الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




خيارات - السيد مصطفى الخميني ج 1

خيارات

السيد مصطفى الخميني ج 1


[ 1 ]

تحريرات في الفقه كتاب الخيارات تأليف العلامة المحقق آية الله المجاهد الشهيد السعيد السيد مصطفى الخميني الجزء الثالث مؤسسة تنظيم ونشر آثار الامام الخميني قدس سره

[ 2 ]

بمناسبة الذكرى السنوية العشرين لشهادة العلامة المجاهد آية الله السيد مصطفى الخميني (قدس سره) هوية الكتاب * اسم الكتاب: كتاب الخيارات (ج 3) * * المؤلف: السيد مصطفى الخميني (قدس سره) * * تحقيق ونشر: مؤسسة تنظيم ونشر آثار الامام الخميني (قدس سره) * * سنة الطبع: آبان 1376 - جمادى الثاني 1418 * * الطبعة: الاولى * * المطبعة: مطبعة مؤسسة العروج * * الكمية: 3000 نسخة * * السعر: 9000 ريال * جميع الحقوق محفوظة للناشر

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم

[ 5 ]

تذكرة قد ضاع - وللاسف - القسم الاول من كتاب الخيارات المشتمل على 540 صفحة من مخطوطة المصنف (قدس سره) والموجود عندنا من المخطوط مجلد واحد جمع بين دفتيه الجزء الثالث والرابع من مباحث الخيارات وقد تم بعون الله تبارك وتعالى تحقيقه والحمد لله رب العالمين. مؤسسة تنظيم ونشر آثار الامام الخميني (قدس سره) فرع قم المقدسة

[ 1 ]

القول في خيار العيب

[ 3 ]

في كيفية خيار العيب بالنسبة إلى الرد والارش ] ظهور العيب في المبيع يوجب تسلط المشتري على الرد وأخذ الارش بلا خلاف ويدل على الرد الاخبار المستفيضة وأما الارش فلم يوجد في الاخبار ما يدل على التخيير بينه وبين الرد، بل ما دل على الارش يختص بصورة التصرف المانع من الرد [ (1). ... بينهما كما صرح بذلك جمع من الاعلام (رحمهم الله) فيكون التخيير طوليا، لاعرضيا، بمعنى انه إن كان المعيب قائما بعينه فيرد، وإلا فله أخذ الارش. ونسب الى مواضع من " المبسوط " (2) الميل إليه، أو الافتاء به،


1 - قد أثبتنا بين العضادتين صدر المسألة من كتاب المكاسب للشيخ الاعظم الانصاري (قدس سره) لتسهيل الامر على القارئ الكريم. 2 - قال المحقق الانصاري: " يظهر من الشيخ في غير موضع من المبسوط أن أخذ الارش مشروط باليأس عن الرد ". المكاسب، الشيخ الانصاري: 253 / السطر 25، لاحظ المبسوط 2: 131 - 132.

[ 4 ]

خلافا لسائر كتبه، وصريح موضع منه (1)، و " نهايته " (2). وحيث إن الشهرة بين قدماء أصحابنا ليست بالغة الى حد النصاب، لعدم اشتهار الحكم بين المخالفين، فإن المسألة كأنها لم تكن كثيرة الدور بين الاصحاب (رحمهم الله) حتى يحصل الوثوق بكونها من مبادئ الوحي والتنزيل، ضرورة ذهاب الشيخ الى الخلاف أولا، وسكوت جمع من العامة عن هذا التخيير ثانيا، مع بعد وجود الامر التعبدي في المعاملات ثالثا، تحصل الشبهة في إمكان إثبات التخيير العرضي. نعم، ربما يوهم ما في " الفقه الرضوي " أن المسألة كانت عندهم مفروغة، وذلك لقوله فيه: وروي في الرجل يشتري المتاع فيجد به عيبا يوجب الرد " فإن كان المتاع قائما بعينه رد على صاحبه، وإن كان قد قطع أو خيط أو حدثت فيه حادثة، رجع فيه بنقصان العيب على سبيل الارش " (3). وقال في موضع آخر يظهر انه فتواه: " فإن خرج في السلعة عيب وعلم المشتري فالخيار إليه، إن شاء رد، وإن شاء أخذه، أو رده عليه بالقيمة أرش المعيب... " (4) الى آخره.


1 - المبسوط 2: 138. 2 - النهاية: 392. 3 - الفقه المنسوب للامام الرضا (عليه السلام): 250 - 251. 4 - هكذا في مستدرك الوسائل 13: 306، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 12، الحديث 3، وفي الفقه المنسوب للامام الرضا (عليه السلام): 253، ورد " الواو " بدل " أو ".

[ 5 ]

وكلمة " أو " عدل قوله: " فالخيار إليه " أي أن له الخيار، أو يرد عليه الارش. والانصاف: أن في العبارة غلقا ظاهرا يحتمل فيه الاحتمالات، فلا يصلح للاستناد. بحث وتحصيل الاحتمالات في خيار العيب في المسألة احتمالات: الخيار فقط. والارش فقط. والتخيير بينهما عرضيا. وأما التخيير الطولي، فهو مربوط بصورة التصرف وعدمه. والبحث هنا حول الصورة الاصلية، وهي ما قبل التصرف، وقبل أن تنقلب العين الى حالة اخرى. وهنا احتمال رابع: وهو خيار المشتري إن لم يرد الارش البائع. أما وجه الخيار فقط فهو واضح، لان العيب على خلاف البناء، وهو كاف لحكم العقلاء الممضى بالشرع بالضرورة. وأما وجه الارش فقط فبدعوى: أن البيع وقع على ما هو العين

[ 6 ]

الشخصية الباقية، وهو لازم حسب إطلاق دليل الوفاء بالعقود (1) الرادع لبناء العقلاء. والتمسك بهذه الاخبار لاثبات تقييد إطلاق الاية، في غير محله، لا نها مورد الاعراض. مع ضعف جملة منها، كما سيمر عليك بتفصيل إن شاء الله تعالى. اللهم إلا أن يقال: إن السيرة مخصصة، وفيه ما لا يخفى. نعم، قد مر منا في محله أجنبية الاية الشريفة عن هذه المواقف (2)، فالسيرة ممضاة. وأما وجه الخيار بعد عدم قبول البائع جبران الارش، فهو أيضا لحكم العقلاء بأن العيب الشخصي مورد البيع اللازم الوفاء به، وإذا كان هو الراضي بالجبران فيعطي الارش، فلا معنى للخيار، لان منشأ الخيار - حسب نظر العقلاء - جبران الخسارة والضرر نوعا، وهو يحصل في مفروض البحث، كما مر في خيار الغبن. وتوهم: أن الاخبار في المسألة تنافي هذا الاحتمال، في غير محله، ضرورة أن مصب الاخبار حول بقاء العين وعدمها. وما ورد في الارش على الاطلاق يؤيد ذلك، لانه إذا كان البائع يقبل فلا خيار له. نعم، ثبوت الاطلاق المذكور لمثل خبر يونس (3) وعمر بن


1 - (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود)، المائدة (5): 1. 2 - تحريرات في الفقه، كتاب البيع 1: 27 - 28. 3 - إسماعيل بن مرار، عن يونس في رجل اشترى جارية على انها عذراء فلم يجدها عذراء قال: يرد عليه فضل القيمة إذا علم انه صادق. الكافي 5: 216 / 14، تهذيب الاحكام 7: 64 / 278، وسائل الشيعة 18: 108، كتاب التجارة، أبواب أحكام العيوب، الباب 6، الحديث 1.

[ 7 ]

يزيد (1) والسكوني (2)، غير واضح، وإن أصر عليه السيد الفقيه اليزدي (قدس سره) (3). فبالجملة: فيما هو مفروض البحث - وهو بقاء العين - يحتمل أن يكون خيار المشتري في طول جبران الخسارة وإعطاء الارش من قبل البائع، فإن لم يقبل ذلك فهو بالخيار. وأما دعوى: أن الشهرة تنافيه، فهي مندفعة بأن القدر المتيقن من ذلك، هو صورة عدم قبول البائع جبران الخسارة. مع أن ثبوت الشهرة المفيدة غير واضح بعد. ثم إن هنا احتمالا ليس في عرض الاحتمالات الاخر: وهو أن البيع


1 - الحسن بن عطية، عن عمر بن يزيد قال: كنت أنا وعمر بالمدينة فباع عمر جرابا هرويا كل ثوب بكذا وكذا، فأخذوه فاقتسموه فوجدوا ثوبا فيه عيب، فقال لهم عمر: أعطيكم ثمنه الذي بعتكم به، قالوا: لا ولكنا نأخذ منك قيمة الثوب، فذكر ذلك عمر لابي عبد الله (عليه السلام)، فقال: يلزمه ذلك. الكافي 5: 206 / 1، الفقيه 3: 136 / 591، تهذيب الاحكام 7: 60 / 259، وسائل الشيعة 18: 29، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 16، الحديث 1. 2 - النوفلي، عن السكوني، عن جعفر، عن أبيه أن عليا (عليه السلام) قضى في رجل اشترى من رجل عكة فيها سمن، احتكرها حكرة فوجد فيها ربا فخاصمه إلى علي (عليه السلام)، فقال له علي (عليه السلام): لك بكيل الرب سمنا، فقال له الرجل: إنما بعته منك حكرة، فقال له علي (عليه السلام): إنما اشترى منك سمنا، لم يشتر منك ربا. تهذيب الاحكام 7: 66 / 286، وسائل الشيعة 18: 110، كتاب التجارة، أبواب أحكام العيوب، الباب 7، الحديث 3. 3 - حاشية المكاسب، السيد اليزدي 2: 68 / السطر 12.

[ 8 ]

الواقع على العين الشخصية المعيبة، ربما لا تكون الخصوصية الخارجية والشخصية، دخيلة عند العقلاء فيما هو المهم من الاغراض، فإذا قبل البائع التبديل - كما في مثل الحنطة والبطيخ - لا يبعد حكم العقلاء بعدم الخيار والارش، فالبيع شخصي بحسب الانشاء والمبادلة، إلا أن التبديل لا ينافي تلك الشخصية عرفا. فبالجملة: لولا مخافة مخالفة تلك الشهرة وهذه الاخبار احتمالا، كان الاحتمال المذكور قويا، وهو ثبوت الخيار بعد امتناع البائع عن الارش. ويجوز أن يستشهد على ما أبدعناه بما ورد عن عمر بن حنظلة عن أبي عبد الله (عليه السلام): في رجل باع أرضا على انها عشرة أجربة، فاشترى المشتري ذلك منه بحدوده، ونقد الثمن، ووقع صفقة البيع وافترقا، فلما مسح الارض إذا هي خمسة أجربة. قال: " إن شاء استرجع فضل ماله وأخذ الارض، وإن شاء رد البيع، وأخذ ماله كله، إلا أن يكون له إلى جنب تلك الارض أيضا أرضون فليؤخذ، ويكون البيع لازما " (1).


1 - عمر بن حنظلة، عن أبي عبد الله (عليه السلام): في رجل باع أرضا على انها عشرة أجربة، فاشترى المشتري ذلك منه بحدوده ونقد الثمن، ووقع صفقة البيع وافترقا، فلما مسح الارض إذ هي خمسة أجربة، قال: إن شاء استرجع فضل ماله وأخذ الارض، وإن شاء رد البيع، وأخذ ماله كله، إلا أن يكون له إلى جنب تلك الارض أيضا أرضون فليؤخذ، ويكون البيع لازما له، وعليه الوفاء بتمام البيع، فإن لم يكن له في ذلك المكان غير الذي باع فإن شاء المشتري أخذ الارض واسترجع فضل ماله، وإن شاء رد الارض وأخذ المال كله. الفقيه 3: 151 / 663، تهذيب الاحكام 7: 153 / 675، وسائل الشيعة 18: 27، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 14، الحديث 1.

[ 9 ]

ما يتكلف لتوجيه الخيار والارش عرضا وأما التكلف لتوجيه الخيار والارش للمشتري عرضا، فلا حاجة إليه، إلا أن الاشارة الى بعض الوجوه مما لا بأس بها، وإن كان الكل غير راجع الى محصل. فمنها: ما اشير إليه في كلام الشيخ (قدس سره) وهو أن وصف الصحة يقابل جزء الثمن فبتخلفه يثبت الخيار، وهو خيار العيب، لا تبعض الصفقة، وإن كان هناك إمكان وجوده أيضا زائدا عليه، لانه من الممكن رجوع جميع الخيارات إليه، إلا ما كان تعبديا صرفا، وهذا الرجوع ليس عقلائيا، انتهى (1) ببيان منا، وفيه ما لا يخفى. ومنها: ما اشير إليه في كلام السيد الفقيه (رحمه الله) بدعوى: أن هناك ثلاث طوائف من الاخبار: طائفة: تحكم بالارش على الاطلاق. وثانية: تحكم بالخيار على الاطلاق، وهي كثيرة. وثالثة: تفصل بين صورتي التصرف وعدمه، وتكون مقيدة للطائفتين


1 - المكاسب، الشيخ الانصاري: 253 / السطر 21.

[ 10 ]

الاوليين من حيث التصرف وعدمه. فبقيتا متعارضتين بحسب الاطلاق فيما إذا لم يتصرف، فيؤخذ بهما جميعا، ونقول بالتخيير، إما لاجل أن التخيير هنا في العمل، لا في الافتاء، كما عليه مشهور الاصوليين، أو لاجل وجود شاهد على الجمع المزبور، وهو " فقه الرضا " أم يكفي الاشتهار والاجماع الكاشف عن قرينة ناهضة على الجمع المذكور، فلا يكون تبرعيا (1)، انتهى بتكميل منا. وفيه: - مضافا الى بعض ما مر - أن الطائفة الثالثة تجمع بين السالفتين، وتكون شاهدة لهما (2). اللهم إلا أن يقال: هي معرض عنها، بخلاف الاوليين. هذا، ولو وصلت النوبة الى التمسك بالشهرة، فلا حاجة الى هذه التمحلات. ومنها: ما في بعض الحواشي: " من أن الاخبار الناطقة بالرد تشمل رد البيع بكليته فينحل، وهو خيار، أو رد بعضه، وهو أخذ الارش " (3). وفيه: - مضافا الى ما فيه - أن في الاخبار ما يوجب القطع بأن المراد من " الرد " هو رد المبيع، لا البيع، فلا يبقى محل لتخيله. ومنها: أن جواز الارش وعدم هدر مال المشتري، مما هو من الامر الواضح الجلي بين العالي والداني، ولا معنى لتخيل لزوم العقد،


1 - حاشية المكاسب، السيد اليزدي 2: 68 / السطر 12 - 22. 2 - لاحظ حاشية المكاسب، السيد اليزدي 2: 68 / السطر 23. 3 - لاحظ حاشية المكاسب، المحقق الاصفهاني 2: 95 / السطر 29، نقلا عن بعض أجلة المحشين.

[ 11 ]

وعدم جواز رجوع المشتري الى البائع، وإنما الاشكال بين السائل والمجيب وبين الاصحاب حول الخيار، وانه خلاف الوفاء اللازم، فاشير في الاخبار إليه، فلا إطلاق فيها لنفي الارش الذي هو ثابت بالضرورة، كما زعمه الشيخ (قدس سره) (1). وليس هذا من الجمع التبرعي المحتاج الى الشاهد، كما في كلام السيد المحشي (رحمه الله) (2). وأنت خبير: بأن هذه الاستئناسات مما لا بأس بها، بعد كون الحكم ثابتا بدليل آخر، وإلا فالفقيه المتشرع أجل شأنا من أن يتكل على أمثالها للافتاء وأخذ الحجة، كما هو الظاهر. إشكال ودفع: حول ثبوت التخيير بين الرد والارش عرضا كيف يعقل التخيير بين الحق المتعلق بالمقدار المعين، وبين حق المراجعة الى البائع بالارش؟! فإنه يشبه أن يكون التخيير بين نجاسة شئ، ونجاسة شئ آخر، وهذا غير التخيير في الواجب المخير، فإنه من التخيير بين الفعلين. أقول: لو اشترط الخيار لزيد ولعمرو، فإنه لا يكون من التخيير، إلا انه بإعمال أحدهما لا يبقى محل للاخر، وفيما نحن فيه أيضا كذلك، ضرورة انه بإعمال الخيار لا يبقى وجه للارش، وبالمراجعة الى


1 - لاحظ المكاسب، الشيخ الانصاري: 253 / السطر 17. 2 - حاشية المكاسب، السيد اليزدي 2: 68 / السطر 21.

[ 12 ]

الارش يعتبر سقوط خياره ورضاه بالعقد، وهو بحكم العقلاء، ولا يمكن الجمع بينهما، بخلاف المثال المذكور، فإنه يمكن، إلا انه يجوز أن يكون الشرط على وجه لا يؤثر الفسخ حين إعمالهما. وبالجملة: إذا امتنع الجمع بينهما، فلابد من التخيير على الوجه المذكور، جمعا بين مقتضى الادلة. اللهم إلا أن يقال: ظاهر كلمات الفقهاء والاخبار، هو التخيير بين الفسخ والامضاء بالارش، وهذا غير الخيار الحقي، ولا منع من الالتزام به، إلا أن ذلك خلاف بنائهم القطعي على تورثه، كسائر الخيارات (1). اللهم إلا أن يقال: لا منع في الاعتبار من تورث هذا المعنى التخييري الحدثي إذا اقتضاه الدليل الخاص، من إجماع وغيره. بل ربما يكون هو حكم العقلاء، كما إذا جاز للوارث ضرب زيد تقاصا، فإنه لمكان عدم وجوبه التكليفي يعتبر حقا - لا بالمعنى الثابت القطعي عليه - فيورث، فتأمل. ولو كان ذلك صحيحا، لا يتوجه الى الدفع المذكور إشكال آخر: وهو أن كون كل من الخيار وحق الارش حقا ثابتا تعيينا، من الجزاف واللغو بعد عدم إمكان الجمع بينهما، وإن يمكن دفعه، ضرورة أن إمكان الاستيفاء من كل واحد كاف للفرار من اللغوية المتوهمة.


1 - جواهر الكلام 23: 74 - 75، " المسألة الثالثة: إذا مات من له الخيار انتقل إلى الوارث من أي أنواع الخيار كان، بلا خلاف معتد به، بل ظاهرهم الاجماع، بل عن بعضهم دعواه صريحا ".

[ 13 ]

وبالجملة تحصل: أن التخيير بين الحقين، وبين كون الخيار حقا وضعيا، وبين أخذ الارش ولو كان حدثا، ولو كان محالا، إلا أن الالتزام بما ينتج نتيجة التخيير ممكن. اللهم إلا أن يقال: إن الجمع بينهما ممكن، فالدفع المذكور غير مفيد، وذلك لان في صورة إعمال الخيار لا معنى للاخذ بالارش أو عكسه، لجواز كون الخيار معلول العيب، ولا يسقط حتى بعد أخذ الارش، ولذلك للشرع التصريح به بالضرورة. ومما يؤيده بقاء خيار الشرط ولو أخذ بالارش، فبحسب الثبوت يمكن الجمع. فلو كان حق الارش منتفيا، وهكذا حق الخيار، ففي صورة أخذ الارش يبقى الخيار، وهو خلاف الضرورة عند الفقهاء والعقلاء، فالقول: بأن التخيير هنا مصبه المعنى الحدثي لا الوضعي، أقرب. ويمكن أن يقال: إن ما هو الحق الوضعي أحد الامرين تعيينا، ويكشف ذلك بالفسخ، أو الامضاء والارش. تتميم جريان خيار العيب في المثمن الكلي إذا كان المثمن شخصيا، فجريان خيار العيب مما لا إشكال فيه ثبوتا، ولا إثباتا. وأما إذا كان كليا، ففيه إشكال من ناحيتين:

[ 14 ]

أما الاولى: فلان العيب والصحة من الاعتبارات المنتزعة من تطابق الخارج مع العنوان المعهود وعدمه، فإن لم يكن تطابق بين المبيع وما يترغب الكلي، فلا يكون المقبوض مبيعا، فلا معنى لخيار العيب في المبيع. نعم، للمشتري الرد، لا لاجل انه حقه، بل لعدم وصول المبيع إليه. ومن هنا يظهر: أن بناء المعاملة على أن يكون المبيع صحيحا في افق المتعاملين، وإن لم يكن قيدا، وكان مغفولا بتاتا. ولك دعوى: أن الامر وإن كان كذلك، ولكن الكلي غير المقيد يتشخص بما قبضه المشتري، ويكون تخلف الصحة غير موجب لقصور في الوفاء من ناحية البائع، ففرق بين التقييد الضمني والصراحة، وبين القيد البنائي الكلي. وفيه ما لا يخفى، اللهم إلا أن يتشبث بذيل فهم العرف، وانطباق المبيع عليه، كما تحرر منا في محله (1)، فعليه يكون البيع صحيحا لازما، وقد وفاه البائع برد المبيع إليه، وثبوت الخيار حينئذ يحتاج الى دليل. ومن الغريب ما في كلام العلامة المحشي (قدس سره) (2) من تخيل صحة المسألة ثبوتا عقلا، بتوهم أن المبيع هي الذات المحفوظة!! وعليه في


1 - هذه المباحث من كتاب البيع للمؤلف (قدس سره) مفقودة. 2 - حاشية المكاسب، المحقق الاصفهاني 2: 96 / السطر 35.

[ 15 ]

جميع الكليات المقيدة بالقيود الكثيرة، يكون الامر كما أفاده، ولا أظن التزامه به. وأما الثانية: فقضية دليل الوفاء بالعقد ولزومه عدم الخيار، ومقتضى الاخبار الخاصة اختصاص الحكم - حسب الظاهر - بالاعيان الشخصية (1)، مع أن تلك الاخبار غير ظاهرة حجيتها، لاعراض المشهور عن ظواهرها جدا، فيبقى بناء العقلاء غير الصالح للمرجعية بعد إطلاق دليل الوفاء الرادع لها، ولا معنى لتقديم حكم العقلاء في فرع على إطلاق دليل الشرع، لعدم إمكان كشف الرضا فيه حتى يكون مقيدا لذلك الاطلاق. نعم، لاحد دعوى القطع باشتراك الحكم وثبوت الخيار. ولكن في ثبوت الارش في عرض الخيار إشكال حينئذ قوي. إن قلت: لا معنى لخياره بالنسبة الى العقد، بل الغاية ثبوت خياره بالنسبة الى الوفاء، فيجوز له الاستبدال. قلت: لا معنى لكون الوفاء مورد الخيار الحقي، وجواز الاستبدال غير الخيار المصطلح عليه، فما يثبت له يحتمل أن يكون الخيار في نفس العقد، لاجل أن المبيع الخارجي والكلي واحد، فإن الطبيعي موجود بشخصه، لا بأمر آخر. ومما ذكرناه الى هنا يظهر مواضع ضعف المحكي (2) عن


1 - يأتي في الصفحة 34. 2 - حاشية المكاسب، السيد اليزدي 2: 70 / السطر 25.

[ 16 ]

" الجواهر " (1) في المقام وأشباهه، كما يظهر مواضع ضعف كلام المحشي الفقيه اليزدي (قدس سرهما) (2)، ويظهر وجه ذهاب الاصحاب في بيع الصرف الى خيار العيب بالنسبة الى أصل العقد (3). فبالجملة: الامر دائر بين امتناع جريان خيار العيب، لما مر، وبين وجوب الوفاء بالعقد من غير خيار، لعدم الدليل إثباتا. وحديث حل الوفاء ورد المبيع كله من الغفلة، فإنه يرجع الى عدم تشخص المبيع بما هو المقبوض، فلا تغفل.


1 - جواهر الكلام 24: 28 و 331. 2 - حاشية المكاسب، السيد اليزدي 2: 70 / السطر 7 و 18. 3 - الوسيلة: 244، شرائع الاسلام 2: 43، إرشاد الاذهان 1: 369، مجمع الفائدة والبرهان 8: 319.

[ 17 ]

الجهة الثانية في جريان خيار العيب في الثمن بناء على جريانه في الكلي، وإلا فلا بحث يخصه، فعليه إذا ظهر العيب فيه، وكان مما يوجب الخيار والارش فرضا، فهل قضية الادلة هو والمثمن واحد، كما استظهره جمع (1)، نظرا الى الاتفاق المفروغ عنه. والمقصود في كلامهم هو الثمن الشخصي والعوض المعين، كما أن المفروض انه من النقود، لما يأتي من البحث عن مسألة المعاوضة بين الاجناس. فعلى كل تقدير: ربما يقال (2) إن قضية ذات الاخبار الخاصة جريانه فيه.


1 - المكاسب، الشيخ الانصاري: 253 / السطر 32، لاحظ حاشية المكاسب، السيد اليزدي 2: 70 / السطر 2. 2 - لاحظ جواهر الكلام 23: 237.

[ 18 ]

وفيه: - مضافا الى عدم تمامية حجيتها - عدم كفايتها. ومن الغريب أن السيد اليزدي (رحمه الله) (1) استظهر منها لاجل الظن الصريح في كلامه في انه وإن ليس بحجة، إلا انه يوجب الاستفادة من اللفظ!! ولا نفهم مراده، كما لا يخفى. وأما قضية حكم العقلاء، فهو مردود بدليل الوفاء بالعقد. اللهم إلا أن يقال: إن الوفاء بالبيع لا دليل له إلا بناؤهم، وهو غير بعيد جدا، وإن كان في الاخبار ما يؤيدهم، فلا يثبت له الاطلاق الرادع لسيرتهم هنا. نعم، ثبوت خيار العيب لا يلازم ثبوت الارش، كما أن ثبوت الخيار - حسبما مر منا - متفرع على امتناع البائع والمشتري عن التبديل ورد الارش بالوجه الذي مر، فالملازمة غير ثابتة حتى يقال: بأنه إذا ثبت خيار العيب فالارش عديله. تنبيه: فيما إذا كان العوضان شخصيين، كما في معاوضة الاعيان الخارجية، فهي وإن ليست بيعا عندنا كما تحرر (2)، ولكنها محكومة بالاحكام العقلائية الثابتة للبيع، دون الشرعية التعبدية، فجريان الارش فيها محل إشكال.


1 - حاشية المكاسب، السيد اليزدي 2: 70 / السطر 1 - 4. 2 - هذه المباحث من كتاب البيع من تحريرات في الفقه مفقودة.

[ 19 ]

الجهة الثالثة في مواقع اشتراط الصحة فإن كان الشرط يرجع الى التأكيد، أو كان هناك خيار العيب زائدا على خيار الشرط، فلا بحث هاهنا. وأما إذا لم يكن في مورد بناء من العقلاء على الصحة، لغلبة المعيب، أو لعدم تعلق الاغراض العامة الفرعية بالصحيح، فاشترط المشتري الصحة، فإن كان المبيع كليا - بل وشخصيا - فربما يقال: إن هذه الشروط بمنزلة التقييد عرفا، لرجوع الشرط الى اعتبار وصف في المبيع، بخلاف مثل اشتراط خياطة الثوب في ضمن عقد بيع الدار، ولاسيما بعد كون الشرط من شروط النتيجة، لعدم تعلق الاختيار بالشرط نفسه، فتدبر. وهذا بحسب النظر البدوي غير بعيد جدا، فتندرج المسألة في البحث الاصلي. وأما لو فرضنا انه شرط، فالظاهر عدم ثبوت خيار العيب. ودعوى: أن دليل خيار العيب ليس الاجماع أو الاخبار، بل بناء

[ 20 ]

العقلاء يقتضي الاعم، ويتمسكون هناك بخيار العيب دون الشرط، غير تامة، بعد كون المفروض عدم وجود البناء الخارجي على الصحة. هذا كله لو فرضنا جريان خيار العيب في الكلي، وإلا فلا يبقى محل للاشتراط المذكور إلا في البيع الشخصي. وأما توهم (1): أن في مورد تخلف الشرط في بيع الكلي، يكون المشتري مثلا له خيار بالنسبة الى رد المصداق، دون حل العقد، فهو ناشئ من توهم: أن الطبيعي موجود بمصداقه، وهو باطل، فإن المبيع يتشخص بنفسه، فالمبيع الكلي ينقلب خارجيا بعد الاقباض، ولا قصور في وفاء البائع بالضرورة، فيكون للمشتري خيار تخلف الشرط بالنسبة الى العقد، كما اشير إليه في الجهة السابقة أيضا. وكون المبيع بنفسه خارجيا بعد القبض، ليس حكم العقل فقط، بل هو حكم العقلاء حتى بلغ الى حد ينسب الوجود إليه بذاته، ولذلك ذكرنا في محله: أن مسألة أصالة الماهية مسألة عقلائية ارتكازية، بخلاف مسألة أصالة الوجود، فلا تخلط. والخروج عن البحث الى هذا المقدار - ليتوجه الاصحاب الى حقيقة الامر - مما لا بأس به. ومن اللطيف ذهاب " الجواهر " (2) في بعض فروض المسألة الى ذلك، نظرا الى حسن قريحته، وجودة فهمه العرفي، وارتكازه العقلائي. ولعمري، إنه من الاعاظم الذين يركن إليهم كل من يلحق بهم، ويليق


1 - البيع، الامام الخميني (قدس سره) 5: 17. 2 - جواهر الكلام 24: 28 و 331.

[ 21 ]

أن تفتخر بهم الانسانية فضلا عنا. بقي شئ: إذا تخيل صحة المبيع فبان معيبا في مفروض المسألة إذا لم يشترط المشتري الصحة، وتخيل الصحيح فبان معيبا، فمقتضى ما تخيله من البناءات العامة في المعاملات لزوم الخيار، ومقتضى البناء الخاص في منطقة المعاملة مع عدم اطلاعه عليه عدم ثبوت الخيار، وترتفع الجهالة عنده بتخيله، فيكون البيع صحيحا، وما قبضه تمام المبيع. ودعوى: أن قضية الاخبار ثبوته، لانه اشترى متاعا، وفيه العوار، وبه العيب (1)، غير مسموعة، لان مجرد العوار والعيب غير كاف، وإلا يلزم التمسك بالاطلاق المذكور في صورة التبري من العيب، فما به العيب هو البطيخ، وما يوجب الخيار هو عيب المبيع، ولا يتحقق عيب المبيع إلا بعد البناء على الصحة، فإن التخلف يوجبه، وهو لا يتحقق إلا بعد انتظار الصحة والسلامة، ولا يعقل اعتبار خيار العيب في البيع إلا بعد وجود ذلك البناء العام الكلي الثابت عند العقلاء، وعليه محاكمهم


1 - زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: أيما رجل اشترى شيئا وبه عيب وعوار، لم يتبرأ إليه ولم يبين له، فأحدث فيه بعدما قبضه شيئا ثم علم بذلك العوار وبذلك الداء، انه يمضي عليه البيع ويرد عليه بقدر ما نقص من ذلك الداء والعيب من ثمن ذلك لو لم يكن به. الكافي 5: 207 / 3، تهذيب الاحكام 7: 60 / 257، وسائل الشيعة 18: 30، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 16، الحديث 2.

[ 22 ]

العرفية بالضرورة القطعية. وفي نفس هذه الاخبار شواهد قطعية على أن مبنى خيار العيب، على أن المشتري لا ينتظر أن يجد مبيعه معيبا، ولذلك ورد فيها " فوجد كذا " " فرأى كذا " " وعلم بكذا " (1) فإنه لا معنى له إلا في تلك الصورة وذلك البناء، فلا تغفل. وعلى كل تقدير: لا يبعد عدم ثبوت خيار العيب، لان عدم اطلاعه على وضع البلد والبناء الخاص لا يورث في حقه شيئا. نعم، لو كان في البين غبن كما كثيرا ما يتفق، فلا بأس به، والله العالم.


1 - كرواية جميل، عن بعض أصحابنا، عن أحدهما (عليهما السلام) في الرجل يشتري الثوب أو المتاع فيجد فيه عيبا، فقال: إن كان الشئ قائما بعينه رده على صاحبه وأخذ الثمن، وإن كان الثوب قد قطع أو خيط أو صبغ يرجع بنقصان العيب. وسائل الشيعة 18: 30، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 16، الحديث 3، وراجع في هذا الباب إلى الحديث 1 و 2 و 4، و: 102 - 104، أبواب أحكام العيوب، الباب 4، الحديث 2 و 4 و 6، و: 106، الباب 5، الحديث 5.

[ 23 ]

الجهة الرابعة في مبدأ هذا الخيار فهل هو العقد، أم يكون التقابض، أو قبض ما، أو ظهور العيب؟ فعلى مسلك القوم يكون العقد، ضرورة أن المغروس العقلائي والمتفاهم من الادلة أن العيب سبب ومنشأ له، وليس الظهور شرطا، ولا جزء، ولاتمام الموضوع، وما في الاخبار فهو من الظهور البدوي، وإلا فالامر أوضح لاهله. وأما على ما سلكناه، من أن عقد البيع غير البيع والاشتراء (1)، فالخيار يثبت في البيع، دون العقد، فمبداه القبض، وقد مضى تفصيله في بعض البحوث. اللهم إلا أن يقال: إن البيع ولو كان هو التعاوض الخارجي، حسب اللغة والعرف الاولي، إلا أن في عصر الشرع شاع عقد البيع الى حد


1 - تحريرات في الفقه، كتاب البيع 1: 9 - 10.

[ 24 ]

اعتبر بيعا، وأمضاه الشرع، فحينئذ يكون الخيار ثابتا في العقد، ومبداه العقد بالضرورة، لما مر. وربما يؤيد ذلك: أن الارش مع قطع النظر عن الاخبار، ثابت من الاول، لانه جبران الخسارة، وهي ثابتة من الاول، فعديله - وهو الخيار - مثله. واليه راجع مقصود الشيخ (رحمه الله)، احتمالا (1). وأما بحسب الاخبار الخاصة، فقد مضى انها ظاهرة فيما لم يعمل به، فلا معنى للتأييد بها على شئ في المسألة (2). ومن الغريب أن الشيخ (رحمه الله) مع إذعانه بظهور بعض الاخبار في سببية العيب، احتمل شرطية الظهور (3)!! مع أن الشرط في هذه المواقف لابد وأن يرجع الى قيد التأثير، ويصير جزء السبب، فالاستظهار المذكور وما في ذيله غير راجع الى محصل، والامر سهل.


1 - المكاسب، الشيخ الانصاري: 253 / السطر 29. 2 - لاحظ المكاسب، الشيخ الانصاري: 253 / السطر 30. 3 - نفس المصدر / السطر 31.

[ 25 ]

الجهة الخامسة في اختصاص هذا الخيار بالبيع الخيار المذكور بمعنى تخيير المشتري بين الفسخ والارش، مخصوص بالبيع حسب الشهرة، وحيث قد عرفت المناقشة في أصل ثبوته في البيع، ففي غيره ممنوع. نعم، قضية البناء العقلائي ثبوت الخيار فقط إذا امتنع البائع من التبديل والارش، وإلا فدليل اللزوم محكم، وفيما إذا تعذر الرد عقلا فالارش غير واضح ثبوته، وسيمر عليك. وأما إذا كانت العين باقية، وسقط خياره لجهة من الجهات، فالارش ثابت حسب الافهام العرفية. ومن هنا يطلع وجه الحكم في سائر أصناف البيع، وفي سائر العقود المعاوضية، بل وفي المهر، واجرة المتعة، وغير ذلك، كليا كانت، أو شخصية، فإن ثبوت الخيار قطعي، وعليه نقل الاجماع في مثل

[ 26 ]

الاجارة (1). ومن الغريب احتمال الارش الواقع في كلام جمع منهم، ك‍ " اللمعة " (2)! والاغرب ما عن " جامع المقاصد " من تصحيحه، ونفي البعد عنه (3)، وهكذا " المسالك " (4)!! مع أن أخبار المسألة واضحة فيما لا يمكن الالتزام به، فالتجاوز عنها الى غير موردها مما لا معنى له. بل الغاء الخصوصية ممنوع، لانه أحيانا يشبه القياس، ضرورة أن البيع - لكثرة الابتلاء به - يكون أحيانا مخصوصا بالاحكام الخاصة، دون غيره. وأما البحث من جهة الكلية والشخصية، فقد مر بما لا مزيد عليه. وأما ما في " التذكرة " - بعد قوله: " لا نعلم خلافا " في مسألة وجدان المستأجر عيبا في العين المستأجرة - انه بالخيار إذا كان مما يتفاوت به الاجرة (5) فهو من المشكل تصديقه، لانه يرجع الى خيار الغبن، مع أن الضرورة قائمة على أن العيب موجب للخيار ولو باع بأقل من القيمة، بشرط عدم ظهوره في التبري وإسقاط الخيار والارش.


1 - جواهر الكلام 27: 313. 2 - اللمعة الدمشقية، ضمن الروضة البهية 2: 4 / السطر 8. 3 - جامع المقاصد 7: 92. 4 - مسالك الافهام 5: 180. 5 - تذكرة الفقهاء 2: 322 / السطر 17.

[ 27 ]

الجهة السادسة في مسقطات الرد وهي امور: الاول الاسقاط سواء كان تصريحا، أو ما يقوم مقامه عند العرف والعقلاء، ويسقط بينه وبين ربه بجميع المظهرات ولو لم تكن عرفية، ومن ذلك إخباره بالالتزام بالعقد. هذا، وغير خفي: أن حديث الاسقاط بعد مفروغية كون الرد حقا، وإلا فلو كان جواز الرد حكما فلا يسقط، ولاجله ربما يشكل الامر هنا، لاجل أن ظاهر كلمات القوم: أن خيار العيب هو التخيير بين رد الكل، أو مجموع العقد، أو رد بعض العقد وأخذ الارش.

[ 28 ]

وهذا ليس من الحق الوضعي الثبوتي القائم بالعقد، كما في خيار المجلس، والحيوان، وأمثالهما، ولا بالعين، بل هو تخيير في المعنى الحدثي، كما في الواجبات التخييرية، أو المستحبات المخيرة، فكيف يعتبر سقوطه؟! لانه يرجع الى شرط يخالف الكتاب، لكونه من التخيير الترخيصي الشرعي. اللهم إلا أن يقال: إباحة مراجعة المشتري الى البائع بالرد أو الارش، ليست من الكتاب المقصود في محله. وبالجملة: لو كان حقا فقبوله الاسقاط غير بعيد، لانه أثر عام له، وإن أمكن أن يكون أثر آخر قائما مقامه، وكافيا لاعتبار حقه، كالتورث مثلا. فعلى كل: قضية النص والفتاوى عدم ثبوت المعنى الخارجي الاعتباري القائم بشئ، إما العقد، أو العين، حسب الخلاف المعروف في مصب الخيار الحقي، وقد مر تحقيقه فيما مضى، وذكرنا هناك: أن اختصاص التورث والاسقاط بكون الساقط معنى وضعيا خارجيا، غير مبرهن، فإن الخيار عندنا ليس قائما بالعين، ولا بالعقد، بل هو اعتبار بيد العاقد، ومفتاح لديه لحل العقد اللازم. وتوصيف العقد ب‍ " الخياري " مجاز، وتفصيله محرر في محله. وهذا ولو كان معنى خارجيا اعتباريا في سائر الخيارات، ولكن لا يلزم أن يكون خيار العيب مثله، لما عرفت من امتناعه، بمعنى المناقضة في الاعتبار. ومجرد الاعتبارية لا يكفي لتجويزه، وإلا يلزم أن يعتبر أحد الشيئين نجسا، لا بعنوان كلي، فإنه خارج عن البحث في المقام، ولا يعتبر

[ 29 ]

في مثل مسألتنا، كما لا يخفى. نعم، الالتزام بالحقين المتعينين ممكن، ولكن لا يلزم من الرجوع الى الارش سقوط الخيار، اللهم إلا أن يدعى أن الشرع اعتبر سقوطه بعد الارش، فيكون نفس أخذه من مسقطاته. فعلى كل تقدير: يعتبر العقلاء أن للمشتري أن يرد، وله أن يأخذ بالارش، ويعتبر ثانيا: أن له أن يعين أمره في الرجوع الى الارش بالانصراف عن الفسخ، وبالالتزام بالعقد. وهذا ليس معناه الحق الخارجي، بل هو أمر آخر ينتزع من التجويز المتعلق بالمعنى الحدثي، من غير كونه حقا اصطلاحيا. وبالجملة تحصل: إمكان الالتزام بالعقد، من غير أن يسري ذلك الى التزامه بالعيب ثبوتا. نعم، ربما يكون اللفظ إثباتا ظاهرا في ذلك، كما إذا قال: " انصرفت عن حقي في هذه المعاملة " فإن إطلاقه مأخوذ به عند المرافعة، وإلا فبينه وبين ربه له التقاص إذا كان له فيه الحق الباقي، فتأمل. بقي شئ: حكم الاعراض والاخبار عن السقوط قد عرفت في محله: أن الخيار اعتبار وضعي، وموضوعه المتعامل، وهو بمثابة الاختيار التكويني، وهذا المعنى الوضعي الاعتباري الخارجي يسقط بالانشاء، كما يسقط سائر الحقوق به، وهذا هو المقصود من المسقط الاول.

[ 30 ]

وبمثابة ذلك هو السقوط الحاصل من الاعراض والاخبار عن الالتزام والسقوط. ولا يلزم كذب خبره بعد كونه حاصلا بنص الاخبار، وتقدم الاخبار على الخبر في الرتبة، لا يوجب كذبه، فلا يلزم خلل في إرادة الاخبار والجد به. وتوهم عدم كفاية الاعراض، إن كان ناشئا عن المناقشة في كبرى المسألة، فقد تحرر انه أمر عقلائي، وقد يستفاد من الاخبار المتفرقة (1)، ولاسيما ما ورد في الاراضي التي جلا عنها صاحبها (2).


1 - السكوني، عن أبي عبد الله (عليه السلام) - في حديث - عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: السفينة وما فيها، فأصابه الناس، فما قذف به البحر على ساحله فهو لاهله، وهم أحق به، وما غاص عليه الناس وتركه صاحبه فهو لهم. الكافي 5: 242 / 5، الفقيه 3: 162 / 714، وسائل الشيعة 25: 455، كتاب اللقطة، الباب 11، الحديث 1 و 2. حريز، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: لا بأس بلقطة العصى، والشظاظ، والوتد، والحبل، والعقال، وأشباهه، قال: وقال أبو جعفر (عليه السلام): ليس لهذا طالب. الكافي 5: 140 / 15، تهذيب الاحكام 6: 393 / 1179، وسائل الشيعة 25: 456، كتاب اللقطة، الباب 12، الحديث 1 و 3. عبد الله بن سنان، عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: من أصاب مالا أو بعيرا في فلاة من الارض، قد كلت وقامت، (وسيبها صاحبها مما لم يتبعه)، فأخذها غيره، فأقام عليها، وأنفق نفقة حتى أحياها من الكلال ومن الموت، فهي له، ولا سبيل له عليها، إنما هي مثل الشئ المباح. الكافي 5: 140 / 13، تهذيب الاحكام 6: 392 / 1177، وسائل الشيعة 25: 458، كتاب اللقطة، الباب 13، الحديث 2 و 3 و 4. 2 - محمد بن مسلم قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول وسئل عن الانفال فقال: كل قرية يهلك أهلها أو يجلون عنها فهي نفل لله عزوجل، نصفها يقسم بين الناس ونصفها لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فما كان لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فهو للامام. تهذيب الاحكام 4: 133 / 372، وسائل الشيعة 9: 526، كتاب الخمس، أبواب الانفال، الباب 1، الحديث 7، وفي هذا الباب أحاديث كثيرة.

[ 31 ]

نعم، مجرد الاعراض القولي لا يكفي، على إشكال فيه أيضا. وربما يتصور الاعراض العملي هنا بالاعراض عن العين نفسها، كما انه يجوز إنشاء السقوط بالجمل الاخبارية على الانحاء الشتى، كالاخبار عن تصرفه فيها خارجيا، أو اعتباريا، وإخباره عن انعدامها، وغير ذلك. فبالجملة: إن كان منشأ المناقشة في كفاية الاعراض، انه لا يتصور الاعراض المفيد، وهو العملي، ويتصور غير المفيد منه، وهو القولي، فقد عرفت ما فيه. مع أن الاعراض القولي من الانشاء بصورة الاخبار. اللهم إلا أن يريد الاخبار واقعا. فعلى كل تقدير: هذه الامور كلها مندرجة في المسقط الاول، لان المقصود أعم ولو كان عنوان القوم أخص، والامر سهل.

[ 32 ]

الثاني التصرف وفي كونه من الاسقاط بالفعل وجه، فيندرج في المسقط الاول، لان من التصرفات ما يكون قابلا لان يريد المالك به إنشاء سقوط خياره ثبوتا، ومنها ما لا يريد به بينه وبين ربه، إلا أن العقلاء يعتبرونه ساقطا حسب النوع والعادة. وبالجملة: هنا أمران: أحدهما: السبب الذي يؤثر في السقوط، بناء على السببية والمسببية في أبواب الانشاءات والايقاعات. وثانيهما: ما يكون موضوعا لاعتبار سقوط الخيار، وإن لم يكن من الاسباب، إلا انهما بحسب النتيجة واحد. فمن الاول هو الاسقاط القولي، ومن الثاني هو الفعلي. ولعل ما ذكرناه يجري في عقد البيع والمعاطاة، فإن الاول يصح اعتباره سببا، والثاني بالموضوعية لاعتبار الملكية أقرب، وإن كان القول بالموضوعية أولى بافق التحقيق مطلقا، إلا أن العرف يساعدنا على السببية جدا. فعلى هذا، فربما يكون الفعل موضوعا للسقوط فلا بحث، ولا نحتاج الى الادلة الخاصة.

[ 33 ]

وأما فيما إذا لم يكن سببا، ولا موضوعا لاعتبار سقوط الخيار وانصرافه عن حقه، فهل الشرع اعتبر هنا أمرا زائدا على ما عند العرف، أم لا؟ قولان: فعن المشهور المدعى عليه الاجماع هو الاول، ويظهر عن جماعة منهم الثاني. قال في " الجواهر ": " ويسقط الرد خاصة بإحداثه فيه حدثا - كالعتق، وقطع الثوب - بلا خلاف معتد به، بل في " المختلف " (1) وعن " شرح الارشاد " للفخر (2) الاجماع عليه، سواء كان قبل العلم بالعيب، أو بعده " (3) انتهى. وعن " المبسوط ": " أن التصرف قبل العلم لا يسقط الخيار " (4) انتهى. وحيث إن العبارات المحكية عنهم مختلفة، والاراء - مضافا الى ظهورها في الخلاف - مستندة الى الادلة الموجودة، فالاجماعات المحكية لا ترجع الى محصل، بل ولا إجماع إلا على ما تحرر في محله (5). وإلا فلو كان إجماع واتفاق واقعا على أمر مع تشتت الاخبار،


1 - مختلف الشيعة: 373 / السطر 38. 2 - مفتاح الكرامة 4: 626. 3 - جواهر الكلام 23: 239. 4 - جواهر الكلام 23: 239، لاحظ المبسوط 2: 127، قال: إذا اشترى جارية حائلا فولدت في ملك المشتري عبدا مملوكا، ثم وجد بالام عيبا، فإنه يرد الام. 5 - لاحظ تحريرات في الاصول 6: 358 - 363.

[ 34 ]

فاحتمال تخلل الاجتهاد بعيد، لان الفقهاء العظام في كثير من المسائل الكلية والجزئية مختلفون، حتى لا يكون لواحد منهم رأي مستقر، فمن الاتفاق يتبين: أن المسألة ليست اجتهادية عندهم، بل هي من المسائل المتلقاة خلفا عن السلف الصالح. والظاهر أن المسألة هنا اجتهادية، فلنرجع الى أدلتها: الادلة الخاصة في مسقطية التصرف فمنها بعض الاخبار الخاصة: كمعتبر (1) زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: " أيما رجل اشترى شيئا وبه عيب وعوار لم يتبرأ إليه، ولم يبين له، فأحدث فيه بعدما قبضه شيئا، ثم علم بذلك العوار وبذلك الداء، انه يمضي عليه البيع، ويرد عليه بقدر ما نقص من ذلك الداء والعيب من ثمن ذلك لو لم يكن به " (2). وقضية إطلاقه أن الاحداث تمام الموضوع، ولا فرق بين صورتي العلم والجهل، ولا بين أقسام الحوادث والامتعة. نعم، الظاهر أن إحداثه موجب لذلك، لا مجرد حدوث الحادثة المغيرة للموضوع والعين، وعلى هذا يمكن دعوى: أن الاحداث المستندة الى المالك موضوع لاعتبار العقلاء سقوط الخيار.


1 - سنده في الكافي هكذا: عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن فضالة، عن موسى بن بكر، عن زرارة. 2 - الكافي 5: 207 / 3، تهذيب الاحكام 7: 60 / 257، وسائل الشيعة 18: 30، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 16، الحديث 2.

[ 35 ]

اللهم إلا أن يقال: إن المفروض جهله بالعيب، وفي هذه الصورة يشكل الموضوعية العرفية. والمراد من إطلاقه السابق، هو الاطلاق من جهة علمه: بأن ما أحدث فيه الحدث هو المبيع، أم غيره. والمناقشة في سندها لاجل موسى بن بكر الواقفي (1)، قابلة للدفع عندنا، لقيام الامارات على اعتباره. وتوصيف السند المذكور ب‍ " الصحة " غير جائز، بل ولا ب‍ " الموثقة " حسب الاصطلاح، وإن أطرحنا هذه المقاسمة بين الاخبار في محلها. ومن الاخبار الخاصة، مرسلة (2) جميل، عن بعض أصحابنا، عن أحدهما: في الرجل يشتري الثوب أو المتاع، فيجد فيه عيبا. فقال: " إن كان الشئ قائما بعينه رده على صاحبه، وأخذ الثمن، وإن كان الثوب قد قطع أو خيط أو صبغ، يرجع بنقصان العيب " (3). والمناقشة في الارسال قابلة للدفع، فإن كونه عند ابن دراج من بعض الاصحاب، وكونه ممن يروي من أحدهما، يشهدان على انه من الكبار الاعاظم، وكثير الرواية، لان هذه الاخيرة من خصوصيات مثل ابن


1 - ذكر الشيخ الطوسي في أصحاب الكاظم (عليه السلام): " موسى بن بكر الواسطي، أصله كوفي، واقفي له كتاب، روى عن أبي عبد الله (عليه السلام) ". رجال الطوسي: 259. 2 - السند في الكافي هكذا: علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن جميل، عن بعض أصحابنا. 3 - الكافي 5: 207 / 2، الفقيه 3: 136 / 592، وسائل الشيعة 18: 30، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 16، الحديث 3.

[ 36 ]

مسلم (1) كثيرا، وزرارة أحيانا (2)، فلا تخلط. هذا مع أن حديث أصحاب الاجماع، أيضا يورث شيئا. نعم، قد مر أن هذه الاخبار مورد الاعراض، لصراحتها في التخيير الطولي، والشهرة السابقة قائمة على التخيير العرضي، بخلاف الخبر الاول، فإنه في مقام بيان زمان لزوم البيع، لا أصل التخيير بين الرد والارش، فما افيد في المقام حول الاخبار غير تام صدرا وذيلا. وعلى البناء على الصحة يلزم المعارضة، لان قضية الاول أن الحدث المستند مسقط، وقضية الثاني أن التغير مسقط ولو لم يكن مستندا الى المالك، فإن كان المراد من " الحدث " هو التغير فتلزم المعارضة بينهما، لان ظاهر الاول أن التغير المستند مسقط، وظاهر الثاني عدم اعتبار الاستناد في ذلك، ولاسيما بعد قوله: " قد قطع أو خيط " على صيغة المجهول، فتكون النسبة بينهما الاطلاق والتقييد لولا ظهور الثاني في القاء قيدية الاستناد، فتكون بينهما المباينة. وإن كان المراد من " الحدث " مطلق التصرف المجتمع مع عدم التغير، كما في أخبار تقبيل الجارية ولمسها (3)، فإن فيها عد ذلك من


1 - لاحظ معجم رجال الحديث 17: 445 - 451. 2 - لاحظ معجم رجال الحديث 7: 454 - 457. 3 - عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: الشرط في الحيوان ثلاثة أيام للمشتري اشترط أم لم يشترط، فإن أحدث المشتري فيما اشترى حدثا قبل الثلاثة الايام فذلك رضا منه فلا شرط، قيل له: وما الحدث؟ قال: إن لامس أو قبل أو نظر منها إلى ما كان يحرم عليه قبل الشراء... الحديث. الكافي 5: 169 / 2، تهذيب الاحكام 7: 24 / 102، وسائل الشيعة 18: 13، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 4، الحديث 1. علي بن رئاب قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل اشترى جارية، لمن الخيار؟ فقال: الخيار لمن اشترى - إلى أن قال: - قلت له: أرأيت إن قبلها المشتري أو لامس؟ قال: فقال: إذا قبل أو لامس أو نظر منها إلى ما يحرم على غيره فقد انقضى الشرط ولزمته. قرب الاسناد: 78، وسائل الشيعة 18: 13، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 4، الحديث 3.

[ 37 ]

الاحداث، فيلزم العموم من وجه بين الخبرين، ضرورة أن قضية الاول في صورة التصرف سقوط الخيار، وقضية الثاني خلافه، لان العين باقية. والذي هو التحقيق أولا: أن المرسلة ضعيفة لا لذاتها، بل للاعراض عنها، فلا تصلح للمعارضة، فالمعتبر الاول يتخذ في المسألة. وثانيا: أن النسبة عموم مطلق، لان ظهور الاول في الاستناد غير واضح، وعلى فرض الوضوح ذاتا، يكون الثاني شاهدا على أن الاستناد ليس شرطا، ولا قيدا، بل هو أحد مصاديق التغير، فالتغير تمام الموضوع، وإحداث شئ فيه أحد أفراده، ولاسيما بعد نسبة " الاحداث " الى " الشئ " لا الى " الحدث "، كما في أخبار خيار الحيوان، فإن قوله: " أحدث حدثا " (1)، يناسب التصرفات المطلقة، بخلاف قوله (عليه السلام):


1 - عن أبي عبد الله (عليه السلام) انه قال: من اشترى أمة فوطأها أو قبلها أو لمسها أو نظر منها إلى ما يحرم على غيره، فلا خيار له فيها وقد لزمته. وكذلك إن أحدث في شئ من الحيوان حدثا قبل مدة الخيار، فقد لزمه، أو إن عرض السلعة للبيع. دعائم الاسلام 2: 45 / 110، مستدرك الوسائل، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 4، الحديث 1. محمد بن الحسن الصفار قال: كتبت إلى أبي محمد (عليه السلام) في الرجل اشترى من رجل دابة فأحدث فيها حدثا من أخذ الحافر أو أنعلها أو ركب ظهرها فراسخ، أله أن يردها في الثلاثة الايام التي له فيها الخيار بعد الحدث الذي يحدث فيها أو الركوب الذي يركبها فراسخ؟ فوقع (عليه السلام): إذا أحدث فيها حدثا فقد وجب الشراء إن شاء الله. تهذيب الاحكام 7: 75 / 320، وسائل الشيعة 18: 13، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 4، الحديث 2.

[ 38 ]

" أحدث... شيئا "، فلا تباين بينهما، ولا ظهور للاول في التقييد حتى يقال: بأن الخبرين موجبان، أو متباينان، بل مفاد الاول مصداق من مفاد الثاني، لان النسبة الحرفية مغفولا عنها غالبا. وثالثا: لو كان بينهما العموم من وجه، فمنشاه تخيل أن الحدث والتصرف قد يجتمعان، إما لاجل ما في أخبار خيار الحيوان من " إحداث الحدث " الاعم، أو لاجل ما فيها من تطبيق الحدث على التقبيل ونحوه. وفي كلا الوجهين نظر واضح: فلو فرضنا تمامية النسبة، فالاولى ربما تقدم على الثانية للاقوائية، ضرورة أن الرواية الاولى تقتضي سقوط الخيار بالتصرف، لانه الحدث، والمرسلة تقتضي بقاءه، وهي دليل حيث لا دليل. وفيه ما تحرر: من انه لو ثبت اعتبارها فهي كالاولى.

[ 39 ]

أو يقال: إن الاولى عام بدلي لفظي، فيقدم على الثاني الثابت بمقدمات الاطلاق، وذلك لان مفاد الاولى أن المالك إذا أحدث حدثا في المبيع فلا خيار، ومفاد الثانية انه إذا كانت العين باقية بعينها فله الخيار، ففيما إذا كان فيها الحدث، وكانت العين باقية بعينها، يلزم سقوط الخيار وثبوته، إلا أن الاولى تثبت الخيار، لقوله: " أيما " والثانية تثبت بالاطلاق. وفيه أيضا ما تحرر في محله، مع أن كونهما من باب تعارض العموم والاطلاق محل المناقشة، كما لا يخفى. فروع المقام فالمحصول مما قدمناه فروع: الاول: لو كان المبيع متغيرا بتغيير المالك مباشرة أو تسبيبا، يسقط الخيار حسب الخبرين (1)، وهو قضية حكم العقلاء وبنائهم. الثاني: لو كان ما يحدث غير مغير للعين عرفا، كالصبغ، ولاسيما بالوجه الاتم، فإنه أيضا يوجب السقوط للخبرين، ضرورة انه من إحداث الشئ ومورد النص في الخبر الثاني. الثالث: لو كان التصرف غير مغير فلا يوجب السقوط، لعدم صدق العنوانين. نعم، بناء على استفادة مسقطية مطلق التصرف، يلزم السقوط. إلا


1 - تقدم في الصفحة 34 و 35.

[ 40 ]

انها في غير محلها، لان غاية ما يدل عليه خبر اشتراء الجارية، وقد مر في محله ما يتعلق به، ولا يجوز التجاوز عنه الى سائر الامتعة لو احتملنا الخصوصية. مع أن في أخبار اشتراء الجارية ما يعطي أن بالوطء يسقط (1)، فيكون النظر والتقبيل في بعض الاخبار (2) كناية عنه أحيانا، فراجع. الرابع: في صورة العلم بالعيب، ثم التغيير والاحداث، لا يبعد السقوط، لاجل القواعد كما مر، وهو المستفاد من الخبرين (3) أيضا، لان الاول وإن كان مورده الاحداث حال عدم العلم، إلا أن مع العلم أولى بذلك، فالتغيير المستند إليه علما يوجب السقوط. الخامس: لو تغير المبيع بتغيير الاجنبي أو بنفسه أو بالحادثة


1 - محمد بن ميسر، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: كان علي (عليه السلام) لا يرد الجارية بعيب إذا وطئت، ولكن يرجع بقيمة العيب، وكان علي (عليه السلام) يقول: معاذ الله أن أجعل لها أجرا. الفقيه 3: 139 / 611، وسائل الشيعة 18: 104، كتاب التجارة، أبواب أحكام العيوب، الباب 4، الحديث 8، وأيضا في هذا الباب الحديث 1 و 5 و 6 و 7. عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: لا ترد التي ليست بحبلى إذا وطأها صاحبها، وله أرش العيب، وترد الحبلى ويرد معها نصف عشر قيمتها. الكافي 5: 214 / 3، تهذيب الاحكام 7: 62 / 267، وسائل الشيعة 18: 105 - 106، كتاب التجارة، أبواب أحكام العيوب، الباب 5، الحديث 3. 2 - انظر وسائل الشيعة 18: 13، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 4، الحديث 1 و 3، و: 105، أبواب أحكام العيوب، الباب 5، الحديث 2. 3 - تقدم في الصفحة 34 و 35.

[ 41 ]

السماوية، فمقتضى المرسلة (1) سقوط الخيار، لانطباق عنوانها عليه، ومقتضى الخبر الاول (2) بقاؤه، لعدم انطباق عنوانه عليه، بناء على استفادة أن الظاهر منه انحصار السقوط بإحداثه مباشرة أو تسبيبا مثلا، لان أخذ القيد - ولاسيما في الوضعيات - يوجب الحصر، فيلزم هنا مفهوم القيد، لا الشرط، ولا اللقب، لان قوله: " فأحدث " من قيود موضوع اللزوم، وليس " الفاء " في " فأحدث " جوابا لمعنى الشرط المستفاد من كلمة " أي " فلا تخلط. اللهم إلا أن يقال بما مر البحث فيه من وجه سقوط القيد والنسبة الحرفية، بمساعدة فهم العقلاء وبنائهم في المحاكم العرفية. ولعمري، إن في الخبر الاول نسبتين: نسبة الاحداث الى المشتري، ونسبة العلم بالعوار، فهل يحتمل دخالة علمه به بنفسه، بحيث لو أعلمه به غيره لا يكون ذلك كافيا، لانصراف علمه الى توجهه بنفسه؟! فلا تكن من الخالطين. بقي شئ في مسقطية مطلق التصرف ربما يستظهر من كلمات جمع، أن التصرف موجب للخيار، ويستظهر


1 - تقدم في الصفحة 35. 2 - تقدم في الصفحة 34.

[ 42 ]

ثانيا أن المراد منه غير التغيير، وقد أطال الكلام شيخنا الانصاري (رحمه الله) حول المسألة (1)، إلا أن المتبع هو البرهان، بعد ظهور استنادهم الى الاخبار، والمحكم هو الوجدان، بعد معلومية استنادهم الى الاثار. مع أن المنسوب الى جمع منهم (2) عدم كفايته. وأما احتمال لزوم كون التصرف أو التغيير، مستندا الى المالك، فصريح كلام جمع خلافه. فتحصل: أن نفس التصرف غير المقرون بالرضا الاتي تفصيله، وغير المقرون بالتغير، ليس مسقطا بالضرورة، وإلا فلا يبقى الخيار. تنبيه: حكم التغير بتسبيب المالك إذا كان التغير بتسبيب المالك، فعلى ما ذكرناه فلا بحث. وأما على القول: بأن القدر المتيقن من موجب السقوط هو التغيير المستند إليه، وعند الشك يرجع الى الاطلاق أو الاصل، فيشكل الامر، ولاسيما في بعض صور التسبيب، فلا تغفل.


1 - المكاسب، الشيخ الانصاري: 255 / السطر 2 وما بعده. 2 - لاحظ نفس المصدر.

[ 43 ]

الثالث الالتزام والرضا بالبيع فإنه أيضا يوجب السقوط، حسبما يظهر من جملة العبارات، فلو كان المالك بينه وبين ربه ملتزما بالبيع، وبنى عليه، ورضي به رضا ثانيا، لا الرضا الاول اللازم في أصل تحققه، فيلزم سقوطه، سواء كان ذلك بمظهر خارجي قولي، أو تصرف، أو تغير. وانضمام التصرف إليه لاجل كشفه، وإلا فلا مقومية له، ولا جزئية، ولا شرطية. ولعله الذي يستظهر أولا: من كلمات جلهم. وثانيا: مما ورد في خيار الحيوان بأن " ذلك رضا منه " (1) فكأن أصل المسقط هو الرضا، والتصرف من مصاديقه الادعائية، لالتصاق الرضا به، واقترانه معه. ويؤيد كفايته لسقوط الخيار، حكم العرف المطلع على انه التزم به قلبا، وبنى على أن لا يرد المبيع الى البائع، ولذلك حكم


1 - علي بن رئاب، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: الشرط في الحيوان ثلاثة أيام للمشتري اشترط أم لم يشترط، فإن أحدث المشتري فيما اشترى حدثا قبل الثلاثة الايام فذلك رضا منه فلا شرط، قيل له: وما الحدث؟ قال: إن لامس أو قبل أو نظر منها إلى ما كان يحرم عليه قبل الشراء... الحديث. الكافي 5: 169 / 2، تهذيب الاحكام 7: 24 / 102، وسائل الشيعة 18: 13، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 4، الحديث 1.

[ 44 ]

الاصحاب كثيرا بأن في مواقع التصرف المقرون بالعلم يسقط الخيار، لانكشاف الرضا به (1)، وقد علل بعضهم بما في أخبار خيار الحيوان. والذي قد تحرر: أن الخيار حق قائم بالمالك المتعامل، لا العقد، ولا العين. وأيضا تحرر: أن في هذه المسألة يكون المالك مخيرا بين الرد والارش، وهو أمر ينتزع منه الحق، لا على الاصطلاح، فلا ثبوت لهذا الخيار حتى يسقط بالالتزام والرضا، سواء كان مظهرا، أو غير مظهر. نعم، ذلك الحق الانتزاعي التسامحي العرفي، يقبل السقوط بالاسقاط، وأما سقوطه بالالتزام، أو بالتصرف المقرون به، أو بالالتزام المظهر بالتصرف - أي تصرف كان - فهو ينافيه إطلاق دليل التخيير، وأن له الرد ما دامت العين باقية ولم يحدث فيه شيئا. اللهم إلا أن يقال: سقوط الخيار الحقي بالرضا المذكور، يوجب سقوط مثله بالاولوية. وبالجملة: مجرد البناء الثبوتي غير كاف، لقصور الادلة. وقد مر ما يتعلق بقوله (عليه السلام): " ذلك رضا منه " فإن استفادة المفهوم البين منه - على وجه يتجاوز من خيار الحيوان الى أمثال المسألة - في غاية الاشكال. وأما اقترانه بالمظهر، مع بنائه الواقعي على انصرافه عن الحق المذكور، فهو موجب للزوم البيع بحكم العقلاء. اللهم إلا أن يقال: إنه مردود بإطلاق دليل الرد وخيار العيب


1 - المقنعة: 597، النهاية: 393، الغنية، ضمن الجوامع الفقهية: 526 / السطر 13.

[ 45 ]

الثابت، فلاحظ وتأمل. تذنيب حول كون التلف من المسقطات في كلام الشيخ (رحمه الله): أن الثالث من المسقطات: هو التلف (1) وهذا غير معهود، ضرورة أن مع التغير إذا سقط الخيار، فلا تصل نوبة البحث الى التلف الحقيقي بالضرورة. نعم، كان ينبغي تعقيب البحث عن مسقطية التغيير، بمسألة التلف الاعتباري، وانه إذا انتقل المعيب الى الغير نقلا لازما أو جائزا، فهل يسقط خياره، أم لا؟ فعلى السقوط فلا بحث. وأما على عدم السقوط، فهل يجوز حل العقد مطلقا، أم يكون ذلك بعد فسخ العقد الثاني وحله، أو انتقال المبيع إليه بالعقد الجديد بيعا كان أو هبة؟ ثم البحث عن حدوث العيب عند المشتري الثاني، فإنه بعد الانتقال الى المشتري الاول، يثبت له الخيار الاخر بالنسبة الى البيع الثاني، بدعوى انصراف دليل مسقطية حدوث العيب عن هذه الصورة. أو البحث عن التفصيل بين نقل العين الى الاجنبي، والى المالك الاول، وهو البائع مثلا، فإذا حدث عنده العيب، فيكون لكل


1 - المكاسب، الشيخ الانصاري: 255 / السطر 23.

[ 46 ]

منهما خيار العيب بالنسبة الى المتاع الواحد في البين، وهنا يتصور الغبن من الطرفين في المتاع الواحد. وبالجملة: التصرفات الاعتبارية - ومنها العتق - من المسقطات، أم لا؟ فالبحث في ناحيتين، ونشير اليهما على سبيل الاجمال، لما مر من بعض البحوث حول ذلك في خيار الغبن. الناحية الاولى: حول سقوط الخيار بالتلف قد أشرنا الى أن تلف المعيب موجب لسقوطه. وقد يشكل الامر من ناحية أن الحق يسقط دون غيره، ولا حق في خيار العيب، بل المالك مخير بين المعنيين الحدثيين، كالواجبات التخييرية، فغاية ما يلزم عليه هو تعين الارش عند تعذر الرد، وتصير النتيجة جواز الرد إذا زال العذر وعاد إليه ثانيا، فلا يقاس ما نحن فيه بسائر الخيارات، كما صرح به العلامة المحشي الاصفهاني (قدس سره) (1). وليس بخفي أن تعين الطرف عقلي لا شرعي، كسائر الموارد التي هي من قبيله، فإن الموسع لا يصير مضيقا، والمخير لا يصير معينا، والمشروط لا يصير مطلقا، وتحقيقه في الاصول. وفيه ما مر: من أن الامر باختيار المكلف في هذا المعنى التخييري غير الوجوبي، المشابه للحق، ومر أيضا: أن هناك حقا انتزاعيا


1 - أي كما صرح بعدم القياس، لاحظ حاشية المكاسب، المحقق الاصفهاني 2: 98 / السطر 24.

[ 47 ]

من كل واحد من الطرفين، ومنشأ الانتزاع جواز الرد والارش. وأما أن هناك حقين ثابتين، وكون الرد والارش من آثارهما، مع عدم إمكان الجمع بينهما ثبوتا - كما احتملناه أولا، واختاره الوالد المحقق مد ظله (1) -، فقد مر ما يتعلق بضعفه، فالاسقاط ممكن. كما انه يجوز دعوى: أن له إخراج أحد الطرفين من دائرة التخيير، لحكم الشرع بذلك. ويشكل حكم سقوط الخيار بالتلف، من أجل أن استفادته من مرسلة جميل (2)، غير ممكنة بحسب المفهوم. اللهم إلا أن يقال: إن مفهوم الشرط " إن لم يكن الشئ باقيا على حاله " وهو ليس ظاهرا في فرض وجود الموضوع. وفيه - مضافا الى أن الاستناد إليها غير صحيح - أن عدم الظهور ممنوع. ولو فرض ظهوره فيه فالموضوع المذكور في القضية - لاجل كونه من الاعيان الخارجية - محفوظ الوجود في ناحية المفهوم، سواء كان السلب مقدما أو مؤخرا، فإنه لا يوجب الفرق كما تحرر، وما هو الموجب للفرق هو تقديم الحيثية على السلب وعدمه، فلا تخلط. هذا مع أن " إحداث الشئ فيه " يصدق إذا كان التلف بإتلاف المالك بالضرورة، وإذا لم يكن للاحداث المصدري خصوصية، فيلزم السقوط حسب فهم العرف في مطلق التلف.


1 - البيع، الامام الخميني (قدس سره) 5: 13. 2 - تقدم في الصفحة 35، وفيه: " إن كان الشئ قائما بعينه رده على صاحبه ".

[ 48 ]

ودعوى عدم إمكان استفادة ذلك بالاولوية، لعدم كونها قطعية، لاحتمال عدم رضا الشرع بذلك رعاية لجانب البائع في صورة وجود العين المعيبة (1)، فإنها تورث إشكالا عليه، بخلاف صورة التلف، غير مسموعة، لاستفادة ذلك من معتبر زرارة (2)، دون الاولوية. مع أن المراجعة الى البائع بادعاء الارش، مغروس في أذهان العقلاء إذا كانت العين باقية، فالشك فيه يشبه الوسوسة. وما افيد: " من أن التلف دائما متأخر عن التغيير، فيسقط الخيار قبله " (3) غير مقبول إطلاقه، لان في صورة الاحتراق الدفعي أو انكسار الاواني، يكون التلف دفعيا، فتأمل. وأما القول: بأن بالتلف يسقط الخيار، إما لاجل انه قائم بالعين، أو لاجل انه خيار لا يمكن إعماله إلا بالرد المتوقف على وجود العين (4)، فهو باطل، لما تحرر من أن موضوع الخيار هو المتعاقد، لا العين، ولا العقد. ولو كان هناك حق وضعي مردد بين الرد والارش، فيلزم سقوطهما حسب الموازين العقلية. وما ترى من حكم العقل في الواجب التخييري بتعيين الطرف، فهو لاجل عدم الجعل التخييري. نعم، لنا أن نقول: إن الحق المذكور لاجل كونه منتزعا من الرد


1 - البيع، الامام الخميني (قدس سره) 5: 31. 2 - تقدم في الصفحة 34. 3 - البيع، الامام الخميني (قدس سره) 5: 34. 4 - لاحظ البيع، الامام الخميني (قدس سره) 5: 31.

[ 49 ]

المتوقف على العين، يكون ساقطا، وهذا وإن كان موضوعه أيضا المتعامل، إلا أن طرفه في سائر الخيارات هو العقد الباقي بالتلف، وهنا رد العين غير الباقي بتلف العين، فاغتنم. وما افيد وجها للسقوط: " من أن في موارد التخيير إذا تعذر طرف، يتعين الطرف الاخر، ولا تصل النوبة الى ما في طول الطرف المتعذر، كما نحن فيه " (1) غير تام، لان رد البدل من أحكام الفسخ، والفسخ غير متعذر، لبقاء العقد. نعم، هنا وجه: وهو انه إذا فسخ المشتري، فلا يترتب عليه الاثر في القيميات، لان الثمن الموجود عند البائع قيمة العين التالفة مع زيادة، ورجوعها إليه - حسب العادة - يوازي رجوع الارش الى المشتري، فافهم واغتنم. بقي تنبيه: في انفساخ العقد بالتلف وهو أن قضية قاعدة " التلف في زمن الخيار ممن لا خيار له " - سواء كان انفساخ العقد قبل التلف آنا ما، أو كان تعبدا صرفا - هو سقوط البحث المذكور، ولا معنى لكون الارش على البائع، بل عهدة العين بتمامها عليه. قلت: نعم، ولكن هذه القاعدة غير جارية في خيار العيب، أو مخصوصة بالخيارات الموقتة المحدودة، كخيار الحيوان، والمجلس،


1 - البيع، الامام الخميني (قدس سره) 5: 34 - 35.

[ 50 ]

والتأخير، مثلا، ولو كانت جارية فيما نحن فيه فالبحث تقديري. الناحية الثانية: في التلف الحكمي وفيه وجوه واحتمالات: من سقوط الخيار مطلقا، كما هو ظاهر الاكثر (1)، ومن عدم السقوط كما ربما يقوى في النظر صناعة، ومن التفصيل بين النقل اللازم والجائز (2) كما يظهر من تعليل بعضهم، أو التفصيل بين مثل الانعتاق غير القابل للرجوع، وغيره (3). فربما يقال: إن قضية الصناعة ولو كانت بقاءه، إلا أن فيما نحن فيه يتعين السقوط، لاجل امتياز هذا الخيار عن سائر الخيارات، فإن موضوعه في غيره هو العقد الباقي في الاعتبار، كما مر في خيار الغبن تفصيله، ولا معنى للالتزام ببقائه لو كان موضوعه العين المنقولة، لان لحق الخيار الثابت على العين أحكاما لا يمكن الالتزام بها بعد النقل. وكون الخيار باقيا متعلقا بالعين غير محكوم بتلك الاحكام، لا يناسبه ذات الخيار، كما لا يخفى. وأما فيما نحن فيه، فالخيار يتعلق بالرد المتقوم ببقاء الملكية، لان المراد من " الرد " هو الرد في الملكية، فالحق بعد زوال الملكية


1 - لاحظ مفتاح الكرامة 4: 626 / السطر 13، و 641 / السطر 2 - 3. 2 - المبسوط 2: 131، جامع المقاصد 4: 342. 3 - المقنعة: 597 - 598، النهاية: 393 - 394.

[ 51 ]

ساقط حسب الصناعة، بعد وضوح أن المقصود من " الرد " في الاخبار هو الرد فيها، فلا فرق بين أقسام النقل والانعتاق. أقول: قضية ما تحرر منا، أن خيار العيب حق ينتزع من إمكان الرد، وليس هو مثل الحقوق الاخر، لانه بنحو الترديد، فهو طبعا لابد وأن يكون قابلا لان يكون طرف التخيير، كما مر تفصيله. فإذا كان سبب اعتباره إمكان الرد: فإن كان المستفاد أو المنصرف من الادلة إمكان رده الى ملكية البائع، من غير النظر الى خروج عن ملك المشتري ملكا فعليا أو ملكا سابقا أو أصل الملكية والسلطنة، فلا وجه لسقوطه، ضرورة أن إمكان الرد باق ولو باستدعاء المشتري أن يرد الاجنبي المتاع الى البائع، فإن له فسخ العقد بمجرد تمكنه من الرد ولو مع الواسطة، لعدم دليل على الاختصاص، بل قضية الاطلاق بقاؤه. وإن قلنا - كما هو الاقرب -: إن المتفاهم العرفي هو إمكان الرد الى الملكية من ملك المشتري وصاحب الخيار، فإذا عاد إليه - ولو بالاشتراء من الاجنبي أو من البائع أو بالاقالة أو التورث وغيره - يجوز فسخه، لبقاء خياره، لان الموضوع هو التمكن من الرد، لا نفس الرد الخارجي، أو الرد العنواني، حتى يتوجه إليه بعض الاشكالات (1)، كما


1 - لاحظ البيع، الامام الخميني (قدس سره) 5: 32.

[ 52 ]

يظهر من العلامة المحشي الاصفهاني (قدس سره) (1). ولو قلنا: بأن المفروغ في الاخبار والاثار - وهو ظاهر الفتاوى - أن " إحداث الحدث " أو " إحداث شئ فيه " يشمل زوال الملكية، وانه أي حدث أعظم منه؟! فيسقط ولا يعود. ولو قلنا: بأن المستند هنا هو حكم العقلاء، لعدم صدق " الاحداث " المضاف الى " الشئ " كما هو الظاهر، فالسقوط في محله، إلا انه يعود، كما يظهر من الفقيه اليزدي (2)، لان منشأ هذا الخيار وإن لم يكن قاعدة نفي الضرر، إلا أن أساس جعل الخيار باعتبار الجبران للخسارة، ولا معنى لتوهم خصوصية الملكية الاضافية الاعتبارية السابقة، ولذلك يثبت الخيار بعد نقل العين بالتورث (3)، مع زوال الملكية قطعا. وتوهم: أن الملكية باقية، وطرفها يتبدل عرفالا عقلا، فاسد، لان الظاهر من الاول نقل العين، وما تركه الميت يعتبر للوارث، فيكون ملكا جديدا. ومن الغريب توهم الفرق بين النقل اللازم والجائز، أو الفرق بين الفسخ وغيره!! فإن هذه التوهمات لا يعتنى بها في محيط العقلاء، بعد عدم وجود دليل على خلاف حكمهم وبنائهم وفهمهم من الاخبار. فالذي هو الاقرب من الصناعة عدم السقوط حتى يقال بالعود


1 - حاشية المكاسب، المحقق الاصفهاني 2: 98 / السطر 37. 2 - حاشية المكاسب، السيد اليزدي 2: 71 - 72. 3 - لاحظ جواهر الكلام 23: 74 - 75.

[ 53 ]

بعده، لعدم وجه لسقوطه مع تمكنه من الرد. ولو سقط فالعود يحتاج الى دليل، وقد مر عدم صلاحية الاطلاق ولا الاستصحاب للمرجعية في هذه المواقف. اللهم إلا أن يقال: إن النقل وإن لم يكن من إحداث الشئ في المبيع، ولا معنى لفهم الاولوية في هذه الصورة بعد بقاء العين على حالها، ولكنه من مصاديق التصرف المقرون بالرضا تعبدا، وأن إحداث الشئ لاجله أيضا مسقط، ولكنك عرفت في محله خلاف ذلك. ومما ذكرنا يظهر: أن ما في " الجواهر " - نقلا عن بعضهم - من التفصيل بين العود قبل العلم بالعيب وبعده (1)، غير صحيح. اللهم إلا أن يقال: بعدم ثبوت الخيار إلا بعد العلم، وهو خلاف صريح معتبر زرارة (2). كما أن ما عن " المقنعة " و " النهاية ": من أن الهبة والتدبير لا يمنعان من الرد، لان له الرجوع فيهما، بخلاف العتق (3) غير تام، ضرورة أن المنع التكويني مفيد، وهو ممنوع في العقود اللازمة أيضا، والمنع التشريعي حاصل، ولكنه غير مانع عنه. نعم، في خصوص العتق يشكل. ولو فرض عود العبد المذكور رقا لاجل الاسباب الجديدة، يأتي البحث كما لا يخفى.


1 - انظر جواهر الكلام 23: 239، المبسوط 2: 131. 2 - تقدم في الصفحة 34. 3 - المقنعة: 597 - 598، النهاية: 393 - 394.

[ 54 ]

وأضعف من ذلك ما في كلام شيخنا العلامة (رحمه الله): " من انه لو عاد الملك الى المشتري لم يجز رده، للاصل " (1) انتهى، فإن رد العين في الاخبار هو الرد لاجل فسخ العقد اللازم في أصل الشرع، فتكون المسألة من موارد تعارض الاطلاق واستصحاب حكم المخصص لو شك في سقوط خياره بالنقل، كما هو مورد الشك. نعم، لو قلنا بالسقوط فالعود يحتاج الى دليل. بقي شئ: حكم زوال العيب وعوده إذا زال العيب بعد العقد، وكان الخيار ثابتا قبل زواله، فهل يسقط الخيار، أم لا، أو يسقط ويعود بعود العيب الزائل؟ وجوه. يظهر من الفقيه اليزدي (قدس سره) (2) في المسألة السابقة: أن المسألة تدور حول الضرر، وهو هنا منتف، فالسقوط والثبوت بعد العود قوي عنده. ويجوز دعوى: أن منشأ الخيار وإن لم يكن الضرر بالقياس الى البائع في فرض، والى المشتري في الاخر، إلا انه يوجب الانصراف، فلو كان العيب زائلا بعد العقد فلا خيار، وعوده يحتاج الى دليل، ويأتي أن العيب الحادث لا يوجب شيئا. أو يقال: إنه فيما إذا كان عيب آخر، وأما إذا كان العائد هو العيب


1 - المكاسب، الشيخ الانصاري: 255 / السطر 26. 2 - حاشية المكاسب، السيد اليزدي 2: 72 / السطر 1.

[ 55 ]

الزائل فهو من إعادة المعدوم العرفي، أو يكشف عرفا عن عدم الزوال، فلا وجه لسقوطه في الفرض الثاني، ويعود الخيار بعوده في الفرض الاول. ولو شك، فإن كان في عوده فلا دليل عليه، وإن كان في سقوطه، فالمسألة من موارد مرجعية الاستصحاب والاطلاق، وقد تحرر في محله عدم صلاحية كليهما لشئ، فيرجع الى الاصول الاخر الجارية بالنسبة الى جواز التصرفات.

[ 56 ]

الرابع حدوث العيب عند المشتري وتمام الكلام حول هذه المسألة يستدعي البحث في جوانب: الجانب الاول حول صور المسألة لا شبهة في أن العيب السابق على العقد يوجب الخيار، وقد مر شطر وإشارة الى مسألة زواله بعد العقد وقبل القبض، أو بعد القبض وقبل الرد والاخذ بالارش، وهكذا في مسألة عوده بعد زواله، وإنما البحث هنا في حدوث العيب بعد العقد. وهذا تارة: يكون المبيع معيوبا بعيب قبل العقد، ويحدث عيب آخر بعد العقد. واخرى: يكون صحيحا، فيحدث العيب بعد العقد. وثالثة: يحدث العيب بعد القبض. وهذا أيضا تارة: يكون المبيع معيوبا قبل القبض والعقد. واخرى: يكون صحيحا في الحالتين. وثالثة: يكون صحيحا قبل العقد، ويحدث عيب بعد القبض.

[ 57 ]

وعلى التقادير المذكورة تارة: يكون في زمن الخيارات المضمونة. واخرى: بعدها. فهذه جملة من الصور. ومن المحتمل إمكان التفصيل بين قبض أحد العوضين، وكليهما، فيكون العيب بعد قبض أحدهما - مثلا - موجبا لسقوط الخيار بالنسبة الى العيب الحادث في الاخر وإن لم يقبض أو يقال بعدمه، وسيظهر وجهه إن شاء الله تعالى. ثم إن العيب الموجود قبل العقد تارة: يختلف ماهية مع العيب الحادث. واخرى: وجودا. وثالثة: كمية وكيفية، شدة وضعفا، فيزداد العيب ويتسع بعد العقد، أو بعد القبض، ضرورة إمكان اختلاف الحكم في هذه الصور، كما لا يخفى. ثم إن البحث في هذه المسألة تارة: يكون حول حدوث الخيار بالعيب الحادث بعد العقد، وانه هل يختص الخيار بصورة العيب الموجود قبله، أم لا؟ واخرى: في انه إذا حدث العيب بعد العقد، فهل يثبت به الارش أيضا، أم يختص دليل الارش بالصورة المشار إليها، أو يختص بما إذا لم يكن المبيع معيبا قبل العقد؟ وجوه واحتمالات. وثالثة: في انه هل يوجب سقوط الخيار الثابت بالعيب حين العقد، فيلزم مثلا ثبوت الخيار به، وسقوط الخيار السابق، أم لا؟ وبالجملة: فهل بالعيب الحادث بعد العقد، يزول الخيار الثابت

[ 58 ]

حين العقد، أو مضافا الى عدم زواله يثبت به الخيار الاخر، أم لا يوجب شيئا، لا زوالا، ولا حدوثا؟ وهكذا بالنسبة الى الارش، إلا أن الكلام هنا حول ثبوت الارش بمثل هذا العيب الحادث، وأما سقوط الارش الثابت بالعيب حين العقد فيأتي، لما مر من أن البحث في هذا المقام حول مسقطات الخيار فقط، فلا تخلط. هذا كله حول البحوث قبل القبض. وأما بعد القبض وقبل مضي زمان الخيار - كخيار المجلس مثلا، أو الحيوان، والشرط - فيأتي فيه البحوث السابقة أيضا إن شاء الله تعالى، وسيظهر التحقيق حول صور المسألة بعون الله تعالى. فما هو المفروغ عنه ولا خلاف فيه ظاهرا، أن العيب الحادث بعد القبض ومضي زمان الخيار لا يوجب شيئا بالضرورة، ويوجب سقوط الخيار في صورة استناده الى المالك قطعا، وأما في غير هذه الصورة، أو في صورة اتساع العيب الموجود، ففيه كلام. هذا ملخص صور المسألة، والجهات اللازم البحث فيها. وغير خفي: أن من الصور ما إذا كان المبيع كليا أو الثمن، ثم بعد القبض حدث فيه العيب قبل أن يمضي زمان الخيار، فإنه يأتي هنا أيضا بعض المباحث المشار إليها.

[ 59 ]

الجانب الثاني حول تعدد الخيار ثبوتا إذا كان المبيع معيوبا مثلا حين العقد، وقلنا: إن الخيار يثبت بوجوده الواقعي، أو كان المشتري عالما به، ثم حدث عيب آخر ماهية ووجودا، فربما يشكل عقلا حدوث الخيار الاخر، وذلك لا من جهة أن السبب وحيد، وهو صرف الوجود، فإنه تابع لاعتبار الشرع والاستفادة من الادلة، بل من جهة أن طبيعي الخيار الثابت، لا يعقل أن يتكرر بالوجود إلا بعد ورود قيد على الطبيعة والمسبب، كما تحرر في مسألة تداخل الاسباب والمسببات، مع أن الضرورة قاضية بأن خيار العيب واحد. وبالجملة: لا منع من تعدد الخيار لتعدد العناوين، كخيار المجلس، والحيوان، فإنهما خياران لاجل تلون الخيار الطبيعي بلون المجلس، والحيوان، والشرط، وهكذا، وأما خيار العيب فتكرره كتكرر خيار المجلس، بأن يكون للمالك خيارا مجلس، ويكون صاحب الحيوان ذا خياري حيوان في البيع الواحد والحيوان الواحد، فإن مع تعدد البيع والمبيع، يتعدد الخيار وجودا وإن كان من نوع واحد، وأما إذا كان البيع واحدا فكيف يعقل ذلك؟! أقول: نعم، هذا في حد ذاته لولا التصرف في ناحية المسبب، ممتنع ثبوتا، إلا انه لو ساعد الدليل إثباتا يمكن اعتبار التعدد، لاجل

[ 60 ]

الاضافة الى العيب، فيكون للمالك خيار عيب الشلل، وخيار عيب العمى، وهكذا. ومن هنا ينقدح: انه لو كان المبيع فيه العيوب الكثيرة، يجوز الالتزام بالخيارات عدد العيوب، على حساب الاضافات المتعددة. فكون السبب طبيعي الخيار القابل للكثرة، لا يكفي لتعدد الوجود، لاحتياج التعدد الى التلون والتعنون الخاص بالضرورة، كما مر في بعض المباحث السابقة، خلافا لبعض الاعلام القائلين بالكفاية. فما يظهر من مجلس درس السيد الوالد - مد ظله - من كفاية كون السبب للخيار طبيعي العيب لتعدد خيار العيب (1)، غير تام، بل لابد من ورود القيد في المسبب، حتى يتمكن السبب من التأثير، أو الموضوع لحكم العقلاء عليه بالتعدد، فلا تخلط. بقي شئ: شبهات في المسألة وهو أن هناك شبهة ثبوتية على موجبية العيب للخيار، في صورة كون المبيع كليا، إذا حدث العيب بعد القبض، وإلا فلا معنى له. وتلك الشبهة: هي أن ما هو المبيع غير ما حدث فيه العيب عقلا وعرفا، وحيث إن القبض وقع على الصحيح، فلا معنى لحدوث الخيار بعد العيب الحادث في هذه الصورة، ولو كان في زمان الخيارات الاخر.


1 - انظر البيع، الامام الخميني (قدس سره) 5: 45.

[ 61 ]

وفيه: ما عرفت منا، وأن الطبيعي موجود بنفسه، وما هو المبيع هو ما يحصل في الخارج، كما أن طبيعة البيع أيضا كذلك، وإلا فيلزم إنكار وجوب الوفاء، والالتزام بالصحة، لجريان العلة المذكورة هنا أيضا. ولاجل ذلك يتشخص المبيع فيه، ولا يحق للبائع تبديل المبيع بعد القبض، لانه هو المبيع، لا زائد، ولا ناقص، فلا شبهة ثبوتية في المسألة. نعم، يجوز أن يسلب المشتري عن نفسه " بأني ما اشتريت ما في الخارج " مشيرا إليه، إلا انه لاجل عدم إمكان تفكيك ما في الخارج عن الوجود والخصوصيات التي هي ليست في المبيع، حينما يكون كليا، ولذلك يصح السلب المذكور عرفا، بل وعقلا، مع أن ما هو المبيع - وهي البقرة السوداء - ليست إلا بنفسها في الخارج، وهي المقبوضة، فتأمل جيدا. ثم إن هناك شبهة ثبوتية اخرى على القول بأن المجعول في خيار العيب هو الحق المردد بين كونه متعلقا بالعقد، أو بالارش، فإن السبب إن كان صرف وجود العيب، فلا يؤثر إلا في إحداث الخيار الواحد أو الارش الواحد، مع انهم لا يلتزمون به في ناحية الارش، ويقولون بتعدده. وإن كان هو طبيعي العيب، فيلزم تعدد الخيار أو الارش، وهم لا يلتزمون بتعدد الخيار تعدد السبب، ولا يعقل التفكيك ثبوتا بين الطرفين، لان الحق السببي واحد مردود. وأما على القول بتعدد الحق، كما احتملناه أولا، فهو - أي التفكيك - ممكن ثبوتا، ويستظهر إثباتا، لاجل فهم العقلاء ذلك من أخبار المسألة،

[ 62 ]

وبنائهم عليه. وغير خفي: أن هذه الشبهة تتوجه الى القول: بأن خيار العيب ليس إلا التردد بين الرد وأخذ الارش، أو بين الحقين الانتزاعيين منهما، كما هو المختار. ولكنها تندفع: بأن السبب هو طبيعي العيب، إلا أن في ناحية الرد لا يقبل السبب التوسعة، بخلاف ناحية الارش، فإنه يقبل التوسع. وفرق بين تعدد الخيار وتوسعه، والضرورة قاضية بأن الارش لا يتعدد، بل يتوسع، فكما أن أسباب الدين لا توجب تعدد الدين، بل تتوسع دائرة الدين، لان التعدد يحتاج الى اعتبار قيد في ناحية السبب، كذلك فيما نحن فيه، وعلى هذا تكون الادلة أيضا مأخوذة بظاهرها، وهو أن طبيعي العيب يؤثر، إلا أن اختلاف السبب بحسب الاقتضاء، يوجب فرقا بين الرد والارش، فاغتنم. الجانب الثالث في مرحلة الاثبات والاستظهار من الادلة الشرعية فالبحث يقع في صور: الصورة الاولى: في حدوث العيب بعد العقد وقبل القبض إذا حدث العيب بعد العقد وقبل القبض، فهل يوجب الخيار والارش؟ وجهان، بل قولان.

[ 63 ]

والذي هو المعروف المدعى عليه الاجماع ظاهرا، جواز الرد به ولو كان بعد القبض في زمان إحدى الخيارات الثلاثة (1)، وحيث لا حجية لمثله، فلابد من التماس دليل. والذي يقتضيه الدليل الاولي عدم جواز الرد، لان العقد عندهم سبب تام للملكية، فحدوثه فيها قبل القبض، أو بعده، أو بعد الخيارات الثلاثة، على حد سواء، وما هو الموجب للخيار هو وجود العيب، واشتراط العلم في ثبوته لا ينتج لما نحن فيه شيئا، لامكان استمرار جهله الى بعد مضي الخيارات. فعلى كل تقدير: قضية القاعدة المعروفة، عدم حدوث الخيار بالعيب الحادث بعد العقد. وأما على ما سلكناه في هذا المضمار، ويؤيده هنا الاجماع المذكور، وفهم العقلاء، فثبوت الخيار به، وذلك لان عقد البيع ليس بيعا، بل هو تعاهد على البيع والمبادلة، والقبض والاقباض - سواء كانا خارجيين، أو اعتباريين - هو البيع حقيقة، ولا تحصل الملكية إلا به، ولا ملكية قبل القبض، لا مستقرها، ولا متزلزلها، ولو كان الوفاء بالمعاهدة المذكورة واجبا، كما هو كذلك في بعض البيوع التي يعتبر في صحتها


1 - قد ادعى صاحب " جواهر الكلام " الاجماع ونسبه إلى غير واحد في العيب الحادث قبل القبض. أما بعد القبض في زمان إحدى الخيارات الثلاثة فقال: " ومثله حدوث العيب من غير جهة المشتري في الثلاثة لو كان المبيع حيوانا... وكذا كل خيار مختص بالمشتري ". جواهر الكلام 23: 241 - 242.

[ 64 ]

القبض والاقباض، فالعيب الحادث بعد العقد يوجب الخيار على القواعد. نعم، ربما يستظهر من الشرع ترتيب آثار الملكية بمجرد العقد. ولكن في ثبوت الاطلاق لدليله إشكال، فلا منع من الالتزام بحدوث الملكية بالعقد في البيع في الجملة، لا مطلقا، وتفصيله قد مضى في مطاوي بحوثنا السابقة، فلا نعيد المسألة من أصلها، لا نها تستلزم الاطالة وإن لم تكن بلا إفادة. ومن الغريب توهم استفادة الخيار في صورة حدوث العيب بعد العقد من قاعدة " كل مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه " (1)!! وأحسن ما يمكن أن يقال: هو أن المستنتج من هذه القاعدة، أن البائع لا يستريح من ناحية ما خرج عن ملكه، فإذا كان العيب المنتهي الى تلفه موجبا لانفساخ عقده، فالعيب غير المنتهي الى فسخه يوجب إمكان انفساخ عقده، ولابد أن يكون المتمكن من ذلك هو المشتري، لان القاعدة ضربت عليه المسكنة والذلة. وما في كلام الفقيه اليزدي من الاطالة (2) - مضافا الى بعده الذاتي - غير تام، ولا حاجة الى نقده بعد نقله. والاشكال على أمثال هذه الاستخراجات من مثل المرسلة


1 - عوالي اللالي 3: 212 / 59، مستدرك الوسائل 13: 303، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 9، الحديث 1. 2 - حاشية المكاسب، السيد اليزدي 2: 76 - 77.

[ 65 ]

المذكورة، غير مناسب لفقه الامامية الذي بناؤه على ترك القياس والاستحسان. ولو تم تقريبنا للخيار فالارش مثله، لان العيب المنتهي الى ضمان العين عند التلف، يستلزم الارش عند تلف البعض، أو الكيفية. وما ذكرناه يجري بعينه في قاعدة " التلف في زمن الخيار ممن لا خيار له " كما لا يخفى. ويحتمل التفصيل بين تلف الجزء والوصف فيما نحن فيه، لان الجزء مبيع بخلاف الوصف، فتأمل. تكملة: دلالة مرسلة جميل على حكم العيب الحادث قبل القبض قد يستدل بمرسلة جميل (1) لاحداث العيب الحادث بعد العقد وقبل القبض، وذلك لان قضية إطلاق السؤال عدم الفرق بين كون الاشتراء واقعا على الثوب أو المتاع، أو كون الاشتراء واقعا على الصحيح، ولكن حدث العيب بعد الاشتراء وقبل القبض. وتوهم تعارف القبض، في غير محله. وعلى هذا، يتوجه الجواب الى هذا الاطلاق، ويستنتج معنى قوله: " إن كان الشئ قائما بعينه رده على صاحبه، وأخذ الثمن " بعد مفروغية أن المراد من " قيام العين " هو القيام على العين مع قطع النظر عن العيب الموجود فيها حال العقد، ويكون حال قبل القبض أيضا مثله، ضرورة أن العين المعيبة حال العقد، ليست قائمة على عينها الطبيعية الاصلية،


1 - تقدم في الصفحة 35.

[ 66 ]

ولكنها ربما تكون باقية على عينها المعقود عليها. فكما إذا كانت باقية على تلك الحالة المعقود عليها فله الرد، فكذلك إذا كانت باقية على حالها المقبوضة فله الرد، فالعيب الحادث قبل القبض لا يوجب سقوط الخيار، بل يوجب ثبوته إن لم يكن ثابتا بالعيب حين العقد. أقول: - مضافا الى ما عرفت من ضعف المرسلة، لظهورها في خلاف ما عليه المشهور. وتوهم اختلاف طبقات الظهور ومراتبه، بأن يكون ظهورها في التخيير الطولي معرضا عنه، دون ظهورها في أصل التخيير، فيؤخذ بها، من التوهمات الباطلة - إن المتعارف في المعاملات وإن لم تكن معاطاتية، ولكنه متعارف جدا في تلك الامصار والاعصار، ولاسيما في مثل الثوب أو المتاع المعطوف عليه، والبيع العقدي بحكم النادر جدا، فالسؤال منصرف الى الاشتراء المعاطاتي. وقوله: " فيجد فيه عيبا " أيضا يشهد على أن وجدان العيب، كان بلا فصل بعد الاشتراء، لا بعد القبض كما لا يخفى. وهكذا قوله: " إن كان الشئ قائما بعينه " فإنه ظاهر في ملاحظة نسبته الى حال الاشتراء، فلو حدث عيب بعد الاشتراء العقدي، فلا يكون الشئ قائما على عينه حال الاشتراء. فلعمري، إن استنتاج الخيار مستندا إليها، غير جائز جدا، وهذا أسوأ حالا من تقريبنا حول القاعدتين مما نحن فيه. هذا مع أن قوله: " إن كان الثوب قد قطع أو خيط أو صبغ " ملحوظ بالقياس الى ما بعد الاشتراء، لا الى ما بعد القبض، فيعلم منه أيضا: أن الاشتراء كان بالمعاطاة والقبض، والتأمل في ذلك من التخيل البارد،

[ 67 ]

فلا تخلط. فالحق ما ذكرناه، وأن الاجماع على الخيار والارش للعيب الحادث بعد العقد، دليل على ما أبدعناه في أصل المعاملات (1)، وأن عقد البيع من الاضافة المعنوية، أي العقد على البيع وعلى المبادلة، ومع انتفاء المبادلة خارجا لا ملكية أصلا. فتحصل مما ذكرناه: أن العيب الحادث بعد العقد إن كان مسبوقا بالعيب قبل العقد، أو لم يكن، يكون المؤثر في الخيار هو هذا العيب، لان العقد على البيع لا يوجب شيئا - كما أشرنا إليه - في مبدأ هذا الخيار، فلا يوجب هذا العيب الحادث بعد العقد سقوط الخيار، لعدم ثبوته، ويوجب هذا العيب ثبوت الخيار والارش على الوجه المحرر في أصل المسألة. ولو قلنا بثبوت الخيار بالعيب الموجود حال العقد، كما هو المعروف عنهم، فهذا العيب لا يؤثر في ناحية الخيار، لعدم قابليته للتوسع، بخلاف الارش، فإنه يقبل التوسعة، لان ما به التفاوت يكون دائرا بين الاقل والاكثر، لا المتباينين. وهذا هو حكم العرف والعقلاء في المقام، وفي الاشباه والنظائر. فتحصل الى هنا المسائل الثلاث: عدم ثبوت الخيار والارش بالعيب حين العقد. ولو ثبت فلا يتكرر الخيار بطرو العيب بعد العقد وقبل القبض، ولا يتوسع الارش. ويثبت الخيار والارش بالعيب الحادث


1 - تحريرات في الفقه، كتاب البيع 1: 11 و 27، ولاحظ تحريرات في الاصول 1: 124.

[ 68 ]

بعد العقد وقبل القبض. هذا كله حكم الصورة الاولى. بقي شئ: في بقاء الخيار السابق بعد حدوث الخيار بعد العقد وهو انه على تقدير ثبوت الخيار بعد العقد، زائدا على الخيار الثابت بالعيب حين العقد، فهل هو يوجب سقوط الخيار الاول قهرا، أم يبقى له الخياران، كما له الخيارات لعلل شتى؟ وأما توهم التفصيل بين مستند الخيار الثاني، بأن يكون موجبا للاسقاط إذا كان الاستناد الى إطلاق مرسلة جميل (1)، وذلك لان إثبات الخيارين عرضا بدليل واحد لسبب واحد - وهو العيب - بعيد، فإذا ثبت بالاطلاق خيار قبل القبض، فلازمه سقوط ذلك الخيار بمثله، وأما إذا كان المستند قاعدة " كل مبيع... " أو غيرها، فلا يوجب الثاني سقوط الاول. ففيه منع واضح، ضرورة أن الاستبعاد المذكور، يرتفع بإنكار صلاحية المرسلة لاحداث الخيار الثاني. هذا مع أن اختلاف الدليل لا يوجب رفع الاستبعاد، بعد كون السبب الوحيد هو العيب، وأن تلف البعض - بما انه عيب - موجب للخيار، كتلف الكيفية، فإن المقصود من التمسك بالقاعدتين، إثبات خيار العيب بعنوانه، لا خيار تلف الكم، أو الكيف. وأما دعوى الامتناع الثبوتي، كما عن " حاشية العلامة الخراساني (رحمه الله) ": بأن سقوط الخيار الاول بالخيار الثاني، غير معقول،


1 - تقدم في الصفحة 35.

[ 69 ]

ضرورة أن سقوطه يستند الى العيب الحادث، ولا يعقل أن يكون العيب موجبا للحدوث والسقوط (1). ففيه: أن طبيعي العيب لا يوجب شيئا، لا الحدوث، ولا السقوط، وما هو الموجب للحدوث هو العيب حين العقد، والعيب الحادث بعد العقد. ولو كان طبيعي العيب موجبا لحدوثه، لكان العقد على الصحيح أيضا موجبا له، إذا كان قبل العقد معيوبا، ثم صار صحيحا، وهكذا العيب بعد مضي عصر الخيارات الثلاثة. والذي هو الحق: أن الالتزام بتعدد الخيار هنا ممكن ثبوتا، إلا انه لابد من تلون الخيار بلون السبب حتى يتعدد، فيكون خيار عيب حال العقد، وخيار عيب بعد العقد وهكذا، لامتناع بقاء المسبب والطبيعي على حاله مع تعدده، كما نشاهد أن سائر الخيارات أيضا تعددت بالعناوين المتخذة من الاسباب المنتهية إليها، أو الموضوعات التي اعتبرت موضوعا لها، على الاختلاف في باب السببية والموضوعية في أمثال هذه الامور الاعتبارية. وعلى هذا لا وجه لسقوط الخيار الاول بالخيار الثاني بالضرورة. فتحصل: على ما أبدعناه في باب العقود أن المدار على العيب قبل القبض، ولا حكم للعيب حين العقد، فلو كان حين العقد المبيع معيوبا، فصار صحيحا قبل القبض، فلا خيار، كما أشرنا إليه مرارا، ولا أرش.


1 - حاشية المكاسب، المحقق الخراساني: 217.

[ 70 ]

وأخبار خيار العيب (1) هنا كلها ناظرة الى البيوع المعاطاتية التي تحصل بالقبض، أو منصرفة إليها، فلاحظ وتدبرها. ومع ذلك كله لا يترك الاحتياط بالتصالح في موارده. الصورة الثانية: حكم حدوث العيب في أيام الخيار المضمون على البائع لو حدث العيب في أيام الخيار المضمون على البائع، فهل هو أيضا يوجب الخيار، أم لا؟ والبحث في هذه الصورة حول ثبوت الخيار فيها قبل القبض، ويجري فيها ما جرى في الصورة الثانية من البحوث، وهو ثبوت الخيار. وعلى تقديره، فهل يوجب سقوط الخيار لو كان ثابتا بالعيب حين العقد، وانه هل يثبت الارش هنا، وعلى تقدير ثبوته، يوجب سقوط الارش السابق؟ وقد مر تمام الكلام حوله، وحول المناقشات الثبوتية والاشكالات العقلية، واندفاعها بالمرة، كما ظهر أن الوجه الوحيد لثبوته، هو أن حقيقة البيع هي المبادلة المعاطاتية، والملكية تكون بعد التبادل الذي هو بمنزلة القبض، وأن العقود ليست إلا عهودا ربما يجب الوفاء بها، وذهاب المشهور هنا وفي المسألة السابقة الى


1 - وسائل الشيعة 18: 29 - 31، كتاب التجارة، الباب 16، و: 97 و 111، أبواب أحكام العيوب، الباب 1 و 8.

[ 71 ]

القول بالخيار، يشهد على ما ادعيناه. وما ذكرناه من ثبوت الخيار، لا يختص بأيام الخيار المضمون على البائع، كخيار الحيوان، والشرط، بل والمجلس، لانه على طبق القاعدة، فالعيب الحادث في عصر كل خيار قبل القبض، يوجب خيار العيب. نعم، إذا كان العيب حين العقد موجبا للخيار، فلا دليل على تعدده إثباتا، وإن أمكن ثبوتا كما مر. ولكنك أحطت خبرا: بأن المناط في حدوث الخيار حدوث العيب قبل القبض، سواء كان في زمان الخيار أو بعده، فعليه لا يثبت الخيار الثاني على تقدير ثبوته بالعيب حين العقد، حتى يقال بسقوط الخيار الثابت بالعيب الموجود حين العقد. ولو كان دليل حاكما على الخيار الثاني، فلا وجه لسقوط الاول به، كما عرفت. فبالجملة تحصل: أن المدار على العيب الحادث قبل القبض، سواء كان البيع واقعا على المعيب، أو الصحيح، وهذا هو معقد الشهرة والاجماع (1) المقتضي للارش في عرض خيار العيب، وإطالة الكلام زائدا عليه تكرار ممل، كما لا يخفى. نعم، التمسك بقاعدة " التلف في زمن الخيار... " على التقريب المذكور هنا، أقل محذورا، لان العيب وزوال وصف الصحة، من التلف عرفا، ولا يكون موضوع هذه القاعدة المبيع حتى يقال: بأن الوصف ليس


1 - انظر مفتاح الكرامة 4: 329 و 628، وجواهر الكلام 23: 241 - 242.

[ 72 ]

من المبيع. ولكن عرفت ما في أصل التمسك، ويأتي إن شاء الله تعالى. الصورة الثالثة: في حدوث العيب بعد القبض في زمان سائر الخيارات إذا حدث العيب في زمان الخيارات الاخر، كخيار المجلس، والحيوان، والشرط مثلا، وكان بعد القبض، فقضية ما تحرر منا أن هذا العيب قد حدث في ملك المشتري، ولا أثر له عند العرف والعقلاء بالضرورة. وأما بحسب الموازين الشرعية، فالمنسوب الى المشهور - بل الظاهر انه لم يسند الخلاف فيه إلا الى المحقق (قدس سره) (1) - هو الثبوت. وغاية ما يمكن أن يلتمس له - مضافا الى أن إطلاق قاعدة " التلف في زمن الخيار... " يقتضي بالتقريب المذكور ذلك - أن قضية طائفة من الاخبار هو الخيار، وهذه الاخبار هي في الحقيقة سند تلك القاعدة: فمنها: وهو الخبر الوحيد المعتبر سندا، معتبر ابن سنان - يعني عبد الله - قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يشتري الدابة أو العبد، ويشترط الى يوم أو يومين، فيموت العبد والدابة، أو يحدث فيه حدث، على من ضمان ذلك؟ فقال (عليه السلام): " على البائع حتى ينقضي الشرط ثلاثة أيام، ويصير المبيع


1 - لاحظ الدروس الشرعية 3: 289، مفتاح الكرامة 4: 627، جواهر الكلام 23: 242.

[ 73 ]

للمشتري " (1). وروى الصدوق مرسلا نحوه، إلا انه قال: " لا ضمان على المبتاع حتى ينقضي الشرط، ويصير المبيع له " (2). وفي رواية الشيخ: " ويصير المبيع للمشتري، شرط البائع، أو لم يشترطه " (3). وبمضمون هذا الخبر أخبار اخر في الباب الخامس من أبواب الخيارات (4). ووجه ذلك: هو أن كون الضمان على البائع ضمان المعاملة، لا يمكن إلا بانفساخ البيع في صورة التلف، وحيث إن في صورة حدوث الحدث لا ينفسخ البيع، ويكون الضمان مع ذلك عليه، فلابد من حدوث الخيار. وأما الاحتمالات الاخر (5) - كاحتمال كون الضمان ضمان اليد، أو كون الضمان عليه تعبدا من غير انفساخ قهرا، أو غير ذلك - فكلها بعيدة عن هذه الروايات. فبالجملة: في هذه الصورة - وهي حدوث العيب بعد القبض في


1 - الكافي 5: 169 / 3، وسائل الشيعة 18: 14، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 5، الحديث 2. 2 - الفقيه 3: 126 / 551. 3 - تهذيب الاحكام 7: 24 / 103. 4 - وسائل الشيعة 18: 14 - 15، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 5. 5 - لاحظ البيع، الامام الخميني (قدس سره) 5: 49 - 50.

[ 74 ]

عصر الخيار المضمون - لابد من الالتزام بأن الخسارة وحدوث الحدث على البائع، وهذا هو الارش الملازم للخيار. وتوهم: انه لا أثر له، في غير محله، لظهور ثمرته في السقوط. أقول: الذي يظهر لي عاجلا، أن حديث انفساخ العقد قهرا، مما لا يمكن الارتضاء به، ومسألة الملكية الانية من المسائل العرفانية. ومقتضى هذه الاخبار أولا في صورة التلف، ليس إلا الضمان إذا فسخ المشتري، لان حقيقة الضمان عند الاطلاق ليست إلا ذلك. وأما في صورة حدوث الحدث، فهو أيضا لا يوجب خيارا جديدا فيما نحن فيه، لان ضمان الحادث على البائع إذا فسخه، ولا شبهة في جواز الفسخ لصاحب الحيوان والشرط. ومن هنا يظهر: أن مفاد قاعدة " التلف في زمن الخيار... " انه ليس إلا تمكين من له الخيار على جبران الخسارة بحل العقد، وكفاية رد ما يبقى من التالف، أو عدم رد شئ إليه، ويسترد ما أقبضه البائع مثلا من الثمن. وربما إليه يرجع ما نسب الى المحقق (1) الحقيق بالتصديق. فاستفادة الخيار الجديد للعيب أولا، لاسرائه الى سائر الامتعة، مضافا الى ممنوعيتها بدوا، تشبه القياس جدا. ومما يؤيد ما أبدعناه مرسلة جميل (2)، ومعتبر زرارة (3)، السابقتين


1 - تقدم في الصفحة 72. 2 - تقدم في الصفحة 35. 3 - تقدم في الصفحة 34.

[ 75 ]

الناطقتين بسقوط الخيار بحدوث الحادث وتغير العين، فكيف يمكن الالتزام بأن هذا العيب يوجب الخيار، وبسقوطه يوجب خيار العيب الجديد، سواء كان المبيع صحيحا، أو معيبا، ويسقط الخيار؟! فإنه ولو أمكن للاختلاف الشخصي بين الثابت والساقط كما مر، إلا انه بعيد عن أفهام العرف، فعلى هذا يسقط سائر البحوث الاخر أيضا في هذه الصورة. نعم، يمكن - لو كان دليل على ثبوت خيار العيب بالعيب الحادث في زمان القبض والخيار - أن يقال: إن حدوث الحادث يوجب خيار العيب، وإحداث الحدث كما في معتبر زرارة يوجب السقوط، فلا تهافت بين الخبرين. ومرسلة جميل إما محمولة على معتبر زرارة، أو مطروحة، كما هو الاقوى عندنا، لما مر. أو يقال: بأن حدوث الحدث والعيب في مثل الجارية والحيوان والشرط، يوجب الخيار، دون سائر الامتعة. ولكنه بعيد، لان المبيع المذكور خياري، وفي سائر الامتعة لا خيار، وإثباته فيها أولى. وعلى كل تقدير: لا خيار عيب بالعيب الحادث بعد القبض في عصر الخيارات الثلاثة، ولا في غيرها. ثم إن مقتضى ظاهر تلك الاخبار، كون ضمان العين على البائع، وخسارته عليه، في الزمان المحدود شرطا، أو شرعا، ولازم ذلك تعين الجبران وإعطاء الارش، من غير كون العقد خياريا. نعم، في صورة التلف يمكن توهم الانفساخ، بتوهم تقوم العقد بالعين، فالقول بالخيار الحقي، بل والجواز الحكمي، مستندا الى هذه

[ 76 ]

الروايات، غير صواب أصلا. وما ذكره الفقيه اليزدي (رحمه الله) من الاطالة (1)، بتوهم انتهاء الامر الى الاستفادة وغيره، غير راجع الى محصل. وبناء على هذا، لا تصل نوبة البحث بعد ذلك الى حديث الارش في عرض الخيار، والى سقوط الخيار الثابت بالعيب حين العقد، والى سقوط الارش بالخيار والارش الحادث بعد القبض، فإنه كله ساقط بالمرة. مع ما عرفت من البحوث الثبوتية والاثباتية حولها في الصورة الاولى. الصورة الرابعة: في حدوث العيب بعد القبض والخيارات لو حدث العيب بعد القبض، ومضي الخيارات المحدودة شرطا، أو شرعا، زمانيا، وغير زماني، فالقاعدة والشهرة متطابقتان على عدم حدوث الخيار. وما نسب أحيانا الى الاحتمال، يوجه: بأن المقصود منه صورة حدوثه بعد مضي الخيار، وحصول القبض آنا ما، فإنه يلحق بما قبل الحد، وفيه ما لا يخفى. حول سقوط خيار العيب بالعيب الحادث وأما سقوط الخيار الثابت بالعيب قبل القبض ولزوم البيع عليه، ففيه نظران:


1 - حاشية المكاسب، السيد اليزدي 2: 76 / السطر 11 وما بعده.

[ 77 ]

النظر الاول: من أن قضية مفهوم معتبر ابن سنان (1) وسائر الاخبار المشتملة على الغاية (2)، هو سقوط الخيار، بمعنى عدم ثبوته بعد مضي عصر الشرط الشرعي، أو العرفي، فلا خيار بعد مضي ثلاثة أيام، وقضية الاطلاق إنكاره، ولو كان قبل القبض. ولكن عرفت: أن المنصرف من هذه الاخبار هو القبض. لمتعارف المعاملات المعاطاتية، وظهور الاخبار في ذلك، فراجع. فبالجملة: لا يسقط خيار العيب الثابت بتلك الاخبار في زمان الخيارات المضمونة بالحدث والعيب بعد القبض، وبعد مضي الزمان المحدود شرطا أو شرعا، بل ينتهي أمد الخيار. وفيه: ما عرفت من قصور هذه الاخبار عن إثبات الخيار، حتى تدل بالمفهوم على انتهاء أمده بالعيب المذكور. ومن أن مقتضى مرسلة جميل (3)، أن المناط في ناحية الرد والفسخ على بقاء العين الواقع عليها المبادلة، وفي ناحية تعين الارش وعدم جواز الرد على عدم بقاء العين على تلك الحالة التي وقع عليها التبادل المعاملي، وأن مثل التقطيع والصبغ والخياطة، من موارد عدم بقاء العين المذكورة في متن الخبر. فالمناط في ناحية سقوط الرد على ذلك، حسب المفهوم


1 - تقدم في الصفحة 72 - 73. 2 - وسائل الشيعة 18: 14 - 15، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 5. 3 - تقدم في الصفحة 35.

[ 78 ]

المستفاد من المرسلة، فالبحث عن حد العيب ومصاديق المعيوب وأمثال ذلك، غير تام، لعدم وجود " العيب " في دليل هذه المسألة كما أفاده الوالد المحقق - مد ظله (1) - فعليه فحدوث العيب بعد القبض والمضي، يوجب السقوط. وفيه: ما عرفت من قصور هذه المرسلة اعتبارا. مع أن استفادة المفهوم منها محل تأمل، كما مر (2). اللهم إلا أن يقال: لا حاجة إليها، بل يكفي لانتفاء الخيار عدم صدق بقاء العين بعينها، فإنه يرتفع الخيار وإن لم يكن يسقط به، فلا تخلط. هذا مع انه لا يعقل وجود المفهوم هنا الذي يكون مستندا لسقوط الخيار بالتلف والتغير، للزوم اشتمال القضية الواحدة على القضيتين: التامة، والناقصة، وهذا محال كما لا يخفى. ومن أن مقتضى معتبر زرارة (3)، أن حدوث الحدث والشئ يوجب السقوط، وهو أعم من كونه عيبا لغويا أو عرفيا واصطلاحيا، حسيا ومعنويا، اعتباريا وحقيقيا، بل المناط على حدوث شئ فيه وإن لم يكن عيبا، ولا مغيرا للعين. نعم، حدوث الاوصاف الكمالية وارتفاعات القيم السوقية، خارجة إما انصرافا، أو لا نها أمر أجنبي عن العين، كما لا يخفى وتأمل.


1 - البيع، الامام الخميني (قدس سره) 5: 51. 2 - تقدم في الصفحة 47 - 48. 3 - تقدم في الصفحة 34.

[ 79 ]

وفيه: أن استفادة كفاية الحدوث غير المستند الى المشتري والمالك، مشكل بعد سقوط المرسلة التي هي القرينة على الاعم. ولو فرضنا ذلك كما قويناه في السالف، ولكنه يحتمل أن يكون النظر في هذه الرواية الى أن الاحداث من صغريات الرضا بالبيع، الذي هو مناط اللزوم، والحدوث لا يدل على الرضا. ودعوى: انه لا معنى لكونه من صغرياته، لان المفروض جهالة المشتري حين الاحداث، غير كافية، لقوة احتمال كون ذلك منها تعبدا صرفا، كما في خيار الحيوان، فلا يمكن حينئذ استفادة كون حدوث الشئ كافيا للسقوط فيما نحن فيه. هذا كله حول النظر الاول (1). النظر الثاني: وأما النظر الثاني، فهو عدم سقوط الخيار الثابت قبل القبض، أو حين القبض، وبعد مضي الخيارات الزمانية والمحدودة، وذلك لقصور الادلة عن مسقطية حدوث الشئ وتغيره، ويكفي له ذهاب مثل " المقنعة " (2) الى ذلك على ما يستظهر منه، وهو مقتضى الاصل بعد ثبوت الاطلاق لدليله، أو هو مقتضى الاستصحاب، بناء على جريانه. تكميل وتحصيل: حول ما يقال في المقام ما أشرنا إليه هي الجهات التي يمكن أن يتشبث بها لكون العيب


1 وغير خفي: أن الصبغ من التغيير الى الكمال نوعا وعادة، فلو كان كافيا في السقوط، فلا فرق بين أقسام التغييرات. ] منه (قدس سره) [. 2 - المقنعة: 597.

[ 80 ]

والتغير الحادث بعد القبض والمضي، موجبا لسقوط خيار العيب الثابت سابقا. وأما ما في " مفتاح الكرامة ": من أن العيب الحادث مضمون على المشتري، وهو بمنزلة الاحداث في المبيع (1) فهو غير جائز على مثله، لان التنزيل يحتاج الى دليل. وما عن " التذكرة " من تعليله للمقام: " بأنه لما قبضه دخل في ضمانه... " الى آخر ما في " حاشية العلامة الاصفهاني (قدس سره) " (2) فهو غير موجود ظاهرا فيها، فراجع (3). نعم، لو كان فهو أيضا مثل ما مر، لانه لو كان أمثال هذه التعاليل غير عليلة، للزم جريانها في خيار الغبن ومثله. ويشبه الكلامين ما في " الجواهر ": من اقتضاء الرد عدم تعيب المبيع، وجبره بالارش لا يصيره ردا حقيقة (4) انتهى، فإن الضرورة قاضية بتعين رد المبيع المغبون فيه ولو حدث فيه شئ أو تعيب بعيب. نعم، عليه جبرانه.


1 - مفتاح الكرامة 4: 627. 2 - حاشية المكاسب، المحقق الاصفهاني 2: 106 / السطر 30. 3 - تذكرة الفقهاء 1: 530 / السطر 11: " لانه لما قبضه دخل في ضمانه، فالعيب الحادث يقتضي إتلاف جزء من المبيع فيكون من ضمان المشتري، فيسقط رده للنقص الحاصل في يده، فإنه ليس تحمل البائع به للعيب السابق أولى من تحمل المشتري به للعيب الحادث ". 4 - جواهر الكلام 23: 241.

[ 81 ]

ودعوى: أن عنوان " الرد " مأخوذ في أخبار المسألة، غير مسموعة، لان المرسلة (1) غير كافية، والمعتبرة (2) مشتملة على لزوم البيع أولا، ثم الرد، فيكون الرد لاجل الحق الثابت للمشتري. هذا مع أن " الرد " يصدق في صورة التعيب، لعدم الاخلال بصدق العنوان بالتعيب بالضرورة، وإلا يلزم أن يكون البيع على المعيب باطلا من رأسه. وأضعف من الجميع توهم: أن مبنى خيار العيب قاعدة " لا ضرر... " وإجبار البائع على قبول المعيب بالعيب الحادث من الضرر، فيتهافت الضرران، فيرجع الى الاصل والقاعدة، وهو إطلاق دليل اللزوم، لا استصحاب الخيار (3). وقريب منه أن يقال: إن مبنى الخيار هو النص المشرف على القاعدة، وعند تزاحم الضررين لا يبقى لتشرفه موضوع، فيرجع الى الاطلاق الناطق باللزوم (4). وغير خفي ما في أصل التقريب وفرعه، وما في التزاحم الضرري، ولاسيما حديث مرجعية الاطلاق، لا الاستصحاب كما مر.


1 - تقدم في الصفحة 35. 2 - تقدم في الصفحة 34. 3 - لاحظ حاشية المكاسب، المحقق الايرواني 2: 56 / السطر 5. 4 - لاحظ حاشية المكاسب، السيد اليزدي 2: 88 / السطر 32.

[ 82 ]

تنبيه: بناء على ما قويناه الى هنا، إن سقوط خيار العيب بحدوث الشئ ولو كان مغيرا، غير ثابت حسب الصناعة. نعم، بعد الاتفاق، ونسبة الشذوذ في كلام الشيخ (1) الى قول المفيد (رحمه الله) (2) وبعد إمكان استفادة السقوط من أخبار وطء الجارية، المتضمنة طرا لسقوط حق الرد وتعين الارش (3) بالغاء الخصوصية، وأنه من الحدث، وبعد مراعاة حال معتبر زرارة (4) فيما نحن فيه، وبعد كون التقبيل والنظرة المخصوصة من الاحداث في سقوط الخيار، كما في بعض الاخبار السالفة (5)، وبعد احتمال كون مرسلة جميل (6) مورد العمل، وأن يكون مستند المشهور في الذهاب الى التخيير العرضي كاشفا عن قرينة غير منافية للاخذ بها، وبعد اللتيا والتي، يمكن القول بالسقوط. ولكنه بمعزل عن التحقيق الحقيق بالتصديق.


1 - المكاسب، الشيخ الانصاري: 258 / السطر 14. 2 - المقنعة: 597. 3 - وسائل الشيعة 18: 102 - 104، كتاب التجارة، أبواب أحكام العيوب، الباب 4. 4 - تقدم في الصفحة 34. 5 - تقدم في الصفحة 36 - 38. 6 - تقدم في الصفحة 35.

[ 83 ]

الفرع الاول في عود خيار العيب بزوال العيب الحادث بناء على السقوط بالعيب الحادث أو بالتغير، فهل يعود الخيار بزواله مطلقا، أو لا يعود مطلقا، أو يفصل بين العود الفوري وغيره؟ أو بين العود المسمى ب‍ " إعادة المعدوم " عرفا وغيره، فلو نسي الكتابة ثم عادت، يعود، لانه من الاعادة العرفية - بل لا يكون النسيان إلا غطاء على ما في الخزانة، فلا عود واقعا، بل هو من الخفاء والظهور - وأما لو تغير لونه من الاسود الى الابيض فرجع إليه، فلا يعود؟ وجوه: فمن الفقيه اليزدي يستظهر العود مطلقا، نظرا الى أن المستفاد من الادلة هي المانعية والاقتضاء، فالعيب مقتض، والحدث مانع، فإذا زال الحدث والتغير، يؤثر المقتضي (1). وفيه: - مضافا الى عدم ظهور الاخبار في ذلك، وعدم إمكان المانعية الواقعية، بل هو يرجع الى حد الاقتضاء - أن لازمه جواز العود ولو كان التغير مستندا الى المالك وكان العود بعد سنين عديدة، وهو غير ملتزم به أصلا. وربما يقال: إن الخيار لا يسقط بالعيب الزائل، لظهور الاخبار في بقائه، أو هو المنصرف منها، وهذا هو قريب جدا، فإن القدر المتيقن من


1 - حاشية المكاسب، السيد اليزدي 2: 79 / السطر 28.

[ 84 ]

الرواية هو الحدث والتغير الباقي. نعم، يتوجه إليه: أن حد البقاء غير معلوم، وتحديده الى أخذ الارش بلا وجه. نعم دعوى: أن العود الفوري مورد انصراف الروايتين، مسموعة كما لا يخفى، وأما إذا لم يعد فورا، ولكن لم يراجع الى الارش في زمان يعتد به، ثم عادت الصحة، فالعود ممنوع، لاحتياجه الى دليل. واستظهر الوالد المحقق - مد ظله - سقوطه مطلقا (1)، من غير أن تصل النوبة الى الشك، حتى يرجع الى استصحاب اللزوم وغيره، وذلك لاطلاق قوله (عليه السلام): " فأحدث فيه شيئا " (2) الظاهر في انه تمام السبب وتمام الدخيل في السقوط، وقضية مفهوم رواية جميل (3) بقاء اللزوم، لان المستفاد منها أن الخيار ثابت في العقد بالعيب، وانه السبب الوحيد. وأما بقاء العين قائمة بعينها وعدمه، فهو في حكم الغاية لهذا الخيار، كما هو كذلك في خيار المجلس بالنسبة الى الاجتماع والافتراق، وإذا حصلت الغاية - وهو التغير - لا معنى لعود الخيار، لانه شخصي خارجي ولو كان الحديث قانونا كليا، إلا انه بعد الانطباق يكون الحد المذكور تحديدا للخيار الشخصي، كما هو كذلك في خيار المجلس.


1 - البيع، الامام الخميني (قدس سره) 5: 52 - 53. 2 - تقدم في الصفحة 34. 3 - تقدم في الصفحة 35.

[ 85 ]

ودعوى (1): أن الموضوع هناك هو " البيعان " (2) لا البيعان غير المتفرقين، بخلاف ما نحن فيه، فإن الموضوع هو العين القائمة بعينها، وغير القائمة بعينها، والحكم يدور مدار موضوعه غير مسموعة، لان الامر بالرد ولفظة " الرد " في هذه الاخبار، كناية عن الخيار الحقي الثابت، وأن الرد من الفسخ العملي، فلا يكون الفسخ العملي إلا هدما للخيار الثابت قبله بالعيب، وما هو شرط الهدم هو بقاء العين قائمة بعينها، والشرط راجع الى تعيين حد الرد النافذ الفاسخ، لا الى موضوع الخيار، وعلى هذا يكون المفهوم نفي الخيار، فلا تصل النوبة الى الاستصحاب. وفيه: مضافا الى ما مر، من عدم إمكان الالتزام بشمول الروايات للعائد الفوري، فإطلاق كلامه ممنوع. ومضافا الى ما عرفت من عدم تمامية المرسلة استنادا، لظهورها في التخيير الطولي، وهو معرض عنه، ومن الغريب دعواه - مد ظله - انجبار ضعفها - وهو الارسال - هنا (3)، مع صراحته في إعراضهم عنها في


1 - ليست هذه الدعوى وجوابها في كتاب البيع للامام الخميني (قدس سره)، فلعل المصنف (قدس سره) نقلها عن مجلس بحثه، أم أوردها تتميما للبيان. 2 - عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): البيعان بالخيار حتى يفترقا. الكافي 5: 170 / 5، وسائل الشيعة 18: 5، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 1، الحديث 1، ومثلها الحديث 2 و 3. 3 - لم نعثر على كلامه.

[ 86 ]

أصل مسألة سندية الاخبار لخيار العيب (1)!! وقد عرفت: أن المرسلة ظاهرة في الطولية المعرض عنها ظاهرا، والمعتبرة ظاهرة في انها في مقام بيان الامر الاخر، فلا شبهة إعراضهم في ناحيتها. أن المفهوم غير ممكن الالتزام به، لتعرض الرواية للمفهوم، وهو لا يبعد أن يكون من مفهوم القيد، وهو غير حجة، لان قوله: " إن كان الشئ قائما بعينه " يكون مفهومه " إن كان الشئ غير قائم بعينه " فيكون من الوصف غير المعتمد ولا دليل على انه (عليه السلام) أخذ بمفهوم الشرط، مع انه من السلب المجتمع مع انتفاء الموضوع، كما مر. وأن معتبر زرارة (2) قد عرفت احتمال كون النسبة الى المالك دخيلة، ولا بأس بالالتزام به هنا، فلو عاد بعد الاحداث فلا يعود الخيار، وتصير النتيجة تفصيلا آخر: وهو أن عود الزائل إن كان بعد إحداثه شيئا، فلا يعود معه الخيار، وأما إذا كان بدونه فلا يسقط الخيار، كما عرفت منا. فالامر دائر بين بقاء الخيار في صورة حدوث الشئ ولو كان بإحداث الاجنبي، وبين عدم عوده بعد سقوطه إذا كان بإحداثه ولو كان آناما، فتأمل. ثم إن حكم العقلاء في صورة العود، بقاء خيار العيب، ولزوم الجبران بالنسبة الى الحادث إذا كان نقصا. والالتزام بأن الشرع تصدى للتعبد الزائد، أيضا غير سليم. نعم بالنسبة الى الاحداث فغير بعيد، فليتدبر جيدا.


1 - البيع، الامام الخميني (قدس سره) 5: 9. 2 - تقدم في الصفحة 34.

[ 87 ]

بقي شئ: عدم تبدل خيار العيب بحدوث العيب وزواله إن المجعول فيما نحن فيه هو المعنى التخييري بين الخيار وأخذ الارش بالجعل الوحداني، والاخبار التي بين أيدينا تصدت لصورة تعذر الرد على الوجه المعتبر، فتعين الارش قهرا، وهذا لا يوجب سقوط المعنى التخييري، ولا انقلاب الحكم التخييري الى التعييني. وعلى هذا، لاوجه لسقوط هذا المعنى بالحدث والاحداث، فيشبه الواجب التخييري إذا عاد إمكان الامتثال بالنسبة الى الطرف المعذور التعذر، وقد مر أن خيار العيب يختص بخصوصية خاصة، لاجل هذا التخيير. ودعوى امتناعه مرت مع جوابها، كما مر انه حق ينتزع من التخيير بين المعنيين الحدثيين. فبالجملة: دليل الخيار هو الاجماع والشهرة، لا الاخبار، وقضيتها ليس إلا تعين الارش عند تعذر الرد وبيان موقف الرد، وليس " الرد " كناية عن جعل الخيار، بل الخيار أمر مفروغ عنه فيما بين السائل والمجيب، فالاحداث يوجب تعين الارش وتعذر الرد شرعا، فلو عاد الحدث فلا منع من فسخ العقد، ومن انتزاع الخيار الحقي الجديد، لان منشأه هذا المعنى التخييري الباقي قبل حل المشكلة بالرد أو الارش. ولعل نظر الفقيه اليزدي (1) والعلامة الخراساني (2) الى ما ذكرناه.


1 - حاشية المكاسب، السيد اليزدي 2: 79 / السطر 29. 2 - حاشية المكاسب، المحقق الخراساني: 218 - 219.

[ 88 ]

وبناء عليه، لايتم ما في " التذكرة " (1) ولا ما عن " التحرير " (2) والمسألة تحتاج الى التدبر. الفرع الثاني هل يجوز فسخ العقد برضا البائع بعد سقوط الرد؟ في صورة طرو العيب الجديد في يد المشتري، وتعين الاخذ بالارش بمقتضى الخبرين، إذا رضي البائع بالمردود وقبل من المشتري أن يرد إليه المتاع الذي فيه العيب المذكور، فهل يجوز الرد بعنوان الفسخ فيكون فسخا عمليا، كما إذا لم يتعذر عليه الرد، أم يكون هو من حل العقد برضا الطرفين، وهي الاقالة على الناقص، فيرد إليه الثمن؟ وغير خفي: انه في صورة المجانية لا أثر للبحث، إلا من جهة قصد إعمال الفسخ والخيار والتشريع. نعم، في صورة موافقة البائع على أخذ قيمة النقصان الحادث، فيختلف بناء على القول: بأن لصاحب الخيار الفسخ من الاول أو من أي زمان شاء، أو القول: بأن الفسخ يؤثر في الحل من الاول، بخلاف الاقالة فإنها من الحين، فإن قيمة النقصان تختلف. وما في كلام الشيخ الاعظم (قدس سره): من أن رجوع المشتري الى


1 - تذكرة الفقهاء 1: 530 / السطر 28. 2 - انظر تحرير الاحكام 1: 184 / السطر 5.

[ 89 ]

المعيب وأخذ الارش، رجوع بمقتضى ضمان المعاوضة، ورجوع البائع الى المشتري في هذه الصورة بأخذ النقصان، من ضمان اليد (1)، غير تام، لان النقص وقع في ملك المشتري، فكيف يكون مضمونا على البائع؟! والبقاء تحت يده ناقصا لا يكفي لضمان اليد، حتى يقال: إنه بعد الحل يضمن. مع انه بالرد ينفسخ، فلا يبقى تحت يده حتى يضمن. فعلى ما تحرر، يتصور الاثر في الفرع المذكور. ثم بعد ذلك، فإن قلنا بسقوط الخيار بمجرد طرو العيب - حسب الاطلاق الثابت، وعدم انصرافه الى صورة عدم تعقبه برضا البائع بالمعيب، كما هو الظاهر عند القائل بسقوطه - فلا يبقى محل لهذا الفرع، وإلا كما عرفت منا: من بقاء الخيار والمعنى التخييري ولو بإحداث العيب، كما هو الوجه الاخير الذي قربناه، فله محل. وما هو الحق: أن مرسلة جميل (2) لا أساس لها، حتى نخوض في مفهوم القضية الشرطية، وقد مر مرارا ما فيه وما فيها، وأما معتبر زرارة (3) فهو ليس دليل الخيار، بل دليله الاجماع والشهرة على إشكال فيهما مر، فعلى هذا يبقى المعنى التخييري ما دام لم يأخذ بالارش، ويبقى الخيار الحقي المنتزع من التخيير بين الرد والارش على الوجه السابق.


1 - المكاسب، الشيخ الانصاري: 258 / السطر 19. 2 - تقدم في الصفحة 35. 3 - تقدم في الصفحة 34.

[ 90 ]

نعم، الشرع لم يلزم البائع بقبول العين في صورة حدوث النقصان، أو لم يشرع للمشتري رد الناقص بفسخ العقد، فلا يكون نافذا، فإن قلنا بالاول فله الفسخ، وإن قلنا بالثاني فلا فسخ. وما هو الظاهر من معتبر زرارة - الذي هو الدليل الوحيد في هذه المسألة - هو الثاني. وما هو المساعد عليه الذوق والفهم العقلائي من الجهات الخارجة، هو الاول، لان ملاحظة الضرر المندفع بإقدام البائع نفسه، وملاحظة ممنوعية الرد والفسخ الملحوظ فيه حال البائع، ربما لا تكون سببا لصرف الظاهر من المعتبر. وغير خفي: انه إذا كان على الاطلاق، ممنوعا عن الفسخ لمحذورية الرد، فلا خيار فسخ له، لما لا أثر في اعتباره، لان المفروض طرو النقصان غير العائد الى الاخر، فعندئذ يكون القول بعدم ثبوت الخيار - بمعنى سقوطه بقاء - قويا في هذه الصورة. نعم، لو كان النقص عائدا الى الكمال، فالكلام فيه ما مر في العيب العائد الى الصحة. ومما ذكرنا يظهر وجه ضعف الجهات المذكورة في المسألة دليلا، وفرعا، والله هو الموفق المؤيد.

[ 91 ]

الفرع الثالث في سقوط الخيار لو اتسع العيب في يد المشتري لو اتسع العيب القديم في يد المشتري، فهل يسقط به الخيار الثابت، من جهة عدم بقاء العين، أو لا يسقط، لان منشأه العيب السابق، أو يفصل بين السعة الخارجة عن المتعارف فيسقط، وبين السعة القليلة فلا يسقط، بعد سقوطه قطعا إذا كان اتساع العيب بإحداثه، ومستندا الى المالك، مشتريا كان أو بائعا، نظرا الى إطلاق معتبر زرارة (1)؟ ويحتمل عدم السقوط مطلقا، لان المناط معتبر زرارة، وفيه " حدوث الشئ " وهو ظاهر في مسبوقيته بالعدم المطلق. وفيه: أن إحداث الشئ مثله، مع انه بلا إشكال يوجب السقوط. وحيث إن أصل ثبوت خيار الفسخ بحكم العقلاء ممضى، ففي مثل المسألة لا يسقط الخيار بالاتساع ولو بلغ ما بلغ. نعم، يتوجه إشكال: وهو انه لو كان في أمثال هذه الموارد أدلة خيار العيب - بمعنى التخيير بين الرد والارش - قاصرة، لكونها إما الاجماع، أو هذه الاخبار، والكل قاصر، فيلزم القول: بأنه خيار متعلق بالعقد، ولا عديل له عرضا، ويكون بحكم خيار الغبن، والالتزام بذلك أكثر


1 - تقدم في الصفحة 34.

[ 92 ]

إشكالا. والدفع يمكن بدعوى: أن الشهرة والاجماع دليل على أن في كل مورد يثبت خيار العيب، فيعدله الارش، وإن كان قاصرا عن إثبات الخيار في مثل المقام وأشباهه الاتية إن شاء الله تعالى، ولكنها غير واضح سبيلها. الجانب الرابع في ثبوت الرد إذا تعدد المبيع قد تحرر ثبوت خيار العيب في الجملة بالنسبة الى ما إذا كان المبيع وحدانيا واقعا، وكان البائع والمشتري واحدا أيضا، ويظهر عن " التذكرة " (1) و " الدروس " (2) جواز الرد بخيار العيب فيما إذا تعدد المبيع. وإنما الاشكال في جواز التبعيض برد خصوص المعيب مع التعدد، دون الصحيح، فينفسخ العقد بالنسبة. مع أن ثبوت خيار العيب في هذه الصورة أيضا محل التأمل والاشكال. وحيث إن تمام البحث في المقام يستدعي جهات من الكلام في ناحية تعدد المبيع والثمن، وفي ناحية تعدد البائع مع وحدتهما، وفي


1 - تذكرة الفقهاء 1: 536 / السطر 5. 2 - لاحظ الدروس الشرعية 3: 284.

[ 93 ]

ناحية تعدد المشتري، فلا بأس بالاشارة الاجمالية الى بعض الامور الدخيلة في المسألة، والى تلك النواحي: الامر الاول في صور المسألة توجد أحيانا صور لا تكون مورد النقض والابهام، ويثبت فيها الخيار، ويجوز فيها الرد: مثل ما إذا كان بيع الدار بالانشاءات المتعددة غير المرتبطة، كما إذا باع ثلث داره المعين، ثم باع الثلث المعين الاخر، وهكذا، ثم تبين انها معيوبة، فإن له رد الثلث المعيب فقط، ولا يلزم منه خيار تبعض الصفقة، لان مصبه المبيع الواحد المتبعض، دون ذلك، لا بالنسبة الى البائع بالضرورة، ولا بالنسبة الى المشتري، لانه أقدم عليه، ولا دليل على الخيار المذكور على وجه يحتمل شموله للمسألة، ولو كان ذلك يستلزم نقيصة، لانه من قبيل النقيصة لسوء الجار. ومثل ما إذا كان البيع الواحد الانشائي، بمنزلة البيوع الكثيرة عرفا غير المرتبطة بعضها بالبعض، سواء كان الانشاء بنحو العموم الاستغراقي، كما إذا قال: " بعت كل واحدة من هذه العرصات بكذا " أو بنحو الاطلاق المنحل الى الكثير عرفا، فإن جواز الرد قطعي إذا كانت إحدى العرصات معيبة، ولايكون في ذلك مناقشة في ثبوت الخيار، لتمامية المقتضي، وشمول أدلته له، وعدم لزوم إشكال في إعماله، لعدم تبعض

[ 94 ]

الصفقة في هذه الصورة أيضا، كما مر منا. نعم، ربما يشكل: بأن الانشاء الواحد لا ينحل إلا حكما، فيكون البيع الكثير مورد اعتبار الوحدة الاعتبارية، ولذلك إذا قيل: " كل نار باردة " لا يكذب كلامه بتعدد النيران، وعند ذلك يشكل جريان الخيار. وعلى فرض جريانه يلزم إشكال الاعمال والفسخ، ولكنه غير مساعد عليه العرف والعقلاء. والانحلال الحكمي قطعي في الانشائيات، دون الاخباريات، فلا تخلط. فما هو المهم، هي صورة كون المبيع واحدا شخصيا، فبان بعض منه معيبا، فإن ثبوت الخيار قطعي ولكن جواز رد البعض المعيب - بالزام البائع على قبول خصوص الطرف الشرقي من الدار - مورد الاشكال، وإن كان الظاهر منهم ممنوعيته القطعية. أو صورة بيع بعض الدار مشاعا، ثم تبين انها معيوبة في بعض منها. أو صورة تعدد المبيع، كصاع من الصبرة، أو بيع أثاث البيت المرتبط بعضه بالبعض، أو بيع مقدار من البطيخ والرقي، فبان عيب قسم منها. نعم، فيما إذا تعدد المبيع عقلا وعرفا، وكان واحدا بالوحدة الفرضية النوعية والاعتبارية الدائمية عادة - كمصراعي الباب، ونعلي الاصحاب - لا يكون إشكال أيضا في أصل الثبوت، وفي عدم جواز التفكيك في مقام الرد، وتراضي الطرفين ربما يرجع الى الاقالة والعقد الجديد. نعم، فيما إذا تراضيا على رد المصراع الواحد، فأراد المشتري بعد

[ 95 ]

التراضي على التبديل بالنسبة الى المصراع المعيب، أن يرد المصراع الاخر، فربما يشكل، لامكان الالتزام بلزوم البيع بالنسبة الى المصراع الصحيح، بناء على ما سيأتي من إمكان القول باللزوم بالنسبة، وهكذا الفسخ بالنسبة، فليتدبر جيدا. الامر الثاني في تحرير ما هو معنى المسألة فربما يقال (1): بامتناع التفكيك بالفسخ في بعض المبيع دون بعض، وذلك لان المبيع إذا كان متعددا - بحيث ينحل العقد الواحد الى العقود الكثيرة - فهو ليس من التفكيك، بل يرجع الى حل عقد والاخذ بالعقد الاخر، كما في بعض الامثلة السابقة. وإن كان المبيع واحدا، والبيع واحدا، فهو معنى بسيط في الاعتبار، لا يتحمل التجزي، فلا يمكن الرد إلا بالنسبة الى المجموع. وإذا شك في الانحلال، فلازمه الشك في الانفساخ بالرد، وقضية الاصل والقاعدة خلافه. وأما توهم: أن الرد أجنبي عن العقد، بل هو إما حكم تعبدي شرعي، أو كناية عن المعاملة الجديدة بالثمن المعين في العقد الاول، فلا يلزم التفكيك في البيع البسيط، فهو واضح البطلان عرفا وفتوى إجماعا. مع


1 - البيع، الامام الخميني (قدس سره) 5: 57.

[ 96 ]

لزوم سقوط رضا البائع في هذا الجديد من العقد، فيكون رغم أنفه. فبالجملة: أمر خيار العيب بين الثبوت وعدم جواز التفكيك، وبين اللاثبوت، ولا ثالث: وهو الثبوت وجواز التفكيك. وحديث الارتضاء بالتفكيك من الجانبين، ليس من الاخذ بخيار العيب من جانب المالك. أقول نقضا: لا شبهة في جواز شرط الخيار، بالنسبة الى العقد الواقع على الواحد الشخصي برد بعضه، وهكذا لا شبهة في إمكان تجويز الاقالة بالنسبة الى البعض، وهكذا يجوز الالتزام بخيار الحيوان إذا كان المبيع، واحدا اعتباريا متشكلا من الحيوان وشئ آخر، نظرا الى إطلاق أدلة خيار الحيوان، وإنكار كل ذلك - نظرا الى الامتناع المزبور - بعيد عن البناءات العرفية وفهم العقلاء وارتكازاتهم، فيعلم من ذلك أن الامر ليس كما حرر. وتوهم الانحلال ولاسيما في بعض الصور، غير جائز وإن كان ليس معناه ما ذكره بعضهم: " من انحلاله الى الكثير حسب الاجزاء الخارجية " حتى يقال بلزوم الانحلال الى آلاف العقود في بيع البيت، بل معناه هو الانحلال حسب الحاجة والغرض العقلائي، فلا ينحل العقد الواقع على الدار بحسب أجزاء الدار إلا حين إرادة فسخ الثلث، فينحل الى العقدين، وينفسخ الواقع على الثلث، دون الاخر، وهكذا. ولكن الالتزام بأصل الانحلال المزبور، غير لازم، وذلك لاجل أن الاحكام العقلية في الامور الاعتبارية، تنقلب الى اعتبار تلك الاحكام فيها، وذلك مثل الشدة والضعف، فإن ذلك يصح فيها عندنا، خلافا لصريح

[ 97 ]

جمع منهم، وفيهم الوالد المحقق - مد ظله - (1) والعلامة الاصفهاني (رحمه الله) (2) ولكنه اعتبار الشدة والضعف، لا واقعهما التكويني. ومثل التجزئة والتحليل، فإنها أيضا تجري في البسائط الاعتبارية، لانه من اعتبار التجزئة، دون واقعها وهي التجزئة الفكية، بل هي الوهمية من القسمة، وهي موضوع الاثر العرفي والشرعي، فكما أن أصل العقد اعتبار، وأصل بقائه اعتبار، وأصل حله في الكل اعتبار، حله بالنسبة أيضا اعتبار. وإ لى هذا يرجع ما أفاده الوالد المحقق (3) - مد ظله - هنا: من أن العقد الواحد كما يمكن أن يكون لازما بالنسبة، وجائزا بالنسبة، صحيحا بالنسبة، وفاسدا بالنسبة، كذلك يجوز أن يكون خياريا بالنسبة، ولازما بالنسبة، ومنحلا بالنسبة، وباقيا بالنسبة، فإن بالنسبة تنحل العقد العقلية، كالفوقية والتحتية النسبيتين. ولو كان المقصود هو الحل بالنسبة، فهو غير صحيح، لان في مثل الفوقية والتحتية، تمام ما يكون فوقا بالنسبة تحت بالنسبة، وفي مثل الصحة والفساد يكون حكم العقلاء مختلفا في مورد البيع على ما يملك وما لا يملك، ويكون الموضوع واحدا فيهما، وهكذا في ناحية اللزوم والجواز. وأما فيما نحن فيه فلا معنى للحل بالنسبة، لان الحل مقتضاه


1 - البيع، الامام الخميني (قدس سره) 1: 99 - 100 و 456. 2 - حاشية المكاسب، المحقق الاصفهاني 1: 32 / السطر 20. 3 - البيع، الامام الخميني (قدس سره) 5: 58.

[ 98 ]

انفساخ العقد، وهو مساوق لانعدامه، وهذا يرجع الى التجزئة، إلا انها - على ما عرفت - غير ممنوعة. نعم، يمكن أن يقال: إن معنى " الحل " ليس حلا لمعنى موجود، بل الحل حكم عقلائي، يرجع الى انتفاء موضوعية العقد والمبادلة عن الحكم بالملكية الثابتة، مثلا إذا وقع العقد يحكم بثبوت الملكية للمشتري، وإذا فسخ بعضه لا يكون العقد بقاء، موضوعا للحكم ببقاء الملكية، ضرورة أن الملكية الثابتة للمشتري بالنسبة الى الدار، حكم عقلائي باق على الموضوع الذي وجد، فإذا طرأه الفسخ بالنسبة يخرج عن تلك الموضوعية، كما كان لايدخل فيها فيما إذا وقع من الاول على ما يملك وما لا يملك من الدار المبتاعة. وكل ما نشير إليه من الدقائق في الاعتباريات، تشريح للمرتكزات العرفية والمغروسات العقلائية، فلا يذهب عليك أن أمثال هذه المداقات غير خارجة عن الفقه الاسلامي والمتعارف، اللازم رعايتها في استنباط الاحكام الشرعية. تنبيه: حول تجزئة العقد بناء على ما ذكرناه تبين: أن قضية القواعد جواز التفكيك ولو كان المبيع واحدا شخصيا، من غير الحاجة الى تكثير العقد الواحد الى العقود الكثيرة وانحلاله إليها، ولا الى القول بالحل بالنسبة.

[ 99 ]

ومما يشهد على التجزي عرفا: أن في بيع الكثير والوفاء ببعضه يقال: " إنه وفى ببعض عقده، دون البعض " وهو دليل التجزئة. وإن شئت قلت: تجزي البسيط الى الجزءين المقومين غير معقول، وأما التجزي باعتبار الموضوع فهو واقع، ومثل العقد والمبادلة المعاطاتية مثل البياض المنبسط على الجسم، القابل للتجزئة باعتبار تقسيم موضوعه، وكما يكون بعض البياض بياضا بحسب الطبيعة، فبعض العقد عقدا أيضا. ومما ذكرنا يظهر حكم بيع الحيوان منضما الى غير الحيوان، ولو كان وجه الخيار حديث النسبية للزم إنكاره، لاحتمال اختصاص أدلة خيار الحيوان بالعقد الواقع على الحيوان، دون العقد بالنسبة الى الحيوان، فإنه اعتبار آخر، بخلاف ما ذكرناه من حيث التجزئة، فإن في الصورة المذكورة يكون العقد واقعا على الحيوان وغير الحيوان، و " صاحب الحيوان بالخيار " (1) يشمل المفروض، فاغتنم.


1 - قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): البيعان بالخيار حتى يفترقا وصاحب الحيوان بالخيار ثلاثة أيام. الكافي 5: 170 / 5، وسائل الشيعة 18: 5، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 1، الحديث 1.

[ 100 ]

الامر الثالث مقتضى الادلة إثباتا بعدما ظهر مقتضى القاعدة في المسألة، فلا بأس بالخوض فيما هو قضية الادلة إثباتا. وما يمكن أن يكون وجها لمنع جريان الخيار فيما نحن فيه، أو منع التبعيض في التنفيذ، أو على تقدير جريانه يوجب سقوطه، امور: الاول: قصور دليل خيار العيب لانه الاجماع، ولا إطلاق لمعقده. وأما معتبر زرارة (1)، فهو في موقف آخر كما تحرر، وأما خبر جميل (2) فقد عرفت عدم صلاحيته. وأما التمسك ببناء العقلاء، فهو في محله، إلا انه لا يفي بما هو مرام المشهور من التخيير بين الرد والارش، وتمسك السيد الوالد المحقق به (3)، في غير محله، وقد مرت الاشارة إليه. ودعوى الاجماع على انه في كل مورد يثبت خيار العيب وجواز


1 - تقدم في الصفحة 34. 2 - تقدم في الصفحة 35. 3 - البيع، الامام الخميني (قدس سره) 5: 61.

[ 101 ]

الفسخ، فالارش عديله، غير واضحة. وقد أشرنا فيما سلف الى أن ما أفتى به الامامية من التخيير بين الرد والارش، ولو كان معقولا ثبوتا، ولكنه غير عقلائي، لعدم جواز إجبار البائع على الارش، كما صرح به القوم (1)، وحيث إن الشهرة معللة، لاحتمال استنادهم الى تلك الاخبار لوجود بعض القرائن، فأصل الحكم غير واضح الدليل. ولو سلم فالمستند ينحصر في غير الاخبار، واحتمال الغاء الخصوصية، وجواز رد المجموع - فيما كان المبيع واحدا اعتباريا - قوي. وأما رد بعضه دون البعض فلا وجه له، فيصح ما هو المدعى عليه الشهرة، بل والاجماع، وهو أن أمر الواحد الطبيعي والاعتباري واحد في الحكم، وهو عدم جواز التبعيض في الرد. الثاني: دلالة خبر جميل بناء على اعتبار خبر جميل (2)، فالسؤال يشمل الواحد الاعتباري، لانه لو كانت الثياب كثيرة، يصدق على المجموع " الثوب " صدقا عرفيا، وعقليا. وتوهم عدم صدقه عقلا، من الخلط بين مفهومي مثل " الثوب " و " الماء " وبين مثل " الانسان "، ضرورة أن " الثوب " يصدق على البعض


1 - حاشية المكاسب، السيد اليزدي 2: 69 / السطر 16، المبسوط 2: 131 - 132. 2 - تقدم في الصفحة 35.

[ 102 ]

والكل على نهج واحد. ومثله الجواب، ولاسيما قوله: " وإن كان الشئ قائما بعينه " من غير تنكير، مع عموم مفهوم " الشئ ". وأما قوله: " قطع، أو خيط، أو صبغ " فيشمل قطع البعض وخياطة البعض في الواحد الطبيعي، ضرورة عدم الحاجة الى قطع كل جزء جزء منه، أو صبغ كله، ففي الواحد الاعتباري كذلك، فيثبت أصل الخيار، كما يثبت عدم جواز التفكيك. وما في كلام الشيخ (رحمه الله): " من ظهوره في أن كل شئ معيب يرد " (1) فهو في محله، إلا أن " الشئ المعيب " يصدق على الواحدين: الطبيعي، والاعتباري. نعم، يجوز دعوى انصراف السؤال والجواب الى الواحد الطبيعي، فيكون هذا الوجه أيضا قاصرا عن شمول أصل الخيار فيما نحن فيه. وأما توهم دلالته على جواز التفكيك بعد جريان الخيار، فهو واضح البطلان، لان كلمة " الشئ " كناية عما اريد من " الثوب والمتاع " في السؤال، ولاسيما بعد كونهما معرفين بالالف واللام، الموجب لحصر المتأخر في المتقدم، فإن كان السؤال أعم فهو تابعه فيه، وإلا فيكون مخصوصا بالوحدة الطبيعية، مع ظهور قوله: " إن كان الشئ " في الشئ المشترى بالفتح. اللهم إلا أن يقال: بعض الشئ المشترى شئ مشترى بالضرورة،


1 - المكاسب، الشيخ الانصاري: 259 / السطر 6.

[ 103 ]

ولا حاجة الى انحلال العقد الى الكثير في الواحد الطبيعي وغيره، ولا يصح ما قد يقال: " من انه بعض المشترى، وهو ليس بمشترى " فإنه خلاف التحقيق، فإن الواحد الطبيعي والتأليفي والاعتباري، يصدق على قسم منه إذا لم يلحظ في قبال الكل، كما يشار الى بعض البيت في حمل مفهوم " البيت " على البيت، والى بعض الانسان في حمله، وهكذا. ومقتضى ذلك جريان التفكيك حتى في بعض الواحد الطبيعي والتأليفي، وفي مثل مصراعي الباب والنعلين، ويتعين التفكيك عندئذ، لان قضية الخبر رد المشترى المعيب، دون القسم الصحيح، وحيث ترى فساد هذا الوجه يتبين فساد الكل، فتأمل تعرف. الثالث: دلالة معتبر زرارة على سقوط الخيار بناء على جريان الخيار في مطلق الوحدات الطبيعية والتأليفية والاعتبارية بأقسامها الثلاثة - لبعض الامور المشار إليها، من الغاء الخصوصية، أو شمول الدليل - يكون مقتضى معتبر زرارة (1)، سقوطه بإعمال خيار العيب في البعض، وما يلزم من تنفيذه سقوطه لا يكون ثابتا من الاول، إما لانصراف دليل الاثبات، أو لكونه من اللغو. وبعبارة اخرى: على تقدير ثبوت الخيار فيما يكون البيع متكثرا خارجا، فلابد من الالتزام بمقالة المشهور، وهو الصبر على المجموع والارش، أو رد المجموع، ولا ثالث، لان من إعمال الخيار بالنسبة الى


1 - تقدم في الصفحة 34.

[ 104 ]

الجزء المعيب، يلزم اندراجه في معتبر زرارة، الحاكم بأن إحداث الشئ فيه موجب لتعين الارش، والتفكيك والتجزئة المذكورة من الاحداث بالضرورة، سواء كان تفكيكا فكيا خارجيا، كرد قسم من الصبرة، أو اعتباريا وهميا، كرد الجزء المشاع المعيب مثلا. فعلى كل تقدير: يلزم سقوط الخيار بمجرد رد البعض تعبدا، فكونه مخيرا بين رد المجموع أو البعض بلا وجه، لان الرواية منصرفة طبعا عن إثبات هذا التخيير المتعقب بعدم إمكان تنفيذ الخيار. وهكذا لو قلنا بعدم ثبوت الخيار لرد المجموع، وأن البيع لازم بالنسبة الى الجزء الصحيح، وخياري بالنسبة الى الجزء المعيب. وأنت خبير بما فيه، ضرورة أن ما هو الموجب للسقوط هو الحدث في ملك المشتري، بل الحدث بعدما قبضه، كما في الرواية، وهذا الانفكاك ولو كان حدثا وإحداثا عرفا، ولكنه بعد إعمال الخيار وتنفيذه. وبالجملة: رد البعض المتعقب بالتبعيض الصادق عليه " الاحداث " لو كان موجبا لعدم ثبوت الخيار بالنسبة الى المجموع، لاجل ما ذكر، للزم منه عدم ثبوت الخيار بالنسبة الى العيب في بيع ما يملك وما لا يملك، إذا كان ما يملك معيبا، لان رد ما لا يملك يوجب السقوط، لانه من الرد المتعقب للتبعيض، فما في كلام الشيخ الاعظم (1) مجرد احتمال، ولا يكون مورد التصديق. هذا، ولاسيما على القول: بأن الاحداث موجب لسقوط الخيار،


1 - المكاسب، الشيخ الانصاري: 258 / السطر 27.

[ 105 ]

لاجل كونه من الرضا بالبيع تعبدا ولو كان حال الجهل بالعيب، كما هو المفروض في الرواية، فإنه يعتبر مسقطا إذا كان في ملكه. اللهم إلا أن يقال: إن تنفيذ الخيار من الايقاعات، فبمجرد إعماله يحصل التفكيك، وهو من الحدث. وفيه: أن إعمال الخيار بالنسبة الى المجموع كذلك، فيلزم الحدث، وهو النقل الاعتباري الحاصل من الفسخ، كالنقل الحاصل من الاقالة، فتأمل. وبالجملة: الخبر منصرف قطعا عن أمثال هذا الحدث، كما أن إحداث التفكيك ليس من التصرف الموجب لسقوط خيار الحيوان في بيع الحيوان المنضم الى غير الحيوان. ومن الغريب ما في كلامه (رحمه الله): " من أن رد المبيع بعد الصبغ ممنوع في النص، لاجل الشركة الحاصلة بالرد " (1)!! فإن في كونه من الشركة إشكالا، بل منعا عند جمع (2). مع انه من التخريص، ضرورة أن الرواية اعتبرت التغير والاحداث الموجبين لسقوط الرد. هذا مع أن في المجموع الاعتباري، لا تحصل الشركة في رد المعيب المعين.


1 - المكاسب، الشيخ الانصاري: 258 / السطر 30. 2 - حاشية المكاسب، المحقق الخراساني: 220، حاشية المكاسب، المحقق الايرواني 2: 56 / السطر 42.

[ 106 ]

الرابع: مقتضى رعاية حال المشتري دون البائع قد تبين في أثناء البحث وطي الوجوه: أن في المسألة احتمالات: احتمال لزوم البيع مطلقا. واحتمال خيارية البيع مطلقا، لجواز رد المجموع والبعض دفعة وتدريجا. واحتمال جوازه مطلقا دفعة، لا تدريجا، فإن رد الجزء المعيب فيلزم بالنسبة الى الصحيح بعد ذلك. واحتمال كون البيع لازما بالنسبة الى الجزء الصحيح، وخياريا بالنسبة الى المعيب. وأما سقوط خيار العيب بإقالة العقد بالنسبة الى الجزء الصحيح، فهو بحث آخر أجنبي عما نحن فيه. والذي هو الوجه لعدم جواز الخيار بالنسبة الى البعض، وممنوعية التفكيك - كما هو مقالة المشهور (1)، وهو المقصود بالبحث هنا -: هو أن من التفكيك يلزم أن يكون البائع بالخيار بالنسبة الى الجزء الصحيح، إما لاجل قاعدة نفي الضرر، أو لاجل تبعض الصفقة، بناء على كونه بعنوانه موضوع حكم العقلاء والشرع بالخيار. فإذا كان هو بالخيار لاجل هذا النقص والضرر، فثبوت خيار العيب بالنسبة الى البعض ممنوع بمقتضى هذه الاخبار، لا نها منصرفة


1 - لاحظ المكاسب، الشيخ الانصاري: 258 / السطر 25.

[ 107 ]

الى مراعاة حال المشتري دون البائع إلا بعد حدوث الحدث والتغير، وأما قبله فروعي فيها جانب المشتري، فمنه يلزم إنكار تجويز التبعيض، فيكون المورد إما مندرجا فيها فيثبت الخيار بالنسبة الى المجموع، أو غير مندرج فيها فيلزم اللزوم حسب الاصل، فيسقط القول بالتفكيك على التقديرين. أقول: قد أشرنا آنفا أن من الاحتمالات كون المشتري بالخيار حتى بعد رد المعيب، فلا يلزم خلاف رعايته، وذلك لاجل انه في هذا العقد الواحد القابل للتجزي - حسبما مر - بالخيار، وهو أيضا واحد يقبل التجزي باعتبار ما يضاف إليه، وهو العقد، فإذا كان قادرا على حل العقد بالنسبة الى الجزء المعيب، فهو قادر على حل العقد بالنسبة الى الجزء الصحيح، بل له حله حتى قبل حل الجزء المعيب، وله الارتضاء بالمعيب ورد الصحيح للاغراض الاخر، لان له خيار حل العقد لاجل العيب، لا خيار حل عقد المعيب، كما قد يتوهم. ثم في أن صورة كون العقد لازما عليه بالنسبة الى الصحيح من الابتداء أو بعد رد المعيب، تكون الرعاية نكتة وحكمة في جانب المشتري، لا علة، مع انه بالاختيار أنفذ خياره بالنسبة الى البعض، ومع التوجه الى تمكين البائع على العقد بالنسبة الى الصحيح، لا يلزم خلاف رعايته، بل هو أقدم على خلاف مصلحته مثلا. هذا، وفي كون البائع بالخيار إشكال: من جهة أن دليله إن كان القاعدة، فقد مر في خيار الغبن ما يتعلق به، ولاسيما أن خيار العيب إن كان ناشئا من القاعدة، فجريان القاعدة ممنوع، لان سد باب الضرر على

[ 108 ]

المشتري بفتح باب الضرر عليه - لاجل سد بابه على البائع - غير جائز حسب الفهم الابتدائي من القاعدة، فاغتنم. وإن كان دليله حديث تبعض الصفقة، فالظاهر أن خيار تبعض الصفقة مخصوص بالمشتري في تبعضها، وبالبائع في تبعض الثمن. وأما خيار التبعض بالنسبة الى البائع فيما نحن فيه مثلا فممنوع، لعدم أخذ العنوان المذكور في الدليل. ولو كان فيه أو كان معقد إجماع، فالمقصود ذلك، وهو القدر المتيقن، والفسخ والرد ليس عقدا جديدا، حتى يصير البائع مشتريا بالنسبة الى المجموعة المشتراة، فلا تغفل. الخامس: مقتضى وحدة الخيار تبعيض العقد وتجزئته في الصور المشار إليها ممكن، وتبعيض الخيار لاجل كونه قائما بالعاقد، أيضا ممكن، كما اشير إليه، إلا أن دليل خيار العيب ظاهر في أن المشتري له الخيار الواحد متعلقا بالمجموع برده، أو الارش. والالتزام بالتفكيك معناه تصدي الدليل الواحد لجعل خيارين، أحدهما: متعلق بالمجموع، والاخر: بالبعض، أو الالتزام بانبساطه على المجموع، كانبساط البياض على الجسم، فينقسم بانقسامه، حسب المقتضيات العقلائية والاغراض العرفية. وفي كلا الفرضين إشكال ومنع، لان الاول - مضافا الى امتناعه ثبوتا - خلاف ظاهر الدليل إثباتا كما مر، والثاني خلاف صريح جمع منهم في أن خيار العيب هو التخيير بين

[ 109 ]

الرد والارش، ولا يكون متعلقا بالعقد، كسائر الخيارات، ولا يعقل انبساطه على العقد، ولا على العقد برد العين كما في كلام الفقيه اليزدي (1)، لان المردد بين الامرين لا واقعية له، حتى يعتبر في الخارج منبسطا على شئ، فلا تخلط. أقول أولا: قد تحرر منا مرارا أن متعلق الخيار هو البيع والمتعامل، دون العقد والبيع، كما هو صريح أدلة خيار المجلس (2) والحيوان (3)، فموضوعه العاقد. نعم، يضاف الى العقد لاجل انه بدونه، لا معنى لاعتبار الخيار له، وقد مضى أن الخيار المتعلق بالعين ينعدم بتلف العين، والخيار المتعلق بالعقد المتعلق بالعين مثله. نعم، العاقد يشير الى العقد الواقع في عمود الزمان ويفسخه، ويكون الفسخ حسب القاعدة من الابتداء، إلا انه يمكن في وجه الفسخ من الحين بالدليل. وثانيا: دليل الخيار يتعرض لاثباته من غير النظر الى مرحلة تنفيذه، فإنه أمر آخر، لعدم الملازمة بينه وبين التنفيذ، فإذا كان العقد الواقع على المجموع الوحداني واحدا اعتباريا قابلا للتجزي الاعتباري، يكون أمر هذا العقد بيد ذي الخيار، فإن أراد إعدامه فيعدمه بالمرة، وإن


1 - حاشية المكاسب، السيد اليزدي 2: 67 / السطر 11، و: 80 / السطر 7. 2 - وسائل الشيعة 18: 5 - 7، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 1. 3 - وسائل الشيعة 18: 10 - 12، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 3.

[ 110 ]

أراد إعدام قسم منه فكذلك، كما في الاقالة بناء على جوازها. هذا تمام الكلام حول صور بيع الواحد الطبيعي والتأليفي والاعتباري. وقضية ما سلف إمكان التفكيك في البيع الشخصي الواحد، فضلا عن غيره، ومقتضى كون الخيار بمعنى التخيير بين الرد والارش فيما نحن فيه، الاختصار برد الكل، أو الرضا به والارش، دون التفكيك. نعم، يمكن دعوى جواز الزام البائع بقبول المعيب، إذا لم يتمكن من تبديل المعيب الى الصحيح، ولكنه بمعزل عن التحقيق، لعدم دليل على انه حكم عقلائي ممضى، بعد قوة احتمال ردع الشرع حكمهم بالشهرة والاجماع والاخبار في أصل خيار العيب مستقلا، فالقول بخيار العيب من غير كون الارش عديله، يحتاج الى دليل، والادلة الاولية ناهضة على خلافه، فإن اللزوم هو الاصل. بقي شئ: إذا رضي البائع برد البعض المعيب، ففي جواز فسخ العقد بالنسبة، إشكال مضى وجهه، وفي جواز الاقالة بالنسبة إشكال، لاحتمال اختصاصها بالمجموع. نعم، أصل التبديل والتعويض المستقل، غير ممنوع. ولو رضي المشتري برد الصحيح دون المعيب حين غفلته عن العيب، وقلنا بجواز الاقالة بالنسبة الى البعض، فهل يجوز له الفسخ بعد الالتفات الى العيب، بتوهم أن بعد فسخ العقد بالنسبة الى الجزء

[ 111 ]

الصحيح، يكون المبيع واحدا، ففيه الخيار مع الارش، لصدق العناوين عليه، وهو مقتضى حكم العرف، ومقتضى مناسبات الحكم والموضوع؟ وحيث إن المسألة غير معنونة عند الاصحاب (رحمهم الله) يشكل علي إظهار النظر القطعي والله هو الموفق المؤيد. تفريع: حكم تعدد المبيع والثمن في البيع الواحد لو تعدد المبيع والثمن في البيع الواحد، فبان أحدهما معيبا دون الاخر، ففي جريان الخيار رأسا، وعلى تقديره ففي جواز التفكيك برد المعيب، وفي سائر الاحتمالات كلها، تشترك مع ما سبق، إلا أن الانحلال في بعض الصور في هذا الفرع أظهر، فيكون العقد لازما بالقياس الى الصحيح، وخياريا بالقياس الى المعيب، من غير توهم الخيار الاخر الناشئ من التبعض. الجانب الخامس في ثبوت الرد مع تعدد المشتري ربما يكون المبيع واحدا طبيعيا ويتعدد المشتري، مع كون العقد واحدا أيضا، ففي جريان خيار العيب رأسا إشكال. وعلى تقدير جريانه ففي المسألة أقوال، فعن المشهور عدم جواز

[ 112 ]

انفراد أحدهم في الفسخ حتى بالنسبة الى حصته (1)، وعن جمع - كالشيخ (2) والاسكافي (3) والقاضي (4) والحلي (5) - جوازه. وربما يظهر عن بعضهم التفصيل بين صورتي علم البائع بتعدد المشتري وجهله، فيجوز في الاول، دون الثاني (6). كما ربما يظهر: انه في صورة علمه بالتعدد لا خلاف في جواز التفريق، وإنما الخلاف في صورة وحدة القابل (7)، سواء كان وكيلا عن المالك ين، أو كان أصيلا ووكيلا، أو كان فضولا عنهما فأجازاه دفعة أو تدريجا، فربما يختلف الحكم بين صورتي التدريج والدفع، فلو كانت الاجازة دفعية فلا يجوز، وإلا فيجوز. ولو أجاز أحدهما عن نفسه وعن الاخر فضولا، ففي كونه بحكم الدفعي أو التدريجي، إشكال ظاهر. وربما يجوز التفصيل بين صورتي كون المشتري وكيلا نافذا على الاطلاق عن المالك ين فلا يجوز، لانه يرجع الى وحدة المشتري ولو كان المالك متعددا، وبين كونه المالك ين، فقبلا تدريجا أو دفعة، أو كان


1 - الحدائق الناضرة 19: 90، مفتاح الكرامة 4: 630 / السطر 11، جواهر الكلام 23: 249. 2 - المبسوط 2: 351، الخلاف 3: 333، المسألة 10. 3 - مختلف الشيعة: 374 / السطر 27. 4 - لاحظ نفس المصدر، ولم نعثر على كلام القاضي ابن البراج انظر المهذب 1: 393. 5 - السرائر 2: 345 - 346. 6 - تحرير الاحكام 1: 274 / السطر 10 - 11، جامع المقاصد 4: 334، الحدائق الناضرة 19: 90. 7 - لاحظ المكاسب، الشيخ الانصاري: 259 / السطر 20.

[ 113 ]

الاجنبي وكيلا عنهما في مجرد الصيغة، فإنه ملحق بالقبول الصادر عنهما دفعة. وهنا احتمال آخر: وهو التفصيل بين صورتي كون الحصتين معيوبتين، أو كانت حصة أحد الشريكين معيوبة، ففي الاولى يجوز أخذ أحدهما بالارش والاخر بالفسخ، دون الثانية، كما لا يخفى. بحث وتحصيل: مقتضى الاخبار والاجماع ظاهر أدلة خيار العيب (1) بعد كونه شرعيا - لان معناه التخيير بين الفسخ والارش - اختصاص المشتري بالواحد، دون الشريكين والاكثر. بل قد مر: أن أخبار المسألة ناظرة الى الجهة الاخرى غير جعل الخيار، أو إمضاء ما عند العقلاء، بضميمة التعبد بالارش، ومعقد الاجماع قدره المتيقن غير هذه الصور، فجريان خيار العيب هنا محل تأمل. نعم، خيار العيب العقلائي غير المقرون بالارش، ثابت فيما نحن فيه. اللهم إلا أن يحتمل مردوعية بنائهم، لاجل الاجماع والشهرة الناهضة على التخيير العرضي، فيكون خيار العيب محضا بلا انضمام الارش غير ثابت، كما أشرنا إليه في البحوث السابقة. نعم، لا يبعد وجود الاجماع الخاص والشهرة في خصوص المسألة أيضا، كما عرفت، لان الظاهر منهم مفروغية جريانه فيما نحن فيه عندهم،


1 - وسائل الشيعة 18: 97 - 111، كتاب التجارة، أبواب أحكام العيوب، الباب 1 - 8، و: 29 - 31، أبواب الخيار، الباب 16.

[ 114 ]

وعند ذلك لا يتوجه الى هذه المسألة إشكال خاص غير الاشكال في أصل خيار العيب الشرعي، دون العرفي، فإنه ثابت، لانه القدر المتيقن من الاجماع والاخبار، فلا تخلط. تنقيح وتوضيح: حكم تعدد المشتري لاشبهة في جواز التفكيك والتشقيص فيما إذا كان المشتري متعددين مالكين قابلين تدريجا، والبائع عالما ملتفتا، وكان المبيع حصة مفروزة من الدار، ولاسيما إذا كان عالما بعيب حصة أحدهما، أو كليهما، وقد مر وجه توهم خيار البائع بعد التبعيض فيما سلف مع جوابه بما لا مزيد عليه. بل ولو كانا قابلين دفعة، فإن القبول المتعدد يستتبع انحلال العقد قهرا في هذه الصورة، وإلا يلزم الخلف، لان نظر البائع الى استقلال البيع بالنسبة الى كل منهما، فلو كان قبولهما معا شرطا يكون خلفا، ولذلك لو قبل أحدهما دون الاخر، يقع البيع صحيحا بالقياس الى القابل، دون الممتنع، فالايجاب لابد وأن يصير كثيرا حكما، لا واقعا. نعم، فيما إذا قال: " بعتكما هذه الدار " وقبل أحدهما ولم يقبل الاخر، يحتمل وقوع البيع بالنسبة الى الكل بحسب الانشاء، وتكفي الاجازة اللاحقة، وقد مر كيفية جريان العقد الفضولي في بيع المالك ماله، وإن لم يكن فضوليا لغة. بل ولو لم يكن البائع عالما بالعيب بعد كون الطرف متعددا، لان

[ 115 ]

المفروض قبول كل منهما لنفسه حصة معينة من الدار، فيتعدد البيع، كما يتعدد سائر أحكامه، من خيار المجلس، والقبض، فإن قبض أحدهما حصته، لا يكفي عن الاخر والوفاء. فالانشاء الواحد ولو كان واحدا حقيقة، كما في إنشاء إكرام العلماء، إلا انه ينحل عرفا وحكما الى الكثير، ولا يرتبط أحدهما بالاخر في الاحكام. فما يظهر من " التحرير " (1) أحيانا، ومن بعضهم من التفصيل بين صورتي العلم والجهل (2)، نظرا الى أن في صورة العلم ينشأ إنشاءان، غير تام، لانه على كل تقدير الانشاء واحد، وعلى كل فرض يتكثر حكما. بل ولو كان المبيع الحصة المشتركة والنصف المشاع، وكان الكل معيبا، أو كان النصف المشاع معيبا، كما إذا كان مورد الدعوى، بناء على كونه من المعيب الموجب للخيار، كما هو غير بعيد في الجملة، ضرورة أن الاشاعة لا توجب وحدة البيع، بعد كون المشتري غير مالك بالقبول إلا النصف، ولاسيما إذا كان نصف أحدهما أقل قيمة من النصف الاخر، فإنه يوجب الظهور القوي في الانحلال الحكمي قطعا. ومما يشهد على ذلك، جواز استقالة البائع عقد أحدهما دون الاخر، وأن البائع يجد لنفسه أن يراجع أحدهما دون الاخر عند الحاجة، فهو دليل على قابليته التجزئة، أو الانحلال الحكمي، فإن الانحلال الحكمي


1 - تحرير الاحكام 1: 274 / السطر 10 - 11. 2 - جامع المقاصد 4: 334، الحدائق الناضرة 19: 90.

[ 116 ]

لو لم يكن صحيحا - لما أن معنى الحكمي هو المجاز، لا الحقيقة - فالتجزئة كما مر في البحوث السابقة صحيحة، ولا مجاز. فيما إذا اشترى الوكيل عن المتعدد أو اشترى الوليان نعم، فيما إذا كان القابل يقبل عن المالك ين الموكلين في الوكالة على الاطلاق، أو الوليين، فربما يشكل أصل جريان خيار العيب، لاحتمال اختصاصه بالقابل المشتري المالك، والوكيل والولى مشتريان ليسا بمالكين، والموكل مالك لما يشتري، أو يكون الخيار لكل واحد منهما، أو للمجموع، على الخلاف المذكور في خيار المجلس (1) بل وخيار الغبن، بعد انصراف خبر جميل (2) عنه، وعدم كون معتبر زرارة (3) في مقام بيان خيار العيب جعلا ووضعا. والحق: أن في مفروض المسألة لا يثبت الخيار للمالك، وليس له التصرف إلا في حدود وكالة وكيله بالعزل، وعندئذ لا يثبت له خيار العيب التعبدي، وقد مر وجه الاشكال في ثبوت خيار العيب العقلائي. وربما يكون اشتراء الوكيل المتاع المعيب باطلا، ويقع فضوليا، لان المنصرف من حد الوكالة هو التوكيل في اشتراء الصحيح، ففيما إذا


1 - المكاسب، الشيخ الانصاري: 216 - 217. 2 - تقدم في الصفحة 35. 3 - تقدم في الصفحة 34.

[ 117 ]

اشترى المعيب، يصير خائنا ساقطا عن الوكالة، إلا إذا كان وكيلا على الاطلاق من هذه الجهة أيضا. بقي شئ: فيما إذا كان المشتري واحدا اعتبارا إذا اشترى الشريكان متاعا واحدا، على وجه كانا واحدا اعتبارا، وكان قبولهما قبولا واحدا، فالحكم في هذه الصورة كحكم الخيار المورث على القول بأن الوارث مجموع الورثة، بحيث لا تنفيذ إلا تنفيذهم جمعا، ويكون الانحلال ممنوعا في هذه الصورة، وتصير من قبيل الوحدة الاعتبارية التي مرت في ناحية المبيع المتعدد. وبالجملة: يكون الخيار واحدا في هذه الصورة، ولايكون واحدا في سائر الصور، لان موضوع الخيار إن كان العين فهي واحدة، ولكنه خلاف التحقيق. وإن كان العقد فهو متعدد، وهو ممتنع، لامتناع اعتبار الواحد الاعتباري على الكثير بما هو كثير، للزوم الخلف. وأما موضوع الخيار على ما هو الحق، فهو المتعامل حتى في خيار العيب، وما يقال: " من أن في خيار العيب موضوعه العقد برد العين " (1) كما مر (2)، غير تام في نفسه، وغير ممكن هنا مع وحدة الخيار، فإذا كان الخيار واحدا مع تعدد المتعامل، يلزم اعتبار الوحدة بينهما، وهو خلف،


1 - حاشية المكاسب، السيد اليزدي 2: 80 / السطر 7. 2 - تقدم في الصفحة 108 - 109.

[ 118 ]

لان المفروض استقلال كل في الاشتراء، فلا يعقل وحدة الخيار. نعم، اعتبار الخيار للمتعامل القابل للانطباق ممكن، إلا انه خلاف ما هو مقتضى الخيار بعد تحققه خارجا. مثلا خيار المجلس ثابت للبيع، ولكنه عنوان الخيار، وأما الشخصي الاعتباري فهو ثابت لزيد، وهكذا فيما نحن فيه. فما في كلام الشيخ (1) وغيره غير صحيح ثبوتا، فلا تصل النوبة الى الاستظهار من الدليل والفتوى إثباتا. وأما في الخيار المورث، فهو موقوف على اعتبار الوحدة الجمعية، وهي هنا لو كانت فالامر كذلك، ولكن المفروض خلافه، ضرورة تعدد المعاملة، وعلى الاعتراف به لا يعقل وحدة الاشتراء والمشتري، فلا تخلط. ومن هنا يظهر ما في كلام العلامة المحشي الاصفهاني: من تخيل أن المانع عن التبعيض إما وحدة العقد، أو وحدة الخيار (2)، وقد عرفت: أن وحدة الخيار ليست في عرض المانع الاول، وإذا زال المانع الاول فلا يمكن مانعية الثاني. ومن الغريب توهم: أن التشقيص حدث يوجب السقوط!! فإن الحدث على المتاع في اشتراء زيد، يوجب سقوط خياره، لا سقوط خيار الاجنبي، فإن مع تعدد العقد لاحدث في حصة زيد برد عمرو حصته.


1 - المكاسب، الشيخ الانصاري: 259 / السطر 25. 2 - حاشية المكاسب، المحقق الاصفهاني 2: 109 / السطر 36.

[ 119 ]

الجانب السادس في ثبوت الرد مع تعدد البائع إذا تعدد البائع دون العين والمشتري، فالبحوث والصور والفروع واحدة، وقد مر أن ما هو المقتضي لجريان الخيار في أصل البيع، محل المناقشة، وإذا جرى فلا وجه للاشكال من ناحية قصور المقتضي لخيار المشتري بالنسبة الى عقده، ولا الاشكال من ناحية وجود المانع من الجهات السابقة. ولو كان ضرر البائع في الصورة السابقة، موجبا لمنع خيار المشتري فرضا، لكان ضرر المشتري وجبره على الشركة برد النصف المشاع المعيب الى أحد البائعين، موجبا لخياره بالنسبة الى النصف الصحيح. بل هذا هنا أولى، لانه من تبعض الصفقة، فتأمل. ومما ذكرناه يظهر حكم اشتراء الكثير من الكثير المال الكثير، فتدبر كثيرا.

[ 121 ]

الجهة السابعة في مسقطات الارش وفي مواقف لا يثبت فيها الارش الاول والثاني شرط السقوط والاسقاط من قبل البائع وقد مر ما يتعلق بالاشكال في جوازه، وكفاية الثاني إذا تخلف ولم يسقط عصيانا. ومن الاول شرط عدم الثبوت، وقد مر أن الاقرب عدم نفوذه، لاختلافه اعتبارا مع الاول في مخالفته للكتاب بخلافه، وإن كانت النتيجة واحدة، ف‍ " إنما يحلل الكلام ويحرم الكلام " (1).


1 - خالد بن الحجاج قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام) الرجل يجئ فيقول: اشتر هذا الثوب، وأربحك كذا وكذا، قال: أليس إن شاء ترك، وإن شاء أخذ؟ قلت: بلى، قال: لا بأس به إنما يحل الكلام، ويحرم الكلام. الكافي 5: 201 / 6، تهذيب الاحكام 7: 50 / 216، وسائل الشيعة 18: 50، كتاب التجارة، أبواب أحكام العقود، الباب 8، الحديث 4.

[ 122 ]

وغير خفي: انه في صورة اشتراط البائع إسقاط حق الارش - على تقدير ظهور العيب - وقبول المشتري، ربما يكون نفس قبوله من الرضا بسقوط الحق، الكافي لعدم جواز رجوعه إليه وضعا، ولو لم يرجع إليه، فالامر بالوفاء بالشرط (1) لا يقتضي النهي عن الرجوع الى حق الارش، بحيث يصير كاشفا عن عدم الحق، لو لم يكن على تقدير الاقتضاء مؤكدا لحقه، كما لا يخفى. اللهم إلا أن يقال: إن النهي عن الامور الوضعية - سواء كانت كالمعاملات، أو كانت من قبيل ما نحن فيه، المتوقف اعتبارها على رضا الشرع وإمضائه - لا يجتمع مع إرادة الامضاء والرضا، ولاجل هذه النكتة يكون النهي عن المعاملة موجبا لفساد المعاملة الراجع الى قصور المقتضي، لا الى وجود المانع حتى يقال: " هو يؤكد المقتضي " كما


1 - عن العبد الصالح (عليه السلام) قال: قلت له: إن رجلا من مواليك تزوج امرأة ثم طلقها فبانت منه فأراد أن يراجعها فأبت عليه إلا أن يجعل لله عليه أن لا يطلقها ولا يتزوج عليها، فأعطاها ذلك، ثم بدا له في التزويج بعد ذلك، فكيف يصنع؟ فقال: بئس ما صنع، وما كان يدريه ما يقع في قلبه بالليل والنهار، قل له: فليف للمرأة بشرطها، فإن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: المؤمنون عند شروطهم. الكافي 5: 404 / 8، تهذيب الاحكام 7: 371 / 1053، وسائل الشيعة 21: 276، كتاب النكاح، أبواب المهور، الباب 20، الحديث 4.

[ 123 ]

قال به بعض العامة (1)، واختاره بعض أصحابنا (2)، والتفصيل في محله (3). الثالث ما لو اشترى ربويا بجنسه من المواضع التي اشتهر فيها عدم ثبوت الارش، ويتعين فيها الفسخ، ما لو اشترى ربويا بجنسه، فظهر عيب في أحدهما، فلا أرش حذرا من الربا (4)، ضرورة أن الاخذ بالارش معناه الاخذ بالزيادة، لان الصحيح والمعيب إذا كانا من جنس واحد، فلابد وأن يكونا مثلا بمثل. وهذا من غير فرق بين كون الزيادة عينية، أو حكمية، من جنس العوضين، أو من غير جنسهما، شرط المشتري تلك الزيادة عند ظهور العيب، أو لم يشترط. نعم، في الفرض الاول يكون باطلا ثبوتا وإثباتا، وفي الفرض الثاني يكون باطلا ثبوتا، ويظهر إثباتا بعد ظهور العيب، ضرورة أن المعاملات الربوية - حسبما هو المعروف - باطلة ومحرمة (5). والقول: بأن الزيادة أو الشرط حرام، دون أصل المعاملة، غير


1 - لاحظ مطارح الانظار: 166 / السطر 15. 2 - هو قول فخر المحققين في نهاية المأمول، لاحظ مطارح الانظار: 166 / السطر 16. 3 - تحريرات في الاصول 4: 361. 4 - الدروس الشرعية 3: 288، لاحظ جواهر الكلام 23: 244 / السطر 16، المكاسب، الشيخ الانصاري: 259 / السطر 33. 5 - لاحظ جواهر الكلام 23: 332.

[ 124 ]

موافق لظاهر الادلة بدوا، ولو كان الشرط الفاسد غير مفسد في غير المقام، كما لا يخفى. نعم، بناء على القول: بأن الخيار بعد ظهور العيب مثلا، فلا يكون العقد باطلا عند عدم الشرط ثبوتا وإثباتا، ولكنه يصير باطلا بأخذ الارش، أو يكشف بطلانه من الاول لو أخذ بالارش. أقول: هنا جهات من البحث نشير إليها على سبيل الاجمال: الاولى في جريان خيار العيب الشرعي في جريان خيار العيب الشرعي - وهو التخيير العرضي بين الفسخ والرد، وبين الامضاء والارش - إشكال هنا، وذلك لانه على خلاف الاصل، وأخبار المسألة بين ما هي ظاهرة في الاشتراء بالكلي من الاثمان المتعارفة (1)، وبين ما لا تكون في مقام جعل خيار العيب، كمعتبر زرارة (2)،


1 - وسائل الشيعة 18: 29، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 16، الحديث 1. 2 - زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: أيما رجل اشترى شيئا وبه عيب وعوار لم يتبرأ إليه ولم يبين له، فأحدث فيه بعدما قبضه شيئا ثم علم بذلك العوار وبذلك الداء، انه يمضي عليه البيع ويرد عليه بقدر ما نقص من ذلك الداء والعيب من ثمن ذلك لو لم يكن له. الكافي 5: 207 / 3، تهذيب الاحكام 7: 60 / 257، وسائل الشيعة 18: 30، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 16، الحديث 2.

[ 125 ]

وبين ما لا يجوز الركون إليها، كخبر جميل (1)، فيسقط البحث من البدو، ويكون في المثل بالمثل خيار الفسخ فقط، دون الارش، لجهة قصور المقتضي، لا لوجود الربا المانع، أو لمعارضة أخبار المسألة مع أخبار الربا، وقد مر منا في أول البحث الاشكال في جريانه في المعاوضة. نعم، إذا كانت المعاوضة كلية كبيع السلم، فلا يبعد أن يكون هو من البيع، دون المعاوضة، فيجري فيه خيار العيب الشرعي، كما لو باع الحنطة الموجودة بالاكثر في المستقبل، فإنه يعد بيعا لا معاوضة، وتحقيق المسألة من هذه الجهة في مقام آخر. فلا يسقط البحث بناء على هذا في مثل هذه الصورة، لجريان الربا فيها أيضا بالضرورة، وإن كان فيها إشكال، لاجل انهم يقولون بالبطلان في ناحية الزيادة الحكمية (2)، ومقتضاه هي الصحة إذا كانت المماثلة حاصلة بالمساواة الحكمية، ضرورة أن للزمان قسطا من الثمن، فلو باع عشرة أمنان حنطة باثني عشر في المستقبل، تكون تلك العشرة النقدية مساوية مع الاثني عشر حكما، وإلا فلا يقدم العقلاء عليه. نعم، المثل من الحنطة نقدا بالمثلين من الشعير نقدا، من الربا


1 - جميل، عن بعض أصحابنا، عن أحدهما (عليهما السلام) في الرجل يشتري الثوب أو المتاع فيجد فيه عيبا فقال: إن كان الشئ قائما بعينه رده على صاحبه وأخذ الثمن، وإن كان الثوب قد قطع أو خيط أو صبغ يرجع بنقصان العيب. الكافي 5: 207 / 2، الفقيه 7: 60 / 258، تهذيب الاحكام 7: 60 / 258، وسائل الشيعة 18: 30، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 16، الحديث 3. 2 - جواهر الكلام 23: 334 و 340.

[ 126 ]

شرعا، لا عرفا، وهو القدر المسلم من أخبار المثل بالمثل، والمسألة تحتاج الى مزيد تأمل في مسائل الربا وأخباره، وسيأتي إن شاء الله تعالى في محله. هذا، وغير خفي: انه مع ذلك كله في جريان خيار العيب الشرعي في المبادلة بين الامتعة - ومنها الاجناس الربوية - إشكال، ولعل المتعارف في هذه الصورة بين العقلاء الرد والرضا بشئ جبرانا للنقص. وأما الالزام بالجبران فهو ليس حكما عرفيا قطعا، إلا انه يكفي لعدم سقوط البحث أيضا، لان الرضا بالزيادة موجب لجريان بحث الربا. الثانية في شمول أخبار الربا للمقام لاشبهة في شمول دليل خيار العيب لما نحن فيه عند الاصحاب (رحمهم الله) وأنه لو لا حديث الربا لكان هنا مجرى التخيير بين الرد والارش، كسائر المقامات، وإنما البحث في انه مندرج في أخبار الربا، أم لا؟ أو يفصل بين صورتي الاشتراط وعدمه، بتوهم انه إذا اشترط الارش يكون من اشتراط الزيادة، بعد اعترافهم بأن الصحيح والمعيب من المثل بالمثل، وعليه دعوى الاجماع من " الجواهر " (1) وهو الظاهر من " الشرائع " حيث قال: " ويستوي في وجوب التماثل المصوغ والمكسور


1 - جواهر الكلام 24: 13.

[ 127 ]

والجيد من الجوهر ورديئه " (1) انتهى. وفيه: أن شرط الزيادة غير الشرط فيما نحن فيه، فإنه شرط معلق على ظهور العيب، ويشبه ما إذا باع منا بمن، واشترط عليه إن جاءه زيد أكرمه، فكونه من شرط الزيادة غير معلوم، بل هو حين الشرط ليس من الزيادة إلا إذا كان مجئ زيد معلوما عندهم، وعلى هذا يصير من الربا، بناء على كفاية الزيادة الحكمية في الربوية. والذي هو الحق: أن ما نحن فيه لا يخرج عن أخبار الربا، لاجل دعوى انها ظاهرة في صورة جعل المتعاملين، كما ادعاه الفقيه اليزدي (قدس سره) (2) لان الزام الشرع بالجبران ليس إلا لاغتراس المساواة عرفا، ولذلك احتملنا رجوع خيار العيب الى خيار الغبن، ضرورة أن المعيب بحسب المتعارف أقل قيمة من الصحيح، ولذلك قلنا: لو أقدم البائع على جبران الارش، لا يثبت الخيار عندنا وإن قال به الاصحاب (رحمهم الله) (3). نعم، ما هو الموجب لخروجه عنها عدم كون الارش متعينا على المشتري، فإن جواز فسخ العقد يورث كونه بالخيار بينهما، فإذا أخذ بالارش لا يصير الارش إلا جبرانا لما نقص في المعاملة، ولا يندرج في المعاملة، سواء قلنا هو جبران بتعبد من الشرع محضا، أو بتغريم من


1 - شرائع الاسلام 2: 42. 2 - حاشية المكاسب، السيد اليزدي 2: 85 / السطر 8 - 9. 3 - تذكرة الفقهاء 1: 529 - 530.

[ 128 ]

العرف أيضا الممضى شرعا. وبالجملة: هو أمر خارج عن المبادلة الانشائية بالضرورة، وإلا يلزم البيع والارش، وخارج عن المبادلة بالحمل الشائع بعد الاخذ، لعدم إمكان اندراجه فيها، لا نها تابعة الانشاء بالضرورة، وربما لا يجب عليه لو اتفق فسخ البيع المذكور بعد الارش، أن يرد عين ما أخذه أرشا، فلا تغفل. وهذا من غير فرق بين كونه على ذمة البائع من الاول، أو بعد المطالبة. فإن هذه البحوث أجنبية عما هو التحقيق في المقام، فما عن " الروضة " من الاحتمالين (1)، بعيد عن ساحته المقدسة. كما أن ما أفادة السيد (رحمه الله): من اشتغال الذمة به عند الاختيار (2)، في غير محله، لانه إن أراد من " الاختيار " هو الاختيار الخارجي، فلا معنى لاشتغال الذمة بعده أو فيه، وإن أراد آنا ما قبله فهو ممنوع، لجواز عوده الى الفسخ، وإن أراد آنا ما قبله في صورة وقوع الاخذ بالارش، فهو بلا دليل. وقد مر كيفية تعلق حق المشتري بالعقد والارش بما لا مزيد عليه، وأنه ليس معنى وضعيا أصيلا بل هو معنى وضعي منتزع من الترخيص المردد بين الرد والارش، ويكون هناك حقان معينان منتزعان.


1 - لاحظ حاشية المكاسب، السيد اليزدي 2: 85 / السطر 14. 2 - حاشية المكاسب، السيد اليزدي 2: 85 / السطر 14 و 24.

[ 129 ]

بقي شئ: في إمكان إلحاق شئ إلى المبيع قد اشتهر بين أبناء التحصيل أن من الصلاة قول المصلي: " ورحمة الله وبركاته " إذا أتى به، وإن لم يأت به بحسب الواقع فليست الصلاة باطلة بدونه (1)، وهكذا في سائر المستحبات، وهذا لا يتصور إلا بإمكان اندراج شئ في الطبيعة الموجودة، ويعد من لواحق المصاديق. وفيما نحن فيه، إذا أخذ بالارش يصير هو من المبيع، فيكون خارجا عن المثل بالمثل قهرا، فيشمله أخبار الربا. وفيه: انه ولو كان كذلك، إلا انه خارج عن تلك الاخبار، لجواز أخذ المتعاملين بحسب الخارج شيئا ولو لم يكن عيب في البين، فإن تلك الزيادة تدخل في العوضين قهرا، ولا توجب البطلان قطعا. إيقاظ: فيما إذا اشترط سقوط حق الفسخ سيمر أن من المواضع التي لا يثبت فيها الارش، مورد اشتراط سقوط حق الفسخ، لكونه موجبا لتعين الارش المنتهي الى الربا في بعض الموارد، فبناء على هذا لو كان وجه عدم شمول أدلة الربالما نحن فيه، عدم تعيين الارش حين العقد (2)، للزم الربا في هذه الصورة، ولازمه


1 - لاحظ مستمسك العروة الوثقى 6: 469 - 470. 2 - حاشية المكاسب، السيد اليزدي 2: 85 / السطر 8 - 9.

[ 130 ]

شمول أدلته. وفيه: انه سيأتي أن إسقاط حق الفسخ لا يوجب تعيين الارش، فعلى هذا ما هو الوجه لعدم كون المسألة من صغريات باب الربا ومن موارد الزيادة على المثل بالمثل، هو عدم تعين الارش، فعلى هذا يكون المشتري مستحقا له، ولا يفسد البيع لو أخذ به. الثالثة حول إبطال العقد بأخذ الارش إن قلنا بحرمة الزيادة التكليفية من غير سرايتها الى أصل البيع - كما هو أحد الاقوال في المسألة (1)، وفي خاطري انه مختار الفقيه اليزدي في " ملحقات العروة " (2) - فلا بحث، وإن قلنا بالبطلان في صورة الاخذ بالزيادة، فيمكن دعوى: انه كما يجوز له فسخ العقد على المعيب، يجوز له إبطاله من هذه الطريقة. ودعوى: انه حرام تكليفا، مسموعة في غير ما إذا كان من نيته إرجاع الزيادة الى البائع بعد البطلان، بل لو كان البائع لايرد العوض الى المشتري بعد الفسخ، فربما يجوز له هذا الاحتيال، ولكن مع ذلك كله لا يترك الاحتياط.


1 - لاحظ جواهر الكلام 23: 334. 2 - لاحظ ملحقات العروة الوثقى 2: 6 و 8.

[ 131 ]

ويحتمل عدم بطلان البيع إلا في صورة يقع الاخذ بالزيادة محرما، بناء على القول بحرمتها، وخلافا للتحقيق الذي عرفت آنفا. الرابعة التعارض بين أدلة الربا والارش لو فرضنا شمول أدلة الربالما نحن فيه، إما لاجل ما أفاده الشيخ (رحمه الله): من عدم الفرق بين سببية العقد على المتجانسين للزيادة في طرف بلا واسطة، أو بواسطة سببيته لاستحقاق الارش الذي هو زيادة على المتجانسين (1). أو لاجل ما أفاده العلامة الخراساني (رحمه الله): من عدم الفرق بين انعقاد العقد على المتفاضلين، وبين استقراره على ذلك (2). أو لاجل ما في كلام الفقيه اليزدي: من عدم الفرق بين كون الخيار بجعل المتعاقدين، أو بحكم الشرع (3). أو لاجل عدم الفرق بين رد بعض الثمن، أو ما يساويه في المالية، فإنه على الاول يختلفان في المقدار والحجم، ويخرجان عن المثل بالمثل. أو لاجل أن المماثلة من ناحية التزام البائع حسب أصالة


1 - المكاسب، الشيخ الانصاري: 260 / السطر 5. 2 - حاشية المكاسب، المحقق الخراساني: 222. 3 - حاشية المكاسب، السيد اليزدي 2: 85 / السطر 9.

[ 132 ]

السلامة لا يوجب الخروج عن الربا أو الاكل المحرم، فلا فرق بين كون الزيادة بالشرط، أو بالجزئية. أو لاجل الحاق ما نحن فيه بسائر الموارد في هذا الحكم، بعد اجتماع الجهات الموجبة للربا فيه، كما هو المعلوم. أو لاجل عدم الفرق بين كون الارش جزء البيع في مرحلة الانشاء، أو جزءه اللاحق بمصداق المبيع بحكم العرف، أو كونه بحكم الجزء من ابتداء العقد شرعا، أو من حين المطالبة، فإن بالكل يخرج عن المثل بالمثل بحسب الواقع. وبالجملة: لو فرضنا أن المسألة من صغريات الربا، يلزم التعارض بين إطلاقات الربا، وأخبار المسألة ودليلها. والمناقشة هنا في دليله (1) غير وجيهة بعد فرض المعارضة، كما أن فرض سقوط الرد غير صحيح، لان الكلام في موارد يسقط فيها الارش خاصة، فلابد من كون المفروض ثبوت حق الرد. وعند ذلك قضية المعارضة بينهما بالعموم من وجه - بعد إمكان الجمع العقلائي باختيار الرد - معلومة، ضرورة أن كون الربا محرما، وكون المشتري مخيرا بين ما لا يستلزم الربا وما يستلزمه، يقتضي تعين الاخذ بالطرف الاول على جميع المسالك في التخيير وفيما نحن فيه، وهذا الجمع تام في مثل العامين من وجه، لان التعارض بينهما بالعرض. وأما على القول بعدم تمامية ذلك الجمع العقلائي فالحق: أن


1 - البيع، الامام الخميني (قدس سره) 5: 65.

[ 133 ]

الادلة العلاجية لا تشمل المتعارضين بالعرض، ومنهما العامان من وجه، فيرجع الى مقتضى مرجحات باب التزاحم بعد مساواة الادلة من حيث السند فرضا، ولا شبهة في أن الفرار من الربا متعين. ولو نظرنا الى سندهما فما ثبت بالكتاب (1) أقوى، إلا أن حرمة الربا ولزوم الوفاء بعدم جواز العقد، كليهما من الثابت به (2) على المعروف، ولكنه خلاف التحقيق عندنا. فعلى كل تقدير يكون سقوط حق الارش أقرب من افق التحقيق، بناء على كون المسألة من صغريات تلك المسألة، وإلا فقد عرفت تمام البحث حولها. ولو فرضنا تعارض الادلة، وعدم التمكن من الجمع، ولامن الترجيح، فتصل النوبة الى الشك، وهو كاف لعدم ثبوت حق الارش، من غير الحاجة الى استصحاب عدم استحقاق الارش حتى يناقش فيه، فما أفاده العلامة الايرواني (رحمه الله) هنا (3) وإن كان من وجه قريبا من طريق المسألة وطيها، ولكنه مشتمل على جهات من الضعف، وقد اشير في مطاوي كلماتنا الى تلك الجهات، فتدبر.


1 - (أحل الله البيع وحرم الربا)، البقرة (2): 275. 2 - (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود)، المائدة (5): 1. 3 - حاشية المكاسب، المحقق الايرواني 2: 58 / السطر 12.

[ 134 ]

الرابع اشتراط سقوط حق الفسخ في العوضين الربويين إذا شرط على المشتري سقوط حق الفسخ، فيسقط حق الارش أيضا فيما إذا كان العوضان ربويين، وقلنا في المسألة السابقة بسقوط حق الارش في هذه الصورة، فإن من شرط سقوط حق الفسخ الذي هو أحد طرفي التخيير، لابد وأن يتعين الثاني في غير ما نحن فيه، وفيما نحن فيه أيضا يسقط أو لا يثبت، للزوم الربا، فمن الشرط المذكور يلزم سقوط حق الارش. أقول: الحق الذي يسقط أو لا يثبت بسد مقتضيه بالشرط، هو الحق بالحمل الشائع، لا المفهوم منه، وقد أشرنا فيما مضى الى أن قوله (عليه السلام): " البيعان بالخيار " (1) ليس متكفلا للحق - بالحمل الشائع - لعنوان " البائع ". نعم، إذا تحقق البيع خارجا، فقضية الرواية ثبوت الحق بالحمل الشائع له، وإلا فهو خيار مفهومي وحق عنواني، ولذلك يصح بالقياس الى الحق العنواني أن يقال في موارد بيع المثل بالمثل: إذا كان أحدهما معيبا


1 - فضيل، عن أبي عبد الله (عليه السلام) - في حديث - قال: قلت له: ما الشرط في غير الحيوان؟ قال: البيعان بالخيار ما لم يفترقا، فإذا افترقا فلا خيار بعد الرضا منهما. الكافي 5: 170 / 6، تهذيب الاحكام 7: 20 / 85، وسائل الشيعة 18: 6، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 1، الحديث 3.

[ 135 ]

يسقط حق الارش، باعتبار الحق العنواني الكلي، وإلا فلا معنى لسقوطه. بل في هذه الموارد لا يثبت الحق والارش، كما هو الواضح. فعلى هذا، إن كان خيار العيب من قبيل سائر الخيارات، فالامر كما أشرنا إليه، ضرورة أن المشتري له حقان، أحدهما: حق الفسخ، والثاني: حق الارش، ولا تخيير في الذات، بل تخييره في استيفائهما، ولايجوز له الجمع، أو لا يمكن الجمع كما مر، فإذا أسقط حق الفسخ فلازمه - على القول المذكور - سقوط الحق الاخر، للزوم المحرم وهو الزيادة الربوية. وإن كان أيضا حقا متعلقا بالعقد برد العين، فالامر كذلك وهكذا، لان الجزئي الخارجي لا يعقل تردده. وأما إذا كان المجعول بالذات معنى حدثيا، وهو التخيير بين رد العين وأخذ الارش، كما هو ظاهر الفتاوى والاخبار على الوجه المحرر عندنا، حتى لا يكون معنى تكليفيا، وتخييرا كسائر التكاليف التخييرية حتى لا يقبل الاسقاط، فلا يلزم من شرط سقوط حق الفسخ شئ، وذلك لان ما هو المجعول الاولي هو المعنى الحدثي، وهو رد العين، أو الاخذ بالارش، والمنتزع عنه معنى وضعي حقي تابع له، فيكون منشأ الانتزاع كسائر التكاليف التخييرية التي فرغنا في الاصول عن تصويرها بما لا مزيد عليه، من غير رجوعها الى الواجب المعلق، أو المشروط، أو التعييني. وقد تحرر أيضا فيه: أن الواجبات الالهية لا تنقلب عما تكون عليه، مثلا الواجب التخييري لا ينقلب تعيينيا، والمشروط مطلقا، والموسع

[ 136 ]

مضيقا، عند تعذر سائر المصاديق، وعند وجود الشرط، بل كل في جميع الحالات باق على ما هو المجعول بالذات، فلو تعذرت إحدى الخصالات، لا يكون التخيير شرعيا أيضا إلا في الثلاث مثلا، ولو تعذر عليه طرفاها لا يتعين إلا عقلا في الثالث (1). فعليه فيما نحن فيه بسقوط حق الفسخ، لا يصير الترخيص التخييري الشرعي تعيينيا، لانه حق ينتزع من الترخيص التخييري المجعول بالذات، ولايكون إلا معنى انتزاعيا وحقا تسامحيا، وإذا كان المشتري مخيرا بين الرد والارش، يعتبر له حق الفسخ وحق الارش في الرتبة المتأخرة، وبذلك يرتفع غائلة المشكلة العقلية، ويراعى فيه حقية خيار العيب في الجملة، وقابليته للسقوط، بمعنى عدم كون شرط عدم الفسخ شرطا خلاف الكتاب، لان المكتوب معنى تخييري ولو كان ترخيصيا، ولكن الشرط المذكور يمنع عن انتزاع ذلك الحق الانتزاعي العرفي، وهو كاف فيما نحن فيه، بعد قيام الضرورة على جواز الشرط المذكور. وكان ينبغي البحث حول أن شرط سقوط حق الفسخ، نافذ أم لا من هذه الجهة فيما سبق. وعلى كل تقدير: تحرر جوازه هنا أولا، وعدم لزوم سقوط الطرف الاخر بالشرط المذكور ثانيا في موارد بيع المثل بالمثل، فتأمل جيدا.


1 - لاحظ تحريرات في الاصول 4: 5 - 16 و 26 - 28.

[ 137 ]

الخامس في العيب الذي لم يوجب نقصا في القيمة من الموارد التي لا يكون فيها الارش ثابتا، ما لم يوجب العيب نقصا في القيمة، فإنه لا يتصور هنا أرش حتى يحكم بثبوته، ومن ذلك الخصاء في العبيد، وما يشبه ذلك. أقول: ربما يخطر بالبال أن يقال: العيب ليس ما يعاب الشئ عليه، لان انتفاء الصفات الكمالية يوجبه، ولا مايخالف الخلقة الاصلية والخارج عنها، لامكان اختلاف الاقطار والازمنة من هذه الجهة، فلا يكون الخارج عنها عيبا فيها كما ترى، بل الظاهر ملاحظة الشئ في محيط المعاملات قطرا، ومصرا، وعصرا، فيكون الشئ معيبا في هذا القطر فقط، والتفصيل في محله. وعلى هذا، كيف يتصور أن يكون في المتاع عيب يوجب خيار العيب، ولا يوجب الارش؟! ضرورة أن ما لا يوجب الارش - كما في المثال - ليس عيبا في محيط المعاملة، لو لم يكن جهة كمال وصفة ممدوحة في حيطة التجارة، ولا دليل تعبدا على الالتزام بأن " العيب " تفسيره كذا، حتى يلزم منه التعبد بأن خصاء العبيد عيب بما هو هو، فيوجب الخيار، ولا يوجب الارش، لانه لا يزيد بفقده المالية، ولا بنقصانه تنقص. بل ولو كان الامر كما توهم فلمنع إيجابه الخيار وجه واضح.

[ 138 ]

فما هو الموجب للخيار يلازم إيجاب الارش، إلا انه فرق بين إيجابه الارش عند الشرع، فإنه في عرض الخيار، وعند العرف، فإنه ليس في عرضه، كما تحرر. بحث وتحصيل في رجوع خيار العيب إلى خيار الغبن يخطر بالبال ثانيا رجوع خيار العيب الى خيار الغبن، لان قيمة المعيب أقل، مع أن البائع أخذ الاكثر. اللهم إلا أن يقال: بأن في خيار الغبن يعتبر الزيادة الفاحشة. وفيه: أن العيب الموجب لنقصان القيمة بالحد القليل، غير واضح إيجابه الارش. أو يقال: ربما يبيع البائع ما يبلغ قيمته الالف بالمائة، فإنه إذا تبين عيبه يثبت الخيار، ولاغبن. وفيه: أن في هذه المعاملة الشخصية، ربما يكون البناء على التبري عرفا، ولا يرجع المشتري إليه إذا كان تبلغ قيمة متاعه الخمسمائة بالضرورة، وهذا يشهد على ما ذكرناه أولا: وهو أن العيب بما هو عيب لا يوجب الخيار. نعم، إذا تبين انه معيب، ولم يكن عرفا شاهد على التبري، وكان العيب موجبا لنقصان القيمة الى الخمسين في المثال المزبور، فيثبت الخيار والارش، فيكون ما هو الموجب لخيار العيب في الحقيقة هو

[ 139 ]

نقصان قيمة المعيب عن الصحيح. نعم، خيار الغبن يعتبر بالنسبة الى الاعم من هذا الاختلاف، لانه يسري في الاختلاف الحاصل من القيم السوقية، وغير ذلك أحيانا. ومما يشهد على أن العيب الموجب للخيار يساوي العيب الموجب للارش، ظهور الاخبار في مقابلة الرد والارش على نهج التلازم بينهما، وليس فيها شئ يشعر بذلك، وانه يمكن ثبوت خيار العيب بلا أرش. بقي شئ: في التفات العقلاء إلى العيب دون الغبن وهو أن في موارد عيب المبيع يردونه العقلاء لاجله، من غير التوجه والالتفات الى الغبن، وهذا الاغتراس متبع، دون ذاك المرجع. اللهم إلا أن يقال: إن الارتكاز المختفي متبع، دون ما هو المتبادر، فإن ما هو المنشأ الاصلي هو الغبن. نعم، الغبن الحاصل من العيب له الاحكام الخاصة، كالارش وغير ذلك، ولاجله اختص بالعنوان الخاص، وبالبحوث على حدة، ولاضير في ذلك، كما لا يخفى.

[ 141 ]

الجهة الثامنة في المواقف التي ذكروا فيها عدم ثبوت الخيار والارش معا وما في كلامهم من ذكر الامور التي يسقط بها الخيار والارش لا يخلو من تسامح، وسيظهر بعض المسامحات الاخر، والامر سهل.

[ 142 ]

الاول العلم بالعيب حين العقد (1) إذا كان كل من المتعاملين عالما بالعيب حين العقد، فلا يكون العيب المذكور صالحا لسببية الخيار، ولا الارش، اتفاقا عند الاصحاب (2)، وهو الحكم المفروغ عنه لدى العقلاء، وذلك لاجل قصور الادلة المثبتة لخيار العيب ولو كانت قاعدة " لاضرر... " (3). اللهم إلا أن يقال: إن المرسلة (4) ذات إطلاق، لان قوله: " فيجد فيه عيبا " لا يضر بالقاعدة الكلية المستأنفة الظاهرة في انها غير ناظرة الى وجدانه وعدم وجدانه، ولو لا ضعفها كان للاتكال عليها من هذه الجهة وجه، كما لا يخفى على العارف بأساليب العربية، فأخذ القيد في السؤال - ولاسيما مثله - لا يضر بالاطلاق، وخصوصا مثله. ويؤيد ذلك: أن في صورة العلم بالعيب ربما يقدمون على اشتراء


1 - لاحظ مفتاح الكرامة 4: 625، جواهر الكلام 23: 238، المكاسب، الشيخ الانصاري: 260 / السطر 15. 2 - رياض المسائل 1: 538 / السطر 7، جواهر الكلام 23: 238، المكاسب، الشيخ الانصاري: 260 / السطر 16. 3 - قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): لا ضرر ولا ضرار. الكافي 5: 292 / 2، وسائل الشيعة 18: 32، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 17، الحديث 3 وأيضا الحديث 4 و 5. 4 - تقدم في الصفحة 125.

[ 143 ]

المعيب، للتدبر في الامر، ولئلا يفوتهم المتاع، فيكون مثل جعل خيار الشرط، فلا يشهد العلم بالعيب على الالتزام بالمعيب على كل تقدير. مع انه لا يدل على سقوط الارش بالضرورة. نعم، جواز إجبار البائع على الجبران، على خلاف القاعدة، فيقتصر على القدر المتيقن، وأما حق فسخ العقد فلا دليل على سقوطه، أو عدم حدوثه. اللهم إلا أن يقال: بأن حكم العقلاء بخيار العيب مردوع، لتصرف الشرع فيه في الجملة، فلا شاهد على رضا الشارع بما يحكمون به هنا. مع أن الاتفاق محكي على خلافه، فليتأمل. وفي كلام الشيخ الانصاري (قدس سره) (1): " وقد يستدل لعدم ثبوت الخيار والارش بمفهوم صحيحة زرارة المتقدمة (2) " (3) ضرورة أن صاحب " الجواهر " (رحمه الله) يصر على ذلك، نظرا الى أن القيد الوارد في كلام الامام (عليه السلام) (4) لابد وأن يكون دخيلا في الحكم المذكور في الصحيحة، وهو لزوم العقد، ولزوم الارش، وبانتفاء القيد المذكور - وهو العلم المتأخر عن الاحداث الذي يجتمع مع كونه عالما بالعيب قبل الاحداث وحين العقد - ينتفي اللزومان معا، أو أحد اللزومين.


1 - المكاسب، الشيخ الانصاري: 260 / السطر 16. 2 - تقدم في الصفحة 124. 3 - مفتاح الكرامة 4: 625، جواهر الكلام 23: 238. 4 - وهو قوله (عليه السلام): أيما رجل اشترى شيئا وبه عيب وعوار لم يتبرأ إليه ولم يبين له، فأحدث فيه بعدما قبضه شيئا ثم علم بذلك العوار وبذلك الداء....

[ 144 ]

وحيث لا يمكن الالتزام بجواز العقد مع العلم بالعيب حين العقد، وبلزومه بعد ذلك، فلابد وأن يكون القيد دخيلا في لزوم الارش، فإذا انتفى ينتفي اللزوم الثاني فقط، فيكون العلم بالعيب حين العقد موجبا لسقوطهما. وتوهم: أن القيد المذكور توجه الى حال الاحداث، لاختلاف الحكم في صورة الجهل والعلم هنا (1)، في غير محله، لذهاب المشهور الى أن التغير والاحداث يوجب السقوط، ولا يسقط به الارش (2)، فلا يفترق الحكم بالعلم والجهل. فعليه يكون القيد متوجها الى أصل الاشتراء، وانه اشترى ثم علم بذلك العوار، فإذا اشترى وكان عالما به، فلا أرش بعد قطعية لزوم العقد حينئذ بالضرورة. هذا مع أن قوله (عليه السلام): " ثم علم بذلك العوار " ولو كان راجعا الى العلم والجهل بالاحداث، فيكفينا قوله (عليه السلام): " ولم يبين له " أي لم يظهر ولم يعلم المشتري بالعيب، فعليه يثبت المطلوب، فاغتنم. وحيث إن الصحيحة (3) في موقف التحديد، وكأنها في موقف بيان إثبات الارش من جهة الجهل، لا يبعد ثبوت المفهوم لها في الاحكام الوضعية، فتأمل.


1 - حاشية المكاسب، المحقق الاصفهاني 2: 111 / السطر 15. 2 - جواهر الكلام 23: 239. 3 - تقدم في الصفحة 124.

[ 145 ]

بقي بحث وتحقيق: في اشتراط خيار العيب مع العلم به اختلف صاحب " الجواهر " والشيخ (قدس سرهما) في جواز شرط خيار العيب في صورة العلم بالعيب، بعد القول بسقوطه، فذهب الاول الى الصحة ونفوذه (1)، والثاني الى الفساد والافساد (2)، وثالث اختار الفساد دون الافساد (3). وربما يقال بامتناع الشرط المذكور (4)، لان ظاهرهم اشتراط خيار العيب، فلو كان المتاع صحيحا لا يعقل شرط خيار العيب، وكذلك لو كان المتاع معيبا ساقطا خيار عيبه، لا يعقل شرط خيار العيب، لسقوط السبب وانعدامه، كما في المثال. اللهم إلا أن يقال: إن سببية العيب للخيار - بمعنى الاقتضاء - باقية ولا تسقط، وما هو الجزء الاخير إما الجهل، أو يكون العلم مانعا عن التأثير، ففرق بين ما نحن فيه والمثال، فإذا كان الاقتضاء موجودا يجوز أن ينوب مناب الجزء الاخير، إطلاق أدلة الشرط، فيكون شرط الخيار بعد وجود العيب، كافيا لثبوته شرعا ولو لم يكن الجزء الاخير - وهي


1 - جواهر الكلام 23: 238. 2 - المكاسب، الشيخ الانصاري: 260 / السطر 17. 3 - حاشية المكاسب، المحقق الايرواني 2: 58 / السطر 24، حاشية المكاسب، المحقق الاصفهاني 2: 111 - 112. 4 - لاحظ حاشية المكاسب، المحقق الاصفهاني 2: 111 / السطر 25.

[ 146 ]

الجهالة - موجودة، لا نها بمنزلة الشرط، فيحتمل الاستنابة، وهكذا وجود المانع، فلا امتناع عقلا. نعم، إنما الكلام في جوازه شرعا، لانه شرط مخالف للكتاب، ضرورة أن الادلة الخاصة ظاهرة إما في شرطية الجهالة، أو مانعية العلم، فالشرطية والمانعية من القيود الشرعية الدخيلة، ولا يمكن سلبها بأدلة الشرط. نعم، لو لم يكن المراد من " شرط خيار العيب " هو الخيار المسبب عن المعيب، فيكون له الاحكام الخاصة. بل وكان المراد نتيجة خيار العيب - وهو الفسخ والارش عرضا، أو طولا، من غير النظر الى التدخل في حدود سلطان المولى - فلا ضير. ومن الغريب دعوى: أن شرط خيار العيب الخاص، كشرط سقوط خيار المجلس (1)، فكما انه يمنع عن التأثير ونافذ، كذلك الامر هنا، فإن الشرط يرفع المانعية عن التنفيذ والمنع، فيؤثر المقتضي أثره! فإنها غير مسموعة، بداهة أن المانعية والشرطية شرعيتان اعتباريتان جعليتان، بخلاف إسقاط الحق الذي يقتضي ذات الحق جواز إسقاطه بالشرط أو نفسه. نعم، قضية ما تحرر منا ويأتي إن شاء الله بتفصيل، أن الشرط المخالف للكتاب هو الشرط المخالف للاحكام التأسيسية السماوية احتمالا، لا الامضائية، وحيث إن خيار العيب من الخيارات


1 - حاشية المكاسب، المحقق الخراساني: 222.

[ 147 ]

العقلائية، فلا يكون العلم مانعا شرعيا، ولا الجهل شرطا سماويا، بل ذلك من الاحكام الامضائية العقلائية بالنسبة الى حق الفسخ. نعم، في كونه من الشروط العقلائية إشكال، لما لا يترتب عليه أثر إلا الفسخ، فإذا أمكن شرط حق الفسخ فالتقييد بخيار العيب من العبث. وعلى كل تقدير: بناء على ما محصناه لا يصير العقد باطلا، بعد مفروغية عدم تقييد العقد بمثله، أو انه لا يكون إفساد الشرط الفاسد لاجل التقييد المنحل الى تعدد الطلب الكاشف عن تعدد الانشاء عرفا، والتفصيل في محله إن شاء الله تعالى. بقي شئ: مقتضى قاعدة " لا ضرر " ربما يقال: لو كان مستند الخيار قاعدة " لاضرر... " فهي تقتضي هنا - حتى في صورة العلم بالعيب - حق الفسخ وجواز العقد، لان منشأ عدم اقتضائها في صورة الاقدام على الضرر، انصرافها عنهما. وأما توهم كونها قاعدة امتنانية، فهو فاسد. وبالجملة: مع الشرط لا وجه للانصراف، لانه بالشرط يخرج عن الاقدام على الضرر بالضرورة، فالشرط يرجع الى تأكيد مقتضى الخيار، وهي القاعدة، لا الى إحداث الخيار المستند الى العيب تأسيسا (1).


1 - حاشية المكاسب، المحقق الاصفهاني 2: 111 / السطر 30.

[ 148 ]

وفيه: مضافا الى انه خلاف ظاهر الشرط فإنه تارة: يشترط جبران الخسارة والاستيلاء على العقد، فيكون ذلك من تأكيد مقتضى الخيار، أو نفس الخيار، واخرى: يشترط أن يكون له خيار العيب بالشرط، فإنه يخرج عنه كما لا يخفى. ومضافا الى قصور القاعدة عن إثبات الحق، إلا على بيان بديع بعيد عن الانظار العرفية سابق ذكره. أن حكم العقلاء بعدم الخيار، وذهاب المشهور الى سقوطه هنا، دليل على عدم وجود خيار العيب في صورة العلم، فالتمسك بها لتأسيس خيار العيب بها، من قبيل التمسك بأدلة الشرط، ولا يصح الاستناد المذكور، لان ذات الحكم بالسقوط في صورة العلم ضرري، ولا تشمل القاعدة تلك الاحكام الضررية الذاتية، فلا تخلط.

[ 149 ]

الثاني التبري من العيوب لو كانت موجودة (1) بأن يبيع المتاع على ما هو عليه حالا من الاحوال، سواء كانت صحيحة، أم فاسدة. وقد اعترف الكل - إلا من شذ - بسقوط الخيار، بمعنى عدم الثبوت، وعدم تحقق حق الارش (2)، وحكي عن الاسكافي رائحة الخلاف في صورة التبري إجمالا (3). وعلى كل تقدير: لابد من البحث هنا في جهات: الجهة الاولى في صحة البيع مع التبري من العيوب ربما يشكل صحة المعاملة في صورة التبري، لان وجه صحة المعاملات أصالة السلامة العقلائية، التي من الركون عليها يرتفع الغرر المنهي فيها، فإذا كانت أصالة السلامة غير جارية - كما هو


1 - جواهر الكلام 23: 237، المكاسب، الشيخ الانصاري: 260 / السطر 18. 2 - لاحظ مفتاح الكرامة 4: 624. 3 - مختلف الشيعة: 371 / السطر 17.

[ 150 ]

صريح بعضهم في هذه الصورة، لقيام القرينة - فلا رافع للغرر (1). وما في كلام الشيخ الانصاري (قدس سره): من إمكان جريانها، حيث قال به في ذيل المسألة عند تعرضه لتوضيح الفرق بين التبري من العيوب، وبين الصفات المشترطة في العين الغائبة (2)، غير ناجح، ضرورة أن كلام البائع يصلح للقرينة على عدم تمامية الاطلاق المنصرف الى السلامة، وقد تحرر مرارا أن الاطلاق المستند إليه في هذه الابواب، من قبيل الاطلاق في أبواب الاوامر والنواهي، لا من قبيل الاطلاق في باب المطلق والمقيد، فإن هذا الاطلاق نتيجته التضيق والتقييد، بخلاف ذاك، وتفصيله محرر في القواعد الاصولية، فلاينبغي الخلط كما يظهر من بعضهم. وأما توهم ارتضاء المشتري بما هو الموجود، وأن البيع يقع - على ما هو الميزان العقلائي في المعاملات - على الامتعة المعيبة (3)، فهو غير جائز بعد إذعانهم باشتراط المعلومية شرعا، من غير رعاية الاغراض والمقاصد، وإلا فقلما يتفق بطلان معاملة لاجل الجهالة والغرر. فعلى هذا لابد من رفع الغرر والجهالة، دون مجرد الخطر والجزاف ولو لم يكن المشتري في صورة التخلف مغبونا، بل ولو كان البائع مغبونا. ومن الغريب توهم: أن الاوصاف خارجة عن البيع والمبادلة


1 - لاحظ المكاسب، الشيخ الانصاري: 260 / السطر 26. 2 - لاحظ نفس المصدر / السطر 27. 3 - لاحظ جواهر الكلام 23: 237.

[ 151 ]

حقيقة، فلا يعتبر معلوميتها!! فإنه ولو كان حسنا صناعة، ولكنه غير مرضي فقاهة، وقد اعتبروا العلم بها كما في الكميات المقدارية (1). والذي هو الحق: أن اعتبار المعلومية ممنوع إلا في الجملة، وقد مر في مطاوي بحوثنا السابقة: أن الشواهد كثيرة على ذلك، ومنها مسألتنا هذه. والالتزام بالتخصيص والتقييد ولو كان ممكنا في نفسه، إلا أن من كثرة الموارد المستثناة - بعد عدم وجود دليل واضح على إطلاق الشرط المذكور - يتبين عدم الشرطية إلا في الجملة. وما قد يتوهم: من أن التبري شاهد على عدم التزام البائع بالصحة والسلامة، وهو لا ينافي الصحة ثبوتا فتجري أصالة السلامة إثباتا، لانه أصل منقح لحال الشك (2)، خال من التحصيل، لما تحرر منا من أن جميع الامارات والاصول العقلائية في موارد الشك المستند الى منشأ عقلائي، غير جارية، لعدم تعبد من الشرع في مورد تلك الاصول والامارات، حتى يؤخذ بإطلاقها. نعم، لو فرضنا وجود الاطلاق القابل للاعتماد غير المحمول على الارشاد الى الطريقة المألوفة الخارجية، فللقول المذكور وجه كما لا يخفى.


1 - لاحظ جواهر الكلام 22: 417 و 430. 2 - لاحظ البيع، الامام الخميني (قدس سره) 5: 73.

[ 152 ]

الجهة الثانية في عدم الثمرة للتبري رجوع التبري إلى العلم بالعيب ربما يشكل أن يكون التبري من العيوب، مسقطا وراء المسقط السابق، لان بالتبري وإن لم يحصل العلم للمشتري بالعيوب، ولكنه في حكم العلم نفس تردده في الصحة وإقدامه على البيع على كل تقدير، فما هو الموجب لسقوط حقه، إقدامه في صورة الشك المستند الى المنشأ الصحيح العقلائي، وليس عنوان " التبري " بما هو هو مانعا عن حدوث الحق، أو موجبا لسقوطه. وما في عناوين الفقهاء (رحمهم الله) أو في بعض الاخبار، محمول على لازمه، لان التبري سبب لحصول التردد المنتهي الى إقدامه على البيع على كل تقدير، فيكون راضيا بما يدخل في كيسه إزاء ما يخرج عنه. وفيه: انه لو كان الاقدام المقرون بالتردد فيما نحن فيه، موجبا لسقوط الحق، أو مانعا عن حدوثه، لما كان وجه لشرط الخيار، لان منشأ الشرط احتمال احتياج البيع الى التدبر الزائد على المتعارف، كي يكون تجارة رائجة، فالاقدام لا يشهد حتى على رضاه بالمعيب، فيكون الخيار ساقطا، فضلا عن الارش. نعم، يكشف عن رضاه وطيبه بأصل البيع المعتبر في صحته.

[ 153 ]

ولاجل ذلك ذكرنا في البحث السابق: أن سقوط الخيار وحق الارش في صورة العلم بالعيب، ممنوع (1) حسب النظر الدقيق، ولولا قصور الادلة عن إثبات التخيير بين الفسخ والارش، لكان القول بعدم سقوطهما قويا جدا، فكيف بصورة التردد؟! ولو كان الاقدام المقرون بالعلم موجبا لسقوطهما، فهو والاقدام المقرون بالتردد على حد سواء، فلا تخلط. رجوع التبري إلى اشتراط عدم الخيار وربما يشكل ثانيا كون التبري مسقطا على حدة، لرجوعه الى اشتراط عدم الخيار، وأن البائع المتبري يعتبر في طي العقد عدم خيار المشتري، فيرجع في الحقيقة التبري من العيوب الى ذلك. ويؤيد ذلك ما لو اشترط صريحا عدم الخيار، فإنه لا معنى له إلا في صورة عدم التزامه بما هو المتعارف، وعليه بناء الامم والاقوام، فإن إفادة ذلك كما يمكن بإبراز التبري، كذلك يمكن باشتراط عدم الخيار، وهذا يجتمع مع كونه جاهلا بالعيب، وعالما، فإنه يريد قطع يد المشتري عن هدم العقد وحل القرار. ولو قيل: اشتراط عدم ثبوت الحقين خلاف الكتاب، بخلاف التبري من العيوب (2)، فإن معنى الشرط هو المنع عن تأثير السبب


1 - تقدم في الصفحة 142 - 143. 2 - كما في معتبرة زرارة المتقدمة في الصفحة 124.

[ 154 ]

الموضوع عند الشرع لحدوث حق الفسخ والارش، وهذا باطل، بخلاف التبري منها، فإن معناه عدم التزامه بالجبران، وعدم استيفائه من حقه الراجع الى سقوطه. قلنا: قد مر منا أن اشتراط عدم المسبب مع وجود السبب - كاشتراط عدم خيار المجلس مع وجود مجلس البيع - غير جائز إذا لم يرجع الى شرط السقوط بشرط النتيجة، وهكذا التبري من العيوب، فإنه لا يرجع إلا الى شرط السقوط. في أن التبري إسقاط لما لم يجب وأما توهم ممنوعية هذا الشرط، لانه يشبه إسقاط ما لم يجب، وهو ممنوع عقلا وشرعا، فهو باطل، لان ما هو الممنوع عقلا هو الشرط المنجز، بمعنى التأثير في سقوط الحق فعلا، لا المانع عن التأثير المقتضي عقلا واعتبارا، وما هو الممنوع شرعا - كما مر - غير هذه المواقف التي تكون الاسباب متهيئة قريبة من الموضوعية لحكم العقلاء والشرع، وللتأثير في آثارها اعتبارا، كما مر تفصيله في خيار المجلس. وفرق بين شرط عدم ثبوت الخيار الذي هو حكم الهي مثلا في موضوعه، وبين سقوط حقه في بيعه، وإن كان هو أيضا في الحقيقة منعا عن ثبوته، إلا انه منع عن ثبوت حقه. وهذا هو مقتضى طبيعي الحق، بأن يكون ذو الحق بالخيار في حدوده بعد وجوده وقبله، فلا تغفل.

[ 155 ]

والمناقشة في انه قبل وجوده لا طبيعي، فلا اقتضاء، صحيحة عقلية، لا عرفية اعتبارية، فتأمل. فبالجملة: التبري من العيوب لابد أن يرجع الى ذلك، فلو أشكل أمر الشرط فيشكل أمره، ولو صح ذاك صح هذا، كما في الخبر. أقول: الملازمة ممنوعة، لعدم رجوع التبري من العيوب الى الشرط المذكور، بل حقيقة التبري من العيب هو إعلام عدم ضمانه بالنسبة الى الغرامة، وعدم تعهده، وإعلام لعدم قبوله المردود، وأصل المتاع المعيب، فإن في خيار العيب يجب عليه إما قبول المردود، أو جبران النقص والعيب إذا رجع إليه المشتري، والاختيار بيده في تعيين ما شاء. ولا معنى لان يعتبر البائع على المشتري شيئا في صورة نسبة التبري الى نفسه، وانه برئ منها، أي فارغ البال والذمة بالنسبة الى الحكم العقلائي الممضى، وهو قبول المردود، وبالنسبة الى الحكم الشرعي، وهو جبر العيب والنقص. فالاشكال بأن هذا التبري يرجع في الحقيقة الى اشتراط عدم الخيار والحق للطرف، ممنوع. التبري شرط مخالف للكتاب نعم، الاشكال بأنه خلاف الكتاب، لان العيب سبب للحق، فكيف ينكر عليه ذلك ويمنع، وأدلة الشروط قاصرة عن إيجاد المانع لتأثير

[ 156 ]

الاسباب. مثلا: زوال الشمس سبب، والغليان سبب، ولا يمكن بالشرط إيجاد المانع عن تأثيرهما في الوجوب والنجاسة والحرمة، فهو بعد في محله. ويندفع: بأنه مضافا الى النص الخاص الكافي المفتى به، أن هذه الاسباب روعي في جنسها حق عائلة البشر، بخلاف تلك الاسباب، فما كان من ذاك فلا منع عن إيجاد مانع التأثير بأدلة الشروط. هذا، والتبري من العيوب ليس شرطا أصلا في المعاملة حسب نظرهم، بل هو يمنع عن اقتضاء العيب حقا، ولا أقل من الشك المنتهي الى قصور الادلة عن إثبات الخيار والارش، لما عرفت. وهذا يتم حتى بالنسبة الى دليل خيار الفسخ الذي هو بناء العقلاء، كما لا يخفى. فتحصل إلى هنا: أن أصل رجوع التبري الى الشرط ممنوع. وعلى تقدير الرجوع فكونه شرطا على المشتري ممنوع. وإذا كان شرطا على نفسه، فكونه خلاف الكتاب ممنوع. وعلى تقدير كونه خلاف الكتاب، فكونه مفسدا محل البحث، ويأتي تفصيله. وأما توهم: انه مفسد مطلقا ولو لم يكن الشرط الفاسد مفسدا، فغير صحيح، بل الظاهر انه لو كان الشرط الفاسد مفسدا، فهذا الشرط - أي ما يخالف الكتاب - ليس مفسدا، لظهور أخباره في فساد ذاته فقط (1)،


1 - عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سمعته يقول: من اشترط شرطا مخالفا لكتاب الله فلا يجوز له، ولا يجوز على الذي اشترط عليه، والمسلمون عند شروطهم مما وافق كتاب الله عزوجل. الكافي 5: 169 / 1، تهذيب الاحكام 7: 22 / 94، وسائل الشيعة 18: 16، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 6، الحديث 1، وأيضا الاحاديث 2 و 3 و 4 و 5، و 21: 297، كتاب النكاح، أبواب المهور، الباب 38، الحديث 2.

[ 157 ]

وإلا فكان ينبغي الايماء إليه ولو مرة، فاغتنم. الجهة الثالثة مقتضى القواعد في سقوط الخيار بالتبري هل سقوطهما في صورة التبري يكون على القاعدة، أو هو تعبد شرعا؟ وجهان. ويظهر منهم الاول، فيكون مؤيدا بالشرع، وذلك لان قضية التبري من العيوب، هو البيع على كل تقدير، من غير التزام بالسلامة، ومن غير تعهد في قبال العيب، وثبوت خيار العيب في هذه الصورة ممنوع شرعا، لقصور الادلة حتى قاعدة " لا ضرر... "، وعرفا، لحكم العقلاء بعدم حق للرجوع إليه بالرد أو الارش، من غير رجوعه الى الشرط، كما مر. وبالجملة: مستند خيار العيب إما الاخبار الخاصة، فهي لا تفي بإثباته على الاطلاق. ولو كان مطلقا فمتقضى صحيحة زرارة المتقدمة وبعض الاخبار الاخر، أن في صورة التبري لا يكون خيار، ولا أرش. اللهم إلا أن يقال: إن الصحيحة لا تصلح لتقييد الاطلاق - لو كان ثابتا - إلا في الجملة لاجمالها من هذه الجهة.

[ 158 ]

أو الاجماع والشهرة، فهو أيضا غير نافع، لنقل الاجماع على خلافه في صورة التبري. وإما القاعدة، فهي - مضافاإ لى ما مر - لا تصلح في صورة التبري لاثبات الخيار وجواز العقد حكما. اللهم إلا أن يقال: بأنها قاعدة شرعية تمنع عن الاضرار والضرر بحسب الواقع، ولا يكفي تبريه منها، لجواز توجيه الضرر الى المشتري بعد عدم الملازمة بين الاشتراء والرضا بالمعيب، كما عرفت، ولاسيما إذا كان نظر المشتري في إقدامه على عدم تضرره، لانسداد بابه واقعا عليه بحكم الشرع، من غير دخالة نظر البائع، فما دام لم يرجع التبري الى الشرط في ضمن العقد - ولو بالارتكاز - يشكل كونه موجبا لسقوط حق المشتري المستند إليها. نعم لا يثبت بها الارش، كما لا يخفى. وإما بناء العقلاء، فهو أيضا لا يقتضي إلا الخيار في غير هذه الصورة. وهذا كأنه مفروغ عنه بينهم، وإن كان وجهه مخفيا لاحتمال كونه بعنوانه دخيلا في عدم ثبوت الخيار، ولاحتمال كون التبري راجعا الى قيد في طي العقد، فتدبر. وبالجملة: مجرد نقل الاجماعات المحكية (1) والشهرات المنقولة عن " الخلاف " و " الغنية " و " التذكرة " (2) غير كاف في خصوص


1 - مفتاح الكرامة 4: 624، جواهر الكلام 23: 237. 2 - الخلاف 3: 127 - 128، الغنية، ضمن الجوامع الفقهية: 526 / السطر 7، تذكرة الفقهاء 1: 525 / السطر 16.

[ 159 ]

المسألة، لا نها من المتفرعة على أصل البحث، وفيها الرواية، فتكون معللة، فلا تخلط. ولو كان التبري منها موجبا للسقوط، فلا فرق بين الاجمالي، والتفصيلي، بشرط عدم رجوع الاجمال الى الشك في أصل التبري، كما هو المفروض، فإذا كان التبري ثابتا فلا يعتبر ذكره بتفصيل، كسائر الامور المبنية عليها العقود، أو المذكورة في طيها، فما عن محكي " السرائر " (1) عن بعض الاصحاب (2)، محمول على الفرض المزبور. واحتمال الخصوصية والاخذ بقدر المتيقن في جانب سقوطهما، مدفوع باحتمال كون الخيار ثابتا. وهكذا الارش في غير صورة التبري إجمالا، ولزوم الاخذ بالقدر المتيقن يوجب سقوطهما حتى في هذه الصورة. الجهة الرابعة حكم التبري من العيوب المتجددة الموجبة للخيار هل التبري من العيوب المتجددة الموجبة للخيار - كما إذا تجددت بعد القبض في بيع الحيوان في الايام الثلاثة - يوجب السقوط، أم لا؟ وجهان:


1 - مفتاح الكرامة 4: 625، المكاسب، الشيخ الانصاري: 260 / السطر 21، السرائر 2: 296 - 297. 2 - لاحظ مختلف الشيعة: 371 / السطر 17.

[ 160 ]

ظاهر " التذكرة " (1) وصريح الشيخ (2) هو الاول، بل يظهر من الثاني انه أولى من التبري من العيوب الموجودة حين العقد (3)، لان في الصورة الاولى لا يلزم غرر، بخلاف الثانية، وقد مر ما يتعلق به في الجهات السابقة. والذي هو منشأ المناقشة في صحة هذا - مضافا الى ما مر في أصل التبري - أن ظاهرهم إرجاع التبري الى الشرط في ضمن العقد، فيكون وجه سقوطهما عموم أدلة الشروط، وحينئذ يشكل من جهة أن خيار العيب ليس كسائر الخيارات حقا، بل هو جعل تخييري كسائر الاحكام التخييرية، لما عرفت من امتناع كون الحق الواحد مرددا بين الخيار والارش، فما هو قابل للجعل هو المعنى التخييري الحدثي، كسائر التخييرات في محلها. فعلى هذا، لا يجوز شرط سقوط هذا الحكم الشرعي، فإنه من الكتاب الذي لا ينفذ كل شرط خالفه، ولاسيما بعد كون حق الارش تأسيسا من الشرع في عرض حق الرد، ولايكون اعتبارا وضعيا، لامتناعه كما مر مرارا. وما مر منا: من أن الشرع رخص للمشتري مثلا في إمضاء البيع، وإخراج أحد الطرفين عن دائرة التخيير، فهو لا يرجع الى انه حق، بل


1 - تذكرة الفقهاء 1: 525. 2 - المكاسب، الشيخ الانصاري: 260 / السطر 23. 3 - المكاسب، الشيخ الانصاري: 260 / السطر 29 - 30.

[ 161 ]

هو اعتبار آخر يتصور حتى في باب التخييرات التكليفية، بأن يكون اختيار أحد الاطراف بيده، بأن يعين على نفسه الطرف الاخر، فيصير متعينا كالواجب المعين، فلاحظ وتدبر جيدا. نعم، يمكن دعوى انصراف الاستثناء في أدلة الشروط (1) عن مثله، فيكون الشرط المذكور نافذا. ولكن الشأن في عدم رجوع التبري الى الشرط، بل التبري يمنع - في محيط العرف والشرع - عن حدوث الخيار والارش بالعيب، سواء كان شرطا أم لم يكن. وبالجملة: التبري يوجب قصور سببية العيب الحادث عن تأثيره، في إحداث حق الارش والرد. وأما المناقشة في أن التبري من العيوب المتجددة غير معقول، لان التبري الفعلي غير ممكن، والتعليقي غير مشروع، فهي مندفعة مرارا واضحة تكرارا في مطاوي البحوث السابقة، ولا ينبغي الخلط بين الاعتباريات والحقائق، وبين موضوعات الاحكام والتأثيرات الواقعية، فإن الشرع والعرف يحكمان بوجود الحق في صورة عدم اقتران العقد بالتبري مثلا، ولا يحكمان في غير هذه الصورة. هذا مع أن التبري الانشائي يبقى في الاعتبار الى أن يحدث العيب،


1 - عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: المسلمون عند شروطهم إلا كل شرط خالف كتاب الله عزوجل فلا يجوز. الفقيه 3: 127 / 553، تهذيب الاحكام 7: 22 / 93، وسائل الشيعة 18: 16، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 6، الحديث 2.

[ 162 ]

فإذا حدث العيب، يصير هو مقرونا بذلك الوجود الباقي، فيمنع عن التأثير في الخيار والارش. إن قلت: لابد أن يرجع التبري المذكور الى الشرط، لانا لا نريد منه إلا ما هو خارج عن ماهية العقد، ولاحق به ولو كان على سبيل الضمنية، لا الصريحة. قلت: لا يورث التبري من العيوب شيئا على الشارط، ولا المشروط عليه، كي يكون عليهما امتثاله بعد الشرط، حتى يجب الوفاء به، وما ليس كذلك ليس بشرط، بل التبري منها يحدث سعة في محيط المعاملة، وتوسعة على البائع، وكأن هناك كان شرط حاصل من البناء والارتكاز، فأبطل البائع موقف هذا البناء، بإيجاد محيط خاص لتلك المعاملة والبيع، حتى لايقرنه شئ يضيق عليه. وهذا اعتبار غير اعتبار الشرط، فما عن الشيخ (1)، وغيره (2)، وعن العلامة (3)، وأتباعهم (4) من التمسك بدليل الشرط في المسألة، غير راجع الى التحصيل، فاغتنم. ومن الغريب توهم: أن التبري يرجع الى شرط عدم الالتزام بشئ، وتصير النتيجة بقاء العدم المقرون بالعقد والسابق عليه الى حينه،


1 - المكاسب، الشيخ الانصاري: 260 / السطر 23. 2 - جواهر الكلام 23: 237. 3 - تذكرة الفقهاء 1: 525 / السطر 30. 4 - حاشية المكاسب، المحقق الايرواني 2: 58 / السطر 38، الخيارات، المحقق الاراكي: 356.

[ 163 ]

فلا معنى لعده مخالفا للكتاب، أو للعقل، بدعوى انه مسقط لما لا وجود له!! فإن ذلك لو كان حقا للزم تأثير العيب، وسلب الخيار أثره، لانه لا تنافي بين عدم التزامه بشئ، وإيجاب الشرع رد الارش عليه مثلا. فلابد من حصول شئ بالشرط ولو كان عدما عدوليا، لاتحصيليا. وإذا تحقق بالشرط عدم عدولي يحصل التنافي، ويصير المحذور عائدا. وبالجملة: لا حاجة الى إطلاق الصحيحة (1) والمرسلة (2) والاخبار الخاصة - في باب الجارية الموطوءة (3) - في إسقاطهما، بل يكفي لعدم ثبوتهما، قصور الادلة عن إثبات الخيار وحق الارش في صورة اقتران العقد بالتبري من العيوب المتجددة. ولا حاجة أيضا الى عموم دليل الشرط، مع ما فيه كما عرفت. نعم، قد مر وجه جواز العقد، نظرا الى قاعدة " لا ضرر... " فيكون سقوط الخيار الحكمي ممنوعا، دون حق الارش، فإنه لا يثبت بها كما هو الواضح. نعم، لنا تقرير - في رسالتنا الموضوعة فيها (4) - ينتهي هو الى لزوم جبران الضرر من بيت المال، فيثبت به الارش، إلا انه ليس على البائع، فتأمل تعرف.


1 - تقدم في الصفحة 124. 2 - تقدم في الصفحة 125. 3 - وسائل الشيعة 18: 102، كتاب التجارة، أبواب أحكام العيوب، الباب 4. 4 - مما يؤسف له فقدان هذه الرسالة.

[ 164 ]

الجهة الخامسة حكم أقسام التبري التبري يتصور تارة: على نحو الاشتراط، واخرى: على نحو يورث الاخلال بالبناء ومحيط المعاملة، كما عرفت. وعلى الاول تارة: يكون شرطا على البائع، واخرى: على المشتري. وعلى كل تقدير، تارة: يكون تبريا من أثر العيب العرفي، فيكون الخيار ساقطا. واخرى: من أثر العيب الاعم، فيكون كل من الخيار والارش ساقطا. ومثله التبري من الالتزام بما يأتي من قبل العيب، فإنه إن كان معناه اعتبار الالتزام بالعدم - فيكون عدما عدوليا - فهو مفيد، وإن كان معناه عدم الالتزام بالسلب التحصيلي، فلا أثر له. فما في كلام الشيخ (قدس سره) في الوجه الاول: " من أن مرجعه الى عدم التزامه بالسلامة، فلا يترتب على ظهور العيب رد ولا أرش " (1) انتهى، غير تام إطلاقه، فإن عدم التزامه بالسلامة - على وجه تجري أصالة السلامة، ولا يلزم منه الاخلال بالبناء الكلي المعمول بين العقلاء - لا يفيد شيئا، ولا يترتب عليه الاثر المذكور. وثالثة: يكون التبري من ضمان العيب، وقال الشيخ (رحمه الله): " وهذا هو


1 - المكاسب، الشيخ الانصاري: 260 / السطر 31.

[ 165 ]

الانسب " (1). وفيه: أن الارش إن كان على ذمة البائع - بحيث يكون دينا، فيخرج من أصل التركة - فهو، وإلا فلو كان يجب تكليفا على البائع عند مراجعة المشتري مثلا، جبران النقص، فلا أثر للبراءة والتبري، ولا مناسبة في البين، لما لا ضمان رأسا. ولا يبعد كون الاحتمال الثاني أقرب، وربما يأتي تفصيل البحث عن مسألة الارش - وانه من أي قسم من الاعتبارات؟ - في بعض البحوث الاتية إن شاء الله تعالى. ورابعة: التبري من حكم العيب، فيكون الخيار ساقطا، كما في كلام العلامة (2) حسبما استظهره الشيخ (رحمه الله) (3). وأنت قد عرفت احتمال كون الارش أيضا من أحكام العيب. هذا، ولو كان هو أيضا دينا وضمانا، فهو حكم وضعي، فلو تبرأ من الحكم بإطلاقه، يلزم سقوطهما أيضا، والامر سهل. تنبيه: لو اختلف محيط البائع ومحيط البيع بحسب أصالة السلامة ربما يكون في قطر من الاقطار بناء العرف على اشتراء الامتعة من غير النظر الى الصحيح والسالم، ولا يحكمون بخيار العيب في محاكمهم، ولا توجد الدعوى بينهم في هذا الامر، لان المغروس بينهم هو


1 - نفس المصدر / السطر 32. 2 - تذكرة الفقهاء 1: 525 / السطر 31. 3 - المكاسب، الشيخ الانصاري: 260 / السطر 34.

[ 166 ]

البيع على كل تقدير، ولا يميزون بين الصحيح والمعيب فرقا يوجب شيئا، لاعمية أغراضهم، وسعة أنظارهم ومشاربهم، أو لعلل اخرى روحية، أو مادية ومنطقية، فهل في هذا القطر يثبت خيار العيب شرعا، نظرا الى أدلته وإطلاقها، والى قاعدة نفي الضرر، وانها قاعدة عامة لا تختص بقطر دون قطر وعدم اهتمامهم بالضرر، لايورت قصورا في شمولها لموارده؟ أو لا يثبت الخيار ولا الارش، نظرا الى ظاهر تعليلاتهم، واستدلالاتهم بأصالة الصحة والسلامة، وإطلاق العقد المقيد طبعا في ذلك القطر؟ أو يقال بثبوته بحسب الطبع، وسقوطه، لاجل كونه راجعا الى التبري من العيوب، إلا انه ليس من التبري الشخصي، بل هو من التبري العمومي الاعتيادي؟ والفرق بين القول بعدم الثبوت رأسا، وبين الثبوت بحسب الادلة والسقوط، يوجد فيما إذا باع رجل من ذلك القطر متاعا وهو في القطر الاخر اتفاقا، فبان انه معيب، فإنه يشكل الامر جدا، ضرورة انه بلحاظ الحالة الشخصية لا يثبت الخيار ولا الارش، وبلحاظ المنطقة يثبت الخيار والارش. فإن قلنا بالثبوت والسقوط، فلابد أن يحتاج السقوط الى دليل، وإن قلنا بعدم الثبوت فالثبوت يحتاج إليه. وبالجملة: هل العبرة بالحالة الشخصية، فيكون البائع مبرئا من العيوب، أم العبرة بما هو متعارف المصر؟ وهذه المشكلة متوجهة ولو قلنا: بأن التبري شرط في ضمن العقد، ضرورة أن البائع اشترط إلا أن المشتري لم يقبل الشرط، فإن

[ 167 ]

كان الشرط موجبا لقصور دليل الخيار والارش عن إثباتهما ولو لم يقبله المشتري في مثل المقام، فلا يثبت شئ للمشتري. وإن قلنا: بأن الشرط المقبول موجب لسقوط الحقين، فله خيار الفسخ والارش. والذي هو الاقرب هو الاول. الجهة السادسة حكم إنشاء قبول البيع ورد التبري بناء على رجوع التبري الى الشرط في طي العقد، فهل يسقط حق المشتري عند عدم قبول الشرط، وقبول البيع؟ مثلا: إذا باع المتاع الخاص على البراءة من العيوب، وقبل المشتري ذات البيع من غير قبول الشرط، فهل يسقط أيضا حق الفسخ والارش، أم يكون البيع باطلا رأسا، أو يكون صحيحا وللبائع خيار؟ وجوه: قضية ما تحرر عندهم في بيع الفرس الشخصي على انه عربي فبان غير عربي، هي الصحة، لان البيع الواقع على المتاع الشخصي مورد القبول، والشرط خارج عن الماهية، وملتحق بها، وحال لها، كما في المثال، فإنه يصح البيع هناك، ويكون للمشتري خيار تخلف الوصف، فعليه إذا باع الفرس المعين على أن يقرأ سورة، وقبل المشتري ذات البيع دون الشرط صح البيع، لوقوعه على العين الخارجية، ووقوع القبول على ما وقع عليه الانشاء، والشرط أمر خارج.

[ 168 ]

ولا يلزم من رد الشرط وعدم قبوله، عدم التطابق بين الايجاب والقبول بالضرورة، لانه التزام ثان خارج عن الالتزام الاول في مفروض البحث، بل حقيقة الشرط ذلك، وإلا فيرجع الشرط الصوري الى المقوم. ومن هذا الباب تبري البائع من العيوب فإنه من الشرط، سواء كان وجوديا أو عدميا، وسواء كان على نفسه أو على المشتري، فإنه إذا قبل المشتري البيع بغير الشرط، فلابد أن يصح البيع، لوقوعه على الشخصي، لا الكلي. مع انه على تقدير وقوعه على الكلي، أيضا يمكن دعوى صحته، كما لا يخفى. فبالجملة: لا فرق بين ما نحن فيه، وبين ما اشتهر صحته بين المحققين في المثال المذكور، فإن ترى في نفسك شيئا بالنسبة الى المقام فيسري ذلك الى تلك المسألة، ويكون هذا شاهدا على عدم تمامية القول بالصحة هناك. اللهم إلا أن يقال: إن التطابق بين الايجاب والقبول في المثال، حاصل بحسب مقام الانشاء، والتخلف الخارجي لا يضر به. وأما فيما نحن فيه، فالتطابق لا يحصل إلا بقبول جميع القيود المأخوذة في الايجاب، ولو كانت بشكل الشرط، فلو قال المشتري: " قبلت البيع، وما قبلت الشرط " لا تقع المبادلة عرفا، بناء على كون القبول ركنا في العقد. وأما على القول: بأنه في حكم إجازة الفضولي، ويكون تمام ماهية المبادلة حاصلة بإيجاب البائع، فالامر أيضا كذلك، لعدم موضوعية الايجاب المذكور للاثر عند العقلاء في صورة التخلف في مقام القبول

[ 169 ]

والاجازة. وهكذا إذا كان البيع واقعا معاطاة، فتأمل. وقد مضى شطر من البحث حول هذه الجهة في مسألة تطابق الايجاب والقبول، فراجع. في سقوط الخيار عند عدم قبول المشتري للتبري ثم إنه على تقدير صحته، كما هو الاقرب من افق الصناعة المحضة وإن كان بعيدا عن الاذهان البدوية، فهل يسقط حق الفسخ والارش؟ وجهان. أوجههما: نعم، لما مر من قصور أدلة الخيار والارش عن شمول هذه الموارد، وإن كان لاحتمال جواز العقد - نظرا الى قاعدة نفي الضرر، ولزوم الجبران من بيت المال، حسب تقاريب أبدعناها حولها - وجه. وعلى تقدير عدم السقوط، فالاظهر كون البائع بالخيار، إما لاجل حكم العقلاء، أو لاجل القاعدة. ولو استشكل في حكم العقلاء: بأن مجرد حكمهم بالخيار غير كاف، لعدم ثبوت إمضائه من قبل الشرع لو لم يكن إطلاق أدلة اللزوم رادعا، فإطلاق القاعدة يقتضي جوازه الحكمي، لان صبر البائع ولزوم الارش ضرر، وربما يعد حرجا، فلا تغفل.

[ 170 ]

الجهة السابعة حكم التبري بالنسبة إلى الرد دون الارش في صورة تبري البائع - مثلا - من العيب على وجه يختص بصورة سقوط الخيار دون الارش، إذا تلف المتاع فهل يثبت الارش ويكون التالف من البائع، أو يثبت الارش عليه فقط، أو لا شئ عليه؟ وجوه: أما ثبوتهما، فالارش لعدم سقوطه، ومقتضى إطلاق دليله، وأما التلف فعلى البائع، لانه في زمان خيار المشتري، فإن قاعدة " التلف في زمن الخيار ممن لاخيار له " أعم من وجود الخيار بالفعل، أو صلاحية المورد للخيار، وسقوطه لاجل الجهات اللاحقة. وإ لى هذا المعنى يشير كلام " الدروس " في البحث الاتي بقوله: " ويحتمل الضمان، لبقاء علة الخيار المقتضي لضمان العين " (1) انتهى. وفيه ما لا يخفى، فإن تلك القاعدة ليست مورد الاجماع بعنوانها، ودليلها مخصوص بخيار الحيوان والشرط، وتفصيله في محله، وقد نص جمع على خروج خيار العيب عن موردها (2)، مع انه لو كان بعنوانه محطا للشهرة، فظاهره وجود الخيار الفعلي، فليتأمل. وأما وجه ثبوت الارش فقط، فهو معلوم.


1 - الدروس الشرعية 3: 283. 2 - لاحظ جواهر الكلام 23: 87، المكاسب، الشيخ الانصاري: 248 / السطر 3.

[ 171 ]

وأما وجه إنكاره أيضا، فذلك لانه خلاف الاصل ومورد الخبرين. وأخبار الجارية منحصرة بصورة بقاء العين، كما مر فيما سلف وانتفاء الارش يساعد عليه الاعتبار، إذا كان التلف بغير ذلك العيب. نعم، إذا كان التلف مستندا الى ذلك العيب، فالارش يساعده الاعتبار. نعم، دعوى القطع بعدم خصوصية لبقاء العين في يد المشتري بالنسبة الى جواز أخذ الارش، قريبة جدا، ولاسيما إذا كان الارش مضمونا، لاجل العيب الموجب لنقصان المبيع حسب الكمية، أو قلنا: بأن الارش على القاعدة العقلائية، فتدبر. بقي شئ لو تلف المبيع في زمان الخيار بغير العيب المتبرأ منه قال الشيخ (رحمه الله): " إن تبري البائع من العيوب مطلقا أو من عيب خاص، إنما يسقط تأثيره من حيث الخيار، وأما سائر أحكامه فلا، فلو تلف بهذا العيب في أيام خيار المشتري، لم يزل ضمان البائع، لعموم النص " (1) انتهى. وهنا سؤال يتوجه الى أن خصوصية التلف بهذا العيب، مما لا معنى لها، ضرورة أن العيب ليس سببا قهريا لحكم من الاحكام، بل هو


1 - المكاسب، الشيخ الانصاري: 260 - 261.

[ 172 ]

اعتبار وضعي إمضائي أو تأسيسي، فإذا تبرأ البائع من العيب، فلا رد ولا أرش حسب الفرض، فإذا تلف المتاع المذكور، فهل يكون تلفه على البائع، أم لا؟ وهذا بحث صحيح، سواء كان المتاع المذكور صحيحا، أم معيبا، أو تلف بذلك العيب أو بغيره، لان الكلام حول أن التلف في زمن الخيار، هل يكون على البائع بعد هذا التبري، أم لا؟ وفي هذه القاعدة لم يؤخذ التلف الخاص حتى يكون التلف بذلك العيب دخيلا، فلا تخلط. ثم إنه لو اريد من البحث والسؤال المذكور، التلف في زمان الخيار الساقط بالتبري، فقد عرفت البحث عنه فيما مضى في الجهة السابقة، فإنه لو كان المراد من " الخيار " في القاعدة، أعم من خيار العيب ومن وجوده الاعم من الفعلية والشأنية، كان لضمان البائع وجه، وإلا فلا، من غير فرق بين سقوط الارش وعدمه. وإن اريد منه التلف في زمن الخيار الاخر - كخيار الحيوان والشرط، كما هو الظاهر من " الدروس " (1) والشيخ (2)، خلافا لما استظهره الفقيه اليزدي (رحمه الله) (3) - ففي المسألة قولان: سقوط جميع الاحكام بالتبري من العيب، فيكون خيار الحيوان وضمان العين أيضا ساقطا إذا تلف، دون خيار الشرط، فإنه لا معنى لسقوطه بعد ذكره في عرض التبري، وهذا هو ظاهر " الدروس " (4).


1 - الدروس الشرعية 3: 283. 2 - المكاسب، الشيخ الانصاري: 248 / السطر 3. 3 - حاشية المكاسب، السيد اليزدي 2: 87 / السطر 31. 4 - الدروس الشرعية 3: 283.

[ 173 ]

وعدم سقوط خيار الحيوان والضمان، وانحصار السقوط بخيار العيب والارش، من غير فرق بين كون التلف مستندا الى العيب المتبرأ منه وعدمه، لان خيار الحيوان والضمان ليسا معلولي العيب، حتى يقع التفصيل المذكور، فالتلف ولو كان لاجل ذلك العيب، إلا انه ليس ملحوظا في القاعدة، ولا يفيد التبري منه سقوط أثره وهو الضمان، لان التلف ولو كان تكوينا معلول العيب المذكور، ولكنه بحسب التشريع معلول الاعتبار الخاص الشرعي، كما مر، فلا تغفل. والذي هو التحقيق: إمكان إرادة إسقاط جميع الاحكام حين التبري ثبوتا، وقابلية كل من خيار الحيوان وضمان التلف للسقوط في ضمن العقد والبيع. نعم، بحسب الاثبات ما هو الاظهر ارتباط التبري من العيوب بآثارها الخاصة، كخيار العيب والارش، دون خيار الحيوان وضمان التلف. نعم، إذا كان التلف مستندا الى العيب، ربما يستظهر إثباتا عدم الضمان أيضا، لان إفراغ ذمته من الارش بالتبري، يلازم الافراغ من الضمان بالتلف، فإذا كان بحسب الاستظهار، تبريه موجبا لشرط عدم الضمان عند التلف، فلا خيار للمشتري بعده، لان التلف في حال خيار الحيوان، يوجب انفساخ العقد آناما، فلا معنى لكون صاحب الحيوان بالخيار بعد التلف. اللهم إلا أن يقال: إن ذلك في صورة كون التلف على عهدة البائع، وأما إذا كان من كيس المشتري فلا حاجة الى اعتبار انفساخ العقد،

[ 174 ]

فيكون بعد التلف - حسب القاعدة - العقد باقيا، ولو كان من كيسه فله الخيار. مع أن حديث انفساخ العقد آنا ما، غير تام عندنا، وفاقا لجملة من الاعلام (رحمهم الله). فبالجملة تحصل: أن في مرحلة الثبوت لا يكون إشكال، وفي مرحلة الاثبات لا يبعد كون التلف بالعيب المتبرأ منه، غير مضمون على البائع. ولو كان خيار الحيوان باقيا فالقول: بأن سائر الاحكام لاتزول بالتبري، أو القول بزوالها على الاطلاق، غير جيد، بل فيما نحن فيه - وهو التلف بالعيب المتبرأ منه - لا يبعد عدم الضمان، مع بقاء خيار الحيوان، فتأمل. تحقيق وإرشاد: لو تلف الحيوان بعد التبري عن العيوب في الايام الثلاثة ربما يخطر بالبال أن يقال: إن شرط عدم الضمان عند تلف الحيوان، غير نافذ ثبوتا، وذلك لان حين وجوده لا أثر للشرط، وإذا تلف لا يبقى العقد، فلا يكون محل لنفوذ الشرط، لانه أمر ضمني. وهكذا في جميع الموارد المشابهة للمسألة، كشرط ضمان المستأجر إذا تلفت العين المستأجرة. والقول: ببقاء العقد ولو تلف العوضان، وإن كان مما لا بأس به، إلا انه لا أثر له فيما نحن فيه، بعد كون التلف من كيس المشتري. نعم، نفس هذا الشرط أثر، إلا انه لابد من حكم العقلاء ببقاء العقد في ذاته، حتى يترتب عليه الاثر المذكور. وإن شئت قلت: شرط التبري من العيوب أيضا في صورة التلف لا أثر له، لانه إذا كان التلف من كيس البائع، وينكشف به انفساخ العقد

[ 175 ]

من الاول، فلابد من جبران التالف ولو بضمان معاوضي، كما هو مختارهم. فبالجملة: لو كان التلف من كيس البائع، فشرط التبري بلا أثر، إلا إذا قلنا: بأن التلف لا ينكشف به الانفساخ، فيكون البائع ضامنا للغرامة، ولضمان اليد بالمثل أو القيمة. وإن كان من كيس المشتري، فبما أن التلف يورث انحلال العقد عرفا من حينه. والقول ببقائه الاعتباري ينفع في موارد خاصة، ولا يساعد عليه العرف على الاطلاق، وإن كان ممكنا ثبوتا تخيله كما مر. أقول: هذه المشكلة متوجهة الى مقالة الاشتراط، وأن التبري شرط في ضمن العقد، وأما على المقالة التي أسسناها - من انه ليس يرجع الى العقد، ولا يعد شرطا - فلا يلزم إشكال، لان منشأه اعتبار الشرط، ولزوم كونه بلا أثر بعد التلف. فإذا تم استظهارنا بأن التلف بذلك العيب ليس مضمونا على البائع في صورة تبريه من العيب، فلا يلزم انفساخ العقد من الاول، ويكفي لسقوط الضمان مجرد تحقق العقد صحيحا، لان معنى اشتراط عدم الضمان، ليس إلا انه إذا تلف فليس عليه شئ، وهذا قد يثبت بمجرد المعاملة، ولا يعتبر وجودها البقائي في هذا الامر، فتدبر. تذنيب: لو تلف الحيوان بالعيب غير المتبرأ منه ما ذكرناه كان حكم التلف في صورة كونه مستندا الى العيب المتبرأ منه، وأما إذا كان تلف الحيوان مستندا الى العيب غير المتبرأ

[ 176 ]

منه، فيكون على البائع تلفه، وعندئذ إن قلنا بالانفساخ - كما هو رأي الاكثر (1) - فلا بحث، لعود الثمن الى المشتري. وإن قلنا بالغرامة، وأن البائع يجب عليه جبران التالف من غير انفساخ العقد، ولا رجوع المثمن إليه، فيمكن دعوى: أن المشتري كما له مطالبة عوض التالف المعيب، له مطالبة الارش، لان المفروض استناد التلف الى العيب غير المتبرأ منه، فيكون عهدة البائع مشغولة به إن كان الارش مضمونا. وبالجملة: لا تنافي بين وجوب جبران التالف وضمانه، وبين وجوب تحمل الارش، قضاء للعقد الباقي الواقع على المعيب المقتضي للارش. اللهم إلا أن يقال: يكفي لعدم ثبوت الارش هنا - بعد كونه خلاف القاعدة - قصور دليله اللفظي واللبي، كما لا يخفى.


1 - لاحظ المكاسب، الشيخ الانصاري: 302 / السطر 27.

[ 177 ]

الثالث زوال العيب قبل الرد من الموارد التي قيل بعدم ثبوت الخيار والارش زوال العيب قبل العلم، بل وبعد العلم به إذا كان قبل الرد، كما هو ظاهر " التذكرة " (1) وصريح الفقيه اليزدي (2)، وقيل بعدم سقوطهما (3)، وذهب الشيخ الى التفصيل بين الخيار والارش، فأسقط الاول، وأثبت الثاني (4). وغير خفي: أن ما هو اللائق بالبحث، هو ما إذا زال العيب قبل الاخذ بالخيار أو الارش، ولا مدخلية للعلم قبله ولابعده حسبما تحرر، من أن الخيار بطرفيه مستند - حسب الادلة اللفظية واللبية - الى العيب في المعقود عليه، ولو كان العلم دخيلا في الثبوت، فلا معنى لاحتمال عدم سقوطه بالزوال قبل العلم، ضرورة انه لم يثبت بعد. وعلى كل تقدير: ينبغي قبل البحث في سقوط الخيار بزوال العيب، البحث في جهة اخرى: وهي انه هل لا يعتبر في ثبوت الخيار والارش، دوام العيب الى ما بعد الرد أو الاخذ بالارش؟ أم يعتبر مطلقا، فلو أخذ بالارش فزال العيب، يرد الارش الى


1 - تذكرة الفقهاء 1: 541 / السطر 22. 2 - حاشية المكاسب، السيد اليزدي 2: 88 / السطر 13. 3 - البيع، الامام الخميني (قدس سره) 5: 77، مصباح الفقاهة 7: 174. 4 - المكاسب، الشيخ الانصاري: 261 / السطر 11.

[ 178 ]

البائع؟ أم لا يعتبر إلا أصل ثبوت العيب حال العقد بالنسبة الى الارش، دون الخيار، فسقوط الارش يحتاج الى دليل؟ وبعد ذلك يقع البحث في سقوطهما بالزوال، وهكذا في جريان الاستصحاب وعدمه. فهنا مسألتان: المسألة الاولى اعتبار دوام العيب في ثبوت الخيار والارش فالذي هو منشأ احتمال اشتراط دوام العيب في ثبوت الخيار والارش، عدم وجود إطلاق يعتمد عليه في الادلة الخاصة اللفظية، ولا في معقد الاجماعات المحكية، ولا في بناء العقلاء، فلابد أن يؤخذ بالقدر المتيقن، لان الخيار والارش على خلاف الاصل في العقود اللازمة، فإذا زال العيب ولو بعد الرد أو بعد أخذ الارش، يكشف عن عدم ثبوتهما من الاول، كما إذا أخذ بالخيار أو الارش بتوهم وجود العيب، فبان خلافه. فما تعارف بينهم من البحث حول سقوطهما بالزوال قبل الرد، إنما هو بعد البحث عن أصل ثبوتهما في مفروض الكلام، كما عرفت. وتبين أيضا سعة دائرة المسألة، لقوة احتمال عدم ثبوتهما حتى بعد الرد أو الاخذ بالارش، إذا زال العيب بعدهما.

[ 179 ]

كما تبين أن ما في " التذكرة " (1) وما جعله الشيخ محور البحث - من أن الزوال قبل الرد، هل يوجب سقوطهما (2)؟ - غير تام، لان من المحتمل عدم سقوط الخيار حتى بعد الاخذ بالارش، كما مر في مطاوي البحوث السابقة. هذا. والذي هو التحقيق: أن صحيحة زرارة (3)، ليست في مقام البيان بالنسبة الى هذه المسألة. وأما مرسلة جميل (4)، فهي - مضافا الى عدم صحة الركون إليها، لما مر - ظاهرة في بقاء العيب الى حال الرد أو الاخذ بالارش، وإن كان ظاهر صدرها: أن ما هو الموضوع للخيار أو الارش، هو العيب حين الاشتراء، فلا يعتبر بقاؤه، إلا انه لمكان ذيلها لا يستقر ظهوره. وعلى هذا، يسقط البحث حول أن ما هو موضوع الخيار هو عنوان " المعيب " فيكون الحكم دائرا مداره، فإذا زال فلا خيار، لاجل زوال الموضوع، أو يكون موضوعه المتاع بعلية العيب علة منحصرة، فيزول الخيار بانعدام العلة، أم يكون الموضوع عنوان " المتاع " أو " ما اشتراه " بعلية العيب على نعت الوساطة في الثبوت، فيكون الخيار باقيا، وهكذا حق أخذ الارش ولو زال العيب. وما هو الظاهر هو الاخير، فلا يعتبر دوام العيب في بقاء الخيار


1 - تذكرة الفقهاء 1: 541 / السطر 22. 2 - المكاسب، الشيخ الانصاري: 261 / السطر 3. 3 - تقدم في الصفحة 124. 4 - تقدم في الصفحة 125.

[ 180 ]

والارش، فإن الصحيحة أجنبية عن هذه المسألة، والمرسلة ظاهرة في مورد بقاء العيب حين الرد أو الارش. وتوهم: أن قضية القاعدة ثبوت الخيار قبل الاخذ بالارش، وإلا فلا ضرر. مدفوع أولا: بأن مستند الخيار ليس القاعدة. وثانيا: مقتضاها اشتراط الدوام في ثبوت الخيار، وإلا فلا ضرر حتى ينجبر بالخيار. نعم، إذا أخذ بالارش فلا خيار بعد الارش. فعلى هذا، يكون القول بعدم ثبوت الخيار، ولا الارش من الاول في صورة الزوال - ولو بعد الرد، أو الاخذ بالارش - قويا، فضلا عما إذا زال قبل الرد. وتوهم: أن قضية الاخذ بالارش إسقاط الخيار بحسب الظاهر، أو هو لازم الوجوب التخييري، في غير محله، لان زوال العيب بعد الاخذ بالارش، يكشف عن عدم الثبوت من الاول، فلا خيار، ولا تخيير. هذا، ولكن الانصاف والفهم القطعي يشهدان على سقوط احتمال اشتراط بقاء العيب الى الاخر في ثبوتهما، وإن لم يكن على نفي الشرطية دليل إلا الاصول العملية، بناء على جواز التمسك بها في المعاملات، وتفصيله في الاصول. وأما احتمال اشتراط دوام العيب الى حال الرد أو الاخذ بالارش، فهو في حد نفسه قريب، ولا يندفع ذلك بالادلة الخاصة، لما مر. مع أن الالتزام بأن في صورة الزوال، يكون المشتري بالخيار، ويكون له أخذ

[ 181 ]

الارش، ممنوع، لان خيارية عقده ضرر على البائع أحيانا، أو يلزم منه الحرج. وأظهر منه في الضرر وجوب الارش. ودعوى: انه لا تصلح القاعدة لنفي خيار المشتري، لان خياره ثابت بها، فيلزم اتحاد القيد والمقيد، غير مسموعة، لما مر من إمكان كونها مقيدة لنفسها. مع أن مستند الخيار ليس القاعدة، وأما نفي التخيير فهو ممكن بها، كما لا يخفى. هذا، مع أن بناء العقلاء وفهم العرف، يؤكدان قوة الاحتمال المذكور، فالقول بعدم ثبوتهما إذا زال العيب قبل الرد أو الاخذ بالارش، قوي. نعم، فيما إذا أخذ بالارش فزال فورا، يحتمل وقوع الارش في غير محله، وإن كان زوال العيب في ملك المشتري والارش غرامة، لانه باعتبار جبران النقص بالضرورة، وحينئذ لا يبعد وجوب رد الارش الى البائع، ولاسيما بعد كونه خلاف الاصل. بقي شئ: في عود العيب بعد الزوال لو فرضنا الاطلاق في الادلة الخاصة، واحتملنا العنوانية للمعيب أو العروض للعيب، فيلزم عود الخيار وحق أخذ الارش بزوال العيب وعوده، حتى بعد الرد أو الاخذ بالارش، فمنه يعلم: أن هناك حدا خاصا. وإذا كان العيب الخاص المحدود، موضوعا للخيار أو دخيلا، فلا فرق بين المحتملات الثلاثة في هذه المسألة، فما في تعليقات العلامة

[ 182 ]

الاصفهاني (رحمه الله) (1) خال من التحصيل. المسألة الثانية في سقوط الرد والارش بزوال العيب بناء على كفاية مجرد العيب لثبوت الخيار وحق الارش، فهل يكون زوال العيب موجبا لسقوطهما أو سقوط أحدهما، أم لا؟ وجهان: من أن الالتزام ببقاء الخيار وحق الارش في صورة زوال العيب، يستلزم كون الخيار في مرحلة البقاء، مستندا الى علة اخرى، وهي غير ظاهرة. وأن الخيار ضرر، أو أحيانا حرج على البائع، فيرفع ويقيد إطلاق دليلهما بالقاعدة، كما اشير إليه في المسألة السابقة. وأنه لا يكفي احتمال بقائه لجريان الاستصحاب بعد العلم بثبوته، لكونه من الشك في المقتضي. ومن أن للشرع أخذ العيب واسطة في الثبوت، وهو أمر واقع في الشرع، كالتغير الواسطة لعروض النجاسة على الماء، مع بقائها ولو زال التغير (2). وأنه لا يلزم من إجراء القاعدة فرضا، نفي الخيار مطلقا، لامكان


1 - حاشية المكاسب، المحقق الاصفهاني 2: 114 / السطر 15. 2 - وسائل الشيعة 1: 137، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 3.

[ 183 ]

كونه غير مستتبع للضرر على البائع، ولا الحرج، فيكون حسب الادلة الاولية ثابتا. وأنه يجري الاستصحاب في الشك في المقتضي. نعم، لا يجري لمكان كونه من الشبهة الحكمية، وقد تحرر منا عدم جريانه فيها. ولاتصل النوبة إليه، لان مرجعية إطلاق دليل اللزوم أقوى في النظر. فتحصل لحد الان: أن زوال العيب يورث سقوطهما، بمعنى عدم ثبوتهما، وانه على تقدير ثبوتهما بمجرد العيب، لا دليل على سقوطهما إلا القاعدة، وهي - على تقدير جريانها - مخصوصة بموردها، وانه لو وصلت النوبة الى الشك، يكون أصالة اللزوم مرجعا، فتأمل، والحمد لله.

[ 184 ]

مسقطات اخر للخيار والارش ذكرها بعض الاصحاب ثم إنه قد ذكروا امورا اخر يسقط بها الخيار وحق الارش: التصرف بعد العلم فمنها: ما هو المحكي عن ظاهر ابن حمزة في " الوسيلة " - رحمة الله عليه - فإنه قال بسقوطهما بالتصرف بعد العلم (1). والظاهر أن نظره الى التصرف المطلق، وإلا فالتصرف المغير للعين ليس قابلا للانكار عندهم، ولايكون القول به فتوى جديدة. نعم، التقييد بأن التصرف المغير بعد العلم مسقط - بدعوى: انه مراد " الوسيلة " - يكون فتوى جديدة، ولكنه لا يرتضي به بالضرورة، لكونه خلاف رأي الاصحاب وظاهر الاخبار. فعلى هذا، يتعين أن يكون نظره الى أن مطلق التصرف إذا كان بعد العلم يكون مسقطا، وإذا كان عن جهل لا يسقط إلا إذا كان من التصرف المغير، فهذا الرأي قابل لان يوجه بما مر في أخبار خيار الحيوان (2)،


1 - الوسيلة: 257. 2 - عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: الشرط في الحيوان ثلاثة الا يام للمشتري اشترط أم لم يشترط فإن أحدث المشتري فيما اشترى حدثا قبل الثلاثة الا يام فذلك رضا منه فلا شرط، قيل له: وما الحدث؟ قال: إن لامس أو قبل أو نظر منها إلى ما كان يحرم عليه قبل الشراء... الحديث. الكافي 5: 169 / 2، تهذيب الاحكام 7: 24 / 102، وسائل الشيعة 18: 13، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 4، الحديث 1.

[ 185 ]

حيث إنه يستفاد منه أن التصرف رضا، وموجب للسقوط. ودعوى: انه لا يوجب سقوط الارش، وغاية ما يسقط به هو سقوط الخيار وحق الفسخ، كما عن الشيخ وأتباعه (1)، قابلة للدفع بأنه استفاد من أدلة خيار العيب: أن هذا الخيار معنى وحداني ذوطرفين: الفسخ، وأخذ الارش، وهذا التخيير التعبدي الشرعي يسقط بالرضا تعبدا. وكونه من الرضا بالمبيع دون العيب مجانا، لا يضر بما هو مراده، وهو سقوط خيار العيب هنا تعبدا الذي طرفه أخذ الارش، كما هو ظاهر المشهور، وقد مر توضيحه، فالتفكيك وإن كان ممكنا، إلا انه يحتاج الى العناية. نعم، قد مر ما في أصل المسألة في خيار الحيوان، فكيف الامر بالمقام؟! هذا مع أن من المحتمل كون المشتري ذا حقين عرضيين: حق الفسخ، وحق أخذ الارش، ولا يتمكن من الجمع، وقد مر ما يتعلق به. هذا مع أن توسعة دائرة التعبد، لاتمكن إلا بالظهور والصراحة،


1 - مفتاح الكرامة 4: 626، الغنية، ضمن الجوامع الفقهية: 526 / السطر 13، النهاية: 393، المراسم: 175.

[ 186 ]

ومجرد الاستئناس غير كاف. وهذا هو الوجه الوحيد القابل لان يتم به مرام " الوسيلة " من سقوطهما بالتصرف بعد العلم (1). وأما قضية الاخبار الخاصة، فلا شك في انها في مورد الجهل بالعيب حين الاشتراء. وأما انها في مورد الجهالة به حين الاحداث، أو في مورد العلم به حين التغيير والتصرف، فغير واضح، وقد ادعى الفقيه اليزدي: " أن اختصاص النصوص بصورة التصرف قبل العلم، مما لا ينبغي أن يتأمل فيه " (2) خلافا للشيخ (رحمه الله) حيث تأمل فيه (3). والذي هو الاظهر في المرسلة، هو الاطلاق. اللهم إلا أن يقال: بأن قوله: " إن كان الشئ قائما بعينه " معناه إن كان الشئ الذي وجد فيه عيبا، فيكون " الالف واللام " للعهد الذكري، فإنه حينئذ يستقر ظهوره في أن المقسم للتغير وعدمه قبل الوجدان. مع انه أيضا غير واضح كما لا يخفى، فما في كلام المجيب ظاهر في أن المناط هو البقاء على العين وعدمه، من غير دخالة شئ فيه. نعم، قد مر منا عدم جواز الركون الى هذه المرسلة، ولو جاز السكون الى سائر مراسيل أصحاب الاجماع، فلا تخلط. وأما معتبر زرارة السابق الذكر، ففيه من الاحتمالات ما ينتهي الى


1 - الوسيلة: 257. 2 - حاشية المكاسب، السيد اليزدي 2: 88 / السطر 29. 3 - المكاسب، الشيخ الانصاري: 261 / السطر 15.

[ 187 ]

خلاف مقالة صاحب " الوسيلة " (رحمه الله) وهو الظاهر من الاحتمالات، لان العلم بالعيب متأخر فيه عن الاحداث، سواء كان قوله (عليه السلام): " علم بذلك العوار " معطوفا بكلمة " ثم " أو " الفاء " فعليه يكون التصرف والاحداث موجبا للزوم البيع في صورة الجهل. هذا مع أن احتمال كون قوله (عليه السلام): " علم بذلك العوار " عطفا على القبض مطلقا - سواء كان حرف العطف " ثم " أو " الفاء " - لا ينفع ولا يفيد، لان العلم بالعيب وإن كان يلزم تقدمه على الاحداث إلا انه لا يسقط به الارش حسب النص، بل غايته سقوط الخيار. مع أن سقوط الخيار مستند الى الاحداث بعد العلم، لا مطلق التصرف. فعلى كل تقدير: إما تكون الصحيحة دليلا على خلاف التفصيل المذكور مطلقا، أو تكون دليلا على خلاف مقالته في الجملة، فلا وجه لسقوط الخيار والارش معا بالاحداث بعد العلم. اللهم إلا أن يقال: قضية المفهوم في صورة العلم قبل الاحداث، جواز العقد وعدم الارش، وهذا مما لا يمكن الالتزام به، فيكون المفهوم في هذه الصورة لزوم العقد وعدم جواز الارش لانه أيضا أحد فروض المفهوم بعد كون الجزاء جملتين وسيأتي زيادة توضيح إن شاء الله تعالى. وبالجملة: على تقدير استفادة القاعدة الكلية من أخبار خيار الحيوان (1)، فهي مخصصة بمعتبر زرارة (2) فيما نحن فيه، وأن الاحداث


1 - وسائل الشيعة 18: 10 - 15، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 3 و 4 و 5. 2 - تقدم في الصفحة 124.

[ 188 ]

الذي هو أقوى من مطلق التصرف ولو كان بعد العلم، لا يوجب سقوط الخيار والارش. نعم، يوجب سقوط الخيار فقط، وفاقا للمرسلة (1)، ولما عليه المشهور (2). تنبيه: حول كون الاحداث من المالك مسقطا لاحد أن يقول: إن الاحداث أعم من التغيير وعدم القيام بنفسه، وهو يقرب من التصرف، وإذا كان وصف المباشرة قيدا، فيكون مطلق الحدث غير كاف للزوم البيع، فعليه - كما مر - يكون الاحداث المستند الى المالك مباشرة - ولو كان الحدث شيئا جزئيا - موجبا للزوم البيع تعبدا، لان المفروض الظاهر انه في حال الجهل، وعند ذلك يستظهر انه لاجل كونه رضا بالبيع، اعتبر مسقطا للخيار تعبدا ولو كان حال الجهل، نظرا الى حال البائع، وعدم تضرره بالصبر على المعيب. وقد مر بعض ما يتعلق بهذا الاحتمال حول الرواية، فإن حملها على المرسله أو العكس، يجوز فيما إذا صح الاعتماد عليها، وقد مر مرارا وجه سقوطها خصوصا، فلا تخلط.


1 - تقدم في الصفحة 125. 2 - المقنعة: 597، النهاية: 393، الغنية، ضمن الجوامع الفقهية: 526 / السطر 13، المراسم: 175، شرائع الاسلام 2: 30، تحرير الاحكام 1: 183 / السطر 12، الدروس الشرعية 3: 283، وغيرهم.

[ 189 ]

التصرف في المعيب الذي لم ينقص قيمته بالعيب ومنها: - أي مما يوجب سقوط الفسخ والارش معا - التصرف في المعيب الذي لم ينقص قيمته بالعيب، كالبغل المخصي. وربما يناقش مسامحة: بأنه لا معنى لكون الارش ساقطا في هذه الصورة، بل لم يثبت الارش عندهم هنا، فالبحث في هذه الصورة حول أن التصرف في هذا المعيب الذي لا أرش له، يوجب سقوط الخيار، وأن الاحداث والتغيير ولو كان عن مباشرة وعلم، هل يوجب سقوطه، أم لا؟ بعد ما تحرر من أن قضية القواعد عدم السقوط، إلا إذا اريد من " التصرف والاحداث " إسقاط الخيار، وإلا فالعقد باق، كما مر في خيار الغبن. هذا، والذي تحرر منا فيما سلف: أن خيار العيب مستند الى ما هو العيب في محيط المعاملات، لا الى ما هو العيب في سائر المحيطات والاقطار، والعيب الذي لا يقوم لا يوجب الخيار عند العقلاء، فالتصرف في الصورة المذكورة لا يوجب شيئا. وأما المناقشة فيه: بأن قضية القواعد عدم السقوط بالاحداث والتغيير، وأخبار المسألة قاصرة عن شمول المقام، لان موردها ما يكون العيب فيه مقوما. فاجيب: بأن ذلك ولو صح في جانب معتبر زرارة (1)، إلا انه لاجل


1 - عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: أيما رجل اشترى شيئا وبه عيب وعوار لم يتبرأ إليه ولم يبين له، فأحدث فيه بعدما قبضه شيئا ثم علم بذلك العوار وبذلك الداء، انه يمضي عليه البيع ويرد عليه بقدر ما نقص من ذلك الداء والعيب من ثمن ذلك لو لم يكن به. الكافي 5: 207 / 3، تهذيب الاحكام 7: 60 / 257، وسائل الشيعة 18: 30، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 17، الحديث 2.

[ 190 ]

عدم الاطلاق فيه رأسا من هذه الجهة، وأما في جانب المرسلة (1) فالاطلاق ثابت للشرطية الثانية، لا نها شرطية أجنبية عن الاولى، وليست هي مفهوم الشرطية الاولى، فما في كلام المحشي العلامة (قدس سره) (2) في غير محله. والذي هو الحق: أن المرسلة - مضافا الى ضعف السند كما مر - صدرها مع ذيلها أجنبي، لان الظاهر أن قوله: " وإن كان الثوب... " عبارة اخرى عن الجملة الاولى، واختلاف المفهوم والجزاء لا يوجب الاجنبية، فالانصاف عدم ثبوت الاطلاق للمرسلة، ولا المعتبرة، إلا انه يفهم العقلاء عدم تقييد في البين بالغاء الخصوصية عرفا. ومن هنا يظهر وجه دفع ما أورده الوالد المحقق - مد ظله -: بأنه لو لم يكن إطلاق في أخبار خيار العيب، للزم إنكار خيار العيب في


1 - عن جميل، عن بعض أصحابنا، عن أحدهما (عليهما السلام) في الرجل يشتري الثوب أو المتاع فيجد فيه عيبا. فقال: إن كان الشئ قائما بعينه رده على صاحبه وأخذ الثمن، وإن كان الثوب قد قطع أو خيط أو صبغ يرجع بنقصان العيب. الكافي 5: 207 / 2، الفقيه 3: 136 / 592، تهذيب الاحكام 7: 60 / 258، وسائل الشيعة 18: 30، كتاب الطهارة، أبواب الخيار، الباب 17، الحديث 3. 2 - حاشية المكاسب، المحقق الاصفهاني 2: 115 / السطر 23.

[ 191 ]

المعيب الذي ليس فيه الارش، لقصور الادلة، ولانحصارها فيه، ولا دليل آخر يثبت به خيار العيب على الاطلاق (1). ووجه الاندفاع واضح أولا: لما عرفت من الالتزام بعدم ثبوت خيار العيب في الصورة المذكورة، كما مر فيما سبق. وثانيا: لنا إثبات الخيار لاجل فهم العقلاء، وبنائهم، وعدم ثبوت الخصوصية. بل الظاهر عدم خصوصية قطعا، فتأمل جيدا. وبالجملة: دليل خيار العيب هي الشهرة، والقدر المتيقن منها هو المورد المذكور، والاخبار - كما مر - قاصرة من جهات عن إثبات خيار العيب بالتخيير العرضي بين الفسخ والارش، وأما بناء العقلاء على الاعم، فهو كاف لو لم يكن في البين احتمال ردع الشرع عن هذا البناء، كما مر وجهه، فليتأمل جدا. وعلى هذا التحقيق يظهر: أن تمسك الشيخ بالاستصحاب في المورد الاتي (2)، في غير محله، لكفاية الدليل الاجتهادي، ولو لم يكن في البين دليل اجتهادي يقتضي الخيار في أمثال هذه الصورة، لما كان وجه لتمسكه بالاستصحاب أيضا.


1 - انظر البيع، الامام الخميني (قدس سره) 5: 65، والظاهر أن المصنف الشهيد ينقل عن مجلس بحث الامام (قدس سره). 2 - المكاسب، الشيخ الانصاري: 261 / 24.

[ 192 ]

حدوث العيب في المعيب الذي لم ينقص قيمته بالعيب الاول ومنها: حدوث العيب في المعيب المذكور، وقد أشرنا سابقا الى أن المناقشة في عد هذه الموارد من موارد سقوط الارش، في غير محلها. وأما المناقشة فيه: بأن جميع هذه الموارد، وما يأتي من موارد ممنوعية أخذ الارش شرعا - للزوم الربا - ليست إلا بحثا واحدا: وهو انه إذا كان المبيع معيبا لا يؤخذ بالارش فيه، فهل يسقط خياره بالتغير، أم لا؟ فما صنعه الشيخ (1) وتبعه الاخرون، في غير محله. فهي مندفعة: بأن إرجاع هذه الموارد الى هذا البحث صحيح وممكن، إلا أن لكل واحد منها دليلا خاصا وثمرة وبحثا مخصوصا، وقد مر منا في المورد السابق الانف وجه بديع لعدم ثبوت الرد رأسا، وأما فيما نحن فيه فالرد ممنوع، لعدم إمكان الاتكال على المرسلة (2)، فلا يكون مجرد التغير كافيا. وأما الصحيحة (3) فهي قابلة للاتكال، إلا انها واردة في مورد الاحداث، لاحدوث العيب، فإذا حدث عيب فهو خارج عن أخبار المسألة، ولايكون موجبا لسقوط الخيار، فلا يلزم ضرر على المشتري، وأما تضرر البائع بحدوث العيب، فهو ليس منفيا، لاستناد الضرر الى العوامل الاخر.


1 - المكاسب، الشيخ الانصاري: 261. 2 - تقدم في الصفحة 190. 3 - تقدم في الصفحة 189.

[ 193 ]

نعم، لو أحدثه المشتري فيسقط الخيار، ولا ينجبر ضرره، لانه مستند إليه. تحقق مسقطات الرد مع ممنوعية الارش شرعا ومنها: أي من موارد سقوط حق الفسخ والارش معا على تسامح، ما إذا كان الارش غير ثابت للممنوعية الشرعية، وهو لزوم الربا - لا الممنوعية التكونية كالموارد السابقة التي لم يكن العيب مقوما - فإنه في هذه الموارد إذا تحقق أحد مانعي الرد، يسقط الارش والرد كل لاجل جهة، لا لجهة واحدة، فهنا تسامح آخر أيضا، فإن البحث حول ما يوجب سقوط الفسخ والارش، والمقصود منه هو المعنى الواحد المنتهي الى ذلك، وأما الارش فهنا يسقط لاجل أمر آخر، والرد يسقط لجهة اخرى أجنبية عن الاول، كما لا يخفى. وعلى كل تقدير: قد مر البحث حول الربا وما يتعلق به من جريانه فيما نحن فيه، وأن حديث الاخذ بالارش ليس من الربا المذكور، فيكون البحث هنا تقديريا، أي على تقدير سقوط الارش هنا لاجل الربا، يلزم سقوط الرد بالتصرف والاحداث، فلو أحدث في هذه الموارد الربوية شيئا، يمنع عن الرد قهرا، من غير حاجة الى بيان جديد أفاده وأوضحه العلامة (1) والشيخ (رحمهما الله) (2) لان المفروض لزوم الربا الممنوع،


1 - تذكرة الفقهاء 1: 530 / السطر الاخير. 2 - المكاسب، الشيخ الانصاري: 261 - 262.

[ 194 ]

والتصرف الخاص، وهو الاحداث مثلا، فإن الارش والفسخ يسقطان بهما قهرا، من غير احتياج الى تجشم استدلال. وهكذا في صورة حدوث العيب، بناء على القول بكفاية مطلق الحدوث سقوط الرد، وقد عرفت وجه منعه، وأن الاحداث يمنع دونه، والحدوث ليس بمانع إلا على الاخذ بمرسلة جميل (1)، وعلى القول به فلا فرق بين كونه في مورد يجوز أخذ الارش، أو لا يجوز، خلافا لما يظهر من الشيخ (رحمه الله) (2) فليراجع، وتدبر جدا. تذنيب: حكم الربا اللازم من الاقالة أو الفسخ هل يكون الربا اللازم من الاقالة أو الفسخ محرما، أم لا؟ وجهان: من التشديد الاكيد في أمر الربا وتحريمه، وانه (بحرب من الله) (3) وإطلاق الكتاب، وهو قوله تعالى: (وحرم الربا) (4). ومن اختصاصه بالبيع أو مطلق المعاوضات (5)، وليست الاقالة ولا الفسخ بالضرورة من المعاملة الجديدة. وأن مطلق الفائدة لو كانت محرمة للزم سد باب التجارات، وقد مر في موجبات سقوط الارش فقط ما


1 - تقدم في الصفحة 190. 2 - المكاسب، الشيخ الانصاري: 261 / السطر 32. 3 - البقرة (2): 279. 4 - البقرة (2): 275. 5 - جامع المقاصد 4: 365.

[ 195 ]

يتعلق بالمسألة، فراجع. وقد صرح الوالد المحقق - مد ظله - هنا بعدم اقتضاء أدلة الربا حرمته فيما نحن فيه (1)، ولو كان بشكل الشرط لو كان اشتراط الزائد في ضمن الاقالة والفسخ جائزا، كما لا يبعد، فتدبر. فعلى هذا، يكون الرد والفسخ جائزين ولو مع شرط الزيادة. فما عن العلامة في " التذكرة ": من أن الرد ممنوع، إما لاجل كونه من الربا إن كان مع الزيادة وجبران العيب الحادث، وإما يكون ضررا إذا لم يكن بدون الجبران (2) غير تام، لعدم كونه من الربا المحرم. هذا مع أن رد المعيب بالعيب الحادث ضرر، والصبر على المعيب بالعيب الاول أيضا ضرر على المشتري. اللهم إلا أن يقال: إن مقتضى النص والفتوى، أن العيب الحادث موجب لسقوط الرد، فالاضرار مستند الى الشرع، وأخذ الارش أيضا من الربا المستند إليه أيضا، فلا مجال لجريان قاعدة " لا ضرر... " هنا لو قلنا بجريانها في أمثال المسألة. نعم، بناء على ما ذكرناه من عدم سقوط الرد بالعيب الحادث مطلقا - لعدم الدليل عليه - يكون الرد جائزا، ولا يلزم الربا إذا رده بالزائد جبرانا للعيب الحادث عند المشتري، لما عرفت، فتدبر تعرف. أو يقال: إن الصبر على الضرر بالعيب الاول بحكم الشرع، للزوم الربا، بخلاف الرد بالعيب الحادث، فإنه لا يلزم منه الربا المحرم، فلا


1 - البيع، الامام الخميني (قدس سره) 5: 84. 2 - تذكرة الفقهاء 1: 531 / السطر 3.

[ 196 ]

يتقابل الضرران كما لا يخفى. نعم، لا يمكن إثبات الخيار الحقي بها، وهو ليس بمهم في المسألة، وإنما الشأن ممنوعية الربا في الاخذ بالارش مطلقا، كما مر تفصيله. إيقاظ: لزوم الربا برد المعيب بالعيب الحادث عند المشتري لاحد أن يقول: إن رد المعيب بالعيب الحادث في يد المشتري مع الزيادة، من الربا، ويكون المردود موجبا لحصول الربا، والبطلان والرد بلا زيادة أيضا من الربا، ويكون المعوض زائدا وموجبا للبطلان، لان الزيادة الحكمية بحكم الزيادة الواقعية، ضرورة أن الصحة وإن لم تقابل بجزء من الثمن إنشاء، إلا انها دخيلة في ازدياد القيم بالضرورة، كما في النقد والنسيئة، مع أن الزمان لايدخل في المبيع إنشاء. وما اشتهر: " من أن الصحة والفساد لا يوجبان خروج المتماثلين عن التماثل " (1) صحيح، ولكنه أجنبي عن مسألتنا هذه، كما لا يخفى. فما هو الحل الوحيد، عدم حرمة تلك الزيادة في مثل الفسخ والاقالة.


1 - جواهر الكلام 24: 13، ملحقات العروة الوثقى 2: 27، المسألة 30.

[ 197 ]

تأخير الاخذ بالخيار ومنها: تأخير الاخذ بمقتضى الخيار، فإنه موجب لسقوطهما، بناء على فورية الخيار وكأنه كان أمرا مفروغا عنه بينهم، ولذلك عد التأخير من المسقطات. نعم، في كونه مسقطا للرد فقط، أو له وللارش، خلاف، يستظهر عن " الغنية " سقوطهما به (1)، وعن " المبسوط " (2) و " الوسيلة " (3) سقوط الرد خاصة، وحيث إن الاجماع في المسألة - على تقدير تحققه - معلل، لاحتمال تخلل الاجتهاد، مع انه غير ثابت إلا نقله، بل فيه أيضا خلاف، فالمتبع هي القاعدة والاخبار الخاصة. وبالجملة: في كونه مسقطا للرد، أيضا إشكال حتى في صورة العلم، لما تحرر في محله من انه لا معنى لتوهم كونه مع العلم مسقطا، إذا كان المشتري معتقدا تراخيه، أو كان مرددا في الامر، فالرد يسقط بالرضا المستكشف، على إشكال مضى تفصيله. نعم، لا بأس بإسقاط الخيار بترك الرد مريدا به ذلك، ولا يثبت سقوطه إلا بينه وبين ربه. فتحصل: أن سقوط الرد فضلا عن الارش ممنوع، إلا إذا ثبتت


1 - الغنية، ضمن الجوامع الفقهية: 526 / السطر 9. 2 - المبسوط 2: 139. 3 - الوسيلة: 256.

[ 198 ]

الفورية عند المشتري، وكان عالما بها، ومريدا بالترك والتأخير سقوط حقه. وعلى تقدير ثبوت الفورية، ففي سقوط حق الارش كلام آخر يتضح من ذي قبل إن شاء الله تعالى. وبالجملة: في المسألة احتمالات، بل أقوال: الفورية، وسقوطهما بتركها، والفورية وسقوط الرد، دون حق الارش، وعدم الفورية. فالذي هو مقتضى القواعد عند الشك، عدم انفساخ العقد بالفسخ بعد الان الاول، وأما لزوم العقد بمرجعية إطلاق الادلة الاجتهادية، فهو ممنوع عندنا، كما تحرر في الاصول (1)، ومضى في خيار الغبن (2)، وهكذا عدم صلاحية استصحاب الخيار للمرجعية، لعدم جريانه، فيكون المرجع استصحاب بقاء كل من العوضين في ملك مالكه، وأن كل مال باق تحت سلطنة صاحبه، وتفصيله في محله. وبالجملة: لا تجري الاستصحابات الحكمية التكليفية والوضعية، بخلاف الموضوعية، وتصير النتيجة هي الفورية. هذا في جانب حق الفسخ. وأما في جانب حق الارش فالامر أوضح، ضرورة أن ما هو المجعول الاولي فيما نحن فيه، هو التخيير بين المعنيين الحدثيين، كسائر الواجبات التخييرية، ويكون حق الفسخ والارش منتزعا عرفا من هذا


1 - لاحظ الاستصحاب، الامام الخميني (قدس سره): 188 وما بعدها. 2 - من المؤسف له فقدان هذه الابحاث من الكتاب.

[ 199 ]

المعنى، وقد تحرر في محله أن الواجبات التخييرية لا ترجع الى التعيينيات، أو المشروطات، أو المعلقات، بل هي سنخ إيجاب آخر مركب من المعنيين، من غير رجوعه الى التعيين ليكون العنوان الواحد واجبا. وأيضا عرفت: أن هذا المعنى التخييري بيد المشتري مثلا، فله إسقاط أحد طرفيه، وإبقاء الاخر، فلا يلزم من سقوط الرد سقوط الحق المذكور ثبوتا، فإن ثبت إثباتا إطلاق يقتضي حق الارش فهو، وإلا فالقدر المتيقن منه هو الان الاول. هذا كله حول قضية القواعد على ما سلكناه وحررناه في مبنى خيار العيب، والتخيير المتصور القابل للتصديق. وأما قضية الادلة الخاصة: فالاخبار الواردة في وطء الجارية، وتجويز الرد في صورة، وعدم التجويز بعد الوطء (1)، لا تعرض فيها للارش، ولا إطلاق لها في جانب الرد، على ما هو الاقرب الى الذهن. وأما مرسلة جميل (2)، فإطلاقها غير بعيد إنصافا، خلافا لما يظهر من الشيخ (رحمه الله) (3) إلا انها غير قابلة للاعتماد، خلافاللجل، وقد مر وجهه. ودعوى: انها ليست بصدد تأسيس خيار العيب، مسموعة، لانه


1 - وسائل الشيعة 18: 102 - 108، كتاب التجارة، أبواب أحكام العيوب، الباب 4 و 5. 2 - تقدم في الصفحة 190. 3 - المكاسب، الشيخ الانصاري: 262 / السطر 23.

[ 200 ]

خيار عقلائي وكان معهودا بين المسلمين بالضرورة، إلا انه لامانع من عقد الاطلاق فيها. ومن الغريب توهم: أن الاخبار الخاصة بصدد أصل تشريع خيار العيب، كما يظهر من الشيخ الاعظم (قدس سره) (1)!! وأما الصحيحة (2)، فهي في موقف الامر الاخر كما هو الاظهر، فجواز إجبار البائع بإعطاء الارش - بعد كونه على خلاف القواعد الاولية، وانه من التعبد شرعا - ممنوع، فما عن الشيخ وغيره من التفصيل بسقوط حق الخيار بالتأخير، دون حق الارش (3)، غير صحيح. نعم، الصبر على العيب إن كان عن علم واعتقاد، فلا بأس به، وإن كان عن غفلة وجهالة، فيكون اللزوم بلا أرش ضرريا في الان الثاني، فلجريان القاعدة وجه، لو لم نقل: بأن الغفلة والجهالة مبدأ تضرره، دون الشرع، فتدبر. فعلى هذا، ربما يكون وجه اشتهار التراخي هو الضرر المرفوع، إلا انه لا يثبت به دوام حق الارش، فالخيار وحق الفسخ مبني على التراخي، دون حق الارش، لانه على خلاف القاعدة، ولا دليل على الزام البائع بقبول جبران النقص، وهذا هو الاقرب من افق التحقيق، فيكون القول الرابع - وهي فورية حق الارش، دون حق الرد، المخالف


1 - نفس المصدر. 2 - تقدم في الصفحة 189. 3 - المسبوط 2: 139، الوسيلة: 256، المكاسب، الشيخ الانصاري: 262 / السطر 21.

[ 201 ]

للاجماع المركب - أشبه. تذنيب وتوضيح: اختلاف المسألة باختلاف المباني ربما يقال: إن المباني مختلفة في هذه المسألة: فعلى ما اختاره السيد المحقق الوالد - مد ظله - من أن هناك حقين معينين غير قابلين للجمع، وإنما التخيير في مقام الاستيفاء (1)، فلا منع من الالتزام ببقاء الخيار الثابت في الان الاول - استصحابا - إلا إطلاق (أوفوا بالعقود) (2) كما لا منع من الالتزام ببقاء حق الارش، لانه من الاستصحاب الشخصي، وتصير النتيجة فورية الخيار، دون فورية حق الارش. وأما على مبنى الشيخ (3) وأتباعه (4)، من أن هناك حقا واحدا تخييريا، فهو لا يعقل بقاؤه وزواله معا، فإذا كان في جانب حل العقد فوريا، فلا يعقل في الان الثاني بقاؤه في جانب أخذ الارش، لانه واحد مردد، فيلزم من القول بفورية فسخ العقد، سقوط حق الارش عقلا، فلا محل لاستصحاب بقاء حق الارش، إلا استصحاب الكلي من القسم الثالث الواضح ممنوعية جريانه هنا - لو أمكن إجراؤه في بعض


1 - البيع، الامام الخميني (قدس سره) 5: 13، 21. 2 - المائدة (5): 1. 3 - لاحظ المكاسب، الشيخ الانصاري: 254 / السطر 1. 4 - لاحظ حاشية المكاسب، السيد اليزدي 2: 71 / السطر 12.

[ 202 ]

الصور، كما تحرر - وذلك لكونه مضافا الى عدم العلم بالامر الثابت وهو حق أخذ الارش، يكون المستصحب معنى انتزاعيا من المجعولين الوضعيين، وهو حق الارش الزائل، وحق الارش الحادث، وجريان الاستصحاب في هذا المقام ممنوع. مع أن ما هو القدر المتيقن هو أصل الحق، لاحق الارش، لان المعنى الثابت في ظرف اليقين، مردد بين حق الفسخ وحق الارش، ولايكون حق الارش منتفيا، فلا تخلط. وأما على مبنى كون الحق هنا أمرا وحدانيا معينا على عنوان واحد، ينطبق على حق الفسخ بالرد، والاخذ بالارش، فإن قلنا بمرجعية العموم والاطلاق عند الشك، فلازمه فورية حق الفسخ، وعدم جواز الرجوع الى الارش، وذلك لان مع زوال أحد مصداقي الواجب المعين، لا يبقى الموضوع للاستصحاب في ظرف الشك، حتى يثبت الارش. وهذا نظير ما إذا كان عنوان " أحد الخصال الثلاث " واجبا، وفرضنا زوال الوجوب بالنسبة الى واحد منها، بمعنى خروجه عن المصداقية، للعجز وغيره، فإنه إذا شك في بقاء وجوب الواحد من الثلاث، لا يمكن التعبد ببقاء الواحد من الثلاث، للقطع بعدم وجوب واحد منها، وما هو القابل للابقاء هو الواحد من الاثنين، وهو ليس مورد اليقين. اللهم إلا أن يقال: إنه إذا كان عنوان " أحد الخصال الثلاث " مورد اليقين، يكون عنوان " الواحد من الاثنين " مورد العلم أيضا، وهذا يكفي لجريان الاستصحاب.

[ 203 ]

والذي يسهل الخطب ما مر منا، من عدم تمامية هذه المباني في خيار العيب، وعلى تقدير تماميتها، لا تكون هذه المباني الاصولية تامة جدا. فالحق الذي لا محيص عنه حسب القواعد: هي فورية حق الارش، دون حق الفسخ، والتأخير لا يقتضي سقوط حق الفسخ، إلا في صورة أشرنا إليها، ولا سقوط حق الارش، بل لا يثبت الارش، لقصور أدلته كما عرفت. فرع: حكم بيع المعيب تكليفا هل يحرم بيع المعيب تكليفا، أم يجب الاعلام بالعيب تكليفا، أو يحرم الغش، فيكون البيع المذكور محرما لاجله، لا بذاته، أو يحرم الغش في المعاملة تكليفا؟ وأما ما في كلماتهم (1) من حرمة ترك الاظهار، فهو غير جيد، لا لما قد يتخيل من امتناع اتصاف الترك بالحرمة، فإنه باطل محرر تفصيله في محله، بل لكونه خلاف الفهم العرفي، فإن المتعارف محرمية الامور الوجودية، لا العدمية، والامر سهل. وقد مر شطر من البحث في أوائل بحوث خيار العيب، وذكرنا هناك إمكان كون بيع المعيب محرما، لكونه من الاكل بالباطل، والنهي في


1 - لاحظ مفتاح الكرامة 4: 629، جواهر الكلام 23: 245 - 247، المكاسب، الشيخ الانصاري: 262 - 263.

[ 204 ]

الكتاب (1) نفسي، وحيث إن المعاملة تحتاج الى الامضاء والرضا، وهو لا يجتمع عادة - بل وعقلا على إشكال - مع المبغوضية الموجودة في المادة المحرمة، فيكون الرضا منتفيا، فيكون البيع باطلا. أو لكونه غشا، وهو محرم، ضرورة أن مبنى المعاملات على تبادل الصحيح بالصحيح، وإن لم يكن التزام شخصي بين البائع والمشتري، فإذا علم البائع وترك الاظهار، ينتزع منه الغش وإن لم يصنع شيئا وجوديا يختفي به العيب، وقد مر توضيح هذا المبنى بما لا مزيد عليه. ولا يضر بهذا البناء الكلي العمومي، كون البائع في المعاملة الشخصية الخاصة، مريدا جلب المشتري الى متاعه، فإنه محيط خاص، بخلاف المبنى المذكور، فلا تخلط. أو لكونه من الكذب، فإن الافعال توصف بالصدق والكذب، والاشياء توصف بهما، فيقال: " فجر صادق وكاذب " فإذا سكت البائع بعد ذلك البناء، فسكوته بمنزلة الاخبار، فيكون محرما، وخدعة، وحيلة، وتغريرا. والذي هو الحق من بين الاقوال الخمسة - من الحرمة، والكراهة، والوجوب، والاستحباب، والتفصيل بين الخفي والجلي، أو


1 - النساء (4): 29، (يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم).

[ 205 ]

غير ذلك -: أن عنوان " بيع المعيب " بما هو هو خارج عن جميعها، والادلة المستند إليها لا تقتضي شيئا، وأما العناوين المنطبقة عليه فلا تورث بطلانه، بعد كونه من التجارة عن التراضي، على إشكال محرر في محله، ولا حرمة ذاتا وبعنوانه. وأما الغش، ففي كونه محرما في نفسه إشكال. نعم، ما هو المحرم احتمالا هو الغش في المعاملة، وإلا فالخلط بالتصرف في ملكه ليس محرما، فإذا كان الغش محرما في المعاملة، فهو معناه حرمة بيع المغشوش، وعندئذ يشكل صحته ولو كان محرما تكليفا، لما اشير إليه. وما قد اشتهر: " من أن النهي التحريمي دليل الصحة " غير صحيح، لان الصحة عند العقلاء محرمة عند الشرع، فلا تغفل. وأما المناقشة في الصدق، فهي ولو كانت ممنوعة في بعض الصور، ولكن في متعارف المعاملات المعاطاتية يكون إعطاء المعيب - مع عدم التبري والاعلام - غشا وتغريرا. نعم، لو كان الغش هو الخلط بين الجيد والردئ، فلا غش إلا في بيع طائفة من المعيبات منضمة الى طائفة من السالمات، كبيع مقدار من الرقي والبطيخ، كما لا يخفى. ولا يبعد كونه متقوما بحسب المفهوم بخلط ما، سواء كان كخلط الدرهم، أو اللبن، أو الرقي، أو الارز، وأما إراءة الصفات الكمالية أو

[ 206 ]

بيع المعيب، فليس من الغش المذكور إنصافا. وما أشرنا إليه هو الظاهر من بعض الاخبار، كصحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) (1) فراجع.


1 - محمد بن مسلم، عن أحدهما (عليهما السلام) انه سئل عن الطعام يخلط بعضه ببعض، وبعضه أجود من بعض؟ قال: إذا رؤيا جميعا فلا بأس ما لم يغط الجيد الردئ. الكافي 5: 183 / 1، تهذيب الاحكام 7: 33 / 139، وسائل الشيعة 18: 112، كتاب التجارة، أبواب أحكام العيوب، الباب 9، الحديث 1.

[ 207 ]

الجهة التاسعة في اختلاف المتبايعين وذلك تارة: في العيب وحدوده. واخرى: في مسقط الخيار. وثالثة: في إعماله. ورابعة: في مسقط الارش. وخامسة: في الاخذ به. ويتم الكلام حولها في طي بحوث:

[ 208 ]

البحث الاول الاختلاف في تعيب المبيع الاختلاف في تعيب المبيع تارة: يكون في السبب، وهو وجود العيب. واخرى: يكون في المسبب، وهو الخيار والارش. فالبحث يقع في مقامين: المقام الاول في اختلافهما في السبب، وهو وجود العيب وفيه جهات: الجهة الاولى الاختلاف في تعيب المبيع بعيب غير زائل لو اختلفا في تعيب المبيع حين العقد، وكان العيب غير زائل في مورد يوجب السقوط كما مر، أو يستلزم كشف عدم الثبوت، وبالجملة يختلفان فيما يوجب خيار العيب، فلا يكون الاختلاف في العيب الزائل قبل العقد، فإنه بلا أثر، فما عنونه الشيخ (رحمه الله) في المسألة الاولى (1)


1 - المكاسب، الشيخ الانصاري: 263 / السطر 10.

[ 209 ]

مجمل، ولابد انه أراد به ذلك، دون ما فسره العلامة المحشي (رحمه الله) (1). وعلى كل حال: القول قول المنكر، وهو في الغالب البائع، وقد مر أن المدار في تشخيص المدعي والمنكر على العرف، وما ذكروه من الضوابط غير ناجع، حتى ما صدقه الوالد المحقق - مد ظله - من أن المدعي إذا ترك ترك (2)، ضرورة انه إذا كان في مفروض البحث المتاع عند البائع، وكان هو يدعي العيب، فإنه لو ترك لا يترك، لان المشتري يرجع إليه لاخذ مبيعه وملكه بالضرورة، مع أن طراح الدعوى والحامل على إيجادها هو البائع. ولو قيل: لا يتصور أن يكون البائع مدعي العيب، لانه على ضرره. قلت: نعم، ولكنه ربما يتعلق بذلك بعض الاغراض الاخر، مثل ما إذا كان ما باعه تذكار أبيه، وتركة امه، فإنه لدعوى العيب يريد أن يكون فسخ المشتري نافذا. فما ترى في كلمات القوم من المراجعة الى الاصول العقلائية لا الشرعية، لتشخيص ذلك، في غير محله، ولاسيما ما في كلام الفقيه اليزدي (3): من التمسك باستصحاب الصحة فيما إذا كان في الحالة السابقة صحيحا فيكون المشتري في الغالب منكرا، وباستصحاب العيب فيما إذا كان في الحالة السابقة معيوبا، فيكون المشتري مدعيا،


1 - حاشية المكاسب، المحقق الاصفهاني 2: 117 / السطر 17. 2 - البيع، الامام الخميني (قدس سره) 5: 87. 3 - حاشية المكاسب، السيد اليزدي 2: 91 / السطر 29.

[ 210 ]

وبأصالة السلامة في صورة الشك والجهل بالحالة السابقة، فيكون المشتري أيضا مدعيا. فإنه ربما يناقش في كفاية الاصل المذكور، لاجل كونه مثبتا، فإن موضوع العقد اللازم هو العقد الواقع على الصحيح، أو الواقع على ما لاعيب فيه ولاعوار، فإن كان الثاني فمثبتيته واضحة، وإن كان الاول فإثبات الوقوع مشكل به. اللهم إلا أن يقال: إنه عقد واقع وجدانا، وإذا كان المتاع صحيحا يتم المقيد. وفيه: أن التقيد لا يثبت، فلابد من كون الموضوع مركبا، أو نقول باعتبار الاصل المثبت. ومن هنا يظهر حال استصحاب العيب. وأما أصالة السلامة فلا بأس بها، إلا انه لا حاجة إليها، بعد كون المشتري مدعي العيب عرفا. بل لو شك في مورد في جريان الاصل المذكور - لاجل جهة من الجهات الممكنة - يكون المرجع فهم العقلاء أيضا، دون الاصول الحكمية، كاستصحاب عدم الخيار واللزوم، وبراءة البائع من شغل الذمة بالارش، وغيرها، فإنها ممنوعة الجريان أولا، وتحريره في الاصول، وغير نافعة هنا ثانيا فيما إذا كان المنكر عرفا قوله موافقا لها، كما لا يخفى. وربما يتوهم استصحاب كلي الخيار، لثبوته في المجلس مثلا، ولكنه من القسم الثالث، ويؤيد دعوى المشتري وجود العيب حين العقد. وهم: دعوى المشتري العيب مع جريان استصحاب العيب، يرجع

[ 211 ]

الى دعوى البائع زوال العيب حين العقد، فلا يكون المشتري مدعيا، والاصل موافقه، بل المشتري منكر، والاصل يساعده، لبقاء العيب الى حال العقد. ودفع: قد تحرر فيما سلف خلاف بين الاعلام في مسألة مصب الدعوى ومرجعه، وأن المناط مصب الدعوى أو مرجعه. مثلا: إذا اختلفا في العيب، فمرجع الخلاف هو الاختلاف في اللزوم والجواز، والخيار واللاخيار، فهل القاضي يطالب بدليل المرجع، أو يطالب بدليل المصب والمطرح؟ وربما يرجع الادعاء والانكار الى التداعي في اللزوم والجواز، وفي الانقطاع والدوام في باب النكاح. ولاجل اختلاف الاثار، وعدم وجود دليل على جواز تصرف القاضي، يكون المناط مصب دعواهما، فربما يحتال أحد المتخاصمين بجعل عديله مدعيا، مع أن المدعي بحسب الواقع نفسه، فلا يسمح حسب الظواهر للقاضي تبديل الدعوى، وتوضيح الحال وتفصيله في كتاب القضاء. الجهة الثانية الاختلاف في صدق المعيب على المبيع لو اختلفا في أن ما هو الموجود عيب، أم لا؟ فربما يمكن أن يقال: إنه نزاع بلا أثر، لان إثبات العيب بلا أثر، بل الاثر مترتب على كون المبيع معيبا، كما مر في الجهة الاولى، وهذا في الحقيقة يرجع الى ذاك.

[ 212 ]

وفيه: أن مقتضى معتبر زرارة (1) ومرسلة جميل (2)، أن المدار على كون المبيع به العيب والعوار، فرجوع الاولى الى الثانية أولى. مع أن الميزان في الاختلاف، ليس على كون مصب الدعوى، ذا أثر بالمعنى المذكور، بل يكفي كون الدعوى ذات أثر، وهو في الاولى أيضا حاصل. وبالجملة: المدعي والمنكر حسب فهم العرف معلومان. وأما حسب الاصول، فربما يكون المتاع معيبا، وبه عيب وعوار قبل زمان الاختلاف، ويشك ويختلف فيه، فاستصحاب الموضوع يفيد إذا كان الخلاف في أن الموجود عيب وعوار، ولا يكفي استصحاب كونه معيبا، ولا حاجة إليه، فتدبر. وهكذا إذا لم يكن مورد الخلاف عيبا أو عوارا قبل ذلك، إلا انه في الصورة الاولى يلزم كون المشتري مدعيا، وفي الثانية ينعكس. اللهم إلا أن يقال: ترجع الدعوى في الصورة الثانية الى أن المشتري ينكر بقاءه على صفة العيبية والعوارية، فيلزم اتفاق العرف والاصل في تشخيص المدعي والمنكر. نعم، قد أشرنا الى عدم جواز تصرف القاضي في الدعوى، وإرجاعها من حال الى اخرى. هذا في موارد الاصول العدمية النعتية. وأما الاصول العدمية الازلية المحمولية، فجريانها وكفايتها محل


1 - تقدم في الصفحة 189. 2 - تقدم في الصفحة 190.

[ 213 ]

إشكال ومنع، إلا إذا كان الموضوع مركبا، فإنه يجوز استصحاب عدم وجود العيب في المتاع حين لم يكن متاع، فتأمل. بقي شئ: في صدق النقص دون العيب قال الشيخ الاعظم (قدس سره): " لو علم كونه نقصا كان للمشتري الخيار في الرد، دون الارش، لاصالة البراءة " (1) انتهى. وفي " حاشية الفقيه اليزدي " (قدس سره): " يشكل ذلك: بأن النقص المعلوم إن كان موجبا للنقص في القيمة، فهو عيب، وفيه الرد والارش، وإلا فلا دليل على جواز الرد أيضا " (2) انتهى. وفيه أولا: ما مر من تصوير الاصحاب وجود العيب الموجب للخيار، دون الارش، في مواضع سقوط الارش، دون الخيار. وثانيا: أن مراد الشيخ حسب الاظهر، ثبوت الخيار الاخر غير خيار العيب الاصطلاحي، فإن النقص يوجب الخيار، سواء عد عيبا، أم لم يعد، ولذلك عبر عنه ب‍ " الخيار " وإلا فالاولى التعبير عنه ب‍ " جواز الرد " كما في أخبار المسألة (3) ومنشأ هذا الخيار إما حكم العقلاء مستقلا، أو التخلف


1 - المكاسب، الشيخ الانصاري: 263 / السطر 11. 2 - حاشية المكاسب، السيد اليزدي 2: 91 / السطر 36. 3 - ففي الاخبار ما يدل على جواز الرد،... عن أبي عبد الله (عليه السلام) في رجل اشترى جارية فوقع عليها قال: إن وجد بها عيبا فليس له أن يردها ولكن يرد عليه بقيمة ما نقصها العيب. الكافي 5: 214 / 5، وسائل الشيعة 18: 102، كتاب التجارة، أبواب أحكام العيوب، الباب 4، الحديث 3.

[ 214 ]

عن الشرط والقرار الضمني المبني عليه العقود حسب التعارف. نعم، ما هو الحق: أن النقص في محيط الخلقة أو محيط خاص، لا يوجب شيئا، وما هو الموجب هو النقص في باب المعاملات والتبادلات، التي روعي فيها جانب المالية والخواص والاثار، وهذا النقص كما يستلزم الخيار يستلزم الارش، كما تحرر منا في المسائل السابقة. ولو سلمنا وجود النقص والعيب الموجب للخيار دون الارش، فاختلفا في أن الموجود من هذا القسم، أو هو من القسم الموجب لهما فإن كانا معترفين بكونه في السابق من القسم الاول أو الثاني، فالامر كما تحرر، وإلا فالمرجع الاصول العدمية المحمولية، وهي غير نافعة، فالحق مراجعة العرف أيضا، وعلى كل يكون المشتري مدعيا في الغالب. ولو قيل: في جميع هذه الموارد يمكن التمسك باستصحاب عدم وقوع العقد على ما يوجب الارش، أو ما يوجب الخيار، أو يوجبهما، لان هذه الامور من الحوادث المستندة الى شئ في العين من العيب والنقص، وعلى هذا يكون العقد لازما موافقا للمنكر، وهو البائع، ومخالفا للمشتري المريد إثبات الخيار والارش ونفوذ الفسخ. قلنا: قد مضى في موضع من هذا الكتاب بحث حوله، وذكرنا أن

[ 215 ]

استمرار العدم الازلي المحمولي المضاف الى وجود شئ، مما لا بأس به إذا اريد به نفي الحكم عن الموضوع الاخر الاجنبي عنه، بخلاف ما نحن فيه، فإن الاستمرار المذكور اريد به إثبات لزوم العقد، بإثبات أن المعقود عليه ليس فيه ما يوجب الخيار والارش. وبعبارة اخرى: نفي الحكم بنفي الموضوع ولو كان ممكنا عندهم وأما نفي الحكم المتعلق بالموجود المقيد بالقيد العدمي، فلا يمكن باستمرار العدم المطلق الى حال ذلك الوجود، فإن ما يوجب الخيار والارش هو العقد المتعلق بالمتاع الكذائي، فعدم تعلق العقد بما يوجب الكذا لا يثمر، فلا تخلط. الجهة الثالثة الاختلاف في زمان العيب لو اختلفا في التقدم والتأخر، بعد اتفاقهما على وجود العيب في المتاع الحاضر عندهما. وهذا تارة: يكون بالنسبة الى حال وقوع العقد، فيدعي المشتري انه كان فيه هذا العيب من الاول، مريدا به إثبات التخيير. واخرى: يدعي انه كان قبل القبض، بناء على أن حدوثه قبله يوجب الخيار. وثالثة: يدعي انه كان في زمان الخيار المضمون على البائع، كالحيوان والشرط، وعند ذلك فتارة: ينكر البائع مفاد الدعوى.

[ 216 ]

واخرى: يدعي خلاف الدعوى، فيدعي انه كان بعد القبض، أو بعد المضي، وهكذا. وربما يكون التقدم والتأخر مورد الدعوى والانكار، أو مورد التداعي، فيقول المشتري بتقدم العيب على القبض، وينكر البائع ذلك عليه تارة. واخرى: بادعاء تأخره عن زمان الخيار، أو القبض، فالصور تزداد على العشر. وغير خفي: انه ربما يكون إنكار البائع، قابلا للحمل على الاقرار بالعيب الموجب للخيار، مثلا إذا ادعى المشتري وجود العيب حين العقد، فأنكر عليه البائع، فإنه يجتمع ثبوتا إنكاره مع كون العيب حين القبض والخيار، إلا انه لا دليل للقاضي حتى يأخذ به. وربما يكون ادعاؤه على خلاف المنكر، إقرارا بما يوجب الخيار، كما إذا ادعى المشتري وجود هذا العيب حين العقد، والبائع يدعي انه حين القبض، فإنه ولو كان إقرارا، ولكن لا حق للقاضي في أن يأخذ به في هذه الدعوى، لانه أمر أجنبي عنها، كما لا يخفى. وبالجملة: بناء على ما عرفت، من أن المدار على العرف في تشخيص المدعي والمنكر، وتبين أن الميزان في ذلك بالقياس الى مصب الدعوى، دون مآلها ومرجعها - فإنه يكفي لجواز تدخل القاضي كونها ذات أثر، ولا شبهة في انها ذات أثر ولو مع الواسطة - يكون في موارد الانكار المشتري مدعيا، وفي موارد الادعاء كل منهما مدعيا ومنكرا. وربما يشهد عليه، ذهاب مثل ابن الجنيد الى توجيه البينة على

[ 217 ]

البائع المدعي حدوث العيب عند المشتري، وانه يحلف المشتري إن كان منكرا (1)، ضرورة انه يريد في دعواه انه ليس مضمونا عليه، ولا يكون له الخيار. وكون الحكم المقصود بالاصالة سلبيا، لا يستلزم رجوع ادعائه الى إنكار الضمان والخيار. فعلى هذا، يسقط جميع ما يستظهر من القوم، وقد نص عليه العلامة المحشي (2) (قدس سره): من تفتيش الاثار الشرعية المترتبة على الموضوعات في الادلة اللفظية وغيرها مع انه تفتيش في غير محله، وقد وقع الخلط بين موضوع الاصول، وما هو مصب الدعوى والتداعي. وأما ما يظهر من تمسك الشيخ (رحمهم الله) (3) بأصالة عدم تقدم حدوث العيب على العقد، حتى لو علم تأريخ الحدوث، وجهل تأريخ العقد، لان أصالة عدم وجود العقد حين حدوث العيب، لا تثبت وقوع العقد على المعيب، فهو أيضا غير صحيح، لان ضم الوجدان - وهو وجود العقد على العين الموجودة - الى أصالة عدم العيب والعوار، لا يكفي إلا إذا كان من العدم الرابط، ضرورة أن الموضوع حسب الظاهر مقيد، لا مركب، بل هو قطعي عرفا. وأما أصالة عدم وقوع العقد على هذه العين التي لم يكن بها عيب وعوار عند عدم وجودها، فمما لا يعقل، لان العين عند عدم الوجود لا تقبل


1 - مختلف الشيعة: 371 / السطر 30. 2 - حاشية المكاسب، المحقق الاصفهاني 2: 117 / السطر 18. 3 - المكاسب، الشيخ الانصاري: 263 / السطر 13.

[ 218 ]

الاشارة الخارجية، والاشارة الذهنية توجب كونه من الكلي، فلا ينفع لحال العين الشخصية، كما لا يخفى على أهل البصيرة. تنبيه: توضيح من الشيخ الاعظم لكلام ابن الجنيد قال الشيخ (رحمه الله) توضيحا وتوجيها لمقالة ابن الجنيد (1): " ولعله لاصالة عدم تسليم البائع العين الى المشتري على الوجه المقصود، وعدم استحقاقه الثمن كلا، وعدم لزوم العقد " (2) انتهى. ومقصوده عدم لزوم هذا العقد الخاص، لوجود الشك أو استصحاب عدم وجوب الوفاء. ولو كان لما أفاده وجه، يلزم أن لا يكون تشخيص المدعي من المنكر بالاصل، بل يلزم كون المنكر قوله مطابقا لاصل من الاصول، وإنما تشخيصه من جهة اخرى وطريق آخر، ضرورة انه لو كان الامر كما تحرر، للزم كون المشتري منكرا في سائر الصور، ولو كان مدعيا بحسب الصورة والظاهر من الحال في طرح الدعوى. فكأن الشيخ (رحمه الله) يتوجه الى فساد هذه الاصول، وإنما يريد بذلك توجيه مقالته (رحمه الله). فما أفاده الوالد المحقق - مد ظله - حول كل واحد من الاصول من الاشكالات (3)، وذكر بعضها المحشي العلامة (رحمه الله) (4) كل في غير


1 - مختلف الشيعة: 371 / السطر 30. 2 - المكاسب، الشيخ الانصاري: 263 / السطر 14. 3 - البيع، الامام الخميني (قدس سره) 5: 93 - 94. 4 - حاشية المكاسب، المحقق الاصفهاني 2: 117 / السطر 25.

[ 219 ]

محله، ضرورة أن فساد الاصل الثاني مما ليس يخفى على مثله (قدس سره). وما أشرنا إليه من الاصل الحكمي، أسلم من تلك الاصول الثلاثة، بل البراءة عن وجوب الوفاء بالعقد الكلي، كافية لحال العقد الموجود. نعم، لا يثبت به الخيار وحق الفسخ، إلا انه لكونه موافقا لانكار المشتري، يجوز للحاكم فصل الخصومة، فتأمل. فرع: حول صدق الانكار عند سكوت البائع أو ادعائه لعدم العلم لو ادعى المشتري مثلا العيب، وسكت البائع، أو قال: " لا أدري شيئا " فهل يرجع الى القاضي، لاجل انه منكر، ولا يعتبر في إنكاره إظهار الانكار، بل نفس كون الدعوى على خلاف الاصل يوجب كونه منكرا؟ أم لابد من الانكار والاظهار، لان الاصحاب (رحمهم الله) قالوا في تعريفه: " من كان قوله مطابقا للاصل فهو منكر " فلابد من وجود القول. وهو ظاهر بعض الاخبار الناطقة بأن " اليمين على من أنكر " (1) والسكوت وإعلام الجهالة لا يدرجه في المنكر، فلا يرجع في هذه الصورة الى القاضي،


1 - أبي عبد الله (عليه السلام) - في حديث فدك - إن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال... وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): البينة على من ادعى واليمين على من أنكر. تفسير القمي 2: 156، علل الشرائع: 190 / 1، وسائل الشيعة 27: 292، كتاب القضاء، أبواب كيفية الحكم وأحكام الدعوى، الباب 25، الحديث 1.

[ 220 ]

ولا يترتب على دعواه شئ، ويجوز للبائع التصرف في العوض، لو كان شخصيا، بناء على المنع عن التصرف في أيام الادعاء والمراجعة الى القاضي؟ وربما كان منشأ ذهابهم الى أن تشخيص المدعي عن المنكر بالاصل، لاجل أن الميزان كون الطرف مدعى عليه، سواء كان منكرا لغة وعرفا، أم لا، وهذا هو قضية أكثر أخبار المسألة. ولو كان السكوت موجبا لعدم صلاحية الدعوى للطرح، للزم تضييع الحقوق الكثيرة، لجواز سكوت المنكر فرارا من الحلف، ونظرا الى ما اشير إليه فالاظهر - بحسب القواعد - صلاحية مجرد الدعوى لاستماع القاضي الى البينة. نعم، لو لم تكن بينة للمدعي، ففي توجه الحلف الى المدعى عليه في صورة عدم الانكار والسكوت، أو إظهار عدم الاطلاع على زمان حدوث العيب، إشكال، ونحتاج الى التدبر في مسائل القضاء، فراجع هناك، وقد أشرنا الى منشأ الشبهة. وربما يقال: إنه في صورة جهالة البائع بما يدعيه المشتري، يكفي استناده الى الاصول المخالفة لدعواه موضوعية، أو حكمية؟! وذلك لان دعوى المشتري العيب، إما تكون في محيط يجري الاصل الموضوعي على خلافه، فإنكاره لاجل ذلك الاصل جائز، لانه من آثار الاصل المزبور. ولو لم يكن يجري الاصل، أو كان مثبتا غير حجة، فالانكار جائز، لانحلال دعواه الى اشتغال ذمة البائع بالارش، أو ادعاء الخيار.

[ 221 ]

ولو نوقش في استصحاب نفي الخيار - كما عرفت وجهه - فلا طريق له إلا دعوى انحلال دعواه الخيار، فإذا فسخ العقد يدعي حرمة تصرفه في العوض الشخصي، أو اشتغال ذمته بالثمن، فينكر عليه حسب الاصل الحكمي. وأما توهم استلزام جواز نفي اشتغال الذمة - حسب الاصل النافي الحكمي - لجواز نفي الطرف الاخر، وهو الخيار، لامتناع بقاء الخيار بدون حق الارش من قبل الشرع، لان التخيير بينهما أمر وحداني، فنفي أحدهما يستلزم نفي الاخر، فهو فاسد كما ترى. وفيه: أن مقتضى اعتبار تطابق الدعوى والانكار، عدم كفاية إنكار الامر الراجع الى دعوى المدعي، وقضية انحلال الدعوى الى الدعاوى، غير مسموع، لان الانحلال المذكور غير عرفي، وربما يكون المدعي متوجها الى أطراف القضية، ليجعل المنكر في الضيق والازمة، حتى لا يتمكن من الحلف مثلا. هذا، وفي جواز الاتكاء على الاصول لترتيب الاثار غير العملية - ومنها الاخبار والانكار - إشكال حتى في الاستصحاب، مثلا استصحاب طهارة الماء لا يقتضي إلا ترتيب آثارها العملية، كقاعدتها، وأما الاخبار عن طهارة الشئ فهو ليس من الاثار العملية، إلا إذا اجري الاصل في نفسه. ولكن الذي هو الحق: جواز ذلك في مورد الاستصحاب، لما تحرر

[ 222 ]

عندنا من انه ليس إلا تعبدا بإطالة عمر اليقين وبقائه (1)، أو تعبدا باليقين المماثل لليقين السابق في جميع الاثار، ولذلك تكون مثبتاته حجة عندنا. ويشهد لذلك ما ورد من جواز الشهادة على طبقه. وقد تحرر منا (2) جواز قيامه مقام القطع الصفتي، مع أن سائر الامارات لا تقوم مقامه، وعلى هذا يجوز الانكار على طبقه. إشكالات على كلام الشيخ الاعظم (قدس سره) ومما ذكرناه يظهر حكم ما في كلام الشيخ (قدس سره) من قوله: " ولو لم يختبر، ففي جواز الاستناد في ذلك... " الى قوله: " فافهم " (3).


1 - تحريرات في الاصول 8: 314، 351 - 352. 2 - تحريرات في الاصول 6: 147. 3 - المكاسب، الشيخ الانصاري: 263 / السطر 19 - 27، " ولو لم يختبر، ففي جواز الاستناد في ذلك إلى أصالة عدمه إذا شك في ذلك وجه احتمله في جامع المقاصد وحكي عن جماعة كما يحلف على طهارة المبيع استنادا إلى الاصل ويمكن الفرق بين الطهارة وبين ما نحن فيه بأن المراد بالطهارة في استعمال المتشرعة ما يعم غير معلوم النجاسة لا الطاهر الواقعي كما أن المراد بالملكية والزوجية ما استند إلى سبب شرعي ظاهري كما تدل عليه رواية جعفر الواردة في جواز الحلف على ملكية ما أخذ من يد المسلمين، وفي التذكرة بعدما حكى عن بعض الشافعية جواز الاعتماد على أصالة السلامة في هذه الصورة، قال وعندي فيه نظر، أقربه الاكتفاء بالحلف على نفي العلم واستحسنه في المسالك قال لاعتضاده بأصالة عدم التقدم فيحتاج المشتري إلى إثباته وقد سبقه إلى ذلك في الميسيه وتبعه في الرياض. أقول: إن كان مراده الاكتفاء بالحلف على نفي العلم في اسقاط أصل الدعوى بحيث لا يسمع البينة بعد ذلك ففيه إشكال، نعم لو اريد سقوط الدعوى إلى أن تقوم البينة فله وجه وإن استقرب في مفتاح الكرامة أن لا يكتفي بذلك منه فيرد الحاكم اليمين على المشتري فيحلف وهذا أوفق بالقواعد. ثم الظاهر من عبارة التذكرة اختصاص يمين نفي العلم على القول به بما إذا لم يختبر البائع المبيع بل عن الرياض لزوم الحلف مع الاختبار على البت قولا واحدا لكن الظاهر أن المفروض في التذكرة صورة الحاجة إلى يمين نفي العلم إذ مع الاختبار يتمكن من الحلف على البت فلا حاجة إلى عنوان مسألة اليمين على نفي العلم لا أن اليمين على نفي العلم لا يكفي من البائع مع الاختبار فافهم.

[ 223 ]

فإن هناك مواضع للنظر: منها: أن الاختبار غير لازم في الشبهات الموضوعية، ولا دليل على اختصاص باب الدعاوى بوجوبه. ومنها: أن أصالة عدم تقدم العيب، لا تثمر شيئا، حتى يصح الاعتماد عليها، كما مر. ومنها: أن الحلف على طهارة البيع، أجنبي عن البحث، ضرورة جواز الحلف عليه بعد اعتبار الشرع طهارة المشكوك، ولا يريد الحالف إلا ما جعله الشرع على المشكوك من الطهارة. وأما استصحاب العدم المذكور، فلا يكفي إلا للحلف على عنوان العدم، لاتقدم القبض، ولا أثر لعدم تقدم العيب المحلوف عليه، ولا يكفي الاستصحاب المذكور لجواز الحلف على تقدم القبض الذي هو

[ 224 ]

موضوع الاثر أحيانا. ومنها: انه لافرق بين استصحاب الطهارة وقاعدتها وبين سائر الموارد، ضرورة أن الجزم المنطقي غير معتبر قطعا، ويكفي التجزم الحاصل بكل واحد من الاصول المعتبرة. وأما دعوى المشتري نجاسة المبيع، فربما هي مستندة أيضا الى الاصل، أو تكون مستندة الى الامارة، فلا حكم إلا بالنجاسة المنجزة، وإذا أنكر البائع نجاسته - بقاعدة الطهارة واستصحابها - فينكر التنجس المنجز، فيكون بين الادعاء والانكار تطابق في الحقيقة، فما أفاده الوالد المحقق - مد ظله - (1) مخدوش، فليلاحظ. ومنها: أن الاكتفاء بالحلف على نفي العلم، غير مقصود، بعد كون البائع غير وارد في محط الدعوى، ولا يعد منكرا عند إظهاره عدم الاطلاع أو السكوت، ولو كان نفس ذلك كافيا لعده منكرا، فيجوز له الحلف - حسب الظاهر - على بطلان الدعوى، فالحلف على عدم الحلف، حلف على الامر الاجنبي من مورد الادعاء والانكار. ومنها: أن الدعوى تكون ساقطة الى حصول البينة، ولا أثر قبل قيام البينة بمجرد الدعوى حسب الظاهر، ولو كان مورد الدعوى ممنوع التصرف حتى لذي اليد، فلا معنى لكون الحلف على الامر الاجنبي موجبا لسقوطها، وقد مر أن الجزم غير لازم حتى يلزم الاختبار، والتجزم


1 - البيع، الامام الخميني (قدس سره) 5: 96 - 97.

[ 225 ]

كاف حتى في مثل قاعدة الحل (1) والطهارة (2). ولعل قوله (رحمه الله): " فافهم " إشارة الى جميع ما افيد. رجع: والذي هو الانصاف: أن المسألة تحتاج الى مزيد تدبر في مسائل القضاء، ولا ينبغي الغور فيها، ولذلك تركنا مسألة إقامة المنكر البينة وأنه هل يحق له ذلك أم لا، وعلى تقدير كونه ذا حق هل تعارض بينة المدعي، أم لا؟ وقد تعرض السيد للمسألة في " الحاشية " على إجمالها، وأوكل الامر الى محله (3)، لكونها خلافية قولا، واختلافية رواية، ومشكلة جدا، وإن كان الاظهر - بحسب بادي النظر عجالة - انه مع إمكان قيام البينة للمدعي، لا يليق للمنكر ولا يحق له إقامة البينة، وعند فقد بينة المدعي، يجوز ترك الحلف بإقامة البينة، والاحوط ضم الحلف إليها، فتأمل.


1 - أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سمعته يقول: كل شئ هو لك حلال حتى تعلم انه حرام بعينه فتدعه.... الكافي 5: 313 / 40، وسائل الشيعة 17: 89، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 4، الحديث 4. 2 - كل شئ طاهر حتى تعلم انه قذر. المقنع: 15، مستدرك الوسائل 2: 583، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات والاواني، الباب 30، الحديث 4، وسائل الشيعة 3: 467، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 37، الحديث 4. 3 - حاشية المكاسب، السيد اليزدي 2: 92 / السطر 4 وما بعده.

[ 226 ]

الجهة الرابعة في موارد الاختلاف في العيب على الوجوه المذكورة إذا كان طرف البيع والشراء وكيل المالك ين، فهل يجوز لهما طرح الدعوى، وهل يسمع القاضي قولهما وبينة المدعي وحلف المنكر، أم لا؟ وعلى تقدير عدم جواز الطرح، وعدم صحة دعواهما، فهل يترتب على إقرارهما شئ تفصل به الخصومة ولايحتاج الى الاصل، أم لا؟ وعلى تقدير نفوذ إقرار الوكيل بشئ، فهل يعارضه إنكار الموكل حتى تتكثر الدعوى، أو ينقلب وتسقط دعوى الوكيل، وانه يعتبر فرضا إقراره عند عدم معارضة الموكل، وأما في صورة المعارضة تبطل وكالته، ويصير أجنبيا بتاتا؟ وعلى تقدير جواز استماع دعوى الوكيل، فهل يسمع الاختلاف بين الموكل والوكيل، العائد نفع إقرار الوكيل الى كيس الطرف، أم لا، لان هذه الدعوى من قبيل الدعاوى التي لا أثر لها، ويعد الوكيل في حكم الشاهد الواحد للطرف؟ وجوه من البحث، وتحقيقه وتفصيله في محله - إن شاء الله تعالى - وإجماله يقع في طي امور:

[ 227 ]

الامر الاول حكم سماع القاضي لدعوى الوكيلين في جواز طرح الدعوى ونفوذها، ولزوم تدخل القاضي في ذلك، وجهان: من انهما قد بطلت وكالتهما، فهما بعد العمل بمورد الوكالة كالاجنبي بالنسبة الى الادعاء. ومن أن من الممكن أن يكون الوكيل المفروض أولا، مطلق العنان من قبل الموكل، ويعد وكيلا مفوضا، كما مر في خيار المجلس، والحيوان، والغبن (1)، فعندئذ لا يصير أجنبيا. بل إذا كانت الدعوى منه على مورد تحت سلطنته أو إنكاره في ذلك المورد، لا يجوز للقاضي السؤال عن حاله، من كونه وكيلا أو مالكا، فإن ذات الاستيلاء يكفي لجواز استماع دعواه، سواء كان مدعيا، أو منكرا. وقد مر انه ربما يكون ذو اليد مدعيا، لان تشخيص المدعي من المنكر بيد العرف، ولا أصل لمراجعة القواعد والاصول في ذلك، ضرورة أن جميع العناوين الواردة في الكتاب والسنة، موكولة الى العرف في التمييز والتشخيص، وكون المرجع أمرا آخر يحتاج الى الدليل الخاص. هذا أولا. وثانيا: إن الوكيل الاجنبي عن التصرف بعد فساد وكالته - بمضي


1 - هذه المباحث من كتاب الخيارات مفقودة.

[ 228 ]

زمانه، وتمامية أمره - لا يعد أجنبيا بالنسبة الى عصر الوكالة. وفيه: انه إن كان برضا المالك، فيكون وكيلا في الدعوى، وهو مما لا بأس به، وإلا فلا تسمع دعواه بعد نفي المالك دخالته في الامر. فبالجملة: النفي المطلق والاثبات المطلق، غير صحيح، والاوسط هو الحد الوسط، والتفصيل هو المعتمد. ولعل النفي في كلام الشيخ (1) وغيره (2) من بطلان الوكالة، ولزوم الرد الى الموكل، ناظر الى الوكالة الخاصة، لا المطلقة، فيكون مصب الفرض أخص، وتحشية المحشين في غير محلها. وبالجملة: في الصورة الاولى يكون الدليل بالخيار، واليه يرد الارش، بل لا تسمع دعوى الموكل إلا برجوع ذلك الى إبطال الوكالة، لانه في حكم الاجنبي، فلو كان الوكيل مفوضا بوكالة لازمة فلا تبطل بها، ولا تسمع دعواه، فتأمل. ومما اشير إليه يظهر وجه الكلام في قول الشيخ: " لو اختلف الموكل والمشتري " (3).


1 - المكاسب، الشيخ الانصاري: 263 / السطر 27. 2 - جامع المقاصد 4: 358، حاشية المكاسب، السيد اليزدي 2: 93 / السطر 15. 3 - المكاسب، الشيخ الانصاري: 263 / السطر 28.

[ 229 ]

الامر الثاني في موارد بطلان الوكالة وبعد مضي عمل الوكيل لو اختلف الموكل والمشتري في إحدى الصور المشار إليها في أصل المسألة، فلا ريب في سماع الدعوى، وإنما هنا بحث في أن اعتراف الوكيل في مورد الوكالة وإقراره على خلاف الموكل، نافذ يوجب حل الدعوى شرعا، أم لا؟ وجهان: من أن مقتضى قاعدة " من ملك شيئا ملك الاقرار به " (1) سماع إقرار الوكيل بالنسبة الى مورد سلطنته، وهو بيع السلعة، وانه أمين يقبل قوله. ومن أن كل ذلك يصح في صورة بقاء وكالته، وإلا فهو خارج عن مورد القاعدة، وعن مصب أدلة نفوذ إقراره لامانة الوكيل. فعلى ذلك، لو كان الوكيل مفوضا فالاقرب اعتبار إقراره، لانه ليس أجنبيا، بناء على أن قاعدة " من ملك شيئا... " تشمل أمثال الاستيلاء غير المالك ي، أو لانه من قبيل الاقرار على نفسه عند العقلاء، لانه بعد كونه مورد الائتمان عرفا وشرعا، يعد ذلك من الاقرار على نفسه، ولا يعتبر في ذلك الضرر المالك ي، بل يكفي الضرر الحالي، ضرورة انه يتضرر به من الجهات الاخر التي ربما تكون أهم من الاموال بأضعاف، كما لا يخفى.


1 - لاحظ حول القاعدة، المكاسب: 368، القواعد الفقهية 1: 4.

[ 230 ]

وعلى هذا، يظهر ما في كلام الشيخ والمحشين (رحمهم الله) (1) وما في " حاشية العلامة الاصفهاني " من ملاحظة الجهة المالية والغرامة في اعتبار إقراره (2)، غير تام، وليس مستند اعتبار إقراره إخبارا بينة الوكيل، بل المستند اعتراف العقلاء على أنفسهم. هذا مع أن اعترافه بذلك لو كان عن خيانة توجب تضرر الموكل، فهو مدفوع بأنه أمين لا يريد ضرر الموكل، فلاحظ. فبالجملة: يجوز في هذه الصورة إحلاف الموكل، وأما في مورد البحث - وهو بطلان الوكالة - فلا أثر يترتب عليه، حتى إذا تمكن من إقامة البينة، ليس له التدخل في ذلك حسب الظاهر، فقول الشيخ (رحمه الله): " ولم يتمكن الوكيل من إقامة البينة " (3) يناقض فرض كونه أجنبيا بطلت وكالته، ولو كان وكيلا مفوضا فيقبل منه جميع ما هو من شؤون البيع، كما عرفت، فلتيأمل جيدا. ثم إن جهالة المشتري بالوكالة، لا توجب شيئا في محط البحث، بعد عدم كونه وكيلا واقعا حين الادعاء.


1 - المكاسب، الشيخ الانصاري: 263 / السطر 29، حاشية المكاسب، السيد اليزدي 2: 93 / السطر 18. 2 - حاشية المكاسب، المحقق الاصفهاني 2: 118 / السطر 22. 3 - المكاسب، الشيخ الانصاري: 263 / السطر 29.

[ 231 ]

الامر الثالث حكم اختلاف الوكيل والموكل في سبق العيب على العقد في موارد اختلاف الوكيل والموكل في السبق مثلا، فيكون الوكيل مدعيا للسبق، وعندئذ يثبت للمشتري الخيار، وينكر عليه الموكل، فهل لا تسمع دعوى الوكيل بتوهم: انه أجنبي باطلة وكالته، أم مجرد الاجنبية غير كافية لعدم السماع بعد كونه ذا نفع بدفع الغرامة عن نفسه، ولو نوقش في ذلك: بأن الغرامة لا تتوجه بعد انعزاله عن الوكالة، بل مطلقا، لانه أمين حتى لو صار معيبا في يده؟ نعم، إذا قصر في تعيبه فله دعوى عدم السبق لدفع الغرامة. وعلى كل تقدير: يكون ما هو الاظهر جواز ادعاء السبق، أو إنكاره، نظرا الى بعض الاغراض الراجعة إليه غير المالية. ويظهر من الشيخ (رحمه الله) صحة الدعوى بين الوكيل والموكل، حيث قال: " للوكيل إحلاف الموكل على عدم السبق، لانه لو اعترف نفع الوكيل بدفع الظلامة عنه، فله عليه مع إنكاره اليمين " (1) انتهى. ولعل نظره الى الظلامة غير المظلمة المالية، وإن كان الاظهر إرادة الظلامة المالية والحق، كما يظهر من ذيل كلامه. وعلى كل تقدير: لو كان في الدعوى أثر اجتماعي ووجاهة، تسمع


1 - المكاسب، الشيخ الانصاري: 263 / السطر 30.

[ 232 ]

ولو كان مورد الدعوى مال الغير، فلو ادعى الوكيل سبق العيب، وأنكره المالك، فإنه ولو كان يستلزم أحيانا سقوط وكالته وبطلان سلطنته، يحلف. ولو انعكس الامر يحلف البائع، حسبما تحرر. وفي صورة التداعي يعامل في حقهما أحكام التداعي المحررة في محلها. وبناء على صحة الدعوى، لو رد اليمين الى الوكيل، فحلف على السبق، ألزم الموكل، لانه خاصة فصل الخصومة قهرا. ولو ادعى الوكيل السبق، ولم يتمكن من إقامة البينة، وحلف الموكل، فإن كان المشتري راضيا بدعواه، فيلزم البيع بلا أرش، وإلا ففي سقوط دعوى المشتري بسقوط دعوى الوكيل، إشكال بل منع. ويلزم تكرر الدعوى من غير كفاية الاولى عنها. نعم، ربما يستلزم سقوط الدعوى الثانية الموجودة بين الموكل والمشتري، سقوط الاولى، لاجل انتفاء الموضوع كما لا يخفى. وبالجملة: تحصل في هذه الجهة - مضافا الى إمكان استماع دعوى الوكيل، لانه ذا نفع في تلك الدعوى -: أن اختلاف الوكيل والموكل أيضا ممكن، وإن لم يكن الوكيل باقيا على وكالته، ويلزم من فصل الخصومة بنفعه، ثبوت الخيار والارش للمشتري، وتمام الكلام في محله. وقد اشير في كلام الشيخ (رحمه الله) إ لى بعض المباحث الاخر الراجعة حقيقتها الى بحوث القضاء، فالايكال إليه أولى.

[ 233 ]

الجهة الخامسة في اختلافهما في السلعة بعد اعترافهما في انها مورد العقد، وهي المبتاعة. والكلام هنا يتم في طي امور: الامر الاول في صور الاختلاف قد يكون الاختلاف فيها لاجل الاختلاف في خيارية العقد، وأن المشتري له الخيار وعدمه، ضرورة انه لو كانت السلعة التي ادعى المشتري انها سلعة البائع ومتاعه، هي واقعا سلعته، للزم كونه ذا خيار، لا نها معيوبة، فحينئذ يكون للدعوى مصب، وهي أن هذه السلعة الشخصية هي المبتاعة، ولها مرجع ومآل، وهو ثبوت الخيار، أو بعض الاحكام الاخر. والبائع عند هذه الدعوى تارة: ينكر مقالة المشتري. واخرى: يدعي ضد مقالته. وهو تارة: يكون دعوى أن سلعته المبتاعة تلك السلعة الصحيحة، مريدا به لزوم العقد. واخرى: يدعي لزوم العقد بالنظر الى مآل دعوى المشتري،

[ 234 ]

فإنه وإن لم يكن تطابق بحسب الصورة بين الدعويين، إلا انه لا يلزم التطابق في صورة التداعي، بعد كون الدعويين مرتبطتين. بل ربما يكون نفي خيار المشتري في قبال دعواه السلعة، من الانكار، دون الادعاء، لان إنكار المقصود بالاصالة في دعوى السلعة، يوجب التطابق اللازم في المسألة، لما لا دليل على أكثر من ذلك في شرطية المطابقة، كما لا يخفى. واخرى: يتفقان على أصل العقد وخياريته، لاعتراف البائع بعيب المتاع والسلعة، أو اعتراف المشتري بعيب العوض، كليا كان، أو شخصيا، لتعينه بالقبض، إلا أن المشتري يرد السلعة مريدا به حل العقد، والبائع ينكر كونها هي المبتاعة، مريدا به بقاء العقد ولو كان خياريا، أو شيئا آخر، كإرادته انه زيد العيب وهي تحت يده، ويكون مضمونا في تلك الزيادة، أو يدعي أن العقد باق نظرا الى ما قصده كما اشير إليه، ولا يعتبر - كما مر - التطابق زائدا عليه، بعد كون الدعوى ذات أثر، وقابلة للسماع عند القاضي، وتفصل الخصومة بحلفه على بقاء العقد. نعم، في صورة دعوى زيادة العيب، يحصل التداعيان المرتبطان نتيجة، كما لا يخفى. وثالثة: يختلفان فيما لا يرجع الى العقد حلا وبقاء، ولا الى دعوى الخيار وعدمها، كما إذا اتفقا على أصل الخيار وحله بالقول، أو بإرادة رد المتاع المبتاع، لا نها تكفي لسقوط الخيار والحل، أي كما أن إرادة بيع السلعة مع الالتفات، تكفي لسقوط الخيار وإن لم يتفق البيع والتصرف، كذلك إرادة الرد تكفي لحل العقد، وانه بها يحصل إنشاء

[ 235 ]

الحل، ولا يعتبر قبول البائع مثلا في انحلاله. وبالجملة: اختلفا في أن السلعة تلك المبتاعة، وأنكرها البائع، أو ادعى انها تلك السلعة. ولا مآل لهذه الدعوى بالنسبة الى العقد. نعم، لها المآل بالنسبة الى ازدياد العيب المضمون على المشتري، فإنه عندئذ يجوز أن يدعي - بعد دعوى انها سلعته -: أن المشتري ضامن نظرا الى زيادة العيب تحت يده وسلطانه. وغير خفى: أن إنكار البائع تارة: يكون لاجل أن ما يرده المشتري غير ما باعه شخصيا. واخرى: يكون لاجل حصول التغيير الى حد يصح له إنكار انه ليس هو. الامر الثاني كون الاختلاف في السلعة من موارد التداعي مقتضى ما تحرر منا، انه لاشبهة في موارد المدعي والمنكر و التداعي، ولاعبرة بالمآل والمرجع في الدعوى، وإنما اختلف الاصحاب أحيانا في المنكر والمدعي، لاختلافهم في طرق تشخيصهما، والاصول المعتمد عليها، والمراجع إليها. وحيث إنك قد علمت: أن الامر بيد العرف، ويكون الميزان على مصب الدعوى، ويكفي التطابق في السبب والمسبب، يكون في كثير من الموارد المشتري مدعيا، والبائع منكرا ولو كانت السلعة معيبة وهي

[ 236 ]

بعد عند البائع، ولم يرد المشتري ثمنه الى البائع، فإن له فسخ العقد حسب اعتقاده ويدعي البائع عليه، إلا انه فيما نحن فيه غير تام، لان جميع صور المسألة بعد القبض والاقباض وفي الموارد التي اشير إليها، يلزم كونها من التداعي. وأما الاعتماد على الاصول الصحيحة الجارية في مقام الافتاء والعمل، فهو مما لا بأس به، دون مقام القضاء وفصل الخصومات. مثلا: في مورد دعوى المشتري في مقام نفي الضمان بالنسبة الى العيب الزائد، تكون قضية العرف إقامة البينة عليه، إذا كان يطرح الدعوى على أن هذه السلعة سلعته، ولكنه بحسب الاصل برئ الذمة، لان الاصل عدم اشتغال ذمته بالزيادة المدعاة، فافهم ولا تغفل. الامر الثالث جولة حول الاصول العقلائية والشرعية المتمسك بها في كلام القوم، ناظرين بها الى تمييز المنكر من المدعي. مثلا: في " التذكرة " (1) و " الدروس " (2) و " الجامع المقاصد " (3): انه يقدم قول البائع في الفرض الاول، لاصالة عدم حق للمشتري على


1 - لاحظ تذكرة الفقهاء 1: 541 / السطر 28. 2 - لاحظ الدروس الشرعية 3: 289. 3 - لاحظ جامع المقاصد 4: 362.

[ 237 ]

البائع، ولاصالة عدم كونها سلعته (1). وقيل: ولاصالة عدم تعلق العقد بما يرد به، كما في كلام الشيخ (2)، أو أصالة عدم معرضية هذه السلعة للبيع. وربما يقال: إنه في الفرض الاول حيث يريد التعيب، يكون مقتضى الاصل العقلائي الموضوعي، سلامة المبيع والسلعة، فلاتصل النوبة الى الاصول الموضوعية الشرعية، ولا الى أصالة اللزوم، وعدم الخيار، وعدم نفوذ الفسخ، وبقاء العقد، لتقدمها عليها. وفيه: أن أصالة السلامة مورد الاتكاء، إذا كان حين العقد مشكوك العيب، فيرفع بها الغرر مثلا، وأما رفع الخيار بها فهو غير صحيح، لان حدوث العيب قبل القبض يوجب الخيار، ولا أصل في هذه الحالة. وليس بناء العقلاء على بقاء السلامة الى حال القبض، أو الى بعد مضى زمان الخيار المضمون. وأما استصحاب عدم التغيير، أو بقاء السلامة موضوعا، أو استصحاب عدم حدوث موجب الخيار، فيجري لو كانت أصالة السلامة كافية عن اليقين المعتبر فيه، كما ليس ببعيد. ولو نوقش في الاصول المذكورة، فأصالة بقاء ملكية كل من العوضين على حالها، والبراءة عن حرمة التصرف، وأصالة حلية كل


1 - لاحظ المكاسب، الشيخ الانصاري: 264 / السطر 4، فإنه لم يوجد الدليل في المصادر الثلاثة السابقة. 2 - نفس المصدر / السطر 8.

[ 238 ]

من التصرفات الخارجية والاعتبارية جارية، وتصير النتيجة: توقف الخروج عن مقتضى هذه الاصول على قيام البينة حسب دعوى البائع، فإنها إذا حصلت فلا محل لها. بل لا يبعد ذلك من غير التوقف على حكم الحاكم. نعم، فيما إذا كانت الامارة معارضة مع تلك البينة، فلا يبطل محلها إلا بالحكم، كما لا يخفى. مثلا تارة: يكون المنكر ذا اليد، وتقوم البينة على أن ما في يده لزيد، فإنه تقع المعارضة، وتفصل الخصومة بالحكم. واخرى: يكون مقتضى الاصل أن زيدا منكر، وقامت البينة على خلافه، فإن تصرف زيد يصير ممنوعا، وأما وجوب رفع اليد عنه، والتسليم الى المدعي، فلا يبعد أن يكون بعد الحكم، والمسألة تطلب من محلها. ويناقش في جميع الاصول الوجودية والعدمية والموضوعية والحكمية، من ناحية انها دائرة بين اللاجريان والمثبتية، وبين عدم كونها قابلة لتمييز المنكر من المدعي بها فيما هو مفروض البحث والمقصود في المقام. مثلا: أصالة عدم حق للمشتري على البائع لا معنى لها، لانه لاشك في عدم الحق، فإن الخيار حق متعلق بالعقد، وليس لذي الخيار حق على الطرف لينتفي بالاصل. وأما نفي حق الارش فهو غير بعيد، إلا انه خارج عن محط بحثهم ظاهرا. مع انه ليس - حسبما تحرر - أمرا وضعيا، بل الاظهر وجوب جبران

[ 239 ]

النقص من غير كونه دينا في الذمة، لقصور دليله عن إثبات الازيد منه. وأما أصالة عدم كونها سلعته فكما في " حاشية العلامة الخراساني (رحمه الله) " (1): لاحالة سابقة لها، لان السلعة هي المتاع الموصوف بالمبيعية. والحق: جريان استصحاب عدم كون المتاع الموجود ملكا للبائع، حتى ينتقل الى المشتري، وهكذا مع وصف المبيعية. نعم، مجرد نفي كونه متاعه وسلعته، لا يلازم شرعا نفي خيار المشتري، ضرورة أن موضوع الخيار هي السلعة التي بها عيب وعوار، ومع احتمال كونه معيبا من الابتداء، لا يمكن إثبات العدم النعتي باستصحاب العدم المحمولي. وغير خفي: انه لا حاجة في ظرف اليقين الى وجود الاثر، بل يكفي ذلك في ظرف الشك، فالعدم المحمولي لو كان في ظرف الشك صاحب الاثر يستصحب، إلا انه لا يجري بالنسبة الى شخص المتاع، لما مر من انه لا يستحق الاشارة إليه في ظرف الشك باستمرار ذلك العدم، كما لا يخفى. ومن هنا يظهر وجه أصل الشيخ (رحمه الله) لان استصحاب عدم تعلق العقد بالسلعة، أو أصالة عدم كون السلعة هي التي وقع العقد عليها (2)، مما لا بأس به، إلا انه أجنبي عن هذه السلعة.


1 - حاشية المكاسب، المحقق الخراساني: 228. 2 - المكاسب، الشيخ الانصاري: 264 / السطر 8.

[ 240 ]

ولا يتوجه إليه: انه لاأثر للعدم المذكور، لما عرفت. ولا يتوجه إليه أيضا: انه لاعلم بالعدم النعتي، لان نفس نفي الموضوع المقيد بالعدم المحمولي كاف لنفي الحكم عن الموضوع المقيد. فما أورده الوالد المحقق (1) - مد ظله - من الاشكالين - نوعا - في هذه المواقف، مدفوع. نعم، الاشكال الوحيد ما اشير إليه، ضرورة امتناع الاشارة الى الخارج لسلب العدم، إلا العدم الخاص، واستصحاب العدم المطلق، لا يفيد العدم الخاص، فتأمل. ومن الغريب التمسك باستصحاب عدم المعرضية!! غفلة عن أن المعرضية ليست موضوعا لاثر حتى يسلب الاثر بسلب موضوعه. وأما الاصول الحكمية، فقد أشرنا الى منع جريانها في ذاتها، وتفصيله في الاصول (2). واستصحاب بقاء القصد، غير نافع بالنسبة الى مورد الدعوى، ويكون كاستصحاب الملكية وبقاء العين تحت سلطنة مالكها. ومما ليس يخفى: أن استصحاب عدم التغيير لاأثر له، لما لا يكون الحكم مترتبا على التغيير. وهكذا استصحاب بقاء السلامة، وكأن جماعة منهم يرتضون في


1 - البيع، الامام الخميني (قدس سره) 5: 100. 2 - لاحظ تحريرات في الاصول 8: 525 وما بعدها.

[ 241 ]

جريانه بيقين وشك، من غير مراعاة أمر ثالث، ومن الغريب وقوع ذلك في كلام الشيخ الاعظم (قدس سره)!! ومن هنا يظهر: أن استصحاب المالك ية ليس جريانه واضحا، لعدم أخذ عنوانه في الدليل. نعم، استصحاب بقاء كونه ماله - لتنقيح موضوع قاعدة السلطنة - مما لا بأس به، إلا انها قاعدة غير ثابتة شرعيتها. هذا مع ما اشير إليه من عدم كفايتها للتمييز المنكر من المدعي في مصب الدعوى. ومن هنا يظهر حال سائر الاصول الشرعية. ومما ذكرنا يظهر حال الاصول في سائر الفروض. وأما قضية أصالة عدم خيانة المشتري، المستلزمة لتقديم قول المشتري، كما حكى عن الفخر (رحمه الله) (1) فالظاهر انه لم يرد منه الاستصحاب، لعدم كون الخيانة موضوعة للاثر في المعاملة، وصحتها، ولزومها. ولا يريد منه حمل فعل المسلم على أحسنه (2)، حتى يقال: إن رده يحمل على الاحسن، فيكون في محله، فإنه أيضا أجنبي عن أخبارها. فيبقى كونه من باب الامانة، ولا يكفي كونه شبيه الامانة، لان


1 - إيضاح الفوائد 1: 499. 2 - عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في كلام له: ضع أمر أخيك على أحسنه حتى يأتيك ما يغلبك منه، ولا تظنن بكلمة خرجت من أخيك سوءا وأنت تجد لها في الخير محملا. الكافي 2: 362 / 3، وسائل الشيعة 12: 302، كتاب الحج، أبواب أحكام العشرة، الباب 161، الحديث 3.

[ 242 ]

الشباهة غير كافية، كما وقع في كلام الفقيه اليزدي (رحمه الله) (1). ولا يتوجه إليه: انه ملك المشتري، فلا معنى للامانة، كما أورده الوالد المحقق (2) - مد ظله - وذلك لان مجرد إرادة الرد يوجب الفسخ، من غير الحاجة الى قبول البائع، فتصير يده بعد تلك الارادة يد أمانة شرعية. ومن الغريب ما في كلام العلامة المحشي (3): من انه صاحب الولاية على العين المشتراة شرعا!! وانى له ذلك بعد كونه مالكالها ملكا مرسلا طلقا، حتى تشمله النصوص الناهضة على المنع عن اتهامه (4)؟! ومجرد كونه موضوعا لجواز الرد لا يكفي لكونه أمانة، كما لا يخفى. وأما التمسك بقاعدة " من ملك شيئا " (5) فهو في غير محله، لانه نافذ بالنسبة الى الاقرار الخاص، لاكل إقرار يرجع نفعه إليه، كما نحن فيه.


1 - حاشية المكاسب، السيد اليزدي 2: 93 / السطر 37. 2 - البيع، الامام الخميني (قدس سره) 5: 102. 3 - حاشية المكاسب، المحقق الاصفهاني 2: 119 / السطر 7. 4 - عن جعفر بن محمد، عن أبيه (عليهما السلام) أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: ليس لك أن تتهم من قد ائتمنته، ولا تأتمن الخائن وقد جربته. قرب الاسناد: 41، وسائل الشيعة 19: 81، كتاب الوديعة، الباب 5، الحديث 10، وأيضا الحديث 9. 5 - لاحظ حول القاعدة، المكاسب، الشيخ الانصاري: 263 / السطر 28، القواعد الفقهية 1: 4.

[ 243 ]

فما هو الوجه الوحيد هو انه - كما اشير إليه - بمجرد إرادة رد العين يوجب انفساخ العقد قهرا، وتصير العين تحت سلطانه شرعا، وتكون له الولاية. إلا أن ذلك لا يكفي لحل المشكلة في محل الدعوى، إلا برجوع الدعوى الى الدعوى الاخرى، وأن مرجع الاختلاف في السلعة وعدمها، الى الخيانة وعدمها، وقد مضى بطلان الرجوع بما لا مزيد عليه. هذا مع أن قضية دعوى البائع خيانته، عدم انفساخ العقد، لا نها تستلزم عدم إرادته فسخ العقد بها، ضرورة أن العقد ينفسخ بها إذا كان المشتري مريدا رد السلعة المبتاعة واقعا، فمن صحة دعوى البائع يلزم عدم صحتها، فاغتنم. المقام الثاني في اختلافهما في المسبب، وهو الخيار ولا يلزم أن يكون مدعي الخيار المشتري دائما، لاحتمال كون البائع مدعيه، لما فيه الاثر المقصود، ولعلمه بأن المشتري إذا كان بالخيار، ينفسخ العقد. فعلى كل: المدار على العرف، وفي الغالب القريب من الاتفاق هو المشتري، فالقول قول البائع المنكر.

[ 244 ]

وأما موافقة قوله لاصالة اللزوم، ولاصل عدم الخيار، وعدم نفوذ فسخه، ولبقاء العقد والملكية، وغير ذلك، فكله - مضافا الى عدم الحاجة إليه - غير جار إلا استصحاب بقاء العقد، أو الاستصحاب الحكمي الناشئ شكه عن الشك في وجود العقد، وأما الناشئ عن إجمال الدليل وشبهه فلا، كما اشير إليه، وتفصيله في الاستصحاب. وغير خفي: أن المفروض اختلافهما في الخيار لاجل الشبهة الموضوعية، وأما الاختلاف لاجل الشبهة الحكمية، ففي صحة المراجعة الى القاضي رأسا إشكال، وإن كان يظهر من بعضهم جوازه. وبالجملة: على تقدير جوازه، فجريان الاستصحابات الحكميه الكلية ممنوع إلا البراءة، وهي في محط القضاء لا تنفع شيئا. بقي شئ حكم ادعاء المشتري لتعيب المبيع وثبوت الخيار إذا ادعى المشتري تعيب المبيع منضما الى أن له الخيار، كي تكون دعواه مركبة من السبب والمسبب، أو مركبة من المسبب المقيد بالسبب فيطرح انه بالخيار لكون المتاع معيبا عكس الفرض الاول، فعلى ما مر لا يجوز للقاضي التصرف في دعواه، ولا أصل يحرز به القيد، لان أصالة عدم العيب وعدم الخيار ولو كانا جاريين، لا يثبت بهما المقيد، ولا حالة سابقة للمقيد بما هو مقيد ولو انحلت الدعوى

[ 245 ]

المذكورة الى الدعويين أحيانا، ولكنه انحلال لا يعتبر في محيط القضاء. مع انه ربما يدعي: أن المتاع فيه العيب الموجب للخيار، في قبال بعض العيوب غير الموجبة له، فلا يكون معنى حينئذ للانحلال، كما لا يخفى.

[ 246 ]

البحث الثاني الاختلاف فيما يرتبط بسقوط الخيار بمعنى إسقاط الخيار كما إذا ادعى البائع أن المشتري أسقط الخيار، أو بمعنى انه يدعي سقوط خياره، لعدم ثبوته، فإنه يعتبر من السقوط تسامحا كما لو ادعى اشتراط سقوط خيار المجلس في ضمن العقد، فإنه حينئذ لا يثبت حتى يسقط، ولكنه مع ذلك يعد من السقوط، لان مقتضى الثبوت موجود، وأن السقوط يحتاج الى ضم خصوصية وجودية أو عدمية الى العقد، فلا تغفل. وبالجملة: هنا صور: الصورة الاولى ادعاء علم المشتري بالعيب بناء على عدم ثبوت الخيار، أو سقوطه في صورة علم المشتري بالعيب حين العقد، كما كان يستظهر من معتبر زرارة (1) لو اختلفا فيه، فالمدعي عندنا من يراجع القاضي ويطرح دعواه، سواء كان مورد الدعوى علم المشتري بالعيب، حتى لا يكون له الخيار، أو كان عدم


1 - تقدم في الصفحة 189.

[ 247 ]

الخيار. وكون مورد الدعوى وجوديا أو عدميا، لادخل له بحديث تشخيص المدعي من المنكر، وما اشتهر: من أن مقالة المدعي وجودية، والمنكر عدمية (1)، نظرا الى أن الوجود دائما مسبوق بالعدم المخالف للاصل، غير تام كما مر. ثم إن اختلاف الاعلام (رحمهم الله) في أن العلم الذي يدعيه البائع للمشتري بالعيب، مانع عن الخيار، كما في كلام الفقيه اليزدي (2)، أو عدم العلم شرط لثبوت الخيار ودخيل في المقتضي، كما في " حاشية العلامة الاصفهاني (رحمه الله) " (3) لاربط له بمسائل القضاء، ضرورة أن المسألة المطروحة عند القاضي، لابد وأن تكون ذات أثر ولو بلوازمها، أو ملازماتها. وكون الاصل مع منكر العلم - لانه بإنكار المانع والتعبد بعدمه، يثبت المدعي، وهو البائع، ولا يكفي الاصل المذكور إذا كان عدم العلم قيدا وشرطا، إلا على الاصل المثبت - أيضا أجنبي عن هذه المسألة ولو لم يكن مثبتا، أو كان الاول مثبتا دون الثاني، فإن التعبد بعدم المانع في باب المعاملات مثبت، لما لا يستفاد منه ترتب المقتضى على المتقضي، بخلاف التعبد بعد وجود الموضوع للاثر لنفي الاثر.


1 - لاحظ ملحقات العروة الوثقى 3: 35. 2 - حاشية المكاسب، السيد اليزدي 2: 94 / السطر 1. 3 - حاشية المكاسب، السيد الاصفهاني 2: 120 / السطر 13.

[ 248 ]

والحق: أن الاصليين مما لا بأس بهما، لان على تقدير فرض وجود المانع، يصح التعبد بعدمه، لما فيه الاثر كما تحرر، وهو يكفي لجريان الاصل. وهكذا الشك في كون المشتري جاهلا، فأن المنفي بالاصل ليس جزء المقيد، حتى يشكل إثبات التقيد به، بل الشك في حصول الجزء منشأ للشك في حصول الكل المسبوق بالعدم، ونفي الموضوع كله لنفي أثره جائز عندهم، فما أفاده الوالد المحقق - مد ظله - (1) لا يخلو من إشكال. نعم، لو كان الاثر للموضوع الخارجي المنعوت بالعدم النعتي، فاستصحاب العدم المحمولي لا يثمر، كما تحرر فيما سلف. ثم إنه في صورة كون الدعوى عدم الخيار للمشتري، فتارة: يدعي المشتري الخيار، فيكون التداعي. واخرى: ينكر ذلك العدم، لاجل إثبات الخيار، ولا ترجع الدعوى المذكورة الى لزوم البيع. وعلى كل: فإن قامت البينة على عدم الخيار فهو، وإلا فيحلف على أن عدم الخيار ليس لي، ولازمه الخيار، ويكفي ذلك لصحة الدعوى ولثبوت الخيار، كما هو الواضح، فتأمل.


1 - البيع، الامام الخميني (قدس سره) 5: 106.

[ 249 ]

الصورة الثانية الاختلاف في زوال العيب قبل علم المشتري، أو بعده وغير خفى: أن من شرائط صحة المنازعة، كون الشبهة موضوعية، كما اشير إليه (1). وأيضا منها: كونها ذات أثر، فلو اختلفا في الزوال قبل العلم وبعده، و كان الخيار والارش مترتبين على ظهور العيب، لا أثر لها، لان الحكم من تبعات العيب المعلوم حين العقد، وهما متفقان على جهالته حين العقد، حسب الظاهر. نعم، لو اريد من الاختلاف المذكور، الاختلاف في انه حين العقد كان عالما، فزال العيب حين العلم، وينكر عليه الطرف، فهو يرجع الى النزاع الاول بصورة اخرى، وهو ليس المراد هنا. فالخلاف هنا بعد الاعتراف بأن وجود العيب، سبب لحدوث الحكم، سواء كان هو الخيار، أو الارش، لكفاية أحدهما لصحة الدعوى، فإذا اعترفا بذلك فيصح النزاع فيما يوجب السقوط، بعد الاعتراف بمسقطية ما يتنازع فيه، كما إذا اختلفا في حصول الزوال بعد العلم، أو قبله، بعد الاقرار والاذعان بأن الزوال قبل العلم يوجب السقوط، كما مر في البحوث السابقة.


1 - تقدم في الصفحة 244.

[ 250 ]

إلا انك عرفت منا: أن الزوال قبل الرد وبعد الرد موضوع للاثر، ولا مدخلية للزوال قبل العلم وبعده، فطرح هذه الدعوى عندنا غير مرضي. بل الظاهر أن الشيخ (1) - تبعا للعلامة في موضع من " التذكرة " (2) - اعترف بذلك، فكان ينبغي طرح هذه الصورة في اختلافهما في زوال العيب قبل الرد وبعده، ضرورة انه موضوع للاثر، إما بدعوى سقوط الخيار والارش معا، كما اختاره بعضهم (3)، أو سقوط الخيار فقط، كما اختاره الشيخ (4)، أو الارش فقط، كما هو الاقرب والاشبه. وغير خفي: انه ربما تقع المنازعة في هذه المسألة لاجل الاثر، إلا أن الاثر يختلف، وهو أيضا كاف لصحتها، مثلا إذا ثبت تقدم زوال العيب على العلم، يسقط الخيار بعد ثبوته بوجوده الواقعي، ويدعي الاخر تأخره لاثبات الارش فقط، دون الخيار، بناء على انه لا يثبت في صورة العلم. أو اختلفا في التقدم والتأخر بالنسبة الى الرد، مع اختلاف الاثر من حيث الخيار والارش، فيدعي البائع زواله قبل العلم، فلا يكون له إلا الخيار، لان الارش غير ثابت في هذه الصورة، لكونه على خلاف القواعد كمالا يخفى، ويدعي المشتري زواله بعد العلم، فلا يكون له إلا الارش.


1 - المكاسب، الشيخ الانصاري: 261 / السطر 4. 2 - تذكرة الفقهاء 1: 541 / السطر 22. 3 - نسب الشيخ الانصاري إلى تذكرة الفقهاء، لاحظ المكاسب: 261 / السطر 4، تذكرة الفقهاء 1: 541 / السطر 20. 4 - المكاسب، الشيخ الانصاري: 261 / السطر 11.

[ 251 ]

ومما اشير إليه إلى هنا، يظهر مواضع ضعف وقعت في كلام الشيخ (رحمه الله) (1) ولاسيما الفقيه اليزدي (2)، وبالاخص العلامة المحشي (3)، بل والوالد المحقق - مد ظله - (4). إذا تبينت هذه الوجيزة، فالمدعي والمنكر - على ما أسسناه - من الواضح الغني عن البيان، وعن إقامة البرهان. وأما تشخيصهما حسب الاصول الجارية، ففي صورة عدم كون الدعوى حول عناوين التقدم والتأخر، بل كان المشتري يدعي بقاء العيب، والبائع ينكره، فالاصل مع البائع، ولا بأس به ولو كان ما هو موضوع الاثر عنوان ما به العيب والعوار، ومورد الدعوى أن المتاع معيب، أو أن العيب باق، كما لا يخفى. الصورة الثالثة الاختلاف في أن الزائل هو العيب القديم، أم هو الجديد ضرورة انه لو كان قديما يكون موجبا للاثر، وذاك الاثر كما يمكن أن يكون بقاء الخيار والارش، أو أحدهما - لان ثبوت العيب يوجب ذلك، وزواله لا يوجب شيئا، إلا أن حدوث العيب الجديد يمنع عن بقائه -


1 - لاحظ المكاسب، الشيخ الانصاري: 264 / السطر 19. 2 - حاشية المكاسب، السيد اليزدي 2: 94 / السطر 1 - 8. 3 - حاشية المكاسب، المحقق الاصفهاني 2: 120 / السطر 18. 4 - البيع، الامام الخميني (قدس سره) 5: 106 - 107.

[ 252 ]

يمكن أن يكون الاثر في دعوى زوال العيب القديم نفي الخيار، وأن زوال العيب الحادث لا يوجب شيئا، والمخالف يريد إثبات الخيار أو الارش. فبالجملة: كما اشير إليه يتصور هناك أيضا صور كثيرة بالنسبة الى اختلافهما، مدعيا، ومنكرا، وموردا، وبالنسبة الى الاثر المتعدد، وهو الخيار والارش، أو الواحد، أو كانا مختلفين من هذه الجهة أيضا. وربما لا يكون في دعوى أن الزائل هو العيب الجديد أثر، إلا انها يلازمها ذو أثر، لا نها تستلزم إنكار زوال القديم، فهل في هذه الصورة يسمع الى الدعوى، أم لا؟ وجهان: أظهرهما الاول، لكفايته في لزوم تدخل القاضي، بعد تقرر التخاصم العقلائي الذي هو ذو الاثر ولو بلازمه، من غير لزوم إرجاع الادعاء الى الانكار، كما لا يخفى. وغير خفي: أن المسألة ذات وجوه حسب المباني، كما أشير إليه في الصورة السابقة، وأشرنا آنفا الى انه ربما تختلف المباني، على حد تكون دعوى زوال العيب القديم موجبة للخيار، لما لا يترتب على العيب الجديد شئ عند مدعيه ولو كان الطرف - حسب رأيه - على عكس ذلك، فيقع القاضي في أمثال هذه المعارك في المشكلة والمعظلة، لاختلاف آثار دعواهما الى اختلاف نظرية المتداعيين، وهذا مما قد غفل عنه كلام المتأخرين هنا، كما هو الظاهر.

[ 253 ]

الصورة الرابعة ما لو كانا مذعنين بالعيب الموجود، والعين تحت يد المشتري فلو اختلفا في عصر حدوثه، فيدعي البائع حدوثه في يده، والمشتري يدعي حدوثه حين العقد فهو يرجع الى الصورة الاولى، وهو تعيب المتاع حين العقد وعدمه، ويرجع الى الشك في الثبوت، إلا انه بحسب الصورة غير الصورة الاولى، لمفروضية وجود العيب المشاهد. وعلى كل تقدير: يمكن دعوى أن الاختلاف المذكور، ناظر من ناحية البائع الى نفي الخيار بسقوطه، لان حصول العيب تحت يد المشتري، تغير في المتاع، وهو يمنع الرد، ومن ناحية المشتري الى بقائه، فيكون البائع مدعيا، والمشتري منكرا. وفي نفس هذه الصورة له طرح الدعوى، على وجه يرجع الى عدم ثبوت الخيار فيكون بحسب الاصل منكرا، ولو كان بحسب العرف مدعيا، والعبرة بالثاني، كما عرفت. وربما يحتال المدعي بحسب الواقع، وهو المشتري، لادعائه بقاء الخيار، على وجه يرجع البائع الى القاضي بدعوى إنكار بقاء خياره، فيكون حسب العرف هو المدعي ولو كان هو منكرا بمقتضى أصالة بقاء سبب الخيار، أو ذاته، وعلى هذا الوجه يختلفان في السقوط، لا الثبوت. والبحث هنا حول صور ثبوت الخيار، خروج عن محط الكلام. ثم إن البائع والمشتري في صورة التداعي أو الادعاء والانكار،

[ 254 ]

يتوافق قول كل منهما مع الاصل، مثلا مقتضى أصالة السلامة كون المتاع سليما، فيكون العيب المشاهد بلا أثر، والاستصحاب القهقري العقلائي في أمثال المقام - ولاسيما مع معلومية عصر القبض - يقتضي حدوث العيب قبل القبض، أو القرائن الخاصة ربما توجب كون الاصل حدوث العيب قبله، لظاهر الحال، فعلى ما تحرر منا من أن العبرة بالمدعي والمنكر في مقام المراجعة الى القاضي، فلا أثر لهذه الاصول. نعم، لها الاثار بالنسبة الى الاجنبي عن الدعوى، غير المرجوعة الى القاضي، كما لا يخفى. وأما أصالة صحة القبض، بمعنى أن كون المقبوض صحيحا، فلا أصل لها، ولا بمعنى أن القبض صحيح. مع انها لا تثبت كون العيب حدث بعد القبض إلا على القول بحجية الاصول المثبتة العقلائية. وغير خفي: أن المشتري ربما يدعي أن هذا العيب المشاهد، عبارة عن ذاك العيب حين العقد، فالاثر باق، والبائع ينكر ذلك عليه، من غير أن يكون ناظرا الى حدوث العيب المشاهد في يده، فيكون التغير موجبا لسقوطه، لاحتمال قوله بأن مجرد التغير لا يوجب السقوط، بل إحداث الحدث يوجبه، والمفروض خلافه. وعلى هذا، ترجع الدعوى الى السقوط. إلا أن إنكار البائع كما يمكن أن يكون إقرارا بالعيب حين العقد، - حتى يثبت الخيار به، وهكذا الارش - يمكن أن يكون السلب التحصيلي سلبا بانتفاء موضوعه، فينكر واقعا أصل وجود العيب، لان إنكار مقالته لا ينافي إنكار أصل العيب، فيرجع الى الدعوى في الثبوت، وهذا مما لا ينبغي أن يختفي على

[ 255 ]

القاضي العارف بالمسائل. نعم، ربما يكون سلبا عن الموضوع المفروض، لشهادة القرائن والحال. وعلى هذا، يقع البحث في انه يؤخذ بهذا الاقرار، لعدم ادعائه تغير المتاع عند المشتري، أو لا يعتمد على مثله، لانه ليس بإقرار صريح، أولا يسمع الى الدعوى المذكورة، لاجمالها، فلابد من ترتيب حتى يتبين الحال، وانه ينكر عليه ويريد لازمه الاخر، وهو حدوث العيب تحت يده، لا الاقرار بالعيب حين العقد فقط، أم يرجع ذلك الى إقرار من جهة، وادعاء من اخرى، وجوه لاتخفى. الصورة الخامسة في اختلافهما في التبري وهذا تارة: يكون المتاع الموجود بين أيديهم معيبا. واخرى: يكون صحيحا. ففي الفرض الاول، يكون مدعي التبري مدعي السقوط، لظهور الحال في ثبوت الخيار مع قطع النظر عن تبريه، فمنكر البراءة يحلف. ولو رجع المشتري الى القاضي وادعى الخيار، فعليه البينة، ولا ترجع دعواه عن مصبها الى المصب الاخر، كما صرح به في غير موضع

[ 256 ]

صاحب " الجواهر " (رحمه الله) (1) ولكنه خرج من البحث المخصوص بالسقوط، فلا تخلط. وأما في الفرض الثاني، فإن كان المتاع في حال الدعوى عند البائع، فلا أثر لهذه المخاصمة، لانه إما تبرأ البائع فلا خيار للمشتري، ولو لم يتبرأ وزال العيب قبل العلم والقبض فكذلك. بل ولو قلنا: بأنه يورث سقوط الخيار قبل الرد، فلا خيار أيضا للمشتري، سواء تبرأ أو لم يتبرأ. فإن كان النظر في الدعوى المذكورة الى الخيار، فهذا حكمه. وأما لو كان النظر الى الارش، وقلنا بأن العيب حين العقد يورث الارش بوجوده الحدوثي - كما هو ظاهر الشيخ (رحمه الله) (2) - في محله، فادعاء التبري له الاثر، وهو عدم الارش، وإنكاره يستلزم الارش، والقول قول المنكر عرفا، بل وأصلا باستصحاب عدم التبري. اللهم إلا أن يقال: إن المحمولي منه بلا أثر، والنعتي منه بلا سابق، كما مر مرارا. وغير خفي: انه لو كان الميزان على مرجع الدعوى، فالاختلاف في التبري ينتج أن المشتري يدعي الخيار، وأصالة اللزوم خصمه.


1 - جواهر الكلام 23: 285 - 286. 2 - المكاسب، الشيخ الانصاري: 253 / السطر 28.

[ 257 ]

الصورة السادسة ما لو اختلفا في شرط من شروط تأثير التبري بعد عدم كفاية مجرد التبري على تقدير ثبوته لسقوط الخيار. وذلك كما إذا اختلفا في سماع التبري، فيدعي المشتري عدم السماع، أو اختلفا في صحة القوة السامعة، فيدعي البائع صحتها، نظرا الى نفي الخيار والارش، وينكرها المشتري، فإنه بعد ما عرفت الحال في سائر الصور، لا حاجة الى التكرار. وغير خفى: أن ادعاء التبري ليس إقرارا بالعيب الموجب للخيار، كما أن ادعاء عدم السماع، ليس إقرارا بنداء التبري، وأن البائع نادى بذلك. وعلى كل تقدير: قضية الاصل عدم سماع التبري، فلا يسقط الخيار فيما إذا ادعى البائع سماعه. وأما إذا ادعى المشتري عدم السماع، وكان الميزان العرف في التشخيص، فلاعبرة بالاصل، فيحلف البائع، ويرد إليه الثمن. دلالة مكاتبة جعفر بن عيسى وربما يشير الى هذه المسألة مكاتبة جعفر بن عيسى قال: كتبت الى أبي الحسن (عليه السلام): جعلت فداك، المتاع يباع فيمن يزيد، فينادي عليه

[ 258 ]

المنادي، فإذا نادى عليه برئ من كل عيب فيه، فإذا اشتراه المشتري ورضيه، ولم يبق إلا نقده الثمن، فربما زهد فيه، فإذا زهد فيه ادعى فيه عيوبا، وانه لم يعلم بها. فيقول المنادي: قد برئت منها. فيقول المشتري: لم أسمع البراءة منها. أيصدق فلا يجب عليه الثمن، أم لا يصدق، فيجب عليه الثمن؟ فكتب (عليه السلام): " عليه الثمن " (1). وربما كان ذلك إشعارا بأن البائع يحلف، فإن العبرة بمصب الدعوى، وهنا يكون المشتري مدعيا، ويكون القول قول البائع، وتكون الرواية شاهدة على مقالتنا. والحكم الجزمي برد الثمن إشعار بأن القول قول البائع، وعليه الاثبات وإقامة البينة، ولايجوز له منع الثمن. ولو كان المدار على المرجع، فربما يختلف المرجع الاول والثاني، فإن هنا يكون المرجع الاول أصالة عدم السماع فيثبت له الخيار، والمرجع الثاني أصالة لزوم البيع فلا خيار له. فمنه يعلم: أن القاضي ينظر الى الدعوى، فمن راجعه وطرحها يطلب منه البينة، سواء كانت مقالته معنى وجوديا، أو عدميا، كعدم


1 - تهذيب الاحكام 7: 66 / 285، وسائل الشيعة 18: 111، كتاب التجارة، أبواب أحكام العيوب، الباب 8، الحديث 1.

[ 259 ]

السماع في المقام. وأما الاختلاف في سند الحديث، فهو كثير الذيل، لان رواية الصفار، عن محمد بن عيسى، عن جعفر بن عيسى، محل إشكال من جهات: لاختلاف محمد بن عيسى في هذه الطبقة، وإن كان الاظهر هنا هو اليقطينى ابن عبيد. وفي جعفر بن عيسى بحث. وكون الرواية معمولا بها بوجه ينجبر ضعفها، أيضا غير واضح، ولاجله استشكل أحيانا الاردبيلى (رحمه الله) (1)، فيها ومنعه الاخر (2). وأما الاختلاف في فهم متنه، فربما ينتهي الى عدم قرار معنى ظاهر، إلا انه حيث تكون قضية فرضية، لاواقعية اتفاقية، وتكون من قبيل الاستفتاء، فربما كان السائل يحتمل حجية قول المشتري، فيكون المقصود ترتيب آثار الصحة على الثمن غير المقبوض إذا كان معينا، فاجيب برد الثمن إليه، لعدم الحجية، ولزوم الوفاء بالعقد. أو كان النظر الى انه لو انتقل الثمن الى البائع، يجوز ترتيب الاثار على ذلك الثمن، أم لا، لاحتمال كونه مصدق القول؟ ولكنه بعيد، لقوله: " فيجب عليه الثمن "، فإنه يعلم منه: أن نظر السائل الى حكم رد الثمن وعدمه، لا ترتيب الاثار بالنسبة الى نفس السائل، وهو جعفر


1 - مجمع الفائدة والبرهان 8: 437. 2 - الحدائق الناضرة 19: 92.

[ 260 ]

بن عيسى حتى تكون أجنبية عن مسائل القضاء. وبالجملة: بناء ما على احتملناه، لا تكون الرواية محتاجة الى توجيه " الحدائق " (1) الراجع الى معلومية كذب المشتري في دعواه، ولا الى توجيه الشيخ (2) الراجع الى أن ظاهر الحال يقتضي سماع المشتري، فيكون مدعيا، لعدم الظهور بعد كون الاحداث حين النداء كثيرة، مع احتمال كونه ثقيل السمع، وترك الاستفصال. وأما المناقشة في حجية هذا الظهور، فهي في غير محلها، لا لاجل دلالة نفس الرواية على حجيته، كما أفاده الوالد المحقق - مد ظله - (3) لعدم الملازمة وجواز التفكيك، والالتزام بكون الرواية على خلاف قواعد القضاء، لكثرة التخصيصات في الاحكام والقواعد الاولية، بل لاجل عدم الحاجة في تشخيص المدعي والمنكر الى حجية الظهور، لان المنظور وما هو المقصود هو العنوان عرفا، وهو حاصل. بقي شئ: حول إشكال في مكاتبة جعفر بن عيسى قد استشكل في كلماتهم على الرواية: بأن الظاهر منها عدم اشتراط التبري في طى العقد في موارد المزايدة، وعندئذ لا يسقط الخيار، فلا


1 - نفس المصدر. 2 - المكاسب، الشيخ الانصاري: 265 / السطر 5. 3 - البيع، الامام الخميني (قدس سره) 5: 111.

[ 261 ]

يوجه الحكم برد الثمن. ومن الغريب ذهاب السيد الوالد (1) - مد ظله - الى انه لا حاجة الى الاشتراط، لان الحكم عقلائي، وقد كان بناؤهم على أن العيب سبب للخيار، والتبري يوجب قصور السببية. وحديث أصالة السلامة والاشتراط الضمني في ثبوت الخيار - حتى نحتاج الى الاشتراط في السقوط - مما لاأساس له!! وقد مر وجه عدم تمامية مرامه، ضرورة انه لا يتصور حكم العقلاء بسببية العيب للخيار إلا عقيب بناء منهم على سلامة الامتعة، وقرارهم الطبيعي على مطلوبية السالم، كما مر بتفصيل. وأصالة السلامة أجنبية عن هذه المرحلة، بل هي أصل يشخص الصغرى، وأن هذا المتاع الخاص سالم إن شاء الله تعالى. وأما قصة براءة البائع، فهي توجب انقلاب ذاك البناء والمحيط في دائرة صغيرة، وهي دائرة بيع الامتعة في المزايدة مثلا، ويضمحل الاصل والبناء بعد ذاك النداء، من غير اعتبار اشتراط ذلك في ضمن العقد، حتى نحتاج الى بعض المحتملات الواقعة في كلمات المحشين وغيرهم، وقد فصلنا حوله فيما سبق بما لا مزيد عليه.


1 - البيع، الامام الخميني (قدس سره) 5: 112.

[ 262 ]

الصورة السابعة في موارد ادعاء البائع سقوط الخيار الملازم لاقراره بثبوته عرفا كما إذا ادعى انه أسقط خياره بعد العقد، أو اشترط عدم الخيار حين العقد، أو رضي والتزم به حين العقد، أو بعده، أو تصرف بما يوجب السقوط أو أحدث ما يسقطه، أو تغير بما يوجب السقوط، أو غير ذلك، فالاستحلاف يتوجه الى المشتري. إلا أن للبائع أن يحاول مع المشتري خارج مجلس القضاء، على وجه تنقلب الدعوى عند القاضي، فيدعي الخيار، أو عدم الاسقاط، أو بقاء العين على حالها، وغير ذلك، فيستحلف البائع - عندنا - ولو كان بحسب المرجع الاصل مع المشتري، والحجة في بعض الصور العقلائية أيضا معه زائدا على الاستصحاب. وغير خفى: أن استصحاب العدم النعتي، جار حتى في صورة ادعائه الشرط في ضمن العقد، لانه أمر يحصل متأخرا عنه زمانا، فتأمل. ويجوز المناقشة في جميع هذه الاصول العدمية النعتية، ضرورة أن إسقاط الخيار ليس موضوعا لحكم، حتى يكون استصحاب عدم الاسقاط كافيا وما هو موضوع الحكم هو الخيار، بل هو نفس الاعتبار الوضعي، والمفروض أن مصب الخلاف هو السقوط والاسقاط. نعم، إذا كان الرضا أو الالتزام بماهما موضوعا فهو، وإلا فلا. وللمناقشة في موضوعيتهما وجه وجيه، لان الظاهر أن الرضا

[ 263 ]

والالتزام - بما انهما ينافيان وجود الخيار ويزول بهما الخيار - يعتبران، ولا دليل على أن الالتزام سبب. نعم، في خصوص الرضا ولو ورد دليل (1)، إلا انه لخصوص بعض الابواب، فلا تغفل. نعم، في موارد الاختلاف في الاحداث والتغير، يمكن تتميم الاصل، فافهم وتأمل أيضا. وبالجملة: لا حاجة الى الاصول رأسا، كما مر.


1 - وسائل الشيعة 18: 13، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 4، الحديث 1.

[ 264 ]

البحث الثالث في موارد الخلاف في الفسخ وغير خفي: أن كلا من البائع والمشتري تصح له الدعوى على الاخر، لفرض الاثر، مثلا يدعي البائع فسخه نظرا الى عدم رد الارش، لما فيه من ثمرته، أو نظرا الى بعض الاغراض الاخر الراجعة الى رجوع العين الى ملكه، كما يدعي المشتري فسخه إلا انه بالنسبة الى الزمان الاسبق، لانه إذا ثبت الفسخ السابق، يتعين على البائع خسارة حفظ متاعه عند المشتري، وعلوفته مثلا، أو يكون ناذرا لعدم الفسخ من الزمان الكذائي، فيدعي الفسخ السابق عليه، لما لا يتمكن شرعا من الفسخ بعد ذلك. فبالجملة: دعوى كل واحد منهما، يجوز أن تكون ذات ثمرة تسمع عند القاضي. وربما يدعي المشتري عدم الفسخ، حسبما مر آنفا من إمكان أن يحتال البائع في بيان الدعوى، على وجه يدعي المشتري عند القاضي، وتكون النتيجة عدم تعين الارش.

[ 265 ]

حكم ادعاء المشتري للفسخ ولا يريد الفسخ في زمان دعواه منها: لو اختلفا في الفسخ، وكان المشتري يدعيه، ولا ثمرة في زمان دعواه إلا في موردين، ولا يريد إنشاءه في زمان الادعاء، إما لاجل نقض غرضه من الدعوى، أو لاجل الحنث. ولو لم يكن له في دعواه الاثر، وكان له الانشاء، فلا معنى لدعواه، فما في كلام الشيخ (1) و " الدروس " (2) وبعض المحشين (3)، غير مطابق لما وصل الينا من البحث، والامر سهل، فعليه يحلف البائع. مع أن الاصل مع المدعي بالضرورة، لبقاء الخيار، ولعدم الفسخ، بناء على كون استصحاب عدم فسخ الخيار مفيدا. ولو ادعى البائع بقاء الخيار، يحصل التداعي. ثم إن في دعواه الفسخ، وإقراره بالفسخ، وإخباره بأنه فسخ فيما مضى، وإن كان إظهارا لحل العقد، إلا انه في كفايته إشكال - ولو كان إظهار الرضا والالتزام، كافيا في سقوط الخيار - فإن سقوط الخيار يعلل بأخبار خيار الحيوان، المشتملة على أن الرضا يكفي لسقوط


1 - المكاسب، الشيخ الانصاري: 265 / السطر 16. 2 - الدروس الشرعية 3: 286. 3 - حاشية المكاسب، السيد اليزدي 2: 95 / السطر 4، حاشية المكاسب، المحقق الاصفهاني 2: 122 / السطر 5.

[ 266 ]

الخيار (1)، بخلاف حل العقد، فالقياس مع الفارق، فلا تغفل. فما في كلمات بعض المحشين من انكشاف الحل بالاقرار (2)، غير تام. هذا مع انه لو كان تاما فهو هنا غير صحيح قطعا، لانه يريد ضد هذا الكشف، ضرورة انه يريد الفسخ في الزمان السابق لمصالح فيه، وربما يكون نادما بعد ذلك، لما في الفسخ من المنقصة عليه، كما قد يتفق. فعلى ما تحرر وتقرر، لا يبقى وجه لما في " الدروس " (3) على جميع الوجوه الممكنة، بل مقتضى أصالة صحة الدعوى، عدم إمكان انكشاف الحل من الحين ولو أمكن استعمال الجمل التصديقية - التي يكون الموضوع فيها خاصا - في الاكثر من معنى واحد ولو كانا متقابلين، كالاخبار والانشاء. مع أن تقابلهما في رتبة الاستعمال، محل الكلام في غير المقام. ومن هنا يظهر: أن قياس ما نحن فيه بالطلاق والرجوع (4)، أيضا في غير محله. كفاية ادعاء المشتري لسقوط خياره في حل العقد نعم، لامنع من البحث الاجنبي عن المسألة: وهو انه لوادعى


1 - لاحظ وسائل الشيعة 18: 13، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 4، الحديث 1. 2 - حاشية المكاسب، المحقق الاصفهاني 2: 122 / السطر 7. 3 - الدروس الشرعية 3: 286. 4 - لاحظ المكاسب، الشيخ الانصاري: 265 / السطر 17.

[ 267 ]

المشتري سقوط خياره وإسقاطه، فهل يكفي هذا لحل العقد، بعد ظهوره في الاخبار من غير النظر الى المرافعة الراجعة الى طرح الدعوى عند القاضي، أم لا؟ وجهان. لا يبعد الاول، لاجل إعراضه عن الاخذ بالارش، بعد العلم بأنه إما لا يعرض عنه، أو يفسخ، وإلا فمجرد الرضا بالحل غير كاف ولو ينكشف ذلك بإخباره. وأما إذا لم يحرز ظهور كلامه في الاخبار، بل كان من قبيل كلمة " يعيد " الواردة في كثير من الاخبار (1)، فلامنع عنه بالضرورة. ادعاء المشتري للفسخ وكان الدعوى خارج زمان الخيار ومنها: لو ادعى الفسخ، ولم يكن زمان الدعوى زمان الخيار، فهو بعينه ما مر، لان في الفرض الاول ولو كان زمانها زمان الخيار، إلا انه لو لوحظت الدعوى بالنسبة إليه للزمت لغويتها، وسقوط الادعاء عن صلاحية الاستماع، فمضي الزمان المذكور على الوجهين، وإلا فالصورتان واحدة، فلا تغفل عما في كلام الاعلام، عليهم رضوان الله الملك العلام.


1 - وسائل الشيعة 1: 142، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 4، الحديث 1، و: 173، الباب 14، الحديث 9، و: 248، أبواب نواقض الوضوء، الباب 1، الحديث 9.

[ 268 ]

بقي شئ: ممانعة ادعاء الفسخ عن استحقاق الارش هل ادعاء الفسخ يمنع عن استحقاق الارش، لاجل انه في صدقه لا يستحق، ولا معنى لحمل كلامه على الكذب، ولا للتفكيك، للزوم العلم بمخالفة الواقع إما لمنعه عن الفسخ، أو لاخذه الارش؟ أم لا، لامكان التعبد بالتفكيك، مع أن عدم حمل كلامه على الكذب، لا ينافي الكذب الثبوتي، مع احتمال كونه قاصدا لغرض في طرح دعواه، فلا يستكشف من ادعائه إعراضه عن حق الارش، حتى يحكم بثبوت الارش له على البائع، واشتغال ذمته به. وربما يقال: إن مقتضى إطلاق ما في الاخبار - من أن الحلف يذهب بحقه - أعم من الحق الذي هو مورد دعواه، ولازمه، وكان العقد باقيا حسب الحلف، فيمكن دعوى ثبوت الارش حسب إطلاق دليله، وهذا الاطلاق أقوى من الاطلاق السابق المانع بلازمه عن الارش، فلولا بعض الوجوه المشار إليه، كان تعين الارش على البائع قطعيا. وأما ما عن " الدروس " (1) فهو مبنى على ما أشرنا إليه، من رجوع خيار العيب الى خيار الغبن، لزيادة الثمن حسب الطبع عن القيمة السوقية، لكون الصحيح أغلى من المعيب، فإذا فسخ المشتري بعد حلف البائع بعدم فسخه، فلا بحث. وأما إذا لم يفسخ فيلزم اشتغال ذمة البائع بالنسبة الى الاقل،


1 - الدروس الشرعية 3: 286.

[ 269 ]

للعلم الاجمالي الدائر بين الاقل والاكثر، ضرورة انه يعلم إجمالا: بأنه إما مديون بمقدار الارش، أو مقدار زيادة الثمن، فإن اتفقا فهو، وإن اختلفا فيؤخذ بالاقل المتيقن بينهما. وهذا من غير فرق بين كون الارش غرامة، أو دينا، ضرورة انه عند الطلب يجب عليه إما أداء عشرين دينارا، أو عشرة، والقدر المتيقن هي العشرة. فما في كلام العلامة المحشي (رحمه الله) (1) في غير محله، فلا يعتبر في إيجاب الاداء بالاقل، اشتغال ذمته بالارش. نعم، بناء على عدم وجوب أداء الارش عند المطالبة، لاعلم إجمالي، إلا انه لا حاجة إليه بناء على ما مر، لان المعاملة غبنية، وله الرجوع إليه لاجل الغبن، كما مر تفصيله وما حوله من (إن قلت قلتات). ولو قيل: له الفسخ فقط في خيار الغبن. قلنا: قد ذكرنا أن في صورة جبران الغبن لا يثبت خيار الفسخ، لاطلاق وجوب الوفاء بالعقد، والقدر المتيقن من المقيد تلك الصورة. نعم بناء على ما احتملناه من أن البيع الغبني غير نافذ، ولا يصح إلا إذا لحقته الاجازة، فلا محط لايجاب الوفاء، لان دليل فساده أقوى، كما إذا كان البيع عن إكراه.


1 - حاشية المكاسب، المحقق الاصفهاني 2: 122 / السطر 16.

[ 270 ]

الاختلاف في وقوع الفسخ فورا ومنها: انه بناء على كون الخيار فوريا، إذا اختلفا في أن الفسخ وقع في الوقت الاول، فيكون مؤثرا، أم في الوقت الثاني، فلا يؤثر، فهل القول قول البائع، أم المشتري، أو يختلف كيفية طرح الدعوى، وربما يحصل التداعي؟ وجوه. والذي ينبغي الاشارة إليه حتى يتبين مواضع الخلل في كلام القوم: هو أن الموضوعات العقلائية التي أمضاها الشرع، يشكل إجراء الاصل الصحيح الشرعي فيها، لما لا تكون معلومة، فإنه لا يكون معلوما مثلا أن الشرع اعتبر أن الفسخ في أول الوقت معتبر ونافذ، أو اعتبر أن الفسخ في زمان لا يخل بالفورية نافذ، أو أن ذا الخيار فسخه نافذ إذا وقع فورا، أو انه لا يؤثر الفسخ إذا كان متأخرا، أو الفسخ المتأخر عن الوقت الاول غير مؤثر، أو غير ذلك من الاحتمالات التي ربما تبلغ الى الازيد من مئات. ولا دليل شرعي في أمثال هذه المقامات وارد على الموضوع المبين، حتى يحرز بالاصل الوجودى، أو العدمي. وقد تحرر منا في العام والخاص: أن الخاص بعد ما لم يكن موجبا لتعنون العام، لا يمكن إجراء الاصول في الاعدام الازلية، لان المدار على ما هو الموضوع إثباتا، لا ثبوتا ولبا. فعلى هذا البحث عن الاصول الجارية هنا، من البحوث غير

[ 271 ]

الصحيحة، فيرجع الكلام الى تشخيص المدعي من المنكر بحسب الاصول العقلائية، والامارات، والتشخيصات العرفية حسب كيفية طرح الدعوى. نعم، ربما يتخيل انه في موارد دعوى الفسخ، قضية أصالة الصحة وقوعه في عصر الخيار، فيكون مثلا في أول الوقت، ولكنه غير ثابت أصل جريانه في خصوص المسألة، ولاسيما بعد معارضته بالدعوى، ولا أقل من الشك. وفي إمكان إثبات وقوعه في أول الوقت بها إشكال آخر، بناء على الحاجة الى الاثبات المذكور. الاختلاف في الجهل بالخيار وفوريته ومنها: اختلافهما في الجهل والعلم بالخيار، أو بفوريته، فيسمع قوله إن احتمل في حقه الجهل، للاصل. وغير خفي: أن دعوى الجهل بالخيار ليست ذات أثر، لانه لو كان عالما بالخيار، وكان الخيار مبنيا على التراخي، لا يترتب على الدعوى المذكورة أثر ظاهر، فبين الاختلاف في الجهل والعلم بالخيار والفورية ارتباط، وتكون العبارة " واوا " عوض " أو " أي اختلفا في العلم والجهل بالخيار وبفوريته في ضمن الادعاء الاول، فيدعي المشتري انه كان جاهلا به وبفوريته، ويكفي للاثر دعوى: انه جاهل بالفورية. اللهم إلا أن يقال: إن العلم بالخيار شرط ثبوته، فلو كان جاهلا بالخيار حين العقد، لا يثبت له الخيار بعد العقد، ويكون الجهل

[ 272 ]

بالفورية حين العقد، موجبا لتأخير الفورية الى زمان العلم بها، فإنه حينئذ يكون النزاع مفيدا، سواء كان المدعي بائعا، أو مشتريا. وأما الجولان حول الاصول في هذه المسألة أيضا مثل ما مر، فإنها غير نافعة. نعم، ربما يقتضي الظاهر علم المدعي الخلاف، ولكنه غير مضر بما هو المقصود من " التشخيص " لان المدار على مفهومهما العرفي، ولا يعتنى بمثل هذه الظواهر، وكذا الاصول في هذا المقام، كما عرفت.

[ 273 ]

الجهة العاشرة في ماهية العيب وتعريفه عدم جواز تدخل الفقيه في تعريف الموضوعات وتعيين المصاديق اعلم: أن من المحرر عندنا في محله، ممنوعية الفقيه عن التدخل في تعريف مفاهيم الموضوعات اللاتي هي ذوات الاحكام، ضرورة عدم حجية رأيهم في المسألة، فربما يتوهم المقلدون لزوم الاخذ بحدودهم وتعييناتهم وتشخيصاتهم، مع أن تشخيصهم على خلاف ما رأوه. نعم، لو كان يكفي إخبارهم حجة - من غير حاجة الى الانضمام في الموضوعات، لكفاية العدل الواحد - كان فيه الصواب، بشرط عدم اعتقاد المقلد خلاف ما فهمه، ولذلك ترى أن الاخبار والشريعة ساكتة عن التدخل في هذا الامر، وأوكلت المسألة إليهم بحسب الطبع والعادة. فما ترى في كتبهم ورسائلهم العملية من الدخول في صغريات

[ 274 ]

الكبريات الفقهية، غلط جدا، وخطأ سهوا، وإغراء بالجهالة أحيانا، فالبحث عن ماهية الحنطة والشعير في الزكاة، والتمر والزبيب، والعصير العنبي في الطهارة، وغير ذلك - كالبحث عن ماهية العيب - مما لا معنى له، وربما لا ينتهي الى شئ، لان كثيرا من تعاريفهم منقوضة بما لا يمكن الالتزام به حتى في تعاريف ماهيات العقود والايقاعات، وماهية الحكم والانشاء والوضع والتكليف، فيراجعون محيطهم عند الابتلاء على خلاف ما أتوا به حدا ورسما، لعدم جواز تجاوزهم عن فهم العرف الى حدودهم المعينة حسب تخيلاتهم، فيخطئون أنفسهم، ويتبعون الاسواق رغم أنفهم، كما ترى كثيرا. نعم، لو ثبت في الشريعة المتبعة تعريف شئ من الموضوعات المعبر عنه ب‍ " الموضوعات المستنبطة " فإن كان ذلك محمولا على التعريف بحسب المنطقة والمحيط، من غير التزام صاحب الشريعة به في جميع الاعصار والامصار، فالغور فيه لنا أيضا ممنوع، لما لا فائدة فيه بعد مضي تلك الاحيان والازمان. ولو كان يستفاد منه تدخل الشرع على رغم فهم العرف برفض مرامهم - كما هو بعيد جدا - فالمتبع هو الشرع، ولايكون العرف حجة بالضرورة. إذا تبين ذلك، فالبحث هنا يقع فيما ورد عن الشرع في تعريف " العيب " وانه هل هو صادر واقعا، أم لا؟ وعلى تقدير ثبوت صدوره، فهل يردع العقلاء والعرف، أم لا يأتي بشئ جديد؟

[ 275 ]

وعلى تقدير كونه جديدا، فهل هو باعتبار المحيط والمنطقة، بأن يحمل على انه جديد في عصرنا، ويصدقه العرف في عصر الرواية؟ حديث ابن أبي ليلى فبالجملة: في " الكافي " عن الحسين بن محمد، عن السياري قال: روي عن ابن ابي ليلى: انه قدم إليه رجل خصما له، فقال: إن هذا باعني هذه الجارية، فلم أجد على ركبها حين كشفتها شعرا، وزعمك انه لم يكن لها قط. قال: فقال لي ابن أبي ليلى: إن الناس يحتالون لهذا بالحيل حتى يذهبوا به، فما الذي كرهت؟! قال: أيها القاضي، إن كان عيبا فاقض لي به. قال: اصبر حتى أخرج اليك، فإني أجد أذى في بطني. ثم دخل وخرج من باب آخر، فأتى محمد بن مسلم الثقفي، فقال له: أي شئ تروون عن أبي جعفر (عليه السلام)، في المرأة لا يكون على ركبها شعر، أيكون ذلك عيبا؟ فقال له محمد بن مسلم: أما هذا نصا فلا أعرفه، ولكن حدثني أبو جعفر (عليه السلام) عن أبيه، عن آبائه، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) انه قال: " كل ما كان في أصل الخلقة، فزاد أو نقص فهو عيب ". فقال له ابن أبي ليلى: حسبك، ثم رجع الى القوم، فقضى لهم

[ 276 ]

بالعيب (1). بحث في سند الحديث وربما يظهر انجبار ضعفه بالشهرة العملية، كما في " حاشية الفقيه اليزدي (رحمه الله) " (2) وذلك لاشتمال كثير من المتون عليه. ونوقش فيه أولا: بأن في جمع من المتون تعابير اخر. وثانيا: لا يثبت به الاستناد اللازم في الانجبار. وثالثا: بأن من الممكن تصديقهم للخبر، لاجل فهمهم منه ما يفهمه العرف في عصرهم، فلا يثبت به تعبدهم بالرواية، حتى يخرج من الضعف. هذا مع انه ربما يناقش في المتن: بأن قوله: " كل ما كان... " الى آخره، مغشوش لا ينبغي عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي هو " أفصح من نطق بالضاد " (3) وإمكان تصحيحه بوجه لا ينافي استبعاده عن حضرته (صلى الله عليه وآله وسلم) ومن المحتمل أن تكون النسخة " كل ما كون " من التكوين " في أصل الخلقة " على وجه معلوم عند العامة " فزاد عليها أو نقص عنها فهو عيب "، أي معيب. مع أن مفهوم " الخلقة " يختص بالطبائع، فلا يشمل سائر السلع.


1 - الكافي 5: 215 / 12. 2 - حاشية المكاسب، السيد اليزدي 2: 98 / السطر 2 - 3. 3 - لم نعثر على هذا التعبير في المجامع الروائية، انظر بحار الانوار 17: 158 / 2.

[ 277 ]

وبعبارة اخرى: السلعة لها الهيئة الطبيعية والوحدة الواقعية كسلعات الحيوان، والنبات، والجمادات، ولها الهيئة التأليفية كالدار وأمثالها، ولها الهيئة الاعتبارية كالعام المجموعي، وفيها العيب، ولها الخيار بالضرورة. اللهم إلا أن يقال: إن قضية التعريف المذكور، تورث الغاء الخصوصية عند العرف. حول مفاد الحديث ثم إن احتمال كونها بصدد تحديد العيب تعبدا بعيد. وحمل مفاد الحديث على أن ما كان عيبا في منطقة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) فهو عيب على الاطلاق زمانا ومكانا، أبعد، وغير معمول به. مع اختلاف البلدان والازمان، في تشخيص العيوب. وتوهم: أن المنظور في الحديث، إفادة أن ما هو السبب للخيار والارش، هو العيب الخاص، في غير محله. ومجرد إمكان الاخذ به غير كاف، بعد قصور سنده كما اشير إليه. فعلى هذا، لاوجه لتدخل الفقهاء في تعريف العيب وتشخيصه، وإنما الامر موكول الى محيط التجارة والمعاملات، وتشخيص العرف في تلك المنطقة وذلك المحور. ومن الغريب إعادة الكلام حول بعض أحكام المسألة في هذا الفصل!! وقد مر منا في السابق: أن ما هو الموجب للخيار، هو العيب

[ 278 ]

الملازم للنقص المالي. وبعبارة اخرى: قد عرفت منا أن خيار العيب - في وجه - هو خيار الغبن، إلا أن له أحكاما خاصة. وما قد يقال: من أن نفس كون السلعة معيبة، موجب للخيار بما هو هو، من اللجاج جدا، وإن شئت توضيحه فراجع. ومما ذكرنا يظهر: أن إطالة الكلام في المقام، من اللغو المنهي، وادعاء الاجماعات في مواضع من " التذكرة " (1) على عد امور من العيب، لا ترجع الى حجة شرعية كما هو الواضح. فتحصل لحد الان: أن المرجع فيما هو العيب، هو العرف في منطقة المعاملات، سواء كان ذلك، من جهة زيادة كمية، أو نقيصة، وسواء كانت الزيادة ترجع الى النقيصة الخلقية، أم لم ترجع، فإن مبادئ اختلاف مصاديقه كثيرة جدا. تذنيب: حول أحداث السنة في غير الرقيق والاماء لا خلاف بينهم ظاهرا في أن أحداث السنة من عيوب الرقيق والاماء، ولا توجب خيارا في غيرهما من الامتعة، فلو كان في الحيوان تلك الامراض الخاصة - كالبرص، والجذام، والقرن، والجنون - بعد مضي


1 - فقال - مثلا -: الجذام والبرص والعمى والعور والعرج والقرن والفتق والرتق والقرع والصمم والخرس عيوب إجماعا وكذا أنواع المرض...، تذكرة الفقهاء 1: 540 / السطر 8.

[ 279 ]

الثلاثة، فلا يرد المبيع. وفي نفسي شئ، لعدم ثبوت الاختصاص من متون الاخبار، بعد كونهما موجبتين، ففيها ما يتذكر مصبها، وما لا يتذكر، بل يكون السؤال عن الاحداث وعددها، ولولا اتفاقهم في فهم الاختصاص كان للتجاوز وجه. إلا أن القول بثبوت الخيار في الثلاثة، أيضا خلاف القواعد، فضلا عن السنة. وغير خفي: أن الرد في الثلاثة على الاطلاق، سواء ظهر عيب، أم لم يظهر، على ما مر تفصيله مع إشكال مضى منا، وأما في المقام فالرد بعد ظهور تلك الامراض الخاصة، ومقتضى وحدة السر والنكتة، عدم الفرق أيضا بين الحيوان والانسان من هذه الجهة. وكان ينبغي البحث حول ذلك في ذيل خيار الحيوان، ولعل الله يحدث للمتأخرين بعد ذلك أمرا.

[ 281 ]

الجهة الحادية عشرة في الارش غير خفي: أن في جميع الاخبار الواردة في خيار العيب - إلا رواية واحدة أو روايتين، كرواية عبد الملك بن عمير (عمرو) عن أبي عبد الله (عليه السلام) (1) وتأتي من ذي قبل إن شاء الله تعالى - لا يكون عنوان " الارش " مورد الحكم، وموضوعا لشئ، وقد مر أن ما هو أساس بحث خيار العيب، خبرا زرارة (2)


1 - جميل بن صالح، عن عبد الملك بن عمير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: لا ترد التي ليست بحبلى إذا وطأها صاحبها، وله أرش العيب وترد الحبلى ويرد معها نصف عشر قيمتها. الكافي 5: 214 / 3، تهذيب الاحكام 7: 62 / 267، وسائل الشيعة 18: 106، كتاب التجارة، أبواب أحكام العيوب، الباب 5، الحديث 3. 2 - زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: أيما رجل اشترى شيئا وبه عيب وعوار لم يتبرأ إليه ولم يبين له، فأحدث فيه بعدما قبضه شيئا ثم علم بذلك العوار وبذلك الداء، انه يمضى عليه البيع ويرد عليه بقدر ما نقص من ذلك الداء والعيب من ثمن ذلك لو لم يكن به. الكافي 5: 207 / 3، تهذيب الاحكام 7: 60 / 257، وسائل الشيعة 18: 30، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 16، الحديث 2.

[ 282 ]

وجميل (1)، وليس فيهما من لفظة " الارش " شئ، وهكذا في روايات اشتراء العبيد والاماء (2). نعم، في خبر حماد بن عيسى (3) وردت لفظة " الارش " ومن العجيب أن الفقيه اليزدي (4) توهم: أن خبر " قرب الاسناد " (5) غير رواية ابن عيسى، فذكره بعنوان مستقل. فعلى ما تحرر وتقرر، لاوجه للغور في مفاد " الارش " وإطالة الكلام حوله، ولاسيما بعد وضوح المسألة، ووضوح المراد من


1 - جميل، عن بعض أصحابنا، عن أحدهما (عليهما السلام) في الرجل يشتري الثوب أو المتاع فيجد فيه عيبا، فقال: إن كان الشئ قائما بعينه رده على صاحبه وأخذ الثمن، وإن كان الثوب قد قطع أو خيط أو صبغ يرجع بنقصان العيب. الكافي 5: 207 / 2، الفقيه 3: 136 / 592، تهذيب الاحكام 7: 60 / 258، وسائل الشيعة 18: 30، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 16، الحديث 3. 2 - وسائل الشيعة 18: 97 - 109، كتاب التجارة، أبواب أحكام العيوب، الباب 1 - 7. 3 - حماد بن عيسى قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: قال علي بن الحسين (عليه السلام): كان القضاء الاول في الرجل إذا اشترى الامة فوطأها ثم ظهر على عيب، أن البيع لازم، وله أرش العيب. تهذيب الاحكام 7: 61 / 263، وسائل الشيعة 18: 104، كتاب التجارة، أبواب أحكام العيوب، الباب 4، الحديث 7. 4 - حاشية المكاسب، السيد اليزدي 2: 101 / السطر 6. 5 - قرب الاسناد: 16 / 52.

[ 283 ]

" الارش " بعد عرضه على سائر الروايات الصريحة، فما في " حاشية العلامة الاصفهاني (قدس سره) " (1) في غير محله. وقد أطال بعض اللغويين ك‍ " تاج العروس " (2) حوله، وهو في محله، لانه أهله، وقد ذكر هناك اصول هذه اللفظة، على الخلاف الكثير الموجود بين اللغويين. فما هو المطلوب بحوث آخر، نشير إليها في طي جهات إن شاء الله تعالى. الجهة الاولى في ضمان الارش في أن الارش مضمون على البائع، وانه مشغول الذمة به، فيكون دينا عليه يتعلق بتركته مثلا بعد وفاته، ويجوز للمشتري التقاص عند المماطلة. أم لا ضمان رأسا، بل هو حكم تعبدي، وإيجاب شرعي على البائع عند سؤال المشتري، وجهان: من حكم العقلاء في أمثال الموارد بالضمان والاشتغال. ومن انه تعبد صرف على خلاف الاصول والقواعد، ولذلك يختصر ويقتصر على النص، ولا يقولون في سائر الموارد بالارش، ولا تقتضي


1 - حاشية المكاسب، المحقق الاصفهاني 2: 130. 2 - تاج العروس 4: 279.

[ 284 ]

الادلة الخاصة إلا الحكم التكليفي. وربما يستظهر من الشيخ (رحمه الله) (1) هنا: انه على القاعدة، وذلك لان البائع التزم بالوصف للمشتري، وأخذ بملاحظته زائدا عما يستحقه على العين، فإذا تبين عدم وجود الوصف وجب أن يخرج من عهدته بإعطاء عوضه، انتهى ما أوردناه، ولو كان مصب كلامه في جهة اخرى، تأتي إن شاء الله. ومن هذا القبيل ما حرره الفقيه اليزدي (2)، وإجماله: أن هناك بيعا صوريا إنشائيا لبيا إحساسيا، وبيعا لبيا، وبالنظر الى الاول فلا تقتضي القاعدة ضمانا، بخلاف الثاني، نظرا الى حكم العقلاء. وغير خفي أولا: أن ما أفادوه يجري في خيار الغبن أيضا. وثانيا: البائع بما انه بائع، غير ملتزم بإعطاء الصحيح، بل هو عارف بعيب متاعه، ويخفيه على صاحبه ومشتريه، نعم العقلاء بناؤهم على كون المتاع صحيحا، وما هو النافع هو الاول، وأن البيع اللبي مما لا أصل له، وزيادة القيمة - لاجل العوارض والامور الخارجية التكونية، أو الاعتبارية - قطعية، إلا أن من اللواحق الاعتبارية ما لا يورث خيارا، حتى خيار الغبن، فضلا عن العيب، مع كونها موجبة لترغيب الزيادة في القيمة.


1 - المكاسب، الشيخ الانصاري: 271 / السطر 32. 2 - حاشية المكاسب، السيد اليزدي 2: 101 / السطر 14.

[ 285 ]

مثلا: إذا اشترى دارا بألف دينار، لكونها قرب السوق والشارع، فاتفق أن الحكومة بعد ذلك البيع هدمت السوق والشارع، فإنه لا يورث شيئا للمشتري بالضرورة، مع أن زيادة القيمة كانت لاجل العوارض اللاحقة التي منها الصحة. أقول: من العيب ما يقابل الصحة، ويكون وصفا وكيفا، فهذا مما لا يقابله شئ من الثمن، ومن العيوب ولو كان مقابل الصحة، ووصفا وكيفا في نظر، ولكنه أيضا موجب لنقصان الكمية. مثلا: البطيخ تارة، يعيب بأن يحصل فيه الريح النتن، واخرى: يعيب بذهاب قسم منه، ومقدار يعتد به، وهكذا في سائر الامتعة الطبيعية والتأليفية، كالبيوت والدور، فإذا تلف بعض منه يرد بعض الثمن حسب القاعدة، للتقسيط العقلائي، فتأمل. وهم: استفادة ضمان الارش من معتبر زرارة ربما يستظهر من الادلة الخاصة اشتغال الذمة، فإن قوله (عليه السلام): " يرد عليه بقدر ما نقص من ذلك الداء والعيب من ثمن ذلك لو لم يكن به " كما في معتبر زرارة (1)، ظاهر في أن الرد لازم، وناشئ لزومه من أن بعض الثمن ملك المشتري. وفيه: أن الرد من شخص الثمن غير واجب كما يأتي، فلا يدل على


1 - تقدم في الصفحة 281.

[ 286 ]

اشتغال الذمة. وتوهم: أن وجوب الرد على الاطلاق، يكشف عن الدين، وعن انه في حكم الغاصب، في غير محله، ضرورة أن في موارد النذر يجب المبادرة، ولا يلزم منه ذلك عند جمع، بل الامر كذلك في الزكاة والخمس، ولا يلزم منه ذاك عند بعض. ومن هنا يظهر حكم سائر الاخبار المشتملة على الرد. استفادة ضمان الارش عن سائر الاخبار وأما الاخبار المشتملة على الوضع، كخبر زرارة (1)، وابن سنان (2)، وغيرهما، فهي وإن لم يبعد ظهورها في المعنى الوضعي، واعتبار حق للمشتري على البائع في الثمن، إلا أن ظهورها في خصوص الثمن المقطوع عدم إرادته، يوجب الوهن فيها، فتأمل.


1 - زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: كان علي بن الحسين (عليه السلام) لا يرد التي ليست بحبلى إذا وطأها، وكان يضع له من ثمنها بقدر عيبها. الكافي 5: 215 / 7، تهذيب الاحكام 7: 61 / 261، وسائل الشيعة 18: 103، كتاب التجارة، أبواب أحكام العيوب، الباب 4، الحديث 5. 2 - ابن سنان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) - في حديث - قال: قال علي (عليه السلام): لا ترد التي ليست بحبلى إذا وطأها صاحبها، ويوضع عنه من ثمنها بقدر عيب إن كان فيها. الكافي 5: 214 / 2، تهذيب الاحكام 7: 61 / 266، وسائل الشيعة 18: 102، كتاب التجارة، أبواب أحكام العيوب، الباب 4، الحديث 1.

[ 287 ]

ويقرب منها الاخبار المشتملة على أن له أرش العيب (1)، الظاهرة في انه صاحب حق. ولكنها أضعف ظهورا من السابقة في اشتغال الذمة، بل لو كان له حق الرجوع، يكفي لصحة التعبير المذكور، كما لا يخفى. فبالجملة: مقتضى القواعد وقوع جميع المبيع في قبال جميع العوض، بحسب المبادلة الاعتبارية، وقد انتقل الى المشتري ذلك بحسب الواقع، فالبائع وفى بعهده وعقده، فثبوت المعنى الوضعي الزائد عليه يحتاج الى دليل، وهو في غير ما مر مفقود. وأما فيما اشير إليه من العيوب الموجبة للنقصان الكمي، فالحق أن قضية القواعد عدم الانفساخ، وحديث " التلف في زمن الخيار... " لا يقتضي في المقام شيئا، كما مر ويأتي تحقيقه. ودعوى: أن المسألة إجماعية، غير محرزة، لعدم ظهور معتد به يقتضي جواز التقاص. وانتقال دينه الى التركة بعد موته - وهو التصالح - لمكان دعوى دلالة مجموع الاخبار على أن الشرع احتفظ بمال المشتري في أموال البائع، وأن الحكم بالرد والوضع والارش، ناشئ عن أمر وحداني، وهو مالكية المشتري على البائع. واختلاف تعابير الاخبار يعرب عن ذلك، وسيأتي مقتضى الاصول العملية إن شاء الله تعالى.


1 - لاحظ ما تقدم في الصفحة 281 و 282.

[ 288 ]

الجهة الثانية كيفية ضمان الارش بناء على كونه مضمونا على البائع، على ما هو المعروف بينهم، فهل هو ضمان اليد، أم ضمان المعاوضة، أو ضمان ثالث، أو في المسألة تفصيل؟ فربما يقال: بأنه لا وجه لضمان اليد، لان العقد وقع على التالف، لا انه تلف مال المشتري في يد البائع. وفيه: أن من موارد خيار العيب، حدوث العيب بعد العقد وقبل القبض، على ما هو المعروف عنهم كما مر، فعليه يمكن تضمينه بضمان اليد، لان التلف وقع في يد البائع، وقد انقلبت يد البائع الى اليد الضامنة، ولا خصوصية للاخذ، كما مر تفصيله في أوائل بحوث البيع. ولا ينافيه حق الحبس، مع انه يمكن فرض سقوط حقه، لاداء العوض من قبل المشتري إليه. نعم، مقتضى ما تحرر منا عدم تمامية ضمان اليد رأسا، فراجع (1). وأما توهم ضمان المعاوضة، فقد اشير الى انه وإن كان يستظهر من


1 - تحريرات في الفقه، كتاب البيع: 371 وما بعدها.

[ 289 ]

بعضهم (1)، ولكنه غير وجيه إلا في بعض صور المسألة. وربما يقال: إن وصف الصحة ليس كسائر الاوصاف، ولا يقاس بها، إما لاجل حكم العقلاء، أو لاجل حكم الشرع، وكلاهما ممنوعان. نعم، بناء على كون مالكية العين، هي مالكية الاثار والخواص والمنافع المرسلة، ولا معنى لمالكية الجوهر والجسم المركب من المادة والصورة في السوق، ففي محيط المعاملات والاتجار تكون العين المملوكة تلك الامور المندمجة المنضمة من غير قيد وشرط وحد، في قبال مالكيتها في مثل الاجارة ونحوها، فيمكن أن يقال بضمان المعاوضة، حسب التقسيط العرفي. وما ترى من التقسيط العرفي بالضرورة في خيار العيب بالنسبة الى مقدار الثمن كما يأتي، يشهد على هذه المقالة، وهي أساس ذلك، فلا تخلط. وغير خفي: أن إنكار وقوع الجزء في مقابل جزء الثمن ممكن، ضرورة أن البيع واحد، والانحلال في الوحدات التأليفية والطبيعية، من الاكاذيب إلا في مورد مس الحاجة، وتكون حينئذ حكمية، أي بمعنى رد بعض الثمن، غرامة وجبرانا للضرر والنقصان. والانفساخ، أو عدم وقوع العقد من الاول بالنسبة الى بعض المبيع، غلط لا أصل له كما تحرر، وذلك للزوم كون الجزء مستقلا في مقام المبادلة، مع انه فان في الكل بالضرورة، ومغفول عنه.


1 - لاحظ شرائع الاسلام 2: 32، جواهر الكلام 23: 288.

[ 290 ]

فلو باع داره، وكان باب منها ناقصا، لا يعد البيع بالنسبة قاصرا في النقل، ولا منفسخا لو تلف بعد العقد، بل المبيع - وهي الدار - باقية، ولاقصور في سبب نقل الكل العنواني، فإن الاجزاء بأسرها فانية فيه. فما ترى في كلمات القوم - من مفروغية البطلان والانفساخ بالنسبة الى الجزء - غير جيد جدا. فتحصل: انه لو كان الارش مضمونا، فهو ضمان ثالث، وتعبد شرعي على خلاف قاعدة اليد، إلا في بعض الصور. مع أن ضمان اليد ليس عقلائيا، وعلى خلاف ضمان المعاوضة. وحيث إن الادلة اللفظية وأخبار المسألة، قاصرة عن إثبات الضمان واشتغال الذمة بالارش - كسائر الديون والضمانات، كضمان الاتلاف مثلا - فلا يثبت في المقام ضمان ثالث، حتى في الموارد التي يكون العيب موجبا لنقص الجزء ومقدار من المبيع. نعم، فيما إذا كان العيب موجبا لعدم تحقق البيع العنواني، وعدم صدقه - كما إذا باع دارا، وكانت هي خربة، بحيث لا يصدق عليها عنوان " الدار " - فلا بيع. وفي موارد صدق العنوان يكون الثمن منتقلا الى البائع، ويجوز له الفسخ أو طلب الارش. إن قلت: في هذا ضرر على المشتري، فإنه إذا كان من الواجبات التكليفية المحضة، فلا يجب التقاص، ولا يعد دينا حتى يتعلق بتركته، ولازمه تضرره وذهاب حقه بلا جبر. قلت: بعد كونه بالخيار بالنسبة الى الفسخ وحل العقد، فإذا لم يفسخ مريدا عوض النقص، فالضرر من آثار إقدامه، ولا يلومن إلا أنفسهم

[ 291 ]

وهم يعلمون. نظير ما إذا لم يفسخ في موارد خيار الغبن والرؤية، وقلنا بالفورية، أو كان موت البائع موجبا للزوم العقد على الاطلاق. لا يقال: إنه لو كان تكليفا صرفا، لكان يمتنع إسقاطه، مع انه يجوز عند الاصحاب بالضرورة. لا نا نقول: قد مر انه حق عرفي منتزع عن التكليف التخييري، ولا شبهة في جواز إسقاط مثله، ضرورة انه ليس تكليفا، لما لاكلفة على المشتري، بل له الرخصة في الرجوع الى البائع بطلب شئ منه، جبرانا لما ذهب من كيسه. ومن الغريب إقرار بعضهم بأنه ضمان ثالث، لا كضمان اليد والمعاوضة (1)!! ولو كان ضمانا فلابد وأن لا يختلف عن سائر الضمانات في الماهية، وإنما اختلافه معها في الدليل والسبب، فيكون لازمه اشتغال ذمة البائع بالارش، مع اعترافهم بعدم الاشتغال. وأما توهم امتناع التخيير بين الخيار والاشتغال، فهو لا يختص بكون الارش اشتغالا، لان الخيار الوضعي أيضا غير قابل لكونه طرف التخيير التكليفي. فما به ينحل الاشكال: أن الحكم الوضعي في الطرفين - لو ساعدنا الدليل - ينتزع من التكليف التخييري وجعل الرخصة، إلا انه لا دليل عليه، وغاية ما يقتضيه هو أن المشتري له حق حل العقد، وحق


1 - حاشية المكاسب، السيد اليزدي 2: 101 / السطر 23، حاشية المكاسب، المحقق الاصفهاني 2: 131 / السطر 17.

[ 292 ]

الرجوع، كما له تعيين أحدهما، وإخراج الطرف الاخر عن الطرفية، قضاء لحق الحقية. وفيما أفاده العلامة المحشي الاصفهاني (رحمه الله) (1) هنا، مواضع كثيرة من الضعف، ربما ظهرت مما نقحناه في هذا المضمار، فتدبر. ثم إن من المحتمل أن يستفاد عن الادلة إمكان تغريم البائع، بأن يكون للمشتري حق تضمينه وجعله ضامنا، فيصير بعد ذلك مشغولة ذمته بالارش، ويترتب عليه أحكام الدين، فتأمل. الجهة الثالثة في تعيين الارش اختلفوا في أن المشتري مثلا، له المراجعة الى تفاوت الصحيح والمعيب بالنسبة الى القيمة الواقعية، أم له المراجعة الى التفاوت بلحاظ القيمة المسماة. وقد نسب الاول في كلام الشيخ (قدس سره) (2) الى جماعة من القدماء (3)، وهو مختار بعض أهل العصر (4).


1 - حاشية المكاسب، المحقق الاصفهاني 2: 131. 2 - المكاسب، الشيخ الانصاري: 271 / السطر 14. 3 - المقنعة: 597، النهاية: 392، لاحظ مفتاح الكرامة 4: 631. 4 - لم نجزم بمراده من بعض أهل العصر، لاحظ حاشية المكاسب، المحقق الاصفهاني 2: 131 - 132.

[ 293 ]

ونسب الثاني الى كثير من المتأخرين (1)، وهو مختار سيدنا الوالد المحقق - مد ظله - (2). واختلفوا ثانيا في أن مقتضى القواعد هل هو الاول، أم الثاني؟ وعلى كل من التقديرين، قضية أخبار المسألة والاحكام العقلائية خصوصا في المقام ماذا؟ والذي يظهر لي: أن الاصحاب لم يدخلوا المسألة من بابها، ولاجله وقعوا فيما وقعوا فيه من المشكلة الاولى والثانية، وذلك أن من البحوث المغفول عنها هنا: هو أن المدار هل على تفاوت القيمتين يوم البيع، أم على تفاوت القيمتين يوم مطالبة المشتري؟ وتوهم: انه لا وجه لتخيل الثاني، بل الضرورة قاضية بأن الاول متعين، وإنما يقوم يوم المطالبة الصحيح والمعيب، وينقص - بحسب النسبة - عن المسمى أو الواقع في يوم البيع، غير تام، ضرورة انه لو كان المتاع مختلف القيمة في اليومين، فلابد وأن يرجع مثلا الى البائع طالبا منه تفاوت يوم المطالبة، لان قيمته ازدادت، ويكون إعمال الخيار - بفسخ العقد - موجبا لرجوع المتاع إليه بقيمة زائدة بالنسبة الى يوم البيع، فبالنظر الى هذه الجهة يجوز دعوى: أن له مطالبة تفاوت يوم الطلب.


1 - لاحظ شرائع الاسلام 2: 32، الدروس الشرعية 3: 287، جامع المقاصد 4: 335، مسالك الافهام 4: 299، المكاسب، الشيخ الانصاري: 271 / السطر 21. 2 - البيع، الامام الخميني (قدس سره) 5: 127.

[ 294 ]

مثلا: إذا اشترى دارا في أول السنة، ثم بعد مضي شهرين تبين انها معيبة، وقد زادت قيمتها أضعاف قيمة يوم البيع، فإن فسخ العقد ينقص على البائع ما يعد ضررا أحيانا، لانه ملكه وماله، وإن أخذ بما به تفاوت يوم البيع، يكون هو إخلالا بحق المشتري، فما هو الحكم العدل مثلا هو التخيير بين الفسخ، وأخذ تفاوت يوم المطالبة، فعلى ما تحرر ليس تعين تفاوت يوم البيع أمرا واضحا حسب القواعد العقلائية. نعم، إذا لم يكن اختلاف بين اليومين في القيمة، فالبحث المذكور غير نافع، لتقارب اختلاف القيمة المسماة والواقعية. ولو قيل: ربما يمكن أن يكون بين القيمتين - ولو لم يكن اختلاف بين اليومين - تفاوت كثير، حتى يلزم أن يعود الى المشتري لاجل الاخذ بالارش أضعاف ما انتقل منه الى البائع ثمنا، كما وقع في كلام الاعلام (رحمهم الله) فلا يكون البحث قليل النفع. قلنا: هذا لا يتصور إلا في البيع المهاباتي، وإلا ففي البيع المتعارف لا يعقل أن يكون وقت البيع، اختلاف القيمتين كذلك، فإن المراد من " يوم البيع " هو وقت البيع، لا اليوم الاصطلاحي حتى تكون ساعة العصر من يوم البيع، فيقال: إن القيم اختلفت لاجل اختلاف الاسواق. وفي البيوع المهاباتية يشكل ثبوت الخيار، لان المتعارف وقوعها على مبنى ليس فيه الخيار، ولا الارش، كما اشير إليه في أحكام الخيار، وذكرنا هناك بعضا من البحث، فعلى هذا ما تراه في كلام القوم خال من التحصيل، وبعيد عن الواقع. إذا عرفت هذه الوجيزة المحتوية على تحرير البحث، نقول: إن

[ 295 ]

للشرع ثبوتا جعل قانون كلي، وهو الاخذ بالخيار أو الارش، من غير ملاحظة حال الافراد الخاصة، لتعارف الاطلاع على العيب، ومراجعة صاحب المتاع الى المشتري في وقت لا يختلف قيم الامتعة نوعا، والتزامه بالبيع وأخذ الارش، ولو كان في مورد إعماله خياره موجبا لضرر البائع - لاجل ارتفاع قيمة المتاع - فهو مما لا يعتنى به في محيط ضرب القانون الكلي. وهكذا إذا كان أخذ الارش في يوم المراجعة على وجه يكون الارش أزيد من قيمة المتاع كلها، لتنزل قيمته السوقية، فإن هذا الاختلاف يرفض في جنب القانون العام، نظرا الى حفظ النظام، نظير ضرب قانون الكر والمسافة، فإن المتعارف ابتلاء المكلف بما دون الكثير، أو ما يزيد عليه بكثير، وقلما يتفق ابتلاؤه بالكر بمقداره الواقعي حتى يقال: إنه كيف يؤثر المثقال الواحد في طهارته، ونجاسته؟! فإنه وهم ناشئ عن عدم ملاحظة مصالح ضرب القانون العام، وقد تحرر تحقيقه في الاصول (1). وبعد ذلك، فالذي هو الظاهر من أخبار المسألة - ولاسيما بالنسبة الى عصر صدورها ومصرها -: أن المدار على تفاوت القيمة يوم البيع، وليس ذلك لاجل عدم نقل مقدار من الثمن الى البائع بالعقد، فإنه باطل كما مر، بل لاجل ظهور الاخبار المؤيد بفهم الاصحاب (رحمهم الله) في ذلك، سواء كان الارش المأخوذ أكثر من قيمة العين بالنسبة الى اليوم


1 - تحريرات في الاصول 6: 230 - 231.

[ 296 ]

ووقت المطالبة، أو كان شيئا يسيرا في جنبه. فعلى هذا يسقط بحث النسبية، بل يلاحظ اختلاف القيمتين في يوم البيع، ويراجع الى أهل الخبرة المطلعين على قيمته في ذلك اليوم، حسب الحدس والخرص والتخمين، الذي يأتي بعض الكلام حوله. فالقول: بأنه يقوم الصحيح والمعيب في يوم المراجعة، وبالنسبة الى الاختلاف المذكور ينقص من القيمة المسماة، ليس وجها صحيحا. نعم، هو أحد طرق الاطلاع على حل المشكلة، بفهم اختلاف القيمتين يوم البيع، فلا تخلط. بقي شئ: في سقوط الخيار باختلاف قيمة المتاع ربما يخطر بالبال أن يقال: إن إعمال الخيار بعد اختلاف قيمة المتاع والسلعة، ضرر منفي بالقاعدة، فإطلاق دليل الخيار ينفى بها. أو إن ذلك الاختلاف من موارد إحداث الحدث، وحصول التغير الموجب لسقوط الخيار. وكلا الوجهين غير مرضيين، ضرورة أن اختلاف القيمة ليس ضررا، بل يعد من سد النفع العائد الى البائع، وإلا فهو أيضا ضرر على المشتري، فإن المقتضي لرجوع تلك القيمة والسلعة الى المشتري، يكون تاما، وقد قيل في المثال: بأنه من الضرر عرفا، وأن التغيير وإحداث الحدث وأصل الحدث، أمر أجنبي عن هذا الخلاف، الناشئ من

[ 297 ]

الامور الخارجية. مع أن المدار - على ما عرفت عندنا - على إحداث الحدث، لا مجرد حدوثه غير المستند (1)، فتدبر. نعم، لو أحدث البائع في جنب السلعة شارعا أو سوقا موجبا لرقاء قيمة الارض المبتاعة، بحيث يستند اختلاف القيمة الى فعله وتسبيبه، فإنه وإن لم يكن حدثا في العين، إلا أن إطلاق الخيار ربما ينفي، ويجوز له أخذ الارش حسب قيمة يوم البيع كما عرفت، وهذا من موارد سقوط الخيار، دون الارش أيضا، فتدبر تعرف. تتميم: في كون الاختيار بيد المشتري لاحد توهم: أن الاختيار بيد المشتري، فله المراجعة الى تفاوتهما بالنسبة الى يوم البيع، أو يوم المطالبة. بل لو كان بين اليومين يوم ثالث ارتفعت فيه قيمة السلعة فيكون الارش في ذلك اليوم أزيد من اليومين، فله الاخذ به، وذلك لان أخبار المسألة بين ما لا نظر فيها الى يوم معين فتكون مهملة أو منصرفة بدوا الى يوم البيع، لعدم اختلاف الاسواق في تلك الايام والاعوام والعصور والامصار، وبين مالها الاطلاق، كرواية طلحة بن زيد (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في رجل اشترى جارية فوطأها، ثم وجد فيها عيبا، قال: تقوم وهي صحيحة،


1 - تحريرات في الفقه، كتاب البيع 2: 440. 2 - سنده في الكافي هكذا: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن يحيى، عن طلحة بن زيد.

[ 298 ]

وتقوم وبها الداء، ثم يرد البائع على المبتاع فضل ما بين الصحة والداء " (1). ونتيجة ذلك: أن المدار على القيم الواقعية، ولا يلاحظ قيمة يوم البيع الواقعية فقط. وتوهم: أن الامر كما يكون بيد المشتري، يكون بيد البائع، فربما يتعاركان ويتعارضان، في غير محله، لان الخيار للمشتري، فله المراجعة الى المقومين، كما هو المتعارف، ونتيجة الاطلاق ما اشير إليه. وفيه: - مضافا الى بترية ابن زيد العامي (2)، وانه لم يوثق، إلا انه عندنا معتبر قويا، ولكن في رواية محمد بن يحيى عنه، وكونه الخزار الثقة (3)، إشكال للاشتراك، فراجع، ومضافا الى احتمال كونه قضاء خاصا، إلا انه بعيد أيضا - أن في جميع الاحيان إذا كان أخذ الارش من الضرر، يجوز تقييد ذلك الاطلاق بقاعدة نفي الضرر. هذا مع أن الوجدان الحاكم في هذا الميدان، يشهد على أن المدار على جبران النقيصة المتوجهة الى المشتري، وبذلك يحكم العقلاء، ولا حاجة الى الاخبار، بعد انصرافها الى ما لا يزيد عليه. فتوهم غير ما اشير إليه من الاعوجاج، سواء فيه العلامة المحشي الاصفهاني (رحمه الله) (4)


1 - الكافي 5: 214 / 4، تهذيب الاحكام 7: 61 / 265، وسائل الشيعة 18: 102، كتاب التجارة، أبواب أحكام العيوب، الباب 4، الحديث 2. 2 - رجال النجاشي: 206 / 550، رجال الطوسي: 126. 3 - رجال النجاشي: 359 / 964. 4 - حاشية المكاسب، المحقق الاصفهاني 2: 131 - 132.

[ 299 ]

ومن فصل بين عيب المعوض والعوض. الجهة الرابعة في أخذ الارش من الثمن الشخصي اختلفوا في أن المشتري بعد الاخذ بالارش، هل له تعيين كونه من الثمن الشخصي، أم لا؟ وجهان، بل قولان: ربما ينشآن تارة: عن اختلافهم في القواعد، وأن مقتضى القاعدة عدم نقل مقدار من الثمن الى البائع، فيتعين عليه رده. بل مقتضى هذا المرام عدم جواز تعيين غير الثمن، فيكون المتعين واقعا رد بعض الثمن المردود، وذلك لما مر من توهم: أن الارش على وفق الاصل العقلائي، على تقاريب مختلفة كلها باطلة، إلا في بعض الصور التي أشرنا إليها، فإنه وإن كان المفروغ عندهم اتفاقا تقسيط الثمن، إلا انه أيضا عندنا في غير محله، ولو كان جزء من السلعة. بل الظاهر في صورة التقسيط، وعدم نقل الثمن بتمامه، انه لا يستحق أزيد من المالية، لان الاثمان ساقطة خصوصياتها في الملكية، ولا دليل على ملكية المالك بالنسبة إليها، ومن ادعى خصوص ثمنه يكون سفيها يبطل بيعه رأسا، فتأمل. واخرى: عن مقتضى الاخبار الظاهرة في انه ينقص من ذلك الثمن،

[ 300 ]

كما في معتبر زرارة (1)، وسائر الاخبار إما مهملة، أو مطلقة أو مقيدة. ومن الغريب تردد " جامع المقاصد " (2) في المسألة!! والعجيب أن الشيخ احتمل ذلك (3)، لمكان قولهم: بأنه الارش، وهو جزء الثمن! فإن " الثمن " المذكور في الاخبار والمتون الفقهية، ليس الامر الشخصي. ولعمري، إنه بحث باطل عاطل لا طائل تحته، ولايجوز لاحد تخيل خلافه، وهو من الاطالة المنهية واللغو المذموم. وأعجب من ذلك البحث عن أن في موارد يكون الثمن كليا، فهل يرد من المردود، أم هو يخص بموارد تكون شخصية؟!! غفلة عن أن المبادلة الشخصية الواقعة بين النقد الرائج والسلعة، ليست من البيع حقيقة عندنا كما تحرر، ضرورة أن المعاوضات كانت بيعا في العصر الاول، وأما في العصور الاخيرة التي منها عصر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فيكون البيع تمليك الشئ، لا مبادلة شئ بشئ، والتفصيل في محله، وسيمر عليك حكم المعاوضة، وقد مرت المناقشة في جريان الارش في المعاوضات، بعد كونه خلاف الاصل، فتأمل.


1 - تقدم في الصفحة 281. 2 - جامع المقاصد 4: 194. 3 - المكاسب، الشيخ الانصاري: 271 / السطر 31.

[ 301 ]

الجهة الخامسة في رد غير النقدين بعنوان الارش اختلفوا في أن البائع هل يجوز له رد غير النقدين بعنوان الارش، أم لا؟ وجهان. فلو اشترى الحنطة، وبانت انها معيبة، ورجع إليه المشتري لاخذ الارش، فهل له أن يرد قطعة من الارض، أو مقدارا من اللحم، وغير ذلك، بعد وجود النقد عنده وفي البلد رائجا، أم يتعين نقد البلد؟ ومنشأ ذلك اختلاف القواعد والاخبار، ضرورة أن قضية القواعد ليست إلا انه يجب عليه جبران النقيصة والخسارة عند المراجعة، ومقتضى الاخبار رد الارش من الاثمان الظاهرة في نقود البلاد، وإلا فلا يعد عوض المعاوضة من الثمن، لان كل طرف ثمن ومثمن. والذي هو المرجع حكم العرف الممضى ظاهرا حسب الاخبار، أو عدم الردع، ولا شبهة في أن بناءهم العملي على تعين النقود على اختلافها في العصور. بل لا يبعد جواز عدم قبول نقد البلد الاجنبي في بلد المعاملة. وظهور الامر في مقام الرد تابع لثمن التجارة، فلو اختلفا مكانا، وتعاملا هاتفيا، واختلفت نقود المكانين، فيرجع الى ما اعتبر ثمنا في البيع. وربما يقال: إن ذلك في البيوع المتعارفة، وأما في المعاوضات فلا

[ 302 ]

يجوز رد غير الجنس، ولا رد غير الشخص، فلو تبادلا الحنطة بالعدس، فبانت الحنطة معيبة، يرد من العدس، ولايجوز للمشتري دعوى غيره، ولا للبائع تحميل الغير بعد فرض وجوده، وليس ذلك إلا لحكم العقلاء المرضي الممضي بعدم الردع. اللهم إلا أن يقال: بعدم دليل على عدم الردع، لعدم شياع ذلك، أو انه ليس شائعا حتى يتعين على الشرع ردعه، كما لا يخفى. فإذا كانت المعاملة ثابتة بين الجنس، فلزوم كون الارش - بعد عدم كونه موافقا للقاعدة - من الشخص أو ما يقرب منه غير ثابت، فلو رد شيئا آخر إليه من نقد وغيره، لا يجوز للمشتري رده. هذا، والذي هو الاظهر ما مر: من عدم جريان خيار العيب، بمعنى التخيير بين الفسخ والارش في المعاوضات، فيسقط البحث رأسا، والسر كله ما اشير إليه من انه على خلاف القواعد، والادلة الخاصة ناظرة الى البيوع بالنقود، فلاحظ تعرف. وأما ما يقال: من أن الارش تغريم، ويكون التغريم هنا كسائر المقامات، ففي المثلي بالمثل، وفي القيمي بالقيمة (1). ففيه: - مضافا الى عدم أساس للمثلية والقيمية، كما تحرر تفصيله - أن الارش ليس تغريما، بل هو حق الرجوع الى جبر النقيصة والخسارة فقط، وأما انه بما ينجبر تعيينا أو تخييرا، فهو أمر موكول الى البناءات الخارجة عن اختيار الطرفين، ويحول الى العادات


1 - حاشية المكاسب، السيد اليزدي 2: 102 / السطر 12 - 17.

[ 303 ]

والمتعارفات في عصر الاخبار، أو عصر المتعاملين، وحيث لاتعين للعصر الاول، لكونه محمولا على متعارف ذلك العصر، يلاحظ الثاني طبعا. الجهة السادسة هل الجنس المردود بعنوان الارش نفس الارش أم بدله؟ اختلفوا في أن البائع إذا لم يتمكن من جبران الخسارة بالنقود المتعارفة، فهل يكون الجنس الذي يتدارك به عوضا عن الارش، أو هو نفس الارش؟ فإن كان عوضا عن الارش، فربما يجري الربا، لاختلافهما في المقدار. مثلا إذا بانت أن الحنطة معيبة، وتثبت حقة من الحنطة عليه، وليس عنده إلا الشعير، فلا يرد إلا حقة من الشعير، لان رد الحقتين منه يوجب الربا، لا نهما من جنس واحد في بابه. وأما لو كان هو نفس الارش، فلا يلزم الاشكال المذكور. وعندي احتمال آخر: وهو سقوط الارش وتعين الخيار في موارد كون الارش متعينا في شئ خاص، نقدا كان أو جنسا. وهو مضافا الى كونه مقتضى القاعدة، انه لا إطلاق في دليل الارش حتى يشمل ذلك الذي يعد أرشا طولا لا عرضا، وإلا فلو كان أرشا عرضا فلا بحث رأسا، كما هو الظاهر. ولو لم يكن له الخيار، لاجل الجهات الاخر، ينتظر، لما لاحق له إلا المراجعة إليه لاخذ الارش، والنقصان على خلاف القواعد،

[ 304 ]

والقدر المتيقن منه صورة كونه متمكنا من جبرانه بما هو الارش والمتعين عليه بدوا، لا في المرحلة المتأخرة. هذا مع انه لا معنى للبحث المذكور، ضرورة انه لو كان يجوز للمشتري المراجعة إليه بعد العجز عن الارش شرعا أو عرفا، فهو الارش الطولي، لا عوض عن الارش الاول، ولا أرش مطلق، بل هو أرش في طول الارش المتعين أولا، وذلك لان ما يجب على البائع ليس إلا الجبران، ولا اشتغال في البين، وما يجوز للمشتري هو الرجوع الى البائع بمطالبة النقد، وانه إذا لم تجز مطالبة النقد - لجهة من الجهات - يجوز له مطالبة غير النقد، وهكذا. ثم إنه لنا أن نمنع حرمة الربا المذكور هنا، لانه معاوضة قهرية، لا إنشائية، ولا دليل على حرمته في تلك الصورة. مع انه ليس من المعاوضة بين الاعيان، لما لا اشتغال بالذمة كما عرفت، بل هو تعويض تسامحي، ومعاوضة في حق الرجوع، وانى ذلك من الربا؟! وغير خفي: أن في كلمات القوم مواضع كثيرة من الضعف، يظهر كلها من التدبر فيما أجملناه وفصلناه، فلاحظ وتدبر جيدا.

[ 305 ]

الجهة السابعة في مقتضى الاصول العملية في هذه البحوث المذكورة ونشير إليها إجمالا: لاشبهة في أن مقتضى الاصل، عدم اشتغال ذمة البائع - بعد تحقق البيع - بشئ. فلو شك في أن الارش حق وضعي على ذمة البائع، يدفع هو باستصحاب البراءة، أو بالبراءة عن وجوب إفراغ الذمة. بناء على عدم جريان الاستصحاب المذكور. هذا في ناحية البائع، وهكذا في ناحية المشتري. ولو شك في انه ضمان اليد، أو ضمان المعاوضة، فلا أصل يثبت به أحدهما. وبعد إمكان الثالث يثبت الثالث، ولكن لا يترتب عليه أثره لو كان له الاثر الخاص. ولو شك في أن للمشتري حق المراجعة الى التفاوت بالنسبة الى القيمة الواقعية أو المسماة: فإن قلنا باشتغال ذمة البائع فالزائد منفي، سواء كانت واقعية، أو المسماة. وإن قلنا بأنه مجرد حق الرجوع، فيلزم العلم الاجمالي بأحدهما. ومعارضة الاصلين إذا كان في البين أثر، مما لا بأس بها، إلا انه فيما هو المقصود في المقام، لا يعارض أصالة عدم ثبوت حق الرجوع الى الواقعية، أصالة عدم ثبوت حق الرجوع الى المسماة، لان المفروض

[ 306 ]

وجود الاثر للاول، دون الثاني. ولو قلنا بجريانهما، فالبراءة عن وجوب رد الزائد محكمة. ولو شك في أن المشتري هل له حق تعيين الارش من الثمن المتعين في المعاملة، أم لا؟ فربما يقال: إن قضية أصالة عدم تسلط المشتري على شئ من الثمن، عدم جواز تعيينه، كما صرح به الشيخ (1)، وصدقه الوالد - مد ظله - (2). وفيه: أن الاصل المذكور من العدم النعتي، ولاسبق لعنوان " الثمن " بما هو هو إلا في العقد المحتمل تحقق حق معه زمانا. ولو كان من العدم المحمولي، فالفساد أظهر. وأما نفي حقه بالاصل عن النقد الخارجي، فهو ممكن، لسبق العدم النعتي بالنسبة إليه. وما في كلام المحشي العلامة الخراساني (قدس سره) (3) من استصحاب بقاء الحق الثابت له، فهو في غير محله، بعد عدم كونه حقا وضعيا ودينا، بل هو مجرد حق المطالبة. والزائد عليه يمكن نفيه بأصل البراءة أيضا، بناء على حل مشكلة إثباته في أمثال المسألة، كما فرغنا عنها في محلها.


1 - المكاسب، الشيخ الانصاري: 271 / السطر 32. 2 - لم نعثر عليه في كتاب البيع للامام الخميني (قدس سره) فلعل المصنف الشهيد نقل عن مجلس الدرس. 3 - حاشية المكاسب، المحقق الخراساني: 232.

[ 307 ]

وما في كلام الشيخ (1) من أصالة براءة ذمة البائع من وجوب دفعه، مما لا معنى له، لما أن الارش ليس في الذمة، ولا تشتغل به الذمة. كما اشير إليه. بل لو كان في الذمة، يكون الامر دائرا بين المطلق والمقيد، والمقيد يحتاج الى دليل. ولو لم يجر الاصل لنفي الزيادة، لكونه مثبتا، لا يمكن إيجاب الزائد على البائع، لعدم جواز أخذ المشتري في صورة عدم رضا البائع إلا بما هو الواقع، فيلزم وقوعه في المحذور الراجع الى رضاه بالمطلق طبعا، فافهم واغتنم. وأما توهم: أن الشك في بقاء الحق الديني، مسبب عن الشك في تعلق حقه بالمقيد، وهو الثمن الخاص، ونفي ذلك بالاصل موجب لرفع الشك المسببي (2)، فهو غير جيد، لان التسبب ليس شرعيا. وبعبارة اخرى: حكومة الاصل السببي على المسببي ممنوعة، بل ممتنعة، ومجرد التسبب التكويني غير كاف، فليتدبر. وأما إذا شك في جواز رد البائع غير النقدين - في صورة كون العوض من النقدين - فحكمه ما مر، ضرورة أن ما هو الثابت للمشتري ليس حق مطالبة النقدين، لاحتمال كون حقه متعلقا بالاعم، وهي المالية، أي حق مطالبة الجبران، ورفع الخسارة. ومن هنا يظهر حكم صورة كون العوض من الاعيان، بناء على جريان


1 - المكاسب، الشيخ الانصاري: 271 / السطر 32. 2 - البيع، الامام الخميني (قدس سره) 5: 132.

[ 308 ]

حديث الارش في المعاوضات، فتدبر. خاتمة حول الارش المستوعب والعيب المستوعب بعد البناء على أن الارش الذي يؤخذ به لاجل العيب يكون بالنسبة الى القيمة المسماة لا الواقعية، لا يعقل الارش المستوعب لمقدار القيمة المسماة. وبعبارة اخرى: بعد البناء على أن المدار على التفاوت في يوم البيع، كيف يمكن أن يقوم المعيب والصحيح بقيمة واحدة؟! ووجه الامتناع ذلك، لا ما ذكره الشيخ (1) وتبعه جمع، فإن من الممكن أن يستوعب الارش تمام القيمة، أو يزداد عليها فيما إذا كان المدار على القيمة الواقعية، ولكن لمكان أن السلعة ارتفعت قيمتها السوقية يوم المطالبة، لا تبطل ماليتها. مثلا: يجوز أن تكون أرض قيمتها عشرة دنانير يوم السبت، وإذا تبينت انها معيبة يرد - لاجل المقايسة الى القيمة الواقعية - الى المشتري عشرة، ولكنها في يوم الجمعة - وهو يوم التبين والمطالبة - تكون قيمتها مائة دينار، فحديث بطلان ماليته بكون الارش مستوعبا، غير جيد. بل ولو قلنا بلزوم رجوع شخص الثمن الى المشتري.


1 - المكاسب، الشيخ الانصاري: 272 / السطر 10.

[ 309 ]

نعم، إذا كان الارش المستوعب، موجبا لتصور العيب المستوعب، فربما يشكل الامر، من جهة أن استيعاب العيب إذا كان على وجه يقوم المعيب والصحيح واحدا ومتساويا، فلازمه كون العين تالفة، ونتيجة التلف بطلان البيع واقعا، في صورة كونه معيبا حين العقد، أو حكما، فيما إذا حدث العيب قبل القبض، أو في عصر الخيار المضمون، فلا أرش حينئذ، بل يرجع الثمن. اللهم إلا أن يقال: إن الحق عدم الانفساخ القهري، وعدم تعين رجوع شخص الثمن، وعدم كون البائع مشغول الذمة، بل هو بحكم الارش. ولكن لو تم الاولان كما لا يبعد، لايتم الثالث ظاهرا، فتأمل. ويمكن دعوى: أن العيب المستوعب ولو كان موجبا لاستيعاب مقدار القيمة، ولكنه لا يستلزم فساد المعاملة، لان حق الاختصاص من تبعات الملك، أو هو مرتبة ضعيفة من الملك. وكونه مالا لا ينافي الاستيعاب المذكور، لان ماليته في طول مالية العين، التي بيعت وانتقلت، أو ربما يكون له النفع التكويني المطلوب. مثلا: لو باع أمنان حنطة، ثم تبين انها معيبة، بحيث لا تفيد أثر الحنطة، إلا انها تنفع للتسميد، فإنه لايرد الى المشتري إلا الارش المستوعب عرفا، لان التسميد ليس من آثار الحنطة، ولا تقوم لذلك، فلا يبطل البيع، لكفاية هذا الاثر لبقائه في الملكية، ولصحة البيع ولو كان العيب المستوعب حين العقد. والسر في ذلك: أن ما به قوام صحة البيع، أعم من المالية وحق الاختصاص، فلو باع عينا لاجل المالية، ثم تبين أن مصحح بيعها قيام حق

[ 310 ]

الاختصاص بها، يكون البيع صحيحا، ولكن العيب المستوعب يوجب استيعاب الارش القيمة المسماة، فلا فرق بين كون العيب حين العقد، أو قبل القبض، أو في زمان الخيار المضمون، خلافا لما يظهر من الشيخ (رحمه الله) (1). كما تبين مما ذكرنا مواضع المناقشة في كلمات القوم، ولا حاجة الى أمثلة " التذكرة " (2) و " القواعد " (3) و " التحرير " (4) مما هي ليست صحيحة في ذاتها، كما لا يخفى. وبالجملة: كما أن المالية منشأ صحة بيع العين، كذلك حق الاختصاص منشأ صحة بيعها، ولكن قيمة حق الاختصاص خارجة عن القيمة المسماة، لان مالك العين قبل العيب المستوعب، لا يكون له حق الاختصاص، فصاحب الكوز مالكه، وليس له حق الاختصاص، ولكنه بعد ما انكسر الكوز يعتبر له حق الاختصاص مثلا. فعلى هذا، لا يلزم من كونه مقوما لاجل حق الاختصاص، عدم استيعاب الارش القيمة المسماة، لا نها قيمة الشئ بلحاظ المالية، التي هي في الرتبة المتقدمة وجودا واعتبارا على رتبة مالية حق الاختصاص، فافهم واغتنم.


1 - المكاسب، الشيخ الانصاري: 272 / السطر 11. 2 - تذكرة الفقهاء 1: 540 / السطر 27. 3 - قواعد الاحكام: 146 / السطر 21. 4 - تحرير الاحكام 1: 185 / السطر 25.

[ 311 ]

بقي شئ: حول كون العيب مقابلا بجزء من الثمن ربما يقال: إن العيب غير المستوعب إذا لم يكن له قسط من الثمن، لكونه كيفية عرضية، والفساد والصحة خارجان عن محط المبادلة، فلابد وأن يكون العيب المستوعب أيضا غير مقابل بشئ من الثمن، فضلا عن مجموعه فعليه كيف يقال: إنه في صورة العيب المستوعب، تعد العين تالفة إذا كان أرشه مستوعبا؟! وهذا غير معقول، لان حكم العيب المستوعب وغير المستوعب واحد، فمن هنا يعلم: أن العيب يقابل بجزء من الثمن، إذا كان غير مستوعب، وهذا خلاف ما عليه المحققون، ويكون عويصة لابد من حلها. والذي هو التحقيق: أن العيب المستوعب للعين، لا يستوعب أرشه القيمة المسماة في الصورة التي هي محل البحث، وهي كون المدار على نسبة الارش الى المسماة، وكان البيع على القيمة العادلة المتعارفة، وإلا فلا خيار، لظهور البيع في التبري أو الاسقاط، فعلى هذا لو كانت الحنطة مثلا في المثال المذكور سابقا عفنة، فإن كانت العفونة ضعيفة - فلا تلف عرفا، ويصح البيع، وإن كانت شديدة جدا فالبيع باطل، إما حقيقة إذا كانت حين العقد، أو في حكم البطلان إذا كانت قبل القبض، فالعيب المستوعب وغير المستوعب لا يقابل بالثمن، لاحين العقد، ولاحين التغريم. نعم، في صورة الاستيعاب المنتهي الى سقوط العين عن الاثر

[ 312 ]

المطلوب النوعي، يكون موجبا للتلف الموجب لرجوع الثمن مثلا، فلا تغفل. تحقيق: حول ثبوت الارش في العيب المستوعب هذا تمام الكلام في تصوير العيوب المستوعبة، وأما أن الارش فهل هو ثابت شرعا بعد كونه خلاف الاصل؟ ففيه كلام، ضرورة أن قضية أخبار المسألة، اختصاص المفروض فيها بالعيوب غير المستوعبة، لنصوصيتها في غير المستوعب، ولا إطلاق لمعقد الاجماع، ولا طريق الى الغاء الخصوصية، كما لا يخفى. فلو كان في مورد الارش مستوعبا، لان البيع واقع على القيمة النازلة، وكان الخيار ثابتا فرضا، وقلنا بأنه في هذه الصورة يلاحظ الارش بالنسبة الى القيمة الواقعية في يوم البيع، فلا يجوز الاخذ بالارش، لقصور الكبرى ولو فرضت الصغرى فرضا صحيحا. ولكنك عرفت: أن في موارد بيع الامتعة على القيمة النازلة، يكون البيع على مبنى سقوط الخيار والارش، فتأمل.

[ 313 ]

الجهة الثانية عشرة في معرفة الارش ضرورة انه ربما يختلف الناس في تشخيص الارش، وليس هو من الامور الواضحة، فلابد من الرجوع الى الغير، والاتكال على قوله. والذي لاشبهة فيه، انه لا خصوصية لذلك الغير، من الرجولة، والانوثة، والبلوغ، وغير ذلك في المسألة، لعدم الدليل عليه، وهو مقتضى الاطلاق المقامي. وأما توهم: انه لو كان الغير شاهدا - كسائر موارد قيام الشاهد - فيعتبر فيه ما يعتبر في قبول قول الشاهد، كما صرح به العلامة الانصاري (قدس سره) (1) فهو غير مرضي، لان شهادة الشاهد في أمثال هذه الامور، ترجع نوعا غالبيا الى اتكاله على قول أهل الخبرة، ورأي أرباب البصيرة، وخرص أصحاب التخريص أحيانا، وعندئذ تسقط شهادته،


1 - المكاسب، الشيخ الانصاري: 273 / السطر 2.

[ 314 ]

ضرورة أن الفرق بين الشهادة والاخبار - كما يظهر من الاخبار (1)، من غير حاجة الى مراجعة الاقوال، وأهل الاستدلال - هو أن الاخبار أعم، ويكون من الاخبار الخبر الكاذب الذي يعرف المخبر بكذب خبره، بخلاف الشهادة، فإنها أخص، لخصوصية لاحقة بالمخبر، وهي صفة اليقين والعلم الحاصلة للمخبر. وهذا هو المستفاد من آية سورة المنافقين (2)، فراجع. فما ترى في كلماتهم من الاختلاف، فكله ناشئ من قلة التدبر في الاثار، والتفصيل في محل آخر. فبالجملة: قبول الشهادة الشاهدين في هذه المواقف، الظاهر اعتمادهم فيها على رأي أرباب الخبرة، يحتاج الى الدليل، كقبول شهادتهم المستندة الى الاصول العملية، ولذلك قال جمع منهم باعتبار شهادة هؤلاء، إذا صرحوا بمستندهم حين الشهادة، حتى يكون من الشهادة ولو كان المشهود أمرا ظاهريا، وحكما ثانويا. فعلى هذا، ففي كفاية شهادة الشاهد ولو كان كثيرا في مثل المقام مناقشة، لعدم دليل على حجية الشهادة، إلا إذا كان مستندهم مما يعتبر عند العرف والعقلاء، كما إذا كان الى إخبار أهل الخبرة، دون مثل الاستصحاب، فتدبر. وأما رأي أهل الخبرة ونظر الفنان والمقوم، فهو ولو كان من الاخبار


1 - وسائل الشيعة 27: 341، كتاب الشهادات، الباب 20. 2 - المنافقون (63): 1.

[ 315 ]

المستند الى الامور القريبة أو البعيدة أحيانا، ولكنه لابد من الالتزام باعتباره، نظرا الى السيرة وبناء العقلاء من الاول. نعم، يحتمل مردوعية بنائهم، لخبر مسعدة بن صدقة، لان قوله: " الاشياء كلها على ذلك حتى تستبين، أو تقوم به البينة " (1) ظاهر في أن الحجة إما حجة شخصية، وهو العلم والاستبانة، أو الحجة النوعية، وهي البينة، فالخبر الواحد ورأي أصحاب الخبرة وفتوى المفتين، غير حجة، لخروجها عنهما. ولا معنى لحكومة أدلتها على ذلك، بعد مقابلته لقوله: " أو تقوم به البينة ". اللهم إلا أن يقال: إن المراد من " البينة " هي الحجة والدليل، وإلا يلزم خروج الاستصحاب والاقرار منها. مع أن في كثير من الموارد لا تكفي البينة، للحاجة الى شهادة أربعة عدول. وهكذا يلزم خروج موارد خاصة، ناهضة على اعتبار قول الثقة فيها رواية خاصة، كإخبار البائع ونحوه. هذا مع أن من الممكن اشتراط الاستبانة أو قيام البينة في باب


1 - مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سمعته يقول: كل شئ هو لك حلال حتى تعلم انه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك، ذلك مثل الثوب يكون عليك قد اشتريته وهو سرقة، أو المملوك عندك ولعله حر قد باع نفسه، أو خدع فبيع قهرا، أو امرأة تحتك وهي اختك أو رضيعتك، والاشياء كلها على هذا حتى يستبين لك غير ذلك، أو تقوم به البينة. الكافي 5: 313 / 40، تهذيب الاحكام 7: 226 / 989، وسائل الشيعة 17: 89، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 4، الحديث 4.

[ 316 ]

إثبات الممنوعية والحرمة، لا مطلق الحكم الشرعي، ضرورة أن قوله: " الاشياء كلها على ذلك " إشارة الى الحل. وبالجملة: قد تحرر منا مناقشتنا في مسعدة بن صدقة في الفقه (1) والاصول (2). نعم، رواية عبد الله بن سليمان عن أبي عبد الله (عليه السلام) في الجبن قال: " كل شئ لك حلال حتى يجيئك شاهدان يشهدان أن فيه ميتة " (3) ظاهر في عدم كفاية قول أهل الخبرة. إلا انه من المحتمل اختصاص ذلك بما اشير إليه آنفا. مع أن تلك السيرة القطعية القوية، لا يمكن ردعها بمثل رواية، فليتأمل جيدا، وتفصيل المسألة يطلب من قواعدنا الاصولية. تذنيب حول كيفية التقويم ربما وقعوا في كيفية التقويم، وهذا أيضا من موارد غفلة الاصحاب (رحمهم الله) عن الامر اللائق بشأنهم، فإن ما هو وظيفتهم، ليس إلا إرجاع الامة الى الاخذ بالارش، وتعيين انه التفاوت بين الصحيح والمعيب


1 - لاحظ تحريرات في الفقه، كتاب الطهارة 2: 252، الخلل في الصلاة: 227. 2 - تحريرات في الاصول 7: 26 - 30. 3 - الكافي 6: 339 / 2، وسائل الشيعة 25: 118، كتاب الاطعمة والاشربة، أبواب الاطعمة المباحة، الباب 61، الحديث 2.

[ 317 ]

بالنسبة الى القيمة المسماة، وأما كيفية التقويم فهي موكولة الى العرف، لاختلاف البلدان والامصار والازمان والاعصار في ذلك أحيانا، ولا معين شرعا لها، فما أفادوه من الصور لا يرجع الى محصل. وتوهم: أن منظورهم من التوغل فيها، توضيح موارد التقويم من مواضع الشهادة، لاختلاف الحكم باختلافها، في غير محله، لان اختلاف الشاهد والمقوم من الامور الواضحة. مع أن اعتبار العدالة والتعدد في مورد الشهادة على الاطلاق، محل منع، لما لادليل عليه إلا في مواضع خاصة في باب القضاء. وما في بعض الاخبار: من تقويم الصحيح والمعيب (1)، ربما يومئ الى أن التفاوت الذي يؤخذ، هو بالنسبة الى القيمة الواقعية، كما قيل، أو المسماة، كما استظهر، فلا نظر فيها الى بيان أصل الكيفية، لانه من الامر الواضح الغني عن البيان. مع انه ربما لانحتاج الى تلك الكيفية، لانه إذا ثبت أن السلعة من نوع كذا تكون قيمتها واضحة، لان بين النوعين منها اختلافا واضحا، ويعد أحدهما بالاخر معيبا. وأما مثل الذهب والفضة والعقيق اليماني وغيره، فهو خارج عن


1 - عن محمد بن مسلم، عن أحدهما (عليهما السلام) انه سأل عن الرجل يبتاع الجارية فيقع عليها، ثم يجد بها عيبا بعد ذلك؟ قال: لا يردها على صاحبها، ولكن تقوم ما بين العيب والصحة فيرد على المبتاع، معاذ الله أن يجعل لها أجرا. الكافي 5: 215 / 6، تهذيب الاحكام 7: 61 / 264، وسائل الشيعة 18: 103، كتاب التجارة، أبواب أحكام العيوب، الباب 4، الحديث 4.

[ 318 ]

مسألتنا، لان غير اليماني والردئ منهما ليس معيبا عرفا وإن كان ناقصا في قبال الكامل، فلا تخلط. ومما يشهد على عدم الحاجة الى الكيفية الخاصة: أن تقويم المعيب يكون كافيا، فيعين ما هو تفاوتهما من غير تعيين، فاغتنم. تذنيب مقتضى الاصول عملية عند تعذر تعيين القيمة في موارد تعذر التعيين لجهة من الجهات الممكنة، فمقتضى الاصل - سواء قلنا: بأن الارش دين، أو تغريم، وحق الرجوع والمطالبة - يكون الزائد منفيا بالبراءة، وباستصحاب العدم النعتي، بناء على كونه ذا أثر شرعا. واستصحاب بقاء عنوان " الدين والحق " مسبب عن الشك في المقيد المرمي قيده بالاصل. ولمنع جريان الاستصحاب المذكور وجه، لان كلي الدين ليس موضوع الاثر، وما هو موضوع الاثر غير متيقن، مثلا إذا علم باشتغال الذمة بعشرة دنانير، فعليه الاداء الى العلم بالفراغ، ولا ينقض اليقين إلا باليقين الاخر، وأما إذا علم بالدين فلا حكم له في الشرع، فلا تغفل. وغير خفي: انه ربما يشكل جريان استصحاب العدم النعتي المشار إليه، لان نفي الحكم بنفي الموضوع، من المثبتات الجلية وإن التزموا بجريانه. ولو وصلت النوبة الى البراءة عن وجوب الرد عند مطالبة المشتري، يكون استصحاب بقاء الحق - الجاري في " حاشية العلامة

[ 319 ]

الخراساني " (1) - حاكما عليها، إلا انك قد عرفت وجه ممنوعية جريانه. بحث وذنابة حول تعارض أرباب التقويم لو تعارضت أرباب التقويم، واختلفت أقوال المقومين، يحتمل وجوه من الكلام، لوجوه من المحتملات، وتمام البحث حوله يتم ضمن امور: الامر الاول في صور المسألة فإنها كثيرة، ضرورة انه تارة: يكون الاختلاف بين المقومين، واخرى: بين الشاهدين والبينتين، وثالثة: بين المقوم والبينة أو الشاهد. وعلى كل تارة: يتعدد أحد الطرفين، ويتعاضد بعضهم ببعض بقيام المقومين مثلا على قيمة، ومقوم واحد على قيمة، واخرى: يتحد، ويكون الطرفان متساويين. وعلى الاول تارة: يكون الاختلاف كثيرا، واخرى: قليلا. مثلا تارة: يقوم السلعة بعشرة عند خمسة، وبخمسة عند واحد، واخرى: بعشرة عند


1 - لاحظ حاشية المكاسب، المحقق الخراساني: 232.

[ 320 ]

خمسة، وبخمسة عند الاربعة. وربما يوجب اختلاف الحكم اختلاف المقومين في حدود التقويم. وعلى كل تقدير تارة: يختلفان في مقدار الصحيح والمعيب معا، واخرى: يختلفان في الصحيح، ويتحدان في المعيب، وثالثة: ينعكس. وعلى كل تقدير تارة: يكون الاختلاف في المطابقة، كما إذا قوم أحدهما الحنطة المبتاعة بعشرة، وثانيهما بالتسعة. واخرى: بالالتزام، كما إذا قوم أحدهما بعشرة، وقال الاخر: " إنها حنطة أرض خيبر " - وتكون تلك الحنطة بعشرين عندهما - فيكون المعيب الموجود بين أيديهما مختلف القيمة حسب لوازم كلامهما، أو حسب صريح أحدهما، ولازم الاخر... وغير ذلك من الصور المحتملة في المسألة. الامر الثاني في مقتضى القواعد العقلائية أي مع قطع النظر عن الادلة الشرعية، والترجيحات الخاصة التعبدية. لاشبهة في حجية إخبار المقوم ورأيه في ذاته، كما لاشبهة في حجية شهادة البينة أيضا في ذاتها، وإنما الشبهة في حجية كل واحد عند المعارضة، فيكون قضية الاصل سقوطهما، لعدم المقتضي، ولعدم الدليل على الحجية على الاطلاق في أمثال المقام، فلا وجه للمراجعة الى

[ 321 ]

المرجحات، وترجيح الحجة على الحجة. ولو كانا حجتين في مقام المعارضة، وساقطين لاجل التعارض، يقدم أحدهما على الاخر بالمرجح. وربما كان يكفي مجرد الترجيح ولو كان بالامور الاجنبية، كترجيح البينة بأصل البراءة. وبالجملة: مقتضى القاعدة عدم الفرق بين كون التعارض حاصلا بين المقوم، والخبر العادل، والبينة، بعد الفراغ عن حجية كل واحد في ذاته عند العرف والعقلاء. ولا أقل من الشك في ذلك، فإنه يرجع الامر في النتيجة الى شئ واحد. نعم، في صورة اعتضاد أحد الطرفين بالمماثل، فقوم المقومون مثلا بعشرة، وواحد بالتسعة، أو قوم المقوم المعتضد بالشهادة من البينات بعشرة، وقامت بينة على التسعة، فلا يبعد قيام بناء من العقلاء على طرد الاقل، بشرط كون التفاوت بين الطرفين كثيرا. وفي صورة اختلاف المقومين في المقدار، مع كون أحد الطرفين معتضدا بالبينات والمقومين، يتعين الرجوع إليهم قطعيا، ويكشف عندهم خطأ الاخر. وأما في سائر الصور، فمقتضى الاصل هو التساقط في التعارض بين البينات، أو البينة والمقوم. ولعل سره: أن البينة إما تستند الى رأي المقوم واقعا، أو تكون بنفسها مقومة، ولا دليل عند العقلاء على تقديمها على رأيه. نعم، في موارد لزوم الرجوع الى أحدهما، وضرورة الاخذ برأي أحدهما وقولهما، يكون عندهم المرجحات موجودة، كما في موارد

[ 322 ]

المراجعة الى الطبيب، وأما فيما نحن فيه فلا ملزم للرجوع، بعد وجود الاصول، والقواعد الاخر صالحة للمراجعة والمرجعية. وبالجملة: مجرد كون أحد الطرفين مقوما، والاخر بينة عادلة، لا يكفي لطرح المقوم عندهم. ولا إطلاق يقتضي حجية البينة على الاطلاق، ويكون الاتكال على تقويم المقوم، مقيدا بعدم تعارضه بالشهادة، كما لا يخفى، لكون دليله بناء العقلاء، وهو لبي. بقي شئ: إبداع الفرق بين الموارد ربما يقال: " إن الجمع مهما أمكن أولى من الطرح " (1) معناه في المقام غير ما هو المقصود في باب التعادل والترجيح، فإن في باب التعادل والترجيح، يكون الجمع بين الدليلين - مهما أمكن إمكانا عقلائيا - مقبولا، فإنه الاولى، بمعنى المتعين في قبال الطرح. وأما مجرد الجمع حتى بين المتناقضين بالكلية، بدعوى أن " أكرم العلماء " نص في العدول، وظاهر في الفساق، و " لا تكرم العلماء " نص في الفساق، وظاهر في العدول، فيجمع بينهما، ويكون النص قرينة على الظاهر في كل منهما، فهو غير كاف، وإلا يلزم سقوط الاخبار العلاجية. وأما في المقام، فمعناه هو أن مقتضى الدلالة المطابقية في كل واحد من الطرفين المقومين للمعيب مثلا، تعين العشرة والتسعة مثلا، وقضية الدلالة الالتزامية نفي كل واحد منهما الاخر، ولازم سقوطهما بعد


1 - لاحظ عوالي اللالي 4: 136.

[ 323 ]

ذلك هو الرجوع الى أصالة البراءة، والمشتري لا يعلم للمعيب إلا بالسبعة، لاحتمال كون القيمة سبعة واقعا لا الازيد، فلا وجه لتعين الاخذ بالتسعة، وهذا مما يكذبه العقلاء. فعليه يجوز أن يقال: بأن القول بالعشرة معارض بالذات مع الدلالة الالتزامية للقول بالتسعة، وبالعكس، ولا يمكن مقاومة الدلالة الالتزامية مع المطابقة عند المعارضة في محيط العقلاء، فإما لا يكون لكل منهما دلالة وجودا كما هو الاظهر، أولا حجية لتلك الدلالة الالتزامية ولو كانت موجودة. وعلى كل تقدير ترتفع المعارضة، لان القول بالعشرة يجتمع مع القول بالتسعة، لا نها تحتوي عليها، بعد سقوط تلك الدلالة الالتزامية، فيلزم الاخذ بهما، والجمع بينهما. وأما الاخذ في المثال المذكور بالتسعة والنصف، فهو غير جيد، لا لاجل انه مورد نفيهما، لان قضية الدلالة الالتزامية نفي ذلك، فإنه غير تام، ضرورة سقوط الالتزاميين للمكاذبة الذاتية التي وقعت بينها وبين المطابقية، بل لاجل أن الاخذ بالتسعة، أخذ بتمام الدلالة المطابقية، والدلالة التضمنية. ويؤيد ذلك بقاعدة العدل والانصاف أحيانا. فبالجملة: فيما إذا كان المقوم مثلا مرجعا لتقويم المعيب فقط - لان المفروض معلومية قيمة الصحيح، لان البيع وقع عليها، والمدار على قيمته حال البيع، وإنما يرجع الى المقوم لتقويم المعيب، نظرا الى الاخذ بالتفاوت - يتعين حسب الصناعة قول المقوم الذي هو الاقل. ودعوى: انه معارض بتقويم الاكثر، وساقط حسب الاصل، صحيحة، إلا انه فرق بين الاخذ بالاقل لان الاكثر من قبيل بينة الخارج المخالف

[ 324 ]

للاصل، كما في " حاشية الفقيه اليزدي (رحمه الله) " (1) وبين الاخذ به لجهة انه من الجمع بين القولين في دلالة المطابقة والتضمن العرفي، ضرورة انه لا تكاذب ذاتا بين التقويم بالتسعة والعشرة بما هو هو، وإنما المكاذبة والمناقضة تحصل من الاخذ بالمفهوم والتحديد الظاهرين بدوا من المقومين، وبعد سقوط ذلك فلا مناقضة بين التسعة اللا بشرط، وبين العشرة. فتحصل: أن طريقة العقلاء في باب الاقل والاكثر - كما نحن فيه - وباب المتباينين مختلفة، ففي موارد التباين تتساقط الطرق، وأما في الاقل والاكثر فلا يطرد الدليلان والطريقان بالرجوع الى مقتضى الاصول الاخر المنافية، لما اشير إليه. كما انه يظهر: أن حديث معارضة البينتين القائمين على العين الشخصية، أجنبي عن بحث الارش، فما أطاله المحشي العلامة الاصفهاني (2) هنا، مما لا طائل تحته. ومن هنا يظهر سقوط الاحتمالات الاخر، كالرجوع الى الحاكم، أو القرعة، أو بينة الاكثر أو بينة الاقل، أو قاعدة العدل والانصاف. ولا فرق بين أقسام التقويم، لرجوع الكل الى الاقل والاكثر في القيميات. نعم، فيما إذا اختلفا في المثليات - كما إذا تبادلت الحنطة بالعدس - فربما ينتهي الى التباين، ولكن بعد ما عرفت من عدم جريان الارش فيها، فلا يهمنا البحث حوله.


1 - حاشية المكاسب، السيد اليزدي 2: 103 / السطر الاخير. 2 - حاشية المكاسب، المحقق الاصفهاني 2: 136 - 137.

[ 325 ]

ومما ذكرنا يظهر وجه سقوط الاختلاف الاخر المحكي (1) هنا بين المعظم، وبين الشهيد (رحمه الله) (2) وصاحب " إيضاح النافع (رحمه الله) " (3)، ضرورة أن تقويم المقوم وشهادة الشاهد فيما نحن فيه، لا أثر له إلا بالنسبة الى المقدار الذي يحق للمشتري أن يرجع به الى البائع، فما هو محط اختلاف المقومين ومصب تشاح الشاهدين الذي هو منظور العقلاء في الرجوع إليهم، ليس إلا ذلك. فلو اختلفت آراؤهم في تقويم الصحيح والمعيب معا، لا يجوز طرح المجموع، والرجوع الى أصالة البراءة كما هو مقتضى الصناعة، ولا الاخذ بالطريقة المنسوبة الى المعظم، أو الشهيد (4) وغيره - بناء على عدم رجوعهما الى أمر واحد، كما يستظهر من الشيخ (رحمه الله) (5) - لان سقوط الدلالة المطابقية في كل منهما بالمطابقة في الاخر في تقويم الصحيح والمعيب ممنوع، لما عرفت من عدم المعارضة ذاتا بينها. وأما توهم لزوم الاخذ بالالتزامية عند العقلاء، إذا كانت مشتركة، كما إذا كان اختلاف كل منهما في تقويم الصحيح والمعيب، على وجه يورث كون النسبة بالنصف، فهو غير تام، لانه ليس بنفسه الاثر الذي لاجله وقع التعبد بالاخذ بقول كل من المقومين، ضرورة أن ما هو الاثر هو الحق


1 - المكاسب، الشيخ الانصاري: 274 / السطر 3. 2 - لاحظ الروضة البهية 1: 380 / السطر 7، فإنه نقل عن النسبة إلى الشهيد الاول (قدس سره). 3 - لاحظ مفتاح الكرامة 4: 633. 4 - لاحظ الروضة البهية 1: 380 / السطر 7. 5 - المكاسب، الشيخ الانصاري: 274 / السطر 10.

[ 326 ]

الذي يحق للمشتري الرجوع به الى البائع، وذلك أمر دائر بين الاقل والاكثر، ولايجوز إلا الاخذ بالاقل، لما مر، فلو كانت الطريقتان راجعتين الى واحدة، وهي ترجع الى ما ذكرناه فهو، وإلا فلا دليل على تلك الكيفية المعروفة عن المعظم وغيره، كما صرح به الوالد المحقق - مد ظله (1) -. الامر الثالث في مقتضى القواعد الشرعية اعلم: انه ربما يقال: إن في موارد المعارضة لابد من المراجعة الى الاخبار العلاجية (2)، سواء كانت المكاذبة بين الروايات في الاحكام أو الموضوعات أو بين إخبار المقومين وشهادة الشاهدين، وذلك لان المستفاد من تلك الاخبار، أن نظر الشرع الى حل المشاكل ومراجع الامور، بمجرد مزية، من غير النظر الى كون المزية تمام العلة لاصابة الواقع والاقربية، لامكان كون خبر غير الفقيه أقرب الى الواقع، لكونه أثبت في التعبد بالعبارات الواصلة. بل المنظور كما يظهر، عدم الوقوف على الحوادث، من غير أن يلزم الترجيح بلا مرجح، أو ترجيح المرجوح على الراجح، ولاجله ورد التخيير (3).


1 - البيع، الامام الخميني (قدس سره) 5: 142. 2 - لاحظ وسائل الشيعة 27: 106 - 124، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 9. 3 - عن الحسن بن الجهم، عن الرضا (عليه السلام) قال: قلت له: تجيئنا الاحاديث عنكم مختلفة، فقال: ما جاءك عنا فقس على كتاب الله عزوجل وأحاديثنا، فإن كان يشبههما فهو منا، وإن لم يكن يشبههما فليس منا، قلت: يجيئنا الرجلان - وكلاهما ثقة - بحديثين مختلفين، ولا نعلم أيهما الحق، قال: فإذا لم تعلم فموسع عليك بأيهما أخذت، الاحتجاج: 357، وسائل الشيعة 27: 121، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 9، الحديث 40، لاحظ التعادل والترجيح، الامام الخميني (قدس سره): 119 - 126.

[ 327 ]

فعلى هذا فيما نحن فيه وفي أمثال المقام، يرجع الى المرجحات العرفية والعقلائية، والمزايا الاستحسانية، إلا فيما ورد خصوصا وظيفة خاصة عند تعارض البينتين وغيره. ولاجل هذا وأمثاله نجد ترجيح الاصحاب البينة الداخلة على الخارجة، وإلا فلا دليل شرعا في خصوصه، على ما عندي عاجلا. فعلى هذا يمكن دعوى: أن المكاذبة بين المقومين على أقسام التقويم، حتى فيما إذا قال أحدهما: إن له أن يأخذ التفاوت عشرة، وقال الاخر: بالثمانية، نظرا الى حاصل تقويمهما للصحيح والمعيب ولو كانت بالعرض، إلا أن الاخذ بالارجح يتعين على خلاف الاصل. فلو كان المقوم للزيادة راجحا في الخبروية مثلا، يؤخذ به، وهكذا الاعدلية وغيرها. بل ربما يقال: إن تقديم دلالة المطابقة على الالتزام بلا وجه عرفا، ولكنه وجيه بالنظر الى هذه الجهة، وما تعارف بين الفقهاء في تقديم المنطوق على المفهوم في مقام المكاذبة، ليس وجيها إلا لمجرد الاستحسان المستفاد جوازه من الاخبار العلاجية.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية