وفي ذيله: " إلا شرطا حرم حلالا، أو أحل حراما " (1). والظاهر منه بدوا، أن الشرط الذي تكون نتيجته تحليل الحرام وبالعكس باطل، أو غير واجب الوفاء به، لكونه خارجا عن العمومات، فيكون باقيا على حاله من الحرمة والحلية الأولية الذاتية. ومن هذه الطائفة ما ورد عن محمد بن علي بن الحسين قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): " البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه، والصلح جائز بين المسلمين، إلا صلحا أحل حراما، أو حرم حلالا " (2). النظر حول الطوائف الأربع وإليك نبذة من الأنظار حولها على الترتيب: النظر الأول: إن الطائفة الرابعة غير حجة بعد والطائفة الثالثة المشتملة


1 - تقدم في الصفحة 33. 2 - الفقيه 3: 20 / 52، وسائل الشيعة 18: 443، كتاب الصلح، الباب 3، الحديث 2.

[ 54 ]

على حكاية بريرة عامية، ومصحح نبوي - لمكان كون الصدر مشتملا على الأحكام الثلاثة الموجودة في الكتاب - لازمه كون العبرة بوجود الشرط في الكتاب، إلا أنه لا معنى لأن يراد منه جواز اشتراط ارتكاب المحرم في الكتاب، لكونه في الكتاب، فيرجع إلى أنه لابد وأن يكون في الكتاب، ولا يختلف حينئذ بين أن يكون موافقا، أو مخالفا بحسب المفهوم، لعدم الفرق بينهما بعد لزوم كونه في الكتاب، فإنه طبعا يكون موافقا وغير مخالف بالضرورة. وأما الطائفة الثانية، فالظاهر أنها ليست إلا رواية واحدة، ولا مفهوم لها، لأنها ليست مشتملة على الحصر وأداته، ولا بأس بكون الشرط الموافق نافذا، وأما غير الموافق الذي هو غير المخالف فهي ساكتة عنه. ودعوى: أن قضية المفهوم - لكونه في مقام التحديد - هو اعتبار الموافقة في نفوذ الشرط، غير تامة، لأن في صدر معتبر عبد الله بن سنان السابق (1) ما ينافي كون الذيل في مقام التحديد، لظهور قوله (عليه السلام) - على نعت القضية الشرطية - في أن الشرط إن كان مخالفا لكتاب الله فلا يجوز، ونتيجة ذلك أن الشرط الغير المخالف نافذ، وعلى هذا يشكل استفادة المفهوم من الطائفة الثانية. وتصير على هذا خلاصة الكلام: أن المانعية لنفوذ الشرط ثابتة لعنوان " المخالفة للكتاب " وأما إذا لم تكن مخالفة - سواء كان بانتفاء


1 - تقدم في الصفحة 50 - 51.

[ 55 ]

المحمول، أو الموضوع - فلا منع من صحته ونفوذه، لإطلاق العمومات والبناءات العقلائية. النظر الثاني: إن الطائفة الرابعة لمكان كونها مورد العمل حجة، والمعارضة المتوهمة المانعة عن حجيتها - حسبما أفاده الشيخ في " العدة " بالنسبة إلى روايات غياث بن كلوب (1) - قابلة للدفع، وذلك لأن الجملة المستثناة تحتمل وجوها من الاحتمالات، إلا أن تحريم الحلال واقعا غير ممكن، وبالعكس، سواء استند ذلك إلى الشارط، أو إلى نفس الشرط، كما في تحليل الكلام وتحريمه. والتحريم الصوري ممكن إذا اريد منه التشريع، كما أن التحريم الجدي ممكن إذا اريد به مثل ما يراد به في النذور والأيمان، كما قال الله تعالى: * (يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك) * (2). وعلى هذا، يجوز أن يكون الخبر أجنبيا عما هو مورد البحث، فإن الشرط المخالف أو الموافق هو الشرط بالنظر إلى الكتاب، وحكم الله صوريا مما لا يعقل - لمن يعتقد بأحكام الله - أن يترشح منه الجد إلى الشرط المذكور بعد الإذعان بأنه غير نافذ. وأما تحليل الحرام وعكسه على نفسه، فهو ممكن، لما يمكن أن يكون له في ذلك غرض عقلائي،


1 - عدة الاصول: 61 / السطر 5. 2 - التحريم (66): 1.

[ 56 ]

فالأول باطل من جهة المخالفة، والثاني باطل من جهة كونه محللا ومحرما جدا وواقعا، وإذا كان صوريا فيبطل لعدم الاقتضاء. وأما الطائفة الثاني، فيجوز أن يكون ذيل معتبر ابن سنان قانونا كليا ذا مفهوم، ويكون الشرط في الصدر - لمكان كونه غير موافق - باطلا، وإن كان مخالفا فتلزم المعارضة بين خبري ابن سنان (1) والطائفتين: الاولى، والثانية، لظهور الحصر في أن الشرط الباطل هو الشرط المخالف. وتوهم: أن الشرط غير الموافق مخالف، فيجمع بين الطائفتين، لأن النسبة بين المفهومين العدم والملكة، والمفروض في الشرط غير الموافق وجود الموضوع، في غير محله، كما تحرر في الأخبار العلاجية (2)، وفي مسألة حجية الخبر الواحد (3). نعم، يمكن دعوى: أنه مضافا إلى أقوائية مفهوم الحصر من احتمال كون الطائفة الثانية في التحديد، أن مانعية المخالفة منصوص عليها، وأما شرطية الموافقة فلا تنصيص عليها، بل هي مجرد ظهور، فيكون الأول مقدما. وأما التفصيل بين موارد مفهوم الحصر: بأنه في مثل " لا تعاد الصلاة إلا من خمس " (4) يستفاد الحصر إذا كان بينه وبين الخبر الآخر، عموما من


1 - تقدما في الصفحة 50 - 51. 2 - لاحظ التعادل والترجيح، الإمام الخميني (قدس سره): 182. 3 - تحريرات في الاصول 6: 435. 4 - زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام)، أنه قال: لا تعاد الصلاة إلا من خمسة: الطهور، والوقت، =

[ 57 ]

وجه، وأما إذا كان بينهما العموم المطلق فلا، فلو ورد " لا تعاد الصلاة إلا من السبع " يجمع العرف بينهما، ويتعاملون معهما معاملة المثبتين، وفيما نحن فيه تكون النسبة عموما مطلقا، فهو وإن كان غير بعيد، إلا أنه فيما نحن فيه ليس من المطلق والمقيد العنواني. ولو صح ما قيل، فهو في مثل " لايكرم إلا العالم " وقوله " لايكرم إلا العالم العادل " وأما في مثل المقام فيشكل. وغير خفي: أن الشرط لو كان عنوان " الموافقة " فاشتراط ترك صلاة الليل أو الغسل يوم الجمعة، يعد باطلا، بخلاف ما إذا كانت المخالفة مانعا، أو عدم المخالفة شرطا، ضرورة أنه لا يصدق عرفا أن اشتراط عدم الغسل مخالف، فتأمل جيدا. النظر الثالث: الذي يخطر بالبال، أن المشكلة تنحل بمراجعة البناءات العرفية حسبما عرفت، وقد تبين أن عناوين " الموافقة " و " المخالفة " يجوز إلغاؤها، لما في بعض الأخبار من الشاهد عليه، كما مر، وأن المخالفة بالحمل الشائع تمنع عن صحة الشرط، وتوجب خروجه عن الشروط الصالحة عرفا، وأن نقض القوانين الإلزامية غير ممكن


= والقبلة، والركوع، والسجود. الفقيه 1: 225 / 991، وسائل الشيعة 1: 371، كتاب الطهارة، أبواب الوضوء، الباب 3، الحديث 8.

[ 58 ]

بأدلة الشروط. وهكذا القوانين الوضعية فإن الشرط المنتهي إلى خلاف ذلك الوضع باطل، وتحليل الحرام الوضعي وعكسه أيضا ممنوع، حسب خبر ابن عمار (1)، لأعمية الحلية والحرمة من الوضع والتكليف. ووجه ممنوعيته أنه مخالف ومضاد للقانون. فتحصل لحد الآن: أن المدار على المخالفة، بمعنى كون الشرط مضادا للقانون التكليفي أو الوضعي، من غير النظر إلى عنوان " المخالفة " فضلا عن عنوان " الموافقة ". بقي شئ: حكم الالتزام المخالف للكتاب وهو أن العبرة في بطلانه بلا إشكال، بأن يكون ما هو الملتزم به والمشترط، مضادا ومخالفا لقانون الكتاب والسنة، ولحكم الله تعالى، فلو شرط خياطة الثوب مثلا فهو أي الملتزم به موافق، وليس مضادا، وهكذا لو كان الملتزم به من قبيل النتيجة، كما لو شرط أن يكون داره لزيد. وأما إذا كان الملتزم به مضادا كما إذا شرط أن يصور له صورة، ويخلق له خلقا متجسما، أو يكون له الخمر الكذائية، وهكذا فإنه مضاد. وأما إذا كان نفس الشرط والالتزام مخالفا، كما لو التزم ترك الغسل المستحب، وصلاة الليل، أو التزم ترك التسري، وغير ذلك من


1 - تقدم في الصفحة 33.

[ 59 ]

التكليفيات والوضعيات، فهل هو أيضا باطل على الإطلاق، أو صحيح على الإطلاق، أو يفصل في المسألة لصحتها حسب القواعد، ويكون البطلان تابعا للأدلة الخاصة، كما احتمل في روايات دلت على بطلان شرط التسري والتزويج؟ فالكلام يقع في مقامين: المقام الأول: فيما هو قضية القواعد فربما يقال: إن ما هو الباطل هو الالتزام المخالف، سواء كان منشأ مخالفته نفس ذات الالتزام، كما في الأمثلة المذكورة، وفي جميع المستحبات والمكروهات، إذا التزم المشروط عليه تركها وفعلها، فإن ذلك التزام خلاف الكتاب، ضرورة أن المستحب يجوز تركه حسب الكتاب، والمكروه يجوز فعله، أو كان منشأه ممنوعية الملتزم به، فإن الالتزام أيضا مضاد للكتاب عرفا. وفيه أولا: كون الالتزام في الصورة الثانية خلاف الكتاب، مبتن على مقدمة خارجية ممنوعة اشير إليها سابقا. وثانيا: أن المنصرف من كلمة " الشرط " في المستثنى منه هو الملتزم به، فلو شرط خياطة الثوب فعليه الوفاء به، أو يكون المؤمن والمسلم عنده، فإن معناه أن عليه أن يجعله خارجيا، ويوجده ويقربه مثلا. ويؤيد ذلك نسبة التحريم والتحليل إلى نفس الشرط، وهذا لا

[ 60 ]

معنى له إذا اريد منه الالتزام. اللهم إلا أن يقال: إنه لا معنى له على كل تقدير، ولذلك ذكرنا قوة كونه أجنبيا عما نحن فيه، وتكون الرواية ناظرة إلى أن يشترط على المشروط عليه الإفتاء بغير ما أنزل الله، فيكون الملتزم به الإفتاء بغير ما أنزل الله، وهو تحريم الحلال وعكسه، أو تكون الرواية ناظرة إلى أن يكون نتيجة الشرط، تحليل الحرام وعكسه. وعلى كل حال: لا تدل على أن الباطل منحصر بالملتزم به المضاد للكتاب والسنة. وربما يمكن أن يقال: إن إرادة الشرط المصدري والمشروط والملتزم به من كلمة " الشرط " غير جائز، لعدم الجامع، ولاقرينة على الجامع المجازي. مع أنه ممنوع في استعمال الألفاظ في القوانين العامة. كما لا يجوز استعمال الواحد في الأكثر فيها، وإن جاز ذاتا في الأشعار والنثر، كما هو المحرر في الاصول (1). وعلى هذا، يتعين كون المناط أحد الأمرين، لاسبيل إلى أن يراد منه الالتزام المضاد، فيكون المراد هو الملتزم المضاد، تكليفيا كان، أو وضعيا. والذي هو الأظهر، وهو قابل للتصديق: أن أخبار الشرط روايات صدرت لتحريك الناس والامة إلى إيجاد مايلتزمون به في طي العقد، إما بكونه وفاء به، بمعنى إيجاده، كخياطة الثوب، أو يكون عملا على


1 - تحريرات في الاصول 1: 300 - 301.

[ 61 ]

طبقه بتسليم ما عنده، كما في شرط النتيجة، وحيث إن ذات الالتزام مما لا يعقل التحريك نحوه والبعث إليه، لأنه معنى قد تحقق ووجد، فعليه يكون - حسب الفتوى - الملتزم به داخلا بذاته في هذه الأخبار، ودخول الالتزام غير ثابت. مع أن ظاهرهم جواز الالتزام بترك مستحب مثلا، أو فعل مكروه، في موارد خاصة لأغراض عقلائية. ويشبه أمر هذه المسألة أمر الوالدين، حيث " إنه لاطاعة لمخلوق في معصية الخالق " (1) وأن بالشرط أيضا لا يلزم طاعة المخلوق في معصية الخالق. وغير خفي: أن الالتزام الممنوع أعم من كون متعلقه ترك المستحب، أو فعل الواجب، أو الترك وفعل المباح وإن لم يكن المباح مجعولا، فضلا عما إذا كان مجعولا، فافهم. وأما قضية بطلان ترك التسري بالشرط، فهو بحث آخر ربما يرجع البطلان إلى جهة اخرى، فلا تشهد أخباره على ما نحن فيه، وسيمر عليك تحقيقه إن شاء الله تعالى. فعلى ما تحصل إلى هنا إنه وإن يمكن ثبوتا استعمال " الشرط " في الأعم، نظرا إلى أن الالتزام المتعلق بالممنوع يعد عرفا ضدا للكتاب، فلا يتم ما أفاده الوالد المحقق - مد ظله - (2) من المناقشة الثبوتية،


1 - عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 2: 124، وسائل الشيعة 16: 155، كتاب الأمر والنهي، أبواب الأمر والنهي، الباب 11، الحديث 10. 2 - البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 5: 162.

[ 62 ]

وهكذا غيره من الاستعمال المجازي، ولكنه أخص إثباتا، فلايتم ما أفاده الشيخ (رحمه الله) (1) نظرا إلى رواية في شرط ترك التسري (2)، أو بعض الأخبار الاخر (3)، فالأقوى هو الحد الأوسط من إمكان الأعم، وتعين الأخص استظهارا. المقام الثاني: فيما هو قضية الروايات قد وردت روايات دلت على بطلان شرط التسري والتزويج (4)، وهو مورد فتواهم، فلابد من الخروج عن قضية القواعد، ضرورة أن الملتزم به جائز بأصل الكتاب والسنة، وإنما الالتزام ممنوع، فيكون باطلا. بل ربما تشهد هذه الأخبار على أن الالتزام ممنوع على خلاف الكتاب، وأنه يمكن الوفاء به، لأجل إمكان الوفاء والعمل على طبق الملتزم به بترك التسري خارجا، فما اشير إليه أخيرا أيضا مخدوش بتلك المآثير. أقول: سيمر عليك في ذيل البحث الآتي ما هو التحقيق حول هذه الأخبار إن شاء الله تعالى. وما هو الأقرب منها هو المعنى الراجع إلى


1 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 277 / السطر 28. 2 - وسائل الشيعة 21: 277، كتاب النكاح، أبواب المهور، الباب 20، الحديث 6. 3 - يريد بها رواية إسحاق بن عمار المتقدمة في الصفحة 33، ومرسلة الغنية المتقدمة في الصفحة 43، لاحظ المكاسب، الشيخ الأنصاري: 277 / السطر 30. 4 - وسائل الشيعة 21: 275 - 277، كتاب النكاح، أبواب المهور، الباب 20، الحديث 1 و 2 و 6.

[ 63 ]

صحة شرط التسري في ذاته، كما وردت في الأخبار الاخر (1)، وإنما البطلان وليد الأمر الآخر المخصوص به تلك الروايات، كما أفاده الاستاذ المحقق الوالد - مد ظله - (2) فانتظر حتى حين.


1 - وسائل الشيعة 23: 27، كتاب العتق، الباب 12. 2 - البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 5: 170 - 171.

[ 64 ]

البحث الرابع حول ما هو الضابط للشرط المخالف والمضاد على وجه لا يلزم منه المناقضة، ويكون جامعا ومانعا. وقبل الخوض في ذلك، نشير إلى نكتة ورودهم في ذكر الضابط: وهي أن المستفاد من أخبار المسألة ولسان طائفة منها، أن تقييدها وتخصيصها غير جائز عرفا، لإبائها من ذلك، وفي الرواية المعروفة المحكية عن كتب العامة (1) والخاصة، كالشيخ (2)، والعلامة (رحمهما الله) (3) المتضمنة لقصة بريرة لما اشترتها عائشة قال: " ما بال أقوام يشترطون شروطا ليست في كتاب الله - عزوجل -؟! " فإنها تأبى من تجويز بعض الشروط المخالفة، فلذلك في موارد الإشكال وقعوا في حيص وبيص بتوجيه بعض الموارد، أو الالتزام بالبطلان، أو المناقشة في السند وجهة الصدور، أو بكونها صحيحة غير مخالفة للضابط، أو باطلة ومخالفة للعمومات دون المستثنيات، وغير ذلك مما يأتي في ذيل هذا البحث إن شاء الله تعالى. ولعمري، إنه مجرد استبعاد، ولايكون أبعد من صحة النذر المحرم


1 - تقدم في الصفحة 40. 2 - الخلاف 3: 157، المسألة 249، المبسوط 4: 260. 3 - مختلف الشيعة: 396 / السطر 30، تذكرة الفقهاء 1: 490 / السطر 4.

[ 65 ]

في بعض الموارد الواردة فيها الأخبار الخاصة (1) المفتى بها (2). ومجرد كون ذلك المورد خاصا، ودليل الشرط عاما، لا يوجب الفرق. وأما رواية حكاية بريرة (3)، فهي عندنا غير حجة شرعا، لعدم ثبوت سند لها، ولا جابر لخصوصها كما لا يخفى. فعلى هذا، لا تعارض بين المستثنى هنا، وما ورد في نفوذ شرط الضمان في العارية (4)، مع أنه على خلاف الكتاب عندهم، وهكذا في شروط إرث المرأة، مع تعارض شديد بين رواياتهم (5)، فراجع. وأما دعوى: أن الاستثناء يوجب نصوصية المستثنى منه في مفاده، فيأبى عن التخصيص، ولاسيما إذا كان من الاستثناء المنقطع، فهي غير واضحة، وما نحن فيه من المتصل، كما هو الواضح، فمع الحصر المستفاد من النفي والإثبات ربما يأبى من التقييد، ولكنه في محيط التقنين أيضا قابل للمنع، لأن دليل القيد في محيط التشريع، وإن لايمنع عن استقرار الظهور للمقيد، ولذلك يتمسك به، ولكنه مع ذلك ليس استقرار الظهور تاما لترقب ذلك.


1 - وسائل الشيعة 11: 326 - 327، كتاب الحج، أبواب المواقيت، الباب 13، الحديث 1 و 2 و 3، و 10: 198، كتاب الصوم، أبواب من يصح منه الصوم، الباب 10، الحديث 7. 2 - جواهر الكلام 18: 122. 3 - تقدم في الصفحة 40. 4 - وسائل الشيعة 19: 91 و 96، كتاب العارية، الباب 1، الحديث 1، والباب 3، الحديث 1. 5 - وسائل الشيعة 21: 66 - 68، كتاب النكاح، أبواب المتعة، الباب 32.

[ 66 ]

إذا تبينت هذه الوجيزة فاعلم: أن الأعلام تشتتوا في تحرير الضابط، ووقعوا فيما هو خارج عن فنهم، وعن الذي ينبغي، وسيظهر بعض ما هو راجع إلى مقالاتهم إن شاء الله تعالى. في أن أحكام كتاب الله على صنفين وأما الذي يظهر لي، أن كتاب الله وأحكامه على صنفين: الأول: هي الأحكام الإلهية السماوية التأسيسية بالتشريع الإسلامي، أو كانت في سائر التشريعات، وهي أيضا تشريع تأسيسي هنا. والثاني: هي الأحكام العقلائية الإمضائية الإسلامية، كالعمل بالخبر الواحد، ونفوذ اشتراط الخيار في ضمن العقد، وغير ذلك. فما كان من القسم الأول، فالشرط المخالف له يعد من مخالف الكتاب، ومما ليس في كتاب الله، ويكون ضدا ونقيضا له. ومن القسم الثاني لا يكون - بحسب الطبع - من الشرط المخالف لحكم الله، لأنه لاحكم لله في تلك الموارد، وسكوت الشرع في قبال الأحكام العرفية العقلائية، لا يوجب صحة إسناد تلك الأحكام والكتاب إلى الله تعالى. فعلى هذا، الشرط المخالف للقسم الأول - سواء كان وضعيا أو تكليفيا، إيجابيا أوندبيا، تحريميا أو كراهتيا - يكون من الشرط المخالف عرفا للكتاب، ويضاده ويناقضه، وقد مر أن العبرة ليست بعنوان " المخالف " مع أنه يصدق " المخالف " على شرط ترك المستحب، أو

[ 67 ]

إتيان المكروه. اللهم إلا أن يقال: إن ترك المستحب من الترخيص المستند إلى الكتاب، وهكذا فعل المكروه، وإن لم يكن من التكليف حتى يلزم انحلال المستحب إلى الأمرين، أو الواجب إلى الواجب والحرام، والحرام إلى الحرام والواجب، كما قد يتوهم، فإنه عندئذ يجوز الشرط كما لا يخفى. وبالجملة: الترخيص في ناحية ترك المستحب وفعل المكروه، يكون من الكتاب، لأن ذلك يستفاد من القرائن الموجودة فيها، فلا يكون الشرط المذكور مخالفا ومضادا، ولا سوى كتاب الله - عزوجل - بل موافق له، كما عرفت.

[ 68 ]

تنبيهات التنبيه الأول: الشرط المخالف للكتاب في الوضعيات إن الأحكام الوضعية - سواء كانت من قبيل الأسباب والمسببات، أو كانت من قبيل التورث الذي هو أيضا نوع من التسبب، حيث إن سبب الإرث موت المورث في الاعتبار، أو كانت من قبيل ذلك - تارة تقع تحت الشرط حصول المسبب بما هو مسبب لسببية اخرى غير ما هو المتعارف، أي يكون الدار مثلا مبيعة ويشملها " كل مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال البائع "، فهو ضد للقانون العقلائي. وقد عرفت أن أدلة الشروط، قاصرة عن هدم القوانين المعتبرة عند العقلاء، لأجل جهة اخرى، لالكونها من الكتاب وخلاف الكتاب الإلهي. وهكذا تورث المورث قبل الموت، أو عدم تورثه بعد موته. وأما كون العين الخارجية لزيد بالشرط، ويكون شرط نتيجة قهرا، فهو جائز بناء على صحة شرط النتيجة. وأما جعل الخيار على خلاف الأمر بالوفاء بالعقود الذي هو من الكتاب، فيكون هو من الشرط المخالف ومن الوضعيات، فهو محل إشكال من جهات مرت في طي البحوث السابقة: منها: أن الخيار عندنا لا ينافي اللزوم، بل الخيار هو من الاختيار على هدم الموضوع، فلا يبقى عقد حتى يجب الوفاء به.

[ 69 ]

ومنها: أن الوفاء بالعقود من الأحكام العقلائية الإمضائية، وقد حكم العقلاء بجواز اشتراط الخيار من غير كونه مستندا إلى أدلة الشروط، فلا يكون نقضا للقانون العقلائي بتلك الأدلة، بل هو بناء منهم على صحة الشرط المذكور من غير حاجة إلى ما قالوه في المسألة، مع ما فيه، كما سيظهر إن شاء الله تعالى. التنبيه الثاني: الشرط المخالف للعمومات إن المراد من " الكتاب وحكم الله " هو الحكم الجدي، لا الصوري الإنشائي، فلو كان الشرط مخالفا ومضادا للعام والمطلق، وموافقا للخاص والمقيد، لا يكون هو من الشرط المخالف، ومن نقض القانون بالضرورة، وهذا مما لا ينبغي أن يختفي على أحد. وإنما الإشكال في كشف الخاص والمقيد بأدلة الشروط، ضرورة أنه لو صح الشرط في مورد على خلاف كتاب الله، فهو يكشف عن عدم كونه من الكتاب في ذلك المورد بالضرورة، فيعلم الموافقة الثبوتية، وعدم المخالفة والمضادة، وأنه لو صح ذلك يلزم جواز شرط المخالفة مطلقا، وهذا مما لا يمكن الالتزام به. فعلى هذا، كل شرط كان مخالفا للعام في غير مورد التخصيص، أو مخالفا للخاص، ومضادا له، ومناقضا إياه، فهو داخل في هذه الأدلة طبعا، ومورد حكم العقلاء بعدم النفوذ، لأنه يكشف - مع قطع النظر عن الشرط - أنه عام مطابق للجد والواقع، وليس صوريا، فالعنوان

[ 70 ]

الثانوي في المقام لا يكون حاكما على العنوان الأولي، للزوم لغوية جعل المانعية للشرط المخالف، كما هو الواضح. التنبيه الثالث: حول بعض الشروط المخالف للكتاب المواضع التي وقعت مورد المناقشة والإشكال، كلها قابلة للدفع بعد ماأسسناه ضابطا للأمر في المقام، وإليك الإشارة الإجمالية إليها، وتفصيل كل واحد منها إلى الكتاب المتعهد له في الفقه. اشتراط ترك التسري والتزويج فمنها: قصة اشتراط ترك التسرى والتزويج، فإن ذلك جائز في حد ذاته، لأنه ليس مخالفا ومضادا للقانون الشرعي، ولا العرفي الممضى. وإنما الإشكال هو التوسل إلى حصول المسبب بالسبب الأجنبي، وهو الشرط، ضرورة أن أخبار هذه المسألة، ظاهرة في أن ما هو الباطل هو حصول الطلاق بالشرط، وقد مر أنه نقض للقانون الممضى، ولذلك وردت روايات دلت على جواز شرط ترك التسري والتزويج، وأنه عند التخلف يعطي شيئا ودرهما مثلا (1)، فلو كان نفس ذلك باطلا، لما كان فرق بين هذه الموارد.


1 - وسائل الشيعة 23: 27، كتاب العتق، الباب 12.

[ 71 ]

وأما ما في " تفسير العياشي " (1) فربما يكون من التقية في تطبيق الكبرى على الصغرى، وهو كثير الدور في فقهنا، وقد حكي أنهم قالوا بنفوذ الشرطين، ويحكمون بوجوب الوفاء به، كما في " كتاب الإجارة " للمحقق الرشتي (قدس سره) (2) مع أنه لم يثبت عندنا أن مابين أيدينا من التفسير هو ذاك التفسير، ولاسيما مع ما فيه من الخلط والاختلاف في الاستنساخ، فراجع أوائل هذا الكتاب المنير، فتدبر. وأما ما أفاده الوالد المحقق - مد ظله -: من احتمال كونه من تطبيق العياشي نفسه (3) فهو خلاف الظاهر، ولا يكفي مجرد الاحتمال، كما لا يخفى. اشتراط رقية ولد الحر ومنها: اشتراط رقية من كان أحد أبويه حرا، مع أنه تابع لأشرف الأبوين شرعا، فهل هو مخالف للكتاب، أم لا، أو تختلف المسالك، كما هو الظاهر؟ وغير خفي: أن ذلك ليس من الأحكام المخلوط فيها جانب حقوق الناس، حتى يقال: بأن تلك الأحكام تتبدل بأدلة الشروط، كما يتبدل


1 - تفسير العياشي 1: 240 / 121، وسائل الشيعة 21: 277، كتاب النكاح، أبواب المهور، الباب 20، الحديث 6. 2 - الإجارة، المحقق الرشتي: 58. 3 - البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 5: 172.

[ 72 ]

كثير من الأحكام بالعناوين الثانوية الاخرى، ضرورة أن استرقاق الولد ليس من حقوق الوالد، ومثله منع الولد عن الإرث، فالحكم بلحوقه بأشرف الأبوين، حكم شرعي وقانون تأسيسي لا يجوز خلافه بالشرط، لأنه يضاده ويناقضه، وليس بين العقلاء حكم من هذه الجهة فيما إذا كان أحدهما حرا، بل الحكم العقلائي رقية الولد إذا كان الوالد رقا، فتأمل. اشتراط تورث المتعة ومنها: اشتراط تورث المتعة، فإنه خلاف الكتاب، لأن ما في الكتاب أولا هو تورث الزوجة (1)، فالمتعة لو كانت زوجة فتورث، وما في السنة تقييد لما في الكتاب، وهو أنها مستأجرة لا تورث (2)، وهذا هو الحكم الجدي، فلا يكون الشرط نافذا، وهذا من الأحكام التأسيسية الإسلامية، فالشرط المناقض معها باطل جدا. نعم، لو كان في الأخبار الخاصة - كما قيل - جواز شرط التورث (3)، فهو من التخصيص بالعنوان الثانوي الجائز عندنا كما عرفت، فتدبر.


1 - النساء (4): 12. 2 - عن محمد بن مسلم، قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): لم لا تورث المرأة عمن يتمتع؟ فقال: لأنها مستأجرة، وعدتها خمسة وأربعون يوما. المحاسن: 330 / 90، وسائل الشيعة 26: 231، كتاب الفرائض والمواريث، أبواب ميراث الأزواج، الباب 17، الحديث 4. 3 - وسائل الشيعة 21: 66، كتاب النكاح، أبواب المتعة، الباب 32، الحديث 1.

[ 73 ]

اشتراط الضمان في العارية والإجارة ومنها: اشتراط الضمان في العارية والإجارة، فإنه - حسب المشهور - جائز في الاولى (1)، وغير جائز في الثانية (2)، واختار جمع جوازه في الثانية، كالفقيه اليزدي (3)، وخالفه في بحث الإجارة سيدنا الاستاذ البروجردي (قدس سره) (4) والتفصيل من جهات خاصة، محررة عندنا في كتابنا في الإجارة (5). وأما نفوذ الشرط، فقد يظهر من الوالد المحقق - مد ظله - حل هذه المشاكل كلها، لأن الشرط المخالف للعام والموافق للخاص نافذ، لأنه ليس مخالفا للكتاب والسنة (6). وهذا واضح لكل أحد، وإنما الخلاف في موارد عدم وجود الخاص الأولي، وقد اريد تخصيص العام الأولي بالخاص الثانوي، وهو دليل الشرط، وعلى هذا يلزم على رأيه بطلان شرط الضمان في العارية


1 - جواهر الكلام 27: 183. 2 - جواهر الكلام 27: 216. 3 - العروة الوثقى 2: 600، كتاب الإجارة، الفصل 4. 4 - تقريرات مباحث الإجارة من آية الله العظمى البروجردي (قدس سره) التي ألقاها بقم المقدسة لم يطبع من تلاميذه، فراجع العروة الوثقى مع تعليقة آية الله العظمى البروجردي: 573، الهامش 1. 5 - كتاب الإجارة من تحريرات في الفقه (مفقود). 6 - البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 5: 174.

[ 74 ]

والإجارة، لعدم دليل خاص يدل على الضمان فيهما عند الشرط. نعم، لو كانت الشهرة والإجماع على وجه يكشف عن وجود الخاص، فلا بأس به، وإلا فلابد من القول بالبطلان، وإلا يلزم صحة جميع الشروط المخالفة، كما مر تفصيله. وأما الأخبار الدالة خاصة على صحة اشتراط الضمان (1)، فلا تكون هي من قبيل التخصيص بالعنوان الأولي، كتخصيص إكرام العلماء بعدم وجوب إكرام فساقهم، بل هو ناشئ من دليل الوفاء بالشروط وعمومه، ويكون مندرجا في المسألة التي مضت، وهو لسان المستثنى الوارد في الأخبار الماضية يأبى من التقييد، فكيف يمكن الجمع؟! وهكذا بالنسبة إلى أخبار اشتراط إرث المتعة مثلا. والذي هو الأظهر والأقرب: أن عدم الضمان في العارية والإجارة عند عدم الإفراط والتفريط، من الأحكام الإمضائية العقلائية، وليس من الكتاب والسنة حتى يكون الشرط مخالفا لما في الكتاب، فيكون الشرط نافذا من هذه الجهة لولا الإشكال الآخر، فتدبر.


1 - الحلبي، عن أبي عبد الله (عليه السلام) - في حديث - قال: إذا هلكت العارية عند المستعير لم يضمنه إلا أن يكون اشترط عليه. الكافي 5: 238 / 1، تهذيب الأحكام 7: 183 / 805، وسائل الشيعة 19: 91، كتاب العارية، الباب 1، الحديث 1.... قال أبو عبد الله (عليه السلام): لا تضمن العارية إلا أن يكون قد اشترط فيها ضمان، إلا الدنانير فإنها مضمونة وإن لم يشترط فيها ضمانا. الكافي 5: 238 / 2، تهذيب الأحكام 7: 183 / 804، وسائل الشيعة 19: 96، كتاب العارية، الباب 3، الحديث 1.

[ 75 ]

وتوهم: أنه نقض للقانون العقلائي، وهو عدم الضمان، مندفع بأنه فرق بين حكم العقلاء بحجية الخبر الواحد وبالضمان في موارد الإتلاف، وبين سكوتهم عن الضمان في موارد اخر، وفيما نحن فيه لا يحكمون بالضمان، فلا تخلط، واغتنم. اشتراط اختيار الزوجة بالنسبة إلى المكان ومنها: اشتراط كون اختيار المكان إلى الزوجة، أو اشتراط أن لا يخرج بالزوجة إلى مكان آخر، وبلدة اخرى، وما يشبه ذلك مما يعد على خلاف الكتاب، وهو أن إطاعة الزوج واجبة على الزوجة. وفيه منع محرر في محله، فإن الجماع بيد الزوج، كما في النصوص (1)، وأما وجوب إطاعة الزوج في سائر الامور فمحل منع وإشكال جدا، فكونه خلاف الكتاب غير ثابت، وسيظهر حكم الشك ومقتضى القاعدة في الآتي إن شاء الله تعالى. اشتراط حرمة أو بطلان المعاملات ومنها: اشتراط كون البيع حراما عليه، أو الإجارة باطلة، أو الصلح غير جائز، فالمعروف عندهم بطلانه. إما لأجل أنه يمتنع ذاتا، لامتناع تحريم ما أحله الله واقعا.


1 - وسائل الشيعة 20: 157، كتاب النكاح، أبواب مقدمات النكاح وآدابه، الباب 79.

[ 76 ]

أو لأجل أنه داخل في مستثنى " إلا شرطا أحل حراما، وحرم حلالا " فيكون باطلا لهذه الجهة. والقول: بأنه ليس في كلماتهم إلا شئ واحد، وهو عدم كون الشرط مخالفا للكتاب، ورواية إسحاق بن عمار (1) راجعة إلى تلك الروايات، وليست مفيدة الشرط الآخر غير الشرط المذكور، قابل للمنع، والالتزام بتعدد الشرط غير بعيد، لما مر أن الأظهر دلالتها على أن هذا الشرط باطل، لكونه راجعا إلى الإفتاء بغير ما أنزل الله، ضرورة أن ظاهر قوله: " إلا شرطا أحل حراما " يكون هو المعنى المصدري، أي إلا أن يشترط عليه إحلال الحرام، وإحرام الحلال. وما تخيله بعض المحشين من امتناعه الثبوتي (2)، في غير محله، لأنه تحريم على نفسه، وتحليل على نفسه، ولايكون من التدخل في محيط تشريع المولى. ولو كان مفاده شرط الإفتاء المحرم فإمكانه واضح، لأنه حرام شرعا بالضرورة، فكيف يكون ممتنعا؟! وما هو الممتنع هو التشريع القلبي، لا الإفتاء الصوري، فلا تخلط.


1 - إسحاق بن عمار، عن جعفر، عن أبيه (عليهما السلام) إن علي بن أبي طالب (عليه السلام) كان يقول: من شرط لامرأته شرطا فليف لها به، فإن المسلمين عند شروطهم، إلا شرطا حرم حلالا أو أحل حراما. تهذيب الأحكام 7: 467 / 1872، وسائل الشيعة 18: 17، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 6، الحديث 5. 2 - حاشية المكاسب، المحقق الأصفهاني 2: 144 / السطر 25.

[ 77 ]

أو لأجل أنه مخالف للكتاب والسنة. ويظهر لي جوازه، لأن رواية إسحاق بن عمار أجنبية عن المسألة، مع ما في سندها من التأمل (1)، ولايكون حلية البيع وصحة الإجارة وجواز الصلح، من الأحكام الإلهية التأسيسية، فلا يكون بطلانه من هذه الجهات. نعم، يشكل صحة الشرط المذكور، لكونه نقضا لقانون العقلاء، ولا دليل من الشرع على نفوذ الشرط الناقض للقوانين العقلائية، ولا إطلاق ولاعموم يعتمد عليه، حتى يستكشف به أن الشرع ردع عن الإمضاء في هذه الموارد، فليتأمل جيدا. وغير خفي: أن اشتراط أن لا يبيع أو لا يستأجر، غير الشرط المذكور، فإنه في الفرض الأول، لا يلزم بطلان البيع ونحوه عند التخلف - على إشكال محرر في محله غير تام ظاهرا - بخلاف الفرض الثاني، فافهم. ودعوى: أنه لا يلزم البطلان مطلقا، لأن بالشرط يجب الوفاء، وهو العنوان المنطبق على الفعل تارة، أو الترك اخرى، مع تسامح، فلا نهي عن المعاملة، ودعوى: أن المنهي عنها دليل صحتها، غير تامتين عندنا: أما الدعوى الاولى، فلأن الوفاء بالشرط ولو كان في بعض الأخبار، ويستظهر منه أن المستفاد من النبوي هو الوفاء، إلا أن الوفاء لو كان واجبا، يلزم لزوم القصد حين العمل على طبق الشرط، مع أن الضرورة


1 - سنده في تهذيب الأحكام: عنه (أي الصفار) عن الحسن بن موسى الخشاب عن غياث بن كلوب عن إسحاق بن عمار.

[ 78 ]

قاضية بعدم لزوم القصد، وقد فصلنا ذلك في محله (1)، فما هو اللازم بعد الشرط بحكم العقل، هو أن يحقق المشروط خارجيا، أو يمنع عن تحققه في الخارج، سواء قصد الوفاء بالشرط، أو لم يقصد. هذا في جانب اشتراط فعل شئ. وأما في جانب اشتراط ترك شئ، أو ترك البيع، فالعرف ببابك في فهم النهي، وأن العهدة الحاصلة بالشرط، مبدأ انتزاع نهي النهي عرفا وعند العقلاء، والتدقيق في ذلك ينتهي إلى إنكار الحكم الشرعي رأسا. وأما الدعوى الثانية، فالمحرر منا في الاصول، أن النهي عن البيع - بما أنه يلازم عدم الرضا به - يستلزم فساده (2)، لتوقف صحته على الإمضاء، وهو ينافي الارتضاء عرفا، وإن كان يمكن الجمع في محيط خارج عن فهم العقلاء، فلا تخلط.


1 - لاحظ تحريرات في الاصول 2: 152. 2 - تحريرات في الاصول 4: 363 وما بعدها.

[ 79 ]

شبهات تشحيذية الشبهة الاولى: الإشكال في المناط المذكور في كلام الشيخ الأعظم لو كان المدار في مخالفة الكتاب على ما ذكره الشيخ (رحمه الله) وتبعه جمع: من أن الأحكام المتعلقة بالموضوعات، بين ما هي ثابتة على الإطلاق، وبين ما هي ثابتة على وجه لا يمتنع نفيها بالطوارئ والعوارض اللاحقة، فما كان من قبيل الأول فاشتراط خلافه باطل، بخلاف الثاني (1). وأنت خبير أولا: بأن ما ورد في خصوص مثل غسل الجمعة (2) وصلاة الليل (3)، هو أشد وآكد بمراحل مما ورد في خصوص رد السلام (4)، فكيف يمكن دعوى: أن الواجبات من القسم الأول، والمستحبات من القسم الثاني؟! وثانيا: أن ما يثبت به الحكم على الإطلاق، لا يمكن تقييده بالعنوان الأولي أيضا، لإبائه منه، وهو غير ملتزم به، فهو يكشف عن أن الحكم ثابت في جميع المراحل على نهج واحد، ولافرق بين الإطلاقات في الأبواب المختلفة.


1 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 277 / السطر 33. 2 - وسائل الشيعة 3: 311، كتاب الطهارة، أبواب الأغسال المسنونة، الباب 6. 3 - وسائل الشيعة 8: 145، كتاب الصلاة، أبواب بقية الصلوات المندوبة، الباب 39. 4 - وسائل الشيعة 12: 57، كتاب الحج، أبواب أحكام العشرة، الباب 33.

[ 80 ]

وثالثا: كون الحكم الكذائي من قبيل الثاني، وكذا من قبيل الأول، مما لاسبيل إلى فهمه، وعلى هذا يلزم في كثير من الأحكام المخالفة للكتاب جواز الشرط، لجريان استصحاب عدم كونه مخالفا له عندهم، ضرورة أنه لافرق بين إجراء الاستصحاب في مورد الشك في أصل وجود الحكم المخالف، أو كيفية الحكم المنتهية إلى أنه من المخالف الكذائي، أم لا، فلا تغفل. ولو قلنا: بأن الإباحة من الأحكام الإلهية، أو قلنا بأن قسما خاصا منها من تلك الأحكام، فيلزم أيضا الشك، وقضية الأصل المذكور لغوية النظرية المزبورة، لصحة الشرط في جميع هذه الموارد. ولو نوقش في جريانه، فمقتضى جواز التمسك بالعمومات في الشبهات المصداقية أيضا ذلك، كما هو الأقرب عندنا في الاصول (1). الشبهة الثانية: حول الشرط المخالف للحجج مع أن الظواهر حجج قد يقال: إن الأوامر والنواهي الواردة في الكتاب والسنة، ليست إلا حججا عقلائية منجزة للواقع، ولا يعقل أو لا يكشف بها حكم الله تعالى، لعدم وجه للكشف بعد تخلف كثير منها عن الواقع مطلقا، أو في خصوص موارد التقييد والتخصيص، بعد قوة احتمال وجودها. فإذا اشترط شرطا في ضمن العقد على خلاف ظاهر الكتاب، فكونه من الشرط المخالف للكتاب والسنة، والمخالف لحكم الله، غير


1 - تحريرات في الاصول 5: 252.

[ 81 ]

ثابت، فتصل النوبة إلى التمسك بالعام في الشبهة المصداقية، أو استصحاب عدم كونه من المخالف بناء على جريانه. وحمل ما في الأخبار على ما هو الظاهر وما هو القائم عليه الحجه، غير جائز. ومن الغريب أن العلمين: البروجردي (1) ووالدي المحقق (2) تمايلا إلى تلك المقالة في الاصول!! وذكرنا هناك: أنهما ممنوعان عن الإفتاء والإخبار عن حكم الله (3). ثم إن في غير هذه الموارد، أيضا يحتمل أن يكون الشرط المذكور في طي العقد مخالفا للكتاب، إلا أنه غير واصل إلينا. ودعوى: أنه محمول على ما هو الواصل إلى الشارط والمشروط عليه، غير جائزة، كما هو الظاهر. فلو لم يجز الرجوع إلى العام في الشبهة المصداقية، أو إلى الاستصحاب المذكور، لانسد باب الوفاء بالشرط إلا في موارد خاصة، لولا بعض المناقشات الآتية، فاصبر حتى حين. الشبهة الثالثة: حول تعارض أدلة الشرط والأحكام إن في مثل العهد والنذر واليمين، يعتبر - حسب الأدلة الاجتهادية - كون متعلقاتها راجحة، أو غير مرجوحة، وهذا غير معتبر في الشرط.


1 - لاحظ نهاية الاصول: 101 - 104، 464. 2 - مناهج الاصول 1: 255 - 256، ولاحظ تحريرات في الاصول 2: 94. 3 - تحريرات في الاصول 2: 94 - 97، و 6: 267 - 268.

[ 82 ]

وقضية الصناعة العلمية، أن النسبة بين الدليلين عموم من وجه، أي دليل حرمة شرب النجس، أو دليل أكل الميتة، ودليل الوفاء بالشرط، وقد قالوا بتقديم الدليل المتكفل للعنوان الثانوي كما في نفي الضرر والحرج. وحيث إن عنوان " المخالفة " مجمل، لاحتمال إرادة المخالفة مع الحكم والإرادة الجدية، أو يكون المراد هي المخالفة مع الحجة الموجودة على الحكم في الكتاب والسنة، فيلزم إجماله، وقالوا بعدم سراية الإجمال إلى العام المنفصل، فيلزم جواز التمسك ب‍ " المؤمنين عند شروطهم " (1) لتقدمه على ما في الكتاب والسنة، وعدم سراية إجمال المخصص والمقيد إليه، وقد تبين لك وجه كونه من إجمال المفهوم، لا الشبهة المصداقية، فلا تخلط واغتنم. وعلى هذا، لا تصل النوبة إلى ملاحظة المرجحات، كما عن النراقي (2)، بل دليل الشرط دائما مقدم. ولا وجه لما في كلام العلامة النائيني: من عدم جواز التمسك بالعام، لسراية الإجمال، لكونه متصلا (3)، ضرورة أنه ورد منفصلا ومستقلا، فلا تخلط.


1 - تهذيب الأحكام 7: 371 / 1053، الاستبصار 3: 232 / 835، وسائل الشيعة 21: 276، كتاب النكاح، أبواب المهور، الباب 20، الحديث 4. 2 - عوائد الأيام: 151. 3 - انظر منية الطالب 2: 130، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 523.

[ 83 ]

الشبهة الرابعة: حول اشتراط المندوبات مع صيرورة المشروط واجبا ظاهر القوم أن المشروط يجب بدليل الشرط، وقد أشرنا إلى أنه موافق للفهم البدوي العرفي، وذكرنا أن القول: بأن الوفاء واجب، مما لا يمكن الالتزام به وفي أشباهه ونظائره. فعلى هذا، لو شرط في ضمن العقد صلاة الليل وغسل الجمعة، يلزم بطلانه، للزوم التصرف بالشرط فيما يثبت بالكتاب والسنة، ضرورة أنهما مندوبان، فشرطهما في طي العقد خلاف الكتاب، ومضاد له. ولو كان المدار على الموافقة، لكانت هذه الشبهة أشد إشكالا، وأصعب حلا، كما لا يخفى، وقد عرفت: أن المعروف عدم وجود الواسطة بينهما. الشبهة الخامسة: حول اشتراط ما يلازم الأحكام عقلا لو اشترط ترك شرب الخمر، أو ترك المكروه، يكون باطلا، لأن ما هو في الكتاب ليس إلا حرمة الخمر، وكراهة كذا، وأما ترك شرب الخمر فليس من الكتاب جعلا. نعم، بحكم العقل يلزم الترك، وقد تحرر في الاصول أن الحرام لا ينحل إلى حكمين: واجب، وحرام، والواجب لا ينحل إلى حكمين، وهكذا. فإذا كان جواز الشرط منوطا بكونه موافقا للكتاب، وأنه عين المخالفة، للزم ما ذكرنا. وهذه الشبهة متوجهة إلى قاطبة القائلين

[ 84 ]

بعدم الواسطة. ومن هنا يظهر حكم اشتراط ترك المستحب، أو ترك الواجب، ضرورة أن لعنوان الترك ليس حكما في الكتاب، وهو مورد الشرط كما ترى. الشبهة السادسة: اشتراط شئ مباين للأحكام لو كان الميزان مخالفة الكتاب والحكم عرفا، كسائر العناوين العرفية، ففي صورة اشتراط شئ مباين للحكم - كما لا يتفق إلا تصورا - فهو يعد من المخالف. وأما الشرط الأخص، فإنه وإن كان بينه وبين العام الكتابي ومطلقه عموم وخصوص مطلقا، أو كان بينهما العموم من وجه، إلا أنه لا يعد من المخالف العرفي، نظرا إلى أن المراد من " المخالف " في الأخبار العلاجية (1) هو التخالف بالتباين، وهكذا في أخبار عرض الروايات على الكتاب (2)، فإن من تلك الموارد يستظهر: أن المراد من " المخالف " هنا معنى خاص، ولا أقل من الشك، ولازمه - بناء على


1 - عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 2: 20 / 45، وسائل الشيعة 27: 113، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 9، الحديث 21. وأيضا في هذا الباب الأحاديث 11 و 29 و 40 و 41. 2 - وسائل الشيعة 27: 108 - 119، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 9، الأحاديث 5 و 7 و 10 و 12 و 14 و 15 و 18 و 35.

[ 85 ]

المسلكين المذكورين - جواز الأخذ بالشرط المخالف وصحته، وهذا مما لا يلتزم به أحد قطعا. وبالجملة: الموجبة الكلية والجزئية، والسالبة الكلية والجزئية، وإن كانتا متخالفتين في المنطق وحد القضايا، بل ولو كانتا متخالفتين عرفا، إلا أنهما في محيط الروايات غير واضح سبيلهما، لما اشير إليه، فيكون عموم " المؤمنون عند شروطهم " مرجعا في المسألة، حسبما تحرر في الاصول. الشبهة السابعة: المناط في الأحكام الوضعية لو كان الضابط في المسألة بالنسبة إلى الأحكام الوضعية ما أفاده بعضهم: " من أنها إن كانت من الحقوق والأموال التي هي تحت سلطان الشارط، فلا شبهة في التبدل بالشرط، إذ المفروض سلطنته عليها. وهذا أيضا ليس من قبيل العلية، لإمكان قيام دليل خاص على المنع من التصرف، كبيع المصحف من الكافر. وإن كان من قبيل ما لا سلطنة له عليه - مثل كون " الولاء لمن أعتق " (1) وولد الحر حرا، وهكذا، ك‍ " الطلاق بيد من أخذ بالساق " (2) -


1 - الكافي 5: 485 / 1، وسائل الشيعة 21: 162، كتاب النكاح، أبواب نكاح العبيد والإماء، الباب 52، الحديث 2. 2 - درر اللآلي 2: 2، مستدرك الوسائل 15: 306، كتاب الطلاق، الباب 25، الحديث 3.

[ 86 ]

فلا ينفذ الشرط، لكونه مخالفا " (1) انتهى. وفيه: مضافا إلى أن المناط كون الشرط تحت سلطان المشروط عليه، لا الشارط. وأن في شرط النتيجة، لاسلطنة إلا على وجه يرجع إلى السلطنة على العمل بالشرط، وإلا فلا يكون، فاشتراط كون مال المشروط عليه للشارط، ليس تحت سلطان الشارط، ولا المشروط عليه. وأن تدخل الشرع في موارد خاصة كالمثال الذي ذكره - ولكنه غير صحيح - أو في موارد الإجارة بأكثر مما استؤجر عليه، أو في موارد " فضل الأجير حرام " (2) يوجب الشك في أن الشرط مخالف للكتاب، أم لا، لاحتمال كونه مخالفا بحسب الواقع، فلابد من التشبث بأحد المسلكين: من التمسك بالعام في الشبهة المصداقية، أو استصحاب عدم كونه مخالفا، وعلى فرض ممنوعية المسلكين، لا يمكن استظهار أن الشرط ليس مخالفا، لما لا شاهد عليه، فتأمل. ومضافا إلى بعض الامور الاخر. أن كون العقد تحت يده - بإسقاط الخيار المجعول فيه، أو باشتراط الخيار فيه - عين كون الطلاق تحت يده، باشتراط كونه تحت يد الزوجة في يوم من الأيام مثلا، وهكذا في موارد تحريم البيع والصلح


1 - لاحظ حاشية المكاسب، المحقق الأصفهاني 2: 144 / السطر 23. 2 - الكافي 5: 272 / 5، وسائل الشيعة 19: 126، كتاب الإجارة، الباب 20 / الحديث 5.

[ 87 ]

وغيرهما، فإن ذلك أيضا من الامور التي تحت سلطانهم، مع عدم إمكان التزامهم بصحتها، لأنها تحريم حلال بالكتاب والسنة، وهكذا. فمن هنا يظهر: أن أسلم الضوابط ما ذكرناه (1). وأما الضابطة الاخرى: وهي أن في الموارد التي لوحظ الحكم حفاظا على حقوق المكلفين، فلا بأس بأن يتصرفوا في حقوقهم، وأما في الموارد التي لوحظ فيها الجهات الاخر زائدا عليها، أو تكون مستقلة في اللحاظ فلا، فهذا الضابط أيضا واضح البطلان في موارد موافقة الوارث وسائر الورثة على اشتراط إرث الأجنبي، أو إرث أحد الوراث زائدا على ما فرضه الله تعالى. وهكذا في سائر الموارد من الأحكام التعبدية الخاصة في المعاملات، التي ظاهرها اعتبار كونها بلحاظ حقوق الطرفين، فلو جاز توافقهما على سقوط خيارهما في المجلس، فيجوز توافقهما على بقاء خيار المجلس إلى ما بعد التفرق، فافهم واغتنم. وهكذا بالنسبة إلى سائر الموارد، مع أنه أيضا من الإحالة إلى الامور المجهولة نوعا، فتصل النوبة إلى ما مر مرارا. التنبيه الرابع: في مقتضى القاعدة إذا شك في أن الشرط مخالف للكتاب وحيث إنه لابد من إحراز كون الشرط غير مخالف للكتاب، حتى


1 - تقدم في الصفحة 66.

[ 88 ]

يحكم بأنه نافذ، سواء كان عنوان " المخالفة " مانعا، أو عنوان " عدم المخالفة " شرطا، وإذا شك في أن الشرط مخالف أم لا، يشك في أنه واجد للمانع، أو فاقد للشرط الدخيل في نفوذه، فلابد من دليل يرجع إليه لتحصيل الموضوع للنفوذ. فإن قلنا بأن التمسك بالعام في الشبهات المصداقية غير جائز، أو قلنا بأن المستثنى المجمل يسري إجماله إلى مطلق العمومات، سواء كانت متعقبة بالاستثناء، أو لم تكن، كما نحن فيه، فلا يمكن حل هذه المشكلة من ناحية العمومات. وأما إذا قلنا بجواز التمسك، وعدم إجمال في المستثنى، أو عدم سراية الإجمال إلى العموم المنفصل - كما هو الأقرب - فيمكن حل المشكلة بنفس العمومات، لأن - مثلا - شرط الضمان في عقد الإجارة، أو شرط تورث المتمتعة في عقدها، داخل تحت العموم. ومن جواز التمسك به يكشف إنا أن مورد التمسك به خارج عن تحت الخاص، كما تحرر في الاصول (1). بل ولو لم يلزم الكشف، ولكن نفس جواز التمسك به كاف، ولازمه نفوذ الشرط في موارد الشك في المخالفة، سواء كانت هي مانعة، أو عدمها شرطا، ولا حاجة حينئذ إلى الأصل المحرز لو كان جاريا. وفي جواز إجرائه ذاتا كلام يطلب من محاله. وأما على المعروف المشهور غير المعتضد بالبرهان والوجدان،


1 - انظر تحريرات في الاصول 5: 275.

[ 89 ]

فالعموم ساقط، فتصل النوبة إلى إحراز فقد المانع أو وجود الشرط بالأصل المنقح، وقد أطالوا البحث في أمثال هذه المسألة، لكونها من صغريات بحث الأصل العدم المحمولي الأزلي، وجريان استصحاب الأعدام الأزلية واسلوب سلب الموضوعات، معركة الآراء. ولكن الذي يخطر بالبال وأشرنا إليه: أن في موارد اخر جريان الأصول العدمية التي تكون موضوعية، ليست حجة، كما في موارد الشك في القرشية، والقابلية، والتذكية، إذا اريد بها فهم حال الموضوع الخارجي، والتفصيل في محله. وأما فيما نحن فيه فلا بأس به، وذلك لأن مقتضى ما تحرر في العام والخاص، أن العمومات بعد التخصيص - بل والمطلقات بعد التقييد - وإن كانت بحسب اللب والثبوت مقيدات قطعا، لامتناع الإهمال الثبوتي، ولكنها بحسب الإثبات والقانون باقيات على حالها الأولية، فإذا جرى الاستصحاب في الشبهة الحكمية - على وجه يلزم منه التعبد بعدم انطباق عنوان المخصص والمقيد على المورد - فلا نحتاج إلى شئ آخر وراءه. مثلا: إذا شك في أن شرط الضمان في عقد الإجارة مخالف، أم لا، فالعام الوارد على عمومه باق، وإنما الشك في أن ذلك الشرط مخالف، أم لا. ولا شبهة في أنه لم يكن شرط الضمان في ضمن عقد الإجارة، مخالفا عند انتفاء جميع هذه القيود والإضافات، فإذا تعبدنا بأن شرط الضمان الآن أيضا غير مخالف، يلزم خروج مورد الشك عن تحت الخاص، واندراجه تحت العام وجداني، وبذلك يتم الكلام، وليس

[ 90 ]

وراءه شئ إلا من ناحية قلة التدبر في اصول البحث والمرام في المقام. فبالجملة: فرق بين بابي التخصيص والتنويع، فإن في موارد التنويع يكون كل من الموضوعين المتقابلين مقيدين ثبوتا وإثباتا، نحو " المسافر يقصر " و " الحاضر يتم " وفي باب التخصيص يكون الموضوع في ناحية المستثنى منه والمخصص، باقيا على إطلاقه إثباتا، وإن كان لأجل الاستثناء مقيدا ثبوتا، وليس مفاد الاستثناء والتخصيص إلا الإخراج من موضوع العام المستثنى منه باعتبار الحكم. فالعام المعروف: " المسلمون عند شروطهم " (1) باق على أن موضوعه هو الشرط، وإنما خرج من الشرط الشرط المخالف للكتاب، وليس حديث التنفيذ موضوعه إثباتا إلا نفس الشرط، والمانع عنه هي المخالفة للكتاب، فإذا جرى استصحاب نفي الموضوع وعنوان المستثنى منه، وكان جريانه صحيحا - أي قابلا لأن يكون نفس التعبد بعدم كونه مخالفا، كافيا لجريانه - لتم المطلوب، من غير حاجة إلى ما أطالوا حول القضايا، وكيفية الاعتبارات الواردة فيها، وحول كيفية تركب الموضوعات من الجواهر والأعراض، وغير ذلك. نعم، في جريان هذا الأصل العدمي الأزلي، إشكال يشترك معه سائر


1 -... عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: المسلمون عند شروطهم إلا كل شرط خالف كتاب الله عزوجل فلا يجوز. تهذيب الأحكام 7: 22 / 93، وسائل الشيعة 18: 16، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 6، الحديث 2.

[ 91 ]

الاصول العدمية الأزلية، حتى في استصحاب عدم الوجوب والحرمة والجعل، ضرورة أن الكتاب والحكم الإلهي في الإسلام وإن كان بحسب كونه فيما لا يزال من الأحداث الزمانية، ولكنه من المجعولات الأزلية، وإنما ظرف فعليتها متأخر، فلا يبقى زمان حتى نعلم بعدم المخالفة، لاحتمال كون الشرط المذكور مخالفا للمجعول بعد ما لا نعلم ذلك، فافهم واغتنم، ويطلب تحقيقه من الاصول. ومما ذكرنا يظهر حكم الشك في أن الشرط المجعول في طي العقد محلل حرام، أو بالعكس، وأنه يمكن إجراء الأصل على التقريب المزبور، ويندفع بما أبدعناه وأشرنا إليه آنفا. وحيث لا يجري الأصل المذكور، فإن كان التمسك بالعام في الشبهة المصداقية جائزا، كما هو الأظهر، ففي موارد الشك نرجع إليه. وأما رفع شرطية شئ لنفوذ الشرط، أو رفع مانعية المانع المتوهم عن صحة الشرط في ضمن العقد بحديث الرفع، فهو وإن كان ممكنا، إلا أن شبهة المثبتية تمنع، ولاسيما في الفرض الأول. اللهم إلا أن يقال: بأن الشك في صحة الشرط، ناشئ عما هو المرفوع بالحديث تعبدا، فلا يبقى الشك، ولا نطلب إلا ذلك، فلاحظ. ولو قطع النظر عن جميع هذه الامور، ورأينا أنه وقع شرط في طي عقد، وشك في أنه مخالف للكتاب، فلا تبعد كفاية دليل لزوم العمل على طبق العقد لوجوب الوفاء بالشرط، لأنه من تبعات ذلك العقد، ومن صحته بإطلاق ذاك الدليل، يكشف إنا عدم مخالفته للكتاب، حتى لا يلزم تخصيص بلا مخصص هو لا يكون من سنخ العام، أي حتى لا يلزم

[ 92 ]

تخصيص الدليل الأولي بالدليل الثانوي العرضي، فليتأمل جيدا. وغير خفي: أنه لانحتاج إلى تمامية قوله تعالى: * (أوفوا بالعقود) * (1) حتى يقال بأجنبيته عما نحن فيه، كما هو كذلك عندنا، بل يكفينا بناء العقلاء الممضى فتأمل، وبعض الأخبار الخاصة الواردة، فافهم.


1 - المائدة (5): 1.

[ 93 ]

الخامس عدم كونه منافيا لمقتضى العقد أي من شرائط نفوذ الشرط الذي يذكر في طي العقد: أن لا يكون مخالفا لمقتضى العقد. وقال في " الغنية " نافيا للخلاف: إن من الشروط الفاسدة، اشتراط ما ينافي مقتضى العقد، مثل أن لا يقبض المبيع، أو لا ينتفع به (1). ويظهر من بعضهم أنه باطل، مع اقتصارهم على ذكر الشرط الفاسد المخالف للكتاب. وحيث قد عرفت منا: أن الميزان في المخالفة هي مخالفة الشرط للأحكام التأسيسية السماوية، دون الإمضائية العقلائية (2)، فلابد وأن لا يرجع هذا الشرط إلى ما سبق، ويظهر أن استدلال الشيخ ثانيا


1 - الغنية، ضمن الجوامع الفقهية: 524 / السطر 36. 2 - تقدم في الصفحة 66.

[ 94 ]

لبطلانه: بأنه مخالف للكتاب (1)، في غير محله من هذه الجهة، لامن الجهة التي ذكرت في كلام المحشين (2)، لأنه باطل في الدليل الأول بالوجه الآخر، ولا بأس بأن يكون ما سبق دليلا على شرط آخر، لاختصاصه بدليل آخر، فتدبر. ثم إن هنا إطالة الكلام والغور فيما أفاده الأعلام، تضييع لأوقات أصحاب الأفهام، فلابد وأن نشير إلى ما يظهر لي في المقام الذي زلت وتزل فيه الأقدام، فنقول: تحقيق المسألة اعلم وعلى الله التكلان: أن كل شرط إن كان مناقضا لماهية العقد، وموجبا لعدم تحققه، إذا كان نافذا فهو خارج عن دليل الشرط المختص بالشروط الضمنية، لما يلزم من وجوده عدمه، كما ترى، وكل شرط أمكن الجمع بين مفاده وبين مفاد العقد فهو - حسب إطلاق أدلة الشروط وعمومها - نافذ بشرط أن لا يكون باطلا من ناحية من النواحي الاخرى. وعلى هذا، نحتاج لإبطال الشرط المتجمع مع مفاد العقد عقلا وعرفا إلى دليل من الشرع: من كتاب، وسنة، وإجماع، كما في كلام


1 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 281 / السطر 6. 2 - حاشية المكاسب، المحقق الإيرواني 2: 65 / السطر 13، حاشية المكاسب، المحقق الأصفهاني 2: 150 / السطر 11.

[ 95 ]

" الغنية " (1) وإلا فمجرد كونه منافيا لمقتضى العقد بالمعنى الآخر من المعاني الممكنة، غير كاف، كما هو الظاهر والواضح بالضرورة. وما قد يتوهم دليلا عرفيا على البطلان هنا غير الدليل الشرعي، فهو من الاشتباه، فإن الاستدلال على أن شرط عدم القبض مثلا باطل، لكونه خلاف مقتضى العقد، فإنه حسب العادة والنوع، وإلا فربما يتعلق الأغراض الاستثنائية بنفس المالكية الاعتبارية. ولايجوز أن يقال: إن الميزان هي الأغراض العادية، لأن تلك الأغراض الاستثنائية، موجبة لصحة المعاملة عند كافة العقلاء في صورة ابتلائهم بها. نعم، الابتلاء قليل ونادر، ولكن حكمهم بالصحة على العنوان الكلي، ودركهم لنفوذ العقد أو الشرط، موجود، ولاقصور في أدلة العقود والشروط. هذا هو الضابط الكلي، والحجر الأساس. ولنعم ما حكي عن بعض مقاربي العصر: من عود الشرط هنا إلى النقض وإلى المشترط (2)، أي يكون مفاده مناقضا لمفاد العقد. وما أفاده الوالد المحقق - مد ظله - من الدقة حول العنوان الموجود (3)، خال من التحصيل، فإن الحق أحق أن يتبع مما في عقول الرجال. نعم، كشف الإجماع ومعقده يحتاج إلى التدبر في معقده، والأمر هنا


1 - الغنية، ضمن الجوامع الفقهية: 524 / السطر 36. 2 - لاحظ الإجارة، المحقق الرشتي: 62 / السطر الأول. 3 - البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 5: 184 - 185.

[ 96 ]

- ولاسيما في مثل إجماعات " الغنية " - واضح لفضلاء العصر، فضلا عن محققيه، فلا تخلط. تذنيب: ذكر بعض الشروط المخالف لمقتضى العقد بعد ما تبين ما هو الأصل والميزان، يبقى الكلام في تشخيص الموارد، وهو عندنا - ولاسيما على ما سلكناه في هذا الكتاب، ويؤيد كثيرا ما أبدعناه ما يستظهر منهم (رضوان الله تعالى عليهم) هنا - واضح جدا. الأول: اشتراط عدم القبض في البيع شرط عدم القبض باطل، لما عرفت من أن حقيقة البيع هي المبادلة الخارجية في جهة اعتبارية، وعلى ما أفاده القوم يلزم صحته، لما لا تنافي بين ماهية البيع عندهم، وهذا الشرط بالضرورة، لإمكان تعلق الغرض - كما مر - بالملكية الاعتبارية استثناء. ومن الغريب أن السيد الوالد المحقق - مد ظله - مع ذهابه إلى أنه ربما يصح بيع ما لا مالية له، لأغراض اخر، مثل بيع الفأرة والعقارب (1)، فإنه عنده لابد وأن يجوز أن يبيع على أن لا يقبض، بل ويتلفه!! ولو كان المناط على الأغراض النوعية العادية لما صح بيعها رأسا، مع أن ذلك ربما قد يتفق أحيانا، كما اتفق حسبما نقلوه، فإن بعض


1 - البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 3: 3.

[ 97 ]

الحكومات ربما يشترون الحيوانات المضرة بالمزارع، ويكيلون ما يشترونه، ثم يحرقونه، نظرا إلى خطر هذه الحيوانات على مصالح المسلمين والامة، وإذا كان الأمر كذلك، فكيف لا يجوز اشتراط عدم القبض (1)؟! نعم، حيث إن البيع حقيقة المبادلة الخارجية - كما في اللغة - لا معنى لذلك قطعا. وأما صحة هذا، فهي لأجل أن اشتراط عدم الإقباض، يرجع إلى أن يكون قبض المشتري قبضه بإفنائها، أو أن يكون في قبضته، كما لا يخفى. بل ربما يجوز أن يشتري شيئا، ويشترط على البائع إتلافه، لأنه مورد غرضه، نعم ربما يلزم بطلانه، لأن إتلاف ماله خلاف الكتاب، اللهم إلا إذا كان في بقاء وجوده ضرر عليه عرفا، أو مالا، أو نفسا، فاغتنم. الثاني: اشتراط عدم الملكية في البيع اشتراط عدم الملكية صحيح عندنا، وباطل عندهم، وذلك لأن البيع عندهم هي المبادلة في الملكية، وأما هي عندنا فأعم من ذلك ومن المبادلة في السلطنة المقابلة للملكية، وهذا مما لا بأس به، وقد يتعلق به الغرض، أو في الإباحة في مطلق التصرفات، أو التصرفات الخاصة، فأصل المبادلة لازم، وأصل التمليك الأعم من التسليط لازم، وهو النوع الخاص منه، فيمكن اشتراط خلافه بعد كونه مورد الغرض،


1 - البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 5: 186.

[ 98 ]

وليس سفهيا. نعم، لو باع وبادل، وشرط عدم حصول شئ من هذه الامور، فهو باطل، لكونه مضادا لمفاد العقد وماهيته الاعتبارية، لأنه نظير أن يشترط عدم تحقق البيع، فإنه لا يعقل ترشح الإرادة الجدية من الملتفت، وأما من غير الملتفت فهو وإن أمكن، ولكن حيث لا أثر له يلزم بطلانه من جهة اخرى. وأما اشتراط المالك عدم تحقق البيع الموضوع لحكم العقلاء بالملكية، ويتحقق البيع الإنشائي الشبيه بالفضولي، كمامرمنا في أقسام العقد الفضولي، فهو جائز، لأن النظر إلى تحقق الموضوع القابل للتأثير عند لحوق الإجازة، ويشترط ذلك الشرط نظرا إلى الحاجة إلى التدبر، ولكن ذلك باطل من جهة أن البيع العقدي ليس عندنا بيعا، والفضولي، ليس بيعا، ويصير بالإجازة بيعا، إلا أن العقد على الوجه المذكور جائز، فإذا أنشاء عقد البيع فهو يصلح لأن يصير بالإجازة ورد المتبادلين بيعا وقد مر تحقيق الفرق بين عقد البيع وذاته. فبالجملة: الشرط المذكور على الوجه المزبور جائز، فلاحظ. الثالث: اشتراط الخروج عن ملك المشتري بالبيع أن يشترط في طي العقد أن يصير وقفا، أو ينعتق قبل أن يدخل في ملكه، أو يصير ملك الأجنبي، فإن كل ذلك صحيح عندنا وقد ابطلوه، وذلك لما مر من أن حقيقة البيع هي المبادلة في ناحية العوضين، وأما كون

[ 99 ]

طرف الإضافة أيضا نفس المالكين الأولين، فهو - مضافا إلى ممنوعيته حسب تعريف البيع في اللغة، ولاسيما تعريف " المصباح " (1) - غير معتبر عند العرف والعقلاء. وما اشتهر (2): من دخول المعوض في محل خروج العوض، وبالعكس، من الشهرة التي لا أصل لها إلا بحسب المتعارف. وأما ماهية البيع فهي تتحقق بالأعم، وتفصيله محرر في كتاب البيع، فلاحظ جيدا. وأنت إذا تأملت في كل ذلك تجد: أن إبطال هذه الامور يحتاج إلى التكلفات، كتكلفهم لبطلان شرط عدم القبض بما في كلام الوالد المحقق (3) الذي هو أحسن تقريب هنا للحق إنصافا، فليراجع. هذا فيما إذا قلنا: بأن الوقف مملوك الموقوف عليهم، فإنه يصير كالمثال الثالث من أمثلة هذا البحث. وأما على ما هو الحق حتى في الوقف الخاص فيشكل، لأن حقيقة البيع هي المبادلة الخارجية في جهة من الجهات، فلابد من القبض والإقباض، وأن ماهية البيع هي المعاطاة الخارجية التي كانت من الأول مستحدثة، وعقد البيع معاقدة على المبادلة، ومعاهدة على القبض والإقباض بعنوان " البيع " لا الوفاء، فعندئذ كيف يعقل اشتراط أن


1 - المصباح المنير: 69. 2 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 128 / السطر 26. 3 - البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 5: 186.

[ 100 ]

يصير وقفا؟! نعم، اشتراط أن يوقفه صحيح قطعا، كاشتراط بيعه وهبته وهكذا، بل واشتراط بيعه من نفسه فيما إذا كان مورد الغرض العقلائي، فلا تخلط. اللهم إلا أن يقال: إن الوقف لا ينافي كون المشتري مسيطرا عليه، وذلك لكونه جائزا، فله إرجاعه إلى نفسه، أو يكون هو تحت سلطانه، لأن الواقف أولى بالوقف من غيره عند العقلاء، وهذا كاف في المقام. الرابع: اشتراط كون المبادلة بلا عوض لو اشترط أن يكون البيع بلا ثمن، أو الإجارة بلا اجرة، فإنه باطل لو اريد به أنه بحسب مقام المبادلة في الملكية، بلا عوض. وأما المبادلة بتسليط المشتري على المبيع، دون أن تحصل سلطة البائع على الثمن خارجا، كما قد يتفق أن لايعطيه، ولايفي المشتري بالمبادلة، ولا يرجع إليه البائع أصلا، فإنه صحيح، فلو كان مفاد الشرط ذلك، فلا منع عن صحته، لعدم منافاته لمقتضى ذات العقد وماهية البيع. بل كان في نفسي: أن حقيقة البيع، هو الإعطاء والأخذ مرة واحدة، متعلقين ذلك الإعطاء والأخذ بالمعوض بحسب الماهية، ولكن بحسب الوجود لا يكون هذا إلا مع عوض ما، معين كان، أو غير معين، وبذلك يمتاز البيع في رتبة الماهية عن الصلح وأشباهه. والأمر كذلك في الإجارة بلا اجرة.

[ 101 ]

ونظير ذلك أن يكون مفاد الشرط اختيار المشتري أن يعطي الثمن، أو لا يعطي، فإنه لابد من تقدير الثمن في المبادلة، ولو أعطى لا يصير ذلك هبة معوضة، بل هو من إعطاء ثمن المبيع، وإذا لم يعط لا يكون البيع مراعى بذلك، فليلاحظ جيدا. الخامس: اشتراط المحجورية عن التصرفات بأن يشترط أن لا يبيع، ولا يهب، أو أن لا يكون له السلطنة على ذلك، أو غير ذلك، فإنه صحيح عندنا، لأن قصة تحديد السلطنة وضعا، أو ممنوعيته عن التصرف - على وجه لو تصرف يكون نافذا - من الأحكام العقلائية الإمضائية. هذا مع أن عدم البيع من الامور التي رخص فيه الشرع. اللهم إلا أن يقال: إنه يرجع إلى تحليل الحرام، وتحريم الحلال، لما لا معنى له إلا ذلك. وكون الشارط مسلطا على هذا الشرط في حدود سلطنته بالنسبة إلى المبيع، لا ينفع بعد منع الشرع عن تحريم الحلال، كما منعه الشارع عن التبذير (1) والإسراف (2)، والمشروط عليه ليس له السلطنة على المبيع بعد حتى يقال: إن قبوله من إعمال السلطنة، لاتحديدها. فعلى ما تحرر يشكل صحته على مسلكهم، دون ما سلكناه. وعلى كل تقدير: غير مربوط بمسألة الشرط المخالف لمقتضى


1 - الإسراء (17): 26 - 27 * (لا تبذر تبذيرا إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين) *. 2 - الأعراف (7): 31 * (كلوا واشربوا ولا تسرفوا) *.

[ 102 ]

العقد، فإن المبادلة هي تحصل، والملكية أو المعنى الأعم أيضا حاصلة، والتقيدات منافية لما هو الخارج عن حدود الماهية، فيشملها عموم أدلة الشروط. بل قد عرفت: أن اشتراط محجوريته عن مطلق التصرفات أبدا، غير ممنوع إذا لم يرجع إلى السفاهة، أو لم يرجع إلى عدم تمكنه من العقد الجدي اللازم في تحققه. فما نسب إلى الشهرة من بطلانه (1)، فربما كان لأجل ما يجدونه من أنه خلاف الكتاب، كما اشير إليه، ولذلك استشكل العلامة في بطلانه (2)، وقوى الآخر صحته (3). السادس: اشتراط عدم التصرف مطلقا في النكاح بأن يشترط في ضمن عقد النكاح، ممنوعية الزوج عن مطلق التصرفات المعتبرة، ويكون النظر إلى المحرمية والمحرمية الخاصة بالنسبة إلى الاخت والام، فإنه عندنا من جهة الشرط مما لا بأس به. إلا أن نفوذ النكاح بلا شرط بقصد المحرمية والمحرمية، محل تأمل، لما لادليل شرعي يستظهر منه تجويز النكاح على هذا الحد، ضرورة


1 - لاحظ جامع المقاصد 4: 414، مفتاح الكرامة 4: 731. 2 - انظر تذكرة الفقهاء 1: 489 / السطر 42. 3 - انظر المكاسب، الشيخ الأنصاري: 281 / السطر 16.

[ 103 ]

أن المحرمية والمحرمية من الأحكام السماوية، دون العقلائية، وهي مترتبة على ما هو النكاح العقلائي. فإحداث النكاح بداعي تلك الأحكام وإن كان ممكنا ثبوتا، ولكن محل تأمل إثباتا، ضرورة أن النكاح والزواج كان لأغراض، من التناسل، وإيجاد العائلة، والتعاون الخاص في محيط معين، فلولم يكن يترتب عليه شئ من ذلك، فكونه مع ذلك عقلائيا مشكل. وليس نتيجة ذلك انفساخ النكاح، بعد سقوط تلك الآثار بالنسبة إلى النكاح الموجود، لاختلاف نظر العرف بين الفرضين، فالمهم وجود دليل عام يقتضي ذلك. وتوهم توجه هذا الإشكال بالنسبة إلى عموم أدلة الشروط وإطلاقها، ولا أقل من انصرافها الذي هو بحكم القيد المتصل، في غير محله، لأن ما مر كله من الأغراض العقلائية القليلة الابتلاء، وفرق بين إيجاد الموضوع العقلائي لذلك الغرض النادر، وبين إيجاده للحكم الشرعي الإلهي، ولأجل ذلك استشكلنا في قواعدنا في كتاب النكاح (1) في صحة العقد للمحرمية والمحرمية بين الصغار، أو الصغير والكبير، أو بين الكبار الساقطة الآثار البالغة إلى حد الإقعاد، فتأمل. وهم ودفع لأحد دعوى: أن شرط الممنوعية عن التصرفات على الإطلاق - بعد كون المرأة قابلة - صحيح، وذلك لأن بعد قبول الشرط والتخلف، لا يكون


1 - كتاب النكاح من تحريرات في الفقه (مفقود).

[ 104 ]

تصرفه من التصرف في الأجنبية، ولايكون ولدهما من الزنا وهكذا، وهذا كاف لصحة النكاح العقلائي، فيكون الشرط صحيحا كما لا يخفى. وفيه: أنه مع كونه بانيا من أول الأمر على ذلك، فلا يصح الشرط، لما لا يكون جديا فيه، وقابلا له حقيقة وإن كان بانيا على العمل بالشرط، فلابد وأن يكون نكاحه غيرسفهي، وهولا يحصل إلا بقصد المحرمية والمحرمية، فيلزم الإشكال في العقد أولا، ثم في الشرط ثانيا، فافهم واغتنم. بقي شئ: في صحة مطلق الشروط العقلائية قضية ما تحرر منا، أن مقتضى الصناعة صحة جميع الشروط، إلا الشرط المخالف للكتاب كما مر، وقد عرفت أنه أيضا من الامور التي ترجع إلى عدم عقلائية الشرط، وقصور الأدلة. وهكذا الشرط المخالف لذات العقد، لأنه أيضا ينافي عقلائية الشرط، وعقليته أيضا، لما لا يعقل ثبوتا الجمع بينهما. وما يمكن الجمع بينه وبين مفاد العقد، ولم يرجع إلى فقد بعض الجهات الاخر السابقة الذكر اللازم اعتبارها، يكون نافذا، إلا إذا ادعي الإجماع على خلافه ادعاء معتبرا، وهو قليل جدا. مع أنه كثيرا ما يكون معللا ولاسيما في أمثال المقام، فليلاحظ جيدا. نعم، ربما يخطر بالبال دعوى: أن أدلة الشروط قاصرة عن تصحيح

[ 105 ]

مطلق الشرط العقلائي، فإن عقلائية الشرط إذا كان قليل الوجود والابتلاء - كما مر من الأمثلة - يجوز أن لا تكون شرعية ونافذة، لأن تنفيذ العقود والشروط التي تدور عليها رحى سياسة البلدان لازم، حفظا للنظام من الاختلال، وخوفا من أن لا يقوم سوق، وأما في الأمثلة النادرة فلا مهمة للشرع. إلا أنه مع ذلك لا يضر بالعموم والإطلاق، لأن سياسة المنزل وإدارة الأغراض النادرة، أيضا مما يلزم أحيانا، توسعة على العباد، ونظرا إلى الرغبة في الدين السهل السمح، فلا تخلط. السابع: اشتراط ضمان العين في الإجارة في جواز شرط ضمان العين في عقد الإجارة قولان: المشهور عدمه (1)، وذهب الفقيه اليزدي وجمع إلى الجواز (2). والذي هو الوجه لكونه خلاف مقتضى العقد: أن المشهور المتفق عليه بطلان الإجارة حين تلف العين (3)، فيكون عقد الإجارة من مقتضياته بقاء العين المستأجرة إلى آخر زمان الإجارة، فإذا تلفت


1 - لاحظ جواهر لكلام 27: 216. 2 - رياض المسائل 2: 3 / السطر الأخير، حاشية المكاسب، السيد اليزدي 2: 115 / السطر 21، العروة الوثقى 2: 600. 3 - لاحظ جواهر الكلام 27: 278.

[ 106 ]

العين تبطل الإجارة من حين التلف، حسبما هو المصرح به في كلامهم (1)، وإذا انعدم العقد لا يبقى موضوع للشرط المتوقف بحسب الماهية عليه، لأنه من تبعاته، والشرط ماهيته أن يكون ضمنيا، كما هو المفروض، وقد فصلنا المسألة بفروعها ومحتملاتها في قواعدنا الإجارية في الأيام السالفة (2)، وذكرنا هناك وجه صحة الشرط. وربما يختلف المباني في حقيقة الإجارة بالنسبة إلى هذه المسألة، نظرا إلى إمكان الالتزام بعدم بطلان عقد الإجارة بتلف العين، كما هو كذلك في البيع، وذلك لأن بالإجارة يملك المستأجر منفعة الدار الشخصية، إلا أن المنفعة تكون كلية. أو يكون العقد باقيا، لظهور الثمرة في الإقالة ورجوع المسماة، بناء على جواز الإقالة من الأول. أو يكفي لضمنية الشرط حدوثه في طي العقد، ولا يعتبر بقاؤه لنفوذه. أو يقال: إن بالشرط يشتغل ذمة المستأجر بقيمة العين حين التلف، فيكون نتيجة الشرط اشتغال الذمة وإن لم يبق الشرط المتقوم بالضمنية، فتدبر. فما أفاده سيدنا الاستاذ البروجردي هنا وجها لبطلان الشرط حين


1 - شرائع الإسلام 2: 144، العروة الوثقى 2: 590، تحرير الوسيلة 1: 577، المسألة 21. 2 - قد صنفها بقم المقدسة وهي مفقودة.

[ 107 ]

بحثه عن مسائل الإجارة (1)، قوي جدا، إلا أنه مع قوته قابل للدفع والحل، فتأمل. وما أفاده الوالد المحقق - مد ظله -: " من أنه شرط مخالف للكتاب، حسب الأخبار الخاصة الدالة على عدم الضمان " (2) فهو عندهم غير تام، لأنه من أحكام إطلاق العقد، لا مطلق العقد. نعم، على ما اختاره ميزانا في الشرط المخالف (3) لا يبعد بطلانه، ولكنه خلاف مختاره في كتاب الإجارة (4). ويمكن دعوى: أن الأخبار الخاصة (5) لا تفيد جعل عدم الضمان، بل هي تدل على السلب المحصل اصطلاحا، لا الإيجاب العدولي، فما تدل عليه من نفي الضمان - لعدم وجود المقتضي له - فيسلب الضمان سلبا محصلا، وهذا لا ينافي الضمان عند الاشتراط فتأمل. وقد عرفت: أنه إذا لم يكن من الأحكام التأسيسية الشرعية السماوية، لا يلزم منه بطلان الشرط المخالف، على ما أسسناه (6).


1 - لم تطبع تقريرات ما أفاده السيد الحجة آية الله العظمى البروجردي بقم المقدسة بعد. 2 - البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 5: 193. 3 - البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 5: 166 - 167. 4 - انظر العروة الوثقى 2: 600، الهامش 2. 5 - وسائل الشيعة 19: 155، كتاب الإجارة، الباب 32، الحديث 1 و 2. 6 - تقدم في الصفحة 66.

[ 108 ]

حكم الشرط المخالف لمقتضى العقد في سائر العقود ومن هنا يظهر حال الاشتراط في ضمن سائر العقود، كالعارية، والوكالة، والوديعة، والشركة، والمضاربة، فإن الشرط المنافي للمقتضي ينتهي إلى بطلان نفسه، وإلا فيصح كلاهما، ولا ثالث إلا من ناحية قصور أدلة الشروط، أو دليل الوفاء بالعقد على وجه يشمل الوفاء بالشرط. نعم، في خصوص العقود الجائزة إشكال، من ناحية إمكان صحة انصراف دليل نفوذ الشرط عنه، كعقد الشركة وأمثاله من العقود الجائزة، ولذلك اختلفوا فيه، ولعل الأكثر على البطلان، وليس منشأه الشبهة العقلية، كما قد يتوهم، بل أساس الشبهة قصور ذلك. ومن المحتمل سراية لزوم الوفاء بالشرط إلى العقد، فيصير لازما بالعرض، فالشرط متقوم بالعقد في الوجود، والعقد متقوم بالشرط في اللزوم، فليلاحظ جيدا. ثم إن إطالة الكلام حول ماهية بعض العقود وأحكامها وأنواعها، هي هنا من اللغو المنهي. مع أن الفقيه يجب عليه الاحتياط، وهذا لا يحصل إلا بإيكال أمر كل عقد بحسب هذه الجهات إلى كتابه، لإمكان قصوره في استيفاء حق البحث والفحص، وأما ما هو أصل البحث هنا، فهو ما أشرنا إليه من حديث الاقتضاء وحدود دخالته.

[ 109 ]

بقي شئ: حول حكم الشك في شرط أنه مخالف لمقتضى العقد مقتضى ما تحرر منا في بيان كبرى المسألة، أنه لا يبقى مورد يشك في أنه مخالف لمقتضى العقد، كما أن قضية ما صححناه في الموارد التي اتفقت كلماتهم على بطلانه، صحة سائر الشروط في ضمن سائر العقود بالأولوية القطعية، لخروجه عن حديث الاقتضاء. وأما في موارد الشك في نفوذ الشرط في ضمن عقد - لأجل كونه خلاف المتعارف - فلا يمكن تصحيحه بمراجعة دليل الشرط وغيره، لأن منشأ الشبهة في صحته قصور الدليل، فلا يصلح العموم لحل المشكلة، ولا الإطلاق بالضرورة. وما في ذيل كلام الشيخ (رحمه الله) هنا: من المراجعة إلى أصالة ثبوت ذلك الأثر على الوجه الثاني، فيبقى عموم أدلة الشروط سليما عن المخصص (1)، انتهى، فهو غير راجع إلى محصل، بعدما عرفت أنه لا يبقى مورد يشك في أنه مخالف لمقتضى العقد. نعم، بناء على سائر التفاسير يمكن الشك، ويكون مراده (قدس سره) هنا من " الأصل " أصلا عقلائيا واستظهارا عرفيا من الأدلة، لأن ثبوت الحكم لموضوعه - على وجه يكون الشرط مخالفا لمقتضى ذلك العقد والموضوع، بالنسبة إلى حكمه وأثره - يحتاج إلى القرينة الخاصة والمؤونة الزائدة. وعلى هذا لا يتوجة إليه الإشكال الواضح، لأن


1 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 282 / السطر 7.

[ 110 ]

المسموع بين الأصاغر - فضلا عن الأكابر، ولاسيما رئيسهم - أن الأصل العدم، والأمر سهل، فتأمل. تنبيه: في التمسك بالعام عند الشك أو الاستصحاب بناء على كون الشرط المخالف لمقتضى العقد باطلا على وجه لا يلزم منه بطلان العقد، ويكون على وجه لا يرجع إلى أن بطلانه مستند إلى كونه مخالفا للكتاب، فيكون هو بعنوانه باطلا، فيمكن - على ما تحرر في البحث السابق - إجراء الأصل الموضوعي المنقح، وتصير النتيجة سلب عنوان المخصص لأدلة الشروط عن مورد الشك بعد كونه كليا، ويصير العام صالحا للمرجعية، لو لم نقل بصلاحيته للمرجعية من غير حاجة إليه، نظرا إلى جواز التمسك به في الشبهة المصداقية. نعم، حيث إن مقتضى العقد على هذا الفرض، قابل للسلب شرعا، وللجعل والإمضاء إثباتا، لعدم كونه من لوازم الماهية غير القابلة للانفكاك عن العقد، يلزم الإشكال الذي أبدعناه في جريان هذه الاصول كلها، ضرورة أن المانع عن صحة الشرط هو كونه خلاف مقتضى العقد، بعد إمضاء الشرع ذلك الاقتضاء، أو شرط صحة الشرط هو كونه غير مخالف لمقتضى العقد الممضى عند الشرع، أو هو أن يكون موافقا له. فإن كان من الثالث، فعدم جريانه واضح. وإن كان من الفرضين الأولين، فالإمضاء ليس من الامور الحادثة

[ 111 ]

عند طلوع الإسلام، وبعد ظهور الدين الناسخ للديانات السابقة، بل هو - كسائر الحوادث الكونية - متأخر وجودا، وقديم إرادة وإمضاء ورضا، نظير الواجبات المعلقة، فلا حالة سابقة لنا حتى نتمسك باستصحابها. وهكذا استصحاب عدم الجعل، وعدم الوجوب والحرمة، وعدم النسخ، وغير ذلك من العدميات المقطوع بجريانها عند كافة الأصحاب صناعة وإجماعا، مع أنه غير صحيح، لأنه لاعلم بعدم الوجوب السابق، بل عدم وجوب شئ، لو كان مجعولا قابلا للاستصحاب كان أزليا، وإنما اخر حسب المصالح إلى عصر الإسلام، وليس عدم الإيجاب حادثا بحدوث الزمان المتأخر، كما هو واضح عند أهله، ومخفي على جاهليه، والله ولي الأمر والتوفيق. الثامن: اشتراط الوقت لبقاء العقد لو شرط في ضمن عقد البيع أو ما يشبهه أن يكون موقتا، فيبادل المالين إلى زمان كذا، فالظاهر منهم بطلانه، بل هو ضروري عندهم، لأنه خلاف ذات العقد، دون إطلاقه، فإن ماهية البيع مبنية على الإطلاق. وقد خالفهم في ذلك العلامة الطهراني (رحمه الله) حيث قال: " بأن الإجارة بيع من حيث إلى حيث " (1). ولازمه عدم كون الشرط المذكور خلاف ذاته.


1 - لم نعثر عليه.

[ 112 ]

نعم، هو خلاف مقتضى إطلاقه، أي خلاف مقتضى العقد بعد وجوده من غير تقييد، فما هو خلاف الماهية لاربط بوجود العقد في مخالفته، وما هو خلاف إطلاقه مربوط بوجود العقد إذا لم يقيد بشئ. ويمكن دعوى: أنه شرط خلاف مقتضى العقد، من غير كون الماهية تقتضي عدمه، أي يكون مستوجبا للإطلاق، فإن تفسير البيع " بأنه تمليك عين بعوض " ساكت عن التحديد بزمان، وهكذا تفسيره " بالمبادلة " وغيرها. وهذا الشرط وحيد في كونه خارجا عن مقتضى طبيعة العقد وماهية البيع، وداخل في كونه خلاف مقتضى نفس العقد بعد وجوده، فإن سائر الأمثلة إما ترجع إلى خلاف الماهية المنتهية إلى عدم إمكان تحققها ذاتا، أو ترجع إلى أنها ليست من الشروط المخالفة لمقتضى العقد، بل ترجع إلى الامور الأجنبية. مثلا: اشتراط تحديد سلطنته بالنسبة إلى المبيع، أو الشروط الراجعة إلى الزوجة، أو غير ذلك، فإنها كلها بعيدة عن مقتضى العقد، وقريبة إلى المسببات وآثاره، واستنادها إلى العقد مع الوسط مجاز غير جائز، وأجنبي عن حدود الاقتضاء المستند إلى العقد. أقول أولا: قد مر منا في خيار شرط رد الثمن: أنه يرجع في الحقيقة إلى تحديد البيع لبا إلى ذلك الوقت المجهول، وقد صححه الأخبار (1)


1 - وسائل الشيعة 18: 18، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 7، الحديث 1. (

[ 113 ]

والأصحاب (1) بلا إشكال، ضرورة أن لازمه مبادلة المالين إلى ذلك الوقت الذي ينفسخ فيه العقد. وثانيا: أن سعة الامور الاعتبارية وضيقها، تابعة لسعة الحاجة إليها في السياسات الاجتماعية، ولا شبهة في إمكان كون المبادلة بين العينين واقعا إلى زمان خاص، على وجه لو أخل أحدهما، ونقل العين في زمان قبل بلوغ ذلك الزمان الخاص، يصح نقله، ولايكون إخلاله من المخالف للشرع والشرط، فعلى هذا لا يكون هذا الأثر من الآثار غير القابلة للردع والسلب في محيط العرف والشرع، ولا إجماع تعبدي على خلافه. نعم، لا معنى لإرجاع الإجارة العقلائية في عصرنا هذا إلى البيع، ولا لإرجاع البيع إلى الإجارة في بعض الصور، كما حررناه في تحريراتنا الإجارية (2)، لعدم المقتضي لذلك الإرجاع عند العقلاء فعلا، ولامنع عنه عقلا بعد ذلك. فلو باع داره على أن تكون هي بنحو شرط النتيجة ملكه عند تخلف المشتري من شرط كذائي إلى وقت محرر، صح ذلك البيع والشرط عندنا، ما لم يثبت إجماع تعبدي، وهذا هو في الحقيقة بيع إلى حد على وجه الشرط. وربما يأتي في الأزمنة الآتية اعتبار العقلاء لبيع الدار إلى زمان


1 - البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 4: 223 - 224. 2 - كتاب الإجارة من تحريرات في الفقه (مفقود).

[ 114 ]

كذا، من غير كونه مقيدا بالمنفعة الخاصة، حتى يندرج في الإجارة، بل هو بيع إلى زمان كذا، فإن بقيت إلى ذلك الزمان ترجع إلى مالكها بانفساخ العقد، أي بتمامية موضوعيته للأثر وحكم العرف، وإن تلفت أو انتقلت إرثا أو بالاختيار إلى غيره، فلا ترجع إليه. وأما ممنوعية المشتري في هذه الصورة عن النقل في الزمان المذكور، فهي تحتاج إلى ضميمة شرط آخر لايؤدي بطلان النقل وإن كان خلافه إثما وعصيانا، كما لا يخفى. ويشبه هذه المسألة، البيع مع بناء المتعاقدين على الإقالة في الزمان المعين، لغرض من الأغراض العقلائية. ومنه يظهر حكم اشتراط عدم كونه موروثا ويبقى بعد موت المشتري بلا مالك، ومن قبيل المال المعرض عنه، وجلا عنه أهله، فإنه ليس من الشرط المخالف للكتاب، لأن ما هو المخالف هو أن يرث من لا يرث، أو لا يرث من يرث، أو يرث أكثر من الفرض، أو الأقل منه، وأما هذا فهو هدم لموضوع الإرث، لأنه يخرج بموته عن التركة موضوعا. تذييل في تأييد لاستقلال هذا الشرط مما يؤيد ما أبدعناه (1) في هذا المضمار: أن الشرط المخالف لمقتضى العقد مستقل، والشرط المخالف للكتاب أيضا شرط آخر


1 - تقدم في الصفحة 66.

[ 115 ]

مستقل في صحة الشروط المذكورة في ضمن العقود، ولو كان المراد من " الكتاب " أعم من الشروط التأسيسية والإمضائية، للزم اتحادهما، ولذلك استشكل في التعدد بعض مشايخنا - مد ظله - (1). وبعبارة اخرى: الشرط المخالف لمقتضى العقد - على وجه فسرناه - يرجع إلى الشرط الهادم لنفسه، لأنه شرط مضاد للعقد الذي يعتبر وجوده في صحة الشرط في الجملة، بناء على عدم صحة الشروط البدوية ولو تعبدا، وهذا خلاف ظاهر كلماتهم. وإرجاعه إلى الشرط السابق، كما في حواشي كثير من المحشين (2)، نظرا إلى الدليل الثاني المذكور في كلام الشيخ (3)، أيضا غير صحيح. فينحصر الأمر بما ذكرناه: وهو أن الشرط المخالف للكتاب هو الشرط المخالف للحكم الإسلامي التعبدي، أو الحكم الموروث من السلف، ويكون من الأحكام السماوية السابقة، وأما الشرط المخالف لمقتضى العقد، فهو الشرط المخالف للبناءات العرفية، وللأحكام الإمضائية الإسلامية، فليلاحظ جيدا.


1 - لم نجزم بمراده من بعض مشايخه. 2 - لاحظ حاشية المكاسب، المحقق الخراساني: 242 / السطر 7، حاشية المكاسب، السيد اليزدي 2: 112 - 113. 3 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 281 / السطر 6.

[ 117 ]

السادس أن يكون معلوما أي من الشرائط التي قيل - بل اشتهر - دخالته في نفوذ الشرط المذكور في طي العقد: معلومية الشرط أو يضر بصحته جهالته، فتكون الجهالة مانعا، على ما مر في البيع (1)، فإن بين الاعتبارين اختلافا في الآثار. وحيث قد عرفت منا: أن اعتبار المعلومية، أو مضرية المجهولية، أو اعتبار عدم المجهولية في أصل البيع، ليس من الشروط العقلائية إلا في الجملة، ولا دليل شرعا في أصل البيع على الإطلاق. وذكرنا في طي البحوث الماضية شواهد المسألة، والإجماعات المحكية معللة غير منقحة، مع أن المرسلتين (2) غير كافيتين سندا


1 - مما يؤسف له أن هذه المباحث فقدت ولم تصل إلينا. 2 - قد نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عن بيع المضطر، وعن بيع الغرر. عيون أخبار الرضا (عليه

[ 118 ]

ودلالة، ضرورة أن النهي عن بيع الغرر ولو كان مسندا كما مر، ولكنه غير تام دلالة، وإلا يلزم اعتبار العلم بالمالية والقيمة السوقية، ولازمه بطلان البيع المغبون فيه، كما قويناه من جهة اخرى، وأيدناه بذلك. مع أنه لا يوجب اعتبار الشرط المذكور في الشرط على الإطلاق، لرجوعه إلى الجهالة في العقد بالنسبة إلى بعض الشروط، فيكون بطلان العقد مستلزما لبطلان الشرط، بعد كونه ضمنيا عندهم في الجملة. وحديث إلغاء الخصوصية عن أصل البيع - بأن يكون المنهي نفس الغرر، كي تكون هذه المرسلة المسندة في بعض الكتب غير المعتبرة عندنا، مثل المرسلة الاخرى المتمسك بها في كتب الشيخ والعلامة (1) - لا يرجع إلى محصل، لأنه يلزم منه عدم بطلان الشرط، لأن النهي يتعلق حينئذ بأمر خارج عن المعاملة منطبق عليها، فلا تغفل. وإن كان الملغى عنوان " العينة " دون القرار المعاملي، فهو مما لا بأس به من هذه الجهة، إلا أن إتمام هذا الإلغاء غريب في مثل الشروط. مع أن في كثير من الموارد، يصح البيع مع الجهالة، كما مر في كتاب البيع. هذا مع أن " الغرر " بمعنى الجهالة، غير معهودة، وانجبار المعنى


= 45 / 168، وسائل الشيعة 17: 448، كتاب التجارة، أبواب آداب التجارة، الباب 40، الحديث 3. نهى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن بيع الغرر. الخلاف 3: 319 و 330. 1 - الخلاف 3: 319 و 330، مختلف الشيعة 386 / السطر 3.

[ 119 ]

والمفاد بفهم العامة والخاصة، غير معلومة صحته، وغير ثابت جدا، لأنه مجرد نقل في بعض كتب المتأخرين. فعلى كل تقدير: قد مضى أساس البحث في محله، فلا خير في إعادته. تذييل: في عدم ثمرة لشرط المعلومية في الشروط وربما يقال: بأن هذا الشرط غير تام هنا، لأنه إن كان يرجع إلى جهالة العوضين، فبطلانه مستند إلى بطلان المعاملة، وإن كان لا يرجع إليه، فيكون من الشرط المخالف للكتاب، لأن المعتبر معلومية الشرط، فإذا شرط شرطا مجهولا يكون باطلا، لكونه خلاف الكتاب، فيندرج في المسائل السابقة. وهو بمعزل عن التحقيق في الشقين، ضرورة أنه في الشق الأول، يكون النظر إلى اعتبار معلومية الشرط، لأجل أن يقع صحيحا بصحة العقد المقرون به، وإن كان عدم معلوميته مستلزما لبطلان العقد المستلزم بطلان الشرط. هذا مع أن بطلان العقد، لا يستلزم بطلان الشرط عند التحقيق، لأن الشرط متقوم بالضميمة عند العقلاء مثلا، فلو كان العقد صحيحا عندهم، وباطلا عند الشرع، يشمله عموم دليل الشرط، لحصول ما هو المعتبر في ماهيته، وهو كونه ضمنيا، فاغتنم. وأما في الشق الثاني، فما هو الباطل في المسائل السابقة هو

[ 120 ]

المشروط المخالف للكتاب، وأما ما هو الباطل هنا - بناء على اعتبار العلم - فهو نفس الشرط، وقد مر وقوع الخلط احتمالا في كلماتهم بين الشرط، والمشروط وهو الملتزم به، فالشرط المجهول باطل هنا بنحو التوصيف، والشرط المخالف للكتاب باطل ويكون المقصود منه هو المعنى المفعولي والملتزم به، دون نفس الالتزام، وجهالة المشروط والملتزم به لا تكون مضرة، إلا لأجل رجوعها إلى جهالة القرار والشرط، بناء على اعتبار معلوميته، نظرا إلى ذكرهم شرطا مستقلا في كلامهم، والأمر سهل. وعلى هذا، فما أشرنا إليه في أصل البحث بقولنا: " مع أنه لا يوجب اعتبار الشرط... " (1) إلى آخره، غير تام، ولا حاجة إليه، كما أن كلمات القوم هنا حول هذا الشرط، خالية من التحصيل. تنبيه: في سراية الجهالة من الشرط إلى البيع ربما يخطر بالبال أن يقال: إن جهالة الشرط توجب جهالة في البيع، فيلزم بطلانهما ولو كان الشرط البدوي صحيحا، لأن الشرط المذكور في ضمن العقد، دخيل في اختلاف القيم، فيكون في نظر العرف له قسط من الثمن، ويلزم من الاشتراط الضمني في مثل النتيجة انتقال المشروط، وفي مثل شرط الفعل تملك الشارط على المشروط عليه في


1 - تقدم في الصفحة 118.

[ 121 ]

ذمته، ولا تكون تلك الملكية بلا عوض قطعا، مع أنه غير معلوم حده ومقداره، ولازمه بطلانه، بناء على مفروغية اشتراط معلومية الثمن في مطلق القرارات المعاوضية ولو كانت من قبيل الشروط البدوية. وتوهم نفوذ الشرط ولزومه من غير عوض، واضح البطلان، لاحترام مال المسلم وفعله. اللهم إلا أن يقال: بأن المجهولية الآتية من قبل الشرط، غير مضرة بصحة العقد، لاعتبار كون العقد في ذاته معلوما، وهو حاصل، ولا دليل على أزيد منه. أو يقال كما يأتي: إن إبطال الشرط شرعا يوجب معلومية العقد، ويكون العوض في مقابل المعوض رغم أنف الشارط، كما هو كذلك في بعض الأحيان. أو يقال: إن المدار على المعلومية في ظاهر الأمر، دون مقام اللب، مثلا إذا عقد على امرأة عقد انقطاع مدة يعلم بموت المنقطعة فيها، أو يحتمل فيها اتفاقه احتمالا عقلائيا، فإنه يستلزم لبا جهالة في العقد، ولكنه ليس من قبيل الجهالة في أصل العقد في مرحلة الإنشاء. هذا مع أن حديث تعدد المطلوب، مما لا ينبغي الغفلة عنه، فربما يكون البائع راضيا في بيع داره بالثمن المذكور، إلا أنه يريد تحميل شئ يسير على المشتري، كقراءة سورة في ضمن العقد، لما يعلم من عدم إمكانه بدوا، فلا يستلزم مطلق الشرط جهالة، لعدم دخالته دائميا في

[ 122 ]

حد العوض وزيادته، كما لا يخفى، فما أفاده الشيخ (رحمه الله) (1) غير تام، كما لا يخفى. بقي شئ لاشبهة في عدم اعتبار العلم بجميع خصوصيات الدار مثلا في بيع الدار، فلا يعتبر العلم بأن جميع أبوابها صحيحة سالمة، أو يكون بعض منها فيه النقصان، وهكذا بالنسبة إلى الزجاجات. بل لا يعتبر العلم بأن جميع الزجاجات المتعارفة موجودة، لأن ذلك من تبعات الدار، ويكفي في بيعها الاطلاع على مهام امورها، فلا يبطل البيع بتلك الجهالة، بخلاف ما إذا اعتبر صحة الزجاجات والأبواب، فإن جعلها مورد النظر واشتراطها مستقلا، يوجب كونها صحيحة، ويخرجها عن التبعية. وبذلك يظهر النظر في مرام العلامة (قدس سره) (2) ويظهر الحق في مورد الخلاف بينه وبين صاحب " الدروس " (قدس سره) (3) وتصير النتيجة عكس ما قيل، فليتأمل جيدا.


1 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 282 / السطر 13. 2 - تذكرة الفقهاء 1: 493 / السطر 26. 3 - الدروس الشرعية 3: 216.

[ 123 ]

السابع أن لا يلزم منه المحال بحث وتحصيل ربما يقال: إن من شرائط صحة الشرط، أن لا يلزم منه المحال. ويتوجه إليه: أنه إن كان من الشرط الفقهي، وهو الالتزام في الالتزام، فيكون لازمه عجز المشروط عليه من الامتثال والوفاء، فيكون مندرجا في الشرط الأول، ومن جهة يندرج في الشرط الآخر، وهو كونه عقلائيا، بمعنى أن يكون فيه الغرض العرفي، فيبطل لأجل الشرط الثالث، وقد مر بعض الكلام آنفا حول كيفية دخالة الشرط الفقهي في تحقق العقد، ويأتي تفصيله إن شاء الله تعالى. هذا إذا كان الشارط غافلا، وإلا فلا يترشح منه إرادة الشرط. وإن كان من الشرط الاصولي، فيلزم بطلان العقد لأجل التعليق المجمع عندهم على بطلانه.

[ 124 ]

فما في " التذكرة " (1) غير جائز صدوره عنه (رحمه الله) ولأجل ذلك استشكل عليه: بأن قوله ببطلان اشتراط أن يبيع منه في ضمن عقد البيع، لا معنى محصل له، لأنه على الأول صحيح وجائز، ويكون مثله اشتراط أن يقف أو يهب أو يعتق أو غير ذلك مما يتوقف صحته على الملكية، لما " لابيع إلا عن ملك " (2)، ولاهبة ولاعتق ولاوقف إلا عنه، وهي حاصلة. وعلى الثاني يبطل البيع، إما عقلا كما قيل، أو شرعا كما اشير إليه، نظرا إلى التعليق، ويكون البيع عندئذ مثل الواجب المشروط في وجه. فلا تصل النوبة إلى إبطال الشرط تارة: بالدور، لتوقف البيع الأول في التأثير على البيع الثاني، والبيع الثاني في التأثير على البيع الأول. واخرى: بأن البيع الثاني يستلزم بيع الشئ من مالكه، وهو أيضا محال، لتوقف تأثير البيع الأول على عدم تأثير البيع الثاني، وإلا يلزم أن يبيع في البيع الثاني متاع الشارط من نفسه، فيكون الشرط باطلا من هذه الجهة، وهي غير الدور. وثالثة: بأنه من الشرط غير العقلائي، ولازمه أن لاتصدر منه الإرادة الجدية بالنسبة إليه حين الالتفات، أو يكون باطلا لأجل هذه الجهة، لا الدور المذكور في " التذكرة " (قدس سره) (3) هكذا نسب إلى


1 - تذكرة الفقهاء 1: 490 / السطر 21. 2 - مستدرك الوسائل 13: 230، كتاب التجارة، أبواب عقد البيع وشروطه، الباب 1، الحديث 3 و 4. 3 - تذكرة الفقهاء 1: 490 / السطر 21.

[ 125 ]

الشهيد (رحمه الله) (1). وربما يقال: بأنه لا امتناع عقلا، لإمكان كون الشرط البيع الإنشائي، فيحصل بالبيع الثاني الإنشائي الملكية، ثم ينتقل إلى البائع الأول، كما في مسألة " من باع ثم ملك " وهكذا في الفرض الثاني، فإن الفضولي - كما مر - له صور وأقسام، ومنها: أن يبيع المالك داره إنشاء، ثم يجيز متأخرا لأجل الأغراض الخاصة، وفي المقام أيضا يبيع البائع الثاني بالبيع الإنشائي الفضولي من المالك، ثم بعد ذلك ينتقل إليه، كما في المسألة المشار إليها. وأما المناقشة في عقلائية القضية (2)، فهي واضحة المنع، ضرورة أن من المسائل المتعارفة احتياج أرباب الأملاك إلى النقود، فيبيع داره بمقدار أقل من قيمتها، ويشترط أن يبيعها منه في الزمان الآتي بأضعافها، وهذا نوع فرار من الربا. وهكذا ربما يتعلق الأغراض الشخصية حتى في الزمان المتأخر القصير، ولا يعتبر الأغراض النوعية العادية في صحة المعاملات كما مر، فتدبر وتأمل. أقول: البحث هنا حول الشرط الاصولي، بناء على ما هو الحق من صحة البيع التعليقي، وإلا فلا ينبغي اختفاؤه على مثل العلامة، مع إيراده الدور الظاهر في أنه أراد منه الشرط الاصولي.


1 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 282 / السطر 23، الدروس الشرعية 3: 216. 2 - لاحظ البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 5: 201.

[ 126 ]

وأيضا: يكون البحث في صورة أعم من كون البيعين معاطاتيين، أو لفظيين، فلا تنحل المشكلة العقلية بالإنشاء والبيع الإنشائي. مع أن من الأقوال بطلانه، وإن كان الحق أنه صحيح، إلا أنه يصير بيعا بالإجازة، ولايكون الإنشاء بيعا بالحقيقة، فلا يحصل الشرط بالبيع الإنشائي، لأنه ليس بيعا. هذا مع أن مفروض البحث أعم من كون الشرط البيع الإنشائي، والبيع المؤثر الموضوع للأثر عند العقلاء، والبيع الذي تم وصار مملكا عند العرف. فعلى ما ذكرنا يظهر وجه النظر فيما أفاده الوالد المحقق - مد ظله - هنا (1). والذي هو التحقيق: أنه لا يعتبر في صحة البيع تقدم الملكية رتبة، بل يكفي حصول الملكية في الرتبة المتأخرة في موارد المبادلة بين المالين في الملكية العرفية وتلك الإضافة العقلائية، فلو باع المشتري من البائع الأول، يحصل الشرط الاصولي في الرتبة السابقة، ويحصل الموقوف عليه في الرتبة اللاحقة، وهذا ليس من البيع الإنشائي المتأخر أثره زمانا. ففي مورد البيع معاطاة، يرضى البائع بتصرف المشتري نوع رضا بالضرورة، فإذا باع وبادل معاطاة تحصل الملكية التي هي أثر البيع الأول، والملكية التي هي أثر البيع الثاني في الزمان الواحد، إلا أن


1 - نفس المصدر: 199 - 201.

[ 127 ]

ما هو الدخيل في حصول الملكية بالبيع الأول، وجود البيع المعاطاتي الموضوع للملكية المتأخرة عنه رتبة. نعم، لو كان الشرط نفس المسبب، وهي الملكية، أو السبب المتقيد بالمسبب، بحيث يلزم كونهما في هذا الاعتبار عرضيا فلا يعقل، للزوم تقدم الملكية الثانية، على الاولى، وهو مستحيل في الاعتبار، لا في الواقع، لما لا واقعية للاعتباريات، فلا تخلط، وليتأمل جيدا.

[ 129 ]

الثامن أن يذكر في متن العقد أي من شروط صحة الشرط، أن يذكر في العقد، وفي طي المعاوضه اللفظية، أو المعاطاتية، وفي ضمن العقود الإنشائية. وبالجملة: النظر هنا إلى أنه شرط ولو في الجملة، أم لا؟ وأما البحث عن الشروط في ضمن العقود الجائزة، أو الإيقاعات، بل والعقود الباطلة والإيقاعات الفاسدة، فيأتي في محل آخر إن شاء الله تعالى. ثم مما لا يخفى: أن مقتضى ما تحرر منا (1)، أن حقيقة عنوان " الشرط " ليست مرهونة بالذكر في ضمن العقد، ولا معنى لإطالة الكلام وتكرار المرام بمجرد انجرار المناسبات، كما ترى في كلام القوم، ولاسيما الفقيه اليزدي (2).


1 - تقدم في الصفحة 5. 2 - حاشية المكاسب، السيد اليزدي 2: 118 - 119.

[ 130 ]

فعلى هذا، يقع البحث في أنه شرط شرعي أم لا؟ وربما يدل على أنه شرعي عند الأصحاب ذكر هذا الشرط من شروط صحة الشرط، دون تحقق عنوانه، فتأمل. شبهة في إمكان الشرط الضمني وقبل الخوض فيما هو الوجه والدليل عليه، نشير إلى نكتة وشبهة: وهي أن مقتضى ما قيل واشتهر بين المتأخرين - من أن الشرط هو الأمر المذكور في ضمن البيع، والالتزام في التزام عقدي، كالبيع ونحوه مثلا - امتناع تحققه، وذلك لأنه إن ذكر هذا الشرط قبل العقد أو بعد العقد، فليس في ضمن البيع، وليس البيع ظرفه كما هو ظاهر كلمة " في " الدالة على الظرفية الواقعية، أو الاعتبارية والادعائية المحتاجة إلى مصحح. وإن ذكر في أثناء ألفاظ البيع، فليس أيضا في ضمن البيع، لما أنه لم يتحقق بعد بالضرورة، لأن المراد من " البيع " هو المعنى المسببي، لا الألفاظ المتوسل بها إليه، إلا بوجه مضى في أول كتاب البيع (1)، وكان هو خلاف التحقيق، لأن المعاطاة بيع. فعلى ما اشير إليه، لابد وأن يكون الذكر الضمني ممتنعا، فيكون الشرط منحصرا في البدوي لغة وماهية، ولا بأس بكون ذكره في طي ذكر ألفاظ العقد في أثنائها أو بعدها أو قبلها، دخيلا في وجوب الوفاء به شرعا.


1 - تحريرات في الفقه، البيع 1: 11.

[ 131 ]

وهذا من غير فرق بين كون البيع تمام الإيجاب، أو هو الإيجاب، والقبول، كما لا يخفى. ويندفع الإشكال، بأن المراد من " كونه ضمنيا " هو التقيد اللبي اللازم قهرا في حصول الربط بين الامور الأجنبية، وهذا أمر مما لابد منه، وإلا فيكون هو من الشرط البدوي، وهذا الربط اللازم لا يلزم أن يكون جزء كسائر الأجزاء، فإن الأجزاء المقدارية والتحليلية مختلفة في التكوين والتشريع، ضرورة أن السورة جزء، والطهارة جزء، إلا أنه جزء تحليلي عقلي، لا مقداري. وبذلك يحصل الفرق بين ما يقع بحذائه الثمن جزء بجزء مثلا، وبين ما لا يقع كذلك، وهذا هو الفارق بين ما هو الموجب تخلفه خيار تخلف القيد والوصف، وما هو الموجب لخيار تخلف الشرط. فالشرط مادام لم يقع في الضمن اللبي المرتبط بقيود المعقود عليه لا العقد، كي يلزم التعليق، ويخرج عن محط البحث، لا يكفي مجرد ذكره في طي العقد. فما أفاده الوالد المحقق - مد ظله -: من أنه وإن كان موجبا بحسب اللب تضيقا في المراد، ولكنه لا يوجب تحديدا بحسب مرحلة الإثبات والإنشاء (1)، نظرا إلى بعض ما اشير إليه غير تام ظاهرا، لإمكان كون تخلفه موجبا لخيار الشرط، لاختلافه مع سائر القيود في الاعتبار. فبالجملة تحصل: أن الشرط لابد وأن يكون قيدا، وهو معتبر في


1 - البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 5: 204 - 205.

[ 132 ]

مرحلة الثبوت والإثبات، ولذلك استدلوا بدليل الوفاء بالعقد على وجوب العمل بالشرط أيضا. وأما توهم: أن التقييد بالالتزام بكون المبيع ذا وصف كذائي، غير جائز، ضرورة أن لازمه عدم تقيد العقد بالالتزام وبمفاد الشرط، وهكذا التقييد بالالتزام بالخياطة، لأن الالتزام إما واقع من غير حاجة إلى الخياطة الخارجية، وكون الفرس عربيا، أو غير ممكن أن يقع في الخارج. فهو أيضا ناشئ عن الخلط بين الأجزاء التحليلية، والأوصاف والقيود، فإن الأجزاء التحليلية - بحسب الخارج - لا تقتضي إلا ما يقتضي العقد على الموصوف والمقيد، ولكن الفرق بينهما ناشئ من كون تلك الأوصاف والقيود - كالعربية، والخياطة، وقراءة السورة، وترك شرب الخمر، والإتيان بفريضة، وغير ذلك من الامور الممكن أخذها في ضمن العقد، - بتقييده بها في الفرض الأول موجبة لتعلق العقد بالموصوف والمقيد. وفي الثاني موجبة لتعلقه بطبيعة التقييد بالمعنى الحرفي، والقيد خارج، بخلاف المقيد في الأول، فإن التقيد والقيد داخل، وذلك المعنى الحرفي الداخل لا يجب أن يصير خارجيا، لأن خارجيته بخارجية طرفه، وهي الخياطة، وترك شرب الخمر، وأداء الفريضة، ولأجل ذلك لا يلزم أن يكون الشرط موجبا لاختلاف قيم المبيع، كما في بعض تلك الأمثلة، بل ولا موجبا للخيار، كما في النكاح أو في غيره، بإسقاط خيار التخلف.

[ 133 ]

ودعوى: أنه في صورة عدم تجزؤ الثمن بالنسبة إليه، وعدم كونه موجبا للخيار ولا لغيره، يلزم كونه إما شرطا بدويا أو يستكشف صحة تلك المقالة، غير مسموعة، لأن المطلوب ربما يكون له القيد المذكور على وجه لا يستتبع شيئا وضعيا، ولكنه يستلزم معنى تكليفيا وتبعة اخروية، لأن مطلوبه لا يزيد عليه، فبتعدد المطلوب ومراتبه تنحل هذه المشكلة أيضا. ودعوى: أنه شرط غير مربوط، ولكن لا يصدق عنوانه إلا بذكر لفظي في طي العقد، أو يعتبر شرعا ذلك، وإن كانت ممكنة، ولكنه ليس شرطا لغة، بل هو أمر أجنبي مذكور في زمان إيجاد البيع، ولامنع عن التسمية، إلا أنه خلاف الوجدان، وبعيد عن الأذهان. فما في كلمات القوم هنا، وما أفاده الوالد المحقق (1) - مد ظله - ممنوع، وما هو المقصود هنا ليس أمرا زائدا على ما ذكرناه. تنبيه: حكم الشرط البدوي المذكور عقيب العقد إذا قال في موارد الإنشاء: " بعتك هذه الدار بكذا، على أن تقرأ سورة البقرة " يصير شرطا ضمنيا. وأما إذا قال: " بعتك هذه، وشرطت عليك كذا " يكون من الشرط البدوي المذكور في زمان العقد وعقيبه عرفا، ولا بأس بالالتزام بوجوب الوفاء بأمثال هذه الشروط البدوية، لكونها خارجة عن مورد السيرة


1 - البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 5: 205.

[ 134 ]

القطعية الموجودة على عدم وجوب الوفاء بالشروط البدوية غير المعاوضية، والأجنبية عن الامور المالية، وإلا فالوفاء لا يبعد وجوبه لو كان مفاد أدلة الشروط وجوب الوفاء بها، ولكنك عرفت ممنوعية ذلك، وسيمر عليك زيادة تحقيق حوله. نعم، ربما يناسب لزوم ذلك عند العقلاء، لعدم اختصاص بالعقود، فليلاحظ جيدا، وتأمل جدا. وغير خفي: أنه ولو كان مثل هذه الشروط واجبة الوفاء، لكونها خارجة عن المخصص، أو واردة في الضمنية، ولكنها لا توجب خيار التخلف إلا إذا كانت ضمنية لبا وإثباتا. تحقيق المسألة إذا تبينت هذه الوجيزة يظهر: أنه لافرق حسب التدقيق بين ذكر الشروط قبل العقد، أو في الأثناء، أو بعده. بل الإنصاف أن فهم السوق يساعد على ذلك ولو كان الشرط أمرا أجنبيا مذكورا في طي العقد، وذلك لأن الشرط المذكور في ضمن العقد، ليس معنى تصديقيا وجملة تامة، بل هي جملة ناقصة، فلابد أن تكون مرتبطة بالجملة الأصلية، فلا معنى لكونه معنى إنشائيا مستقلا. فلو باع داره " على أن تقرأ سورة البقرة " ليس مفاد جملة " على أن تقرأ " إلا معنى ناقصا، فكيف يكون من الإنشائيات؟! وهذا من أحسن الأدلة على أن الشروط قيود تحليلية، فما يظهر من

[ 135 ]

القوم من كونها كسائر القيود، فبحذائها الأثمان، غير تام. كما أن ما أبدعه الوالد المحقق - مد ظله - من كونها أجنبيات عن العقود مذكورات في زمان ذكر العقد (1)، بعيد عن الحق جدا وإلا يلزم أن يكون مجرد ذكر الشرط البدوي مقارنا مع العقد، واجب الوفاء، أو يكون الأمر قصديا، بل لا يعتبر القصد في ذلك بعد كونها غير مرتبطة بأصل العقد. فالحد الوسط أنها من القيود التحليلية والأجزاء العقلية، لا العرفية والعقلائية. وغير خفي: أن إفادة الشرط كما تجوز على النهج المشار إليه، كذلك تجوز هكذا فيقول: بعتك الدار بكذا، مشارطا كذا. وأما قوله: " وشرطت عليك كذا " فهو - لو صح - يكون شاهدا على صحة الشروط البدوية، قضاء لحق كلمة " الواو " المتخللة بين الجملتين. فما يظهر عن بعضهم من صحة إفادة الشرط بالنهج المزبور، في محله بشرط كون " الواو " حالية، لاعاطفة، لأن البحث حول الشروط الضمنية، لا المطلقة، فلا تخلط. لا يقال: نسب إلى المشهور اشتراط ذكره في ضمن العقد (2). لأنا نقول: إنه محمول على ما يقابل الشروط البدوية، وأما اعتبار ذكرها بعد الإنشاء، أو في الأثناء، فهو في الإشكال يشترك مع ذكرها قبله، كما مر.


1 - البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 5: 205. 2 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 282 / السطر 33.

[ 136 ]

وأما احتمال كونها شهرة تعبدية وإجماعا كاشفا عن حكم خاص بلزوم ذكرها، فهو بعيد، وإلا فلا يكفي الإشارة إليها، كما لا يخفى. وما في كلام الفقيه اليزدي من كونها امورا قلبية (1)، أو في كلام الشيخ من بقاء وجودها إلى حين العقد (2)، كله الغفلة عما هو الحق في المسألة، فإن العقود المبنية على المقاولات السابقة، ليست ناقصة بالنسبة إلى تلك المقاولات، ولا تكون تلك المقاولات إنشائيات باقية، بل مذاكرة بين المتعاملين، فيكون داخلا في مصب البيع، كسائر القيود والأوصاف المنصرف إليها بحسب مقتضيات القطر والمحيط، إلا أنها قرائن عامة كلية، وهي القرائن الخاصة الجزئية. بقي شئ: حكم الشرط للبائع من دون ذكر الثمن لو باع داره بشرط أن يعطيه ألف دينار، ولم يذكر الثمن، فإن كان هذا بيان الثمن عرفا، فلا بحث، ولا بأس به. وأما لو كان شرطا في ضمن الإيجاب، فعلى ما اختاره القوم - من أن الثمن ركن في البيع - فهو باطل، ولافرق بين كون بطلان البيع، لأجل أن عدم ذكر الثمن موجب لبطلان الشرط، أو بطلان الشرط في حد نفسه، لما أن من شرائط صحته ذكره في ضمن العقد الصحيح. نعم، لو قلنا: بأن الشرط إذا كان قابلا للتصحيح عند العقلاء، وكان


1 - حاشية المكاسب، السيد اليزدي 2: 118 - 119. 2 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 282 / السطر 26 وما بعده.

[ 137 ]

باطلا لأجل البدوية، فإذا كان العقد باطلا فيمكن تصحيحه شرعا، لخروجه بذلك عنها ولو كان بحسب المفهوم والعنوان مرهونا بالضمنية، كما هو الظاهر. مثلا: لو كان من قصد البائع، استملاكه على المشتري خياطة ثوبه إذا جاء زيد من سفره، فإنه لا يجوز بدويا، ولكنه لو ذكر في طي العقد، فجاء زيد، فعلى المشتري القابل خياطة ثوبه، وأداء دينه وملكه إليه مثلا، فلوتبين بطلان العقد المذكور، لأجل الجهات الاخر، فلامنع عن صحة الالتزام المذكور ولزوم الوفاء به، بعد إطلاق أدلته، وعموم أخباره. تذييل: بعض الأخبار الدالة على لزوم ذكر الشرط طي العقد يستظهر من طائفة من الأخبار الواردة في خصوص النكاح، اشتراط ذكر الشرط في طي العقد، وأن العقد يهدم الشروط السابقة، وما يذكر بعده يصح. والظاهر أن الشرائط إن كانت تحميلية من قبل الموجب، فتذكر بعد الإيجاب، وأما الشروط التحملية من قبل القابل، فتلك الأخبار ساكتة عنها. ومن هذه الطائفة: رواية ابن بكير عن الصادق (عليه السلام): " ما كان من شرط قبل النكاح هدمه النكاح، وما كان بعد النكاح فهو جائز " (1).


1 - الكافي 5: 456 / 1، تهذيب الأحكام 7: 262 / 1134، وسائل الشيعة 21: 46، كتاب النكاح، أبواب المتعة، الباب 19، الحديث 2.

[ 138 ]

وفي رواية اخرى قال أبو عبد الله (عليه السلام): " إذا اشترطت على المرأة شروط المتعة، فرضيت به، وأوجبت التزويج، فاردد عليها شرطك الأول بعد النكاح، فإن أجازته فقد جاز، وإن لم تجزه فلا يجوز عليها من ما كان شرط قبل النكاح " (1). وغير خفي: أن النكاح ربما يختص بما لا يشترك معه غيره، ولعله احتياط في البضع. هذا مع أن إطلاق ذكره بعده غير قابل للتصديق إلا على القول: بأنها من الشروط البدوية النافذة. وإن شئت قلت: للمتعاقدين بعد العقد التصرف في خصوصياته بزيادة الثمن وتنقيصه، وباعتبار شرط فيه ولو مضى عام، لأن العقد باق، لجواز إقالته، وليس هو من الشرط البدوي، ولذلك ورد النص (2) والفتوى (3) بأنه لو بنيا في عقد النكاح على المهر الخاص المنسي ذكره في العقد صح، ويجب الوفاء به، فلو جاز التجاوز عن هذه الطائفة إلى غير النكاح، لجاز عن الطائفة المشار إليها إلى غيره أيضا، فلو باع داره بثمن مثلا، ثم بنيا على زيادته، يجب الوفاء، لكونه داخلا في العقد الباقي في الاعتبار، وبذلك يخرج عن البدوية، فليغتنم. والذي ربما يستظهر من هذه الأخبار، هو أن مجرد المقاولة غير كافية، بل لابد وأن يكون العقد مبنيا على تلك المذاكرة، وهذه الأخبار


1 - الكافي 5: 456 / 3، تهذيب الأحكام 7: 263 / 1139، وسائل الشيعة 21: 45، كتاب النكاح، أبواب المتعة، الباب 19، الحديث 1. 2 - وسائل الشيعة 21: 271، كتاب النكاح، أبواب المهور، الباب 15. 3 - جواهر الكلام 31: 37.

[ 139 ]

ناظرة إلى غير هذه الصورة نظير المقاولة على بيع الدار بألف دينار وعشرين كتابا، ثم بعد الإيجاب قبله المشتري بألف دينار ولم يذكر الكتب، فإنه يهدم المقاولة، بخلاف ما إذا لم يذكر الثمن أصلا، فعليه ربما كانت هذه الأخبار في مورد يذكر بعض القيود التي تذاكرا عليها، ولم يذكر الباقي. ثم إن ظاهر هذه الأخبار: أن الرجل موجب، والمرأة قابلة، مع أن الأمر - حسب القواعد - على العكس، وأن وكيل المرأة يوجب، والرجل يقبل، فتأمل. هذا، وتلك الأخبار مذكورة في الباب (19) من أبواب المتعة، وفي سند أكثرها الإشكال إلا واحدا منها، وهو الخبر الأول، والالتزام به مشكل، لظهوره في تحديد الشرط النافذ، وهو ما يذكر بعد النكاح فلا يجوز ما يذكر في الأثناء وقبل القبول. وحمل النكاح على الإيجاب - ولاسيما بدعوى: أنه حقيقة النكاح - خلاف ظاهره جدا. تذنيب: حكم التعليق في الشرط قد مر حكم التعليق في عقد البيع، وذكرنا وجه صحته ثبوتا، ومنع الدليل الصحيح إثباتا (1)، وعلى هذا لو كان الشرط في ضمن العقد، راجعا إلى التعليق في العقد، بأن يصير العقد وهيئة جملة " بعت " كهيئة الأمر في الواجب المشروط، أو كالواجب المعلق، فلا يضر، فضلا عما إذا


1 - تحريرات في الفقه، البيع 1: 168.

[ 140 ]

كان الشرط من الشرط الفقهي، دون الاصولي، فإنه مما لاوجه للمناقشة فيه ثبوتا، ولا إثباتا، لأن الالتزام بالقضية الشرطية في ضمن العقد المنجز الفعلي، التزام فعلي، والملتزم به قضية شرطية، من غير وجه لتوهم السراية إلى العقد، أو توهم انقلاب البيع الواحد إلى البيعين. مع أن الشرط كما مر من الأجزاء التحليلية والقيود العقلية، لا المقدارية والعرفية المقتسمة عليها الأثمان مثلا. فما في كلام الشيخ هنا (1)، وكلام المحشين (2)، غير نقي جدا. وبالجملة: لو كان الشرط اصوليا، فلا يلزم منه كون العقد وهيئته معلقا، ولا مشروطا، على الاصطلاح في الواجبات، والسر كله أنه ليس إلا جزء تحليلي، كما عرفت. ولو استلزم ذلك فلا يبطل على الأظهر، كما مر. هذا كله حول البحث ثبوتا، وأما البحوث الإثباتية فهي خارجة عن فن الفقيه، لاختلاف مقتضيات القرائن الخاصة والعامة. وعلى كل تقدير: لو باع داره على أن تخيط ثوبا بثمن، أو على إن جاء زيد تخيطه بثمن معلوم، لا يكون هو شرطا باطلا في ذاته، ولا يلزم من تعليقته تعليقة العقد، حتى يقال: بأن التعليق منه يسري إلى العقد، والبطلان من العقد يسري إلى الشرط، لأن وجه بطلان الشرط التعليقي هو بطلان العقد، لا الإجماع كي يناقش في ثبوته في المحل.


1 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 283 / السطر 10. 2 - حاشية المكاسب، السيد اليزدي 2: 119 - 120، حاشية المكاسب، المحقق الإيرواني 2: 66 / السطر 9، حاشية المكاسب، المحقق الأصفهاني 2: 154 / السطر 20.

[ 141 ]

التاسع عدم الإكراه أي من شروط صحة الشرط أن لا يكون عن إكراه. فلو اضطر إلى بيع داره، وأكرهه المكره على شرط في ضمنه، لا يصح الشرط ولو كان قاصدا له ومتمكنا من التورية وعدم القصد، لحكم العقلاء وبنائهم، بل ولحديث الرفع (1). ويمكن دعوى ثبوت الخيار للمشتري، لأن التخلف عن الشرط ولو كان جائزا للبائع، ولكنه لا ينافي حكم العقلاء بالخيار للمشتري بعد قبوله، فلو باع داره، واكره على أن يشترط على نفسه خياطة ثوب


1 - عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): رفع عن امتي تسعة أشياء: الخطأ، والنسيان، وما اكرهوا عليه، وما لا يعلمون وما لا يطيقون، وما اضطروا إليه، والحسد، والطيرة، والتفكر في الوسوسة في الخلوة ما لم ينطقوا بشفة. التوحيد: 353 / 24، الخصال: 417 / 9، وسائل الشيعة 15: 369، كتاب الجهاد، أبواب جهاد النفس، الباب 56، الحديث 1.

[ 142 ]

المشتري فقبله، فإنه إذا رفع عنه الإكراه لا يلزم عليه شئ شرعا، كما إذا انتفى الإلزام تكوينا، ولكن المشتري بالخيار، لأن الخيار معلول الأعم. اللهم إلا أن يقال: بأن " رفع... ما استكرهوا عليه " يستلزم اعتبار الشرط معدوما، فلا خيار عند الشرع. أو يقال: إنه خلاف المنة بالنسبة إلى المشتري، فلا يرتفع به الخيار. أو يقال: لا يعتبر المنة بالنسبة إلى المشتري، نعم لا يلزم نفي الخيار، لما لا يدل الرفع على التنزيل المدعى في حديث الرفع. وأما توهم: أنه مع الاضطرار إلى البيع، لا يحصل الإكراه على الشرط، فهو واضح المنع. نعم، دعوى عدم صحة التمسك بحديث الرفع هنا، لما لا منة فيه بعد حكم العقلاء بالبطلان، قريبة تفصيلها يطلب من محلها. تذييل: حول الاشتراط في بيع المثل بالمثل في بيع المثل بالمثل يجوز الاشتراط، حسبما ما تحرر منا: من أن الشرط جزء تحليلي لا يقابل بالجزء المقداري، فلا يلزم الربا في نفس الشرط، ولا في البيع. نعم، بناء على أنه جزء من العوضين يشكل الأمر، كما اختاره السيد (رحمه الله) (1) ونتيجته بطلان العقد، ولكن الشرط ليس باطلا بما أنه


1 - حاشية المكاسب، السيد اليزدي 2: 116 / السطر 22، و 133 - 134.

[ 143 ]

ربوي، بل بطلانه معلول بطلانه، فما في كلام الفقيه اليزدي (رحمه الله): من أنه من قبيل الشرط السادس (1)، وهو أن لا يكون غرريا، غير تام هنا وهناك. نعم، لو قلنا: بأن الزيادة الحكمية والشروط التحليلية أيضا ممنوعة، فالبطلان في جانب الشرط - وهي الزيادة - قطعية، لاحتمال صحة البيع رغم أنف المتبايعين المتشارطين، وفي نفسي أنه (قدس سره) استقوى ذلك في " ملحقات العروة " (2). وما قيل: من أن الزيادة الباطلة في البيع، توجب البطلان في أصل البيع قهرا، للسراية، ممنوع، لأنه ناشئ عن غفلة إمكان تدخل الشرع في إلغاء القصد وتراضي المتبايعين هنا رغم أنف الشارط الآكل للربا، فاغتنم.


1 - حاشية المكاسب، السيد اليزدي 2: 119 / السطر 31. 2 - ملحقات العروة الوثقى 2: 5.

[ 145 ]

العاشر نفوذ الشرط شرعا أي من شرائط صحة الشروط الضمنية كونه صحيحا في حد نفسه ونافذا شرعا، ولم يكن مورد الشك والردع بحسب طبعه وذاته. وتحقيق هذه المسألة يستدعي البحث في جهات: الجهة الاولى: في أقسام الشروط فإنها تنقسم إلى شرط الفعل، وشرط النتيجة، وشرط الوصف. والأخير وإن كان خارجا عن القدرة بالأسباب التكوينية والتشريعية، إلا أن مقدورية الموصوف في صورة كون الوصف قيدا للكلي، يكفي لذلك، وفي صورة كونه وصفا للمبيع الخارجي، أيضا لا يخرج عن جواز الاشتراط عند العقلاء، كما يأتي. وربما يوصف الجزئي بوصف يتعلق به القدرة، كالكتابة بالنسبة إلى العبد، ومثال الاولى الحلاوة بالنسبة إلى البطيخ، وهكذا.

[ 146 ]

ثم إن الشرط تارة: يكون من قبل البائع على نفسه. واخرى: يشترط المشتري على البائع، وهذا يجري في الأقسام الكلية السابقة. مثلا تارة: يشترط البائع حين بيع داره خياطة ثوب المشترى، لغرض من الأغراض العقلائية. واخرى: يشترط المشتري على البائع ذلك، فيقبله البائع. وتوهم عدم جريانه في مثل شرط النتيجة، لحصول الشرط قهرا في ملك المشتري، في غير محله، لأن قبول العقد في حكم قبول الشرط. ومن الشروط ما هو مذكور على نحو القضية البتية الناقصة، كقوله: " بعت على أن تخيط لي ثوبا ". واخرى: يذكر على نعت القضية الشرطية، كما مر وعرفت. وربما يجعل نفس المثمن أو الثمن بشكل الشرط في الإيجاب، كما أشرنا إليه، فيقول البائع: " بعتك داري بشرط أن تعطيني ألف دينار، ولا ثمن لها إلا ذلك " وهكذا في جانب الثمن، ولكنه يرجع إلى الأول في وجه. ومن الشروط البدويات التي فيها الأغراض العرفية. ومنها الإلزامات والمعاهدات الدارجة في هذه الأعصار بين الدول والحكومات، وغير ذلك من أصنافها التي ربما تختلف أحكامها، مثل أن يشترط في طي القعد أن يكون ثوبه مبيعا له، أو أن يحصل بينهما بيع الثوب على نحو شرط النتيجة، حتى يكون النتيجة عنوان " البيع " لا الملكية المشتركة، ويترتب عليه أحكام البيع الشرعية.

[ 147 ]

الجهة الثانية: فيما هو الدليل والحجة على صحة مطلق الشروط أو قسم خاص منها ونذكر بنحو الإجمال الأدلة التي يتمسك بها في المقام، سواء يستنتج منها صحة مطلق الشروط، أو بعضها، لأن النظر إلى تمامية هذه الأدلة العامة وعدمها. الأول: بناء العقلاء فإنه استدل به الوالد المحقق - مد ظله - هنا على أن الشروط في القسمة الاولى الثلاثية صحيحة، وإن كان بعض أصناف تلك الثلاثية غير كاف لنفوذها بناء العرف والعقلاء. وبالجملة: صحة الشروط، ووجوب العمل بها، والالتزام بمفادها وأحكامها، من المسائل العرفية غير المحتاجة إلى الأدلة الخاصة الشرعية أصلا، لكفاية عدم الردع، بعد كونها أمرا رائجا بين الناس، وشائعا بمرأى ومنظر من الشريعة (1). أقول: قد تحرر منا في بحث حجية الخبر الواحد (2) مناقشة في هذه


1 - البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 5: 208 - 210. 2 - تحريرات في الاصول 6: 511 - 512.

[ 148 ]

الطريقة: بأن الشرع ربما ردع ولم يصل إلينا. وتوهم وصوله إلينا ممنوع، لإمكان ردع طائفة خاصة منها، أو لإمكان اعتبار شرط في اعتبار طائفة خاصة منها، ولا يلزم حينئذ وصوله إلينا، فيكون أمر الشروط مشكوك الاعتبار بعد العلم الإجمالي بردع طائفة منها، أو بعد إمكان ردع طائفة منها غير واصل إلينا، فإنه بحكم العلم الإجمالي بسراية سقوط اعتبار سائر الشروط. ولا يلزم من ردع طائفة منها اختلال في النظم، ولامن اعتبار قيد تحريج على الامة والطائفة. مع أن كثيرا من الناس ما كانوا يصغون إلى ما يصدر عن أئمة الحق، فربما ورد ردع عن أئمة الحق، ولم يصل إلينا، لما لا يلزم منه التالي الفاسد الذي هوقوام برهانهم المذكور في تلك المسألة، ولابد منه هنا أيضا، فلا تخلط. هذا مع أن بعضا من أقسام الشروط - كشرط النتيجة - من الامور النادرة، فإن المتعارف شرط الفعل والوصف، كما لا يخفى، فلا يكون من الشروط الموجودة الشائعة. ودعوى عدم الحاجة إلى الإمضاء، وأن الردع يضر، وإن كانت مذكورة في بعض كتب المتأخرين (1)، ولكن ذكرنا في الاصول فسادها، وأنه نحتاج في أمثال هذه الامور إلى الإمضاء (2). وغير خفي: أنه لوتم بناء العقلاء على صحة الشروط ونفوذها،


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 193. 2 - تحريرات في الاصول 6: 499.

[ 149 ]

ولزوم الوفاء على طبقها، من غير حاجة إلى دليل آخر، فلا يبعد اختلاف آثار هذا الأمر باختلاف الشروط. مثلا: في شرط الفعل يجب الوفاء وربما يتملك المشروط له على المشروط عليه خياطة الثوب، فيكون بحكم الأجير الخاص أحيانا. وفي شرط النتيجة - بناء على كونه عقلائيا، على إشكال اشير إليه - يكون أثره لزوم تسليم العين المنتقلة إلى المشتري، ولو كانت العين عنده، فمعنى لزوم الشرط عدم جواز الرجوع إليه، لكونه من قبيل الرجوع إلى المالك وادعاء ملكه الأجنبي عنه، لأنه ملك المشتري حسب الفرض. وفيما إذا كان شرط الوصف، يكون أثره قبول العين الفاقدة، ورد الثمن إلى البائع. وبالجملة تحصل: أن مجرد البناء العقلائي غير كاف، لما لا يمكن كشف عدم الردع، وتفصيله في مباحث حجية الخبر الواحد (1). الثاني: العمومات الخاصة فإنها تفي بالإمضاء أولا، وبالتأسيس في موارد الشك في بناء العقلاء ثانيا، وبه أيضا حتى في مورد عدم بنائهم على الاشتراط المذكور، وذلك نظير قوله (عليه السلام): " من استولى على شئ فهو له " (2) فإنه


1 - تحريرات في الاصول 6: 511 - 512. 2 - تهذيب الأحكام 9: 302 / 1079، وسائل الشيعة 26: 216، كتاب الفرائض =

[ 150 ]

إمضاء لقاعدة اليد. ولو كانت اليد الشخصية ساقطة عرفا، تكون هي معتبرة شرعا، للإطلاق المذكور. ولا يلزم أن يكون الدليل الواحد جامعا للتأسيس والإمضاء، وهما متقابلان، لأنهما من عوارض نسبة الشئ إلى ما هو المعتبر عند العقلاء، وإلى ما هو غير معتبر عندهم، فلا يكونان متقابلين على وجه يلزم التقابل في الإرادة والاستعمال، كما تحرر مرارا. والمناقشة في سند " الشرط جائز بين المسلمين " (1) وفي دلالة: * (أوفوا بالعقود) * (2) - بما تحرر منا: من أنه أجنبي عن بحوث المعاملات (3)، وأن الأجزاء التحليلية خارجة عن العقود قيدا، وداخلة تقيدا، وما شأنه ذلك لا تشمله الآية، وأن الشروط في نفس ذاتها، ليست عقدا عرفا، ولا تعد لأجل ذكر الشروط عقودا متعددة - كما ترى. ولا ينبغي التمسك بإلغاء الخصوصية بعد إلغاء الخصوصية من العقد إلى القرار، مع أن كثيرا من القرارات غير نافذة، أو تكون صحيحة قابلة للحل والفسخ شرعا، لاعرفا وعقلائيا. وبالجملة: المناقشة فيهما، لا توجب خللا فيما ورد بسند معتبر


= والمواريث، أبواب ميراث الأزواج، الباب 8، الحديث 3. 1 - دعائم الإسلام 2: 228 / 854، مستدرك الوسائل 15: 87، كتاب النكاح، أبواب المهور، الباب 31، الحديث 1. 2 - المائدة (5): 1. 3 - تحريرات في الفقه، البيع 1: 27 - 28.

[ 151 ]

مستقلا: " المسلمون عند شروطهم " (1) و " المؤمنون عند شروطهم " (2) من غير ذكر الاستثناء. مع أن تقدم بعض القرائن الخاصة في العلوي بقوله: " فليف لها " (3) وفي غيره بأنه " يجوز فيما وافق كتاب الله " أو " لا يجوز فيما خالف كتاب الله " لا يضر بما هو القانون العام الكلي الجامع، فإن الكلمات النبوية فيها الآثار والأحكام الكثيرة بلسان بديع حسن قريب من الأفهام العادية، وقد عملنا في قاعدة " لاضرر... " رسالة (4) تحتوي على المسائل الكلية


1 - عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سمعته يقول: من اشترط شرطا مخالفا لكتاب الله فلا يجوز له، ولا يجوز على الذي اشترط عليه، والمسلمون عند شروطهم مما وافق كتاب الله عزوجل. الكافي 5: 169 / 1، تهذيب الأحكام 7: 22 / 94، وسائل الشيعة 18: 16، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 6، الحديث 1، وأيضا الحديث 2. 2 - منصور بزرج، عن عبد صالح (عليه السلام) قال: قلت له: إن رجلا من مواليك تزوج امرأة.. كيف يصنع؟ فقال: بئس ما صنع، وما كان يدريه ما يقع في قلبه بالليل والنهار، قل له: فليف للمرأة بشرطها، فإن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: المؤمنون عند شروطهم. الكافي 5: 404 / 8، الاستبصار 3: 232 / 835، تهذيب الأحكام 7: 371 / 1503، وسائل الشيعة 21: 276، كتاب النكاح، أبواب المهور، الباب 20، الحديث 4. 3 - جعفر، عن أبيه (عليهما السلام) إن علي بن أبي طالب (عليه السلام) كان يقول: من شرط لامرأته شرطا فليف لها به، فإن المسلمين عند شروطهم، إلا شرطا حرم حلالا أو أحل حراما. تهذيب الأحكام 7: 467 / 1872، وسائل الشيعة 18: 17، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 6، الحديث 5. 4 - رسالة " لاضرر " من المصنف (قدس سره) مفقودة، لكنه (قدس سره) أورد أبحاث " لاضرر " في تحريرات في الاصول 8: 249.

[ 152 ]

الجامعة لشتات الآراء فيها، غافلين عن جامعيتها لجميع تلك الاحتمالات. وهذا القانون العام الكلي أيضا إمضاء لجميع الشروط العقلائية، وتأسيس لما ليست عرفية، من غير وجه لاختصاصها بالعقلائية منها، أو بالشروط الخاصة، كشرط الفعل، كما يظهر من مثل الشيخ (1)، نظرا إلى أن المستفاد منه وجوب الوفاء، وهو في شرط النتيجة والوصف غير قابل للتطبيق، غفلة عن أن الوفاء والإيجاب، من تبعات اعتبار كون المؤمن عند شرطه، إذا كان ذلك الشرط شرط فعل. هذا مع أن في شرط النتيجة، يعتبر الوفاء بالقياس إلى التسليم، كما مر في محله، وفي مثل شرط الوصف إذا كان قيدا للكلي، يعتبر الوفاء أيضا، مع أن الحلاوة خارجة عن تحت القدرة في بيع البطيخ بشرط الحلاوة، ولكنها باعتبار موصوفها تحت القدرة. نعم، في بيع البطيخ الشخصي بشرط الحلاوة، يعتبر كون المسلم عند شرطه، إما بقبول غير الموصوف عند رد المشتري، أو التبديل بالموصوف لو قلنا: بأن البيع ولو كان متعلقا بالعين الشخصية إنشاء، ولكن عند العرف يعتبر بعد التبديل أن المبدل هو المبيع، للأعمية وإلغاء الخصوصية، وقد مر في كتاب البيع ما يتعلق به (2) بحمدالله. بقي شئ: المراد من " الشرط " إن المراد من " الشرط " ليس مفهومه الأولي، ولا معناه المصدري،


1 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 383 / السطر 17 وما بعده. 2 - تحريرات في الفقه، البيع 1: 174 - 175.

[ 153 ]

بل هو عبرة إلى ما يذكر بعنوان الجزء التحليلي الخارج عن الأجزاء الواقعية قيدا وداخلها تقيدا، وهو المتعارف، فيكون المؤمن عند الملتزم به. ولو كان المراد نفس عنوان " الشرط " بالحمل الأولي، فما يذكر لا بصيغة الشرط لا يكون المؤمن عنده، وهذا واضح المنع. وأما إذا اريد به المعنى المصدري، فيلزم أن يكون البائع - في صورة الشرط على نفسه - عند شرطه، وأما المشتري الشارط على البائع، فلا يلزم أن يكون البائع عنده، لأنه لا يصدق " عند الشرط " بل يصدق " أنه عند قبول الشرط " وهذا مقطوع الخلاف، فيعلم منه: أن المنظور هو نفس الملتزم به، وهو يشمل كل ما يذكر في طي العقد، فيكون المشروط عليه عنده، سواء كان الشارط نفسه، أم غيره. فما أفاده الوالد المحقق - مد ظله -: من أن الشرط بمعناه المصدري، مثل الشرط بمعناه الآخر بحسب الاستفادة (1) غير تام ظاهرا بل يختلف كما اشير إليه. فقوله (عليه السلام): " المؤمنون عند شروطهم " كقولهم: " المؤمنون عند بيوعهم " فإن المراد من هذا " البيع " ليس معناه المصدري، أي الموجد للبيع، حتى يقال: إن المشتري ليس إلا ممضيا وقابلا للبيع الصادر من البائع حقيقة، وليس قبول المشتري داخلا في أجزاء البيع ماهية، كما عرفت، فالمراد من " بيوعكم " معنى يكون كل واحد من البائع والمشتري،


1 - البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 5: 210.

[ 154 ]

ركنا فيه، وهو السبب والموضوع للأثر العقلائي، لا السبب للمعنى الإنشائي المشترك فيه الفضولي والمكره والأصيل، فلا تغفل. فتحصل إلى هنا: أن جميع الامور التي تذكر في طي العقد - بعد كونها جامعة للشرائط الماضية - تكون نافذة وصحيحة بإمضاء الشرع وتنفيذه، وجائزة بين المسلمين، وكل ما عرفت من المعاني التي تختلف باختلاف النسب والإضافات، خارجة عنها بالمطابقة، وواردة فيها بالقصد والجد، لاشتراك الجهة المذكورة فيها بينها، وهو نفس كون المسلم عند الشرط، من غير رجوعه إلى أن المؤمن يجب عليه الوفاء، أو يجب عليه التسليم، أو يجب القبول والتبديل عند كشف الخلاف في شرط الوصف عليه، مع أن كل ذلك مراد جدا، وبعيد عن المفاد الاستعمالي صورة، وقريب منها بحسب اختلاف الإضافات والنسب. بقي شئ آخر: حول وجوب الوفاء بالشروط قد ذكرنا في أوائل بحث الشرط المخالف للكتاب: أن هذه القاعدة الكلية لأجل اقترانها بهذا الاستثناء، تستلزم مشكلة في المسألة ومعضلة وهي: أن المستفاد من الكلية إن كان وجوب الوفاء، فلازم الاستثناء عدم ذلك الوجوب، وهو لا يدل على عدم صحة الشرط المخالف للكتاب، لما لا تنافي بين عدم الوجوب، والصحة، كما في كثير من العقود

[ 155 ]

الصحيحة الجائزة. وإن كان المراد تنفيذ الشرط وتصحيحه، فلازمه بطلان الشرط المخالف، إلا أنها لاتدل على وجوب الوفاء بالعقد، فلو شرط شرط فعل في طي العقد فهو نافذ، ولكن لا يجب، وهو خلاف مقصود المتمسكين به في مسألة الشروط. وتوهم كفاية البيان السابق لحل هذه المعضلة، أيضا في غير محله، لأن المستثنى أيضا يختلف نسبة باختلاف نسبة المستثنى منه، فشرط الفعل المخالف غير واجب، وشرط نتيجة المخالف غير واجب تسليمه، أو غير صحيح، وهكذا. فعليه لا يمكن حل هذه المشكلة والمعضلة. وهذا متوجه إليها على جميع التفاسير والاحتمالات حول القاعدة. وأما دعوى: أن فهم العقلاء في موارد الاستثناء، أنه يكون حكم المستثنى على ضد حكم المستثنى منه جعلا فهي غير مصدقة عندهم، فلو ورد: " أكرم العلماء إلا الفساق " لا يدل هو على أنه يحرم إكرامهم، فلا يستفاد فيما نحن فيه حرمة الشرط المخالف وضعية وتكليفية. وبالجملة: استفادة إمضاء الشروط قاطبة به ممكنة، وما هو المقصود بالبحث هنا ذلك، وأما وجوب الوفاء بالشرط تكليفا فقد مر بعض الكلام فيه. نعم، يمكن دعوى بناء العقلاء على الوجوب في موارد إمكان الإيجاب، فيتم المطلوب بضميمة هذا البناء، ولكنك عرفت وجه الخدشة في بناء العقلاء.

[ 156 ]

وسيمر عليك إن شاء الله في البحث الآتي، حديث وجوب الوفاء شرعا، ومسألة أن الوجوب الشرعي يستدعي جواز الشرط، كما مر في إيجاب الوفاء بالعقد، فتصير النتيجة عكس المطلوب، فتدبر. تذنيب: وجه استفادة حرمة المكاسب المحرمة من دليل الشرط ربما يتمسك بها لتصحيح جميع العقود وعناوين المعاملة، لأنها شرط صدقا، أو لأجل أن المراد من " الشرط " ليس إلا القرار المبادلي. وقد مر إمكان تصحيح جميع الشروط بقوله تعالى: * (أوفوا بالعقود) * (1) إلا أنه كان مورد الإشكال من جهات اخر توجب كونه أجنبيا عن مباحث المعاملات رأسا. وأما هذا القانون العام هنا فمربوط ببحوث المعاملات، فبإلغاء الخصوصية يستفاد منها صحة جميع العقود، لكونها قرارا معامليا معاوضيا، أو غير معاوضي، ومن الاستثناء يستفاد ممنوعية بيع المحرمات وإجارة الامور المخالفة للكتاب، فتكون هذه الطائفة من الأخبار، سندا لبحوث المكاسب المحرمة، والمتاجر المحظورة. فشرط حصول المبادلة بين المحرم، كالخمر، وآلات القمار واللهو، وبين شئ آخر - محلل أو محرم - غير نافذ، لكونه من الشرط المخالف، ولكونه داخلا في أدلة ممنوعية المبادلة عليها المذكورة في المكاسب المحرمة.


1 - المائدة (5): 1.

[ 157 ]

وربما يقال: إن حصول عناوين المعاملات بأدلة الشروط مطلقا، غير ممكنة، لأن تلك الأسباب في قبال سببية الشرط، فلا يعقل حصول تلك الأسباب بالشرط، فيصير الشرط سببا لها، وسبب السبب. وقال الفقيه اليزدي بجواز تحصيل عناوين المعاملات طرا بالشرط، ويترتب عليها أحكامها الخاصة، كخيار المجلس، وحرمة الربا، وجواز الإقالة، وغير ذلك (1). وذهب الوالد المحقق - مد ظله - إلى التفصيل بين العناوين التي تقبل الجعل استقلالا، كعنوان " الوكالة " و " الوديعة " و " الجعالة " وأمثالها مما يصح أن يتعلق بها الجعل، فيقول الشارط: " بشرط أن تكون وكيلي " أو " هذا أمانة " و " وديعة " وغير ذلك، يمكن أن يقول: " جعلتك وكيلي "، بخلاف مثل البيع والإجارة والصلح، فإنه لا يصح أن يقول: " جعلت هذا بيعا " و " عينا مستأجرة " بل هو أمر يستفاد بعد البيع والإجارة، وينتزع عنهما بهما، بخلاف الوقف وعنوان " المسجدية " و " الهبة " فيصح مثل الاوليات في طي العقد بنحو شرط النتيجة، بخلاف الثواني (2). وفيه أولا: أنه ربما لا يمكن جعل شئ مستقلا، ولكنه يصح في طي العقد، مثل أن يكون زيد مديونا بمائة دينار، فإنه جائز في طي الشرط


1 - حاشية المكاسب، السيد اليزدي 2: 120 / السطر 27، و 122 / السطر 7 - 8، و 14 - 22. 2 - البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 5: 214 - 215.

[ 158 ]

بعد القبول ويصير مديونا، ويجب عليه الوفاء بالتسليم، ولا يعتبر ذلك مستقلا موضوعا للوفاء، إلا في موارد الشروط البدوية، كما إذا قال: " إن رزقت ولدا فلك علي مائة دينار "، ولكنه غير لازم. وثانيا: لو قال البائع بعد المقاولة: " هذا بيعك " مريدا به الإنشاء والمبادلة يصح قطعا، لعدم خصوصية في ذكر الصيغ الخاصة، ولذلك قال جمع بصحة قوله: " هذا مسجد " مع أنه أبعد. فلو باع أو أجار داره، وشرط أن تكون العين المعينة مبيعة تكون هي مبيعة، مثل الصورة الاولى، فيترتب عليها أحكامه، فإن سعة الاعتبارات تابعة لسعة الاحتياجات والمقاصد والأغراض النوعية، بل والشخصية، وإنما تحتاج الاعتبارات إلى إمضاء الشرع، ويكفينا هنا العموم المذكور. وما قيل: من أن الأسباب التي يتسبب بها إلى تلك النتائج، تقابل الشرط فهو خلط بين الألفاظ التي يتوسل بها إلى تلك المعاني التي هي موضوع باق عند العقلاء، وتسمى ب‍ " العقد " وتقبل الإقالة والفسخ، وبين هذه المعاني، فالشرط ليس سببا لحصول تلك الألفاظ، ولا يعقل لانتفاء المسبب فرضا، وإنما الشرط سبب لحصول تلك المعاني الباقية القابلة للفسخ والإقالة، وتسمى " عقدا " و " بيعا مسببيا " كما لا يخفى. فحصول العناوين التي هي نتائج ألفاظ العقود والإيقاعات بدليل الشرط، مما لا بأس به.

[ 159 ]

وهم ودفع: كون الوصول إلى تلك النتائج بهذا السبب، بإلغاء الأسباب الخاصة، إما خلاف الكتاب فيبطل، أو يكون مورد الشك، فنحتاج إلى التشبث بتلك الاصول العدمية الأزلية، أو بالتمسك بالعام في الشبهة المصداقية، فلا يمكن تصحيحها على جميع المباني. ويندفع: بأن أساس هذه الشبهة، ناشئ عن توهم أن المراد من " الكتاب " أعم من الإمضائيات والتأسيسيات، وعلى ما ذكرناه فلا محل لها. نعم، على مبنى القوم فربما يقال: إن منصرف أدلة الشروط ومنصرف الشروط المخالفة للكتاب، هي الأحكام المنجزة، دون الأحكام غير الواصلة، وليس في الشرع دليل على أن التسبب بالشرط إلى حصول تلك النتائج، خلاف الكتاب، ومجرد الإمضاء لا يوجب الحصر. نعم، في بعض الامور - كالطلاق، والنكاح - يمكن دعوى قطعية بطلان الشرط فيهما، كما هو كذلك عند العقلاء، وهذا لا ينافي كون الأحكام غير الواصلة أحكاما، ولكن أدلة الشروط منصرفة إلى الواصلات. مع أنه قد تحرر منا: أن في الشبهات التحريمية والإيجابية الناشئة عن فقد الدليل، لانحتاج إلى البراءة العقلية، والعقلائية، والشرعية فليراجع، وتأمل. ولو استشكل في الانصراف المذكور، للزم سقوط أدلة الشروط، للحاجة إلى الاستصحاب في التمسك بها، وهذا أمر غريب جدا، ضرورة أن

[ 160 ]

لازم التوهم المزبور الشك في جميع الشروط التي تذكر، حتى الشرط القائم على جوازه وحليته الدليل، لاحتمال حرمته واقعا، فليتأمل. ولا يمكن حل المشكلة إلا بالاستصحاب، وقد مر البحث فيه، أو التمسك بالعام في الشبهة المصداقية، كما مر أيضا في محله قبل ذلك. وعلى كل تقدير: لانحتاج إلى التصحيح على جميع المباني، وكان هذا من الشبهات التي ذكرناها بتفصيل، فاغتنم. الجهة الثالثة: في الوجوب التكليفي للوفاء بالشروط بعد الفراغ عن صحة مطلق الشروط الضمنية على الوجوه السابقة يقع الكلام حول بحث مضى منا في أوائل بحث الشرط المخالف للكتاب. وإجماله: هو أنه هل في موارد إمكان جعل الإيجاب أو الاستحباب، يدل الدليل على أن الشرط واجب الوفاء شرعا تكليفا محضا، من غير النظر إلى أنه يستتبع معنى وضعيا وحقا وملكا، حسب اختلاف المقامات، أم لا يقتضي دليل إيجابه ولا استحبابه التكليفي، أمرا زائدا على المعنى الوضعي الآتي تحقيقه؟ وبعبارة اخرى: هل يستفاد من أدلة الشروط، وجود إلزام شرعي مستتبع للعقاب الخاص زائدا على العقاب المترتب على الإخلال بالمعنى الوضعي الآتي، بناء على القول به؟ أم لا يستتبع ذلك إيجابا، ولا استحبابا، كما هو خيرة بعضهم؟

[ 161 ]

أو يقتضي الندب، ولا يزيد عليه، كما هو مختار بعضهم؟ أو يحتمل امتناع الإيجاب أو الندب الزائد؟ الشبهة الاولى: وذلك لأن في صورة استتباع الحق الذي يستتبع طبعا وجوب التخلية بينه وبين صاحبه شرعا، لا يعقل التكليف الآخر، لما تحرر في الاصول من أن متعلق التكليفين التأسيسيين، لابد وأن يكونا متباينين، أو بالعموم والخصوص من وجه، وأما إذا كانت النسبة بينهما التساوي، أو العموم والخصوص المطلقين، فلا يعقل ترشح الإرادة التأسيسية، لتقومها بالمراد، فلو كانت النسبة تساويا، فلا شبهة في أن البعث والأمر الثاني تأكيدا، وهكذا فيما كانت النسبة عموما مطلقا. وفيما نحن فيه، لو كان يجب رد حق الغير إلى صاحبه عند المطالبة، فكيف يعقل إيجاب الوفاء بالشرط؟! فمقتضى هذه الشبهة امتناع التكليف الوجوبي والندبي في موارد الشرط. نعم، إذا قلنا: بأنه لا يستتبع حقا وضعيا - كما عن " الدروس " (1) ويظهر تحقيقه - يمكن الالتزام به ثبوتا، ويقع الإشكال فيه إثباتا. وتندفع الشبهة أولا: بأنه ربما لا يكون الشرط مستتبعا لحق، فيلزم أن تكون النسبة عموما من وجه، وذلك مثل ما إذا شرط المؤجر على المستأجر أن لا يشرب الخمر، أو أن يصلي فريضة، أو صلاة الليل،


1 - لاحظ الدروس الشرعية 3: 214، المكاسب، الشيخ الأنصاري: 284 / السطر 19. (*

[ 162 ]

فإنه لا يملك عليه شيئا. وحديث حق الإلزام والإجبار، غير حديث تملكه عليه مثلا، نعم بهذا تنحل المعضلة. مع أن ثبوت حق وملك في شرط الفعل، محل إشكال عندنا في الأجير العام. هذا، ولو كانت النسبة عموما مطلقا واقعيا وتباينا عنوانيا، ربما يكفي في العموم والخصوص، لا في المتساويين كما نحن فيه، فإن الحكم الشرعي الثابت عقيب الوضع والحق، منوط بالمراجعة، فلو رجع الشارط إلى المشروط عليه، فعليه رد حقه بخياطة ثوبه، أو رد ملكه برد داره إليه، وتسليمها إليه، وأما الشرط فيجب أن يكون عنده شرعا على الإطلاق، ففيما إذا لم يطلب منه، لم يكن إلا تكليف واحد، وإذا طلبه منه يلزم الإشكال. ولكنه مندفع: بأنه واجب مشروط، وباق على مشروطيته، فلا منع ثبوتا من إيجاب الشرط، وبأن يلزم عليه الوفاء، أو يلزم عليه أن يكون عنده، وهو يختلف مقتضياته كما مر، فإنه يجب الوفاء في صورة، ويجب قبول العين الفاقدة الصفة في صورة. بل ربما يحرم أخذه منه في صورة، كما إذا كان المشروط عند المشروط له قبل الشرط، فإنه بعد العقد والشرط، لا معنى للإيجاب عليه إلا بمعنى تحريم الأخذ منه وهذا مما لا بأس به ثبوتا، كما هو الواضح. الشبهة الثانية: وهناك شبهة ثانية ثبوتية: وهي أن وجوب الوفاء بالشرط، ليس

[ 163 ]

معناه إلا وجوب الخياطة التي هي الشرط بالحمل الشائع، وهي الملتزم به واقعا في نظر العرف، فكيف يعقل الإيجاب الثاني تأسيسيا متعلقا بها، لأجل كونها حق الغير وملكه؟! نعم، لو قلنا: بأن حبس مال الغير حرام، أو منع الغير عن حقه حرام، فهو مما لا بأس به، نظرا إلى تشديد الأمر بعد اختلاف العنوانين، فإن الإرادتين تختلفان باختلافهما، وتتعددان بتعددهما، كما تحرر في الاصول، وقيل: بأن الصلاة واجبة شرعا، وتركها حرام شرعا، قضاء لأدلتهما، فليتأمل. وبالجملة: لو كان مصب الإيجاب الآتي من قبل دليل الشرط، عنوان " الخياطة " الذي هو ذاتي، ومصب الإيجاب الثاني عنوانا عرضيا وهو رد حق الغير، فيشكل أيضا أمر المسألة ثبوتا، ولكنه مضافا إلى منع كون مصبه عنوانه الذاتي، نمنع امتناع ترشح الجد بعد كون الوجوب الثاني مشروطا وباقيا على مشروطيته، كما تحرر في الاصول. فعلى ما تحصل لحد الآن، لاوجه لامتناع التكليف الزائد على التكليف الآتي من قبل المعنى الوضعي، كما مر تفصيله في ذيل قوله تعالى: * (أوفوا بالعقود) * (1) إلا أن المسألة هناك كانت أقرب من افق التحقيق.


1 - المائدة (5): 1.

[ 164 ]

الشبهة الثالثة: وهناك شبهة ثالثة: وهي أن قضية الوجوب التكليفي عقيب الشرط، عدم لزوم الشرط، كما عن المحقق الرشتي (رحمه الله) (1) في مسألة وجوب الوفاء بالعقد، وإذا لم يكن الشرط لازما يلزم الخلف، لأن المفروض لزومه. وفيه: أنه يجب الوفاء بالعقد فورا ففورا، فلا يلزم من إيجابه المذكور جوازه، كما لا يلزم من عصيان أمر صلاة الزلزلة، إلا سقوط الأمر الأول، دون الأمر الثاني الذي هو معنى الفور فالفور، وفيما نحن فيه أيضا كذلك، فإن الشرط لازم وباق، وهو على الدوام عاص، ولا يتمكن من إعدام موضوع عصيانه، فاغتنم. الإشكال الإثباتي إذا تبينت وحلت مشكلة البحث ثبوتا، فربما يشكل إثباتا: بأنه لا معنى لإيجاب الكون عند الشرط بمثل هذه الأخبار، لاقترانها ببعض القرائن، وهو الإسلام والإيمان المناسب للاستحباب والاستحسان. ولكونها قضية خبرية، لا تقتضي إلا إفادة كمال الإيمان بعكس نقيضها، وأنه من لا يفي بشرطه ليس مؤمنا. بل عن النراقي (رحمه الله) (2): أن


1 - لم نعثر عليه. 2 - مناهج الأحكام: 41 / السطر 20.

[ 165 ]

القضايا الإخبارية مضافا إلى أنها ليست آكد وأبلغ في إفادة الوجوب، لا تفيد الإيجاب، وكونها كناية عن الإنشاء والأمر والبعث، يحتاج إلى القرينة، بعد ظهورها في الإخبار، وتداول استعمالها في إفادة كمال الإيمان المناسب للندب، أو لاأقل من الإجمال، فلا تدل على الإيجاب. وتوهم: أن المستثنى في بعض النسخ بقوله: " إلا من عصى الله " (1) يوجب ظهوره في الإيجاب المتعلق إما بإيجاب الإيمان الملازم للوفاء بالشرط هنا، أو المتعلق بإيجاب العمل بالشرط، أو بكونه عند شرطه كناية. غير تام، لعدم تمامية تلك النسخة أولا ولعدم معلومية المراد من الاستثناء، بل ولزوم المحال، واختصاص الأحكام بالمؤمنين العاملين، دون العصاة، فلا يلزم أن يكونوا عصاة إلا مجازا، أو في خصوص هذا الشرط، بأن يكون العصاة غير واجب عليهم الوفاء بالشرط!! وهذا أمر غريب، فتكون هذه النسخة أيضا شاهدة على أن المقصود هم العصاة، بمعنى الفاقدين لكمال الإيمان، فيندرج في الأحكام الشاهدة على كمال الإيمان، فافهم وتدبر جيدا. أويقال: بأن العناوين المشيرة وغير النفسية، لاتقبل الإيجابات التكليفية عند العقلاء، لكونها منظورا بها، والقرار والشرط وعنوان " الالتزام " و " الملتزم به " بما هو هو، كله مغفول عنه، وما هو مورد النظر عند العقلاء، ليس إلا العناوين الذاتية التي تذكر عند العقد وفي طي العقود، ومن هذا عنوان " العقد " فإن إيجاب الوفاء به، أو إيجاب الوفاء بالشرط - لكونه أيضا عقدا، كما مر، أو لكونه من أذيال العقد - كله غير


1 - لاحظ عوائد الأيام: 132.

[ 166 ]

صحيح عرفا، لأن المنظور هو المعاني الاخر. هكذا أفاد الوجه الأخير الوالد المحقق - مد ظله - (1) في درسه فيا ليت يصدقه في مثل النذر والعهد، مع إصراره على أن الواجب هناك عنوان " الوفاء بالنذر " (2) مع وحدة الملاك قطعا، فلو نذر شاة لزيد، فالواجب رد مال الغير وحقه إليه، وإيجاب الوفاء به مترشح عن ذلك الحق، فلا وجه للفرق. وعليه يحمل ما في العلوي (3) من الأمر بالوفاء، فإنه أمر مترشح من ملاك واحد هو يقتضي رد حق الغير إلى صاحبه، ولاملاك آخر في البين، فلو ترى الأمر والبعث اللفظي، فهو أيضا قاصر عن إثبات التكليف الشرعي في أمثال المسألة، حسب نظر العرف. ومما يشهد على أنه مترشح من الحق المذكور الآتي تحقيقه: أنه لو كان كذلك، لما قبل السقوط والتعجيل والمصالحة عليه. اللهم إلا أن يقال: هو تكليف مترشح من أمرين: أحدهما الحق المذكور، فإذا سقط أو عجل أو صولح عليه لا يبقى الوجوب قهرا، فلا تخلط. وتمسك العقلاء في مورد تخلف المشروط عليه عن الوفاء بالشرط - بأنه غير جائز، لكونه خلاف قراره - لا يستلزم كون القرار من


1 - لاحظ البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 5: 218 - 219. 2 - مناهج الوصول 1: 168. 3 - تقدم في الصفحة 151.

[ 167 ]

الامور المنظور فيها، بل هو مجرد استدلال في النظر الثانوي على المطلوب الأصلي النفسي. تحقيق المسألة أقول: والذي هو الإنصاف أن هذه الوجوه المترائية أحيانا في كلمات جمع منهم، كلها قابلة للدفع. ولكن الذي يظهر: أن هذه القوانين العامة الكلية التي تكون معلومة الطريق عند العقلاء، وواضحة السبيل في الأمصار والأعصار - كالقوانين العامة التي تأمر بالعمل بالخبر الواحد والظواهر - لا تستدعي أزيد مما هو المعهود عند الأقطار والأمصار في الأزمنة والأعصار، ولو كان نطاقها أوسع في تأسيس صحة طائفة من الشروط ولزومها، ولكنها أجنبية عن المسائل الراجعة إلى العقاب والثواب، بل هي وضعيات محضة، وإمضائيات صرفة لما عندهم، وتأسيس لسنخ ما لديهم في طائفة من الشروط. أو تكون مرجعا في موارد الشك فيما عند العرف والعقلاء، وإلزام قطعي، نظرا إلى لزومها عند العقلاء، وإلى الاستشهاد بها في الأخبار، وأن الشاهد القوي عليه استثناء الشرط المخالف للكتاب الذي هو أيضا غير صحيح عند العقلاء، كما مر تفصيله. فلو كان المرام هنا إيجاب الوفاء، أو إيجاب الكون عند الشروط، ليلزم نفي ذلك الوجوب في مورد الاستثناء، مع أنها في مقام إبطال تلك

[ 168 ]

الشروط المخالفة، فيكون المستثنى منه في المفاد كالمستثنى حسب النظر. ولو أمكن ثبوتا خلافه، ولكن ليس مجرد الإمكان كافيا في مرحلة التصديق والاحتجاج، فيعلم منه نفوذ الشرط في المستثنى منه، ولزومه وصحته، ولا معنى لكون المستثنى باطلا، والمستثنى منه أمرا مستحبا شرعيا، فاغتنم. الجهة الرابعة: في ثبوت حق عرفي سوى الخيار حكي عن الشهيد (قدس سره) أنه أنكر في موارد الشرط، شيئا وضعيا وحقا عرفيا زائدا على ثبوت الخيار عند التخلف، وانقلاب العقد اللازم إلى الجائز (1) وهذا أيضا يوجد احتماله في كلام " غاية المرام " (2). وقد ذهب الآخرون إلى خلافه، مع أن الخيار لا يورث الانقلاب عندنا كما عرفت، ولو صح ما نسب إليه بقوله: " وانقلاب اللازم جائزا " للزم ممنوعية الشرط في طي العقد الجائز، فافهم. موضع النزاع وبالجملة: ثبوت الخيار كأنه أمر مفروغ عنه، وسيمر عليك تحقيقه وحدود حدوثه وشرائطه، وإنما الكلام هنا حول حدوث المعنى


1 - لاحظ المكاسب، الشيخ الأنصاري: 283 - 284، الروضة البهية 1: 385 - 386. 2 - لاحظ المكاسب، الشيخ الأنصاري: 284 / السطر 28.

[ 169 ]

الوضعي والحق العرفي، ولازم ذلك بطلان شرط النتيجة، ضرورة أنه مع صحته وصيرورة الدار ملك المشروط له، يلزم جواز الرجوع إليه والمطالبة، فربما كان نظره (قدس سره) إلى مورد شرط الفعل، وأنه في موارد شرط الفعل - كشرط الخياطة وأمثاله - لا يحصل حق، كما لا يحصل حق في مثل شرط ترك شرب الخمر، وإتيانه بالفرائض الإلهية عليه، فلا يكون كلامه في مورد مطلق الشروط، ولا مطلق شرط الفعل، ضرورة أنه من الشروط ما ربما لا يكون من الثلاثة: وهو شرط الفعل، أو النتيجة، أو الوصف، كشرط ترك الحرام المبتلى به، ولو كان دليل الشرط يقتضي شيئا وضعيا حقيا، يلزم بطلان الشرط الرابع. وأما حديث المراجعة إلى الحكام للإلزام، أو إلزامه بنفسه ومباشرة (1)، فهو بحث آخر غير مسألتنا هذه، فإن البحث هنا هو أنه كما يحصل للمستأجر تملك الخياطة على الأجير، ولاسيما في الأجير الخاص، فهل الأمر كذلك في الشرط، أم لا؟ فمحط النزاع هنا ذلك ولو كان كلام الشهيد (رحمه الله) قاصرا عن ذلك، ولكنه قد استكمل ببيان منا. ومقتضى وحدة الدليل عدم حصول الحق بالشرط، لأنه لو كان يقتضي ذلك يلزم عمومه، وحيث إنه ممنوع يكشف منه أن قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): " المؤمنون عند شروطهم " (2) لا يفيد أمرا وضعيا زائدا على اللزوم المذكور


1 - البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 5: 220 - 221. 2 - الكافي 5: 404 / 8، الاستبصار 3: 232 / 835، تهذيب الأحكام 7: 371 / 1503، وسائل الشيعة 21: 276، كتاب النكاح، أبواب المهور، الباب 20، الحديث 4.

[ 170 ]

المستتبع للخيار. وبالجملة: لو كان كلامه (قدس سره) راجعا إلى ما حررناه فلاوجه، وإلا فلا وجه له جدا. الإشكال في ثبوت حق عرفي وبالجملة: لأحد إنكار الحق المذكور، لقصور دليل الشرط عن ذلك. اللهم إلا أن يقال: إن استفادة المعنى الوضعي الحقي ممكنة، لأجل اختلاف النسب والإضافات، فقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): " المؤمنون عند شروطهم " (1) إذا اضيف إلى شرط ترك المعصية، فلا يستدعي معنى وضعيا حقيا يجوز إيجاره، كما لو كان الشرط أن يصرف جميع منافعه إلى زمان كذا للبائع، فإنه يجوز للبائع - حسب الظاهر - إيجاره بالنسبة إلى مطلق منافعه، أو خياطته، وإذا اضيف إلى المثال المذكور، يستدعي أنه مالك عليه تلك المنافع. هذا، ولو استشكل فيه: بأنه فرق بين أن يقال: " المؤمنون عند شروطهم " وبين أن يقال: " الشروط جائزة بين المسلمين " و " الصلح جائز بينهم ". فيتوجه إليه أولا: أن المراد من " الشرط " لو كان معنى مصدريا، فلا يحصل بين التعبيرين فرق، ولو كان معناه العرفي، فينتقل ذهن السامع


1 - نفس المصدر.

[ 171 ]

منه إلى أنه يعلم منه: أن للشارط على المشروط عليه شيئا كي يكون هو عنده، وهذا فيما نحن فيه هو الحق الوضعي. تحقيق المسألة والذي هو الأظهر وهو مورد الإنصاف: قصور هذه الأخبار عن إثبات هذا المعنى الوضعي الزائد على جواز الإلزام. وتوهم أنه حكم العقلاء، وأنهم يحكمون بمالكية الشارط على المشروط عليه شيئا، غير تام، ولا شاهد على الإمضاء لوتم، لكن هذه الأخبار رادعة عنه بعد ظهورها في الخلاف، فليتأمل. وقد تحرر منا (1)، أن في موارد الإجارة، أيضا غير ثابت وجود الاستملاك والملكية، ولاسيما الأجير العام، فضلا عن باب الشروط، ولذلك ذهب جمعهم إلى عدم بطلان المستأجر العين المستأجرة، والتي اشترط في ضمن عقد الإجارة أن لا يؤجرها من أحد، وهكذا في سائر موارد الشروط، كشرط عدم البيع وغيره. فتحصل: أن في موارد شرط الفعل، لادليل على ثبوت الحكم الوضعي بالمعنى المذكور، كما لا يلزم قصر سلطنة المشروط عليه بالنسبة إلى مورد الشرط وضعا، حتى يلزم بطلان بيع العين المشروط تركه، أو إجارتها المشروط تركها. إن قلت: بناء عليه فلابد من الالتزام بوجوب الوفاء بالشرط، أو


1 - كتاب الإجارة من تحريرات في الفقه (مفقود).

[ 172 ]

بوجوب الكون عنده تكليفا، وإلا فلا أثر له رأسا. قلت: هناك شئ ثالث، وهو جواز إلزامه وحق الرجوع إليه بالزامه، كما يأتي، وهذا أمر ثالث غير التكليف، وغير الوضع المذكور، فلا يلزم سقوط أدلة الشروط، واندراجها في المسائل الأخلاقية، كما قد يقال، فلا تخلط. الجهة الخامسة: في جواز إلزام المشروط عليه لا يبعد وجود بناء العرف والعقلاء، على أن في موارد تخلف المشروط عليه عن الشرط، جواز إلزام المشروط له، وهذا المعنى هو الأمر الوضعي الحقي لجواز إعراضه عنه، وعدم الاعتناء به، أو جواز المصالحة عليه والتعجيل. وأما مجرد كونه بناء عرفيا، فربما لا يكون كافيا، لما عرفت منا: من إمكان المناقشة فيه، وردعه شرعا. ولكن استفادة إمضائه للكبرى الكلية قريبة، لأن اللزوم المستفاد من تلك الأخبار، ليس معنى تكليفيا، فيكون المستفاد من المستثنى منه - مضافا إلى صحة الشروط، في قبال بطلانها، في المستثنى - لزوم ذلك الشرط عرفيا وعقلائيا، بمعنى جواز مراجعة الشارط إليه، وإجباره على الوفاء بالشرط. فما يظهر من بعضهم: من أنه لادليل على جواز الإلزام، أو يظهر: أن دليل جواز الإلزام ينحصر ببناء العقلاء، غير تام، بل بناء العقلاء على الإلزام

[ 173 ]

والمطالبة قطعي، ودلالة تلك العمومات على هذا المعنى الحقي، غير بعيدة، لأن اعتبار هذا اللزوم مترشح من اعتبار نفوذ الشروط المفروغ عنه، فيكون مفاد الاستثناء بطلان المخالف والمحرم والمحلل، فلا يتوجه حينئذ الإشكال الذي ذكرناه سابقا إليها من هذه الجهة. فعلى ما تقرر، يمكن إمضاء بناء العقلاء هنا، وما في " الدروس " من النظر في جواز الإجبار (1)، ربما كان منشأه عدم إمكان استفادة إمضاء بناء العرف من ناحية الشرع. التحقيق في المسألة ولكن بعد اللتيا والتي، إن في موارد شرط الفعل، إذا لم تكن مالكيته للمشروط له على المشروط عليه، ولاحق له بالنسبة إلى العين المشروط إعطاؤها إليه بعد العقد - كما قيل، بل وهو المشهور في النذر وأشباهه - يكون القول باللزوم التكليفي قريبا، ويجوز رجوع الشارط إلى الحاكم، أو إجباره بنفسه عليه، نظرا إلى تلك العمومات الظاهرة في ضرب القوانين الإلهية، وإمضاء الطريقة العرفية، وإنما الاستثناء فيها ناظر إلى ما هو لازم المستثنى منه، وهو نفوذ الشروط المستتبع للوجوب العرفي، الذي إذا اضيف إلى الشرع، يعتبر تكليفا يستتبع العقاب. وبالجملة: إذا كان الوفاء بالشرط لازما عرفيا، وممضى شرعا، أو


1 - الدروس الشرعية 3: 214.

[ 174 ]

تكليفا زائدا على اللزوم العرفي، فلازمه جواز الإلزام في الجملة، لأنه الحكم العرفي في هذه الصورة. بل في صورة كونه لزوما عقلائيا، لابد وأن نقول به، وإلا فلاثمرة في الالتزام بهذا اللازم، بخلاف شرط النتيجة، كما هو الواضح. بقي شئ: هل جواز الإجبار متوقف على مراجعة الحاكم أم لا؟ إن جواز الإلزام هل يختص بمراجعته إلى الحاكم الشرعي، أم هو أعم منه ومن مباشرته؟ وجهان، بل ظاهر بعضهم الأول. وقيل بالثاني، نظرا إلى أنه خلاف الأصل، ولا دليل عليه، وما اشتهر: من جواز الرجوع والتقاص في موارد الدين، مضافا إلى أجنبيته عن مسألتنا، غير تام عندي في محله، فإن اختلال النظام بالدعاوي الباطلة غير جائز، ويجب سده عقلا، فإنه كثيرا ما يمكن دعوى شئ على رجل بأنه شرط عليه، فيلزمه عليه، فلابد من المراجعة إلى الحاكم. وتضييع الحقوق وإن كان ممنوعا، إلا أنه لابد من مراعاته من الابتداء بالكتابة والإشهاد، حتى لا يبتلي الشارط بإنكار المشروط عليه ويمينه، فيضيع حقه، فإنه قد ورد الأمر بالكتابة في آية الكتابة (1)، وهو أمر كلي يستفاد منه في جميع موارد الحقوق.


1 - البقرة (2): 282 * (يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه وليكتب بينكم كاتب بالعدل ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب وليملل الذي عليه الحق...) *.

[ 175 ]

فبالجملة: له حق المطالبة والرجوع، وأما حق الإجبار والإلزام مباشرة فهو ممنوع، لإمكان سوء الاستفادة من هذا الحكم، كما في موارد القصاص والتقاص. نعم، في موارد الغرض الفعلي في الأموال والأعراض، يدافع بحكم الشرع والعقل، لأن مراجعته إلى الحاكم توجب تجاوز الظالم إلى عرضه وماله، ولايجوز تأخيره، فلا يقاس ما نحن فيه بأمثال تلك المسائل بالضرورة. وأما رجوعه إلى الظلمة والحكومة الباطلة، لإحقاق الحق وإبطال الباطل، فهو مع إمكان حل المشكلة بغير هذا الطريق ممنوع قطعا. وأما لو انحصر به ففيه بحث يطلب من مباحث البيع، والمسألة مشكلة جدا، وفيها التفصل، فليراجع. ومن الغريب ما في كلام بعضهم وصريح الشيخ (رحمه الله) حيث علل جواز الإجبار: بأن الشارط قد ملك الشرط على المشروط عليه، بمقتضى العقد المقرون بالشرط، فيجبر على تسليمه (1) انتهى!! فإن الشرط في صورة كونه فعلا، لا يقتضي المالكية بالنسبة إلى الملتزم به، كما عرفت، ولا يقول هو به أيضا. ولو أراد منه مالكيته بالنسبة إلى نفس الإلزام، فهي ليست كمالكيته للأعيان، بل هي مجرد التسليط على الإجبار، فلا معنى لعده ملكا. وبالجملة: الضرورة قاضية بأنه لو باع الدار التي اشترط إعطاءها


1 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 285 / السطر 5.

[ 176 ]

إلى المشتري في طي عقد النكاح، صح بيعه وإن كان للحاكم إجباره على التسليم. إن قلت: فرق بين الشروط، فإن منها: ما لا حظ لها من الثمن، ومنها: ما لها الحظ والقسط، فما كان من قبيل الثاني، يورث الشرط تعلق حق للمشروط له عليه، ضرورة أنه ماكان يقدم على البيع إلا لأجل ذلك الشرط. نعم، في موارد اشتراط ترك المحرم وأمثاله - مما لا يرجع إلى تقسيط الثمن عرفا - فلا حق له. قلت: قد مر أن الشرط وإن لم يكن أجنبيا عن العقد، فيكون بينهما الربط ثبوتا وإثباتا، إلا أنه داخل تقيدا لاقيدا، فلا معنى لكونه طرف الأثمان بالضرورة، ولا يقولون به. ولو كان الأمر هكذا فهو يرجع من الشرط إلى الوصف والقيد، كما قيل به في الأحكام، وهذا مما لا بأس به أحيانا إذا ساعدنا الفهم العرفي، ولكنه يلزم خروجه عن محط البحث. الجهة السادسة: في ثبوت الخيار بعد تعذر الإجبار أو مع تمكنه بناء على ما عرفت من جواز الإجبار في الجملة، فهل الخيار يثبت بعد تعذر الإجبار؟ أم هو ثابت ولو أمكن الإجبار والرجوع؟ أو لا يعتبر في ثبوت الخيار أزيد من مماطلته، فلو أمكن الإجبار ولو

[ 177 ]

بالسؤال والتهديد، أو أمكن الرجوع إليه مع علمه بالوفاء، يثبت الخيار عند المماطلة والتأخير عن الحد المتعارف؟ وجوه بل أقوال: فعن موضع من " جامع المقاصد ": أنه مع تمكنه من الفسخ لا يجوز الإجبار (1) فيعلم منه أنه يثبت الخيار بمجرد التخلف. واستضعفه الشيخ (رحمه الله) " بأن الخيار إنما شرع بعد تعذر الإجبار لدفع الضرر "!! (2) وهذا غريب منه، لأن الخيار عقلائي، ليس تأسيسيا، فلا تشريع. مع أنه ربما لا يكون في كثير من موارد خيار الشرط ضرر، حتى يتمسك به. مع أن قاعدة نفي الضرر، لا تخلو من مناقشات محررة في محلها (3). وعن جماعة كالشهيد [ الثاني ]: أن الخيار بعد تعذر الشرط (4)، خلافا للعلامة (رحمه الله) حيث قال في موضع من " التذكرة " بثبوت التخيير في صورة التخلف بين الإجبار والفسخ (5). وإليه ذهب الوالد المحقق (6) - مد ظله - نظرا إلى أنه خيار


1 - جامع المقاصد 4: 422. 2 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 285 / السطر 6. 3 - لاحظ تحريرات في الاصول 8: 250 وما بعدها. 4 - لاحظ المكاسب، الشيخ الأنصاري: 285 / السطر 10، الروضة البهية 1: 386 / السطر 1 - 5. 5 - تذكرة الفقهاء 1: 490 / السطر 23. 6 - البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 5: 220.

[ 178 ]

تخلف الشرط، لا تعذره، ولازمه أنه في موارد تخلف التسليم، أيضا يثبت خيار تخلف التسليم، لا تعذره. وربما يمكن التفصيل بين ما إذا كان الشرط في ضمن العقد، وما إذا كان العقد لأجل التوسل إلى الشرط، لامتناع البدوي منه، أو بطلانه، فإنه في الصورة الثانية لا معنى للخيار، بل يكون له الإلزام فقط. وتوهم: أنه لا يصح البيع في هذه الصورة، لعدم الجد إليه، في غير محله، لأن الجد يحصل، ولكنه جد في المرتبة المتأخرة عن الجد إلى الشرط. نعم، إذا كان العقد المقصود ثانيا، نقدا يعتنى بشأنه عرفا في حد ذاته، فلا يبعد ثبوت الخيار فيه. وبالجملة: الخيار على خلاف الأصل، فلا يثبت إلا بدليل. فلو كان الوفاء بالشرط موقتا بوقت فتخلف، فله الخيار، وإذا لم يكن موقتا بوقت، فإن كان له الوقت العادي والمتعارف، فالتأخير عنه أيضا يوجب الخيار، ولا معنى للإلزام قبله. فعلى هذا تحدث مشكلة: وهي أن تصوير التخيير بين الخيار والإجبار مشكل، كما أن تصوير الإجبار مشكل، لأنه إن كان للعمل بالشرط وقت، فإنه لا معنى لإجباره في الوقت، ولابعده: أما فيه فواضح، وأما بعده فهو ليس من الإجبار على الشرط، لأن الوقت قيد، فلا يعقل إجباره عليه فيه بعد مضيه. وإن لم يكن له الوقت، فإما يكون باطلا للجهالة، أو صحيحا، فلا يجبر أيضا عليه، لما لا تخلف عنه، فلا خيار، ولا إجبار.

[ 179 ]

نعم، إذا تعذر عليه يكون له الخيار. وتوهم: أن الوقت ليس قيدا، وتكون القضية حينية، لاتقييدية - مضافا إلى أنه غير تام عندنا في الاعتباريات، كما ترى أنه قيد في الصلاة - غير صحيح عند العقلاء إجباره خارج الوقت عليه. فعلى هذا يتبين أمران: أحدهما: أنه لا يتصور مورد للإجبار. ثانيهما: أنه لا خيار إلا بعد التعذر. اللهم إلا أن يقال: إن الأول ممنوع، لأنه ربما يعرف من حال المشروط عليه، بناؤه على التخلف باعترافه، أو بالقرائن، ولكن بعد في المسألة تأمل، كما لا يخفى. تذنيب: الإجبار في التعبديات في موارد التعذر والتخلف، ربما يمكن الوصول بالإجبار إلى الشرط، كما في التوصليات والأفعال الخارجية، وأما في موارد التعبديات والإنشاءات، فلا يمكن ذلك بنحو الإطلاق في الاولى. وأما في الثواني، فربما يتمكن الحاكم من الإنشاء، ففي نيابته عنه في صورة التعذر - بعد فرض كون الشرط مباشرته - إشكال، وإلا إذا كان الشرط على الإطلاق، فالظاهر عدم اشتراط مباشرته، لأن الإنشاءات ليست مورد الأغراض والأنظار المستقلة (1).


1 - فلو تعذر أو امتنع فلا يبعد النيابة، نظرا إلى رفع المنكر. نعم، بناء على وجوب =

[ 180 ]

وقال الشيخ (رحمه الله) بذلك (1)، نظرا إلى عموم ولاية السلطان على الممتنع، فيندفع ضرر المشروط له بذلك. وفيه: أنه ربما لا يكون في تركه ضرر، لأنه أمر غير مالي، ولا مرتبط به. نعم، مقتضى الأصل عدم ثبوت الخيار، إلا بعد إحراز جميع المحتملات الدخيلة في ذلك. الجهة السابعة: في موارد تعذر الشرط هل يثبت الأرش، أم لا؟ وجهان، بل قولان ناشئان عن أن الأرش مقتضى القاعدة، أم لا. وقد عرفت أن الأرش - بمعنى كونه أمرا في عرض الخيار - يكون على خلاف القواعد، وفي موارد التعذر عن العمل بالعقد، له فسخ العقد، والرجوع إلى البدل من المثل، أو القيمة. فما عن السيد الفقيه اليزدي هنا (2) وفيما سلف (3): من أنه مطابق للقاعدة، بعيد عنه جدا، وعن الصواب قطعا، فإن الشرط من الأجزاء التحليلية التي يكون التقيد داخلا والقيد خارجا، وما كان شأنه ذلك


= الوفاء تكليفا، وعدم استتباع لشرط الفعل للمعنى الوضعي كما عرفت، فلا منكر حتى ينوب عنه السلطان والحاكم، فافهم [ منه (قدس سره) ]. 1 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 285 / السطر 16 - 17. 2 - حاشية المكاسب، السيد اليزدي 2: 130 / السطر 22. 3 - حاشية المكاسب، السيد اليزدي 2: 101 / السطر 15.

[ 181 ]

لا يلاحظ في قبال الثمن، فإن المعاني الحرفية مغفولة، وقد عرفت بما لا مزيد عليه وجه إنكار كون الأجزاء المقدارية تتقسط بالنسبة إليها الأثمان، فضلا عن الشروط. وأما ما أفاده الوالد المحقق (1) - مد ظله -: من عقلائية الأرش في الجملة، فهو في غير محله، لأن ما هو العقلائي في موارد تعذر الوصف والشرط والتسليم، فسخ العقد. نعم، قد ذكرنا: أنه لو كان البائع في موارد العيب يعطي الأرش بدوا، أو في موارد الغبن يعطي الزيادة، فثبوت الخيار مشكل، وعدمه مطابق للأصل. بل ينفيه الأدلة الاجتهادية الأولية، بعد المناقشة في الأدلة المقتضية للخيار على الإطلاق، كما لا يخفى. فإطالة الكلام حول أقسام التعذر الذاتي والطارئ، وحول المباني من فساد الشرط المتعذر من الأول وعدمه، وحول أقسام الشروط المالية وغير المالية، غير صحيحة جدا، بعد اعتراف المعظم بأن الأرش على خلاف الأصل، وغير ثابت عندنا حتى في موارد خيار العيب، لما مر من المناقشة في سنده. ولو ثبت فهو مخصوص ببابه للتعبد، ولا بأس به في الجملة، فليراجع. بقي شئ: حول بطلان العقد عند تعذر الشرط ربما يتوهم في موارد تعذر الشرط، بطلان العقد.


1 - البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 5: 226.

[ 182 ]

وهذا مضافا إلى أنه توهم غير جائز، كما يأتي في بحثه إن شاء الله تعالى يكون خارجا عن الجهة المبحوث عنها، وهي فرض صحة العقد، وأن تعذر الشرط هل يوجب الأرش زائدا على الخيار؟ ولعمري، إن كثيرا من بحوث المحشين، خارجة عما هو مورد النظر، ولأجل بنائهم على إيجاد أمر جديد في المسألة، كل خرجوا عنها، وأتوا بما مضى، أو بما يأتي في محل آخر، فإن ما هو محط الكلام هنا هو تعذر الشرط بتعذر طارئ، وإلا فما كان متعذرا من الأصل فربما يبطل، لكونه مورد العجز، وقد اشترطت القدرة، كما مر. كما أن الجهة المفروغ عنها، صحة العقد حال تعذر الشرط، فالبحث عن الصحة أيضا غلط. وهكذا البحث عن أن الأرش مطابق للقاعدة، أم لا، وذكر تلك الوجوه هنا أيضا. وغير ذلك مما صدر من أصحابه، غافلين عن أن تورم الفقه غير سمنه، وما هو المطلوب تسمين الفقه، لا تورمه، فلا تخلط. ومن هنا يظهر أيضا: أن البحث حول كيفية الشرط، وتقسيط الثمن عليه، في غير محله أيضا. فما هو المبحوث عنه هنا: هو أنه مع كونه شرطا وخارجا قيدا، وداخلا تقيدا، وبتعذر طارئ، مع أن العقد صحيح في ذاته، ولا يبطل، هل يثبت في هذه الصورة أرش، أم لا؟ وقد مر التحقيق بعدم ثبوته. وأما توهم: أن في موارد تعذر الشرط لا يثبت الخيار، لأنه معذور عند الشرع والعرف، وما هو الموجب للخيار هو التخلف والامتناع، فهو

[ 183 ]

ناشئ من الخلط بين الوضع والتكليف، ضرورة أن الخيار ثابت في مورد تعذر التسليم، سواء كان الثمن كليا، أو شخصيا مع أنه معذور بالضرورة. ثم إن حديث الأرش، مخصوص بموارد شرط النتيجة والوصف، دون الفعل، لماعرفت: من أن شرط الفعل لا يستتبع ملكية للمشروط له على المشروط عليه، فلا يتملك مثلا خياطة الثوب، حتى يكون شرط الفعل يفيد شرط النتيجة، فليس في موارد التعذر إلا الخيار. وغير خفي: أن التعذر يقاس بالنسبة إلى حدود سعة الشرط، فإن كان الشرط مباشرة المشروط عليه، فالتعذر يقاس بالنسبة إليه، وإن كان الأعم فهو الأعم، فلو أمكن العمل بالشرط بالتسبيب فيلزم عليه، ويجب العمل بمقتضى الشرط حتى القدرة، فما عن " تذكرة " العلامة (قدس سره) (1): من القول بالعوض إذا فات وقت الوفاء بالخياطة! غير صحيح، وأغرب منه ما نسب إلى الصيمري: من القول بالأرش بمجرد امتناعه عن الوفاء (2)!! إفادة: إذا تلف مورد الشرط بعد تسليم المبيع لو اشترط بنحو النتيجة أن تكون الدار الخاصة لزيد المشتري، وكانت الدار صحيحة سالمة حين العقد، وأما بعد مضي العقد وتسلم المبيع، تلفت العين التي كانت مورد الشرط:


1 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 285 / السطر 24، تذكرة الفقهاء 1: 491 / السطر 4. 2 - لاحظ المكاسب، الشيخ الأنصاري: 285 / السطر 22 - 23.

[ 184 ]

فهل هو كاشف عن بطلان الشرط، بناء على اعتبار القدرة إلى حين التسليم، فلا يكون له الخيار فضلا عن قيمة المشروط، لأن الشرط محكوم بالعدم، كالشرط المخالف، فيكون باطلا؟ وقد مضى حديث اعتبار القدرة، وأنها أجنبية عن صحة الشرط، ولا يلزم على تقدير دخالتها فيها عدم ثبوت الخيار. أم يثبت الخيار، وهو بإعطاء المثل أو القيمة، نظرا إلى أن نفس التخلف والتعذر سبب، وليس بناؤه على الضرر غير المنجبر، ولاسيما في الشروط التي هي لا تلاحظ ضرريتها، ولا ضرريتها بالنسبة إلى العقد، لكونها أجنبية عن العقد بوجه مضى أيضا؟ أو يكون له الخيار بعد امتناعه عن التبديل وإعطاء الغرامة؟ نظرا إلى أن الشرط ولو تعلق بالعين الخارجية، إلا أن الخصوصية ملغاة عرفا، ويكون على المشتري جبران ما عليه، كموارد " على اليد... ". بل هنا أيضا بعد ما صارت الدار ملكا للبائع، من موارد " على اليد... " بناء على أن مطلق اليد مضمونة، وما هو الخارج عنه عنوان مبهم ومجمل، ويتمسك بإطلاقه، أو يفرض صورة التلف المقرونة بالتفريط، فيثبت الضمان، ولاخيار حينئذ بحكم العرف والعقلاء، لأن من يريد الفسخ يعد لجوجا، ولاخيار لمثله عندهم، ولاسيما فيما إذا كان مورد الشرط مثليا، كالمثليات في عصرنا التي تخرج من المكائن، فإن الإنصاف يشهد على عدم ثبوت الخيار في أمثالها، كما لا يخفى. أم له الخيار، وله المطالبة بالمثل والقيمة في موارد التلف والإتلاف، بشرط كون موارد التلف بحكم الإتلاف، نظرا إلى تعذر الشرط

[ 185 ]

عرفا، وإلى أنه أتلف عينه وماله، لأنه انتقل إليه بشرط النتيجة، كما هو المفروض؟ أو هناك تفصيل بين موارد التلف المستند إلى قاعدة " على اليد... " والتلف والإتلاف المستند إلى حكم العقلاء وقاعدة الإتلاف، نظرا إلى بطلان قاعدة " على اليد... " كما هو الأقرب عندنا، كما تحرر في محله (1)، فإنه في تلك الصور لا ضمان، فيكون له الخيار، أو لاخيار، لانكشاف فساد الشرط رأسا، ضرورة أنه يصح الشرط باعتبار وجوب التسليم، وحيث لا يعقل إيجاب التسليم فلا يعقل صحة الشرط، فلا معنى للخيار؟ هذه هي الوجوه الممكنة. والتي هي الأقرب فيما بينها ثبوت الخيار في عرض المطالبة في موارد الإتلاف والتلف الذي بحكمه، والوجه واضح مما مر كما لا يخفى. بقي شئ: تخلف الشرط في موارد شرط الوصف في موارد شرط الوصف، وأنه كان موجودا حين المعاملة: فتارة: يكون شرط وصف العين المبتاعة، كحلاوة البطيخ، وكتابة العبد. واخرى: يكون شرط وصف العين التي هي مورد شرط النتيجة، كما إذا باع أرضا واشترط أن تكون داره التي تكون على وصف خاص له، ثم


1 - تحريرات في الفقه، البيع 1: 186 وما بعدها.

[ 186 ]

بعد العقد تبين زوال وصف الدار، فإنه على كل تقدير لا يبعد ثبوت الخيار، نظرا إلى بناء العرف الممضى. ولو أمكن المناقشة فيه، فيشكل الأمر في كثير من موارد الخيارات، فيلزم الأخذ بالقدر المتيقن، أو بدليل لفظي، أو إجماع لبي، والكل عندنا غير ثابت، بل منتف، لأن قاعدة " لاضرر... " لا توجب الخيار الحقي إلا بوجه بعيد عرفا. مع أن شمولها لموارد الضرر المنجبر في مثل ما نحن فيه، مورد الإشكال جدا. مع أنه ربما لا يكون مورد الشرط من الامور المالية، كما مر مرارا، كأن اشترط ترك فعل كذا عليه، أو اشترط ما يرجع نفعه إلى المشروط عليه، مثل صلاة الليل ونحوها، إلا أنه خروج عن موارد شرط النتيجة والوصف، فتأمل. وأما ثبوت الضمان نظرا إلى أنه من تلف الوصف تحت يده أو إتلافه - إذا أمكن أحيانا - فهو أيضا قوي، لكونه على الفرض للمشتري بعد العقد. نعم، في موارد تلف وصف العين المبتاعة الذي هو بحكم الإتلاف، بل مطلقا، وفي موارد الإتلاف، لاخيار عندنا ولاضمان، نظرا إلى ما تحرر منا في محله: من أن حقيقة البيع هي المبادلة خارجا في أمر من الامور الاعتبارية، كالملكية، والسلطنة، فإتلاف وصف العين المذكورة ليس إلا عصيانا، لكونه موجبا لعجزه عن الوفاء بالعقد.

[ 187 ]

الجهة الثامنة: حكم البيع مع تصرف المشروط عليه أو تلف العين عند تعذر الشرط في موارد تعذر الشرط، وتصرف المشروط عليه في العين تصرفا ناقلا، أو تلف العين. فتارة: يكون كل ذلك قبل التعذر، فإنه يصح العقد، ولكن يجب في صورة فسخ البائع، رد العين إلى البائع على أي وجه أمكن، ولو بالاشتراء الجديد، وتصل النوبة إلى البدل إذا تعذر رد العين. ومجرد الانتقال لا يكفي، كما مر فيما سبق في أحكام خيار الغبن. وتوهم بطلان العقد بتلف العين حقيقيا، بل وحكميا، فلا يعقل فسخ العقد الأول، قد اندفع أيضا فيما سبق. كما مر أن في موارد تمكنه من رد العين في الأزمنة المتأخرة، حديث بدل الحيلولة وأحكامه. وأما دعوى ممنوعية المشتري عن التصرف في العين المبتاعة قبل الوفاء بالشرط، لأنه موجب لتفويت الأمر عليه في موارد عدم تمكنه من الرد إذا فسخ البائع، فهي غير مسموعة، لأنه خلاف الأصل، ويحتاج إلى دليل. ولا يقاس ما نحن فيه بحديث خيار رد الثمن، كما مر بتفصيل تحقيقه أيضا، وما في كلام بعض المحشين (رحمه الله): من أنه قبل التعذر يكون بحكم خيار رد الثمن، ولا يشبه خيار التفليس الذي هو يحدث بمبادئه بعد

[ 188 ]

العقد (1) في غاية الضعف، فإن في موارد التفليس ربما يكون نفس البيع موجبا للتفليس، فهو أولى بذلك مما نحن فيه. فما هو الحجر الأساسي: أن الخيار ولو كان موجودا حين العقد عند التعذر، ويكون من قبيل الواجب المعلق، فيكون التعذر دليلا على ثبوت حق الخيار للبائع، وليس التعذر شرط وجوده، بل الخيار ثابت من الأول حين التعذر، حسب الاعتبار، ولكنه لايمنع هذا الحق عن جواز التصرف ونفوذه، لعدم الدليل على أن كل حق مانع عن أمثال هذه التصرفات، ولاسيما بعد إمكان عوده إليه، ورده إليه البائع بسبب من الأسباب الممكنة. وقد عرفت لزوم إعمال القدرة في حل العقد الثاني، جائزا كان، أو كان فيه بالخيار، أو كان لازما ومتمكنا من الاشتراء بالأغلى، بشرط عدم عده ضررا عرفا. نعم، فيما إذا كان العين المنتقلة من المثليات في هذا العصر، فلا يجب إلا مثلها، لأنه عينها عندنا، كما مر تحريره، فلا يجب ردها حتى في صورة وجودها عنده، إلا أنه بعيد، فتأمل. واخرى: يكون التلف الحقيقي أو التصرفات بعد التعذر، فإن في صورة التلف الحقيقي يرجع إليه بالبدل، كما اشير إليه، فلا فرق بين الصورتين. وهكذا لافرق بين الصورتين لو قلنا: بأن التعذر كاشف عن ثبوت


1 - لاحظ منية الطالب 2: 139 / السطر 5.

[ 189 ]

الخيار وحقه من الأول، لأن وجه بطلان التصرفات الناقلة، إما يكون النهي المستنبط من الأمر برد العين إلى البائع عند الفسخ، فيكون أمرا فعليا ذا اقتضاء بالنسبة إلى المنع عن الضد، وهذا ممنوع في محله كبرويا وصغرويا، لأنه يتمكن من ردها ولو بالاشتراء. نعم، في صورة عدم تمكنه يكشف النهي، إلا أنه ليس نهيا متعلقا بعنوان المعاملة عندنا، بل المحرر في محله، أن عنوان الضد الخاص مورد النهي، وحيث إنه تكون النسبة بين المنهي عنه والنقل عموما من وجه، لا يكشف الفساد به، فلا تخلط. وإما يكون حق الخيار، وقد عرفت: أنه لم يثبت عندنا كبرى كلية تشهد على أن كل حق يمنع عن الصحة بعد إمكان البدل، ولاسيما مثل الحق المذكور الناشئ من الأمر المتأخر، فتأمل تعرف. نعم، لافرق بين كون الحق متعلقا بالعين، كما يستظهر من أخبار خيار العيب، أو يكون متعلقا بالعقد، أو لم يكن العقد ولا العين موردهما، بل حق الخيار ليس إلا تمكين ذي الخيار من حل العقد اللازم، كما هو الحق، ولو كان الأمر كما تحرر عندنا، فالصحة أولى وأظهر. وأما لو قلنا: بأن الخيار يتجدد بعد التعذر، ولاحق قبله، فالأمر أوضح، إلا أنه يوجه بطلان التصرفات الناقلة من ناحية اخرى: وهي أنه يجب على المشتري رد العين عند فسخ العقد، وليس الفسخ شرطا، فيكون الوجوب تعليقيا لا مشروطا، فإذا كان يجب عليه ذلك فيلزم البطلان، بناء على المقدمات المشار إليها، لكون النقل الثاني مورد النهي، أو ينطبق عليه المنهي عنه، وهو كاف لعدم الإمضاء المعتبر

[ 190 ]

في صحته. فعلى هذا، يمكن إبطال العقد الثاني على جميع الفروض، إلا أنه مجرد إمكان تخيلي، لاواقعي. ولا يكفي الإيجاب التعليقي المذكور للنهي، بل لابد من كونه تعليقيا أيضا بالقياس إلى الطلب، لما أنه إذا لم يطلب البائع لا يجب الرد. نعم، إن الوجوب التعليقي حيث يكون هو الأصل، والوجوب المشروط يحتاج عندنا إلى اعتبار زائد من الشرع في مرحلة الإثبات، تكون جميع الواجبات تعليقية بالضرورة، إلا أن تبعات تلك الواجبات ممنوعة كبرويا وصغرويا في خصوص ما نحن فيه، لما اشير إليه آنفا، وسيمر عليك بعض البحث حوله في الفرع الآتي إن شاء الله تعالى. ثم إن حديث الفسخ من الأول أو الحين، من الأحاديث الباطلة، بل هو أمر باختيار ذي الخيار، فله فسخ العقد من الأول، أو من الحين، أو في بعض الأحيان، كما ربما يكون العقد جائزا في حين من الأحيان المتوسطة، وتحقيقه في أحكام الخيار إن شاء الله تعالى. بحث وتحصيل: الفرق بين تعلق الخيار بالعقد والعين لأحد دعوى اختلاف الأثر بين تعلق حق الخيار بالعين، وبين تعلقه بالعقد المتعلق بالعين، فإن العقد المتعلق بالعين ليس تعلقه حقيا، بل هو تعلق طبيعي اعتباري، وأما تعلق حق العين بالعقد أو العين، فحقي شرعي اعتباري.

[ 191 ]

فإن تعلق بالعقد، فلمكان نقل العين لا يبقى لإعمال الحق الشرعي محل، لانتفاء تلك الإضافة الطبيعية. وأما إذا تعلق بالعين، فهو باق ببقاء العين، إلا أنه لا يمنع عن صحة التصرفات الناقلة، لقيام الضرورة على جوازها تكليفا ووضعا في الجملة. وبعبارة اخرى: خروج العين عن ملك المشتري، يوجب انتفاء العقد الأول المستتبع للملكية، ضرورة أنه لا يتصور الملكية المتعددة، فلا يبقى للعقد محل، بخلاف ما إذا تعلق بالعين الخارجية، وإن كان حل العقد المذكور، يوجب رد العوض والبدل عند التعذر. بخلاف ما إذا تعلق الخيار بالعين، فإنه معناه أنه له استرداد العين في جميع الأحيان، وكأن الشرع رخص للبائع ذلك، فتكون العين بالقياس إلى حق البائع، مثل العين المعرض عنها مالكها، وتكون من المباحات، وهذا بيد الشرع، فإذا استردها البائع الأول، يرجع المشتري الثاني إلى البائع الثاني بالبدل. بل له الفسخ من غير أن ينكشف بطلان العقد الأول، لإمكان إبقائه، كما اشير إليه، وتحرر في محله. والذي هو المهم: أنه في مرحلة التصديق مورد الإشكال، وإلا ففي مرحلة الثبوت لا حق له إلا حق الاسترداد والاستملاك، وهناك (إن قلت قلتات) تخرج الرسالة عن الإيجاز، فليلاحظ. ثم إن إمكان فسخ العقد الثاني للبائع الأول، كما يجوز بحل العقد الثاني أولا، ثم الأول ثانيا، يجوز بفسخ العقد الأول فقط ولو كان الفسخ من الامور الإنشائية، وذلك لما تحرر عندنا من أنه لا يعتبر الألفاظ

[ 192 ]

الخاصة في الإنشاء، كما لا تعتبر الدلالة الخاصة. فإذا فسخ العقد الأول ويجد أنه لا يؤثر ويكون لغوا إلا بفسخ العقد الثاني عند العقد، يعتبر تلك الألفاظ موضوعا لتلك الجهة، لاعتبار فسخ العقد الثاني أولا، ثم يؤثر بالدلالة المطابقية في العقد الأول ثانيا. ويكفي اختلاف الرتب لذلك، ولا يعتبر التقدم الزماني. مع أنه ربما تكون تلك الألفاظ التي يتوسل بها إلى فسخ العقد الأول، موضوعا لاعتبار فسخ العقد الثاني قبل تماميتها، وبعد ما صارت تامة تؤثر في الأول أو تصير موضوعا للأول، على اختلاف المسلكين في هذا الباب. وأما احتمال انفساخ العقد الثاني، فهو لأجل الفرار من اللغوية العقلائية، لأنه لامنع من تمامية العلة في برهة من الزمان، فلا يحتاج الانفساخ إلى العلة، بل عدم المقتضي كاف، إلا أنه خلاف الأمر الواقع بين العرف وأهله. ولو شك فلابد من الاحتياط، لبقاء الملكية الثانية على حالها استصحابا. اللهم إلا أن يقال: بجريان حديث الرفع (1) في أمثال المقام من غير شوب المثبتية، كما حررناه في محله، فإذا جرى فهو مقدم عليه، على إشكال تحرر أيضا في محله.


1 - تقدم في الصفحة 141.

[ 193 ]

فرع: حكم التصرف في دار باعها واشترط وقفها إذا باع داره واشترط على المشتري أن يوقفها على نفسه، أو غيره، فالحق صحة جميع التصرفات الناقلة عندنا، لما عرفت من أن المهم في المسألة حدوث حق عقيب شرط الفعل، وقد مر انتفاؤه أصلا. ولو تعلق الحق ففي البطلان أيضا نظر، لما مر، فإن المبادر إلى الأمكنة المشتركة، يكون له الحق، وله تعويضه، والصلح عليه، ولكنه إذا منعه مانع ودفعه يزول حقه، ولا يبقى شئ في المحل بالضرورة وإن قيل به، بل هو معروف، إلا أنه خال من التحصيل جدا. فعلى هذا، ليس كل حق مانعا عن بطلان التصرف المزاحم له وجودا، فبالتصرف ينتفي موضوعه لو قلنا بإنتفاء العقد، وهو موضوع الحق، فالتصرف والتلف الحكمي ليس كالحقيقي هنا، بل هو تصرف محتاج إلى النفوذ، ولا دليل على نفوذه في هذه الصورة. نعم، لو قلنا: بأنه باق، أو قلنا بأنه متعلق بالعين، ولا يزول كما مر، فللسلطان الحاكم إعماله ووقفه، أو له إعماله وإجباره على الوقف، أو إجباره على الإعمال والوقف. أم في صورة تعذر الشرط بالنقل، يثبت للبائع الخيار، ولا يتمكن حينئذ من الوقف الواجب شرعا، لأنه وقف على نفسه، وهو باطل. نعم، له الوقف على الغير بعد الفسخ، بناء على ما تحرر منا من أن انفساخ العقد، لا ينافي وجوب الوفاء بالشرط الضمني، لأن العقد

[ 194 ]

واسطة في الثبوت، لا العروض. فبالجملة: في المسألة وجوه، بل أقوال، وقد عرفت حقها. وأما توهم بطلان التصرفات من ناحية التكليف الإلهي، وهو وجوب الوفاء بالشرط الملازم لوجوب الوقف، المستلزم لحرمة سائر التصرفات، لكونها من الضد الخاص. أو وجوب الوفاء بالشرط المستلزم لحرمة سائر التصرفات، لكونها ضدا خاصا، أو لكونها مورد انطباق الضد العام، وهو حرمة عدم الوقف وتركه، ولو بإيجاد التصرف الآخر المنطبق عليه الترك، المستلزم لعدم رضا الشرع بالعقد، الملازم مفاده لاشتراطه بالرضا والإمضاء. وليس العقد الثاني إلا مصداقا للمحرم، وهو كاف للحرمة الوضعية من هذه الجهة، لا من جهة أن النهي عن المعاملة يوجب الفساد، حتى يقال: أولا: إنه غير متعلق بها. وثانيا: ليس كل نهي كاشفا عن الفساد، كي يقال بعدم الفرق بين النواهي، على ما تحرر عندنا. وثالثا: إن النهي دليل الصحة، كي يقال: هو دليل الصحة العقلائية الباطلة شرعا. وبالجملة: أما توهم هذه الامور، فكلها ناشئة عما تحرر في محله من تخيل أن الأمر بالشئ يقتضي شيئا من الامور، فإنه غير صحيح. وأما فيما نحن فيه فربما يظهر منهم: أنهم يعتبرون حقاتبعا للشرط، نظرا إلى أن في باب الإيصاء والنذر والعهد واليمين، يعتبرون حقا

[ 195 ]

للطرف، فيكون للموصى له حق بالنسبة إلى العين، وهكذا في باب النذر، فإن المشهور على أن للمنذور له حقا على المنذور بعينه، ولو كان ما هو الواجب وما هو سبب الوجوب، ليس إلا عنوانا مضافا إلى العين، وهو العمل بالشرط والوفاء به، وبالمنذور، وإعطاء الموصى به، أو العمل بالوصية، فعلى هذا يشكل المبادلات المذكورة والتصرفات. وهذا غير حق الخيار عند تعذر الشرط، بل هو حق تبع للشرط المتعلق بالوقف عليه، أو البيع منه، أو غير ذلك. وما في كلام السيد المحقق الوالد - مد ظله -: من أن الحق متعلق بالبيع منه، أو الوقف عليه، فلا يتعلق الحق إلا بالمعنى الكلي المضاف إلى العين الخارجية، على نعت دخول التقيد وخروج القيد، فلا يتعلق الحق بالعين بشخصها (1)، لو كان صحيحا يلزم حبس العين، نظرا إلى توقف الحق عليه طبعا، للزوم لغوية الحق الوضعي مع تجويز التصرفات وتنفيذها، فلو وقفه على غيره، أو باعه من غيره، فقد دخل بحقه ثانيا وبالذات، وهذا كاف لمنع صحة البيع إلا منه، والوقف إلا عليه. والذي هو الحق: أن الأمر بالوفاء بالشرط وبالكون عند الشرط - ولاسيما بعد تعقبه بتلك الاستثناءات - لا يقتضي إلا الإطاعة، واستحقاق العقاب عند التخلف إما لجهة في ذاته، أو لكونه ناظرا إلى أن في صورة التخلف وإعمال الخيار، تخرج العين عن سلطنته، وتدخل في


1 - البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 5: 235.

[ 196 ]

سلطان الطرف، فيكون تصرفه فيها حراما. وأما استتباعه للحق - مع أنه ربما يكون الشرط ترك فعل من الأفعال - فلا يمكن دعوى استتباعه الحق باختلاف الإضافات، فإذا شرط إعطاء شئ إليه، يتعلق للمشروط له حق بذلك الشئ. ولو كان الواجب عنوان " الوفاء بالشرط " المنطبق على إعطاء ذلك الشئ، أو كان الواجب العناوين الذاتية التي تقع تلو الشرط، فالقواعد لا تقتضي ذلك، ولا أقل من الشك. وأما في الموارد المذكورة، فربما يستظهر ذلك للقرائن الخاصة، أو لا يكون هو أمرا ثابتا شرعا إلا في مثل النذر للشهرة، أو يستشم من الإمضاء أنه إبراز للملكية المعلقة. وأما إذا شرط في ضمن بيع الدار إعطاء شئ إليه، بحيث كان المفروض شرط فعل وحدث فقط، فلا يكون له - زائدا على حق الإلزام المشترك فيه جميع الشروط، فعلا كانت أو تركا - شئ وحق آخر، سواء تعلق بالمضاف، أو بالمضاف إليه، أو بكليهما. بقي شئ: في بطلان التصرفات المنافية للشرط ربما يقال: إن مقتضى الأمر بالوفاء بالشرط، اعتبار تعجيز المكلف عن سائر التصرفات المزاحمة، وقضية ذلك تحديد سلطنته وبطلان تصرفاته، إذ أن مقتضى الأمر بالشئ إبراز المبغوضية للمالك الحقيقي لمنافياته، ونتيجة ذلك فساد المنافيات في حدود سلطان

[ 197 ]

المالك الحقيقي المنوط نفوذ التصرفات برضاه، كما أشرنا إليه وفصلناه في الاصول، ولا يعقل الجمع بين المبغوضية بالبيع والرضا به. وما فيهما واضح ظاهر، فلا تغتر. تذنيب: في صحة التصرفات المنافية للشرط بالإجازة لو فرضنا الحق ففي كونه مانعا عن التصرفات إشكال آخر مضى منا، إلا أن الشيخ الأعظم (قدس سره) ذهب إلى صحة التصرفات منوطة بإجازة ذي الحق (1)، نظرا إلى رفع المانع بعد تمامية المقتضي. وقيل: بعدم كفاية الإجازة، لأنها بالنسبة إلى الفضولي صحيحة، ورفع المانع منوط بإسقاط الحق، ولا تقتضيه الإجازة، ضرورة أن الإجازة ارتضاء بالبيع، فيصير الشرط حاصلا، وهذا فيما نحن فيه أعم. وقد مرت جميع شعب البحث في مسألة بيع المرهون، وأنه لو كان الحق متعلقا بالعين، لايمنع عن البيع وصحته، بل لو رضي المرتهن تصير العين رهنا عنده. ولو كانت للغير كما هو جائز، ولو لم يكن المشتري راضيا، يكون البيع خياريا، لأنه بحكم العيب، فبيع العين المرهونة كبيع الدار المستأجرة، فلا يتعلق البيع إلا بمورد سلطنة البائع، ولا يطل يذهب بحق ذي حق، لبقائه إما في عين المشتري، أو رجوعها إليه بالخيار، فيبقى في عين البائع المديون. ومن هنا ينكشف كلام آخر هنا: وهو أنه لو كان الشرط بيع العين


1 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 285 / السطر 33.

[ 198 ]

منه، أو وقفها عليه، فباع العين من ثالث، وهو قبل أن يبيعها منه، أو يقفها عليه، فإنه يصح، لما لا يكون الشرط إلامعنى أعم من مباشرته بالضرورة، لجواز توكيله غيره في الوقف عليه. وإذا لم يقبل تكون العين - لأجل الحق المذكور - معيبة عرفا وخيارية. فإن أعمل الخيار فلا محذور، وإن لم يعمل الخيار فله إلزامه على الوقف، أو البيع بنفسه أو بمراجعة الحاكم، نظرا إلى حقه، من غير دخالة كون متعلق الحق ملك المشتري الأول أو الثاني أو الثالث، فإنه مال متعلق به يدور مع العين أينما دارت، فلا يلزم على هذا بطلان التصرفات، بعد كون العين ملك المشتري، ومورد حق الغير فرضا. وأما حديث الحاجة إلى الإجازة، فقط مر ما فيه رأسا، لعدم حق. ولو فرضنا الحق فلا حاجة أيضا إلى الإجازة، لما أفدناه الآن، وذكرناه في حق الرهانة. ولو سلمنا الاحتياج إلى الإجازة، فلا منع ثبوتا من كون الإجازة كاشفة عن انصرافه عن حقه، وبرفع المانع يتم المطلوب. ولكن المحرر عندنا: أن المانعية غير صحيحة في المسائل الاعتبارية، ويصير الموانع شروطا عدمية، فترجع إلى مقتضيات صحة البيع، فتقع الإجازة على هذا في محلها من غير توهم إشكال. بقي شئ: رهن مورد الشرط عند تعذر الشرط في موارد تعذر الشرط، وتصرف المشروط عليه في العين بجعلها

[ 199 ]

رهنا، إن مقتضى خيار الشرط، جواز إبطال الرهن، أو كشف بطلانه من الأول، أو الأخذ ببدل الحيلولة، فيصير البدل ملكه على الإطلاق ولو فك الرهن أو إلى حال فك الرهن، أو فسخ العقد ورجوع العين إلى ملكه رهنا إذا رضي بذلك، ولا يعتبر رضا المرتهن، لأن حقه متعلق بالعين، سواء كانت ملك زيد، أو عمرو، وجوه: يظهر من الشيخ (رحمه الله) عطف الرهن على النقل (1) المحكوم بحكم التلف الحقيقي. أو يقال: إن الواجب أداء دينه ولو بالاقتراض لفك الرهن، وتسليم العين إلى البائع، فإن تصرفه كان جائزا وصحيحا، وإطلاق وجوب رد مال الغير إلى صاحبه - بعد إعمال البائع خيار تعذر الشرط - يقتضي فكه عقلا، لإمكانه، وليس للمرتهن الامتناع عن قبول دينه، فإن الرهن جائز من طرف المرتهن، ولازم من قبل الراهن، وتجوز المبادرة إلى فكه قبل مضي الوقت بأداء دينه، وهذا هو الأقرب من الصناعة. ولو تعذر عليه، يكون المشروط له بالخيار بين الفسخ والصبر - لكونه كالعين المبتاعة المستأجرة - وأخذ الحيلولة، وبين الأخذ بالبدل فقط، لأن بدل الحيلولة مخصوص بموارد الحيلولة بين المالك وملكه بامتناع رده إليه، مع أنه لا يمتنع عليه رده برد مفتاحه إليه وإن كان هو ممنوعا عن التصرف، ولكنه ضعيف جدا.


1 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 285 / السطر 30.

[ 200 ]

الجهة التاسعة: حول إسقاط الحق الناشئ من الشرط بناء على ما عرفت منا تحقيقه - وهو أن الشرط لا يستتبع بما هو شرط حكما وضعيا، ولاحقا - فلا مورد للبحث عن أن المشروط له، هل يكون له حق الإسقاط، ويجوز له إسقاط حقه، وينفذ إسقاطه مطلقا، أو لا ينفذ مطلقا؟ أو يفصل بين أقسام الشروط، ضرورة أن شرط النتيجة قد أثر أثره، وهي ملكية الدار مثلا، فلا موضوع للإسقاط، وكذا شرط الوصف، ومثلهما شرط ترك شرب الخمر، أو ترك فعل كذائي، وأما مثل شرط الخياطة وما يشبهها من الامور المالية فيجوز، لأنه يتملك عليه المعنى الذي يتملك عليه بالإجارة، فإنه له إسقاط هذا الحق، أو إسقاط شرطه؟ نعم، في صورة اشتراط المشتري على البائع خياطة ثوب البائع - لأنه من العلماء الأعلام، وله فيه النظر الخاص، فالمشروط له بوجه هو البائع، وبوجه هو المشتري - لا يكون له إسقاط حقه. أو في موارد اشتراط شرط النتيجة، فرق بين كون الشرط من قبيل الواجب المعلق والمشروط، فإن كان قد أثر أثره بمجرد تمامية العقد، فلا شرط حتى يسقط، وإن كان لم يؤثر أثره لأنه اشترط ملكية داره عليه في الشهر القادم، فله الإسقاط والانصراف والإعراض عنه. أويقال: بأن في مثل اشتراط العتق والصدقة لزيد والجل للفرس

[ 201 ]

الذي هو ملك عمرو، لا يسقط إلا برضا العبد، أو برضا زيد، ومالك الفرس، وولي الطفل والمجنون، وغير ذلك. وقد حكي عن جماعة من الأعلام في خصوص العتق، إنكار حق إسقاط الشرط، لاجتماع الحقوق الثلاثة (1)، ومنه الوقف على العلماء، كما مر في بحوث الوقف من كتاب البيع (2). وأنت خبير: بأن جميع هذه الامور تخيلات لاواقعية لها، لقصور أدلة الشروط، ولا دليل في المسألة غيرها. وتوهم: أن حق الانصراف عن شرطه دليل على ثبوت الحق الثاني والملكية في شرط الفعل، في غير محله، لأن الانصراف عن الشرط، ليس إلا كالانصراف عن الإيجاب قبل القبول، وعن الجعالة قبل العمل، فإن هذه الامور الإيقاعية قابلة للإعراض والعدول، ولا وجوب شرعا بالقياس إلى المشروط له حتى يقال: هو حكم إلهي، بل " المؤمنون عند شروطهم " (3) يستدعي وجوب الوفاء بالنسبة إلى المشروط عليه، دون


1 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 286 / السطر 8، تذكرة الفقهاء 1: 492 / السطر 17 وما بعده، جامع المقاصد 4: 421. 2 - هذه المباحث من كتاب البيع مفقودة. 3 - منصور بزرج، عن عبد صالح (عليه السلام) قال: قلت له: إن رجلا من مواليك تزوج امرأة ثم طلقها فبانت منه فأراد أن يراجعا فأبت عليه إلا أن يجعل لله عليه أن لا يطلقها ولا يتزوج عليها، فأعطاها ذلك، ثم بدا له في التزويج بعد ذلك، فكيف يصنع؟ فقال: بئس ما صنع، وما كان يدريه ما يقع في قلبه بالليل والنهار، قل له: فليف للمرأة بشرطها، فإن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: المؤمنون عند شروطهم. =

[ 202 ]

المشروط له. نعم، في المثال المذكور تجوز إقالة الشرط برضا الطرفين، من غير أن يلزم منه شئ، كما لا يخفى. فبالجملة: النظر تارة، إلى أثر الشرط، وأنه هل يكون له إسقاط ذلك الأثر، فهو ليس من الحقوق، بل هي ملكية الدار والخياطة إذا استتبع شرط الفعل ذلك. واخرى: إلى نفس الشرط الإيقاعي الإنشائي الذي هو موضوع حكم العقلاء، فكما أنه بالإقالة يرتفع العقد، فتزول الملكية التي هي أثره، كذلك الأمر هنا، فله الإعراض عن الشرط الإنشائي، فإنه وإن أثر أثره، إلا أنه بوجوده الإنشائي باق في الاعتبار، ويعد ذلك باقيا عرفا، ولذلك يشار إليه، ولا نحتاج إلى الأزيد من ذلك. ولو استشكل الأمر عليك، فله إسقاط شرطه في شرط النتيجة، وهو حق الرجوع إلى المشتري لتسليمه، وحق مطالبة الخياط، وتصير النتيجة سقوط الاشتراط، ورجوع الدار إلى ملك المشروط عليه. كما أنه في مورد شرط الوصف - مع كون الوصف موجودا حين الشرط - يجوز له الإسقاط، لأن إسقاط هذا الشرط معناه عدم ثبوت حق الرجوع إليه لو زالت الصفة قبل تسليم العين، ونتيجة إسقاط شرط ترك الفعل عدم ثبوت الخيار له عند التخلف، ولا يثبت له حق الإلزام،


= الكافي 5: 404 / 8، تهذيب الأحكام 7: 371 / 1503، وسائل الشيعة 21: 276، كتاب النكاح، أبواب المهور، الباب 20، الحديث 4.

[ 203 ]

ولا يتحقق بعد ذلك شك حتى يقال بوجوب الإلزام، لانتفاء موضوعه، فما في كلام القوم من التفصيل (1)، في غير محله. كما أن توهم: أن جواز رجوعه عن الشرط، دليل على أنه يستتبع الحق، لأن الحق يقبل الإسقاط، غير صحيح كما عرفت في الأمثلة المذكورة، فإن للإنسان أن يعرض عن ماله، وليس هو حقا قابلا للإسقاط، ولا حكما غير قابل للسلب، ولايعوض بشئ. وبالجملة: ليس هو حقا كسائر الحقوق وإن كان يورث، إلا أنه ليس من إرث الحق، بل هو إرث العين وثبوت الحق له بعد التورث. فبالجملة: عدول الموجب عن الإيجاب والجاعل عن الجعالة، إعدام للصحة التأهلية، وفيما نحن فيه أيضا إعدام لموضوع دليل الوفاء الذي يتوجه إلى المشروط عليه في ظرفه. بقي شئ: في جواز الخروج عن دليل الوفاء وهو أنه لاشبهة في أن للمالك أن يشترط، وليس هو حقا اصطلاحا، بل هو حق لغة، ولا حكما شرعا، بل هو إباحة، وهي ليست حكما شرعيا كما تحرر. وأما بعد الاشتراط، فزوال هذا الشرط يحتاج إلى دليل، وإعدام موضوع وجوب الوفاء والكون عند الشرط بالنسبة إلى المشروط عليه، بلا وجه غير ممكن، ولا شاهد من الشرع عليه، ومقتضى


1 - حاشية المكاسب، المحقق الأصفهاني 2: 161 / السطر 27 - 32.

[ 204 ]

الاستصحاب بقاؤه. ومجرد موافقة العقلاء وحكمهم بذلك، غير كاف، لأن المناط كونه عملهم الرائج الذي هو بمرأى ومنظر من الشرع، وهو غير ثابت، فلا إمضاء إحرازا من الشرع بالنسبة إلى ذلك. اللهم إلا أن يقال: هو أيضا من التسويلات، فإن الضرورة قاضية بإمضاء الشرع ذلك ورضاه به، فتأمل. رجوع إلى البحث وبالجملة تحصل: أنه يصح اعتبار عدوله وإعراضه وانصرافه عن شرطه على الإطلاق، إلا في مورد يكون عقدا، كما في المثال المذكور، وفيما إذا اشترط البائع في طي بيع داره، أن تحصل المعاوضة بين العين الكذائية، لتعلق غرضه بذلك، واشترط المشتري أيضا حصول تلك المعاوضة بينها وبين العين الكذائية، سواء كانت كلية، أو شخصية. كما أنه لامنع عن عدوله عن شرطه فيما كان الشرط متعلقا بالكلي المطلق، أو الكلي في المعين، أو الفرد المنتشر، أو الشخصي. نعم، تصوير الكلي في المعين محل إشكال، لأنه هو الفرد المنتشر، وقد مرت منا الشواهد عليه، خلافا للسيد المحقق الوالد، حيث انعكس الأمر عنده، فراجع محله (1). ومن تلك الأمثلة: ما لو اشترط في طي العقد على الأجنبي شيئا،


1 - البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 3: 285.

[ 205 ]

وكان فيه للمشتري خير، كما إذا اشترط بيع داره من المشتري، وقبل الأجنبي ذلك، فإن في بطلان الشرط بعدول الشارط منعا، بناء على نفوذ الشرط المذكور، كما لا يبعد. وتوهم: أن استفادة المشتري، لا توجب منع الشارط عن عدوله من شرطه في تلك الأمثلة، وغاية ما هنالك حصول الخيار له بالنسبة إلى العقد، لأن رضاه به مقيد، في غير محله، لأن في صورة الالتفات يصير الشارط مشروطا عليه، فيجب عليه الوفاء، فلا يقع عدوله عن الشرط في محله، فليتأمل جيدا. الجهة العاشرة: حول التقسيط بالنسبة إلى الشرط مقتضى ما تحرر منا في المباحث السابقة، أن الأثمان لا تقسط على أجزاء المثمن أجزاء خارجية مقدارية فكية، فضلا عن الأجزاء التحليلية والأوصاف. فما وقع مورد البحث هنا - وهو تقسيط الثمن بالنسبة إلى الشروط - ساقط من رأسه، وذلك لأن المبيع لا ينحل إلى البيوع، ولا العقد إلى العقود، بل في مفروض البحث، وهو كون المبيع شيئا واحدا عنوانا ومعنونا، كالفرس الذي هو واحد طبيعي أو كالدار التي هي واحدة بالوحدة التأليفية، أو الحذاءين والمصراعين اللذين يعدان واحدا اعتبارا. وفيما ينحل البيع إلى البيوع - كما إذا باع الأشياء المختلفة - فإنه يقسط الثمن، أو باع ما يملك وما لا يملك، أو يملك وما لا يملك، على

[ 206 ]

ما مر في محله، وتفصيله يطلب من فروع بيع الصبرة. وتفصيل الأصحاب هنا كله خارج عن حد البحث، وقد تعرضنا لما في " التذكرة " (1) هنا في فروع بيع الصبرة بما لا مزيد عليه من المسائل الأربعة وغيرها (2). فبالجملة: فيما إذا كان المبيع واحدا شخصيا مرفوع الغرر بالمشاهدة، تكون الأجزاء فانية غير ملحوظة، كبيع الدار، فإذا سقط بيت منه قبل التسليم، أو كان ساقطا قبل العقد، فلا يثبت إلا الخيار. وتوهم ثبوت التقسيط عبارة اخرى عن الأرش، ومجرد كون الأرش غرامة، والتقسيط رجوعا إلى شخص الثمن، غير واقع في محله. مع أن الثمن إن كان شخصيا، فهو ليس عندنا بيعا، بل هي معاوضة، وإن كان نقدا كليا، فلا حق بالنسبة إلى الشخصي منه عرفا وشرعا. نعم، إذا كان متاعا كليا كالحنطة، وتعين بالتسليم، فيتصور التقسيط، إلا أنه لا أساس له، بل هو بالخيار ولا أمر زائد عليه. ولو كان التقسيط هنا صحيحا عرفا، فالأرش على طبق القاعدة، كما استفاده الفقيه اليزدي (قدس سره) (3) فإلزام أحدهما الآخر بقبول القسط، غير ثابت جدا. وإن شئت قلت: الأجزاء المقدارية بالقياس إلى العين، في حكم


1 - تذكرة الفقهاء 1: 494 / السطر 28. 2 - هذه المباحث من كتاب البيع مفقودة. 3 - حاشية المكاسب، السيد اليزدي 2: 101 / السطر 15، و 30 / السطر 22.

[ 207 ]

الوصف، بل الكم من الأعراض ومن المحمولات بالضميمة، فما هو المبيع هو الجسم الطبيعي المتكمم بالجسم التعليمي الخاص، وبالكيف المخصوص، من غير كونهما داخلين في العين التي هي المبيع، فإذا كان الأمر كذلك هنا، ففي الشرائط - التي هي داخلة تقيدا، وخارجة قيدا - بالأولوية القطعية. وغير خفي: أن ارتضاء المتعاملين بالتقسيط في تخلف الأجزاء المقدارية، لا يوجب كون التقسيط شرعيا وحكما إلزاميا، حتى يجوز إلزام أحدهما الآخر على القبول، والمراضاة مبادلة جديدة، وإسقاط وإمضاء وانصراف عن الحق، وإلا فما هو الثابت في صورة التخلف ليس إلا الخيار، وهو خيار تعذر التسليم، لما يجب عليه تسليم المقدار الخاص، كما لو تعذر تسليم مجموع الصبرة. وفي تخلف الوصف والشرط، خيار تخلفهما المفروغ عنه عند الأصحاب إجماعا، وسيمر عليك مناقشة منا في ثبوت الخيار في مطلق تخلف الشرط في البحث الآتي إن شاء الله تعالى. بقي ذيل: إشارة إلى ما يفيد لفهم مرام القوم بناء على ما عرفت منا، يسقط البحث عن التقسيط بالنسبة إلى الشرط، إلا أن الإشارة إلى بعض الكلام الناظر إلى مرام القوم، لا تخلو من إفادة.

[ 208 ]

فيما هو محط البحث اعلم: أن الشرط تارة، يكون في حكم الجزء عرفا، لأنه لا يفهم العرف منه إلا تأكيد ما شاهده، ورفع الغرر بالمشاهدة، وهذا خروج عن نطاق البحث، والنزاع حوله بوجه لفظي، وفي وجه صغروى، فلو شرط أن تكون الصبرة ذات كمية كذائية وأمثال ذلك، يعد هذا من تأكيد الأجزاء المقدارية، فلا يكون شرطا اصطلاحيا، وهكذا شرط الوصف، كما لا يخفى. ثم إن النزاع هنا لا يختص بالبيوع الشخصية، لأن الشرط الذي له قسط من الثمن، أعم من كون المبيع كليا، أو شخصيا. نعم، ربما لا يمكن رفع الغرر إلا بالمشاهدة، فيعد شرط المقدار الخاص مخصوصا بالبيوع الشخصية، وإلا فما هو المحط للكلام أعم، فما ربما يتوهم من الاختصاص، غير تام. ثم إن من الشروط ما تعد عدمية، كشرط ترك شرب الخمر، فإنه أيضا خارج عن محط البحث. وأما الشروط الوجودية - سواء كانت مالية نوعية، أو مالية شخصية، أو قابلة لاعتبارها مالا، ويبذل بإزائها شئ، لأن الفعل بما أنه فعل، يبذل أحيانا بإزائه المال - فإنها داخلة في محط البحث، فاشتراط إعطاء شئ إليه الذي لا يكون له بنفسه المالية، داخل في محط الكلام، واشتراط قراءة سورة له، أو صلوات عليه، أو غير ذلك، سواء كان

[ 209 ]

أمرا يسيرا عرفا، أو كثيرا، كله داخل في محط البحث. فما يظهر من جماعة منهم، من إخراج تلك الطائفة من مصب قاعدة التقسيط، في غير محله، ضرورة أن وجه التقسيط في الشرائط المالية يشمل غير المالية، ضرورة أن ذات الارتضاء بالثمن المذكور في المعاملة، يقتضي أن يكون جزء منه حذاءه، لأنه لا يكون الارتضاء به إلا لأجله لبا ولو كان خارجا إنشاء. ومن هنا يظهر: أنه لو كان الميزان في التقسيط على مرحلة الإنشاء، وما يقع تحت الهيئة المعاملية بالمطابقة، ويتعلق به الإيجاب والقبول، فلا تقسيط مطلقا، وإن كان المدار على اللبيات والدواعي والمبادئ فلا يكون كل شرط خارجا إلا الشروط العدمية، لأن العدم لا يبذل بإزائه شئ في مثل ما نحن فيه. اللهم إلا أن يقال: يجوز الإعطاء في قبال ترك شرب الخمر عرفا، وهذا كاف لاستحقاق المشروط له على المشروط عليه إذا تخلف، فتأمل. تحقيق المسألة والذي هو الإنصاف: أن قضية الصناعة في باب الشروط ولو كانت عدم التقسيط، لأن التقيد داخل في محط الإنشاء، والمعاني الحرفية لا يحاذيها شئ، إلا أن بالنظر إلى فهم العرف - بعد التنزل عما سلف - أنه لا فرق بين الأجزاء المقدارية الداخلة في مصب الإنشاء، وبين تلك

[ 210 ]

الأجزاء إذا اعتبرت شرطا. فالمدار على أنه لو كان الشرط من الامور التي لا تنفك في مقام الأداء والوفاء والمبادلة عن المشروط - كما لو شرط أن تكون الأرض مقدارا خاصا - فإن تسليم المبيع والشرط يقع عرضا زمانا عاديا، فإنه يقسط عليه الثمن ولو كان شرطا اصطلاحيا. وأما لو كان مثل شرط أجنبي عن المبيع ولو كان من سنخ المبيع، إلا أنه ليس في مقام الوفاء بالمبيع غير منفك، فلا تقسيط بالنسبة إليه، كما لو باع صبرة بالمشاهدة، وشرط إعطاء صبرة اخرى إليه. وسر ذلك ما سلكناه وأبدعناه: من أن البيع حقيقته المبادلة الخارجية في جهة اعتبارية، كالملكية، والسلطنة، وهي البيوع المعاطاتية، دون العقدية اللفظية، فإذا كان الشرط - ولو شرطا اصطلاحيا - من الامور التي إذا اريد الوفاء بإعطاء المبيع إليه، يعطيه منضما إليه، فيقسط عليه، وإلا فلا. ولو رجع هذا الشرط إلى ما ليس شرطا اصطلاحيا، فلا منع عنه عرفا، إلا أن البحث صحيح علميا، كما هو الواضح، لإمكان كشف فهم العرف بإلغاء الخصوصية في المسائل غير المبتلى بها العرف، فلا تختلط. بقي شئ: بحث حول رواية عمر بن حنظلة [ ما ذكرناه ] مقتضى ما ورد في باب (14) من أبواب الخيار بسند

[ 211 ]

لا يخلو من مناقشة (1)، لما فيه ذبيان (2)، وقد مر في السلف بعض البحث حوله، عن عمر بن حنظلة الذي هو أيضا لم يوثق في الاصول الخمسة، ولكن لا يبعد عن مسلكنا اعتباره، عن أبي عبد الله (عليه السلام): في رجل باع أرضا على أنها عشرة أجربة، فاشترى المشتري ذلك منه بحدوده، ونقد الثمن، ووقع صفقة البيع وافترقا، فلما مسح الأرض إذا هي خمسة أجربة. قال: " إن شاء استرجع فضل ماله وأخذ الأرض، وإن شاء رد البيع، وأخذ ماله كله، إلا أن يكون له إلى جنب تلك الأرض أيضا أرضون، فليؤخذ، ويكون البيع لازما عليه، وعليه الوفاء بتمام البيع، فإن لم يكن له في ذلك المكان غير الذي باع، فإن شاء المشتري أخذ الأرض واسترجع فضل ماله، وإن شاء رد الأرض وأخذ المال كله " (3). وقد رواه الصدوق (4) والشيخ (5)، إلا أن تمامية السند ذاتا مشكل، وعملا غير محرز، فليتدبر. وتوهم بطلان البيع للغرر والجزاف، ضرورة أن اختلاف العشرة والخمسة، يشهد على أنهما كانا غير مستأهلين للتخريص والتعيين


1 - سنده في تهذيب الأحكام: محمد بن الحسن بإسناده عن محمد بن علي بن محبوب، عن محمد بن الحسين، عن ذبيان، عن موسى بن أكيل، عن داود بن الحصين، عن عمر بن حنظلة، عن أبي عبد الله (عليه السلام). 2 - معجم رجال الحديث 7: 148. 3 - وسائل الشيعة 18: 27 - 28، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 14، الحديث 1. 4 - الفقيه 3: 151 / 663. 5 - تهذيب الأحكام 7: 153 / 675.

[ 212 ]

المتعارف، في غير محله، بل هي تشهد على أن الجهالة لا تضر بهذه المثابة، كما هو مختارنا صناعة. ودعوى دلالتها على التقسيط، غير مسموعة، لأنها لو كانت تامة دلالة وسندا، فلا بأس بالالتزام بمفادها على خلاف القواعد. مع قوة احتمال كون قوله: " على أنها عشرة أجربة " خارجا عن الشرط، بل هو أمر اعتبر في ذمته، أو يعد بحسب الصغرى من مصاديق الشروط الراجعة إلى تأكيد المبيع، فلا يعد شرطا اصطلاحيا، كي يكون القيد خارجا، والتقيد داخلا، فلا خلاف قاعدة فيها من هذه الجهة. وأما التفصيل الواقع في ذيله، فهو مشعر بوفق القاعدة، بل فيه إشعار بنكتة علمية جدا، فإن مقتضى ما تحرر منا - وهو فناء الأجزاء في المبيع - أن المبيع هنا عشرة جربان على أن الأجزاء فانية فيها، وهو عنوان واحد، وإذا كان في جنب المبيع المشار إليه حين البيع أرضون له متصلة بما وقع البيع عليه على أن يكون عشرة، يقع البيع قهرا عليه، لأن المبيع ما اشير إليه في الخارج على كذا، فلا يمكن أن يقع تحت الإنشاء إلا ما هو في الخارج بخصوصيته، وهي العشرة، لأن تلك الوحدة عرفية شخصية، فيقع البيع طبعا حسب القواعد لازما. فلو باع دارا على أنها مائة جريب فبانت تسعين، يقع البيع على الدار، وهكذا في عكسه، من غير عروض اختلاف في المبيع الشخصي باختلاف الحدود والجربان، لأن المشار إليه واحد شخصي تحت البيع والمبادلة والتصفيق. فما تخيلوه محدودا بالخمسة بعد قوله: " على أنها عشرة " يوجب

[ 213 ]

كون البيع واقعا على ما في الخارج، وهي عشرة، فإذا كان له في جنب الأرض المحدودة أرضون اخر ينسحب ذيل البيع والإشارة إلى حد العشرة قهرا وطبعا، فتكون الرواية شاهدة على ما قويناه في أساس البحث، وقد مر حولها شطر من البحث، فراجع. ومن هنا يظهر: أن الإشكال بكونها خلاف القاعدة، في غير محله. والالتزام بالتفكيك بين الصدر والذيل ولو أمكن، ولكنه في خصوص هذه الرواية - بل مطلقا - غير جائز، لعدم بناء أو لعدم دليل لفظي على حجية خبر الثقة حتى يشمل الفرض. وذهاب الشيخ في " النهاية " (1) وابن إدريس (2) - المعلوم مسلكه - إلى العمل بمفاده، غير معلوم صغرويا وكبرويا، فراجع. وأحسن من ذلك كله كونه من أخبار كتاب " الفقيه " (3) ولكنه أيضا غير واف عندنا في محله، بعد عدم حجية الخبر ذاتا، وعدم اشتهار العمل بمضمونها صدرا وذيلا. نعم، هو في الحكم على حسب القواعد عندنا، كما اشير إليه، فلا نحتاج إلى السند، كما ربما يكون العامل بالخبر من القدماء مثلنا في هذه الجهة، فكيف ينجبر ضعف السند بعمله؟!


1 - النهاية: 420. 2 - السرائر 2: 375 - 376. 3 - الفقيه 3: 151 / 663.

[ 214 ]

تذنيب: في الفرق بين الشروط الصحيحة والفاسدة بناء على صحة التقسيط بالنسبة إلى الشروط، فهل فرق بين الشروط الصحيحة والباطلة، كي لا يقسط بالنسبة إلى الثانية بطلانها شرعا، أم المدار على حكم العقلاء في التقسيط، وبطلان الشرط لا يزيد على أكثر من عدم جواز الوفاء به في بعض الشروط، كشرط مخالف للكتاب؟ أو عدم وجوب الوفاء به، كبعض الشروط، مثل ما إذا كان الشرط حين العقد غير مقدور، فغفل المتعاقدان واشترطاه، ثم بعد مضي زمان من العقد اقدر عليه، فإنه على القول: بأن هذا الشرط باطل - بمعنى عدم نفوذه - فليس محرما، ويجوز فيه الاحتياط والوفاء الاحتمالي؟ فبالجملة: في المسألة وجهان. وربما يشكل الأمر، من أجل أن الشرط الباطل إذا لم يكن موجبا للخيار، كما يأتي تفصيله، ولا موجبا للتقسيط، وكان مما يتمول، يلزم منه كون الوفاء بالعقد ضرريا، فإن قلنا في المسألة الآتية بالخيار، فيمكن نفي التقسيط هنا. ولكن الإنصاف: أن القائل بالتقسيط، لابد وأن لا يفرق بين الباطل والصحيح، لجريان ملاك التقسيط، ولا دليل من الشرع على هدم الشرط على وجه يرغم فيه أنف المشروط له، وهذا - وهو لزوم الالتزام بالتقسيط مطلقا - من شواهد عدم صحة التقسيط على الإطلاق،

[ 215 ]

وسيمر عليك في محله حديث الخيار إن شاء الله تعالى. وبالجملة: بناء على أن فساد الشرط لا يوجب فساد العقد، يلزم القول بالتقسيط لو قيل به في الشرط النافذ، مثلا إذا اشترط في بيع المثلين أن يكون له مقدار خاص من أحد المثلين، فإن بطلان الشرط - لكونه من الربا، أو لكونه من المخالف للكتاب - يستلزم التقسيط عند العرف، ولا دليل على استثناء الشرط الباطل عن قاعدة التقسيط إذا كانت صحيحة. نعم، هي قاعدة باطلة عندنا، كما عرفت، ويوجه بطلانها: بأن تصحيح البيع بالنسبة إلى بعض الثمن، لا يمكن إلا بدليل خاص، وهو مفقود، وهكذا في جانب التقسيط بالنسبة إلى الأجزاء، فليتدبر جيدا. إفادة: في الفرق بين البيع الكلي والشخصي ربما يتوهم التفصيل في باب التقسيط بين البيع الكلي والشخصي، بالنسبة إلى الشرط، فإن وقع البيع على الكلي، بشرط أن يكون المبيع على خصوصية كذائية، فإنه لا وجه للتقسيط، لأن فقد الشرط يرجع إلى عدم الوفاء بالعقد رأسا، وعدم التسليم، كما هو الواضح. وإذا كان في الفرض المزبور شخصيا، يكون البيع صحيحا، نظرا إلى وقوعه على ما في الخارج ولو كان ناقصا، فلا بد أن يقسط الثمن بعد فرض كون الشرط التزاما في التزام، أي شرطا فقهيا، لا اصوليا، كما هو

[ 216 ]

المفروض. نعم، يتوجه إليه: أنه ليس تفصيلا كليا بالنسبة إلى جميع الموارد، كما في الإجارة على الصلاة المشتملة على السورة، فإنه لو كان اشتمالها عليها بنحو الشرط، لا يرجع ذلك إلى عدم التسليم الكلي، بل التقسيط لو كان له أصل، يكون هو متعينا في هذا الفرض مع أنه كلي، كما هو الواضح، فليتأمل جيدا. ولا بأس بدعوى: أنه خارج عن محط الخلاف، كما لا يخفى. ذنابة: في الفرق بين التخلف عن تعذر وعن عمد هل يحصل فرق بين موارد التخلف، بمعنى عدم تأثير الشرط بإيجاب الوفاء في شرط الفعل، وفعل المشروط في شرط النتيجة، وشرط الوصف، كالحلاوة، والكتابة، والمنفعة، فلو كان التخلف عن تعذر فهو يوجب التقسيط، وإذا كان عن عمد فلا؟ أم لا يحصل فرق أيضا بين الفرضين؟ فلو شرط عليه في بيع داره أن يعطيه دارا اخرى، ولم يف به مع اقتداره عليه، فهل هنا يثبت الخيار فقط، كما هو ظاهرهم، بل صريح الأكثر، أم للمشروط له الرجوع إلى بعض ثمنه، لعدم دخالة عجز المشروط عليه تكوينا أو عجز الشرط تكوينا وشرعا عن التأثير في المسألة؟ وهذا أيضا من شواهد بطلان التقسيط على الإطلاق، وإلا فلازمه

[ 217 ]

التزامهم به في هذا الفرض أيضا. ومن هنا يظهر: أن خيار تعذر التسليم أيضا أعم من التعذر والامتناع، ولو ثبت في مورد التعذر بالنسبة بعض المبيع، يثبت التقسيط بالنسبة إلى الامتناع عن تسليم بعضه أيضا، فيكون له المراجعة إلى الحاكم أو إلزامه بنفسه، أو التقاص، بناء على القول به في أمثال المقام. فيعلم منه ما أبدعناه: من إنكار التقسيط بالنسبة إلى الأجزاء المقدارية، فضلا عن التحليلية، ولا يثبت إلا الخيار للمشروط له. بقي شئ: حكم تعذر بعض الشرط وكان ينبغي البحث عنه في السالف: وهو أنه إذا تعذر الوفاء ببعض الشرط، فهل يقسط الشرط كلية، أم يؤثر بالنسبة، لأن " الميسور لا يسقط بالمعسور " (1) فإذا كان المحل قابلا لتأثير الشرط، يؤثر في القابل، فلو باع داره، وشرط أن تكون كذا وكذا له، ثم تبين أن أحدهما غير موجود، أو ملك غيره، يؤثر في المقدار الموجود؟ أو هناك تفصيل بين الشروط، ففي مثل الامور الوحدانية المتعلقة للغرض الوحداني، فلا يحصل تفكيك، وإلا فيؤثر بالنسبة، بل في مثل خياطة الثوب إذا تمكن من بعضه دون بعضه، يجب عليه الوفاء إذا طلب منه المشروط له، نعم للمشروط له خيار؟


1 - عوالي اللآلي 4: 58 / 205، مع تفاوت يسير.

[ 218 ]

ثم هل له الرجوع إليه بالتقسيط بالنسبة إلى الشرط، فيقسط الثمن بالنسبة إلى بعض المثمن؟ الظاهر: نعم، لاشتراك الملاك، ووحدة المناط. وهو أيضا يشهد على بطلان التقسيط مطلقا، وأنه في جميع هذه الموارد ليس له إلا الخيار، ولا وجه لتوهم إلزام المشروط عليه المشروط له على الوفاء، وأخذ قسط ثمنه، بدعوى تمكنه من الوفاء ببعض شرطه. نعم، إذا كان بعض شرطه باطلا، وبعضه صحيحا، فإمكان إلزامه له الوجه، ويأتي في بحث فساد الشرط وإفساده إن شاء الله تعالى.

[ 219 ]

بحث وتذييل في إفساد الشرط الفاسد لاشبهة في بطلان الشرط في موارد إجماعا ونصا، فهل لا يسري بطلانه إلى بطلان العقد، أم لا، أو يفصل بين أقسام الشروط؟ فعن الشيخ (1) والإسكافي (2) وابني البراج (3) وسعيد (4) هو الأول. وعن العلامة (5) والشهيدين (6) وثاني المحققين (7) وجماعة (8) هو الثاني. وعن ظاهر ابن زهرة (9) ثالث الأقوال. وتمام الكلام يقع في طي مراحل:


1 - المبسوط 2: 149. 2 - المهذب البارع 2: 406، مفتاح الكرامة 4: 732 / السطر 16. 3 - المهذب 1: 389 / السطر 9 - 10. 4 - الجامع للشرائع: 272 / السطر 8. 5 - مختلف الشيعة: 396 / السطر 24. 6 - الروضة البهية 1: 385 / السطر 17. 7 - جامع المقاصد 4: 431. 8 - المهذب البارع 2: 406، مجمع الفائدة والبرهان 8: 148، كفاية الأحكام: 97 / السطر 21. 9 - العبارة المستظهرة منها التفصيل ساقطة من الغنية ضمن الجوامع الفقهية: 524 / السطر 28، لاحظ سلسلة الينابيع الفقهية 13: 209.

[ 220 ]

المرحلة الأولى: في مقام الثبوت وأنه هل يعقل أن يكون الشرط مفسدا للعقد، أم لا؟ وجهان، بل قولان أظهرهما عدم إمكانه، وذلك لما تحرر في المركبات الاعتبارية: من أن تصوير المانعية فيها غير معقول، وذلك لأن الاعتباريات التي توصف بالصحة والفساد، لا يعقل أن لا يتحقق فيها المعنى الأعم مع وجود المانع، وحيث إن الألفاظ موضوعة للأعم، فيلزم تحقق المركب والمأمور به بالضرورة، ومقتضى الإطلاق لزوم الخلف، لأن المفروض مانعية الثوب الكذائي عن الصلاة، كمانعية الرطوبة عن الاحتراق، وحيث إن الصلاة متحققة فلا يتصور المانعية. والتعبد بعدم التحقق يحتاج إلى الدليل الخاص، وهو مفقود في المقام. وأما المركبات الدائر أمرها بين الوجود والعدم، فلابد أن يرجع قيد الشرط إلى اعتبار تقيد العقد بعدم الشرط المذكور، وهذا خلاف الفرض، وهو كون الشرط مفسدا، فإن الإفساد معناه المنع عن تحققه صحيحا، لا عن أصل تحققه، وهو أيضا خلف. فبالجملة: لا معنى لهذا البحث، وهو أن الشرط هل هو مفسد أم لا؟ بل البحث لابد أن يرجع إلى أنه هل يعتبر في صحة العقد ونفوذه - بل في تحققه - عدم اشتراط الشرط الفاسد، أم لا؟ وما قد يقال: من أن للعدم لا يكون تأثير حتى يعتبر دخيلا، ففيه الخلط بين الاعتباريات والتكوينيات.

[ 221 ]

ودعوى: أن من هذا الباب أصل الإشكال المذكور، غير مسموعة، كما لا يخفى، وتحريره وتفصيله قد مضى في كتب الصلاة وغيرها، وفي نفس هذا الكتاب في مواضع اخر (1). إن قلت: بناء عليه لا يبقى للبحث مجال، لأن مصب الخلاف هو الشرط غير المسري إلى اختلال ركن العقد، كالعجز، والجهالة، والسفاهة، وغير ذلك، فلو كان البحث حول أن العقد هل يتقيد نفوذه بعدم الشرط الفاسد؟ فلازمه سراية الشرط الفاسد إلى الاختلال بركنه، وهو التقيد المذكور. قلت: نعم، إلا أنه يمكن الالتزام بوجود الدليل على بطلان العقد من ناحية الشرط الفاسد، لأجل الجهالة، دون غيرها مثلا، ويترتب عليه فساد ما يظهر من الشيخ وأتباعه من إخراج هذه الشروط عن مصب البحث هنا، بتوهم أن الكلام حول الشرط الفاسد غير المسري إلى اختلال ركن العقد (2). ويؤيد ما ذكرنا إطلاق كلمات القوم، من غير إخراج الشروط المسرية عن محط البحث، لأنه لا معنى للإسراء إلا بمعنى اختلال ركن العقد وقيده، وهو عدم كونه متقيدا بالشرط الفاسد، فلابد من البحث والفحص عن حدود الدليل الناهض على هذه المسألة.


1 - غير موجود فيما بأيدينا من الكتاب. 2 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 287 / السطر 27 - 29، منية الطالب 2: 144 / السطر 21، حاشية المكاسب، المحقق الأصفهاني 2: 164 / 5.

[ 222 ]

وبعبارة اخرى: ما سلكه القوم ومنهم الوالد المحقق - مد ظله - من انحصار البحث هنا حول الشرط غير المسري، وإلا فما يسري إلى اختلال ركن العقد - فيصير العقد سفهيا، أو مجهولا، أو غير ذلك مما يكون دخيلا في صحته - فهو يوجب الفساد طبعا (1)، غير تام من جهة اخرى أيضا: وهي إمكان التفصيل بين الجهالة الذاتية، والجهالة التي تجئ من ناحية الشرط، لعدم وجود إطلاق على اشتراط المعلومية على الإطلاق، وتصير النتيجة وقوع البحث في مرحلتين: المرحلة الاولى: في أن في الشروط المسرية، هل يبطل العقد لأجل قصور الأدلة الناهضة على اشتراط القدرة في العقد، أو المعلومية؟ فيكون البحث كبرويا من هذه الجهة. والمرحلة الثانية: هل الشرط غير المسري يوجب البطلان، أم لا؟ وهو أيضا بحث كبروي. وأما بناء على ما تحرر منا، فيتمحض البحث حول أن الشرط في نفوذ العقد، ربما يكون وجوديا، كالقدرة مثلا، واخرى يكون عدميا، كعدم اشتراط الشرط الفاسد في ضمنه، ومثله اشتراط عدم العجز، وعدم الجهل. ومن هنا يظهر: أن الجهة المبحوث عنها هنا، عين الجهة المبحوث عنها في اشتراط عدم العجز وعدم الجهل، وكان ينبغي ذكره في


1 - البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 5: 243.

[ 223 ]

ذلك المقام. كما يظهر: أنه يتمحض البحث في أن نفس عدم ذكر الشرط الفاسد، شرط في نفوذ العقد، أم لا؟ وأما إذا كان ذكر الشرط الفاسد موجبا للجهالة، فهو بعينه مثل رجوع العجز إلى الجهالة في بعض الأحيان، فلا ينبغي الخلط فيما هو المهم بالبحث، فافهم واغتنم. بقي شئ: موضع النزاع بناء على أن الشرط معنى ضمنيا وهو أنه لو كان الشرط نفس الالتزام في طي الالتزام الآخر، فلا يعقل رجوع البحث المذكور إلى ما تحرر. وفيه: أن جوابه قد مضى، فإن نفس الالتزام الأجنبي على الإطلاق، غير معقول، فإنه دخيل وقيد بالمعنى الحرفي، وخارج بالمعنى الاسمي، فيكون التقيد داخلا والقيد خارجا، بخلاف سائر الأجزاء، وهذا أيضا يشهد على أن المعلومية قيد داخل، وليس عدم الجهل شرطا، بخلاف ما نحن فيه فانه لا يتصور إلا أن يكون الشرط عدم كون العقد متضمنا للشرط الفاسد، ولأجل ذلك اعتبر القوم القدرة والمعلومية في صحة العقد (1)، فإنه شاهد على أن القيد والتقيد داخلان في الموضوع، كالأجزاء المقدارية، فاغتنم.


1 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 276 / السطر 4، و 282 / السطر 8.

[ 224 ]

المرحلة الثانية: في مقام الإثبات وما يدل على المطلوب، بعد عدم وجود الإجماع. ولم ينهض بناء من العقلاء على فساد العقد المتقيد بالشرط الفاسد بما هو هو، فمقتضى أدلة الوفاء واللزوم صحة العقد، وعدم اشتراطه بعدم ذكر الشرط الفاسد في ضمنه. نعم، يمكن أن يقال: إن قضية الصناعة ولو كانت ذلك، إلا أن مقتضى بعض الوجوه بطلانه على الإطلاق، أو في بعض الصور: وهو أن مقتضى الأدلة الموجبة لبطلان الشرط المخالف للكتاب، هو فساد العقد، والإرشاد إلى دخالة عدم الاشتراط بالشرط المذكور في طي العقود، وذلك لأن النواهي في باب المركبات العبادية والمعاملية، ناظرة - حسبما تحرر - إلى توجيه دخالة قيد في ذلك المركب، وجوديا كان أو عدميا. فإذا ورد: " المؤمنون عند شروطهم إلا الشرط المخالف "، أو ورد أشباه ذلك، فكله ناظر إلى أن ذكر هذه الشروط في طي العقود تمنع عن الصحة. وحيث إن المانعية غير متصورة، ترجع إلى اشتراط عدمها في صحة العقد ونفوذه. ولو كان نفس الشرط باطلا وحراما، إلا أنه باطل لأجل بطلان العقد، ضرورة أن العقد الباطل من الناحية المذكورة، يوجب بطلان الشرط الضمني طبعا، فإسناد البطلان إلى الشرط

[ 225 ]

والفساد إليه، وأنه ليس بشئ، ولا يجب الوفاء به، ولا يكون المؤمن عنده، كله كناية عن عدم تحقق العقد النافذ، وعدم صحته شرعا. فالشرط المجهول والمتعذر والسفهي وغير ذلك، شرط مخالف للكتاب، حسبما زعمه القوم، ويكون تلك الأدلة ناظرة إلى تركها في ضمن العقد، لأن ذكره موجب لبطلانه ببطلان العقد واقعا، وفساده حقيقة، كما في العبادات. ومن هنا يظهر: أن الطريق الصحيح في هذه المسألة ما سلكناه، والوجه الوحيد ذلك، دون ما سلكه القوم، فإنه خروج عما هو الحجر الأساسي للبحث في هذه المسألة، وسيمر عليك في المرحلة الآتية بعض الكلام حوله إن شاء الله تعالى. ومجرد تمسك القائلين بالإفساد: بأن فساد الشرط يوجب خللا في الرضا (1)، لا يوجب صحة استدلالهم، وعدم خروجهم عن محط البحث ومصب النزاع، كما في كلام العلامة النائيني (رحمه الله) (2). كما أن مجرد ذكر الشيخ (قدس سره) الوجه الأول والثاني (3)، لا يستلزم ذلك. نعم، التمسك بالأخبار الخاصة (4) في محله، وسيأتي الكلام حولها.


1 - مختلف الشيعة: 396 / السطر 27. 2 - منية الطالب 2: 145 / السطر 8. 3 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 288 / السطر 6 و 12. 4 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 288 / السطر 27.

[ 226 ]

بقي تنبيه: وجه بطلان العقد باشتراط صناعة الخشب صنما إن مقتضى ما تحرر منا في محط البحث، كون شرط صناعة الخشب صنما وأمثاله، موجبا لبطلان العقد، لا من جهة اختلال المالية، كما في كلام العلامة النائيني (رحمه الله) (1) بل هو لأجل تضرر العقد من ناحية الاشتراط بعدم ذكر الشرط الفاسد في طيه وضمنه، ولا شبهة في أنه شرط فاسد عند الشرع. وأما التمسك بآية أكل المال بالباطل (2)، فهو في غير محله لو اريد منه البطلان من جهة منع سلطنة المالك بالنسبة إلى المنافع المحللة شرطا، والمحرمة شرعا، ضرورة أنه لا حاجة إليه في ذلك. وأما لو اريد منه أنه أكل بالباطل وبالسبب غير الشرعي، لاختلال العقد بذكر الشرط الفاسد، فهو في غير محله، ولا حاجة أيضا إليه، لأن المفروض بطلان العقد من جهة أخبار المسألة المذكورة والمشار إليها آنفا. وقد مر إجمال آية الأكل بالباطل في محلها، فراجع. فما في كلام الشيخ (3)، أيضا في غير محله، والأمر سهل. أقول: قضية الإنصاف تمامية هذا الوجه الذي أبدعناه، لو كانت


1 - منية الطالب 2: 145 / السطر 2 و 3. 2 - النساء (4): 29 * (يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل) *. 3 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 288 / السطر 14.

[ 227 ]

روايات فساد الشرط المخالف للكتاب (1)، ناظرة إلى الشروط الضمنية، إما لأجل أن الشرط حقيقة معناه ذلك، أو لانصرافها إليه، أو للإجماع عليه. فإنه يستظهر - بعد كونها ناظرة إلى تلك الشروط المذكورة في ضمن العقد - أن العقد باطل ولا يقع، كما لو ورد في العبادات ما يشبه ذلك، فتكون تلك الأخبار مرشدة إلى عدم تحقق السبب الشرعي. والسر كله أن الشرط تقيد في العقد ولو لم يكن قيدا، كما عرفت تحقيقه. وتوهم: أنها ناظرة إلى رغم أنف المتعاملين، وإلى القهر عليهم، كما ربما يقال في البيع الربوي، والقرض الربوي، غير جائز، لاحتياجه إلى المؤونة الزائدة، فإن الشرع جاء لإرشاد الناس إلى الواقعيات، وما فيه المصالح والمفاسد، فلو كان العقد مشروطة صحته بالتراضي، فكيف يتصور إبطال الشرط الفاسد، وتصحيح العقد الباطل، ولاسيما على القول بعدم التقسيط بالنسبة إلى المثمن في ناحية الشروط، كما مر؟! فيعلم من هنا - أي يستظهر عرفا جدا -: أنها ناظرة إلى بيان قيد في العقد، وإلى فساد العقد لأجل اختلال ذلك القيد والتقيد العمومي، ولو نسب في بعض الأخبار الفساد إلى الشرط والبطلان إليه، إلا أنه بالنسبة إلى مجموع ما في الباب، ومحصل ما يفهم من أمثال هذه التراكيب، يستظهر ما ذكرناه.


1 - وسائل الشيعة 18: 16، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 6، الحديث 1 و 2 و 3 و 4.

[ 228 ]

وأما لو كانت الروايات ناظرة إلى تصحيح المشروط على الإطلاق، وإبطال الشروط، على عمومها الذي منها ما يذكر في طي العقود، فلا يستكشف منه القيد، لأن النسبة تصير عموما من وجه، وقد مر قوة الأخير عندنا، وخروج البدويات من الشروط والعهود - للإجماع والسيرة - لا يضر بما هو المقبول عندنا، فلا تخلط. جولة حول الأخبار الخاصة: رواية عبد الملك بن عتبة فمنها: ما رواه الشيخ بإسناده عن عبد الملك بن عتبة قال: سألت أبا الحسن موسى (عليه السلام) عن الرجل أبتاع منه طعاما (أو أبتاع منه متاعا) على أن ليس منه علي وضعية، هل يستقيم هذا؟ وكيف يستقيم وجه ذلك؟ قال: " لا ينبغي " (1). وعن " المختلف " استظهار الحرمة (2)، لما لا معنى لكراهة الوفاء بالعقد بعد صحته. وإن شئت قلت: كلمة " لا ينبغي " في الأحكام الوضعية، ظاهرة في إفادة الشرطية، وأن من شرائط صحة العقد، أن لا يكون على الوجه


1 - تهذيب الأحكام 7: 59 / 253، وسائل الشيعة 18: 95، كتاب التجارة، أبواب أحكام العقود، الباب 35. 2 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 288 / السطر 28، لاحظ مختلف الشيعة 5: 332. (*

[ 229 ]

المذكور. فلو قيل: إنه سؤال عن كيفية إفادة الشرط في ضمن العقد، وأنه لا ينبغي أن يذكر الشرط على الوجه المزبور، فيكون الشرط على الوجه المذكور مكروها، وهذا لا ينافي الكراهة الاصطلاحية. فيتوجه إليه: أنه ظاهر في السؤال عن الاستقامة، وهي الصحة والنفوذ، وحيث إن الشرط - ولاسيما ما في الرواية من الشروط الراجعة إلى المعقود عليه - من تبعات العقد والابتياع عرفا وعقلا، يكون السؤال ظاهرا في أصل الابتياع، فيصير الابتياع على الوجه المزبور ممنوعا وباطلا، نظرا إلى ما ذكرناه: من أن ما هو المعقول اعتباره هو اشتراط كون العقد غير مذكور في ضمنه الشرط المخالف. إلا أنه يتوجه إليه: - مضافا إلى عدم تمامية عبد الملك بحسب الأمارات الكلية، فضلا عن التوثيق الخاص - أن هذا الشرط خارج عن محط النزاع، لأنه راجع إلى تأكيد حدود المبتاع، وإلى أنه مجهول بحسب المكيال والميزان، ودليل وقرينة على جهالتهما بالمقدار، فيعد من الشروط المتقسط عليه الثمن لو صح البيع فرضا، ويكون مثله خارجا عما هو محط الكلام في المقام، وهو كون الشرط خارجا وأجنبيا قيدا، وداخلا تقيدا. رواية الحسين بن المنذر ومنها: ما رواه " الكافي " بإسناده عن ابن أبي عمير، عن حفص بن

[ 230 ]

سوقة، عن الحسين بن المنذر قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) يجيئني الرجل، فيطلب العينة (1)، فأشتري له المتاع مرابحة، ثم أبيعه إياه، ثم أشتريه منه مكاني؟ قال: " إذا كان بالخيار، إن شاء باع، وإن شاء لم يبع، وكنت أنت بالخيار، إن شئت اشتريت، وإن شئت لم تشتر، فلا بأس " (2). فقلت: إن أهل المسجد يزعمون أن هذا فاسد، ويقولون: إن جاء به بعد أشهر صلح. قال: " إنما هذا تقديم وتأخير، فلا بأس " (3). والذي يظهر لي: أنه - مضافا إلى ما في حفص والحسين من أنهما لم يوثقا، ولم يقم عندي الأمارات العامة اللازمة، ومجرد رواية ابن أبي عمير، عن حفص غير كافية. نعم الحسين بن المنذر أقوى من حفص احتمالا - تكون الرواية أجنبية عما نحن فيه، وذلك لعدم ذكر الاشتراط في ضمن العقد في السؤال، ولعله اتفاق يقع أحيانا. ويظهر لي: أنه كان قضية القاعدة، إرجاعه في هذه الصورة إلى خيار المجلس بعد كونه في مكانه، وربما كان أهل المسجد يفسدونه لذلك، أو لكونه يشبه السفه، فحمل الرواية على اشتراط البيع من


1 - أي السلف (منه (قدس سره)). 2 - " به " كما في الكافي. 3 - الكافي 5: 202 / 1، تهذيب الأحكام 7: 51 / 223، وسائل الشيعة 18: 41 - 42، كتاب التجارة، أبواب أحكام العقود، الباب 5، الحديث 4.

[ 231 ]

البائع الأول - كما في كلمات أصحابنا (1) - بلا وجه، وتكون الرواية من شواهد صحة البيع المذكور، لو كان من باب الاتفاق الموجب للاختيار. وأما دلالتها على فساد العقد، لأجل فساد الشرط - حسب المفهوم المستفاد من الجواب - فهي واضحة المنع، لإمكان كون الفساد لأجل الامور الاخر، كالفرار من الربا الذي قد يتعارف بمثله، أو لأجل عدم حصول التراضي، فيكون الفساد ناشئا من عدم الاقتضاء لصحة العقد، لكون الشرط مفسدا. وأما حديث الدور، فقد مضى تفصيله بما لا مزيد عليه. هذا مع أنه ربما يشعر بأنه شرط خلاف الكتاب، لكونه بالخيار بالنسبة إلى خيار المجلس، وهذا غير إسقاطه مستقلا. أو شرط مخالف للكتاب، لأجل كونه خلاف السلطنة، أو غير ذلك، فلا يدل على إفساده للمشروط والعقد. اللهم إلا أن يقال: بظهوره في لزوم خلو البيع الأول من مثله، وهو إرشاد إلى فساده لو كان البيع الأول مشروطا بالبيع الثاني، أو الاشتراء الثاني. ثم إن مقتضي إطلاق المفهوم، عدم صحة الشرط المذكور ولو كان بعد أشهر، ولازمه حمله على ما يناسب القواعد، وهو أنه شرط باطل،


1 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 288 / السطر 31، حاشية المكاسب، المحقق الأصفهاني 2: 166 / السطر 13، البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 5: 249. (*

[ 232 ]

وسلب للقدرة التشريعية، وقد مر أن من وجوه بطلان الشرط المخالف لقاعدة السلطنة: أنه يستلزم التعجيز، وهو غير جائز. وإذا قلنا: بأنه ناظر إلى بطلان الاصول، للاختلال الحاصل في الفرع بالشرط، يتم المطلوب، وهو فساد العقد بفساد الشرط، لأجل ما ذكرناه من لزوم خلو العقد من الشرط الفاسد، فلاحظ وتأمل (1). رواية " قرب الإسناد " ومنها: ما رواه " قرب الإسناد " قال: سألته عن رجل باع ثوبا بعشرة دراهم، ثم اشتراه بخمسة دراهم، أيحل؟ قال: " إذا لم يشترط ورضيا فلا بأس " (2). وعن " كتاب علي بن جعفر " أنه قال: بعشرة دراهم إلى أجل، ثم اشتراه بخمسة دراهم بنقد (3). وحيث إن قوله (عليه السلام): " إذا لم يشترط " ظاهر بل نص في عدم اشتراطه في طي العقد الأول، يكون قوله (عليه السلام): " فلا بأس " أيضا ظاهرا في نفي البأس بالنسبة إليه، وإثباته بالمفهوم عند الشرط أيضا بالنسبة


1 - فإن كون الشرط المذكور مخالفا للكتاب، ممنوع كما مر، فتدبر (منه (قدس سره)). 2 - قرب الإسناد: 226 / 1062 (وفيه زيادة إلى أجل)، وسائل الشيعة 18: 42، كتاب التجارة، أبواب أحكام العقود، الباب 5، الحديث 6. 3 - مسائل علي بن جعفر: 127 / 100، وسائل الشيعة 18: 43، كتاب التجارة، أبواب أحكام العقود، الباب 5، الحديث 6.

[ 233 ]

إليه، فتدل الرواية على لزوم خلو البيع الأول من الشرط الفاسد، كما يلزم خلوه من الجهالة والسفاهة مثلا، وتصير النتيجة: أن الدليل الوحيد لإثبات بطلان العقد بالشرط الفاسد، ينحصر فيما سلكناه. وحيث إنه ربما يتمسك ببعض الوجوه الاخر، فلا بأس بذكرها في المرحلة الآتية إن شاء الله تعالى. تذنيب: دلالة الأخبار الواردة في الجارية على عدم الإفساد غير خفي: أنه قد يتمسك بطائفة من الأخبار الواردة في اشتراء الجارية (1) على عدم الإفساد بالمعنى الذي ذكرناه، وهو انكشاف عدم تقيد صحة العقد بعدم ذكر الشرط الفاسد في ضمنه، وحيث إن في باب النكاح، يكون الإجماع قائما على عدم الإفساد، وليس هذا إلا لخصوصية في باب الفروج - بعد عدم الفرق بين الدائم والمنقطع، كما هو الظاهر منهم، ومن بعض الأخبار الواردة في خصوص المنقطع أيضا الظاهرة في عدم الإفساد (2) - فلا يمكن كشف الحكم الكلي منها بالنسبة إلى سائر البيوع والمعاملات، فالمرجع هي القاعدة دونها، فلا تخلط.


1 - وسائل الشيعة 21: 161 - 162، كتاب النكاح، أبواب نكاح العبيد والإماء، الباب 52، الحديث 2. 2 - وسائل الشيعة 21: 67، كتاب النكاح، أبواب المتعة، الباب 32، الحديث 7.

[ 234 ]

المرحلة الثالثة: لزوم الاختلال في أركان العقد بالشرط الفاسد في أن الشرط الفاسد وإن كان لا يعقل أن يكون مفسدا للعقد، كما مر، إلا أنه يلزم من الشرط المذكور اختلال في ركن من أركان العقد، ويلزم منه قصور في المقتضي، على سبيل منع الخلو. فبالجملة: لا يعتبر حسب الأدلة خلو العقد في صحته من الشرط الفاسد، إلا أنه يلزم من الشرط الفاسد خلوه مما هو المفروغ اعتباره في صحته، كالمعلومية، والمقدورية، والتراضي. وأما الفساد من ناحية التعليق، فهو خارج عن الشرط المقصود بالبحث هنا، لأن المبحوث عنه هو الشرط الفقهي لا الاصولي، ضرورة أنه على تقدير صحة الشرط، يكون العقد باطلا حسب الإجماع ولو كان صحيحا حسب القواعد كما مر، ومر كلام في الإجماع المدعى عليه أيضا. الوجه الأول: الجهالة فبالجملة: ربما يقال إن في بعض الموارد، يلزم من الشرط الفاسد جهالة العقد، كما لو كان الشرط مما له قسط من الثمن، فإنه يلزم جهالة ركن العقد، وهو الثمن. وفيه أولا: أنه أخص من المدعى، لأن بعض الشروط له القسط لا مطلقها. وثانيا: أن جهالة العقد مانعة، أو معلوميته شرط شرعا، ولا دليل

[ 235 ]

على وجه يكون له الإطلاق، بحيث يلزم بطلانه في هذه الصورة، فيرجع إلى الإطلاقات. وثالثا: كون الشرط موجبا للتقسيط، ممنوع على الإطلاق كما مر. ورابعا: كون الثمن ركنا في البيع، غير واضح عندي، كما مر تفصيله. وأما النقض بالنكاح ففي غير محله، ولاسيما النكاح الدائم كما لا يخفى، فإن أبواب النكاح لها خصوصيات. وأما حديث منع جهالة ما بإزاء الشرط من العوض، فهو لا ينفع بعد عدم كونه مضبوطا على الإطلاق، مع إمكان ترشح الجد من المتعاقدين بالنسبة إلى العقد، لعدم مبالاتهم بأحكام الإسلام، فمع التفاتهم إلى بطلان الشرط، وإفساده، وجهالة العوض المقابل بالشرط، يترشح منهم الجد إلى العقد. وأما حديث منع كون الجهالة الطارئة على العوض قادحة، فغير تام، لأنه في الصورة المذكورة يكون مجهولا من الأول، كما اشير إليه آنفا. فما أفاده الشيخ الأنصاري (قدس سره) من الوجوه الثلاثة على الوجه الأول (1)، غير مفيد.


1 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 288 / السطر 7 - 12.

[ 236 ]

الوجه الثاني: عدم التراضي وأما الوجه الثاني: فهو أن الشرط الفاسد يوجب قصورا في الطيب والتراضي المعتبر في صحة العقد، بل في تحققه، وذلك لأن الشرط وإن لم يكن اصوليا، كي لا يكون التراضي متحققا حين العقد بالنسبة إلى المبادلة، سواء كانت كلية أو شخصية، ولكن كفاية مطلق التراضي محل منع. وذلك لما في صحيحة أبي ولاد (1) الحاكمة بمراجعة أبي ولاد إلى طرفه بعد رضاه، معللا بأنه يرجع إليه، ويسأل عن سبب رضاه، وأنه هل هو فتوى الفقيه الفاسد، أم هو راض على الإطلاق؟ فإنه يعلم منه: أنه ولو كان التراضي التكويني موجودا في النفس بالنسبة إلى الكلي والشخصي، إلا أنه لابد من ملاحظة منشأه، فإنه إن كان منشأه أمرا فاسدا فلا يعتنى به، وإلا فلا بأس به. وحيث إن التراضي في المقام له المنشأ، وهو الشرط، وهو فاسد، فلا يعتنى بالرضا الموجود بالفعل، فلا يصلح الإطلاقات والعمومات للتمسك. ومن هنا يظهر عدم توجه الإشكال إلى التقريب المذكور في موارد تخلف الدواعي الصحيحة، بخلاف الدواعي الباطلة، كاشتراء آلات القمار للملاعبة دون الطبخ، أو اشتراء الخشب لصنعة تلك الآلات،


1 - الكافي 5: 290 / 6، وسائل الشيعة 19: 119، كتاب الإجارة، الباب 17، الحديث 1.

[ 237 ]

فإنه وإن كان التراضي حاصلا، إلا أنه باطل عند الشرع. ومن هنا يظهر وجه بطلان بيع المكره وإن رضي به، فإنه رضا حاصل من منشأ باطل، كما ذكرنا تفصيله في محله، واستفدنا ذلك من قوله تعالى: * (إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم) * (1) فإن التقييد بقوله تعالى: * (منكم) * فيه إفادة أن التراضي لابد وأن يحصل عندكم بسلطانكم، لا بسلطان الآخرين، فاغتنم. ويظهر أيضا فساد تقريب الشيخ وأتباعه من التمسك بتعدد المطلوب (2)، فانه تقريب لا ينفع في باب المعاملات ولا العبادات لو كانت متقومة بالإنشاء. وقضيه انحلال الإنشاء غير تامة، كما مر في هذا الكتاب مرارا، إلا في بعض الصور، وما نحن فيه ليس منها، بل الانحلال لا أصل له حتى بالنسبة إلى الأجزاء، فضلا عن المشروط والشرط. وكان ينبغي أن ينكر أصل الانحلال وتعدد المطلوب في باب الشروط، لكونها أجنبية عن العقود، ولاحقة بها، كما اختاره السيدان: اليزدي (3) والوالد المحقق (4) عفي عنهما. فبالجملة: مقتضى التقريب المذكور، المناقشة في كفاية مطلق التراضي، فيكون الشرط الفاسد موجبا للبحث الكبروي الآخر: وهو كفاية مطلق التراضي، أم لا؟ كما عرفت في هذا الوجه، وهكذا في


1 - النساء (4): 29. 2 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 288 / السطر 21. 3 - حاشية المكاسب، المحقق اليزدي 2: 138 / السطر 12 - 28. 4 - البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 5: 245 - 246.

[ 238 ]

الوجه الأول، فإنه يرجع البحث المذكور إلى بحث كبروي آخر: وهو اشتراط مطلق المعلومية. فما ربما يقال: من أن البحث في هذه الوجوه صغروي لا كبروي، ناشئ من عدم الالتفات إلى حقيقة الأمر. أقول: الشروط على ثلاثة أقسام: الأول: ما يكون دخيلا في حصول التراضي بالنسبة إلى العقد. والثانى: ما يكون المتعاقدان راضيين بالعقد على الإطلاق، ويعتبرانه زائدا على ما هو السبب المنتهي إلى عقدهما. والثالث: ما هو الأصل، والعقد تبعه في الرضا، وإن كان بالعكس بحسب مقام الإنشاء. فما كان من القسم الثاني، لا يستلزم فساده فساد العقد ولو كان التقريب المزبور صحيحا وتاما. وأما الآخران، فمقتضى القاعدة الأولية - ولاسيما في البيوع الشخصية - صحة العقد، بعد كون المراد من " الشرط " ما هو الالتزام في الالتزام الموجب لتقيد الالتزام الأول، بحيث يكون الرضا بالنسبة إلى العقد حاصلا بالفعل، وليس تعليق في البين الراجع إلى الشرط الاصولي. مع أنه قد تحرر منا، رجوع جميع الواجبات المشروطة والإنشاءات المعلقة إلى أمر واحد بحسب اللب، وتفصيله في الاصول (1). فعلى كل تقدير: قضية الصناعة صحة العقد بالضرورة، لإطلاق أدلته، وموجودية شرطه، بل وقوامه، ولاسيما في موارد لم تكن الشروط


1 - تحريرات في الاصول 3: 66 - 67.

[ 239 ]

إكراهية كما هو المفروض، بل يكون بطلانه لأجل التعبدات الشرعية. وأما مقتضى صحيحة أبي ولاد (1)، فهو وإن كان - كما اشير إليه، بعد ضم الفهم العرفي إليه - عدم الخصوصية لمورده وهو الرضا بالنسبة إلى أمر غير معاملي، إلا أن إلغاء الخصوصية بالنسبة إلى احتمال تشديد الأمر في مورد إفتاء أمثال أبي حنيفة وشركائه، مشكل جدا، فيرجع بعد ذلك إلى الإطلاقات، لعدم سقوطها بمجرد الاحتمال المذكور، فليلا حظ جيدا. الوجه الثالث: العجز الشروط الباطلة شرعا مورد التعجيز الاعتباري عرفا، وعجز الشرط الضمني يستلزم العجز بالنسبة إلى مصب العقد ومحط الإنشاء. أو يقال: يستلزم قصورا في التراضي المعتبر في قوام المعاملة، ضرورة أن انتفاء القيد والشرط - عرفا كان أو شرعا - يستتبع انتفاء المقيد عقلا، لوجود الربط ولو كان حرفيا بينهما، كما مر، لامتناع كون الشرط أجنبيا على الإطلاق حتى يعد كالشرط البدوي، ضرورة أن الضمنية إما تعتبر شرعا، أو ماهية، على خلاف بين السيدين: الفقيه


1 - الكافي 5: 290 / 6، وسائل الشيعة 19: 119، كتاب الإجارة، الباب 17، الحديث 1.

[ 240 ]

اليزدي (قدس سره) (1) والوالد المحقق (2) - مد ظله - وعلى كل تقدير يكون دخيلا بدخول التقيد، لا القيد، وتصير النتيجة فساد المشروط بفساد القيد المذكور الموجب لتضيق التراضي، ولا دليل على أن الشرع اعتبر لزوم الوفاء رغم أنفهما، كما هو كذلك في بعض المواقف. أقول: هذا التقريب بالنسبة إلى البيوع الشخصية غير تام، لأن تعذر الشرط أهون من تعذر الوصف، وليس العجز عن تحويل الموصوف موجبا لبطلان العقد، حسبما هو المعروف بينهم. هذا، ولا بأس بدعوى: أن الشرع بعد اعتبار العجز بالنسبة إلى الشرط، أوجب الوفاء بالعقد، لأن ما هو الشرط المقوم هو التراضي، وهو حاصل، وانتفاء القيد وإن كان يوجب انتفاء المقيد، إلا أن المتعاملين باقيان على تراضيهما بالنسبة إلى العقد والمقيد، والشرع فكك بين المقيد والقيد. وبعبارة اخرى: إذا عدلا عن القيد فلا بد أن يعدلا عن المقيد، لامتناع بقاء الإرادة والرضا الوحداني المتشخص بالمقيد والتقيد، دون القيد بذاته، وأما إذا كانا باقيين على تراضيهما الأولي، فلا يلزم انتفاء المقيد، لعدم انتفاء القيد تكوينا، وما هو اللازم هو التفكيك في محيط الشرع بإيجاب الوفاء بالعقد، دون الشرط، بل وتحريمه أحيانا. نعم، في موارد جهلهما بالمسألة، وعدولهما عن الشرط المحرم


1 - حاشية المكاسب، السيد اليزدي 2: 105 - 106. 2 - البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 5: 162.

[ 241 ]

والفاسد، لا يلزم أيضا بطلان العقد، لأن انتفاء التراضي بعد العقد لا يضر بصحته، لكثرة انتفائه بانتفاء الدواعي، كما ترى. فبالجملة: العاقدان الشارطان الشرط الممنوع، إما غير مباليين، فهما باقيان على تراضيهما، والتفكيك من الشرع، فلا تجري قاعدة انتفاء المقيد بانتفاء القيد. وإما مباليان عالمان، فلا يترشح منهما الجد بالنسبة إلى العقد في صورة دخالة الشرط، وهذا دليل يبطل به مقالة السيدين عفي عنهما. وإما مباليان جاهلان حين العقد، فلا يبطل العقد بعد علمهما ببطلان الشرط، لأن التراضي ينتفي، والقاعدة تجري، إلا أنه لا تنفع، فاغتنم جيدا. ومما أسسناه يظهر: أنه ولو كان الشرط بمعنى التقييد - كما لا معنى له إلا ذلك، لرجوع الالتزام في الالتزام إلى التقييد، ولا معنى لتعدد المطلوب في بابي الأوامر والعبادات والمعاملات، نعم في باب الإلزامات العقلية يتصور ذلك، وتفصيله في محله، وبالجملة: ولو كان الشرط بمعنى التقييد - لا يلزم من فساد الشرط اختلال الرضا المعتبر في صحة العقد. الوجه الرابع: عدم التطابق بين الإيجاب والقبول الظاهر أن ذكر الشروط الباطلة في طي الإيجاب، لا يوجب بطلان

[ 242 ]

الإيجاب، وما هو الباطل - على الفرض - هو العقد الذي يكون لولا الشرط موضوعا لحكم العقلاء، ونافذا شرعا، وهو الذي يوجد بعد انضمام القبول إليه، سواء قلنا: إن القبول ركن، أو قلنا: إن القبول دخيل فيما هو موضوع حكم العقلاء، وليس ركنا في الماهية. فعلى هذا، يمكن دعوى بطلان العقد ببطلان الشرط، وذلك لأجل أن الإيجاب المذكور ليس باطلا، والقبول بالنسبة إلى الشرط باطل، وبالنسبة إلى العقد والمعقود عليه إذا كان صحيحا، يلزم عدم التطابق بين الإيجاب والقبول، وقد مر اعتبار التطابق بينهما في محله، بل هو ضروري. وإن شئت قلت: لو كان الشرط في ضمن العقد ساقطا شرعا، والعقد كان صحيحا، فالتطابق حاصل رغم أنفهما، وأما إذا كان الإيجاب صحيحا، والشرط غير باطل ولا مبطل إلا بعد انضمام القبول، فالتفكيك يوجب الاختلال في التطابق اللازم بين الإيجاب والقبول. أقول: قد مر حدود اعتبار التطابق بما لا مزيد عليه في محله، وليس عدم قبول الشرط موجبا لبطلان العقد في الشروط الصحيحة، فضلا عن الباطلة، سواء كان الشرط قيدا، أو التزاما، لأن القيدية ترجع إلى اللواحق الزائدة على الأجزاء الجوهرية المقومة بالنسبة إلى معقد العقد. نعم، إذا كان القيد والتقيد داخلين، يشكل الأمر، فلا تخلط. نعم، في الشروط الراجعة إلى المعقود عليه، يمكن حدوث الإشكال، إلا أنك قد عرفت: أنها عرفا لا تعد شرطا، بل هي بمنزلة ذكر

[ 243 ]

الوصف والمقدار على صورة الاشتراط، فتكون خارجة عن مصب البحث فيما نحن فيه. ولو كانا شرطا واقعا بحسب إرادة المتعاملين، وقلنا بفساده، فالتطابق أيضا حاصل قهرا، لكون الشرط خارجا عن جوهر الإنشاء والمنشأ. المرحلة الرابعة: حول ثبوت الخيار بناء على صحة العقد اختلفوا في مورد بطلان الشرط فقط دون العقد، أنه هل يثبت الخيار وهو خيار تخلف الشرط، أم لا يثبت؟ أو هناك تفصيل بين صورتي العلم والجهل، كما ربما يستظهر من الشيخ (قدس سره) (1)؟ أم يفصل بين شروط النتيجة الفاسدة والأفعال إذا لم يأت بها، وبين غيرها، كما هو صريح السيد اليزدي (قدس سره) (2)؟ وربما يقال: إن منشأ الاختلاف اختلافهم في سند الخيار، فإن قلنا: إنه على القاعدة فهو ثابت على الإطلاق، وإن قلنا: إن المستند هو الإجماع أو قاعدة " لاضرر... " ففي ثبوته إشكال، بل منع (3). ومقتضى الشك عدمه، ولا بأس باستصحاب العدم النعتي، لأن


1 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 289 / السطر 18 وما بعده. 2 - حاشية المكاسب، السيد اليزدي 2: 140 / السطر 11 وما بعده. 3 - منية الطالب 2: 149 / السطر 14 - 20، و 151 السطر 1 وما بعده.

[ 244 ]

المفروض تعذر الشرط شرعا، لاتكوينا. اللهم إلا أن يقال: إن المتعذر شرعا كالمتعذر تكوينا، فكما أنه يثبت الخيار في الصورة الثانية، يثبت في الصورة الاولى. وبعبارة اخرى: تارة يعتبر الشرط الفاسد بمنزلة المتعذر التكويني، من غير النظر إلى عنوان التخلف وعدمه، فانه يثبت الخيار بثبوته في التعذر التكويني، على إشكال في إطلاقه. واخرى: يعتبر الشرط الفاسد بمنزلة العدم، فلا تبعة له، كالخيار والأرش، وغيرهما. وإذا شك في ذلك، فلازمه الشك في حدوث الخيار بحدوث العقد، فلا أصل إلا العدم الأزلي الذي قد مر بعض الكلام حوله، وهو على كل لا ينفع لنفي الخيار. والذي يقتضيه التحقيق الحقيق بالتصديق: أن مقتضى البناءات العرفية ثبوت الخيار، لعدم دخالة فساد الشرط شرعا أو عرفا في الخيار الذي هو من أحكام عدم الوفاء بالشرط، سواء كان ذلك من باب عدم تمكنه، أو عدم وفائه وسوء اختياره، أو عدم وجوب الوفاء به، أو عدم جوازه. وهذا في شرط الفعل والنتيجة واضح. وفي شرط الصفة أوضح، لما لا معنى للوفاء به إلا تأثير فسخ المشروط له. وبعبارة اخرى: لا معنى لكون المؤمن ملازما لشرطه، إلا بقبول العين الفاقدة بعد فسخه، كما مر. وبالجملة: التخلف عن الشرط سبب الخيار، والمراد منه الأعم

[ 245 ]

من التخلف حتى في مثل شرط الوصف الذي لا يتصور فيه التخلف بمعناه البدوي، ككون البطيخ حلوا. وأما قضية الأخبار الخاصة، فإن قلنا: بأن الشرع اعتبر الشرط الفاسد معدوما، ولا شيئا، وكان النظر في ذلك على وجه الإطلاق المنتهي إلى سلب الخيار، كما في مثل شرط الوصف الذي لا معنى له إلا الخيار، فيمكن. ولكن الأخبار غير ظاهرة في ذلك، حتى ما في بعض الأخبار الذي يعبر عنه بأنه " ليس بشئ " (1) لأن المستفاد منه أنه ليس يعتمد عليه، ولا يلزم أن يكون المؤمن عنده. وأما بالنسبة إلى شرط الوصف، فالأمر أيضا كذلك، لعدم اختصاص الخبر به، بل هو حكم كلي، ويكفي كون بعض الأقسام من الشرط - كشرط الفعل، بل والنتيجة - مورد الآثار المختلفة التي منها الخيار عند التخلف. فما أفاده الوالد المحقق (2) - مد ظله - غير مطابق لما ذهب إليه في الاصول (3). وأما مقتضى النظر الأخير الجامع بين الأدلة، فهو أن من الممكن أن تكون أدلة وجوب الوفاء بالعقد، رادعة لبناء العقلاء على الخيار في


1 - الكافي 5: 403 / 6، وسائل الشيعة 21: 276، كتاب النكاح، أبواب المهور، الباب 20، الحديث 2. 2 - البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 5: 251 - 252. 3 - أنوار الهداية 2: 48، وتهذيب الاصول 2: 222.

[ 246 ]

صورة تخلف المشروط عليه عن الشرط الفاسد الممنوع شرعا، ولا دليل على ثبوت الخيار بمجرد التخلف، وليس عنوان " التخلف " مورد الرواية والخبر، أو الإجماع التعبدي الكاشف، فإذن لاخيار من باب قصور المقتضي، وقد غفل عنه الأصحاب رضي الله عنهم وقد مر حكم الشك. ومن هنا يظهر وجه ضعف مرامهم، ويظهر أنه ولو لم يتخلف المشروط عليه، فشرب الخمر - نعوذ بالله - فهو بلا أثر، ولو كان مما في كلام الفقيه اليزدي وجه من نفي الخيار في هذه الصورة (1) للزم كونه ممتثلا ومثابا ومعاقبا، لأجل انطباق العنوانين عليه، ولا أظن التزام أحد به، فمنه يعلم عدم ارتضاء الشرط بمثله، فإذن لا دليل على إمضاء بناء العقلاء على الخيار في مثله، بل الأدلة الملزمة للعقود تردع تلك البناءات بإطلاقها، فليتأمل جيدا. وقضية ما ذكرناه عدم الفرق بين كون الشرط الفاسد معتبرا كالعدم، في ظرف لزوم الوفاء به عرفا أو من الابتداء وقبل أن يجئ وقت الوفاء به، كما لا فرق أيضا بين كونه محرم الوفاء، أو غير واجب الوفاء، كما قد يتصور أحيانا في بعض الصور، فتدبر. المرحلة الخامسة: في تصحيح العقد بالمضي عن الشرط الفاسد بناء على القول بالإفساد، فهل يمكن تصحيح العقد بالمضي عن


1 - حاشية المكاسب، السيد اليزدي 2: 140 / السطر 10.

[ 247 ]

الشرط الفاسد من غير حاجة إلى الرضا الجديد والإجازة الخاصة؟ أم لا يمكن ذلك على الإطلاق، فلا يصح بالرضا الجديد، فيكون العقد الفاسد كعقد الهازل والمجنون؟ أم هناك احتمال ثالث: وهو أن لا يصح إلا بالرضا الجديد، فيكون كعقد الفضولي، وعقد المكره؟ أو يفصل بين العقود الشخصية والكلية. وجوه واحتمالات: أما القول بفساد العقد، على الوجه الذي لا يصح بالإجازة اللاحقة والرضا المتجدد، فهو غير موجه جدا، ضرورة أن الشرط غير دخيل في ماهية العقد والمعقود عليه، ولا داخل في هويته، بل هو مرتبط به على الوجه المحرر مرارا، أو أجنبي عنه، ومذكور لفظا في طي العقد، على القول بصحته، وتمامية تصوره، وعدم رجوعه إلى البدوي قهرا. وقد مر في بحوث الفضولي إمكان صدور العقد الإنشائي من المالك، ثم لحوق الرضا الجدي به، وهذا لا يخرجه عن الفضولية بالمعنى الأعم (1). كما قد مر: أنه لا يعقل انقلاب المبادلة الصورية الإنشائية عن صفحة الاعتبار، وليس يصلح رد العاقد لذلك، بل رده ليس إلا كعدم الإمضاء، ولذلك قوينا صحة عقده بعد الرضا ولو رده قبله، فالشرط


1 - تحريرات في الفقه، البيع 2: 119.

[ 248 ]

الفاسد المفسد ليس معناه اعتبار العقد لاعقدا عند العرف، ولا يستظهر من الأصحاب أكثر من عدم سببية شئ، وأما عدم صلوحه فهو غير مقصود لهم هنا اصلا. فانتفاء القيد يوجب انتفاء المقيد - وهو العقد - عن التأثير، لاعن صفحة عالم الاعتبار والإنشاء، فما في كلام العلامة المحشي (رحمه الله) (1) في غير محله. وأما القول بعدم الحاجة إلى الرضا الجديد حتى في الكليات، نظرا إلى أن الشرط هو الالتزام في الالتزام، وأنه أمر خارج عنه ذاتا، ولاحق به بالمعنى الحرفي، فهو صحيح ولاسيما في الشخصيات، وأنه ولو كان قيدا، إلا أنه على وجه يكون التقيد داخلا والقيد خارجا، فالرضا متعلق بذات العقد بالضرورة، وبذات بيع ما في الخارج قطعا فلا معنى لبطلانه ولو كان فاسدا بفساد الشرط. وفيه: أنه إن اريد منه ما سلكناه في أول هذه المسألة (2)، من أن كون الشرط الفاسد يفسد مسألة غير معقولة ولا معنى لفساد العقد بالشرط، إلا برجوعه إلى الشرط العدمي في صحة العقد، كما في موانع المركبات العبادية، فهو حق، ولكنه خارج عن محط البحث، لأن الكلام في أنه هل العقد الفاسد بفساد الشرط يصح بانصراف الشارط عن شرطه، وأنه بعد الاعتراف بالإفساد يمكن تصحيح العقد، أم لا؟


1 - حاشية المكاسب، المحقق الأصفهاني 2: 167 / السطر 1. 2 - تقدم في الصفحة 220.

[ 249 ]

وبالجملة: لاوجه لهذا القول، لأن المفروض فساد العقد بفساد الشرط، سواء قلنا بإفساد الشرط، أو قلنا برجوعه إلى قصور في شرائط العقد، فلو كان العقد صحيحا على الإطلاق يلزم الخلف، لأن الشرع - حسب الفرض - اعتبر العقد فاسدا، لاشتماله على الشرط الفاسد، وهذا التقريب ينتهي إلى عدم الإفساد، وعدم اشتماله على ما يوجب فساده، وهو خلف، فما في كلام الشيخ وأتباعه: من احتمال تصحيح العقد على الوجه المذكور (1)، غير واقع في محله، كما لا يخفى. فعلى ما تحرر، يظهر إمكان تصحيحه على الوجه المحرر في الفضولي وعقد المكره، من غير فرق بين العقد على الأمتعة الشخصية الخارجية، أو الكلية الذمية. ويحتمل اختلاف المباني في هذه الجهة، ضرورة أنه لو كان الشرط مفسدا يمكن أن يقال: بأنه لا دليل على أزيد من سقوط العقد عن التأثير، وأما سقوطه عن صلاحية التأثير، فلا شاهد عليه. مع أنه لا يعقل بحسب الواقع وإن كان يعقل بحسب التعبد، كما لا يخفى، فليتأمل جيدا. وأما على ما هو الحق، من رجوعه إلى أن من شرائط صحة العقد، عدم اشتماله على الشرط الفاسد، فلا يكون العقد عقدا بفساد الشرط العدمي المذكور، لأنه يصير كسائر الشرائط المعتبرة في صحة العقد، كالمعلومية، أو عدم المجهولية، فكما أنه لا يصح العقد بالمعلومية


1 - المكاسب: 289 / السطر 25، حاشية المكاسب، المحقق الأصفهاني 2: 164 - 165. (

[ 250 ]

المتأخرة، وبرفع الجهالة المتأخر، وهكذا القدرة، وغير ذلك، كذلك الأمر في المقام، فإنه مزلة الأقدام. وفيه: أنه قد أشرنا إلى ما هو سر المسألة، وهو أنه إن كان ما هو الدخيل في الصحة ركنا في تحقق الماهية الإنشائية، فالأمر كما تحرر، والا فلا. نعم، لا بأس بأن نستفيد أحيانا من الأدلة الخاصة، عدم كفاية العلم الطارئ والقدرة الطارئة، وإن ناقشنا فيه في محله، فلا ينبغي الخلط بين مقتضى القواعد، وقضية الشرع. تتمة: لا معنى لما عقده الشيخ (رحمه الله) (1) بعنوان " المسألة الاولى " ضرورة أن الشرط المتقدم ذكرا إن كان من الشرط في طي العقد - كما هو الأظهر عندنا، وقد مر تحقيقه - ففساده يوجب الفساد على القول به، وإلا فلا. وإن لم يكن من الشرط في طي العقد، فلا معنى لكونه مفسدا، بعد كون الإفساد من صفات الشرط الضمني، سواء كان الشرط البدوي مجازا، أو حقيقة غير نافذ شرعا، ويعد خارجا عن العقد عرفا. وأما قضية تقيد الرضا المعتبر في صحة العقد، فهو أجنبي عن هذه


1 - الصحيح هو " الأمر الثالث "، لاحظ المكاسب، الشيخ الأنصاري: 289 / السطر 30.

[ 251 ]

المسألة، لأنه كالتقيد الحاصل من الدواعي، فإنه لا يضر بمرحلة الصحة والإنشاء، ضرورة أن الشرط المذكور، ليس داخلا في أدلة الشرط المفسد موضوعا أو حكما، وأما ملاكا فأيضا كذلك، وقد مر ما يتعلق بوجه كون فساد العقد ناشئا من اختلال الرضا المعتبر في صحته بما لا مزيد عليه.

[ 252 ]

خاتمة فيها مسائل المسألة الاولى: حكم الوفاء بالشرط المذكور طي العقود الجائزة لا إشكال عندهم في وجوب الوفاء بالشرط في طي العقود اللازمة، وإنما اختلفوا فيما ذكر في طي العقود الجائزة، فنسب إلى المشهور بطلانه (1)، وإلى ظاهر جماعة عدم وجوب الوفاء به (2)، كالشيخ (3) والعلامة (4) والمحقق الثاني (5) حيث صرحوا بالصحة، وعدم لزوم الوفاء به. وذهب الفقيه اليزدي (6) والسيد المحقق الوالد (7) إلى الصحة واللزوم.


1 - لاحظ المهذب 1: 466، المبسوط 3: 197، جواهر الكلام 26: 342، 402، العروة الوثقى 2: 644، كتاب المضاربة: المسألة 2، مستمسك العروة الوثقى 12: 261 - 269، 331 - 334. 2 - لاحظ حاشية المكاسب، السيد اليزدي 2: 124 / السطر 35. 3 - المبسوط 3: 197. 4 - تحرير الأحكام 1: 279 / السطر 22 - 23. 5 - جامع المقاصد 8: 56. 6 - حاشية المكاسب، السيد اليزدي 2: 124 - 125، العروة الوثقى 2: 644، كتاب المضاربة، المسألة 2. 7 - البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 5: 221.

[ 253 ]

ومنشأ الاختلاف اختلافهم في حقيقة الشرط، فإنه إن كان معناه تعليق لزوم العقد والالتزام به على الشرط، فهو باطل، لما لا لزوم في الجائز. وإن كان معناه الالتزام في طي الالتزام، فهو صحيح. فإن قلنا: بأن المستفاد من أدلة لزوم الشرط لزومه على الإطلاق، فيثبت القول الثالث، لإمكانه. وإن كان مفادها اللزوم غير القابل لإعدام الشرط بإعدام الموضوع، يثبت القول الثاني. وبالجملة: فيما هو محط البحث هنا - وهو شرط الفعل، كالخياطة وقراءة سورة وأمثالهما في طي العقد، لاشرط عقد جائز في طي العقد الجائز الآخر، أو شرط النتيجة وغيرهما - يشكل الأمر من جهات: فتارة: مما اشير إليه، وكانت النتيجة بطلان الشرط. وفيه: أن اللزوم من الاعتبارات العقلائية للعقود اللازمة، وليس داخلا في مصب الالتزامات الخاصة بين المتعاملين، فلا يصير العقد اللازم جائزا باتفاقهما في الواقع على عدم الالتزام غير المبرز بعنوان الخيار، ولو كان اللزوم راجعا إلى الالتزام - كي يكون الشرط تعليق ذلك الالتزام - للزم ما ذكر، مع أن الوجدان حاكم على خلاف ما توهم، وأن المتعاملين غافلان وذاهلان عنه جدا، فلا تخلط. نعم، الشرط مربوط بالعقد في مقام اللب والإنشاء ربطا خاصا، على وجه يكون التقيد داخلا والقيد خارجا، ولا يعقل تفسيره بالالتزام في طي الالتزام من غير حصول المعنى الحرفي بينه وبين العقد، وإلا فيكون

[ 254 ]

بدويا، وقد مر ما يتعلق به. واخرى: إن الشرط لو كان لازما في طي العقود الجائزة، يلزم بعد استيفاء الشرط إعدام موضوعه، ويصير بذلك فعل المشروط عليه مجانا لما كان يجب الوفاء عليه، ولا يقسط عليه الثمن، كما مر. وفيه أولا: لنا إنكار الوقوع مجانا، كما إذا شرط في ضمن العقد اللازم الخياري، فإن حرمة عمل المسلم ومن بحكمه، تقتضي أن لا يقع مجانا، وهذا هو فهم العرف في أمثال المسألة. وثانيا: أن إقدامه على مثله يكفي لذلك مع توجهه والتفاته، ولو كان جاهلا به فالخسران من قبله، لا من إيجاب الشرع وفاءه عليه. ولو كان في الإيجاب المذكور ضرر، فالمفروض أنه في ذلك الحين لم يكن ضرر، لوجود العقد، وبعد الفراغ من الخياطة لاحكم للشرع، فتأمل. مع أن بعض الشروط ليس يقوم، كما لا يخفى، فيلزم التفصيل بينها. وثالثة: يكفي للبطلان قصور المقتضي، وأدلة الشروط - بعد كونها واردة في مورد الشروط الضمنيه ذاتا، أو انصرافا، أو تخصيصا - لا تشمل الشروط في ضمن العقود الجائزة، لكونها من اللغو عرفا. وفيه: أنه يكفي للفرار من اللغوية كون جواز العقد حكميا والخيار من التخلف حقيا يورث، مع وجود الأغراض الاخر، كما هو الظاهر. فلا وجه لبطلان الشروط بوجه من الوجوه، إلا ذهاب المشهور

[ 255 ]

إليه، وهو غير ثابت بعد ذهاب " الجواهر " إلى الصحة (1). نعم، هو يقول بها مع كونه غير واجب الوفاء، لأنه لاتدل أخبار الشرط إلا على الصحة، وهي تكون أجنبية عن حديث الوجوب وغيره، بل غاية ما في الباب دلالتها علي النفوذ، كدلالة الآية الشريفة (2) على حلية البيع مثلا، وأما وجوبه في ضمن العقد الواجب اللازم، فهو لأجل أن الشرط جزء من العقد، ومن تبعاته، فيكون بحكم العقد وجوبا وندبا. وقد مر فساد هذا المسلك بما لا مزيد عليه، ضرورة أن الوفاء بالعقود ولو كان معناه الوفاء بالقرار المعاملي، لا يكون الشرط بما هو هو - ولاسيما في موارد لا يعد مالا، ولا يقوم عرفا - داخلا فيه. هذا مع أن ظاهر قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): " عند شروطهم " (3) هو اللزوم كناية، كما عرفت، وقد مر في بعض الأخبار (4) الأمر بالوفاء بالشرط، وفي ذيلها هذا العام المنطبق عليه، فتكون شاهدة قوية على ذلك، فليراجع. ولو صح ما أفاده يلزم التقسيط، ويبعد التزامه بذلك. إذا تبين فساد القولين يبقى القول الثالث: وهو لزومه، إلا أن القائلين به ذهبوا إلى أنه بإعدام العقد - وهو الموضوع - ينعدم


1 - جواهر الكلام 26: 342، 402. 2 - البقرة (2): 275 * (أحل الله البيع) *. 3 - تقدم في الصفحة 201. 4 - نفس المصدر.

[ 256 ]

الشرط (1). وفيه: أن الشرط إن كان بحسب الماهية والمفهوم متقوما بالضمنية كما هو ظاهر السيد المحقق الوالد (2) - مد ظله - فله وجه، وأما إذا كان المفهوم أعم، فلا وجه للانحلال بانحلال العقد، بعد إطلاق دليل الشرط، وخروجه عن مصب أدلة التخصيص، لفظيا كان أولبيا، ضرورة أن القدر المتيقن من الشرط غير النافذ، هو البدوي منه، وهذا ليس من البدوي، فما ذهب إليه الفقيه اليزدي (رحمه الله) (3) في غير محله. وحيث قد عرفت: أن الشرط بحسب الماهية أعم، يلزم القول الرابع: وهو صحة الشروط في ضمن العقود الجائزة، ووجوب الوفاء بها على الإطلاق، ولا ينحل بانحلال العقد، كما اشير إلى وجهه آنفا، وقد أوضحنا في كتاب " الإجارة " (4)، أن شرط ضمان العين المستأجرة صحيح، مع أن الإجارة تبطل في صورة انعدام العين، ولا يبقى للشرط موضوع، ومع ذلك ذهب جمع إلى خلاف المشهور هناك (5)، ولا يتم هو إلا لما أشرنا إليه، فاغتنم.


1 - حاشية المكاسب، السيد اليزدي 2: 124 / السطر 26، البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 5: 221. 2 - البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 1: 89، 143. 3 - حاشية المكاسب، السيد اليزدي 2: 124 / السطر 26. 4 - مما يؤسف له أن هذا الكتاب فقد ولم يصل إلينا. 5 - مجمع الفائدة والبرهان 10: 69، الروضة البهية 2: 3 / السطر 16 (حاشية جمال الدين الخوانساري). ولاحظ جواهر الكلام 27: 216، الإجارة، المحقق الرشتي: 52. (

[ 257 ]

بقي شئ: سراية لزوم الشرط المذكور في ضمن العقد الجائز إلى العقد لأحد دعوى: أن الشرط لازم، ويسري لزومه إلى العقد عقلا، فيكون هناك احتمال خامس، وذلك لأن ما هو الواجب بالشرط ليس عنوان " الشرط " أو عنوان " المشروط " بما هو مشروط، كي يقال بامتناع كفاية دليل الشرط لوجوب حفظ موضوعه وما هو المتوقف عليه، وهو العقد، بل الواجب به هو ذات الشروط في طي العقد، وهي الخياطة مثلا، ودليل الشرط يوجب إيجاب الشرع العمل بها وإيجادها على الإطلاق، ومقتضى هذا الإطلاق عدم جواز الفسخ بحكم العقل. وفيه: - مضافا إلى أنه لا يوجب عدم انحلال العقد بالفسخ، بل غايته هي الممنوعية العقلية - أن الشرط إن كان سببا باقيا، فيمتنع أن يكون إطلاق دليله وافيا لوجوب حفظه، فإذا انفسخ العقد ينعدم السبب، ويرتفع وجوب الخياطة من هذه الناحية. وإن كان غير باق، ويكون من قبيل الوساطة في الثبوت الممكن بقاء المعلول بعلة اخرى، فهو يرجع إلى الوجه الرابع، كما لا يخفى. تكميل: حكم الشرط إذا انفسخ العقد الجائز إذا كان الشرط في طي العقد الجائز من قبيل شروط النتيجة، أو كان من قبيل شروط الفعل وقد عمل به المشروط عليه، مثلا في بيع الدار الخياري، أو في هبة الدار، اشترط استملاك ثوبه، وأن يكون

[ 258 ]

ثوبه له، أو اشترط خياطة الثوب فخاطه المشتري، ثم فسخه البائع أو الواهب، فهل يرجع الثوب إلى مالكه، ولا تقع الخياطة مجانا، أم لا؟ أو فيه تفصيل بين علم المشتري وجهله، نظرا إلى أنه مع علمه يكون هو المقدم، فلا ضرر من الشرع بالنسبة إليه، بخلاف صورة جهله، كما هو الواضح. قيل: بأنه بعد الانفساخ يرجع العقد، ويبطل مع تبعاته، ومنه الشرط، فيرجع الثوب إلى مالكه، ولا تقع الخياطة مجانا، لإمكان نظره إلى أنه محترم ماله وصنعه، ولا يقع هدرا (1). وفيه: أن الشرط قد أثر أثره، ولا بقاء له في شرط النتيجة، وفي الفعل في الفرض المذكور، ولاحكم لمثله بعد ذلك، ولا حكم له عند الشرع والعرف، فيكون العقد راجعا بلا تبعاته. وحكي أن السيد الوالد المحقق - مد ظله - يلتزم بذلك، وهو غير موافق لبناء العقلاء بالضرورة. ويحتمل التفصيل بين المثالين، ففي مثل الخياطة لاسبيل إلى تضمين المشروط عليه، حتى في صورة الجهل، لأنه بحكم الشرع لابد وأن يقع مجانا، وأما في مثل الثوب، فقد مر أنه في شرط النتيجة يجب الوفاء أيضا، إلا أنه بالقياس إليه معناه رد الثوب إلى مالكه،


1 - حاشية المكاسب، السيد اليزدي 2: 135 / السطر 4.

[ 259 ]

ويكون معنى " المؤمن عند شرطه " في هذه الصورة، هو وجوب رده إليه، فإذا لم يكن وجوب بعد فسخ العقد، فلا يعتبر الملكية لمالكه، فإن الوضع في مثل المقام يتبع التكليف. نعم، في صورة تلف الثوب تحت يد المشروط عليه، لا يثبت الضمان وهو بمثابة الخياطة المنعدمة. وغير خفي: أنه ربما يختلف الحكم بين صورة كون الشارط هو الفاسخ، وصورة اختلافهما، فإنه إذا فسخ المشروط عليه، فربما يعد هو المقدم على الضرر والمجانية، بخلاف عكسه، كما يختلف صورة التلف والإتلاف، بناء على عدم ضمان اليد في مثله، أو مطلقا. وعلى كل تقدير: المسألة مشكلة، لأن مقتضى الصناعة مختلف مع مقتضى بناء العرف، وربما يكون هو شاهدا على أن أساس الشرط الذي توهموه غير صحيح وأن شرط النتيجة باطل وشرط الفعل المذكور يقتضي التقسيط عرفا بالنسبة إلى المثمن أو مثله، فليلاحظ جيدا. ويمكن أن يقال: إن قضية الصناعة تردع مقتضى بناء العقلاء. كما يمكن دعوى: أن بناء العرف يوجب صرف أدلة الشروط عن شرط النتيجة. نعم، مقتضى بعض أخبار المسألة (1)، صحة شرط النتيجة، إلا أنه ربما يختص بموارد العقود اللازمة غير الخيارية، فلا تكن غافلا.


1 - تقدم في الصفحة 201.

[ 260 ]

المسألة الثانية: في كيفية ثبوت الخيار بتخلف المشروط عليه لو تخلف المشروط عليه، فهل الخيار ثابت بنفس التخلف على نهج القضايا الشرطية، أم الخيار في العقد المشروط ثابت عند التخلف، فيكون على نعت الواجبات المعلقة؟ فيه وجهان. وما هو الأظهر هو الثاني، على ما تحرر في محله من رجوع جميع الواجبات المشروطة إلى المعلقة لبا (1)، وجواز ترتيب آثار الوجوب المشروط عليها إذا قام عليه الدليل إثباتا. وعلى هذا، هو خيار باق إلى زمان التخلف، ويجوز له هدمه وإسقاطه، من غير لزوم إشكال إسقاط ما لم يجب، فتأمل. ثم بعد التخلف، وصيرورته فعلية متنجزة ذات أثر حالي، فهل هو فوري، أم متراخ؟ لم يصرح به الأصحاب إلا السيد الفقيه اليزدي (رحمه الله) (2) وقد أحال الأمر إلى كيت وكيت، وحيث لا دليل على التراخي يلزم الشك، وقضية القواعد قد مرت في مسألة خيار الغبن (3)، وقد عرفت سقوط الاستصحاب والعام، بل العام الفوقاني، فلا يبقى دليل لبقاء الخيار. إلا أنه يرجع بعد ذلك إلى مقتضى الاصول الاخر المنتهية إلى نتيجة الفور، كاستصحاب


1 - تحريرات في الاصول 3: 64 - 67. 2 - حاشية المكاسب، السيد اليزدي 2: 134 / السطر 35. 3 - مما يؤسف له أن هذه المباحث فقدت ولم تصل إلينا.

[ 261 ]

عدم التأثير، أو بقاء الملكية والمال في ملك مالكه، وغير ذلك. وغير خفي: أن مستند خيار التخلف ليس الإجماع، ولا قاعدة نفي الضرر، لأن من الشروط ما لا يعد تخلفه من الضرر، ولا القواعد، بل هو حكم عرفي ممضى ظاهرا. ولا يبعد أن يسقط الخيار عند التأخير الكثير حتى عند العقلاء، فليلاحظ جيدا، فما في كلام الفقيه السابق آنفا، غير متين أصلا. المسألة الثالثة: حكم الخيار لو استند عجز المشروط عليه إلى المشروط له هل في موارد تعذر الوظيفة على المشروط عليه بتعجيز المشروط له إياه، يثبت الخيار، أم لا، أو يفصل بين صورتي التعجيز بتقصير، والتعجيز بقصور؟ وجوه: فقال السيد اليزدي (رحمه الله): إن في موارد الإتلاف العمدي لا يثبت الخيار، وأما في مورد التعذر لاعن تقصير من المشروط عليه، كما لو أتلف ثوبه غافلا، أو فيما إذا لا يتمكن من اشتراء داره المشروط بيعه منه، ففيها وجهان. وهكذا في مورد خروج الشرط عن المالية، كرد مقدار ماء إليه في حال عزة وجوده، فصار بالطبع كثيرا لاقيمة له (1). والذي هو مدار المسألة: أنه لو كانت القدرة شرطا في صحة العقد، وكان ذلك شرطا في تمام الظرف المضروب للعمل به، فطرو العجز يكشف عن بطلانه، وقد مر حكم الشرط الباطل من جهة تبعية


1 - حاشية المكاسب، السيد اليزدي 2: 134 / السطر الأخير.

[ 262 ]

الخيار وعدمها. وأما لو كان الشرط في موارد العجز صحيحا إما من الأول، أي ولو كان عاجزا من حين العقد، أو صار عاجزا، أو قلنا بأن الميزان لثبوت الخيار ليس عنوان " التخلف عن الشرط " بل هو الأعم منه ومن عدم العمل على طبقه، سواء كان ذلك لتعذر، أو عن عمد، فيكون الشرط صحيحا في موارد طرو العجز، نظرا إلى إطلاق دليله، كما مر في أوائل بحوث الشرط، فإنه يثبت الخيار على الإطلاق، وذلك لأن اعتبار صحة الشرط يستلزم - بحكم العقلاء - خيار المشروط له في جميع الفروض ولو كان يمنعه قهرا وغصبا عن العمل به. وحيث قد عرفت: أن العجز فيما نحن فيه لا يقاس بالعجز في موارد التكاليف، ولا بالعجز في موارد الوضعيات في غير باب العقود والإيقاعات، يلزم بطلان الشرط، لكونه من قبيل العجز في موارد النذر والعهد واليمين، ضرورة أنه لا يعتبر الصحة والعذر. نعم، ربما يكون من قصد الشارط - مع التفاته إلى عجز المشروط عليه الغافل - اعتبار الخيار في العقد، فلا يبعد ثبوته، على تأمل مضى. فبالجملة تحصل: أن الأمر بحسب الصناعة يدور مدار شيئين: إما الصحة مطلقا وهو لازم مقالة السيد الاستاذ الوالد - مد ظله - (1) أو البطلان مطلقا، كما هو الأظهر، وأما التفصيل فلا وجه له.


1 - البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 5: 224.

[ 263 ]

نعم، في موارد بطلان الشرط، هل يثبت الخيار؟ فهو بحث مضى بتفصيل. فتبين مبنى المسألة فيما نحن فيه، ووجه فساد مقالة السيد الفقيه اليزدي (رحمه الله) (1) فليراجع. المسألة الرابعة: ضمان المقبوض بالشرط الفاسد المقبوض بالشرط الفاسد ليس كالمقبوض بالعقد الفاسد، فإن المحرر منا عدم الضمان في العقد إلا في بعض المواضع (2). وأما في الشرط فحيث إنه ليس له قسط من الثمن، لا يكون تصرف المشروط له في المعقود عليه بحسب حكم العقلاء في الشرط الفاسد منوطا برضا المشروط عليه المتعلق بالمعقود عليه، وذلك لما تبين من أن وجه عدم الضمان، حصول الرضا الثاني بالتصرف في كل من العوض والمعوض، فلا ضمان، وأما حصول رضاه بالنسبة إلى تصرف المشروط له في العين المقبوضة، فهو بلا مقابل، فيكون هو مضمونا. فما يظهر من الفقيه اليزدي (قدس سره) (3) من الملازمة، ناشئ من الغفلة عن سبب عدم الضمان في العقد الفاسد.


1 - حاشية المكاسب، السيد اليزدي 2: 134 / السطر 35. 2 - تحريرات في الفقه، البيع 1: 182 وما بعدها. 3 - حاشية المكاسب، السيد اليزدي 2: 141 / السطر 10.

[ 264 ]

هذا فيما إذا كان الشرط فاسدا في طي العقد المعاوضي الصحيح أو الفاسد. نعم، إذا توقف حصول الرضا الثاني الخارج عن التراضي المتعلق بالمعاملة، على الرضا بالتصرف في المقبوض بالشرط الفاسد، فالملازمة ثابتة، وليس التوقف المذكور - بعد كونه من باب تعدد المطلوب - دائميا، وتعدد المطلوب في المسائل اللبية مورد الأثر، دون الإنشائيات، وما نحن فيه من قبيل الأول، لسقوط الشرط الإنشائي عن الأثر فرضا، فلا تغفل. وفيما إذا كان الشرط ماليا في طي العقد غير المعاوضي، فالضمان أقرب. وأما حديث الهبة المعوضة الباطلة، فحيث إنه عندي باطل من رأس، وأن الهبة المعوضة من المناقضة المغفول عنها، فلا بحث حولها، فما أفاده العلامة اليزدي (1) هنا - مع ما فيه من الإشكال من بعض جهات اخر - غير تام. المسألة الخامسة: هل يشترط في صحة شرط النتيجة ما يشترط في شرط الفعل؟ بناء على صحة اشتراط حصول أحد العناوين المعاملية على نعت


1 - حاشية المكاسب، السيد اليزدي 2: 141 / السطر 13 وما بعده.

[ 265 ]

شرط النتيجة، كما مر، فيجري أحكام تلك المعاملة عليها، وأما الفقيه اليزدي (رحمه الله) فقال: لو اشترط في البيع أن يكون درهم معين أو كلي من مال أحدهما للآخر في مقابل درهم، لا يجب فيهما القبض في المجلس، وكذلك لو اشترط في السلف على المشتري شيئا، لا يجب فيه ذلك، وهكذا لو اشترط ملكية حيوان لا يجري فيه الخيار الخاص به (1)، انتهى محصله. وفيه: أن في المثال الثاني والثالث حيث لا يكون من التعاوض، ولا تحصل معاوضة، فلا معنى لجريان الحكم. وأما في المثال الأول، فالأمر يدور مدار دليل اشتراط القبض، فإذا كان المستفاد منه الاشتراط في المعاوضة، فهي حاصلة بالضرورة، سواء كانت بعنوان " البيع " أو بالشرط. مع أن حقيقة البيع عندنا تمنع عن الانطباق على موارد المعاوضة بين الشخصيات، ولاسيما فيما إذا كانت مماثلة، فالأظهر اعتبار القبض على ما هو الظاهر عندي عجالة، والقول المذكور في نهاية الضعف جدا. هذا بناء على ما هو الحق، من أن الشرط تقيدا داخل، وقيدا خارج، والمشروط خارج على الإطلاق لبا وإنشاء، ولا ينبغي الخلط بين الشرط والمشروط، كما يظهر ذلك منه (رحمه الله). ولو كان بحسب اللب للشرط قسط من الثمن، ووصلت النوبة


1 - حاشية المكاسب، السيد اليزدي 2: 141 / السطر 35.

[ 266 ]

إلى التقسيط، كما اختاره (رحمه الله) (1) بتوهم: أن هناك مبادلة لبية، فلابد من التزامه بأحكام السلف وخيار الحيوان، بعد وجود الإطلاق في أدلته، فالتفكيك في بعض الآثار دون بعض، خروج عن فهم العرف وطريقة العقلاء. المسألة السادسة: حول القبول في العقد المشروط لو لم يكن تقاول على المعاوضة والاشتراط، لا يبعد لزوم قبول الشرط، وعدم كفاية قبول أصل البيع عن قبول الشرط، فلو باع داره على أن يخيط له ثوبا، وقال: " قبلت " وأنكر قبوله الشرط، لا يبعد كون الظاهر مؤيده. وله أن يقبل البيع والشرط، ويشترط في ضمن القبول أن يعلمه البائع سورة. ولو سكت فالأمر كما مر، ولو قبل فلا يبعد لزومه. وله أن يشترط في طي قبوله، أنه يعلمه سورة خاصة من السور القصيرة، أو يعلمه على أن يفعل له كذا، فقبله وهكذا، فإنه لا يبعد اللزوم مادام لم يخرج بذلك أصل المعاملة عن الجد إلى الهزل. ولو شك في ذلك، فلاحتفاف الكلام بما هو الهزل يشكل صحة أصل البيع. ولو كانا غير هازلين إلى أثناء هذه الشروط، فسراية الهزل إلى أصل البيع ممنوعة، ولا ينبغي الخلط بين مرحلتي الثبوت والإثبات الموجودة في أمثال هذه المسائل.


1 - حاشية المكاسب، السيد اليزدي 2: 141 / السطر 34.

[ 267 ]

المسألة السابعة: حكم الشروط الفاسدة في العقود الإذنية قد تحرر منا في محله: أن من الامور غير الصحيحة، تقسيم العقود إلى الإذنية، وغير الإذنية، ضرورة أن العقد بما هو هو يحتاج إلى التراضي في تحققه، وحيث إن الشرط في مفروض البحث ليس من الشرط الاصولي فلا يضر، كما مر فساده في صحة العقد، ولو أضر فلافرق بين أقسام العقود المعاوضية وغير المعاوضية، فما عن جمع من فساد العقود الإذنية بالشروط الفاسدة (1)، أو في كلام الفقيه اليزدي (2) وغيره (3) من التقسيم المذكور، في غير محله. نعم، ربما يأذن صاحب المال في بيع ماله على الإطلاق، ولا يكون نظره إلى خاص يقبله، فإنه لو قام أحد لبيعه لا يعد وكيله، ولا يكون ذلك عقدا، بل هو إذن، وليس مجرد الإذن توكيلا، ولا يعتبر في انتزاع مفهوم " الو كالة " - في صورة الإذن بالنسبة إلى شخص خاص - شئ آخر، ولو اعتبر الأزيد منه فلازمه عدم تحقق العقد، فلا يكون هناك عقد إذني، فلا تخلط.


1 - لاحظ حاشية المكاسب، السيد اليزدي 2: 142 / السطر 2. 2 - حاشية المكاسب، السيد اليزدي 2: 142 / السطر 2 - 7. 3 - منية الطالب 1: 33 / السطر 13.

[ 268 ]

هذا آخر ما تيسر لي في هذه البحوث، مع كثرة الصوارف الشخصية والحوزوية، فإن حكومة العراق الفاسدة قد سرت مفسدتها إلى كافة الجوانب، حتى زعماء الأديان الفاسدة، إلى أن شملت أذيال ذلك بعض جوانب الحوزة في النجف الأشرف، فوقع الأمر معطلا، وذهبت عقول الفضلاء كل إلى موقف، وما هو إلا لفقدهم الشعور السياسي والرشد الفكري المنطبق على مقتضيات هذه العصور في مثل ذلك القطر. ونرجو من الله أن يمن علينا بظهور الحجة - عجل الله فرجه - أولا، وبقيام الصالح من عباده لإصلاح الشباب والطلاب، كي لا يقعوا في حيص وبيص أشد وأكثر، والله هو المؤيد الموفق. (25) شعبان المعظم أوقات تسفير طلبة النجف الأشرف، عام (1395)

[ 269 ]

الخاتمة في أحكام الخيار

[ 271 ]

الأول إرث الخيار الدليل على إرث الخيار أنواع الخيار بأجمعها مما يورث، حسب الشهرة المحققة، والإجماع المحكي عن " الغنية " في خصوص تورث خيار المجلس (1). وفي " التذكرة ": " أن الخيار عندنا موروث، لأنه من الحقوق - كالشفعة، والقصاص - في جميع أنواعه " (2) انتهى. وحيث إن المحرر في محله ضعف إجماعات " الغنية " (3) مع أن إجماع " التذكرة " معلل، فلا يثبت به شئ. مع أن مورد النظر أنواعه، لا أفراد كل نوع، فلا يثبت العموم


1 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 290 / السطر 17، البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 5: 254، الغنية، ضمن الجوامع الفقهية: 526 / السطر 5. 2 - تذكرة الفقهاء 1: 536 / السطر 39. 3 - تحريرات في الاصول 6: 363 - 365.

[ 272 ]

الأفرادي، فما في كلام الشيخ (رحمه الله) من الاتكاء عليه (1)، في غير محله. كما أن ما في " حاشية اليزدي (رحمه الله) " من تفسير معقد الإجماع (2)، في غير مقامه، لأن المنصوص به هو الفرع، فلا تغفل. فالمهم في المسألة هو الكتاب. وأما السنة فهي غير ثابتة، فإن قوله: " ما تركه الميت - أو ميت - فهو لوارثه " من قوله: " ما تركه الميت من مال أو حق فهو لوارثه " (3). والانجبار غير معلوم، بل ممنوع بعد كون الكتاب مورد الاستدلال، وقد تحرر في محله، أن الشهرة العملية جابرة في صورة حصر الدليل بالرواية المستدل بها، وإلا فجابريتها ممنوعة (4)، كما لا يخفى، فيكون المرجع هي القواعد والكتاب، لما ليس في السنة ما يفي بعموم المرام في المقام. إذا تبين ذلك فنقول: إن من الممكن دعوى بناء العقلاء على تورث الأموال والحقوق، وكانت هي بمرأى ومنظر من الشرع، فما كان عند العقلاء قابلا للنقل يورث، ومن الواضح أن الخيار لما يقبل النقل فيورث، من غير فرق بين أنواع الخيار الشرعية والعرفية، لأن ما هو الخيار تعبدا وتأسيسا، اعتبر كالخيار العرفي. وكونه تأسيسا شرعيا،


1 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 290 / السطر 17. 2 - حاشية المكاسب، السيد اليزدي 2: 142 / السطر 7 و 32. 3 - لم نعثر على هذه الرواية في المجامع الروائية، نعم وردت في مسند ابن حنبل 4: 133، " من ترك مالا فلوارثه "، لاحظ رياض المسائل 1: 527 / السطر 22 - 23، جواهر الكلام 23: 75، المكاسب، الشيخ الأنصاري: 290 / السطر 20. 4 - تحريرات في الاصول 6: 390.

[ 273 ]

لا يستلزم كونه غير قابل للنقل. وربما يخطر بالبال: أن أصل تورث المال والحق في الجملة عقلائي، وأما الإطلاق القابل للاعتماد عليه في موارد الشك، فهو غير محرز في طريقتهم على وجه يكون ممضى ومورد الرضا والارتضاء. ومجرد كون الاقتدار على الفسخ خيارا عند الشرع، لا يكفي لكشف النقل، لاحتياجنا إلى الدليل على أن كل ما كان حقا يورث، أو كل ما كان خيارا يورث، ضرورة عدم تورث بعض الخيارات، وعدم الملازمة بين الحقية والتورث، فالاتكاء على بناء العرف والعقلاء محضا في خصوص المسألة، غير جيد. ولأجل ذلك التجأوا إلى الكتاب العزيز، وقد تمسك به الاستاذ المحقق الوالد - مد ظله - (1) بأن مقتضى الإطلاق لقوله تعالى: * (للرجال نصيب مما ترك الوالدان...) * (2) إلى آخره، وقوله تعالى: * (مما قل منه أو كثر) * (3) أن جميع المتروكات - التي هي الامور التي يفارقها الميت، وينتقل هو إلى دار السلام عنها - فهي بين الأقرباء والأولاد. وإذا كان حكمه حسب الكتاب النقل، يتبين أنه الحق القابل للنقل، للملازمة المحررة في محلها، فإنه كما يستكشف من إطلاق


1 - البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 5: 254 - 256. 2 - النساء (4): 7. 3 - نفس المصدر.

[ 274 ]

* (أوفوا بالعقود) * (1) مثلا صحة العقد للملازمة، كذلك فيما نحن فيه يستكشف أن جميع ما يتركه ويفارقه، ويبقى بعده بقاء جوهريا، أو عرضيا حقيقيا، أو اعتباريا، قابل للنقل، من الأموال كان، أو من غيرها. نعم، لو دل دليل على المنع فهو المتبع. فعلى هذا يتبين بذلك أيضا الحقية، فما سلكه الشيخ الأعظم (قدس سره) من الحاجة أولا إلى إثبات الحقية، وثانيا إلى إثبات قابلية النقل (2)، في غير محله، بل يستكشف من الحكم المزبور - بطريق الإن - قابلية النقل وحقية المنقول، للملازمة، وتصير النتيجة أن كافة الخيارات - بما أنها مما تركها عرفا - تكون حقا شرعا، وقابلة للانتقال أيضا. بقي شئ: في إمكان بقاء الحق بعد الموت وهو القول: بامتناع كون الحق مما يتركه الإنسان بموته، بل هو يزول به، بخلاف المال، وذلك لقيام الحق بالمستحق، وأنه مجرد إضافة تضمحل بالموت، كما تضمحل الملكية به، وتصير الأموال ملكا جديدا للوارث، من غير أن تنقل الملكية، لقيامها بالشخص، ومن غير كون التورث هو نيابة الوارث عن المورث، كما قد يتوهم (3)، ضرورة أن النائب ليس أصيلا في تصرفاته، فيلزم أن يبيع نيابة، وهو واضح البطلان،


1 - المائدة (5): 1. 2 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 290 / السطر 21 - 23. 3 - لاحظ حاشية المكاسب، السيد اليزدي 2: 142 / السطر الأخير.

[ 275 ]

ويكون الولد نائبا عن الجد الأعلى، أو نائب النواب، فالآية قاصرة عن شمول الحقوق، انتهى ملخص ما يمكن إفادته في المقام بحسب مقام الثبوت. وفيه: أن الحق اعتبار وضعي عرفي أو شرعي، وكثيرا ما يبذل بحذائه الأموال، فالحقوق كالأملاك امور خارجية، إلا أنها اعتبار في الخارج، سواء كان قائما بالميت، أو بالمال، أو بالإنسان الحي، ويعتبر بينها وبين المستحق إضافة الملكية، كالإضافة التي تعتبر بين المال وصاحبه، لأن الحق مال جدا، ويعبر عنه " بأنه ملك " و " أن حق تحجير الأرض الكذائية ملك زيد " أو " ماله ". فلا فرق بين الحقوق والأموال، في أن الميت يفارقه ويتركه ويذهب إلى دار السلام، ولا يلزم من تركه زواله، بل بالموت ينتقل المال إلى الورثة، والحق مثله وإن كان موضوع الملكية هو الجوهر الخارجي، وموضوع الحق العقد أو الميت، فكما أنه إذا مات ينتقل منفعة الدار المستأجرة إلى الورثة بالضرورة، مع أنها ليست جوهرا، كذلك الأمر في الحق. واستيفاء الميت من الحق المتعلق بالعين أو العقد، لا يضر بنقله إلى الوراث بالموت، كما في الديون والكليات في الذمة، فإنه يملك الوارث على الطرف ذلك الكلي بالضرورة بملكية على حدة.

[ 276 ]

تحقيق: حول عدم بقاء الحق في ملك الميت قضية القاعدة الأولية بقاء الحقوق والأموال في ملك الميت، ضرورة جواز مالكيته حدوثا، فضلا عن البقاء، فالتورث الموجود بين كافة الناس والملل والنحل، تعد وتجاوز في ملك الآخر، فيصرف في وجوه بر الميت، إلا أنه ربما كان من الأول حكم الأنبياء، واعتقد به الملاحدة، أو كان أمرا بين العقلاء الأولين، وارتضى به الرسل (عليهم السلام). فعلى كل تقدير هو على خلاف الموازين، إلا في صورة ارتضاء المورث به. وإذا كان الأمر كذلك فبالموت تزول الملكية، ويصير جميع ما تركه من المباحات، ولا وجه للإضافة بينها وبين الأقرباء والأولاد، لاستواء النسبة بعد عدم ارتضائه، بل ومع رضاه وعدم نقله في زمان حياته على وجه غير عنوان الإرث، كعنوان الوصية التمليكية التي هي ترجع إلى إعمال السلطنة، كما مر في قاعدة السلطنة بعض الكلام حوله (1)، فلا فرق في كون المتروك حقا أو ملكا في امتناع التورث، لكونه من الترجيح بلا مرجح، بل لكونه من التسبب إلى ما ليس سببا، ولا صالحا للسببية. وحيث إن الأمر ليس كذلك بعد مضي الدهور والأزمان، فالوارث يتلقى من الميت شيئا وخيرا وموجودا - اعتباريا، أو واقعيا - بعد الموت،


1 - لاحظ تحريرات في الفقه، البيع 1: 54.

[ 277 ]

سواء اعتبر الموت سببا، أو موضوعا، أم كان قانون العقلاء الممضى شرعا هو اعتبار الملكية لما تركه بالنسبة إلى الوارث على سبيل سائر القوانين الكلية المجعولة على نهج القضايا الحقيقية. فالمحصول مما مضى: أنه لا قصور في تورث الحقوق والخيارات من هذه الجهة الراجعة إلى مرحلة الثبوت. عدم جواز التمسك بالعمومات عند الشك هنا نعم، لنا مناقشة في إطلاق الآية ومرجعيتها عند الشك، وذلك لأن ما تركه الميت أعم من الأموال، والحقوق، والأحكام، كالعبادات المتروكة، وما يشبه ذلك، ولازمه تقسيمها بين الوراث. ولو كان المراد ما فيه الخير للوارث، فلا يشمل الامور الموجبة لتضييق الأمر عليه، أو الامور التي ليست فيها الخير والفضل، فلازمه عدم شمولها لطائفة من الخيارات التي ليس للوارث فيها الخير، كإرث الزوجة الخيار المتعلق بالامور المحرومة عنها، وهكذا بالنسبة إلى الحبوة، أو في مواضع الحجر. ولو كانت الأحكام خارجة عنها تخصيصا، فيلزم الإشكال في التمسك إذا كان الخارج عنوانا بسيطا مجملا، للزوم سراية الإجمال عندنا إلى العمومات في مثل المسألة. ولو كان الخارج واحدا واحدا من الأحكام، فلازمه تورث بعضها، وهو غير قابل للتصديق، ضرورة أن كل ما كان حكما لا يورث.

[ 278 ]

فتحصل إلى هنا: أن في موارد الشك في التورث، لا ملاذ ولا مرجع لفظي أو لبي. وما في كلام الشيخ الأنصاري (قدس سره): من كفاية ثبوت الخيار حقا، وأنه قابل للنقل في القول بتورثه (1)، غير واقع في محله، لإمكان كون شئ موصوفا بهما غير مورث، كطائفة من الحقوق غير المورثة بالاتفاق والإجماع، فالتورث يحتاج إلى الدليل إثباتا، والقدر المتيقن من الحقوق المورثة هي التي يعتبر فيه النصيب والحظ، والخيارات التي ليست فيها الخيرات يشكل تورثها. اللهم إلا أن يقال: بجواز الصلح عليه، بل وبيعه، بناء على عدم اعتبار كون المبيع عينا، كما هو الأظهر، أو يكفي كونه منشأ للنصيب والحظ وإن لم يكن مصبه موردهما، لعدم الفرق بين الأعيان والحقوق من تلك الجهة في ذلك، فبإلغاء الخصوصية يتبين عموم المدعى، وهو تورث جميع الحقوق إلا ما خرج بالنص أو الإجماع. وهم ودفع: حول التفصيل في تورث الخيار لأحد دعوى: التفصيل في تورث الخيارات، فإن كان الوارث أكثر من واحد فلا تورث، وفي صورة الانحصار يتورثها، وذلك لأن الحق المذكور أمر واحد بسيط لا ينقسم، فكما أن المورث لا يصح له إعمال خياره بالنسبة إلى بعض الأعيان أو العقود، كذلك الوارث.


1 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 290 / السطر 21 - 22.

[ 279 ]

وتوهم: أن قضية أدلة الإرث، تورث كل واحد خيارا على نعت العام الاصولي والمفهوم الاستغراقي، في غير محله، ضرورة أن ما هو المورث أمر شخصي جزئي خارجي اعتباري، وليس طبيعيا مجردا من التشخص، حتى يتكرر بتكرر الوجودات. والقول: بأن أحدهم وارث، ويتعين بالقرعة، أو هو لمن سبق إلى الفسخ، أو غير ذلك، غير تام، ضرورة أنه مضافا إلى لزوم حصر التورث بالواحد أيضا، أنه بلا وجه. نعم، لوثبت في نص أن الخيار يورث، كان لما افيد وجه، وإلا فالإطلاق والعموم لا يقتضي ذلك. مع أنه خلاف الإجماع والاتفاق، كما لا يخفى. أقول: قد تحرر فيما مر (1)، أن الأصحاب قد اشتبه عليهم الأمر في حديث الحق، وتبين أنه بمنزلة الأعيان التكوينية، في كونها مورد الملكية وتلك الإضافة، وليس في عرض الملكية حتى ينعدم بانعدام طرف الإضافة، وهو المورث، كما يستظهر من العلامة الخراساني (رحمه الله) (2) أن وجه إنكاره للتورث رأسا ذلك. فعلى هذا، إذا مات الرجل فقد ترك الموجودات العينية كالدار، والأعراض الاعتبارية كمنفعة الدار المستأجرة، والحقوق التي هي أيضا وجودات إما قائمة بنفسه، أو بالغير، كما سيمر تحقيق البحث حول حق الخيار الثابت للأجنبي.


1 - تقدم في الصفحة 274 - 275. 2 - حاشية المكاسب، المحقق الخراساني: 253.

[ 280 ]

فقوله تعالى مثلا: * (للرجال نصيب مما ترك...) * (1) إلى آخره، يقتضي أن تكون هي مثل تلك الأعيان والأعراض في الانتقال إلى الوراث بالموت، فلا يختص واحد به، ولا يتكثر بتكثر الوراث، بل هو واحد شخصي لمجموع الورثة، مثل الدار على نعت الاشتراك والإشاعة، وتكثر هذا الأمر الاعتباري اعتبار الكثرة والشيوع، فيكون النصف للذكر، والربع للانثى وهكذا. هذا في مرحلة تصوير نقل الحق، وكيفية إضافة الوراث إليه. وأما في مرحلة الاستيفاء، ففرق بين مالكية حق الخيار، ومالكية الدار على نعت الإشاعة، فإن من له نصف الدار يجوز له بيعه والإعراض عنه ونقله مجانا وهكذا. وأما مالكية نصف حق الخيار، فلا تستدعي جواز المبادرة إلى الفسخ بالنسبة إلى العين - لو كان له نسبة إليها تبعا للعقد، لأنه ذو نسبة إلى العين - وذلك لأن المالك أيضا كان كذلك، والمورث لا يورث إلا ما هو له. نعم، له الإعراض بالنسبة إلى سهمه، بمعنى أنه لا حاجة بعد ذلك إلى إمضائه العقد وفسخه، لا بمعنى لزوم العقد بالنسبة إلى حصته. فعلى هذا يكون الخيار لمجموع الوراث، كما أن مجموع الأملاك لمجموعهم على النظام الإلهي. نعم، ربما يوجد في مورد يكون لكل واحد خيار على حدة إرثا، كما إذا اعتبر بالشرط خيارا لنفسه في ضمن بيع داره بالنسبة إلى جميع


1 - النساء (4): 7.

[ 281 ]

كسور العين، من النصف، والثلث، وهكذا، فإذا كان نصف الدار لابنه، يكون له خيار مستقل بالنسبة إلى حصته، بناء على عدم ثبوت الخيار للأجنبي عن الأملاك، فتأمل. فتحصل: أن الحق قائم بذي الحق، ومضاف إلى العقد المضاف إلى العين القابلة للتجزئة في الاعتبار، ولو كانت العين معدومة حين الفسخ، ولا منع من القول بأن نتيجة إعراضه عن حقه لزومه بالنسبة كما في بيع ما يملك وما لا يملك، ويلزم منه خيار التبعض في بعض الصور أحيانا. وبالجملة: يظهر حال حق الخيار بمقايسة حق التحجير في التقسيم والنقل من جهة، دون مطلق الجهة كما عرفت. ويتبين أن ابتناء المسألة على الاختلاف في حقيقة التورث تارة، وعلى أن الخيار حق متعلق بالعقد، أو العين، أو هما معا عرضا، أو طولا ثانيا، غير تام على ما يتراءى في كلمات القوم (رحمهم الله). مع أنك عرفت منا: أن الخيار حق لذي الخيار على هدم العقد اللازم بطبعه وذاته، وأن التورث ليس إلا نقل الموجودات الثلاثة المذكورة إلى الورثة، بانعدام الملكية والإضافة السابقة، وحصول الإضافة بالأدلة الشرعية والعقلائية الممضاة ثانيا، من غير تغير فيما يتورث، فلا تغفل. ومن الغريب توهم تبادل المالك في الإرث (1)!! ضرورة أن


1 - منية الطالب 2: 151 / السطر الأخير.

[ 282 ]

الإضافة الشخصية تتبادل بتبادل الملك والمالك، ولا داعي إلى الانحراف وتوهم الابتكار بمثل هذه الدعاوى المضحكة. وهذا التوهم يرجع إلى توهم: أن الوارث نائب عن المورث، ولازم ذلك تكرر النيابة بتكرر التورث، كما هو الواضح، وتفصيله في كتاب الإرث. كما أن البحث حول موروثية سائر الحقوق - كحق الشفعة، والقصاص، وغير ذلك - موكول إلى محاله، ولا ينبغي الخلط بين الجهات المبحوث عنها، حذرا من الإطالة. شبهات: على وراثة حق الخيار الشبهة الاولى: في كيفية انتقال الملك إلى الورثة بعد الفسخ إن من المعروف بين أبناء الفضل، أن الفسخ هو حل العقد (1) برجوع العوضين - في صورة وجودهما - إلى محالهما الاولى، وليس الفسخ عقدا جديدا، بل ولو كان جديدا يكون أثره كحل العقد، فعلى هذا المبنى يمتنع التورث، وذلك لأن العاقد هو الميت، وفسخ الوارث إن اقتضى رجوع المعقود عليه إلى ملكه مستقيما، فهو ليس بفسخ، حسبما اشير إليه. وإن اقتضى رجوعه إلى الميت، ثم إلى الوارث، فهو - مضافا


1 - حاشية المكاسب، المحقق الأصفهاني 2: 122 / السطر 10، البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 4: 332 - 333، مصباح الفقاهة 7: 414.

[ 283 ]

إلى أنه لا يكون للفسخ اقتضاء إلا الحل، وهو إنشاء واحد لا يمكن أن يترتب عليه الأثران الطوليان: دخوله في ملك الميت، وخروجه إلى ملك الورثة ولو أمكن ذلك بدعوى: أنه ينحل به العقد، فيرجع بحكم العقلاء إلى الميت، وبدليل الإرث إلى الوارث - أن دليل الإرث يقتضي أن بالموت ينتقل الأملاك إلى الورثة، وأما بعد الموت فإما لا يملك الميت شيئا، كما هو المعروف، أو لا يورث إلا بدليل خاص. وما ورد من النص في قصة تقسيم الدية (1) فهو تعبد، وليس فيه شهادة على أنه الإرث، ولو كان تقسيمه على نهج الإرث، فعلى هذا يمتنع تورث حق الخيار. ودعوى: أنه يورث حق الخيار، باعتبار أنه لا يجوز بعض التصرفات في بعض الخيارات إلا بعد الإمضاء، وهذا يكفي لتورثه، غير تامة، ضرورة أنه ليس خيارا واختيارا لهدم العقد، وقد مر منا أن قضية القاعدة جواز التصرف في عصر الخيار، لأن الملكية تامة لازمة، كما تحرر، والمنع عن بعض التصرفات في بعض الخيارات خصوصا، لا ينفع في المقام. فتحصل: أن الفسخ على الوجه الصحيح غير ممكن، فانتقال الخيار ممنوع مطلقا.


1 - وسائل الشيعة 26: 35، كتاب الفرائض والمواريث، أبواب موانع الإرث، الباب 10 و 11، و 28: 208، كتاب الحدود والتعزيرات، أبواب حد القذف، الباب 22، الحديث 2.

[ 284 ]

أقول: قد تحرر عندنا أن اتحاد المخرج والمدخل، غير معتبر في البيع (1)، ولا يلزم أن يدخل العوض مكان المعوض وبالعكس، ولا يدل عليه شئ إلا توهم أنه حكم العرف والعقلاء. مع أن إطلاق تعاريف " البيع " يشمل الصورة غير المتحد فيها المدخل والمخرج. وبناء العقلاء على الأعم، ضرورة أن الآباء كثيرا ما يشترون للأبناء أمتعة خاصة، وبالبيع يملكها الأبناء من غير رجوعه إلى الهبة، أو غير ذلك، فلو باع الجد دار حفيده الصغير من الأب، فاشترى الأب تلك الدار لصغير آخر، وأدى ثمنها من أموال الصغير الآخر - لكون الأب جائز التصرف مع شرائطه - صح البيع بالضرورة، ولا يدخل المعوض مقام العوض وبالعكس، فيكون الخط الموهوم موربا، لا مستقيما. ولذلك نقول: إن فسخ بيع الأب بالخيار المورث، يورث نقل العين إلى الورثة مستقيما، ولا تقتضي طبيعة الفسخ إلا حل العقد، وأما رجوع العوض إلى محط المعوض وبالعكس، فهو غير لازم ولو كان المعوض موجودا، فضلا عما إذا كان معدوما مع أنه في الصورتين يعتبر نقل العوضين. فبالجملة تحصل: أن منشأ الشبهة اشتهار ما لا أصل له، فمنع تورث حق الخيار من هذه الجهة أيضا في غير محله، وقد مضت شواهد هذه المسألة في البحوث السابقة، فلا نعيد خوفا من الإطالة. وربما يتوهم: أنه في هذه المواريث الثابتة شرعا، نلتزم بأن الفسخ


1 - تحريرات في الفقه، البيع 1: 312 - 314.

[ 285 ]

المذكور يشبه فسخ العقد الواقع على العين المنقولة بالعقد اللازم، الموجب لغرامة الطرف بالنسبة إلى الفاسخ، ولازمه هنا عدم وجوب رد العين الموجودة إلى الوارث، بل له رد مثلها أو قيمتها، فيكون الفسخ هنا كفسخ العقد الذي تلف المعقود عليه حين الفسخ حكما، لا واقعا. وفيه: - مضافا إلى أنه لا نص من الشرع على تورث حق الخيار حتى لابد من الالتزام به وبتوجيهه. بل هناك إطلاق، وإجماع: أما الأول فمنصرف إلى غير حق الخيار، للشبهة، وأما الثاني فهو ليس تعبديا، لوجود الوجوه المقتضية للقول به، فإنكار تورث الخيار ممكن حسب القواعد - أن ما تخيله مجرد وهم غير عقلائي، والضرورة قاضية بأن الواجب رد العين الموجودة إلى الورثة الفاسخين، فيعلم منه صحة ما سلكناه وأبدعناه في أصل البيع وفي فسخه هنا. ودعوى: أن حق الخيار قائم بالعين، فالوارث يسترد العين ويتملكها، فلا نلزم الشبهة المذكورة، غير مسموعة، بداهة أنه أولا: يرجع إلى دعوى أن الفسخ معاوضة جديدة، أو يشبه التعاوض، وهو خلاف التحقيق. ولو كان الحق متعلقا بالعين، فالعقد ينحل بتبع استرداد العين، وتلزم الشبهة كما لا يخفى. وثانيا: ربما يكون حق الخيار من قبيل حق خيار العيب والغبن، فلابد من دعوى اخرى: وهي أن حق الخيار في صورة قائم بالعين باستردادها، واخرى: بها بردها إلى المالك الأول وإلزامه بقبولها، وإلا فلا يستحق الثمن، وهذا أيضا من شواهد أنه ليس إلا حق هدم العقد

[ 286 ]

وإبطاله، وفي خيار المجلس قائم بهما. ومن الغريب إصرار الشيخ (رحمه الله) هنا وبعضهم على أنه حق مربوط بالأعيان (1)!! مع أنه وكثيرا منهم قائلون ببقاء الخيار في موارد تلف العين في بعض الصور والخيارات (2). الشبهة الثانية: عدم تورث الخيار لاختصاصه بالبائع وهناك أيضا شبهة في أصل تورث الخيار، سواء كان من الخيارات الشرعية، كالمجلس، والحيوان، أو كان من العرفية، كالغبن، والعيب: وهي أن الأدلة الناهضة على تورث الأموال، توجب نقل الأملاك والأعيان والمنافع إلى الورثة بالموت، لأجل كونها مضافة إلى أشخاص المورثين، دون العناوين المنطبقة عليهم، وما كان للشخص فهو للوارث، وما كان للعنوان فلا. ويؤيد ذلك رواية ابن أبي راشد، حيث قال فيها: " إن ما كان للإمام (عليه السلام) بسبب الإمامة فهو للإمام من بعده، وما كان غير ذلك فعلى كتاب الله يورث " (3).


1 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 290 / السطر 26 - 29، و: 296 / السطر 17. 2 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 255 / السطر 23، حاشية المكاسب، المحقق الأصفهاني 2: 98 / السطر 22. 3 - هذه الرواية مع اختلاف يسير فيها هكذا: عن أبي علي بن راشد قال: قلت لأبي الحسن الثالث (عليه السلام): إنا نؤتي بالشئ فيقال: =

[ 287 ]

وقد ذهب المشهور في صورة كون الحق لعنوان " العادل " و " الأعلم " و " حاكم البلد " إلى عدم تورثه (1). وإنتقاله إلى الولد المعنون بها ليس لأجل الإرث. فعلى هذا، يشكل تورث خيار المجلس، لكونه للبيع، والوارث ليس بيعا، ويشكل خيار الحيوان وغيره، لظهور الأدلة الخاصة وبناء العرف على أنه للعاقد والمشتري أو البائع في خيار الحيوان والتأخير، وليس الشخص موضوع الخيار بالضرورة، لدخالة عنوان " العقد " و " البيع " في ذلك. وكونه سببا وواسطة في الثبوت خلاف المتفاهم، كما ترى ذلك في خبر ابن أبي راشد، فإنه وإن عبر بالسببية، ولكن مع ذلك ما هو الموضوع هو عنوان " الإمام " في الرواية المشار إليها. فتحصل: حصول الفرق بين مالك الدار والحق، فإن مالك الدار هو زيد، وينتزع عنه عنوان " المالكية " بعد ذلك، بخلاف مالك حق الخيار، فإنه العاقد والبائع والمستأجر وهكذا، وتلك العناوين أجنبية عن الورثة بالضرورة.


= هذا كان لأبي جعفر (عليه السلام) عندنا، فكيف نصنع؟ فقال: ما كان لأبي (عليه السلام) بسبب الإمامة فهو لي، وما كان غير ذلك فهو ميراث على كتاب الله وسنة نبيه. الكافي 7: 59 / 11، تهذيب الأحكام 9: 234 / 915، الفقيه 2: 23 / 85، وسائل الشيعة 9: 537، كتاب الخمس، أبواب الأنفال، الباب 2، الحديث 6. 1 - حاشية المكاسب، السيد اليزدي 2: 143 / السطر 4، منية الطالب 2: 152 / السطر 15، حاشية المكاسب، المحقق الأصفهاني 2: 168 / السطر 15.

[ 288 ]

أقول: هذه العويصة مما لا يمكن حلها إلا على أساس استظهرناه في محله، وهو أن حق الخيار يورث حتى في مورد التقييد بالقيود غير المنطبقة على الوراث، ك‍ " الأعلم " و " الحاكم " و " الوالي الكذائي " خلافا لما هو المعروف عنهم، وذلك لأن أدلة الإرث كما مر على خلاف الاصول الأولية، ضرورة أن ملك كل إنسان مادام حيا يكون له، وإذا مات يصرف في خيراته، لبقائه في ملكه، وإذا وردت تلك الأدلة من الكتاب والسنة، فلا تفيد هي إلا نقل ما تركه الميت إلى الوارث: قال الله تعالى: * (للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون...) * (1) إلى آخره. وفي الرواية: " ما تركه الميت من مال أو حق فهو لوارثه " (2) هكذا في بعض النسخ. وعلى كل تقدير: التقييد والعنوان بعد الانطباق على الميت خارجا، لا يمنع عن صدق عنوان " ما تركه " وتقييد العنوان - ولو كان من قبل المالك، ويكون نافذا - لا يزاحم ظواهر أدلة الإرث، ولو شرط أن يكون لزيد حق التولية على وجه لا ينتقل إلى ورثته، فهو شرط خلاف الكتاب، فالتقييد المذكور نافع بالنسبة إلى إخراج الأحياء دون الورثة بعد موت الأعلم والعادل وهكذا، وإلا فهو باطل وفاسد، لما اشير إليه.


1 - النساء (4): 7. 2 - تقدم في الصفحة 272.

[ 289 ]

فعلى ما تحصل: يكون مقتضى الأدلة تورث ما تركه الوالدان، إلا إذا قام دليل خاص على عدم تورث حق المضاجعة، والتولية، والوصية، والقبول، وغير ذلك مما يمكن أن يعد من الحقوق دون الأحكام، فما سلكه الأصحاب قديما وحديثا في هذه المرحلة من البحث، بعيد عن الصواب جدا. تذنيب: هل يتورث ورثة الوكيل أو المالك؟ ربما يخطر بالبال أن يقال: إن القول بتورث الحق يورث أن يرث من الوكلاء وأولياء الامور في موارد كون الخيار لهم - كما مر في بحوث خيار المجلس وغيره - ورثتهم، دون وراث صاحب المال والمالك الأصلي، ضرورة أن الخيار حسبما تحرر، ثابت لطائفة من الوكلاء والمتصدين للامور، من غير أن يثبت للمالك الأصلي، كما في الوكيل المفوض، وولي الطفل، كالأب، والجد، والحاكم، وهكذا، ونقله بالموت إلى ورثة المالك الأصلي غير جائز، لأنه ليس له الخيار، فكيف بالوارث؟! والقول بتورث ورثة الوكيل المذكور والأولياء باطل، والالتزام بالتفصيل وإن كان ممكنا، إلا أن دعوى شهادة ذلك على انصراف أدلة الإرث عن تورث حق الخيار، غير بعيدة. ومن هنا يظهر: أن الخيار الثابت للأجنبي لا يورث، ويندرج في سلك الشواهد على ممنوعية تورث حق الخيار على الإطلاق. أقول: قد عرفت أن الخيار كالمال من الامور التي يبذل بإزائها

[ 290 ]

الأموال والنقود، وتعتبر الحقوق خارجا وموجودا، وهناك اعتبار آخر: هي ملكية الحقوق لصاحبها، كملكية الأموال لأربابها. فعلى هذا كما أن الأعيان والمنافع للأطفال، والتصرف حق الأولياء دونهم، كذلك الحقوق في الأمثلة المذكورة، فهي موروثة. نعم، في خصوص حق خيار الأجنبي، إشكال يأتي في المسائل الآتية إن شاء الله تعالى. هذا مع أن ممنوعية تورث بعض الخيارات لجهات عارضية، لا توجب صرف أدلة الإرث ما دامت لم تكن كثيرة جدا، كما لا يخفى. مسائل المسألة الاولى: هل تورث الحقوق المتعلقة بالأعيان غير المورثة؟ في موارد المحرومية عن إرث المال، كمحرومية الزوجة عن إرث العقار مثلا، أو محرومية غير الولد الأكبر عن الحبوة، أو محرومية مجموعهم، لاستيعاب الدين، هل تكون الحقوق المتعلقة بمورد الحرمان موروثة، أم هي تابعة المال، أو يفصل بين الصور؟ وجوه، بل أقوال. وحيث إن المسألة ليست تابعة للتعبد الخاص من إجماع ونحوه، فلابد من الغور فيها بفهم مقتضى القاعدة. وقبل الخوض فيها نشير إلى مسألة: وهي أن الظاهر عندهم عدم استيعاب الدين لحق الخيار، وهذا مما لم يظهر لي وجهه، ضرورة أن

[ 291 ]

حق الخيار من الأموال بالمعنى الأعم، كحق التحجير، ولا شبهة في أنه مما يستوعبه الدين في عرض استيعاب سائر الأموال، ويكون الوارث محجورا وغير نافذ تصرفه فيه بالإسقاط أو النقل بالصلح وغيره. ومن الغريب أن وجه توريث حق الخيار، انطباق عنوان " ما ترك " عليه، ومع ذلك قال الشيخ (رحمه الله): " فلو فرض استغراق دين الميت لتركته، لم يمنع انتقال الخيار إلى الوارث " (1) انتهى!! وأيضا يظهر منهم: أن في موارد سقوط الوارث عن قابلية التورث - كالكفر والقتل - يمنع من إرث الحق أيضا، وهذا يحتاج إلى الدليل، ولا يكفي لممنوعيته عن إرث المال بالنسبة إلى إرث الحقوق، كما هو الواضح. وعلى كل تقدير: لأحد المناقشة في تورث المحروم عن إرث المال لإرث الخيار - المربوط بذلك المال مستقيما أو غير مستقيم، على الخلاف - في أنه حق الرد والاسترداد، أو هو حق متعلق بالعقد، ولا يقاس مثله بخيار الأجنبي، سواء كان كخيار الشرط، أو المجلس، وذلك لأنه برضا الأجنبي، بخلاف ما نحن فيه، فإنه حيث لا ثمرة في تورثه، لا معنى لكونه موروثا، ضرورة أنه لا يعد له النصيب والحظ، ولا مما تركه الوالدان والأقربون له. ولا فرق بين مثل الزوجة، أو غير الولد الأكبر، أو الورثة في مورد التحجير. ولو صح أن يقال: بأنه مما فيه النصيب والحظ بالواسطة في


1 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 290 / السطر 26.

[ 292 ]

بعض الصور، مع إمكان أن يعوض هذا الحق أو يؤخذ بإزاء الفسخ شئ، فلازمه تورث أولاد الأجنبي إرث خياره، كما مر. والإنصاف: أنه وإن أمكن تصوير تورث المحروم خيار الوارث بالنسبة إلى مورد حرمانه، إلا أنه خروج عن الفهم البدوي، والحكم العقلائي. نعم، في خصوص صورة الفسخ المنتهي إلى تورث العين، غير بعيد، فتأمل. ثم إن مما لا يخفى: أن الجهات العرضية الموجودة، والامور اللاحقة والخصوصيات، المشاهدة بين الورثة في موارد التحجير والزوجة في مورد نقل العين عن الميت، أو غير الولد الأكبر في مورد اشتراء الوارث حبوة، كلها لا تقتضي تورث الخيار، ولا يمنع انتفاؤها عن تورثه في غير تلك الموارد، ضرورة أن التورث من القوانين العامة الكلية الفانية في جنبها هذه الخصوصيات، وربما يكفي ملاحظة خصوصية في ضرب القانون العام، فالتفصيل حسب التخيلات من غير حجة شرعية، ولو كان من الأعلام غير تام. وقد عرفت: أنه يكفي للتورث - عند العرف والعقلاء، وحسب القانون الإلهي - كون شئ مما تركه المورث، سواء كان معه شئ آخر، أم لا، فلو مات ولم يكن له إلا خيار في بيع فيورث، لعموم القانون، ولفناء الموارد الجزئية النادرة في جنبه، نظير ما إذا مات ولم يكن عنده إلا ثوب خلق، أو نعل عتيقة. ومن هنا تحصل وجه فساد الخلاف في مورد إرث الزوجة خيارا،

[ 293 ]

وعدم الخلاف في عدم تورث الورثة المحجورين، أو في عدم خلافهم في مورد وجود الموانع، كالعتق، والكفر، والقتل، فان في الكل نظرا ومحل إشكال، وحل الجميع - بعد اقتضاء العموم تورث ما تركه ولو بإلغاء الخصوصية، والعلم الخارجي بعدم الفرق بين أنواع ما تركه - يدور مدار المخصص الشرعي، دون التخيلات الباردة والاستحسانات الممنوعة في الفقه الجعفري - صلوات الله وسلامه عليه -. المسألة الثانية: عدم الفرق في كيفية التورث بين الحق والملك ولا بين الحقوق قد تبين في السابق كيفية تورث الحقوق، واتضح ما هو الحق الذي لا محيص عنه، ولا سبيل إلى توهم اختلاف كيفية تورث الأموال معها، كي يكون البحث حوله راجعا إلى وجه صحيح. وقد عرفت: أن البحث كان على الوجه المزبور أليق وأحق، وأن من مناشئ ممنوعية تورث الحق إشكالا في كيفية تورثه، لأن ما هو الوجه الوحيد: هو أن يورث الحق بوحدته الشخصية غير القابلة للتجزؤ حتى بالقياس إلى مورده أحيانا، فلابد من اختيار ممنوعية تورثه، فما سلكه الشيخ (1) وأتباعه هنا في غير محله. وغير خفي: أن حديث تورث صرف وجود الوارث وطبيعي الوارث


1 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 291 - 292.

[ 294 ]

الذي يرى في كلمات القوم (1)، غير واقع في محله، كما تحرر منا في الاصول، فإن صرف الوجود يعتبر في موارد لا يتكرر الموضوع أو المتعلق، لا عرضا ولا طولا، أو لا يتكرر ادعاء واعتبارا، وإلا فلو كان أول الوجود متكررا فهو ينافي الصرفية، فلا تغفل، فليس من المحتملات هنا احتمال صرف الوجود، وقد مضى ما هو الحق فلا خير في إطالة الكلام حوله. وأما توهم اختلاف الخيارات في هذه المرحلة، كما ربما يستظهر من اختلاف فتاوى العلامة، فهو غير جائز، واختلاف فتاويه ليس أمرا عزيزا كي يدل على اختلاف الخيار عنده. نعم، يجوز أن يتوهم في خصوص خيار العيب كونه أمرا متعلقا أولا بالخارج، وثانيا بالعقد، ولكنك عرفت أنه على كل تقدير، يقبل الخيار التجزي الاعتباري حسب الآثار، وليس تجزي الأمر الاعتباري من القسمة الفكية، كي يتوهم منعها في الحق، فلا تخلط. المسألة الثالثة: لو فسخ أحد الوراث وأمضى الآخر لو سبق أحدهم إلى الفسخ، والآخر إلى الإمضاء، فمقتضى ما هو الحق أنه لا يلزم مشكلة، لأن مجموعهم - بما هو المجموع - مورد الأثر فسخهم وإمضاؤهم.


1 - حاشية المكاسب، المحقق الأصفهاني 2: 171 / السطر 11، البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 5: 264.

[ 295 ]

نعم، في صورة كون الوارث من سبق إلى الفسخ أو الإمضاء، فسبق أحدهم إلى أحدهما، والآخر إلى الآخر، يشكل الأمر على مبنى القوم في باب الخيارات، من كون العقد متزلزلا، وبالفسخ ينحل، وبالإمضاء يلزم. وأما على ما هو الحق عندنا من: أن العقد لازم في عصر الخيار، إلا أنه يعتبر انحلاله بفسخ ذي الخيار، فالإمضاء بلا أثر. وعلى كل تقدير: لا مشكلة على ما هو الحق في كيفية تورثه، كما هو مختار جمع، وفيهم الشيخ العلامة الأنصاري (قدس سره) إلا أنه ظن عدم قابليته القسمة (1)، مع أن الأمر ليس كذلك، فإن من أنواع القسمة هي القسمة الوهمية، ولا بأس بها في باب التشريعيات المبنية على التفكيك بين المستلزمات والبسائط، فاغتنم.


1 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 291 / السطر 27، و: 292 / السطر 23.

[ 297 ]

الثاني احتياج الفسخ إلى الآلة والسبب إن العقد سواء كان لازما في زمن الخيار أو متزلزلا، يحتاج فسخه إلى الآلة والسبب، فكما أن العقد المتزلزل يلزم بالالتزام النفساني المستلزم ذلك لسقوط الخيار خارجا، ويلزم بإسقاط الخيار خارجا الملازم للالتزام النفساني والطيب العقلاني، وكان ذلك الالتزام النفساني موجبا لسقوط الخيار خارجا بينه وبين ربه وإن لم يصدر منه قول أو فعل، وكان الخيار يسقط بالقول والفعل الذي أراد بهما سقوط الخيار بينه وبين ربه من غير اشتراط كون الفعل عقلائيا، أو القول متعارفا، فهل في ناحية فسخ العقد وهدمه يكون الأمر كذلك، كي يكون بناؤه القلبي على هدم العقد وكراهته الباطنية بالنسبة إليه، موجبا لفسخ العقد خارجا؟ وهكذا يكون كل فعل وقول وكل مبرز ومظهر منه بينه وبين ربه، كافيا لسقوط العقد وهدمه وحل العقد وإعدامه؟

[ 298 ]

أم لا يكون الأمر كذلك في هذه الناحية على الإطلاق؟ أو يكون هناك تفصيل؟ وغير خفي: أن في جميع موارد الشك بحسب مقام الثبوت، يرجع إلى الاستصحاب الحكمي أو الموضوعي، بل يكفي مجرد الشك في كفاية ترتب أثر الاستصحاب، من غير حاجة إليه إلا بالنسبة إلى بعض الآثار. كما أنه مما لا ينبغي أن يختفي: أن الخلط بين مقام الثبوت والإثبات في هذه المباحث، كثير الاتفاق، فإن صلاحية الفعل وقابلية القول العامة والعقلائية معتبرة في موارد التداعي والخلاف، وفي موارد الشك في الحال. وأما احتمال اعتبار القول الخاص في سقوط الخيار، أو الإعراض الخاص في سقوط الملكية، أو الإبراز بالآلات الخاصة في فسخ العقد، فهو ممنوع جدا، إلا في موارد خاصة تعبدا، فهذه الآلات أوسع مما تخيله القوم، فلو قال غافلا: " أنكحت بيعي " مريدا به فسخ عقد بيعه ينفسخ البيع بالضرورة. نعم، ربما لا يتأتى منه القصد والجد، فإنه لا ينفع. فما أفاده القوم هنا في غير محله، ومن الخلط بين المراحل، ولذلك لو سئل عن فسخ عقده، فأشار برأسه مصدقا ذلك، ومريدا به الفسخ حين الإشارة والتصديق يؤخذ به حتى عرفا. إذا عرفت ذلك، فالحق في الصورتين عدم كفاية الكراهة الانفعالية، وعدم الطيب النفساني الثبوتي للفسخ والحل، وذلك لأن

[ 299 ]

العقد لازم عندنا، وموجود اعتباري خارجي يحتاج إلى الآلة الهادمة والسبب المقتضي له في الاعتبار على كل تقدير، وتلك الامور النفسانية غير كافية، لا هنا، ولا في باب إسقاط الخيار. نعم، يكفي في البابين اقترانهما بالمبرز المقصود به هدم ذلك العقد، أو تثبيته، ولا خصوصية في تلك الآلة الإبرازية. فما في كلمات القوم من تعيين المبرز الخاص - كالعرض للبيع، والهبة غير المعوضة، وأمثال ذلك (1) - كله ناشئ من الخلط بين مرحلتي الثبوت والتداعي، فإن في مرحلة الثبوت - أي بينه وبين ربه - يكفي كل شئ أبرز به إرادته المتعلقة بالفسخ، وأما في مرحلة الدعوى والادعاء فلا يسمع قول المدعي، لكونه من الأسباب غير الموضوعة لغة، ومن الأفعال غير المأنوسة عادة في أمثال هذا المقام، وعندئذ يختلف الآراء في آلية الامور المذكورة في " المكاسب " للشيخ (رحمه الله) (2) وقد أطال الكلام حول مالا ربط له بالمسألة. وأما ما مر في مباحث سقوط الخيار بالرضا، فهو يؤيد مسلكنا من أنه لابد من مبرز هو رضا منه ادعاء، أو هو محمول على صورة التداعي، ليكون عمله المتعارف المالكي ملازما عاديا للالتزام المستلزم لسقوط الخيار، بخلاف المقام المذكور غير المحتاج إلى مثله، وهو


1 - لاحظ تذكرة الفقهاء 1: 538 / السطر 3، المكاسب، الشيخ الأنصاري: 293 / السطر 33. 2 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 293 - 294.

[ 300 ]

كونه متعارفا وعقلائيا. حكم التصرف بقصد الفسخ وضعا وعلى هذا يعلم: أن التصرف فيما انتقل عنه تصرفا خارجيا - بعنوان الفسخ، وبقصد حل العقد - يوجب الانفساخ، سواء قلنا: بأنه تصرف محرم، أو جائز، لأن حرمة التصرف أجنبية عن الحكم الوضعي المترتب عليه. نعم قد ذكرنا في الاصول: أن ترتب هذا الحكم الوضعي على الفعل المحرم، منوط بارتضاء الشرع، لإمكان منع الشرع عن التسبب بمثله، وأنه لا يكفي المحرم لفسخ العقد، ولا يصلح لذلك. وعلى هذا يمتنع الجمع بين مبغوضية المحرم، ومرضية التسبب به. اللهم إلا أن يقال بالترتب، فيكون الحكم الوضعي مترتبا على العصيان، وهذا غير موارد الترتب المعروف بين الواجبين، أو المحرم والواجب التكليفيين، وحيث إن الترتب باطل، ففي جميع الموارد المشابهة يشكل إمضاء الشرع ما هو السبب المحرم، فافهم. أو يقال: بأن النسبة عموم من وجه، ضرورة أن المحرم هو التصرف، والمرضي للفسخ به هو العنوان العام المنطبق على بعض مصاديقه المحرم، وحيث يجوز الجمع بين العنوانين المذكورين في واحد خارجي، فلا بأس به.

[ 301 ]

بقي شئ: حكم التصرف بقصد الفسخ تكليفا وهو أن التصرف المذكور هل هو حرام، أم لا؟ نظير تصرف الواهب في الموهوب بعنوان الاسترجاع، ضرورة أن قصد الاسترجاع، غير كاف إلا بعد لحوق الفعل الخارجي به، فيلزم ابتلاؤه بالمحرم، لكونه في مال الغير. نعم، في صورة ارتضاء الموهوب له والمشتري، لا يلزم حرام. وما في كلام بعضهم: من أن دليل حرمة التصرف في مال الغير، منصرف عن الموردين وأشباههما، غير تام، ولاسيما بعد نص المشتري والموهوب له بعدم رضاه. نعم، هنا وجه آخر: وهو أن التصرف مقدم رتبة على الفسخ، فيكون بحسب الزمان تصرفا في ماله قهرا. وبعبارة أخرى: ربما يكون التصرف الفاسخ زمانيا، فيكون أوله محرما، لأن الفسخ يحصل بما ينطبق على الزمان، فيترتب عليه ترتب الحكم على موضوعه، أو المسبب والمعلول الاعتباري على سببه وعلته الاعتبارية. واخرى: يكون آنيا عرفا أو عقلا، فيشترك زمان الفسخ والتصرف ولو كان طوليين رتبة، فإنه في هذه الصورة لا يلزم حرام، نظير البيع المعاطاتي، فإن الارتضاء بالبيع غير الرضا بالتصرف في العين، ففي موارد المبادلة وأخذ العين، يكون الأخذ متعلقا بمال البائع، إلا أنه في

[ 302 ]

رتبة الأخذ لا تحصل ملكيتها للمشتري، ولكن أخذه بحسب الزمان متحد مع زمان الملكية، فيكون تصرفه في ملكه، وقد مر شطر من الكلام حوله في المعاطاة، فتأمل جدا. وغير خفي: أنه كما يقع بحسب الزمان تصرفه في ملكه، يقع حين الفسخ تصرفه في ملك المشتري، لأن الفسخ المتخلل بين ملكية البائع الطارئة وملكية المشتري الموجودة، ليس زمانيا، ولازمه كون الواحد ملكا لنفرين، وهو مشكل آخر. ويمكن دعوى: أن ما هو المحرم هو التصرف، وهو التحول الحاصل من التماس المستمر في الجملة، والفسخ يحصل من أول وجود التماس، فإن العقد متعلق بفعل ما هو الفاسخ، فاغتنم. أو يقال: إن الفاسخ هو القصد المتعقب بالفعل، أي ما يتعقبه بحسب واقع التعقب، لا الفعل المحض، ولا القصد الخالص كي يشكل، وعلى هذا يحصل الفسخ بالقصد المذكور، فتأمل. مسألة: حكم التصرف الاعتباري بقصد الفسخ وضعا لو تصرف البائع ذو الخيار بالتصرفات الاعتبارية، كالبيع ونحوه، مريدا به الفسخ والبيع، فهل يقع به العنوانان: الفسخ، والبيع، أو لا يقع به كلاهما، أو يقع الفسخ دون البيع، أم البيع دون الفسخ، إلا أنه يصير شبه الفضولي، ويكون من مصاديق " من باع ثم ملك "؟ وجوه، بل أقوال. والأول أشبه، ضرورة أن البيع المسببي لا يحصل إلا بتمام السبب،

[ 303 ]

والفسخ يحصل بالقصد والإبراز بذلك القول، وهذا هو حكم العرف والعقلاء، وأنهم يرون في مثله وأشباهه أنه فسخ عقده الأول بمجرد الشروع في بيع مورد الخيار والعقد الثاني، وقد عرفت كفاية مطلق المبرز المتسبب به إلى الفسخ (1). ولعل مرام صاحب " الإيضاح " أيضا ذلك (2) - قدس الله نفسه الزكية -، وقد سلكنا مسلكه في موارد عديدة في هذا الكتاب، وحينما وصلنا إلى هذه المسألة التفتنا إلى مقالته، وهو أحسن شاهد لنا في التأكيد لهذه المقالة. وفي قبالنا من يدعي بطلانهما، نظرا إلى أن الفسخ لا يحصل إلا بالأسباب العرفية العقلائية، كما هو مرام القوم فيما مر (3)، وعلى هذا يصير البيع في غير محله، ولا يمكن الفسخ بعد ذلك، لظهور فعله التسببي في إسقاط الخيار، فإن المتعارف عند العقلاء الفسخ أولا بألفاظه، ثم التصرف ثانيا، فالتصرف المذكور شاهد على أنه كان يرى نفسه منقطعا عن العين، فيعلم سقوط خياره. والحمل على الغفلة على خلاف الأصل. وربما يقال: إن الفسخ بصيغة البيع القابلة لإنشاء الفسخ بها مجازا ممكن، ويعد من المجاز الجائز ولو لم يكن متعارفا. والكلام


1 - تقدم في الصفحة 299. 2 - إيضاح الفوائد 1: 488. 3 - تقدم في الصفحة 299.

[ 304 ]

ليس حول الشك في مراد البائع ذي الخيار، فإنه بحث آخر يأتي إن شاء الله تعالى (1)، والبيع بصيغة جائز، ويقع على نعت الحقيقة، فهناك إنشاءان ومنشآن باستعمال واحد: مجاز، وحقيقة. نعم، حصول الملكية عقيب البيع بحكم العقلاء، منوط بحصول النقل إلى البائع بالفسخ في الرتبة المتقدمة، وحيث إن عمل البائع الذي هو ذو الخيار ولو كان واحدا، ولكن حكم العقلاء بحصول الملكية مراعى بالحكم الآخر، وهذا مما لا يستلزم المحال، وهو استعمال الواحد في المعنيين الطوليين، كي يقال بامتناعه هنا. وأما صحة البيع، فليست هي منوطة بتقدم المالكية عليه زمانا، بل يكفي التقارن، لعدم دلالة الأخبار الخاصة المعروفة - ك‍ " لا بيع إلا في ملك " (2) أو " لا عتق إلا في ملك " (3) وهكذا - إلا على المقارنة، دون السبق الزماني، كما هو الظاهر من جملة منهم، كالشيخ وغيره (4). فالفسخ يحصل بتمام البيع، كما أن البيع كذلك. ولو كان ماهية البيع مركبة من الإيجاب والقبول، فيكفي بالقطع صيغة الإيجاب


1 - يأتي في الصفحة 307. 2 - عوالي اللآلي 2: 247 / 16، مستدرك الوسائل 13: 230، كتاب التجارة، أبواب عقد البيع وشروطه، الباب 1، الحديث 3. 3 - وسائل الشيعة 22: 31، كتاب الطلاق، أبواب مقدماته وشرائطه، الباب 12، الحديث 1، و 23: 16، كتاب العتق، الباب 5، الحديث 6. 4 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 294 - 295، منية الطالب 2: 166 / السطر 7 - 8.

[ 305 ]

للفسخ، دون الجزء الأول وهو " الباء " أو الجزء المتجزئ. أقول: لو كان الجزء الأول غير عقلائي، وغير كاف للفسخ، فالبيع مثله، لأنه من الغلط، لا المجاز، كما هو الواضح، فعليه لا يحصل به الفسخ، فلا يصح البيع. وأما جعل البيع كاشفا عن الفسخ السابق بالآلات الصالحة، فهو خروج عن محط البحث هنا، بل هو يقع في صورة الشك في مراد البائع، كما سيمر عليك. وفي المقام بعض دقائق اخر غير لائقة بالفقه، مثل حديث الجزء غير المتجزئ، والجوهر الفرد الواقع في كلام الشيخ (1)، مع أنه في غير محله أساسا، ضرورة أن ما هو الجزء المتجزئ بالقسمة الفكية، أو غير المتجزئ بها، يصلح لأن يكون مدار التفصيل بين حصول الفسخ وعدمه، لا القسمة الوهمية كما نحن فيه، فإن الزمان وما ينطبق عليه لا يقبل القسمة الفكية، فألفاظ البيع من الحركة المنطبقة عليه، فلا تخلط. هذا مع أن مبدأ هذه الحركة إن كان كافيا للفسخ، لا يكون كافيا لحصول الملكية إلا بعد تمام الكلام، فلا فرق بين المتجزئ وعدمه فيما هو المقصود. فبالجملة تحصل: أن الأمر إما دائر بين حصول الفسخ والملكية، وبين بطلانهما، والأول متعين، ووجه تعينه ما عرفت، دون الوجه الأخير


1 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 295 / السطر 2.

[ 306 ]

الذي كان مبتكره السيد المحقق الوالد - مد ظله - (1). ومما ذكرناه يظهر: أن الدور المتوهم (2) ولو كان بشكل الدور الحقيقي، نظرا إلى امتناع حصول الجد إلى إحداث الملكية بالبيع، مع توقفها على الفسخ المترتب عليه مالكية البائع، ولكنه غير تام من وجوه، أظهرها أن النقل بالفسخ يحصل في الزمان السابق على الوجه الذي عرفت، وإذا كان البائع ملتفتا إلى حصول الملكية به يتمكن من الإرادة الجدية. هذا مع أنه لو كان النقل إلى البائع مقارنا لصحة البيع، يكون شرط الصحة حاصلا حين البيع، وهو كاف. بقي شئ: في مقارنة الملكية والنقل وهو أن الفسخ بالجزء المتقدم زمانا مما لا بأس به، فتحصل الملكية في الزمان المتقدم على البيع. وأما لو كان حصول الملكية مقارنا مع حصول النقل، فهو مستحيل، لأن مالكية البائع بالفسخ، ولا مالكية البائع بالبيع، لا يعقل أن يكونا في زمان واحد، سواء قلنا: بأن البيع وصيغته سبب الملكية، أو قلنا: إنهما


1 - البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 5: 285. 2 - لاحظ المكاسب، الشيخ الأنصاري: 294 / السطر 31، البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 5: 283.

[ 307 ]

موضوع حكم العقلاء، فإنه لا يعقل الحكم بالمالكية واللامالكية بالنسبة إلى شئ واحد في زمان واحد. ويمكن حله: بأن مالكيته حقيقة في ذلك الزمان، ولا مالكيته إنشائية فيه، ويصير حقيقيا بعده، وليس هذا من الفضولي، ولا من مصاديق " من باع ثم ملك " ولا يعتبر أكثر من ذلك في صحة البيع، فتأمل. ومن هنا يظهر حكم الإيقاعات، كالوقف، والعتق، وبعض صور العقود على بعض المباني، فإنه وإن أشكل الإيقاع لأجل أن التحرير والوقف، لابد وأن لا يكون متوقفا على شئ في الأثر، أو في حكم العقلاء يترتب الأثر، إلا أنه ينحل ذلك بأن الملكية المعتبرة تحصل بعد الإنشاء قهرا، وتخرج بحكم العقلاء. اللهم إلا أن يقال: بأنه لا يعتبر البقاء في الإيقاع، بخلاف العقد، فإنه لإمكان حله ولو بالإقالة يعتبر بقاؤه، وأما الإيقاع فلا بقاء له، ولا خصوصية للإيقاع في مسألتنا هذه، فعليه لا تنحل المشكلة فيها إلا على ما سلكناه من حدوث النقل بمجرد التلبس بالإيقاع، ويحصل التحرير بعد الفراغ عنه، فاغتنم. تتميم: حكم الشك في قصد ذي الخيار من التصرف لو باع ذو الخيار، أو آجر العين التي باعها قبل ذلك، وكان له الخيار، وشك في أنه أراد بالبيع الثاني الفسخ، أم باع فضولا، أو فسخ قبل ذلك ثم باع، ففيه وجوه:

[ 308 ]

فمن جهة، كون الفسخ بالبيع غير عقلائي وعادي. ومن جهة أن الفضولي غير صحيح، يلزم القول بالكشف. ويحتمل أن يقال: بأن الفسخ بالبيع ولو كان غير عقلائي، إلا أن أصالة الصحة لا تقتضي كون البيع جامعا لجميع الشرائط اللازمة بعدما يكون صورة البيع - وهو بيع العين المذكورة - معلومة، نظير الصلاة نحو جهة خاصة يشك في أنها قبلة، فإنه لا تجري قاعدة الفراغ وأصالة الصحة. ولو استشكل في ذلك من جهة جريان القاعدة، نظرا إلى أن ما هو المعلوم هي الصلاة نحو تلك الجهة، أو بيع العين المعينة، ولكن لما كان البائع والمصلي - حسب الفرض والاحتمال - ملتفتا إلى تطبيق الشرائط اللازمة في الخارج، فلابد من كشف الفسخ من حيث صحة البيع المستكشف به الملكية، كما يكشف به صحة الصلاة المأتي بها، ولا يكشف به القبلة. يمكن المناقشة في أن أصالة الصحة، ليست إلا أصلا عقلائيا، وبيع الفضولي وإن لم يكن صحيحا فعليا، ولكن لا برهان على بناء العقلاء على الصحة الفعلية التي يكون منشأ الشك فيها الشك في الإرادة مع كثرة الفضوليات. وما قيل: من أصالة الظهور في غير الفضولية (1)، أو أصالة عدم


1 - لاحظ البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 5: 277، الخيارات، المحقق الأراكي: 561.

[ 309 ]

الفضولية - كما في كلام الشيخ (رحمه الله) (1) وبعض آخر (2) - تقتضي الفسخ، لدلالة الاقتضاء العقلائي، غير واضح كبراها. ولو اريد بها الاستصحاب فهو عندهم أهون. مع معارضته بمثله لو سلم جريانه الذاتي، فلا تغفل. هذا في صورة احتمال الكشف، كي تكون الاحتمالات ثلاثة. وأما لو احتملت الفضولية أو الأصلية، وأراد بالبيع فسخ العقد الأول، فإن قلنا بالامتناع فلا سبيل، وإن قلنا بالإمكان فتأتي فيه الوجوه المشار إليها، والقولان: من الحمل على الإرادتين - الفسخ والبيع - أو البيع فقط فيكون فضوليا. وأما دعوى: أنه يلزم عليه في مرحلة التداعي والاختلاف، أنه أراد المعنيين، للظهور، حيث إن في بيع الفضولي يعتبر القيد الزائد، وعند الإطلاق محمول على الأصيل، فهي باطلة في المسألة، لأن المفروض أنه قد باع ملك الغير، وأراد أن يصير به ملك نفسه، فالقول بأنه يعتبر القيد الزائد هنا في إفادة الأصيلية أولى. ولو لم يمكن كشف الفضولية والأصلية بمقتضى الاصول العقلائية والشرعية، فهل تقع هذه الصيغة باطلة بالمرة، أم يمكن أن تصير صحيحا بالإجازة بعدما فسخ؟ وجهان لو لم نقل: بأن البيع المذكور دليل على إسقاط الخيار، كما اشير إليه فيما سلف، فإنه عندئذ قابلة للتصحيح بناء على صحة " من باع ثم ملك " كما مر تفصيله، وقوينا صحته


1 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 294 / السطر 8. 2 - جامع المقاصد 4: 310 - 311، المكاسب، الشيخ الأنصاري: 294 / السطر 9. (

[ 310 ]

حسب الصناعة. ومما لا ينبغي أن يخفى: أن في كلام بعض المشايخ نقل الإجماع في بعض فروض هذه المسائل، وهو من الإجماعات المبتنية على القواعد المحررة عند مدعيها، كما نرى في كثير من الإجماعات المدعاة في المسائل الاصولية والفروع النادرة، أو هو من الإجماع المنقول غير المؤيد بما يدرجه في الحجج الشرعية، فلا تخلط. هذا كله حول بيع ذي الخيار بالصيغة. تذنيب: حكم بيع ذي الخيار معاطاة وأما لو باع معاطاة، فهل يمكن دعوى: أن قضية حمل فعل المسلم على الصحة وصيانته عن المحرم، هي صحة البيع وأصالته، أم لا يمكن، لأن الحرام يقع على كل تقدير، كما هو مختار الوالد المحقق - مدظلة - (1) أو أنه ولو يمكن أن لا يقع الحرام، إلا أن تلك الأخبار (2) لا تدل على أكثر من عدم الحمل على الفساد بترتيب آثاره، كما تحرر في الاصول (3)؟ ويجوز دعوى: أنه وإن كان في غير الأفعال الاعتبارية - من الإيقاعات والعقود وأمثالهما - لا تجري أصالة الصحة الموجبة


1 - البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 5: 281. 2 - لاحظ حول الأخبار الدالة على أصالة الصحة إلى الاستصحاب، الإمام الخميني (قدس سره): 359 - 360. 3 - تحريرات في الاصول 7: 367.

[ 311 ]

لترتب آثارها عليها، وما هو الجاري في الأفعال الخارجية هو أصل عدم الفساد، ولكن المفروض هنا إرادته التسبيب بالمعاطاة التي تجري فيها أصالة الصحة بالضرورة، وهو القدر المتيقن من موردها ومن جريانها، فإن قلنا: بأن الحرام مما لابد منه، فلا يمكن كشف شئ بأخبار الحمل على عدم الفساد. وإن قلنا بإمكان عدم وقوع الحرام منه، فربما يمكن توهم: أن حمل فعله على عدم الفساد، يستلزم صحة تصرفه وضعا. اللهم إلا أن يفكك بين الآثار، فتبقى مثلا عدالته على حالها، ومع ذلك لا يكشف به صحة البيع المعاطاتي، وهذا التفكيك جائز في مرحلة التعبد. نعم، لو قلنا: بأن مفاد تلك الأخبار التعبد بالأمارة على عدم الفساد، فلازمه ذلك، كما لا يخفى. وبالجملة: تصير النتيجة بقاء العين في ملك المشتري، وعدم صحة الفسخ ولا البيع، لعدم دليل على إحراز اشتغاله بالتصرف بعنوان الفسخ والمعاطاة. مع أن مقتضى الاستصحاب، عدم إرادته ذلك أيضا. فرع: إذا وقف أحد المتعاملين كلا العوضين معا فيما إذا تبادل زيد وعمرو كتابيهما " التهذيب " و " الاستبصار " وكان لزيد خيار فسخ المبادلة، فإنه كما يجوز له في هذه الصورة وقف " الاستبصار " مريدا به أيضا إمضاء البيع وسقوط خياره، وإن لم يكن

[ 312 ]

إليه حاجة في صحة الوقف، لما لا يعتبر أكثر من الملكية المذكورة فيها، ولاسيما على ما أبدعناه، من أنه ليس للملك المتزلزل أساس إلا ما يتصور في البيع اللازم القابل للإقالة والبيع الخياري، كالبيع الإقالي، فإنه بيع لازم يمكن هدمه، ولكن لا يعتبر رضا الطرف، لحكم الشرع به تأسيسا أو إمضاء. كذلك يجوز له وقف " التهذيب " مريدا به فسخ المبادلة، لأنه بمجرد إرادة الفسخ وإبراز ذلك بالوقف، تحصل الملكية المعتبرة في صحة الوقف. وإنما الكلام في المقام حول ما إذا أوقفهما معا في زمان واحد، أو أوقف زيد كتاب " التهذيب " ووكيله كتاب " الاستبصار " وكان فسخ وكيله نافذا، لكونه وكيلا له على الإطلاق، فإن هناك مناقضة في الصورة، ضرورة أن مقتضى وقفه وإرادته الإمضاء بقاء العقد، ومقتضى وقف وكيله انحلاله، فهل يقعان باطلين، ويقع وقف " الاستبصار " أيضا باطلا زائدا على بطلان الفسخ والإبرام، أم يقع الوقف صحيحا، أو يقع الفسخ ووقف " التهذيب " صحيحين، دون الإبرام ووقف " الاستبصار " أم بالعكس؟ أو المسألة تختلف حسب اختلاف المباني؟ ضرورة أنه لو قلنا بلزوم الأسباب الخاصة العقلائية في بابي الفسخ والإمضاء، فلا يقع كل منهما، لأن ألفاظ الوقف غير صالحة، فيكون وقف " الاستبصار " صحيحا كما مر. وإن قلنا بذلك كبرويا، واخترنا أنها صالحة صغرويا، لكونه من المجاز الجائز مع القرينة، دون بعض الألفاظ، فإنه غير جائز، فإنه

[ 313 ]

عندئذ يشكل الأمر، لامتناع صلاحية كل من الوقفين للصحة والموضوعية للأثر المطلوب امتناعا ناشئا من الوحدة في مصبهما، وهو التبادل المذكور، لأنه لا يمكن أن يكون باقيا ومنحلا في زمان واحد، فلابد من اختيار أحدهما ترجيحا لجانب واحد منهما على الآخر، أو اختيار بطلانهما. تحرير المسألة وحيث إن المسألة قليلة الجدوى - وإن كانت تحتاج إلى التحرير المنتهي أحيانا إلى رسالة على حدة، لما فيها من الجوانب المختلفة، ولاشتمالها على إمكان المداقات العقلية والذوقية العرفية - فنشير إلى ما هو الأشبه بالقواعد، بعد عدم وجود حجة خاصة في البين: جواز وقوع الفسخ وبقاء العقد ثبوتا اعلم: أنه يجوز بحسب مقام الثبوت - أي التصور - الالتزام تعبدا بالفسخ والبقاء، لاختلاف الموقوف عليهم في الاجتهاد والتقليد، نظير المبادلة الواقعة بين شيئين، المحرمة عند أحدهما، والصحيحة عند الآخر، فإن كل واحد من المتعاقدين يذهب إلى مرامه، ويترتب عليه الآثار، على إشكال محرر في كتاب التقليد والاجتهاد (1)، وهكذا في مسألة


1 - لاحظ تحرير العروة الوثقى: 26 - 27، وتعليقة على العروة الوثقى للمؤلف (قدس سره): 34.

[ 314 ]

عتق العبد والجارية، لإمكان كون الوكيل مقلدا لمن أوجب عليه الوفاء بالوقف بتسليم " التهذيب " والجارية. نعم، في صورة اتفاق النظر، أو وحدة الواقف والموقوف عليه، يلزم الإشكال على وجه لا يمكن حله، حتى بالاعتبار الذي كان يمكن به حل مشكلة الفضولي، فإنه هناك كان العقد في زمان واحد معدوما، وبعد لحوق الإجازة ينقلب في الاعتبار من الأول، إلا أنه كان في الزمان المتأخر. وهذا هنا أيضا غير متصور إلا بحسب التعبد بالآثار، وهو أن الوقف في الجانبين صحيح ممضى، إلا أنه يجب على الواقف تحصيل ملكية الموقوف وتسليمه، كما تحرر منا في الفضولي (1)، وذكرنا أن بيع الفضولي جزئيا شخصيا كبيع الأصيل، وكبيعه الكلي، فإنه كما يجب هناك تحصيله وتحويله، كذلك الأمر هنا. نعم، لا يدري أنه يجب عليه تحصيل " التهذيب " أو " الاستبصار " كما لا يخفى، فيحتاج إلى المصالحة مع عمرو في حل المشكلة من هذه الجهة، فالعقد ليس معلوم الحال، ولا نحتاج إلى معلومية حاله بعد صحة الوقف على كل حال، وصحة العتق على التقديرين، ولزوم الوفاء به بتحصيل الشرائط الدخيلة في اتفاقهما ووقفهما، على الوجه القابل للتسليم إلى الموقوف عليه. هذا بحسب التصور. حكم المسألة بحسب مقام الإثبات وأما بحسب الموازين العرفية والفقه الساذج البسيط المتبع


1 - تحريرات في الفقه، البيع 2: 113.

[ 315 ]

فتقع المزاحمة، إلا أن المزاحمة هنا غير المزاحمة في باب التكاليف، فإن المزاحمة هنا ترجع إلى الشك في صحة الإيقاع المذكور، لعدم دليل عليها على وجه يشمل المقام، فيكون العقد باقيا على حاله ووقف " الاستبصار " صحيحا قطعا. ولا تصل النوبة إلى الشك في بقاء العقد، لحكم العقلاء بالصحة واللزوم، وإلا فجريان الاستصحاب محل المناقشة حكميا وموضوعيا، ولو كان جاريا في ذاته، ولكنه غير محتاج إليه، فما تمسك به الشيخ (1) وأتباعه - رضي الله عنهم - في مثل المقام غير صحيح، وغير تام. وتوهم بقاء الخيار بعد كونه مريدا به الإمضاء، بلا وجه، لما تحرر من كفاية مطلق الآلات للإنشاء في مرحلة الثبوت. نعم، في مرحلة التداعي والمرافعة ليس الأمر كذلك، كما تحرر تفصيله مرارا. ولو كانت المزاحمة هنا من قبيل ما هو المصطلح عليه في باب التكاليف، فكما تكون المنافاة وعدم إمكان الجمع، موجودة بين الحل والإبرام، تكون موجودة بين الحل وصحة الوقف. ومجرد كون الوقف والعتق في عرض الإبرام، أثرا مترتبا على صيغة وقف " الاستبصار " دون الوقف والفسخ، فإن الوقف في جانب " التهذيب " في طول الفسخ، لما لا يمكن إلا بعد حصول الملكية، بخلاف


1 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 295 / السطر 24.

[ 316 ]

جانب الإمضاء، فإن الملكية الكافية حاصلة، غير كاف وإن أفاده الوالد المحقق - مد ظله - (1) مع أن ظاهر بعضهم اعتبار الملكية المستقرة في العتق، خلافا لصريح الفقيه اليزدي (رحمه الله) (2) ولإطلاق " لا عتق إلا عن ملك " (3). وأما وجه عدم الكفاية، فلما اشير إليه من أن المناط واحد، وحديث الحيثية الذاتية والعرضية (4) هنا غلط، فإن الكل عرضية، ضرورة أن ما هو المتنافي حقيقة هو المتناقضان، وما هو المراد من المتنافيين ما لا يمكن الجمع بينهما، وهو هنا حاصل. مقتضى الاصول العملية وأما التمسك بالاستصحابين: استصحاب عدم تحقق الفسخ، وعدم تحقق الإبرام المتعارضين، فتصل النوبة إلى استصحاب بقاء الملكية في جانب " الاستبصار " فيصح الوقف والعتق، فهو في غير محله. أما عندنا، فلما عرفت من الحكم بالبطلان، لقصور الأدلة عن شمول مثل هذا المورد، فيكون العلم الإجمالي مفقودا، فلا يجريان حتى


1 - البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 5: 288. 2 - حاشية المكاسب، السيد اليزدي 2: 156 / السطر 3. 3 - وسائل الشيعة 22: 31، كتاب الطلاق، أبواب مقدماته وشرائطه، الباب 12، الحديث 1، و 23: 16، كتاب العتق، الباب 5، الحديث 6. 4 - حاشية المكاسب، المحقق الأصفهاني 2: 176 / السطر 36.

[ 317 ]

يتعارضا، لاهما، ولا استصحاب الملكية. وأما على القول بصحة أحدهما - من الفسخ، أو الإبرام - فاستصحاب عدم تحقق الفسخ كما يعارض استصحاب عدم تحقق الإبرام، يعارض عدم تحقق وقف " الاستبصار " ولا يعتبر في معارضة الأصلين وحدة المضمون والمصب مع أن جريان كل واحد منهما في حد ذاته محل مناقشة. فبالجملة: جميع الاصول المتوهمة هنا الطولية غير نافعة، بناء على المزاحمة. وبناء على بطلان الفسخ والإبرام - كما هو الأظهر والأشبه - تجري أصالة صحة الوقف والعتق من ناحية زيد الذي هو مالك " الاستبصار " ولا تزاحمه أصالة الصحة في وقف " التهذيب " لأنه على كل تقدير فضولي. بقي شئ: في كلام السيد اليزدي (رحمه الله) قال الفقيه اليزدي: " إن العتق بالنسبة إلى الجارية والعبد صحيح " (1). ونتيجة كلامه (رحمه الله) صحة وقف " التهذيبين " فيما اخترناه مثالا للمسألة، وذلك لأن شرط صحة الوقفين - وهي الملكية حين صيغة الوقف - حاصل، ضرورة أن في زمان السبب محل العقد والإبرام واحد، وزمان الانفساخ وملكية زيد " للتهذيبين " واحد، والترتب عقلي، فشرط


1 - حاشية المكاسب، السيد اليزدي 2: 156 / السطر 2.

[ 318 ]

صحتهما حاصل، إلا أنه بالنسبة إلى وقف " الاستبصار " ضامن، لأنه يشبه التلف حين القبض. وغير خفي: أنه يلزم على صحة هذا اجتماع العوض والمعوض في البيع، واجتماع المالكين على ملك واحد، ضرورة أن البيع سبب النقل، أو موضوع، فإذا تم البيع يحصل النقل المسببي في زمان واحد، فيكون كل من العوضين في ذلك الزمان، ملكا لكل من المتعاقدين بالضرورة، قضاء لحق الترتب العقلي الخارج عن الزمان بين السبب والمسبب، فيكون المسبب من الطرفين مجتمعين في الزمان الأول، ومتفرقين في الثاني، ولازمه ما ذكرناه. والحل: أن الملكية من الاعتبارات العقلية المبنية على الأفهام العرفية، لا التأثير والتأثر العقليين، فلاتعتبر ملكية العوضين معا لهما عرضا على الوجه الذي يلزم ذلك، بل البيع: زمان الخروج والدخول ولو كان واحدا، ولكن لاعلى وجه يكون كل منهما مالكا في الزمان الأول حتى يشكل الأمر وإن لم يمتنع. ولا يقاس ما نحن فيه بالإتلاف حين الفسخ، لأن الفسخ على كل تقدير جائز ولو بعد الإتلاف، إلا في موارد التعبد، حسبما هو المعروف عنهم، وذكرناه مرارا، وأما في موارد التعبد فيشكل الأمر، حيث إن الإتلاف يقتضي الإبرام، والفسخ خلافه، وحيث هو خلاف القاعدة، فأدلة اقتضاء الإتلاف لا تشمل المورد، كما هو الظاهر، فتدبر.

[ 319 ]

وغير خفي: أن ما أفاده الفقيه اليزدي (رحمه الله) (1) وإن كان مربوطا ببعض صور المسألة، إلا أنه يأتي في هذه الصورة الرئيسية. ومما ذكرنا يظهر حكم سائر الصور، ولا نطيل الكلام بذكرها، أو ذكر المباني المختلفة في المسألة، فإنه من الإطالة المنهية. بقي شئ آخر: عدم الفرق في المسألة بين كون أحدهما ذا الخيار أو كليهما إن ما هو مورد كلام القوم، صورة كون زيد له الخيار، فلو كان لعمرو خيار، أو لهما الخيار، فتأتي في هاتين الصورتين الصور المذكورة على المباني المختلفة، وقد تبين لمن هو أهله ما هو حل لمشكلة المسألة، وأيضا ما هو مشكلة ثبوتا وإثباتا. مع أن التصرف في مورد خيار الطرف في عصر الخيار، محل بحث يأتي من ذي قبل إن شاء الله تعالى.


1 - حاشية المكاسب، السيد اليزدي 2: 156 / السطر 2.

[ 321 ]

الثالث ممنوعية غير ذي الخيار في مورد العقد عن التصرف وحيث إن محل النزاع يحتاج إلى التحرير، نشير إليه في الجملة. تحرير محل النزاع لابحث هنا في سببية العقد لحصول النقل والملكية، ولا في اشتراط سببيته بمضي مدة الخيار، كي يقال: بأن الممنوعية حسب القاعدة، بل المفروض حصول الملكية بالمعاطاة، أو العقد اللفظي، وسيأتي حكم سببية العقد وتماميته لموضوعية حكم العقلاء بحصول الملكية في البحث الآتي. وكان ينبغي البحث الآتي مقدما على هذه المسألة، كما هو

[ 322 ]

الواضح، كي لا يقع السيد المحشي (رحمه الله) (1) في الإطالة، ولا الشيخ (2) في المخمصة أيضا، فالبحث ممحض في أن الخيار وحقه يمنع عن التصرف، أم لا. هذا أولا. وثانيا: لا يختص في الجهة المبحوث عنها هنا بتصرفات غير ذي الخيار في العين، بل تصرفات ذي الخيار - في موارد لا توجب سقوط الخيار - مورد الكلام، لأن بعض الوجوه المانعة للأول عن التصرف يمنع الثاني أيضا، وذلك لأن إبطال مورد العقد، ثم الفسخ على وجه لا يتمكن من رد العين، إجحاف ممنوع. تحقيق المسألة ثم إن المسألة خلافية غير إجماعية، فلو وصلنا فيها إلى إبداع نظر جديد - حسبما عندنا - فلا بأس به، فإن الأقوال كثيرة، فجماعة على المنع (3)، وجماعة على الجواز (4)، وإن كان المعروف عن السابقين هو الأول، وجماعة مفصلون بين أنحاء التصرفات الخارجية والاعتبارية، أو التفصيل بين الخيارات، بل ربما يكون خيار رد الثمن خارجا عن محط


1 - حاشية المكاسب، السيد اليزدي 2: 157 / السطر 17. 2 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 269. 3 - المبسوط 2: 96، الجامع للشرائع: 248، قواعد الأحكام: 144 / السطر 9. 4 - تذكرة الفقهاء 1: 514 / السطر 17، الدروس الشرعية 3: 302.

[ 323 ]

الحث، للاتفاق نصا ورأيا وغرضا وجعلا (1)، والتفصيل بين التصرفات المتلفة وغيرها (2)، أو بين الناقلة اللازمة والجائزة وضعا أو حكما، ومن ذلك العتق، بل والوقف على بعض الوجوه، فإنه الفك، كالمسجد ونحوه، أو القول باختصاص العتق بالمنع فقط، كما عن بعضهم (3). إذا عرفت هذه الجهات الوجيزة، فالذي يظهر لي وهو الأشبه إلى نظر العقلاء والعرف: أنه بعد ثبوت الملكية فالمنع يحتاج إلى دليل، وإلا فقضية القواعد العقلائية والشرعية جواز جميع التصرفات، لعدم الحالة المنتظرة. إن قلت: لا نسلم ذلك، لأن الملكية عندهم متزلزلة، وإذا كانت كذلك فلا دليل على جواز التصرف في المتزلزل على العموم، لأن البناء العرفي العقلائي لبي، وهو له القدر المتيقن بعدما لا إطلاق له ظاهرا، ولا أقل من الشبهة والشك، فالقاعدة تمنع. نعم، خصوص إطلاق أمثال أخبار خاصة في مثل " لا بيع إلا في ملك " (4) أو " لاهبة إلا عن ملك " أو " لا عتق إلا في ملك " (5) ولا " وقف إلا عن ملك " وهكذا، تشهد على الإطلاق، لصحة هذه الامور. مع إمكان دعوى


1 - لاحظ المكاسب، الشيخ الأنصاري: 296 / السطر 28. 2 - لاحظ نفس المصدر: 296 / السطر 16. 3 - لم نعثر على هذا القول، لاحظ منية الطالب 2: 167 / السطر 2. 4 - تقدم في الصفحة 304. 5 - نفس المصدر.

[ 324 ]

إجمالها، لاحتمال كون " الميم " مضموما، كي يشتمل تصرفات الأولياء والحاكم الشرعي، ويكون ذو الخيار مورد الشك في أن له الملك والسلطنة. قلت: نعم، هذا على ما هو المعروف عنهم، وأما ما هو الثابت عندنا فإن الملكية لا معنى لتزلزلها الحقيقي، والتزلزل الاعتباري - بمعنى قابليتها للهدم - فهو في جميع العقود اللازمة، لإمكان الإقالة أولا، ولزوالها بالتورث والنقل ثانيا وثالثا، فلا أساس للملكية المتزلزلة، ولا العقد الموصوف بالخيارية. إلا أن للعاقد هدم العقد وإعدامه بالاختيار الثابت له شرعا، كالإقالة المشروطة برضا الطرف، فالعقد في زمان الخيار لازم، كالعقد في زمان لاخيار فيه وهكذا، لحصولها - وهي السلطنة - في بعض الأحيان، والملكية في بعض الأحيان، أو هما معا في الثالث، بل ربما لا يعتبر جميع هذه الامور، كما عرفت في كتاب البيع (1). فعلى هذا، لابد من تحرير جهة تؤدي إلى المنع، وإلا فقاعدة السلطنة العقلائية الممضاة محكمة. وجوه المنع عن التصرف وما يمكن أن يعد وجها للمنع امور:


1 - انظر تحريرات في الفقه، البيع 1: 11 - 12.

[ 325 ]

الأول: الوجه العقلي وهو أن التصرف المتلف في عصر الخيار - تلفا خارجيا، أو اعتباريا غير قابل للحل - يوجب سقوط خيار ذي الخيار، ضرورة أن متعلق الخيار وموضوعه إما العين بلا وساطة، كما هو الظاهر من جمع (1)، وهو المستفاد من أدلة خيار العيب، أو هو متعلق بالعقد المتعلق بها، فإذا انعدمت ينعدم الخيار طبعا، وهو ممنوع عقلا وشرعا، وتعجيز لصاحب حق عن حقه، وتصرف في متعلق حق الغير، ولاسيما إذا تعلق بالعين بلا واسطة. ومن هنا يظهر ما في كلام الشيخ وأتباعه: من أن الخيار متعلق بالعقد (2)، ضرورة أن العقد متعلق به، ولا يعقل بقاء العقد المتعلق بالعين، فلا خيار بعد التلف أو الإتلاف، لأن تعلقه بها إضافة خارجية، لاذهنية، ولا ملكوتية، فكيف يعقل بقاء المتعلق - بالكسر - مع فناء المتعلق؟! كما لا يعقل بقاء الحكم بلا موضوع في الاعتبار، وبقاء العرض بلا موضوع في التكوين. وأعجب من هذا التوهم دعوى: أن العقد متعلق أولا وبالذات


1 - منية الطالب 2: 167 / السطر 17. 2 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 214 / السطر 2، حاشية المكاسب، المحقق الخراساني: 143، حاشية المكاسب، السيد اليزدي 2: 2 / السطر 4.

[ 326 ]

بالشخص، وثانيا بالنوعية، وثالثا بالمالية (1)!! وهذا مضافا إلى عدم حل المشكلة به - لامتناع انتقال العرض والتعليق من شئ إلى شئ، وليست المسألة عرفية مسامحية - أنه كلام أشبه بالشعر والتخيلات، كما مر تفصيله بحدوده في باب الضمانات (2). ولعل ما أفاده الوالد المحقق (3) في أمثال هذه المواقف، كما مر، واستند إليه هنا لحل المشكلة، ولتجويز جميع التصرفات أقرب بافق التحقيق. ولكنه مع الأسف غير تام، لأن البيع الإيقاعي المشترك فيه الفضولي والأصيل، ليس يتوقع منه إلا النقل الإنشائي، دون النقل الواقعي الاعتباري، فإن موضوعه البيع الواقعي، وهو البيع الملحوق به رضا الطرف، والفسخ والخيار المتعلق بمثل هذا العقد الإنشائي، ليس إلا الفسخ الإيقاعي غير المنافي لملكية أحد وحق ذي حق، كما أن بيع الفضولي لا ينافي ملكية مالك العين، فعلى هذا لا يلزم هدم متعلق حق الغير، وهو العين الخارجية، لأن بيع الفضولي كما لا ينافي حق الغير حل فسخ العقد إيقاعا - لا واقعا - أيضا مثله، وبهذا تنحل المشاكل على عمومها، ويجوز التصرف على أنحائه. وفيه: - مضافا إلى أن هناك سؤالا باقيا عن نحو إضافة العقد إلى


1 - حاشية المكاسب، المحقق الأصفهاني 2: 179 / السطر 12. 2 - تحريرات في الفقه، البيع 1: 220 - 234. 3 - البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 5: 292 - 293.

[ 327 ]

العين الشخصية الخارجية باقيا، ضرورة أن المعدوم المطلق كما لا يقبل تلك الإضافة الإيقاعية حدوثا، لا يعقل بعد هدم العين بقاؤها - أن ما أفاده يستتبع كون الفسخ من الأول، لأنه يريد بذلك أن العقد في ظرف وجوده باق، فلا وجود استمراري إلا إلى حد استمرار العين مثلا، فيلزم الفسخ من حين انهدام العين، لامن الأول، ولا من الحين في هذه الصورة، مع أنه غير ملتزم به. وأن الفسخ من المالك وذي الخيار لا يقاس بالفضولي، فإن الفضولي غير مالك، فلا ينتقل بعقده شئ، ولكن الفاسخ أصيل، ولازمه حل العقد الإيقاعي الموضوع للوقوع، وهو غير ميسور. ولو صح ما أفاده (قدس سره) فالمسألة تشبه هدم العقد الفضولي بالرد من قبل المالك، وقد مر أنه قد أنكره (1)، بل لا يعقل إعدام الاعتبار الحاصل من عمل الفضولي. وبالجملة: ما هو أساس الشبهة غيرمنحل بعد، مع ما يتوجه إلى تقريبه، ولعله أفاد ما لا يصل إليه فهمي القاصر، فراجع. في التسبيب إلى إفناء خيار الغير ثم إنه لو سلمنا جميع ذلك، هل يجوز التسبيب إلى إفناء حق الغير بحكم العقلاء وإن لم يكن فسخه تصرفا في حق الغير، ولكنه تسبيب إليه قهرا وطبعا، وهو إجحاف ممنوع ظاهرا؟


1 - البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 2: 211.

[ 328 ]

والذي يظهر لي أولا: أن ممنوعية التصرف في متعلق حق الغير، غير ثابتة على الإطلاق، ولاسيما في مثل المقام الذي يرجع إلى إعدام موضوعه، فتارة: يتصرف في حق الغير كحق التحجير، فإنه باق، ولايضمحل بتصرفه، بخلافه، فلا دليل كبرويا على الممنوعية في أمثال المسألة. وبعبارة اخرى: كان حقه استرجاع ملك المشتري إلى ملكه، ولا موضوع وهو ملك المشتري، ولو عد ذلك أيضا من التسبيب فلا كبرى على ممنوعية مثله. وثانيا: أن حق الخيار غير متعلق إلا بذي الخيار، وأن العقد لازم، ولذي الخيار هدم العقد من الأول، أو من الوسط، أو من الحين، ولا تعين قهري عليه إلا بدليل شرعي، كما أن الأمر من هذه الجهة كذلك في باب إجازة الفضولي. وأما فناء العقد بفناء العين وعدمه، فهو أمر آخر أجنبي على مسلكنا بالمرة، لأن الخيار غير متعلق بالعقد وبالعين، وإلا فلا يورث، بل هو لذي الخيار وقائم به، وليس له طرق إلا حين الفسخ، فإنه في تلك البرهة يحتاج إلى ملاحظة العقد لفسخه، فلا تخلط. وحديث خيار الأجنبي، ليس إلا خيار المتعاقدين وفسخ الأجنبي، فيكونان كالمحجورين عن مالهم وملكهم وحقهم فاغتنم، ولذلك ذكرنا تورثه حسب القاعدة، خلافا للأكثر (1).


1 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 293 / السطر 19.

[ 329 ]

وقد تحرر في محله (1)، أن حديث بقاء العقد - لجواز إقالته بعد فناء العينين، فضلا عن العين الواحدة - صحيح باعتبار من العقلاء بالنسبة إلى إمكان إشارتهم إلى العين، لوجودها في خزانة أنفسهم، كما في البيوع الكلية، ولكنها إشارة إلى ما في الخارج، غافلين عن انعدامه حين الإشارة، كي لا يلزم الفسخ من الأول مثلا، فيعتبر نحو بقاء لهما في الاعتبار، نظرا إلى الآثار المترتبة عليه، فإن وعاء الاعتبار أوسع من وعاء الخارج. فعلى ما تحصل إلى هنا تبين: أن ما هو الوجه الأصيل للمنع غير وجيه، واتضح أن جميع التصرفات جائزة، حسب القواعد. نعم، يبقى البحث حول مسائل بعد فسخ ذي الخيار، فإنه لامنع من التفكيك بين جواز التصرف في العين بالهبة مثلا، ووجوب الاسترداد بعد فسخ ذي الخيار، وهكذا بالنسبة إلى سائر التصرفات الاعتبارية اللازمة وغير اللازمة، فلا تخلط. الثاني: عدم ثبوت دليل على جواز التصرف أن مجرد السلطنة الاعتبارية والملكية الثابتة بالعقد، لا تستلزم جواز التصرف، ضرورة أن الولي يشتري للمولى عليه شيئا، ويصير ملكا له، ولايجوز للمحجور التصرف فيه. فعلى هذا يمكن دعوى قصور دليل جواز التصرف في زمان الخيار، لأن قاعدة السلطنة لا


1 - تحريرات في الفقه، البيع 1: 138 - 139.

[ 330 ]

أساس لها شرعا، ومن المبتكرات الأخيرة، وليست عليها الحجة، وبناء العقلاء لبي، والقدر المتيقن منه غير المقام، فتصرف غير ذي الخيار في العين أيام الخيار، يحتاج إلى دليل ولو كان مالكا بالملكية التامة. وتوهم شهرة قاعدة: " الناس مسلطون على أموالهم " (1) بين الأقدمين، في غير محله، كما تحرر في كتاب البيع (2)، فليراجع. قلت: لو سلمنا ذلك، وأنكرنا التلازم العقلائي بين جواز التصرف والملكية، وأن التفكيك يحتاج إلى دليل، كما في موارد الحجر، فلا منع من التمسك بأدلة إباحة التصرف (3)، وقاعدة الحل (4)، وحديث الرفع (5)، إلا أنها لا تفي بصحة التصرفات الاعتبارية، ولكن بعد جواز


1 - بحار الأنوار 2: 272 / 7. 2 - تحريرات في الفقه، البيع 1: 63 - 64. 3 - مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سمعته يقول: كل شئ هو لك حلال حتى تعلم أنه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك، وذلك مثل الثوب يكون عليك قد اشتريته وهو سرقة، أو المملوك عندك ولعله حر قد باع نفسه، أو خدع فبيع قهرا، أو امرأة تحتك وهي اختك أو رضيعتك، والأشياء كلها على هذا حتى يستبين لك غير ذلك، أو تقوم به البينة. الكافي 5: 313 / 40، تهذيب الأحكام 7: 226 / 989، وسائل الشيعة 17: 89، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 4، الحديث 4. 4 - عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: كل شئ فيه حلال وحرام فهو لك حلال أبدا حتى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه. الفقيه 3: 216 / 1002، وسائل الشيعة 17: 87 - 88، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 4، الحديث 1، وأيضا من هذا الباب الحديث 4. 5 - قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): رفع عن امتي تسعة أشياء: الخطأ والنسيان، وما اكرهوا =

[ 331 ]

التصرف ظاهرا، يمكن تصحيح التصرفات الاعتبارية بإطلاق أدلتها، في صورة ثبوت الإطلاق، نظرا إلى قاعدة الملازمة بين صدق " البيع " و " الصلح " و " الهبة " وبين نفوذها حسب إطلاق أدلتها مثلا. وربما يتخيل أن دليل قاعدة اليد (1)، يقتضي جواز التصرف الخارجي والاعتباري، فإن قوله (عليه السلام): " من استولى على شئ فهو له " (2) بصدد ذلك عرفا. اللهم إلا أن يقال: إنها قاعدة مضروبة لظرف الشك في الملكية، بعد ثبوت الاستيلاء العرفي. وأما حديث جواز التصرف في الملك، فهو أجنبي عنه، وإن كان لازم التعبد بكونه له جواز التصرف، إلا أنه لا إطلاق له حتى ينفعنا في


= عليه، وما لا يعلمون، وما لا يطيقون، وما اضطروا إليه، والحسد، والطيرة، والتفكر في الوسوسة في الخلوة ما لم ينطقوا بشفة. التوحيد: 353 / 24، الخصال: 417 / 9، وسائل الشيعة 15: 369، كتاب الجهاد، الباب 56، الحديث 1. 1 - حفص بن غياث، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال له رجل: إذا رأيت شيئا في يدي رجل يجوز لي أن أشهد أنه له؟ قال: نعم، الحديث. الكافي 7: 387 / 1، تهذيب الأحكام 6: 261 / 695، وسائل الشيعة 27: 292، كتاب القضاء، أبواب كيفية الحكم وأحكام الدعوى، الباب 25، الحديث 2. 2 - عن أبي عبد الله (عليه السلام) في امرأة تموت قبل الرجل، أو رجل قبل المرأة، قال: ما كان من متاع النساء فهو للمرأة، وما كان من متاع الرجال والنساء فهو بينهما، ومن استولى على شئ منه فهو له. تهذيب الأحكام 9: 302 / 1079، وسائل الشيعة 26: 216، كتاب الفرائض والمواريث، أبواب ميراث الأزواج، الباب 8، الحديث 3.

[ 332 ]

المقام، فلا تخلط. ثم إن ما هو المفروض، هو تصرف غير ذي الخيار في عصر الخيار، فلا يشمل البحث مثل خيار المجلس، إلا إذا أسقط أحدهما خياره. وأما مثل خيار العيب والغبن والرؤيه، فربما يتوهم عدم انطباق عنوان البحث عليه، ضرورة أنه يثبت بعد اطلاع ذي الخيار، وإذا اطلع عليه ويكون فوريا، يصير البحث قليل الجدوى. وفيه: - مضافا إلى ما مر من ثبوته على الإطلاق - أنه لا تنافي الفورية وقوع تصرف غير ذي الخيار في زمان الخيار، لأن الفورية عرفية، لاعقلية، وسيجئ إن شاء الله تتمة البحث حوله. الثالث: ظهور جعل الخيار هو الممنوعية عن التصرف هذا يختص بخيار الشرط، فإن الظاهر من اشتراط الخيار إلى مدة كذا، هو أن يكون الشارط مقتدرا على استرداد العين وماله إلى ملكه برد الثمن مثلا، فكما لو اشترط ممنوعية تصرفه يمنع عنه، كذلك الأمر هنا وفيه أولا: أن الاستظهار المذكور لا يفيد إلا في مرحلة الدعوى، دون الواقع، لعدم الملازمة بين شرط الخيار والرضا بالتصرف في العين، لتمكنه من الرجوع إليه بالبدل. وثانيا: لا يستلزم الاشتراط إلا الخيار، ولا يتبع الخيار إلا الاقتدار على حل العقد، وأما الممنوعية عن التصرف في العين على وجه التكليف، فلا معنى لها إلا برجوعها إلى الوجه الأول، وهو ممنوع، لأن

[ 333 ]

المفروض اشتراط الخيار في العقد. وأما على وجه الوضع، فمع التصريح بمنع التصرف، لا يلزم منه بطلان التصرفات الاعتبارية، كما مر تفصيله في البحوث الماضية. نعم، التصرف الخارجي يصير في صورة التصريح، ممنوعا شرعا أو عقلا، إذا قلنا: بأن اشتراط منع التصرف لا يستتبع إلا الوفاء بالشرط، وهو لا يحصل إلا بترك التصرف، فنفس التصرف جائز ذاتا، كما مر بعض الكلام حوله. وعلى ما أوضحناه يظهر وجه ضعف ما في كلام الأصحاب، وفيهم الشيخ (رحمه الله) حيث قال: " وأما الخيارات المجعولة بالشرط، فالظاهر من اشتراطها إرادة إبقاء الملك ليسترد عند الفسخ... " (1) إلى آخره. كما يظهر وجه ممنوعية التصرف في أيام الخيار في خيار اشتراط رد الثمن، لأن المفروض فيه والمفروغ عنه هناك، وجود العين حين الفسخ. ولكن بطلان التصرفات الاعتبارية، محل مناقشة، بعد كون العين مملوكة الطرف والتصرف على الإطلاق. أويقال: إنه لا حاجة في صحة البيع وأمثاله إلى أكثر من مطلق الملكية، ولا يعتبر الملكية المطلقة، وقد مر منا في تصرف الراهن أن حق الرهن لايمنع عن صحة البيع ونحوه، كما لا تمنع الإجارة، وتصير النتيجة انتقال العين القابلة للعود إلى صاحب الخيار مثلا، فلا فرق بين قصور المقتضي، ووجود المانع وحق الغير، في إمكان تصحيح


1 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 296 / السطر 29.

[ 334 ]

التصرفات الاعتبارية، دون الخارجية، فلا تخلط. ومن هنا يظهر: أنه لا يحصل فرق بين كون العقد مورد حق الخيار، أو العين من هذه الجهة. مع أن التحقيق: أن الخيار ليس إلا اعتبارا ثابتا لذي الخيار، ومورد إعماله العقد حقيقة، والعين مجازا ومسامحة، وأخبار المسألة تشهد على ما ذكرنا، فإن قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): " البيعان بالخيار " (1) أو " صاحب الحيوان بالخيار " (2) وهكذا في بعض الخيارات الاخر (3)، ظاهر - بل صريح - في أن الخيار بيد المتعاقدين، وحقيقة الخيار هو الاقتدار في الاعتبار على هدم معنى لازم ذاتا، كما عرفت، فما في كلام جماعة هنا - وفيهم العلامة الإيرواني (4) - خال من التحصيل جدا.


1 - عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سمعته يقول: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): البيعان بالخيار حتى يفترقا.... الكافي 5: 170 / 4، وسائل الشيعة 18: 5، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 1، الحديث 2، وأيضا في هذا الباب الحديث 1. 2 - عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): البيعان بالخيار حتى يفترقا، وصاحب الحيوان بالخيار ثلاثة أيام. الكافي 5: 170 / 5، وسائل الشيعة 18: 5، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 1، الحديث 1. 3 - وسائل الشيعة 18: 27، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 14، الحديث 1. 4 - حاشية المكاسب، المحقق الإيرواني 2: 75 / السطر 7.

[ 335 ]

بقي شئ: الفرق بين الخيارات إن في مثل خيار العيب في صورة علم الطرف بالعيب، وجهل الآخر به، وأنه ثابت له الخيار ولو كان جاهلا، لا منع عن تصرف الطرف في العين والنقود مثلا، لأن ظاهر أخبار خيار العيب ولو كان رجوعه إلى ثمنه، أو الأخذ بالأرش، إلا أن المراد فيها هي النقود المتعارفة، وهي كلية أولا، ومتشخصة ثانيا، وما كان كذلك لا يوجب خيار المشتري، منعه عن التصرف التكليفي والخارجي والوضعي الاعتباري حسب فهم العقلاء، وهكذا في مثل خيار الغبن. فالتفصيل بين أنحاء البيع، بأن لا يجوز التصرف في المعاوضات، ويجوز التصرف في صورة كون الطرف كليا، وهكذا على الثاني بين كون الثمن من النقود، أو من الأجناس والأمتعة، فيجوز في الأول، لأن النظر فيه إلى الأعم، ولايجوز في الثاني، لتشخص الثمن بالقبض، فلو باع الحنطة بالشعير كليا، وكانت الحنطة معيبة، والشعير صحيحا، لا يجوز التصرف فيه، لتشخص الثمن فيه، وتصير كالمعاوضة، وهكذا سائر التفصيلات فكلها خال من التحصيل ولو كانت ذات صورة صناعية علمية، إلا أنها خارجة عن افق الاعتبار والعرف قطعا. ومن هنا يظهر حكم الغابن العارف بالغبن، وأيضا يظهر إمكان تجويز التصرف الخارجي - فضلا عن الاعتباري - في صورة اشتراط منع الطرف عن التصرف، إذا كان المتاع من الأمتعة التي لها المثل

[ 336 ]

والمماثل في السوق، على وجه لا يكون بينه وبينها فرق أي فرق، كما في الأمتعة العصرية الخارجة من المكائن، فإن بناء العقلاء على إلغاء الشخصية في الملكية، وقد مر شطر من البحث حول ذلك في باب الضمانات، والالتزام به لا يخلو من إشكال. تذنيب: في عدم الفرق بين الخيارات قد عرفت إمكان تجويز التصرف حتى في صورة كون الخيار منجزا فعليا، كالمجلس، والحيوان، وبعض الشروط. كما عرفت وجه إمكان المنع حتى في موارد الخيارات التي توجد بعد العقد والقبض، من جهة قصور المقتضي، كما تحرر في الوجه الثاني، وذلك مثل خيار الغبن والرؤية والعيب على القول بأن الاطلاع سبب، وليس كاشفا ومنجزا. وهكذا ماكان من قبيل خيار التفليس، فإنه يكشف - بعد وقوعه - فساد التصرفات الاعتبارية، والضمان بالنسبة إلى التصرفات الخارجية. ولكن كل ذلك مجرد توهم وقع في كلام بعض من قارب عصرنا، ضرورة أن اشتراط الخيار في الوقت المتأخر، يكون من قبيل الواجب المعلق، فيكون الخيار فعليا، والاشتراط على نحو الوجوب المشروط، يستلزم الجهالة. مع أن الوجه الأول والثاني الراجعين إلى وجود المانع وقصور المقتضي غير تامين صناعة، ففي هذه الموارد جواز التصرف أوضح وأقرب.

[ 337 ]

وأما في مثل خيار الغبن والعيب وأمثالهما، فيمكن دعوى السببية الراجعة إلى إحداث الخيار من الأول، كما مر تفصيله، وهذا غير الكشف في الفضولي على ما يتوهم أحيانا. هذا كله حسب الصناعة العلمية. وأما حسب الأفهام البدوية والروايات الخاصة، فبالنظر إلى الثانية فالأظهر أن المتعارف في عصر تلك الأخبار، هو كون الثمن من النقود، ومن لاخيار له حسب المتعارف صاحب النقود، فالروايات - على فرض ظهورها في شئ يرجع إلى المنع - يكون موضوع مسألتنا خارجا عنها. وأما بالنظر إلى الاولى، فربما تختلف الخيارات، ففي مثل خيار الشرط ولو كان في زمان متأخر، وخيار العيب والغبن وغيرهما، إذا كان الطرف عالما بالعيب والغبن، وفي خيار المجلس والحيوان - في صورة كون أحدهما ذي الخيار، دون الآخر، إما لإسقاطه، كما في خيار المجلس، أو لكون أحد العوضين حيوانا - يكون المنع قويا، وفي غيرها يكون الجواز أقرب وأشبه، من غير فرق بين أنحاء التصرفات الخارجية والاعتبارية، فليتدبر جيدا. ولو تصرف على وجه الإتلاف، فبهذه النظرة أيضا لا يبعد سقوط الخيار عرفا، لما لا موضوع له باق. وما عرفت فهو مجرد تصوير الإمكان لإبقاء العقد مع تلف العين، وإلا فالخيار هو اختيار ذي الخيار في حل العقد وهدمه، وحيث لاعين فلاعقد عرفا.

[ 338 ]

ولو تصورنا العقد فالفسخ من الأول، لا من الحين، كل ذلك حسب الأفهام البدوية البسيطة، والأمر إليك. تنبيهات التنبيه الأول: حكم إتلاف غير ذي الخيار الممنوع عن التصرف لو أتلف غير ذي الخيار مورد العقد، مع كونه ممنوعا مثلا عن التصرف شرعا وعرفا، فهل هو مأخوذ عقابا وتكليفا، ولاوضع، أم هو ضامن للعين مع أنها ملكه، أم عليه جبران ما يرد على ذي الخيار على فرض الفسخ؟ ويظهر من موضع من كلام الشيخ (رحمه الله) (1) نقلا عن ابن سعيد (2)، ما يرتبط بهذه المسألة. فبالجملة: هل القائلون بالمنع يقولون بضمان المثل أو القيمة، بعد إقرارهم بتصرفه في ملكه، إلا أنه يشبه تصرف الراهن، فيكون البدل بحكم المبدل منه في صورة فسخ العقد، ويكون العقد الأول باطلا من وجه، وباقيا باعتبار بقاء البدل في ذمته، فيرد إليه إذا فسخ ذو الخيار، كما يكون البدل رهنا؟ والإشكال العقلي مشترك في البابين، وينحل بالنظر العرفي،


1 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 295 / السطر 34، و: 296 / السطر 11. 2 - الجامع للشرائع: 248.

[ 339 ]

ضرورة أن العين في عقد الرهن ركن ومتعلق في الإيجاب والقبول، ومع هذا ذهب المشهور إلى عدم بطلانه بإتلاف العين وإلى تعلق الرهن بالبدل والثمن (1). أم القائلون بالمنع يمنعون عن التصرف تكليفا فقط؟ أو هم يعتقدون بطلان العقد بالإتلاف، دون النقل ولو كان لازما، فلا يكون بعد التلف مورد لفسخ العقد، حتى يكون غير ذي الخيار، ضامنا بالفسخ بالنسبة إلى البدل؟ والذي هو الأظهر إلى فهم العرف وإن كان مخالفا لمقتضى الصناعة، أن العقد المتعلق بالعين الشخصية وإن كان يبطل ببطلان العين وتلفها، إلا أن ما هو المبيع في صورة وجود المماثل الوحيد هو المماثل عرفا، وفي صورة تعدده أو عدم وجوده يكون كليا، فيكون العقد باقيا ببقاء المماثل. وبهذا تنحل المشكلة التي مرت في أول الوجوه الثلاثة في هذه المسألة (2)، ويقبل الفسخ، فإذا فسخه يرجع إليه العين، ويكون الفسخ من الحين. فالقائل بالمنع يقول بالفسخ حتى بعد الإتلاف، كما أشرنا إليه آنفا، حيث قالوا به في إتلاف العين المرهونة، وما ذلك إلا لأجل توافق العرف والارتكاز، دون العقل غير الصالح للمرجعية في المسائل


1 - مفتاح الكرامة 5: 196 / السطر 11 - 12، جواهر الكلام 25: 248. 2 - تقدم في الصفحة 325.

[ 340 ]

العقلائية، والأحكام الشرعية. ولو قيل: لافرق بين القوانين في أن الفسخ يوجب ضمان البدل بعد تعذر العين، فعلى هذا يكون القول بالمنع ناظرا إلى التكليف الصرف. قلنا: نعم، إلا أنه على القول بالمنع يمكن دعوى الضمان قبل الفسخ، ومقتضى القول المذكور، نقل حق الخيار المتعلق بالمبيع الشخصي إلى مماثله، كما في الرهن، ولا يلزم ذلك على القول بالجواز، فلا تغفل. التنبيه الثاني: حكم ما إذا نقل العين مع بقاء الخيار في موارد نقل العين وبقاء الخيار، سواء قلنا بالمنع، أو الجواز، فإن قلنا بنقل حق الخيار إلى العين الموجودة المماثلة، فترد هي بعد الفسخ. وإن قلنا بنقله إلى الكلي، فيرد البدل، ولاوجه لإلزام ذي الخيار من تصرف في العين باسترداد العين المبتاعة الشخصية إليه بعد الفسخ، كما هو الواضح. وأما على القول الآخر - وهو بقاء حق الفسخ، لبقاء العقد، ولا ينتقل حق الخيار إلى المماثل خارجا - ففي المسألة وجوه وأقول: من وجوب رد العين ولو بالابتياع، وإذا تعذر فيرد البدل. ومن انكشاف بطلان العقود المتأخرة، لازمة كانت، أو جائزة، فترد العين بعد الفسخ إلى ذي الخيار.

[ 341 ]

ومن انفساخ العقود المذكورة ولو كانت لازمة. ومن التفصيل بين النقل اللازم، والجائز، بوجوب استرداد العين في الثاني بفسخ العقد الخياري، أو الجائز الحكمي، ووجوب البدل. ومن وجوب البدل من أول الأمر، دون العين. ومن وجوب رد العين، وكفاية النقل ولو كان جائزا للعذر، فيرد البدل، ويكون المدار على قيمة يوم الأداء، وقد مر شطر من البحث حول المسألة في خيار الغبن (1)، وفي باب ضمان اليد (2). والذي هو التحقيق عندي حسبما تحرر: أن العقد في عصر الخيار لازم، وذا الخيار يجوز وضعا أن يهدم العقد وتلك العقدة الاعتبارية، وأن حقيقة الفسخ وإعمال الخيار ليس إلا هدم العقد، وحل تلك العقدة والمبادلة في الاعتبار، من غير الحاجة إلى التصرف الخارجي. بل لا يجوز للفاسخ بعد الفسخ التصرف في العين، كما كان الأمر كذلك بعد العقد، لأن لكل منهما حق حبس العين مادام الآخر لا يردها، فاسترداد العين ليس إلا استردادا إنشائيا واعتباريا. فما يظهر من جمع ومنهم الفقيه اليزدي، من أن حقيقة الفسخ حل العقد على وجه يقتضي رد العين (3)، في غير محلة، لأن الفسخ ليس له الاقتضاء، بل هو تخريب العقد وحل العقدة فقط، وأما رد العين أو البدل


1 - من المؤسف له أن هذه المباحث من الكتاب مفقودة. 2 - تحريرات في الفقه، البيع 1: 246 وما بعدها. 3 - حاشية المكاسب، السيد اليزدي 2: 159 / السطر 30.

[ 342 ]

فهو من الأحكام العقلائية الكلية المترتبة عليه، كسائر القضايا العقلائية الاعتبارية. والذي هو من تلك الأحكام، هو أنه كما في العقد يكون الحكم العقلائي الكلي، أن من باع شيئا من زيد، يكون ذلك الشئ لزيد بعد استجماع البيع لشرائطه، كذلك في الفسخ يكون الفسخ موجبا لحل العقد، وإذا حل العقد يجب بحكم العقلاء رد العين إلى مالكها الأولي في صورة الإمكان، إلا أنه ليس نقل العين الشخصية، ولو كان نقلا لازما عذرا إذا تمكن من الاشتراء والرد. نعم، إذا لم يتمكن من ذلك، كما في العتق والوقف عندنا، حتى الوقف الخاص، أو في موارد لا يمكن تحصيلها، فعليه البدل، والمدار على قيمة يوم الطلب، كما مر في باب الضمانات. وأما حديث انكشاف بطلان العقود الطارئة، أو انفساخها، أو الفسخ أولا، ثم فسخ العقد الأول ثانيا، فكله من الأباطيل ولو أمكن ثبوتا. وغير خفي: أن صاحب " الجواهر " عليه الرحمة (1) إن كان يقول بالكشف، فهو من قبيل الكشف الانقلابي، لقوله بجواز التصرف واقعا في العين، لا ظاهرا، فلا تغفل. وبالجملة: في موارد نقل العين، لاترد العين حتى تلزم الإشكالات، ولا يعتبر وجودها الثاني، أو الماخوليائي والحور قليائي، بل يعتبر لزوم رد العين التي وقع عليها ذلك العقد المنفسخ، وفي صورة التمكن


1 - جواهر الكلام 22: 286 - 287، و 23: 48 و 70.

[ 343 ]

العادي لايرد البدل. نعم، في صورة التعذر تصل النوبة إلى بدل الحيلولة، أم لا؟ فيه احتمالان، وما في كلام الشيخ الأعظم (قدس سره) (1) لا يفي لإحداث الفرق بين ما نحن فيه، وباب الغصب والتلف الحكمي، كالغرق في البحر إذا كان يرتجى عوده، وبناء العقلاء على الأعم، فلو باع من لاخيار له، ثم فسخ ذو الخيار، وكان البيع الثاني فيه الخيار للبائع يفسخه، وعليه بدل الحيلولة إلى أن ترد العين، وإذا تعذرت عرفا على الإطلاق فعليه البدل، وهكذا إذا يرتجى تمكنه من الاشتراء. وكل ذلك لاتحاد ما نحن فيه وباب الغصب، في أن منشأ الحكم ببدل الحيلولة، هو حكم العقلاء بوجوب رد العين الشخصية إذا تمكن، سواء كانت هي ملكا للأجنبي، أو ملكا لمن له البدل، فتأمل. ثم إنه مما لا يخفى: أن حديث كون الفسخ من الحين لا من الأصل، بحث يحتاج إلى عقد مستقل، ولولا الإجماع أو الدليل فالأقرب أن الأمر بيد الفاسخ، كما كان الأمر كذلك في مسألة إجازة الفضولي عندنا (2). فرع: لو كان العقد الثاني بين من لا خيار له وبين ذي الخيار فقضية الصناعة عدم الفرق بينه وبين الأجنبي، ولا يستلزم علم ذي الخيار بتصرفه الناقل سقوط خياره، ولا رضاه بذلك، كما لا يخفى.


1 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 297 / السطر 5 - 9. 2 - تحريرات في الفقه، البيع 2: 129.

[ 344 ]

وتظهر الثمرة في الثمن، واختلاف قيمة العين في زمان البيع الثاني وزمان اشترائه من ذي الخيار لنقله ثانيا إليه. اللهم إلا أن يقال: أمثال هذه الامور تشهد على عدم بقاء الخيار بمجرد تلف العين موضوعا وحكما مطلقا، حتى في مثل خيار الشرط في صورة استفادة اقتضائه بقاء العين مدة الشرط، أو إلى زمان الشرط وانقضائه لأن تخلفه لا يورث إلا الإثم، فافهم. التنبيه الثالث: في صحة إجارة من لا خيار له في جواز إجارة من لا خيار له وصحتها خلاف، فمن قائل بالبطلان من الأول، ومن قائل بالبطلان بعد فسخ ذي الخيار، ومن قائل بالصحة مطلقا. ويحتمل التفصيل بين الموارد، حيث إنه ربما تقتضي الإجارة تسليط المستأجر وتسليم العين إليه، وربما لا تكون كذلك، كما هو المعروف عنهم في الأكثر، فيصح في الثاني دون الأول. وقيل: لا يحتمل صحة الإجارة، إلا أن المؤجر إلى زمان الفسخ، هو المشتري مثلا، وبعد الفسخ هو البائع الفاسخ، فيكون المسمى بينهما على التقسيط. وقيل: بضمان من لا خيار له بالنسبة إلى المنفعة وقيمة المثل، دون المسمى. ويحتمل قويا عدم الضمان وصحة الإجارة مطلقا، أي من الأول إلى

[ 345 ]

انتهاء زمان الإجارة، من غير انفساخ الإجارة بالفسخ، أو انكشاف البطلان كشفا انقلابيا، لا واقعيا. وهذه وجوه من الكلام نشير إليها إجمالا، وإلى ما هو الأشبه. وغير خفي: أن اختصاص الإجارة من بين العقود بالبحث، يومئ إلى إمكان التفكيك، ضرورة إمكان صحة سائر التصرفات، دون هذا التصرف الناقل، كما يمكن العكس ونقول بعدم صحة التصرفات الناقلة إلا الإجارة وما يشبهها، ويظهر وجه ذلك في طي البحث القادم إن شاء الله تعالى. تحقيق المسألة وهو حديث بطلان الإجارة خصوصا ولو كانت سائر النواقل صحيحة، وأنها باطلة من الأول ولو لم يفسخ ذو الخيار، وذلك لأن مالكيته بالنسبة إلى المنفعة غير معلومة، بخلاف العين، ضرورة أنه مع فقد العين يرد المثل في الفسخ، وأما مع وجودها فترد العين، والمنفعة تابعتها، وحيث إن الفسخ غير معلوم فالملكية المعتبرة في الإجارة غير معلومة. والتعليل بأنها متزلزلة، عليل، لما تحرر من أن الملكية المتزلزلة لا معنى لها، وأن الإجارة لاتتقوم بالملكية المستقرة، بخلاف مسألة جهالة الملكية، فالفسخ لو وقع وإن كان حلا للعقد من الحين، إلا أن صحة الإجارة منوطة بالملكية المعلومة في مدة الإجارة.

[ 346 ]

ولو قلنا: بأن ثمرة الفسخ عود العين بجميع خصوصياتها إلى ذي الخيار، تكون الإجارة هنا أسوأ حالا من إجارة البطن الأول للوقف، مع أن الإجارة هناك صحيحة عندنا، لأنها تابعة لكيفية الوقف، ولا شبهة في إمكان الوقف على وجه يكون الطبقة المتأخرة متلقية من الطبقة المتقدمة، كما في الإرث، فلا تخلط. أقول: الإجارة سواء كانت مشتملة على نقل المنفعة، إما لكون ماهيتها هي نقل المنفعة، أو تكون مستتبعة لها إيقاعا وعقدا، أو شرعا وعرفا، أو لم تكن مشتملة عليه رأسا - كما هو الأشبه، وتكون ثمرة إجارة العين انتقال حق إليه، وتفصيله في محله (1) - لا تبطل بتلك الجهالة، لأنها كالجهالة الناشئة عن بقاء العين تكوينا، وكما أنها مرفوعة بأصالة السلامة، كذلك هنا مرفوعة باستصحاب بقاء الملك، أو الأصل السببي، وهو عدم طرو الفسخ لو لم يكن مثبتا. ويجوز دعوى: أن تصرف المؤجر كتصرف سائر الملاك، فكما لا يبطل بموتهم إجارتهم، لكون الملكية مرسلة ولو لم يكن المالك مرسلا، وتنتقل العين إلى الوراث مسلوب المنفعة، كذلك الأمر هنا. وتوهم: تنافي الإجارة مع مقتضى الفسخ بالمطابقة، أو بالاستلزام، في غير محله، لأن من الممكن عدم طرو الفسخ خارجا، فالدليل أخص. مع أن من الإجارات ما لا يقتضي تسليم العين، كي يقع التهافت بينهما، فلا


1 - كتاب الإجارة من تحريرات في الفقه مفقود.

[ 347 ]

يتم الوجه المزبور من هذه الجهة أيضا. مع أن ماهية الفسخ لا تقتضي إلا انهدام العقد، من غير استتباعه أمرا آخر إلا حكم العقلاء، ولا شبهة في جواز كون حكمهم هنا رد العين مسلوبة المنفعة، لأنه به يجمع بين ملك الملكية المرسلة وهذا الفسخ مع وجود العين. فتحصل لحد الآن: أن الفسخ والإجارة متلائمان، فلا تلزم الجهالة في ملكية المنفعة، فلا قصور في ناحية الاقتضاء لصحة الإجارة، ولا مانع يمنع، كما في كلمات الشيخ (1) وأتباعه (2)، بل قضية الجمع بين الامور المذكورة، صحة الإجارة والفسخ، ورد العين بعد مضي وقتها، والقول باستتباع المنفعة لملكية العين باطل عاطل، لأن دليله لبي، وهو حكم العقلاء في غير أمثال المقام. بقي شئ: في مالك المنافع والاجرة عند فسخ البيع وصحة الإجارة وهو أن بالفسخ ترد العين بحكم العقلاء مسلوبة المنفعة، أم ترد وهي مستأجرة بالإجارة الصحيحة إلى حين الفسخ وبعده، فتكون الاجرة المسماة تمامها لذي الخيار، أم هي - أي المنفعة - مضمونة مطلقا بالبدل، أو مضمونة من حين الفسخ؟ وجوه، بل أقوال.


1 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 297 / السطر 33. 2 - حاشية المكاسب، المحقق الأصفهاني 2: 182 / السطر 36 - 39، حاشية المكاسب، المحقق الإيرواني 2: 76 / السطر 12، البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 5: 303.

[ 348 ]

والأشبه هو القول الحديث: وهو عدم الضمان على الإطلاق، ضرورة أن معنى تصرفه في ملكه المرسل لا يناسب الضمان، ومن الغريب ذهاب جمع إلى الصحة الواقعية والضمان (1)!! نعم، لا بأس بدعوى الصحة الظاهرية، وبعد الفسخ تكون الإجارة باطلة، فيكون حينئذ للقول بالضمان وجه، وهو في السعة والضيق تابع لمقتضى الفسخ، وأنه يوجب البطلان من الأول، أو من الحين. ويمكن أيضا دعوى الضمان على مبنى الكشف الانقلابي. نعم، في صورة وقوع ذي الخيار بعد الفسخ في الضرر، لتعذر الانتفاع من العين - كما إذا فسخ، ثم التفت إلى أن الإجارة ذات مدة طويلة باقية - فربما يتوهم لزوم التدارك بوجه من الوجوه، ومنها: استئجار العين من المستأجر، وردها إلى المالك، أو تسليطه على بدل الحيلولة، ولكنه غير مناسب للصناعة، ولا يأتي الضرر إلا من سوء تدبيره. اللهم إلا أن يقال: إن إطلاق سلطنة من ليس له الخيار في زمان الخيار، مرفوع بحديث نفي الضرر (2).


1 - حاشية المكاسب، المحقق الأصفهاني 2: 183 / السطر 1، البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 5: 303. 2 - زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) - في حديث - أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: لا ضرر ولا ضرار. الكافي 5: 292 / 2، وسائل الشيعة 18: 32، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 17، الحديث 3.

[ 349 ]

وفيه إشكال محرر منا في محله، فإن المرفوع به هي الأحكام التأسيسية الإسلامية، دون الإمضائية العقلائية. وحديث إشكال مورد حديث نفي الضرر وحله، يطلب من رسالتنا المعدة لبحوثه (1). تذنيب: حول كلام السيد اليزدي ربما يوجد في كلمات بعض الأجلة (2) تبعا لما في " حاشية الفقيه اليزدي (قدس سره) ": إن قضية الفسخ رجوع كل من العوضين على حالهما حين العقد، ومن تلك الشؤون والأحوال كونها ذات المنفعة، فيتدارك ذلك بنفسها أو ببدلها (3). وفيه: - مضافا إلى الانتقاض بموارد الإقالة، فتأمل - أن التصرف بعدما كان في ملك المؤجر، لا يجتمع مع اعتبار الضمان رأسا، وأن الفسخ ليس له اقتضاء إلا انهدام العقد وانعدامه، وأما رجوع العين بجميع شؤونها أو بعضها بلا فصل أو مع الفصل، فهو من الأحكام العقلائية التي تختلف أحيانا حسب الموارد، ومن ذلك لو تقايلا في البيع بعد الإجارة غافلين عنها، ترجع العين المسلوبة المنفعة إلى المالك من غير ضمان، فالفسخ والتفاسخ من باب واحد.


1 - رسالة المصنف (قدس سره) في " قاعدة لاضرر " مفقودة. 2 - منية الطالب 2: 170 / السطر 19 - 20. 3 - حاشية المكاسب، السيد اليزدي 2: 165 / السطر 9.

[ 350 ]

التنبيه الرابع: حكم بقاء الخيار لو لم يمنع ذو الخيار عن تصرف الآخر في موارد اطلاع ذي الخيار على تصرف من لا خيار له، مع إمكان المنع، وإبلاغ ذلك إليه: هل يسقط خياره سواء كان ذلك الاطلاع غير مقرون بشئ آخر، أو كان مقرونا برضاه بالتصرف الاعتباري، أو بالتصرف التكويني وإذنه فيه بعد الاستئذان، أو بدوا، أو كان طرف التصرف الاعتباري أو التكويني نفسه، أو الأجنبي، بأن آجر العين لذي الخيار، أو باع منه أو ضيفه بما اشتراه، فأكله أو أتلفه وهو عالم بالواقعة، أو غير ذلك من موارد النقل والتلف والإتلاف الجائز والمحرم؟ أم لا يسقط إثباتا - بعد الفراغ عن إمكان عدم السقوط ثبوتا، لما مر بتفصيل من بقاء الخيار والعقد عقلا في جميع هذه الصور - وذلك لأن في صورة الخيار، ليس لذي الخيار إلا القدرة الوضعية الاعتبارية على حل عقدة النكاح وعقد البيع، مع أنه لازم عرفا وشرعا، ذاتا وحقيقة، لا مسامحة ومجازا، ولا يتعلق حق له بالعين، ولا بالعقد، بل له القدرة على هدمه، كما له القدرة التكوينية على تلف الأشياء الخارجية أحيانا؟ فحديث إذنه في النقل والاستئذان منه، لا يرجع إلى الإذن المالكي، أو الاستئذان من ذي الحق بالنسبة إلى العين والتصرف فيها، لأنه أجنبي عنها بالضرورة. وإمكان رجوعها إليه بتسبيب منه هنا،

[ 351 ]

كإمكانه بالاشتراء ثانيا والإقالة، إلا أنه يشبه الإقالة غير الموقوفة على رضا الطرف. ومما يؤيدنا: ممنوعية ذي الخيار عن التصرف في العين المذكورة، حتى بعنوان الاسترداد لأجل الفسخ وإرادة الحل عملا، كما مر. فعلى هذا لا معنى لإذنه، ولا يعتبر الاستئذان منه، كي يقال بامتناع اجتماع الإذن في التصرف على الإطلاق، مع إرادة بقاء العقد وخياره، كما يستظهر من كلام بعضهم (1)، أو يقال بإمكان الجمع بينهما، كما يظهر من جماعة آخرين (2)، ففي مرحلة الثبوت لا يكون إعضال. نعم، إن المشكلة في مرحلة الإثبات، كما يستظهر إن شاء الله تعالى. لو أذن ذو الخيار في التصرف المحتاج إلى إذنه بقي في المسألة أنه لو فرضنا أنه كان التصرف شرعا منوطا بإذنه، لاحتمال من الاحتمالات الموجودة في البين، عقليا، أو شرعيا، فهل إذنه بالتصرف والنقل أو طرفيته للعقد أو لغيره، بأن يرضى بجعل العين مثلا جعلا في الجعالة، أو مهرا في النكاح؟ فربما يقال: بامتناع صدور الرضا المذكور مع عدم التزامه بالعقد،


1 - لاحظ المكاسب، الشيخ الأنصاري: 298 / السطر 3. 2 - حاشية المكاسب، المحقق الإيرواني 2: 76 / السطر 15، حاشية المكاسب، المحقق الأصفهاني 2: 183 / السطر 8 - 12.

[ 352 ]

أو عدم إسقاطه للخيار، للزوم الجمع بين الوجود والعدم، ضرورة أن الرضا بالتصرف، يرجع إلى رضاه بعجز الطرف عن الرد بعد الفسخ، وعندئذ لا معنى لعدم التزامه بالعقد المذكور. وبعبارة اخرى: الأمر يدور بين شيئين: إما عدم اعتبار إذنه مطلقا في التصرف، أو عدم اجتماع إذنه المعتبر مع عدم رضاه والتزامه، لأن منشأ اعتبار إذنه تعلق حق منه بالعقد، أو بالعين مستقلا، أو لأجل العقد المتعلق بها، وإذا رضي به يلزم مضيه عنه وانصرافه منه. وحديث رضاه بالبدل، أو تبديل موضوع حقه، من الأغلاط، لأن الأمر ليس بيد ذي الخيار حتى يتبدل موضوع حقه، وكفاية رجوعه إلى المتصرف بالبدل بعد الفسخ لإمكان الجمع، ترجع إلى عدم تعلق حق منه بالعين مستقلا، أو مع الواسطة، فما ترى في كلام القوم (1) خال من التحصيل ظاهرا. وأما توهم: أن مجرد الإذن لا يوجب سقوط الحق، مادام لم يلحقه التصرف والتلف الموضوعي، أو الحكمي، فإذا كان التلف دخيلا في سقوط الحق فالحق باق إلى حينه، فيكون كالتلف بلا إذن قابلا للاجتماع مع الضمان، فيجوز الجمع بين حدوث الإذن وبقاء الخيار، نظرا إلى أن سقوط الحق بالتلف قطعي، سواء كان إذن، أم لم يكن، ضرورة أنه


1 - لاحظ حاشية المكاسب، السيد اليزدي 2: 165 / السطر 16 - 23، البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 5: 304.

[ 353 ]

لا يعقل بقاء الحق بالنسبة إلى العين التالفة، ولاسيما التلف التكويني. وعندئذ يحدث الضمان في عرض سقوط الحق، فكما أن التلف سبب سقوط الحق، بمعنى انتفاء موضوعه، كذلك التلف سبب الضمان، فإذا كان ذو الخيار عالما بذلك، يتمكن ثبوتا من الإذن وعدم الالتزام بالعقد لتلك الجهة، كما لا يخفى. ودعوى: أنه لا معنى للضمان - بمعنى الانتقال إلى البدل - إلا بعد الفسخ، غير مسموعة، لأن المقصود من " الضمان " هو أنه لو فسخ العقد فعليه البدل، وهذا الأمر التعليقي في عرض سقوط الحق بالتلف، فكيف يمكن حصول ذلك الأمر التعليقي، مع أنه لابد وأن يكون بعد سقوط الحق، الذي هو بعد التلف، وهو بعد التصرف، الذي هو بعد الإذن، الذي هو بعد حلول الحق الحاصل بالخيار في طي العقد؟! وبالجملة: فهو - أي التوهم المذكور - لا يثبت إلا لأجل بقاء العقد بعد التلف، وأنه لو فسخه فعليه البدل، فيعلم منه أن الإشكال المذكور خلاف المفروض، وفي صورة انتفاء العقد رأسا بالتلف فلا خيار، ولا ضمان. ومما ذكرناه وحصلناه يظهر مواضع ضعف كلمات القوم، ولاسيما الفقيه المحشي (1)، والعلامة الأصفهاني (قدس سرهما) (2) وكون الضمان


1 - حاشية المكاسب، السيد اليزدي 2: 165 / السطر 16 - 23. 2 - حاشية المكاسب، المحقق الأصفهاني 2: 183 / السطر 8 وما بعده.

[ 354 ]

والسقوط عرضيين محل منع، بل التلف باعتبار اقترانه مع موضوعية العين للحق، يورث الضمان، وأما سقوط الحق فباعتبار قيامه بالعين في الاعتبار، كقيام العرض بالموضوع، فلا تخلط. هذا كله ثبوتا. وأما إثباتا فربما تختلف الموارد، لأجل الاقتران بالقرائن الخاصة، ولا يبعد عرفا تلازم الإذن المذكور مع إعراضه عن حقه، وهذا هو التعبير الصحيح دون " الإسقاط " أو " إنشاء السقوط " وتصير النتيجة التزامه بالعقد، كما لا يخفى. فبالجملة: ما هو الحقيق في المسألة، هو أن الآذن أجنبي، وليس ذلك إلا لأجنبية الخيار عن العين فيما هو طبع الخيار، ومجرد إذنه في تصرف المالك في ملكه، غير مربوط بما هو حقه وقدرته، وهو هدم العقد. مع أن الفسخ والهدم لا يقتضي شيئا مطلقا، كما مر، فضلا عن اقتضائه النقل إلى البدل فعلا أو تعليقا. نعم، في بعض الخيارات الموجبة لتحديد مالكية من لا خيار له، يمكن كشف سقوط الخيار وإعراضه عنه عند الالتفات، إلا أن التحقيق في موارد خيار رد الثمن أو اشتراط رد العين خصوصا، هو صحة النقل والتصرف، وحرمة التخلف عن العهد والشرط مثلا، فتأمل. وربما ينفعك للمقام ما يأتي ذيلا لمسألة " التلف في زمان الخيار ممن لا خيار له " (1).


1 - لم نعثر على مكتوبات الشهيد (قدس سره) في هذه المباحث.

[ 355 ]

ولو غفل عن الخيار عند رد الثمن فأذن، لا شئ على الطرف على الأشبه. التنبيه الخامس: حكم بقاء الخيار عند تصرف ذي الخيار في العين وصحة تصرفه وحليته تصرف ذي الخيار فيما انتقل إليه من العين، مورد الكلام أيضا تكليفا ووضعا، وملازمة، لالتزامه بالعقد ثبوتا، ولإعراضه عن الخيار إثباتا. ولا يختص البحوث المذكور بمن لا خيار له، خلافا لما يستظهر من الأصحاب (رحمهم الله). وذلك لأن من لا خيار له ولو لم يكن صاحب حق بالنسبة إلى العين ومورد العقد، إلا أنه بعد الفسخ يستحق العين، فلو كان في نفسه الإتلاف، ثم الفسخ ورد البدل، فهو إجحاف وظلم بالنسبة إلى الطرف عرفا، وإن لم يكن فعلا غير متعد بالنسبة إلى مال الغير، فيمكن منعه عن التصرف في هذه الصورة، لتفويت محل حق الغير المتعلق به بعد الفسخ الآتي، ويكفي حكم العقلاء بذلك. نعم، إذا كان من نيته عدم الفسخ، أو لم يكن من نيته الفسخ، بل لو تصرف وعدل عن الفسخ فلاشئ، لانكشاف أنه لم يكن متعديا ولو كان متجريا. ويؤكد الإجحاف المذكور في صورة انحصار العين، وعدم وجود المثل لها، ولزوم رد القيمة إليه مع أنه مثلي، فهو نحو تعجيز عن

[ 356 ]

التكليف المعلق، لا المشروط، بل ولو كان مشروطا بشرط يعلم تحققه، لبنائه على إيجاده وأوجده، فإنه ممنوع صناعة، فضلا عن العرف والعقلاء، على ما تحرر منا في الاصول، وأن جميع الواجبات المشروطة معلقة واقعا، وليست مشروطة، فليطلب من مظانه. وعلى هذا يتبين: أن التفصيل المحكي عن الشيخ أسد الله (رحمه الله) (1) من الممنوعية في أصل المسألة بالنسبة إلى التصرف التكويني، دون الاعتباري، يجري هنا، كما أن التفصيل المحكي عن العلامة الخراساني (2) - على فرض صحته، مع بعده جدا - آت أيضا، وهو عكس التفصيل الأول. وما في صدر عبارة الشيخ الأعظم (رحمه الله) في أصل المسألة: " من أن من أحكام الخيار، عدم جواز تصرف غير ذي الخيار تصرفا يمنع من استرداد العين عند الفسخ " (3) انتهى، يقتضي المنع هنا أيضا، كما هو الظاهر. فالأشبه عدم الفرق بين تصرف الطرفين بالنسبة إلى بعض الوجوه، وهو كاف، نعم الأظهر جوازه في الناحيتين. كما أن من المحتمل دعوى: أن تصرف ذي الخيار أظهر في إعراضه عن خياره وحقه الوضعي عن إذنه في التصرف، متأكدا بما ورد في أخبار


1 - لاحظ المكاسب، الشيخ الأنصاري: 296 / السطر 15 - 16، حاشية المكاسب، المحقق الأصفهاني 2: 179 / السطر 31. 2 - حاشية المكاسب، المحقق الخراساني: 260، لاحظ حاشية المكاسب، المحقق الأصفهاني 2: 179 / السطر 30. 3 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 295 / السطر 31.

[ 357 ]

خيار الحيوان (1) وغيره، ولاسيما في خيار رد الثمن فيما إذا كان الثمن من غير النقود وأشباهها. والمراد من " الثمن " هو العوض الشخصي، فلا تخلط. كما لا ينبغي الغفلة عن أن إنكار إمكان الجمع بين التصرف المذكور وبقائه على الخيار هنا أقرب، ضرورة أن إذنه إذا كان عن التفات غير مجتمع مع بقائه على الخيار وعدم إعراضه عنه، فتصرفه مع التوجه أوضح في عدم الجمع. هذا تمام الكلام فيما يتعلق بهذه المسألة.


1 - وسائل الشيعة 18: 10، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 3.

[ 358 ]

وقد فرغنا منه في أيام العطلة، لأجل تسفير حكومة العراق - خذلها الله تعالى - طلاب العلوم الدينية، وهدم أساس الحوزة العلمية في النجف الأشرف، وقد كانت من الأيام السالفة أعداء الدين مريدين أمثال هذه الجنايات والكوارث المهلكة، إلا أن الله تعالى من ورائهم محيط، فإن الإسلام يبلغ حد الشعرة ولا ينقطع. وكل ذلك مما يرجع إلى فتور مراجع العراق، ومستند إلى عدم رشدهم، ولو كان مرجع العراق في هذه الأيام - حسبما يتراءى من أشباه المسائل العصرية - السيد المحقق الخميني الوالد - مد ظله - لما كان الأمر كما وقع، وفي المسألة تفسير يحتاج إلى بسط البحث حول شرائط زعيم المذهب (وتو خود حديث مفصل بخوان از اين مجمل). تحرر ليلة الاثنين من شهر محرم الحرام في اليوم السابع عشر من سنة (1396).

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية