الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




البيع - السيد مصطفى الخميني ج 2

البيع

السيد مصطفى الخميني ج 2


[ 1 ]

تحريرات في الفقه كتاب البيع تأليف العلامة المحقق آية الله المجاهد الشهيد السعيد السيد مصطفى الخميني قدس سره الجزء الثاني مؤسسة تنظيم ونشر آثار الامام الخميني قدس سره

[ 2 ]

بمناسبة الذكرى السنوية العشرين لشهادة العلامة المجاهد آية الله السيد مصطفى الخميني (قدس سره) هوية الكتاب * اسم الكتاب: كتاب البيع (ج 2) * * المؤلف: السيد مصطفى الخميني (قدس سره) * * تحقيق ونشر: مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني (قدس سره) * * سنة الطبع: آبان 1376 - جمادى الثاني 1418 * * الطبعة: الاولى * * المطبعة: مطبعة مؤسسة العروج * * الكمية: 3000 نسخة * * السعر: 13000 ريال * جميع الحقوق محفوظة للناشر

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم

[ 5 ]

القول في الفضولي

[ 1 ]

الشرط الرابع أن يكونا نافذي التصرف في العوضين ولا يشترط المالكية، ولا المملوكية، كما عرفت (1)، فما قيل من اشتراط كونهما مالكين أو مأذونين من قبلهما، أو من قبل الشارع (2)، أو قيل: " يشترط كونهما مالكي التصرف " (3) غير تام، لأن ذلك فرع شرطية الملكية في العوضين. فلو باع الفضولي فلا ينفذ بيعه بالاتفاق (4)، وعليه الإجماع من جميع الملل. بل لو صح ذلك يلزم فساد البيع، لتقومه في الاعتبار باختلاف نسب الأفراد إلى الأموال، ولو كانت النسبة واحدة لما كان وجه لاعتبار


1 - تقدم في الجزء الأول: 313 - 315. 2 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 124 / السطر 11 - 12، البيع، المحقق الكوهكمري: 266. 3 - لاحظ حاشية المكاسب، المحقق الإيرواني 1: 116 / السطر 24، وسيلة النجاة 2: 25، كتاب البيع، المسألة 5. 4 - الحدائق الناضرة 18: 376 - 377، مفتاح الكرامة 4: 184 - 185، رياض المسائل 1: 512 / السطر 20، البيع، المحقق الكوهكمري: 267.

[ 2 ]

البيع الذي به تتبادل النسب، كما في المتعارف من البيوع، أو تحدث به النسبة المالكية، ويكون الاختلاف المصحح للبيع قبله القدرة على التسليم والاحتياز. ففي بيع الكلي لا يكون المبيع مملوكا بضرورة العقل، وعليه الأصحاب - رضوان الله تعالى عليهم (1) - ولكنه يصح البيع، ويصير بعد ذلك ما في ذمته مملوك المشتري، فنسبة الملكية تحدث بالبيع، ولا تكون قبله، ولكن اختلاف قدرة البائع والمشتري، أو اختلاف بنائهم واعتبارهم المالي، يورث صحة البيع المزبور عرفا. ومثله ما لو باع الطير في الهواء القادر على تسليمه طيرا شخصيا، فإنه بالبيع يصير المشتري مالكا، وعلى البائع تسليمه، فلا تخلط. وبالجملة: هل بيعه - بعد الاتفاق على عدم نفوذه - يكون قابلا للتنفيذ من قبل أهله، أو لا، أو يفصل؟ ولما كانت المسألة طويلة الذيل، فالبحث حولها يتم في ضمن امور:


1 - جامع المقاصد 4: 103، مفتاح الكرامة 4: 271 - 272، المكاسب، الشيخ الأنصاري: 196 / السطر 13 وما بعده، البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 1: 16 - 18، و 3: 291 - 292، منية الطالب 1: 39 / السطر 21 - 24، حاشية المكاسب، المحقق الأصفهاني 1: 3.

[ 3 ]

الأمر الأول فيما هو محل النزاع في بيع الفضولي لاشبهة في عدم ورود نص في مفهوم " الفضولي " حتى تكون المسألة دائرة مداره، فعليه نقول: البحث الصحيح حول أن الأسباب المورثة للنقل والانتقال، والعلل التي هي الموضوعات لاعتبار النقل والانتقال على طريق البت والقطع، هل تكون قابلة لأن توجد قاصرة في التأثير وناقصة في الموضوعية والعلية - على اختلاف التعابير - أم لا؟ والذي هو التحقيق: أن القيود والأجزاء والشرائط الوجودية والعدمية، لا تخلو بالنسبة إلى ماهيات العقود والإيقاعات من أحد أمرين على سبيل منع الخلو: إما تكون من شرائط الماهية ونفس الطبيعة. وإما تكون من شرائط التأثير والموضوعية. فما كان من قبيل الأول، فالبحث عنه ليس من البحث في المقام، لعدم لحوق مباحث الكشف والنقل به، ضرورة أن القبض من الشرائط الشرعية في عقد الصرف والسلم والهبة، ولايكون لحوقه به بعد

[ 4 ]

مدة موضوعا لمسألة الكشف والنقل، فيكون خارجا عما هو مصب النفي والإثبات في المقام. وما هو من قبيل الثاني، يندرج في الجهة المبحوث عنها هنا، فالبلوغ والرشد والفلس والجنون وأمثالها من هذا القبيل، لأنه بعد حصول الشرائط ورفع الموانع لابد من الإجازة، ولا دليل شرعا على اعتبار هذه الامور في الصحة والماهية بعد إباء العرف عنه، كما هو الظاهر. وتوهم: أن الشرائط الشرعية في الماهية والصحة الشأنية، ترجع إلى شرائط التأثير وموضوعية الموضوع، في غير محله، ضرورة أنها حسب العرف لا تكون من الاولى، ولا من الثانية، وبحسب الشرع والقانون المتبع، يتبع الاعتبار، وما هو ظاهر الأصحاب - رضي الله عنهم - هو الأول (1)، ولكن المساعد عليه الاعتبار هو الثاني. فإذن لو كانت الأدلة ناظرة إليه، فتندرج المسألة فيما نحن فيه، وهو أن القبض اللاحق المورث لتأثير العقد السابق، هل يكون موجبا للتأثير من الحين، أو للتأثير في الحين من القبل، أو يكون كاشفا حقيقيا أو حكميا. إن قلت: لا بأس بالالتزام باختلاف الشرائط حسب الأدلة الشرعية، فيكون منها: ما هو شرط الماهية، ومنها: ما هو شرط التأثير، كما يمكن اختلافها في دخالة بعضها في الاسم، وبعضها في الصحة، ولكنه لايتم حسب نظر العرف فكما لا تكون المعاملات بنظرهم صحيحة وفاسدة،


1 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 142 / السطر 28 وما بعده، منية الطالب 1: 277 / السطر 13 - 14، حاشية المكاسب، المحقق الإيرواني 1: 141 / السطر 2 - 6.

[ 5 ]

إلا بمعنى أنها دائر أمرها بين الوجود والعدم، كذلك الأمر هنا، فإنها لا تكون منقسمة إلى المؤثر الصحيح، وغير المؤثر الصحيح، فلا وجه للنزاع في الفضولي. قلت: لو سلمنا جميع ذلك، فلنا دعوى: أن عمل الفضولي ليس عندهم لا عمل بالضرورة. نعم، العناوين المعروفة في المعاملات تارة: تطلق على نعت المجاز والتسامح، كقولهم: " بيع المكره والفضولي ". واخرى: تطلق على نعت الحقيقة والواقع. فما صنعه الفضولي وإن لم يكن بيعا حقيقيا، إلا أنه قابل للاتصاف به بالإجازة، فالإجازة تفيد الاتصاف بتلك العناوين، وتصير بعد ذلك موضوعا لما اعتبره العقلاء، وهو النقل والانتقال، وهذا هو الذي اخترناه في بيع المكره، وأمر اتصافه بتلك العناوين بيد المجيز، فإن أجاز من حين فيترتب عليه الأثر من حين، لاتصافه بها من حين، وإن أجاز من قبل فهكذا، لأنه يتصف بتلك العناوين المعاملية من قبل، فلا يقع التفكيك بين الصحيح والمؤثر، ويصح النزاع في صحة هذا الانقلاب وعدمها. هذا مع أن اختلاف القوم في صحة الفضولي، يرجع إلى اختلافهم في أن الشرائط مختلفة من حيث دخالتها في الصحة والتأثير، فمن أبطله أنكره، ومن صححه قال به. اللهم إلا أن يقال: بأن الأمر ليس كذلك، ضرورة أن البحث هنا في تأخر شرط التأثير، وأنه بعدما تأخر هل يمكن أن يؤثر، أم لا؟ وهذا نزاع متفرع على القول بتعدد الشرائط سنخا، فما يظهر من القوم كلهم لا يخلو من الخلل الواضح. نعم، يمكن دعوى: أن هذه المسألة كانت عند المتخاصمين في

[ 6 ]

الفضولي واضحة، ولذلك لايتشبث المخالف بعدم اختلاف الشرائط جوهرا واعتبارا، بل أدلته امور اخر تأتي إن شاء الله تعالى، فتأمل. الشبهة في مصداقين من بيع الفضولي ثم إنه لا شبهة في بعض مصاديق الفضولي، كما لو باع لنفسه، فإنه من الفضولي في البيع وهكذا. ولكن شبهة في بعضها، كما لو باع عن المالك أو آجر، فهل هو من الفضولي في البيع، أم هو من الفضولي في الوكالة؟ وجهان: من أن له أن يجيز البيع، فيكون فضوليا فيه. ومن أن فعل الغير لا يستند إلى المالك إلا بعنوان الوكيل عنه وصفة الوكالة، وسيظهر ما هو التحقيق في المسألة من التفصيل في المقام. وأيضا: شبهة فيما إذا كان المالك راضيا حين المعاوضة والمعاملة، فظاهر جمع أنه من الفضولي (1)، وقال الشيخ بعدمه (2)، والمسألة مبنائية، ومبتنية على أن الرضا كاف في تمامية أركان المعاملة المؤثرة، أم لا، وتحقيق ذلك يأتي في المسائل الآتية، فمن قال بالكفاية أخرجه عن مبحث الفضولي، ومن قال بعدمها أدرجه فيها.


1 - حاشية المكاسب، المحقق الإيرواني 1: 117 / السطر 11، منية الطالب 1: 209 - 210، مصباح الفقاهة 4: 6. 2 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 124 / السطر 25.

[ 7 ]

فبالجملة: المناط ما ذكرناه، والذي هو محل النزاع إمكان تحقق ذوات الأسباب الفاقدة لعناوين المعاملات، أو الفاقدة للأثر، ثم بعد إثبات إمكان تحقق ذلك - وهو السبب الناقص - يقع البحث حول إمكان تتميم ذلك السبب بالتحاق نقيصته به، وما هو الدخيل في الاسم أو في الأثر به أم لا، فلاينبغي الخلط بين الجهات المختلفة في البحث والنزاع بعد اختلافها في الأدلة والأحكام. وإن شئت قلت: هنا ثلاث مسائل: مسألة اختلاف الشرائط في الصحة والتأثير، ثم بعد إثباته وجواز التفكيك بين أجزاء العلة، تصل النوبة إلى المسألتين المشار إليهما آنفا.

[ 9 ]

الأمر الثاني في أن صحة الفضولي على القاعدة هل صحة الفضولي على طبق القواعد، أم على خلافها، فلابد من الاقتصار على موارد النص والرواية؟ فقيل بالأول (1). وقيل بالثاني (2). وقيل بالتفصيل بين العقود والإيقاعات، ولعله المشهور، فتكون على وفقها في العقود، دون الإيقاعات (3). وربما يمكن التفصيل في الإيقاعات أيضا بين مثل الجعالة، بناء


1 - حاشية المكاسب، المحقق الأصفهاني 1: 130 / السطر 17 وما بعده، البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 2: 104، منية الطالب 1: 211 - 212. 2 - حاشية المكاسب، السيد اليزدي 1: 133 / السطر 27، حاشية المكاسب، المحقق الإيرواني 1: 117 / السطر 2. 3 - غاية المراد: 177، لاحظ المكاسب، الشيخ الأنصاري: 124 / السطر 14.

[ 10 ]

على كونها إيقاعا، ومثل الطلاق والعتق، بناء على كونهما فك عقدة النكاح والرقية. والذي هو التحقيق: أن المسائل الاعتبارية والامور التي عليها تدور رحى الاجتماعات في أنواع المعاملات، غير مرتبطة بالمسائل العقلية، والتوالي الفاسدة التي تذكر في العلوم الطبيعية - كالدور والتسلسل وأمثالهما - لا تأتي فيها، وقد تكرر منا أن المناط في إمكان شئ وعدمه في هذه المواقف، هو وجود الأغراض والمقاصد العقلائية النوعية وعدمها (1)، فلاينبغي الخلط بين المسائل العقلية والاعتبارية من تلك الجهة، حتى يلزم الإشكالات، ويصعب حلها. بيان الناحية الاولى لامتناع تصحيح الفضولي على القواعد ودفعها فعليه كون صحة الفضولي مطابقة للقاعدة، مما لا شبهة تعتريها في جميع العقود والإيقاعات، ضرورة أن تلك الألفاظ ليست أسبابا واقعية لامور تكوينية، بل أمرها في السببية بيد العرف والعقلاء، فإذا تمكن الفضولي من إرادة البيع، فيتوسل بالأسباب المؤدية إليه، كالأصيل، فكما أنه إذا أراده ينشئ البيع بألفاظ الإيجاب، ويرى أنه لا يترتب الأثر إلا على الإيجاب الذي وقع مورد القبول، أو انضم إليه القبول، ومع ذلك يتمكن من تلك الإرادة الجدية اللازمة في تحقق ما هو البيع فعلا، أو ما هو قابل لأن يتصف بعنوانه لاحقا، كذلك الفضولي يترشح منه الإرادة


1 - تحريرات في الاصول 1: 82، 276، و 2: 42.

[ 11 ]

المزبورة. فدعوى عدم إمكان صدور الإرادة مع العلم بعدم ترتب الأثر عليه (1)، غير مسموعة إلا في بعض الصور الآتية، والكلام هنا في الفضولي بنحو الإجمال من غير فرق بين عقد من العقود. نعم، في الإيقاعات لايتم هذا التنظير، لأن إيقاع الملك في الوقف مثلا، تمام الموضوع للأثر، بخلاف إيقاع الفضولي. ولكنه فرق لا يورث القصور في المسألة بعدما إذا كان يرى تمكنه من إرضاء المالك، كما لا يخفى. فعلى هذا لا يمكن سد باب صحة الفضولي من تلك الناحية. وأما الناحية الاخرى لبطلان تصحيح الفضولي على القواعد: وهي أنه لابد من استناد فعل الفضولي إلى المجيز حتى تشمله الأدلة الشرعية، لأن آية وجوب الوفاء بالعقد (2) وسائر الآيات (3) والماثير في المعاملات والشروط، منصرفة إلى العقد الخاص، لا مطلق العقد حتى يشمل الأجنبي عن العقد والبيع والتجارة، فيصير


1 - لاحظ المكاسب، الشيخ الأنصاري: 128 / السطر 5، حاشية المكاسب، المحقق الإيرواني 1: 122 / السطر 3، البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 1: 5، و 2: 141 - 143. 2 - المائدة (5): 1. 3 - كقوله تعالى: * (لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم) *، النساء (4): 29.

[ 12 ]

مفادها " أنه أوفوا بعقودكم وبيوعكم وتجارتكم " وتلك الإضافة لا تحصل إلا لمن أوجدها. وما اشتهر: من كفاية الإجازة في ذلك، لاستناد البيع السببي إليه بعده، أو لاستناد المنشأ الاعتباري، أو لاستناد الأثر - وهو النقل والانتقال - إليه بتلك الإجازة اللاحقة (1)، غير صحيح، ضرورة أن مجرد الاستناد الأعم من الحقيقة غير كاف، ولا سبيل إلى الاستناد الحقيقي بالضرورة. بل في صحة الاستناد المجازي إشكال، كما لا يخفى. أقول أولا: بناء العقلاء على لزوم القيام بالوفاء بعد الإجازة، وأنها كسائر العناوين في ذلك، فلو فرضنا ذلك فلا مفهوم لها حتى يلزم مردوعية بناء العقلاء في غير مورد الآيات والروايات. وتوهم: أنه لا دليل على عدم مردوعيته، لأنه ليس مثل الخبر الواحد واليد وأمثالهما بمثابة يمكن كشف الرضا بالسكوت، لو كان تاما فبإلغاء الخصوصية قطعا يعلم ذلك، فتأمل. وثانيا: تلك العناوين المأخوذة في الأدلة الشرعية، هي المعاملات العرفية الحاصلة من فعل الطرفين، فليس المقصود من " العقد " في " عقودكم " الإيجاب المضاف إلى البائع، والقبول المضاف إلى المشتري، بل المقصود هو الأمر الحاصل من العملين، فكيف يصح


1 - لاحظ البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 2: 104 - 106، منية الطالب 1: 212 - 213، حاشية المكاسب، المحقق الأصفهاني 1: 130 - 131، البيع، المحقق الكوهكمري: 268 - 270 و 285 - 287، جامع المدارك 3: 82، مصباح الفقاهة 4: 19 - 21. (*

[ 13 ]

استناد ما يحصل من فعل الطرفين، إلى كل واحد بالاستقلال على نحو الحقيقة، فيما كان الطرفان أصيلين؟! فعلى هذا كبرى ما أفاده القوم ممنوعة، فلا حاجة إلى التشبث بذيل إثبات النسبة المزبورة. نعم، تكون الأدلة منصرفة عن الأجنبي قطعا. وأما المجيز فكالمؤذن، فكما أن فعل الوكيل لا يستند إلى الموكل، بل الوكالة هي إيكال الفعل إلى الغير، وربما يكون الموكل ميتا وتصح الوكالة، فيعلم منه عدم تمامية الاستناد، وعدم لزومه، كذلك فعل الفضولي، وكما أن الصورة الاولى داخلة في الأدلة الشرعية، كذلك الثانية، فلا تخلط. وثالثا: قضية ما ذكرناه هو أن فعل الفضولي ليس معنونا بأحد العناوين قبل الإجازة إلا مجازا وتسامحا، وبالإجازة يصير هو البيع، فيكون نسبة البيع بعنوانه إلى الإجازة أقوى من الفضولي بالضرورة، لأنه بعمله صار هو، البيع والتجارة والعقد، وهذا كاف في شمول الأدلة، كما هو الواضح البارز. ورابعا: هذه الشبهة من الشواهد على أجنبية آية وجوب الوفاء (1) عن هذه العقود، بل - كما عرفت منا (2) - هي مرتبطة بعقد البيعة وأمثالها،


1 - المائدة (5): 1. 2 - تقدم في الجزء الأول: 27 - 28.

[ 14 ]

كما عليه جماعة من المفسرين (1). وأما آية حلية البيع (2)، فهي مهملة على ما عرفت منا تفصيله. وأما دليل الشرط (3)، ففي شموله لغير ما عليه المشهور إشكال معروف. وأما آية التجارة (4)، فهي تفيد أن ما هو الممضى ويكون مقابل الباطل هي التجارة عن تراض منكم، ويكون القيد الأخير للتراضي، لا التجارة، أي التجارة التي برضاكم، والفضولي من ذلك. وأما ظهور المستثنى في لزوم كون التجارة ناشئة من التراضي، فهو دليل على أن ما هو التجارة حقيقة هي المقرونة بالرضا، فتكون الآية من الشواهد على ما أسسناه من سلب اتصاف عمل الفضولي بعناوين المعاملات، فتأمل. وأما الناحية الثالثة لبطلان تصحيح الفضولي على القواعد: فهي أن الالتزام بصحة الفضولي على القاعدة، يستلزم ما لا يمكن التزام الفقيه به، مثلا يلزم صحة عقد نكاح ذات البعل وذات العدة،


1 - الكشاف 1: 600، لاحظ الميزان 5: 158. 2 - البقرة (2): 275. 3 - كقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): " المؤمنون عند شروطهم "، وسائل الشيعة 21: 276، كتاب النكاح، أبواب المهور، الباب 20، الحديث 4. 4 - النساء (4): 29.

[ 15 ]

وصحة طلاق الحائض والدخول بها، بدعوى أن ما ورد في الأدلة هنا مثل ما ورد فيها في البيع، فكما يقال هنا: بأن قولهم: " لابيع إلا في ملك " (1) و " لاتبع ما ليس عندك " (2) لا ينافي صحته، كذلك الأمر هناك، فتكون الأدلة ناظرة إلى إبطال العقد الفعلي والإيقاع الفعلي، لا الشأني، ويلزم صحة ظهار الفضولي وإيلائه ولعانه إذا لحقتها إجازة الزوج، مع أن ذلك من أفحش الامور عند العرف والشرع جدا. والالتزام بالتفكيك بين العقود والإيقاعات كما عليه المشهور (3)، في غير محله، لجريان الصناعة في الموضعين على حد سواء. ويلزم صحة الفضولي في جميع العقود، إذا أخل فيها بكل شرط، كالعقل، والبلوغ، والرشد. ولا وجه لتوهم الفرق بين هذه المواقف، بعد اشتراك الكل في الشرطية. ويلزم لزوم الوفاء من طرف الأصيل، مادام لم يوجد من له العقد، فلاتجوز معاملاته بعد ذلك على ما تعامل به مع الفضولي. بل ربما يلزم ذلك إلى الأبد إذا علم: بأنه موجود، كما لو عقد على ابنته بعض رجال الغيب، كما هو المعروف في بعض القصص (4)، فإنه يكون مأخوذا بعقده. بل لو وجد من له العقد، ولكنه لا يرضى ولا يرد، فإنه عندئذ أيضا


1 - مستدرك الوسائل 13: 230، كتاب التجارة، أبواب عقد البيع، الباب 1، الحديث 3 و 4. 2 - سنن الترمذي 2: 350 / 1250. 3 - غاية المراد: 177، المكاسب، الشيخ الأنصاري: 124 / السطر 14 وما بعده. 4 - لاحظ مصباح الفقاهة 4: 227.

[ 16 ]

لابد من عدم التصرف في العين المبتاعة، أو المستأجرة، أو غير ذلك، لأن العقد من جانبه واجب الوفاء. أقول: لا نسلم عدم إمكان الالتزام في مجموع ما ذكر. مع أن تخصيص القواعد الأولية بهذا المقدار، مما لا بأس به.

[ 17 ]

الأمر الثالث في جريان الفضولي في جميع العقود والإيقاعات هل الفضولي يجري في جميع العقود والإيقاعات، كالوكالة والعارية والوديعة المعبر عنها ب‍ " العقود الإذنية " وكالفسخ والإجازة والرد والإبراء والجعالة، بناء على كونها منها، أم لا؟ قيل بالثاني، معللا بأن وقوع هذه العقود والإيقاعات من الفضولي وعدمه على حد سواء فإن إجازة هذه بنفسها تكون وكالة، وعارية، ووديعة، وفسخا، وإجازة، وردا، وإبراء، وجعلا (1). والظاهر خلافه في العقود، ضرورة أن هذه الامور كلها عناوين بسيطة عقلائية، ومن آثارها العقلائية جواز التصرف والمأذونية في التقلب، وتوهم أنها إذن بالحمل الأولي، أفحش من كل فاسد. واشتمال الكل على الإذن الضمني ليس إلا كاشتمال جميع العقود عليه، ولا ينبغي


1 - منية الطالب 1: 212 - 213.

[ 18 ]

الخلط بين الرضا المعاملي، والرضا بالتصرف على فرض فساد المعاملة، فإن الأول فعلي، والثاني تقديري، فما اشتهر من توصيف بعض العقود ب‍ " الإذنية " (1) ليس على ما ينبغي، كما لا يخفى. ويشهد لذلك: أن رده الوكالة يستلزم عدم صحة التصرف بعد الرد، بخلاف رد الإذن والرخصة، كما هو الظاهر. وأما في الإيقاعات فإن قلنا: بأن هذه الامور خفيفة المؤونة، فلا حاجة في تحصلها إلى الإنشاء المطابقي، فالإجازة المتعلقة بعنوان " الإبراء " و " الإجازة " وغيرهما الفضولية، كاشفة عن الرضا ومظهرة، فيكون هذا مورثا لسقوط الدين وإن تخيل المجيز إبراء الفضولي، ومورثا لنفوذ العقد وإن تخيل إجازة الفضولي وهكذا. وإن قلنا بلزوم الإنشاء المطابقي، فلا يكفي، فيجري فيه الفضولي، ولايكون على حد سواء، والمسألة بعد تحتاج إلى التأمل. ثم إن من العقود عقد النيابة، وقد فصلنا الكلام حوله في المواضع الكثيرة (2)، وجريان الفضولي في مثله ممنوع، لأنه لا يترتب الأثر على الإجازة واللاإجازة، لأنه أمر قد تحقق. وقد يقال: بأن مثله القبض والإقباض، وأداء الدين، وإعطاء


1 - حاشية المكاسب، المحقق الخراساني: 20، ملحقات العروة الوثقى 3: 170، منية الطالب 1: 33، البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 1: 312. 2 - لاحظ مستند تحرير الوسيلة 1: 438، التعليقة على العروة الوثقى: 33.

[ 19 ]

الخمس والزكاة، بناء على جريان التبرع فيهما (1). ويمكن دعوى: أن الأثر إن كان منحصرا بالآثار العقلائية، فالأمر كما اشير إليه، وأما إذا كان أعم منها ومن الثواب الاخروي والتقرب إلى سلطان فيما إذا استناب عنه فضولا، فهو متوقف على الإجازة والرضا بالفعل الصادر من الفضولي، وفي كفاية ذلك لجريان الفضولي نظر، والأمر سهل.


1 - منية الطالب 1: 212 / السطر 22.

[ 21 ]

الأمر الرابع في صحة بيع الفضولي مع عدم سبق المنع المشهور والمعروف ممن حفظ عنه العلم، صحة بيع الفضولي فيما إذا باع للمالك، مع عدم سبق المنع من قبله قبله (1)، وعن " التذكرة " دعوى الإجماع عليه (2). وصريح " الخلاف " خلافه حيث قال: " إذا باع الإنسان ملك غيره بغير إذنه، كان البيع باطلا، وبه قال الشافعي (3). وقال أبو حنيفة: ينعقد البيع، ويقف على إجازة المالك (4)، وبه قال قوم من أصحابنا (5).


1 - لاحظ المكاسب، الشيخ الأنصاري: 124 / السطر 31. 2 - تذكرة الفقهاء 1: 486 / السطر 1. 3 - المجموع 9: 261 / السطر 18، الفقه على المذاهب الأربعة 2: 166. 4 - المجموع 9: 261، الفقه على المذاهب الأربعة 2: 240. 5 - المقنعة: 606، الوسيلة: 249.

[ 22 ]

دليلنا إجماع الفرقة، ومن خالف منهم لا يعتد بقوله " (1) انتهى. وإليه ذهب فخر الدين (2) وبعض متأخر المحدثين (3)، ظنا أن العمل الصادر منه ليس قابلا للتنفيذ، ولا قابلا للانقلاب والاتصاف: أما الثاني: فلأن السبب الناقص إذا لم يكن بيعا، ولا عقدا، ولا موضوعا لاعتبار النقل والانتقال عقيبه، فلا يعقل اتصافه بها بالإجازة، لأنها تتعلق بهذه العناوين، فيلزم الدور إذا كانت مسببة عن هذه الإجازة. وأما الأول: فلحكم العقلاء بذلك، ومجرد الإطلاق المشحون بالتسامح غير كاف، فالأدلة الإمضائية قاصرة بذاتها عن تنفيذه. مع أن العمومات في محل المنع، لما قد عرفت. وبناء العقلاء على ترتيب الأثر على الإجازة اللاحقة، لا لأجل أنها إجازة البيع السابق، بل هي عندهم نفس البيع، لأنه ليس إلا التبادل المظهر بأي مظهر كان. الروايات الخاصة المستدل بها على صحة الفضولي نعم، في المسألة روايات خاصة لو كانت هي تامة الإسناد والدلالة، كان للقول بالصحة وجه.


1 - الخلاف 3: 168. 2 - إيضاح الفوائد 1: 416 - 417. 3 - وسائل الشيعة 17: 333 - 339، كتاب التجارة، أبواب عقد البيع وشروطه، الباب 1، الحدائق الناضرة 18: 377 - 378.

[ 23 ]

أقول: قد مضى وجه صحة الفضولي، وأنها على القواعد (1)، وقد مضى أن الظاهر عدم كونه بيعا حقيقة، بل تلك الحقيقة بيد المالك (2)، والاتصاف التسامحي كاف في رفع الدور المتوهم، فإن المالك يجيز ما صنعه الفضولي المتوهم أنه بيع، ويصير بها بيعا واقعا، فعليه لانحتاج إلى الأخبار الخاصة، إلا أن الإشارة إليها مما لا بأس بها: الاستدلال بخبر عروة البارقي فمنها: حديث عروة البارقي المشهور في كتب العامة (3) والخاصة (4)، والاختلاف في أنه هو عروة بن جعد البارقي، أو هو عرفة الأزدي، أو غرفة الأزدي بالغين، أو أن صاحب القصة هو عروة البارقي، ولكن الذي تشرف بدعائه (صلى الله عليه وآله وسلم): " بارك الله في صفقة يمينك " هو الثاني في قصة اخرى، أو غير ذلك من الاختلافات الظاهرة من كتب العامة على المحكي عنها (5)، كلها لا تفيد شيئا للحديث لأن من هو الراوي هو نفس عروة، وهو غير موثق عند الخاصة، ولذلك فهو غير


1 - تقدم في الصفحة 10. 2 - تقدم في الصفحة 5. 3 - مسند أحمد بن حنبل 4: 376، سنن البيهقي 6: 112. 4 - عوالي اللآلي 3: 205 / 36، مستدرك الوسائل 13: 245، كتاب التجارة، أبواب عقد البيع وشروطه، الباب 18، الحديث 1. 5 - حاشية المكاسب، المحقق الأصفهاني 1: 132 / السطر 20.

[ 24 ]

مذكور في الكتب الرجالية لهم. وأما جبرها بذهاب المشهور إلى نقلها، فيحصل الوثوق بصدورها، فهو في حد نفسه - بعد وجودها في مجامع العامة - غير بعيد، ولكن مناط الانجبار هو الشهرة العملية، ولا يكفي مجرد انطباق فتوى المشهور عليها كما لا يخفى، وحيث إن المسألة ذات روايات وعمومات، وذات حكم من العقلاء، فلا يمكن إثبات الانجبار أصلا، فما في الجواهر: " من أنه أغنت شهرته بين الفريقين عن النظر في سنده " (1) انتهى، غير موافق للتحصيل. حول ظاهر الجملة الاولى من حديث عروة فبالجملة: روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه أمره بشراء شاة بدينار، فاشترى به شاتين، ثم باع أحدهما بدينار، فأتى به والشاة، فقال له النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): " بارك الله لك في صفقة يمينك ". وهذا الحديث بظاهره دال على نفوذ الإجازة اللاحقة، وصحة الفضولي السابق، لأن ظاهر الجملة الاولى كون المأمور به، تطابق الشاة الواحدة مع تمام الدينار، وإلا كان ينبغي أن يقول: " أعطاني دينارا حتى اشتري له الشاة " أو " شاة ". ويؤيد ذلك قوله: " للاضحية " في بعض نسخ الحديث (2)، فإنه يورث قوة الظهور المذكور، لاعتبار شرائط في الشاة البالغة إلى


1 - جواهر الكلام 22: 277. 2 - مسند أحمد بن حنبل 4: 375.

[ 25 ]

الدينار الواحد، فعلى هذا تخلف عروة عن الأمر، واشترى شاتين. ولكنه ليس من التخلف المحرم، لظهور الأمر في الإرشاد. مع أنه لم يتخلف عن الخصوصيات في الاضحية فرضا. نعم، تخلف في شرائه الشاة الثانية، لحصول غرض الآمر بالاولى، فكان الأولى رد ما بقي من الدينار إليه بشاة واحدة، فهذا الشراء فضولي. حول ظاهر الجملة الثانية من الحديث وظاهر الجملة الثانية شراء الشاتين دفعة، لا دفعتين، حتى تكون الاولى بالإذن، والثانية فضولية. أو يقال: بأنه إن نوى الامتثال بالاولى فهي بالإذن، وإن نواه بالثانية فالاولى فضولية. وظاهره أيضا عدم التقييد من قبل البائع، حتى يكون البيع الثانوي من اللوازم العرفية للأولي. مع أنه لا يستلزم ذلك بعد إمكان المراجعة إلى رب الدينار وحل المشكل بالسؤال، فيعلم أنه جمع بينهما في الشراء الواحد. فحينئذ يشكل الأمر، لأنه إن قلنا: بأن العلم بالرضا يخرج مفاد الحديث عن الفضولية، فيسقط الاستدلال، مع أنه خلاف ما بنينا عليه وقويناه. وإن قلنا باشتراط الرضا الظاهر، فلا يقع الشراء مطلقا صحيحا، لعدم إمكان الالتزام بالواحد اللابعينه، ولا لون للشراء المأذون فيه حتى يتميز عن غير المأذون.

[ 26 ]

اللهم إلا أن يقال: الأمر كذلك، إلا أن الإجازة المتأخرة تورث صحة الشراءين اللذين وقعا دفعة جمعا في التعبير، لأنها إما إجازة بالنسبة إلى الكل، أو إجازة بالنسبة إلى الواحد منهما، بناء على صحة تصويره كما مضى، لعدم احتياج الواحد الآخر إليها لوقوعها عن الإذن. بل الظاهر أن الرضا الفعلي من المالك شرط، لو كان إظهاره غير لازم، وظاهر هذه الواقعة عدم الرضا الفعلي من رب الدينار وصاحب الشراء. والقول بكفاية الرضا التقديري للتصرف في مال الغير (1)، مرضي عندنا إلا في بعض الصور. وما قيل: " من أنه يستلزم الهرج والمرج " كما في الحاشية (2)، أو يقال: بأنه خلاف الظاهر من قوله تعالى: * (أو بيوت... أو صديقكم) * (3) لأنه محمول على صورة الشك والتقدير، فلا يجوز من بيوت غيرهم ولو مع العلم بالتقدير (4)، غير راجع إلى محصل. مع أن ما نحن فيه يحتاج إلى أمر آخر: وهو خروج الشراء من الفضولي بالرضا التقديري، وهو ممنوع جدا. ولو صح الرضا التقديري فهو بالنسبة إلى التصرفات الخاصة، لا مطلق التصرف كما لا يخفى.


1 - الإجارة، المحقق الرشتي: 135 / السطر 24 و 136 - 137. 2 - حاشية المكاسب، السيد اليزدي 1: 134 / السطر 35. 3 - النور (24): 61. 4 - لاحظ البيع، المحقق الكوهكمري: 292.

[ 27 ]

حول ظاهر الجملة الثالثة وظاهر الجملة الثالثة، أنه ما كان يلاحظ في الاشتراء، الشراء المأذون وغير المأذون، وإلا كان عليه أن يعين حال البيع المأذون وغير المأذون، فيعلم منه أنه اشتراهما وباع إحداهما، من غير النظر إلى هذه الخصوصية. نعم، لو اشترى تدريجا، وباع ما اشتراه بدوا، فقد باع ما كان داخلا في ملك صاحب الشراء والدينار، فيكون ما عنده من الشاة للبائع الأول، وما عنده من الدينار للمشتري الثاني، فأجازهما معا بجملة واحدة فرضا. وفي غير هذه الصورة يلزم بيعه ما للبائع الأول، فيكون إجازة رب الدينار أجنبية عنه، وتحتاج المسألة حينئذ إلى إجازة اخرى سابقة على تلك الإجازة، ضرورة أن بإجازته يمكن دخول الشاة في ملك المشتري الثاني، فعليه يشكل أمر الحديث فقها. اللهم إلا أن يقال: بأن البائع الأول هو الأصيل، ولا معنى لإجازته البيع الثاني، لأنه خلاف وجوب الوفاء بالعقد الأول، فأمر البيع الثاني بيد صاحب الدينار، فإن أجاز الشراء فتدخل الشاة في ملكه، ولا تخرج عنه، وإن أجاز البيع فلازمه العرفي إجازة الشراء، لتوقف تلك الإجازة في النفوذ عليها، فيدخل في الرتبة السابقة في ملكه، ويخرج عنه، وإن لم يجز الشراء فلرب الشاة إجازة البيع الثاني، لوقوعه في ملكه. ولو قيل: كيف يعقل خروجه عن ملكه في زمان الدخول،

[ 28 ]

والاختلاف الرتبي إما غير متصور، أو غير كاف عرفا؟! قلنا: نعم، إلا أن هنا أمرا آخر ذكرناه سابقا: وهو عدم لزوم كون المدخل والمخرج في أنحاء التجارات واحدا (1)، وعليه في الزمن الواحد يخرج من ملك البائع الأول إلى المشتري الثاني، لأن رب الشراء الأول والبيع الثاني واحد، وأمرهما باختياره، ولذلك لم يجز إلا إجازة واحد، وثمرتها رجوع الدينار إليه، وخروج الدينار من ملكه إلى ملك البائع الأول. هذا مع أن فيما أفاده نظرا واضحا، فعليه يصير الشراء والبيع صحيحين بالإجازة مع كونهما فضوليين، ولا أقل من كون البيع فضوليا، فتأمل. حول ظاهر الجملة الرابعة من حديث عروة البارقي وظاهر الجملة الرابعة هو الدعاء المستلزم للرضا، وليس هو الدعاء الخالص. وتوهم أنه ظاهر فيه، فيعلم منه أن المسألة ليست فضولية، في غير محله، لعدم وجه للاستظهار المذكور، فلو كان ظاهر الصدر فضوليا، فهذا يستلزم كون الذيل كافيا في الإجازة التي هي الرضا المظهر بأي مظهر كان. وما قيل من الإشكال في كفاية الإجازة الواحدة لتنفيذ الفضوليين المترتبين (2)، مندفع بما مر، وبأن الدعاء إجازة بدلالة التزامية بالنسبة


1 - تقدم في الجزء الأول: 312 - 314. 2 - البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 2: 109.

[ 29 ]

إلى الشراء، وقبول الدينار إجازة بالنسبة إلى البيع. وخفاء ذلك على أرباب الحديث ومنهم عروة، لا يورث إشكالا، لأنه كان أمرا عمليا، وما كان يلزم إظهار ذلك كما هو الواضح. وقد يشكل: بأن هذا الدعاء تقرير للخلاف الصادر من عروة (1)، وهو قبض الشاة من البائع الأول، مع احتمال عدم رضاه بالشراء الفضولي غير المعلومة قصته، وظاهر حال المشتري هو الشراء النافذ، فما صنعه عروة خلاف المتفاهم العرفي، فيكون تصرفه غير جائز في الشاة التي هي بعد في ملك البائع الأول. وهكذا إقباضها المشتري الثاني، وقبض الدينار منه، فعليه يعلم خروج المسألة من الفضولية، فيكون كل ذلك جائزا عليه، ومشروعا له. ويمكن حله تارة: بدعوى عدم القبض والإقباض. وهي فاسدة ظاهرة. واخرى: بدعوى أنه جاهل، ولا منع من الالتزام بذلك في حق عروة. وهي بعيدة، مع لزوم تقرير الجاهل المقصر غير المعذور على احتمال. وثالثة: بدعوى اعتقاده بالرضا، فيكون من الجهل بالموضوع، كي لا يلزم التقرير المشكل أمره. ومجرد الاعتقاد بالرضا، لا يخرج القصة من الفضولية، بل المدار على فعلية رضا المالك، كما مضى تقريره. وحمل القصة على اعتقاد عروة بلحوق الإجازة، وهي كاشفة،


1 - مقابس الأنوار: 123 / السطر 1 وما بعده، لاحظ المكاسب، الشيخ الأنصاري: 125 / السطر 7.

[ 30 ]

فيكون التصرف جائزا واقعا، غير تام استظهارا، فما ذكره الشيخ الأعظم (قدس سره) (1) لعله لم يكن يعتقده. أقول: هذا ولكن المنصف الخبير والمتضلع البصير في فقه الأحاديث والماثير، بعد التدبر التام، والتأمل الكامل، يجد أن عروة كان وكيلا مفوضا، وكان الدينار له حال الشراء، ضرورة أنه لو كان الدينار من الآمر كان ينبغي أن يذكره، فيسقط الحديث من الاستدلال، ومن البعيد جدا كون النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) صاحب الدنانير والدراهم، ومن صنع عروة يستفاد خبرويته في أمر الشاة وبيعها وشرائها. وقوله: " فأتى به والشاة " لا يدل على أزيد من إرجاعه بالشاة مجانا من غير صرف الدينار. والمراد من الضمير في كلمة " به " هو الدينار الكلي، لا الدينار الأول، مع أن مقتضى الأخذ بالظاهر هو الثاني، كما لا يخفى. الاستدلال بمعتبرة محمد بن قيس على صحة الفضولي ومنها: صحيحة أو موثقة محمد بن قيس، عن الباقر (عليه السلام) قال: " قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في وليدة باعها ابن سيدها وأبوه غائب، فاستولدها الذي اشتراها، فولدت منه، فجاء سيدها فخاصم سيدها الآخر، فقال: وليدتي باعها ابني بغير إذني.


1 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 125 / السطر 8.

[ 31 ]

فقال (عليه السلام): الحكم أن يأخذ وليدته وابنها، فناشده الذي اشتراها. فقال له: خذ ابنه الذي باعك الوليدة حتى ينفذ البيع لك. فلما رآه أبوه قال له: أرسل ابني. قال: لا والله، لا ارسل ابنك حتى ترسل ابني. فلما رأى ذلك سيد الوليدة الأول أجاز بيع ابنه " (1). وجه الاستدلال واضح، ولكن إمكان الدفع عقلا للموهنات المتوجهة إليها، لا يكفي في محيط العقلاء للوثوق والاطمئنان وقد ذكرها الأصحاب في المفصلات. ويمكن الجواب عنها حتى عما اختار الشيخ (رحمه الله) من ظهورها في الإجازة بعد الرد (2) مع قيام الإجماع على عدم نفوذها حينئذ (3)، بدعوى أن جميع أحكام الملك مترتبة حال عدم الرد والإجازة، وجميع آثار الرد ممكنة الترتب على الحالة الوسطى، فعليه لا يلزم مخالفة الإجماع، فالاستظهار من القرائن لو تم، فهو غير ناهض على خلاف ما قيل. مع أن الإجماع المزبور غير مقبول عندنا في محله. ولكن الذي هو الإشكال وما خطر بالبال: هو أن الظاهر منها وقوع الإجازة عن إكراه، وأي إكراه أعظم من أن يقال للإنسان: " سألقي ولدك في


1 - الكافي 5: 211 / 12، الاستبصار 3: 205 / 739، وسائل الشيعة 21: 203، كتاب النكاح، أبواب نكاح العبيد والإماء، الباب 88، الحديث 1. 2 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 125 / السطر 19 و 136 / السطر 12. 3 - جواهر الكلام 22: 278، المكاسب، الشيخ الأنصاري: 125 / السطر 23 و 136 / السطر 9.

[ 32 ]

النار إلا أن تجيز البيع "؟! وهذا مخالف لاصول المذهب، ولطريقة العقلاء قطعا، وعليه فيسقط الرواية عن الاعتبار، فلا معنى لاستفادة الكبرى الكلية منها، على إشكال فيه أيضا. ولعمري، إن حكمه (عليه السلام) - بناء على تمامية سندها - كان لما يعلم من مأذونية الولد، فكان البيع صحيحا ونافذا، وأراد (عليه السلام) بذلك إيصال الحق إلى أهله، فتأمل. أو كان الوالد راضيا به وإن لم يأذن، وكان الرضا كافيا في صحته. ويشهد لذلك إطلاق " السيد " على المشتري، مع أنه لو كان فضوليا لا يصح إلا مجازا، فليتأمل. هذا مع أن دلالتها على صحة الفضولي في المسألة الاولى محل منع، لعدم معلومية ذلك، ولا إطلاق لها، بل الظاهر منها كون البيع لنفسه، كما لا يخفى. الطوائف الاخرى المستدل بها على صحة الفضولي ثم إن هاهنا طوائف اخر من المآثير استدلوا بها على صحة الفضولي مطلقا أو في الجملة، وأهمها وأمتنها: الطائفة الاولى: وهي المآثير الواردة في تزويج المملوك بغير الإذن ففي معتبر زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن مملوك تزوج بغير إذن سيده.

[ 33 ]

فقال: " ذاك إلى سيده، إن شاء أجازه، وإن شاء فرق بينهما ". قلت: أصلحك الله، إن الحكم بن عتيبة وإبراهيم النخعي وأصحابهما يقولون: إن أصل النكاح فاسد، ولا تحل إجازة السيد له. فقال أبو جعفر (عليه السلام): " إنه لم يعص الله، إنما عصى سيده، فإذا أجازه فهو له جائز " (1). وجه الاستدلال للمورد واضح، وتوهم أنه قد وقع النكاح، لظهور قوله (عليه السلام): " فرق " في ذلك، فالسيد بالخيار، كما في بعض الأخبار أيضا ذلك، فلا يستدل بها على صحة الفضولي حتى في النكاح، في غير محله، لما ورد في الباب الخامس والعشرين من هذه الأبواب من الأمر بالتفريق وإرادة الرد منه، لا الطلاق والفسخ (2). وأما وجه الاستدلال بها لغير موردها، فلما أفاده السيد الاستاذ الوالد المحقق - مد ظله (3) -: " من أن وجهة السؤال إلى خصوصية التزويج بغير الإذن، أي النظر إلى التصرف بدون الإذن، مع أن اللازم


1 - الكافي 5: 478 / 3، تهذيب الأحكام 7: 351 / 1432، وسائل الشيعة 21: 114، كتاب النكاح، أبواب نكاح العبيد والإماء، الباب 24، الحديث 1. 2 - عبيد بن زرارة، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، في عبد بين رجلين زوجه أحدهما والآخر لا يعلم، ثم إنه علم بعد ذلك، أله أن يفرق بينهما؟ قال: للذي لم يعلم ولم يأذن أن يفرق بينهما وإن شاء تركه على نكاحه. وسائل الشيعة 21: 116، كتاب النكاح، أبواب نكاح العبيد والإماء، الباب 25، الحديث 1. 3 - البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 2: 114 - 115.

[ 34 ]

مراعاة الإذن على العبد المملوك غير القادر على شئ، فلا نحتاج إلى إثبات الأولوية المذكورة في كلام جمع (1) حتى يقال: بأنها غير تامة والأولوية على العكس، للزوم التوسعة في الأسباب حتى لا يقع الناس في المحرم (2). وتوهم: أنه لو كان الأمر كذلك، كان اللازم جواز المعاطاة فيه، في غير محله، لأن عدم التزام الأصحاب أعم من عدم تجويز الشرع. مع أنه ربما يلزم بعض المفاسد في تجويز المعاطاة، وهو تكثر الزنا، لتوهم عموم الناس من ذلك جوازه، كما توهمه الفضلاء (3)، فلا تخلط. أقول: ما أفاده وإن كان غير بعيد عن الأفهام العرفية، ولكن الذي لابد من ذكره هو أن صحة الفضولي إن كانت عندنا مطابقة للقاعدة، فهو يورث قوة ظهور عدم خصوصية النكاح في المسألة، ولا نحتاج إليها، وإن كانت غير مطابقة للقواعد، فالتجاوز في غاية الإشكال، لعدم مساعدة فهم العرف والعقلاء في النكاح على هذه الرواية، فضلا عن غير النكاح، وعندئذ يشكل صرف النظر عن قيد التزويج فيها، فعليه


1 - غاية المراد: 178، رياض المسائل 1: 512 / السطر 31، مقابس الأنوار: 126 / السطر 27، جواهر الكلام 22: 276 - 277، المكاسب، الشيخ الأنصاري: 125 / السطر 31 - 33. 2 - حاشية المكاسب، المحقق الخراساني: 53، حاشية المكاسب، المحقق الأصفهاني 1: 134 / السطر 19، البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 2: 116 - 117، مصباح الفقاهة 4: 36. 3 - لاحظ منية الطالب 1: 81 / السطر 4 وما بعده.

[ 35 ]

يختلف الاستظهار منها حسب الاعتقادات، وهذا يورث سوء الظن بمثله. ولو كان من يعتقد بأن الفضولي مطلقا باطل، للإجماع والأخبار تعبدا، فلا معنى للاستظهار منها صحته مطلقا، ولا يجد تهافتا وتعارضا بين هذه المآثير، وما ورد في البيع من بطلان الفضولي فيه، فهذا شاهد على أن أمثال هذه الاستظهارات، لا تفيد شيئا. وجه آخر لإثبات دلالة الطائفة الاولى على صحة الفضولي مطلقا ودفعة وقد يقرر وجه الاستدلال بها: بأن الظاهر من هذه الرواية، مفروغية صحة الفضولي بين الناس في ذلك الوقت، والحكم والنخعي لأجل خصوصية في المسألة - وهي حرمة أصل النكاح - قالا بالفساد، والإمام (عليه السلام) كأنه يصدقهم في الكبرى، ولايصدقهم في الصغرى، وهي حرمة أصل النكاح هنا، وذلك لأنه في ذاته حلال، وليس من قبيل النكاح في العدة، ولأجل انطباق عنوان مخالفة السيد محرم بالعرض، فيكون أمر النكاح بيد السيد، لأنه خالفه. ومخالفته للسيد وان كانت محرمة، لأجل تخلفه عن أمر الله تعالى، ولكنها أيضا لا تورث حرمة النكاح في أصل الشرع، ولا يسري الحكم المتعلق بعنوان " إطاعة السيد " أو " مخالفة المولى " إلى متعلق آخر، وهو " النكاح " المحكوم بالجواز والاستحباب، فهو قد أتى بالسحت والمحرم، وهما غير متداخلين بشهادة هذه المآثير، وتكون دالة

[ 36 ]

على جواز اجتماع الأمر والنهي، كما لا يخفى (1). وقد ورد عن أبي جعفر (عليهما السلام) في الباب المزبور: فقلت لأبي جعفر (عليه السلام): إنه كان في أصل النكاح عاصيا. فقال أبو جعفر (عليه السلام): " إنما أتى شيئا حلالا، وليس بعاص لله، إنما عصى سيده، ولم يعص الله، إن ذلك ليس كإتيان ما حرم الله عليه من نكاح في عدة وأشباهه " (2) فلاحظ وتدبر جدا. أقول: لا فرق في ذلك بين كون العبد المزبور عاصيا لسيده، لأجل نهيه عن النكاح والتزويج، أو كان لأجل تصرفه في ملك سيده، وهو نفسه، فإنه أيضا لا يورث حرمة ذات النكاح، فإنه عنوان غير عنوان " التصرف في ملك الغير ". قلت: مفروغية صحة الفضولي في الجملة بين العامة فرضا، لا تستلزم صحتها عندنا، ولا يستفاد من هذه الجهة أزيد من صحتها في النكاح، والتجاوز عنه إلى غيره فرع الأمر الذي أسمعناكم الآن، فلاحظ. هذا مع أن إلغاء الخصوصية عن موارد المآثير المختلفة الوارد بعضها فيما عرفت، وبعضها الآخر في تزويج الصغيرين بإجازتهما بعد


1 - البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 2: 115 - 116. 2 - وسائل الشيعة 21: 115، كتاب النكاح، أبواب نكاح العبيد والإماء، الباب 24، الحديث 2.

[ 37 ]

البلوغ، مع اشتمالها على حلف الآخر إذا مات أحدهما قبل البلوغ (1)، وهذا خلاف القاعدة، لعدم إمكان اعتبار الزواج بين الحي والميت حدوثا، فتدل على الكشف الحقيقي على تأمل، وبعضها الآخر في صحة تزويج الباكر لنفسها إذا أجاز وليهما، بناء على الاشتراط المزبور في محله، مشكل لجهة اخرى: وهي أنها كلها فيما كان المقتضي موجودا، وتعلق حق الغير مانعا عن الصحة، كما في بيع العين المرهونة إذا باعها مالكها، فعليه تسقط هذه المآثير عن الدلالة على هذه المسألة الفاقدة للمقتضي. وهذا الإشكال غير تام بالنسبة إلى الطائفة الاولى، لما اشير إليه: من أن العبد إذا تزوج بغير إذن سيده، كان من التصرف في ملك


1 - علي بن رئاب، عن أبي عبيدة، قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن غلام وجارية زوجهما وليان لهما، وهما غير مدركين، قال: فقال: النكاح جائز، أيهما أدرك كان له الخيار، فإن ماتا قبل أن يدركا فلا ميراث بينهما ولا مهر، إلا أن يكونا قد أدركا ورضيا، قلت: فإن أدرك أحدهما قبل الآخر، قال: يجوز ذلك عليه إن هو رضي، قلت: فإن كان الرجل الذي أدرك قبل الجارية، ورضي النكاح، ثم مات قبل أن تدرك الجارية، أترثه؟ قال: نعم يعزل ميراثها منه، حتى تدرك، وتحلف بالله ما دعاها إلى أخذ الميراث، إلا رضاها بالتزويج، ثم يدفع إليها الميراث ونصف المهر، قلت: فإن ماتت الجارية ولم تكن أدركت، أيرثها الزوج المدرك؟ قال: لا لأن لها الخيار إذا أدركت، قلت: فإن كان أبوها هو الذي زوجها قبل أن تدرك، قال: يجوز عليها تزويج الأب، ويجوز على الغلام، والمهر على الأب للجارية. وسائل الشيعة 26: 219، كتاب الإرث، أبواب ميراث الأزواج، الباب 11، الحديث 1.

[ 38 ]

الغير، وإن كان الزواج منشأ به فتكون المسألة من الفضولي بالمعنى الأول. هذا مع أن إثبات الفرق بين الفضولي بالمعنى الأول، والمعنى الثاني - بأنه في الأول لا يثبت الاستناد إلا بالإجازة، بخلاف الثاني، فإنه مستند، ولكنه يحتاج في الصحة إلى الإذن اللاحق لرفع المانع - غير واف، لما عرفت منا: أن الاستناد إلى من يجب عليه الوفاء غير لازم، ومناط صحة الفضولي أمر آخر، كما مضى. الطائفة الثانية: المآثير الواردة في صحة عقد النكاح إذا صدر عن غير الزوجين ففي " الكافي " بإسناده عن ابن محبوب، عن نعيم بن إبراهيم، عن عباد بن كثير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن رجل زوج ابنا له مدركا من يتيمة في حجره. قال: " ترثه إن مات، ولا يرثها، لأن لها الخيار، ولا خيار عليها " (1). ومثلها بعض المآثير الاخر (2).


1 - الكافي 7: 132 / 2، تهذيب الأحكام 9: 383 / 1367، وسائل الشيعة 26: 219، كتاب الإرث، أبواب ميراث الأزواج، الباب 11، الحديث 2. 2 - الحلبي، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): الغلام له عشر سنين، فيزوجه أبوه في صغره، أيجوز طلاقه، وهو ابن عشر سنين؟ قال: فقال: أما تزويجه فهو صحيح،.... قلت: فإن =

[ 39 ]

والمقصود بعد الجمع بينها، أنه زوجه في صغره، فأدرك فمات، فإنه لا يرث، لعدم تمامية الزواج، وهي ترثه بعد الاستحلاف والحلف على أنها لا تجيز العقد لأجل الإرث. ودلالة هذه على عموم المدعى بإلغاء الخصوصية، ممنوعة جدا. مع أن الجمع المذكور مشكل حسب نظر العرف، والمسألة تحتاج إلى التأمل في أخبار المسألة في كتاب الميراث (1). الطائفة الثالثة: المآثير الواردة في المضاربة الظاهرة في صحة المضاربة مع تخلف العامل عما قرر له المالك، وهي كثيرة: فمنها: ما هو الظاهر في تخلفه عما قرره له شرطا خارجا، كصحيحة الحلبي (رحمه الله) عن أبي عبد الله (عليه السلام): في الرجل يعطي الرجل مالا مضاربة، فيخالف ما شرط عليه. قال: " هو ضامن، والربح بينهما " (2).


= ماتت أو مات؟ قال: يوقف الميراث حتى يدرك أيهما بقي، ثم يحلف بالله ما دعاه إلى أخذ الميراث، إلا الرضا بالنكاح، ويدفع إليه الميراث. وسائل الشيعة 26: 220، كتاب الفرائض والمواريث، أبواب ميراث الأزواج، الباب 11، الحديث 4. 1 - وسائل الشيعة 26: 219، كتاب المواريث، أبواب ميراث الأزواج، الباب 11. 2 - تهذيب الأحكام 7: 190 / 838، وسائل الشيعة 19: 16، كتاب المضاربة، الباب 1، الحديث 5.

[ 40 ]

ومنها: ما هو الظاهر بإطلاقه في تخلفه عن مورد المضاربة، كرواية الحلبي، عنه (عليه السلام) قال: " المال الذي يعمل به مضاربة له من الربح، وليس عليه من الوضيعة شئ، إلا أن يخالف عن شئ مما أمر صاحب المال " (1). ومنها: ما هو النص في تخلفه عن مورد المضاربة، كمعتبر جميل (رحمه الله) عن أبي عبد الله (عليه السلام): في رجل دفع إلى رجل مالا يشتري به ضربا من المتاع مضاربة، فذهب فاشترى به غير الذي أمره. قال: " هو ضامن، والربح بينهما على ما شرط " (2). ولعل كلمة " الشرط " فيها تورث قوة شمول الرواية الاولى للتخلف عن مورد المضاربة، وتكون شاهدة على إطلاق " الشرط " على العقود البدوية، كما لا يخفى. والاستدلال بها لعموم المدعى، منوط بدلالتها أولا على كون المورد من الفضولي المجاز، وهذا في غاية الإشكال. وتوهم أن العرف الآبي من حمل هذه المآثير في أبواب المعاملات على التعبد المحض والمولوية الصرفة، يفهم أن المفروض لحوق إجازة المالك، ولا خصوصية لها في نظره، فكأنه (عليه السلام) كان معتقده في الحكم المزبور أنه راض بذلك ويجيز.


1 - تهذيب الأحكام 7: 187 / 827، الاستبصار 3: 126 / 451، وسائل الشيعة 19: 16، كتاب المضاربة، الباب 1، الحديث 4، مع تفاوت يسير. 2 - تهذيب الأحكام 7: 193 / 853، وسائل الشيعة 19: 18، كتاب المضاربة، الباب 1، الحديث 9.

[ 41 ]

وإن شئت قلت: هذا حكم حيثي، أي مجرد التخلف لا يستلزم عدم إمكان اتصاف ما صنعه العامل بالمضاربة، حتى لا يمكن إجراء حكمها، وترتيب خصوصياتها، فهذه الروايات في هذا الموقف احتمالا. وأما عمل المشهور بها، وحملها على التعبد (1)، فأبعد من كل بعيد، وإذا كان العقد المذكور صحيحا بالإجازة فالتجاوز عنه قريب، لمساعدة العرف جدا. ويمكن دعوى: أنها دالة على أن العامل كان معتقدا برضا المالك، وكان هو أيضا راضيا بذلك، فعليه تكون هي مطابقة للقاعدة، بناء على كفاية الرضا غير المظهر في خروج المفروض فيها عن الفضولي. ويؤيد ذلك عدم تعرضها مع كثرتها، للنهي عن تخلف العامل، والتصرف في مال الغير بدون الإذن الذي هو محرم قطعا، فعليه تسقط الطائفة عن الدلالة على ما هو المقصود. ودعوى اعتقاد العامل بكفاية الرضا التقديري، غير بعيدة، إلا أنه محل الإشكال كفايته، ومحل المنع في خصوص التصرفات المعاملية. ومما يشهد لعدم الكفاية: أنه لو اعتقد بذلك، وكان المالك أيضا راضيا، ولكنه لجهة طارئة رد معاملته، يكون الرد في محله عند العرف والعقلاء، وهذا أحسن شاهد على عدم كفاية الرضا الفعلي مادام لم يظهره. ولك الاستدلال بها على المقصود، بأن الأئمة (عليهم السلام) من المالكين


1 - حاشية المكاسب، السيد اليزدي 1: 136 / السطر 29، مصباح الفقاهة 4: 56 - 57.

[ 42 ]

في طول الملاك، فلهم الإجازة، لأن الامور مفوضة إليهم، فإذا أجازوا فلا حق للمالك المتأخر رده، وهم بنحو الكلي أجازوا هذه الصورة، فتدبر. ويمكن الجمع بين المآثير بدعوى: أنها بكثرتها ناظرة إلى تضمين العامل، للتخلف عن الشرط الخارج عن المضاربة، وليست نتيجة هذا الشرط تقييد موردها، لعدم الدليل عليه، بل الصريح من كثير منها أن المضاربة فيها تقع على الإطلاق، والمالك ألزم العامل بالشرط الخارج اللازم مراعاته عليه، وإطلاق الرواية الثانية غير مصدق، أو منصرف إليها لكثرتها، وأما صريح رواية جميل (1) فهو غير معلوم، لظهور كلمة " الشرط " في خلافه فتصير مجملة، فتأمل. فبالجملة: دلالتها على أصل الفضولي، ثم على عموم المدعى، محل إشكال أو منع. والذي يظهر لي: أن هذه المآثير ظاهرة فيما اختاره المشهور، وأنها على خلاف القواعد المقررة عندهم، ولكنها مطابقة للقواعد الاخر التي يعبر عنها ب‍ " روح القانون " وذلك أن العامل المتكفل للتجارة، والمتقبل لأنحاء المشاكل، الذي به تدور رحى المجتمعات، ولصنيعه يحتاج الناس في المعاش، وأساس الأسواق تقوم بالأعمال والأشغال، وأرباب الدنانير نائمون في بيوتهم، وأن المضاربة في الإسلام ترجع إلى الربا في جوهرها، وأي ربا أعظم من إعطائه النقود، ويكون له منها النصف أو الثلثان، ثم ترجع إليه جميع النقد وتمامه، ولاسيما بعد


1 - وسائل الشيعة 19: 18، كتاب المضاربة، الباب 1، الحديث 9.

[ 43 ]

ترخيصهم اشتراط كون الخسارة مشتركة، أو تكون الخسارة على العامل؟! فعندئذ كما لابد من كون الحكم الأولي، توجه الخسارة إلى المالك، ويكون العمل محترما، كذلك لابد من كون الربح بينهما، لئلا يستريح المالك من هذه البلية، وهو استيفاء الشاغل الضعيف ربحا من ماله لإدارة معاشه بقليل ما يمكن، فهذا الحكم في الإسلام أحسن شاهد على أن الدين الحنيف، لاحظ جانب العامل، واعتبر حقه محترما وعظيما، فما توهمه القوم من كون هذا الحكم مخالفا للقاعدة (1)، في محله، ولا في محله. وإن شئت قلت: لحوق الإجازة باتجار العامل لا يستلزم صحتها مضاربة، لأنها تحتاج إلى الإنشاء، ومجرد عمل العامل بعنوان كون الربح بينهما، لا يكفي لوقوع المضاربة معاطاة فضولية، ولكنه يدل على نفوذ اتجاره بمال الغير إذا لحقته الإجازة، والتعدي حينئذ إلى غير عقد البيع أولى وأحسن، فتأمل. الطائفة الرابعة: المآثير الواردة في الاتجار بمال اليتيم ولعمري إن ماقاله الشيخ الأعظم في المقام (2)، مما لا ينبغي من جنابه، لخلو المآثير من اتجار غير الولي بمال اليتيم رأسا، فإنها بكثرتها


1 - جواهر الكلام 26: 354، البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 2: 123، مصباح الفقاهة 4: 56 - 57. 2 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 126 / السطر 17.

[ 44 ]

إما منصوصة في اتجار الوصي (1) أو الولي (2)، أو مهملة وغير ناظرة إلى اتجار شخص خاص (3). وأحسن ما يمكن أن يكون مطلقا رواية سعيد السمان قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: " ليس في مال اليتيم زكاة إلا أن يتجر به، فإن اتجر به فالربح لليتيم، وإن وضع فعلى الذي يتجر به " (4). ورواية محمد بن مسلم (رحمه الله) عن أبي عبد الله (عليه السلام) في مال اليتيم قال: " العامل


1 - أبو الربيع قال: سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يكون في يديه مال لاخ له يتيم وهو وصيه، أيصلح له أن يعمل به؟ قال: نعم، كما يعمل بمال غيره والربح بينهما، قال: قلت: فهل عليه ضمان؟ قال: لا إذا كان ناظرا له. وسائل الشيعة 9: 89، كتاب الزكاة، أبواب من تجب عليه الزكاة، الباب 2، الحديث 6، ولاحظ 17: 257، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 75، الحديث 1. 2 - محمد بن الفضيل قال: سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن صبية صغار لهم مال بيد أبيهم أو أخيهم، هل يجب على مالهم زكاة؟ فقال: لا يجب في مالهم زكاة حتى يعمل به، فإذا عمل به وجبت الزكاة، فأما إذا كان موقوفا فلا زكاة عليه. وسائل الشيعة 9: 88 - 89، كتاب الزكاة، أبواب من تجب عليه الزكاة، الباب 2، الحديث 4. 3 - وسائل الشيعة 9: 87، كتاب الزكاة، أبواب من تجب عليه الزكاة، الباب 2، الحديث 1 و 7 و 8، و 17: 257 - 258، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 75، الحديث 3 و 5. 4 - وسائل الشيعة 9: 87، كتاب الزكاة، أبواب من تجب عليه الزكاة، الباب 2، الحديث 2.

[ 45 ]

به ضامن، ولليتيم الربح إذا لم يكن للعامل مال " وقال: " إن عطب اداه " (1). وأنت خبير: بقصورهما عن كونهما في مقام بيان أن العامل أي شخص كان. هذا، وقد تعرض بعض السادة من الأساتيذ (رحمه الله) هنا للجمع بين أخبار المسألة المضطربة (2) وتبعه السيد الوالد المحقق - مد ظله (3) - ولكن الأولى إحالتها إلى المحل الآخر، حذرا من الإطالة الخارجة عن الجهة المبحوث عنها هنا. الطوائف الاخرى قد يستدل بها على صحة الفضولي ثم إن منها طوائف اخر من المآثير ربما يستدل بها على صحة الفضولي: فمنها: ما ورد في الوصية بما زاد عن الثلث، ونفوذها إذا أجاز الوارث (4).


1 - وسائل الشيعة 17: 257، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 75، الحديث 2. 2 - حاشية المكاسب، السيد اليزدي 1: 137 / السطر 13. 3 - البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 2: 126. 4 - أحمد بن محمد قال: كتب أحمد بن إسحاق إلى أبي الحسن (عليه السلام): أن درة بنت مقاتل توفيت وتركت ضيعة أشقاصا في مواضع، وأوصت لسيدنا في أشقاصها بما يبلغ أكثر من الثلث، ونحن أوصياؤها وأحببنا إنهاء ذلك إلى سيدنا، فإن أمرنا بإمضاء الوصية على وجهها أمضياناها، وإن أمرنا بغير ذلك انتهينا إلى أمره في جميع ما يأمر به إن =

[ 46 ]

ومنها: ما ورد في التصدق بمجهول المالك واللقطة: من أنه إذا رضي المالك بعد المعلومية كان له، وإلا ضمن المتصدق (1). ومنها: ما ورد في الخمس المشتمل بعضها على التصرف من بعضهم، وطلب الإجازة من الإمام (عليه السلام) فأجاز (2). بل وغيرها من النصوص التي وردت في المناكح والمساكن (3).


= شاء الله، قال: فكتب (عليه السلام) بخطه: ليس يجب لها في تركتها إلا الثلث، وإن تفضلتم وكنتم الورثة كان جائزا لكم إن شاء الله. وسائل الشيعة 19: 275، كتاب الوصايا، الباب 11، الحديث 1. 1 - علي بن جعفر، عن أخيه، قال: وسألته عن الرجل يصيب اللقطة فيعرفها سنة، ثم يتصدق بها، فيأتي صاحبها، ما حال الذي تصدق بها؟ ولمن الأجر؟ هل عليه أن يرد على صاحبها، أو قيمتها؟ قال: هو ضامن لها، والأجر له، إلا أن يرضى صاحبها فيدعها، والأجر له. وسائل الشيعة 25: 445، كتاب اللقطة، الباب 2، الحديث 14. 2 - علي بن مهزيار قال: قرأت في كتاب لأبي جعفر (عليه السلام) من رجل يسأله أن يجعله في حل من مأكله ومشربه من الخمس فكتب بخطه: من أعوزه شئ من حقي فهو في حل. وسائل الشيعة 9: 543، كتاب الخمس، أبواب الأنفال، الباب 4، الحديث 2. 3 - أبو سلمة سالم بن مكرم وهو أبو خديجة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رجل وأنا حاضر: حلل لي الفروج؟ ففزع أبو عبد الله (عليه السلام)، فقال له رجل: ليس يسألك أن يعترض الطريق إنما يسألك خادما يشتريها، أو امرأة يتزوجها، أو ميراثا يصيبه، أو تجارة أو شيئا أعطيه، فقال: هذا لشيعتنا حلال، الشاهد منهم والغائب، والميت منهم والحي، وما يولد منهم إلى يوم القيامة فهو لهم حلال، أما والله لا يحل إلا لمن أحللنا له، ولا =

[ 47 ]

ومنها: الروايات الواردة في نكاح الأمة المشتراة من الغنائم (1)، وغير ذلك مما يطلع عليه المتتبع. وفي دلالة كثير منها على المسألة بما لها من الخصوصيات إشكال، خصوصا الطائفة المتعرضة لتحليل الخمس على الشيعة (2)، فإنها أجنبية عن إجازة الفضولي.


= والله ما أعطينا أحدا ذمة (وما عندنا لأحد عهد)، ولا لأحد عندنا ميثاق. وسائل الشيعة 9: 544، كتاب الخمس، أبواب الأنفال، الباب 4، الحديث 4، سئل الصادق (عليه السلام)، فقيل له: يا ابن رسول الله، ما حال شيعتكم فيما خصكم الله به، إذا غاب غائبكم واستتر قائمكم؟ فقال (عليه السلام): ما أنصفناهم إن واخذناهم، ولا أحببناهم إن عاقبناهم، بل نبيح لهم المساكن لتصح عبادتهم، ونبيح لهم المناكح لتطيب ولادتهم، ونبيح لهم المتاجر ليزكوا أموالهم. مستدرك الوسائل 7: 303، كتاب الخمس، أبواب الأنفال وما يختص بالإمام، الباب 4، الحديث 3. 1 - الحسن بن علي العسكري (عليه السلام) في تفسيره عن آبائه، عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، أنه قال لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): قد علمت، يا رسول الله، أنه سيكون بعدك ملك عضوض وجبر، فيستولي على خمسي (من السبي) والغنائم، ويبيعونه فلا يحل لمشتريه لأن نصيبي فيه، فقد وهبت نصيبي منه لكل من ملك شيئا من ذلك من شيعتي لتحل لهم منافعهم من مأكل ومشرب، ولتطيب مواليدهم ولا يكون أولادهم أولاد حرام، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ما تصدق أحد أفضل من صدقتك، وقد تبعت رسول الله في فعلك، أحل الشيعة كل ما كان فيه من غنيمة ربيع من نصيبه على واحد من شيعتي، ولا احلها أنا ولا أنت لغيرهم. وسائل الشيعة 9: 552 - 553، كتاب الخمس، أبواب الأنفال، الباب 4، الحديث 20. 2 - وسائل الشيعة 9: 543، كتاب الخمس، أبواب الأنفال، الباب 4.

[ 48 ]

نعم، في ضمنها رواية الأسدي (1)، توهم دلالتها على صحته، ولكنه بمعزل عن التحقيق، لأن ظهورها في التحليل والإباحة الجزئية الفعلية بعد التصرف في الخمس، لا ينافي كونها من باب أحد المصاديق لكلي الإباحة الصادرة عنهم بالنسبة إلى عنوان الخمس على نعت القضية الحقيقية، فتدبر.


1 - الحكم بن علباء الأسدي - في حديث - قال: دخلت على أبي جعفر (عليه السلام) فقلت له: إني وليت البحرين فأصبت بها مالا كثيرا، واشتريت متاعا، واشتريت رقيقا، واشتريت امهات أولاد وولد لي وأنفقت، وهذا خمس ذلك المال، وهؤلاء امهات أولادي ونسائي قد أتيتك به فقال: أما إنه كله لنا وقد قبلت ما جئت به، وقد حللتك من امهات أولادك ونسائك وما أنفقت، وضمنت لك - علي وعلى أبي - الجنة. تهذيب الأحكام 4: 137 / 385، وسائل الشيعة 9: 528، كتاب الخمس، أبواب الأنفال، الباب 1، الحديث 13.

[ 49 ]

ما يمكن أن يردع عن سيرة المتشرعة على تصحيح الفضولي هذا كله هو الوجوه المستدل بها على صحة الفضولي، والذي قد عرفت منا: أن الوجه الوحيد بناء العقلاء والسيرة الإجمالية من المتشرعة، وهي قائمة على صحته بالمعنى الذي ذكرناه، وهو صيرورة صنيع الفضولي عقدا وبيعا بالإجازة حقيقة. وعلى هذا، لابد من التفتيش عما يمكن أن يكون رادعا لها، ومانعا عن ذلك البناء المدعى، وهو أمران: الأمر الأول: حول شمول الأدلة العامة للفضولي وعدمه دعوى قصور الأدلة العامة عن شمول الفضولي (1) وذلك لأن ظاهرها كون الموضوع المأخوذ فيها مقيدا ومضافا إلى المكلفين بالوفاء، فيكون الواجب، الوفاء بعقودكم، وما أحل الله تعالى من البيوع هو بيوعكم، ومفاد المستثنى في آية التجارة هي تجارتكم، بل هنا صريح، لقوله


1 - حاشية المكاسب، المحقق الخراساني: 52 - 53. حاشية المكاسب، المحقق الإيرواني 1: 117 / السطر 11، المكاسب والبيع، المحقق النائيني 2: 8.

[ 50 ]

تعالى: * (إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم) * (1). وهكذا قولهم (عليهم السلام): " المؤمنون عند شروطهم " (2) وغير ذلك، مع ظهورها في كون الإضافة على نعت الحقيقة، لا المجاز والادعاء. ولا شبهة في أن الصادر من الفضولي هي الأسباب بما لها من المعاني الإنشائية حقيقة، فلا معنى لاستناد السبب إلى غير الفضولي بالإجازة، لأنها لا تورث سلب النسبة، وإثباتها لغير من صدرت عنه. مع أنها بماهيتها منادية بأن ما صنعه الفضولي جائز ونافذ، من غير النظر إلى أمر وراءه، وقد مر شطر من الكلام حول ذلك سابقا (3). نعم، بناء على عدم الاستظهار المذكور، كما اعتقده الوالد المحقق - مد ظله - (4) يلزم شمولها له، كما هو الواضح، ولا غبار عليه. أقول: قد عرفت (5) أجنبية آية الوفاء (6) عن هذه المرحلة، ومر عدم الإطلاق لقوله تعالى: * (أحل الله البيع) * (7) والعموم الباقي صريح في لزوم تلك الإضافة. مع أنه لو فرضنا دلالة الآيتين الاوليين، لكان المتفاهم العرفي منهما ما فهمه المشهور الذين هم من أرباب الحل والعقد.


1 - النساء (4): 29. 2 - وسائل الشيعة 21: 276، كتاب النكاح، أبواب المهور، الباب 20، الحديث 4. 3 - تقدم في الصفحة 13. 4 - البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 2: 101. 5 - تقدم في الصفحة 13 - 14. 6 - المائدة (5): 1. 7 - البقرة (2): 275.

[ 51 ]

وأيضا: ما أفاده دام ظله: " من أن الإجازة لا تورث الانقلاب " (1) في محله وإن نافى ذلك ما أفاده المشهور: من ثبوت خيار المجلس للموكل في بعض الصور، مع الحاجة إلى صدق " البيع " عليه (2). وتوهم: أن من الممكن صدق النسبة على المجيز وعلى الفضولي حقيقة، كما في الأسباب والمسببات، فإنها كما تستند حقيقة إلى المباشر، تستند إلى الآمر. بل أقوائية السبب من المباشر أحيانا، تشهد على أن النسبة إليهما حقيقية، ولا يلزم الانقلاب المفروض، في محله ولكنه بالنسبة إلى المالك الآمر بالبيع، وإن لم يصدقه دام ظله هنا أيضا، وكان يصر على أن النسبة هنا أيضا مجاز (3)، وأما بالنسبة إلى المجيز فلا. هذا، ولكنه مع ذلك كله - أي مع الالتزام بالمقالتين: مقالة المشهور، وهي ظهور الأدلة في الإضافة المزبورة ومقالة السيد - مد ظله - وهو عدم الانقلاب بالإجازة - لا يلزم قصور الأدلة، لما عرفت منا: وهو أن ما فعله الفضولي ليس تجارة ولا بيعا حقيقة، وإلا يلزم عليه - حسب الأدلة - شراء المبيع من المالك، وتسليمه إلى المشتري، لأنه هو البائع حقيقة، من غير فرق بين المبيع الشخصي والكلي، ومن غير فرق


1 - البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 2: 100 - 101 و 188 - 189. 2 - جواهر الكلام 23: 8، المكاسب، الشيخ الأنصاري: 217 / السطر 5 - 9، منية الطالب 2: 14 / السطر 8. 3 - البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 2: 101، 105.

[ 52 ]

بين ما إذا باع عين زيد وماله، وما إذا باع نيابة عن المالك، فإن الأثر لا يترتب على مجرد قصد النيابة. ولو سلمنا الفرق هنا، فلا شبهة في لزوم الوفاء عليه إذا لم يجز المالك. وبالجملة: فتوهم أن قصد الفضولي في البيع والشراء هو كونهما للمالك، أو كونهما عن المالك، لا يستلزم قصور الأدلة العامة في شمولها لهذا البيع، لأنه عقد وقع بينه وبين الطرف على مال، وهو للغير، أو على مال الغير للغير غاية لفعله، أو نيابة عن المالك، وعلى جميع التقادير لابد له من الوفاء إما بإرضاء الطرف، أو بقيامه بالوفاء به. فعلى هذا يعلم: أن فعل الفضولي يتصف ب‍ " البيع والشراء والتجارة " حقيقة بعد الإجازة، فبها يتحقق البيع واقعا، أي بالإجازة يحصل الإنشاء بالحمل الشائع، وهو الإنشاء المتعقب بالأثر. ومعنى هذا هو أن البيع معناه هو الإنشاء، إلا أنه ليس مطلق الإنشاء، بل هو الإنشاء المتعقب بالثمرة. فما اشتهر: " من أنه بالإجازة يحصل النقل " (1) باطل قطعا، للزوم الخلف، وهو كون الأثر معلول الإنشاء، فبها يؤثر الإنشاء أثره، وعندئذ يصير بيعا وتجارة وإجارة وغير ذلك، ولذلك يقال: " هذه الامور أسباب النقل " وظاهره هي السببية الفعلية، وأما السببية الإعدادية فهي قابلة


1 - جامع المقاصد 4: 74 - 75، مسالك الأفهام 1: 134 / السطر 36، الروضة البهية 1: 314 / السطر 15، المكاسب، الشيخ الأنصاري: 132 / السطر 4، المكاسب والبيع، المحقق النائيني 2: 75.

[ 53 ]

للتحقق، إلا أنها غير موصوفة بتلك العناوين، فتدبر. ومما ذكرنا يظهر: أن ما قد يقال: من أن الفضولي في هذه المسألة يقصد أن يكون البيع للمالك، وهذا يرجع إلى خلو ذمته عما يأتي به عند العقلاء، غير بعيد في ذاته، إلا أن العقد المزبور لا يستلزم كون العقد واقعا حقيقة بين المالك والمشتري، فإنه ضروري البطلان، فإما يقال: بأنه مراعى، فلا يكون له الطرف حقيقة، أو يكون الطرف هو الفضولي: فعلى الأول يلزم ما ذكرناه: من أن الاتصاف منوط بالطرف. وعلى الثاني فلابد على الفضولي من الوفاء، إما بإرضاء المالك، فتكون النتيجة له، ولا يصير هو الطرف بالإجازة، أو بالوفاء به بنفسه. فعلى ما تقرر يعلم: أن الفضولي ليس طرفا، بل هو العلة التكوينية لحصول العلة الإعدادية للنقل، وإذا حصل السبب، وصارت العلة الإعدادية علة فعلية، فعندئذ يجب الوفاء على من بيده تحققت، كما لا يخفى. الأمر الثاني: دعوى ظهور بعض الأدلة اللفظية في فساد الفضولي فمنها: المستثنى في آية التجارة وغاية ما يمكن أن يقال في تقريب الاستدلال: هو أن المستفاد منها حصر السبب والوجه الناقل في التجارة الناشئة عن التراضي، لظهور الاستثناء في ذلك مع القيود المأخوذة فيه، من غير فرق بين كون

[ 54 ]

الاستثناء متصلا، أو منقطعا، لأن ظاهر السياق يقتضي ذلك، أو لأن الأصل في الاستثناء هو الاتصال، والانقطاع غير جائز في كلام البلغاء إلا بضرب من التأويل. والاستثناء المتصل يورث الحصر، فيكون الفضولي واردا في المستثنى منه. أو لأن القيد ظاهر في التحديد، فيستلزم - مفهوما - بطلان الفضولي، لأنه تجارة ليست ناشئة عن الرضا، بل ملتحقة بها الإجازة. أو لأن الظاهر هو الانقطاع، ولكن ما هو المستثنى عرفا - حسب المقابلة - هو عنوان " الحق " ولكن الفضولي ليس منه، لأن ما عد من مصاديق الحق هي التجارة المقارنة مع الإجازة، فيعلم من ذلك عرفا: أن ما ليس كذلك باطل في نظر الكتاب. أو لأن ظاهر المقابلة كون تمام الحق هي التجارة الكذائية، ولا حق وراءها، فالفضولي حيث إنه ليس من تلك التجارة يكون باطلا ادعاء، أو ليس بحق تعبدا، أو في محيط التشريع والتقنين، فلاتذهل. أقول: هذه الوجوه كلها تنفع بناء على كون القيد المذكور ظاهرا في الاحتراز، وما تخيله الأكثر من أن الاستثناء المتصل يفيد في المقام شيئا (1)، غير مرضي، ضرورة أنه لو كان الفضولي من المستثنى موضوعا، فلا يلزم منه فساده.


1 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 127 / السطر 1، حاشية المكاسب، المحقق الإيرواني 1: 120.

[ 55 ]

وأما كون كلمة " عن " مفيدة النشو (1)، فغير منقولة عن أهل الأدب، وما هو المعروف منهم في الإفادة المذكورة هي كلمة " من " والمتدبر في المستثنى يجد أن الآية في مقام تقييد التجارة بالتراضي منكم، لا تقييد التجارة بكونها ناشئة عن التراضي (2)، فكلمة * (عن تراض) * توطئة لإفادة ما يستفاد من قوله تعالى: * (منكم) * حذاء التراضي الحاصل من إجبار الغير وإكراهه، فلا نظر فيها إلى هذه المسألة، كما مر تفصيله في بيع المكره. مع أن ما تحقق منا سابقا سقوط هذه الآية عن صحة الاستدلال بها، لاشتمالها على كلمة * (الباطل) * وأمثال هذه اللفظة مختلفة المفاهيم باختلاف الامم والآفاق، ولذلك فكثيرا ما يعد الحقوق العقلائية أباطيل في الشرع، والأباطيل العقلائية من الحق عند الشرع، كما في الحيل، وما هذا إلا لاختلاف الأذواق والسلائق، وكيفية الإدراكات، وأنحاء الملاحظات، كلحاظ الآثار الاخروية والأخلاقية والاجتماعية وغيرها في درك مفهوم " الحق " و " الباطل ". فبالجملة: مثل القمار والربا وغير ذلك، حق عند العرف واقعا، وفي نظر الشرع باطل حقيقة، لا أنه حق موضوعا، وباطل تعبدا، لأن الشرع يلاحظ وراء ما يدركه العرف امورا اخر ربما ترجع إلى النشآت الاخرى، فعليه لا يمكن التمسك لصحة الفضولي ولا بطلانه بهذه الآية،


1 - مقابس الأنوار: 128 / السطر 22، البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 2: 130. 2 - نفس المصدرين.

[ 56 ]

فليتدبر جيدا. ومنها: نبوي ابن حزام المعروف عند الفريقين فعن حكيم بن حزام العامي: " لاتبع ما ليس عندك " (1). وعن الخاصة ما رواه الصدوق بإسناده عن شعيب بن واقد، عن الحسين بن زيد، عن الصادق (عليه السلام)، عن آبائه (عليهم السلام) في مناهي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: " ونهى عن بيع ما ليس عندك، ونهى عن بيع وسلف " (2). وفي رواية سليمان بن صالح، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال (عليه السلام): " نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عن سلف وبيع، وعن بيعين في بيع، وعن بيع ما ليس عندك، وعن ربح ما لم يضمن " (3). وكون هذه النواهي صادرة عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) معا بعيد، بل الظاهر اجتماعها في الرواية، لصدورها في مواقف المناسبات الحادثة في عصره (صلى الله عليه وآله وسلم). ودعوى الوثوق بصدوره مع عدم وجود الموهن له في الكتب الفقهية لأصحابنا ظاهرا، غير بعيدة. ولكنه مع ذلك لا تخلو من مناقشة.


1 - سنن الترمذي 2: 351، سنن البيهقي 5: 339. 2 - الفقيه 4: 4 / 1، وسائل الشيعة 18: 48، كتاب التجارة، أبواب أحكام العقود، الباب 7، الحديث 5. 3 - تهذيب الأحكام 7: 230 / 1005، وسائل الشيعة 18: 47، كتاب التجارة، أبواب أحكام العقود، الباب 7، الحديث 2.

[ 57 ]

واحتمال كونه نهيا تكليفيا عن أكل مال الغير بالتصرف فيه ناقلا بالبيع، وبإلغاء الخصوصية غير البيع، بعيد. ومثله كونه نهيا إرشاديا إلى جعل المانعية عن صحة البيع، على تقدير إمكانه، خصوصا في الامور العدمية. ومثلهما كونه نهيا إرشاديا إلى جعل شرطية حضور المبيع في صحة البيع شرعا. مع أن كلمة " عند " - حسبما قيل في الكتب الأدبية - للأعم من الحضور والغائب، وكلمة " لدى " للحضور الفعلي (1). وقريب من هذه الثلاثة احتمال إرادة اشتراط المملوكية، لعدم الوجه لإرادته من كلمة " عندك " فكأنه نهي عما هو لك وليس عندك، فيكون ظاهرا في اعتبار القدرة على التسليم، فيصير أجنبيا عما نحن فيه. واحتمال إرادة الأعم، لكونه منتسبا إلى قائد الامم (صلى الله عليه وآله وسلم) أيضا غير بعيد، فما ليس عندك - سواء كان ذلك لعدم القدرة التشريعية على التسليم، بأن يكون لغيرك، أو لعدم القدرة التكوينية وإن كان لك - فهو المنهي بالحديث، وذلك أيضا بلا فرق بين ما كان لك فهرب أو سرق، أو ما كان عندك من أول الأمر. ومن المحتمل كونه نهيا عن صورة العجز، لأن الملك لا يبقى اعتبارا حال العجز، وإضافة الملكية مع انسلاب القدرة تزول، كما قيل في بعض المواقف، فيصير مفاده " لاتبع ما لا تقدر عليه، لأنه ليس ملكك، ولا بيع إلا عن ملك ".


1 - مغني اللبيب: 81 / السطر 21.

[ 58 ]

ويحتمل كونه نهيا تنزيهيا، للزوم الغرر أحيانا، أو لعدم إمكان رفع الجهالة بالتوصيف كما هو حقه، أو لاحتمال عدم تمكنه من التسليط والتسليم، فيكون ناظرا إلى بيع أموال التجارة التي هي في الطريق مع وجود قطاعه. ويؤيد ذلك كون ابن حزام دلالا، فإنه ربما كان يبيع ما لم يكن حاضر البلد، فنهي عنه. ومما يؤيد ذلك أيضا، ما حكي (1) عن العلامة (2) من نقل صدر لهذه الرواية: وهو أن ابن حزام سأل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن أن يبيع الشئ، ويمضي ويشتريه ويسلمه، فاجيب بذلك. فهذه كلها الوجوه المحتملة. والظاهر قصور هذه الرواية عن الدلالة على بطلان الفضولي، لأن النهي عن الماهية الاعتبارية ناظر إلى عدم تحققها في الخارج، وهذا غير عدم قابلية ما يتحقق لأن يصير بيعا بالإجازة أو مؤثرا. اللهم إلا أن يقال: بأن المعنى العرفي من هذه الأساليب، هو النهي الإرشادي إلى أن لا تفعل ذلك، فإنه لا يتحقق، وهو ظاهر في نفي عنوان " البيع " فقوله (عليه السلام): " لا تصل في وبر ما لا يؤكل لحمه " (3) يرشد إلى أنه لا تفعل ذلك، فإن ما تفعله ليس بصلاة، فيصير من قبيل قولهم: " لابيع إلا


1 - مقابس الأنوار: 130 / السطر 3. 2 - تذكرة الفقهاء 1: 462 / السطر الأخير. 3 - علل الشرائع: 342 / 1، الهداية 1: 33 / 51، وسائل الشيعة 4: 347، كتاب الصلاة، أبواب لباس المصلي، الباب 2، الحديث 7، مستدرك الوسائل 3: 196، كتاب الصلاة، أبواب لباس المصلي، الباب 2، الحديث 2.

[ 59 ]

في... " (1)، أو " لاصلاة إلا بطهور " (2) ولكنه لا يضر بما هو مختارنا في المسألة. والالتزام بأن مفاده ذلك مشكل جدا. إن قلت: هذه بصدرها مورد الإعراض والطعن، لظهورها في النهي عن بيع الكلي، وإطلاقه يشمل السلف، وحملها على الشخصي غير جائز بعد الظهور في ذلك، وأنه هو دأب الدلالين (3). والعجب أن جماعة من الأصحاب - جمعا بين الأدلة - بنوا على ذلك (4)!! مع أنه جمع غير مقبول، بل الظاهر من الجواب بعد هذا الصدر هو القانون الكلي. ولعل المستفاد من صحيحة ابن الحجاج (5)، أن العامة كانوا


1 - كما في قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): " لا بيع إلا فيما تملك ". مستدرك الوسائل 13: 230، كتاب التجارة، أبواب عقد البيع، الباب 1، الحديث 3. 2 - وسائل الشيعة 1: 365 - 366، كتاب الطهارة، أبواب الوضوء، الباب 1، الحديث 1 و 6. 3 - لاحظ البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 2: 132 - 133. 4 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 127 / السطر 13، المكاسب والبيع، المحقق النائيني 2: 35، مصباح الفقاهة 4: 87. 5 - عبد الرحمن بن الحجاج قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يشتري الطعام من الرجل ليس عنده فيشتري منه حالا، قال: ليس به بأس، قلت: إنهم يفسدونه عندنا، قال: وأي شئ يقولون في السلم؟ قلت: لا يرون به بأسا يقولون: هذا إلى أجل، فإذا كان إلى غير أجل وليس عند صاحبه فلا يصلح، فقال: فإذا لم يكن إلى أجل كان أجود ثم قال: لا بأس بأن يشتري الطعام وليس هو عند صاحبه (وإلى أجل، فقال): لا =

[ 60 ]

يفسدون بيع الكلي، تمسكا بها، والإمام (عليه السلام) أورد عليهم نقضا ببيع السلف، فيعلم منها ظهورها عندهم في الكلي. وربما يستظهر منها المناقشة فيما تمسكوا به من النبوي، فأشكل أمره سندا ودلالة، بمعنى عدم إمكان الالتزام بمفاده. قلت: نعم، إلا أن الجمع بالتقييد أو التخصيص ممكن، وتوهم الاستهجان للزوم ترخيص أكثر الأفراد - كبيع الكلي والسلف - في غير محله، لأن بيع الكلي المطلق جائز ونافذ. وأما بيعه المقيد بحيث لا ينطبق إلا على الفرد المعين المخصوص، فلعله داخل في النهي، كما في الشخصي. والذي يظهر أن المتعارف في تلك الأزمنة كان ذلك، لعدم توفر الأمتعة، ولقوله: " يشتريه ويسلمه " فإن ظاهر الضمير ذلك، كما لا يخفى. وقد يخطر بالبال أن النهي المذكور ناظر إلى حيثية مفروغ عن وجودها، أي كان المفروض فيه وجود الموصول مع قطع النظر عن البيع، وهذا لا يعقل إلا في الشخصي، فإن المبيع في الكلي يوجد في الذمة بالبيع كما تقرر، فتدبر.


= يسمى له أجلا، إلا أن يكون بيعا لا يوجد مثل العنب والبطيخ وشبهه في غير زمانه، فلا ينبغي شراء ذلك حالا. الفقيه 3: 179 / 811، تهذيب الأحكام 7: 49 / 211، وسائل الشيعة 18: 46، كتاب التجارة، أبواب أحكام العقود، الباب 7، الحديث 1. =

[ 61 ]

ومنها: النبوي " لابيع إلا فيما تملك " كما في " عوالي اللآلي " (1). وفي موضع آخر أرسله عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: " لا طلاق إلا فيما تملكه...، ولا بيع إلا فيما تملكه " (2). وفي ثالث ما رواه بقوله: وعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: " لا طلاق فيما لا تملك، ولا عتق فيما لا تملك، ولا بيع فيما لا تملك " (3). والاستدلال به مبني على دعوى الظهور في نفي الماهية عند فقد الملكية، أو عاما، لعدم ترتب الأثر عليه فعلا، فالمأذون من قبل المالك وإن لم يكن مالكا، ولكن لم يدع بيعه لا بيع، لأنه ذو أثر فعلي. اللهم إلا أن يقال: بأن قضية إطلاق نفي الجنس، أنه لا بيع إلا في المبيع الذي هو ملكك، ولكنه لا يستلزم بطلان الفضولي، لأنه إن اريد من قولك: " ملكك " أي ملك البائع، فيلزم عدم نفوذ بيع الوكيل والمأذون، وهو ضروري البطلان، وإن اريد منه الأعم فيلزم كفاية الإجازة.


1 - عوالي اللآلي 2: 247 / 16، مستدرك الوسائل 13: 230، كتاب التجارة، أبواب عقد البيع وشروطه، الباب 1، الحديث 3. 2 - عوالي اللآلي 3: 205 / 37، مستدرك الوسائل 13: 230، كتاب التجارة، أبواب عقد البيع وشروطه، الباب 1، الحديث 4. 3 - عوالي اللآلي 1: 233 / 136، مستدرك الوسائل 15: 293، كتاب النكاح، أبواب مقدمات الطلاق، الباب 12، الحديث 5.

[ 62 ]

هذا، ونفي العنوان لا يفيد بطلان الفضولي الذي اخترناه، وهو أن ما يصنعه يصير بيعا بعد الإجازة، فلا تغفل. هذا، ومن المحتمل قويا كون هذه المآثير ناظرة إلى نفي بيع المكره، فإنه لا يملك البيع، ويشهد لذلك قوله: " لا طلاق فيما لا تملكه " أي لا يتحقق الطلاق في وقت لست مالك الطلاق ومختارا، قبال طلاق المختار الذي هو مالكه، بداهة أن المراد من الموصول لا يمكن أن يكون المرأة، ولا من الضمير إياها، وقضية وحدة السياق سريان الحكم إلى سائر الفقرات المقارنة. وتوهم اختصاص ذلك بهذه الفقرة، لعدم ثبوت المقارنة، بل الظاهر اجتماع الفقرات في كلمات الرواة، غير تام، لأن سنخ هذه العبارة، لا يناسب أن يراد منها اشتراط مالكية البائع بالنسبة إلى المبيع، أو مملوكية المبيع في البيع، بل المتفاهم منه بدوا، هو أنه لابيع في وقت لا تملك البيع، فليتأمل. ويؤيد ذلك ورودها في الطلاق والعتق والبيع التي كثيرا ما تقع مكرها عليها، ويجبر الزوج والمالك عليها، والله العالم. وتوهم ظهور " الملك " في الملكية الاعتبارية، في غير محله، لأنه ظهور متأخر عن المعنى الثابت له حسب اللغة، فليراجع. ثم إن ما هو المعروف من قولهم: " لابيع إلا في ملك " لا أثر منه في الآثار، وأما ما اشتهر في ألسنة المتأخرين " لابيع فيما لا يملك " وهكذا الطلاق والعتاق، فهو - على ما يظن - أيضا اشتباه في النقل، وما في

[ 63 ]

" المقابيس " (1) نقلا عن " الخلاف " (2) بهذا الاسلوب، غير معتمد عليه بعدما عرفت، من ذكر النبوي باسلوب آخر في " العوالي " في ثلاثة مواضع (3). هذا مع أن في هذه الجملة " لا بيع فيما لا يملك " احتمالات، ولو كان بصيغة المعلوم فلا يدل على بطلان الفضولي، للزوم دلالته على بطلان المأذون والوكيل والوصي والولي، والالتزام بالإطلاق ثم التقييد، غير قابل لنسبته إلى عاقل، فضلا عن هؤلاء الأعلام. ومنها: معتبر محمد بن القاسم بن الفضيل قال: سألت أبا الحسن الأول (عليه السلام) عن رجل اشترى من امرأة من آل فلان بعض قطائعهم، وكتب عليها كتابا بأنها قد قبضت المال، ولم تقبضه، فيعطيها المال، أم يمنعها. قال: " قل له ليمنعها أشد المنع، فإنها باعته ما لم تملكه " (4). أي فإنها باعت الرجل شيئا لم تملكه، أو أنها باعت شيئا حين ما لم تملكه. وعلى أي حال: يدل على أن وجه المنع عدم استحقاقه للبيع، وعدم


1 - مقابس الأنوار: 129 / السطر 25. 2 - الخلاف 3: 169. 3 - عوالي اللآلي 1: 233 / 136، و 2: 247 / 16، و 3: 205 / 37. 4 - الكافي 5: 133 / 8، تهذيب الأحكام 6: 339 / 945، وسائل الشيعة 17: 333 - 334، كتاب التجارة، أبواب عقد البيع وشروطه، الباب 1، الحديث 2. (*

[ 64 ]

جواز إقدامه عليه إذا لم يكن مالكا، وفي دلالته على بطلان الفضولي حينئذ منع ظاهر. ودعوى استفادة النهي عن بيع ما لا يملكه البائع، بحيث يفيد لهذه المسألة، ممنوعة، مع لزوم التقييد المذكور آنفا، ضرورة أن صحة الاستدلال متقومة بإثبات الإطلاق، وإثباته ثم الجمع بينه وبين ما يدل على صحة بيع الوكيل بالتقييد، مما لا يرضى به أحد، لما تقرر من لزوم المعارضة البدوية بين الدليلين العام والخاص والمطلق والمقيد في محيط العرف، وهو ممنوع جدا. ومنها: معتبر ابن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث قال: سأله رجل من أهل النيل عن أرض اشتراها بفم النيل، وأهل الأرض يقولون: هي أرضهم، وأهل الاستان يقولون: هي من أرضنا. فقال: " لا تشترها إلا برضا أهلها " (1). فإن النهي عن الاشتراء هنا ليس عن تقبل الأرض، حتى يقال: بأنه تصرف ممنوع، ضرورة أن الأرض ليست قابلة له، فهو هنا إنشاء الاشتراء، ويكون منهيا عنه، فيكون فاسدا بدون رضا الأهل. وتوهم: أن هذه ناظرة إلى هذه الواقعة، أي في هذه الواقعة لاتشتر


1 - الكافي 5: 283 / 4، تهذيب الأحكام 7: 149 / 662، وسائل الشيعة 17: 334 كتاب التجارة، أبواب عقد البيع وشروطه، الباب 1، الحديث 3.

[ 65 ]

إلا برضا أهلها (1)، غير مساعد عليه ما يستفاد منها عرفا، فهي قاعدة كلية، وظاهرها النهي عن الاشتراء بعنوانه، من غير النظر إلى كون المنهي عنه هي الحيثية الخارجية، وهو الاشتراء المتعقب بترتيب الآثار من غير رضا المالك، فلا يشمل الفضولي. نعم، بناء على ما قويناه (2) فلا منع، لأن ما يصنعه الفضولي ليس بيعا حتى يكون من طرف الأصيل اشتراء. وتوهم: أن النهي هنا كاشف عن كون عمل الفضولي بيعا، وإلا فلا وجه للنهي عن الاشتراء، في غير محله، لأن البيع والشراء العرفيين يتحققان عند العرف فيما إذا لم يكن يعتنون بأصل المالكية، فالاشتراء المنهي عنه هو الاشتراء العرفي الحاصل عندهم وإن لم يكن المالك راضيا، فليتأمل. ومنها: ما في ذيل رواية " الاحتجاج " عن الحميري - بعد السؤال عن ابتياع ضيعة كان محل إشكال بيعها - من أنه (عليه السلام) أجابه: " الضيعة لا يجوز ابتياعها إلا من مالكها، أو بأمره، أو رضا منه " (3).


1 - منية الطالب 1: 221 / السطر 19. 2 - تقدم في الصفحة 5. 3 - الاحتجاج: 487، وسائل الشيعة 17: 337، كتاب التجارة، أبواب عقد البيع وشروطه، الباب 1، الحديث 8.

[ 66 ]

وفي المحكي عن نسخة: " ورضا منه " (1). وتقريب الاستدلال تارة: للنهي، فيكون مثل ما سلف، واخرى: للحصر المستفاد منه، بعد وضوح أن هذه التوقيعات كليات قانونية في مقام الأسئلة الخاصة، فيعلم على الأول أن الفضولي منهي عنه، وعلى الثاني أنه غير ممضي، فيكون باطلا. نعم هي لا تنافي ما قويناه (2)، كما لا يخفى. ثم إنه على النسخة الاولى يعلم منها كفاية الرضا، فيلزم خروج البيع الواقع عن رضا المالك من الفضولي وإن لم يظهره، وعلى الثانية يعلم أن مجرد الأمر غير كاف، لإمكان كونه عن إكراه، فلابد من الرضا والإظهار. ومنها: مكاتبة الصفار إلى العسكري (عليه السلام) وسؤاله عن الأراضي التي له في حوالي القرية، وبيعها مع القرية، ثم أقر المشتري بأن ما اشتراه مخلوط من مملوك البائع وغيره. فوقع (عليه السلام): " لا يجوز بيع ما ليس يملك، وقد وجب الشراء من البائع على ما يملك " (3).


1 - انظر مقابس الأنوار: 129 / السطر 5. 2 - تقدم في الصفحة 5. 3 - الفقيه 3: 153 / 674، تهذيب الأحكام 7: 150 / 667، وسائل الشيعة 17: 339 كتاب التجارة، أبواب عقد البيع وشروطه، الباب 2، الحديث 1.

[ 67 ]

فإن إطلاقه يقتضي فساد الفضولي، لأن ما يصنعه هو البيع عند الأصحاب. وأما دعوى: أنها ظاهرة في نفي النفوذ الفعلي (1)، فهي فاسدة، لوضوح ذلك عند المسلمين، بل وغيرهم، لاعتقادهم بأصل المالكية، وعدم جواز الهرج والمرج. اللهم إلا أن يقال: إن النظر هنا إلى احتمال فساد المجموع، فاجيب بأنه بالنسبة إلى ما يملكه نافذ، فيعلم منه أن المنهي عنه هو النفوذ، لا أصل الطبيعة. ولكنه يشكل، لأجل عدوله (عليه السلام) عن استعمال كلمة " يجوز " بعد قوله: " لا يجوز " ولعله لإسقاط هذه القرينة، فيصير دليلا على فساد الفضولي، إلا على ما أسسناه في المسألة (2). هذا، وقد أفاد بعض السادة من أساتيذنا فيما نسب إليه: " أن الإجازة اللاحقة إذا كانت سببا لانقلاب النسبة، فيصير بيع الفضولي بيع المالك، فلا معنى لدلالة هذه المآثير على بطلانه، للزوم كون بيع المالك باطلا، ضرورة أن البحث في الفضولي بعد الإجازة، لا قبلها " (3). وفيه ما لا يخفى، فمضافا إلى بطلان الانقلاب، أن المستدل بالأخبار يريد التمسك بإطلاقاتها النافية للصحة التأهلية، فإذا انتفت الصحة الاقتضائية، فلا يبقى موقع للانقلاب بالإجازة، بداهة أنها تورث القلب


1 - بلغة الفقيه 2: 224. 2 - تقدم في الصفحة 5. 3 - البيع، المحقق الكوهكمري: 330.

[ 68 ]

فيما كانت متعلقة بالبيع العرفي غير المؤثر، فليتدبر. إن قلت: يكفي لردع بناء العقلاء على ترتيب الأثر على الفضولي الملحقة به الإجازة، الإجماع المدعى في " الخلاف " (1) وقد أشرنا إليه في صدر المسألة (2). قلت: قد تقرر أن الإجماعات المدعاة في " الخلاف " بل وفي " الغنية " ليست من الإجماع المصطلح عليه (3)، ومما يدل عليه نفس هذه المسألة، فإن الشيخ مع دعواه الإجماع، ذهب في سائر كتبه - على ما حكي (4) - إلى صحة الفضولي (5)، مع أن المحكي عن المشهور في عصره هو الصحة، ولم يحك الخلاف إلا من ثلاثة، على ما قيل (6). وبالجملة: فليست المسألة إجماعية، ولا قابلة للردع بالإجماع المنقول. وفي كفاية الإجماع المحصل لرادعية البناء العقلائي، إشكال، بل منع مضى في بيع الصبي.


1 - الخلاف 3: 168، المسألة 275. 2 - تقدم في الصفحة 21 - 22. 3 - تحريرات في الاصول 6: 364 - 365. 4 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 127 / السطر 32. 5 - النهاية: 385. 6 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 127 / السطر 30 - 31، البيع، المحقق الكوهكمري: 332.

[ 69 ]

تذييل: حول الوجوه العقلية أو العقلائية المستدل بها على بطلان الفضولي قد استدل على بطلان الفضولي بوجوه عقلية، أو عقلائية مؤيدة بالنقل: الوجه الأول من الوجوه العقلية فمن الاولى: أن ترشح الإرادة الجدية لتحقق السبب الناقل، مع العلم بعدم ترتب الأثر، غير ممكن إما مطلقا، أو من الغاصب، أو من الذي يريد ترتيب الأثر، من غير تقييده بتحصيل رضا المالك، كما سيأتي زيادة توضيح له في المسائل الآتية. نعم، إذا لم يكن قائلا بأصل المالكية، أو غفل عن ذلك، فيتمكن منه. أقول: إن كانت ألفاظ المعاملات أسامي للمؤثر الفعلي، فلا يعقل وجود البيع إلا من المالك، أو المأذون من قبله، وعند ذلك يبطل الفضولي، ويصح بيع المكره بحق لإجازة المالك الحقيقي، كما مر تفصيله. وإن كانت هي أسامي لذات المؤثر وهو الوجود الإنشائي الحاصل من ألفاظ الإيجاب والقبول - فالبيع يتحقق من الأجنبي، كما هو الظاهر.

[ 70 ]

وهكذا لو كانت أسامي لألفاظها بما لها من المعاني الإنشائية. وحيث قد تقرر منا في محله: أن المتبادر منها هي السبب المؤثر (1)، فلا يتمكن الفضولي من إيجاد البيع. ومما يشهد لذلك: أنه على المبنى الثاني، يلزم تمكن الغاصب - الملتفت إلى عدم تحقق الأثر من إيجاده، وعندئذ لابد من الالتزام بتحقق البيع، وحرمة ترتيب آثاره من الوفاء والتسليم، وهذا مما يكذبه وجدان كل ذي مسكة، بل الفطرة قاضية بأن البيع كلما تحقق، يجب الوفاء به، ولا حد متوسط، وأن المعتبرات العقلائية ناهضة على أن البيع إذا تحقق، يكون البائع مالكا للثمن، والمشتري مالكا للمثمن، من غير الحالة الانتظارية كما لا يخفى. وما قد يتوهم من البناءات العقلائية في بيع الدلالين وشرائهم على الفضولي (2)، في غير محله، فإن ذلك لعدم الاطلاع على ما تعارف بينهم، وهو دائر بين الاشتراء من التاجر كليا في ذمته، وتكون ذمته - لجهة فحصه عن المشتري وبيعه منه - معتبرة، وبين الاشتراء بإذن التجار بنحو الكلي، مع ثبوت الخيار له بين المقاولة بعنوان " التجارة " من غير كونها تجارة بالحمل الشائع، وبين كونه وكيلا من قبل جماعة من التجار في هذه الامور بيعا وشراء، ولذلك لا يتجاوز عن الموضوعات الخاصة المعلومة للطرفين.


1 - تحريرات في الاصول 1: 273. 2 - البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 2: 101.

[ 71 ]

فتحصل: أن بيع الفضولي بالمعنى الذي عليه المتأخرون والقدماء، باطل عندنا، ولكن لا منع من الالتزام بصحته بالمعنى الذي اخترناه، وهذا هو الذي يصدقه العرف، ولو كان ما تعارف بين الدلالين بيعا، فهو بهذا المعنى. وأما ما أفاده الوالد المحقق - مد ظله - هنا: " من امتناع ترشح الإرادة الجدية، بالنسبة إلى عناوين المعاملات، من الملتفت الواقف على أطراف المسألة، والمتقيد بحدود الشرع " (1) فغير تام، لما اشير إليه من أنها لو كانت أسامي للمعنى الأعم، فإمكانه واضح، ولذلك لو باع في الفرض المزبور، ثم تبدل رأيه، وبنى على إلحاق إجازة المالك، صح عندهم، لتمامية البيع بتلك الإجازة. وتوهم: أنه مع التوجه إلى عدم ترتب الأثر عليه، يتوجه إلى لغويته وعدم نفوذه، في غير مقامه، لأن النفوذ من الأحكام الوضعية التي بيد الشرع، ولا مانع من اللغوية في الأفراد الجزئية، وما هو الممنوع هي اللغوية بالنسبة إلى جميع الأفراد وأساس القانون والخطاب، فهو يوجد البيع الأعم، لاعتقاده بأنه موضوع للأعم، والقانون الكلي يشمل ذلك، ولكن العرف - بناء على ما حررناه - لا يصدق " كون هذا بيعا ومع ذلك يحرم ترتيب الآثار ". بل حكم العقلاء هو التلازم بين البيعية وترتيب الآثار، بنحو العلية، أو الحكم والموضوع، كما عرفت تفصيله آنفا.


1 - البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 2: 142.

[ 72 ]

وربما تندفع هذه الشبهة بما في كلام الشيخ الأعظم (قدس سره): " من أن البيع العرفي حاصل، كما في بيع الربا وأمثاله، وما هو النافذ الشرعي منفي " (1) ولكنه غير صحيح، لما عرفت: من أن أصل المالكية معتبر عند العقلاء في صحة المعاملات، بخلاف الربا وغير ذلك من سائر البيوع الممنوعة، وقد مر في ذيل بعض المآثير ما يتعلق بهذه المسألة، وقد أمرنا هناك بالتأمل، فلاحظ وتدبر. الوجه الثاني من الوجوه العقلية على بطلان الفضولي ومنها أيضا: أن ظاهر الأكثر دوران معاني ألفاظ المعاملات بين الوجود والعدم، ورتبوا على ذلك عدم جريان نزاع الصحيح والأعم فيها، لعدم وجود الجامع قهرا (2)، وعليه فكيف يعقل ذهابهم إلى صحة الفضولي؟! فإنه يستلزم الخلف. وأيضا: ظاهرهم من التعليل المزبور، أن مرادهم من " المسببات " هي الآثار المترتبة على الإيجاب والقبول، وإلا فالمسبب - بالمعنى الذي أشرنا إليه: وهو الأمر الإنشائي الحاصل بتلك الألفاظ، أي ألفاظ الإيجاب والقبول - أمره دائر بين الصحة والفساد، فباعتبار ترتب الأثر عليه يكون صحيحا، وباعتبار عدم ترتب الأثر يكون باطلا وغير نافذ، أو باعتبار تمامية الأجزاء والشرائط يوصف ب‍ " التمامية والصحة "


1 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 80 / السطر 33. 2 - لاحظ كفاية الاصول: 49، نهاية الدراية 1: 133، مناهج الوصول 1: 169.

[ 73 ]

وباعتبار فقدان الشرط وهو رضا المالك، يوصف ب‍ " النقصان والفساد " (1). أقول: والذي هو الحق ما أشرنا إليه في صدر المسألة: وهو أن في محيط العرف والعقلاء، لا تنقسم الشرائط والأجزاء إلى شرائط التأثير والأجزاء غير المقومة للاسم، وإلى ماهي المقومة للاسم، فما كان لازما عندهم فهو الدخيل في الماهية، وما ليس كذلك فهو غير دخيل رأسا، لا في الاسم، ولا في الأثر. وأما لواحق المصاديق التي لا تكون داخلة، وإذا التحقت بالمصداق يصدق عليها العنوان، كقول المصلي: " ورحمة الله وبركاته " فهي أمر آخر غير معتبر في تأسيس الماهية ولاتسمى " جزء " بالمعنى الاصطلاحي، بل هي الخصوصية الفردية. فعلى هذا لا معنى لتوهم الجامع في ألفاظ المعاملات، حتى يقال بصحة الفضولي. وأما توصيف البيع أحيانا ب‍ " الفساد " فهو بالنظر إلى الشرائط الشرعية. ومما يدل على ما ذكرناه: هو أن اعتبار كون الشرط على قسمين، ليس يمكن إلا لأجل الغرض والمقصود العقلائي، وإذا لم يكن مقصودا، ويحصل الغرض من جهة اخرى معتبرة عندهم، فلا يمكن ذلك، للغويته، وعليه فيعلم: أن الرضا دخيل في الماهية، وإذا التحق بما ليس ماهية،


1 - لاحظ البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 2: 137 - 138.

[ 74 ]

ويصير به ماهية كما شرحناه، فلا داعي إلى التقسيم المذكور، فليتدبر جيدا. الوجه الثالث من الوجوه العقلية ومنها أيضا: أن ظاهر الأصحاب رضوان الله تعالى عليهم في بيان حقيقة البيع وتعريفه، أنه هو الماهية المؤثرة، دون الماهية المطلقة، فإن قولهم: " هو مبادلة مال بمال " (1) أو " تمليك بعوض " (2) أو " تبادل بين الإضافتين " (3) أو غير ذلك (4)، ليس معناه إلا ما هو ذلك بالحمل الشائع. ولو كان المراد منه الامور الإنشائية الأعم من التي تكون موضوعة لحكم العقل وسببا للانتقال، لكان اللازم عليهم عدم اعتبارهم القبول في الماهية، مع أنهم جعلوه ركنا، ضرورة أن المعنى الإنشائي من البيع - كما صرح به الوالد المحقق - مد ظله (5) - يحصل بالإيجاب وحده.


1 - المصباح المنير 1: 87، البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 1: 41. 2 - حاشية المكاسب، المحقق الخراساني: 5، حاشية المكاسب، السيد اليزدي 1: 53 / السطر 30. 3 - البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 1: 9 و 12. 4 - المبسوط 2: 76، المختصر النافع: 118، تذكرة الفقهاء 1: 462، الدروس الشرعية 3: 191، جامع المقاصد 4: 55. 5 - البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 1: 219 - 220، و 223 - 224 و 2: 102 - 103.

[ 75 ]

فيعلم من ذلك: أن مرتكزهم وبناءهم على أن البيع، هي الماهية المترتبة عليها الأثر، التامة الأجزاء والشرائط، فكيف ذهلوا واختاروا صحة الفضولي، قائلين: بأنه بيع حقيقة محتاج في التأثير إلى إجازة المالك، لا في اتصافه ب‍ " البيعية "؟! وقد يتوهم: أن حقائق المعاملات هي المعتبرات النفسانية والتبادلات الذهنية، وهي تتصف ب‍ " الصحة " فيما كانت من الذي يليق بها، وب‍ " الفساد " فيما كانت من الذي لا يليق بها، والفضولي من الثاني (1). ولعمري، إنه أقرب إلى المزاح من الحقيقة، ولا حاجة إلى بيان ما فيه، وقد تعرضنا لذلك في الاصول (2). الوجه العقلائي لبطلان الفضولي ونقده ومن الثانية: تقبيح العقلاء التصرف في مال الغير، وقد ورد عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) (3) والولي المعظم عجل الله تعالى فرجه عدم حلية التصرف في مال الغير، إلا بطيبة نفس منه وإذنه وترخيصه (4)،


1 - محاضرات في اصول الفقه 1: 195. 2 - تحريرات في الاصول 1: 233 و 273 - 279. 3 - عوالي اللآلي 2: 113 / 309، وسائل الشيعة 5: 120، كتاب الصلاة، أبواب مكان المصلي، الباب 3، الحديث 3. 4 - عوالي اللآلي 3: 473 / 3، وسائل الشيعة 25: 386، كتاب الغصب، الباب 1، الحديث 4.

[ 76 ]

وأي تصرف أعظم عند العرف من التصرفات الناقلة؟! وتوهم أنه ليس بتصرف (1)، في غير محله، لأنه يعد من مسقطات الخيار في محله، فيعلم منه أن ذلك نقل عرفي. وإن شئت قلت: النقل على قسمين: نقل حقيقي، واعتباري، وقضية القواعد العرفية اختصاص موضوع الدليل المزبور بالأول، لأن الثاني مجازي وادعائي، ولا دليل على الإلحاق، وبدون الدليل لا يمكن اللحوق، إلا أن المتعارف في الثاني في محيط التقنين وترتيب الآثار الشرعية عليه من سقوط الخيار ونحوه عليه كاشف عن الإمضاء، ويشمله العنوان المذكور، ولو كان المناط في صدق " التصرف " النقل الخارجي لما كان تصريف المالك تصرفا عرفا، مع ضرورة الوجدان على خلافه، فيعلم منه أن الأمر الإنشائي يعد من التصرف. وحيث إن الفضولي مشترك معه في تلك الجهة، يكون متصرفا، وهو حرام تكليفا، الملازم لحرمته الوضعية، أو وضعا وتكليفا معا، أو وضعا في بعض المواضع، وتكليفا في آخر، وهما معا في ثالث، وقد مضى تفصيله، وعندئذ لابد من ترتيب الأثر على محرمية التصرف الإنشائي، وليس هو إلا سقوط الاقتضاء والصحة التأهلية. نعم، بناء على ما ذكرناه واخترناه لا يلزم هذا، لأنه ليس مشتركا مع المالك، لا في الإنشاء، ولا في الأثر. أقول: لا نريد ذكر الخلل والزلل المشاهد في التقريب المزبور من


1 - البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 2: 136.

[ 77 ]

الجهات العديدة، وإنا لو سلمنا جميع ما افيد بتحرير منا، لا نسلم النتيجة، لأن ما هو يعد من التصرف هو البيع الناقل والمترتب عليه الأثر، وهذا هو الذي يورث سقوط الخيار، وأما التصرفات غير الناقلة عرفا فليست من المنهي عنها في المأثور قطعا، حتى في الغاصب والباني على ترتيب الأثر بالغصب بعد البيع، أو بالإكراه على التسليم بعد البيع، لأنه لا ينتقل به شئ. نعم، بلحوق الإجازة يكون بيع الفضولي مؤثرا وناقلا، ولكنه لا يستلزم المحرم. إن قيل: بيع الغاصب وما يشبه به من سائر الصور المذكورة، ناقل عرفي، وباطل شرعي. قلنا: هذا ما قد تكرر إشكالا وجوابا، وقد عرفت في أول البحث: أن اعتبار المالكية - بالمعنى الأعم من الملك الاعتباري والسلطنة الاعتبارية - أصل مسلم بين الامم، وماهية البيع متقومة به، وليس هذا من قبيل سائر البيوع المنهي عنها، كبيع الخمر والخنزير وآلات اللهو والقمار، فلا تخلط.

[ 79 ]

الأمر الخامس فيما لو باع الفضولي مع سبق المنع لو باع الفضولي للمالك مع سبق المنع من المالك، أو لمن له ذلك كأوليائه، فالمشهور على صحته (1)، بل المعروف من المخالفين في المسألة الاولى عدم تعرضهم لهذه المسألة، فنسبة البطلان إليهم ممنوع إلا للأولوية. وعن صاحب " الإيضاح ": أن بعض المجوزين للفضولي اشترط عدم سبق نهي المالك (2). وعلى كل تقدير: يشكل توجيه الفرق بين الصورتين، بل لا معنى له، لأن منع المالك غير جائز عما ليس له، ولايكون تحت سلطنته


1 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 128 / السطر 8، البيع، المحقق الكوهكمري: 334، البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 2: 138. 2 - إيضاح الفوائد 1: 417، المكاسب، الشيخ الأنصاري: 128 / السطر 10.

[ 80 ]

وملكه، وقد عرفت أن نقل الفضولي ليس من التصرف عرفا في مال الغير. ولو قيل: هذا خلاف ما ارتكز في الأذهان العرفية والشرعية، فيشهد هذا على أن " التصرف " صادق عليه لغة. قلنا: بل يعلم من ذلك أن وجه تقبيح العقلاء ونهي الملاك، غفلتهم عن عدم لزوم قيامهم بترتيب آثار البيع، وأن تمام الأمر بيده، وما يصنعه ليس إلا إعانة في الحقيقة للمالك، ويسهل الأمر عليه إذا أراد بيعه وإنفاذه، وإذا توجه إلى تلك الجهة لا يرى بيعه ممنوعا، ولا يعد من المحرمات وإن منعه. نعم، هنا شبهة على القائلين: بأن الرضا الباطني يخرج الفضولي من الفضولية، ومنهم الشيخ (1) والسيد الوالد (2) عفي عنهما: وهي أن النهي كاشف عقلائي عن كراهة البيع، وهو بالتخلف وإن سقط، ولكن الكراهة المستكشفة به لاتضمحل، لأنها لا تتعلق بالمعنى المصدري، بل هي تعلقت بالمعنى الباقي عرفا، وعند ذلك يمكن استكشاف بقاء النهي أيضا، فعليه يلزم وقوع الرد بعد الإنشاء، فلا تفيد الإجازة اللاحقة. وبهذا التقريب يتوجه الإشكال إلينا أيضا، لظهور الكراهة بالنهي الباقي من غير الحاجة إلى استصحابه، أو الكراهة المظهرة بالنهي السابق كافية في هدم بيع الفضولي، لكفاية ظهور ما في ذلك.


1 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 124 / السطر 20 - 22، و: 125 / السطر 8 - 14. 2 - البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 2: 101.

[ 81 ]

وأنت خبير بما هو الحق الآتي تحقيقه: من أن المنع والرد لا يورث الهدم (1)، والإجماع المدعى (2) غير تام، ولو سلم فالمفروض من مورده ومعقده صورة واحدة، وهي الرد بعد الوجود، لا مطلق الرد وإن كان باقيا من قبل الوجود، فليتأمل. هذا، وقد يشكل: بأن الرد وهو الوجود الإنشائي، إذا كان مورثا لهدم المنشأ الموجود، وهو بيع الفضولي، فالنهي أولى بذلك، لأن الدفع أهون من الرفع (3). اللهم إلا أن يقال: بأن هذا هو قضية فهم العقلاء، ولو منع الشرع عن الصحة بعد الرد، فلابد من الاقتصار على معقده. ولعمري إن التفكيك بين النهي والرد، غير ممكن حسب القواعد. وتوهم: أنه ليس له النهي عما ليس تصرفا في ماله، بخلاف الرد، ممنوع، لأنه لا معنى لرد ما ليس في حيطة سلطانه. نعم، له الإجازة وله عدمها، دون الرد الهادم بالمعنى المصطلح عليه، فلا تغفل. فالمحصول مما قدمناه: عدم الفرق بين الصورتين في شمول الأدلة وعدمه، ولا فرق بينهما عندنا في أن للمالك والمأذون من قبله - شرعا كان، أو عرفا - إجازة ما صنعه الفضولي، وإذا صار بها مؤثرا وموضوعا


1 - يأتي في الصفحة 202 - 207. 2 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 136 / السطر 9. 3 - لاحظ البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 2: 140.

[ 82 ]

لحكم العقلاء، يصير بيعا وتجارة، ويشمله الأدلة والبناءات العقلائية. هذا في الأدلة العامة. وجه الجمع بين المآثير الدالة على صحة الفضولي والدالة على بطلانه وأما المآثير الخاصة، فقد مضى قصور الآيات عن دلالتها على صحة الفضولي بنحو كلي في مطلق العقود، ومثلها في قصور الدلالة على بطلان الفضولي، الروايات الخاصة المستدل بها عليه، فإنها إما قاصرة الدلالة، أو تكون ناظرة إلى إبطال الفضولي قبل الإجازة. ولو سلمنا دلالتها في الجملة على النهي عن الاشتراء، الظاهر في نفي القابلية وعدم تحققه مطلقا، كما قربناه لهم هناك، فهل قضية الصناعة العلمية حول الجمع بين أدلة الطرفين، هو العمل بالعمومات، لتهافت الأدلة الخاصة، وتكون العمومات مرجعا؟ أو هي مرجحة لما في الكتاب، وموافقة الكتاب من المرجحات؟ أم الكتاب مختلف، فمنه ما يدل على الصحة، ك‍ * (أوفوا بالعقود) * (1) ومنه ما يدل على الفساد، ك‍ * (تجارة عن تراض) * (2) والنسبة بينهما عموم من وجه، فالأخبار الدالة على الفساد مؤيدة بالكتاب، وهكذا مادل على الصحة، فإذن يسقط الترجيح بالموافقة؟


1 - المائدة (5): 10. 2 - النساء (4): 29.

[ 83 ]

وأما الترجيح بمخالفة العامة، فهو أيضا مشكل، لذهاب أبي حنيفة إلى الصحة بعد الإجازة (1)، والشافعي إلى البطلان (2). ولو صح الترجيح فالمقدم مادل على البطلان، لأن مادل على الصحة في عصر أبي حنيفة، وفتواه كانت أعرف بين الأشقياء. وأما الترجيح بالشهرة، فهو أيضا مشكل، لأن ما هو المرجح هي الشهرة الروائية على مسلك، وهذه الروايات على نسق واحد، لو لم نقل: بأن بعض أخبار البطلان أشهر. وأما الشهرة الفتوائية فهي مميزة بين الحجة واللاحجة، وفي كونها بالغة إلى هذا الحد إشكال، لدعوى الإجماع في " الخلاف " (3) و " الغنية " على البطلان (4)، مع تصريح الأول: " بأن المخالف منا لا يعتد بقوله ". وقد يقال: بأن النوبة لا تصل إلى المرجحات، لتصريح الشيخ الأعظم بأن مادل على الصحة، أعم مما دل على الفساد، وبالتخصيص يؤخذ بالطائفتين جمعا (5). وجه الأعمية: هو أن الأخبار المانعة تشمل الفضولي للمالك، ولنفسه، قبل الإجازة، وبعدها، والمجوزة لا تشمل إلا المسألة الاولى، أو هي والثانية، فتبقى الصور الاخر تحت تلك الأدلة.


1 - الخلاف 3: 168، المجموع 9: 261، الفقه على المذاهب الأربعة 2: 240. 2 - الخلاف 3: 168، المجموع 9: 261، الفقه على المذاهب الأربعة 2: 166. 3 - الخلاف 3: 168. 4 - الغنية، ضمن الجوامع الفقهية: 523 / السطر 14. 5 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 127 / السطر 19.

[ 84 ]

وقيل: " بأن النسبة هي التباين، لأنه لم يكن البيع لنفسه أو للمالك قبل الإجازة، محلا لتوهم الصحة، حتى يرد المنع بنحو العموم " (1) ولا يخفى ما فيه. وقد يستظهر التعارض بالعرض بين الأدلة المجوزة (2)، لوقوع التعارض بالذات بينها وبين المانعة، وذلك لأن المجوزة تشمل ما لو باع للمالك مع سبق المنع وعدمه، بمعنى أن بعضا منها يشمل صورة، وبعضا منها يشمل اخرى، فيلزم التخصيص المستهجن بينها وبين المانعة، بعد خروج صورة عدم لحوق الإجازة منها، لانصرافها عنها. وحيث لا يمكن تعيين ما به يلزم الاستهجان - ولو أمكن ذلك لا يستلزم رفع الإشكال - يلزم التهافت بالذات بين الطائفتين: المجوزة، والمانعة، وبالعرض بين المخصصات، لأن التخصيص المستهجن يلزم منها، فيعلم بكذب بعض منها، لئلا يلزم ذلك، كما لا يخفى. وعند ذلك يمكن دعوى: أن بناء العقلاء على طرح العمومات باستكشاف القيود فيها، كما في أخبار القرعة (3)، فإن بناء الأصحاب هنا ليس على المعارضة بين المخرجات، بل بناؤهم على طرح عمومات القرعة (4)، فلاحظ وتدبر.


1 - منية الطالب 1: 221 / السطر 23. 2 - البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 2: 135. 3 - وسائل الشيعة 27: 257، كتاب القضاء، أبواب كيفية الحكم وأحكام الدعوى، الباب 13. 4 - كفاية الاصول: 493، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 679.

[ 85 ]

أقول: ما أفاده القوم هنا لو تم، فهو بالنسبة إلى المآثير المتكفلة للأحكام التكليفية، وأما في الوضعية فالعرف لا يستفيد من المجوزة، إلا عدم اشتراط رضا المالك إلا في تأثير المعاملة، دون ماهيتها، ولا يستفيد من المانعة إلا عدم الاشتراط، ولا يلاحظ في هذه المواقف خصوصيات الصور والفروض، لأن دعوى الشرطية في صورة دون صورة، بعيدة عن مذاقهم، وغريبة عن محيط إدراكهم، فتصير النتيجة تباين النسبة، كما في الروايات الواردة في الماء القليل، وفي كثير من نظائرها، فإن الجمع بينها بالتفصيل بين النجاسات، أو الملاقيات لها، غير صحيح، ولذلك يدور الأمر هناك بين القولين: النجاسة، أو الطهارة، فلاحظ واغتنم.

[ 87 ]

الأمر السادس حول بيع الفضولي لنفسه لو باع الفضولي الغاصب سواء لنفسه، أو لغير المالك، وسواء كان عالما بالغصب، أو جاهلا كما في المقبوض بالعقد الفاسد، وكان ملتفتا إلى عدم ترتب الأثر على بيعه، أو غير ملتفت، وكان معتقدا بأصل المالكية، أو غير معتقد، وكان عالما بالحكم، أو جاهلا، ففي جميع هذه الصور - إلا صورة واحدة - يصح البيع على ما ذكرناه في أصل المسألة (1)، ولما تقرر منا في الصحيح والأعم: من أن ألفاظ المعاملات موضوعة للأسباب، لا لذواتها، ولا للمسببات بمعنى الأثر، وهي مالكية المشتري للمثمن، والبائع للثمن، ولا لألفاظ الإيجاب والقبول (2). فما هو البيع حقيقة ما هو الناقل، وأما بيع المكره والفضولي


1 - تقدم في الصفحة 9 وما بعدها. 2 - تحريرات في الاصول 1: 277 - 279.

[ 88 ]

فليس إلا إنشاء البيع، وإنشاء البيع ليس بيعا واقعا وبالحقيقة، كما أن إنشاء الحكم والحكم الإنشائي، ليس حكما حقيقة وبالدقة العرفية. فما قد يتوهم: من أن الامور الاعتبارية أمرها دائر بين الوجود واللاوجود، في غير محله، فإن الحكم ليس إلا اعتبارا، ولكنه ينقسم إلى الإنشائي والحقيقي، والبيع مثله. نعم، ما هو الحكم حقيقة وما هو البيع بمعناه الواقعي، أمره دائر بين الوجود والعدم، ولذلك لا يأتي فيه نزاع الأعم والأخص، كما أفاده الأكثر (1)، بل نسب إلى المشهور (2). وعلى هذا فما أتى به الفضولي في الصور المزبورة، ليس بيعا، ولكنه أوقعه جدا، فوجد البيع الإنشائي القابل لصيرورته بيعا حقيقة بالإجازة. لست أقول: إن ماهية البيع أعم من البيع الحقيقي، حتى يقال: بأن التقسيم دليل على أن البيع أعم، وما ادعيتم يرجع إلى انصراف أدلة الإمضاء إلى البيع الملحقة به الإجازة، كما هو خيار الأصحاب - رضي الله عنهم -. بل المقصود: أن البيع الإنشائي ليس بيعا واقعا وحقيقة، والتعبير عنه ب‍ " البيع " من باب التوسع والعناية، لما مر تفصيله، وذكرنا


1 - كفاية الاصول: 49، نهاية الدراية 1: 133، البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 1: 4. 2 - مناهج الوصول 1: 169، تهذيب الاصول 1: 87.

[ 89 ]

التوالي الفاسدة المترتبة عليه (1). وبالجملة: ففي جميع الصور يمكن تصحيح ما فعله الفضولي الغاصب بالإجازة. الصورة التي لا يصح فيها بيع الفضولي الغاصب نعم، هنا صورة واحدة: وهي مالو باع الفضولي الغاصب المعتقد بالقانون، المتوجه إلى أطراف المسألة، فإنه كيف يتمكن من الإرادة الجدية لإنشاء ذلك؟! والإرادة الهزلية للاستعمال ليست كافية، وما يصدر عنه هزلا غير قابل للحوق الإجازة، لأن الوجود الإنشائي المترتب على قصد الألفاظ بما لها من المعاني، غير حاصل إلا بالقصد الواقعي، لا الصوري. بل لا قصد منه أصلا. وتلك الشبهة غير قابلة للدفع على مذهب المشهور، من أن البيع موضوع لما هو المؤثر والصحيح الفعلي، كما هو الظاهر. ومن الغريب توهم: أن ادعاء المالكية، أو ادعاء الملكية، أو ادعاء النيابة، أو غير ذلك - كالقول بأن الغاصب يسرق الإضافة الملكية (2) - يكفي لتحصيل الإرادة الجدية التكوينية!! (3) وأنت خبير: بأن الجد لا يشتمل على المجازات والتسويلات


1 - تقدم في الجزء الأول: 11 - 12. 2 - منية الطالب 1: 225 / السطر 5. 3 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 128 / السطر 27 - 29.

[ 90 ]

الشعرية، فلاينبغي صدور مثله من أبناء الفضل والتحقيق. هذا، وذلك يستلزم وقوع البيع للمالك، مع أن مفروض المسألة ما لو باع لغير المالك، فكأنهم يطلبون وقوع البيع لغير المالك بدعوى المالكية، وهل يعقل ذلك؟! فلا تخلط. نعم، قضية ما أفاده المحقق الوالد - مد ظله -: " من أن ألفاظ المعاملات موضوعة للمعاني الإنشائية الحاصلة من ألفاظ القبول والإيجاب، وأما المؤثرية فهي خارجة منها " (1) ولعله إليه يرجع ما أبانه صاحب " المقابيس (قدس سره) " في المقام (2)، عدم تصوير الشبهة في هذه الصورة أيضا، لأن الغاصب المتوجه إلى أن البيع ليس ما هو المؤثر، بل البيع يكون ما هو قابلا لصيرورته مؤثرا بالإجازة، يتمكن من إرادة البيع، ويريده لجلب الثمن، كما أن المكره يريده لدفع ما توجه إليه. ولكن الشأن في المبنى، فإنه عندنا غير مرضي، كما أشرت إليه مرارا، والتفصيل يطلب من محله (3). ثم إنه قد يتوهم التفصيل في هذه الصورة، بين ما لو باع المغصوب من غير نظر إلى إخراجه من ملكه، وما لو باع ناظرا إلى إخراجه من ملكه، فيقول: " بعت هذا من نفسي بذاك لنفسي " فإن في الصورة الاولى


1 - البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 2: 143، تهذيب الاصول 1: 89. 2 - مقابس الأنوار: 114 / السطر 34 و 115 / السطر 9 - 10، ولاحظ البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 2: 142 - 143. 3 - تحريرات في الاصول 1: 273 - 279.

[ 91 ]

يصح البيع، لأنه ليس إلا نفس المبادلة بين المالين، وفي الثانية لا يصح، لأن إنشاء المبادلة بإخراجه من ملكه، غير ممكن للملتفت، فلا يصح بلحوق الإجازة، لأنه كالهازل. أقول: إن كان البيع هو إنشاء التمليك والمبادلة، فهو حاصل في الفرضين، لأنه بإخراجه من ملكه لا يريد الخروج، لأنه خارج من حقيقة البيع، وإن كان هو المبادلة الإنشائية المترتب عليها النقل الاعتباري، فهو باطل في الصورتين. وأما دعوى: أن المبادلة الجدية تحصل في صورة، ولا تحصل في اخرى، فهي بلا بينة وبرهان، بل التحقيق أن الصورتين مختلفتان في الألفاظ الاستعمالية، لا في الواقع ونفس الأمر، لأن الإهمال الثبوتي ممتنع، ففي الفرض الأول هو إما يريد إخراجه من ملكه، أو من ملك البائع، ويكون البيع مبنيا على ذلك وإن لم يصرح بقوله: " من نفسي " أو " من غيري " فلا تغفل. وجه عدم صحة بيع الغاصب لنفسه وتزييفه إن قلت: لا يمكن الالتزام بصحة البيع في جميع هذه الصور، لأن الغاصب إما يريد إخراج المغصوب من ملكه، وإدخال الثمن في ملكه، أو يريد إخراج المملوك المغصوب من ملك مالكه، وإدخال الثمن في ملكه، فالبيع الصادر عنه لا يخلو من ذلك ثبوتا. وهنا صورة ثالثة: وهي التغافل عن قيد الإخراج والإدخال، بإنشاء

[ 92 ]

المبادلة بين المالين، ولكنها في نفس الأمر مندرجة فيهما كما عرفت. وعليه فلا يعقل صيرورتها صحيحة بالإجازة، لأنها تلحق بالبيع الذي أوجده، وما أوجده لا يمكن أن يصير بيعا، ضرورة أن من مقتضيات المعاوضات دخول المعوض في محل العوض، فلابد من دخول الثمن في ملك المالك، لأن المبيع خرج من ملكه. هذا إذا أراد المالك إجازة بيع الغاصب لنفسه، كما هو المفروض في المقام بين الأعلام (رحمهم الله). وبالجملة: فما أوقعه لا يصير بيعا، وما يمكن أن يصير بيعا لم يوقعه. قلت: قد تحرر منا تحقيق ما اشتهر بين الأعلام: من أن حقيقة المعاوضة كون المدخل والمخرج في العوضين واحدا، وأنكرنا ذلك جدا، وما كان هو الوجه لذهابهم إلى ذلك مذكور في السالف ومدفوع، فليراجع (1)، وعليه فلا إشكال عندنا إلا من جهة تأتي. ولكن القوم لا يتمكنون من الفرار من تلك الشبهة، لأن ظاهرهم شرطية الملكية في صحة البيع، فيكون حقيقة البيع عندهم الإخراج والإدخال في الملكية، وقد عرفت بأنها تبادل الإضافات، فلابد من إضافة الملكية بين البائع الحقيقي والعين، وهكذا في جانب الثمن، وهذا مما لا يوجد فيما نحن فيه، بعد ظهور إنشائه في أنه أخرج من ملكه وبادل الإضافتين. وتوهم: أن الصورة الثالثة هي الشائعة في بيع الغاصبين، في غير محله، لما عرفت.


1 - تقدم في الجزء الأول: 312 - 314.

[ 93 ]

ومثل ذلك وهما أن يقال: بأن البائع الغاصب عمل عملين: بادل بين المالين، وأخرجه من ملكه، والثاني يقع باطلا، بخلاف الأول، وما فيه من الوجوه العديدة غير خفي على الأصاغر، فضلا عن الأكابر. مختار الوالد المحقق في دفع الوجه السابق ونقده ثم إن الوالد المحقق بنى في دفع الشبهة على ما أسسه في حقيقة البيع: " من أن تلك الماهية، ليست إلا المبادلة بين المالين في نحو إضافة، ولا يشترط فيها الملكية، ولا الخروج والدخول في الملك، كما في بيع الكلي، وبيع الوقف، وبيع الزكاة والخمس في مواقف الصلاح، وهذا مما يستكشف من تفريع الأصحاب (رحمهم الله) عدم صحة بيع الطير في الهواء والسمك في الماء على شرطية القدرة على التسليم، لاشرطية المالية والملكية (1). فعليه يعلم: أن الغاصب لا ينشئ إلا تلك المبادلة التي هي حقيقة البيع، وأما توصيف ذلك ب‍ " الإخراج من ملكه " فهو من قبيل بيع الجزئي الموصوف بوصف، فإنه مع التخلف يصح البيع، ويثبت للمشتري الخيار، أو يكون التقييد المزبور من القيد الإضافي غير اللازم، وغير المضر أيضا، كما هو المتعارف " (2).


1 - تذكرة الفقهاء 1: 466 / السطر 22 و 30، جامع المقاصد 4: 92، المكاسب، الشيخ الأنصاري: 185 / السطر 1. 2 - البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 1: 13 و 2: 145 - 146 و 152.

[ 94 ]

أقول: ما أفاده هو الحقيق بالتصديق، وهو عدم شرطية المالية النوعية ولا الملكية في حقيقة البيع، والتفصيل في مقامه، ولكن الأمر هنا غير منحل، لأن البائع في بيع الجزئي الموصوف، لا يكون إنشاؤه مضيقا، بخلافه فيما نحن فيه، ضرورة أن قوله: " بعت هذا الفرس العربي " ليس معناه إلا أنه بادل بينه وبين الثمن، ولكنه إذا أراد الإخراج من ملكه، يرجع إلى أنه أنشأ الإخراج من ملكه بالمبادلة بينهما، فكيف يعقل التجزئة؟! وبعبارة اخرى: يقول البائع الغاصب في الفرض المزبور: " بادلت بين المالين، بأن أخرجت هذا من ملكي " وهذا - أي الإتيان بالجملة البيانية - دليل على أن المبيع ليس مقيدا، بل إنشاؤه يكون كذلك، وعلى الحقيق لا يمكن تقييد المبيع وتوصيفه إلا برجوعه إلى وصف الإنشاء وبيانه، فلا تغفل. فتحصل إلى هنا: أن الإجازة اللاحقة ببيع الغاصب، لا تفيد على المشهور مطلقا، سواء أجاز المالك لنفسه، أو للغاصب، لأن إجازته لنفسه لا معنى لها عقلا، وإجازته للغاصب لا معنى لها عقلا. وعلى ما أسسناه تفيد الغاصب، لعدم الإشكال العقلائي في خروج المثمن من ملكه، ودخول الثمن في ملك الغاصب. وما أفاده الشيخ (رحمه الله): من كفاية المالكية الادعائية (1)، أشبه بالمزاح من الجد، مع أن الغاصب يدعي المالكية حتى يوقعه


1 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 128 / السطر 28.

[ 95 ]

لنفسه، ولا معنى لادعاء المالكية وإيقاعه لعنوان المالك الكلي، ومع غير ذلك من الموهنات الواردة عليه (رحمه الله). هذا كله فيما إذا باع الغاصب عن نفسه. حكم ما لو باع الفضولي الغاصب عن المالك وأما لو باع عن المالك، فيأخذ الثمن غصبا، فيمكن تصحيح ذلك بإجازته، لأنها إذا لحقت بما أنشأه يدخل الثمن في ملكه، ويصير الغاصب ضامنه. وتوهم: أنه أنشأ الإخراج من ملكه بإنشاء تملك الثمن، فيكون الإنشاء مضيقا، فلا يدخل الثمن في ملكه، لأن شأن المالك إجازة ما أنشأه الغاصب، فيخرج من ملكه المثمن، ويدخل الثمن في ملك الغاصب، فيخرج عن الغصب بتلك الإجازة، فلا يتمكن من إدخال الثمن في ملكه. ممكن الدفع: بأن تمام حقيقة البيع الإنشائي، وتمام ما يمكن أن يصير بيعا حقيقة، يحصل بعمل البائع الفضولي، وإنشاؤه تملك الثمن لنفسه، لا يضر بصحة المنشأ بعد لحوق الإجازة، فتصير النتيجة أن المالك بالخيار بين الإجازة المستلزمة لدخول العوض في ملكه، وبين الإجازة المورثة لدخوله في ملك الغاصب.

[ 96 ]

تذنيب: في بيان إشكالين آخرين على صحة بيع الغاصب لنفسه مع دفعهما بناء على دلالة المآثير على صحة الفضولي، فشمولها لهذه الصورة محل منع. نعم شمول رواية ابن قيس (1) - لظهورها في بيع الوليدة لنفسه - غير بعيد، لأن المتعارف في هذه الامور نية الولد جلب الثمن لنفسه، فيكون البيع لنفسه. ويحتمل أن يبيع عن والده بجلبه لنفسه، ولعله الأظهر. وبناء على دلالة الأخبار المانعة على بطلانه، فالقدر المتيقن من شمولها هذه الصورة، فإذن لابد من العمل بها هنا، لعدم المعارضة بينها وبين المجوزة. ثم إن هنا إشكالا ثالثا: وهو أن هذه المسألة مشتركة في الرد قبل الإجازة مع المسألة السابقة، لكراهة المالك بالبيع قطعا. وربما يحكى - كما في كتاب الشيخ (قدس سره) - إشكال رابع على صحة الفضولي في خصوص هذه المسألة، فيما إذا كان المشتري عالما بالواقعة (2)، وذلك لأن الأصيل المتصدي للاشتراء من الفضولي بإقباض الثمن إليه، غير متمكن من استرداده، سواء أجاز المالك، أو رد البيع، وعليه فلاتتحقق حقيقة المعاوضة، لما عرفت من لزوم اتحاد المخرج


1 - تقدم في الجزء الأول: 191. 2 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 130 / السطر 16.

[ 97 ]

والمدخل في الملكية، وهو هنا غير واحد كما ترى. وأنت خبير بما في هذه الإشكالات، ضرورة أن قضية ما تحرر منا هو تباين النسبة بين روايات المسألة، فلا وجه للاستدلال بها في صورة دون صورة. والإشكال الثالث مدفوع بما مر، مع أن الكراهة غير المظهرة ليست ردا، كما أن الرضا غير المظهر ليس كافيا. وأما الرابع، ففي المسألة تفصيل نشير إليه إجمالا: اعلم: أن المشتري الواقف على المسألة، تارة: يريد المعاملة العقلائية، واخرى: يريد جلب العوض بأي نحو أمكن. فإن أراد الاولى، فلا شبهة في استحقاقه الاسترداد، لأن البطلان الشرعي لا يورث هتك المال عرفا. ثم لو فرضنا عدم جواز الاسترداد، لإقدامه على التلف وهتك ماله، أو فرضنا عدم إمكانه لتلفه، فبالإجازة يصير البيع مؤثرا عند المشهور، أو يصير ما عمله الفضولي بيعا، كما هو الحق عندنا، فإذا تحقق البيع المؤثر ينتقل المثمن إلى المشتري، وعليه رد الثمن إليه إذا كان كليا، لأنه بالإقباض الباطل لا يتعين فيه، ورد مثله الواقعي إذا كان شخصيا، فإن قضية صحة البيع هو ذلك. كما أن مقتضى فسخ البيع في البيع الخياري هو التراد قهرا، إذا كان العوضان موجودين، أو تراد مثلهما الواقعي إذا كانا تالفين. ولو استشكل في عدم اعتبار البقاء للعقد في صورة تلفهما، كما لا يبعد، ولكنه يعتبر البقاء له إذا تلف أحدهما، وهذا من غير فرق بين المحتملات في الإجازة

[ 98 ]

كشفا ونقلا. فما في كلمات الأعلام والفقهاء في خصوص هذه المسألة، من التفصيل تارة: بين بقاء الثمن وعدمه (1)، ومن القول: بأن صحة البيع منوطة بجواز الاسترداد وعدمه اخرى (2)، ومن إمكان الالتزام بصحة البيع المفروض على الكشف، دون النقل ثالثة (3)، ومن عدم جواز الاسترداد مطلقا رابعة (4)، ومن غير ذلك، كلها للغفلة والذهول. وإن أراد الثانية فلا بحث، لعدم تحقق ما هو القابل لصيرورته بيعا مؤثرا، ويكون مالا مهتوكا. وربما يخطر بالبال أن يقال: بأن بطلان بيع الغاصب عقلائي وشرعي، وليس من قبيل بطلان بيع الخمر والخنزير، فإذا كان المشتري عالما بالغصب، ومتوجها إلى أن الغاصب يذهب بالثمن ويتلفه، ولا يرجع إلى المالك ولا يستجيزه، فكأنه لا يريد البيع العقلائي، فيصير إقدامه مورثا لسقوط حرمة ماله. وهذا نظير المال المطروح لجلب المال الآخر المحتمل وجوده،


1 - إيضاح الفوائد 1: 418 و 421، مسالك الأفهام 1: 135 / السطر 8، جامع المقاصد 4: 77. 2 - لاحظ حاشية المكاسب، السيد اليزدي 1: 145 / السطر 11، منية الطالب 1: 228 / السطر الأخير. 3 - لاحظ المكاسب، الشيخ الأنصاري: 130 / السطر 19 - 24، منية الطالب 1: 229 / السطر 6. 4 - لاحظ جواهر الكلام 22: 305.

[ 99 ]

فإنه لا يجوز له الاسترداد كما لا يخفى، فعليه يتعين القول الشاذ في المسألة، وهو عدم جواز الاسترداد مطلقا. ولكنه لا يدل على بطلان بيع الغاصب لنفسه، لأن ما يصدر عنه هو تمام حقيقة الأمر الإنشائي القابل لصيرورته بيعا ومؤثرا، ولا حاجة إلى إنشاء المشتري في ذلك، فلو كان هو العالم فلا يضر ذلك بالمطلوب. هذا مع أن التقريب المزبور، لا يورث نفي القابلية، وغاية ما يستدل به هو نفي المؤثرية والتبعية. نعم، فيما كان إنشاء المشتري مقوما في المطلوب، كإنشاء البائع، وكان ملتفتا ومتدينا بالقوانين العرفية والشرعية، فإنه عند ذلك لا يصح بالإجازة، كما عرفت في أصل المسألة، فتدبر جيدا.

[ 101 ]

الأمر السابع في حكم ما لو كان المشتري غاصبا إذا كان المشتري غاصبا، فالذي يقتضيه ظاهرهم عدم الفرق في الصحة والفساد، فإن قلنا بصحة الفضولي فهو صحيح، وإلا فهو فاسد، ولا وجه للفرق بين الصورتين. وقد يتوهم: أن إنشاء المبادلة من طرف البائع الغاصب، بل ومطلق الفضولي، قابل للإجازة حتى يكون البيع للمالك، ولكن هنا غير قابل للإجازة، لظهور قبول الغاصب في تملكه، وإذا أجازه المالك يدخل المثمن في ملكه، ويخرج الثمن من ملك المجيز. واجيب عنه تارة: بأنه تمليك للمالك، لأنه يدعي المالكية. وفيه مالا يخفى. واخرى: بأنه لا يلزم أن يتملكه بصيغة " التملك " بل قوله: " قبلت " كاف، وليس هذا ظاهرا في الإنشاء المزبور. وفيه: - مضافا إلى تسلم الإشكال في صورة - أنه لا يدفع في اخرى،

[ 102 ]

لأن معنى " قبلت " ليس إلا مطاوعة التمليك، فيكون إنشاء التملك قهرا. وثالثة: كما أفاده السيد الفقيه المحشي (رحمه الله): " بأن تلك الإضافات المتعارفة، من قبيل البائع كانت، أو المشتري، ومثلها الإضافات الخطابية - كقوله: " بعتك بكذا " - كلها خارجة من حقيقة البيع والإعارة، لأنها المبادلة بين المالين، وهي حاصلة في جميع الصور، وهذه الإضافات لا تورث قصورا في تحقق المقتضي والقابل، لصيرورته مؤثرا بالإجازة " (1). وفيه ما قد مر: من أن الأمر كذلك في بيع الأعيان الشخصية، دون الكليات كما يأتي (2). مع أن حقيقة البيع ليست إلا ذلك، ولكن الإنشاء المضيق غير قابل للانحلال. ودعوى: أن المنشأ مقيد دون الإنشاء، غير مسموعة، كما عرفت عن الوالد المحقق - مد ظله (3) -. وربما يمكن حل الشبهة على طريقته الاخرى - مد ظله -: وهو أن حقيقة البيع هي إنشاء المبادلة، وهي تحصل بالإيجاب، وليس القبول من الأركان، بل هو من قبيل إجازة الفضولي (4)، وعليه فلا تكون إجازة المالك مؤثرة في إنشاء البائع، وعمل الغاصب الفضولي كالحجر جنب


1 - حاشية المكاسب، السيد اليزدي 1: 142 / السطر 28. 2 - يأتي في الصفحة 110. 3 - تقدم في الصفحة 93 - 94. 4 - البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 1: 219 و 221 و 2: 102 - 103.

[ 103 ]

الإنسان، ولا معنى لإجازته عمل الغاصب إلا برجوعه إلى تنفيذ إنشاء المبادلة الذي قد تحقق من البائع الأصيل. وفيما أفاده رائحة التحقيق، وهو فيما كان الموجب متصديا من مالك العوضين للمبادلة، فإنه بقوله: " بادلت بينهما " يتحقق الأثر، فيكون هو بيعا، ولكن فيما لم يكن الأثر مترتبا عليه، لا يكون هو البيع عندنا، إلا أنه قابل لصيرورته بيعا بالإجازة. وعلى ما أفاده يلزم عدم إمكان تصوير المشتري الفضولي، وهذا مشكل تصديقه، ضرورة أن مالك الثمن يجيز شراءه غافلا عن إنشاء البائع، وهذا كاشف عن أن شراءه يعد فضوليا، فتأمل. مختارنا في الجواب عن شبهة شراء الفضولي الغاصب لنفسه ثم إن قضية ما تحرر منا: أن حقيقة البيع لا تقتضي إلا التبادل بين المالين، وأما كون أحدهما واردا مورد الآخر، فهو ممنوع جدا (1)، لأنه قد لا يكون البائع والمشتري مالكين، حتى يرد كل في مورد الآخر. وكفاية ورود أحدهما مورد الآخر في السلطنة، مما لا دليل عليه حتى يلزم الالتزام به، فلا مانع عند ذلك من إجازة المالك البيع، مريدا به مالكية الغاصب، أو إجازته، ومريدا به دخول المثمن في ملكه. فما أفاده شيخ المشايخ، كاشف الغطاء في شرحه على " القواعد " في غاية المتانة، قال فيه: " ولو أجازه المالك على نحو ما قصده


1 - تقدم في الجزء الأول: 312 - 314.

[ 104 ]

الغاصب به، احتمل رجوعه إلى هبة وبيع معا، لقوله: " اشتر بمالي لنفسك كذا ". وأما مع قصد الغاصب تمليك نفسه ثم البيع، فلا بحث في رجوعه إلى ذلك. ولو باع المالك عن غيره، صح البيع عن المجيز " (1) انتهى. فإن قضية ذلك التزامه بمقالتنا التي أسسنا بنيانها سابقا. نعم، فيما أفاده الإشكالات الاخر، وقد مضى الكلام حولها فيما إذا قيل للمالك: " أعتق عبدك عني " (2) فلا نطيل المقام بإعادتها. إن قيل: كما هو أي المالك، بالخيار بين الإجازة لنفسه وللغاصب، هو أيضا بالخيار بين الهبة للغاصب، ثم إجازة البيع بالضرورة، وبين الجمع بين الهبة والبيع في الإنشاء الواحد، ضرورة جواز استعمال الهيئة الواحدة في المتعدد، كما يجوز استعمال اللفظ الواحد في الكثير. والقبض الذي هو شرط في صحة الهبة حاصل، كما لا يخفى. قلنا: إمكان ذلك في المعنيين العرضيين، بمكان من الظهور، ولكنه في المعنيين الطوليين - بأن يكون أحدهما موضوعا للآخر - هو غير ظاهر، ولا يمكن انحلال الإنشاء المتعلق بما فعله الغاصب إلى


1 - شرح قواعد الأحكام، كاشف الغطاء: الورقة 60 / السطر 16 - 18 (مخطوط)، لاحظ حاشية المكاسب، السيد اليزدي 1: 144 / السطر الأول، حاشية المكاسب، المحقق الأصفهاني 1: 143 / السطر 7. 2 - تقدم في الجزء الأول: 131 - 134.

[ 105 ]

إنشاءين، لأن من شرائط الانحلال، كون المنشأ متكثرا بالعموم الاستغراقي، أو مقدمات الإطلاق، كما قيل به في رفع الشبهة في الإخبار مع الواسطة، وفي تتبع العقود، وفيما نحن فيه ليس الإنشاء والمنشأ، إلا أمرا واحدا شخصيا جزئيا. نعم، يمكن دعوى: أن عمل الغاصب استيهاب، فإنشاء الهبة به حاصل، وهكذا القبض المعتبر في صحته على إشكال، وإذا تصدى المالك للإجازة بالتكلم ببعض الكلمات، فقد تحققت الهبة، لعدم احتياجها إلا إلى مبرز ما، وإذا تم إنشاء الإجازة صح البيع. ولكنها غير مسموعة، لأنه بحصول الهبة، لا يحتاج البيع إلى الإجازة، لأن الثمن قد خرج من ملكه، فهو أجنبي عنه، وتصير المسألة من صغريات مسألة من باع ثم ملك، فليتدبر. وبالجملة: فإما لا يمكن الجمع، أو يكون الجمع الممكن مضرا بالمقصود، وعلى التقديرين لايتم المطلوب.

[ 107 ]

الأمر الثامن في بيع الفضولي بانيا على التسليم ولو بالغصب لو باع الفضولي بانيا على التسليم ولو كان بالغصب والسرقة، فهل يصح بالإجازة، أم لا، أو فيه تفصيل؟ اعلم: أن هذه المسألة فارغة من الشبهات الثبوتية والإثباتية المشار إليها في المسائل السابقة: أما الإثباتية: فلأنه بالإنشاء المتعلق بمال الغير، لا يعد غاصبا ومتصرفا، حتى يقال: بأن التصرف المحرم لا يصلح للإنشاء به. وكونها مندرجة في المآثير الدالة على البطلان، مبني على بعض تقريراتنا الماضية، ولكنك أحطت خبرا بأنها قاصرة عن إبطال الفضولي بالمعنى المقصود لنا، بل وللمشهور، على إشكال مضى. نعم، اندراجها في النصوص الخاصة، غير واضح كما ترى. وأما الثبوتية: فلأنه ليس بانيا على الغصب، بل هو بان على التسليم ولو كان بالغصب، وهذا لا يورث قصورا في تحصيل الإرادة الجدية في

[ 108 ]

بيعه، فما مضى في الأمر الأسبق: من امتناع الالتزام بصحة الفضولي فيما كان الفضولي عارفا وملتفتا، وبانيا على عدم التخلف عن القوانين، فهو غير لازم هنا. نعم، إذا أنشأ لنفسه، أو لغير المالك، ولا يرضى المالك إلا لنفسه، والتزم بذلك الغاصب، ففي كفاية الإجازة إشكال مضى تفصيله، وقد عرفت أن ما أفاده القوم غير مرضي عندنا، ولا يمكن تصحيحه بالإجازة إلا على الوجه الذي اخترناه في محله، من عدم لزوم اتحاد المدخل والمخرج في العوضين (1)، فيصح للفضولي، ولا يمكن تصحيحه للمالك. نعم، فيما كان البيع شخصيا فيلغي قيد " لنفسه " ولا يضر ذلك بأصل إنشاء المبادلة في الملكية إجمالا، فتصير بإجازته صحيحة.


1 - تقدم في الصفحة 312 - 314.

[ 109 ]

الأمر التاسع في أقسام بيع الفضولي فالمعروف منها: هو التجاوز إلى مال الغير، بإنشاء المبادلة بين الأموال من غير رضا المالك. ومنها: ما إذا تعدى إلى سلطان الغير كالمتولي للوقف، فإنه إذا عرضت مسوغات بيعه فإنه يجوز ذلك، إلا أنه فضولي لا بالمعنى المعروف، ولو أجاز المتولي صح، لعدم الفرق بين الفرضين حسب القواعد. نعم، لو كان نفوذه منوطا بالأدلة الخاصة، فالتجاوز عنها إلى هذه الفروض مشكل جدا. ومنها: إنشاء المبادلة بين أموال الصغار، فإن المنقصة المورثة لقصور البيع عن التأثير، ليست رضا المالك، فلو لحقته إجازة الأولياء كفى في صحته. فبالجملة: في بيع الوقف فضولا، لا يتصور الفضولي إلا بدخوله في

[ 110 ]

سلطان الغير، وبيعه من قبل المتولي. تصحيح الفضولية في بيع الكلي يمكن تصوير الفضولي في بيع الكليات، ضرورة أن الكلي الذي له الوجود خارجا المعبر عنه ب‍ " الطبيعي " يعد من الأموال عرفا، ولايحتاج في تحقق ماليته إلى إضافته إلى ذمة أحد، ضرورة أن العنقاء لمكان عدم تحققها في الخارج، لا تقوم بشئ، بخلاف السمك والحنطة، فإنهما يقومان من غير لحاظ الإضافة، ولو كانت الإضافة سبب المالية يلزم صيرورة العنقاء مالا بها، ولابد من كون الكليات المضافة إلى الذمم بقيمة واحدة، لأنها إضافة واحدة، فيعلم أنها مع قطع النظر عنها ذات قيمة ومالية. بل المحقق الوالد - مد ظله - أضاف إلى ذلك " بأن تلك الإضافة تورث سقوط المالية، لأن وعاءها إما الذهن، أوكالذهن، وما هو كذلك لا يمكن تحققه في غير وعائه، ضرورة أن القيود الذهنية آبية عن الوجود الخارجي " (1) فتأمل. فما في كلمات القوم صريحا (2) وغير صريح (3): " من أن مالية


1 - البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 2: 152. 2 - منية الطالب 1: 179 / السطر الأول، و: 229 / السطر 17. 3 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 117 / السطر 27 - 31، البيع، المحقق الكوهكمري: 346.

[ 111 ]

الكليات بالإضافة " ساقطة جدا، فعند ذلك يشكل تصوير الفضولي، لأن بيع ما في ذمة زيد له صورتان: إحداهما: ما إذا كان زيد مديونا لعمرو، فإنه يصح البيع، ويجوز فيه الفضولي بالإجازة، لأنه من قبيل بيع الأعيان الخارجية. ثانيتهما: ما إذا لم يكن هو مديونا، ولكنه متمول ذو اعتبار عقلائي، فإنه بإضافة الحنطة إلى ذمته، لا توجد هي فيها حتى تباع، ولا تكون قابلة للتسليم، فلابيع، وبعدم إضافتها إليها لاتصرف في مال الغير بإنشاء المبادلة، ولا دخول في سلطان الغير، فلا فضولي. وينحل الإشكال: بأنه إذا تصدى لأن يبيع الحنطة من قبل زيد، فهو داخل في سلطانه، ويصير فضوليا. ولكنه قد يشكل: بأنه ليس من الفضولي في البيع، بل هو فضولي في الوكالة، ضرورة أن من يبيع من قبل زيد مع جهالة الطرف بالقصد، يجد أنه هو وكيله في هذا الأمر، وكأنه ادعى الوكالة عنه. ولك حله: بأن هذا لا يضر، لأن المالك بالخيار بين إجازة الوكالة المدعاة من قبله، فيصير البيع نافذا، أو إجازة البيع بنفسه، وقد مر بعض الكلام حول المقام في أول المسألة، فتدبر. ومما تبين إلى هنا اتضح: أن في بيع الفضولي على الوجه المعروف فضوليين: فضولي لأجل الدخول في سلطان المالك، وفضولي بإنشاء المبادلة بين أموال الغير. وقد يتوهم: أن الفضولي الثاني مع قطع النظر عن الأول، ليس فضوليا.

[ 112 ]

ويندفع: بأن بيع أموال المفلس الساقط سلطانه عليها عرفا وشرعا، إذا كان من قبل غير الديان، فضولي بالمعنيين، لأنه بإنشائه المبادلة على مال الغير - وهو المفلس - تجاوز عن حده، وبدخوله في سلطان الديان تعدى عن وظيفته العرفية، فليتأمل جدا. إن قلت: مقتضى المعاملات المعاوضية، التبادل بين العوضين في الملكية، فلو كان الكلي مضافا إلى ذمة الغير، وكان بتلك الإضافة ملكا له، فلا بأس، وإلا فمجرد التبادل غير كاف، فلا يصح بيع الكلي غير المضاف. قلت: قد اشير آنفا إلى صحة بيع الوقف، فإن المبادلة فيه تكون في السلطنة مثلا، أو في كون هذه العين الموقوفة دارة على الآخرين، قبال كون العين الاخرى دارة على الأولين. ولو فرضنا الإشكال هناك، ولكن لا نسلم الاقتضاء المزبور، بل غاية ما يقتضيه البيع كون المشتري بعد البيع، مالكا على البائع مقدار المبيع، كما في بعض أقسام الإجارة، ولا يعقل إنشاء الملكية في الذمة قبل البيع بإنشاء البيع، وأما مستقلا فلا حاجة إليه. مع أنه لا يساعد عليه العقلاء، لما تقرر في محله: من أن الاعتبارات المالية ليست إلا ظلال ما في الأعيان، ولكنها في نفسها ليست شيئا حذاء الخارج، وما هو ظلها يباينها من حيث، ومترشح عنها من حيث، والتفصيل في محله (1). إن قلت: بناء عليه يلزم جواز المبادلة بين كلي الحنطة بدرهم


1 - تحريرات في الاصول 1: 279 و 8: 430.

[ 113 ]

كلي، وهذا ضروري الفساد، فلابد من الإضافة، وهذا هو مراد القائلين: " بأن الإضافة مقومة المالية ". قلت: لا ينبغي الخلط بين تقوم بيع الكلي بالبائع والمشتري، وبين تقوم مالية الكلي بالإضافة، فإن الثاني باطل قطعا، والأول حق حتما، فإنه بدونهما لا يقدم على المبادلة المزبورة. وبعبارة اخرى: اعتبار المالية أمر، وإقدام العقلاء على البيع أمر آخر، وفيما نحن فيه لابد من معلومية البائع والمشتري حتى يقدم عليه، فلاحظ وتأمل جدا. هذا كله فيما لو أجاز من باع عنه. حكم ما إذا باع فضولا عن الغير ولم يجز وأما إذا رد ولم يجز، فهل يجب عليه الوفاء، أم لا؟ ظاهرهم الثاني معللين: بأنه لم يلتزم بشئ حتى يجب عليه الوفاء، وهذا هو حكم العرف في أمثال المسألة (1). ولكن الذي يقتضيه الصناعة كما عرفت منا هو الأول، وذلك لأن من هو البائع حقيقة هو الفضولي عندهم، وإذا كان البيع لازما، فلابد له من الالتزام بمقتضاه، وهو التسليم، وكون البيع من قبل الغير، من القيود غير الدخيلة في ماهية المعاملة عندهم، فهو كالقيد الواقع في كلام الغاصب من إخراج المبيع من ملكه، فهو على هذا بادل بين المالين، فإن ارتضى به أحد فهو، وإلا فعليه الوفاء، ولذلك يجوز للفضولي أن يستجيز


1 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 130 / السطر 33، البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 2: 153.

[ 114 ]

من آخر لبيعه، ولا يتعين عليه مراجعته إلى من أوقع البيع له. وتوهم: أن مجرد كونه بيعا حقيقة، والفضولي بائعا حقيقة، غير كاف للالتزام بمقتضاه، بل لابد من اتصافه ب‍ " العقد " وهو لا يحصل إلا بعد الإجازة، في غير محله، ضرورة أن مفهوم " البيع " يلازم مفهوم " العقد " مع أن التحقيق أن صدق عنوان " العقد " غير لازم في ترتيب أحكام المعاملات عليها أصلا، وقد مضى تفصيله في المعاطاة (1). فتحصل: أن مقتضى ما أفاده القوم لزوم هذا البيع، وفساد هذا الرأي دليل على ما أسسناه في المسألة، من أن عمل الفضولي ليس بيعا، بل هو أمر قابل لصيرورته بيعا بالإجازة، من غير فرق فيما نحن فيه بين أن يجيز الفضولي لنفسه، أو يجيزه من وقع الإنشاء له، أو يجيزه الأجنبي إذا استجازه الفضولي، لأن أمر العقد الفضولي بيده. نعم، بناء على ما اخترناه، من أن الإنشاء المضيق غير الإنشاء المحدود بحد، فإن الثاني قابل للتحقق إذا كان الحد خارجا من قوامه، بخلاف الأول، ففيما نحن فيه لا يخلو إنشاء الفضولي في المتعارف من البيوع عن أحد أمرين: إما إنشاء المبادلة في الملكية، فأخرج من ملك نفسه، أو ملك غيره، وعلى التقديرين لاسبيل للأجنبي إلى إجازته لنفسه، ولا سبيل لنفسه إلى إجازته على الفرض الأول. وقضية ما سلكه الأصحاب جواز الاكتفاء بإجازة الأجنبي والفضولي، من غير لزوم المراجعة إلى من وقع له العقد، لأنه أمر


1 - تقدم في الجزء الأول: 121 - 123.

[ 115 ]

خارج من حقيقة البيع: وهي المبادلة بين المالين، ولازم ذلك أن الأجنبي إذا أجاز بيع الفضولي يقع البيع له، لأن البيع كلي، والإضافة إلى الشخص لا تورث منع الغير عن إجازة البيع المزبور، لخروجها من تلك الهيئة. وحيث إن كل عاقل يجد بطلان هذه المقالة يتوجه إلى صحة ما أسسناه، من أن إنشاء الفضولي المبادلة بينهما من قبل زيد، كإنشائه إخراج المبيع من ملكه، في كونه مضيقا غير قابل للانحلال، كما مضى تفصيله. مسألة: فيما لو باع الفضولي ما في ذمة شخص من آخر بثمن في ذمة نفسه إذا باع الفضولي ما في ذمة زيد من عمرو بدرهم في ذمة نفسه، أو اشترى لزيد كليا أو شخصيا بدرهم في ذمة عمرو مثلا، أو غير ذلك، فعلى ما تقرر منا لا يلزم التناقض والتهافت، لعدم لزوم كون المخرج والمدخل واحدا، فإن حقيقة البيع هي المبادلة بين المالين في الملكية على المشهور (1)، أو هي تمليك العين بالعوض (2)، أو أمثالها (3)، وهي هنا حاصلة، وأما كون الإضافة المالكية منقلبة إلى


1 - منية الطالب 1: 34 / السطر 19، لاحظ البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 1: 9 و 41. 2 - حاشية المكاسب، المحقق الخراساني: 5، حاشية المكاسب، السيد اليزدي 1: 53 / السطر 30. 3 - المبسوط 2: 76، تذكرة الفقهاء 1: 462، جامع المقاصد 4: 54، مستند الشيعة 2: 360 / السطر 22.

[ 116 ]

إضافة مالكية اخرى قائمة مقامها، فهو أجنبي عنها، كما عرفت تفصيله. نعم، بناء على ما هو المشهور يشكل تصحيح هذه المعاملة، لأن المناقضة في الكلام الواحد، لا يمكن رفعها بالاستحسانات العقلية، ضرورة أن جميع هذه الإفادات الظاهرة منها مرتبطة بعضها ببعض، ولا يمكن استقرار الظهور التصديقي بعد ذلك، فما في كلمات القوم من المحتملات والأقوال، غير راجع إلى محصل. هذا، وأنت خبير: بأن هذه المسألة ليست من متفرعات بيع الفضولي، ولا من الكلي، لأن الأصليين إذا صنعا ذلك يلزم التهافت، فإذا قال المالك: " اشتريت هذه العين بدرهم في ذمتي لزيد " يلزم المناقضة بين القيدين، فإن مقتضى قوله: " في ذمتي " أن المبيع يدخل في ملكه عوضا عنه، وقضية قوله: " لزيد " خروج الدرهم من ذمة زيد، لأن المعوض دخل في ملكه. كما أن المسألة السابقة من فروع مباحث الإجازة والرد، فلاينبغي الخلط.

[ 117 ]

الأمر العاشر في جريان الفضولية في المعاطاة هل الفضولي يجري في المعاطاة، أو لا؟ أو في المسألة تفصيل، بل وتفصيلات على اختلاف المباني في فائدة المعاطاة؟ أم هي تختص ببعض صور الفضولي الماضية، دون بعض، فمع سبق المنع والغصب لا يجري، وفي غير ذلك - حسب بعض النصوص - يجري؟ وجوه، بل أقوال. والذي يظهر لي: هو أن قضية ما سبق منا في تقرير المعاطاة، وأن النزاع المعروف هناك منقلب عما عليه المشهور: هو أن الأصل جريان الفضولي في المعاطاة، دون العقدي، لأنها هي الأساس الأولي في بدو تأسيس المعاملات المعاوضية وغير المعاوضية، ثم بعد إمساس الحاجة إلى المبادلة بالصيغة، لعدم إمكان التعاطي في الأموال الكثيرة التجارية، اعتبر العقد اللفظي، وعليه تكون الروايات الصادرة في الفضولي نازلة على المعاطاتية، لأنها الفرد الشائع حتى

[ 118 ]

الآن، فلو كان في المسألة إشكال متوهم، فلابد من ضربه على الجدار وحله بوجه، لعدم إمكان مقاومة الوجدان والضرورة والبرهان بما يختلج في بعض الأذهان (1). فبالجملة: لو كان بناء من العرف والعقلاء على صحة الفضولي بالإجازة، فالقدر المتيقن منه هي المعاطاتية، وفيما زاد عليه يحتاج إلى الدليل. ويعلم من ذلك البيان الذي أسسناه في محله، وقربناه به أن صحة المعاطاة مطابقة للقاعدة، دون العقدي: أن الفضولي على وفقها، دون الفضولي العقدي. كما أن من تلك الطريقة ينكشف أن الفضولي ليس بيعا، ضرورة أن المعتبرات العقلائية تابعة للحوائج، ومستتبعة للأغراض والمقاصد العملية المتسالم عليها عندهم، دون العلمية، ودون العملية عند طائفة من الفقهاء (رحمهم الله) ولا ثمرة في اعتبار كون عمل الفضولي بيعا، بعد كون المعتبر الأولي الماهية المؤثرة، ولقد تعرضنا لحدود المسألة في بحث الصحيح والأعم، ومن شاء فليراجع (2). فتحصل: أن الإنشاء المعاطاتي قابل لصيرورته بيعا بالإجازة، لأن التعاطي التكويني مثل الألفاظ التكوينية، والمعاني المنشأة بالثانية إذا كانت قابلة للإنشاء بالاولى، تكون قابلة لصيرورتها بيعا بها قطعا.


1 - لاحظ منية الطالب 1: 232 / السطر الأخير، المكاسب والبيع، المحقق النائيني 2: 73 - 74. 2 - تحريرات في الاصول 1: 275 - 278.

[ 119 ]

الأمر الحادي عشر حول تمكن المالك من إيجاد المعاملة الإنشائية بانيا على إلحاق الرضا بعد ذلك إذا تمكن الفضولي من إيجاد ماهية البيع، أو إيجاد ما يمكن أن يصير بيعا، فهل يتمكن المالك من ذلك، بأن يريد المبادلة الإنشائية، بانيا على إلحاق الرضا بها بعد المشاورة مع زيد مثلا، فإن وافقه فهو، وإلا فيرده؟ أو لا يتمكن منه، لأن حصول الأثر قهري، ولا ينفك بالقصد والنية، وبناءه يرجع إلى اعتبار الخيار في المعاملة؟ وجهان: من أن قضية الصناعة صحة الفضولي، وهي موقوفة على إمكان التفكيك بين الماهية وأثرها، فإذا صح ذلك فهنا أولى بالصحة. ومن عدم بناء من العقلاء على ذلك. والذي هو الحق: أن التفكيك إذا كان أمرا عقلائيا - سواء كان ذلك بين الماهية وأثرها، أو بين ما يكون قابلا لصيرورته ماهية مؤثرة وتلك

[ 120 ]

الماهية، كما هو المختار - فلا فرق بين الصورتين، ولا يلزم البناء الفعلي من العقلاء على ذلك، بل المدار على موافقتهم معه في الصحة، ولا شبهة في ذلك عندهم بالضرورة. فما حكي عن " الجواهر " من تصحيحه (1) في محله، وما أفاده السيد المحشي من الإشكال (2)، مندفع بما عرفت من إمكان ترشح الإرادة لمقصود عقلائي، كما لا يخفى. ومن هنا يعلم: أن من باع فضولا مريدا إكراه المالك على الإجازة، يصح بيعه بها إذا كانت بغير إكراه. الإشكال في صحة الفضولية من كل شخص بقي في المقام شئ: قضية ما سلف جريان الفضولي في مطلق العقود والإيقاعات، حتى الإباحة والإبراء، ولكن صحة ذلك من كل فضولي محل إشكال، لأن مصب السيرة العقلائية في البيوع الفضولية، هو ما كان الفضولي كالدلال والصديق، والأب والجد بالنسبة إلى الأولاد وبالعكس، ورئيس العشيرة، وأما مطلق الأجنبي فلا، وكان ذلك من المترشحات عن الحقوق العرفية الموجودة بينهم، فافهم وتدبر جيدا.


1 - جواهر الكلام 22: 295. 2 - حاشية المكاسب، السيد اليزدي 1: 161 / السطر 10.

[ 121 ]

الأمر الثاني عشر في الإجازة وقد مر ما يتعلق بها ماهية، وأنها هي الرضا المظهر بالمعاملة (1) ولو كان بفعل من أفعاله، وأما الرضا الباطني والتقديري، فغير كاف إن لم يكن يخطر بالفعل بالبال. والأولى تقديم شرائطها، ثم أحكامها، إلا أن متابعة الشيخ الأعظم لا تقصر عن ذلك، والبحث حولها يتم في ضمن مراحل:


1 - تقدم في الصفحة 28.

[ 122 ]

المرحلة الاولى في نزاع الكشف والنقل فالمنسوب إلى المشهور أنها كاشفة (1)، وذهب جماعة إلى ناقليتها (2)، وحيث إن المراد من " الكشف " و " النقل " مختلف، فلا بأس بالإشارة الإجمالية إلى أنحاء النقل والكشف، وإلى ما هو المعقول منها، حتى إذا ساعد عليه الدليل يتعين الأخذ به. حول معاني النقل المعنى الأول: اعلم: أن النقل عند القائلين به كون الإجازة جزء العلة الأخير، وبه يتم السبب والعقد، ومن حينها تحصل الملكية، ويوجد موضوع حكم العقلاء بالنقل والانتقال.


1 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 132 / السطر 4، المكاسب والبيع، المحقق النائيني 2: 75. 2 - إيضاح الفوائد 1: 420، مجمع الفائدة والبرهان 8: 159، كشف اللثام 2: 22 / السطر 34.

[ 123 ]

وهذا القول خال من جميع الشبهات العقلية في المسألة، إلا ما كان يرجع إلى صحة العقد الفضولي، كما لا يخفى. فما أفاده صاحب " الإيضاح " لامتناع النقل: " من أن لازمه تأثير المعدوم في الموجود " (1) لا يخلو من غرابة، ضرورة أن ما هو المعدوم المتصرم أسباب العقود، وما هو الباقي نفسها، ولذلك تصح الإقالة والفسخ، ولو امتنع تأثير المعدوم في الموجود فليكن الأمر كذلك في عكسه، فكيف تكون الإجازة اللاحقة دخيلة في المعدوم؟! المعنى الثاني للنقل: وللنقل معنى آخر: وهو كون الإجازة سبب النقل من حين العقد، بأن يكون البيع الفضولي باقيا في الزمن المتوسط بينهما في ملك مالكه، وبعد الإجازة يدخل في ملك المشتري من حين العقد واقعا. وهذا هو نظير الفسخ من رأس، فإن ذلك معناه رجوع الملك إلى مالكه الأول في الزمن المتوسط بين العقد والفسخ، بعدما كان في ذلك الزمن ملكا للمشتري واقعا، والنقل بالمعنى الأول كالفسخ من الحين. والمراد من سببية الإجازة للنقل من حين العقد، أنها الجزء الأخير للعلة التامة، سواء كانت شرطا للتأثير، أو جزء الماهية المؤثرة. وقد يشكل ذلك، لأجل أن من لوازمه الانقلاب، فإن ما هو ملك


1 - إيضاح الفوائد 1: 419.

[ 124 ]

المالك في الزمن المتوسط، لا ينقلب في نفس هذا الزمن في ملك الآخر فيكون لا ملكا، واستحالته بديهية (1). ويجاب: بأن الانقلاب الحقيقي يمتنع في الامور الحقيقية والاعتبارية، وأما الانقلاب الاعتباري فهو يصح في الاعتباريات، لما تقرر منا: أن مناط الامتناع واللاامتناع في المسائل الاعتبارية، كونها ذات ثمرة وغرض عقلائي، وكونها لغوا وغير مفيدة. وإن شئت قلت: هنا اعتباران، في الزمن قبل الإجازة، وفي الزمن بعد الإجازة، واتحاد عهود المعتبرين وزمن الأثرين، لا يضر بعدما يترتب الأثر عليه، كما هو الظاهر، وسيأتيك زيادة توضيح إن شاء الله تعالى. وقد يشكل هذا المعنى من النقل ثانيا: بأن المتأخر يؤثر في المتقدم، فإن العقد الواقع يوم السبت فاقد لصفة التأثير، ويصير بالإجازة واجدا لها، وهو مستحيل ذاتا (2). وفيه نقض: بأن الحكم العامي إذا لحقه تنفيذ الحاكم، يصير سببا لفصل الخصومة من حين الحكم، لا من حين التنفيذ، ويترتب عليه آثاره. وحله: أن مسألة التأثير والتأثر في التكوين، غير ما هو المقصود منهما في التشريع، فإن هذا هو نقشة التكوين، ومتخذ عن صفحة العين والخارج اعتبارا، ولا يلزم تطابق هذه الامور الاعتبارية مع ما في الأعيان،


1 - البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 2: 168 - 169. 2 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 133 / السطر 13.

[ 125 ]

ومن الخلط بين التكوين والتشريع وقع الأعلام في كثير من المواقف في الخلط والاشتباه، فصفة التأثير ليست إلا اعتبار المؤثرية في النقل والانتقال، كما في الأصيلين غير الفضوليين. وبعبارة واضحة: ما هو الموضوع عند العقلاء للحكم بالنقل والانتقال، هو العقد المشتمل على الرضا، وإذا رضي المالك في الجمعة بذلك العقد، يكون عقد يوم السبت تمام الموضوع للأثر والحكم، فلا تخلط. ويشكل ثالثا: بلزوم تقدم المعلول على علته، لأن العلة هي الإجازة، والملكية تحصل في الزمن قبل زمانها (1). وفيه: أنها متأخرة عنها في الوجود ومتقدم على علتها زمان وجودها، أي الإجازة في يوم الجمعة متقدمة على حصول الملكية في يوم الخميس، لأنها بها وجدت واعتبرت، إلا أن زمان اعتبار تلك الملكية متقدم. ومما اشير إليه يظهر وجه اندفاع ما قيل: " من أن هذا النحو من النقل ينافي قاعدة لحوق الشروط بالمقتضي وبالأسباب " (2) انتهى. وجه الظهور: أن هذا ليس منافيا لها، لتأخر الأثر في الرتبة عن المؤثر، ولا دليل على لزوم كون زمان الأثر، متأخرا عن زمان الشرط الدخيل في تأثير العقد المتقدم.


1 - الإجارة، المحقق الرشتي: 180 - 181. 2 - نفس المصدر: 181 / السطر 8.

[ 126 ]

وربما يشكل رابعا: بلزوم الجمع بين المالكين العرضيين المستقلين على مملوك واحد بعد الإجازة في الزمن المتوسط بين السبت والجمعة، وعلى مملوك واحد في الزمن المتأخر عن الإجازة (1)، وذلك لأن ذات المبيع كانت في يوم الاثنين مثلا للمالك الأول، وفي نفس ذلك اليوم ملكا للمشتري. وهذا يندفع بما مر: من أن اختلاف زمان الاعتبار يرفع هذه الغائلة وإن اتحد زمان المعتبر. وأما ثمرة تلك الذات الباقية إلى ما بعد الإجازة، فهي ملك المالك الأول والمشتري فعلا، مع اتحاد زمان الاعتبار والمعتبر: أما أنها للمالك الأول، فلأنها من منافع ملكه، وهي ليست مورد المعاملة. وأما أنها للثاني، فلأنها من منافع ملكه، وثمرة اعتبار الملكية له بعد الإجازة من حين العقد، كونها له، ولا يندفع بما اشير إليه بالضرورة. ويجاب عنه: بأن تجامع المالكين على ملك واحد بحكم العقل غير ممنوع (2)، لأن الملكية تعتبر من كون الشئ في سلطانه، ولا منع من كون الشئ الواحد في سلطان الاثنين. وتوهم تقوم انتزاعها عنه بالسلطنة المطلقة على جميع التصرفات الناقلة وغير الناقلة، وعلى منع الغير عن التصرف فيه، في


1 - لاحظ منية الطالب 1: 240 / السطر 20، البيع، المحقق الكوهكمري: 367. 2 - البيع، المحقق الكوهكمري: 370 - 371.

[ 127 ]

غير محله، ضرورة أن منع الغير ليس داخلا في ماهية الملكية، ولا في ماهية منشئها، بل هو من الأحكام العقلية للملكية الاعتبارية، ولا منع فيما إذا اجتمع المالكان على ملك واحد من الالتزام بانسلاب هذا الحكم العقلائي، فكل واحد منهما يتمكن من التصرف في العين الموجودة، ولا يصح له منع الغير، كما في الأخماس والزكوات، فإن لكل فقير التصرف في جميع الزكوات، ولايجوز له منع الآخر عن التصرف فيه، كما هو رأي جماعة في تلك المسألة (1). ولذلك صرح الفقيه اليزدي - على ما ببالي - في " ملحقات العروة " بتصوير المالكين المستقلين على ملك واحد (2). فبالجملة: لا وجه لدعوى امتناع ذلك عقلا. نعم دعوى أنه أمر لا يساعده العرف، هي أمر آخر لا يبعد تماميته. ومما ذكرناه إلى هنا يظهر: أن ما سلكه الاستاذ العلامة الحجة الكوه كمري (قدس سره) من الإمكان العقلي (3)، في محله، ولكن لا يخلو ما أفاده في طريق إثباته من المناقشات، ولا حاجة إلى ذكرها، ولا إلى ذكر الوجوه الاخر المتوهمة في ممنوعيته، لأن المسألة بعد ذلك صارت كالنار على المنار، وكالشمس في رائعة النهار.


1 - لاحظ ملحقات العروة الوثقى 3: 123. 2 - ملحقات العروة الوثقى 3: 123. 3 - البيع، المحقق الكوهكمري: 370 - 371.

[ 128 ]

المعنى الثالث للنقل: ثم إن للنقل معنى آخر: وهو كون الإجازة تمام السبب للانتقال والملكية، وتمام الموضوع لاعتبار حكم العقلاء بالنقل والانتقال، وليست هي شرط الاقتضاء، ولا جزء المقتضي، وذلك لأن حقيقة المعاملة ليست إلا اعتبار المبادلة في افق النفس، وليست ألفاظ العقود إلا مظهرات لما في تلك المرحلة، وإذا كان اعتبار الفضولي تخيل الاعتبار، ولا واقعية له عقلائية، فلا مظهرية لعقده، وإذا أجاز المالك فلا يكون إلا عن اعتبار التبادل، فتحصل حقيقة المعاوضة قبل إظهار الإجازة، وتكون الإجازة مظهرة للمعاملة المعتبرة في نفسه وذهنه، فتكون ناقلة. وأنت خبير بما فيه، لما تقرر في الاصول: من أن الاعتبارات ذات وعاء، وهو الخارج الاعتباري (1)، وما في افق النفس ليس إلا تصور المبادلة ولحاظ المعاملة، فما دام لم ينشأ في الخارج بإنشاء اعتباري في الخارج الاعتباري - المتحد مع الخارج الحقيقي عند العرف والعقلاء - لا يكون موضوعا للأثر بالضرورة. مع أن هذا يرجع إلى إنكار صحة عقد الفضولي بوجه آخر غير الوجوه السابقة، وقد عرفت ضعفه. ولو سلمنا أنه لا يستلزم فساده، ضرورة أن الفضولي يعتبر التبادل،


1 - تحريرات في الاصول 1: 126 - 128.

[ 129 ]

إلا أن الإجازة لا تتصور إلا بعد اعتبار المبادلة مع إلغاء قيد صدوره عن الفضولي، لعدم دخالته في الصحة، فيلزم تكرر المبادلة الاعتبارية، إحداها: من الفضولي، والاخرى: من المالك، ولا شبهة في أولوية الثانية في التأثير من الاولى، فتكون الإجازة مظهر المبادلة الاعتبارية الواقعة في افق نفس المالك، وتمام السبب للنقل والانتقال. أقول: المشهور كون الإجازة ناقلة، بمعنى دوران أمرها بين أحد الأمرين أو الامور، من غير دخالة اختيار المالك في ذلك، والذي هو المختار حسب القواعد: أن أمر ذلك بيد المالك، فإن شاء أجاز من حين، وإن شاء أجاز من رأس، وقد ذكرنا ذلك في الفسخ أيضا، فليست ناقلية الإجازة قهرية، وسيظهر لك وجهه إثباتا (1)، ولا مانع من الالتزام به ثبوتا، لما عرفت فتدبر. المعنى الرابع للنقل: ثم إن من المحتملات في المسألة - ولعله أقرب إلى كلام السيد الاستاذ المزبور (رحمه الله) -: أن تكون الإجازة دخيلة في تأثير العقد، بحيث تحصل الملكية بعدها مستمرة إلى حين العقد، أي تحصل الملكية قهقريا في الزمان المتوسط، فللعقد بعد الإجازة أثران: أثر يمتد بامتداد الزمان، وأثر قهقري كالاستصحاب القهقري، فلا تغفل. هذا كله في النقل.


1 - يأتي في الصفحة 154 - 156.

[ 130 ]

حول معاني الكشف وأما الكشف فله معان المعنى الأول: الكشف المحض، وهذا مما لا إشكال فيه عقلا، إلا أن الالتزام به غير معهود من أحد، وما في حواشي العلامة الأصفهاني من نسبته إلى " جامع المقاصد " و " الجواهر " (1) في غير محله: أما " الجواهر " فقد أصر على أن الإجازة المتأخرة شرط (2)، فراجع. وأما " جامع المقاصد " فلا يريد من قوله: " إن موضوع الوفاء هو العقد، لا مع شئ زائد " (3) إلا نفي توهم في المقام، وهو دخالة الأمر الآخر وراء العقد المجاز، فظاهره أيضا دخالة الإجازة في تأثير العقد. فبالجملة: هذا المعنى من الكشف يرجع إلى أن الإجازة واسطة في الإثبات، دون الثبوت، وإلى أن العقد بذاته من غير دخالة الرضا مؤثر. وما في بعض التقارير من نسبة هذا الكشف إلى المحقق العزيز الشيخ


1 - حاشية المكاسب، الأصفهاني 1: 144 / السطر 31. 2 - جواهر الكلام 22: 287 - 289. 3 - جامع المقاصد 4: 74 - 75.

[ 131 ]

المعظم الرشتي (قدس سره) (1) في غير محله، فإنه أعظم شأنا من ذلك، وسيظهر لك مفاد مقالته من ذي قبل إن شاء الله تعالى (2). المعنى الثاني: بمعنى كونها كاشفة عن أمر مقارن للعقد هو شرط واقعا، وهذه دليل على تحققه من حين العقد، وقد التزم بذلك جمع من الأعلام والأفاضل (قدس سرهم) فعن " الفصول " أنه اعتبر عنوان " التعقب " (3)، وعن بعض آخر أنه يعتبر كون العقد يتعقبه الإجازة. (4) وربما يشكل ذلك عقلا: بأن هذه العناوين داخلة في العناوين المضافة، ولا يعقل انتزاع العناوين المتضايفة من ذات الشئ، فلابد من تحقق طرف الإضافة المتكررة، حتى يوصف كل واحد منهما بتلك الصفة عرضا (5)، وذلك لما تقرر من أن الإضافة من مقولة تكررت فيها النسبة، وهو لا يتصور إلا بين الشيئين، والمتضايفان متكافئان قوة وفعلا. نعم، يأتي وجه تصحيح الوجه الثاني المساوق مع قول بعض


1 - البيع، المحقق الكوهكمري: 354. 2 - يأتي في الصفحة 138 وما بعدها. 3 - انظر الفصول الغروية: 80 / السطر 36، ومنية الطالب 1: 234 / السطر 5. 4 - الفصول الغروية: 80 / السطر 36، مستند الشيعة 2: 367 / السطر 9. 5 - البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 2: 162.

[ 132 ]

المحشين: بأن المعتبر هو العقد الذي يتعقبه الإجازة (1)، فانتظر. فما أفاده " الكفاية ": من إرجاع الشرط المتأخر إلى المقارن، بدعوى " أن الشرط أمر لحاظي، ولا مانع عند ذلك من كون الملحوظ متأخرا " (2) غير قابل للمصير إليه، لأن ذلك يرجع إلى كون الإجازة الواقعية أجنبية، فيصير من قبيل الوجه الأول، ولو كانت الإجازة بالحمل الشائع مبدأ اعتبار التقدم، فهو ممتنع، لعدم تحققها. فبالجملة: الإجازة إما هي بمفهومها الذهني دخيلة، أو بما هي كاشفة عن الإجازة الواقعية كشفا محضا، أو هي مع دخالة تلك الإجازة في الإجازة الملحوظة، لاسبيل إلا إلى الثالث، وإذن يتعين كونها بوجودها دخيلة، لا في حال عدمها، وحيث لا وجود لها فلا صحة لتلك الإجازة المقارنة. المعنى الثالث: الكشف بنحو اللم، وهو كشف العلة عن معلولها، بأن تكون الإجازة المتأخرة بنفسها شرطا حقيقة لتأثير العقد، وهذا - كما قيل (3) - ظاهر كل من يقول بمعقولية الشرط المتأخر، ونسبه بعض الأجلاء إلى


1 - لاحظ حاشية المكاسب، المحقق الإيرواني 1: 126 / السطر 7 والأخير، و 127 / السطر 1، هداية الطالب: 286. 2 - كفاية الاصول: 118 - 119. 3 - حاشية المكاسب، المحقق الأصفهاني 1: 144 / السطر 35.

[ 133 ]

المشهور (1). والذي يظهر من المتصورين لهذا الشرط، أن الالتزام بالشرط الاصطلاحي مع كون العقد صحيحا بالفعل غير ممكن، ولايشتهي أحد إثبات إمكان ذلك، لأن معنى الشرط الاصطلاحي، هو الدخالة في الصحة الفعلية التي يترتب عليها سقوط الأمر في التكاليف، والملكية فيما نحن فيه، وحيث إن المفروض عدم وجوده، فكيف يعقل كونه صحيحا بالفعل؟! والصحة التأهلية غير مقصودة، لأنها ممكنة بلا إشكال، كما لا يخفى. مختار المحقق العراقي في الشرط المتأخر ونقده نعم، لا مانع من الالتزام بالصحة الفعلية مع لزوم الإتيان بالأمر المتأخر حتى يكشف عنها، ومع تركه يكشف عن فساده، فيعلم من ذلك دخالة المتأخر بوجه غير ممتنع، ومن هؤلاء العلامة الأراكي (قدس سره). وملخص ما أفاده في نظائر المقام: أن الامور ثلاثة: مطلقة، ومقيدة، ومضيقة، فالأول والثاني معلومان، والثالث هو كونه في حد وسط، لا يكون مطلقا حتى ينطبق على المقيد وغيره، ولايكون مقيدا حتى يحتاج في خروجه من الإطلاق إلى التقييد، بل هو أمر لا ينطبق من قبل ذاته إلا على المقيد (2)، وعلى هذا بنى بناءاته الكثيرة في النواحي المختلفة.


1 - حاشية المكاسب، السيد اليزدي 1: 148 / السطر 35. 2 - بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 320.

[ 134 ]

مثلا: فيما نحن فيه ليس العقد مؤثرا على إطلاقه، حتى يكون له التأثير من غير لحوق الإجازة، ولا مقيدا في تأثيره بالإجازة، حتى لا يؤثر قبل وجودها، بل المؤثر هو العقد الذي لا ينطبق إلا على ما يلحقه الإجازة، وهو المسمى ب‍ " الحصة التوأمة " مع الإجازة، لا المقيدة بها، ولا المطلقة عنها. وقد التزم بذلك في التكوين أيضا، ضرورة أن العلة ليست مقيدة بالمعلول، ولا بإطلاقها مؤثرة، بل المؤثر هي الحصة من النار، فليتدبر. وأنت خبير بما فيه، ضرورة أن الأمر في التكوين كما أفاده، لأن النار بشرط زائد على ذاتها ليست محرقة، ولكن حصول الأثر متقوم بالمماسة والشرائط الاخر في القابل، ولكن الأمر في التشريع ليس كما توهمه، لأن العناوين المطلقة لا تخرج عن الإطلاق إلا بالتقييد، وما دام لم يلحق بها التقيد - الذي لا يتصور إلا من قبل الأمر الخارج - لا يمكن أن تنطبق على المقيد. مثلا: الإنسان إما ينطبق على الرومي والزنجي، أو لا ينطبق إلا على الرومي، وهذا لا يمكن إلا مع التقييد بقيد، وأما تضيقه قهرا من غير لحاظ الإضافة الخاصة، فغير ممكن. فإذا احتاج العقد إلى لحاظ الإجازة، فيرجع إلى ما أفاده " الكفاية " (1) ويتوجه إليه ما مر (2)، فليتدبر. فكون الموضوع هو العقد


1 - كفاية الاصول: 118 - 119. 2 - تقدم في الصفحة 132.

[ 135 ]

الذي لا ينطبق إلا على الملحق به الإجازة، غير معقول إلا بالتقييد، فلا تخلط. مختار الوالد المحقق - مد ظله - في الشرط المتأخر وبيان ما فيه ومنهم الوالد المحقق - مد ظله (1) - وخلاصة ماتصوره في المقام: أن الامور المتدرجة والمتصرمة بالذات - كالحركة، والزمان، بل والزماني - لا يوصف قطعة من تلك الحركة بالعناوين المتضايفة، لانعدام القطعة المتأخرة، وإذا وجدت تلك القطعة لا تكون السابقة باقية، فلا يوصف الزمان ب‍ " التقدم " و " التأخر " العنوانيين، وما يقال: " من أن اليوم تقدم على الغد، وتأخر عن الأمس " بضرب من المسامحة العرفية. ولكن تلك القطعات ليست لها المعية، وإلا يلزم عدم كونها متدرجة، فإذا لم تكن لها المعية فلابد فيها من التقدم والتأخر الواقعيين، فتكون القطعة الموجودة مقدمة على المعدومة بواقع التقدم، لا بعنوانه. فعلى ما تقرر، يسري الحكم في الزمانيات تبعا للزمان تبعية واقعية. بل الأمر في الزمانيات مثله، لأن الزمان يعتبر من تدرج الجواهر في ذاتها، على ما اشتهر أخيرا في المسألة، فلكل قطعة من المتحرك تقدم على المتأخر تقدما ذاتيا واقعيا، فإذا أتى المكلف بالصوم في النهار، فإما


1 - مناهج الوصول 1: 341 - 342، تهذيب الاصول 1: 213 - 214.

[ 136 ]

يأتي بحسب الواقع بالأغسال الليلية، أو لا يأتي، فإن أتى بها فالصوم مقدم عليها، وإلا فلا، ضرورة أن مع ترك الأغسال لاتقدم للصوم عليها، لاتقدما إضافيا، ولا واقعيا، لعدم معقولية التقدم الواقعي على المعدوم، ولا الإضافي. وفيما نحن فيه إذا التحقت الإجازة، فيكون العقد متقدما واقعا، وإلا فلا تقدم له عليها، فما هو الموضوع هو العقد المتقدم على الإجازة بواقع التقدم، وهو حاصل من أول وجوده، وليس مراعى بأمر متأخر، لأنه إما بحسب الثبوت يوجد، فهو صحيح بالفعل من أول الأمر، لأن تقدمه الواقعي ليس مرهونا بشئ حتى يكون مراعى به، أو لا يوجد، فهو باطل من رأسه. نعم، بحسب الإثبات مجهول، ولا ضير فيه كما لا يخفى. والذي يقرب هذه المقالة التدبر في العلة والمعلول، فإنهما معا في الوصف، وليسا معا في الذات، فلابد من الالتزام بأن العلة متقدمة بواقع التقدم على معلولها، كما هو الظاهر. أقول: ما أفاده - مد ظله - لا تنحل به المعضلة، ولا ترتفع به الغائلة، وذلك لأن معنى واقع التقدم هو التقدم بالذات والتقدم الذاتي، ومعنى هذا التقدم هو انتزاع هذا العنوان من ذاته بذاته، ولا دخالة لأمر آخر في ذلك، وحيث إن التقدم بذاته يقتضي عنوان " التأخر " في انتزاعه من الشئ المتقدم، فيكون من المحمولات بالضميمة، لا خارج المحمول. وعلى التقديرين - أي على تقدير انتزاعه من احتياجه إلى لحوق أمر، أو انتزاعه مع الاحتياج - لا يمكن حل الإشكال، للزوم أحد أمرين: إما

[ 137 ]

عدم الاحتياج إلى لحوق الإجازة، وهو باطل قطعا، أو الاحتياج إليه في الانتزاع، فلا يكون صحيحا بالفعل إلا على وجه مضى امتناعه في نقد كلام الآخرين (1). وبعبارة اخرى: موضوع الحكم إما العقد المطلق، أو المقيد بواقع التقدم، وهذا القيد أمر زائد على ذاته، فيكون من المحاميل بالضميمة، وعند ذلك تعود الغائلة من رأس، كما هو الظاهر. مختارنا في حقيقة الشرط المتأخر والذي يمكن أن يقال في المقام: هو أن الحكم بفعلية الصحة وتأهليتها، إن كان من الحاكم الواقع في افق الزمان وفي عمود المتدرجات، فلا يمكن إلا بالالتزام بالثاني، وأن العقد المتقدم ليس مؤثرا إلا بعد لحوق الإجازة، كما أفتى به أرباب القول بالنقل (2). وإن كان من الحاكم المجرد عنها الحاكم عليها، والخارج عن الزمان والزمانيات، فلا مانع من الالتزام بالأول والالتزام بالشرط الاصطلاحي، لأن الشرط موجود حين وجود المشروط، ولا حالة انتظارية للعقد، ضرورة أن للأشياء كينونة سابقة على كينونة لاحقة، حتى قيل: " إن المتفرقات في الزمان مجتمعات في الدهر، والمتفرقات


1 - تقدم في الصفحة 133 - 134. 2 - إيضاح الفوائد 1: 420، مجمع الفائدة والبرهان 8: 159، كشف اللثام 2: 22 / السطر 34.

[ 138 ]

الدهرية مجتمعات في السرمد " (1) * (وما أصاب من مصيبة في الارض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها) * (2). وما يتراءى في الأدلة من أن الصوم صحيح بشرط الإتيان بالأغسال الليلية (3)، لا ينافي كونه معلوما لمن صدرت عنه الرواية، ويعلم أنه يأتي بها، لما يرى الكينونة السابقة على تلك الأغسال المستلزمة لتحققها في اللاحق. وتفصيل المسألة على وجه صحيح خال من الأوهام، يطلب من كتابنا " القواعد الحكمية " (4). فبالجملة: لاتأخر ولا تقدم في بعض الآفاق، ولا ينبغي الخلط بين الحكام من حيث الوجود، ومن حيث مرتبته. المعنى الرابع: الكشف الذي أفاده المحقق الرشتي (5)، فإنه وإن كان كالمعنى الأول، إلا أن الاهتمام بشأنه يقتضي عده على حدة، مع فرق مابين المعنيين، فما في حاشية العلامة الأصفهاني (رحمه الله) من عده من الوجه


1 - الحكمة المتعالية 3: 144، و 5: 230. 2 - الحديد (57): 22. 3 - لاحظ جواهر الكلام 16: 246 - 247. 4 - القواعد الحكمية للمؤلف (قدس سره) مفقودة. 5 - الإجارة، المحقق الرشتي: 184 / السطر 13.

[ 139 ]

الثاني (1)، في غير محله. وملخص ما قال يرجع إلى أمرين بتقريب مني: أحدهما: مسألة فقهية، وهي أن الرضا المعتبر - حسب العقل والنقل - في التصرفات في أموال الغير، ليس رضا فعليا، بل يكفي الرضا التقديري. والمراد من " الرضا التقديري " ليس الرضا الارتكازي بالنسبة إلى شخص المتصرف، بل هو الرضا بالعنوان المنطبق عليه. مثلا تارة: يرضى بتصرف زيد في داره فعليا تفصيلا، أو ارتكازا إجماليا. واخرى: يرضى بتصرف صديقه، أو يرضى بتصرف تساعد عليه المصالح المقصودة له، والراغب إليها، والطالب لها، فإن هذا النحو من الرضا هو المراد من " التقديري " لا الرضا المعدوم المطلق فعلا المعلق على أمر، فإنه لا يمكن أن يحكم عليه: بأنه معتبر في العقد، لأن القضية الموجبة بحكم القضية الفرعية، تحتاج إلى الموضوع. فما اورد عليه (2) وإن كان يقتضيه ظواهر بعض عباراته، إلا أن قياسه المسألة بالإذن التقديري، وصراحة كلامه في الحكم على الرضا التقديري: بأنه كاف، قرينة على إرادته من ذلك ما ارتضى به


1 - حاشية المكاسب، المحقق الأصفهاني 1: 144 / السطر 31. 2 - حاشية المكاسب، السيد اليزدي 1: 149 / السطر 5، حاشية المكاسب، المحقق الأصفهاني 1: 131 / السطر 28.

[ 140 ]

الأصحاب في الإذن التقديري، وهو الارتكازي الموجود بالنسبة إلى العناوين الكلية المنطبقة على المصاديق الخارجية، المختلف فيها تشخيصا وعلما. ثانيهما: هذا الشرط حاصل من أول الأمر إذا لحقته الإجازة، فليست الإجازة شرطا اصطلاحيا، بل هي كاشفة عن وجود الشرط حين العقد، وليست هي إلا مكاشفة محضة. ولكنه ليس عين الوجه الأول، لأن الكشف المحض معناه عدم احتياج العقد في التأثير إلى الرضا مطلقا، فعليا كان، أو تقديريا، وهذا معناه الكشف عن الشرط غير المتقوم بأمر متأخر، فلا يكون مثل الوجه الثاني، فإنه متقوم بالمتأخر واقعا أو لحاظا، وهذا يستلزم الإشكالات العقلية كما عرفت، فهذا الوجه أمر متوسط بين الكشف المحض، والكشف بالمعنى الثاني. والمراد من " كاشفية الإجازة " هو أن الرضا المظهر الفعلي، دليل على أنه كان يجيز العقد من أول وجوده، فرضاه التقديري كان موجودا، ولكن لا دليل على أنه ينفذ العقد، لأن مجرد كون العقد موافقا لمصالحه لا يستدعي نفوذه، لإمكان عدم قيام الإنسان بمصالحه، فلابد من الأمارة العقلية على ذلك، وليست هي إلا الإجازة المتأخرة. انتهى ما أوردنا من كلامه وإن لا يساعده بعض تعابيره، وإلا فيتوجه إليه بعض الإشكالات الواضحة. وأنت خبير بما في مرامه فقها، والتفصيل في محل آخر، ضرورة لزوم جواز التصرف فيما إذا نهى زيدا عن التصرف، وكان زيد صديقه،

[ 141 ]

فإن السخط الفعلي منه موجود بالنسبة إلى زيد، ومجرد انطباق الكلي المورد للطيب والرضا، لا يورث صحة التصرف، لأن مبادئ السخط والكراهة وإن كانت خطأ في التطبيق، تورث الكراهة الفعلية. ولو كان المناط العلم بالمصالح، فلابد من درج المصالح الاخروية في الدنيوية، فيلزم الهرج والمرج، لإمكان تصرف كل أحد في مال الآخر قائلا: بأنه عالم بأن في ذلك مصلحة اخروية له، كما لا يخفى. ولو سلمنا ما أفاده فلا نسلم الأمر فيما نحن فيه، لإمكان انقلاب المصالح من أول وجود العقد إلى حين الإجازة، فيلزم على قوله التفصيل بين الفروض المتصورة، فما كان من العقود ذا مصلحة حين العقد فيصح من رأس، وما كان ذا مصلحة بعد اليومين فيصح بعد اليومين، وما كان ذا مصلحة حين الإجازة فيصح من حينها، ولا أظن التزامه (قدس سره) بذلك. المعنى الخامس: الكشف الحكمي، وهذا هو المنسوب إلى شريف العلماء (1)، والمراد منه ترتيب آثار الملكية من حين العقد تعبدا، فكأنه (رحمه الله) بعدما رأى أن الكشف الحقيقي غير ممكن، مع أن الأدلة تقتضيه، التزم بذلك جمعا بين العقل والنقل.


1 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 133 / السطر 17.

[ 142 ]

والإشكال عليه: " بأن هذا يستلزم طرح القواعد " (1) في غير محله، لعدم امتناع تخصيص تلك القواعد بالمخصص الشرعي. ومن الغريب الإشكال عليه: " بأن لا ضابطة للكشف الحكمي، فإنه مع ترتيب جميع الآثار، لم يكن فرق بينه وبين الكشف في مقام العمل " (2) انتهى!! وما فيه غير خفي. نعم، ليس مطلق العناوين قابلا للقسمة إلى الواقعي والحكمي، مثلا الحجة ليست قابلة لأن توصف ب‍ " الحجة الحكمية " قبال الحجة الواقعية، ضرورة أن هذه الامور لا ثبوت لها، ولاتكوين لماهيتها، بل هي بتمام الهوية أمر إثباتي، فما كان ذا آثار الحجية فهو حجة، وليس حجة حكمية. ومن ذلك القبيل كثير من الامور الاعتبارية، كالملكية والسلطنة، فإن الملكية تعتبر من كون تصرفات الإنسان في مال، نافذة وموردا لتنفيذ القانون الإلهي، ولو كانت آثار الملكية ساقطة من رأس لا يعتبر عنوانها. بل المعروف سقوط الملكية بسقوط الآثار والأحكام، فعليه لو كانت العين في يد المالك الثاني من أول الأمر، وكانت منافعها ونماءاتها تحت سلطانه بحكم الشرع، فقهرا ينتزع من ذلك مالكيته للعين، لعدم احتياج اعتبار الملكية إلى إمكان استيفاء جميع الآثار، وإلى ترتب جميع الأحكام العقلائية بالضرورة.


1 - حاشية المكاسب، المحقق الإيرواني 1: 128 / السطر 36. 2 - حاشية المكاسب، المحقق الإيرواني 1: 128 / السطر 34.

[ 143 ]

فالقول بالكشف الحكمي يرجع في الحقيقة إلى اعتبار الملكية واقعا، مستندا إلى الأدلة الخاصة لا العقد، وهذا معناه أن العقد ملغى، والإجازة المتعلقة به تمام الموضوع لاعتبار الملكية العقلائية من حين وجود العقد، لأن القانون الإلهي النافذ بين هؤلاء العقلاء، أمر بترتيب آثار الملكية فالحكم الوضعي كما يمكن أن يجعل مستقلا، أو يحصل بحصول علته العرفية، يمكن أن ينتزع من الأحكام الإلهية النافذة في طائفة من البشر، فافهم وتدبر. ثم إن الالتزام بهذا الرأي لو اقتضاه الدليل، فهو مما لا بأس به، إلا أنك ستقف على أن الحق حسب الأدلة خلافه، ومن المعلوم أن توصيف الكشف ب‍ " الحكمي " لأجل اتصاف المنكشف - وهي الملكية - بذلك، فلا تخلط. المعنى السادس: الكشف الحيثي، وإن شئت قلت: الكشف المتوسط بين النقل والكشف الحقيقي. وتقريبه: أن ظاهر الإجازة المتعلقة بمضمون العقد تنفيذ العقد، فيوجب تأثيره فيما سبق بالنسبة إلى ما يمكن أن يتعلق به الإنفاذ، فإن العرف والعادة - بحسب ما ارتكز في أذهانهم - يرون الأمر الذي يصير موضوعا للحكم بتوسط العنوان المتأخر، أنه هو الموضوع، فالآثار المترتبة على هذا الموضوع تترتب عليه من أول الأمر، وهذا التأخر

[ 144 ]

بمنزلة الواسطة في الثبوت. وبتقريب منا: لا يكشف بالإجازة أن العين المبتاعة ملك المشتري، بل الإجازة ناقلة من حينها، ولكن يكشف بها أن ما هو تمام الموضوع بالنسبة إلى الآثار - كالمنافع والنماءات - هو العقد السابق، فبالإجازة ينكشف تحقق حرية الولد في مسألة الوليدة من قبل، ولاينكشف بها أن وط ء الزوجة التي عقدها الفضولي زناء بذات البعل، كما أنه لا ينكشف بها تحقق أصل الزوجية. وإن شئت قلت: لا معنى لاعتبار ملكية العين من أول الأمر، لعدم الحاجة إليها، وإذا صارت العين من زمن الإجازة في ملك المشتري، فمنافعها ونماءاتها تابعة لها إلى زمان العقد، لاقتضاء مالكية العين ذلك عرفا وعقلا. وسره: أن الإجازة أنفذت العقد من أول وجوده، فتكون كاشفة بالنسبة إلى الآثار التي لها اعتبار بقاء في زمان الإجازة، لا الآثار التي ليست كذلك، فلو وطأ الزوجة الفضولية قبل الإجازة فقد زنى، ولكن ليس عرقه بعد الإجازة عرق الجنب من الحرام، لاعتبار البقاء فيه، فتدبر. أقول: هذا هو الذي يظهر من العلامة النائيني (رحمه الله) (1) بإضافات منا تقريبا لمرامه، وتحريرا لمقصده، والظاهر أنه أراد بما أفاده الكشف الحقيقي المتوسط، لا الحكمي المتوسط، لأنه يرجع إلى ما رامه


1 - منية الطالب 1: 241 / السطر 4، المكاسب والبيع، المحقق النائيني 2: 85 - 88.

[ 145 ]

شريف العلماء (رحمه الله) (1) لأنه أيضا لا يقول بترتيب جميع الآثار، بل مقصوده ترتيب الآثار الممكنة، كما صرح به الناقل عنه (2). وأنت خبير: بأن الكشف الحقيقي إن كان ممكنا، فلا يفرق بين العين ومنافعها. مع أن الأظهر أن مقصوده النقل من أول الأمر بالنسبة إلى الآثار، وهذا هو الانقلاب الذي قد فر منه، وصرح بامتناعه، ضرورة أن معناه كون النماءات في الزمن المتوسط للمالك الأول، لاقتضاء ناقلية الإجازة ذلك، وكونها في ذلك الزمان بعد الإجازة للمالك الثاني، قضاء لحق الكشف. ولعل ما ذكره أسخف ما قيل في المسألة، أو أراد أمرا آخر خفي علينا. ولو رجع إلى ما صححناه عقلا من الناقلية، فلا وجه للتفكيك بين العين وآثارها، واعتبار مالكية العين ومملوكيتها باعتبار آثارها، وإلا فلا معنى للاعتبار المزبور كما لا يخفى. هذا مع أن الإجازة متعلقة بمضمون العقد، فإن أثر فلازمه انتقال العين، ولازم مالكيتها ملكية توابعها تبعا، وإن لم يؤثر فلا معنى لتأثيرها، ولا كاشفيتها عما هو الأجنبي عنها، كما صرح بذلك نفسه الشريفة رحمها الله تعالى (3). أقول: هذه هي الأقوال والمحتملات في النقل والكشف، وما عن


1 - تقدم في الصفحة 141. 2 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 133 / السطر 16. 3 - منية الطالب 1: 241 - 242.

[ 146 ]

صاحب " الكفاية " (1) ربما يرجع إلى ما ذكرناه في أقسام النقل، وذكرنا هناك إمكانه العقلي، فليس قسما على حدة، ولا يعد من الكشف لا موضوعا، ولا حكما. فذلكة الكلام في المقام وهنا احتمالات اخر مذكورة في المفصلات، ومنها التفصيل بين أنحاء الكشف والنقل بحسب اختلاف العقود، فما كان من قبيل الإجارة والمتعة ففيه النقل من رأس، وما كان من قبيل البيع والصلح ففيه الكشف أو النقل من حين وهكذا، وحيث لا طائل تحتهما نعدل عنهما. والذي هو المختار في المسألة: أن الكشف غير راجع إلى محصل، وليس النقل من الأحكام الشرعية حتى يخرج من اختيار المالك، فيكون أمره دائرا بين كونه ناقلا من حين الإجازة، أو من حين العقد، بل أمره بيد المالك، فله إجازة العقد الواقع من أول وجوده، فتدخل منافعها في زمن الإجازة في ملك المشتري، وله إجازته من الحين، فتكون تلك النماءات له، فانتظر تفصيله الآتي. حول ما يرد على القول بالكشف إثباتا فبالجملة: لو سلمنا إمكان الكشف ثبوتا على الوجه الذي أشرنا


1 - كفاية الاصول: 118 - 119.

[ 147 ]

إليه، فلا نسلم صحته إثباتا، لما يتوجه إليه من الامور: أحدها: أن لازم القول بالكشف إنكار العقد الفضولي، لأن ما هو الصادر عن الفضولي بحسب الثبوت: إما باطل بالفعل، وإما صحيح بالفعل، ولا واسطة إلا بحسب الإثبات، وهذا مما ينكره ارتكاز العرف، وفهم العقلاء، وحكمهم بأن ما هو الواقع من الفضولي ليس شيئا حقيقة، بل هو إما ليس بيعا، كما هو المختار، وعرفت بما لا مزيد عليه، أو هو بيع مرهون بالإجازة تأثيرا. ثانيها: أن لازم القول المزبور عدم كون المجيز مالكا، فلا معنى لتوقع الإجازة منه، لأنه أجنبي. نعم، بحسب مقام الكشف والإثبات نحتاج إلى الإجازة، فهي من المالك الموهوم والمحتمل كاشفة، وإلا يلزم التناقض، لأن قضية شرطية مالكية المجيز، كونه حين الإجازة مالكا، وقضية كاشفية الإجازة أنه ليس مالكا، وهل هذا إلا الالتزام بما لا وجه له؟! والقول: بأنه مالك ظاهرا وإن لم يكن مالكا واقعا، ينافي ما عليه أصحاب هذا القول من أنه - أي الكشف - مطابق للقواعد العقلائية، من غير الحاجة إلى التمسك بالاستصحاب في المسألة. فبالجملة: إما لا حاجة إلى الإجازة من خصوص المالك، لأنه كالأجنبي، أو تكون الإجازة ناقلة. ودعوى الملك المتزلزل، بأن يكون العقد مؤثرا وناقلا من الحين، ولكن للمالك الرد والإجازة، غير مسموعة، ولا يلتزم به القائلون بالكشف.

[ 148 ]

والقول بكفاية إجازة من كان مالكا، أو من هو المجهولة مالكيته، واضح الضعف، وفي غاية السقوط، لشهادة وجدانهم على أن من يجيز هو المالك المعلومة مالكيته واقعا وظاهرا. ثالثها: بناء العقلاء ومرتكز العرف على أن العقد بدون الإجازة ليس بشئ، ولايكون موضوعا لحكمهم بالنقل والانتقال، وهذا هو الظاهر الذي لا غبار عليه، ولا شبهة تعتريه، فعليه يلزم رجوع الكشف الحقيقي إلى الحكمي، لأن حكم العقلاء خلاف ما استظهروه من النصوص الخاصة في المسألة. فتوهم أن الكشف الحقيقي وإن لم تساعد عليه القواعد العامة، إلا أنه منع من قيام الأدلة الخاصة عليه، فاسد، لأنه يخرج عن كونه حقيقيا، كما لا يخفى. رابعها: يلزم على الكشف إشكالات يشكل الفرار منها، خصوصا على بعض أنحائه: فمنها: أن المالك المريد للإجازة في الغد، لا يجوز له التصرف قبل الإجازة، لأنه من التصرف في مال الغير. ومنها: أن المشتري العالم بالإجازة فيما بعد، يجوز له التصرف فيما انتقل إليه، لأنه ماله. ومنها: أن المردد في لحوق الإجازة - مشتريا كان، أو مالكا - ممنوع عن التصرف، لأن احتمال كونه ملكا لأحدهما، مساوق لاحتمال كونه ملكا للآخر، فالمالك ممنوع للاحتمال المذكور، وهكذا المشتري. وأما التمسك بالاستصحاب فسيأتي ما فيه في المرحلة الثانية.

[ 149 ]

وتوهم جواز ترتيب جميع آثار الملك للمالك وإن كان بناؤه على الإجازة، غير تام، لعدم الدليل عليه، وقضية القواعد ما عرفت، ويكفي لوهن القول بالكشف ما ذكرناه. ومنها: جواز الوط ء قبل لحوق الإجازة، بعد كونه بانيا على إجازته، أو عدم كونه زنا فيما إذا تردد، ثم لحقت الإجازة. والتفريق بين الآثار من ضيق الخناق، وإلا فقد عرفت عدم تماميته. ومنها: أن المالك لو مات قبل الإجازة، فإن قلنا بانتقال حق الإجازة فهو، ولكنه ممنوع، لعدم كونها حقا شرعيا، ولعدم الدليل على تورثها، فعليه يلزم كون المال مرددا بين الوارث والمشتري، ولا دليل على تورثهم، للشك في أنه ملك المشتري. ومنها: غير ذلك، وفي ذلك غنى وكفاية. وإمكان دفع ما ذكرنا غير كاف للمصير إلى القول بالكشف، لأن بناء العقلاء ومرتكزهم على خلافه، فما صنعه الأصحاب في البحث الآتي حول بيان ثمرة الخلاف، لا ينافي كون هذه الامور من الموهنات للقول بالكشف، خصوصا الكشف الحقيقي، وذلك لأن مبنى الكشف ليس إلا دعوى: أنه قضية الجمع بين القواعد، وإذا كان مستتبعا لما افيد يعلم: أن الأمر ليس كما توهم. توهم دلالة بعض المآثير على القول بالكشف إن قلت: نعم، ولكن النصوص الخاصة تقتضيه، فإن الظاهر منها

[ 150 ]

هو الكشف، خصوصا صحيحة ابن قيس (1)، فإن الظاهر من ذيلها أن الابن الذي باع الوليدة كان صغيرا، فكان على المشتري أن لا يستولدها، لظهور حاله في عدم كونه مأذونا، ولا أقل من الشك، ومع ذلك ترك (عليه السلام) نهيه عما صنع بالوليدة، ولا يصح ذلك إلا على الكشف. وإلحاق الولد بالوليدة بعد الإجازة دليل الكشف، وهكذا عدم تغريم القيمة بالنسبة إلى المنفعة المستوفاة. وكذا خبر عروة (2)، فإن إقرار صحة البيع المترتب على شرائه الأول بقوله: " بارك الله لك في صفقة يمينك " لا يصح على النقل، للزوم جواز التصرف في المثمن، مع كونه باقيا على ملك المشتري الثاني قبل صدور الإجازة من البائع الأول، الذي باع الشاتين بدرهم، فتعين القول بالكشف. بل مصححة أبي عبيدة (3) في إرث الزوجة - بعد البلوغ والحلف - من الزوج الميت صريحة في الكشف، إذ على تقدير النقل لم يكن ذلك من الإرث في شئ، بل هو الحكم القهري على ورثة الميت بأخذ المال من يدهم بعد الانتقال إليهم.


1 - وسائل الشيعة 21: 203، كتاب النكاح، أبواب نكاح العبيد والإماء، الباب 88، الحديث 1، تهذيب الأحكام 7: 488 / 1960. 2 - مسند أحمد بن حنبل 4: 376، مستدرك الوسائل 13: 245، كتاب التجارة، أبواب عقد البيع وشروطه، الباب 18، الحديث 1. 3 - الكافي 7: 131 / 1، وسائل الشيعة 26: 219، كتاب الميراث، أبواب ميراث الأزواج، الباب 11، الحديث 1.

[ 151 ]

وأيضا: حكمه (عليه السلام) بعزل ميراثها من تركته حتى تبلغ وتجيز، فلولا أنها كاشفة كان العزل منافيا لقاعدة السلطنة، إذ غاية ما يمكن تحقق إجازة الزوجة بعد البلوغ، وحصول النقل إليها بعد الإجازة، فقبلها يكون العزل من قبيل القصاص قبل الجناية. وتوهم: أن العزل خلاف القاعدة على تقديري النقل والكشف، لأن قضية الاستصحاب عدم تحقق الإجازة، غير تام، لإمكان فرض العلم بتحقق الإجازة، كما لا يخفى. هذا، ويدل على الكشف أخبار تحليل الخمس (1)، بل قيل: " هي كالصريحة في ذلك " (2) نظرا إلى كون التحليل الصادر عنهم (عليهم السلام) لآحاد الرواة بعد التصرفات، بل في بعضها تحليل الابن عما اكتسبه أبوه في عهد كونه من ولاة بني امية وعمالهم، فإن ظاهر التحليل الحكم بصحة التصرفات، لا إنشاء عطية جديدة لما في أيديهم، أو إبراء جديد لما في ذمتهم من الغرامات. وكذا يدل عليه ما رواه " الوسائل " في الباب العاشر كتاب الوديعة، عن الشيخ بإسناده عن مسمع أبي سيار قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إني كنت استودعت رجلا مالا فجحدنيه، وحلف لي عليه، ثم جاء بعد ذلك بسنين بالمال الذي كنت استودعته إياه، فقال: هذا مالك فخذه، وهذه أربعة آلاف درهم ربحتها في مالك، فهي لك مع مالك،


1 - وسائل الشيعة 9: 543، كتاب الخمس، أبواب الأنفال، الباب 4. 2 - الإجارة، المحقق الرشتي: 186 / السطر 2.

[ 152 ]

واجعلني في حل، فأخذت المال منه، وأبيت أن آخذ الربح، وأوقفت المال الذي كنت استودعته، وأتيت حتى استطلع رأيك، فما ترى؟ قال فقال: " خذ الربح، وأعطه النصف وأحله، إن هذا رجل تائب، و * (الله يحب التوابين) * " (1). والإشكال في سنده بعدم توثيق أوائل السند (2)، ممكن الدفع، لفتوى الأصحاب - كما يظهر من " الوسائل " - بها، ولوجودها في " الفقيه " (3) ولوجود ابن محبوب - وهو الحسن بن محبوب الذي هو من أصحاب الإجماع - ومحمد بن علي بن محبوب القمي الأشعري اللذين عرف من حالهم عدم بنائهم على نقل مطلق الأحاديث، ولما تقرر منا: من أن الذي لا يكون خبره حجة هو المتهم في قوله، ولا يشترط الوثاقة المصطلحة (4)، فتدبر وتأمل. والشبهة في دلالتها: بأنها على خلاف القاعدة، لظهور حال الراوي في أنه اتجر على الذمة، فلا يكون الربح لصاحب المال (5). مدفوعة أولا: بأن من المحتمل كون الوديعة عروضا، ولا منع من إطلاق " المال " عليه، ولا ينافيه إرجاعه إليه بربحه، لأنه بعد السنين رجع إليه كما هو المتعارف، فإذن تنبه إلى خيانته، فأتاه وأدى ربحه


1 - وسائل الشيعة 19: 89، كتاب الوديعة، الباب 10، الحديث 1. 2 - البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 2: 184. 3 - الفقيه 3: 194 / 5. 4 - تحريرات في الاصول 6: 539 - 540. 5 - البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 2: 183 - 184.

[ 153 ]

إلى صاحبه. وثانيا: ما اشتهر " من أن المال المشترى بالثمن الكلي، ينتقل إلى البائع انتقالا صحيحا ولو كان مريدا رد الثمن المسروق إليه " غير تام عندنا، فلعله كان في القصة المزبورة من هذا القبيل. وثالثا: لا منع من الالتزام بخلاف القاعدة من هذه الجهة، بعد كونها موافقة لقاعدة الكشف، أي أن مفاد الرواية لزوم إرجاع الربح إلى صاحبه، وهذا لا يصح إلا على الكشف، بناء على ظهور حال الراوي في اتجاره كثيرا، فأوقع التجارات المترتبة الفضولية على الوديعة أولا، وعلى عوضها المأخوذ ثانيا، وهكذا حتى ربح أربعة آلاف درهم، ولا معنى لكون الربح له إلا على الكشف. وبعبارة اخرى: الربح كالنماء، فكما أن النماء على النقل للطرف، وعلى الكشف للمجيز، فكذلك الربح، وقضية الرواية أن الربح للمجيز، فيعلم منه: أن بإجازته يكشف أن ما استربح الراوي، واقع على ملك المجيز. وإن شئت قلت: في مراد السائل احتمالان: أحدهما: كونه اتجر بماله واستربح. ثانيهما: أنه اشترى بماله حيوانا أو بستانا ذا نماء وثمرة، فاستربح ببيع الثمرات والنماءات وببيع نفس العين. فعلى الأول: يكون الربح لصاحب المال. وعلى الثاني: يكون الربح على النقل لصاحب المتاع الذي اشتراه فضولا.

[ 154 ]

وحيث إن في الجواب ترك الاستفصال، يعلم أن الحكم مبني على الكشف، لأن الربح على الكشف لصاحب المال على الاحتمالين. فبالجملة: قضية هذه المآثير معتضدة بفهم الأكثر، هو الكشف، سواء قلنا: بأنه موافق للقاعدة، أو مخالف. الجواب عن التوهم السابق قلت: في جميع ما أفاده القوم حول المآثير (1) إشكال، وغير خفي أن مع التسليم لا يثبت بهذه الأخبار الكشف المصطلح، بل مفادها يناسب النقل من رأس الذي عرفت منا: أنه الأوفق بالصناعة، والأقرب إلى القاعدة (2)، ضرورة أن آثار الكشف والنقل من الأول مشتركتان، فلو كان النقل المزبور موافقا للقواعد فيتعين حمل المآثير على فرض دلالتها عليه. فبالجملة: الأمر يدور مدار وجهين: إما عدم دلالة الأخبار على شئ من الكشف والنقل، كما أصر على ذلك السيد الوالد - مد ظله (3) - أو دلالتها على النقل من الابتداء المسمى ب‍ " الكشف الانقلابي "، وأما دلالتها على الوجوه الاخر من الكشف فممنوعة، فما أفاده المحقق الرشتي من


1 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 133 / السطر 25، الإجارة، المحقق الرشتي: 186 / السطر 2. 2 - تقدم في الصفحة 123. 3 - البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 2: 176 - 185.

[ 155 ]

دلالة جملة من الأخبار، وصراحة طائفة في الكشف (1)، غير قابل للتصديق. وتوهم: أن النقل المزبور خلاف الاتفاق المحكي في كلام بعضهم، في غير محله، لظهور كلمات جماعة - ومنهم المحقق (2) والشهيد الثانيين (3) - في ذهابهم إليه، لأن استدلالهم: بأن الإجازة تورث نفوذ مفاد العقد من الأول يقتضي ذلك. ولعمري، إنه أمر عرفي، وموافق للعقل، ضرورة أن لكل موجود زماني - حقيقيا كان، أو اعتباريا - مبدأ، فالمنشأ بالإنشاء الفضولي وجد مثلا في يوم الجمعة، من غير كون يوم الجمعة داخلا في الإنشاء والمنشأ بمفهومه، بل هو من لوازمه الطبيعية القهرية، فإذا أجاز المالك ما أوجده وأنشأه فيصير هو نافذا، ومعنى ذلك أنه بعد الإجازة وبالإجازة يصير موضوعا لحكم العقلاء، فما أورد عليهما الشيخ الأعظم (4) في غاية الوهن. نعم، بناء على ما مر منا فإن أمر ذلك بيد المالك، وليس تأثير العقد من الأول أو من حين الإجازة أمرا قهريا، ومن الأحكام الشرعية الخارجة عن اختيار المالك بل اختياره بيده، إن شاء أجاز العقد مشيرا


1 - الإجارة، المحقق الرشتي: 186 / السطر 2. 2 - لاحظ جامع المقاصد 4: 74 - 75. 3 - مسالك الأفهام 1: 134 / السطر 36. 4 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 132 / السطر 7.

[ 156 ]

إلى مبدأ وجوده مجردا من الزمان، وإن شاء أجاز من الحين، أو من الحد المتوسط بين الحدين، من غير دخالة زمان الحال في حقيقة العقد، فإذا قال: " أجزت من الحين " فنظره إلى أمر آخر يرشد إليه بذلك. وهذا نظيره في المشتقات، فإن القائلين بالأخص يقولون: إن الموضوع له هو الذات المتصفة بالفعل، أو في هذه الحال، من غير النظر إلى أخذ هذه العناوين في الموضوع له، بل نظرهم إلى جعلها معرفات إلى ما هو مقصودهم، فافهم ولا تخلط. فبالجملة: ما توهمه القوم كلهم في هذه المسألة غير صحيح، فإذا كان المالك بالخيار، فهو يتوجه إلى ثمرة النقل من الأول، ونتيجة النقل من الحين، فإن وافقه الأصيل على إجازته من الحين فهو، وإلا فيمكن إثبات الخيار للأصيل، لظهور العقد في كونه مؤثرا من ابتداء وجوده، حتى يكون نماءات العين داخلة بتبعها في ملكه. نعم، مع توجهه إلى أن الطرف فضولي لا يثبت الخيار، فليتدبر. بقي شئ: في أن جريان الكشف في الإقالة والفسخ لا يستلزم جريانه في الإجازة إذا حكم العقلاء بالكشف في مورد فيعلم منه: أن ذلك أمر ممكن ومطابق للقاعدة، وهذا فيما لو باع داره، ثم بعد مضي سنة استقاله المشتري فأقاله، وقد استوفى المنافع في تلك السنة، فإن أقاله من الحين فالمنفعة المستوفاة كانت من ملكه، فإن قلنا: بأن الإقالة تفيد

[ 157 ]

انفساخ العقد من الأول، لأن الإقالة من الحين تستلزم كون الزمان داخلا في مفاد الإنشاء الإقالي، الذي هو تابع للعقد الذي تقع فيه الإقالة، فإن كان من قبيل البيع فلا معنى لاعتبار الإقالة من الحين والحال، وإن كان من قبيل الإجارة فله الإقالة من الحين، وهذا هو الإشكال الذي عرفته آنفا عن الشيخ (1)، وقد مر بجوابه. أو قلنا: بأن أمر الإقالة كالإجازة بيد المالك للعقد، فهو بالخيار، فأقاله من الأول، فلابد من رد قيمة المنفعة المستوفاة، لأنها تكون من ملك المشتري، وما هذا إلا لأجل الكشف، وأن بالإقالة يكشف أن المنفعة المستوفاة كانت من البائع. وليس الفسخ عقدا، ولا جزء لاقتضاء العقد كالإجازة، حتى يتم السبب بها، بل الفسخ هو حل العقد، ومقتضى ذلك عرفا وعقلا رجوع كل من العوضين إلى المالك الأول. فبالجملة: لاشبهة في المثال المعروف، من أن البائع لايستقيل إلا بأخذ اجرة السنة، ولا يعقل ذلك إلا برجوع المنفعة إلى ملكها، أو اكتشاف أن المنفعة كانت في ملكه، وحيث لا وجه للأول، لعدم السبب للرجوع، فلابد من الاكتشاف. وما قيل على القول بالكشف في الإجازة، يأتي على هذه المقالة في الإقالة المفروضة. أقول أولا: المعروف والمشهور بل وهو المتفق عليه " أن الفسخ


1 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 132 / السطر 7.

[ 158 ]

حل العقد من الحين " (1) لأن العقدة الباقية تنحل به، ولو كان حله من الأول فهو اعتبار إعدام العقد كما لا يخفى، وقد ادعى الأصحاب أنه من الأمر الواضح (2). وثانيا: الالتزام بالكشف هنا، لا يستلزم كونه مطابقا للقاعدة في الإجازة، ضرورة أن الفسخ لو كان عقدا جديدا - كما احتمله بعض، أوقواه - فلا منع من تقوية كونه سببا للنقل من الأول، فكونه كاشفا لأجل سقوط سببيته، وإذا كانت الإجازة دخيلة في الناقلية، وكانت متعلقة بالعقد المقتضي للنقل من الأول، فلابد من القول بالنقل إما من الحين، أو من رأس، ولاتصل النوبة إلى الكشف. وبعبارة اخرى: من مقدمات القول بالكشف في الفسخ المزبور، عدم كونه سببا، ولا جزء سبب، وهذا لايتم في الإجازة بالضرورة. فذلكة: مرامنا في الفضولي والإجازة إن عمل الفضولي ليس مصداقا حقيقيا للعناوين المعاملية، ولا للعقد، بل بالإجازة يصير مصداقها، وأن الإجازة أمرها بين كونها ناقلة من الأول، أو ناقلة من الوسط، أو ناقلة من الحين، ولا يتعين أحدها إلا


1 - حاشية المكاسب، السيد اليزدي 1: 151 / السطر 26، حاشية المكاسب، المحقق الإيرواني 1: 127 / السطر 19، حاشية المكاسب، المحقق الأصفهاني 1: 147 / السطر 7، هداية الطالب: 228 / السطر 27. 2 - حاشية المكاسب، المحقق الإيرواني 1: 127 / السطر 19.

[ 159 ]

بتعيين المالك المجيز، فبالإجازة يصير عمله بيعا، ومن خواصه الظاهرة نقل العينين إلى المتعاقدين، فإن أجاز من رأس على نحو ما عرفت، يصير السبب موجودا من أول وجوده الإنشائي، وإن أجاز من الحين فهكذا، كما عرفت في مطاوي البحث مرارا.

[ 160 ]

المرحلة الثانية في ثمرة الأقوال في المسألة أما قضية الكشف الحقيقي فهي ممنوعية كل من المتعاملين عن التصرفات الناقلة وغيرها، حسب الثبوت والواقع، من غير فرق بين كونهما فضوليين، أو أحدهما فضوليا، وذلك لحصول النقل والانتقال إذا لحقته الإجازة، ومن غير فرق بين الأحكام العقلية والعقلائية، ومن غير فرق بين التصرفات التي لها اعتبار البقاء، أو البقاء حقيقة، كالملكية والولد، وبين ما لا بقاء له، كالاستيلاد والأكل، ومن غير فرق بين المباني في الكشف الحقيقي، لأن الكل مشترك في أن العقد عند وجوده أثر ولو كانت الإجازة المتأخرة شرطا للتأثير. ومن العجيب ما صدر عن جمع ومنهم السيد اليزدي (قدس سره) حيث ظن أن المالك يجوز له التصرف، ويكون تصرفه نافذا على الكشف الحقيقي، بمعنى الشرط المتأخر (1)، ولعله هو الظاهر من الشيخ (2)!! وأنت خبير: بأن معنى الكشف الحقيقي، هو النقل من حين وقوع


1 - حاشية المكاسب، السيد اليزدي 1: 153 / السطر 15. 2 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 133 / السطر 31.

[ 161 ]

العقد ثبوتا وواقعا، إذا تلحق به الإجازة بحسب الواقع، فلا معنى للتفصيل المزبور. هذا كله بحسب الحكم الواقعي، تكليفيا كان، أو وضعيا. وأما بحسب الحكم الظاهري، فالمشهور المعروف هو التمسك باستصحاب عدم لحوق الإجازة (1)، فيجوز جميع التصرفات ظاهرا، وفي جوازها للأصيل إشكال وبحث يأتي من ذي قبل - إن شاء لله تعالى - فإن من المحتمل ممنوعيته عنها واقعا وظاهرا. وربما يشكل ذلك، لأن من التصرفات ما ينافي لحوق الإجازة، ويكون بمنزلة الرد، كالتصرفات الناقلة، بل والتصرفات المغيرة. ولكنه مندفع أولا: بما سيأتي من أن الرد لا ينافي ذلك على القاعدة (2)، وقضية الإجماع الآتي في محله هو الاكتفاء بالرد الإنشائي أو الفعلي المراد به إنشاؤه. وثانيا: يتقوم بالرد بكون المالك المتصرف، عالما بوقوع المعاملة الفضولية على ماله فباع، وأما مع جهله بذلك فلا يبعد بقاء قابلية العقد للإجازة.


1 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 133 / السطر 32، حاشية المكاسب، المحقق الخراساني: 62، حاشية المكاسب، السيد اليزدي 1: 153 / السطر 11، منية الطالب 1: 241 - 242. 2 - يأتي في الصفحة 371 - 372.

[ 162 ]

اعتراض الوالد المحقق على استصحاب عدم لحوق الإجازة وجوابه واستشكل الوالد المحقق - مد ظله - على الاستصحاب المذكور، معللا بأنه من الأصل المثبت، حسبما حرره في تلك المسألة (1). ولكنه على مبنى القوم ليس بمثبت، لأن مجرى الأصل وإن لم يكن بعنوانه مورد الدليل الشرعي، إلا أن الأعدام المضافة إلى موضوعات الأحكام، قابلة للتعبد بها لنفي الحكم الشرعي عن تلك الموضوعات، كما هو الظاهر. وربما يمكن دعوى: أن المباني مختلفة في المسألة، وبذلك يختلف الأصل لأجل المثبتية وعدمها، ضرورة أن قضية القول: بأن الشرط هو التعقب وأمثاله - مما يرجع إلى قيد في العقد - جريان الأصل في جزء المركب، وانتفاء حكم المركب بنفس التعبد بعدم جزئه. والأمر كذلك أيضا لو قلنا: بأن الإجازة شرط، والشرط يرجع إلى القيد في الموضوع. وأما لو قلنا: بأن العقد تمام الموضوع للنقل، والإجازة شرط الاقتضاء، بمعنى أنه الواسطة في الثبوت، ولا ترجع إلى قيد في الموضوع عرفا، وإن كانت الحيثيات التعليلية ترجع إلى التقييدية، إلا أن ذلك في الأحكام العقلية، فلا يكفي الأصل المزبور، لأنه لابد من إثبات أمر وراء التعبد بعدم الإجازة، وهو أن العقد الموجود ليس مؤثرا، فافهم وتدبر.


1 - البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 2: 187.

[ 163 ]

والذي يخطر بالبال: أن النوبة لا تصل إلى الاستصحاب موضوعيا كان، أم حكميا، لأن المفروض أن المبيع والثمن تحت استيلاء ملاكهما، وقضية الشك في أنهما ملك البائع أو المشتري أو بالعكس، هو الرجوع إلى قاعدة اليد، أو لإطلاق قوله (عليه السلام): " من استولى على شئ منه فهو له " (1) بناء على إفادته أمرا زائدا على بناء العقلاء، كما تقرر منا في محله (2)، فاغتنم. فبالجملة: لو سلمنا قصور بناء العقلاء عن كاشفية اليد في مثل المقام، فلا يمنع من المراجعة إلى الإطلاق المذكور. وتوهم لزوم الجمع بين التأسيس والإمضاء في الدليل الواحد، في محله، إلا أنه غير ممنوع، لأن ذلك ينتزع من ملاحظة النسبة بين الدليل ومورده، كما لا يخفى. والذي يسهل الخطب: أن أحدا من العقلاء لا يجد للقول بالكشف وجها حتى يفحص عن دليل رخصة المالك في التصرف في ماله، بل يرى المال ماله، وبعد الإجازة يمنعون التصرف بالضرورة القطعية. وأما قضية الكشف الحكمي والتعبدي فإن قلنا: بأن الأدلة الشرعية تكفلت لإيجاب ترتيب آثار النقل


1 - تهذيب الأحكام 9: 302 / 1079، وسائل الشيعة 26: 216، كتاب الفرائض والمواريث، أبواب ميراث الأزواج، الباب 8، الحديث 3. 2 - لم نعثر عليه فيما بأيدينا من كتبه (قدس سره).

[ 164 ]

والانتقال من حين وجود العقد إذا لحقته الإجازة، فهو في الأثر كالكشف الحقيقي، لأنه بالإجازة يعلم: أن الأحكام الواقعية كانت مترتبة على العقد السابق من الأول، إلا أنها كانت مجهولة، وفي الحكم الظاهري أيضا مثله. وإن قلنا: بأن قضية تلك الأدلة هو ترتيب الآثار بعد الإجازة، فمعناه أن العقد ليس مؤثرا إلى حال الإجازة، فلا يجوز التصرف واقعا وظاهرا. نعم، لابد من ترتيب الآثار الممكنة، قضاء لحق التعبد، ومن تلك الآثار وجوب التوبة من العصيان بالتصرف في مال الغير، وسقوط الضمان، وانتقال المنافع والنماءات، وسقوط العقاب لو كان جعليا، وجواز الصلاة خلفه بعد الإجازة، وطهارة عرقه الحاصل عن جنابة محرمة. وقد يشكل عقلا عليهم: بأن اعتبار حدوث هذه الامور - كالعصيان، والضمان، ونجاسته وهكذا - مع عدم ترتيب الآثار عليها واقعا لغو، فيكون ممتنعا. وفيه: أن دليل الاعتبار ليس مخصوصا بحال الإجازة حتى تلزم لغويته، بل دليله يشمل حالتين: حال لحوق الإجازة، وحال عدمه، وعند ذلك لا منع من اللغوية، كما تقرر في محله (1). مع أن الثمرة تظهر في نجاسة عرقه، على القول بها، وفي مانعيته عن الصلاة بناء على تماميتها، فإنه إذا تأخرت الإجازة فلابد له من تطهير


1 - تحريرات في الاصول 3: 446 - 448.

[ 165 ]

ثوبه للصلاة، ويجب عليه القضاء والإعادة إذا صلى نسيانا وهو جنب على الحكمي. هذا، والذي هو المهم في المقام: أن اختلاف الحكم الواقعي والظاهري على الكشف الحقيقي وعلى الحكمي في الفرض الأول وإن كان مرتفعا في محله، إلا أن المباني في رفع الغائلة مختلفة، فلو قلنا هناك: بأن ذلك الجمع لا يمكن إلا برفع اليد عن الواقع، وغلبة مصلحة الحكم الظاهري عليه، أو قلنا: بأن التنافي مرفوع بحمل الأحكام الواقعية على الإنشائية لا الفعلية، فلا معنى للنقل والانتقال الواقعي والملكية الواقعية، لأنها تابعة للأحكام المسانخة معها. وبعبارة اخرى: كون المبيع في الفضولي للمشتري، والثمن للبائع حقيقة، مع وجوب ترتيب آثار ملكية المبيع للبائع والثمن للمشتري، غير معقول، لأنها معتبرة من تلك الأحكام. ولو قلنا: بأن الأحكام الواقعية فعلية، إلا أنها غير منجزة، فإذا لحقت الإجازة تتنجز، كما هو التحقيق عندي، ورفع الغائلة ببيان تقرر منا في محله (1)، فلا مانع من النقل الواقعي، لأن الإجازة إذا لحقت ينعدم موضوع الحكم الظاهري، ويكفي ذلك لصحة اعتبار الملكية من الأول، لأن مسلوبية الآثار وأحكام الملكية في حين، تجامعها على الإطلاق، كما هو الظاهر. إن قلت: يتقوم اعتبار الملكية بالتنجز، وهو معدوم، وكفاية الآثار


1 - تحريرات في الاصول 2: 312 - 313 و 6: 250 - 257.

[ 166 ]

المتأخرة لاعتبار الملكية المتقدمة صحيحة، ومشتركة أيضا بين المباني المختلفة في رفع الغائلة المزبورة. قلت: قد تحرر منا أن القائل بتلك المباني في الجمع بين الحكمين، لابد وأن يلتزم بعدم الإرادة الواقعية (1)، وعندئذ كيف يجمع بين ذلك وبين الملكية وتأثير العقد؟! بخلاف الآخرين، فتدبر جيدا. سقوط الأحكام الوضعية الشرعية الثابتة قبل الإجازة ثم الدليل المتكفل للكشف الحكمي، لا يقتضي أزيد من لزوم ترتيب الآثار من حين الإجازة على العقد المجاز بمضمونه السابق، بالنسبة إلى الآثار الممكنة، وهكذا الآثار غير المنافية للملكية السابقة، فجميع الأحكام الوضعية الثابتة قبل الإجازة في الشرع للتصرف في مال الغير من الحدود والديات وفي عرض أجنبي وهكذا من الضمانات تسقط. فما يظهر من جماعة وهما: أن هذه الامور لا تسقط، لأنها ثبتت حال كونه غير مالك، وغير جائز له التصرف واقعا وظاهرا، فلا وجه للانقلاب (2)، في غير محله، لأن المراد من " الكشف الحكمي " هو التعبد، ولا شبهة في أوسعية نطاق التعبد من ذلك. نعم، تضمين المالك بالنسبة إلى المنافع المستوفاة قبل


1 - نفس المصدر. 2 - البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 2: 188، مصباح الفقاهة 4: 155.

[ 167 ]

الإجازة مشكل، لأنه لا يمكن إلا باعتبار كون المنافع داخلة في ملك المشتري بعد الإجازة، وهو عند الأصحاب ممنوع عقلا. اللهم إلا أن يقال: بأن حكم الشرع بذلك لا يتقوم بصحة الاعتبار المذكور، وهو جيد جدا. فرع: في حكم التصرفات الناقلة الواقعة بين العقد والإجازة لو تصرف نقلا قبل الإجازة، فعلى الكشف الحقيقي يعلم أنه كان ممنوعا، فيصير غير نافذ. وعلى الحكمي فإن قلنا: بأن المراد من " الآثار الممكنة " هي الآثار والمنافع الموجودة، فلا منع من الالتزام بصحة النقل المتوسط بين العقد والإجازة، إلا أنها صحة فضولية حكما وتعبدا، فإذا أجاز المالك فيصير أمر العقد المتوسط بيد المالك بعد الإجازة، فله إجازته، وله رده. وإن قلنا: بأن المراد ترتيب جميع الآثار الممكنة عقلا، فالعقد المتوسط صحيح بالفعل، لأنه صدر من أهله وفي محله، ولكن جميع آثاره وأحكامه ثابتة للمالك تعبدا، لأنه ممكن عقلا بالضرورة، فله إعمال الخيار، وله الاستقالة، والثمن ينتقل إليه، ويندرج في ملكه... وهكذا، نعوذ بالله تعالى من هذه التسويلات الباطلة. وربما يقال: بأن التصرفات الناقلة - خصوصا مع التوجه إلى

[ 168 ]

وقوع المعاملة الفضولية على أمواله - بمنزلة الرد (1)، بل هي رد في الصورة الثانية، لأنه يرجع إلى الإنشاء بالفعل قهرا، فلاتصل النوبة إلى الإجازة، ولا يبقى موضوعها، من غير فرق بين الكشفين. وبعبارة اخرى: حتى ولو سلمنا أن الرد قبل الإجازة ليس هادما للعقد، ولكنه إذا كان الرد مصحوبا بالنقل فإنه يهدم به العقد عرفا، ولايكون قابلا للإمضاء. ولك دعوى: أن الهادمية المشار إليها غير واضحة، خصوصا في الصورة الاولى، ولا أقل من الشك، ومقتضى الاستصحاب وجوب الوفاء. نعم، إذا قلنا: بأن الأصل الحكمي تعليقي غير شرعي، والأصل الموضوعي مثبت، فيشكل التمسك كما هو الظاهر. ثم إنه قد يتوهم: أن نقل المالك قبل الإجازة إن وقع صحيحا فعليا، فلا معنى لإجازته (2)، لأنه أجنبي، والمعتبر في نفوذ الإجازة كونها صادرة عن أهلها، وواقعة في محلها. وهكذا إذا شك في انهدام العقد السابق الفضولي بالنقل المتوسط، فإن العقد الثاني والنقل المتوسط واجب الوفاء، بخلاف الأول، لعدم جريان الأصل كما اشير إليه. وأنت خبير: بأن الإشكال المزبور متوجه - كما مر منا سابقا (3) - إلى


1 - الإجارة، المحقق الرشتي: 201 / السطر 3 و 23، حاشية المكاسب، السيد اليزدي 1: 153 / السطر 15 و 27. 2 - منية الطالب 1: 242 / السطر 11 و 285 - 286، المكاسب والبيع، المحقق النائيني 2: 244 - 245. 3 - تقدم في الصفحة 160 وما بعدها.

[ 169 ]

القائلين بالكشف الحقيقي مع قطع النظر عن العقد الثاني، وقد مر إمكان دفعه بوجه عقلي، وغير صحيح عقلائي: بأن من الممكن اعتبار الحق للمالك، وكما أن العين التالفة تخرج عن الملك، ويتعلق بها حق الاختصاص، كذلك العين المنقولة، نظير حق الخيار المتعلق بها لاسترجاعها. ومن هنا يعلم: أن الإشكال على القول بالكشف في الفرع المذكور: بأنه إذا صح العقد الثاني ظاهرا، وكان نافذا حسب الأدلة الاجتهادية أو العملية، فلا دليل على نفوذ الإجازة المتأخرة، لتنافيه مع وجوب الوفاء بالعقد المتوسط الواقع على مورد الفضولي، أيضا ليس في محله، وذلك لما عرفت من اعتبار الحق للمجيز، وبذلك يهدم موضوع وجوب الوفاء في العقد الثاني، فلا يبقى التنافي. وفي المقام بحث آخر: وهو أن الانتقال في الأثناء إذا كان صحيحا فعليا - واقعيا كان، أو ظاهريا - يهدم موضوع العقد الأول لا قابليته للإجازة، فإنه أمر آخر مر بيانه. وخلاصة الكلام: أن العقود الأصيلة ليست باقية بين المتعاقدين بعد نقل العوضين منهما إلى الآخرين، ويسقط جميع الخيارات، وهكذا العقد الفضولي، فهو بنفسه قابل للإجازة، إلا أنه يصح فيما إذا كان ذا أثر، فإذا رد المالك ثم أجاز، فيمكن دعوى بقاء قابليته، وأما إذا باع مورد العقد الفضولي وإن لم يكن بانيا على الرد، فإنه لا يعتبر البقاء للعقد الأول حتى يمكن إجازته. والذي هو الظاهر في المقام: أن انتقال العين والثمن معا، يورث

[ 170 ]

سقوط اعتبار البقاء للعقد، وأما لو كان الطرف أصيلا، وكان الثمن موجودا، فلا شاهد على سقوط الاعتبار المزبور، وإذا أجازه فله الثمن، وقد مر حكم المثمن تفصيلا. وتوهم رجوع القيمة إلى الأصيل، دون المبيع وإن كان موجودا، كما عن الشيخ (رحمه الله) (1) في غير محله، ضرورة أن قضية الجمع بين القواعد ما ذكرناه، لا ما أفاده. وأما قضية النقل من حين العقد بالإجازة وهو المعبر عنه ب‍ " الكشف الانقلابي " المنسوب إلى الشيخ في حاشية العلامة الأصفهاني (رحمه الله) بل نسبه إلى المشهور (2) - وأما الانقلاب بالمعنى الآخر فهو مما لا يصدقه أحد من الفضلاء، ولا حاجة إلى ذكر آثاره - فهو جواز التصرف واقعا وظاهرا قبلها، لعدم الانتقال. وأما ممنوعية الأصيل على جميع التقادير فسيأتي البحث حولها. وبالجملة: جميع منافع العين ونماءاتها للمالك قبل الإجازة، وليس هو ضامنا للمنافع المستوفاة وللتالفات، وجميع ذلك يرجع بعد الإجازة إلى المالك الثاني، لأن مع بقاء المنافع والآثار فهي تابعة للعين في الملكية، متصلة كانت، أو منفصلة، لاقتضاء العقد إياه، ومع انعدامها قبل الإجازة فهي ليست مضمونة، لأنها تلفت في يد مالكها الواقعي.


1 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 133 / السطر الأخير، و 134 / السطر 1. 2 - حاشية المكاسب، المحقق الأصفهاني 1: 144 / السطر 35.

[ 171 ]

نعم، في خصوص ولد المستولدة لا يكون الأمر كما ذكر، لأنه ليس تابع العين كما في الحيوانات، بل هو يستتبع الاستيلاد، وحيث إنها استولدها مالكها الحقيقي فالولد له. ولو كان المراد من " الكشف الانقلابي " هو الانقلاب واقعا في الاعتباريات، يلزم الالتزام بالانقلاب في الواقعيات الخارجية، مثل الالتزام بعدم العصيان، وعدم استحقاق العقاب، وسقوط الحدود والديات، لأنه بعد الإجازة ينقلب ما هو المتحقق خارجا. وإمكان دفع ذلك: بأن الانقلاب في الاعتبار بيد المعتبر، وموضوع هذه الامور ينقلب، لأنه من الاعتباريات، فلا منع عقلا من ذلك، غير كاف، لعدم مساعدة العقلاء عليه، كما هو الظاهر. مع أن المسألة عقلا لا تخلو من غموض. حول التفصيل بين النماءات المتصلة والمنفصلة والأحكام الشرعية والعقلائية وربما يخطر بالبال أن يقال بالتفصيل بين النماءات المتصلة والمنفصلة، ضرورة أن ما هو تابع مملوكية العين هي الاولى، وأما الثانية فهي بعد الانفصال تصير مستقلة في الملكية، فتكون تابعة للنظر، فإن أجاز العقد بجميع ما يتعلق بالمعقود عليه فتدخل، وإلا فلا. أو يقال بخروجها عن التبعية مطلقا، لأن اختلاف نظر المجيز لا يورث الفرق، فإن المدار على الإنشاء، فإن شملت تلك المنافع فيدخل، وإلا فلا. ثم إن الظاهر عدم الفرق بين المنفصل غير المتغيرة صورته

[ 172 ]

النوعية، والمتغير وصفه وشكله. أو يقال بالتفصيل بين الأحكام الشرعية والوضعيات المجعولة من قبل الشرع على عنوان " التصرف في مال الغير " كالحد في السرقة، والدية في الإفضاء وهكذا، وبين الأحكام العقلائية، كباب الضمانات، فلو أجاز المالك فعليه رد عوض المنافع المستوفاة، وبدل التالفات ولو كان الإتلاف عن غير افراط وتفريط، ولا يسقط الحدود والديات، لأن موضوعها التصرف في مال الغير، وهو حاصل. ولا دليل على اعتبار الملكية من الأول بالنسبة إلى غير الأحكام والآثار العقلائية، فإن المسألة دائرة مدار بنائهم، ولا شبهة في أن النقل من الأول عند العقلاء، ليس له معنى إلا بلحاظ الآثار، ولا وجه للتفكيك بينها حتى يقال بعدم الضمان بالنسبة إلى المنافع المستوفاة، فليتأمل جيدا. وبالجملة: بين الكشف الحقيقي والنقل من الأول فرق، فإنه على الأول يجوز التصرف ظاهرا، ولايجوز واقعا، بخلاف الثاني، فإنه يجوز واقعا وظاهرا. وأيضا: على الأول لا يحد ولا تثبت الدية، بخلاف الثاني. أقول: أما دعوى خروج النماءات المنفصلة من التبعية، فهي غريبة جدا، لأن كونها مستقلة في الملكية لا ينافي كونها من منافع العين المنقولة بعد الإجازة، فكلما كانت من النماءات موجودة فهي للمالك بعد الإجازة، كنفس العين، ومن تلك الجهة يشترك النقل من الأول مع الكشف الحقيقي.

[ 173 ]

وأما دعوى ضمان المالك قبل الإجازة، فهي أغرب، لعدم الوجه له بعد كون تصرفاته في ملكه. واعتبار العين ملكا ثانيا في الزمان المتوسط بين العقد والإجازة للمالك الثاني، لا يقتضي أزيد من كون العين وتوابعها له، وفي ذلك يحصل الفرق بين الكشف الحقيقي والنقل من الأول. كما أن إثبات الضمان، من ثمرات الكشف الانقلابي بالمعنى الذي اشير إليه. ولا ينبغي الخلط بينهما، فإن معنى الكشف الانقلابي: تبديل الاعتبارات السابقة إلى الاعتبارات الاخر المقابلة لها، ومعنى النقل من الأول: اعتبار كون العين ملكا للمالك بعد الإجازة في عرض مالكية المالك الأول في الزمن الواحد، فهما واقعيتان محفوظتان مع وحدة الزمان، ووحدة العين. مسألة في حكم ما لو باع المالك قبل الإجازة أو باع النماءات المنفصلة لو باع المالك قبل الإجازة، أو باع النماءات المنفصلة، فإن قلنا بانهدام العقد فالأمر سهل. وإن قلنا بعدم انهدامه، أو قلنا: إن قضية الاصول العملية - بضميمة القواعد الاجتهادية - أيضا عدم الانهدام لدى الشك، فإن قلنا: بأنه يصير أجنبيا، ويعتبر في المجيز كونه مالكا، فلا فائدة في إجازته، فالأمر سهل. وإن قلنا: بأنه لا يصير أجنبيا بقول مطلق، بل له حق الإجازة - كحق

[ 174 ]

الاختصاص على الوجه الذي مر تفصيله (1) - فيشكل الأمر ضرورة، أن قضية القواعد هو العمل بالعقدين مع وحدة العين. وقد يتوهم التفصيل بين ما إذا كان العقد الثاني على النماء، وبين ما كان على العين، فإنه في الأول يتعين العمل بالعقد الثاني، لأن مدلوله المطابقي نقل النماء، بخلاف الأول، فإن نقل النماء مدلوله الالتزامي، فعليه يجمع بينهما، ويكون نقل النماء بمنزلة التلف في ملكه، وقد مر عدم ضمانه. وأما توهم ضمانه بالنسبة إلى قيمة النماء، فهو فاسد، لأن تصرفه إن كان صحيحا فلا ضمان، وإن كان في غير ملكه فهو غير نافذ، كما لا يخفى. ورفع الإشكال بدعوى انعدام موضوع العقد، لأن العقد الثاني رافعه، غير تام كما مضى. مع أن قضية الإجازة انتقال العين إلى المالك الثاني، فيكون أمر البيع بيده، إن شاء أجازه، وإن شاء رده. وتوهم المنع عن إلحاق الإجازة، لاستلزامه التخلف عن الأمر بالوفاء بالعقد، في غير محله، لأن ذلك إعدام لموضوع العقد الثاني، ولا معنى لتكفل الحكم لزوم حفظ موضوعه، كما اشير إليه. فتحصل إلى الآن: أن الإشكال قابل للدفع بأن يقال: إن المسألة من قبيل العقد الواقع من المورث على ماله حال حياته، ثم مات، وفرضنا انتقال العين إلى الورثة قبل العقد المزبور، فإنه يكون أمر العقد بيد


1 - تقدم في الصفحة 168 - 169.

[ 175 ]

الورثة، وهذا لا يستلزم مخالفة الأمر بالوفاء، كما لا يخفى. فعليه يمكن دعوى: أن قضية مالكية المالك الأول صحة بيعه واقعا وفعليا، فإذا أجاز العقد الأول فقضية مالكية المالك الثاني، هو كون العقد الثاني بيده، وأما ثمنه فإن كان موجودا فهو لمالكه الثاني إن أجاز، وإن كان قد تصرف فيه المالك الأول فلاضمان، وإذا أجاز فهو، وإلا فعليه رد الثمن إلى المشتري، واسترجاع العين، فافهم. حكم المسألة بناء على النقل من الحين وأما قضية النقل من الحين، فهي جواز التصرف واقعا وظاهرا، وتكون النماءات بإطلاقها للمالك الأول، وإذا أجاز فلا ينتقل إلا المعقود عليه. وبعبارة اخرى: كما في عقد الأصيلين لا تنتقل النماءات السابقة، بخلاف الخصوصيات الموجودة في العين حال العقد، فإنها للمالك الثاني بعد العقد، ولو تصرف المالك الأول قبل الإقباض في المعقود عليه، يكون ضامنا حسب القواعد، ويمكن دعوى الخيار للمالك الثاني، كذلك في عقد الفضولي، لا ينتقل بعد الإجازة إلا المعقود عليه بالخصوصيات الموجودة حال العقد والإنشاء، لأن المفروض أنه أجاز العقد الذي وقع على العين الكذائية، فلو نقصت أوصافها الكمالية، أو زادت: ففي الصورة الاولى تارة: يكون النقصان بإفراط وتفريط، ففيها

[ 176 ]

وجوه: عدم تأثير الإجازة رأسا، وكون المجيز بالخيار، وكون المالك الأول ضامنا لما فوته عليه، وكون المالك الثاني مختارا في إعمال الخيار وفي الرجوع إلى الأرش وقيمة التالف، وكون العقد لازما، ولا شئ عليه: أما الأول فلا وجه له، لأن ذات المعقود عليه الشخصية باقية، وأما الثاني فهو قريب، لاندراجه في تخلف الوصف، أو في كونه معيبا، وأما الثالث فلا وجه له كما هو الظاهر، وأما الرابع فهو قوي، لما تقرر في محله، وأما الخامس فهو ضعيف جدا، والوجه واضح. هذا فيما إذا لم يكن المجيز متوجها إلى النقصان قبل الإجازة. وأما لو توجه فأجاز، فلا شئ له على المالك إلا إذا شرطا، وفي نفوذه إشكال، والتحقيق أنه نافذ، كما هو الواضح. واخرى: لا يكون ذلك بالإفراط والتفريط، ففيه الوجوه السابقة إلا الضمان، تعيينا كان، أو تخييرا، لأن دليله في المسألة ليس إلا قاعدة " على اليد... " وهي - لو سلمناها من جميع الجهات - لا تشمل يد المالك قبل الإجازة، لعدم انقلابها بالعقد الفضولي إلى يد الضمان، بخلافها في الأصيل. وفي الصورة الثانية: فإن وقعت الإجازة مع توجه المالك إلى اختلاف العين في القيمة للزيادات الكمالية، فالأمر كما مر، ومع عدم توجهه إلى ذلك ففيه وجوه: عدم تأثير الإجازة، وكون المالك بالخيار، وهو خيار الغبن، وكونه راجعا إلى المالك الثاني بقيمة الزيادة، وكونه مخيرا بينهما، وكون العقد لازما، ولا شئ للمالك الأول على

[ 177 ]

المالك الثاني. وربما يخطر بالبال التفصيل بين ما إذا كانت الزيادة قهرية، من غير دخالة المالك فيها دخالة عملية أو مالية، وبين ما كانت الزيادة مستندة إليه، ففي الاولى يكون العقد لازما، ولا شئ على المجيز، وفي الثانية تأتي الوجوه السابقة. أقول: أما عدم تأثيرها - بعد مفروضية بقاء الصورة النوعية العرفية - فلا وجه له، وأما كون المالك بالخيار فهو قريب، ضرورة أن أدلة خيار الغبن ناظرة إلى إثباته حين النقل والانتقال. نعم، على الكشف لا معنى له، لحصوله عند وجود العقد، فالزيادة تكون في ملك المالك الثاني لا المجيز، ولاسيما على مذهبنا من صيرورة الإنشاء بيعا بها. فبالجملة: كما أن المدار على الغبن حين العقد في الأصيل، كذلك المدار عليه حين الإجازة على النقل، لا حين إنشاء العقد. وأما تعين رجوعه إلى المالك الثاني فلا معنى له، لأنه خارج عن المعقود عليه، بل من المحتمل إثبات الخيار للمالك الثاني، إذا كان في الخصوصية الزائدة نقض غرضه ولو كانت مرغوبا فيها. وأما تخييره فهو غريب، لما عرفت. وأما لزومه وعدم الخيار، فهو خلاف القواعد الشرعية والعقلائية حتى فيما كانت الزيادة قهرية، فإن تلك الزيادة في ملكه، واستلزمت زيادة القيمة السوقية، فله الخيار بلا إشكال. وأما إذا كانت الزيادة السوقية لأجل الامور الاخر، ففي ثبوت

[ 178 ]

الخيار وجهان: من أن المدار على حال النقل في خيار الغبن، بأن يكون العوضان متساويين حسب القيمة فيثبت. ومن أنه أجاز ما أنشأه الفضولي، وتلك الإجازة واقعة في محله من غير زيادة ونقيصة في المعقود عليه، فلا خيار له. ثم إن ما فصلناه في الصورتين على النقل من الحين، يأتي على النقل من الأول، كما لا يخفى. بقي أمر: في بيان عدم فائدة المسائل التي تعرض لها الأصحاب على الكشف والنقل وهو أن الأصحاب - رضوان الله تعالى عليهم - ذكروا في المقام مسائل، وبحثوا حولها على الكشف والنقل، وذكروا أن ثمرة المسلكين فيها مختلفة، وناقش في ذلك بعضهم (1)، وحيث إنه لا فائدة في تعرضنا لصغريات الكبريات الواضحة، فنعدل عن ذلك، ولعله أقرب إلى الصواب. وبعبارة اخرى: بعد وضوح حقيقة الكشف ومقتضاه، والنقل وآثاره - على اختلافهما - لا حاجة إلى إطالة الكلام في تلك المسائل، مع أنها أكثر مما تحصى، ويطلع الفقيه عليها في مواطنها.


1 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 134 / السطر 4، منية الطالب 1: 246 - 252، البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 2: 191 - 201، مصباح الفقاهة 4: 153.

[ 179 ]

مسألة في حكم تصرف الأصيل في المعقود عليه هل يجوز للأصيل في العقد الفضولي التصرفات في المعقود عليه مطلقا، فيجوز له فسخ العقد، أو لا يجوز مطلقا، ولا يصح فسخه؟ أو يفصل بين التصرفات المنافية لوجوب الوفاء، كالتصرفات الناقلة والمغيرة، وغير المنافية؟ أو يتوقف جواز التصرف على الإطلاق على الفسخ، فما دام لم يفسخ العقد بالإنشاء لا يجوز؟ أو يفصل بين الفسخ والتصرف، فلا يجوز هو، ويجوز هذا؟ أو المسألة مبنية على المسلكين، فعلى الكشف لا يجوز مطلقا، دون النقل؟ أو على الكشف يجوز ظاهرا، وعلى النقل يجوز ظاهرا وواقعا؟ وجوه بل وأقوال. ثم إن النظر تارة: إلى قضية القواعد العامة، ثم إلى مقتضى الأدلة الخاصة، ثم إلى الاصول العملية، فيتم الكلام في مقامات: المقام الأول: في مقتضى القواعد الكلية والأدلة العامة فالذي هو التحقيق عندنا: أن عنوان " العقد والعهد " ليس من العناوين الواجب انطباقها على المعاملات، حتى يكون صحة معاملة أو

[ 180 ]

لزوم تجارة متوقفة عليه، بل الذي يجب ويلزم هو البيع والصلح والإجارة، سواء كانت عقدا، أو لم تكن، وقد تحرر منا أجنبية آية * (أوفوا بالعقود) * (1) عن هذه العقود المعاوضية، وغير معقول كونها ناظرة إليها (2)، بل وآية * (أوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا) * (3) فلا يشترط في الصحة واللزوم أكثر من صدق العناوين الذاتية للمعاملات. ثم إنك قد أحطت خبرا: بأن عناوينها غير صادقة على الإنشاءات غير المؤثرة إلا على التوسع والمجاز (4)، فعلى هذا لا معنى لمحدودية الأصيل بالنسبة إلى البيع الإنشائي، ولا معنى لممنوعيته عن التصرف في العين أي تصرف كان. نعم، في كلام المحقق الرشتي (قدس سره) وجه للمنع، ربما يأتي على مسلكنا: " وهو أن جعل المال عرضة للانتقال يورث ممنوعية المالك عن التصرف " (5) وقد استظهر ذلك من موضع من كلام استاذه (6)، وعلى أي تقدير فساد ذلك ليس مخفيا على مثله. وتوهم: أن بناء الأصحاب على إلغاء أصالة عدم لحوق الإجازة، كما في كلام المحقق المذكور، وأن هذا قاعدة كلية تعبدية في الأموال


1 - المائدة (5): 1. 2 - تقدم في الجزء الأول: 26 - 29. 3 - الإسراء (17): 34. 4 - تقدم في الصفحة 70. 5 - الإجارة، المحقق الرشتي: 186 / السطر 15. 6 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 134 / السطر 14.

[ 181 ]

والحقوق، ولذلك بنوا على وجوب الوفاء في النذر المعلق قبل تحقق شرطه، وأيضا قالوا بعدم جواز التصرف في حصة الحمل، اتكالا على عدم انفصاله حيا، وبعدم جواز تسليم المال إلى الوارث المعلوم ما لم يثبت انحصاره فيه، وهكذا في المواضع الكثيرة المؤيدة ببعض النصوص الصريحة، كصحيحة عبيدة الماضية الآمرة بعزل نصيب الزوجة من تركة زوجها حتى تبلغ وتجيز، مع أن ذلك على خلاف الاصول العدمية (1)، غير تام، وغير نافع: أما الأول: فهو واضح، لأن ورود نص في مورد خاص، لا يورث القاعدة الكلية الفقهية. مع أن جريان هذه الاصول العدمية - حسب الموازين في الاصول المثبتة وغير المثبتة - محل إشكال، بل ومنع. وأما الثاني: فلأن ذلك يفيد القائلين: بأن ما هو الموضوع في الأدلة الشرعية والعقلائية هو العقد، وهو حاصل، لأن الشرائط كلها موجودة بالفعل حتى الشرط المتأخر، وأما نحن فلا ننتفع به، لإنكارنا اعتبار صدق عنوان المعاملة. فعلى ما تحرر منا، اتضح رخصة الأصيل في جميع التصرفات، ولا شئ عليه حتى رجحان الانتظار إلى أن تتضح الحال. هذا وقد مضى جريان قاعدة اليد في هذه المسألة (2)، ولاتصل النوبة إلى الأصل. ومن العجيب توهم جمع: بأن القائلين بتحقق السبب التام قبل


1 - الإجارة، المحقق الرشتي: 186 / السطر 16. 2 - تقدم في الصفحة 150.

[ 182 ]

الإجازة، بين من يقول: بأن الشرط أمر اقتراني ك‍ " الفصول " (1) والرشتي (2)، والخراساني (3)، والأراكي (4) - رحمهم الله تعالى - وبين من يقول: بأنه أمر متأخر كالمشهور (5)، وبين من يقول: بأنه لا تأخر في محيط تقنين القوانين الإلهية، فما هو الشرط هو وجود الإجازة، وهو ليس متأخرا حسب اللب والواقع: فمن كان من الأول والأخير، فعليه منع الأصيل عن الفسخ والتصرف، بل ومطلق التصرف. ومن كان من الوسط فله ترخيصه، لعدم تحقق الشرط!! وأنت خبير: بأن ذلك ناشئ عن الغفلة، ضرورة أن المشهور يقولون: بأن النقل حاصل من الأول ثبوتا، والكاشف متأخر، وما هو الكاشف هو الدخيل على الشرط المتأخر، وإذا سقط الأصل لما مضى، فعليهم المنع بلا شبهة وإشكال. ومما يدل على ذلك، وبه يندفع ما اعترضه عليهم الوالد المحقق - مد ظله (6) -: أنهم يقولون بأن ألفاظ المعاملات موضوعة للأسباب بما هي


1 - الفصول الغروية: 80 / السطر 36. 2 - الإجارة، المحقق الرشتي: 184 / السطر 13. 3 - كفاية الاصول: 118 - 119. 4 - نهاية الأفكار 1: 289 - 290، شرح تبصرة المتعلمين 5: 45. 5 - جواهر الكلام 22: 284 - 287، لاحظ المكاسب، الشيخ الأنصاري: 133 / السطر 19. 6 - البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 2: 187.

[ 183 ]

أسباب مؤثرة، ولذلك قالوا بالكشف، لأنه على القول بالنقل يلزم كون عمل الفضولي بيعا غير مؤثر، وهو خلاف مرامهم، ولأجله قلنا: إن القائلين بالكشف ينكرون الفضولي ثبوتا، لأنه قد أثر تأثيره، ولا حالة انتظارية بعد العقد إلا وجود الكاشف الإثباتي، فلا تغفل. هذا ما عندنا. حكم تصرفات الأصيل بناء على مختار الأصحاب وأما الأصحاب فهم في هذه المسألة مختلفون، ووجه الاختلاف أمران: اختلافهم في المراد من وجوب الوفاء بالعقد، واختلافهم في مسألة الكشف، والذي ينبغي في المقام الإشارة الإجمالية إلى تلك الوجوه في المسألة. فمن يقول: بأن الأصيل ممنوع، ولايجوز له النقض، توهم أن ظاهر الآية الشريفة هو الالتزام بالعقد، وعدم جواز نقضه، فلا يجوز له الفسخ، ولايجوز له التصرفات المنافية للحكم المزبور، فلا ترخيص في إعدام الموضوع، لأنه يناقض إيجاب الوفاء بالمعنى المشار إليه. وإذا قلنا: إن قضية الإجازة هو الكشف، فلا يجوز التصرفات الاخر أيضا، لعدم جريان الأصل السابق لما مضى. ومن يقول: بأنه ممنوع من نقض العقد وإعدام موضوعه، ولكنه يجوز له جميع التصرفات، توهم أن المراد من الآية الشريفة قبل تمامية العقد بلحوق الإجازة، ليس إلا عدم حله، ولا اقتضاء لها إلا ذلك، لأن موضوعها - وهو العقد - موجود، ولكن موضوع الممنوعية - وهو

[ 184 ]

التصرف - مشكوك الوجود، لأنه هو العقد المؤثر، وقضية الأصل عدم لحوق الإجازة. نعم، إن قلنا: بأن الإجازة شرط متأخر فله ذلك واقعا وظاهرا، وإن قلنا: بأن الإجازة كاشفة عن الشرط المتقدم فله ذلك ظاهرا، لا واقعا. وقد عرفت ما فيه على فرض كون الآية ظاهرة فيما توهمه وأفاده. ومن يقول: بأنه يجوز له النقض والفسخ، ولايجوز له التصرفات إلا بعد ذلك، توهم أن مفادها هو وجوب الوفاء بالعقد، وأما لزوم العقد وعدم قابليته للفسخ فلا يستفاد منها، فما دام العقد موجودا يجب الوفاء به، فلا يجوز التصرفات المنافية، وأما إذا انعدم العقد فله ذلك، والفسخ يعدمه. ولو قيل: إعدام الفسخ يحتاج إلى الدليل، وإلا فقضية الاستصحاب الموضوعي عدم الانفساخ، ومقتضى الاستصحاب الحكمي ممنوعيته عن التصرفات. قلنا: ظاهر الآية الشريفة، أن ما هو موضوع الحكم هو الوفاء بالعقد المفروض وجوده، ومقتضى أنه مأمور به أنه يتمكن من عدم الوفاء، وإذا كان العقد لازما فلا يتمكن من عدم الوفاء، وهو عدم تسليم المعقود عليه، فعليه يعلم أنه مادام العقد باقيا يجب عليه الوفاء، وإذا أعدمه فلا يجب، وهو بالخيار في ذلك الأمر. وإذا قلنا: بأن الإجازة كاشفة على مقالة " الفصول " وأشباهها، فهو ممنوع من مطلق التصرفات واقعا. وإن قلنا: بأنها كاشفة على مقالة المشهور فله ذلك واقعا وظاهرا.

[ 185 ]

ولكنك عرفت: أن التوهم المزبور في مقتضيات الكشف الحقيقي، ناشئ عن قلة التدبر في المسألة، فلا تغفل. ومن يقول بجواز الفسخ والتصرف مطلقا، ويقول بأن الآية لا تفي بأكثر من الممنوعية بعد الإجازة، توهم أنها ظاهرة في إيجاب الوفاء بالعقد، وهو ليس معناه إلا القيام بمقتضى العقد، وهو تسليم المعقود عليه، وحيث إن الهيئة فيها إرشاد إلى أن ذلك، لأجل كونه مال الغير المنتقل إليه بالعقد، فيعلم منه حصول الملكية بالعقد، ولزوم ذلك العقد، فلا دلالة لها إلا على ما عليه بناء العقلاء، فمجرد صدق " العقد " غير كاف لوجوب الوفاء بالعقد. وإن شئت قلت: العقد الذي هو لازم ولا ينفسخ هو العقد الذي يجب الوفاء به، والذي يجب الوفاء به هو العقد بعد الإجازة، ضرورة أنه قبل الإجازة لا وفاء له، بمعنى لزوم تسليم المعقود عليه، فيتعين كون مورد الآية هو العقد بعد الإجازة، فقبلها لا اقتضاء له، فلا لزوم له، فافهم وتدبر. بيان وجه الخلل في مختار الأصحاب هنا أقول: قد تبين فساد هذه الوجوه المحتملة حول الآية الكريمة في أول الكتاب، وفي بعض المواقف المناسبة، وقد ذكرنا: أن الآية صدرا وذيلا تناسب الحكم التكليفي، وقضية موضوعها أيضا ذلك، من غير إرشاد إلى شرطية أمر، أو إرشاد إلى لزوم عقد، ولو كانت مرتبطة بهذه

[ 186 ]

المواقف يلزم كونها دليلا على الجواز، لا اللزوم كما عرفت (1). فما عن جماعة من المفسرين: " من أنها ناظرة إلى العهود والعقود بالحمل الأولي، وأما البيوع والتجارات فليست هي العهد والمعاقدة، نعم بعد تحقق التجارة يكون على المتعاقدين إفراغ عهدتهم، والقيام بوظيفتهم، حسب مقتضيات المعاملات " (2) في غاية الدقة، وقريب جدا إلى الحق والصواب، وليضحكوا كثيرا على من يدعي: أن إعطاء فلوس وأخذ كبريت عهد ومعاهدة ومعاقدة، ولا يلتفت أحد منكم إلى من يذهب إلى خلاف ما أسمعناكم، فإن ربكم بالمرصاد.


1 - تقدم في الجزء الأول: 91 - 94. 2 - التبيان 3: 415، مجمع البيان 3: 233 - 234، الصافي 2: 5.

[ 187 ]

المرحلة الثالثة حول الامور التي لابد من التعرض لها وهي كثيرة: فمنها: لزوم إبراز الرضا قد عرفت فيما مضى، أن الرضا القلبي وغير المظهر لا يكفي لخروج الفضولي عن الفضولية، خلافا للعلمين: الشيخ الأنصاري، والسيد الوالد - عفي عنهما (1) -، والذي هو مورد الكلام في المقام: هو أن ذلك يكفي عن الإجازة، أم لا؟ وعلى الثاني: هل يكفي الرضا المظهر، أو لابد من إنشائه؟ وعلى التقديرين: يكفي الفعل، أو لابد من اللفظ؟ وعلى الثاني: هل يشترط فيه ما يشترط في ألفاظ العقود، من العربية، والماضوية، والتنجيز، والصراحة، أو يكفي مطلق اللفظ؟ أو يقال بالتفصيل بين موارد الفضولي، ففيما كان المقتضي قاصرا كبيع مال الغير، فيحتاج إلى الإبراز والإنشاء، وفيما كان المانع موجودا


1 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 124 / السطر 20، البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 2: 101.

[ 188 ]

كعقد بنت الأخ والاخت، فيكفي رضا العمة والخالة؟ وجوه، بل وأقوال. والذي هو الحق عندي لزوم الإبراز، من غير حاجة إلى الإنشاء، ويكفي في المبرز كل فعل ولفظ بالضرورة وإن كان غلطا ومجازا، لأن القيود المعروفة في ألفاظ العقود والإجازة لو تمت فهي تنحصر بموارد إنشاء الأمر الاعتباري، وفيما نحن فيه لا يحتاج إلى الإنشاء، فتسقط الاحتمالات الاخر، وتبقى دعويان: الاولى: عدم كفاية الرضا الباطني وذلك من غير فرق بين القول: بأن ما أنشأه الفضولي ليس مصداقا حقيقة للعناوين المعاوضية والعقود العقلائية، وبين القول: بأنه مصداقه، إلا أنه غير مؤثر (1)، ضرورة أن في كل عقد يحتاج إلى نحو من الالتزام بمفاده، وهذا المعنى لا يحصل بمجرد الرضا الباطني. ودعوى ظهور الآية الشريفة وروايات المسألة في كفاية الرضا (2)، غريبة جدا، لأن ذلك الرضا في الآية والرواية مظهر بالتجارة والعقد الذي أوقعه بنفسه، أو بتوكيله وإذنه. وبعبارة اخرى: توهم أن ظاهر الكتاب والسنة، شرطية التجارة مع التراضي في حلية الأموال التجارية، وهي حاصلة بعد رضا المالك،


1 - البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 2: 204. 2 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 124 / السطر 22.

[ 189 ]

أما تجارته فهي قد حصلت بإنشاء الفضولي، وأما التراضي فهو حاصل فرضا في نفس المالكين، ولا دليل على أزيد من ذلك، غير تام، لأن ذلك الرضا المذكور في الآية، هو الظاهر بالتجارة التي تصدى لها المالك، وهذا قيد واضح في مطلق التجارات، فلا يمكن استفادة عدم الخصوصية من الآية أو الرواية. فعلى هذا، ينحصر الدليل بمراجعة فهم القوم والعقلاء، أما فهمهم فقد نسب إليهم كفاية الرضا الباطني، ولكنها غير ثابتة، وأما بناؤهم فالظاهر عدم التزامهم بالعقد المذكور. وربما يخطر بالبال دعوى التفكيك بين الصحة واللزوم، بأنه يصح بالرضا، ولا يصير لازما إلا بالإظهار، والشاهد بناؤهم عليه. وفيه: أنه بالتدبر في بنائهم يظهر، أنه إذا رضي بفعل الفضولي، لا يجد ما عنده مال الطرف وملكه، وهذا شاهد على أنه مما يحصل النقل به بالوجدان. وتوهم التفصيل بين كون الإجازة كاشفة، أو ناقلة، فعلى الأول يكفي، دون الثاني، غير صحيح، لأن الإجازة الكاشفة ليس معناها أن العقد تمام المؤثر، بل للإجازة - زائدا على كشفها - دخالة شرطية على المشهور، وهي دخيلة في اتصاف العقد ب‍ " التعقب " وهكذا على سائر المقالات، وعندئذ لابد من الإبراز حتى يحصل الالتزام العقلائي بمضمونه. نعم، إذا قلنا: بأنها كاشفة محضا كشفا لغويا، فهو يرجع إلى عدم اعتبار التزام المالك بالعقد الواقع على ماله. ثم إن المراد من " الالتزام " ليس مفهومه الأولي، ولا التوجه

[ 190 ]

التفصيلي إليه، بل هذا أمر ارتكازي. وإن شئت قلت: لا يجد العقلاء لزوم عمل الراضي بالعقد بمضمونه، ولا يحكمون بوجوب الوفاء عليه، فلا تخلط. ثم إن المحكي عن صاحب " الكفاية " كفاية الرضا القلبي (1)، ولعله ناظر إلى الإنشاء والإبراز في افق النفس، ففرق بين الرضا الباطني، وبين الرضا المظهر في افق النفس الراجع إلى حديث النفس، وما فيه جلي لا يحتاج إلى الإنشاء. الثانية: عدم الحاجة إلى الإنشاء خلافا لما يظهر من السيد الاستاذ الحجة الكوه كمري (قدس سره) فإنه قال: بأن المسألة مبتنية على ملاحظة منشأ اعتبار الإجازة، فالشيخ جعل ذلك تخصيص عمومات الأدلة - بعد تسليم شمولها للفضولي - بأدلة طيب النفس والرضا، فهو في مخلص (2)، وأما نحن فجعلنا منشأه نفي شمول تلك الأدلة عن بيع لم يستند إلى مالك العوضين، فيكون وجه الحاجة إلى لحوق الإجازة، فقدان الفضولي للاستناد، وهذا أمر إيجادي يحتاج إلى الإنشاء، كنفس البيع (3)، انتهى ملخص مرامه (رحمه الله). أقول: لا مانع من الالتزام باشتراط الإبراز، وعدم كفاية الرضا


1 - حاشية المكاسب، المحقق الخراساني: 66. 2 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 124 / السطر 22. 3 - البيع، المحقق الكوهكمري: 393 - 394.

[ 191 ]

الباطني وإن قلنا بمقالة الشيخ، لما عرفت من أن العمومات منصرفة إلى البيوع المقرونة بالرضا المظهر، ضرورة أن الغالب في المعاملات يكون على هذا النهج، حتى في الفضولي الملحقة به الإجازة، ولا منع من الالتزام باحتياج العقد إلى الاستناد، وعدم احتياجه إلى الإنشاء، ضرورة أن الجهة الناقصة ليست ترجع إلى الماهية عندهم، فالنقص في العقد المزبور مستند إلى عدم كونه مضافا إلى المالك، ولا معنى لإنشاء تلك الإضافة، بل لابد من التزامه به، وهذا يحصل بموافقته لما صنعه الفضولي. بل لا يعقل الإنشاء، لأن الإنشاء متقوم بكونه لداع من الدواعي، ولا داعي له إلا إفادة الالتزام، وهو يحصل في أول تنطقه بكلمة " أجزت " و " أمضيت " و " رضيت " وغير ذلك، فتأمل جيدا. تذييل حول المآثير التي قد يتوهم دلالتها على كفاية الرضا الباطني قد يتوهم دلالة طائفة من المآثير على كفاية الرضا الباطني (1): ومنها: ما ورد في السكرانة، عن محمد بن إسماعيل بن بزيع، عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) (2) وهي ظاهرة في كفاية الفعل لظهور الرضا، ولا


1 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 135 / السطر 28. 2 - محمد بن إسماعيل بن بزيع، قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن امرأة ابتليت بشرب النبيذ فسكرت فزوجت نفسها رجلا في سكرها، ثم أفاقت فأنكرت ذلك، ثم ظنت =

[ 192 ]

دلالة منها على المدعى. مع أنها مشتملة على إشكالات يشكل حلها، والتفصيل في محل آخر. ومنها: ما ورد في نكاح العبد (1)، وهو مثل سابقه في ظهوره في أن السكوت دليل الرضا، فلابد من دليل في حصول الزوجية، بل ظاهره اشتراط تأثير العقد بالرضا القائم عليه الدليل وهو الرضا المظهر. ومنها: غير ذلك مما لا يرجع إلى محصل في المسألة. تنبيه في كفاية مطلق اللفظ بناء على اشتراط الرضا المبرز بناء على اشتراط الرضا المظهر، فلا فرق بين كون الألفاظ


= أنه يلزمها ففزعت منه فأقامت مع الرجل على ذلك التزويج، أحلال هو لها أم التزويج فاسد لمكان السكر ولا سبيل للزوج عليها؟ فقال: إذا أقامت معه بعدما أفاقت فهو رضا منها، قلت: ويجوز ذلك التزويج عليها؟ فقال: نعم. الفقيه 3: 259 / 1230، تهذيب الأحكام 7: 392 / 1571، وسائل الشيعة 20: 294، كتاب النكاح، أبواب عقد النكاح، الباب 14، الحديث 1. 1 - معاوية بن وهب قال: جاء رجل إلى أبي عبد الله (عليه السلام)، فقال: إني كنت مملوكا لقوم، وإني تزوجت امرأة حرة بغير إذن موالي ثم أعتقوني بعد ذلك، فأجدد نكاحي إياها حين أعتقت؟ فقال له: أكانوا علموا أنك تزوجت امرأة وأنت مملوك لهم؟ فقال: نعم، وسكتوا عني ولم يغيروا علي، قال: سكوتهم عنك بعد علمهم إقرار منهم، أثبت على نكاحك الأول. وسائل الشيعة 21: 117، كتاب النكاح، أبواب نكاح العبيد والإماء، الباب 26، الحديث 1.

[ 193 ]

المستظهر بها الإرادة والرضا، ألفاظا خاصة، أو مطلق اللفظ ولو كان من الأغلاط، لأن ما هو الشرط ليس إلا معنى يحصل بها قهرا وقطعا. وربما يتوهم: أنه إذا بنى على إظهار الرضا بجملة، فلابد من إتمام تلك الجملة، وإلا فله الرجوع، وهذا مايصدقه العرف والعقلاء. ولا يقاس ذلك بالإشارة، لأنها إذا تحققت يتحقق بها ما هو الشرط، بخلاف الكلمة الاولى من جملة " رضيت " فإنه يصح له العدول عن ذلك، وهذا كما يشهد على شرطية الرضا المظهر، يشهد على عدم كفاية كل حركة لذلك. وإن شئت قلت: الألفاظ الموضوعة لإظهار الرضا - سواء كانت من المجازات، أو الكنايات، أو غيرها - إذا استعملت للإظهار، فلا محيص عنه بعد ذلك، وإن كان من قصده إظهار رضاه بالجمل المتعددة كقوله: " رضيت وأمضيت " فإنه في الجملة الاولى يتم الشرط، بخلاف الألفاظ غير الموضوعة، فإنها غير كافية. ويندفع هذا التوهم: بأنه قد خلط بين الثبوت والإثبات، فإنه إذا كان من قصده إظهار الرضا بجملة " رضيت " فقد ظهر رضاه، ولا تسمع دعواه، وإن كان من قصده في الفرض الثاني إظهار رضاه بالجملة الثانية، أو بتمام الجملتين، فلا تسمع دعواه وإن كان بينه وبين ربه لم يظهر رضاه، كما لا يخفى. هذا كله قضية الأدلة العامة والنصوص الخاصة، فلو شك فقضية الاصول عدم ترتيب الأثر إلا إذا تحقق جميع ما شك في دخالته في ناقلية العقد، فلابد من إنشاء الإجازة بالعربية الصريحة مثلا، وهذا من

[ 194 ]

غير فرق بين المسالك في الإجازة. الأمر الثاني: ما إذا أمضى الكشفي العقد من حين الإجازة أو أمضى النقلي العقد من حينه لو قصد المجيز الإمضاء من حين الإجازة على القول بالكشف، أو الإمضاء من حين العقد على القول بالنقل، فهل تصح الإجازة، أم لا؟ فيه وجهان. وتفصيل الكلام وتحقيقه يتم في ضمن مسائل: الاولى: ما إذا أطلق المجيز إجازته إذا أطلق المجيز إجازته، ولم يكن انصراف إلى التقييد، فالظاهر وقوعها صحيحة، فعلى الكشف تكون كاشفة، وعلى النقل ناقلة على المسالك المختلفة. وإلى هذا يرجع ما في صحيحة ابن قيس من قوله: " فلما رأى ذلك سيد الوليدة الأول أجاز بيع ابنه " (1) فإنه لا نظر منه إلا إلى تنفيذ بيع الابن، سواء كان ناقلا، أو كاشفا. إن قلت: إن النزاع يتصور في مفهوم " الإجازة " لغة، فلطائفة اختيار


1 - الكافي 5: 211 / 12، تهذيب الأحكام 7: 488 / 1960، وسائل الشيعة 21: 203، كتاب النكاح، أبواب نكاح العبيد والإماء، الباب 88، الحديث 1.

[ 195 ]

أنها بمعنى الإنفاذ، ومعنى ذلك نفوذ العقد من حينه، ولاخرى اختيار أنها بمعنى الرضا بمضمون العقد، ومقتضاه حصول مضمونه من حينها، وحيث أطلق فأجمل فلا تقع صحيحة. قلت أولا: لا معنى للاختلاف المزبور بعد اتفاق اللغويين في مفهوم " الإجازة ". وثانيا: على التقديرين يتم الكشف والنقل، لأن إنفاذ العقد يرجع إلى العقد المعتبر بقاؤه، والرضا بمضمون العقد هو دليل القائلين بالكشف، فما في حواشي العلامة الأصفهاني (رحمه الله) من تصوير الخلاف وترتيب الشهرة عليه (1)، غير مرضي به. فبالجملة: لو سلمنا وجوب لحوق الإجازة للإجماع عليه، أو لأنه قضية الجمع بين المآثير، لأن منها: ما يدل على اعتبار الإجازة، كصحيحة ابن قيس، ومنها ما يدل على الرضا، كصحيحة ابن بزيع، فقال فيها (عليه السلام): " إذا أقامت معه بعدما أفاقت فهو رضا منها... " (2) الحديث، فاللازم هو الأخذ بالأخص، فلا إجمال في مفهومها اللغوي حتى يشكل صحتها هنا. الثانية: في صحة إجازة النقلي عند الكشفي وبالعكس إذا أجاز النقلي متوجها إلى أن إجازته تورث النقل من الحين،


1 - حاشية المكاسب، المحقق الأصفهاني 1: 157 / السطر 24. 2 - الفقيه 3: 259 / 1230، تهذيب الأحكام 7: 392 / 1571، وسائل الشيعة 20: 294، كتاب النكاح، أبواب عقد النكاح، الباب 14، الحديث 1.

[ 196 ]

فهل تصح الإجازة عند الكشفي، أم لا، وهكذا في العكس؟ والمراد من " توجهه " أن إنشاءه الإجازة ورضاه بالمعاملة مقيد في الظاهر، فيكون مفادها إجازة العقد من الحين، أو مفادها إجازة العقد من الأول. وجهان: ربما يقال: بأن الإجازة المقيدة تنحل إلى إجازة العقد، والتقييد الخارج عن وظيفته، لأن الكشف والنقل من الأحكام الشرعية، أو الأحكام العقلائية الممضاة في الشريعة، فليس في اختياره، فالقيد المزبور لغو. وهذا لا يقاس بمسألة الشرط الفاسد في العقد والإيقاع، إما لأن القيد لا يرجع إلى الشرط، أو لأن الشرط ليس لغوا في نظر الشارط، ولو كان لغوا فإنه لا يورث الفساد قطعا، بخلاف القيد فإنه يمكن الالتزام بمقيديته، فلا تغفل. ويمكن دعوى: أن التقييد يورث البطلان، لأن الانحلال العقلي غير مفيد، والانحلال العقلائي ممنوع. وكون الكشف والنقل من الأحكام الشرعية لا يستلزم عدم اختيارية موضوعهما، فإذا كان موضوع تلك الأحكام العقد المجاز، فإجازته بيد المالك، فإذا أجاز مقيدا فإما يقع على نحو التقييد، أو يقع باطلا، وحيث لاسبيل إلى الأول فيتعين الثاني. ولك التفصيل بين ما إذا أجاز وشرط نفوذ العقد بإجازته من الحين، أو من الأول، وبين ما كان على نحو التقييد، ففي الأول تندرج المسألة في ذيل تلك المسألة الكلية المشار إليها، وعلى الثاني يبطل.

[ 197 ]

والذي ظهر لي: أن هذا الشرط ليس بفاسد، لأن مقتضيات العقود - كشفا كانت، أو نقلا - من الأحكام العقلائية، وقد تقرر منا: أن الشرط الفاسد هو المخالف لكتاب الله، لا للأحكام الإمضائية (1)، فإنها ليست كتاب الله، فتدبر جيدا، فلو أمكن فرضا الالتزام بالكشف، فلا وجه للبطلان عندنا على جميع المباني. وهذا نظير ما إذا اشترط المالك بقاء الملك في اختياره إلى اسبوع، فإنه صحيح عندي. نعم ما هو المنافي لمقتضى ذات العقد، هو شرط البقاء أبدا، أو على الإطلاق. وأيضا تشبه المسألة بناء على صحة الشرط المزبور، الوقف المنقطع الأول. فبالجملة: إذا أجاز مقيدا بالنقل من الحين، فلازمه بقاء الملك إليه في ملك المالك الأول على الكشف أيضا، وإذا أجاز مقيدا بالنقل من الأول، فلازمه ترتيب آثار الملكية من حين العقد، فافهم وتأمل جدا. الثالثة: فيما إذا أجاز النقلي على الكشف وبالعكس إذا قيد النقلي إجازته بالكشف، أو الكشفي، إجازته بالنقل، فهل تصح الإجازة، أم لا؟ وإن شئت قلت: إذا غفل القائل بالنقل وأجاز على الكشف، أو


1 - تحريرات في الفقه، كتاب الخيارات، المقصد الثالث في الشروط، البحث الثالث حول أخبار المسألة.

[ 198 ]

بالعكس، فهل يتمكن هو بنفسه من تصحيح إجازته، أم لا؟ فيه وجهان، بل قولان، وتأتي الوجوه السابقة هنا أيضا، كما لا يخفى. نعم، مع التوجه لا يتمكن من ترشيح الإرادة الجدية متعلقة بإجازة العقد، إلا بناء على ما قويناه من جواز ذلك، لعدم رجوع القيد والشرط إلى الفاسد حتى يستلزم فساد المقيد والمشروط. الأمر الثالث: لو رد المالك قبل الإجازة، فهل تفيد الإجازة اللاحقة، أم لا؟ وجهان بل قولان: المشهور بل المدعى عليه الإجماع صريحا وظاهرا (1)، سقوط العقد. والذي اختاره جماعة كالمحقق الرشتي (2)، والفقيه اليزدي (3)، والوالد المحقق (4) - عفي عنهم - بقاء العقد، وكفاية الإجازة المتأخرة عنه. ويحتمل التفصيل بين ما لو باع للمالك، أو باع لنفسه. وتحقيق البحث يقتضي الغور في جهات: الجهة الاولى: في أن الرد مانع، أو عدمه شرط وعلى التقديرين هل هو شرط شرعي، أو مانع شرعي، أو هو من


1 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 136 / السطر 9. 2 - الإجارة، المحقق الرشتي: 167 / السطر 7. 3 - حاشية المكاسب، السيد اليزدي 1: 159 / السطر 18. 4 - البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 2: 218.

[ 199 ]

الشروط أو الموانع العقلائية؟ قضية ما تحرر منا في محله: أن الامور الاعتبارية لاتقبل الموانع الوجودية (1)، بل كل ذلك يرجع إلى اعتبار قيد في الماهية، ولذلك قلنا: إن الفضولي بالمعنى المشهور باطل، لأن ماهية البيع إن وجدت فيترتب عليها الأثر، وإذا لم يترتب عليها الأثر فيعلم أنه ليس بيعا، فعليه يدور الأمر بين كونه شرطا شرعيا، أو عرفيا: أما شرطيته العرفية فمنوطة بتمامية الإجماع المدعى في المسألة، وهو غير معلوم، بل الظاهر عدم الإجماع المحصل فيها. وأما شرطيته العرفية فلابد من الدليل، وغاية ما يمكن أن يستدل به عليه: هو أن الضرورة قاضية بأن الرد المتخلل بين الإيجاب والقبول يمنع عن الصحة التأهلية، والأمر فيما نحن فيه كذلك، لأن الإجازة تجعل المجيز أحد طرفي العقد. وبعبارة اخرى: العقد موجود قبل الرد والإجازة، ولكن طرفية المالك للعقد معدومة، فكما أن الرد في الأصيلين يورث عدم تحقق العقد، لتقومه بالإيجاب والقبول، كذلك يورث عدم تحقق تلك الإضافة التي لابد من وجودها في شمول الأدلة العامة. وإن شئت قلت: العقد الواقع من الفضولي على مال الغير، قد تحقق عنوانه الإنشائي، وهذا العقد نظير العقد الاعتباري الواقع بين الأصيلين، فكما أن الخيار هناك يورث الفسخ، كذلك الرد هنا يورث


1 - تحريرات في الاصول 8: 85 - 89.

[ 200 ]

الحل، ضرورة أن ذلك بحكم العقلاء، فإن العقد إذا ورد على مال الغير فله حله، وله إمضاؤه. ولك دعوى: أنه قضية إطلاق قاعدة السلطنة، كما استدل بها الشيخ الأعظم (قدس سره) (1). أو تقول: إن المتفاهم من النص والفتوى، اعتبار المعاهدة والمعاقدة في التجارات النافذة، وإذا رد المالك فلاتحصل هي بالإجازة اللاحقة. وبعبارة اخرى: الفضولي عقد المعاهدة على مال الأجنبي، فإذا رد المعاهدة فلا يعتبر لها البقاء حتى تصح بالإجازة. إن قلت: لا معنى لنفوذ رد الأجنبي، ولا شبهة في أن المالك قبل الإجازة أجنبي، ومجرد صيرورته بها أحد طرفي العقد، غير كاف في كونه غير أجنبي قبلها، فاعتبار عدم رد المالك الأجنبي كاعتبار عدم رد كل أحد. قلت: فرق بين المالك وغيره، ضرورة أن المعقود عليه هو ماله وملكه، فكيف يكون أجنبيا؟! والتعليل المزبور دليل ارتباطه، وإلا فلا معنى لصيرورته أحد الطرفين بالإجازة، وموافقة الذوق للاستدلال بقاعدة السلطنة، تشهد على أنه ليس أجنبيا، فما أفاده العلامة المحشي (رحمه الله) في المقام لا يخلو من تأسف. ومن العجيب دعواه " أن ما نحن فيه من قبيل رد التزام الغير، لا من


1 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 136 / السطر 11.

[ 201 ]

قبيل الرجوع عن التزامه " (1)!! انتهى. وأنت خبير: بأن الفضولي ربما لا يلتزم بشئ أصلا، بل هو يعقد علقة التجارة بين الطرف والمالك قائلا: " إنه ربما يجيز العقد " بل المتعارف في المعاملات الفضولية الرائجة بين الدلالين ليس أزيد من ذلك. هذا مع أن هنا أمرا ثالثا: وهو السلطنة على رد التزام الغير بحكم العقلاء، لوقوع الالتزام على ماله. ومما ذكرنا يظهر: أن الدليل المزبور يمكن إتمامه من غير الالتزام بما بنى عليه الشيخ في إتمامه من المقدمات الكثيرة - التي لا يلتزم بها المحقق الوالد - مد ظله (2) - ونحن معه في عدم تمامية تلك المقدمات، وأن الأمر في المقيس عليه باطل، لإمكان الالتزام بالصحة حتى في الرد بين الإيجاب والقبول - وذلك لأن ما هو السند هو فهم العقلاء والعرف، وموافقتهم لتجويز الرد على المالك، ولا معنى لتجويزهم ذلك إلا لما يرون في ذلك من الثمرة العملية، وهي ليست إلا سقوط المعاملة السابقة عن الأهلية، فمنع المالك عن الرد خلاف ذلك قطعا. والالتزام بجواز الرد تكليفا فقط مما لا خفاء في وهنه، لاشتراك الكل معه، فيتعين الالتزام بالسقوط، ويسقط جميع ما قيل في المقام.


1 - حاشية المكاسب، المحقق الأصفهاني 1: 160 / السطر 5. 2 - البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 2: 213.

[ 202 ]

بناء المسألة على اختلاف المباني في حقيقة الإنشاء والجواب عنه ومما افيد: " أن المباني في حقيقة الإنشاء مختلفة، فإن قلنا: بأنه الإرادة المظهرة، أو البناء والاعتبار النفساني المظهر، أو هو الأمر الإيجادي الاعتباري الباقي لدى العرف في الاعتبار، فعلى جميع التقادير لا وجه لهدمه بالرد، لعدم ارتباط هدم المالك بما صنعه الفضولي، وعلى التقديرين الأولين يهدم بهدم المنشئ، وعلى الثالث أيضا هو غير هادم، لعدم تقومه بإنشاء نفس المنشئ ". وأنت خبير: بأن من الممكن الالتزام بالبقاء الاعتباري على جميع المباني، لأن الإرادة المظهرة ليست هي الإرادة التكوينية، لأن مخزنها النفس، فهي اعتبار تلك الإرادة، فتكون باقية. وهكذا يمكن دعوى هدمه على الثالث، لأن الباقي في الاعتبار هو المنشأ الحاصل المصدري المتحد مع الإنشاء المصدري، وهذا الإنشاء والمنشأ معتبر إذا كان المنشئ باقيا على حاله، وإلا فهو وإن لم ينعدم من الأول، ولا يعقل ذلك، إلا أنه يسقط عن الاعتبار، فتدبر جدا. أقول: الحق أن رد المالك فيما نحن فيه، ورد الفضولي إنشاءه الفضولي، ورد الموجب إيجابه، ورد القابل إيجاب الموجب، لا يورث خللا، وذلك لأن ما صدر من الفضولي أو من الموجب، ليس تمام ما هو الموضوع لدى العقلاء في الحكم بترتب الآثار، وما كان كذلك لا يحتاج لديهم إلى الرد، حتى يشكل اعتبار صحة الرد بلا ثمرة عملية، فلا يعتبر

[ 203 ]

صحة الرد أساسا، ولا معنى له رأسا، لأن العمل الإنشائي بدون القبول والإجازة لا ثمرة فيه، فإذا كان الرد واللارد متساوي النسبة إلى حقيقة العقد، وإلى تأثيره، فلا معنى لكون المالك ذا سلطنة عليه، ولا يساعد العرف قطعا على تلك السلطنة، ضرورة أن اعتبار السلطنة متقوم باختلاف الأثر بين إعمالها وعدم إعمالها، وفيما نحن فيه يشترك الإعمال واللاإعمال في الحكم، كما لا يخفى. ثم إن ذلك أيضا يتم على احتمال كون الرد مانعا، وأما عدم تماميته إذا رد الموجب إيجابه قبل قبوله، فهو غير معلوم كما سيأتي، ولاسيما على القول: بأن تمام حقيقة العقد يحصل بفعل الموجب، ولا سمة للقبول إلا كسمة الإجازة في الفضولي. الجهة الثانية: في مقتضى الأدلة الاجتهادية إثباتا بالنسبة لرد المالك قبل الإجازة فقد يقال: بأن الإجماع ناهض على الهدم (1)، وما فيه واضح. وقد يستدل على تقدير سقوط العقد بالرد ببعض المآثير، كصحيحة ابن قيس التي عرفت حالها (2)، من اشتمالها على الموهنات الكثيرة التي يشكل الوثوق بصدورها. واستدل الوالد المحقق - مد ظله - بصحيحة ابن بزيع قال: سألت أبا


1 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 136 / السطر 9. 2 - تقدم في الصفحة 30.

[ 204 ]

الحسن (عليه السلام) عن امرأة ابتليت بشرب النبيذ فسكرت، فزوجت نفسها رجلا في سكرها، ثم أفاقت فأنكرت ذلك، ثم ظنت أنه يلزمها ذلك ففزعت منه، فأقامت مع الرجل على ذلك التزويج، أحلال هو لها، أم التزويج فاسد، لمكان السكر، ولا سبيل للزوج عليها؟ فقال (عليه السلام): " إذا أقامت معه بعدما أفاقت فهو رضا منها ". قلت: ويجوز ذلك التزويج عليها. فقال (عليه السلام): " نعم " (1). وقال في تقريبه: " إن الظاهر من الصدر عدم غلبة السكر على المرأة حتى لاتفهم ما تقول، ويشهد له ابتلاؤها بالشرب، وفي حكاية الراوي عمله للفظة " التزويج " شهادة أيضا على أنها لم تقصر في الزواج بحفظ شرائطه. والظاهر من الجملة الاخرى: أنها ماباشرت الخطبة، لعدم تعارف ذلك، فتكون الخطبة فضولية. ولو فرضنا قيامها بذلك فمن ترك الاستفصال في الجواب يعلم: أن الإنشاء قابل للتنفيذ ولو كان مسبوقا بالرد، من غير فرق بين كونه كالمكره الذي بنفسه ينشئ، أو كالفضولي، أو كالسكران (2). فبالجملة: يفهم عدم خصوصية في المسألة، وأن الفعل الإنشائي


1 - الفقيه 3: 259 / 1230، تهذيب الأحكام 7: 392 / 1571، وسائل الشيعة 20: 294، كتاب النكاح، أبواب عقد النكاح، الباب 14، الحديث 1. 2 - البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 2: 217.

[ 205 ]

لايرد بالرد الفعلي والفزع والجزع العلني. والظاهر من الجملة الثالثة: أن الإجازة ليست تقديرية، بل هي بعدما اعتقدت وظنت لزوم ذلك، رضيت بالعقد منجزا، لا أنها رضيت به إن كان لازما. إن قلت: الرضا المنجز لا يكفي، إلا إذا كان عن المبادئ الصحيحة عندها، ويدل عليه ما في ذيل خبر أبي ولاد الماضي (1) أنه قال فقلت: إني كنت أعطيته دراهم، ورضي بها وحللني. فقال (عليه السلام): " إنما رضي بها وحللك حين قضى عليه أبو حنيفة بالجور والظلم، ولكن ارجع إليه فأخبره بما أفتيتك به، فإن جعلك في حل بعد معرفته فلاشئ عليك بعد ذلك... " الحديث. قلت أولا: في الماليات نحتاج إلى الطيب والرضا، وهو لا يحصل بمجرد القول الناشئ من الاشتباه، خصوصا إذا كان في القصة المعروفة، من ظهور رضاه في أنه كان آيسا من رجوع حقه إليه، وهذا نظير إذن صاحب المال للسارق بتنصيف ماله، فإنه غير كاف في حلية المال المزبور. وثانيا: قضية القواعد كفاية الرضا بالتصرف وبالعقد ولو كان عن خطأ، لأن الخطأ الذهني لا يورث قصورا فيما يعتبر في تأثير العقد، وتلك الصحيحة تدل على ذلك، فلا وجه لطرحها بمثل ذلك قطعا. فدلالتها على كفاية الإجازة بعد الرد غير خفية جدا، فما في


1 - تقدم في الجزء الأول: 250 - 251.

[ 206 ]

تقريرات سيدنا الحجة الكوه كمري (رحمه الله) من الإشكالات وإيراد الموهنات عليها (1)، غير تام، وبعد كون الإجازة المسبوقة بالرد كافية حسب القواعد، فهي مؤيدة، وليست مطروحة، ولا مؤولة. الجهة الثالثة: في مقتضى الاصول العملية قضية الاصول العملية لدى الشك في هدم العقد بالرد مختلفة، بناء على القول باعتبار عنوان " العقد " وبناء على أنه عنوان بسيط منتزع عن الإيجاب والقبول، أو هو نفس الإيجاب والقبول والإجازة، فيمكن إحراز جزء بالوجدان، وجزء بالأصل. والذي هو التحقيق عدم اعتبار عنوان زائد على عنوان " البيع " و " التجارة " وما هو المقرر منا في محله: أن موضوعات الأحكام لابد من أن تكون واحدة حقيقة (2)، أو اعتبارا، ولا يعقل تعلق الحكم - حسب الثبوت - بالمركب الأجنبي بعض أجزائه عن بعض، لأن الغرض الواحد يحتاج إلى الموضوع الواحد، والحكم المتشخص بالموضوع متقوم بوحدته، فلا معنى لما اشتهر من إثبات الموضوع بالأصل والوجدان (3)، لأن التقيد المأخوذ بين الأجزاء، لا يثبت إلا على القول بالأصل المثبت.


1 - البيع، المحقق الكوهكمري: 398. 2 - تحريرات في الاصول 8: 34 - 36. 3 - فرائد الاصول 2: 667، فوائد الاصول 4: 434 و 477 و 507 و 570، أجود التقريرات 1: 462 و 467، تهذيب الاصول 2: 353 - 354.

[ 207 ]

نعم، في القضايا الشرطية التي يكون الشرط واسطة في الثبوت، ولا يندرج في الموضوع - حسبما تقرر، خلافا لما قيل - فالأصل الجاري يكون منتجا، فلو كان الأمر فيما نحن فيه هكذا " العقد إذا كان موجودا يجب الوفاء به، بشرط إجازة المالك " فلامنع من إجرائه، كما لا يخفى. ولكن الشأن ممنوعية ذلك، بل قضية الأدلة تقييد الأدلة بالرضا والإجازة، فلا تخلط. الأمر الرابع: أن الإجازة حكم أو حق هل الإجازة من آثار الملك والسلطنة، فتكون من الأحكام العقلائية والشرعية، كنفس البيع والإجارة، أو هي كما يظهر من " البلغة " (1) حق، حيث عبر عنها - على ما ببالي - ب‍ " حق الإجازة "؟ وجهان. أو يقال بالتفصيل بين كونها كاشفة، فتكون حقا، وناقلة فتكون حكما؟ فالذي عليه الأصحاب هو الأول (2)، وقضية ما سلف منا هو التفصيل، ضرورة أن قضية الكشف هو انتقال المال إلى الطرف في الفضولي من ابتداء حدوث العقد، فلا يعقل حفظ مالكية المالك حال


1 - بلغة الفقيه 3: 17. 2 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 136 / السطر 15، حاشية المكاسب، المحقق الخراساني: 67، حاشية المكاسب، السيد اليزدي 1: 160 / 2.

[ 208 ]

العقد في حال الإجازة بحسب الواقع، فالمجيز حال الإجازة على الكشف ليس مالكا، وإلا يلزم النقل، فعليه لابد من إثبات الحق له، لكونه كان مالكا، نظير حق الاختصاص المشهور بين الأعلام، فكما هو من ترشحات الملكية الزائلة تبعا للمالية الساقطة، كذلك هو من تبعات الملكية السابقة، ويكون الفرق بين المجيز والأجنبي انتقاله منه إلى الطرف في السابق، وأما الأسبق فلا حق له، فيكون كالأجنبي. وبعبارة اخرى: بما أنها دخيلة بنحو الشرط المتأخر في النقل السابق، أو دخيلة في تحقق الشرط المقارن له، فلا سلطنة ولا ملكية حسب الواقع، وأما بحسب الظاهر فهو أيضا ممنوع فيما إذا علم بالإجازة. ولو قيل: إن الشرط والدخيل هو وجود الإجازة، لا الإجازة المعلومة، فقضية ما سلف وتحرر أنها بوجودها مقارنة للعقد، كما لا يخفى. فبالجملة: حسب الحكم الواقعي لا يكون المجيز مالكا، وحسب الحكم الظاهري الشرعي وإن كان مالكا، خصوصا بناء على ما تقرر منا من جريان قاعدة اليد في المقام، ولاتصل النوبة إلى الاستصحاب (1)، ولكن بناء على عدم جريان تلك القاعدة في مثل المقام، للإشكال الذي مضى، وعدم جريان الاستصحاب، لأن المالك الباني على الإجازة لا يشمله عموم: " لا تنقض... " فلا يثبت ملكيته ظاهرا، فلابد من ادعاء الحق له، فليتأمل جيدا.


1 - تقدم في الصفحة 163.

[ 209 ]

ثم إنه ربما يشكل اعتبار الحق ولو كان الاستصحاب جاريا، لأن الموضوع الثابت بالأصل التعبدي الشرعي، لا يكون كافيا لكونه منشأ اعتبار الحق، بل وكذا قاعدة اليد، بناء على كونها في مثل المقام تأسيسا، لا إمضاء، كما عرفت تفصيله. شبهة على إرث حق الإجازة وجوابها بقي في المقام شئ: وهو أنه لو فرضنا أنها حق، فلابد من دعوى كونه مترشحا من الملكية، وتابعا لها، فإذا انتقل الملك إلى الوارث، فبما أنه مبدأ ذلك الحق فيلزم كون الوارث ذا حقين: حق بالأصالة، لاقتضاء مالكيته ذلك، وحق بالإرث، ولا يعقل اجتماع الحقين على شئ واحد. ولا يقاس ذلك بالخيارات، ضرورة أن هناك أسبابا متعددة لاختيار الفسخ، ولا يعقل كونه ذا اعتبارين على شئ واحد، وأما فيما نحن فالسبب هو مالكية العين والإرث، فإن كانا راجعين إلى الواحد فهو خلف، وإن كان كل يستدعي حقا فلا يعقل، لأن الحق الواحد لا يتعدد، لأن المفروض أن الحق الموروث هو الحق الناشئ من الملكية اعتبارا، ومجرد إمكان التعدد الشخصي غير كاف. بل قد عرفت: أن الخيارات العديدة ليس معناها إلا الأسباب العديدة للخيار واختيار الفسخ والحل، فلا تغفل. بل لا يعقل التعدد الشخصي إلا بالتقييد، فيقال: " الحق المعلول

[ 210 ]

لكذا " و " الحق الحاصل من كذا ". فبالجملة: بناء على هذا يدور الأمر بين الالتزام بأحد السببين، أو سقوط الحقين، لعدم إمكان التعيين، لاسبيل إلى الثاني، فيتعين في الفرض الأول الالتزام بسببية الملك، لأنه لا يعتبر التورث في هذا الموقف، كما لا يخفى. أقول: قد وقع خلط بين لازم الملك، ولازم المالكية، فإن قلنا: بأن التورث ليس إلا انتقال الملك إلى الوارث، من غير تغيير في ناحية صفة الملك، فلا تعدد للحق، لأنه من توابعه، فإذا كان بيد المورث فهو له، وإن كان بيد الوارث أو الموهوب له فهو له، وإن قلنا بسقوط تلك الصفة عرفا - كما هو كذلك عقلا - فيأتي البحث السابق. والذي هو الأقرب إلى الذهن: أن ما نحن فيه من قبيل حق الرهانة الذي هو يقبل النقل بالعرض، لأن الدين إذا انتقل بالبيع مثلا إلى المشتري، فينتقل إليه حق الرهانة، على ما قيل في محله، فإذا انتقل الملك والمال إلى الورثة، فينتقل إليهم الحق المذكور تبعا للعين، فليس هذا الحق مترشحا من المالكية. هذا، ولك دعوى: أن التورث هو نيابة الوارث عن المورث، فينتقل قهرا بوجه الحكم الشرعي والحق الثابت لعنوان " المالك " فما اشتهر: " من أنه إذا كان حكما فلا يورث، وإذا كان حقا فيورث " (1) ممنوع في


1 - حاشية المكاسب، المحقق الخراساني: 67، حاشية المكاسب، المحقق الإيرواني 1: =

[ 211 ]

كلا الشقين على بعض المباني. ثم إنه لا وجه لدعوى عدم انتقال حق الإجازة، معللا بعدم مساعدة الاعتبار، كما اشير إليه، بل الاعتبار يساعد ملكها، ضرورة أن الملك والحق في عرض واحد، فإذا تركهما الميت فهما لوارثه في عرض واحد، فلاتصل النوبة إلى الحق المترشح من مالكية العين. وإذا اختلف الأثر بين ثبوت الحق للوارث بالأصالة، وبين ثبوته له بالتبع، فلابد من الأخذ بالأول، جمعا بين القواعد، فإذا كان البيع من الحبوة، أو مما لا ترثه الزوجة، فلا يشترك مع الولد الأكبر غيره من الوراث في الفرض الثاني، ويشترك معه في الفرض الأول، وهكذا في المثال الثاني، فتأمل. وقد يقال: بأن مجرد ثبوت الحق غير كاف لإثبات التورث (1)، لإمكان شرطية وحدة المالك حين العقد والإجازة. وفيه: أنه أيضا ممكن المنع، لأن الوارث اعتبر نائب المورث، فيقوم مقامه، فيكون الشرط محفوظا. وربما قيل: إن الحق إذا كان مفيدا يورث، وفيما نحن فيه لا فائدة فيه على الكشف، لأنه لا يتمكن الوارث من تصحيح المعاملة الفضولية، لأنها واقعة على مال المورث.


= 132، حاشية المكاسب، المحقق الأصفهاني 1: 160 / السطر 21، البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 2: 219. 1 - لاحظ البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 2: 219.

[ 212 ]

وفيه أولا: نقض بعدم إمكانها على النقل، لأن المنشأ فضولية مبادلة المالين في ملكية المالكين المعلومين، وإذا تبدل المالك فلا يمكن تصحيح هذا الإنشاء. وثانيا: أن حله بأن خصوصية المالك خارجة عن حقيقة المبادلة، فلافرق بين الكشف والنقل. هذا مع أنه لو تم ما افيد، فهو من أدلة اشتراط وحدة المالك حين العقد والإجازة، وسيأتي الكلام حوله في مسائل المجيز إن شاء الله تعالى (1). الأمر الخامس: جريان الفضولية في العقود الإذنية والقبض والإقباض قد مر منا في أول الفضولي، أن الجهة المبحوث عنها في الفضولي تسري في جميع العقود والإيقاعات (2). وتوهم عدم جريانها في العقود الإذنية (3)، كتوهم عدم جريانها في الإيقاعات (4). ومع أن المراد من " العقود الإذنية " لا يرجع إلى محصل، لأن التوصيف المزبور إن كان يرجع إلى أن المراد منه العقود التي تمام حقيقتها الإذن، فهذا تناقض، لعدم إمكان الجمع بين العقدية والإذنية. وإن كان يرجع إلى أن المراد منه العقود التي جنسها الإذن، فهو


1 - يأتي في الصفحة 261 وما بعدها. 2 - تقدم في الصفحة 17. 3 - المكاسب والبيع، المحقق النائيني 2: 11. 4 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 124 / السطر 14.

[ 213 ]

أمر مشترك بين جميع العقود، لأن المقصود ب‍ " الإذن " هو الرضا المعاملي المشترك بين الكل. وإن رجع إلى أن المراد منه العقود التي تعتبر من الإذن، ويكفي في تحقق ماهيتها الإذن، فهذا مما لا بأس به، ولكن معناه أن ماهيتها تحصل بالكناية، كما في البيع. وإن اريد منه أنها تحتاج بعد تحقق ماهيتها إلى الإذن، فهو ممنوع، لأن الإذن في التصرف من اللوازم العقلائية، ولا معنى له ثانيا إلا تأكيدا. وأما جريانها في القبض والإقباض، فيتوقف على بيان أمر: وهو أن المراد من " الفضولية " إن كان ما تعارف في العقود والإيقاعات من تحقق المعنى الإنشائي المتقوم بالإرادة الجدية الحاصلة من الفضولي، فلا تجري، لأن القبض والاقباض ليسا من المعاني الإنشائية، بل لا يعتبر في المعاملات تحقق عنوانهما، فيكفي تسليط المالك على ماله وإن لم يصدق عليه العنوان المذكور. وبعبارة اخرى: لا يعتبر القبض المصدري، ولو حصل بإطارة الريح يكفي بالضرورة والوجدان. وإن كان المراد من " الفضولية " معنى أعم، فيشمل ما لو كان الأثر مترتبا على مركب من أمر عنواني، ورضا بذلك الأمر، ولو كان ذلك الأمر حاصلا بفعل مجنون وحيوان أو إطارة ريح، فتجري في القبض والإقباض، ضرورة أن مجرد الرضا بدون القبض - بمعناه الحاصل المصدري - غير كاف، كما أن مجرد تسلط المالك غير كاف إلا فيما إذا أخذ الثمن، فإنه ليس له حق الحبس، وإلا فله الحق المزبور، فيحتاج إلى الرضا

[ 214 ]

بالضرورة. وهذا من غير فرق بين كون المبيع كليا، أو شخصيا، ضرورة أن الكلي يحتاج إلى التميز والرضا، ولا يكفي الرضا بدون التميز، كما لا يكفي التميز التخيلي من الأجنبي. وبالجملة: لا يعتبر في جريان الفضولي لزوم تحقق عنوان إنشائي، بل الاحتياج إلى الجزءين في ترتب الأثر تمام الملاك في الجريان وعدمه. وما يظهر من بعض الفضلاء: من أنه على المبنى الأول يسري الفضولي في الكليات، ظنا أن تعيين الكلي بالمصداق تجارة، فيكون من الامور الإنشائية (1)، في غاية الوهن، بداهة أن الطبيعي بنفسه موجود في الخارج، لا بمصداقه حتى يقابل بين الكلي ومصداقه. مع أن العرف والوجدان يكذبه كما هو الواضح. وبذلك الذي حررناه يظهر الخلط والمناقشات في كلمات القوم في المقام (2)، فتأمل فإنه حقيق به. هل أن إجازة العقد إجازة للقبض أم لا؟ إذا عرفت ذلك، وعلمت جريانها، فهل إجازة العقد إجازة للقبض


1 - حاشية المكاسب، السيد اليزدي 1: 160 / السطر 11. 2 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 136 / السطر 18، حاشية المكاسب، السيد اليزدي 1: 160 / السطر 10، المكاسب والبيع، المحقق النائيني 2: 136 - 139، حاشية المكاسب، المحقق الأصفهاني 1: 160 / السطر 25.

[ 215 ]

مطلقا (1)، أو لا مطلقا (2)، أو يفصل بين القبض فيما كان شرط الصحة، كالصرف والسلم، بل والوقف، وبين ما لم يكن كذلك (3)؟ والحق: أن هذه المسألة نظرية، بل هي تابعة للقرائن الموجودة المختلفة حسب المقامات، وما هو الواضح أن نفس الإجازة المتعلقة بالعقد، لا تكفي بذاتها عن الإجازة المحتاج إليها في القبض حتى فيما كان شرط الصحة، لأنه وإن أجاز مريدا به صحة العقد، لكن الشروط الشرعية في الصحة، تحتاج إلى التوجه واللحاظ كما لا يخفى، فربما لا يجيز العقد إذا توجه إلى ذلك، وربما يجيز العقد، ولا يجيز القبض، مع التوجه إلى شرطيته في الصحة، لأنه يرى نفسه بالخيار قبل القبض، بناء على عدم وجوب الوفاء بالإقباض الذي هو شرط الصحة، كما لا يخفى. نعم، فيما إذا وقعت الفضولية بالمعاطاة، فمع التوجه فلا ينفك ذلك عن ذاك، ولذلك اكتفي بإجازة البيع في قصة عروة، مع أن القبض والإقباض وقعا بغير إذن المالك ظاهرا، فتأمل. ثم إن من العجيب توهم: " أن إجازة العقد إجازة للقبض، صونا للإجازة عن اللغوية، فإذا قال: " أجزت العقد دون القبض " ففي بطلان


1 - النهاية: 402. 2 - مصباح الفقاهة 4: 223. 3 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 136، البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 2: 225.

[ 216 ]

العقد أو بطلان رد القبض وجهان " (1) انتهى!! وأنت خبير: بأن اللغوية المتحرزة هي التي تلزم في المبادئ العالية، دون متعارف الناس. نعم، في مقام المحاكمة لا تسمع دعواها. وفي الفرض المزبور يبطل العقد إذا كان بنحو المعاطاة، وقلنا: بأن هذا يعد ردا، وقلنا: إنه يورث البطلان، وإلا فقضية ما مر منا تحقيقه عدم بطلان العقد، فلا تخلط. ثم إن إجازة القبض تلازم الرضا بالعقد، وأما الرضا بالتسليط الأعم من القبض فلا، كما لا يخفى. فبالجملة: كلما كانت الملازمة عقلية، وكان المجيز متوجها إليها، فيسري الرضا بكل من العقد والقبض إلى الآخر، وكلما كانت الملازمة عقلائية، ففي مقام الدعوى لا يصغى إلى ادعائه، وأما بحسب الحكم الواقعي فالأمر موكول إليه، وعليه ملاحظة ماكان في نفسه بينه وبين ربه، فالبحث على هذا ساقط لا يحتاج إلى الإيضاح. الأمر السادس: ابتناء الإجازة على الفور وعدمه هل الإجازة مبنية على الفور، أو يجوز التواني والتأمل للمجيز ولو طال الزمان، أو يفصل بين كونها كاشفة، وبين كونها ناقلة؟ وجوه: فالمشهور على الثاني (2)، وقضية إطلاق كلماتهم بل وصريح بعض


1 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 136 / السطر 22. 2 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 136 / السطر 24، المكاسب والبيع، المحقق النائيني =

[ 217 ]

كفاية الإجازة اللاحقة ولو طالت المدة المتخللة بين العقد والإجازة، وذلك للإطلاقات بعد بقاء موضوعها. وقد يتوهم الفورية، لأن التأخير في حكم الرد، ولأن مبنى الفورية في الخيارات هو أن الإنسان مجبول بالطبع على رفع ما يكرهه، والأخذ بما يحبه، فإذا لم يعمل بالخيار مع علمه بثبوته، فلا محالة إما مقدم على الضرر، أو مسقط لحقه، وهذا هو جار في الفضولي، فيرجع تأخيره إلى الإخلال بحقه، فيعلم منه إسقاطه حق الإجازة، لدوران أمره بين جلب المنفعة، ودفع الضرر، وهذا هو بعينه موجود في المسألة. وأنت خبير بما فيهما من الوهن، ومن العجيب أن العلامة النائيني (رحمه الله) استدل بالأخير على فورية الخيارات المبنية على الفور، ومنع عن ذلك فيما نحن فيه (1)!! فلا تغفل. وقد يقال: إن إطالة المدة تورث قصورا في إمكان اللحوق عرفا، وإذا شك في ذلك ففي جريان الاستصحاب وعدمه وجهان، قد مضى: أن الحق عدمه (2). وهذا من غير فرق بين المباني في الكشف والنقل. نعم، على احتمال الكاشفية المحضة لا يبعد ذلك، فتدبر. ولك دعوى التفصيل بين الكشف والنقل، فإنه على النقل لابد من


= 2: 143، البيع، المحقق الكوهكمري: 403، البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 2: 226. 1 - منية الطالب 1: 258 / السطر 12، المكاسب والبيع، المحقق النائيني 2: 143 - 144. 2 - تقدم في الصفحة 162 - 163.

[ 218 ]

الفورية العرفية حتى يحصل الوحدة العرفية المعتبرة في السبب الناقل، وعلى الكشف فهي حاصلة من أول الأمر، ولكن الإجازة كاشفة عن حصولها، فتأمل. مسألة في ثبوت الخيار مع مماطلة المالك في الرد والإجازة وعدمه بناء على وجوب الوفاء على الأصيل، وحرمة تصرفه فيما انتقل عنه، إذا أخر المالك وماطل في الرد أو الإجازة، وكان في ذلك تضرر عليه، فهل يثبت له الخيار، أو يتعين عليه إلزامه بالرد أو الإجازة، أو يخير بين الأمرين؟ أو يتعين عليه المراجعة إلى ولي الأمر، أو يجوز له التصرف فيما انتقل عنه، أو لابد من الصبر وجبران الضرر والخسارة؟ أو هو بالخيار بين ذلك وبعض ما سبق، أو يتعين الأخير عليه أولا إذا التزم الأصيل بالجبران، وإلا فله ما سبق من الفسخ، أو التصرف، وهكذا؟ وجوه بل أقوال: ظاهر الشيخ الأعظم (قدس سره) هو التخيير بين التدارك بالخيار أو إجبار المالك على أحد الأمرين (1)، والمعروف عن جماعة تعين


1 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 136 / السطر 25.

[ 219 ]

الخيار (1)، واستقوى الوالد المحقق - مد ظله - جواز تصرفه فيما انتقل عنه ونفوذه على مسلك، وتعين المراجعة إلى الوالي على مسلكه في قاعدة " لاضرر... " (2). بيان مختارنا وأنه التخيير والذي هو الأقوى في نظري التخيير بين التصرف، وبين الفسخ، وبين الصبر والأخذ بالدرك. وقبل الإشارة إلى وجه المختار، لابد من الإيماء إلى مطلب: وهو أن في كل معاملة معاوضية موضوعين وحكمين أحدهما معتبر من الثاني: أما الموضوعان، فأحدهما العقد، والآخر تصرف كل من المتعاقدين فيما انتقل عنه. وأما الحكمان، فأحدهما اللزوم، والآخر الحرمة وضعية وتكليفية. وأما الترتيب، فلأجل أن تلك الحرمة نشأت من ذاك اللزوم بالضرورة. وهذا لا ينافي كون الآية الشريفة: * (أوفوا بالعقود) * (3) ناظرة - على تقدير دلالتها - إلى وجوب الوفاء وحرمة التصرف أولا، وإلى


1 - حاشية المكاسب، المحقق الخراساني: 70، حاشية المكاسب، المحقق الإيرواني 1: 133 / السطر 14. 2 - البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 2: 227 - 228. 3 - المائدة (5): 1.

[ 220 ]

اللزوم والصحة ثانيا، وذلك لأن الترتب في الدلالة لا يستلزم انقلاب الترتب الواقعي. وتوهم: أن الحرمة منتزعة عن الصحة والانتقال، في غير محله، لأن الانتقال الجائز لا يورث المنع عن التصرف، إذا اريد به إرجاع الملك إلى نفسه. وتوهم: أن الحرمة ممنوعة، بل الذي هو الحكم الثاني هو وجوب الوفاء، في غير محله، لأنه وإن كان يجب الوفاء، إلا أنه وجوب ناشئ من الحرمة التي ثبتت بالنص والعقل، ضرورة أن التصرف في مال الغير محرم، والمعقود عليه بعد العقد يصير ملك الطرف بالعقد، ويكون ملكه الملازم للزومه. هذا في العقود الأصلية، وأما في الفضولية فيشكل إتمام ذلك، لعدم الانتقال واقعا. نعم، لا مانع من الالتزام بأن الحكم الثانوي في اللب، والأولي في الآية والاستعمال، هو وجوب الوفاء، وهذا يستلزم المنع ولو كان المعقود عليه في ملكه وغير منتقل إلى الطرف. إذا عرفت ذلك فاعلم: أنه قد يقال بامتناع التفكيك بين الحكمين، لأن أحدهما بدون الآخر لغو، فلا معنى للزوم العقد مع جواز مطلق التصرف ولو كان هادما لموضوعه، ولا وجه لممنوعيته عن التصرف أو وجوب الوفاء عليه مع جواز العقد، فإذن لا يعقل بعض الوجوه المزبورة احتمالا. وفيه: أن معنى لزوم العقد إن كان حرمة النقض، ولزوم إبقائه في

[ 221 ]

عالم الاعتبار، فهذا ينافي الترخيص في إفناء موضوعه وإعدام العقد إذا كان يؤدي ذلك إلى فنائه، وإلا فالمعروف عدم استلزامه ذلك (1)، ولأجل ذلك التزموا ببقاء خيار الغبن وغيره وإن تلفت العين، معللين بعدم الملازمة بين الأمرين (2). وإن كان معناه لزوم العقد على تقدير وجوده، أي لا يجوز ما ينافي ذلك، وأما إعدامه فلا منع، لعدم تكفل الحكم لحال موضوعه من جهة وجوب حفظه وحرمة إعدامه، فإذا كان العقد موجودا فهو لازم، أي يجب الوفاء به وإن كان جائزا إفناؤه بالفسخ ونحوه، وهذا لا يجامع الترخيص المزبور، لأنه ليس حكما وراء اللزوم، وحيث اشتهر الأول فلا مانع عقلا من الالتزام بالتفكيك، كما التزموا به في المسألة التي تكفلت لحكم الأصيل، فليراجع (3). فعلى هذا نقول: أما وجه المختار فهو التقريب الذي اخترناه في مفاد قاعدة " لاضرر... " بأن المنفي مطلق الضرر الواقع بين الخلق من بعضهم على بعض، ومطلق الضرر الواقع من قبل الشريعة المقدسة


1 - جواهر الكلام 22: 190، المكاسب، الشيخ الأنصاري: 134 / السطر 11، و: 136 / السطر 24، البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 2: 193 و 228. 2 - الروضة البهية 1: 378، جامع المقاصد 4: 296 - 297، مفتاح الكرامة 4: 598 / السطر 19، المكاسب، الشيخ الأنصاري: 241 / السطر 28، شرح تبصرة المتعلمين، المحقق العراقي 5: 162. 3 - لاحظ جواهر الكلام 22: 290، المكاسب، الشيخ الأنصاري: 134 / السطر 11، البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 2: 193 و 228.

[ 222 ]

فرضا، ولا يشترط كونه السبب العرفي، أو العلة التامة، أو جزءها الأخير، لعدم الدليل على تلك السببية، وعند ذلك يعلم: أن اللزوم منفي وإن كان هذا أعم من الخيار الحقي ووجوب الوفاء أو حرمة التصرف نفيه، ولا وجه للاقتصار على الأخير، ولا على الأول، وهذا النفي يرجع إلى سد تحقق الضرر. ولو تحمل الضرر فلابد من تداركه، لأن إطلاق القاعدة يقتضي جبران الضرر وتداركه، ويرجع ذلك إلى إفناء الضرر الموجود، فإنه بالتدارك ينعدم ويفنى، ولا وجه لتعين أحد الامور الثلاثة بعد كون الكل مصداق القاعدة في عرض واحد، كما لا يخفى. ثم إن مقتضى ما هو الأظهر في مفاد الآية الكريمة، أن اللزوم حكم وضعي ثابت، ووجوب الوفاء حكم تكليفي وإن كان يستلزم عدم نفوذ تصرفاته، فالتفكيك بين الحكمين أوضح، ولو كان التفكيك ممتنعا لما كان وجه لذهاب جمع فيما مضى إلى لزوم العقد وجواز التصرف (1). وقضية ما سلكناه عدم الفرق بين الأصيل المتوجه إلى فضولية المعاملة المحتمل وقوعه في التضرر، وغير المتوجه، وأما على المشهور فيلزم التفصيل، لعدم استناد الضرر إلى اللزوم، ولذلك قيل


1 - لاحظ جواهر الكلام 22: 290، المكاسب، الشيخ الأنصاري: 134 / السطر 11، البيع، المحقق الكوهكمري: 384، البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 2: 193 و 228، مصباح الفقاهة 4: 175 - 180.

[ 223 ]

بعدم ثبوت الخيار للمغبون المقدم مع احتمال الغبن العقلائي (1). ثم إنه ربما يتخيل الفرق بين الكشف والنقل، فعلى النقل يمكن ترخيصه بالتصرف للقاعدة، وعلى الكشف لا يمكن إلا بفسخ العقد (2)، وذلك لأن ممنوعية الأصيل عن التصرف فيما انتقل عنه على الكشف، مترشحة من احتمال كونه مال الغير، مع عدم جريان الأصل الظاهري لوجه أشرنا إليه، وهي غير قابلة للرفع والنفي بالقاعدة، لأن منع الأجنبي عن التصرف في مال الغير ليس ضررا، بخلافه على النقل، فإنه مترشح من لزوم العقد ووجوب الوفاء به، فتدبر. تذييل: في بيان الوجوه التي يمكن الاستناد إليها في محتملات المسألة السابقة قد تبين مما ذكرناه الوجوه التي يمكن أن يستند إليها في محتملات المسألة، فمن قال بالتخيير بين الفسخ والإجبار على أحد الأمرين (3)، ظن أن القاعدة لا تفيد إلا نفي الضرر، وهو ممكن بكل واحد منهما.


1 - جواهر الكلام 23: 43 / السطر 18، لاحظ المكاسب، الشيخ الأنصاري: 236 / السطر 1، شرح تبصرة المتعلمين، المحقق العراقي 5: 151. 2 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 134 / السطر 1، لاحظ البيع، المحقق الكوهكمري: 384، البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 2: 193. 3 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 136 / السطر 24.

[ 224 ]

ومن قال كالسيد الفقيه اليزدي بتعين الإجبار أولا، ثم الخيار (1)، توهم أن إمكان سد الضرر بطريق آخر يمنع عن إجراء القاعدة. ومن قال بتعين الخيار، ولاتصل النوبة إلى الإجبار قال: بأن جواز الإجبار حكم حرجي، فلا معنى لذلك، بل هذا يستلزم الهرج والمرج أيضا (2). ومن قال بتعين المراجعة إلى الوالي (3)، ظن أن مفاد القاعدة نهي سلطاني، ولا ربط لها بالأحكام الأولية، ففي المسألة يرجع الشاكي إلى ولي الأمر، وعليه قلع مادة الفساد، كما قلعها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد المراجعة إليه في القصة المعروفة (4). ومن نفى الخيار الحقي، وأثبت الجواز الحكمي، توهم أن القاعدة لا تفي إلا بإثبات الجواز بنفي اللزوم، والخيار الحقي لا يثبت إلا في العقود الأصيلية، لاختصاص أدلته بها كما لا يخفى. ومن عجيب ما وقع في المقام كلام العلامة الخراساني (رحمه الله) حيث توهم: " أن المسألة مبنية على أن المنفي إن كان هو الحكم الضرري فيصح ما في المتن، وإن كان المنفي هو الموضوع الضرري تعين


1 - حاشية المكاسب، السيد اليزدي 1: 160 / السطر 23. 2 - حاشية المكاسب، المحقق الإيرواني 1: 133 / السطر 14. 3 - البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 2: 228. 4 - الكافي 5: 292، وسائل الشيعة 25: 427، كتاب إحياء الموات، الباب 12، الحديث 1.

[ 225 ]

الخيار " (1)!! انتهى. وجه التعجب أن هنا موضوعين وحكمين كما عرفت. مع أن مبناه فاسد جدا، ضرورة أن معنى نفي الحكم بلسان نفي الموضوع: هو كون الضرر ذا حكم في الشرع، كالشك، والسهو، وإذا ورد: " لاسهو لمن أقر على نفسه بالسهو " (2) يقال: " هذا نفي الحكم بلسان نفي موضوعه " وأما الموضوعات التي يطرأ عليها الضرر، وتوصف ب‍ " الضررية " فلا تكون من مصاديق ذلك، فلا تخلط. الأمر السابع: جريان الفضولية في نفس الإجازة قضية ما سلف جريان الفضولية في نفس الإجازة، فلو أوقع الفضولي، ثم أجاز أو باع المكره، ثم أجاز الفضولي، أو باع المالك بالبيع الإنشائي، بناء على ما عرفت منا من تصويره (3)، ثم أجاز الفضولي، فإن أجاز المعاملة فلا حاجة إلى الإجازة الثانية، وإن أجاز الإجازة، فهل يأتي في هذه الإجازة نزاع الكشف والنقل، أم لا؟ وتوهم: أن الإجازة الثانية هي حقيقة الإجازة المفيدة (4)، في غير


1 - حاشية المكاسب، المحقق الخراساني: 70. 2 - مستطرفات السرائر: 110، وسائل الشيعة 8: 229، كتاب الصلاة، أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الباب 16، الحديث 8، مع تفاوت يسير. 3 - تقدم في الصفحة 119. 4 - بلغة الفقيه 2: 262.

[ 226 ]

محله، ضرورة أن من الممكن دعوى الشرائط الخاصة في الإجازة، وهي حاصلة في الاولى، ولا يشترط شئ إلا الرضا، أو الرضا المظهر في الإجازة الثانية. هذا مع أن الإجازة إذا كانت من الامور الإنشائية - كما عرفت من بعض الأعلام من أساتيذنا (1) - فجريان الفضولية فيها قطعي، ولا يشترط الإنشاء في الثانية، لأن الإنشاء الذي هو شرط قد حصل، والثانية شرط نفوذ الاولى. اللهم إلا أن يقال: بأن وجه الالتزام بإنشائية الاولى، الاحتياج في استناد العقد إلى المالك، وهذا هو المشترك كما لا يخفى. فبالجملة: ما نحن فيه من قبيل الفضولي المدعي للوكالة، فكما أن إجازة الوكالة ربما تكون كافية عن إجازة البيع، كذلك إجازة الإجازة تكون كافية، ولا ينبغي الخلط بين الاعتبارات، ضرورة أن اعتبار قبول إجازة زيد للبيع الفضولي، غير اعتبار إجازة البيع بنفسه. فعلى كل تقدير: إن قلنا بكاشفية الإجازة، فلا فرق بين كون الكاشف الإجازة الثانية بنفسها، أو هي سبب كاشفية الإجازة الاولى، وأما إذا قلنا بناقليتها فربما يحصل الفرق، فإنه على كون المدار على الإجازة المتأخرة فالنقل يحصل من حينها، وإن قلنا: بأنها سبب ناقلية الاولى فالنقل يحصل في الاعتبار من حين الإجازة الفضولية المتقدمة. اللهم إلا أن يقال: بأن الإجازة المتقدمة لا تزيد على العقد المتقدم، فكما أن العقد المتقدم ليس ناقلا، ولا يصير ناقلا إلا بالإجازة،


1 - تقدم في الصفحة 190 - 191.

[ 227 ]

فكذلك الإجازة، فتكون الثمرة هنا وهناك مشتركة، أي كما أن ثمرة النقل ليست إلا عدم الحاجة إلى تكرار العقد بالشرائط المعتبرة في نفوذه، كذلك ثمرة الإجازة الفضولية ليست إلا جواز اكتفاء المالك بها، إذا قلنا باعتبار شئ فيها مما مر تفصيله، ولم نقل باشتراط هذه الإجازة بشئ. الأمر الثامن: كون الإجازة مطابقة لمضمون العقد وذلك لأنها اعتبرت إنفاذا له، ولا مزية لها إلا سمة القبول في غير الفضولي، وقد مر أن التطابق بين الإيجاب والقبول مما عليه العقل، لعدم تحقق ماهيته أو وجوده إلا بعد ذلك (1)، فالمسألة واضحة بحسب الكبرى في الصورتين، وإنما الإشكال في صغراها أحيانا. وربما يشكل ذلك: بأن النزاع هنا في مقامين: أحدهما: في أن العقد الصادر من الفضولي هل يبطل بتخلف الإجازة عن مضمونه، فلا يمكن تصحيحه وإن رضي الأصيل بعد التخلف بما أجازه المالك؟ مثلا: إذا باع فضولا داره، وقبله الأصيل، ثم أجاز المالك في النصف، فرضى بذلك الأصيل، فهل يتم العقد المزبور صحيحا، فلا حاجة إلى الإنشاء الجديد، ويأتي نزاع الكشف والنقل، أم لا؟ وهذا نزاع كبروي.


1 - تقدم في الجزء الأول: 173 - 174.

[ 228 ]

ثانيهما: في أن التخلف بالزيادة أو النقيصة يضر بالمطابقة المعتبرة، حتى إذا كان يضر فلابد من تجديد العقد، وإلا فلا، وهذا نزاع صغروي في تلك المسألة، ويأتي هنا أيضا، بمعنى أنه إذا رضي الأصيل يكفي بناء على القول بالكفاية في النزاع الأول، أو لا بناء على القول بعدمها. وبعبارة اخرى: بعد الفراغ عن المسألة الاولى، يمكن دعوى حصول التطابق في موارد التخلف صغرويا، ولو فرضنا عدم تحصيله فيها فيأتي البحث الكبروي المشار إليه. وإن شئت قلت: الإجازة لا تبطل مطلقا، سواء طابقت، أو تخلفت، لأنه في الفرض الثاني يصح تأهلا أيضا، وبلحوق رضا المالك يؤثر في مضمونه. الحق في النزاع الكبروي إذا عرفت ذلك فالحق في المقام الأول عدم بطلانه، لأن الامور الإنشائية الاعتبارية باقية في الاعتبار، ولا معنى لبطلانها إلا عدم ترتب الأثر عليها، وإذا كان المنشأ مثلا واحدا عنوانا كالدار، أو معنونا أيضا عرفا كالأحجار الكريمة، وأجاز المالك المعاملة في النصف، فهذا كالمعاملة البدوية، أي كما أن للمالك التفكيك في أجزاء مملوكه في البيع الابتدائي، كذلك له ذلك. وإجازة البعض وإن استلزمت التخلف عن المضمون، ولكنها

[ 229 ]

لا تستلزم سقوطه وعدم قابليته للحاظ الكثرة فيه بعد تحققه، إذا كان مورد الغرض العقلائي، فالدار وإن كانت مملوكة وحدانية، ولكنها عند تعلق الغرض بأبعاضها تعتبر مملوكيتها إلى غير النهاية، وهكذا عند تعلق الغرض في الإنشاء يفكك بين أجزاء المنشأ، وهذا مما يساعد عليه الاعتبار، ولا دليل على ممنوعيته شرعا، فلا وجه لأن تصير الإجازة لغوا، سواء كانت مطابقة، أو كانت غير مطابقة. نعم، إذا كان التخلف بالزيادة بإتيان شرط فاسد، وقلنا بفساد المشروط به، فإن قلنا بعدم الحاجة إلى المالك في تأثير العقد إلا لأجل إظهار الرضا، فهو حاصل سواء بطلت إجازته، أو صحت، وإن قلنا باحتياج الرضا الإنشائي أو إنشائه بالألفاظ الخاصة، فلاسبيل إلى تصحيحها. اللهم إلا أن يقال: إن المراد من " مفسدية الشرط الفاسد " سقوط المشروط عن التأثير، دون التأهل، فلا تصير الإجازة عند ذلك لغوا مطلقا. الحق في النزاع الصغروي وأما ما هو التحقيق في المقام الثاني، فلا يعلم إلا بعد الإشارة إلى أقوال الأصحاب فيه، فمن قائل بعدم تحققه مطلقا، لأن الإنشاء والمنشأ واحد في الإيجاد والوجود اعتبارا، ولا يعقل تكثر أحدهما بدون الآخر، وإذا كان الإنشاء واحدا بالضرورة فالمنشأ مثله.

[ 230 ]

أو يقال: إن الإيجاد الواحد لا يعقل أن يتعلق بالكثير بما هو كثير، فلابد من لحاظ الوحدة، والوحدة هنا تنافي الانحلال والتكثر. ومن قائل بتحققه مطلقا، حتى في الشروط الراجعة إلى قيود الطبيعة ولو كانت في المعاملات الشخصية، كما إذا باع هذه الحنطة إذا كانت من النجف مثلا، فإن هذا الشرط في حكم قيد الطبيعة، لأن الإجازة في حكم البيع الابتدائي. ولعل هذا ما يظهر من بعض الفضلاء المعاصرين (1)، ولكنه خلط بين كفاية الإجازة، وبين عدم سقوطها وبقاء قابليتها لتأثير العقد بعد لحوق الرضا من الأصيل ثانيا، كما عرفت في المقام الأول. ومن قائل كالشيخ الأعظم (قدس سره) بالتفصيل بين الجزء والشرط، لأن التبعيض من حيث الجزء ممكن، دون الشرط (2). ومن قائل بعكس ذلك، وقال: بأن التجزئة شرطا أولى منها جزء (3). وفي المسألة وجوه واحتمالات كثيرة جدا. والذي أفاده الوالد المحقق - مد ظله (4) -: أن مبنى المسألة في الأجزاء على صحة الانحلال عرفا وعدمها، وعلى أن الإجازة تعلقت بالإنشاء، أو بالمنشأ، فالذي هو الحق: أن الإنشاء لا تكثر فيه كالإخبار،


1 - منية الطالب 1: 259 - 260، المكاسب والبيع، المحقق النائيني 2: 146 - 152. 2 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 136 / السطر 26. 3 - حاشية المكاسب، السيد اليزدي 1: 160 / السطر 33. 4 - البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 2: 231 - 235.

[ 231 ]

فكما لا يكون " كل نار باردة " أكاذيب كثيرة، كذلك الأمر في ناحية الإنشاء، وكما يكون المخبر عنه كثيرا، فكذلك المنشأ، والمتفاهم العرفي في المبنى الثاني رجوع الإجازة والقبول إلى المنشأ والعقد الحاصل المصدري، فإنه هو الموضوع للأثر وحكم العقلاء، فعليه يحصل التطابق. نعم، موارد الانحلال بيد العرف تشخيصا وتطبيقا، ففي مثل بيع أثاث البيت، وبيع الفضولي دارا مشتركة بين كثيرين، وبيع ما يملك وما لا يملك - بفتح الياء كان، أو بضمه - وأمثاله، لا يبعد الانحلال، ولاسيما في الأولين. حكم عدم تطابق الإجازة مع العقد في الأوصاف والقيود وأما في الأوصاف والقيود المأخوذة في المبيع مثلا، فما كان منها من قبيل الكلي المقيد فالظاهر عدم حصول التطابق، من غير فرق بين الإجازة المشتملة على الزيادة والقيد المباين مع القيد المذكور في العقد، أو الخالية عن الوصف المذكور فيه، فإنه على التقديرين لا يحصل الشرط، لشهادة العرف، وعدم انحلال العقد بانحلال الموصوف إلى القيد والذات عندهم. ويلحق بها الشروط التي تورث تحديد الطبيعة كتلك القيود، كما في المثال الماضي. وما كان منها من قبيل أوصاف المبيع الشخصي والعين الخارجية، فإنه لا يبعد حصول التطابق، نظير ما قالوا في بيع الشخصي المتخلف وصفه المأخوذ في البيع، فإن الأصحاب هناك التزموا

[ 232 ]

بالصحة، وقالوا بالخيار، وليس هذا إلا لأجل أن الإنشاء إذا تعلق بالخارج، والإجازة تعلقت به، فلا يمكن التقييد، بحيث لا يكون ما في الخارج نفس المبيع، فإذا قال: " بعت هذا الفرس العربي " وأجاز المالك بيع هذا الفرس العجمي، فإنه قد أجاز ما أنشأه الفضولي، كقبول المشتري في الأصيل، والتخلف لا يضر بالتطابق كما ترى. حكم عدم تطابق الإجازة مع العقد المشروط وأما في الشروط فالأمر كما مر في الأجزاء، فإن المناط هو الانحلال العرفي، بأن ينحل العقد الواجد للشرط - بعد تعلق الإنشاء الفضولي بالمشروط مع شرطه - إلى الالتزامين عرفا من دون تقييد في البين. وأما تشخيص تلك الموارد فبيد العرف، فما كان من قبيل شرط الفعل الأجنبي عن المعاملة - كالاعتكاف في بيع الدار والحمام - فلا شبهة في صحة المعاملة وكفاية الإجازة، وما كان من قبيل الشروط التي اشير إليها آنفا المحددة لحدود المبيع، فلا تصح الإجازة. وهكذا فيما إذا كان البيع بدون الشرط غرريا، كما إذا باع حنطة، فإنه غرري، لاختلاف أفرادها في القيمة، وإذا شرط كونها من بلدة قم ترفع الجهالة، ولو أجاز بدونها يلزم فساد المعاملة، لأجل الأمر الآخر أيضا. ومثل ذلك ما إذا كان الداعي إلى المعاملة، جعل أمر شرطا في ضمن العقد، لعدم نفوذ الشروط البدوية، فإن مع هذا يشكل الانحلال،

[ 233 ]

بل لا ينحل. وأما إذا كان للشرط قسط من الثمن، كما في المتعارف من الشروط، فإن قلنا: بأن المناط هو الغرض فهو مقيد ولا ينحل، وإن قلنا: بأن المدار على الإنشاء فينحل، ولا يبعد الثاني، ضرورة أن الأغراض والمقاصد اللبية قاصرة عن تحديد الإنشاءات في مرحلة الظهور والإثبات. هذا كله فيما كان العقد واجد للشرط فأجاز الفضولي بإلغائه. حكم الإجازة المقيدة أو المشروطة لعقد مجرد عنهما وأما إذا كان فاقدا، فأجاز بإضافة قيد إليه أو شرط، فإن كان القيد واردا على المعقود له الكلي، فلا تكون الإجازة إجازة العقد المطلق الفضولي قطعا، فإذا باع الفضولي منا من الحنطة، فأجاز بيع الحنطة النجفية، لا تكفي الإجازة. وإن كان واردا على المعقود له الشخصي، فاستظهر - مد ظله - كفايته. وفيما إذا كان المضاف في الإجازة شرطا، فإن التفصيل الذي ذكرناه في الفرض السابق - من اختلاف الموارد بحسب حكم العرف والعقلاء - يأتي هنا. وما يظهر من العلامة النائيني (رحمه الله) في المقام: من أن الشرط إذا كان على الشارط هنا، وعلى الأصيل في الفرض السابق، فإنه لا إشكال في

[ 234 ]

عدم لزوم الإشكال في المشروط، وحكمه واضح (1)، فهو في غير محله، لأن كونه على نفس المجيز هنا أو على نفس الأصيل هناك لا يقتضي أزيد من إمكان إسقاطه، ولكن الانحلال وعدمه ليس دائرا مدار ذلك، كما لا يخفى. هذا كله حكم المشروط عند تخلف الإجازة عنه بالزيادة. بيان حكم الشرط وأنه يبطل أم لا وأما حكم الشرط فهو خارج عن الجهة المبحوث عنها في المسألة، ولكن تبعا للشيخ الأعظم نشير إليه، فقال (رحمه الله): " بأن فيه احتمالات ثلاثة: بطلان الشرط وعدم وجوب الوفاء به، ولمكان ذلك تبطل الإجازة، لأن الشرط الفاسد مفسد، بطلانه وعدم إفساده الإجازة، صحته ولزوم العمل به، لعدم كونه من الشروط البدوية " اختار هو الأول (2)، واختار السيد المحشي (رحمه الله) الأخير (3). واختار الوالد - مد ظله (4) - أن الإجازة إن كانت مجرد إظهار الرضا، فلا تبطل إلا برجوع الشرط إلى تعليقها عرفا، ولا معنى لاعتبار الشرط في ضمنها، لعدم كونها من العقود ولا الإيقاعات، كما مر تفصيله، وبذلك


1 - منية الطالب 1: 259 - 260، المكاسب والبيع، المحقق النائيني 2: 149. 2 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 136 / السطر 30. 3 - حاشية المكاسب، السيد اليزدي 1: 160 / السطر 35. 4 - البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 2: 234 - 235.

[ 235 ]

لا يخرج عن البدوية، كما زعمه الفقيه اليزدي (رحمه الله) (1). وإن كانت إيقاعا كما اختاره بعض الأجلة (2)، فهي إيقاع كسائر الإيقاعات، وفي اعتبار الشرط هنا إشكال، لأنه يرجع إلى اعتبار الفسخ للمتخلف عنه بعدم قبوله، أو عدم عمل الأصيل به، ولا معنى لفسخ الإيقاع، ولا لرجوعه إليه بعد تحققه ووقوعه عند العرف والعقلاء، وان يلتزم بذلك في طلاق الخلع والرجعي، ولكنه غير كاف، والمسألة بعد تحتاج إلى التأمل، وتفصيلها في مباحث الشروط إن شاء الله تعالى (3). مختارنا في عدم تطابق الإجازة مع المجاز أقول: وإن طال الكلام بذكر الأقوال في المقام، وما كان دأبنا عليه، إلا أن الاعتذار يهون الأمر، ويسهل الخطب، وفيما أفاده مواقع للنظر لا نتعرض لها. والذي هو الحق عندنا كلام واحد في جميع الفروض المذكورة من التخلف، بالزيادة كان، أو بالنقيصة: وهو أن الذي لابد منه بعد تحقق العقد العرفي من الفضولي على مسلك الأصحاب، أو بعد تحقق الإنشاء العقدي على مسلكنا، هي الموافقة لمضمون ما وقع، والرضا بذلك إظهارا وإبرازا به، فإن كان يصدق في التخلف بالنقيصة - وهو الفرض


1 - حاشية المكاسب، السيد اليزدي 1: 160 / السطر 35. 2 - لاحظ جواهر الكلام 22: 280، بلغة الفقيه 2: 275. 3 - تحريرات في الفقه، كتاب الخيارات، المقصد الثالث، القول في الشروط. (

[ 236 ]

الأول - إظهار الرضا بما وقع، أو يصدق إجازة وشرط في ضمنها في الفرض الثاني فهو، وإلا فلا تكفي الإجازة. فإذا رضي بما وقع على الأعيان الشخصية، فلا تكون كافية لكونها شخصية، ضرورة أن القياس المزبور مع الفارق، فإن الرضا المشروط مقيد غيرمنطبق على ما في الخارج، وفرض رضاه أولا بما في الخارج ثم الشرط، هو الرجوع إلى أن المناط ما ذكرناه، لا جزئية المبيع كما لا يخفى. ثم إن المناط في الإنشاء على ما يقع تحت الإرادة المظهرة والإيجاد الاعتباري، ويلغى اللبيات، ولا تكون هي المحددة لحدود المظهر بالإنشاء بالضرورة، وإلا يلزم الهرج والمرج، من غير فرق بين الأغراض الواقعة في سلسلة معاليل المعقود عليه، أو في سلسلة علله، بعد خروجه عن مصب الإنشاء، وعما ينصرف إليه ذلك، وبعد عدم كونه مبنيا عليه بالمقاولة أو التعارف. فعليه إذا كان ما وقع في ضمن العقد هو الفرض الأساسي للإقدام على العقد، فلا يخرج في مرحلة الإنشاء عن سمة الشرطية، فإذا كان الغرض هو الفرار من بدوية شرط الاعتكاف، فشرطه في ضمن معاملة، فرضي بها بدونه، فالظاهر تمامية المعاملة حسب الصناعة العلمية، فإنه قد أجاز ما وقع من المعاملة، ولم يجز الخارج عنها. نعم، إذا كان التخلف مورثا لقصور فيها لفقد شرط آخر، فهو أمر أجنبي عن المسألة، لأن البطلان مستند إلى أمر آخر، فلا تخلط، ولذلك يكون خارجا عن مسألة مفسدية الشرط الفاسد، لأن الفساد لأجل

[ 237 ]

الأمر الآخر الملازم، وهو الضرر مثلا في المثال الذي مر. ثم إن التحقيق في الشرط المذكور في ضمن الإجازة: أنه إذا رضي الأصيل به فهو لازم، ولا أظن التزام أحد بلزومه بدون رضاه، توهما أنه داخل في ضمن العقد، وهذا دليل أنه ليس من الشرط في ضمن العقد، فإن كان المدار على كونه في ضمنه فيشكل نفوذه، إلا على ما سلكناه من أن العقدية ومفهوم " البيع " يتحقق بالإجازة، وإن كان المدار على أنه في ضمن العقد المؤثر، بمعنى أن الإجازة شرط التأثير، فذكر في ضمن الشرط الذي هو دخيل في تأثير العقد، فهو نافذ. وعلى كل تقدير: يكفي في نفوذه عموم أدلته، وبذلك نخرج عن الإشكال في شمولها للشروط البدوية. حكم تخلف الأصيل عن قبول الشرط أو العمل به وأما إذا تخلف الأصيل عن قبوله، أو عن العمل به، فالظاهر القوي أن له الرجوع إلى إبطال إجازته، أو إلى ملكه وماله، كما في رجوع الزوج إلى الزوجية بعد رجوعها إلى ما بذلت في الخلع، ورجوعه إليها مطلقا كما في الرجعي، وهذا هو الظاهر من قوله تعالى: * (وبعولتهن أحق بردهن) * (1). وما قيل: " من أن الشرط في ضمن الإيقاعات باطل إلا ما خرج


1 - البقرة (2): 228.

[ 238 ]

بدليل " (1) غير سديد، لأن قضية القواعد عكسه، لمساعدة الاعتبار، ففي تحرير العبد إذا تخلف عن الشرط فله الرجوع إلى رقيته، إلا إذا قام نص أو إجماع على خلافه. مع أن من الممكن دعوى: أنه ليس من الشرط في ضمن الإيقاع، بل هو من الشرط في ضمن شرط آخر هو دخيل في تأثير العقد، كما عرفت تحقيقه، أو هو في ضمن العقد، لدخالة الإجازة في تحققه، على ما عرفت من مسلكنا في الفضولي. ويمكن دعوى اختلاف نتيجة البحث حسب نزاع الكشف والنقل، فالقائل بالنقل وجماعة من الكشفيين الذين يعتقدون بدخالة الإجازة في النقل والانتقال، لابد لهم من إنفاذ الشرط المزبور، بخلاف من يقول: بأنه لا دخالة لها في مرحلة الثبوت، كما عن المحقق الرشتي (قدس سره) (2) فليس له الالتزام بوجوب الوفاء، لأنه يعد من البدوي، فتدبر جيدا. الأمر التاسع: أن النزاع هل يختص بوقوع الإجازة بعد تمامية العقد أم لا؟ إن الخلاف في كون الإجازة كاشفة أو ناقلة، هل هو فيما إذا كانت بعد تمامية أجزاء العقد وشرائط صحته؟ أو هو جار فيما إذا كانت قبله، كما إذا أوجب الفضولي البيع، فأجاز


1 - لاحظ جواهر الكلام 32: 79، و 34: 117. 2 - البيع، المحقق الكوهكمري: 354، الإجارة، المحقق الرشتي: 180 / السطر 12. (

[ 239 ]

المالك قبل قبول الآخر، ومثله في الصرف والسلم إذا أجاز قبل القبض وقبل تفرق المجلس، ومثل تلك الإجازة الرهن قبل القبض؟ أو يختلف ذلك باختلاف المباني في ماهية المعاملة، وفي ماهية البيع الفضولي؟ ظاهر الأصحاب (قدس سرهم) هو الأول (1)، كما هو صريح السيد المحشي (رحمه الله) (2). وقد مر الكلام حول جريان الفضولي في المقام، وقد فرغنا عن تصويره. والحق جريان النزاع الكشف والنقل: أما على ما سلكناه في هذا المضمار، فلأن مقتضى جريان الفضولي فيها ذلك، لأن شمول العمومات للفضولي في البيع، ممنوع قبل الإجازة وقبل القبض والقبول بالضرورة، لأن موضوعه هو العقد العقلائي الناقل، وهما ليسا كذلك، وبعد الإجازة والقبض هما مشمولان لها، فيقع النزاع في أنه يجب الوفاء من ابتداء تحقق الماهية العرفية، فيكون كشفا، أو من الحين، فيكون نقلا. نعم، إذا كان القبض شرط الماهية عرفا فيشكل جريانه، أو كان في لسان الدليل شرطها في الاسم والمفهوم فهو، ولكنهم لا يلتزمون بذلك.


1 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 142 / السطر 24، الإجارة، المحقق الرشتي: 169 / السطر 7، البيع، المحقق الكوهكمري: 424. 2 - حاشية المكاسب، السيد اليزدي 1: 161 / السطر 7.

[ 240 ]

ثم إنه لا منع من الالتزام بجريان الفضولي، لما مر من أن الملاك في الفضولية أوسع عندنا مما هو الملاك عند القوم، وعدم جريان هذا النزاع، لتقومه بكون الماهية التي يتعلق بها الإجازة تكون تامة. وربما يلتزم بجريانه بناء على القول بأن تمام ماهية المعاملة يتحقق بالإيجاب، فليس القبول إلا كالإجازة، فيجري قبل القبول وهذا لازم ما أفاده الوالد المحقق - مد ظله (1) - ولكنه لا ينكر كبرى المسألة، وإنما أنكر صغراها هنا، والذي هو المقصود بالبحث كبراها، وهو أنه على فرض عدم تمامية الماهية يجري النزاع، أم لا. ثم إن النظر في القبض هنا أنه كالإجازة في الفضولي، أي كما أن الإجازة ليست من مقومات الماهية، ولكن للمجيز رد العقد، فلا يكون لازم الوفاء، كذلك القبض فيما يشترط صحته بالقبض، فإنه ليس من المقومات لها، ولكن مع ذلك يجوز قبل القبض رد العقد، كما في الوقف وغيره، وعلى هذا يأتي نزاع الكشف والنقل في القبض أيضا. إلا أن المتفاهم من أخبار المسألة هو النقل، لأنه أقرب إلى البناءات العرفية، وهذا لا يستلزم سد باب الكشف فيه، خصوصا على ما سلكناه من أن هذه الامور اختيارية للمالك، فله اشتراط كون أثر القبض من الأول في ضمن القبض، فافهم وتأمل.


1 - البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 2: 301 - 302.

[ 241 ]

المرحلة الرابعة فيما يتعلق بالمجيز وهو امور: الأمر الأول: كونه جائز التصرف ونافذ القول حين الإجازة فلا تصح إجازة غير البالغ العاقل القاصد، المحجور عن التصرف، لسفه، أو فلس، أو مرض. ثم إنه لا ينبغي الخلط بين شرائط المجيز وسائر الشرائط، كما وقع في كلام بعض أساتيذنا (1)، فعدم كون المبيع متعلق حق الغير أجنبي عن هذه المسألة. والظاهر عدم الفرق بين الكشف والنقل. وربما يشكل: بأن دليل اعتبار البلوغ قاصر عن إثباته في مطلق الامور، والذي هو المنصرف إليه من أدلته ممنوعيته عن التصرفات بالاستقلال والمباشرة، فإذا باشره واحد من العقلاء، وكان هو رشيدا في بيعه وصلحه، ثم أجاز، ففي عدم نفوذ إجازته إشكال، ومنشأه ما عرفت منا في تلك المسألة وفي اشتراط العقد شبهة، لعدم اعتبار الإنشاء في الإجازة، ومجرد الرضا المظهر كاف.


1 - البيع، المحقق الكوهكمري: 411 - 412.

[ 242 ]

وربما يتوهم الفرق بين الكشف والنقل في شرطية عدم الحجر (1)، فإنه على الكشف غير معتبر، لعدم صدق " التصرف " ضرورة أن التصرف والتحويل في مرحلة الثبوت ممنوع، وهو يحصل بالعقد قبل الحجر والمرض، وفي مرحلة الإثبات ليس ممنوعا، لعدم صدق " التصرف " وإن كان محجورا، فكون الإجازة شرط التأثير متأخرة بنفسها، أو سببا لحدوث الشرط في المتقدم ولانتزاعه منها، أمر، وأنها كلما تحققت تكشف عن وقوع التحول في السابق أمر آخر، وما هو الممنوع ليس هذا ولا ذاك. نعم، على النقل هو ممنوع، لأنه تصرف سواء قلنا بالنقل من الحين، أو بالنقل من الأول من الحين، ولاسيما على أنها سبب تعنون المنشأ بعناوين المعاملات. وبعبارة اخرى: إذا كانت قضية الاستصحاب أو الأمارة العقلائية، ممنوعية زيد عن التصرف، ولكنه تصرف مثلا غفلة ونسيانا، أو عمدا وطغيانا، بشرط عدم تولد إشكال آخر من تلك الجهة، ثم تبين أن تصرفه كان موافقا للقواعد، فهل هو نافذ، أم لا؟ فيه بحث. وهذا فيما نحن فيه أيضا كذلك، ضرورة أن قضية الاستصحاب بعد العقد الفضولي أو الأمارة العقلائية مثلا أو الشرعية - على الوجه الذي مضى منا تقريبها (2) - أن المملوك باق في ملك صاحبه، فعليه لا تنفذ


1 - لاحظ حاشية المكاسب، السيد اليزدي 1: 161 / السطر 19. 2 - تقدم في الصفحة 162 - 163.

[ 243 ]

قبل الإجازة تصرفاته، لأنه ملكه، ومن التصرف إنفاذ العقد فرضا، ولكنه بالإجازة يكشف فساد الاستصحاب والأمارة فما تسلمه الأصحاب (1) رضي الله عنهم لا يخلو من صعوبة. وقد مر: أن العقد الفضولي على الكشف ممنوع أصلا، لأنه دائر بين الصحة والفساد الفعليين، ولو كان القول بعدم الفرق ثابتا، فلا وجه لإحداث الفرق بين أنحاء الكشف واختلاف المالك فيه، خلافا لما قال به المحقق الوالد - مد ظله (2) - ضرورة أنه لولا إجازته يكون مقتضى الاستصحاب أن الملك له، وبالإجازة يجوز التصرف إثباتا، وهذا المقدار كاف في شمول أدلة الحجر عن التصرف في الأموال لمثله، فلاحظ وتدبر. الأمر الثاني: في أن وجود المجيز شرط أم لا فيه وجهان بل قولان، فعن بعض المخالفين (3) و " القواعد " اعتباره (4)، وهو المحكي عن ابن الجنيد (5) وبعض المتأخرين (6)، وصريح


1 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 136 / السطر 33، منية الطالب 1: 260 - 261، البيع، المحقق الكوهكمري: 408. 2 - البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 2: 236. 3 - لاحظ مفتاح الكرامة 4: 195 / السطر 10. 4 - قواعد الأحكام 1: 124 / السطر 18. 5 - لم نعثر عليه في المختلف لاحظ بلغة الفقيه 2: 278. 6 - لاحظ الإجارة، المحقق الرشتي: 170 / السطر 11.

[ 244 ]

الآخرين عدمه (1). والمراد من العنوان إن كان وجود المجيز ولو كان أجنبيا عن العقد الفضولي - بأن يكون حال العقد مجيز في العالم - فهو معلوم العدم، وقبيح الالتزام بمثله، وهو شرط دائم التحقق. وإن كان المراد كون المجيز أي الذي يجيز العقد بحسب الواقع، موجودا حال إنشائه وإيجاده، فهو يتصور في بيع مال اليتيم، لأنه حين العقد يمكن أن لا يكون موجودا، بأن كان حملا، فإنه لا يترتب عليه أحكام الموجودية شرعا، فباع وليه بيعا غير نافذ، أو باع أجنبي أمواله، فإنه إذا ولد وبلغ فلا تكفي إجازته، لفقد الشرط المزبور. وإن كان المراد كون من يحكم عليه حال العقد بأنه هو الذي تنفذ إجازته موجودا حال العقد، كما هو المتعارف في الفضولي، فيلزم بطلان البيع فيمن باع ثم ملك، لاختلاف ذلك، فإن من يحكم عليه ذلك حال العقد هو المالك الأولي، والمالك بعد البيع لا يحكم عليه حال العقد بالحكم الذي ذكر. ولعل من فرع على هذا الشرط تلك المسألة أراد من عنوان المسألة ذلك، فافهم. ثم إن المراد من " المجيز " ليس المجيز بالفعل، وإلا يلزم بطلان جميع البيوع الفضولية، لتقومها بعدم الإجازة حين الإنشاء، فالمراد منه


1 - جامع المقاصد 4: 72 - 73، المكاسب، الشيخ الأنصاري: 137 / السطر 4، منية الطالب 1: 261، البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 2: 238.

[ 245 ]

هو الصالح للإجازة صلاحية بالفعل وحين العقد، فلا الطفل الذي يبلغ يكون صالحا لها، ولا البائع الذي يملك بعد البيع صالح لها صلاحية بالفعل، فعليه يلزم تفرع المسألة الآتية على هذا الشرط، دون الشرط الآتي، فلاحظ وتدبر جيدا. الحق عدم اشتراط وجود مجيز حال العقد إذا عرفت ذلك، وأحطت خبرا بما في صحف المتأخرين من القصور والإشكال فاعلم: أن الشرط المذكور لا أساس له، لعدم الدليل عليه، ضرورة أن المدار في مسألة الفضولي على تحقق الإنشاء الجدي متعلقا بالمبادلة بين المالين، قاصرا عن التأثير، وعن كونه موضوعا لحكم العقلاء بالنقل والانتقال، من غير انتظار حالة اخرى زائدة على ما يعتبر في المفهوم والماهية، رافعا الشبهة المتصورة بإطلاق وعموم الأدلة، وبناء العرف والعقلاء. وما ترى في بعض الكتب القيمة (1) من الاستدلال بأن لحوق الإجازة إذا كان ممتنعا في حال، فهو ممتنع في جميع الأحوال، وبطلان العقد في زمان يستلزم البطلان في جميع الأوقات، وكبرى المسألة واضحة، وصغراها تظهر بأدنى تأمل، بداهة أن العقد الفضولي هو العقد الواجد لجميع الشرائط والإمكانات الاستعدادية، ويكون على أقرب مراتب


1 - لاحظ جامع المقاصد 4: 72.

[ 246 ]

الإمكان الاستعدادي إلى الصحة الفعلية، وإذا كان المجيز معدوما بالمعنى الذي مر، فلا يمكن الحكم عليه: بأنه على أقرب مراتب الإمكان الاستعدادي، فيكون باطلا وممتنعة صحته، فكيف يصير صحيحا بعد ذلك؟! لسقوطه عن الأهلية للإجازة. أو الاستدلال بأن الخروج عن العام في زمان يستلزم الخروج عنه أبدا (1). في غاية الوهن والسخافة، ولعمري إن التعرض لأمثال هذه المطالب من اللغو المنهي، وإضرار بحق الطلاب والمحصلين، ومجرد فتوى بعض الأعلام واستدلال بعضهم له لا يرخص في تضييع الأوقات الشريفة والأيام المباركة. إن قلت: قضية الأدلة الخاصة في الفضولي - بعد كونها خلاف القاعدة - هو الأخذ بالقدر المتيقن. قلت: فيه مضافا إلى أنه موافق لها، يصح إلغاء الخصوصية عنها. إن قلت: ربما يلزم الضرر، فإنه إذا كان العقد مثلا على مال اليتيم على خلاف مصلحته، فإنه ليس للولي إمضاؤه، فعلى الأصيل الصبر إلى بلوغه، ويكون ممنوعا عن التصرف في الثمن والمثمن، أما في الثمن فلأنه مقتضى لزوم الوفاء بالعقد، وأما في المثمن فلعدم الانتقال إليه (2). قلت: يتوجه إليه نقض بلزوم ذلك أحيانا في البعد المكاني أيضا،


1 - لاحظ حاشية المكاسب، المحقق الإيرواني 1: 134 / السطر 11. 2 - لاحظ جامع المقاصد 4: 72.

[ 247 ]

فلابد من اشتراط وجود المجيز في بلد العقد، وإمكان التوصل إليه فورا فورية عرفية، وبعدم لزوم الضرر إذا كان بين الزمانين فصل قصير، كيوم وساعة. بل وربما لا يلزم الضرر في الزمان الطويل، ولاسيما على القول بممنوعيته عن التصرفات المنافية، لا مطلق التصرف. وحله ما مر تفصيله سابقا: من أن الالتزام بممنوعية الأصيل غير لازم، لما أن ما يصنعه الفضولي ليس عقدا ولا بيعا، حتى يشمله الأدلة على ما عرفت تحقيقه منا (1). وأما إذا قلنا بمقالة المشهور، فقضية وجوب الوفاء بالعقد على كل واحد منهما مع قطع النظر عن الآخر - قضاء لحق الانحلال - لزوم حفظ العقد، وهذا ينافي الترخيص بالتصرف المنافي، وعلى كل تقدير لا يحصل من ذلك شرطية وجود المجيز حال العقد بنحو كلي، فتأمل جيدا. وربما يقال: بأنه لا يلزم الضرر من لزومه مطلقا، لاستناده إلى حرمة التصرف وعدم نفوذه، وهذا لا يستلزم جواز العقد، بل للأصيل جميع التصرفات، ثم إذا بلغ الطفل فأجاز فعليه رد مثله وقيمته، كما في الفسخ بعد التلف (2)، فتدبر. تذييل حول استدلالي المحقق الرشتي على اشتراط وجود المجيز حال العقد في كلمات المحقق الرشتي (قدس سره) استدلالان آخران:


1 - تقدم في الصفحة 5. 2 - لاحظ البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 2: 240.

[ 248 ]

أحدهما: " أن العقد مع عدم وجود المجيز بذاته أو عدم اتصافه بقابلية الإجازة - لصغر أو جنون - قد وقع في زمان خارج عن سلطانه، وقصوى ما ثبت للإجازة كونها مثل التوكيل، أي كما أن التوكيل في البيع لا معنى له مع عدم الموكل أو عدم الأهلية له، كذلك الإجازة، وإلا يلزم زيادة الفرع على أصله " (1). وفيه ما لا يخفى، والعجب أنه قال: " هذا لا يخلو من وجاهة "!! ثانيهما: " أن الإجازة هي الإذن، ولا فرق بينهما إلا في السبق واللحوق، فلا معنى لإمكان كونها مصححة للعقد السابق إلا بأنه كان إذا يأذن له يقع صحيحا، ومع عدم وجوده أو عدم أهليته لا يتصور المقايسة ". وقال (قدس سره): " وهذا أوجه، لكن كل ذلك اجتهادات مقابل النص " (2). وأنت خبير بما فيه، وأما النصوص فهي لو كانت تدل على المسألة، ولكنها أجنبية عن إفادة الحكم في جميع العقود والإيقاعات التي تكون واردة في مسألة الفضولي. والعجب أن الأصحاب (قدس سرهم) بناؤهم على القياس في هذه المواقف مدعين إلغاء الخصوصية (3)!! فإن ذلك يتم في بعض الموضوعات، فلا تخلط.


1 - الإجارة، المحقق الرشتي: 170 / السطر 24. 2 - الإجارة، المحقق الرشتي: 170 - 171. 3 - جواهر الكلام 22: 297 - 298، المكاسب، الشيخ الأنصاري: 137 / السطر 3.

[ 249 ]

الأمر الثالث: حول اشتراط نفوذ تصرف المجيز زائدا على أصل وجوده بناء على اشتراط وجود المجيز، فهل يشترط نفوذ تصرفه حال العقد، حتى لا يصح العقد الفضولي على مال المحجور مثلا، لعدم كونه حال العقد جائز التصرف، فلاتنفع إجازته بعد ارتفاع حجره؟ أو لا يشترط ذلك، فيصح في المثال المزبور، وفيما إذا وقع على مال الصغير، ولم يتفق إجازة الولي، أو لم يجزه ولم يرده فبلغ، فإنه يصير صحيحا بإجازته وإن كان حين العقد محجورا لصغره؟ ومن هذا القبيل ما إذا باع شيئا ثم ملك، وهكذا إذا باع الراهن العين المرهونة، فإنه بعد التملك والفك يصير نافذ الإجازة، وليس حال العقد جائز التصرف. ومن هذا القبيل بيع الأوقاف قبل طرو المسوغات، فإنه إذا طرأ فهل يصح بالإجازة، أم لا، لعدم كونه نافذ الإجازة حين العقد؟ أو باع العين الموقوفة، ثم نصب البائع متوليا عليها وهكذا، وتمام الكلام في المقام يقع في ضمن مسائل: المسألة الاولى: في الإجازة بعد فك الرهن لو باع الراهن العين المرهونة، ثم فك الرهن، فهل يصح

[ 250 ]

بالإجازة، أم لا، أو لا يحتاج إليها في الصحة؟ ثم بعد الفراغ عن ذلك، فهل يأتي نزاع الكشف والنقل، أو لا؟ فالبحث يقع في جهات: الجهة الاولى: في صحته بها وعليها الأكثر، بل هي المتفق عليه عند القائلين بصحة الفضولي (1)، ضرورة أن شرائط تحقق المعاملة موجودة، فإذا زال المانع عن النفوذ - وهو تعلق حق الغير - فلامنقصة حتى يحتاج إلى تحصيلها. بل بعض الإشكالات الجارية في الفضولي لا يأتي هنا، لقيام المالك بالبيع الذي هو مبادلة بين ذات المالين من غير ارتباط بحق الرهانة، فما هو السبب لعدم النقل وعدم ترتب الأثر هو الرهن، والمفروض انعدامه. ومن هنا يظهر وجه عدم الحاجة إلى الإجازة، وعدم سريان بعض إشكالات الفضولي، لأن الاستناد المعتبر عند جماعة في الفضولي (2) حاصل، وقد مر أن تحصيله بالإجازة اللاحقة غير ممكن عند التحليل


1 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 137 / السطر 14، الإجارة، المحقق الرشتي: 177 / السطر 16، منية الطالب 1: 261 - 262. 2 - حاشية المكاسب، المحقق الخراساني: 52، منية الطالب 1: 209 - 210، حاشية المكاسب، المحقق الأصفهاني 1: 130 - 131، كتاب البيع، المحقق الكوهكمري: 268 و 280 - 281.

[ 251 ]

العقلي، فعليه صحة هذا العقد أولى بعد عدم الدليل الشرعي على شرطية كون المجيز جائز التصرف حال الإجازة، وبعد ثبوت العموم والإطلاق في أدلة نفوذ المعاملات. وقد يقال: إن قضية الصناعة شمول دليل الوفاء بالعقد هنا لعقدين: عقد البيع، وعقد الرهن، وحيث لا يعقل الجمع بينهما فلابد من الأخذ بأحدهما، وحيث لا رجحان لعقد البيع، بل هو - حسب تقدم عقد الرهن عليه زمانا - غير مندرج تحت العموم المزبور، فإذا كان في الابتداء خارجا عنه فهو خارج أبدا، لأن تقديم أحد المتزاحمين على الآخر، لا يستلزم تعنون الدليل وتقسيمه إلى العنوانين، حتى لا يكون منع من الخروج والدخول، كما في العقد المرضي به، والعقد غير المرضي به، فإنه من قبيل تقديم الخاص على العام المورث لورود القيد على العموم وانقسامه إلى صنفين، فلا تخلط. إن قلت: هذا لايتم بالنسبة إلى مقايسة دليل نفوذ البيع والرهن، فإن قضية الجمع بينهما تعنون دليل البيع إلى الكليين القابلين للصدق على الأفراد المختلفة، ومنها البيع الوارد على العين المرهونة، فإنها خارجة، وإذا صارت منفكة تصير داخلة، كما في المثال المذكور. قلت: نعم، ولكنه ينفع على النقل دون الكشف، لأن شموله بعد الفك يستلزم منع تأثير الإجازة كشفا (1). أقول أولا: في كون الرهن مانعا إشكال، بل منع، لأن تصوير المانعية


1 - حاشية المكاسب، المحقق الأصفهاني 1: 165 - 166.

[ 252 ]

في المعتبرات العرفية والشرعية غير ممكن، فيرجع ذلك إلى اعتبار شرطية المطلق، كما عن الفقهاء (1)، أو شرطية عدم الرهانة، فما يظهر من الشيخ من اعتبار المانع هنا (2) ممنوع. وثانيا: لو كان البيع المزبور باطلا، يلزم عدم إمكان تصحيحه قبل الفك بإجازة المرتهن، لما ذكر بعينه، ولا أظن التزام القائل بذلك، فإذا صح بإجازته، وكان موقوفا على إجازته، فلا مانع عن صحته بعد الفك. وثالثا: قضية انحلال عموم الوفاء بالعقود وإن كانت وجوب الوفاء بالعقدين المتزاحمين، ومقتضى القاعدة في باب التزاحم هو المراجعة إلى الأهم، ولكنه فيما كانت المسألة تكليفية، وما نحن فيه ليس كذلك، فإن سبق الرهن أو البيع يستلزم القصور في شرائط تأثير اللاحق، فتخرج المسألة عن كونها صغرى باب التزاحم. وتوهم: أن الدليل المتكفل لنفوذ حق الرهن ومانعيته مثلا هو وجوب الوفاء بعقده، في غير محله، بل دليله العقل والإجماع. نعم، على التقدير المزبور فلا معنى لحصول القصور في شرائط تأثير البيع مثلا في مفروض المسألة. ولكنه يتوجه إليه: أن الأسبقية الزمانية لو كانت مانعة عن توجه التكليف بالمزاحم، يلزم ذلك في المتزاحمين اللذين يكون


1 - شرائع الإسلام 2: 11، الحدائق الناضرة 18: 438، لاحظ المكاسب، الشيخ الأنصاري: 163 / السطر 16 - 17. 2 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 137 / السطر 12.

[ 253 ]

المتأخر أهم عقلا وشرعا، ولا يلتزم به أحد، فلزوم صرف القدرة في الأسبق منوط بعدم الابتلاء بالأهم قبل صرفها. ورابعا: النسبة بين دليل حلية البيع ونفوذ الرهن عموم من وجه، من غير كون أحد اللسانين حاكما على الآخر، فلا معنى للتخصيص أو التقييد المستلزم للتنويع حتى يصح التمسك بأحد الدليلين في مورد التعارض دون الآخر. وأما قضية الكشف والنقل فستأتي في الجهة الثالثة إن شاء الله تعالى. فتحصل: أن صحة هذه المعاملة أقرب من صحة الفضولي، فلا تغفل. الجهة الثانية: في عدم الحاجة إلى الإجازة بعد فك الرهن قد عرفت عدم احتياجه إلى الإجازة، لأنها ليست من الأجزاء الدخيلة في الماهية، ولا قائم عليها الإجماع تعبدا، بل هي شرط التأثير بلحاظ كشفها عن الرضا، أو كونها الرضا المظهر، فلا معنى لتوقفه عليها بعد ذلك. وأما توهم: أن الرضا المظهر من البائع المالك غير مفيد، لأنه لم يؤثر في النقل، فهو كالرضا من الأجنبي (1)، فهو فاسد، ضرورة أن الرضا من الأجنبي غير مقتض في العقد، بخلاف رضا المالك وفقد شرط كالطلقية، أو عدم الرهانة، أو وجود مانع كالرهن لا يورث انعدام


1 - حاشية المكاسب، المحقق الأصفهاني 1: 166 / السطر 24 - 27.

[ 254 ]

الاقتضاء في الرضا، بل يلزم منه فقد الأثر، فيستند ذلك إلى ذاك، فإذا حصل ذاك يحصل الأثر قهرا وطبعا قطعا. نعم، ربما يخطر بالبال أن ذلك يستلزم التعليق في العقد، بمعنى أن العقد قد وجد، ولايكون في تأثيره موقوفا على أمر اختياري كالإجازة، فيكون معلقا على مضي وقت الرهان وفك الرهن، حتى يؤثر أثره بعد ذلك، وهذا المعنى هو التعليق الممنوع في العقود والإيقاعات، بخلاف التعليق المتراءى في الفضولي، فكأنه قال: " بعتك هذه الدار في وقت فكها " وهذا مثل قوله: " بعتك في وقت رجوع الحاج " أو " مجئ زيد " وهكذا بأن يكون عنوان المعاملة محققا، ومؤثريته مرهونة بتحقق المعلق عليه. ويمكن أن يقال بصحة العقود المعلقة، كما هو المختار، أو أن ما هو الممنوع هو الإنشاء المعلق، وفيما نحن فيه لا تعليق في الإنشاء كما لا يخفى، فتأمل جيدا. إن قلت: قضية عدم الحاجة إلى الإجازة، انقطاع يد المالك عن العقد الواقع على العين المرهونة، فيلزم عدم تأثير رده قبل الفك، ويلزم عدم جواز التصرف في العين مطلقا، سواء كان منافيا لحق المرتهن، أم لا. قلت: الملازمة ممنوعة، ولا دليل على أن الرد لا يفيد إلا فيما كانت الإجازة مفيدة. نعم، بناء على ما تقرر منا في الرد - من أنه لا سلطنة للمالك على رد العقد الفضولي - يشكل نفوذ رده هنا، لأن ما وقع غير قابل للهدم، وما هو شرط التأثير خارج عن اختياره.

[ 255 ]

اللهم إلا أن يقال: بأن الرضا المظهر منه بالعقد وإن لا يكون شرطا بقاؤه في الأصيلين، ولكنه شرط هنا، لعدم النقل والانتقال واقعا، ففي صورة الرد يهدم العقد فيحتاج إلى الإجازة، بناء على انهدام اقتضائه الحيثي، لا مطلقا كما لا يخفى. نعم، فيما إذا باع الصغير ماله ثم بلغ، فإنه يلزم الإشكال، لأنه لا يكون رده نافذا، فيكون صحة البيع مرهونة بالبلوغ من غير الحاجة إلى الإجازة، لتمامية الشرائط، ولا يتمكن من الرد حين البلوغ، لحصول الشرط مقدما عليه، فتأمل كثيرا. وإذا كان راضيا إلى حين البلوغ فقضية ما تحرر هنا عدم الحاجة إلى إجازته، بل رضاه كاف، ولايحتاج العقد في التأثير إلا إلى البلوغ. وتوهم: أنه ممنوع عن التصرف، في محله، ولكنه كممنوعية الراهن، ورضاه كرضاه بلا أثر شرعا وعرفا، ولكنه إذا بلغ فلا نقصان في العقد. والإنصاف: أن الالتزام بذلك مشكل، ويستلزم ذلك الإشكال فيما نحن فيه، فتدبر. تنبيه: حول وجوب الإجازة على الراهن لأجل وجوب الوفاء بالعقد الثاني هل يجب على الراهن بناء على الحاجة إلى الإجازة، الوفاء بالعقد الثاني حتى يجب عليه الإجازة، أم لا فيجوز له؟ وجهان: من أن معنى وجوب الوفاء بالعقد، هو حرمة النقض. ومن أن معناه ترتيب آثاره، وهو التسليم، ولا أثر له قبل الفك حتى

[ 256 ]

يجب الوفاء، كما في الصرف والسلم. وهذه المسألة غير مسألة نفوذ الرد وعدمه، لأن ذاك بحث وضعي، وهذا بحث تكليفي، ولا منع من الالتزام بوجوب الوفاء، بمعنى حرمة النقض، ونفوذ الرد وهدم العقد به إذا رد ورجع. هذا، وغير خفي: أن الوجهين ساقطان على ما سلكناه من عدم صدق " البيع والعقد " قبل الإجازة (1). الجهة الثالثة: في جريان نزاع الكشف والنقل في بيع العين المرهونة بناء على الاحتياج إلى الإجازة، فهل يجري نزاع الكشف والنقل، أم لا؟ وعلى الثاني: فهل على القائل بالكشف الالتزام بالصحة نقلا، أو الالتزام بالفساد؟ ثم إن النزاع المزبور هل يأتي في الفك، بناء على عدم كون الإجازة بيد المالك. أما جريانه وعدمه ففيه وجهان، بل قولان، ظاهر بعض الأصحاب (رحمهم الله) المنع معللا: " بأن معنى الكشف لا يجتمع مع تعلق حق الغير بالملك في زمن الكشف، فيتعين النقل " (2).


1 - تقدم في الصفحة 158. 2 - حاشية المكاسب، المحقق الأصفهاني 1: 165 - 166، لاحظ البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 2: 245 - 246.

[ 257 ]

وصريح الوالد المحقق - مد ظله - جريانه على الكشف الانقلابي المسمى ب‍ " الحكمي " والكشف التعبدي، دون الكشف الحقيقي، لأن ما لا يجتمع هو هذا، دون الأولين (1). ثم إن قضية ما اخترناه من أن الكشف والنقل باختيار المالك (2)، عدم الفرق بين الفضولي وما نحن فيه، فللمالك أيضا إجازة البيع من الأول، كما له إجازة البيع من الوسط والآخر، لأن حين الإجازة لا منع، وحين المنع لا إجازة كما لا يخفى. وأما بناء على عدم جريان النزاع، فظاهر القائلين بالكشف فساد العقد، لتمسكهم على بطلان النقل بأنه خارج عن مضمون العقد. ويمكن دعوى: أن اختلاف المسالك في الكشف يورث الاختلاف هنا، فإن من القائلين بالكشف المحقق الرشتي (قدس سره) فإنه أفاد " أن الإجازة كاشفة عن الرضا التقديري " (3) وقضية ذلك هي الصحة نقلا من الوسط، أو من حين الإجازة، لدورانها مدار الكشف عن حين تحقق الرضا التقديري. وقد يقال: إن الأمر دائر مدار الكشف أو النقل، بمعنى أن قضية الأدلة عند القائلين بالكشف أن النقل غير صحيح، وهكذا العكس، فلا معنى لالتزام إحدى الطائفتين بمقالة الاخرى في مورد، للزوم خرق


1 - البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 2: 246. 2 - تقدم في الصفحة 158 - 159. 3 - الإجارة، المحقق الرشتي: 184 / السطر 13.

[ 258 ]

الإجماع باختيار التفصيل بين الموارد في الكشف والنقل فما قد يقال: من أن مقتضى الجمع بين الأدلة هو النقل، إلا في موارد خاصة تدل عليها بعض الروايات (1)، في محل الإشكال. اللهم إلا أن يقال: بأن المسألة صناعية، وليست إجماعية. وأما جريان النزاع المزبور في الفك، وأنه كاشف أو ناقل، فقد يقال بناقليته، لأنه يرجع إلى قصور في العلة، فيكون الإسقاط والإبراء والفك وسقوط الحق - كالقبض في الصرف والسلم - من أجزاء العلة (2). وفيه: إن اريد من " العلة " الماهية فهو ممنوع، وإن اريد من " العلة " الماهية المؤثرة فهو لا يستلزم عدم الجريان، لأنه كالإجازة. والذي هو الأقرب: أن الحق مانع في زمن متوسط بين العقد والفك، فإذا منع العقد عن التأثير، وكان مضمونه ترتب الأثر عليه من الابتداء، فلا منع من تأثيره بعد الفك ورفع المنع وتحقق الشرط. ويمكن أن يقال: بأن القائل بهذه المقالة لابد وأن يلتزم بالبطلان، لأن الإجازة تتعلق بإنفاذ مضمون العقد، فلابد من لحاظه في ظرف وقوعه، ولولا اللحاظ فلا واقعية له في ذلك الزمان، لمضيه، والفك غير ناظر إلى العقد، فيكون الممنوع بعد رفع المنع بلا مضمون. وهذا نظير الاستصحاب المتقوم بلحاظ الحالة السابقة، وإلا فهي معدومة


1 - لاحظ المكاسب، الشيخ الأنصاري: 182 / السطر الأخير، مصباح الفقاهة 5: 247. 2 - منية الطالب 1: 263، الهامش.

[ 259 ]

بحسب الواقع. ثم إن ما سلكناه من أن الإجازة بيد المالك، يقتضي القول بالنقل هنا، لتقوم الانقلاب من الأول وصيرورة البيع الإنشائي بيعا حقيقيا من الأول بلحاظ المالك، وعند فقد ذلك فلا وجه للقول بالكشف من الأول، ولذلك عد المحقق الثاني الفك مما لا يجري فيه النزاع (1)، فلاحظ وتدبر جيدا. إشارة لبعض الفروع المشابهة لمسألة الرهن بعدما تحرر البحث في هذه المسألة، يظهر المرام في الفروع الاخر المشابهة لها، وسائر نظائرها مما اشير إليها. ومنها: ما إذا باع الموقوفة، ثم صارت ملكا، لكونها منقطعة الآخر، وهكذا إذا باع ما لا يتمول، ثم صار متمولا، أو باع عينا شخصية قبل حيازتها، ثم حازها، بناء على عدم نفوذ البيع من الأول، وقد مر في محله. ويمكن إدراج بعض هذه الفروع في المسألة الآتية، لأن المراد من قولهم: " من باع شيئا ثم ملك " أعم، ولكنه خلاف المنصرف إليه من كلام الأعلام، والأمر سهل. فبالجملة: ما نسب إلى جماعة من الصحة من غير حاجة إلى


1 - جامع المقاصد 5: 75، لاحظ منية الطالب 1: 202 / السطر 2 - 11، و: 262، المكاسب والبيع، المحقق النائيني 2: 157 - 158.

[ 260 ]

الإجازة (1)، لا يخلو من شائبة إشكال، لاستبعاد الأذهان قبولها. وما عن ابن الجنيد و " مبسوط " الشيخ والفاضلين في " التحرير " و " الإيضاح " من البطلان (2) إما محمول على سلب الصحة الفعلية، أو على توهم: أن عبارتهم مسلوبة، وأنهم لا أهلية لهم، وأنت خبير بما فيه. وربما يظهر من " الشرائع " بطلان التصرف حال الحجر قال: " لو تصرف كان باطلا " (3) ولكنه ليس في محله، ضرورة أن المبادلة الإنشائية ليست من التحويل والتصرف في العين، كما هو الظاهر. حول عدم التنافي بين الإجارة والبيع وبين الرهن في أصل المسألة، وأن الإجارة والبيع، والرهن والبيع مما لا يجتمعان، خلاف، فالمشهور على التنافي في الفرضين (4)، وقد يظهر من الفقيه المحشي عدم التنافي بين البيع والرهن معللا: " بأنه لا حق له


1 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 137 / السطر 14، لاحظ حاشية المكاسب، السيد اليزدي 1: 162 / السطر 24 - 25، البيع، المحقق الكوهكمري: 412. 2 - لاحظ حاشية المكاسب، السيد اليزدي 1: 162 / السطر 25 - 26، مختلف الشيعة: 428 / السطر 32، المبسوط 2: 272، تحرير الأحكام 1: 285 / السطر 26، إيضاح الفوائد 2: 65 - 66. 3 - شرائع الإسلام 2: 77 - 78، لاحظ حاشية المكاسب، السيد اليزدي 1: 162 / السطر 26. 4 - الخلاف 3: 227، الدروس الشرعية 3: 386، مفتاح الكرامة 4: 264، مقابس الأنوار: 190 / السطر 3.

[ 261 ]

في العين، بل له حق المنع، ولذلك التزم بصحة البيع حال الرهن من غير الحاجة إلى الإجازة " (1). والذي استقربناه في الإجارة: أن حقيقتها التسليط على العين بداعي ثبوت حق الانتفاع من العين، من غير كون منفعة العين منتقلة إلى المستأجر، بل لا منفعة لها إلا تخيلا وتوهما، قياسا بمنافع الأشجار وثمرات الحيوان، فعليه لا تنافي بينهما هناك، وأما هنا فلابد من المراجعة إلى الأدلة تفصيلا. والذي يساعده الاعتبار: أن حق الرهانة لا أساس له، بل المرتهن له حق الحبس، أو له استيفاء دينه من مالية العين، دون شخصيتها، فلا وجه لتعلق حق له بالشخص حتى يستلزم قصورا في صحة البيع. المسألة الثانية: فيمن باع ثم ملك من باع شيئا ثم ملكه، فهل يصح البيع مطلقا، أو لا يصح مطلقا، أو يصح مع الإجازة؟ أو يفصل بين الصور المتصورة في المسألة تارة: من ناحية قصد البائع من البيع لنفسه والبيع لغيره، مالكا كان، أو أجنبيا. واخرى: من ناحية كون المملوك والمبيع شخصيا أو كليا، بناء على جريان البحث في المبيع الكلي؟


1 - حاشية المكاسب، السيد اليزدي 1: 162 / السطر 6 - 9.

[ 262 ]

ولعله يستظهر من " الدروس " حيث حمل كلام الحلبي (1) في الاستدلال بما ورد من النهي عن بيع ما ليس عنده على الكلي الذي ليس عنده، بل عند الغير (2) انتهى، فإنه إذا صح تصوير كون الكلي له حالتان كالشخصي فلا بأس بجريان النزاع هنا. ولكن الإنصاف: أن المبيع الكلي ليس مملوكا إلا في صورة: وهي ما إذا باع الدين الذي في ذمة زيد، ثم اشترى من مالكه، فإنه فيه يأتي البحوث الآتية، كما لا يخفى. وثالثة: من ناحية تجدد الملك بالاختيار كالشراء ونحوه، وغير الاختيار كالإرث. ورابعة: من ناحية أن البائع الذي اشترى ما باعه يجيز البيع، أو لا يجيز البيع، أو لا يحتاج إلى الإجازة، وغير ذلك مما يمكن تخيله وتصوره. هذا كله حال الصور. وأما الأقوال فهي مختلفة، وكانت المسألة معنونة في الابتداء بين العامة، ولأجل ذلك قيل بنظارة بعض أخبار المسألة إلى آرائهم (3)، ثم وصلت النوبة إلى فقهاء الخاصة، فتشتت فتاويهم من القول بالصحة من غير الحاجة إلى الإجازة، ولعله الظاهر من " جامع المقاصد " (4)


1 - الكافي في الفقه: 359. 2 - الدروس الشرعية 3: 193. 3 - لاحظ مقابس الأنوار: 135 / السطر 27. 4 - لاحظ جامع المقاصد 4: 73 - 74، الإجارة، المحقق الرشتي: 172 / السطر 4. (*

[ 263 ]

وفي " الدروس " قال بها مع الإجازة (1)، فما في " الجواهر " من نسبة الفساد إليه (2)، غير سديد. وعن " الإيضاح " (3) و " تعليق الإرشاد " (4) بل و " النهاية " التردد (5). ومختار الشيخ، المتأخر قول " الدروس " في بعض صور المسألة: وهي ما لو باع الفضولي رجاء الإجازة من المالك، ثم أجاز بعد الانتقال إليه، ورجح الفساد في غيرها (6)، معللا بظاهر الأخبار الآتية. ولعل القائل بالصحة في الأمر الثاني - كابن المتوج والصيمري (7) - يقول بها هنا أيضا، لما قد عرفت: من أن مفاد الشرط المذكور في الأمر الثاني - وهو وجود المجيز - لا يرجع إلا إلى الشرط الثالث في بادئ النظر، وأن تصورنا له، فرض (8). إذا عرفت ذلك فاعلم: أن الكلام في المقام يتم في ضمن فروع، وإذا اتضح الحق فيها فلا حاجة إلى التعرض لغيرها.


1 - الدروس الشرعية 3: 193. 2 - جواهر الكلام 22: 298. 3 - إيضاح الفوائد 1: 419. 4 - لاحظ مفتاح الكرامة 4: 196 / السطر 30. 5 - لم نعثر عليه في النهاية. لاحظ الإجارة، المحقق الرشتي: 172 / السطر 8. 6 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 140 / السطر 23 - 33. 7 - لاحظ مفتاح الكرامة 4: 195 / السطر 9، المكاسب، الشيخ الأنصاري: 137 / السطر 5، والإجارة، المحقق الرشتي: 172 / السطر 7. 8 - تقدم في الصفحة 243 وما بعدها.

[ 264 ]

الفرع الأول: في بيع العين الشخصية لنفسه ثم تملكها بسبب اختياري إذا باع العين الشخصية لنفسه، ثم اشتراها وملكها بالسبب الاختياري مثلا وأجاز، فقضية القواعد والعمومات والإطلاقات وبناء العرف والعقلاء - بعد صدق عناوين المعاملات عليه من " البيع " و " العقد " و " التجارة " - هو الصحة. وقد يستدل له بأخبار تحليل الخمس بعد النفقات والصدقات (1)، حتى أنه (عليه السلام) - بمقتضى بعض المآثير - أباح للابن ما ورثه من أبيه الذي كان من عمال بني امية (2)، فإنه من صغريات المسألة، وظاهره عدم


1 - معاذ بن كثير بياع الأكسية، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: موسع على شيعتنا أن ينفقوا مما في أيديهم بالمعروف، فإذا قام قائمنا حرم على كل ذي كنز كنزه حتى يأتوه به يستعين به. وسائل الشيعة 9: 547، كتاب الخمس، أبواب الأنفال، الباب 4، الحديث 11. 2 - يونس بن يعقوب، عن عبد العزيز بن نافع قال: طلبنا الإذن على أبي عبد الله (عليه السلام) وأرسلنا إليه، فأرسل إلينا: ادخلوا اثنين اثنين، فدخلت أنا ورجل معي، فقلت للرجل: احب أن تحل بالمسألة، فقال: نعم، فقال له: جعلت فداك، إن أبي كان ممن سباه بنو امية، وقد علمت أن بني امية لم يكن لهم أن يحرموا ولا يحللوا، ولم يكن لهم مما في أيديهم قليل ولا كثير وإنما ذلك لكم، فإذا ذكرت الذي كنت فيه دخلني من ذلك ما يكاد يفسد علي عقلي ما أنا فيه، فقال له: أنت في حل مما كان من ذلك، وكل من كان في مثل حالك من ورائي فهو في حل من ذلك. الكافي 1: 458 / 15، وسائل الشيعة 9: 551، كتاب الخمس، أبواب الأنفال، الباب 4، الحديث 18.

[ 265 ]

الحاجة إلى الإجازة (1)، وسنذكر التحقيق فيها عند التعرض للروايات الخاصة التي استدل بها لفساد العقد ولو أجاز إن شاء الله تعالى (2). وقد يستدل على الصحة بالأصل (3)، وهو غير سديد، لعدم إمكان إجرائه على الوجه الصحيح، سواء كان هو استصحاب العدم الأزلي، وكان مجراه شرطية اتحاد المالك حين العقد والإجازة، أو كان الاستصحاب التعليقي الجاري في الموضوع، أو كان أصل البراءة الشرعية عن شرطيته كما يجري في العبادات وتوهم أنه من الشك في الشرط الشرعي وما لا يجري فيه الأصل المزبور هو الشرط العرفي وتوهم الحاجة إلى دليل الإمضاء. كما في كلام السيد المحشي (رحمه الله) (4) غير سديد، لأنه عندئذ لا تصل النوبة إلى الأصل، فتأمل. حول استدلالات القائلين بفساد بيع العين الشخصية ثم تملكها ثم إن القائلين بالفساد - وفيهم أعيان الفضلاء، كالشيخ أسد الله التستري، والمحقق الرشتي في " المقابيس " و " الإجارة " (5) - استدلوا عليه بوجوه عقلية وعرفية لابد من نقلها ونقدها، وإلا فهي المعتمدة في


1 - لاحظ الإجارة، المحقق الرشتي: 172 / السطر 12. 2 - يأتي في الصفحة 288. 3 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 137 / السطر 24. 4 - حاشية المكاسب، السيد اليزدي 1: 163 / السطر 12. 5 - مقابس الأنوار: 134 وما بعدها، الإجارة، المحقق الرشتي: 172 - 176.

[ 266 ]

المسألة، وتلك الوجوه كثيرة نذكر مهماتها: الوجه الأول: أن بعض الإشكالات المذكورة في بيع الغاصب لنفسه يأتي هنا، ولا يأتي جوابه: وهو أن قضية المعاوضة هو اتحاد المدخل والمخرج في العوضين، فكيف يصح بيع الفضولي لنفسه سواء كان غاصبا، أو غير غاصب، مع أنه ينشئ خروج المعوض من كيس المالك، ودخول العوض في كيسه؟! وربما يجاب هناك: بأنه ينشئ ذلك عن المالك، ويدعي المالكية حين العقد، فبالإجازة يصير صحيحا، لعدم تخلف الإجازة عما أنشأه الفضولي، والادعاء المزبور لا ينافي أصل الإنشاء، ولايضاد اقتضاءه (1). وهذا الجواب يؤكد الإشكال في المقام، ضرورة أن الفضولي إذا أنشأ عن المالك الحقيقي، يلزم توقف صحته على إجازة ذلك المالك حين العقد، لخروج المعوض من كيسه، وإذا صار مالكا فلا تفيد إجازته، لتخلفها عما أنشأه الفضولي، وهو نفسه بالضرورة. وبعبارة اخرى: لابد من حل الإعضال في المسألتين، وما هو سبب الحل هناك مؤكد الإعضال هنا، ضرورة أن مقتضى القضية المشهورة " ما وقع لم يقصد، وما قصد لم يقع " هو لزوم اتحاد الواقع والمقصود، وهذا


1 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 128 / السطر 28، و: 137 / السطر 25.

[ 267 ]

في المسألة السابقة حاصل، لاتحاد المالك الحقيقي حين العقد والمجيز، وغير حاصل هنا، لاختلافهما. الأجوبة الأربعة عن الاستدلال السابق ويندفع ذلك أولا: بما عرفت منا في كبرى المسألة " وهي لزوم اتحاد المدخل والمخرج " وأن قضية المعاوضة ليست أكثر من التبادل في أمر من الامور الإضافية، كالملكية وغيرها، لما عرفت حالها (1)، فالإشكال في المسألتين يندفع بذلك في المقامين. وثانيا: لو سلمنا الاقتضاء المزبور فلا نسلم كونه من مقتضيات وجود العقد الإنشائي، بل هو من آثار العقد بعد الإجازة، وأما قبلها فلا اقتضاء له إلا بالمعنى المحرر في الماهيات الأصيلة، فكما أن اقتضاء النار للحرارة ليس إلا قضية شرطية " وأنها لو كانت موجودة فلها كذا " فكذلك اقتضاء العقد الإنشائي معناه أنه لو صار مجازا وموجودا بوجوده الواقعي المنشأ للأثر، يكون أثره دخول العوض في محل المعوض وبالعكس، ففي مرحلة الإنشاء يكون المتعاملان خارجين عن العقد واقتضائه. بل الظاهر من كلمة " الاقتضاء " هذا الذي أشرنا إليه، فما أفاده السيد المحشي (رحمه الله) (2) إن رجع إلى الذي قربناه فهو، وإلا فساقط. كما أن ما ذكره الوالد - مد ظله - هنا: " من أنه من مقتضيات


1 - تقدم في الجزء الأول: 312 - 314. 2 - حاشية المكاسب، السيد اليزدي 1: 141 / السطر 30.

[ 268 ]

الماهية لا الوجود، وأن ماهية المعاوضة معناها ذلك " (1) غير سديد إنصافا، ضرورة أن الفرق ثابت بين لازم الماهية وبين مقتضيها، فإن الأول هو الإدراك عقيب الإدراك، والثاني هو الإدراك عقيب الوجود المفروض خارجا، فلا تخلط. وثالثا: لو سلمنا جميع ما قيل واشتهر، فلا نسلم أخذ الخصوصيات الفردية في مقام الإنشاء، وذلك لأن الفضولي ينشئ المبادلة بين المالين عن المالكين، من غير نظر إلى أن المالك زيد، أم عمرو، أو غير ذلك، فإذا صار مالكا فلا يكون بين الإجازة والإنشاء تخلف واختلاف إلا فيما هو الأجنبي عن معنى المعاوضة، فيبادل بين مال زيد، لأنه مالكه، فكأنه بادل بين المملوكين مع إلغاء الخصوصية من ناحية المالك. ولو كان هذا في المالك الادعائي كافيا لكان يندفع به الإشكال في تلك المسألة، ولكنه غير مندفع، لأن المجازية والادعاء لا تورث ترشح الإرادة الجدية والقصد التكويني، كما عرفت سبيله (2). إن قلت: كيف يعقل المبادلة بين المالين الشخصيين في الملكية التي هي من الامور ذات الإضافة إلى شخص معين، مع إلغاء الشخصية في جانب المالك؟! فإنه يلزم من ذلك عدم إمكان تحقق المعاوضة، لعدم إضافة بين الكلي والمال المعين الخارجي


1 - البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 2: 249. 2 - تقدم في الصفحة 89.

[ 269 ]

المفروض في المقام. قلت: لا دليل على امتناعه، لأن الغفلة عن المالك وخصوصياته ممكنة، فإذا فرضنا مثلا أن شيئا مردد مالكه بين جماعة يصح بيعه، ولا يلاحظ إلا بيع العين، من غير لحاظ خروجها من كيس مالكها الواقعي، بل النظر إلى المبادلة في الملكية الثابتة لها مع الجهل بطرفها، ولو لاحظ فلا يعقل إلا لحاظ أمر كلي منطبق على الواحد المعين، وإذا تجدد المالك بعد العقد وقبل الإجازة، فقهرا ينطبق عليه، لأن ما هو الملحوظ عنوان إبهامي يشير به إلى من هو مالكه، من غير أخذ الزمان الفعلي فيه، أو لزوم أخذه فيه، فإذا تجدد فلا محيص عن الانطباق، وإذا صح في الفرضين المزبورين يصح هنا، لأنه كالفرض الأخير في تجدد المالك. نعم، اختلافهما في أمر لا يضر: وهو كون الفضولي والمجيز متحدا. ولو لم يصح البيع في مفروض المسألة، يلزم عدم جوازه فيما إذا صرح الفضولي في مقام الإنشاء: بأنه باع عمن هو مالكه في هذا الزمان، أو في كل زمان يأتي، مع أن الوجدان قاض بأن بناء العقلاء على عدم ترتيب آثار الفساد عليه، فتدبر. ثم إن ما ذكرناه يتم من غير فرق بين مقالتنا في البيع الفضولي، وبين مقالة المشهور، كما لا يخفى. ومما ذكرناه في المثال الأخير يظهر: أن تقييد الفضولي بيعه بأنه بيع عن مالكه الفعلي، لا يستلزم عدم إمكان تصحيحه بالإجازة، لأن من المثال المزبور يعلم خروج هذا النحو من القيد عن حقيقة المبادلة، فلا إشكال في المسألة من هذه الناحية أصلا.

[ 270 ]

بل قضية ما مر منا إيرادا على مقالة المشهور - من أن فعل الفضولي بيع حقيقة، وأوردنا عليهم: بأن لازمه كونه هو البائع بالحمل الشائع وهو العاقد حقيقة - هو لزوم الوفاء عليه بالاشتراء، ثم التسليم. ورابعا: قد مر سابقا أن البيع غير متقوم بكون الملكية التي تقع فيها التبادل موجودة قبل المبادلة، وإن كان ذلك كذلك في المتعارف من البيوع، ويدل عليه بيع الكلي، فإنه لا يكون مملوكا للبائع. بل بيع العين الشخصية قبل الحيازة تباع مع القدرة على التسليم. فالمدار على التمليك الصادر عن المقتدر على التسليم، فإنه عند ذلك يتحقق المعاوضة والمبادلة بين المالين، وتصير النتيجة حصول إضافة الملكية بعد تحققه. ولكن لا يشترط تعلق التبادل بنفس الإضافتين أولا وبالذات، ولا يشترط وجود تلك الإضافة قبل البيع، ولذلك قيل واشتهر: " إنه تمليك عين بعوض " (1) ولا يقتضي مفهوم " التمليك " المالكية الاعتبارية للملك قبل التمليك ولا بعده، كما ترى أن الأمر كذلك في بيع الكلي. نعم، هو بعدما ملك المشتري صاعا من الحنطة يتملك عليه المشتري تلك الحنطة، ويتملك البائع ثمنه. فعليه ينحل الإعضال، فإن من باع العين الشخصية لا ينشئ إلا تمليك تلك العين الموجودة، وإن لم تكن مملوكة له، ولا يقتضي بيعها لنفسه


1 - حاشية المكاسب، المحقق الخراساني: 5، حاشية المكاسب، السيد اليزدي 1: 53 / السطر 30.

[ 271 ]

معنى آخر غير حصول هذا الإنشاء في عالم الاعتبار، فإذا اشتراها وأجاز يحصل المقصود، ويتحقق البيع الواقعي الاعتباري، فلا قصور في مفهوم " المعاوضة " و " التمليك بالعوض " عن شمول المسألة إنصافا، فليتدبر. الوجه الثاني: أن في البيع الفضولي يكون المالك والراضي بالمبادلة والقادر على التسليم، هو الذي له البيع حقيقة، لأن المعاوضة وقعت في ملكه، وكان قيد " لنفسه " ملغى مثلا في بيع الغاصب لنفسه، لأنه قيد زائد على أصل حقيقة المعاملة، وأن الإجازة كانت سببا لاستناد البيع إلى المجيز الواجد لجميع الشرائط. والأمر هنا ليس كذلك، ضرورة أن المجيز هو الفضولي، وحينما كان ينشئ العقد لا ملك له حتى يبادله، ولا يمكن إلغاء القيد المزبور، للزوم تخلف الإجازة عن الإنشاء، ويلزم نقض الغرض، فلا رضا من الذي يعتبر رضاه، ولا قدرة على التسليم لمن يعتبر قدرته، والمالك حين العقد أجنبي لا دخالة له في هذا العقد، وبهذا التقريب يظهر بعض المناقشات المزبورة في الكتب المتعرضة لها. أقول: بعدما عرفت منا حقيقة المعاوضة لا معنى لهذه الشبهة. مع أن وجه صحة الفضولي ليس استناده إلى المالك بالإجازة، كما مر (1).


1 - تقدم في الصفحة 11 - 12.

[ 272 ]

وبالجملة: مفهوم " المبادلة " لا يقتضي أزيد من كون التمليك الإنشائي حذاء التملك، وهذا أمر حاصل من غير توقفه على واقعية الملكية الاعتبارية، واعتبار الرضا لا دليل عليه إلا حين ترتب الأثر العقلائي، وهو النقل والانتقال، وهو حاصل، والقدرة على التسليم ليست شرطا، بل ولا القدرة على التسلم، كما في بيع العبد الآبق للعتق. مع أن ما هو الشرط ليس إلا وجودها الإحرازي، وما هو تمام الموضوع هو إحراز القدرة وإن لم يكن قادرا، فإنه عند انكشاف الخلاف مع قدرة المشتري على التسلم يصح البيع، ويكون المشتري بالخيار، والتفصيل في محله. هذا مع أنه حاصل، لأن ما هو الشرط فرضا دخيل في حال تنجز المعاملة دون إنشائها، فما يظهر من الشيخ (رحمه الله) (1) وبعض أتباعه (2) لا يخلو من غموض. هذا، ويمكن أن يقال: بأن إلغاء قيد " لنفسه " لا يستلزم تخلف الإجازة عن المنشأ، لأنه في مقام الإنشاء بادل بين العين الخارجية لأي شخص كانت أو تكون، وبين الثمن الكلي أو الشخصي، فإذا رضي بها المالك حين العقد فالبيع له، وإن رضي بها المالك الثاني أو الثالث أو الرابع فالبيع له، فلا معنى لأخذ هذه القيود - الأجنبية عن ماهية المعاوضة - دخيلة فيها وإن كانت مقصودة حال الإنشاء، فضلا عما إذا


1 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 137 / السطر 29. 2 - لاحظ منية الطالب 1: 265 / السطر 8.

[ 273 ]

لم تكن مقصودة ومورثة لتقييد الإنشاء. وغير خفي: أن ما وقع فيه المبادلة هي الملكية، ولو كان مالكية المبادل شرطا للزم عدم صحة الفضولي أيضا، فلا تخلط. فبالجملة: الشروط في المعاملة تنقسم إلى قسمين وصنفين: قسم راجع إلى مفهوم " المعاوضة " وهي المقومات، وفي عدها من الشروط تسامح. وقسم منها يرجع إلى تنفيذ المعاملة وتنجيزها وتأثيرها، ومالكية البائع ورضاه وقدرته من الثانية، فلو ترى في الإشكالات الآتية: أن لازم صحة هذه المعاملة الخروج من الملك قبل الدخول فلا تغتر، ولا تظن أنها من المستحيلات العقلية أو العقلائية، ضرورة أن بناء القادرين على الحيازة، والمقتدرين على الاستملاك على بيع الأعيان الشخصية قبل حيازتها، ثم تسليمها بعدها. ثم إن البيع الواقع على العين الشخصية، ليس نفوذه منوطا بإجازة البائع الفضولي، بل هذا البيع باختيار مالك العين الشخصية، إن شاء أجازه، لما عرفت من لغوية قيد " لنفسه " وعدم استلزامه قصورا في مفهوم البيع الإنشائي، فإن أجاز فهو، وإن لم يجز، ولكنه باعها من البائع الفضولي فله إجازته. بل قضية ما مر وجوب إجازته. فعلى هذا، لا قصور في شرائط صحة البيع رأسا، لأن جميع الشرائط المزبورة موجودة حال البيع. وأما وجه وجوبها، فلأن العقد حاصل بعمله، ويجب العمل على طبقه، وليس وجوب التسليم من الأحكام المترشحة من مالكية

[ 274 ]

المشتري ملكا واقعيا، بل هو من مترشحات التمليك، كما عرفت في بيع العين قبل الحيازة. إن قلت: قضية ما مر منا من أن عمل الفضولي ليس بيعا ولا عقدا، هو عدم وجوب الوفاء به، فلا يجب التسليم حتى يجب الاستملاك والإجازة. قلت: نعم، ولكنه فيما كان محتاجا إلى الإجازة، أي فيما كانت المنقصة المتصورة في البيع هو رضا البائع، وأما في غير هذا الشرط من الشروط الاخر فالبيع واجب الوفاء، ولذلك لا يحتاج إلى الإجازة، بل بمجرد الحيازة والاشتراء يقع في ملك المشتري الأول، وسيأتي بعض ما يتعلق بالمقام حول الإشكالات الآتية إن شاء الله تعالى. الوجه الثالث: أنه يلزم بناء على القول بالكشف الحقيقي، خروج المال عن ملك البائع قبل دخوله فيه، وذلك لأن العقد عند المشهور إذا وجد إما يكون مؤثرا، أو يكون باطلا، فإن كان مؤثرا فهو يستلزم خروج المال عن ملك البائع، مع أنه ليس مالكا، ضرورة أنه يتلقى الملك من المالك بالاشتراء. ولك دعوى: أن هذا الإشكال لا يختص بالكشف الحقيقي، لأن القول بالكشف الانقلابي الذي هو النقل من حين العقد، والقول بالكشف التعبدي، وإن لا يستلزمان الامتناع العقلي، ولكنهما يلازمان الامتناع العقلائي، بداهة أن لازم الكشف كون النماءات للمشتري من

[ 275 ]

الأول، وهذا واضح المنع عند العقلاء. وتوهم: أنه إذا كان البائع المالك عالما بهذا البيع الفضولي وبآثاره، وأقدم عليه، فهو مما لا منع منه، وإذا كان جاهلا فهو بالخيار، غير سديد كما لا يخفى. وربما يقال: بأنه إذا لم يصح البيع المزبور كشفا، فلا مانع من صحته نقلا، لأن قضية القواعد هو النقل، فإن دل دليل على الكشف فيؤخذ به، وفيما سواه يرجع إلى مقتضاها (1). ولكنه قابل للمنع: بأن أمر الإجازة بين الكشف والنقل، ولا قول ثالث بالتفصيل بين الموارد، فتأمل. المختار في الجواب عن الاستدلال الثالث والذي هو حل الشبهة: هو أن بحث الكشف والنقل، مخصوص بما إذا كان العقد مستجمعا لجميع الشرائط إلا الإجازة، وأما إذا كان فاقد الشرائط ومنها الإجازة، فإنه إذا أجاز فلا معنى لكونها كاشفة أو ناقلة بعدما لم يتم بعض الشرائط الاخر. وهكذا إذا تم الشرائط قبل الإجازة، فإنه لا معنى للبحث عن كاشفيتها عن حين تحقق العقد الإنشائي، بل لابد من الالتزام بالكشف من حين تمامية الشرائط غير الإجازة، فعلى هذا يتعين القول بصحة العقد المزبور، ولا منع من الالتزام بالكشف بعد التملك بالاشتراء، لأن من الشرائط مالكية المجيز البائع بالضرورة.


1 - البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 2: 254.

[ 276 ]

هذا، وقد مر منا: أن الالتزام بالتجزئة في الكشف بحسب الأوقات المتوسطة بين العقد والإجازة، لازم مقالة المحقق الرشتي (قدس سره) من الالتزام بالرضا التقديري (1)، وهو كان مختارنا أيضا حسبما ذكرناه: من أن الإجازة أمر اختياري بيد المالك، وليست مسألة الكشف والنقل من الأحكام الثابتة الشرعية أو العقلائية. إن قلت: التفكيك غير صحيح، لأن مضمون العقد هو التأثير من الأول، وهو غير قابل للإجازة، وإذا أجاز فهو لا يتعلق بالمضمون فيتخلف. وتوهم: أن ممنوعية الأثر لأجل المانع، كما في العين المرهونة، فاسد ضرورة أن هنا لأجل عدم المقتضي، فلا يقاس بذاك، فما توهمه بعض الأعيان من المحشين (2)، غير واضح سبيله. قلت أولا: ليس مضمون العقد متقيدا بذلك، وقد مر كلام المحقق الثاني و " الجواهر " وما هو مرامهما في المسألة، وقد عرفت تمامية ما أفاداه هناك، وأن إشكال الشيخ وأتباعه عليهما في غير محله (3)، فعليه أنه يكون مضمونه مجردا عن الزمان، ولكنه يستلزم قهرا الانتقال بعد وجوده، لاقتضائه الذاتي، فإذا كان لجهة من الجهات ممنوعا عن التأثير، فلا منع من تعلق الإجازة به بعد رفعها، لعدم كونه مخالفا لمضمونه، فلا تخلط.


1 - الإجارة، المحقق الرشتي: 184 / السطر 13. 2 - حاشية المكاسب، الأصفهاني 1: 168 / السطر 31. 3 - تقدم في الصفحة 155.

[ 277 ]

وثانيا: لو سلمنا أنه متقيد، فهو فيما كان جامعا لجميع الشرائط إلا الإجازة التي هي من شرائط الوجود لا الماهية، ولا أظن التزامهم بأن مضمونه ذلك، حتى في الشرائط الدخيلة في ماهيته المتأخرة في الوجود، ومنها مالكية البائع المجيز، بناء على كونها منها. فتحصل إلى هنا: أن هذه المسألة غير مخدوشة من قبل هذه الشبهة أيضا، فتدبر حقه. لا يقال: يجوز التفكيك والتجزئة بحسب الأوقات المتوسطة، إذا كان دليل الكشف غير دليل صحة العقد الفضولي، فإنه عند ذلك يصح التصرف في الأول بالالتزام بالكشف من حين الاشتراء. وأما إذا كان دليل المسألتين واحدا - وهو قوله تعالى: * (أوفوا بالعقود) * (1) وأن الهيئة تدل على الصحة، والمادة تدل على الكشف، ضرورة اقتضاء الوفاء ترتيب الآثار من أول وجود العقد، وهذا معنى الكشف الحقيقي - فلا سبيل إلى التجزئة، للزوم عدم صحته من الأول، ووجوب الوفاء به بعد الاشتراء، وهذا غير صحيح، فإن لازمه تعدد وجوب الوفاء بحسب الآنات والأحوال، مع أنه لزوم واحد مستمر (2). لأنا نقول: لو سلمنا جميع المقدمات المطوية في تحرير هذه الشبهة، لا نسلم النتيجة، لإمكان الالتزام بالصحة من حين الاشتراء، وذلك لأن البحث في الفضولي ليس حول شمول الأدلة قبل الإجازة، بل


1 - المائدة (5): 1. 2 - حاشية المكاسب، المحقق الإيرواني 1: 135 / السطر 19.

[ 278 ]

البحث حول شمولها بعدها، فإذا كانت الإجازة بعد تحققها سببا وكاشفة عن النقل من حين الاشتراء، فلا منع من شمول الأدلة له، وأنه حكم واحد مبدأه حين العقد الثاني، ومستمر إلى طرو الإقالة مثلا، فلا وجه لتوهم وجوب الوفاء إلى حين العقد الثاني بالعمومات، ثم إخراجه بدليل عقلي أو شرعي بل الأدلة قاصرة عن شمول مثل هذا العقد هذا وفيما قيل مواضع كثيرة من الخلط ليست مخفية على المتدبر في مقالاتنا. الوجه الرابع: أنه يلزم على المشهور في الإجازة، كون العين الواحدة الشخصية ملكا لغير واحد من زمن العقد إلى زمن الاشتراء. وبتقريب آخر: يلزم من صحة العقد الأول عدم صحته، لأن صحته موقوفة على صحة العقد الثاني، وصحة العقد الثاني موقوفة على فساد العقد الأول، وإلا فلا يمكن تلقي البائع الفضولي الملك من مالكه الأول. وبتقريب ثالث: يلزم من صحة العقد الثاني فساده، لأن صحته موقوفة على فساد العقد الأول، وفساده موقوف على صحة العقد الثاني. وهذا التالي الفاسد المزبور في المسألة غير التالي الفاسد السابق، لأن من الممكن التزام فقيه بجواز إمكان اجتماع المالكين على ملك واحد، ولا يلتزم أحد بجواز إخراج شئ عن الملك قبل دخوله فيه. وغير خفي: أن الإشكال مبني على الكشف الحقيقي المنسوب إلى

[ 279 ]

الأكثر (1)، الذي مبناه الشرط المتأخر، ولا يلزم على سائر أنحاء الكشف. كما أن مبناه على أن معنى الكشف هو انكشاف النقل من حين العقد، لا من حين استجماع الشرائط. أقول: قد مر منا توضيحه لدى بيان مقالة الكشف في الفضولي، وجعلنا هذا الإشكال من المفاسد المترتبة على الفضولي، من غير اختصاصه بهذه المسألة، وذكرنا أن الكشف لا يجتمع مع اشتراط مالكية المجيز حين الإجازة، وأن الاستصحاب إما لا يفي بتمام المطلوب، أو لا يفي مطلقا، وذلك لأن استصحاب بقاء مالكية المجيز، لا يورث إحراز الشرط الذي هو واقعي، وليس الشرط أعم من الواقعي والظاهري، لعدم القول بالإجزاء في المقام المتوقف على تصوير الحكومة، والالتزام بأعمية الشرط (2) كما لا يخفى، فتأمل. ولأن النوبة لا تصل إليه على الوجه الآتي، ولأن من الممكن عدم تصوير الشك في الإجازة، لأنه إذا كان بناؤه عليها، وكان عالما بذلك، ولا يحتمل موته لغفلته، لا يشك حتى يجري. نعم، قد مر أن قضية " من استولى على شئ فهو له " (3) جعل الملكية الواقعية وكشف الملكية الأولية، فهو حين التصدي للإجازة مالك


1 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 132 / السطر 4، الإجارة، المحقق الرشتي: 180 / السطر 12. 2 - تقدم في الصفحة 160 - 168. 3 - تهذيب الأحكام 9: 302 / 1079، وسائل الشيعة 26: 216، كتاب الفرائض والمواريث، أبواب ميراث الأزواج، الباب 8، الحديث 3.

[ 280 ]

بحكم الأمارة العقلائية والشرعية، على اختلاف في المسألة محرر في مقامه. وتوهم: أن الأمارة مع العلم بلحوق الإجازة غير مفيدة، في غير محله، لأنه يلزم بناء على صحته جواز سلب مالكيته فعلا، مع أنه ممنوع بالضرورة، ويجوز له التصرف قبل الإجازة، وذلك لأن ما هو الشرط - وهي الإجازة بوجودها الواقعي - غير حاصل. نعم، الالتزام بالإجزاء هنا أشد محذورا. والذي يسهل الخطب ما عرفت: من أن الكشف لا يلازم كون المنكشف من حين العقد (1)، فلذلك يحصل الفرق بين المسألتين، فلا مانع من التفكيك. وهذا الإشكال العام غير قابل للدفع إلا على القول بالإجزاء في الاصول والأمارات، كما هو الأقوى عندنا في مطلق الأحكام، تكليفية كانت، أو وضعية (2). وأما الدفع بدعوى عدم شرطية مالكية المجيز حين الإجازة، وكفاية المالكية حين العقد (3)، أو كفاية الملكية التقديرية (4)، فهو مما لا يصغى إليه، ضرورة أن لازم ذلك ممنوعية المجيز عن التصرف بعد


1 - تقدم في الصفحة 158 - 159. 2 - تحريرات في الاصول 2: 308 - 316 و 325 - 334. 3 - حاشية المكاسب، المحقق الأصفهاني 1: 169 / السطر 9. 4 - حاشية المكاسب، السيد اليزدي 1: 164 / السطر 22.

[ 281 ]

العقد وقبل الإجازة، والإشكال في جريان استصحاب الملكية مشترك وجار في سائر الاستصحابات الحكمية الاخر، مع أن ضرورة العقلاء على الترخيص في التصرف وإن كان بانيا على الإجازة. ولعل المراد من " الكشف الحقيقي " ليس كشفا عقلائيا، ولا واقعيا في عالم الاعتبار، بل المراد من " الكشف الحقيقي " هو الكشف الذي تدل عليه العمومات الأولية، والكشف التعبدي ما تدل عليه النصوص الخاصة، فيكون الكل تعبديا. فما نرى من السيد الفقيه اليزدي من كفاية الثاني (1)، أو من العلامة المدقق المحشي (رحمه الله) من كفاية الأول، وكون زمان الملكية متصلا بزمان التصرف الناقل (2)، لا يخلو من تأسف، لأنه ليس من حل الإعضال كما لا يخفى. هذا تمام الكلام فيما يتعلق بالإشكال العام، وأما الإشكال الخاص بالمقام فهو مندفع بما مر في حل الإعضال الثالث. تنبيه وتوضيح: حول تقريب الإشكال الأخير قد اشير في بيان الإشكال الأخير المخصوص بالكشف إلى تقريبات مختلفة، وترجع الكل إلى أمر واحد. كما أن من تقاريبها لزوم اجتماع ملاك ثلاثة على ملك واحد قبل


1 - نفس المصدر. 2 - حاشية المكاسب، المحقق الأصفهاني 1: 169 / السطر 9.

[ 282 ]

العقد الثاني: أما مالكية المشتري الأول والبائع الأصيل، فهو واضح. وأما مالكية البائع الفضولي، فلأن تأثير الإجازة من حين العقد، متوقف على مالكيته قبل العقد الثاني، حتى تكون إجازته موجبة لصحة العقد الأول من حين العقد، كما لا يخفى (1). وفيه: أنه لا برهان على لزوم مالكية الفضولي لتأثير إجازته من حين العقد، بل الشرط كون المجيز مالكا حال الإجازة، وهو يحصل بالعقد الثاني. نعم، الالتزام بالكشف من الأول، هو خروج النماءات من كيس الأصيل إلى كيس المشتري، وهو ليس ممنوعا بعد علمه بذلك والتزامه، ومع جهله يكون بالخيار في البيع والعقد الثاني، كما اشير إليه. وقد يقرر: بأن صحة إجازة الفضولي بعد العقد الثاني، موقوفة على إجازة المشتري، لأنه اشترى ماله من الأصيل، لأن المفروض كاشفية الإجازة المتأخرة عن مالكيته السابقة، وصحة إجازة المشتري أيضا موقوفة على إجازة الفضولي، لأنه بدونها لا كاشف له عن مالكيته، فليتدبر. بل يلزم أن يقع العقد الثاني على ملك المشتري، فيكون الأصيل أجنبيا عن الملك، فلا وجه لدخول الثمن في ملكه، بل لابد من رجوعه


1 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 138 / السطر 18.

[ 283 ]

إلى ملك المشتري، فيكون في المقام جمع بين الثمن والمثمن في ملك المشتري، وتفريغ العين عن ملك الأصيل بلا ثمن، ويلزم من بطلان ذلك صحته، ومن صحته بطلانه (1)، ويلزم التوالي الفاسدة الاخر التي كلها ترجع إلى أمر واحد عرفت ما فيه. ومن هذه الخلف، لأن معنى " كاشفية الإجازة " كون المنكشف بها ملكية المشتري من حين العقد، وهذا غير ممكن فرضا. ثم إنه غير خفي: أن ما هو الشرط هو الإجازة بوجودها الواقعي، فلا يكفي وجودها العلمي في ترتيب آثار الملك بعد الإجازة. ولو كان الشرط وجودها الواقعي الدهري - كما سلكناه - فيلزم جواز ترتيب الآثار قبل لحوقها، لوجود الشرط مع المشروط. وأما إذا كان الشرط وجودها الزماني، فلا معنى لتجويز التصرف مطلقا ولو كان عالما بلحوقها، ولا لتوهم كون العقد الثاني على ملك المشتري، لعدم لحوقها بعد، وبعد الانكشاف يصح البيع بناء على القول بالإجزاء، كما عرفت منا. الوجه الخامس: أن بيع المالك بمنزلة الرد للعقد الأول، إذ لا يعتبر فيه اللفظ، كالفسخ في زمان الخيار، والرجوع في الهبة، وغيرهما من العقود الجائزة، ولا فرق في ذلك بين بيعه من الأجنبي، وبيعه من الفضولي،


1 - مقابس الأنوار: 135 / السطر 1.

[ 284 ]

وبيعه من المشتري، لأنه بذلك تسقط الإجازة عن قابلية اللحوق، بل يسقط العقد عنها. ومجرد تفويت المحل لا يستلزم عدم بقاء القابلية كما توهم (1)، فإن في جميع الموارد يسقط العقد، وينحل بالرد، وإن كان في بعض الموارد أمر زائد عليه: وهو تفويت محل الإجازة، كما في الرد بالإتلاف الحقيقي، فعليه لا يبقى العقد الثاني على صحته التأهلية. بل الظاهر أن في الهبة والعقود الجائزة يكون الواهب أجنبيا، ومع ذلك يكون تصرفه في الموهوب له فسخا للهبة، فكيف لا يكون فعل المالك قاصرا عن ذلك؟! من غير فرق بين صورتي العلم والجهل: أما مع التوجه فواضح. وأما مع الجهل وعدم الالتفات، فعدم كونه فسخا مبني على احتياج الرد إلى الإنشاء، وهذا خلاف التحقيق، بل الرد أمر أعم. الجواب عن الاستدلال الخامس أقول: ولعمري إن هذا الدليل مبني على التغافل عن خصوصيات المسائل، وإلا فلا ينبغي صدوره عن الأفاضل، فضلا عن الأعلام. والذي هو الحجر الأساسي ما مر منا: من أن المالك لا سلطنة له على الرد، وليس من شرائط نفوذ الإجازة عدم تعقبها به. هذا مع أنه لو سلمنا ذلك، فهو يتم في حق المالك المنشئ غير المظهر لرضاه حين العقد، أو في حق الفضولي فقط، وأما إنشاء الفضولي


1 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 139 / السطر 2.

[ 285 ]

فيما نحن فيه الواقع على ملك الأصيل، فلا وجه لسقوطه عن القابلية بالرد الإنشائي، فضلا عن الفعلي، ولاسيما الفعلي حال الجهل، لأن مجرد كونه على ماله غير كاف في ثبوت السلطنة له على رفض تلك العلقة الوهمية الإنشائية التي لاتعد من التصرف الحسي، ولا من التصرف الاعتباري الواقعي. ولو سلمنا ذلك أيضا ففي صورة العلم لا يكون فسخ فيما نحن فيه، لأنه يرجع إلى العمل بالعقد الأول مقدمة، بمعنى أنه تثبيت له، ولو كان الرد متوقفا على الإنشاء فلا يحصل بمثله. وأما توهم: أن الرد ليس إنشاء، فهو غير ظاهر، كما سيأتي تحقيقه من ذي قبل إن شاء الله تعالى. فبالجملة: تمامية هذا الوجه النقلي، موقوفة على المباني الكثيرة التي لا يمكن تصديق جلها، بل كلها. مع أن فساد واحد منها كاف في سقوطه، كما لا يخفى. إن قلت: إن البيع الثاني مضاد للبيع الأول، ومريد الشئ كاره لأضداده، ولا يعتبر في الرد سوى الكراهة المقرونة بالكاشف كالإجازة، فنفس البيع رد من غير حاجة إلى التفات وإنشاء للرد، لكفاية الارتكاز، وهذا هو السر في كون تصرف من له الخيار والواهب فسخا ورجوعا (1). قلت: لاتضاد، لعدم توقف صحة الثاني على صحة الأول، دون


1 - لاحظ بلغة الفقيه 2: 297.

[ 286 ]

العكس، لأنه إذا لم يتمكن الفضولي من الاشتراء، فلا يتمكن من الوفاء وترتيب الآثار، فلا يصير صحيحا فعليا بإجازته. نعم، بناء على الكشف ربما يتوهم التضاد، ولكنه قد عرفت حاله. فتحصل: أن في المسألة أقوالا ثلاثة: القول بأنه رد مطلقا، وهو مختار " المقابيس " (1). والقول بأنه ليس ردا مطلقا، وهو مختارنا. وقول بالتفصيل بين صورتي العلم والجهل (2). ولعل رابع الأقوال قول من يرى أن الرد إنشاء، وهو لا يلازم الالتفات، فمع عدم الإنشاء - وإن كان ملتفتا وعالما - لا يعد من الرد، كما هو المستظهر من بعض أساتيذنا (3)، فليتدبر جيدا. إن قلت: ما ذكرتم من أن البيع الثاني مع اطلاع المالك على أطراف المسألة وخصوصيات القضية، تأكيد وتثبيت للعمل بالعقد الأول، وتحكيم للعقد، غير تام، لأنه كذلك في خيال المالك والبائع الفضولي، ولكنه رد بحسب الملازمة الواقعية الثابتة بين تصرف المالك تصرفا مورثا لسقوط الإنشاء الفضولي. قلت: إن هذه المسألة مبناها على أمر واحد ومعنى فارد، وهو الذي تقرر منا في محله من عدم الدليل على سلطنة المالك على رفض هذه


1 - مقابس الأنوار: 135 / السطر 6. 2 - لاحظ جامع المقاصد 4: 74. 3 - البيع، المحقق الكوهكمري: 429 وما بعدها.

[ 287 ]

العلقة الإنشائية المتعلقة بماله، فهو وإن لم يكن أجنبيا، لتعلقها بملكه، ولكن مجرد التعلق غير كاف، كما في الاستظلال بجدار الغير، والاستضاءة من سراجه، والاستماع إلى أقواله، والنظر إلى أفعاله وأشكاله، فإن كل ذلك إما لا يعد من التصرف، أو لا يكون من التصرف المنهي (1). مع أن العقد الثاني لا ينافي العقد الأول حتى على الكشف، لما عرفت من إمكان الالتزام بآثاره حتى بالنسبة إلى منافع السلعة قبل العقد الثاني، إلا أن المالك الأصيل ربما يزيد في الثمن مع التوجه إلى العقد الأول وأثره، ويكون بالخيار إذا كان غير ملتفت، فافهم واغتنم. الوجه السادس: أن الأدلة الناهضة على بطلان البيع في المقام على طائفتين: عقلية، وعقلائية، أو شرعية ولفظية، ومن الأدلة اللفظية - بعد ما عرفت من الوجوه العقلية والعقلائية وبعض الوجوه اللفظية، كاعتبار القدرة في التسليم - المآثير الكثيرة التي يستدل بها عموما أو خصوصا الواردة في المقام بل ربما تكون هذه المسألة مورد صدور العمومات المستدل بها على بطلان الفضولي مطلقا، وهي على طوائف:


1 - تقدم في الجزء الأول: 53، وفي هذا الجزء: 203 و 254 و 284.

[ 288 ]

الطائفة الاولى والثانية: هي الأخبار التي نصت على أصل المسألة وقد بحثنا حولها سندا ودلالة في تلك المسألة. ومن الاولى: النبوي المحكي عن الفريقين، فعن شعيب بن واقد، عن الحسين بن زيد، عن الصادق، عن آبائه عليهم الصلوات والسلام في مناهي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: " ونهى عن بيع ما ليس عندك، ونهى عن بيع وسلف " (1). وقريب منه ما عنه (عليه السلام) بطريق آخر فيه سليمان بن صالح (2). وعن حكيم بن حزام العامي: " لاتبع ما ليس عندك " (3) مصدرا بجملة اخرى مروية في بعض كتب العلامة (4): وهو أن ابن حزام سأل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن أن يبيع الشئ، ويمضي ويشتريه ويسلمه، فاجيب بذلك.


1 - الفقيه 4: 4 / 1، وسائل الشيعة 18: 48، كتاب التجارة، أبواب أحكام العقود، الباب 7، الحديث 5. 2 - سليمان بن صالح، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عن سلف وبيع، وعن بيعين في بيع، وعن بيع ما ليس عندك وعن ربح ما لم يضمن. تهذيب الأحكام 7: 230 / 1005، وسائل الشيعة 18: 47، كتاب التجارة، أبواب أحكام العقود، الباب 7، الحديث 2. 3 - سنن البيهقي 5: 339، سنن الترمذي 2: 350 / 1250. 4 - تذكرة الفقهاء 1: 462 / السطر الأخير.

[ 289 ]

ومن الثانية: النبوي " لابيع إلا فيما تملك " كما في " عوالي اللآلي " (1) مع اختلاف التعابير في نقله، ومع كونه مرويا تارة: منفردا (2)، واخرى: منضما إلى بعض الكبريات الاخر (3). وقد عرفت بما لا مزيد عليه الاحتمالات البالغة إلى قريب من عشرة، ومعها يسقط عن الاستدلال مع اختلاف القراءات فيه (4). وربما يخطر بالبال دعوى: أن هاتين الطائفتين وإن كانتا قاصرتين عن إفادة بطلان الفضولي، ولكنها غير قاصرتين عن إفادة بطلان البيع هنا، وذلك لأن الفضولي في تلك المسألة يبيع للمالك، فليس البيع إلا للمالك، ولايكون هو المتولي له، ولا هو طرفه، ولا موضوعا لأحكامه، من وجوب الوفاء، وحرمة النقض، ووجوب التسليم، فتمام الاستناد للمالك وجدانا، فلا يشمله الأدلة العامة، بخلاف الفضولي هنا، فإنه بائع - بالحمل الشائع - ما ليس عنده. ويمكن الانعكاس: بأن من هو البائع حقيقة في تلك المسألة - كما عرفت بما لا مزيد عليه - هو الفضولي، ونسبة البيع إلى المجيز والمالك كنسبته إلى الموكل في كونها مجازا، بل قد مضى الإشكال في


1 - عوالي اللآلي 2: 247 / 16. 2 - نفس المصدر. 3 - عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: لا طلاق إلا فيما تملك، ولا عتق إلا فيما تملك، ولا بيع إلا فيما تملك. سنن أبي داود 1: 665 / 2190. 4 - تقدم في الصفحة 61 - 62.

[ 290 ]

مجازيتها أيضا (1)، فعليه من ليس عنده السلعة والمتاع، ويكون هو البائع، ويصير بيعه منهيا، هو الفضولي في تلك المسألة، وأما في هذه المسألة فهو عنده المتاع، لقدرته على الاشتراء، كما هو المفروض في المسألة، على ما نص عليه الشيخ (رحمه الله) (2) في بعض الوجوه السابقة. والذي يسهل الخطب: أن إنشاء البيع ليس بيعا حتى يشمله الأدلة، وما ترى من النواهي فهي ناظرة إلى البيوع التي توجد في الخارج في محيط العقلاء، معتقدين بأن الأثر قد حصل بها، وبانين على الوفاء بها بالتسليم. وما قرع سمعك من نظارتها إلى النهي عن العناوين غير المترتب عليها الأثر، غير سديد جدا. فما هو يعد إنشاء البيع فليس بيعا، مع أنه لو كان بيعا لا يكون مورد هذه الأخبار، لجلالة شأن القانون عن التعرض لما لا ثمرة عملية له بالفعل، وأما إمكان الاستثمار بوجه جامع للشرائط فلاينبغي النهي عنه، لعدم ترتب الفساد عليه، كما لا يخفى. الطائفة الثالثة: المآثير الخاصة وهي كثيرة نذكر مهماتها: فمنها: ما رواه ابن أبي عمير، عن يحيى بن الحجاج (نجيح) [ عن خالد بن الحجاج ] قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): الرجل يجئ فيقول: اشتر هذا


1 - تقدم في الصفحة 12 - 14. 2 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 137 / السطر 29.

[ 291 ]

الثوب وأربحك كذا وكذا. قال: " أليس إن شاء ترك، وإن شاء أخذ؟ ". قلت: بلى. قال: " لا بأس به، إنما يحل الكلام، ويحرم الكلام " (1). وأما صحة السند فمحل إشكال، لعدم ثبوت وثاقة المروي عنه، وكفاية كون الراوي من أصحاب الإجماع - ولاسيما ابن أبي عمير - محل بحث. اللهم إلا أن يقال: بأن الظاهر هو ابن الحجاج، لأن ابن نجيح من المهملين أولا، ولعدم تعرض " جامع الرواة " لاختلاف النسخ في ترجمة ابن الحجاج ثانيا، وبعد إهمال من يروي عنه ابن أبي عمير ثالثا والله العالم. وأما دلالتها، فالمعروف بينهم الاستدلال بها على ما نحن فيه مع لزوم التكلفات الكثيرة. والذي هو الأقرب: أن من البيوع المتعارفة بيع الآجال، وهو من البيوع التي كان يفر بها عن الربا في القرض، بأن يشتري المقرض دار المقترض مثلا بعشرة نقدا، ثم يبيعها منه بعشرين نسيئة، فيكون بحسب اللب العشرة نقدا حذاء العشرين نسيئة، ويكون للأجل قسط، وبذلك لا يقع في الحرام، ويفر من الربا بالكلام والإنشاء بحسب مقام الإثبات،


1 - الكافي 5: 201 / 6، وسائل الشيعة 18: 50، كتاب التجارة، أبواب أحكام العقود، الباب 8، الحديث 4.

[ 292 ]

فإن الكلام يحرم ويحلل. ولما كان في كيفية سؤال السائل احتمال آخر: وهو كون المأمور المقرض يشتري للمقترض وكالة، بأن يقرضه عشرة، ويربحه العشرين مثلا، فيلزم الربا، سأله بأنه: " أليس إن شاء ترك، وإن شاء أخذ؟ " فإنه بهذا يتعين أنه يشتري لنفسه، لا للمقترض. ولو قيل: على التقديرين يصدق قوله: " إن شاء ترك، وإن شاء أخذ؟ " لأنه على تقدير الاقتراض يكون باطلا. قلنا: نعم، ولكنه ناظر إلى حكم العقلاء في محيط العرف، وأن المغروس عندهم الالتزام بالقرار والمعاهدة المفهومة من الأمر، فاريد من السؤال حد الموضوع الخارجي المقصود من الكلام، وأنه اريد منه أن يشتري لنفسه، أو يشتري للآمر، فإذا تبين أنه يشتري لنفسه ينفى عنه البأس، ويصير التعليل المزبور في محله، لأنه إن أراد من الأمر الاقتراض والاشتراء للآمر، فيكون الكلام محرما، وإن أراد منه الاشتراء لنفسه، ثم بيعه من الآمر بالمرابحة، فيكون الكلام محللا. ومن التدبر فيما استظهرناه اتخاذا من تقرير بعض أساتذتنا (1)، وإكمالا بما عرفت في تحريم الكلام وتحليله، يظهر مفاد سائر الأخبار المزبورة في الكتب الاستدلالية (2)، والمروية في أبواب أحكام


1 - البيع، المحقق الكوهكمري: 418 - 419. 2 - مقابس الأنوار: 135 / السطر 14، المكاسب، الشيخ الأنصاري: 139 / السطر 21.

[ 293 ]

العقود (1)، من غير حاجة إلى نقلها. ولعمري، إن المراجع لروايات الباب الأول والأخير، يقطع بالأمر، ولا يغتر بما في صحف الآخرين. فتحصل: أن هنا مسألتين: اولاهما: مسألة بيع ما ليس عنده، كليا كان، أو جزئيا. وثانيتهما: مسألة الفرار من الربا القرضي ببيع المرابحة والآجال، في الكلي كان، أو في الجزئي، وقد وردت الروايات في هذه المسألة مشتملة على الكلي والشخصي، وناطقة بالجواز ونفي البأس، من غير كونها ناظرة إلى مسألة اخرى، وإن كان يوهم بعض التعابير الواردة ذيل بعضها بمفهومها ممنوعية الاشتراء قبل البيع، ولكنه مجرد وهم لا أساس له. فقوله (عليه السلام) ذيل معتبر منصور بن حازم: " إنما البيع بعد ما يشتريه " (2) وفي ذيل معتبر ابن مسلم: " إنما يشتريه منه بعدما يملكه " (3) لا يدل على أن البيع قبل الاشتراء ممنوع، بل ناظر إلى أن الاسترباح بالاشتراء للمقترض من الربا المحرم، بخلاف ما إذا كان الاسترباح بالاشتراء لنفسه، ثم البيع


1 - وسائل الشيعة 18: 40 و 46 - 48، كتاب التجارة، أبواب أحكام العقود، الباب 5 و 7 و 8. 2 - تهذيب الأحكام 7: 50 / 218، وسائل الشيعة 18: 50، كتاب التجارة، أبواب أحكام العقود، الباب 8، الحديث 6. 3 - تهذيب الأحكام 7: 51 / 220، وسائل الشيعة 18: 51، كتاب التجارة، أبواب أحكام العقود، الباب 8، الحديث 8.

[ 294 ]

للمقترض، فإنه استرباح بالبيع. ومما يدل على أن مصب هذه الأخبار ما ذكرناه: أن هذه المسألة كانت معنونة من قديم الأيام، ومشهورة بين خلفاء العامة، ومورد الخلاف بين فقهائهم، وكان يرى بعضهم - كمالك وجمهور أهل المدينة - عدم جواز ذلك معللا لهم: بأنه الربا المنهي عنه، وكان بعضهم - كالشافعي وداود وأبي ثور - على جوازه (1). وبالجملة: تكون المسألة ذات شقوق كثيرة بالغة في بعض كتبهم إلى تسعة (2)، وكانت معنونة ومعروفة، وقد وردت أخبارنا في هذه المواقف وتلك القصة، ناطقة بأجمعها بجواز ذلك، لخروج موضوع المسألة عن الربا معللا: " بأن الكلام يحرم ويحلل " ولا يعتنى في الفقه بالأغراض والمقاصد التخيلية بعدم إمكان الاطلاع على العلة الواقعية، فلاحظ وتدبر جيدا. الطائفة الرابعة: الروايات الخاصة الواردة في أبواب نكاح العبيد والإماء (3) وقد استدل بها الشيخ (رحمه الله) وقال: " ربما يؤيد المنع - مضافا إلى ما


1 - لاحظ المجموع 10: 149 - 151، المدونة الكبرى 4: 90 و 118، بداية المجتهد 2: 140 - 141. 2 - بداية المجتهد 2: 140 - 141. 3 - وسائل الشيعة 21: 114، كتاب النكاح، أبواب نكاح العبيد والإماء، الباب 24.

[ 295 ]

سيأتي عن " التذكرة " (1) و " المختلف " (2) من دعوى الاتفاق - رواية الحسن بن زياد الطائي الواردة في نكاح العبد بغير إذن مولاه قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إني كنت رجلا مملوكا، فتزوجت بغير إذن مولاي، ثم أعتقني الله بعد، فاجدد النكاح؟ قال فقال: " علموا أنك تزوجت "؟ قلت: نعم، قد علموا فسكتوا، ولم يقولوا لي شيئا. قال: " ذلك إقرار منهم، أنت على نكاحك " (3). فإنها ظاهرة بل صريحة في أن علة البقاء بعد العتق على ما فعله بغير إذن مولاه هو إقراره المستفاد من سكوته، فلو كان صيرورته حرا مالكا لنفسه مسوغة للبقاء مع إجازته أو بدونها لم يحتج إلى الاستفصال عن أن المولى سكت أم لا، للزوم العقد حينئذ على كل تقدير " (4) انتهى. وقريب منها - وكان الأولى الاستدلال به، لصحة سنده دونها، لأن ابن زيد الطائي من المهملين - ما في الباب المزبور، عن معاوية بن وهب قال: جاء رجل إلى أبي عبد الله (عليه السلام) فقال: إني كنت مملوكا لقوم، وإني تزوجت امرأة حرة بغير إذن موالي، ثم أعتقوني بعد ذلك، فاجدد نكاحي


1 - تذكرة الفقهاء 1: 463 / السطر 5. 2 - مختلف الشيعة: 348 / السطر 28، لاحظ مقابس الأنوار: 134 / السطر 14 - 21. 3 - تهذيب الأحكام 7: 343 / 1406، وسائل الشيعة 21: 118، كتاب النكاح، أبواب نكاح العبيد والإماء، الباب 26، الحديث 3. 4 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 140 / السطر 19.

[ 296 ]

إياها حين اعتقت؟ فقال له: " أكانوا علموا أنك تزوجت امرأة وأنت مملوك لهم؟ فقال: نعم، وسكتوا عني، ولم يغيروا علي. قال: فقال: " سكوتهم عنك بعد علمهم إقرار منهم، وأثبت على نكاحك الأول " (1). ويتوجه إلى الاستدلال المزبور: أن من الممكن كون الاستفصال لأمر آخر، وهو الاطلاع على رد الموالي عقده حتى لا يمكن إتمامه بالإجازة، ومن الممكن كون الاستفصال للاطلاع على أن العقد يحتاج إلى الإجازة بعد الانعتاق، أم لا، ضرورة أنه من الممكن كونه بالخيار في النكاح إذا لم يكن الموالي راضين بعقده. وهذا عندي غير تام، لأن الرد عندنا ليس من الأسباب المبطلة للإنشاء، والاحتياج إلى الإجازة غير موافق للتحقيق، وكون هذا الاستفصال لأحد الأمرين على سبيل منع الخلو، لا يستلزم سقوط الاستدلال، لأنه من الاحتمال الموهون كما لا يخفى. نعم، هنا احتمال آخر أفاده المحقق الوالد - مد ظله -: وهو كون الاستفصال للحكم على الصحة من أول الأمر وقبل الانعتاق، أو كان الموالي غير موافقين له، فيكون العقد غير مؤثر من أول الأمر وقبل الانعتاق، وقضية الجواب كون التزويج واقعا قبل عتقه، فلا يكون ولده ولد


1 - الكافي 5: 478 / 4، وسائل الشيعة 21: 117، كتاب النكاح، أبواب نكاح العبيد والإماء، الباب 26، الحديث 1.

[ 297 ]

الشبهة، وغير ذلك من الآثار الشرعية (1). اللهم إلا أن يقال: بأن الظاهر من قوله (عليه السلام): " أثبت على نكاحك الأول " هو أن مع الفرض المذكور يكون النكاح لازما، وهذا إما مقابل جوازه الفعلي، أو فساده، وحيث لا سبيل إلى الأول يتعين الثاني. نعم، تمامية الاستدلال بها غير واف بتمام المقصود، لأن فساده في باب النكاح غير سار إلى الأبواب الاخر إلا بالقياس، ولا سبيل إلى إلغاء الخصوصية، كما لا يخفى. وربما يستدل برواية في الباب على نقيض مطلوب القوم في المقام (2): وهي معتبرة معاوية بن وهب، عن أبي عبد الله (عليه السلام): أنه قال في رجل كاتب على نفسه وماله، وله أمة، وقد شرط عليه أن لا يتزوج، فأعتق الأمة وتزوجها. قال: " لا يصلح له أن يحدث في ماله إلا الأكلة من الطعام، ونكاحه فاسد مردود ". قيل: فإن سيده علم بنكاحه، ولم يقل شيئا؟ فقال: " إذا صمت حين يعلم ذلك فقد أقر ". قيل: فإن المكاتب عتق، أفترى يجدد نكاحه، أم يمضي على النكاح الأول؟


1 - البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 2: 280. 2 - نفس المصدر.

[ 298 ]

قال: " يمضي على نكاحه " (1). فإن الجملة الأخيرة بمناسبة وقوعها بعد الثانية، تكون ظاهرة في أن المفروض انعتاقه، وعدم موافقة الأولياء مع عقده، لعدم علمهم به، فإنه مع ذلك صحح العقد الأول من غير حاجة إلى الإجازة. ولكن الإنصاف يقضي: بأنه استظهار غير موافق لما هو الظاهر فيه، وهو احتمال كون وجه الشبهة أن الانعتاق ومالكية النفس بعد العقد المزبور، يورث إشكالا في صحة العقد السابق. بل الظاهر من قوله: " فإن المكاتب " هو الإيماء إلى الرجل المذكور في صدر الحديث، لما تقرر من أن تكرار الاسم ظاهر في الوحدة، إذا كان الأول نكرة، والثاني معرفة. وعلى كل تقدير: لا يصلح التجاوز منها إلى غيرها، ولا يصطاد قاعدة كلية منها صحة كانت أو فسادا، فليتأمل. ومن المحتمل أن الموالي كانوا عالمين بالتزويج حين الإنشاء والعقد، لا بعده، فإنه لا صراحة لهذه الروايات في أن علمهم بالتزويج كان بعده. نعم، كان التزويج بدون إذنهم، ولكنه ليس معناه جهلهم بحاله، فتصير هذه الروايات صريحة في بطلان العقد بدون الإذن والعلم حال الإنشاء، فتأمل.


1 - الكافي 5: 478 / 6، الفقيه 3: 76 / 271، وسائل الشيعة 21: 117، كتاب النكاح، أبواب نكاح العبيد والإماء، الباب 26، الحديث 2.

[ 299 ]

بحث وتوضيح: حول تفصيل الشيخ الأعظم وإيراد الوالد المحقق عليه قضية ما مر منا حسب القواعد صحة البيع في المقام، حتى على القول بالكشف، وحتى على كون الكشف تاما ومن الأول، هذا بحسب القواعد، ولا دليل يقابلها في خصوص البيع. وقد اختار الشيخ الأنصاري (قدس سره) التفصيل بين صور المسألة فاختار البطلان في صورة، والصحة في سائر الصور، ظنا أن الأدلة اللفظية ناهضة على البطلان في تلك الصورة التي أشرنا إليها في صدر المسألة: وهي ما إذا باع البائع لنفسه، واشترى المشتري غير مترقب لإجازة المالك، ولا لإجازة البائع إذا صار مالكا (1). وقد حكي عن " تذكرة " العلامة نفي الخلاف في فساد هذه الصورة (2)، واستظهر عليه إجماع " الخلاف " (3). وأنت خبير: بأن البصير الناقد لا يحتمل كون الروايات ناظرة إلى تلك الصورة التي لا تتفق إلا فرضا أو نادرا، بداهة أن بناء المعاملات على الانتهاء إلى الآثار والمبادلة الواقعية، ولا يقدم أحد من العقلاء عليها إلا فيما يرجى ذلك، ويجد وقوع الإجازة قريبا جدا، وهذا أمر لا يكذبه أحد، فلو


1 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 140 / السطر 23. 2 - تذكرة الفقهاء 1: 463 / السطر 5. 3 - الظاهر أنه سهو من قلمه الشريف والصحيح " المختلف ". لاحظ مختلف الشيعة: 348 / السطر 28، ومقابس الأنوار: 134 / السطر 14 - 21.

[ 300 ]

دلت الأخبار على البطلان فالقدر المتيقن منه الصورة الشائعة، وهي ما إذا ترقب الإجازة. ثم إن المراجعة إلى الروايات بناء على تمامية دلالتها، تعطي أن ما هو المنظور من النهي والمقصود بالأصالة فيها، هو بيع مال الغير بما هو مال الغير من غير دخالة سائر القيود فيه، وهذا هو إلغاء الخصوصية عرفا، لانتقال العرف منها إلى أن ما هو المنهي ليس الراوي، ولا في زمان كذا، كما لا دخالة لسائر القيود من الترقب وعدمه، أو كون البيع لنفسه أو لغيره، بل المناط والمطلوب في النهي هو المنع عن التجاوز إلى مال الغير. فما أفاده المحقق الوالد - مد ظله - ردا عليه (قدس سره) (1) في غاية المتانة ونهاية الصحة، فلا تكن من الغافلين المبعدين. الفرع الأول: فيما إذا باع عن المالك فصار مالكا لو باع عن المالك، فاتفق انتقال المبيع إليه، ففي صحته وعدمها قولان، ومنشأهما أن حقيقة البيع إن كانت متقومة بالمعاوضة في الملكية، وهي لا تتصور إلا فيما كان المالكان متشخصين، فإنه حينئذ يبطل، لأن المالك الذي باع عنه غير المالك المجيز. ولا يقاس هذه المسألة ببيع الغاصب لنفسه، فإنه فيما إذا باع


1 - البيع، الإمام الخميني (قدس سره): 280 - 281.

[ 301 ]

العين المغصوبة مقيدا بقوله: " عن نفسه " فإنه كان يمكن إلغاء هذا القيد، ولكنه هنا يستلزم كون المجاز والمنشأ متكثرا واقعا، ولذلك أمر الشيخ بالتأمل (1). وإن قلنا بعدم تقومهما إلا بالمبادلة في الملكية، فهي حاصلة في مرحلة الإنشاء، وأما تشخص المالكين فلا يعتبر في حقيقة النكاح، فضلا عن البيع، فلو باع عن المالك فقد بادل إنشاء بين العين والثمن، وأما إخراجه عن ملك المالك المعين، فلا يورث إشكالا في أصل البيع إذا تبدل المالك. ومن العجيب أن السيد الوالد - مد ظله - كيف يكون غافلا عن هذه الجهة في المسألة، فظن بطلان البيع، وهما أن هذا ينافي مفهوم " المعاوضة " و " المبادلة " (2)؟! وربما يقال: بأن التمسك بعمومات التنفيذ مشكل هنا، لأنه قبل الانتقال ما كان يجب عليه الوفاء بالعقد، وبعد الانتقال يشك في ذلك، وقضية استصحاب حكم المخصص عدم الصحة، لعدم وجوب الوفاء، وهذا ما يستظهر من الشيخ الأعظم (قدس سره) في المسألة الآتية (3). وفيه أنظار: فأولا: أنه بعدما عرفت حسب الأدلة الاجتهادية، لا يشك في لزوم


1 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 140 / السطر الأخير. 2 - البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 2: 282. 3 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 141 / السطر 7.

[ 302 ]

الوفاء حسب دليله، وهو بناء العقلاء، وقد عرفت أن الآية أجنبية عن المسألة (1). وثانيا: ليس المسألة من صغريات تعارض العام واستصحاب حكم المخصص لعدم التخصيص، بل هو من تعارض العام والأصل، ولاريب في تقدمه عليه. وثالثا: عدم الوجوب لا يلازم عدم الصحة، نعم الوجوب يلازم الصحة، فلا يمكن الحكم بالبطلان في مفروض المسألة، وسيأتي في الفرع الثاني بعض ما يتعلق بالمقام عند التعرض لكلام الشيخ الأعظم (قدس سره) فانتظر. بحث: في صحة البيع للمالك فيمن باع ثم ملك بناء على بطلان البيع في أصل المسألة، فهل يمكن تصحيحه للمالك؟ فيه وجهان، بل قولان، ومنشأهما يعلم مما مر في بيع الغاصب لنفسه. وإذا أجاز يصح على ما عرفت منا (2)، وهل للمشتري خيار لأجل تبدل طرف المعاملة، أم لا، لعدم كونه من الأغراض العقلائية النوعية، وعدم الاشتراط الخاص في ضمن العقد؟ وجهان ثانيهما هو الأقوى.


1 - تقدم في الصفحة 11 - 13. 2 - تقدم في الصفحة 87 - 89.

[ 303 ]

في صحة وفساد العقد الثاني في مسألة " من باع ثم ملك " ثم إنه قد يقال: بأن في مسألة " من باع ثم ملكه بالاشتراء " لا يكون العقد الثاني باطلا، بل هو ظاهر الأصحاب، وهو المفروغ عنه، فلاتلازم بين بطلان العقد الأول والثاني. وربما يخطر بالبال دعوى: أن قضية بعض الوجوه السابقة بطلان أحد العقدين، وحيث لا سبيل إلى تعين أحدهما لابد من الالتزام ببطلانهما، عملا بالعلم الإجمالي، وذلك هو الوجه الذي كان يؤدي إلى اجتماع المالكين على ملك واحد في زمان واحد، وهو من اجتماع الضدين، ويلزم من ذلك اجتماع النقيضين، لأن لازم وجود أحد الضدين عدم الآخر. بل الفساد ينشأ من العقد الثاني، فإنه لولاه لكان العقد الأول باقيا على صحته التأهلية القابلة لإجازة المالك، كما عرفت آنفا (1). وأنت خبير بما فيه، فإن الصحة التأهلية لاتزول بالعقد الثاني. هذا أولا. وثانيا: تمام الفاسد تحت فرض صحة العقد الأول. وإن شئت قلت: ليس المسألة من صغريات دوران الأمر بين المتباينين، بل المسألة من صغريات مسألة الأقل والأكثر، ضرورة عدم إمكان الالتزام بصحة الأول دون الثاني، بخلاف عكسه، فيدور الأمر بين الالتزام بصحة الكل، أو صحة العقد الثاني، فهو القدر المتيقن،


1 - تقدم في الصفحة 83 - 84.

[ 304 ]

والزائد عليه يحتاج إلى الدليل. وتوهم: أن صحة العقد الثاني تستلزم صحة الأول، في غير محله كما لا يخفى. ولو شك في صحة العقد الثاني، لاحتمال خروجه عن العام بخروج العقد الأول، فهل قضية القواعد الرجوع إلى العمومات، لرجوع الشك إلى الشك في التخصيص الزائد، كما هو رأي العلامة المحشي (رحمه الله) وقال: " إذا امتنع شمول العام لفردين، بحيث كان خروج أحدهما مستلزما لخروج الآخر، دون خروج الآخر، تعين خروج ما لا يستلزم خروج الآخر، وبقاء ما لا يلزم من بقائه بقاء الآخر " (1)؟ أم قضية الصناعة قصور البناء العقلائي عن المراجعة إلى العام بعد العلم الإجمالي بالخروج، ومجرد الانحلال الحكمي غير كاف في صحة التمسك؟ وجهان بل قولان، والتفصيل موكول إلى مقام آخر. الفرع الثاني: حول احتياج العقد الأول إلى الإجازة ووجوبها بناء على صحة العقد الأول، فهل يحتاج إلى الإجازة، أم لا؟ وعلى التقدير الأول، فهل يجب الإجازة، أم لا، أو يقال بالتفصيل، فإن كان الرضا المظهر بالمعاملة والعقد الأول، باقيا إلى حال العقد


1 - حاشية المكاسب، الأصفهاني 1: 169 / السطر 5.

[ 305 ]

الثاني فلا حاجة إليها، وإن لم يكن باقيا وتبدل إلى الكراهة فيحتاج إليها؟ وجوه بل أقوال، ومنشأها - مضافا إلى اختلاف المباني، كما نشير إليه - اختلافهم فيما هو الشرط عرفا في صحة العقد. وقبل الإشارة إلى أصل البحث لابد لنا من تقديم أمر: وهو أن هذا البحث عندنا ساقط، لعدم لزوم اشتراء البائع الفضولي لنفسه حتى يقال بلزوم إجازته، أو يقال بعدم شرطيتها، بل البائع يشتري من المالك الأصيل للمشتري الأول، ويدخل الثمن في كيسه، ويدخل المثمن في كيس المشتري بلا واسطة، ولقد تعرضنا لدليل ذلك سابقا، وأيدنا صحة هذه المعاوضة عند العقلاء بالوجوه المختلفة. نعم، لا يلزم عليه أن يشتري له، فله اشتراؤه لنفسه، وعند ذلك يقع البحث المزبور. وربما يمكن دعوى صحة اشترائه للمشتري فضولا، وإذا أجاز ينتقل إليه ما يجب عليه تسليمه، نعم عند ذلك يتخير المشتري بين إجازة الاشتراء الفضولي على الثمن المذكور في العقد الثاني، وبين إجازته باشتراط رد زيادة الثمن الأول إذا كان زائدا. هذا إذا لم نقل: بأنه ينافي وجوب التسليم الذي عرفت منا سابقا في أصل المسألة، وعلمت أن من باع شيئا يجب عليه الاشتراء والتسليم، والظاهر هو التنافي كما هو الواضح. إذا عرفت ذلك فالبحث يقع في جهات:

[ 306 ]

الجهة الاولى: فيما إذا اشترى ما باعه ولم يتغير حاله بين العقدين لو اشترى ما باعه، ولم يتغير حاله بعد العقد الأول إلى العقد الثاني، وكان رضاه باقيا، فقضية بعض الوجوه التي ذكرناه سابقا أن الإجازة لازمة، وذلك لأن الرضا من المالك شرط، وهو غير حاصل، ورضاه بالعقد ليس من رضا المالك، وبعدما صار مالكا لا يكون رضاه كافيا، لأنه رضا الأجنبي. ويتوجه إليه: أن الرضا الباقي إلى العقد الثاني المستلزم لمالكيته بما له من البقاء تكوينا، لا يكون من الأجنبي بالضرورة، ولا منقصة في العقد المزبور إلا المالكية، وهي إذا حصلت تستلزم تأثير العقد قهرا، لتمامية الشرائط. ولو فرضنا اعتبار المقارنة بين الرضا والملكية المنتقلة فهو أيضا حاصل، لبقائه إلى حال مالكيته. فما قد يتوهم من الإخلال بشرط التقارن، أو يتوهم أن نظر الشيخ (رحمه الله) إلى هذه الصورة في المنع عن كفاية العقد بلا إجازة (1)، في غير محله. وربما يخطر بالبال دعوى لزومها إذا قلنا: بأن مطلق الرضا المظهر غير كاف، بل لابد من إنشاء الإجازة. وفيه: لو سلمنا المبنى، فلا نسلم البناء، لأن عند إنشاء العقد الأول ظهر رضاه، وهو باق، فلا معنى لاحتياجه إلى الإظهار الآخر، فالرضا لو


1 - لاحظ حاشية المكاسب، المحقق الأصفهاني 1: 174 / السطر 17 - 23.

[ 307 ]

لم يكن بوجوده الحدوثي كافيا، فبوجوده البقائي كاف، ومظهره ما سبق من الإظهار. اللهم إلا أن يقال: بأن الإظهار السابق لا يظهر به إلا أصل الرضا، وهو يتعلق بوجوده الحدوثي غير الكافي، ووجوده البقائي كاف في شرطية الرضا، ولكنه ليس يصح العقد بمجرده، لحاجته إلى الإظهار، بل ولو كان المحتاج إليه أصل الإظهار، لا إنشاء الإجازة، فعلى مسلكنا من احتياج العقد في التأثير إلى الرضا المظهر، لا يمكن تتميم العقد على القول: بأن الرضا الحدوثي غير كاف. نعم، على مسلك الشيخ (رحمه الله) والوالد المحقق - مد ظله - من كفاية الرضا الباطني (1)، فلا يحتاج إلى الإجازة في هذه الصورة قطعا. الجهة الثانية: فيما إذا اشترى ما باعه وتغير حاله بين العقدين لو باع واشترى، وتغير حاله بين البيع والشراء، بأن صار كارها للعقد الأول، فهل يحتاج إلى الإجازة، أم لا؟ أو يفصل، فإن أظهر كراهته فلا يصح بالإجازة، فضلا عن صحته بدونها، بناء على ما مر من هدم العقد بها (2)، وإن لم يظهر كراهته فيصح معها؟


1 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 135 / السطر 27 وما بعده، البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 2: 203 - 204 و 207 - 208. 2 - تقدم في الصفحة 80 - 81.

[ 308 ]

وربما يمكن دعوى: أن النزاع في الفرض الأخير، فلا تغفل. والذي هو الأظهر صحته، وعدم سقوطه بالكراهة المظهرة، لأنه أمر خرج عن قدرته، ولايكون العقد في عالم البقاء تحت سلطانه بعد اشتماله على جميع الشرائط، وأما شرطية بقاء الرضا إلى حال المالكية، أو شرطية المالكية حال العقد الأول - وبعبارة اخرى: شرطية مالكية البائع لنفسه مقارنة لبيعه وعقده - فهي منفية بالإطلاقات، كسائر الشكوك المتصورة والشبهات المتوهمة، فقضية الصناعة صحة العقد الأول مطلقا من غير حاجة إلى الإجازة، ولذلك التزمنا بالاشتراء عليه، لتمامية ما يجب عليه الوفاء به من غير لزوم النقل والانتقال، كما سيجئ تفصيله. وتوهم: أنه من التصرف في مال الغير بغير إذنه ورضاه (1). مندفع: بأنه من الكراهة بعد العقد وقبل القبض، فإنها ليست مضرة. أو هو مثل الكراهة بينهما في بيع الصرف والسلم، بناء على عدم حصول الملكية إلا بالقبض مع وجوب الوفاء بالعقد عليه. أو هو مثل بيع الأصيل من الفضولي، بناء على وجوب الوفاء عليه بعدم نقض العهد، وحرمة التصرفات فيه قبل رد المشتري، فإنه لا يلزم من الالتزام بهذه الامور التصرف في مال الغير بغير إذنه. والذي هو حله: أن الرضا بالمعاملة حاصل، ولا يعتبر الزيادة


1 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 141 / السطر 3.

[ 309 ]

عليه في التأثير، فإذا كان هو الراضي بالسبب فلا معنى لاعتبار رضاه بالسبب مستقلا وإن دخل في ملكه، لأن دخوله في ملكه لا يستلزم شرطية رضاه ثانيا بالانتقال، بعد كون ذلك قهريا بالتسبب الذي أوجده قبل ذلك بطيب الخاطر، ورضاه القلبي المتعلق بالسبب الإنشائي غير القاصر في السببية عند وجود شرطه الآخر، وهو المالكية. ومثل هذا التوهم توهم التمسك بقاعدة السلطنة (1)، ظنا أنها تنافي خروجه عن ملكه بغير اختياره، مع أن القاعدة المزبورة لا تقتضي السلطنة على المسبب بعد إيجاد السبب، وإلا يلزم التزاحم بينها وبين: * (أوفوا بالعقود) * (2) الدال على تمامية السبب في التأثير مثلا، وعدم إمكان تخلل إرادة المالك بين السبب والمسبب. فبالجملة: الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار الثابت للمالك على ماله بالقاعدة المزبورة، بل السيد المحقق الوالد - مد ظله - أفاد: " أنها تؤكد مفاد دليل الإمضاء " (3) وهو في محله كما لا يخفى. وربما يخطر بالبال: أن قضية تمامية السبب في المعاملات قبل القبض، عدم بقاء الملكية للمالك، فلا موضوع للقاعدة، ولا لحديث عدم الحل. وبعبارة اخرى: وجود المالكية حين العقد، يستلزم تأثير العقد من


1 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 141 / السطر 3. 2 - المائدة (5): 1. 3 - البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 2: 283.

[ 310 ]

غير ثبوت المالكية آنا ما بعد العقد، وفيما نحن فيه ثبتت المالكية آناما، وعند ذلك يتحقق موضوع القاعدتين، فلا يقاس هذا بذاك، فلايتم ما ذكره الوالد - مد ظله (1) -. نعم، لنا أن نقول: بأن بين الدخول المستند إلى العقد الثاني، والخروج المستند إلى العقد الأول، تقدم وتأخر رتبي، ولا يمضي آن على الدخول حتى يقال بشمول القاعدتين، ضرورة عدم شمولهما للمتقدم بالرتبة. بل دعوى انصرافهما عن هذه المسألة - بعد مساعدة العقلاء - قريبة جدا، بل وبعد مساعدة بعض الأخبار الماضية. وإن شئت قلت: البحث حول الاحتياج إلى الإجازة وعدمه، موقوف على القول ببقاء الملك في ملكية المشتري، وأما إذا قلنا بعدم بقائه فيه حتى في الآن، لاتحاد زمان الخروج والدخول، بل لوحدة آن الخروج والدخول، فلا يمكن التمسك بهما، لعدم الموضوع لهما عقلا أو عرفا، أو لانصرافهما عن المسألة، لما اشير إليه. هذا كله بناء على ما هو الحق حسب اقتضاء الأدلة الاجتهادية. ولو فرضنا قصور الأدلة عن إثبات تأثير العقد المزبور بدون الإجازة، فلا يبقى وجه للتمسك بالقاعدتين، لأن من المحتمل خروج الملك بعد دخوله، فلا يحرز موضوعهما حتى يمكن التمسك بهما، ففي الآن الأول إما لا تجري قاعدة السلطنة وغيرها، أو تجري فيكون مؤكدا، وفي الآن الثاني لا علم ببقاء الموضوع حتى يصح التمسك.


1 - نفس المصدر.

[ 311 ]

نعم، يمكن إجراء الاستصحاب، ولكنه لا يثمر، لأن الاستصحاب الموضوعي - وهو عدم تحقق السبب الناقل - لا يورث صحة العقد بلحوق الإجازة التي هي المقصود في المسألة، والاستصحاب الحكمي وهو بقاء الملك، أو بقاء كونه مالكا، لا يفي بالمقصود، لأن ما هو الموضوع فرضا هو العقد المقارن للرضا، أو العقد الصادر عن المالك بنحو التقييد، وقد تقرر في محله: أن الموضوعات المقيدة لا تحرز بالوجدان والأصل. وتوهم: أن إجازته وجدانية كالعقد، غير نافع بعد كون المالكية تعبدية، فتأمل. وربما يخطر بالبال أن يقال: بأن استصحاب الملكية لا يكون نافعا، لعدم وقوع عنوان " الملك " في الدليل الشرعي المعتبر حتى ينقح موضوعه بالأصل، ولكن استصحاب بقاء كون السلعة ماله، يحرز موضوع قاعدة السلطنة وقاعدة " لا يحل مال... " الحديث، وتكون لازم القاعدة كون الإجازة كافية، ولا يلزم مثبتية الأصل، فلا تغفل. فبالجملة: القدر المتيقن من السبب المخرج هو العقد السابق الملحوق بالإجازة، وفيما زاد عليه إشكال، بناء على التنازل عن الأدلة، وأما على ما سلكناه فالحاجة إلى الإجازة ممنوعة جدا، ولذلك صرح به الفخر في " الإيضاح " (1) وهو المحكي عن ثاني الشهيدين في هبة


1 - إيضاح الفوائد 1: 419.

[ 312 ]

المسالك (1). وقيل: " إليه يرجع ما أتى به الشيخ في الزكاة، وقال: لو باع المالك الزكوي أو رهنه، ثم اغترم حصة الفقراء، صح البيع والرهن (2)، فإن بيع الزكوي ثم الاغترام من مسألة " من باع شيئا ثم ملك " نظرا إلى ولاية المالك على إبدال الزكاة المقتضي لدخول سهم الفقراء في ملكه، فحكم بالصحة من دون إجازة " (3) انتهى. فتوهم: أن المسألة إجماعية، ممنوع صغرى وكبرى. الجهة الثالثة: في وجوب الإجازة بناء على الاحتياج إليها بناء على الحاجة إلى الإجازة، فهل يمكن دعوى وجوبها، أم لا؟ فيه وجهان: في إثبات وجوب الوفاء بالاشتراء ويظهر الحق في هذه المسألة بعد الغور في مسألة اخرى ذكرناها سابقا: وهي أنه هل يجب الاشتراء، أم لا؟ ولقد أحطت بما لا مزيد عليه بأن الاشتراء واجب، لأن حقيقة البيع ليست إلا التمليك الإنشائي بالعوض، وهو هنا حاصل، ولزوم مالكية البائع قبل البيع أو بنفس البيع ممنوع،


1 - مقابس الأنوار: 134 / السطر 24، مسالك الأفهام 1: 296 / السطر 25. 2 - المبسوط 1: 208. 3 - الإجارة، المحقق الرشتي: 176 / السطر 25.

[ 313 ]

كما في بيع الكلي. ولو قلنا: بأن البيع مبادلة مال بمال في الملكية الموجودة، والمفروض وجودها، فهو لأجل تعريفه حسب الأفراد الشائعة، وإلا يلزم خروج بيع الكلي من هذا التعريف. وقد مر: أن هذا لا ينافي ما سلكناه في هذا المضمار، من أن البيع هو الموضوع للأثر، لأنه بذلك يحصل للمشتري حق على البائع بالتسليم، بخلاف بيع الفضولي. نعم، في بيع الفضولي لنفسه يجب أيضا الاشتراء والتسليم، لعين ما مر آنفا، كما أشرنا إليه في أصل المسألة سابقا، للزوم كون أثر البيع هو النقل والانتقال بمجرد تحققه، أو بعدما وجد، غير ثابت، فإذا باع الطير في الهواء بيعا شخصيا، والسمك في الماء، والحجر الخاص في المعدن، مع قدرته على التسليم، فهو بيع عقلائي، وعليه طريقة العقلاء والعرف في هذا اليوم، فيكون صحيحا واضحا بالوجدان والبرهان، ولا ملزم لإرجاعه إلى الإجارة، أو إلى بيع الكلي، مع أن الثاني مشترك الإشكال كما لا يخفى. وما قيل في الكلي من الملكية قبل البيع، فهو من الأمر السخيف، بل هو يصير مملوكا للمشتري على ذمة البائع، من غير كون البائع المملك مالكا له قبل البيع وبعده، فلانقل ولا انتقال بالبيع، ولكنه ذو أثر عقلائي، وهو كاف في الباب. ولعل إلى هذا يرجع ما أفاده الشيخ (قدس سره) من المعارضة بين

[ 314 ]

استصحاب حكم المخصص وعموم العام (1)، فإنه في بادئ النظر - كما مر - غير واضح سبيله، ولذلك استشكل عليه تلاميذه (2)، ولكن بعد التدبر فيما أسلفناه وذكرناه يظهر سبيل ما خطر بباله، فإنه إذا كان قضية الصناعة وجوب الوفاء بالعقد، فهو حسب الموارد مختلف الاقتضاء، ففي مورد يقتضي حفظ العقد عن الانفساخ، كما في الأصيل والفضولي، وفي مورد يقتضي التسليم، وهنا يقتضي الاشتراء والتسليم. ولكن التسلم بين الأصحاب (رحمهم الله) يمنع عن المراجعة إلى عموم الكتاب، وفيما زاد على مورد التسلم يقع التنافي بين عموم * (أوفوا بالعقود) * (3) واستصحاب عدم وجوب الوفاء الثابت بالإجماع مثلا، وبناؤه (قدس سره) على التفصيل، وأفاد هنا أن الاستصحاب مقدم. فما يتوجه إلى ظاهر كلامه: من أن البحث ليس من صغريات هذه المسألة، بل هو من التخصص الموجب لتعارض الأصل والعام، ولا شبهة في تقدم الثاني عليه (4)، قابل الدفع، والأمر - بعد ما سمعت منا - سهل جدا.


1 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 141 / السطر 8. 2 - الإجارة، المحقق الرشتي: 177 / السطر 7، حاشية المكاسب، المحقق الخراساني: 73، منية الطالب 1: 271 / السطر 20، حاشية المكاسب، المحقق الأصفهاني 1: 174 / السطر 16. 3 - المائدة (5): 1. 4 - المكاسب والبيع، المحقق النائيني 2: 189، البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 2: 284 - 285.

[ 315 ]

في إثبات وجوب الإجازة بناء على الاحتياج إليها فإذا تحرر وجوب الوفاء بالاشتراء، فلا معنى للشك في وجوب الإجازة، بناء على الاحتياج إليها، لأنها تصير كالقبض في الصرف والسلم، بناء على وجوب الوفاء بالعقد وإن لم يكن صحيحا شرعا قبل القبض، لأن عدم الصحة الشرعية لا ينافي شمول العمومات الأولية له، كما هو الظاهر. اللهم إلا أن يقال: بأن مع الحاجة إليها لا يمكن الالتزام، لعدم ثبوت حق للمشتري على المالك، ولا نقل ملك منه إليه، لأن معنى الحاجة إليها دخالتها في ذلك، أو كاشفيتها عن الحق إثباتا. ودعوى: أن هذا نظير الأصيل الواجب عليه الوفاء مع عدم نقل، ولا ثبوت حق، غير مسموعة كما مر تفصيلها. مع أنه غير تام قياسها، ضرورة أن في الأصيل صدر العقد من المالك، فلا بعد في إلزامه بإبقاء الالتزام، وأما في المقام فلا معنى محصل لإلزامه بالإجازة بعد عدم صدور أمر من المالك، ولو كان الصدور السابق والمالكية اللاحقة كافيا فهو ينتج عدم الاحتياج إليها رأسا. تنبيه حول المآثير الدالة على اعتبار الإجازة ونفيها ربما يقال بدلالة رواية الحسن بن زياد الطائي السابقة (1)


1 - تقدم في الصفحة 295.

[ 316 ]

- فحوى - على اعتبار الإجازة، لظهورها في أن عتقه لا يجدي في لزوم النكاح، لولا سكوت المولى الذي هو بمنزلة الإجازة (1). وفيه ما مر من الاحتمالات الراجعة إلى الاستفصال المزبور في الرواية، فما أفاده الشيخ غير سديد. وربما قيل بظهور صحيحة معاوية بن وهب السابقة (2) في عدم الحاجة إليها (3)، ولقد ذكرنا وجه استدلال الوالد - مد ظله - بها وما فيها من قصورها عن دلالتها عليه. ومن هذا القبيل استدلاله بما في الباب الثامن من أبواب أحكام العقود، كمعتبر ابن الحجاج الماضي (4)، ومعتبر إسماعيل بن عبد الخالق (5)، قائلا: " إن قضية ما فهمه الأصحاب من هذه المآثير - بناء


1 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 141 / السطر 9. 2 - تقدم في الصفحة 192. 3 - البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 2: 281. 4 - تقدم في الصفحة 290. 5 - إسماعيل بن عبد الخالق قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن العينة وقلت: إن عامة تجارنا اليوم يعطون العينة، فأقص عليك كيف نعمل؟ قال هات، قلت: يأتينا المساوم يريد المال فيساومنا وليس عندنا متاع فيقول: أربحك ده يازده، وأقول أنا ده دوازده فلا نزال نتراوض حتى نتراوض على أمر فإذا فرغنا: قلت أي متاع أحب إليك أن أشتري لك؟ فيقول: الحرير، لأنه لا يجد شيئا أقل وضيعة منه، فأذهب وقد قاولته من غير مبايعة، فقال: أليس إن شئت لم تعطه، وإن شاء لم يأخذ منك؟ قلت بلى، قال: فأذهب فأشتري له ذلك الحرير، واماكس بقدر جهدي، ثم أجئ به إلى بيتي فابايعه، =

[ 317 ]

على ارتباطها بهذه المسألة - هو أن البيع قبل الاشتراء يستلزم وقوع السلعة بعد الاشتراء في ملك المشتري من غير انتظار أمر آخر، وإلا لا يلزم كون الاسترباح غير مشروع، لإمكان أخذ الربح قبال الإجازة، فيعلم من هذه الأخبار عرفا: أن البيع السابق على الاشتراء تمام السبب للنقل " (1). وفيه أولا: أن من الممكن دعوى أن هذا الظهور، لأجل أن الاشتراء للمشتري يستلزم خروج السلعة من ملك الأصيل إلى ملك المشتري من غير واسطة، كما مر منا تقويته، وذكرنا أن اتحاد المخرج والمدخل ليس من شرائط ماهية البيع عرفا (2). وثانيا: إذا كان يجب عليه الإجازة احتمالا بعد البيع والاشتراء، فلا يبقى له الخيار حتى يتمكن من الاسترباح، فلا تخلط.


= فربما ازددت عليه القليل على المقاولة، وربما أعطيته على ما قاولته، وربما تعاسرنا فلم يكن شئ، فإذا اشترى مني لم يجد أحدا أغلى به من الذي اشتريته منه فيبيعه مني فيجئ ذلك فيأخذ الدراهم فيدفعها إليه وربما جاء ليحيله علي، فقال: لا تدفعها إلا إلى صاحب الحرير، قلت: وربما لم يتفق بيني وبينه البيع به وأطلب إليه فيقبله مني، فقال: أليس إنه لو شاء لم يفعل ولو شئت أنت لم تزد؟ فقلت: بلى لو أنه هلك فمن مالي قال: لا بأس بهذا إذا أنت لم تعد هذا فلا بأس به. وسائل الشيعة 18: 53، كتاب التجارة، أبواب أحكام العقود، الباب 8، الحديث 14. 1 - البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 2: 285. 2 - تقدم في الجزء الأول: 312 - 314.

[ 318 ]

مسألة: فيما إذا باع فضولا للمالك أو لثالث ثم ملك ولم ينتقل إلى من باع له لو باع فضولا للمالك أو لثالث، ثم ملك هو، فإن انتقل إلى من باع له وأجاز فلا كلام. وأما إذا لم ينتقل إليه، فهل يكون هو أجنبيا عن العمومات، كما هو مرام الأصحاب، أو يحتمل وجوب الوفاء عليه، لأنه باع عن المالك، ولا خصوصية ملحوظة في البيع من ناحية المالك، فيجب عليه الإجازة، كما هو الظاهر من الشيخ (1)؟ أم هنا مطلب آخر: وهو أن القيد الواقع تحت الإنشاء لا يورث تضيقا في الإنشاء، فهو - أي الفضولي - باع السلعة الخارجية المعينة من زيد، فإن أجاز من باع له فهو، وإلا فعليه أن يجيز، كما مر في الصورة السابقة، لما تقرر من أن هذه القيود لا تستلزم تنويع الطبيعة، ولا قصورا في الإنشاء؟ ونتيجة هذا، أن الفضولي إذا ملك ما باعه يجب عليه الوفاء في مطلق الصور، وأما وجوب الوفاء عليه فيما إذا باع للمالك أو للأجنبي فهو ممنوع، لعدم صيرورته بيعا إلا بالإجازة، وأما مجرد الملك فهو هنا غير كاف، لأنه في إنشائه الأولي باع للمالك، فلا يكون البيع له إلا بعد


1 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 141 / السطر 4 - 6 و 10 - 11.

[ 319 ]

امتناعه من قبوله، فلا يقع بيعه فاسدا وعاطلا، بل أمره بين وقوعه للمالك أو الأجنبي، وبين وقوعه لنفسه. هذا ما هو مقتضى الصناعة، ولكن في مساعدة العرف والعقلاء على جميع ما ذكرناه إشكال قوي، فليتدبر. الفرع الثالث: فيما إذا باع ثم ملك بالإرث أو كان المبيع كليا أو غير ذلك من الفروع المرتبطة بمسألة " من باع شيئا ثم ملكه " هو ما لو كان التملك بالإرث، أو كان المبيع كليا، أو غير ذلك مما يظهر من القيود المذكورة في الفرع الأول، ولما كان أساس البحث واضحا من المباحث السابقة، فلا نطيل الكلام بإعادة ما مر. ولا يخفى أن للفروض الاخر بعض خصوصيات، ولكن الإحالة إلى غير هذا الكتاب أولى. بحث وتتميم: فيمن تصرف عن استحقاق مع جهله باستحقاقه لو تصرف السلطان في ما له السلطنة عليه، مع جهله بالسلطنة جهلا مركبا أو بسيطا، فيكون مرددا، فهل يكون تصرفه صحيحا ونافذا، أم لا مطلقا؟ أو يقال بالتفصيل بين التصرفات الإيقاعية بالمعنى الأعم، وبين التصرفات العقدية والإيقاعية بالمعنى الأخص، فيكون غير نافذ في الاولى، دون الأخيرتين؟ فإذا أذن في الأكل من المائدة، مع اعتقاده أنه لا سلطنة له عليه، أو أذن مع الشك، بناء على إمكان ترشح إذنه، لعدم

[ 320 ]

مبالاته باصول المذهب، كما مر في بيع الغاصب تفصيله (1)، أو أمر بأخذ الغير ماله وإطعامه وهكذا، فلا يكون إذنه نافذا في جواز التصرف، لأن المنصرف إليه من حديث " لا يحل... " (2) ذلك، ولبناء العرف والعقلاء على عدم ترتيب آثار الحل، ولما في ذيل صحيحة أبي ولاد الماضية (3)، الظاهرة في أن الطيب الحاصل من الاشتباه والغفلة، غير كاف في جواز التصرف وفي الإبراء. فلو أبرأ زيدا من دينه توهما: أنه مقتضى بعض القواعد مثلا، فإنه لا يكفي، ولا يحصل البراءة، فهي متوقفة على الالتفات والتوجه، ولو كان قضية الصناعة أن الطيب الفعلي متعلق بالعين الخارجية، ولا يعقل التعليق هنا بعد كون الطرف شخصيا، والاشتباه في المقدمات لا يورث قصورا في النتيجة بعد كون السلطان جاهلا بالأمر، وغير ملتفت إلى القصد. وأما بيعه وعتقه وطلاقه مما يعد من الإيقاعات بالمعنى الأخص، فهي كلها نافذة، لتمامية الشرائط، وفقد الموانع: أما الاولى فلعدم قصور في العمومات، بعد كون الألفاظ المستعملة في الكتاب والسنة موضوعة لمعانيها النفس الأمرية والواقعية، ومستعملة حسب الأصل العقلائي فيها، فلو طلق امرأة بتخيل أنها زوجة زيد، فبانت زوجته،


1 - تقدم في الصفحة 91 وما بعدها. 2 - وسائل الشيعة 5: 120، كتاب الصلاة، أبواب مكان المصلي، الباب 3، الحديث 1. 3 - تقدم في الجزء الأول: 249.

[ 321 ]

فطلاقه صحيح، وهكذا عتقه، فضلا عن عقده كالبيع والصلح، من غير احتياج إلى الإجازة، وإلا يلزم إجازة العقد والإيقاع فيما كان ملتفتا، لعدم الفرق بين الصور حسب الصناعة الأولية. إشارة إلى بعض التفصيلات في المقام وربما يفصل بين العقود والإيقاعات مطلقا، ولعله ظاهر الأكثر، فيصح وينفذ في الاولى دون الثانية، وذلك لأن ما هو النافذ من الطلاق هو طلاق زوجته على أن يكون العنوان مأخوذا موضوعا، لا مشيرا إلى الخارج واسما للمعنون، وهكذا عتق عبده، وهذا مما لا يحصل بدون الالتفات، بخلاف بيع ماله والصلح على ماله، فإن عنوان " المال " ليس من العناوين المأخوذة في العقود بنحو الموضوعية حسب النظر العرفي. ولأن الاحتياج إلى الإجازة غير قابل للإنكار، وهو في العقود مما يتصور، لجريان الفضولية فيها، ولا يتصور في الإيقاعات. وأنت خبير بما فيه من جهات شتى أشرنا إليها في المباحث السابقة. ولأن في العقود يمكن الالتزام بالخيار، لحكم العقلاء به من غير حاجة إلى التمسك بقاعدة " لاضرر... " مع أنها لا تفي لإثبات الخيار الحقي، على إشكال مشهور في محله، ولكن ذلك مقطوع العدم بالضرورة في الإيقاعات، فدائر أمرها بين اللزوم والبطلان، ولا سبيل إلى الأول، فتعين الثاني.

[ 322 ]

وربما يقال: بأن العقد الصادر من السلطان الجامع للشرائط وهكذا إيقاعه صحيح، ولكنه ليس بلازم، بل لابد من الإجازة، وهذا ليس من الخيار المصطلح عليه حتى لا يجري في الإيقاعات. وغير خفي: أن الإجازة ليست لازمة، ضرورة أن العقد السابق إن كان كافيا، ولا منقصة فيه حتى يحتاج إلى الجبران، فهو لازم، ومع وجودها فلا وجه لوجوب جبرانها على السلطان بعد كونه مختارا في الخصوصيات الفردية. فبالجملة: لا دليل على كفاية الرضا المظهر بالعقد أو الإيقاع الحاصلين حال الغفلة وعدم الالتفات، وقضية حديث " لا يحل... " وقاعدة السلطنة هو الاحتياج إلى الإجازة. وربما يتوهم التفصيل بين ما إذا باع لنفسه، وما إذا باع عن المالك والسلطان على السلعة، ففي الصورة الاولى يشكل الحكم بالصحة، بخلاف الثانية، لأن الإنشاء غير قاصر عن شموله وإن كان خاطئا في التطبيق. ومثله التفصيل بين ما إذا باع عن أبيه الذي هو المالك، فبان أنه ميت، وعن مالكها الذي هو أبوه، فإن مثل هذه التفاصيل كلها ناشئة عن أن المدخل والمخرج في المعاملة إما يكون واحدا في الإنشاء، أو يكون متكثرا، فإن كان واحدا عرفا - سواء كان خطأ في التطبيق، أو لم يكن - فهو صحيح، وإلا فهو باطل، فالمناط الكلي للصحة والفساد هذا التحليل العرفي. ومن التفاصيل المتصورة التفصيل بين أنحاء السلطنة، فإن كانت

[ 323 ]

من قبيل سلطنة الأب والجد مما كانت جبرية شرعية، وهكذا سلطنة الحاكم، أو مثل سلطنة الوكيل والوصي مما هي مجعولة بعنوان " التولي " و " الولاية " فلابد من اعتبار قصد العنوان، وذلك لا يمكن إلا مع العلم والالتفات، فلا يعقل إنشاء المبادلة إلا بعنوان " الولاية " كما عليه بناء حاكم الشرع في التصرفات، فإنه يقيد كلامه بقيد " الولاية " وهذا هو المستظهر من طريقة العقلاء في الوكالة والوصاية، ولاسيما في الاشتراء بمال الموكل واليتيم بالاشتراء الكلي، كما لا يخفى. وإن كانت من قبيل سلطنة المالك التي هي سلطنة تبعية مترشحة من الملك، فلا وجه لبطلان المبادلة بعد تمامية جميع الشرائط، ولا دليل على لزوم الالتفات واعتبار العنوان زائدا على وقوع التجارة عن تراض على ماله. وأما وقوعها على ماله بما هو ماله، فهو شرط لا يساعد عليه العقل ولا النقل. وإن كانت من قبيل السلطنة التكوينية، كما لو باع مع اعتقاده عدم قدرته على أخذ السمك في الماء، أو الطير في الهواء، أو الحجر في الجبال، بناء على صحة هذه البيوع، كما عرفت منا تقويتها في سالف الزمان (1)، وقد استقربها الوالد المحقق - مد ظله - هنا (2)، فإنه بعد ما تبين أنه قادر فعليه الوفاء بعقده، بعد ترشح الإرادة الجدية منه لتمليك المشتري إنشاء، لعدم قصور في البيع بعد صدقه عليه بالوجه الذي


1 - تقدم في الصفحة 2. 2 - البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 2: 285.

[ 324 ]

مضى بيانه. نعم، ربما يشكل ترشح الإرادة الجدية للتمليك مع اعتقاد العجز. نعم، مع احتمال القدرة يمكن ترشحها، فإذن يجب صرفها حتى يفي بالموعود، ولاسيما إذا تذكر قدرته عليه قبل الاشتغال بمقدمات التسليم، فتدبر جيدا. فبالجملة: بيع الجزئي قبل الحيازة كبيع الكلي قبل اشتراء مصداقه، فكما أنه قبل الاشتراء لا يكون مالكا هو أيضا لا يكون مالكا، وكما أنه يتمكن من استعمال كلمة " التمليك " كذلك هو متمكن من ذلك. ولا وجه لما قد يتوهم: من أنه قبل البيع يكون مالكا، لامتناع اختصاصه بما يريد بيعه، فهو يكون مالك صاع من الحنطة والشعير والعدس والباقلاء، ومثقال من الذهب، ومن من الحديد، لأنه بإرادة البيع لا يكون مالكا لما يريد بيعه، فهو لا محالة مالك كل شئ بمقدار اعتباره السوقي، وهذا مما يضحك الثكلى. ودعوى: أنه مالك الواحد اللا بعينه، أو مالك المالية المشتركة بمقدار اعتباره، غير صحيحة عقلا وعرفا، فهو لا يكون قبل البيع مالكا، بل يبيع ما يقدر على تسليمه، وهذا عين بيع الجزئي فإنه بيع ما يقدر على تسليمه، فافهم واغتنم. الحق في الإيقاعات بالمعنى الأعم والأخص والذي هو الحق الحقيق بالتصديق: هو أن الالتزام بجواز

[ 325 ]

التصرف في الإيقاعات بالمعنى الأعم، مشكل جدا، بل لا يبعد منعه، وذلك لأن المستفاد من الأدلة أن الرضا والطيب الحاصل من الخطأ والاشتباه، أو من الدواعي غير النفسانية، غير كاف، ولذلك التزموا بعدم جواز تصرف العدو في مال من يقول: " يا صديقي تصرف " أو يأخذ بيده معتقدا أنه صديقه، فإنه وإن لم يعقل تعلق الرضا والجر الخارجي إلا بمن في الخارج، وهو الجزئي الحقيقي، إلا أنه مع ذلك لا ينقدح في أذهان العرف كفاية ذلك. ويشهد له ذيل صحيحة أبي ولاد، فإنه مع رضاه - حسب فتوى أبي حنيفة - بما وقع، ولكنه (عليه السلام) أمره بالتفاته إلى الواقعة، وقال (عليه السلام): " فإن رضي بعد ذلك فلا بأس " (1) فيعلم منه ممنوعية كفاية مطلق الرضا كما لا يخفى. وأما في الإيقاعات بالمعنى الأخص، فالإشكال فيها ما مضى، فإنه إذا طلق امرأة بتوهم أنه طلاق فضولي، ثم بانت أنها امرأته، فإنه ما تعلق رضاه بطلاق زوجته بالعنوان المعتبر عرفا في ذلك، وإن تعلق طلاقه بالموجود الخارجي الذي هي امرأته. وأما الإشكال من جهات اخر - كلزوم التعليق في الإنشاء، لأن الفضولي يكون عمله معلقا، أو غير ذلك مما قيل في المفصلات، فهو لا يرجع إلى محصل، فتأمل.


1 - الكافي 5: 290 / 6.

[ 326 ]

الحق في العقود وأما في العقود فإن قلنا: بأن الرضا المعتبر في العقود، ليس أمرا وراء الرضا المعتبر في الإيقاعات بالمعنى الأعم، وإنما اختلافهما من ناحية المتعلق، فإنه في الإيقاع متعلق بالتصرف أو الإبداء، وفي العقود بالتجارة، فلا يبعد التجاوز من ذيل الصحيحة فيقال: إن مجرد الرضا غير كاف. والإنصاف: أن بناء العقلاء على عدم ترتيب آثار العقد اللازم على فعل الفضولي، بعدما تبين أنه باع مال نفسه غفلة ونسيانا، وملتزمون بأنه بالخيار، وهذا ليس الخيار العقدي، بل هو من تخييره بين الإجازة والرد، فدعوى قصور أدلة التنفيذ عن شمول مثل هذه العقود، قريبة جدا، ومجرد موافقة الصناعة غير كاف، فلا تخلط. وربما يمكن دعوى استظهار شرطية الرضا الخاص من آية التجارة، لقوله: * (إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم) * (1) فإن التقييد بقوله * (منكم) * لا يفيد إلا كون الرضا عن الدواعي النفسانية، وهي لا تحصل إلا مع الالتفات إلى أطراف القضية. إن قلت: " لو كان الالتفات والعلم من قبل المالك، شرطا في نفوذ إذنه في الإيقاعات والعقود، لكان يشكل عند الشك في ذلك، لعدم إمكان إحراز هذا الشرط بقاعدة اليد والسلطنة، فإن هذه القواعد ناظرة


1 - النساء (4): 29.

[ 327 ]

إلى إفادة الملكية، وأن المتصرف مسلط على ماله، وأما أنه عالم بأن ما يتصرف فيه ماله، فهو أمر آخر نحتاج في إحرازه إلى أمارة عقلائية اخرى بالضرورة، وهي منتفية، فيعلم عدم تمامية الشرط المزبور ". قلت: هذا ما أورده الوالد - مد ظله - في المقام (1)، ولكنه غير تام، لأن احتمال الغفلة مع التصدي للإذن والإيقاع والعقد غير عقلائي، ويكون مجرد وهم لا يعتنى به. وبعبارة اخرى: حاله مع هذه الأفعال الصادرة عنه، ظاهرة في توجهه إلى مالكيته وماله وعمله مع الخصوصيات المعتبرة فيه. إن قلت: بناء عليه يلزم كون العقد والإيقاع المزبورين فضوليين، بمعنى تحققهما الإنشائي، وتوقفهما على الإجازة مع صدورهما عن المالك وعمن له السلطنة عليهما، وهذا غير الفضولي المعروف، مع عدم إمكان الالتزام به في الإيقاعات. قلت: قد عرفت أن مفهوم " الفضولي " ليس في رواية، ولا في معقد إجماع (2)، حتى يصار إليه، ومناط الفضولية جار في جميع الامور الإيقاعية والعقدية، والإجماع المشار إليه - لو كان - لا يستلزم فساد العقد، أو عدم احتياجه إلى الإجازة، ولقد مر منا تصوير الفضولية من المالك الملتفت، فضلا عن غير الملتفت إلى ملكيته وماله. إن قلت: التفاته إلى أنه اتجر بماله كمالكيته فيمن باع ثم ملك،


1 - البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 2: 290. 2 - تقدم في الصفحة 3.

[ 328 ]

فكما لا حاجة إلى الإجازة هناك، لتمامية الشرائط بعد تحصيل الملكية، كذلك الأمر هنا، فإذا باع بتوهم الفضولية، ثم تبين أنه أصيل، فيكون العقد مؤثرا بعده. قلت: بينهما فرق واضح، بداهة أن اعتبار الملكية ليس إلا لأجل أن بناء المعاوضة عليها في التأثير نوعا، وأما اعتبار الالتفات فيرجع إلى قصور الرضا الموجود عن كفاية الرضا المعتبر، فلابد بعد العلم والالتفات من إحراز الرضا الحاصل من المبادئ الموجودة في نفسه، فلا يمكن تأثيره بدون الإجازة والاختيار. ثم إن جريان نزاع الكشف والنقل في هذه المسألة، مبني على ما مضى في أصل المسألة: وهو أن فقد بعض الشرائط في العقد، يقتضي الكشف على القول به من حين تحققه، لا من حين العقد، على التفصيل الذي مضى سبيله. ومما ليس يخفى: أن قضية ما سلف عدم تمامية التفاصيل المشار إليها، ولا حاجة إلى ذكرها، لقلة نفعها.

[ 329 ]

المرحلة الخامسة فيما يتعلق بالمجاز وهو امور: الأمر الأول: في انقسام الشرط إلى مقوم الماهية ومحقق الوجود لاشبهة في اشتراط العقد وعناوين المعاملات بشروط، وهي بين ما يكون شرط العقد اصطلاحا، أو شرط المتعاقدين، أو شرط العوضين، والكل يرجع إلى أن العقد إما متقوم في ماهيته بامور، أو متقوم في وجوده بها، أو متقوم في عليته وتأثيره. هذا بحسب التصور. وأما تصديقا، فلا يمكن دعوى أن جميع الشروط شروط التأثير، أو أنها شرط تحققه، أو هي مقوم ماهيته، لأنها مختلفة قطعا بلا شبهة وإشكال، وقد مضى منا في مقام ذكر ثمرات الكشف والنقل: أن الفقيه لا يتمكن من التخريص والتخمين، بل عليه الرجوع إلى أدلة كل واحد من هذه الشروط، ومراعاة كل واحد من هذه الاحتمالات. فما يظهر من الشيخ وجمع من أتباعه (1) من الالتزام بأنها كلها - إلا


1 - حاشية المكاسب، السيد اليزدي 1: 170 / السطر 7، منية الطالب 1: 277. (*

[ 330 ]

رضا المالك - من شروط الوجود، وقال: " إن جميع مادل من النص والإجماع على اعتبار الشروط في البيع، ظاهرة في اعتبارها في إنشاء النقل والانتقال بالعقد " (1) انتهى، في غير محله وإن استثنى من ذلك وقال: " نعم، لو دل دليل على اعتبار شرط في ترتب الأثر الشرعي على العقد - من غير ظهور في اعتباره في أصل الإنشاء - أمكن القول بكفاية وجوده حين الإجازة، ولعل من هذا القبيل القدرة على التسليم، وإسلام مشتري المصحف والمسلم " (2) انتهى. ولا يخفى: أنه بعد فرض عدم الظهور لا معنى لقوله: " أمكن " فتدبر. فبالجملة: كل ما كان قيد العقد والماهية ومقوم الحقيقة الاعتبارية، فهو - لا محالة - واجب من أول العقد إلى بعد الإجازة، لأن العقد لابد من بقائه حتى بعدها ليمكن الإقالة والفسخ، وهذا مثل أصل وجود العوضين، فإنه إذا تلفا فلا بقاء للعقد وإن اعتبرنا بقاءه في محله باعتبار بعض الآثار والأغراض، ولكنه مجرد تخيل لا واقعية اعتبارية له. وكل ما كان دخيلا في تحققه الإنشائي وأصل وجوده الناقص من الشرائط العرفية والشرعية، فهو لا معنى لكونه مورد البحث والشك، مثل العربية، والماضوية، وتقدم الإيجاب على القبول، فإن هذه الامور معان حدثية لا بقاء لها، حتى يشك في اعتبار بقائها في دخالة


1 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 142 / السطر 28. 2 - نفس المصدر.

[ 331 ]

العقد في التأثير بعد لحوق الإجازة. وأما التنجيز، فربما يمكن دعوى لزوم كون العقد عند الإجازة منجزا، دون حالة الإنشاء، بناء على إمكانه عقلا، وممنوعيته شرعا، كما هو كذلك على القول بتمامية الإجماع المدعى في المسألة (1)، فإذا باع معلقا على أمر حصل قبل لحوقها، فيكون العقد عند اتصافه بالتأثير منجزا، وهو القدر المتيقن من مصب الإجماع، فما قد يتخيل من أن التنجيز خارج عن محط البحث، في غير محله. ثم إن سائر الشرائط بين ما يحتمل دخالته في العقد إنشاء وتأثيرا، كنوع شرائط العوضين، وبين ما يحتمل دخالته في الحالتين والحالة المتوسطة بينهما، فيكون معتبرا استمراره من حال العقد إلى حال الإجازة، كما في المثال المزبور أيضا، وبين ما يحتمل دخالته في حال التأثير فقط، كالملكية، وعدم الإكراه، والبلوغ، وأمثالها. ولا شبهة في سقوط الاحتمال بالنسبة إلى طائفة منها، لاشتهار كفايتها حال التأثير، وأنها من علل علية العقد، لا أصل وجوده وحقيقته الإنشائية، حسبما يتراءى من الأدلة، ومنها الملكية والمالكية، ومنها الاختيار وهكذا. إذا عرفت ذلك فالبحث يتم في مراحل:


1 - تمهيد القواعد: 533، القاعدة 198، لاحظ مفتاح الكرامة 7: 639 / السطر 39، المكاسب، الشيخ الأنصاري: 99 / السطر 10.

[ 332 ]

المرحلة الاولى: فيما يتعلق بالشرائط حسب الأدلة الاجتهادية وقد اشير آنفا إلى أن ذلك لا يمكن إلا بعد الغور في أدلتها التفصيلية، وما اشتهر: من أنها شرائط الإنشاء إلا ما شذ غير سديد، وقضية القول بصحة عقد من باع ثم ملك، مع عدم الحاجة إلى الإجازة، اشتراك سائر الشرائط مع شرط الملكية في لزوم تأثير العقد بعد حصوله، وفي تحقق العقد الإنشائي مع فقده وإن كان صادرا عن المالك. إن قلت: شرائط العوضين كلها شرائط الإنشاء حتى الملكية، فإنه في الفضولي تكون الملكية التي هي من شرائط العوضين حاصلة، لأن العوضين مملوكان لغير العاقد، في مقابل ما ليس مملوكا رأسا، ولذلك يعتبر المملوكية في العوضين، والمالكية في المتعاقدين، إلا أن الثاني من شرائط التأثير دون الإنشاء. وأما في غيرها، فظاهر الأدلة المانعة عن البيع، لابد وأن يرجع إلى منع البيع الإنشائي مثلا، وإلا لما كان وجه للمنع عنه رأسا، ضرورة أنه إذا كان في مثل الخمر عنوان " الخمرية " غير مانع عن الإنشاء، فإذا صارت خلا فهو يدخل في ملك المشتري قهرا بدون حاجة إلى الإجازة، فيكون النهي ناظرا إلى تسليط الغير عليها، كما قيل به في المصحف والمسلم، في بيعهما من الكافر، وهو خلاف الأدلة قطعا، فلا يحتمل في هذه

[ 333 ]

الشرائط إلا كونها شرائط الإنشاء، كما قال به الشيخ الأعظم (قدس سره) (1). نعم، شرائط المتعاقدين - كالبلوغ والرشد وعدم الحجر والاختيار والمالكية - كلها قابلة لأن تكون شرط الإنشاء والتأثير، أو شرطا في إحدى الحالتين، أو فيها وفي الحالة الثالثة المتوسطة بينهما، كالرشد مثلا. وأما القصد فهو من قبيل شرائط حدوث الماهية إنشاء، لأن الإرادة علة وجوده، والعقد بمعناها. وهكذا قصد المضمون، فإنه لا معنى لاعتبار بقائه أو وجوده حال الإجازة، فلا تخلط، وكن على بصيرة من أمرك. فبالجملة: البحث حول أن الشرط الكذائي شرط حال العقد، أو شرط حال الإجازة، متفرع على البحث عن أن الإجازة لازمة أم لا، فإذا قلنا بعدم لزومها في مثل شرائط العوضين - كما مر في مسألة " من باع ثم ملك " (2) - فلا يبقى لما أفاده الأصحاب (رحمهم الله) من التفصيل (3) وجه، ويكون البحث المشار إليه ساقطا. وإن شئت قلت: كل شرط إذا كان فقدانه مستلزما للحاجة إلى الإجازة، فهو مورد البحث في أنه شرط الإنشاء، أو شرط الإجازة، أو شرط مستمر من العقد إلى الإجازة، وإلا فلا معنى للبحث المزبور.


1 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 142 / السطر 28. 2 - تقدم في الصفحة 304 وما بعدها. 3 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 142 / السطر 24، حاشية المكاسب، السيد اليزدي 1: 170 / السطر 8، حاشية المكاسب، المحقق الإيرواني 1: 140 / السطر 38، حاشية المكاسب، المحقق الأصفهاني 1: 177 - 178.

[ 334 ]

قلت أولا: الملكية لا تكون من الشرائط مطلقا، كما عرفت تحقيقه، والمدار على تحقق عنوان " البيع " وإن لم يكن المبيع مملوكا، كالبيع في الكليات، فعليه لا منع من بيع الخمر مثلا من قبل من له حق الاختصاص، وإذا صارت خلا وملكا له يؤثر العقد، كما إذا استملك ما باعه إرثا أو بالاشتراء. وثانيا: ما هو الممنوع حسب الأدلة ليس الإنشاء غير المبتني على التسليم والتسلم، بل المتفاهم العرفي أن الأدلة ناظرة إلى النهي عن البيع في المحرمات مثلا، وفي النجاسات بلحاظ قيام العقلاء بترتيب آثاره، فما كان من الإنشاء المقصود منه ترتيب آثار البيع من غير النظر إلى الشرائط المقررة - كما في إنشاء الأصيلين - فهو محرم وممنوع وباطل، وما كان من الإنشاء غير المقصود منه ترتيب آثاره - كما في الفضوليين، أو الفضولي والأصيل، أو كالأصيلين اللذين لا يريدان الوفاء بالعقد بمجرد الإنشاء، بل بناؤهما على المحافظة على الشرائط الشرعية بعدم التسليم قبل حصول الشرط - فهو نافذ وقابل للتأثير بعد حصول شرطه. وثالثا: مورد كلام القوم (رحمهم الله) هو بيع الفضولي مع فقد شرائط الصحة في العوضين، أو هو مع فقد شرائط المتعاوضين، وأما بيع الأصيل مع فقد الشرائط فهو خارج عن مصب كلماتهم، فعليه يأتي النزاع المذكور، ولا يبقى وجه لما اشتهر: من أن شرائط المتعاقدين شرائط الإنشاء، وهكذا شرائط العوضين.

[ 335 ]

حكم العقد الإنشائي المحتاج إلى الإجازة أقول: قضية ما تقرر منا في بيع الفضولي، أن ما يصدر من الفضولي ليس بيعا، بل هو إنشاء قابل لصيرورته بيعا، فعليه لا معنى لشمول الأدلة لمثله، فلا يكون البيع الإنشائي المحتاج في تأثيره إلى الإجازة رأسا، أو المحتاج إلى الإجازة ثانيا - كبيع الصبي مثلا، بل والمكره على كلام فيه، والسفيه، والمجنون الأدواري على بحث فيه - مشمول الأدلة الناهية، لخروجه موضوعا عنها، فصحة العقود الصادرة عن الفضولي والفاقدة لجميع الشرائط الشرعية والمستجمعة لها حال الإجازة، قوية جدا. ولأجل هذا التزمنا بعدم لزوم استجماع الإيجاب للشرائط، بل المدار على حال النقل، فإذا كان العقد عند تحققه مستجمعا فهو كاف، ولا دليل على الأزيد منه، سواء قلنا: بأن الإيجاب تمام هوية المعاملة، وتكون فضولية، ويحتاج إلى الإجازة، والقبول إجازة الفضولي حقيقة (1)، أو قلنا: بأن القبول جزء ركني في العقد (2)، أو قلنا: بأن الإيجاب تمام العقد الإنشائي، ولكنه ليس بيعا، كما هو الأقوى. نعم، على الأخير قصور الأدلة واضح كما لا يخفى. هذا كله حول العقد الإنشائي المحتاج إلى الإجازة.


1 - البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 2: 102 - 103، 301 - 302. 2 - لاحظ المكاسب، الشيخ الأنصاري: 142 / السطر الأخير.

[ 336 ]

حكم العقد الإنشائي الذي لا يحتاج إلى الإجازة وأما ما لا يحتاج إليها، فالبحث المزبور ساقط، ولكن قد أشرنا آنفا إلى إمكان الالتزام بأن المنصرف إليه من الأدلة الناهية هو ما تعارف في بيع المحرمات والأعيان النجسة مثلا، وأما إذا كان بناء المتعاملين على إنشاء العقد والعمل بمضمونه بعدما صارا مالكين - كما إذا صار الخمر خلا، أو صار الكلب ملحا، أو غير ذلك - فإنه يصح العقد، على إشكال قوي. وربما يمكن دعوى احتياجها إلى الإجازة وإن صدر عمن له حق الاختصاص، لأن رضاه غير كاف، كما عرفت عن جمع من الأعلام في مسألة " من باع ثم ملك " وعليه يأتي البحث، ويصير قصور الأدلة عن شمولها قطعيا، لأن معنى الحاجة إلى الإجازة أنه العقد الإنشائي، وهو عندنا ليس بيعا بالحمل الشائع (1)، فافهم واغتنم. المرحلة الثانية: في اختلاف اقتضاء الكشف والنقل في الشرائط ضرورة أن قضية الكشف الحقيقي هو النقل من الأول ثبوتا، فلابد من كون العقد جامعا للشرائط من الأول. ولو كان فاقدا فهل يمكن تصحيحه من حال وجود الشرط على


1 - تقدم في الصفحة 5.

[ 337 ]

الكشف، أم لا؟ وجهان مضى في المسألة السابقة سبيلهما، وقد قوينا الأول (1)، وذلك لأن نزاع الكشف والنقل مخصوص بالعقد الجامع، وإذا صار جامعا فيصير مؤثرا، ولما تقرر: من أن خروج العقد في برهة من الزمان عن الإطلاق الأزماني، لا يضر بشمول العموم الأفرادي له بعد ارتفاع المانع، والتفصيل في مقام آخر (2). والعجب من الوالد المحقق - مد ظله - حيث منع صحة الكشف هناك، معللا بعدم تحقق المضمون والإنشاء (3)، وصححه هنا (4)!! فبالجملة: مفاد الإنشاء وإن كان غير مشتمل على الزمان، ولكنه منطبق عليه، فإذا كان واجدا للشرائط فيؤثر قهرا، وإلا فيؤثر بعد الاستجماع بالضرورة. وإذا صار واجدا لها حين الإجازة فيصح على النقل، لما تقرر منا: من أن امتناع التصحيح على الكشف لا يورث بطلان العقد، ولا يستلزم سلب الصحة التأهلية وانسلاب قابليته عن لحوق الإجازة، فما اشتهر: " من أن قضية القواعد هو الكشف، فإن أمكن هو فهو، وإلا فالعقد باطل " فهو في غير محله عندنا، لما مضى من أن هذا لا يستلزم ذاك، فاغتنم. هذا إذا قلنا: بأن الكشف على وفق القواعد.


1 - تقدم في الصفحة 375. 2 - لاحظ تحريرات في الاصول 5: 457 - 458. 3 - البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 2: 163، 185. 4 - البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 2: 305 - 306.

[ 338 ]

وإذا قلنا: بأنه على خلافها، فالقول بالنقل عند عدم إمكان الالتزام بالكشف متعين، لأنه على القواعد. ومن هنا يتضح حال الكشف التعبدي، بناء على كون المتعبد به تأثير العقد من أول وجوده، وهكذا كشف المحقق الرشتي (قدس سره) (1)، فكل من يرى الانتقال من حين العقد ثبوتا، فلابد من أن يراعي جميع الشرائط، وإلا فلا يحصل الأثر. وأما توهم شرطية استمرار الشرائط إلى حال الإجازة بعد حصول النقل، فهو مناقض للكشف، لأن لازم ذلك التزامه بشرطية بقائها إلى آخر الدهر، لعدم الفرق، فإن الإجازة على الكشف الحقيقي وما بحكمه معناها ليس إلا الجزء المتأخر الدخيل بعد حصول معلوله قبله، فإذا حصل المعلول فلا معنى لشرطية بقاء سائر أجزاء العلة. وهذا نظير أن يعتبر بقاء ألفاظ العقد إلى حالها، أو من قبيل شرطية بقاء اتحاد القيمة السوقية إلى حالها، فلو كان حين العقد معاملة غير غبنية، ثم بعد الإجازة علم باختلاف القيمة السوقية بعد العقد، فيكون على التوهم المزبور هو بالخيار، وهذا واضح المنع. وبالجملة: بعد انتقال الملك إليه واقعا لا معنى لشرطية البقاء أصلا. ومما مضى في المرحلة الاولى يظهر حال الكشف الانقلابي، فإن الشرائط ليست معتبرة عليه حال العقد كما على النقل، لأن الأثر مترتب من حين الإجازة من الأول، فلا يؤثر العقد بوجوده الإنشائي حتى يلزم


1 - الإجارة، المحقق الرشتي: 184 - 185.

[ 339 ]

واجديته للشرائط، بعد قصور الأدلة فرضا عن إثبات ذلك. فما قيل من عدم الفرق بين الكشف والنقل (1)، غير سديد، وإحداث الفرق بين أنحاء الكشف ممكن لا يهمنا ذكره. وتوهم: أن الكشف الانقلابي من أقسامه، ممنوع جدا، كما مضى، بل هو من أقسام النقل، لما مضى من أن مدار الكشف على تأثير العقد من الأول ثبوتا، لا إثباتا، ومدار النقل على تأثير العقد بعد الإجازة ثبوتا وإثباتا، سواء كان النقل من حينها، أو من الأول (2)، فافهم وتأمل. فبالجملة تحصل: أنه على الكشف لابد من استجماع العقد لجميع الشرائط حينه، وعلى النقل لابد من استجماعه لها حينها، وأما شرط استمرار الشرائط من حال العقد إلى حال الإجازة أو بالعكس، فهو منفي، لعدم الوجه له أصلا. وأما على ما سلكناه من أن الكشف والنقل بيد المالك الظاهري، ولا يكونان خارجين عن اختياره، فهو غير الكشف الحقيقي، بل هو من قبيل الكشف الانقلابي، أو الحكمي والتعبدي، بمعنى إلزام الشئ بترتيب آثار العقد من حين الإجازة من الأول، وعليهما لابد من استجماع العقد للشرائط حال الإجازة، فلا تخلط. إن قلت: لابد من اعتبار الاستمرار، وإلا يلزم لغوية العقد، لأن


1 - حاشية المكاسب، السيد اليزدي 1: 170 / السطر 8، البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 2: 306. 2 - تقدم في الصفحة 146 - 149.

[ 340 ]

الخل إذا صار خمرا يخرج عن الملك، ولا يبقى أثر للإجازة اللاحقة، وهكذا سائر الشروط المعتبرة في العوضين. قلت: خروجه عن الملك لا يورث سقوط حق الاختصاص الثابت بالعقد للمشتري، فالإجازة مفيدة. هذا مع أنه يشبه العقد الثاني قبل الإجازة، فإنه مخرج عن الملك واقعا مع لزوم الإجازة بالنسبة إلى العقد الأول، فالخروج إذا كان مستتبعا لغرض وأثر عقلائي، لا يستلزم لغوية العقد. بحث وتفصيل: حول عدم اعتبار استمرار الشرط غير المقوم للماهية قضية ما مر منا عدم لزوم وجدان العقد الفضولي للشرائط الشرعية، بل مطلق الشرط غير الدخيل في تقومه الماهوي، من غير فرق بين شرائط العوضين والمتعاوضين. نعم، ربما يستظهر من الشرع اعتبار شرط مقوما، فيكون هو المتبع تعبدا، كما قد اشتهر في شرطية البلوغ، وأن الصغير مسلوب العبارة (1)، ولكنك عرفت منا ضعفه (2). ومن غير فرق بين كون المتصدي للإنشاء نفس المالك الفاقد


1 - تذكرة الفقهاء 2: 73، الدروس الشرعية 3: 192، الروضة البهية 1: 314 / السطر 2، جواهر الكلام 22: 260 - 262، المكاسب، الشيخ الأنصاري: 114 / السطر 8 و 25. 2 - تقدم في الجزء الأول: 287 وما بعدها.

[ 341 ]

للشرط، أو غيره، ومن غير فرق بين كون الفضولي كالوكيل المفوض والمأذون المطلق، أو كالآلة الموسطة، فلا حاجة إلى معلومية مقدار العوضين حين العقد، لا للفضولي، ولا لغيره، ولا إلى القدرة على التسليم، بل هي غير لازمة حين الإجازة إذا كانت موجودة في ظرف لزوم التسليم، لعدم الدليل الشرعي عليه ولا إلى كونه طلقا، ولا إلى بلوغ الفضولي والمالك... وهكذا. وعلى تقدير اعتبارها حالهما، فلا دليل على اعتبار استمرارها في الحالة المتوسطة: أما بالنسبة إلى شرائط المتعاوضين، فهو واضح. وأما بالنسبة إلى شرائط العوضين، فبقاء الملكية والمالية مع بقاء حق الاختصاص مقطوع العدم، وهكذا غيرهما بطريق أولى. نعم، بناء على صيرورته مباحا أصليا، ويكون الناس على حد سواء بعدما صار الخل خمرا مثلا، فربما يشكل اعتبار بقاء العقد الإنشائي، لما مر من أن تلف العوضين يستلزم انحلال العقدة قهرا عرفا، من غير فرق بين الكشف والنقل. هذا كله بناء على ما سلكناه في هذا المضمار. بيان حال الشرط غير المقوم بناء على اعتباره وأما بناء على اعتبار الشرائط، فهل هي معتبرة مطلقا، أي عند الفضولي والمجيز والمالك حين العقد، أو لا تعتبر إلا للعاقد والمجيز فقط؟

[ 342 ]

أو يكفي حصول شرائط العوضين للفضولي العاقد عن المالك والمجيز، بحيث إذا اطلع المالك على وقوع العقد التام الشرائط فأجاز، فهو صحيح، من غير لزوم الاطلاع على الخصوصيات، وهكذا لو كان عالما بالقدرة على التسليم حين العقد، فإنه يكفي لصحته وإن كان المالك جاهلا بذلك، بناء على القول: بأن قدرة المشتري على التسلم كافية للصحة، وتكون قدرة المالك من الشرائط التي يستلزم تخلفها الخيار، كما لا يخفى فتدبر؟ وجوه: أما لزوم كون المالك مطلعا، فهو ممنوع جدا، بل لو كان فهو معتبر في المجيز. وأما عدم كفاية علم الفضولي، فلا دليل عليه، وسيوافيك بعض البحث في الامور الآتية إن شاء الله تعالى. نعم، بناء على ما سلكناه، من أن بيع الفضولي ليس بيعا حقيقة، فلو دل الدليل على أنه لا غرر في البيع، أو دل على شرطية القدرة على التسليم في البيع، فالكفاية ممنوعة، لاحتياجها إلى الدليل، من غير فرق بين كونه كالوكيل المفوض، أو كونه كالآلة. اللهم إلا أن يقال: بأن مع وجدان العقد للشرائط حال الإنشاء، لا يبقى موضوع الغرر حال الإجازة، فيكون الاعتبار لغوا.

[ 343 ]

المرحلة الثالثة: في مقتضى الاصول العملية وهو يقرر على وجوه: أحدها: أن العقد الإنشائي إذا كان واجدا لجميع الشرائط إلا الرضا، فقد علم ذلك، وإذا اختل شرط بقاء فقضية الاستصحاب كفاية الرضا، لأنه كان على يقين من أنه إذا لحقه الرضا يصح، فالآن كذلك. وفيه: أن الاستصحاب التعليقي ممنوع الجريان في التعاليق الاختراعية، لأن التعليق ليس حكما شرعيا، ولا مجعولا إلهيا. وبعبارة اخرى: الملازمة ليست من المجعولات. ولو قيل: يستصحب الصحة التأهلية، فإنها في تأهليتها فعلية، فإذا كان العقد صحيحا لا يؤثر فيه الرضا. قلنا: لا يعلم منه واجديته لجميع الشرائط، كما لا يخفى. ثانيها: إذا علمنا بشرطية امور حال الإجازة، أو امور حال العقد، وشك في الباقي، فلا دافع له إلا إطلاق الأدلة، وأما البراءة الشرعية ففي جريانها إشكال المثبتية، خصوصا بالنسبة إلى الشرائط العرفية، أي الشرائط المشكوك اعتبارها عرفا، لعدم الاطلاع على فهمهم وبنائهم بالنسبة إليها، فالمحكم استصحاب عدم النقل، على إشكال فيه أيضا. وإذا علمنا بشرطية امور حال العقد أو الإجازة، وشك في الحد المتوسط وفي شرطية بقائها إلى حال الإجازة، أو علمنا بعدم شرطيتها بقاء وفي الحالة المتوسطة، ففي الفرض الثاني لابد من الاحتياط بالنسبة

[ 344 ]

إلى حالهما، دون الحالة الثالثة، عملا بالعلم الإجمالي. وهكذا في الفرض الأول، لعدم كونه طرفا للعلم. ولو علمنا بشرطية امور إجمالا في الحالات الثلاث، فإن كان المفروض أن الحالة الاولى وحالة الإجازة مقابل الحالة الثالثة، بأخذهما بشرط لا، فلابد من الاحتياط عملا بالعلم. وإن كان المفروض أن الحالة الثالثة بالنسبة إلى الحالتين الاخريين من الأقل والأكثر، فيكون العلم الإجمالي بالنسبة إلى حال العقد والإجازة منجزا، لأنهما متباينان، وبالنسبة إلى الثالثة غير منجز، لأن الطرف الثالث من الأقل والأكثر، ويكون الأقل إحدى الحالتين الأولتين، ولا يتصور التنجيز بالنسبة إلى الطرفين مكررا، ولا تنجيز فوق التنجيز، كما اشتهر وصار من الأمثلة المشهورة: " إن المتنجز لا يتنجز " (1). وبعبارة اخرى: كما أفاده الوالد المحقق - مد ظله -: " أن هذه المسألة كمسألة الأقل والأكثر، فكما أن العلم الإجمالي هناك ينحل بالعلم التفصيلي بالأقل تكليفا، كذلك هنا، ولكن الفرق من جهة غير فارقة: وهي أن في الأقل والأكثر يكون من الانحلال في التكليف، وهنا يكون من الانحلال في التنجيز " (2) ضرورة أن المعلوم بالإجمال مشكوك من جهة زيادة الشرط، وهو استمرار الشرائط إلى حال الإجازة، فلابد


1 - لاحظ تهذيب الاصول 2: 301، مصباح الاصول 2: 421. 2 - البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 2: 303 - 304.

[ 345 ]

من الاحتياط في الطرفين، دون الحالة المتوسطة، فيرجع إلى إطلاق الأدلة، أو البراءة الشرعية على القول بها، كما كان يقويه في الأسبق. وربما يخطر بالبال أن يقال: بأن المتنجز لا يتنجز، كقاعدة " إن المتنجس لا يتنجس " فكما أنه بالنسبة إلى الأثر الزائد يصير متنجسا ثانيا، كذلك الأمر هنا. وبعبارة اخرى: فيما إذا تعلق العلم ثانيا بنجاسة الطرف والملاقي، يكون التنجز مستندا في البقاء إلى العلمين، فيصير السببان متداخلين، وفيما نحن فيه وإن لم يعقل تنجز الطرف الواحد مرتين بالعلم الواحد، ولكن فيما كان الطرف الثالث في عرض الطرفين، لا يكون من التنجيز فوق التنجيز، لعدم تنجز الطرفين قبله، فالطرف الثالث يستند في التنجز إلى كونه طرفين، لما فيه من الزيادة، فلا يلزم كون الشئ الواحد طرفين للعلم الواحد، بل يلزم كون الشئ الواحد متنجزا مع الزيادة. وبعبارة اخرى: بعد العلم الإجمالي المزبور نعلم - بالملازمة - بأن الطرف الأول والثاني لاينجزان إلا مع تنجز الثالث، لعدم إمكان التفكيك بينهما، لعدم تقدم هذين على ذاك في التنجز والعلم، فالعلم إما لا يكون منجزا مطلقا، أو ينجز كل الأطراف في عرض واحد، وحيث لا سبيل إلى الأول يتعين الثاني، وعليه لابد من الاحتياط بحفظ الشرط في الحالات الثلاث. ومع ذلك كله نحتاج إلى التدبر. ثالثها: إذا كانت الشرائط المعتبرة موجودة حال العقد، وشك في بقائها في الحالة المتوسطة وحالة الإجازة، أو شك فيه في الحالة

[ 346 ]

المتوسطة، وعلمنا بتحققها ثانيا حال الإجازة، فقضية الاستصحاب بقاؤها، فتكون من ضم الوجدان إلى الأصل، ويحصل السبب التام. ويشكل ذلك: بأن بقاء الشرائط المعتبرة في سببية العقد للتأثير، لا يورث إثبات السببية إلا على الأصل المثبت، سواء كان الطرفان وجدانيين والحد المتوسط تعبديا، أو كان التعبد منجرا إلى حال الإجازة. وربما يفصل بين الشرائط، لاختلاف لسان الأدلة إمكانا، فما كان متكفلا لجعل السببية يكون إحراز السبب مثبتا، وما كان متكفلا لجعل الملازمة فينتزع السببية منه، فلا يكون الأصل مثبتا، والتفصيل يطلب من محاله. عدم جريان الاستصحاب المزبور في مثل شرط المعلومية ثم إن من الشروط ما لا يجري فيه الأصل، كشرط المعلومية، والعلم بمقدار الكيل، فإنه إذا شك في بقائه على الوصف السابق، ولم يكن يجري أصالة السلامة، فالاتكال على الاستصحاب مشكل، لا لأن العلم اخذ على وجه الصفتية والموضوعية، بل لأجل أن الإحراز الحاصل من العلم إحراز تام، وربما كانت تماميته مانعة عن قيام الأصل المحرز مقامه، لعدم تمامية إحرازه، كما ذكرنا ذلك في منع قيام البينة مقام العلم المأخوذ في الأخبار المتكفلة لاعتبار اليقين بالركعات (1)،


1 - تحريرات في الاصول 6: 107.

[ 347 ]

فلا تغفل، ولا تكن من الخالطين. هذا كله فيما إذا كان المفروض شرطيتها في الحد المتوسط. حكم جريان استصحاب الشرائط المعتبرة حال العقد والإجازة وإذا كانت الامور المذكورة شرطا حال العقد والإجازة فقط، وشك في بقائها، فلا مانع من تخلل الزمان المتوسط الذي لا أثر له، لعدم إضراره بشرائط الاستصحاب. إنما الإشكال فيما إذا تخلل اليقين بين حال العقد والإجازة، فإنه ربما يمكن دعوى جريان الاستصحاب، لأن اتصال زمان الشك باليقين معتبر مع عدم تخلل اليقين المضاد الذي هو كاشف عن الأثر الضد، وأما إذا لم يكن فيه الأثر رأسا - كما نحن فيه - فلا يضر، فلو كان المبيع خلا، ثم صار خمرا، فإن القطع بخمريته لا يورث شيئا في الحكم الثابت حال العقد الخاص الواقع عليه، وإذا شك في انقلابه خلا يصح أن يقال: " كنت على يقين من خلية هذا، وشككت في خليته " فإن وحدة القضيتين محفوظة، ولا معنى - على ما تقرر (1) - لاعتبار كون الشك في بقاء ما يتيقن به، لأنه أمر تصوري، والشك واليقين يتعلقان بالقضايا التصديقية، أو بما في حكم القضية. نعم، بناء على جريان الاستصحاب إذا كان الأثر لحال الشك فقط، يشكل الأمر، لتهافت الاستصحابين، ولا يمكن شمول الدليل لهما. ولكن


1 - تحريرات في الاصول 8: 405.

[ 348 ]

إمكان جريان الثاني ليس بأقرب من الأول، فافهم وتأمل. فما ورد في أخبار الاستصحاب بقوله: " ولكن انقضه بيقين آخر " (1) ليس ناظرا إلا إلى اليقين بالحكم المضاد للحكم السابق، أو الموضوع المضاد مع الموضوع السابق في الحكم، وأما نفس اليقين بما هو يقين، فلا قاطعية في حكمه، والله العالم. إيقاظ: في لزوم واجدية العقد للشرائط المعتبرة حين اتصافه بكونه بيعا بناء على ما سلكناه من أن بيع الفضولي ليس بيعا حقيقة، بل هو بيع إنشائي كالحكم الإنشائي، وبناء على ما ذكرناه: من أن كاشفية الإجازة وناقليتها بيد المالك، فإن أجاز من الأول يصير العقد مؤثرا من الأول، وإن أجاز من الوسط فمن الوسط، وإن أجاز من الآخر فيصير مؤثرا وناقلا من حين الإجازة (2)، لابد من كون العقد واجدا للشرائط المعتبرة حين الاتصاف بكونه بيعا واقعا وحقيقة. فلو كان المبيع حين العقد الفضولي خمرا، وصار قبل الإجازة خلا، فللمالك إجازته من حين الانقلاب، لا من الأول. ولو كان خلا ثم صار خمرا، فله إجازته من الأول، لعدم شرطية بقائه على الخلية إلى حال الإجازة، ولا في حالها، لعدم كونها عقدا


1 - تهذيب الأحكام 1: 8 / 11، وسائل الشيعة 1: 245، كتاب الطهارة، أبواب نواقض الوضوء، الباب 1، الحديث 1. 2 - تقدم في الصفحة 146.

[ 349 ]

مستأنفا، ولا استيجابا بدويا، كما لا يخفى. الأمر الثاني: حول اشتراط معلومية المجاز للمجيز قد ذكر الأصحاب هنا شرطية معلومية المجاز للمجيز معلومية بالتفصيل (1)، وقال بعضهم بكفاية المعلومية الإجمالية (2). وأنت خبير: بأن هذا البحث ليس جديدا، ولا وجه لتخصيصه بالذكر، بعدما عرفت البحث الكلي في الأمر الأول، وأن الأدلة المتكفلة لإفادة شرائط المعاملة، ناظرة إلى أن المعاملات كلما اتصفت بالعناوين المعاملية - من " البيع " و " الشراء " - لابد من كونها واجدة للشرائط حسب أدلتها، واستثناء بعض منها شاهد على عمومية المستثنى منه، فيكون من اللازم كون العقد معلوما وكون المبيع معلوما بحدوده على وجه يرفع به الغرر المنهي، فلو كان هذا معلوما للفضولي ولم يكن كافيا فهو باطل، لما قال الشيخ برجوع الشرائط إلى حال الإنشاء (3)، وهكذا لو كان هذا معلوما للمالك حال العقد ولم يكن كافيا. هذا على مسلكهم. وأما على ما سلكناه من لزوم المراجعة إلى أدلة الشروط، فالذي هو القدر المتيقن من شرطية العلم هو اشتراطه حال التأثير،


1 - المكاسب والبيع، المحقق النائيني 2: 216 - 217. حاشية المكاسب، المحقق الأصفهاني 1: 180 - 181. 2 - لاحظ هداية الطالب: 304 / السطر 13. 3 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 142 / السطر 28.

[ 350 ]

فإن قلنا بالكشف فلابد من الالتزام بكفاية معلوميته للفضولي أو المالك حال العقد، وإن قلنا بالنقل من حين الإجازة، فلابد من الالتزام بكفايته حال الإجازة للمالك، وأما لزوم علمه بالخصوصيات - بعد اطلاعه على أن ما وقع مطابق لمصلحته مثلا - فلا برهان عليه. ومما يتوهم في المقام شمول دليل نفي الغرر لحال الإجازة (1). وأنت قد عرفت منا: أن دليل نفي الغرر لا أساس له، وأن الغرر المنهي بعنوانه لا يورث اشتراط المعاملات، فضلا عن الإجازة، لأنه عنوان خارج عنها، وبينه وبينها عموم من وجه، وأما النهي عن بيع الغرر فهو في محله، ولكن المعاملات الفضولية إما ليست بيعا واقعا، أو تكون مورد الانصراف، لأن العقلاء لا يفهمون أزيد من كون المبيع معلوما حال التأثير، ككونه مملوكا حاله، فتدبر. ومما لا يكاد ينقضي تعجبي منه، توهم ابتناء المسألة على أن الفضولي إن كان كالوكيل المفوض فعلمه كاف، وإن كان كالآلة فلا يكفي، فإنه أجنبي عن هذه المسألة بالضرورة، لعدم تمامية صغراها وكبراها، بل المسألة مبتنية على ما اشير إليه: من أن المعلومية إن كانت شرطا حال الإنشاء، فلابد من الالتزام بكفاية علم الفضولي أو المالك حال العقد، سواء كان الفضولي مفوضا أم لا. وإن كانت شرطا حال التأثير، فيكفي علم كل واحد منهم، لأن المناط


1 - حاشية المكاسب، المحقق الأصفهاني 1: 181 / السطر 11، البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 2: 308.

[ 351 ]

ليس عدم كون المعاملة غررية، بل المناط عدم كونها سفهية وخطرة، أو كونها عقلائية، وهي كذلك قطعا. فروع: لو أجاز على تقدير وقوع عقد فضولي، فهل يكفي، أم لابد من العلم بأصل وجوده ولو كان علما إجماليا؟ وجهان: من لزوم التعليق، وأن الإجازة في حكم الركن في العقد. ومن عدم لزومه، وأنه على فرضه لا يضر، وأنها ليست إلا تنفيذا للماهية الموجودة. ولو عقد الفضولي عقدين على أمواله، فأجاز أحدهما، فهل يصير نافذا بالنسبة إلى أحدهما غير المعين، فلابد من المراجعة إلى القرعة، بناء على شمول أدلتها لما لا واقعية معلومة له، كما هو الأظهر، أو لا يصير شيئا؟ وعلى الثاني فهل هي ساقطة رأسا، أم تكون نافعة إذا انضمت إليها إجازة الآخر، فلو أجاز أحدهما، ثم أجاز الآخر، يقعان صحيحين نافذين؟ الظاهر هو الثاني، لعدم احتياج العقد في التأثير إلى الأزيد من ذلك، وتوقف العقد في التأثير على الفرض الأول، لعدم إمكان تعلق الرضا المهمل بالمعين منهما، فإذا انضم إليه الآخر فقد أظهر رضاه بالعقدين. وإن شئت قلت: الإجازة الاولى لا تكون نافعة، ولكن لحوق الثانية يستلزم رضاه بالجميع، فيصير الكل نافذا فتأمل.

[ 352 ]

ومما ذكرناه يظهر الخدشة في كلمات القوم، من عدم إمكان فرض الترديد والإهمال في ناحية الإجازة، لأنها لا تتعلق إلا بالموجود الخارجي (1)، فإنه غفلة نشأت من تخيل لزوم كون المفروض عقدا واحدا فضوليا، فلا تخلط. الأمر الثالث: في إجازة المالك لأحد العقود الفضولية مبهما أو معينا كان المفروض في بحث الفضولي إلى هنا، ما إذا وقع عقد واحد فضولي على مال، وأجازه المالك، والذي هو المقصود هنا ما إذا أوقع الفضولي الواحد أو الفضوليون عقودا كثيرة من سنخ واحد أو من الأنواع المختلفة على عين شخصية، أو عليها وعلى عوضها وعوض العوض وهكذا، أو عليهما معا، وأجاز المالك أحدها إجمالا أو معينا. وعلى التقدير الثاني: تارة يجيز رأس السلسلة، واخرى وسطها، وثالثة آخرها. ثم إن مجرد تخصيص الفقهاء البحث هنا بالعقود الطولية لا يستلزم التخصيص، بل للفقيه بسط المسألة حتى يتضح جميع أطرافها، خصوصا فيما إذا كانت ذات نظر علمي، فالعقود العرضية الفضولية أيضا محط البحث.


1 - المكاسب والبيع، المحقق النائيني 2: 217، البيع، المحقق الكوهكمري: 426.

[ 353 ]

وعند ذلك نقول: الكلام في هذا المقام يتم في ضمن صور، وبذلك يتضح حكم سائر الصور، والأمر سهل: الصورة الاولى: في إجازة أحد العقود العرضية إذا وقعت العقود الكثيرة على عين شخصية من فضولي واحد أو متعدد، في زمان واحد أو متعدد عرضا، فالذي تعلقت به الإجازة يصح دون غيره، لعدم توقف صحته على صحة غيره، ولا يستلزم صحته صحة الآخر، فلو أوقع جماعة عقد البيع والإجارة والصلح مثلا على دار زيد في زمان واحد، وأجاز الوسط، يصح هو فقط. نعم، في بطلان سائر العقود بتلك الإجازة، وسقوطها عن صلاحيتها للحوقها مطلقا، أو بقائها مطلقا عليها، أو يفصل بين ما إذا وقعت العقود على المبادلة بين المالين من غير تضيق في ناحية الإنشاء، ومن غير إدراج خصوصية المالك في المبادلة، وبين مالو اعتبر ذلك فيه. وجوه لا يخلو الثاني من قوة، فإذا أجاز الوسط في المثال المزبور فلا منع من إجازة الأول والثالث بلا إشكال، لعدم التنافي بينهما ذاتا، فلا معنى لكونها ردا لغيره، فما ترى في كتب القوم من الرد الفعلي بالإجازة مع علمه بذلك (1)، في غاية السخافة. وفي غير ذلك من الأمثلة الاخرى إذا كانت منافية - كما أجاز


1 - المكاسب والبيع، المحقق النائيني 2: 218، حاشية المكاسب، المحقق الأصفهاني 1: 181 / السطر 19.

[ 354 ]

الثالث في المثال المزبور - فسقوط صلاحية غيره عن لحوق الإجازة مبني على أمر غير مبين - وهو ما مر منا توضيحه، ويأتي تفصيله في أحكام الرد - من أن العقد الفضولي قابل للإجازة والرد، ولقد أنكرنا إمكان ذلك، فضلا عن وقوعه (1)، فانتظر. فإذن يجوز له إذا انتقل إليه ثانيا بالإرث ونحوه إجازة الإجارة، أو البيع، أو هما معا، لما تقرر من عدم اشتراط مالكية المجيز حين الإنشاء الفضولي، وأيضا يجوز في المثال المزبور للمصالح له بعد الإجازة إجازة الوسط والأول، أو هما معا وإن كان العقد الفضولي واقعا للمالك حين العقد والإنشاء، لما تقرر سابقا: من أن إضافة المالك الشخصي إلى الإنشاء والمبادلة من زيادة الحد على المحدود، وتكون خارجة عن حقيقة المعاوضات (2). ومن التفصيل الذي سمعت منا تقدر على الاطلاع على مواقف الخدشة في كلمات القوم، فليتدبر. ثم إن قضية ما ذكرناه لا تختلف على الكشف والنقل، فما ترى في كلمات المحقق الرشتي (قدس سره) (3) لا يخلو من غموض. الصورة الثانية: في إجازة أحد العقود الطولية لو وقعت العقود الطولية على عين شخصية من أشخاص متعددين،


1 - تقدم في الصفحة 81 و 202 - 203. 2 - تقدم في الصفحة 271 - 273. 3 - الإجارة، المحقق الرشتي: 195 / السطر 19.

[ 355 ]

بأن باع دار زيد من عمرو، ثم باع عمرو داره من بكر، ثم بكر من خالد، أو آجر عمرو دار زيد من بكر، وصالح بكر خالدا، على أن تكون العقود الطولية مختلفة بالنوع، فهنا صورتان: ففي الاولى: إن أجاز الأخير صح هو بنفسه دون غيره، لعدم توقف ولا استلزام، وإن أجاز الأول صح وما بعده، للاستلزام بناء على جميع الأقوال المشتركة في أن العقد مؤثر من أول وجوده، أو هو بالإجازة يصير مؤثرا من الأول واقعا، أو تعبدا، بناء على إطلاق في دليل التعبد، أو إلغاء لخصوصية المورد، ولا يصح ما بعده على النقل كما هو واضح. وأما سقوط صلاحية العقود الاخر عن لحوق الإجازة من قبل المالك، إذا انتقل إليه الملك ثانيا أو من قبل المشتري، فهي عندنا ممنوعة، لما تقرر سابقا وآنفا. والإشكال: بأن المالك إذا انتقل إليه ثانيا يجوز له الإمضاء دون المشتري، لأن المفروض وقوع البيوع له، مندفع: بما اشير إليه آنفا ومر تفصيله (1). هذا مع أن من الممكن اختلاف الصور أيضا من هذه الجهة، فتارة: يبيع عمرو في المثال المزبور للمالك، واخرى: يبيع لنفسه، فإن باع للمالك فله إجازته إذا انتقل إليه ثانيا، وإن باع لنفسه فلا يجوز تنفيذه إلا للمشتري الذي باع لنفسه، فعلى هذا كان على الذين يقولون باختلاف الحكم في هاتين الصورتين - ومنهم الوالد المحقق - مد ظله - التفصيل


1 - تقدم في الصفحة 271 - 273.

[ 356 ]

في المسألة بين وقوع العقد المتأخر عن المجاز للمالك، وبين ما لو وقع لنفسه، فإنه لا يصح المتأخر بإجازة المتقدم في الفرض الأول، لقصور الإنشاء عن تأثيره وإن كان هو مالكا، لأن العقد السابق وقع صحيحا. اللهم إلا أن يقال: إن المفروض في كلامهم الصورة الثانية، وإلا لا يلزم الترتب، فلا تغفل. وأما في الثانية: فإن إجازة العقد المتوسط في مفروض المثال، لا تستلزم صحة العقد المتأخر، لعدم خروج العين عن ملكيته حتى لا يحتاج إلى الإجازة على الكشف، فترتب العقود بإطلاقه لا يقتضي السراية، فلا تخلط. ولو أجاز العقد الأول فالعقد الثاني يصح، لصدوره على الكشف عن مالكه، وما يتوهم في الصورة السابقة من الإشكال يأتي هنا بجوابه، كما لا يخفى. وتوهم: أن المراد من " الترتب " أخص من المترتبات الزمانية، غير معلوم الوجه، فتأمل. ثم إن فرض وحدة العاقد وتعدده في الصورة الاولى، ممكن فيما إذا كان العقد الثاني للمالك الشخصي، وأما مع كونه للمالك الكلي أو لنفسه - بأن باع مثلا بعدما اشترى من الفضولي لنفسه - فإنه يلزم الترتب في العقود، ويخرج عن الصورة الاولى المتكفلة للعقود العرضية، فما ترى في كتب الأصحاب - رضي الله عنهم - مخدوش. وأما فرض الوحدة والتعدد في العقود الطولية، فهو أيضا ممكن:

[ 357 ]

أما الثاني: فهو واضح. وأما الأول: فهو فيما كان الفضولي يشتري لنفسه، ويبيع عن المالك من نفسه، ثم قبل الإجازة يبيع العين من الآخر لنفسه، فإن إجازة الأول تستلزم - على الكشف - صحة الثاني، لصدوره عن المالك، فافهم واغتنم. إن قلت: لو كان العقد الواقع في الحلقة الثانية مثلا للمالك الكلي، فلا يلزم الترتب القهري، فلا يستكشف من إجازة الاولى إجازة الثانية، فينحصر المثال بما إذا كان لمالكه الشخصي. قلت: نعم، ولكنه بناء على الحاجة إلى الإجازة، وهي محل إشكال بل منع، لأن الفضولي الثاني إذا عقد عن مالكه الكلي القابل للانطباق على مالكه الشخصي ونفسه، وكان مالكا على الكشف حين العقد، فإنه يقع منه قهرا، لتمامية الشرائط. بل يمكن دعوى جريان ترتب قهري حتى إذا باع الفضولي الثاني لمالكه الشخصي، وذلك لأن حقيقة المبادلة ليست إلا المعاوضة بين عين ماله والثمن، فإذا بادل بين دار زيد في الحلقة الثانية والثمن لمالكه، ثم أجاز زيد بيع داره في الحلقة الاولى من سلسلة البيوع المتعددة الواقعة عليها، يتبين أن عمرا كان مالكا في الحلقة الثانية، وتخيل عدم مالكيته، فتكون المسألة من صغريات ما مضت كبراها، وهي ما لو باع المالك بتوهم أنه ليس مالكا.

[ 358 ]

الصورة الثالثة: ما لو ترتبت العقود على الثمن وهذا أيضا تارة: يكون الترتب زمانيا عرضيا، وهذا لا بحث فيه. واخرى: يكون الترتب طوليا قهريا. وعلى كل حال تارة: تكون العقود من نوع واحد، أو أنواع متسانخة، كالصلح والهبة والبيع، مما يخرج بها العين عن الملكية. واخرى: من الأنواع المختلفة، كالبيع والإجارة. وفي الأخير أيضا لا يكون بحث زائدا على ما مضى، فيبقى الكلام في المقام حول الطولية التي من قبيل البيوع المتعددة وما هو من سنخها، فالمشهور على أن إجازة رأس السلسلة لا تستلزم صحة ما بعده، وإجازة آخرها يتوقف صحتها على صحة سابقها، فيستلزمها، وإجازة الوسط يستلزم رد اللاحق ونفوذ السابق، وهذا هو المعروف بين المتأخرين (1). ويجوز لحوق الإجازة عندنا بعد تنفيذ رأس سلسلة أو وسطها إلى غيره، لأن الرد لا يهدم العقد عن القابلية. نعم، العقد الثاني والثالث تارة: يقعان فضولا للمالك الأصلي، فبلحوق الإجازة يصح. واخرى: يقعان للفضولي أو للأجنبي، فإن انتقل إليهما فهو، وإلا فإجازة المالك الأصلي صحيحة، بناء على ما قويناه أيضا في الصورتين


1 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 143 / السطر 9، الإجارة، المحقق الرشتي: 197 / السطر 2، لاحظ البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 2: 312.

[ 359 ]

السابقتين. فبالجملة: إذا باع الدار بالبستان، ثم باع البستان بالعقار، ثم باع العقار بالدكان، فإن أجاز بيع الدار فيصير المالك الأصلي مالكا للبستان، ويكون العقد على البستان منوطا بإجازته ثانيا، ولو انتقل البستان إلى الفضولي وكان البيع له فأجاز صح، لما مضى من عدم شرطية مالكية المجيز حين العقد، بل يجوز له تصحيحه وإن باع للمالك الأصلي. ولو فرضنا أن مالك الدار منع الفضولي عن بيع الدار، ولكنه كان راضيا - على تقدير بيع الدار بالبستان - ببيع البستان بالعقار وهكذا، فإذا أجاز رأس السلسلة يلزم صحة ما تأخر، لتمامية الشرائط، فليتدبر. ولو أجاز بيع العقار بالدكان، فإن كانت إجازته بنحو العموم البدلي أو الاستغراقي المنحل إلى الإجازات فهو، كما إذا أجاز رأس السلسلة بهذا النحو، فكما يستلزم صحة بيع الدار بالبستان، صحة بيع البستان بالعقار وهكذا، لأن الإجازة الواقعة على رأس السلسلة تستلزم مالكيته للبستان، وتكون إجازة بيع البستان بالعقار مستلزمة لمالكيته للدكان، فتخرج الدار عن ملكه، ويدخل الدكان - وهو عوضها الواقعي - في ملكه، كذلك إجازة بيع العقار بالدكان مستلزمة لما سبق، لتوقف صحتها على صحة ما سبق، ضرورة أن العقار والدكان ليسا ملكا لمالك الدار، فلا معنى لإجازة بيعه به، فلابد من دخول العقار في ملكه، وهو لا يمكن إلا بدخول البستان فيه، فلابد من تعلق إجازته برأس السلسلة، حتى يصح في سائر الحلقات.

[ 360 ]

فإجازة المتأخر تورث صحة المتقدم، فالانحلال المتصور هنا هو انحلال خاص، لطولية المصاديق. هذا إذا أجاز بنحو العموم. ولو أجاز شخص المتأخر، فإن كان متوجها إلى أنها لا تفيد إلا إذا كانت إجازة للمتقدم، فبدلالة الاقتضاء، ولعدم إمكان ترشح الجد بالمتأخر إلا مع رضاه بالمتقدم، يعلم صحة السابق. وإن كان غير متوجه إلى ذلك، وتخيل أن العقار ملكه، فأجاز بيعه بالدكان، ثم تبين أن الأمر ليس كما تخيله، ففي الاستلزام المزبور إشكال، بل منع. ولا منع من الالتزام بعدم صحة العقد المجاز في حقه، لأن الالتزام بلغوية إجازته غير ممنوع. الإشكال العقلي على إمكان تصحيح العقود المترتبة على الأثمان النوعية مطلقا ثم إنه قد يشكل عقلا في إمكان تصحيح العقود المترتبة على الأثمان النوعية مطلقا، سواء أجاز رأس السلسلة بنحو العموم، أو آخرها بنحو العموم، فإنه على التقديرين يصح رأس السلسلة فقط، دون غيره، أو أجاز بنحو الخصوص وسطها أو آخرها. وهذا بناء على اعتبار الإنشاء في الإجازة، بل وبناء على اعتبار إظهار الرضا بالمعنى المصدري في صحة العقد الفضولي، وذلك لأن قوله: " أجزت جميع هذه العقود " - بنحو العموم - ينحل ويصحح العقود العرضية، وأما العقود الطولية فهي لا تصير صحيحة بمجرد ذلك، لأن الانحلال

[ 361 ]

الطولي معناه اعتبار المراعاة في العقود المتوسطة، حتى يصير العقد الأول نافذا، فإذا صار المالك الأصلي مالكا للبستان، يصير في المرتبة المتأخرة بيع البستان بالعقار صحيحا وهكذا، ولا يعقل للإنشاء وجود بقائي، فإن الباقي هو المنشأ، وهو غير كاف فرضا. وبعبارة اخرى: حال الإنشاء العام لا حق له بالنسبة إلى غير العقد الأول، وحال صيرورته ذا حق لا إنشاء حتى يثمر. اللهم إلا أن يقال: بأن الهيئة لاتستقل إلا في المعنى الواحد، وهو - فرضا - إيجاد الإجازة، ولكنها بحسب طرفها يختلف في المفاد، فإذا تعلقت بالعقد الأول الواجد لجميع الشرائط، تكون تنفيذا منجزا، وإذا تعلقت بالعقد الثاني تكون تنفيذا معلقا، فالانحلال عرضي، والتعلق طولي، والتعليق بهذا المعنى في الإنشاء ممكن، بل هو موافق للتحقيق في محله، من غير لزوم اعتبار الجامع بين الوجوبين: المنجز، والمعلق، حتى يقال بامتناعه، فلا تغفل. وأما توهم: أن الإنشاء المعلق يتصور في الامور المعلقة على الامور غير الاختيارية، كالوقت في الصلاة، وأما فيما نحن فيه فلا، فهو غير راجع إلى محصل، لأنه إذا أمكن ذلك فهو يتبع غرض المنشئ، لما في الإنشاء المعلق من الآثار الخاصة. هذا كله فيما كانت الإجازة بنحو الكلية السارية.

[ 362 ]

حكم ما إذا أجاز شخص العقد المتأخر وأما إذا أجاز شخص العقد المتأخر، فقد يقال: بأن بالكنايات يمكن الإنشاء، ولا يعتبر عدم تحقق الإنشاء الآخر بالمدلول المطابقي، فها هنا إنشاءات كنائية، وإنشاءات مطابقية، من غير لزوم استعمال الألفاظ الكنائية في الأكثر من معنى واحد، كما في الإخبارات الكنائية. وفيه: أنه يلزم عدم تحقق الإنشاء بالنسبة إلى مصب الإجازة إلا بعد تحققه بالنسبة إلى السابق والأسبق، وهذا يورث الإشكال المتقدم: وهو التعليق في الإنشاء، مع عدم إمكان جريان الجواب المشار إليه هنا، لعدم انحلال الإجازة الشخصية الجزئية إلى الإجازات العرضية، ولا الطولية. فإجازة العقار بالدكان أجنبية عن المالك للدار، ولا يصير ذا حق إلا بعدما صار مالكا للبستان ثم للعقار، فيلزم عدم تأثير إنشاء إجازة بيع الثالث إلا بعد تحقق الإنشاء بالنسبة إلى الأسبق والسابق، وهذا غير ممكن. بل يلزم عدم إمكان إجازة الأول، لأن المجاز بالأصالة هو الأخير، ومبدأ السلسلة مجاز بالتبع، فإذا لم يمكن إجازة المتأخر لا يمكن الالتزام بكفاية الإجازة بالنسبة إلى الأول، فيصير لغوا قهرا. اللهم إلا أن يقال: بأن ذلك الالتزام إقرار منه بالأول، وإنشاء له بالنسبة إلى مبدأ السلسلة، فيصير بيع داره بالبستان صحيحا فقط، لأنه

[ 363 ]

القدر المتيقن من الإنشاء الذي أراده من الإنشاء المتعلق بالمتأخر، فليتدبر. أقول: هذه الشبهة قد أوردها المحقق الوالد - مد ظله - على القائلين باعتبار الإنشاء في الإجازة، وأضاف " بأنها متوجهة إلى القول باعتبار إظهار الرضا " (1). وفيه: أن المراد من " إظهار الرضا " ليس مفهومه المصدري، بل المقصود هو الرضا الظاهر، وهو حاصل، فلاتأتي الشبهة عليه. وأما رفع أصلها فهو بالالتزام بتحقق الإجازة بالمدلول المطابقي على التعليق، وبالمدلول الكنائي على التنجيز، والتعليق ممكن، فإذا قال: " أجزت هذا العقد " - أي عقد العقار بالدكان في ظرف المالكية، كما هو يرجع إليه قهرا بعد التوجه إلى أطراف القضية - فهو إجازة تنجيز بالنسبة إلى بيع الدار بالبستان بالكناية، وإجازة تعليق بالنسبة إلى بيع البستان بالعقار بالكناية أيضا، وإجازة تعليق بالنسبة إلى بيع العقار بالدكان بالمطابقة. هذا كله إذا قلنا باعتبار الإجازة الإنشائية، أو إظهارها على وجه قيدية المعنى المصدري. وأما على القول باعتبار الرضا الظاهر، كما هو المختار، أو كفاية الرضا الباطن، كما اختاره الشيخ الأعظم (قدس سره) والوالد - مد ظله (2) -


1 - البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 2: 312 - 314. 2 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 124 / السطر 21، البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 2: 101.

[ 364 ]

فالأمر سهل. نعم، إذا كان المعتبر الرضا بوجوده الحدوثي، فيشكل تصحيح المتأخر عن رأس السلسلة كما ترى، بل ويشكل رأس السلسلة، لأن الرضا تعلق بوجوده الحدوثي. الصورة الرابعة: في التقاء السلسلة الواقعة على المبيع مع السلسلة الواقعة على الثمن إذا التقت السلسلة الواقعة من العقود المترتبة على المبيع، مع ما وقع في السلسلة الواقعة على الثمن في الأثناء، بأن باع الدار بالبستان، والبستان بالعقار، والعقار بالدكان، وباع مشتري الدار الدار ثانيا بالحمام، وثالثا كان العقد بين الدار والدكان، فتبادلت بين حلقات سلسلتين، ثم وقعت بيوع على الدار والدكان وعوضه وهكذا، فإن أجاز بيع الدار بالدكان، فلا يلزم منه شئ إلا صحة البيوع المتعددة الواقعة على الدار بناء على الكشف، وإذا أجاز اشتراء الدكان بالدار - بأن يكون ذلك فضوليا فرضا - فنفوذ إجازته موقوف على صحة تمام السلسلة في ناحية الأثمان، فإذن يلزم صحة السلسلة في ناحية المبيع إلى آخرها. نعم، يلزم صحته إلى الطبقة المتوسطة التي وقعت بين الدار والدكان، للتوقف، وإلى الآخر بناء على الكشف، للاستلزام كما لا يخفى. ولو وقعت إجازته لبيع الدار بالدكان في عرض إجازة وكيله

[ 365 ]

لاشتراء الدكان بالدار، فإن قلنا: بأن الإجازة ليست ردا فهو كسابقه، وإن قلنا: بأنها رد فيلزم رد البيوع السابقة على الأثمان ونفوذها على المبيع، فيقع التهافت بين الرد والإمضاء في رأس السلسلة، ويشكل تصحيحه، وحيث هو مشكل حكمي يشكل الرجوع إلى أدلة القرعة، فتأمل جيدا. تذنيب: حول توقف صحة رد العقد اللاحق على صحة السابق كما يتوقف صحة إجازة العقد الواقع على الثمن المتوسط على صحة ما تقدم عليه، كذلك يتوقف صحة رد ذلك العقد على صحة ما سبق، فإن رد الثمن الذي هو أجنبي عنه وعن عوضه يضر بالعقد، ويورث سقوط قابليته إذا كان العقد الواقع في رأس السلسلة نافذا. ومن هنا يعلم: أن وجه قول المشهور بالصحة ليس إلا التوقف، وإلا فلا معنى لكون الرد إجازة بالنسبة إلى العقد الآخر مع عدم إمكان الاستعمال في الأكثر، لأنه فرع الوضع للأكثر، والجمع بين الاستعمال الحقيقي والمجازي وإن كان ممكنا، إلا أنه في توقف يساعده العرف، فتدبر جيدا. تذنيب: حول الإشكال في تتبع العقود مع علم المشتري بالغصب ربما يشكل جريان تتبع العقود في صورة علم المشتري بالغصب، لأن قضية العلم بذلك عدم وقوع البيوع المتأخرة على ثمن الدار المغصوبة، بل هو يقع على ملك الفضولي والبائع، فيكون أصيلا.

[ 366 ]

ومنشأ الشبهة ما مضى: من أن المقبوض بالعقد الفاسد مع العلم بفساده ليس مضمونا، لعدم جريان أدلة الضمانات (1)، فإجازة بيع العقار بالدكان لا تتوقف على صحة بيع الدار بالبستان. وفي وقوع بيع الدار صحيحا إشكال، للزوم المجانية، وهي غير مقصودة قطعا. نعم، لو كان الثمن في رأس السلسلة كليا يمكن لحوق الإجازة به، لأن تسليطه على مصداق الثمن مجانا، لا يستلزم عدم تحقق الماهية إنشاء. وأنت خبير: بأن هذه الشبهة محكية عن " قواعد " (2) العلامة، وهي - بعدما عرفت منا، في محله - غير سديدة جدا. ومن العجيب ما يظهر من موضع من " الإيضاح " من منع الاسترداد (3)!! فإن المقدم على الإتلاف لا يورث الإعراض القهري عنه حتى يقال: بأنه يصير من المباحات فيتملكه المشتري. ثم إن الشبهة المؤمأ إليها تختص بالنقل، وتجري على الكشف إذا كانت العقود معاطاتية، فإن التعاطي العقدي لا يتحقق بتسليط الغاصب حتى يمكن إجازتها.


1 - تقدم في الجزء الأول: 203. 2 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 143 / السطر 18، قواعد الأحكام 1: 124 / السطر 18. 3 - إيضاح الفوائد 1: 417 - 418.

[ 367 ]

المرحلة السادسة فيما يتعلق بالرد وهو امور: الأمر الأول: في مقتضى الاصول العملية أي حول قضية الاصول العملية عند الشك في سقوط العقد عن قابلية لحوق الإجازة بالرد أو بالألفاظ الخاصة، بناء على فرض إمكان رده بالألفاظ الصريحة مثلا. والذي هو التحقيق جريان الاستصحاب في الشبهتين: الحكمية، والموضوعية، أي قضية الاستصحاب لو شك في أصل إمكان الرد هو اللزوم، وهكذا لو شك في تحققه بألفاظ المجازات والكنايات. ونظير هذه المسألة في الجهتين الشك في قابلية عقد الإجارة للحل بالإقالة، والشك في تحققها بألفاظ الكنايات في البيع. ثم إن المفروض عدم إمكان التمسك بالمطلقات، وهو في الشبهات الحكمية غير موافق للواقع، ويكون مجرد فرض فيما نحن فيه، وفي الشبهة الموضوعية أيضا كذلك، لأن العرف لا يجد حل العقد وانعدامه بالرد، بل هو حكم تعبدي من الشرع فرضا، فلاتصل النوبة

[ 368 ]

إلى الأصل العملي. إن قلت: يشكل جريان الاستصحاب هنا، لأن ما هو المقصود إثبات أن العقد لازم كما كان لازما، وهذا لا يمكن بإجراء الاستصحاب في القضية الثنائية ومفاد " كان " التامة، وهي " أن لزوم العقد كان موجودا "، ولا بإجرائه في القضية المقيدة الثنائية، وهي " أن العقد اللازم كان موجودا "، ولا بإجرائه في القضية الثلاثية ومفاد " كان " الناقصة، وهي " أن العقد كان لازما "، لأن الشك في اللزوم ينشأ من الشك في بقاء وجود العقد، وإجراء الاستصحاب في القضية المركبة ومفاد " كان " الناقصة مع الشك في بقاء موضوع تلك القضية، غير ممكن، فإحراز بقاء العقد لازم حتى يجري الاستصحاب في لزوم العقد. ولا في القضية الثنائية ومفاد " كان " التامة في الشبهة الموضوعية، لا الحكمية الوضعية كاللزوم، وهي " أن العقد كان موجودا، والآن موجود " فيشمله العمومات، كسائر الاستصحابات الموضوعية، لأن موضوع الدليل ليس مقيدا بالوجود وإن كان بحسب الواقع واللب مقيدا عقلا. ومما ذكرناه يظهر عدم إجرائه في قابلية العقد للحوق الإجازة. مع أن مجرد ثبوتها غير كاف، لأن موضوع وجوب الوفاء واللزوم هو العقد المتقيد بالإجازة، والتقيد لا يثبت بضم الوجدان إلى الأصل. وأما توهم جريانه في ناحية الرد، بأن ألفاظها على السلب المحصل بالعدم الأزلي ما كانت موصوفة بقابلية الرد وبإمكان تحققه بها، فيجري استصحاب العدم الأزلي، ولاتصل النوبة إلى الأصل

[ 369 ]

الحكمي الوضعي، فهو أظهر فسادا على ما تقرر في محله. وأما استصحاب العدم النعتي في ناحية المتعامل، فإنه يشك بعد تحقق العقد في استحقاقه لرد العقد في الشبهة الحكمية، ويكون الشك في المسألة مسببا عن هذه الشبهة، فإذا جرى الاستصحاب، وكانت نتيجته عدم ثبوت حق الرد، فالشك المسببي يرتفع به. وتوهم اختصاصه بجريانه في الشبهة الحكمية، دون الموضوعية، لثبوت الحق له بالألفاظ الصريحة، سديد، ولكنه لا يضر بالمطلوب في الجملة. فهو غير مرضي، لما تقرر في محله: من أن مجرد السببية غير كاف، بل لابد من كون المشكوك في المسبب من أحكام السبب، وهو هنا ممنوع، لأن إثبات عدم استحقاقه لرد العقد لا يكون موضوعا للزوم، بل اللزوم من أحكام العقد، فيتخلل الواسطة، فتأمل. قلت: الأمر كما مر، ضرورة أن إجراء الاستصحاب في مفاد " كان " التامة لا يثبت مفاد الناقصة، وإجراءه في المبدأ لا يثبت عنوان المشتق إلا بالأصل المثبت، ولكن الذي هو الجاري من بينها هو استصحاب مفاد الناقصة، وهو " أن العقد كان لازما ". وشبهة الوالد المحقق - مد ظله - عليه: " بأن ذلك - مع الشك في أصل موجودية العقد - غير ممكن " (1). مندفعة: بأن المقرر في محله أن المعتبر في الاستصحاب، ليس إلا اتحاد القضيتين: المتيقنة،


1 - البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 2: 319.

[ 370 ]

والمشكوك فيها، مع وجود الأثر الشرعي بلا توسط عقلي، أو عقلائي، والأمر فيما نحن فيه كذلك، ضرورة أن اليقين ثابت بأن العقد كان لازما بلا شبهة وإشكال، والشك في هذه القضية الوجدانية بلا ريبة، والأثر مترتب بلا تردد. وأما فرعية القضية الثلاثية لقضية ثنائية حسب قاعدة الفرعية، فهي من الأحكام العقلية القطعية بلا شبهة، إلا أن مسألة التعبد أوسع من ذلك، فإن النظر إلى إحراز موضوع الدليل الاجتهادي: وهو أن العقد إذا كان لازما يجب الوفاء به، وإذا حكم الاستصحاب بأن العقد لازم، فلابد من الوفاء به. وما اشتهر من لزوم إحراز موضوع الاستصحاب، فهو لا يرجع إلى محصل، لأن المقصود هو إحراز وحدة القضيتين، ولا شئ أزيد منه معتبرا. وما تعارف بين القوم من توهم: أن موضوع الاستصحاب مقابل المحمول (1)، غلط جدا، بل موضوع الاستصحاب قضية مركبة من الموضوع والمحمول، وهي هنا حاصلة، فاغتنم. إن قلت: كما يشك في مفاد الناقصة يشك في مفاد التامة، فإذا أمكن إجراء الأصل في الثاني يحرز الموضوع، فيجري الأصل في الأول. مثلا: إذا شك في بقاء عدالة زيد، وشك في حياته، فلك إجراء استصحاب الحياة، ثم بعد إحراز الموضوع تعبدا يستصحب العدالة، ويترتب الأثر، فبالاستصحاب يحرز موضوع الاستصحاب، وهذا من الآثار


1 - فرائد الاصول 2: 691، كفاية الاصول: 486.

[ 371 ]

المطلوبة أيضا. قلت أولا: المراد من " موضوع الاستصحاب " كما عرفت هو مجراه، وهي القضية، فكيف يعقل إحرازه بالاستصحاب الجاري في مفاد " كان " الناقصة؟! وقد اشير آنفا إلى أن استصحاب أن زيدا موجود وحي، أجنبي عن استصحاب أنه عادل وعالم، لاختلاف القضيتين. نعم، على القول: بأن المراد من " موضوع الاستصحاب " هو ما يقابل المحمول، فلا منع من هذه الجهة كما لا يخفى. وثانيا: موضوع القضية المركبة - وهي " زيد الحي يجوز تقليده " - لا يحرز باستصحاب أنه حي، لأن إثبات النسبة الناقصة بالتامة من الأصل المثبت، فتأمل. وثالثا: ليست وحدة القضية من الآثار الشرعية حتى يحرز بالاستصحاب موضوع الاستصحاب الآخر، فتدبر. والذي هو الحجر الأساسي، هو أن الحاجة لا تمس إلى ذلك، بل الاستصحاب يجري في مفاد الناقصة من غير لزوم إجرائه في مفاد التامة، فلا تخلط. الأمر الثاني: في أن فائدة الرد رفع المنع عن الأصيل قد اشتهر حتى ادعي الإجماع على أن رد المالك للعقد الفضولي،

[ 372 ]

يورث سقوط قابليته للحوق الإجازة (1)، وقد مر منا في مباحث الإجازة عدم إمكان ذلك في الاعتبار، لعدم ثبوت الاعتبار المضاد مع الاعتبار الأول، وهو إنشاء المبادلة، وعدم تمامية الإجماع التعبدي في المسألة، لعدم ثبوت المستند الشرعي للمجمعين، كما ترى. وأيضا قد عرفت: أن ذلك يتفرع على ثبوت حق للمالك بالنسبة إلى رد الإنشاء الواقع على ماله، وهو ممنوع، فإن مجرد المبادلة الإنشائية لايتزاحم مع حق من الحقوق الثابتة للمالك على ماله. إن قلت: لابد من الإمضاء أو الرد، وإلا يلزم وقوع الأصيل في الضرر، فالرد لازم عليه قهرا. قلت: هذا يؤيد كون لزوم الرد لتخلص الأصيل من الممنوعية عن التصرف، لا لانفساخ العقد وسقوطه عن القابلية. هذا مع أن قضية ما تحرر منا سابقا، عدم منع للأصيل عن التصرفات مطلقا، لعدم اقتضاء للمبادلة الإنشائية لأزيد من التأثير عند تمامية الشرائط، كما عرفت تفصيله (2). فبالجملة: اعتبار الرد لو كان، فهو لا يفيد إلا خلاص الأصيل من الحبل والعقدة، وأما العقد فله القابلية أيضا. ثم إن ظاهر القوم سقوط العقد عن قابلية الإجازة من قبل المالك، وهذا أعم من انفساخ العقد، لأنه يمكن دعوى لحوق الإجازة


1 - جواهر الكلام 22: 278، المكاسب، الشيخ الأنصاري: 136 / السطر 8. 2 - تقدم في الصفحة 180.

[ 373 ]

به من قبل المالك الآخر بعد انتقال العين إليه، فمجرد دعوى السقوط غير كافية، وإثبات الانفساخ دونه خرط القتاد، فعلى ما تقرر تسقط مباحث الرد. الأمر الثالث: في أن الأفعال الصادرة من المالك توجب سقوط قابلية العقد لا انفساخه بناء على سقوط قابلية العقد يكفي مجرد إظهار عدم الرضا به، ولايحتاج إلى إنشاء الرد، وبناء على انفساخ العقد لابد من الإنشاء، لأنه كالخيار المنفسخ به العقد، ويكفي للإنشاء الفعل المناسب معه، كما في سائر المواضيع، لعدم نص يقتضي اعتبار الألفاظ الخاصة الصريحة، أو الكنائية والمجازية. فعلى هذا، الأفعال الصادرة عن المالك - سواء كانت ناقلة أو غير ناقلة، وسواء كانت منافية أو غير منافية - كلها تورث سقوط العقد عن القابلية، لاشتمالها على ظهور عدم الرضا بالعقد الفضولي، ولا تورث الانفساخ، لاعتبار الفعل الخاص في إنشاء الرد. بل الأفعال غير المنافية والتصرفات المجامعة - كالإجارة بعد البيع - ربما تقصر عن إفادة عدم الرضا بأصل العقد، وإن كانت تورث عدمه بالنسبة إلى إطلاقه، فلا تخلط. وأما إطالة البحث حول هذه التصرفات المختلفة على حسب اختلاف المسالك في الكشف والنقل، فهو من اللغو المنهي جدا.

[ 374 ]

الأمر الرابع: في عدم ثبوت حق رد العقد للفضولي في نفوذ رد الفضولي لعقده وعدمه وجهان: من أنه هو البائع واقعا، ويكون العقد مستندا إليه تكوينا فينفسخ. ومن أن شرط بقاء العقد ليس بقاء إرادته وتسبيبه، بل المناط شرطية إرادته في تحققه حدوثا، ولا معنى لفوات قابليته للحوق الإجازة برده. ومثله ما إذا باع الغاصب بيعا خياريا، ثم فسخ البيع بالخيار، فإنه لا ينقلب العقد الإنشائي عما وقع عليه، ولم يكن هذا العقد مؤثرا عند العقلاء في خصوص الغصب، حتى يكون فسخه إعداما له. وتوهم قياسه بما إذا باع المالك الأصيل، ثم قبل لحوق الإجازة رد العقد، فإنه كما ينحل به ينحل ذاك، في غير محله، ضرورة أن من شرائط تأثيره بقاء الرضا من المالك، وهو ليس شرطا في الفضولي. هذا مع أن القوي عند جمع عدم نفوذ رجوع الأصيل عن عقده قبل الإجازة، لوجوب الوفاء به (1)، ولكنه عندنا ضعيف، لأجنبية آية الوفاء عن هذه المراحل، مع انصرافها إلى العقد المؤثر بالحمل الشائع، فإن ما صنعه الفضولي ليس عقدا، ولا بيعا، حسب مرتكز العرف والعقلاء إلا


1 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 134 / السطر 21، منية الطالب 1: 247 / السطر 15، و 248 / السطر 10.

[ 375 ]

مجازا وتوسعا، كما عرفت مستدلا (1)، فما يظهر من العلامة الفقيه اليزدي (قدس سره) (2) في غاية المتانة، فشكر الله تعالى سعيه. ومما ذكرناه - من عدم ثبوت حق الرد لأحد، لا للمالك، ولا لغيره - يظهر: أنه لو كان ذلك حقا لأحد كالولي مثلا، ولكنه وقع في غير محله، لا يكون نافذا في فسخ العقد ومسقطا لصلاحية لحوق الإجازة. وربما يتخيل أنه بعد كونه قابلا للرد، فإذا وقع الرد فهو من آثاره القهرية، ولا يشترط أزيد من ذلك، كما إذا باع مال الطفل مراعاة لمصلحته، فرده الولي، فإن رده واقع في محله لإمكان بيعه من الآخر مراعاة لمصلحته، فعليه لايتم ما في كلام الفقيه اليزدي (3)، فلا تخلط. نعم، إذا انحصر البيع الصالح بالبيع الواقع فضولا فلا يقع رده في محله، لأنه من قبيل رد الأجنبي، لا من قبيل رد المالك.


1 - تقدم في الصفحة 5. 2 - حاشية المكاسب، السيد اليزدي 1: 174 / السطر 34. 3 - حاشية المكاسب، السيد اليزدي 1: 174 / السطر 36.

[ 376 ]

المرحلة السابعة فيما يتعلق ببعض أحكام الفضولي وذلك في طي مسائل: المسألة الاولى: في إقباض الأصيل الثمن للفضولي إذا كان المشتري أصيلا، والبائع فضولا، وقد أقبضه الثمن، جهلا بأنه ليس مالكا ومحقا في البيع. والذي هو محل الكلام في المقام، هو ما إذا دفع الثمن غفلة عن الحال، ثم تبين أنه فضولي غاصب لايقر أو يقر بالفضولية. وأما سائر الصور المذكورة في المطولات، فهي خارجة عن بحث الفضولي، وأحكامها واضحة، وتحتاج إلى مزيد تأمل في كتاب القضاء والشهادات. فبالجملة: إن أقر بالفضولية، أو لم يقر بها، وكان هو عالما بأنه ليس مالكا، فالثمن باق في ملكيته، وله الرجوع إليه والاسترداد منه. ومجرد إنكاره الفضولية بدعوى المالكية أو الولاية والمأذونية من قبل المالك، لا يورث قصورا في جواز الاستنقاذ ولو بالحيلة.

[ 377 ]

وربما يخطر بالبال دعوى عدم صحة الاسترداد، لحصول التمليك من قبله، وهذا غير الهبة، فإن قضية القواعد عدم جواز الاسترداد بعد التمليك، والذي هو الخارج منها هي الهبة، وليس مطلق التمليك المجاني هبة، فما في كتب الأصحاب: " من أنه ليس أسوأ حالا من الهبة " (1) في غير محله. ويندفع أولا: بأنه ليس تمليكا، بل هو الوفاء بالعقد الموهومة صحته، فهو يتوهم أنه ملك البائع رد المثمن إليه في البيوع الشخصية، أو يتوهم أنه ذو حق عليه رد إليه حقه في البيوع الكلية، وأداء الدين ليس تمليكا بالضرورة، وإذا لم يكن دين، ولم يكن هو مالك الثمن، لا يجوز له التصرف فيه إذا كان هو عالما، ولو كان جاهلا فتوجه إلى أنه ليس ملكه، ولكن أنكر عليه ذلك، فإنه لا يورث جوازه من غير شبهة. فبالجملة: مع بقاء العين والجهل بحال البائع والتذكر لحاله بعد العقد والقبض، يجوز له الاسترداد، من غير فرق بين حالتي جهل البائع وعلمه، وحالتي إقراره وإنكاره، ضرورة أن أمارية اليد لا تقاوم العلم بالخلاف. وثانيا: كون العقد بإطلاقه مملكا على وجه لا يجوز للمالك السابق الرجوع إلى ملكه، محل إشكال، بل منعه جماعة من


1 - منية الطالب 1: 290 / السطر 5.

[ 378 ]

الأصحاب (1)، حسب مرتكزات العقلاء، ولكن الإنصاف أن الحق خلافه، فلا تخلط. هذا كله فيما لم يكن للثمن ثمرة تالفة تحت يد البائع، ولا منفعة مستوفاة تحت سلطانه. وإذا كان كذلك، فإن كان الفضولي البائع عالما بفضولية المعاملة وغصبية المبيع، فيؤخذ منه العين والزيادة، سواء تلفت، أو أتلفها. وأما إذا كان جاهلا هو كالمشتري، ثم بعد مضي مدة تذكر بطلان المعاملة، ففي الضمان مطلقا، وعدمه مطلقا، أو التفصيل بين التالفة والمتلفة، وجوه بل وأقوال، مضى تفصيلها في المقبوض بالعقد الفاسد. وإجماله: أنه في الاستيفاء ضامن، لقاعدة الإتلاف التي هي - مضافا إلى عقلائيتها - منصوص عليها في بعض المآثير، كما عرفت، وأما في التلف السماوي فربما يشكل، لقصور قاعدة اليد عن شمول المنافع والأوصاف التبعية، وهو غير سديد. وأما الإشكال من جهة عدم تمامية سندها (2)، فهو قوي. بل قضية ما عرفت منا - بناء على صحة سندها - اختصاصها بتلف الوصف وإتلافه، قضاء لحق الغاية المفروض فيها بقاء العين إلى حال ردها، فليتدبر.


1 - لاحظ جامع المقاصد 4: 77، المكاسب، الشيخ الأنصاري: 146 / السطر 18. 2 - تقدم في الجزء الأول: 186 وما بعدها.

[ 379 ]

المسألة الثانية: في استرداد المشتري للثمن مع علمه بالفضولية لو كان المشتري في الفرض المزبور عالما بالفضولية، فرد الثمن في البيع الشخصي أو الكلي إليه، فإن كان باقيا فله الاسترداد وفاقا للمعظم (1)، بل لا أجد في المسألة خلافا، ولكنه يأتي هنا وجه الإشكال فيما مضى، ضرورة أنه بناء على تمليكه يحتمل تعين ذلك عليه، عملا بعموم * (أوفوا بالعقود) * (2) والخارج عنه عنوان " الهبة " وهي لا تنطبق عليه، بل يحتمل كون التمليك حذاء التمليك الأعم من الصحيح والفاسد، وهو حاصل، فلا معنى لرجوعه إليه. ولعل لمثل ذلك ولما في " الجواهر " - " من أن عقوبته على ما فعله من الإقدام على شراء المغصوب تقتضي ممنوعيته عن الاسترداد " (3) - احتمل إطلاق كلمات النافين. ولا يظهر لي ما حكاه الفخر عن نص الأصحاب (4)، وثاني المحققين عنهم: من امتناع استرداد العين وإن بقيت (5)، فإنه كيف يمكن الالتزام بذلك جدا بمجرد بعض الذوقيات البدوية؟!


1 - إيضاح الفوائد 1: 420 - 421، الدروس الشرعية 3: 193، جامع المقاصد 4: 76 - 77، المكاسب، الشيخ الأنصاري: 145 / السطر 9، البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 2: 331. 2 - المائدة (5): 1. 3 - جواهر الكلام 22: 306. 4 - إيضاح الفوائد 1: 417 و 421. 5 - جامع المقاصد 4: 71، 77.

[ 380 ]

ومن العجب استظهار الفقيه اليزدي (قدس سره) من قول القائلين، عدم جواز الرجوع مع بقاء الثمن في ملك المشتري (1)! وأنت خبير بما فيه، فإن من المحتمل ظنهم إعراضه عن الثمن لأجل استجلاب المغصوب، فيكون الإعراض مسقطا لملكه، وحيازة البائع مملكة. وأعجب منه ما ذكره الشيخ (رحمه الله): " من أنه إن كان مملكا لما كان يصح العقد بالإجازة " (2)!! فإن بيع الغاصب لنفسه قد عرفت أنه محل إشكال، بل منع في بعض صوره (3). هذا أولا. وثانيا: هذا الوجه لا يتم في الثمن الكلي. وثالثا: هذا تمليك للمالك الواقعي، وتسليط للغاصب، فبما أن المشتري ملك البائع يمكن صحة البيع بالإجازة، وبما أنه سلط الغاصب على ماله لا يكون له الاسترداد، لأنه إعراض، كما اشير إليه مثلا، فلا تخلط. ومما ذكرناه يظهر عدم الفرق بين بقاء الثمن في يد البائع الغاصب، أو انتقاله إلى اخرى، فإن صح الرجوع صح مطلقا، وإلا فلا مطلقا، لأن الانتقال من يده لا يورث أمرا جديدا. وأما مسألة تعاقب الأيادي، فتأتي من ذي قبل إن شاء الله تعالى


1 - حاشية المكاسب، السيد اليزدي 1: 176 / السطر 3. 2 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 145 / السطر 11. 3 - تقدم في الصفحة 89.

[ 381 ]

على الثمن والمثمن بشقوقها وأحكامها (1). وأيضا يظهر الإشكال في منع جواز تصرف الغاصب في الثمن. نعم، قضية الاصول العملية عند الشك بقاء سلطنة المشتري، وممنوعية البائع عن التصرف، وهذا لا يستلزم عدم قابلية لحوق العقد إذا كان كليا للإجازة، كما لا يخفى. ثم إن ما أشرنا إليه من الإشكال، غير مختص بصورة علم البائع بغصبية ما في يده، بل هو جار وإن كان هو جاهلا. نعم، يجوز مع الجهل تصرفه في الثمن، إلا أنه إذا كان تصرفا مبذولا بحذائه المال، يكون ضامنا للاستيفاء. هذا حسب القواعد. وأما حسب الذوق، و " أن الغاصب يؤخذ بالأشق "، و " أنه أقدم على التسليط، وهدر ماله " وأمثال ذلك من العبارات، فربما يشكل تضمين البائع الجاهل بالغصب إشكالا موهونا فقها جدا. المسألة الثالثة: حول تلف أو إتلاف الثمن بيد البائع الغاصب إذا صارت عين الثمن في يد البائع الغاصب تالفة بتلف سماوي، فالمعروف المشهور في مفروض المسألة - وهو علم المشتري بالغصب - عدم الضمان (2).


1 - تأتي في الصفحة 433. 2 - تذكرة الفقهاء 1: 463 / السطر 15، مسالك الأفهام 1: 135 / السطر 8، جامع المقاصد 4: 76، جواهر الكلام 22: 305.

[ 382 ]

واختار السيد الفقيه اليزدي والوالد المحقق - مد ظله - ضمانه (1)، بعد اتفاقهم على عدم قصور في أصل المعاملة، وأن الغاصب مثلا متوجه إلى غصبية ما في يده، والمشتري عالم بذلك، ومع هذا يترشح منهما الإرادة الجدية، لعدم مبالاتهم باصول المذهب وقوانين العرف. ويحتمل عدم الضمان حتى مع الإتلاف، والذي هو الحق ما مضى في المقبوض بالعقد الفاسد (2). نعم، قد ذكرنا هناك قوة عدم الضمان، لأن مبنى المتعاملين في المعاملات الفاسدة شرعا على وصولهم إلى الأغراض والمقاصد الشخصية والكلية الملحوظة في التبادل، سواء كانت المعاوضة منطبقة على القوانين الشرعية، أم لا، لعدم إضراره بما هو الأصل المرعي عندهم والأساس الواقعي لديهم، كما لا يخفى. فلكل واحد منهما رضا تقديري بالتصرفات مطلقا، إلا في بعض المواقف، وإذا كان الرضا التقديري الذي له المنشأ العقلائي موجودا، فلا ضمان قطعا، فمن عنده مقدار من الحنطة فيريد تبادله مع اللبن، لاحتياجه إليه وبالعكس، فكل لا يرون إلا حاجتهم، وإذا كان يرى كل واحد ممنوعية الآخر عن التصرف في مال الآخر إلا برضاه، يحصل لهما الرضا قهرا وقطعا، فلا ضمان في المقبوض بالعقد الفاسد.


1 - حاشية المكاسب، السيد اليزدي 1: 177 / السطر 2، البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 2: 333. 2 - تقدم في الجزء الأول: 182 - 184.

[ 383 ]

بخلاف الأمر هنا، لعدم دخالة الرضا من قبل الغاصب في جواز تصرف المشتري في المبيع، فإن أتلف فهو ضامن، لقاعدة احترام مال المسلم الذي هو القدر المتيقن منه، ولقاعدة الإتلاف، ولحكم العقلاء الذي هو الحجر الأساسي في الضمانات. وقضية نفي الضمان في صورة التلف كما عن الأكثر، نفيه في صورة الإتلاف، لجريان الوجوه المقتضية لعدمه، ولقصور أدلة الضمان بعد إثبات أنه تمليك، أو تسليط وإذن، أو إعراض وانصراف. فبالجملة: مستند المشهور أن المشتري العالم بالغصبية، قد أقدم على هتك حرمة ماله شرعا، فلا وجه للضمان عرفا. مع أن مناط الضمان عدم انصراف مالكه - على جميع التقادير - عن ماله، لا انصرافا فعليا، ولا تقديريا، وهو هنا غير حاصل، لأن المتفاهم من العالم بالغصب عدم الاعتناء ببلوغ عوض ماله إليه، لأنه يحتمل قويا رجوع المالك إليه، وأخذه منه بالقهر والغلبة، أوحسب الموازين العرفية، وإذا قيل عليه ذلك، فلابد أن يجيب بأنه راض بذلك، فيكون المال هدرا من كيسه، فعليه يقصر قاعدة " على اليد... " وغيرها عن تضمين البائع. تقريب عدم ضمان البائع وتزييفه وغاية ما يوجه به مقالة الآخرين: أن المشتري العالم بالفساد فيما نحن فيه، لا يقدم على المجانية قطعا، لشواهد عرفية، من قبيل

[ 384 ]

ملاحظة القيمة أولا، ومن المراجعة إليه لأخذ المثمن ثانيا، بل في محيط حكام الجور يحكم بأنه ذو حق بعد إيقاع العقد ثالثا وهكذا، وليس هذا إلا لأجل أنه ليس تسليطا على ماله مجانا وبلا عوض، وليس مدار ضمان المعاملة كون العقد صحيحا شرعا فيقال: " إنه إذا تلف في يده يكون ضامنا " بل مناط الضمان قصد المالك ومن له السلطنة شرعا، وهو التعويض والمبادلة وإن كانت باطلة في محيط العقلاء. بل لو فرضنا عدم ترشح الإرادة الجدية منه للمعاملة، لا يكون تسليطه مجانا بالضرورة. فما ترى في كتب الأصحاب القائلين بالضمان، من فرض كون المعاملة واقعة جدا (1)، في غير محله، لعدم توقف الضمان عليه. وأنت خبير: بأنه يجمع بين التقريبين، فإن حالة المشتري النفسانية الفعلية هي التعويض وعدم المجانية، ولكنه بعد ما لاحظ نفسه وإن احتمل أنه من الممكن قريبا رجوع المالك إليه، وأخذه منه، وقد خرج عن تحت سلطان البائع الأخذ للثمن، لا يتمكن إلا من الرضا بذلك، لما يرى الحاجة الفعلية إلى المثمن، فإنه كثيرا ما يقدم العقلاء على الامور النقدية، ولا يعتنون بما يأتي لهم نسيئة وفي الآتي، فليتدبر. فعلى ما تحرر إلى هنا يلزم التفصيل في المسألة، ولا وجه


1 - حاشية المكاسب، السيد اليزدي 1: 177 / السطر 13، البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 2: 331 - 332.

[ 385 ]

لإطلاق القول بالضمان، ولا لعدمه، كما لا يخفى. وهذا التفصيل جار في صورة الإتلاف. هذا حكم الأدلة الاجتهادية. ومع الشك فقضية الاصول العملية هل هو الضمان، عملا باستصحاب احترام المال، أو استصحاب العدم الأزلي، لعدم تحقق عنوان المجانية؟ أو هو عدم الضمان، لعدم جريان الثاني، ولعدم ثبوت حرمة مال المسلم مع التلف السماوي في يد الأجنبي، لما مضى من أن " حرمة ماله كحرمة دمه " (1) ولا يستفاد منه إلا الحرمة الخاصة، كما في المشبه به؟ أو هو الضمان عملا بالاستصحاب التعليقي، لأنه كان إذا يتلفه يكون ضامنا إذا كان بغير إذنه، وهكذا في صورة التلف؟ أو عدم الضمان، لعدم جريانه على ما تقرر في محله؟ فلا تخلط. أو يقال: إن القواعد العرفية تقتضي الضمان، إلا في صورة إحراز سبب عدم الضمان بأصل محرز شرعي؟ تنبيه: حول التفصيل بين التلف والإتلاف ربما يفصل بين صورتي التلف والإتلاف، بدعوى أن مع الإتلاف ضمانا، لقاعدته، ولا قاعدة شرعية للتضمين في صورة التلف إلا قاعدة


1 - الأمالي، الطوسي: 537، وسائل الشيعة 12: 281، كتاب الحج، أبواب أحكام العشرة، الباب 152، الحديث 9.

[ 386 ]

اليد، وهي قاصرة السند والدلالة، فإن الظاهر منها - مع الغض عن سندها - ضمان الأوصاف والمنافع، دون العين التالفة، فكأنها سيقت لتضمين المنافع المستوفاة، أو التالفة تحت اليد، دون ذات العين، لما مر مرارا من ظهور الغاية في بقاء العين حال الرد، وتكون أيضا ظاهرة في بقاء العين الشخصية الخارجية، دون الاعتبارية الذمية (1). أقول: قد تقرر منا سابقا أن المقبوض بالعقد الفاسد مضمون، لتضمين المتعاملين، وعدم الإقدام على التسليط المجاني، أي كل واحد منهما - بعد مفروغية بنائهم على المعاملة والتجارة - لا يرفع يده عن ماله إلا بحذاء المال الآخر، وهذه هي قاعدة الإقدام التي هي تامة عندنا، وقد دفعنا شبهاتها هناك فراجع (2)، فإذن لابد من الالتزام بالضمان هنا، لعدم جريان الجهة المورثة لعدمه في المقبوض بالعقد الفاسد، كما اشير إليه، وجريان ما يورث الضمان هنا. ودليل هذه القاعدة بناء العقلاء على المراجعة إلى من تلف أحد العوضين عنده، وليس ذلك إلا لأجل التضمين الضمني الارتكازي. ولا يخفى: أن التدبر في بناءاتهم يؤدي إلى أن التلف قبل القبض يورث سقوط حق البائع على المشتري، فيكون على القاعدة إنصافا. ومن العجيب استدراك السيد الفقيه اليزدي (رحمه الله) من صورة


1 - تقدم في الجزء الأول: 187 - 190. 2 - تقدم في الجزء الأول: 197 - 199.

[ 387 ]

الضمان ما إذا كان العقد واقعا على ما لا مالية له عرفا (1)!! وأنت خبير بما فيه: أولا: من أنه خروج عن مفروض المسألة، لأنه يرجع إلى عدم تعلق الإرادة الجدية بالمعاملة، أو إلى التسليط الابتدائي المجاني. وثانيا: إذا غفل المشتري، وأقبض الثمن قبال ما لا مالية له عرفا، يكون الثمن مضمونا على البائع أيضا، فالمناط ليس تحقق المعاملة، بل المناط أمر آخر، فلا تخلط. المسألة الرابعة: حول ضمان المشتري مع تصرفه في العين المغصوبة إذا تصرف المشتري في المقبوض بالعقد الفضولي مع علمه بالفضولية، مع كون الفضولي غاصبا ويبيع لنفسه، وكان تصرفه مستلزما لخسارات عليه، ولا يرجع نفعه إليه، وكانت العين باقية ناقصة، فإنه يجوز للمالك المراجعة إليه، باسترداد ما بقي من العين، مع أخذ قيمة ما نقص بلا شبهة وإشكال. ولايجوز له المراجعة إلى البائع الغاصب، لعدم ما يقتضي ضمانه. وهذا هو المعنى المعروف: من أن " الغاصب يؤخذ بأشق


1 - حاشية المكاسب، السيد اليزدي 1: 176 / السطر 36.

[ 388 ]

الحال " (1) فإنه غاصب، وتكون الخسارات من كيسه، وضمان المنافع التالفة أيضا عليه. ويحتمل جواز المراجعة، لقاعدة الغرور الآتية حدودها، فإن من يقول بجريانها حتى في صورة جهل الغار، فله دعوى ذلك في صورة علم المغرور، فإن مفادها وقوع الطرف في الخطر من قبل الغار. هذا، مع أن المحتمل كون " الغرور " بمعنى الغرر، وهو الخطر، فالمغرور هو الواقع في الخطر، فلابد من تجويز مراجعة الغاصب الثاني إلى الأول بالخسارات الواردة عليه. مع أن من الممكن توهم جريان قاعدة الإتلاف، فإن الأول أتلف على الثاني ما استحقه عليه المالك. ولو كانت قاعدة نفي الضرر مثبتة ومشرعة - كما سلكناه في رسالتنا المعمولة فيها (2) - فهي تستدعي جبران الضرر الوارد على الثاني بتضمين الأول. هذا، مع أن الثاني إذا انتقل إليه بالبيع العين المغصوبة، لا يعد عند العقلاء غاصبا، فإنه قد أعطى الثمن قبالها، فلا يؤخذ إلا الأول بأشق الأحوال. هذا كله إذا كانت العين المرجوعة ناقصة. وإذا كانت كاملة، أو ازدادت قيمتها السوقية، لإحداثه فيها شيئا، فهل لا يستحق شيئا، وتكون العين كلها للمالك، إلا إذا كانت العين


1 - جواهر الكلام 37: 10، المكاسب، الشيخ الأنصاري: 114 / السطر 7، البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 1: 452، مصباح الفقاهة 1: 517. 2 - هذه الرسالة مفقودة، لاحظ تحريرات في الاصول 8: 283.

[ 389 ]

الزائدة على المقبوض بالعقد والموجبة لكمالها، منحازة عن العين المغصوبة، بحيث لا يورث إرجاعها واستردادها ضررا على ملك المالك الأصيل؟ أو يجوز مطلقا، وعليه جبران الخسارة، أو لا يجوز إذا أعطى المالك اجرتها، أو جبر خساراته، أو غير ذلك من الوجوه والأقوال؟ وتفصيلها في الخيارات في خيار الغبن، والمسألة في غاية الغموض. المسألة الخامسة: حول اغترام المشتري الجاهل إذا اغترم المشتري في الفرض المزبور غرامة محضة لا فائدة له فيها، لرجوع المالك قبل وصول النفع إليه إلى العين واستردادها، وكان هو جاهلا بالفضولية والغصبية، ففي جواز مراجعة المالك إليه إشكال، لأن شمول " على اليد... " لضمان اليد الثانية الجاهلة غير واضح. ولو سلمنا ذلك، كما هو المعروف والمرسل إرسال المسلمات في مسألة تعاقب الأيادي، فعلى ما هو المشهور - من أنها سيقت لتضمين العين إذا تلفت - لا يمكن استفادة ضمان اليد بالنسبة إلى سائر المنافع، للزوم الجمع بين المتنافيين، فإنه لو كان التصرف المزبور غير مضر بوحدة العين عرفا فهي راجعة إلى أهلها، فلا ضمان، فتأمل. نعم، يمكن دعوى جريان قاعدة الإتلاف، فإنها قاعدة عقلائية، وقد مضى الإيماء إليها في الأخبار والماثير. وظهورها في العالم ممنوع.

[ 390 ]

وتوهم اختصاصها بصورة إتلاف المال، خلاف ما ورد في الأخبار من التعليل بإتلاف الموطوءة على مالكها، مع أن لمالكها بيعها خارج بلد الوط ء. وأما مهم الكلام فهو في مراجعة المشتري إلى البائع، فالذي هو المعروف بين الأصحاب - رضي الله عنهم - كما عن " الرياض " و " الكفاية " رجوعه في مفروض المسألة (1)، وهو التصرف الذي لم يرجع إليه نفع منه، وعليه دعوى الإجماع، كما عن الفخر في شرح " الإرشاد " (2)، واستظهر شيخنا أن المسألة ليست خلافية (3)، وعن " السرائر " أيضا ما يظهر منه (4)، فتدبر. وعن المحقق والشهيد الثانيين في كتاب الضمان نفي الإشكال عن ضمان البائع لدرك ما يحدثه المشتري إذا أتلفه المالك (5)، انتهى.


1 - رياض المسائل 1: 513 / السطر 25، و 2: 307 / السطر 31، كفاية الأحكام: 89 / السطر 8، و: 260 / السطر 30. 2 - لاحظ مفتاح الكرامة 4: 199 / السطر 2. 3 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 146 / السطر 26. 4 - السرائر 2: 493. 5 - جامع المقاصد 5: 340، مسالك الأفهام 1: 204 / السطر 27.

[ 391 ]

الأدلة المستدل بها على ضمان البائع وجواز مراجعة المشتري إليه وكيف كان، يكون البحث حول سند المسألة، وهو امور: أولها: قاعدة نفي الغرور والكلام تارة: حول سندها، واخرى: حول دلالتها: بحث قاعدة الغرور سندا أما السند: فمضافا إلى أنها قاعدة عقلائية إجمالا، ومعروفة بين الفريقين إهمالا، ومنسوبة إلى خير الأنام (صلى الله عليه وآله وسلم) (1) تبركا، مذكورة في الأخبار الخاصة بألفاظ مختلفة، ك‍ " الخدعة " و " التدليس " كما في عدة من المآثير، والمهم منها حديثان: أحدهما: ما رواه " الكافي " بإسناده عن إسماعيل بن جابر، وفيه


1 - لم نعثر عليها في كتب الروايات والظاهر أنها قاعدة فقهية مستفادة من عدة روايات. لاحظ جواهر الكلام 37: 145، حاشية المكاسب، السيد اليزدي 1: 179 / السطر الأول، منية الطالب 1: 294 / السطر 8.

[ 392 ]

محمد بن سنان قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل نظر إلى امرأة فأعجبته، فسأل عنها، فقيل: هي ابنة فلان، فأتى أباها فقال: زوجني ابنتك، فزوجه غيرها، فولدت منه، فعلم بها بعد أنها غير ابنته، وأنها أمة. قال: " ترد الوليدة على مواليها، والولد للرجل، وعلى الذي زوجه قيمة ثمن الولد يعطيه موالي الوليدة، كما غر الرجل وخدعه " (1). ثانيهما: محمد بن يعقوب بإسناده عن أبي بصير، وفيه إبراهيم بن عبد الحميد، عن أبي عبد الله (عليه السلام): أنه قال في شاهدين شهدا على امرأة بأن زوجها طلقها أو مات عنها فتزوجت، ثم جاء زوجها. قال: " يضربان الحد، ويضمنان الصداق للزوج بما غراه " (2). وبناء على اتحاد مفهوم " التدليس " و " الخدعة " و " الغرور " أو تقاربها - بحيث علم إرادة المعنى المتقارب منها، كما هو ظاهر اللغويين في تفسير كل واحد بالآخر (3) - يستدل على تلك القاعدة برواية ثالثة (4): وهو ما رواه " الكافي " بإسناده عن رفاعة بن موسى، وفيه سهل بن زياد قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) إلى أن قال: وسألته عن البرصاء.


1 - الكافي 5: 408 / 13، وسائل الشيعة 21: 220، كتاب النكاح، أبواب العيوب والتدليس، الباب 7، الحديث 1. 2 - الكافي 6: 150 / 4، وسائل الشيعة 22: 253، كتاب النكاح، أبواب العدد، الباب 37، الحديث 5. 3 - صحاح اللغة 3: 930، القاموس المحيط 2: 104 و 224، مجمع البحرين 4: 71، و 3: 422، المنجد: 170 و 222. 4 - البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 2: 336.

[ 393 ]

فقال: " قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في امرأة زوجها وليها وهي برصاء، أن لها المهر بما استحل من فرجها، وأن المهر على الذي زوجها، وإنما صار عليه المهر لأنه دلسها... " (1) الحديث. والشبهة في إسنادها بما اشير إليه، غير راجعة إلى محصل، وتفصيله في مقام آخر. والإشكال في دلالتها بعدم إمكان التعدي (2)، غير صحيح، لعدم الخصوصية لموردها، فيكون الظاهر أن العلة هي أحد العناوين المعللة بها. وتوهم اختلاف المفاهيم غير مدلل، بل مع فرض الخلاف يكفي التعليل بمفهوم الغرور. واحتمال أن " الغرور " من الغرر وهو الخطر (3)، مدفوع بما يظهر من اللغة وموارد استعمالاته في الرواية، كما أن بذلك يظهر وحدة المعنى بدوا. مع أنه لا تكون هناك قواعد ثلاث مثلا حتى تكون هذه الأخبار دليلها، فأصل هذه القاعدة إجمالا مما لاشبهة في سندها. وإسناد التدليس إلى مورده في قوله: " لأنه دلسها " لا يضر بالمقصود، لأن المعنى المفهوم منه عرفا هو أنه دلس المرأة على زوجها. وربما يشكل هنا الأمر من جهة أن ذلك يورث اختلاف المفهوم بين


1 - الكافي 5: 407 / 9، وسائل الشيعة 21: 212، كتاب النكاح، أبواب العيوب والتدليس، الباب 2، الحديث 2. 2 - مصباح الفقاهة 4: 356. 3 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 146 / السطر 26، لاحظ حاشية المكاسب، المحقق الأصفهاني 1: 191 / السطر 11، مصباح الفقاهة 4: 267.

[ 394 ]

" الغرور " و " التدليس " فتدبر. ويظهر من الفقيه اليزدي دعوى انجبار المرسلة بالعمل (1). وفيه: أن الجابر هو الشهرة والإجماع العملي، ومجرد التوافق في المضمون غير كاف. اللهم إلا أن يقال: إن التوافق في المفاد دليل على الاستناد، كما كان عليه استاذنا البروجردي - رحمه الله تعالى (2) - والله العالم. ومما يؤيد اعتبارها: أن الأخبار الكثيرة في متفرقات الأبواب ناظرة إلى تلك القاعدة، وتكون من صغرياتها، ومنها: معتبر جميل في " الوسائل " آخر أبواب نكاح العبيد والإماء (3)، فما يظهر من الشيخ الأعظم (4) في غير محله، فتأمل. وربما يخطر بالبال أن الرواية الاولى والثالثة مرميتان بضعف السند، والثانية وإن كانت قوية - لأن إبراهيم بن عبد الحميد ثقة ولو كان واقفيا - ولكنها مروية في " الوسائل " في كتاب الشهادات بالسند


1 - حاشية المكاسب، السيد اليزدي 1: 179 / السطر 2. 2 - نهاية الاصول: 542 - 543. 3 - جميل بن دراج، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في الرجل يشتري الجارية من السوق فيولدها ثم يجئ مستحق الجارية، قال يأخذ الجارية المستحق ويدفع إليه المبتاع قيمة الولد ويرجع على من باعه بثمن الجارية وقيمة الولد التي اخذت منه. وسائل الشيعة 21: 205، كتاب النكاح، أبواب نكاح العبيد والإماء، الباب 88، الحديث 5. 4 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 146 / السطر 28 و 147 / السطر 27.

[ 395 ]

المزبور والمتن المذكور بعينه، مع خلوها عن الجملة المقصودة، وهي قوله: " بما غراه " وزيد عليها قوله بعدما قال: " يضمنان الصداق للزوج ": " ثم تعتد، ثم ترجع إلى زوجها الأول " (1). ودعوى تعددها غريبة، وإن كانت قضية الصناعة ذلك، خصوصا إذا كانت الروايتان مختلفتي النسخ حسب اختلاف الكتب. فراجع " الوافي " (2). بحث قاعدة الغرور دلالة وأما دلالتها: فهي مورد البحث من جهات: الجهة الاولى: في أن المراد من " الغار " هو العالم لا الجاهل قد صرح السيد الفقيه اليزدي: " بأن قاعدة الغرور من القواعد المحكمة المجمع عليها، ولا فرق على الظاهر بين كون الغار عالما أو جاهلا، وما يحتمل أو يقال من عدم صدق " الغرور " مع جهل الغار، كما ترى " (3) انتهى. واستظهر الوالد المحقق خلافه، مستدلا " بما في كتب اللغة، من


1 - الكافي 7: 384 / 7، تهذيب الأحكام 6: 260 / 689، وسائل الشيعة 27: 330، كتاب الشهادات، الباب 13، الحديث 1. 2 - الوافي 3: 94، الجزء 12 / السطر 12. 3 - حاشية المكاسب، السيد اليزدي 1: 179 / السطر 16 - 17.

[ 396 ]

ظهورها في توجه الغار إلى تغريره، وهو المتبادر من التفاهمات العرفية " (1). وربما يقال: بأن " الغرور " إذا كان صادقا على من وقع في الخدعة والتدليس فلابد من صدق " الغار "، وبعد المراجعة إلى العرف نجد صدقه على مطلق من اوقع عليه الخدعة. ويشكل: بأنه ربما كان لأجل التوسع، لما فيه أثر المخدوع. والذي هو المفهوم عندنا - وإن كانت كتب اللغة قاصرة عن إثباته - أخصيته، فلايفي بتمام المدعى في المقام. ولو شك في ذلك فالقدر المتيقن منه صورة علم الغار، وفيما زاد عليه يرجع إلى البراءة. ومن الممكن استفادة الخطر من " الغرور "، ويؤيده تمسك المجمعين بها لإثبات ضمان البائع ولو كان جاهلا، فيقال: إن الواقع في الخطر يرجع إلى من أوقعه فيه (2)، وهو أعم قطعا، ولكنه غير تام كما مر. وربما يظهر من الأخبار الكثيرة: أن " التدليس " مقابل من لا يعرف والجاهل بالحال، ففي " الوسائل " عن أبي عبيدة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال:... إلى أن قال: " ويأخذ الزوج المهر من وليها الذي كان دلسها، فإن لم يكن وليها علم بشئ من ذلك فلاشئ عليه " (3).


1 - البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 2: 336. 2 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 47 / السطر 13، حاشية المكاسب، المحقق الأصفهاني 1: 179 / السطر الأول، القواعد الفقهية، المحقق البجنوردي 1: 227. 3 - وسائل الشيعة 21: 211، كتاب النكاح، أبواب العيوب والتدليس، الباب 2، الحديث 1.

[ 397 ]

ومثله في الباب المزبور الرواية الثانية (1). وقد يقال: إن التقييد المزبور يسري إلى تقييد قاعدة الغرور، لاتحاد المفهومين، فيكون أيضا أخص من المدعى (2). وفيه ما لا يخفى، فإن السراية إلى تلك القاعدة - لمكان الاتحاد - معلوم، ولكنه لا يستلزم الأخصية، لأن مورد التقييد باب النكاح، فلا يلزم منه تقييدها في مطلق الأبواب، فلا مانع من الالتزام بأن المدلس والغار العالم ضامن في خصوص هذه المسألة، والغار والمدلس - جاهلا كان أو عالما - ضامن في كتاب البيع وغيره، فيكون تمام المدعى ثابتا بها، فالإشكال الوحيد أن الاطمئنان بأعمية المفهوم مشكل جدا. ثم إنه ربما يتوهم عدم الحاجة إلى تأسيس هذه القاعدة، سواء كانت أخص، أو أعم، لأن قاعدة الإتلاف تجري في جميع موارد هذه القاعدة، وهي أعم. وأنت خبير: بأن قاعدة الإتلاف يختص موردها بإتلاف المال، وهو لو


1 - رفاعة بن موسى قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) - إلى أن قال -: وسألته عن البرصاء؟ فقال: قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في امرأة زوجها وليها وهي برصاء أن لها المهر بما استحل من فرجها، وأن المهر على الذي زوجها، وإنما صار عليه المهر لأنه دلسها، ولو أن رجلا تزوج امرأة وزوجه إياها رجل لا يعرف دخيلة أمرها لم يكن عليه شئ، وكان المهر يأخذه منها. وسائل الشيعة 21: 212، كتاب النكاح، أبواب العيوب والتدليس، الباب 2، الحديث 2. 2 - البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 2: 337.

[ 398 ]

يشمل الحق فلا يشمل الخسارة الآتية على النفس، فلو غره بإيقاعه في أمر وقع عليه شئ، فإنه بمقتضى هذه القاعدة ضامن. ودعوى: أنه يعد من إتلاف المال عليه إذا صرفه فيه، غير مسموعة جدا، لعدم مساعدة العرف ولا اللغة. مع أنه ربما لا يصرف فيه شيئا، ولكنه يرجع إليه لصرفه في إرجاع صحته بلا توسط، مع أنه لا يعد إتلافا قبل صرفه قطعا، فالمغرور الذي كسرت يده بتغرير الغار، يرجع إليه بإعادة صحته وصرف المال له في ذلك قبل أن يصرف نفسه شيئا فيه، كما يأتي تفصيله، أو إعادة صحته بالمباشرة لو كان عارفا بذلك. هذا مع أن مقتضى ما يظهر من قاعدة الإتلاف، لزوم استناد الفعل إلى المتلف حقيقة لا مجازا، وفيما كان السبب هو الغار، والمتلف نفس المغرور أو الشخص الآخر يرجع إلى السبب، لقاعدة الغرور، ولا يمكن المراجعة إليه بقاعدة الإتلاف، لضعف الاستناد، بل مجازيته. ثم إن الغار تارة: يكون عالما بالغرور ويريد التغرير. واخرى: يكون عالما بعدم إقدام الطرف على المعاملة، ولكنه لا يعلمه ولا يريد تغريره بذكر الأوصاف الجميلة. وثالثة: يكون غافلا حين المعاملة. ورابعة: لا يكون داعي الطرف إلى المعاملة قابلا للقلب بذكر العيوب، فهو كالعالم بالعيوب في عدم دخالة العيوب في انصرافه عنها. والذي هو المسلم من موردها هو الفرض الأول، وفيما سواه إشكال، بل منع.

[ 399 ]

الجهة الثانية: في تحديد ما يضمنه الغار الظاهر أن المراد من " رجوع المغرور إلى الغار " هو رجوعه إليه فيما اغتر به من الامور المالية، أو ما يرجع إليها، وأما رجوعه إليه بجواز ضربه وشتمه إذا وقع عليه الضرب غرورا مثلا، فهو ممنوع. وربما يقال: " إنه يرجع إليه فيما توجه إليه من الخسارة، وعليه لا معنى لرجوعه إليه فيما لا يعد خسارة عليه، كما إذا غره فيما يحتاج إليه من المعيشة في السكنى وغيرها، فإنه لولا الغرور لكان يقدم عليه ويشتري الخبز مثلا لرفع جوعه، فإذا ناوله خبزة فأكلها فلا شئ عليه، لأنه ليس من الخسارة، وهكذا في سائر الموارد، فما ترى من ذهاب الفقهاء - رضي الله عنهم - إلى تضمين الغار في مفروض المسألة، في غير محله " (1). وأنت خبير: بأنه لا يصح أخذ مفهوم " الخسارة " محذوفا، ثم التفتيش عن حدود هذا المفهوم صدقا، ضرورة أنه اجتهاد بدون سند، فالمحذوف ربما كان أمرا آخر، مثل أن يكون عنوان " الخطر " أي المغرور يرجع فيما وقع عليه من الخطر إلى الغار، أو أمرا آخر. نعم، القدر المسلم أنه لابد من كونه عقلائيا، لما عرفت منا: من أن هذه القاعدة عقلائية (2)، وفي المحاكم العرفية يؤخذ بها للجريمة


1 - البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 2: 337 - 338. 2 - تقدم في الصفحة 391.

[ 400 ]

والجرم، فإذا ناول إليه ماله فأكله، مع احتياجه إليه، وكان ما أكله أقل مصرفا مما يريد اشتراءه فلا يرجع إليه، وهكذا في الفرض، كما هو يرجع إليه إذا أوقعه في خطر نفساني، بأن كسرت يده، فإنه يرجع إليه بإعادة صحته - كما اشير إليه - من غير لزوم الخسارة المالية، فلا تخلط. فبالجملة: المغرور يرجع إلى الغار فيما توجه إليه من تغريره، ويجب على الغار جبران ذلك. الجهة الثالثة: في تحديد الضامن وأنه الغار المتلف أو المغرور إذا أتلف المغرور على صاحب المال شيئا، كما إذا استوفى الزوج منافع المرأة، ثم بعد ذلك توجه إلى أنه غره صديقه، لأنه خدعه وقال له: " إنها حرة " فبانت أمة، فقضية قاعدة الإتلاف هو ضمان المستوفي للزوجة والمرأة، أو لمواليها، وقضية الأخبار الواردة في قاعدة الغرور مختلفة: فمن طائفة منها يظهر: أن الضامن هو الغار ابتداء، ولا شئ على المغرور رأسا، ومن تلك الطائفة ما رواه " الوسائل " كما مضى (1)، حيث قال فيه (عليه السلام): " وأن المهر على الذي زوجها، وإنما صار عليه المهر لأنه دلسها... " الحديث. فيعلم منه: أن المرأة ترجع إلى الغار، لا المستوفي.


1 - تقدم في الصفحة 393.

[ 401 ]

ومن طائفة اخرى يظهر: أن الغار ضامن للزوج، ومنه يعلم أن ضامن المرأة والتي تلفت منافعها هو الزوج المستوفي، ومن تلك الطائفة ما مضى من قوله: " يضمنان الصداق للزوج بما غراه " (1). فعلى هذا، يكون الضمان مستقرا على عهدة الزوج، وعلى الزوج الرجوع إلى الغار بما غره، ولايجوز للمرأة المختدعة المراجعة إليهما عرضا. ولكن قضية الجمع بين المآثير جواز رجوعها إلى كل واحد منهما، من الغار، ومن المستوفي، فإذا رجعت إلى الغار فهو، وإن رجعت إلى المستوفي، لقاعدة الإتلاف، فله الرجوع إلى الغار، لقاعدة الغرور، وأما احتمال رجوعها إليهما معا فهو غير قابل للتصديق. ومن طائفة ثالثة يظهر: أن الضمان طولي، أي لصاحب المال المراجعة إلى الغار إذا أدى المهر والخسارة، ومن هذه ما رواه " الوسائل " في كتاب الشهادات، عن الصدوق بإسناده عن إبراهيم بن عبد الحميد الذي عرفت حاله (2)، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام): في امرأة شهد عندها شاهدان... إلى أن قال: " ويضمنان المهر لها عن الرجل... " (3) الحديث.


1 - تقدم في الصفحة 392. 2 - تقدم في الصفحة 394 - 395. 3 - الفقيه 3: 36 / 119، وسائل الشيعة 27: 330، كتاب الشهادات، الباب 13، الحديث 2.

[ 402 ]

فإنه يعلم منها: أن الضامن أولا هو الزوج والرجل، فإن أدى ووقع في الخسارة فعليه المراجعة إلى الغار، فلا ضمان على الغار بدوا حتى ترجع إليه. ولكن الإنصاف أن ظاهرها نفي ضمان الرجل رأسا، فلا تغتر، فتكون كالطائفة الثالثة. وقضية الجمع بينها هو التخيير، لأن نفي الضمان بلحاظ أن من هو يستقر عليه هو الغار، فتلك الطائفة الاولى ناظرة إلى من يستقر عليه الضمان، ومن يخرج من كيسه المهر واقعا، ولا تكون ناظرة إلى نفي ضمان المستوفي رأسا حتى يحتاج إلى الجمع بالالتزام بالتخيير، كما صنعه الوالد المحقق - مد ظله (1) -، فليتدبر. ثم إن احتمال أن المغرور ليس له إلا الرجوع إلى الغار تكليفا، وعليه جبران ما ورد عليه تكليفا، ساقط قطعا، بل هو ضامن كسائر الضامنين. بيان النسبة بين قاعدة الغرور والإتلاف وربما يمكن دعوى: أن الظاهر من بناء العقلاء تغريم الغار من غير إثبات الضمان على المغرور، فكأنه في مورد التغرير ليس قاعدة الإتلاف مورثة للضمان، ولا قاعدة اليد. وإن شئت قلت: النسبة بين قاعدة الغرور والإتلاف وإن كانت من وجه، ولكن الظاهر من الأدلة ومن بناء العرف عدم المراجعة إلا إلى


1 - البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 2: 338 - 340.

[ 403 ]

الغار، فيرجع صاحب المال بدوا إليه، خلافا لما أفاده الأعلام فيما نحن فيه: من رجوع المالك أولا إلى المشتري المغرور، وأما المشتري ففي رجوعه إلى البائع الغار كلام وبحث (1). وتوهم: أن قضية ما مر من المآثير أن الشاهدين يضمنان للزوج خلاف ذلك، ممكن الدفع بأنه تضمين في مورد إعطاء المهر وبذله، فإنه هو المرسوم سابقا، كما يأتي في البحث الآتي. نعم، ظاهر معتبر جميل الماضي عن أبي عبد الله (عليه السلام): في الرجل يشتري الجارية من السوق فيولدها، ثم يجئ مستحق الجارية. قال: " يأخذ الجارية المستحق، ويدفع إليه المبتاع قيمة الولد، ويرجع على من باعه بثمن الجارية وقيمة الولد التي اخذت منه " (2) هو أن قاعدة الإتلاف لا تكون في مورد الغرور معطلة. ودعوى: أن هذه الرواية ظاهرة - بمقتضى ترك الاستفصال - في أن المراجعة إلى البائع ثابتة في حالتي العلم والجهل، وإن كانت قريبة، ولكنها بعدما عرفت منا لا تورث إطلاقا يصح الاتكال عليه، فليتدبر جيدا. فبالجملة: استفادة جواز مراجعة مالك العين أو المنفعة إلى الغار ممنوعة.


1 - منية الطالب 1: 294 / السطر 5. 2 - تهذيب الأحكام 7: 82 / 353، الاستبصار 3: 84 / 285، وسائل الشيعة 21: 205، كتاب النكاح، أبواب نكاح العبيد والإماء، الباب 88، الحديث 5.

[ 404 ]

الجهة الرابعة: حول رجوع المغرور إلى الغار قبل اغترامه للمالك قال الفقيه اليزدي (رحمه الله) في المقام: " يظهر منه ومن كل من عبر بمثل هذه العبارة: أن الرجوع في كل مورد يقال به إنما هو بعد الاغترام، فلو أراد الرجوع على البائع قبل أن يغرمه المالك فليس له ذلك. ومنه يظهر عدم جواز رجوعه عليه إذا أبرأه المالك، أو دفع عنه متبرع، كما صرح به " الجواهر " (1)، ولعله كذلك لعدم الدليل عليه، لأن الإجماع وقاعدة الغرور ونحوهما لا يشملان ذلك. نعم، لو أخذ منه، ثم رده عليه هبة أو صدقة أو نحو ذلك، جاز له الرجوع عليه. ثم قال: " ويحتمل القول بجواز الرجوع بمجرد الضمان، لأن شغل ذمته للمالك اغترام منه وضرر عليه وغرور " (2) انتهى. فبالجملة: في جواز مراجعة المغرور إلى الغار في كل مورد قبل اغترامه وأدائه الخسارة إلى المالك ومن أتلف عليه المال ولو بالاستيفاء، وعدم جوازه، وجهان: من إطلاق القاعدة، ومن انصرافها إلى تلك الموارد. مع أن النصوص الخاصة المتكفلة لتضمين الغار، كلها في مورد وقوع الخسارة، لأدائه المهر إلى المرأة وسوقه إليها، كما في


1 - جواهر الكلام 22: 304. 2 - حاشية المكاسب، السيد اليزدي 1: 178 / السطر 22 - 25.

[ 405 ]

الرواية السابعة المعتبرة في الباب الثاني من أبواب العيوب والتدليس (1). ولو كان موردها أعم يلزم الجمع بين الاستيفاء من المرأة وأخذ المهر من الغار، مع أنه ضروري البطلان، لأنها ترجع إلى الغار أيضا، فيلزم أن يخرج من كيسه وجهان، ويدخل في جيب المغرور شيئان، وهذا غير موافق معه الوجدان. فبالجملة: بناء على جواز رجوع المالك إلى الغار والمغرور عرضا، لا يمكن الالتزام بجواز مراجعة المغرور إلى الغار قبل أداء الخسارة. اللهم إلا أن يقال: بأنه إذا رجع المالك إلى الغار، لقاعدة التسبيب والإتلاف مثلا، فله المراجعة إلى المغرور. ولكنه لا وجه لذلك الإطلاق حتى يحتاج إلى هذا التقييد، فلا معنى لمراجعة المغرور إلى الغار إلا إذا كان مغرورا بالحمل الشائع، وما ترى في عبارات السيد (رحمه الله) من دعوى: " أن نفس شغل الذمة وغيره من الاعتبارات غير المستتبعة للخسارة والاغترام ضرر " غير متين أصلا، فالتعليل المزبور عليل قطعا وجزما. نعم، بناء على عدم جواز مراجعة المالك إلى الغار إلا في بعض


1 - محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: في كتاب علي (عليه السلام) من زوج امرأة فيها عيب دلسه ولم يبين ذلك لزوجها فإنه يكون لها الصداق بما استحل من فرجها ويكون الذي ساق الرجل إليها على الذي زوجها ولم يبين. وسائل الشيعة 21: 214، كتاب النكاح، أبواب العيوب والتدليس، الباب 2، الحديث 7.

[ 406 ]

الموارد للنص فرضا كما عرفت، فاستفادة الحكم الكلي منه غير تامة، لأن استيفاء الزوج المغرور من المرأة يعد من الإتلاف، فبمقتضى قاعدة الإتلاف والأخبار الخاصة ترجع إلى الزوج أو الغار عرضا، كما في موارد " على اليد... ". وأما البائع في هذه المسألة، فلا يكون متلفا على المالك شيئا حتى يصح له المراجعة إليه. نعم، ربما يعد هو المتلف على المشتري، كما في كتاب الشيخ (رحمه الله) (1) لما ورد في نظيره، كما يأتي في مسألة شاهد الزور الذي عد متلفا في الخبر، وتفصيله يأتي في السند الآتي للمسألة إن شاء الله تعالى. ولايكون مورد النصوص ولا فيها ما يشعر بالعموم. ولو قيل: عموم التعليل كاف في ذلك. يقال: فما أفاده الوالد المحقق - مد ظله - " من استفادة عموم الحكم " (2) غير قابل للتصديق، فليتدبر جيدا. فبالجملة: بناء على عدم جواز المراجعة يمكن توهم: أن قضية إطلاق قاعدة الغرور هو ذلك، ولكنه بمعزل عن التصديق، لأن الإجماع على جبران سند قوله: " المغرور يرجع إلى من غره " (3) غير ثابت، والأدلة الخاصة طبقت جواز المراجعة في موارد تحقق الخسارة قبلها،


1 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 146 / السطر 27. 2 - البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 2: 339. 3 - تقدم في الصفحة 391، الهامش 1.

[ 407 ]

فالاحتمال المزبور في عبارته غير مبرهن كما ترى، فتأمل. ومما ذكرنا يظهر: أن القدر المتيقن من الموارد القاصر عنها دليل الغرور، هو ما إذا لا يكون أمرا مترتبا على الغرور من الامور المالية مثلا، فإنه عند ذلك لا يعد هو المغرور الذي هو المقصود في الأخبار. وأما لزوم تقدم الخسارة على المراجعة تقدما زمانيا فهو ممنوع، فإذا كان بناء المالك على المراجعة فعلى المشتري المراجعة إلى البائع، ولو بدا له خلافه فيرد إليه ما أخذه منه غرامة. الجهة الخامسة: في تحديد من يضمن المهر عند التدليس بناء على عدم جواز المراجعة إلى الغار للمالك كما هو الأقرب، وعرفت أن الأخبار الدالة على أن المهر على المدلس والغار، لاتدل إلا على أن المهر مستقر عليه، وأما رجوع المستوفي - في مفروض المسألة في تلك الأخبار - إلى الغار فلأنه قد أدى المهر، فلا تكون المرأة بعد أخذ المهر ذات حق. نعم، يكون للزوج حق المراجعة إلى الغار والمزوج، لأنه مغرور يرجع إلى غاره، بناء على جريانها في المسأله الآتية. وإذا كانت المدلسة نفس المرأة - بأن أخفت حالها على الولي المزوج - فلاشئ عليه لها، وإذا أعطاها مهرها فيرجع إليها، لقاعدة الغرور بناء على جريانها في البحث الآتي. هذا، ولو قلنا: بأنهما ضامنان، وللزوجة المراجعة إليهما، لقاعدة

[ 408 ]

الإتلاف، وللأخبار الخاصة الدالة على أن المهر على الغار، المتوهم دلالتها على أن المالك ورب السلعة والمنافع، يجوز له المراجعة إلى الغار حتى فيما نحن فيه، فيأتي بحث: وهو أنه بلا شبهة لا يمكن أن يرجع إليهما، فإذا أبرأت الزوجة الغار، أو أبرأت الزوج، فهل لها المراجعة إلى الآخر، أم لا، أو يفصل؟ قيل بالثالث، فإن أبرأت الغار فلها المراجعة إلى الزوج المستوفي، وله بعد ذلك المراجعة إلى الغار. وإن أبرأت الزوج فلا يجوز لها المراجعة إلى الغار، لأن من استقر عليه الضمان للزوجة هو الزوج، ومن يستقر عليه الضمان للمغرور هو الغار (1)، وهذا أيضا يعلم من مسائل مثل تعاقب الأيادي، كما يأتي تفصيلها. هذا، وربما يخطر بالبال: أن ما رواه " الوسائل " في كتاب الشهادات، عن ابن عبد الحميد، عن أبي بصير: في شاهدين شهدا زورا. قال: " لها المهر بما استحل من فرجها الأخير، ويضرب الشاهدان الحد، ويضمنان المهر لها عن الرجل... " (2) الحديث، يدل على أن ضمان الشاهد الغار يرجع إلى ضمان المهر عن قبل الرجل، لا مطلقا. وأنت خبير: بأن تضمين شاهد الزور كما يمكن أن يكون لقاعدة الغرور، كما في بعض المآثير، يمكن أن يكون لقاعدة الإتلاف، كما يأتي


1 - البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 2: 341. 2 - وسائل الشيعة 27: 330، كتاب الشهادات، الباب 13، الحديث 2.

[ 409 ]

في أخبارها (1)، فإذا احتمل الثاني فلا يمكن استفادة ضمان الرجل منها أصلا، بل ربما يكون معنى هذه العبارة: أن الرجل المستوفي ليس ضامنا رأسا. نعم، هما ضامنان وإن كان الرجل مستوفيا، لقوة السبب على المباشر، فلا تخلط. والذي هو الأقرب بناء على صحة المبنى: جواز المراجعة إلى كل واحد منهما، ولا يورث الإبراء سقوط حق المراجعة للآخر، لأن المرأة تارة: تسقط حق مراجعتها إلى الغار أو الزوج، واخرى: تسقط حقها المالي، فإن أبرأت على الوجه الأول فهو لا يورث سقوط حقها بالنسبة إلى الآخر، وإن أبرأت على الوجه الثاني فتبرأ ذمتها. وبعبارة اخرى: ليس ذمة الكل مشغولة، بل من هو المشغولة ذمته واحد، وهو من استقر عليه الضمان، والآخر مورد حق المراجعة، كما يأتي في تعاقب الأيادي. والذي استقر عليه الضمان ربما يكون في هذه الأخبار مختلفا، فإن قضية تعيين المهر على الغار أنه هو المستقر عليه. ولكنه يشكل: بأن ذلك فيما كان الزوج قد أدى المهر، فإذا كان لم يؤد المهر فربما كان هو المستقر عليه، فليتدبر، والمسألة تحتاج إلى تأمل تام.


1 - يأتي في الصفحة 418 وما بعدها.

[ 410 ]

الجهة السادسة: في تحديد الضامن عند تعدد الغارين طوليا وعرضيا لو تعدد الغار، فإن كان طوليا - كما لو غر المزوج والولي الزوج، وكانت الزوجة حاضرة، ولكنها أيضا أخفت حالها على الزوج - فلا يبعد اختصاص جواز المراجعة إلى الذي هو طرف التزويج، لأنه يعد غارا، دونها، لأن علمها بالواقعة لا يورث تأثيرها في إقدامه على الزواج، ولا يجب عليها الإعلام ولو كان واجبا عليه، فإنه لا يورث عدها غارة، كما لا يخفى. نعم، لو أخفت حالها على الولي المزوج فهي غارة للولي، ولكن لاتعد غارة للزوج إلا مع اطلاعها على الواقعة، فإذا عدت غارة فهو، وإلا فيشكل، لأنها غرت الولي، والولي لم يغر الزوج، فالزوج لا يستحق المراجعة لا إلى الزوجة، ولا إلى الولي، كما لا يخفى. نعم، مقتضى ما مر من المآثير رجوع الزوج إلى المرأة، ففي رواية رفاعة بن موسى في " الوسائل ": " ولو أن رجلا تزوج امرأة، وزوجه إياها رجل لايعرف دخيلة أمرها، لم يكن عليه شئ، وكان المهر يأخذه منها " (1). فإن ظاهرها ضمان الزوجة وإن لم تكن طرفا، ولكنها لا تكون ظاهرة في أن سبب الضمان هو التدليس والغرور، فتدبر. وأما سندها فلا يبعد اعتباره. ولو كان عرضيا، بأن اجتمع جماعة على تغرير شخص في معاملة،


1 - وسائل الشيعة 21: 212، كتاب النكاح، أبواب العيوب والتدليس، الباب 2، الحديث 2.

[ 411 ]

فهل يرجع إلى الكل وعليهم جبران خسارته، أو لا يرجع أصلا، أو له المراجعة في جميع ما توجه إليه إلى كل واحد، فإذا رجع إلى واحد منهم بالجميع، فله المراجعة إلى الآخرين بما ورد عليه من الخسارة مثلا؟ وجوه واحتمالات. وحيث لا دليل ظاهر من الشرع في خصوص هذه المسألة، فلابد من المراجعة إلى فهم العرف وبنائهم، وهو بلا شبهة على الأول. ويجب على كل واحد - بالتقسيط - جبران خسارته، وربما تختلف السهام لأجل اختلافهم في التغرير، كما هو الواضح. وهذا من غير فرق بين كون كل واحد جزء العلة، بحيث إذا ترك أحدهم لا يقع الرجل في الغرور، أو كان كل واحد منهم تمام العلة وإن كان في الواقعة الشخصية جزءها، أو كانوا مختلفين، فإن ما وقع فيه المغرور شخصا مستند إلى تغريرهم مجموعا، والفروض والتقادير لا تورث اختلافا في أصل النسبة، ولا في الشدة والضعف، فليتدبر جيدا. حول جريان قاعدة الغرور في رجوع المشتري إلى البائع الجاهل بعد أداء الخسارة إذا أحطت خبرا بمسائل قاعدة الغرور ومهماتها، فهل تجري هي في مسألتنا هذه، أم لا؟ أما رجوع المالك إلى المشتري، فقد عرفت البحث فيه (1)، وأن


1 - تقدم في الصفحة 387 - 388.

[ 412 ]

هذا مفروغ عنه عندهم. وأما رجوع المشتري إلى البائع بعد أداء الخسارة إلى المالك، فهو حسب هذه القاعدة واضح في الجملة. وأما إذا كان البائع جاهلا فجريانها محل إشكال كما مضى. وربما يقال: " إن موجب اغترار المشتري كون المال بيد البائع، وظهور يده في الملكية، مع أنه خلاف الواقع، فللمغرور نسبتان: إلى ظهور اليد، وإلى ذي اليد، كما في نسبة القطع إلى السكين، وإلى صاحبه، فإن كان البائع غاصبا فهو بهذا الظهور المخالف للواقع يغر المشتري، فوصف الغار مسند إلى البائع، وإلى ما هو كالآلة لتغريره. وإن كان معتقدا لمالكية نفسه، فهو يبيع المال معتمدا على اعتقاده، لا مستندا إلى ظهور يده في الملك بنظر المشتري، والمشتري إنما يشتري نظرا إلى هذا الظهور، لا إلى اعتقاد البائع، وإلا لما كان مغرورا، لتقومه بجهله. فمضايف الغرور - وهو الغار - موجود، وهو ظهور يده في الملك، لكنه حيث لم يكن بيع البائع مستندا إليه فلا يكون البائع غارا، بل اغتر المشتري بظهور يده " انتهى ما في كلام العلامة المحشي (قدس سره) (1). أقول أولا: هذه الشبهة لا تستلزم ممنوعية رجوع المغرور إلى البائع على الإطلاق، لأنه إذا انضم إلى ظهور يده إقراره بالملكية، ودعواه ذلك مع علمه بالواقعة، فيستند التغرير إلى البائع قطعا.


1 - حاشية المكاسب، المحقق الأصفهاني 1: 192 / السطر 26 - 30.

[ 413 ]

وثانيا: إذا كانت يده بضميمة عدم إظهاره غصبية ما في يده، كاشفة عن الملكية - لما يعلم من طريقته فيما كان ما يبيعه مغصوبا من إظهاره بها - فإنه يستند الغرور إليه عرفا أيضا. وثالثا: إن الاستناد المزبور إلى ظهور اليد ليس من الاستناد التام، فإنه إذا كان جاهلا بالغصبية ففي كونه غارا إشكال مضى سبيله، وإذا كان عالما فكونه بضميمة الظهور المزبور سببا، فيسند إليه التغرير، لأقوائية سكوته من ظهور اليد في تغريره، فعليه لا يمكن المساعدة على التوهم المذكور أصلا. فعلى ما تقرر، يرجع إلى البائع العالم بالواقعة إذا كان المشتري جاهلا بها، وقد توجه إليه الخسارة التي اخذت منه. حول دعوى معتبر جميل على جواز المراجعة إلى البائع ثم إنه من الممكن دعوى دلالة معتبر جميل الماضي (1) على جواز المراجعة إلى البائع ولو كان جاهلا، لإطلاقه في مورد ترك الاستفصال. وكون مصبه ما إذا كان المشتري منتفعا، لا يضر بالمقصود، لأن مسألتنا هذه أولى بالتضمين قطعا. ولعل إطلاق الفتوى بضمان البائع لأجله، ولأجل بعض آخر، لا القواعد كما لا يخفى. ومن العجيب أن صاحب " الحدائق " مع توغله في عدم الاتكاء على الاجتهادات المنسوبة إلى الاصوليين، وقع في خطر: وهو الإفتاء


1 - تقدم في الصفحة 394.

[ 414 ]

بعدم مراجعة المشتري إلى البائع في هذه المسألة وغيرها بطريق أولى قهرا وقطعا، مستندا إلى سكوت بعض الأخبار عن إرجاع المشتري المغترم إلى البائع مع كونها في مقام البيان (1) مثلا!! وأنت خبير بما فيه من جهات شتى عندنا، فضلا عنه - قدس الله سره - ولو سلمنا تمامية سند رواية زرارة في كتاب النكاح (2)، ورواية زريق في كتاب التجارة (3)، وتمامية كونهما في مورد يناسب ذكر الحكم الآخر، وسلمنا أن الإطلاق السكوتي يقاوم الإطلاق اللفظي، فلا نسلم مقاومته مع النص. ولو سلمنا المعارضة فلا وجه للعدول عن حكم العقلاء بالضمان وصحة المراجعة، فلا تخلط. ثانيهما: قاعدة الإتلاف أي من الامور التي استند إليها لتضمين البائع وتجويز مراجعة المشتري إليه، قاعدة الإتلاف، والبحث حول سندها قد مضى، وذكرنا في محله: أن هذه القاعدة عرفية في الجملة، ولا رادع عنها (4).


1 - الحدائق الناضرة 18: 394. 2 - وسائل الشيعة 21: 204، كتاب النكاح، أبواب نكاح العبيد والإماء، الباب 88، الحديث 4. 3 - وسائل الشيعة 17: 340، كتاب التجارة، أبواب عقد البيع وشروطه، الباب 3، الحديث 1. 4 - تقدم في الصفحة 397 - 398.

[ 415 ]

بل قضية ما ورد في مختلف الآثار عن الأئمة الأطهار - سلام الله تعالى عليهم - هو أن الإتلاف الموجب للضمان، ليس ما يورث تلف المال، بل المدار على صدق " المتلف " على الضامن وإن كان المال باقيا صحيحا وسالما، ولكن صار هو السبب لانقطاع يد المالك عن ملكه وماله وحقه، كما في موارد كثيرة، مثل ما إذا أطار طائره فإنه سالم وباق، ولكنه أتلفه عليه، فالمدار على كون الإتلاف على رب المال، وفيما إذا تلف المال فهو لأجل إتلافه عليه ضامن، ولا دخالة لتلف المال في الضمان، وهذا أيضا عقلائي بلا شبهة وإشكال. وهكذا إذا كان الإتلاف مستندا إلى من أتلفه في محيط القانون، ومنطقة الأحكام النافذة في الامة، فإنه أيضا يعد تلفا عرفا وحقيقة وإن كان الدخيل في ذلك اعتبار القانون في المجتمع البشري. مثلا: وط ء البهيمة ليس من أسباب الإتلاف عرفا مع قطع النظر عن القوانين الإلهية، ولكنه في محيطها قد أتلفها على صاحبها ومالكها، كما في كتاب الحدود باب نكاح البهائم عن إسحاق، عن حريز، عن سدير، عن أبي جعفر (عليه السلام): في الرجل يأتي البهيمة. قال: " يجلد دون الحد، ويغرم قيمة البهيمة لصاحبها، لأنه أفسدها عليه " (1). ومثله في الأبواب الاخر موجود (2)، وقد استقصاها الوالد المتتبع


1 - وسائل الشيعة 28: 358، كتاب النكاح، أبواب نكاح البهائم، الباب 1، الحديث 4. 2 - وسائل الشيعة 19: 141 و 143، كتاب الإجارة، الباب 29، الحديث 1 و 8، و 23: =

[ 416 ]

المحقق حقه، فمن شاء فليراجع ما هناك (1). ثم إنه ربما يشكل استفادة قاعدة الإتلاف من هذه المآثير، لاحتمال اختصاص موردها بما إذا كان المال باقيا وفاسدا، قضاء لحق مفهوم " الفساد " المقابل " للصحة " المخصوص بالوجود الناقص، ولا يطلق على فرض إعدام الوجود، ولكنه إشكال موهون، لشهادة العرف بالأعمية قطعا. حول جريان قاعدة الإتلاف لتضمين البائع فإذا تقررت القاعدة سندا ودلالة، فعليك بالتأمل التام في إجرائها في المقام، فإن البائع قد أتلف على المشتري مالا، فإن الإتلاف عليه غير إتلاف المال، ضرورة أن " الإتلاف عليه " صادق وإن لم يكن أتلف ماله، وكان المتلف في الحقيقة نفسه بالمباشرة، فكما أن إيجاب الشرع عليه جبران خسارة المالك لا يعد سببا للإتلاف، كذلك تبعيته له برد الخسارة لا يعد سببا، فما هو السبب الوحيد لإتلاف المال عليه هو البائع، لأنه السبب للحيلولة وبين ماله وملكه. وربما يظهر لي، أن هذه المآثير الكثيرة المشتملة على القاعدة الكلية - وهي ضمان المفسد والمتلف مال الغير على صاحبه - ولو


= 39، كتاب العتق، الباب 18، الحديث 9، و 28: 119، كتاب الحدود والتعزيرات، أبواب حد الزنا، الباب 22، الحديث 4. 1 - البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 2: 341 - 346.

[ 417 ]

كانت مورد الخدشة من جهة الصغرى، وهي صحة انتساب الإفساد إليه، ولكنه لا يضر بتمامية تلك الكلية. مثلا: قد ورد في كتاب العتق الباب الثامن عشر في رواية معتبرة عن الحلبي، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن المملوك بين شركاء، فيعتق أحدهم نصيبه. فقال: " إن ذلك فساد على صاحبه، فلا يستطيعون بيعه، ولا مؤاجرته " فقال: " يقوم قيمة، فيجعل على الذي أعتقه عقوبة، وإنما جعل ذلك عليه عقوبة لما أفسده " (1). ومثلها موثقة سماعة في الباب المزبور، إلا أنه قال: " لأنه أفسده على أصحابه " (2). فبالجملة: إسناد " الإفساد " إليه لأجل حكم الشرع، لا يورث قصورا في الإسناد عرفا، كما ترى في القوانين العرفية أيضا. ولو فرضنا قصور النسبة ولكنه لا يضر بالمقصود. إلا أن تمامية إسناد " الإفساد " فيما نحن فيه إلى البائع مشكل، إلا على ما اشير إليه: من أن المقصود إيقاع الغير في أمر وخطر وضرر وإن لم يعد من الفساد عرفا، فليتدبر جيدا.


1 - وسائل الشيعة 23: 36، كتاب العتق، الباب 18، الحديث 1. 2 - وسائل الشيعة 23: 37، كتاب العتق، الباب 18، الحديث 5.

[ 418 ]

حول روايات " شاهد الزور " الواردة فيها كلمة " الإتلاف " ثم إن في كتاب الشهادات مآثير مشتملة على كلمة " الإتلاف " المورثة لتضمين المتلف، المشكلة فيها صحة النسبة والإسناد إلى الضامن فيها، وحلها أن استفادة الكلية المزبورة ممكنة، كما عليه دأب الفضلاء، والخدشة في صغراها لا تورث وهنا فيها، ففي الباب الحادي عشر عن علي بن الحكم - المعتبر عندنا - عن جميل، عن أبي عبد الله (عليه السلام): في شاهد الزور. قال: " إن كان الشئ قائما بعينه رد على صاحبه، وإن لم يكن قائما ضمن بقدر ما أتلف من مال الرجل " (1). ومثله في هذا الباب رواية اخرى (2). وربما يتوهم: أن النسبة مجازية، والنظر فيها إلى التضمين سياسة، وهذا تقريب واستحسان في التعليل، وإلا فمن هو المتلف حقيقة هو الذي صرفه، وهو المحكوم له، وهو أولى بالتضمين من غيره، خصوصا إذا كان عالما بالواقعة، فنسبة " الإتلاف " إلى الشاهد وإن أمكن تصحيحها، بدعوى أنه المتلف عليه، وليس متلفا للمال، ومن هو


1 - وسائل الشيعة 27: 327، كتاب الشهادات، الباب 11، الحديث 2. 2 - وسائل الشيعة 27: 328، كتاب الشهادات، الباب 11، الحديث 3. عن جميل، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في شهادة الزور إن كان قائما، وإلا ضمن بقدر ما أتلف من مال الرجل.

[ 419 ]

المتلف للمال هو المحكوم له، ولكنه لا يستلزم تضمين الشاهد، خصوصا إذا كان سوق الروايتين لنفي ضمان المحكوم له، وإلا كان ينبغي الإيماء إليه. وحملها على صورة جهل المحكوم له بالواقعة بعيد جدا، مع أنه لا يستلزم قصور شمول دليل الإتلاف له، كما هو الواضح. ومما يشهد لعدم ضمانه، ويكون الضامن هو الشاهد: ما رواه في الباب المزبور عن محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله (عليه السلام): في شاهد الزور ما توبته؟ قال: " يؤدي من المال الذي شهد عليه بقدر ما ذهب من ماله، إن كان النصف أو الثلث... " (1) الحديث. فإن إيجاب الأداء ظاهر في تعينه عليه، بخلاف كلمة " ضامن " فإنها أعم. فبالجملة: العمل بمضمون هذه المآثير مشكل، لاشتمالها على ما لا يوافقه القواعد، ولكنه بعد اعتبارها لا بأس بالفتوى على طبقها، ولكنه لا يستفاد منها أن نسبة " الإتلاف " إلى الشاهد حقيقية، فيقال في جميع المواقف المشابهة معها بالضمان، بل غاية ما يستفاد منها اعتبار قاعدة الإتلاف. اللهم إلا أن يقال: لا حاجة إلى الرواية بعد كونها عقلائية ممضاة. هذا كله حول هذه القاعدة سندا ودلالة، وإنما البحث في جريانها


1 - وسائل الشيعة 27: 327، كتاب الشهادات، الباب 11، الحديث 1.

[ 420 ]

في هذه المسألة، قد مر وجهه (1)، والمشهور عدمه، لأن تخلل الإرادة من العاقل المختار ينافي صحة النسبة، وإلا يلزم صحتها طولا إلى المباشر والمسبب، وهو ممنوع. ثالثها: قاعدة التسبيب فإنها غير قاعدة الإتلاف مضمونا، فإن الثانية لا تجري في مواقف تخلل الإرادة بين تحريكه والتلف، خصوصا إذا كانت الإرادة من غير المقهور عليها، كما فيما نحن فيه على المشهور، بخلاف هذه القاعدة، فإن من هو السبب لوقوع المشتري في الخسارة والضرر هو البائع بالضرورة، ولذلك يرجع لهذه النكتة إليه معللا: بأنه السبب والعلة في ذلك. وبعبارة اخرى: بعد المراجعة إلى الطوائف المختلفة من المآثير في أبواب شتى يتحصل: أن ما هو الوجه في تعيين السبب دون المباشر فيما كان أقوى منه، هو أن الوسائط إن كانوا مقصرين في تصرفهم وإتلافهم، وخارجين عن وظيفتهم الشرعية والقانونية، ولا يكونون معذورين، فهم الأقوى، ويكون الضمان عليهم، وإذا كانوا هم معذورين في تصرفاتهم وغير مقصرين، بل كانوا عاملين بوظيفتهم، فالضامن هو المتخلف، وفيما نحن فيه يكون البائع غير معذور، والمشتري الجاهل معذورا، فيكون ضمان ما


1 - تقدم في الصفحة 397 - 398.

[ 421 ]

توجه إليه من الخسارات عليه. وأما تلك الطوائف من الأخبار: فمنها: ما يتضمن تضمين شاهد الزور الراجع عن شهادته (1)، فإن الحاكم المتوسط وعمال الحاكم معذورون، ويدور الأمر بين المباشر والشاهد، ويكون الشاهد - حسب هذه الطائفة - ضامنا، وليس ذلك إلا لأجل أن العقلاء يضمنونه طبعا، لاستناد الخسارة إليه عرفا بوجه يورث ضمانه. ومنها: ما كان يتضمن السبب ولو كان الواسطة ذات اختيار (2)، كما في صاحب الحيوان، فإن الحيوان وإن كان بالاختيار يتلف الحنطة ويأكلها، ولكن ذلك لا يورث إلا ضمان السبب الغريب الذي هو القريب في الضمان. ومنها: ما يورث ضمان التلف الشرعي لا العرفي، كما في وط ء البهيمة (3)، فإنها لا تكون تالفة إلا حسب القوانين، فيكون تضمين الواطئ لأجل قوة السبب، ولا يستند التلف إليه، فتأمل.


1 - وسائل الشيعة 27: 326 و 327 و 332، كتاب الشهادات، الباب 10، والباب 11، الحديث 1، والباب 14. 2 - وسائل الشيعة 29: 256 و 276، كتاب الديات، أبواب موجبات الضمان، الباب 14 و 19. 3 - وسائل الشيعة 28: 357، كتاب الحدود والتعزيرات، أبواب نكاح البهائم، الباب 1، الحديث 1.

[ 422 ]

ومنها: غير ذلك (1). وأنت بعد التدبر في مجموعها، ربما تطلع على أن مناط التضمين في جميع هذه المواقف، ليس إلا ما يراه العرف والعقلاء سببا له، وليس في مورد منها ما لا يساعده العقلاء، فيعلم من ذلك: أن المرجع في الضمانات هو ذلك، فإذن فيما نحن فيه يرجع إليهم، ولا شبهة في أنهم يرون لزوم جبران خسارة المشتري الجاهل على البائع العالم الغاصب. نعم، إذا كان هو أيضا جاهلا بالغصبية فيشكل تضمينه، كما لا يخفى. استشكال الوالد المحقق في روايات قاعدة التسبيب والجواب عنه واستشكل الوالد المحقق - مد ظله - فيها: " بأن هذه المسألة خارجة عن مورد هذه الأخبار، وداخلة في أمر آخر، ضرورة أن المشتري هو المتلف على نفسه بالضرورة، ويكون البائع سببا لتسليطه على مال المالك، وهذا لا يكون من السبب المنتهي إلى فعل المشتري، بل هو دخيل في تحقق موضوع الفعل، كما لا معنى لتضمين الأب إذا كان القاتل ابنه، مع أنه لولا الأب لا يتحقق القتل، ولكنه غير كاف، بل لابد من دخالة الأب في القتل، وفعله بالتسبيب إليه، لا بالتسبيب إلى موضوعه. ففيما نحن فيه لا وجه لجريان القاعدتين: لا قاعدة الإتلاف، ولا


1 - مثل ما دلت على ضمان من أضر بطريق المسلمين. وسائل الشيعة 29: 241 و 243 و 245، كتاب الديات، أبواب موجبات الضمان، الباب 8 و 9 و 11.

[ 423 ]

قاعدة التسبيب، ولو فرضنا أن الأخيرة غير الاولى، وأنها معتبرة مثلها " (1). وفيه أولا: أن من الممكن تضمين الأب إذا كان من نيته الاستيلاد وتربيته وتسبيبه إلى القتل، ولايكون في القتل الخاص دخيلا، فعليه إذا كان البائع مريدا لتسليط المشتري الجاهل على مال الغير، ولإيقاعه في الخسارة، فهو عند العرف ضامن لما يأخذه المالك منه بلا شبهة. وثانيا: لا تقاس الأمثلة بعضها ببعض، فإن العرف فيها مختلف الفهم وإن كان - حسب الموازين العلمية - كلها من باب واحد وواد فارد، فلا يقاس دخالة الأب في قتل الابن بالاستيلاد - الذي هو بعيد عنه - بالتسليط المنتهي إليه قهرا وطبعا، لأن الإنسان إذا اشترى شيئا فلايشتري إلا لتصرفه فيه والاستيفاء منه، فلا يمكن صرف النظر عن تضمين البائع، لعدم الاحتياج فيه إلى دليل لفظي، كما اشير إليه مرارا. وثالثا: لا يعقل دخالة السبب بين إرادة المباشر وفعله، بل السبب كله يرجع إلى الجهات المتقدمة على الإرادة، فما كان منها أجنبيا عنها عرفا - كالاستيلاد في المثال المزبور - فلا يكون مورد الضمان، وما كان منها قريبا إلى الإرادة، ويكون كالجزء الأخير لحصول الداعي له إلى التصرفات المنتهية إلى خسارته فهو ضامن، فتأمل جدا.


1 - البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 2: 350 - 351.

[ 424 ]

تفصيلنا في مسألة ضمان البائع فتحصل: أنه يمكن التفصيل في المسألة، بأن يقال: إن المشتري يرجع إلى البائع إذا كان عالما بوقوعه في تلك الخسارات، وأراد بالبيع إيقاعه فيها، وهذا لقاعدة الغرور، وهو القدر المسلم منها، وإلا فيشكل صدق " الغار " خصوصا إذا كان جاهلا بتصرفاته فيه. وهذا غير ما مر (1)، فإن الأصحاب وإن اختلفوا في صورتي العلم والجهل، ولكنهم أرادوا العلم والجهل بالنسبة إلى أصل الغصبية، لاتصرفاته في المغصوب، فلا تغفل. وهكذا له أن يرجع إليه إذا كان عالما بتصرفاته فيه وإن لم يرد بالبيع ذلك، فإنه يعد سببا لذلك عرفا. وأما إذا كان عالما بالغصبية، وجاهلا بوقوعه في الخسارة، أو جاهلا بالغصبية، ففي الأول الضمان قريب، لأن الغاصب متخلف عن الوظيفة الشرعية والعرفية، كشاهد الزور، والمشتري كالحاكم في جواز الحكم عليه شرعا، بل وأحيانا في لزومه، ضرورة أنه من الممكن في فرض وجوب حفظ ما اشتراه حسب الأدلة الظاهرية. وأما في الفرض الثاني فالضمان مشكل، والقاعدة تجري على خلافه. ولو كان ما نحن فيه من قبيل سببية الأب بالاستيلاد في قتل الابن،


1 - تقدم في الصفحة 411 - 413.

[ 425 ]

لكان مورد أخبار شاهد الزور أولى به، لأن شاهد الزور ما صنع إلا موضوعا لحكم الحاكم الذي هو أوجد الموضوع للمحكوم له، فإن المحكوم له الذي هو المستوفي للمنافع لا يكون ضامنا، وشاهد الزور الذي أوقع الحاكم في قيامه بوظيفته الظاهرية ضامن، وهل هذا إلا لأجل أن منشأ وقوع الفساد هو ذاك؟! والمسألة بعد تحتاج إلى مزيد تدبر وتأمل. وهذا كله يؤدي إلى ضمان البائع للمشتري. ولو كان ذلك حقا لكان يستلزم جواز رجوع المالك إلى البائع، فإن تصرفات المشتري المستلزمة للنقصان في الملك، كما تستند إلى المشتري للمباشرة، تستند إليه للتسبب على الوجه الذي عرفت، أو للإتلاف، لأنه هو الذي أتلفه على مالكه وصاحبه، ويكون المشتري الجاهل كالحيوان عرفا من وجه. وبعبارة اخرى: تصرفاته على نحوين: تارة: تكون خسارة على المشتري، ولا تورث نقصانا في الملك. واخرى: تستلزم النقصان فيه. فما كان من الأول، فلا حق للمالك على البائع. وما كان من الثاني، ففي جواز رجوعه إلى المشتري حسب فهم العرف إشكال، فإن البائع أولى بالتضمين من شاهد الزور وصاحب الحيوان الغافل عن كونه مالكا للحيوان، ولولا مخافة توهم كونه من القياس المنهي، لكان الحكم المزبور المخالف للإجماع أقرب إلى التحقيق.

[ 426 ]

الأمر الرابع: قاعدة نفي الضرر وهي على ما قربناه تكون نافية للضرر، ودافعة ورافعة وناهية، وتكون الجملة المعروفة مشتملة على النفي والنهي، فالاولى - وهي قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): " لاضرر " نفي يستلزم الدفع والرفع، والثانية - وهي قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): " لا ضرار " (1) - نفي يفيد النهي، لما تقرر من أن " الضرر " اسم مقابل للنفع، ولا معنى لظهوره في النهي إذا دخلت كلمة النفي عليه، بخلاف " الضرار " فإنه مصدر، وكلما دخلت عليه كلمة النفي يورث النهي، كما لا يخفى. وإمكان استفادة النهي من عموم النفي في الاولى - كما هو الأقرب - لا يستلزم خلاف ما اشير إليه، فعليه لابد من جبران الخسارة، قضاء لحق كونها رافعة، فإن بجبران الضرر الموجود يرتفع الضرر عرفا. وتوهم: أن إيجاب الجبران ضرر، وهو منفي، في نهاية الفساد. نعم، ربما يشكل: بأن مقتضى هذا العموم المنفي، ليس لزوم التدارك من أي مال كان، بل التدارك لازم من مال المضر، فإن مفهوم " لاضرر " ليس إلا أنه لا ضرر في حوزة الإسلام: لا بين الخالق وخلقه، فينتفي الأحكام الضررية، ولا بين المخلوقين بعضهم مع بعض، فيلزم الجبران، أي يجب على المضار جبران الضرر، لا أنه يجب جبرانه على


1 - وسائل الشيعة 25: 427، كتاب إحياء الموات، الباب 12.

[ 427 ]

كل أحد، أو على الحكومة الإسلامية، حتى الضرر الجائي من قبل الحوادث التكوينية (1). فعليه كيف يصح التمسك بها هنا مع أن البائع لا يعد مضارا، ولاسيما بالنسبة إلى بعض صور المسألة: وهي ما إذا كان في تصرفاته المنافع المستوفاة؟! فلايتم ما اشتهر في هذه المسألة: من رجوع المشتري إلى البائع متمسكا بها، كما ترى في كلام الشيخ (قدس سره) (2). أقول: بعد الفراغ عن المبنى المحرر منا في الرسالة (3)، فالأمر كما اشير إليه حسب الكبرى، ولكنه مخدوش صغرى، ضرورة أن البائع - على ما عرفت - مختلف الحال والنية، من العلم والجهل بالتصرفات، ومن العلم والجهل بوقوعه في الضرر، ومن قصده الإضرار به بتسليطه على الملك، وعدم قصده، وقد عرفت الحق في هذه الصور، فلا يمكن إثبات الضمان مطلقا، ولا نفيه على الإطلاق، لاختلاف صدق المفهوم حسب اختلاف الصور والفروض. تذنيب: فيما ذكره الأصحاب من رجوع المالك إلى البائع والمشتري ذكر الأصحاب (رحمهم الله): " أن المالك له الرجوع إلى البائع والمشتري، إلا أن قرار الضمان في هذه المسألة على البائع، فللمشتري


1 - البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 2: 352 - 353. 2 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 146 / السطر 27. 3 - رسالة في قاعدة نفي الضرر للمؤلف (قدس سره) (مفقودة).

[ 428 ]

الرجوع إليه إذا رجع المالك إليه، وليس للبائع الرجوع إلى المشتري إذا رجع المالك إليه " (1). وأنت خبير: بأن الجهة المبحوث عنها أساسا هنا هي مسألة اغترام المشتري للمالك، ومعنى ذلك هو أنه إذا تصرف المشتري بما وقع في الضرر، فأحدث مثلا بناية، ثم قلعها المالك، فإن المالك لا يكون راجعا إلى المشتري بشئ، ولا إلى المالك، بل الكلام يرجع إلى أن المشتري هل له حق الرجوع إلى البائع، أم لا؟ فما ترى من عدم ذكر المسألة بخصوصيتها، أوقعهم فيما لا ينبغي من البحث الكلي حول رجوع المالك، مع أن البحث في أمر آخر ربما يكون في مورد مستلزما لرجوع المالك إلى أحدهما تخييرا، وربما لا تصل النوبة إليه كما لا يخفى، ولذلك جعلنا كل واحد من الفروض عنوانا واحدا، حتى لا يقع الخلط والاشتباه، وذكرنا في ذيل بعض الفروض: أن اغترام المشتري تارة: يكون لأجل ما أحدثه في أرض اشتراها مع عدم خسارة على المالك، فإن بحث الرجوع إلى الغاصب البائع يجري هنا أيضا، فلا تخلط.


1 - شرائع الإسلام 3: 195، لاحظ حاشية المكاسب، السيد اليزدي 1: 180 / السطر 14 وما بعده، البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 2: 353.

[ 429 ]

المسألة السادسة: حول رجوع المستوفي للمنفعة المغصوبة على البائع وعدمه إذا كانت تصرفاته في المقبوض بالعقد الفاسد لأجل الغصبية، ذات منافع مستوفاة، بحيث لو كان عالما بالواقعة لكان يتصرف بأنحائها، ويبذل تلك المصارف. مثلا: إذا اشترى شيئا كان يحتاج إليه، فأكله وصرفه، ثم بعد ذلك تبين أنه كان لغير البائع، أو استأجر دارا كان يحتاج إليها، فسكن فيها سنة باجرة، ثم بعد ذلك توجه إلى أنها غصبية، أو أنها لنفسه، وربما كان يؤدي في صورة العلم أكثر من الاجرة التي أداها إلى المالك وهكذا، فهل يرجع إلى البائع، بدعوى جبران ما توجه إليه، أم لا؟ ظاهر جماعة بل صريحهم الأول، معللين بقاعدتين: الغرور، ونفي الضرر (1). واستشكل الآخرون: تارة بعدم تمامية قاعدة الغرر سندا ودلالة، وعدم تمامية قاعدة نفي الضرر دلالة، من جهة أن شأنها نفي الأحكام الضررية، لا تشريع الحكم، ومن جهة الشبهة في صدق " الضرر والإضرار "، فإن مجرد صدق " الضرر " غير كاف، بل لابد من صدق " الإضرار " على البائع حتى يرجع إليه.


1 - قواعد الأحكام 1: 124 / السطر 22، جامع المقاصد 6: 326، مسالك الأفهام 1: 135 / السطر 4.

[ 430 ]

وإلى الأول مال الشيخ (رحمه الله) من المتأخرين (1)، وإلى الثاني ذهب الوالد المحقق - مد ظله - من المعاصرين (2). أقول: قد عرفت أن قاعدة نفي الغرر غير وافية بتمام المدعى (3)، وهو مراجعة المشتري إلى البائع مطلقا، وذلك لأن مجرد الاستيفاء غير كاف لعدم صدق " الغرر "، ضرورة أنه إذا غره في ذبح شاته وصرفها مع أنه ليس أهلا لذلك، لا يخرج البائع مثلا عن كونه غارا، وهكذا فيما إذا أحدث البناية في دار أو أرض، واستوفى بمقدار صرفه منها، فإنه لا يستلزم عدم كونه غارا كما لا يخفى. مع أن قاعدة نفي الضرر عامة، فلو صدق " الضرر " أحيانا في مورد - كما في الأمثلة المشار إليها - فعلى البائع جبرانه، من غير لزوم صدق " المضر " عليه، لأن المنفي هو الضرر، والذي هو القدر المتيقن من الصور الخارجة عنه هو ما إذا تضرر أحد، ولم يكن الضرر بوجه مستندا إلى أحد عرفا، لا عقلا وتخيلا، كما في تضرره بالسيل والزلزلة، وأما البائع فيما نحن فيه فهو وإن لم يكن مضرا عرفا، ولكنه أوقعه في الضرر عند العقلاء، فعليه الجبران. فتحصل: أن المسألة مختلفة الصور، ولا يمكن إتمام الضمان في جميعها، ولا نفيه في جميعها، ومن هنا يظهر حال غيرها.


1 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 147 / السطر 11 - 15. 2 - البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 2: 351 - 353. 3 - تقدم في الصفحة 406 - 407.

[ 431 ]

إيقاظ: في التمسك بقاعدة قبح الظلم لإثبات ضمان البائع الغاصب قد ذكرنا في كتاب الإجارة (1): أن من قواعد الضمان قاعدة قبح الظلم المسلم عند الكل، وإذا استلزم في مورد الحكم بالضمان قبحا أو بالعكس فلا يمكن إلا الانعكاس، قضاء لحقها. فلو كان في هذه المسألة نفي مراجعة المشتري الجاهل إلى البائع الغاصب العالم، ظلما عرفا وعقلا عليه، ولا يرتفع ذلك إلا بالضمان وإيجاب الجبران، فلا محيص عنه قطعا. ولعمري، إن هذه القاعدة أقوى سندا وأتم دلالة، من غير حاجة إلى فهم خصوصيات اللغات، بل المدار على صدق " الظلم " والمسألة بعد تحتاج إلى التأمل. الجهة السابعة: في رجوع المشتري الغارم لزيادة القيمة السوقية على البائع في مفروض المسألة إذا تلف المال عند المشتري، وقد اشتراه بمائة، ثم رجع إليه المالك وقد ازدادت قيمته السوقية، فأخذ منه الألف، لقاعدة " على اليد... " أو كان ما اشترى به أقل من قيمته الواقعية، فرجع إليه المالك بها، فهل يرجع إلى البائع الغاصب في تلك


1 - كتاب الإجارة من تحريرات في الفقه للمؤلف (قدس سره) مفقود.

[ 432 ]

الزيادة، فيرجع إليه بتسعمائة مثلا، أو لا يرجع إليه؟ وجهان، بل قولان. والتحقيق هو التفصيل، فإنه إذا كان البائع الغاصب عالما بغصبية ما في يده، فيرجع إليه، سواء كان عالما بوقوع المشتري في الخسارة، أو غير عالم، وسواء كان مريدا بذلك إيقاعه فيها، أم لا، وإن كان الحكم في الصورتين الأخيرتين - خصوصا الثانية - أظهر، وإذا كان جاهلا بغصبية ما باعه فلا شئ عليه، والوجه قد اتضح بما أشرنا إليه أخيرا، وبما أوضحناه في قاعدة نفي الضرار، فليتدبر جيدا. ثم إنه يجوز للمالك المراجعة إلى الغاصب، لقاعدة " على اليد... " أيضا، وفي جواز مراجعته إليه في الزيادة السوقية التي حصلت تحت سلطان المشتري، وعدم جوازه، وجهان مضى سبيلهما سابقا. وحيث إن جواز المراجعة إلى كل واحد من البائع والمشتري، وأخذ الثمن من كل واحد منهما، مع كون العين التالفة واحدة، يستلزم الإشكال العقلي، وأنه في تعاقب الأيادي كيف يمكن الالتزام باشتغال الذمم الكثيرة بالنسبة إلى شخص واحد لأجل عين واحدة؟! فلابد من تحرير المسألة وحل معضلتها، كما عليه بناء الأصحاب (قدس سرهم) هنا، وقد واعدناكم فبلغ أجله، وعلينا الوفاء به.

[ 433 ]

البحث عن مسألة تعاقب الأيادي فنقول: البحث حول مسألة تعاقب الأيادي يقع في جهات: الجهة الاولى: حول شبهة عقلية في مسألة تعاقب الأيادي فيما قيل أو يمكن أن يقال إشكالا على معقولية اشتغال الذمم المتعددة لشخص واحد مع وحدة المال: فيقرر تارة: بأن للشئ الواحد بدلا واحدا، فكيف يعقل كونه في ذمة الأشخاص الكثيرين (1)؟! واخرى: يقرر بأن الضمان ليس معناه إلا اعتبار كون ما وقع تحت اليد على ذي اليد، فإذا كان ذلك واحدا فكيف يعقل كثرتها بكثرة الأيادي الكثيرة؟! فإنه يستلزم كون الواحد في الأمكنة المتعددة (2). وبين التقريرين فرق واضح، ضرورة أن عنوان " البدل " ولو كان


1 - نهج الفقاهة: 276، حاشية المكاسب، المحقق الأصفهاني 1: 194 / السطر 16. 2 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 148 / السطر 15 - 16، نهج الفقاهة: 276. (*

[ 434 ]

مضافا إلى المال الشخصي، كلي بخلاف العين الشخصية، فإنها غير قابلة للصدق على الاخرى. وثالثة: بأن معنى الضمان هو تعهد العين الخارجية، كما في الكفالة، ولكن الأمر في الكفالة تكليف محض، بخلاف ما نحن فيه، وهذا يستلزم الامتناع (1) كما لا يخفى. وأنت خبير أولا: بأن مفهوم " البدل والعوض " ليس مأخوذا في دليل المسألة حتى يتمسك بأن بدل الشئ الواحد لا يكون إلا واحدا، بل غاية ما يمكن أن يستفاد منه عنوان " القيمة " و " المثل " كما عن المشهور، وهذان العنوانان قابلان لأن يكونا متعددين. بل مفهوم " البدل والعوض " أيضا يحمل على الكثير واقعا على البدلية. ولو أشكل الأمر من جهة عدم صدقه واقعا، ولكنه لا ينافي إمكان صدقه اعتبارا وادعاء للأثر المقصود. وإن شئت قلت: إن الموصول إشارة في القاعدة إلى العين الخارجية المأخوذة، فهي تورث اشتغال ذمة ذي اليد بمماثل. وثانيا: مبنى الإشكال على أن المفروض المرسل إرسال المسلم، أن صاحب المال لا يستحق إلا بدلا، وليس له المراجعة إلى الأيادي المتعاقبة بالجمع بين الأعواض والأبدال، وحيث إن الحكم المزبور مسلم فيورث إشكالا وعويصة. ولكنه محل التأمل، فإن الالتزام بذلك أولا: غير بعيد، كما التزموا في


1 - لاحظ البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 2: 327 - 328 و 354 - 355.

[ 435 ]

الإجارة بأن من استأجره المستأجر لحمل متاعه المعين إلى بلد كذا، فأتاه الأجير، ولكنه اشتباها وغفلة أعطاه المال الآخر، وأرسله إلى بلد آخر، فإنه يستحق اجرتين: اجرة المسمى، واجرة المثل، مع أن الأجير لا يكون له إلا حظ واحد. وإن شئت قلت: إنه لا يملك إلا منفعة واحدة، على تسامح في التعبير. وبالجملة: قاعدة اليد غير عقلائية، ولا بأس بالالتزام بما يلزم منها، لعدم صحة الاستبعاد مع اقتضاء الدليل، كما لا يخفى. وثانيا: ما هو المفروغ عنه هو عدم استحقاقه لأكثر من بدل واحد، وهذا لا يستلزم عدم اشتغال الذمم الكثيرة بالأبدال. وبعبارة اخرى: قرار الضمان على الكل لا يعقل، لا الضمان، فلا مانع عقلا من ذلك بعد اقتضاء السبب تعدد المسبب. وبعبارة ثالثة: لو ورد النص ب‍ " أن الأيادي المتعاقبة ضامنة، وعلى كل واحد منهم رد العوض والبدل " فإنه كما لا يمكن طرحه بدعوى: أن بدل الواحد واحد، كذلك لا يطرح بدعوى: أن اشتغال الكثير بالواحد ممتنع، بل مقتضى هذا النص اشتغال الكل بالأمثال والقيم، ووجوب الأداء على كل واحد، فإذا اقتضى دليل تعدد الضمان ذلك، وقلنا بعدم استحقاقه لأكثر من واحد، فلابد من الجمع بين الدليلين، وتكون النتيجة ضمان الكل، ولكن قرار الضمان على واحد، أي لا يتحقق إلا أن يرجع إلى واحد. ولعمري، إنه لا عويصة في المسألة حتى يحتاج إلى التدبر، وبعدما أسمعناك تقدر على أن تحيط خبرا بما في صحف الآخرين، ولو شئنا كشف النقاب عما قيل وقالوا في الباب لخرج الكتاب عن الصواب.

[ 436 ]

إن قلت: اعتبار الضمان الكثير مع الاستحقاق الواحد لغو، فلابد من أن يقال: بأن من هو الضامن هو الذي يرجع إليه في علمه تعالى، والباقين ليسوا ضامنين. وإن شئت قلت: لا واقعية له حتى يكون معلوما له تعالى، ولكنه إذا رجع إليه يكشف عن فعلية الضمان آنا ما قبل المراجعة، فالاستيلاء يكون مقتضيا لأن يصير من يرجع إليه المالك ضامنا بالفعل على النحو المزبور. قلت: لا حاجة إليه بعد عدم لغويته، لأن الاعتباريات قائمة بكونها ذات نتاج وثمرة، ولكن ليس معناها أن سعتها وضيقها أيضا تابعة لها، بحيث لو أمكن الاعتبار المناسب للغرض لكان هو المتعين. مع أن مقتضى الدليل كما يأتي ذلك. محذور ملكية المالك لجميع الأبدال مع اشتغال ذمم الكل وجوابه إن قلت: لو كان الكل ضامنا، وأعطى الكل بدل ماله، يجوز له التصرف فيه. قلت: هذا متوجه إلى من يقول: بأن هذه المسألة شبيهة بالواجب الكفائي، على بعض المسالك في تفسيره (1)، ومتوجه إلى من يقول: بأن عنوان " البدل والعوض " مضمون، فإنه من الطبيعي القابل للصدق على الكثير العرضي، ولا يتوجه إلينا، لما عرفت من أن الكل ضامن، وعلى


1 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 148 / السطر 25.

[ 437 ]

كل واحد قيمة التالف ومثله وبدله، الذي هو يتكرر لأجل إضافته إلى الأشخاص قهرا وطبعا، مع أنه ليس عنوانا مأخوذا على نحو الموضوعية، بل هو عنوان يشير إلى البدل الواقعي. وهو القيمة والمثل، بل ما هو المضمون هو الدينار في القيمي، والحنطة في المثلي، لا عنوانهما كما لا يخفى. ولكن المالك لا يستحق إلا أن يرجع إلى واحد، فإذا أتاه الكل بالقيمة في ساعة واحدة فهو لا يستحق إلا واحدا منها، وأما حكم سائر الأبدال مع الخلط بذلك الواحد فيعلم بالقرعة، لما تقرر من جواز العمل بها حتى في مورد لا واقعية له، فافهم وتأمل جدا. وبالجملة: هذه المسألة شبيهة بما إذا نذر جماعة إطعام زيد، فإنه يجب على كل واحد ذلك من غير تقييد في الهيئة، وإذا امتثل أحدهم يرتفع موضوع التكليف، ولا يعد هذا من الكفائي المصطلح عليه، بل هو واجب عيني، وفيما نحن فيه يجب رد المثل أو القيمة - عقلا أو عرفا وشرعا - على كل واحد منهم، وإذا قام أحدهم به سقط موضوع حكم الآخرين من غير تقييد في الهيئة، وفي النذر - بناء على مالكية المنذور له للمنذور على الناذر - يكون هو مالكا على كل واحد منهم إطعامه، ولكنه لا يستحق، بمعنى أنه لا يتمكن من الجمع، وهذا لا يستلزم تقييد الحكم الوضعي، لأن نيتجة ذلك تخييره العقلي في الرجوع إلى من شاء، وهكذا فيما نحن فيه. فتحصل: أن كل واحد من الأيادي ضامن بضمان على حدة غير ضمان الآخر، وعلى كل واحد منهم يجب تفريغ ذمته وجوبا عينيا، إلا أن الموضوع

[ 438 ]

لما كان ينتفي بامتثال أحدهم، لا يبقى لسائر المكلفين فرصة الامتثال، كما في قضاء الولي عن أبيه، فإنه واجب عليه عينيا، ولكنه يسقط بأداء الآخر، فما اشتهر في تفسير الواجب العيني، غير موافق للتحقيق، كما ذكرناه في الاصول (1). عدم عقلائية قاعدة " على اليد... " والذي يسهل الخطب: أن ما اشتهر من وحدة العوض والبدل مع كون المعوض واحدا، صحيح بالنظر إلى الحكم العرفي وبناء العقلاء، وحيث إن قاعدة اليد ليست عقلائية بالضرورة خلافا لبعض المحصلين (2)، فلا منع من الالتزام بلازمها غير العقلائي. مثلا: إذا انتقلت العين المغصوبة من يد الغاصب إلى الأيادي الاخر الغافلة عن حالها، ثم رجعت إلى يد الغاصب الأول، لا يرجع من له حظ قليل من العقل إلى غير الغاصب، مع أن فتوى المشهور على جواز الرجوع إلى الكل حتى مع بقاء العين، وليس ذلك إلا لأجل تخيلهم أن مفاد قاعدة اليد ذلك، فعليه كما ترى استبعاد العرف ذلك، ولا يعتني به، كذلك الأمر فيما نحن فيه، فتنحل الشبهة من رأس.


1 - تحريرات في الاصول 4: 52 - 53. 2 - حاشية المكاسب، المحقق الخراساني: 82.

[ 439 ]

حول حل الشبهة بناء على اشتغال الذمة بنفس العين وربما يقال: إن الشبهة لاترد على مسلك من يقول باشتغال الذمة بنفس العين، وإن العين بعد تعلق اليد بها تصير في الذمة (1)، لأنه لا يكون الأشخاص المختلفون مشغولة ذممهم إلا بعين واحدة شخصية، ويجب على كل واحد منهم ردها إلى صاحبها، كما في باب الكفالة، وهذا هو مختار العلامة المحشي الخراساني (رحمه الله) (2) وتلميذه الأصفهاني (رحمه الله) (3). وأنت خبير: بأنه لا يتقوم باختيار المسلك المزبور، بل لك دعوى اشتغال الذمة في اليد بالمثل أو القيمة، إلا أن للشئ الواحد مثلا واحدا، فيكون اشتغال الذمم المتعددة بالشئ الواحد، وهو مثل التالف، ولا يتكثر ذلك بتكثر الأيادي، كما في باب الكفالة لا يتعدد الإحضار بتعدد المتعهدين، لعدم إمكان تعدده، وهذا ما اختاره الوالد المحقق - مد ظله (4) -. وربما يتوجه إليهما الإشكال في تصوير اعتبار العين الخارجية في الذمة، وقد فرغنا عنه في محله.


1 - حاشية المكاسب، المحقق الخراساني: 37 - 38، حاشية المكاسب، السيد اليزدي 1: 96 / السطر 27 و 99 / السطر 25. 2 - حاشية المكاسب، المحقق الخراساني: 37 - 38 و 82 - 83. 3 - حاشية المكاسب، المحقق الأصفهاني 1: 194 - 195 / السطر 2. 4 - البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 2: 354 - 355.

[ 440 ]

وربما يتوجه إليهم الشبهة في أنه كيف يمكن التكاليف الجدية الكثيرة، مع عدم إمكان تكثر المكلف به؟! وهو أيضا قد علمت منا حلها، وذكرنا مثاله في نذر جماعة لأمر واحد غير قابل للتكرار (1)، ومثاله الآخر القضاء على الولي، فإنه واجب. وأما ما هو الحجر الأساسي: فهو أن اعتبار العين الخارجية في الذمة، ليس بدليل آخر غير قاعدة اليد، فإذا تعدد مصداقها حسب تعدد الأيادي، يتعدد الاعتبار قهرا، حفظا لإطلاق السبب، فيكون في ذمة كل واحد عين على حدة، وعند ذلك ربما يصبح الأمر أشكل، لأن الالتزام بتعدد الأمثال ممكن، لأن للشئ الواحد أمثالا متعددة في الصورة النوعية، وفي القيمة السوقية، ولا يتعدد شخص العين، فيعلم من ذلك: أن المسلك يورث صعوبة الأمر على أربابه، ولا ينحل به الشبهة كما لا يخفى. هذا كله تمام البحث بناء على مسلك القوم في تفسير هذه القاعدة. عدم تعدد الضمان على مسلكنا مع تعاقب الأيدي وأما بناء على المختار، من أنها لا تفيد إلا أمرا معقولا عرفيا: وهو أن المأخوذ في عهدة الآخذ، فيجب عليه حفظه إلى أن يرد إلى صاحبه، ويكون دركه إذا عاب ونقص عليه، وأما مع التلف فهي ساكتة عنه أصلا، فلا يتعدد الضمان.


1 - تقدم في الصفحة 437.

[ 441 ]

وتوهم: أنه إذا نقص في اليد الاولى، ثم انتقلت العين إلى الاخرى، يجب على كل واحد تدارك الناقص، في غير محله، لأن الضرورة قائمة على أن الأمانة إذا عابت في يد الأمين بلا تعمد وتفريط لا يضمن، فإذن لا يكون الضامن إلا من خرج عن شرط المحافظة، وهو لا يكون إلا أحدهما كما لا يخفى. إن قلت: قضية الأخبار السابقة ضمان كل واحد من الغار والمغرور للزوجة، مع أنها لا تستحق إلا مهرا واحدا، فتأتي الشبهة السابقة هنا. قلت: قد فرغنا عن ذلك، وذكرنا أن تضمين الغار باعتبار استقرار الضمان عليه، وأن المهر خرج عن كيسه، ولايكون مفادها ضمان كل واحد منهما عرضا (1)، خلافا لما استظهره الوالد المحقق - مد ظله - منها (2). دلالة قاعدة " على اليد... " على الحكم التكليفي خاصة وسقوط الاستدلال بها ولا يخفى: أن استفادة الحكم الوضعي من قاعدة اليد مماشاة مع القوم، وإلا فالذي يظهر لي أنها ليست - بمقتضى الغاية - إلا قاعدة تكليفية، ضرورة أن المفروض فيها بقاء العين عند إيجاب الرد، فما أفاده القوم: من أنها سيقت لإفادة إيجاب رد العين عند التلف، فتكون مورثة


1 - تقدم في الصفحة 400 و 409. 2 - البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 2: 340 و 354.

[ 442 ]

للضمان، فهو خارج عن مفادها. فبالجملة: بعد كونها غير عقلائية قطعا، وبعد ذلك الأمر الذي اشير إليه، وبعدما نرى من عدم دلالة الجار والمجرور على الضمان إلا استظهارا، فلا أقل من الشبهة، فتسقط القاعدة، وتنحصر أسباب الضمان بغيرها، فلا تخلط. هذا مع أنه سيظهر لك بعض الجهات المؤدية إلى عدم دلالتها على الضمان بالوجه الذي فهمه القوم منه. إن قيل: بناء عليه لا دليل على ضمان اليد. قلت: ضمان اليد في الجملة عقلائي، كما في يد الغاصب، وهذا كاف، وفيما سواه لا نبالي بالالتزام به. مع أن في بعض المواقف الاخر التي التزم فيها المشهور بالضمان، يشارك تلك القاعدة بعض القواعد الاخر التي تكون هي المؤولة، كما في المقبوض بالعقد الفاسد، فإن دليل الضمان هناك عندنا قاعدة الإقدام، لا قاعدة اليد. مع أنك أحطت خبرا بما في سندها، واختلاف نسخها (1)، فلا ضير في إسقاطها عن صفحة الضمانات أصلا.


1 - تقدم في الجزء الأول: 186.

[ 443 ]

الجهة الثانية: حول دلالة " على اليد... " على جواز رجوع المالك إلى كل يد من السلسلة لو سلمنا دلالتها على الضمان، وقلنا بإمكان اشتغال الذمم الكثيرة بالشئ الواحد ثبوتا، فلابد من الفحص عما يقتضيه إثباتا، فالذي هو المعروف عنهم دلالتها على جواز رجوع المالك إلى كل واحد من الأيادي (1). وأنت خبير: بأن محتملات القاعدة من هذه الجهة أيضا كثيرة: فمنها: أنها تفيد ضمان المأخوذ على الآخذ، سواء أخذ من المالك أو غيره، حتى يؤدي المأخوذ بعينه أو بمثله وقيمته إلى مالكه، أو المأخوذ منه. ومنها: أن الضمان منحصر بما إذا اخذ من المالك، ويؤديه إليه. والاحتمال الثالث: ما اختاره المشهور، من أن المأخوذ مضمون على الآخذ - سواء اخذ من المالك أو غيره - إلى أن يؤديه إلى مالكه. وسائر الاحتمالات يعلم من الاحتمالات المزبورة. فإن أمكن استفادة المعنى العام من الصدر وهو قوله: " على اليد ما أخذت " من مالكه أو غيره، يمكن ضمان الأيادي المتعاقبة، وإلا فلا،


1 - شرائع الإسلام 3: 185، قواعد الأحكام 1: 202 / السطر 18، مفتاح الكرامة 6: 229 / السطر 7، جواهر الكلام 37: 33.

[ 444 ]

وحيث إن ذيله - وهو قوله: " حتى تؤديه " - ظاهر في المعنى الخاص، وهو الأداء إلى المالك، لا الأعم منه، وإلا يلزم إما ضمان اليد الثانية بالاولى والمالك برد العوضين وتدارك الغرامتين، أو سقوط ضمانه بالنسبة إلى المالك برده إلى اليد الاولى، وكلاهما غير مرضي عندهم، فيتعين كون الصدر أيضا ظاهرا في المعنى الخاص، أي على اليد ما أخذت من مالكه حتى تؤدي إليه، فلا تكون اليد الثانية والثالثة ضامنة. ثم إن ما هو المغروس العقلائي والمعروف بالفارسية (دست دست را مىشناسد) عدم ضمان اليد الثانية إلا بالاولى وإن كان يعرف المالك، وبناء عليه لا يجوز للمالك الرجوع إلا إلى اليد الاولى، دون غيرها. فتحصل: أن ما اشتهر من جواز مراجعة المالك إلى كل واحد من الأيادي الواردة على ماله، غير مبرهن، وغير عقلائي، أما أنه غير مبرهن فلأن من المحتمل القوي أن الصدر يكون ظاهرا في كون المأخوذ منه مالكا أو ذا حق، وأما أنه غير عقلائي فلما اشير إليه. وبالجملة: لو سلمنا دلالتها على ضمان جميع السلسلة بالنسبة إلى المالك، فلا نسلم دلالتها على استحقاق المالك للرجوع إليهم، ودعوى الملازمة ممنوعة. نعم، يجب على الضامن أداء دينه في أي زمان شاء، قضاء لحق الضمان. فعلى ما تقرر ينحصر الضامن في السلسلة باليد الاولى، ولايجوز

[ 445 ]

للمالك المراجعة إلا إليها، وإذا رجع إليها، وأخذ العين ببدلها الواقعي، فإن قلنا: بأن باب الغرامات من المعاوضات العرفية، فيكون التالف في الاعتبار ملكا للضامن، وهو مبدأ السلسلة، فتكون اليد الثانية واردة على ملكه إما بالانقلاب، أو بالكشف ادعاء واعتبارا يصح للاولى والسابق الرجوع إلى اللاحق إلى آخر السلسلة، فيبقى الضمان على من تلفت في يده. ولكن الالتزام بذلك مشكل جدا، ومجرد ذهاب " الجواهر " والسيد (قدس سرهما) (1) إليه، لا يكفي، بل باب الغرامات تفريغ الذمة بأداء المثل والقيمة، ولاسيما على مسلكنا من أصالة تخيير الضامن، من غير لزوم مراعاة رضا المضمون له، أو رضا الآخر، فكيف تكون معاوضة؟! مع أن مجرد كون الفسخ ممكنا مع تلف أحد العوضين، لا يجوز إمكان ذلك في العقد الابتدائي، فإنه غير مساعد عليه العرف. اللهم إلا أن يقال: إنه حد متوسط بين الفسخ والعقد، فتأمل جيدا. وسيأتي زيادة توضيح حول ذلك في الجهة الآتية إن شاء الله تعالى. الجهة الثالثة: حول جواز رجوع السابق إلى اللاحق دون العكس قد اشتهر بين الأصحاب في مسألة تعاقب الأيادي - بعد تسلم جواز مراجعة المالك إلى الكل - أن كل سابق ومأخوذ منه، يجوز له


1 - جواهر الكلام 37: 34، حاشية المكاسب، السيد اليزدي 1: 186 / السطر 12.

[ 446 ]

الرجوع إلى اللاحق والآخذ في السلسلة، ولا عكس (1)، ونتيجة ذلك استقرار الضمان على من تلف المأخوذ في يده وتحت سلطانه، إلا فيما كان السابق غارا، أو أتلفه، فإنه إما لا يرجع إلى اللاحق، أو لو رجع إليه - أخذا بقاعدة اليد - فله الرجوع إليه، أخذا بقاعدة الغرور والإتلاف. وربما يشكل: بأن الأمر كذلك بالنسبة إلى المغرور، فإنه لو رجع المالك إلى الغار لقاعدة اليد، فرجوع الغار إلى اليد اللاحقة غير موجه، وإذا رجع المالك إلى اليد اللاحقة وهي المغرور، فله الرجوع إلى الغار، ولكنه في صورة إتلاف اليد السابقة، فلا منع من الالتزام برجوع المتلف إلى اللاحق، أخذا بقاعدة اليد، فيستقر الضمان على من تلف عنده، فالاستثناء الثاني محل إشكال إطلاقه. وهكذا الأول إذا كانت اليد الثانية غارة بالنسبة إلى الثالثة، دون الرابعة، فإنه إن رجع المالك إلى الغار فله الرجوع إلى الرابعة، فإنها ليست مغرورة لها، فيكون استقرار الضمان حينئذ على الرابعة والذي تلف عنده. وهكذا إذا رجع المالك إلى المغرور في السلسلة، فله الرجوع إلى الغار، وإذا رجع إليه فله الرجوع إلى المتأخر عن المغرور، فيستقر الضمان على من تلف عنده.


1 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 148 / السطر 26 وما بعده، منية الطالب 1: 302 - 303، حاشية المكاسب، السيد اليزدي 1: 184 - 185.

[ 447 ]

هذا، وتوهم إمكان التمسك بقاعدة الإتلاف بعد مراجعة المالك إلى من تلف عنده، لأنه في الاعتبار بعد الاغترام قد أتلف مال من تلف عنده، فيكون ضامنا، فاسد لا يحتاج إلى الدليل. وتوهم: أنه لا يتصور كون الثانية غارة للثالثة دون الرابعة، لأن معنى " الغرور " هنا هو تغرير الجاهل بتسليطه على المال حتى يتلف عنده، فإذا كان المفروض تلفه عند الرابعة فلا تكون غارة بالنسبة إلى الثالثة، في غير محله، لأنه بمجرد التسليط يصح للمالك الرجوع إليه، فإذا رجع إليه يكون متضررا لأجل تغرير الثانية. نعم، له المراجعة إلى الثانية لقاعدة الغرور وإلى الرابعة لقاعدة اليد. هذا تمام الكلام فيما يتعلق بالمستثنى. وأما البحث حول المستثنى منه فطويل الذيل، لاختلاف المسالك في مفاد القاعدة، وأن اختلافها يورث الاختلاف في كيفية تضمين كل لاحق بالنسبة إلى السابق تارة، وبالنسبة إلى المالك اخرى. وحيث إن المفروض عدم استحقاق السابق من اللاحق شيئا كاستحقاق المالك، لعدم تعلق اليد اللاحقة بمال السابق، وإن المفروض عدم استحقاق المالك إلا عوضا واحدا، فيلزم الإشكال في استفادة الضمان بالمعنى الواحد منها، ضرورة أن قضية القول: بأن مفاد القاعدة انتقال العين إلى العهدة اعتبارا، ويكون ذو اليد مشغول الذمة بالعين بوجودها الاعتباري الباقي إلى الأبد، والساقط استحقاق المالك بأداء المثل والقيمة، هو اشتغال ذمة اللاحق بالسابق على

[ 448 ]

النحو المزبور، فتكون العين فيما تقع في اليد الثانية منتقلة إلى ذمة اليد المتأخرة مرتين في آن واحد: مرة لوقوعها على مال المالك، ومرة لوقوعها على المأخوذ من الاولى، ولا شبهة في أن ذلك واضح البطلان. فهربا من تلك الشبهة التزموا بأن معنى ضمان العين بالنسبة إلى المالك، هو اشتغال العهدة بها، ومعنى ضمان العين بالنسبة إلى اليد السابقة هو اشتغالها بالعين المضمونة، لأن هذه الصفة قد طرأت بعد استيلاء اليد الاولى على العين، فتكون اليد الثانية مستولية على العين الموصوفة، ومعنى اشتغالها بالعين المضمونة أن دركها على اليد الثانية إذا رجع المالك إليها. وأنت خبير: بأن معنى هذه القاعدة بناء على هذا المسلك، يكون مختلفا حسب الأيادي المختلفة، وهذا فاسد قطعا. فبالجملة: إذا بنينا على المقالة المعروفة عن الكاظمين المحشيين (قدس سرهما) (1) فلابد من الالتزام بأحد الأمرين: إما جواز رجوع السابق إلى اللاحق في عرض رجوع المالك إليه، فيخرج من كيسه مثلان، أو التفكيك بين مفاد القاعدة بحسب المورد. وتوهم: أن القاعدة تقتضي الأول، ولكن بطلانه الضروري يؤدي إلى التقييد بصورة مراجعة المالك إليه، غير سديد. هذا مع أن تضمين العين المضمونة - إذا كان معنى الضمان أمرا تنجيزيا لا تعليقيا - يورث


1 - حاشية المكاسب، المحقق الخراساني: 82 - 83، حاشية المكاسب، السيد اليزدي 1: 96 / السطر 26، و: 99 / السطر 25.

[ 449 ]

كون الوصف مورد الاشتغال بالنسبة إلى المالك إن كان من الأوصاف المتمولة، وإلا فلا يفيد شيئا. هذا، وأما على مسلك المشهور - من اشتغال الذمة بالمثل والقيمة، ومن أن معنى الضمان هو الابتلاء بهما عند التلف، فيكون ذو اليد بعد تعلق اليد بالعين ضامنا، ومعنى ضمانه، ذلك - فالأمر أقل إشكالا، ولكنه يلزم منه أيضا التفكيك، ضرورة أن اليد الاولى تورث ضمان المثل والقيمة إذا تلفت العين، واليد الثانية تورث ضمان الضمان، بمعنى أنه إذا تدارك الخسارة، ورجع المالك إليها، فعلى اليد الثانية جبرانها، بداهة أن معنى ضمان اليد الثانية لضمان الاولى ذلك. وأنت خبير أولا: بأن الاولى والثانية مشتركة في وقوعهما على العين الشخصية الخارجية، فكيف يكون مفاد القاعدة في الثانية بالنسبة إلى المالك، ضمان العين إذا تلفت، ومفادها بالنسبة إلى اليد الاولى ضمان الضمان المتعلق بالعين، فهل هذا إلا الجزاف المستند إليها؟! وهل هذا إلا أنهم في مقام تصحيح أمر مفروض خارج عن القاعدة، مريدين إدراجه فيها، واستفادته منها؟! فعلى ما تقرر لا يعقل كون الدليل الواحد بعد وحدة السبب - وهو الاستيلاء على الشئ - مختلف المضمون والمفاد، ولا مختلف الأثر والنتيجة. وثانيا: مجرد اتصاف العين بوصف، لا يلزم منه اشتغال ذمة ذي اليد بذلك الوصف، بل لابد من كونه من الأوصاف المتمولة، ووصف الضمان وأنه عين لها بدل ليس منها، ضرورة أن الأوصاف المقومة

[ 450 ]

ترجع فائدتها إلى مالكها، مع أن العين إذا وصفت بذلك الوصف فرجعت إلى مالكها، يزول منه هذا الوصف كما لا يخفى. فتحصل إلى هنا: أن الضمان بمعناه التقديري الذي يظهر من الشيخ الأنصاري (قدس سره) (1) وأوضحه الوالد - مد ظله (2) - خال من شبهات الكاظمين المحشيين (قدس سرهما) لأن أساسها على انتقال العين أو بدلها الفعلي إلى ذمة الأيادي، ولكنه أيضا ممنوع عقلا وعرفا، كما عرفت آنفا. فذلكة الكلام في المقام إن المقصود في مسألة تعاقب الأيادي ضمان جميع الأيادي للمالك، وضمان كل لاحق بالنسبة إلى السابق، وتجويز رجوع السابق إلى اللاحق قبل مراجعة المالك إليه، وعدم جواز مراجعة اللاحق إلى السابق، وأن يكون ضمان اللاحق بالنسبة إلى السابق والمالك، مجتمعين في زمان واحد وإن كانا في رتبتين، واستفادة هذه الأحكام من قاعدة " على اليد... " مشكلة، بل ممتنعة، ضرورة أن معنى " على اليد... " إن كان أن ذا اليد ضامن لما أخذه من المالك، أو ضامن لما أخذه من المالك أو غيره، فلا يثبت المدعى، لأن على الأول ليس ضامنا لليد الاولى وعلى الثاني ليس ضامنا للمالك. وإن كان معناه أن من استولى على مال الغير فهو ضامنه، فلا يضمن


1 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 148 / السطر 28 وما بعده. 2 - البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 2: 363 - 366.

[ 451 ]

لليد الاولى. وإن كان معناه أن من استولى على شئ فهو ضامنه، فهو مهمل لا يمكن إطلاقه، لعدم الجامع غير المنطبق إلا على المالك واليد الاولى. وإن كان معناه أن من استولى على شئ، فهو ضامن لمن كان مستوليا عليه قبل ذلك، فيلزم ضمانه لليد السابقة على يد المالك، وهو واضح المنع. وأما إرجاعها بالنسبة إلى اليد الاولى إلى مفاد آخر: وهو تضمين الضمان، فهو أفحش فسادا، لعدم معقولية دلالة دليل واحد في الاستيلاء الواحد على المعنيين المختلفين. وإن كان معناه أن المأخوذ مضمون، فلابد من إثبات الإطلاق للمأخوذ منه حتى يشمل غير المالك، ولكنه يلزم منه خروج المالك في المسألة، لأنه ليس مأخوذا منه، للملازمة بين المأخوذ والمأخوذ منه عقلا وعرفا، أي قضية التضايف لزوم المأخوذ منه حتى يصح أن يقال: " المأخوذ مضمون ". وأما حمل عنوان " المأخوذ " على الإشارة، فهو ليس احتمالا وراء بعض ما سبق. وتوهم: أن الضمان في تعاقب الأيادي وإن لم يمكن على النحو المشهور، ولكن لنا دعوى صحة رجوع السابق إلى اللاحق بعد مراجعة المالك إليه، فإنه - قضاء لحق المعاوضة القهرية - يصير

[ 452 ]

التالف معوض المثل، فيكون ضمانه على اللاحق (1)، فاسد، لما عرفت منا سابقا: من أن باب الغرامات ليس باب المعاوضات عرفا (2) ولو أمكن عقلا في الاعتبار. هذا أولا. وثانيا: لا يكفي مجرد المعاوضة لصحة رجوع السابق إلى اللاحق، بل لابد من إثبات وقوع اليد الثانية على مال السابق، وهذا بحسب الواقع غير ممكن. نعم، يمكن دعوى الانقلاب الماضي في الفضولي، ولكنها غير مسموعة هنا، للحاجة إلى الدليل المتصدي لاعتبار الانقلاب أولا، ثم شمول " على اليد... " للتضمين ثانيا. وتوهم كفاية " على اليد... " لذلك، فاسد جدا، للزوم تعرضه لموضوعه. وهذا ليس من قبيل ما قيل في الإخبار مع الواسطة، لاختلاف القضيتين انحلالا، وهنا نريد شمول " على اليد... " لرأس السلسلة بإثبات موضوعه تعبدا، أو اعتبارا انقلابيا، وهذا نظير أن يتخيل إثبات الموضوع لصدق " العادل " في رأس السلسلة في المسألة المشار إليها. فتحصل: أنه لابد من المصداق الوجداني أولا حتى يمكن ذلك التخلص ثانيا وثالثا، وهذا هنا غير ممكن، لأن ما هو الوجداني أجنبي عن مسألتنا، وما هو المقصود إثباته ليس مسبوقا بالمصداق الوجداني،


1 - حاشية المكاسب، السيد اليزدي 1: 186 / السطر 15. 2 - تقدم في الصفحة 445.

[ 453 ]

فافهم واغتنم. توهم وقوع المبادلة في بعض أنحاء الغرامات وجوابه لا يقال: الظاهر وقوع التبادل في بعض أنحاء الغرامات، كما إذا وطأ الحيوان، أو أتلفه وقتله، أو أتلفه بتلف عرفي كالغرق ونحوه، فغرم لصاحبه، فإن الحيوان وجثته للغارم عرفا، بل قد مضى أنه مستفاد من بعض الأخبار الواردة في تغريم الواطئ (1)، ومنه يعلم عمومية ذلك في سائر المواضيع. لأنا نقول أولا: لو رجع الحيوان المقتول والمائت إلى الحياة الدنيوية، فالعرف يرى أنه راجع إلى مالكه الأول، وقد مضى أن جمعا منهم قالوا في التلف العرفي: بأنه بعد الاستيلاء على العين الغائبة يجب عليه إرجاعها إلى صاحبها ومالكها، ويكون ما أدى إليه بدل الحيلولة. وثانيا: لا منع من الالتزام بأن في هذه المواقف، نوع إعراض وصلح ورفع يد عن حق الاختصاص، كما لا يخفى. وثالثا: القضايا الجزئية ليست دليلا على الكبرى الكلية، ولا شبهة في أن باب الغرامات ليس معاوضة، لا قهرية، ولا اختيارية، وفي هذه الأمثلة نلتزم ببقاء العين التالفة شرعا أو عرفا أو هما معا، فلا تخلط أصلا. ثم اعلم: أن قضية وقوع المعاوضة القهرية بين العين التالفة وعوضها، أن اللاحق يجوز له الرجوع إلى السابق، لأن يده وقعت على


1 - تقدم في الصفحة 421.

[ 454 ]

ماله. وتوهم أن اعتبار العين التالفة ملكا لمن رجع المالك إليه حيثي، فيترتب الأثر بالنسبة إلى اللاحق دون السابق، واضح المنع، لعدم الوجه للتفكيك، وسيأتي بعض الكلام حول هذه المعاوضة في الوجوه الآتية. هذا كله تمام البحث حول عمدة المسائل والوجوه المزبورة في مسألة تعاقب الأيادي، وعرفت قصورها كلها عن إثبات جواز رجوع السابق إلى اللاحق مطلقا، لا في عرض المالك، ولا في طوله. إشارة إلى أهم الوجوه المذكورة على جواز رجوع السابق إلى اللاحق وهنا بعض وجوه اخر مسطورة في المفصلات نشير إلى أهمها إجمالا: أحدها: ما يظهر من مطاوي كلمات الفقيه اليزدي المحشي (قدس سره) مع اضطراب فيما تخيله في المقام: وهو أن قضية المعاوضة في باب الغرامات قيام الغارم مقام المالك، ومعنى هذا القيام ترتب آثار وأحكام المالك عليه، ومنها جواز مراجعته إلى اللاحق (1). إن قيل: السيد (قدس سره) يعتبر المعاوضة والنقل والانتقال بين العوض والعين التالفة، كما هو صريح كلامه، وهو الوجه الذي مر تفصيله. قلنا: نعم، ولكن بعدما عرفت الشبهات الكثيرة - عقلية وعقلائية - على ما مر، وكان في كلماته ما يشبه أنه يدعي القيام والتنزيل في المقام مقام المالك بعد أداء العوض في رجوعه إلى اللاحق، يمكن حمل


1 - حاشية المكاسب، السيد اليزدي 1: 186 / السطر 16.

[ 455 ]

كلامه على ذلك. ولكنه أيضا باطل، لأن قضية القيام مقامه عدم رجوعه إلى اللاحق، لأن المالك بعد رجوعه إلى اليد الاولى لا يستحق المراجعة إلى الغير، فلا يستحق النائب منابه أيضا، ولو استحق ذلك فيستحق اللاحق أيضا من غير فرق أصلا. هذا، مع أن وجدان كل أحد يحكم بأن مسألة الغرامات، ليست من مصاديق النيابة والتنزيل، بل الغارم يسقط ذمته بأداء العين بمثلها وقيمتها، وجواز رجوعه بعد ذلك - لأجل أنه نائب مناب المالك - يحتاج إلى دليل آخر. وأما توهم: أن التنزيل لازم المعاوضة القهرية، فإذا حصلت هي بين العين التالفة والمثل أو القيمة، يجوز لليد الاولى المراجعة إلى كل واحد من السلسلة (1)، فهو - مضافا إلى فساده الظاهر، لأنه مجرد دعوى بلا دليل، ويرد عليه الإشكالات السابقة على أصل المعاوضة وعلى النيابة - يتوجه إليه: أن اليد الثانية لا يصح لها الرجوع إلى اللاحق، لعدم تحقق المعاوضة المزبورة هنا. اللهم إلا أن يدعى حصولها في جميع السلسلة بين العوض وعوض العوض. ولعمري إنه لا حاجة إلى تلك الأباطيل، بعد عدم كون المسألة إجماعية عند الأقدمين. ثانيها: أن الظاهر من قاعدة " على اليد... " هو تضمين من أخذ مال


1 - حاشية المكاسب، السيد اليزدي 1: 186 / السطر 16.

[ 456 ]

الغير للمالك، ولمن استولى على مال الغير، وذلك لأن المضمون له مسكوت عنه فيها. وسقوط الضمان بالأداء إلى المالك - حسب فهم العرف - لا يورث انحصار المضمون له بالمالك، فإن قلنا: بأن مفهوم " الضمان " معنى تعليقي، كما عن المشهور، واختاره الشيخ (1)، والسيد الوالد (2) - عفي عنهما - فيستلزم ضمانه بالنسبة إلى المالك، أنه إذا تلفت العين عليه المثل والقيمة، وبالنسبة إلى اليد الاولى أنه إذا تلفت ورجع المالك إليها، فهي ضامنتها. وإن قلنا: بأن مفهوم " الضمان " معنى منجز، كما عن جماعة آخرين، وهو الظاهر من قولهم: " من أتلف مال الغير فهو له ضامن " وقلنا: بأن المضمون نفس المأخوذ بوجوده الاعتباري، فتكون اليد الثانية ضامنة لكل من المالك واليد الاولى، ونتيجة ذلك جواز رجوع السابق إلى اللاحق حتى قبل مراجعة المالك إليه، وإذا رجع السابق إلى اللاحق حصلت الغاية، فلا يستحق المالك إلا الرجوع إلى السابق. اللهم إلا أن يقال: بأن حصول غاية الضمان بالنسبة إلى الاولى، لا يورث سقوطه بالنسبة إلى المالك، نعم لمكان العلم الخارجي بعدم تعدد الاستحقاق، يعلم بالسقوط. أقول: قضية هذا التقريب عدم استحقاق المالك للرجوع إلى اليد الثانية بعد مراجعة الاولى إليها، وهذا خلاف ما هو المشهور عنهم


1 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 102 / السطر 1 و: 148 / السطر 16. 2 - البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 2: 376.

[ 457 ]

في تعاقب الأيادي. وأيضا: يلزم شمول " على اليد... " لتضمين الأيادي السابقة على يد المالك، لأنهم أيضا مستولون على العين، وهذا ضروري البطلان. وحصول الغاية برجوع العين إلى المالك، لا يورث قصورا في شمولها الابتدائي، كما لا يخفى. هذا مع أن وجدان كل أحد يجد أن مفاد " على اليد... " - بلحاظ الغاية، وهو الأداء إلى المالك، وبلحاظ الصدر، وهو الاستيلاء على هذا مع أن وجدان كل أحد يجد أن مفاد " على اليد... " - بلحاظ الغاية، وهو الأداء إلى المالك، وبلحاظ الصدر، وهو الاستيلاء على مال الغير، لا مطلق المال، وإلا يلزم شموله للمباحات - يكون ظاهرا في أنه إذا استولى على مال الغير فهو ضامن له، لا أنه ضامن له ولغيره الذي كان مستوليا عليه، فإنه أمر خارج عن مضمونه ومفاده بالضرورة. نعم، على مسلك المشهور يلزم التفكيك في المفاد، كما مر تفصيله، لأنهم يريدون من ضمانه بالنسبة إلى المالك ما لا يريدون من ضمان اليد الثانية بالنسبة إلى اليد الاولى. ولا يلزم التفكيك على ما هو المسلك الآخر، وهو ضمان المأخوذ. نعم، بناء عليه يلزم أن يورث الاستيلاء الواحد على العين، تعدد العين اعتبارا حسب تعدد المضمون له، وهو في حد نفسه وإن كان معقولا في افق الاعتبار، ولكنه أيضا ممنوع في كونه مندرجا في دلالة القاعدة... هذا آخر ما عثرنا عليه مما سطره يراع العلامة المحقق الشهيد طاب ثراه.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية