الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




الصوم - السيد مصطفى الخميني

الصوم

السيد مصطفى الخميني


[ 1 ]

تحريرات في الفقه كتاب الصوم تأليف العلامة المحقق آية الله المجاهد الشهيد السعيد السيد مصطفى الخميني قدس سره مؤسسة تنظيم ونشر آثار الامام الخميني قدس سره. بمناسبة الذكرى السنوية العشرين لشهادة العلامة المجاهد آية الله السيد مصطفى الخميني (قدس سره) هوية الكتاب * اسم الكتاب: كتاب الصوم * * المؤلف: السيد مصطفى الخميني (قدس سره) * * تحقيق ونشر: مؤسسة تنظيم ونشر آثار الامام الخميني (قدس سره) * * سنة الطبع: آبان 1376 - جمادى الثاني 1418 * * الطبعة: الاولى * * المطبعة: مطبعة مؤسسة العروج * * الكمية: 3000 نسخة * * السعر: 12000 ريال * جميع الحقوق محفوظة للناشر هذا الكتاب حلقة من الموسوعة الكبيرة الفقهية لاية الله الشهيد السيد مصطفى الخميني (قدس سره) المسماة ب‍ تحريرات في الفقه وقد طبع هذا الجزء سابقا بجهد من تلميذي المؤلف سماحة حجة الاسلام والمسلمين السيد محمد السجادي وسماحة حجة الاسلام والمسلمين الشيخ محمد علي رازي زاده شكر الله سعيهما. ونحمد الله تعالى على أن وفقنا لتحقيقه ونشره ثانيا في ضمن تراث المؤلف الشهيد طيب الله ثراه وقدس الله سره وحشره مع اجداده الطيبين الطاهرين والحمد لله رب العالمين. مؤسسة تنظيم ونشر آثار الامام الخميني (قدس سره) فرع قم المقدسة كتاب الصوم وهو مشتمل على مقدمة ومباحث وفصول:

[ 3 ]

مقدمة في تعريفه والبحث حوله يقع في جهات: الجهة الاولى: في مفاده اللغوي فقد اشتهر: أنه الامساك عن أشياء (1) أو أنه إمساك ما (2) وهما يرجعان إلى واحد، فما في القاموس (3) والمصباح (4) ليسا مختلفين. وعن ابن دريد: كل شئ سكنت حركته فقد صام صوما (5). وهذا غير صحيح إلا إذا اريد منه أنه كان فيه اقتضاء الحركة فسكنت، وإلا فهو يخالف الامساك، كما لا يخفى. وبالجملة: تفسيره بالامساك شائع في اللغة والكتب (6).


1 - رياض المسائل 1: 301 / السطر 21. 2 - السرائر 1: 364، الوسيلة: 139. 3 - القاموس المحيط 4: 143. 4 - المصباح المنير: 416. 5 - مستمسك العروة الوثقى 8: 192، جمهرة اللغة 2: 899. 6 - مجمع الفائدة والبرهان 5: 1، الحدائق الناضرة 13: 2، جواهر الكلام 16: 184.

[ 4 ]

وربما يشكل ذلك: بأن موارد استعمال الامساك غير مناسب لمفهوم الصوم، كقوله تعالى: (إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن ما يمسكهن إلا الرحمن) (1) وقوله: (ويمسك السماء أن تقع على الارض) (2). بل في سورة البقرة في آيات الطلاق (الطلاق مرتان فإمساك بمعروف) (3). وهكذا قوله: (فأمسكوهن). وقوله: (ولا تمسكوهن ضرارا) (4). وينحل: بأن الامساك المتعدي بنفسه، هو المراد في الكتاب في الموارد المزبورة، وهو بمعنى الحبس والمنع، والمتعدي ب‍ عن هو المراد من الصوم، كما في الاقرب (5) والصوم بالفارسية (خودداري) والامساك (بازداشتن) والامر بعد ذلك سهل. الجهة الثانية: في مفاده الاصطلاحي قد عرف في عرف الفقهاء بتعاريف كثيرة غير خالية من الاشكال، بل والاشكالات.


1 - الملك (67): 19. 2 - الحج (22): 65. 3 - البقرة (2): 229. 4 - البقرة (2): 231. 5 - أقرب الموارد 1: 670.

[ 5 ]

والذي هو المعروف بينهم: أنه الامساك عن المفطرات قربة لله تعالى (1). أو هو الكف (2). أو هو التوطين والحبس أي حفظ النفس عن المفطرات المعينة في الشرع (3). وأنت خبير: بأن هذه التعابير إذا كانت لافادة المعنى الشرعي، فلابد من أخذ الزمان الخاص فيه، وإلا فهذا ينطبق على الامساك في الليل، أو في بعض النهار. ولاجله عدل في التذكرة فقال: وشرعا الامساك عن أشياء مخصوصة من أول طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس (4) انتهى. وهو خال عن قيد القربة. ومع اشتماله عليه ربما يشكل: بأن الزمان ليس داخلا في ماهيته، كما في عبارات جمع، لان حقيقته هو الامساك عنها، سواء كان في الزمان، أو أمكن ذلك بلا زمان (5).


1 - العروة الوثقى 2: 166، كتاب الصوم. 2 - الروضة البهية 1: 186 / السطر 13، جواهر الكلام 16: 184، مستمسك العروة الوثقى 8: 192. 3 - رسائل الشريف المرتضى 3: 53، قواعد الاحكام 1: 63 / السطر 3، مستمسك العروة الوثقى 8: 192. 4 - تذكرة الفقهاء 6: 5. 5 - الصوم، الشيخ الانصاري: 16.

[ 6 ]

نعم، يعتبر شرعا كون الامساك عنها في الزمان الخاص، وهذا هو الظاهر من قوله تعالى: (ثم أتموا الصيام إلى الليل) (1) فإن ظاهره أخذ الزمان ظرفا وخارجا عن ماهيته. أقول: لاشبهة في أن لفظ الصوم كسائر الالفاظ، موضوع للمعنى الاعم على ما تقرر (2)، ولكن ذلك لا يستلزم كون المعنى الاعم مرادفا للمعنى العرفي واللغوي، فيكون على هذا عند الشرع، موضوعا للمعنى الاخر الاعم من الصحيح والفاسد، كما هو الظاهر والواضح، وعليه لابد من التفتيش عما هو داخل في حقيقته وما هو لاحق بها شرعا وشرطا. والذي هو الاظهر عندنا: أن الصوم ليس الزمان مقوما لماهيته، بل الزمان أمر لاحق بها، وشرط شرعي ملحق به. ويدل عليه: صحة صوم من كان يريد السفر قبل الزوال، فإنه لو كان متقيدا في ماهيته بذلك، كان ينبغي أن يعد باطلا إذا بدا له البقاء في محله. فما ترى من الفقيه الهمداني: من أن ترك الاصحاب تقييده بالزمان لوضوحه (3) في غير محله. وأما من حيث قصد القربة، فهو أيضا مثل الزمان داخل في ماهية العبادة، لا في حقيقتها الشرعية، وتمام البحث حول ذلك في كتاب


1 - البقرة (2): 187. 2 - تحريرات في الاصول 1: 258 - 265. 3 - مصباح الفقيه 14: 296.

[ 7 ]

الصلاة (1)، والصوم مثلها في ذلك، ولقد مر تقرير منا في أن قصد القربة والامر والامتثال أيضا داخل في محل النزاع في الصحيح والاعم فراجع (2)، لامكان أخذها في الموضوع له والمأمور به قطعا. وأما من حيث المفطرات، فلا شبهة في أن الامساك المطلق لا معنى له، بل لابد من إضافته إلى شئ، فأخذ شئ ما في متعلقه من الضروري عقلا، فهل ماهيته هو الامساك عن المفطرات ولو كان عالما بها إجمالا، أو كان يشير إليها بالعنوان، كما هو الظاهر من الاعلام طرا (3)، أم هو الامساك عن مفطر ما، وأما لحاظ المجموع فهو ليس من قيود ماهيته، بل هو من أحكامه؟ وبعبارة اخرى: كما أن الصلاة هي الاجزاء الخاصة، ولا يلزم على المصلي إلا قصدها، وإذا أحرم بتكبيرة الاحرام يجب عليه ترك القهقهة والضحك وأمثالهما شرعا، تكليفا ووضعا، وكما أن المحرم بالحج لا يقصد عندنا ترك التروك، وليس هذا داخلا في ماهيته، بل الحج هو قصد إتيان الاعمال الخاصة، وإذا أحرم لاجلها تحرم عليه أشياء شرعا، تكليفا أو وضعا مثلا، فهل الصوم مثلها، أم لا؟ لاسبيل إلى الاول، لان الصوم ليس مشتملا على فعل خارجي يقصد، فلابد من أن يتعلق بشئ، وهو ترك الاكل والشرب وهكذا.


1 - تحريرات في الفقه، الواجبات في الصلاة: 10 - 15. 2 - تحريرات في الاصول 1: 202 - 204. 3 - جواهر الكلام 16: 184، مصباح الفقيه 14: 296.

[ 8 ]

في بيان أن الامساك عن المفطرات داخل في حقيقته إجمالا فإذا كان الامر هنا هكذا فهل ماهيته الامساك عن المجموع، بحيث لو كان من أول الوقت قصد المفطر المعين كان صومه باطلا، أم ليس هذا داخلا في الماهية، أو يفصل بين ما هو الواجب عليه شرطا، والواجب عليه تكليفا، فبالنسبة إلى الاول يكون داخلا في ماهيته، دون الثاني، كما في الحج والصلاة، فإن الصلاة بالقهقهة تبطل، فلابد من قصد تركها، وإلا فيلزم الاخلال بها، بخلاف الحج؟ وأيضا تظهر الثمرة في أنه إذا كان من الدخيل في الماهية، فلابد من الاطلاع عليها إجمالا، أو البناء على تركها إجمالا، وإلا فلا مانع من صحة صوم من كان معتقدا جواز الكذب على الله شرطا، وكان غافلا حين الصوم، بل ولو كان ملتفتا، ضرورة أنه قد أتى بالماهية قربة إلى الله، وترك ما هو المفطر، وإن كان معتقدا عدم مفطريته. فبالجملة: ربما يخطر بالبال أن يقال، إن المفطرات مختلفة: فما كان منها من المفطرات العرفية في الصيام العرفي قبل الاسلام، وكان قد طلع الاسلام والناس يصومون بصيام خاص - سواء كانت من الشرائع السابقة، أو من الرسوم القومية، وهي كالاكل والشرب - فهو داخل في ماهية الصوم عند الشرع قطعا، لانه قد نظر إليه وجعله موضوعا لاحكام تأسيسية. وما كان من المفطرات دخيلا شرعا كالقئ، والكذب على الانبياء

[ 9 ]

مثلا، فهو خارج عن تلك الماهية. نعم، إذا كان قيدا أو شرطا فيضر قصد الخلاف، ولكن بناء عليه لا يعتبر قصده، ولا العلم به، بل يضاد العلم بالخلاف، ولكنه إذا ترك في اليوم اتفاقا فإنه قد أتى بالصوم الشرعي، وقد ترك ما هو عليه شرط. فتحصل: أن إلغاء المفطرات غير معقول، بل هي داخلة - بنحو الاجمال - في حقيقته. عدم اعتبار قصد الامساك عن المفطرات الشرعية وشرطية قصد الامساك عن المفطرات الشرعية غير تامة، بل لو قصد ما كان صوما حين طلوع الاسلام، وترك ما شرطه الشرع، صح صومه عندنا حسب القواعد العقلائية. وبهذا يعلم وجه إلغاء الزمان عن تعريفاتهم، كما يظهر شذوذ ما في التذكرة (1) وسقوطه. وأيضا بذلك تنحل الشبهة المعروفة: من أن الصوم إذا كان هو الامساك إلى الغروب، فكيف يصح صوم من قصد قبل الفجر، الخروج قبل الزوال؟!. ويترتب على هذا أن الاتمام في موارد التخلف بارتكاب المفطرات الشرعية، هو مقتضى إطلاق الاية الكريمة: (ثم أتموا الصيام إلى الليل) (2). نعم، إذا أخل بما لا يبقى معه الصوم عرفا، فلا تشمله الاية الكريمة


1 - تقدم في الصفحة 5. 2 - البقرة (2): 187.

[ 10 ]

الشريفة هذا. وتوهم الفقيه الهمداني أن الصوم في ماهيته مقيد بالامساك عن المفطرات كلها، ومع ذلك يصح إذا كان قاصدا عدم الامساك من بعضها، مع الغفلة عن مضريته بالصوم، كما هو المتعارف عند العوام (1)، في غير محله، للمناقضة. نعم، بناء على ما عرفت منا: من أن حقيقة الصوم عند الشرع، ما كان صوما قبل اعتبار وازدياد المفطرات الشرعية على المفطرات السابقة على الاسلام (2)، فإذن يصح ولو كان بانيا على الاتيان بإحدى المفطرات الشرعية زاعما أنها ليست منها، لكنه ترك من باب الاتفاق. وغير خفي: أن ا لمراد من حقيقة الصوم قبل الاسلام، ليس إلا أن الصوم قبل الكتاب والسنة كان من الالفاظ الموضوعة، ك‍ (الصلاة) فاضيف إليه القيود والشروط من غير دخالة الاسلام في تغيير الوضع والموضوع له، فلا تخلط. إن قلت: لابد من الالتزام بإهمال متعلق الامساك، لان مع التقيد بحال الالتفات يلزم المحذور العقلي، ومع الاطلاق يلزم بطلان صوم الناسي. قلت: قد مضى الايماء إلى إمكان أخذ القصد الخارج عن الشئ في الشئ (3). هذا أولا.


1 - مصباح الفقيه 14: 296 - 297. 2 - تقدم في الصفحة 8 - 9. 3 - تقدم في الصفحة 6 - 7.

[ 11 ]

وثانيا: الناسي في أثناء اليوم يصح صومه مع كونه في أول الفجر ملتفتا، ولا يلزم الالتفات الدائم، فلا تخلط. تذنيب: حول بعض كلمات الاعلام في المقام ظاهر الاعلام أن الصوم هو الامساك الكذائي، وربما يشكل: بأن الصوم هو قصد الامساك مع الامساك على نحو الجزئية، أو الشرطية. وأيضا: ظاهرهم هو الامساك الفعلي، وخصوصا إذا قلنا بالكف، كما في الشرائع (1) مع أنه لا يشترط الكف، لامكان صحة صوم من لا يكون عنده الحالة الكفية عنها، ولا يشترط وجود هذه المفطرات مقدورا عليها حتى يعتبر الامساك عنها فعلا. تنبيه: في عدم دخول الزمان والمفطرات الشرعية في ماهيته مما يشهد لما ابتكرناه في حقيقة الصوم ما في أقرب الموارد قال: الصوم الامساك عن الفعل، والامتناع عن الاكل والشرب من منتصف الليل إلى منتصف النهار، وربما اطلق على ترك أكل اللحم والالبان وما شاكلها، مع استباحة باقي الاطعمة (2) انتهى. فإن هذا دليل أن الزمان مأخوذ فيه شرعا، وليس داخلا في ماهيته، كما أن المفطرات الشرعية المنهي عنها في الاسلام والمذهب، أيضا


1 - شرائع الاسلام 1: 187. 2 - أقرب الموارد 1: 670.

[ 12 ]

خارجة عنها، وملحقة بها، كما في الصلاة وغيرها من الالفاظ التي كانت في صدر الاسلام لها معنى، وبعد ذلك اضيف إلى ذلك المعنى قيود وأجزاء. وغير خفي: أن من المحتمل قويا كون الصوم قبل الاسلام، حقيقة في قصد الامساك عن بعض الاشياء الذي لم يعتبره الشرع فيه، ولعل التكلم منها، فإن الظاهر من قولها: (إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا) (1) أن ترك الكلام مما كان معتبرا تركه فيه. وهذا لا يستلزم إشكالا، ولا يستلزم الحقيقة الشرعية، بتصرف الشرع في الوضع والموضوع له، وقد خرجنا عن شأن البحث وإن كان فيه الفوائد الكثيرة. الجهة الثالثة: في تاريخ الصوم قبل الاسلام وبعده وله نفع كثير، فربما يستظهر من الكتاب العزيز قوله: (كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم) (2) أن الصوم المشروع في الاسلام، متحد من جميع الجهات مع الصوم المشروع في الامم السابقة. والحمل على أن التشبيه يكون في أصل التشريع (3)، في غير محله. ثم إن المستفاد من مروي علي بن بابويه أن الصوم كان من لدن آدم (عليه السلام) (4) وأيضا يستفاد من حديث منسوب إلى أمير المؤمنين (عليه السلام)، في


1 - مريم (19): 26. 2 - البقرة (2): 183. 3 - التفسير الكبير 5: 76. 4 - الفقيه 2: 43 / 195، وسائل الشيعة 1: 241، كتاب الصوم، أبواب شهر رمضان، الباب 1، الحديث 4.

[ 13 ]

بعض التفاسير أن أولهم آدم (1)، كما أن هذا هو الظاهر من الاية الكريمة: (كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون). ثم إن الظاهر المتراءى من الايات الشريفة مما تعرضت لبعض حدودها، أن الاكل والشرب والجماع، كانت مما يترك في أيام الصيام قبل الاسلام، فقال: (أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم) (2). فإنه يستشم منه أن الامر كان على الاجتناب عنه في جميع المدة المفروضة له، وإلا لم يكن يمنع عنه، فالتحليل في موقف التحريم والمنع. وقال: (كلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الابيض من الخيط الاسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل) (3). فإن من ذلك يعلم: أن ترك الاكل والشرب من الامور الاولية المعتبرة فيه، وكانوا يتركون الاكل من نصف الليل إلى نصف النهار، كما عرفت من الاقرب (4) فأمر بالاكل والشرب إلى الفجر، وأمر بإتمام الصيام إلى الليل، فأسقط ساعات من الاول، وأضاف ساعات إلى الاخر، فافهم وتدبر. ثم إن من التذكرة يظهر: أن الممسك عنه كان الاكل والشرب قيل: كان في بدو الاسلام أن يمسك بعد صلاة العشاء الاخرة، أو ينام إلى أن


1 - تفسير الصافي 1: 200. 2 - البقرة (2): 187. 3 - البقرة (2): 187. 4 - تقدم في الصفحة 11.

[ 14 ]

تغيب الشمس، فإذا غربت حل الاكل والشرب إلى أن يصلي العشاء، أو ينام (1) انتهى. وهذا وإن كان مخالفا لما اشير إليه في وقت الصوم، إلا أن المستظهر منه أن الممسك عنه كان الاكل والشرب. وعلى كل تقدير: لا نشك في أن كثيرا من المفطرات، اضيف في الاسلام وبعد مضي قرن أو أقل، ولم يثبت منها قبل الاسلام في الشرائع السابقة ظاهرا إلا الثلاثة التي عرفت تفصيلها (2)، ولعل بعد ذلك يأتي ما يدل على أكثر منها، فانتظر (3). الجهة الرابعة: في أقسام الصيام الواجبة لا شبهة حسب النصوص والضرورة، في وجوب صوم شهر رمضان شرعا، وهو ثابت بالكتاب والسيرة الالتزامية القطعية، وإنما الاشكال في وجوب باقي أقسام الواجب منه، البالغة - حسبما اشتهر - إلى ثمانية (4)، وتفصيل البحث في الكتب المعدة لها، وفي المحال المعينة للبحث حولها (5).


1 - تذكرة الفقهاء 6: 6. 2 - تقدم في الصفحة 13. 3 - يأتي في الصفحة 133 - 134. 4 - تذكرة الفقهاء 6: 186 - 187، جواهر الكلام 17: 35 - 63. 5 - الحدائق الناضرة 13: 240، جواهر الكلام 17: 35 - 63.

[ 15 ]

الاول: صوم القضاء وإجماله: أن الواجب في القضاء ليس الصوم بعنوانه، بل ما هو محط الامر فيه هو عنوان القضاء. اللهم إلا أن يقال: بأن ذلك يتم في الصلاة، دون الصوم، لما أن الكتاب اعتبر على من كان مريضا أو على سفر، أياما اخر، أي فليصم أياما اخر، فيكون نفس الصوم واجبا. ولكنه لا يتم في سائر أسباب القضاء كالعامد، والجاهل، وغيرهما. وسيجئ تفصيله عند البحث عنه إن شاء الله تعالى (1). الثاني: صوم الكفارة والواجب في الكفارة أيضا مختلف حسب الادلة، فربما يستظهر من بعض منها وجوب عنوان الصوم وفي الاخر وجوب عنوان الكفارة لا الصوم، فإذا كان عنوان الكفارة واجبا فالصوم واجب عقلي، وإذا كان عنوان الصوم واجبا فيكثر الاقسام على الثمانية. الثالث: صوم بدل الهدي والواجب في صوم بدل الهدي هو عنوان الصوم على ما يظهر من


1 - يأتي في الصفحة 53 و 109.

[ 16 ]

الكتاب الشريف: (فمن تمتع بالعمرة إلى الحج...) إلى قوله تعالى: (فمن لم يجد فصيام ثلثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة) (1)، فإن قلنا بارتباطيتهما، فالصوم واحد، وإن قلنا: بأن تلك الثلاثة مأمور بها بأمر غير أمر السبعة فيكثر الواجب، كما لا يخفى. الرابع: صوم النذر والعهد واليمين والواجب في النذر والعهد واليمين محل الخلاف، فالمشهور على أنه الصوم نفسه (2)، وقد خالفهم السيد المحقق الوالد - مد ظله - فقال: إن الواجب هو عنوان الوفاء بالنذر ونحوه (3). وفي المسألة (إن قلت قلتات) تأتي من ذي قبل إن شاء الله تعالى (4). الخامس: صوم الاجارة وأما الواجب في الاجارة ونحوها كالشروط، فليس عنوانها قطعا، بل الواجب هو العنوان الاخر المنطبق عليها، وهو إما الوفاء بعقد الاجارة والشرط، أو غيره من العناوين الممكنة المتصورة عقلا، ضرورة أن


1 - البقرة (2): 196. 2 - المقنعة: 365، المراسم: 95، قواعد الاحكام: 68 / السطر 12، العروة الوثقى 2: 240، فصل في أقسام الصوم. 3 - العروة الوثقى 2: 166، كتاب الصوم، الهامش 2، تحرير الوسيلة 1: 300. 4 - يأتي في الصفحة 55 وما بعدها.

[ 17 ]

وجوب الصوم بنفسه، يحتاج إلى تعلق إنشاء المولى به، وهذا ممنوع في هذه المواقف كما لا يخفى. السادس: صوم اليوم الثالث من الاعتكاف وأما الواجب في الثالث من أيام الاعتكاف فهو الاعتكاف نفسه، لا صومه. نعم هو واجب شرطي، فإن قلنا بوجوب الشرط شرعا وجوبا غيريا فهو، وإلا فلا يجب لا نفسيا، ولا غيريا. بل مقتضى ما تحرر منا في محله امتناع كون اليوم الثالث واجبا، للزوم تعدد الوجوب مع وحدة الواجب، لما أن الاعتكاف يصح لمن عليه الصوم الواجب، ولقد تقرر أن تعدد الوجوب التأسيسي مع وحدة الواجب ممتنع. وإرجاعه إلى التأكيد وازدياد العقاب في الترك، غير معقول، لان التأكيد لا يستلزم تعدد العقاب، ولا ازدياده، وللمسألة مقام آخر (1). السابع: الصوم الواجب على الولد الاكبر وأما الواجب على الولد الاكبر فهو عنوان القضاء كما في رواياته وأخباره (2). ومما يشهد لذلك: أنه لا يعاقب الولد إلا على ترك قضاء ما على الوالد، ولو كان نفس الصلاة والصوم واجبا، للزم تعدد العقاب حسب


1 - تحريرات في الاصول 2: 136 - 137 و 5: 465 - 467. 2 - وسائل الشيعة 10: 329، كتاب الصوم، أبواب أحكام شهر رمضان، الباب 23.

[ 18 ]

تعدد المقتضي، وهذا غير قابل للتصديق أصلا. وأما توهم امتناع ذلك لاجل أن الاتيان بذوات الصيام والصلوات، لا يكفي، وقصد القضاء يستلزم كون الواجب هو القضاء، فهو قابل للدفع بأنه في هذه الصورة، يجب عليه قصد النيابة، فإذن لا يحتاج إلى القصد الزائد. وبالجملة: إن المسألة تحتاج إلى مزيد تأمل يأتي في محالها إن شاء الله تعالى (1). الجهة الخامسة: حول تقسيم الصوم إلى الاحكام الاربعة قال في العروة: وينقسم إلى الواجب، والمندوب، والحرام، والمكروه، بمعنى قلة الثواب (2) انتهى. أقول: هذا التفسير في المكروه هو الشائع بين أهل النقل، وذلك لان معنى العبادة المحرمة هي الحرمة التشريعية، فلو كانت العبادة مكروهة اصطلاحا تكون للا أمر فتكون محرمة فهي والمحرمات واحدة. وإني غير راض به، وذلك لان الالتزام بمحرمية العبادة ذاتا أحيانا، مما هو ممكن، فكراهتها الذاتية أيضا ممكنة. ولو كانت العبادة لا تجتمع مع الكراهة الاصطلاحية، فهي لا تجتمع مع الحرمة بطريق أولى، فكما أن معنى حرمتها الذاتية ليس إلا تعلق النهي بها، كصوم العيدين، كذلك معنى كراهتها: أنها


1 - يأتي في الصفحة 136 - 137. 2 - العروة الوثقى 2: 166، كتاب الصوم.

[ 19 ]

منهي عنها. ولو كان في مورد اجتمع الامر والنهي، فإن كانت قرينة على أن يكون النهي عن قيد فهو، وإلا فيكون كسائر المواقف في المعارضة، أو يجمع بينهما بأن يكون الامر قرينة على الكراهة قبال الحرمة، ولا يشهد على المطلوبية. وغير خفي: أن مع إمكان جريان نزاع الاجتماع في المطلق والمقيد، لا يلزم أيضا قلة الثواب، ولا يصح التفسير المزبور. فبالجملة: إذا كانت هي مكروهة ذاتا، فتكون حرمتها منحصرة بالحرمة التشريعية، والالتزام بذلك ممكن، بخلاف ما إذا كانت محرمة، فإن من الممكن الالتزام بالحرمة الذاتية هناك، فعلى ما تقرر، فلابد من المحافظة على ما هو قضية الظواهر، وهي كراهة العبادة بعنوانها المنهي، وحرمتها الذاتية. نعم، اشتمال العبادة على العناوين الاخر المأمور بها حسب الاطلاقات والعمومات، يستلزم استحقاق العبد جعلا وثوابا، لا لاجل العنوان المنهي، بل لاجل سائر العناوين المقارنة معها، مثلا الصلاة منهي عنها في مورد، وهي مكروهة أو محرمة في موارد، وإذا تخلف العبد فصلى فقد أتى بالذكر، والقراءة، والركوع، والسجود، وهكذا من العناوين الممدوحة، وهي بعناوينها الذاتية ليست مورد النهي، فيستحق الجعل لو كان على السجود جعل، لاطلاق دليله. وأما ما اشتهر: من انحلال الامر النفسي إلى الاوامر النفسية الضمنية، فالنهي مثله، فهو من الشهرات الكاذبة التي حررنا تحقيقها

[ 20 ]

في مقدمة الواجب (1) نعم على القول به يلزم التهافت بين الامر والنهي أيضا، كما لا يخفى. الجهة السادسة: في الدليل على عبادية الصوم لا شبهة عند المسلمين في عبادية الصوم، وإنما البحث حول دليله، ولقد تقرر منا أن مسألة أصالة التعبدية لا أساس لها حسب العقل، وأما الادلة اللفظية المستدل بها على ذلك الاصل - كالاية (2) وجمع من الروايات (3) - فقد فرغنا عنهما في الاصول (4)، وذكرنا هناك تفصيله، وأن قصورهما عن ذلك من الامر الجلي. ولا تحتاج المسألة إلى الرواية لوضوحها، إلا أن استفادة اعتبار قصد القربة في ذلك من المآثير الكثيرة التي وردت في الحث عليه وذكر خواصه وآثاره العجيبة، يؤيد ذلك، كما أن إطلاق العبادة عليه - بأن نوم الصائم عبادة، ونفسه تسبيح (5) - يشهد لذلك وهكذا ما ورد في أبواب الصوم المندوب: من صام يوما تطوعا، ابتغاء ثواب الله، وجبت له


1 - تحريرات في الاصول 3: 25 - 27. 2 - البينة (98): 5. 3 - وسائل الشيعة 1: 46، كتاب الطهارة، أبواب مقدمة العبادات، الباب 5. 4 - تحريرات في الاصول 2: 152 - 154. 5 - عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 1: 230، وسائل الشيعة 10: 313، كتاب الصوم، أبواب أحكام شهر رمضان، الباب 18، الحديث 20.

[ 21 ]

المغفرة (1) وغير ذلك مما يومئ إلى عبادية الصوم. وأما بطلانه بالرياء، فهو عندنا محل إشكال تصدينا لذلك في محل آخر، وذكرنا أن الرياء يمنع القبول، لا الصحة، والتفصيل في الصلاة (2). الجهة السابعة: في أن صوم شهر رمضان من ضروريات الدين المعروف عنهم: أن وجوب صوم شهر رمضان من ضروريات الدين (3) وهذا غير بعيد إنصافا، وعليه فهل يكون منكره مرتدا يجب قتله، أم لا؟ فيه خلاف. فعن المشهور: أن إنكار الضروري بما هو ضروري يستلزم الارتداد (4). وعن جماعة: أن المناط رجوعه إلى إنكار أحد الاصول الاعتقادية، كالتوحيد، والرسالة، والمعاد (5). وحيث إن المسألة تحتاج إلى مزيد تأمل، ومحله كتاب الطهارة


1 - الامالي، الصدوق: 442 / 2، وسائل الشيعة 10: 402، كتاب الصوم، أبواب أحكام الصوم المندوب، الباب 1، الحديث 21. 2 - تحريرات في الفقه، الواجبات في الصلاة: 83. 3 - العروة الوثقى 2: 166، كتاب الصوم، مستند العروة الوثقى، كتاب الصوم 1: 9، مهذب الاحكام 10: 7. 4 - مفتاح الكرامة 1: 143، جواهر الكلام 6: 46. 5 - العروة الوثقى 1: 67، مستمسك العروة الوثقى 1: 378، تحرير الوسيلة 1: 118.

[ 22 ]

والحدود، فالاحالة أولى وأحوط (1). ثم إنه غير خفي: أن المسألة ربما يختلف حكمها بحسب حال المرتد فطريا ومليا، وعلى كل حال خارج عن مباحث الصوم، وقضية ما يأتي في صحيح بريد العجلي: من أنه إن استحل يقتل (2) أن لا يتوقف ذلك على كون الصوم ضروريا، ومنكره مرتدا، فلا تخلط. الجهة الثامنة: حول تعزير المفطر في شهر رمضان ومقداره من أفطر في شهر رمضان - لا مستحلا - عالما عامدا، فهل يعزر بخمسة وعشرين سوطا (3)، بعد ثبوت أصل التعزير، أم لا يعزر بالحد المذكور (4)، أو يفصل بين ارتكاب الجماع وغيره (5)، أو بين ارتكاب الجماع مع الحليلة وغيرها (6)؟ وجوه بل أقوال. لاشبهة في أصل التعزير، وعليه الاجماعات القطعية، وكأن ذلك من الاصل المفروغ عنه في كلماتهم (7)، وقد بحثوا عن خصوصياته، ويأتي


1 - مفتاح الكرامة 1: 143، انظر جواهر الكلام 6: 46 و 41: 600. 2 - الكافي 4: 103 / 5، وسائل الشيعة 10: 248، كتاب الصوم، أبواب أحكام شهر رمضان، الباب 2، الحديث 1. 3 - العروة الوثقى 2: 166، كتاب الصوم. 4 - العروة الوثقى 2: 166، كتاب الصوم، الهامش 4، مستند العروة الوثقى، كتاب الصوم 1: 12. 5 - العروة الوثقى 2: 166، كتاب الصوم، الهامش 3. 6 - العروة الوثقى 2: 166، كتاب الصوم، الهامش 4. 7 - مجمع الفائدة والبرهان 5: 149، الحدائق الناضرة 13: 239، مستند الشيعة 10: 529، العروة الوثقى 2: 166، كتاب الصوم، مستمسك العروة الوثقى 8: 194.

[ 23 ]

في الجهة الاتية وجه الخدشة فيه (1). كما أن ظاهرهم الفرار هنا عن مجري التعزير، والمسألة من هذه الجهة موكولة إلى بحث الولاية، حيث إن المقرر عندنا هناك: جواز تصدي غير المعصوم كافة الامور الحكومية، فيجوز له التعزير هنا أيضا (2). وأما مسألة التعزير بالحد الخاص فهي مستندة إلى ما رواه الوسائل عن الكليني بسند غير معتبر، عن المفضل بن عمر، عن أبي عبد الله (عليه السلام): في رجل أتى امرأته وهو صائم، وهي صائمة. فقال: إن كان استكرهها فعليه كفارتان، وإن كانت طاوعته فعليه كفارة، وعليها كفارة، وإن كان أكرهها فعليه ضرب خمسين سوطا، نصف الحد، وإن كانت طاوعته ضرب خمسة وعشرين سوطا، وضربت خمسة وعشرين سوطا (3). ولما كان في سنده علي بن محمد بن بندار وهو لم يوثق (4)، وإبراهيم بن إسحاق الاحمر ضعيف (5)، وعبد الله بن حماد لم يوثق، ولكنه ممدوح (6)، ومثل المفضل الذي قيل في حقه: إنه لا يجوز أن تكتب


1 - يأتي في الصفحة 26 - 27. 2 - ثلاث رسائل، ولاية الفقيه، ذيل الجهة السادسة. 3 - الكافي 4: 103 / 9، وسائل الشيعة 10: 56، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 12، الحديث 1. 4 - انظر معجم رجال الحديث 12: 127 و 131. 5 - رجال النجاشي: 19 / 21. 6 - رجال النجاشي: 218 / 568، معجم رجال الحديث 10: 173.

[ 24 ]

أحاديثه (1) فالخبر ضعيف. ومع ذلك كله أفتى المشهور بمضمونه، بل عليه الاجماع (2)، فلا ينبغي الوهن فيه بالضرورة. هذا مع أن من الممكن تصحيح السند على ما سلكناه في القواعد الرجالية (3)، حتى الاحمري. وفي كون إبراهيم بن إسحاق الاحمر هو الاحمري أبا إسحاق المعنون في الرجال، أيضا خدشة، والتفصيل في مقام آخر إن شاء الله تعالى، فما عن المدارك والذخيرة (4) غير مرضي. وربما يشكل دلالته على عموم المدعى، لاحتمال اختصاص ذلك بما وردت فيه من جماع المرء امرأته، فلا يتجاوز إلى غيره وإلى الزنا (5)، فما في العروة الوثقى من الاطلاق في الافتاء (6) بلا مستند. اللهم إلا أن يقال بإلغاء الخصوصية عرفا. ومن المحتمل اختصاص الحكم بالجماع في القبل، وبصوم شهر رمضان، لانصراف السؤال إليهما، فلا يتم الاطلاق السكوتي. والذي يظهر لي: أن هذه الرواية لا تورث تعين التعزير، بعدما ثبت أن ذلك بنظر الامام والحاكم، ولا حد له في الموارد الاخر طبعا، وذلك لان


1 - مجمع الرجال 6: 131. 2 - مدارك الاحكام 6: 117، جواهر الكلام 16: 308، مستند العروة الوثقى، كتاب الصوم 1: 12، لاحظ مهذب الاحكام 10: 8. 3 - القواعد الرجالية للمؤلف (قدس سره) مفقودة. 4 - جواهر الكلام 16: 308، مدارك الاحكام 6: 117، ذخيرة المعاد: 512 / السطر 34. 5 - مستمسك العروة الوثقى 8: 194، مستند العروة الوثقى، كتاب الصوم 1: 12. 6 - العروة الوثقى 2: 166، كتاب الصوم.

[ 25 ]

هذه الواقعة قضية خارجية، والامام (عليه السلام) - حسب هذه الرواية - عين حد التعزير في تلك القصة، فلا معنى لكونه من الحكم الشرعي المأخوذ به، بل هذا من قبيل تعيين المهر في مورد. نعم دعوى: أنه تعزير السنة - كما قيل باستحباب جعل مهر السنة مهرا في العقد (1) - غير بعيد، تبعا لاية الاسوة (2)، ولاتحاد المعصومين (عليهم السلام) مع الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في ذلك، فلا تخلط، فبذلك تنحل هذه المعركة التي وقعت فيها الاعلام، فقيل بعدم حجية الرواية (3)، وقيل باختصاص الحكم بالجماع (4). وقيل بالجماع مع الحليلة (5)، وقيل بالاطلاق (6)، وقال في الجواهر: نعم ينبغي الاختصار عليه (7) فاعتبر قيودا كثيرة في مورد الرواية، والامر بعد ذلك سهل، ويسقط ما ترى في الجواهر من الافادات في صفحات حول الفروع المربوطة بهذه الرواية (8). ثم إنه من الممكن دعوى دلالة ما ورد في حكم وطء الحائض - في


1 - تحرير الوسيلة 2: 297، كتاب النكاح، فصل في المهر. 2 - الاحزاب (33): 21. 3 - مستند العروة الوثقى، كتاب الصوم 1: 12. 4 - العروة الوثقى 2: 166، كتاب الصوم، الهامش 3. 5 - العروة الوثقى 2: 166، كتاب الصوم، الهامش 4. 6 - العروة الوثقى 2: 166، كتاب الصوم. 7 - جواهر الكلام 16: 309. 8 - جواهر الكلام 16: 308 - 310.

[ 26 ]

باب (13) من أبواب بقية الحدود والتعزيرات (1) - على هذا الحد، لانه قد عد الوطء حال الحيض سفاحا، مع أنه ليس إلا مثل الوطء في حال الصوم في الحرمة العرفية، فافهم وتأمل. الجهة التاسعة: في حكم من أفطر ثانيا إذا أفطر ثانيا، فإن كان قبل التعزير فالامر إلى الحاكم شدة وسهولة، لان الحد المزبور ليس معلول الافطار، حتى تندرج المسألة فيما إذا تعدد الشرط واتحد الجزاء، فتأتي المباحث المربوطة بها (2). وإن كان بعد التعزير، فهل يعزر ثانيا، أم لا؟ فيه وجهان: ظاهر الاصحاب هو الاول (3)، وقد استدل بإطلاق صحيح بريد (4). وأنت خبير بما فيه، وذلك لان ما رواه الوسائل عن بريد العجلي في الصحيح قال: سئل أبو جعفر (عليه السلام) عن رجل شهد عليه شهود أنه أفطر من شهر رمضان ثلاثة أيام. قال: يسأل هل عليك في إفطارك إثم؟ فإن قال: لا، فإن على الامام أن يقتله، وإن قال: نعم، فإن على إمام أن ينهكه ضربا (5)


1 - الكافي 7: 242 - 243 / 13 و 20، وسائل الشيعة 28: 377، كتاب الحدود والتعزيرات، أبواب بقية الحدود، الباب 13، الحديث 1 و 2. 2 - لم يصل المصنف (قدس سره) إلى هذه المباحث أو لم تصل إلينا. 3 - جواهر الكلام 16: 307، العروة الوثقى 2: 166، كتاب الصوم، مستمسك العروة الوثقى 8: 194. 4 - مستند العروة الوثقى، كتاب الصوم 1: 12. 5 - الكافي 4: 103 / 5، وسائل الشيعة 10: 249، كتاب الصوم، أبواب أحكام شهر رمضان، الباب 2، الحديث 1.

[ 27 ]

لا يدل على جواز التعزير حتى في المرة الاولى، لان المسؤول عنه إفطار ثلاثة أيام من شهر رمضان، من غير كونه في مقام السؤال عن وقوع التعزير متخللا بين الايام، بل ظاهر قوله (عليه السلام) في ذيله: وإن قال: نعم أن جواز الضرب ثابت بالنسبة إلى ما هو المفروض في الصحيحة. وتوهم: أن حكم القتل لا يكون إلا مع تخلل التعزير (1)، في غير محله، لان المستحل يقتل ولو لم يفطر، وهذا ما يستفاد من الجواب، فإن الظاهر أن المناط في القتل نفس نفي الاثم. فبالجملة: كان ينبغي لمن يخدش في سند رواية مفضل بن عمر، أن يشك في أصل التعزير في المرة الاولى والثانية. ولا يتم الاستدلال بالاجماع (2) بعد معلومية اتكائهم على مثلها، مع قصور دلالتها. نعم، بناء على ما عرفت منا من اعتبار السند ذاتا وعملا (3)، يجوز التعزير في المرة الاولى، وأما المرة الثانية فلا يبعد استفادتها من رواية المفضل وأما رواية بريد فتدل على جواز التعزير في المرة الثالثة، وسيأتي أنه مخالف لما يدل على أنه يقتل في الثالثة ظاهرا، ويجمع بينهما بوجه يأتي (4).


1 - مستند الشيعة 10: 530، العروة الوثقى 2: 167، كتاب الصوم. 2 - مهذب الاحكام 10: 9. 3 - تقدم في الصفحة 24. 4 - يأتي في الصفحة 33 - 34.

[ 28 ]

الجهة العاشرة: في قتل من أفطر ثالثا إذا أفطر في المرة الثالثة، فقال في العروة: قتل على الاقوى، وإن كان الاحوط قتله في الرابعة (1). والقتل في الثالثة مذهب الاصحاب (رحمهم الله)، بل هو المشهور عنهم (2)، وفي الرابعة منسوب إلى بعضهم (3)، وعن التهذيب الترديد في ذلك (4). وفي الاستبصار: إذا صار كذلك ثلاث دفعات قتل في الرابعة (5). وما يدل على المشهور ما رواه الوسائل في الباب الثاني من الابواب الماضية، عن عثمان بن عيسى، عن سماعة قال: سألته عن رجل اخذ في شهر رمضان قد أفطر ثلاث مرات، وقد رفع إلى الامام ثلاث مرات. قال: يقتل في الثالثة (6). والاشكال في سنده: بأن العلامة ضعف في كتبه عثمان بن عيسى (7)،


1 - العروة الوثقى 2: 167، كتاب الصوم. 2 - جواهر الكلام 16: 307، مستند العروة الوثقى، كتاب الصوم 1: 13. 3 - جواهر الكلام 16: 307، المبسوط 7: 284، جامع المقاصد 3: 70. 4 - تهذيب الاحكام 10: 62. 5 - الاستبصار 4: 225. 6 - الكافي 4: 103 / 6، وسائل الشيعة 10: 249، كتاب الصوم، أبواب أحكام شهر رمضان، الباب 2، الحديث 2. 7 - رجال العلامة الحلي: 244.

[ 29 ]

كالشبهة في أنه مضمر (1)، فإن المحرر في محله: أن هذا التضعيف كهذا الاضمار في عدم الاعتماد عليه، والتفصيل في مقام آخر. هذا مع أن سند الشيخ معتبر، وأقل محذورا ولا إضمار فيه (2). وأما الشبهة في دلالته من إجما له، لان قوله: وقد رفع إلى الامام ثلاث مرات، معناه أنه رفع أمره إليه، وحكم بالتعزير مثلا، وهذا لا يجتمع مع قوله: يقتل في الثالثة، فهي قابلة للدفع بأن الرفع معناه المراجعة إليه، إلا أن المراد من الامام هنا ليس إماما خاصا، فيكون السؤال فرضيا، فأجاب بأن الحكم في الثالثة القتل، لا التعزير مثلا. وربما يشكل هذا تارة: بما رواه الوسائل في حد المسكر، عن يونس، عن أبي الحسن الماضي قال: أصحاب الكبائر كلها إذا أقيم عليهم الحدود مرتين، قتلوا في الثالثة (3) بأن المفهوم منه أن من اقيم عليه التعزير، لا يقتل في الثالثة. ومن العجب استدلال الاصحاب بذلك على أن في الثالثة يقتل إذا عزر (4)! مع أن المتبادر من الرواية هو الحد الاصطلاحي، لا الاعم، فافهم. واخرى: بما رواه مرسلا في المبسوط عنهم (عليهم السلام): أن أصحاب


1 - مجمع الفائدة والبرهان 5: 150. 2 - تهذيب الاحكام 4: 207 / 598 و 10: 141 / 557. 3 - الكافي 7: 219 / 6، وسائل الشيعة 28: 234، كتاب الحدود والتعزيرات، أبواب حد المسكر، الباب 11، الحديث 2. 4 - الحدائق الناضرة 13: 239، مستند العروة الوثقى، كتاب الصوم 1: 13.

[ 30 ]

الكبائر يقتلون في الرابعة (1). ولعله لذلك تردد في التهذيب إلا أنه يظهر منه التعيين في الرابعة في الاستبصار (2) فيعلم منه العمل بهذا المرسل، جمعا بين الروايتين في باب الحدود والتعزيرات. وثالثة: بما مر من صحيح بريد العجلي الناطق بأنه إن قال: نعم فإن على الامام أن ينهكه ضربا (3) مع أن المفروض فيه هو الارتكاب ثلاثة أيام، وقضية إطلاقه عدم الفرق بين ما إذا عزر مرتين، أم لم يعزر. ويمكن حله أولا: بأن حجية المفاهيم كافة ممنوعة، ولو سلمناها فهي هنا ليست حجة، لانه ليس من مفهوم الشرط كما لا يخفى. وثانيا: بأن المرسلة المزبورة لا يتم جبرها، بل المشهور أعرض عنها، مع معارضتها بما هو المسند الصحيح. اللهم إلا أن تحمل المرسلة على ما إذا لم يعزر، فيقتل في الرابعة، وهو مساعد على الاعتبار، فتدبر. وثالثا: بأن قضية الجمع بين صحيح بريد ومعتبر سماعة (4)، هو القتل في الثالثة إذا عزر.


1 - المبسوط 7: 284. 2 - الاستبصار 4: 225، ذيل الحديث 840. 3 - الكافي 4: 103 / 5، وسائل الشيعة 10: 249، كتاب الصوم، أبواب أحكام شهر رمضان، الباب 2، الحديث 1. 4 - الكافي 4: 103 / 6، وسائل الشيعة 10: 249، كتاب الصوم، أبواب أحكام شهر رمضان، الباب 2، الحديث 2.

[ 31 ]

اللهم إلا أن يقال: بأن القيود المأخوذة في رواية سماعة لا تقتضي الشرطية في الجواب، فينافيه الاطلاق الثابت في خبر بريد، فتقع المعارضة. فعلى ما تقرر، فالافتاء بالقتل في الثالثة مشكل جدا، وما ترى في العروة (1) من الاحتياط بعد تقوية القتل في الثالثة، محمول على أنه احتياط في الافتاء، لا في الاجراء، وإلا فهو خلاف الاحتياط. ولا معنى للتمسك بأن الحدود تدرأ بالشبهات (2) في الشبهات الحكمية القائمة عليها الحجة الشرعية. ويمكن دعوى: أن قضية الجمع بين المآثير هو جواز القتل في الثالثة، ووجوبه في الرابعة. وقوله (عليه السلام): يقتل في الثالثة ظاهر في الوجوب، ولكن بعد قيام القرينة - وهو قوله: يقتل في الرابعة أو مع ملاحظة الاطلاق السابق - يحمل على الترخيص، وهذا أيضا يساعد عليه الاعتبار، والله العالم. الجهة الحادية عشرة: في عدم جواز القتل ما لم يرفع إلى الامام قال العلامة في التذكرة: إذا عرفت هذا، فإنما يقتل في الثالثة أو الرابعة - على الخلاف - لو رفع في كل مرة إلى الامام وعزر، وأما لو


1 - العروة الوثقى 2: 167، كتاب الصوم. 2 - الفقيه 4: 53 / 9، وسائل الشيعة 28: 47، كتاب الحدود والتعزيرات، أبواب مقدمات الحدود، الباب 24، الحديث 4.

[ 32 ]

لم يرفع فإنما يجب عليه التعزير خاصة ولو زادت على الاربع (1) انتهى. وهذا مذهب من تعرض للمسألة، واستجوده الجواهر ساكتا عن الاستدلال (2)، وهكذا في العروة (3). وربما يشكل: بأن ما يدل على اعتبار إجراء الحد في الاولى والثانية (4)، لا يشمل ما نحن فيه الذي فيه التعزير (5)، فيسقط الاستدلال بصحيح يونس (6)، ويبقى إطلاق مرسل المبسوط (7) بالنسبة إلى ما نحن فيه بحاله، فإنه قال: أصحاب الكبائر يقتلون في الرابعة. وتوهم تقييده برواية المفضل بن عمر (8)، غير صحيح، لانه مع إمكان الخدشة في سندها (9)، قاصرة دلالتها على الشرطية، فإن وجوب ضربه وتعزيره عقيب كل مرة، لا يدل على اشتراط القتل في الثالثة بذلك، كما لا يخفى.


1 - تذكرة الفقهاء 6: 88. 2 - جواهر الكلام 16: 307 - 308. 3 - العروة الوثقى 2: 167، كتاب الصوم. 4 - وسائل الشيعة 28: 233 - 237، كتاب الحدود والتعزيرات، أبواب حد المسكر، الباب 11. 5 - مستمسك العروة الوثقى 8: 195، مهذب الاحكام 10: 10. 6 - الكافي 7: 191 / 2، وسائل الشيعة 28: 19، كتاب الحدود والتعزيرات، أبواب مقدمات الحدود، الباب 5، الحديث 1. 7 - المبسوط 7: 284. 8 - الكافي 4: 103 / 9، وسائل الشيعة 10: 56، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 12، الحديث 1. 9 - تقدم في الصفحة 23 - 24.

[ 33 ]

نعم، يبقى توهم دلالة معتبر سماعة (1) عليه، لان المفروض رفع الامر إلى الامام، وهو معناه التعزير، فالقتل ثابت بعد ذلك (2). ولكنه غير تام، لان من الممكن وقوع الرفع من غير تعقب التعزير، كما هو كذلك في مفروض السؤال، مع أنه أجاب بأنه يقتل في الثالثة، فكون الرفع كناية عن التعزير غير واضح. ولو سلمنا ذلك كما لا يبعد، ولكن القيد المأخوذ في كلام السائل، لا يورث دخالته في الحكم بالضرورة، مثلا يصح سؤال الامام: هل يجب صلاة الظهر يوم الخميس فإذا أجاب: نعم فإنه لا يدل على أن القيد دخيل في الوجوب، بل لما كان الظهر واجبا مطلقا فيجب يوم الخميس أيضا، ففيما نحن فيه الامر كما تحرر، فاستفادة الشرطية من الخبر ممنوعة جدا، فلولا احتمال الاجماع والاتفاق، كان إلغاء هذا الشرط قويا في النظر حسب الصناعة العلمية. إن قلت: قضية ذيل صحيح بريد العجلي (3) هو الضرب في الثالثة، فلابد إما من الجمع بين خبر سماعة وهذه الصحيحة بما فعله المشهور، أو يعامل معاملة المعارضة بالتباين بالعرض، بتوهم أن كل واحد منهما له الاطلاق من حيث تخلل التعزير وعدمه.


1 - الكافي 4: 103 / 6، وسائل الشيعة 10: 249، كتاب الصوم، أبواب أحكام شهر رمضان، الباب 2، الحديث 2. 2 - مستند العروة الوثقى، كتاب الصوم 1: 14. 3 - الكافي 4: 103 / 5، وسائل الشيعة 10: 249، كتاب الصوم، أبواب أحكام شهر رمضان، الباب 2، الحديث 1.

[ 34 ]

قلت: نعم، إلا أن سند دليل القتل أقوى، مع أنه يمكن الجمع بينهما بدعوى دخالة الرفع إلى الحاكم في تعين القتل، لا التعزير. ولكن فذلكة الكلام أن الانصاف: أن الفهم العرفي حاكم بأن رواية سماعة، ناظرة إلى صورة وقوع التعزير، ورواية بريد إلى صورة عدم وقوع التعزير، ولا إطلاق لهما رأسا من هذه الجهة حتى يلزم التهافت والتعارض. وحيث إن مرسلة المبسوط (1) غير ثابتة حجيتها، لا يمكن طرح معتبر بريد. مع أن من المحتمل انصراف الكبائر إلى المحرمات الشرعية مثلا، مثل ترك الواجبات الالهية. وأما معتبر يونس (2) فهو أجنبي عن المسألة رأسا. ولو سلمنا الاطلاق، فلا يبعد شهادة رواية المفضل بن عمر (3) على الجمع بينهما بما فعله المشهور، فليتدبر جيدا. ثم إن قضية ما ورد في أبواب بقية الحدود والتعزيرات، أن للتعزير حدا (4)، إلا أن قضية الجمع بين الاخبار أن التعزير لا يكون أقل من عشرة،


1 - المبسوط 7: 284. 2 - الكافي 7: 191 / 2، وسائل الشيعة 28: 19، كتاب الحدود والتعزيرات، أبواب مقدمات الحدود، الباب 5، الحديث 1. 3 - الكافي 4: 103 / 9، وسائل الشيعة 10: 56، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك الصائم عنه، الباب 12، الحديث 1. 4 - الكافي 7: 242 / 12، وسائل الشيعة 28: 373، كتاب الحدود والتعزيرات، أبواب بقية الحدود والتعزيرات، الباب 10، و: 37، الباب 12، الحديث 1.

[ 35 ]

إلا في مورد ورود النص على خلافه، وتمام المسألة في كتاب الحدود إن شاء الله تعالى. الجهة الثانية عشرة: حول درء الحد مع دعوى الشبهة قال في العروة: وإذا ادعى شبهة محتملة في حقه درئ عنه الحد (1) انتهى. وقيل (2): لاطلاق ما دل على أن الحدود تدرأ بالشبهات (3). أقول: إذا كان وجوب الصوم ضروريا، وكان إنكار الضروري موضوعا للحكم بالارتداد، فلا معنى لقبول الاعتذار، إلا إذا كان عذره جهله بالموضوع، وهو خلف، لان معنى الضروري هو وضوح الحكم في محيط الشرع والاسلام، ولا معنى لانكار وجوب الصوم إلا بعدما استمع لذلك، ولا يشترط العلم بخصوصية الضرورية في الارتداد. نعم إن قلنا: بأن إنكار الضروري لا موضوعية له، أو قلنا: بأن إنكاره مع العلم بالضرورية، يمكن ذلك، لكن لابد من القول: بأن نفس الانكار الاثباتي كاف للارتداد، أو القول: بأن الاقرار بالضروري عند المسلمين،


1 - العروة الوثقى 2: 167، كتاب الصوم. 2 - مستمسك العروة الوثقى 8: 195. 3 - الفقيه 4: 53 / 9، وسائل الشيعة 28: 47، كتاب الحدود والتعزيرات، أبواب مقدمات الحدود، الباب 24، الحديث 4.

[ 36 ]

ويجتمع مع احتمال الخلاف عند المنكر، والله العالم. فالشبهة المقبولة منه ما إذا ادعى أنه لم ينكره، أو ادعى أنه مازح أو غير ذلك مما يرجع إلى قصور الجد في الانكار، على إشكال فيه.

[ 37 ]

المبحث الاول فيما يتعلق بماهية الصوم من أحكام النية، والمفطرات، وأحكام الزمان الذي يصح فيه الصوم، وشرائط وجوبه، وصحته، وما يثبت به الهلال. ويتم الكلام حولها في مواقف، وكل موقف يشتمل على فصول:

[ 39 ]

الموقف الاول فيما يتعلق بالنية وفيه فصول:

[ 41 ]

الفصل الاول في لزوم قصد القربة والخصوصيات في مطلق الصوم لا شبهة كما مضى في لزوم قصد القربة في مطلق الصوم (1)، وفي شرطية الاخلاص من الرياء إشكال تحرر تفصيله في الصلاة (2)، وتحرر كفاية القربة الارتكازية، فلو كان من نيته صوم شهر رمضان، فنام إلى آخر الشهر، صح صومه، وأما كفاية القربة التقديرية فهي ممنوعة جدا، كما توهم. وأما الانزجار الطبيعي عن بعض المفطرات أو كلها، فلا يضر، إما لانه لابد من الالتزام بذلك، لعدم إمكان التكليف بذلك، أو لان فعلية الانزجار


1 - تقدم في الصفحة 20. 2 - تحريرات في الفقه، الواجبات في الصلاة: 83.

[ 42 ]

عندئذ وإن كانت عن الامر الغريزي، ولكن يكفي التزامه بالانزجار وتوطنه عليه ارتكازا نفسانيا، فإنه لا تكون العبودية والتقرب متقوما بالانبعاث، كما تقرر في محله (1)، ولذا لا يلزم بطلان عبادة الفاسقين، فتأمل جيدا. وإنما البحث هنا حول أنه هل وراء لزوم قصد القربة والاخلاص في صوم شهر رمضان، شئ آخر يعتبر قصده، أم لا؟ والذي يتوهم لزومه هو القصد إلى هذا العنوان الخاص، أي قصد عنوان شهر رمضان (2). ظاهر الاكثر عدمه (3). وقد يقال بالاول، فلو أصبح بقصد القربة للصوم غافلا عن شهر رمضان يبطل، أو إذا توجه إليه، ولكن قصد صوما آخر، يبطل وإن كان شهر رمضان غير قابل لوقوع غير صومه فيه، وهكذا، بل لابد من قصد العنوان الخاص كالظهرية والعصرية وكسائر أقسام الصيام المعنونة بالعناوين المخصوصة. والذي استند إليه للمشهور إطلاق الكتاب والسنة (4)، مع أن مقتضى الاصول العملية هي البراءة، على ما تحقق منا في محله (5). والذي يمكن أن يكون سندا للاخرين امور:


1 - تحريرات في الاصول 2: 110 - 112. 2 - ذخيرة المعاد: 513 / السطر 9، جواهر الكلام 16: 186. 3 - جواهر الكلام 16: 185، العروة الوثقى 2: 167، مدارك الاحكام 6: 17. 4 - الخلاف 2: 165، مدارك الاحكام 6: 17. 5 - تحريرات في الاصول 8: 53 - 54.

[ 43 ]

أدلة القول باعتبار الخصوصيات وراء قصد القربة الامر الاول: الاخلال بقصد القربة، فإن التقرب والامتثال بالامر، لا يحصل إلا مع العلم بالخصوصيات المأخوذة تحت الامر. الامر الثاني: أن التميز لا يمكن إلا بالقصد للعنوان الزائد على الطبيعة المشتركة بين الانواع الكثيرة، وإلا فلا يسقط الامر. الامر الثالث: أن الظاهر من الكتاب وجوب صوم شهر رمضان، وهذا يستلزم قصد العنوان، كسائر الامور المعنونة. أقول: المعروف عن الافاضل والاعلام - كالشيخ، والمحقق (1)، والعلامة في جملة من كتبه (2)، وهو ظاهر المتأخرين (3) - كفاية الامساك الواقعي في شهر رمضان، ولا يحتاج إلى الاكثر من قصد القربة، وعليه دعوى الاجماع في محكي الغنية والتنقيح (4). وقال العلامة في التذكرة: إن عدم اعتبار التعيين قول علمائنا، وبه قال الشافعي في أحد قوليه، لان القصد من نية التعيين تمييز أحد


1 - الخلاف 2: 64، شرائع الاسلام 1: 168. 2 - منتهى المطلب 2: 557 / السطر 16، تذكرة الفقهاء 6: 8. 3 - ذخيرة المعاد: 513 / السطر 9، جواهر الكلام 16: 185، الصوم، الشيخ الانصاري: 97، مستمسك العروة الوثقى 8: 200. 4 - مستمسك العروة الوثقى 8: 201، الغنية، ضمن الجوامع الفقهية: 509 / السطر 3، التنقيح الرائع 1: 348.

[ 44 ]

الفعلين، أو أحد وجهي الفعل الواحد عن الاخر، ولا يتحقق التعدد هنا، فإنه لا يقع في رمضان غيره، فأشبه رد الوديعة. وفي الثاني للشافعي أنه يفتقر، وبه قال مالك، لانه صوم واجب يشترط فيه التعيين، كالقضاء، وليس بجيد، لعدم تعيين زمان القضاء. وقال أبو حنيفة: بالاكتفاء إن كان معينا (1) انتهى. هذا كله ما عندهم، والذي يظهر لي أن البحث هنا يقع في مقامين: المقام الاول: اعتبار الخصوصيات في مقام الجعل والتشريع فالذي تقرر منا في محله، هو امتناع كون المجعول بأحد الجعلين مطلقا، والمجعول الاخر المتحد مع الاول في الاسم والطبيعة مطلقا، أو مقيدا، بل لابد من القيد الملحوظ حين الجعل حتى يمكن تعدد الجعل (2). مثال ذلك: أنه إذا أوجب المولى الصلاة، فلا يعقل الايجاب التأسيسي الثاني إلا أن يلاحظ قيدا في الجعل الثاني، ومنه ينعكس قيد آخر في المجعول الاول، فلا يعقل إيجاب صلاة الظهر بعد الايجاب الاول، إلا بعد لحاظ القيد في الاول، وسريانه إلى المجعول البدوي، فيكون هناك واجبان، أحدهما: صلاة الظهر، والاخر: صلاة معنونة بعنوان عدمي أو وجودي، ك‍ العصرية وغيرها، بعد اشتراك المجعولين في الخصوصيات، فعلى هذا لا بد من لون في الطبيعة حتى تتكثر، وبه يمكن تكثر الارادة


1 - تذكرة الفقهاء 6: 8. 2 - تحريرات في الاصول 5: 465 - 466.

[ 45 ]

التأسيسية، كما هو الظاهر والواضح. فتوهم: أن صوم شهر رمضان واجب بلا لون معتبر في متعلق الايجاب (1)، غير صحيح. ويشهد لذلك انقسام الصوم إلى تلك الاقسام، ويكون كل قسم مخصوصا بقيد، وبذلك القيد يصير قابلا للاختصاص بإرادة تأسيسية، فما هو الواجب في شهر رمضان، ليس الصوم قربة إلى الله تعالى، بل الواجب ملون بلون، ولو كان كالظهرية والعصرية من ألوان الازمنة، فيكون هنا ما هو الواجب صوم شهر رمضان، وعليه لا يعقل الالتزام بوجوب الصوم المطلق إلا إذا قيدنا الاطلاق كما في الصلاة. المقام الثاني: اعتبار قصد الخصوصيات والقيود في مقام الامتثال والبحث هنا حول أن القيود المأخوذة في متعلق الامر، بل لابد من لحاظها - إذا كانت لحاظية - حين الامتثال والاتيان، أم هي مختلفة، أو تختلف بحسب حالات المكلفين. قد يستظهر من جماعة من الاصحاب، أن القيود اللحاظية ليست إلا للتمييز والتعيين، وإذا كان العمل ممتازا في أصل الشرع من جهة من الجهات، بحيث لا يشاركه الاخر، فلا يجب لحاظ ذلك القيد للنوعية، وصوم شهر رمضان من هذا القبيل، لما يأتي من أن الشهر يأبى عن تحمل غير صوم شهر رمضان، وأن ما يقع فيه هو صوم شهر رمضان بحسب اللب


1 - مصباح الفقيه 14: 301.

[ 46 ]

والثبوت (1). ويتوجه إليهم نقضا: أن من صلى الظهر ولا يكون عليه صلاة رباعية قضائية، يصح صلاة أربع ركعات بعدها خالية عن نية العصر، لان التمييز والتعيين هنا بلا وجه، ولا صلاة رباعية عليه إلا واحدة، ولا يصح منه إلا صلاة رباعية واحدة، وهو العصر، فلا معنى لاعتبار قصد العصرية بعد ذلك، ولا أظن التزامهم بذلك، فالتعليل على هذا عليل. وأيضا نقضا: أنه يلزم صحة الصوم الملون بلون الخلاف، لان معنى أنه لا يقع في الشهر إلا صوم رمضان ما عرفت، ولكنهم غير ملتزمين بذلك ظاهرا. وحلا: أن ما يدل على أن ما يقع في شهر رمضان عن رمضان، معناه اعتبار القصد، وأنه يبطل سائر الصيام فيه، لا أنه يصح فيه الصوم المطلق، أو كل صوم، وسيأتي زيادة توضيح في محله (2). نعم، في يوم الشك أو في حال الجهل والنسيان، يصح رمضانا إمكانا، كما يأتي (3). والذي يخطر بالبال أن يقال: إن القيود المأخوذة في المتعلقات، مختلفة: فمنها: ما هي كالعناوين القصدية تحتاج إلى القصد في التحقق،


1 - جمل العلم والعمل: 91، مهذب الاحكام 10: 16. 2 - يأتي في الصفحة 77 - 78. 3 - يأتي في الصفحة 85 و 145 - 147.

[ 47 ]

وذلك مثل عنوان الوفاء بالنذر والعقد وعنوان أداء الدين وعنوان رد السلام وعنوان الظهرية والعصرية والمغربية والعشائية وإذا كانت هي فلابد من لحاظها حتى يسقط الامر، لان الظاهر من الادلة أن هذه العناوين دخيلة في المصلحة، وداخلة في الملاك، ومن ثمراتها الامتياز بين العملين المشتركين بحسب الصورة والجثمان. ومنها: ما هي مأخوذة فيها لمجرد وقوع التميز، والخروج عن الاشتراك، ولامكان ترشح الارادة الاخرى إلى إفادة المطلوبية لنفس هذه الطبيعة وإن كانت خالية عن القيد، وهذا في كتاب الصلاة مثل النوافل المبتدأة، فإنها وإن لم تكن ممتازة في الصورة مع سائر النوافل، ولكنها في لحاظ الامر ممتازة حتى يمكن تعلق الامر بها، ومع ذلك إن أتى المصلي بركعتين غافلا عن جميع اللحاظات، تكون صلاته صحيحة، ومطلوبة، ومأمورا بها، لان القيد المأخوذ جنبها، ليس من القيود الدخيلة في الملاك والمصلحة. وهذا نوعا يكون فيما كانت القيود عدمية، أو غير مأخوذة في الدليل، ولكن العقل يلاحظ لزوم ذلك في المتعلق. فبالجملة: إذا تبين أن الامر بحسب الثبوت مختلف، تصل النوبة إلى مرحلة الاثبات، واستكشاف ذلك في مرحلة الاثبات، تابع لما اشير إليه من كون القيود عدمية، أو اخذت بحكم العقل، أو كانت من العناوين الذاتية، فإنها تختلف مع العناوين العرضية في ذلك. مثلا: عنوان صوم شهر رمضان مما لا يحتاج في تحققه إلى لحاظ الصوم المقيد، بل إذا صام، وكان زمان صومه شهر رمضان، فقد أتى بالواجب، كعنوان الصلاة مع الستر وإلى القبلة بخلاف عنوان

[ 48 ]

صوم القضاء أو الكفارة. نعم، عنوان الظهرية والعصرية من قبيل الاول، إلا أن الظواهر على خلافه، فتأمل. وربما يتوهم: أن القربة ليست إلا الانبعاث عن بعث المولى، وامتثال أمره، وهذا لا يمكن إلا مع العلم بالامر، فإذا قصد امتثال الامر المتوجه إليه فعلا يصح صومه، لعدم لزوم العلم التفصيلي، بل يكفي الرمز والاجمال. وأنت قد اطلعت في محله على أن التقرب ليس متقوما بالامر، بل الامر كاشف عن أن المأمور به قابل للتقرب إلى المولى (1)، فتدبر. فتحصل: أن العناوين والمفاهيم مختلفة: فمنها: ما لا يحتاج إلى القصد في تحققه، كالقيام، والقعود، والحركة، والمشي. ومنها: ما يحتاج إلى القصد، كالبيع، والركوع، والصوم، والزكاة، وهكذا. والقيود المأخوذة في المتعلقات أيضا مختلفة: فمنها: ما لا حاجة في تحققه إلى القصد الخاص، كصلاة الجمعة، والظهر، والعصر، والمغرب، وصوم القربان، والغدير. ومنها: ما يحتاج إلى القصد، كصوم الكفارة، والوفاء بالنذر، وأمثالهما.


1 - تحريرات في الاصول 2: 110 - 112.

[ 49 ]

فإن في الاوليات نفس وقوع الفعل في الزمان المضروب له، كاف في سقوط الامر، بخلاف الثانيات، لان لون الكفارة لا تحصل إلا بالاضافة الخارجية إلى شئ، بخلاف صوم شهر رمضان، فإنه بوقوعه في الشهر يحصل له تلك الاضافة. نعم، إذا اشترك الزمان للفعلين، فتحققه بدون لون وتميز في ذلك الزمان، لا يحصل سقوط الامر بالنسبة إلى أحدهما، لعدم التعين الواقعي للمأتي به حتى يورث سقوط أحد الامرين، ومعه يكون من الترجيح بلا مرجح، فعند ذلك لا يكفي تكراره كما لا يخفى، فعليه يتعين لحاظ ذلك وإن لم يكن دخيلا في الملاك والمصلحة، بل المحذور العقلي في مقام الجعل أورث ذلك على الامر، والمحذور العقلي في مقام الامتثال أوجب على العبد لحاظه، فافهم واغتنم. ثم إن الظاهر من الكتاب (1)، أن الواجب هو الصوم من شهر رمضان على الظرفية، لا القيدية، فإذا كان الصوم الاخر فيه يقع من رمضان، فلا يحتاج إلى القصد في مقام الامتثال، كما لا يخفى.


1 - البقرة (2): 185.

[ 51 ]

الفصل الثاني قصد التعيين في سائر أنواع الصيام التعيين في صوم الكفارة كصوم الكفارة، والقضاء، والنذر، وغيرها، فهل يعتبر قصد التعيين والعنوان الخاص، أم لا؟ قضية ما عرفت منا من اختلاف المسألة ثبوتا وملاكا، واختلاف مقام الجعل والامتثال (1)، هو أن المسألة في مرحلة الاثبات تابعة لمقدار اقتضاء الدليل، فعليه فمقتضى بعض الادلة في الكفارة، أن ما هو الواجب هو عنوان الكفارة والصوم واجب بالعرض، وحيث إن هذا العنوان من العناوين القصدية، فلا يتحقق إلا بالقصد، سواء كان زمان الكفارة موسعا، أو مضيقا، ممكنا فيه الصوم الاخر، أو غير ممكن، لان المطلوب ليس ذات الامساك لله تعالى، حسبما يستظهر من دليله.


1 - تقدم في الصفحة 44 - 45.

[ 52 ]

وقضية بعض منها وإن كان أن الواجب هو نفس الصوم، فلا يعتبر قصد الكفارة، إلا أن الصوم المطلق لا يعقل أن يكون واجبا كما عرفت، فلابد من الاشارة إلى الجهة المعينة بالايماء القلبي، من غير لزوم قصد العنوان الزائد على أصل الصوم. مثلا: ظاهر قوله تعالى في كفارة الظهار (1)، أن صيام شهرين متتابعين واجب، وظاهر قوله الاخر أن كفارته كذا (2)، فعليه لا يمكن أن يساق الكلام في المقام - كما ترى عن الاصحاب - بنسق واحد، وطرز فارد، فما ترى من الاجماعات المحكية على حد التعبير عن المسلمين تارة كما عن التذكرة وعن علمائنا اخرى، كما عن المعتبر والمنتهى (3) بل في السرائر الاجماع عليه (4)، وهكذا عن غيره (5)، كله لا يفيد تعبدا جديدا في المسألة، لانها عقلية واضحة، وليست تعبدية. وبعبارة اخرى: تارة يكون الواجب عنوان الكفارة أو الصيام كفارة واخرى: يكون الواجب صيام شهرين متتابعين، ففي الاول لابد من القصد ولو كان إجماليا رمزيا، وأما في الثاني فلا شئ زائدا عليه في مقام الامتثال، وإن كان العقل يحكم بلزوم تلونه بلون خاص في مقام الجعل، فلو صام شهرين متتابعين بعنوان آخر، فلا يقع عنهما، لمشروعية الصيام الاخر


1 - المجادلة (58): 4. 2 - المائدة (5): 89. 3 - تذكرة الفقهاء 6: 9، المعتبر 2: 644، منتهى المطلب 2: 557 / السطر 26. 4 - لم نعثر عليه في السرائر، لاحظ مستمسك العروة الوثقى 8: 196. 5 - تحرير الاحكام 1: 76 / السطر 5.

[ 53 ]

في زمانهما، ولو صام على الاطلاق فقد امتثل قوله تعالى: (فصيام شهرين متتابعين) فلا تخلط. هذا كله في الكفارة. التعيين في صوم القضاء وأما صوم القضاء، فقضية جملة من المآثير أن الواجب هو عنوان القضاء (1) فلابد من التعيين ولو كان إجماليا، لعدم الحاجة إلى اخطار عنوانه بالبال، بل يكفي الايماء إلى ما هو المعلوم في نظره بدلا عما فات منه في الشهر. ولكن مقتضى الكتاب (2) وبعض الروايات (3)، أن الواجب عدة من أيام اخر، فلو مرض في الشهر فليس مأمورا بالاداء، ولكن المجعول في حقه عدة من أيام اخر، فإذا صام في الايام الاخر فيسقط الامر. نعم، إذا كان الصوم في الايام الاخر متعينا بلون آخر، فيقع ذاك الصوم، ولا يصح من رمضان. ولو ضاق الوقت بحيث قلنا بعدم صحة غير صوم القضاء، فلا يضر - حسب القواعد - نية الخلاف، لانها حينئذ كالحجر جنب الانسان، فإن الواجب عليه عدة من أيام اخر، وهو قد امتثل، ولا يكون معنونا بعنوان آخر،


1 - وسائل الشيعة 10: 61، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 15. 2 - البقرة (2): 185. 3 - الكافي 2: 16 / 5 و 4: 86 / 1، وسائل الشيعة 10: 174 - 175، كتاب الصوم، أبواب من يصح منه الصوم، الباب 1، الحديث 1 و 2.

[ 54 ]

فليتدبر. وهذا الذي ذكرناه يجري في صوم شهرين متتابعين، لو فرضنا فيه ضيق الوقت، وانحصار الزمان مثله، وعدم تحملهما للصوم الاخر، كما لو كان في تأخيره وهن للتكليف، فإذا تعين ذلك فلا يبطل بنية الخلاف، لاطلاق الدليل، واقتضائه أن ما هو الواجب نفس الطبيعة. نعم، حيث إن نفس الطبيعة تصير قابلة لتعلق الارادة التأسيسية بها، فلابد من اللحاظ الاخر حين الجعل، وهذا اللحاظ لا يعتبر حين الامتثال، كما عرفت سابقا (1).


1 - تقدم في الصفحة 44 - 45.

[ 55 ]

الفصل الثالث حول التعيين في النذر وأخويه اختلف السيد والشيخ في لزوم التعيين في النذر وأخويه (1)، وهذا الخلاف كان من العامة. قال العلامة في التذكرة: وان كان معينا لا بأصل الشرع، بل بالنذر وشبهه، قال السيد المرتضى (رحمه الله): يكفي فيه نية القربة كرمضان. وبه قال أبو حنيفة، لانه زمان تعين للصوم بالنذر فأشبه رمضان. وقال الشيخ (رحمه الله): لا يكفي، بل لابد فيه من نية التعيين، وبه قال الشافعي، ومالك، وأحمد، لانه لو لم يتعين بأصل الشرع فأشبه النذر المطلق، وهو ممنوع (2) انتهى. وبالجملة: المعروف عنهم والمشهور بينهم هو التعيين في مطلق


1 - رسائل الشريف المرتضى 3: 53، المبسوط 1: 278. 2 - تذكرة الفقهاء 6: 8.

[ 56 ]

النذر، وإليه ذهب المحقق (1) والعلامة في بعض كتبه (2)، وعن الشهيد في كتبه الثلاثة (3)، وهو المشهور بين أبناء العصر وأرباب الفضل (4)، معللين تارة: بأن الزمان المضروب للنذر، لا يصير غير صالح للصوم الاخر، فلابد من التعيين في سقوط الامر الخاص (5). واخرى: بأن القيد المأخوذ لابد من لحاظه، حتى يتحقق الانبعاث عن الامر المتعلق بالصوم المعين بالنذر، وإلا فلا يكون الانبعاث عن ذلك الامر، كما لا يخفى (6). وقد اعترض في الجواهر (7) وغيره: بأن الزمان في المعين يصير كشهر رمضان، ويبطل نية الصوم الاخر ولو كان سهويا (8) ثم يعلم منه التردد في الامر، ولذلك خرج من البحث من غير اختيار. ويظهر من الفقيه الهمداني (قدس سره) اختيار صحة الصوم الاخر حال الغفلة والسهو، ولذلك اعتبر قصد التعيين، فراجع (9).


1 - المعتبر 2: 644. 2 - منتهى المطلب 2: 557 / السطر 25. 3 - مستمسك العروة الوثقى 8: 198، الدروس الشرعية 1: 267، البيان: 357. 4 - العروة الوثقى 2: 167، كتاب الصوم، مستمسك العروة الوثقى 8: 196، مهذب الاحكام 10: 12. 5 - المعتبر 2: 644، مسالك الافهام 2: 8، مصباح الفقيه 14: 305. 6 - مهذب الاحكام 10: 13. 7 - جواهر الكلام 16: 189. 8 - مدارك الاحكام 6: 18. 9 - مصباح الفقيه 14: 305.

[ 57 ]

وأنت قد عرفت منا سابقا: أن المسألة ليست مبنية على قابلية الزمان للصوم الاخر وعدمها، حتى في صوم شهر رمضان، وأن التقرب لا ينحصر بالانبعاث عن البعث، بل يحصل بامور اخر (1). وقد يتوهم: أن المسألة مبنية على أن أثر النذر وثمرة العهد واليمين، إن كان مما يملكه الله تعالى على العبد ما نذره وتعهده، فيكون المنذور كالدين، فكما أن الدين لا يتعين إلا بالقصد، كذلك هو (2). وأنت خبير بما فيه أولا: من أن النذر إذا تعلق بالفعل فلا يورث إلا وجوب الاداء، ولا ضمان، ولا دين. نعم هو في نذر النتيجة قريب، إلا أن صحة نذر النتيجة مشكلة. وثانيا: أن النذر إذا تعلق بالعين الخارجية فلا يحتاج إلى القصد، مثلا إذا نذر أن يعطي هذه الشاة من زيد، فإذا صارت الشاة لزيد، فردها إليه من قبيل رد الوديعة ورد ماله إليه، وعلى هذا لو نذر المطلق، أو نذر المعين، وقلنا: بأن المأمور به هو الصوم، وامتثل أمره مع ما اعتبر فيه من القيود، صح صومه مطلقا، لوقوع المأمور به. وتوهم: أن الامتثال والقربة متقومة بالعلم بالامر، لانها ليست إلا الانبعاث عن الامر المولوي، فهو غير موافق للتحقيق كما اشير إليه مرارا، وذكرنا تفصيله في التعبدي والتوصلي من الاصول (3).


1 - تقدم في الصفحة 41 وما بعدها. 2 - مستمسك العروة الوثقى 8: 198. 3 - تحريرات في الاصول 2: 110 - 112.

[ 58 ]

بل الامر في نذر النتيجة أيضا مثل ذلك، فلو نذر صوم يوم، أو صوم الخميس، فاتفق صيامه فيه قربة إلى الله غفلة عنه، فقد امتثل، لان المفروض وجوب الصوم، ولا يشترط العلم بالوجوب، ولا الانبعاث عن الامر الخاص، فليتدبر جيدا. ابتناء المسألة على مسلكين في مفاد النذر أقول: ما هو مبنى هذه المسألة، هو أن في مفاد النذر مسلكين: أحدهما: ما عن المشهور، وهو أن صيغة النذر تورث وجوب المنذور، ولذلك عد المشهور في متون الفقه من أقسام الواجبات في الابواب المتفرقة، الواجب بالنذر وشبهه. ثانيهما: ما اختاره الوالد المحقق - مد ظله - وهو أن المنذور بعد النذر باق على حاله قبل النذر، من الاباحة، والاستحباب، والوجوب، ولكن العقل بعد انعقاد النذر يرى لزوم الاتيان به، لان الوفاء بالنذر الذي هو الواجب موقوف عليه (1). وقد يشكل على الاول: بأن النذر لو كان كذلك فيلزم اجتماع المثلين في نذر الواجب، بل والمستحب. والقول بالتأكد يستلزم عدم الكفارة، لعدم التخلف عن الامر النذري، كما لا يخفى. وعلى الثاني: بأنه يلزم لزوم القصد في الوفاء بالعقود، لقوله


1 - العروة الوثقى 2: 166، كتاب الصوم، الهامش 2، تحرير الوسيلة 1: 300، كتاب الصوم، مناهج الوصول 2: 141.

[ 59 ]

تعالى: (أوفوا بالعقود) (1)، مع أن الضرورة قاضية بأنه إذا تحركت الريح، وانتقل المبيع إلى صاحبه، فقد حصل المقصود وما هو اللازم في العمل، فعليه يعلم: أن أخذ عنوان الوفاء في هذه المواقف، لا يشهد على خصوصية لهذه العناوين، بل الادلة الشرعية المتكفلة للوفاء ناظرة إلى الحكم الوضعي، وهو صحة العقد والنذر، وإرشاد إليها، ولا يستفاد منها الايجاب التكليفي على عنوان الوفاء. ويتوجه إلى الاول: أن اللازم عليه حرمة السفر، ووجوب الاتمام، لانه يصير من سفر المعصية، ومن الخروج في المعصية إذا نذر أن لا يسافر، مع أن الضرورة قاضية بأنه إذا خالف لا يجب عليه التمام. وإلى الثاني: أن العرف حاكم في مورد النذر الخاص، بأنه إن أتى بالمنذور يسقط واجبه، مثلا: إذا نذر أن يبقى في النجف الاشرف عشر أيام، فبقي فيه تلك المدة، فقد أتى بما هو الواجب عليه، ولا يلزم عليه قصد الوفاء بالنذر. وبعبارة اخرى: يلزم بناء عليه بطلان نذر النتيجة قطعا، لعدم بقاء موضوع الوفاء باستيلاء المالك بالنذر على المنذور، فلا تخلط. ومما يتوجه إلى هذه المقالة: أن في موارد انعقاد النذر المحرم، يمكن الالتزام بالتخصيص على مقالة المشهور، وأما على هذه المقالة، فلا بد من أن يقال ببقاء الحرمة على حالها، لعدم تصرف فيها بالنذر، فيكون العمل بالنذر أهم، ولابد من كونه منهيا عنه، ولكنه مع التخلف


1 - المائدة (5): 1.

[ 60 ]

يجب عليه البدار إلى المحرم، لاهمية وجوب الوفاء بالنذر، فليتدبر ويتأمل جيدا. وهكذا إذا كان المنذور، له التعين السابق على النذر، فإنه يكفي إتيانه بالعنوان السابق عليه عند العرف والمتشرعة. مثلا: إذا نذر أن يصوم شهر رمضان، أو يصوم صوم الغدير، أو يحضر صلاة الجمعة، فأتى بها غفلة عن النذر، لا يعد مخالفا لامره النذري. ومما يتوجه إلى الاول: أنه إذا كان المنذور واجبا شرعا بالنذر، فلابد من الالتزام بوجوب ترك شرب الخمر إذا نذر ذلك، فيصير الشراب حراما، والترك واجبا شرعا. وتوهم: أن ذلك يرجع إلى تأكد حرمة الشرب، في غير محله لانه خروج عن مقتضى الصيغة وما هو ظاهر النذر. وهكذا إذا نذر أن يحج، فيكون الحج من الاصل، لانه واجب، والحج الواجب يخرج من الاصل، فافهم. عدم وجوب شئ بالنذر إلا كون المنذور في عهدة ناذره أقول: ربما يخطر بالبال دعوى أنه بالنذر لا يصير شئ واجبا شرعيا، حتى يتفحص عن موضوعه ومتعلقه، نعم إذا نذر فعلى عهدته الخروج عن المنذور بحكم العرف والعقلاء، سواء كان مضيقا، أو موقتا، أو موسعا، وإن تخلف عن ذلك فعليه الكفارة شرعا، أوا لكفارة التي عينها على نفسه في ضمن النذر، ويأتي بها بعنوان الكفارة على التفصيل الذي مر في

[ 61 ]

الكفارة (1). وإن كان مطلقا، فعليه إفراغ ما في عهدته من المنذور، من غير كونه ملكا لله تعالى، أو للمنذور له. نعم، إذا تخلف في الفرضين، فلا يبعد اتكاء الشرع في استحقاق العقوبة على حكم العقلاء بلزوم القيام بما نذر. فإذا كان المنذور صوما معينا قبل النذر - كصوم شهر رمضان - فعليه ذلك الصوم من غير لزوم العلم بالنذر حين الفعل، لانه لا شئ عليه إلا صوم شهر رمضان مثلا، أو صوم الغدير، وقد أتى بهما. وإن كان المنذور صوما على الاطلاق، فإن كان ظاهر حاله أنه منصرف إلى غير ما عليه من الصيام الواجب، فإن أتى بالواجبات، ثم غفل عن النذر وأتى بالمقدار الذي نذر، فهو يجزيه، لان ما عليه - حسب النذر - ليس إلا صيام أيام، فقد أتى بها. وإن لم يكن انصراف فيتداخل، أي يجزي صوم الواجب عن الصوم المنذور، لان المطلق في كلامه يجامع المقيد الذي في عهدته، ولزوم اعتبار القيد في مقام اشتغال الذمة، لا يستلزم لزوم تعدد الامتثال، فتأمل جيدا. وربما يستظهر ذلك بعد المراجعة إلى كتاب النذر وأحكامه، وأ نه لا يكون باب لايجاب الوفاء بالنذر، فما ورد في الكتاب (2) والادعية من


1 - تقدم في الصفحة 51 - 52. 2 - الحج (22): 29، الانسان (76): 7.

[ 62 ]

الوفاء بالنذر (1)، فهو حكم العقل، وإرشاد إلى الوظيفة التي يدركها العقلاء، وما يدركه العقلاء ليس عنوان الوفاء بالنذر بل الذي يدركونه هو أن مقتضى تنفيذ الشرع صيغة النذر، هو أن المنذور يكون على عهدة الناذر، لا دينا ووضعا، بل هو تكليف محض عقلائي، كرد السلام. إن قلت: لا وجه لعقاب الشرع على الاحكام العقلائية. قلت: نعم، ليس كل حكم عقلائي مورد العقاب والعتاب، ولكن لا بأس بذلك فيما إذا كان إدراكهم لزوم الادب في قبال المولى، فترك الادب يورث عندهم الاستحقاق، وما نحن فيه من هذا القبيل، لانه من سوء الادب بالنسبة إلى الرب، كما لا يخفى على ذوي اللب، من غير فرق بين العهد، واليمين، والنذر، وإن كان قضية بعض الاخبار (2) وجوب الوفاء بها، إلا أنه بعد ذلك يعلم: أن تلك الهيئات لو كانت لا تفيد أكثر مما ذكر، فلا عنوان الوفاء بالنذر يصير واجبا، ولا المنذور نفسه كما عن المشهور، بل المنذور باق على حاله، ولا يحتاج إلى القصد والتعيين إلا في مورد خاص كما اشير إليه، وهو ما إذا نذر صوما غير الصوم الذي في عهدته استحبابا ووجوبا معينين، كالغدير، ورمضان، والكفارة، وأراد أن يبتدئ به، بناء على جوازه، فإنه لابد من الاشارة. اللهم إلا أن يقال: نفس خلوه عن سائر العناوين يورث الكفاية،


1 - بحار الانوار 87: 177. 2 - الكافي 7: 458 / 18، وسائل الشيعة 23: 308، كتاب النذر والعهد، الباب 8، الحديث 4.

[ 63 ]

لانطباق المنذور عليه قهرا. أقول: فعلى ما تقرر إلى هنا عرفت أن المسالك ثلاثة، والمسلك الاقوى هو الرابع الذي أبدعناه، ثم ما سلكه الوالد - مد ظله - ثم ما هو المشهور، وذلك لان الالتزام بأن النذر يوجب توجه تكليف آخر تأسيسي بالنسبة إلى ذات المنذور بعنوانه الذاتي، غير ممكن عقلا، والتداخل يستلزم الاشكال الاخر. وأما ما يتوجه إلى الوالد - مد ظله - بدعوى: أن آية (أوفوا بالعقود) (1) أجنبية عن مباحث المعاملات، وأنه لا وجه لاستفادة اعتبار مفهوم الوفاء من دليل تنفيذ الشرط، لعدم وجود هذا العنوان في الشروط على ما ببالي. مع أنه لو كان يمكن دعوى: أن العرف يجد الفرق بين المقامين. فغير وجيه، وذلك لان ما قد يتوهم من أن دليل وجوب الوفاء بالعقد والشرط، لا يدل إلا على النفوذ، ويكون إرشادا إلى الصحة (2)، فهو محل المناقشة. ولو سلمنا ذلك فهو لا يقتضي عدم كون الواجب هو عنوان الوفاء. نعم، قضية رجحان الوفاء بمقتضى العقد هو صحة العقد، وقضية وجوب الوفاء به هو لزومه، وتفصيل البحث في المعاملات (3).


1 - المائدة (5): 1. 2 - مستمسك العروة الوثقى 8: 198. 3 - تحريرات في الفقه، كتاب البيع، المقصد الاول، الجهة الثانية، الاية الرابعة من الايات المستدل بها على أصالة اللزوم.

[ 64 ]

ويمكن دعوى: أن أدلة وجوب الوفاء بالعقود إرشادية، لانا نعلم قطعا أن الوفاء بالعقد ليس واجبا تكليفيا، والواجب هو رد مال الغير إلى صاحبه بعد العقد، وأما أدلة وجوب الوفاء بالنذور فتكليفية محضة، فيكون عنوان الوفاء موضوعا لها، فافهم وتدبر جيدا.

[ 65 ]

الفصل الرابع عدم الفرق بين الصيام الواجب والمستحب في اعتبار التعيين قضية ما مر (1) من اعتبار التعيين ولحاظ القيود اللحاظية الملاكية في مقام الامتثال، عدم الفرق بين الصيام الواجب والمستحب. وفيما كان الصوم المندوب ممتازا - لاجل اللابدية العقلية، كما أشرنا إليها - فهو غير معتبر في مقام الامتثال. وفيما إذا لم يتمكن العبد من الفرار من المحذور العقلي - وهو لزوم الترجيح بلا مرجح، أو القول بعدم الاجزاء - فعليه لحاظ ما يمتاز به المأتي به - حتى لا يلزم المحذور المشار إليه - معتبر جدا، وإلا يشكل الصحة.


1 - تقدم في الصفحة 45.

[ 66 ]

مثلا: إذا صام بلا لحاظ لون خاص، فإما يسقط أحد الاوامر المتوجهة إليه، أو لا يسقط، فإن سقط فهو من الترجيح بلا مرجح، وإن لم يسقط فهو من التفكيك بين العلة والمعلول، لان سقوط الامر بعد الاتيان بالمتعلق قهري، فمنه يعلم لزوم التعيين. إلا إذا كان نفس الصوم الخالي من اللون ذا مصلحة، وكان القيد المأخوذ في الامر من اللابدية العقلية كما عرفت، فإنه يقع صحيحا قهرا، وطبعا يكون الامر المتوجه إليه ساقطا، لان عدم تلونه بلون وجودي - كالكفارية، والغديرية، والقربانية - يكفي لوقوع الصوم عنه صحيحا. فبالجملة: لا فرق بين الواجب والمندوب. كما لا يشترط قصد الوجه، وهو الوجوب والندب، بل الظاهر من الحدائق أن الذين يعتبرون قصد الوجه لا يعتبرونه في صوم شهر رمضان، لعدم وقوع الصوم المندوب فيه (1). حكم الصوم المجرد من النية المعينة وأما هل يقع الصوم المجرد عن النية المعينة صحيحا، أم لا؟ ففيه وجهان، بل قولان: ظاهر السيد اليزدي في العروة هو الثاني (2).


1 - الحدائق الناضرة 13: 18. 2 - العروة الوثقى 2: 167، كتاب الصوم.

[ 67 ]

وعن بعض آخر هو الاول (1). ووجه البطلان: أن ما هو المأمور به ملون بلون خاص، وهو غير مقصود، وما هو المأتي به ليس مأمورا به (2). ووجه الصحة: أن الصوم المأمور به وإن كان ملونا ومقيدا بقيد لحاظي، ولكنه ليس دخيلا في الملاك والامر، بل هو اعتبر لعدم إمكان ترشح الارادة التأسيسية إلى المطلقة، فإنها تجتمع مع سائر المقيدات، فإذا اخذ عنوان به يمتاز الصوم المندوب المطلق عن المندوب الخاص، فلا يعتبر هذا العنوان في مقام الامتثال، بل نفس الخلو عن سائر العناوين، يكفي لصيرورته صحيحا ينطبق على المأمور به. نعم، الصوم الغديري والقرباني وغيرهما، مما اضيف إلى الزمان، فإن كان القيد المأخوذ فيه ذا ملاك كما شرحناه (3)، فلابد من لحاظه، لان إيجاد قيد المأمور به واجب، أي فكما أن نفس الصوم واجب، كذلك قيد القربانية، وإنما الاختلاف في القيدين بحسب كيفية الوجود، فأحدهما: يوجد في الخارج، والاخر: يوجد في الذهن، فلابد من لحاظه. وإن كان هذا القيد أيضا من القيود الاعتبارية التي توجد بحكم العقل - لما اشير إليه - فهو أيضا غير لازم، بل نفس وقوعه في يوم الغدير كاف للكشف بذلك أن ما هو المندوب في يوم الغدير بحسب الثبوت، هو


1 - العروة الوثقى 2: 167، كتاب الصوم، الهامش 4 و 5 و 6. 2 - مهذب الاحكام 10: 13. 3 - تقدم في الصفحة 42.

[ 68 ]

الصوم المطلق، لا المقيد بقيد خاص لحاظي ملاكي، فلا تخلط. ونظير ذلك في الصلاة المخصوصة، مثلا: إذا كان يقصد صلاة الغفيلة، ثم بعد الاشتغال بها ينسى خصوصياتها، من قراءة الاية المخصوصة في الاولى والثانية، فهل تصح هي، وتكون نافلة مبتدأة، أم لا فتكون باطلة، أو تقع مخصوصة؟ فيه خلاف. ووجه الاختلاف في هذه المسألة أمران: أحدهما: ما هو الوجه هنا، وهو أن ما هو المأمور به هي الخصوصية، وما هو المأتي به ليس مورد الامر، لانه قصد الغفيلة ولم يلاحظ الخصوصية، وليس مطلق الصلاة مأمورا به حتى تقع صحيحة. وأما إذا قلنا: بأن مطلق الصلاة مورد الامر التأسيسي، والقيد المأخوذ إنما هو للخروج عن الاطلاق، ولا يكون القيد من القيود اللحاظية الملاكية حتى لا تقع بحسب الامتثال صحيحة، فإذا قصد الغفيلة، وترك ما هو المخصوص بها، فقد قصد الصلاة، ولا يضر نسيان قيد الغفيلية بوقوع الصلاة عنه قطعا. وإذا كان الامر الاخر متوجها إليه بالنسبة إلى الصلاة المطلقة بحسب الامتثال، والمقيدة بحسب التشريع - على الوجه الذي عرفت (1) - فلا ضير في وقوعها صحيحة، كما هو الظاهر.


1 - تقدم في الصفحة 44 - 45.

[ 69 ]

ثانيهما: أن قضية إطلاق لا تعاد... (1) صحة مثلها غفيلة، وهذا أجنبي عن مسألة الصوم التي كنا فيها، ويطلب من مكان آخر، فافهم وتدبر. فتحصل: أن الصوم المطلق لا يقع مورد الامر، لامتناع تعلق الايجاب التأسيسي به إلا بعد تعنونه بالعناوين المختلفة، ويتعدد الامر عندئذ لاجلها، فإذن لابد من لحاظ القيد من قبل الامر حتى يحصل في الطبيعة تكثر، وبه يحصل الاوامر المتعددة، ولكن ليس كل قيد يلاحظ حين الجعل، واجب اللحاظ حين الامتثال، لما عرفت مرارا وتكرارا. فإذن تقع الصلاة في مفروض المسألة صحيحة نافلة مبتدأة، فالصوم مثلها كذلك، بل فضلا. نعم، بناء على تقوم عباديته بالانبعاث عن أمره الخاص فيشكل، لان ما قصده غير ما أتى به، فإن ما قصده هو صوم يوم الغدير مثلا، وما أتى به هو صوم اليوم السابع عشر، وما كان قصده أمر الصوم في اليوم السابع عشر، ولكنك أحطت خبرا بأن قصد التقرب ليس متقوما بالامر (2)، فتدبر.


1 - الفقيه 1: 225 / 991، وسائل الشيعة 1: 372، كتاب الطهارة، أبواب الوضوء، الباب 3، الحديث 8. 2 - تقدم في الصفحة 42 و 48 و 57.

[ 71 ]

الفصل الخامس في كفاية النية الاجمالية المشهور المعروف بين الاعلام (رحمهم الله) كفاية النية الاجمالية (1)، وهي أنه إذا لاحظ إجمالا ما في ذمته ويشير إليه، صح صومه. وهذا غير ما مر من كفاية الداعي (2)، فإنه هو مقابل الاخطار، واللحاظ التفصيلي، فإن الداعي هو اللحاظ الارتكازي، فيكون عنوان المأمور به مركوزا في نفسه غير متوجه إليه بالتفصيل حين الفعل. وعندي إشكال في كفاية النية الاجمالية بعدما عرفت: من أن العناوين المأخوذة في المأمور به تصير قصدية، ويكون لها الملاك الخاص، وتصير - كسائر القيود الفعلية - محتاجة إلى الوجود والايجاد


1 - العروة الوثقى 2: 167، كتاب الصوم. 2 - تقدم في الصفحة 41.

[ 72 ]

حتى يسقط الامر (1)، فكما أن الستر لا بد وأن يوجد حتى تصح الصلاة، كذلك الظهرية والعصرية. ولو كانت هذه العناوين كلها مأخوذة لاعتبار التميز، ولامكان ترشح الارادتين التأسيسيتين إلى الطبيعة، كما مر مرارا، كان ينبغي أن تكون صلاة العصر الرباعية صحيحة، من غير حاجة إلى لحاظ العصرية، لانه بعد الاتيان بالظهر ليس فعله وصلاته مشتركة، إلا إذا كان في ذمته القضاء مثلا، ولا يمكن الالتزام بذلك جدا. فهذه القيود لا بد من إيجادها في محيط القلب، فلو كان يرمز ويشير إلى ما عليه من التكليف الفعلي، فكفايتها مشكلة، لانه بذلك لا يتحقق قيد المأمور به، وهو عنوان قصدي مأخوذ في متعلق الامر. نعم، إذا كانت من القيود اللحاظية غير الملاكية، فلا بأس بذلك. وفيما كانت ملاكية فهي - كسائر القيود - لابد من إيجادها. ولعل ما كان معروفا بين السابقين من اعتبار الاخطار بالبال، معناه ذلك مقابل هذا الاجمال، لا ذاك الاجمال الارتكازي، فافهم واغتنم.


1 - تقدم في الصفحة 46 - 47.

[ 73 ]

الفصل السادس اشتغال الذمة بالانواع المتعددة المعروف المشهور عنهم أنه إذا اشتغلت ذمته بالانواع المتعددة، فعليه النية حال الامتثال، وتكفي الاجمالية، وإذا كانت مشغولة بالكثير من النوع الواحد، فلا شئ عليه إلا الاتيان بالكثير، ولا يعتبر مثلا في قضاء الصلوات الظهرية تعيين آخر وراء تعيين عنوان قضاء الظهر وكذا في قضاء الصيام، وهكذا (1). وعندي في المسألة إشكال كما اشير إليه مرارا (2)، وذلك لان عنوان صلاة المغرب والظهر ليس بواحد، ولا يعقل تعدد الامر التأسيسي بالعنوان الواحد، فلا يعقل إيجاب المغرب والظهر والصوم الكذائي مرارا إلا بلحاظ زائد على أصل الطبيعة.


1 - مصباح الفقيه 14: 296 - 297، العروة الوثقى 2: 167، كتاب الصوم. 2 - تقدم في الصفحة 42 و 46 - 47 و 71 - 72.

[ 74 ]

مثلا: إذا أوجب الصوم القضائي من شهر رمضان، فلابد من التقييد بقيد يورث الكثرة ولو كان عنوانا عرضيا، كعنوان صوم آخر وقضاء آخر وإلا فلا يمكن، كما لا يمكن هذا في الاداء. مثلا: لا يعقل أن يكون الواجب على المكلف في ابتداء الشهر، صياما متعددا عليه وجوبا فعليا، ومع ذلك لا يكون لكل يوم لون خاص، فإنه يلزم كون الوجوب الثاني متعلقا بعين ما تعلق به الاول تأكيدا، لا تأسيسا، كما هو الواضح والظاهر، وهو كما ترى. وعلى هذا، كما لا بد من وجود القيد الزائد على عنوان الصلاة والصوم في تعدد الوجوب، فتكون صلاة المغرب، وصوم رمضان، كذلك لا بد من عنوان آخر زائد على القيدين الاولين في تعدد الوجوب بالنسبة إلى صلاة المغرب، وصوم رمضان، وهكذا. وكما يعتبر في مقام الامتثال لحاظ العنوان المزبور فيما كان النوع متعددا، كذلك فيما إذا كان الفرد من النوع الواحد كثيرا، فلو كانت ذمته مشغولة بعدة صلوات المغرب، فعليه اللحاظ الخاص في مقام الامتثال، وإلا يلزم إما وقوعه باطلا، أو الترجيح بلا مرجح، أو عدم الاجزاء مع الاتيان بمتعلق الامر. وكون الامر بيد الاتي بمتعلقه معلقا على الاتيان بالاخر، فاسد، لعدم إمكان ذلك كما هو الواضح. ولعل ما في كتاب العروة الوثقى من قوله هنا: بل وفيما إذا كان ما في ذمته متعددا أيضا يكفي التعيين الاجمالي، كأن ينوي ما اشتغلت ذمته

[ 75 ]

أولا، أو ثانيا، أو ثالثا، ونحو ذلك (1) انتهى، يرجع إلى ذلك. ولا يختص كلامه بصورة التعدد النوعي، بل يشمل المتعدد من النوع الواحد، فيعتبر الايماء إلى أول صلاة فاتت منه من المغرب، والثاني، والثالث، وهكذا. وفي رمضان يحصل التعيين بوقوعه في الزمان ورمضان، ولا يكون عنوان شهر رمضان أو يوم كذا من العناوين الملاكية المعتبرة على الاطلاق، بل هذه العناوين تعتبر في مقام الجعل مطلقا، وفي مقام الامتثال أحيانا، للشبهات العقلية التي عرفت منا مرارا (2). أقول: قد تقرر عندنا أن ما هو الواجب بعنوان القضاء أو ما هو الواجب في التوصليات بعنوان الدين لا يكون إلا عنوانا واحدا يبسط ويقبض، بمعنى أن من استدان من رجل مائة دينار فعليه أداء الدين، ولا ينحل التكليف الواحد إلى التكاليف الكثيرة، حسب قابلية انقسام المائة إلى الفلس مثلا، فإذا كان عليه أداء الدين، فإن زاد عليه القرض الاخر، فلا يتوجه إليه التكليف الاخر، بل الدين يستكثر وينبسط الموضوع، وإذا أدى شيئا منه لا يسقط التكليف، بل الموضوع ينبسط. والمراد من الانبساط والانقباض معلوم، وليست المناقشة من دأب المحصلين. وبعين ذلك يجري الامر في القضاء، فمن كان عليه قضاء صلاة فليس عليه إلا تكليف واحد، وهو الاتيان بالقضاء، وإذا كان القضاء كثيرا فكذلك،


1 - العروة الوثقى 2: 167، كتاب الصوم. 2 - تقدم في الصفحة 44 - 45.

[ 76 ]

وإذا أدى بعضا منها فلم يؤد أمر القضاء إلا بعد الاتيان بالمجموع، وهذا هو معنى أن القضاء بالامر الجديد لان ما هو موضوع هذا الامر هو عنوان القضاء لا ذات الصلاة والصوم. نعم، إذا قلنا: بأنه بالامر الاول فتبقى ذاتهما واجبة على المكلف بعد الوقت، فعليه لا يكون التكليف متعددا، حتى يحتاج إلى التميز في مقام الامتثال زائدا على قصد قضاء الفريضة، أو قضاء الصلاة والنافلة. ولو سلمنا أن ذلك مما لا يمكن الالتزام به في العبادة، وفي قضاء الانسان عن نفسه، وإن كان تاما في قضاء الانسان عن والده، فلابد من الالتزام بأن في مرحلة الجعل والايجاب، لا بد من اعتبار القيد الزائد، وفي مرحلة الاثبات لا بد من لحاظ المميز، وإلا فلا يسقط الامر. وتوهم: أنه إذا أتى بعشر صلوات ثلاثية بعنوان المغرب يسقط عشرة أوامر، ويسقط عقيب كل واحد أمر وإن لا يمكن تعيينه، فاسد، لان ما هو المأمور به في مقام الجعل والايجاب له اللون المعين، والمأتي به هذا لا لون له، ويكون مشتركا، ولا واقع له حتى يسقط عند الله تعالى أمر، بل المأتي به مشترك بحسب الصورة والجثمان بين الكل، فلابد من المميز حتى يلزم سقوط الامر المتوجه إليه باللون الخاص. نعم، لا يلزم المميز التفصيلي، بل يكفي الاجمالي، لان القيد المزبور من القيود اللحاظية غير الملاكية. فما اشتهر في بادئ النظر بين الافاضل لا يخلو من تأسف، وإن كانت المسألة مخفية على الاصحاب (رحمهم الله)، فلا ضير فيه، لاشتراكها مع سائر المسائل في هذه الخصوصية، والحمد لله تعالى. ليلة 19 رمضان 1389 ه‍.

[ 77 ]

الفصل السابع هل يتحمل شهر رمضان صوما آخر؟ هل يتحمل شهر رمضان صوما آخر، فيقع صحيحا فيه، أو لا يتحمل، فيكون قصد مطلق الصوم كافيا في وقوعه عن رمضان مثلا، أو يفصل بين السفر والحضر، أو بين الجهل والنسيان والعلم، فيصح في السفر، وفي حال الجهل والنسيان، ولا يصح ولا يتحمل غيره في الحضر، وفي حال العلم، ويكون باطلا، أو يقع عن رمضان، فلا يحتاج إلى النية في صوم رمضان؟ وجوه، بل وأقوال. ويتم البحث حولها في ضمن جهات: الجهة الاولى: في عدم تحمل رمضان صوم غيره المشهور المعروف أن رمضان لا يتحمل صوما غيره، وقد ادعى في الجواهر: أنه كاد يكون من قطعيات أرباب الشريعة إن لم يكن من

[ 78 ]

ضرورياتها (1) انتهى. وربما يشهد على ذلك مفروغية ذلك بين العامة، واستدلالهم (2) واستدلال أصحابنا (3) على المسألة السابقة، بأن صوم شهر رمضان لا يحتاج إلى قصد التعيين، لعدم صحة غيره فيه. وأنت قد عرفت منا (4): أن مالكا (5)، والشافعي (6) في أحد قوليه، وأبا حنيفة لغير المقيم، اعتبروا قصد التعيين (7)، فيعلم من ذلك: أن المسألة ليست واضحة في الشريعة الاسلامية تلك الوضوح، فتأمل. وربما يستدل عليه (8) بما رواه الوسائل في الباب الثاني عشر من أبواب من يصح منه الصوم مرسلا، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: خرج أبو عبد الله (عليه السلام) من المدينة في أيام بقين من شهر شعبان، فكان يصوم، ثم دخل عليه شهر رمضان وهو في السفر فأفطر، فقيل له: أتصوم شهر شعبان وتفطر شهر رمضان؟! فقال: نعم، شعبان إلي إن شئت صمت، وإن شئت لا، وشهر رمضان عزم


1 - جواهر الكلام 16: 203. 2 - لاحظ المجموع 6: 294. 3 - الغنية، ضمن الجوامع الفقهية: 509 / السطر 3، الصوم، الشيخ الانصاري: 97. 4 - تقدم في الصفحة 43 - 44. 5 - المجموع 6: 302 / السطر 9. 6 - المجموع 6: 294 / السطر 15. 7 - المجموع 6: 302 / السطر 10. 8 - مصباح الفقيه 14: 331.

[ 79 ]

من الله تعالى علي الافطار (1). وأيضا في الباب المزبور مرسلا قال: كنت مع أبي عبد الله (عليه السلام) فيما بين مكة والمدينة في شعبان، وهو صائم، ثم رأينا هلال شهر رمضان فأفطر، فقلت له: جعلت فداك، أمس كان من شعبان وأنت صائم، واليوم من شهر رمضان وأنت مفطر! فقال: إن ذلك تطوع، ولنا أن نفعل ما شئنا، وهذا فرض، فليس لنا أن نفعل إلا ما امرنا (2). ولا يبعد اتحاد الواقعة والرجل الراوي عنها. ولا يخفى: أن في السند الاول إسماعيل بن سهل الذي ضعفه الاصحاب، كما عن النجاشي، (3) مع إهمال الاخر (4)، وعدم توثيق الثا لث (5)، وفي الثاني إهمال الحسن بن بسام الجمال (6)، فالسند الاول غير قابل للتصحيح مطلقا، ولكن الثاني ممكن، بناء على جواز العمل برواية المهملين الذي قد قويناه في الاصول، وهكذا المرسلات إذا كانت متكئة


1 - الكافي 4: 130 / 1، وسائل الشيعة 10: 203، كتاب الصوم، أبواب من يصح منه الصوم، الباب 12، الحديث 4. 2 - الكافي 4: 131 / 5، وسائل الشيعة 10: 203، كتاب الصوم، أبواب من يصح منه الصوم، الباب 12، الحديث 5. 3 - جامع الرواة 1: 96، رجال النجاشي: 28 / 56. 4 - لاحظ معجم رجال الحديث 16: 237. 5 - لاحظ معجم رجال الحديث 18: 349. 6 - لاحظ معجم رجال الحديث 4: 290.

[ 80 ]

على بعض القرائن (1)، وعليه يمكن تصحيح السند الثاني على المسلك الحديث، وعلى مسلك السيد الاستاذ البروجردي (قدس سره) من أن الانجبار لا يحتاج إلى الاستناد، بل الشهرة وإن لم تكن عملية تكون جابرة (2)، فتصير الروايتان معتبرتين. وإنما الشبهة في دلالتهما على المدعى، فإن تركه (عليه السلام) الصوم في السفر عند رؤية هلال شهر رمضان، هل يدل على عدم تحمل رمضان لغير صومه؟ أو يدل على ممنوعية الصوم المندوب في السفر في شهر رمضان، ولزوم الصيام في الحضر في شهر رمضان، وأما أنه إذا كان حاضرا، وعصى بترك صوم رمضان أو سهى، فيكون الصوم الاخر باطلا، فالرواية ساكتة جدا، فإن قوله (عليه السلام): عزم علي الافطار محمول على حال السفر، وأما في الحضر فعزم الصيام، وأما أن صيامه لا بد وأن يكون صيام شهر رمضان بحيث يبطل الاخر، فهو غير مستفاد منه كما لا يخفى؟ وبعبارة اخرى: إن مفاد الرواية ممنوعية الصوم الندبي في السفر عند دخول رمضان، والمدعى أن شهر رمضان غير قابل لتحمل صوم غيره، سفرا كان، أو حضرا، ندبا كان، أو واجبا آخر، فإثباته بها موقوف على التجاوز من مورد الرواية - وهو الصوم الندبي حال السفر - إلى مطلق الصوم في مطلق الحال، وهذا مشكل جدا.


1 - تحريرات في الاصول 6: 412 - 414. 2 - نهاية الاصول: 542 - 543.

[ 81 ]

بل لا يدل على بطلان الصوم الندبي في السفر، فإن تركه (عليه السلام) لاجل أن الافطار واجب وفرض في المورد، وأما لو ترك الواجب وصام، فكونه منهيا عنه مبني على أن الامر بالشئ - وهو الافطار - يستلزم النهي عن الصوم، وهذا الاستلزام ممنوع، لان ترك الواجب ليس بمحرم شرعي. نعم، في العبادات لا يمكن الجمع بين النهي والامر، خصوصا إذا كان الصوم بماهيته مقتضيا لترك الافطار، فليتدبر. فبالجملة: استفادة عدم إمكان تحمل رمضان للصوم الاخر ممنوع. اللهم إلا أن يقال: بأن الظاهر من ترك الصوم في السفر هو أنه لا يقبل غيره مطلقا، إما لكونه في السفر، أو لاي وجه آخر، لانه لو كان يقبل صوما غيره لاتى به بعد كونه يصوم في شعبان، فيستكشف بذلك أن الزمان يقصر عن غيره، ولا فرق حينئذ بين حال السفر والحضر. واحتمال الاختصاص بالسفر غير موافق للاعتبار قطعا (1). ولكنه في محل المنع، لان غاية ما يدل عليه أن الصوم في السفر في شهر رمضان، غير جائز، وأما استفادة سقوط الزمان لوقوع الفعل الاخر فيه في الحضر، فغير واضحة جدا. وأما قوله (عليه السلام) على ما في الرواية: ولنا أن نفعل ما نشاء، وهذا فرض، فليس لنا أن نفعل إلا ما امرنا (2) فهو لا يخلو من شبهة: وهي أن


1 - لاحظ مصباح الفقيه 14: 330 - 331. 2 - الكافي 4: 131 / 5، تهذيب الاحكام 4: 236 / 693، وسائل الشيعة 10: 203، كتاب الصوم، أبواب من يصح منه الصوم، الباب 12، الحديث 5.

[ 82 ]

الظاهر منه أن اختيار التطوعات بيدهم (عليهم السلام) دون الفرائض. اللهم إلا أن يقال: بأن المقصود أن الصوم المندوب في السفر رخصة لكل أحد، والصوم الرمضاني محرم وفرض، ولعله إشارة إلى الاستدلال الاتي، من أن قضية الكتاب هو أن المسافر يصوم في عدة أيام اخر، فليتدبر. فعلى هذا، تكون الرواية مشتملة على ما لا يكون تاما، وهذا من الموهنات لها، فيشكل الاعتماد عليها لو أمكن اعتبارها ذاتا. وربما يستدل أيضا للمدعى بقوله تعالى: (ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر) (1). وهذا الايجاب يستلزم حرمة الصوم في شهر رمضان. وأنت خبير بما فيه، فإن ممنوعية الصوم الرمضاني مفاد الكتاب، وما هو المدعى هو الممنوعية المطلقة، فما عن مختلف العلامة من الاستدلال (2)، لا يخلو من غرابة. ثم إن من الممكن دعوى: أن الواجب المضيق، لا يعقل مع إطلاق دليل الواجب الاخر عندما يكون منطبقا عليه، مثلا إذا وجب بأصل الشرع صوم يوم الجمعة، فلا يعقل بقاء الاطلاق لدليل وجوب صوم شهرين متتابعين بعنوان الكفارة مثلا، لانه يستلزم التكليف بما لا يطاق، ولا يمكن الجمع، فعليه يصير إطلاق دليل مشروعية الصوم في مطلق الازمنة، مقيدا بشهر


1 - البقرة (2): 183. 2 - جواهر الكلام 16: 203، مختلف الشيعة 3: 378 - 379.

[ 83 ]

رمضان، وهذا كاف لبطلان الصوم الاخر فيه. وبعبارة اخرى: لا نحتاج إلى إثبات الحكم الوضعي - وهو قصور الزمان عن تحمل الصوم الاخر في الاعتبار - إلى دليل، بل سقوط الامر بالنسبة إلى الصوم الاخر، كاف لبطلان سائر الصيام في شهر رمضان، نعم في السفر - حسب هذه الصناعة - يصح، إلا أن قضية المرسلة (1) هي الممنوعية، فيثبت عموم المدعى بالنص والعقل. وربما يشكل النص، لاجل ظهوره في جواز صوم التطوع في السفر بلا نذر، وهو مورد الاعراض، فالاستناد إليه محل الخدشة، فيبقى حكم العقل، وهو يورث المنع بالنسبة إلى حال الحضر، لا السفر، كما هو المفتى به في المبسوط (2) ويكون على وفق القاعدة. فتحصل: أن التمسك بأدلة عدم مشروعية سائر الصيام بعد ضيق وقتها، وتعين صوم رمضان في الشهر لاثبات المطلوب، في غير محله. نعم، يمكن تصحيح العبادة على هذا من طريق الترتب، بمعنى أن استفادة عدم قابلية الزمان لمطلق الصوم ممنوعة، والتكليف الفعلي الاهم لا يستلزم عدم وجود الامر بالمهم عند عصيان الاهم. ولكنه مضافا إلى ممنوعية الترتب عندنا، أنه يتم بعد ثبوت الاطلاق الذاتي لدليل المهم، وهو هنا محل المنع، لان الظاهر أنه مع ظرفية


1 - الكافي 4: 130 / 1، وسائل الشيعة 10: 203، كتاب الصوم، أبواب من يصح منه الصوم، الباب 12، الحديث 4. 2 - المبسوط 1: 276.

[ 84 ]

رمضان في حال الحضر لصومه على نعت التعيين، لا إطلاق في ناحية المطلوب حسب الادلة الشرعية. نعم، يمكن فرض المطلوبية، وهي كافية لصحة العبادة. أو يقال مثلا: بأن مطلوبية صوم الكفارة من حيث الزمان مطلقة، وفي شهر رمضان - لولا ضيق الزمان - كان أيضا هو مطلوب المولى، فإذا عصى بالنسبة إلى الاهم فعليه المهم، ويصح عنه، فافهم. الجهة الثانية: في عمومية عدم تحمل شهر رمضان لصوم غيره بناء على عدم تحمل شهر رمضان لصوم غيره، فهل هذا يختص بالحضر، أو يعم السفر، أو هل هذا يختص بالواجب، أو يعم الندب، وبالعكس؟ قضية ما عرفت منا هو إمكان التفكيك بين الحالين: الحضر، والسفر (1)، كما عن الشيخ في المبسوط (2) وخلافا للاخرين (3) حتى نفسه في سائر كتبه (4). ولعله (قدس سره) لم يعتن بالمرسلتين (5)، فعمل بالقاعدة، وهي لا تقتضي إلا الممنوعية حال الحضر الذي يتعين عليه صوم رمضان.


1 - تقدم في الصفحة 83. 2 - المبسوط 1: 276. 3 - مختلف الشيعة 3: 379، جواهر الكلام 16: 203، العروة الوثقى 2: 170، كتاب الصوم، فصل في النية. 4 - تهذيب الاحكام 4: 236، الاستبصار 2: 103، الخلاف 2: 166. 5 - تقدم في الصفحة 83.

[ 85 ]

وأما توهم الفرق بين الواجب والندب، فهو بلا وجه، إن صح صح مطلقا، وإلا فلا، وإن سقط قابليته لغير صوم رمضان فهو على الاطلاق، لاطلاق معقد الاتفاق المحكي (1)، وإلا فلا. وتوهم: أن القدر المتيقن منه هو الندب، لا الواجب، مدفوع بتوهم عكسه، لاستوائهما في الاحتمال، ولا مزية في البين على وجه يورث التفريق، كما لا يخفى. الجهة الثالثة: حكم صوم غير رمضان فيه عن جهل أو سهو وغفلة لو كان جاهلا، أو ساهيا وغافلا، فصام في شهر رمضان صوم غيره، أو كان جاهلا بالموضوع، ثم تبين أنه صام الكفارة والنذر في رمضان، فإن استفدنا من الاتفاق المزبور سقوط قابلية الزمان لغيره، فلا فرق بين الاحوال. ولكنه ممنوع جدا كما اشير إليه، بل غايته هو المنع عن الصوم الاخر تحريما، أو عدم الامر بالصوم الاخر كاف لبطلانه، فعند ذلك يمكن تصحيح الصوم في غير حال العمد، بأن يقال: تعيين تكليف رمضان مع الجهل والسهو أو النسيان مرفوع، فلا تكليف في هذه الحالات، فإن كان هذا كافيا لدعوى مطلوبية الصوم التطوعي، أو الصوم الاخر - لاطلاق أدلته - فهو، وإلا فالصحة ممنوعة، كما هو الظاهر الواضح. وبالجملة: ما في العروة الوثقى: من أن شهر رمضان لا يصلح


1 - جواهر الكلام 16: 203.

[ 86 ]

لصوم غيره، واجبا كان، أو ندبا، سواء كان مكلفا بالصوم، أو لا كالمسافر ونحوه، وسواء كان عالما بأنه رمضان، أو جاهلا، وسواء كان عالما بعدم وقوع غيره فيه، أو جاهلا (1) انتهى، ليس كما ينبغي، إلا إذا استندنا إلى ظاهر معاقد الاجماعات، فلو كان المستند فعلية التكليف في شهر رمضان بالنسبة إلى صومه - بأن يقال: إنها لا تجامع مشروعية سائر الصيام فيه - فعند ذلك تتم الدعوى، وإذا سقطت الفعلية لاجل جهة وسبب من الاسباب، فحا له حال السفر، فليتدبر. الجهة الرابعة: في صوم غير رمضان فيه عالما عامدا لا شبهة عندهم في أنه إذا صام عالما عامدا صوما غير صوم شهر رمضان، فإنه لا يقع من رمضان، وهذا الحكم كأنه مقطوع به عند المتأخرين. وقال العلامة في التذكرة: لو نوى الحاضر في رمضان صوما مطلقا، وقع عن رمضان إجماعا، ولو نوى غيره مع الجهل فكذلك، للاكتفاء بنية القربة في رمضان، وقد حصلت، فلا تضر الضميمة، ومع العلم كذلك، لهذا الدليل. ويحتمل البطلان، لعدم قصد رمضان والمطلق، فلا يقعان (2) انتهى. وهذا هو الظاهر من الشرائع فقال: ولو نوى غيره واجبا كان أو


1 - العروة الوثقى 2: 170، كتاب الصوم، فصل في النية، المسألة 6. 2 - تذكرة الفقهاء 6: 10.

[ 87 ]

ندبا، أجزأ عن رمضان، دون ما نواه (1) انتهى. فاحتمال وقوع المنوي عن رمضان، ولو كان صوم الكفارة والنذر وقضاء الشهر السابق، قوي وإن كان عالما عامدا. ومخالفة الحلي (2) والشهيدين (3) وجماعة (رحمهم الله) (4) للاجزاء في صورة العلم، لا تضر بما هو مقتضى القواعد. وقد أفتى بالاجزاء أبو يوسف، ومحمد (5). ومن العجب ما عن المدارك من المناقشة في المسألة: بأن إلغاء الزائد على نية التقرب، إنما هو بالنسبة إلى وقوع ما نواه، لا أنه لغو بحيث يكون كما لو نوى الصوم المطلق المنصرف إلى شهر رمضان (6) انتهى! وأنت خبير بخلطه بين مرحلتي الثبوت والاثبات، فإن البحث هنا حول دعوى: أن النية المضارة حسب الادلة لا تضر ثبوتا، والصوم المطلق - لمكان اشتماله على ما هو المأمور به - يقع عن رمضان، لا لانصرافه في مقام الاثبات إلى صوم رمضان، فإنه بحث آخر لا ينبغي الخلط، فلو كانت نية الصوم الاخر مورثة للبطلان، ففي المطلق أيضا يلزم البطلان، لعدم وجدانه لما هو شرط المأمور به، وهو كون الصوم من


1 - شرائع الاسلام 1: 169. 2 - السرائر 1: 372. 3 - الدروس الشرعية 1: 268، مسالك الافهام 2: 12، الروضة البهية 1: 194 / السطر 1. 4 - مختلف الشيعة 3: 376، العروة الوثقى 2: 170، كتاب الصوم. 5 - الخلاف 2: 165. 6 - مدارك الاحكام 6: 32.

[ 88 ]

شهر رمضان، ولو كان المطلق صحيحا - لا للانصراف - فالمقيد أيضا صحيح، لانه المطلق مع القيد الزائد اللغو، وليس من قيود المأمور به عدم تقيده به، حتى يلزم بطلانه للاخلال بالشرط العدمي. مقتضى القواعد في المسألة إذا عرفت ذلك فلابد من النظر إلى قضية القواعد أولا، ثم النظر إلى مقتضى الاثار ثانيا، ولا شبهة في أن صوم شهر رمضان في مقام الجعل والتشريع، ملون بلون، قبال صوم الكفارة، والنذر، وغيرهما، وإلا فلا يعقل تأسيس الايجاب الاخر، كما عرفت مرارا. وأيضا: لاشبهة في أن القيود المأخوذة سواء كانت من القيود الذهنية، أو الخارجية، لابد من تحصيلها، إلا إذا احرز أنها ليست دخيلة في المصلحة، بل أخذت لاجل امتناع تعلق الارادة بمطلقها كما تحرر (1)، وذلك لان قضية مقام الاثبات كونها دخيلة في الملاك، فلابد من إتيانها، فلا وجه للتمسك بالبراءة عن قيديتها. فعلى هذا، ليس الواجب حسب القواعد في شهر رمضان، مطلق الصوم مع القربة، حتى يتحقق امتثال أمره بامتثال أمر سائر أقسام الصيام المتنوعة بالفصول الخاصة، كصوم النذر، والكفارة، وهكذا صوم الندب والنافلة، بل لا بد من تحصيل القيد المزبور بلحاظه ذهنا، مثل قيد الصومية. اللهم إلا أن يدعى: أن الادلة الخاصة تورث عدم دخا لة


1 - تقدم في الصفحة 44 - 45.

[ 89 ]

القيد المزبور، وسنشير إليها (1). إذا تبين ذلك فإن قلنا: بأن صوم غير رمضان يصح في رمضان، ويقع لا عن رمضان، فلا تنتهي النوبة إلى البحث عن وقوعه عن رمضان وعدمه، إلا بدعوى اقتضاء الادلة ذلك خلافا للقاعدة. وإن قلنا: بأن الصوم في رمضان يقع عن رمضان، مستحبا كان، أو واجبا، فلا تصل النوبة إلى البحث عن اعتبار النية، لانه لا معنى لاعتبارها بعد وقوع كل صوم في رمضان عن صوم رمضان، ويجزئ عنه. نعم إن قلنا: بأن نية الغير منهي عنها تكليفا ومحرمة، ولكنها لا تضر بصحة الصوم، بل هي تؤكد صحته، فعند ذلك لابد من البحث عن دليل هذه الحرمة. ومما ذكرناه في هذا المقام يظهر مواضع النظر في كلمات الاصحاب، مع تأبيهم عن الورود في حقيقة البحث بأطرافه وجهاته، فليتدبر جدا. مقتضى الادلة الخاصة إذا عرفت هذه المجملات، فلابد من البحث عن الادلة الخاصة حسب ما وعدناه، وأنه هل يمكن الاستفادة من الادلة الخاصة، أن ما هو الواجب في شهر رمضان، الصوم المطلق المقرون بالقربة، بحيث لا يمكن حتى مع تقييد النية عصيان أمره، لان كل صوم إذا تحقق مقرونا بأية نية، يصدق عليه طبيعة الصوم مع القربة، فيحسب رمضان، ولا يعقل


1 - يأتي في الصفحة 90 - 92.

[ 90 ]

بناء على هذا الاتيان بالصوم الاخر إلا بالتداخل الذي لا بد منه في هذه الصورة، بشرط كونه مأمورا به في عرض أمر رمضان، وإلا فلو كان مورد الامر الترتبي، فلا يمكن عصيان أمره حتى يحصل شرط الامر الترتبي، كما لا يخفى؟ وقد أشرنا إلى إمكان اندراج المسألة في كبرى باب التزاحم (1)، وإن ذكرنا ضعفه، ولكنه بعد التأمل استفدنا قوته، ضرورة أن إيجاب الكفارة وإيجاب صوم رمضان، من قبيل إيجاب فعل الازالة والصلاة في الوقت الموسع، ولا يلزم هنا تقييد بالنسبة إلى أدلة الكفارة وغيرها، لانهما موجبتان، فعلى هذا لو نوى صوم الكفارة في شهر رمضان، فقد امتثل الامرين. اللهم إلا أن يدعى حرمة تلك النية تكليفا، المستتبعة لعدم وقوعه عن الكفارة دون رمضان ولا دليل على تلك الحرمة إلا على القول: بأن الامر بالشئ يقتضي النهي عن ضده الخاص، فلو صح ذلك يمكن دعوى عدم وقوعه عن رمضان أيضا، وذلك لان النهي لا يتعلق بالقيد، بل يتعلق بالمقيد، فيكون الصوم المأتي به باطلا، وسيأتي زيادة توضيح من ذي قبل (2). فبالجملة: قد يمكن دعوى دلالة بعض الاخبار على هذه المسألة: فمنها: ما رواه الوسائل في الباب الخامس من أبواب وجوب


1 - تقدم في الصفحة 83. 2 - يأتي في الصفحة 102.

[ 91 ]

الصوم، عن الكافي بسند معتبر، عن سماعة قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام): رجل صام يوما... إلى أن قال (عليه السلام): وإنما ينوي من الليلة أنه يصوم من شعبان، فإن كان شهر رمضان أجزأ عنه بتفضل الله تعالى، وبما قد وسع على عباده، ولولا ذلك لهلك الناس (1). فإن قضية ما في حكم التعليل أخيرا، أن مقتضى التفضل عدم الفرق بين صورتي الجهل والعلم، وبين الندب والواجب. اللهم إلا أن يقال: إن الجاهل يستحق التفضل، دون العامد العالم. هذا، مع أن المستفاد منه هو أن المأتي به ليس هو المأمور به، بل الظاهر هو أنه مقبول تفضلا. ولو كان هو المأمور به واقعا، لما كان تقبله من التفضل، بل هو الاجزاء القهري العقلي، فما هو المأمور به بالامر في شهر رمضان، هو الصوم المتنوع بالفعل الخاص، وهو الرمضانية، قبال الشعبانية، والكفارية، والنذرية، والقضائية، وهكذا. ومنها: ما رواه في الباب المزبور، بسند يشكل تصحيحه، وإن أمكن على مذاقنا الواسع في توثيق الرجال، عن الكافي عن الزهري، عن علي بن الحسين (عليهما السلام) في حديث طويل قال: وصوم يوم الشك امرنا به ونهينا عنه.


1 - الكافي 4: 82 / 6، وسائل الشيعة 10: 21، كتاب الصوم، أبواب وجوب الصوم، الباب 5، الحديث 4.

[ 92 ]

إلى أن قال فقلت: وكيف يجزئ صوم تطوع عن فريضة؟ فقال: لو أن رجلا صام يوما من شهر رمضان تطوعا وهو لا يعلم أنه من شهر رمضان، ثم علم بذلك، لاجزأ عنه، لان الفرض إنما وقع على اليوم بعينه (1). وقضية القيود المأخوذة في كلامه (عليه السلام) وإن كانت خلاف مفاد التعليل إطلاقا، إلا أن ظهور التعليل أقوى حسبما تحرر في محله: من أن العلة تعمم وتخصص (2). ويستفاد من التعليل أن صوم رمضان لا يكون متلونا بلون خاص، بل الفرض يكون شيئا قابلا للانطباق على المأتي به في ذلك اليوم، وحيث إن المنوي هو صوم ندبي متنوع بشعبان، فكيف يعقل انطباق المأمور به بالامر الرمضاني عليه إلا بدعوى: أن المأمور به لا يكون لونه ذا ملاك، ويكون مأخوذا في الدليل حسب اللزوم العقلي الذي سبق تحريره (3)؟! فإذا كان الفرض في رمضان نفس طبيعة الصوم المقرون مع القربة، فهو قابل للانطباق على جميع الانواع من الصيام المستحبة والواجبة، فلو قصد صوم الكفارة مثلا يصح عن رمضان طبعا، ولا حاجة بعد ذلك إلى القصد، لان كل مقصود يحسب رمضان، ضرورة أن المأمور به بأمره مطلق الصوم الصادق على جميع الصيام، فعليه يثبت أن مع


1 - الكافي 4: 85 / 1، وسائل الشيعة 10: 23، كتاب الصوم، أبواب وجوب الصوم، الباب 5، الحديث 8. 2 - تحريرات في الاصول 5: 139 - 142. 3 - تقدم في الصفحة 47.

[ 93 ]

العلم والعمد يصح، كما عن جمع اشير إليهم (1). وغير خفي: أن حمل التعليل على مورد الشك يرجع إلى الاعراض عنه، لان معنى الجملة المعلل بها، هو أن المفروض في رمضان ما يكون قابلا للانطباق على المنوي حال الشك، ولا يعقل كون المفروض ملونا بلون، ومع ذلك ينطبق في حال الشك على الفرض بعينه، فكأنه (عليه السلام) يريد أن يقول: إن القاعدة تقتضي الاجزاء، لان المأتي به موافق للمأمور به فلابد أن يسقط من المأمور به قيد التنويع حتى ينطبق على المأتي به، وإذا سقط ذلك فلا يفرق بين حالتي العلم والجهل، والندب والوجوب. وربما يشكل مفاد التعليل: بأن قضية خبر سماعة (2) أن المأتي به والمنوي، مقبول تفضلا من الله، وهو ظاهر في خلاف ما يستفاد من العلة هنا كما ترى. اللهم إلا أن يقال: بأن مصب التفضل متعلق الامر الرمضاني بإ لغاء قيد الرمضانية، فإنه حينئذ يجتمع مفاد الخبرين، ويكون معنى التفضل، هو أن المفروض في رمضان شئ ينطبق على المنوي هذا. وهنا إشكال آخر: وهو أنه في يوم الشك، يتمكن العبد من قصد الامر الاستصحابي الظاهري، ويتقرب به، فإذا تحقق منه قصد القربة بالصوم، فإن كان من رمضان أجزأ عنه، لان رمضان بلا لون، وأما الصوم في صورة


1 - تقدم في الصفحة 86 - 87. 2 - الكافي 4: 82 / 6، وسائل الشيعة 10: 21، كتاب الصوم، أبواب وجوب الصوم، الباب 5، الحديث 4.

[ 94 ]

العلم برمضان فهو بلا أمر، فلا يتمكن من التقرب حتى يصح عن رمضان. ولا يعقل تصوير الامر الترتبي (1)، ولا الامر غير الترتبي الذي سلكناه في محله (2)، لان عصيان أمر رمضان، فرع كون أمر رمضان متعلقا بالمعنى المتنوع، أي فرع كون المأمور به ملونا، مع أن المقصود تصحيح صوم رمضان لاجل أنه غير متلون، وهذا غير ممكن ظاهرا، فلا يمكن تصوير الامر المتقرب به مع العلم بالشهر، فليتدبر. إيقاظ: في جواز تداخل الصومين حسب الصناعة والنص هنا دقيقة: وهي أن صوم رمضان إذا كان غير متلون بلون خاص، ويكفي قصد الصوم لسقوط أمره - مقابل صوم الكفارة، والنذر، وغيره، المقيد باللون الخاص المعتبر قصده في مقام الامتثال - فلابد من الالتزام بالتداخل كما اشير إليه (3)، وذلك لاجل أن صوم الكفارة معلول السبب الخاص، وغير مقيد بشهر دون شهر، وصوم شهر رمضان واجب آخر، ولا يعتبر في امتثاله زائدا على الاتيان بالطبيعة المقرونة بالقربة، فإذن لا مانع من الالتزام بأن المكلف يقصد صوم الكفارة، حسب إطلاق دليله، ويحسب رمضان أيضا، وبذلك تنحل الشبهة الاخيرة. وهذا نظير ما إذا نذر زيد أن يصوم صوما من غير تلونه بلون آخر، بل


1 - مستند العروة الوثقى، كتاب الصوم 1: 24. 2 - تحريرات في الاصول 3: 344. 3 - تقدم في الصفحة 89 - 90.

[ 95 ]

نفرض أن ظاهر عبارته أعم، فإذا صام يوم رمضان امتثل أمرين، أحدهما: الامر النذري، والاخر: الامر الرمضاني، وليس ذلك إلا لاجل إمكان انطباق المأمور به بالامر النذري على المأمور به بالامر الرمضاني. فعلى هذا، يكون مقتضى هذا النص وتلك الصناعة جواز التداخل، ويكون هذا النحو من التداخل مطابقا للقاعدة، أي إذا كان أحد القيدين أو كلاهما غير دخيل في الملاك، وكان قد اخذ لمجرد امتناع تعدد الامر الوجوبي بالنسبة إلى شئ واحد، يكون التداخل مقتضى القاعدة، فافهم واغتنم. فذلك الكلام في المقام: حول ما هو المأمور به بالامر الرمضاني إن البحث حول أن ما هو المأمور به بالامر الرمضاني ماذا؟ فإن كان هو مطلق الصوم فيأتي ما ذكرناه، وإن كان هو الصوم الخاص المتلون بلون رمضان قصدا ونية، فلا معنى لقيام الشئ الاخر مقامه إلا تفضلا، ولا يكفي مجرد قصد الصوم، بل لا بد من قصد الصوم الخاص، فما ترى في كتب القوم من البحوث كلها ساقطة، والبحث العام الاساسي هو ذلك. ونتيجة ما أسسناه: أن سائر الصيام يمكن تصحيحها في رمضان، إن كان صوم رمضان غير ملون، وإلا فلا يمكن في صورة العلم - كما هو مفروض بحثنا - تصحيحها، ولا تصحيح رمضان إلا بالوجه الاخير المؤدي إلى صحة الكل بالتداخل.

[ 96 ]

مقتضى الانصاف في المسألة والذي هو الانصاف: أن الادلة المزبورة قاصرة عن إثبات كون القيد المأخوذ في الادلة، بلا ملاك، وغير معتبر في مقام الامتثال، وذلك لما مر أخيرا (1) من التعارض بين الروايتين، ومن أن الصيام الشرعي على صنفين: طائفة منه الصيام المضاف إلى الازمنة، كصوم رمضان، وشعبان. وطائفة منه الصيام الموصوف بالاوصاف الخاصة، كصوم الكفارة، والقضاء، وأمثالهما. حكم أصناف الصيام الشرعية فما كان من قبيل الاخير، فلابد من القصد للنوع حتى يمكن امتثال أمره. وما كان من قبيل الاول، فربما يكون نفس الاتيان في ذاك الشهر متقربا إليه تعالى، كافيا في امتثال أمره، لان أخذ القيد المزبور ليس إلا لاجل إفادة الامر، كما في الصلوات النفلية، فإنه لا يعتبر في تحقق امتثال الامر النفلي - بالنسبة إلى الصلوات - قصد النفلية، أو قصد عدم الفرض، أو عدم المغربية والعشائية، بل إذا كان الواقع خلوا عن مطلق القصد، وكان المصلي قاصدا الصلاة، يكفي لامتثال الامر النفلي، لان قيد النفل لا مدخلية له في الملاك، كما تحرر سابقا بتفصيل (2).


1 - تقدم في الصفحة 93. 2 - تقدم في الصفحة 47.

[ 97 ]

فعلى هذا يمكن دعوى: أن يوم الشك من شعبان وإن كان الصائم قاصدا قيد شعبان، ولكنه لا يكون دخيلا في تحقق صومية صوم شعبان، بل نفس قصد الامر تقربا وكون الصوم في شعبان، يصح عن شعبان، فإذا كان ذلك اليوم رمضان فهو يقع عن رمضان. فعلى هذا يرجع معنى قوله (عليه السلام): لان الفرض إنما وقع على اليوم بعينه (1) إلى أن ما هو المفروض في رمضان، يقع على ما قصده في ذلك اليوم، وهو صوم شعبان، لاجل أن قيد الشعبانية والرمضانية غير واردين في الملاك، ولا يعتبر في مقام الامتثال تحصيلهما، بخلاف قيد الكفارة والقضاء مثلا، فالتعليل صحيح، إلا أنه بالنسبة إلى الصوم المنوي الذي لا يكون القيد الزائد في النية، داخلا في الغرض واقعا، وإن كان مورد الامر ظاهرا، ولا بد من أخذه عقلا كما عرفت تفصيله (2). وبعبارة اخرى: ما هو مورد الامر الرمضاني الصوم القربي المطلق، أي اعتبر فيه الاطلاق، فيضره قصد الرمضانية، وهذا مخصوص بيوم الشك. تنبيه: في الاشكال على وقوع سائر أنحاء الصوم عن رمضان يوم الشك ومن هنا يظهر الاشكال في الاتيان بسائر الصيام يوم الشك في


1 - الكافي 4: 85 / 1، وسائل الشيعة 10: 23، كتاب الصوم، أبواب وجوب الصوم، الباب 5، الحديث 8. 2 - تقدم في الصفحة 52.

[ 98 ]

وقوعه عن رمضان، وإن كان يصح عن نفسه، إلا على القول بعدم تحمل رمضان لصوم غير صومه، فإنه لا يصح حينئذ عن نفسه أيضا. ولكن بعد اللتيا والتي، إذا تم سند الاخير فلا قصور إنصافا في دلالته على أن الصوم الواجب في رمضان، معنى قابل للانطباق على مطلق الصوم. وقوله تطوعا وهو لا يعلم لا يدلان على شئ، بل اخذا لانهما المتعارفان خارجا. بل قد مر منا الاشكال في الاية الشريفة (1) من دلالتها على أن المأمور به عنوان صوم رمضان (2). وأما الاحاديث فهي خلية عن ذلك إلا خبر الزهري السابق، فإنه قد عد الصيام الواجب، وفيه صوم شهر رمضان (3)، الظاهر في أن الواجب هو الصوم المتنوع، وأن القيد لا بد من تحصيله بالنية، لانه من القيود الذهنية. فإن استندنا إليه لذلك، فلنا الاستناد إليه بأنه يدل على خلافه نصا. وإن استشكل في سنده فلا دليل على أن صوم رمضان مورد الامر، لان قوله تعالى: (ومن شهد منكم الشهر فليصمه) (4) لا يفيد أن الواجب هو صوم رمضان، بل يفيد أن الواجب هو الامساك في الشهر، وإمساك الشهر - بالحمل الشائع، لا قصدا ونية - يجتمع مع سائر الامساكات المتنوعة.


1 - البقرة (2): 185. 2 - تقدم في الصفحة 49. 3 - الكافي 4: 85 / 1، وسائل الشيعة 10: 23، كتاب الصوم، أبواب وجوب الصوم، الباب 5، الحديث 8. 4 - البقرة (2): 183.

[ 99 ]

ولعل قوله (عليه السلام) في ذيل معتبرة سماعة: أن القبول من تفضله (1) إشارة إلى جميع ذلك، أي إشارة إلى أن الواجب في رمضان هو الامساك المقرون بالقربة، وهذا المعنى يجتمع مع جميع أقسام الصيام الواجبة، لان المطلق يجتمع مع ألف شرط، فيكون تفضلا من الله في كيفية تقدير الواجب. ولو كان الواجب الصوم المقيد بلون خاص، فهو لا يجتمع مع سائر أقسام الصيام، وكان يلزم قصده خاصا. ويترتب على هذه المقالة ما عرفت، إلا إذا دل النص على خلافه، فنخرج حسب مقتضاه، ونأخذ بالباقي قضاء لحق الصناعة، والله العالم بحقائق الامور وأحكامها. الجهة الخامسة: في قصد الصوم الاخر في رمضان لا عن علم وعمد إذا قصد الصوم الاخر في شهر رمضان، كصوم الكفارة، وقضاء رمضان الاخر، وغير ذلك، جهلا بأنه لا يمكن، أو جهلا برمضان، أو نسيانا للحكم، أو الموضوع، وبالجملة: إذا قصد النوع الاخر لا عن علم وعمد، فإن سلكنا مسلكنا في المسألة فهو أيضا يقع صحيحا، وبحسب رمضان، ويجزئ عن أمره وعن أمر رمضان، إلا إذا قام الدليل الخاص على عدم الاجزاء، كما في الظهار، فإنه ورد النص بعدم صحة صوم الظهار مثلا (2) في رمضان، فإن تم


1 - الكافي 4: 82 / 6، وسائل الشيعة 10: 21، كتاب الصوم، أبواب وجوب الصوم، الباب 5، الحديث 4. 2 - تهذيب الاحكام 4: 232 / 681، وسائل الشيعة 10: 195، كتاب الصوم، أبواب من يصح عنه الصوم، الباب 9، الحديث 1.

[ 100 ]

ذلك، وقلنا بدلالته بالنسبة إلى صورتي العلم والجهل فهو، وإلا فيمكن التفكيك بين الصور، وللمسألة مقام آخر، وتحتاج إلى غور مستقل في الادلة الخاصة. وإن قلنا: بأن قصد النوع الاخر، عمدا عالما، لا يجزئ عن رمضان، فكونه مجزئا عن نفسه أيضا ممكن، ووجهه ما عرفت من إمكان إدراج المسألة في كبرى باب التزاحم (1)، وعلاجه عندئذ مختلف فيه من الترتب (2)، أو الالتزام بالامرين الفعليين العرضيين، كما سلكه الوالد المحقق - مد ظله (3) - أو الالتزام بسقوط أمر الاهم من غير تقييد في ناحية الامر بالمهم، كما سلكناه (4). وأما القول بالاجزاء عن رمضان حال غير العمد، كما هو خيرة الاصحاب كثيرا (5)، وكان في التذكرة ما يومئ إلى الاشكال في الاجزاء، بدعوى أن الاجزاء إن صح صح مطلقا، وإلا فلا يصح مطلقا (6) فراجع، فهو يحتاج إلى الدليل. وغير خفي: أن المفروض في رمضان إن كان الصوم الخاص، فلابد


1 - تقدم في الصفحة 83 و 90. 2 - مستند العروة الوثقى، كتاب الصوم 1: 24. 3 - مناهج الوصول 2: 30. 4 - تحريرات في الاصول 3: 344. 5 - مدارك الاحكام 6: 31، جواهر الكلام 16: 205، العروة الوثقى 2: 168، كتاب الصوم. 6 - تذكرة الفقهاء 6: 10.

[ 101 ]

من قصد الخصوصية لاجزاء أمره، ولا يكفي قصد الخصوصية الاخرى ولو كان جهلا بها، كما هو الظاهر، وإن كان المفروض في رمضان هو الصوم المطلق، فلابد وأن يكتفي بما قصده ولو كان عن علم وعمد. اللهم إلا أن يقال: بأن في صورة العلم لا يتمكن من قصد التقرب، وفي صورة الجهل والنسيان يتمكن من التقرب (1)، وإذا كان الصوم الواجب في رمضان بلا لون، فهو قد أتى به تقربا منه تعالى، ولاجله التزموا بالتفصيل في المسألة. وربما يشكل: بأن قصد التقرب ليس إلا الانبعاث عن بعث المولى، فإنه هو الموجب للتقرب ليس إلا، وهذا فرع العلم بالامر أو احتماله، فإن كان قد نوى جزما النوع الاخر فلا مقرب، وإن كان قد نوى النوع الاخر احتمالا، لعدم الاطلاع على ما هو حقيقة الحال، فكان جاهلا، وترددت نيته، فقصد إن كان رمضان فرمضان، وإلا فكفارة كذا مثلا، فهو يصح على ما تحرر في الاصول، من صحة التقرب بالامر المحتمل. وفيه: أن قضية ما تحرر في محله أن التقرب لا يتقوم بالامر (2)، ويصح بلا أمر، ويتمكن العبد حتى من التقرب بالامر الغيري، وبكل عنوان حسن عنده، فإذا قصد النوع الاخر فهو وإن كان باطلا، ولكنه قد قصد التقرب بالصوم، وهو ينطبق عليه المأمور به في شهر رمضان، فيصح عنه، ويحسب رمضان.


1 - مستمسك العروة الوثقى 8: 202. 2 - تحريرات في الاصول 2: 110 - 112.

[ 102 ]

أقول: قضية ما تحرر منا اندفاع هذه الشبهة، لان الصوم الاخر مورد الامر، لعدم المزاحمة بينه وبين الصوم الرمضاني في مقام الامتثال. ويمكن الاشكال الاخر عليهم: بأن الصوم الاخر المنوي جهلا ونسيانا مورد النهي، لان الامر برمضان يستتبع النهي عن ضده، فيكون الصوم الاخر منهيا غير قابل للتقرب به. أو أن سقوط قابلية الشهر لصوم آخر، يستلزم النهي عن الصوم الاخر فيه، فيلزم فساد الصوم المطلق، لان المنوي هو الصوم المقيد، ويكون وجودهما واحدا، ولا يتعلق النهي بالقيد الزائد، بل يسري النهي إلى نفس الصوم، فلا يصح التقرب به، كما لا يخفى. وتوهم: أن مثل هذا النهي لا يستلزم الفساد، كما توهم في الاصول، فاسد قد فرغنا عن وجهه في محله (1). وأما الاشكال: بأن الامر بالشئ لا يقتضي النهي عن ضده العام، فضلا عن الخاص، فهو إشكال مبنوي. أقول: الفرد الموجود في الخارج، مجمع العناوين الكاشفة عن مجمعيته لخصوصيات زائدة على أصل وجوده، وتلك الخصوصيات هي المحمولات بالضميمة، فلا يصير وجود المطلق والمقيد واحدا، بمعنى أن ما يستند إليه المطلق في تحققه، يكون عين ما يستند إليه المقيد في تحصله، فلو نوى النوع الاخر من الصوم فهو ناو للصوم الخاص، وفي هذه المرحلة لا تحليل، ولكن للمشرع والمقنن تحليل ذلك إلى الصوم،


1 - تحريرات في الاصول 4: 304.

[ 103 ]

والقيد والخصوصية، فإن نهى عنهما فيلزم البطلان. وإن كان عن المطلق فكذا، لعدم الوجود الاستقلالي للقيد. وإن نهى عن القيد فلا يلزم بطلان المطلق، إذا كان مورد الامر مع قطع النظر عن القيد والنهي الوارد فيه، كما نحن فيه. فعليه يصح الصوم ولو صح المبنى، فتأمل، وقد مضى وجهه (1). ومما ذكرناه إلى هنا مع رعاية الايجاز، يتبين لك مواقف الضعف في كلام القوم واستدلالاتهم، وهي غير قابلة للحصر إلا في كتاب على حدة، والامر بعد ذلك موكول إليك، وهو سهل جدا. وغير خفي: أن مع فرض كون الامر الرمضاني متعلقا بمطلق الصوم القربي، فلابد وأن لا يسري النهي عن القيد في الصوم الاخر إلى المطلق، وإلا لو سرى نهيه إلى المطلق يشمل نفسه، ويكون هو أيضا مورد النهي، كما هو الظاهر. والذي هو التحقيق: أن في هذا الموقف ومع هذا الفرض، لابد من الالتزام بصحة الصوم الاخر في شهر رمضان حسب الصناعة، فيسقط سائر المباحث المتوهمة، فلا تخلط.


1 - تقدم في الصفحة 90.

[ 104 ]

الجهة السادسة: في كفاية الصوم القربي عن رمضان في الجاهل والمتوخي والمحبوس مقتضى ما تحرر منا إلى هنا، أن الواجب في شهر رمضان هو الصوم القربي، ولا نحتاج في سقوط أمره إلى القصد الاخرونية الرمضانية، ونتيجة ذلك أنه إذا قصد الجاهل بالحكم - مركبا كان، أو بسيطا - الصوم القربي في الغد صح صومه، ويحسب رمضان، وهكذا المتوخي والمحبوس الذي يشتبه عليه الامر، فإنه لو اتفق أن صام في شهر رمضان، الصوم قربة إلى الله تعالى كفى. كلام صاحب العروة في الجاهل البسيط وما في العروة الوثقى من الاحتياط بالنسبة إلى الجاهل البسيط، وتقوية البطلان في الثاني (1)، غير راجع إلى محصل. نعم، يمكن أن يكون النظر إلى أن الاصل الاولي اعتبار قصد الخصوصية، إلا في صورة العلم ببطلان سائر أقسام الصيام فيه، وفي صورة العلم برمضان، أو قيام الامارة المعتبرة عليه، وأما مثل الظن فلا، إلا في المتوخي إذا عمل بظنه، فإنه أيضا لابد من قصد التعيين. وغير خفي: أن هذا الاستثناء كأنه يرجع إلى أن القصد الاجمالي


1 - العروة الوثقى 2: 168، كتاب الصوم، فصل في النية.

[ 105 ]

كاف، والقصد المترشح من المكلف إلى الصوم في الغد - مع العلم بالشهر، ومع العلم بعدم وقوع غيره فيه - يرجع إلى قصد الخصوصية طبعا وقهرا. نعم، يمكن التفكيك في صورة النسيان مثلا حكما وموضوعا، فليتدبر. وعلى كل تقدير: ما نسب إلى البيان في المتوخي من وجوب التعيين (1)، غير صحيح. كما أن القول باعتبار التعيين مطلقا (2) غير مستدل، ولا يكون ذلك لاجل ما في كتب جمع ومنهم الجواهر من أن تعينه الواقعي يكفي عن تعيينه (3)، لما مر من الاشكال في تعينه الواقعي (4). وما ذكرناه هو الظاهر بدوا من الاصحاب (رحمهم الله) حيث حكي عنهم الاجماع (5). وتفسير رأيهم بأنهم يريدون إثبات كفاية الاجمالية عن التفصيلية (6)، غير معلوم. مع أن المسألة ليست من الاجماعيات التي تكشف عن رأي المعصوم في المسألة ظاهرا. ومما يؤيد ما ذكرناه: أن صاحب الذخيرة في مقابلهم، اعتبر قصد التعيين (7)، فهو شاهد على أن كلماتهم ناظرة إلى نفي اعتباره، فليتأمل جيدا.


1 - مستمسك العروة الوثقى 8: 205، البيان: 358. 2 - مستند العروة الوثقى، كتاب الصوم 1: 27. 3 - جواهر الكلام 16: 186. 4 - تقدم في الصفحة 45 - 46. 5 - جواهر الكلام 16: 186، مستمسك العروة الوثقى 8: 200. 6 - مستمسك العروة الوثقى 8: 210. 7 - ذخيرة المعاد: 513 / السطر 20.

[ 106 ]

فبالجملة تحصل: أن الجاهل بحكم وقوع صوم غير رمضان في رمضان، إذا قصد الصوم القربي غدا، يصح صومه، وهكذا الجاهل بالموضوع، والسر كل السر ما عرفت منا في كبرى المسألة، فيتضح بذلك سائر الفروع، ولا نطيل البحث حولها، لعدم الحاجة إليها، وربما يشكل، تصحيح ما في العروة صدرا وذيلا، فتأمل. الجهة السابعة: حول مقتضى الاصول العملية عند الشك في اعتبار قصد التعيين في شهر رمضان فالذي هو الحق: أن إطلاق أدلة شهر رمضان يكفي لرفع اعتبار القيد الزائد، فقوله تعالى: (كتب عليكم الصيام) (1) ناف لجميع القيود الزائدة، ولا دليل على خلافه حتى يقيد به، بل قضية كثير من الاحاديث - كما اشير إلى بعض منها - أن المفروض في رمضان ثلاثون، فإن قوله (عليه السلام) لمن نوى شعبان: هذا ما وفقت له (2) معناه أن ما أتيت به فهو من رمضان، بعدما تبين أن اليوم من رمضان، وأنت صمت فيه قربة إلى الله تعالى. ثم لو سلمنا قصور الادلة الاجتهادية عن نفيه، فالحق جريان البراءات الثلاث - العقلية، والعقلائية، والشرعية - بالنسبة إلى القيد المشكوك فيه.


1 - البقرة (2): 183. 2 - وسائل الشيعة 10: 21، كتاب الصوم، أبواب وجوب الصوم ونيته، الباب 5، الحديث 2 و 3 و 5 و 6 و 7 و 11 و 12.

[ 107 ]

وتوهم: أن الشك هنا من الشك في الطاعة والامتثال، ولا يجري الاصل النافي، غير واقع في محله، كما تحرر تفصيله (1). وإجماله: أن الشك في الامتثال ناشئ من الشك في أن المأمور به بالامر الرمضاني، هو الصوم القربي، أو الصوم الرمضاني القربي، فيكون القيد مجرى الاصل النافي، وليس من قبيل القيود الجائية من قبل الامر، حتى يشكل التمسك بالاطلاق والاصل. مع أن المحرر منا جواز التمسك بكليهما، فإن شئت فراجع. فما في بعض كتب أهل العصر، من الخدشة في الاصل المزبور (2)، ناشئ من الغفلة عن حقيقة الحال، كما لا يخفى. إن قلت: ظاهر الكتاب أن المكتوب في رمضان هو الصوم المتقيد بالرمضانية، وذلك لقوله تعالى: (شهر رمضان) بعد قوله تعالى: (كتب عليكم الصيام) (3) فإن الاية تركيبها هكذا: كتب عليكم صيام الشهر، وهو شهر رمضان فيكون المكتوب صوم شهر رمضان، وظاهره - كما تقرر فيما سبق (4) - أن الرمضانية كالظهرية والعصرية، من القيود المعتبرة الذهنية اللازم تحصيلها بالنية والقصد، وهذا هو معنى اعتبار قصد التعيين، وإلا فلا معنى لاعتبار قصد التعيين بالنسبة إلى ما لا يكون متقيدا في مرحلة الجعل والتشريع، ضرورة أن إطلاق المأمور به ثبوتا مع


1 - تحريرات في الاصول 8: 53 - 54. 2 - مستمسك العروة الوثقى 8: 201. 3 - البقرة (2): 183. 4 - تقدم في الصفحة 45 - 48.

[ 108 ]

تعدد الامر التأسيسي، غير ممكن كما مر تفصيله (1)، فاعتبار قصد التعيين - باعتبار أخذ الخصوصية الزائدة في المأمور به تشريعا - لازم. قلت: ما اشير إليه أخيرا حق لا مرية فيه، وما اومئ إليه في ابتداء الكلام محل المناقشة والاشكال، ضرورة أن أخذ قيد الرمضانية في المأمور به، يحتاج إلى العناية الزائدة على هذا المقدار. مثلا: إذا نذرنا صوم يوم الجمعة، فهو لا يورث إلا لزوم الامساك في تلك القطعة من الزمان، بخلاف ما إذا نذرنا صوم الوصال، فإنه لا يتحقق بمجرد الامساك المنتهي إلى الوصال تكوينا، من غير قصده. ومر أن الصيام وغيره من العناوين المضافة إلى الازمان، لا يفيد إلا لزوم تحققها في ذلك الزمان، فإن كان الزمان قابلا للاشتراك، فلابد من أخذ الزمان قيدا في المأمور به، وإلا فلا، وإن كان القيد المزبور دخيلا في الملاك، فلابد من تحصيله على الاطلاق، وإلا فلا. فعلى هذا، دلالة الكتاب الشريف على تقيد المأمور به بالامر الصيامي في شهر رمضان، ممنوعة، ولا سيما بعد انضمام الادلة المذكورة سابقا إليه، المنافية لاعتبار القيد المزبور، فافهم وتدبر.


1 - نفس المصدر.

[ 109 ]

الفصل الثامن في التعرض لعنواني الاداء والقضاء هل يعتبر التعرض لعنواني الاداء والقضاء أو لا يعتبر، أم يفصل، فيعتبر قصد الاداء دون القضاء، أو القضاء دون الاداء؟ وجوه، بل أقوال. والاقوى هو الاخير، وذلك لان مناط الوجوب واللاوجوب - بعد إمكان اعتباره قيدا في المأمور به شرعا - اقتضاء الدليل وعدم اقتضائه، ولا شبهة في أن مقتضى الادلة وجوب قصد القضائية، لانه تحت الامر في الاحاديث الكثيرة الواردة عن الائمة الطاهرة عليهم الصلاة والسلام الناطقة بقضاء شهر رمضان وإيجابه والامر به تارة: بالهيئة بقوله (عليه السلام): فليقضه (1) واخرى: بقوله (عليه السلام): عليه القضاء (2) أو عليه قضاء الصلاة


1 - تهذيب الاحكام 4: 239 / 700، وسائل الشيعة 10: 222، كتاب الصوم، أبواب من يصح منه الصوم، الباب 21، الحديث 1. 2 - الكافي 4: 132 / 9، وسائل الشيعة 10: 192، كتاب الصوم، أبواب من يصح منه الصوم، الباب 7، الحديث 2.

[ 110 ]

والصوم (1) وغير ذلك من الاحاديث المتشتتة في الابواب المتفرقة. ولا دليل شرعي على اعتبار قيد الاداء حتى يعتبر إيجاده بالنية، ضرورة أن اعتباره إما لمكان كونه من القيود الذهنية، فلابد من إيجاده في افق الذهن، وليس كذلك، وإما لمكان كونه من قيود الواجب، وليس كذلك أيضا، إذ في جانب الطبيعة الواجبة في الوقت لا يدعو الامر إلا إلى متعلقه، وهو إتيانها في ظرفه، وإذا أتى بها فيه ينتزع منه الاداء. وحيث إن عنواني الاداء والقضاء ليسا من العناوين العرضية الطارئة على الطبيعة الواحدة، كعنواني الكفارية والقضائية لا يجب اعتباره عقلا في متعلق الامر في الوقت. أقسام العناوين الطارئة وبعبارة اخرى: العناوين الطارئة على الطبيعة على أقسام: فمنها: ما يعرضها قبل تخصصها بخصوصية، كعنوان الكفارة والنذر. ومنها: ما يعرضها بعد تخصصها بخصوصية اخرى زائدة على الطبيعة، كعنواني الاداء والقضاء فإنهما يعرضان لصلاة الظهر وصلاة العصر المتنوعة. ومنها: ما يعرض مع شريكه المقابل له عرضا وفي زمان واحد.


1 - الكافي 4: 106 / 5، وسائل الشيعة 10: 65، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 17، الحديث 1.

[ 111 ]

ومنها: ما يعرضها طولا وفي زمانين، فإن عنوان القضاء لا يعرضها إلا بعد سقوط عنوان الاداء بالنسبة إلى المأمور به الواحد في الزمانين، فإذا دخل وقت صوم شهر رمضان، فقصد الصوم وأتى به، فقد امتثل أمره، لان الواجب ليس إلا ذلك. وهكذا إذا نذر صوم يوم الجمعة، وقلنا بصحة الصوم الاخر فيه، فإنه لا يعتبر قصد الاداء، لانه ليس من القيود المأخوذة في المتعلق، بل لابد من قصد الامر النذري. بل يكفي عدم قصد الصوم الاخر من الانواع الاخر، على إشكال فيه حسبما مر (1). وأما قصد القضاء فهو واجب، لانه به يتمكن من الصوم غير المشروع خارج وقته، فلابد من الاشارة والنية - ولو إجمالا - بالنسبة إلى الصوم الذي يريد تدارك فوته. كون الاداء والقضاء من العناوين الانتزاعية، لا القصدية وبعبارة اخرى وملخص البحث: أن الادائية والقضائية من العناوين الانتزاعية، لا القصدية، وينتزعان من إيقاع المأمور به في ظرفه، وخارج ظرفه، ولا يعتبر أزيد من الالتفات إلى عنوان المأمور به، مثل الكفارية، والقضائية، والظهرية، والعصرية، فإذا كان المكلف في الوقت المشترك، مع عدم اشتغال ذمته إلا بصلاة الظهر مثلا، أو بصوم اليوم، وقصد ذلك، فإنه صح ما صدر منه وما قصد.


1 - تقدم في الصفحة 48 - 49 و 62.

[ 112 ]

وإذا كان في ذلك الوقت ذمته مشغولة بالامر الاخر، فلابد عقلا من اعتبار قيد في الطبيعة، حتى يعقل تعدد الامر التأسيسي بالنسبة إلى طبيعة الصوم الواحد، والصلاة الواحدة، وإلا فيصير أحد الامرين تأكيدا للامر الاخر، فإذا دخل الوقت، وتوجه إليه الامر الاخر، فلابد وأن يكون متعلق هذا الاخر غير المتعلق بالاول وحينئذ القيد المميز والمكثر للطبيعة هي الادائية والقضائية، فينوي أحدهما دون الاخر، حتى يسقط أمره. ولكن بحسب العقل لا يعتبر هذان القيدان في مقام الامتثال، لان القيد المأخوذ عقلا، لا يكون إلا لاجل إمكان الايجابين بالنسبة إلى الواحد الطبيعي، فلو صدر منه الفعلان المتشابهان خارجا، يلزم سقوط الامرين. ولكن لما كان الاجزاء في هذه المواقف قهريا، فيلزم الاشكال الاخر: وهو أن المأتي به بدون الامتياز، هل يجزئ عن الامرين؟ وهو خلاف الفرض، فلابد وأن يجزئ عن أحدهما، وهو يستلزم الترجيح بلا مرجح، فلذلك بالمراجعة إلى الادلة تنحل هذه المعضلة، بأن المأمور به بالامر الحادث في هذا الزمان لا لون له، والمأمور به بالامر السابق لونه عنوان القضاء كما في الادلة، فإذا أتى بالظهر بقصد امتثال الامر - غفلة عن القضاء واللاقضاء - يسقط أمره، ولا يسقط أمر القضاء إلا بالنية والاشارة، ولا نعني من اعتبار قصد القضاء إلا ذلك، لان معنى القضاء هو تدارك ما فات، فلابد من الاشارة إلى أن المأتي به تدارك لما فات، وليس استئنافا للعمل، مشروعا كان، أو غير مشروع. ولاجل ذلك لا فرق في لزوم هذا النحو من القصد بالنسبة إلى

[ 113 ]

القضاء بين القول: بأن المكلف بالنسبة إلى الصوم خارج الوقت، مشغول الذمة بالصوم الاخر وعدمه، وبين القول: بأن الصوم التطوعي مشروع حال اشتغال الذمة بالواجب وعدمه، فلو فات منه رمضان، فلابد من الايماء إلى تدارك ما فات منه في شهر رمضان مطلقا، ولا يكفي مجرد الاتيان بالصيام أياما معدودات، لان من الممكن - وإن لم تكن مشغولة ذمته بشئ من الصيام، ولم يكن مشروعا له التطوع أن يصوم الصوم غير المشروع، فلابد من الاشارة إلى ما هو المشروع عليه فعلا، وهو الصوم الرمضاني، ولا نعني من قصد القضاء إلا ذلك. ولعل منكر اعتبار القصد القضائي لا يريد إنكاره، لانه من الضروري اعتباره. اللهم إلا أن يقال: بأن نتيجة ذلك اعتبار قصد الادائية بهذا المعنى، لامكان تشريع الصوم في الوقت، فليتأمل. ولاجل ذلك تختلف حالات المكلف في صورتي اشتغال ذمته بالصوم الاخر وعدمه، وفي صورتي مشروعية الصوم التطوعي وعدمه، فإنه تارة: إذا قصد الصوم المشروع عليه فعلا، يكفي لوقوعه قضاء عما فات منه وإن لم يقصد عنوان القضاء واخرى: إذا قصده لا يكفي، لتعدد المشروع عليه، فلابد من الاشارة إلى تدارك ما فات، وهو عنوان القضاء. وأما الصوم الادائي بالنسبة إلى شهر رمضان، فبناء على اختصاصه به، فلا حاجة إلا إلى قصد المشروع عليه فيه، فيقع رمضان، وبذلك يختلف حكم الاداء والقضاء، لان خارج رمضان قابل لوقوع الصيام الاخر، فلا يكفي إلا في صورة عدم الاشتغال بالصوم الاخر، وعدم مشروعية الصوم

[ 114 ]

التطوعي، فافهم واغتنم. فما في كتب القوم تارة: من اعتبارهما (1)، واخرى: من إلغاءهما (2)، وثالثة، من التفصيل (3)، في غير محله، بل هناك تفصيل آخر ناشئ من ابتلاء المكلف وكيفية اشتغال الذمة، وإن تراد من يعتبر قصدهما ذلك فهو، وإلا فلا يمكن المماشاة معه. كما أن النافي إن أراد عدم لزوم قصد عنواني الاداء والقضاء بالحمل الاولي وبمفهومهما اللغوي، فهو أيضا صحيح، وإلا فلا. ولعمري، إمكان إرجاع مقصود القوم في هذه المسألة إلى أمر واحد وموضوع فارد، موجود، والاختلاف إنما هو في كيفية تقريب المسألة، والله العالم. وبالجملة: لو أرادوا كفاية الصوم المأتي به بعنوان القضاء عن يوم شهر رمضان الادائي، فهو غير صحيح إلا لاجل ما مر منا في الفصل السابق (4)، وإلا فلا وجه للاجتزاء عن صوم رمضان، وللاجتزاء عن القضاء وجه تحرر تفصيله (5). إن قلت: قضية الكتاب عدم شرطية عنوان القضاء أنه يدل على وجوب العدة الاخر من الايام على المريض والمسافر، فلو أتى بها خارج


1 - مستمسك العروة الوثقى 8: 205، مستند العروة الوثقى، كتاب الصوم 1: 28. 2 - العروة الوثقى 2: 168، كتاب الصوم، فصل في النية، مهذب الاحكام 10: 20. 3 - العروة الوثقى 2: 168، كتاب الصوم، فصل في النية، الهامش 10. 4 - تقدم في الصفحة 86 - 89. 5 - تقدم في الصفحة 89 - 90 و 100.

[ 115 ]

رمضان من غير اعتبار عنوان القضاء ولا العنوان المضاد له يكفي. قلت: لا شبهة في أنه لابد من الالتفات إلى التدارك، ولا يكفي الصوم الاستئنافي والابتدائي عنه. نعم لا يلزم اعتبار عنوان القضاء إذا كان بالمعنى الاخر. ولو كانت ذمته مشغولة بصوم الكفارة، أو قلنا: بصحة الصوم التطوعي مطلقا، فلا يكفي نية العنوان العام، بل لابد من النظر إلى ما ينطبق عليه. فبالجملة: هذه العناوين المأخوذة في متعلق الاوامر - حتى عنوان الصوم والصلاة وعناوين الظهرية والعصرية والكفارة وغيرها - ليست معتبرة بمفاهيمها الاسمية، ولا معتبرة بالتفصيل، بل كل ذلك قابل للتحصيل بالعناوين الاخر التي يمتاز بها المأتي به، حتى يسقط به أحد الاوامر المتوجة إليه، فلو صلى في أول الوقت بنية ما هو المشروع عليه بالامر الحادث في هذا الزمان، صحت صلاته، وهكذا. تذنيب: المناقشة في كلام السيد اليزدي (قدس سره) قد تبين إلى هنا ما في كلام السيد اليزدي (قدس سره) فإنه في ابتداء عبارته نفي اعتبارهما وقال: بل لو نوى شيئا منها في محل الاخر صح (1) انتهى، وأنت قد عرفت منا إمكان إتيان الصوم غير المشروع، فإذا كان من قصده الصوم المشروع فعلا، فهذا يعد من القصد الاجمالي إلى الاداء أو القضاء، فلا يتم ما أفاده (قدس سره).


1 - العروة الوثقى 2: 168، كتاب الصوم، فصل في النية.

[ 116 ]

وهكذا في مورد الاستثناء حيث قال: إلا إذا كان منافيا للتعيين فإنه في هذه الصورة أيضا لا يعتبر إلا ما يتميز به أحد المأمور بهما عن الاخر، من غير اعتبار الادائية والقضائية، لان المقصود حصول اللون - ولو إجمالا - في مقام تطبيق المأمور به على الخارج. وأيضا في قوله: فإن قصد الامر الفعلي المتعلق به (1)، إشكال، لانه إذا كان مشغول الذمة بالصوم الاخر، فهو أيضا ذو أمر فعلي، فلابد من فرض عدم الاشتغال وهكذا حتى يتيعين قصد الامر الفعلي في الصوم المشغول به ذمته. وأيضا في قوله: بطل فيما إذا لم يقصد الامر الفعلي، بل قصد الامر القضائي فإنه إذا كان الزمان قابلا لصحة القضائي، لم يبطل إذا كانت مشغولة ذمته به. وإذا لم يكن الزمان قابلا يحسب لمثل رمضان رمضان، حسبما عرفت، وأقر به في الجملة. وإذا لم تكن ذمته مشغولة فيصح، لانه قصد الصوم، ولا التباس بعد قصد الامر الفعلي، لانه من قبيل قصد الصوم المشروع عليه فعلا، فلاحظ وتدبر جيدا. مسألة: فيما إذا قصد الامر الفعلي بقيد كونه أداء وبالعكس إذا قصد الامر الفعلي لكن بقيد كونه أدائيا، فبان كونه قضائيا، أو


1 - نفس المصدر.

[ 117 ]

بالعكس. قيل: يبطل، لانه مغير للنوع، ويرجع إلى عدم قصد الامر الخاص (1). وقيل: لا، إلا إذا رجع إلى عدم قصد الامتثال (2). أقول: لا يوصف الامر بالادائية والقضائية بل هما من تبعات الفعل، ومن الامور الانتزاعية، فإذا قصد صوم رمضان، وكان ذلك في رمضان، فينتزع منه الاداء وإذا قصد صومه، وكان خارجا منه، فينتزع منه القضاء. ثم إن من كان من نيته الصوم القضائي، بأن قصد تدارك ما فات، ثم تبين خلافه، أي لم يكن عليه الفائت مثلا، فلنا تصحيح عبادته، لانه قصد نوع الصوم قربة إلى الله، ولا يضر قصد الزيادة، ومثاله في الصلاة واضح. مثلا: إذا دخل الوقت، وقصد قضاء صلاة الظهر، ثم تبين أنه لم يكن عليه شئ، فيسقط أمره الادائي، لان المأمور به في الوقت هو صلاة الظهر القربي، وقد أتى بها، وقيد القضائية لا يضر. نعم إذا قصد قضاء العصر فإنه لا يكفي عن الظهر. فبالجملة: إذا كان المنوي بحسب النوع في ذمته، وبحسب الادائية والقضائية لم يكن فيها، يمكن تصحيح المأتي به، لعدم الحاجة إلى


1 - العروة الوثقى 2: 169، كتاب الصوم، فصل في النية، ذيل المسألة 1. 2 - العروة الوثقى 2: 169، كتاب الصوم، فصل في النية، الهامش 2.

[ 118 ]

أكثر من ذلك عند المحققين، فليتدبر جيدا. فرع: إذا صام مقدار زمان الواجب مع عدم علمه بزمانه إذا كان اعتقاده أنه يجب عليه الصوم والامساك في كل يوم مقدار منه، وأتفق أن صام تمام الشهر من أول الفجر إلى الغروب، فهل يصح، لانه أتى بما هو عليه، أم لا، لانه لا بد من قصد قيود المأمور به، والزمان المفروض من القيود المتعلقة للامر؟ وهذا نظير ما إذا كان المكلف جاهلا باعتبار القبلة، ولكنه صلى إليها، أو جاهلا باعتبار الستر والوقت، ولكن صلى معهما. فالظاهر أن القيود المعتبرة في الطبيعة، ليست تحت الامر الخاص، بل هي تحت الامر الكلي المتعلق بالطبيعة، ولا أمر آخر، لا غيري، ولا ضمني، فإذا أتى بالطبيعة الجامعة قربة إلى الله صح، وسقط أمرها طبعا، وهذا لا يورث الاخلال بالقربة، لانه قصدها، وليس اعتبار قصد القربة بمعنى الالتفات إلى جميع الخصوصيات، وإلا يلزم بطلان الصلاة في صورة الجهل والنسيان، لان الاخلال بالقربة ليس داخلا في عموم المستثنى منه من قاعدة لا تعاد... فتأمل جيدا.

[ 119 ]

الفصل التاسع هل يعتبر قصد الوجوب والندب، أم لا؟ هل يعتبر قصد الوجوب والندب أم لا؟ وجهان، بل قولان. لا شبهة في أن الوجوب والندب من الاعتبارات الجائية من قبل تعلق الامر بالطبيعة، وإمكان أخذهما في المتعلق كان محل المناقشة، ولكنا فرغنا عن إمكانه، فلو شك في اعتبارهما يرجع إلى الاطلاق أو البراءة (1)، وحيث لا دليل مقيد فالحق عدم اعتبارهما. نعم، ربما نحتاج في مقام الامتثال إلى المميز، وهذا أمر خارج عن هذه المسألة. فلو صام شهر رمضان معتقدا أنه مستحب، ثم تبين أنه واجب، أو في مورد آخر بالعكس، صح صومه. ويمكن الاشكال: بأن التقرب بالامر المحتمل والمعلوم ممكن،


1 - تحريرات في الاصول 2: 161 - 181.

[ 120 ]

ولكنه بالامر الموهوم والمتوهم غير ممكن، فإذا احتمل وجود الامر الوجوبي فصام، ثم تبين الامر صح، وأما إذا امتثل الامر الندبي فلا يصح، لان الامر المتعلق بالصوم الوجوبي لم يبعثه نحو المادة، والانبعاث نحوها بالامر الموهوم لا يورث التقرب بها. وقد مضى في محله: أن ما اشتهر من أن التعبد والتقرب ينحصر بالانبعاث من البعث المعلوم أو المحتمل غير موافق للتحقيق، بل المناط هو التقرب والقيام لاتيان المادة تقربا منه تعالى وإن لم يكن أمر، ولكنه يحتمل المطلوبية، فإنه يصح (1)، ولا دليل على الازيد من ذلك. وأما ما في العروة: من أنه إذا قصد الامر الفعلي ولكنه بقيد كونه ندبيا، ثم تبين أنه وجوبي فلا يجزئ، لعدم قصد الامر الخاص (2) فهو غير متين كما عرفت مرارا، ولا سيما فيما نحن فيه، لانه بحسب الخارج والتكوين قصد التقرب، وأتى بجميع ما كان واجبا عليه، والتقييد المزبور لا يورث كون المأتي به مراعى، أو معلقا، بل هو من قبيل تقييد الضرب، فإنه إذا وقع على زيد لا ينقلب عما هو عليه. تنبيه: إذا صام بقصد الوجوب ثم بان خلافه إذا قصد الامر الوجوبي بقيد كونه وجوبيا وبقيد الموضوع الخاص، مثل الكفارة، أو القضاء، ثم تبين أن ما هو المشروع عليه غير ما نوي، وهو


1 - تقدم في الصفحة 101. 2 - العروة الوثقى 2: 169، كتاب الصوم، فصل في النية.

[ 121 ]

مستحب، فإنه - حسب مقتضى القاعدة - يبطل عندهم مطلقا، ولكنه عندي محل إشكال في بعض صور المسألة. مثلا: إذا قصد في شهر رمضان صوم الكفارة بقصد الكفارية والوجوب، ثم تبين أنه في شهر رمضان، ويستحب له الصوم - بناء على ما يأتي من استحباب الصوم على بعض الطوائف وجوازه - فإنه يحسب رمضان أيضا، لما عرفت من أن الواجب أو المستحب في الشهر، ليس إلا الصوم المطلق المجتمع مع سائر أقسام الصيام (1)، فلو كان عليه الكفارة واقعا يجزئ عنهما، لما عرفت من أن التداخل في هذه المواقف قطعي (2).


1 - تقدم في الصفحة 92. 2 - تقدم في الصفحة 94 - 95.

[ 123 ]

الفصل العاشر في المسائل المتفرقة وهي كثيرة نذكر طائفة منها: المسألة الاولى: إذا صام بقصد اليوم الاول ثم بان خلافه إذا قصد الصوم اليوم الاول من شهر رمضان، فبان الثاني مثلا، أو العكس، أو قصد الصوم اليوم الاول من الكفارة، أو القضاء، فبان اليوم الثاني، أو العكس، قيل: صح (1) وقيل: إلا إذا رجع إلى التقييد الراجع إلى عدم قصد الامتثال وخصوصية الامر، أو المأمور به، فإنه باطل (2). وحيث قد عرفت منا: أن التقييد لا يورث قصورا في المأتي به، ولا إخلالا بشرطه (3)، فيصح مطلقا، ضرورة أن المأتي به ليس فاقدا لشئ، ولا واجدا لمانع، لان التقييد المزبور ليس من موانع صحته.


1 - العروة الوثقى 2: 169، كتاب الصوم، فصل في النية. 2 - مستمسك العروة الوثقى 8: 206. 3 - تقدم في الصفحة 68 - 69 و 116 - 117.

[ 124 ]

وأما ما اشتهر: من أن القربة المعتبرة هي القربة الحاصلة من الامر المعلوم، أو المحتمل المصادف مع الواقع، وأما الحاصلة من الامر الموهوم فلا تكفي، فهو غير صحيح، بل يكفي كون الفعل مما يتقرب به من المولى. وهذا مما يستكشف بالامر، فلو قصد امتثال الامر الخاص بقيد كونه أمر اليوم الاول، فإنه وإن كان من نيته عدم امتثال أمر اليوم الثاني، ولكنه أتى بجميع ما يعتبر في المأمور به بأمر اليوم الثاني، ويكون عندئذ مجزئا. ولو شك في أن ما يعتبر هي القربة الخاصة، أو القربة بأي وجه اتفق، فمقتضى الاصل والقاعدة عدم الخصوصية. هذا. وعندي في المسألة شبهة: وهي أن من فاته من رمضان عشرة أيام مثلا، فعليه عشرة أيام بعد مضي الشهر، ويتوجه إليه التكاليف الكثيرة، والاوامر العشرة كلها متعلقة بصوم رمضان، فإذا أتى بواحد من تلك الايام، فإن قلنا بسقوط أحد الاوامر فهو من المحال، لعدم تمييز بينها، فلابد إما من اختيار سقوط الكل، أو عدم السقوط رأسا، وإن قلنا: بأ نه مراعى، فهو أيضا محال، لان الاجزاء عقلي وطبعي. فلابد من الالتزام بأحد الامور الاتية على سبيل منع الخلو: إما القول بوجوب الصوم بواحد وجوبا فعليا مطلقا، وعدم وجوب الاخريات إلا مشروطا، وهذا غير ممكن الالتزام به، ضرورة لزوم عدم استحقاقه العقاب إلا على اليوم الواحد، وعدم وجوب قضائه على الولد الاكبر إلا اليوم الواحد، وهذا واضح المنع. أو القول: بأن ما هو الواجب في قضاء رمضان، هو العنوان الواحد،

[ 125 ]

كما في الكفارة وفي النذر، أي لا يتوجه إليه الاوامر الكثيرة، بل هنا أمر واحد متعلق بعنوان قضاء شهر رمضان كما فيما إذا كان مديونا عشرة دنانير، فإنه لا يتوجه إليه الاوامر الكثيرة حسب الانقسامات الممكنة، بل هناك أمر واحد متعلق بأداء الدين، فعليه يجب قضاء صيام شهر رمضان. وهذا وإن لا يكون مثل سابقه في البعد، ولكنه بعيد حسب الادلة، لما عرفت في محله: من أن دليل القضاء ليس دليلا مولويا مستلزما للعقاب الخاص، بل الامر القضائي يفيد بقاء المطلوب، ويورث تعدده، ويرشد إلى بقاء أحد المطلوبين (1). والالتزام بتعدد العقاب، أحدهما: على ترك الصوم في رمضان، وثانيهما: على ترك قضائه، مشكل، بل المكلف إن أتى بالقضاء يستحق العقوبة على تفويت مصلحة خصوصية الوقت، وإن ترك القضاء يستحق العقوبة على ترك الواجب، صوما كان، أو صلاة. وإني في سالف الزمان كنت أتوهم: أن الامر القضائي لا ينحل بعدد الفائتات، ويكون أمرا واحدا تأسيسيا متعلقا بعنوان واحد، ولكنه بعد التأمل تبين لي: أن الاوامر كثيرة، وهي نفس الاوامر المتعلقة بصيام شهر رمضان، بناء على تعددها، كما هو المفروغ عنه عندهم، ويستكشف بقاؤها بالامر الجديد. أو القول: بأن المأمور به بالامر الاول - أي متعلق الامر الاول - يباين متعلق الامر الثاني، والثالث، وهكذا، فيكون كل واحد في مقام الجعل والتشريع، ذا خصوصية مخصوصة به، كما عرفت منا سابقا من امتناع تعلق


1 - تحريرات في الاصول 4: 66 - 67.

[ 126 ]

الاوامر الكثيرة الاستقلالية التأسيسية بعنوان واحد بل لا بد من تكثير الطبيعة والعنوان حتى يتكثر الامر، وتتعدد الارادة، والطلب التأسيسي (1)، وهذا هو المتعين من غير لزوم المحذور العقلي. إن قلت: لابد حينئذ من القصد إلى تلك الخصوصية، كسائر الخصوصيات المأخوذة في متعلق الامر. قلت: قد عرفت منا أن الخصوصيات المأخوذة على صنفين: أحدهما: ما اعتبر شرعا في متعلق الامر. وثانيهما: ما اعتبر عقلا فيه، كما نحن فيه: حذرا من الشبهة العقلية (2). فما كان من قبيل الثاني، فهو لا يعتبر في مقام الامتثال لحاظه والالتفات إليه. وما كان من قبيل الاول، فهو عند جمع منهم معتبر، ولكنه عندنا - كما عرفت - أيضا غير معتبر، فلاحظ وتدبر واغتنم، واشكر الله تعالى. إن قلت: بناء على الشبهة المزبورة في مقام الامتثال، وأنه إن أتى بصوم واحد إما لابد من سقوط الكل، أو سقوط واحد معين، أو واحد لا على التعيين، أو لا يسقط شئ، والكل ممنوع، فلابد من قصد التميز في مقام الامتثال. قلت: نعم، والالتزام بذلك أيضا مشكل، ولذلك يخطر بالبال استغراب


1 - تقدم في الصفحة 44 - 45. 2 - تقدم في الصفحة 47 - 49.

[ 127 ]

الوجه الثاني من الوجوه الثلاثة. ذنابة: في وحدة الامر وعدم انحلاله في الكفارات قد تبين حتى الان: أن في الكفارات لا تتعدد الاوامر، ولا ينحل الامر الواحد إلى الاوامر الاستقلالية، ولا يكون الواجب بنعت العام الاستغراقي، بل في الكفارات أمر واحد متعلق بعنوان واحد، وصيام الايام في حكم الاجزاء أو المحصلات لعنوان المأمور به، فلا أمر بالنسبة إلى خصوص اليوم الاول أو الثاني، حتى يختلف القصد وحكمه، بل هو نظير أجزاء الصلاة. فالمكلف يقصد الامر المتوجه إليه، الباعث إياه نحو صوم الكفارة، فما دام لم يأت بمجموع الصيام لا يسقط الامر، فما في العروة (1) وغيرها خال من التحصيل، ضرورة أنه لا يستحق إلا عقابا واحدا، وثوابا واحدا، وهذا شاهد وحدة الامر. ولا بد على هذا من قصد امتثال أمر الكفارة، وهو تعبدي. أو أنه أمر توصلي، ولكن صيام الكفارة - لاجل انطباق عنوان الصيام المطلق عليه - مورد الاوامر الاستحبابية المطلقة، فيقصد أمرها تعبدا، وأمر الكفارة توصلا، نظير ما إذا نذر صلاة الليل، فإنه يقصد - وفاء بالنذر - إمتثال أمر صلاة الليل الاستحبابي،


1 - العروة الوثقى 2: 169، كتاب الصوم، فصل في النية، المسألة 2.

[ 128 ]

كما تقرر في محله (1). ومقتضى ما اشير إليه أخيرا، أن الحكم في قضاء رمضان وغيره أيضا من هذا القبيل، ويكون الواجب عنوانا واحدا، ونفس الصوم ليس مورد الامر، بل قضاء الصوم مورد الامر، كما عرفت في الكفارة، فليتدبر. وهذا هو مقتضى الجمع بين مفاد الكتاب والسنة، وإن كان ظاهر الكتاب (2) أن العدة واجبة، لا العنوان البسيط. المسألة الثانية: في عدم لزوم العلم بالمفطرات تفصيلا لا يجب العلم بالمفطرات على التفصيل، لعدم الدليل على اعتبار أزيد من نية الامساك عنها ولو إجمالا، فلو نوى الامساك عن امور يعلم دخول جميع المفطرات فيها كفى. هذا ما هو المعروف عنهم، ومنصوص به في العروة (3). والذي لا شبهة فيه: أنه إذا نوى تفصيلا فقد تحقق الصوم الشرعي، وأما إن نوى مع تلك المفطرات المعلومة بالتفصيل، امور اخر بعنوان التشريع، مع العلم بأنها ليست منها، ففي صحة هذا الصوم إشكال ناشئ من أنه قد قصد الامساك عن المجموع، وهو بلا أمر، وليس مقربا. نعم، إذا رجع هذا إلى قصد الامساك عن المفطرات الشرعية مع قصد


1 - تحريرات في الاصول 4: 248 - 252. 2 - البقرة (2): 184. 3 - العروة الوثقى 2: 169، كتاب الصوم، فصل في النية، المسألة 3.

[ 129 ]

التشريع، فهو يصح، لانه ليس من شرائط الصوم عدم قصد الامر الزائد، وعدم ارتكاب المحرم، كما إذا كان يصلي وينظر إلى المحرم. فرع: فيما إذا نوى الامساك عن الزائد على المفطرات إذا نوى التقرب بالامساك عن جميع الامور التي يعلم أن فيها المفطر وغيره، فهو يكون بالنسبة إلى الزائد مشرعا، لعلمه بأنه ليس من الشرع، ولكنه تشريع غير محرم، أي ليس تشريعا كما توهم (1)، ضرورة أن المكلف في هذه الصورة يريد الاحتياط والمحافظة على الواقع. ولو كان مثله من التشريع المحرم، للزم حرمة الاحتياط بتكرار العبادات مقدمة لتحصيل اليقين بالبراءة، كما قيل (2) وتحرر ضعفه في الاصول في المسائل العقلية (3)، والتقليد والاجتهاد، فما في شرح العروة (4) لا يخلو من تأسف. مع أن التشريع فيما إذا استلزم الاخلال بالشرط أو جزء المأمور به يقدح، وإلا فلا يقدح، والمسألة ليست مورد النظر إلا صغرويا، كما لا يخفى.


1 - مستمسك العروة الوثقى 8: 207. 2 - فرائد الاصول 1: 381، ولاحظ فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 399. 3 - تحريرات في الاصول 7: 225 - 228. 4 - مستمسك العروة الوثقى 8: 207.

[ 130 ]

فرع آخر: فيما إذا احتمل مفطرية شئ زائد على المقدار المعلوم لو كان يعلم عدد المفطرات، ويحتمل الزيادة، فقصد المقدار المعلوم ولم يرتكب الزيادة صح. إلا أن يقال: بأنه إذا تبين الخلاف لابد من القضاء، لانه ينكشف لديه عدم قيامه بالصوم وبا لمأمور به رأسا، لما سيأتي من احتمال لزوم القول بالاشتغال عند الشك في مفطرية شئ (1)، ولو قصد المجموع بعنوان الاحتياط فهو. ولو كان من قصده التشريع فالامر كما مر. المسألة الثالثة: فيما لو ارتكب مفطرا بتخيل أنه ليس بمفطر لو نوى الامساك عن جميع المفطرات، ولكن تخيل أن المفطر الفلاني ليس بمفطر، فإن ارتكبه في ذلك اليوم قال في العروة: بطل صومه (2) وقيل: لاستعمال المفطر (3). ويشكل: بأنه في مفروض المسألة، ارتكب عن جهالة وتخيل، فلم يرتكب المفطر. والذي هو مستند هذه المسألة وسائر الفروع المشابهة لها، هو ما


1 - يأتي في الصفحة 132 - 133. 2 - العروة الوثقى 2: 169، كتاب الصوم، فصل في النية، المسألة 4. 3 - مستمسك العروة الوثقى 8: 207، مهذب الاحكام 10: 23.

[ 131 ]

مضى تفصيله منا فيما سبق (1): وهو أن ماهية الصوم المأمور به هل هي الحقيقة اللغوية، وهو الامساك عن شئ ما، والشرع تدخل فيها بتعيين الزمان المحدود، وبالمفطرات الخاصة، والمفطرات الشرعية خارجة - كنية تركها - من تلك الماهية، بل هي تصير من أحكام الصائم؟ فعندئذ إذا قصد الصوم والامساك في الزمان المحدود شرعا، وترك المفطرات الشرعية من باب الاتفاق، صح صومه، لان جميع المأمور به هو هذا فيجزئ فلا تعتبر النية الاجمالية، ولا التفصيلية. ونظيره التروك وقواطع الصلاة، فإنها ليست دخيلة في ماهيتها حتى عند الاخصي إلا عند أخص الخاصي، كما تبين في اصولنا (2). فلو قصد الصلاة واتفق تركها، صحت بلا إشكال. أو هو نظير الحج عند المشهور، في أن نية ترك المحرمات دخيلة في تحقق الاحرام، فلو لم ينو لا يتحقق الاحرام (3) بل لو قلنا: بأن الحج مثل الصلاة - كما هو الحق، وعليه الوالد المحقق مد ظله (4) - ولكن الصوم ليس مثلهما، لان حقيقته القصد، وقصد الامساك لا يتحقق إلا إضافة إلى شئ يعد مفطرا. اللهم إلا أن يقال: بأن قصد الصوم والامساك عن شئ ما، ربما ينطبق على الكلام، وعليه فلابد وأن يتحقق الصوم لو بنينا على أن ترك سائر


1 - تقدم في الصفحة 5 - 8. 2 - تحريرات في الاصول 1: 202 - 206. 3 - العروة الوثقى 2: 564، فصل في كيفية الاحرام، المسألة 2. 4 - تحرير الوسيلة 1: 413، القول في كيفية الاحرام، المسألة 3.

[ 132 ]

المفطرات من أحكام الصائم، كما في الحج والصلاة، وهذا بعيد، بل الضرورة على خلاف ذلك من غير لزوم الحقيقة الشرعية. وحينئذ فهل الحقيقة الشرعية هنا مثلها في الصلاة والحج، كما عرفت تفصيله (1)، ويأتي إجماله (2)، أم ماهية الصوم هي الحقيقة الشرعية؟ وإنكارها في سائر الالفاظ لا يقدح في إثباتها هنا، ضرورة أن الصوم حقيقته وماهيته هو قصد الامساك عن المفطرات الشرعية، فلو لم يقصد ذلك لا يتحقق الصوم (3). وهذا هو مستند القول بالبطلان في الفرع المزبور، بداهة أنه مع الجهل والتخيل لا يتخلف الحكم، لانه مع الجهل والتخيل لم ينو الصوم، فقوله: بطل غير صحيح، بل لا يكون ما أتى به صوما، فلا تخلط. ولاجل هذا قال في العروة بعد ذلك: وكذا إن لم يرتكبه، ولكنه لاحظ في نيته الامساك عما عداه فإنه يبطل أيضا، ضرورة أنه في هذه الصورة أيضا لم يأت بما هو حقيقة الصوم، وهو قصد الامساك عنها. وقال بعده أيضا: وأما إن لم يلاحظ صح صومه في الاقوى (4) ونظره إلى النية الاجمالية، وعدم ملاحظة تفصيلها، كما ذكره المحشون (5)،


1 - تقدم في الصفحة 6 - 7. 2 - يأتي في الصفحة 133 - 134. 3 - مستند العروة الوثقى، كتاب الصوم 1: 32. 4 - العروة الوثقى 2: 170، كتاب الصوم، فصل في النية، ذيل المسألة 4. 5 - العروة الوثقى 2: 170، كتاب الصوم، فصل في النية، الهامش 4، مستمسك العروة الوثقى 8: 207.

[ 133 ]

لانه في غير هذه الصورة قد أخل بماهية الصوم. فبالجملة: يظهر أنه عندهم من الامور المرددة بين العدم والوجود، ولا يوصف بالصحة والبطلان، كما سيظهر من سائر الفروع المتفرعة عليها في الاتي إن شاء الله تعالى، فبناء على هذا يلزم وجوب الاعادة والقضاء على المجتهد المخطئ في مفطرية شئ إذا لم يقصده، لان كل مفطر في حكم ركن الصلاة، فكما أنه إذا تبين عنده خطأه في الركنية، يجب عليه الاعادة والقضاء، كذلك هنا، وهل يمكن الالتزام بذلك في إنصافك وعقلك، وهل كان جميع المفطرات من أول يوم تشريع الصوم معلوما ومبينا للمسلمين؟! أم صار ذلك معلوما بالتدريج، وربما صار بعض منها من المبينات في عصر الصادقين - عليهما السلام والصلاة -؟ فلو كانت ماهيته هي هكذا، فلابد من الالتزام ببطلان ما سبق، أو الالتزام بأن ماهية الصوم أعم، وتصدق بدون القصد إلى بعض منها. والذي هو الحق: أن حقيقة الصوم وسائر الحقائق العبادية، كانت في ابتداء ظهور الاسلام معلومة، ومما يتعبد به الناس، كالصلاة والحج، وقد أنكرنا الحقيقة الشرعية، بمعنى كون جميع ما يعتبر في الماهية داخلا في الاسم، وأنكرنا الحقيقة اللغوية فيها، بأن يكون ما هو المأمور به بأمر الصلاة والحج والصوم، هو الدعاء والقصد والنية، بل المأمور به بأمرها هي المخترعات المعلومة آنذاك حتى عند غيرا لمسلمين

[ 134 ]

والمشركين، كما أوضحناه بالشواهد في الاصول (1). وتلك المخترعات المعلومة عند الناس في تلك الازمنة، صارت مورد الامر في الاسلام، فما كان في ذلك الزمان عند عرف الناس غير داخل في تلك الطبائع، فهو خارج عن تلك الماهية، وما كان في ابتداء تشريع الصوم عند الاطلاق مورد نظر عرف المتشرعة، وينوون تركه حال الصوم، فهو مورد نظر الشرع، ويكون حقيقة الصوم قائمة بها، إلا إذا تصرف الشرع بخلافه وإخراجه، كما هو تخيل في مثل الكلام. وقد مضى أنا قد استفدنا من الكتاب، أن الصوم في صدر الاسلام كان هو الامساك عن الاكل والشرب والجماع، ثم الشرع أضاف الامور الاخر إليه (2)، وتلك الامور كزيادات الصلاة، وليست ركنا، أي إذا قصد الامساك عنها واتفق ترك الاخريات، صح صومه وإن لم يكن ملتفتا إليها رأسا. وبالجملة: هذا هو مبنى المسألة. ولك الاشكال فيها صغرويا بدعوى: أن المفطر الكذائي أيضا كان معهودا في تلك الازمنة. وغير خفي: أن المقصود ليس حصر حقيقة الصوم بتلك الاشياء، بل المقصود دعوى دخالة تلك الاشياء في تلك الماهية عند العرف الخاص والمتشرعة، في ذلك الزمان والعصر. وبعبارة اخرى: عندهم حقيقة الصوم هو الامساك عن تلك الامور،


1 - تحريرات في الاصول 1: 183 وما بعدها. 2 - تقدم في الصفحة 13 - 14.

[ 135 ]

والشرع أمر بذلك، ثم أضاف إليه الامور الاخر، فافهم وتدبر. وبعبارة ثالثة: قضية الاطلاق المقامي عدم دخالة شئ آخر في حقيقة الصوم، وأما دخالة ما هو المفروض آنذاك تركه في تلك الماهية، فهو لاجل صحة سلب الصوم عندهم، فلاحظ وتدبر جيدا. إذا عرفت ذلك يتبين لك الحكم في الفروع المزبورة وغيرها، ويجري عنذئذ البراءة عند الشك في مفطرية شئ، من غير لزوم الاعادة عند تبين الخلاف. تنبيه: فيما إذا ارتكب بعض المفطرات بتخيل عدم مضريته بالصوم بناء على هذا لو نوى الصوم، وتخيل أن الكذب على الله تعالى لا يضر به وارتكبه، صح، سواء كان التخيل لاجل الاجتهاد الباطل، أو لاجل الامر الاخر، لان ما أتى به ليس بمفطر، والمفطر هو ما يؤتى به علما وعمدا. نعم، لو نوى الامساك عن سائر المفطرات الشرعية، وتخيل أن الاكل والشرب ليسا بمفطرين، فإنه لا ينعقد صومه وإن لم يرتكبه، فعليه تختلف المفطرات من هذه الجهة، والله العالم بحقائق اموره. فما اشتهر من اعتبار النية بالنسبة إلى جميع المفطرات ولو إجمالا (1)، مخدوش، بل طائفة منها لا بد من تركها عند العلم بمفطريتها، ولا


1 - العروة الوثقى 2: 169، كتاب الصوم، فصل في النية، المسألة 3، مستمسك العروة الوثقى 8: 207، مستند العروة الوثقى، كتاب الصوم 1: 31.

[ 136 ]

يعتبر في قصد الصوم ولو إجمالا، فلو قصد الامساك عن الامور المزبورة، ثم بعدما مضى برهة من اليوم توجه إلى مفطرية القئ، يجب عليه الامساك، ويصح صومه، وعلى رأى الاصحاب لا يصح، لانه لم يأت بالصوم رأسا، ويترتب على ما تخيلوه أنه لا يمكن الاطلاع على وقوع صوم صحيح من أحد. ويظهر مما ذكرناه ما في شرح العروة (1). ومن عجيب ما قيل: إن وجه البطلان في صورة ترك نية الامساك عن إحدى المفطرات، عدم التقرب بالامساك عنه، فيكون تقربا ببعض صومه، لا بتمامه (2) انتهى! فكأنه ظن انحلال أمر الصوم إلى الاوامر الكثيرة المستقلة القربية، وقد غفل عما هو نظر السيد الماتن (قدس سره) من التعرض لفروع ترك النية، مقابل ما مضى منه من ذكر فروع ترك النية تفصيلا، وإتيانها إجمالا، فلاحظ وتدبر، والامر - بعدما عرفت حقيقته - سهل. المسألة الرابعة: حول عدم اعتبار قصد النيابة في الصوم النيابي إذا استناب الصائم عن الغير، لا يكفيه قصد الصوم بدون نية النيابة على المعروف بينهم (3).


1 - مستمسك العروة الوثقى 8: 207. 2 - نفس المصدر. 3 - العروة الوثقى 2: 170، كتاب الصوم، فصل في النية، المسألة 5، مستمسك العروة الوثقى 8: 207، مهذب الاحكام 10: 23.

[ 137 ]

وقيل: الاقوى كفاية قصد إتيان ما على المنوب عنه (1). وقال في العروة بعدم الكفاية وإن كان متحدا (2)، أي لا يكون ما في ذمته إلا شيئا واحدا. وهذا مما لا ريب فيه، ضرورة أن امتثال الامر المتوجه إلى الغير لا يمكن إلا بقصد ذلك الامر، وهو تارة: يحصل بقصد النيابة، فيكون من القصد الاجمالي، واخرى: بقصد ذلك الامر، فيكون من القصد التفصيلي، فالقول الثاني أقرب إلى الكفاية من الاول، بداهة عدم لزوم قصد النيابة بما هي هي. وإنما ا لكلام في هذه المسألة في جهتين: الجهة الاولى: في عدم وقوع الصوم عن النائب مع قصده الصوم المطلق بناء على عدم كفاية قصد الصوم المطلق عن الصوم النيابي، فلابد وأن لا يكفي عن الصوم الواجب أو المستحب عليه، لان الصوم بهذا الاعتبار ينقسم إلى الصوم النيابي، وغير النيابي، وعلى هذا فلابد من التمييز ولو إجمالا وارتكازا، فكما لا يكفي قصد الصوم بدون نية النيابة عن المنوب عنه، كذلك لا يكفي بدون قصدها عن نفسه، قضاء لحق المقابلة.


1 - العروة الوثقى 2: 170، كتاب الصوم، فصل في النية، الهامش 5. 2 - العروة الوثقى 2: 170، كتاب الصوم، فصل في النية، المسألة 5.

[ 138 ]

نعم، هذا المعنى يحصل بالارتكاز والاجمال، كما أن نية الغير أيضا تحصل بذلك بالضرورة. الجهة الثانية: في عدم تصور اتحاد ما في الذمة في الصوم النيابي لا يتصور الاتحاد، لان الصوم التطوعي يصح من النائب. هذا مع أن النائب عن الغير أعم من كونه أجيرا أو متبرعا، فإنه في الصورة الاولى يمكن توهم أن ما في ذمته واحد، ولكن في الصورة الثانية لا معنى للقيد المزبور كما لا يخفى، فما في العروة (1) غير موافق للظاهر. فرع: في حكم ما لو تردد الصوم بين كونه عن نفسه أو نيابة لو علم باشتغال ذمته بصوم، ولا يعلم أنه له أو نيابة عن الغير، فقيل: يكفيه أن يقصد ما في الذمة (2)، لانه يرجع إلى قصد النيابة على تقدير كونه نائبا، وهو كاف. وقيل: هو محل إشكال (3) ولعل نظره إلى أن النية الاجمالية لازمة، وهي غير حاصلة، أو أن النيابة التقديرية لا معنى لها. ومن الممكن أن يقال: بأن النائب الاجير لا يشتغل ذمته بالصوم رأسا، بل يجب عليه الوفاء بعقد الاجارة مثلا، أو يجب عليه القضاء عن


1 - العروة الوثقى 2: 170، كتاب الصوم، فصل في النية، المسألة 5. 2 - نفس المصدر. 3 - العروة الوثقى 2: 170، كتاب الصوم، فصل في النية، الهامش 6.

[ 139 ]

الولي، ولا يتجاوز الامر إلى الصوم والصلاة حتى في الولي، حسبما تقرر منا في محله (1)، فقصد ما في الذمة معناه قصد ما في الذمة شرعا، والصوم عن الغير ليس في ذمته شرعا، بل واجب عليه عقلا، ولا اعتبار للذمة بالنسبة إلى الواجبات العقلية. اللهم إلا أن يقال: أن المقصود من هذه العبارة هو الايماء والاشارة إلى صورة العمل، وهو يكفي بأي نحو اتفق، وإلا فالواجبات الشرعية أيضا ليست في الذمة، وإلا يلزم التسلسل، ويلزم كون المحرمات أيضا فيها، قضاء لدليل اعتبار الواجبات في الذمة، فتأمل جيدا. فبالجملة: كان نظره الشريف إلى أن قصد ما في الذمة، يكفي إذا كان الصوم في ذمته، وكان مرددا بين صوم القضاء والكفارة، وأما فيما نحن فيه فليس المردد هو الصوم، بل المكلف مردد بين أن الواجب عليه الوفاء بالعقد الاجاري، أو الامر الصومي، وعند ذلك لا يكفي قصد الصوم. وأنت خبير: بأن الصوم في عقد الاجارة، يكون في ذمة المكلف حسب العقد، فيكفي القصد المزبور، إلا أنه ليس الصوم واجبا عليه شرعا كصوم نفسه، فيكفي القصد المزبور إن شاء الله تعالى. فرع: في لزوم قصد عنوان النيابة وعدمه في الصوم النيابي إذا استؤجر على النيابة عن زيد في صيامه مثلا، فهل يكفي أن ينوي ما على المنوب عنه من الصيام، من غير التوجه والقصد إلى عنوان


1 - تقدم في الصفحة 16 - 17، ولاحظ تحريرات في الاصول 2: 270 - 271.

[ 140 ]

النيابة أم لا؟ وجهان: من أن قصد النيابة لازم، وهي لا تحصل بمجرد قصد ما على المنوب عنه، لانه يصير من قبيل الوكالة، لانها هي إيكال الفعل إلى الغير، مقابل النيابة التي معناها القيام مقام الفاعل. ومن أنه في الامور العبادية قد تعارف عند العقلاء النيابة، وهكذا في الامور العرفية التقربية، كالتقرب إلى السلطان ونحوه، فإذا قصد ما على المنوب عنه ينتزع منه قهرا النيابة، إلا إذا لاحظ قصد الوكالة. فبالجملة: لابد حينئذ من إيجاد متعلق العقد، ولو شك في تحققه لابد من الاحتياط، كما هو الظاهر. المسألة الخامسة: إذا نوى غير المنذور في النذر المعين لو نذر صوم يوم معين فهل يعتبرا لتعيين، أم لا؟ فيه خلاف قد تقدم تفصيله فيما سبق (1). والذي هو المقصود بالبحث هنا ما إذا نوى غيره في اليوم المعين، فقال في العروة: فإن كان مع الغفلة عن النذر صح، وإن كان مع العلم والعمد ففي صحته إشكال (2). وقال السيد الوالد - مد ظله -: الاقوى هو الصحة (3).


1 - تقدم في الصفحة 55 وما بعدها. 2 - العروة الوثقى 2: 171، كتاب الصوم، فصل في النية، المسألة 7. 3 - العروة الوثقى 2: 171، كتاب الصوم، فصل في النية، الهامش 3.

[ 141 ]

أقول: ها هنا مسألتان: المسألة الاولى: إذا نوى غير المنذور فهل يقع عن المنوي إن الصوم المزبور هل يصح عن المنوي، أم لا؟ وجهان: وجه الصحة واضح، ضرورة أن حقيقة النذر ليست إلا كون المنذور في ذمته، ولا معنى لكونه ملكا لله تعالى كما توهم (1)، وصيغة النذر كصيغة الحج الواقعة في الكتاب الالهي: (لله على الناس حج البيت) (2) فإنها لا تفيد أكثر من كونها في الذمة، ومجرد كون الشئ في الذمة لا يلازم كونه مملوكا للاخر، بل ربما كان ذلك بداعي الانتقال إلى شئ آخر. وبالجملة: يصح الصوم، لاطلاق أوامر سائر الصيام. وأما وجه البطلان فلما يستفاد من كلام بعض، من أن النذر المعين يرجع إلى إسقاط قابلية الزمان عن وقوع غيره فيه، كصوم شهر رمضان (3). ولكنه بمعزل عن التحقيق، ضرورة أن استفادة مثله بلا شاهد، ولو كان الامر كما تحرر، يلزم عدم الحاجة إلى قصد التعيين في الصوم المعين، لان الزمان المزبور عين له ولا يقبل غيره فيه، فإذا قصد الصوم فهو من المنذور، لان قصد التعيين ليس إلا لرفع الاجمال.


1 - مستمسك العروة الوثقى 8: 198. 2 - آل عمران (3): 97. 3 - السرائر 1: 370.

[ 142 ]

نعم إن قلنا: بأن قيد قصد التعيين له الملاك الاخر، فلا يلزم ذلك، كما مر تفصيله في صوم شهر رمضان (1). تنبيه: في مناقشة كلام بعض المحشين في كلام بعض المحشين: هذا إذا نوى غير المنذور، كما لو نذر الصوم ندبا فصام قضاء، أما لو نوى نفس المنذور غافلا عن النذر، فالصحة أوضح وإن لم يكن وفاء بالنذر (2) انتهى. وغير خفي: أنه قد وقع الخلط في كلماته صدرا وذيلا، فإن في مسألة لزوم قصد التعيين إذا نذر صوم يوم بعينه، فمن يقول بعدم لزوم قصد خصوصيات المنوي - لان الزمان محصور للصوم النذري - فإنه يلتزم بالصحة. وكذلك من يقول بلزوم الخصوصيات المأخوذة تحت النذر وإن كان غافلا عن الامر النذري، فإنه يصح نذرا. والقول الثالث من يقول باعتبار قصد الوفاء بالنذر، لا المنذور، وقصد التعيين له، وهذا الاخير مقالة السيد اليزدي (رحمه الله) (3) في الفرع السابع، ومختار الوالد - مد ظله (4) - وأما هذا الشارح فقد أيد السيد في


1 - تقدم في الصفحة 44 - 49. 2 - مستمسك العروة الوثقى 8: 209. 3 - العروة الوثقى 2: 171، كتاب الصوم، فصل في النية، المسألة 7. 4 - العروة الوثقى 2: 171، كتاب الصوم، فصل في النية، الهامش 3.

[ 143 ]

صدر المسألة السابعة، وقال هنا: بأنه يكفي عنوان المنذور ولو كان غفلة عن النذر وأمره فلا يصح ما توهمه، فليراجع. إفادة: وفيها وجهان آخران لعدم وقوع الصوم عن المنوي من الممكن دعوى البطلان، مستندا إلى أن حقيقة النذر ترجع في المثال إلى أن الناذر نذر أن لا يشتغل بعمل غير الصوم الكذائي في ذلك الزمان، فالاشتغال بغيره خلاف ما نذره. وفيه: أن الرجوع المزبور ممنوع. مع أن رجحان مثل هذا النذر مخدوش. وأما احتمال البطلان مستندا إلى الشهرة المحكية، فهو بلا وجه، ويظهر من الجواهر الاتكال إلى مثلها، فراجع (1). المسألة الثانية: فيما إذا نوى غير المنذور عن علم وعمد إذا نوى صوما آخر في اليوم المعين، وكان لا ينطبق عليه عنوان المنذور، وكان عالما بذلك، وعامدا إلى ذلك الصوم، كما إذا نذر أن يأتي بقضاء شهر رمضان يوم الخميس، فصام صوم الكفارة، ففي صحته وعدمها وجهان، بل قولان: أما وجه البطلان - فمضافا إلى ما مر في وجوه بطلانه حال الجهل


1 - جواهر الكلام 16: 189.

[ 144 ]

والغفلة (1) - أن الامر بالشئ يقتضي النهي عن ضده، فيلزم فساده، وفيه ما تحرر في الاصول (2). وغير خفي: أنه يجري أيضا في حال الجهل والغفلة، لان الامر بالصوم الخاص وإن لم يكن منجزا، ولكن لا يختص استلزامه للنهي بحال العلم والتنجز كما لا يخفى، فلو قلنا بالاقتضاء، وقلنا: إن النهي المترشح يورث الفساد، فهو يجري حال الجهل أيضا، فيلزم فساده. وهنا وجه يختص بحال العلم: وهو أن قضية النذر أن المنذور يكون مملوكا، فلو صام غير الصوم المنذور، فقد تصرف في ملك الغير، ولا يخفى ما فيه وجها وفسادا. وعلى هذا، إن تم الاجماع والشهرة على بطلان الصوم الاخر في الزمان المعين للصوم النذري فهو، وإلا فقضية القواعد هي الصحة. وما في العروة من الاشكال (3) لا يبعد كونه لاجل ذلك، دون اقتضاء القواعد. كما أنه يعلم من إشكاله في هذا الفرع - مع اعتباره قصد تعيين الصوم للنذر -: أن وجه ما اختاره فيما مر هو استفادة اشتراط ذلك من أدلة النذر، وأن الوفاء واجب، أو أنه بدون التعيين لا يحصل الامتياز في مقام الامتثال، أو لاجل أن القيد المأخوذ فيه قصدي، فلا يحصل إلا به، وليس


1 - تقدم في الصفحة 141. 2 - تحريرات في الاصول 3: 305 وما بعدها. 3 - العروة الوثقى 2: 171، كتاب الصوم، فصل في النية، المسألة 7.

[ 145 ]

الوجه عنده سقوط الزمان عن قابلية وقوع غيره فيه، خلافا لما نسب إلى بعض آخر (1). فذلك الكلام: في الفرق بين النذر المعين وغير المعين في المقام إن في النذر غير المعين يحتمل لزوم قصد الوفاء، كما يحتمل كفاية قصد عنوان المنذور وإن كان غافلا عن النذر وأمره. وفي النذر المعين يحتمل كفاية الصوم المطلق، ويحتمل لزوم قصد العنوان المنذور، كما يحتمل لزوم قصد عنوان الوفاء والالتفات إلى الامر النذري، ولا ينبغي الخلط بين هذه الاحتمالات التي هي الاقوال في المسألة، وبذلك يمتاز الخلاف في المعين عن غير المعين. التفكيك بين عنوان المنذور وعنوان الوفاء بالامر النذري إذا كان عالما بالنذر، وقاصدا عنوان المنذور، وهو الصوم عن أخيه المؤمن مثلا، فهل يمكن أن لا يكون قاصدا لامر نفس النذر والوفاء به، حتى يقال بوجوب القصد المزبور في هذه الصورة أيضا، أم لا ينفك العمل المذكور - أي قصد عنوان المنذور - عن انطباق عنوان الوفاء به لانه يحصل الوفاء بالنذر بذلك؟ وجهان.


1 - السرائر 1: 370، رسائل الشريف المرتضى 1: 441.

[ 146 ]

وجه آخر لبطلان الصوم الاخر في النذر المعين غير خفي: أن اليوم الواحد لا يحتمل إلا الصوم الواحد، فإذن لا حاجة في إبطال الصوم الاخر في اليوم المعين للنذر، إلى إثبات أن الامر بالشئ يقتضي النهي عن ضده، بل يكفي اقتضاؤه عدم الامر بالضد لبطلان الصوم العبادي المتقومة صحته بالامر، كما تحرر في الاصول (1) والفقه (2). وهذا الوجه أقوى الوجوه لابطال الاطلاقات بالنسبة إلى سائر أقسام الصيام في اليوم المعين للنذر، قضاء لحق امتناع الحكمين الفعليين العرضيين، مع كون المكلف غير قادر إلا على امتثال واحد منهما، ولعل المشهور استندوا إلى مثل ذلك الوجه في اتفاقهم على بطلانه، والله العالم. وتوهم جواز التداخل في مرحلة الامتثال، قضاء لحق المحافظة على الاطلاقات، مندفع بما تحرر في محله (3): من أنه خلاف القاعدة، لان أنواع الصيام متباينات حسب القيود المأخوذة في متعلق الامر، ولو أمكن ثبوتا تعدد الامر التأسيسي مع وحدة المتعلق، لكان التداخل متعينا، كما إذا


1 - تحريرات في الاصول 3: 337. 2 - جواهر الكلام 9: 155 و 157 و 161. 3 - تحريرات في الاصول 5: 88 - 89.

[ 147 ]

أمر الوالد بإعطاء الدرهم، ثم أمرت الوالدة بإعطاء الدرهم، فإنه يكفي الدرهم الواحد بلا شبهة، وأما إذا اقتضى تعدد الامر تعدد المأمور به، فالتداخل يحتاج إلى الدليل، كما في الاغسال المتعددة. أقول: قضية ما تقرر في محله (1)، إمكان كون الاحكام الكثيرة فعلية وإن كان المكلف عاجزا على الاطلاق، أو قادرا ولو بالنسبة إلى واحد منها، كما نحن فيه، لان الخطابات قانونية لا شخصية. وقد تشبث القوم في أمثال المقام، بالترتب لتصحيح العبادة، وبالملاك. والكل غير تام. نعم، قد حررنا تقريبا بديعا لتصحيح العبادة بالامر الطولي، وتفصيله في محله (2). وغير خفي: أن هذا الوجه لا يختص بالعالم، لاشتراك الجاهل معه في الحكم، كما أن الصوم النذري متعين أولا، ويكون في حكم الاهم في هذا المقام، وسائر أقسام الصيام بالنسبة إليه مورد الامر الطولي. وأيضا غير خفي: أن سائر أقسام الصيام لما كان من الواجبات الموسعة في مفروض المسألة، كان تصوير الاحكام الفعلية العرضية بمكان من الامكان ولو قلنا: بأن القوانين شخصية. نعم إذا صار صوم مضيقا بعد النذر، فيجري فيه البحث المزبور، فلاحظ وتدبر جيدا.


1 - تحريرات في الاصول 3: 447 - 449 و 453 - 456. 2 - تحريرات في الاصول 3: 343 - 345.

[ 148 ]

الفرع الاول: في وجوب التعيين في الصوم المتعدد من النوع الواحد لو كان عليه قضاء رمضان السنة التي هو فيها، وقضاء رمضان السنة الماضية، فهل يجب تعيين أنه من أي منهما، أم تكفي نية الصوم قضاء؟ أو يفصل بين صورة الاختلاف في الاثر من قبيل الكفارة، والفورية، والمضيق، وما لا يختلف فيه الامر، فتجب في الاولى دون الثانية؟ أو يفصل بين صورتي سعة الوقت لاتيانهما قبل شهر رمضان، وعدمها، فلا يجب في الاولى، بخلاف الثانية؟ اختار ثانيها العروة (1) والثالث بعض شراحها (2)، والرابع هو مختار السيد الوالد - مد ظله (3) - ولعل الاول أظهر حسب القواعد. وإذ فرغنا عن هذه المسأ لة، فينطبق عليها أشباهها ونظائرها، كما إذا تعدد النذر والكفارة، وهكذا حكم قصد تعيين اليوم الاول والثاني والثالث من السنة الواحدة. وربما يتوهم: أن في النذر أيضا تفصيل بين نذر الشكر والزجر (4)،


1 - العروة الوثقى 2: 171، كتاب الصوم، فصل في النية، المسألة 8. 2 - العروة الوثقى 2: 171، كتاب الصوم، فصل في النية، الهامش 7، مستمسك العروة الوثقى 8: 210. 3 - العروة الوثقى 2: 171، كتاب الصوم، فصل في النية، الهامش 5. 4 - العروة الوثقى 2: 171، كتاب الصوم، فصل في النية، الهامش 8.

[ 149 ]

وسيظهر إن شاء الله وجهه (1). إذا تبينت هذه فليعلم: أن تعدد الامر التأسيسي لا يعقل إلا إذا تعدد المأمور به، ولا يتعدد المأمور به إلا بلحاظ الامر وتقييده الطبيعة الكلية، فيكون القيد مورد الامر، وإذا كان القيد مورد الامر فلابد من إيجاده، فإن كان من القيود الذهنية ففي الذهن، وإن كان من الخارجية ففي الخارج، وقد تحرر فيما سبق تفصيله بما لا مزيد عليه (2) هذا هو الاصل الاولي. نعم، إذا ثبت أن القيد المزبور اخذ لاجل إمكان ترشح الامر التأسيسي الثاني، ولا يكون ذا ملاك، فإنه لا يجب اعتباره في مقام الامتثال، ولاجل هذا قلنا: إن الصلاة والصوم على طبيعتهما المطلقة، ليست مورد الامر، لا الوجوبي، ولا الندبي، إلا أنه ليس جميع القيود الواردة على طبيعتهما ذا ملاك، كالظهرية، والعصرية، وأمثالهما، بل من قيودها ما لا ملاك لها، ولذلك يصح كل صلاة وصوم إذا قصد الخاص منهما، ثم تبين أنه لم يكن مورد ذلك الامر الخاص. مثلا: إذا قصد صوم الكفارة، ثم تبين أنه لا كفارة عليه، فإنه يصح مندوبا، وهكذا في ناحية الصلاة، وليس ذلك إلا لاجل ما اشير إليه ولعل إليه يرجع ما في صلاة الاحتياط من أنها عند التخلف تقع نافلة، فليتأمل. ثم إن قضية الاصل كون كل قيد ذا ملاك، إلا ما ثبت واحرز أنه لا ملاك


1 - يأتي في الصفحة 154 - 156. 2 - تقدم في الصفحة 44 - 49.

[ 150 ]

له، وذلك قضاء لحق أخذه في المأمور به، فعلى هذا إن كان المكلف بالقضاء مكلفا بتكاليف كثيرة، لا بتكليف واحد، وكانت تلك التكاليف الكثيرة من الكثير بالعام الاستغراقي، وكان تكليفا تأسيسيا نفسيا، فلا يعقل أن يتعدد الامر بلا قيد في الطبيعة، فلابد من اعتبار ذلك القيد في مقام الامتثال ولو إجمالا. إفادة: في تعدد الامر القضائي وعدمه قد أشرنا فيما سلف إلى أن من الممكن دعوى: أن الامر القضائي لا يتعدد، وتعدد الصيام والصلاة لا يلازم تعدد الامر، فلا يكون المأمور به متعددا حتى يستلزم تعدد الامر، فإذا قصد عنوان القضاء فهو يكفي. وهذا نظير الدين، فإن المديون لا يكون موضوعا للاوامر المتعددة حسب أجزاء الدين، بل يتوجه إليه الامر الواحد بقضاء الدين وأدائه، فإذا أدى شيئا فليس قد امتثل من الامر شيئا، ولا أمرا مستقلا، بل المأمور به باق بحاله إلى أن يؤدي جميع دينه. قلت: لو تم ذلك في مثل الدين، وفي مثل الاجير على الصلوات والصيام، ولكن الظاهر المفروغ عنه أن قضاء الصلوات ورمضان ليس مثله، وليس عنوان القضاء بمفهومه البسيط مورد الامر. بل ولو كان القضاء مورد الامر، فهو ينحل إلى الاوامر المتعددة والتكاليف المستقلة، والقوم لا يرتضون بذلك، للزوم كون المديون بصوم يوم واحد، والمديون بصيام خمسين سنة، في عرض واحد حسب الامر والعقاب

[ 151 ]

والثواب، وقد مر تمام الكلام فيما سبق، وكنا هناك نقرب هذا الاحتمال البديع، فراجع (1). جولة حول سائر الوجوه والاقوال في مسألة التعيين أما الوجه الثاني وهو مختار الاكثر (2)، فكفاية الاتيان به قضاء، ولا يعتبر قصد النية الماضية أو الحالية، ولا غير ذلك حسب الايام، لان بذلك يسقط أمر الصوم، ضرورة أن مقتضى الادلة وجوب القضاء بعد رمضان. وأما إذا اختلفت الاثار فقد ذهب إليه بعض (3)، ولكن لا يلزم من اختلاف الاثار لزوم التعيين في النية، لان اختلاف الاثار يستلزم أن من يريد ذلك، فعليه تعيين موضوع الاثر، وأما وجوب التعيين على الاطلاق فلا دليل عليه. وأما ما في كلام الوالد - مد ظله -: من أن ضيق الوقت لابد من ذلك (4) فهو أيضا بلا وجه، لانه إذا قصد قضاء رمضان يقع عن رمضان المطلق، وأما وقوعه عن رمضان الذي يكون موضوع الاثر فلا يحتاج إلى القصد.


1 - تقدم في الصفحة 75 - 76. 2 - العروة الوثقى 2: 171، كتاب الصوم، فصل في النية، المسألة 8، مستند العروة الوثقى، كتاب الصوم 1: 30 و 37، مهذب الاحكام 10: 25. 3 - مستمسك العروة الوثقى 8: 210. 4 - العروة الوثقى 2: 171، كتاب الصوم، فصل في النية، الهامش 5.

[ 152 ]

فبالجملة: لا يلزم من هذه التفصيلات لزوم تعيين النية، بل يلزم ذلك إذا اريد ترتب الاثر عليه، وذلك نظير ما إذا كان الانسان مديونا بدين يقابله الرهن، ودين بلا رهانة، ثم أعطى من دينه مقدارا أقل من مجموع الدينين، فإنه يقع عن دينه بلا رهن، وفي لزوم الفك يحتاج إلى القصد الخاص، فما في العروة من إطلاق كفاية قصد قضاء رمضان (1)، في محله. إن قلت: مع ضيق الوقت لا يصح الزمان لصوم آخر، وهو رمضان الاول والسنة الماضية مثلا، فلابد من تعيين رمضان الحالي والنية الحالية حتى يقع عنه. قلت: بناء على هذا لا حاجة إلى قصد غير الصوم، لانه يقع عما عليه، ولا دليل على لزوم قصد القضاء رأسا. وبعبارة اخرى: ظاهر الكتاب (من كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام اخر) (2) أن من أتى به في الايام الاخر صح، ولا يعتبر إلا قصد صوم رمضان وقد مر تفصيله فيما سبق أيضا (3). وبالجملة تحصل: أن شرطية قصد تعيين إحدى الرمضانين، لا يمكن إلا على ما أسلفناه: من أنه إذا تعدد الاثر فلابد وأن يتعدد المأمور به، وتعدد المأمور به بتعدد القيد المأخوذ في متعلق الامر، فإذا كان الصوم بعد


1 - العروة الوثقى 2: 171، كتاب الصوم، فصل في النية، المسألة 8. 2 - البقرة (2): 184. 3 - تقدم في الصفحة 53 - 54.

[ 153 ]

رمضان هذه السنة واجبا موسعا، وواجبا آخر مضيقا، فيكون لكل واحد منهما اللون الخاص، وعند ذلك لابد من قصد ذلك اللون، ولو كان عدميا، ولو قصده إجمالا، فكما أن تعدد الاثر يلازم ذلك، كذلك تعدد المأمور به أيضا يقتضيه، فيتعين الوجه الاول، وهو اعتبار قصد التعيين مطلقا، سواء كان اختلاف في الاثار، أم لم يكن، كما عرفت تفصيله (1). نعم، إذا ثبت أن القيد المأخوذ في أحد الامرين، ليس من القيود ذات الملاك، فيكفي في مقام الامتثال مجرد الطبيعة، فإذا قصد بعد رمضان صوم رمضان الذي في عهدته، فيقع عما لا أثر له، وإذا قصد الخاص فيقع عنه ويترتب عليه الاثر، وتصير النتيجة أيضا كفاية قصد الصوم قضاء مثلا، ولا يتم التفاصيل المتوهمة في المقام على كل تقدير. تذنيب: في بيان الدليل على عدم التعدد قد أشرنا فيما سبق إلى أن في صورة تعدد الامر، لابد من تعدد المأمور به، ولا يتعد المأمور به إلا بتعدد القيود الواردة عليه. وأيضا ذكرنا فيما مر منا في السالف: أنه إن أمكن ذلك بحسب الجعل ومقام التقنين، ولكنه يستلزم إشكالا في مقام الامتثال، وأنه إذا أتى بواحد فهل يسقط جميع الاوامر، أم الواحد غير المعين، أو المعين، أو لا يسقط شئ؟ لا سبيل إلى المجموع، فيعلم منه ما أسسناه في


1 - تقدم في الصفحة 44 - 49.

[ 154 ]

المسأ لة (1)، فلا تذهل. تتميم: في لزوم قصد السبب وعدمه في صوم النذر والكفارة يظهر من السيد اليزدي (قدس سره) عدم اعتبار قصد الزائد على صوم النذر والكفارة، ولو كانت الاسباب مختلفة بالنوع (2). وخالفه السيد الوالد المحقق - مد ظله - وقال: إذا اختلفت الاسباب فلابد من التعيين، كما في مثل نذر الشكر، والزجر، وفي كفارة الظهار، وكفارة قتل الخطأ، وفي صورة وحدة السبب (3) فلا يعتبر أزيد من قصد عنوان النوع، ولا يعتبر قصد الصنف، ولا الاحاد والافراد. والذي هو مبنى المسألة هو ما تحرر في كتاب الطهارة في بحث الاغسال، وأنه إذا اخذ السبب في وجوب شئ بعنوان الشرط، فهل يلزم تعنون الهيئة بعنوان السبب، أم لا (4)؟ وعليه يترتب تداخل المسببات. مثلا: إذا ورد إن أجنبت فاغتسل وورد إذا كان يوم الجمعة فاغتسل فهل يرجع ذلك إلى أن الواجب متعدد، ولا يعقل التعدد إلا بالقيد الوارد على الطبيعة، فيكون الواجب في الاول غسل الجنابة، وفي الثاني غسل الجمعة، أم الواجب نفس الطبيعة فلا يتعدد، أو يكون القيد


1 - تقدم في الصفحة 73 - 76. 2 - العروة الوثقى 2: 171، كتاب الصوم، فصل في النية، المسألة 8. 3 - العروة الوثقى 2: 171، كتاب الصوم، فصل في النية، الهامش 8. 4 - مستمسك العروة الوثقى 3: 139، التنقيح في شرح العروة الوثقى 6: 57.

[ 155 ]

مأخوذا لافادة لزوم تعدد الغسل وإن لم ينوحين الغسل أنه للجنابة أم للجمعة؟ وجوه أقواها حسب نظر العرف والفتوى - هو الاول. ففيما نحن فيه أيضا يلزم تعنون الهيئة وأمر الكفارة بعنوان السبب، وهو الظهار والقتل وغير ذلك. ثم إن قضية ما مر منا اعتبار قصد الاصناف والاشخاص، إلا في صورة كون القيد بلا ملاك، كما إذا كان مأخوذا لاجل حكم العقل بذلك (1)، فإن الاظهر في مثله أنه في مقام الامتثال غير لازم اعتباره، ومن الواضح أن آحاد الصيام في صوم النذر وفي صوم الكفارة خصوصا، غير واجبة، ضرورة أن الواجب عنوان واحد في مثل الكفارات، فمن كان يجب عليه صيام الشهرين المتتابعين، فلا يجب عليه آحاد الصوم، بل يصوم كل يوم، لانه به يتحقق الواجب الوجداني، كما في أجزاء الصلاة، وعليه لا يعتبر قصد الاحاد، والاشخاص. نعم، في مثل النذر خلاف، والمسألة مبنية على ذلك، فإن كان بعد النذر عنوان الوفاء واجبا فلا يتعدد الامر، وإن كان بعد النذر يتعدد الامر حسب تعدد المنذور، فلابد من تعيين ذلك في مقام الامتثال، لما يلزم الاشكال الذي لا مخلص عنه، كما لا يخفى، ومر الايماء إليه (2). وبالجملة: في مثل نذر الشكر والزجر لما كان - على احتمال - من الاسباب المختلفة بالنوع، يلزم سراية عنوان السبب إلى المسبب،


1 - تقدم في الصفحة 47 - 49. 2 - تقدم في الصفحة 63 - 64.

[ 156 ]

ويكون الواجب الوفاء بنذر الشكر ونذر الزجر. وإذا كان متعلق الهيئة مقيدا فلابد من قصد القيد، حتى يتحقق الامتثال. نعم، في كون اختلاف نذر الشكر والزجر، اختلافا نوعيا مناقشة، والتفصيل في محله. الفرع الثاني: حول انعقاد النذر مع اتحاده مع نذر آخر إذا نذر صوم يوم خميس معين، ونذر صوم يوم معين من شهر معين، فاتفق في ذلك الخميس المعين، كما إذا نذر الخميس الثاني من رجب، واليوم العاشر منه، فاتفق اتحاد العنوانين في اليوم الواحد، فهل ينعقد النذر الثاني، أم لا، أو يكون في المسألة تفصيل؟ ظاهر السيد (رحمه الله) انعقاده (1). وقيل: لا ينعقد (2). وعن ثالث التفصيل بين ما إذا كان العنوان المأخوذ في كل من النذرين، ملحوظا مراعاة للزمان المعين، فكان النذر الثاني لغوا وباطلا، وإن كان ملحوظا موضوعا، صح النذران (3). من المحتمل وقوع التفصيل بين حال الغفلة وعدمها، فلا يصح الثاني إلا عند الغفلة عن الاول، وإلا فيكون تأكيدا لمفاد الاول.


1 - العروة الوثقى 2: 171، كتاب الصوم، فصل في النية، المسألة 9. 2 - العروة الوثقى 2: 171، كتاب الصوم، فصل في النية، الهامش 9. 3 - مستمسك العروة الوثقى 8: 211.

[ 157 ]

أو وقوع التفصيل بين ما إذا كان النذران مشخصين، وما إذا كان أحدهما كليا، مثلا إذا نذر أن يصوم كل خميس، فاتفق مع اليوم العاشر من رجب المخصوص بالنذر، يقع كل واحد، وأما إذا اختص النذر الاول بالخميس الثاني من رجب فلا، أو غير ذلك من الوجوه والاقوال. لاحد أن يقول: إن مع التوجه إلى وحدة المعنون، لا يتمشى منه قصد النذر التأسيسي المورث للتحميل الزائد عليه، وذلك مثل ما إذا كرر العنوان الواحد، فإنه كما لا معنى لتكرر انعقاد النذر، بل يرجع ذلك طبعا إلى التأكيد، كذلك الامر هنا، وإلا كان يجوز أخذ العناوين الكثيرة، وجعلها متعلق النذر، فإنه إلى المزاح والاستهزاء أقرب من الجد والتحقيق. ومع الغفلة ينعقد النذران، لتمامية الشرائط، بل ينعقد الثاني حتى فيما إذا كان العنوان الثاني عين الاول. نعم، من ناحية الامر بالوفاء بالنذر يتوجه إشكال: وهو أنه لا يتمكن من تأسيس الامر الجديد بالوفاء في اليوم الواحد، فيكون تأكيدا، ويرجع ذلك إلى تداخل المسببات في وجه من أوجه التداخل، والتفصيل في مقام آخر إن شاء الله تعالى (1). أو يقال: بأن الامر النذري يتعدد بتعدد القيود، فلابد من قصدها حين الامتثال. ولأحد أن يقول حسب مبنى الاكثر: إن العناوين الذاتية المتعلقة للنذر، تصير مورد الامر النذري، وإذا كان المنذور واجبا شرعا - كصوم


1 - تحريرات في الاصول 5: 88.

[ 158 ]

رمضان - فيقع الامر النذري مؤكدا، ولا يورث تحميلا جديدا، فمنه يعلم عدم لزوم كون النذر موجبا للتكليف الجديد، ويكفي كونه مؤكدا، فيصح النذر عقيب النذر ولو كان العنوان الثاني عين العنوان الاول، فضلا عما إذا تعدد العنوان، واتحد المعنون. نعم، على القول: بأن الوفاء يصير واجبا بالنذر، فيكون النذر الثاني باطلا، لانه لا يأتي بالامر الجديد، سواء كان العنوان الثاني عين الاول، أم كان غيره. وبالجملة: على هذا المسلك، يصح دعوى انصراف أدلة تنفيذ النذر عن مثله، وإن أمكن ذلك. الفرع الثالث: هل يكون النذر الثاني تأكيدا؟ دعوى أن النذر الثاني على كل تقدير يقع تأكيدا، سواء قصد التأكيد، أم لم يقصد، وسواء كان عنوان الثاني عين الاول، أم غيره، وذلك لان وقوع التأكيد ليس قصديا. مثلا: إذا قال المولى لعبده: أكرم زيدا ثم غفل عنه وقال: أكرم زيدا ثم غفل وقال: أكرم ابن عمرو وهكذا، يقع الكل على صفة التأكيد، ولا يكون تأسيسا، كذلك الامر فيما نحن فيه. الفرع الرابع: في انعقاد النذر الثاني إذا اختلف مع الاول عنوانا ومعنونا دعوى أن النذر الثاني إذا كان عين الاول عنوانا أو معنونا، فلا ينعقد

[ 159 ]

مطلقا وأما إذا اختلفا معنونا وعنوانا، فينعقد الثاني وإن كان بين المنذور الاول والثاني عموم وخصوص مطلقان، أو من وجه (1)، وذلك لان في نذر الخامس من شعبان، والخميس الاول منه، لا تكون الارادة الثانية ناشئة إلا عما نشأت الارادة الاولى، فلا تقع إلا مؤكدة، بخلاف ما إذا كان النذر الثاني أعم، فإنه عند ذلك يريد أن ينذر صوم كل خميس، وفي هذا اللحاظ يتمكن من أن يتمشى منه الارادة الجديدة التأسيسية. فعلى هذا، يقع النذر الثاني صحيحا بالنسبة إلى الخامس من شعبان، فيتوجه إليه الامران النذريان، أحدهما: من النذر الاول الشخصي، وثانيها: من النذر الكلي الانحلالي. هذا كله هي المحتملات في المسألة، وتبين أن النذر عقيب النذر، ليس نفوذه من الواضح المفروغ في كلام السيد الفقيه اليزدي (قدس سره) (2). وأما ما في كلام المحشي من التفصيل الاول الذي مر (3)، فهو في نهاية الضعف، ضرورة أن أخذ العناوين آلة ليس من الامور الاختيارية، بل الالفاظ موضوعة لمعانيها، ولا تدل إلا عليها على وجه الدلالة الوضعية، فإذا كان صوم يوم الخميس الاول وخامس شعبان، كل مورد الرجحان، ينعقد، سواء جعلهما آلة أم جعلها موضوعا، لانه ليس الامر باختياره، فإنهما على كل تقدير يدلان على المعنى الموضوع له.


1 - انظر مستند العروة الوثقى، كتاب الصوم 1: 38 - 39. 2 - العروة الوثقى 2: 171، كتاب الصوم، فصل في النية، المسألة 9. 3 - تقدم في الصفحة 156 - 157.

[ 160 ]

وبالجملة: إما يقع الثاني لغوا على كل تقدير أو يقع صحيحا على كل تقدير، لانه في أخذهما آلة، ليس المنذور إلا ما أخذه آلة بما له من المعنى الموضوع له، فلا تخلط. وهنا مبنى آخر في النذر، وعليه يبتني صحة النذر عقيب النذر: وهو أن مفاد صيغة النذر إن كان يستتبع جهة وضعية، فلا يعقل تكرار تلك الجهة. مثلا: إذا كان مفاد نذر الصوم، أن الله تعالى يملك على العبد صومه ومنفعته الصومية، فلا معنى لمالكيته تعالى ثانيا في اليوم الواحد، بخلاف ما إذا لم يكن يستتبع تلك الملكية وجهة وضعية، فإنه لا منع من انعقاده ثانيا، لتمكنه من امتثال النذر الثاني بالقصد إلى وفائه، لان التكليف الاول لا يوجب عجزه تكوينا عن امتثال التكليف الثاني. وهكذا إن قلنا: بأن في مثل نذر إعطاء الدراهم الخاصه للفقير، أنه لا يملك ثانيا ما ملكه بالنذر الاول. وغير خفي: أن هذا المبنى من الاباطيل في باب النذر، بل النذر لا يستتبع - حسب القواعد - مالكيته تعالى، وإلا يلزم في المثال الاخير كونه تعالى مالكا، وهكذا الفقير، ويكون مملوك الله تعالى إعطاء الدراهم، ومملوك الفقير الدراهم، وهذا مما لا يناسب أن يتفوه به الفقيه. والذي هو الاقرب عدم انعقاد النذر الثاني مطلقا، لان تعدد النذر يستلزم تعدد الامر النذري، وتعدد الامر النذري لا يعقل إلا بتعدد المأمور به، ولا يتعدد المأمور به إلا بعد التقييد بقيود مختلفة، وإذا كانت الاوامر متعددة، فلابد من امتثال كل على حسب اقتضائه، والمكلف لا يكون حينئذ

[ 161 ]

متمكنا من الامتثال إلا بالتداخل، وهو خلاف الاصل، فيصير النذر الاول مانعا عن إمكان انعقاد النذر الثاني، لان النذر الثاني إذا لم يمكن أن يترتب عليه أثره واقتضاؤه، لا يكون صحيحا ونافذا، لان المراد من الصحة والنفوذ إمكان ترتيب الاثار بإمكان امتثال الامر النذري. نعم، إن قلنا: بأنه لا يكون الوفاء بالنذر مورد الامر التأسيسي الشرعي، كما أسلفناه فيما سلف (1)، أو قلنا: بأن النذر ينعقد صحيحا ولو كان أثره التأكيد، كما هو الظاهر من الاكثر (2)، فينعقد الثاني مطلقا، ويصح النذر عقيب النذر ولو كانا متحدين عنوانا ومعنونا. تتميم: في لزوم قصد التعيين إذا انعقد النذر الثاني بناء على انعقاد النذر الثاني، فهل يكفي نفس طبيعة الصوم، أم لابد من قصدهما معا، أم يكفي قصد واحد منهما؟ ظاهر السيد اليزدي هو الاول (3)، وهو مناقض لما مر منه في المسألة السابعة (4)، اللهم إلا أن يكون نظره إلى أنه مع الالتفات إلى النذرين، يتحقق منه قصد الامر النذري طبعا، ولكنه أيضا خلاف ظاهر عباراته، فراجع.


1 - تقدم في الصفحة 61 - 62. 2 - العروة الوثقى 2: 171، كتاب الصوم، فصل في النية، المسألة 9، مهذب الاحكام 10: 26. 3 - العروة الوثقى 2: 171، كتاب الصوم، فصل في النية، المسألة 9. 4 - العروة الوثقى 2: 171، كتاب الصوم، فصل في النية، المسألة 7.

[ 162 ]

وقال السيد الوالد المحقق - مد ظله - بالثاني، واستظهر ثبوت الكفارة إذا لم يقصد إلا واحدا منهما (1). ويستظهر منه ثبوت الكفارتين إذا لم يقصدهما، لان كل واحد من الامر النذري يقتضي وفاء خاصا به. وأما الاحتمال الثالث فيوجه: بأن الامر النذري الثاني يقع مؤكدا للامر النذري الاول، فلا داعي إلى قصد الوفاء به ثانيا. والذي هو الاقرب لو سلمنا انعقاد النذر الثاني، هو التخيير بين أن يقصد أحد الامرين، لما مضى من أن التداخل غير جائز إلا بالنص (2)، كما في الاغسال، فإن قصد أحدهما فلا كفارة، وإلا فعليه واحدة. وقيل: لو قصد أحدهما دون الاخر وفى بأحدهما دون الاخر، وفي ثبوت الكفارة حينئذ إشكال، لاختصاص أدلتها بالحنث غير الصادق في المقام. إلا أن يقال: الحنث مجرد عدم موافقة النذر، وهو حاصل (3)، انتهى. وغير خفي ما فيه، لان المبنى إن كان كفاية الاتيان بالمنذور، فلا حاجة إلى قصد الوفاء بالنذر كما مر (4)، وإن كان المبنى اعتبار قصد الامر النذري، وقلنا بصحة التداخل، فلا محالة يتحقق حنث النذر، لان الحنث ليس ترك الطبيعة، بل الحنث تابع لما هو متوجه على الناذر وما في عهدته، وإذا كانت عهدته مشغولة بالامر النذري الذي لا يسقط إلا بالوفاء


1 - العروة الوثقى 2: 171، كتاب الصوم، فصل في النية، الهامش 1. 2 - تقدم في الصفحة 94 - 95 و 146 - 147. 3 - مستمسك العروة الوثقى 8: 211. 4 - تقدم في الصفحة 59.

[ 163 ]

والقصد، فلابد منه حتى يمتثل أمره. وأما إن قلنا بعدم صحة التداخل كما هو الاقرب، فلا معنى لقصدهما معا. نعم، إذا لم يقصدهما فعليه كفارة واحدة. وبالجملة: إذا فرضنا انعقاد النذر الثاني، وقلنا بأن النذر الثاني يستلزم الامر الثاني والمأمور به الاخر، فكما لا يجوز التداخل في صورة إمكان امتثال الامرين، كذلك فيما نحن فيه، فإذا نذر أن يصوم لزيارة الحسين (عليه السلام) يوم الجمعة، ونذر أن يصوم لرزق الولد، وهكذا، فلا يجوز الاكتفاء بصوم يوم واحد بالضرورة، وليس ذلك إلا لحكم العقلاء حسب ارتكازهم بأن النذر الثاني يقتضي صوما آخر، ولا يجوز التداخل إلا حسب النص الخاص، وهو مفقود، كذلك إذا اتفق النذران فإنه لا يجوز، فيكون المكلف مخيرا بين أحد الصومين، ولا معنى لقصد النذرين والوفاءين. تنبيه: في احتمال جواز التداخل حسب الصناعة العقلية قضية ما تحرر منا في أمثال هذه المقامات، جواز التداخل حسب الصناعة العقلية، لان الواجب بالنذر الاول ليس إلا الصوم المتقيد بعنوان قصدي، وهكذا الواجب بالنذر الثاني، وإذا صام يوما واحدا قاصدا العنوانين، يلزم الاجزاء قهرا. ولكنه خلاف المتفاهم العرفي من الادلة عند تعدد السبب، فإنه لا يجوز الاكتفاء إلا إذا قام النص عليه، كما في الاغسال المتعددة.

[ 164 ]

تذنيب: حول مختار السيد اليزدي في المقام قال السيد في العروة: فإن قصدهما أثيب عليهما، وإن قصد أحدهما أثيب عليه، وسقط عنه الاخر (1) انتهى. وفيه ما مر في محله: من أن مسألة الثواب إذا كان على الجعالة، فهو تابع لدليل الجعل، وإن كان لدليله إطلاق فيستحق العامل ذلك، سواء قصد، أم لم يقصد (2). ثم إن سقوط الامر الاخر هل يتحقق على وجه الحنث والعصيان، أم يتحقق على وجه الامتثال وعدم المخالفة؟ فهذا من متفرعات البحث السابق. وغير خفي: أن في مورد نذر الصوم يكون الصوم مورد الامر الذاتي، لكونه عبادة، فهل يرجع الامر النذري أو الاوامر النذرية المنطبقة عليه، إلى تأكيد مفاد الامر الذاتي، ويكون هو الراجح غير البالغ إلى حد الوجوب واللزوم، ويصير الامر الذاتي باقيا على وجوبه، كما هو مختار الاكثر، لتعلق الامر النذري بعين ما تعلق به الامر الذاتي (3)، أم لا يرجع ولا يتداخل الاوامر، بل كل متعلق بعنوان يخصه، كما عليه الوالد المحقق


1 - العروة الوثقى 2: 172، كتاب الصوم، فصل في النية، ذيل المسألة 9. 2 - تحريرات في الاصول 3: 160. 3 - تقدم في الصفحة 58.

[ 165 ]

- مد ظله (1) - أم لا أمر من قبل النذر تأسيسيا كما احتملناه (2)؟ وجوه حررناها في الاصول (3)، وتفصيلها في مقام آخر. وعلى هذا، يبتني مسألة تعدد الثواب، ووحدته، واشتداده، والامر سهل.


1 - مناهج الوصول 2: 141. 2 - تقدم في الصفحة 60 - 61. 3 - تحريرات في الاصول 4: 250 - 255.

[ 167 ]

الفصل الحادي عشر في نية الصوم لا خلاف بين المسلمين في لزوم النية في الصوم، ولا يكفي الامساك الاتفاقي بين الحدين: طلوع الفجر، وغروب الشمس، فلابد في الصوم المأمور به بالكتاب والسنة من نية الامساك. ولا خلاف أيضا في أن الامساك يعتبر أن يكون بين الحدين، من المفطرات الاتية. حد النية زمانا ووقتا وإنما الخلاف في الجملة في حد النية زمانا ووقتا، وأنه هل يكفي اتصاف الامساك بين الحدين بالنية في جزء من النهار، أو في آخر أجزاء النهار، لانه بذلك يعد الامساك موصوفا بالنية، فإن العام مجموعي - أي الامساك في مجموع النهار - أمر واحد، فإذا حصلت النية في جزء من

[ 168 ]

النهار يحصل المطلوب، من غير فرق بين أصناف الصيام، أم لا يكفي، أو يكون بين الاصناف من الصيام تفصيل؟ وحيث إن المسألة طويلة الذيل، تشتتت فيها الاراء والاقوال، واختلفت الاثار والاخبار، فلابد من عقد الجهات الكافلة لمهمات مسائلها وفروعها إن شاء الله تعالى. الجهة الاولى: في حد النية في الصوم الواجب المعين في الصوم الواجب المعين بالاصالة أو بالعرض، كما في النذر مثلا، فالذي عليه الشهرة وادعي عليه الاجماع (1)، وهو المعروف عن أبناء العامة (2)، لزوم كون الامساك بين الحدين عن نية. وفي المخالفين أبو حنيفة، وفي أصحابنا ابن الجنيد والسيد - عليهما الرحمة - خالفوا الشهرة: فعن أبي حنيفة كفاية الاقتران بها قبل الزوال والنهار الشرعي (3). وعن السيد (قدس سره): وقت النية في الصيام الواجب من قبل طلوع الفجر إلى قبل زوال الشمس (4) انتهى، وظاهره اشتراك المعين مع غير المعين في هذه التوسعة.


1 - تذكرة الفقهاء 6: 21. 2 - المجموع 6: 301 / السطر 9. 3 - تذكرة الفقهاء 6: 11، المجموع 6: 301 / السطر 10. 4 - جواهر الكلام 16: 192، رسائل الشريف المرتضى 3: 53.

[ 169 ]

وقال ابن الجنيد (رحمه الله): ويستحب للصائم فرضا وغير فرض، أن يبيت الصيام من الليل لما يريد به، وجائز أن يبتدئ بالنية وقد بقي بعض النهار، ويحتسب به من واجب (1) انتهى. ولا يوجد في كلماتهم من اكتفى بالنية آنا ما في أجزاء الزمان المتوسطة بين الحدين، كي يصح صوم من نواه ثم انصرف، ولكن لم يجد شيئا، فأمسك عن المفطرات اتفاقا، أو من نوى في أثناء النهار، فكأ نه يظهر منهم أنه إن نوى الامساك في جزء من النهار قبل الزوال، أو بعده، فلابد من امتدادها إلى الغروب. إذا تبينت هذه الجهة واختلاف الاراء فاعلم: أن من الممكن دعوى أن حقيقة الصوم ليست منوطة بالنية، وإنما تعتبر النية حسب الدليل الشرعي، وما ثبت به كفاية صرف وجودها، وأما كون الامساك في جميع الحدين مصبوغا بصبغ النية، ومقرونا بها، ومتحققا عنها، فلا يدل عليه إلا الاجماع المنقول، ويكفي لموهونية مثله مخالفة السيد وابن الجنيد. وقد أشرنا فيما سبق إلى أن العام المجموعي - وهو الامساك بين الحدين - يوصف بالنية إذا تحققت في بعض أجزائه نعت النية (2)، كما لا يخفى. وربما يقال: إن عبادية الصوم أمر مفروغ عنها عند المتشرعة والمسلمين، ولا يعقل التفكيك بين كونه عباديا، وبين لزوم نية الصوم، فإن أمسك لله تعالى فهو يكون من القصد إلى الامساك، ويخرج عن الامساك


1 - لاحظ مختلف الشيعة 3: 365 و 367. 2 - تقدم في الصفحة 167.

[ 170 ]

الاتفاقي (1)، وبذلك يضعف قول ابن الجنيد. وأما قول السيد فهو أضعف، لانه غير قابل التوجيه، ضرورة أن قضية الوجه السابق عدم اعتبارها قبل الزوال، وقضية الوجه الاخير لزوم كونها من أول الحد إلى آخره. اللهم إلا أن يقال: إن المفروغ عنه لزوم كون الصيام عبادة، وأما لزوم كون الامساك واقعا عبادة بين الحدين، وفي جميع الازمان والاحيان، فغير ثابت، بل ثابت عدمه، لصحة الصيام الاخر، ولا سيما المندوب (2). نعم، قضية ذلك جواز الانصراف عن النية بعد الاقتران بها، وكفاية الامساك الفارغ عنها إلى آخر النهار، وهذا مما لا يلتزم به المخالف والمؤالف، وعليه الاجماع المركب حاصل قطعا. وأما ما في كلماتهم: من أن العبرة في العبادات بالنية من أولها، وأنها من المقارنات، وأن الصوم لا يتبعض (3) فهذه من الدعاوي المحتاجة إلى الدليل. هذا كله حول القواعد العقلية، وقد علمت أنه لا سبيل للعقل إلى تعيين الوظيفة، بشهادة أن الصوم ربما يقع صحيحا بالقطع وإن نواه قبل الزوال أو قبل الغروب. وأما قضية الاصول العملية، فهي البراءة عن وجوب الزائد على


1 - مستمسك العروة الوثقى 8: 212. 2 - مهذب الاحكام 10: 28. 3 - انظر تذكرة الفقهاء 6: 10، مستند الشيعة 10: 203، مستمسك العروة الوثقى 8: 212.

[ 171 ]

المقدار المزبور. نعم لو شك في صدق الصوم بعد الاخلال بالنية في بعض الازمنة، يتعين القول بالاشتغال. التمسك بالاخبار لاثبات اعتبار النية وهنا وجه آخر يتأيد به مقالة المشهور، وهي الاخبار: ومنها: ما رواه الوسائل في الباب الثاني، من أبواب وجوب الصوم، بسند معتبر، عن عمار الساباطي، عن أبي عبد الله (عليه السلام): عن الرجل يكون عليه أيام من شهر رمضان... إلى أن قال: سئل فإن كان نوى الافطار، يستقيم أن ينوي الصوم بعدما زالت الشمس؟ قال: لا... (1) الحديث. فإن موضوعها وإن كان الواجب غير المعين، إلا أن مقتضى فساد الصوم بلا نية قبل الزوال في هذه الصورة، هو الفساد فيما نحن فيه قطعا. اللهم إلا أن يقال: إن المفروض هي نية الافطار، وما هو محل الكلام هو الفارغ عن النية، لا الناوي لضد الامساك، وهو الافطار، فلا تصير شاهدة على عدم كفاية النية المتوسطة بين الحدين. ومنها: ما في الباب المزبور عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال قلت له: الرجل يصبح ولا ينوي الصوم، فإذا تعالى النهار حدث له رأي في الصوم.


1 - تهذيب الاحكام 4: 280 / 847، وسائل الشيعة 10: 13، كتاب الصوم، أبواب وجوب الصوم، الباب 2، الحديث 10.

[ 172 ]

فقال: إن هو نوى الصوم قبل أن تزول الشمس حسب له يومه، وإن نواه بعد الزوال، حسب له من الوقت الذي نوى (1). فإن مقتضى إطلاقه بطلان الصوم المعين إذا نواه بعد الزوال. وغير خفي: أن الرواية لو صح الاستناد إليها لبطلان هذا الرأي، يلزم صحة الاستناد إليها لصحة مذهب السيد (2). والانصاف: أن موردها الواجب غير المعين، لقوله: حدث له رأي في الصوم فتكون بالاولوية شاهدة على بطلان قول ابن الجنيد (3). وأما مقالة السيد فهي في هذا الوجه أقوى من قوله، لما أن في الاخبار بعض الاطلاقات - كما عرفت - التي تؤيد اشتراك الصوم المعين مع غير المعين في سعة النية، وكفايتها قبل الزوال. حول مختار ابن الجنيد والسيد (قدس سرهما) وبالجملة تحصل: أن الادلة لا تقتضي لزوم اقتران النية، لصحة أنواع من الصيام إذا لحقتها النية بعد الفجر إلى قبيل الغروب، كما في المندوب، فلابد من الدليل الخاص لاشتراط المقارنة، وهو - بعد الاجماع، والشهرة المحققة - بين ما يقوم على ابن الجنيد، وما يقوم للسيد،


1 - تهذيب الاحكام 4: 188 / 532، وسائل الشيعة 10: 12، كتاب الصوم، أبواب وجوب الصوم، الباب 2، الحديث 8. 2 - تقدم في الصفحة 168، الهامش 4. 3 - تقدم في الصفحة 169، الهامش 1.

[ 173 ]

فقول ابن الجنيد مرمي به. وتوهم دلالة معتبر ابن الحجاج على مذهبه (1) المروي في الباب المزبور، في غير محله، لان مورده قضاء رمضان، فإن قوله: سألت أبا الحسن موسى (عليه السلام) عن الرجل يصبح، ولم يطعم، ولم يشرب، ولم ينو صوما، وكان عليه صوم من شهر رمضان، أله أن يصوم ذلك اليوم وقد ذهب عامة النهار؟ (2) ظاهر في صوم رمضان قضاء، فلا تخلط، وليراجع. ومن الممكن دعوى دلالة خبر جميل بن دراج المروي في الباب الرابع، عن أبي عبد الله (عليه السلام): أنه قال في الذي يقضي شهر رمضان: إنه بالخيار إلى زوال الشمس، فإن كان تطوعا فإنه إلى الليل بالخيار (3) على مقالة ابن الجنيد والسيد، لظهور اختصاص التوسعة بالقاضي، وأما الذي يصوم شهر رمضان فلا يكون بالخيار، فتأمل. وتوهم اختصاص الخبر بالتوسعة في الافطار دون النية، يكذبه بعض الاخبار في الباب، كمعتبر عمار (4)، فراجع. ومن هذا القبيل بعض الاخبار الواردة في أبواب من يصح منه


1 - مختلف الشيعة 3: 368. 2 - تهذيب الاحكام 4: 187 / 526، وسائل الشيعة 10: 16، كتاب الصوم، أبواب وجوب الصوم، الباب 2، الحديث 6. 3 - تهذيب الاحكام 4: 280 / 849، وسائل الشيعة 10: 16، كتاب الصوم، أبواب وجوب الصوم، الباب 4، الحديث 4. 4 - تهذيب الاحكام 4: 280 / 847، وسائل الشيعة 10: 13، كتاب الصوم، أبواب وجوب الصوم، الباب 2، الحديث 10.

[ 174 ]

الصوم، ففي الباب السادس، عن سماعة، عن أبي بصير قال: سألته عن الرجل يقدم من سفر في شهر رمضان؟ فقال: إن قدم قبل زوال الشمس فعليه صيام ذاك اليوم، ويعتد به (1). فإن قضية مفهومه أن بعد الزوال لا يصلح للصوم، وإن أمكن المناقشة فيه: بأنه لا يستفاد منه بطلان الصوم بعد الزوال، لامكان كون المراد عدم تعينه عليه بعد الزوال، فلا يمكن استفادة عدم الصلاحية. وفي الرواية الاخرى في الباب المزبور، عن سماعة قال: سألته عن الرجل كيف يصنع إذا أراد السفر...؟ إلى أن قال: إن قدم بعد زوال الشمس أفطر، ولا يأكل ظاهرا... (2). فإنه صريح في لزوم الافطار وبطلان الصوم، مع أن المقصود فيها هو صوم رمضان، لقوله ظاهرا. ويقرب من الرواية الاولى دلالة ما في الباب السابع، عن محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يقدم من سفر بعد العصر في شهر رمضان، فيصيب امرأته حين طهرت من الحيض، أيواقعها؟ قال: لا بأس به (3).


1 - تهذيب الاحكام 4: 255 / 754، وسائل الشيعة 10: 191، كتاب الصوم، أبواب من يصح منه الصوم، الباب 6، الحديث 6. 2 - تهذيب الاحكام 4: 327 / 1020، وسائل الشيعة 10: 191، كتاب الصوم، أبواب من يصح منه الصوم، الباب 6، الحديث 7. 3 - تهذيب الاحكام 4: 242 / 710، وسائل الشيعة 10: 193، كتاب الصوم، أبواب من يصح منه الصوم، الباب 7، الحديث 4.

[ 175 ]

فإنه لا يتم الاستدلال بها، لامكان كون النظر إلى عدم تعين الصوم، وهو أعم من البطلان الذي هو مختار المشهور، وإن لا يثبت بها رأي ابن الجنيد أيضا، كما هو الواضح. هذا غاية الكلام في المقام على مقالة ابن الجنيد (رحمه الله). وإنما المشكل إثبات مقالة المشهور، في مقابل مبنى السيد (رحمه الله) لما أن كثيرا من المطلقات تنادي بجواز النية بعد الفجر (1). اللهم إلا أن يدعى انصرافها إلى غير الواجب المعين، وغير رمضان خصوصا، فيكون قول السيد (رحمه الله) موافقا للقاعدة حسبما تحرر، وعندئذ يكفي لتضعيفها - مضافا إلى مغروسية أذهان المتشرعة والاجماع والشهرة - أن المتدبر في الاثار يجد أن مسألة اعتبار النية في مثل شهر رمضان، كانت من المفروغ عنه، ولاجل ذلك وردت طائفة من الاخبار على هذا النهج، وهو قوله (عليه السلام) في الذي يقضي شهر رمضان: إنه بالخيار إلى زوال الشمس كما في خبر جميل (2)، فتأمل. بقي شئ: حول مختار ابن أبي عقيل وهو تبييت النية حكي عن ابن أبي عقيل ما يناقض كلام ابن الجنيد والسيد غايته، وهو اعتبار تبييت النية وتقديمها، فقال: يجب على من كان صومه فرضا،


1 - وسائل الشيعة 10: 10، كتاب الصوم، أبواب وجوب الصوم، الباب 2، الحديث 1 و 8 و 3. 2 - تهذيب الاحكام 4: 280 / 849، وسائل الشيعة 10: 16، كتاب الصوم، أبواب وجوب الصوم، الباب 4، الحديث 4.

[ 176 ]

عند آل الرسول (عليهم السلام) أن يقدم النية في اعتقاد صومه ذلك من الليل (1). وربما يستظهر من السيد (رحمه الله) أنه كان يقول بأن وقتها قبل الفجر (2)، ولكنه بمعزل عما هو المحكي عن عبارته، لانه يقول بالتوسعة من الليل إلى الزوال، وهذا غير ما هو المقصود بالبحث هنا، وهو لزوم تقديمها من الليل. وبالجملة: لا دليل عليه إلا بعض المرسلات الشائعة في الكتب الاستدلالية (3)، مثل قولهم: لا صيام لمن لا يبيت الصيام من الليل (4) ومع لزوم التخصيص الكثير، لابد وأن تحمل على نفي الكمال. وأما لزوم التقديم لاجل المقدمة العلمية، أو لاجل العسر والحرج (5)، أو لغير ذلك، فهو كلام خارج عما نحن فيه. وعلى كل تقدير: يجوز التقديم، ولا يختص ذلك بالليل بالضرورة، لان المقصود هو كون الامساك منويا صوما لله تعالى، وهو حاصل، وهذا من غير فرق بين كون النية هي الاخطار التفصيلي، أو الداعي الارتكازي، لان على القول الاول لا يعتبر البقاء تكوينا، ويكفي حكما حسب الضرورة، لامتناع ذلك، ولجواز النوم قبل الفجر مع نية الصيام قطعا، فلو نوى خطورا


1 - مختلف الشيعة 3: 365 و 367. 2 - مستمسك العروة الوثقى 8: 213. 3 - مختلف الشيعة 3: 367، مستمسك العروة الوثقى 8: 213. 4 - عوالي اللالي 3: 132 / 5، مستدرك الوسائل 7: 316، كتاب الصوم، أبواب وجوب الصوم، الباب 2، الحديث 1. 5 - مهذب الاحكام 10: 30.

[ 177 ]

بالبال قبل الغروب، فنام ليصوم الغد فنام صح صومه. نعم، المغروس في الاذهان والمتعارف عملا، هو التبييت ليلا، ولان النية إن كانت سابقة بكثير - مع الغفلة عنها حال اليقظة والالتفات - يعد الناوي عرفا ممن قصد الصوم الذي من أجزائه النية، وهذا غير نية الصوم التي هي جزء من واجباته الشرعية، فلا تخلط. تنبيه: في وجوب الامساك وعدمه بين النية والفجر إذا قدمت النية، فهل يجب الامساك بينها وبين الفجر، أم لا؟ وجهان: من أن مقتضى النية هو الامساك. ومن أن النية متعلقة بالامساك المتأخر، لا الامساك من الليل، ولا دليل شرعا على وجوب الامساك. ومن العجيب ما نسب إلى بعض أصحابنا من وجوب الامساك عن التناول (1)، ومراده من الوجوب هو الوجوب الشرطي ظاهرا، وتردد في الجماع! والامر واضح. تذنيب: في وقت النية في الصوم الواجب بالعرض إذا فرض على نفسه الصوم، فإن قلنا: بأن الامر الاتي بالنذر يتعلق بذات المنذور (2)، فلا بحث.


1 - لاحظ جواهر الكلام 16: 192. 2 - تقدم في الصفحة 58.

[ 178 ]

وأما إن قلنا: بأن الامر الاتي من قبله تعلق بعنوان الوفاء بالنذر (1) فمقتضى القاعدة هو الاشتغال عند الشك في وقت النية، وأنه هل يكفي النية في بعض أجزاء النهار، أم لا بد من إيقاعها عند الفجر؟ لانه يرجع إلى الشك في المحصل والمحصل العقلي، كما لا يخفى، إذن بين الواجب بالذات وبا لعرض فرق من حيث الاصول العملية. وأما حسب الادلة الاجتهادية، فربما يستظهر من الرواية المذكورة في الباب الثاني المعتبرة، عن محمد بن قيس، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال علي: إذا لم يفرض الرجل على نفسه صياما، ثم ذكر الصيام قبل أن يطعم طعاما، أو يشرب شرابا، ولم يفطر، فهو بالخيار، إن شاء صام، وإن شاء أفطر (2). فإنه يستظهر منها أن جميع أصناف الصيام بحسب النية، موسع إلى آخر الوقت، ويقيد إطلاقه - حسب الادلة السابقة - بالنسبة إلى ما بعد الزوال، فيكون ما هو المفروض بالذات - سواء كان موسعا، أو مضيقا - موسع النية إلى الزوال، بخلاف المفروض بالعرض، فإن المكلف لا خيار له بالنسبة إليه، ويتعين عليه النية من الابتداء. وفيه أولا: أن الظاهر من قوله: صياما ثم ذكر الصيام أن المراد من الصيام المحلى بالالف واللام بعد النكرة، هو الصيام الاول الذي لم يفرض على نفسه، والمراد مما لم يفرض على نفسه هو الصيام


1 - مناهج الوصول 2: 141. 2 - تهذيب الاحكام 4: 187 / 525، وسائل الشيعة 10: 11، كتاب الصوم، أبواب وجوب الصوم، الباب 2، الحديث 5.

[ 179 ]

المندوب، فليتدبر وتأمل. وثانيا: القدر المتيقن من معاقد الشهرات والاجماع، هو الصوم المفروض بالذات، فتكون الرواية عندئذ موهونة لاجلها. وثالثا: أنه لا يلزم منه كون النية في المفروض بالعرض من أول الفجر، لان نفي الخيار فيها يجتمع مع كون اللازم في المفروض بالعرض، النية والصيام بعدها، مقابل بعض الصيام، بل الرواية أساسا سيقت لافادة هذا، فليتدبر. اللهم إلا أن يقال: بأن مفاد هذه الرواية إذا انضمت إلى الشهرة والاجماع، تصير النتيجة أن معقد الاجماع الذي هو الدليل اللبي، مخصوص بالمفروض بالعرض، وقضية هذه الرواية توسعة سائر الواجبات إلى الزوال. فرع: في ركنية اقتران النية بالامساك وعدمها بناء على اعتبار اقتران النية بالامساك من أول الفجر، فهل هذا القران شرط ركني لا يختلف حكمه بالنسبة إلى اختلاف حالات المكلفين، من الجهل بقسميه موضوعا وحكما، ومن النسيان الموضوعي والحكمي، أم هو شرط حال العلم، ويضر الاخلال به عمدا؟ وجهان، بل قولان: نسب الاول إلى العماني ابن أبي عقيل (1).


1 - مختلف الشيعة 3: 367.

[ 180 ]

والثاني إلى قاطبة الاصحاب قديما وحديثا، وعليه الاجماعات المحكية عن صريح الغنية وظاهر التذكرة والمنتهى (1)، بل في المعتبر: أن المسألة موضع وفاق بين الاصحاب (2). نعم، في الحدائق قال: وبالجملة: فالمسألة لا تخلو من شوب الاشكال (3). وربما يشكل حجية الاجماعات في هذه الفروع غير المتلقاة عن الائمة المعصومين (عليهم السلام) ظاهرا، فيتعين الاستناد إلى الدليل الشرعي، ويكفي عندئذ قصور الادلة لاعتبار شرطيتها ركنا، الاجماعات المحكية في تلك المسألة قاصرة عن إثبات هذه الشرطية، بعد عدم ثبوت إطلاق في معاقدها بالضرورة، فيكون المرجع أصالة عدم الركنية المحررة في الاصول (4)، فتجري البراءة عن وجوبها على الاطلاق، من غير فرق بين الجهل والنسيان حكما وموضوعا، كما في سائر المركبات. نعم في الجهل عن تقصير بناء على إلحاقه بالعامد، كلام. وأما توهم أصالة الركنية في المركبات الشرعية، قياسا بالمركبات العقلائية، كما قويناه في السلف (5)، فهو مما لا يمكن الركون


1 - مستمسك العروة الوثقى 8: 214، الغنية، ضمن الجوامع الفقهية: 508 / السطر 31، تذكرة الفقهاء 6: 10، منتهى المطلب 2: 558 / السطر 4. 2 - مدارك الاحكام 6: 21، المعتبر 2: 645 - 646. 3 - الحدائق الناضرة 13: 21. 4 - تحريرات في الاصول 8: 108. 5 - لاحظ تحريرات في الاصول 8: 106.

[ 181 ]

إليه بعد ما نرى أن كثيرا من الاجزاء والشرائط، اعتبرت في المركبات الشرعية حال العلم، ولا يختل المركب بالاخلال بها جهلا ونسيانا، فلاحظ وتدبرا جيدا. ومن العجيب أن الفقيه الهمداني (1) تبعا لصاحب الجواهر (قدس سره) (2) اعتقد أن مقارنة النية حسب القواعد، وقول ابن أبي عقيل مطابق لها! وقد فرغنا عن أن ماهية الصوم ليست متقومة بالقران بها بالضرورة (3)، فيكون القران شرطا شرعيا ومحتاجا إلى الدليل، ولو كان الدليل ناهضا عليه حال العلم، فهو لا يلازم نهوضه حال الجهل والنسيان، كما هو المبين. ومن العجيب أن صاحب الجواهر (رحمه الله) مع تمسكه بالرفع النبوي (4)، استضعف ما تمسك به المدارك من أصالة عدم تبييت النية مع النسيان (5)! مع أنه ليس إلا من التمسك بحديث الرفع. ثم إنه ربما يتمسك بوجوه ضعيفة اخر في الكتب الاستدلالية (6)، والاضعف من الكل الخبر العامي الذي لا يوجد في كتب حديث


1 - مصباح الفقيه 14: 314. 2 - جواهر الكلام 16: 197. 3 - تقدم في الصفحة 6 - 7 و 169. 4 - الخصال: 417 / 9، وسائل الشيعة 15: 369، كتاب الجهاد، أبواب جهاد النفس، الباب 56، الحديث 1. 5 - جواهر الكلام 16: 197 - 198. 6 - جواهر الكلام 16: 197، مستمسك العروة الوثقى 8: 214، مستند العروة الوثقى، كتاب الصوم 1: 45، مهذب الاحكام 10: 31.

[ 182 ]

العامة، فضلا عن الخاصة (1)، حسبما أفاده بعض المعاصرين - حفظه الله تعالى -. ومن العجيب تمسكهم بالاخبار الواردة في الواجبات الموسعة (2)! فإن تصحيح الصوم فيها، لا يلازم صحة الصوم في المفروض المعين، بخلاف إبطال الصوم هناك، فإنه ربما استظهرنا منها فساد الصوم المعين بالاولوية القطعية، فليتدبر. وأعجب منه تمسكهم بفحوى ما ورد في المريض (3)!! مع أنه لا نص فيه رأسا، فراجع. فرع: انتهاء وقت النية في الواجب بالزوال قد اشتهر وادعي عليه الاجماع أن وقت النية ينتهي في الواجب المعين والمفروض بالذات وبالعرض بالزوال (4)، وقد تشبث الفقيه الهمداني بالنصوص المخصوصة بغير المعين (5) كما عرفت، وبعض آخر بأصالة العبادية في الصوم المقتصر في الخروج عنها على ما قبل


1 - روي: أن ليلة الشك أصبح الناس فجاء أعرابي شهد برؤية الهلال، فأمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مناديا ينادي: من لم يأكل فليصم، ومن أكل فليمسك. لاحظ المعتبر 2: 646، المبسوط، السرخسي 3: 62 / السطر 12. 2 - وسائل الشيعة 10: 10، كتاب الصوم، أبواب وجوب الصوم، الباب 2. 3 - مدارك الاحكام 6: 22، جواهر الكلام 16: 197، الصوم، الشيخ الانصاري: 105. 4 - الغنية، ضمن الجوامع الفقهية: 508 / السطر 31، مستمسك العروة الوثقى 8: 214 - 215. 5 - مصباح الفقيه 14: 310 - 314.

[ 183 ]

الزوال (1)، ولا يخفى ما فيهما، كما تبين تفصيله (2). نعم، يراجع إلى نصوص المسافر القادم في شهر رمضان قبل الزوال، وبعده تصير المسألة حسب النصوص متضحة، لما عرفت (3) من أن في نصوصها تعيين الافطار، والمنع من الاكل ظاهرا: منها: ما في معتبر سماعة في الباب السادس من أبواب من يصح منه الصوم قال: سألته عن الرجل كيف يصنع إذا أراد السفر...؟ إلى أن قال: إن قدم بعد زوال الشمس أفطر، ولا يأكل ظاهرا، وإن قدم من سفره قبل زوال الشمس، فعليه صيام ذلك اليوم إن شاء (4). وغير خفي: أن النهي عن الاكل ظاهرا، شاهد على أن المفروض فيه صوم رمضان وشهر رمضان، فراجع تمام الخبر. وأما قوله في ذيل الرواية: إن شاء فهو - مضافا إلى احتمال كونه إشارة إلى إن شاء الله وليس يناسب جعل الخيار له بعد ما قال: عليه صيام ذلك اليوم - أنه محجوج بذهاب الاصحاب على خلافه (5)، وبا لنصوص الماضية (6)، فليتدبر.


1 - مستمسك العروة الوثقى 8: 215. 2 - تقدم في الصفحة 169 - 171. 3 - تقدم في الصفحة 174 - 175. 4 - تهذيب الاحكام 4: 327 / 1020، وسائل الشيعة 10: 191، كتاب الصوم، أبواب من يصح منه الصوم، الباب 6، الحديث 7. 5 - مدارك الاحكام 6: 163، المسألة 100. 6 - تقدم في الصفحة 171 - 172.

[ 184 ]

فبالجملة: تصير الرواية شاهدة للمشهور. اللهم إلا أن يقال باختصاصها بزوال عذر السفر، ولا يحق التجاوز عنها إلى ما نحن فيه. فريع: فورية تجديد النية قبل الزوال عند ارتفاع العذر ظاهر الاكثر أن الجاهل والناسي، يجددان النية قبل الزوال إذا ارتفع عذرهما، ولا يجب التجديد فورا (1)، وصريح بعض المتأخرين وجوبه فورا (2)، ودليله ما مضى مما لا يتم (3). نعم، لا يبعد كونه موافقا لاطلاق معاقد الاجماعات، ولما عليه الارتكاز في العبادات، والله العالم. بحث: في وجوب الميسور وعدمه إذا أخل بالنية من أول الفجر بناء على الشرطية، فإذا أخل به فهل يجب الميسور، لما لا يسقط بالمعسور، أم الصوم لا يتبعض؟ وجهان: من أن الصوم أمر وحداني، وأ نه إذا أخل به ينعدم في الاعتبار، ولاجل ذلك إذا اكره على الاكل والشرب لا يمكن تصحيح صومه بنفي الاكراه.


1 - شرائع الاسلام 1: 168، العروة الوثقى، كتاب الصوم، فصل في النية، المسألة 12. 2 - مدارك الاحكام 6: 21، الصوم، الشيخ الانصاري: 107. 3 - تقدم في الصفحة 180 - 182.

[ 185 ]

ومن أن في الاخبار ما يدل على صحة تبعضه، وأنه إذا نوى في الاثناء يحسب له من الاثناء (1). اللهم إلا أن يقال: إن المقصود منها هي التجزئة في الثواب، لا في المأمور به. ومن الممكن دعوى وجوب الامساك لقاعدة الميسور، ووجوب القضاء والكفارة على احتمال، كما إذا أخل عمدا، وذلك لان الادلة الثانوية تورث وجوب الادراك بالمقدور الميسور، وهذا لا ينافي لزوم القضاء، لانه قد أخل بالمأمور به، وهكذا لزوم الكفارة، فليتدبر جيدا. الجهة الثانية: في حد النية في الصوم الواجب غير المعين في الصوم الواجب غير المعين، لا خلاف في جواز تأخير النية فيه إلى الزوال، حسب الاخبار الواردة في خصوصه، أو المنصرفة إليه كما تأتي، وإنما الخلاف في جواز التأخير إلى ما بعد الزوال، ومنشأ الاختلاف تشتت الاثار والاخبار، وإن نسب إلى الشهرة القطعية عدم الجواز (2)، وإلى ابن الجنيد (3) والكاشاني والفاضل الخراساني في


1 - وسائل الشيعة 10: 10 و 12، كتاب الصوم، أبواب وجوب الصوم، الباب 2، الحديث 3 و 8. 2 - مصباح الفقيه 14: 316، مدارك الاحكام 6: 22، مستمسك العروة الوثقى 8: 215. 3 - الصوم، الشيخ الانصاري: 110، مختلف الشيعة 3: 367.

[ 186 ]

الذخيرة (1) جوازه، وقال سيدنا الاستاذ الحجة الكوه كمري بامتداده إلى العصر. وقد عرفت منا: أن مقتضى القواعد جواز التأخير، وما توهم وجها لكون الاصل والقاعدة عدمه، غير راجع إلى محصل، كما مر (2)، فالعمدة النظر إلى أخبار المسألة. مقتضى الاخبار في المسألة وهي على طائفتين أو طوائف: الطائفة الاولى: ما دل على عدم الجواز وعلى مقالة المشهور وهي كثيرة: منها: معتبر عمار الساباطي، عن أبي عبد الله (عليه السلام): عن الرجل يكون عليه أيام من شهر رمضان، ويريد أن يقضيها، متى يريد أن ينوي الصيام؟ قال: هو بالخيار إلى أن تزول الشمس، فإذا زالت الشمس فإن كان نوى الصوم فليصم، وإن كان نوى الافطار فليفطر. سئل: إن كان نوى الافطار يستقيم أن ينوي الصوم بعد ما زالت الشمس؟ قال: لا.


1 - مفاتيح الشرائع 1: 244، ذخيرة المعاد: 514 / السطر 27. 2 - تقدم في الصفحة 167 - 173.

[ 187 ]

سئل: فإن نوى الصوم، ثم أفطر بعد ما زالت الشمس؟ قال: قد أساء، وليس عليه شئ إلا قضاء ذلك اليوم الذي أراد أن يقضيه (1). ومنها: معتبر هشام بن سا لم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال قلت له: الرجل يصبح ولا ينوي الصوم، فإذا تعالى النهار حدث له رأي في الصوم. فقال: إن هو نوى الصوم قبل أن تزول الشمس حسب له يومه، وإن نواه بعد الزوال حسب له من الوقت الذي نواه (2). وفي احتساب الصوم الكامل في الصورة الاولى والصوم من وقت النية في الصورة الثانية، شهادة على أن وقت النية موسع إلى الزوال، كما لا يخفى. وربما يناقش في الاولى أولا: بأنها لا تدل على الشرطية، وربما يكون كمال الصوم بالنية قبل الزوال، وقوله (عليه السلام): لا بعد السؤال عن الاستقامة، يشهد على ذلك، فيكون قوله (عليه السلام): فليفطر أيضا لاجل أن الافطار مندوب، لما فيه من ترك الفرد الناقص، والقضاء بعد ذلك على


1 - تهذيب الاحكام 4: 280 / 847، وسائل الشيعة 10: 348، كتاب الصوم، أبواب أحكام شهر رمضان، الباب 29، الحديث 4، و 10: 13، كتاب الصوم، أبواب وجوب الصوم، الباب 2، الحديث 10. 2 - تهذيب الاحكام 4: 188 / 532، وسائل الشيعة 10: 12، كتاب الصوم، أبواب وجوب الصوم، الباب 2، الحديث 8.

[ 188 ]

الوجه الكامل (1). وفيه ما لا يخفى من خلاف الظاهر. وثانيا: بأن ما في ذيله من نفي كل شئ إلا القضاء، خلاف فتوى الاصحاب (رحمهم الله) بثبوت الكفارة عليه في إفطار قضاء شهر رمضان بعد الزوال، فالرواية مهجورة، وهذا يوجب الوهن في صدرها، ولا سيما بعد كونها من عمار الساباطي. وفيه: أن المسألة وإن كانت مشهورة، خلافا لما نسب إلى العماني، إلا أنها لا توجب الوهن، إما لاجل أن التفكيك غير ممنوع في الفقرات، أو لاجل أن ذيلها موافق لما نسب إلى العامة من إنكار الكفارة (2)، وهذا مما يتأيد بكون الراوي عمارا، لما يحتمل في حقه من الخلط معهم. وربما يستشعر ذلك من قوله (عليه السلام): وليس عليه شئ بعد قوله (عليه السلام): قد أساء مع عدم السؤال عن الكفارة وحكمها. ويناقش في الثانية: بعدم ظهور لها في الصوم الواجب غير المعين. نعم، يمكن دعوى: أن إطلاقهما يشمل الفرض، ويقيد بما ورد في الصوم تطوعا، فيبقى الصوم الواجب غير المعين تحته. ومنها: ما رواه الوسائل عن الشيخ بإسناده عن ابن بكير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سئل عن رجل طلعت عليه الشمس وهو جنب، ثم أراد الصيام بعد ما اغتسل ومضى ما مضى من النهار.


1 - ذخيرة المعاد: 514 / السطر 23. 2 - تذكرة الفقهاء 6: 59 - 60.

[ 189 ]

قال: يصوم إن شاء، وهو بالخيار إلى نصف النهار (1). والمناقشة فيه بالاجنبية، ممنوعة بعد الاطلاق السكوتي بترك الاستفصال. واحتمال كونه جنبا بعد طلوع الفجر لا يضر، لانه ليس من الاحداث، كما لا يخفى. ولو قيل: بعدم صحة الاستناد إليها، لظهورها في جواز الصوم لمن أصبح جنبا مطلقا، ولو اخرج منه قضاء رمضان، لما تم الاستدلال بها، كما هو الظاهر. نعم، بناء على صحة صوم النذر غير المعين، إن أصبح جنبا تفي ببعض مقصود المشهور. اللهم إلا أن يقال: بأن الرواية محمولة على من أجنب في النهار، أو لا يعلم حاله، وتكون محمولة - حسب الاستصحاب - على الجنابة بعد طلوع الفجر، وحيث لم يكن عامدا فيشمله أخبار اخر ناطقة بإمكان الصوم إذا لم يحدث شيئا، وحمل الخبر على الصوم الندبي خلاف الظاهر منه، كما هو خلاف الحكم المشتمل عليه الخبر. ثم إن الاظهر اعتبار سندها، فإن فيه أبا عبد الله الرازي، وهو محمد بن أحمد الجاموراني، فإنه وإن ضعفه القميون لارتفاع مذهبه (2)، ولكن رواية المشايخ عنه تشهد على حسن حا له، ولا يضر تضعيف القميين


1 - تهذيب الاحكام 4: 322 / 989، وسائل الشيعة 10: 68، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 20، الحديث 3. 2 - مجمع الرجال 5: 127.

[ 190 ]

المستند إلى ارتفاع المذهب، كما تحرر. وفيه السكوني (1) وإسماعيل القصير (2)، وهما معتبران. ثم إن ها هنا طائفة من الاخبار، وهي كثيرة، بين ما يكون نقي السند وغيره، وتكون ظاهرة في السؤال عن الصوم الواجب غير المعين، كقضاء رمضان، والنذر، ويستظهر منها أن النظر في الجواب والسؤال إلى حكم الصوم قبل الزوال (3)، وكأن مسألة عدم امتداد وقت الصوم المزبور إلى بعد الزوال، كانت مفروغا عنها بينهم. ومنها: معتبر عبد الرحمان بن الحجاج، عن أبي الحسن (عليه السلام) حيث سئل عن صوم رمضان قضاء بعد ارتفاع النهار، والمراد منه هي الضحوة وقبل الزوال، لانه المتفاهم من الارتفاع. قال (عليه السلام): ليصمه وليعتد به (4). ومنها: خبر صالح بن عبد الله في الصوم المنذور، وظاهره أيضا السؤال عن حكم الصوم قبل الزوال، قال (عليه السلام): هذا كله جائز (5). وأما صالح بن عبد الله الكوفي، فيكفي لاعتباره رواية المشايخ


1 - رجال النجاشي: 26 / 47، معجم رجال الحديث 3: 105. 2 - رجال النجاشي: 30 / 60، معجم رجال الحديث 3: 207. 3 - لاحظ مستمسك العروة الوثقى 8: 216. 4 - الكافي 4: 122 / 4، وسائل الشيعة 10: 10، كتاب الصوم، أبواب وجوب الصوم، الباب 2، الحديث 2. 5 - تهذيب الاحكام 4: 187 / 523، وسائل الشيعة 10: 11، كتاب الصوم، أبواب وجوب الصوم، الباب 2، الحديث 4.

[ 191 ]

عنه (1)، وفيهم ابن أبي عمير (2)، فتأمل. نعم، هنا بعض روايات مطلقة، كمعتبر محمد بن قيس، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال (عليه السلام): إذا لم يفرض الرجل على نفسه صياما، ثم ذكر الصيام قبل أن يطعم طعاما أو يشرب شرابا ولم يفطر، فهو بالخيار، إن شاء صام، وإن شاء أفطر (3). فإنه مضافا إلى أن قضية إطلاقه امتداد وقت النية إلى ما بعد الزوال، يستشم منه - بل يستظهر منه - أن وقت الصوم المنذور من أول الطلوع، كما مضى بعض الكلام حوله في الجهة الاولى (4)، فتأمل. وبالجملة: يقيد إطلاقه بما دل على أن الواجب يمتد إلى الزوال. مع إمكان دعوى: أن المراد من الصيام هو الصيام الذي لم يفرض على نفسه، وهو المستحب، لا الاعم منه ومن الواجب، فيكون الحديث بالنسبة إلى صوم المنذور ساكتا من حيث الوقت، فتدبر. ويحتمل أن يكون المقصود أن الرجل لم يقدر الصوم ولم ينوه، ثم ذكر أن يصوم، وعندئذ يقيد إطلاقه.


1 - جامع الرواة 1: 407، معجم رجال الحديث 9: 75 - 76. 2 - تهذيب الاحكام 4: 330 / 1030. 3 - تهذيب الاحكام 4: 187 / 525، وسائل الشيعة 10: 11، كتاب الصوم، أبواب وجوب الصوم، الباب 2، الحديث 5. 4 - تقدم في الصفحة 178 - 179.

[ 192 ]

الطائفة الثانية: المآثير المستدل بها على توسع وقت النية، وامتدادها إلى ما بعد الزوال وبالتالي تكون بينها وبين الطائفة الاولى معارضة ومكاذبة، ولابد من الجمع، أو إعمال القواعد العلاجية. فمنها: معتبر عبد الرحمان بن الحجاج قال: سألت أبا الحسن موسى (عليه السلام) عن الرجل يصبح ولم يشرب، ولم ينو صوما، وكان عليه يوم من شهر رمضان، أله أن يصوم ذلك اليوم وقد ذهب عامة النهار؟ فقال: نعم، له أن يصوم ويعتد به من شهر رمضان (1). ومنها: مرسلة البزنطي، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال قلت له: الرجل يكون عليه القضاء من شهر رمضان، ويصبح ولا يأكل إلى العصر، أيجوز له أن يجعله قضاء من شهر رمضان؟ قال: نعم (2). ولولا إرساله لكان سنده معتبرا، وفي كون المرسل أحمد بن محمد بن أبي نصر، كفاية وجبران عند المشهور (3). ولكنه محل المناقشة جدا


1 - تهذيب الاحكام 4: 187 / 526، وسائل الشيعة 10: 11، كتاب الصوم، أبواب وجوب الصوم، الباب 2، الحديث 6. 2 - تهذيب الاحكام 4: 188 / 529، وسائل الشيعة 10: 12، كتاب الصوم، أبواب وجوب الصوم، الباب 2، الحديث 9. 3 - رجال الكشي: 556 / 1050، معجم رجال الحديث 1: 60.

[ 193 ]

(باب 2). وربما يستشم من كون الراوي ابن الحجاج - وقد مضى منه الحديث في هذه المسألة عنه (عليه السلام)، وكان فيه السؤال عن ارتفاع النهار (1) - أن المراد من ذهاب عامة النهار هو قسم كثير منه، وهي لا ظهور لها في كونها بعد الزوال، ولا سيما وأن من طلوع الفجر إلى الزوال أكثر النهار، فيسقط الاول عن صلاحية المعارضة متنا، والاخر سندا. ولو سلمنا صحة الاولى والثانية، فالجمع العرفي غير ممكن اتصافا، فإنه كما يجمع بينه وبين معتبر ابن سالم (2) بذلك، كذلك يجمع بينه وبين ذيل معتبر ابن عمار (3) بمثله، فليتأمل جيدا. اللهم إلا أن يقال بالجمع بينهما بحمل النفي على نفي الكمال غير المنافي مع الاجزاء (4)، ويشهد له معتبر عبد الله بن سنان (5) في الباب المزبور الناطق بالتجزئة من قبل الزوال أيضا، فتصل النوبة إلى التمييز، وحيث إن الشهرة المعتنى بها مع الطائفة الاولى، تصير الثانية محل الاعراض، وتسقط عن الحجية، وتميز بها الحجة عن اللاحجة. ولو


1 - تقدم في الصفحة 190. 2 - تهذيب الاحكام 4: 188 / 532 / وسائل الشيعة 10: 12، كتاب الصوم، أبواب وجوب الصوم، الباب 2، الحديث 8. 3 - تهذيب الاحكام 4: 280 / 847، وسائل الشيعة 10: 13، كتاب الصوم، أبواب وجوب الصوم، الباب 2، الحديث 10. تقدم في الصفحة 186. 4 - ذخيرة المعاد: 514 / السطر 22. 5 - تهذيب الاحكام 4: 187 / 524، وسائل الشيعة 10: 10، كتاب الصوم، أبواب وجوب الصوم، الباب 2، الحديث 3.

[ 194 ]

سلمنا قصور الاعراض المزبور عن تضعيف السند، فالمرجح أيضا مع الاولى، كما لا يخفى. نعم، يمكن دعوى أظهرية الثانية من الاولى، فتقدم عليها، لما قالوا: بأن تقديم الخاص والمقيد على العام والمطلق، لاجل الاظهرية ولكنه بمعزل عن التحقيق، كما تحرر في محله (1)، ولعل السيد الحجة جد أولادي (رحمه الله) استند إلى ذلك في قوله بامتداده إلى العصر (2)، فتدبر. تنبيه: حول دعوى عدم جواز التعدي عن مورد النص ونقدها ربما يقال: إن اغتفار خلو الصوم عن النية إلى الزوال، مخصوص بمورد النص، ويشكل التعدي منه إلى غيره من موارد ارتفاع العذر قبل الزوال، كالحيض، والمرض، بل والسفر، والقدر المتيقن منه من لم يكن معذورا، وكان يتمكن من الصوم ونيته من طلوع الفجر، ولكنه أخر لتوسع الواجب. وفيه: - مضافا إلى ما عرفت من مقتضى القاعدة (3)، وأ نها التوسعة إلا إذا دل الدليل على خلافه - أن مقتضى بعض روايات المسألة عمومية الحكم، ولا سيما مع إلغاء الخصوصية عرفا والاولوية، فليتدبر جيدا.


1 - تحريرات في الاصول 5: 363. 2 - لاحظ حواشيه على العروة الوثقى (المطبوع في سنة 1366 ه‍. ق): 82 وتعليقته على وسيلة النجاة (المطبوع في سنة 1370 ه‍. ق): 32. 3 - تقدم في الصفحة 169 - 170.

[ 195 ]

ومن هنا يظهر الكلام فيما إذا عزم على العدم، ثم بدا له أن يصوم، فإنه وإن يمكن دعوى انصراف الاخبار إلى صورة سبق التردد، أو عدم الالتفات، ولكن القول بالتفصيل من التحكم. ويمكن أن يقال: بأن التوسعة في وقت النية، ترجع إلى أن المكلف يتمكن من الامساك الصحيح الصومي، وإذا لحقه القصد والنية يصير الامساك المزبور صوما عباديا، فمن كان معذورا حين طلوع الفجر، ويكون مريضا أو على سفر، لا يصير مورد الامر بالامساك، فلا يفيده لحوق النية المتأخرة. أو يقال: إن التوسعة مخصوصة بمورد يكون الصوم العبادي مورد الامر من طلوع الفجر، إلا أن الشرع وسع في وقت النية، ومن كان معذورا بالاعذار الموجبة لارتفاع التكليف، لا يكون صومه صحيحا بالنية اللاحقة. وبالجملة: فيما كان الامساك مأمورا به، تنفع النية المتأخرة، وإلا فلا، فليتدبر وتأمل. الجهة الثالثة: وقت النية في الصوم المندوب وحيث إن امتداد الوقت فيه مورد الخلاف قديما وحديثا، نسب إلى مثل الصدوق، والاسكافي، والسيد، والشيخ، وابن إدريس، والفاضل، والشهيدين (1)، وأضرابهم، الامتداد إلى ما بعد الزوال، وعليه حكاية


1 - مستمسك العروة الوثقى 8: 217، الفقيه 2: 97 / 11، مختلف الشيعة 3: 367، الانتصار: 60، رسائل الشريف المرتضى 3: 54، المبسوط 1: 278، السرائر 1: 373 منتهى المطلب 2: 559 / السطر 22، الدروس الشرعية 1: 266، الروضة البهية 1: 193 / السطر 9.

[ 196 ]

الاجماعات المنقولة عن الانتصار والغنية والسرائر (1) ونسب إلى المشهور بين الاصحاب (2)، وعن الذخيرة نسبته إلى الاكثر إلى الزوال (3)، فلابد من النظر إلى روايات المسألة. مع أن حديث اشتهار الامتداد إلى الزوال مما لا أصل له إطلاقا: فمنها: ما رواه الكليني، عن العدة، عن أحمد بن محمد، عن أبي بصير، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الصائم المتطوع تعرض له الحاجة. قال: هو بالخيار ما بينه وبين العصر، وإن مكث حتى العصر، ثم بدا له أن يصوم وإن لم يكن نوى ذلك، فله أن يصوم ذلك اليوم إن شاء (4). والخبر موثق بسماعة بن مهران (5)، وأما الحسين بن عثمان فهو وإن كان مشتركا بين الثلاثة المتقاربي العصر، ولكنهم ثقات (6). واحتمال اتحاد


1 - مستمسك العروة الوثقى 8: 217، الانتصار: 60، الغنية، ضمن الجوامع الفقهية: 508 / السطر 35، السرائر 1: 373. 2 - مسالك الافهام 2: 9، مستند العروة الوثقى، كتاب الصوم 1: 55. 3 - ذخيرة المعاد: 514، الهامش. 4 - الكافي 4: 122 / 2، وسائل الشيعة 10: 14، كتاب الصوم، أبواب وجوب الصوم، الباب 3، الحديث 1. 5 - رجال النجاشي: 193 / 517، رجال الطوسي: 214 و 351، معجم رجال الحديث 8: 297. 6 - لاحظ معجم رجال الحديث 6: 25.

[ 197 ]

الكل بعيد غير مستشهد له. واشتراك أبي بصير بين الكثير (1) أيضا عندنا لا يضر، لاعتبار المشتركين في الطبقة، والتفصيل في محله. وبالجملة: تشهد الرواية على الامتداد إلى ما بعد الزوال، وقوله: وإن ليس شرطية، بل هي وصلية. وما في المقنع: ولم يكن نوى ذلك، فله أن يصوم ذلك اليوم (2) أقرب إلى المتانة في الحديث، كما لا يخفى. ومنها: ما رواه في الباب، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يدخل إلى أهله فيقول: عندكم شئ؟ وإلا صمت، فإن كان عندهم شئ أتوه به، وإلا صام (3). والخبر معتبر وما في كلماتهم من التمسك بإطلاقه (4)، في غير محله، لانه (عليه السلام) ما كان يقضي رمضان، ولا الكفارة، ويستبعد في حقه أن يصوم المنذور، فيكون المفروض فيه الصوم المندوب الذي كان يتعارف في ذلك العصر بين جمع، وفيهم سلمان (رضي الله عنه). ومنها: معتبر محمد بن قيس السابق (5)، فإنه حسب إطلاقه يدل على المطلوب، بل - حسبما استظهرنا منه - يكون مخصوصا بالمندوب (6) أيضا،


1 - معجم رجال الحديث 20: 75 - 76. 2 - المقنع: 201. 3 - تهذيب الاحكام 4: 188 / 531، وسائل الشيعة 10: 12، كتاب الصوم، أبواب وجوب الصوم، الباب 2، الحديث 7. 4 - مستمسك العروة الوثقى 8: 217. 5 - تقدم في الصفحة 191، تهذيب الاحكام 4: 187 / 525، وسائل الشيعة 10: 11، كتاب الصوم، أبواب وجوب الصوم، الباب 2، الحديث 5. 6 - تقدم في الصفحة 191.

[ 198 ]

ومعتبر هشام بن سالم السابق (1)، بناء على ما في الجواهر (2). ولكنه بمعزل عن التحقيق، لما عرفت (3) من أنه لو كان الحديث في موقف بيان الفرد الكامل والناقص، لكان ينبغي أن يكون الصوم المنوي قبل الزوال، محسوبا من الوقت الذي نواه، لا من اليوم كله، فيكون هذا شاهدا على أن النية قبل الزوال، تمام الشرط. ولو كان يجب على أحد صوم من طلوع الفجر إلى الغروب، فقد فاز به بذلك أيضا، وأما إن نوى بعد الزوال فليس هو من صوم يومه، فلا يجزئ عما وجب عليه من صوم اليوم كله، فافهم واغتنم. فالرواية تدل على المسألة السابقة، وعلى أن الصوم المنوي بعد الزوال له الثواب الناقص، أو يكون باطلا. وعلى كل تقدير لا تدل على شئ في هذه المرحلة، للاحتمالين فيها أو الاكثر. ولو سلمنا وجود إطلاق يدل على أن المندوب يمتد إلى الزوال، فيقع التعارض بينه وبين المطلق الاخر الدال على أن مطلق الصوم يمتد إلى الزوال، ولا يصح بعده، وهو معتبر ابن سالم، فإن من المحتمل كون معتبر ابن قيس، مطلقا يدل على الامتداد إلى ما بعد الزوال، وحينئذ لابد من العلاج، فإن بينهما نسبة التباين، وتنقلب النسبة بتقييد إطلاق معتبر ابن قيس بما


1 - تهذيب الاحكام 4: 188 / 532، وسائل الشيعة 10: 12، كتاب الصوم، أبواب وجوب الصوم، الباب 2، الحديث 8، تقدم في الصفحة 187. 2 - جواهر الكلام: 195. 3 - تقدم في الصفحة 187.

[ 199 ]

دل على الامتداد في الواجب المعين، أو في خصوص قضاء شهر رمضان، وبتقييد إطلاق معتبر ابن سالم بما دل على الامتداد إلى ما بعد الزوال في المندوب. ومنها: ما يدل على امتداده إلى الزوال، وهو معتبر ابن قيس السابق (1). ولكنك عرفت ما فيه من الاحتمالات (2)، ولا وجه لاختصاصه بالصوم المندوب، فيكون إطلاقه مقيدا بما مر. وهكذا إطلاق معتبر هشام بن سا لم (3). فبالجملة: دعوى امتداد وقته إلى ما بعد الزوال، يساعدها الفتوى والاخبار والمغروسية والاعتبار. فرع: في امتداد وقت النية إلى الغروب هل يمتد الوقت إلى آخر الوقت، على أن يتمكن من النية واقتران الامساك بها آنا ما، بل ولا يعتبر تقدمها الزماني، ولا الاني، فتكفي المعية؟ فما في العروة الوثقى: فيمتد إلى أن يبقى من الغروب زمان يمكن تجديدها فيه على الاقوى (4) في غير محله. ولنعم ما أفاده الشرائع نقلا عن بعضهم: من أنه يمتد وقتها إلى


1 - تهذيب الاحكام 4: 187 / 525، وسائل الشيعة 10: 11، كتاب الصوم، أبواب وجوب الصوم، الباب 2، الحديث 5. 2 - تقدم في الصفحة 177 - 179. 3 - تهذيب الاحكام 4: 188 / 525، وسائل الشيعة 10: 12، كتاب الصوم، أبواب وجوب الصوم، الباب 2، الحديث 8. 4 - العروة الوثقى 2: 173، كتاب الصوم، فصل في النية، ذيل المسألة 12.

[ 200 ]

الغروب (1) وما في مصباح الفقيه: أي إلى قريب منه، بأن يبقى بعد النية من الزمان ما يمكن صومه، لا أن يكون انتهاء النية مع انتهاء النهار (2) أيضا بلا وجه. نعم، في معتبر أبي بصير (3) ما يدل على الامتداد إلى العصر، والمراد من العصر هنا هو المراد منه في مرسلة البزنطي (4) السابقة التي أفتى على طبقها سيدنا جد أولادي الحجة الكوه كمري، وقال بامتداد وقت غير المعين من الواجب إلى العصر (5)، خلافا للكل، فإن اخذ بمفهوم العصر هناك فهو، وإلا فيطرح هو هنا أيضا. والذي يسهل الخطب: أن قوله (عليه السلام): حتى العصر ليس في مقام إفادة التحديد، ولاجله قال فيه: هو بالخيار ما بينه وبين العصر بالنسبة إلى الافطار بعد ما صام ندبا، مع أنه بالخيار إلى الغروب، فلاحظ وتدبر جيدا. تذنيب: في تصحيح الصوم بالنية الثانية بعد إفساده لو نوى الصوم ليلا، أو بعدما طلع الفجر، وكان ممن يصح منه


1 - شرائع الاسلام 1: 168. 2 - مصباح الفقيه 14: 319. 3 - الكافي 4: 122 / 2، وسائل الشيعة 10: 14، كتاب الصوم، أبواب وجوب الصوم، الباب 3، الحديث 1. 4 - تهذيب الاحكام 4: 188 / 529، وسائل الشيعة 10: 12، كتاب الصوم، أبواب وجوب الصوم، الباب 2، الحديث 9. 5 - تقدم في الصفحة 194.

[ 201 ]

الصوم المنوي قبل الزوال، كالناسي والجاهل بالنسبة إلى الصوم المعين، ومطلقا بالنسبة إلى الصوم الواجب غير المعين، بل الكلام يأتي في المندوب، لاحتمال عدم إمكان تصحيحه بالنية الثانية. وبالجملة: لو نوى، ثم نوى الافطار ولم يفطر، فأفسد صومه من أجل الاخلال بالنية، وأما لو قلنا بعدم فساد الصوم بالاخلال بها بقاء، لعدم اعتبار أزيد من النية حدوثا، فهو بحث آخر مضى اعتبارها وتفصيله (1). وبالجملة: فهل يمكن بعد ذلك تصحيح الصوم بالنية الثانية (2)، أم لا (3)، أو يفصل (4) بين ما إذا أفسده بالرياء ونحوه، وما إذا أفسده بتركها والاخلال بها بقاء على الوجه المعتبر شرعا؟ فما قد يتراءى من المناقشة في هذه المسألة، لاجل المناقشة في أصل اعتبار النية بقاء (5)، فهو خروج عن الجهة المبحوث عنها. نعم يمكن أن يقال: إن قضية الاصل عدم اعتبار النية بقاء، لعدم اعتبارها حدوثا، ولا دليل على أنه لو نوى لا بد من الابقاء عليها، فلا يبطل الصوم من جهة الاخلال بالنية حتى يقال: إن الصوم الباطل لا يمكن تصحيحه بالنية الثانية، وما يمكن تصحيحه هو الصوم والامساك غير الباطل، وعلى هذا لا فرق بين ما إذا أفسده بالرياء المحرم،


1 - تقدم في الصفحة 169 - 170. 2 - شرائع الاسلام 1: 169. 3 - لاحظ جواهر الكلام 16: 215. 4 - العروة الوثقى 2: 173، كتاب الصوم، فصل في النية، المسألة 13. 5 - انظر الحدائق الناضرة 13: 50.

[ 202 ]

أو بالعدول عنها. والذي يبتنى عليه المسألة، هو أن الادلة الواردة السابقة تحتمل وجوها: فإن قلنا: بأن المستفاد منها ليس إلا توسعة وقت النية إلى الزوال بالنسبة إلى طائفة من الصيام، وإلى الغروب بالنسبة إلى الطائفة الاخرى، فلا يلزم من الاخلال بالنية الاولى إشكال في التوسعة المزبورة، ولا من إحداث الشرط تضييق في وقته. فلو حصل الشرط، ثم أخل به، فله أن يحصله ثانيا وثالثا، وعند ذلك يصح الصوم بالنية الثانية ولو بطلت النية الاولى بالرياء. وإن قلنا: بأن المستفاد من تلك الادلة هي التوسعة، ولكن بمعنى أن الشرط هي النية الاولى بوجودها الامتدادي، وأنه هو المرتكز عليه أذهان المتشرعة، بل لو كان الشرط وجودها الحدوثي فكان هو حاصلا، بل الشرط هي النية بوجودها الامتدادي إلى آخر الوقت، فلو أخل بها فلابد من التماس الدليل على صحة الصوم ثانيا بالامساك ولو كان أبطله لا بالرياء، إذ لا دليل على كفاية النية الثانية، لان المنساق من الادلة السابقة غير هذه الصورة بالضرورة. ودعوى التوسعة في الجواب، بأن الامام (عليه السلام) يريد بيان توسعة وقت الشرط على الوجه المحرر آنفا، بلا بينة وبرهان. والذي هو الاظهر: أن المستفاد من الادلة حصول الشرط بالنية الاولى، ولزوم استمرارها مفروغ عنه، ومع الاخلال بها بعد حصولها، لا دليل على كفاية النية الثانية إلا دعوى القطع بعدم الفرق،

[ 203 ]

وعهدتها على صاحبها. نعم، إن قلنا: بأن الادلة وإن كانت قاصرة عن إثبات هذه الصورة، وعن تصحيح الصوم بالنية الثانية، ولكن دلالتها على عدم إمكان تصحيحها أيضا ممنوعة، وما في المغروسات الذهنية بالنسبة إلى العبادات الشرعية غير واضحة حدودها، فلابد من المراجعة حينئذ - بعد الشبهة - إلى مقتضى الاصل، وقد تحرر أنه الصحة في المسألة (1)، فلاحظ. وبناء على هذا يتقوى في النظر أقربية قول الحلبي والارشاد (2) وشرحه للفخر (3)، والدروس والبيان بل والمسالك (4) وغيره (5)، وهو البطلان، من مقالة المشهور، كما عن المدارك والحدائق (6) ومن هنا يظهر قصور جمع في الوصول إلى سر بطلان المسألة، وما تبتني عليه، حتى تمسك بعضهم بالاستصحاب (7)! وهو لا يخلو من غرابة. حكم الاخلال بنية الصوم رياء ثم إن في صورة الاخلال بها رياء، يمكن أن يقال ببطلان الصوم مطلقا،


1 - لاحظ ما تقدم في الصفحة 170 - 171. 2 - الكافي في الفقه: 182 / السطر الاخير، إرشاد الاذهان 1: 300. 3 - لاحظ مستند الشيعة 10: 219. 4 - الدروس الشرعية 1: 267، البيان: 362، مسالك الافهام 2: 15. 5 - إيضاح الفوائد 1: 223. 6 - مستمسك العروة الوثقى 8: 218، مدارك الاحكام 6: 40، الحدائق الناضرة 13: 51. 7 - مستمسك العروة الوثقى 8: 218.

[ 204 ]

لان العمل الريائي يجعل في سجين، فالامساك المقترن بالنية الاولى لا يصلح للحوق النية الثانية به. نعم إن قلنا: بأن ما يجعل في سجين هي الحصة المتقيدة بالرياء، لا مطلق الامساك الخارجي، فلا منع عنه، إلا أنه خلاف المتفاهم من أدلة الرياء. ويمكن دعوى: أن الاخلال بالرياء من إحداث الحدث، وقد ورد في الاخبار والفتاوى اشتراط المسألة بأن لا يحدث حدثا (1)، فلو كان من قصده الصوم، ثم كذب على الله، وأتى بإحدى المفطرات، فلا يمكن تصحيح الامساك المزبور بالنية، وإن نوى الصوم، ثم أخل بالرياء، فهو أيضا من الحدث، لان المراد من الحدث ما يوجب بطلان الصوم. اللهم إلا أن يقال: بأن الحدث المانع عن الصحة، ما إذا كان واقعا قبل النية، فلا يشمل النية. أو يقال: إن الاخلال من ناحية النية ليس من الحدث الممنوع، لان المفروض في الاخبار ذلك، ومقتضى الاطلاق عدم الفرق بين الصورتين. هذا مع أن قوله (عليه السلام): لم يحدث حدثا أو لم يفطر كما ورد في الاخبار السابقة (2)، هو ما يعد مفطرا وحدثا بالنسبة إلى مطلق الصيام،


1 - الكافي 4: 122 / 4، وسائل الشيعة 10: 10، كتاب الصوم، أبواب وجوب الصوم، الباب 2، الحديث 2. 2 - الكافي 4: 122 / 4، تهذيب الاحكام 4: 187 / 525، وسائل الشيعة 10: 10 - 11، كتاب الصوم، أبواب وجوب الصوم، الباب 2، الحديث 2 و 5، تقدم في الصفحة 178.

[ 205 ]

كالاكل، والشرب، والجماع، وأمثالها، وأما الرياء فهو حدث بالنسبة إلى الصوم المعين للعالم العامد، دون الجاهل الناسي، فبطلان الصوم المزبور من هذه الناحية غير معلوم جدا.

[ 207 ]

الفصل الثاني عشر في الصور التي يصح فيها الصوم مع اختلاف وقت النية فيها لا شبهة ولا خلاف في أنه إن نوى صوم شهر رمضان مثلا، أو صوم الشهر المنذور المعين، ثم جدد النية عند الطلوع ثانيا، يصح صومه. وأيضا لا إشكال فيما إذا نوى في الصوم الواجب غير المعين عند الطلوع. وإنما الخلاف في بعض صور المسألة، وإليك نبذة منها مما يهم البحث عنها: الصورة الاولى: أن ينوي في مثل شهر رمضان لكل يوم على حدة كما إذا نوى اليوم الاول فقط، والثاني، والثالث، وهكذا في يومه، من دون أن يكون في نيته صوم الشهر، بل ينوي لكل يوم على حدة حتى

[ 208 ]

يتراكم النيات حسب الايام من أول الشهر، كالعام الاستغراقي، فإنه صحيح عند المشهور (1)، وعن المنتهى الاجماع عليه (2). إلا أنه نسب إلى الشهيد الثاني المناقشة فيه (3)، ومنشأها أن شهر رمضان عبادة وحدانية تحتاج إلى نية واحدة، وقصد فارد. ويشهد له قوله تعالى: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) (4) ويؤيده ما في ذيل الاية الشريفة، من الترخيص في الجماع في الليل والاكل والشرب إلى أن يتبين الخيط الابيض من الخيط الاسود (5)، فإنه يستفاد من ذلك وحدة المأمور به، وشمول الامر بالصوم لجميع الاجزاء الليلية والنهارية، والتفكيك في النية مع وحدتها غير جائز. وفيه: - مضافا إلى أن الاستظهار المزبور وإن كان قويا، إلا أنه من المفروغية بين المسلمين يعلم: أن الامر المزبور ينحل على حسب الانحلال في العام الاستغراقي بعدد أفراد النهار، فيكون بناء ما أفاده وما أيدناه بما اشير إليه ساقطا - أن التفكيك لا دليل على عدم صحته. مثلا: لو اعتقد المصلي أن الصلاة عبارة عن التكبيرة إلى الركوع، وعن الركوع إلى التشهد، وعن التشهد إلى السلام، ونوى مستقلا كل


1 - العروة الوثقى 2: 173، كتاب الصوم، فصل في النية، المسألة 15، مستمسك العروة الوثقى 8: 220، مستند العروة الوثقى 1: 62، مهذب الاحكام 10: 36. 2 - مستمسك العروة الوثقى 8: 220، منتهى المطلب 2: 560 / السطر 16. 3 - مدارك الاحكام 6: 29، مسالك الافهام 2: 11. 4 - البقرة (2): 185. 5 - البقرة (2): 187.

[ 209 ]

واحد، وقصد القربة، ولم يخل بسائر الشرائط، وأتى كل جزء مقرونا بالقصد والقربة، فلا أظن التزامه (قدس سره) بالبطلان. ومن المحتمل أنه (قدس سره) أراد المعنى الاخر، لان ما نسب إليه ضعيف غايته، وهو أنه قصد تمام الشهر على نحو العام الاستغراقي من الليلة الاولى، غير كاف، فتدبر. الصورة الثانية: لو نوى في الليلة الاولى صوم الشهر كله أو نوى صوم الدهر كله، أو نوى صوم الشهر المنذور كله في النذر المعين، فإن قلنا: بأن النية الحادثة لا بد من بقائها الارتكازي، ولا يعتبر الاخطار، فلا بحث في كفايتها حينئذ، إلا إذا ذهل عنها وعن مقتضاها، فإنه حينئذ لا يصح الصوم. وأما إن قلنا: بأن النية المعتبرة هي الخطور، ويكفي بقاؤها الحكمي، فلابد من الدليل على كفاية الخطور في أول الشهر لصحة الصوم إلى آخره، وما هو القدر المتيقن من كفاية بقائها الحكمي وهو الخطور في أول كل يوم، لامتناع التحفظ على الخطور إلى آخر اليوم أو إلى آخر الصلاة وغيرها إلا للاوحدي من الناس. وما يمكن أن يحسب دليلا دعوى وحدة الامر والعبادة، وقد فرغنا عن بطلانها. نعم، يمكن أن يقال: إنه من ذهاب الشيخين (1)، والمرتضى،


1 - المقنعة: 302، المبسوط 1: 276.

[ 210 ]

وأبي الصلاح، وسلار (1) - مع ما عن الانتصار (2) من الاستدلال على كفاية النية الواحدة بالاجماع، وأن النية تؤثر في الشهر كله - يحصل الشك في وجوب النية لكل يوم، وأ نه وإن كان صوم رمضان صياما متعددا، ولكن تكفي النية الواحدة إلى آخر الشهر، ومقتضى الاصل هي البراءة عن الزائدة، فالذهول والغفلة لا تضر عندئذ، نعم نية الخلاف تضر، فتأمل جيدا. وهكذا يشك في الشهر المنذور المعين، وإن لا يوجد في فتاويهم ذلك، فراجع. وغير خفي: أن احتمال عدم لزوم البقاء على النية الاولى ارتكازا - بناء على كون النية هو الداعي - موجود أيضا في خصوص شهر رمضان، لامكان كون الواجب نفس النية المتعلقة بالشهر كله حدوثا، فتجري البراءة عن الزائد، فما قيل: من أن الخلاف المزبور مبني على القول بالاخطار، دون الداعي (3) في غير محله. وبالجملة تحصل: أن البحث إن رجع إلى لزوم تجديد النية تفصيلا في قبال القول: بأنها الداعي الارتكازي، فلا معنى له، لان النية الاجمالية الكافية حاصلة إن نوى في أول الشهر للشهر كله. وإن رجع إلى أن النية الاخطارية الواقعة في أول الشهر، تكفي مع كون المأمور به متعددا، فهو بلا وجه.


1 - رسائل الشريف المرتضى 3: 53، الكافي في الفقه: 181، المراسم: 96. 2 - جواهر الكلام 16: 200، الانتصار: 61. 3 - مستمسك العروة الوثقى 8: 221.

[ 211 ]

وإن رجع إلى أنها في خصوص شهر رمضان وما شابهه من أقسام الصيام الواجبة المعينة، تكون النية في أول الشهر كافية وإن ذهل عنها في الاثناء - بناء على كونها الداعي، أو هي باقية حكما إلى آخر الشهر - فلابد من التماس دليل كما اشير إليه. ولو شك في ذلك فالمرجع أصالة البراءة. ثم إنه مما ذكرناه يظهر حكم المندوب المعين، كصيام أيام البيض. الصورة الثالثة: في نية النذر غير المعين وأخويه والصيام المستحب قال في العروة الوثقى: وأما في غير شهر رمضان من الصوم المعين، فلابد من نيته لكل يوم إذا كان عليه أيام، كشهر، أو أقل، أو أكثر (1) انتهى. والكلام في النذر المعين ما مر (2)، وأما في النذر غير المعين، والعهد، واليمين، وأنحاء الصيام المستحبة الواسعة أوقاتها، فمجرد كونه قاصدا لصوم شهر غير كاف، لانه به لا يتلون الامساك بين الحدين بالنية والقربة. نعم، إذا كان قاصدا في النذر غير المعين أن يصوم شعبان وفاء بنذره وعهده، فهو مثل المعين بلا زيادة ونقصان، ضرورة أنه إن قلنا: بأن الارتكاز موجود وكاف، فهو حاصل، والشرط متحقق.


1 - العروة الوثقى 2: 173، كتاب الصوم، فصل في النية، ذيل المسألة 15. 2 - تقدم في الصفحة 209.

[ 212 ]

وإن قلنا بالخطور، فكفاية الحكمي منه إلى آخر الشهر تحتاج إلى دليل، وإلا فمقتضى القاعدة اعتبار النية لكل يوم. وهكذا إذا ذهل عما ارتكز لديه، فإنه يشكل كفايتها أيضا، لان بقاءها الحكمي غير ناهض عليه الدليل الشرعي. ولو شك في أصل اعتبارها أكثر مما مضى، فالبراءة محكمة. إن قلت: لو اقتضت القاعدة لزوم الاقتران بالنية، فلا تنتهي النوبة إلى البراءة عند الشك في الكفاية. قلت: نعم، إلا أن لنا دعوى أنها في خصوص صوم شهر رمضان مثلا، أو أقسام الصيام المعينة الاخرى - بالتعيين الشرعي، أو التعيين الفاعلي - تكفي النية الواحدة الواقعة في ابتداء الشهر، لاتحاد الصوم المشترك فيه أيام الشهر، ولا قاعدة عقلية في المقام تمنعها، وإذا ذهب جمع إلى الكفاية، فيعلم منه: أن للشرع تجويز الاكتفاء ثبوتا، فتجري البراءة إثباتا. فتحصل إلى هنا: أنه مع بقاء الارتكاز في جميع الاحيان، يصح في جميع الصور المزبورة صوم الشهر كله، ومع عدم بقائه يمكن تصحيحه، لاجل إمكان كون الصوم العبادي مما يصح وإن ذهل المكلف عن قصده ونيته، لان الصوم نوع خاص من العبادة، فإنه يكون في النوم مغفولا عنه أصلا، وما كان شأنه ذلك لا يضره الذهول في اليقظة أيضا، ولا سيما مع كون الايام متسانخة. ولا يقاس ذلك بمثل صلاة الظهر والعصر، فإن النية في الاولى لا تكفي عن الثانية بالضرورة، لتباينهما، فليتأمل.

[ 213 ]

بحث وتحقيق: في بيان الفرق بين المعين من شهر رمضان وغيره قد تحرر منا قوة كون الامساك الرمضاني غير معنون بعنوان شرعا، ويكون نفس الامساك المقرون بالقربة مع كون الزمان من رمضان، كافيا وموجبا لسقوط الامر (1)، فعلى هذا يحصل الفرق بين المعين من رمضان، والمعين من غيره، فإن النذر المعين لا يصح إلا إذا قصد عنوان الصوم النذري وفاء به مثلا، والتعيين الجائي من قبل النذر لا يورث سقوط صلاحية الزمان عن تحمل الصوم الاخر، فلا يتعين الامساك بين الحدين إلا بعد سقوط زمانه عن صلاحية الصوم الاخر، فإذا اقترن بالقربة يجزيه. فعلى ما تحرر وتقرر، لا نحتاج في صحة صوم رمضان إلى قصد ونية زائدة على القربة، وهي تحصل في الليلة الاولى بالنسبة إلى جميع الايام، فالذهول وعدم الالتفات لا يضر. إن قلت: يعتبر في جميع الانات كونه قاصدا للقربة فعليا، أو ارتكازيا وشأنيا. قلت: الذهول عن عنوان العمل إذا كان مشتركا بحسب الطبيعة والزمان يضر، لانه لا يكون ما بيده المأمور به، وأما الذهول عن القربة إذا لم يقترن بضدها فلا يضر، لكفاية القربة المقصودة لجميع العمل في الابتداء، لانه بها يكون عملا قربيا، ولا يعتبر أزيد من ذلك في تلونه به،


1 - تقدم في الصفحة 95 - 99.

[ 214 ]

فلاحظ وتدبر جيدا. ومن هنا يمكن أن يوجه التفصيل المتراءى في العروة الوثقى بين المعين رمضان وغير رمضان (1).


1 - العروة الوثقى 2: 173، كتاب الصوم، فصل في النية، المسألة 15.

[ 215 ]

الفصل الثالث عشر في صوم يوم الشك والبحث عنه يقع في جهات: الجهة الاولى: في جواز صوم يوم الشك تكليفا هل يجوز شرعا صوم يوم الشك، وهو المعروف المتفق عليه المفروغ عنه (1)، أم لا ويحرم كما في الحدائق (2) عن بعضهم، أو يكون مكروها كما حكي عن المفيد (3). وغير خفي: أنه إن جاز يكون مستحبا، لملازمة الجواز في العبادات مع الامر، كما هو مقتضى النصوص الوافرة. نعم، في المسألة روايات ذكرها الوسائل في الباب السادس من أبواب النية، تشعر بالمنع والنهي عن صيام أيام، كالعيدين، ومنها صوم يوم


1 - تذكرة الفقهاء 6: 17، مدارك الاحكام 6: 35، جواهر الكلام 16: 211. 2 - الحدائق الناضرة 13: 41. 3 - لاحظ البيان: 362، الحدائق الناضرة 13: 43.

[ 216 ]

الشك (1)، والمراجعة إلى أخبار المسألة تعطي أن المنظور في النهي هو أن يصوم بعنوان رمضان، كما في كثير من الاخبار الامر بصوم شعبان، أو أنا امرنا أن يصومه الانسان على أنه من شعبان، ونهينا... على أنه شهر من رمضان (2). فعلى هذا لا وجه للقول بالحرمة، ولا الكراهة المنسوبة إلى المفيد (رحمه الله) وإن كان ما هو المنسوب إليه هو الفرض الخاص، على ما حكي عن البيان أنه قال: ولا يكره صوم يوم الشك بنية شعبان وإن كانت الموانع من الرؤية منتفية، وقال المفيد: يكره مع الصحو إلا لمن كان صائما قبله (3) انتهى. ومنه يعلم: أن يوم الشك ليس مجرد اليوم الثلاثين من شعبان، بل هو يوم تردد فيه الامر مستندا إلى رؤية بعض الناس، أو إلى وجود الغيم ونحوه، فإنه هو اليوم المستحب فيه الصوم، بعنوان يوم الشك. بل هو اليوم الذي إذا اتفق كونه رمضان فقد وفق له. كل ذلك لاجل ما رواه التهذيب عن ابن خلاد (4)، إلا أن طريقه إليه ضعيف على المشهور (5)،


1 - تهذيب الاحكام 4: 183 / 509، وسائل الشيعة 10: 26، كتاب الصوم، أبواب وجوب الصوم، الباب 6، الحديث 2. 2 - وسائل الشيعة 10: 21 و 23، كتاب الصوم، أبواب وجوب الصوم، الباب 5، الحديث 4 و 8، و: 26، الباب 10، الحديث 4. 3 - الحدائق الناضرة 13: 43، البيان: 362. 4 - تهذيب الاحكام 4: 166 / 473، وسائل الشيعة 10: 24، كتاب الصوم، أبواب وجوب الصوم، الباب 5، الحديث 12. 5 - جامع الرواة 2: 520.

[ 217 ]

وما رواه الكافي والتهذيب بإسنادهما عن هارون بن خارجة (1)، وعن الربيع ابن ولاد (2). لكن الانصاف: أنها مع ضعف في سندها، لا تدل على ما فهمه الحدائق من اختصاص الاستحباب باليوم الخاص (3)، وأنه اليوم الذي وفق له، لان قضية الجمع بينها هو أن الامر بالافطار ليس إلا لاجل أنه مع عدم الغيم ظاهر في أن يوم الشك من شعبان، بخلاف صورة الغيم. وأما توهم استحباب صوم يوم الشك بعنوان صوم يوم الشك فهو بلا وجه، لان ما هو المستحب هو صوم شعبان، ويوم الشك بما هو يوم الشك - حسب الاخبار الكثيرة - غير محكوم بشئ، لانه إن كان من شعبان فيصومه، وقد امروا بالصوم فيه كما عرفت. ومن هنا يظهر: أن من صام لليوم الثلاثين مع الظن أو العلم بأنه من شعبان، ثم تبين أنه من رمضان، يصلح رمضان، لقوله (عليه السلام) - كما يأتي بعض الكلام فيه في رواية الزهري -: لان الفرض إنما وقع على اليوم بعينه (4). ثم إن الكراهة المنسوبة إلى المفيد هي الاقل ثوابا، وهذا مما


1 - الكافي 4: 77 / 9، تهذيب الاحكام 4: 159 / 447، وسائل الشيعة 10: 299، كتاب الصوم، أبواب أحكام شهر رمضان، الباب 16، الحديث 4. 2 - تهذيب الاحكام 4: 165 / 469، وسائل الشيعة 10: 298، كتاب الصوم، أبواب أحكام شهر رمضان، الباب 16، الحديث 2. 3 - الحدائق الناضرة 13: 42. 4 - الكافي 4: 85 / 1، وسائل الشيعة 10: 23، كتاب الصوم، أبواب وجوب الصوم، الباب 5، الحديث 8.

[ 218 ]

لا بأس بالالتزام به جمعا بين الاثار. الجهة الثانية: في وقوعه عن رمضان إذا نوى غير رمضان لو صام يوم الشك ندبا، أو قضاء أو كفارة أو نذرا، ولم يكن اليوم من رمضان، فلا بحث في صحته. وأما لو اتفق كونه من رمضان، فهل يصح ويقع عن رمضان، أو يصح ولا يقع عنه، أو لا يصح رأسا؟ وجوه واحتمالات. وهنا احتمال رابع: وهو التفصيل بين أن ينوي ندبا فتبين أنه رمضان، وأن ينوي وجوبا، فإنه في الاول يقع عنه، دون الفرض الثاني. وأما توهم عدم جواز صوم غير الندبي يوم الشك، لاجل أن في النصوص تعرضا لصوم شعبان (1)، فهو فاسد، وذلك لانها لا تنفي صحة سائر أقسام الصيام فيه تكليفا. ولو تم هناك وجه فهو يفيد عدم الاجتزاء بما نواه وجوبا عن الصوم المفروض في رمضان. وبالجملة: لكل من الاحتمالات المزبورة وجه يتضح بالتأمل، والذي هو المعروف المجمع عليه سلفا وخلفا هو الاجزاء (2)، وهذا هو مقتضى الاخبار المتوافرة، والنصوص المتظافرة (3). وربما يظهر عن الدروس إلحاق الواجب بالمندوب بدعوى


1 - لاحظ مستمسك العروة الوثقى 8: 222. 2 - تذكرة الفقهاء 6: 19، مدارك الاحكام 6: 35، مستمسك العروة الوثقى 8: 222. 3 - لاحظ وسائل الشيعة 10: 20، كتاب الصوم، أبواب وجوب الصوم ونيته، الباب 5.

[ 219 ]

الاولوية (1)، وفيها ما لا يخفى، فإن المندوب أولى، لانه غير متلون بلون يباين رمضان امتثالا. والذي هو التحقيق: أن الاجتزاء حسب القاعدة، لما تحرر منا مرارا من أن الصوم الرمضاني غير متلون بلون العناوين، بل المفروض فيه هو الامساك القربي (2)، وذلك لعدم تحمل رمضان صوما آخر، ولدلالة بعض الاخبار عليه، كمعتبر الزهري، عن علي بن الحسين (عليهما السلام) وفيه: كيف يجزئ صوم تطوع عن فريضة؟ فقال: لو أن رجلا صام يوما من شهر رمضان تطوعا، وهو لا يعلم أنه من شهر رمضان، ثم علم بعد ذلك لاجزأ عنه، لان الفرض إنما وقع على اليوم بعينه (3). فيكفي لافادة العموم ما في الاخبار الاخر: من أنه يوم وفق له (4) فإنه لا يعقل أن يقع المباين مع رمضان بعنوان رمضان إلا على القول: بأنه غير متلون بلون خاص، فلا تغفل. وما قد يتوهم: أن عموم التعليل منفي، لانه يقتضي الاجزاء ولو في


1 - الدروس الشرعية 1: 268. 2 - تقدم في الصفحة 47 و 92 و 95 و 104. 3 - الكافي 4: 85 / 1، وسائل الشيعة 10: 23، كتاب الصوم، أبواب وجوب الصوم ونيته، الباب 5، الحديث 8. 4 - الكافي 4: 81 / 2، وسائل الشيعة 10: 22، كتاب الصوم، أبواب وجوب الصوم، الباب 5، الحديث 6.

[ 220 ]

صورة العلم بشعبان (1)، مع أن الرواية تنفيه، غير تام، لان الرواية لا تدل على عدم الاجزاء في تلك الصورة بالضرورة، ومجرد فرض الشك وعدم العلم، ومجرد فرض الشك وعدم العلم، لا يستدعي كون الشك قيدا ودخيلا، بل هو من إحدى صور المسألة، ولكثرة الابتلاء به فرض في الرواية، فافهم ولا تخلط. هذا مع أن التعليل يعمم، مع أن الاظهر في أخبار المسألة أن المقصود من الصوم في شعبان ليس الصوم الندبي، بل النظر إلى نفس الامساك الشعباني بالاعم من الندب والوجوب. إن قلت: كيف يعقل أن يقع صوم النذر، والكفارة وأمثالهما عن رمضان، مع التباين الطبيعي الموجود في البيت؟! قلت نقضا: إن التباين المزبور يحصل بين المندوب ورمضان، فتأمل. وحلا: إن الواجب في شهر رمضان هو الامساك القربي، وبما أنه في شهر رمضان يتعين له، ولا يشركه غيره، وعلى هذا تكون النيات الاخر كالحجر جنب الانسان، ولاجل ذلك إذا علمنا بأن الامر كذلك، فلا تحصل في صورة العلم والعمد نية الصوم الاخر فيه، وفي صورة الجهل والنسيان يتمكن من القصد للصوم الاخر، إلا أنه يقع رمضان، فعموم التعليل مورد العمل والاستدلال، ولا ينافيه توهم جواز الصوم الاخر عمدا في رمضان، لما اشير إليه آنفا. نعم، في صورة العلم والعمد إن نوى الكفارة في رمضان، فهو من


1 - مستمسك العروة الوثقى 8: 223.

[ 221 ]

التشريع المحرم، فلو بطل الصوم، فهو لاجل المسألة العقلية، أو لاجل رجوع ذلك إلى عدم القربة بالنسبة إلى الامساك الجامع. فعلى ما تحصل يصح صوم يوم الشك، ويقع رمضان مطلقا. ولو قلنا بعدم وقوعه عن رمضان - لاختصاص أدلة الاجزاء بالمندوب - فصحة الصوم محل المناقشة. وقضية ما سلف عنهم بطلانه، لعدم تحمل شهر رمضان للصوم الاخر، وقد مر منا أيضا المناقشة في ذلك (1)، وكأن الحكم مبني على الاحتياط. وأما إذا كان محكوما بأنه من شعبان ظاهرا، فبطلان الصوم ممنوع جدا، لعدم سقوط الصلاحية على الاطلاق، لعدم الدليل عليه. إن قلت: من يقصد صوم شعبان كيف يحسب رمضان؟ قلت: لا يعقل إن يريد صوم شعبان مع الشك في أنه من شعبان، ولا يتمكن الشرع من التصرف تكوينا في نفس المكلف بإيجاد تلك الارادة، فهو في يوم الشك يصوم، كما لا يعقل أن يصوم رمضان كما سيأتي (2). الجهة الثالثة: في وجوب تجديد النية إذا تبين أنه من رمضان إن صام بعنوان غير رمضان في يوم الشك، ثم تبين أنه رمضان، فهل يجب تجديد النية، كما هو خيرة الاكثر (3)، أو لا يجب كما في


1 - تقدم في الصفحة 77 - 84. 2 - يأتي في الصفحة 223 - 224. 3 - تذكرة الفقهاء 6: 20، الدروس الشرعية 1: 267، العروة الوثقى 2: 173، كتاب الصوم، فصل في النية، المسألة 16، مستمسك العروة الوثقى 8: 223.

[ 222 ]

الجواهر (1)؟ والذي يوجه به الرأي العام أن الاغتفار لا دليل عليه إلا في صورة الشك. ويشهد للقول الثاني ما عرفت من حقيقة صوم رمضان (2)، المؤيدة بإطلاق التعليل الوارد في رواية الزهري السابقة (3). والذي يخطر بالبال أن يقال: إن النية بمعنى القربة أمر اختياري، لامكان إبطال العمل العبادي في جميع الاحيان، فتأمل، وأما النية بمعنى قصد عنوان العمل، فلا معنى لتجديدها إذا كان الرجل بصدد أن يصوم، وكان مستهلا حتى يصوم رمضان، لكنه لعدم الرؤية صام شعبان، فإنه إذا تبين له رمضان يتلون قهرا صومه بلون رمضان، ولا معنى للتجديد. وإذا كان عازما على صوم الغد، غافلا عن يوم الشك وشعبان ورمضان، ثم تبين في الاثناء أنه رمضان، يحصل أيضا في نفسه ذلك، إلا إذا قصد في النية بأنه لو تبين أنه رمضان لا يبقى على الصوم، وهذا مما لا يمكن عادة. فعلى هذا تحصل: أن النزاع ساقط، والنية طبعا تحصل إلا مع كون الزمان قابلا لان يصوم فيه الصوم الاخر، فليتدبر.


1 - جواهر الكلام 16: 211. 2 - تقدم في الصفحة 47 و 104. 3 - الكافي 4: 85 / 1، وسائل الشيعة 10: 23، كتاب الصوم، أبواب وجوب الصوم ونيته، الباب 5، الحديث 8، تقدم في الصفحة 219.

[ 223 ]

الجهة الرابعة: حكم صوم يوم الشك إذا نواه رمضان إذا صام يوم الشك بنية رمضان، فالمشهور على أنه باطل وإن صادف رمضان والواقع، وإليه ذهب الشيخ، والمرتضى (1)، والصدوقان (2)، وسلار، وأبو الصلاح، وأبناء البراج وحمزة وإدريس (3). وقال الشيخ في الخلاف: صوم يوم الشك يستحب بنية شعبان، ويحرم بنية رمضان، وصومه من غير نية أصلا لا يجزئ عن شئ... إلى أن شرع في ذكر أقوالهم بالكراهة وغيرها (4)، فما نسب إليه غير ظاهر (5). اللهم إلا أن يقال: إن الحرمة في قبال الكراهة، هي الحرمة التشريعية غير المنافية للاجزاء، كما يأتي (6)، وهو المحكي عن العماني (7)، والاسكافي (8). ويحتمل أن يصح الصوم إن تبين أنه شعبان، ويبطل إن تبين أنه رمضان.


1 - النهاية: 151، الناصريات، ضمن الجوامع الفقهية: 242 / السطر 34. 2 - الفقيه 2: 79، ذيل الحديث 348، وحكاه عن والد الصدوق في مختلف الشيعة 3: 380. 3 - المراسم: 96، الكافي في الفقه: 181، جواهر الفقه 33، الوسيلة: 148، السرائر 1: 384. 4 - الخلاف 2: 170، المسألة 9. 5 - جواهر الكلام 16: 208، الخلاف 2: 180، المسألة 23. 6 - يأتي في الصفحة 227. 7 - لاحظ مختلف الشيعة 3: 380. 8 - نفس المصدر.

[ 224 ]

وبالجملة: البحث في هذه الجهة يقع في مقامين: المقام الاول: في جواز الاتيان برجاء رمضان تكليفا في حكم صوم يوم الشك تكليفا، وأنه هل يجوز أن يأتي به برجاء رمضان، أم لا؟ وجهان: من أن صوم الغد على فرض كونه رمضان مطلوب، ولا وجه لتحريم الاتيان بالمطلوب رجاء، كما تحرر في محله (1)، وهذا كثير الدور في الفقه، ومورد الفتوى (2). ودعوى لزوم الاخذ بمفاد الاستصحاب (3)، واضحة الفساد كما ترى. وغير خفي: أنه كما مر (4) وأشار إليه صاحب المدارك (قدس سره) (5) أنه لا يعقل ترشح إرادة صوم رمضان مع الشك فيه، فعندئذ يكون المحرم هو التشريع على الوجه الممكن، وإلا فإنه أيضا غير معقول، كما تحرر في محله (6). وإن كان النظر إلى الاتيان الاحتياطي والرجائي، فلا تشريع وتحريم.


1 - تحريرات في الاصول 7: 226 - 227. 2 - العروة الوثقى 1: 484، فصل في أحكام التيمم، المسألة 36، و: 809، فصل في مستحبات الجماعة، الحاشية 7 و 10 و 2: 246، كتاب الاعتكاف، الهامش 5. 3 - مستند العروة الوثقى، كتاب الصوم 1: 74. 4 - تقدم في الصفحة 220 - 221. 5 - مدارك الاحكام 6: 34. 6 - لاحظ تحريرات في الاصول 4: 352 وما بعدها.

[ 225 ]

وأما إذا كان من قصده التشريع - بناء على إمكانه، ولا سيما فيما نحن فيه، لعدم ظهور للفعل المتشرع به، فإنه ربما يصلي صلاة خاصة اختراعية، فإنه عمل تشريعي ومحرم، وأما النية في الصوم فهي لا تحصل جزافا، والامساك ليس بعمل ينسب تشريعا إلى الشرع - فلا يتصور التشريع المتصور في سائر العبادات في الصوم، فما عن المدارك (1) خال من التحصيل في المقام، فحرمة الصوم مبنية على المسألة العقلية المحررة في الاصول، وبطلان العمل التشريعي به مورد الخلاف، وقد فصلناه في محله (2). فبالجملة: حرمة الصوم يوم الشك برجاء رمضان تكليفا، ممنوعة حسب القواعد. وأما حسب النصوص، فربما يستظهر من جمع منها جوازه تكليفا، لعدم النهي عنه مع اقتضاء السؤال للنهي عنه، كما في معتبر محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام): في الرجل يصوم يوم الذي يشك فيه من رمضان فقال: عليه قضاؤه وإن كان كذلك (3) وفي عدة اخرى من أخبار الباب السادس من أبواب وجوب النية (4). ويستدل ببعض منها للمنع، كخبر الزهري قال: سمعت علي بن


1 - مستمسك العروة الوثقى 8: 226، مدارك الاحكام 6: 34. 2 - تحريرات في الاصول 4: 352 وما بعدها. 3 - تهذيب الاحكام 4: 182 / 507، وسائل الشيعة 10: 25، كتاب الصوم، أبواب وجوب الصوم ونيته، الباب 6، الحديث 1. 4 - وسائل الشيعة 10: 25 - 29، كتاب الصوم، أبواب وجوب الصوم ونيته، الباب 6.

[ 226 ]

الحسين (عليه السلام) يقول: يوم الشك امرنا بصيامه، ونهينا عنه، امرنا أن يصوم الانسان على أنه من شعبان، ونهينا أن يصوم على أنه من شهر رمضان وهو لم ير الهلال (1). ومعتبر الزهري أيضا السابق، وفيه: ونهينا عنه أن ينفرد الرجل بصيامه في اليوم الذي يشك فيه الناس... (2). ويتوجه إلى الاول: أنه لا يتم بالنسبة إلى الصوم رجاء، مع ضعف سنده. وإلى الثاني: أنه نهي متوجه إلى عنوان الانفراد. اللهم إلا أن يقال: بأنه علة النهي عن الصوم ظاهرا. هذا مع أن المنهي ليس عنوان الانفراد المحض، بل هو الانفراد في الصوم، فيكون المقيد منهيا، فيورث البطلان، فتأمل جيدا، وإذا كان باطلا فلا يصح الاتيان به رجاء. اللهم إلا أن يقال: إن النظر فيه أيضا، إلى الاتيان به بعنوان رمضان متجزما، فيكون الصوم المزبور باطلا في هذه الصورة، دون الصورة الاولى. وأيضا بما عن أبي خالد الواسطي، عن أبي جعفر (عليه السلام) في الباب المزبور (3)،


1 - تهذيب الاحكام 4: 164 / 463، وسائل الشيعة 10: 26، كتاب الصوم، أبواب وجوب الصوم ونيته، الباب 6، الحديث 4. 2 - الكافي 4: 85 / 1، وسائل الشيعة 10: 22، كتاب الصوم، أبواب وجوب الصوم ونيته، الباب 5، الحديث 8. 3 - تهذيب الاحكام 4: 161 / 454، وسائل الشيعة 10: 27، كتاب الصوم، أبواب وجوب الصوم ونيته، الباب 6، الحديث 6.

[ 227 ]

إلا أنه أيضا ظاهر في إلحاق غير رمضان برمضان، فلا يشمل الفرض. وربما يستظهر من مرسلة الصدوق عليه الرحمة قال: كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: لئن أفطر يوما من شهر رمضان أحب إلي من أن أصوم يوما من شعبان أزيده في شهر رمضان (1) أن الزيادة جائزة ومستحبة، كما لا يخفى. وبالجملة: حرمة صوم يوم الشك برجاء رمضان تكليفا، غير واضحة، والاخبار ناظرة إلى صومه بعنوان رمضان أي بحيث يصح أن يخبر: بأنه صام صوم رمضان ويحكم بأن اليوم رمضان، وكان يجتزئ به مثلا. المقام الثاني: في جواز الاكتفاء بالصوم الرجائي عن رمضان هل يجوز الاكتفاء بما أتى به رجاء في يوم الشك عن صوم رمضان؟ ولو قلنا بحرمة الصوم التشريعي هنا حسب القواعد، فهل يجتزئ به، أم عليه قضاء اليوم الذي صامه، أم يفصل بين الصورتين؟ وربما يحمل على الاولى (2) ما عن العماني وشريكه (رحمهما الله) (3). والذي تقتضيه القواعد هو الاجتزاء، لما عرفت من أن الواجب ليس إلا الامساك القربي (4). مع أنه زاد عليه ونوى رجاء مثلا، ولا يعتبر


1 - الفقيه 2: 79 / 349، وسائل الشيعة 10: 28، كتاب الصوم، أبواب وجوب الصوم ونيته، الباب 6، الحديث 8. 2 - جواهر الكلام 16: 208، مصباح الفقيه 14: 342. 3 - تقدم في الصفحة 223، الهامش 7. 4 - تقدم في الصفحة 47 و 95 و 104.

[ 228 ]

الجزم بالنية، بل ولو كان مشرعا. فالعمدة هي أخبار المسألة الناطقة بنفس واحد على أنه يقضي وإن تبين أنه رمضان، وإليك نبذة منها: منها: ما في التهذيب بإسناده عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام) في الرجل يصوم اليوم الذي يشك فيه من رمضان. فقال (عليه السلام): عليه قضاؤه وإن كان كذلك (1). ويناقش فيه: بأن المفروض فيه هو الصوم الفارغ عن الشعبانية والرمضانية، بل يصوم وهو في يوم الشك، فلا يدل على المقصود، وهو البطلان فيما إذا نوى رمضان رجاء، أو تشريعا. وما في كتب المتأخرين من سقوط جملة وإن كان كذلك عن المعنى (2)، فهو غير متين كما عرفت. هذا مع كون من رمضان متعلقا بقوله يصوم حتى يفيد أنه يصوم على أنه رمضان، خلاف الاسلوب العربي. ومنها: ما في التهذيب بإسناده عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال في يوم الشك: من صامه قضاه وإن كان كذلك يعني من صامه على أنه من شهر رمضان... إلى آخره (3).


1 - تهذيب الاحكام 4: 182 / 507، وسائل الشيعة 10: 25، كتاب الصوم، أبواب وجوب الصوم ونيته، الباب 6، الحديث 1. 2 - مستند العروة الوثقى، كتاب الصوم 1: 72. 3 - تهذيب الاحكام 4: 162 / 457، وسائل الشيعة 10: 27، كتاب الصوم، أبواب وجوب الصوم ونيته، الباب 6، الحديث 5.

[ 229 ]

ويناقش فيه: بعدم ثبوت الذيل من كلامه (عليه السلام) (1) كما هو المظنون، وقضية إطلاق الصدر هو أن يصوم فارغا من النية. ومنها: خبر سماعة قال قلت لابي عبد الله (عليه السلام): رجل صام يوما، ولا يدري أمن شهر رمضان هو أم من غيره، فجاء قوم فشهدوا أنه كان من رمضان، فقال بعض الناس عندنا: لا يعتد به. فقال (عليه السلام): بلى. فقلت: إنهم قالوا صمت وأنت لا تدري أمن شهر رمضان هذا أم من غيره. فقال: بلى، فاعتد به، فإنما هو شئ وفقك الله له، إنما يصام يوم الشك من شعبان، ولا يصومه من شهر رمضان، لانه قد نهي أن ينفرد الانسان بالصيام في يوم الشك، وإنما ينوي من الليلة أنه يصومه من شعبان، فإن كان من شهر رمضان أجزأ عنه بتفضل الله، وبما قد وسع على عباده، ولولا ذلك لهلك الناس (2). ويشكل سنده لاجل عثمان بن عيسى العامري الرواثي الواقفي، ولم يصرحوا بوثاقته (3)، ولا يتم كلام الكشي في حقه (4)، وقد ضعفه العلامة في كتبه (5)، وإن حسن طريق الصدوق إلى سماعة


1 - مستند العروة الوثقى، كتاب الصوم 1: 71. 2 - الكافي 4: 82 / 6، وسائل الشيعة 10: 21، كتاب الصوم، أبواب وجوب الصوم ونيته، الباب 5، الحديث 4. 3 - رجال النجاشي: 300 / 817، معجم رجال الحديث 11: 117. 4 - رجال الكشي: 597 / 1117. 5 - رجال العلامة: 244.

[ 230 ]

وهو فيه (1)، ولكنه غير كاف. نعم، هو كثير الرواية، وقد روى عنه المشايخ، كصفوان وأضرابه (2)، والمسألة بعد محل التدبر. وأما دلالته فهي واضحة، بناء على كون النهي يفيد الفساد. وسيأتي توضيح المقال في ذيل بعض الاخبار إن شاء الله تعالى (3). ومثله حديث الزهري السابق (4). ثم إن هاهنا روايات اخر (5) ربما تشعر معارضتها، وتؤيد القول بالاجزاء الموافق للقاعدة، ولاسيما إذا قصد الاتيان بالصوم رجاء. نعم لو قلنا: بأن الصوم في يوم الشك لا يعقل أن يتعلق به الارادة الجدية، فلا يكون إلا الاخطار الصوري والاتيان الرجائي، أو البنائي التجزمي بالاخبار والاعلان، فيشكل التصديق الظاهري، فإنه حينئذ لا يحصل فرق بين الصورتين على الوجه الواضح، فتأمل. ومنها: معتبر معاوية بن وهب قال قلت لابي عبد الله (عليه السلام): الرجل يصوم اليوم الذي يشك فيه من شهر رمضان، فيكون كذلك.


1 - الفقيه، شرح المشيخة 4: 11، رجال العلامة: 277. 2 - معجم رجال الحديث 8: 300 - 301. 3 - يأتي في الصفحة 235. 4 - الكافي 4: 85 / 1، وسائل الشيعة 10: 22، كتاب الصوم، أبواب وجوب الصوم ونيته، الباب 5، الحديث 8، تقدم في الصفحة 219. 5 - وسائل الشيعة 10: 22 و 24، كتاب الصوم، أبواب وجوب الصوم ونيته، الباب 5، الحديث 5 و 6 و 11.

[ 231 ]

فقال: هو شئ وفق له (1). ولو كان قوله من شهر رمضان متعلقا بقوله يصوم تقع المعارضة بين خبر سماعة والخبرين الاولين بناء على المعنى المعروف لهما. ودعوى: أن الخبرين السابقين يحملان على الصوم على أنه من رمضان، وهذا على أنه صام بعنوان شعبان، أو على الاطلاق بحسب النية (2)، بلا بينة ولا برهان. وما قيل: من أن خبر سماعة (3)، وخبري الزهري السابقين (4)، ترفع الابهام والمعارضة (5) غير مسموع، لامكان كون مورد تلك الاخبار الصوم على أنه من رمضان، كما هو ظاهرها، ومورد هذه الاخبار الصوم الفارغ عن النية. فتحصل: أن ما يمكن أن يستند إليه فتوى المشهور، منحصر بخبر الزهري المزبور في الباب الخامس (6)، لا المذكور في الباب


1 - الكافي 4: 82 / 3، وسائل الشيعة 10: 22، كتاب الصوم، أبواب وجوب الصوم ونيته، الباب 5، الحديث 5. 2 - جواهر الكلام 16: 209 - 210. 3 - الكافي 4: 82 / 6، وسائل الشيعة 10: 21، كتاب الصوم، أبواب وجوب الصوم ونيته، الباب 5، الحديث 4. 4 - تقدما في الصفحة 219 و 226. 5 - الحدائق الناضرة 13: 38، مستند العروة الوثقى 1: 73. 6 - وسائل الشيعة 10: 22، كتاب الصوم، أبواب وجوب الصوم ونيته، الباب 5، الحديث 8.

[ 232 ]

السادس (1)، فإن الاول معتبر عندنا دون الثاني، كما مر تفصيله (2). وقد عرفت ما في خبر سماعة أيضا من المناقشة في سنده (3)، وتوهم الانجبار في غير محله، بعد وجوب الاخبار الاخر القابلة للاستناد إليها، فليتأمل جيدا. بقي شئ: وهو التعارض بين المستند المزبور مع ما رواه التهذيب عن سماعة قال: سألته عن اليوم الذي يشك فيه من شهر رمضان، لا يدري أهو من شعبان، أو من شهر رمضان، فصامه من شهر رمضان. فقال: هو يوم وفق له، لا قضاء عليه (4). رواه عن الكافي: فصامه فكان من شهر رمضان (5). ويشكل الخبر تارة: لاجل محمد بن عيسى، فإنه العبيدي اليقطيني، لروايته عن يونس. ولو قلنا باعتباره كما لا يبعد، ولكن فيما ينفرد به الاشكال أيضا، كما عن ابن الوليد (6). واخرى: بأن رواية الشيخ عن الكافي فلا تعارض الكافي (7).


1 - تهذيب الاحكام 4: 164 / 463، وسائل الشيعة 10: 26، كتاب الصوم، أبواب وجوب الصوم ونيته، الباب 6، الحديث 4. 2 - تقدم في الصفحة 225 - 226. 3 - تقدم في الصفحة 229 - 230. 4 - تهذيب الاحكام 4: 181 / 503. 5 - الكافي 4: 81 / 2، وسائل الشيعة 10: 22، كتاب الصوم، أبواب وجوب الصوم ونيته، الباب 5، الحديث 6. 6 - رجال النجاشي: 333 / 896، معجم رجال الحديث 17: 113. 7 - الحدائق الناضرة 13: 39، مصباح الفقيه 14: 344 - 345.

[ 233 ]

وفيه: أن الكافي الموجود عنده ربما كان أصح من الكافي الموجود بأيدينا، وهذا مما يقبل عند كثير من المدققين. ودعوى: أنهما الخبران، كما قيل في باب اختلاف النسخ، بعيدة عن الافهام العادية. هذا، ولكن الجمع بين الاخبار، بالاخذ بالمطلقات الناطقة بالصحة، وتقييدها بصورة الصوم عن رمضان، لاجل ما مر، وحمل هذا الخبر على صورة الجهل، غير بعيد إنصافا، لانه أمر بعيد عن الناس. إلا أن يقال: إن سماعة افترض المسألة فرضا، فتأمل. وربما يمكن دعوى: أن المعارضة بين الطائفتين، ترتفع بحمل الناطقة بعدم الاجزاء على التقية (1). ويؤيد ذلك ذهاب القديمين - العماني والاسكافي - إلى الاجزاء (2)، فإنهما أخبرا بوجود الاخبار. ويؤيد ذهابهم إلى عدم الاجزاء - مضافا إلى ما في كتبهم، مع بعض الاختلافات - ما رواه الكافي عن محمد بن حكيم قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن اليوم الذي يشك فيه، فإن الناس يزعمون أن من صامه بمنزلة من أفطر في شهر رمضان. فقال: كذبوا، إن كان من شهر رمضان فهو يوم وفق له، وإن كان من غيره فهو بمنزلة ما مضى من الايام (3).


1 - مجمع الفائدة والبرهان 5: 162، مصباح الفقيه 14: 341. 2 - تقدم في الصفحة 223، الهامش 6 و 7. 3 - الكافي 4: 83 / 8، وسائل الشيعة 10: 22، كتاب الصوم، أبواب وجوب الصوم ونيته، الباب 5، الحديث 7.

[ 234 ]

تتمة: في بيان الحكم الواقعي لصوم يوم الشك يوم الشك إذا كان بحسب الواقع رمضان يكون الامر الواقعي والحكم الالهي، هو أن يصوم من رمضان مثلا، فهل مع الشك في ذلك، يصير الواقع الاولي وجوب الصوم شعبان؟ وهذا غير معقول، فعلى هذا يكون الحكم الظاهري أن يأتي بصوم شعبان لو أراد أن يصوم. وأما الصوم بنية رمضان، وعلى أنه من رمضان، فليس من المحرم واقعا، بل هو الواجب غير المنجز، والنهي الوارد في الشرع عن الصوم بعنوان رمضان، يكون حكما واقعيا أيضا. وأما رجوع النهي المزبور إلى محرمية الصوم في الغد واقعا، فهو خلاف التحقيق، فلابد أن يرجع إلى حرمة الاتيان بعنوان رمضان، فلا يكون الامساك محرما، بل المحرم قصد يقارنه من غير أن يسري إليه، لان الامساك الرمضاني المطلق عن كل لون، واجب واقعي، فعندئذ لا يكون النهي عن الامساك معقولا إلا بكونه منهيا واقعا، وهو خلاف الادلة. وبعبارة اخرى: لا يعقل أن تكون الطبيعة المطلقة مطلوبة على نعت الاطلاق، وتكون الحصة منها محرمة، بحيث يكون المطلق مع الحصة مطلوبا أيضا، وعندئذ إما يلزم التزاحم الممنوع هنا، أو يلزم أن نقول: بأن المحرم إلحاق القصد والتشريع الصوري بالواجب، فلا يصير النهي عن الصوم الوارد في الاخبار السابقة، مورثا للفساد والبطلان، فتأمل.

[ 235 ]

تتميم: في بيان علاج آخر لرفع التعارض بين الاخبار يمكن دعوى إطلاق الطائفة الاولى من الاخبار السابقة، كمعتبر محمد بن مسلم (1)، وهشام بن سالم (2)، ودلالتها على القضاء الملازم للبطلان على الاطلاق، وخرج منها أن ينوي بعنوان شعبان، فيكون الصوم بلانية أو بنية رمضان أو رجاء، باقيا تحته، فقوله: من رمضان في تلك الاخبار وإن كان متعلقا بقوله: يشك لا يضر بمقصود المشهور. وتوهم انتفاء الملازمة بين وجوب القضاء والبطلان، بدعوى أنه نوع كفارة، خروج عن المتفاهم العرفي. ولو قيل: في الاخبار بعض المطلقات الناطقة بصحة الصوم، كمعتبر ابن وهب السابق (3)، وخبر بشير النبال (4). قلنا: تنقلب النسبة بعد التقييد، فلاحظ وتأمل. فتحصل لحد الان أن لفتوى المشهور سندين على سبيل منع الخلو:


1 - تهذيب الاحكام 4: 182 / 507، وسائل الشيعة 10: 25، كتاب الصوم، أبواب وجوب الصوم ونيته، الباب 5، الحديث 1. 2 - تهذيب الاحكام 4: 162 / 457، وسائل الشيعة 10: 27، كتاب الصوم، أبواب وجوب الصوم ونيته، الباب 6، الحديث 5. 3 - الكافي 4: 82 / 3، وسائل الشيعة 10: 22، كتاب الصوم، أبواب وجوب الصوم ونيته، الباب 5، الحديث 5، تقدم في الصفحة 231. 4 - الكافي 4: 82 / 5، وسائل الشيعة 10: 21، كتاب الصوم، أبواب وجوب الصوم ونيته، الباب 5، الحديث 3.

[ 236 ]

إما دعوى: أن الصوم عن رمضان منهي، وهو يوجب الفساد. أو دعوى: أن الامر بالقضاء الوارد في الادلة، مخصوص بهذه الصورة، أو يشمل حسب إطلاقها، تلك الصورة. وقد عرفت المناقشة من الناحية الاولى (1)، وأما من الناحية الثانية فإثبات الاطلاق - بعد كون الظاهر منها أن فرض كون الصوم فارغا عن النية، مورد السؤال والابتلاء نوعا - مشكل، وإلا فيتم مطلوبهم. اللهم إلا أن يقال: إذا ثبت القضاء في صورة خلو الصوم من عنوان رمضان، فإذا نواه عن رمضان فثبوت القضاء بنحو أولى، فليتدبر جيدا. بقي بحث آخر: إذا صام يوم الشك بنية رمضان ثم بان أنه من شعبان وهو ما إذا تبين الغد أنه من شعبان، فقد عرفت أن المشهور على البطلان (2)، وربما يعلل ذلك بأنه نوى رمضان، فلا يقع عن شعبان حسب الاصل والقاعدة (3). وفيه: أن عنوان الشعباني ليس من المنوعات لطبيعة الصوم، فلو أمسك في شعبان قربة إلى الله تعالى يصح صومه بلا شبهة. نعم، ربما يترتب الثواب الخاص الشعباني على القصد، إن لم يكن لدليل الثواب إطلاق.


1 - تقدم في الصفحة 234. 2 - تقدم في الصفحة 223. 3 - الحدائق الناضرة 13: 34.

[ 237 ]

ومقتضى القاعدة هو الصحة. نعم بناء على كونه منهيا عنه، ويكون الصوم المتشرع به باطلا، يلزم بطلانه هنا أيضا. ولكن الانصاف: أن جهة النهي في هذه الاخبار ليست إلا كونه أحد موارد التشريع، وأن المحرم هو أن يصوم عن رمضان بعنوان يلحق قيد رمضان بما نواه قربة إلى الله تعالى، وبناء عليه يختص الحكم بالعالم، لان الجاهل لا يكون مشرعا. إن قلت: ظاهر الادلة هي حرمة الصوم على أنه من رمضان (1). قلت: نعم، ولكنه خلاف ما هو المتفاهم من الادلة الواقعية المتكفلة لوجوب صوم رمضان، ولا سيما مع انسباق الاتيان بصوم رمضان بعنوانه. اللهم إلا أن يقال: إن الواجب بتلك الادلة، هو الامساك القربي في شهر رمضان، ومن شرائط صحة الامساك المزبور عدم اقترانه بنية رمضان في يوم الشك (2)، وعندئذ لا تتم المناقشة الاخيرة في الجهة الاولى، والسند الاول المزبور لفتوى المشهور يكون هو المستند. ثم إن هنا رواية عن المقنع عن عبد الله بن سنان: أنه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل صام شعبان، فلما كان شهر رمضان أضمر يوما من شهر رمضان، فبان أنه من شعبان، لانه وقع فيه الشك. فقال: يعيد ذلك اليوم، وإن أضمر من شعبان فبان أنه من رمضان فلا


1 - مصباح الفقيه 14: 338. 2 - لاحظ جواهر الكلام 16: 212.

[ 238 ]

شئ عليه (1). ودلالته على البطلان لقوله يعيد أقوى مما سبق، فتدبر. الجهة الخامسة: حكم صوم يوم الشك بنية الترديد إن صام يوم الشك على أنه إن كان رمضان فيقع عن رمضان، وإن كان شعبان فيقع تطوعا، ففيه قولان: فعن موضع من التذكرة دعوى الاجماع على عدم الاجزاء، معللا بعلل (2) لا ترجع إلى محصل، وفي المدارك نسبته إلى أكثر المتأخرين (3)، وهو ظاهر الشرائع بل وابن إدريس (4). وينافي الاجماع المزبور ذهاب الشيخ إلى الاجزاء في المبسوط والخلاف (5) وهو المحكي عن العماني، وابن حمزة، والعلامة في المختلف (6) والشهيد في ظاهر الدروس والبيان (7) وهو المحكي


1 - المقنع: 186، وسائل الشيعة 10: 23، كتاب الصوم، أبواب وجوب الصوم ونيته، الباب 5، الحديث 10. 2 - مستمسك العروة الوثقى 8: 225، تذكرة الفقهاء 6: 20. 3 - مدارك الاحكام 6: 37. 4 - شرائع الاسلام 1: 169، السرائر 1: 384. 5 - المبسوط 1: 276 - 277، الخلاف 2: 179، المسألة 21. 6 - مختلف الشيعة 3: 383، الوسيلة: 140. 7 - الدروس الشرعية 1: 267، البيان: 359.

[ 239 ]

عن تمايل الاردبيلي والكاشاني (1). وقد تشبث كل بوجوه عقلية إختراعية غير فقهية، والذي تقتضيه القواعد المحررة هي الصحة. والعجب من الجملة المنسوبة إلى الشيخ الاعظم الانصاري (قدس سره) من المناقشة في الصحة، لاجل المناقشة في النية وحصولها (2)! مع أنه أعرف بأحكام هذه البحوث. وعلى كل تقدير: لا يكون ناوي صوم الغد، إلا ناوي الامساك القربي المتعين قهرا للفرض إن وقع في رمضان، كما عرفت (3) من ذيل معتبر الزهري (4)، وإن كان ينافيه - حسب الظاهر - ذيل خبر سماعة، حيث قال فيه بالاجزاء تفضلا وتوسعا (5)، ولكن معناه هو أن الشرع يتفضل أو يوسع في الواجب، لعدم اعتبار النية الزائدة عن القربة، وما ظنه الفقيه الهمداني (قدس سره) (6) هنا، غير تام. ولو قلنا: بأن الترديد المزبور في غير ما نحن فيه يضر، لانه لا يكون العمل متلونا بلون، ولا يمكن تعيين لونه حينئذ، ولكنه فيما نحن فيه لا يضر، لان الواجب بلا لون، وهكذا المندوب، ضرورة عدم اعتبار


1 - مجمع الفائدة والبرهان 5: 164، الوافي 11: 107. 2 - مستمسك العروة الوثقى 8: 226، الصوم، الشيخ الانصاري 12: 121. 3 - تقدم في الصفحة 219. 4 - الكافي 4: 85 / 1، وسائل الشيعة 10: 22، كتاب الصوم، أبواب وجوب الصوم ونيته، الباب 5، الحديث 8. 5 - الكافي 4: 82 / 6، وسائل الشيعة 10: 21، كتاب الصوم، أبواب وجوب الصوم ونيته، الباب 5، الحديث 4. 6 - مصباح الفقيه 14: 351 - 352.

[ 240 ]

قصد الشعبانية والرمضانية. وأما خبر بشير النبال، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن صوم يوم الشك فقال: صمه، فإن يك من شعبان كان تطوعا، وان يك من شهر رمضان فيوم وفقت له (1). فلا يستظهر منه هذه الصورة، لظهوره فيما لم يتردد في النية، بل يقصد صوم الغد، فإن من المحتمل أن تضر النية المزبورة شرعا وتعبدا. نعم، قضية إطلاق معتبر ابن مسلم (2)، وهشام بن سالم (3) - على الوجه الذي استشهدنا بهما - بطلان مطلق الصوم، خرج منه الصوم بنية شعبان على النسبة والاستصحاب. اللهم إلا أن يقال: بأن إثبات الاطلاق في الاول، مرهون برجوع القيد والجار إلى قوله: يشك وهو خلاف فهم الجمهور (4). نعم، إطلاق الخبر الثاني سليم من هذه المناقشة، لا لاجل ذيله المحتمل كونه من كلامه (عليه السلام) فعلى هذا تحصل أن القول بالصحة قوي جدا.


1 - الكافي 4: 82 / 5، وسائل الشيعة 10: 21، كتاب الصوم، أبواب وجوب الصوم ونيته، الباب 5، الحديث 3. 2 - تهذيب الاحكام 4: 182 / 507، وسائل الشيعة 10: 25، كتاب الصوم، أبواب وجوب الصوم ونيته، الباب 6، الحديث 1. 3 - تهذيب الاحكام 4: 162 / 457، وسائل الشيعة 10: 27، كتاب الصوم، أبواب وجوب الصوم ونيته، الباب 6، الحديث 5. 4 - لاحظ مجمع الفائدة والبرهان 5: 161، رياض المسائل 1: 303 / السطر 31.

[ 241 ]

فرع: لو كان طرف رمضان غير الصوم المندوب في شعبان كما إذا تردد بين الكفارة ورمضان والقضاء، بل وقضاء المندوب الخاص ورمضان، فربما يشكل الامر، لاجل أن الامساك الخارجي المشتغل به لا يتلون إلا بتلوين العامل، ولو تردد الملون فلا يتحقق للمتلون وجه إلا دعوى القهرية، وهي غير واضحة السبيل، فلا يقاس ما نحن فيه بالتردد في النية في سائر المقامات. وإن شئت قلت: مجرد قول العامل إن كان عصرا فعصر، وإن كان ظهرا فظهر، أو إن كان قضاء فقضاء، وإن كان كفارة فكفارة وهكذا، لا يكفي، للحاجة إلى إمضائه شرعا، حتى يعتبر أنه إذا كان بحسب الواقع قضاء، ينطبق عليه عنده، فليتدبر جيدا. وبالجملة: فيما نحن فيه لا يلزم من الترديد المذكور ترديد في النية، بل يحصل منه التردد في المنوي، وذلك لان من كان بانيا على صوم الغد تطوعا أو فرضا، فقد نوى الامساك القربي بالضرورة، ولكنه لا يدري أن المنوي هو من شعبان، أم رمضان، وهذا لا يضر، لانه إن تبين من شعبان فلا يعتبر لصحة الصوم إلا ما قد أتى به وإن تبين من رمضان فقد وقع الفرض بعينه وأما إذا نوى صوم الغد كفارة، أو من شهر رمضان، فإن تبين رمضان فالامر كما اشير إليه وإن تبين من شعبان، فوقوعه بعنوان الكفارة يحتاج إلى الدليل على كفاية الكيفية المزبورة لتلون الصوم والامساك

[ 242 ]

القربي بها. وهكذا في غير ما نحن فيه، فإن نوى الصلاة التي يصليها عن النذر الاحتمالي، أو الندب، فإن تبين فراغ ذمته تقع ندبا، لما لا يعتبر في المندوب إلا ما قد قصده، حسبما تحرر منا في محله (1) وإن تبين اشتغال ذمته بالمنذور، فكفاية النية المزبورة تحتاج إلى الدليل، ضرورة أنه حين الاشتغال بالعمل الخارجي المشترك بين أنواع الصلوات، لم يلون العمل بلون النذر إلا على نحو التعليق، ونفوذ هذا التعليق والشرط محتاج إلى الشرع. ومما ذكرنا يظهر ضعف ما في العروة الوثقى من تصوير الصورة الثالثة، ثم الرابعة (2)، مع أنهما في الحقيقة واحدة ولو كان بنحو التقييد، لان التقييد العنواني لا يضر بما كان في قصده الفعلي، وهو صوم الغد قربة إلى الله. وهذا نظير ما إذا صلى مقتديا بالامام إن كان زيدا، فإنه بحسب الخارج لا يعقل، إلا أنه قد وقع ائتمامه بهذا الخارج الجزئي، فإذا كان عادلا صحت الجماعة مطلقا، وللمسألة تفصيل يطلب من مقام آخر (3). كما يظهر أيضا ضعفه في قوله بالتسوية بين كون طرف الترديد الصوم المندوب، أو الصوم المفروض (4).


1 - تحريرات في الفقه، الواجبات في الصلاة: 33 - 35. 2 - العروة الوثقى 2: 174، كتاب الصوم، فصل في النية، ذيل المسألة 17. 3 - العروة الوثقى 1: 768، فصل في الجماعة، المسألة 12، تحرير الوسيلة 1: 266، فصل في صلاة الجماعة، المسألة 5. 4 - العروة الوثقى 2: 173، كتاب الصوم، فصل في النية، ذيل المسألة 17، الوجه الاول.

[ 243 ]

ويظهر مما سلف قوة ما في تحرير الوسيلة من تصحيح الصوم في صورة الترديد مع كون طرفه المندوب (1)، ولم يفصل بين الصور، لرجوعها إلى صورة واحدة كما عرفت، والامر سهل. ثم إنه يظهر مما سلف حكم ما إذا صام غافلا عن النية أصلا وحكم سائر الفروض في المسألة. بقي بحث: فيما إذا صام يوم الشك من رمضان جاهلا أو ناسيا إذا صام من رمضان جاهلا أو ناسيا، فربما يتخيل بدوا أنه بالنسبة إلى الجاهل المركب باطل، دون العالم، لما لا يتمكن من نية الفرض، ولا من الشاك الملتفت كما هو الظاهر. ومقتضى إطلاق فتواهم البطلان بالنسبة إليهما أيضا. ومن الممكن دعوى اختصاص البطلان بمن يتمكن من التشريع (2)، على الوجه المحرر المقصود في محله (3)، وأما الجاهل والناسي فلا يحصل منهما التشريع، فليس الصوم منهيا حتى يكون باطلا. اللهم إلا أن يقال: بأن ظاهر خبر الزهري (4) هو أن الصوم منهي،


1 - تحرير الوسيلة 1: 280، كتاب الصوم، القول في النية، المسألة 5. 2 - مدارك الاحكام 6: 34، مصباح الفقيه 14: 342، مستند العروة الوثقى، كتاب الصوم 1: 74. 3 - تحريرات في الاصول 4: 351 - 362. 4 - تهذيب الاحكام 4: 164 / 463، وسائل الشيعة 10: 26، كتاب الصوم، أبواب وجوب الصوم ونيته، الباب 6، الحديث 4.

[ 244 ]

فيكون باطلا مطلقا (1). اللهم إلا أن يقال: إطلاق الادلة هنا ممنوع، لقوة كونها في مقابل فتوى العامة بالبطلان والحرمة، فتكون ظاهرة في أصل التفصيل بين نية شعبان ونية رمضان، من غير كونها في مقام بيان الحرمة على الاطلاق في الفرض الثاني (2)، فاغتنم. وأما الادلة الناطقة بالقضاء، فعلى تقدير تمامية دلالتها - على ما فيها من المناقشات (3) - فهي ظاهرة في صورة العلم والالتفات، فإن المفروض فيها أن الرجل يصوم اليوم الذي يشك فيه... (4)، ولا معنى لان يشك فيه الجاهل أو الناسي الموضوع. وإمكان أن يقرأ على صيغة المجهول، لا يفيد بعد احتمال كونه معلوما. نعم، في خبر هشام بن سالم أنه قال في يوم الشك: من صامه قضاه وإن كان كذلك (5) ومقتضى إطلاقه وجوب القضاء على الجاهل والناسي بالحكم والموضوع، ولا يضر ذيله بالصدر من هذه الجهة. اللهم إلا أن يقال: إن قوله يعني من صامه على أنه من شهر رمضان


1 - الحدائق الناضرة 13: 36 - 37. 2 - مصباح الفقيه 14: 341. 3 - تقدم في الصفحة 228 - 229. 4 - تهذيب الاحكام 4: 182 / 507، وسائل الشيعة 10: 25، كتاب الصوم، أبواب وجوب الصوم ونيته، الباب 6، الحديث 1. 5 - تهذيب الاحكام 4: 162 / 457، وسائل الشيعة 10: 27، كتاب الصوم، أبواب وجوب الصوم ونيته، الباب 6، الحديث 5.

[ 245 ]

بغير رؤية قضاه يورث قصورا، وذلك لظهور قوله بغير رؤية في الالتفات والتوجه. وحمله على السلب الاعم خلاف المتفاهم العرفي، فتأمل جيدا. فتحصل لحد الان: أن بطلان الصوم على الاطلاق لا يخلو من الاشكال جدا، ومقتضى القواعد حينئذ صحته، وقد عرفت في الوجوه التي ذكرناها جمعا للمعارضة بين أخبار المسألة: أن بعضا منها ينظر إلى صورة الالتفات والعلم بالحكم، والاخر إلى صورة الجهل (1)، والله العالم بحقائق الامور. ثم إن دعوى التفصيل بين الجاهل بالحكم وناسيه فيبطل، والجاهل بالموضوع وناسيه فلا يبطل، قريبة، وذلك لان معتبر ابن مسلم (2)، وخبر هشام (3)، إطلاقهما محفوظ من هذه الجهة. إن قلت: لا يتصور الجهل والنسيان الموضوعي. قلت: نعم، إذا كان يوم الشك معناه يوم يشك فيه المكلف، وأما إذا اريد منه يوم يشك فيه الناس، فإنه به يصير يوم الشك، وربما - عندئذ - يجهل أو ينسى. مع أنه يمكن أن يشك فيه أحد في أول الليل، ويكون حكمه أن يصوم من شعبان، وإن زال شكه، لا إلى علم، بل إلى غفلة ونسيان، فيصوم حين طلوع الفجر عن رمضان، نسيانا مع أن اليوم يوم الشك، فلاحظ وتدبر.


1 - تقدم في الصفحة 232 - 233. 2 - تقدم في الصفحة 225. 3 - تقدم في الصفحة 228 - 229.

[ 246 ]

فروع الفرع الاول: لو أصبح يوم الشك بنية الافطار ثم بان أنه من الشهر فإن تناول المفطر فعليه القضاء بلا خلاف (1)، وعليه النص (2). وإنما الكلام في وجوب إمساك بقية النهار شرعا وجوبا تأديبيا، أو حرمة الاتيان بالمفطرات شرعا، أم يحرم الاعلان والاظهار بالاكل وشبهه. فالذي هو المحكي عن جملة من العامة (3) وعموم الخاصة هو الاول (4)، ويظهر من الشيخ الاعظم (قدس سره) المناقشة في ثبوت الحكم، لما لم يجد عليه دليلا ظاهرا (5). وما تمسك به جماعة من المتأخرين (6) من حديث الاعرابي (7)، فغير


1 - الخلاف 2: 179، تذكرة الفقهاء 6: 19، العروة الوثقى 2: 174، كتاب الصوم، فصل في النية، المسألة 18. 2 - وسائل الشيعة 12: 12، كتاب الصوم، أبواب وجوب الصوم ونيته، الباب 2، الحديث 8. 3 - الخلاف 2: 179، المعتبر 2: 652، تذكرة الفقهاء 6: 20 - 21، المغني، ابن قدامة 3: 71 / السطر 4. 4 - الخلاف 2: 179، منتهى المطلب 2: 561 / السطر 23، تذكرة الفقهاء 6: 19 - 20، مستمسك العروة الوثقى 8: 228. 5 - الصوم، الشيخ الانصاري 12: 123. 6 - مصباح الفقيه 14: 353، مستمسك العروة الوثقى 8: 228، مهذب الاحكام 10: 44. 7 - المعتبر 2: 646، المبسوط، السرخسي 3: 62 / السطر 12.

[ 247 ]

نقي، والانجبار (1) غير ثابت، لعدم الشهرة العملية. ومثله التمسك (2) بحديث الميسور (3) واشباهه (4). وأما التمسك بأن الصوم والامساك واجب في جميع إجزاء النهار، حسب الاطلاق المستفاد من الكتاب، وقد خرج منه المسافر والمريض والصبي وبعض العناوين الاخر للدليل الخاص، فيكون الامساك الاعم لازما (5) وإن لم يكن صوما شرعيا، فهو أيضا غير راجع إلى محصل في الفقه. نعم، يمكن دعوى استفادة الحكم مما ورد في المسافر القادم، الظاهر في أن خصوصية شهر رمضان اقتضت النهي عن المواقعة، والامر بالكف عن الاكل بقية النهار، ومن صوم التأديب في معتبر الزهري السابق: أمر بالامساك بقية النهار، وليس بفرض (6) كما فيه، والمراد أنه ليس الصوم فرضا، لا أن الامساك ليس بفرض، فتأمل. نعم، في الباب السابع من أبواب من يصح منه الصوم عن سماعة قال: سألته...


1 - مصباح الفقيه 14: 353. 2 - رياض المسائل 1: 304 / السطر 17. 3 - عوالي اللالي 4: 58 / 205. 4 - عوالي اللالي 4: 58 / 206 و 207. 5 - مستند العروة الوثقى، كتاب الصوم 1: 80. 6 - الكافي 4: 86، تهذيب الاحكام 4: 294 / 895، وسائل الشيعة 10: 191 - 193، كتاب الصوم، أبواب بقية وجوب الصوم الواجب، الباب 1، الحديث 1.

[ 248 ]

إلى أن قال: لا ينبغي له أن يأكل... (1) إلى آخره. هذا مع أنه لو كان النظر إلى حرمة شهر رمضان فلا ينبغي التفصيل بين ما قبل الزوال وبعده. مع أن هنا نصوصا تدل على جواز الافطار بعد الزوال (2)، إلا أن في خبر سماعة، في الباب السادس قال: أفطر، ولا يأكل شيئا ظاهرا (3) وربما يمكن أن يستفاد منه أن الافطار الظاهر ممنوع، كما يساعده الاعتبار، فإن مفاده النهي مطلقا عن الاكل ظاهرا. ولو كان في الادلة ما يدل على الوجوب أو حرمة الاكل، فقضية الجمع بينهما ذلك بعد إلغاء الخصوصية عن المسافر، وعن المريض، لما في خبر الزهري أيضا قال: وكل من أفطر لعلة في أول النهار، ثم قوي بعد ذلك، امر بالامساك بقية يومه تأديبا، وليس بفرض (4) انتهى، فإن من التقييد بالتأديب يستفاد أن العلة هي الادب ومراعاة حرمة الشهر، فلا يختص به المريض والمسافر، ولا قبل الزوال، ولا بعده. نعم، في خصوص ما بعد الزوال ورد النص بالافطار، ولكن كل واحد


1 - الكافي 4: 132 / 8، وسائل الشيعة 10: 191، كتاب الصوم، أبواب من يصح عنه الصوم، الباب 7، الحديث 1. 2 - تهذيب الاحكام 4: 242 / 710، وسائل الشيعة 10: 193، كتاب الصوم، أبواب من يصح عنه الصوم، الباب 7، الحديث 4. 3 - تهذيب الاحكام 4: 327 / 1020، وسائل الشيعة 10: 191، كتاب الصوم، أبواب من يصح عنه الصوم، الباب 6، الحديث 7. 4 - تهذيب الاحكام 4: 294 / 895، وسائل الشيعة 10: 192، كتاب الصوم، أبواب من يصح عنه الصوم، الباب 7، الحديث 3.

[ 249 ]

من الدليلين يحمل - حسبما سبق - على المنع ظاهرا، والله العالم. وفي أخبار الحائض في النهار أو الطاهرة في أثنائه (1)، ما يؤيد أصل المسألة. الفرع الثاني: توارد نية الصوم الواجب والافطار في يوم الشك قال في العروة الوثقى: لو صام يوم الشك بقصد واجب معين، ثم نوى الافطار عصيانا، ثم تاب فجدد النية بعد تبين كونه من رمضان قبل الزوال، لم ينعقد صومه (2) انتهى مقصوده. وذلك لان صورة إبطال الصوم ولاسيما الواجب المعين منه، خارجة عن الادلة المتكفلة لكفاية النية قبل الزوال، وتصير المسألة شبيهة بمن أبطل صومه في شهر رمضان، ثم نواه قبل أن يحدث حدثا حادثا. والذي يتوجه إلى هذه المسألة أولا: أن تصوير الواجب المعين غير رمضان الواقعي في يوم الشك، غير ممكن، لانه لو فرضنا أنه نذر أن يصوم الغد صوما كذائيا، فإنه إن كان في الواقع رمضان لا ينعقد نذره. وثانيا: لو فرضنا أنه يصح النذر المزبور، لعدم سقوط قابلية شهر رمضان في صورة الشك عن ذلك، ولكنه إذا تبين أنه من رمضان يتعين صومه، لانه الاهم، وعليه قضاء ما نذره بناء على القول به، كما يأتي في


1 - وسائل الشيعة 10: 231 - 233، كتاب الصوم، أبواب من يصح عنه الصوم، الباب 28. 2 - العروة الوثقى 2: 175، كتاب الصوم، فصل في النية، ذيل المسألة 20.

[ 250 ]

محله تفصيله (1). فلا يصح منه مانواه، فلا يكون عاصيا، بل هو متجر، كما أفاده بعض السادة (2). وثالثا: لو سلمنا ممنوعية التجري وحرمته الشرعية، فلا يقصر الفرع عما سبق، فإن إبطال الصوم إذا لم يكن مضرا بصحته بالنية الثانية، فلا فرق بين أن يكون الابطال محرما أو غير محرم. نعم، إن قلنا بخروج هذه الصورة عن تلك الادلة، وقلنا إن مقتضى الاصل لزوم النية من ابتداء الفجر، فالبطلان قوي. ولكن الخروج منها عنده ممنوع، لما أفتى بصحة الصوم الذي أبطله بالعدول عن النية في المسألة الثالثة عشرة (3). ومقتضى الاصل عندنا هي الصحة. نعم، في خصوص شهر رمضان الابطال المحرم خلاف المرتكز، ولا تساعد على تصحيحه الادلة، فليتأمل جيدا. بل لو قلنا به في مطلق الواجب المعين فهو غير بعيد، ولكنه لا يتم فيما نحن فيه، فمجرد كون الابطال محرما، لا يورث سقوط الزمان عن تصحيح الصوم فيه بعد اتساع وقتها. الفرع الثالث: لو نوى القطع أو القاطع في الواجب المعين لو نوى القطع أو القاطع في الصوم الواجب المعين بطل صومه،


1 - مما يؤسف له عدم وصول الكتاب إلى هذه المباحث. 2 - مستمسك العروة الوثقى 8: 229. 3 - العروة الوثقى 2: 173، كتاب الصوم، فصل في النية، المسألة 13.

[ 251 ]

سواء نواهما من حينه، أو فيما يأتي (1). وفي حاشية السيد المحقق الوالد - مد ظله - التفصيل بين نية القطع، بمعنى رفع اليد عن الصوم، ونية القاطع، بمعنى قصد الاتيان بإحدى المفطرات، فيصير باطلا في الفرض الاول، وصحيحا على الثاني وإن استلزم تبعا نية القطع. نعم، لو توجه إلى الاستلزام، ونوى القطع استقلالا، يبطل على الاقوى (2)، وفاقا لما عن الجواهر (3) وللمسألة جهات من الكلام نشير إليها حتى يتضح المرام: الجهة الاولى: حول اشتراط الاستمرار في صحة الصوم إن الاستمرار شرط إليها حتى الصوم، أم لا، فإن كان البقاء على النية شرطا، كان للبحث المزبور وجه، وإلا فلا. والذي تحرر في محله: أن نية الصوم في شهر رمضان خصوصا، ليست إلا قصد الامساك القربي (4)، ولا يعتبر ذلك إلا شرعا، ولو لم يكن الدليل ناهضا على قصد القربة من بدو الامساك، كان قول ابن جنيد (5) في


1 - العروة الوثقى 2: 175، كتاب الصوم، فصل في النية، المسألة 22. 2 - العروة الوثقى 2: 175، كتاب الصوم، فصل في النية، الهامش 5، تحرير الوسيلة: 280، كتاب الصوم، القول في النية، ذيل المسألة 8. 3 - جواهر الكلام 16: 215، مستند العروة الوثقى، كتاب الصوم 1: 84. 4 - تقدم في الصفحة 103 - 104. 5 - تقدم في الصفحة 169.

[ 252 ]

غاية المتانة. وغاية ما يثبت بالاتفاق وحسبما مر من الادلة، هو لزوم النية من ابتداء الفجر، وأما استمراره موضوعا أو حكما فهو مما يمكن المناقشة فيه، لا في مطلق الاعمال العبادية، بل في خصوص الصوم. ولكن الذي عرفت منا (1) أيضا هو لزوم الاستمرار، لما هو المتفاهم من الادلة المتكفلة للنية قبل الزوال مثلا في الصيام الواجب، ومطلقا في المستحب. الجهة الثانية: هل يتصرف الشرع في رفع مضادة الصوم ونية القطع إذا تبين ذلك، فكل شئ ينافي ويضاد الاستمرار المزبور، يوجب الاخلال بالشرط، وهذا يستلزم انتفاء المشروط، ولكن هل للشرع التصرف في هذه المرحلة، بأن لا يرى المضادة بين الصوم وبين نية القطع، فإنها تنفي الشرط، ولا يراها بالنسبة إلى نية القاطع، أم لا يعقل ذلك إلا برجوعه عن اشتراط الاستمرار في الجملة؟ لا شبهة في أنه لا يمكن أن يكون الشرط شرعا الاستمرار الموضوعي الارتكازي، كما هو الحق، أو الاستمرار الحكمي مطلقا، ومع ذلك يرى الشرع صحة الصوم مع نية القاطع، ضرورة أنها بحسب الثبوت والواقع تنافي الاستمرار، وذلك لاجل أنه إذا سئل عن القاصد لاحدى المفطرات إنك تصوم؟ فيجيب لا فكما تكون النية الناقضة هي النية الارتكازية، كذلك تكون المضرة هي الارتكازية منها، فهو في


1 - تقدم في الصفحة 169 - 170.

[ 253 ]

مرتكزه قاصد القطع وعدم الصوم بالضرورة. بقي شئ: هل المفطر في الشريعة هو الانصراف عن نية الصوم أم لا؟ وهو أن الامر لو كان كما تحرر، يلزم كون المفطر في الشريعة واحدا، وأن يكون مبطل الصوم هو الانصراف عنه، مع أن الظاهر من الادلة الشرعية أن الاكل والشرب والجماع تضر الصائم (1). وإرجاع ذلك إلى أن النظر إلى أن النية المتعلقة بسائر الافعال، لا توجب البطلان، بخلاف النية المتعلقة بهما، كما ترى، فيكون ما عد من المفطرات مضرا، إلا أنه فرق بين المفطرية بالذات وبالعرض، ويكفي لصحة الاستناد كون الاكل والشرب مضرين بواسطة النية المتعلقة بهما. وبالجملة: لاجل ذلك ظاهرا فصل الاستاذ الوالد مد ظله - جمعا بين الجهات - بين التبعية والاستقلال (2). وهذا يرجع إلى أن النية الارتكازية التي هي شرط استمرارا في صحة الصوم، لا يبطل بالارتكاز والتبعية شرعا، لا عقلا، فيرجع الامر بالاخرة إلى أن الخلو من النية المزبورة في بعض أجزاء الزمان، غير مضر. ولا أظن أن يتمكن من إثبات ذلك بالنسبة إلى هذا الامر المفروغ


1 - تهذيب الاحكام 4: 189 / 535، وسائل الشيعة 10: 31، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 1، الحديث 1. 2 - العروة الوثقى 2: 175، كتاب الصوم، فصل في النية، الهامش 5.

[ 254 ]

عنه عندهم وعند المتشرعة. ومما يؤيد التفصيل أن الصوم لو بطل بنية القاطع لما لزمت الكفارة، فأدلة جعل الكفارة على الجماع إذا تكرر وعلى الاكل وهكذا، أيضا دليل على عدم فساد الصوم بها. ثم إن نية القاطع كما ترجع إلى القطع، يكون الامر أيضا منعكسا، فإن نية القطع لا تعقل إلا بإرادة الاتيان بإحدى المفطرات، لان الصوم هو نية ترك المفطرات، فلو انصرف عنه فلابد أن يرتكز إتيان واحد منها، كما لا يخفى، والمسألة بعد تحتاج إلى التأمل. الجهة الثالثة: في إخلال التردد بالصوم كما يضر الانصراف يضر التردد، لانه يرجع إلى خلو الزمان من قصد الامساك القربي، كما لا يعقل الجمع بين النية الارتكازية وغيرها وبين ذلك بالضرورة. وأما التردد في الناحية الاخرى المنتهية إلى الترديد في صحة صومه، وأن صومه مأمور به أم لا، وأمثاله، لا في أصل صومه، فلا يضر، لانه لو ضر يلزم بطلان العبادات الاحتياطية. بل لا يعقل صوم، لانه ما من صوم إلا وتجري فيه أصالة الصحة حينئذ، ولا يكون المكلف - إلا نادرا - قاطعا بصحة صومه، ولا يحصل من إجراء القواعد الشرعية القطع الذي هو من الامور التكوينية. بل لا يمكن العلم الوجداني بكون الصوم في اليوم الذي يصومه -

[ 255 ]

ولو في شهر رمضان - مأمورا به، فإن من الشبهات أن لا يكون شهر رمضان ما هو المعروف بين أيدينا من القطعة الخاصة من الزمان. فبالجملة: قد تحرر في محله صحة هذه العبادات لو اتفقت مطلوبيتها (1). بقي شئ: وهو أن هذا الصوم هل يمكن تصحيحه، أم لا؟ وقد مر تفصيله فيما سبق (2). ومما ذكرنا يظهر حال أقسام الصيام الاخر الواجبة المعينة تكليفا وإثما، ووضعا وتصحيحا، فإن الاثم مفروغ عنه، والتصحيح بالنية الثانية لو أمكن للزم عدم الاثم. وحال أقسام الصيام الواجبة غير المعينة، وهكذا المندوب منها، فإن كل ذلك قد مضى الكلام حولها من هذه الجهة، فلا تخلط. فرع: في العدول من صوم إلى صوم آخر قال في العروة الوثقى: لا يجوز العدول من صوم إلى صوم... (3). والذي هو التحقيق: أن العدول حيث يكون على خلاف الاصل، ففيما تعين الصوم - كما في الصيام المعين من الاول، أو المعين بعد الزوال - فلا


1 - لاحظ تحريرات في الاصول 7: 226 - 227. 2 - تقدم في الصفحة 200 - 201. 3 - العروة الوثقى 2: 175، كتاب الصوم، فصل في النية، المسألة 22.

[ 256 ]

يكفي العدول لتصحيح الصوم الثاني، وقد أثم بإبطال الواجب المعين. اللهم إلا أن يقال: بأن في مثل شهر رمضان لا يبطل، لانه بالعدول لا يخرج عن الامساك القربي، وضم النية الزائدة لو فرض تشريعا، لا يوجب الاخلال بالقربة المطلقة التي هي شرط في صحة صومه، على ما تحرر في محله (1). والامر كذلك في غير صومه من المعين إن كان زمانه مثله، فتأمل. وأما فيما لم يتعين الصوم، كما في الواجب غير المعين إلى ما قبل الزوال، والمندوب مطلقا، فربما يقال: بأنه لا يقصر عما سلف من جواز إبطال النية الاولى، وتصحيح الامساك الموجود بالنية الثانية. ويمكن دعوى: أن اعتبار العدول غير الاعتبار المزبور، فإن العدول من الامام إلى الامام الاخر في الجماعة - كما في موارد الاستخلاف - لا تعتبر الصلاة فرادى بين العدلين، فيكون الامر الاول مستداما في الاعتبار، بخلاف ما إذا عدل إلى الفرادى، ثم أراد العدول إلى الجماعة، فإنه لا يصح على المشهور (2)، وفيما نحن فيه أيضا كذلك، فإن العدول من الصوم إلى الصوم الاخر، معناه إبقاء الجهة المشتركة، والتصرف في الجهة القصدية، وأما إبطال الصوم والعدول عن الامساك القربي، فله معنى آخر. هذا وقد مر منا المناقشة في إمكان تصحيح الصوم بعد إبطاله،


1 - تقدم في الصفحة 227 - 228. 2 - جواهر الكلام 14: 31، العروة الوثقى 1: 771، فصل في الجماعة، المسألة 20.

[ 257 ]

وقد انعقد صحيحا (1). وبالجملة: إن اريد من العدول تلفيق الصوم الواحد من صومين، أحدهما: الصوم النذري مثلا إلى ما قبل الزوال، والاخر: الصوم القضائي إلى الغروب، فلا يجوز. وإن اريد منه إبطال الصوم الاول أو ما يرجع إليه، فتصحيح الصوم الثاني موقوف على ما مر من المناقشة فيه، وقد صدقه الاصحاب المتأخرون (2)، فلا يتم ما في العروة من إطلاق منع العدول، ولا سيما في المندوبين. ثم إن الالتزام بأن في يوم الشك، إذا صام عن شعبان، يجب عليه تجديد النية إذا تبين أنه شهر رمضان، لانه من العدول المجاز للنص، مما لا بأس به بناء على صحة قولهم بوجوب تجديد النية، فإن العدول ليس إلا ذلك في ذلك. نعم، بناء على ما حققناه من عدم صحة إيجاب التجديد (3)، لان الصوم المفروض وقع في محله، فلا يكون من موارد العدول، فتبصر. تم ليلة 23 شهر رمضان / 92.


1 - تقدم في الصفحة 201 - 203. 2 - تقدم في الصفحة 203، الهامش 6. 3 - تقدم في الصفحة 222.

[ 259 ]

الموقف الثاني في بيان المفطرات

[ 261 ]

تمهيد أن الامساك عن المفطرات شرط وحرمتها كحرمة الموانع وقبل الشروع في تحديدها وعدها، نشير إلى أن العناوين في كتب الاخبار (1) والمتون الفقهية (2)، توهم وجوب الامساك عن المفطرات وجوبا تكليفيا، وأن الصائم يجب عليه الامساك عن المفطرات. والذي هو التحقيق: أن ما هو الواجب هو الصوم في الصيام الواجب، وأما المفطرات فلا تكون واجبة الامساك، ولا محرمة شرعية، بل وجوبها شرطي، وحرمتها كحرمة الموانع والمضادات، كما في سائر المركبات، والضرورة تشهد بأن من تخلف في صوم شهر رمضان، لا يستحق إلا عقاب ترك الواجب. والقول: بأن الامر بالشئ يستلزم النهي عن الضد، فاسد كما


1 - لاحظ وسائل الشيعة 10: 31 - 40، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 1 - 4. 2 - جواهر الكلام 16: 217، العروة الوثقى 2: 176، كتاب الصوم، فصل فيما يجب الامساك عنه في الصوم.

[ 262 ]

تحرر (1)، ولا سيما في المقام، فإنه الضد الخاص، وقد مضى بعض البحث حوله في الموقف الاول (2). ويشهد لذلك جواز المفطرات في الصيام المندوب مثلا، مع أنها تجب شرطا فيها أيضا بالضرورة. ثم إن ايجاب الامساك عن الامور التالية ليس على ما ينبغي، بناء على أن حقيقة الصوم هي نية تركها إجمالا، فترك هذه الامور اجمالا من الاركان والمقومات لماهية الصوم، ولا يعد واجبا شرطيا في حد سائر الواجبات الغيرية والشرطية. وبالجملة: كل ما كان ركنا لماهية الصوم عرفا أو عد ركنا في الاعتبار الشرعي، فلا يعتبر واجبا شرطيا، ومنه الاكل والشرب والجماع إحتمالا، على ما تحرر سابقا تفصيله (3)، وأما مثل الكذب على الله والارتماس فلا يبعد أن تعد من الشرائط، لعدم مدخليتها في ماهية الصوم العرفي، ولم تعتبر قواما للصوم شرعا. نعم تضر بالصوم، وتصير موجبا لبطلانه، وتفصيل هذه المسألة بحدودها مضى في البحوث السابقة (4). وأما أن الامساك عن أمثال هذه الشرائط واجب، أو تكون تلك الامور من الموانع في الاعتبار، فهو كلام آخر. والتحقيق عندنا: أن اعتبار الموانع الوجودية في المركبات


1 - تحريرات في الاصول 3: 306 و 311. 2 - تقدم في الصفحة 102. 3 - تقدم في الصفحة 8. 4 - تقدم في الصفحة 5 - 12.

[ 263 ]

العرفية، لا يخلو من مناقضة، ولاجل ذلك قوينا رجوع الموانع إلى الشرائط، وتصير أعدامها شرطا، من غير لزوم الاشكال العقلي هنا كما توهمه جمع، وقد فصلنا الكلام حوله في الصلاة (1)، وفي قاعدة لا تعاد... (2) والله العالم. إذا تبين هذا الامر، فالذي لابد من تركه بداعي صحة الصوم امور:


1 - تحريرات في الفقه، الخلل في الصلاة: 75. 2 - رسالة في قاعدة لا تعاد، للمؤلف (قدس سره) مفقودة.

[ 265 ]

الاول والثاني الاكل والشرب وحيث إن المسألة في الجملة من ضروريات الدين في شريعة سيد المرسلين - عليه صلوات المصلين -، بل وفي سائر الشرائع، لا تحتاج إلى الادلة الخاصة من الكتاب والسنة. هل الاكل والشرب يختص بالمتعارف أم لا؟ إنما الكلام في أن الموضوع هو الاكل والشرب حتى يجب الاجتناب عن جميع المأكولات المتعارفة وغير المتعارفة، أم الواجب ترك الطعام والشراب، فلا دليل على لزوم الاجتناب عن غير المتعارف، كما عليه بعض العامة، كالحسن بن صالح (1)، وأبي طلحة الانصاري (2).


1 - المغني، ابن قدامة 3: 36 / السطر 5، المجموع 6: 317 / السطر 6، تذكرة الفقهاء 6: 21. 2 - نفس المصدر.

[ 266 ]

وهو المحكي عن السيد (1)، وابن الجنيد (2)، والمناقشة في صحة النسبة إلى السيد (رحمه الله) (3) غير تامة، لما أن اختلاف الاراء كثير بين الاعلام، فما حكي عنه من المنع بالنسبة إلى غير المتعارف عن المسائل الناصرية (4) لا يشهد على إفتائه بذلك في مطلق رسائله وكتبه. وبالجملة: مال إليه في المحكي عن السيد صاحب المدارك (رحمه الله) (5). والذي تقتضيه الصناعة: أن مفطرية غير المتعارف غير مبرهنة، وذلك لان غاية ما قيل - بل قيل: هو أحسن مقالة في المسألة -: أن مغروسية المفطرية بهما وضروريتها، تبلغ إلى حد لا يحتاج إلى دليل خاص (6)، وقد ادعت الاجماعات القطعية وا لشهرات المحققة عن السلف والخلف بعدم الفرق (7)، فيكون أكل التراب والجص والقاذورات وشرب النفط - وغيره مما تستقذر منه الطباع - كلها من المفطرات. وأنت خبير بما فيه، فإن كون المسألة قطعية عند القدماء، لا يكفي بعد كونها مسألة روائية اجتهادية. ووجود الخلاف من المخالف


1 - تذكرة الفقهاء 6: 22، رسائل الشريف المرتضى 3: 54. 2 - مختلف الشيعة 3: 387. 3 - جواهر الكلام 16: 218. 4 - الناصريات، ضمن الجوامع الفقهية: 242 / المسألة 129. 5 - مصباح الفقيه 14: 364، مدارك الاحكام 6: 43. 6 - مستمسك العروة الوثقى 8: 234. 7 - الغنية، ضمن الجوامع الفقهية: 509 / السطر 12، السرائر 1: 377، تذكرة الفقهاء 6: 21، مصباح الفقيه 14: 363، مستمسك العروة الوثقى 8: 233.

[ 267 ]

والمؤالف وإن شهد على أنها كانت معنونة بين السالفين، إلا أنه لا يدل على أن الاجماع يكشف عن رأي المعصوم وفتوى الائمة (عليهم السلام) كما لا يخفى. هذا. وأما ما قيل: من أن الموضوع هو الاكل والشرب، لا الطعام والشراب، وما ورد في الاخبار من الطعام والشراب في عداد المضرات بالصيام (1)، فهو وإن كان أخص، ولكن المقام ليس من حمل المطلق على المقيد، كما توهمه صاحب المستمسك (2) وغيره (3)، بل هنا يؤخذ بالمطلق الكتابي، ويحمل القيد في الاخبار على بيان أوضح الافراد، وذلك لان حمل المطلق على المقيد إنما يصح فيما إذا كانا مركبين، بأن يكون المقيد مشتملا على مفهوم المطلق مع القيد، كما إذا ورد أكرم العالم ثم ورد أكرم العالم العادل وأما إذا ورد الامر بإكرام العالم، ثم ورد الامر بإكرام النحوي أو الفقيه، فيكون المأخوذ هو المطلق، والمقيد حينئذ محمولا على بيان أحد المصاديق، وتفصيله في الاصول (4). فهو أيضا مخدوش، لان الاكل والشرب ولو كانا أعم من الطعام والشراب، ولكن لو كان في الفقه مورد تصح فيه دعوى الانصراف، لكان ذاك في المقام، ضرورة أن الناس لا يأكلون التراب، ولا يشربون القير والنفط، حتى يحمل إطلاق الكلام الناهي عليه.


1 - وسائل الشيعة 10: 31 - 32، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 1. 2 - مستمسك العروة الوثقى 8: 234. 3 - مستند العروة الوثقى، كتاب الصوم 1: 94. 4 - تحريرات في الاصول 5: 465 - 466.

[ 268 ]

ويؤيد ذلك قويا: أن الامر بالاكل والشرب في الاية الشريفة (1)، كما لا يكون له الاطلاق بالنسبة إلى جواز أكل المحرمات، كذلك النهي عن الاكل والشرب في المقام. ولعمري، إن المسألة وإن كانت واضحة، ولكن ليس مستندها إطلاق الاية أو الرواية. هذا مع أن في صحة إطلاق الاكل على مجرد الازدراد وهكذا في الشرب، مناقشة قوية، نعم يطلق، ولكنه من التوسع والمجاز قويا، فإن الاكل والشرب منشأ اتصاف طائفة من الاشياء بالمأكولات والمشروبات، وهذا يشهد على أخصية الاكل والشرب من الازدراد والادخال في الجوف من الحلق. إن قلت: بناء على هذا يلزم اختلاف المفطرات بحسب الازمنة والامكنة. قلت: هذا على ما في الجواهر (2) ولكنه بمعزل عن الصواب، ضرورة أن ما هو مأكول في قطر من الاقطار يعد هو أكلا. ودعوى الانصراف عنه لا تضر بدعوى الانصراف عما لا يكون مأكولا مطلقا، كما لا يخفى. وبالجملة: يمكن أن لا يصح دعوى الانصراف عن المأكول في الجملة، لانه مأكول الانسان، بخلاف ما لا يؤكل على الاطلاق. وهذا نظير مسألة السجدة على المأكول، فإنه لا يصح ولو كان مأكولا في غير قطر


1 - البقرة (2): 187. 2 - جواهر الكلام 16: 218.

[ 269 ]

المصلي، وأما إذا لم يكن مأكولا على الاطلاق فتصح السجدة عليه، فتبصر. وتؤيد هذه المقالة طائفة من الاخبار. تأييد المقال بطائفة من الاخبار منها: ما في الباب التاسع والثلاثين عن مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) عن آبائه (عليهم السلام): أن عليا (عليه السلام) سئل عن الذباب يدخل في حلق الصائم، قال: ليس عليه قضاء، لانه ليس بطعام (1). ومنها: ما في الباب الخامس والعشرين عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام): في الصائم يكتحل. قال: لا بأس به، ليس بطعام ولا شراب (2). والمقصود من ذكر الخبرين التعليل الوارد فيهما، فإن الاخبار في المسألة متعارضة، وتأتي من ذي قبل إن شاء الله تعالى (3). ومن هنا يمكن صحة دعوى: أن الاخبار الكثيرة الناطقة بالطعام والشراب، مستفيدة من الكتاب العزيز، ومؤيدة للانصراف المزبور الذي صدقه صاحب الحدائق (رحمه الله) (4) فلا يكون ما نحن فيه من باب المطلق


1 - الكافي 4: 115 / 2، وسائل الشيعة 10: 109، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 39، الحديث 2. 2 - الكافي 4: 111 / 1، وسائل الشيعة 10: 74، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 25، الحديث 1. 3 - يأتي في الصفحة 286 - 287. 4 - الحدائق الناضرة 13: 57 - 58.

[ 270 ]

والمقيد حتى تختلف فيه الاراء جمعا وتعارضا. وأما ما ورد من النهي عن تدهين الاذن، لدخوله في الحلق (1)، فربما كان الدهن المتعارف له مما يؤكل، فلا ينبغي الخلط. بقي شئ: حول التمسك لمفطرية غير المتعارف بما ورد في الغبار مما يتمسك به لمفطرية غير المتعارف ما ورد في الغبار (2)! وهذا من الغريب، لان ما ورد في الغبار - على فرض صحته سندا، كما يأتي في محله تفصيله (3) - دليل على أن دخول الغبار في الحلق والجوف ليس من الاكل، فإن فيه: فدخل في أنفه وحلقه غبار فعليه صوم شهرين متتابعين، فإن ذلك له فطر، مثل الاكل والشرب والنكاح (4). فعليه ليست مفطرية الغبار من أجل كونه أكلا، ويشهد لذلك عده مستقلا من المفطرات. ولكن بعد اللتيا والتي، الانصراف عما أفتى به المشهور غير جائز في


1 - مسائل علي بن جعفر: 110 / السطر 23، وسائل الشيعة 10: 73، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 24، الحديث 5، دعائم الاسلام 1: 275، مستدرك الوسائل 7: 333، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 15، الحديث 1. 2 - الصوم، الشيخ الانصاري 12: 21، مصباح الفقيه 14: 365. 3 - يأتي في الصفحة 359 - 363. 4 - تهذيب الاحكام 4: 214 / 621، وسائل الشيعة 10: 69، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 22، الحديث 1.

[ 271 ]

خصوص المسألة، وكثيرا ما يجد الانسان لفتوى المشهور مستندات منتشرة في الكتب الاخبارية غير مضبوطة. هذا. ولكن يمكن دعوى: أن المشهور أعرضوا عن هذه الاخبار الواضحة، فيكون إعراضهم عنها - مضافا إلى موهنيتها - دليلا على وجود رأي المعصوم عندهم، ولو كان المستند إطلاق الكتاب والسنة لما كان وجه لاعراضهم عنها. وغير خفي: أن في الاخبار المتفرقة ما يشهد على أن إدخال المأكول في الجوف في الجملة، أيضا لا يضر إذا كان خارجا عن الاكل المتعارف، مثل ما ورد من الترخيص في إرجاع القئ الواصل إلى الفم (1)، فإن من التأمل في هذه الموارد يظهر: أن منشأ الترخيص عدم كونه من الاكل المتعارف، فليتأمل.


1 - وسائل الشيعة 10: 86 - 90، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 29، الحديث 29، والباب 30، الحديث 2 و 3.

[ 272 ]

فروع الفرع الاول: في عدم الفرق بين القليل والكثير من الطعام صرحوا بعدم الفرق بين القليل والكثير، وقيل: هو مقتضى المطلقات (1) وربما يناقش فيه بالانصراف. ويؤيد المشهور - مضافا إلى إمكان اصطياد الحكم من الاخبار الواردة في الخمر: بأن ما كان كثيره حرام فقليله حرام (2) فتأمل - الاخبار الواردة في الاستياك في الباب الثامن والعشرين، وفيها معتبر عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله (عليه السلام): أنه كره للصائم أن يستاك بسواك رطب وقال: لا يضر أن يبل سواكه بالماء، ثم ينفضه حتى لا يبقى فيه شئ (3). وفي كثير منها أنه لا يستاك الصائم بعود رطب (4). ولكن الشأن وجود أخبار اخر على جواز الاستياك بالسواك الرطب


1 - مستمسك العروة الوثقى 8: 234، مستند العروة الوثقى، كتاب الصوم 1: 96، مهذب الاحكام 10: 52. 2 - وسائل الشيعة 25: 336 - 341، كتاب الاطعمة والاشربة، أبواب الاشربة المحرمة، الباب 17. 3 - الكافي 4: 112 / 3، وسائل الشيعة 10: 85، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 28، الحديث 11. 4 - وسائل الشيعة 10: 84 - 85، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 28، الحديث 7 و 8 و 12.

[ 273 ]

وبالماء (1)، ولا شبهة في أن القليل منه يمتزج مع البزاق، ويصير البزاق باردا بالماء، وقد ورد الترخيص بجواز بلع البزاق (2)، ويكفي لذلك سكوتهم (عليهم السلام) في المقام، مع أنه أمر متعارف يشتهيه الصائم طبعا. اللهم إلا أن يقال: إن ما هو المراد من القليل هو القليل المستقل في الوجود، وأما القليل العقلي المستهلك في الفم، فهو أمر آخر ربما يمكن تجويزه، كما يظهر من السيد الفقيه اليزدي (قدس سره) وتبعه الجماعة (3) إلا من شذ (4). ويشهد لجوازه الاخبار الواردة في المضمضة، وفيها ما يدل على أن المسواك الرطب، أولى بالجواز بعد كون المضمضة بالماء جائزة (5). فعلى هذا يظهر من مجموع هذه الطوائف: أن القليل ممنوع، فينفض المسواك حتى لا يدخل الحلق منه شئ، وأما الرطوبة فهي عرض لا بأس بها. وبالجملة: قضية الفتوى أن المراد من الاكل والشرب


1 - وسائل الشيعة 10: 83 و 86، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 28، الحديث 3 و 4 و 15 و 16. 2 - يأتي في الصفحة 281، الكافي 4: 107 / 2، وسائل الشيعة 10: 91، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 31، الحديث 1. 3 - العروة الوثقى 2: 176، فصل فيما يجب الامساك عنه في الصوم، مستند العروة الوثقى، كتاب الصوم 1: 97، مهذب الاحكام 10: 52. 4 - مستمسك العروة الوثقى 8: 235. 5 - تهذيب الاحكام 4: 263 / 788، وسائل الشيعة 10: 83، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 28، الحديث 4.

[ 274 ]

الممنوعين هو إدخال الشئ في الجوف، سواء صدق عليه الاكل والشرب أم لم يصدق. وادعي على هذا العنوان الاجماع (1)، ولكنه ضعيف. فما قيل: من أن إخراج الخياط خيطه ثم رده إلى فمه وفيه الرطوبة البزاقية أو غيرها... (2) في غاية الضعف، لانه ليس إلا رطوبة، ومقتضى هذه الطوائف من الاخبار، أن البزاق المرطوب برطوبة الماء الخارجي لا يضر، فتدبر. ويشهد لجوازه طائفة من الاخبار المفتى بها في مسألة مضغ الطعام للصبي، وأن يزق للفرخ والطائر، وذوق المرق، وغيرها (3). والانصاف: أن التأمل في جوازها اعوجاج عن الصواب جدا، وفي المسألة نصوص تجويز دخول بصاق الغير في الجوف (4). وحمل هذه الموارد على الاستهلاك (5) قبيح. فالمهم أن هذه الجزئيات الخاصة، مما لا يعتنى به لشأن الصائم.


1 - الناصريات، ضمن الجوامع الفقهية: 242 / السطر الاخير، الغنية، ضمن الجوامع الفقهية: 509 / السطر 8. 2 - العروة الوثقى 2: 176، فصل فيما يجب الامساك عنه في الصوم. 3 - وسائل الشيعة 10: 105 - 108، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 37 و 38. 4 - وسائل الشيعة 10: 102، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 34. 5 - مستند العروة الوثقى، كتاب الصوم 1: 99.

[ 275 ]

الفرع الثاني: في عدم جواز ابتلاع ما بقي بين الاسنان من الطعام صرحوا بعدم جواز ابتلاع ما يخرج من بقايا الطعام بين أسنان الصائم، معللا بالاطلاق (1)، وبما تقدم من الاخبار المستشم منها ممنوعية القليل (2) وإن لم يصدق عليه الاكل وعن المدارك المناقشة فيه (3). وفي الباب الثلاثين روايات تدل على عدم بطلان الصوم بالقلس والجشأ (4)، ومنها: ما رواه الوسائل في الباب التاسع والعشرين، بسند معتبر عن ابن سنان قال: سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن الرجل الصائم يقلس فيخرج منه الشئ من الطعام، أيفطر ذلك؟ قال: لا. قلت: فإن ازدرده بعد أن صار على لسانه. قال: لا يفطر ذلك (5). وما صنعه الشيخ من حملها على حال النسيان (6)، كما ترى.


1 - مستمسك العروة الوثقى 8: 235، مستند العروة الوثقى، كتاب الصوم 1: 99. 2 - تقدم في الصفحة 272 - 274. 3 - الحدائق الناضرة 13: 79، مدارك الاحكام 6: 103. 4 - وسائل الشيعة 10: 89 - 90، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 30. 5 - تهذيب الاحكام 4: 265 / 796، وسائل الشيعة 10: 88، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 29، الحديث 9. 6 - تهذيب الاحكام 4: 265، ذيل الحديث 796.

[ 276 ]

نعم، في الباب الاول (1) بعض أخبار لا يبعد عن الحمل المزبور ومن البلع غير الاختياري، وهذا أيضا من الشواهد على أن الطعام والشراب لشراب المعتادين من المفطرات، وهذا ليس منه، وكأنه ليس أكلا جديدا أو أكلا رأسا. فالمهم في المسألة مخالفتها للاجماع، فتصير معرضا عنها، مع أن استفادة حكم ما نحن فيه منها تحتاج إلى مؤونة زائدة. وما في الجواهر من إطالة الكلام حول مفهوم القلس (2) لا يرجع إلى محصل بعد وضوح المراد منه في معتبر ابن سنان. الفرع الثالث: فيما لو اتفق دخول بقايا الطعام في الحلق فيما إذا ترك التخليل، واتفق دخول البقايا في الاسنان في الحلق، فإن كان يعتقد عدم الاتفاق أو كان يحتمل الدخول، فلا بأس به، ويصح صومه، لانه خارج عن حد العمد والعلم. نعم، يمكن المناقشة في الصحة: بأنه مع الاحتمال المستند إلى المنشأ العقلائي، لا يتمكن من النية. اللهم إلا أن يقال: بأن هذا المقدار من الاخلال بها لا يضر، ولكنهم منعوا في أمثال المقام عن الصحة، فالاحوط في صورة الاحتمال هو التخليل،


1 - الكافي 4: 108 / 6، وسائل الشيعة 10: 90، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 30، الحديث 3. 2 - جواهر الكلام 16: 294 - 295.

[ 277 ]

وهذا ليس من قبيل إحتمال القئ في أثناء النهار، فإنه بلا مستند. نعم، يشبه ما إذا أكل طعاما خاصا، ويحتمل قبل أكله أنه ينتهي إلى القئ، وكان لاحتماله في خصوص نفسه مثلا مستند، كسبق عادة منه، فإنه لا يتمكن من النية، ويعجز نفسه عن التمكن منها في وقتها كما لا يخفى، وتأمل جيدا. هذا كله حكم صورة الاحتمال، وعن فوائد الشرائع بطلان الصوم، ووجوب القضاء دون الكفارة (1)، ولازمه البطلان حتى مع العلم بعدم جريانه مع الريق إلى الجوف، وذلك لانه تفريط يشبه بعض المواضع التي يجب فيها القضاء دون الكفارة حسب النصوص، كما في المضمضة لاجل الوضوء النفلي، أو للتبريد (2)، والعلم بعدم الوصول إلى الجوف لا ينافي صدق التفريط كما فيما إذا تمضمض للتبريد مع علمه بعدم جريانه إلى الجوف، وكما يضمن من فرط في حفظ الامانة مع علمه بعدم السرقة فسرقت. وبالجملة: ليس المقصود بالبحث إلا بطلان الصوم وعدمه، وأما القضاء والكفارة فهو بحث آخر يأتي في فصله إن شاء الله تعالى (3). والذي هو الاقرب والاشبه إلى القواعد: أن الصوم يصح مطلقا حتى في صورة العلم بدخوله في الحلق في أثناء النهار، خلافا لكثير من


1 - جواهر الكلام 16: 296. 2 - وسائل الشيعة 10: 70 - 71، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 23، الحديث 1 و 3 و 4. 3 - مما يؤسف له عدم وصول الكتاب إلى هذه المباحث.

[ 278 ]

المعاصرين (1): أما في الصورتين الاوليين فلما عرفت، ولان الدليل غير واف على بطلان صوم المفرط، إذ عليه يلزم بطلان صوم كثير من المفرطين في الليل المبتلين بالقئ وغيره، ولا يلتزم به أحد. ولو صح ما قيل يلزم بطلان صوم من يعلم بالاحتلام، واحتمال الاختصاص بعيد جدا. بل يلزم ممنوعية النوم وبطلان الصوم مع الاحتمال المستند إلى التسبيب والتفريط، وما ورد في بعض الموارد من إيجاب القضاء، قاصر عن إفادة هذه الكبرى الكلية، والقياس ممنوع بأصل الشرع. وأما في الصورة الثالثة، وهي ما إذا كان عالما بأن ترك التخليل يؤدي إلى الجري بالريق إلى الباطن، فغاية ما يمكن أن يستند إليه أنه يعد من الاكل العمدي، فيبطل الصوم (2). وفيه: أنه من قبيل من يعتقد أن في طريقه إلى كذا يلقي نظره إلى الاجنبية سهوا، أو سمعه إلى الصوت الباطل وهكذا، فإنه لا يلتزم بممنوعية المشي، نظرا إلى أن ذلك ليس يقصد عرفا إلى النظر والاستماع. نعم، في بعض الاحيان تصير الواسطة الاختيارية موجبة لاستناد الفعل إلى الفاعل، كما إذا علم أن بدخوله في الدار يكره على شرب


1 - العروة الوثقى 2: 177، فصل فيما يجب الامساك عنه في الصوم، الهامش 1، مستمسك العروة الوثقى 8: 236، مستند العروة الوثقى، كتاب الصوم 1: 102، مهذب الاحكام 10: 53. 2 - مهذب الاحكام 10: 53.

[ 279 ]

الخمر. ولكن الافعال والاعمال والقرب والبعد، توجب اختلاف النسبة في نظر العرف، فمن كان عالما بأنه إذا لم يخلل يدخل سهوا وغفلة في جوفه ما في أسنانه، لا يكون متعمدا في الاكل والشرب، بخلاف ما إذا علم بأنه إذا ورد في البيت الكذائي يكره على الاكل. واتفاق الامثلة حسب الموازين العقلية من حيث الاختيارية واللا اختيارية، ومن حيث إطلاق الادلة، لا ينافي اختلاف النظر العرفي فيها المنتهي إلى التفصيل بينها. وإن شئت قلت: فرق بين ما إذا توسط في البين حالة السهو والغفلة، وحالة الاكراه والاضطرار، فإن الاولى من الحالات اللاشعورية، فتوجب قصور الاستناد، بخلاف الثانية. ولكن مع ذلك كله لا ينبغي ترك الاحتياط، وبناء على هذا لا يصير القصور في النية وجها للبطلان كما توهم (1). نعم، على القول: بأنه باطل فإذا كان عارفا بالمسألة حينئذ، فيستند البطلان إلى النية، وفي صورة الجهل التقصيري يستند إلى الاكل العمدي، فلا ينبغي الخلط بين جهات المسألة كما خلط (2)، والامر سهل. وأما ما في كلام الفقيه الهمداني (قدس سره): من أن مقتضى الاطلاق الاولي مبطلية الاكل، والخارج منه صورة السهو المطلق، لا مثل هذا السهو (3).


1 - مستند العروة الوثقى، كتاب الصوم 1: 102. 2 - نفس المصدر. 3 - مصباح الفقيه 14: 529.

[ 280 ]

ففيه يناقش أولا: بعدم ثبوت الاطلاق. وثانيا: بثبوت الاطلاق لدليل عدم مفطرية السهو، وعدم صحة الانصراف عن مثله. وثالثا: لو ثبت الاطلاق أنه ليس بأكل، وشمول دليل الادخال في الجوف لمثله ممنوع جدا. ذنابة: في كفاية الوثوق العرفي في بطلان الصوم يظهر من القوم أن البطلان، مخصوص بصورة العلم بالدخول مع اتفاق الدخول (1)، مع أن الاظهر كفاية الوثوق العرفي، ولا يعتبر الادخال الخارجي والابتلاع، لانه في صورة العلم بذلك يخل بالنية. نعم، في صورة الغفلة والجهل لا يحصل إخلال بالنية، فيعتبر الابتلاع الخارجي، فافهم واغتنم. الفرع الرابع: في عدم مفطرية البصاق ادعى في الخلاف نفي الخلاف في عدم مفطرية البصاق في الجملة (2). والظاهر منهم عدم الفرق بين صوره، كما كان كثيرا أو قليلا، وعلى


1 - العروة الوثقى 2: 177، فصل فيما يجب الامساك عنه في الصوم. 2 - الخلاف 2: 177، المسألة 18.

[ 281 ]

الاول بين ما إذا جمعه بإرادة واختيار، وبين ما إذا تسبب إلى الاسباب المقتضية لكثرته وتجمعه، كتذكر الحامض، أو النظر إليه، ولا بين البزاق المستهلك فيه الشئ الاخر وعدمه، كما مر (1). ومبنى المسألة هو أنه إن كان دليل جواز البلع النص، فيجوز بلع البصاق بعد صدقه مطلقا حسب إطلاقه، ولا يحصل فرق بين الصور إلا بإنكار الاطلاق، أو بدعوى الانصراف. وإن كان دليله السيرة (2) ونفي العسر والحرج، فالقدر المتيقن منه الصورة الواحدة، فلو استهلك فيه شئ لا يجوز بلعه. ومن هنا يظهر: أن ما سلكه الاصحاب (قدس سرهم) (3) في المسائل السابقة من أنه في صورة استهلاك الاشياء في البصاق يجوز البلع، غير تام، لاحتياج المسألة إلى تجويز بلع البزاق مطلقا حتى إذا استهلك فيه شئ فيجوز، كما لا يخفى على أهله، ومن هنا يظهر وجه المناقشة في كلام القوم (رحمهم الله). وأما إذا قلنا: بأن المستند قصور الادلة (4) الاولية عن شموله، فحينئذ يتبع حدود القصور الممكن دعواه. والذي هو الحق: أن النص الوارد عن زيد الشحام، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في الصائم يتمضمض قال: لا يبلع ريقه حتى يبزق ثلاث


1 - تقدم في الصفحة 274. 2 - جواهر الكلام 16: 298. 3 - العروة الوثقى 2: 176، فصل فيما يجب الامساك عنه في الصوم، المسألة 1. 4 - مستمسك العروة الوثقى 2: 237.

[ 282 ]

مرات (1) ضعيف سندا، ولا يدل على جواز بلع مطلق البزاق، كما هو متبين، والاخبار الاتية في مسألة جواز بلع بصاق الغير (2) في الجملة، لا تدل على ما نحن فيه أيضا على الوجه الصحيح، فيبقى الوجهان الاخران. ودعوى قصور الادلة عن الريق الكثير المجتمع عمدا لرفع العطش مثلا (3)، مشكلة جدا. نعم، الريق المستهلك فيه المياه الخارجية مع كونه على الحد المتعارف، وهكذا الاطعمة والمذوقات، يجوز بلعه، لما مر سابقا (4)، فلا تفي السيرة لتجويزه. والمراد من الاستهلاك هو المتعارف جدا، أي المسامحي منه، فما ترى في كتب جمع من المتأخرين من التأمل في بعض الامثلة - كخيط الخياط ونحوه (5) - فهو في غاية الوهن. ولنا المناقشة في ممنوعية مفطرية البصاق مطلقا، لاجل ما مر من المناقشة في غير المتعارف، إلا أن الاحتياط لا يترك في بعض صوره.


1 - الكافي 4: 107 / 2، وسائل الشيعة 10: 91، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 31، الحديث 1. 2 - وسائل الشيعة 10: 102، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 34. 3 - مستند العروة الوثقى، كتاب الصوم 1: 103. 4 - تقدم في الصفحة 273 - 274. 5 - تذكرة الفقهاء 6: 66، انظر جواهر الكلام 16: 298 - 299، مستمسك العروة الوثقى 8: 235.

[ 283 ]

بقي شئ: حول ما ورد في جواز بلع بصاق الغير ربما يستظهر (1) جواز بلع البصاق مما ورد في تجويز بلع بصاق الغير في الباب الرابع والثلاثين، وفيه معتبر أبي ولاد الحناط قال، قلت لابي عبد الله (عليه السلام): إني اقبل بنتا لي صغيرة وأنا صائم، فيدخل في جوفي من ريقها شئ. قال فقال: لا بأس، ليس عليك شئ (2). فإنه أظهر ما في الباب، ولكن قوله: فيدخل يناسب الغفلة والاتفاق. مع أنه لا يدل على جواز بلع كل بصاق ولو كان كثيرا مستجمعا بالتسبيب، ومستهلكا فيه الاشياء الاخر بالعمد والالتفات، وقضية فتوى القوم هو الاعراض عن هذه الطائفة من الاخبار أيضا، أو حملها على غير هذا، كما لا يبعد في سائر أخباره. الفرع الخامس: في جواز بلع النخامة قد صرحوا بجواز بلع النخامة وما يصل إلى فضاء الفم، من الصدر كان، أو الدماغ، وعليه في الجملة نقل الاجماع عن معتبر المحقق،


1 - جواهر الكلام 16: 299. 2 - تهذيب الاحكام 4: 319 / 976، وسائل الشيعة 10: 102، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 34، الحديث 1.

[ 284 ]

ومنتهى العلامة، وتذكرته (1) وبيان الشهيد (2) وغيره (3). وقد حكي الخلاف بذكر التفصيل بين الصدر والدماغ، بالجواز في الاول، والمنع في الثاني (4). وعن الشهيدين تفصيل ثان بين الواصل إلى فضاء الفم، وما لم يصل، ولكنه يتمكن من إيصاله، فمنعا الاول، وجوزا الثاني (5). ويظهر من الحدائق بعض أقوال اخر (6). وعلى كل تقدير: لا يهمنا صحة الاقوال استنادا، ولا سندا. والذي هو مبنى المسألة أحد الامور: فإن قلنا بالاطلاقات الاولية وعدم الانصراف، فلابد من مقيد لفظي، كمعتبر غياث بن إبراهيم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: لا بأس بأن يزدرد الصائم نخامته (7) فإن كان ما في الدماغ من النخامة، فمقتضى الاطلاق جواز البلع في الصور الاربع. اللهم إلا أن يقال: بأن الرواية كما هي مجملة من ناحية النخامة، مجملة من جهة الازدراد، لاحتمال كونه مخصوصا بما لم يصل إلى فضاء


1 - المعتبر 2: 653، منتهى المطلب 2: 563 / السطر 29، تذكرة الفقهاء 6: 23. 2 - لم نعثر عليه في البيان، لاحظ مستمسك العروة الوثقى 8: 237. 3 - مدارك الاحكام 6: 105. 4 - شرائع الاسلام 1: 174، إرشاد الاذهان 1: 298، مستند الشيعة 10: 235. 5 - الدروس الشرعية 1: 278، مسالك الافهام 2: 34، مدارك الاحكام 6: 105. 6 - الحدائق الناضرة 13: 84 - 85. 7 - الكافي 4: 115 / 1، وسائل الشيعة 10: 108، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 39، الحديث 1.

[ 285 ]

الفم (1)، وقضية ما يظهر من المطرزي أنها هي التي تخرج من الخيشوم عند التنخع (2)، وهكذا عن بعض: أنه ليس ما يخرج من الصدر نخامة (3) بل ما يحكى عن النهاية: أن النخامة: هي البزقة التي تخرج من أقصى الحلق ومن مخرج الخاء المعجمة (4). وعن المصباح: النخامة بالضم ما يخرجه الانسان من حلقه (5) انتهى. فلا تكون هي ما في الصدر، ولا ما في الرأس، بل هي بصاق غليظ يحصل في محيط الفم بالعصر والضغط. فتحصل: أن الرواية أصبحت مجملة، وعندئذ يمكن المنع في الصور الاربع. هذا. فإذا لم يثبت المقيد اللفظي فلابد من اللبي، وهي السيرة، أو دعوى أن هذه المسألة مما يكثر الابتلاء بها، ولا سيما في المدينة، ومع ذلك لم يعد من المفطرات، لقوة الحاجة إلى التذكر لها، وبالاخص في أوقات الصلاة في المساجد، مع وجود النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والمعصومين (عليهم السلام) فيما بينهم (6). ويظهر من الخلاف أن النخامة عند العامة كالبزاق (7)، فيعلم منه أنهم أيضا لاجل هذه السيرة وكثرة الابتلاء احتمالا، ذهبوا إلى جوازها.


1 - مستند العروة الوثقى، كتاب الصوم 1: 106. 2 - المصباح المنير 2: 728. 3 - مستند العروة الوثقى، كتاب الصوم 1: 105. 4 - الحدائق الناضرة 13: 84، النهاية 5: 34. 5 - الحدائق الناضرة 13: 84، المصباح المنير 2: 728. 6 - المعتبر 2: 653. 7 - الخلاف 2: 177، ذيل المسألة 18.

[ 286 ]

وهنا وجه ثالث: وهو دعوى قصور الادلة الاولية إطلاقا أو انصرافا من هذه الامور الاعتيادية. هذا مع أن مفطريتها تنتهي إلى ابتلاء الناس بالامور غير اللائقة بشأن الاسلام والمسلمين. ومن هنا يظهر جواز البلع وإن كان لا تنافي بين حرمة البلع وعدم المفطرية، كما إذا وصل شئ جاف نجس من الخارج إلى البزاق، فإنه لو قلنا بتنجس البزاق لا نقول بمفطريته، فتأمل جدا. ومن الغريب ما مال إليه سيدنا الاستاذ البروجردي (قدس سره) من المنع في الصور الاربع (1)! وفي المسألة تفصيل بين النخامة الكثيرة والقليلة، ولمنع الكثيرة وجه. بحث وتحقيق: حول بيان ما هو المفطر والممنوع في الصوم مشكلة لابد من حلها: وهي أن الممنوع إن كان الاكل والشرب، فصدقهما في بعض الموارد - كما إذا لم يكن متعارفا، كالحديد والجص - على وجه الحقيقة مشكوك جدا، بل ممنوع ظاهرا، ولا يصدق قطعا فيما إذا أدخل في جوفه انبوبا، ومن ثقبه يدخل الاغذية، كما هو المتعارف في زماننا في المستشفيات، والالتزام بجواز ذلك ممنوع قطعا. وإن كان الموضوع الممنوع هو الطعام والشراب والاجتناب عنهما، كما في معتبر محمد بن مسلم (2)، فلازمه جواز غيرا لطعام والشراب مما


1 - لم نعثر عليه في الكتب المتوفرة لدينا. 2 - تهذيب الاحكام 4: 189 / 535، وسائل الشيعة 10: 31، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 1، الحديث 1.

[ 287 ]

لا يتعارف قطعا. وحمل الطعام على ما يستفيد منه رزقا وقوتا وسدا للجوع بدعوى: أنه طعام، غلط جدا. وإن كان الممنوع هو الادخال في الجوف الاعم من الحلق وغيره، مؤيدا ذلك بالحقنة، فلازمه عدم جواز إدخال كل شئ فيه، مع أن النصوص متظافرة على جواز الاكتحال وإدخال الدواء في الاذن (1)، ولا يمكن الالتزام بممنوعية إدخال السكين والابرة بالضرورة، فلو أمكن التقييد بموارد الاخبار - ومنها الاحتقان بالجامد - ولكن لا يمكن الالتزام بممنوعية العنوان المزبور أيضا. ولو قلنا: بأن الموضوع الممنوع هو إدخال المأكول والمشروب في الجوف، سواء وصل الى المعدة، أم لم يصل، وأيضا يتحقق الاكل والشرب سواء كان من المأكول، أو لم يكن، فكل شئ إدخاله من الحلق بالاكل والشرب ممنوع، وكل طعام وشراب إدخاله في الجوف ممنوع، فيطالب من يدعيه بالدليل، وهو غير ناهض قطعا، لان الادلة التي بين أيدينا هي ما مر من الاخبار والكتاب (2). نعم، في معقد الاجماع (3) ما يدل على ممنوعية ما ليس بمتعارف ولكنه يكون من الحلق بصورة الاكل والشرب وإن لم يكن منهما لغة ومفهوما.


1 - وسائل الشيعة 10: 72 - 77، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 24 و 25. 2 - تقدم في الصفحة 269 - 271. 3 - تقدم في الصفحة 266، الهامش 7.

[ 288 ]

فالتلقيح والادخال في المعدة بتوسيط الانبوب يحتاجان إلى الدليل، وإن كان للتلقيح تأثير في البدن أقوى بمراتب من الاكل والشرب، خلافا لما في تعاليق السيد الاستاذ البروجردي (قدس سره) (1). ويمكن منع الادخال بالانبوب، لاجل معتبر ابن مسلم (2) الناطق بلزوم الاجتناب عن الطعام والشراب، فلو أوصل إلى جوفه ومعدته بتوسيط الانبوب ما ليس بطعام ولا شراب للانسان في قطر من الاقطار، فلا دليل على ممنوعيته. فبالجملة تحصل: أن كل واحد من هذه العناوين مأخوذ في الاخبار: عنوان الاجتناب عن الطعام والشراب وعنوان الاكل والشرب ولا بأس بالالتزام بأن كل واحد منهما مفطر على حدة، ولا يلزم إرجاع أحدهما إلى الاخر، لما نجد فيه الاختلاف بحسب الاثار والاحكام، فعلى هذا تلقيح المواد الشربية خلاف الاجتناب المأمور به، كما لا يخفى. إن قلت: ما في معتبر محمد بن مسلم من الاجتناب عن الطعام والشراب، كناية عن الاكل والشرب، وإلا يلزم الاجتناب عن الطعام ولو من جهات اخر غير راجعة إلى الانتفاع منه. قلت: هذا لا يكاد يخفى على أهل اللسان، فإن الاجتناب عن كل شئ بحسبه، والاجتناب عن الطعام والشراب والنساء في الصيام بحسبه. نعم


1 - العروة الوثقى (المطبوع في المطبعة الاسلامية سنة 1373 ه‍. ق): 351. 2 - تهذيب الاحكام 4: 189 / 535، وسائل الشيعة 10: 31، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 1، الحديث 1.

[ 289 ]

إذا دل دليل على جواز بعض الانتفاعات فلا بأس به. وبالجملة تحصل إلى هنا: أن المفطر لا يختص بعنوان الاكل والشرب بل هنا أمر آخر يجب على الصائم رعايته، وهو الاجتناب عن الطعام والشراب، سواء كان بالاكل والشرب، أو بالتلقيح، أو بالانبوب، فافهم واغتنم. ومما ذكرناه يظهر ضعف ما عن المبسوط والمختلف من بطلان الصوم بإدخال السكين والرمح في الباطن الجوف ولو من طريق الحلق إلى المعدة (1). نعم صب الادوية في الاحليل إذا كان من الشراب، خلاف الامر بالاجتناب، وما عن المبسوط والمختلف في خصوصه (2) لا يخلو من وجه، فتأمل. فرع: فيما يمكن أن يستند لمنع التدخين مما حصلناه إلى هنا يظهر أن منع التدخين المتعارف في اليوم، لا يتحقق من ناحية ممنوعية الاكل والشرب، ولا من ناحية الاجتناب عن الطعام والشراب. وتوهم إطلاق الشرب (3) عليه في غير محله، لانه - على ما قيل - من باب أن الاستفادة من هذه المواد المخدرة كان في أول الامر بالمزج مع


1 - مستمسك العروة الوثقى 8: 239، المبسوط 1: 273، مختلف الشيعة 3: 415. 2 - مدارك الاحكام 6: 104، المبسوط 1: 273، مختلف الشيعة 3: 414. 3 - مستند الشيعة 10: 230.

[ 290 ]

الماء وشربه، ثم بعد رقاء الصنعة ظهر بهذه الصورة الموجودة، فبقي عليه اسمه. وأما منعه لاجل أنه من الادخال في الجوف (1)، فهو غير مبرهن كما عرفت. وما قام عليه إجماع المسلمين فهو في خصوص الامور غير المتعارفة الواردة في المعدة من ناحية الحلق، والدخان يدخل في الرئة، وسيأتي تتمة الكلام حوله في بحث مفطرية الغبار الغليظ والدخان إن شاء الله تعالى (2). تنبيه: في شمول لفظ الاكل للبلع والامتصاص ربما يخطر بالبال أن الاكل غير صادق في مورد البلع أو الامتصاص، ولكنه توهم لو تم صدقا لا يلزم تجويز البلع، لما عرفت من أن الاجتناب عن الطعام والشراب لازم (3)، وبلع قطعة من الحديد يمكن نفي مفطريته. هذا. وفي بعض الاخبار المنع عن البلع (4)، وهذا ربما يشهد على أن الاكل أعم، وإن كان البلع بنفسه أكلا خاصا كما لا يخفى.


1 - جواهر الكلام 16: 236. 2 - يأتي في الصفحة 382 و 387. 3 - تقدم في الصفحة 265 - 271. 4 - وسائل الشيعة 10: 106، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 37، الحديث 2.

[ 291 ]

الثالث الجماع مفطرية الجماع في الجملة - وهو الدخول بالمرأة قبلا بمقدار الحشفة مع الانزال - قطعية واتفاقية بين المسلمين، وربما يعد من ضروريات الدين (1)، ويلحق به إذا لم ينزل (2) أيضا، وإن لم يكن بتلك المثابة من الوضوح. وإنما الاختلاف في الجملة في دبر المرأة، وفي صورة عدم الانزال، وفي وطء البهائم، وبعض الفروع الاخر. وقبل الخوض فيها لا بأس بالاشارة إلى الكتاب وحدود دلالته، وقد يظهر من بعضهم أنه بضميمة السنة والاخبار في شأن نزول الاية، يدل


1 - مستمسك العروة الوثقى 8: 239، مستند العروة الوثقى، كتاب الصوم 1: 109. 2 - مستند الشيعة 10: 236، جواهر الكلام 16: 219، مستند العروة الوثقى، كتاب الصوم 1: 109.

[ 292 ]

على المقصود (1). والانصاف: أن قوله تعالى: (من شهد منكم الشهر فليصمه) (2) يدل بإطلاقه على وجوب الامساك ليلا ونهارا، وأما ما هو الممسك عنه، فالذي يظهر من الكتاب والسنن السابقة: أن الامساك عن الطعام والشراب والنساء كان معهودا في الصوم، بل كان الكلام في بعض أقسام الصيام معهودا، وقد مر ما يتعلق به في بحوث النية (3)، فإذا ورد الامر بالصوم كان الامساك عن الثلاثة غير محتاج إلى التذكر والبيان، ولكنه تبين حدود الامساك زمانا بفعل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وبا لكتاب حيث قال: (احل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم) (4) فإنه يظهر من التحليل أن الامر بالصيام بإطلاقه كان يشمل ترك النساء ليلا ونهارا، فلرفع الوهم احل في الليل، فوجوب الامساك عنه في النهار باق تحت الاية صدرا. نعم، لو قلنا: بأن الليل إلى طلوع الشمس، يلزم جواز الجماع في الصوم المقطوع عدمه، ولكنه قول غير تام، كما تحرر في محله (5). وأما ما في كلمات الفقهاء (6) من الاستدلال بذيل الاية، وأن قوله


1 - الحدائق الناضرة 13: 107، مصباح الفقيه 14: 367 - 369. 2 - البقرة (2): 185. 3 - تقدم في الصفحة 8. 4 - البقرة (2): 187. 5 - جواهر الكلام 7: 219. 6 - كنز العرفان 1: 215، الحدائق الناضرة 13: 107، مصباح الفقيه 14: 368.

[ 293 ]

تعالى: (حتى يتبين لكم الخيط الابيض) (1) غاية لقوله تعالى: (فالان باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا) (2) فيلزم منه ممنوعية الجماع في النهار، فهو غير مبرهن، ضرورة أن رجوع الغاية إلى الجمل الاربع، منوط بكون المراد من قوله تعالى: (وابتغوا ما كتب الله لكم) (3) هي مباشرة النساء، وهذا - مضافا إلى عدم الشاهد عليه - تكرار. مع أن الظاهر أنه إشارة إلى قوله تعالى: (كتب عليكم الصيام) (4) فإنه بعد الترخيص بالجماع والمباشرة، أمر بأن يبتغوا ما كتب عليهم، وهو الصوم نهارا، فتكون الغاية أجنبية عنه. واختصاص الغاية بالجملة الاولى والثالثة والرابعة، يحتاج إلى الدليل، كما هو الظاهر. وبالجملة تحصل: أن استفادة ممنوعية الجماع نهارا من الاية ممكنة جدا، من غير الحاجة إلى الرجوع إلى بعض الاخبار الاتية. مع أن فيها شهادة على أن قوله تعالى: (كلوا واشربوا) (5) نزل مستقلا، وذاك معتبر أبي بصير المرادي المتضمن لشأن نزول الاية، وأن رجلا يسمى خوات بن جبير الانصاري، وكان مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في الخندق وهو صائم، فأمسى وهو على تلك الحال، وكانوا قبل أن تنزل هذه الاية إذا نام أحدهم حرم عليه الطعام والشراب، فجاء خوات إلى أهله حين أمسى فقال: هل عندكم


1 - البقرة (2): 187. 2 - البقرة (2): 187. 3 - البقرة (2): 187. 4 - البقرة (2): 183. 5 - البقرة (2): 187.

[ 294 ]

طعام؟ فقالوا: لا تنم حتى نصلح لك طعاما، فاتكأ فنام. فقالوا له: قد غفلت؟ قال: نعم، فبات على تلك الحال. فأصبح ثم غدا إلى الخندق، فجعل يغشى عليه. فمر به رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فلما رأى الذي به أخبره كيف كان أمره، فأنزل عزوجل فيه الاية: (وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم)... (1). وهذا يشهد على أجنبية الغاية عن الجملة المذكورة. وفي هذا الباب ما يدل على أن الاية الشريفة تضمنت ممنوعية الجماع في الليل والنهار، فيكون إطلاقها - كما مر (2) - دليلا على المنع، وهو ما رواه السيد نقلا عن تفسير النعماني بسنده الاتي عن أميرا لمؤمنين (عليه السلام)، قال: إن الله لما فرض الصيام، فرض أن لا ينكح الرجل أهله في شهر رمضان لا بالليل، ولا بالنهار، على معنى صوم بني إسرائيل في التوراة، فكان ذلك محرما على هذه الامة... (3) إلى آخر الحديث بطوله مع اختلاف بينه وبين ما سبق في اسم الرجل، فإن فيه: كان رجل من الصحابة يعرف بمطعم بن جبير شيخا كبيرا....


1 - الكافي 4: 98 / 4، وسائل الشيعة 10: 112، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 43، الحديث 1. 2 - تقدم في الصفحة 292. 3 - بحار الانوار 90: 10، وسائل الشيعة 10: 113، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 43، الحديث 4.

[ 295 ]

وفي الذيل ذكر أن بعد هذا وذاك نزل قوله تعالى: (احل لكم ليلة الصيام) إلى قوله: (من الفجر ثم اتموا الصيام إلى الليل) (1) ولا تنافي بين الخبرين، لان الثاني جمع بين الامرين في الحكاية، والاول يدل على اختلافهما في النزول، فتأمل. وبالجملة تحصل: أن الجماع قبلا مع المرأة وإن لم ينزل، يوجب بطلان صومهما، وهو القدر المسلم في الاخبار. بقي فروع الفرع الاول: في جماع المرأة دبرا مع الانزال الدخول دبرا إذا أنزل أيضا مورد اتفاق، ولم ينقل الخلاف حتى عن أهل الخلاف (2). وربما يناقش أولا: من جهة عدم صدق الجماع أو انصرافه عنه (3). وثانيا: من جهة أن روايات الامناء، ناظرة إلى الاستمناء بالتفخيذ والمباشرة الجسدية، ولا تشمل الوطء (4). وثالثا: أن كل ما يوجب الجنابة يوجب فساد الصوم، ليس مضمون


1 - البقرة (2): 187. 2 - الخلاف 2: 190، المسألة 41، الوسيلة: 142، مختلف الشيعة 3: 389، مدارك الاحكام 6: 44، مستمسك العروة الوثقى 8: 239. 3 - الحدائق الناضرة 13: 109، مستند الشيعة 10: 238. 4 - وسائل الشيعة 10: 39 - 40، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 4.

[ 296 ]

رواية، وكونه معقد إجماع الغنية (1) لا ينفع، لان حكاية الاجماع منه - على وجه غير معتبر - غير عزيزة كما تحرر (2)، والمسألة تفصيلها في كتاب الطهارة (3)، ولا حاجة إلى إثبات الملازمة المدعاة، كما سيظهر وجهه (4). نعم، قضية معتبر ابن سنان الماضي مفطريته، سواء أنزل، أم لم ينزل، لقوله (عليه السلام): لا يضر الصائم ما صنع إذا اجتنب... إلى أن قال: النساء (5) فالاجتناب عنهن لازم، سواء كان بالجماع في القبل، أو الدبر. وحملها على أنه كناية عن القبل (6) غير مبرهن. ثم إن في كثير من الاخبار مفروغية ممنوعية النكاح والجماع وإصابة الاهل وإتيانه والمواقعة، والاخبار المذكورة منتشرة في أبواب (9، 10، 11، 12) وغيرها (7). وأما توهم تمايل المبسوط إلى المناقشة في مفطرية الوطء


1 - الغنية، ضمن الجوامع الفقهية: 509 / السطر 12. 2 - تحريرات في الاصول 6: 365. 3 - الحدائق الناضرة 3: 4، انظر جواهر الكلام 3: 31. 4 - يأتي في الصفحة 301. 5 - الظاهر أنه سهو من قلمه الشريف كما يأتي في الصفحة 301 - 302 والصحيح: صحيحة محمد بن مسلم، راجع تهذيب الاحكام 4: 189 / 535، وسائل الشيعة 10: 31، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 1، الحديث 1. 6 - الحدائق الناضرة 13: 109. 7 - وسائل الشيعة 10: 51 و 56، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 9، الحديث 2 و 11 و 12، والباب 10 و 11 و 12.

[ 297 ]

دبرا (1)، فهو في غير محله، لان البحث تارة: يكون في صوم الفاعل، فإنه يبطل على الاطلاق عنده وعند غيره. واخرى: في صوم المرأة، فإنه ربما يناقش في بطلان صومها إذا أتى الرجل في دبرها (2)، وذلك للروايتين المذكورتين في الباب الثاني عشر من الجنابة، على ما قيل (3). ولا يوجد فيه إلا رواية واحدة رواها الشيخ بإسناده عن البرقي، عن بعض الكوفيين يرفعه إلى أبي عبد الله (عليه السلام): في الرجل يأتي المرأة في دبرها وهي صائمة. قال: لا ينقض صومها، وليس عليها غسل (4). نعم، فيه سند آخر (5)، والرواية واحدة. وعلى كل تقدير لا يتم حجة على ما يدل على لزوم الاجتناب عن النساء على الاطلاق.


1 - الحدائق الناضرة 13: 109. 2 - المبسوط 1: 270. 3 - لاحظ الحدائق الناضرة 13: 109 - 111. 4 - تهذيب الاحكام 4: 319 / 975، وسائل الشيعة 2: 200، كتاب الطهارة، أبواب الجنابة، الباب 12، الحديث 3. 5 - تهذيب الاحكام 4: 319 / 977 و 7: 460 / 1843، وسائل الشيعة 2: 201، كتاب الطهارة، أبواب الجنابة، الباب 12، ذيل الحديث 3. أورده صاحب الوسائل ذيليا وذكر السند قائلا: وعنه، عن أحمد بن محمد، عن علي ابن الحكم، عن رجل، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، مثله. وقد تمسك بهذه الرواية والرواية السابقة صاحب الحدائق (قدس سره) لاحظ الحدائق الناضرة 13: 109 - 110.

[ 298 ]

الفرع الثاني: في بطلان صوم النساء بالجماع بطلان صوم النساء - مضافا إلى مفروغيته بين العامة والخاصة - يدل عليه الكتاب (1). اللهم إلا أن يقال باختصاص الخطاب، ولكنه غير صواب، فتأمل. وفي الاخبار - مضافا إلى ما في العلل عن عمر بن يزيد قال قلت لابي عبد الله: لاي علة لا يفطر الاحتلام الصائم، والنكاح يفطر الصائم... (2) إلى آخره، بناء على إرادة الجنس من الصائم وإلى ما في بعض الاخبار من عد الاكل والشرب والنكاح (3)، وهو أعم كالاكل والشرب، ويستند النكاح إليها على وجه الحقيقة، كما يأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى (4) - أن الاخبار الناطقة بلزوم الكفارة على المرأة إذا طاوعت زوجها بعد الاكراه (5) - المعمول بها (6) - تدل على بطلان صوم النساء أيضا، كما


1 - البقرة (2): 187. 2 - علل الشرائع: 379 / 1، وسائل الشيعة 10: 104، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 35، الحديث 4. 3 - تهذيب الاحكام 4: 189 / 535، وسائل الشيعة 10: 31، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 1، الحديث 1. 4 - يأتي في الصفحة 300 - 301. 5 - الكافي 4: 103 / 9، وسائل الشيعة 10: 56، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 12، الحديث 1. 6 - لاحظ المعتبر 2: 681، وسائل الشيعة 10: 57، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 12، الحديث 1.

[ 299 ]

لا يخفى. وهذا أيضا من غير فرق بين القبل والدبر، وما مر من تصحيح صومها إذا اتي بها دبرا، قد عرفت حاله (1). ومما يدل على الاطلاق ما رواه السيد عن علي (عليه السلام) قال: وأما حدود الصوم فأربعة حدود، أولها: اجتناب الاكل والشرب، والثاني: اجتناب النكاح... (2) إلى آخره، فاغتنم. الفرع الثالث: في مفطرية وطء الغلام والبهائم مفطرية الوطء للغلام والبهائم في صورة الانزال مورد الاتفاق والاجماع (3)، وتشهد لها الاخبار الخاصة في مفطرية الاستمناء (4)، وقد عرفت وجه المناقشة فيها (5). وأما بدون الانزال، فربما يظهر من جمع منهم أن ذلك يتبع وجوب


1 - تقدم في الصفحة 296 - 297. 2 - لاحظ بحار الانوار 90: 63 - 64، وسائل الشيعة 10: 32، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 1، الحديث 3، نقلا عن رسالة المحكم والمتشابه للسيد المرتضى (قدس سره). 3 - الخلاف 2: 190 - 191، تذكرة الفقهاء 6: 23، الحدائق الناضرة 13: 110. 4 - وسائل الشيعة 10: 39 - 40، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 4. 5 - تقدم في الصفحة 295 - 296.

[ 300 ]

الغسل، فإن قلنا بذلك فيلزم بطلان الصوم، وإلا فلا (1). والمسألة موكولة إلى محلها على الخلاف فيها (2). والذي يظهر لنا: أن في الاخبار في المقام ما يفي بمفطريته مطلقا من غير ارتباط بين المسأ لتين: فمنها: ما في الباب الاول المذكور آنفا عن رسالة السيد حيث اعتبر الاجتناب عن النكاح، ولا شبهة في صدق النكاح على الدخول بالغلام والبهائم لغة. ودعوى الانصراف (3) بعد فهم الاصحاب منها ومن أشباهها ممنوعيته، غير صحيحة جدا. والمراد من النكاح هو العمل، لا العقد، ضرورة جواز العقد على الصائم، فكما يشمل النكاح المحرم مع الاجنبية، كذلك يشمل غيره. ويشهد لما ذكرنا إطلاق النكاح على وطء البهائم كثيرا، وليس الغلام أسوأ حالا منها. ومنها: ما رواه عن التهذيب بإسناده عن سليمان بن جعفر (حفص) المروزي قال: سمعته يقول: إذا تمضمض الصائم في شهر رمضان... إلى أن قال: فإن ذلك مفطر مثل الاكل والشرب والنكاح (4).


1 - المعتبر 2: 654، مختلف الشيعة 3: 390، مستمسك العروة الوثقى 8: 240، مستند العروة الوثقى، كتاب الصوم 1: 110. 2 - لاحظ الحدائق الناضرة 13: 112، جواهر الكلام 3: 31 - 39. 3 - الحدائق الناضرة 13: 109، مصباح الفقيه 14: 374. 4 - تهذيب الاحكام 4: 214 / 621، وسائل الشيعة 10: 69، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 22، الحديث 1.

[ 301 ]

ومنها: ما مر آنفا عن العلل عن عمر بن يزيد، وفيه: والنكاح يفطر الصائم (1). ولعمري، إن المسأ لة بعد ذلك أصبحت واضحة، من غير الاحتياج إلى ما تشبثوا به: من أن الجنابة توجب الافطار (2). مع أن لازم ذلك إلغاء الجماع عن المفطرية، ويصير المفطر الاجناب، وهذا خلاف ما يظهر من الاخبار والاثار. نعم، ما هو اللازم على الصائم هو ترك النكاح، امرأة كانت، أو غلاما أو بهيمة، قبلا كانت أو دبرا، صغيرا كان أو كبيرا، ميتا كان أو حيا، لان كل هذه الامور يعد من النكاح المنهي في الصوم، ويعد من الحدود اللازم رعايتها على الصائم والصائمة. بل لو جامعت المرأة البهائم يعد هو أيضا من النكاح. وتوهم عدم صحة استناد النكاح إلى المرأة، يدفعه الكتاب العزيز حيث قال: (فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره) (3). إن قلت: لو سلمنا شمول الاطلاقات المشار إليها لتلك الفروع، حتى تكون المفطرية بها لها ثابتة، ولكنها مقيدة بمفهوم معتبر محمد بن مسلم


1 - علل الشرائع: 379 / 1، وسائل الشيعة 10: 104، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 35، الحديث 4. 2 - مختلف الشيعة 3: 390، مستند العروة الوثقى، كتاب الصوم 1: 109. 3 - البقرة (2): 230.

[ 302 ]

السابق، فإن قوله (عليه السلام): لا يضر الصائم ما صنع إذا اجتنب... (1) إلى آخره، لاجل كون النكرة في سياق النفي - يفيد الحصر. قلت: قد تحرر منا المناقشة في إفادة النكرة في سياق النفي حصرا للاطلاق، أو العموم (2)، ولكنه موافق لمرتكز العرف، إلا أن هذا المفهوم يعارض ما كان أخص منه عرفا أيضا، كما حررناه في قاعدة لا تعاد... (3). وبالجملة: في كل مورد يستفاد من الكلام الحصر لا يصلح الجمع بينه وبين ما كان أخص منه بالتخصيص أو التقييد، لان الكلام المشتمل على الحصر ذالسانين، أحدهما: مثبت، والاخر ناف، بخلاف العمومات والمخصصات، والمطلقات والمقيدات. ولذلك ترى في قاعدة لا تعاد... أن ما يدل على خلاف الحصر هناك بلسان الحكومة، كقوله: لا صلاة إلا بتكبيرة الافتتاح (4) أو لا صلاة لمن لم يقم صلبه (5) وهكذا. وبالجملة: الجمع ليس في هذا الميدان عرفيا، ولو بلغ البحث إلى التعارض يكون جانب هذه الاخبار - للكثرة والشهرة - مقدما. بل مفهوم


1 - تهذيب الاحكام 4: 189 / 535، وسائل الشيعة 10: 31، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 1، الحديث 1. 2 - تحريرات في الاصول 4: 98 - 99 و 5: 212. 3 - رسالته (قدس سره) في قاعدة لا تعاد مفقودة. 4 - تهذيب الاحكام 2: 353 / 1466، وسائل الشيعة 6: 14، كتاب الصلاة، أبواب تكبيرة الاحرام، الباب 2، الحديث 7. 5 - الكافي 3: 320 / 4، الفقيه 1: 180 / 856، وسائل الشيعة 5: 488 - 489، كتاب الصلاة، أبواب القيام، الباب 2، الحديث 1 و 2.

[ 303 ]

الرواية معرض عنه، لكثير من المفطرات، فيلزم التقييد الاكثري والتقييدات الكثيرة، ضرورة أن المفطرات عند المشهور أضعاف ذلك. فما قيل من التقييد (1) على فرض التسليم، غير متين. وتبين إلى هنا نقاط ضعف كلمات الاصحاب، ولا سيما الذين ذهبوا إلى مبطلية هذه الامور، لاجل كونها من الجنابة، كما في الشرائع (2). وفي شرح الفقيه الهمداني: إن من تدبر في الروايات الواردة فيمن أجنب متعمدا في شهر رمضان في ليله أو نهاره بمباشرة أهله أو غيرها، وفيمن أصبح جنبا، التي سيأتي نقلها في محلها، مع ما في بعضها من تعليل نفي البأس عن الاصباح جنبا: بأن جنابته كانت في وقت حلال، الدال بمفهومه على عدم جواز الجنابة في اليوم، وفساد الصوم بها، وغير ذلك من الروايات الواردة في حكم الجنابة في شهر رمضان، لا يكاد يرتاب في أن تعمد الجنابة كتعمد الاكل والشرب، يناقض الصوم (3). انتهى، ما لا يرجع إلى محصل إلا الخطابة. ولو سلمنا صحة دعواه، ولكن فرق بين كون المفطر عنوان النكاح وبين كون المفطر عنوان الجنابة عن عمد فإن قضية الادلة هو الاول وإن كان يلازم الثاني. ولنعم ما يظهر من الفقيه اليزدي (قدس سره) حيث أفتى بمفطرية نكاح


1 - مستمسك العروة الوثقى 8: 241. 2 - شرائع الاسلام 1: 170. 3 - مصباح الفقيه 14: 375.

[ 304 ]

البهيمة (1)، واستشكل في جنابته به في كتاب الطهارة (2) تبعا لما ذهب إليه الشيخ (قدس سره) (3) ظاهرا، ويكفي ذلك لفساد إجماع ابن زهرة في الغنية (4). بقي شئ: في الرواية الدالة على مفطرية مطلق الجماع إن روايات مفطرية الجماع قاصرة نوعا عن إثبات مفطرية كل جماع على نعت يسع جميع الفروع المزبورة إلا ما عن عبد السلام بن صالح الهروي قال قلت للرضا (عليه السلام): يا بن رسول الله، قد روي عن آبائك (عليهم السلام) فيمن جامع في شهر رمضان وأفطر فيه، ثلاث كفارات، وروي عنهم أيضا كفارة واحدة، فبأي الحديثين نأخذ؟ قال: بهما جميعا، متى جامع الرجل حراما أو أفطر على حرام في شهر رمضان... (5). والفقيه الهمداني يقبل الانصراف (6)، ولكنه ضعيف، لعدم تمامية


1 - العروة الوثقى 2: 178، فصل فيما يجب الامساك عنه في الصوم، ذيل قوله: الثالث. 2 - العروة الوثقى 1: 279، فصل في غسل الجنابة، ذيل قوله: الثاني. 3 - المبسوط 1: 28 و 270. 4 - الغنية، ضمن الجوامع الفقهية: 509 / السطر 12. 5 - تهذيب الاحكام 4: 209 / 605، وسائل الشيعة 10: 53، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 10، الحديث 1. 6 - مصباح الفقيه 14: 374.

[ 305 ]

شرائط الانصراف بعد ذهاب المشهور لاجل أمثا لها إلى مفطرية كل نكاح. ولا يضر الترديد من الشيخ في المبسوط (1) بما يفهم من إطلاق الاخبار. هذا مع أنه أمر يساعده الاعتبار، كيف ويكون الحلال منه مفطرا، والحرام غير مفطر؟! الفرع الرابع: في مبطلية إدخال الحشفة دون الاقل منها المشهور أن إدخال الحشفة يوجب البطلان، دون الاقل منها (2)، ولعل ذلك إما لاجل أن موجب الغسل يوجب البطلان، فيعتبر دخول الحشفة بتمامها (3). أو لاجل أن الاخبار الواردة في تحديد حد الموجب للغسل، ناظرة إلى بيان مصداق الجماع والنكاح (4)، وما هو يوجب الغسل هو الجماع والنكاح، لا التقاء الختانين. نعم، التقاء الختانين أمارة على تحقق ما هو الموضوع حقيقة - وهو النكاح والجماع - في نظر الشرع.


1 - المبسوط 1: 270. 2 - إرشاد الاذهان 1: 296، جواهر الكلام 16: 222، الصوم، الشيخ الانصاري 12: 23، مصباح الفقيه 14: 367، العروة الوثقى 2: 178، فصل فيما يجب الامساك عنه في الصوم، مستمسك العروة الوثقى 8: 242. 3 - مستند العروة الوثقى، كتاب الصوم 1: 111. 4 - وسائل الشيعة 2: 183 - 185، كتاب الطهارة، أبواب الجنابة، الباب 6، الحديث 2 و 3 و 4 و 5 و 9.

[ 306 ]

فعلى هذا، في كل مورد كان النكاح موضوع حكم، لابد وأن يكون على وجه محدد شرعي، وهو الالتقاء الذي لا يحصل إلا بدخول الحشفة مثلا، إلا فيما كانت الحشفة كبيرة. أو لاجل أن العرف بذاته لا يحكم بصدق النكاح بمجرد دخول شئ قليل منه، وإن لا يعتبر عنده دخول تمام الحشفة، وربما لا يكفي عنده دخول الحشفة إذا كانت قصيرة جدا. والمسألة وإن كانت اتفاقية، إلا أن احتمال كونها من متفرعات الوجه الاول قوي جدا، حيث ذهب جمع كثير منهم إلى أن المفطر هو الاجناب العمدي (1)، والاجناب لا يحصل إلا بدخول الحشفة، واحتمال استناد بعضهم إلى الوجهين الاخيرين، يورث ضعف الاتفاق هنا، وعند ذلك تحتاج المسألة إلى مزيد تدبر. والذي يناسبه الذوق ما اشتهر عنهم، لان في باب الغسل تكون أخبار الالتقاء ناظرة كأنها إلى حد النكاح الذي هو الموجب للغسل، وبذلك يجمع بين ما يدل على أن الدخول يوجب الغسل، وبين ما يدل على أن الالتقاء يقتضيه، فتأمل جيدا.


1 - الغنية، ضمن الجوامع الفقهية: 509 / السطر 12، العروة الوثقى 2: 178، فصل فيما يجب الامساك عنه في الصوم، المسألة 9.

[ 307 ]

الرابع الاستمناء ولا خلاف في مفطريته إجمالا، وعليه الاجماعات المحكية عن الانتصار والوسيلة والغنية والتذكرة. وعن المدارك: عليه أجمع العلماء كافة (1) ولعله ناظر إلى رأى المخالفين، ففي الخلاف: أنه قول المالك والشافعي، واختلافهما في الكفارة (2). وحكي إجماعات عن المتأخرين، كالمنتهى والذخيرة والحدائق (3). وحيث إن المسألة روائية، فالمستند قبل هذه الشهرات


1 - مستمسك العروة الوثقى 8: 244، الانتصار: 64، الوسيلة: 142، الغنية، ضمن الجوامع الفقهية: 509 / السطر 12، تذكرة الفقهاء 6: 24، مدارك الاحكام 6: 61. 2 - الخلاف 2: 198، المسألة 49. 3 - منتهى المطلب 2: 564 / السطر 10، ذخيرة المعاد: 499 / السطر 30، الحدائق الناضرة 13: 129.

[ 308 ]

والاجماعات هي المآثير والاخبار، وقبل الخوض فيها لا بأس بالاشارة إلى أن خروج المني لا يضر بالضرورة نصا وفتوى، فإن الاحتلام لا يفسد الصوم، كما يمكن أن نشير إلى أخباره (1). وأيضا: مما لا إشكال فيه حسب النص والفتوى، أنه إذا قصد الامناء فأمنى أنه يفسد صومه، وهذا هو القدر المتيقن من الاخبار والاجماعات السابقة. إن قلت: أما الاجماعات فلا حجية لها بعد ما اشير إليه، وأما الاخبار فهي كلها ناظرة إلى غير هذه الصورة. نعم، يمكن دعوى الاولوية القطعية ومفروغية المسألة، وأنه يستفاد منها أن الاستمناء مفطر، وما هو يقرب منه أيضا مفطر. قلت: نعم، الاخبار بجملتها وإن كانت في مسألة اخرى ومسير آخر، ولا ينبغي الخلط كما قد يتوهم وتوهمه بعضهم (2)، ولكن الانصاف يشهد على أنها تدل بالوجه المزبور على مفطرية الاستمناء، وهو مقتضى إطلاق قوله (عليه السلام): لا يضر الصائم ما صنع إذا اجتنب الاكل والشرب والنساء (3). والتفخيذ والاستمناء بهن خلاف الاجتناب منهن، وكأن المفروض في الاخبار هو أن الصائم المسلم لا يفعل حراما، كالاستمناء بهن، فإذا يجب الاجتناب عن امرأته فعن غيرهن أولى وأوضح.


1 - يأتي في الصفحة 326 - 327. 2 - مستمسك العروة الوثقى 8: 245، مستند العروة الوثقى، كتاب الصوم 1: 118. 3 - تهذيب الاحكام 4: 189 / 535، وسائل الشيعة 10: 31، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 1، الحديث 1.

[ 309 ]

ويدل على خصوص هذه المسألة معتبر عبد الرحمان بن الحجاج قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يعبث بأهله في شهر رمضان حتى يمني. قال: عليه من الكفارة مثل ما على الذي يجامع (1). فإن كلمة حتى وإن تأتي لمعان، إلا أن الاظهر من بينها أنها للغاية (2). اللهم إلا أن يقال: إن الغاية على وجهين، إحداهما: ما تكون لاجلها الحركة، والاخرى: ما تكون إليها الحركة، وما هو المفيد هو الاول، ودون إثباته خرط القتاد. فبالجملة: تحصل لحد الان أن الامناء بمعنى القصد للاخراج والتعمد إليه، بلا دليل إلا الاجماعات المعلوم حالها وإطلاق معتبر ابن مسلم (3). وها هنا مسائل المسألة الاولى: في الاستمناء بالنظر وتصوير الصور وربما كان لاجل عدم ارتباط نصوص المسألة بهذه الصورة، ذهب جمع إلى أن الاستمناء بالنظر وتصوير الصورة الواقعية أو الخيالية أو


1 - الكافي 4: 102 / 4، وسائل الشيعة 10: 39، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 4، الحديث 1. 2 - مغني اللبيب: 64. 3 - تهذيب الاحكام 4: 189 / 535، وسائل الشيعة 10: 31، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 1، الحديث 1.

[ 310 ]

نحو ذلك، ليس بمبطل، إما مطلقا كما يظهر من الخلاف والسرائر بل وفي الشرائع وغيرها (1). أو مقيدا بما إذا كان النظر إلى من يحل النظر إليه، كما نسب إلى ابن أبي عقيل (2)، والمفيد، وسلار (3)، وابن البراج (4)، بل والسيد في طائفة من كتبه (5) وغيره، كالعلامة، بل وابن حمزة (6). فما قد يتوهم: من أن رأيهم بعدم المبطلية بلا وجه (7) بعد ثبوت الاجماعات المطلقة (8)، أو بعد ورود النصوص الكثيرة في العبث بالتقبيل والملامسة واللزق واللصق (9)، غير تام جدا، لان هؤلاء من أعظم المجمعين، فلا إجماع بعد خلافهم، وأن الاخبار أجنبية جدا عن مسألة الاستمناء، بمعنى أنه يعبث بأهله لاجل إخراج المني. وما في الرياض من حمل فتواهم على فرض عدم القصد إلى الامناء (10)، يشهد على إمكان


1 - الخلاف 2: 198، المسألة 49، السرائر 1: 389، شرائع الاسلام 1: 171، الجامع للشرائع: 155. 2 - مختلف الشيعة 3: 411. 3 - المقنعة: 359، المراسم: 98. 4 - مستمسك العروة الوثقى 8: 245. 5 - مختلف الشيعة 3: 410، مستمسك العروة الوثقى 8: 245. 6 - تحرير الاحكام: 77 / السطر 20، الوسيلة: 143. 7 - رياض المسائل 1: 305 / السطر 1 - 6، مستند الشيعة 10: 240 - 242. 8 - تقدم في الصفحة 190. 9 - وسائل الشيعة 10: 39، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 4. 10 - رياض المسائل 1: 315 / السطر 24.

[ 311 ]

حمله على هذه الصورة. فبعد اللتيا والتي، إن في صورة القصد إلى الانزال مع الاشتغال بالاسباب المتعارفة المنتهية عادة إلى خروج المني، يبطل الصوم، لانه المستفاد من المفروغية الظاهرة من الاخبار، حيث إن الاسئلة فيها تكون بعد الفراغ عن مبطلية ذلك، وأما قصد الانزال بالاسباب غير العادية كالنظر والتصوير، فهي لمكان ندرتها يشكل إثبات مفطريتها، ولا سيما بعد الاختلاف المشاهد بين الاعلام كما عرفت، بناء على ما احتملناه في كلماتهم. اللهم إلا أن يقال: إن خبر أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل وضع يده على شئ من جسد امرأته فأدفق. فقال: كفارته أن يصوم شهرين متتابعين، أو يطعم ستين مسكينا، أو يعتق رقبة (1) يدل على أن الاسباب غير المعتادة أيضا توجب البطلان. ولكن الشأن أنه مضافا إلى ضعف السند (2)، لا يكون إطلاقه معمولا به قطعا، لان لازمه البطلان ولو لم يقصد الانزال، ويعارضه الاخبار الاخر الاتية إن شاء الله تعالى (3). فبالجملة: إثبات مفطرية الاستمناء العمدي بالاسباب غير العادية،


1 - تهذيب الاحكام 4: 320 / 981، وسائل الشيعة 10: 40، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 4، الحديث 5. 2 - انظر معجم رجال الحديث 5: 167 / 3230 و 11: 183 / 7798 و 14: 7 / 9470 و 98 / 77. 3 - يأتي في الصفحة 316 - 317.

[ 312 ]

في غاية الاشكال ولو كانت عادية بالنسبة إلى شخص خاص. واستفادة المفطرية لهذه الصورة من الاخبار الاتية بالاولوية، غير ممكن، لان من المحتمل دخالة الاعتياد في المنع، فلا بأس بأن يكون اللعب من المعتاد أو ممن لا يثق بنفسه ولا يأمن منها، مفطرا وإن لم يقصد الانزال. وعليه لم يكن قصد الانزال بوضع رأس الاصبع على جسد المرأة ولم يكن معتادا بالامناء، مفطرا. وربما يستظهر من معتبر الحلبي (1) أن المس إذا انتهى إلى الامناء يبطل (2)، وهو من غير العاديات. وأيضا يستظهر من الطائفة الثالثة الاتية (3) أن مجرد الامناء العمدي لا يضر. وبالجملة: أيضا تثبت مفطريته بناء على الملازمة بأن كل ما يوجب الغسل، يكون عمده مفطرا، وقد عرفت الكلام حولها (4). ومما يؤيد عدم تماميتها ظاهرا: أن من احتلم في شهر رمضان، ثم أنزل ثانيا عمدا، لا يجب عليه الغسل للانزال، مع أنه يبطل صومه بالضرورة، فتدبر. هذا تمام الكلام في المسألة الاولى من مسائل الاستمناء.


1 - الكافي 4: 104 / 1، وسائل الشيعة 10: 97، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 33، الحديث 1. 2 - مصباح الفقيه 14: 437، مستند العروة الوثقى، كتاب الصوم 1: 119. 3 - يأتي في الصفحة 316 - 317. 4 - تقدم في الصفحة 295 - 296 و 310.

[ 313 ]

المسألة الثانية: في الاشتغال بالاسباب العادية لخروج المني إذا اشتغل في نهار شهر رمضان بالاسباب المنتهية عادة إلى خروج المني قهرا - كالتقبيل المداوم، والتفخيذ، والضم، والمباشرة وأمثالها - يبطل صومه. ويدل عليه مضافا إلى الاجماعات في الجملة (1)، النصوص التي هي تختص بهذه المسألة ظاهرا، وهي بكثرتها تدل على البطلان. فمنها: ما مر من صحيح ابن الحجاج (2). ومنها: ما رواه ابن أبي عمير، عن حفص بن سوقة، عمن ذكره، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في الرجل يلاعب أهله أو جاريته وهو في قضاء شهر رمضان، فيسبقه المني فينزل. قال: عليه الكفارة مثل ما على الذي جامع في شهر رمضان (3). ومنها: معتبر ابن الحجاج أيضا عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سأ لته عن رجل يعبث بامرأته حتى يمني وهو محرم من غير جماع، أو يفعل ذلك في شهر رمضان.


1 - تقدم في الصفحة 307. 2 - الكافي 4: 102 / 4، وسائل الشيعة 10: 39، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 4، الحديث 1، تقدم في الصفحة 191، الهامش 1. 3 - الكافي 4: 103 / 7، وسائل الشيعة 10: 39، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 4، الحديث 2.

[ 314 ]

فقال (عليه السلام): عليهما جميعا الكفارة مثل ما على الذي يجامع (1). ومنها: معتبر سماعة قال: سأ لته عن رجل لزق بأهله فأنزل. قال: عليه إطعام ستين مسكينا، مد لكل مسكين (2) ومقتضى هذه الطائفة من الاخبار أن الاشتغال بهذه الامور، يوجب البطلان إذا انتهى إلى الامناء قهرا، وقضية الاطلاق عدم الفرق بين كون ذلك من العادة، أو غير عادة بالنسبة إلى شخص الملاعب العابث. وهناك طائفة اخرى يستفاد منها أن الاطلاق المزبور ممنوع، وتكون مقيدة لها عرفا: فمنها: ما رواه في المعتبر زرارة ومحمد بن مسلم جميعا، عن أبي جعفر (عليه السلام): أنه سئل هل يباشر الصائم أو يقبل في شهر رمضان؟ فقال: إني أخاف عليه، فليتنزه من ذلك، إلا أن يثق أن لا يسبقه منيه (3). ومنها: معتبر ابن حازم قال، قلت لابي جعفر (عليه السلام): ما تقول في الصائم يقبل الجارية والمرأة؟ فقال: أما الشيخ الكبير مثلى ومثلك فلا بأس، وأما الشاب الشبق فلا،


1 - تهذيب الاحكام 5: 327 / 1124، وسائل الشيعة 10: 40، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 4، الحديث 3. 2 - تهذيب الاحكام 4: 320 / 980، وسائل الشيعة 10: 40، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 4، الحديث 4. 3 - تهذيب الاحكام 4: 271 / 821، وسائل الشيعة 10: 100، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 33، الحديث 13.

[ 315 ]

لانه لا يؤمن، والقبلة إحدى الشهوتين... (1). ومنها: معتبر الحلبي، عن أبي عبد الله (عليه السلام): أنه سئل عن رجل يمس من المرأة شيئا، أيفسد ذلك صومه أو ينقضه؟ فقال: إن ذلك ليكره للرجل الشاب مخافة أن يسبقه المني (2). ومنها: ما رواه الصدوق، عن سماعة: أنه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يلصق بأهله في شهر رمضان. فقال: ما لم يخف على نفسه فلا بأس (3). على هذا ربما يشكل أن يكون الميزان لجواز المبادرة إلى الملاعبة هو الوثوق والامن من الامناء، سواء كانت العادة، أو لم تكن (4). ولعل المراد من التقييد بالعادة بيان أن مع العادة لا يحصل الوثوق، ومع عدم العادة يحصل الامن والوثوق، وذلك لان المقصود من العادة هي العادة الشخصية، لا النوعية والسنخية، فتأمل. وبالجملة: إذا كان من عادته الامناء بالملاعبة فيبطل معه قطعا، وأما إذا لم يكن من عادته الامناء كمن لا تعلم بعد له العادة، فإن كان مأمونا من


1 - الكافي 4: 104 / 3، وسائل الشيعة 10: 97، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 33، الحديث 3. 2 - الكافي 4: 103 / 1، وسائل الشيعة 10: 97، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 33، الحديث 1. 3 - الفقيه 2: 71 / 300، وسائل الشيعة 10: 98، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 33، الحديث 6. 4 - مستند العروة الوثقى، كتاب الصوم 1: 124 - 126.

[ 316 ]

الاستباق فلا يبطل، وإلا فبحسب هذه الطائفة من الاخبار (1) يبطل، وبهذا يحصل الافتراق بين التقييد بالعادة، وبين التقييد بعدم الامن وعدم الوثوق، والامر سهل. ثم إن المحكي عن المدارك عدم تمامية أخبار هذه المسألة، لعدم صحة إسنادها إلا معتبر ابن الحجاج (2) الاجنبي عنها (3)، وأنت قد عرفت أن فيها الاخبار المعتبرة، وإنما اختلافنا معه في المبنى، وتفصيله في محله (4). إن قلت: إن الكفارة مخصوصة بصورة العمد، وهذه الصورة خارجة عنه. قلت: لا ينحصر العمد بصورة قصد الامناء، بل من لا يأمن، ويكون من عادته الامناء عند التفخيذ والملاعبة، يعد إمناؤه من العمد والاختيار. ولو نوقش فيه عقلا ولكنه منه عرفا، ولا سيما مع تنبيه الاخبار بذلك. بقي شئ: حول الروايات الدالة على الجواز مطلقا وهو أن هناك طائفة ثالثة ظاهرة في الجواز مطلقا. ومنها: ما عن المقنع عن أميرا لمؤمنين (عليه السلام): لو أن رجلا لصق


1 - وسائل الشيعة 10: 39 و 97، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 4 و 33. 2 - الكافي 4: 102 / 4، وسائل الشيعة 10: 39، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 4، الحديث 1. 3 - الحدائق الناضرة 13: 130، مدارك الاحكام 6: 61 و 62. 4 - لعله (قدس سره) فصله في قواعده الرجالية، وهي مفقودة.

[ 317 ]

بأهله في شهر رمضان فأمنى لم يكن عليه شئ (1). ومنها: ما عن التفذيب عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل كلم امرأته في شهر رمضان وهو صائم فأمنى. فقال: لا بأس (2). ولعمري، إن هذه الرواية بل وما قبلها تشهد على ما أبدعناه، من احتمال عدم مفطرية الاسباب غير العادية - كالنظر والكلام - ولو كان من قصده الامناء، بل ومن عادته الشخصية، ولا ينبغي الخلط بين هذه العادة وما سبق، كما يظهر بالتأمل. وعلى كل تقدير: لو سلمنا وجود رواية من المقنع معمول بها، ولكنها مقيدة بما ورد، فيلزم انقلاب النسبة بين الطائفة الاولى والثا لثة من التباين إلى الاعم والاخص، فيقيد الثالثة. المسألة الثالثة: في الاشتغال بالاسباب غير العادية إذا انتهت إلى الامناء إذا اشتغل بالاسباب غير العادية فانتهى إلى الامناء، كما لو نظر، أو كلم، أو تخيل، وكانت عادته ذلك، أو كان غير مأمون عليه فاتفق أن أدفق، فظاهر جمع من المعاصرين مفطريته (3)، خلافا لجماعة من الاقدمين كما


1 - المقنع: 189، وسائل الشيعة 10: 98، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 33، الحديث 5. 2 - تهذيب الاحكام 4: 272 / 824، وسائل الشيعة 10: 128، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 55، الحديث 2. 3 - العروة الوثقى 2: 180، فصل فيما يجب الامساك عنه في الصوم، المسألة 18، وسيلة النجاة 1: 241، القول فيما يجب الامساك عنه، الرابع.

[ 318 ]

مر (1)، نظرا إلى أن الاخبار وإن كانت مشتملة على خصوص العاديات، ولكن لا خصوصية لها، وفيه ما لا يخفى. نعم، يمكن استفادة الحكم مضافا إلى الملازمة المدعاة في المسأ لة السابقة والبحث الاسبق، ومضافا إلى أن التفخيذ غير معدود منها، وهو بلا إشكال يكون من العاديات، فيعلم أن الحكم لا يقصر بما في الاخبار - اللهم إلا أن يقال: إنه من المس واللصق أيضا. مع أنه لمكان عاديته يلحق بأمثلة الروايات، ويحتمل أنه يعد وطيا، كما في روايات اللواط (2) - أن ما في الاخبار من التقبيل (3) مثلا، وهو ليس عاديا إلا إذا استمر، ومقتضى إطلاق الاخبار أعم. فمن هنا يقوى في النظر أن كل عمل سواء كان قابلا لان ينتهي إلى الامناء أو لم يكن، إن أوجب الامناء يكون مفطرا على الاحوط، والله العالم بحقائق الامور وسيأتي تمام الكلام (4). ومن هنا يظهر حكم من صارت الاسباب العادية بالقياس إليه غير عادية، كالرجل الكبير الشائب. وفي بعض الاخبار ما يؤيد أن


1 - تقدم في الصفحة 310. 2 - وسائل الشيعة 20: 339 - 340، كتاب النكاح، أبواب النكاح المحرم وما يناسبه، الباب 20، الحديث 2 و 3. 3 - وسائل الشيعة 10: 97 و 99 - 101، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 33، الحديث 3 و 11 و 13 و 15 و 20. 4 - يأتي في الصفحة 323.

[ 319 ]

الممنوعية منحصرة بالشاب (1)، وهذا يؤيد ما سلكناه. وأما التفصيل الذي مر في المسألة الاولى عن جمع، بين مثل النظر المحرم والمحلل (2)، فهو بلا وجه. اللهم إلا أن يقال: بأن النظر إلى المحلل ليس من الاسباب المتعارفة، دون المحرم، وهو كما ترى. التفصيل بين التقبيل وغيره من الملاعبة والملامسة ويظهر من الفقيه الاصفهاني (قدس سره) التفصيل بين التقبيل، وبين الملاعبة والملامسة، فأوجب القضاء في الاخيرتين، دون الاول (3). ولعل نظره إلى أن التقبيل الوارد في الاخبار مختلف، فإن كان قبلة واحدة فلا بأس بها، وظاهر الاخبار أيضا أنه لا يضر بالصوم ولو انتهى إلى الامناء، لانه من الامور غير المتعارفة، وإذا كان الرجل يقبل كثيرا فهو منهي، والظاهر بطلان الصوم للنهي عنه. فمن الطائفة الاولى معتبر زرارة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: لا تنقض القبلة الصوم (4).


1 - وسائل الشيعة 10: 97 و 99، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 1 و 3 و 8. 2 - تقدم في الصفحة 310. 3 - العروة الوثقى مع حاشية السيد الاصفهاني: 329، المسألة 18، الهامش 1. 4 - الكافي 4: 104 / 2، وسائل الشيعة 10: 97، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 33، الحديث 2.

[ 320 ]

ومعتبر زرارة وأبي بصير جميعا، عن أبى جعفر (عليه السلام) قال: لا تنقض القبلة الصوم (1). ولعل الخبرين واحد. ومعتبر سماعة بن مهران قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن القبلة في شهر رمضان للصائم، أتفطر؟ قال: لا (2). ومن الطائفة الثانية رواية علي بن جعفر في كتابه، عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل أيصلح أن يلمس ويقبل وهو يقضي شهر رمضان؟ قال: لا (3). ومعتبر منصور بن حازم ومحمد بن مسلم وزرارة الذي سبق (4)، الحاكم بأن مع الامن من عدم سبق المني يجوز، وفيه السؤال عن التقبيل بصيغة المضارع، وهكذا في الاول. فكأن بالنظر إلى مجموع الاخبار يظهر: أن القبلة الواحدة لا بأس


1 - تهذيب الاحكام 4: 271 / 819، وسائل الشيعة 10: 99، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 33، الحديث 12. 2 - تهذيب الاحكام 4: 271 / 820، وسائل الشيعة 10: 100، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 33، الحديث 14. 3 - مسائل علي بن جعفر: 150 / 195، وسائل الشيعة 10: 101، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 33، الحديث 20. 4 - تقدم في الصفحة 314 - 315، وسائل الشيعة 10: 97 و 100، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 33، الحديث 3 و 13.

[ 321 ]

بها، وقضية إطلاق أدلتها عدم إضرارها بالصوم ولو أمنى. ومن القريب أن السؤال حول القبلة أو بيان حكم القبلة بدوا، يكون بلحاظ انتهائه إلى الامناء وعدمه، وإلا فأصل جواز القبلة تكليفا وعدم كونه من المفطرات، من الواضحات الغنية عن البيان، ولا سيما في عصر الجعفرين (عليهما السلام)، ولو ورد في بعض الاخبار جواز القبلة المداومة (1)، فهو لا ينافي تقييدها بما سبق، فيكون مفطرا إذا أمنى في صورة الخوف وعدم الامن والوثوق. فما مر منا من الاستدلال لمفطرية ما ليس بمتعارف في الانتهاء إلى الامناء بأخبار التقبيل (2)، مخدوش بهذا التقريب، ضرورة أن الروايات في خصوص القبلة مضطربة، وهذا ما وعدنا به آنفا (3). المسألة الرابعة: في الاشتغال بالامور المنتهية إلى الامناء من حيث الحكم التكليفي لا شبهة في أن مقتضى القواعد، حرمة إبطال الصوم الواجب المعين عمدا تكليفا. ولا شبهة في إمكان الالتزام بالقضاء والبطلان وإن لم


1 - لاحظ وسائل الشيعة 10: 97 - 102، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 33 و 34، ومستدرك الوسائل 7: 340 - 341، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 23. 2 - تقدم في الصفحة 318 - 320. 3 - تقدم في الصفحة 318.

[ 322 ]

يأثم الصائم حتى في شهر رمضان، كما إذا كان يتبرد فسبقه إلى حلقه (1)، وغير ذلك. فعلى هذا، فهل الاشتغال بهذه الامور المنتهية قهرا إلى الامناء حرام مطلقا، أو حلال مطلقا، أو يفصل بين ما إذا انتهى إلى الامناء فيحرم، وإلا فلا؟ وبعبارة اخرى: إذا اشتغل وأمنى، يعاقب على ترك الواجب المعين بإبطاله، أم لا؟ وفي صورة عدم حصول الامناء، هل يعاقب على نفس الاشتغال بتلك الاسباب العادية وإن لم ينته إلى الامناء؟ لا شبهة في أنه مع الوثوق والاطمئنان لا عقاب، ولا قضاء، وأما مع عدم الامن والوثوق، فيعاقب في صورة الانتهاء إلى الامناء عقابين، أحدهما: على إبطال صومه، وثانيهما: على الاشتغال المزبور، أم لا. فبالجملة: ليس في كلماتهم تعرض صحيح لهذه المسألة. نعم، في الجواهر بعد تشتت المسأ لة لتشتت الشرائع (2) قال في ذيل مسألة: نعم، إن كان يعتاد الانزال حرم عليه هذه المقدمات، وإلا كان ما أثبتناه مستحبا، وإن اشترك الجميع في البطلان مع الانزال (3) انتهى. أقول: إن الذي يقتضيه النظر الدقيق، أن الاخبار في المسألة بين ما ترخص في بعض هذه المقدمات، فهي ناظرة إلى جواز هذه الامور في حد ذاتها، وبين ما تمنع عنها، وهي ظاهرة في أن المنظور إليه هو الانتهاء إلى


1 - العروة الوثقى 2: 212، كتاب الصوم، فصل وجوب القضاء دون الكفارة، التاسع. 2 - شرائع الاسلام 1: 173. 3 - جواهر الكلام 16: 294.

[ 323 ]

البطلان، فيكون إرشادا إلى أمر وضعي، فلا نهي حينئذ تكليفي، كما هو بناؤنا في النهي عن حدود المركبات العرفية والشرعية (1). نعم، يبقى أمر: وهو أن في صورة الاشتغال بالاسباب العادية، يمكن نفي محرمية الاشتغال، ويمكن نفي العصيان من ناحية ترك الواجب وإبطال الصوم، بدعوى أنه شبه العمد الذي الحق بالعمد في الكفارة، دون الاثم. وتوهم: أن إيجاب الكفارة يلازم الاثم، فيكون اللاعب فاسقا وساقطا عن العدالة (2)، غير متين في نظر الفقيه، فإن التكفير ربما يكون لجهات وضعية، كما لا يخفى. وربما يشهد على عدم حرمة الاشتغال بعض الاخبار، كمعتبر الحلبي السابق، حيث كره المس للرجل الشاب مخافة أن يسبقه المني (3)، الظاهر في أن استباق المني يفطر. هذا مع أن إطلاق ما يدل على جواز بعض منها - كالتقبيل (4) خصوصا - يقتضي عدم الحرمة ولو انتهى إلى الامناء. وتقييد هذه الاخبار بما ورد من اعتبار الامن والوثوق، مخصوص بالجهة الوضعية دون التكليفية.


1 - تحريرات في الاصول 4: 299 - 302. 2 - جواهر الكلام 16: 317. 3 - تقدم في الصفحة 315، الكافي 4: 104 / 1، وسائل الشيعة 10: 97، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 33، الحديث 1. 4 - وسائل الشيعة 10: 97 و 99 - 100، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 33، الحديث 2 و 12 و 14.

[ 324 ]

ولكن الانصاف: أن نفي الحرمة التكليفية عن هذه الصورة في غاية الاشكال، فتدبر. فرع: في جواز النوم وعدمه في النهار إذا علم بأنه يحتلم إذا علم من نفسه أنه لو نام في النهار رمضان يحتلم، ففي جوازه وعدمه وجهان: ذهب المتعرضون إلى الاول (1)، ويحتمل المنع (2)، وذلك لانه يشبه العمد، ويكون من الاجناب العمدي، ضرورة كفاية المقدمات الاختيارية في صحة إسناد الفعل والسبب إلى الفاعل، كما يصح عليه العقوبة والمثوبة. بل قلما يتفق أن يكون الشئ بلا وسط تحت الاختيار، بل لا يوجد، فإن ما يحصل بالاختيار بلا وسط هي الارادة، وتفصيله في محله (3). وقد مر: أن من الاصحاب من صرح ببطلان الصوم في صورة العلم: بأن ترك التخليل يؤدي إلى دخول البقايا في الاسنان إلى الجوف (4)، بل كان بعضهم لا يرخص في صورة الاحتمال (5)، مع أن المسأ لة من باب واحد.


1 - العروة الوثقى 2: 179، فصل فيما يجب الامساك عنه في الصوم، المسألة 14، مستمسك العروة الوثقى 8: 246، مستند العروة الوثقى، كتاب الصوم 1: 120. 2 - العروة الوثقى 2: 179، فصل فيما يجب الامساك عنه في الصوم، الهامش 9. 3 - تحريرات في الاصول 2: 40 و 51. 4 - تقدم في الصفحة 278. 5 - تقدم في الصفحة 276 - 280.

[ 325 ]

ويمكن دعوى الفرق بأن في المقام لا يكون خروج المني بالارادة المصحوبة مع الغفلة والنسيان، بخلاف البلع، فإن الازدراد لا يحصل إلا بالارادة، إلا أنها مصحوبة بالغفلة والذهول، ولكنها غير كافية، فتدبر. ويمكن دعوى: أن أدلة الاجناب في نهار رمضان لا تشمل ما نحن فيه، ولا إطلاق يدل على أن كل إجناب يفطر، وقد عرفت فيما سبق حدود هذه المسألة (1)، وأن كثيرا من الاجنابات العمدية كانت بلا دليل، فعلى هذا يقوي في النظر جواز النوم جدا، كما قوينا فيما سبق جواز ترك التخليل أيضا مطلقا (2). وأما ما في كلام بعض المعاصرين من إحداث الفرق بين المسألتين: بأن فيما نحن فيه طائفة من الاخبار، وفيها تجويز النوم في النهار للمحتلم، ومقتضى إطلاقها جوازه فيما نحن فيه، بخلاف ما سبق، لعدم الدليل إلا على ممنوعية الاكل، واستثناء الاكل من نسيان، فلابد من الالتزام بمفطرية الاكل هناك، وعدم المفطرية هنا (3) فقد عرفت أنه غير تام فيما سبق (4). وأما فيما نحن فيه فهذه الطائفة بين ما هي ضعيفة السند (5)، وبين ما


1 - تقدم في الصفحة 295 - 296 و 311 - 312. 2 - تقدم في الصفحة 277. 3 - مستمسك العروة الوثقى 8: 247. 4 - تقدم في الصفحة 277 - 278. 5 - وسائل الشيعة 10: 104، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 35، الحديث 4، ضعيف: كما قال المؤلف (قدس سره) في الصفحة 201.

[ 326 ]

هي معرض عنها (1)، وبين ما هي تشتمل على أن القئ لا يفطر (2)، فتكون محمولة على غير العمد، فالاحتلام مثله. وكل ذلك على سبيل منع الخلو، وبين ما لا إطلاق له. فمن الاخير معتبر الصدوق بإسناده عن العيص بن القاسم: أنه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل ينام في شهر رمضان فيحتلم، ثم يستيقظ، ثم ينام قبل أن يغتسل. قال: لا بأس (3). ومثله معتبر ابن بكير في حديث قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يحتلم بالنهار في شهر رمضان، يتم يومه (صومه) كما هو؟ فقال: لا بأس (4). وأنت خبير: بأن الاطلاق الناشئ من ترك الاستفصال لا يتم هنا، لندرة العلم بالاحتلام، فاغتنم. فبالجملة: ما رواه الوسائل كله في الباب (35) (5) لا يدل ولا يتم


1 - لاحظ تهذيب الاحكام 4: 320 / 982، وسائل الشيعة 10: 104، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 35، الحديث 5. 2 - تهذيب الاحكام 4: 260 / 775، وسائل الشيعة 10: 103، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 35، الحديث 1. 3 - الفقيه 2: 75 / 325، وسائل الشيعة 10: 103، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 35، الحديث 3. 4 - الكافي 4: 105 / 3، وسائل الشيعة 10: 103، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 35، الحديث 2. 5 - وسائل الشيعة 10: 103 - 104، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 35.

[ 327 ]

حجة على أن كل محتلم يصح صومه، حتى يرجع إليه في المقام، فيكون بعد صدق الامناء - لاجل اختيارية المقدمات - مندرجا في المسألة السابقة. بل خبر عمر بن يزيد السابق (1) يشهد على أن الاحتلام لكونه مفعولا به ليس مفطرا، وعلى هذا إذا كان عالما به لا يكون مفعولا به، كما إذا كان قادرا على الاحتلام بأكل شئ خاص قبله، فلا تخلط. ولكن حيث لا إطلاق في تلك المسألة يصح صوم من يعلم بالاحتلام نهارا، كما مر تقوية صحة صوم من لم يخلل مطلقا (2)، فليتدبر جيدا. بقي شئ: في التمسك بقاعدتي نفي الضرر والحرج لجواز النوم يظهر من الفقيه اليزدي (قدس سره) التمسك بقاعدة نفي الحرج في المقام (3). ويتوجه إليه أولا: أن الاحتلام ليس موضوعا لحكم شرعي حتى يرتفع بها، وما هو الحرجي هو إيجاب الصوم، ولازمه جواز تركه والقضاء في وقت آخر مثلا. وثانيا: أن حرمة النوم توجب الحرج، ولا ربط لها بمسألة مفطرية الامناء وضعا.


1 - تقدم في الصفحة 298، علل الشرائع: 379 / 1، وسائل الشيعة 10: 104، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 35، الحديث 4. 2 - تقدم في الصفحة 277. 3 - العروة الوثقى 2: 179، فصل فيما يجب الامساك عنه في الصوم، المسألة 14.

[ 328 ]

ويمكن دعوى: أن نظره إلى أن الاحتلام في النهار لو كان ممنوعا، لكانت الحرجية مورد السؤال، فيعلم منه عدم ممنوعيته. وفيه: أن صورة العلم بالاحتلام قليلة جدا، فلا يكشف من ذلك جواز النوم مطلقا. ومن هنا يظهر الكلام حول التمسك بقاعدة نفي الضرر. ويمكن دعوى: أن حقيقة الصوم إن كانت هي ترك المفطرات عن قصد، فالضرر والحرج لا يورث تقييدا في دليل المفطرات، وغايته نفي وجوب الصوم. وإن كان حقيقة الصوم قصد الترك وإن لم يترك لعناوين طارئة، يمكن تقييدها بهما إذا طرأ الضرر والحرج في أثناء النهار. ولو اختلف الصوم بالقياس إلى المفطرات، فيكون بعض منها مقوما، وبعض منها حكما، كما قويناه (1)، يلزم التفصيل، فتدبر. ثم إن قضية التحقيق: أنه مع العلم بالاحتلام يجوز النوم، ولو كان يتسبب بنفسه إلى تحصل ذلك العلم بإعمال الادوية الخاصة، وأكل الاشياء المخصوصة، ولكن الاحتياط حسن جدا. توضيح: لقصور الادلة عن إثبات مفطرية كل إمناء قد سلف منا أن ما هي العمدة قصور الادلة عن إثبات مفطرية الامناء على الاطلاق (2)، ولا حاجة إلى إحراز إطلاق أدلة الاحتلام، كما ظنه


1 - تقدم في الصفحة 8 - 10. 2 - تقدم في الصفحة 309.

[ 329 ]

المعاصر (رحمه الله) (1). ولو كان لكل واحد من الدليلين إطلاق فلا تنحل المشكلة، لان النسبة بينهما عموم من وجه كما لا يخفى، ويتعارضان فيمن احتلم مع العلم بالاحتلام، بناء على صدق الامناء كما هو مفروض البحث في المقام. ثم إن قضية خبر عمر بن يزيد أن النكاح فعله، والاحتلام مفعول به (2) أيضا تقييد لاطلاق أدلة الاحتلام، لان الاحتلام المعلوم يصير فعله، بناء على صدق الامناء فإذا كان فعله فيخرج عن إطلاق أدلة الاحتلام، ويجب حينئذ الاخذ بإطلاق الامناء، بناء على تمامية سند خبر عمر بن يزيد، ولكنه غير تام ظاهرا. فالوجه الوحيد ما أشرنا إليه من قصور الادلة عن إثبات مفطرية كل إمناء، وهذا أيضا من الشواهد على عدم تمامية الملازمة المدعاة في كلماتهم المفتى بها في الشرائع (3) وغيره (4)، فإنه لو كانت هي تامة يلزم مفطريته، لانه من العمد إلى الاجناب الموجب للغسل بالضرورة.


1 - مستمسك العروة الوثقى 8: 247. 2 - علل الشرائع: 379 / 1، وسائل الشيعة 10: 104، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 35، الحديث 4. 3 - شرائع الاسلام 1: 170. 4 - مختلف الشيعة 3: 390.

[ 330 ]

فرع: في جواز الامناء وعدمه بعد الاحتلام في نهار رمضان لو احتلم في نهار رمضان فهل يجوز له الامناء، نظرا إلى أن الامناء المزبور لا يوجب جنابة جديدة، أم لا؟ لا أظن التزام أحد بذلك. ولكن مقتضى الملازمة السابقة عدم مفطريته، بل عدم مفطرية الجماع أيضا ثانيا إذا جامع أولا نسيانا، لانه لا يحدث به الجنابة، ولا توجب الغسل الجديد بالضرورة. ويظهر من السيد الفقيه اليزدي أنه تمايل إلى ذلك حيث قال في المسألة (15): يجوز للمحتلم في النهار الاستبراء بالبول أو الخرطات وإن علم بخروج بقايا المني في المجرى، ولا يجب عليه التحفظ بعد الانزال من خروج المني إن استيقظ قبله (1) انتهى. فيعلم منه: أنه يرخص في جواز خروج المني وإن كان قادرا على المنع له، فإنه إذا استيقظ ويرى أنه يخرج لا يجب عليه منعه. كما صرح به في كتاب الطهارة أيضا في بعض الصور (2) وقال في المسألة (16): إذا احتلم في النهار وأراد الاغتسال فالاحوط تقديم الاستبراء، إذا علم أنه لو تركه خرجت البقايا بعد الغسل، فتحدث جنابة جديدة (3) انتهى.


1 - العروة الوثقى 2: 179 - 180، فصل فيما يجب الامساك عنه في الصوم، المسألة 15. 2 - العروة الوثقى 1: 283، فصل في غسل الجنابة، المسألة 7. 3 - العروة الوثقى 2: 180، فصل فيما يجب الامساك عنه في الصوم، المسألة 16.

[ 331 ]

فإذا لاحظنا الفرعين، نجد أنه لاجل الجنابة الجديدة منع عن الاستبراء بعد الغسل، مع أنه رخص في خروج المني للمستيقظ، وما ذلك إلا لان في الاول لا تحصل جنابة جديدة، بخلاف المقام، وذلك ربما كان لاجل الملازمة المدعاة في كلماتهم. ولازم ذلك جواز، الاجناب العمدي في النهار بالجماع والملاعبة والتفخيذ، وهذا مما لا يمكن الالتزام به قطعا. ومما ذكرنا يظهر عدم التنافي بين المسألتين حسب الامكان، ولكن لازمه غير جائز، كما لا يخفى. ومن الممكن دعوى: أنه (قدس سره) كان يميل في المسألة الاولى إلى جواز ذلك، لقصور الادلة عن خروج المني على الكيفية المزبورة، ولكنها ليست قاصرة عن الامناء بالتفخيذ وإن لم يوجب الغسل، وفي المسألة الثانية - نظرا إلى الملازمة المدعاة - احتاط وجوبا، لانه من الامناء الموجب للغسل، وقد ادعي الاجماع على أن كل موجب للغسل مفطر إذا حصل عن عمد وعلم (1)، وهذا لا ينافي التزامه بمفطرية بعض الفروض في الفروض في المقام، مع عدم التزامه بإيجابه الغسل في كتاب الطهارة، كالدخول بالبهيمة (2)، فلا تغفل. وبناء على هذا يظهر وجه المسألتين أيضا، ويظهر ضعف ما في كلام الشارح (رحمه الله) (3) وبعض المحشين (4)، ويظهر أيضا ضعف مستنده (قدس سره) ضرورة أن


1 - الغنية، ضمن الجوامع الفقهية: 509 / السطر 12. 2 - العروة الوثقى 1: 279، فصل في غسل الجنابة. 3 - مستمسك العروة الوثقى 8: 248. 4 - العروة الوثقى 2: 180، فصل فيما يجب الامساك عنه في الصوم، الهامش 2.

[ 332 ]

قاعدة الملازمة لو تمت، لكان لازمها عدم مفطرية الفرض المزبور. وحملها على وجه لا تشمل هذه الصورة كما ترى، والله هو الموفق المؤيد. فروع: في منع خروج المني والاستمناء من غير الطريق المألوف لو استيقظ وقد تحرك المني من المنبع ولم يخرج بعد، ويتمكن من منعه من غير خوف الضرر، فهل يجب بتوهم أنه من الامناء العمدي المفطر، أو لا يجب بدعوى: أنه لا دليل على أن كل إمناء - ولا سيما مثله - مفطر؟ وقد تقدم الاخبار بجملتها (1)، وليس يوجد فيها ما يفي بهذه المسألة. نعم، قضية إجماع ابن زهرة في الغنية (2) هو البطلان، ولكنه بمعزل عن التحقيق، كما عرفت في مواضع عديدة وجوه المناقشة فيه (3). ومن هنا يظهر: أنه لو استمنى من غير الطريق المألوف، أو أخرج منيه من الثقبة الحادثة، أو أكل في الليل شيئا يعلم بخروج المني منه في النهار، أو غير ذلك من المسائل المستحدثة المشابهة لها، تكون مفطرية الكل مخدوشة. نعم إذا كان فيه ثقبة على أصل خلقته، ويخرج منه المني عند الاحتلام ونحوه، فالظاهر مفطريته، فتأمل.


1 - تقدم في الصفحة 308 وما بعدها. 2 - الغنية، ضمن الجوامع الفقهية: 509 / السطر 12. 3 - تقدم في الصفحة 296 و 301 و 312 و 329.

[ 333 ]

تذنيب: الكلام في شبهة ناشئة من تقييد الاكل والجماع بالعمد قد مضى في مباحث النية خلاف الاعلام في أن نية القاطع قاطعة، أم لا (1)، والذي أردنا هنا هي الاشارة إلى شبهة: وهي أنه لو كان الاكل أو الجماع العمديان مفطرين، فما معنى كون نية القاطع مفطرة؟! ضرورة أن لازم ذلك هو أن يقصد قصد الاكل، وينوي الاكل المنوي. وفي العروة الوثقى وإن لم يعتبر في ناحية الاكل والشرب والجماع قيد التعمد، ولكنه اعتبر في ناحية الامناء، فقال: الرابع من المفطرات: الاستمناء، أي إنزال المني متعمدا (2) انتهى. ثم قال في المسألة (17): لو قصد الانزال بإتيان شئ مما ذكر ولكن لم ينزل، بطل صومه من باب نية إيجاد المفطر (3) انتهى. ولازم ذاك وهذا هو أن المفطر قصد المفطر. وبعبارة اخرى: المفطر هو الامناء العمدي، أي عن قصد فلابد وأن يتعلق القصد بالامناء القصدي حتى يكون مفطرا، ولازمه أن يتعلق القصد بالقصد، وهو ظاهر البطلان. أقول: ما هو التحقيق أن المفطر هو الاكل والشرب والجماع والاستمناء، من غير دخالة حالة من الحالات في ذلك، كالعلم والعمد


1 - تقدم في الصفحة 250 - 255. 2 - العروة الوثقى 2: 179، فصل فيما يجب الامساك عنه في الصوم، الرابع. 3 - العروة الوثقى 2: 180، فصل فيما يجب الامساك عنه في الصوم، المسألة 17.

[ 334 ]

ونحوه، وذلك حسب إطلاق أدلتها، وقد خرج حسب الادلة صورة النسيان كما يأتي (1)، أو بعض الصور الاخر، فيكون في صورة الجهل التقصيري كل واحد منها مثلا مفطرا، وعند ذلك يصح أن يقال: إن الاكل مفطر، وقصده أيضا مفطر، فإن الاكل مفطر بذاته، وقصده مفطر عند الالتفات إلى المفطرية الثابتة له بذاته، وهكذا في ناحية الاستمناء. فما في العروة الوثقى من جعل الاستمناء - وهو قصد إنزال المني متعمدا - مبطلا، ينافي ما أفاده في المسألة (17) لما لا يمكن الجمع. والذي هو الحق: أن الاستمناء من المفطرات، ولا يعتبر التعمد والالتفات في مفطرية ذات العمل حتى يلزم الاشكال. نعم، لو فرضنا أن قضية الادلة اختصاص المفطرية بكل واحد منها حال الالتفات والعمد، فلا معنى لكون قصد المفطر مفطرا، كما لا يخفى. والحمد لله أولا وآخرا، وظاهرا وباطنا. تم يوم (18) من رمضان المبارك (93).


1 - لم يصل الكتاب إلى هذه المباحث أو لم تصل إلينا.

[ 335 ]

الخامس الكذب على الله ورسوله والائمة (عليهم السلام) قال الشيخ في الخلاف: من ارتمس في الماء متعمدا، أو كذب على الله أو على رسوله أو على الائمة (عليهم السلام) متعمدا أفطر، وعليه القضاء والكفارة، وخالف جميع الفقهاء في ذلك في الافطار ولزوم الكفارة معا، وبه قال المرتضى من أصحابنا، والاكثر على ما قلناه. دليلنا: ما قلناه في المسألة الاولى سواء (1) انتهى. ومراده إجماع الفرقة، وطريقة الاحتياط. وقال العلامة في التذكرة بعد حكاية المسألة: وقال السيد المرتضى (رحمه الله) لا يفسده، وهو قول الجمهور، وهو المعتمد، لاصالة البراءة. ثم قال: ولا خلاف في أن الكذب على غير الله غير مفسد، وأما المشاتمة والتلفظ بالقبيح فكذلك، إلا الاوزاعي، فإنه أوجب بهما


1 - الخلاف 2: 221، المسألة 85.

[ 336 ]

الافطار (1) انتهى. فيعلم من ذاك وذلك: أن المخالفين يقولون بعدم المفطرية، وأن المسألة كانت معنونة بينهم، فإن الاوزاعي قد مات في سنة (157) (2) وعلى هذا لو تعارضت أخبار المسألة، يجوز الاخذ بما يدل على المفطرية من باب الترجيح، كما لا يخفى. والذي لا ريب فيه أن حديث مفطرية الكذب على الله، ليس مما يحسنه العقلاء، ولم يعهد لي اعتباره في الشرائع السابقة بخصوصها. نعم كان الصوم عن الكلام معهودا ومسلما، إلا أن مبطلية الكذب من مخترعات الشريعة الاسلامية، ومن الامور التعبدية الصرفة. وقد اختلف الفقهاء في ذلك، فالذي هو المدعى عليه الاجماع (3) والشهرة (4) هي مفطريته، ونسب إلى السيد في الجمل خلافه (5)، وهو غير ثابت بعد دعواه الاجماع على المفطرية في سائر الكتب (6). ومخالفة المحقق في بعض كتبه والعلامة (7) والمتأخرين قاطبة (8)، لا تضر


1 - تذكرة الفقهاء 6: 32. 2 - تهذيب الكمال 17: 307. 3 - الانتصار: 62 - 63، الغنية، ضمن الجوامع الفقهية: 509 / السطر 12. 4 - الدروس الشرعية 1: 274. 5 - تذكرة الفقهاء 6: 32، رسائل الشريف المرتضى 3: 54. 6 - الانتصار: 62 - 63. 7 - المعتبر 2: 671، شرائع الاسلام 1: 170، تذكرة الفقهاء 6: 32، مختلف الشيعة 3: 397. 8 - التنقيح الرائع 1: 363، مسالك الافهام 2: 16، مدارك الاحكام 6: 46.

[ 337 ]

بشئ، لاعتراضهم على الاخبار تارة: بقصور إسنادها، واخرى: بقصور دلالتها. فالذي يهمنا هو النظر فيها حتى يتبين الامر إن شاء الله تعالى: الاخبار الواردة في المسألة فمنها: ما رواه الشيخ بإسناده عن سماعة قال: سألته عن رجل كذب في رمضان. فقال: قد أفطر، وعليه قضاؤه. فقلت: ما كذبته؟ قال: يكذب على الله وعلى رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) (1). والمناقشة في السند (2) لوجود عثمان بن عيسى، في غير محلها، وهكذا حديث إضمار سماعة (3)، فالخبر بحسب السند والمتن كاف لولا القرينة الخارجية. ومن السؤال والجواب الاول يتبين معهودية الحكم في عصر الاخبار والائمة الاطهار أيضا. ومنها: ما رواه أيضا بإسناده عن أبي بصير قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: الكذبة تنقض الوضوء، وتفطر الصائم. قال، قلت له: هلكنا.


1 - تهذيب الاحكام 4: 189 / 536، وسائل الشيعة 10: 33، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 2، الحديث 1. 2 - المعتبر 2: 656. 3 - المعتبر 2: 656.

[ 338 ]

قال: ليس حيث تذهب، إنما ذلك الكذب على الله وعلى رسوله وعلى الائمة (عليهم السلام) (1). والمناقشة في السند (2)، لما فيه منصور بن يونس، غير تامة، لانه ثقة ولم يثبت وقفه (3)، ولو ثبت فهو لا يضر، لما تحرر في محله (4). نعم، اشتراك أبي بصير بين الكثير (5) يورث الريب، إلا أن المحرر منا في محله أن المشترك بين المعتبرين عند الاطلاق - لا سيما فيما إذا كان الراوي أرباب الحديث والفقه، كالحسين بن سعيد، وابن أبي عمير - معتبر (6)، فلا تخلط. وأما قضية السياق، فهي لا تزيد على أكثر من صلاحية الجملة الاولى للقرينية الموجبة لقصورها، لولا احتمال كون الكذبة من نواقض الوضوء عند العامة، لانهم يقولون بنواقض كثيرة غير ما عندنا. وعدم كونها منها حسبما هو المحكي (7)، لا ينافي كون هذه الاخبار من هذه الجهة شاهدة على القول المزبور غير الواصل إلينا، فيشك في صلاحية هذه القرينة، فيبقى أصالة الظهور بالنسبة إلى الجملة الثانية باقية.


1 - تهذيب الاحكام 4: 203 / 585، وسائل الشيعة 10: 33، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 2، الحديث 2. 2 - مختلف الشيعة 3: 399. 3 - انظر تنقيح المقال 3: 251. 4 - لاحظ تحريرات في الاصول 6: 489 و 539. 5 - معجم رجال الحديث 21: 44. 6 - لعله محرر في قواعده الرجالية، وهي مفقودة. 7 - تذكرة الفقهاء 1: 105، المسألة 30.

[ 339 ]

ويكفي للشك في الصلاحية نقل الكليني في إحدى روايتيه هذه الرواية بلا قوله: تنقض الوضوء (1) وهكذا في معاني الاخبار (2). هذا مع أن وحدة السياق بعد كون الجملتين مكررتي الفعل، غير مضرة عند بعض، بل ولا تضر مطلقا، لكثرة ذلك في الفقه، فليتدبر. وبالجملة: وحدة السياق تضر لولا المناقشة في أصل صدور الجملة الاولى أو جهة صدورها، وهما في هذا الخبر محل إشكال جدا، فتأمل. ومنها: ما رواه الشيخ أيضا بإسناده عن سماعة قال: سألته عن رجل كذب في شهر رمضان. فقال: قد أفطر، وعليه قضاؤه، وهو صائم، يقضي صومه ووضوءه إذا تعمد (3). والمناقشة في الدلالة: بأن قوله (عليه السلام) وهو صائم ظاهر في صحة صومه، فيكون شاهدا على أن قوله (عليه السلام) أفطر، وعليه قضاؤه لمجرد الندب ولنقصان الكمال (4)، غير مقبولة، لظهور جملة وهو صائم في الوجوب التأديبي بالنسبة إلى بقية النهار. وأما قضية وحدة السياق، فهي هنا أيضا قابلة للمناقشة: بأن اريد من


1 - الكافي 2: 340 / 9. 2 - معاني الاخبار: 165 / 1. 3 - تهذيب الاحكام 4: 203 / 586، وسائل الشيعة 10: 34، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 2، الحديث 3. 4 - مستمسك العروة الوثقى 8: 253.

[ 340 ]

الوضوء نفس الصوم، لانه طهور حسبما في بعض الاخبار (1)، ويساعده الاعتبار. وهذا الاحتمال أيضا، يأتي فيما سلف، إلا أنه هنا أقرب، فلا يصلح ما فيه للقرينية، أو يشك في صلاحيته، فيرجع حسب الصناعة إلى أصالة الظهور. ومنها: ما رواه الصدوق بإسناده عن منصور بن يونس، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام): إن الكذب على الله وعلى رسوله وعلى الائمة (عليهم السلام) يفطر الصائم (2). والسند معتبر، والدلالة واضحة. ومنها: ما في الخصال عنه (عليه السلام): خمسة أشياء تفطر الصائم: الاكل، والشرب، والجماع، والارتماس في الماء، والكذب على الله وعلى رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) وعلى الائمة (عليهم السلام) (3). ومنها: ما يقرب من هذه الطائفة (4). وربما يناقش في دلالة الخبر الاول فضلا عن سائر الاخبار: بأن ما في


1 - المقنعة: 373، وسائل الشيعة 10: 492، كتاب الصوم، أبواب الصوم المندوب، الباب 28، الحديث 21. 2 - الفقيه 2: 67 / 277، وسائل الشيعة 10: 34، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 2، الحديث 4. 3 - الخصال: 286 / 39، وسائل الشيعة 10: 34، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 2، الحديث 6. 4 - وسائل الشيعة 10: 34 - 35، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 2، الحديث 7 و 9.

[ 341 ]

غيره يكفي لصرف ظهور ما في الخبر الاول، فضلا عن ظهور نفس الخبر المشتمل على نقض الوضوء بالكذبة، وذلك لكثرة الاخبار الناطقة بأن الغيبة تفطر الصوم والنظرة بعد النظرة والظلم كله قليله وكثيره (1) فعليه لاجل هذه الاخبار ولغيره مما ورد في شرائط كمال الصوم، يصح أن يقال بعدم انعقاد ظهور تام عقلائي لهذه الطائفة - حتى ما لا يشتمل على الجملة المذكورة - في مبطلية الكذبة. أقول: هذا ما يظهر من الفقيه الهمداني (رحمه الله) (2) وعن بعض آخر (3)، والذي يظهر لي أن مثل الخبر الاول ظاهر في المبطلية. ولو سلمنا تمامية ما قالوه في حق غيره، فلازمه ظهوره في عدم مبطلية الصوم بالكذبة، ولا يلزم كونه قرينة صارفة على ما في مثل الخبر الاول، فإنه بلا وجه، فيقع التعارض بين الطائفتين، والتقديم مع الاولى، لمخالفتها للعامة كما عرفت (4). وإن شئت قلت: قضية الاحتمالات في الطائفة الثانية عدم صلاحيتها لصرف ظهور الطائفة الاولى، فيبقى الخبر الاول سليما، أو يكون للطائفة الثانية ظهور في عدم المبطلية، فيكون الاولى مقدمة عليها، لما اشير إليه آنفا، فما ربما يقال: إن قضية الصناعة عدم المبطلية،


1 - وسائل الشيعة 10: 34 - 35، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 2، الحديث 5 و 8 و 9 و 10. 2 - مصباح الفقيه 14: 378 - 379. 3 - جواهر الكلام 16: 224 - 225. 4 - تقدم في الصفحة 336.

[ 342 ]

في غير محله. ومن الغريب ذهاب مثل الجواهر إلى عدم المبطلية! وكون هذه الاخبار طرا ناظرة إلى قضاة العامة، وبطلان صومهم (1)، لا يضر بالمطلوب لو لم يكن مؤيدا له. نعم، بعض منها ناظر إلى جهة نفي الكمال، وبعض منها إلى جهة نفي الصحة، فلا تخلط. وأما الحصر المستفاد من معتبر ابن مسلم السابق (2)، فهو - مضافا إلى أنه ليس من الحصر المصطلح عليه في الاصول - لا ينافيه القول بالمبطلية إذا اقتضاه الدليل، كما قالوا به في مثل الحقنة، وهي غير مذكورة فيه، فلاحظ وتدبر. ثم إن مفطرية المفطرات المعروفة من المسائل المبتلى بها عامة الناس، وذهاب المشهور إليها مستند إلى غير ما هو الموجود بين أيدينا، فالمناقشة في تلك الاجماعات والشهرات في أمثال هذه المسائل، غير صحيحة. هذا مع أن النوبة لو وصلت إلى المعارضة بين الطائفتين من الاخبار، ولم يكن بينهما جمع عقلائي، يكون الرجحان بل المميز مع الطائفة الاولى، لاعراض المجمعين عما يدل على عدم المبطلية. وتوهم: أن الطائفة الثانية لا تدل على شئ مطلقا للاجمال، غير


1 - جواهر الكلام 16: 225. 2 - تهذيب الاحكام 4: 189 / 535، وسائل الشيعة 10: 31، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 1، الحديث 1.

[ 343 ]

صحيح، لظهورها في نفي الكمال، فتكون شاهدا على القول المنسوب إلى العماني والسيد (1)، وتكون معارضة مع الطائفة الاولى، وساقطة بالمعارضة قطعا. ومما ينبغي الالتفات إليه: أن صرف ظهور الخبر الاول والرابع بالطائفة الكثيرة من الاخبار الناطقة بما يضر بكمال الصوم، يجوز إذا كانت صحيحة الاسناد، نقية الدلالة، وهي - ولا سيما الاولى - ممنوعة جدا، فلا تخلط. إيقاظ: عدم سقوط الرواية بإجمال بعضها والذي هو الحجر الاساسي: أن إجمال جملة في رواية، لا توجب سقوط الجملة الاخرى عن الظهور، وفيما نحن فيه لمكان عدم ذهاب العامة والخاصة إلى ناقضية الكذبة للوضوء - يصير الخبر من هذه الجملة مجملا، فليس من صغريات مسألة وحدة السياق الموجبة لصرف الظهور، والقابلة لان يكون قرينة على الاخبار الاخر، فما هو مورد فتوى المشهور قديما وقد صدقهم متأخرو المتأخرين (2)، أقرب إلى الصناعة العلمية جدا.


1 - مختلف الشيعة 3: 397. 2 - مستند الشيعة 10: 253، رسائل الشريف المرتضى 3: 54.

[ 344 ]

بحث وتحصيل: في عدم وجود الصغرى لكبري مبطلية الكذب قضية أن الكذب هو مطابقة الكلام للواقع، وأن تكون للجملة التصديقية محاكاة ومنطبق في ظرف صدقها، وقضية أن المبطل هو الكذب العمدي، مقتضى أن الهزل غير مضر، عدم وجود الصغرى للكبرى المنقحة، وهي مبطليتها للصوم، وذلك لانه في ظرف الشك في أن المنسوب إليه تعالى صدق أو كذب، يجوز النسبة، حسب الادلة الناطقة بحلية الشبهات الموضوعية، وفي المقام يستصحب صحة الصوم. وفي ظرف القطع بعدم كونه من أحكام الله مثلا، لا يتمكن القاطع من التعمد والعمد، فإن العمد يتصور بالنسبة إلى شرب الخمر وأمثاله، وأما بالنسبة إلى النسبة والاسناد، فلا يعقل مع القطع بالكذب، ولا يترشح الجد، نعم يترشح التصنع إلى العمد والتشبه بالعامد، ولكنه ليس من العمد. فعلى هذا، فلو كانت الكذبة مبطلة كبرويا، فلا ثمرة عملية يترتب عليه، إلا إذا قلنا: بأن العمد غير معتبر، وهو مجمع على اشتراطه في المفطرية، كما يقتضيه موثقة سماعة السابقة (1). وغير خفي: أنه لا تنافي بين أن يكون الاستناد والنسبة في ظرف


1 - تهذيب الاحكام 4: 203 / 586، وسائل الشيعة 10: 34، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 2، الحديث 3.

[ 345 ]

الجهالة والشك، محرما تحت عنوان القول بغير العلم وبين أن لا يكون العنوان المذكور مفطرا، لعدم اندراجه تحت عنوان الكذب ولذلك يكون الهزل بالنسبة إليه تعالى حراما أحيانا، لتنافيه مع الاحترام اللازم عقلا مثلا، ولكنه لا يكون عندهم مفطرا. وإن شئت قلت: الاحوال المعروفة كالجهل والنسيان والعمد، تتصور بالنسبة إلى موضوع العناوين المحرمة، ومصاديق المحرمات الشرعية، ولا يتصور فيها الهزل، ولا معنى لان يشرب الرجل خمرا ويقول: هو هزل وأما في مثل الكذب فتلك الاحوال تأتي فيه إلا العمد، ويأتي فيه مثل الهزل. وهنا عنوان آخر: وهو شبه العمد وأما العمد بواقع الكلمة فلا معنى له في الكذب، لانه سواء كان عالما بالكذب، أو كان جاهلا ولكنه ملتفت، لا يتمكن من التعمد بالكذب. نعم، يتمكن من التشبه بالعمد، وهو غير مبطل، لظهور النص والفتوى في مفطرية العمد وتعمد الكذب. فعليه يلزم سقوط هذه الاخبار عن صلاحية الاستناد إليها لاثبات مبطلية الكذبة. وهذه شبهة تتوجه إلى أصل المسألة. إشارة إلى شبهة اخرى في المسألة وهناك شبهة اخرى يتوجه إلى صورة الشك والجهل الالتفاتي: وهو أن الكذب عبارة عن عدم مطابقة الجملة التصديقية مع الواقع في ظرف

[ 346 ]

صدقها، وإذا كان المتكلم شاكا في الواقع، فلا يكون كلامه محرما بحسب الموازين الظاهرية، لانه من الشبهة الموضوعية التي تجري فيها أصاله الحل والاباحة، وهذه الشبهة تخص بتقريب آخر، ويأتي حولها الكلام إن شاء الله تعالى بعد البحث عن الشبهة الاولى (1)، فلا تخلط. وهم ودفع: حول كفاية التجزم في الكذب قد تحرر في الاصول في باب القضايا: أن في الكذب يكفي التجزم وإن لم يكن جزم (2)، ولو كان الجزم لازما في تحقق النسبة - لا الهوهوية التصديقية - للزم امتناع الكذب المحرم إلا بالنسبة إلى الجاهل المقصر، ولا معنى لذلك أيضا، لانه إذا كان علمه مضرا بالحرمة فالجهل التقصيري لا يتصور في حقه، كما لا يخفى على الفطن العارف. ويندفع ذلك: بأن حصول الهوهوية التصديقية، ليس منوطا بأمر وراء كون المتكلم مريدا تلك الهوهوية، ولو لغرض وغاية من الغايات السيئة أو الحسنة. فما عن سيد الاساتذة (رحمه الله) من حديث التجزم والاكتفاء به (3)، غير لازم، ولكنه لا ينفع هنا، لان في باب محرمية الكذب يكون الكذب حراما ولو كان شبه العمد أو بالهزل، كما فيه الاخبار الخاصة (4)،


1 - يأتي في الصفحة 348 - 350. 2 - لاحظ درر الفوائد، المحقق الحائري 1: 70، أنوار الهداية 1: 145 - 146. 3 - نفس المصدر. 4 - وسائل الشيعة 12: 250، كتاب الحج، أبواب أحكام العشرة، الباب 140.

[ 347 ]

وأما في باب مبطلية الكذبة لما هو المبطل هو العمد، لما نطق به الاثر والفتوى، فعليه لا يبقى مورد لهذا المفطر، فيصبح القول بعدم مفطريته سديدا من هذه الناحية، لا من الناحية التي ذكروها، كما لا يخفى. اللهم إلا أن يقال: بأن الكذب العمدي وإن لا يتحقق، لان الكذب من عوارض القضية، والقضية إما مشتملة على النسبة، أو الهوهوية، والتصديق إذعان بالنسبة، أو الهوهوية، فلا قضية تصديقية في صورة العلم بالكذب، أو الشك فيه، ولكنه عمد عرفي في هذا المحيط، وهو المراد من تعمد الكذب. ويصح دعوى: أن ما في الخبر هو قوله (عليه السلام): إذا تعمد (1) والتعمد من باب التفعل وهو بمعنى التصنع حسب الاصل والاكثر، فما هو المبطل حسب النص هو التشبه بالعمد والتصنع به. وكون التعمد في القرآن الكريم واللغة بمعنى التوغل في العمد، أو بمعنى نفس العمد، لا يضر بما افيد، لان هيئة باب التفعل ذات وضع نوعي، ويجوز استعمالها حسب الاصل، فتأمل. تنبيه وتوجيه: الفرق بين ما هو قوام القضية وما هو قوام التصديق لا ينبغي الخلط بين ما به قوام القضية، وما هو العلم التصديقي والتصوري، وما هو قوام التصديق، فإن العلم لا يكون حاصلا في موارد


1 - وسائل الشيعة 10: 34، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 2، الحديث 3 و 7.

[ 348 ]

العلم بالكذب أو الشك فيه، وأما التصديق فإن كان طرفه الحكم، فيجوز تحققه في الصورتين، فإن الكاذب العالم بكذبه يصدق الحكم في القضية، لان الحكم ليس إلا تطبيق المحمول على الموضوع، وأما القضية فهي إن كان يكفي فيها ما في التصديق، فهي متحققة أيضا في الكواذب، وإلا فلا، وفي المسألة (إن قلت قلتات) ودقائق حكمية تطلب من محالها. بقي الكلام في القول بغير علم ظاهر القوم بلا إشكال حرمة القول بغير علم (1)، فإذا كان المتكلم شاكا مثلا في إيجابه تعالى صلاة الجمعة فلا تجوز النسبة إلا أنه أعم من الحكم الوضعي فيما نحن فيه، ولا تعرض لهم صراحة في مبطلية الكلام حال الشك، إلا أن ظاهر أخذهم الكذب في المفطرات، وظاهر ما جعلوه تفسيرا للكذب، عدم مبطلية الكلام المشكوك كذبه، لانه من الشبهة الموضوعية، كما هو الواضح. هذا مع أن المغروس في أذهان الاعلام، حرمة القول المشكوك كذبه ولو لم يكن من باب الكذبة والانتساب إليه تعالى، بل مطلقا. وأيضا بناؤهم الخارجي على عدم تجويز مثل ذلك للصائم.


1 - فرائد الاصول 1: 49، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 119، تهذيب الاصول 2: 88.

[ 349 ]

والذي هو المقصود بالبحث هنا ما يرتبط بالجهة الوضعية فيما نحن فيه، وأما البحث عن أصل الكذب وشبهته المصداقية، فقد وافيناه في المكاسب المحرمة (1)، كما أشرنا في أوائل بحوث الظن أيضا إلى شطر من الكلام (2). فالذي يمكن أن يتشبث به هنا، هو أن قضية العلم الاجمالي في موارد الشك، مبطلية الكلام المشكوك كذبه، لانه يعلم إجمالا مبطلية قوله: أوجب الله كذا أو قوله: لم يوجب الله كذا. وربما يخطر بالبال: أن العلم الاجمالي المذكور، ينحل باستصحاب عدم الايجاب الجاري في طرف من العلم، فيكون الطرف الاخر مجرى البراءة، كما في سائر موارد العلم الاجمالي. ويجوز أن يقال: بعدم جواز التمسك بالبراءة هنا في الطرف الاخر، لان مقتضى استصحاب عدم إيجابه تعالى، انتفاء هذا الحكم في المحيط الاسلامي ظاهرا، فإذا نسب إليه تعالى وجوبه فقد كذب. اللهم إلا أن يقال: إنه من الاصل المثبت، فإن غاية ما يثبت بالاستصحاب عدم إيجابه تعالى صلاة الجمعة، وأما كون إخبارنا بأن صلاة الجمعة واجبة من الكذب على الله، فهو غير ممكن إلا بالاصل المثبت. نعم، يجوز اتكالا على الاستصحاب، انتساب مفاد القضية


1 - كتاب المكاسب المحرمة من تحريرات في الفقه مفقود. 2 - تحريرات في الاصول 6: 270 - 273.

[ 350 ]

المستصحبة إليه تعالى، على إشكال فيه مندفع في محله (1). والذي هو الحق: أن استصحاب عدم الايجاب الازلي، غير جار عندنا لنكتة بديعة في محلها محررة ومقررة (2)، فعليه يبقى العلم الاجمالي على حاله، كما يظهر أنه في مورد الشك في إيجاب شئ وعدمه، وتحريم شئ وعدمه، لا يجوز التمسك باستصحاب العدم الازلي حتى يجوز النسبة إليه تعالى. نعم، لو كان جاريا الاستصحاب المزبور كما هو المجمع عليه، لما كان وجه للمناقشة في جواز نسبة مفاده من ناحية أن الاستصحاب أصل عملي، فإنه مندفع في محله (3). نعم، هنا مناقشة اخرى: وهي أن قول المتكلم ما أوجب الله تعالى صلاة الجمعة مثلا - مع الشك فيه تكوينا، وبعد التعبد به استصحابا - لا يكون مشتملا على النسبة والاستناد، فإنه تارة: يقول قال الله: ما أوجبت كذا فإنه نسبة باطلة، واخرى: يقول ما أوجب الله كذا فإنه لم يكذب على الله، لان القضية السالبة لا تشتمل على أية ربط، بل هي سلب الربط، لا ربط السلب، كما تحرر عند أهله (4)، فعليه إذا كان قوله المذكور جائزا في حد ذاته، فلا حاجة إلى استصحاب عدم الايجاب لتجويز الاستناد، بل هو لمكان أنه ليس من الكذب على الله وعلى


1 - تحريرات في الاصول 6: 271 وما بعدها. 2 - تحريرات في الاصول 6: 279 و 7: 1146. 3 - انظر تحريرات في الاصول 6: 278 و 289. 4 - الحكمة المتعالية 1: 365، شرح المنظومة، قسم المنطق: 64.

[ 351 ]

رسوله يجوز. وغير خفي: أنه ولو قلنا بأن القضية السالبة تنحل إلى سلب الربط المتوهم الذهني، فإنه أيضا ليس من الكذبة. نعم هو كذب، ولا ينبغي الخلط بين القضية الكاذبة، وبين النسبة الكاذبة إلى الغير، فإنه أمر يحتاج إلى أداة اخرى تدل عليه، كما عرفت في الصورة الاولى (1). وهناك بعض بحوث يطلب من محاله. بقي شئ: حول عدم تنجيز العلم الاجمالي في المقام وهو أن قضية العلم الاجمالي المذكور ولو كان تنجيز طرفي القضية إيجابا وسلبا على الفرض، ولكنه ليس منجزا بالنسبة إلى الايجاب من جهة اخرى، لانه في ناحية السلب يلزم على الوجه المذكور جوازه مطلقا، لانتفاء الكذبة، وإذا كان كذلك فلا تنجز به ناحية الايجاب أيضا، فاغتنم. هذا مع أنه لو سلمنا تنجيز العلم المذكور طرفاه، كما هو غير بعيد حسب فهم العرف، وأنه يرى نسبة الكذب إليه تعالى في القضية السالبة، ولكنه أيضا مورد المناقشة من جهة اخرى: وهي أن الصائم إذا قال مثلا أوجب الله كذا وكان شاكا، فله استصحاب صحة صومه، فإن الجزم ببطلان الصوم في صورة جريان الاصل المثبت المنافي لجواز العقاب، غير ممكن.


1 - تقدم في الصفحة 350.

[ 352 ]

نعم، إذا أخبر بطرفي القضية السلبية والايجابية فيبطل صومه على الاحوط، ووجهه محرر في مسألة تنجيز العلم الاجمالي وجريان الاصول في أطرافه (1)، فاغتنم. إيقاظ: حول إرادة الافتراء من الكذب أو تقييده بالعلم لاحد أن يقول: بأن المراد من الكذب في الاخبار أوفي المقام هو الافتراء، وهو النسبة لا عن علم وحجة، على خلاف ما هو حقيقة الكذب عند المحققين، ولا ينبغي الخلط بين البحوث العلمية والمباحث الفقهية. وأنت خبير: بأنه وإن لا يبعد في ذاته، إلا أنه بلا حجة شرعية. نعم، قضية اللغة وكثير من موارد الاستعمال، والمتفاهم العرفي والسوقي، والمناسبات الاخلاقية، أن الكذب هو الاخبار عن الشئ بخلاف ما هو عليه، مع العلم به. وقال في المفردات: الصدق مطابقة القول الضمير والمخبر عنه معا، ومتى انخرم شرط من ذلك لم يكن صدقا تاما (2) انتهى. وعلى هذا يمكن أن يقال: إن من أخبر عن إيجابه تعالى وهو شاك، يكون كاذبا بحسب اللغة، وما في رواياتنا محمول على ما يستفاد من اللغة المؤيد بموارد الاستعمال، وبا لمغروسات الذهنية العقلائية، فيكون مبطلا


1 - تحريرات في الاصول 6: 184 وما بعدها. 2 - المفردات في غريب القرآن: 277.

[ 353 ]

ولو كان شاكا على الاحوط، لو لم يكن الاقوى. وحيث إن بحوث الصدق والكذب طويلة الذيل، دقيقة المنهج، وحقيقة بالبحث، وخارجة عن المقام، فمن شاء فليراجع المكاسب المحرمة إن شاء الله تعالى. فروع الفرع الاول: في التفصيل بين الاحكام الشرعية وغيرها في الكذب لا شبهة في أن الكذبة على الله تعالى في الاحكام الشرعية مشمولة هذه الادلة، وأما في الاحكام العقلية، والمسائل الراجعة إلى خلق السماوات والارض، والمسائل العادية، وهكذا الكذبة بالنسبة إلى ما لا ينبغي استناده إليه تعالى ويعد من سوء الادب، فإنها ولو كانت محرمة تكليفا، ولكن للمناقشة فيها - بدعوى الانصراف - وجه غير وجيه. وكون هذه الاخبار ناظرة إلى العامة وقضاتهم وفقهائهم (1) - كما هو ليس ببعيد - لا يورث صرفا فيها. فلو قال مثلا: إن الله تعالى خلق العقل الاول قبل كذا، وبعدها صنع كذا فهو من الكذبة ظاهرا. اللهم إلا أن يقال: انعقاد الاطلاق حينئذ مشكل، بعد ظهور الاخبار في النظر إليهم، فتأمل جيدا.


1 - جواهر الكلام 16: 225.

[ 354 ]

ومن هنا يظهر حكم إسناد الاحكام التشريعية إليه تعالى في سائر الشرائع المنسوخة. الفرع الثاني: في التفصيل بين الكذب على شارع الاسلام وشخصه لا شبهة في مبطلية الكذبة على رسول الاسلام (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا كان المتكلم مريدا به النسبة إلى شارع الاسلام، وأما إذا كانت الكذبة فيما يرجع إلى محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من غير النظر إلى رسالته، ففي المبطلية مناقشة جدا، لان قوله (عليه السلام): وعلى رسوله ظاهر في العنوان، دون الشخص، وعلى هذا يكون استناد الكذبة إلى الرسول - لاجل أنه يريد به شرع الاسلام - مبطلا، فلا يكون الرسول واردا مستقلا في مصب الاخبار. ومن هنا يظهر حال سائر الانبياء والائمة (عليهم السلام) وفاطمة الزهراء - سلام الله عليها - وسائر الفقهاء، بشرط إرادة المتكلم حين الاسناد الاخبار عن شارع الاسلام. وأما ما اشتهر في كلمات المحصلين من حديث رجوع إخباره إلى الاخبار عن الله، فهو بلا محصل، لانه تابع إرادته، ولا معنى لرجوعه القهري. وهذا ليس من قبيل تكذيب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في أمر الدين، فإنه يرجع أحيانا إلى تكذيب القرآن إذا كان ملتفتا، وإلا فلا يعد من منكر الرسالة والتوحيد.

[ 355 ]

وبالجملة تحصل: أنه مع عدم النظر ثبوتا إلى إسناد الخبر والكذبة إلى الله تعالى وصاحب الشرع، لا يكون كلامه مفطرا ولو أسند ظاهرا إلى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لامكان كذبه عليه (صلى الله عليه وآله وسلم)، وإرادة أنه تسرع في التشريع، فإنه ولو كان يبطل صومه لاجل الجهات الاخر، ولكنه ليس من الكذبة المفطرة، ضرورة أن من الكذبة عليه تعالى أو على رسوله، ما يورث الارتداد الموجب لبطلان الصوم مثلا، إلا أنه مندرج في مسألة اخرى ربما يمكن تصحيحه بالتوبة فورا، بخلاف الكذبة المفطرة هنا. وبالجملة: لو أخبر مثلا بأن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان له مثلا إبريق من الرصاص ولم يكن كذلك، فإنه يبعد اندراجه تحت هذه الاخبار، ويستبعد التزامهم بذلك، كما صرح بعدمه الفقيه الفهيم في كشفه (1) ولا سيما إذا كان ظرف المخبر به قبل البعثة، فاغتنم. ومن هنا يظهر: أن الاسناد إلى الائمة (عليهم السلام) أيضا يرجع إلى العناوين وما يرتبط بعنوانهم، كما ورد في معتبر ابن يونس السابق، عن أبي بصير، عنه (عليه السلام) الناطق بأن الكذب على الائمة (عليهم السلام) يفطر الصائم (2). ولو أخبر كذبا عما يرتبط بأيام طفولتهم (عليهم السلام) وأنهم كانوا ذوي قماط كذائي، أو يضحك كذا، أو يبكي كذا، فإنه وإن كان ممنوعا تكليفا، ولكنه غير مندرج في مساق هذه الروايات ظاهرا.


1 - كشف الغطاء: 321 / السطر الاخير. 2 - الفقيه 2: 67 / 277، وسائل الشيعة 10: 34، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 2، الحديث 4.

[ 356 ]

فمن يكون الكذب عليه موجبا لبطلان الصوم، هو الله فقط، وعلى غيره إذا رجع إليه يكون كذلك ولو كان رجلا عاديا، ولا يرجع إليه كما عرفت إلا بالارادة والقصد، فلا تكن من البعيدين عن التأمل. ومن هنا يظهر حال الافتاء، فإنه لو أفتى بغير مبادئه، فإن اريد به الاخبار بينه وبين نفسه عن الشرع وعن صاحبه، فيبطل. وأما إذا كان يريد الانشاء فلا معنى لمبطليته، ولا لرجوعه إلى ما هو المبطل، وذلك نظير ما يرتكبه بعض الفقهاء فرارا من الجواب، فيأمر مقلده بفعل. وفي نفسي أن في أخبار التقية ورد عن موسى بن جعفر (عليهم السلام) في مورد الكتابة إلى ابن يقطين إني آمرك أن تتوضأ كذا (1) أي بوضوء العامة، وفي ذلك سر وتحته بحث جيد مفيد محرر في محله (2). فما في كتاب الجواهر هنا من الفروع (3)، وتبعه الاعلام في العروة والوسيلة وتحرير الوسيلة (4) كله خال من التحصيل، وبعيد عن الصواب ظاهرا، والله العالم.


1 - الارشاد 2: 227، وسائل الشيعة 1: 444، كتاب الطهارة، أبواب الوضوء، الباب 32، الحديث 3. 2 - لاحظ الارشاد 2: 227. 3 - جواهر الكلام 16: 227. 4 - العروة الوثقى 2: 181، فصل فيما يجب الامساك عنه في الصوم، المسألة 21 - 23، وسيلة النجاة 1: 244، القول فيما يجب الامساك عنه، تحرير الوسيلة 1: 284، القول فيما يجب الامساك عنه.

[ 357 ]

الفرع الثالث: في الاضطرار إلى الكذب على الله ورسوله تقية قال في العروة: إذا اضطر إلى الكذب على الله ورسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) في مقام التقية من ظالم، لا يبطل صومه، كما أنه لا يبطل مع السهو (1) انتهى، وعن كشف الغطاء مثله (2) أيضا. وربما يتوهم: أن الكذبة في تلك الصورة حلال، فلا تكون مفطرا، لظهور ما يدل على مبطليتها في صورة حرمتها (3). ولا يقاس ذلك بمثل الاكل والشرب، لانهما ليسا محرمين حتى في شهر رمضان، بل هما يوجبان بطلان الواجب المضيق، ويستحق العبد العقاب عليه، كما مر تفصيله (4). ولازم ما قيل عدم مبطلية الجماع المحرم، والاكل المحرم، إذا ارتفعت حرمتهما بالتقية، ولا يلتزمون به، وليس ذلك إلا لاجل أن ما هو المبطل نفس الجماع والاكل، وفيما نحن فيه أيضا كذلك، لاطلاق أخباره، ولما أن الكذبة في صورة الجهل القصوري ليست تكليفا، وظاهرهم بطلان الصوم بها، كما هو مقتضى إطلاق العروة (5) في محلها، فالمسألة أجنبية عن حديث حرمة الكذبة وعدم حرمتها.


1 - العروة الوثقى 2: 182، فصل فيما يجب الامساك عنه في الصوم، المسألة 26. 2 - جواهر الكلام 16: 226، كشف الغطاء: 322 / السطر 2. 3 - مستمسك العروة الوثقى 8: 257، مستند العروة الوثقى، كتاب الصوم 1: 142. 4 - تقدم في الصفحة 265 وما بعدها. 5 - العروة الوثقى 2: 180، فصل فيما يجب الامساك عنه في الصوم، الخامس تعمد الكذب، و 190، فصل 3 في أحكام المفطرات.

[ 358 ]

هذا مع أن في موارد التقية لا مانع من فعلية الحكم، فيكون حراما، إلا أن العبد معذور لا يستحق العقوبة، على إشكال محرر في محله (1). فالذي هو الحق: أن المفطرات على صنفين كما مر (2). فمنها: ما يكون منافيا لذات الصوم عند العرف والعقلاء، كالاكل والشرب، فيكون المضطر إلى الاكل والشرب كمن ترك الصوم بالمرة تقية. ومنها: مالا ينافيه ذاتا، بل هو أحكام شرعية اعتبرها الشرع قيدا وشرطا ومفطرا، كالحقنة والكذبة فإنه من انضمام حديث الرفع - بعد الاخذ بإطلاقه في الاعم من التكليف والوضع - إلى دليل الصوم، يحصل صحة الصوم، كما في موارد لبس الثوب الممنوع في الصلاة، فإنه ربما يضطر إلى ما ينافيها ذاتا، كفعل كثير، وربما يضطر إلى ما لا ينافيه اسما وماهية. ومن هنا يظهر حال الكره، وسيمر عليك في البحوث الاتية ما يتعلق بذلك بتفصيل زائد (3) إن شاء الله تعالى. ولا يخفى: أنه يصح التمسك بحديث الرفع وغيره هنا إذا كانت الكذبة مثلا، مفطرة في الاعتبار، وأما إذا كان عدمها شرطا فلا مورد للاضطرار، كما هو الواضح.


1 - لاحظ المكاسب، رسالة في التقية، الشيخ الانصاري: 320 / السطر 15، الرسائل، الامام الخميني (قدس سره): 177. 2 - تقدم في الصفحة 8 و 261 - 262. 3 - مما يؤسف له عدم وصول الكتاب إلى هذه المباحث.

[ 359 ]

السادس إيصال الغبار الغليظ إلى الحلق قال في الشرائع: في إيصال الغبار إلى الحلق خلاف، والاظهر التحريم وفساد الصوم (1). وفي التذكرة: إيصال الغبار الغليظ إلى الحلق اختيارا - كغبار الدقيق - مفسد للصوم، خلافا للجمهور (2). وفي الخلاف: غبار الدقيق والنفض الغليظ حتى يصل إلى الحلق مفطر، ويجب منه القضاء والكفارة متى تعمد ولم يوافق عليه أحد من الفقهاء، بل أسقطوا كلهم القضاء والكفارة معا. دليلنا: الاخبار التي بيناها في الكتاب الكبير (3) انتهى.


1 - شرائع الاسلام 1: 170. 2 - تذكرة الفقهاء 6: 25. 3 - الخلاف 2: 177، المسألة 17.

[ 360 ]

ومن تعابيرهم يتبين: أن المسألة ليست إجماعية، ولا قائمة عليها الشهرة العظيمة، وإلا فكان ينبغي من هؤلاء الاعاظم - ولا سيما الشيخ - الاستدلال بالاجماع، كما هو دأبه. ويظهر من ذيل كلامه أيضا أن المسألة خلافية بينهم من جهة وجوب القضاء، أو هو مع الكفارة، ولذلك نسب إلى المفيد، وابن إدريس وأبي الصلاح (1) وغيرهم (2)، وجوب القضاء خاصة متى كان متعمدا. نعم، لا يبعد وجود الشهرة على بطلان الصوم به، مؤيدا بنقل الاجماع عن الناصرية والغنية (3) والسرائر (4) ولكنه أيضا غير واضح، لاسنادهم الاجماع إلى التذكرة وهو فيها مفقود كما عرفت (5). ويؤيد عدم وجود الشهرة المعتنى بها سكوت أمثال الصدوق والسيد والشيخ في المصباح وسلار عنه، وعدم ذكرهم له. فمن تلك الاضطرابات - بعد عدم تمامية الرواية المستند إليها المروية بسند فيه سليمان بن حفص المروزي قال: سمعته يقول: إذا تمضمض الصائم في شهر رمضان، أو استنشق متعمدا، أو شم رائحة غليظة، أو كنس بيتا فدخل في أنفه وحلقه غبار، فعليه صوم شهرين متتابعين، فإن ذلك


1 - مختلف الشيعة 3: 403، المقنعة: 359، السرائر 1: 377، الكافي في الفقه: 183. 2 - لاحظ الحدائق الناضرة 13: 72، مصباح الفقيه 14: 395. 3 - الصوم، الشيخ الانصاري 12: 44، الناصرية، ضمن الجوامع الفقهية: 242، المسألة 129، الغنية، ضمن الجوامع الفقهية: 509 / السطر 8. 4 - الصوم، الشيخ الانصاري 12: 44، السرائر 1: 377. 5 - تقدم في الصفحة 359، الهامش 2.

[ 361 ]

مفطر مثل الاكل والشرب والنكاح (1). يتبين أن المسألة غير واضحة البطلان، كما هو المنسوب إلى المتأخرين (2). هذا مع إضماره، وعدم كون المضمر ممن لا يضمر إلا عن الامام (عليه السلام) لانه لم يوثق في الاصول الخمسة، ولا يقوم على جلالته شئ، وإن كان معتبرا عندي للقرائن الجزئية المتراكمة بعد انضمام الاصل الذي بنينا عليه في باب حجية الخبر الواحد (3). هذا، مع ما في الخبر مما لا يقول به أحد (4)، والنصوص الكثيرة المذكورة في الابواب المتفرقة ناطقة بخلافه (5). مع أن المشهور غير عاملين بمضمونها، لذهاب جمع منهم إلى القضاء دون الكفارة، كما عرفت، فكون هذا الخبر مستندهم ممنوع جدا، فلا جابر لها وإن كان الاضمار لا ينافي انجبارها إذا كان الاجماع أو الشهرة عملية، ولكنها ممنوعة، بل ربما يوهنها ذهاب كثير منهم إلى خلاف مضمونها. فالرواية ربما كانت مجعولة من قبل بعض الاماميين، نظرا إلى تعيير العامة النافين لمفطرية الايصال. ثم إن في المسألة في الباب المذكور حديثا آخر عن تهذيب


1 - تهذيب الاحكام 4: 214 / 621، وسائل الشيعة 10: 69، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 22، الحديث 1. 2 - الحدائق الناضرة 13: 72، مفاتيح الشرائع 1: 248، مستند الشيعة 10: 227 - 228. 3 - تحريرات في الاصول 6: 414 - 416. 4 - مدارك الاحكام 6: 52، الحدائق الناضرة 13: 73. 5 - وسائل الشيعة 10: 70 - 72، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 23، و: 83 و 86، الباب 28، الحديث 4 و 15، و: 91، الباب 31، الحديث 1.

[ 362 ]

الشيخ بإسناده عن أحمد بن فضال، عن عمرو بن سعيد، عن الرضا (عليه السلام) قال: سألته عن الصائم يتدخن بعود أو بغير ذلك، فتدخل الدخنة في حلقه. فقال: جائز، لا بأس به. قال: وسألته عن الصائم يدخل الغبار في حلقه. قال: لا بأس (1). وإمكان الجمع بينهما بحمل الاول على الغليظ والاخير على غيره (2)، لا يكفي، لامكان الجمع بينهما بوجه آخر. وذهاب المشهور على الفرض إلى التقييد بالغليظ، لا يشهد على الاخذ بهما، لما عرفت من ذهاب جمع منهم إلى القضاء فقط (3). وتوهم: أن كنس البيت يلازم غالبا الغليظ، فيكون خبر المروزي محمولا عليه (4)، مضافا إلى أنه غير تام ذاتا، يلزم منه حمل خبر ابن سعيد أيضا عليه بعد الغلبة، فلا يمكن الجمع بينهما بذلك. هذا مع أن هذا الخبر أيضا غير منقح سندا، لان العلامة صرح بضعف سند الشيخ إلى أحمد بن حسن بن فضال (5)، وفيه ابن أبي جيد، وهو علي


1 - تهذيب الاحكام 4: 324 / 1003، وسائل الشيعة 10: 70، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 22، الحديث 2. 2 - وسائل الشيعة 10: 70، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 22، ذيل الحديث 2. 3 - تقدم في الصفحة 360. 4 - لاحظ مستمسك العروة الوثقى 8: 260. 5 - لم نعثر على تصريح العلامة بضعف طريق الشيخ إلى أحمد بن الحسن بن فضال.

[ 363 ]

ابن أحمد القمي المعروف غير الممدوح ولا المذموم، فتوصيفه ب‍ الموثق بلا وجه، بل وب‍ الحسن غير واضح. ولو كان الخبران معتبرين كان الاخذ بالاول متعينا، لان الثاني موافق للعامة، كما تبين (1). والذي يظهر لي: أن الخبر المذكور ليس مستند القوم، لشواهد اشير إليها (2)، وما هو المستند ربما كان يعطي أنه من الاكل، ولذلك قيدوه بالغلظة، فكون إيصال الغبار بعنوانه مفطرا (3)، محل منع، وأما أنه من الاكل فهو بحث موكول إلى العرف، ولا يجوز للفقيه التدخل في الصدق والكذب، كما مر مرارا. بحث وتحصيل: في أن مقتضى القواعد عدم مفطرية الغبار والدخان قضية القواعد عدم مفطرية الغبار الواصل إلى الحلق بعنوانه، وعليه لا فرق بينه وبين غيره من التدخين ونحوه مما يصل إلى الحلق، وقد عرفت أن دخول الدخنة في الحلق جائز في الرواية (4)، هذا بحسب العناوين المذكورة في النص والفتوى. وأما دعوى: أن المستفاد من مجموع ما في أخبار الصوم ومن


1 - تقدم في الصفحة 361. 2 - تقدم في الصفحة 361. 3 - العروة الوثقى 2: 183، فصل فيما يجب الامساك عنه، السادس، مستمسك العروة الوثقى 8: 260. 4 - وسائل الشيعة 10: 70، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 22، الحديث 2.

[ 364 ]

المفطرات، أن العرف يجد ممنوعية إدخال شئ في الجوف، فمن مفطرية الحقنة والاكل والشرب، وأن الطريق كان ينحصر بالثقبتين: الفوقانية، والتحتانية، والشرع سدهما، يستظهر أن إيصال الغبار إلى الباطن، وإيصال الجوامد، وإيصال التنباك والترياق في الرئة وغير ذلك، كله ممنوع (1). فهي مجرد تخيل لا واقعية له، ويكفيك تجويزهم الحقنة بالجامد (2)، فما اشتهر من منع الابرة مطلقا، أو الابرة المؤثرة في التغذي على وجه أقوى من الاكل والشرب، ومنع ما يشبه ذلك (3)، فكله من الاجتهاد بلا نص. ولعمري، إن من يتوهم أن أساس الصوم لدرك كذا وكذا، ولفهم أن الفقراء ما يصنعون، وأن تشريع الصوم لتضعيف البدن، فكله لا ينافي جواز هذه الامور، لان الاكل وما هو من المفطرات المسلمة إذا كان ممنوعا، يحصل منه ذلك كله، ولو كان النظر إلى التضعيف ودرك الجوع، لما كان وجه لمفطرية القئ والجماع، فإنهما يؤثران في ضعف البدن، ويؤيدان درك الجوع بما لا يؤثر ترك الامور المذكورة أصلا. اللهم اعصمنا من الرأي، والاستحسان، والقياس، وإلغاء الخصوصية، والفهم العرفي، وأمثالها مما يرجع إلى واحد أحيانا.


1 - مستمسك العروة الوثقى 8: 238. 2 - العروة الوثقى 2: 193، فصل فيما يجب الامساك عنه، التاسع. 3 - العروة الوثقى 2: 177، فصل فيما يجب الامساك عنه، المسألة 4.

[ 365 ]

السابع الارتماس وهو الانغماس في الماء، وقد اختلفت كلماتهم في المسألة حتى قيل: إن الاقوال أربعة (1): فعن الشيخين والمرتضى في الانتصار وابن البراج أنه مبطل، ويوجب القضاء والكفارة (2). وعن أبي الصلاح أنه يوجب القضاء فقط (3). وهذا الخلاف ليس خلافا في هذه المسألة، فالبطلان قول الاكثر (4). نعم، ذهب الشيخ في الاستبصار إلى أنه محرم لا يوجب قضاء ولا


1 - الحدائق الناضرة 13: 133. 2 - الحدائق الناضرة 13: 133، المقنعة: 344، النهاية: 154، الانتصار: 62، المهذب 1: 192. 3 - مختلف الشيعة 3: 400، الكافي في الفقه: 183. 4 - لاحظ مدارك الاحكام 6: 48.

[ 366 ]

كفارة (1)، وهو مختار المحقق في المعتبر (2) ومن الغريب أن أكثر الفتاوى النادرة عن المحقق مذكورة في المعتبر! ولعله ليس من مؤلفاته، بل هو من مؤلفات أحد الحلييين نسب إليه، لاشتهاره بينهم بالتأليف. وبالجملة: هو مختار العلامة في المنتهى والمختلف (3) والمدارك قواه (4)، وهو المحكي عن ابن إدريس (5)، وظاهره كراهة الارتماس (6). وأيضا هو المحكي عن العماني (7)، والسيد (8)، ويظهر عن العلامة في التذكرة أيضا عدم مبطليته، وقال: قال السيد المرتضى: لا يفسد الصوم، وهو مكروه، وبه قال أحمد، وما لك، وقال باقي الجمهور: إنه غير مكروه (9). وحيث إن إجماع القدماء، بل ولا الشهرة القديمة، غير ثابتة، ومجرد قول الحدائق: إنه الاشهر (10) أو في الجواهر: إنه


1 - الاستبصار 2: 85، ذيل الحديث 263. 2 - المعتبر 2: 656. 3 - منتهى المطلب 2: 565 / السطر 11 - 12، مختلف الشيعة 3: 401. 4 - مدارك الاحكام 6: 48. 5 - مختلف الشيعة 3: 400، الصوم، الشيخ الانصاري 12: 71. 6 - السرائر 1: 375 - 376 و 386 - 387. 7 - مختلف الشيعة 3: 400. 8 - الصوم، الشيخ الانصاري 12: 71، رسائل الشريف المرتضى 3: 54. 9 - تذكرة الفقهاء 6: 33. 10 - الحدائق الناضرة 13: 133.

[ 367 ]

المشهور (1) لا يثبت المفطر، ولو ثبت إجماع فهو غير تعبدي، لظهور استنادهم إلى الاخبار، كما صرح به الاستبصار (2) فلابد من المراجعة إلى روايات المسألة، ولا سيما بعد كونها كثيرة ومضطربة، فاختلاف الاقوال منشاه اختلافها، وتشتت مضامينها. وغير خفي: أنه من المحتمل عدم الحرمة الوضعية والتكليفية، ولا الكراهة المصطلحة، لان النواهي إرشاد إلى منقصة في الصوم بالارتماس، كالنهي عن الصلاة في الحمام، كما يحتمل أن يكون الصوم بالارتماس صحيحا، ومع ذلك يجب القضاء والكفارة، لان الارتماس يضر بالصوم إلى حد لا يصير باطلا وبلا مصلحة، إلا أن المصلحة الملزمة لا تدرك بعد الارتماس، فيجب تداركها بالقضاء، ولكنه حيث أضر بصومه وبتلك المصلحة فعليه الكفارة، فلا تغفل. مقتضى الاصل الاولي والثانوي في الاوامر والنواهي إذا تبين حدود المسألة فاعلم: أن المحرر في الاصول أن مقتضى الاصل الاولي، حمل الاوامر والنواهي على الوجوب والتحريم، ومقتضى الاصل الثانوي حملهما على الارشاد إلى المانعية والشرطية في محيط تعلقهما بالمركبات الاعتبارية (3)، كما هو الواضح، نعم إذا قامت القرينة


1 - جواهر الكلام 16: 227. 2 - الاستبصار 2: 85، ذيل الحديث 263. 3 - تحريرات في الاصول 4: 299 - 308.

[ 368 ]

على خلاف الاصل المذكور، فالمرجع تلك القرينة. فعليه بعد المراجعة إلى نصوص المسألة، نجد طائفة منها تنهى عن الارتماس في الماء: فمنها: معتبر الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: الصائم يستنقع في الماء، ولا يرمس رأسه (1). ومنها: معتبر ابن سدير عنه (عليه السلام): أنه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن الصائم يستنقع في الماء. قال: لا بأس، ولكن لا ينغمس، والمرأة لا تستنقع في الماء، لانها تحمل الماء بقبلها (2). ومنها: معتبر ابن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: الصائم يستنقع في الماء، ويصب على رأسه، ويتبرد بالثوب، وينضح بالمروحة، وينضح البوريا تحته، ولا يغمس رأسه في الماء (3) وغير ذلك (4). وما ترى من مناقشة المتأخرين في إسناد بعض هذه الاخبار


1 - تهذيب الاحكام 4: 203 / 587، وسائل الشيعة 10: 37، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 3، الحديث 7. 2 - الفقيه 2: 71 / 307، وسائل الشيعة 10: 37، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 3، الحديث 6. 3 - الكافي 4: 106 / 3، وسائل الشيعة 10: 36، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 3، الحديث 2. 4 - وسائل الشيعة 10: 35 - 36 و 38، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 3، الحديث 1 و 4 و 8.

[ 369 ]

المذكورة في الباب الثالث من الوسائل (1) فهو لعدم اجتهادهم في الاسناد، ولذلك يشكل حجية رأيهم، لان معنى الاجتهاد المطلق المعتبر ليس ما اشتهر، بل هو الاجتهاد في جميع المبادئ اللازمة في اتخاذ الرأي، من الصرف واللغة إلى الرجال وغيره. هذه هي الاخبار التي تحمل حسب الظهور الاطلاقي، على بطلان الصوم بالارتماس، ولكن تلك الظواهرا لمجردة من القرائن محمولة على ما يكون القرينة فيه ظاهرا، ومن تلك القرائن معتبر يعقوب بن شعيب عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: لا يرتمس المحرم في الماء، ولا الصائم (2). ومنها: خبر مثنى الحناط والحسن الصيقل قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الصائم يرتمس في الماء. قال: لا، ولا المحرم. قال: وسألته عن الصائم، يلبس الثوب المبلول؟ قال: لا (3). ومنها: معتبر حريز عنه (عليه السلام) قال: لا يرتمس الصائم ولا المحرم رأسه في الماء (4).


1 - وسائل الشيعة 10: 35 - 38، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 3. 2 - الكافي 4: 353 / 2، وسائل الشيعة 10: 35، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 3، الحديث 1. 3 - الكافي 4: 106 / 6، وسائل الشيعة 10: 36، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 3، الحديث 4. 4 - تهذيب الاحكام 4: 203 / 588، وسائل الشيعة 10: 38، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 3، الحديث 8.

[ 370 ]

فإن الارتماس محرم تكليفا على المحرم، فيكون ذلك قرينة على أن الصائم مثله في عدم كونه حكما وضعيا بالقياس إليه، نظرا إلى وحدة السياق. ومن هذه الطائفة ما عن عبد الخالق قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) هل يدخل الرجل الصائم رأسه في الماء؟ قال: لا، ولا المحرم (1). وكون ارتماس المحرم ممنوعا لاجل ممنوعية تغطية الرأس، لا يوجب كون النهي هنا وضعيا بالنسبة إلى الصائم، لانه ليس إرشادا إلى حصول التغطية المحرمة، بل هو نفس التغطية. ويظهر من بعضهم أن نفس الارتماس محرم ويجب تركه (2). فبالجملة: يمكن أن يتشبث بهذه القرينة لصرف تلك الظواهر التعليقية. ومن تلك القرائن خبر عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: يكره للصائم أن يرتمس في الماء (3). ومنها: معتبر إسحاق بن عمار قال قلت لابي عبد الله (عليه السلام): رجل صائم


1 - قرب الاسناد: 59، وسائل الشيعة 12: 509، كتاب الحج، أبواب تروك الاحرام، الباب 58، الحديث 6. 2 - مدارك الاحكام 6: 48، جواهر الكلام 16: 227 - 228. 3 - تهذيب الاحكام 4: 209 / 606، وسائل الشيعة 10: 38، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 3، الحديث 9.

[ 371 ]

ارتمس في الماء متعمدا، عليه قضاء ذلك اليوم؟ قال: ليس عليه قضاؤه ولا يعودن (1). وهذا هو الشاهد الكافي لصرف تلك الظواهر الاطلاقية إلى الحكم التكليفي، فالقول بالفساد حسب الصناعة غير موجه. أقول: يمكن أن يقال بأن مقتضى معتبر ابن مسلم الحاصر (2)، هو بطلان الصوم بالارتماس (3). وتوهم أن الاضرار يجتمع مع الصحة، لان الصوم ينتقص بذلك المضر، كما في كلام جمع منهم (4)، غير صحيح، لظهور الرواية - بمقتضى السياق والفهم العرفي في محيط التشريع - في أن الارتماس مضر، والمضر هو المفطر حسب الدلالة الوضعية، أو الالتزامية التي هي في حكم الوضعية، بحيث يقع عند العرف المعارضة بينه وبين معتبر إسحاق ابن عمار (5)، وعند ذلك يطرح خبر إسحاق، لكونه موافقا لرأي العامة (6)،


1 - تهذيب الاحكام 4: 209 / 607، وسائل الشيعة 10: 43، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 6، الحديث 1. 2 - تهذيب الاحكام 4: 189 / 535، وسائل الشيعة 10: 31، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 1، الحديث 1. 3 - حاشية الارشاد، ذيل غاية المراد: 306، مستمسك العروة الوثقى 8: 262 - 263. 4 - تذكرة الفقهاء 6: 33، مختلف الشيعة 3: 402، حاشية الارشاد، ذيل غاية المراد: 306. 5 - تهذيب الاحكام 4: 209 / 607، وسائل الشيعة 10: 43، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 6، الحديث 1. 6 - المغني، ابن قدامة 3: 45 / السطر 8، تذكرة الفقهاء 6: 33.

[ 372 ]

فيكون الشاهد القوي لصرف تلك الظواهر ساقطا، وعند ذلك أيضا لا يكفي خبر ابن سنان، لضعفه سندا، للشهادة وللقرينة، وهكذا وحدة السياق المذكورة. هذا مع أنه يجوز الالتزام ببطلان الصوم بالارتماس، وممنوعيته التكليفية عنوانا وذاتا، فإن ذلك كثير الدور في الفقه، فإن كثيرا من المعاملات محرمة تكليفا بعنوانها، وفاسدة وباطلة، فالارتماس ممنوع تكليفا، وموجب للبطلان، جمعا بين خبر ابن مسلم (1) وتلك الظواهر المقرونة بالقرينة. وأما سائر الظواهر، فهي بعد وجود الدليل على البطلان، باقية على الاصل المحرر في الاصول، وهو الارشاد إلى الوضع، فصرف بقية الاخبار - لاجل تلك القرينة الخاصة - غير تام بعد وجود ذلك الشاهد القوي، فالقول بفساد الصوم بالارتماس قوي. ويكفي لقوته أن الالتزام بالحرمة التكليفية غير ممكن، لان الارتماس في الصوم الندبي ليس محرما قطعا، وتلك الاخبار ناظرة إلى مطلق الصوم، لا الصوم الخاص، كما هو الظاهر، وأن الالتزام بالكراهة غير جائز، لانه قال (عليه السلام) في خبر إسحاق: ولا يعودن (2) وهو ظاهر في


1 - تهذيب الاحكام 4: 189 / 535، وسائل الشيعة 10: 31، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 1، الحديث 1. 2 - تهذيب الاحكام 40: 209 / 607، وسائل الشيعة 10: 43، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 6، الحديث 1.

[ 373 ]

التحريم بعد عدم كفاية خبر ابن سنان (1) سندا ودلالة على الدلالة على الكراهة. هذا مع أن معتبر ابن مسلم الماضي (2) يتضمن تجويز ما هو المكروه كالتبرد بالثوب، ومع ذلك قال في ذيله: ولا يغمس رأسه في الماء فإنه يشهد على أنه ليس من المكروه، وحمله على الكراهة الغليظة (3) خلاف الانصاف، فاغتنم. تنبيه: في كون النواهي إرشادا إلى منقصة الصوم بالارتماس بناء على ما ذكرنا يدور الامر بين أمرين: إما فساد الصوم به، أو عدم كراهته فضلا عن حرمته، فيكون النهي إرشادا إلى منقصة في الصوم بالارتماس، وهذا غير الكراهة الاصطلاحية، لانه أقرب إلى الفهم منهما. والذي يتمسك به لتأييد القول البديع الذي أبدعناه: أن دلالة معتبر ابن مسلم على بطلان الصوم بالارتماس، ليست وضعية، بل هي إطلاقية، فإن تضرر الصوم بالاكل والشرب والجماع، يجتمع مع تضرره بالارتماس في مطلق التضرر الاعم من البطلان والنقص، فإذا قامت


1 - تهذيب الاحكام 4: 209 / 606، وسائل الشيعة 10: 8، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 3، الحديث 9. 2 - وسائل الشيعة 10: 36، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 3، الحديث 2. 3 - مصباح الفقيه 14: 388.

[ 374 ]

القرينة - وهي خبر إسحاق (1) - على الصحة يجوز التفكيك. هذا مع أن اختلاف نسخ معتبر محمد بن مسلم يوجب الوهم فيه، وذلك لان قوله (عليه السلام): إذا اجتنب ثلاث خصال إن كان صادرا فيجوز أن يكون الطعام والشراب والنساء تلك الثلاثة، والارتماس رابعا ملحقا بها، ولم يثبت أن نسخة أربع أصح لو لم يكن العكس أقرب، لان الرواية مذكورة في ثلاثة مواضع من التهذيب وفي موردين منه ثلاث (2) وفي موضع أربع (3) وفاقا للفقيه (4). نعم كونه فيه أربع يقوي نسخة الاربع عندنا، كما لا يخفى. مع أن الحمل المذكور بعيد جدا. فعلى هذا، يتعين كون تلك النواهي إرشادا إلى منقصة في الصوم، جمعا بين خبر ابن مسلم (5)، وبين عدم إمكان الالتزام بحرمة الارتماس في مطلق الصيام، وبين اختصاص الارتماس بالنهي في خبر محمد بن مسلم في هذه المسألة أيضا، مع تجويز ما هو المكروه في نفس ذلك الخبر، كما مر (6)، فالقول بالحرمة أبعد الاقوال، والقول بالكراهة غير موجه حسب الصناعة، فيبقى الفساد والاحتمال الرابع الذي أبدعناه، فإن لم يكن


1 - تهذيب الاحكام 4: 209 / 607، وسائل الشيعة 10: 43، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 6، الحديث 1. 2 - تهذيب الاحكام 4: 189 / 535 و 202 / 584. 3 - تهذيب الاحكام 4: 318 / 971. 4 - الفقيه 2: 67 / 276. 5 - وسائل الشيعة 10: 31، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 1، الحديث 1. 6 - تقدم في الصفحة 372.

[ 375 ]

الاجماع المركب على خلافه فلا يبعد ذلك. اللهم إلا أن يقال: لا إجماع على نفي القول الرابع، فالمتبع هو البرهان، دون عقول الرجال، وإن كان الاحوط ولا يترك ترك الارتماس، فاغتنم. فذلكة البحث: في الاوامر والنواهي الواردة في المركبات إن المساعد عليه الاعتبار، والمناسب لفهم العرف والعقلاء في أمثال الاوامر والنواهي الواردة حول المركبات الشرعية والعرفية، أنها ليست إلا لامرين: إما إفادة الشرطية والمانعية المنتهية إلى بطلان المركب في صورة الاخلال به. وإما إفادة دخالة المأمور به في كمال المركب، والمنهي عنه في نقصه ومنقصته. وأما كون المأمور به مستحبا نفسيا حال الاتيان بالمركب، أو كون المنهي عنه مكروها أو حراما حال التلبس به، فهو - مضافا إلى شبهة في امتناعه محررة في محلها (1) - غير صحيح حسب الذوق العرفي. ومما يؤيد أن الارتماس هنا ليس في حد ذاته مكروها ولا حراما، نسبة تضرر الصائم به، بعد كونه ليس ضرارا بالغا إلى حد البطلان كما عرفت.


1 - تحريرات في الاصول 4: 270.

[ 376 ]

ومما يؤيد ذلك: أن الالتزام بالحرمة والكراهة النفسية لعنوان الارتماس ذاتا بعيد، ومقتضى النص والفتوى إفاضة الماء على الرأس، وارتماس الرأس تدريجا - بنحو يعقب بعضه بعضا، ويخرج الطرف الاخر منه - جائز حسب الفتوى وغير ذلك، بل قيل: بجواز الرأس بلا بدن (1)، ولكن ارتماس الرأس بمجموعه حرام مثلا، أو مكروه، فإنه مما لا يساعده الفقه والفقاهة، بخلاف تنقص الصوم بورود هذه الامور عليه، لانها توجب الاختلال فيما هو حكمة الجعل ونكتة التشريع، فالاقرب ما أبدعناه إنصافا، فلاحظ جيدا. وعلى هذا يسقط فروع المسألة، ومن شاء الاطلاع على بعض منها فليراجع مستند التحرير (2) وغيره (3). فروع (4) ولا بأس بالاشارة إلى بعض الفروع المرتبطة بالبحث، بناء على القول بالبطلان:


1 - مستند الشيعة 10: 264. 2 - مستند تحرير الوسيلة، المؤلف (قدس سره) 1: 276. 3 - العروة الوثقى 2: 184، كتاب الصوم، فصل في المفطرات، المسألة 30 وما بعدها. 4 من هنا إلى آخر الكتاب مما وجدته في مسودتي من إفاداته (قدس سره) حول البحث بتقريب وعبارة مني والله الموفق للصواب. هذا ما كتبه سماحة حجة الاسلام والمسلمين الشيخ رازي زاده - حفظه الله تعالى - بهامش الطبعة السابقة.

[ 377 ]

الفرع الاول: حول اختصاص الحكم بالارتماس في الماء دون غيره هل يختص الحكم بطلانا أو منقصة وكراهة بالارتماس في الماء، أو يجري في غيره من المائعات مضافا كان، أو غيره، كالنفط، والدهن المائع، واللبن والحليب وهكذا؟ الظاهر كما قيل الاختصاص به (1)، بل لا ينبغي الارتياب في الاختصاص، إذ هذا الامر مما لا يطلع عليه إلا الشرع، وفي الروايات قيد النهي بالغمس (2) والانغماس (3) والارتماس (4) بالماء، إذن لا وجه لالغاء الخصوصية منه، وإسراء الحكم إلى المائع الذي هو كالذاتي للماء، حتى بالنسبة إلى الجلاب الذي ذهب ريحه، بعد أن صدق الجلاب عليه. وربما يجري الاستصحاب، ولعل الاحتياط الاستحبابي من السيد الوالد - مد ظله (5) - ربما ينشأ من ذلك، فتأمل.


1 - العروة الوثقى 2: 184، فصل فيما يجب الامساك عنه، المسألة 30. 2 - الكافي 4: 106 / 3، وسائل الشيعة 10: 36، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 3، الحديث 2. 3 - الفقيه 2: 71 / 307، وسائل الشيعة 10: 37، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 3، الحديث 6. 4 - الكافي 4: 353 / 2، وسائل الشيعة 10: 35، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 3، الحديث 1. 5 - تحرير الوسيلة 1: 285، القول فيما يجب الامساك عنه، السابع.

[ 378 ]

الفرع الثاني: في ارتماس ذي الرأسين بهما أو بأحدهما إذا لم يكن التمييز بين الاصلي وغيره ليس له الارتماس بهما، كما لا يخفى، للعلم الاجمالي، فلو رمس أحدهما لم يبطل صومه، للاصل وإن تجرى، وصاحب المستمسك (قدس سره) احتمل عدم الاجتزاء به، مع أنه لا يقول بالافطار، وجعل وجه عدمه العلم الاجمالي (1). وأنت خبير: بأن هذا الوجه حسن للاحتياط، وربما يصير السبب له أهون من هذا، فإن استحصال الواقع عند التمكن منه مع عدم ترتب محذور عليه، لتحصيل المصلحة الواقعية، حسن. وفي انطباق المثالين في كلامه (قدس سره) على عدم الاجتزاء العقلي مناقشة، إذ فيهما حجة ظاهرة على الخلاف، كما لا يخفى. الفرع الثالث: إذا كان مائعان يعلم بكون أحدهما ماء لا شك في أنه يجب الاجتناب عنهما، ولكن الحكم بالبطلان يتوقف على الرمس فيهما، والرمس في أحدهما غير مبطل، وإن كان تجريا، كالمسألة المتقدمة، والعلم الاجمالي إنما هو في التكليف، لا في الوضع. وأما جريان الاصل وعدمه، فالذي يقتضي التحقيق في القول بعدم جريان الاصل، ما أتى بذهني فعلا، وينبغي أن يعد تنبيها من تنبيهاته: وهو أن


1 - مستمسك العروة الوثقى 8: 266.

[ 379 ]

الاصل إنما يجري إذا كان المكلف بحيث، لو خالف الاصل الواقع، يحسب معذورا في ارتكاب خلاف الواقع، وهذا بخلاف ما إذا لم يكن معذورا كذلك، كموارد العلم الاجمالي، وموارد كان الشك بنفسه منجزا، كالشك قبل الفحص في الشبهات الحكمية، وللكلام محل آخر. الفرع الرابع: في بطلان الغسل بالارتماس في الصوم الواجب المعين ومنها: إذا ارتمس بقصد الاغتسال في الصوم الواجب المعين، بطل صومه وغسله... إلى آخره هكذا أفاد في العروة (1). ولا يخفى ما في هذه المسألة، إذ بناء على القول بمفسدية الارتماس يبطل الصوم، وأما الغسل فلا، وذلك لان النواهي الواردة إرشاد إلى المانعية، فهو بإبطال صومه فعل حراما، وأما الارتماس فليس بحرام، نعم هو مقدمة للحرام، ومقدمته ليس بحرام. وبعبارة اخرى: ترك الواجب بإبطال الصوم وغيره حرام، وله عقاب، وإلا فنفس الارتماس ليس بحرام، كيف، فهل ترى عقابين في المقام، أحدهما: للارتماس، والاخر: لترك الصوم وإبطاله؟! وأما على القول بالتحريم والابطال فكذلك، بناء على القول بالاجتماع بعد الفراغ عن تمشي القصد وغيره، إذ البحث ممحض في هذه الجهة. هذا. والكلام في الفروع التالية يتبين مما مر:


1 - العروة الوثقى 2: 186، فصل فيما يجب الامساك عنه، المسألة 43.

[ 380 ]

قال (قدس سره) في مسألة (44): لو ارتمس عمدا وأبطل صومه، ولم يكن المكلف في شهر رمضان، يصح الغسل حال المكث والخروج، وهذا بخلاف شهر رمضان، فإن الغسل حال المكث والخروج باطل... (1). وأنت خبير بما فيه، فإن الفرض أن الماء ليس مغصوبا، وحينئذ لو التزمنا بحرمة الارتماس وبطلان الصوم به، لا دليل على بطلان الغسل في حين الانغماس، فكيف في حال المكث والخروج؟! أما في حال الانغماس، فالذي يقول بالاجتماع في المسألة الاصولية في فسحة من الاشكال، لان الانغماس فيه بما هو انغماس، غير حيثية الغسل، بمعنى أن الفعل من حيث إنه غسل ليس بانغماس، ومن حيث إنه انغماس ليس بغسل، والحيثية غير الحيثية، والنهي تعلق بغير ما تعلق به الامر. وبعبارة اخرى: هذا الفعل من حيثية تعتبر منها الغسلية، غير الحيثية التي يعتبر منها الانغماس بما هو انغماس فقط، ولمزيد الاطلاع فراجع ا لبحث الاصولي المنعقد في محله (2)، والله العالم. هذا كله في الانغماس، ويجري هذا الكلام بعينه فيما إذا كان الماء مغصوبا والدليل هو الدليل، نعم هو ضامن، وأما الغسل، فغير باطل. وأما في حال المكث والخروج، فلا وجه للقول بالبطلان أصلا، فإن الغسل الارتماسي حال المكث والخروج صحيح جزما، والقول بالبطلان


1 - العروة الوثقى 2: 186، فصل فيما يجب الامساك عنه في الصوم، المسألة 44. 2 - تحريرات في الاصول 4: 201 - 205.

[ 381 ]

ضعيف جدا، لوجوه: منها: أن المكث والخروج لا يعد انغماسا، ولا ارتماسا، إذ الانغماس والارتماس قد أخذ في معناهما الامر الحدثي، فإن المنغمس لا ينغمس ثانيا، وكذلك الارتماس، فإذن عندما لم يكن الماء مغصوبا، لا ينطبق البحث على مسألة العبادة في المتوسط في الارض المغصوبة أو الخروج منها، كما لا يخفى. نعم، بعد افتراض الماء مغصوبا ربما يقرب الانطباق، فراجع ما حررناه في الاصول (1). منها: عدم بقاء التحريم بعد بطلان الصوم عند القائل بالحرمة، نعم اللازم بعدئذ إنما هو التأدب للصوم، وأما التحريم الذي هو لابطال الصوم فلا، إذ لا موضوع له، وقد مر في مسألة نفي تعدد العقاب عند إبطال الصوم (2)، ما ربما يفيد للمقام. ومنها: سلمنا بقاء التحريم، إلا أن القائل بالاجتماع لا يضره ذلك، لان الامر قد تعلق بغير ما تعلق به النهي كما عرفت (3)، فيصح الغسل، وكيف كان لا دليل على بطلان الغسل. نعم، لنا طريق للقول بعدم الاجتزاء بالفرد الممتثل به إذا كان صادقا على المصداق المحرم، فإنا قد بينا في محله أن الاوامر الصادرة من


1 - تحريرات في الاصول 4: 255 وما بعدها. 2 - تقدم في الصفحة 125. 3 - تقدم في الصفحة 379.

[ 382 ]

الموالي إلى العبيد مقيدة لبا، للزوم الامتثال بالفرد المباح (1). هذه هي عمدة فروع الارتماس، والباقي يظهر بعد التأمل إن شاء الله تعالى. الكلام في إيصال الغبار الغليظ إلى الحلق لا يخفى: أنه لابد من البحث حول المفطر هذا بحيث لا يرجع إلى الاكل، وإلا فيدخل فيه، ولا يعد حينئذ مفطرا مستقلا، ولذلك ترى في متون الفقه عنوانا جديدا: إيصال الغبار إلى الحلق ولعل الذين عنونوه مستقلا، هكذا كان مقصودهم، أي بحيث لا يرجع إليه. مع أنه ليس في البحث عن كونه مفطرا مستقلا أو غير مستقل، تحصيل. نسب إلى الشهرة (2) وادعي الاجماع على البطلان (3)، ولكن في تحقق الشهرة تأمل، وقبول دعوى تحققها مشكل، وحكي أنه لم يتعرض له الصدوق والسيد والشيخ في المصباح وسلار (قدس سرهم) (4) وقال الشيخ (قدس سره) في الخلاف: والدليل عليه أخبار (5) ولم يستدل بإجماع الطائفة الذي


1 - تحريرات في الاصول 2: 184. 2 - الحدائق الناضرة 13: 72، جواهر الكلام 16: 232، الصوم، الشيخ الانصاري 12: 44. 3 - الغنية، ضمن الجوامع الفقهية: 502 / السطر 12، السرائر 1: 377، رياض المسائل 1: 305 / السطر 8. 4 - مستند الشيعة 10: 227، مستمسك العروة الوثقى 8: 259، المقنع: 188 - 192، رسائل الشريف المرتضى 3: 54، المراسم: 98، تقدم في الصفحة 217، الهامش 13 - 16. 5 - الخلاف 2: 177.

[ 383 ]

هو دأبه فيه، مع أنه لم يكن يهمل ذكره إن كان، ويظهر من العلامة (قدس سره) في التذكرة عدمها (1). وكيف كان: ففي ثبوت الشهرة تردد، مع أنها لو ثبتت لا تجدي، لانها مدركية، أو لاحتمال مدركيتها. إذن العمدة ملاحظة روايات الباب: منها: ما رواه الشيخ، عن الصفار، عن محمد بن عيسى، عن سليمان بن جعفر (حفص) المروزي قال: سمعته يقول: إذا تمضمض الصائم في شهر رمضان، أو استنشق متعمدا، أو شم رائحة غليظة، أو كنس بيتا فدخل في أنفه وحلقه غبار، فعليه صوم شهرين متتابعين، فإن ذلك مفطر مثل الاكل والشرب والنكاح (2). يقع الكلام في سندها ودلالتها: أما السند: فإن طريق الشيخ (قدس سره) إلى الصفار صحيح (3)، كما لا يخفى، ومحمد بن عيسى هو العبيدي اليقطيني، وهو مشترك بين الثقة وغيره (4)، ولكن الضعاف بهذا الاسم في غير طبقته. وضعفه بعض (5)، إلا أنه معتبر عندي حسبما سلكناه، إذ هو كثير الرواية، ينقل عن المشايخ وينقل عنه


1 - تذكرة الفقهاء 6: 25. 2 - تهذيب الاحكام 4: 214 / 621، وسائل الشيعة 10: 69، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 22، الحديث 1. 3 - جامع الرواة 2: 514. 4 - هداية المحدثين: 248. 5 - الفهرست، الشيخ الطوسي: 140 / 601.

[ 384 ]

المشايخ، وغير ذلك مما بنينا عليه (1). وأما سليمان بن جعفر، أو سليمان بن حفص، فإن كان الاول فهو مجهول، وإن كان الثاني فإنه لا يبعد اعتباره بالقرائن العامة. ولكن الذي يصعب الخطب وإن كان هو ابن حفص المروزي: إضمار الحديث، وليس مضمراته كمضمرات زرارة ومحمد بن مسلم، أو سماعة وغيرهم، وكيف كان لم يثبت أن الرجل كان كثير التشرف عند الائمة (عليهم السلام) فهي من هذه الجهة مخدوشة. وأما الكلام في الدلالة: فالمعلوم عدم دخالة الكنس، ولا خصوصية فيه، بل كل أمر أوجب ما يوجب الكنس - من انتشار الغبار - يترتب عليه الحكم، ومن هذه الجهة الرواية تدل على المقصود، وهو أن الغبار لو دخل في الحلق بتسبيب من المكلف بالكنس ونحوه، يوجب بطلان الصوم، وتترتب عليه الكفارة. إلا أنها مشتملة على ما لا يفتي به الاصحاب، وبذلك ربما يوهن دلالتها عليه، فإنها تدل على أن شم رائحة غليظة يوجب البطلان، كالاكل، والشرب، والنكاح، وتترتب الكفارة، فإنه لم يقل به الاصحاب، بل حملت النواهي الواردة في هذا الباب على الكراهة، وكذا في المضمضة والاستنشاق لا يقال بالبطلان على الاطلاق. اللهم إلا أن يقيد بما في غيرها. وكذلك إنها نص في ترتب الكفارة، مع أن الاكثر على عدمها، بل اكتفوا


1 - لعله في قواعده الرجالية وهي مفقودة.

[ 385 ]

بالقضاء فقط، وعدة منهم على عدم البطلان من رأس (1). وكذلك إنه ليس فيها من القضاء أثر، اللهم إلا بالاولوية، أو يستفاد من إطلاق المفطر عليه من دون قيد ومتعلق، أو من إطلاق التمثيل بالاكل والشرب من دون قيد عليه. حول التفصيل بين الغبار الغليظ وغيره ثم إن الخبر مشتمل على فدخل في أنفه وحلقه وليس فيه إيصال الغبار، وبينهما فرق، وكذلك ليس فيه قيد الغليظ فالقيد المعروف المذكور الذي اخذ في كلماتهم ليس له مستند. والذي أفاده صاحب المستمسك (قدس سره) في استحصال التقييد بالغليظ: بأن الغالب عند كنس البيت يحصل الغبار الغليظ (2) خال من التأمل وإن كان قريبا من جهة اخرى. وقد مر أن فيها ما لا يقول به الاصحاب في سياق ما يدخل في الانف والحلق (3). والعجب أن صاحب المستمسك (قدس سره) في مسألة مبطلية الكذب على الله تعالى، جعل في نهاية المطاف وحدة السياق في بعض الروايات،


1 - لاحظ العروة الوثقى 2: 212، كتاب الصوم، التاسع مما يجب القضاء، المسألة 3، مستمسك العروة الوثقى 8: 394 - 398. 2 - مستمسك العروة الوثقى 8: 260. 3 - تقدم في الصفحة 218، مدارك الاحكام 6: 52، الحدائق الناضرة 13: 73.

[ 386 ]

قرينة لصرف بعض آخر منها (1)، ولكن في هذه الرواية مع وجودها في نفس الرواية قال (قدس سره) أخيرا: فإذن لا مانع من العمل بالرواية (2)!! وكيف كان: مما يوهن الاعتماد عليها معارضتها مع الرواية الثانية من هذا الباب، وهي موثقة عمرو بن سعيد المدائني عن الرضا (عليه السلام) قال: سألته عن الصائم يتدخن بعود أو بغير ذلك، فتدخل الدخنة في حلقه. فقال: جائز، لا بأس به. قال: سألته عن الصائم يدخل الغبار في حلقه. قال: لا بأس (3). وقيل: إن عمرا فطحي (4) إلا أنها لا تثبت بذلك، مع أنها لا تضر. ودلالتها واضحة في خلاف مفاد الرواية المتقدمة، وليس فيها ما يوهنها مما رأيت في الرواية السابقة، من وحدة السياق، ومما لا يفتي به الاصحاب (قدس سرهم). والنتيجة: أنه إن تم التقييد الذي ذكروه في رواية المروزي (5)


1 - مستمسك العروة الوثقى 8: 252 - 253. 2 - مستمسك العروة الوثقى 8: 260. 3 - تهذيب الاحكام 4: 324 / 1003، وسائل الشيعة 10: 70، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 22، الحديث 2. 4 - رجال الكشي: 612 / 1137. 5 - تهذيب الاحكام 4: 214 / 621، وسائل الشيعة 10: 69، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 22، الحديث 1.

[ 387 ]

- بعد الفراغ عن سندها، مع ما عرفت في سندها (1) - فبها، وإلا فالرواية الثانية - أي موثقة عمرو - معتبرة، وهي ظاهرة في عدم البطلان، وعليه الاعتماد، كما عليه بعض الاصحاب (2)، والله العالم. شرب التتن والتنباك بقي في المقام الاشارة إلى شرب التتن والتنباك، وبتعبير آخر: إلى التدخين في الصوم. لا يخفى كما مر منا إجمالا: أنه لا يصدق الشرب على التدخين (3)، واستعمال لفظ الشرب في زماننا هذا في متعارف البلاد العربية لا يكشف عن صحة إطلاق هذا اللفظ، فإن الاستعمال أعم. مع أنه لم يثبت استعماله في مستعملات العرب العرباء الفصحاء في استعمالاتهم إن لم يثبت خلافه. والحق: أنه تدخين وليس بشرب، ولذلك لا يقال شرب دخان العود أو شرب الغبار الغليظ أو البخار الغليظ ولذلك يقوى في النفس ادعاء الانصراف من قوله (عليه السلام) في صحيحة محمد بن مسلم: لا يضر الصائم ما إذا اجتنب ثلاث خصال أو أربع خصال (4).


1 - تقدم في الصفحة 384. 2 - مفاتيح الشرائع 1: 248، الحدائق الناضرة 13: 72. 3 - تقدم في الصفحة 182. 4 - تهذيب الاحكام 4: 189 / 535، وسائل الشيعة 10: 31، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 1، الحديث 1.

[ 388 ]

أي انصراف الشرب المذكور فيها عن التدخين. وفي إلحاق التدخين بإيصال الغبار إلى الحلق خفاء، كما لا يخفى، مع أنك قد عرفت في موثقة عمرو بن سعيد (1) جوازه، ولعل في قوله (عليه السلام): جائز لا بأس به عناية، والله العا لم. وأما الالحاق ببعض المفطرات بدعوى: أنه ماح لصورة الصوم (2)، أو بالسيرة القائمة عند المتشرعة في الازمنة التي تداولت فيها التدخين على أنه يضر بالصوم (3)، أو بأنه أقوى لبعض المعتادين له من الاكل والشرب، فالملاك هو الملاك (4)، أو غير ذلك مما ربما يقال أو قيل، فلا يخلو عن مناقشة واضحة. نعم، لو ثبت الاصل الذي ادعى بعض العلماء من منع الشرع في الصوم من إدخال أي شئ في الجوف على الاطلاق (5)، يصح ذلك بعد علاج معارضته مع الموثقة المتقدمة. ولكن الشأن في ثبوت هذا الاصل واستخراجه من الادلة، بحيث يتقدم على الموثقة، وقد مر بعض الكلام في


1 - تقدم في الصفحة 231، الهامش 1، تهذيب الاحكام 4: 324 / 1003، وسائل الشيعة 10: 70، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 22، الحديث 2. 2 - مستمسك العروة الوثقى 8: 261. 3 - مستند الشيعة 10: 230، الصوم، الشيخ الانصاري 12: 50. 2 - مستمسك العروة الوثقى 8: 261. 3 - مستند الشيعة 10: 230، الصوم، الشيخ الانصاري 12: 50. 4 - كشف الغطاء: 319 / السطر 37. 5 - الغنية، ضمن الجوامع الفقهية: 509 / السطر 8، الصوم، الشيخ الانصاري 12: 44 و 49.

[ 389 ]

أثناء البحوث المتقدمة (1). ولك أن تجعل من ثمرات هذا البحث أن من يعتاد على التدخين، بحيث لولاه لا يقدر على الصوم، ومعه يتمكن منه، فإن الاظهر صحة الصوم منه معه، والافتاء حينئذ بعدم وجوب الصوم على مثل هذا غير صحيح، وخلاف للاحتياط جزما، وسمعت من بعض أن السيد الجليل السيد محمد الفشاركي قدس الله نفسه يقول بجوازه فيه سرا، ولعله التزم بذلك في مجلس الدرس، والله العالم.


1 - تقدم في الصفحة 260 و 264 و 273. 2 - مستمسك العروة الوثقى 8: 261. 3 - مستند الشيعة 10: 230، الصوم، الشيخ الانصاري 12: 50. 4 - كشف الغطاء: 319 / السطر 37. 5 - الغنية، ضمن الجوامع الفقهية: 509 / السطر 8، الصوم، الشيخ الانصاري 12: 44 و 49.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية