الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




واجبات الصلاة - السيد مصطفى الخميني

واجبات الصلاة

السيد مصطفى الخميني


[ 1 ]

تحريرات في الفقه الواجبات في الصلاة تأليف العلامة المحقق آية الله المجاهد الشهيد السعيد السيد مصطفى الخميني قدس سره مؤسسة تنظيم ونشر آثار الامام الخميني قدس سره

[ 2 ]

بمناسبة الذكرى السنوية العشرين لشهادة العلامة المجاهد آية الله السيد مصطفى الخميني (قدس سره) هوية الكتاب * اسم الكتاب: الواجبات في الصلاة * * المؤلف: السيد مصطفى الخميني (قدس سره) * * تحقيق ونشر: مؤسسة تنظيم ونشر آثار الامام الخميني (قدس سره) * * سنة الطبع: آبان 1376 - جمادى الثاني 1418 * * الطبعة: الاولى * * المطبعة: مطبعة مؤسسة العروج * * الكمية: 3000 نسخة * * السعر: 8500 ريال * جميع الحقوق محفوظة للناشر

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم

[ 1 ]

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على رسول الله وآله الطيبين الطاهرين، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين

[ 3 ]

المقصد الثاني الواجبات في الصلاة

[ 5 ]

تمهيد الامور التي تجب في الصلاة وتسمى من أجزائها - كالقراءة والذكر والتكبيرة - تارة، ومن أفعالها اخرى، كالركوع والسجود، ومن مقوماتها ثالثة، كالنية والقصد إلى العنوان، والتوجه إلى الطبيعة بما هي المسماة ب‍ الصلاة فإنها بدونها ليست بصلاة، ومجرد المشاركة في الاجزاء والافعال - بعد كونه قاصدا بها المعاني الاخر - لا يوجب صدقها، بل مع عدم القصد وإرادة العنوان البسيط المنحل إلى الاجزاء، لاتتحقق الطبيعة المصدوق عليها اسمها، على المعروف بينهم أحد عشر (1): النية والقيام وتكبيرة الاحرام والركوع والسجود والقراءة والذكر والتشهد والسلام والترتيب والموالاة (2).


1 - وهو المعروف بين المتأخرين من مقاربي عصرنا، لاحظ العروة الوثقى 1: 613، فصل في واجبات الصلاة، وسيلة النجاة 1: 141، فصل في أفعال الصلاة، تحرير الوسيلة 1: 156، فصل في أفعال الصلاة. 2 - لم يظهر لي وجه لعدم عدهم الاستقرار منها، ودعوى أنه من واجبات الواجبات (أ)، ممنوعة لو كان تصح الصلاة بالاخلال به في الاكوان المتخللة. مع أن القيام أيضا من واجبات واجباتها، فإنه شرط التكبيرة والركوع والقراءة، ولذلك قيل: لو أهوى حال القراءة إلى شئ عمدا، ثم رجع وأتى بها حال القيام، تصح (ب). ] منه (قدس سره) [. (أ) لاحظ مستمسك العروة الوثقى 6: 4. (ب) العروة الوثقى 1: 663، كتاب الصلاة، فصل في مستحبات القراءة، المسألة 9.

[ 6 ]

والاخيرتان أيضا ربما تكونان من المقومات، فعد المقوم من الواجبات، خروج عن الاصطلاح، ولا بأس به. وسيأتي أن النية غير القربة (1)، فتكون اثني عشر. ولعلهم أرادوا من النية أمرا جامعا بين الامور الثلاثة التي بها تمتاز العبادة عن غيرها: أحدها: إرادة الفعل والتوجه والاختيار، مقابل الفعل الحاصل من غير اعتبار ذلك، فلابد من العلم بالصلاة والاتيان بها بعنوانها، وعن إرادة واختيار. ثانيها: قصد الفعل المنوع لتلك الطبيعة الجنسية، من الفصول المقومة، كالظهرية والعصرية، مقابل الدين، فإنه لا يلزم لافراغ الذمة في الجملة، زائدا على قصد الافراغ وأداء الدين، ولو كانت الديون مختلفة، فإنه يقع إجمالا في بعض فروض المسألة. ثالثها: الخلوص، وعدم كونه مشتملا على الرياء، والاتيان به للتقرب والامتثال وأداء المطلوب، من غير دخالة الامور الاخر غير المضرة في مثل أداء الدين ونحوه. ولو كانوا مريدين بها ذلك، فقد يشكل في مثل بعض الصلوات، التي لا يعتبر فيها الازيد من الامر الاول والثالث - على تأمل (2) - كالنوافل المطلقة غير الراتبة. وإن لم يكونوا مريدين بها معنى جامعا، فيلزم ازدياد الواجب إلى ثلاثة عشر، والامر سهل. إذا عرفت ذلك، فالكلام في تلك الامور يقع في مطالب:


1 - يأتي في الصفحة 5 - 12، لاحظ أيضا: تحريرات في الاصول 2: 152 - 155. 2 - يأتي وجهه في الصفحة 84.

[ 7 ]

المطلب الاول حول النية وهو مشتمل على مقامات:

[ 9 ]

المقام الاول في المراد من النية وقيل: هي القصد إلى الفعل بعنوان الامتثال والقربة (1). ويشكل ذلك، فإن الصلاة تصح من غير الحاجة إلى الامر المتقوم به الامتثال (2)، مع أن النية معتبرة في كثير من الامور غير العبادية، فإنه لابد من القصد إلى عنوان الدين حتى يفرغ ذمته، وإلى عنوان الجواب للسلام حتى يسقط أمره، وإلى فك الرهن حتى ينفك، وفي المعاملات والايقاعات مع عدم اعتبار القربة فيها. والعجب أن السيد الطباطبائي اليزدي (رحمه الله)، قال بعد ذلك: فحال الصلاة وسائر العبادات، حال سائر الاعمال والافعال الاختيارية - كالاكل والشرب والقيام والقعود ونحوها - من حيث النية.


1 - العروة الوثقى 1: 614، كتاب الصلاة، فصل في النية. 2 - يأتي في الصفحة 73.

[ 10 ]

نعم، تزيد عليها باعتبار القربة فيها، بأن يكون الداعي والمحرك هو الامتثال والقربة (1) انتهى!! وأنت خبير بما فيه، وسيتضح لك بعد ذكر الحق في المسألة، وهو أن الواجبات على أنحاء شتى: أقسام الواجبات الشرعية منها: ما هو المقصود فيها هو الاثر الحاصل منها، كوجوب الغسل، فإنه لو وجب فليس إلا لحصول الطهارة من الخبث، ولا يشترط فيها الارادة والاختيار والتوجه والقصد، فضلا عن الامور الاخر. ومنها: ما يحتاج فيها إلى الارادة والقصد الزائد على إرادة الاكل والشرب، كما مرت أمثلته. ومنها: ما يعتبر فيها - زائدا عليه - التقرب والاخلاص وصدق الطاعة مثلا، والعبودية، كالواجبات القربية والتعبدية، على ما يأتي تفصيله (2). بيان حقيقة النية والنية ليست الارادة الموجودة في الاكل والشارب بالضرورة، كيف؟! وهذه الروايات الكثيرة الداعية إلى النية وإتيان الاعمال بها (3)،


1 - العروة الوثقى 1: 614، كتاب الصلاة، فصل في النية. 2 - يأتي تفصيله في الصفحة 75 و 83. 3 - وسائل الشيعة 1: 46 و 58، كتاب الطهارة، أبواب مقدمة العبادات، الباب 5 و 6 و 7.

[ 11 ]

ليست تدعو إلى الارادة المقابلة لحركة المرتعش والساهيوا لغافل مثلا. وهي أيضا ليست القربة، لاعتبارها في المتون الفقهية في جميع العقود والايقاعات. بل هي الامر الثاني الذي به يمتاز طائفة من الافعال والاعمال عن طائفة اخرى، فهي القصد إلى الوجهة الخاصة المعتبرة المفيدة لذلك الفعل. وأما إرادة الفعل بالحمل الشائع، فهي غير كافية للتفكيك بينه وبين الاسم المنطبق عليه عقلا، بل الصلاة من الامور القصدية، ولا تتعلق بها الارادة على نعت تعلقها بالحركة المسماة أكلا قهرا فيما إذا أراد الاكل، فالاكل يريد الاكل، لانه ليس إلا الحركة الخاصة، بخلاف المصلي، فإنه يقصد الصلاة، ويريد أمرا ذهنيا منطبقا على الحركات في حال دون حال، فلا ينبغي قياس تلك الافعال المنطبقة على الحركات الخاصة بالاسم والعنوان، بالاعمال الخاصة المنطبقة على بعض الحركات في حال دون حال. عدم كون النية من الواجبات الشرعية فتحصل: أن المعتبر في الصلاة على نعت الجزئية والقيدية المقومة لها، قصدها، أي قصد العنوان المطلوب المتعلق به الغرض، وأما الارادة، فهي ما تتعلق بإخراج تلك الطبيعة عن حالة الاستواء - بالنسبة إلى الطرفين - إلى طرف الوجود، فليست هي شرطا في

[ 12 ]

الطبيعة، ولا جزء لها، بل المعتبر فيها أمر مسمى ب‍ القصد والنية وهو الارادة المتعلقة بنحو الكلية، كما لا يخفى. وإن شئت قلت: ليست النية من الواجبات، بل الواجب يكون على نحو لا يتحقق إلا بها، فليست هي من الشرائط والواجبات الشرعية. وبعبارة اخرى: إذا قال المولى: صل وقال: كل فإن الاكل وإن لم يتحقق إلا بالارادة، إلا أنه لا يعقل تفكيك الحركة الخاصة عن اسم الاكل بخلاف الصلاة، فإنها ربما لاتتحقق في الخارج وإن تحققت الحركة المشابهة لحركاتها في صورة صدق اسمها، فنحو وجود الصلاة غير نحو وجود الاكل. ومن قبيل الصلاة قوله: أد دينك فإن مجرد اتحاد الدين مع المبذول في المقدار، لا يعد عرفا وعقلا واسما أداء الدين فإنه بذاته قاصر عن الصدق إلا في صورة القصد إليه. فلا يشترط شرعا النية في الصلاة، بل هي بذاتها تقصر عن الصدق على مطلق الحركة المشابهة لحركاتها، فلو لم تكن الصلاة قربية ومعتبرة فيها قصد التقرب - كما قال به السيد الفقيه الاصفهاني في الصلاة الاستئجارية (1) - ولكنها يعتبر فيها النية، فهي ليست القربة والاخلاص، كما هي ليست الارادة المطلقة، ولا هي مشروطة في الصلاة شرعا، فليتدبر. ولاجل كونها مقومة للاسم خارجا - لا ذهنا حتى يلزم الدور - ليست شرطا شرعيا وواجبا في الصلاة. وتكون الموا لاة في بعض الاحيان من هذا


1 - وسيلة النجاة 1: 200 القول في صلاة الاستئجار.

[ 13 ]

القبيل أيضا، فإن في تركها ينقطع الاسم، وينعدم المسمى، فهي أيضا من الشرائط والمقومات العقلية. فبالجملة: كل ما كان من مقومات الطبيعة عرفا، وأ نها بدونه غير قابلة للتحقق حتى على الاعم، فهو ليس من واجبات الصلاة شرعا، فقولهم: إنها أحد عشر (1) في غير محله، لان النية - بمعناها الواقعي - ليست منها، وهكذا الموالاة في بعض الفروض. نعم، المعتبر هي القربة والخلوص من الرياء والسمعة، وهي من الشرائط الشرعية، لانها ليست من المقومات للطبيعة. وتوهم أنها لابد وأن تكون مما ينتزع منها عنوان العبودية لله تعالى، وهي متقومة بذلك، في محله أصلا، وفي غير محله تفرعا: اعتبار عنوان العبودية في الصلاة أما الاول: فهو أن الذي يظهر لي، اعتبار أمر آخر في الصلاة غير ما ذكره القوم، وهو كونها بحيث يعتبر لها عنوان العبودية المعبر عنها بالفارسية (پرستش) وذلك للامر بالعبادة، وهي ليست إلا تلك الصلاة ونظائرها مما شرع في الشريعة، ففي سؤال عيسى بن عبد الله القمي قال له (عليه السلام): ما العبادة؟ فقال أبو عبد الله (عليه السلام): حسن النية بالطاعة، من الوجه الذي يطاع


1 - العروة الوثقى 1: 613، فصل في واجبات الصلاة، وسيلة النجاة 1: 141، فصل في أفعال الصلاة، تحرير الوسيلة 1: 156، فصل في أفعال الصلاة.

[ 14 ]

الله منه (1). وربما يدل على ذلك بعض آيات الكتاب (2). هذا، مع أن الاذهان الشرعية - بل جميع الفرق الذين يعبدون الله بطريقة يعتبرون في عملهم أن يكون كذا، والافعال المنافية لذلك عندئذ يلزم تركها، مثل أن يأتي بالفواحش حين الصلاة، فيلمس المرأة المحرمة عليه، وينظر إلى المحرمة الاخرى، ويسمع إلى الحرام، فإن ذلك - عند ذوق المؤمن - مناف للعبودية اسما. ودعوى: أن المنافاة معلومة، إلا أنها غير معتبرة (3)، في غير محله، ضرورة أن تلك الاوامر الكثيرة الامرة بالعبادة، كافية بعد ما لا يفهم منها ولا ينتقل الذهن منها إلا إلى الصلاة في الدرجة الاولى، ولايجوز لاحد أن يتمسك بإطلاق تلك الاوامر، لتجويز العبادة بأي نحو أمكن. وهذا أيضا من الشواهد، على أن العبودية لا تكون إلا بالعبادات المشروعة كالصلاة، فلا شبهة في لزوم اعتبارها فيها، وكونها بحيث ينتزع منها عنوانها، وعليه يلزم ترك جملة من الامور حالها المنافية لها، وإن لم يقل به الاصحاب.


1 - الكافي 2: 68 / 4، وسائل الشيعة 1: 52، كتاب الطهارة، أبواب مقدمة العبادات، الباب 6، الحديث 13. 2 - كقوله تعالى: (وما امروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين) البينة (98): 5. 3 - مستمسك العروة الوثقى 6: 582 - 583.

[ 15 ]

عدم تقوم الصلاة بعنوان العبودية لله تعالى وأما الثاني: فهو أن عنوان العبودية من العناوين العامة، تصدق على عبادة الاصنام وغيرها، فاعتبارها في الصلاة يحتاج إلى دليل، ولا يكفي مجرد الامر بالصلاة لكونها قابلة لانتزاع العبودية منها، ضرورة أنها صادقة لغة وطبيعة، ولذلك تنهى عنها الشريعة بالنسبة إلى الاخرين، فالعبودية من العناوين اللازمة انتزاعها من الصلاة المأمور بها، والمطلوب للمولى شرعا، لا عرفا، فافهم وتدبر. إن قلت: بناء على الاصل المذكور، ينبغي أن لا يعد من الواجبات، الاجزاء التي اعتبرها الشرع مقوما للاسم في الادلة، كالقراءة والقيام وغير ذلك. قلت: نعم، إلا أنه يتم إذا رتب الشرع عليه آثارها، والامر ليس كذلك، فإن الصلاة بدونها في بعض الاحيان، تكون صحيحة، فلا تخلط. فتحصل في ذلك المقام: ماهية النية، وكيفية اعتبارها في الطبيعة، وأن الواجبات الشرعية في الصلاة، ليست على نحو ما زعمه القوم.

[ 17 ]

المقام الثاني اعتبار قصد الفصول المنوعة في بعض الصلوات يعتبر زائدا على أصل النية - وهي قصد عنوان المأمور به، كعنوان الصلاة والصوم - أمر آخر في بعض الصلوات، وهو القصد إلى الفصول المنوعة، كالظهرية والعصرية، وصلاة نفسه، وصلاة الغير، وهكذا مما يأتي تفصيله. ويتم البحث في المقام في ضمن جهتين: الجهة الاولى: في اعتبار قصد الفصول في بعض الصلوات خاصة هل في الشريعة، تكون الصلوات كلها ذات فصول منوعة، لابد من القصد والتوجه إليها، وإتيان المأمور به لا يمكن إلا حين لحاظها، حتى يتصف بها، ويعين بذلك العنوان، مثل عنوان الظهرية والعصرية ونافلتيهما، والنافلة المطلقة المقيدة بالاطلاق اللحاظي، وتكون لا بشرط قسمي؟

[ 18 ]

فلو صلى من غير لحاظ تلك الامور، لا تقع صلاته إلا كما لو لم يقصد عنوان الصلاة رأسا، فتكون هذه الحركة المسماة ب‍ الصلاة كالحركة المسماة ب‍ اللعب والتفريح ولا يثاب عليها، بل ولا يعاقب بها، لان المنهي في مورده هي الصلوات المأمور بها الاخرون، وهي الطبيعة النوعية، لا الجنسية. أم في الشريعة بعض الصلوات معنون بعناوين مقومة، وفصول محصلة، وبعض منها تكون بطبيعتها الجنسية مورد الطلب والامر، ولا يشترط فيها النية الزائدة على نية الصلاة وقصدها حين الامتثال؟ فيه وجهان واحتمالان. وجه للاختصاص ببعض الصلوات وقد يظهر بدوا، أن المتعارف عدم اعتبار النية إلا في طائفة خاصة، فيكون اللازم إتيانها بوجهها للدليل، مثل صلاة الظهر والعصر والمغرب وأمثالها، وصلاة الكسوف والخسوف، وهكذا الرواتب، فإن نافلة الظهر أيضا تحتاج إلى النية، بخلاف أصل النافلة، فإنها لا تحتاج إلى الامر الزائد على نية الطبيعة، وتكون مأمورا بها بالامر الاستحبابي، ولعل هذا هو الذي يظهر من الاعلام - رضوان الله تعالى عليهم - (1).


1 - تذكرة الفقهاء 3: 103، جواهر الكلام 9: 158 - 159.

[ 19 ]

وجوه لتعميم الاعتبار في جميع الصلوات وقد يشكل ذلك: تارة: من جهة أن تقسيم الصلاة إلى الاقسام المعروفة، يقتضي اختصاص كل قسم بخصوصية، بها تحصل البينونة المعتبرة في الاقسام، ولا يعقل تقسيم الشئ إلى نفسه وغيره، على ما تقرر في تقسيم الواجب إلى النفسي والغيري (1). واخرى: أن الامر المتعلق بالطبيعة الجنسية، يلزم تعلقه على نعت الاستحباب بالصلوات الخاصة، فتكون صلاة الغداة واجبة بفصلها، ومستحبة بعنوان أنها صلاة وهو أيضا ممتنع، ضرورة عدم معقولية ترشح الارادتين المستقلتين على المطلق والمقيد، وإلا يلزم ترشحهما على المترادفين والمتساويين، بل والشئ الواحد مرتين، على ما تقرر في مقدمات مباحث الاجتماع والترتب (2). وثالثة: لابد من أن تكون المتعلقات المختلفات في الامر الوجوبي والندبي، متفاوتة في الخصوصيات، حتى يرخص الشرع في ترك صلاة دون صلاة، ولا يكون ذلك جزافا. وبعبارة اخرى: مادام لم يحصل التمييز بينها في مقام التصور والجعل، لا يعقل تعلق الامر الالزامي تارة، والندبي اخرى، فعلى هذا كل


1 - تحريرات في الاصول 3: 134. 2 - تحريرات في الاصول 4: 142 - 144.

[ 20 ]

الصلوات، تمتاز بالعنوان الخاص عن الاخر، وإذا لم يقصد ذلك العنوان، لا يسقط الامر المتعلق به. نعم، ذلك العنوان تارة: يكون وجوديا، واخرى: يكون عدميا، فليس في الشريعة صلاة بما هي هي مورد تعلق الامر، ويكفي في تعلقه امتيازه ولو بالعنوان العدمي، وهو ما لا يكون كذا وكذا. توهم عدم اعتبار الفصول المنوعة في مقام الامتثال وجوابه هذا، وقد يخطر بالبال أن يقال: بأن ما ذكرناه يتم على القول: بأن تلك العناوين مقومات، وتوجب اختصاص كل طبيعة بأمر يخصها، كما هو المعروف بين الاصحاب (رحمهم الله). وأما على القول: بأنها أوصاف المأمور به وقيوده، فكما أن الصلاة مشروطة بالطهارة، مشروطة بقصد العشائية والمغربية، وهذا الشرط لا خصوصية له، حتى يلزم عدم جريان القواعد الشرعية لو شك في الاتيان بها بعنوانها، على تفصيل يأتي (1)، فلا يلزم الامتناع، ضرورة أن أقسام الصلاة حينئذ ليست متنوعات، حتى نحتاج إلى الفصول المنوعة، عدمية كانت في الاعتبار، أو وجودية، بل الصلاة كما تكون مائية تارة، وترابية اخرى، وبدونهما ثالثة، كذلك هي هكذا إذا قيست إلى سائر القيود والشرائط. ولو شئت قلت: في مقام التقسيم، لا يعقل حصول القسمة بدون الجهة التي بها تحصل البينونة، ولكن في مقام الامتثال لا يلزم غير


1 - يأتي في الصفحة 158 - 159.

[ 21 ]

نفس الطبيعة. وفيه: أن المسألة ليس كما توهم، ضرورة أن من الشرائط ما هو شرط طبيعة الصلاة، وهو المستفاد من الدليل الخارج، كالطهارة، فإنه بعدما أمر بالصلاة بين اشتراطها بها، بخلاف قصد النفل الخاص والعنوان المخصوص، فإنه لا يكون شرطا في مطلق الصلوات. مع أن الامر لا يعقل أن يتصور شيئا حال الامر في المتعلق، إلا وأن ذلك يصير من قيوده، فلابد من الاتيان به. الحق في المقام والحق: أن المقيد - لحصول القسمة في مقام التقسيم - مما يحتاج إليه بلا شبهة، إلا أن ذلك القيد المأخوذ بنحو اللا بشرط القسمي، يحصل - في مقام الامتثال - مع الغفلة والذهول والجهل، لانه اعتبر للتمييز بين متعلق الامر عن المتعلق الاخر، ولم يؤخذ قيدا فيه، فالامتثال يحصل بنفس الاتيان بدون الحاجة إلى القصد. مع أنه لا يحتاج إلى الامتثال، لما اشير إليه، فلاحظ وتدبر. الجهة الثانية: في بيان مقومية النية للمأمور به يشترك جميع الصلوات، في لزوم القصد والنية، التي بها تكون الصلاة منطبقة على تلك الحركات، وتمتاز بالاخرى، فيكون بعض منها مشروطا بقصد آخر حتى يكون مأمورا به.

[ 22 ]

وبعبارة اخرى: من النية ما هو مقوم الاسم، ومنها ما هو مقوم المأمور به، كالظهرية والعصرية، ونافلة المغرب والغفيلة، وصلاة ليلة الدفن، والكسوف، وصلاة الاموات، وغير ذلك، فإنه لابد من تلك النيات، وإلا فلا يسقط أمرها، لعدم الاتيان بالمأمور به. ووجه تقومه بها، هو أن القواعد مع الشك في الشرائط، جارية بخلافها، فلو شك في صلاته أن ما بيده ظهر أو عصر، ويعلم أنه أتى بالظهر، تكون ما بيده باطلة عند الاكثر (1)، وهذا ليس إلا لاجل أن القواعد تجري في صلاة الظهر والعصر والمغرب والغداة وغيرها، ولا معنى لجريانها في نفس الصلاة بما هي هي، لانها ليست مأمورا بها، ضرورة أن الاوامر الشرعية، تعلقت بالصلوات الخمس اليومية، وسائر العناوين الواجبة والمستحبة، الملحوظة حال التصوير والجعل. توهم عدم قيدية عناوين الصلوات في المأمور به وربما يمكن أن يقال: لا دليل على لزوم قصد الظهرية والعصرية، فإن هذه العناوين من الاعتبارات اللاحقة بالمأمور به من ناحية أوقاتها كالجمعة، أو من ناحية أسبابها كالزلزلة والكسوف، أو من ناحية اخرى، والذي يجب هو الاربع ركعات عند الزوال، وأربع اخرى في العصر، ولو صلى هكذا، وخرج الوقت، وشك في أنه قصد الظهرية أو العصرية، مع


1 - شرائع الاسلام 1: 106، جواهر الكلام 12: 325، العروة الوثقى 1: 620، تحرير الوسيلة 1: 159.

[ 23 ]

أنه لم يكن عليه شئ من الصلوات القضائية لنفسه أو بالاجارة، فلا أظن أن يلتزم الفقيه بلزوم الاعادة. تحكيم العقل في اعتبار القيود في بعض الصور نعم، العقل حاكم بذلك فيما لو اتحد الكثير في الصورة، فإنه مع وحدة المأمور به من جهة الصورة، لا يعقل تعدد الامر المولوي بالنسبة إليه، فلابد من وجود الخصوصية التي بها يمتاز أحدهما عن الاخر، ليحصل المقصود، وهو البعث مولويا مرتين إلى طبيعة واحدة، ويكون العقاب والثواب متعددين أيضا، فإنه مع حصول ذلك، يلغى كل شئ لوحظ فيها حين الامر، من غير دخالته في المصلحة والملاك، بل تمام المقصود هو الصلاة في أول الوقت أربع ركعات، وفي آخره أربع ركعات. والقيود ربما تأتي من العرف والعقلاء، فيما إذا تعدد الامر والمأمور به بالاسباب المختلفة، مثلا لو كان زيد مدينا لعمرو، فإذا أراد أن يؤدي دينه لا يقصد إلا أداء الدين، وأما لو كانت داره مرهونة في حذاء الدين الاخر، فهو يقصد - زائدا على أداء الدين - أمرا آخر، حتى يفك الرهن أو يبقى بحاله، من غير أمر من الشرع في ذلك، وهكذا من يصلي لنفسه، لا يقصد الصلاة عن نفسه إلا فيما إذا كانت على عهدته صلاة الغير. وما قد يتوهم من دخول تلك الامتيازات في المأمور به، وقوامه بها، ويتعلق الامر حين الجعل بتلك الخصوصيات، وإلا لا معنى للزومها (1)،


1 - الطهارة، الشيخ الانصاري: 82 / السطر 32. مصباح الفقيه، الطهارة: 99 / السطر 35، الصلاة: 233 / السطر الاخير.

[ 24 ]

مدفوع بما ترى في المثال المشار إليه، فإنه بعدما صار أجيرا، يقصد صلاة نفسه، ويقصد صلاة الغير، ولا يعقل دخالة الاجارة وأمرها في الصلاة وقيودها، فليس ذلك إلا لان العقل يرى لزوم تلك النيات، ليحصل الامتيازات التي لا يعقل بدونها تعدد الامر المولوي التأسيسي، ولاجل ذلك يجوز أن يقصد الواجب أولا، والواجب ثانيا، وهكذا. التمسك بآية الدلوك لاثبات خروج الخصوصيات والقيود وتوهم تعدد الامر بالنسبة إلى الصلوات الخمس اليومية ممنوع، بداهة أن ذلك مفاد قوله تعالى: (أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا) (1) والاخبار تبين الحدود والقيود من حيث الركعات والاوقات والاجزاء والشرائط، فلو كانت تلك الفصول المنوعة، من قيود المأمور به، لما كان البعث إلى تلك المتباينات بالامر الواحد، لعدم الجامع بينها، والصلاة ليست جامعة الظهرية والعصرية، والجنس ليس يشتمل على الفصول المنوعة على ما تقرر (2)، لخروجها من حقيقته، كما نجد ذلك في الاعتباريات. فبالجملة: تلك الخصوصيات، ليست ذات ملاكات شرعية، حتى تكون من قيود المأمور به على الاطلاق، كسائر الشرائط والاجزاء، بل هي


1 - الاسراء (17): 80. 2 - الحكمة المتعالية 2: 24.

[ 25 ]

خصوصيات اعتبرت لتمكين المقنن من إبانة مرامه، ولاجل ذلك يطمئن بأن مع وحدة الصورة، لا تجب النية بهذا المعنى، كما في صلاة المغرب، فإنه لا تجب إلا ثلاث ركعات في وقت المغرب، ولا يلزم إلا نية الصلاة بعدما كان منبعثا عن الامر المتعلق بها. نعم، لو كان في ذمته صلاة المغرب القضائي، يتعين عليه تلك النية، مع صراحة كلماتهم في عدم وجوب قصد الاداء والقضاء (1)، فهذا دليل على أن المنفي هو القيد الشرعي، واللازم هو اعتبار التمييز عند العقل، فافهم وتأمل. ومما يؤيد ذلك، عدة روايات مشتملة على تعبيرها عن صلاتي العشاءين والظهرين ب‍ الصلاة الاولى والثانية (2) كما لا يخفى. الجواب عن التوهم السابق وأ نت خبير بما فيه، فإن كل ذلك في مقابل البديهة التي عليها النفوس الشرعية، والروايات تنادي بأعلى صوتها على تلك الصلوات


1 - مدارك الاحكام 3: 310 و 311، جواهر الكلام 7: 160، العروة الوثقى 1: 615، تحرير الوسيلة 1: 157. 2 - وسائل الشيعة 4: 47، كتاب الصلاة، أبواب أعداد الفرائض، الباب 13، الحديث 6. وسائل الشيعة 4: 85، كتاب الصلاة، أبواب أعداد الفرائض، الباب 23، الحديث 1. وسائل الشيعة 4: 190، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت، الباب 18، الحديث 13. وسائل الشيعة 4: 219، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت، الباب 31، الحديث 5. وسائل الشيعة 4: 291، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت، الباب 63، الحديث 1 و 3 و 4 و 5.

[ 26 ]

بعناوينها، وعدها بها من الواجبات دليل على قيديتها ومقوميتها لها، وأنها بدونها ليست مأمورا بها. ولعمري، إن المتدبر في الاخبار، لا يجد مناصا من الالتزام بمقالة المشهور. ومما يدل على ذلك، أخبار العدول (1)، وتوهم أن المعدول إليه معنون، دون المعدول عنه، غير تمام حسب الروايات. ومما يشهد عليه المآثير المتعرضة لاوقاتها والركعات الصريحة في تعنونها بها، ومفروغية المسألة اقتضت أن المسألة ليست معنونة في كتاب العروة والوسيلة الموجودين عندي من الكتب الفقهية. وأما الاية الشريفة، فهي مجملة من جميع الحيثيات، وناظرة إلى أصل الجعل والالزام، ولا دلالة لها على الصلوات الخمس، وبعد مراجعة الروايات الشريفة يعلم أنها الصلوات الخمس، وتكون الصلاة مستعملة في معناها الجنسي، الذي هو جزء المعنى المأمور به، وجزؤه الاخر يعلم من الدليل الخارج. وقد تعرضنا لكيفية الشبهة - ورودا وجوابا - في رسالة لا تعاد... فمن شاء فليراجع (2)، ولا شبهة في الالتزام بعدم الوجوب في الفرع المذكور (3)، فإن قاعدة الشك بعد الوقت، تنفي الاعادة لو شك في إتيان المأمور به في الوقت، فضلا عن الشك في الجهات الاخر المقومة


1 - وسائل الشيعة 4: 291، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت، الباب 63. 2 - رسالة في قاعدة لا تعاد، للمؤلف (قدس سره) (مفقودة). 3 - تقدم في الصفحة 22 - 23.

[ 27 ]

وغيرها، وليس ذلك دليلا على عدم تقومها بها، بل ذلك لاجل عمومية دليل طرح الشك بعدا لوقت، وعدم اختصاصه بمفاد كان الناقصة. وجه بطلان الصلاة المشكوكة العنوان نعم، في الوقت لو شك في أن ما صلاه كان ظهرا أو عصرا، أو لم ينو أصلا، لا يجوز له الاعتناء، لتلك الجهة، ولا أظن أن يلتزم أحد بجواز الاكتفاء عن المأمور به بتلك الصلاة، وليس ذلك إلا من جهة لزوم معلومية صورة العمل، فكما لو شك في أثناء الحركة أنها حركة صلاتية أو تفريح، لا معنى للتمسك بالقواعد الظاهرية، كذلك لو شك في الظهرية والعصرية، فإنهما صورة العمل اللازم وجودها، حتى تجري القواعد فيها. والتزام بعض المعاصرين بصحة الصلاة المشكوك عنوانها، لو توجه في الاثناء (1)، ربما كان لاجل تخيله كفاية الاتمام بالعنوان المخصوص، كما هو مقتضى أخبار العدول، وقد شرحنا حال هذه المسألة بطولها في الفروع من العلم الاجمالي (2) في قيطرية الذي كان مقر أبي في السنة الماضية (3).


1 - انظر ما علقه العلمان الميلاني والخوئي على العروة الوثقى 1: 620، كتاب الصلاة، فصل في النية، المسألة 19، والعروة الوثقى 2: 58 ختام الخلل، المسألة الاولى. 2 - رسالة في فروع العلم الاجمالي، للمؤلف (قدس سره) (مفقودة). 3 - ألقى النظام المنحوس للحكومة البهلوية القبض على الامام الخميني (قدس سره) في 15 / خرداد / 1342 فأودعه السجن لمدة شهرين تقريبا ثم نقله الى محلة قيطرية إحدى محال طهران العاصمة ففرض عليه الاقامة الجبرية وبقي معتقلا هناك إلى 18 / فروردين / 1343.

[ 28 ]

فتحصل إلى هنا: أن المسألة من جهة الادلة تامة. الاستدلال بصحيحة زرارة على دخول خصوصية الظهرية في المأمور به وفي صحيحة زرارة: وإنما وضعت الركعتان اللتان أضافهما النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم الجمعة للمقيم، لمكان الخطبتين مع الامام، فمن صلى يوم الجمعة في غير جماعة، فليصلها أربع ركعات، كصلاة الظهر في سائر الايام (1). وهي تنادي بتقوم المأمور به بتلك النية، وأن الجمعة غير الظهر. ومجرد كون العناوين المنطبقة عليها من لواحقها، لا يورث قصورا في ذلك، فلاحظ وتدبر جدا. وسيأتي ما يتعلق بسائرا لعناوين الاخر، وربما ينفعك ما هناك هنا، فانتظر. فحص وبحث في روايات النية قال في الوسائل: الباب الخامس وجوب النية في العبادات الواجبة واشتراطها بها مطلقا. ثم ذكر روايات من قبيل قوله (عليه السلام): لا عمل إلا بنية (2). وعن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، قال: لا قول إلا بعمل، ولا قول وعمل إلا


1 - الكافي 3: 271 / 1، الفقيه 1: 124 / 1، تهذيب الاحكام 2: 241 / 954، وسائل الشيعة 4: 10، كتاب الصلاة، أبواب أعداد الفرائض، الباب 2، الحديث 1. 2 - وسائل الشيعة 1: 46، كتاب الطهارة، أبواب مقدمة العبادات، الباب 5، الحديث 1.

[ 29 ]

بنية، ولا قول وعمل ونية إلا بإصابة السنة (1). وقوله (عليه السلام): إن الله يحشر الناس على نياتهم يوم القيامة (2). وعنه (صلى الله عليه وآله وسلم): إنما الاعمال بالنيات، لكل امرئ ما نوى (3) وغير ذلك. وتلك المآثير لاتدل على عنوان الباب، بل هي تفسر بعدة اخرى: منها وهي رواية أبي ذر، عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) في وصيته له قال: يا أبا ذر، ليكن لك في كل شئ نية، حتى في النوم والاكل (4). وقال (صلى الله عليه وآله وسلم) في حديث: إنما الاعمال بالنيات، ولكل امرئ ما نوى، فمن غزا ابتغاء ما عند الله، فقد وقع أجره على الله عزوجل، ومن غزا يريد عرض الدنيا أو نوى عقالا، لم يكن له إلا ما نوى (5) وغير ذلك (6). فإنه يعلم: أن المراد في هذه الجملات، معنى أعم من النية المعتبرة في العبادات، فلا دلالة لها على الشرطية والبطلان. وربما كان النظر فيها إلى بيان، أن كل حركة في هذه النشأة لها جنبتان: إلهية، وشيطانية، وتلك الجنبة تعلم من النيات، فلا يدل شرب الخمر على العصيان، لانه ربما نوى العلاج لان يغلب على الاعداء، ولا


1 - وسائل الشيعة 1: 47، كتاب الطهارة، أبواب مقدمة العبادات، الباب 5، الحديث 2. 2 - وسائل الشيعة 1: 48، كتاب الطهارة، أبواب مقدمة العبادات، الباب 5، الحديث 5. 3 - أمالي الطوسي: 618 / 1274، وسائل الشيعة 1: 49، كتاب الطهارة، أبواب مقدمة العبادات، الباب 5، الحديث 10. 4 - وسائل الشيعة 1: 48، كتاب الطهارة، أبواب مقدمة العبادات، الباب 5، الحديث 8. 5 - أمالي الطوسي: 618 / 1274، وسائل الشيعة 1: 49، كتاب الطهارة، أبواب مقدمة العبادات، الباب 5، الحديث 10. 6 - لاحظ وسائل الشيعة 1: 46، كتاب الطهارة، أبواب مقدمة العبادات، الباب 5.

[ 30 ]

كثرة السجود وطول الركوع على الاطاعة، لانه ربما نوى الشيطان، ويخدع الناس بها، فالمدار على النية في حسن الحركات وقبحها. المراد من نية المؤمن خير من عمله... وأما معنى قول أبي عبد الله (عليه السلام) في معتبرة السكوني قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): نية المؤمن خير من عمله، ونية الكافر شر من عمله (1) فهو كثير الوجه: ومن تلك الوجوه، توهم رجوع الضمير إلى الكافر، لقصة خارجية، فإنه فاسد، لقوله الثاني. ومن تلك الوجوه، ما ألقاه الوالد المحقق - مد ظله - دفعا للشبهة المتوجهة إلى الحديث، وهي أن العمل بلا نية ليس فيه خير، ومع النية لا يعقل خيرية النية منه، فلا معنى لقوله (عليه السلام) على صفة التفضيل: نية المؤمن خير من عمله. قال: ربما يريد بيان خيرية جزء من المجموع على جزء منه، فإن الروح خير من البدن، فإن البدن هو الجسم حينما تعلق به الروح، فالعمل مع النية ذو جزءين، وأحدهما خير من الاخر، وهكذا في جانب الشر، وذلك لان الخلود في الجنة لاجل تلك النية، وذلك الجزء والخلود في النار كذلك، حسب بعض الروايات، فما من الجزء من عالم


1 - الكافي 2: 69 / 2، وسائل الشيعة 1: 50، كتاب الطهارة، أبواب مقدمة العبادات، الباب 6، الحديث 3.

[ 31 ]

المعنى، أعلى من الجزء من عالم الصورة (1)، والله الهادي إلى سبيل الرشاد. هذا كله حول مفاد المآثير الشريفة. إيراد وتلخيص ولكنه لم يظهر لي وجه لقوله في عنوان الباب (2)، وتقييده العبادات بالواجبة، ولعله أراد معنى خفي علينا. وإنك قد عرفت اعتبار النية في جميع العبادات والمعاملات بالمعنى الاول، واعتبارها بالمعنى الثاني في العبادات، إلا ما شذ بوجه مضى سبيله (3)، وربما كان ذلك أيضا معتبرا في بعض الفروض من المعاملات، وأما اعتبار القربة فهو في جميع العبادات، واجبة كانت أو مستحبة، على ما يأتي بيانه (4).


1 - المكاسب المحرمة، الامام الخميني (قدس سره) 2: 318 - 319. چهل حديث، الامام الخميني (قدس سره): 332، الحديث 20. 2 - فإنه (قدس سره) قال: باب وجوب النية في العبادات الواجبة واشتراطها بها مطلقا. وسائل الشيعة 1: 46، كتاب الطهارة، أبواب مقدمة العبادات، الباب 5. 3 - تقدم في الصفحة 5. 4 - يأتي في الصفحة 77.

[ 33 ]

المقام الثالث حول اعتبار نية الوجوب والتمام ومقابليهما هل يعتبر أمر زائد في الصلوات اليومية وساير الصلوات الواجبة وغيرها على النية السابقة، من الادائية والقضائية، والقصرية والاتمامية، والوجوبية والندبية، والنفسية والغيرية، كما في صلاة الاجير، والاولية والثانوية، كما في قضاء شهر رمضان مثلا، وقضاء صلوات الغداة، وغير ذلك، أم لا يعتبر كل هذه، أو يفصل؟ حكم نية الوجوب والندب فإن الوجوب والندب مما لا يعتبران قطعا، لانهما من العناوين اللاحقة بها بعد تعلق الامر، والرخصة في الترك وعدمها، وليسا من القيود المأخوذة فيها، وإن أمكن التقييد (1).


1 - تحريرات في الاصول 2: 118، 133 - 135.

[ 34 ]

وتوهم الاحتياج إليه في بعض الاحيان (1)، في غير محله، ضرورة أن الركعتين المشتركتين بين الغداة ونافلتها، تمتازان بهذين العنوانين الغداة ونافلتها حسب الروايات (2)، ولابد من قصد النفل، وإلا لا يكفي لو أتى بركعتين مأمورتين على الاستحباب في كل وقت، ومع قصدها لا حاجة إليه، لتميزها عن مشاركها. وبعبارة اخرى: العناوين تارة: تكون من قيود المأمور به وإن لم يشاركه غيره، كصلاة المغرب، فإنه لو أتى بصلاة على ثلاث ركعات، لا تكون مغربا، وأتى بها في وقتها. واخرى: تكون من العناوين المعتبرة للتمييز بين المتشاركات، فإنه بدونها لا يمكن امتثال الامر وأداء الوظيفة، كما لو كان في ذمته صلاة المغرب، وأراد الاتيان بها في وقت المغرب الادائي، فإنه لابد من القصد المميز المسقط به الامر. والوجوب والندب ليسا منهما، ولا دليل على اعتبارهما، بل قضية الاطلاق نفيه، بناء على صحة التمسك بتلك المطلقات لرفع هذه القيود الجائية من قبل الامر. ومن هذا القبيل قصد الفريضة المقابلة للنافلة، وما يقصد بعنوان النافلة هي النوافل المضافة إلى الفرائض اليومية، لا مطلق النافلة، فإنها مساوقة مع الندب والاستحباب، فما هو المأمور به هي


1 - انظر مدارك الاحكام 3: 310. 2 - وسائل الشيعة 4: 266، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت، الباب 51.

[ 35 ]

نافلة الظهر، على أن يكون المضاف إليه داخلا في المأمور به، وتلك النافلة مستحبة، فلاينبغي أن يتوهم أن النفل والندب واحد، فيلزم اعتباره، كما لا يخفى. حكم نية القصر والاتمام وأما قصد القصر والاتمام، فالمعروف بينهم عدم اعتبارهما (1)، ولا يخل الاخلال بهما في الصحة وسقوط الامر، فلو دخل قصرا، ثم بدا له الاتمام وبالعكس، كما في أماكن التخيير فهو مما لا بأس به، وهكذا فيما قصد الاقامة، ثم تبدل رأيه وبالعكس، وهكذا في السفينة ذاهبا وجائيا، وقد اخترنا أن قصدهما كالحجر جنب الانسان، وربما يضر، لاستلزام التشريع. ومن ثمراته: أنه لو تخيل صلاة القصر ثلاث ركعات مثلا، والتمام خمس ركعات، وأتى اتفاقا بالاثنين والاربع، تصح صلاته، لانه قصد المأمور به وهو الظهر، وأتى به، ولا يلزم العلم على نحو الاشتراط والوضع بمقدار الركعات، وإن كان اللازم الاطلاع على المأمور به، ولكنه مطلع تخيلا، فليس يضر ذلك بقصده وقربته. وتوهم التفصيل بين صورتي التقييد والخطأ في التطبيق (2)، بعد مراجعة النية إلى الامر الشخصي وقصد المطلوب الفعلي، في غير محله.


1 - مدارك الاحكام 3: 311، جواهر الكلام 9: 165، مستمسك العروة الوثقى 6: 13. 2 - العروة الوثقى 1: 615، كتاب الصلاة، فصل في النية، المسألة 9.

[ 36 ]

نعم، ربما يشكل لو كان من نيته امتثال الامر المتعلق بالخمس ركعات ليس إلا، فقصد صلاة الظهر الخمس ركعات فإنه لا يسقط أمره. وفيه: أن عنوان الخمس ركعات يضر فيما لو كان عنوان الاربع ركعات لازما في النية، وإلا فلا يضر كما لا يخفى. ولو صح ما قيل، يلزم الاشكال في بعض الصور السابقة: مثلا لو قصد الامر المتعلق بالتمام ليس إلا، ثم قبل أن يتجاوز حد القصر، خرجت السفينة من حد الترخص، فإنه حينئذ تبطل صلاته، ولا يصح تقصيرها، وهكذا فيما لو تردد بعد الاقامة في الاثناء. فيعلم منه: أن قصد الركعتين والاربع ركعات، لا يضر ولا ينفع، بل المدار على قصد الظهرية، فإن شاء قصره بالتسليم، وإلا أتمه، وهو بالخيار في مواضع كثيرة، كما مرت الاشارة إليه. إحالة المقام على معرفة حقيقة القصر والتمام وربما يخطر بالبال أن يقال: إن هذه المسألة من متفرعات المسألة الاخرى، وهي أن القصر والاتمام متباينان، ويكون السلام داخلا في صلاة القصر، وواجبا من واجبات الصلاة المعتبرة من الاجزاء الداخلة، أو القصر والتمام من الاقل والاكثر، والسلام من الواجبات الخارجة، وكأنه خاتم الصلاة، لو شاء يختمها على الركعتين، ولو شاء يختمها على الاربع ركعات. فإن قلنا: بالاول، فلابد من القصد والنية، لتباين الطبيعتين، ولا يعقل

[ 37 ]

الامر أن يتعلق بالطبيعة الواحدة الجامعة بين المتباينين، وتحميله ما به تحصل البينونة. وبعبارة اخرى: لو كان الواجب صلاة الظهر، ولم يكن الامر في جعله وأمره، محتاجا إلى تصوير آخر ولحاظ زائدا عليها، فلا وجه لتوهم الحاجة إلى قصد القصر والاتمام، ولو كان الامر متعلقا بالصلاة، وكانت صلاة القصر والتمام متباينة، فلا يعقل البعث إليهما بالامر الواحد، مع تحميل الخصوصية التي بها حصلت البينونة. فإذا أمر بالقصر، لابد وأن تصور ركعتين وأمر بهما، وهكذا الامر في جانب التمام، فعلى هذا، لا تتم تلك المسائل إلا على المبنى غير المعروف بينهم. وتوهم: أن الخصوصية مشروطة بالدليل الخارج، في غير محله، لان ذلك الدليل في حكم المبين للمأخوذ أولا، وليس هو دليلا على الشرط كسائر أدلة الشروط، بل الدليل في المسألة يورث التنويع، فيكون شارحا، كأدلة اعتبار قصد الظهرية والعصرية، فإنها لا تورث الشرطية على خلاف إطلاق الاية مثلا، بل هي تفسر المقصود منها، بخلاف دليل اشتراط الطهارة، فإنه يورث التقييد. وليس ذلك إلا لاجل أن الطهارة المائية والترابية، لا توجب البينونة في الصلوات، بخلاف الظهرية والعصرية، والقصرية والتمامية.

[ 38 ]

الجواب عن الاحالة السابقة وفيه: أن القصر والتمام في الاعتبار، متباينان، فإن القصر مأخوذ بشرط لا، والتمام مأخوذ بشرط شئ، وهما مختلفان، إلا أن اختلافهما لا يورث ازدياد الجزء الذهني في المأمور به، بل الظاهر من الادلة وجوب التمام على الكل، وأصالة التمام عند الشك (1)، ومقتضى آية التقصير (2)، لزوم تقصير ما وجب قبلا، بإتيان السلام - الواجب في التشهد الثاني - في التشهد الاول، وإلقاء الركعتين من الرباعيات، حسب المآثير والروايات (3)، والبينونة الخارجية لا تستلزم البينونة في الطبيعة، كما هو الامر في الماهيات الاصلية (4). وتصوير الشرع الاربع ركعات حين الامر، لا يورث لزوم نيتها، لانها من الامور الخارجية، بخلاف الظهرية والعصرية، فإنها من الامور الذهنية، التي تنقلب بانقلابها أوصاف الامور الخارجية، فالامر بالحركة من الدار إلى السوق، لا يحتاج إلى شئ زائد على نفس الحركة الخارجية بعد الانبعاث عنه، بخلاف الامر المتعلق بأداء الدين ونحوه،


1 - جواهر الكلام 14: 205، مستمسك العروة الوثقى 8: 17، ذيل المسألة 3. 2 - النساء (4): 101. 3 - الكافي 3: 273 / 7 و 487 / 2 و 8: 336 / 531، وسائل الشيعة 4: 49 و 50، كتاب الصلاة، أبواب أعداد الفرائض، الباب 13، الحديث 12 و 13 و 14، وسائل الشيعة 8: 504، كتاب الصلاة، أبواب صلاة المسافر، الباب 8. 4 - انظر تحريرات في الاصول 1: 224 - 226.

[ 39 ]

فمثال الاربع ركعات، مثال تلك الحركة المتعلقة للامر. نعم، لابد من الامور المميزة هذه الاربعة من أربعة اخرى، وأما نفس الاربعة فهي من الامور الخارجية، ولا يدعو الامر إلا إلى عنوان الظهر، إلا أنه إن أتى به ركعتين يصح في فرض، وإن أتى به ركعات يصح في الاخر، والمطلوب ليس إلا نفس الركعات بالحمل الشائع. فبالجملة: ما يساعده الاعتبار والذوق الشرعي، أن الواجب في السفر والحضر هو الظهر، لا الظهر الموصوف بركعتين والموصوف بركعات بعنوانهما، وتلك البينونة لا تورث الامر الاخر في الواجب. هذا مع أن مقتضى هذه الشبهة، لزوم القصد، وعدم جواز العدول في أماكن التخيير، مع أنه لا يلتزم به أحد على ما ببالي (1). وهكذا لا يجوز للجاهل المتوجه في الاثناء إلى الوظيفة قصرا وإتماما، الاتمام، لان الشرع اعتبر قصد الركعات في المأمور به، وهو قد أخل به، فعليه الاستئناف، ولا أدري من يلتزم به (2)!! وكل ذلك لاجل أن المأمور به هو الظهر، والمكلف مخير بين أن يأتي في بلده أربعا، وعلى رأس ثمانية فراسخ ركعتين، وهكذا بعد الشروع، بشرط عدم الاخلال بسائر الشرائط، وما هو أمره كذلك ليس من المقومات للطبيعة والواجبات المرعية في أمرها.


1 - المعتبر 2: 150، مدارك الاحكام 4: 470، جواهر الكلام 14: 341، العروة الوثقى 2: 164، أحكام صلاة المسافر، المسألة 11. 2 - لاحظ جواهر الكلام 14: 353، العروة الوثقى 2: 162، أحكام صلاة المسافر، المسألة 7، مستمسك العروة الوثقى 8: 168.

[ 40 ]

فتحصل: أن مجرد لحاظ الشرع بعض الامور حال تعلق الامر، لا يستلزم وروده في المأمور به، بنحو يجب ذلك اللحاظ على المأمور، أو يجب ترتيب الاثر عليه. مثلا: الشرع الامر بالصلاة، واللاحظ أربع ركعات، ويكون كل ركعة بلون خاص - كما ترى في ركعاتها - لم يلزم قصد الركعات، من الاولية والثانوية، ولا تبطل الصلاة لو أتى بعنوان الثالثة، ثم تبين أنها الرابعة. والسر كله: هو أن الركعات من الامور الواقعية، لا تحتاج إلى القصد، كما مضى بيانه. وجه آخر للزوم نية القصر والتمام وقد يمكن دعوى: أن الامر ليس كما توهم، ضرورة أن صلاة الركعتين تختص بأحكام، وصلاة الاربع ركعات بخلافها (1)، فإن الشك في الاولى مبطل، وتجب الاعادة، وفي الثانية غير مبطل، ويجب العمل بالوظيفة المقررة، فكون ما بيده موضوع ذاك الدليل أو تلك الادلة، لا يتميز إلا بالقصد المتعلق بالقصر والتمام، فلابد من نيتهما قبل أن يشرع فيها. ولايجوز العدول في جميع الفروض طبق القاعدة، إلا مع الدليل، كما في صلاة الظهر والعصر، لان العدول على خلاف الاصل، بعد تعنون الطبيعة بالعنوان الخاص. ومع فرض عدم تعنونها به، لا معنى للعدول، كما لا معنى للعدول من الركعة الثانية من النوافل إلى الاولى لو دخل بعنوان


1 - جامع المقاصد 2: 231، جواهر الكلام 9: 167.

[ 41 ]

الثانية، لان وصف الاولية إذا لم يكن شرطا، فوصف الثانوية ليس مضرا حتى يعدل منها إليها، فلا تغفل. ولذلك يتجه إلى الاعلام: أن تجويز العدول من القصر إلى التمام وبالعكس، مما لا معنى له، لانه يصح اعتباره فيما كان المعدول إليه والمعدول عنه، طبيعتين مختلفتين، ويكون بالعدول إحراز الجهة الفاقدة، أو التخلص من الجهة المضرة، كما في الظهرين والعشاءين. وأما لو كانت الطبيعتان متفقتين بحسب الطبع، مختلفتين بحسب العوارض الخارجية والوجود، فلا معنى للعدول موضوعا. ولو سلم لا وجه له حكما، إيجابا أو استحبابا. إبطال الوجه السابق أقول: هذه الشبهة غير واردة ثبوتا، ضرورة أن صلاة الركعتين موضوع الشك المبطل، وصلاة الاربع ركعات موضوع الدليلين، لا نها تبطل بالشك في الاوليين، ولا تبطل في الاخيرتين، فلا وجه للحاجة إلى القصد المذكور، لانه إما يشك فيما بيده في الاوليين، فهو مبطل. وإما يشك في الاخيرتين بحسب الواقع ونفس الامر، فهو غير مبطل، ولا ثمرة للقصد المذكور حتى يلزم اعتباره، لاشتراكهما في البطلان بالشك في أولييهما. ولو تجاوز للاتيان بالاخيرتين فشك، فهو يخص بحكم آخر فيهما. وتوهم اختصاص أدلة الشكوك بالصلاة الاربعة التي اتي بها بعنوان

[ 42 ]

الاربعة في غير مقامه. نعم، لو قلنا: بعدم حجية الظن في الثنائية، وحجيته في جميع الركعات الرباعية، كان لذلك القصد وجه، ويجب حينئذ، لاجل شمول أحد الدليلين له، فافهم وتدبر جدا. اللهم إلا أن يقال: اندفاع الشبهة ثبوتا، لا يستلزم رفعها إثباتا، ضرورة أن الفهم العرفي، لا يساعد التفكيك المذكور، بل العرف - بعد مراجعة الادلة - يجد أن الثنائية تبطل بالشك، دون الرباعية، وما يدل خارجا - من أن ذلك يورث البطلان إذا عرضه وطرأه بعد إكمال السجدتين - لا يوجب عدم اتصاف الطبيعة بتلك الجهة. وفيه ما لا يخفى. فإلى هنا تقرر: أن القصر والاتمام، ليسا من العناوين اللازمة في الطبيعة شرعا، كالظهرين والغداة وغيرها، ولا عقلا، كما قد يتفق ذلك فيما تعدد الواجب، كأن يكون أحدهما القضاء، والاخر الاداء، فإنه لابد عقلا من النية، حتى يسقط الامر، وهكذا يعتبر قصد التمييز فيما لو اشغلت ذمته بصلاة نفسه وصلاة الغير بالاجارة. وسيأتي توضيح هذه المسألة من ذي قبل، فلا يحتاج إليهما، لعدم تعلق الامر بهما، ولا تعلق الغرض. وبعبارة اخرى: هما كعنواني الوجوب والندب ليسا شرطا في المأمور به، ولا لازما لتمييز إحدى المأمور بهما عن الاخرى، لانه يحصل بالجهات الاخرى كما لا يخفى.

[ 43 ]

الاستدلال بلزوم تصور الصلاة على لزوم نية القصر والتمام وربما يشكل إلغاء العنوانين، لاجل الجهة الثالثة غير الجهتين السابقتين: وهي أن المعروف بينهم، لزوم تصور الصلاة ولو إجمالا (1)، وذلك يرجع إلى لزوم تصور الركعتين والركعات، لانها ليست إلا هي، وقولهم مع ذلك: بعدم اعتبار القصر والاتمام مناف له. وفيه: أن المقصود من اعتبار تصور الصلاة، ليس إلا ما مر منا في المقام الاول، وهو أن الصلاة ليست مطلق الحركة الخارجية، كالاكل والشرب، بل هي تنطبق عليها، وتكون بذاتها قاصرة من الانطباق على مطلق الحركة (2)، فعليه لابد من التوجه إلى الصلاة بعنوانها، ولا يعتبر أزيد من ذلك، لانها ليست الاجزاء على نعت التفصيل، بل هي عنوان ينحل إلى الاجزاء، على ما تقرر في محله (3). الاستدلال بتنويع صلاة القصر والتمام على وجوب نيتهما إن قلت: المشهور بينهم أن المسافر والحاضر نوعان، وصلاة القصر والتمام نوعت، والذي يظهر لي من الجواهر (4) - على ما ببالي - وبعض


1 - جامع المقاصد 2: 220، العروة الوثقى 1: 616، كتاب الصلاة، فصل في النية، المسألة 4. 2 - تقدم في الصفحة 9 - 10. 3 - تحريرات في الاصول 1: 245. 4 - جواهر الكلام 14: 205.

[ 44 ]

آخر (1)، هو أصالة التمام والتخصيص، وليست المسألة من قبيل التنويع. فعلى القول الاول، وأن الادلة تفيد أن المسافر يقصر، والحاضر يتم، فهما طبيعتان متنوعتان، كالظهرية والعصرية، فما هو المأمور به هو القصر والتمام، وهما عبارتان اخريان عن الركعتين والاربع ركعات في لحاظ الاجمال، ولابد على هذا من نيتهما، لانهما مأموران. وعلى القول الثاني - كما هو مختارنا في مباحث المسافر (2) - لا يلزم نيتهما زائدة على نية الظهرية والعصرية. قلت: لا يلتزم القائل بالتنويع بأحكامه، فإنه عليه يلزم عدم جواز الاتكاء على الصلاة التي بيده، إذا شك فيما نواه من القصر والتمام، كما في الظهر والعصر، وهكذا الفروع الكثيرة المذكورة سابقا (3)، المشهور فيها جواز العدول (4)، مع أن العدول على خلاف القاعدة. هذا، والمحتمل أن الامر ولو تعلق بعنوان القصر ولكنه ليس أمرا قصديا، بل هو أمر واقعي، وهو الاتيان بركعتين من أربع ركعات، وكأنه يجب التقصير - أي تقطيع الواجب المطول - بأن يقدم السلام المؤخر. فعنوان الظهر والعصر بعد اتساع وقتهما، وعدم لزوم إيقاع كل في


1 - مجمع الفائدة والبرهان 3: 367 و 368، الحدائق الناضرة 11: 308، مصباح الفقيه، الصلاة: 725 / السطر 7، مستمسك العروة الوثقى 8: 17، صلاة المسافر، ذيل المسألة 3. 2 - مباحث صلاة المسافر، للمؤلف (قدس سره) (مفقودة). 3 - تقدم في الصفحة 35 - 36 و 40. 4 - لاحظ جواهر الكلام 9: 195 وما بعدها، العروة الوثقى 1: 475 - 477.

[ 45 ]

وقت الظهر والعصر، لا يتمايزان إلا بالنية، ومقتضى الادلة والفهم العرفي وإرسال المسلم، اشتراط الطبيعة تنويعا بهما على ما مضى (1)، وأما عنوان القصر والاتمام من تبعات العمل الخارجي، ومن عوارض مقدار الصلاة، لا طبيعتها كما لا يخفى.


1 - تقدم في الصفحة 22.

[ 47 ]

المقام الرابع حول بيان نية الاداء والقضاء فالمعروف بينهم عدم اعتبارهما شرعا (1)، ولاجل ذلك لو تخيل بقاء الوقت فأتى أداء، ثم تبين خروجه، تصح صلاته، وهكذا في الفروع المشابهة، وذلك لان الادلة قاصرة عن إثبات الشرطية، وليس الاداء بعنوانه مورد الامر، والقضاء أمر ينتزع من وقوع الطبيعة خارج الوقت. نعم، لو اشتغلت ذمته بالادائية والقضائية، فالمشهور بينهم لزوم قصد الاداء والقضاء (2)، لعدم إمكان المأمور به إلا بالتمييز والقصد.


1 - هذا هو المعروف بين المتأخرين، لاحظ جواهر الكلام 9: 154 و 164، الصلاة، الشيخ الانصاري 1: 270، العروة الوثقى 1: 615، كتاب الصلاة، فصل في النية، المسألة 2، تحرير الوسيلة 1: 157، المسألة 6. 2 - الحدائق الناضرة 2: 183. جواهر الكلام 9: 156، الصلاة، الشيخ الانصاري 1: 270. العروة الوثقى 1: 615، كتاب الصلاة، فصل في النية، المسألة 2. تحرير الوسيلة 1: 157، المسألة 6.

[ 48 ]

والذي يتوجه إلى المسألة: هو أن الامر المتعلق بطبيعة مخصوصة، لا يدعو إلا إليها، ولو تعلق الامر ثانيا بها مع تلك الخصوصية، ليس إلا تأكيد الاول، ضرورة امتناع التأسيس مع وحدة المتعلق، على ما تقرر في الاصول (1)، فلو كان بعد الوقت أمر متعلق بالمغرب الادائي، وأمر متعلق بالمغرب القضائي، مع عدم ورود قيدي الاداء والقضاء في المتعلق، يلزم الامتناع المشار إليه. ولا يعقل دخالة العقل في متعلق الاوامر الشرعية، إلا بما يرجع إلى الامتثال وكيفيته، وأما لزوم الاتيان بها بعنوان كذا وكذا، فهو خارج عن حدود مدارك العقل والنظر، فما هو المأمور به إما معنون بعنوان الاداء فعليه نيته، وإلا فلا، وهكذا في جانب القضاء وسائر الامور الاخر. وأما اشتراط نية الاداء في هذه الصورة دون تلك - للحاجة إلى التمييز - فهو ممنوع، لانه لابد وأن تتميز المتعلقات بأنفسها، لا بتميز المكلف، ولو لم يكن تمييز بينها ثبوتا، فلا يتعدد الامر والمتعلق، بداهة امتناع تعلق الارادتين والحبين بطبيعة واحدة، على نعت الاستقلال والتأسيس، فلاينبغي الخلط والغفلة. اعتبار نية القضاء دون نية الاداء والذي هو التحقيق: هو أن الاداء والقضاء، من الانقسامات اللاحقة بالطبيعة في مقام التقسيم، واعتبار المقسم والاقسام، ولكن في مقام


1 - تحريرات في الاصول 2: 257.

[ 49 ]

الامتثال والامر، لا يعتبر بنية الاداء، وتجب نية القضاء، وذلك لان الاوامر في باب القضاء، تعلقت بعنوانه (1)، بخلافها في الاداء، وليس في الادلة ما يورث لزوم نية الاداء، وهذا هو المساعد مع القواعد والاعتبارات. وتوهم لزوم قصد الاداء فيما لو اشتغلت ذمته بالقضاء، في غير محله، لان الواجب في الوقت ليس إلا صلاة المغرب، ولو اشتهى أن يقضي ما فاته، فلابد من نية القضاء، لان المأمور به في القضاء ليس متعلق الامر الاول، بل المأمور به هو متعلق الامر الاخر، وهو الامر بالقضاء. وأمر القضاء ليس تعبديا، بل هو أمر بالموضوع التعبدي، على ما يأتي (2)، من أن الامر ليس - حتى في العبادات - تعبديا، ولا ينقسم الوجوب إلى التعبدي والتوصلي، خلافا لما يظهر من جماعة الاصوليين (3) إلا من شذ منهم (4). فعلى هذا، لو شك بعد الفراغ من صلاة المغرب في وقته، أنه قصد بها القضاء أو الاداء، فهي صلاة الاداء، لانه لا يشترط في المأمور به الفعلي إلا الاتيان بصلاة المغرب، ولا يشترط نية الاداء شرعا فيه، واحتمال قصد القضائية مدفوع بالاصل، ولا تجري القاعدة المصححة، لانها على التقديرين صحيحة.


1 - وسائل الشيعة 8: 253 و 268، كتاب الصلاة، أبواب قضاء الصلوات، الباب 1 و 6. 2 - يأتي في الصفحة 77 - 78. 3 - مطارح الانظار: 59 / السطر 18، كفاية الاصو ل: 94 - 95، فوائد الاصول 1: 137 - 138، ولاحظ أيضا تحريرات في الاصول 2: 110 - 114. 4 - مناهج الوصول 1: 258.

[ 50 ]

ولا يعارض الاصل المذكور باستصحاب عدم قصد الاداء، لعدم الاثر الشرعي لعنوان الاداء مع أن المفروض أنه يدري عدم قصد الاداء، ويشك في أنه قصد القضاء أم لا. وقد يشكل الاصل لاجل المثبتية، وحينئذ يلزم الاتيان بصلاة المغرب الاخرى مخيرا بين قصد المغرب، وبين قصد ما في ذمته من القضائي والادائي، فإنه على الاول لا يسقط صلاته القضائية، دون الثاني كما لا يخفى. وهكذا في الفرع السابق، فإنه لو تذكر - بعد الوقت - أنه صلى خارج الوقت، فإنه يجب قضاء ما فاته في الوقت، لاشتراط قصد القضاء، وليس القضاء من قبيل العناوين غير اللازمة كما عرفت، ولا من قبيل العناوين القهرية الوجود، بل هو من المعاني القصدية، ويعرض الطبيعة مع وجود الامر التأسيسي الاخر، بنحو مر منا في بعض رسائلنا (1)، وتقرر في كتاب القضاء (2). الاستدلال على عدم وجوب عنوان القضاء إن قلت: مقتضى الشبهة السابقة، اعتبار القضاء بعنوانه، ولزوم نيته فيما لو اشتغلت الذمة بالاداء والقضاء، ولا مقتضي لاعتباره على الاطلاق، حتى يلزم وجوب الاعادة في الفرع المشار إليه، لان الجمع


1 - الصوم، للمؤلف (قدس سره)، الفصل الثامن. 2 - مباحث القضاء من كتاب الصلاة، للمؤلف (قدس سره) (مفقودة).

[ 51 ]

بين الادلة - صدرا وذيلا - يورث خلافه، ضرورة أن الواجب هو صلاة المغرب، وهو المطلوب الاعلى، ثم المطلوب الثاني إتيانه في الوقت، فهو إما يقع فيه، أو يقع خارجه، فإن وقع فيه فقد أتى بالمطلوب بتمامه، وإلا فهو قد أتى بالمطلوب الاعلى، وأدلة القضاء ليست إلا لافادة بقاء الامر الاول بالطبيعة خارج الوقت، وليست مولوية تأسيسية، ذات عقوبة ومثوبة مستقلة. وما ورد في الاخبار من الامر بالقضاء (1)، لو كان دليلا على وجوب القضاء، لكان لما ذكر وجه، وأما هو فلا يورث إلا لزوم الاتحاد في الكيفية والكمية بين المأتي به والمقضي، وليس ناظرا إلى إيجاب القضاء، كقوله تعالى: (أقم الصلاة لدلوك الشمس) (2). فإنه ربما لا يكون في مقام إيجاب الصلاة، بل هو في مقام بيان وقت الصلاة، وأنها عند الاتيان بها لابد من كونها في هذا الوقت، وليس المأمور به فيهما القضاء والصلاة مع القيدين، لانه خلاف الظاهر منهما، ولاسيما من أدلة القضاء.


1 - وسائل الشيعة 8: 268، كتاب الصلاة، أبواب قضاء الصلوات، الباب 6. 2 - الاسراء (17): 78.

[ 52 ]

الجواب عن الاستدلال السابق قلت: لو لم يكن القضاء واجبا، يلزم قصد اليوم الذي فات فيه الادائية شرعا، ضرورة أنه لو تعددت الفوائت المتحدة في الكيفية والكمية، يلزم تعدد الامر المولوي التأسيسي مع وحدة المتعلق، وحيث لا يعقل أن يتصرف العقل، بل ولا يكفي، فيكشف وجود القيد في المتعلق، اللازم اعتباره ولحاظه حال العمل، لانه من القيود القصدية، لان التكثر لا يحصل إلا به، وهذا بديهي البطلان. ويعلم من ذلك: أن الواجب هو عنوان القضاء والشبهة المذكورة في تلك الادلة وإن لم تكن بعيدة بدوا، إلا أن فهم المشهور حجة أقوى، فإنهم من تلك الادلة فهموا ذلك، ولا شبهة في وجوب القضاء بعنوانه عند الطائفة (1)، بل سائر الفرق الاسلامية (2)، وتوهم أنه لا ظهور لها في وجوبها بعنوانه (3)، في غير مقامه بعد ملاحظة أطراف المسألة، فلا تخلط. الاستدلال بكثرة الفوائت بعد قلتها على عدم وجوب عنوان القضاء وتوهم: أن القضاء قد يكون قليلا، ثم يصير كثيرا، فلو كان الامر القضائي واحدا متعلقا بعنوان القضاء يلزم الامتناع، لانه قد تنجز،


1 - الخلاف 1: 309، المسألة 57، تذكرة الفقهاء 3: 101 - 102، جواهر الكلام 9: 164. 2 - المجموع 3: 279. 3 - لاحظ مهذب الاحكام 6: 123.

[ 53 ]

ولا يعقل تنجيز القضاء الاخر بالامر الاخر، فيكون الاوامر متعددة، وتلزم الشبهة السابقة، لا يرجع إلى محصل، وذلك لان حديث القضاء والدين واحد، فكما أن الاستقراضات المتعددة، لا تستلزم الديون المتعددة، بل يكون الكل دينا واحدا، والامر بأداء الدين لا يتعدد حسب تكثر الاقتراضات. مثلا: لو اقترض زيد من عمرو دينارا، فإنه يجب عليه بعد القرار أداء دينه وهو الدينار الواحد، ثم لو اقترض ثانيا يزداد دينه، ولا يتعلق به الامر الاخر، وإلا يلزم عدم تداخل المسبب مع وحدته، وهو ممتنع، للزوم الامرين المستقلين بالمعنى الواحد وهو أداء الدينار، ولا لون لاحدهما، ولذلك لا يجب تعيين أحدهما حين أداء الدينار الواحد. ولو كان الدين متعددا حسب ذلك، تلزم شبهة اخرى: وهي انحلال الوجوب إلى الكثير، بل وغير المتناهي، ضرورة أن الدينار الواحد ينقسم إلى غير متناه، فلو أدى نصف دينار، فقد سقط من الامر شئ، وهو غير معقول، لبساطة الامر. أو لا، فلم يسقط شئ، وهو ممتنع، لاقتضاء سقوط الدين سقوط الامر. فلابد من الامر المستقل الساقط بأداء نصف الدينار، وهو أيضا ممتنع، للزوم العقابات غير المتناهية للاوامر الانحلالية. مع أن الثواب والعقاب من تبعات الاوامر الاستقلالية، كما لا يخفى. إذا علمت ذلك كله، فالحل يسهل عليك بأن يراعى جانب العرف في القضايا الاعتبارية والامور العقلائية، فإن الاقتراضات الكثيرة لا تورث الديون المتعددة، بل توجب الدين الواحد، ويزداد ذلك الدين بالاسباب المتأخرة، إلا إذا كانت لها الالوان الخاصة والخصوصيات المشروطة

[ 54 ]

حال عقد القرض، أو غير ذلك. فلو اقترض دينارا، فلا يجب عليه إلا أداء الدين، ولو اقترض ثانيا يزداد دينه، لان نحو وجود الدين يكون كذلك، ولو أدى جميع دينه إلا دينارا يعاقب، ولو أدى تمامه يثاب، على القول بالثواب في هذه المواقف، فعنوان الدين عنوان واحد، ينقبض وينبسط. وإن شئت قلت: هو عنوان مقابل العدم، فكلما كثر فلا يزداد على تلك المقابلة، وكلما نقص لا ينقص مطلقا من أمره، ما دام لم ينعدم كلا. ومن هذا القبيل عنوان القضاء فإنه لو اشتغلت ذمته بخروج الوقت، يجب عليه قضاء الفائت، وهذا العنوان يصدق على الواحد والكثير، فلو ورد الامر بقضاء الفائت، فلا ينحل حسب الكثرة الخارجية كما في الامر لمجموع العلماء، فلو اشتغلت بعد ذلك ذمته لا يتعدد الامر، ولا تتعدد العقوبة والمثوبة. نعم، إذا أدرك الفائتة بعد الوقت، فقد خفت عقوبته، لاتيانه بالمطلوب الاصلي، وإن يعاقب على ترك مصلحة الوقت، كما يعاقب على ترك مصلحة الطهارة المائية، لو صلى بالترابية بعد إراقة الماء. وأما أمر القضاء، فهو أمر واحد، باق بحاله إلى أن يأتي بجميع الفوائت، ولا يسقط منه شئ، لانه متعلق بعنوان هو نحو وجوده يكون على النعت المذكور. ولعمري، إنه بعد التدبر في أطراف المسألة، والجهات والشبهات

[ 55 ]

المشار إليها، والتي ذكرناها في كتاب القضاء (1)، يظهر أن قصد الاداء ليس لازما، ولا شرطا، فلو صلى في الوقت غافلا عن شرطية الوقت، أو جاهلا بها، فقد تمت صلاته، بخلاف القضاء فإنه من العناوين القصدية اللازم اعتباره مع تعلق الامر به. وقد كنا في سالف الزمن نؤيد عدم اعتباره أيضا، إلا أن الذي يظهر لي هنا خلافه، والتفصيل حول بعض الشبهات المذكورة يطلب من مواضعها (2)، فلاحظ وتدبر جيدا. الاستدلال على وجوب قصد الاداء وجوابه وقد يتوهم لزوم قصد الاداء والقضاء (3)، لانه يجب قصد المأمور به بجميع أجزائه وشرائطه ولو إجمالا، والاداء منتزع من إتيان الفعل في الوقت، ولو كان الوقت من القيود فيجب إدخاله في القصد. وفيه: أنه كبرى وصغرى ممنوع: أما أولا: فلما عرفت من أن من صلى في الوقت بجميع شرائطها وأجزائها، غافلا عن شرطية الوقت، صحت صلاته، وذلك لان الشرائط والاجزاء، لا يعتبر لحاظها في القصد ولو إجمالا، بل هي معتبرة بوجودها الواقعي، فمن يصلي مدة العمر مع الستر، معتقدا عدم اشتراط الستر في


1 - مباحث القضاء من كتاب الصلاة، للمؤلف (قدس سره) (مفقودة). 2 - لاحظ تحريرات في الاصول 2: 110 - 114. 3 - مصباح الفقيه، الصلاة: 234 / السطر 10، مستمسك العروة الوثقى 8: 205.

[ 56 ]

الصلاة، تصح صلاته حسب القواعد الاولية، ولا يتخيل توهم اعتبار قصد تلك الامور في حصول الامتثال والمأمور به. وأما ثانيا: فالاداء غير الاتيان في الوقت، ولو كان شرطا فهو لا يكفي للزوم اعتباره فيها، بل حينئذ يحتاج إلى الامر الاخر، وذلك مثل صلاة الظهر، فإنها إتيان الصلاة في الظهر، إلا أن لزوم ذلك فرضا، لا يستلزم لزوم قصد الظهرية. فتحصل: أن الادلة خالية عن اعتبار قصد الاداء، بخلاف قصد القضاء، مع احتياج المكلف إلى اعتباره عقلا. إيجاب قصد الاداء عند اشتغال الذمة بالقضاء وبيان فساده وتوهم احتياجه إلى قصد الادائية، في صورة اشتغال ذمته بالقضاء (1) فاسد، لانه - مضافا إلى لزوم اعتباره مطلقا، لعدم الدليل على التفكيك، اللهم إلا أن يقال: باكتشاف العقل قيدا في المأمور به عند اشتراك الذمة - لا يلزم القصد، فلو صلى مع اعتقاد عدم وجوب القضاء، تصح صلاته إذا كانت جامعة الشرائط، بخلافه في العكس. بل ومع التوجه تصح صلاته، لانه إذا نوى المغرب فهو الادائي، لان المغرب القضائي ليس واجبا بعنوانه، بل الواجب قضاء الفائت، فلو اشتغل في وقت المغرب بصلاة، فإن كانت نيته صلاة المغرب فهي صحيحة، مسقطة لامره الادائي، من غير الحاجة إلى القصد الاخر.


1 - تقدم في الصفحة 47.

[ 57 ]

وتوهم: أنه ربما كان مشغولا بالمغرب القضائي، غير تمام، لان الاتي بها لا يقصد إلا قضاء الفائت، وبعد ذلك يشتغل بصلاة المغرب، ولا يجيب إذا سأله سائل: ما تفعل؟ إلا بأنه: يقضي الفائت بخلافه في الاول، فإنه يجيبه: ب‍ صلاة المغرب. فهنا أمران: أحدهما: متعلق بعنوان صلاة المغرب الحادثة في وقته. وثانيهما: متعلق بعنوان قضاء الفائت. وحينما اشتغل بالمغرب، فإن كان من قصده الاتيان بالمغرب، فهي صلاة أدائية، وإن كان من قصده قضاء الفائت فاشتغل بالمغرب، فهي صلاة قضائية واستدراك للفائتة. وقد مر ما يتعلق بصورة الشك في النية بعد الفراغ (1). بيان المسامحة في التقسيم إلى الادائية والقضائية وبناء على هذا يظهر: أن تقسيم الصلوات إلى الادائية والقضائية، لا يخلو من المسامحة، ضرورة أن واقع الامر ليس كذلك، بل صلاة المغرب مثلا، إما تجب شرعا فهي الادائية، أو تجب عقلا فهي تدارك الفائتة، وليست تلك الصلاة في الصورة الثانية من الواجبات الشرعية، بل الواجب هو قضاء الفائت، ومقتضى وجوبه لزوم الاتيان بصلاة المغرب. ولو كانت الادائية من القيود المعتبرة في الطبيعة، يلزم - بمقتضى لزوم الاتحاد بين القضاء والاداء - الاتيان بها بعنوان الاداء فيعلم من ذلك


1 - تقدم في الصفحة 49 - 50.

[ 58 ]

أن العنوان المذكور ليس إلا أمرا انتزاعيا، وغير دخيل في حدود المأمور به شرعا، وخطابا، وملاكا. تذنيب: في نية صلاة الولي والاجير مما ذكرناه ظهر حال قصد النفسية والغيرية، كما في صلاة الولي والاجير، فإنه بدون النية لا يتمكن من إتيان المأمور به، ولا من إسقاط أمر الاجارة. ولكن الذي يجب، هو قصد القضاء على الولي، وقصد الوفاء بعقد الاجارة على الاجير. وانقسام الواجب إلى الواجب المباشري، والواجب غير المباشري - على ما تحرر منا في أقسام الواجبات، وأنه غير التقاسيم المعروفة (1) - لا يستلزم تقييد المأمور به بالنية في الاقسام، على ما عرفت سابقا (2)، ويأتيك تفصيله في مبحث الواجبات العبادية (3)، فلا يجب عليهما قصد صلاة نفسه قبال صلاة الغير، بل الواجب عليه قصد صلاة المغرب تارة، وقصد القضاء عن الولي اخرى، أو الوفاء بالاجارة. وتوهم اكتشاف العقل قيدا في المأمور به في تلك الصورة، أو اقتضاء الامر الاجاري قيدا في متعلق الاجارة والصلوات، في غير مقامه، لان الثاني ممتنع، لعدم الارتباط بين المسألتين، كما هو المحرر.


1 - تحريرات في الاصول 4: 50 - 52. 2 - تقدم في الصفحة 21 - 22. 3 - يأتي في الصفحة 77 - 78.

[ 59 ]

والاول وإن أمكن، إلا أنه لا حاجة إليه، ضرورة أن الواجب عليه، ليس صلاة المغرب مرة عن نفسه، ومرة عن أبيه، حتى يقال: بلزوم تلك النية لامتناع تعلق الامرين التأسيسيين بالمعنى الواحد، وحيث يكون هناك أمران، فلابد من كشف القيد في المتعلق، وإلا يلزم التداخل وسقوط الامرين بصلاة المغرب مرة، بناء على إمكان الجعلين تأسيسا. بل الواجب عليه صلاة المغرب شرعا، والقضاء عن المولى عليه شرعا. والاتيان بصلاة المغرب حينئذ يكون بحكم العقل، لانه بدونه لا يسقط الامر المذكور، فلو كان مشغولا بصلاة المغرب، فهي صلاته، وإن كان مشغولا بالقضاء أو العمل بالوفاء بالعقد، فهي صلاة الغير. ولو شك فيما بيده، أنها الواجب الشرعي أو العقلي، فإن قلنا: بكفاية استصحاب عدم نية القضاء عن الغير مثلا، فهي صلاة نفسه، لانه لا يجب عليه إلا صلاة المغرب، وإلا فعليه الاتيان بالمغرب الاخرى بقصد ما في الذمة، المردد بين الامر العبادي والامر التوصلي. ولقد تحرر منا في كتاب قضاء الولي ما ينفعك هنا، فراجع (1). فرع: في كفاية القصد الاجمالي يكفي القصد الاجمالي، وذلك لان الامور القصدية تحصل به، والمدار على تعين الطبيعة بتلك الصورة المخصوصة والعنوان المحصل لها، ولا دليل على لزوم التفصيل أو ممنوعية الاجمال، بل


1 - مباحث القضاء من كتاب الصلاة، للمؤلف (قدس سره) (مفقودة).

[ 60 ]

ارتكازية صورة العمل والاغتراس المغفول عنه حين العمل، مما يحصل به الغرض. ومن النية والقصد الاجمالي، العناوين المشيرة بها إلى المأمور به عند الجهل، وإن كان قادرا على التعيين أو الاحتياط. وتوهم: أنه غير كاف، لان العنوان المقوم - كالظهرية والعصرية والقضائية وأمثالها - لا يحصل بتلك النية المجملة، ضرورة أن بقوله حين العمل: إني قاصد ما هو المأمور به الفعلي لا يحصل عنوان الظهرية الذي من الامور القصدية المتقومة بالقصد والنية، فلابد إما من تحصيلها تفصيلا، أو إجمالا بوجودها في خزانة نفسه ومحفظته (1). ممنوع، لانه ليس معنى العنوان المشير، إلا أنه يقصد على الترديد عنوان المأمور به. ولزوم الجزم في حصول ذلك غير تمام، فمن يقصد ما في ذمته، لا يريد به إلا أنه إن كان في ذمته الظهر، فهو ظهر، وإلا فهو عصر. وجه بناء المتأخرين على كفاية النية الاجمالية فبالجملة: لا يعتبر الجزم في النية، ولا التفصيل، فضلا عن التقول، وما اشتهر من اعتبار الجزم (2)، غير مقبول لدى المتأخرين (3).


1 - انظر جامع المقاصد 3: 218 - 219. 2 - الكافي، أبو الصلاح الحلبي: 150، المبسوط 1: 24، ذكرى الشيعة: 98 / السطر 35. 3 - مصباح الفقيه، الطهارة: 103 - 104، العروة الوثقى 1: 98، كتاب الطهارة، فصل إذا صلى في النجس، المسألة 7، الصلاة (تقريرات المحقق النائيني) الاملي 2: 35 - 36، نهاية الاصول: 430 - 431، تهذيب الاصول 2: 317 و 413.

[ 61 ]

والسر كله: أن المقصود يحصل بلا جزم، ولا دليل على العنوان المذكور، فمن صلى، ثم شك في أنه كان ظهرا أو عصرا، فعليه الاربع الاخر، ويأتي بها بقصد ما في ذمته، إن لم يكن في ذمته شئ آخر، وهو كاف حينئذ، لا نها إما ظهر أو عصر، بناء على عدم اعتبار الترتيب في هذه الصورة. ومما يدل على ذلك، المآثير الامرة بإتيان الاربع ركعات، فيما إذا علم بترك إحدى الصلوات اليومية (1)، فإنه لو كان يكفي نفس الاربع ركعات، فيلزم سقوط أمره بإتيان الاربع القضائي. مع أنه قد عرفت: أن تشريع مثل ذلك ممتنع (2)، فيما لو كان الواجب عليه الاربع الاخر، لان المباينة بين المسألتين، شرط في حصول الارادتين التأسيسيتين، فيعلم منه أن القصد الترديدي والاجما لي، كاف في حصول المعنى المقصود والعنوان المحصل والمقوم، فلاحظ وتدبر جيدا. هذا كله حال المسألة على المعروف بين المتأخرين. الارجح وجوب العلم بالمأمور به لا الجزم والذي يخطر بالبال: هو أن المأمور به، مركب من الامر الخارجي والصورة العينية، والامر الذهني والمعنى القلبي. مثلا: صلاة الغداة عبارة عن الحركات الخارجية المعنونة بعنوان


1 - وسائل الشيعة 8: 275، كتاب الصلاة، أبواب قضاء الصلوات، الباب 11. 2 - تقدم في الصفحة 52.

[ 62 ]

الغداة وإن لم تكن في الغداة، كما يأتي بها في الليل قضاء، وهذا الجزء الثاني، لا يكون من الامور الواقعية القابلة للاشارة إليها، وما هو مورد الامر ليس إلا عنوان الغداة وأما اللازم فهو الغداة بالحمل الشائع، وهو ليس إلا في النفس والقلب. والذي تقرر في مقامه: أن الامور الوجودية، لا تحصل إلا بالمبادئ المخصوصة بها الحاصلة منها، وهي معلولتها، وتلك علتها (1)، وعندئذ هل يعقل حصول عنوان الغداة مع القصد الاجمالي بالمعنى الثاني دون الاول؟! ولعمري، إنه غير معقول، ضرورة أن القصد الاجمالي - بمعنى عدم حضور العنوان تفصيلا، وعدم خطوره بالبال حين الشروع - مما يكفي لحصول الجزء القلبي بالضرورة، بخلاف الترديد والجهل، فإنه ليس من الحقائق والمعاني القابلة لاستناد الموجود إليه، ولا شبهة في لزوم وجود العنوان، الذي هو أمر ذهني، وجزء مقوم للطبيعة المأمور بها. فإذا كان ذلك لازما ولو بوجود ما في خزانة الخيال، فهو يحتاج في تحققه إلى العلم بالواقعة، بمعنى أن المكلف إذا علم بأن المطلوب هو صلاة الغداة، يتمكن من تحصيل العنوان وإيجاده في النفس حين العمل، وإذا كان جاهلا لا يقدر على تحصيل المطلوب بكلا جزءيه. وقصد الامر الفعلي والمطلوب الذي ليس مشروعا إلا في هذا الوقت، أو هذا الوقت ظرف وجوده، أو وجوبه، يكفي لو كان للجزء


1 - انظر شرح المنظومة (قسم الحكمة): 132.

[ 63 ]

المذكور واقعية يشار إليها بتلك العناوين، وما يشار إليها هو الذي يطلبه المولى، وهو ليس إلا صلاة الغداة، إلا أن عنوان الغداة لا يوجد بذلك، مع لزوم وجوده بالضرورة. فعلى هذا تحصل: أن الجزم بالنية في مواقف يحصل المأمور به مع الترديد، ليس شرطا عقليا، وفي غيرها يلزم، للزوم الاخلال بالامر الواجب المعتبر في الطبيعة، كما عرفت. ولا يخفى: أن القائلين باعتبار الجزم، كما يقولون به في هذه المواقف (1)، يقولون به فيما لو كان الامر غير معلوم، وأنه إذا تمكن من العلم بالامر يجب ذلك (2). وهذا غير تمام، لانه مع احتمال الامر، يتمكن من قصد الظهرية والعصرية كما لا يخفى، فلا تخلط. وما اورد: من أنه لا يتمكن من الامتثال مع الاحتمال، عند القدرة على العلم التفصيلي بالمأمور به (3)، مندفع في محله (4). فالاحتياط بتكرار العمل غير ممنوع، لانه يقصد وجه العمل.


1 - تقدم في الصفحة 60، الهامش 2. 2 - انظر فرائد الاصول 2: 519. 3 - فوائد الاصول 3: 72. 4 - تحريرات في الاصول 6: 195 وما بعدها و 8: 204 وما بعدها.

[ 64 ]

منافاة القصد الترديدي لقصد المأمور به بعنوانه ولكن القصد الترديدي في المسألة السابقة، لا يجامع اعتبار العنوان الذي لا يعقل تحققه إلا بالعلم بالمأمور به، فلو شك بعدما صلى أنها الظهر أو العصر، يتعين عليه الاتيان بأربع بعنوان الظهر والاتيان بأربع اخر بعنوان العصر وما مر منا في المقام السابق، من كفاية النية المرددة (1)، غير تمام. إن قلت: تلك ا لمآثير تشهد على الكفاية، وإلا يلزم الامتناع العقلي، على ما ذكر مرارا (2). قلت: لا دلالة لها على أن الجهة المأمور بها، تحصل بالقصد المردد بين الصلوات الثلاث: الظهرين والعشاء، لانه مسألة عقلية لا تثبت بالرواية، وغاية ما يدل عليه أخبار تلك المسألة، أن الاربع ركعات تكفي، وحيث يلزم الامتناع العقلي في بعض الصورتين، قصد الامر الفعلي على وجه لا ينطبق إلا عليه. وهذا هو القيد المعتبر في الطبيعة شرعا باستكشاف العقل، ولا خصوصية لذلك القيد، بل الذي يكشف به ما يخرج المسألة من الشبهة السابقة، فإن شئت أخذت قصد الامر المنجز، أو الذي لايشرع إلا في هذا الوقت، أو غير ذلك، مما يتميز الطبيعة عن الطبيعة الاخرى،


1 - تقدم في الصفحة 61. 2 - تقدم في الصفحة 48 و 52 و 59 و 61.

[ 65 ]

اللازم منه إمكان تعلق الامرين المولويين بهما. كلام الفقيه اليزدي وما يرد عليه ومما أسسناه يظهر النظر فيما قاله الفقيه اليزدي في العروة: يجب تعيين العمل إذا كان ما عليه فعلا متعددا، ولكن يكفي التعيين الاجمالي، كأن ينوي ما وجب عليه أولا من الصلاتين مثلا، أو ينوي ما اشتغلت ذمته به أولا، أو ثانيا، ولا يجب مع الاتحاد (1) انتهى. فإن في كلامه مواضع نظر، ضرورة أن التعيين لا يعقل إلا إذا كان المتعلق مهملا، وقد مضى أنه لابد من تعين المتعلق ثبوتا حتى يتعدد الامر (2)، ولا يكفي التعين الاجمالي لسقوط الامر المتعلق بالعمل المتوجه بعنوان الظهرية والعصرية ولا يكفي ماقاله، لان الصلاتين لو كانتا من قبيل الظهرين، تجبان معا، ويجب مع الاتحاد في مثل صلاة المغرب، وأمثالها من المعنونات الشرعية. نعم، لو اتحدت لا يكشف العقل شيئا في سائر المواضع التي أسمعناكها، والله العالم. فرع آخر: حول الشك في الركعات في أماكن التخيير يجوز قصد القصر والتمام، ولايجوز ذلك بعنوان الوجوب والندب،


1 - العروة الوثقى 1: 614، كتاب الصلاة، فصل في النية، المسألة 1. 2 - تقدم تخريجه في الصفحة 64، الهامش 2.

[ 66 ]

فلو نوى القصر في أماكن التخيير، ثم بعد إكمال السجدتين شك في الركعات، فهل تبطل صلاته، لانه من الشك في الثنائية؟ أو تصح، ويتخير بين الاستئناف، والعمل بوظيفة الشاك، لانه مقتضى الادلة، بعد عدم الدليل على وجوب حفظ العمل عن الفساد ولزوم تصحيحه؟ أو يجب عليه الاتمام، لقاعدة الشك وإطلاقها، وأن نية القصر لا تورث عدم شمولها لمثل الفرض، ولان الفقيه يحتال، ولا يعيد صلاته (1). ويحتمل التفصيل في المسألة، بين ما لو شك في الفرض المذكور بعد إكمال السجدتين، وبين مالو غفل وتجاوز عن الركوع الثالث، وشك بين الثلاث والاربع، بعدما توجه إلى أنه نوى القصر، وغفل عن التسليم بعد التشهد الاول، فيكون بالخيار في الاول، والاتمام في الثاني. وجوه واحتمالات، بل وأقوال (2). اختيار وجوب الاتمام والذي تقتضيه الصناعة - على ما عرفت منا (3) أن نية القصر


1 - نص الخبر هكذا: ما أعاد الصلاة فقيه قط، يحتال لها ويدبرها حتى لا يعيدها. تهذيب الاحكام 2: 351 / 1455، وسائل الشيعة 8: 247، كتاب الصلاة، أبواب الخلل في الصلاة، الباب 29، الحديث 1. 2 - جامع المقاصد 2: 510، مفتاح الكرامة 2: 494 و 3: 335، جواهر الكلام 12: 308 الخلل في الصلاة، الشيخ الانصاري، الرسالة الاولى: 216، المسألة 16، مصباح الفقيه، الصلاة: 555 / السطر 11، الصلاة، الحائري: 379. 3 - تقدم في الصفحة 35 - 36.

[ 67 ]

والتمام ليست مورثة لشئ، ولا موجبة لاختلاف الحكم في موقف، وعليه فإن قلنا: بحرمة إبطال العمل في مثل تلك الصورة، يتعين العمل بأخبار الشكوك (1)، إلا أن حرمة الابطال لا إطلاق لدليلها (2). أو قلنا: بوجوب الاتمام عند إمكان التصحيح حسب القواعد الموضوعة لتصحيح الصلوات، وقوله (عليه السلام): الفقيه يحتال، ولا يعيد الصلاة. وهذا غير بعيد. والتدبر فيما اشير إليه، يشرف على الاطمئنان بأن الشرع يشرع القواعد لاتمام العمل صحيحا، فعندئذ يتعين ذلك. وقد يشكل: بأن التصحيح غير ممكن، لان قوله (عليه السلام): الفقيه يحتال ليس من القواعد الشرعية، بل هو بعث الفقيه إلى تفتيش حال القواعد الصحيحة، والتفحص عن موضوعها في المسألة، حتى لا يعيد، وأدلة الشكوك لا تشمل المسألة، لانها مخصوصة بالرباعية، وهي لا تحقق إلا بالقصد، لان الشك إن كان بعد الدخول في الثالثة، فيكون ما بيده رباعية، وأما بعد السجدة الثانية من الركعة الثانية، فليس هو رباعية، حتى يمكن العمل بتلك الوظيفة المقررة. اللهم إلا أن يقال: بأن عموم قوله (عليه السلام): ابن على الاكثر متى شككت (3) يقتضي لزوم البناء، لان الخارج منه ليس إلا الغداة والمغرب


1 - وسائل الشيعة 8: 212، كتاب الصلاة، أبواب الخلل في الصلاة، الباب 8. 2 - وهو الاجماع، لاحظ جواهر الكلام 11: 123 - 129، مستمسك العروة الوثقى 6: 609 - 611. 3 - نص الخبر هكذا: متى ما شككت فخذ بالاكثر. الفقيه 1: 225 / 992، وسائل الشيعة 8: 212، كتاب الصلاة، أبواب الخلل في الصلاة، الباب 8، الحديث 1.

[ 68 ]

والاوليين، وأما لو شك بين الثلاث والاربع، يتعين عليه البناء، وهكذا لو شك بين الاثنتين والثلاث، فيلزم البناء حينئذ على الاكثر. وبعبارة اخرى: التخيير في الاماكن استمراري إلى هذه الحالة، فإنه عندئذ مشمول دليل البناء على الاكثر، فيكون أمر التخيير منقطعا. الخدشة في التمسك بأخبار الشكوك لاثبات الاتمام وربما يحتمل اختصاص قوله (عليه السلام): إذا شككت فابن على الاكثر بالصلاة التي تكون الوظيفة فيها معلومة (1)، بأن تكون رباعية، وليس مفاده تبيين الوظيفة. وبعبارة اخرى: لا يعقل أن يكون الدليل متكفلا لوجود موضوعه وإيجاده، والبناء على الاكثر من الاحكام المترتبة على الموضوع، فلابد وأن يثبت موضوعه من قبل شموله ولو قبليته بالرتبة، وفيما نحن فيه يتعين الثلاث بالعمل به، وهو مستحيل قطعا. وبعبارة ثالثة: تجري قاعدة الشك في مورد كانت الوظيفة رباعية، ولا معنى لتعيينها الوظيفة رباعية، حتى تجري فيها. هذا مع أن عموم تلك الرواية، يشكل العمل به، لخروج قاطبة الصلوات عنه، واختصاصها بالركعتين الاخيرتين من الرباعية. وجواز البناء على الاكثر في النافلة أحيانا، لا يكفي لرفع الشبهة، كما لا يخفى. والذي يسهل الخطب: أن المختار في المسألة تعين القصر، وأن


1 - الصلاة، الحائري: 380، مهذب الاحكام 8: 288.

[ 69 ]

أماكن التخيير كغيرها، والتفصيل يطلب من كتاب صلاة المسافر (1). ومما يشهد على أن شمول تلك الادلة، ينحصر بما إذا كانت الوظيفة رباعية، أن الركعتين الاخيرتين موضوعهما وهما، من الاضافات التي لا تحصل إلا بالقصد، وإلا فالاخيرتان بعد وقوعهما لا تكونان قابلتين للموضوعية. وتوهم: أن هذا دليل على اعتبار قصد القصر والتمام فاسد، بل الادلة المتكفلة لوظيفة الشاك، لا تجري إلا في صورة تعين الوظيفة بالتمام، سواء كان قصد الاربع حين الشروع، أو قصد القصر، ثم تذكر أن وظيفته التمام، أو تخيل أن التمام خمس ركعات، فشك بين الثلاث والاربع، وأتم على الاربع الواقعية، ثم تبين أنه صلى أربع ركعات، وغير ذلك من الفروع. جواز الاكتفاء بالقصر عند الشك بين الاثنتين والثلاث وربما يمكن دعوى: أن مع الشك بين الاثنتين والثلاث وأمثاله، يجوز له القصر والاكتفاء به، وذلك لان الدليل الموجب لبطلان الثنائية بالشك، ربما كان منصرفا عن مثل هذه الثنائية، أو كان لاجل أن الاستصحاب، يكفي لاحراز الركعتين الموصوفتين بالوصف العدمي، وفيما نحن فيه لا تجب الثنائية بتلك الصفة، لانه لو اتفق له الاتمام تصح صلاته، فلو كان التخيير بدويا كان لذلك وجه، وحيث هو استمراري، فلا يعقل أن يكون الواجب بشرط لا، ومع ذلك لو اتفق الازدياد عليهما


1 - مباحث صلاة المسافر، للمؤلف (قدس سره) (مفقودة).

[ 70 ]

كان صحيحا. فعليه يعلم: أن استصحاب عدم الزيادة في أماكن التخيير - لو شك بين الاثنتين والاربع وغيره - قابل لان يعتمد عليه. نعم، ربما يشكل ذلك على الاطلاق، فإنه ليس القصر لا بشرط بالنسبة إلى الركعة، بل هو لا بشرط بالنسبة إلى الركعتين، فلو شك بين الاثنتين والاربع، يصح رفع الزيادة المحتملة بالاصل، لعدم الحاجة إلى أزيد من التعبد بعدم الزيادة، بخلاف ما لو احتمل زيادة الركعة الواحدة، فإن الاصل غير كاف، ولا يحرز به الوصف اللازم. التحقيق في المقام والذي هو التحقيق: أن القصر والاتمام، والثنائية والثلاثية، ليسا من العناوين اللازمة في حصول الامتثال، ولكنهما ربما يلزمان، لشمول الدليل المتكفل لحكم خاص. وتوهم: أنه إما يكونان متعلق الامر، أو لا: فعلى الاول: يجب لحاظهما حال النية، كسائر العناوين المتعلقة للامر. وعلى الثاني: لا يلزم مطلقا، ولا يجب عقلا ذلك، بمعنى اكتشاف القيد الشرعي بحكم العقل، ضرورة أن أدلة الشكوك لا تختص بتلك المسألة، حتى تلزم اللغوية، فيحكم العقل بذلك فرارا منها، فلو وقع في مثل هذه الغائلة، يستأنف الصلاة.

[ 71 ]

في غير محله، بداهة أن العناوين المتعلقة للامر تارة: تكون واجبة كالظهرية والعصرية واخرى: تكون لاجل تمييز المتعلق عن المتعلق الاخر، ليتمكن من الامرين المولويين، ولا تكون قابلة للتداخل بحسب الامتثال، كعنواني الثنائية والرباعية فإنهما لو تعلق بهما الامر، لا يلزم نيتهما حين العمل بالضرورة، وإلا يلزم ما لا يمكن الالتزام به. نعم، لو كان حكم للرباعية، فلا منع من جواز قصده حتى يثبت ذلك الحكم، وإن جاز له مع القصد التخلف عنها. والسر كل السر: هو أن الذي وجب بالدليل، هو صلاة الظهر مثلا ليس إلا، والذي ثبت بالدليل الاخر، هو أنه إن شاء قصره - أي يسلم على ركعتين - وإن شاء أتمه، أي يسلم على أربع ركعات، وهذا الدليل لا يرجع إلى بيان المراد من الاول، لان الواجب ليس تخييريا على المشهور بينهم، بل الواجب تعييني، إلا أنه يخير بين الفرد القصير من المتعين، والفرد الطويل منه (1). فلو أمر المولى بإيجاد الخط، فما هو اللازم هو الخط، وهو واجب معين، ولو كان في البين انصراف إلى أنه يكون على مقدار كذا أو مقدار كذا، فهو لا يورث التخيير الشرعي، بل هو تخيير من جانب عقل الشريعة، لا الشرع، ولا عقل الناس وإدراكهم، فافهم واغتنم جدا. فتوهم: أن القصر والتمام بعنوانيهما متعلقا الامر في أماكن التخيير،


1 - لاحظ مفتاح الكرامة 2: 335 / السطر 19، جواهر الكلام 14: 341، مستمسك العروة الوثقى 8: 190، مستند العروة الوثقى 8: 426 - 427.

[ 72 ]

ويعاقب التارك على ترك الواجب التخييري، فاسد جدا. نعم، لا منع من قصد الرباعية من أول الامر، إلا إذا كان يأتي به بعنوان الجزء الشرعي للمأمور به. ثم إنه لو كان من قصده الاتمام، ثم بعدما فرغ من السجدة الثانية يشك، فجواز التقصير مرهون جريان الاصل السابق، فليتدبر. فتحصل: أن التخيير في الاماكن الاربعة، ليس شرعيا، ولا عقليا، بل هو من جانب الشرع لا بعنوان الشرع، وذلك لا يستلزم التخيير بين الاقل والاكثر، بل القصر مادام لم يلتحق به السلام ليس قصرا، وإذا تجاوز فعليه الاتمام، والمسألة تطلب بفروعها من مقامها (1).


1 - مباحث صلاة المسافر، للمؤلف (قدس سره) (مفقودة).

[ 73 ]

المقام الخامس في عدم اعتبار عنوان الامتثال والطاعة لا يعتبر عنوان الامتثال والاطاعة في سقوط أوامر العبادات، ولا يلزم أن يكون العبد ممتثلا، أو العمل صادقا عليه عنوان الطاعة والاطاعة زائدا على عنوان الصلاة والظهرية فلو تخيل محبوبيته للمولى، غافلا عن الامر، لما يرى خلف الامام العادل، يصلون الناس، فصلى بهم مع الشرائط والاجزاء، صحت صلاته، لان الامر لا خصوصية له في حد ذاته إلا البعث إلى المتعلقات. نعم، مع سقوطه فهل يثاب أم لا؟ فإن قلنا: بثواب أصحاب المعرفة، فلا بحث فيه. وإن قلنا: بمقالة المتشرعين (1) فقد يشكل، لان طلب الثواب


1 - لاحظ في كيفية الثواب والعقاب واختلاف الاراء والانظار فيها إلى تهذيب الاصول 1: 247، تحريرات في الاصول 3: 163.

[ 74 ]

واستحقاق الاجر منوط بالامر، كما في باب الضمانات، ومجرد القيام بمطلوب المولى، لا يوجب استحقاقه الاجرة، ولا تلازم بين سقوط الامر والاستحقاق، وبقائه وعدم الاستحقاق. هذا مع أنه لا دليل شرعي على ذلك، وما ورد من الامر بإطاعة الله تعالى (1)، ليس مولويا، والعقل الحاكم بلزوم الاطاعة، ليس معناه لزوم الانبعاث عن أمره والامتثال والاطاعة، فإن الذي يعبد الله تعالى على استحقاقه، لا ينبعث عن أمره. وحصول تلك العناوين القهرية، لا يستلزم وجوب رعايتها في المأمور به، وقد أفتى الاعلام بكفاية الحسن الذاتي الثابت من الامر الساقط للتزاحم لصحة العبادات (2)، وأنت خبير بأن هذه العناوين متقومة بالامر. والذي تحرر مني في بعض المقامات: أن الاوامر الشرعية الالهية، لا يعقل أن تكون مولوية (3)، وعليه يسقط البحث رأسا. فتحصل: أن سقوط الامر العبادي ومطلق الامر، لا يتقوم بأن يؤتى بالمتعلق لاجل أنه تعالى أمر بذلك، بل ربما يسقط الامر تارة: لمبادئ عالية عنه، واخرى: يسقط لمبادئ دانية منه، والاكثر لا يأتونه لامره، وإلا يلزم إتيانهم به وإن علموا بأن عاقبته النار، وسيأتي زيادة توضيح حول تلك


1 - كقوله تعالى: (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول...) المائدة (5): 92. 2 - كفاية الاصول: 166، درر الفوائد، المحقق الحائري: 138، نهاية الدراية: 126، نهاية الاصول: 212، نهاية التقرير 1: 302، راجع تحريرات في الاصول 4: 345. 3 - لاحظ تحريرات في الاصول 3: 152.

[ 75 ]

الجهة في المقام الاتي (1). هذا كله حال عنوان الامتثال. وأما عنوان العبودية فهي مما لابد منها في العبادات الشرعية عقلا وشرعا، وقد مضى بعض الكلام فيه سابقا (2)، ويأتي من ذي قبل إن شاء الله تعالى (3).


1 - يأتي في الصفحة 81. 2 - تقدم في الصفحة 13 - 15. 3 - يأتي في الصفحة 79.

[ 77 ]

المقام السادس في بطلان الصلاة ونحوها إذا لم تكن عبادة له تعالى تمتاز العبادات عن غيرها باعتبار قصد القربة فيها، والخلوص من الرياء، والاتيان بها مريدا بها وجه الله، وذلك للاجماع (1) والاخبار (2). وحيث تحتاج المسألة إلى مزيد توضيح، لابد من الاشارة الاجمالية إليها. فاعلم: أن الامر لا ينقسم إلى التعبدي والتوصلي، بل الامر موضوع للبعث إلى المشتهيات، وتحريك نحوها، وكاشف عقلائي عن الارادة الجدية الالزامية ما لم تكن القرينة، على ما تقرر منا تفصيله وبرهانه


1 - مفتاح الكرامة 2: 330 - 331، جواهر الكلام 9: 187، مستمسك العروة الوثقى 6: 20 - 21. 2 - وسائل الشيعة 1: 46 و 59 و 64 و 70، كتاب الطهارة، أبواب مقدمة العبادات، أبواب 5 و 8 و 11 و 12.

[ 78 ]

في الاصول (1). فما اشتهر: من أن الاوامر تعبدية أو توصلية، غلط، بل الواجبات تعبدية وتوصلية. ثم إن الطبائع مختلفة بحسب الذات: فمنها: ماهي الموضوعة عند العرف والعقلاء للعبودية، ويعبدون الله وغيره بها، كالصلاة ونحوها، ولا حاجة عرفا إلى اعتبار قصد التقرب فيها شرعا. ومنها: ما لا تكون كذلك، كالاخماس والزكوات والكفارات، فإنها تعتبر فيها القربة، إلا أنه بإلزام من الشرع. ومنها: ما ليس يعتبر فيه القربة شرعا، ويكون غير مناسب لاعتباره، كالختان ونحوه. والاوامر المتعلقة بها، لا تدعو إلا إلى ما هي المبنية عليها بطبعها، واعتبار القيد الزائد يحتاج إلى الدليل، كما أن سلب القيد المعلوم عند العرف، يحتاج إلى الدليل، فالاوامر المتعلقة بالعبادات العرفية، تدعو إليها، وعند الاخلال بشئ من مقوماتها تبقى على حالها. فالصلاة الموضوعة للعبودية عند العرف، إذا كانت متعلقة للامر الباعث إلى إتيانها عبودية لله تعالى، لا يكون بطلانها بالرياء ونحوه، إلا لاجل الاخلال بالشرط فيها.


1 - تحريرات في الاصول 2: 109 وما بعدها.

[ 79 ]

توضيح لبطلان الصلاة الفاقدة لوصف العبودية ولتوضيح ذلك نقول: مقتضى الادلة الشرعية الامرة بالعبادة، والباعثة نحو عبودية الله تعالى (1)، أن العبادة من الواجبات الشرعية، وحيث هي لا إطلاق لها، أو لا عمل بإطلاقها، يكون العمل بها منحصرا بالطريقة المعينة في الشرع للعبادة، كالصلاة ونحوها، فالصلاة إذا كانت مصداق العبادة، توجب سقوط أمرها، وإذا كانت العبادة المأمور بها، ليس عبادة الاصنام، بل هي عبادة الله، فلابد من اتصافها بعبودية الله تعالى، حسب النظر العرفي والشرعي. ومعنى عبودية الله تعالى واضح لدى اللغة والعرف، وهي القيام حذاءه تعالى، دون حذاء غيره ولو بالشركة، فإنه ليس عبادة الله تعالى، بل هي عبادة الجهة الجامعة المنطبقة عليه تعالى. ولو سلمنا ذلك، فظاهر تلك الادلة اشتراط العبادة بالانحصار، بل لا تعارف بين الناس العابدين، الشركة في العبادة. فعلى هذا، مع الاخلال بتلك الجهة يكون عمله باطلا، للاخلال بالشرط المعتبر في المأمور به، فلو اخترنا أن أدلة الرياء تقصر عن إثبات الابطال، فلا يلزم منه صحة العبادة التي روئي فيها، كما لا يخفى. فتحصل: أن مقتضى الصناعة - مع قطع النظر عن أخبار حرمة


1 - كقوله تعالى: (وما امروا إلا ليعبدوا الله) البينة (98): 5.

[ 80 ]

الرياء وإحراقها العمل (1) بطلان العمل الذي لم يكن عبادة لله تعالى، بعد كونه موضوعا بحسب الادلة - للعبادة. عدم اشتراط عبادية الدواعي المتأخرة وأما الدواعي المتأخرة التي هي الداعي إلى عبادة الله، فلا يلزم أن تكون من شؤون الله تعالى أيضا، كما في باب الاستئجار على الاعمال العبادية، بل الحلقة الاولى القريبة من العمل، إذا كانت لله تعالى تكفي، ولا حاجة لصحة العبادة إلى قربية الحلقات المتأخرة البعيدة. نعم، لو دل الدليل على ذلك فهو المتبع، مثل أدلة الرياء (2) المستفاد منها على المشهور (3) بطلان العمل ولو كان لاراءة الغير - أي عبادة الله تعالى لاراءة الغير باطلة - خلافا لما ظهر منهم أنهم قالوا: عبادة الله تعالى لاخذ الاجرة صحيحة (4) مع أن الجهة غير القربية في المسألتين، من قبيل الداعي على الداعي، وسيأتي في المقام الاتي تحرير المسألة (5) إن


1 - وسائل الشيعة 1: 64 و 70، كتاب الطهارة، أبواب مقدمة العبادات، أبواب 11 و 12. 2 - نفس المصدر. 3 - جامع المقاصد 2: 226، مدارك الاحكام 3: 315، الحدائق الناضرة 2: 180، جواهر الكلام 9: 187، العروة الوثقى 1: 617، كتاب الصلاة، فصل في النية، المسألة 8. وفي مقابل المشهور قول السيد المرتضى في الانتصار: 17، من عدم بطلان العبادة بالرياء. 4 - إيضاح الفوائد 2: 257، ذكرى الشيعة: 75، السطر 30. جامع المقاصد 7: 152، الحدائق الناضرة 11: 44، الرسائل الفقهية، رسالة القضاء عن الميت، الشيخ الانصاري: 238 و 241، العروة الوثقى 1: 742، كتاب الصلاة، فصل في صلاة الاستئجار. 5 - يأتي في الصفحة 83 - 85.

[ 81 ]

شاء الله تعالى. بيان آخر: لاعتبار كون الصلاة ونحوها عبادة له تعالى ثم إنه قد يخطر بالبال أن يقال: بأن الواجب على العباد بعنوانه، هو عبادة الله تعالى حسب الاوامر الظاهرة في المولوية، والامر بالصلاة والصوم والحج - وأمثال ذلك من العبادات التي تكون عبادة عرفية - ليس إلا لبيان الطريقة التي يعبد الله تعالى عليها، وذلك لان الالتزام بوجوب الصلاة والعبادة مولويا، غير ممكن، ضرورة أن العبادة ليست في الشريعة واجبة، ويكون اختيارها بيد المكلفين، بل هي موقوفة على بيان الشرع، فالنسبة بين أدلة الصلاة والعبادة عموم مطلق، لا العموم من وجه. وقد تقرر: أن تعلق الارادتين الجديتين المولويتين المتعلقتين بالعنوانين، اللتين تكون نسبتهما ذلك، ممتنع عقلا (1)، فلابد إما من اختيار كون أوامر العبادة، إرشادا إلى شرطية كون الصلاة على وجه تكون عبادة الله، ولا تصح الصلاة للصنم، ولا له تعالى وله معا. وإما من اختيار مولوية تلك الاوامر، وإرشاد أوامر الصلاة إلى تعيين ما يعبد به الله تعالى: مقتضى فهم المشهور هو الاول، ومقتضى الذوق الشرعي ومناسبة الحكم والموضوع، هو الثاني. وعندئذ يقال: تجب شرعا عبادة الله تعالى بالصلاة ونحوها، فلابد من


1 - لاحظ تحريرات في الاصول 4: 142 - 144 و 5: 465.

[ 82 ]

أن تكون الصلاة بحيث تعد عبادة لله تعالى، وهكذا الصوم والحج. وأما ما اعتبر الشرع القربة في سقوط أمره، ولم يكن عبادة عرفية، فهو خارج عن عمومات وجوب العبادة. نعم، لو ادعى الشرع عبادية شئ بعنوانها، يثبت أحكامها، ومقتضى ذلك وجوب الاحتياط عند الشك في واجبات الصلاة، لان المسألة تندرج في كبرى الشك في الاسباب والمحصلات. نعم، على ما تقرر منا من البراءة في المحصلات الشرعية (1)، تكون المسألة مجرى البراءة أيضا، فلا تغفل.


1 - لاحظ تحريرات في الاصول 8: 66 - 68.

[ 83 ]

المقام السابع في لزوم الاخلاص ومبطلية الرياء لا شبهة في لزوم كون الصلاة لله تعالى، والعبادة له لا لغيره، بأن يعبده بصلاته، أو تكون صلاته عبادته لا غيره، حسب ما عرفت من أوامر الكتاب الكريم (1). والكلام هنا في أن عبادة الله تعالى، لابد وأن تكون لله تعالى أيضا، فيعبد الله لله، وأن تكون صلاته لله تعالى لله أيضا، أم لا؟ وبعبارة اخرى: يشترط الخلوص زائدا على العبودية، وأن تكون جميع الحلقات المرتبطة بالعمل الدخيلة في تحققه، وجه الله وشؤونه، ويكون العمل غير الخالص باطلا، كما لو عبد الشيطان، أو صلى بلا طهور ولا نية، أم ليس الامر كذلك؟


1 - تقدم في الصفحة 81.

[ 84 ]

تحرير محل النزاع والذي ينبغي أن يعلم: هو أن محل البحث هنا هو ذلك، لا الامر السابق، بداهة أن السيد المرتضى (رحمه الله) - على ما ببالي - قال: بأن العمل الريائي ليس باطلا، ويكون غير مقبول (1) فالخلوص من الرياء من شرائط القبول، كالولاية وغيرها حسب بعض الاراء عنده، وليس هو يقول بصحة عبادة الاصنام والصلاة لغير الله تعالى بالضرورة والبداهة. فعلى هذا، مسألة اشتراط الصلاة بكونها عبادة الله تعالى، غير مسألة أن عبادة الله تعالى لابد وأن تكون لله تعالى. والمراد من الرياء ليس العمل الخالي من عبادة الله، والصلاة الاتي بها عبادة للشيطان والصنم، أو شركة بينه تعالى وبينهم، بل الرياء من تبعات الحلقة الثانية والثالثة، ومن مزاحمات الاخلاص ومنافيات الخلوص. وبعبارة اخرى: الادلة المتكفلة لاعتبار كون الصلاة عبادة الله تعالى، لا تفي باعتبار الخلوص وبطلانها بالرياء، بل هو يحتاج إلى الادلة الاخرى، بإفادتها مانعية شئ أو شرطيته، حتى يلزم بطلانها، فتوهم أن من الرياء أن يصلي للصنم، ويعبد الشيطان (2)، ناشئ من قلة التدبر في


1 - الانتصار: 17، الحدائق الناضرة 2: 180، جواهر الكلام 9: 187. 2 - انظر جواهر الكلام 9: 189، العروة الوثقى 1: 617، كتاب الصلاة، فصل في النية، ذيل المسألة 8 في وجه الاول، مهذب الاحكام 6: 131.

[ 85 ]

المسألة، ومخالفة مثل السيد (رحمه الله) وقلة التأمل في معنى الرياء لغة وفي مفاد الاخبار الواردة. المآثير الواردة في الرياء إذا عرفت المسألة، فالمآثير الواصلة من النواحي المقدسة على طوائف: الطائفة الاولى: ما تدل على حرمة الرياء تكليفا وهي كثيرة: فمنها: معتبرة السكوني، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): سيأتي على الناس زمان تخبث فيه سرائرهم، وتحسن فيه علانيتهم، طمعا في الدنيا، لا يريدون به ما عند ربهم، يكون دينهم رياء، لا يخالطهم خوف، يعمهم الله بعقاب، فيدعونه دعاء الغريق، فلا يستجيب لهم (1). وربما يشكل دلالتها على المقصود. ومنها: معتبرة مسعدة بن زياد، عن جعفر بن محمد، عن آبائه (عليهم السلام): أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) سئل: فيما النجاة غدا؟ فقال: إنما النجاة في أن لا تخادعوا الله عز وجل فيخدعكم، فإنه من يخادع الله يخدعه، ويخلع منه الايمان، ونفسه يخدع لو يشعر.


1 - الكافي 2: 224 / 14، وسائل الشيعة 1: 65، كتاب الطهارة، أبواب مقدمة العبادات، الباب 11، الحديث 4.

[ 86 ]

قيل له: كيف، فكيف يخادع الله؟ قال: يعمل بما أمره الله، ثم يريد به غيره، فاتقوا الله في الرياء، فإنه الشرك بالله، إن المرائي يدعى يوم القيامة بأربعة أسماء: يا فاجر، يا كافر، يا غادر، يا خاسر، حبط عملك، وبطل أجرك، فلا خلاص لك اليوم، فالتمس أجرك ممن كنت تعمل له (1). وتوهم: أنها لا تدل على الحرمة التكليفية زائدا على الابتلاء بترك العمل الواجب، لشهادة ذيلها بذلك، ممنوع فإن التعبير ب‍ الشرك والكفر لا يناسب إلا حرمة ذلك العنوان، فحرمة الرياء - حسب المآثير والفتاوى - مما لا يشك فيها بعد موافقة بعض الموازين لها. تحريم الرياء في مطلق الاعمال والظاهر أن الحرمة لا تختص بالاعمال العبادية والقربية، بل هي من المحرمات الشرعية على الاطلاق، وهذا هو مقتضى إطلاق أخبارها، ومساعدة الحكم والموضوع لها، فلو أدى دينه أو ترك المحرم، رئاء الناس، فقد أشرك. وهذا هو ظاهر فتوى الاصحاب أيضا، فإن الفقيه اليزدي قال بعد بيان اشتراط الخلوص من الرياء: بل هو من المعاصي الكبيرة، لانه


1 - عقاب الاعمال: 303 / 1، وسائل الشيعة 1: 69، كتاب الطهارة، أبواب مقدمة العبادات، الباب 11، الحديث 16.

[ 87 ]

شرك بالله تعالى (1). وربما يمكن دعوى: أن التوصليات لا يتصور فيها الشرك بالله تعالى. وفيه: أن حقيقة الرياء، لا تتصور إلا بأن يرائي الناس بأنه يعبد الله تعالى، أو يطيعه ويمتثل أوامره، وحينئذ وإن لم يكن لحاظ وجه الله شرطا في أداء الدين ورد السلام، ولكنه لا يتمكن من الرياء إلا بإدخال وجه الله في عمله، حتى يستثمر من قصده، ويصل إلى مرامه وغرضه. وإن شئت قلت: حقيقة الرياء ذلك، إلا أنها لا تتقوم بلحاظ وجه الله في عمله، فإنه لو أمر المولى عبده - وهو يطيعه - لاراءة الناس بأنه عبد مطيع لمولاه، وهكذا الابن والزوجة، فإنه مراء، ولكنه ليس محرما، لان الظاهر من أدلته، هو الرياء الذي لاحظ فيه الله تعالى، ضرورة أنه بذلك يعد شركا، والعبد والابن ليسا مشركين بالمعنى المقصود منه في أدلة حرمة الشرك. وبالجملة: حقيقة الرياء أعم من المحرم منه، لظهور أدلته في حرمته حينما كان شركا، وذلك يخص بما إذا لاحظ وجه الله. ويمكن دعوى: أن المراد من الشرك ليس الشرك في العبادة فقط والطاعة، بل هو الشرك في التأثير ومطلق الشرك، فتكون جميع الاعمال الراجعة إلى توهم تأثير الغير في مقاصده شركا، وإراءة ذلك في الظاهر - لكسب الاعتبار وغيره - رياء. وقد ورد في الحديث: إن أدنى الشرك أن تحفظ الشئ في القرطاس


1 - العروة الوثقى 1: 617، كتاب الصلاة، فصل في النية، المسألة 8.

[ 88 ]

لئلا يمحو (1). وفي روايات الرياء، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سئل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عن تفسير قول الله تعالى: (فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا) (2). إلى أن قال: ومن عمل عملا مما أمر الله به مراءاة الناس، فهو مشرك، ولا يقبل الله عمل مراء (3). ولا شبهة في أن الاعمال التي يراءى فيها: إما من الواجبات، أو من المستحبات، وتكون مأمور الله عز وجل، فتأمل. الطائفة الثانية: ما تدل على صحة العمل الذي وقع فيه الرياء وهي كثيرة: فمنها: رواية يزيد بن خليفة قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): ما على أحدكم لو كان على قلة جبل حتى ينتهي إليه أجله؟! أتريدون تراؤون الناس؟! إن من عمل للناس كان ثوابه على الناس، ومن عمل لله كان ثوابه على الله، إن كل رياء شرك (4).


1 - لم نعثر عليه في الجوامع الروائية. 2 - الكهف (18): 110. 3 - تفسير القمي 2: 47، وسائل الشيعة 1: 68، كتاب الطهارة، أبواب مقدمة العبادات، الباب 11، الحديث 13. 4 - علل الشرايع: 560 / 4، وسائل الشيعة 1: 70، كتاب الطهارة، أبواب مقدمة العبادات، الباب 12، الحديث 2.

[ 89 ]

ومنها: رواية ابن القداح، عن أبي عبد الله (عليه السلام) عن أبيه (عليه السلام) قال: قال علي (عليه السلام): اخشوا الله خشية ليست بتعذير، واعملوا لله في غير رياء ولا سمعة، فإنه من عمل لغير الله، وكله الله إلى عمله يوم القيامة (1). ومنها: رواية أبي الجارود في تفسير القمي المذكورة سابقا، وفي ذيلها: ولا يقبل الله عمل مراء. ومنها: معتبرة السكوني، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): إن الملك ليصعد بعمل العبد مبتهجا به، فإذا صعد بحسناته يقول الله عزوجل: اجعلوها في سجين، إنه ليس إياي أراد به (2). ومنها: معتبرة عقبة بن خالد قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: اجعلوا أمركم هذا لله، ولا تجعلوه للناس، فإنه ما كان لله فهو لله، وما كان للناس فلا يصعد إلى الله (3). ومن هذه الطائفة معتبرة هشام بن سالم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: يقول الله عز وجل: أنا خير شريك، فمن عمل لي ولغيري فهو لمن عمله غيري (4).


1 - الكافي 2: 225 / 17، المحاسن: 254 / 282، وسائل الشيعة 1: 66، كتاب الطهارة، أبواب مقدمة العبادات، الباب 11، الحديث 10. 2 - الكافي 2: 223 / 7، وسائل الشيعة 1: 71، كتاب الطهارة، أبواب مقدمة العبادات، الباب 12، الحديث 3. 3 - الكافي 2: 222 / 2، وسائل الشيعة 1: 71، كتاب الطهارة، أبواب مقدمة العبادات، الباب 12، الحديث 5. 4 - المحاسن: 252 / 271. وسائل الشيعة 1: 72، كتاب الطهارة، أبواب مقدمة العبادات، الباب 12، الحديث 7.

[ 90 ]

ومنها: رواية علي بن سالم قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: قال الله تعالى: أنا أغنى الاغنياء عن الشريك، فمن أشرك معي غيري في عمل لم أقبله، إلا ما كان لي خالصا (1) وغير ذلك مما هو المزبور في كتب الاخبار (2). تقريب دلالة الطائفة الثانية وتقريب الاستدلال بهذه الطائفة على الصحة، لا يحتاج إلى بيان، لعدم خفاء فيها، ضرورة أن الاعمال الواجبة، إذا عمل بها المكلف، يترتب عليها الامران: الخلاص من العقاب، والفوز بالثواب، وإذا تركها يدخل النار، ولا يدرك المقام المخصوص بها. وهنا بعض من الاعمال لا عقاب عليه، ولا ثواب: أما الاول: فلان الامر الباعث نحوه سقط، لتمامية متعلقه. وأما الثاني: فلان استحقاق الاجر يتبع نحو الجعل، والذي هو المجعول له الثواب هي عبادة الله لله، والقيام بمطلوب الله له تعالى، ويكون الانبعاث إلى المتعلق لبعثه وأمره، حسب هذه المآثير. فمن عبد الله تعالى وإن أتى بمحبوبه - لانه لا يعبد غيره - إلا أنه في الحلقة الثانية يريد وجه الناس، والمدار على استحقاق الاجر هو الثاني، كما هو الامر في الامور العرفية، فإن القيام بمطلوب الغير،


1 - المحاسن: 252 / 270، وسائل الشيعة 1: 73، كتاب الطهارة، أبواب مقدمة العبادات، الباب 12، الحديث 11. 2 - لاحظ بحار الانوار 67: 213 - 250.

[ 91 ]

لا يورث استحقاق الاجرة، بخلاف ما لو أتى به لامره، فإنه يورث الضمان. فعدم القبول نص في الصحة، وإيكال الثواب على الناس ظاهر فيه، بل هو كالنص. وأما دخوله النار، فهو ليس للصلاة بما هي صحيحة، مسقطة للامر، محبوبة للمولى، بل هو لاجل الرياء الذي فيها، فإنه من المحرمات، وهذا هو المناسب للاعتبار، وإلا يلزم تعدد العقاب، لانه مرة يعاقب على الرياء، ومرة على ترك الصلاة، بل ومرة على إبطال العمل، وهو غير مناسب لظواهر الاخبار، كيف وإن حسناته تجعل في سجين؟! فهي مع كونها حسنات تكون قابلة لذلك، فلا يستبعد كون العمل صحيحا، ومع ذلك يعاقب على الجهة الملتحقة به، ولا يثاب أصلا. وقوله: إنه ليس إياي أراد به (1) كالنص في أن المسألة، تدور مدار الارادات المتأخرة، وليس هو وغيره ناظرا إلى أنه عبد الشيطان، أو عبد الاصنام، أو عبد غير الله تعالى، مما يرتبط بالارادة المقارنة وهي إرادة العبودية، فإنه فيها لا يريد غيره، فلا يخفى. الطائفة الثالثة: ما تدل على بطلان العمل الريائي فمنها: معتبرة علي بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) عن أبيه عن آبائه (عليهم السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): يؤمر برجال إلى النار... إلى أن قال: فيقول لهم خازن النار: يا أشقياء، ما كان حالكم؟ قالوا: كنا نعمل لغير


1 - تقدم في الصفحة 89، الهامش 3.

[ 92 ]

الله، فقيل لنا: خذوا ثوابكم ممن عملتم له (1). ومنها: قوله (عليه السلام) في رواية مسعدة بن زياد الماضية في الطائفة الاولى، عنه (صلى الله عليه وآله وسلم): إن المرائي يدعى يوم القيامة بأربعة أسماء: يا فاجر، يا كافر، يا غادر، يا خاسر، حبط عملك، وبطل أجرك، فلا خلاص لك اليوم، فالتمس أجرك ممن كنت تعمل له (2). ودلالة هاتين الروايتين على البطلان، لاجل قوله: حبط عملك وقوله: يا خاسر وقول الخازن: يا أشقياء فإن جوابهم لا يناسب إلا بطلان عملهم، فإن الظاهر أن العقاب من تبعات الامر بأخذ ثوابهم ممن عملوا له، وذلك يشهد على بطلان عملهم، وتكون النتيجة اشتراط العبادة بالاخلاص والتزكية من الشرك في الحلقة الثانية أيضا. أو يرجع إلى أن الرياء، مبطل العمل بصورته البرزخية المحشور عليها يوم القيامة، ويعد مانعا بناء على تصويره، فإن لكل حركة صادرة من الانسان في النشأة الاخرة، صورة من سنخها، سواء كانت صحيحة أو فاسدة، والرياء موجب لانقلاب الصورة الصحيحة لو وجدت صحيحة، أو حدوثها باطلة وسقيمة وظلمانية وحابطة، والله العالم. ومنها: معتبرة عبد الله بن مسكان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله عزوجل: (حنيفا مسلما) (3)، قال: خالصا مخلصا، ليس فيه شئ من عبادة


1 - عقاب الاعمال: 266 / 1، علل الشرايع: 466 / 18، وسائل الشيعة 1: 70، كتاب الطهارة، أبواب مقدمة العبادات، الباب 12، الحديث 1. 2 - تقدم في الصفحة 86، الهامش 1. 3 - آل عمران (3): 67.

[ 93 ]

الاوثان (1). ومنها: معتبرة السكوني عنه (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في حديث: وبالاخلاص يكون الخلاص (2). ومنها: رواية يونس، عن ابن مسكان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله: (حنيفا مسلما) (3) قال: خالصا مخلصا، لا يشوبه شئ (4) وغير ذلك. الاشكال في دلالة الطائفة الثالثة على الاخلاص ودلالة هذه الطائفة على اشتراط الاخلاص في العبادة - بأن يعبد الله تعالى لوجه الله، وأن يريد بها الله عزوجل - مشكلة، وذلك لان الاخلاص وكون الداعي على الداعي الله - تعالى أيضا - على ما في بعض الروايات الشريفة الاخر في تفسيره - يناسب كمال العبودية وقرب العبد منه بأعلاه: ففي رواية علي بن أسباط، عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام): أن أمير المؤمنين (عليه السلام) كان يقول: طوبى لمن أخلص لله العبادة والدعاء، ولم يشغل قلبه بما ترى عيناه، ولم ينس ذكر الله بما تسمع اذناه، ولم يحزن صدره بما


1 - الكافي 2: 13 / 1، وسائل الشيعة 1: 59، كتاب الطهارة، أبواب مقدمة العبادات، الباب 8، الحديث 1. 2 - الكافي 2: 340 / 2، وسائل الشيعة 1: 59، كتاب الطهارة، أبواب مقدمة العبادات، الباب 8، الحديث 2. 3 - آل عمران (3): 67. 4 - المحاسن: 251 / 269، وسائل الشيعة 1: 60، كتاب الطهارة، أبواب مقدمة العبادات، الباب 8، الحديث 7.

[ 94 ]

اعطي غيره (1). ورواية سفيان بن عيينة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث قال: الابقاء على العمل حتى يخلص، أشد من العمل، والعمل الخالص الذي لا تريد أن يحمدك عليه أحد إلا الله عزوجل (2). فإن هاتين الروايتين، تفسران الموضوع في الروايات السابقة، مع أن فيها ما يفسر الاخلاص، فإبطال العمل العبادي غير الخالص بها، في غاية الاشكال. وفي قوله (عليه السلام): طوبى لمن أخلص لله العبادة دلالة على أن العبادة تتحقق مع الاخلاص وعدمه. وتوهم دلالة الكتاب (3) على اعتبار الاخلاص (4) ممنوع، لان الاوامر فيه تدعو إلى العبادة، وما يدل منها على الاخلاص ليس محمولا إلا على ما في هذه المآثير، وإن كان مقتضى الصناعة حمل المطلق على المقيد لو قلنا باتحاد المطلوب، ولكنه ممنوع، فيحمل دليل المقيد على الاستحباب، لامتناع وجوب المطلق والمقيد معا وجوبين مستقلين، كما تقرر في مقامه (5).


1 - الكافي 2: 13 / 3، وسائل الشيعة 1: 59، كتاب الطهارة، أبواب مقدمة العبادات، الباب 8، الحديث 3. 2 - الكافي 2: 13 / 4، وسائل الشيعة 1: 60، كتاب الطهارة، أبواب مقدمة العبادات، الباب 8، الحديث 4. 3 - البينة (98): 5 قوله تعالى: (وما امروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين). 4 - لاحظ كنز العرفان 1: 32. 5 - لاحظ تحريرات في الاصول 5: 464 - 466.

[ 95 ]

منافاة اشتراط الاخلاص لاستئجار العبد للحج ثم إنه لو كان الاخلاص شرط صحة العبادة، فهو ينافي ما ورد من الاخبار الواردة في استئجار العبد للحج (1) وفيه الصلاة. مع أنه بنفسه عبادة، فإن الاجير يعبد الله للدنيا، وعبادة الله للاخرة أو عبادته له، غير ميسورة منه، بشهادة الوجدان فيما تعارف الان بين أبناء الزمان. وتوهم: أن الاجير يعبد الله لله، لان معنى إرادة الله في العمل، هو إرادة وجهه وقصد مطلوبه الاخر، من الوفاء بالعقد، ومن كسب الرزق لعياله، وبسط المعيشة عليهم، وغير ذلك مما يعد من وجوه الله وشؤونه تعالى (2)، في محله، إلا أن ذلك غير لازم في صحة الحج المذكور عند أرباب الفتوى (3)، ودائرة النزاع أوسع من تلك الصورة. عدم وفاء الطائفة الاولى ببطلان العمل الريائي إن قلت: الطائفة الاولى تكفي لبطلان العمل الريائي، فإن الرياء المحرم يرجع إلى محرمية العمل، والعبادة المحرمة باطلة قطعا. قلت: أولا: تلك الادلة تدل على حرمة الرياء، من غير فرق بين


1 - وسائل الشيعة 11: 179 - 184، كتاب الحج، أبواب النيابة في الحج، الباب 10 و 11 و 12 و 13 و 14. 2 - المكاسب، الشيخ الانصاري: 62 / السطر 18. 3 - لاحظ جواهر الكلام 17: 356، العروة الوثقى 2: 503، كتاب الحج، فصل في النيابة.

[ 96 ]

الرياء في العبادات والاطاعات، والحرمة التكليفية لا تورث الحكم الوضعي بذاتها، لان البطلان من توابع عدم تطابق المأتي به مع المأمور به، فإذا كانت العبادة باطلة، فلابد من اكتشاف قيد فيه، وجوديا أو عدميا، أو مانع، أو اكتشاف عدم الامر الراجع إلى البطلان بالمعنى الاخر، والنهي عن الرياء لا يفيد إلا حرمته تكليفا، والدليل الواحد لا يتمكن من إفادة الجهتين. وثانيا: الرياء من العناوين المستقلة، ولا يسري الحكم منها إلى ما لحقها من الاعمال الاخر إلا بالعرض والمجاز، فالعمل الريائي ليس محرما، لعدم الدليل عليه، والمحرم هو الرياء، فكما أنه مورد جواب السلام، لاظهار أنه العبد المطيع لله تعالى، حتى يتوجه الناس إليه، ويتمكن من الارتزاق من قبلهم بنحو يشتهيه، يقع جوابا، ويسقط أمر الشرع قطعا، ومع ذلك يعاقب على اللاحق به وهو الرياء، كذلك لو عبد الله تعالى، ولا معنى لافادة الدليل الواحد شرطا في حصة من الملتحقات بمتعلقه كالعباديات، بل هو إما يفيد شرطا، أو لا يفيد، وحيث لاسبيل إلى الاول يتعين الثاني. فتحصل: أن مسائل الرياء، من قبيل الدواعي على عبادة الله تعالى، وحيث قد تقرر أن العبادة لا يشترط فيها شئ زائدا عليها (1)، فبطلانها بالرياء ممنوع.


1 - تقدم في الصفحة 79 - 80.

[ 97 ]

عدم قبول العمل الريائي نعم، المرائي يدخل النار لريائه، ولا يثاب على عمله الصحيح، لانه أتى به لغير الله. ومقتضى طائفة من الروايات الشريفة، أن المقبولية مشروطة بالاخلاص، وعدم شركة الغير معه تعالى في إرادة العبد، فلو عبد الله تعالى لامره، ولان يحمد عليه، أو لامره، ولان يحصل الغرض الاخر، فلا تقبل تلك العبادة، لقوله: لا يقبل الله عمل مراء (1). ولقوله: أنا خير شريك، فمن عمل لي ولغيري فهو لمن عمل له (2). ولقوله: من أشرك معي غيري في عمل لم أقبله، إلا ما كان لي خالصا (3). وتوهم: أن هذه المآثير ناظرة إلى الشرك في العبادة، بأن يعبد الله وغيره، أو يعبد غيره، في غاية الفساد، مع أنه يخرج عن موضوع الرياء، كما لا يخفى.


1 - تفسير القمي 2: 47، وسائل الشيعة 1: 68، كتاب الطهارة، أبواب مقدمة العبادات، الباب 11، الحديث 13. 2 - المحاسن: 252 / 271، وسائل الشيعة 1: 72، كتاب الطهارة، أبواب مقدمة العبادات، الباب 12، الحديث 7. 3 - المحاسن: 252 / 270، الكافي 2: 223 / 9، وسائل الشيعة 1: 61، كتاب الطهارة، أبواب مقدمة العبادات، الباب 8، الحديث 9.

[ 98 ]

وجهان لبطلان العمل الريائي وربما يمكن دعوى بطلان العبادة، لا لاجل كشف القيد فيها بهذه الاخبار، بل لاجل كشف العرف عدم الامر بها، وهو كاف لعدم صحة الاجتزاء بها عن المأمور به الواقعي. ولو استشكل أيضا: بأن ذلك غير ممكن، لان النهي عن العمل الريائي المورث لحرمته، كاشف عن اشتراط المكلف به بعدمه، فإليك رواية أبي بصير، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: يجاء بالعبد يوم القيامة قد صلى، فيقول: يا رب، قد صليت ابتغاء وجهك. فيقال له: بل صليت ليقال: ما أحسن صلاة فلان!! اذهبوا به إلى النار. ثم ذكر مثل ذلك في القتال وقراءة القرآن والصدقة (1). فإنها تدل على أن العبادة تورث استحقاقه العقاب، فهي محرمة، وعليه تكون باطلة، وليس وجه لتوهم تأكد الصحة بالنهي هنا (2). وأنت خبير: بأنها من الصدر إلى الذيل، دليل على صحة صلاته، ولكنه للجهة العرضية الملتحقة بها يعاقب، ولا دلالة لها على أن العقاب للصلاة الكذائية، بل هي على العكس أدل، فليتدبر جيدا. فبالجملة: الناظر في المسألة غافلا عن مقالة المشهور، لا يخرج منها إلا ذاهبا إلى هذه المقالة. ولكن مخالفة الشهرة أيضا مشكلة.


1 - وسائل الشيعة 1: 72، كتاب الطهارة، أبواب مقدمة العبادات، الباب 12، الحديث 10. 2 - لاحظ تحريرات في الاصول 4: 350 - 351 و 393 - 394.

[ 99 ]

حمل الروايات على مبطلية مراءاة الناس لا أخذ الاجرة إن قيل: في روايات الحج، أن ثواب الاجير أضعاف ثواب المستأجر والمنوب عنه (1)، ومقتضى هذه الاخبار عدم مقبولية العمل غير الخالص، فيعلم أن تلك الاخبار ناظرة إلى بيان شرطية الخلوص من الرياء، وهو العبادة لاراءة الناس، دون العبادة لاخذ الاجرة، فإن الظاهر من قوله: فمن عمل لي ولغيري (2) أن الغير هو الناس، لا الجهات الاخر، كأخذ الاجرة. بل هذا صريح روايات كثيرة مضت طائفة منها، المشتملة على أن العامل للناس يحال عليهم، ولا يثاب من قبل الله تعالى (3). فالجمع بين هذه الشتات يقتضي أن يقال: بأن الاخلاص شرط، بمعنى عدم شركة الناس في العمل، لا بمعنى عدم شركة الجهات الدنيوية، بل بعض الاصحاب قال بصحة العبادة، لبسط الرزق والامور الدنيوية الحاصلة من تلك العبادة (4) حسب الروايات (5)، ولعله المعروف بينهم (6)،


1 - وسائل الشيعة 11: 163، كتاب الحج، أبواب النيابة في الحج، الباب 1. 2 - تقدم في الصفحة 97، الهامش 2. 3 - تقدم في الصفحة 86، الهامش 1، وفي الصفحة 88، الهامش 4، وسائل الشيعة 1: 64 - 73، كتاب الطهارة، أبواب مقدمة العبادات، الباب 11 و 12، وسائل الشيعة 11: 109، كتاب الحج، أبواب وجوب الحج وشرائطه، الباب 40. 4 - مشارق الشموس: 89 / السطر 14. 5 - وسائل الشيعة 8: 116 - 139، كتاب الصلاة، أبواب بقية الصلوات المندوبة، الباب 15 و 18 و 19 و 22 و 23 و 24 و 25 و 26 و 30 و 31. 6 - القواعد والفوائد 1: 77، الحدائق الناضرة 2: 177 - 180، رياض المسائل 1: 219 - 220، مستند الشيعة 2: 48 - 52.

[ 100 ]

وإن خالفهم بعضهم (1). ومما يؤيد ذلك: أن الجهات الخارجة عن وجه الله تعالى والقرب منه - كنيل الدرجات العاليات من الجنة أيضا - مما تصح معها العبادة حسب الاخبار والاحاديث (2)، التي ربما يأتي بعض الكلام فيها في المقام الاتي (3). بل العبادة لله وللملائكة - بمعنى عدم الخلوص من تلك الجهة - ربما تكون عندهم صحيحة، بأن يعبد الله تعالى لان يعده الملائكة من المقربين، ويحمدوه عليها، وكل ذلك لاجل أن هذه الروايات ناظرة إلى الجهة الخاصة، وهي الخلوص من الامور الراجعة إلى الناس فقط. الجواب عن الحمل السابق قلنا: كل ذلك لا ينافي مقالتنا في المسألة من جهة الحكم الوضعي، وهي صحة تلك العبادة، وسقوط أمرها، بل أخبار الحج تؤيد وتدل على ذلك (4). وتوهم انصراف هذه المآثير عن مورد المسألة في أخبار الحج،


1 - المسائل المهنائية: 89. 2 - وسائل الشيعة 1: 62، كتاب الطهارة، أبواب مقدمة العبادات، الباب 9. 3 - يأتي في الصفحة 110، الهامش 1. 4 - وسائل الشيعة 11: 163، كتاب الحج، أبواب النيابة في الحج، الباب 1.

[ 101 ]

فاسد جدا، بداهة أن الروايات ناظرة إلى اختصاص إرادة العبد في عمله بالله تعالى، لا قطعها من الناس وتشريك الجهات لله تعالى والملائكة، أفما سمعت فيها قوله: اجعلوها في سجين، إنه ليس إياي أراد به (1)؟! وقوله: لم أقبله، إلا ما كان لي خالصا (2)؟! فإن هذه التعابير، تشهد على أن المقبولية مشروطة بذلك. وقوله:... حتى يخلص أشد من العمل، والعمل الخالص الذي لا تريد أن يحمدك عليه أحد إلا الله عزوجل (3)؟! فإرادة محمدة الملائكة، كإرادة محمدة الاموات وآبائه وسائر الموجودين في الدار الاخرة، كالانبياء والاولياء، أو في البرزخ كسائر الناس، فإنه لو صلى لان يعدوه عبدا محسنا مطيعا، ولان يتقرب إلى الملائكة والانبياء والاولياء في الجنة، فإن كل ذلك مانع عن مقبولية العمل، والدخول في الجنة، ونيل الجزاء المقرر له. نعم، في الحج للروايات الخاصة المبنية على مصالح عالية - من أداء الوظيفة وأمثالها، مما ابتلي به الميت وغير ذلك - لا يكون الامر كذلك، ولعل مسألة النائب في الحج، تشتمل على نكتة تفصيلها خارج عن


1 - الكافي 2: 223 / 7، وسائل الشيعة 1: 71، كتاب الطهارة، أبواب مقدمة العبادات، الباب 12، الحديث 3. 2 - المحاسن: 252 / 270، الكافي 2: 223 / 9، وسائل الشيعة 1: 61 و 73، كتاب الطهارة، أبواب مقدمة العبادات، الباب 8 و 12، الحديث 9 و 11. 3 - الكافي 2: 13 / 4، وسائل الشيعة 1: 60، كتاب الطهارة، أبواب مقدمة العبادات، الباب 8، الحديث 4.

[ 102 ]

الكتاب، وموقوفة على مباحث اخر. حرمة مراءاة الانبياء والملائكة والاموات لا يقال: بناء على ما أفدتم، يلزم حرمة الرياء ولو كان المراءى له من الانبياء والملائكة والاموات، مع أن الالتزام به مشكل. لانا نقول: أولا: لا إشكال فيه بعد مساعدة الدليل، والعقل، ومناسبة الحكم والموضوع، والاعتبار السليم، والفهم المستقيم. وثانيا: ربما يمكن دعوى انصراف الادلة في الحرمة التكليفية عن ذلك المورد، لقلة ذلك وندرة الابتلاء به، وإن يتفق الرياء في مثل ذلك لا يمكن إلا مع الاعتقاد باطلاعهم على حاله وأعماله، وذلك قلما يتفق لاحد وإن اقتضاه المآثير، بل والعقل، فتأمل. وهذه الدعوى لا تأتي في المسألة السابقة، لان الادلة المتكفلة لاشتراط المقبولية بالاخلاص، ظاهرة في الاختصاص، والادلة المتكفلة لتحريم الرياء ليست كذلك. هذا تمام الكلام في المسألة. مواقع النظر في مقالة المشهور ويظهر مما أسسناه مواقف النظر في مقالة القوم: من إبطالهم العمل الريائي (1)، ومن قولهم باستحقاق الثواب لو انبعث عن البواعث الاخر غير


1 - شرائع الاسلام 1: 69، تذكرة الفقهاء 3: 110، المسألة 207، جواهر الكلام 9: 187، العروة الوثقى 1: 617، كتاب الصلاة، فصل في النية، المسألة 8.

[ 103 ]

بعث الله وبعث الناس (1)، ومن إدخالهم الرياء موضوعا في الشرك في العبادة (2)، بأن تكون عبادة الصنم والشيطان رياء، والتقرب إلى الناس وغير الله منها أيضا، مع أن الامر - على ما عرفت (3) - ليس كذلك. كلام الفقيه اليزدي ونقده ومن عجيب الكلام قول الفقيه اليزدي: إن من وجوه الرياء أن يأتي بالعمل لمجرد إراءة الناس، من دون أن يقصد به امتثال أمر الله تعالى، وهذا باطل بلا إشكال، لا نه فاقد لقصد القربة أيضا (4) انتهى!! فإن لازمه اشتراط الامور الثلاثة: عبودية الله، وقصد القربة، والخلوص، والخلط بين الجهات وعدم نيل حقيقة المسألة، أوقعهم في أمثال ذلك، فإن المعتبر أن يعبد الله بصلاته وإن كان جاهلا بالامر وغير منبعث عنه، كما مضى مثاله (5)، فلو قصد بعبادة الله تعالى، امتثال الامر التوصلي منه تعالى، أو من الاب والسيد، فإنها تصح عبادته، لانه عبد


1 - رياض المسائل 1: 219 - 220، مستند الشيعة 2: 48 - 52، العروة الوثقى 1: 617، كتاب الصلاة، فصل في النية، الصلاة (تقريرات المحقق الداماد) الاملي 3: 264. 2 - لاحظ جواهر الكلام 9: 188، العروة الوثقى 1: 617، كتاب الصلاة، فصل في النية، ذيل المسألة 8، الوجه الاول من وجوه الرياء، الصلاة (تقريرات المحقق الداماد) الاملي 3: 280. مهذب الاحكام 6: 131. 3 - تقدم في الصفحة 84. 4 - العروة الوثقى 1: 617، كتاب الصلاة، فصل في النية، ذيل المسألة 8، الوجه الاول من وجوه الرياء. 5 - تقدم في الصفحة 73.

[ 104 ]

الله، ولم يشرك في عبادته أحدا، وليس التقرب المعتبر في العبادة، أزيد من ذلك الحاصل قهرا، والمقصود جدا. نعم، التقرب الحاصل من امتثال أمر الاب والزوج والعالم والرسول وغير ذلك، أيضا حاصل، ولكنه لا يضر بصحة العبادة، فلو أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أعرابيا بالعبادة لله تعالى، فعبد الله تعالى لامره (صلى الله عليه وآله وسلم) فقد صحت صلاته، وأطاع الرسول، لان إطاعته واجبة أيضا، كإطاعته تعالى. بل المسألة كذلك في المأمورين بالمعروف، فإنهم ينبعثون نحو الصلاة لله، بأمر الامر بالمعروف كما لا يخفى، وهذا غير الصلاة لاراءة الناس بأنه يعبد الله، ويكون كذا وكذا، فإنه من المحرمات، ومن المعاصي الكبيرة. ولو شئنا رفع حجاب الشبهات عن كلماتهم - رضي الله عنهم - لطال الكلام، فلاينبغي الخلط بين مسألة الانبعاث والعبادة والتقرب والخلوص وأحكامها، وبين مسألة الرياء وموضوعها وحكمها. فبالجملة: الانبعاث عن أمر الله تعالى، ليس من الشرائط المعتبرة في الصحة قطعا، لان الخلوص ولو كان شرطا، لا يقتضي أن يكون العبد متحركا بأمره في صحة عبادته، ضرورة أن ذلك غير الرياء، وأدلتها لا توجب شرطية مثله، وقد عرفت أن الامر لا حاجة إليه في صحتها (1)، فضلا عن الامتثال والانبعاث.


1 - تقدم في الصفحة 73 - 74.

[ 105 ]

مع أن الامتثال، ربما يكون من العناوين القهرية الوجود، فإن المأتي به العبادي، لو كان مطابقا مع المأمور به، فقد امتثل الامر. وكون متعلق الامر قصديا وتقربيا، ليس معناه لزوم قصد الامر والعلم به بعد وفائه بغرض.

[ 107 ]

المقام الثامن في بعض الفروع المتعلقة بالمقام تمهيد: وفيه امور: الاول: في أن مقتضى اعتبار العبادية ترك المنافيات مقتضى ما تحرر: أن المعتبر شرطا للصحة، أن تكون الصلاة عبادة لله تعالى محضا، ولا يشترط الخلوص في الصحة، وكل ما كان مخلا بالثاني لا يورث بطلانها، بخلاف الاول. ومقتضى اعتبار كونها كذلك، ترك ما ينافيها عرفا، كما مر الايماء إليه (1)، فإن المشغول بمعصية الله بحواسه الخمس، ويكون بطنه مملوء من محرم الله تعالى حين العبادة، لا يعد عمله عبادة لله تعالى.


1 - تقدم في الصفحة 13 - 15.

[ 108 ]

بل عن بعض السادة الاجلة (1) حكي: أن حين الصلاة لو نظر إلى الاجنبية، واشتغل بنظره إليها بالمعصية، لا يعد عمله عبادة له تعالى، وتكون صلاته باطلة، فما يظهر من أصحاب الصناعة من صحتها (2)، في غير محله إنصافا. ولعلهم لا يشترطون اعتبار انتزاع العبادة من الصلاة، وإلا فإن من يعصي الله حينها بلمسه وبصره وذوقه وسمعه وشمه، كيف يقال: هو يعبد الله تعالى؟! وعلى كل حال: المسألة معلومة، ولا سترة فيها. ومن المنافيات لها، الاعمال الكثيرة والافعال اليسيرة، كالترقص حينما يركع ويسجد، مع أن مقتضى صناعة الاصحاب صحتها، لعدم اشتراط الازيد من الصلاة. ولعمري، إنه كيف يصح أن يقال: بأن بعضا من الترقص حينها ينافي اسمها (3)، وتلك ا لاشتغالات الباطلة المنهية، لا تنافي كونها عبادة له تعالى؟!


1 - لاحظ تحريرات في الاصول 8: 91. 2 - لم يذكر في مبطلات الصلاة هذا الشرط، لاحظ العروة الوثقى 1: 715، كتاب الصلاة، فصل في مبطلات الصلاة. 3 - لاحظ العروة الوثقى 1: 718، كتاب الصلاة، فصل في مبطلات الصلاة، الثامن.

[ 109 ]

الثاني: في أصالة التوصلية ومقتضى ما تحرر منا في الاصول (1): أن تقسيم الواجب إلى التعبدي والتوصلي، والبحث عن أصالة التعبدية والتوصلية، لا يورث شيئا معتدا به، وأن الحق صحة التمسك بالمطلقات لرفع كلية القيود، حتى الجائية من قبل الامر، وأن النتيجة ليست أصالة التوصلية بالعنوان المأخوذ في التقسيم، لان التوصلي في الاقسام مقيد بعدم النية المخصوصة والتقرب والعبودية، وهذا القيد ليس ملحوظا في المأمور به التوصلي، فيكون الحاصل من المسألة أصالة التوصلية نتيجة، لا عنوانا، والامر سهل، والتفصيل في محله (2). الثالث: في أقسام العبادة وأشرفها قسما ثم إن عبادة الله تعالى ذات مراتب شتى، حسب تفاوت معرفة الله تعالى والعشق به والحب فيه، وإليها يشير ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) (3)، وما في معتبرة هارون بن خارجة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: العبادة ثلاثة: قوم عبدوا الله عزوجل خوفا، فتلك عبادة العبيد، وقوم


1 - لاحظ تحريرات في الاصول 2: 146 - 147. 2 - لاحظ تحريرات في الاصول 2: 114 - 118. 3 - إلهي ما عبدتك خوفا من نارك ولا طمعا في جنتك لكن وجدتك أهلا للعبادة فعبدتك. الوافي 4: 361، مرآة العقول 8: 89، بحار الانوار 67: 186.

[ 110 ]

عبدوا الله تبارك وتعالى طلب الثواب، فتلك عبادة الاجراء، وقوم عبدوا الله عزوجل حباله، فتلك عبادة الاحرار، وهي أفضل العبادة (1). وهي أيضا تدل على أن مسألة امتثال أمر الله والانبعاث عنه، أمر مغفول عنه، لادخالة له في التحريك، بل المتحرك كلا يتحرك من المبادئ الكامنة في نفسه، حسب اختلاف معارفهم بالله العظيم العزيز، فلا ينبغي الخلط جدا. ثم إن أعلى مراتب العبادة، هو أن العابد لو أدرك وجوب وجوده يعبده، وليس مقصورة عبادته بحال إمكانه، ولهذه المسألة باب آخر ومفتاح على حدة. وقد تقرر منا في العوائد والفوائد: أن العبودية بذاتها قبيحة، وتكون حسنة، لتوقف نيل الكمالات الراقية عليها، ولا يعقل أن يكون العنوان الواحد ذا ذاتين: حسنا بالاضافة إليه تعالى، قبيحا بالاضافة إلى غيره، مع لزوم كون ذاته من الاضافتين (2). وبناء على ما حصلناه، لا حاجة إلى ذكر الفروع الكثيرة المذكورة في المتون، المبنية على مبنى المشهور، إلا بعض منها: الفرع الاول، في أن فوات عبادية بعض الاجزاء هل يوجب بطلان الصلاة؟ لاشبهة في اشتراط الصلاة بكونها عبادته، في جميع الافعال


1 - الكافي 2: 68 / 5، وسائل الشيعة 1: 62، كتاب الطهارة، أبواب مقدمة العبادات، الباب 9، الحديث 1. 2 - العوائد والفوائد: 51، العائدة 6.

[ 111 ]

والاقوال، وأنه لابد وأن يكون قاصدا بها عبادته أولا واستدامة، وهكذا في الاجزاء المستحبة، كالقنوت ونحوه، فإنه يبطل. ولكن الكلام هنا، في أن الصلاة تبطل ببطلانه، أم لا؟ وعلى الثاني، فربما لابحث في جواز تداركه بعد بقاء المحل. وهكذا لو أخل بالشرط المذكور في بعض الاجزاء الواجبة القابلة للتدارك. بل يمكن دعوى جريان النزاع في الاجزاء الركنية، لان ذلك ليس من زيادة الركن، فإن الركن الذي أتى به قد بطل، وهو يتمكن من تداركه، وما هو يورث البطلان، هو زيادة الركن المخصوص بالركوع الثاني، وأما الاتيان بالركوع الباطل سهوا وتداركه، فهو غير معلوم إبطاله لها. محتملات المسألة ووجوهها ونقدها فبالجملة: في المسألة احتمالات: قال الفقيه اليزدي: الثالث: أن يقصد ببعض الاجزاء الواجبة الرياء، وهذا أيضا باطل وإن كان محل التدارك باقيا (1). واحتاط بعض السادة المعاصرين: بأن الاحوط فيه التدارك والاعادة (2).


1 - العروة الوثقى 1: 617، كتاب الصلاة، فصل في النية، المسألة 8، الوجه الثالث من وجوه الرياء. 2 - الظاهر هو السيد الگلبايگاني (قدس سره) لاحظ العروة الوثقى 1: 617، التعليقة 3.

[ 112 ]

وقال السيد في موضع آخر: الرابع: أن يقصد ببعض الاجزاء المستحبة، الرياء، كالقنوت في الصلاة، وهذا أيضا باطل على الاقوى (1). وقال بعض سادة العصر: لانها زيادة وإن لم يأت بالاخر (2). ويستفاد من السيد أيضا، أن الوجه للبطلان هي الزيادة، حيث قال: نعم، في مثل الاعمال التي لا يرتبط بعضها ببعض، أو لا ينافيها الزيادة، كقراءة القرآن والاذان والاقامة، إذا أتى ببعض الايات أو الفصول من الاذان، اختص البطلان به، فلو تدارك بالاعادة صح (3) انتهى. وقد يشكل استدلالهم (4)، لان قوله (عليه السلام): من زاد في صلاته فعليه الاعادة (5) لا يشمل الزيادة المطلقة، إما انصرافا، أو تقييدا، وتلك الزيادة ليست عمدية قطعا، فإن من أخل بالشرط المعتبر في الطبيعة، لم يخل عمدا بالجزء، ولم يزد في صلاته ذلك الجزء عمدا. ولذلك نقول: يدور الوجه مدار أن الشرط - وهو كونها عبادة الله


1 - العروة الوثقى 1: 617، كتاب الصلاة، فصل في النية، المسألة 8، الوجه الرابع من وجوه الرياء. 2 - هو السيد الشاهرودي، راجع العروة الوثقى 1: 617، التعليقة 6. 3 - العروة الوثقى 1: 617، كتاب الصلاة، فصل في النية، المسألة 8، الوجه الثالث من وجوه الرياء. 4 - مصباح الفقيه، الصلاة: 238 / السطر 10 و 540 / السطر 14، الصلاة، الحائري: 136 و 312، نهاية التقرير 2: 58 و 59. 5 - تهذيب الاحكام 2: 194 / 764، الاستبصار 1: 376 / 1429، وسائل الشيعة 8: 231، كتاب الصلاة، أبواب الخلل في الصلاة، الباب 19، الحديث 2.

[ 113 ]

تعالى، أو كونها خالصة من الرياء - إن كان ركنا، ويكون شرط الطبيعة، لا الاجزاء بالتفصيل، يورث الاخلال به البطلان، لان الاخلال بالعبادة في بعض الاجزاء، إخلال بشرط الطبيعة، وحينئذ لا يتمكن من التدارك، وإذا كان ركنا تبطل الصلاة بالاخلال به، وعند فقد أحد القيدين لا يمكن إبطالها به، لانه إن كان غير ركن فيشمله قاعدة لا تعاد... وإن كان ركنا، ولكنه شرط الجزء، فهو يتمكن من الاتيان به كذلك. نعم، بناء على عدم جريان القاعدة في الاثناء يشكل، ولكن الحق جريانها. وهكذا لو كان شرطا للجزء ركنا، وتذكر بعدما تجاوز محل التدارك، فإنه أيضا تبطل الصلاة. ولقد فصلنا الكلام ثبوتا في مباحث الخلل، حول مسألة شرطية الاستقرار، وأن المحتملات تقرب من الثمانية، وتختلف أحكامها وآثارها (1). عدم الفرق في البطلان من ناحية الاجزاء والمحل والذي هو الظاهر من الادلة: أن العبادة من شرائطها الركنية، وأن قاعدة لا تعاد... لا تشمل الصلاة للشيطان، بل هي تجري بعد الفراغ عن كونها عبادة، وحيث تكون الاجزاء المستحبة من الصلاة، فالاخلال بالشرط - حال الاتيان بها - إخلال بشرط الصلاة، ضرورة أن الطبيعة والاجزاء


1 - رسالة الخلل المذكورة هنا هي ما كتبه (قدس سره) في قم المقدسة وهي مفقودة، ومباحث الخلل من كتب الصلاة الموجودة لدينا لم نجد فيها التفصيل المذكور.

[ 114 ]

مختلفان بالاعتبار، ومقتضى ظاهر الادلة أيضا، أن الصلاة لابد وأن تكون عبادة لله تعالى، لا الاجزاء بالتفصيل الفاقدة لعنوان إجمالي، حتى يتوهم صحة بقية الاجزاء وإن بطل بعضها (1). فعلى هذا، لافرق بين صور المسألة من حيث الاجزاء، ومن حيث بقاء المحل وعدمه. وتفصيل الكلام من جهة محتملات المسألة - وأن شرطية كونها عبادة، ترجع إلى اشتراط الاجزاء محضا، أو الطبيعة محضا، أو هما معا، أو اشتراط كون المصلي عابدا، كما قيل في بعض الشرائط (2)، وهكذا أنه شرط ركني قابل للتدارك، أو شرط على نحو القضية الحينية، أو ليس ركنا - يطلب من المسألة التي أشرنا إليها. مفاد أخبار الرياء باعتبار الاخلال بالاخلاص وأيضا: الذي يظهر من أخبار الرياء - على القول بشرطية الخلوص في صحة الصلاة - عدم الركنية، لحكومة قاعدة لا تعاد... على إطلاق أدلته (3). وتوهم حكومة أدلتها عليها (4)، في غير محله، لعدم دلالتها على نفي


1 - مستمسك العروة الوثقى 6: 23. 2 - وسائل الشيعة 5: 471، كتاب الصلاة، أبواب أفعال الصلاة، باب 1، الحديث 14. 3 - تقدم في الصفحة 83. 4 - يأتي في الصفحة 117.

[ 115 ]

الاسم، والامر بالجعل في سجين (1)، لا يدل على أنه بدون الخلوص، ليس مورد القاعدة، وحبط العمل معناه سقوط أجره، لا فساده من حيث عدم سقوط الامر، أفلا ترى أن العمل الريائي غير العبادي، مع كونه مسقط الامر، ولكنه يجعل في سجين؟! فلاينبغي الخلط بين المسائل والشروط. فالاخلال بالجزء المستحبي إن كان عن عمد، فهو يورث البطلان، لان من شرائط الصلاة الخلوص، وذلك الجزء صلاة في لحاظ بقية الاجزاء، فيكون إخلالا عمديا بشرط الطبيعة. ولو كان سهويا فلا تبطل، لعدم إعادة الصلاة بتلك القاعدة. وأما وجوب التدارك فيما كان الجزء الباطل واجبا، فهو ممنوع، لانه بعدما كانت الصلاة صحيحة، فهو ملازم عرفا لصحة ذلك الجزء أيضا، فافهم وتدبر. بطلان التفصيل بين الجزء الواجب والمستحب وقد يتوهم: أن شرط الخلوص، يتبع العمل الذي يراءى فيه، فإن كان واجبا فهو واجب، وإن كان مستحبا فهو المستحب. وهو مدفوع بأدلته، ضرورة أن أخباره ناظرة إلى شرطية الصلاة بالخلوص، من غير النظر فيها إلى أجزائها وتفصيلها.


1 - الكافي 2: 223 / 7، وسائل الشيعة 1: 71، كتاب الطهارة، أبواب مقدمة العبادات، الباب 12، الحديث 3.

[ 116 ]

شبهة ناشئة من لحاظ الجزء مستقلا ولحاظه تبعا نعم، قد يشكل ذلك، لاجل أن شرط الطبيعة إن كان شرطا لها بما هي هي، فخلوصها من الرياء إجمالا لا يكفي لصحتها، لحصول ما هو المشروط. وإن كان شرط الاجزاء، فبطلان الجزء لا يستلزم بطلان الكل ولو كان واجبا، لتداركه في المحل، أو لقضائه خارج الصلاة. نعم، الجزء الركني يورث بطلانه بطلانها. فعليه لابد وأن يكون شرط الطبيعة، وشرط الاجزاء معا، حتى يجب الخلوص في جميع الاجزاء، وتبطل الصلاة بالاخلال به في بعضها، وهذا مما لا شاهد له في أدلة المسألة. أقول: الخلط بين لحاظ الجزء مستقلا ولحاظه تبعا، أوجب الشبهة، فإنه ليس الخلوص شرط الاجزاء، بمعنى أن يلاحظ أجزاءها واحدا بعد واحد، واعتبر فيها ذلك، بل هو شرط الاجزاء في لحاظ الاجتماع، لانها ليست إلا الكل والطبيعة الاجمالية، فما هو شرط الطبيعة شرط الاجزاء، وما هو شرط الجزء في لحاظ بقية الاجزاء، هو شرط الطبيعة على الاجمال. فلو أخل بالخلوص في جزء، أخل بشرط الطبيعة، لانه لم يعتبر ذلك الجزء مستقلا، حتى يكون هو باطلا بالاستقلال، وما هو شرط الطبيعة، لابد وأن يلاحظ في جميع أجزاء الطبيعة، لانها ليست إلا هي. فمن الجزء ما هو بحيال الكل، ومن الجزء ما هو في لحاظ البقية

[ 117 ]

عين الكل، فلا تخلط. وتوهم جريان القاعدة فيما لو أخل بشرط العبودية أيضا، بأن تكون صلاته صحيحة لو عبد البيت بعد أمر الرسول، توهما أنه يأمر بعبادته، فاسد، لان العبودية من العناوين المقومة لموضوع لا تعاد... بخلاف الخلوص من الرياء، خصوصا بعض مراتبه المخفية. ولم يتعرض السيد اليزدي في العروة والاصفهاني في الوسيلة لهذه المسألة، وهو الاخلال غير العمدي بشرط الاخلاص خصوصا. نعم، مقتضى عموم فتواهم، صحة العبادة الفاقدة لهذا الشرط، إلا عن عمد، أو في بعض صور الجهل بالمسألة. مختار الوالد المحقق في مسألة الاخلال غير العمدي بشرط الاخلاص وإني بعدما عنونت المسألة عند الوالد المحقق - مد ظله - أجابني: بأن أدلة الرياء، ربما تكون حاكمة على القاعدة، لظهور مآثيرها في أن العمل الريائي ليس بشئ، وما كانت حاله كذلك، فليس صحيحا معه ولو كان عن الجهل أو الغفلة والسهو فتأمل.

[ 118 ]

ذنابة: وفيها امور: الاول: في توقف الاجر على قصد الامتثال والاخلاص قد مر سابقا (1): أن الموضوعات مختلفة: فمنها: ما يكون موضوعة للعبادة، وما كان كذلك تحصل القربة بها بأنفسها، بعد الاتيان بها عبادة له تعالى. ولنعم العبد يخلص عمله من الشوائب والكدورات، وانضمام المحرمات إليه. ومنها: ما لا يكون بنفس ذاتها العرفية، عبادية عرفا واعتبارا، فالقرب بها لا يحصل بنفس الاتيان بالمتعلقات، وإن كانت أوامرها تسقط به، وعليه لابد من نية الجهات المحسنة المقربة، حتى يستحق الثواب، بناء على عموم يدل على ثوابه تعالى على كل ما كان كذلك. ومن تلك الجهات قصد امتثال أمره، والانبعاث نحو المطلوب التوصلي ببعثه وتحريكه. ولو راءى هنا فقد حبط عمله، ولا خير له فيه. مضافا إلى شر الشرك والرياء، فإن الانبعاث والتحرك نحو مطلوبه بتحريكه وبعثه، وبالامور الراجعة إليه تعالى الموجودة في نفسه، والكامنة في خزانة خياله، لا يجتمع معها إلا بالشركة، وإن كان أمره على التعليق كافيا لبعثه، وأنه تمام العلة عند فقد الجهة الاخرى


1 - تقدم في الصفحة 78 - 79.

[ 119 ]

غير الالهية. ومقتضى أدلة اختصاص الاجر بالتحرك بتحريكه، انحصاره به أيضا، بل بعضها صريح في ذلك (1). والمسألة ليست فقهية، فتكون محولة إلى محل آخر (2). الثاني: في بطلان العمل بالرياء المحرم وقد يتوهم: أن الرياء المحرم يورث البطلان (3)، لاجل منافاته للعبودية، كالضمائم المحرمة حين الصلاة، على ما عرفت منا تقريره (4). وفيه: أن مقتضى أخباره صحة الاعمال الريائية (5)، ومنها يعلم تناسبه مع العبودية واجتماعه معها. هذا مع أن ما ذكرنا من الضمائم المحرمة المنافية لصدق العبادة هو فيما كانت كثيرة مجتمعة، دون الاشتغال بواحدة منها، وهذا مما لا بأس بالالتزام به مع الرياء أيضا، فإن الشاغل بجوارحه وحواسه وقلبه بالمعصية حال العبادة، ربما لا يعد عابد الله تعالى، وعمله عبادة ومقربا عرفا، وإن أمكن ذلك عقلا.


1 - تقدم في الصفحة 88 - 90. 2 - لاحظ تحريرات في الاصول 2: 152 - 161. 3 - الصلاة، الحائري: 133. 4 - تقدم في الصفحة 107. 5 - تقدم في الصفحة 84.

[ 120 ]

الثالث: في أن الرياء في العبادة قد يكون حلالا ثم اعلم: أن الرياء المحرم أو المبطل، هو الذي لم يكن موجها بوجهة الله تعالى، فلو كان في إراءته عبادته للناس، حسنا ووجها إلهيا، فهي المحللة غير المبطلة، كما لو أراد بها أن يعلم الناس أنه يعبده، فهم - تبعا له - يعبدونه، لعظمة منه في قلوبهم، واعتقادهم به، وتكون عبادته برهانا لهم على وجوده تعالى، ولزوم الخضوع لديه. فهو يعبد الله تعالى، لاراءة الناس، حتى يعلموا أنه يعبده تعالى، ولكن في ذلك وجهة إلهية مطلوبة، وهي أنهم يعتقدون به ويعبدونه. ولا أظن التزام القائلين باشتراط الخلوص، بطلان مثلها. وبعبارة اخرى: لو كان الرياء في العبادة، للعمل بالوظيفة الاخرى الالهية، فهو مضافا إلى أنه ليس محرما ليس مبطلا. ودعوى التفصيل بين الوظائف المترتبة عليها، فما كان مثل المثال السابق فالامر كما قيل، وأما لو راءى لرزق عياله الواجب عليه، أو للواجب الاخر المقارن له فلا، لظهور بعض الروايات في المنع عنه، وأ نه إذا أخلص عمله لله تعالى، يسرح عنه فيما يرجوه ويريده (1). غير مسموعة، لعدم دلالتها على الازيد من الرجحان والمحبوبية، وإطلاق أخبارها منصرف عن مثل ما لو كان في ريائه وجه الله، فإن ذلك


1 - المحاسن: 254 / 280، الكافي 1: 21 / 33، وسائل الشيعة 1: 61، كتاب الطهارة، أبواب مقدمة العبادات، الباب 8، الحديث 11.

[ 121 ]

يرجع إلى حفظ حدود الله، وما هو المحرم المبطل المستفاد منها، هو ما كان الغير شريكا، بخلاف ما لو كان العمل بجوانبه له تعالى، وإدخال الغير للوصول إلى الغرض الاخر منه، والوظيفة الاخرى، فلاحظ وتدبر جيدا. ولعمري، إنه بعد التأمل فيما ذكرناه، يظهر أن إطلاق كلامهم في إبطال مطلق الرياء، في غير محله، ولا أظن التزامهم ببطلان عمل الذي لو لم يعبد الله في المسجد، لايعطيه أحد شيئا ليداوي به مرضه الواجب شرعا تداويه، أو لو قال له بعض أهل الخير والامر بالمعروف: بأنه إن حضر الجماعة يعطه ما يعيش به لعدم تمكنه من الاعاشة - يكون عمله محرما، بل وعمل الجاعل والامر بالمعروف أيضا محرما. وتوهم: أن ذلك للعناوين العرضية الحاكمة على إطلاق أدلة الشروط والاجزاء، فاسد لشبهة أحيانا في صغراها، لان تلك الادلة لا ترخص الشرك، فالذي هو الاصح أن أدلته تقصر عن تحريم مثل ذلك، وأن مثلها ليس شركا كما لا يخفى. الرابع: في حكم الجزء المقصود به عبادته تعالى وتعظيم الغير ثم إنه ظهر لك حال المسائل الكثيرة في المقام، وأن البطلان في الفروع السابقة، لا يستند إلى الزيادة العمدية، بل هو مستند إلى الاخلال بشرط الطبيعة، على الوجه الذي مضى سبيله (1)، فلو أتى ببعض أجزاء الصلاة بقصد الصلاة وغيرها - بمعنى أن يعبد بها الله وغيره -


1 - تقدم في الصفحة 112 - 113.

[ 122 ]

فهي باطلة، وإن كان في الجزء المستحبي. وأما لو قصد بركوعه تعظيم الغير والركوع الصلاتي، فإن قلنا: بأن الركوع موضوع لعبادة الله تعالى، فالتعظيم به عبادة، وليست العبادية به قصدية، بل هي منتزعة قهرا منه، لانه لا يصنع به إلا تعظيم الله تعالى، فهي باطلة لما عرفت. وإلا ففي هذه الصورة والصور الاخرى - المشترك فيها قصد الصلاة وقصد غيرها - البطلان غير معلوم، وذلك لان في قصد الصلاة لا يعتبر الاخلاص، وقصدها يتحقق مع شركة الغير، فكأنه يعبد الله بصلاته وركوعه، ويعظم غيره، وهذا ليس رياء حتى يكون باطلا ومبطلا، ولا عبودية له حتى يلزم الشرك، فلا وجه لبطلانه. خلافا لما ظهر من القوم، فإنهم مع قولهم: بأن عبادية الركوع قصدية (1) وتصريحهم: بأن الشركة في القصد ليست رياء، إذا كانت بذلك المعنى (2) قالوا بالبطلان (3)، واختلفوا في بطلان مجموع العمل على أقوال (4)، ولكنك عرفت أن ذلك مما لا وجه له، لانحصار الوجه بما


1 - العروة الوثقى 1: 619 كتاب الصلاة، فصل في النية، المسألة 12. مستمسك العروة الوثقى 6: 32، مهذب الاحكام 6: 145، الصلاة (تقريرات المحقق الداماد) الاملي 3: 321. 2 - الحدائق الناضرة 2: 177، مستند الشيعة 2: 48، مستمسك العروة الوثقى 2: 418 و 6: 30 و 31. 3 - لاحظ مفتاح الكرامة 2: 331، جواهر الكلام 9: 187، العروة الوثقى 1: 618 و 619، كتاب الصلاة، فصل في النية، ذيل المسألة 11 و 12. 4 - نفس المصدر.

[ 123 ]

اشير إليه. ولكنها باطلة على التحقيق، لان الركوع والصلاة موضوعان للعبادة، فالاتيان بهما حمدا للغير وتعظيما، إما يرجع إلى سلب اسم الصلاة أو يرجع إلى عبوديته لغير الله تعالى، وحيث أنه قاصد الصلاة، فتكون تلك الاعمال عبادة للغير قهرا. ولكن الالتزام بأن العبودية ليست من العناوين القصدية، أيضا مشكل، بل ممنوع، فبطلان الجزء المقصود به تعظيم الغير والركوع الصلاتي، غير مبرهن حتى يكون الكل باطلا. الخامس: في أن فساد الجزء مبطل للكل ثم على فرض بطلان الجزء، فهو يورث بطلان الكل، لما مضى من أن ذلك إخلال بشرط الطبيعة، وليس من الزيادة العمدية حتى يتدارك الجزء الباطل، والاخلال بشرطها إن كان عمديا تبطل الصلاة به، وإن كان عن غير عمد فمقتضى عموم لا تعاد... عدم بطلان الجزء، ولا الكل. نعم، لو اختصت القاعدة بالفراغ منها، فمقتضى إطلاق دليل الشرط لزوم الاعادة. والبحث عن الاصول العملية موكول إلى مباحث الخلل (1). فما قد يقال: بأن الاجزاء الباطلة، لا تورث بطلانها وإن كانت واجبة، لانها إن كان في المحل يتداركها، وإن مضى محلها فلا شئ عليه إلا القضاء،


1 - مباحث الخلل في الصلاة الموجودة لدينا خلي عن تلكم المباحث.

[ 124 ]

لو كان من قبيل التشهد والسجدة (1). أو يقال: بصحتها وإن كانت من الاركان، لان بطلان الركن لا يورث بطلان الصلاة، إلا إذا مضى محل تداركه. أو يقال: بالتفصيل بين الاجزاء وبينما يأتي فيها، كالقرآن والذكر، لان ذلك ليس من الزيادة المبطلة (2). كله خال عن التحصيل، وغفلة عن وجه المسألة، كما لا يخفى. الفرع الثاني: في اشتراط استدامة النية كما يجب قصد عنوان المأمور به بدوا، كذلك يجب كونه منويه في جميع الافعال والاقوال إلى آخر الصلاة، بأن يكون شاغلا بها وإن كان غافلا عنها، والاجمال كاف، لعدم الاحتياج إلى الازيد منه، كما مضى تقريره (3). وكما يجب أن يأتي بها عبادة لله تعالى بدوا، كذلك يجب استدامته، والاستدامة الحكمية - على القول بلزوم الاخطار - كافية، لانها باقية موضوعا في خزانة النفس. وعلى القول المنصور غير كافية، لان معنى الاستدامة حكما، هو الذهول الفعلي عما بيده من صورة العمل وعنوانه، وهو بلا شبهة مضر بها، لتقوم المأمور به بالعنوان المأخوذ في الدليل، على ما مضى بيانه (4).


1 - لاحظ مستمسك العروة الوثقى 6: 23. 2 - لاحظ الصلاة (تقريرات المحقق النائيني) الاملي 2: 18. 3 - تقدم في الصفحة 59 - 60. 4 - تقدم في الصفحة 17 و 21 - 22.

[ 125 ]

وقد يخطر بالبال أن يقال: بأنه تارة: يتذكر حين الصلاة، ويشك في أن ما بيده صلاة أو غير صلاة، فإنه لا معنى لايجاب الاتمام، ولا دليل على إحراز موضوع المسألة، لانه الغافل عن حاله السابقة، فعليه يجب الاستئناف. واخرى: يتذكر بعد الصلاة أنه نوى الصلاة، ثم غفل بحيث كان لو سئل: ما تفعل؟ لما كان يقتدر على الجواب، ولكنه أتم ما كان في يده، ثم تذكر أنه افتتح صلاة الظهر، وغفل عنها بنحو قريب من المحو عن خزانة النفس، وأتمها غير شاعر بها، ثم بعد الفراغ من العمل، توجه إلى أنه كان يصلي الظهر مثلا، فإنه حينئذ بمقتضى قوله (عليه السلام) - على ما في بعض الروايات -: إن الصلاة على ما افتتحت (1)، وإنما يحسب للعبد من صلاته التي ابتدأ في أول صلاته (2) ومقتضى عموم لا تعاد... (3) لا تجب الاعادة عليه. توهم عدم مبطلية الغفلة عن عنوان الفعل ووجهه ولو قيل: مقتضى بعض المآثير - مثل معتبرة عبد الله بن المغيرة قال


1 - نص الخبر هكذا: هي على ما افتتح الصلاة عليه تهذيب الاحكام 2: 197 / 776، وسائل الشيعة 6: 6، كتاب الصلاة، أبواب النية، الباب 2، الحديث 2. 2 - تهذيب الاحكام 2: 343 / 1420، وسائل الشيعة 6: 7، كتاب الصلاة، أبواب النية، الباب 2 الحديث 3. 3 - الخصال: 284 / 35، وسائل الشيعة 5: 471، كتاب الصلاة، أبواب أفعال الصلاة، الباب 1 الحديث 14.

[ 126 ]

في كتاب حريز أنه قال: إني نسيت أني في صلاة فريضة حتى ركعت، وأنا أنويها تطوعا. قال فقال: هي التي قمت فيها، إن كنت قمت وأنت تنوي فريضة، ثم دخلك الشك، فأنت في الفريضة، وإن كنت دخلت في نافلة فنويتها فريضة، فأنت في النافلة، وإن كنت دخلت في فريضة، ثم ذكرت نافلة كانت عليك، فأمض في الفريضة (1) - هو أن الغفلة حين العمل عن عنوان الفعل، غير مضرة، فضلا عن لزوم التوجه التفصيلي به. بل الطبيعة بعدما افتتحت بعنوان الفريضة، فهي على ما افتتحت، وإن أتمها بعنوان الفريضة الاخرى أو نافلة، وكان غافلا حينها - بحيث لا يقتدر على الجواب لو سئل عن فعله، ويبقى متحيرا، بل ولو أجاب بشئ آخر مضاد لما نواه - فإن ظاهرها وظاهر بعض آخر، أن الميزان افتتاحها، وعروض العناوين المضادة، وخلوها عن عنوان العمل كله، لا يضر بحصول المطلوب. ومن هذه المآثير، رواية عبد الله بن أبي يعفور، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن رجل... إلى أن قال: وإنما يحسب للعبد من صلاته التي ابتدأ في أول صلاته (2). فإنها كالنص، في أن المدار على ذلك، وإن لم يلتزم به الاصحاب


1 - الكافي 3: 363 / 5، تهذيب الاحكام 2: 342 / 1418، وسائل الشيعة 6: 6، كتاب الصلاة، أبواب النية، الباب 2، الحديث 1. 2 - تهذيب الاحكام 2: 343 / 1420، وسائل الشيعة 6: 7، كتاب الصلاة، أبواب النية، الباب 2، الحديث 3.

[ 127 ]

- رضوان الله تعالى عليهم -. جواب التوهم السابق قلنا: هذه الطائفة من المعاصير تحتمل وجوها: منها: أنها تكون ناظرة إلى سلب اعتبار النية التفصيلية حال الصلاة، وأن توهم العنوان الاخر، ونية الصلاة الاخرى بنحو الخطور بالبال، مع التوجه إلى عنوان صلاته بدوا، لا يضر بتلك النية والعمل. ومنها: أنها ناظرة إلى نفي جواز العدول من الصلاة إلى صلاة اخرى، وأنه بعدما افتتح ا لصلاة لا يجوز له العدول، وإنما يحسب له ما افتتح عليه. ومنها: أنها ناظرة إلى مقام الثبوت، وأن الصلاة المفتتحة على عنوان، فهي باقية عليه وإن ذهل عن ذلك العنوان، أو طرأ العنوان المضاد له، وتحسب له تلك الصلاة، ولكنها في مقام الامتثال، هل يجوز الاكتفاء بمثلها؟ فهي ساكتة عنه، والمسألة ترجع إلى حكم العقل، وهو الاشتغال. ومنها: أنها ناظرة إلى أن القيام للصلاة الخاصة، كاف عن النية، ولعله لكونه أمارة ظنية على تلك النية المعتبرة المقارنة للعمل، وهو مختار بعض الاصحاب حيث قال: بأن في صورة الشك في أن ما بيده ظهر أو عصر، يبني على ما قام إليها (1).


1 - البيان: 154، ذكرى الشيعة: 178 / السطر 12، مسالك الافهام 1: 293، جامع المقاصد 2: 230.

[ 128 ]

وهذا هو مقتضى صدر رواية ابن أبي يعفور، عنه (عليه السلام) قال: سألته عن رجل قام في صلاة فريضة، فصلى ركعة، وهو ينوي أنها نافلة. فقال: هي التي قمت فيها ولها. وقال: إذا قمت وأنت تنوي الفريضة، فدخلك الشك بعد، فأنت في الفريضة على الذي قمت له، وإن كنت دخلت فيها وأنت تنوي نافلة، ثم إنك تنويها بعد فريضة، فأنت في النافلة، وإنما يحسب للعبد... (1). فبالجملة: مقتضى هذا الاحتمال، هو أن القيام للصلاة المعينة، في حكم الامارة الظنية على عنوان الطبيعة، والافتتاح على ذلك تمام الموضوع، لكفاية النية بحدوثها، ولا حاجة إلى بقائها حتى بوجودها الواقعي الاجمالي، فضلا عن وجودها التفصيلي. نعم، لو لم يعلم لماذا قام، فهي باطلة، أي لا يصح الاجتزاء بما في يده أو ما فرغ عنه، لعدم الامارة على النية المعتبرة في سقوط الامر. وهذا الاحتمال هو الاقرب من الاخريات، والاوفق بظواهر الروايات مجموعا، وإن كان مفاد بعض منها، أقرب إلى البعض منها، ومن تلك الروايات رواية معاوية قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل قام في الصلاة المكتوبة، فسها فظن أنها نافلة، أو قام في النافلة فظن أنها مكتوبة. قال: هي على ما افتتح الصلاة عليه (2).


1 - تهذيب الاحكام 2: 343 / 1420، وسائل الشيعة 6: 7، كتاب الصلاة، أبواب النية، الباب 2، الحديث 3. 2 - تهذيب الاحكام 2: 197 / 776 و 343 / 1419، وسائل الشيعة 6: 6، كتاب الصلاة، أبواب النية، الباب 2، الحديث 2.

[ 129 ]

ولعلها ناظرة إلى أن الظن بالخلاف، لم يكن إلى حد لو يسأل عنه عن فعله، لما كان يقتدر على الجواب، بل كان بحيث يتذكر العنوان المفتتح به لو سئل عنه. وعليه يحمل قولهم: لو دخل في فريضة، فأتمها بزعم أنها نافلة غفلة، أو بالعكس، صحت على ما افتتحت عليه (1) وإلا فإطلاقه ممنوع، لما أن الغفلة لو كانت إلى حد التحير ونسيان صورة العمل وعنوانه، تضر بالصحة، للاخلال بالشرط، على ما صرحوا به: من أن استدامة النية واجبة إلى آخر الصلاة، بمعنى عدم حصول الغفلة بالمرة (2) فراجع وتدبر. فبالجملة: مقتضى القاعدة اشتراط النية استدامة. هل تدل الروايات على كفاية بعض الامور عن الاستدامة؟ ولكن الكلام هنا، في أن هذه المآثير، تدل على أن افتتاح العمل بعنوان يكفي، ولا تلزم الاستدامة. أو تدل على أن القيام له كاف، وإن لم يعلم النية حين التكبيرة. أو تدل على مقالة المشهور، وأن المراد من القيام للعمل هو الشروع فيه، أو القيام المتصل به الملازم نوعا للنية، وأن المفروض فيها هو العارف بأنه افتتح صلاته بعنوان الفريضة مثلا، ثم شك في أنها


1 - العروة الوثقى 1: 620، كتاب الصلاة، فصل في النية، المسألة 18. 2 - العروة الوثقى 1: 620، كتاب الصلاة، فصل في النية، المسألة 15.

[ 130 ]

نافلة، بعد العلم بأنها مفتتحة على الفرض، فإنها تدل على لزوم البناء على الفرض، وذلك ليس إلا لتوجهه إلى الفرض، وغفلته عنه برهة من العمل، وذلك ليس يضر بصحته، إلا على القول بلزوم التوجه التفصيلي في جميع الانات والاحيان، وهو ممنوع بالاجماع المركب، وبمقتضى هذه الروايات الشريفة. وقد يحتمل أن يكون المفروض فيها، هو العارف بافتتاح العمل بعنوان كذا، وإذا سها وظن أنها نافلة، لا يتوجه ثانيا إلى عمله، لاحتمال فراغه منها وشروطه في النفل، وحينئذ لو قلنا بصحة ذلك العمل، ولزوم إتمامه فرضا، فهو على خلاف القواعد. ولكنه بعيد إنصافا. حدود دلالة رواية معاوية المتقدمة والذي يظهر لي: أن هذه المآثير مختلفة المضمون والمفاد، فإن رواية معاوية (1) - مضافا إلى ضعف سندها (2) - تقصر عن إثبات حكم على


1 - تهذيب الاحكام 2: 197 / 776 و 343 / 1419، وسائل الشيعة 6: 6، كتاب الصلاة، أبواب النية، الباب 2، الحديث 2. 2 - لان في السند محمد بن عيسى (بن عبيد) عن يونس قال فيه النجاشي: ذكر أبو جعفر بن بابويه عن ابن الوليد أنه قال: ما تفرد به محمد بن عيسى من كتب يونس لا تعتمد عليه، وضعفه الشيخ أيضا، انظر رجال النجاشي: 333 / 896، الفهرست، الشيخ الطوسي: 140 / 601، معجم رجال الحديث 17: 113 / 11509 مضافا إلى ضعف طريق الشيخ إلى العياشي لوقوع أبي المفضل الشيباني فيه، لاحظ رجال النجاشي: 396 / 1059، الفهرست: 136 / 593.

[ 131 ]

خلاف القاعدة، للاحتمال الذي مر منا (1)، ولا إطلاق للجملة السؤالية، حتى يتمسك بالقول بعدم التفصيل، لاثبات الاطلاق في المرام. مع أن الجهة المسؤول عنها غير معلومة، لانه لايتم سؤاله بما ذكره، للزوم بيان أنه بعدما سها، فهل يتم نافلة، أو فريضة؟ إن كان المقصود في الاثناء، أو أنه بعدما سها وأتم، فهل يكتفي به أم لا؟ فعليه ربما كان المقصود هو السهو الاني العارض نوعا على المصلين، فتأمل جيدا. التعرض لمفاد رواية ابن أبي يعفور ورواية ابن أبي يعفور المعتبرة (2)، تدل بصدرها على ممنوعية العدول، وهكذا بذيلها. نعم، الجملة المتوسطة المتعرضة لحال الشك، تدل على أن الشك والنية المخالفة لا يضران بالنية الاولى. وأما فرض ذهوله عن النية الاولى، فهو خلاف المفروض فيها، لان الكلام مسوق لبيان المسألة على أنه يدري افتتاح الصلاة بعنوان الفريضة. وهذه الرواية وسابقتها، ربما تدلان على أن المراد من القيام هو


1 - تقدم في الصفحة 128 - 129. 2 - تهذيب الاحكام 2: 343 / 1420، وسائل الشيعة 6: 7، كتاب الصلاة، أبواب النية، الباب 2، الحديث 3.

[ 132 ]

الشروع في العمل، لقوله (عليه السلام) فيها: وإن كنت دخلت فيها ولقوله: قام في الصلاة مثلا، ولا ظهور لها في أن المقصود، هو القيام للصلاة، ويكون ظرف النية موسعا، حتى تصح صلاة الذاهل حين الشروع. بل الجملتان المتعرضتان لبيان الاصل في المسألة - وهو أن المدار على ما افتتحت الصلاة عليه - تدلان على لزوم النية حال الافتتاح. نعم، لو فرضنا دلالتها على كفايتها حين القيام للصلاة، فهو لاجل أن القيام لها، ملازم للعنوان حينها، وتكون من الامارات العقلائية على وجود اللزوم، مع جريان أصالة عدم السهو والغفلة عما قام له ونهض، فليتدبر. مفاد رواية ابن المغيرة وإن رواية ابن المغيرة (1) كالنص، في أن المقصود هو الغفلة عن افتتاح الصلاة، والاتيان بها في الاثناء نافلة، ثم تذكره وتردده في لزوم الاتمام فرضا، أو ندبا ونفلا، فقال (عليه السلام): إن الميزان هو النية الاولى، والثانية لا تضر. نعم، مقتضى إطلاقها عدم مضريتها حتى لو كان يعلم: أنه لو يسأل لما أجاب في تلك الحال إلا بالنفل، وهذا خلاف القاعدة، إلا أن الافتاء بمثلها


1 - الكافي 3: 363 / 5، تهذيب الاحكام 2: 342 / 1418، وسائل الشيعة 6: 6، كتاب الصلاة، أبواب النية، الباب 2، الحديث 1.

[ 133 ]

غير ممنوع جدا، بعد اقتضاء عموم لا تعاد... (1) ذلك أيضا. صور الشك في نية الصلاة فتحصل: أنه تارة: يتذكر حين الصلاة، واخرى: يتذكر بعد الصلاة. وعلى الاول تارة: يتذكر أنه افتتح الصلاة فريضة، ثم أتى ببعض منها نافلة، ولم يكن غافلا بالمرة، فإنها صحيحة على المعروف (2)، ويتم صلاته. واخرى: يتذكر ولا يكون كذلك، فهو أيضا يتم على ما استخرجناه من الرواية. وثالثة: يكون شاكا في أن ما بيده صلاة، أو غير صلاة، ويعلم بشروعه في الصلاة، ولكن يحتمل تماميتها، وهذا عمل غير الصلاة، ويحتمل صلاتية هذا العمل أيضا، فإنه حينئذ يستأنف بلا شبهة، وإن كان احتمال كفايته لو أتمها فرضا، غير بعيد بحسب الثبوت، ولكنه لا يجتزئ به إثباتا، بل عليه الاعادة. وعلى الثاني: ربما تتم صلاته مطلقا، لعموم القاعدة، ولافتتاحها بعنوانها المعتبر فيها. ولو دل الدليل على اشتراط الاستدامة، فهو محكوم بعموم القاعدة، ولا يشترط في شمول القاعدة، تصوير إمكان الاخلال العمدي.


1 - الخصال: 284 / 35، وسائل الشيعة 5: 471، كتاب الصلاة، أبواب أفعال الصلاة، الباب 1، الحديث 14. 2 - لاحظ العروة الوثقى 1: 620، كتاب الصلاة، فصل في النية، المسألة 18.

[ 134 ]

ولو سلمنا شرطيته، للزوم لغوية جعل الحكم الوضعي من غير ترتب الاثر عليه، فيكفي أن يكون الاثر بطلان الصلاة بالاخلال السهوي، دون الجهلي. كما يمكن دعوى: أن دليل اشتراط النية استدامة، ليس إلا حكم العقل (1)، ضرورة أنه بدونها لا يتمكن من إتيان المأمور به بعنوانه، وكونه معنونا في ابتداء العمل، لا يكفي استدامة، ولكن للشرع سلب اعتباره استدامة، فلو افتتح الصلاة بعنوان الظهر فأتم، ثم تذكر غفلته حينها، بذهوله عن العنوان كلا، وتحيره في الجواب لو يسأل عنه، تصح صلاته. وتفصيل المسألة من جهة القاعدة، وما أبدعنا هنا، يطلب من رسالتنا المعمولة في حدودها وإفاداتها فليراجع (2)، فإن المسألة تحتاج إلى التفصيل، وان قلت قلتات كما لا يخفى. الفرع الثالث: حول اشتراط الجزم بإتمام العمل المشهور اشتراط الجزم بالاتمام، والبناء على أن يتم الصلاة التي شرع فيها (3)، فلا يجوز الشروع في الصلاة مع البناء على قطعها في الاثناء، وهكذا مع الشك في إمكان الاتمام، والبناء على قطعها لو طرأ عارض، كمجئ زيد وأمثال ذلك.


1 - انظر مستند العروة الوثقى 3: 58، مهذب الاحكام 6: 150. 2 - رسالة في قاعدة لا تعاد للمؤلف (قدس سره) (مفقودة). 3 - جامع المقاصد 2: 222 - 225، جواهر الكلام 9: 177 - 186، مصباح الفقيه، الصلاة: 237 / السطر 17، الصلاة (تقريرات المحقق النائيني) الاملي 2: 35 و 36.

[ 135 ]

نعم، لو كان احتمال الطارئ المانع عن الاتمام، غير عقلائي، أو احتمال مجئ زيد بعيدا غايته، فربما يكفي لحصول الاطمئنان به. وهكذا لو نوى في أثناء العمل قطعها، أو قطعها بعد ذلك، أو نوى القاطع والمنافي فعلا، أو بعد ذلك، فإن السيد الفقيه اليزدي اختار البطلان، إلا إذا عاد إلى النية الاولى، ولم يأت ببعض الاجزاء بعنوان الجزئية، ولم يكن ما يأتي به فعلا كثيرا مما تبطل الصلاة به (1)، وفي المسألة أقوال اخر أيضا (2). الحق عدم اشتراط الجزم والخلو من نية القطع والقاطع والذي يقتضيه النظر، أن اللازم بحكم العقل واقتضاء الشرع، قصد عنوان الصلاة وسائر العناوين المعتبرة، ولا يتقوم حصول ذلك بالقطع والجزم المذكور، فلو شرع صلاته في مسيل، واحتمل وجود المانع، ولكنه أتى بها وأتمها، فقد أتى بالوظيفة الشرعية، ولا دليل على اشتراط الازيد مما أتى به، فإن الجزم بالاتمام غير الجزم بالنية. ولو قلنا بشرطيته - لعدم إمكان تحققها بدونه على ما عرفت (3) - فلانقول بشرطية ذاك، لحصول جميع الجهات المعتبرة في الصلاة. وعلى هذا، لا وجه لمنعهم في مسائل الجماعة، الاقتداء مع الشك


1 - العروة الوثقى 1: 620، كتاب الصلاة، فصل في النية، المسألة 16. 2 - لاحظ جواهر الكلام 9: 177 - 186، مستمسك العروة الوثقى 6: 36. 3 - تقدم في الصفحة 61 - 62.

[ 136 ]

في درك الامام، مع أنه لا يعلم بتمكنه من إتمام الصلاة صحيحة، لاحتمال عدم دركه، وتكون الصلاة باطلة (1)، فتأمل. فبالجملة: نية القطع والقاطع والاتيان بالعمل بعنوانه، لا تضر بالصحة، لان ذلك لا يرجع إلى الاخلال بنية العمل، ولا بقربته. نعم، لو نوى في الاثناء العمل الاخر، فهو مورث للبطلان - على إشكال يأتي في المقام الاتي (2) - لان ذلك إخلال بالنية المعتبرة على الاستدامة، فلو دخل في الظهر، ثم نوى العصر وأتم عصرا، فربما تكون صلاته باطلة، لاجل الاخلال بالشرط الركني المقوم للطبيعة والمحصل لها، بخلاف ما لو نوى قطع الظهر في الركعة الرابعة، أو كان مترددا في إتمامها أو قطعها، فإنه لم يخل بالشرط فيها. فتحصل: أن كبرى المسألة غير مبرهنة، فضلا عن فروعها، ولا نحتاج بعد ذلك إلى الغور في المسائل المترتبة عليها، فلاحظ وتدبر. هذا كله حال اعتبار البناء على الاتمام والجزم به، وهو مقالة القدماء (3). حول مختار المتأخرين من كفاية الاتمام رجاء وأما المعروف بين المتأخرين، عدم اشتراط ذلك، ويكفي عندهم


1 - راجع العروة الوثقى 1: 774، كتاب الصلاة، فصل في الجماعة، المسألة 25 و 26. 2 - يأتي في الصفحة 157. 3 - الكافي، أبو الصلاح الحلبي: 150، المبسوط 1: 24، ذكرى الشيعة: 98 / السطر 35.

[ 137 ]

الاتمام رجاء (1)، فلو شرع في الصلاة مع التردد في تمكنه من الاتمام، أو مع البناء على قطعها لو دعاه الناس، ولكنه اتفق له إتمامها، فهي صحيحة، بخلاف ما لو قصد الخلاف، من نية قطع العمل أو القاطع، فإنها تضر، على التفصيل المذكور من الفقيه اليزدي (رحمه الله) (2) وذلك لانه يرجع إلى عدم قصد الصلاة، أو عدم قصد المأمور به وما يطلبه المولى. نعم، فيما لم تكن تلك النية الثانية مضرة - كما لو حصلت له في الاثناء آنا ما فهي صحيحة، لعدم الدليل على اشتراط الازيد من ذلك، بعد عدم تنافيها للصلاة ونيتها. نعم، لو أتى ببعض الصلاة حال النية الثانية، فقد زاد في صلاته عمدا، لان ما أتى به لا يقع منها، وإمكان تداركها لا يكفي بعد الازدياد فيها عمدا. والذي هو التحقيق: أن قصد المأمور به ليس شرطا، وقصد الصلاة - بناء على وضعها للاعم - حاصل، فتوهم أن قصد الخلاف يضر بقصد الصلاة (3)، في غير محله. نعم، ربما يكون بعض المقاصد، مضرا بالعبودية والقربة، فإنه لو قصد أن يضحك في أثناء الصلاة، فإنه لا يتمكن من عبوديته تعالى بذلك


1 - مصباح الفقيه، الطهارة: 103 و 104، العروة الوثقى 1: 98، كتاب الطهارة، فصل إذا صلى في النجس، المسألة 7. الصلاة (تقريرات المحقق النائيني) الاملي 2: 35 و 36، نهاية الاصول: 430 و 431، تهذيب الاصول 2: 317 و 413. 2 - العروة الوثقى 1: 620، كتاب الصلاة، فصل في النية، المسألة 16. 3 - الصلاة (تقريرات المحقق النائيني) الاملي 2: 44.

[ 138 ]

العمل، إذا كان عالما بأن القهقهة ممنوعة في الصلاة ومبطلة لها. وأما قصد قطعها، فإن كان ذلك من الاول، فهو أيضا يضر بشرط الطبيعة، وهي إتيانها عبادة لله تعالى، وليست صورة العبادة اختيارية على ما تقرر (1)، حتى يتوهم تمكنه منها وإن كان قاصدا لقطع صلاته في الاثناء. ولو طرأ قصد القطع في الاثناء، ثم زال فورا، وعاد إلى النية الاولى، فلاتبعد الصحة. وأما لو طرأ، وأتى بمقدار من الطبيعة، فاختار السيد البطلان (2). ولكنه ربما يشكل إمكانه (3)، لانه مع توجهه إلى قصد قطع النية الاولى، كيف يتمكن من قصد الاتيان بمقدار من الطبيعة وأجزائها بعنوان الجزئية، إلا هزلا وغلطا؟! فتلك الاجزاء المأتي بها بعنوان الجزئية، لا تضر زيادتها. بطلان الصلاة مطلقا إلا بالعود الفوري أو الجهل بالمنافاة نعم، يمكن دعوى بطلان العمل في جميع الصور، لانه إعراض عن صورة العمل، واشتغال بالعمل الاخر المقابل له، فكأنه ترك الصلاة، واشتغل بعمل آخر، وترك الصلاة في الاثناء، مضر بالنية المشروطة فيها بدوا واستدامة.


1 - تقدم في الصفحة 81. 2 - العروة الوثقى 1: 620، كتاب الصلاة، فصل في النية، المسألة 16. 3 - لاحظ مستمسك العروة الوثقى 6: 39.

[ 139 ]

وإن شئت قلت: لو عاد بعد ذلك إلى النية الاولى، يعد من إضافة النية وتكرارها، وتصير الطبيعة لزيادة الركن باطلة. وبعبارة اخرى: الاعراض عن النية الاولى، والعود إليها، تارة: يتفق في زمان يعد عرفا من إعادة المعدوم، واخرى: يكون في زمان لا يكون كذلك، بل يعد خروجا من الصلاة بذلك العمل المقصود به غير الصلاة، ولو عاد إلى النية الاولى فهي زيادة فيها، أي نية مستقلة للصلاة بمقدار الباقي منها، فكأنه أتى بمقدار من الطبيعة بالنية الاولى، وبمقدارها الاخر بالنية الثانية. وتوهم عدم الدليل على بطلان العمل بزيادة النية لو أمكنت (1) فاسد، لرجوع ذلك إلى أن الصلاة أعمال متعددة متعاقبة، ويستقل كل بعنوان مقابل للاخر، ويحتاج إلى النية المستقلة، وهو باطل بالضرورة كما لا يخفى. فما أفاده القوم: من صحة الصلاة الكذائية (2) - خصوصا لو كان ما اشتغل به بعد الاعراض، القرآن والذكر - في غاية السقوط، بل الصلاة في جميع الفروض باطلة، إلا في الفرضين: أحدهما: نية القطع والعود فورا. ثانيهما: نية القاطع مع الجهل بأنه مناف للصلاة. بل البطلان فيما لو اشتغل بالاعمال الاخر بعنوان غير الصلاة


1 - انظر جواهر الكلام 9: 154، مصباح الفقيه، الصلاة: 233 / السطر 24. 2 - الخلاف 1: 307، جواهر الكلام 9: 177، العروة الوثقى 1: 620، كتاب الصلاة، فصل في النية، المسألة 16.

[ 140 ]

- كالقرآن والذكر - أقوى وأظهر مما لو اشتغل بأجزاء الصلاة بعنوانها، خلافا لما يظهر من السيد (1)، ضرورة أنه اشتغال بالصلاة، وليس من الزيادة فيها عرفا لو تمكن من قصد الجزئية، بل هو من قبيل الاخلال بالنية. دليل وجداني على بطلان مقالة المتأخرين ومما يتوجه إليهم: أن حال النية الثانية وهي نية القطع مثلا، لو كانت بعد الاعراض عن النية الاولى - وهي نية الصلاة حال الصلاة - لكان يحرم عليه بعد ذلك المنافيات والقواطع، فلو اشتغل حال الاشتغال بالقرآن، ببعض المنافيات كالاكل والشرب، يكون آثما وعاصيا، مع أن وجدان كل ذي وجدان، يجد جوازها لنفسه معللا: بأنه خارج عن الصلاة، وأبطل عمله بالقطع، وأعرض عنه من غير كونه مراعى بمضي زمان طويل، أو اشتغال بالمضادات والافعال الكثيرة، فلاحظ وتدبر جيدا. تنبيه: في تصوير زيادة النية وحكمها المشهور عدم تصوير الزيادة في النية (2). وهو إن كان يرجع إلى عدمها بالنسبة إلى مجموع العمل، فكذلك إلا على القول بالاخطار.


1 - العروة الوثقى 1: 620، كتاب الصلاة، فصل في النية، المسألة 16. 2 - لاحظ جواهر الكلام 9: 154، مصباح الفقيه، الصلاة: 233 / السطر 24، العروة الوثقى 1: 613، كتاب الصلاة، فصل في واجبات الصلاة.

[ 141 ]

وإن كان يرجع إلى بعض العمل، فربما يمكن أن يتصور كما عرفت آنفا (1)، فإن النية الاولى، تزول بنية القطع مع تعلقها بمجموع العمل، ثم بعد العود إلى النية الاولى، يتعلق به النية الثانية، لامتناع إعادة المعدوم. وتوهم: أنها هي الاولى عرفا، في غير محله مع الفصل الطويل، كقراءة سورة من القرآن كالتوحيد ونحوه، فما اشتهر من عدم التصوير، ممنوع بإطلاقه. فهل هي مثل زيادة الركوع، فتكون باطلة بها؟ أو هي مثل زيادة تكبيرة الاحرام على قول (2)، فلا تكون باطلة، لعدم الدليل على ركنيتها بالمعنى الاول؟ إلا ما مضى سابقا منا تقريره (3)، وهو أن الصلاة عمل واحد في الاعتبار، وهو يحتاج إلى النية الواحدة، ولو كفت النية الثانية المتعلقة ببقية الاجزاء، يلزم اعتبارها تفصيلا في مورد الامر والايجاب، وهو لو لم يمتنع، يكون خلاف الظاهر من الادلة، وخلاف القواعد المتعارفة في كيفية اعتبار المركبات (4). هذا مع أن المسألة عندنا، لا تحتاج إلى إثبات ركنيتها المطلقة، لان


1 - تقدم في الصفحة 139. 2 - لاحظ جواهر الكلام 9: 220، العروة الوثقى 1: 613، كتاب الصلاة، فصل في واجبات الصلاة، التعليقة 4 و 5، العروة الوثقى 1: 626، كتاب الصلاة، فصل في تكبيرة الاحرام، التعليقة 4، مستمسك العروة الوثقى 6: 54، منهاج الصالحين 1: 158. 3 - تقدم في الصفحة 139. 4 - لاحظ تحريرات في الاصول 8: 34.

[ 142 ]

بالاخلال بالاولى تبطل الصلاة لما مر (1)، ومع العود إليها فورا، ليس من تعدد الركن عرفا، حتى تكون باطلة. نعم، على مبناهم ربما يشكل الامر عليهم، كما لا يخفى. ولا يخفى أيضا: أن النية في الصلاة الاحتياطية - بناء على أنها تبديل الامتثال - من الزيادة فيها احتمالا، وبعد الكشف يقينا، فتصويرها ممكن إجمالا. الفرع الرابع: في حكم الصلاة الفاقدة لعنوان الظهرية ونحوه لو صلى في أوقات الصلوات، الركعات الواجبة فيها عليه، مع الغفلة أو الجهل أو النسيان، بأنه يجب عليه الاتيان بثمان ركعات النهارية بعنوانين وهكذا، بل كان يعتقد بأنه لا يجب إلا ثمان ركعات بعد الزوال، وسبع بعد الغروب، واثنتين في الغداة، من غير الزيادة عليها، وقد صلى سنوات، فهل عليه الاعادة أم لا؟ فيه وجهان، والمشهور - على ما يستظهر منهم - وجوبها (2). وقد يمكن دعوى عدم الوجوب، لان العناوين المقومة للطبيعة المأمور بها، دخيلة في جريان القواعد في الاثناء، ضرورة أن صورة العمل ما لم تكن محفوظة، لا تجري القاعدة، وإذا كانت محفوظة فلاشك في


1 - تقدم في الصفحة 138. 2 - مفتاح الكرامة 2: 319، جواهر الكلام 9: 158، العروة الوثقى 2: 614، كتاب الصلاة، فصل في النية، المسألة 1.

[ 143 ]

الصورة، على ما مر تفصيله (1)، وأن أدلة البناء على أحد طرفي الترديد، لا تشمل صورة الشك في العنوان، لعدم الوجه لاختيار أحد الطرفين تعيينا، ولا نص بالخصوص حتى يكون هو المرجع. وأما بعدما فرغ من الصلاة غير المفتتحة على عنوان خاص، فمقتضى قاعدة لا تعاد... نفي وجوب الاعادة، وصحة المأتي بها، والاكتفاء بها، لمضي الشرع - حسب دلالتها - عن العناوين المقومة، واكتفائه بنفس الركعات. وتوهم: أن المكلف المفروض نوى الواجب والمطلوب، في غير محله، لان المفروض غير هذه الصورة. مع أنك قد أحطت خبرا، بعدم كفاية ذلك لتحصيل العناوين القصدية، التي لا وعاء لها إلا الذهن (2). فبالجملة: ربما لا يستبعد صحة التمسك بها لنفي الاعادة، بعدما كان يأتي بالركعات - حسب اعتقاده - في أوقاتها، والمسألة بعد تحتاج إلى التأمل. وربما يمكن دعوى، حكومة قوله (عليه السلام) في معتبرة عبد الله بن أبي يعفور: إنما يحسب للعبد من صلاته التي ابتدأ في أول صلاته (3). فلو كانت صلاته بلا افتتاح وبلا نية، فهي لا تحسب له، كقوله (عليه السلام):


1 - تقدم في الصفحة 21 وما بعدها. 2 - تقدم في الصفحة 21. 3 - تهذيب الاحكام 2: 343 / 1420، وسائل الشيعة 6: 7، كتاب الصلاة، أبواب النية، الباب 2، الحديث 3.

[ 144 ]

لا صلاة لمن لم يقم صلبه (1) وأمثاله. اللهم إلا أن يقال: إن الجملة المشار إليها، ليست في مقام بيان مسألتنا، بل هي ناظرة إلى صلاة مفتتحة على نية، وأنها عليها تحسب وإن أخل بها في الاثناء مثلا. ومما يمكن أن يستدل به على وجوب الاعادة، رواية مصدق، عن عمار، عن أبي عبد الله (عليه السلام): في الرجل يريد أن يصلي ثماني ركعات، فيصلي عشر ركعات، ويحتسب بالركعتين من صلاة عليه. قال: لا، إلا أن يصليها متعمدا، فإن لم ينو ذلك فلا (2). فإنها كالنص في لزوم الاعادة، وعدم صحة الاكتفاء بمجرد الاتيان بالركعتين الموافقتين مع ما عليه، فلا تغفل.


1 - الكافي 3: 320 / 4 و 6، تهذيب الاحكام 2: 78 / 290، وسائل الشيعة 6: 321، كتاب الصلاة، أبواب الركوع، الباب 16، الحديث 2. ولاحظ أيضا: وسائل الشيعة 5: 488، كتاب الصلاة، أبواب القيام، الباب 2. 2 - تهذيب الاحكام: 343 / 1421، وسائل الشيعة 6: 7، كتاب الصلاة، أبواب النية، الباب 3، الحديث 1.

[ 145 ]

المقام التاسع في حكم العدول من السابقة إلى اللاحقة وبالعكس لا شبهة في عدم صحة العدول، حسب الموازين العقلية والصناعات العلمية، لا من السابقة إلى اللاحقة، ولا العكس. وتوهم: أن هذه المسائل اعتبارية قصدية، والطبيعة كما توصف ب‍ الظهرية بالقصد، كذلك توصف ب‍ العصرية بعد انقلاب النية، والادلة الشرعية لا تصحح الممتنعات العقلية، فمن شرع في العصر، ثم تذكر أنه لم يأت بالاولى، فله أن ينويها ظهرا وأتمها، وهذه كافية لحصول الوصف المقوم للطبيعة بذلك (1). فاسد، بداهة أن مقتضى الادلة اتصاف الطبيعة بأجزائها - التي هي ليست إلا هي - بالاوصاف اللازمة، لا الطبيعة المهملة، على ما مضى


1 - انظر مهذب الاحكام 6: 161 - 162.

[ 146 ]

سبيله (1)، وعندئذ يكون ما بيده فاقدة الصفة المعتبرة قيدا في المأمور به. واتصافها بعد ذلك وإن أمكن، إلا أن ذلك لا يورث انقلاب ما أتى به عما كان عليه، وتلك الاوصاف ليست من الامور الاعتبارية بالمعنى الحقيقي، بل هي من الحقائق الذهنية الموجودة في النفس، الموجبة لاتصاف الخارج ب‍ الظهرية والعصرية فلا يمكن سلبها بعد وجودها، بخلاف الامور الاعتبارية، فلا تخلط. ثم إن مقتضى بعض الروايات السابقة (2)، ممنوعية العدول، ففي رواية معاوية قال (عليه السلام): هي على ما افتتح الصلاة عليه (3). بل ربما يمكن دعوى معارضة قوله (عليه السلام) في معتبرة ابن أبي يعفور: إنما يحسب للعبد من صلاته التي ابتدأ في أول صلاته (4) مع الاخبار المرخصة للعدول (5)، لحجية مفهوم الحصر، بل وإباء هذه الجملة عن التقييد. فبالجملة: ممنوعية العدول - حسب القواعد، والاخبار، والفتاوى - بديهية.


1 - تقدم في الصفحة 116. 2 - تقدم في الصفحة 125 - 126. 3 - تهذيب الاحكام 2: 197 / 776 و 343 / 1419، وسائل الشيعة 6: 6، كتاب الصلاة، أبواب النية، الباب 2، الحديث 2. 4 - تهذيب الاحكام 2: 343 / 1420، وسائل الشيعة 6: 7، كتاب الصلاة، أبواب النية، الباب 2، الحديث 3. 5 - وسائل الشيعة 4: 290، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت، الباب 63.

[ 147 ]

توهم دلالة الاخبار المرخصة على الجواز وجوابه وربما يتوهم، دلالة الاخبار المرخصة على الجواز مطلقا، لانها بترخيصها تدل على أن الشرط، ليس العنوان على الاطلاق، حتى يلزم اتصاف الطبيعة به في جميع أجزائها، فعليه يكون مقتضى القاعدة جواز العدول، لان وجه المنع ظهور الروايات الشريفة في لزوم اتصاف الطبيعة ب‍ الظهرية والعصرية حتى تكون مسقطة لامرها، وحيث سقط ظهورها - بقرينية تلك الاخبار - فيعلم جوازه على الاطلاق إلا مع الدليل. وقد يمنع ذلك، لاجل سقوط الروايات السابقة طرا، مع أن فيها المعتبرة، وعليها الفتوى (1). وتوهم أنها ساقطة بالمعارضة، غير معلوم، لاحتمال اختصاصها بمنع العدول من الفريضة إلى النافلة. ومما يشهد لذلك: أن مورد تلك المآثير، نية الفريضة في النافلة وبالعكس. ولو فرضنا سقوط العلة عن الحجية، لا يسقط الخبر عنها. مع أن قوله (عليه السلام): هي على ما افتتح (2) لا يعارض أخبار العدول (3)،


1 - جواهر الكلام 5: 199 و 200، العروة الوثقى 1: 620، كتاب الصلاة، فصل في النية، المسألة 18. 2 - تهذيب الاحكام 2: 197 / 776 و 343 / 1419، وسائل الشيعة 6: 6، كتاب الصلاة، أبواب النية، الباب 2، الحديث 2. 3 - وسائل الشيعة 4: 290، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت، الباب 63.

[ 148 ]

فيجمع بينهما با لتقييد، فيبقى دليل المنع - في غير مورد أخبار ترخيص العدول - بحاله. وتوهم ضعف سند رواية معاوية (1)، في محله، إلا أن انجباره بعملهم قوي (2)، فتدبر جدا. هذا مع أن إفادة كلمة إنما للحصر محل البحث، بل منعه جماعة (3)، وإباءها عن التقييد ممنوع. بل يمكن دعوى نظارة قوله (عليه السلام): إنما يحسب للعبد... إلى أن الصلاة الواقعة في محلها ورتبتها، إذا افتتحت على نية، لا يجوز العدول منها إلى غيرها، وأما الصلاة الواقعة في غير محلها، فهي غير ناظرة إليها كما لا يخفى. إذا عرفت قضية القواعد، وممنوعية العدول، فالكلام في مباحثها يتم في ضمن جهات، وقبل الخوض فيها، لابد من الاشارة إلى أن مسائل العدول كثيرة، حسب الموارد التي يجوز فيها، ولا نتعرض لها هنا، بل كل منها يحال إلى الكتاب المناسب لها، وقد تعرضنا لها في كتاب القضاء، والتفصيل يطلب من هناك (4).


1 - مستند العروة الوثقى 3: 69. 2 - الدروس الشرعية 1: 166، جواهر الكلام 9: 176 - 177، العروة الوثقى 1: 620، كتاب الصلاة، فصل في النية، المسألة 18. 3 - مفاتيح الاصول: 105 / 4، مناهج الاحكام والاصول: 134 / السطر 23 - 24، مطارح الانظار: 188 / السطر 22، نهاية النهاية 1: 271 - 272، درر الفوائد، المحقق الحائري: 208، لاحظ تحريرات في الاصول 5: 182 - 183. 4 - مباحث القضاء من كتاب الصلاة، للمؤلف (قدس سره)، (مفقودة).

[ 149 ]

والذي هو المناسب للمقام، مسألة جواز العدول من إحدى المرتبتين بالاصالة إلى الاخرى. الجهة الاولى: في مشروعية العدول في الظهرين والعشاءين لاشبهة في جواز العدول إجمالا، حسب النصوص الكثيرة والفتاوى، فلو شرع في العصر قبل أن يأتي بالظهر، يعدل إلى الاولى ويتم ظهرا، ثم يأتي بالعصر، ولا شئ عليه، وهكذا في صلاة المغرب والعشاء. وتدل عليه معتبرة الحلبي، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل أم قوما في العصر، فذكر وهو يصلي بهم أنه لم يكن صلى الاولى. قال: فليجعلها الاولى التي فاتته، ويستأنف العصر، وقد قضى القوم صلاتهم (1). ومعتبرة زرارة المفصلة، وفيها: فإن كنت قد صليت العشاء الاخرة، ونسيت المغرب، فقم فصل المغرب، وإن كنت ذكرتها، وقد صليت من العشاء الاخرة ركعتين، أو قمت في الثالثة، فانوها المغرب، ثم سلم، ثم قم فصل العشاء الاخرة... (2).


1 - الكافي 3: 294 / 7، تهذيب الاحكام 2: 197 / 777 و 269 / 1072، وسائل الشيعة 4: 292، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت، الباب 63، الحديث 3. 2 - الكافي 3: 291 / 1، وسائل الشيعة 4: 290 و 291، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت، الباب 63، الحديث 1.

[ 150 ]

شبهة عدم جواز العدول من العشاء إلى المغرب وجوابها وقد يشكل جواز العدول من العشاء إلى المغرب، لرواية ابن مسكان، عن الحسن بن زياد الصيقل، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل نسي الاولى، حتى صلى ركعتين من العصر. قال: فليجعلها الاولى، وليستأنف العصر. قلت: فإنه نسي المغرب حتى صلى ركعتين من العشاء، ثم ذكر. قال: فليتم صلاته، ثم ليقض بعد المغرب. قال قلت له: جعلت فداك، قلت حين نسي الظهر، ثم ذكر وهو في العصر: يجعلها الاولى ثم ليستأنف وقلت لهذا: يتم صلاته بعد المغرب؟! فقال: ليس هذا مثل هذا، إن العصر ليس بعدها صلاة، والعشاء بعدها صلاة (1). ويؤيد ذلك أن أكثر الروايات في المسألة، مشتملة على تجويز العدول من العصر إلى الظهر (2)، ولم أجد فيها ما يدل على العدول من العشاء إلى المغرب، إلا رواية زرارة (3).


1 - تهذيب الاحكام 2: 279 / 1075، وسائل الشيعة 4: 293، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت، الباب 63، الحديث 5. 2 - وسائل الشيعة 4: 292 - 293، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت، الباب 63، الحديث 3 و 4 و 6. 3 - وسائل الشيعة 4: 290 - 291، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت، الباب 63، الحديث 1.

[ 151 ]

وقال في الوسائل: هذا محمول على تضيق وقت العشاء دون العصر، لما تقدم، لان ذلك أوضح دلالة، وأوثق وأكثر، وهو الموافق لعمل الاصحاب (1)، انتهى. وفيه: أن الرواية بذيلها تأبى عنه، ومقتضى التعليل عمومية الحكم، وممنوعية العدول مطلقا. والمقصود من الجملة المذكورة، هو أن إتمام العصر، والاتيان بعدها بالظهر، خلاف المشروع، لان بعد العصر ليست صلاة، فعليه يعدل منها إلى الظهر، بخلاف العشاء، فإن بعدها صلاة الغداة، أو صلاة الليل، فالاتيان بالمغرب بعدها ليس ممنوعا. ولعل الوجه، هو أن الصلوات الخمس، مبدأها المغرب، وآخرها العصر، كما أن ذلك يساعده اعتبار تقديم الليل على النهار. فبالجملة: تعارضت الروايتان، ولا تقبلان الجمع العرفي. وتوهم الشبهة في سندها، للاشكال في الحسن بن زياد (2)، في محله (3)، إلا أن ابن مسكان من أصحاب الاجماع (4)، وإن كان في حجية إجماع الكشي على تصحيح ما صح عنهم (5)، شبهة بل منع.


1 - وسائل الشيعة 4: 293، ذيل الحديث 5. 2 - لاحظ مستمسك العروة الوثقى 5: 89 و 90، التنقيح في شرح العروة الوثقى، الصلاة 1: 291. 3 - لعدم توثيقه، لاحظ معجم رجال الحديث 4: 331 / 2826. 4 - لاحظ اختيار معرفة الرجال 2: 673 / 705، تسمية الفقهاء من أصحاب أبي عبد الله (عليه السلام). 5 - لاحظ اختيار معرفة الرجال 2: 507 / 431 وص 673 / 705 وص 830 / 1050.

[ 152 ]

وعلى التقديرين، تكون الرواية معرضا عنها، غير مفتى بها، فلا تقاوم رواية زرارة (1)، حتى تكون المسألة من صغريات تعارض الحجتين، بل المسألة من صغريات معارضة الحجة بلا حجة، كما لا يخفى. الجهة الثانية: في عدم وجوب العدول من اللاحقة إلى السابقة هل يجب العدول من اللاحقة إلى السابقة، أو لا؟ فيه وجهان: ظاهر الاصحاب هو الاول (2)، وهو صريح الفقيه اليزدي (3)، وتبعه الاخرون (4). واختلفوا في مواضع الوجوب، بعد الاتفاق عليه في مسألتنا (5)، وهي المترتبان بالاصالة: أدائية كانت، أو قضائية. ووجه اختلافهم في سائر مواقف العدول، اختلاف مبناهم في مسائل


1 - وسائل الشيعة 4: 290 - 291، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت، الباب 63، الحديث 1. 2 - شرائع الاسلام 1: 64 و 79 و 121، لاحظ مفتاح الكرامة 2: 47 / السطر 23، جواهر الكلام 13: 106. 3 - العروة الوثقى 1: 623، كتاب الصلاة، فصل في النية، المسألة 20، الثالث من موارد العدول. 4 - العروة الوثقى 1: 623، كتاب الصلاة، فصل في النية، المسألة 20، الثالث من موارد العدول، لاحظ أيضا: تحرير الوسيلة 1: 159، المسألة 12، منهاج الصالحين، الخوئي (ره) 1: 156، المسألة 579. 5 - مدارك الاحكام 3: 317، جامع المقاصد 2: 33، مفتاح الكرامة 2: 47، جواهر الكلام 7: 314.

[ 153 ]

صلاة القضاء، والترتيب بين الصلوات (1)، ووجه اختيارهم الوجوب هنا، ظهور الاوامر فيه. وقد يشكل ذلك، لاجل منع الظهور، ضرورة أن الاوامر والنواهي في المركبات وحدود الطبائع المركبة، ناظرة إلى الارشاد إلى الصحة، وطريق التصحيح، وما هو الدخيل في صحة الطبيعة، وما هو الموجب لفسادها، ونفس الموضوع في هذه المسائل، تقصر عن قبول الايجاب والتحريم التكليفيين إلا مع النص. ولاجل تلك النكتة قلنا: إن العمل بأدلة الشكوك أيضا، ليس من الواجبات الشرعية، وهكذا تبعية المأموم للامام في الجماعة، فإن الاوامر الباعثة نحو التبعية، مرشدة إلى أن الجماعة مبنية عليها، والمخالفة معها تضاد بناءها، ولذلك اخترنا هناك، بطلان جماعة المتخلف العامد ولو بعمل واحد، فإن ترك التبعية عمدا، يضاد بناء الجماعة، وأدلة العدول والشكوك، أيضا ناظرة إلى تصحيح العمل. نعم، لو كان إبطال العمل محرما، فترك العمل بتلك الادلة نوع إبطال. وبعبارة اخرى: لا وجوب شرعي للعدول حتى يلزم التخلف عقابان، لترك العدول، ولابطال العمل القابل للتصحيح، مع عدم التزامهم بذلك عادة، فلو ترك العمل باختيار العدول، ورفع اليد عن صلاته التي بيده، وشرع في الاولى، فقد تخلف النهي عن إبطال العمل، دون الامر بالعدول،


1 - مدارك الاحكام 4: 303، جامع المقاصد 2: 495، جواهر الكلام 13: 106، مصباح الفقيه، الصلاة: 615 / السطر 24.

[ 154 ]

فإنه ربما يكون من مترشحات تلك المسألة. وتوهم عدم التزام الاصحاب بحرمة إبطال العمل القابل للتصحيح، في غير محله، وقد مر (1) أنهم أوجبوا العمل بالشكوك في أماكن التخيير، فيما لو شرع في القصر، ثم بعد إكمال السجدتين شك بين الثلاث والاربع (2)، وليس ذلك إلا لتلك الجهة، فتدبر. تقديم العدول على تتميم العصر والعشاء ثم إن الهيئة في الاخبار الامرة بالعدول (3)، إذا لوحظت مع الروايات الظاهرة في النهي عنه (4)، لا تكون قابلة لافادة الايجاب التكليفي، وهكذا بعد ملاحظتها مع المآثير المتعرضة لمسائل النية، وأن الاعمال بالنيات (5) وإمكان إتمام دلالتها، لا يكفي لصحة الاستناد إليها. فبالجملة: يدور الامر بين العدول والاتيان بالاولى، وإبطال العمل والشروع فيها، فإن قلنا بحرمته يتعين الاول، وإلا فهو بالخيار. وأما توهم جواز الاتمام بعنوان الثانية، وصحتها عصرا، ظنا أن أوامر


1 - تقدم في الصفحة 65 - 66. 2 - مفتاح الكرامة 3: 494 - 495، جواهر الكلام 12: 308، الخلل في الصلاة، الشيخ الانصاري: 281، الصلاة، الحائري: 379، تحرير الوسيلة 1: 158 فصل في النية، المسألة 7. 3 - وسائل الشيعة 4: 290، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت، الباب 63. 4 - تقدم في الصفحة 146. 5 - وسائل الشيعة 1: 46، كتاب الطهارة، أبواب مقدمة العبادات، الباب 5.

[ 155 ]

العدول (1) مرخصة له، وقوله (عليه السلام): إنما يحسب للعبد... (2) مرخص لجواز الاتمام، وبذلك يجمع بين المتعارضات من الروايات، فهو ممنوع، للزوم الاخلال بالترتيب. وتوهم: أن الترتيب واجب بين الطبيعتين - دون الاجزاء - وجوبا شرطيا ذكريا، في غير محله، لان أخبار العدول المرخصة له، ناظرة إلى كيفية تصحيح العمل من جهة الاخلال بالترتيب، ولذلك رخص العدول من اللاحقة إلى السابقة، دون العكس، وحينئذ يعلم منها لزوم الترتيب بين الطبيعتين والاجزاء، فالاتمام عصرا غير جائز. بل التحقيق: أن أخبار الترتيب (3)، تفيد وجوبه بين الطبيعتين المطلقتين، لا المهملتين، أي الطبيعة التي ليست إلا الاجزاء، لا الطبيعة التي تقابل الاجزاء، حتى يمكن اختلافهما في الحكم. والمسألة بوجهها العلمي، تطلب من محالها، وقد أوضحناها في رسالة لا تعاد (4) وقلنا هناك: شبهة أن الصلاة الواجدة للخمسة إجمالا، تكون صحيحة، لان الشرائط تقاس إلى الطبائع، والطبيعة الواجدة بجزء منها للشرط، تكون واجدة له، كما قيل به في شرط


1 - وسائل الشيعة 4: 290، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت، الباب 63. 2 - تهذيب الاحكام 2: 343 / 1420، وسائل الشيعة 6: 7، كتاب الصلاة، أبواب النية، الباب 2، الحديث 3. 3 - وسائل الشيعة 4: 125 - 131، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت، الباب 4، الحديث 5 و 7 و 20 و 21. 4 - رسالة في قاعدة لا تعاد، للمؤلف (قدس سره)، (مفقودة).

[ 156 ]

الترتيب، فلا تغفل. فتحصل: أن الاتمام عصرا، خلاف أوامر العدول على التقديرين، التكليفي والوضعي، وقد عرفت أن قوله (عليه السلام): إنما يحسب... لا إطلاق له بالنسبة إلى الصلاة الواقعة في غير مقامها (1)، كما لا يخفى. وربما يمكن دعوى: أنه لو كان وجوب العدول تكليفا صرفا، يلزم صحة الثانية لو أتمها بعنوانها، وحيث اختار الاصحاب ذلك، فعليه اختيار صحتها لو عصى وأتمها عشاء أو عصرا، مع عدم التزامهم بذلك قطعا. وهي مدفوعة، لعدم الملازمة، لان من الممكن وجوب العدول، وإذا عدل صحت الاولى، لحصول الشرط، وإذا عصى لم تصح الثانية، لفقده، بل إذا أتمها بعنوانها عصى ثانيا، فعليه إبطالها، بل هي باطلة. نعم، هذا يورث ظهور تلك الاوامر، في الارشاد إلى أن بالعدول يحصل الشرط، ولو كانت تلك الاوامر ناشئة من حصول الشرط بذلك، وأن ما هو الشرط ليس أزيد من تلبس الطبيعة ابتداء أو اختتاما بالنية، يلزم جواز العدول في غير مواقف النصوص أيضا، فليتدبر جيدا.


1 - تقدم في الصفحة 148.

[ 157 ]

الجهة الثالثة: في الفروع المتعلقة بمسألة العدول الاول: فيمن عدل بتخيل عدم الاتيان بالاولى ثم بان خلافه لو عدل بتخيل أنه لم يأت بالاولى فأتم، ثم تبين أنه أتى بها، فهل يقع عصرا، أو تكون باطلة وعليه العصر؟ فيه وجوه: بطلانها، للاخلال بالنية (1). والصحة (2)، لانها على ما افتتحت ولا دليل على اشتراط الزائد عليه. والتفصيل بينما لو كان تخيله بحيث إذا سئل لاجاب: بأنه يصلي العصر وبين الغفلة المحضة، فعلى الاول تصح، دون الثاني. أو التفصيل بينما لو تذكر في الاثناء وبعدها، فعلى الثاني تكون باطلة، وعلى الاول يفصل بينما إذا لم يأت بشئ بعنوان الظهر، وما لو أتى به بعنوانه، فيبطل على الثاني، دون الاول (3). وقد يفصل في هذه الصورة، بينما لو تذكر بعد الدخول في الركن، وقبله، فعلى الاول تبطل، دون الثاني، لانه يتمكن من تدارك ما أتى به -


1 - مستمسك العروة الوثقى 6: 48. 2 - لاحظ جواهر الكلام 9: 199، العروة الوثقى 1: 624، كتاب الصلاة، فصل في النية، المسألة 25. 3 - العروة الوثقى 1: 625، كتاب الصلاة، فصل في النية، التعليقة 1 و 2، للسيد الميلاني والشاهرودي والگلبايگاني.

[ 158 ]

بعنوان الظهر ثانيا بعنوان العصر (1). قال الفقيه اليزدي: لو عدل بزعم تحقق موضع العدول، فبان الخلاف بعد الفراغ، أو في الاثناء، لا يبعد صحتها على النية الاولى، كما إذا عدل بالعصر إلى الظهر، ثم بان أنه صلاها، فإنها تصح عصرا (2). وهذا خلاف ما اختاره في المسائل السابقة، حيث قال: يجب استدامة النية إلى آخر الصلاة، بمعنى عدم حصول الغفلة بالمرة (3). اللهم إلا أن يحمل كلامه على بعض الوجوه السابقة، أو على أنه يفصل بين الصلاة بلا نية، أوا لصلاة مع النية المخالفة، وفيه ما لا يخفى. التفصيل بين ترك نية الظهرية ونية الصلاتية وربما يمكن أن يقال: بالتفصيل بين الاخلال بالنية التي تكون من قبيل العصرية والظهرية، والتي تكون من قبيل عنوان الطبيعة، وهي الصلاة، فلو تذكر بعد الفراغ أو في الاثناء، أنه افتتح صلاته عصرا وأتمها ظهرا، فلا شئ عليه، لقوله (عليه السلام): إنما يحسب للعبد... (4). وأما لو تذكر أنه أتمها بعنوان غير الصلاة، بعد الشروع فيها عصرا، فهي باطلة، لعدم شمول عموم الحديث مثل ذلك، مع عدم شمول عموم قاعدة


1 - تحرير الوسيلة 1: 160، المسألة 13. 2 - العروة الوثقى 1: 624، كتاب الصلاة، فصل في النية، المسألة 25. 3 - العروة الوثقى 1: 620، كتاب الصلاة، فصل في النية، المسألة 15. 4 - تهذيب الاحكام 2: 343 / 1420، وسائل الشيعة 6: 7، كتاب الصلاة، أبواب النية، الباب 2، الحديث 3.

[ 159 ]

لا تعاد... ضرورة أن الحديث والقاعدة موضوعهما الصلاة. بل التحقيق أن موضوع القاعدة الانواع، لا الجنس الصلاتي، لانه ليس مأمورا به. احتمال وقوع الصلاة عصرا عند التذكر في الاثناء ومن المحتمل صحتها عصرا، لو تذكر في الاثناء، وأتمها بعنوانه، بمعنى الاتيان ببقية الاجزاء الفاقدة للنية، من غير فرق بين الاتيان بشئ بعنوان الظهر، والنية المخالفة، أو بلا نية أصلا، وبين عدم الاتيان بشئ رأسا. وعلى الاول أيضا، لا فرق بين الاتيان بركعة أو أقل أو أكثر، لانها لا تزيد في صلاة العصر شيئا، ضرورة أن ما يأتيه بعنوان الظهر - غفلة عن حاله - لا يعد من الزيادة في صلاة العصر، بل هو من قبيل إقحام طبيعة في طبيعة، والزيادة لابد وأن تكون بعنوان تلك الطبيعة، حتى تكون مبطلة، بل تعد زيادة عرفا. ولذلك لانجد مسألة الاقتحام، من الزيادة الركنية في المقتحم فيه، وقوله (عليه السلام) في المنع عن قراءة العزيمة: لانها تستلزم السجدة، وهي زيادة في المكتوبة (1) لا يضر بما احتملناه، لان السجدة الواحدة، ليست ذات عنوان مقابل الطبيعة، كتقابل الطبيعتين، والتفصيل في محله (2).


1 - تهذيب الاحكام 2: 96 / 361، الكافي 3: 318 / 6، وسائل الشيعة 6: 105 كتاب الصلاة، أبواب القراءة في الصلاة، الباب 40، الحديث 1. 2 - جواهر الكلام 13: 463، العروة الوثقى 1: 729، كتاب الصلاة، فصل في صلاة الايات، المسألة 12، مستمسك العروة الوثقى 7: 33، الصلاة (تقريرات المحقق النائيني) الاملي 2: 170، الخلل في الصلاة، الامام الخميني (قدس سره): 115 - 116، تحريرات في الاصول 8: 125 - 127.

[ 160 ]

تصحيح الوالد المحقق وقوعها عصرا بشرط التدارك واختار الوالد - مد ظله - صحة الصلاة عصرا، بشرط التذكر والتدارك، إلا إذا دخل في الركن (1). ووجه ذلك: أن المقدار المأتي به ظهرا، لا يضر بصحة العصر، بعد عدم كونه زيادة عمدية في المكتوبة، ولا دليل على اشتراط الازيد من كون جميع أجزاء العصر، لابد وأن يؤتى بها بعنوانه، ولذلك لو اعتقد - بعد السجدة الثانية من الركعة الرابعة - أنه لم يأت بالظهر، فعدل إليه، وأتمها ظهرا، ثم قبل أن يأتي بالمنافي تذكر، فإنه بلا شبهة يعيد ويتدارك، لا نه ليس أسوأ حالا من ترك التشهد والسلام، فإنه لو تذكر قبل المنافي يأتي بهما، وتصح صلاته. وتوهم الاسوئية، لاجل الزيادة، أو الاخلال بالشرط - وهو دوام النية، وعدم انقطاعها - ممنوع، لما أنها ليست زيادة عمدية، ولا دليل على الشرط المذكور، فلا تغفل. وإن شئت قلت: المدار على اتصاف أركان الطبيعة ب‍ الظهرية والعصرية وأمثالهما، فلو شرع في العصر، ثم ظن أنه لم يأت بالظهر،


1 - الخلل في الصلاة، الامام الخميني (قدس سره): 115 - 116، تحرير الوسيلة 1: 160، كتاب الصلاة، فصل في النية، المسألة 13.

[ 161 ]

فعدل إليها، وأتى بمقدار من الواجبات، ثم تذكر أنه أتى بالظهر، واعتقد جواز العدول إلى العصر، إما اجتهادا أو خطأ، فعدل إلى العصر، وأتى بواجباته الركنية، ثم كذلك إلى أن أتم صلاته ظهرا بعد الاتيان بأركانها عصرا، ثم بعد المنافي تذكر وعلم أنه كان قد أتى بالظهر، صحت صلاته عصرا، لان الاخلال بغير الاركان، والاتيان به بعنوان آخر أو بلا عنوان، ليس أسوأ حالا من الترك الكلي، وتوهم الاسوئية، يعلم بجوابه من السابق. والسر كل السر: أن الظهرية ليست من الاركان بنفسها، حتى يلزم من الاخلال بها، والاتيان ببعض الاجزاء بعنوان مخالف، بطلان الصلاة، بل الظهرية من قبيل المقومات، ومعنى التقويم هو أن الاجزاء والاركان، تضاف إليه، ففي الفرض السابق هو قد أتى بأركان صلاته، وأخل بواجبات صلاته، لاأنه أتى بواجبات صلاته وأركانها، لانه إذا كان آتيا بها بعنوان مخالف، فليس ذلك المأتي به من أجزاء صلاته، فهو قد ترك في الحقيقة واجبات صلاته، دون أركانها، وأتى بزيادات سهوية في الطبيعة، فليتدبر. فتحصل: أن الاخلال بالنية المقومة، يورث ترك الطبيعة وأجزائها، لا الاتيان بها والاخلال بشرطها، فعلى هذا لو ترك مقدارا من الطبيعة، لا تفسد به، بخلاف ما لو ترك ركنها، فلو أتى ببعض منها بعنوان مخالف، فقد ترك ركن الطبيعة. نعم لو قلنا: بأن زيادة الركن بهذا النحو ليست مضرة، فلتداركه أيضا

[ 162 ]

وجه، إلا أنه خلاف المستفاد من الروايات (1)، ومسألة الاقتحام على خلاف القواعد، ولا يتعدى منها إلى سائر المواقف الاخر. عدم تعرض قوله (عليه السلام): إنما يحسب... لترك الركن ومن هنا يعلم: أن قوله (عليه السلام): إنما يحسب للعبد من صلاته، التي ابتدأ في أول صلاته (2) لا يقاوم الادلة الدالة على ركنية الاركان، لان معناه صحة صلاة العصر مع ترك أركانها، لان ما أتى به بعنوان الظهر ليس من أركانها. ولاجل ذلك ينقدح: أن معناه ليس على ما يتوهم بدوا، بل هو أن العدول من النية غير جائز، وأما لو غفل بالمرة عن النية، وأتم صلاته بالنية المخالفة، فهو غير ناظر إليه قطعا، فما ذكره السيد الفقيه اليزدي (رحمه الله) (3) ناشئ من الغفلة. ومما يؤيد ذلك صدر الرواية، فليراجع (4).


1 - وسائل الشيعة 8: 231، كتاب الصلاة، أبواب الخلل في الصلاة، الباب 19. 2 - تهذيب الاحكام 2: 343 / 1420، وسائل الشيعة 6: 7، كتاب الصلاة، أبواب النية، الباب 2، الحديث 3. 3 - العروة الوثقى 1: 624، كتاب الصلاة، فصل في النية، المسألة 25. 4 -... عن عبد الله بن أبي يعفور، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن رجل قام في صلاة فريضة فصلى ركعة وهو ينوي أنها نافلة؟ فقال: هي التي قمت فيها ولها، وقال: إذا قمت وأنت تنوي الفريضة فدخلك الشك بعد فأنت في الفريضة على الذي قمت له وإن كنت دخلت فيها وأنت تنوي نافلة ثم إنك تنويها بعد فريضة فأنت في النافلة وإنما يحسب للعبد من صلاته التي ابتدأ في أول صلاته. تهذيب الاحكام 2: 343 / 1420، وسائل الشيعة 6: 7، كتاب الصلاة، أبواب النية، الباب 2، الحديث 3.

[ 163 ]

وبعبارة اخرى: إنها تنفي اختيارية النية، وأنها ليست بيد المكلف، فإن الصلاة على ما افتتحت فلا يجوز العدول منها إلى غيرها وإنما يحسب للعبد من صلاته، التي ابتدأ في أول صلاته فلا يجوز له الرجوع إلى الاخرى، فلو أتم صلاة العصر ظهرا، بحيث كانت نية الاتمام ظهرا، ولم يكن من الغفلة الانية، ولا الخطأ في التطبيق، فعليه إعادة صلاته، للاخلال بأركانها على ما مضى سبيله، فافهم واغتنم. ثم إنه لو قرأ من القرآن كثيرا، بعد العدول إلى الظهر بعنوان الظهر، فربما يشكل صحة العصر، لاجل الاخلال بالموالاة، فلو تذكر وعدل إلى العصر، فالاحوط الاتمام والاعادة. هذا تمام الكلام بناء على جواز العدول من السابقة إلى اللاحقة، في مثل هذه الصورة. بطلان الصلاة بناء على منع العدول من السابقة إلى اللاحقة وأما بناء على ممنوعية العدول بعد، فتكون صلاته باطلة، لعدم إمكان تصحيحها في جميع الصور. وتوهم: أنه بلا وجه، مدفوع بأن الوجه للجواز ليس إلا قوله (عليه السلام): إنما يحسب للعبد...، وهو محتمل لوجوه (1)، ومنها: النهي عن العدول، وأما لو عدل فهل يجوز له العدول إلى المعدول عنه ثانيا؟ فهو ساكت عنه. وتوهم دلالة متون الاخبار السابقة ممنوع، لانها متعرضة لحال


1 - تقدم في الصفحة 127.

[ 164 ]

العدول من الفريضة إلى النافلة وبالعكس، واستفادة هذه المسألة منها - بإلغاء الخصوصية - مشكلة جدا. اللهم إلا أن يقال: بأن مقتضى متون الاخبار السابقة، أن الاخلال بنية الفرض، والاتيان نفلا بعدما افتتحت الصلاة، مما لا يضر بصحة الصلاة المعدول عنها، وحينئذ يعلم أن الافتتاح بنية الظهر والعصر، كاف ومجز. وفيه: أن هذه النصوص، ليست ظاهرة في أن المصلي نوى النافلة بعد نية الفريضة وبالعكس، بل هي ظاهرة في المنع عن ذلك، فلا دلالة لها على بقاء الصلاة صحيحة، لو أخل بالنية في الاثناء، ولا على جواز العدول إلى المعدول عنه ثانيا، لو عدل في غير موضعه. فتحصل على التقرير الاخير: أن من عدل إلى الظهر بظن عدم الاتيان، تبطل صلاته مطلقا، سواء تذكر في الاثناء، أو تذكر بعد الفراغ. وعلى الاول أيضا، لا فرق بين الصور والوجوه الماضية، لانه لا يجوز العدول من السابقة إلى اللاحقة، من غير فرق بين الصور: صورة صحتها، وبطلانها، وصورة العدول من اللاحقة إليها خطأ، وغير هذه الصور. وتوهم دلالة قوله (عليه السلام): إنما يحسب للعبد من صلاته، التي ابتدأ في أول صلاته (1) على صحة المعدول عنه لو عدل غلطا ونسيانا، بل وعمدا، ممنوع لانه في مقام نفي العدول، ولا تعرض له لفرض العدول غلطا.


1 - تهذيب الاحكام 2: 343 / 1420، وسائل الشيعة 6: 7، كتاب الصلاة، أبواب النية، الباب 2، الحديث 3.

[ 165 ]

صحة الصلاة إذا كانت مفتتحة على وجهها هذا، والانصاف يحكم بعد التدبر في أخبار المسألة - على ما مضى متونها - أن الاخلال بنية الصلاة - من قبيل الظهرية والعصرية والنافلة - لا يضر إذا كانت الصلاة مفتتحة على وجهها، فلو شرع في نافلة الفجر، وأتم فجرا، يحسب نافلة وبالعكس. والمراد من الفريضة في تلك الروايات، هي الصلوات الواجبة، لا عنوان الفرض حتى يكون الواجب معنونا بعنوان الفريضة ومجرد المقابلة مع النافلة، لا يورث كونها من العناوين الذاتية، مع أن النافلة أيضا من العناوين العرضية، وما هو من العناوين الذاتية، هو عنوان النافلة المضافة إلى الفريضة، ك‍ نافلة الفجر والمغرب والظهرين والعشاء وأمثالها. ودعوى الاختصاص بمورد النصوص مشكلة، بعد اقتضاء عموم القاعدة صحة المأتي به، ولاسيما على المسلك: وهو جريانها في الاثناء أيضا، فلو أتم العصر بنية الظهر، أو أتى بأجزاء منها بعنوانه، ثم تذكر، فلا شئ عليه. ولعل قوله (عليه السلام): إنما يحسب للعبد من القواعد المصححة لصورة الخطأ والاخلال بالنية عن غير عمد، فلو عدل عمدا في غير مورده، فقد أبطل صلاته. وهذا هو المعنى المساعد لمورد المتون، من فرض الشك أو

[ 166 ]

النية المخالفة، جهلا بسيطا أو مركبا، والله العالم. هذا كله لو أتم العصر ظهرا في الوقت المشترك. حكم إتمام العصر ظهرا في الوقت المختص بالظهر وأما لو أتمها في الوقت المختص بالظهر، فصحتها مبنية على صحة الشريكة في الوقت المختص، فلو صلى الظهر قبل الزوال، وأدرك بعض الوقت، ثم شرع في العصر وأتمها بالعدول إلى الظهر، توهما جوازه حينئذ ظهرا، فعلى القول المذكور تبطل العصر، ويستأنف. الفرع الثاني: في الاخلال بنية المجموع لو أخل بالنية، بمعنى أنه كان يعتقد أن الصلاة ليست إلا تلك الاقوال والافعال، فأتى بها بالنيات المستقلة بالعناوين الخاصة بها، ونوى التكبير والقراءة والركوع من غير نية المجموع، فهل تكون باطلة ويعيد، أو تصح ولا شئ عليه؟ فيه وجهان، بل وجوه: ظاهر السيد الفقيه اليزدي هو البطلان (1). وقيل: لو كان ناويا من أول الامر الجميع على الوجه المشروع، فالظاهر الصحة وإن نوى الاستقلال (2).


1 - العروة الوثقى 1: 616، كتاب الصلاة، فصل في النية، المسألة 4. 2 - لاحظ ما علقه السيد الحكيم (رحمه الله) على العروة الوثقى: 209 (طبعة دار الكتب الاسلامية، الطبعة الثانية في سنة 1397)، كتاب الصلاة، فصل في النية المسألة 4، التعليقة 7.

[ 167 ]

وقال الوالد المحقق: في إمكانه إشكال مع قصد امتثال أمرا لصلاة (1). انتهى. والتفصيل: هو أن قصد الصلاة واجب، لانها المأمور بها، وتكون من الامور القصدية، ولما كانت الصلاة نحو حقيقتها، عين وجود الاجزاء المتدرجة في الوجود، فلابد أن توجد تدريجا، ولا يلزم القصد الاخر بعنوان قصد الاجزاء والجزئية، لان الجزء الملحوظ جزء فان في الطبيعة، ولا نفسية له حتى يخص بالنية المستقلة، فما اشتهر: من نية الجزئية، غلط قطعا. نعم، ما يوجد في الخارج لابد وأن يكون صلاة، فلو أتى بالقراءة بعنوان أداء النذور أو لاهل القبور، فهي لا تكفي، لانها ليست صلاة. فالاستقلال إن يرجع إلى عدم نية الصلاة، فهو يورث البطلان، وإن يجتمع معها فهو لا يضر ولا ينفع. ولو اريد من الاستقلال الجمع بين الصلاة أداء والمنذورة، بأن ينوي بالقراءة الصلاة وأداء النذر، فهو لا يوجب الفساد، ضرورة جواز نذر الواجبات والعبادات المفروضة، ولزوم قصد الامر النذري في السقوط، لان المأمور به من العناوين القصدية، فإذا صح ذلك في الكل، فيصح في الجزء أيضا. وقد يمكن دعوى: أن الصلاة ليست إلا عدة أقوال وأفعال متعاقبة، فلو


1 - العروة الوثقى 1: 616، كتاب الصلاة، فصل في النية، المسألة 4، التعليقة 6.

[ 168 ]

قصد تلك المتفرقات، غير قاصد للهيئة الاتصالية وللعنوان البسيط المنحل إليه، وأتى بها بعنوان المطلوب الفعلي، فقد تمت صلاته ظهرا. الفرع الثالث: في حكم الصلاة عند إيجاب العدول للبطلان لا شبهة في جواز العدول من اللاحقة إلى السابقة، بحيث يكون ذلك موجبا لتصحيح العمل. وأما لو كان العدول مورثا بطلان الصلاة، فهو غير جائز، كما لو دخل في الركوع الرابع من صلاة العشاء، فحينئذ هل تصح عشاء، أو تبطل؟ فيه وجهان: ظاهر جماعة هو الاول (1)، واختار جمع الثاني (2). وفي المسألة مواضع أبحاث: الاول: في عدم صحة العدول حال التسليم جواز العدول من السابقة إلى اللاحقة مع الشرط المذكور، غير مبرهن، ومن المحتمل لزوم كون العدول إليها في وقت، يأتي من السابقة بعنوانها مقدارا من العمل، وربما كان أقله ركعة، وأما لو تذكر ترك السابقة حال التسليم، فربما هو لا يكفي، ويلزم حينئذ العمل بالقواعد.


1 - كشف اللثام 1: 165 / السطر 18، جواهر الكلام 13: 108، العروة الوثقى 1: 520، فصل في أوقات اليومية ونوافلها، المسألة 3، التعليقة 4، تحرير الوسيلة 1: 159، المسألة 12. 2 - شرائع الاسلام 1: 54، قواعد الاحكام: 25 / السطر 9، جامع المقاصد 2: 34، مفتاح الكرامة 2: 48، العروة الوثقى 1: 520، فصل في أوقات اليومية ونوافلها، المسألة 3.

[ 169 ]

بل القائل: بأن التسليم ليس من أجزاء الصلاة (1) ربما يتعين عليه العمل بها، دون أخبار العدول كما لا يخفى، وذلك لان أخبار العدول لا إطلاق لها من تلك الجهة. وتوهم الاطلاق من جهة ترك التفصيل - بعد ظهور مورد السؤال في بقاء مقدار من الصلاة السابقة - مدفوع. هذا مع أن في معتبرة زرارة ما يشهد على تلك الجهة، وهو قوله (عليه السلام): وإن كنت ذكرتها وقد صليت من العشاء الاخرة ركعتين، أو قمت في الثالثة، فانوها المغرب، ثم سلم (2). فإن فيه ظهورا فيما احتملناه، وإلا كان أن يقول: صليت من العشاء الاخرة ركعتين أو ثلاث ركعات فالعدول منه إلى التعبير بقوله (عليه السلام): قمت في الثالثة ربما يكون ظاهرا فيما أبدعناه. وهكذا قوله (عليه السلام) على ما في رواية ابن مسكان، عن الحسن بن زياد، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل نسي الاولى حتى صلى ركعتين من العصر. قال: فليجعلها الاولى (3). ولا إطلاق ولا عموم على جواز العدول من السابقة إلى اللاحقة، ولا من العصر إلى الظهر، ومن العشاء إلى المغرب، حتى يستشكف


1 - المقنعة: 139، النهاية: 89، قواعد الاحكام: 35 / السطر 10، جامع المقاصد 2: 323. 2 - الكافي 3: 291 / 1، تهذيب الاحكام 3: 158 / 340، وسائل الشيعة 4: 291، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت، الباب 63، الحديث 1. 3 - تهذيب الاحكام 2: 270 / 1057، وسائل الشيعة 4: 293، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت، الباب 63، الحديث 5.

[ 170 ]

جوازه في جميع الاحيان. مع مساعدة الاعتبار، لان في ذلك تحصيلا لشرط السابقة وعنوانها، فتدبر. الثاني: في جواز العدول وإن أوجب بطلان الصلاة ممنوعية العدول في فرض إيراثه البطلان، محل إشكال، لان قاعدة العدول - كسائر القواعد - وإن سيقت لتصحيح الصلاة، إلا أنه لو اقتضى إطلاقها العمل بها، واقتضى ذلك بطلانها، فلا بأس به، لان اللغوية في إطلاق الدليل إلى ما شاء الله تعالى، وقد أفتى كثير من الاصحاب - فيما لو علم إجمالا حال القيام في الثانية: أنه أتى بركوعين، ولا يعلم أن كل واحد منهما لركعة، أو هما وقعا في الركعة الاولى - بلزوم الركوع، والبطلان بعده (1)، عملا بقاعدة الشك في المحل، كما لا يخفى. ومما يدل على القاعدة، رواية عبد الرحمن بن أبي عبد الله، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل نسي صلاة حتى دخل وقت صلاة اخرى. فقال: إذا نسي الصلاة أو نام عنها، صلى حين يذكرها، فإذا ذكرها وهو في صلاة، بدأ بالتي نسي، وإن ذكرها مع إمام في صلاة المغرب، أتمها بركعة، ثم صلى المغرب، ثم صلى العتمة بعدها، وإن كان صلى العتمة وحده، فصلى منها ركعتين، ثم ذكر أنه نسي المغرب، أتمها بركعة، فتكون صلاته للمغرب


1 - العروة الوثقى 2: 67، ختام الخلل، المسألة الثالثة عشر، مستمسك العروة الوثقى 7: 612.

[ 171 ]

ثلاث ركعات، ثم يصلي العتمة بعد ذلك (1). فإنها بمقتضى قوله (عليه السلام) فيها: فإذا ذكر وهو في صلاة، بدأ بالتي نسي تدل على جواز العدول على الاطلاق، فلو كان في رابعة العشاء، يعود إلى المغرب، وتكون باطلة، ثم يصليهما، وهذا له نظائر في الاصول والفقه. إن قلت: مقتضى البحث الاول إنكار الاطلاق، بخلافه هنا. قلت: نعم، إلا أن هذه الرواية - مع ضعف سندها (2) على إشكال (3)، وعدم معلومية انجباره بعملهم، لاحتمال استنادهم في إطلاق فتواهم بغيرها، لعدم فهم الخصوصية منها - ربما لا تدل على المقصود، وتكون ناظرة إلى الصلاة المنسي وقتها، دون الادائيتين. مع أن مقتضى ذيلها وهو قوله: أتمها بركعة، فتكون صلاته للمغرب ثلاث ركعات وهكذا قوله: أتمها بركعة، ثم صلى المغرب أن الاتيان بركعة من السابقة بعنوانها، مما لابد منه حتى تكون السابقة ظهرا ومغربا. وربما يحتمل التفصيل بين الظهرين والعشاءين (4)، عملا باقتضاء


1 - الكافي 3: 293 / 5، وسائل الشيعة 4: 292، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت، الباب 63، الحديث 2. 2 - لان في طريقها معلى بن محمد وقال النجاشي في حقه: معلى بن محمد البصري أبو الحسن، مضطرب الحديث والمذهب وكتبه قريبة، رجال النجاشي: 418. 3 - لاحظ تنقيح المقال 3: 233، معجم رجال الحديث 18: 258. 4 - انظر نهاية التقرير 1: 317.

[ 172 ]

بعض الظواهر (1) ذلك، ولكنه بعيد إنصافا. ولكن دفع الاحتمال المذكور بهذه الروايات، في غاية الاشكال. الثالث: في أن اشتراط الترتيب مناف للاكتفاء بالعشاء المعدول إليها جواز الاكتفاء بتلك العشاء، موقوف على سقوط شرط الترتيب، وهو غير معلوم، بل الظاهر من أدلة العدول (2)، أنه شرط الطبيعة المطلقة، أي مجموع الاجزاء بأسرها، ولو كان الشرط مقصورا على الطبيعتين، لما كان وجه للعدول، لانه شرط ذكري، وقد مضى محله، فيعلم أنه شرط الاجزاء والطبيعة. وبعبارة اخرى: يستفاد من أدلة العدول، أنه ليس شرطا ركنيا، ولكنه شرط معتبر بين الطبيعتين المطلقتين، فلو أخل به في بعض أجزائها، فلابد من تحصيله في بقية الاجزاء. وإن شئت قلت: مقتضى قوله (عليه السلام): إلا أن هذه قبل هذه (3) اعتبار الترتيب بين الطبيعتين المطلقتين، ومقتضى أدلة العدول أن الاخلال


1 - وسائل الشيعة 4: 293، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت، الباب 63، الحديث 5. 2 - وسائل الشيعة 4: 290، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت، الباب 63. 3 - الفقيه 1: 139 / 647، تهذيب الاحكام 2: 24 / 68 و 19 / 51 و 26 / 73، الاستبصار 1: 246 / 881 و 260 / 934، وسائل الشيعة 4: 126، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت، الباب 4، الحديث 5.

[ 173 ]

بالترتيب في بعض الطبيعة، لا يضر بعد إحرازه في بعضها الاخر، فلو دخل في الركوع الرابع فقد أخل به، ولا يتمكن من إحرازه. وتوهم إهمال دليل الترتيب، ممنوع جدا كما سيأتي (1)، بل الروايات الامرة بجعل الثانية اولى - بعد الفراغ منها (2) - تشهد على اعتبار الترتيب بهذا المقدار، وعدم عمل المشهور بها (3) معارض بعمل السيد (رحمه الله) بها (4)، مع أن إعراض المشهور غير معلوم، ومع الشك تكون الرواية غير موهونة. وتفصيل المسألة من جهة كبرى اعتبار الترتيب، يطلب من مقامه (5). وقد يخطر بالبال أن يقال: بأن مقتضى عموم لا تعاد... (6) عدم وجوب الاعادة لاجل شرط أو جزء غير الخمسة، فصلاة العشاء في مفروض المسألة صحيحة. وتوهم اختصاص جريانها ببعد الفراغ، كتوهم انصرافها عن شرط الترتيب، فلا تخلط.


1 - مما يؤسف له أن الاجل لم يمهله لانجاز وعده ولم يصل إلى مباحث الترتيب. 2 - وسائل الشيعة 4: 290 - 293، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت، الباب 63، الحديث 1 و 4 و 5 و 6. 3 - انظر الصلاة، الحائري: 29، الصلاة (تقريرات المحقق النائيني) الاملي 1: 71 / السطر 21، مستمسك العروة الوثقى 5: 91. 4 - الظاهر أن المراد من السيد هو صاحب العروة الوثقى (قدس سره)، حيث أفتى بمضمون صحيحة زرارة المروية في: وسائل الشيعة 4: 290 و 291، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت، الباب 63، الحديث 1، لاحظ العروة الوثقى 1: 519، كتاب الصلاة، فصل في أوقات الصلوات اليومية ونوافلها، المسألة 3. 5 - جواهر الكلام 7: 315 - 319، مستمسك العروة الوثقى 5: 88 - 90. 6 - وسائل الشيعة 5: 471، كتاب الصلاة، أبواب أفعال الصلاة، الباب 1، الحديث 14.

[ 174 ]

وإن شئت قلت: ينحصر وجه البطلان بأن يقال: بإطلاق دليل اعتبار الترتيب بين الطبيعتين والاجزاء، وعدم جريان قاعدة لا تعاد... في الاثناء، أو بالنسبة إلى الشك في ركنية الترتيب، لظهورها في الاجزاء والشرائط، مثل الستر والطهارة. وأنت خبير بما فيه، وقد تحرر منا في رسالتنا المعمولة لمسائل القاعدة، عمومها من الجهتين المذكورتين (1)، ولاجل ذلك ذهب المشهور إلى صحة الثانية قبل الاولى، لو تذكر بعد الفراغ (2)، وأعرضوا - على المنقول (3) - عن الروايات الامرة بجعلها الاولى (4)، فلتدبر جدا.


1 - رسالة في قاعدة لا تعاد للمؤلف (قدس سره)، (مفقودة). 2 - شرائع الاسلام 1: 55، مدارك الاحكام 3: 116، جواهر الكلام 7: 319، العروة الوثقى 1: 520، كتاب الصلاة، فصل في أوقات اليومية ونوافلها، المسألة 3. 3 - كما في العروة الوثقى 1: 520، كتاب الصلاة، فصل في أوقات اليومية ونوافلها، المسألة 3، الصلاة، الحائري: 29، الصلاة (تقريرات المحقق النائيني) الاملي 1: 71 / السطر 21. 4 - وسائل الشيعة 4: 290 - 293، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت، الباب 63، الحديث 1 و 4 و 5 و 6.

[ 175 ]

المقام العاشر في اختلاف الاعمال القربية من حيث لحوق أنحاء الضمائم في صحة الوضوء والخمس مثلا مع الرياء قد مضى: أن الموضوعات التي يتقرب بها العباد منه تعالى، مختلفات وعلى أنحاء (1): فمنها: ما هي موضوعة لها، كالصلاة ونحوها، من غير الحاجة إلى الامر والانبعاث منه، ومن غير كون الرياء مضرا بها، على ما مضى سبيلها (2). ومنها: ما ليست موضوعة لها، بل الدليل الشرعي تكفل لاعتبار قصد القربة فيها، والاتيان بها بالدواعي الالهية، كالطهارات الثلاث، والاخماس، والزكوات، والكفارات ونحوها.


1 - تقدم في الصفحة 78 و 118. 2 - تقدم في الصفحة 83.

[ 176 ]

ومنها: ما ليست كذلك، ويسقط أمرها مع الاتيان بها بالدواعي الشيطانية، إلا أن التقرب يمكن أن يحصل بها، بأن ينوي الخير والامور الالهية والشؤون الربانية، فإن لكل حركة وجهتين: نورانية، وظلمانية، والتفصيل في مقام آخر. فبالجملة: النحو الاول قد مضى الكلام فيه (1)، وبقي البحث في النحو الثاني، فإن الرياء فيه إن كان يرجع إلى الاضرار بالجهات المتقومة بها القربة والعبادة، فهو يورث البطلان، وإلا فالكلام فيه ما قد مضى في أول المسألة. مثلا: لو قام وتوضأ، للاراءة بالناس بأنه يتوضأ، فهو باطل، بخلاف ما لو قام للتوضي، وليري الناس أنه يتوضأ لله تعالى. وبعبارة اخرى: تارة: يكون الداعي غير الله، فهو يرجع إلى خلو الطهارة من القربة المعتبرة شرطا في صحتها. واخرى: يكون الداعي التقرب، إلا أن له داعيا آخر، كالداعي على الداعي في الحلقة الثانية، ويتحرك نحو الاتيان لله تعالى بتحريك دنيوي شيطاني، فإنه يضر بالاخلاص الذي قد مضى عدم كفاية أدلة المسألة لاشتراطها به صحة (2). نعم، هو شرط القبول، مع أنه بنفسه من المحرمات لو كان رياء. فما أفاده القوم: من بطلان العبادات المتحدة مع المحرم، أو


1 - تقدم في الصفحة 77 و 83. 2 - تقدم في الصفحة 83.

[ 177 ]

المنضمة بالمباحات، بحيث تكون داعية إلى العمل مستقلا، أو جزء العلة (1) في غير محله، ولا ينبغي الخلط بين الاجر ومسائله، وكثرة الاجر وأ نحائه، وبين المسائل الفقهية، فإن الدليل لا يوجب إلا شرطية الوضوء المأتي به لله، بمعنى أنه لا يكون في وضوئه قاصدا غير التقرب منه تعالى، وأما لو قصد من تقربه منه تعالى الفخر والاراءة، والعجب وأمثاله، فهو لاربط له بالصحة والفساد. وقد عرفت في الامثلة السابقة: أن الرياء قد يكون من الراجحات، لما فيه من إحياء الشريعة، وهداية الناس، وتقوية الاعتقادات، فهو مع كونه رياء، يكون فيه وجه الله وشؤونه تعالى (2). فالضمائم إن لم تضر بالوضوء من جهة القربة والارادة الجدية إليها، فهي لا تورث الفساد وإن كانت من المحرمات. وإن كانت تضر، بأن لا يكون قاصدا جدا إلى الوضوء والطهارة، وغيرها مما يعتبر فيه قصد القربة، فهي توجب البطلان وإن كانت من الواجبات. وأما المحرمات المتحدة كونا ووجودا مع القربيات، ففي سراية المبغوضية منها إليها، بحث تقرر تفصيله في اجتماع الامر والنهي (3)،


1 - نهاية الاحكام 1: 33، إيضاح الفوائد 1: 36، البيان: 44، روض الجنان: 30 / السطر 9، مجمع الفائدة والبرهان 1: 99، العروة الوثقى 1: 618، كتاب الصلاة، فصل في النية، المسألة 11. 2 - تقدم في الصفحة 120. 3 - لاحظ تحريرات في الاصول 4: 208 - 211.

[ 178 ]

فلاحظ وتدبر. منع دلالة بعض الايات على مبطلية الرياء ثم اعلم: أنه من الايات الدالة على مبغوضية الرياء، وموجبيته البطلان، قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والاذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس (1) فإنها بظاهرها تدل على بطلان العمل الريائي. وفيه: أنها تدل على بطلان الصدقة بالمن والاذى، والمقصود من بطلانها سقوط أجرها، دون فسادها حتى تلزم إعادة الصدقة الواجبة، فإن المن بعد العمل لا يورث البطلان، مع أن الاية ناظرة إلى إبطال الصدقة بهما، فيكون المفروض فيها أنه قد أتى بها، ثم يريد المنة والاذى، فنهي الناس عنه. وتوهم: أنها في مقام بيان اشتراط الصدقة بعدم المنة حين الاعطاء، فاسد جدا، لظهور قوله: (لا تبطلوا) في أن الصدقة المفروضة الوجود صحيحة جامعة للشرائط، تكون منهيا إبطالها كما لا يخفى. وعلى هذا، لا دلالة لها على فساد العمل المأتي به لله تعالى رياء، بل تدل على هبوط العمل الريائي، الذي لا يريد جدا فيه شؤونه تعالى، بل المقصود إراءة الناس لا الغير. وأما لو أراده تعالى، ويرى الناس عمله المأتي به لله تعالى،


1 - البقرة (2): 264.

[ 179 ]

وترشح الارادة الجدية للتقرب به منه تعالى، فهو صحيح، وربما كان الرياء في هذه المواقف - لمصا لح مترتبة عليه - حسنا. إلا أن مقتضى مطلقات المسألة، حرمته في هذه الفروض أيضا. ومما يشهد على ذلك الاية السابقة عليها، وهي قوله تعالى: (الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون) (1). وذيل تلك الاية: (ولا يؤمن بالله واليوم الاخر فمثله كمثل صفوان...) (2) إلى آخرها. فإن الايات في المقام، لا نظارة لها إلى المسألة الفرعية، بل هي ناظرة إلى هبوط الاعمال المتعقبة بالمن والاذى، وأن الانفاق الريائي - لا الانفاق في سبيل الله رياء - يكون مثا له (كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدا لا يقدرون على شئ مما كسبوا والله لا يهدي القوم الكافرين) (3). بل ربما يمكن دعوى: أن المقصود إنفاق الكفار، لا المؤمن المرائي كما لا يخفى. اللهم إلا أن يقال: إن الرياء متقوم بأن يكون صورة العمل أوجدها لله تعالى، بمعنى أنه لا يكون العمل المحرم - المعلوم عند الكل حرمته - قابلا للرياء فيه، فهو يتقوم بالعمل الذي يمكن أن يؤتى به لله تعالى،


1 - البقرة (2): 262. 2 - البقرة (2): 264. 3 - البقرة (2): 264.

[ 180 ]

وذلك بلا فرق بين حصول الارادة الجدية المستلزمة لصحة العمل الريائي، وبين ما لا يقصد به إلا رئاء الناس، فافهم وتأمل جيدا. خاتمة: في كفاية النية الارتكازية المشهور أن الاخطار بالبال تفصيلا لازم (1)، والمعروف بين المتأخرين كفاية وجودها في خزانة الخيال (2). ومنشأ الاختلاف ليس مسألة كبروية، بل هم كانوا لا يرون اتصاف الطبيعة النوعية إلا به، بخلافهم، فإنهم يقولون باتصافها به. والذي مضى منا في مسألة الجزم بالنية (3) - بمعنى الجزم بالعناوين المأمور بها، لا العلم بالامر، فإنه ليس شرطا قطعا حتى لا يجوز الاحتياط - هو أن النية من الوجودات الذهنية، والوجودات الذهنية تحتاج في تحققها الذهني إلى المبادئ، كالوجودات الخارجية، وكما أن التردد لا يكون منشأ للوجود في العين، كذلك لا يكون منشأ للوجود في الذهن. فإذا كان المأمور به ذا جزءين: خارجي وذهني، فلابد من وجودهما


1 - المبسوط 1: 101، شرائع الاسلام 1: 68، قواعد الاحكام: 31 / السطر 22. 2 - الحدائق الناضرة 2: 174 و 175 و 176، جواهر الكلام 9: 167 - 173، الصلاة، الشيخ الانصاري 1: 271 - 274، العروة الوثقى 1: 237، كتاب الطهارة، فصل في شرائط الوضوء، الشرط الثاني عشر، العروة الوثقى 1: 614، كتاب الصلاة، فصل في النية. 3 - تقدم في الصفحة 60 - 61.

[ 181 ]

وإيجادهما، حتى يسقط الامر المتعلق بتلك الطبيعة الموصوفة ب‍ الظهرية والعصرية التي لا يوجد عنوانها إلا في الذهن، فمع الشك في أن ما بيده ظهر أو عصر، فهو لا يكفي، لاجل لزوم إيجاد الطبيعة بوصفها المنوع لها. وهكذا لو قصد ما في ذمته وأمثال ذلك، لان به لا يحصل الوجود الذهني، وهو عنوان الظهرية لعدم الواقعية للمأمور به حتى يشار إليه، بل المأمور به من العناوين المحتاجة في تحققها إلى حصول جزء منها في الذهن، وجزئه الاخر في الخارج، والجزء الذهني لا يوجد بالاشارة وأمثالها، فلابد من تحصيله في النفس حتى تتصف الطبيعة به. فما اشتهر بينهم: من كفاية النية الاجمالية، بأن يكون قاصدا للمطلوب الفعلي، وما أمر به مولاه وأمثاله (1) في غير محله. وأما لزوم الاخطار بالبال تفصيلا، والتوجه التفصيلي إليها، فهو ممنوع، لعدم الحاجة في الاتصاف إلى الازيد من وجودها في خزانة النفس. وتوهم لزوم إيجادها حين إيجاد الجزء الخارجي ممنوع، لعدم الدليل عليه، مع أن الوجودات الذهنية الحاصلة قهرا، لا توجد ثانيا، والاحضار والتوجه التفصيلي، ربما يكون غير الايجاد، فلاينبغي الخلط. فعلى ما تقرر، لا يجوز الاتيان بالصلوات مع الشك في عناوينها، ومجرد كون نيته جعلها عصرا إن أتى بالظهر، وظهرا إن أتى بالعصر، غير كاف، كما لو


1 - العروة الوثقى 1: 614، كتاب الصلاة، فصل في النية، المسألة 1، وسيلة النجاة 1: 143 القول في النية، المسألة 5، تحرير الوسيلة 1: 157 القول في النية، المسألة 5.

[ 182 ]

علم بأنه صلى إحداهما، ولا يعلم أنها الظهر أو العصر، فإنه يجب عليه الاتيان بالظهرين بعنوانهما وإن لم يعلم الامر، بل وإن يعلم الامر الواحد، لان الامر وجوده وعدمه سيان، على ما تقرر منا في مقامه (1). كلام حول العناوين المشيرة إلى المأمور به ثم إن فيما توهموه من العناوين المشيرة إلى المأمور به (2)، شبهة صغروية، لان ما يشار به إليه، لابد وأن يكون كليا منحصرا في الفرد، وهذا قلما يتفق لاحد تمكنه منه، بل لا يمكن، ضرورة أن نية ما وجب أولا لا تكفي، لان الثاني واجب حين وجوب الاول، ونية المطلوب الفعلي أيضا غير كافية لمطلوبات كثيرة، وما هو غير المنجز أيضا فعلي، ونية المطلوب المنجز أيضا غير كافية، لما أن الصلوات القضائية أيضا منجزات فعلية، وهكذا فإنه وإن أمكن أحيانا بالقيود الكثيرة تعيين المتعلق، إلا أن ذلك غير ميسور لكل أحد، بل ربما تكون العناوين المشيرة مضرة بالمأمور به، كما لا يخفى. فرع: في جواز التلفظ بالنية إلا في موارد العدول والاقتحام لا شبهة في جواز التكلم بالنية والتلفظ بها ولو أذن وأقام، لعدم الدليل على عدم مشروعيته، ولا دليل على بطلان الاقامة به، على إشكال


1 - لاحظ الصفحة 74، الهامش 2. 2 - لاحظ العروة الوثقى 1: 614، كتاب الصلاة، فصل في النية، المسألة 1، وسيلة النجاة 1: 143، القول في النية، المسألة 5، تحرير الوسيلة 1: 157، القول في النية، المسألة 5.

[ 183 ]

يأتي في محله (1). ولايجوز التكلم بعنوان التشريع، كما ربما ابتلي به الوسواسي. وفي جوازه للصلوات الاحتياطية قولان، مبنيان على استقلالها، وتبعيتها وأ نها جزء الصلاة الاصلية، ولذلك اختار الفقيه اليزدي جوازه (2)، واستشكل الاخرون (3). وقد تقرر منا استقلالها أمرا وخطابا، لا ملاكا (4)، فيجوز التكلم بها والتعبير عنها ما دام لم يضر بالفورية العرفية، ولكن الاحوط تركه جدا. ولايجوز في مواقف العدول، فلو صلى العصر، فلا يجوز التكلم - العدول إلى الظهر - بنيتها، وهكذا في موضع ا لاقتحام، كما لا يخفى. ثم إن الفقيه اليزدي قال: الاحوط ترك التلفظ بالنية في الصلاة، خصوصا في صلاة الاحتياط للشكوك، وإن كان الاقوى الصحة معه (5). وظاهر عبارته يفيد: أن مرامه الاحتياط المطلق بالنسبة إلى الحكم التكليفي، والصحة بالنسبة إلى الحكم الوضعي، وهو خلاف مرامه في مسائل الاذان والاقامة، من اختيار كراهة التكلم في أثنائهما وبعدهما (6)، والامر سهل.


1 - مباحث الاذان والاقامة من كتاب الصلاة، للمؤلف (قدس سره) (مفقودة). 2 - العروة الوثقى 1: 616، كتاب الصلاة، فصل في النية، المسألة 6. 3 - العروة الوثقى 1: 616، كتاب الصلاة، فصل في النية، التعليقة في ذيل المسألة 6. 4 - مباحث صلاة الاحتياط له (قدس سره) (مفقودة). 5 - العروة الوثقى 1: 616، كتاب الصلاة، فصل في النية، المسألة 6. 6 - انظر العروة الوثقى 1: 610، كتاب الصلاة، فصل في مستحبات الاذان والاقامة، الامر الرابع.

[ 185 ]

المطلب الثاني حول تكبيرة الاحرام وأحكامها

[ 187 ]

في وجوب التكبيرة ولا شبهة في وجوبها، وأنها من الصلاة، والتعبير في بعض المآثير بما ينافيه ظاهرا (1)، مما لا يمكن المساعدة عليه، حسب الاخبار والروايات الاخر (2)، والنزاع المعروف في التسليم (3) يأتي هنا أيضا، وسيوافيك بعض الكلام فيه (4). ويتم البحث حولها في ضمن جهات:


1 - يأتي في الصفحة 193. 2 - وسائل الشيعة 6: 9 - 16، كتاب الصلاة، أبواب تكبيرة الاحرام، الباب 1 و 2 و 3. 3 - وهو أن التسليم هل هو جزء وجوبي للصلاة أم لا بل خارج عن الصلاة، لاحظ مفتاح الكرامة 2: 467، جواهر الكلام 10: 278، مستمسك العروة الوثقى 6: 451. 4 - يأتي في الصفحة 193.

[ 189 ]

الجهة الاولى في صورتها وهي - على المشهور المعروف، وهو القدر المتيقن مما يحصل به الاحرام الله أكبر من غير إضافة شئ إلى المبتداء، كقوله: تعالى أو إلى الخبر كقوله: من أن يوصف ومن غير إضافة شئ إليها، حتى يستلزم وصل الهمزة وحذفها، ولا وصلها بشئ آخر، حتى يلزم إظهار إعرابها، ولا توصيفه تعالى بصفاته، ولا تبديل اسمه باسمه الاخر ك‍ الرحمن بناء على بعض الاقوال، حيث هو اسمه الثاني (1)، ولا تبديل أفعل التفضيل بالوصف، كقوله: الله كبير أو مكبر وغير ذلك من إشباع فتحة الباء حتى تتولد الالف ومن تشديد الراء وإن اقتضاه آداب القراءة في بعض ما يتعقبه ما يقتضيه. ومقتضى الصناعة جواز كثير مما اشير إليه، لعمومات البراءة وعدم


1 - تفسير القرآن الكريم، للمؤلف (قدس سره) (الحمد، الناحية الثانية، مباحث اللغة والفقه).

[ 190 ]

الدليل على ممنوعيته بعد الاتيان بتلك الجملة، وتلك الاضافات لا تضر، لعدم الشاهد عليه. نعم، الاشباع بأن يقول: الله أكبار غير جائز، لان الاداب المعروفة في القراءات، غير صحيحة عندي، مع أن مقتضى النصوص (1) خلافه. كما لا يجوز لاجلها تبديل الاسم. وأما التوصيف وزيادة كلمة من كل شئ أو من أن يوصف فهو مما لا دليل عليه. ولو ادعي: أن العبادات توقيفية، والروايات قد بينت الصيغة، وفسرت صورتها، ولايجوز التجاوز عن حدودها (2)، فهو صحيح، إلا أنه يقتضي الاخذ بالقدر المتيقن المذكور، دون التفصيل بين الفروض، كما صنعه عدة من الاعلام، فجوزوا الوصل المؤدي إلى حذف الهمزة من كلمة الله ووصل كلمة أكبر بما بعده، ولم يجوزوا إضافة كلمة تعالى في أثناء الجملة، واحتاطوا في إضافة كلمة من أن يوصف بعدها (3)، وإن جوز الفقيه اليزدي ذلك، ومنع ذاك (4). بل مقتضى إطلاق بعض النصوص الدالة على الاجتزاء بالتكبيرة


1 - وسائل الشيعة 6: 11 و 12، كتاب الصلاة، أبواب تكبيرة الاحرام، الباب 1، الحديث 11 و 12. 2 - لاحظ جامع المقاصد 2: 235، مدارك الاحكام 3: 319، الحدائق الناضرة 8: 31، الصلاة، الشيخ الانصاري 1: 286. 3 - لاحظ العروة الوثقى 1: 626، كتاب الصلاة، فصل في تكبيرة الاحرام. 4 - وسائل الشيعة 1: 626 - 627، كتاب الصلاة، فصل في تكبيرة الاحرام.

[ 191 ]

الواحدة (1) وغيره (2)، صحة الاكتفاء بأية صورة انطبق عليها التكبير، فإن لكل شئ أنف، وأنف الصلاة التكبير (3) وما ورد من الصيغة الخاصة (4)، لا يورث حصر المطلق بها، بل هو من مصاديقها كما لا يخفى هذا كله مقتضى الصناعات. ولكن الوجدان بعد مراجعة الروايات، يطمئن بعدم صحة غير الصورة المذكورة، والاحوط ترك الاضافات إليها، وترك الوصل الموجب لحذف الهمزة وترك إظهار إعرابه بالوصل إلى الجملة المتأخرة، وإن كان الاقوى جوازه، خصوصا في الفرض الثاني، إذا كان الموجب لحذفها التكبيرة السابقة عليها، ولاسيما في الفرض الثالث. وأما إضافة كلمة بين الكلمتين، أو بعدهما، فهي غير ممنوعة حسب الصناعة. اللهم إلا أن يقال: بأن الصورة الاولى، خلاف مقتضى الاخبار المعينة لصورة التكبيرة (5)، والصورة الثانية خلاف مقتضى رواية الصدوق، عن


1 - وسائل الشيعة 6: 9 - 11 كتاب الصلاة، أبواب تكبيرة الاحرام، الباب 1، الحديث 1 و 2 و 3 و 4 و 5 و 8. 2 - وسائل الشيعة 6: 10، كتاب الصلاة، أبواب تكبيرة الاحرام، الباب 1، الحديث 7، 10. 3 - تهذيب الاحكام 2: 237 / 940، وسائل الشيعة 6: 10، كتاب الصلاة، أبواب تكبيرة الاحرام، الباب 1، الحديث 6. 4 - وسائل الشيعة 6: 11 و 12، كتاب الصلاة، أبواب تكبيرة الاحرام، الباب 1، الحديث 11 و 12. 5 - كرواية الصدوق في المجالس بإسناده...، وأما قوله: الله أكبر - إلى أن قال - لاتفتتح الصلاة إلا بها، أمالي الصدوق: 158 / 1، المجلس 35، وسائل الشيعة 6: 12، كتاب الصلاة، أبواب تكبيرة الاحرام، الباب 1، الحديث 12.

[ 192 ]

رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مرسلا، قال: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أتم الناس صلاة وأوجزهم، كان إذا دخل في صلاته قال: الله أكبر بسم الله الرحمن الرحيم (1) فليتدبر.


1 - الفقيه 1: 200 / 921، وسائل الشيعة 6: 11، كتاب الصلاة، أبواب تكبيرة الاحرام، الباب 1، الحديث 11.

[ 193 ]

الجهة الثانية في جزئيتها من الصلاة هل التكبيرة من أجزاء الصلاة، أو تكون من الواجبات الخارجة عنها؟ وربما تظهر الثمرة في مسألة جواز قطعها في أثنائها، فإنها لو كانت من الصلاة فبعد قوله: الله لا يجوز القطع، لانه من قطع الصلاة، وهو محرم، وإن كانت خارجة عنها فيجوز، وهكذا بعد الفراغ من التكبيرة، فإنه يجوز القطع على الثاني، ولايجوز على الاول. والمسألة مفروغ عنها عند المتأخرين (1)، لاقتضاء الاعتبار والاغتراس والنصوص ذلك، وكونها من الواجبات الخارجة عنها، مما لا يناسبه الذوق، ولا الادلة. وتوهم دلالة بعض المآثير - مثل قوله (عليه السلام) على ما في رواية


1 - انظر ذكرى الشيعة: 178 / السطر 22، مدارك الاحكام 3: 318، جامع المقاصد 2: 234، مستند الشيعة 5: 17، جواهر الكلام 9: 201، مصباح الفقيه، الصلاة: 241 / السطر 1.

[ 194 ]

إسماعيل بن مسلم، عن جعفر، عن أبيه، عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في حديث قال: لكل شئ أنف، وأنف الصلاة التكبير (1) وقوله (عليه السلام) على ما في رواية المجازات النبوية: لكل شئ وجه، ووجه دينكم الصلاة، ولكل شئ أنف، وأنف الصلاة التكبير (2) على أنها خارجة، ممنوع، لدلالتها على أنها داخلة، كما يكون أنف الشئ من الشئ. نعم، ما رواه ناصح المؤذن، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث قال: فإن مفتاح الصلاة التكبير (3) ربما يدل على خروجها منها، لان مفتاح الشئ ليس من الشئ. ولكنه معارض بما مر: من أنها أنف الصلاة. مع أن في رواية ابن القداح، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): افتتاح الصلاة الوضوء، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم (4). فإنه لو كان كلمة الافتتاح دليلا على خروج التكبيرة من الصلاة كخروج الوضوء - يلزم جواز جميع المنافيات بعدها، لان معنى المفتاح لا يلازم الدخول القهري فيها، كما لا يخفى. فبالجملة: المستفاد من مجموع الروايات - بعد مساعدة الاعتبار


1 - تهذيب الاحكام 2: 237 / 940، وسائل الشيعة 6: 10، كتاب الصلاة، أبواب تكبيرة الاحرام، الباب 1، الحديث 6. 2 - المجازات النبوية: 208 / 167، وسائل الشيعة 6: 12، كتاب الصلاة، أبواب تكبيرة الاحرام، الباب 1، الحديث 13. 3 - تهذيب الاحكام 3: 270 / 775، وسائل الشيعة 6: 10، كتاب الصلاة، أبواب تكبيرة الاحرام، الباب 1، الحديث 7. 4 - الكافي 3: 69 / 2، وسائل الشيعة 6: 11، كتاب الصلاة، أبواب تكبيرة الاحرام، الباب 1، الحديث 10.

[ 195 ]

والاغتراس - أنها جزء الصلاة، وما قيل في التسليم (1) فهو لاجل أنه كلام آدمي. وقد يمكن دعوى: أن الادلة الدالة على إعادتها عند نسيانها وتركها (2)، تدل على أنها منها، ولا معنى لاستلزام الواجب الخارجي ذلك، بل قوله (عليه السلام): لا صلاة بغير افتتاح (3) يشهد على تقومها بها اسما. عدم ترتب ثمرة على النزاع في المقام وربما يخطر بالبال عدم ثمرة مترتبة عليها، لان القائلين بأنها جزؤها، يجوزون المنافيات قبل إتمامها، والقائلين بأنها خارجة عنها، يمنعون المنافيات بعد إتمامها، لانها المفتاح الموجب للدخول فيها قهرا. والحق: أن ما اختاروه على مبناهم، غير صحيح. اللهم إلا أن يقال: بأن التكبيرة جزؤها، والشروع فيها شروع في الصلاة، لان كل حرف وكلمة من القراءة كما يكون من الصلاة، كذلك كل حرف وحركة منها ومن أذكار الركوع والسجود، فإن الصلاة كالخط، فإن الخط بأول وجوده خط، كذلك الصلاة، فإنها بأول وجودها صلاة، ومقتضى أنها حقيقة تدريجية الوجود، صدقها على جميع مراتبها، على ما تقرر في


1 - في استحبابه وعدم كونه جزءا للصلاة، لاحظ المقنعة: 139، النهاية: 89، مفتاح الكرامة 2: 470. 2 - المروية في وسائل الشيعة 6: 12، كتاب الصلاة، أبواب تكبيرة الاحرام، الباب 2. 3 - تهذيب الاحكام 2: 353 / 1466، وسائل الشيعة 6: 14، كتاب الصلاة، أبواب تكبيرة الاحرام، الباب 2، الحديث 7.

[ 196 ]

محالها، ولذلك لو أخل بها بإتيان المنافيات، تكون باطلة، ولايجوز الاكتفاء بها، وليس ذلك لاجل الدليل المخصوص بها، بل الادلة المانعة عنها حين الصلاة (1)، تشمل ذلك. ولكنك تعلم: أن دليل حرمة قطع الصلاة (2)، قاصر عن شموله هذه الصورة، ولاجله أفتى الاصحاب بجوازه (3). وفيه شبهة كما لا يخفى. بل ربما يدل على جواز قطعها قبل إتمامها، السيرة العملية. ودعوى: أن مقتضى الصناعة وإن كان بالشروع فيها، يشرع في الصلاة، إلا أن الصدق العرفي غير معلوم، ما دام لم يأت بها بكمالها، فإن الشروع في كل شئ عقلا، التلبس بأول وجوده، ولكن العرف ربما لا يرى ذلك ما دام لم يتحقق منه شئ، على اختلاف الموضوعات، مسموعة فتدبر.


1 - وسائل الشيعة 7: 233، كتاب الصلاة، أبواب قواطع الصلاة. 2 - لاحظ جواهر الكلام 11: 123 - 129، مستمسك العروة الوثقى 6: 609، مستند العروة الوثقى 4: 552. 3 - لاحظ العروة الوثقى 1: 626، كتاب الصلاة، فصل في تكبيرة الاحرام، مهذب الاحكام 6: 173، الصلاة (تقريرات المحقق الداماد) الاملي 3: 388.

[ 197 ]

الجهة الثالثة في أنها ركن أم لا هل أنها من الاركان، أو ليست منها؟ أو هي ركن في الجملة، بأن تكون الصلاة باطلة بالنقيصة، وصحيحة بالزيادة؟ أو أنها تبطل بزيادتها ونقيصتها، ولكنه لو أخل ببعض الجهات المرتبطة بها، لا تبطل الصلاة؟ مثلا: لو قال نسيانا: الله تعالى أكبر ثم تذكر بعد الصلاة ذلك، فإنه لا يعيد، لعدم بطلان التكبيرة به، ولا أقل من الشبهة في بطلانها به. بل ولو كبر غلطا جهلا، ثم تذكر لا يعيد، لعدم كونه ركنا إلا بنحو الاعم. فيه وجوه وأقوال: المشهور المعروف قديما وحديثا، ركنيتها على الاطلاق (1)، فلو تركها


1 - لاحظ شرائع الاسلام 1: 69، تذكرة الفقهاء 3: 111، المسألة 208، ذكرى الشيعة: 178 / السطر 16، مستند الشيعة 5: 17، جواهر الكلام 9: 201، العروة الوثقى 1: 626، كتاب الصلاة، فصل في تكبيرة الاحرام.

[ 198 ]

أو زادها تبطل الصلاة، عمدا كان، أو سهوا وجهلا، كسائر الاركان. بل ظاهر المتأخرين بطلانها بالاخلال بالجهات الطارئة، كقوله: الله تعالى أكبر (1). واختار بعض سادة العصر ركنيتها في الجملة، وقال بصحتها عند زيادتها السهوية، دون العمدية (2). وهذا هو الظاهر من عنوان الوسائل حيث قال: الباب الثاني: بطلان الصلاة بترك تكبيرة الاحرام ولو نسيانا، ووجوب الاعادة مع تيقن الترك، لا مع الشك (3) انتهى، مع أنه (قدس سره)، لم يعنون بابا لبطلانها بزيادتها، بخلاف الركوع، فإنه قد عنون هناك بابا لبطلانها بزيادته (4)، فليراجع. مقتضى القواعد العامة هذا، ومقتضى عموم لا تعاد... (5) صحتها بدونها وبنقيصتها، إلا مع


1 - انظر قواعد الاحكام: 32 / السطر 15، ذكرى الشيعة: 178 / السطر 26، جامع المقاصد 2: 237، العروة الوثقى 1: 626، كتاب الصلاة، فصل في تكبيرة الاحرام، المسألة 1. 2 - هو السيد الشاهرودي، العروة الوثقى 1: 613، كتاب الصلاة، فصل في واجبات الصلاة، التعليقة 4 و 5. العروة الوثقى 1: 626، كتاب الصلاة، فصل في تكبيرة الاحرام، التعليقة 4. 3 - وسائل الشيعة 6: 12، كتاب الصلاة، أبواب تكبيرة الاحرام، الباب 2. 4 - وسائل الشيعة 6: 319، كتاب الصلاة، أبواب الركوع، الباب 14. 5 - وسائل الشيعة 5: 471، كتاب الصلاة، أبواب أفعال الصلاة، الباب 1، الحديث 14.

[ 199 ]

العمد، على ما تقرر في مباحث الخلل (1). ومقتضى عموم: من زاد في صلاته فعليه الاعادة (2) بطلانها بالزيادة العمدية والسهوية. ومقتضى عموم قوله (عليه السلام): تسجد سجدتي السهو، في كل زيادة تدخل عليك أو نقصان (3) صحتها بالزيادة السهوية. هذا حسب القواعد العامة المحررة في مواضعها. مفاد المآثير الواردة في المقام وأما قضية النصوص، فلا يبعد أن تكون هي كذلك، لعدم الدليل عليه، وخلو أخبار المسألة عن بطلانها بزيادتها، ولان مفهوم الركن ليس من العناوين في أخبارها. مع أن زيادته لا تضر بها، لعدم فساد المبنى بتكثير الاركان. والذي يخطر بالبال: هو أن أخبار المسألة - من جهة بطلانها بالنقيصة مضطربة، ولعل النظر فيها يؤدي إلى استحباب الاعادة عند تركها، وعليه لا بأس بنقلها، وهي كثيرة: فمنها: معتبرة زرارة قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الرجل ينسى


1 - الخلل في الصلاة، للمؤلف (قدس سره): المسألة الثالثة، الجهة الثالثة. 2 - تهذيب الاحكام 2: 194 / 764، الاستبصار 1: 376 / 1429، وسائل الشيعة 8: 231، كتاب الصلاة، أبواب الخلل في الصلاة، الباب 19، الحديث 2. 3 - تهذيب الاحكام 2: 155 / 608، الاستبصار 1: 361 / 1367، وسائل الشيعة 8: 251، كتاب الصلاة، أبواب الخلل في الصلاة، الباب 32، الحديث 3.

[ 200 ]

تكبيرة الافتتاح. قال: يعيد (1). ومنها: معتبرة محمد، عن أحدهما (عليهما السلام): في الذي يذكر أنه لم يكبر في أول صلاته. فقال: إذا استيقن أنه لم يكبر فليعد، ولكن كيف يستيقن؟! (2). ومنها: معتبرة عبيد بن زرارة قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل أقام الصلاة، فنسي أن يكبر حتى افتتح الصلاة. قال: يعيد الصلاة (3). فإنها وغيرها تدل على ركنيتهما. ويعارضها الاخبار الاخر: فمنها: معتبرة عبيد الله بن علي الحلبي، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن رجل نسي أن يكبر حتى دخل في الصلاة. فقال: أليس كان من نيته أن يكبر؟. قلت: نعم. قال: فليمض في صلاته (4).


1 - تهذيب الاحكام 2: 143 / 557، الاستبصار 1: 351 / 1326، وسائل الشيعة 6: 13، كتاب الصلاة، أبواب تكبيرة الاحرام، الباب 2، الحديث 1. 2 - تهذيب الاحكام 2: 143 / 558، الاستبصار 1: 351 / 1327، وسائل الشيعة 6: 13، كتاب الصلاة، أبواب تكبيرة الاحرام، الباب 2، الحديث 2. 3 - تهذيب الاحكام 2: 142 / 556، وسائل الشيعة 6: 13، كتاب الصلاة، أبواب تكبيرة الاحرام، الباب 2، الحديث 3. 4 - تهذيب الاحكام 2: 144 / 565، الاستبصار 1: 352 / 1330، وسائل الشيعة 6: 15، كتاب الصلاة، أبواب تكبيرة الاحرام، الباب 2، الحديث 9.

[ 201 ]

ومنها: معتبرة أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل قام في الصلاة، فنسي أن يكبر، فبدأ بالقراءة. فقال: إن ذكرها وهو قائم قبل أن يركع فليكبر، وإن ركع فليمض في صلاته (1). ومنها: معتبرة زرارة (رحمه الله) عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قلت له: الرجل ينسى أول تكبيرة من الافتتاح. فقال: إن ذكرها قبل الركوع كبر، ثم قرأ، ثم ركع، وإن ذكرها في الصلاة كبرها في قيامه في موضع التكبير، قبل القراءة، وبعد القراءة. قلت: فإن ذكرها بعد الصلاة؟ قال: فليقضها، ولا شئ عليه (2). وهذه الرواية والثالثة من الطائفة الاولى، ناظرتان إلى تكبيرة الافتتاح، وأما غيرها فهي تدل على عدم ركنيتها مطلقا. اللهم إلا أن يقال: بأن الرواية الاولى، ناظرة إلى فتوى بعض العامة القائل: بكفاية النية عن تكبيرة الاحرام (3)، أو محمولة على أنه (عليه السلام) أوقع ببيانه الشك في الاتيان بها (4)، ويومئ إليه قوله (عليه السلام) في الرواية


1 - تهذيب الاحكام 2: 145 / 568، الاستبصار 1: 352 / 1332، وسائل الشيعة 6: 15، كتاب الصلاة، أبواب تكبيرة الاحرام، الباب 2، الحديث 10. 2 - تهذيب الاحكام 2: 145 / 567، الاستبصار 1: 352 / 1331، وسائل الشيعة 6: 14، كتاب الصلاة، أبواب تكبيرة الاحرام، الباب 2، الحديث 8. 3 - الانتصار: 40، المجموع 3: 290. 4 - كما حمله الشيخ الطوسي في تهذيب الاحكام 2: 144 في ذيل الحديث 566، وفي الاستبصار 1: 352 في ذيل الحديث 1332.

[ 202 ]

السابقة: كيف يستيقن؟! فتدبر. رجوع إلى مقتضى القواعد العامة في المقام ولكن مع ذلك، مقتضى الصناعة صحة الصلاة لو تركها عن غير عمد، لعموم لا تعاد... ولمعارضة الاخبار الامرة بالاعادة (1) بمعتبرة أبي بصير (2). بل مفهوم الحصر المستفاد من لا تعاد... يعارض تلك الاخبار، وعند الدوران بين حمل الهيئة على الاستحباب، وطرح ظهور لا تعاد... يقدم الاول، من غير الحاجة إلى الرواية، فلو أشكل الامر في صحة رواية أبي بصير - ذاتا (3)، أو لاعراض المشهور عنها (4) فالقاعدة تكفي لتصحيحها بدونها. بل مقتضى ما تحرر منا في محله: أن تقييد عموم لا تعاد... يورث سقوط اعتبار عمومها (5)، ولذلك تكون ألسنة المقيدات على نعت الحكومة،


1 - المروية في وسائل الشيعة 6: 12 - 14، كتاب الصلاة، أبواب تكبيرة الاحرام، الباب 2، الحديث 1 و 2 و 3 و 4 و 5 و 7. 2 - تهذيب الاحكام 2: 145 / 568، الاستبصار 1: 352 / 1332، وسائل الشيعة 6: 15، كتاب الصلاة، أبواب تكبيرة الاحرام، الباب 2، الحديث 10. 3 - لاجل اشتراكه بين الثقة وغيره، انظر هداية المحدثين: 272، معجم رجال الحديث 21: 44 / 13959. 4 - تقدم في الصفحة 197. 5 - رسالة في قاعدة لا تعاد، للمؤلف (قدس سره) (مفقودة).

[ 203 ]

مثل قوله (عليه السلام): لاصلاة لمن لم يقم صلبه (1) ولا صلاة إلا بفاتحة الكتاب (2) وغير ذلك (3). فعلى هذا، يمكن دعوى بطلان الصلاة بدون التكبيرة، لقوله (عليه السلام) في معتبرة عمار قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل سها خلف الامام، فلم يفتتح الصلاة. قال: يعيد الصلاة، ولا صلاة بغير افتتاح (4). فإنه حاكم على القاعدة، ولذلك لو أخل بها عمدا أو سهوا أو جهلا وغير ذلك، تكون باطلة، ولولا هذه الرواية، لكانت مقتضى الصناعة ما ذكرناه بلا شبهة وإشكال، خصوصا في صورة الجهل، فتأمل جيدا. وأما بطلانها بالزيادة، فهو غير مبرهن. اللهم إلا أن يقال: بالاتفاق والشهرة عند القدماء (5)، الكاشف عن مفروغية ذلك بينهم. ومما يؤيد ذلك خلو أخبار المسألة من تلك الجهة،


1 - معاني الاخبار: 280، وسائل الشيعة 6: 324، كتاب الصلاة، أبواب الركوع، الباب 18، الحديث 6. 2 - غوالي اللئالي 1: 196 / 2، مستدرك الوسائل 4: 158، كتاب الصلاة، أبواب القراءة في الصلاة، الباب 1، الحديث 5. 3 - كقوله (عليه السلام) فلا صلاة له إذا ترك الصلاة على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وسائل الشيعة 6: 407، كتاب الصلاة، أبواب التشهد، الباب 10، الحديث 1. ويأتي في الصفحة قوله (عليه السلام): لا صلاة بغير افتتاح. 4 - تهذيب الاحكام 2: 353 / 1466، وسائل الشيعة 6: 14، كتاب الصلاة، أبواب تكبيرة الاحرام، الباب 2، الحديث 7. 5 - المبسوط 1: 105، شرائع الاسلام 1: 69، الجامع للشرايع: 80، نهاية الاحكام 1: 458، ذكرى الشيعة: 179 / السطر 7.

[ 204 ]

فيعلم منه أن المسألة مما تلقاها اللاحقون من السابقين يدا بيد، فافهم وتدبر. والمسألة من تلك الجهة، تحتاج إلى المراجعة إلى متون السابقين، حتى يعلم اشتهارها وعدمه (1)، وحيث أن الموجود عندي من الكتب الفقهية، ليس إلا متن الفقيه اليزدي والاصفهاني، مع عدة حواش وتعليقات للاعلام، فيحال إلى موقف آخر. دعاء وشكوى وفراسة ونرجو الله تعالى أن يوفقني للخدمة، ولا سيما خدمة الوالد المحقق - مد ظله - الغريب في بورسا، البعيد من وطنه قريبا من سنة، فإنه قد أخذ من قم ليلة الاربعاء الثامن والعشرين من جمادى الثانية، واقصي منه، وجئ به إلى بلدة بورسا من بلاد تركية، واليوم يوم الخامس والعشرين من جمادى الاولى، سنة خمس وثمانين وثلاثمائة بعد الالف من الهجرة النبوية، على هاجرها آلاف السلام والتحية. والذي القي إليه في الامس من قبل الشاه - خذله الله تعالى وقتله، لانه عدوه وعدو الله تعالى من حيث لا يعلم - هو أنه - مد ظله - لو اشتهى أن يذهب إلى العراق، فلا بأس، وهو اختاره، لما فيه المنافع الكثيرة مما لاتعد ولا تحصى، إن شاء الله تعالى. ولكن مع الاسف، إن أعمالهم ونياتهم ليست على المباني الصحيحة،


1 - لاحظ مفاتيح الشرايع 1: 125، جواهر الكلام 9: 220.

[ 205 ]

حتى يعملوا بما يقولون، اف عليهم وعلى ما يصنعون، والعن اللهم الطاغين الظالمين، وأطل اللهم عمره - مد ظله - حتى يرجع إلى وطنه الشريف، ليكون سيفا على أعداء الدين، آمين رب العالمين. فرع: هل أن تكبيرة الاحرام تفسد بالاضافات؟ مقتضى ما تقرر: أن تكبيرة الاحرام الباطلة تورث الاعادة، لانه لا صلاة بغير افتتاح. نعم في بطلانها بزيادة مثل قوله: تعالى بعد قوله: الله أو بزيادة كلمة من أن يوصف بعد قوله: الله أكبر محل الشبهة، فلو زاد عمدا فليستأنف، ولو زاد سهوا فمقتضى الصناعة الاعادة، للشك في أن ما أتى به صلاة أم لا، لتقومها بالتكبيرة، وهي مشكوكة الوجود. اللهم إلا أن يقال: بأنه المسبب من بطلانها بها، وهو المنفي بالاصل. بل يمكن دعوى صحة التمسك في خصوص مسألة تكبيرة الاحرام - عند الشك في بطلانها بمبطل كذائي - بعموم لا تعاد... ضرورة أن معنى بطلانها به إعادة الصلاة، بخلاف بطلان سائر الاجزاء بما يشك بمبطليتها لها، فإنها لا تكون مصب القاعدة على المشهور المعروف، لان القاعدة لا تجري بالنسبة إلى الاجزاء، ولا توجب نفي إعادتها، لانها ليست من إعادة الصلاة، بخلاف الاستئناف فإنه إعادة للصلاة. فلو شك في بطلان القراءة، لاجل الاخلال بالاستقرار، لا يصح التمسك بها، بخلاف ما لو شك في بطلان التكبيرة، لاجل الاخلال

[ 206 ]

بالاستقرار، فإنه يصح التمسك بها، لانه لو كان الاستقرار ركنا، يوجب الاعادة، والخروج من الصلاة، والدخول فيها ثانيا، ولذلك ينفى بعموم القاعدة ركنيته، وهكذا لو كان قوله: من أن يوصف مبطلا تلزم الاعادة من قبله، مع أنها منفية بالقاعدة. فتحصل: أن مقتضى الصناعة العملية لو شك في بطلان التكبيرة بتلك الاضافات، عدم وجوب الاستئناف. هذا كله لو تذكر بعدها أو في الاثناء، وأما لو تذكر بعد الفراغ، فلا شبهة في المسألة. وقد يخطر بالبال أن يقال: بأن تلك الاضافات ليست من الموانع والمبطلات، ولا من المشروطة عدمها، حتى تستقل بها القاعدة في جريانها، بل هي الجهات المورثة للاخلال بحصول الافتتاح الصحيح، ومع الشك في تقوم صحتها بها، فالمرجع هو عموم حديث الرفع (1). اللهم إلا أن يقال: المرجع قاعدة الاحتياط، للزوم إتيان التكبيرة الافتتاحية قطعا، ومع الشك المذكور يشك في الامتثال، فتأمل. فرع آخر: في حكم من يكبر غلطا لو كان يكبر غلطا، فهل عليه الاعادة، أم لا؟ فيه وجهان: من أن الادلة الملزمة للاعادة، قاصرة عن شمول الفرض.


1 - التوحيد: 353 / 24، الخصال: 417 / 9، وسائل الشيعة 15: 369، كتاب الجهاد، أبواب جهاد النفس، الباب 56، الحديث 1.

[ 207 ]

ومن أن قوله (عليه السلام): لا صلاة بغير افتتاح (1) ظاهر في الافتتاح الصحيح. ولو أشكل الامر من جهة إجمال الوجه الثاني، فالمرجع عموم لا تعاد... (2) لان الخارج منه تركها، لا الاتيان بها غلطا كما لا يخفى. ولو قيل: لاصلاة بغير افتتاح فيه احتمال آخر، وهو إرادة الوضوء، لما ورد في الاخبار: أن افتتاح الصلاة الوضوء، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم (3). هذا مع أن استفادة التقويم من ذلك، غير متعارفة، لما أن الهيئة المذكورة قد تستعمل في نفي الكمال، كقوله: لا صلاة لجار المسجد إلا في مسجده (4) ولو كان ذلك مفيد التقويم ادعاء، لما كان يصح تخصيصه، كما خصص قوله: لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب (5). هذا مع أنه لو كان يورث التقويم في عالم الادعاء، فهو دليل على بطلانها بزيادة التكبيرة، لان الشئ الواحد، لا يعقل أن يكون ذا مقومين.


1 - تهذيب الاحكام 2: 353 / 1466، وسائل الشيعة 6: 14، كتاب الصلاة، أبواب تكبيرة الاحرام، الباب 2، الحديث 7. 2 - وسائل الشيعة 5: 471 كتاب الصلاة، أبواب أفعال الصلاة، الباب 1، الحديث 14. 3 - الكافي 3: 69 / 2، الفقيه 1: 23 / 68، وسائل الشيعة 6: 11، كتاب الصلاة، أبواب تكبيرة الاحرام، الباب 1، الحديث 10. 4 - تهذيب الاحكام 1: 92 / 244، وسائل الشيعة 5: 194، كتاب الصلاة، أبواب أحكام المساجد، الباب 2، الحديث 1. 5 - غوالي اللئالي 1: 196 / 2، مستدرك الوسائل 4: 158، كتاب الصلاة، أبواب القراءة في الصلاة، الباب 8، الحديث 5.

[ 208 ]

قلنا: الاحتمال المذكور قريب في حد نفسه، وبعيد - بل مقطوع العدم - بعد ملاحظة صدر الرواية، واشتراك الهيئة المذكورة لا يورث طرح الظهور الذاتي، بعد احتياج خلافه إلى القرينة، وتوهم ورود مثل قوله: لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب من قلة الاطلاع، بل الوارد في أخبارها ما يقبل التخصيص، وهو قوله (عليه السلام): لا صلاة له إلا أن يقرأ بها في جهر أو إخفات (1) وبين التعبيرين ما بين الجرباء والترباء. والاستفادة المشار إليها - مضافا إلى أنها خارجة عن افق الافهام الفقهية غير تامة ذاتا، لان الثاني ليس افتتاحا، كما لا يخفى. وتوهم: أن معتبرة أبي بصير (2) في حكم القرينة على إرادة نفي الكمال، أو إفادة الشرطية إجمالا، في غير محله، لاعراض المشهور عنها (3)، بل لا عامل بها. فرع: في حكم الزيادة على تكبيرة الاحرام لو زاد تكبيرة الاحرام، فإن كان عن عمد، فهو يرجع إلى الاعراض عما بيده، وافتتاح الصلاة ثانيا، فإن قلنا: بأن الاعراض القلبي مبطل، فلا شبهة


1 - الكافي 3: 317 / 28، تهذيب الاحكام 2: 147 / 576، الاستبصار 1: 310 / 1152، وسائل الشيعة 6: 37، كتاب الصلاة، أبواب القراءة في الصلاة، الباب 1، الحديث 1. 2 - وسائل الشيعة 6: 15، كتاب الصلاة، أبواب تكبيرة الاحرام، الباب 2، الحديث 10، تقدم أيضا في الصفحة 201. 3 - تقدم في الصفحة 197 و 202.

[ 209 ]

في صحة التكبيرة الثانية، ويتمها لما افتتح لها، والمفروض افتتاح الصلاة التي بيده ثانيا. وإن قلنا: ببطلانها بنفس هذه التكبيرة الافتتاحية الثانية، فهي مبطلة لما بيده، وافتتاح للاخرى، ولا وجه لبطلانها إلا توهم النهي عنها بعنوانها، وهو ممنوع، بل المنهي منطبق عليها. وأما زيادتها ثانيا من غير حصول الاعراض القلبي عن الاولى، فهي ليست مبطلة، لان ما هو المبطل الافتتاحية، وهي الركن، دون التكبيرة. وإن شئت قلت: لا يعقل تكرار الافتتاحية بعنوانها، وتكرار التحريم بعنوانه، إلا مع الغفلة عن حاله، أو الاعراض عما بيده، وعلى التقديرين تصح الثانية، فلو كبر للظهر، ثم غفل عن حاله وكبر لها ثانيا، فقد تمت صلاته الثانية، وبطلت الاولى، ولا منع عقلا عن صحة المبطل، كما لو كبر عمدا في صلاة لصلاة اخرى، وقلنا: بعدم صحة الاقتحام. وبعبارة اخرى: لا يعقل زيادة تكبيرة الاحرام في الصلاة، لا بمعنى عدم معقولية زيادة الركوع وغيره، لانعدامها بها، بل بمعنى أن ما هو الركن، ليس مطلق التكبيرة حتى تزداد فيها، بل هو التكبيرة الخاصة المأتي بها بعنوان الافتتاحية والشروع فيها، وهذا المعنى لا يعقل ترشحه في النفس إلا في أحد الوجهين، الغفلة، أو الاعراض: فإن كان إعراضا عن الاولى - كما هو دأب الوسواسيين - فلا شبهة في صحتها وإن قلنا: بعدم بطلان الاولى بنفس الاعراض. وإن كان غفلة عن الحال، فإن استلزم ذلك إخلالا بالوظيفة، تبطل لاجله، وإلا فلا.

[ 210 ]

مثلا: لو كبر وصلى ركعة، ثم غفل وكبر للافتتاح ثانيا، وأتى بالوظيفة، ثم بعد ذلك تذكر أنه أتى بالاحرامين، فإنه تتم صلاته، ولا شئ عليه، ولا وجه لبطلانها بدعوى زيادة الركن أو الركعة. ومما ذكرناه يظهر النظر في مختار المتأخرين، حيث قالوا: فلو كبر بقصد الافتتاح، وأتى بها على الوجه الصحيح، ثم كبر بهذا القصد ثانيا، بطلت، واحتاج إلى ثالثة، فإن أبطلها بزيادة رابعة، احتاج إلى خامسة، وهكذا تبطل بالشفع، وتصح بالوتر (1) انتهى. نعم، لو أمكن قصد الافتتاح في أثناء الصلاة، مع حفظ الصلاة السابقة، فللقول بالحاجة إلى الوتر بعد الشفع وجه. ثم إن الاظهر كما مر (2)، أن الاعراض القلبي المتعقب بالاعمال بعنوان آخر صلاة كانت، أو غير صلاة - يكفي في بطلان ما بيده، ولا حاجة إلى المنافيات المصطلحة في الخروج عنها، فما قد يتراءى من الاصحاب في بعض المقامات، من الاحتياط بإيجاد المنافي، ثم الاستئناف (3)، ناشئ عن الغفلة عن حقيقة النية، والصلاة المتقومة بها، وأثر الاعراض عنها، كما لا يخفى.


1 - العروة الوثقى 1: 626، كتاب الصلاة، فصل في تكبيرة الاحرام، لاحظ أيضا: وسيلة النجاة 1: 146، كتاب الصلاة، فصل في تكبيرة الاحرام، تحرير الوسيلة 1: 161. 2 - تقدم في الصفحة 3 - العروة الوثقى 1: 631، كتاب الصلاة، فصل في تكبيرة الاحرام، المسألة 16، تحرير الوسيلة 1: 161، كتاب الصلاة، فصل في تكبيرة الاحرام.

[ 211 ]

الجهة الرابعة في واجباتها وهي مختلفة حسب الركنية وعدمها: فمنها: النية بمعنى أن مطلق التكبيرة الصلاتية، ربما لا تكون كافية، ولا التكبيرة الافتتاحية، بل لابد من نية تكبيرة الاحرام، لا بالحمل الاولي، بل يكفي الحمل الشائع، وهو قصد التكبيرة التي يدخل بها في الصلاة، ويكون قاصدا بها الدخول فيها، بحيث يحرم عليه المنافيات، ولا يشترط التفصيل في ذلك، وذلك لان من المآثير ما يكون ظاهرا، في أن التكبيرات الست الافتتاحية، من الاجزاء المستحبة للصلاة المتقدمة على الجزء الواجبي (1)، فبالدخول فيها يدخل في الصلاة، إلا أنه لا يحرم عليه بعد


1 - وسائل الشيعة 6: 18، كتاب الصلاة، أبواب تكبيرة الاحرام، الباب 5، الحديث 2 و 3.

[ 212 ]

المنافيات. نعم، بعد تكبيرة الاحرام وهي السابعة مثلا، يحرم عليه امور، فعلى هذا لابد من القصد الخاص، ولا يكفي مجرد التكبير بعنوان الافتتاح، كما لا يخفى. هل يتحقق الدخول في الصلاة بالتكبيرة الاخيرة أم لا؟ وحيث أن المسألة موقوفة على ذكر الحق في بحث التكبيرات الافتتاحية، فلا بأس بصرف عنان الكلام إلى أخبارها، والاقوال فيها، وهي كثيرة، ومنشأ اختلافهم تشتت النصوص، ولا جهة اخرى فيها حتى تكون هي المرجع بعدها: فمنها: معتبرة معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: التكبير في الصلاة الفرض الخمس الصلوات، خمس وتسعون تكبيرة، منها تكبيرة القنوت خمسة (1). وهي تدل على أنها خارجة منها، وأن ما به يدخل فيها هي الاخيرة، وإلا لو صح الدخول بغيرها، يلزم زيادتها عليه. ومثلها رواية الصباح المزني، عن أمير المؤمنين (عليه السلام) (2). وعلى ما في رواية عبد الله بن المغيرة - من زيادة قوله: وفسرهن:


1 - الكافي 3: 310 / 5، تهذيب الاحكام 2: 87 / 323، وسائل الشيعة 6: 18، كتاب الصلاة، أبواب تكبيرة الاحرام، الباب 5، الحديث 1. 2 - الخصال: 593 / 3، تهذيب الاحكام 2: 87 / 325، وسائل الشيعة 6: 18، كتاب الصلاة، أبواب تكبيرة الاحرام، الباب 5، الحديث 3.

[ 213 ]

في الظهر إحدى وعشرين تكبيرة، وفي العصر إحدى وعشرين تكبيرة، وفي المغرب ست عشرة تكبيرة، وفي العشاء الاخرة إحدى وعشرين تكبيرة، وفي الفجر إحدى عشرة تكبيرة، وخمس تكبيرات القنوت في خمس صلوات... (1) تكون دلالتها على أنها خارجة عنها، ولا يصح الدخول فيها بغير الاخيرة، للزوم ازديادها عليها، وهذا هو الاحوط، وعليه البناء العملي، وهو المغروس. والدخول فيها بالاولى - من غير كونها تكبيرة الاحرام - ينافي ذلك، لاشتما لها على التكبيرة الواجبة والمندوبة. نعم، هذا غير مناف لمقالة والد المجلسي التقي النقي (رحمه الله)، حيث اختار أنها بمجموعها يحصل الدخول، وتكون أجزاؤها بمنزلة حروف التكبيرة الواحدة (2)، وقد كنا في سالف الزمان نقوي ذلك. ومنها: معتبرة حفص بن البختري، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان في الصلاة، وإلى جانبه الحسين بن علي، فكبر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فلم يحر الحسين بالتكبير، ثم كبر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فلم يحر الحسين بالتكبير، فلم يزل رسول الله يكبر ويعالج الحسين (عليه السلام) التكبير فلم يحر، حتى أكمل سبع تكبيرات، فأحار الحسين (عليه السلام) التكبير في السابعة. فقال أبو عبد الله (عليه السلام): فصارت سنة (3).


1 - الكافي 3: 310 / 6، تهذيب الاحكام 2: 87 / 324، وسائل الشيعة 6: 18، كتاب الصلاة، أبواب تكبيرة الاحرام، الباب 5، الحديث 2. 2 - روضة المتقين 2: 284، بحار الانوار 81: 357. 3 - تهذيب الاحكام 2: 67 / 243، وسائل الشيعة 6: 20، كتاب الصلاة، أبواب تكبيرة الاحرام، الباب 7، الحديث 1.

[ 214 ]

وقريب منها معتبرة زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) (1) وما فيهما من التهافت إجمالا في نقل القضية، ربما يمكن جمعهما كما لا يخفى. وهي تدل على أن الاولى تكبيرة الاحرام، والست الباقية بعد الدخول فيها، لما أن الظاهر من عمل الرسول، تكبيره للصلاة، لانه كان أوجزهم صلاة، ولما اتفق ذلك كررها، ليعالج الحسين (عليه السلام) فالاخريات وقعت فيها، فيعلم منها جواز الاتيان بالست بعد الدخول فيها، وهي خلاف مقالة المجلسي (رحمه الله) أيضا، لما ترى من ظهورها في عوده (صلى الله عليه وآله وسلم). بل في رواية زرارة قال: فلما سمع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) تكبيره عاد فكبر، فكبر الحسين (عليه السلام) حتى كبر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) سبع تكبيرات، وكبر الحسين (عليه السلام) فجرت السنة بذلك (2). فإنها صريحة في أن الاحرام، يحصل بالاولى. ولعمري، دعوى ظهورها في أن الاحرام يحصل بالوتر، ويبطل بالشفع، غير ممنوعة. وربما كان المستحب، الافتتاح بالاولى، ثم إبطالها بالثانية، والدخول بالثالثة وهكذا. وإليه يومى ما في الخصال بسنده المعتبر، عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: أدنى ما يجزي من التكبير في التوجه إلى الصلاة، تكبيرة


1 - الفقيه 1: 199 / 918، علل الشرايع: 332 / 2، الباب 30، وسائل الشيعة 6: 21، كتاب الصلاة، أبواب تكبيرة الاحرام، الباب 7، الحديث 4. 2 - المصدر السابق.

[ 215 ]

واحدة، وثلاث تكبيرات، وخمس وسبع أفضل (1). فإنه لا وجه للاتيان بالاوتار دون الاشفاع، إلا أن بالشفع يخرج منها، وبالوتر يدخل فيها. وهذا الخروج والدخول لاجل التهيؤ للتشرف بالتوجه التام. وهذا الاحتمال وإن لم يقل به أحد، إلا أنه غير بعيد، وإن لم يساعده سائر النصوص والاخبار. ومنها: رواية أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إذا افتتحت الصلاة فكبر، إن شئت واحدة، وإن شئت ثلاثا، وإن شئت خمسا، وإن شئت سبعا، وكل ذلك مجز عنك، غير أنك إذا كنت إماما، لم تجهر إلا بتكبيرة (2). وهذه الرواية ظاهرة في مقالة المجلسي الاول (رحمه الله) (3) وأن بها يحصل الافتتاح، ولا شئ - زائدا على قصد الافتتاح - شرطا. بل قوله (عليه السلام) - على ما فيها -: لم تجهر إلا بتكبيرة يقتضي بإطلاقه عدم الفرق بين الاجهار بالاولى، أو الوسطى، أو الاخرة، وهذا يشهد على استواء التكبيرات، ولا ينوي بالست منها أمرا، وبالاخرى الدخول فيها كما لا يخفى. ويؤيده رواية ابن شاذان، عن الرضا (عليه السلام) حيث قال: إنما صارت


1 - الخصال: 347 / 19، وسائل الشيعة 6: 23، كتاب الصلاة، أبواب تكبيرة الاحرام، الباب 7، الحديث 9. 2 - تهذيب الاحكام 2: 66 / 239، وسائل الشيعة 6: 21، كتاب الصلاة، أبواب تكبيرة الاحرام، الباب 7، الحديث 3. 3 - تقدم تخريجه في الصفحة 90، الهامش 2.

[ 216 ]

التكبيرات في أول الصلاة سبعا، لان أصل الصلاة ركعتان، واستفتاحهما بسبع تكبيرات (1). بل قوله (عليه السلام): في أول الصلاة كالنص في أنها منها، لان أول الشئ داخل فيه. ولا يحضرني مرامه (رحمه الله) من أنه هل اختار التخيير، وإمكان الاحرام بالمجموع، أو اختار أنه يتبع الواقع، إن كبر لها مرة فهو يحصل بها، وإن كبر أكثر فيه يدخل فيها، من غير دخالة القصد؟ وهذا هو الذي كنا نعتقده في سالف الزمان. وإن شئت قلت: يجب قصد الصلاة والاتيان بالاجزاء بعنوانها، لا بالعناوين الخاصة الاخر، ولا يلزم قصد الجزئية أو قصد الجزء الواجب. بل مقتضى ما تحرر منا (2): أن قصد الجزئية يضر، لانها تباين الكل الذي هو المقصود ذاتا وعنوانا، فلا يجب حين الشروع إلا قصد الصلاة الخاصة، فإذا كبر لها وقرأ بعدها، فقد دخل في الصلاة بها، ولو كبر مرات وقرأ دخل فيها بها أيضا، لان ما هو الجزء ليس خصوصية الوحدة والكثرة، بل هو التكبير ليس إلا، أما ترى من نفسك أنك لست فيها إلا بعد الاخيرة، فهو لاجل اعتقادك الخلاف، وإلا بعد مراجعة الاخبار، ربما كانت هي ظاهرة في الدخول فيها بالشروع في التكبيرات، التي يأتي بها بعنوان الصلاة. وتوهم اشتراط النية الاخرى بعنوان نية الاحرام - زائدا على الافتتاح -


1 - الفقيه 1: 200 / 920، وسائل الشيعة 6: 22، كتاب الصلاة، أبواب تكبيرة الاحرام، الباب 7، الحديث 6. 2 - تقدم في الصفحة 167.

[ 217 ]

كتوهم اشتراط نية الافتتاح، فإنهما غير لازمين، بل اللازم اتصاف التكبيرة ب‍ أنها للصلاة الكذائية وإن كان غافلا عن عناوين الافتتاح والاحرام. والسر في ذلك: أن الاستفتاح من العناوين القهرية الحاصلة من الدخول في الصلاة، وأن الاحرام ليس شرطا للزوم العلم الاجمالي بالمنافيات، وأنه لو أتى بها بدونها واقعا، ليست صحيحة، لان قصد الاحرام، لا يحصل إلا بالعلم بأن بالصلاة تحرم أشياء وامورا، والالتزام به مشكل جدا. ومنها: الاخبار الكثيرة المشتملة على استفتاح الصلاة بالتكبيرات، وافتتاحها بها، وتلك النصوص متفرقة في الابواب المختلفة (1). ولعل النظر فيها يؤدي إلى إجمالها من تلك الجهة، وأن تلك التكبيرات من الاجزاء أو لا. وعلى الاول: من الاجزاء الواجبة بوجودها، أو لا من المستحبات بإتيانها، كالتسليم الثاني، فإنه عند وجوده يعد من الجزء المستحبي. وتوهم دلالتها على أن الكل داخل فيها، في غير محله، بل مفاد الافتتاح والاستفتاح أنسب إلى الاشتغال بالامور الخارجة عن المفتوح - كما لا يخفى - من الاشتغال بالامور الداخلة فيه.


1 - وسائل الشيعة 5: 465، كتاب الصلاة، أبواب أفعال الصلاة، الباب 1، الحديث 10، وسائل الشيعة 6: 21 - 23، كتاب الصلاة، أبواب تكبيرة الاحرام، الباب 7، الحديث 2 و 6 و 7، وسائل الشيعة 6: 24، كتاب الصلاة، أبواب تكبيرة الاحرام، الباب 8، الحديث 1.

[ 218 ]

الاقوال والمحتملات في التكبيرات الافتتاحية فبالجملة: إن في المسألة احتمالات وأقوالا: قال الفقيه اليزدي: يستحب الاتيان بست تكبيرات، مضافا إلى تكبيرة الاحرام، فيكون المجموع سبعا، وتسمى: التكبيرات الافتتاحية، ويجوز الاقتصار على الخمس، وعلى الثلاث، ولا يبعد التخيير في تعيين تكبيرة الاحرام في أيتها شاء، بل نية الاحرام بالجميع أيضا، لكن الاحوط اختيار الاخيرة. ولا يكفي قصد الافتتاح بأحدها المبهم من غير تعيين (1). ثم قال: لما كان في مسألة تعيين تكبيرة الاحرام - إذا أتى بالسبع أو الخمس أو الثلاث - احتمالات، بل وأقوال: تعيين الاول، وتعيين الاخير، والتخيير، والجميع، فالاولى لمن أراد إحراز جميع الاحتمالات، ومراعاة الاحتياط من جميع الجهات، أن يأتي بها بقصد أنه إن كان الحكم هو التخيير، فالافتتاح هو كذا، ويعين في قلبه ما شاء، وإلا فهو ما عند الله من الاول، أو الاخير، أو الجميع (2) انتهى. وأنت خبير بما فيه من جهات شتى: أولا: أن نية تكبيرة الاحرام بعنوانها، مما لا دليل عليها، كما مضى سبيله (3)، بل نية الصلاة والاتيان بها بعنوانها، يكفي وإن كان جاهلا


1 - العروة الوثقى 1: 629، كتاب الصلاة، فصل في تكبيرة الاحرام، المسألة 10 و 11. 2 - نفس المصدر. 3 - تقدم في الصفحة 216.

[ 219 ]

بمحرمية شئ فيها، حتى لا يتمشى منه قصدها. وثانيا: اختصاص جواز الاقتصار بالاوتار، مما لا دليل عليه، ولا يكفي ما في الروايات - من ذكر الاوتار - لحصر المشروعية به، بعد ظهورها في الفضيلة، واحتمال كونها من باب إن الله وتريحب الوتر (1) ولاجله لا يقصر الجواز في التسبيحات الثلاثة المتعارفة في الصلاة، فالاتيان بعنوانها أشفاعا، مما لا بأس به على الاظهر. وثالثا: التخيير في تعيين أيها شاء تكبيرة الاحرام - مع استلزام وقوع بعضها خارج الصلاة، وبعضها في الصلاة - مما لا شاهد له في أخبار المسألة، لما عرفت أن الطوائف المختلفة منها، لا تشتمل على ما يكون ظاهرا في التخيير (2). وتوهم دلالة رواية أبي بصير (3) عليه، في غير محله، فإنها تدل على حصول الورود فيها قهرا بها، ولا تدل على أنه بالخيار في اختيار ما يدخل بها في الصلاة، بل هي تدل على مقالة المجلسي (رحمه الله) وأ نه بما كبر به افتتحت الصلاة عليه، فلاينبغي توهم دلالتها على التخيير بالمعنى المذكور. وتوهم: أن التخيير مقتضى الجمع بين الاخبار ممنوع، لان الطائفة الاولى تدل على أن تكبيرات الصلوات خمس وتسعون، وعليه يلزم ازديادها عليها. مع أن ظاهر عمل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هو العود إلى التكبيرة الاولى


1 - الكافي 3: 25 / 4، وسائل الشيعة 1: 387، كتاب الطهارة، أبواب الوضوء، الباب 15، الحديث 2. 2 - تقدم في الصفحة 212 - 216. 3 - تقدم تخريجها في الصفحة 215.

[ 220 ]

والاستئناف، وهذا أيضا غير مناسب لاختيار التخيير. ورابعا: الاحتياط غير ممكن. الاظهر هو الدخول بخصوص الاخيرة والذي يظهر لي: أن الطائفة الاولى، أقوى دلالة على المسألة من الاخريات، وقضية الجمع بين الروايات، هو اختيار أن الست السابقة خارجة عن الصلاة، وما يفتتح به الصلاة - أي يقصد به عنوان الصلاة - هي الاخيرة، ولا شئ - زائدا عليه - شرطا حال الاتيان بتكبيرة الاحرام. وما نسب (1) إلى المجلسي الاول (2) وهو المختار سابقا - مع الاختلاف في جهة كما عرفت (3) - ربما لا يمكن الالتزام به، لان الاجزاء الداخلة في الطبيعة، لابد من تقديرها فيها حين اختراعها، ثم بعد ذلك يتوجه الامر إليه، ويوجدها المأمور في الخارج، وما اشتهر من تبعات الوجود - دون الطبيعة - في المسائل الاعتبارية (4)، مما لا أساس له، ويكون من الخلط بين التكوين والتشريع. فعلى هذا، التي هي جزء الطبيعة، إما نفس طبيعة التكبيرة، أو هي مع الخصوصية، لا سبيل إلى الاول. فتلك الخصوصية إما خصوصية الوحدة، أو الكثرة، فإن كانت


1 - مستمسك العروة الوثقى 6: 74. 2 - روضة المتقين 2: 284. ولاحظ أيضا بحار الانوار 81: 357. 3 - تقدم في الصفحة 215 - 216. 4 - لاحظ مصباح الفقيه، الصلاة: 245 / السطر 8، مستمسك العروة الوثقى 6: 75.

[ 221 ]

الاولى فالثانية خارجة، وإلا فهي داخلة. وعلى الفرض الثاني، إما اعتبرت على نعت الجزئية الوجوبية، أو الندبية، فلا يعقل كون الجزء تابعا لايجاد المكلف، إن أتى به فهو جزء، وإلا فلا، كما في الابنية، فإن المأمور به فيها ليس مضيقا، بخلافه هنا. ولو أمكن فرضا ذلك، فهو في الاجزاء الندبية، دون الوجوبية. فتوهم اتصاف السبع بالتكبيرة الواجبة وبالجزء الوجوبي، في غير محله، فتأمل. وبالجملة: رواية أبي بصير (1) لا تنافي ظهور الطائفة الاولى، لانه إن شاء كبر واحدة، وإن شاء كبر ثلاثا، وهكذا ليس فيها: أنها من الصلاة. وقوله (عليه السلام) في جميع الرواية: إذا افتتحت الصلاة أو افتتاح الصلاة (2) ليس معناه إلا إرادة الصلاة، والاشتغال بها وإتيانها، وإلا يلزم - على حسب رواية أبي بصير - أن تكون التكبيرات ثمانيا، لما فيها أنه (عليه السلام) قال: إذا افتتحت الصلاة فكبر إن شئت فواحدة... إلى آخره. فالمراد من الافتتاح أمر أعم من الدخول في الصلاة، ولذلك عد الوضوء افتتاح الصلاة (3). ولعمري، إن منشأ اختلاف الاقوال، ربما كان ذلك.


1 - تهذيب الاحكام 2: 66 / 239، وسائل الشيعة 6: 23، كتاب الصلاة، أبواب تكبيرة الاحرام، الباب 7، الحديث 9. 2 - تقدم في الصفحة 215 - 217. 3 - الكافي 3: 69 / 2، وسائل الشيعة 6: 11، كتاب الصلاة، أبواب تكبيرة الاحرام، الباب 1، الحديث 10.

[ 222 ]

حول ما ورد في تكبير رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ولو فرغنا عن هذه الطائفة، ورواية أبي بصير، تبقى الطائفة الثانية الحاكية لصنع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) (1) وهي لا تدل على ما في قلبه (صلى الله عليه وآله وسلم) بل هي تدل على عمله الخارجي، وأ نه كبر سبع مرات، وأما أنه كبر للصلاة سبعا، أو لامر آخر، فهو غير مدلول عليه. بل رواية حفص (2) تدل على أنه كان يكبر ويعالج الحسين (عليه السلام) فيعلم منه أنها ليست للصلاة، وإلا يلزم ما لا يلتزم به كما لا يخفى. والوجه لتوهم دخوله (صلى الله عليه وآله وسلم) في الصلاة، هو كلمة الافتتاح وقد مضى (3) أنها لا دلالة لها على الدخول فيها، بعد كثرة استعمالها في الوضوء. وقوله (عليه السلام) في رواية ابن شاذان: إنما صارت التكبيرات في أول الصلاة سبعا (4) لا شهادة له على أنها منها، لان أول الصلاة وإن كان داخلا فيها، إلا أن استعماله في مقدماتها، ليس من الاستعمال البعيد، بعد ظهور الطائفة الاولى في أنها تشتمل على تكبيرات معلومة ومعدودة فيها، فليراجعها. فالانصاف: أن الاخبار الاخر، لا ظهور قوي لها في المعنى الاخر المخالف لمفاد الطائفة الاولى، ومقتضى الصناعة - وهو الاحوط - أنها


1 - تقدم تخريجها في الصفحة 213 - 214. 2 - نفس المصدر. 3 - نفس المصدر. 4 - تقدم تخريجها في الصفحة 216.

[ 223 ]

خارجة عنها، ومثل الاذان والاقامة من المستحبات اللاحقة بها، ولا يجوز الدخول بغير الاخيرة فيها. نعم، الاتيان بألف تكبيرة في الصلاة حسن، ولكنها ليست الافتتاحية المصطلحة. وفي توصيف التكبيرات ب‍ الافتتاحيات شهادة على ما قويناه، فإن الحجب السبعة افتتحت بها، ثم صلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) (1) ولا يعقل فتح الباب الواحد مرات، فما به يحصل الدخول في الصلاة هو الباب الاخير، والست افتتاحية خارجة عنها. ومما يشهد عليه قول الرضا عليه آلاف التحية والثناء - على ما في رواية ابن شاذان -: واستفتاحهما بسبع تكبيرات: تكبيرة الافتتاح، وتكبيرة الركوع... (2) فإن بعد الاستفتاح قال (عليه السلام): تكبيرة الافتتاح فإنه يعلم منه أن الست استفتاح، والاخيرة افتتاح، فالست خارجة، والاخيرة هي الافتتاحية واقعا الداخلة فيها والمدخول بها، دون غيرها. توهم دلالة بعض الروايات على التخيير بين التكبيرات وربما يخطر بالبال أن يقال: بأن في المسألة بعض روايات، يكون ظاهرا في التخيير بأيهما شاء افتتح الصلاة:


1 - وسائل الشيعة 6: 22 و 23، كتاب الصلاة، أبواب تكبيرة الاحرام، الباب 7، الحديث 5 و 7. 2 - الفقيه 1: 200 / 920، وسائل الشيعة 6: 22، كتاب الصلاة، أبواب تكبيرة الاحرام، الباب 7، الحديث 6.

[ 224 ]

منها: ذيل رواية أبي بصير السابقة (1)، حيث قال: غير أنك إذا كنت إماما، لم تجهر إلا بتكبيرة. ومنها: معتبرة الحلبي (رحمه الله)، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن أخف ما يكون من التكبير في الصلاة. قال: ثلاث تكبيرات... إلى أن قال: وإن كنت إماما، فإنه يجزيك أن تكبر واحدة تجهر فيها، وتسر ستا (2). ومنها: غيرها مما يوافقها في المضمون (3). وتقريب الاستدلال بها: هو أن التخيير في الجهر، يستلزم عادة التخيير في تكبيرة الاحرام، لتعارف الاتيان بها جهرا، مع استلزامه دخول المأموم في الجماعة لو اختار الجهر بغير تكبيرة الاحرام. وفيه: أن هذه الروايات لا نظر لها إلى تلك الجهة، ولعل رجحان اختيار الجهر بواحدة، لاجل الاتيان بتكبيرة الاحرام جهرا، وإلا لو أجهر بالمجموع يلزم الاشكال المذكور، فافهم وتدبر.


1 - تقدم تخريجها في الصفحة 215. 2 - تهذيب الاحكام 2: 287 / 1151، وسائل الشيعة 6: 33، كتاب الصلاة، أبواب تكبيرة الاحرام، الباب 12، الحديث 1. 3 - وسائل الشيعة 6: 33 و 34، كتاب الصلاة، أبواب تكبيرة الاحرام، الباب 12، الحديث 2 و 3 و 4.

[ 225 ]

الاستشكال في دلالة الطائفة الاولى على خروج التكبيرات الست وربما يشكل دلالة الطائفة الاولى على خروج الست من الصلاة، لانها في مقام تعداد التكبيرات التي تكون من الصلاة من غير دخالة اختيار المكلف، فإن للركوع تكبيرة سواء كبر أو لم يكبر، فهي لها بحسب التقدير، بخلاف الافتتاحية، فإنها - حسب الروايات الاخر (1) - باختيار المكلف، إن شاء كبر ثلاثا، وإن شاء كبر سبعا، وعليه لا وجه لعدها منها، لانه لو أتى بواحدة، تكون التكبيرات خمسا وتسعين، ولو أتى بسبع تزداد ثلاثين عليها، وحيث هو باختياره لا يعد منها. نعم، هي تدل على أن الست الاولى، إذا أتى بها بعنوان الافتتاحية، ليست من الصلاة. وبعبارة اخرى: يعلم منها أن الافتتاحية، ليست من أجزاء الصلاة على جميع التقادير، والرواية تعد ما هو منها على أي تقدير. وفيه: أنها وإن لا دلالة لها بحسب الفهم البدوي إلا على ما ذكر، ولكن بعد النظر في أخبارها، يعلم أنها بصدد تعداد التكبيرات في الصلوات، وأنها ليست أكثر من ذلك في حال من الحالات، ولذلك عد الصلاة التامة من جميع الجهات، حتى فرض التمام والاربع ركعات، فلو كان من تقديره التعليقي ازديادها عليها، وأنها ربما تزداد عليها، لما كان أن يبين المسألة


1 - وسائل الشيعة 6: 21، كتاب الصلاة، أبواب تكبيرة الاحرام، الباب 7، الحديث 3.

[ 226 ]

بهذه الطريقة. وبعبارة اخرى: هي بإطلاقها تنفي إمكان ازديادها عليها، وتنفي التقدير التعليقي المستلزم لزيادتها عليها. ومما يشهد على المختار، معتبرة زرارة قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): إذا كنت كبرت في أول صلاتك بعد الاستفتاح بإحدى وعشرين تكبيرة، ثم نسيت التكبير كله ولم تكبر، أجزأك التكبير الاول عن تكبير الصلاة كلها (1). فإنها ظاهرة في الاتيان بها قبل الشروع في الصلاة، والدخول فيها، فإن كلمة الاستفتاح هنا هو الوضوء، وليس لك أن تقول: إنها هي تكبيرة الاحرام، لقوله: أول صلاتك كما لا يخفى. فبالجملة: المفروغ عنه في الاخبار، أنها يؤتى بها قبل التي يدخل بها بعنوان الصلاة، وهذا هو المغروس في زماننا بين المتشرعة، وهو المعمول به عند العاملين. ومنها: القيام وهو على المشهور من أركانها (2)، فلو توجه بعد الصلاة إلى أنه كبر جالسا، ثم قام وقرأ وركع وأتى بجميع الاجزاء والشرائط، يعيدها، ولم يحضرني المخالف فيه. والمسألة بتفصيلها تأتي في مسائل القيام إن شاء


1 - تهذيب الاحكام 2: 144 / 564، وسائل الشيعة 6: 19، كتاب الصلاة، أبواب تكبيرة الاحرام، الباب 6، الحديث 1. 2 - لاحظ جواهر الكلام 9: 224، مصباح الفقيه، الصلاة: 250 / السطر 26، مستمسك العروة الوثقى 6: 63.

[ 227 ]

الله تعالى. والذي يظهر لي الان: أن القيام ليس من الواجبات المستقلة كالركوع والقراءة، بل هو من واجبات الصلاة، كالتكبيرة والقراءة والركوع، ولذلك لو أخل به، وأهوى إلى الارض ليأخذ منها شيئا، ثم رجع وأتى بالاجزاء حال القيام، صحت صلاته. اللهم إلا أن يقال: بأن ذلك لاجل إهمال دليله، فليتدبر. فعد القيام من واجبات الصلاة، مع ترك الاستقرار في تعدادها، غير مبرهن، فإن الاستقرار لو كان من واجبات الاجزاء، فالقيام مثله، ومجرد إمكان التفكيك لا يكفي، والتفصيل يأتي في محله. ومنها: الاستقرار وقد ذهب الفقيه اليزدي (رحمه الله) إلى ركنيته، وأن الاخلال به سهوا يورث الاعادة (1)، واستشكل الاخرون (2). وغاية ما يمكن أن يقال لركنيته: تقومها به، أو دعوى وجوبه حينها، وعدم جريان قاعدة لا تعاد... بالنسبة إلى مثلها، وعليه تبطل للاخلال. والوجه لعدم جريانها، أن القاعدة ناظرة إلى شرائط الصلاة وأجزائها، دون شرائط الاجزاء، والاستقرار من شرائط التكبيرة، دون الصلاة، وإذا كان


1 - العروة الوثقى 1: 628، كتاب الصلاة، فصل في تكبيرة الاحرام، المسألة 4. 2 - العروة الوثقى 1: 628، كتاب الصلاة، فصل في تكبيرة الاحرام، المسألة 4، لاحظ ما علقه الاعلام على هذه المسألة، الصلاة (تقريرات المحقق الداماد) الاملي 3: 403، مستمسك العروة الوثقى 6: 62 و 63، مستند العروة الوثقى 3: 130.

[ 228 ]

شرطا واجبا على الاطلاق، تجب الاعادة. وربما يخطر بالبال، دعوى التفصيل بينما لو تذكر بعد التكبيرة الاخلال باستقرارها، وما لو تذكر بعد الفراغ أو في الاثناء، وذلك لانه في الفرض الاول، ليس عوده إليها من إعادة الصلاة حتى ينفى بها، بخلاف الصورتين الاخيرتين. والذي يظهر من الفقيه الاصفهاني، هو الشبهة في بطلانها بترك الاستقرار ولو عمدا (1)، فالمسألة على هذا، ذات أقوال واحتمالات. وقد مر منا تفصيل المحتملات في الاستقرار في مسائل الخلل (2)، واستظهرنا هناك - بعد ذكر المحتملات الكثيرة البالغة إلى سبعة أو ثمانية - أنه من شرائط الطبيعة دون الاجزاء، ومع الاخلال به في بعضها، فقد أخل بما لا يتمكن من تداركه، فلو كان ركنا فعليه الاعادة، وإلا فلا، وحيث لا دليل شرعا على ركنيته، وما مر غير كاف، فلا تبطل الصلاة بإخلاله السهوي. نعم، الظاهر من مجموع الروايات في المسائل المربوطة بالصلاة في السفينة وغيرها (3)، أنه شرط، لا بمعنى المقابل للمشي، حتى يجوز عمدا حال الاضطراب، بل بالمعنى المقابل لهما. والتفصيل من جهة بحث الخلل، في محله.


1 - وسيلة النجاة 1: 146، القول في تكبيرة الاحرام. 2 - الظاهر أن التفصيل مذكور في كتاب الخلل في الصلاة المكتوب بقم المشرفة، وهو مفقود، والذي يطبع في التراث هو الذي كتبه المصنف (رحمه الله) في النجف الاشرف. 3 - المروية في وسائل الشيعة 5: 504، كتاب الصلاة، أبواب القيام، الباب 14.

[ 229 ]

عدم ركنية الاستقرار وإن أوجب تركه بطلان الصلاة أحيانا وربما يمكن دعوى: أن الاضطراب الكثير، يخرج المصلي عن صورة الصلاة، واليسير منه غير مضر ولو عمدا، خصوصا في مثل السفينة ونحوها الذي يكون لجهة طبيعية. وأما لو تعمد إليه حال التكبيرة، فربما لا تصح منها، لانه يعد لعبا بالصلاة. وربما كان لاجل ذلك، وردت الروايات بجواز القعود في السفينة عند عدم استطاعة القيام (1)، مع أنه فرض غير صحيح، لما ترى من الاستطاعة على القيام، فيعلم منه أن القيام المشوب بالاضطراب مضر، لما أنه يلزم منه خروجه من صورة المصلي. وفي رواية هارون بن حمزة الغنوي: أنه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن الصلاة في السفينة. فقال: إن كانت محملة ثقيلة إذا قمت فيها لم تتحرك، فصل قائما، وإن كانت خفيفة تكفأ فصل قاعدا (2). وهي صريحة في أن الاستقرار من شرائط الصلاة، وأن الاضطراب مضر، وهو شرط وجوبي لا وجه للاحتياط فيه. وأما ركنيته فهي - على ما سمعت واضحة، فليتدبر.


1 - وسائل الشيعة 5: 504 و 505، كتاب الصلاة، أبواب القيام، الباب 14، الحديث 1 و 2 و 10. 2 - الكافي 3: 442 / 4، الفقيه 1: 292 / 1329، وسائل الشيعة 5: 504، كتاب الصلاة، أبواب القيام، الباب 14، الحديث 2.

[ 230 ]

وتوهم ضعف الرواية سندا بيزيد بن إسحاق شعر (1)، في غير محله، لتوثيق الشهيد الثاني (2)، وتصحيح العلامة (3) الطريق الذي هو فيه. مع أن الكشي نقل دعاء الرضا (عليه السلام) له، فانتقل من الوقف إلى الحق. وتوهم: أنها من أيام وقفه احتمالا، في محله، إلا أنه لا يضر، لان دعاءه له يكشف عن حبه (عليه السلام) له، وهو يعلن عدالته، فضلا عن وثاقته كما لا يخفى. فالشبهة في وجوب الاستقرار إجمالا، في غير محلها. وأما كونه ركنا، فهو مما لا دليل عليه إلا على رجوع تركه إلى الاخلال بصورتها اسما عرفا، وما مر من الاقوال والمحتملات مما لا ترجع إلى المحصل. وتوهم: أن الاستقرار لو كان شرط الطبيعة دون الاجزاء، يلزم عدم جواز الاخلال به في الاكوان المتخللة، في غير مقامه، ضرورة أن الاستقرار شرطها، إلا أنه ربما لا يكون إطلاق لدليله. هذا مع أن الاضطراب العمدي في تلك الاكوان، مبطل قطعا، وما ليس مبطلا هو التقدم بقدم والتأخر، وهو ليس مضرا بالاستقرار، فإنه مفهومه مقابل حركة المرتعش، دون أصل الحركة كما لا يخفى. فتحصل: أنه بنفسه ليس ركنا، إلا أنه بالاخلال به، ربما تبطل الصلاة ولو كان سهوا، لانسلاب اسمها به، وهكذا مع العمد اليسير منه


1 - انظر جامع الرواة 2: 542، مستند العروة الوثقى 3: 129. 2 - الرعاية في علم الدراية: 377. 3 - رجال الحلي: 279 فإنه صحح طريق الصدوق إلى هارون بن حمزة الغنوي وفيه يزيد بن إسحاق.

[ 231 ]

ربما تبطل، وربما لا تبطل إذا كان لجهة عقلائية، لا طبيعية. توهم دلالة روايات الصلاة في السفينة على عدم وجوب الاستقرار ودعوى دلالة المآثير المشتملة على صحة الصلاة في السفينة، والتحري للقبلة بجهده (1)، على عدم وجوب الاستقرار، غير مسموعة، لانها في مقام المزاحمة رجحت جانب القبلة عليه. مع أن الدور نحوها، ليس في الاماكن البعيدة بحيث يضر بالاستقرار، فإن السفينة الدائرة، تكون بوجه يتمكن من الاتيان ببعض الصلاة نحو القبلة مستقرا غير دائر، ثم إذا دارت يدور، وهو أيضا دفعي لا تدريجي، وما هو المنافي للاستقرار هو التزلزل والاضطراب والدور التدريجي، دون الدفعي كما لا يخفى. ومنها: إظهارها وإيجادها من مخارج حروفها أي على الوجه الصادق عليه قول: الله أكبر وأما سماع الغير والنفس - ولاسيما استماعه من الاذن لا الحلق - فهو غير مبرهن، وإن قال به الفقيه اليزدي (رحمه الله)، وقال: لو تكلم بدون ذلك - بأن لا يسمع نفسه تحقيقا أو تقديرا - لم يصح (2). نعم، من باب المقدمة العلمية، ربما يجب ذلك.


1 - وسائل الشيعة 5: 506، كتاب الصلاة، أبواب القيام، الباب 14، الحديث 9 و 10. 2 - العروة الوثقى 1: 628، كتاب الصلاة، فصل في تكبيرة الاحرام، المسألة 5.

[ 232 ]

وإن شئت قلت: لا يشترط صدق مفهوم التكلم والتلفظ والنطق بل اللازم وجودها وإن لم يصدق العناوين المزبورة. اللهم إلا أن يقال: بأن بعضا من الروايات الحاكية لصنع الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) تشتمل على حكايته بقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): الله أكبر (1) فربما يعلم منه لزوم صدق النطق، فليتأمل. ثم إن ظاهره بطلانها مع الاخلال بالشرط المذكور، وهذا يستلزم ركنيته، وأ نه لو تبين له بعد الصلاة، إتيانه بالتكبيرة فاقدا للشرط يعيد. وفيه منع ظاهر، لانه إن أخل به - بحيث ينكر وجودها - فهو، وإلا فلزوم الاعادة ممنوع، لان عدم صدق التلفظ بها لا يوجب فسادها ذاتا، بل غايته يقتضي الاخلال بالوصف المذكور الواجب فرضا فيها شرعا. مع أنك عرفت ما فيه. فلو أتى بها فاقدا له، وتذكر قبل الركوع، فالاحوط الاولى الاتيان ثانيا، والاعراض عما أتى بها، ولا حاجة إلى إحداث المنافي، كما مضى (2). هذا كله الشرائط الوجوبية المخصوصة بها. وللصلاة شرائط اخر تستند إليها، وقد خلط من قال باشتراط الاستقرار فيها (3)، فإنها من شرائط الطبيعة. وأما الشرائط المستحبة فلتطلب من الكتب المطولة، ويأتي بعض الشرائط الاخر في الفروع الاتية.


1 - وسائل الشيعة 6: 20 و 21، كتاب الصلاة، أبواب تكبيرة الاحرام، الباب 7، الحديث 1 و 4. 2 - تقدم في الصفحة 210. 3 - لاحظ العروة الوثقى 1: 628، كتاب الصلاة، فصل في تكبيرة الاحرام، المسألة 4.

[ 233 ]

الجهة الخامسة في الفروع المتعلقة بها الاول: في صحة التكبيرة الثانية أحيانا قد مضى أنه لو كبر للاحرام مثلا، ثم زاد ثانيا للافتتاح، أن الثانية تصح، ولا يحتاج إلى الثالثة (1)، وذلك لان الاتيان بها بعنوانها الركني، لا يعقل إلا بالاعراض عن السابقة، أو الغفلة عن حاله، وعلى الاول يخرج من الصلاة بالاعراض القلبي. ولو لم يكف ذلك، تكون الثانية مبطلة وصحيحة، ولا وجه لتوهم عدم إمكان تعقل الجمع بينهما، ضرورة أن الشئ الواحد لا يكون صحيحا وباطلا، ولكنه يمكن أن يكون مبطلا وصحيحا، وليست التكبيرة الثانية مخرجة حتى يتوهم امتناعها، للزوم اتحاد المخرج والمدخل، بل هي - كالقهقهة - مبطلة، فكما أن الصلاة بالقهقهة تبطل، مع أن القهقهة ليست


1 - تقدم في الصفحة 208.

[ 234 ]

في الصلاة، بل هي تنعدم بوجودها، كذلك التكبيرة الثانية ليست في الصلاة، بل هي تنعدم بوجودها، فبها استفتح الصلاة ثانيا. مع أن اتحاد الباطل والصحيح - مع اختلاف الجهة، واتحاد المخرج والمدخل - مما ليس بممنوع عند العقل. المختار في التكبير لصلاة اخرى حال الاشتغال بالصلاة ولو كبر لصلاة اخرى في الصلاة التي بيده، فإن كانت الصلاة الثانية صحيحة في ذاتها، ولم تكن مشروطة بما كانت في يده - كالعصر بالنسبة إلى الظهر، والعشاء بالنسبة إلى المغرب - فهي أي الثانية، تصح فيما إذا أعرض عن الاولى فكبر لها، لما عرفت منا أن الاعراض عن الصلاة يضر بها (1)، ولا يمكن مع طول المدة والاشتغال بالامر الاخر بعنوان آخر، إتمامها صحيحا. وإن كبر لها غافلا عن حالها، فعلى القول ببطلان الاولى بها - لانها من زيادة الركن - فربما يصح له إتمامها، ولا وجه لبطلان التكبيرة الثانية وإن كانت مبطلة كما عرفت. وأما على القول بعدم بطلان الصلاة بزيادتها، أو مثل هذه الزيادة كما قيل (2)، فربما يتعين عليه إتمام الاولى.


1 - تقدم في الصفحة 138 - 140 و 209. 2 - هو السيد الشاهرودي، لاحظ العروة الوثقى 1: 613، كتاب الصلاة، فصل في واجبات الصلاة، التعليقة 4 و 5. العروة الوثقى 1: 626، كتاب الصلاة، فصل في تكبيرة الاحرام، التعليقة 4.

[ 235 ]

والظاهر هو التخيير، لان وجه تعين الاتمام، بطلان التكبيرة الثانية، وحيث قد عرفت منعه (1)، فهو بالخيار بين إتمام الاولى والثانية، لانه قد أتى بتكبيرتي الاحرام للصلاتين على الوجه الصحيح، فلابد من الاتمام، فإن قلنا: بصحة الاقتحام (2) فيتم إحداهما، ثم الاخرى، من غير الحاجة إلى التكبيرة الثانية، وإلا فيتمها، ثم يكبر ثانيا للصلاة الاخرى. هذا كله لو كانت الصلاة الثانية، صحيحة في نفسها، بدون الاولى. وأما لو كان في أثناء الظهر، فأعرض عنها، وشرع في العصر، ثم توجه إلى الترتيب، فإنه يعدل منها إلى الظهر، ويتمها ظهرا. وأما لو غفل فدخل في العصر، ثم تذكر، فعلى القول ببطلانها بالزيادة مطلقا، فيتم ما بيده ظهرا، من غير الحاجة إلى التكبيرة الثانية، لما أنها وقعت صحيحة، ضرورة أن الشروع في العصر حال نسيان الترتيب، لا يورث بطلانها، وإلا لم يصح العدول منها إليها مطلقا، كما لا يخفى. وعلى القول بصحة الاولى، فعليه إتمامها متعينا، لحفظ الترتيب. نعم، على القول بعدم اعتبار الترتيب بين الاجزاء وأن أخبار العدول، لا إطلاق لها، فلا تعين لاتمام الاولى، لان شرط الترتيب - وهو تقدم طبيعة الظهر على العصر - حاصل، وشرط العدول من العصر إلى الظهر غير حاصل، فهو بالخيار بين إتمام الصلاة ظهرا ثم الاتيان بالعصر، وبالعكس. هذا كله ما عندي من القواعد وفهمها.


1 - تقدم في الصفحة 208 - 209 و 234. 2 - تقدم تخريجه في الصفحة 159، الهامش 2.

[ 236 ]

مختار الاصحاب في المقام ولكن الاصحاب (قدس سرهم)، قالوا فيما لو كبر لصلاة ثانية: إن الاحوط إتمام الاولى، ثم الاعادة (1). وقال جماعة منهم بصحة الاولى (2)، إما لاجل أن تكبيرة الاحرام ليست ركنا من جانب الزيادة، أو لاجل أن ما هو المبطل، منها زيادة، هو ما لو كانت للصلاة التي بيده، دون الاخرى، لعدم الدليل على الازيد منه، أو لاجل أن تلك الزيادة ليست من زيادة الركن. وقالوا: لو كبر بقصد الافتتاح، وأتى بها على الوجه الصحيح، ثم كبر بهذا القصد ثانيا بطلت، واحتاج إلى ثالثة، فإن أبطلها بزيادة رابعة احتاج إلى خامسة، وهكذا تبطل بالشفع، وتصح بالوتر (3) انتهى. وأنت خبير بما في فتاويهم من الشبهات، فتأمل جيدا. الثاني: من الشرائط العربية وهذا من شرائط مطلق الذكر والدعاء في الصلوات، ولايجوز


1 - العروة الوثقى 1: 627، كتاب الصلاة، فصل في تكبيرة الاحرام. 2 - كالامام الخميني والسيد الميلاني والسيد الخوئي (قدس سرهم) في حواشيهم على العروة الوثقى 1: 627. 3 - العروة الوثقى 1: 626، كتاب الصلاة، فصل في تكبيرة الاحرام. لاحظ أيضا: وسيلة النجاة 1: 146، كتاب الصلاة، القول في تكبيرة الاحرام، تحرير الوسيلة 1: 161 القول في تكبيرة الاحرام.

[ 237 ]

ترجمتها بأي لسان كان، كما لا يجوز ترجمة الاذكار الواجبة باللغة العربية، وإن جاز إنشاء الدعاء بها فيها، وذلك لان عدم الدليل في المسألة، كاف لعدم الجواز. جواز قراءة الاذكار الواجبة بغير العربية دون القراءة وربما يمكن دعوى التفصيل بين القراءة وغيرها، لان المعتبر هي قراءة الفاتحة، وهي غير صادقة على تراجمها، بخلاف تكبيرة الاحرام وسائر الاذكار، فإنها - حسب إطلاق بعض الاخبار - لا تجب بخصوصياتها، بل الواجب هو التكبير والتسبيح والتحميد (1)، وذكر الامثلة العربية والاذكار العربية في هذه المسألة، كذكرها في العقود والايقاعات، فإنهم (عليهم السلام) كانوا يؤدون بمثلها، لاقتضاء حالهم، وهكذا الناس في عصرهم، وسهولة التعلم اقتضت أن لا يسألوا عن جواز الترجمة وصحتها، فلا يخفى. بل قد سمعت عن بعض سادة العصر، جواز القراءة أيضا بها اختيارا، ولكنه غير مساعد لظواهر الروايات، مع أن العرف لا يرى ترجمة القرآن قرآنا، ولذلك يجوز مسها من غير طهور. وربما كان لاجله، عدم افتائهم بقراءة الترجمة عند العجز عن الاتيان بالفاتحة، حتى قال الفقيه اليزدي: وإذا لم يعلم منه شيئا، قرأ من


1 - وسائل الشيعة 6: 9 - 34، كتاب الصلاة، أبواب تكبيرة الاحرام، الباب 1 - 12، وسائل الشيعة 6: 107 و 121، كتاب الصلاة، أبواب القراءة في الصلاة، الباب 42 و 51 وكذا في سائر أبواب الصلاة.

[ 238 ]

سائر القرآن بعدد آيات الفاتحة بمقدار حروفها، وإن لم يعلم شيئا من القرآن، سبح وكبر وذكر بقدرها (1) انتهى. ولم يتذكر للمسألة سائر أرباب التعليق، مع تصريحهم في التكبيرة بها، فقال: وإن لم يقدر فترجمتها من غير العربية، ولا يلزم أن يكون بلغته وإن كان أحوط، ولا يجزي من الترجمة غيرها من الاذكار والادعية وإن كانت بالعربية (2). فبالجملة: يظهر منه (رحمه الله) أن بين التكبيرة والقراءة فرقا، وظاهره أن الاذكار في الركوع والسجود كالتكبيرة، وإن لم يتعرض للمسألة في البابين، فليراجع. فعلى هذا تحصل: أن القراءة متقومة بالعربية عنوانا، ومع العجز عنها لا وجه لوجوب ترجمتها، بخلاف غيرها، فإنها غير متقومة. حكم الاخلال بالعربية عمدا أو جهلا أو عجزا فإذا كان الامر كما حقق، فيلزم أن تكون العربية من الواجبات في التكبيرة، وغايتها أن تكون غير صحيحة مع الاخلال العمدي، وأما لو أتى بها جهلا بالمسألة - فارسية، أو رومية - فهي صحيحة، ولا يعيد الصلاة لاجلها، لان المعنى الواجب غير متقوم به، وإذا لم يكن متقوما بها ذاتا، لا يلزم من الاخلال بأوصافها الواجبة، بطلان الصلاة، لحصول الركن فاقدا


1 - العروة الوثقى 1: 652، كتاب الصلاة، فصل في القراءة، المسألة 34. 2 - العروة الوثقى 1: 628، كتاب الصلاة، فصل في تكبيرة الاحرام، المسألة 6.

[ 239 ]

للوصف، كما لا يخفى. وتوهم جوازها بدوا بالترجمة ممنوع، للضرورة على خلافه، فإن مسألة تعليم الصلاة بالحمد والسورة والاذكار، كانت دارجة بين الاقوام والملل في جميع الاعصار والامصار، وهذا يكشف عن مفروغية اعتبار العربية فيها بين المسلمين والمتشرعة. وأما توهم عدم صحة ترجمة الفاتحة عند العجز عن التعلم ذاتا، أو عرضا، ولزوم الاتيان بغيرها احتياطا أو وجوبا، فينافيه الاذهان العرفية والعقلائية الحاكمة بأنها عينها، ولا فرق بينهما، وأنها سورها، ولاجله يحتاط بتكرار الصلاة تارة: بالترجمة، واخرى: بدونها، لاحتمال كونها من زيادة الكلام الادمي عمدا فيها. وأما وجوب الاتيان بترجمة التكبيرة عند العجز الذاتي، أو وأما توهم عدم صحة ترجمة الفاتحة عند العجز عن التعلم ذاتا، أو عرضا، ولزوم الاتيان بغيرها احتياطا أو وجوبا، فينافيه الاذهان العرفية والعقلائية الحاكمة بأنها عينها، ولا فرق بينهما، وأنها سورها، ولاجله يحتاط بتكرار الصلاة تارة: بالترجمة، واخرى: بدونها، لاحتمال كونها من زيادة الكلام الادمي عمدا فيها. وأما وجوب الاتيان بترجمة التكبيرة عند العجز الذاتي، أو العرضي، لضيق الوقت ونحوه، فهو لاجل ما ذكرناه آنفا. مع اقتضاء الاخبار في المسألة التكبير بدوا، والافتتاح والعربية والصيغة الخاصة ثانيا، فعند العجز يتعين الاتيان بأصل التكبير الاعم من كونه عربيا وعجميا. فقوله (عليه السلام): لا صلاة بغير افتتاح (1) يورث وجوب الافتتاح بعنوانه، ولا دخل للغة فيه لو خلي وطبعه، وإذا تعين الوصف الخاص فهو لا يورث التقويم، كما في القراءة.


1 - تهذيب الاحكام 2: 353 / 1466، وسائل الشيعة 6: 14، كتاب الصلاة، أبواب تكبيرة الاحرام، الباب 2، الحديث 7.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية