الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




الخلل في الصلاة - السيد مصطفى الخميني

الخلل في الصلاة

السيد مصطفى الخميني


[ 1 ]

تحريرات في الفقه الخلل في الصلاة تأليف العلامة المحقق آية الله المجاهد الشهيد السعيد السيد مصطفى الخميني قدس سره مؤسسة تنظيم ونشر آثار الامام الخميني قدس سره بمناسبة الذكرى السنوية العشرين لشهادة العلامة المجاهد آية الله السيد مصطفى الخميني (قدس سره) هوية الكتاب * اسم الكتاب: الخلل في الصلاة * * المؤلف: السيد مصطفى الخميني (قدس سره) * * تحقيق ونشر: مؤسسة تنظيم ونشر آثار الامام الخميني (قدس سره) * * سنة الطبع: آبان 1376 - جمادى الثاني 1418 * * الطبعة: الاولى * * المطبعة: مطبعة مؤسسة العروج * * الكمية: 3000 نسخة * * السعر: 9500 ريال * جميع الحقوق محفوظة للناشر

[ 2 ]

بسم الله الرحمن الرحيم واللعنة الدائمة على أعداء الدين

[ 3 ]

المقصد الثالث في الخلل

[ 5 ]

تمهيد المراد من الخلل هنا هو الوهن لا الفساد وهو الاسم من الاختلال، حسب ما هو المتعارف من أخذ الاسماء من المصادر المزيد فيها، والمراد منه ليس الفساد، ضرورة صحة المأمور به أحيانا مع كون الاختلال واردا عليه. وأما الوهن كما في اللغة (1) فهو الاولى بكونه مرادا هنا، ضرورة أنه الجامع بين الوهن المنتهي إلى الفساد، والمنتهي إلى الصحة الظاهرية والواقعية، ضرورة أنه لو شك في فعل أو ركعة، ثم زال أو قام دليل على أحد الطرفين من الشك أو على طرف تصح الصلاة معه، يعد ذلك من الوهن والاختلال. وهذا هو الجامع بين السهو بالمعنى الخاص والشك، ولذلك استعمل كثيرا السهو في الشك الاصطلاحي، ولذلك تقع جميع مسائل السهو والشك والنسيان، حتى طرو العجز في أثناء الصلاة، من الخلل. تنبيه: في أن الكلام هنا في خلل الصلاة دون غيرها من المركبات إن الجهة المبحوث عنها هنا مخصوصة بالمسائل الراجعة إلى


1 - النهاية لابن الاثير 2: 74، تاج العروس 7: 308، مجمع البحرين 1: 696، منتهى الارب 1: 337.

[ 6 ]

الصلاة خاصة، وأما بحوث المركبات، سواء كانت من المركبات الاعتبارية الوضعية، كالمعاملات والعقود والايقاعات، أو بحوث المركبات الاختراعية الشرعية، كالاذان والاقامة والطهارات الثلاث والاعتكاف، أو المركبات التعبدية الممرور عليها الاسلام، كالصلاة والصوم والحج، فهي مذكورة بأجمعها في مسائل الاشتغال، وقد استوفيناها هناك بما هو مركب، حتى مثل التذكية بناء على كونها مركبا، كما هو الاشبه (1)، فلا نعيد تلك البحوث هنا إلا على وجه الرمز والاشارة إلى تلك المباني، فإن علم الاصول دون حذرا من التكرار الممل في الفقه، لكثرة الحاجة إلى مسائله فيه، فالبحث هنا ممحض في هذا المعجون الالهي وهي الصلاة (2)، ويتم الكلام حول خللها في طي مسائل:


1 - تحريرات في الاصول 8: 95 وما بعدها. 2 ومما لا ينبغي أن يخفى أن البحث في مسائل الاشتغال مبني على تقدير عدم وجود الاطلاق، أو تعارض إطلاق دليلي المركب والجزء على فرض صحته، والبحث هنا مبني على فرض الاطلاق لدليل الجزء، وتقدمه على إطلاق دليل المركب، كما هو الحق المحرر في محله " أ "، ولاجله يصح التمسك ب‍ (حديث) الرفع " ب " في المقام، وفي تلك المسألة، فاغتنم. (منه (قدس سره). " أ " تحريرات في الاصول 8: 138 - 140. " ب " عن حريز عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): رفع عن امتي تسعة أشياء: الخطأ، والنسيان، وما اكرهوا عليه، وما لا يعلمون، وما لا يطيقون، وما اضطروا إليه، والحسد، والطيرة، والتفكر في الوسوسة في الخلوة ما لم ينطقوا بشفة. التوحيد: 353 / 24، الخصال: 417 / 9، وسائل الشيعة 15: 369، كتاب الجهاد، أبواب جهاد النفس، الباب 56، الحديث 1.

[ 7 ]

المسألة الاولى حول الخلل العمدي بالزيادة والنقيصة مقتضى القواعد الاولية في النقيصة الاختلال العمدي بالزيادة يمكن ثبوتا، وهكذا النقيصة، ومقتضى القواعد الاولية بطلان الصلاة في الفرض الثاني، سواء كانت قليلة أو كثيرة، جزء أو شرطا، قيدا أو وصفا، بالضرورة عقلا وشرعا. وتوهم صحتها حسب إطلاق لا تعاد (1) لامكانه، في غير محله - كما حررناه في الاصول (2)، وفي الرسالة الموسوعة لقاعدة لا تعاد (3) - وإن


1 - عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) أنه قال: لا تعاد الصلاة إلا من خمسة: الطهور، والوقت، والقبلة، والركوع، والسجود، ثم قال: القراءة سنة والتشهد سنة، ولا تنقض السنة الفريضة، الفقيه 1: 225 / 991، وسائل الشيعة 6: 91، كتاب الصلاة، أبواب قراءة القرآن، الباب 29، الحديث 5. 2 - تحريرات في الاصول 8: 98 - 99. 3 - رسالة في قاعدة لا تعاد، للمؤلف (قدس سره)، (مفقودة).

[ 8 ]

كان القائل المحتمل التقي العلامة الشيرازي (رحمه الله) (1)، والمحقق الوالد - مد ظله - (2)، والعلامة الاراكي (رحمه الله) (3). بل يمكن دعوى انحلال دليل الصلاة، حسب مراتب صدق الصلاة إلا بالنسبة إلى مقدار لا يعد صلاة عرفا أو شرعا، كمثل الاخلال بالفاتحة وتكبيرة الافتتاح وما يشبههما مما ورد في حقه: لا صلاة إلا بكذا (4) أو بالنسبة إلى الاركان مطلقا أو الخمسة المذكورة في لا تعاد ولعل تفصيلا زائدا يأتي من ذي قبل، إن شاء الله تعالى. وبالجملة: لو صح الانحلال المذكور لا حاجة إلى القاعدة، كما حرر في الاصول (5).


1 - الخلل في الصلاة، المحقق الشيرازي: 194. 2 - حكى المصنف (رحمه الله) أن والده المحقق كان يميل إلى ذلك في خارج البحث تحريرات في الاصول 8: 98، لاحظ أيضا الخلل في الصلاة، للامام الخميني (قدس سره): 6، وأنوار الهداية 2: 362. 3 - نهاية الافكار 3: 434. 4 - كقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب، عوالي اللئالي 1: 196 / 2، مستدرك الوسائل 4: 158، كتاب الصلاة، أبواب القراءة في الصلاة، الباب 1، الحديث 5 و 8. وقوله (عليه السلام): لا صلاة بغير افتتاح، تهذيب الاحكام 2: 353 / 1466، وسائل الشيعة 6: 14، كتاب الصلاة، أبواب تكبيرة الاحرام، الباب 2، الحديث 7. وقوله (عليه السلام): لا صلاة إلا بطهور، تهذيب الاحكام 1: 49 / 144، الاستبصار 1: 55 / 160، وسائل الشيعة 1: 315، كتاب الطهارة، أبواب أحكام الخلوة، الباب 9، الحديث 1. 5 - تحريرات في الاصول 8: 98.

[ 9 ]

وأما الاجماع المحكي (1) عن جماعة (2) هنا وإن كان معللا، فهو لا يكون دليلا خاصا شرعيا على البطلان، فلا خير فيه، لكفاية درك العقل فسادها. مقتضى القواعد الاولية في الزيادة وأما الفرض الاول، فتلك الزيادة إن كانت كثيرة فلازمها اختلال الهيئة الاتصالية أو التوالي المعتبر، وإن كانت قليلة فلا وجه لفسادها بعد كون المأتي به عين المأمور به، ولا ينبغي الخلط بين مسألتنا هذه، والقواطع المنصوصة بالادلة الخاصة الاتية إن شاء الله تعالى (3). وأما إنكار الهيئة الاتصالية كلا حتى في الصلاة، فهو في غير محله، كما يأتي في محله إن شاء الله تعالى (4). نعم، قد تحرر منا: أن بناء العرف والعقلاء على عدم الاكتفاء بالمصداق المقرون بالمحرم، فضلا عما إذا كان منطبقا عليه عنوان الحرام، وإن كان مقتضى العقل جوازه جعلا وامتثالا (5).


1 - مستمسك العروة الوثقى 7: 381، الهامش 1. 2 - الغنية، ضمن جوامع الفقهية: 503 / السطر 26، نهاية الاحكام 1: 527، مدارك الاحكام 4: 211، جواهر الكلام 12: 228. 3 - وسائل الشيعة 7: 233، كتاب الصلاة، أبواب قواطع الصلاة، الباب 1 و 3 و 5 و 7 و 15 و 25 و 29. 4 - يأتي في الصفحة 125. 5 - تحريرات في الاصول 2: 184 - 187.

[ 10 ]

فعلى هذا لو كانت الزيادة تشريعية محرمة، فالبطلان مستند إلى ما اشير إليه، لا إلى فقد قصد القربة بالنسبة إلى الصلاة المأمور بها، ضرورة أن التقييد بالانبعاث عن أمر الصلاة نحو المركب المزيد فيه، لا يوجب قصورا في انبعاثه نحو الصلاة من جهة الامر المتوجه إليه واقعا، مع أنه لا نحتاج في عبادية العبادة إلى الانبعاث عن الامر، حسب ما تحرر في التعبدي والتوصلي، فإن تقسيم الامر إليهما من الاغلاط القطعية، فجميع ما ترى في كتب القوم هنا غير تام، تفصيله في الاصول (1). في رد القول بامتناع مبطلية الزيادة وتوهم امتناع كون الزيادة مبطلة (2) كتوهم امتناع المانعية والقاطعية، فإنه حسب القواعد في محله في المركبات الاعتبارية (3)، ضرورة أن الصلاة ليست مثل الاحتراق، كي تمنع الرطوبة من وجوده. وعلى هذا يدور الامر بين رجوع الزيادة المبطلة والمانعية والقاطعية في بعض الاحيان، إلى اشتراط أعدامها في المركب - من غير أن يصح توهم امتناع أخذ العدم قيدا (4)، لعدم جواز الخلط بين الاعتباريات والواقعيات - وبين الاخذ بظواهر الادلة، بضميمة أن الشرع يدعي أن


1 - تحريرات في الاصول 2: 111 و 115 - 117 و 179. 2 - كفاية الاصول: 418، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 237، نهاية الافكار 3: 440، تهذيب الاصول 2: 377. 3 - لاحظ تحريرات في الاصول 5: 85 - 90. 4 - نهاية الافكار 3: 411.

[ 11 ]

الفرد الموجود وإن كان صلاة، ولكنه ليس عندي صلاة، كما في مثل: لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب (1) والثاني أولى وأصح بالضرورة. تتميم: في الاستدلال بحديث من زاد... ثم إن الظاهر من صحيح أبي بصير: من زاد في صلاته فعليه الاعادة (2) هو العمدي، لان النظر في مثل هذه الاخبار إلى الزيادة التشريعية المبتلى بها العامة، كالتكتف وغيره، أو هو الاعم منه. وإليه الاشارة في قوله: وضع إحدى اليدين على الاخرى عمل، ولا عمل في الصلاة (3) فإن العمل في اصطلاح الشرع هو الفعل المقرون مع القصد، فيكون ناظرا إلى صنع العامة، وقضية إطلاقه بطلان الصلاة المذكورة المشتملة على العمل التشريعي المحرم ولو كان عن غفلة وجهالة، ويؤيد به ما ذكرناه. وعندئذ لا نحتاج إلى الادلة الاخر المرمية بالضعف سندا أو دلالة، كما تأتي في المسائل الاتية إن شاء الله تعالى.


1 - عوالي اللالي 1: 196 / 2 و 2: 218 / 13، مستدرك الوسائل 4: 158، كتاب الصلاة، أبواب القراءة في الصلاة، الباب 1، الحديث 5 و 8. 2 - الكافي 3: 355 / 5، تهذيب الاحكام 2: 194 / 764، وسائل الشيعة 8: 231، كتاب الصلاة، أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الباب 19، الحديث 2. 3 - قرب الاسناد: 208 / 809، وسائل الشيعة 7: 266، كتاب الصلاة، أبواب قواطع الصلاة، الباب 15، الحديث 4.

[ 12 ]

تنبيه: في بيان أقسام الزيادة العمدية وحكمها الزيادة إما أن تكون بالقصد كما لو كان من غير جنس الصلاة، وتكون زيادة لاحقة بالمصداق دون الماهية في مرحلة الجعل والتشريع، فإنها ممتنعة. أو تكون من جنسها كالاذكار، فهي ليست زيادة في الماهية في مرحلة التقدير والتهندس، ولكنها من لواحق الفرد ويعد من الصلاة الخارجية ومحبوبة. أو تكون كالاركان، فإن بطلانها بها يحتاج إلى الدليل، بعد قصور قاعدة لا تعاد عندنا بالنسبة إلى الزيادة، كما حررناه في تلك الموسوعة (1)، ويأتي إن شاء الله تعالى (2)، وسيأتي بعض الكلام في الزيادة المستحبة، إن شاء الله تعالى (3). وبالجملة: الاجماع والشهرة القطعية قائمان على بطلانها بمثلها (4)، مع بعض النصوص الخاصة (5) ولو كان يقصد التشريع فيندرج من جهة


1 - مما يؤسف له فقدان هذه الرسالة. 2 - يأتي في الصفحة 48. 3 - يأتي في الصفحة 18. 4 - لاحظ جواهر الكلام 12: 228، نهاية الاحكام 1: 527، مستند العروة الوثقى 6: 8. 5 - عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إذا استيقن أنه زاد في صلاته المكتوبة ركعة لم يعتد بها واستقبل صلاته استقبالا إذا كان قد استيقن يقينا، الكافي 3: 354 / 2، تهذيب الاحكام 2: 194 / 763، وسائل الشيعة 8: 231، كتاب الصلاة، أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الباب 19، الحديث 1.

[ 13 ]

البطلان فيما ذكرناه في مطلق الزيادة التشريعية (1). وتوهم امتناع التشريع في محله، كما تحرر في الاصول (2)، إلا أن التشريع المتسامح فيه عرفا يعد حراما، والمركب المشتمل على المحرم غير قابل للاجتزاء به عند العقلاء والمتشرعة. في رد توهم كون أخبار الزيادة ناظرة إلى الشيعة ومن الغريب توهم كون الاخبار متعرضة للزيادة العمدية، بالنسبة إلى طائفة الشيعة الذين يأتون بالصلاة تقربا منه تعالى، فإنه مجرد فرض، وإلا فالمعتاد بالصلاة والمصلي لا يريد إلا الامتثال وسقوط أمر المولى أو جلب الجنة، أو الفرار من الجحيم، فالتمسك بها لابطالها بالزيادة اشتباه. نعم، في تلك الاخبار إشعار ببطلان صلاة العامة الاتين بالزيادة، أو إلى الزيادة غير العمدية بأقسامها، فدعوى انصرافها عن الزيادة العمدية المعلوم بطلانها بها عند فاعلها، قوية جدا. نعم، في مثل الجاهل المبتلى في الاثناء، الاتي بفعل بناء على أحد طرفي المحذورين - كما تحرر في مسائل التقليد (3) - إذا تبين أنه ليس


1 - تقدم في الصفحة 9 - 10. 2 - تحريرات في الاصول 8: 120 - 121. 3 - تعليقة على العروة الوثقى، المؤلف (قدس سره): 29، المسألة 49، تحرير العروة الوثقى، المؤلف (قدس سره): 23، المسألة 42.

[ 14 ]

بواجب ولا مستحب، لا يبعد كونه من الزيادة العمدية بالمعنى الاعم، فافهم. تذييل: في حكم الزيادة العمدية إكراها أو اضطرارا أو تقية ربما يكون الازدياد العمدي من جهة الاكراه والاضطرار فرضا، أو الاتيان بالمانع والقاطع، أو من جهة التقية المهاباتية أو المداراتية، فإنه لا يمنع من ناحية القاعدة من القول بتقييد إطلاق أدلة المسألة. وتوهم امتناع جعل القاطعية والمانعية والمبطلية (1)، في غير محله، كما تحرر في الاصول (2)، وتصير النتيجة - بعد تحكيم أدلة التقية والاكراه والاضطرار وإطلاق دليل المركب - صحة الصلاة المقرونة بالمانع والمبطل والقاطع، لان أثره منتف بمثلها. اللهم إلا أن يقال: بعدم جريانها، نظرا إلى أن الصلاة الخارجية المقرونة بالامور المذكورة ليست مورد الامر، ولا يفيد التقييد المذكور بالنسبة إلى صحتها. وفيه: إن الطبيعة وإن كانت مورد الامر ولكنها بعينها تصير خارجية، ولذلك توصف بعد الوجود بالوجوب، وهذا محرر في الاصول والمعقول. نعم، لنا في خصوص الادلة الواردة في البحث عن التقية المداراتية شبهة محررة، وإجمالها: احتمال كونها صادرة عن تقية، فلا يقيد


1 - كفاية الاصول: 455 - 456. 2 - تحريرات في الاصول 8: 135 - 139.

[ 15 ]

بها الاطلاقات المذكورة، والله العالم. تذنيب: في التمسك بحديث الرفع في النقيصة الناشئة عن الاكراه والاضطرار إذا كان النقصان مستندا إلى الاكراه والاضطرار - على فرض صحة تصوره موضوعا - ففي جواز التمسك بحديث الرفع إشكال، من جهة أن النقيصة ليست ذات أثر شرعي وضعي، ضرورة درك العقل بطلان الكل بترك الجزء الخارجي أو التحليلي. اللهم إلا أن يقال: بكفاية أثر المضاف إليه وهو الجزء، لرفع ترك الجزء وهو المضاف، وتصير النتيجة: تقييد إطلاق دليل الشرط والجزء. أو يقال: بكفاية إمكان حكم الشرع بحلية ترك الجزء المنتهية إلى تقييد الجزء، المثمرة صحة الصلاة. وفيه: مضافا إلى أن الظاهر من حديث الرفع وجود الجعل الصوري، كي يكون دليل الرفع قرينة على عدم وجود الجد في جزئية الجزء، حال الاكراه والاضطرار، ضرورة أن رفع الحكم الانشائي لا معنى له، ورفع الحكم الجدي نسخ وهو ممنوع. فالرفع بلحاظ الجعل الصوري، ومجرد إمكان جعل الشرع حلية الترك غير كاف لجريان الحديث، وإلا يلزم جريانه في صورة الاضطرار إلى الحلال المعلوم، ولا منع من قبل لزوم الجمع بين الرفع والدفع، لانه على كل تقدير حديث الرفع قرينة على عدم تطابق الجد والاستعمال،

[ 16 ]

في صورة طرو الاكراه والاضطرار وأن الاضطرار العرفي والاكراه لا يوجب جواز الاتيان بالمركب الفاقد، لاحتمال مضي الشرع عنه، والتزامه بما يترتب على الاكراه والاضطرار، كما في الموارد المهتم بها، فلو اضطر إلى الزنا أو قتل النفس، أو اكره عليهما، ليس التزام الشرع بذلك معلوما جدا، فتكون المسألة مندرجة في مسألة التزاحم والاهم والمهم. ولذلك لو اكره على ترك الحمد والسورة في قبال درهم واحد، أو اكره على إيجاد المانع والقاطع بحذاء فلس أو ضرب خفيف، لا يلتزم بجريان الحديث المذكور، وتفصيله محرر عندنا في الاصول (1). عدم صحة التمسك بأدلة حلية كل شئ اضطر إليه في المقام وعلى هذا لا يتم التمسك بعمومات حلية كل شئ اضطر إليه ابن آدم (2)، فإنه وإن كان يشمل التروك، ولا يتوجه إليه ما يتوجه إلى حديث الرفع، لكفاية صدق الاضطرار في قبال المحذور العقلي - وهو درك العقل ممنوعية ترك الجزء - لانتهائه إلى بطلان الكل ولو كان


1 - تحريرات في الاصول 8: 138 - 139. 2 - عن سماعة قال: قال: ليس شئ مما حرم الله إلا وقد أحله لمن اضطر إليه، وسائل الشيعة 5: 482، كتاب الصلاة، أبواب القيام، الباب 1، الحديث 6، وسائل الشيعة 23: 228، كتاب الايمان، الباب 12، الحديث 18. عن أمير المؤمنين (عليه السلام)... كلما اضطر إليه العبد فقد أباحه الله له وأحله، مستدرك الوسائل 16: 166، كتاب الاطعمة والاشربة، أبواب الاطمعة المحرمة، الباب 1، الحديث 8.

[ 17 ]

الوقت ضيقا، ولازمه ترك الصلاة في صورة ضيق الوقت والابتلاء بحرمة إبطال العمل في الصورتين، ولكن يتوجه إليه ما أشرنا إليه أخيرا. ثم إنه ربما يعد من الاضطرار ما إذا كان عالما قبل الصلاة بطرو حا لة توجب الزيادة قهرا كالسعال ونحوه، ولكنه أقرب إلى الزيادة العمدية، كما لو علم بالاكراه على شرب الحرام لو دخل دارا. تنبيه: حديث الرفع يقيد إطلاق دليل الجزء والشرط قد تحرر عندنا جواز تقييد إطلاق دليل الجزء والشرط، في صورة العجز العقلي بحديث رفع ما لا يطيقون على التقريبين (1)، ولا يتوجه إليه إشكال إلا في صورة عجزه عن ترك المانع والقاطع. وتوهم امتناع جعل القاطعية والمانعية في صورة العجز، مندفع بما حرر في الاصول، من غير فرق بين الخطابات الشخصية والقانونية، وما عن الوحيد البهبهاني (رحمه الله) من التفصيل (2) فاسد، فليراجع (3). بقي شئ: في الخلل العمدي بنفس الطبيعة بحسب الوقت كل ما ذكرناه كان حول الاخلال العمدي، سواء كان معذورا أو غير معذور، وأما الاخلال بنفس الطبيعة بحسب الوقت كتركها لعذر، فتفصيله


1 - تحريرات في الاصول 8: 160 - 161. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 251. 3 - تحريرات في الاصول 8: 136 - 137.

[ 18 ]

في باب قضاء الصلاة، وإجماله: إن تركها اضطرارا أو إكراها، فقد عرفت قصور الادلة الخاصة عن الشمول، فلو قلنا بشموله فلازمه تبعية القضاء للاداء، لجريان الاستصحاب من غير حاجة إلى دليل خاص، كما ذكرناه في بحوث الاشتغال (1) أيضا. وإجراؤهم الاستصحاب في صورة العجز عن الجزء - لو صح - كان جريانه هنا أولى، لان الصلاة بالنسبة إلى الوقت تعتبر قضية حينية لا تقييدية، ومن هنا يظهر حكم اختلاله عمدا عا لما قادرا. فرع: حكم الخلل العمدي بالزيادة المستحبة ربما يقال: ببطلان الصلاة بالزيادة المستحبة (2). ويتوجه إليه: أنه إن كانت عن غفلة، فهي خارجة عن الفرض، ولا تعد زيادة، وإن اريد بها التشريع، بأن يأتي بها بقصد الوجوب، فلا يأتي منه قصد القربة بالنسبة إلى استحبابه الجزئي، فتكون من قبيل سائر الزيادات، وإن اريد به إتيانه في غير محله الخاص المندوب، كالقنوت في الركعة الاولى أو التشهدين فيها، فهو لا يخرج عما ذكرناه، فلم يبق معنى للزيادة المستحبة بحسب الصغرى، كي يقال ببطلان الصلاة بها، كما في العروة الوثقى أو بعدم مبطليته، كما في بعض الحواشي (3).


1 - لاحظ تحريرات في الاصول 8: 166. 2 - العروة الوثقى 2: 3، فصل في الخلل الواقع في الصلاة، المسألة 2. 3 - لاحظ العروة الوثقى 2: 3، فصل في الخلل الواقع في الصلاة، المسألة 2، وما علقه عليه المحقق الخوئي (رحمه الله).

[ 19 ]

فرع آخر: الخلل بالقربة في الجزء المستحب لو أخل بالقربة بالنسبة إلى الجزء المستحبي، فإن كان من جهة الرياء، فهو لاجل كونه محرما يستلزم ملازمة المصداق للحرام، أو يلزم كون الصلاة الخارجية إما فاقدة للشرط أو واجدة للمانع فيلزم بطلانه، وإن كان من جهة فقده الانبعاث عن الامر المتوجه إليه، فلا وجه لبطلانها به إلا بالزيادة الكثيرة، المضرة بالهيئة الاتصالية. هذا لو قلنا بأن الجزء المستحبي مخصوص بالامر الندبي. وأما لو قلنا: بأن الامر إرشاد إلى كمال الفرد الخارجي اللاحق به الجزء - وهذا معنى الجزء الندبي - فلازمه بطلانه لاتحاده مع المصداق. اللهم إلا أن ينكر الاتحاد، لانبعاثه عن أمر الصلاة، وإتيانه بالفرد الناقص، فليتدبر جيدا. الخلل بالقربة في الجزء الواجب وأما لو أخل بالقربة في الجزء الواجب مع التمكن من تداركه، فلاحد دعوى: أنه كما إذا أتى بالصلاة مع الاختلال بها يعيدها، فلا منع من القول بإعادة جزئها، لان الجزء الباطل المذكور لا يزيد على الزيادة العمدية، ولا تشملها الادلة الناطقة ببطلان الصلاة بالزيادة العمدية، حسب إطلاقها على ما مر، لان هذه الزيادة تعد باطلة وزيادة بحكم الشرع، لاجل اعتبار القربة فيها، بخلاف الزيادة التشريعية، فإن في الفرض

[ 20 ]

الاول يمكن الغفلة عن كونه من الزيادة في الصلاة، بخلاف الفرض الثاني. تتميم: في ذكر بعض أمثلة الزيادة في المركب قد عرفت إمكان الزيادة في المركب، وعلمت وجهه (1)، ومن ذلك ما لو شك حال القيام بين الاربعة والخمسة، فإن جلس بهدم القيام يرجع شكه إلى الثلاثة والاربعة، إلا أن قيامه من الزيادة العمدية بجلوسه، وهكذا في كل مورد كان من هذا القبيل. مثلا: إذا غسل متوضأ على وجه عد وسواسا، تعد الغسلة الاولى باطلة، لدخالتها في عد الثالثة أو الرابعة من التوسوس، فتأمل.


1 - تقدم في الصفحة 7.

[ 21 ]

المسألة الثانية الخلل عن جهل قصورا أو تقصيرا زيادة ونقيصة جزءا أو شرطا وقد تحرر منا في الاصول (1) بيان جريان قاعدة الرفع الحقيقي من غير لزوم الدور، وبيان كيفية الرفع الادعائي من غير لزوم التصرف بالتقييد في الواقع، مع فساد حديث نتيجة التقييد، والحصة التوأمة، لرفع مشكلة المسألة في موارد توهم اختصاص الحكم بالعالم، وأنه في تلك الموارد أيضا يشترك العالم والجاهل في الحكم الفعلي، إلا أنه لا يتنجز فيها إلا بعد العلم الاتفاقي. ويكون الجاهل قبل الفحص معذورا، أو الجاهل المعذور وهو الجاهل القاصر، سواء كان مجتهدا أو غير مجتهد، معذورا فقط، وساقطا عنه


1 - تحريرات في الاصول 7: 63 - 64.

[ 22 ]

الاداء والقضاء بعد العلم، لا من باب قبول الناقص عوضا عن الكامل، كي يرجع إلى التقييد وسقوط تكليفه، بل التكليف الفعلي المشترك بين مرتبة الفعلية القانونية، - وهي غير مرحلة الانشاء - وبين مرحلة الفعلية المنجزة، فإن الحكم الانشائي بلا روح ليس ورائه الجد، والحكم القانوني فعلي يشترك فيه العالم والجاهل، والقادر والعاجز، والملتفت والساهي، والناسي والغافل، والحكم الذي لا يبقى معه عند الامتثال وجه إلزامي بالنسبة إلى ذلك الحكم القانوني، لجهات سياسية طارئة لخصوص المجتهد وأتباعه، وهذا لا يوجب قصورا في الحكم الفعلي الاولي المشترك إلا من جهة اللزوم، وهي غير مرحلة الانشاء، ويبقى معه جواز الاعادة والقضاء ندبا، بخلاف صورة التصرف في الحكم الاولي بالتقييد، وغير كفاية الناقص عن الكامل في صورة الجهالة. بيان وجه آخر في مرفوعية الاعادة والقضاء عن الجاهل وإ ليك حسب هذه القسمة وجه آخر وهو: أن يكون الاعادة والقضاء مرفوعا عن خصوصه، مع اشتراكه في الحكم الالزامي القانوني، وما لا يجتمع مع رفع الاعادة والقضاء هو الحكم الفعلي الشخصي، والخطاب الخاص لا العام الالهي، ففي نشأة ضرب القانون العام الالزامي يشترك فيه كل أحد، ولا يعتذر بالنسبة إليه أحد إلا المعذور العقلي، ولا يسقط الاعادة والقضاء بعد الالتفات.

[ 23 ]

وهذا بعد التخصيص يكون فعليا منجزا، كإخراج المجنون والصبي غير المميز، وقبله يكون إنشائيا بالنسبة إليهما وإ لى الحائض والنفساء، وأما بالنسبة إلى الاتي به ناقصا عن جهالة مطلقة، أو جهالة قاصرة، العالم ببعض المركب الصلاتي، فهو فعلي قانوني جدي عام. كشف الرفع الادعائي عن الاعادة والقضاء بحديث رفع ما لا يعلمون وبمثل حديث رفع ما لا يعلمون المخصوص بهم يستكشف الرفع الادعائي، برفع اليد عن الاعادة والقضاء نظرا إلى السياسة الطارئة دون الحكمة والمصلحة العامة، وتلك السياسة جانبها أهم مراعاة من هذه الحكمة العامة والمصلحه الالزامية الكلية القانونية. ونتيجة ذلك: إنكار المرتبة الثا لثة للحكم، فإن المرحلة الاولى ليس وراءها الجد، والمرحلة الثانية وراءها الجد القانوني، والثا لثة وراءها الجد المخصوص بطائفة، من غير أن يلزم نقض ذلك الجد أو النسخ أو المناقضة أو التقييد الواقعي، إلا أنه لا تصح العقوبة على هذا الجد بعد الاتيان بالناقص. تنبيه: في بيان نسبة حديث الرفع والقواعد الاولية قد تحرر منا في مباحث البراءة (1): أن أدلة الرفع الموجب لعدم


1 - تحريرات في الاصول 8: 58 - 71.

[ 24 ]

صحة العقوبة، كما يمكن أن يكون تقييدا، يمكن أن يكون في حكم الرفع الادعائي بلحاظ إسقاط الاثار، وغمض النظر عنها مع فعلية التكليف الاولي، وبقاء الامر القانوني الالزامي، مع كون الجاهل معذورا بخصوصه، لامكان ذلك. ويمكن أن يكون الرفع موضوعا على عنوان الجاهل، لا قضية سالبة محصلة، بل هناك قضية إيجابية وضعية وهي: وضع عنوان الرفع على العناوين التسعة أو الستة، كوضع عنوان الحل على الشك والجهل، حيث لم يؤخذ عنوان خاص في قاعدة الحل - أي: كل شئ حلال على كل أحد تكليفا ووضعا، إلا في صورة العلم، فإذا نسبت الحلية إلى أكل الميتة يكون بقرينة المورد هي الحلية التكليفية، وإذا نسبت الحلية إلى الصلاة في الثوب يكون بقرينة المورد حلية وضعية، وتكون النتيجة صحة الصلاة فيه، وإذا نسبت الحلية إلى الصلاة بدون السورة تكون وضعية، أو إلى ترك السورة فيها وهكذا. وعندئذ يكون مفاد قاعدة الحل العام شاهدا على أن في موارد التسع أو الست، وفي مورد ما لا يعلمون كون وضع الرفع على عنوان بينه وبين العناوين المأخوذة في الادلة الاولية، عموما من وجه، وحاكما عليه بالتقدم من باب الاهمية، لا من باب التخصيص والتقييد، فتكون المسألة من صغريات باب الاهم والمهم والتزاحم، لا التعارض. وتوهم: أنه خلاف الظاهر في محله، إلا أنه بدوي، فإن المقنن لا يجعل بالعنوان الاولي الحلية على شئ، ولكنه ينتزع منه ذلك، والامر هنا كذلك.

[ 25 ]

إفادة: في بيان انصراف الادلة القانونية عن الجاهل المقصر الجاهل المقصر الملتفت وغير الملتفت مورد انصراف الادلة القانونية، ضرورة أنه في حين ضرب القانون أكثر الناس جاهلين به. وأما الجاهل القاصر الملتفت والمركب كالمجتهد وغيره، فهم مورد الحديث، فالاخلال عن جهالة يضر في بعض الصور، ولا يضر في بعضها. حكم الجاهل بالمركب في مجموع الوقت وأما الجاهل بالمركب في مجموع الوقت، فهو عندنا كالجاهل بالجزء والجزئية، وهذا خارج عن محط الكلام في المقام، كما أن صحة عقوبة الجاهل المقصر بالنسبة إلى موارد غير لازمة، عليه الاعادة حسب المشهور (1)، موكول إلى محله (2) كموارد التقصير والاتمام، والجهر والاخفات، بل تصور جواز عقوبة الجاهل المقصر بالنسبة إلى الوضعيات كالاخلال بالشرط والجزء، مورد نقاش، ضرورة أن أوامره غيرية، أو لا يتصور الامر الغيري بالنسبة إلى الاجزاء، أو لا يكون ولو صح تصوره، كما هو التحقيق عندنا، وهذا يجري حتى في صورة الاخلال بالطهور المائي عن عمد، وحديث تفويت المصلحة (3) من الاكاذيب، وإنما


1 - راجع فوائد الاصول 4: 289، ونهاية الافكار 3: 484. 2 - تحريرات في الاصول 8: 237 - 240. 3 - كفاية الاصول 428، نهاية الافكار 3: 484 - 485.

[ 26 ]

يستحق العبد العقوبة على عصيان الامر النفسي ونهيه، أو التخلف عن المطلوب الالزامي التكليفي المعلوم لديه مبغوضيته. تنبيه: في عدم وجوب الاعادة والقضاء في المقام على جميع المحتملات حسب ما تحرر تفصيله (1)، لا وجه للاعادة والقضاء لزوما، أو لا وجه له مطلقا، لان الرفع في ما لا يعلمون إن كان تقييدا حقيقيا فالمأتي به واجد لجميع ما امر به، وإن كان ادعائيا فمقتضى إطلاق الادعاء هو الغمض عن الاعادة والقضاء، وهو يرجع إلى فعلية الشرط والجزء فعلية قانونية، وهو لا ينافي عدم الجزئية والشرطية بالنسبة إلى الجاهل، نظرا إلى أن النسبة بين الدليلين عموما من وجه، فليتأمل. وإن كان من باب التزاحم فمقتضي الاطلاق الازماني صحة المأتي به أيضا، وإيجاب الصلاة الاخرى بعد رفع الجهالة بالادلة الاولية، خلاف الادلة الخاصة، والاغتراس الشرعية، والاجماع والاتفاق بالضرورة، والاصل عند الشك. وأما حديث كون الناقص مانعا عن تأثير الكامل، ومعدما لمحط الجامع بعد رفع العذر والجهل، قياسا بالمعاجين بالنسبة إلى الابدان، فهو من الاغلاط، ولا سيما بعد إمكان الالتزام باستحباب إعادة الاكمل دائما،


1 - تقدم في الصفحة 21 - 22.

[ 27 ]

وفي خصوص طائفة من الصلوات في الجملة، للادلة الخاصة (1). عدم صحة قياس الصلاة بالمركبات الاخرى وكون الصلاة كالمعاجين المركبة من المقولات في الاعتبار في بعض الملاحظ، لا يوجب صحة القياس المزبور، وهكذا حديث إنها ذات مراتب (2) فإنه لو كان الامر كما توهم ما مست الحاجة إلى الادلة الثانوية - كما حررناه في الاصول - لانحلال دليل الصلاة حسب المراحل، ويستلزم ذلك وجوب كل مرتبة في عرض المرتبة الاخرى، بشرط صدق الصلاة عليها. مع أنه ممتنع، للزوم اجتماع الارادتين التأسيسيتين في محط واحد، لان النسبة بين المراتب عموم وخصوص مطلق، ووجه امتناعه محرر في الاصول (3)، وواضح عند أهله. وهم ودفع: في صحة التمسك بحديث الرفع في المقام وعدمه قد اشتهر: أن التشبث بحديث الرفع في مثل ما نحن فيه، في غير محله (4)، لانه بعد ثبوت الاطلاق لادلة الاجزاء والشرائط، كما هو محل


1 - راجعوسائل الشيعة 3: 476، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 40، الحديث 8 و 9. 2 - مستمسك العروة الوثقى 7: 382 و 385. 3 - تحريرات في الاصول 2: 257 - 259 و 4: 143 - 144. 4 - لاحظ فوائد الاصول 3: 353.

[ 28 ]

الكلام في المقام، المقتضية لبطلان الصلاة - سواء كان لدليل المركب إطلاق، كما هو الحق، أم لم يكن، كما اشتهر - لا يعقل رفع الجزئية والشرطية والمانعية والقاطعية، ولا جعل الحلية الاستقلالية لترك الجزء والشرط، ولوجود المانع والقاطع، ضرورة أن تشخص الامر بالمتعلق، وتعين الارادة بالمراد، ولا يمكن التصرف في جزء من أجزاء المراد إلا ويستتبع ذهول الارادة والبعث والامر وسقوطها، وليس شأن حديث الرفع والحل (1) كشف الامر الالزامي الجديد بالنسبة إلى الاجزاء الباقية، فعلى هذا يكون التمسك بهما في أمثال المقام باطلا. ويندفع: أولا: بأنه - مع كون الرفع واقعيا ولا يكون سلب الجزئية حال الجهالة، وهكذا الشرطية إلا إنشائيا، لا حقيقيا واقعيا، لا تتعلق الارادة الجدية والبعث والحكم الجدي من الاول بالنسبة إلى الجزئية على الاطلاق، فلا تكون للجزئية والشرطية حال الجهل دخالة في تشخص الامر. وثانيا: إن كان على وجه يجتمع مع فعلية الجزئية والشرطية، القانونية الجدية، وغير المنافية، مع عدم وجوب الاعادة والقضاء - كما


1 - عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: كل شئ فيه حلال وحرام فهو لك حلال أبدا حتى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه. الكافي 5: 313 / 39، الفقيه 3: 216 / 1002، تهذيب الاحكام 9: 79 / 337، وسائل الشيعة 17: 87، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 4، الحديث 1.

[ 29 ]

أوضحناه في الجمع بين الاحكام الواقعية والظاهرية (1) - فلا يلزم تصرف في متعلق الامر الاولي، كي يلزم الاخلال في ما به تشخص الحكم والامر. وهكذا على وجه التزاحم، نظرا إلى بعض الجهات السياسية الموجبة لتقدم حديث الرفع على الاحكام الفعلية الاولية، على الوجه المحرر في الاصول أيضا، من غير أن يلزم تصرف في تلك الادلة، كما في موارد جريان قاعدة الفراغ، وإصالة الصحة، والتجاوز، من غير أن يلزم إنكار الجزئية (2). وثالثا: تشخص الامر بمتعلقة، وهو العنوان البسيط المعبر عنه بالصلاة، وفي هذه المرحلة ليست كثرة الاجزاء ملحوظة، ولا مدعوة بدعوة العنوان، بل المبعوث إليه عنوان واحد، وهو محفوظ في صورة وجود الجزء والشرط وعدمهما، وقد تحرر في محله إمكان جعل جميع الانتزاعيات الشرعية والاعتباريات التشريعية، من غير أن يجوز الخلط بين هذه المسائل والبحوث العقلية والتكوينية (3). الالتزام بالتقييد والرفع الحقيقي بالنسبة إلى الجاهل القاصر والمقصر والذي هو الاشبه - بملاحظة ما ورد في خصوص الصلاة - هو: الالتزام بالتقييد، والرفع الحقيقي بالنسبة إلى الجاهل القاصر، بل والمقصر


1 - تحريرات في الاصول 6: 250 - 252. 2 - تحريرات في الاصول 6: 253 - 256. 3 - تحريرات في الاصول 8: 430 - 432.

[ 30 ]

غير الملتفت حين العمل المتمكن من الامتثال، لعدم انصراف الحديث عنه، كما لا يخفى، فلولا مخافة مخالفة الاجماع كان ما ذكرناه متعينا، ومما يؤيد قصور الاجماع انتسابه إلى شارح الالفية (1). وأما قضية خبر مسعدة بن زياد في قوله تعالى: (ولله الحجة البالغة...) (2): إن الله تعالى يقول للعبد يوم القيامة: أكنت عالما؟ فإن قال: نعم، قال تعالى له: أفلا عملت بعلمك؟! وإن كان جاهلا، قال تعالى: أفلا تعلمت حتى تعمل؟! فيخصمه، فتلك الحجة البالغة (3). فمضافا إلى عدم دليل على حجيته، ربما يختص بمورد تصح المؤاخذة عليه، وهو ترك التكليف النفسي، وأما ترك الاجزاء والشرائط فعلى ما عرفت من التقييد، فلا وجه للمؤاخذة عليه، وحديث المراتب غير معقول كما اشير إليه، ولا منع من الالتزام بأن ترك التعلم مورد المؤاخذة، وإن كان إذا تعلم يؤاخذ على ترك العمل، فتأمل، هذا مع أن القاصر لا يؤاخذ به. ومما يؤيد ما ذكرنا، ويثبت به إمكان اختصاص الحكم بالجاهل،


1 - رسائل المحقق الكركي 3: 303، جواهر الكلام 12: 229، مستمسك العروة الوثقى 7: 381. 2 - الانعام (6): 149. 3 - أمالي المفيد: 227 / 6 المجلس السادس والعشرون، أمالي الطوسي: 9 / 10 المجلس الاول، بحار الانوار 1: 177 / 58.

[ 31 ]

موارد الجهر والاخفات (1) ومورد الاتمام في مورد القصر (2)، وفي الحج (3) والصوم (4) كثيرا، تكليفيا ووضعيا، وفي التذكية بالنسبة إلى القبلة، فإن النص (5) والفتوى (6) اتفقا على أن من لا يدري تحل ذبيحته. فيما لو ترك جزءا ودخل في آخر جهلا أو عمدا لو ترك جزء ودخل في الجزء الاخر جهلا - قصورا أو تقصيرا - أو عمدا، ثم التفت إلى أنه لم يأت به، فمقتضى القاعدة الاولية بطلان المركب، لعدم صدق الطبيعة مع دخوله في الجزء المتأخر، فيكون قد أخل بالمركب والصلاة، من غير فرق بين دخوله في مثل القنوت في الركعة الاولى، قاصدا به القربة المطلقة أو السورة أو الركن. وأما مقتضى حديث رفع ما لا يعلمون بالخصوص، فيكون البطلان مخصوصا بصورة العمد والجهل التقصيري عن التفات، وأما سائر صور الجهالة فالاشبه هي صحتها. ولو عاد يعد من الزيادة العمدية بالنسبة


1 - العروة الوثقى 1: 650، كتاب الصلاة، أحكام القراءة، المسألة 22 - 24. 2 - العروة الوثقى 2: 160 فصل في أحكام صلاة المسافر، المسألة 3. 3 - العروة الوثقى 2: 572 فصل في كيفية الاحرام، المسألة 26. 4 - العروة الوثقى 1: 162 فصل في أحكام صلاة المسافر، المسألة 4، و 2: 215 فصل في شرائط صحة الصوم، المسألة الخامس. 5 - وسائل الشيعة 24: 27 كتاب الصيد والذباحة، أبواب الذبائح، الباب 4، الحديث 3 و 4 و 5. 6 - العروة الوثقى 1: 549 فصل في أحكام الخلل في القبلة، المسألة 2.

[ 32 ]

إلى تكرار السورة إذا أتى بها تشريعا، وإلا فلا يبعد وجوب العود إلى الفاتحة، لانه قد أخل جهلا بالترتيب، ولا يعد تارك الفاتحة جهلا، وهكذا في صورة دخوله في الركن حسب هذه القاعدة. نعم، مقتضى بطلانها بتكرار الركن - على ما سيأتي - ومقتضى جريان " لا تعاد " في الاثناء، صحة الصلاة وعدم جواز العود إلى ما تركه، فلا ينبغي الخلط بين قضية حديث رفع ما لا يعلمون وسائر الادلة الخاصة بالصلاة. وغير خفي: أن الاجماعات المدعاة على بطلان الصلاة في صورة ترك الجزء جهلا (1)، على إطلاقه لا ترجع إلى كشف جديد عن الادلة الخاصة بعد اقتضاء القواعد الاولية بطلانها به، فالمهم في المسألة مقتضى الادلة العامة والخاصة، وملاحظة النسبة بينهما، وقد عرفت قضية الادلة العامة بحمد الله وله الشكر. نسيان أجزاء المركب مع صدق عنوانه على الباقي ومما ذكرنا يظهر حال نسيان أجزاء المركب بشرط كون الباقي يصدق عليه عنوانه عرفا. وأما حديث امتناع الامر بالناسي بالنسبة إلى الاجزاء المأتي بها (2)، فهو مثل امتناع اعتبار جزئية الجزء المنسي بالنسبة إليه، والكل


1 - لاحظ جواهر الكلام 12: 229، مستمسك العروة الوثقى 7: 381. 2 - فرائد الاصول 2: 484، نهاية الافكار 3: 419 - 423.

[ 33 ]

منحل في الاصول، ومحرر فيه إمكانه، ووقوعه في الشرائع الحقة والباطلة (1). وغير خفي: أن نسيان الجزء يوجب ترك الجزء، وليس ترك الجزء مورد النسيان، كي يقال بأنه رفع غير مفيد، لعدم الاثر الشرعي لتركه. الفرق بين نسيان الجزئية ونسيان ذات السورة نعم، المحرر عندنا: أن نسيان الجزئية له الاثر دون نسيان ذات السورة، فإن ما بيد الشرع جعلا ورفعا هي الجزئية دون السورة (2)، فمقتضى هذه القاعدة بطلان المركب بنسيان ذات السورة دون نسيان جزئيتها، كما لا يخفى. وبعبارة اخرى: ما هو مورد النسيان هو محمول القضية، لا موضوعها، والجزء محمول لا السورة، فإن الشرع يعتبر السورة جزء، إما من ابتداء الامر بالصلاة، أو بعد ذلك، وعلى كل تقدير، تعلق النسيان بالسورة - وهي جزء - أمر، وتعلق النسيان بجزء الصلاة أمر آخر، ولو كان ذلك الامر بحسب الخارج هي السورة. وغير خفي: أن نسيان الجزئية لا ينافي الالتفات إلى عنوان النسيان، بخلاف نسيان السورة، كما أن ناسي الجزئية جاهل، وينطبق عليه ما لا يعلمون ولا بأس به، وأما ناسي السورة لا يعد جاهلا بالنسبة إلى


1 - كفاية الاصول: 456. 2 - تحريرات في الاصول 8: 148 - 149.

[ 34 ]

السورة، نعم، يعد جاهلا ببطلان صلاته حسب القاعدة الاولية. ومن كل ما تحرر تبين أن هناك بحوثا: الاول: حول القاعدة العقلية والعرفية بالنسبة إلى أحكام المركب والصلاة، بعد إطلاق دليل الجزء. الثاني: حول قاعدة الرفع الحاكمة والمتقدمة على تلك الاطلاقات. الثالث: حول قاعدة لا تعاد وما هو مثلها المتعرض لاجزاء الصلاة على الاطلاق، أو للزيادة فيها. الرابع: حول الادلة الخاصة بالنسبة إلى كل جزء جزء، ركني وغير ركني، وشرط تحليلي وجودي وعدمي، ركني أو غير ركني، فهنا حلقات حول أحكام خلل الصلاة، ولا ينبغي الخلط بينها وبين آثارها ومقتضياتها. ذنابة: في بيان متعلق الجهل والعلم والنسيان والعمد في الادلة إن الجهل والعلم والنسيان والعمد المذكورة في الادلة والمتون، هي العناوين المتعلقة بالقضايا والتصديقات دون الامور التصورية، ولذلك إذا كان جاهلا بجزئية السورة، أو بأن السورة جزء المرفوع محمول القضية وما يتعلق به الجعل، وهكذا إذا كان ناسيا لجزئية السورة، أو أن السورة جزء، وأما ترك ذات السورة يعد من ترك معنى تصوريا، ويعد أحيانا من نسيان إيجاد السورة، مع أن وجودها وإيجادها ليس مورد الجعل، كي يرفع ولو في الاعتبار.

[ 35 ]

في بطلان الاوامر الضمنية وتوهم: تعلق الامر الضمني بالجزء (1)، كي يكون أمرا نفسيا جزئيا، أو أمرا غيريا إلزاميا بإيجاده، باطل محرر (2)، بل الاوامر الضمنية من الاباطيل الواضحة، فالامر بالصلاة ليس إلا أمرا واحدا، لتعلقه بأمر واحد في عالم التقدير، وإن كان المتعلق كثيرا ومن مقولات شتى في مرحلة الايجاد والخارج، وفي مرحلة الملاحظة التفصيلية. بل الاوامر لا تتعلق بإيجاد المتعلقات، كي يقال برفع الايجاد المنسي. فعلى ما تحرر لا منع من جريان حديث الرفع بالنسبة إلى ترك الجزء المجهول المستبين جزئيته في أثناء الصلاة، وهكذا إذا نسي الجزء بما هو جزء، من غير فرق بين الاركان وغير الاركان. فلو أخل بالترتيب عن جهالة فقدم المتأخر، ثم تبين له الامر، أو نسي الترتيب، أو عجز عن الترتيب ثم اقتدر في الاثناء، فعليه الاتيان بالجزء المتقدم مؤخرا من غير لزوم إعادة المتأخر، بل في إعادته إشكال اشير إليه. هذا كله حسب القواعد الاولية والثانوية بالنسبة إلى الصلاة، وقد تحرر تفصيله في الاصول.


1 - نهاية الافكار 102: 262. 2 - تحريرات في الاصول 3: 24 - 27.

[ 36 ]

إفادة: في امتناع الزيادة غير العمدية لو امتنعت الزيادة العمدية امتنعت غير العمدية، لاجل اشتراك دليل امتناعهما وليست القواطع والموانع من الزيادة، لان الزيادة تقع في الصلاة وهي ظرفها، والقاطع يكسر الشكل والهيئة الخاصة بها، والهيئة الاعدادية القابلة لضم بقية الهيئة والشكل، والمانع يمنع عن وجودها الخارجي، مثل الرطوبة المانعة عن تحقق الاحتراق، وليس معنى المانع شرطية عدم شئ فيها، كما قد خلط في كلام بعضهم (1). نعم، لو كان عدم شئ كالركوع الثاني شرطا فيها، فالبطلان وإن كان يستند إلى الاخلال بالشرط العدمي، ولكن هذا الاعتبار والوصف العدمي الملحوظ، كالقضية المعدولة المحمول، لا يتحقق تحققا اعتباريا عرفيا إلا بالزيادة في الصلاة، فعليه لا يتم البرهان على امتناع الزيادة الحقيقية، وإنما لازم ذلك أن إعادة الصلاة مستندة إلى النقيصة تدقيقا، أو إلى الزيادة المورثة للنقيصة عرفا، فاغتنم جدا.


1 - نهاية الافكار 3: 411، ولاحظ تحريرات في الاصول 8: 85.

[ 37 ]

المسألة الثالثة حول مقتضى الادلة العامة القاعدة الثالثة: هي الادلة العامة غير المخصوصة بجزء خاص من الصلاة، الخاصة بالمركب الصلاتي كقاعدة لا تعاد وما ورد من لزوم الاعادة إذا زاد في الصلاة (1)، أو ورد من صحة الصلاه نقيصة وزيادة بإيجاب سجدتي السهو في كل زيادة تدخل عليك أو نقصان (2)، ورعاية النسبة بينها على فرض تمامية أسنادها. والكلام حول هذه المسألة يستدعي الغور في جهات نشير إليها


1 - عن أبي بصير قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): من زاد في صلاته فعليه الاعادة. الكافي 3: 355 / 5، تهذيب الاحكام 2: 194 / 764، وسائل الشيعة 8: 231، كتاب الصلاة، أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الباب 19، الحديث 2. 2 - عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: تسجد سجدتي السهو في كل زيادة تدخل عليك أو نقصان. تهذيب الاحكام 2: 155 / 608، وسائل الشيعة 8: 251، كتاب الصلاة، أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الباب 32، الحديث 3.

[ 38 ]

إجمالا، لما حررت تفصيل المسألة في رسا لة موسوعة لقاعدة لا تعاد وما حولها (1). الجهة الاولى: مناقشة سند قاعدة لا تعاد لنا مناقشة في سند لا تعاد وذلك لان الفقيه والتهذيب والخصال (2) وإن روياها مسندة إلا أن اختلاف نسخ الفقيه والتهذيب صدرا وذيلا على ما في جامع الاحاديث (3) واختلافهما في المروي عنه (عليه السلام) وهكذا الخصال موجب للشبهة في الرواية جدا، مع أنه يشتمل على زيادة. وهي: أن أبا جعفر أو أبا عبد الله (عليهما السلام) قال لزرارة، أو أن حريز روى عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) أنه قال: لا تعاد الصلاة إلا من خمسة: الطهور، والوقت، والقبلة، والركوع، والسجود ثم قال: القراءة سنة، والتشهد سنة، والتكبير سنة، ولا تنقض السنة الفريضة. مع أن المنصرف من التكبير هو الواجب منه، وهو ركن ينقض الخمسة، ويبعد صدوره مرتين عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) جدا. وهكذا ما في الهداية (4) المشتملة على المتون الاولية،


1 - رسالة في قاعدة لا تعاد، للمؤلف (قدس سره) (مفقودة). 2 - الفقيه 1: 225 / 991، تهذيب الاحكام 2: 152 / 597، الخصال: 284 / 35. 3 - جامع أحاديث الشيعة 6: 268، كتاب الصلاة، أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الباب 1، الحديث 1. 4 - الهداية، ضمن جوامع الفقهية: 53 / السطر 20.

[ 39 ]

فالرواية لا تخلو عن نوع مناقشة من هذه الجهة، والله العالم. الجهة الثانية: مناقشة دلالة قاعدة لا تعاد في أن لا تعاد بعد كونها جملة إخبارية، فهل هي إخبارية واقعا أم كناية عن الجملة الناهية؟ لا يبعد الاول أخذا بالظاهر، لامتناع النسخ فتكون جملة إخبارية عن حدود الاجزاء والشروط. وتوهم: لزوم الدور - لو كانت شاملة للجاهل بأقسامه - مندفع، بأنه لا دليل على الشمول المذكور، بل المشهور في الجاهل إعادة الصلاة، مع أنه لا حاجة إليها لكفاية حديث الرفع، ولا يلزم الدور حسب ما حررناه في محله، وهذا الوجه أحسن وجوه نصورها لشمول الجاهل، كما يأتي بعض الكلام حوله. ويؤيد الاخبارية: ذيلها، وهي إخبارية. فبا لجملة يرجع معنى الاخبارية إلى أنه لا معنى لاعادة الصلاة، لانتفاء الامر المتعلق بها بعد الاتيان بالخمسة. وعلى القول بإنها كناية عن النهي، فيحتمل أن يكون النهي إرشادا، نظرا إلى ما تحرر في الاصول حسب الاصل الثانوي في الاوامر والنواهي (1). ويحتمل أن يكون نهيا مولويا، نظرا إلى أن الشرع بصدد سد باب موجبات تكرار العبادة المنتهي إلى الوسواس، وهذا غير بعيد، وتصير


1 - تحريرات في الاصول 4: 304 - 306.

[ 40 ]

النتيجة: أنه تحرم إعادة الصلاة إلا من الخمسة، وعندئذ تخرج القاعدة عما عليه قصد الاصحاب رضي الله عنهم، فإن قولك: لا تكرم العلماء إلا الفقهاء، لا يفيد وجوب إكرام الفقهاء، بل يورث خروجهم عن محط النهي والتحريم، ففي ناحية المستثنى منه تحرم الاعادة، ولازم ذلك سقوط الامر، وفي ناحية المستثنى تجوز الاعادة، كما تجوز إعادة الصلاة جماعة، وسر تحريم الاعادة بالنسبة إلى غير الخمسة أن غيرها أكثر موجبا للشك والاعادة بخلافها. ولا ينافيه ذيل الخبر، فإن غير الخمسة عد من السنة، ولا تنقض السنة وسائر الاجزاء والشرائط، الصلاة المفروضة، كي تجوز الاعاة. ودعوى ظهور الذيل في انتقاض المفروضة بانتفاء الفريضة وبترك إحدى الخمسة، كي يلزم بقاء الامر الالزامي، ممنوعة، بل يمكن أن لا تنقض الفريضة الفريضة إلا إلى حد جواز الاعادة في مقابل السنة، فإنها لا تنقض الفريضة على وجه تحرم الاعادة. وعلى هذا يشترك فيه جميع الناس، كما يأتي، لكونه حكما تكليفيا متعلقا بعنوان الاعادة، كسائر الاحكام الالهية، ولازمه سقوط الامر الصلاتي مطلقا، وجواز الاعادة بالنسبة إلى الخمسة. وعلى هذا في ناحية المستثنى منه لا يلزم أمر جديد، لان الاعادة ولو كانت محرمة أو غير لازمة، تكون النتيجة صحة الصلاة الواجدة للخمسة وفي ناحية المستثنى يلزم صحة الصلاة ولو كانت فاقدة لبعض الخمسة، لظهور الاستثناء عن التحريم في الجواز، ومقتضى جواز الاعادة

[ 41 ]

صحة الصلاة، كالاعادة بالجماعة. الجهة الثالثة: شمول قاعدة لا تعاد لصورتي الجهل والنسيان دون العمد اختلفوا في حدود إطلاق لا تعاد من جهة شموله لصور الجهالة والنسيان بعد اتفاقهم على عدم إطلاقه بالنسبة إلى العمد، وعندي لولا الاشكال من جهة الامتناع - كما اشير إليه - كان إطلاقه بالنسبة إلى مطلق الاحوال واضحا، فإن الاتيان بصيغة المجهول من غير أخذ الخطاب في القاعدة يوجب ظهورها قويا في إفادة خاصية المستثنى منه والمستثنى بالنسبة إلى الاعادة واللا إعادة، بخلاف الخطاب، فإنه يوجب الظهور في العالم به الناسي للجزء والجزئية، لعدم تعلق الخطاب بالجاهل بخصوصه، سواء كان قاصرا أو مقصرا، بسيطا أو مركبا، ولاجله اشتهر التمسك للاشتراك في الحكم بأمور اخر من الاجماعات والادلة الخاصة، وفيما إذا أمكن إنكار الاشتراك يتعين ذلك للظهور المذكور. شبهة اختصاص القاعدة بناسي الموضوع دون الحكم وحديث اختصاصه بناسي الموضوع دون الحكم للزوم الدور (1)،


1 - الصلاة، المحقق الحائري: 315 - 317.

[ 42 ]

كحديث لزوم الدور في اختصاص الحكم بالجاهل (1). فبالجملة: قد ذكروا وجوها عليلة لاختصاص لا تعاد بناسي الموضوع (2)، مضافا إلى الاتكال على فهم المشهور، مع أنه ربما يتوهم امتناع كون ناسي الجزء عمله العبادي صحيحا، لامتناع الخطاب إليه (3)، وقد تحرر في الاصول إمكانه (4)، وتحرر أيضا كفاية تخيل الامر لصحة العبادة، لما ذكرنا أن تقسيم الامر إلى التوصلي والتعبدي من الاغلاط (5). نعم، في مورد فقد الامر لا دليل على كشف عبادية العمل، ضرورة أن حسن العمل وسوئه يعلم من الهيئة، فلو كان معلوما قربية العمل وحسنه، فلا حاجة إلى الامر في صحته عندنا، مع أن الجاهل بما هو جاهل كالناسي يمتنع الخطاب إليه. مع أنه يمكن ضرب القانون على وجه غير الخطاب، فيقال: من كان حين العمل ناسيا لجزء أو لشرط، أو كان جاهلا على اقسامه لا تجب عليه الاعادة، فإنه يعلم منه بعد العمل الناقص باعتبار إطلاق أدلة الاجزاء والشرائط، صحة العمل، ولا يكون عمله ناقصا إلا كنقصان القصر بالنسبة إلى التمام.


1 - تحريرات في الاصول 6: 118. 2 - الصلاة (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 193 - 194، الصلاة، المحقق الحائري: 315 - 317. 3 - الصلاة، (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 194، نهاية الافكار 3: 419. 4 - تحريرات في الاصول 8: 104 - 105. 5 - تحريرات في الاصول 2: 110 - 112.

[ 43 ]

عدم شمول قاعدة لا تعاد للعامد والجاهل المقصر الملتفت فبالجملة: العامد والجاهل المقصر الملتفت حين العمل وإن تمكن من القربة لكفاية احتمال الامر لصحته، ممنوع صحة عمله، لقصور القاعدة المذكورة، مع أنهما القدر المتيقن من معقد الشهرة المحققة والاجماعات المنقولة، ويساعده أنها ليست قاعدة تهدم الاسلام والتفقه في الدين على الاطلاق، كي يتمسك بها لصحة الصلاة، مع التفاته إلى الجزئية والشرطية، وتركه لهما، أو التفاته إلى احتمال ذلك، وأما المقصر الباني على تعلم الحكم الغافل حين العمل للمسامحة والمساهلة، والقاصر مجتهدا كان أو مقلدا، فلا يبعد تمامية عمله. توهم عدم شمول القاعدة لمطلق الجاهل ومن الغريب توهم: أن القاعدة لا تشمل الجاهل مطلقا لاشتراك الاحكام (1)، مع أنه مصادرة، لان القاعدة تنفي الاشتراك، اللهم إلا أن يكون لينظر إلى أنها في مورد لولاها كانت الاعادة متعينة حسب حكم العقل، وإمكان الامر بالاعادة بعنوانها أمرا تأسيسيا، وهذا لا يتصور بالنسبة إليه. وفيه ما لا يخفى من جهات محررة في الاصول (2)، وفي تلك


1 - الصلاة (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 188 - 190. 2 - تحريرات في الاصول 8: 103 - 105.

[ 44 ]

الرسا لة (1)، ضرورة أن الامر الابتدائي متعلق بعنوان عام يشترك فيه كافة الناس، ولا ينحل الخطاب القانوني إلى الخطابات الجزئية، ولا الصنفية. هذا مع أن الامر بالاعادة لا يعقل إلا أن يكون إرشادا إلى تأكد إطلاق دليل الاجزاء والشرائط، مع أن الناسي أولى به، لبطلان عمله، من جهة فقد الامر بعنوانه. وأغرب منه توهم: أنه يستفاد من القاعدة نهي وأمر، نهي في جانب المستثنى منه، وأمر في جانب المستثنى، وحيث يكون النهي تقييدا لاطلاق أوامر الاجزاء والشرائط الارشادية، فالامر أيضا يكون أمرا جديدا وإن كان متعلقه - وهي مادة الاعادة - منافيا لكونه تأسيسيا ولكنه إرشاد تأسيسي، لان الناسي بالنسبة إلى المستثنى ممتثل، حسب تخيله الكافي لصحته، بخلاف الجاهل فإنه إرشاد راجع إلى تأكد إطلاق الاجزاء، وهذا يوجب خروج الجاهل دون الناسي. وفيه: مضافا إلى ما اشير إليه من فقد الاوامر الصنفية والشخصية بمعنى الخطابات الاختصاصية، أن النهي والامر ممنوعان على وجه يستفاد منهما شئ، وهذا اجتهاد باطل جدا، بل ليس هناك إلا نفي بداعي الانتقال إلى حدود المأمور به، حسب الاجزاء بالنسبة إلى الاحوال العارضة، من الجهالة والنسيان والاضطرار والاكراه، بالنسبة إلى الموانع والقواطع.


1 - رسالة في قاعدة لا تعاد، للمؤلف (قدس سره) (مفقودة).

[ 45 ]

تذنيب: حول القول باختصاص الحكم بالناسي يمكن دعوى اختصاص الحكم بالناسي، نظرا إلى أنه أمر غير مناف لادلة التفقه في الدين، ولا يوجب المسامحة في تعلم الاحكام، مع اهتمام الشرع به، وإلى كثرة الابتلاء به للمشاغل والحجب النورانية والظلمانية، الموجبة لايجاب إعادتها، إيجابها ثانيا وثالثا، وإلى كثرة الروايات الواردة في خصوص التعرض لحال النسيان حتى نسيان الجزئية، فإنه وإن قل الابتلاء به، ولكن لا ينافيه وجوب التفقه، لانه قد تفقه في الدين، وإلى الشهرة وأن الشرع أوجب سجدتي السهو دون سجدتي الجهل، مع أنه أولى بالتشديد من النسيان. بقي شئ: في الالتزام بوجوب الاعادة في صورة الجهل الالتزام بوجوب الاعادة في صورة الجهل، ولاسيما القاصر - إذا كان موجبا لترك جزء يسير وطمأنينة حال الجزء اليسير، مع كثرة الابتلاء به في طول الازمنة الكثيرة في خصوص الصلاة، مع عدم جريان قاعدة الفراغ عند الجهل بتلك الاجزاء الراجعة إلى حرف واحد - مشكل جدا. ولا يقاس ذلك بالطهارات الثلاث لقلة أجزائها وشرائطها، فالتفصيل بين القاصر والمقصر، ولا سيما إن تعلم مسائل الصلاة يحتاج إلى زمان طويل، غير بعيد. بل مقتضى جملة من الاخبار: أن تكميل الطهور والركوع والسجود

[ 46 ]

تمام الصلاة، ضرورة أن الاخلال بالوقت في بعض الفروض مع درك بعضه، وبالقبلة في بعض الاحوال، لا ينقض الصلاة. فالاخلال عن جهالة راجعة إلى الاجتهاد، وإلى الجهالة الراجعة إلى لزوم المراجعة إلى المجتهد، بعد فقد موجبات الاجتهاد والاحتياط ولو كان عن تقصير، وإلى الجهالة الراجعة إلى التقصير في الاجتهاد، مع الغفلة عن تلك الجهالة حين الصلاة، لا يبعد كونه محط إطلاق القاعدة، ولا سيما لو فسرناها بأن معناها: أن الصلاة لا تقبل الاعادة، أو أن إعادة الصلاة لا معنى لها بخلل من أقسامه. ويؤيد ذلك ما في بعض النسخ: فلا تنقض السنة الفريضة (1) وأن المراد من الفريضة ما فرضه الله تعالى في الكتاب، والمراد من السنة ما فرضه الله بحديث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فلو كان جهالة الاجزاء والشرائط على الاطلاق موجبة للنقض، يلزم التقييد الكثير المستهجن أحيانا. توهم إجمال حديث لا تعاد وقد يتوهم كون جملة لا تعاد الصلاة إلا من خمسة صغرى لقوله (عليه السلام): ولا تنقض السنة الفريضة وحيث يحتمل أن يكون المراد من الاخيرة مرددا بين امور يلزم إجمال الحديث رأسا، فلا يصلح للتمسك به في موارد فقد الادلة الخاصة.


1 - لاحظ جامع أحاديث الشيعة 6: 268، كتاب الصلاة، أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الباب 1، الحديث 1.

[ 47 ]

وأما الاحتمالات: فمنها: أن يكون المراد من السنة ما ليس بركن، والمراد من الفريضة الركن. ومنها: أن المراد من السنة ما لم يثبت بالكتاب، ومن الفريضة ما يثبت به، وهذا الاحتمال في الثلاثة الاول معلوم، وأما الركوع والسجود فلا دليل على كونهما ثابتان به، ومجرد كون الركوع والسجود فيه لا يكفي لذلك. ومنها: أن المراد من السنة ما ثبت بقول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والائمة (عليهم السلام)، ومن الفريضة نفس الصلاة المأمور بها في الكتاب. ومنها: أن المراد من السنة ما كان من قبيل التشهد والقراءة والتكبير - أي: الاجزاء - والمراد من الفريضة ما كان من قبيل الافعال والشرائط الخمسة. ومنها: ما ثبت بسيرة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وعمله سنة، وما ثبت بقوله من الكتاب والحديث فرض. ومنها: ما يوجب الاخلال به على جميع التقادير، بطلان الصلاة، فرض، وما لا يكون كذلك، سنة، وعندئذ يلزم أن تكون القبلة سنة، بل الوقت، فيلزم إجمال الحديث، لاجمال ذيله، واحتمال كونه قاعدة، والصدر بعض من تلك القاعدة، بل إجمال الذيل يوجب إجمال الصدر على كل تقدير. هذا مع أن من السنة ما ينقض الفريضة، كالتكبير والقيام المتصل بالركوع وغيرهما، فيلزم سقوط التمسك به عندئذ، فتأمل.

[ 48 ]

الجهة الرابعة: في شمول قاعدة لا تعاد للزيادة والنقصان اختلفوا في شمولها للزيادة والنقصان على أقوال، والاشبه، بل الاظهر، وهو المتعين عندي اختصاصه بالنقيصة، وذلك ثبوتا من جهة أنه لا يعقل أن يكون المنظور في جانب المستثنى اعتبار طبيعي الركوع في ناحية النقيصة، والركوع الثاني في ناحية الزيادة، فإن الركوع والسجود وإن يقبلان الازدياد والنقصان، إلا أن عنوان الركوع لا يعقل أن يكون المراد منه، حقيقة في جانب النقيصة، نفس الطبيعة، وفي جانب الزيادة الركوع الثاني والفرد الاتي به بعد الفرد الاول، فيتعين المستثنى في النقيصة، وهذا كاف لعدم شمول المستثنى منه للزيادة، لان الكلام واحد، والظهور الاطلاقي في الصدر معلق على استقرار الظهور في الذيل. وأما إثباتا، فلان الثلاث الاول في جانب المستثنى غير قابل للتكرار، وهو كاف لصا لحيته للقرينة على عدم انعقاد الاطلاق، أو الشك فيه المستند إلى جهة مشتملة عليها ألفاظ القاعدة، فالقدر المتيقن منها صورة النقيصة. صحة المركب بالزيادة مطابق للقاعدة العقلية ثم إن مقتضى القاعدة العقلية بإجماله صحة المركب بالزيادة، فلا حاجة إلى تأسيس قاعدة شرعية إلا في جانب النقيصة. هذا، مع أن الاستثناء المفرغ - أي: لا تعاد الصلاة بخلل أو بشئ -

[ 49 ]

يستلزم حذف عنوان، وهو الطبيعي، وأمرها دائر بين الوجود والعدم، والوجود الثاني - وهي الزيادة - غير معقول أن يكون مرادا، مع حفظ إصالة الحقيقة. نعم، لا بأس بدعوى اختصاص الزيادة المرادة طبيعيها المخصوص، بغير الزيادات المسانخة كالتكتف وأمثاله. هذا، مع احتمال كون المستثنى منه نفس الصلاة، فلو ورد لا تعاد الصلاة كان كلاما تاما، فالاستثناء لا يورث احتياجه إلى جملة محذوفة، وإنما استثنى من الصلاة، الخمسة، بجملة مشتملة على من التبيينية، وتلك الخمسة من أجزائها التحليلية العقلية والذهنية الخارجية، فالزيادات اللاحقة بالفرد أو القاطعة والمانعة عنه وجودا، خارجة، لان مورد النظر حسب الوضع والاستعمال هي طبيعة الصلاة المتشكلة من عدة أجزاء. وقد تحرر امتناع الزيادة في مرحلة التقدير والتهندس (1)، فالقاعدة تخص بالنقيصة، ويخرج القواطع والموانع لكونها راجعة إلى الفرد في الاعتبار، وإلى الوجود لحاظا. ومما يؤيد ذلك: ما في ذيله أن القراءة سنة، والتشهد سنة فإنه ظاهر في أن وجودهما سنة، وتركهما لا ينقض الفريضة. وأما الزيادة المسانخة، فلا يعقل شمول تلك الالفاظ لها، كما مر. نعم، قضية ما في بعض النسخ فلا تنقض السنة الفريضة أن كل


1 - تحريرات في الاصول 8: 116 - 118.

[ 50 ]

شئ كان في الصلاة سنة، وجوديا كان أو عدميا، لا يورث بطلان الخمسة، وجميع الزيادات والقواطع والموانع ترجع إلى اشتراط العدم في مرحلة التقدير، فيكون الركوع الثاني والسجدتان من الثانية غير مبطلة، لرجوع الامر إلى اشتراط الصلاة بعدمهما، وهو من السنة، فالزيادة وإن لم تكن بما هي زيادة مورد القاعدة، إلا أن الصلاة لا تعاد بها، لرجوع عدمها إلى الشرطية، وهي سنة ولا تنقض السنة الفريضة. ويتوجه إليه: أن المحرر في محله إمكان تصور الزيادة والقاطع والمانع (1)، ولا حاجة إلى رجوع أدلتها عن ظاهرها، فعلى هذا ما في ذيلها كنفسها في عدم دلالتها على صحة الصلاة بالزيادة. ومما تحرر تبين: أن من الممكن، الالتزام باختصاصها بالنقيصة، إلا أن جميع الزيادات ترجع إلى النقيصة عقلا، حسب التحارير المختلفة التي كلها باطلة، وقد مر بعضها في ما لخصناه. مع أنه بحسب منهم العرف والعقل يستند النقيصة بطرو الزيادة ن فلا يلزم من المقالة المذكورة تخلص قائلها عن بعض معارضات القاعدة، كما يأتي إن شاء الله تعالى بخلاف مقالتنا، فإنها لا تعارض قوله (عليه السلام): من زاد في صلاته فعليه الاعادة (2). ولعمري، إن مع قطع النظر عن التدقيق المذكور الحقيق بالتصديق،


1 - تحريرات في الاصول 8: 86 و 117. 2 - الكافي 3: 355 / 5، تهذيب الاحكام 2: 194 / 764، وسائل الشيعة 8: 231، كتاب الصلاة، أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الباب 19، الحديث 2.

[ 51 ]

لا ينتقل إلى ذهن العرف إلا تعرضها للنقيصة، ولاسيما بعد مراعاة ما في ذيلها: أن التشهد سنة، والقراءة سنة، والتكبير سنة فليلاحظ جدا. الجهة الخامسة: حول معارضات القاعدة المذكورة وهي بين ما يكون عاما وخاصا: القسم الاول: المعارضات الخاصة مثل ما ورد في الكتب الثلاثة في الصحيح، عن أبي بصير، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): من زاد في صلاته فعليه الاعادة (1) وحيث أن المحرر عندنا اختصاص لا تعاد بالنقيصة فلا معارضة بين الروايتين. في تصوير المعارضة بين لا تعاد ومن زاد حتى بناء على المختار ثم إنه غير خفي: أن لا تعاد وإن كان مخصوصا بالنقيصة، ولكن من الممكن أن يكون من الاجزاء التحليلية بعض امور عدمية - حسب ما تحرر في محله، من إمكان اعتبارها في المركبات الاعتبارية (2) - فعند ذلك لو كانت السورة مشروطة بعدم القران، أو الركوع بعدم الركوع الثاني،


1 - الكافي 3: 355 / 5، تهذيب الاحكام 2: 194 / 764، الاستبصار 1: 376 / 1429، وسائل الشيعة 8: 231، كتاب الصلاة، أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الباب 19، الحديث 2. 2 - تحريرات في الاصول 8: 85.

[ 52 ]

حسب الادلة، يلزم من نقصان الشرط الزيادة في الصلاة، فإنه لا يعقل الاخلال بالنقيصة إلا بالزيادة في الصلاة، وعندئذ يلزم المعارضة، لان مقتضى لا تعاد الصحة بالنقيصة، ومقتضى من زاد في صلاته بطلانها بالسورة الثانية، ضرورة أن شرط وحدة السورة لا يخل به إلا بالزيادة في الصلاة، فلو كانت الزيادة في غير الصلاة، لا يلزم الاخلال بشرط السورة. في النسبة بين لا تعاد وحديث من زاد وعندئذ تكون النسبة بين الحديثين عموم من وجه، لشمول لا تعاد لصورة ترك القراءة، ولصورة ترك السورة، ولشمول من زاد لصورة ازدياد القراءة، وازدياد السورة، ومورد اختلافهما في الصحة والبطلان صورة ازدياد السورة، لاشتراطها بعدم السورة الاخرى كما اشير إليه، وهذا التقريب قد خفي على الاعلام كلهم حسب ما يظهر لي. وهناك تقريب آخر لكون النسبة عموما من وجه، وهو: إن إطلاق لا تعاد لا يشمل العمد، ويشمل الجهالة والسهو من الزيادة، وإطلاق من زاد يشمل العمد من الزيادة والجهل والنسيان، فلو زاد القراءة في الصلاة أو شيئا آخر كالتكتف وغيره عن جهالة، تكون الصلاة باطلة بمقتضى من زاد، وصحيحة بمقتضى لا تعاد بناء على كون لا تعاد أعم من الزيادة والنقيصة، كما هو المعروف بينهم. وإ ليك ثالث التقاريب وهو: إن جملة المستثنى منه والمستثنى

[ 53 ]

واحدة بحسب الظهور المستقر الحجة، فإذا كانت جملة المستثنى مخصوصة بالنقيصة، نظرا إلى ظهور الامور الوجودية في الترك، لا الزيادة، وإلى الثلاثة الصالحة لكونها قرينة في خصوص المستثنى دون المستثنى منه، لان كون الاستثناء مفرغا يوجب أعمية المستثنى منه، كما لا يخفى، فتلزم المعارضة بين الحديثين الشريفين، لان في نقيصه المستثنى تختص قاعدة لا تعاد وفي الزيادة العمدية تختص جملة من زاد وفي الزيادة غير العمدية من المستثنى منه يتعارضان. وإ ليك بيان رابع للمعارضة على التباين، ضرورة أن الاصل الاولي في باب النقصان، هو البطلان، فبحسب الطبع - مع عدم الادلة الخاصة - حمل لا تعاد على الزيادة أولى من القول بالاعم، فضلا عن القول باختصاصها بالنقيصة، وفي من زاد لابد من الالتزام باختصاصه بالزيادة، فيتباينان ويتعارضان بالتباين، فإلى هنا يتعين صرف الكلام لحل مشكلة المقام، والجمع بين الكلام دلاليا عرفيا، أو العلاج والترجيح، أو التساقط. حول ما يتوهم من عدم تمامية سند حديث من زاد ورده وربما يتوهم عدم تمامية سند من زاد لوجود أبي بصير المشترك، فيه، وقد تعرض أصحاب الفن لخصوص أبي بصير، وصنفوا فيه الرسائل، والقضية طويلة الذيل، ولكن عندنا حسب ما حررناه يشترك بين الثقاة بالنص أو بالامارات العامة، ولا ينبغي الخلط بينه وبين أبي نصر، وأبي

[ 54 ]

نصير، وأبي بصيرة، وبين من لا يكون في طبقتهم كجماعة من الصحابة. الكلام في دلالة حديث من زاد هذا مع أن خبر الكافي الصحيح، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: إذا استيقن أنه قد زاد في صلاته المكتوبة ركعة لم يعتد بها، واستقبل الصلاة استقبالا إذا كان استيقن يقينا (1) وإن كان مخصوصا بالركعة، فلا يلزم تعارضه مع القاعدة إلا على الوجه الثالث كما لا يخفى، بناء على اشتماله على كلمة الركعة، ولكن في نسخ التهذيب والاستبصار والوافي والبحار (2) لا توجد كلمة ركعة، وفي مورد معارضة إصالة عدم الزيادة والنقيصة يترجح أصل عدم النقيصة على وجه يستقر عليه العرف، فلا شبهة في وجود المعارض العام لقاعدة لا تعاد. في بيان وجهين لعدم المعارضة بين الحديث المذكور والقاعدة اللهم إلا أن يقال: بتعارض الروايتين - أي: النسختين - لامكان صدورهما، فلا معارض للقاعدة، أو يقال: أن إصالة عدم النقيصة ليس بأرجح، ولا سيما من الكافي وجامع الاحاديث (3) فلا معارض لها.


1 - الكافي 3: 348 / 3. 2 - تهذيب الاحكام 2: 194 / 763، الاستبصار 1: 376 / 1428، الوافي 8: 964 / 25، الباب 135، السهو في أعداد الركعات، ولاحظ بحار الانوار 88: 201 / 27. 3 - الكافي 3: 348 / 3، جامع أحاديث الشيعة 6: 314، كتاب الصلاة، أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الباب 18، الحديث 2.

[ 55 ]

وفيه: إنه كما يتعارض الخاصان، يعارض الخاص ويخالف العام في عرض واحد، فتنقلب النسبة، والمهم أن اختلاف النسخ لا يندرج في اختلاف الخبرين المتعارضين. والانصاف أن الخبر المذكور ليس من جملة المعارضات العامة، مع أن قوله: ركعة لا مفهوم له، وليس بصدد التحديد. معارضة معتبر ابن بكير لحديث لا تعاد ومما يمكن أن يعارض لا تعاد بنحو العموم المؤيد كما مر، معتبر ابن بكير عن زرادة، عن أحدهما (عليهما السلام)، قال: لا تقرأ في المكتوبة بشئ من العزائم، فإن السجود زيادة في المكتوبة (1) فإن مقتضى التعليل أن الزيادة في المكتوبة توجب بطلانها، والتعليل يشهد على أنها يعد من الزيادة، فتكونان موجبتين. تلخيص: في تحقيق المسألة وكون الزيادة والنقيصة توجب البطلان مقتضى التحقيق: أن الصلاة من الماهيات المحدودة شرعا، على وجه حررناه في محله، ومعناه: أن الزيادة في المكتوبة توجب خروجها عن كونها مصداق ما يمتثل به، وإن كانت مصداق الصلاة لغة، فالزيادة


1 - الكافي 3: 318 / 6، تهذيب الاحكام 2: 96 / 361، وسائل الشيعة 6: 105، كتاب الصلاة، أبواب القراءة في الصلاة، الباب 40، الحديث 1.

[ 56 ]

والنقيصة توجب البطلان. أما الزيادة، فكما اشير إليه تحصل في موارد الاجزاء المسانخة قهرا جزء، كما في الاذكار، ومجرد عدم قصد كونها من الصلاة لا يوجب عدم لحوقها بالمصداق، كما في الاذكار وما يناجي العبد به ربه. ويؤيد ذلك: ما ورد أنها من الصلاة، من غير كونها بصدد التعبد. والتعليل في الرواية الاخيرة، فإنه لا معنى له إلا في صورة موافقة العقل والعرف، والتفصيل في مقابل العامة بما لا يكون زيادة واقعا، قبيح. وغير خفي: أن تحديد ماهية الصلاة بما أنها مأمور بها، غير تحديدها بما أنها مصداق للاعم، ومقتضى التحديد المذكور خروجها عما هو المأمور به عرفا، أو يرجع التحديد إلى إفادة المفهوم المعتبر، الراجع إلى اشتراط التوا لي بين الاجزاء، واشتراط عدم الزائد - على وجه تكون الزيادة على أي نحو اتفق - موجبة للبطلان ولعدم الامتثال، كما في معاجين الاطباء. بقي شئ: في كون الزيادة تتلون بلون الصلاة إن الزيادة تتلون بلون الصلاة بحسب اللحوق بالمصداق، في صورة كونها من سنخها، سواء كان ذكرا أو ركوعا أو سجدة أو قنوتا، وسواء كان عن عمد أو جهل أو نسيان، وسواء كان ركعة أو صلاة. نعم، في أمثال التكتف لا مثل آمين يلزم قصد الصلاتية والاتيان بلون الصلاة، من غير دخالة قصد الجزئية، كما لا يعتبر قصد الجزئية في

[ 57 ]

الاجزاء الواجبة لو لم نقل بأنه مضر بصحته، فإن الصلاة حقيقة اعتبارية متدرجة الوجود، من غير دخالة الزائد على قصد الصلاة حين كونه آتيا به بعنوانها. نعم، في الامور المسانخة تتلون بلون الصلاة إذا كان يأتي بالصلاة حين الاتيان به، وفي غير المسانخة لا يعقل أن يعد من لواحق المصداق، ومن موجبات كماله وإن أمكن التشريع، مع أنه تمنع بحسب القصد والبناء الجدي، لا متناع حصوله مع الشك، فضلا عما إذا كان عالما بأنه ليس منها، وتحريره في الاصول. صور إمكان الجمع بين حديث لا تعاد ومن زاد إذا عرفت المعارضة البدوية فيمكن الجمع بين الحديثين: تارة: من ناحية أن لا تعاد مخصوصة بالنقيصة، كما عرفت منا، ومن زاد بالزيادة العمدية، حسب ما عرفت، من إمكانها بحسب المصداق، وتوهم أنه ولو كانت الزيادة العمدية ممكنة ومبطلة، ولكن لا معنى لان يزداد العامد القاصد للعبادة ما يبطل صلاته. اللهم إلا أن يقال: أن الزيادة العمدية كانت غير مبطلة في الاجزاء المسانخة، أو مطلقا، بحسب الطبع، فتكون الرواية دالة على إبطالها، فتردع الامة الاسلامية عن الزيادة العمدية، وبعد ذلك صارت قليلة الوجود. وبالجملة: أن مقتضى ما عرفت أن الزيادة كالنقيصة في الابطال،

[ 58 ]

حسب القاعدة، ولعل الحديث ناشئ عن مقتضى القاعدة، وليس تأسيسا، كما ليس لا تعاد بالنسبة إلى المستثنى تأسيسا، فلا معارضة بينهما، سواء قلنا باختصاص لا تعاد بالنقيصة أو قلنا بأنه الاعم كما وكيفا: واخرى: بأنها للاعم من العمدية وغير العمدية، والسنخية وغير السنخية، إلا أنها مخصوصة بالركعة، نظرا إلى أن الزيادة في الصلاة لابد وأن تكون صلاة، وهي لا تتحقق إلا مع الركعة، ولا يتصور في الثلاث من مستثنى القاعدة. نعم، لو زاد سجدة أو سجدتين أو ركوعا، لا تبطل الصلاة، لان المراد من الركعة مجموع الركوع والسجدتين، ويشبه ذلك من الزيادة في الكم المتصل والمنفصل، ونظرا إلى الاخبار الكثيرة المخصوصة بالركعة الزائدة، فلو كانت قاعدة لا تعاد أعم يمكن الجمع بينهما. توضيح: المراد من الزيادة أقول: قد تحرر في كلمة الزيادة أنها لازمة ومتعدية (1)، ويستظهر من النحو أنها تتعدى إلى اثنين مثل قوله زاد الله زيدا رزقه ولا يخفى ما فيه، ولكن في اللغة والاستعمال زاد زيد بمعنى نما وزاد في الشئ تكلف الزيادة فيه، والزيادة: ما يزاد أو يزيد، زيادة الكبد زائدته (2).


1 - صحاح اللغة 2: 481، المصباح المنير 1: 309، أقرب الموارد 1: 483، المنجد: 314. 2 - المنجد: 314.

[ 59 ]

وبالجملة: يقال له الاصبع الزائد، وزاد الله شيئا في الانسان أو في ابن زيد من غير أن يلزم صدق الانسان على ما يزداد فيه. وثالثة: أن حديث من زاد في صلاته مجمل، لاحتمال كون المعنون عنوان الصلاة، أو الركعة، أو الشئ، وحمله على مفهوم الشئ غير موجه، بعد وجود الاخبار الكثيرة الناطقة بزيادة الركعة، فلو لا تلك الاخبار، يمكن دعوى انصرافه إلى عنوان الشئ والمفهوم العام، نظرا إلى حذف المفعول به، ولكنه يلزم الاجمال، فلا معارض لحديث لا تعاد من هذه الناحية ولو قلنا بأنه الاعم من الزبادة والنقيصة. ورابعة: بأن حديث لا تعاد مخصوص بالنسيان، نظرا إلى انصرافه عن العمد، وامتناع شموله للجهل، ولنسيان الجزئية، ولمساعدة الاعتبار، وكثرة الابتلاء، وحديث من زاد أعم من العمد والجهل والنسيان فيقيد ب‍ " لا تعاد " بعد اتفاقهما في المستثنى، فيلزم التوفيق بينهما. وقد أفتى المشهور بمبطلية الزيادة العمدية والجهلية، ومجرد إمكان الفرار عن إمتناع الدور، لا يكفي، بعد وجود الاجماع على اشتراك الناس في الاحكام الفعلية، وأنهم على نعت واحد، ولو قيل بصحة الزيادة الجهلية بالنسبة إلى الاجزاء الندبية (1)، فهو لخروجها عن عنوانها أي: لعدم كونها من الزيادة، كما لا يخفى.


1 - مستند العروة الوثقى 6: 34.

[ 60 ]

تذنيب: في القول بحكومة لا تعاد على من زاد ربما ينسب (1) إلى الشيخ الاعظم وبعض أتباعه (قدس سرهم) (2) حكومة لا تعاد على من زاد، وفيه خلاف واضح. نعم، يمكن دعوى أن لا تعاد بالاطلاق الاحوا لي يشمل الزيادة، ومن زاد بالعنوان اللفظي متعرض للزيادة، فالثاني في مورد الزيادة أقوى ظهورا من الاول، فلو زاد في صلاته فعليه الاعادة على جميع التقادير، ويقيد به لا تعاد بناء على شموله الزيادة. وغير خفي: أنه على ما حررناه من: أن في جميع موارد مبطلية الزيادة يرجع الامر إلى اختلال الصلاة بالنقيصة، لاشتراطها بعدمها (3)، فيكون من زاد أخص من لا تعاد لاشتماله لترك الامر الوجودي والامر العدمي، فيقيد به، وتصير النتيجة: أنه في صورة الزيادة المستلزمة للنقيصة تكون الصلاة باطلة فقط. بيان الحق في المسألة والذي هو التحقيق: هو الوجه الاول، فإنه لا يفهم من لا تعاد إلا صحة الصلاة عند الترك، ولا يستفاد من من زاد إلا بطلانها عند الزيادة


1 - فرائد الاصول 2: 495. 2 - فوائد الاصول 4: 238، تهذيب الاصول 2: 387. 3 - تحريرات في الاصول 8: 116 - 118.

[ 61 ]

العرفية، والمراد من الزيادة هي الزيادة التي ليست من الصلاة ولواحقها، كما لو كان يزداد جهلا التكتف وغيره، أو نسيانا، أو زاد مثلهما عمدا، وأما الزيادة المسانخة، فإذا كانت عن تشريع، فهي وإن كانت موجبة للبطلان، حسب القاعدة عندنا، توجب البطلان، حسب الحديث أيضا، ولو كانت مسانخة، لانها ليست مما يناجي به ربه (1)، بل ولو كان جزء مستحبا، كما أفتى به جمع (2). ولو امتنع التشريع مع الالتفات، لا يمتنع حال الجهل والنسيان، فتكون الصلاة باطلة، بل لو أتى بشئ لان يعتقد الناظر أنه من الصلاة، يعد تشريعا، حسب الاطلاق العرفي، وإن لم يمكن بحسب القصد والنية من التشريع، فافهم. تذييل: حكومة حديث الرفع على حديث لا تعاد ومن زاد مقتضى حديث الرفع، أن النقيصة والزيادة، جهلا ونسيانا واضطرارا وإكراها، في موارد بطلان الصلاة بهما، لا توجبان بطلانها، ويكون الحديث حاكما على لا تعاد في المستثنى، ومن زاد وهكذا على ذيل قاعدة لا تعاد بناء على استفادة نقض الفريضة، بالفريضة منها، وفي ذلك منة على


1 - قال أبو جعفر الثاني (عليه السلام): لا بأس أن يتكلم الرجل في صلاة الفريضة بكل شئ يناجي به ربه عز وجل، وسائل الشيعة 6: 289، كتاب الصلاة، أبواب القنوت، الباب 19، الحديث 2. 2 - العروة الوثقى 2: 4 فصل في الخلل الواقع في الصلاة، المسألة 4.

[ 62 ]

العباد بالضرورة. مناقشات في جريان حديث الرفع وحلها وقد يتوجه إليه - كما حررناه -: أن الاضطرار إلى الترك لا معنى له، بل الاضطرار إلى ترك السورة، والركوع في آخر الوقت، يرجع إلى الاضطرار إلى الماهية الناقصة، أو إلى أن يأتي بوظيفته، وهي صلاته بدون الركوع، وهذا غير الاضطرار إلى تركه (1)، هذا أولا. وثانيا: إن الاكراه والاضطرار ونسيان ذات السورة، لا أثر له شرعا، بل بطلان المركب بالنقيصة حكم العقلاء ودرك العقل، بخلاف نسيان جزئية السورة، كما اشير إليه، وتفصيله في الاصول (2). وشمول إطلاق الحديث لمثل الاكراه على الترك، أو نسيان ذات السورة، أو الاضطرار - على تقدير صحته - لا يكفي لعدم لزوم الفرار عن اللغوية في مثل هذا الاطلاق، كما تحرر، وهكذا العموم. وأما الجهالة التقصيرية، فهي كالعمد، لرجوع جريان الحديث فيها إلى جريانه قبل الفحص، أو التعلم بالتقليد، وهو عندئذ ممنوع. نعم، الزيادة الاضطرارية والاكراهية والجهلية القصورية، سواء استلزمت النقيصة أو لم تستلزم، فهي مورد الحديث ومرفوعة بحسب الاستعمال، إلا أنه في موارد استلزامها النقيصة، بالنسبة إلى الاكراه


1 - تحريرات في الاصول 8: 135 - 136. 2 - تحريرات في الاصول 7: 117.

[ 63 ]

والاضطرار، لا يجري على وجه يفيد الصحة من ناحيه النقصان، لانه لا أثر له شرعا، مع أنه مثبت، وبالنسبة إلى الجهالة لا يلزم شئ، لجريانه مستقلا بالنسبة إلى الزيادة، وإلى النقيصة اللازمة منها، لانه من لا يدري اشتراط ركوع الصلاة بعدم الركوع الثاني، لا يدري أن الركوع الثاني زيادة، فاغتنم. بقي شئ: في مقتضى النصوص في صورة الزيادة وهو أن هذا مقتضى القاعدة، فلو اقتضت النصوص الخاصة (1)، أو الاجماع والشهرة (2)، وجوب الاعادة، بزيادة الركوع على أي وجه، فهو أمر آخر - مع أن اشتراطه بعدم الثاني من السنة والسنة لا تنقض الفريضة فلا تغفل -. وهكذا في موارد نقص الصلاة بركوع. وأما توهم: أن الصلاة ماهية متقومة بالركوع والسجدة، ففيه: أنها ماهية تعتبر مشككة، فإن الصلاة ذات الركعة الواحدة، كالوتر فهي بلا ركوع، ربما يشكل صدق الصلاة عليها، وأما إذا كانت ذات أربع ركعات، فنقصان ركوع من ركعة، لا يضر بصدق الطبيعة عرفا، ولا دليل شرعا على أن الركوع مقوم للماهية أو زيادته هادم للماهية بالضرورة، بل ليس هو دأب الشرع إلا بحسب الاثار، فإن من غمر في أخبار كتاب الصلاة، وخرج عن


1 - وسائل الشيعة 6: 319، كتاب الصلاة، أبواب الركوع، الباب 4. 2 - مجمع الفائدة والبرهان 3: 81، جواهر الكلام 12: 261، مستند العروة الوثقى 6: 49، مستمسك العروة الوثقى 7: 393.

[ 64 ]

سيرة الناس، وفتوى العلماء، يرى أن الصلاة لها المراتب المطلوبة النفسية، وتكون كالاقل والاكثر الاستقلالي، مع أنه خلاف ضرورة المذهب جدا. بيان مقتضى حديث لا تعاد وحكومة من زاد على لا تعاد في بعض الموارد فبالجملة: تحصل لحد الان، أن قضية لا تعاد ليس إلا بطلان الصلاة بنقصان الخمسة، وأيضا يحدد به إطلاق أدلة الاجزاء. وفي موارد الزيادة المستلزمة للنقيصة، حسب ما عرفت، يكون من زاد مقدما على لا تعاد دون غيرها، لاختصاص لا تعاد بها، ولا يجري من زاد - ولو كانت النسبة بينهما على وجه عموم من وجه - فإن من زاد في مورد الزيادة أقوى من لا تعاد لان الاول بالدلالة الوضعية، والثاني بالاستظهار العرفي التعليقي. في تقديم حديث الرفع على غيره وأما حديث الرفع، فمقتضى لسانه، تقدمه في كل مورد يجتمع فيه شرائط جريانه، حتى في نقصان الركوع عن نسيان وجهل قصوري، أو زيادة ركعة عن جهالة. إن قلت: لا يلزم من جريان الحديث بالنسبة إلى نقصان إحدى الخمسة إشكال، لان ترك الخمسة بالاكراه والاضطرار لا أثر له، وهكذا

[ 65 ]

الترك عن جهالة تقصيرية ليس مورد اشتراط جريانه، كما اشير إليه، فيبقى تركها نسيانا أو جهلا قاصرا، والالتزام بالصحة، كما مر، لا بأس بها، مع قطع النظر عن الادلة الخاصة. وتوهم: أن لازم جريانه عدم وجود مورد من الخمسة، لحديث لا تعاد ممنوع، كما هو واضح. وأما بالنسبة إلى حديث من زاد فيستلزم استيعاب لا تعاد لان الزيادة الاضطرارية والاكراهية والجهلية والنسيانية، توجب في صورة الرفع، حمل من زاد على العمد والجهل التقصيري، وعندئذ يلزم الاستهجان، فينقلب إلى العلم الاجمالي بعدم جريان بعض فقراته، حذرا عن الاستهجان، مع العلم بوجود المخصص بالنسبة إلى من زاد بحسب الواقع بدون معين له إثباتا. أو يقال بحصول المعارضة بالعرض بين فقراته، وبينها وبين من زاد بعد ذلك، معارضة غير قابلة العلاج، وتصير النتيجة بعدها سقوطه عن قابلية المرجعية، إلا في صورة العمد والجهالة التقصيرية. قلت: أولا: التخصيص المتسهجن غير الحكومة المستهجنة، وهكذا الاباء عن التخصيص صحيح، بخلاف الاباء عن الحكومة، فإنه ليس شئ آبيا عن التخصيص مثل ما ورد في حكم حرمة الربا، وهو قوله تعالى: (فأذنوا بحرب من الله...) (1) إلا أنه ورد بلسان الحكومة، في موارد


1 - البقرة (2): 279.

[ 66 ]

كثيرة، نفي الموضوع، كقوله (عليه السلام): لا ربا بين الولد والوالد (1) وهكذا. وثانيا: كما لا معين له إثباتا، لا وجه للعلم الاجمالي بوجود حكومة إحدى الفقرات ثبوتا، فإنه يحتمل عدم حكومة المجموع، لاجل خفاء شئ عنا، فعند ذلك يبقى إصالة عموم من زاد محفوظا، ولا يسقط عن المرجعية. وثالثا: الزيادة العمدية عن تقية نادرة، وعن جهالة تقصيرية كثيرة جدا، هذا مع أن نسيان ذات الزائد والزيادة غير نسيان مبطلية الزيادة، ولا يجري الحديث عندنا بالنسبة إلى الاول، دون الثاني، خلافا للمعروف، فعلى كل لا بأس بتحكيم الحديث الشريف على من زاد. تتميم: في بيان مقتضى حديث لا تعاد ومن زاد وأمثاله فيما إذا كانت الزيادة ركعة أو أقل منها قضية من زاد حسب الاطلاق، بطلان الصلاة، ركعة كانت الزيادة أو أقل، وهكذا موثقة ابن بكير المتقدمة - على بعض لنسخ - (2) وأمثالهما، ومقتضى لا تعاد صحة الصلاة بالنقصان، إلا في الخمسة، على ما هو المختار، بعد الجمع بينهما في الزيادة المستلزمة للنقيصة، حسب ما حررناه.


1 - الكافي 5: 147 / 1، الفقيه 3: 176 / 791، تهذيب الاحكام 7: 18 / 76، وسائل الشيعة 18: 135، كتاب التجارة، أبواب الربا، الباب 7، الحديث 1. 2 - الكافي 3: 354 / 2، تهذيب الاحكام 2: 194 / 763.

[ 67 ]

وإنما الاشكال في مرسلة ابن أبي عمير، عن سفيان بن السمط، عن أبي عبد الله (عليه السلام) - على ما في الوسائل - قال: تسجد سجدتي السهو في كل زيادة تدخل عليك أو نقصان (1). وفي الوافي: ومن ترك سجدة فقد نقص (2) فإن لازم ذلك صحة الصلاة في صورة الزيادة على الاطلاق، وهكذا النقيصة ولو كانت من الخمسة. واحتمال اختصاصه بالسهو قوي، إلا أن كثرة استعماله في التردد والشك، يوجب إمكان إطلاقه على النقصان والزيادة عن التردد والشك، فإن من شك بين الاربع والخمس يسجد سجدتي السهو، ولا يبعد كون سجدتي السهو اسما للمرغمتين، فلا يدل على أن النقصان أو الزيادة، عن سهو أو شك، بل يشمل النسيان والعمد وغير ذلك. ومن القريب أن هذا غير مربوط بالصلاة، بل في كافة الامور إذا تدخل الشيطان، فسهى الانسان، سجد سجدتي السهو، ومجرد ذكره في باب مواضع سجدتي السهو لا يكفي، مع أن الاعتبار يساعد الاطلاق جدا. نعم ما في الوافي ربما يوجب احتمال تعينه في الصلاة، وإلا فيحتمل كونه توضيحا لاحد موارد سجدتي السهو، فالخبر سندا ودلالة محل المناقشة.


1 - وسائل الشيعة 8: 251، كتاب الصلاة، أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الباب 32، الحديث 3. 2 - الوافي 8: 992، كتاب الصلاة، أبواب ما يعرض للمصلي، الباب 139، الحديث 6.

[ 68 ]

اللهم إلا أن يقال: إن سفيان لم يوثق، ولم يذكر في الاصول الخمسة تضعيفه، ولكن على وثاقته بعض الامارات العامة، مع أن المرسل ابن أبي عمير، ولا بأس في دلالته، لظهوره في الصلاة. وفي دلالته مناقشات مرفوعة، كمناقشة أن وجوب سجدتي السهو يناسب بطلان الصلاة وصحتها، والملازمة ممنوعة، ولكنه خلاف المتفاهم منه. وعندئذ تصل النوبة - بعد الغمض - إلى الجمع بينه وبين لا تعاد تارة، وإ لى الجمع بينه وبين من زاد اخرى. أما الاول، فعلى ما هو المختار في لا تعاد تقع المعارضة، تارة في الزيادة المستلزمة للنقيصة، واخرى في النقيصة. أما الكلام في الجانب الاول: فخبر سفيان ولا تعاد متحدان في إفادة الصحة، حتى في زيادة الركوع المخل بوحدته، وباشتراط عدم الركوع الثاني، لان ذلك داخل في المستثنى منه، وفي السنة التي لا تنقض الفريضة. وفي الجانب الثاني - وهي النقيصة - فمقتضى لا تعاد بطلانها بترك الركوع، خلافا له، إلا أنه أخص منه. وأما التعرض بالنسبة إلى الاحوال، العمد والجهل، والنسيان، والغفلة، فهو لا يرجع إلى محصل، لعدم شمولهما للعمد، ولشمولهما لسائر الاحوال، حسب مناسبة الحكم والموضوع، نعم إن كان يتعرض الخبر لخصوص حال، فإنه يؤخذ به كما لا يخفى. وعندئذ يمكن أن تكون النسبة بين لا تعاد والمرسلة، عموما من

[ 69 ]

وجه، من جهة أعمية المرسلة بالنسبة إلى الاركان في النقيصة، وأعمية لا تعاد من جهة الاحوال السهوية وغيرها. أما الثاني: تكون النسبة بين من زاد والمرسلة، عموما وخصوصا مطلقا وتكون النسبة بين لا تعاد ومن زاد أيضا عموما وخصوصا مطلقا، حسب ما مر، فهناك ثلاث نسب قابلة للجمع، وذلك لان المرسلة مقدمة على لا تعاد لدلالتها الوضعية على أن ترك الركوع سهوا، لا يوجب البطلان، والمراد من الدلالة الوضعية، هو أن مقدمات الاطلاق في المرسلة، توجب تعرض المرسلة لترك الركوع سهوا، حسب فهم العرف كما عرفت. فلولا الادلة الخاصة، كان الجمع المذكور متعينا. كما أنه كان يقدم من زاد على لا تعاد لتعرض لعنوان الزيادة وضعا، بخلاف لا تعاد فإنه بالاطلاق يكشف عن سريان الحكم، وتمامية الموضوع، فاغتنم. في تقديم معتبر زرارة وموثق ابن بكير والمرسلة على لا تعاد فالمحصول: أن كل واحد من معتبر زرارة وموثق ابن بكير والمرسلة، مقدم على لا تعاد سواء كانت النسبه عموما من وجه، أو مطلقا، لان تلك القواعد متعرضة بالوضع لحال من أحوال لا تعاد الثابتة بالاطلاق، وهي الزيادة والاستيقان والسهو، وحديث لا تعاد في هذا التقريب أضعف دلالة، أو معلق إطلاقه. وأما النسبة بين تلك المخصصات فهي إما إجابيين بالاعم والاخص،

[ 70 ]

أو الاعم والاخص، فيجمع بالتخصيص، مثل من زاد والمرسلة، فبحمد الله وله الشكر لا تهافت بين الاخبار، بعد الفراغ عن صحة صدورها، على ما عرفت. ختام: في ذكر بعض التوهمات والرد عليها قد تعرضنا لحدود لا تعاد وشموله للاثناء، وللشرائط الوجودية والعدمية، وأنه لو تذكر في السورة، أنه ترك القراءة، لا يعيد، لانه يعد من إعادة الصلاة إذا أتى بالسورة، ولو أتى بها بدونها، فلا يعد من إعادة الصلاة (1). وتوهم: أن الاعادة ظاهرة بما بعد العمل، أو أن السورة ليست صلاة (2)، فجوابه غير خفي على أهله وأرباب فنه. وهكذا لو تذكر في أثناء الصلاة نقصانها، من حيث الشرط، سواء كان شرطا مستمر الوجود إلى آخرها، أو شرطا لبعض أجزائها، وسواء أمكن التدارك أم لم يمكن - كما لو دخل في الركن - هذا ولكن بل مع قطع النظر عن الاخبار الخاصة لا شئ إلا ويمكن تداركه، ضرورة أنه لو تذكر ترك القراءة في الركوع، يمكن تداركه فيه أو بعده، ويسقط الترتيب، مع أن زيادة الركوع من السنة، وهي لا تنقض الفريضة.


1 - رسالة في قاعدة لا تعاد، للمؤلف (قدس سره) (مفقودة). 2 - انظر الصلاة، المحقق الحائري: 319، والصلاة (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 195 - 196.

[ 71 ]

اللهم إلا أن يقال: إنه داخل في من زاد المخصص ل‍ " لا تعاد " حسب ما عرفت، فيتعين الوجه الاول. إفاضة: بيان بطلان الصلاة لحكومة أدلة الاجزاء والشرائط مقتضى عكس نقيض أن السنة لا تنقض الفريضة أن ما ينقض الفريضة، ليس من السنة. ثم إن القضايا المشتملة على مثل هذا الحصر، آبية عن التقييد، بحسب الفهم العرفي التقييد، دون الحكومة. وقد تحرر في الفقه بطلان الصلاة بنقصان تكبيرة الافتتاح، والقيام المتصل بالركوع، ونقصان قصد الخصوصية المنوعة، كالظهرية والعصرية وهكذا، ونقصان القربة والخلوص، ونسيان نجاسة الثوب والستر، وفي أخبار الافتتاحية ورد أنه لا صلاة بغير افتتاح (1) فيكون حاكما على لا تعاد وفي القيام المذكور ورد: لا صلاة لمن لم يقم صلبه (2) مع احتمال أن ترك القيام يوجب المناقشة في صدق الركوع، فلازمه نقص الركوع. وأما بالنسبة إلى قصد تلك الخصوصيات، فالتحقيق: إن لا تعاد الصلاة ليس مفاده أن الصلاة بما هي هي مورد الامر، كما حررناه في تلك


1 - تهذيب الاحكام 2: 353 / 1466، وسائل الشيعة 6: 14، كتاب الصلاة، أبواب تكبيرة الاحرام، الباب 2، الحديث 7. 2 - الكافي 3: 320 / 6، تهذيب الاحكام 2: 78 / 290، وسائل الشيعة 6: 321، كتاب الصلاة، أبواب الركوع، الباب 16، الحديث 2.

[ 72 ]

الرسالة (1)، بل إرشاد إلى الصلوات المأمور بها، وهي صلاة الظهر والعصر، وغير ذلك، من الخصوصيات المنوعة، فالبطلان في صورة الاخلال بقصد تلك الخصوصية، من قبيل الاخلال بعنوان الصلاة، فيكون خارجا عن لا تعاد تخصصا لا تقييدا، ولا حكومة. ولا يؤخذ بالاطلاق هنا من هذه الجهة، كما لا يؤخذ به، في قوله (عليه السلام): إذا اجتمعت عليك حقوق يجزيك غسل واحد (2) فإنه لا يكفي الغسل المقرون بالقربة، المفروغ عن كافة الخصوصيات المنوعة، كالجنابة، والجمعة، ومس الميت. ولو صح الاخذ به في هذه الرواية، لا يؤخذ به في لا تعاد بالضرورة، فالصلاة في لا تعاد إشارة إلى تلك الانواع المشتركة في الصورة، المختلفة في الخصوصية، والامر يتعدد بتعدد تلك الخصوصية، كما حرر في الاصول. وأما الكلام حول قصد القربة، فيأتي في المسائل الاتية، إن شاء الله تعالى. وأما لزوم الاعادة من جهة نسيان نجاسة الثوب، فهو لكونه من الطهور في المستثنى، بعد كونه مطلقا. وتوهم: أنه ليس من الطهور (3)، فهو غلط، لان قوله (عليه السلام): لا صلاة


1 - رسالة في قاعدة لا تعاد، للمؤلف (قدس سره) (مفقودة). 2 - الكافي 3: 41 / 1، تهذيب الاحكام 1: 107 / 279، وسائل الشيعة 2: 261، كتاب الطهارة، أبواب الجنابة، الباب 43، الحديث 1. 3 - الصلاة (تقريرات المحقق النائيني) الاملي 2: 422.

[ 73 ]

إلا بطهور وارد ذيل رواية النجاسة الخبثية (1). وأما إنكار إطلاق المستثنى (2)، فهو وإن كان غير بعيد في ذاته، إلا أن ذيله يؤيد الاطلاق، ويؤكده في المستثنى. هذا، على أنه مع قطع النظر عن الذيل، مقتضى الاصل العقلائي، ثبوت الاطلاق للمستثنى، ولا سيما بعد عد الخمسة. في مدلول صدر حديث لا تعاد وذيله بقي تنبيه وفيه إفادة وإعادة: إن مع الالتزام بصدور الذيل، فمقتضى عكس نقيض لا تعاد هو الحصر الموجب للاعادة، في الخمسة المذكورة، ومقتضى عكس نقيض الذيل، أن ما ينقض الفريضة ليس بسنة، كنقصان إحدى الخمسة مثلا، ولكن قضية هذه القواعد الملفوظة وغير الملفوظة، أن عكس نقيض الذيل هو الاصل وأساس القاعدة، وأن لا تعاد الصلاة من ناحية نقصان ساير الاجزاء إلا الخمسة، أخص من الذيل، والاعم وهو الاصل والاساس، لا الاخص. وعندئذ يشكل الجمع بين حصر موجبة النقض في الخمسة المذكورة، وبين أعمية القاعدة، بحسب الذيل، من جهة إمكان كون غير


1 - عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: لا صلاة إلا بطهور ويجزيك من الاستنجاء ثلاثة أحجار، بذلك جرت السنة من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأما البول فإنه لابد من غسله. تهذيب الاحكام 1: 49 / 144 و 209 / 605، وسائل الشيعة 1: 315، كتاب الطهارة، أبواب أحكام الخلوة، الباب 9، الحديث 1. 2 - كتاب الصلاة (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 204 و 205.

[ 74 ]

الخمسة ناقضا أيضا، لكونه ليس من السنة. اللهم إلا أن يقال: بإفادة القاعدة، حصر الناقضية، في تلك الخمسة واقعا، وإنما يجوز تحكيم دليل عليها، كما عرفت. فما ربما يقال: بعدم دلالة الذيل على إمكان ناقضية غير الخمسة، للاشكال المذكور، ممنوع. هذا، مع أنه يمكن أن يقال: بأن الخمسة معدودة مثالا واضحا للفريضة، للقاعدة المستفادة من الذيل، وهو: أن ما ينقض الفريضة ليس من السنة، كالطهور والقبلة والوقت والركوع والسجود، فإنها تنقض الفريضة، وليست من السنة، فالذيل يمنع عن إفادة الحصر في الخمسة، بحسب الناقضية، فليتأمل، فإنه حقيق به. ومن الجدير بالذكر، أن الامر يدور بين ظهور الصدر في الحصر في الخمسة، وبين إطلاق الذيل - كي يتمسك بعكس نقيضه المخالف للحصر، لبطلان الصلاة بغيرها - والانصاف: إن الترجيح مشكل، أو مع الصدر. وهناك وجه آخر، وهو أن قوله (عليه السلام) - على ما في بعض النسخ -: فلا تنقض السنة الفريضة إنشاء، لا إخبار عن أمر مطابق للاصل، أو عن أمر منشأ مخزون، كي يكون له النقيض وعكسه، فإن هذه القضايا مخصوصة بالقضايا الاخبارية.

[ 75 ]

تذييل: في المراد من الموانع وقواطع الصلاة قد تحرر في الاصول: أن المانعية والقاطعية، ترجعان إلى قيدية إعدامها في الفريضة (1)، نظرا إلى الامتناع المحرر هناك، إلا في بعض أقسام القواطع، كالقهقهة، والاكل الكثير الهادم لعنوان الصلاة، عرفا واقعا. وأما على فرض كونهما من منافيات وجود الصلاة خارجا، ومفاداته في الاعيان، فكلها خارجة عن القاعدة بالتخصص، لان الصلاة لا تعاد إلا من الخمسة ناظرة إلى مرحلة تقدير الماهية، وكيفية اعتبار أجزائها وشرائطها، ولا نظر لها إلى وجودها المهدوم بالقاطع والمانع، فإنه ليس بصلاة واقعا أو ادعاء، كما أوضحناه في محله. كما تكون جملة لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب (2) حاكمة عليها، بناء على دلالتها على دخالة الفاتحة في الاسم والعنوان، حينئذ من زاد في صلاته كما هو ظاهر. فلحد الان تحرر: أن الصلاه باطلة بنقصان الخمسة، دون غيرها، في جميع الاحوال على الاشبه، دون العمد، وأيضا هي باطلة بزيادة شئ فيها، بشرط تحقق الزيادة، كما يتحقق واقعا، على ما تحرر في الاصول (3)، إلا إذا


1 - تحريرات في الاصول 8: 86 - 89. 2 - عوالي اللالي 1: 196 / 2 و 2: 218 / 13، مستدرك الوسائل 4: 158، كتاب الصلاة، أبواب القراءة في الصلاة، الباب 1، الحديث 5 و 8. 3 - تحريرات في الاصول 8: 117 - 119.

[ 76 ]

كان مورد حديث الرفع، على التفصيل المذكور. وأما في موارد الزيادة اللازمة للنقيصة، كاشتراط الصلاة بعدم التكتف، فإنه لو تكتف، زاد ونقص، فيعيد ولا يعيد، وذكرنا أقوائية من زاد على لا تعاد ويقدم عليه، في صورة العموم من وجه. والنسبة بين من زاد وما يدل على زيادة الركعة، إيجاب فقط، ولا مفهوم له على وجه يعتد به، لاخبار زيادة الركعة، كي يقيد به إطلاق من زاد. وأما مرسلة سفيان (1) فلولا إعراضهم عن مفادها، كان لقلب النسبة بها وجه، وإن حررنا في الاصول: أن انقلاب النسبة غير صحيح، إلا في بعض الموارد، لوجود القرائن، فإنه لا دليل على لزوم الجمع على أي وجه أمكن. الزيادة على قسمين وبيان المبطلية منها بقي شئ، وهو: إن مقتضى طائفة من الاخبار أن الزيادة على قسمين، ضرورة أن الصلاة المشتملة على الاذكار الكثيرة، والادعية المختلفة، أقل من الكافلة الكاملة الجامعة للاذكار، والتشهد الكبير وغيره، فهي ذات الاجزاء الزائدة، دونها، وتلك الزيادة تسبب كمالها، فالزيادة باعتبار أنها من الماهية، موجبة لبطلانها، ولشمول من زاد. والزيادة اللاحقة للمصداق، مشمول رواية الحلبي كل ما ذكرت


1 - تقدم في الصفحة 67.

[ 77 ]

به الله تعالى والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فهو من الصلاة (1) وما يناجى به الرب من الصلاة (2)، فليس كل زيادة مبطلة، وميزان المبطل والمكمل ما اشير إليه، وهي خارجة عن من زاد فلو أتى بالاجزاء والاذكار والاوراد والادعية المستحبة، بعنوان الوجوب، أو أتى بها في خصوص ركعة وجوبا، أو ندبا خاصا، فمقتضى الصناعة هو البطلان، مع أن من زاد أقوى من تلك الاخبار، على الاشبه. القسم الثاني: حول الخلل المخصوص بالنص والدليل بجهة من الجهات، والمعارضات الخاصة للادلة العامة السابقة، ك‍ لا تعاد ومن زاد وغيرهما، والبحث هنا يتم طي مسائل:


1 - الكافي 3: 337 / 6، تهذيب الاحكام 2: 316 / 1293، وسائل الشيعة 7: 263، كتاب الصلاة، أبواب القواطع في الصلاة، الباب 13، الحديث 2. 2 - قال الصادق (عليه السلام): كل ما ناجيت به ربك في الصلاة فليس بكلام. الفقيه 1: 208 / 938، عوالي اللالي 2: 45 / 113، وسائل الشيعة 6: 289، كتاب الصلاة، أبواب القنوت، الباب 19، الحديث 4.

[ 79 ]

المسألة الاولى حول الخلل في النية إذا أخل بالنية، بأن أتى بجميع الشرائط والاجزاء متوالية متواصلة، غير ناو للصلاة جهلا، أو نسيانا، فربما يقال بالبطلان (1)، نظرا إلى أنه ليس بصلاة، فإنها أمر قصدي، ومجرد تعاقب التكبير إلى التسليم محفوفين بالاجزاء، لا يوجب صدق العنوان، فلا يسقط الامر. ولا يشمله لا تعاد ضرورة لزوم كون الخمسة، بعنوان الصلاة ول‍ " الصلاة " والركوع والسجود أيضا مورد الارادة الصلاتية، ومتلونين بلون الصلاه، كي يصح أن يقال لا تعاد الصلاة إلا من الخمسة ولو لم يعتبر ذلك في الشرائط، وقلنا بكفاية مجرد كونها في الوقت، متطهرا، وإلى القبلة، جاهلا بالشرطية، لكن يعتبر في الركوع والسجود.


1 - العروة الوثقى 2: 8، فصل في الخلل الواقع في الصلاة، المسألة 16، مستند العروة الوثقى 6: 70.

[ 80 ]

وتوهم: أن الصلاة ليست إلا هذين العملين الخارجين المتعاقبين، فاسد جدا، وتطبيق العرف الجاهل بالقصد، عنوان الصلاة على ما أتى به، لا يكفي، كما لا يخفى. في الاخلال بالعناوين المنوعة وهكذا الامر بالنسبة إلى العنوان المنوع، كالظهرية والعصرية وغيرهما، مما يتعلق الامر به، فإنه على الاخلال به في مجموع الصلاة، لا يمكن تطبيق عنوانها عليه، وإيجادها به، بعد كونهما قصديا. وعلى هذا، ربما ذهب أصحابنا أجمعون إلى البطلان، باعتقاد الركنية، وهو المذكور في القديم والجديد، إلا أن المسألة، حسب الظاهر معللة بأن النية ركن، أو لم يقل أحد بأنها ليست بركن، وهذا هو المحكي (1) عن التنقيح (2) إلى عصرنا هذا. ويخالفهم أن ما هو اللازم، هوا لركوع والسجود، وأما كونهما متلونين بلون الصلاة، فهو أمر آخر، فربما يقال: بحصوله قهرا، أو بعدم ركنيته، أو بأنه من السنة، ولا تنقض الفريضة، لاحتمال كون الصلاة المأمور بها هي الركوع والسجود، بعد كون الشروط الثلاثة موجودة، والنقيصة معفوة عند إتيانهما. ولكن هذا خلاف ما هو المرتكز عند العرف والمتشرعة، ومقايسة المركبات الاعتبارية والمؤلفات العرفية.


1 - جواهر الكلام 9: 154، مستمسك العروة الوثقى 7: 403. 2 - التنقيح الرائع 1: 192.

[ 81 ]

فرع: في كفاية النية في أثناء الصلاة لو تذكر قبل الدخول في الركوع، بعد ما كبر لا بعنوان الصلاة، فمقتضى ما عرفت من عموم لا تعاد كفاية النية في الاثناء، وكفاية تلون معظم الاجزاء بعنوان الصلاة والظهرية. وربما يستفاد ذلك من أخبار العدول (1)، ولا ينافيه روايات أن الصلاة على ما افتتحت (2) كما هو واضح، فمقتضى القواعد، كحديث الرفع، ولا تعاد عدم اعتبار أزيد من ذلك، في امتثال أمر الصلاة المتلونة بالظهرية. وبعبارة اخرى: مقتضى القاعدة لزوم تلون كل جزء من الصلاة، بلون الصلاتية، والظهرية، وهكذا، وهذا ربما يقتضيه إطلاق دليل اشتراط الصلاة بالنية، وهي الظهرية، وغيرها، إلا أنها مقيدة بالقواعد الثانوية، ولا دليل على خلافها من وجوب الاعادة والاستئناف. ولو قلنا: بأن لا تعاد الصلاة غير جار - لان موضوعها هي الصلاة المتنوعة بالظهرية - كما عرفت - لا مطلق الصلاة، لانها غير مأمور بها، فهو غير بعيد - ولكن حديث الرفع جار.


1 - لاحظ وسائل الشيعة 4: 290، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت، الباب 63. 2 - معاوية قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل قام في الصلاة المكتوبة فسها فظن أنها نافلة أو قام في النافلة فظن أنها مكتوبة؟ قال: هي على ما افتتح الصلاة عليه. تهذيب الاحكام 2: 197 / 776 و 343 / 1419، وسائل الشيعة 6: 6، كتاب الصلاة، أبواب النية، الباب 2، الحديث 2.

[ 82 ]

اللهم إلا أن يقال: جريانه في الجهل القصوري ممكن، حسب ما تحرر (1)، دون التقصيري، وفي نسيان الشرطية أيضا جائز، دون ذات الشرط، وحديث لزوم الدور قد ذب عنه في محله (2). وما ذكرناه يجري لو تذكر وتوجه بعد الركوع والركعة، ولذلك لو ورد النص على ذلك كان يؤخذ به، ولا يطرح. وتوهم: أنه يرجع إلى نقصان الصلاة بترك الركوع، لكونه من قيود عقد المستثنى، ويكون داخلا في حلقة لا تعاد الاكبر، فإن قيود الاجزاء وشرائطها ترجع إلى الصلاه بالواسطة، فكما أن الاخلال بها في عقد المستثنى منه، لا يوجب الاعادة، لكن في عقد المستثنى، يوجب الاعادة (3)، في غير محله وإن سلكه الاصحاب - رضي الله عنهم - وذلك لان المستثنى طبيعي الركوع والسجود، والقيد الزائد من السنة، ولا ينقض الفريضة، فالمناقشة تنحصر بما أبدعناه سابقا، وأشرنا إليه آنفا، وجريان حديث الرفع في الجملة، غير ممنوع، كما عرفت، فاغتنم. فرع آخر: حكم الخلل بالقربة والاخلاص لو أخل من جهة القربة والخلوص، بعد اعتباره على ما تحرر (4)،


1 - تحريرات في الاصول 7: 100 - 101. 2 - تحريرات في الاصول 7: 64. 3 - الصلاة (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 201. 4 - جواهر الكلام 9: 187، العروة الوثقى 1: 617 فصل في النية، المسألة 8، الصلاة (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 38، مستمسك العروة الوثقى 6: 21.

[ 83 ]

وهو محل إشكال عندنا جدا (1)، فإن تذكر بعد الصلاة، فالاشبه صحتها، لانه من الاخلال بالشرط. ودعوى أنه من الاخلال بالركوع، ويلزم بطلانه، غير مسموعة، لانه غير دخيل في تقوم ماهية الركوع، والسجود، وهكذا القبلة والطهور والوقت، ولذلك تبطل الصلاة عند المشهور، بزيادة الركوع بأي نحو اتفق. فلو كان المأتي به يصدق عليه الصلاة، لكونها منوية، إلا أنه أتى بها عبادة للاوثان والاصنام، أو أتى بها عبادة لله تعالى على وجه الشركة، بأن يكون معبوده فيها تلك الاوثان على وجه الجزئية، نسيانا وجهلا، صحت على الاشبه، حسب الادلة، فإن نقصان الشرط داخل في لا تعاد وخارج عن من زاد ومندرج في تسجد سجدتي السهو لكل زيادة تدخل عليك أو نقصان (2)، بناء على ظهوره في الصحة. اللهم إلا أن يقال: بحكومة الادلة المتصدية لاعتبار القربة، بل لا تشمل لا تعاد صلاة يعبد بها غير الله تعالى، لانصرافها، أو لانها ليست صلاة، لقوله تعالى: (وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية...) (3) فتثبت الحكومة حسب الصناعة، فنسيان عبودية الله تعالى بها، شركة كانت أو استقلالا، وهكذا جهلا، قصورا أو تقصيرا، لا يقتضي جريان حديث الرفع وغيره.


1 - تحريرات في الفقه، الواجبات في الصلاة، للمؤلف (قدس سره): 83 وما بعدها. 2 - تقدم في الصفحة 67. 3 - الانفال (8): 35.

[ 84 ]

حكم الالتفات إلى الاخلال بالقربة عند الاتيان بالسورة بقي شئ: لو التفت حال الاتيان بالسورة إلى الاخلال بالقربة، وعبادة الله بالصلاة، فتارة يكون إتيانه بتكبيرة الافتتاح صحيحا، واخرى يكون باطلا، فعلى الثاني فالامر هنا كما مر. وإن أتى بها صحيحة، ثم غفل فأتى بالقراءة، حامدا لغير الله تعالى، فربما يمكن القول بصحتها، نظرا إلى إطلاق لا تعاد وحديث الرفع في خصوص الناسي والجاهل القاصر، على ما عرفت. واخرى: يمكن دعوى بطلانها، لانها من الصلاة عرفا ولغة فيكون (مكاء وتصدية) كما لا يخفى. ومقتضى الجمع بين ذلك، وبين إصالة صحة تكبيرة الافتتاح، وإطلاق لا تعاد بالنسبة إليها، وأن الصلاة على ما افتتحت الظاهر في أن الاخلال من جهة الغفلة والنسيان بالنسبة إلى الامور القصدية، ومنها عبادة الله تعالى بها إستقلالا أو شركة، هو كفاية إعادة القراءة. وثالثة: أن الصلاة باطلة على الاطلاق، فيعيد تكبيرة الافتتاح أيضا، لان وجوب العود إلى القراءة يستلزم زيادة في الفريضة، ويشملها من زاد حسب ما عرفت، وهذا يعد من الزيادة العمدية، فلا يشملها قوله: تسجد سجدتي السهو. وتوهم: أن العمدية مستندة إلى إيجاب الشرع إعادة القراءة، لا ينفع، لانها لا ينافي كونها من الزيادة العمدية المبطلة شرعا أيضا، فعلى

[ 85 ]

هذا لا يتمكن من تصحيح صلاته. وبالجملة: عبادة غيره تعالى، وصحة صلاته، تنافي المرتكزات جدا. فرع ثالث: حكم الرياء في الصلاة في موارد الاخلال بالخلوص، بأن يعبد الله تعالى رياء، بعد الفراغ عن اشتراط الخلوص فيها، خلافا لما نسب (1) إلى السيد المحقق الشريف المرتضى (2) - وقد أيدناه بالصناعة جدا، وأن الصلاة صحيحة تجعل في سجين ولا تقبل، وتفصيله في محله (3) - والمعروف عنهم هو البطلان على كل حال (4)، والحق أنه لو كان الخلوص شرطا، فقاعدة لا تعاد جارية، وهكذا حديث الرفع في صورة نسيان الشرطية والجهل القصوري، ولو كان الرياء مانعا، فلا محل للقاعدة، ويجري حديث الرفع، ويؤخذ بإطلاق دليل المركب. ولو كان الشرط عدم الرياء بمعنى أن الرياء زيادة في الصلاة، ويوجب نقصان الشرط، فالقاعدة والحديث جاريان في حال الجهل القصوري والنسيان، ويكونان حاكمين على من زاد. ولو قلنا بأن تلك الزيادة القصدية، لا تكون من الزيادة في الصلاة،


1 - جواهر الكلام 9: 189، مستمسك العروة الوثقى 6: 21. 2 - الانتصار: 17. 3 - تحريرات في الفقه، الواجبات في الصلاة، للمؤلف (قدس سره): 83 وما بعدها. 4 - مستمسك العروة الوثقى 6: 20.

[ 86 ]

وإن توجب الاخلال بالشرط، وذلك نظير التشريع القصدي حال الغفلة مثلا - فإنه لا يعد من الزيادة فيها - فالحكم يختلف حسب هذه الاحتمالات. بيان مقتضى الصناعة والذي تقتضيه الصناعة - على تقدير بطلانها، حسب الادلة الاولية في صورة الاخلال وتحققه - صحة الصلاة في صورة الجهل القصوري، ونسيان الحكم على كل تقدير، وفي صورة نسيان الموضوع تجري القاعدة، ولا يجري من زاد لكون الرياء المشروط عدمه، ليس من الزيادة في الصلاة، وقد تحرر: أن أمثال هذه الشروط، بل قالوا: إن مطلق الشروط خارج عن مسألة الصحيح والاعم، وأن كل أخصي أعمي بالنسبة إلى الشروط (1). وهكذا الجهل التقصيري، فإطلاق دليل المركب، بعد تقييده بدليل اشتراطه بالخلوص، أو عدم الرياء، محكوم، وقد امتثل بذلك المصداق المقرون بالرياء، نسيانا أو جهلا بقسميه، فليلاحظ، فاغتنم وتأمل فإنه حقيق به. وأما البحث حول حقيقة النية، وحدود الضمائم والخلوص، وأقسام الضمائم، فموكول إلى بحوث ماضية، كما أنه هل المستفاد من الادلة، هي شرطية الخلوص أو عدم الرياء، أو مانعية الرياء - على الوجه المحرر إمكانه - أيضا موكول إلى تلك البحوث (2).


1 - مطارح الانظار: 6 / السطر 8. 2 - تحريرات في الفقه، الواجبات في الصلاة، للمؤلف (قدس سره): 83 وما بعدها.

[ 87 ]

المسألة الثانية في خلل القبلة وأما بيان شرطية القبلة، وما هو الشرط، وأنه هو نفس الحرم الشريف، كما هو المغروس المفروغ عنه، أم الجهة، أو تختلف قبلة المسلمين حسب أوعية معاشهم ومنازلهم؟ فهو موكول إلى مباحث المقدمات، وقد خلطوا في كيفية البحث، مع عنوانهم بحث خلل الصلاة مستقلا، فتارة بحثوا عن خلل بعض الامور ذيل المسألة، كما في القبلة، وتارة بحثوا عن الخلل في مباحثه، والامر سهل. إبطال توهمات القوم في تشخيص القبلة بسبب الخطوط والزوايا ومما لا يكاد ينقضي التعجب: هو اتخاذهم في بحث القبلة حديث الخطوط واستدارة الانسان، وتوهم انشعاب الخط، أو الخطوط من المصلي إلى الكعبة، خطا وهميا وتوهميا، وافترضوا الزوايا الحادة

[ 88 ]

والقائمة والمنفرجة، متوهمين أنه بذلك تنحل المعضلات من مسائل القبلة، حتى يرى اختلافهم في أنه كل جسم إذا ازداد بعدا، ازداد ضيقا أو سعة، مع أنه لا يزداد شيئا ولا ينقص. وجدير بالذكر ذهابهم إلى حدود الانحرافات عن خط نصف النهار، بحسب الدرجات، وصنعوا في ذلك آلات صحيحة أو باطلة، وهم غافلون عن مسألة الديانة والشريعة الاسلامية السارية في القرى والقصبات والبدو، والذين بيوتهم معهم. ولعله يصنع بعضهم بالنسبة إلى كربلاء الحسين (عليه السلام)، لاجل السلام نحوه - عليه الصلاة والسلام - ويكتبون حوله الحدود والخطوط، وهكذا إلى قبره (عليه السلام) للسلام من بعيد، غافلين عن علماء الجغرافيا، وأنهم كيف يذاكرون حول البلاد، وإذا سألهم بعضهم عن البحر الاسود أو مادكاسكارا أو تونس وكراچي يشيرون في المجلس نحوها، ويصدقونه سائر المطلعين، من غير مناقشة في ذلك، بعد توضيح تلك الجهة التي فيها ذلك البحر والبلد والمملكة طبعا وبالضرورة. فحديث التخطيط، وحديث استدارة جبهة الانسان، وحديث توهم الخطوط المتوهمة على الزوايا الكذائية أشبه بالمسائل الجنية والهور قليائية، كما قيل بذلك في الملكية. التحقيق في القبلة وأنها واحدة للقريب والبعيد وهي الكعبة ويا أخي وشقيقي، لا ينبغي الخلط بين المسائل العلمية

[ 89 ]

والصناعية، اللازم اعتبارها في بعض الامور، وبين هذه المسائل البدوية العادية، مع أن أخذ الجهة قبلة ليس بمعنى أن قبلة البعيد غير قبلة القريب، بل الكعبة قبلة المسلمين كما في دعاء العديلة الصغيرة (1)، وفي تلقين المحتضر والميت (2)، وفي تلك الجهة، في قبال سائر الجهات المتعارفة الجغرافيائية العرفية، تكون الكعبة جزء منها، فلا تكن من الجاهلين. أفلا تنظر أن الكتاب يقول: (فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره...) (3)؟! وقد تكررت الجملة الاولى، وما ذلك إلا لكونه (صلى الله عليه وآله وسلم) في البعيد من مكة المكرمة، وأن في التولي شطر المسجد هو التولي شطر الحرم الشريف. ويدل عليه معتبر معاوية بن عمار، سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الحجر، أمن البيت هو أم فيه شئ من البيت؟ قال (عليه السلام): لا، ولا قلامة ظفر، ولكن إسماعيل دفن فيه امه، فكره أن يوطأ، فجعل عليه حجرا، وفيه قبور أنبياء وغيره مما هو المذكور في طواف الوسائل (4). كما يدل عليه صلاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى بيت المقدس، حسب


1 - زاد المعاد: 489، مفاتيح الجنان: 117. 2 - مصباح المتهجد: 21، مستدرك الوسائل 2: 321، أبواب الدفن وما يناسبه، الباب 20، الحديث 3. 3 - البقرة (2): 144. 4 - وسائل الشيعة 13: 353، كتاب الحج، أبواب الطواف، الباب 30، الحديث 1.

[ 90 ]

الاخبار في جميع السنوات المكية، وحوا لي سنة ونصف في المدينة (1)، وما كان ذلك إلا إلى تلك الجهة التي فيها بيت المقدس، وكان المسلم في بيته يصلي نحوه، من غير رعاية هذه الدرجات والالات المسماه ب (قبله نما) وستحدث إن شاء الله (مدينة نما) و (كربلا نما) و (مشهد نما) وحدود انحراف درجاتها عن خط نصف النهار، كما صنعه الاقدمون والمعاصرون، حفظنا الله تعالى عن الخطأ والزلل، وتمام الكلام في المسألة يطلب من محالها إن شاء الله تعالى. ولقد كتبنا في بعض الرسائل: أن مسألة حرمة الاستدبار حال التخلي لمكان كونه استقبالا عقلا، ولكنه خروج عن العرف. وربما يؤيد ذلك: أن حرمة الاستقبال حال التخلي ليست إلا تشريفا للكعبة، وتعظيما لها (2)، وبالضرورة يكون الانحراف إلى اليمين واليسار أقرب إلى التعظيم من الاستدبار، حسب فهم العقلاء، ولكن مع ذلك يرجع إلى العرف هنا كسائر المسائل، فلا تغفل.


1 - عن معاوية بن عمار قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام): متى صرف رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى الكعبة؟ قال: بعد رجوعه من بدر وكان يصلي في المدينة إلى بيت المقدس سبعة عشر شهرا ثم أعيد إلى الكعبة. مجمع البيان 1: 413، وسائل الشيعة 4: 297، كتاب الصلاة، أبواب القبلة، الباب 2، الحديث 3. 2 - عن محمد بن إسماعيل قال: دخلت على أبي الحسن الرضا (عليه السلام) وفي منزله كنيف مستقبل القبلة وسمعته يقول: من بال حذاء القبلة، ثم ذكر، فانحرف عنها إجلالا للقبلة، وتعظيما لها، لم يقم من مقعده ذلك حتى يغفر له. وسائل الشيعة 1: 303، كتاب الطهارة، أبواب أحكام الخلوة، الباب 2، الحديث 7.

[ 91 ]

مقتضى قاعدة لا تعاد حال الخلل بالقبلة وبيان إطلاق المستثنى فيها إذا عرفت ذلك، فقبل الخوض في الادلة الخاصة، يجب النظر إلى مقتضى قاعدة لا تعاد. وحيث إن الامر بالاعادة والنهي عنها ليسا إلا إرشادا إلى صحة المأتي به وفساده، ولا يستقلان في النفسية والمولوية وتبعاتهما بالضرورة، فربما يقال: إن المستثنى منه وإن كان له الاطلاق، ولكن المستثنى لا إطلاق له (1)، فنقصان الصلاة من جهة القبلة استدبارا، أو إلى اليمين واليسار - بناء على كونهما بمنزلة الاستدبار من جهة الوقت، وخارجه - خارج عن المستثنى، ولا إطلاق له كي يقال: إن قضيته هو البطلان، كما هو مقتضى شرطية القبلة، وهكذا بالنسبة إلى الاختلال ببعض أجزاء الصلاة، من جهة القبلة. ولكن لا يبعد عندنا الاطلاق، كما هو المرجع عند الشك في الاطلاق، إذا لم يكن الكلام مشتملا على ما يصلح للقرينية على عدم الاطلاق، ويؤيد الاطلاق ذكر طائفة من موجبات فساد الصلاة. ويدل عليه ما في ذيلها من: أن السنة لا تنقض الفريضة فإنه يتبين منه الاطلاق بالضرورة، ولو كان الذيل أصلا والصدر فرعا. وعلى هذا، يستنتج أن الصلاة الفاقدة للقبلة باطلة، وحيث لا يكون النظر في قوله (عليه السلام): لا تعاد الصلاة إلى الاجزاء بالتفصيل، بل المنظور


1 - الصلاة (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 204 - 205.

[ 92 ]

إليه هي ذات الصلاة، ونفس هذا العنوان الواحد البسيط العرفي الفاني فيه الاجزاء، لا تكون الصلاة فاقدة للشرط، وهي القبلة، بالضرورة. ولعل سر صحة الصلاة الاستدراكية، في أول الوقت أو آخره، مع رعاية بعض الشرائط، هو ذلك، ولا ينافي الاخبار في تلك المسألة مستثنى لا تعاد بعد ذلك. الاستدلال بمعتبر زرارة ولو أبيت عن تصديق الاطلاق للمستثنى المذكور، فإ ليك معتبر زرارة في الفقيه عن أبي جعفر (عليه السلام)، أنه قال: لا صلاة إلا إلى القبلة قال: قلت: أين حد القبلة؟ قال: ما بين المشرق والمغرب قبلة كله قال: قلت: فمن صلى لغير القبلة، أو في يوم غيم في غير الوقت؟ قال: فليعد (1). اللهم إلا أن يقال: بإنه، مضافا إلى عدم مساعدة العرف، وعدم إمكان الالتزام بجوازه عمدا، ينافيه ذيل الخبر المذكور، ومعتبر الثلاثة عن الساباطي، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في رجل صلى على غير القبلة، فيعلم وهو في الصلاة، قبل أن يفرغ من صلاته، قال: إن كان متوجها فيما بين المشرق والمغرب فليحول وجهه إلى القبلة ساعة يعلم، وإن كان متوجها إلى دبر القبلة فليقطع الصلاة، ثم يحول وجهه إلى القبلة، ثم يفتتح الصلاة (2).


1 - الفقيه 1: 80 / 855. 2 - الكافي 3: 285 / 8، تهذيب الاحكام 2: 48 / 159، الاستبصار 1: 298 / 1100، وسائل الشيعة 4: 315، كتاب الصلاة، أبواب القبلة، الباب 10، الحديث 4.

[ 93 ]

أو يقال بانصراف لا تعاد عن صورة العمد، في العقدين المستثنى منه والمستثنى، فعند ذلك، إذا لم يكن عن عمد فيكفي كون الصلاة إلى القبلة في الجملة، كما هو صريح الخبر الاخير. تذنيب: الكعبة هي القبلة للقريب والبعيد وبعض الاخبار يجعلها ما بين المشرق والمغرب قد تحرر أن الكعبة هي القبلة، للقريب والبعيد، وهو مفاد أخبار المسألة أيضا (1)، لاشتمال الجهة عليها طبعا، إلا في بعض الصور الغريبة، كما إذا صلى إلى بيت من بيوت مكة من كان خارجها، وكان هو قريبا من ذلك البيت، مع علمه بأن المسجد والكعبة خلفه فلا تغفل، وهذا هو متصور جدا. وبالجملة: هي القبلة، وهو الاسم من استقبال الكعبة مثلا، إلا أن مقتضى طائفة من الاخبار يتسع القبلة بالنسبة إلى غير العامد (2)، وقد مرت بك معتبرة زرارة المحددة لها بأنها ما بين المشرق والمغرب كله، وحيث فرض في معتبر الساباطي، أن ما بين المشرق والمغرب ليس قبلة، لقوله (عليه السلام): فليحول وجهه إلى القبلة ساعة يعلم يتبين أن ما بين المشرق والمغرب بحكم القبلة لغير العالم. وعلى هذا، لا تزيد الاخبار عن إطلاق لا تعاد في المستثنى حسب


1 - وسائل الشيعة 4: 297، كتاب الصلاة، أبواب القبلة، الباب 2. 2 - وسائل الشيعة 4: 314، كتاب الصلاة، أبواب القبلة، الباب 10، الحديث 1 و 4 و 5.

[ 94 ]

ما عرفت، نعم يفسر القبلة في قاعدة لا تعاد بما بين المشرق والمغرب. وبعبارة اخرى: يفسر القبلة في قاعدة لا تعاد المخصوصة بغير العالم، بما بين المشرق والمغرب، وعند ذلك يتبين، أن فاقد قبلة قاعدة لا تعاد هو المصلي لدبر القبلة، ومن صلى لدبر القبلة هو الذي صلى لغير القبلة، حسب الروايتين المذكورتين، ضرورة أن تحديد القبلة بما في معتبر زرارة، لابد أن يرجع إلى محط الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) والمدينة المشرفة، ولا يحمل على القضية الكلية الحقيقية، وهو مقتضى المخاطبة أحيانا في باب تحديد الجهات والافاق، كما هو قضية الجمع بين الصحيحتين المذكورتين. في صحة الصلاة إذا لم تقع مستدبرا بها القبلة بقي بحث: قد صحت الصلاة الواقعة بين المشرق والمغرب، بتمامها أو جزئها، لكونها إلى القبلة، وهو مقتضى لا تعاد. وربما يخطر بالبال: أن الصلاة الواقعة إلى المشرق والمغرب بعرضهما العريض، الخارجة عما بين المشرق والمغرب، وغير الداخلة في الدبر عرفا، إن كانت باطلة، فهو لاجل الاصل الاولي، وإلا فالاخبار قاصرة عن إبطالها، بل مقتضى قاعدة لا تعاد أيضا عدم بطلانها، لعدم فقد القبلة، بل قضية قوله (عليه السلام): إن كان متوجها إلى دبر القبلة فليقطع الصلاة، ثم يحول وجهه إلى القبلة أن الفرض الباطل هو صورة وقوعها دبر القبلة، ومستخلفا حقيقة، فإذا خرج عن دبر القبلة، يدخل في القبلة

[ 95 ]

الحكمية، أو الواقعية، فتصح، وحيث لم يحدد مفهوم الدبر، بخلاف مفهوم القبلة، وأن ما بين المشرق والمغرب ليس مشرق يوم الصلاة ومغربه بالضرورة، ولا اليوم الاول، ولا اليوم الاخر، من المشارق والمغارب، فالكل يعد ما بين المشرق والمغرب، حسب طلوع الشمس وغروبها العادية في هذه الافاق، فالقسمة ثنائية، لا ثلاثية، والصلاة في صورة وقوعها في الخلف - الذي لا تطلع في السنة فيه الشمس ولا تغرب فيها يوما - باطلة، وفاقدة القبلة الحكمية، وداخلة في لا تعاد. فالدائرة التي يتخيل للمصلي، بحسب الافق، تنقسم إلى الاربعة، ولا تصح الصلاة في واحدة منها، وهو المسمى بالخلف والدبر، وحمل الرواية على اليوم الاول أو اليوم الوسط أو اليوم الاخر أو يوم الصلاة، حمل على النادر، وإن كان الاخير غير بعيد في نفسه، إلا أن الالتزام به غير تام، كما لا يخفى، بخلاف كون المطالع والمغارب والحد الوسط قبلة حكمية لغير العالم العامد. فبالجملة: القسمة هادمة للشركة، وظاهرة في أن القبلة إما موجودة أو مفقودة، ولا ثالث. ولا شبهة في فقد القبلة الحقيقية بين المشرق والمغرب، بخلاف الحكمية، فإنها بيد الشرع، والمتفاهم من أمثال هذه التراكيب هو المتفاهم من قولك بين السماء والارض. ونتيجة ذلك: أن الجملة الثانية بيان لمفهوم الجملة الاولى، وبالعكس لو قلنا بالمفهوم ل‍ معتبر الساباطي صغرويا وكبرويا، واحتمال كون المقصود أن المشارق والمغارب قبلة، دون الحد الوسط أبعد.

[ 96 ]

ويؤيد ما ذكرنا: أن اليمين واليسار، والشمال والجنوب، خفيف المؤونة فهما، ويتمكن أوساط الناس من ذلك، بخلاف النقطة الخاصة، فلا تغفل. تتميم: في القول بصحة الصلاة الواقعة لليمين أو اليسار وبطلانها إعلم أن المسألة روائية، ولا مخافة من مخالفة جمع، والاخبار مختلفة، وفيها ما يدل على أن البطلان مخصوص بالاستدبار الشامل لربع فلك المصلي، ولو صلى ثم التفت، وهو منحرف عن القبلة الحكمية أو الحقيقية صحت. وتلك الاخبار بالنسبة إلى عقد استثناء لا تعاد حاكمة، مفسرة، ففي معتبر معاوية بن عمار، أنه سأل الصادق (عليه السلام) عن الرجل يقوم في الصلاة، ثم ينظر بعدما فرغ فيرى أنه قد انحرف عن القبلة، يمينا أو شمالا، فقال (عليه السلام) له: قد مضت صلاته، وما بين المشرق والمغرب قبلة (1). وحيث أن معاوية كان عارفا بالمسألة، يقرب أنه أراد بقوله: انحرف عن القبلة يمينا أو شمالا ما هو القبلة الحكمية، الواقعة في معتبرة زرارة السابقة المروية عن أبي جعفر (عليه السلام) (2). فبالجملة: مقتضى ما ذكرنا، مضافا إلى ضعف ما عن الناصريات


1 - الفقيه 1: 179 / 846، تهذيب الاحكام 2: 48 / 157، وسائل الشيعة 4: 314، كتاب الصلاة، أبواب القبلة، الباب 10، الحديث 1. 2 - تقدم في الصفحة 92.

[ 97 ]

والمقنعة والمبسوط والخلاف والنهاية والمراسم والوسيلة والغنية والسرائر (1) أن ما ذهب إليه المتأخرون، تبعا لطائفة من القدماء، بل نسب إلى المشهور، بل عليه دعاوى الاجماع (2)، ضعيف أيضا، وهو وجوب الاعادة في صورة الانحراف، يمينا وشمالا عن القبلة الحكمية المفسرة عندهم، بما بين المشرق والمغرب. ويكفيك لفساد مذهب الطائفة الاولى، صحة دعوى أن ما بين المشرق والمغرب قبلة كله، مع أنها دعوى مجازية، إلا إذا اريد بها ترتب جميع آثار القبلة، بالنسبة إلى جميع الطوائف، من الجاهل، والقاصر، والمخطئ، والغافل، والساهي، وغيرهم. وأما تقييد هذا الاطلاق الادعائي المذكور في الروايات المختلفة، بما في الكافي بإسناده المعتبر عن الحلبي، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في الاعمى، يؤم القوم وهو على غير القبلة، قال: يعيد ولا يعيدون، فإنهم قد تحروا (3) في غير محله، لان الظاهر من القبلة في قوله غير القبلة هي القبلة الحكمية، في موارد الاختلال بها لا عن عمد، ونتيجة ذلك أن المتحري عن القبلة لا يعيد، ولو كان صلى دبر القبلة، وهولاء في صلاتهم


1 - المسائل الناصرية، ضمن جوامع الفقهية: 230 / السطر 28، المقنعة: 97، المبسوط 1: 80، الخلاف 1: 303، المسألة 51، النهاية 1: 286، المراسم، ضمن جوامع الفقهية: 570 / السطر 11، الوسيلة: 99، الغينة، ضمن جوامع الفقهية: 494 / السطر 4، السرائر 1: 205. 2 - مستمسك العروة الوثقى 5: 231. 3 - الكافي 3: 378 / 2.

[ 98 ]

الواجبة، كالعالم العامد الماشي في صلاته المندوبة، أو المتحير غير المتمكن عن معرفة القبلة، حسب طائفة من الاخبار (1). ولو اريد من القبلة في قوله غير القبلة الكعبة الحقيقية، فلابد من كونها مورد الاعراض، للاجماعات المدعاة، والشهرة على صحة صلاتهم، إذا كانت بين المشرق والمغرب (2)، ولا يقاومهم دعوى إجماع الخلاف والسرائر (3)، فليتأمل. ويحتمل الجمع بالتقييد، إلا أنه غير متعارف في مثل الدعاوى المجازية، نعم قضية الاجماعين المذكورين، إعراضهم عن تلك الاخبار المشتملة على الادعاء، ولكنه ضعيف. توضيح: حول وجوه خلل القبلة فبالجملة: تحصل لحد الان، أن الاخلال بالقبلة، إما ان يكون عن جهالة أو اجتهاد أو نسيان وأمثالها، فعندئذ: تارة: يكون الاخلال بأن صلى إلى يمين أو يسار الكعبة إلى حد المشرق والمغرب في الايام القصيرة. واخرى: إلى يمينها أو يسارها إلى حد المشرق والمغرب في الايام الطويلة.


1 - وسائل الشيعة 4: 307، كتاب الصلاة، أبواب القبلة، الباب 6. 2 - مستمسك العروة الوثقى 5: 231. 3 - الخلاف 1: 304، السرائر 1: 205.

[ 99 ]

وثالثة: إلى دبر القبلة، وما بحكم الدبر عرفا. ومقتضى الاصل الاولي بطلانها عند الاخلال، وهو مقتضى فتوى جمع منهم، حسب إطلاق إيجابهم، القضاء على غير المخطئ في الاجتهاد، وقد عرفت ضعفه، وأن لازم كلامهم إعراضهم عن مجموع الاخبار الموجودة بين أيدينا، فلا يعتنى بما حكي عنهم جدا، وسيمر عليك، إن شاء الله تمام الكلام. أما الاخلال على الوجه الثاني، فلا شبهة في صحة الصلاة، لانه ما بين المشرق والمغرب وهو القدر المتيقن. اللهم إلا أن يقال: أن المراد من قولهم: ما بين المشرق والمغرب هو مشرق الكعبة - أي: يسارها - ومغربها - أي: يمينها - لا الشمس - أي: يمينا وشمالا - ولكنه ينافيه معتبر معاوية بن عمار (1) بالصراحة. وجه اختصاص القبلة الحكمية بالمجتهد والرد عليه ويحتمل: اختصاص القبلة الحكمية في الوجه الثاني بالمجتهد، لقول معاوية: فيرى أنه قد انحرف عن القبلة يمينا أو شمالا، فإنه ظاهر في المجتهد المخطئ. ويؤيده: ما ورد في المأمومين وإمامهم أعمى، حيث علل بأنهم قد تحروا، في معتبر الحلبي (2)، وهكذا في جملة من الاخبار الامرة بالاجتهاد،


1 - تقدم في الصفحة 96. 2 - تقدم في الصفحة 97.

[ 100 ]

المذكورة في أبواب الجماعة (1)، وأبواب القبلة المختلفة (2). ولكن المراد من التحري هو الاعم بالضرورة، ففي معتبر السكوني، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، عن أبيه، قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام) - في حديث -: لا يؤم الاعمى في الصحراء إلا أن يوجه إلى القبلة (3) فلا يعتبر التحري بعنوانه. هذا، مع أن إيجاب الاعادة عليه، دونهم ربما يختص بخارج الوقت، كي تكون الاعادة عليهم خارجه بعد التحري بالمعنى المذكور، مستحبة، وتكون واجبة عليه، وهو بعيد. هذا، مع أن معتبر الحلبي مخدوش، بحسب المعنى، بعد اعتبار العدا لة في الامام، أو يحمل على صورة خاصة فرضية بعيدة جدا. هذا، مع حكومة معتبر زرارة وغيره على معتبر الحلبي، لان المفروض أنهم صلوا إلى غير القبلة، وهو الاعم من الحقيقية والحكمية، وتصير النتيجة: صحة صلاة المتحري، ولو كان مخلا بالقبلة الحكمية. وعندئذ يلزم تفصيل جديد في المسألة وهو: أن صلاة المتحري في الوقت صحيحة، إذا كانت إلى غير القبلة، دون غير المتحري، ولكن الالتزام به، بعد عدم وجود الفتوى على طبقه، مشكل.


1 - وسائل الشيعة 8: 338 و 375، كتاب الصلاة، أبواب صلاة الجماعة، الباب 21 و 38. 2 - وسائل الشيعة 4: 317، كتاب الصلاة، أبواب القبلة، الباب 6 و 7 و 10 و 11. 3 - وسائل الشيعة 4: 310، كتاب الصلاة، أبواب القبلة، الباب 7، الحديث 3، لاحظ الكافي 3: 375 / 2، تهذيب الاحكام 3: 27 / 94.

[ 101 ]

أو يقال: أن قوله (عليه السلام): فيرى أنه قد انحرف (1) ولو كان ظاهرا في المخطئ، إلا أن الجواب عام كلي، ولاسيما بعد ما يلاحظ أن معتبر زرارة يشتمل على تحديد القبلة، وعلى هذا يكون معتبر زرارة مفسرا لمستثنى لا تعاد وأن الاخبار الاخر مفسرة لمعنى التحري، في معتبر الحلبي المنتهي إلى صحة صلاة المتكئ على البينة، والخبر الموثوق به، وخبر الثقة، وغير ذلك من الاعلام المنصوبة من قبلهم (عليهم السلام)، فالاخلال بالقبلة على الوجهين المذكورين، لا ينافي إطلاق عقد مستثنى لا تعاد، ولا يزيد عليه ولا ينقص. وأما الاخلال على الوجه الثالث، المشتمل على جميع المشارق والمغارب - أي: على ثلاثة أرباع فلك المصلي - فظاهر جمع منهم: اتباع القواعد الاولية والثانوية - أي: إطلاق لا تعاد - وعن كثير منهم، بل قيل: لا خلاف فيه بالنسبة إلى الاعادة في الوقت (2) وإذا كانت باطلة في الوقت فالمرجع إطلاق أدلة القضاء. وعن جمع منهم: التفصيل بين المجتهد المخطئ وغيره، فصح في الاول، بشرط عدم اطلاعه على الاخلال في الوقت، دون غيره، وهذا هو المعروف المشهور. وذهب جمع أو تمايلوا إلى نفي القضاء والاعادة إلا بالنسبة إلى الجاهل بالحكم.


1 - تقدم في الصفحة 96. 2 - السرائر 1: 205، مستمسك العروة الوثقى 5: 231.

[ 102 ]

فالمتبع بعد ذلك الاختلاف هو الاخبار، ولا شهرة أو إجماع تعبدي في المسألة، وقد مر: أن الاظهر أن القبلة لغير العالم العامد، ما بين المشرق والمغرب - أي: هذه المحدودة مقدارا - وإن لم يكن شرق ولا غرب، فيكون الاستدبار ربع فلك المصلي، وذلك لاطلاق تلك الاخبار، من جهة حد القبلة، ومن جهة المصلي المجتهد وغيره، ومن جهة الوقت وخارجه، فيكون قبلة عقد مستثنى لا تعاد وسيعا جدا، كما أن وقته وسيع جدا، من الجانبين الاول والاخر، وهكذا بالنسبة إلى الركوع والسجود، حيث تشمل القاعدة الصلاة المندوبة، والمفروضة الاضطرارية وأمثالهما. وبالجملة: بالنسبة إلى جميع المشارق والمغارب، حسب أيام السنة، يصدق قوله (عليه السلام): ما بين المشرق والمغرب ولا سيما لو كان زمان صدور الرواية من أيام الصيف والنهار طويل، فإن إخراجه عن محط الخبر بعيد جدا، وتقيد السائل والمجيب بالنهار الخاص أبعد. فالامر دائر بين الاستدبار وكون الكعبة خلف ظهره وبين الاستقبال وعدم كون الكعبة خلف ظهره. ويؤيد ما ذكرناه رواية معتبرة في الكافي عن الحلبي، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: سألته، هل كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يصلي إلى بيت المقدس؟ قال: نعم فقلت: أكان يجعل الكعبة خلف ظهره؟ فقال: أما إذا كان بمكة فلا، وأما إذا هاجر إلى المدينة فنعم، حتى حول إلى الكعبة (1).


1 - الكافي 3: 286 / 12.

[ 103 ]

ومن راجع الخريطة، يجد أن مستقبل بيت المقدس لا يجعل الكعبة على خلف ظهره إلا عرفيا، وأنه يساوي، حسب الظاهر، ربع فلك المصلي، ففي هذا الخبر شهادة على توسعة الدبر، وعرفية التوسعة، وعلى ما ذكرناه. ويؤيدنا: الاخبار الشاملة على أنه صلى على غير القبلة (1)، الحاكمة بالصحة، الظاهرة، في أن القسمة ثنائية، وأن الامر دائر بين أن صلى إلى القبلة أو إلى غير القبلة، الشامل للاستدبار والانحراف اليسير. فبطلان الصلاة مستدبرا، لكونه خارجا عن حد القبلة، هو مقتضى إطلاق لا تعاد وعدم بطلانها في الجملة مستند إلى ما مر وإلى أمثال هذه الطائفة من الاخبار. ومن هنا يظهر حكم الاختلال بها في الايام الطويلة، التي يحتوي فلك المصلي ثلاثة أرباع الدائرة مثلا، ضرورة أن الصلاة إلى تلك المشارق والمغارب، ليست إلى دبر القبلة، وتكون واجدة للقبلة الحكمية، منة على العباد، وتوسعة عليهم. خلل القبلة على الوجه الاخير وهو الصلاة مستدبر القبلة بقي الكلام: في الصورة الاخيرة وهي الاخلال بها، بأن صلى إلى دبر القبلة، فمقتضى الاصل والقاعدة، والتحديد في الاخبار الخاصة، كمعتبر زرارة، وغيره، بعد كونه حدا لغير العالم العامد بالضرورة، وتوسعة


1 - راجع وسائل الشيعة 4: 314 - 315، كتاب الصلاة، أبواب القبلة، الباب 10 و 11.

[ 104 ]

حكمية، وليست الصلاة - لو كانت في ثمن الدائرة - إلى القبلة العرفية بالضرورة، بل وبعض الاخبار الخاصة، هو البطلان، كمعتبر الساباطي السابق (1). وتوهم اختصاصه بما بين الصلاة (2)، في غير محله، لان الشرطية، والاحكام الوضعية متعارف الثبوت لنفس الطبيعة، ومجموع الاجزاء عرفا، إلا مع وجود القرينة، فليتدبر. هذا، مع وجود الاجماع والاتفاق القطعي والشهرات المحكية (3). توجيه الاخبار الامرة بالاعادة ووجه الجمع بينها وبين الروايات الاخر وأما الاخبار الكثيرة المحكية، في الباب الثامن من جامع الاحاديث وفي الوسائل وغيره (4)، الامرة بالاعادة، وإن كانت موافقة لقاعدة لا تعاد، وأن لا يجب القضاء خارجه في الجملة، إلا أنها تتحمل الاحتمالات الكثيرة، مع أن في بعضها الامر بتقديم الفائتة على الحاضرة، وهو قرينة على أن الامر بالاعادة في الوقت لا يتعين في الوجوب.


1 - تقدم في الصفحة 96. 2 - مدارك الاحكام 3: 153، مهذب الاحكام 5: 225. 3 - الروضة البهية 1: 86 و 89، مستمسك العروة الوثقى 5: 233، مهذب الاحكام 5: 224 - 225. 4 - جامع أحاديث الشيعة 5: 55، كتاب الصلاة، أبواب القبلة، الباب 8، وسائل الشيعة 4: 312 و 315، كتاب الصلاة، أبواب القبلة، الباب 9 و 11، مستدرك الوسائل 3: 182، كتاب الصلاة، أبواب القبلة، الباب 6.

[ 105 ]

اللهم إلا أن يقال: إن مقتضى الجمع بينها، وبين الروايات الاخر، حمل عنوان غير القبلة على الدبر، وأن المراد من غير القبلة - ما لا يكون قبلة حكمية أو حقيقية - وعندئذ يتقوى الامر بالاعادة، بالشهرة، وفهم الاصحاب - رضي الله عنهم - هذا، مع أن اشتمال بعضها على التقديم المذكور، لا يوجب سقوط ظهور الامر في الاخر، كما هو ظاهر. إلى هنا يظهر: أن الاصحاب المحققين - رضي الله عنهم - ما سلكوا سبيل الصحيح في المسألة، فإن الاخبار المحددة للقبلة هي مناط الصحة والفساد، ويدور الامر حول مفادها، فعلى ما تحرر من ثبوت الاعادة في صورة الاستدبار، يساعده الامور المختلفة المذكورة وأما القضاء، فهو حسب أدلة القضاء - بناء على إطلاقها - وهو مقتضى أخبار المسألة نفسها، وخارج عن بحث الخلل كما لا يخفى. خلل القبلة في صورة الاجتهاد والتحري وانكشاف الخلاف بقيت المسألة السابقة وهي: أن الاخلال في صورة الاجتهاد، وبعد التحري وانكشاف الخلاف، لا يضر، إلا في صورة واحدة، وهي ما إذا صلى دبر القبلة، لا في سائر الصور، فقد اتفقوا على الاعادة في تلك الصورة (1)، واختلفوا فيما إذا لم يكن إلى دبر القبلة (2)، وقد مضى أن الصحة قوية،


1 - السرائر 1: 205، مستمسك العروة الوثقى 5: 231. 2 - المقنعة: 97، المبسوط 1: 80، العروة الوثقى 1: 548 فصل في أحكام الخلل في القبلة، المسألة 1.

[ 106 ]

وإن كان لا ينبغي ترك الاحتياط جدا. فجميع المسائل دائر حول عقد مستثنى لا تعاد وبعد ثبوت الاطلاق، وحكومة مثل معتبر زرارة عليه، وأنه واسع للقبلة في العقد، إلى المشرق والمغرب الاقصى، بحسب دائرة فلك المصلي، تبقى الصورة الواحدة المذكورة خارجة عن تلك القبلة، وبذلك يجتمع شتات الاخبار والماثير، ويسقط قول من يقول بوجوب الاعادة. بقي شئ: في إبطال اختصاص عدم الاعادة بالمجتهد الخاطئ ربما يتوهم اختصاص عدم الاعادة بالمجتهد الخاطئ (1)، في قبال من يستظهر منه الاعادة مطلقا، حتى بالنسبة إليه، وذلك لما في عدة روايات من التقييد به، مثل معتبر هشام بن سالم ففي ذيله قال (عليه السلام): إن كان في وقت فليعد صلاته، وإن كان مضى الوقت فحسبه اجتهاده (2) فإن المفروض فيه هو المجتهد الخاطئ، وهكذا المفروض في خبر


1 - العروة الوثقى 1: 548 فصل في أحكام الخلل في القبلة، المسألة 1، مستمسك العروة الوثقى 5: 232. 2 - هشام بن سالم عن سليمان بن خالد قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام): الرجل يكون في قفرمن الارض في يوم غيم فيصلي لغير القبلة ثم تصحي فيعلم أنه صلى لغير القبلة كيف يصنع؟ قال: إن كان في وقت فليعد صلاته وإن كان مضى الوقت فحسبه اجتهاده. الكافي 3: 285 / 9، تهذيب الاحكام 2: 47 / 152 و 142 / 553، وسائل الشيعة 4: 317، كتاب الصلاة، أبواب القبلة، الباب 11، الحديث 6.

[ 107 ]

يعقوب بن يقطين (1)، وهكذا المفروض في رواية الفقيه الواردة في الاعمى، أو رجل صلى وهي متغيمة (2)، وهكذا بعض الاخبار السابقة، إلا أن الكل قاصرة عن التقييد، بعد كون الطائفتين إيجابيتين. نعم، التعليل في معتبر الحلبي ب‍ فإنهم قد تحروا (3) غير قاصر عن التقييد، إلا أن المفروض فيه صلاتهم إلى غير القبلة، ويكفي لسقوط قابليته عن التقييد، احتمال كون المراد هي الصلاة دبر القبلة، باختصاص المجتهد بالتوسعة، من هذه الجهة دون غيره، فلا يلزم اختصاص الصحة بالمتحري. وهذا غير بعيد، بعد ملاحظة الاخبار جمعا، فإن معتبر الساباطي (4) من جهة التحري، مطلق فقابل للتقييد، بأن تصح صلاة المتحري إذا كانت دبر القبلة. ويؤيد ذلك: الطائفة الاخرى من الروايات، المخصوصة بالجاهل بالقبلة، والمتحير الذي تصح صلاته، ولو كانت دبر القبلة - بناء على


1 - يعقوب بن يقطين قال: سألت عبدا صالحا عن رجل صلى في يوم سحاب على غير القبلة ثم طلعت الشمس وهو في وقت، أيعيد الصلاة إذا كان قد صلى على غير القبلة؟ وإن كان قد تحرى القبلة بجهده، أتجزيه صلاته؟ فقال: يعيد ما كان في وقت، فإذا ذهب الوقت فلا إعادة عليه. تهذيب الاحكام 2: 48 / 155 و 141 / 552. 2 - عبد الرحمن بن أبي عبد الله أنه سئل الصادق (عليه السلام) عن رجل أعمى صلى على غير القبلة؟ فقال: إن كان في وقت فليعد، وإن كان قد مضى الوقت فلا يعد، قال: وسألته عن رجل صلى وهي متغيمة، ثم تجلت فعلم أنه صلى على غير القبلة؟ فقال: إن كان في وقت فليعد، وإن كان الوقت قد مضى فلا يعيد. الفقيه 1: 179 / 844. 3 - تقدم في الصفحة 97. 4 - تقدم في الصفحة 96.

[ 108 ]

كفاية الواحدة - مع عدم كفاية الاجماع في مثل المسألة، للاعراض، وليس بحجة، ولا بموهن في الحقيقة، فما في كلامهم غير متين. في بيان ظهور رواية قرب الاسناد في الاختصاص وبيان المناقشة فيها نعم، رواية قرب الاسناد ظاهرة في الاختصاص، وأن التوسعة مخصوصة بالمجتهد، لاشتمالها على قول منسوب إلى أمير المؤمنين (عليه السلام)، حيث قال: فلا إعادة عليه إذا كان فيما بين المشرق والمغرب (1). إلا أن الحسين بن علوان لم يوثق، ولم يكن أصحاب الاجماع والاجلاء يروون عنه، إلا الحسين بن سعيد الاهوازي، وإن قال ابن عقدة: إن الحسن كان أوثق من أخيه وأحمد عند أصحابنا (2) انتهى. ويكون أكثر رواية منه في الكتب الاربعة، مع رواية ابن فضال عنه (3)، فلا يبعد اعتباره، ويكون أقوى من أخيه حسب مشربنا، إلا أن الاعتماد على قرب الاسناد عندي مشكل، على حذو تقييد هذه المطلقات الكثيرة، حتى عن أميرا لمؤمنين (عليه السلام)، ولا سيما معتبر زرارة الظاهر في الادعاء الذي لا يجوز في مورد يخص بحكم واحد غير ظاهر، فلا تغفل، كما مر.


1 - عن الحسن بن ظريف عن الحسين بن علوان عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي (عليهم السلام)، أنه كان يقول: من صلى على غير القبلة وهو يرى أنه على القبلة ثم عرف بعد ذلك فلا إعادة عليه إذا كان فيما بين المشرق والمغرب. قرب الاسناد: 113 / 394، وسائل الشيعة 4: 315، كتاب الصلاة، أبواب القبلة، الباب 10، الحديث 5. 2 - رجال العلامة الحلي: 216. 3 - الكافي 1: 450 / 34.

[ 109 ]

فتحصل: أن مقتضى الصناعة صحة صلاة المتحري، ولو كانت دبر القبلة. تنبيه: الاستدلال برواية محمد بن الحصين لصحة صلاة غير المجتهد أيضا في التهذيب بإسناده عن الاهوازي، عن محمد بن الحصين، قال: كتبت إلى العبد الصالح (عليه السلام): الرجل يصلي في يوم غيم، في فلاة الارض، ولا يعرف القبلة - إلى أن قال (عليه السلام): أو لم يعلم أن الله تعالى يقول وقوله الحق: (فأينما تولوا فثم وجه الله...) (1) (2). ومقتضى ذلك التعليل صحة الصلاة مطلقا ولو كانت مستدبرة، إلا أن في نفسها أنه يعيدها ما لم يفته الوقت (3) ولكنه محمول على الاستحباب، وإيلزم المناقضة، فعندئذ تصح صلاة غير المجتهد أيضا، قضاء لحق العلة. اللهم إلا أن يشكل متنا، لعدم ظهوره في التعليل، كما هو الظاهر، مع أن الحصين غير معتبر، مع أن خبر الساباطي السابق يقيده لاخصيته منه.


1 - البقرة (2): 115. 2 - عن الحسين بن سعيد، عن محمد بن الحصين قال: كتبت إلى عبد صالح: الرجل يصلي في يوم غيم في فلاة من الارض ولا يعرف القبلة، فيصلي حتى إذا فرغ من صلاته بدت له الشمس، فإذا هو قد صلى لغير القبلة، أيعتد بصلاته أم يعيدها؟ فكتب: يعيدها ما لم يفته الوقت، أو لم يعلم أن الله يقول وقوله الحق: (فأينما تولوا فثم وجه الله)؟! تهذيب الاحكام 2: 49 / 160. 3 - نفس المصدر.

[ 110 ]

نتيجة ما تقتضيه جميع الطوائف فبالجملة: مقتضى مجموعة الطوائف، حسب ما مر، أن اغتفار القبلة أو توسعتها لا تختص بالثمن، ولا بالربع، بل هو أوسع منهما ولا تختص بطائفة المتحرين في الشبهات الموضوعية، وإن كان كثير من الاخبار ناظرا إليهم، لان سائر الطوائف بالنسبة إليهم، في عصر الائمة (عليهم السلام) قليلة، والاستدبار أيضا كذلك، ولكن لا يوجب قصورا في بعض الاخبار الاخر، كما مر، وأن تلك الطوائف من الموجبتين. فلا ينافي تقييد صحة الصلاة بالتحري بقوله (عليه السلام): فحسبه اجتهاده أو غير ذلك، ذلك الاطلاق، وإلا يلزم سقوط كافة الاطلاقات، في أبواب المعاملات، بالنسبة إلى الامتعة الحديثة. بقي شئ: فيما تقتضيه القواعد إن مقتضى القواعد، بعد الغض عن مثل معتبر زرارة الظاهر في الاطلاق، حيث قال: لا صلاة إلا إلى القبلة، ثم قال: ما بين المشرق والمغرب قبلة كله قال: قلت: فمن صلى لغير القبلة، أو في يوم غيم... (1). أفهل ترى في نفسك أنه يعتبر في عنوان الصلاة، الاستقبال، وأن يكون هو ما بين المشرق والمغرب، وأنه فرض أمرا أعم من الشبهة الموضوعية لقوله: أو في يوم غيم في مقابل الفرض الاول، وأنه


1 - تقدم في الصفحة 92.

[ 111 ]

مخصوص ومنصرف إلى المتحري أو الغافل، أو ترى أنه في هذا الموقف أعم جدا؟!. وهكذا بعد الغض عما في أبواب صلاة الموتى، في رواية أبي هاشم معللا بقوله (عليه السلام): فإن بين المشرق والمغرب قبلة (1) وفي ذيل معتبر ابن عمار: ما بين المشرق والمغرب قبلة (2). ولا وجه لحمله على الصدر، بل الصدر من موارده، حسب الظاهر، مع أن الصدر لا يشمل الجاهل والناسي بالنسبة إلى الحكم، ولكن يشمل غيرهما من الفرق كالقاطع بالقبلة وغير ذلك. ولو قلنا: بأن التحري أعم من الفاحص بالفعل، أو من حصل له نتيجة الفحص، وهو الوثوق النوعي أو الشخصي، فالامر أسهل. فالمهم: أن الجاهل بالحكم، إن كان مقصرا فهو عندنا كالعامد على الاشبه، وإن كان قاصرا أو ناسيا له، لاعن عمد وتدبير، فإنه لا يبعد التحاقهما بسائر الطوائف.


1 - أبو هاشم الجعفري قال سألت الرضا (عليه السلام) عن المصلوب، فقال: أما علمت أن جدي (عليه السلام) صلى على عمه؟ قلت: أعلم ذلك، ولكني لا أفهمه مبينا، فقال: ابينه لك إن كان وجه المصلوب إلى القبلة فقم على منكبه الايمن، وإن كان قفاه إلى القبلة فقم على منكبه الايسر، فإن بين المشرق والمغرب قبلة، وإن كان منكبه الايسر إلى القبلة فقم على منكبه الايمن وإن كان منكبه الايمن إلى القبلة فقم على منكبه الايسر، وكيف كان منحرفا فلا تزايلن مناكبه، وليكن وجهك إلى ما بين المشرق والمغرب، ولا تستقبله ولا تستدبره البتة. الكافي 3: 215 / 2، تهذيب الاحكام 3: 327 / 1021، وسائل الشيعة 3: 130، كتاب الطهارة، أبواب صلاة الجنازة، الباب 35، الحديث 1. 2 - تقدم في الصفحة 96.

[ 112 ]

ويؤيد ذلك بعض الاطلاقات الاخر كما في خبر الحلبي: رجل يصلي بالقوم ثم يعلم أنه صلى بهم إلى غير القبلة، فقال: ليس عليهم إعادة شئ (1)، فإن قوله: ثم يعلم أنه صلى بهم إلى غير القبلة جامع للشبهة الحكمية والموضوعية، وإنما يبعد الاطلاق، لكونه من الاطلاق السكوني، بترك التفصيل، وهو في تلك العصور غير لازم، بعد شهرة المسألة. ولا يقاس معتبر زرارة بمثله، فإنه أمر ابتدائي، وإخبار تشريعي، ولا وجه لصرفه إلى المجتهد، أو الفاحص المخطئين، بتوهم كثرة الاخبار في الموضوعية، وفي خصوص المسألة، أو بتوهم إتضاح الحكم، أو بتوهم امتناع اختصاص الحكم بالجاهل والناسي (2)، فإنه واقع في الفقه كثيرا (3)، ولاسيما في الحج (4)، وحتى في الحكم الوضعي، كما في القبلة عند التذكية (5)، وغير ممنوع عقلا، حسب ما تحرر في الاصول (6)، وفيما سلف.


1 - جامع أحاديث الشيعة 7: 418، كتاب الصلاة، أبواب الجماعة، الباب 66، الحديث 2، تهذيب الاحكام 3: 40 / 142، وسائل الشيعة 8: 375، كتاب الصلاة، أبواب صلاة الجماعة، الباب 38، الحديث 1. 2 - فرائد الاصول 2: 484. 3 - العروة الوثقى 1: 650، فصل في القراءة، المسألة 22 و 2: 160، فصل في أحكام صلاة المسافر. 4 - العروة الوثقى 2: 562، كتاب الحج، فصل في أحكام المواقيت، المسألة 8 و 9، تحرير الوسيلة 1: 412، المسألة 6. 5 - العروة الوثقى 1: 549، فصل في أحكام الخلل في القبلة، المسألة 2، مستمسك العروة الوثقى 5: 237، الهامش 2. 6 - تحريرات في الاصول 8: 102 - 105.

[ 113 ]

وبالجملة: بعد الغض عما سلف، فقضية القواعد، هل هو صحة الصلاة مطلقا، فلا قضاء طبعا، أو هو البطلان في الوقت والقضاء خارجه، كما هو مختار العروة وجمع (1)، أو يفصل بين الجاهل وغيره (2)، أو بين القاصر والمقصر، أو غير ذلك من المحتملات؟ وحيث إن إطلاق عقد المستثنى يقتضي البطلان، وبعد حكومة معتبر زرارة عليه، تصير القبلة في المستثنى واسعا إلى الحد الذي عرفت منا، فلا تكون صلاة الجاهل وغيره، المنحرف عن الكعبة إلى تلك المحدودة بلا قبلة طبعا، فترجع المسألة ومحط النزاع إلى الجاهل بالحكم المستدبر، وهكذا الناسي. ومنه يعلم مقتضى القواعد، بالنسبة إلى المنحرف يمينا ويسارا - بناء على عدم كونه من القبلة حكما - كما سيظهر، إن شاء الله تعالى. نعم، ربما يشكل الامر من جهة أن الجاهل بالاشتراط لا يأتي بقيد المأمور به، وهو قصد القربة إلى الله تعالى، فإن هذا أيضا معتبر في جميع خصوصيات العبادات الدخيلة في الامر، وهكذا الغافل الناسي. اللهم إلا أن يقال: برجوعه إلى عقد المستثنى منه، لان المستثنى هو الاستقبال والقبلة، فمن أتى بصلاته إلى القبلة بلا قربة في خصوص القبلة، لا تكون صلاته بدون القبلة حسب اللغة، وإن كان بحسب


1 - العروة الوثقى 1: 548، فصل في أحكام الخلل في القبلة، المسألة 1، النهاية، الشيخ الطوسي 1: 286، الصلاة (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 205 - 206. 2 - العروة الوثقى 1: 548، فصل في أحكام الخلل في القبلة، الهامش 4.

[ 114 ]

الاصل الاولي، والشرطية باطلة، كما مر في المباحث السابقة، وعندئذ يتوجه إلى الاعلام القائلين ببطلان الاستقبال إذا أخل بقربته، ومع ذلك تمايلوا إلى الصحة هنا، فلا تغفل. تذنيب: الكلام في موارد الجهل والنسيان مع كون المصلي مستدبرا القبلة بعد ما عرفت المسألة، يتمحض الكلام في موارد الجهل والنسيان، مع كونه مستدبرا، فإن الادلة الخاصة قاصرة عن إبطالها من جهة فقد القبلة، إلا أن مقتضى إطلاق لا تعاد وصدر معتبر زرارة، هو بطلانها، ولكن بعد حكومة حديث الرفع على الادلة الاجتهادية الاولية، تصير النتيجة صحة الصلاة. وتوهم امتناع اختصاص الحكم بالعالم في غير محله (1)، كما اشير إليه، وهكذا توهم صحة عبادة الجاهل بالحكم دون الموضوع، وهكذا ناسي الحكم، دون الموضوع، فإنه تفصيل بعيد غير تام، لان المتبع هو الدليل، دون القياس والاستبعاد. إن قلت: فلو كانت لفقرات حديث الرفع حكومة على عقد المستثنى، لم يبق للعقد المذكور مورد، فلا بد من صرف حديث الرفع عن عقد المستثنى، فرارا عن اللغوية، كما في موارد الاستصحاب وقاعدة التجاوز.


1 - الصلاة (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 189، مستمسك العروة الوثقى 7: 381.

[ 115 ]

قلت: أولا: بعد البناء على عدم شمول حديث الرفع لمورد الجهل التقصيري، لا تلزم اللغوية، ولا ندرة مورده. وثانيا: لو قلنا بشموله له، يكون مقتضى الادلة الخاصة بطلان من أخل بالقبلة، ثم توجه في الوقت، فيكون عقد المستثنى مورد العمل في هذه الموارد. وثالثا: لا وجه لصرف عقد المستثنى، لامكان المعارضة، فيكون المرجع أو المرجح هي الادله العامة، اللهم إلا أن يقال: إن مقتضى استيعاب عقد المستثنى هو العلم الاجمالي، بعدم صالحية إحدى الفقرات، أو بعضها، للحكومة، فتكون المعارضة بين الفقرات، وتصير النتيجة سقوط الكل مادام لم يتبين المخصص، أو أن مقتضى العلم الاجمالي هو ورود المخصص على دليل القبلة، فيلزم سقوط هذا الدليل عن صالحية المرجعية عندئذ. هذا ولكن الاستيعاب، أيضا قابل للمنع في مورد الاكراه والاضطرار، فاغتنم، وتفصيله في الاصول. النسبة بين حديث الرفع وصدر معتبرة زرارة بقي شئ: وهو النسبة بين حديث الرفع وصدر معتبر زرارة، فإنه (عليه السلام) قال: لا صلاة إلا إلى القبلة فإنه إن اريد منه الكناية عن شرطية القبلة في الصلاة، أو إفادة الشرطية بوجه آخر، غير الكناية،

[ 116 ]

فإطلاقه محكوم حديث الرفع، وأما إذا كان مفاده: أن الاستقبال نحو القبلة دخيل في ماهية الصلاة، عنوانا واسما، في محيط التعبد والتشريع ادعاء، فإنه لا يمكن حكومة الحديث عليه، لان محط النزاع هو ما إذا كان الفاقد للقبلة صلاة، كي يكون امتثالا للامر بالصلاة، وهذا غير جائز في هذه الصلاة والفرض، فيلزم اختلاف النسبة بين حديث الرفع وعقد المستثنى، وبين الحديث وصدر معتبر زرارة. اللهم إلا أن يقال: إنه بعد ما يكون الاستقبال مقوم الاسم والعنوان على الاطلاق، يمكن التقييد. نعم، لاحد دعوى إباء لسان الصدر عن التقييد، فلازمه بطلان الصلاة في صورة الاخلال بالقبلة، بالاستدبار جهالة ونسيانا، كما هو ظاهر الاصحاب رضي الله عنهم - (1)، فليلاحظ جيدا. ومما ذكرنا يظهر: وجه تخيل جماعة من التفصيل بين الاعادة والقضاء، فإن منشأ ذلك الادلة الخاصة، بتوهم الاطلاق للادلة المفصلة، مع أن ظاهر جملة منها هو الاختصاص بالشبهة الحكمية، ولو ثبت الاطلاق لبعضها فهو مقتضى الصحة حتى في الوقت، كخبر عبد الرحمن (2) وأشباهه.


1 - المقنعة: 97، المراسم: 61، الغنية، ضمن جوامع الفقهية: 494 / السطر 4، قواعد الاحكام 1: 27 / السطر 6، الروضة البهية 1: 89 / السطر 1. 2 - عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إذا صليت وأنت على غير القبلة واستبان لك أنك صليت وأنت على غير القبلة وأنت في وقت فأعدو إن فاتك الوقت فلا تعد. الكافي 3: 284 / 3، تهذيب الاحكام 2: 47 / 151، وسائل الشيعة 4: 315، كتاب الصلاة، أبواب القبلة، الباب 11، الحديث 1.

[ 117 ]

احتمال اختصاص قاعدة لا تعاد بالوقت عند الاخلال بالقبلة نعم، لاحد دعوى أن قاعدة لا تعاد تختص بالوقت، وبالالتفات في الوقت، وعلى هذا لو التفت إلى الاخلال بالقبلة خارج الوقت فالادلة الاولية المتصدية لاشتراط القبلة، قاصرة عن إفادة الشرطية في هذه الصورة، ولا إطلاق لادلة القضاء لايجاب المماثلة، وإيجاب الصلاة الفاقدة للقبلة، خارج الوقت، فعليه تكون البراءة مرجعا، لو التفت إلى الاخلال بعد مضي الوقت. وأنت خبير: بأنه مجرد تقريب، لا يرجع إلى محصل، فإن قاعدة لا تعاد ليست إلا كناية عن الصحة، في ناحية عقد المستثنى منه، والبطلان في ناحية المستثنى، فلو كانت الصلاة باطلة في الوقت، فالضرورة قائمة على القضاء في خارج الوقت، وليس عنوان الاعادة مخصوصا بالوقت، حسب اللغة والروايات، وإن كان الاصطلاح عليه، إلا أنه غير نافع، فلا تخلط. ولذلك لو أخل بالوقت، تجب عليه الاعادة، حتى في خارج الوقت، لان المفروض ذلك، فتأمل.

[ 118 ]

مسألة فيها مسائل لو التفت في أثناء الوقت أنه أخل بالقبلة فإن كان بين المشرق والمغرب، فليتوجه إلى القبلة، ولا يضر بعد التوجه، إخلاله اليسير اللازم عقلا للتوجه إليها، وهذا في مورد سعة الوقت أو ضيقه. وأما في صورة الجهل والنسيان، فالامر كما مر بالنسبة إلى الالتفات بعد الفراغ، بناء على ظهور معتبر الساباطي السابق في الشبهة الموضوعية، وإلا فيشكل على بنائهم - من الشبهة الثبوتية - وحيث إنها منتفية عندنا، فلا يبعد التفصيل بين القول ببطلان الصلاة في الشبهة الحكمية، إذا توجه في الوقت، بعد الفراغ، دون التوجه في الاثناء، نظرا إلى أنه بعد إدراك القبلة في الجملة، يندرج في عقد المستثنى، ضرورة أنه لا تكون صلاته فاقدة للقبلة، ولا يضر الاخلال في الاثناء بعد الالتفات، لدلالة الاقتضاء. هذا على القول بأن الانحراف إلى اليمين واليسار بحكم الاستدبار، وإلا فلا بحث، كما هو الاشبه الاقرب عندنا، نعم، إنه كان إلى القبلة، بحسب إطلاق معتبر زرارة وغيره، في غير حال العمد. ومن هنا يظهر حكم الاكراه والاضطرار. وغير خفي: أنه لو كان في الاثناء، ثم توجه إلى شرطية القبلة فيها، وقلنا بعدم ورود الادلة الخاصة لحال الجهل والنسيان، بالنسبة

[ 119 ]

إلى الحكم، فاغتفار تلك الحالة الثانية، حسب أدلة الاقتضاء، محل تردد، كما سيمر عليك تحقيقه. في خلل القبلة إذا التفت في أثناء الصلاة مع ضيق الوقت وإذا التفت في الاثناء، وهو في ضيق الوقت، بحيث لو استأنف يلزم فوت صلاته، ولكنه يدرك ركعة، أو يدرك مقدارا أقل من ركعة، وكان مستدبرا، فإن قلنا: بأن معتبر الساباطي في موقف الدلالة على بطلان صلاة المستدبر على الاطلاق - سواء كان في السعة أو الضيق - كما هو غير بعيد، فيقطع صلاته، ويدرك المقدار الميسور، ركعة كان أو الزائد عليها، كما قال به السيدان الاصفهاني والوالد المحقق - عفي عنهما - (1)، وهو ظاهر إطلاق كلام جمع، كالفقيه اليزدي وغيره (2)، وذلك لان الاستدبار على خلاف عقد المستثنى، فتكون الصلاة باطلة، وتصح عند إدراك ركعة، لما تحرر في محله (3). وأما لو قلنا: بأن مفاد الخبر مخصوص في فرض التوسعة، لندرة ضيق الوقت، فالمسألة بشقيها مندرجة في بحث الاهم والمهم، من ناحية إبطال الصلاة، وكفاية درك مقدار من الوقت، أو التفصيل بين ما كان


1 - وسيلة النجاة 1: 141 - 142، تحرير الوسيلة 1: 141، المسألة 4، الخلل في الصلاة، الامام الخميني (قدس سره): 68. 2 - العروة الوثقى 1: 548، فصل في أحكام الخلل في القبلة، المسألة 1، المبسوط 1: 81. 3 - رسالة في قاعدة لا تعاد، للمؤلف (قدس سره) (مفقودة).

[ 120 ]

المقدار المتدارك ركعة أو الاقل، نظرا إلى ما ورد في خصوص كفاية درك الركعة، وقاعدة الميسور الجارية في مثل المقام. أو التفصيل بين كونه ملتفتا إلى خطأه في القبلة، مع غفلته حين التحول إليها، وبين التفاته إليها وهو مستدبر، نظرا إلى أنه في الفرض الاول، تصح صلاته، بحديث الرفع، بالنسبة إلى حال الخطأ، وبأدلة شرطية القبلة بالنسبة إلى حال الالتفات. وحيث إن الوقت مما يهتم به في الشرع، حسب ما يستفاد من موارد كثيرة، لا يبعد حرمة الابطال، حتى بالنسبة إلى درك الاقل من ركعة، كما أنه مقتضى ما تحرر منا، من كفاية درك بعض الوقت لصحة الصلاة، نظرا إلى أن طبيعة الصلاه تقع في الوقت، بوقوع جزء منها فيه، كما في أول الوقت في بعض الصور. ولولا الادلة الخاصة الظاهرة في خلاف ما اشير إليه، لقلنا بجواز ذلك عمدا. وأما اغتفار التحول إلى القبلة، فهو في غير مورد الادلة الخاصة، يحتاج إلى التشبث بالدليل الخاص الاتي إن شاء الله تعالى، في موارد الجهل والنسيان، بالنسبة إلى الحكم في الاثناء. اختصاص معتبر الساباطي بصورة سعة الوقت والذي هو الاشبه الاظهر: أن معتبر الساباطي يختص بصورة الشبهة الموضوعية، ولا يبعد اختصاصه بصورة سعة الوقت، ولو كان الامر بالقطع والتوجيه والافتتاح، أمرا إرشاديا إلى البطلان، لاحتمال عدم

[ 121 ]

كفاية درك الركعة في المسألة، ففي هذه الصورة وهي الالتفات إلى استدباره، نرجع إلى القواعد. وإذا كان الابطال، ولاسيما في مثل المقام، موجبا لعدم درك بعض الوقت، مع كشف أهمية الوقت، يتم صلاته، ولو كان مقتضى ما تحرر، كفاية وقوع بعض الطبيعة في الوقت، لان إدراك الوقت أهم شئ، والله العالم، فتأمل جيدا. ومما ذكرنا يظهر: حال خبر القاسم بن الوليد (1)، مع أنه لم يثبت عندي وثاقته، بل هو معرض عنه، بالنسبة إلى ذيله - بناء على أن المراد من قوله: رجل تبين له وهو في الصلاة، أنه على غير القبلة... إلى آخره - كان مستدبرا - وسيمر عليك إن شاء الله تعالى ما ينفعك في الفرع الاتي. مسألة: الالتفات إلى الاستدبار في الاثناء للشبهة الحكمية هذا تمام الكلام في الالتفات إلى استدباره في الاثناء، في الشبهة الموضوعية، وأما في الشبهة الحكمية، أو نسيان الحكم، فربما يمكن تصحيح الصلاة مطلقا، ولو كان التفاته قبل التوجه، وكان يدرك ركعة لو قطع، كما أن ظاهر القوم - رضي الله عنهم - بطلانها على الاطلاق، ويحتمل


1 - القاسم بن الوليد قال: سألته عن رجل تبين له وهو في الصلاة أنه على غير القبلة؟ قال: يستقبلها إذا أثبت ذلك وإن كان فرغ منه فلا يعيدها. تهذيب الاحكام 2: 48 / 158، وسائل الشيعة 4: 314، كتاب الصلاة، أبواب القبلة، الباب 10، الحديث 3.

[ 122 ]

التفصيلين التاليين: الاول: بين ما لو قطع ويدرك ركعة، وما لو قطع ويدرك الاقل منها. والثاني: بين ما لو التفت وهو قبل التحول إلى القبلة، أو كان بعد التحول إليها اتفاقا. وظاهر المتعرضين للمسألة، هي الصورة السابقة، وهي الخطأ في الموضوع، كما عن المدارك وجمع من المتأخرين، بل وهو المنسوب إلى الشهيدين (1). فالمفروغ عنه عند القدماء، بل هو صريح ابن سعيد (2)، حيث فرض الخطأ، هو البطلان، نظرا إلى القواعد الاولية، وإطلاق عقد المستثنى، بل وإطلاق معتبر الساباطي على تقدير، بعد قصور خبر ابن الوليد سندا، بل ودلالة. في دلالة الاخبار المشتملة على التقييد بالفراغ من الصلاة وتوهم: دلالة الاخبار المشتملة على التقييد بالفراغ (3)، اللازم منه صحة الصلاة في الاثناء، في غاية الوهن في المسألة، وفي المسألة السابقة أيضا، لان المنظور من الفراغ هو الالتفات إلى الاخلال في


1 - مدارك الاحكام 3: 154، ذخيرة المعاد: 222 / السطر 40، رياض المسائل: 120 / السطر 15، جواهر الكلام 8: 37 - 38. 2 - الجامع للشرايع: 63. 3 - مستمسك العروة الوثقى 5: 234.

[ 123 ]

الوقت، وندرة التوجه إلى الخطأ في الاثناء، ولذلك ترى أن الاخبار الخاصة، إلا معتبر زرارة، ظاهرة أو صريحة في الخطأ، كما أن أكثرها جدا غير متعرض لعنوان الفراغ. مع أن جوابه (عليه السلام) عن السؤال لا يقاس بمثل معتبر زرارة، لان الاول قريب حمله على الشبهة الموضوعية، لمعلومية اعتبار القبلة في عصر الائمة (عليهم السلام)، فعلى هذا لا دليل في خصوص الشبهة الحكمية، بالنسبة إلى الاثناء. فعلى هذا يمكن تصحيح الصلاة المذكورة، نظرا إلى جريان حديث الرفع إلى حال العلم بالاشتراط، وكفاية درك مقدار من الصلاة إلى القبلة، حسب ما عرفت في عقد المستثنى، مع حكومة الحديث عليه، واغتفار الحالة الثالثة، وهي ما لو التفت وعلم، وهو مستدبر، كما في سائر الشرائط، فلذا لو توجه في الاثناء إلى عدم الستر أو لبس النجس، فإنه بمقدار الحاجة إلى الستر وإبقاء الثوب النجس لا يضر باشتراط الستر أو الطهارة، مع أنه فعلا عامد وعالم، ولا يشمله عقد المستثنى. وتوهم: أنه فرق بين الاستدبار القاطع وهذه الامثلة، في غير محله، فإن ما ثبت قاطعيته، هو في صورة الخطأ، فالادلة العامة كالخاصة من هذه الجهة عرفا، وإن لم يكن الامر كذلك صناعة. هذا، مع أن ذلك هو المستفاد من مجموع ما ورد ل‍ " أن الفقيه يحتال

[ 124 ]

ولا يعيد (1)، ولذلك في موارد التخيير، إذا شك في الركعات فعليه اختيار التمام، كي لا يلزم بطلان عمله. وعند ذلك لا يلزم الدور من التمسك بحديث رفع الاضطرار، كي يتوجه عليه ما حققه الوالد - مد ظله - من: أن صدق الاضطرار موقوف على وجوب الاتمام، أو حرمة القطع (2)، مع أن ذلك موقوف على الالزام المذكور. في بيان قاطعية الاستدبار وتشبيهها بموارد دون موارد اخر ويمكن دعوى: أن قاطعية الاستدبار المستفادة من معتبر الساباطي، وبعض الاخبار الاخر، ليست كقاطعية الحدث والقهقهة والترقص، بل هي مثل الشك في الثنائية والثلاثية، وفي كونه مبطلا للصلاة في صورة الاستقرار، فلو شك في أثناء الصلاة في أنه إلى القبلة أو مستدبر، والتفت إلى استدباره فورا عرفا، فهو كحدوث الحائل في الجماعة، فتكون الادلة قاصرة عن الدلالة على البطلان، حسب الفهم العقلائي، على الاطلاق. وكالتوجه إلى نجاسة ثوبه في الصلاة، وتمكن من الاستبدال، أو تمكن من غسله فورا عرفا، كما في بعض الاخبار، فإن هذا المقدار كما لا


1 - هي مضمون عدة روايات، ومنها رواية حمزة بن حمران عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ما أعاد الصلاة فقيه قط يحتال لها ويدبرها حتى لا يعيدها. تهذيب الاحكام 2: 351 / 1455، وسائل الشيعة 8: 247، كتاب الصلاة، أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الباب 29، الحديث 1. 2 - الخلل في الصلاة، الامام الخميني (قدس سره): 70.

[ 125 ]

يضر بالهيئة الاتصالية المعتبرة في الصلاة - بناء على إمكان اعتبار القاطعية والمانعية في الاعتباريات، على الوجه المحرر عندنا في الاصول (1) - لا يضر باشتراط القبلة والاتصال وعدم الحائل، فإن نسبة الصلاة إلى هذه الامور مختلفة، لاجل اختلاف لسان الادلة بالنسبة إليها - كما لا يخفى - ولو قلنا بأن الاكوان المتخللة من الصلاة، كما هو التحقيق، بل قد أوضحنا: أن للهيئة الاتصالية عرضا عريضا، بالنسبة إلى أنواع العبادات (2). مسألة: لو التفت في أثناء العصر في آخر الوقت، إلى استدباره في الظهر فعلى القول باختصاص الوقت، فلا كلام في المسألة، ووجوب إتمامه عصرا وصحة صلاته ظهرا، لمضي وقتها حسب أدلتها، وكفاية اجتهاده مثلا، وهكذا لو التفت - على الفرض المذكور - إن لم يكن مشتغلا بالعصر. اللهم إلا أن يقال: بأن قضية القواعد بطلانها، والاخبار في المقام ناظرة إلى خارج الوقت، وإن لم يكن وقت للظهر، لعدم الاطلاق لها، أو انصرافها إلى غروب الشمس، لا إلى وقت صلاة الظهر، وهذا غير بعيد. وأما على القول بالاشتراك، فهل يتم عصرا ويقضي الظهر، نظرا إلى أن الترتيب شرط ذكري بين الطبيعتين، وقد سقط، فتعين عليه إتمامه


1 - تحريرات في الاصول 8: 85 - 87. 2 - تحريرات في الاصول 8: 86.

[ 126 ]

عصرا. اللهم إلا أن يقال: بأن مقتضى أخبار العدول (1) وإطلاقها، الشامل للظهر القابل للاتيان به أداء، والعصر الواجب عليه قضاء - ويؤكده أن الترتيب على جميع التقادير ليس قيدا في الظهر، بل هو قيد في العصر، أداء وقضاء - إتمامه ظهرا، وأيضا مقتضى هذه الاخبار اشتراط الترتيب بين الاجزاء، زائدا على الطبيعة، كما تحرر في محله (2)، وهذا لا ينافي وجوب العصر، إذا بقي من الوقت مقدار أربع ركعات، من حين الالتفات. اللهم إلا أن يقال: ما ورد إن هي أربع مكان أربع (3) معناه إن العصر أربع، مكان أربع اخر وهي الظهر، لامكان نفسه، ولو أريد به خلافه، كان المناسب أن يأتي بأربع الثاني محلى بالالف واللام، وتفصيله في محله، أو يعدل إلى الظهر الباطل، لما عرفت، ولان عنوان الاداء والقضاء لا يعتبر شرعا، حسب ما تحرر (4)، وأدلة القضاء تفيد بقاء الامر المتوجه إلى الظهر، حتى بعد مضي الوقت. وإلى ذلك يشير قوله تعالى: (أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق


1 - وسائل الشيعة 4: 290، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت، الباب 63. 2 - تحريرات في الفقه، الواجبات في الصلاة، للمؤلف (قدس سره): 155. 3 - حريز عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام)... قال: إذا نسيت الظهر حتى صليت العصر فذكرتها وأنت في الصلاة أو بعد فراغك فانوها الاولى ثم صل العصر فإنما هي أربع مكان أربع... الكافي 3: 291 / 1، تهذيب الاحكام 3: 158 / 340، وسائل الشيعة 4: 290، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت، الباب 63، الحديث 1. 4 - تحريرات في الفقه، الواجبات في الصلاة، للمؤلف (قدس سره): 47.

[ 127 ]

الليل) (1) مريدا به الصلوات الاربع، وهذا هو الاقرب، والله العالم. مسألة: في صورة إدراك ركعة إذا توجه في أثناء العصر إلى استدباره في الظهر فتارة يلتفت قبل الغروب، واخرى يلتفت بعد الغروب، وهو في أثناء العصر، وثالثة يلتفت بعد الفراغ من العصر، فالمسألة تطلب من محلها، فإن أدلتها مختلفة لسانا واحتمالا ثبوتا. وما هو الاقرب: أن الوقت لم يوسع، بل في هذه الاخبار شهادة على ما ذكرناه، وهو أن مقتضى إطلاق عقد المستثنى، كفاية وقوع بعض الصلاة في الوقت، لان الطبيعة وقعت في الوقت فتكون تامة، كما في بعض الروايات، ونتيجة ذلك جواز التأخير عمدا، إلا أنه خلاف الاجماع ظاهرا، والتفصيل في محله. فعلى هذا، فإن التفت قبل مضي الوقت، فالكلام هنا كما مر، وإن التفت إلى استدباره في الظهر بعد مضي الوقت، فهذه الاخبار محكمة، وصحت صلاته عصرا وعليه الظهر. وغير خفي: أن مقتضى القاعدة كفاية وقوع الاقل من ركعة، كما في أول الوقت، حسب الاخبار الخاصة في غير هذه الصورة، إلا أن ظاهر الاخبار في هذه المسألة عرفا، ومقتضى الاجماعات والشهرات، أنه في صورة عدم العمد لا يعد تارك الصلاة في الوقت، وإلا فصلاته صحيحة، ولو أدرك جزء يسيرا من الوقت، إما عصرا أو ظهرا، كما هو كذلك على كل تقدير، لعدم وجوب تأخير غير المدرك لركعة إلى أن يمضي الوقت، بل


1 - الاسراء (17): 78.

[ 128 ]

هو أولى لقاعدة الميسور، ولانتفاء الاختصاص بالمعنى المعهود. ولا أظن التزام أحد بوجوب الاصطبار إلى مضي الوقت إلى المقدار الذي يدرك فيه ركعة من العصر، حتى يجوز له الشروع في الظهر، بعد فوت وقت أدائهما، إلا بأن يقال بوجوب الشروع في العصر، لقاعدة الميسور، كما اشير إليه. كما لا أظن التزام القائلين بالوقت الاختصاصي، بوجوب اصطبار من أدرك مقدار التشهد من الظهر الصحيح، إلى أن يمضي مقدار أربع ركعات، حسب خبر داود بن فرقد (1) وغيره. وكون أدبهم التفكيك بين الظهرين - كما ينسب إلى الفقيه الاستاذ البروجردي (قدس سره) (2) - لا يقتضي الوقت الاختصاصي، بعد ورود الاخبار على أن الجمع سنة مطلقا، أو في الجملة. وأعجب منه: توهم الجمع بين الاخبار في المسألة الاصلية، بأن الاستثناء في قوله (عليه السلام): إلا أن هذه قبل هذه (3) إن كان من الاستثناء


1 - داود بن أبي يزيد - وهو داود بن فرقد - عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الظهر حتى يمضى مقدار ما يصلي المصلي أربع ركعات فإذا مضى ذلك فقد دخل وقت الظهر والعصر حتى يبقى من الشمس مقدارها يصلي أربع ركعات فإذا بقى مقدار ذلك فقد خرج وقت الظهر وبقي وقت العصر حتى تغيب الشمس. تهذيب الاحكام 2: 25 / 70، وسائل الشيعة 4: 127، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت، الباب 4، الحديث 7 و 18 و 21. 2 - نهاية التقرير 1: 32. 3 - عن عبيد بن زرارة عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قوله تعالى: أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل قال: إن الله افترض أربع صلوات أول وقتها زوال الشمس إلى انتصاف الليل، منها: صلاتان أول وقتهما من عند زوال الشمس إلى غروب الشمس إلا أن هذه قبل هذه ومنها: صلاتان أول وقتهما من غروب الشمس إلى انتصاف الليل إلا أن هذه قبل هذه. تهذيب الاحكام 2: 25 / 72، وسائل الشيعة 4: 157، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت، الباب 10، الحديث 4.

[ 129 ]

المنقطع (1)، فهو خلاف الاصل، فالاستثناء متصل، وهو: أن وقت هذه قبل هذه، فيلزم الجمع بين الطائفتين من الاخبار، فإن الحذف خلاف الاصل، فيلزم الاجمال، مع أن الاستثناء المنقطع كثير في الكتاب الشريف، بخلاف الحذف، فإنه لا يجب الالتزام به حتى في مثل واسأل هذه الدكة فإنه كلام استعمل في معناه اللغوي لنقل السامع إلى المراد الجدي، من دون أن نلتزم بالادعاء، كما تحرر في الاصول (2)، بخلاف قوله تعالى: (لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الاولى...) (3). وقد حررنا تفصيله (4) في ذيل قوله تعالى: (لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم...) (5). بطلان ما ذهب إليه السيد اليزدي والكوه كمري (قدس سرهما) فلا وجه لذهاب السيد الفقيه اليزدي (رحمه الله) إلى أن جميع


1 - مستمسك العروة الوثقى 5: 31 - 33. 2 - تحريرات في الاصول 1: 144 - 146. 3 - الدخان (44): 56. 4 - لعله في المكاسب المحرمة من تحريراته الفقهية وهو مفقود. 5 - النساء (4): 29.

[ 130 ]

الاستثناءات المنقطعة ترجع إلى المتصلة (1)، حتى قوله تعالى: (لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما * إلا قيلا سلاما سلاما) (2). أو ذهاب جد أولادي الحجة الكوه كمري (قدس سره) إليه (3)، وإلا لا يتم الاستدلال بقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): علي (عليه السلام) مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي (4) فإن الحق أن ما تخيلوه، مضافا إلى بطلانه، يكون الاستثناء المنقطع من كمالات الكلمات الكتابية، ووجوه أسرار البلاغة القرآنية والحديثية. تتميم: في بيان ما أفاده الوالد المحقق ما ذهب إليه ا لسيد المحقق الوالد، جمعا بين الطائفتين، بالالتزام بالاشتراك، من جهة إمكان إيجاب الصلاتين على الاطلاق قانونا من أول الوقت، حسب الخطابات القانونية (5)، أيضا غير تام، لانه يختص بصورة كون النسبة بين المتعلقين عموما من وجه، كما حررناه في الاصول (6)، ضرورة امتناع ترشح الارادتين القانونيتين وغيرهما، بإيجاب الوقوف في يوم


1 - حاشية المكاسب، للسيد اليزدي: 126 / السطر 34. 2 - الواقعة (56): 25 - 26. 3 - كتاب البيع (تقريرات السيد الحجة الكوه كمري) التجليل: 325. 4 - يا علي أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا بني بعدي. بحار الانوار 38: 240 و 247، صحيح البخاري 5: 81 / 225. 5 - تهذيب الاصول 1: 310، الخلل في الصلاة، الامام الخميني (قدس سره): 83. 6 - تحريرات في الاصول 3: 345 - 346 و 5: 465 - 466.

[ 131 ]

عرفة على الاطلاق، في عرفات وكربلاء المعلى، بخلاف إيجاب الامرين، وتكون النسبة بينهما عموما من وجه كالصلاة والازا لة، وتفصيله في الاصول. اللهم إلا أن يقال: بكفاية فرض المقنن طرو النسيان، والغفلة، والجهالة، والسهو، والاضطرار، والاكراه، من غير أن يكون أحدهم من الحالات الراجعة إلى التقييد، بل يكون في تلك الاحوال وجوب الوقوف موجودا، ولكنه يكون معذورا، وإلى هذا يشير قوله (عليه السلام): إلا أن هذه قبل هذه (1). ولكن الانصاف: أن هذه الاخبار ليست آمرة بالصلاة، كي يلاحظ أمر ترشح الارادة الباعثة، بل هي بصدد توضيح اشتراط الصلاة بالوقت ولو كان بالامر، كما في قوله تعالى: (أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل...) (2). عدم تمامية تفصيل الوحيد البهبهاني (قدس سره) وتفصيل البهبهاني (رحمه الله) بين القيود المستفادة من الخطابات، والمستفادة من الجمل الاخبارية، بأنه في الصورة الاولى لا يمكن، إذا كان المكلف عاجزا، بخلاف الثانية (3)، في غاية السقوط، ولو صدقه


1 - تقدم في الصفحة 128. 2 - الاسراء (17): 78. 3 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 251.

[ 132 ]

الوالد المحقق - مد ظله - (1)، وتفصيله في الاصول (2)، فلا تهافت من هذه الجهة بين هذه الاخبار، لانها قابلة للجمع ثبوتا. نعم، بعد ملاحظة هذه الاخبار، وأدلة إيجاب الصلاة، يلزم الاشكال الثبوتي، ولكن بعد ملاحظة الادلة الاولية والثانوية، يجمع بين جميع الطوائف، وتصير النتيجة صحة الشريكة، كما تصح سائر الصلوات، ضرورة أن شرطية الترتيب ذكري، إما بين الطبيعتين فقط، أو بينهما وبين الاجزاء، حسب أخبار العدول، فافهم واغتنم. وتفصيل المسألة في بحوث أوقات الصلوات. مسألة: في موارد الاوقات الاضطرارية لو التفت في أثناء الوقت الاضطراري - كما عرفت في أثناء الصلاة الاستدراكية - بإدراك ركعة من الوقت، أو التفت في الوقت الذي لو كان قد صلى فيه تقع تامة، فهل يجب القضاء، إذا صلى الظهر استدبارا، أو المغرب لو أتى بها مستدبرا؟ أما الفرض الاول: فقد عرفت أن أدلة من أدرك (3) لا توجب توسعة الوقت، كي يقال بعدم شمول الاخبار فيما نحن فيه وأنها متعرضة لحال خارج الوقت، ولو كانت تشمل خارج الوقت الاختياري.


1 - تهذيب الاصول 2: 393. 2 - تحريرات في الاصول 8: 104 و 111 - 112. 3 - لاحظ وسائل الشيعة 4: 217، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت، الباب 30.

[ 133 ]

بقي الفرض الثاني، وهو الالتفات إلى الاستدبار في الوقت الاختياري، وهو خارجه، ويكون في الوقت الاضطراري، فإن ثمرة شمول الاخبار، وجوب الاعادة، كما هو واضح. هل تقتضي الادلة الاولية اعتبار الوقت الاضطراري أم لا؟ وهل تجب الاعادة في هذا الوقت أم لا؟ ومما لا يخفى: أنه تارة يقع البحث في أصل اعتبار الوقت الثالث، وهو الاضطراري في مقابل وقت الفضيلة ووقت الاجزاء، حسب الادلة الاولية، واخرى في وجوب الاعادة في الوقت الاضطراري، ضرورة أنه لو قلنا بصحة الصلاة مستدبرا مطلقا، لو التفت بعد خروج الوقت الاختياري، لا تكون ثمرة، ولكنه غير تام، ضرورة أنه تجب الاعادة بالنسبة إلى الجاهل بالحكم عن تقصير، أو الجاهل بالموضوع لا عن اجتهاد، وشبههما، كما ورد في معتبر الساباطي وغيره. وأيضا لو قلنا بعدم الضيق في الوقت الاضطراري، وإنما الضيق لاجل نية الاتيان أداء، وإلا فيجوز التأخير عنه، والاتيان بها بعنوان القضاء، فإنه لا ثمرة في البحث عن المسألة في المقام، ولكنه أيضا مفروغ عنه في كلامهم، لان الوقت الاضطراري لو كان صحيحا، فهو ليس إلا للتضييق وإيجاب الاتيان فيه، وحرمة التأخير عنه، كما في الاختياري، ولاسيما بعد ما تحرر: أن الادائية والقضائية ليستا من العناوين القصدية، ولعله تأتي الاشارة إليه، إن شاء الله تعالى.

[ 134 ]

ذكر ما تقتضيه الاخبار على القول بالوقت الاضطراري إذا عرفت ذلك، فإن قلنا بالوقت الاضطراري، على ما تحرر في محله (1)، فالاخبار هنا بأ لسنتها مختلفة، ففي جملة منها: إن كان قد مضى الوقت فلا إعادة عليه (2). وفي رواية محمد بن الحصين، فكتب (عليه السلام): يعيدها ما لم يفته الوقت (3). وفي رواية يعقوب بن يقطين: فإذا ذهب الوقت فلا إعادة عليه (4). وفي النهاية وردت رواية أنه إذا صلى - إلى أن قال: - ثم علم بعد خروج الوقت، وجب عليه إعادة الصلاة (5)، ولا لسان لقاعدة لا تعاد إلا أنه إذا أتى بها استدبارا، فمقتضى إطلاقه الاعادة، سواء كانت في الوقت الاختياري أو الاضطراري أو غيرهما. كما أن قضية الاطلاق عدم الضيق، إما لان الامر بالاعادة لا يدل على الفور، أو لانه فيما نحن فيه لا يكون الامر إلا إرشادا إلى البطلان. وأما الاعادة فورا في جميع الوقت الاضطراري، أو هو في السعة، كما


1 - مصباح الفقيه، الصلاة: 39، نهاية التقرير 1: 28، مستمسك العروة الوثقى 5: 28. 2 - وسائل الشيعة 4: 315، كتاب الصلاة، أبواب القبلة، الباب 11. 3 - تقدم في الصفحة 109. 4 - تقدم في الصفحة 106. 5 - النهاية، الشيخ الطوسي: 64، وسائل الشيعة 4: 318، كتاب الصلاة، أبواب القبلة، الباب 11، الحديث 10.

[ 135 ]

هو كذلك بالنسبة إلى الاختياري، إذا التفت أول الوقت، فالقاعدة ساكتة، من هذه الجهة، فلا بد من دليل آخر. وفي صدر معتبر زرارة: لا صلاة إلا إلى القبلة (1) فإن لازمه بطلان الصلاة المأتي بها استدبارا، وأما وجوب تداركها رأسا، أو فورا وفي الوقت الاضطراري، فهو أمر آخر. فالامر المهم هو: أن بعد وجود الوقت الثاني الاجزائي الاضطراري الذي لا يجوز التأخير عنه، فهل تكفيه الصلاة المأتي بها استدبارا، نظرا إلى صدق المضي والذهاب والخروج، وأنه قد فاته الوقت، فصرف الوجود كاف في الصدق فصحت صلاته، أم لا، نظرا إلى أنه وإن صدق ذلك، ولكنه يصدق بعد أنه لم يمض الاضطراري، وإنما مضى الاختياري، فلم يفته مطلق الوقت، فليس خارجه على الاطلاق، بل هو من قبيل خارج وقت الفضيلة، نظير ما إذا قيل: أكرم العالم يوم الجمعة، وإلا فيوم السبت ثم ورد: إذا خرج وقت إكرام زيد فلا شئ عليك فإن الظاهر هو خروج جميع الوقتين. فتجرى قاعدة من أدرك أولا بالنسبة إلى الوقت الاول، ثم بالنسبة إلى الوقت الثاني بالنسبة إلى المغربين، على الوجه الذي تحرر بالنسبة إلى سائر الاوقات. ويؤيد ذلك ما في التهذيبين، عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام): إذا صليت إلى غير القبلة فاستبان لك، قبل أن تصبح، أنك صليت على غير القبلة،


1 - تقدم في الصفحة 92.

[ 136 ]

فأعد صلاتك (1). الوقت ظرف للواجب وليس مقوما له بقي شئ: تفصيله في الاوقات، وهو أمر غير مهم هنا، وهو: إن الوقت ولو كان مثل سائر الامور قيدا، وإن الامور الاعتبارية لا تقبل القضايا الحينية، ضرورة دخالة الوقت في الملاك، وإلا فلا وقت للواجب، إلا أن مقايسة العرف أمثال هذه المسألة بمسائله، توجب فهم القضية الحينية الاعتبارية، غير الجائز تأخير الواجب عنه. وبعبارة اخرى: ليست القضية المتشكلة متقيدة، بل الاوقات ظروف الواجبات، إلا أنه لا يجوز التأخير عن تلك الاحيان والظروف، وأما الطبيعة فهي بعد تلك الظروف باقية على لزومها، لان الوقت ليس من مشخصات الامر، ومقومات الطلب المتعلق بنفس الطبيعة. فإذا تبين له أن الطبيعة باطلة، لاجل الاستدبار أو تبين أنه لم يأت بها حقيقة أو ادعاء، لقوله (عليه السلام): لا صلاة إلا إلى القبلة (2)، فلا حاجة إلى الامر الاخر المتعلق بعنوان القضاء، أو الكاشف لتعدد المطلوب، أو بقاء الامر الاول المتعلق بالطبيعة، الفاني فيها التقيد بالوقت، فإنه لا يوجب تعدد الطبيعة، ولا يضر بوحدتها. وإطلاق الفقهاء الاعادة على الفرد الثاني في الوقت، والاستئناف


1 - تهذيب الاحكام 2: 48 / 156، الاستبصار 1: 297 / 1094. 2 - تقدم في الصفحة 92.

[ 137 ]

على العود من الاثناء، والقضاء على الفرد الخارج تفنن في التعبير، وإلا فالاداء والقضاء ليسا من العناوين القصدية الشرعية، بخلاف الظهرية والعصرية، بل هما من قبيل الصلاة كاسيا والصلاة عاريا، أو مع الطهور و بلا طهور، وهكذا. نعم، لا منع من قيام الدليل على عدم الوجوب، وانتفاء الامر، كما فيما نحن فيه، بالنسبة إلى الالتفات إلى الاستدبار خارج الوقت، في خصوص المجتهد المخطئ، أو الاعم منه ومن سائر ذوي الاعذار. تنبيه: في بيان تقدم لا تعاد على حديث الرفع ما كان وجه - حسب ما عرفت - لتقديم العقد الثاني لقاعدة لا تعاد على حديث الرفع، وكان تقدمه عليها حكومة، واضحة، لانها به تتقيد، من غير أن يلزم اللغوية كما مر (1). ولكن ربما يخطر بالبال: أن المذكورات في العقد المستثنى لها الامتياز بالنسبة إلى سائر الاجزاء، فلو كانت الصلاة بالترك العمدي باطلة بالنسبة إلى المجموع، واشتركت سائر الاجزاء والخمسة في بطلانها بتركها مثلا، وأيضا كانت باطلة بالنسبة إلى النقيصة عن الجهل التقصيري، أو هو والقصوري - كما قيل - وكانت صحيحة في صورة النقصان بالنسبة إلى سائر الاجزاء غير الخمسة، إما من جهة عقد المستثنى منه، أو من أجل حديث الرفع، فلا يبقى امتياز لتلك الخمسة،


1 - تقدم في الصفحة 61 و 114.

[ 138 ]

بالضرورة. وأما إيجاب الاعادة بالنسبة إلى الخمسة، حسب الادلة الخاصة، فهو ولو كان تاما، إلا أنه لابد في مقام ملاحظة الادلة، مراعاة النسبة في حد نفسها، وربما لا تكون تلك الادلة الخاصة إلا مترشحة عن تلك القاعدة. هذا مع أن المحرر عندنا في الاصول، اختصاص جريان حديث الرفع بصور النسيان والجهل بالحكم الوضعي أو التكليفي، لانه قابل للجعل، فإن الجزئية مجعولة، لا الجزء، فإنه يعتبر فانيا في اعتبار الكل، وتقديره، لا بما أنه جزء عنوانا، بل ذاته ممتنع أن تناله يد الجعل، فإنها تنال محمول القضية، وهو أن السورة جزء، أو جزئية السورة المنتزعة من جعله جزء، دون موضوع القضية، وهي ذات الاستقبال والسورة، والتفصيل في محله إن شاء الله تعالى (1). تذنيب: الاية تبين ظرف الصلوات الخمس على نحو القضية الحينية تفصيل الكلام في أن الوقت الاضطراري للعشائين، أو لخصوص العشاء، أو انقضاء الوقت كلا، بذهاب النصف أو الثلث، أو غير ذلك، يطلب من محله، وإنما نشير هنا إجمالا، إلى أن الاظهر فيما بين محتملات الاية (2)، إنها بصدد بيان ظرف الصلوات الخمس، على نعت القضية الحينية،


1 - تحريرات في الاصول 7: 109 - 110. 2 - (أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل). الاسراء (17): 78.

[ 139 ]

وغسق الليل هو اشتداد الظلمة، وهو وقت وسيع، فلا يكون هناك اعتبار بنصف الليل الحقيقي، ولا بطلوع الفجر، أو الثلث الاول، ولا سيما في عصر الاية، حيث لا يتمكنون من تشخيص النصف والثلث، لفقد القرائن الواضحة والامارات الموجودة في هذه الاعصار. فعلى هذا المنهاج، يجوز أن يقال: إن المراد من انتصاف الليل، مقدار من الوقت مسامحة، وأما الوقت الاضطراري فلا دليل عليه، بعد الشهرة غير الواضح وجودها، مع احتمال اتكائهم إلى بعض الاجتهادات. نعم، مقتضى حديث عبيد السابق (1) اعتبار الوقت الثالث للعشائين، إلا أنه غير ثابت كونه موردا للشهرة العملية، وقد حررنا في الاصول: أن مجرد التوافق في المضمون لا يكفي للجبران (2). هذا، مع أن المحكي موافقته لفتوى المشهور، بل المتفق عليه من العامة المخالفين، الذين الرشد في خلافهم، مع أن الرواية الواحدة لا تكفي لمثل هذه المسألة المبتلى بها الشيعة، بل عامة الناس دائما. وأيضا، أن المتعارف يكون التأخير عن النصف، لاجل أحد الاعذار من النوم والنسيان، وحصول الطهارة، فلا يمكن استفادة الوقت الاضطراري، للمختار العاصي من هذه الادلة، فوجوب البدار بعد انتصاف


1 - عن عبيد بن زرارة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: لا تفوت الصلاة من أراد الصلاة، لا تفوت صلاة النهار حتى تغيب الشمس، ولا صلاة الليل حتى يطلع الفجر، ولا صلاة الفجر حتى تطلع الشمس. تهذيب الاحكام 2: 256 / 1015، وسائل الشيعة 4: 159، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت، الباب 10، الحديث 9. 2 - لاحظ تحريرات في الاصول 6: 393.

[ 140 ]

الليل غير معلوم، وعلى خلاف الاصل. وتوهم (1) عدم المعارضة، بين رواية عبيد ورواية اخرى له، كي يؤخذ بالمخالف، في غير محله، لانه مضافا إلى أنه خلاف مفهوم الغاية من الكتاب العزيز، خلاف مفهوم رواية عبيد الاخرى، حيث قال فيها: ومنها صلاتان، أول وقتهما من غروب الشمس إلى انتصاف الليل (2). وكان حديث عبيد السابق لا تفوت الصلاة، من أراد الصلاة، لا يفوت صلاة النهار حتى تغيب الشمس، ولا صلاة الليل حتى يطلع الفجر (3) فإنه ربما اريد بصلاة الليل، صلاة الليل، لا العشاءان، ومن صلاة النهار نوافله، هذا كله حكم نسخة التهذيبين (4) زيادة على الفقيه (5) وهو يوجب الركاكة، فليراجع كما مر ما ذكرناه من الخلل على فرض الوقت الثالث للعشائين. ومما يؤيدنا، في توسعة عنوان انتصاف الليل، اختلاف الاخبار، حسب الربع والثلث، وذهاب الحمرة وغير ذلك، فإن حمل العناوين المشتملة على المقادير المتصلة أو المنفصلة، الزمانية وغير الزمانية على التسامح، يحتاج إلى القرينة، وهي هنا نفس الروايات، وتفصيل المسألة في الوقت إن شاء الله تعالى.


1 - الخلل في الصلاة، الامام الخميني (قدس سره): 93. 2 - تقدم في الصفحة 128. 3 - تقدم في الصفحة 139. 4 - لاحظ تهذيب الاحكام 2: 256 / 1015. 5 - الفقيه 1: 232 / 1030.

[ 141 ]

المسألة الثالثة في خلل الوقت والكلام هنا تارة حول مقتضى القاعدة، واخرى حول الادلة الخاصة. المقام الاول: ما تقتضيه القواعد قضية القواعد ربما تختلف، لاجل أن الصلاة قبل الوقت وبا لنسبة إليه تحتمل أن تكون واجبا مشروطا به، واخرى تكون واجبا معلقا، وثا لثة يكون الوقت قيدا لها، والهيئة مطلقة، إلا أنه وإن كان عاجزا قبل الوقت من القيد، بحسب افقه إلا اقتداره على إتيانها في الافق الاخر، يكفي للايجاب المذكور. ونتيجة ذلك وجوب سيره بعد انقضاء الوقت إلى أن يدرك الوقت بتمامه، ولا سيما إذا أخر صلاته متعمدا، أو جواز ترك صلاته، حسب افقه

[ 142 ]

في مجموع الوقت، لتمكنه من دركه في الافق الاخر، وتفصيله يطلب من المسائل المستحدثة، هذا بحسب التصور. الادلة ظاهرة في الوجوب المعلق وأما الادلة فلا يبعد ظهورها وانصرافها إلى الوجوب المعلق، فإن الله فرض في كل اسبوع، خمس وثلاثين صلاة (1)، كما في أخبار صلاة الجمعة، فبحسب كل اسبوع يكون الوجوب فعليا، والواجب استقباليا. ويؤيد ذلك كلمة إذا الواردة في الاخبار، حيث إنها تدخل على الفعل المفروض مجيئه، فقوله (عليه السلام): إذا دخل الوقت فقد وجب الظهران (2)، أو الطهور والصلاة (3) فهو لاجل العلم بمجيئه حسب العادة. وهذا هو الظاهر من الكتاب العزيز (4)، فإن الخطاب المشتمل على التكليف فعلي، والمكلف به استقبا لي، وقد حررنا في الاصول: أن جميع


1 - الكافي 3: 1 418، تهذيب الاحكام 3: 19 / 69، وسائل الشيعة 7: 295 و 299 كتاب الصلاة، أبواب صلاة الجمعة، الباب 1، الحديث 1 و 14. 2 - تهذيب الاحكام 2: 546 140، الفقيه 1: 22 / 67، وسائل الشيعة 1: 372، كتاب الطهارة، أبواب الوضوء، الباب 4، الحديث 1. 3 - وسائل الشيعة 4: 127 و 130، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت، الباب 4، الحديث 8 و 9 و 10 و 11 و 21. 4 - (أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل)، الاسراء (17): 78.

[ 143 ]

التكا ليف لا يعقل إلا وأن يكون معلقا أو منجزا، بحسب الثبوت (1) وإن كان يمكن التعبد بالمشروط، نظرا إلى آثاره، فكلمة اللام سواء كانت بمعنى عند، أو بمعنى بعد، أو العلة، أو بمعنى من، نحو قوله تعالى: (إنا لله وإنا إليه راجعون) (2) هكذا قيل، لا تفيد أكثر من أن الواجب متأخر، ويترتب عليه الاثار الكثيرة. فما استبعده بعض الاعلام، من كونه من قبيل القسم الثالث، أو استظهره الوالد المحقق - مد ظله - أنه من القسم الاول (3)، كي تكون الهيئة مشروطا، غير جائز، بل الاشبه هو الفرض الثاني. وأما توهم امتناع القسم الثالث، فهو كتوهم امتناع القسم الاول، كما عن الشيخ (رحمه الله) (4) أو كتوهم امتناع الوجوب المعلق، كما عن بعض الاعلام (رحمهم الله) (5)، غافلا عن أن الحوادث المتعاقبة كل حسب الواجبات المعلقة، كما حررناه في قواعدنا الحكمية، في مسألة ربط الحادث بالقديم (6). فعلى هذا، لو قدم صلاته على الوقت، الذي هو من قبيل القضايا


1 - لاحظ تحريرات في الاصول 3: 118 - 119. 2 - البقرة (2): 156. 3 - الخلل في الصلاة، الامام الخميني (قدس سره): 94 - 95. 4 - كفاية الاصول: 127 - 128. 5 - نهاية الدراية 2: 76. 6 - القواعد الحكمية، للمؤلف (قدس سره) (مفقودة)، لاحظ تحريرات في الاصول 3: 114 - 119.

[ 144 ]

الحينية اعتبارا، اللازم تقيد المكلف به، به رعاية لذلك الحين، وهو مثلا: من الدلوك إلى غروب الشمس، تكون الصلاة باطلة، إما لعدم الامر بها، أو لخلوها عن القيد، وهذا هو كذلك حتى على مسلكنا، فإنها وإن تكن مورد الامر إلا أن الواجب استقبالي، فلم يمتثل ذلك الامر لما يلزم أن يأتي بها في ذلك الحين. هذا مقتضى القواعد الاولية. وربما يقال: بأن مقتضى تلك القواعد بطلانها، إذا قدمها عليه عمدا، وإلا فمقتضى حديث الرفع، رفع كون الوقت قيدا استقباليا، أو قيدا رأسا، فتصير النتيجة: صحة الصلاة لوجود الامر على الفرض الثاني والثالث، بل والاول، ضرورة أن رفع تقيد الهيئة بالوقت، بعد كونها إنشائيا، ينتج صحة الصلاة، إما لعدم الحاجة فيها إلى الامر كما تحرر (1)، أو لانه ليس من الاصل المثبت. وأنت قد أحطت خبرا بما لا مزيد عليه، بأن حديث الرفع ليس بحاكم على عقد المستثنى من قاعدة لا تعاد، بل هو مقدم عليه لاختصاص الخمسة بالمزية. نعم، إذا أدرك بعض الوقت، بحيث صحت النسبة، بأن يقال: وقعت الطبيعة في الوقت، فالاشبه كفايته، لان ما هو موضوع القاعدة عنوان وجداني عرفي، ولعل وجه صحتها بالنسبة إلى الاول، والاخر في الجملة، نظير وجه عدوله من العصر إلى الظهر، مع أن قصد الظهرية مقوم الطبيعة المأمور بها، فتسامح.


1 - تحريرات في الاصول 8: 43.

[ 145 ]

أو يقال: قضية البراءة عدم وجوبها، بعد الاتيان بها قبل الوقت ولو بجزء منه. وفيه: إنه لا وجه له بعد إطلاق أدلته، وإلا يلزم الشك في صورة التصدق، وغيرها مما لا ربط له بالصلاة. إجزاء الامر الظاهري عن الواقعي وأما ما اشتهر من إجزاء الامر الظاهري عن الواقعي، أو المأمور به الظاهري عن الواقعي، فلابد من ضم أمر آخر إليه، وهو الاجماع على عدم وجوب الاكثر من خمس صلوات في اليوم الواحد بالضرورة، وحيث إنه لا يعقل تجويز اتباع قول الثقة، والبينة وصياح الديك، إلا في صورة رفع اليد عن المطلوب - إلا على حسب ما قيل في الجمع بين الاحكام الواقعية والظاهرية (1) - فلازم ذلك هو عدم تنجز التكليف، بعد مجئ الوقت وبعد التوجه والالتفات، بل لازمه انتفاء الارادة الجدية بالنسبة إليها فيه، من غير فرق بين الاخلال بأول الوقت وآخره، أو الاخلال بتمام الوقت أو بعضه، كثيرا أو يسيرا. وما قيل: إن حديث الاجزاء لا معنى له، لعدم الامر بالنسبة إلى الصلاة (2)، كي يكون الظاهري مجزيا عن الواقعي، في غير محله، لان


1 - فرائد الاصول 2: 750، كفاية الاصول: 319. 2 - نهاية الاصول: 126.

[ 146 ]

المراد من الاجزاء ليس أكثر مما أشرنا إليه (1). وربما يكون ترك المأمور به مجزيا بالمعنى المذكور، لعدم نص على العنوان المذكور، بل هو عنوان في الاصول، ولا سيما فيما قامت البينة على ضيق وقت الصلاة، المنتهي إلى وجوب اتباعها تنجزا، ثم تبين عدم دخول الوقت. بل، وما ذكرنا يأتي في صورة العلم الوجداني، لما تحرر من إمكان ردع (2) العمل به، وأن ما اشتهر من: أن حجيته ذاتية، لا تنا لها يد الجعل والتشريع والردع، خال عن التحصيل، فليراجع. كيفية التخلص من مشكلة الجمع بين الاحكام الظاهرية والواقعية هذا، ولكن عدلنا عن ذلك الذي حررناه (3) في مسألة الاجزاء الخاص والعام والاعمي، وأسسنا حسب الخطابات القانونية، إمكان ترشح الارادة الجدية، بالنسبة إلى الواجبات النفسية والطريقية، على نعت الخطابات العامة الكلية القانونية، وبذلك تنحل مشكلة الجمع بين الاحكام الظاهرية والواقعية، وإلا فالقوم فيه صرعى، فالاكثر لم يصلوا إلى المشكلة، ومن وصل إليها فر من قسورة، بإنكار الارادة الجدية، في موارد وجود الامر الظاهري، بالنسبة إلى الامر الواقعي، أو إنكار الارادة الجدية، بالنسبة إلى الامر الظاهري لاهمية الواقع.


1 - تهذيب الاصول 1: 138. 2 - تحريرات في الاصول 2: 301 و 6: 21 - 29. 3 - تحريرات في الاصول 2: 307 - 308 و 328.

[ 147 ]

ولو صح ما قيل من: أنه لا واقع للامر الواقعي قبل الوقت، كي يجزي عنه الظاهري، ليلزم ذلك حتى في الوقت، في مورد قيام الدليل على عدم جزئية السورة، أو القيام، وكان هو في الحقيقة عاجزا عنها أيضا، ثم تبين خلافه. ولولا بعض المحاذير لكان القول بعدم الاجزاء، في موارد تخلف الاجتهاد، منتفيا حسب القاعدة، لان جريان حديث الرفع بالنسبة إلى الجاهل المركب، محل إشكال، أو منع، لانه في ظرفه عا لم، أو دليل الرفع منصرف عنه، وبعد تبين الخلاف يكون المرجع إطلاق الادلة الواقعية. وما ذكرناه تقريبا للاجزاء، يجري في مطلق الاوامر الظاهرية الطريقية، العقلائية والتأسيسية، وفي الاصول، وما هو محل منع أيضا أعم، فافهم واغتنم واعلم. المقام الثاني: حول مقتضى الادلة والكلام هنا يقع في مرحلتين: المرحلة الاولى: في قاعدة من أدرك وقد مضى شطر من البحث حولها، وحيث لم يثبت جريانها بالنسبة إلى أول الوقت، والادلة المعتبرة المعمول بها، مخصوصة بآخره، فلا

[ 148 ]

وجه لاطالة الكلام حوله، مع أن ما هو المطلق، ربما ينصرف إلى تلك المقيدات، المخصوصة بآخر الوقت، ولاسيما في صدق الادراك بالنسبة إلى أول الوقت، كلام، فإنه فرق بين ما إذا قيل: من أدرك ركعة من الوقت. أو يقال: من أدرك بعض وقت الصلاة. ولو قلنا بشموله لاول الوقت، فالنسبة بينه وبين الادلة الناهضة على صحة الصلاة، بالنسبة إلى من أدرك من أول الوقت وهو قد دخل بالظن المعتبر، عموم من وجه. ولا تقدم لاحدهما على الاخر، حسب الصناعة، والمرجع ما مر، من كفاية بعض الركعة في أول الوقت، بشرط صدق القضية الحينية، كما عرفت وجهه (1). وما قد يقال بالحكومة (2)، لان قول الذكرى (3): من أدرك ركعة من الصلاة، فقد أدرك الصلاة، يرجع إلى أنه قد أدرك الوقت، فيكون حاكما على رواية إسماعيل بن أبي رياح الاتية، إن شاء الله تعالى (4). اللهم إلا أن يقال: لا فرق بين المعتبرين، فإن قوله فقد أدرك الصلاة في الذكرى وقوله (عليه السلام): فقد أجزأت عنك (5) يرجع إلى معنى واحد، وليس معنى الاول أنه أدرك الوقت كله، بعد فساد أن يكون مراده أدرك


1 - تقدم في الصفحة 143 - 144. 2 - الخلل في الصلاة، الامام الخميني (قدس سره): 95. 3 - ذكرى الشيعة: 122 / السطر 8. 4 - يأتي في الصفحة 150. 5 - نفس المصدر.

[ 149 ]

ركعة من الجماعة، هذا تمام الكلام حولها بالنسبة إلى أول الوقت. وأما بالنسبة إلى آخر الوقت، فالاخلال بالوقت، مع إدراكه ركعة من الصلاة، فلا بأس به، إلا أنه في صورة تعمد التأخير، يشكل جريانها، كما مر، وإن ذهب الاصحاب إلى صحة صلاته أداء - في صورة لزوم قصد الادائية - كما إذا كان عليه صلاة اخرى، وقلنا بأنه لا يقع في ذلك الوقت، الصلاة المخصوصة به إلا بالقصد، وإلا فلو كانت مثل صوم رمضان، فربما يمكن القول بصحتها، على كل تقدير، حتى في صورة القصد المخا لف، كما أوضحناه في كتاب الصوم (1)، مع قولنا ببطلان الترتب. وما في التهذيب: (2) وإن طلعت الشمس قبل أن يصلي ركعة فليقطع الصلاة، ولا يصلي حتى تطلع الشمس، ويذهب شعاعها يعد من الاخبار الراجعة إلى كراهة الاوقات الخاصة، وسهولة قطع الصلاة في امثال هذه المواقف، سواء كانت الصلاة واجبة أو مستحبة، فعلى هذا، وجوب القطع ممنوع، فإذا قلنا بأن الادائية والقضائية ليستا من العناوين القصدية الشرعية، فلا يلزم إشكال، وتصح صلاته، وإلا فالصحة ممنوعة من جهة الاخلال بشرطها، كما لا يخفى.


1 - تحريرات في الفقه، كتاب الصوم، للمؤلف (قدس سره)، الجهة الرابعة من الفصل السابع. 2 - تهذيب الاحكام 2: 262 / 1044، وسائل الشيعة 4: 217، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت، الباب 30، الحديث 3، جامع أحاديث الشيعة 4: 289، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت، الباب 28، الحديث 4.

[ 150 ]

في عدم اعتبار إدراك ركعة واحدة بقي شئ: يمكن دعوى أن مقتضى القاعدة، إن كان صحة الصلاة مشروطة بإدراكها بمقدار يصدق القضية الحينية، بالنسبة إلى الطبيعة، فلا يعتبر الركعة، بل هو شرط الطبيعة، ويصدق: أن الصلاة الفانية فيها الركعات والاجزاء، في الوقت، وتلك الاخبار لا توجب حصر الصحة بتلك الصورة الخاصة، إلا من باب مفهوم اللقب. هذا، مع أن كون المراد من الركعة هو معناها الخاص، دون الواحدة من الركوع، غير ثابت، فيلزم إجمال أخبار المسألة، فيرجع إلى القاعدة المحررة، ولا يقتضي عقد المستثنى أكثر من ذلك، إلا في صورة النص حتى في الطهور، ولذلك اعتبروا قاطعية الحدث، وإلا فما هو الشرط - أي شرط طبيعة الصلاة - حاصل بإيجادها وهو طاهر، فاغتنم. المرحلة الثانية: في خصوص ما ورد في أول الوقت وهي رواية ابن أبي عمير، عن إسماعيل بن أبي رياح، عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال: إذا صليت وأنت ترى أنك في وقت، ولم يدخل الوقت، فدخل الوقت، وأنت في الصلاة، فقد أجزأت عنك (1).


1 - الكافي 3: 286 / 11، الفقيه 1: 143 / 666، تهذيب الاحكام 2: 141 / 550، وسائل الشيعة 4: 206، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت، الباب 25، الحديث 1.

[ 151 ]

وهناك مسألة فيها مسائل الاولى: قال في العروة: إن تبين دخول الوقت في أثنائها ولو قبل السلام، صحت، ولا فرق في الصحة، بين أن يتبين دخول الوقت في الاثناء بعد الفراغ، أو في الاثناء، لكن بشرط أن يكون الوقت داخلا حين التبين، وأما إذا تبين أن الوقت سيدخل قبل تمام الصلاة، فلا ينفع شيئا (1) انتهى. وغير خفي: أنه ربما يترشح الخبر عن القاعدة التي أشرنا إليها، من غير أن يلزم تقييد في إطلاق عقد مستثنى لا تعاد ضرورة أن الطبيعة توصف بالوقت ولو بالنسبة إلى بعض أجزائها. وهذا الذي ذكرناه لا ينافي عدم جواز الدخول قبل الوقت عن علم وعمد، كما هو واضح، وعندئذ لا نحتاج إليه وإلى تنقيح خصوصياته، وتثبيت حجيته، وإلا فربما يشكل، لانه: أولا: ليس من المراسيل الاصطلاحية، لاسناد ابن أبي عمير إليه (عليه السلام)، بواسطة إسماعيل المجهول، وربما يحكي عن الضعيف، مع أن المسألة غير إجماعية، لذهاب جمع إلى البطلان، كالعماني والاسكافي والشريف المرتضى، بل والمختلف والموجز وتلميذه في كشفه والاردبيلي وتلميذه (2).


1 - العروة الوثقى 1: 531، فصل في أحكام الاوقات، المسألة 3. 2 - حكاه في مستمسك العروة الوثقى 5: 156، لاحظ جواهر الكلام 7: 276، حكاه عن العماني والاسكافي في مختلف الشيعة 2: 49، رسائل الشريف المرتضى 2: 350، الموجز وكشف الالتباس (غير موجود)، مجمع الفائدة والبرهان 2: 53، مدارك الاحكام 3: 101.

[ 152 ]

وقد حكى الوالد المحقق - مد ظله - (1)، عن المرتضى (رحمه الله) نسبة البطلان إلى محققي الاصحاب ومحصليهم. ولكن ما في خصوص ابن أبي عمير زائدا على أصحاب الاجماع، من أنه لا يروي إلا عن الثقة الثبت، ينافي ذلك، وكيف كان فلو اقتضت القاعدة بطلانها فلا يكفي لصحتها مثل الخبر الواحد المشار إليه، ولو كان في سنده الاعيان خصوصا مثل أحمد بن محمد بن عيسى (2). مع أنه غير واضح، لما في بعض النسخ: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد (3). وفي سند آخر ذكر التهذيب: عن محمد بن علي بن محبوب، عن يعقوب بن يزيد (4) عنه، وهو وإن كان ثقة، إلا أن هو أبو يوسف الكاتب من


1 - الخلل في الصلاة، الامام الخميني (قدس سره): 97. 2 - حيث كان شديد النكير على الضعفاء ومن يروي عنهم، يظهر ذلك مما ورد في ترجمة عدة من الرواة ك‍ أحمد بن محمد بن خالد البرقي ومحمد بن علي الصيرفي - ابي سمينة - وسهل بن زياد الادمي الرازي فإن أحمد بن محمد بن عيسى أخرجهم من قم لضعفهم أو لضعف من يروون عنه. لاحظ رجال النجاشي: 76 / 182 و 185 / 490 و 332 / 894. 3 - الكافي 3: 286 / 11. 4 - تهذيب الاحكام 2: 35 / 110.

[ 153 ]

كتاب المنتصر - لعنه الله - (1). فعلى كل، إن هناك زمان الاشتغال بالصلاة، وزمان دخول الوقت، وزمان كشف الخلل والخطأ، والمفروض أنه ليس عامدا بالاشتغال قبل الوقت، ويكون الظاهر أنه يعتقد، وإنما جهله مركب. واحتمال كونه أعم أو أنه الظن، لاستعماله فيه أحيانا، ولو كان ظنا غير معتبر، غير سديد، فقد ورد في كثير من الاخبار أنه هو الرؤية الحاصلة من الحس البصري، فإن حقيقة صحة استناده إليه، دون غيره، فلا يقال: رأى باذنه، أو بلمسه وذوقه، بل هو رأى ببصره، كما ورد في الخبر: ولا عين رأت، ولا اذن سمعت (2) ودخول الوقت مما يراه في الظهر بالبصر، لاجل رؤية تمايل الشمس إلى الحاجب الايمن، أو من ناحية الشاخص والظل، وفي المغرب والصبح أوضح، ولاجله صح النقاش في صورة حصول العلم بالدخول، من جهة اخرى غير الباصرة، فما في الجواهر (3) في محله من جهة دون اخرى، فلا تخلط. ففي نفس هذه المسألة مصحح زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) وقت المغرب إذا غاب القرص، فإن رأيت بعد ذلك وقد صليت، أعدت الصلاة، ومضى صومك (4) فإنه لا يريد منه الظن، ولا الرؤية بمعنى الاعتقاد، بل


1 - يعقوب بن يزيد بن حماد الانباري السلمي، أبو يوسف من كتاب المنتصر لعنه الله، روى عن أبي جعفر الثاني (عليه السلام)، انتقل إلى بغداد وكان ثقة صدوقا. رجال النجاشي: 450 / 1215. 2 - وسائل الشيعة 10: 478، كتاب الصوم، أبواب صوم المندوب، الباب 26، الحديث 10. 3 - جواهر الكلام 7: 277. 4 - الكافي 3: 279 / 5، تهذيب الاحكام 4: 271 / 818، وسائل الشيعة 4: 178، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت، الباب 16، الحديث 17.

[ 154 ]

هو بالمعنى الحاصل من الاحساس. فلو كان مقتضى القاعدة هو البطلان، فربما يحتمل دخا لة الكشف الخاص، لا مطلق الكشف، ولو كان معتبرا، فإن المحرر في محله، قيام الطرق مقام القطع دون الروية، وأيضا قد تحرر قيامها مقامه، في صورة عدم احتمال اعتبار طريقيته الكاملة التامة، غير المحتمل لاحتمال الخلاف تكوينا (1). وحديث تتميم الكشف (2) من الاباطيل التي لا محل له ثبوتا، ولا إثباتا، كما نقحناه في الاصول (3)، فاحتمال كون الرواية مربوطة بالايام التي يعجز فيها عن القطع، لاجل الغيم وغيره، غير صحيح. ولا تشمل أيضا صورة الغفلة، لقوله (عليه السلام) وأنت ترى فإنه ظاهر في الالتفات. وبالجملة: لابد وأن يكون مشتغلا بالصلاة، لقوله (عليه السلام) وأنت في الصلاة مع أن أداة الشرط الواردة على الماضي، تفيد الاستقبال أو الحال، كما في صدر الخبر - أي: إذا كنت تصلي وأنت ترى... -. وأما لزوم كون الوقت الثالث - وهو وقت كشف الخلاف - بعد دخول الوقت، أو بعد الصلاة، حتى لا يكون الزمان الاول - وهو زمان الاشتغال - مقرونا بزمان كشف الخطأ، بأن صلى ركعة وهو يرى أنه دخل الوقت، ثم تبين أنه في غير الوقت، ولكنه يدخل الوقت لو أتم صلاته


1 - تحريرات في الاصول 6: 139 - 141. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 106 - 108. 3 - تحريرات في الاصول 6: 139 - 140.

[ 155 ]

وأدام اشتغاله، فهو غير واضح، ضرورة أنه يصدق أنه كان يصلي بالقياس إلى الركعة الاولى، وهو يرى أنه في الوقت، ولم يدخل الوقت بحسب الواقع، فدخل الوقت في الركعة الرابعة، وهو في الصلاة، فإنها أجزأت عنه، لاحتمال كفاية الاحراز الاثباتي، والدخول الثبوتي لصحة الصلاة، كما في آخر الوقت، إلا أن إدراكه في آخر الوقت كاف للركعة الاولى، ولو كانت البقية خارجة من الوقت، وفي أول الوقت إدراك مقدار منها واقعا، مع إحراز الوقت إثباتا، بالنسبة إلى مقدار منها، أيضا كاف، مع أنه يرى في الفرضين خروجها عن الوقت واقعا، ويتدارك لزوم إدراك ركعة في آخر الوقت، مع جواز علمه بخروج بقية الصلاة خارجه، بلزوم إحرازه إثباتا دخول الوقت في أول الوقت، مع كفاية أقل من الركعة في الوقت، فتوسعة وتضييق في الفرضين، كما لا يخفى. تنبيه: احتمال اعتبار إحراز خطأه بالنسبة إلى الوقت في الصلاة يحتمل اعتبار إحراز خطأه، بالنسبة إلى الوقت في الصلاة، كي يأتي بها بقصد القربة المعتبرة في جميع القيود، ومنها الوقت، ولا تصح لو توجه إلى الخطأ، بعد الصلاة والفراغ عنها، وذلك لان المفروض في الرواية إذا صليت وأنت ترى أنك في وقت وهذا يكفي لاستفادة الاحراز، وروية دخول الوقت، وهو في الصلاة، لكفاية ذلك القيد المذكور في الصدر عن الذيل، فقوله (عليه السلام) فدخل الوقت ناظر إلى أنه رأى دخول الوقت واقعا، لا تخيلا وجهلا مركبا، وبا لجملة: معنى الرواية: فترى دخول

[ 156 ]

الوقت وأنت في الصلاة. في اتحاد زمان كشف الخلاف وزمان دخول الوقت وزمان الاشتغال ومعنى الاتحاد هنا ولو أبيت عن ذلك، ولا سيما لقوله (عليه السلام): ولم يدخل الوقت فلا أقل من صالحية الصدر لعدم انعقاد إطلاق الذيل، فيكون القدر المتيقن: هو اتحاد زمان كشف الخلاف، وزمان دخول الوقت، وزمان الاشتغال، والمراد من الاتحاد ليس الوحدة الحدوثية، بل المراد أنه مشتغل بالصلاة، وتوجه إلى الخطأ، وكان قد دخل الوقت ولو قبل كشف الخطأ. ويستظهر عن بعض الاعلام - عفي عنه - أولوية صحة الصلاة لو كان الكشف بعد الصلاة، كما ترى بالنسبة إلى القبلة بعد انقضاء الوقت. وفيه: إنه غفلة عن احتمال اعتبار قصد القربة المتمكن منه حال الصلاة، وفي الاثناء، لا بعدها. وبالجملة: حجية الخبر المذكور غير بعيدة جدا، لاشتهار المسألة من قديم الايام، وإنما الكلام حول دلالة الرواية، فلا يبعد اختصاصها بصورة دخول الوقت واقعا، وهو في الصلاة، وقد التفت إليه في الاثناء، فإنها قد أجزأت عنه، كما أن قوله (عليه السلام): وأنت في الصلاة يختص بصورة مقدار يعتد به من الصلاة، كالركعة الاخيرة، أو التشهد والسجدتين، وأما لو كان الدخول حين السلام، ولاسيما بين كلمة السلام وكلمة عليك

[ 157 ]

وبالاخص إذا كان في أثناء ورحمة الله وبركاته التي تعد من الاجزاء المستحبة، فقد عرفت موافقة ذلك مع القاعدة حسب ما حررناه. بقي فرع: في من دخل في الصلاة والتفت أنه لا يدرك إلا ركعة وهو أنه كما بحثنا عن مسألة الاداء والقضاء آخر الوقت، بناء على اعتبارهما وكونهما من العناوين القصدية اللازمة، وكان من المحتمل أن يدخل في الصلاة بقصد الاداء، ثم التفت أنه لا يدرك من الصلاة إلا ركعة، فتكون بقية الركعات أدائية، لانهما من أوصاف الطبيعة، لا الاجزاء. إذا اعتقد ورأى دخول الوقت، ثم التفت بدخوله في الاثناء أو التفت بعد ذلك، فالاشبه كفاية الجهالة المركبة بالنسبة إلى دخول الوقت في حصول قصد الاداء. وإذا دخل الوقت والتفت إليه فيقصد الادائية، لترشح قصدها بالنسبة إلى مقدار من الصلاة، لاجل الجهل المركب، وترشحه بالنسبة إلى المقدار الباقي، لتوجهه إلى الصحة التي أدرك مقدارا منها وهي في وقتها، فالبحث عن أن هذه الصلاة بين الاداء واللا أداء واللا قضاء، أو أنها ليست أداء مطلقا - فتكون الرواية دليلا على عدم اعتبارهما - أو تكون القسمة الخارجة لا أداء ولا قضاء والباقي أداء، في غير محله، بل هي حجة، على أنهما صفتا الطبيعة دون الاجزاء، فيكفي اتصاف بعضها بأحد العنوانين. فمن الناحية الاولى - أي: أول الوقت - أداء، لوقوع مقدار منها فيه،

[ 158 ]

ومن الناحية الثانية أيضا أداء، لسبق صفة الاداء على الطبيعة على صفة القضاء، والصلاة الواحدة إما أداء أو قضاء، وتقسيمها إلى الركعات والاجزاء ليس من تقسيم المأمور به بما هو مأمور به. مسألة في بعض صور خلل الوقت وفيها فروع: لو أحرز الوقت فدخل في الصلاة، ثم انكشف أنه كان على جهالة، ولكنه بعد، إما شاك في دخوله، أو عا لم بدخوله الان، ولكنه شاك في أن صلاته كانت في الوقت أو في خارجه. وعلى الاخير تارة هو في الصلاة، وتبدل إحرازه إلى إحراز الدخول، ولكنه شاك في أن صلاته كانت في الركعة الاولى في الوقت أم في خارجه، واخرى هو بعد الفراغ. وعلى الاخير إما أن يكون شاكا في وقوع الركعة الاخيرة في الوقت، أو يكون عا لما بوقوعها فيه، ولكنه بالنسبة إلى الركعات الاول شاك. وغير خفي: أنه تارة يتبدل جهله المركب إلى الشك، وهو حين التبدل في الوقت، واخرى يتبدل جهله المركب إلى الشك، وهو بعد شاك، ولكنه يعلم بدخول الوقت، وهو في الركعة الاخيرة مثلا. كما أنه تارة يعلم تأريخ تبدل جها لته بالوقت إلى الشك، واخرى لا يعلم ذلك، فلا تغفل ولا تخلط، وقد تعرض في العروة الوثقى (1)


1 - العروة الوثقى 1: 532، فصل في أحكام الاوقات، المسألة 5 - 7.

[ 159 ]

وصلاة شيخ مشايخنا (1) جد أولادي (قدس سرهما) لبعض ما اشير إليه. وغير خفي: أن مقتضى الاستصحاب عدم دخول الوقت، سواء كان الالتفات والتبدل في الاثناء أو بعده، علم تأريخ التبدل أو لم يعلم، لانه لا ينقض اليقين بالشك ولو تخلل اليقين الاخر الزائل الذي هو جهل مركب، بل في عده يقينا عندي إشكال أو منع، ولذلك تعبيرهم بالشك الساري أولى من قاعدة اليقين. فما هو السبب لصحة الصلاة التي أدرك بعض وقتها بدخوله في أثنائها، إما منتف وغير محتاج إلى الاستصحاب، أو بالاستصحاب يثبت عدم الدخول، حتى لو كان ذلك الالتفات بعد الفراغ، وقلنا بالوجوب المعلق لا المشروط بالنسبة إلى الصلاة والوقت، لان قاعدة التجاوز والفراغ تجري بالنسبة إلى الصلاة الواجبة بالوجوب المنجز، فما ترى في الفروع التي ذكر السيد والشيخ المذكورين، لا يخلو عن نوع تعسف. ودعوى: أنه مثبت غير مسموعة، لانه مضافا إلى أنه عندنا كالامارة في الاعتبار، ليس إلا نفي الحكم بنفي شرطه أو ظرفه، فلا حكم كي تتحقق القضية الحينية، بل على ما ذكرنا - من صحة الصلاة إذا أدرك مقدارا منها في الوقت - لا تصح الصلاة، لالحاقها بصورة الدخول فيها، وهو على يقين بعدم دخول الوقت، ولو كان ذلك بعد الدخول فيها والفراغ عنها، ولذلك لا تقاس صورة الشك في الوقت بصورة الجهالة والعلم التخيلي، بدعوى أنها صحيحة حسب الرواية في


1 - الصلاة، المحقق الحائري: 26 - 27.

[ 160 ]

الفرض الثاني، إذا علم بعدم دخول الوقت بعد الدخول، فكيف لا تصح في صورة الشك؟! ومن الغريب: أنه حين الشك يعلم إجمالا بوجوب الاتمام أو وجوب الاعادة، وحيث إن إيجاب الاعادة في غير محله، لانه ليس حكما شرعيا، بل يجب عليه أن لا يكتفي بما في يده، فيشك في حرمة قطعه، فتجري البراءة، مع أن قضية الاستصحاب انحلاله الحكمي. اللهم إلا أن يعارض بالبراءة عن وجوب الاعادة، فحينئذ فالامر كما عرفت. القول: بجواز إتمام ما بيده برجاء كونه مأمورا به وأما دعوى جواز إتمام ما بيده برجاء كونه مأمورا به، فلو التفت، دخول الوقت بعد ذلك فلا تجب الاعادة (1)، فهو كدعوى الاتيان بها بعد قيام الحجة على عدم دخول الوقت برجاء انكشاف الخلاف، ووقوع صلاته مجموعا في الوقت، فإنه غير تام حسب الارتكاز الشرعي، وإلا فيسري ذلك إلى كافة الامور كما تحرر. بقي فرع: وهو ما إذا دخل الوقت، وزا لت رؤيته وجهله المركب، إلا أنه لا يدري تأريخ زواله. فإنه بمقتضى خبر ابن أبي عمير (2) صحت صلاته، إذا انكشف الخلاف


1 - مستمسك العروة الوثقى 5: 160، الهامش 4. 2 - تقدم في الصفحة 150.

[ 161 ]

في الوقت مثلا، على تفصيل قد مضى. ولو لم يعلم التأريخ فلا يعلم اندراجه في الخبر، لاشتراط اتصال زمان زوال الجهل المركب بزمان دخول الوقت، أو بإحراز دخول الوقت واقعا، وقضية استصحاب عدم الاتصال هو البطلان. وفيه: إن مقتضى استصحاب بقاء الاحراز والجهل المركب إلى زمان الدخول، صحة الصلاة، والاستصحاب الاول ليس له الحالة السابقة، بخلاف الثانية. هذا، مع أنه لو انكشف دخول الوقت بعد الصلاة، يكون الاستصحاب من القسم العدم الازلي، وهو أنه لم يكن إحرازه للوقت والجهل المركب متصلا بدخول الوقت في الاثناء، مع أنه ليس له الحالة السابقة إلا بعدم الموضوع، ولا يقول بجريانه السيد الوالد المحقق - مد ظله - (1) من جهة، ولا سيدنا الاستاذ الفقيه البروجردي (2)، من جهة انصراف دليله. تذنيب: في الاخلال بالوقت من جهة الصلاة جهلا أو نسيانا خارج الوقت قد مر حكم الاخلال بالوقت من جهة الابتداء وقبل مجيئه، وأما لو أخل بالوقت، بأن صلى جهلا أو نسيانا أو غير ذلك، فالمشهور هو البطلان،


1 - تهذيب الاصول 1: 480. 2 - نهاية الاصول: 335 - 338.

[ 162 ]

بل هو المجمع عليه تحصيلا ونقلا (1)، ولو لم يعتبر بذلك فيكفيك ما ورد من الاخبار كصحيح زرارة (2) بالنسبة إلى أول الوقت، وأيضا صحيحه الاخر بالنسبة إلى وقت المغرب إذا غاب القرص قال (عليه السلام): فإن رأيت القرص بعد ذلك، وقد صليت، أعدت الصلاة، ومضى صومك (3) وهنا يظهر التفكيك بينهما، إلا أن الكلام في مقتضى الاية أولا، ثم الاخبار. والذي ظهر لي وتحرر: أن قوله تعالى (أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر...) (4) إلى آخره، لا يفيد إلا تحديد أوقات الصلوات الخمس، وإن حميع الصلوات واجبة في هذه الاوقات، وأما بطلان الصلاة النهارية في الليل، مع قطع النظر عن أخبار القضاء، فهو غير معلوم، بل وصلاة الليل في النهار. كما أن مذهبنا على أن يأتي بالعصر، بعد أربع ركعات من الدلوك، مع أنه ليس بعصر لغة، وهكذا العشاء، فالمسألة في التوسعة حسب الكتاب، إلا أن الجمع بين الاخبار المحددة والاية الشريفة، يقتضي تعدد


1 - الحدائق الناظرة 6: 285 و 287، جواهر الكلام 7: 280، مستمسك العروة الوثقى 5: 155. 2 - عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام)، في رجل صلى الغداة بليل غره من ذلك القمر ونام حتى طلعت الشمس فأخبر أنه صلى بليل، قال: يعيد صلاته. الكافي 3: 285 / 4، تهذيب الاحكام 2: 254 / 1008، وسائل الشيعة 4: 281، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت، الباب 59، الحديث 1. 3 - الكافي 3: 279 / 5، تهذيب الاحكام 2: 261 / 1039، وسائل الشيعة 4: 178، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت، الباب 16، الحديث 17. 4 - الاسراء (17): 78.

[ 163 ]

المطلوب، إلا ما يدل على البطلان، وإلا فقوله (عليه السلام): أعدت الصلاة قابل للحمل على الاستحباب. وعندئذ لا تنافي ذلك مع قاعدة لا تعاد فإن الاخلال بالوقت الموجب للاعادة، هو أن يصلي الغداة بعد طلوع الشمس، أو الصلوات الاخر قبل الدلوك، ونتيجة ذلك وجوب المبادرة إلى الظهرين بعد الغروب. اللهم إلا أن يقال: إن الاية نزلت في موقع كان المسلمون واقفون على أوقات الصلوات اليومية، ويفهمون منها ما كان عليه سيرتهم المعلومة عندهم عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وتفصيل المسألة في الاوقات. وعلى كل تقدير، بعد ورود الاخبار في القضاء، وبعد عدم كون الادائية والقضائية من العناوين المنوعة اللازمة رعايتها، لا يبقى فرض الاخلال بالوقت من ناحية آخره، سواء قلنا بحكومة حديث الرفع على القاعدة أو العكس، وسواء قلنا بجريان الاستصحاب في متعلقات الاحكام أو لم نقل، ضرورة أنه على جميع التقادير تصح صلاة الظهرين في وقت المغرب والعشاء، وهكذا العشائين في وقت الصبح، والصبح بعد طلوع الشمس. نعم، بالنسبة إلى إتيان المغرب والعشاء قبل الغروب، يمكن دعوى صحتهما حتى عمدا حسب الاية، إلا أن الضرورة على خلافه، والاية ناظرة إلى ما كان معروفا عند المسلمين، فتكون الاية ناظرة إلى أوقات الفرائض المتعاقبة المتدرجة المعلومة عند المسلمين، ولذلك ترى انطباقها عليها، فلا يلزم أن تكون بعض الاخبار خلاف الكتاب، ولا يبقى

[ 164 ]

وجه لاحتمال صحة الصلاة الليلية الفرضية قبل الغروب، لا عمدا ولا جهلا ونسيانا وغفلة على جميع التقادير، لتقدم لا تعاد على حديث الرفع، حسب ما تحرر منا أخيرا. تذنيب آخر: في مدرك قاعدة من أدرك سندا ودلالة قد مر الكلام حول قاعدة من أدرك ومحصل البحث: أن هذه القاعدة لا مدرك لها إلا مرسلة في المدارك ومفتاح الكرامة: من أدرك من الوقت ركعة فقد أدرك الوقت (1). ومرسلة الذكرى: من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة، ومرسلتها الاخرى: من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر (2). ومرسلة كتاب الاستغاثة لابي القاسم علي بن أحمد الكوفي، أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: من أدرك من صلاة العصر ركعة واحدة، قبل أن تغيب الشمس، أدرك العصر في وقتها (3). وخبر الاصبغ بن نباتة، قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): من أدرك من الغداة ركعة، قبل طلوع الشمس، فقد أدرك الغداة تامة (4).


1 - مدارك الاحكام 3: 92، مفتاح الكرامة 2: 44 / السطر 29. 2 - ذكرى الشيعة: 122 / السطر 8، مسند أحمد 2: 265، صحيح مسلم 1: 161 و 423. 3 - مستدرك الوسائل 3: 140، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت، الباب 24، الحديث 1. 4 - تهذيب الاحكام 2: 38 / 119، وسائل الشيعة 4: 217، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت، الباب 30، الحديث 2.

[ 165 ]

وهذه الاخبار غير حجة ظاهرا، لعدم انجبار أسنادها بالشهرة العملية، بل ومجرد التوافق لو كان يكفي للجبران، كما عليه الاستاذ الفقيه البروجردي (رحمه الله) (1)، لكن كفايته هنا غير واضحة، لوجود معتبر الساباطي عن أبي عبد الله (عليه السلام): إذا غلبته عيناه ] عينه [ أو عاقه أمر أن يصلي الفجر إلى أن تطلع الشمس، وذلك في المكتوبة خاصة، فإن صلى ركعة من الغداة، ثم طلعت الشمس فليتم، فقد جازت صلاته، وإن طلعت الشمس قبل أن يصلي ركعة فليقطع الصلاة، ولا يصلي حتى تطلع الشمس، ويذهب شعاعها (2). فإن الشهرة ربما تكون مستندة إليه بإلغاء الخصوصية أو وجود شئ آخر عندهم غير واصل إلينا، فالاخلال بالوقت من ناحية آخره لا يضر في خصوص صلاة الغداة، مع مساعدة الاعتبار له، لابتلاء عموم الشباب بالنوم في الوقت المذكور، فإ لغاء الخصوصية مشكل. نعم، قد احتملنا حجية كل ما كان مشهورا بين الاصحاب، وأن قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): خذ بما اشتهر بين أصحابك (3) ليس مخصوصا بالمرجعية أو المرجحية عند التعارض، بل هو قاعة كلية، وأن المجمع عليه قانون إسلامي، للتمييز بين الحجة واللا حجة، إلا أنه يتمسك بهما في مقام


1 - نهاية التقرير 1: 42. 2 - تهذيب الاحكام 2: 262 / 81، جامع أحاديث الشيعة 4: 289، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت، الباب 28، الحديث 4. 3 - روي عن الصادق (عليه السلام) أنه قال: خذ بما اشتهر بين أصحابك ودع ما ندر. عوالي اللالي 3: 129 / 12، المهذب البارع 1: 561.

[ 166 ]

الترجيح والتمييز، وتفصيله في الاصول. عدم ثبوت إطلاق يكون مرجعا عند الشك في بعض الخصوصيات فقاعدة من أدرك لو كان لها سند، فهذا طريقه، مع موافقة فتوى الاصحاب لمضمونه، إلا أنه لا يثبت بالاخير إطلاق يكون مرجعا عند الشك في بعض الخصوصيات، مثل احتمال كونه مشتغلا في الصلاة، وقد أدرك ركعة، كما هو ظاهر الموثقة (1)، حيث أمر بالقطع في ذيلها، فمن أخر الصلاة ولو لعذر، قد فاتته الصلاة ولو كان يتمكن من إدراك الركعة. فالاحتمالات كثيرة سعة وضيقا، من جواز التأخير عمدا من غير عقوبة، ومن كفاية إدارك الركوع عند الاشتغال بالصلاة، فطلعت الشمس فإن الركع مصدر، وواحدته الركعة، فلو طلعت الشمس بعدها، قبل الهوي إلى السجود صحت، إلا أنه على وفق القاعدة، لان الاصحاب فهموا منه وجوب المبادرة عند التمكن من الادراك، ولو أخر عمدا أو غفلة وعن عذر، في مقابل احتمال كون النظر إلى وجوب الاتمام، بعد مضي إدراك ركعة وانقضاء الوقت، من غير التفات وعن عذر. اللهم إلا أن يقال: إن لفظة من تتضمن الشرط، فتكون فيه فائدة الاستقبال، فلو قال: من جاءك من العلماء فأكرمهم فإنه صحيح، كما إذا أتى بأداة الشرط، فاحتمال اختصاص القاعدة بصورة دخوله في الوقت، مع


1 - تقدم في الصفحة 165.

[ 167 ]

اعتقاده سعة الوقت للصلاة (1)، قابل للرفع وإن يساعده الاعتبار، للخبر السابق المخصوص بأول الوقت، وأنه يرى الوقت، فمما مضى يظهر مواضع ضعف ترى في كلماتهم (رحمهم الله). بقي شئ: في تأخير صلاة الغداة أو العصر أو العشاء آخر الوقت لو أخر صلاة الغداة أو العشاء إلى آخر الوقت، أو العصر إلى أن بقى مقدار ركعة، فلا يلزم إشكال إلا أن اختصاص الغداة بالنص (2) دونهما، ودون الظهر والمغرب، ربما كان لاجل عدم لزوم إشكال، وهو إشغال وقت الصلاة الاخرى، وهذا يؤيد الخصوصية، ويبعد إلغائها، ولاسيما لو قلنا بالوقت الاختصاصي على الاطلاق بالنسبة إلى الشريكة وغيرها. ولو أغمضنا بالنسبة إلى العصر والعشاء، بناء على الوقت الاضطراري، وكان المفروض عدم إتيانه العشائين، كما هو الاظهر الاشبه، ولكن يشكل الامر بالنسبة إلى من أخر الظهرين إلى خمس ركعات، أو العشائين إلى أربع ركعات، فيمكن دعوى انصراف الاخبار عن هذه الصورة، ولو قلنا بالوقت الاختصاصي، وإلا فلا منع عن جريانها على جميع المباني في الوقت، بعد صراحتهم بشمولها للمتأخر المتعمد (3)، وأنه تجب عليه


1 - الصلاة، المحقق الحائري: 17، انظر مستمسك العروة الوثقى 5: 101. 2 - وسائل الشيعة 4: 217، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت، الباب 30، الحديث 1 و 2 و 3. 3 - الصلاة، (تقريرات المحقق الداماد) المؤمن 1: 63، الخلل في الصلاة، الامام الخميني (قدس سره): 109، مهذب الاحكام 5: 91.

[ 168 ]

المبادرة، ضرورة أنه بإدراك ركعة من الصلاة السابقة لا يتعذر عن إدراك الركعة من اللاحقة، وليس في ذلك تزاحم أولا. مع أنه لا منع مع كون التزاحم بسوء الاختيار، أو مع الاعتذار عن شمولها له، من غير حاجة إلى ما في صلاة جد أولادي (قدس سره)، من فرض مجموع الصلاتين واحدا (1)، مع أنه غير جائز عقلا، ولا اعتبارا. أما الاول فواضح، لتعدد الامر بخلاف النافلة. وأما الثاني فللزوم كفاية إدراك ركعة لصحتهما مجموعا. ولا إلى ما أفاده الوالد المحقق - مد ظله - من حكومة من أدرك على أخبار تفيد الشأنية والاقتضائية، بالنسبة إلى الوقت المضيق (2)، ضرورة أن في رواية ابن فرقد: إن الشريكة في آخر الوقت توجب بطلانهما وفوتهما (3) ورواية من أدرك (4): يتدارك الفوت، وتكون الصلاة تامة فإنه لو كان يتدارك ولا يفوت وتكون تامة، فيلزم جواز التأخير العمدي، وأن لا يتدارك بعض المصلحة، ويفوت شئ منها، وتكون تامة بالنسبة إلى غير المتعمد، فلا حكومة فيشكل بالنسبة إلى الثانية، لفوت بعض المصلحة عمدا، وقد فات بعض المصلحة من الاولى من غير إمكان التدارك، في صورة التأخير عمدا. وغير خفي: أنه مع قطع النظر عن الانصراف المذكور إن قلنا


1 - الصلاة، المحقق الحائري: 18. 2 - الخلل في الصلاة، الامام الخميني (قدس سره): 110. 3 - تقدم في الصفحة 128. 4 - وسائل الشيعة 4: 218، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت، الباب 30، الحديث 4.

[ 169 ]

بالاشتراك فلا حاجة إلى من أدرك إلا بالنسبة إلى الثانية، وإن قلنا بالاختصاص فنحتاج في صحة كل منهما إليه، وإن قلنا بالاقتضاء والشأنية، فلا حاجة إليه في الاولى دون الثانية. اللهم إلا أن يقال: أن من أدرك منصرف إلى مطلق الوقت، فإذا كان الثاني مزاحما للاول، فبدون من أدرك لا يمكن تصحيح الاولى، نعم لو كان التأخير بمثل هذه الاعذار جائزا، فلا حاجة إليه إلا في الثانية. ولو قلنا: بأن من أدرك ظاهر في وقت الاجزاء، بحيث يكون لولاه عمله باطلا، كما هو الاقرب الاشبه، فالثانية تحتاج إلى من أدرك وربما تقع الاولى صحيحة، لكونها في وقتها، ولكنه يعاقب على التأخير العمدي بالنسبة إلى الثانية، أو باطلة لصيرورتها مبغوضة، على تأمل تحرر في محله. بقي شئ ثان: في حالات المصلي وإدراك ركعة آخر الوقت تختلف حالات المصلي بالنسبة إلى إدراك الركعة حسب الاعذار البدنية والامراض والاتفاقات الاحيانية كصلاة الغرقى وهكذا، فعلى القول باعتبار سند القاعدة، فشمولها لمثلهم أولى وإن كان الانصراف إلى غيرهم أقرب، والامر سهل. وعلى هذا لو كان التأخير لاحراز الشرائط الاخر مخلا بإدراك الركعة، فهل تسقط الشرطية، نظرا إلى أهمية الوقت؟ أو أن موضوعها الركعة الجامعة للشرائط فهو خارج عن القاعدة؟

[ 170 ]

أو هناك تفصيل بين ما له البدل كالطهور الترابي، بالنسبة إلى المائي فيتيمم، ويدرك الركعة فإن الصلاة لا تترك بحال والطهور الاعم لا يخل بالصلاة، لقوله (عليه السلام): لا صلاة إلا بطهور (1) ومن هنا يلزم حسب الصناعة التفصيل بين ما اعتبر في الصلاة على وجه لا تعد الصلاة صلاة، ولا الركعة ركعة منها بدونه، كفاتحة الكتاب، على إشكال في صدور لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب لخلو الكتب المعتبرة منه، إلا كتاب المستدرك (2). والقيام عن صلب، وهكذا بعض الشرائط مثل ما في معتبر زرارة لا صلاة إلا إلى القبلة (3)، وبين ما لا يكون كذلك، لان المستفاد من أدلة الوقت أهمية الصلاة بالنسبة إليه، والذي تجر الصلاة الناقصة القاصرة حتى الاشارة حسب الصناعة، عن التامة القضائية، بل نفس هذه القاعدة تكشف عن أهميته، وأنها ترشحت عن ذلك الاهتمام الكثير. بقي شئ ثالث: في استفادة الشرطية والجزئية من عبارات الاعلام قد اشتهر عدم دلالة هذه التعابير على أكثر من الشرطية والجزئية، وإنما هو تفنن في التعبير، فالوقت بعد انكشاف الاهتمام به في الشريعة بمثل ما مر، يقدم على كافة المزاحمات الاخر بأجمعها، وعندئذ لو كان


1 - تقدم في الصفحة 73. 2 - مستدرك الوسائل 4: 158، كتاب الصلاة، أبواب القراءة، الباب 1، الحديث 5. 3 - تقدم في الصفحة 92.

[ 171 ]

تعلمه فاتحة الكتاب والتكبيرة وغيرهما موجبا للاخلال بالوقت، بمقدار إدارك ركعة من الصلاة عرفا، يقدم الوقت الاضطراري والادراكي عليه، إذ تصدق الركعة على المأتي به لغة حتى بالنسبة إلى الطهور، فضلا عن غيره، والله الموفق العالم. وعلى هذا لا فرق بين التعبير الوارد في الذكرى وغيرها (1)، وبين ما ورد في المدارك: من أدرك من الوقت ركعة فقد أدرك الوقت (2) وبين القول: بأن من أدرك الوقت بمقدار ركعة فكما أدرك الوقت كله فإنه على تقدير يقدم الوقت على مطلق الشرائط. وعلى تعبير وتحرير: لابد وأن تكون الركعة جامعة لسائر الشرائط، كي يدرك الصلاة تامة من جهة الاخلال بالوقت، لا الاخلال بسائر الشروط. فما في صلاة جد أولادي (3) غير تام، مع أنه يلزم أن تكون المسألة من قبيل الاخبار مع الواسطة، بناء على عدم لزوم الاشتغال الفعلي، وكفاية التقديري، ولزوم المبادرة، فإنه إذا توسع الوقت، واعتبر خارج الوقت وقتا، يجوز أن يصير هذا الخارج المعدود وقتا أيضا موسعا، وتكون الرواية عندئذ دليلا على المضايقة، خلافا لما حررناه من التوسعة، مع أنه أداء لا قضاء وهكذا، فاغتنم.


1 - تقدم في الصفحة 148. 2 - مدارك الاحكام 3: 93. 3 - الصلاة، المحقق الحائري: 18 - 19.

[ 172 ]

وإليك شئ رابع: في اختصاص روايات المسألة بمدرك الركعة للاخباري أو بعض الاصوليين اختصاص مصب روايات المسألة بخصوص مدرك الركعة، دون الركعتين، أو الاكثر من ركعة، والاصولي لا يفهم ذلك، ولا تكون هذه الروايات من قبيل قوله تعالى (ولا تقل لهما أف) (1) ولا تغفل عن قصة أبان ولان السنة إذا قيست محق الدين (2) ولا يكون مورد الروايات من قبيل تلك القصة. فرع: في شرطية الوقت وفيه فروع: لو لم يكن عا لما بشرطية الوقت فصلى، ثم تبين أن صلاته في الوقت، أو كان عارفا بالشرطية والوقت، وغفل فصلى، ثم التفت وتبين أنها في الوقت، أو سها ونسي الشرطية فصلى وكانت هي في الوقت المحدود لها تماما، أو المضروب لها إدراكا، لقاعدة الادراك لو كان جاهلا بالشرطية أو نسي الشرطية، أو لم يكن يعلم قاعدة الادراك أو نسي، أو صلى غافلا عن الوقت ابتداء أو انتهاء، فصلى ولم يتبين له أن صلاته وقعت في الوقت أو لم تقع، أو أدرك من الوقت مقدار ركعة أم لم يدرك.


1 - الاسراء (17): 23. 2 - الكافي 7: 299 / 6، تهذيب الاحكام 10: 184 / 719، وسائل الشيعة 29: 352، كتاب الديات، أبواب ديات الاعضاء، الباب 44، الحديث 1.

[ 173 ]

فتارة يقال: بجريان قاعدة الفراغ، وقاعدة الادراك، لاطلاقهما أو استصحاب بقاء الوقت بعد ما يعلم بعدم دركه تمام الوقت، وهو فعلا خارج الوقت، وذلك إما لاجل الاستصحاب، أو قاعدة الفراغ فتصح صلاته. أو يقال: باختصاص القاعدة بالشك في التطبيق، ولا يعم الشك في الانطباق، فهي لا تجري، والاستصحاب في الفرض الاخير مثبت. وأما إذا علم بعد الفراغ بالشرطية وإدراك ركعة أو ارتفع نسيانه، فجريان قاعدة من أدرك غير ممنوع. اللهم إلا أن يستفاد من الموثقة مفروغية المصب الخاص لها، بعد عدم تمامية سند سائر الاخبار، كما هو الاشبه إلا أن مقتضى القاعدة صحة الصلاة إذا وقعت الطبيعة في الجملة في الوقت. وهذا هو عندي المستند، كما أن الاستصحاب عندي كالامارة، وتكون مثبتاته حجة على الاظهر، بخلاف قاعدة الفراغ، فإن الاشبه مصبها الشك في التطبيق، فلا يعم الجاهل، ولا الغافل أو الناسي للحكم. نعم، يبقى شئ وهو لزوم قصد القربة بالنسبة إلى جميع القيود والشرائط، كما يلزم بالنسبة إلى جميع الاجزاء والاركان، إلا أن يقال بكفاية القربة المجملة في هذه الصور، أو يقال: إن الوقت وإن كان قيدا لبا إلا أن الصلاة بالنسبة إليه من قبيل القضية الحينية، فلا يعتبر قصد القربة بالنسبة إلى الوقت. نعم، في صورة العمد والاخلال بالقربة بالرياء، بالنسبة إلى الوقت إذا سرى إلى الصلاة تبطل. ونتيجة بعض ما مر: إن مقتضى استصحاب عدم دخول الوقت، أو بقاء

[ 174 ]

الضحى إلى أن صلى قبل الوقت، بطلانها لحجية المثبت، حسب ما حررناه في الاصول، فليتأمل. فذلكة: في استصحاب بقاء الوقت عند الشك بمقدار الوقت الادراكي كثيرا ما لا يتمكن المكلف من الاطلاع على المقدار الباقي من الوقت، مع احتمال بقائه بمقدار إدراك تمام الوقت، أو يعلم مضي الوقت، ولكن يكون على شك بمقدار الوقت الادراكي، لعدم وجود الحجة عنده، فربما يستصحب بالاستصحاب الاستقبا لي نفس الوقت، وربما يستصحب إدراكه الوقت، لكونه على اليقين بذلك، وربما يستصحب أنه كان مدرك وقت الصلاة، أو الوقت الادراكي، أو الوقت الاضطراري الجاري فيه الوقت الادراكي، كما بالنسبة إلى وقت العشائين، وشك في طلوع الفجر. ولا منع عندي من جريانه من ناحية المثبتية، ولكن حجية الاستصحاب الاستقبالي مورد المناقشة. نعم بالنسبة إلى الاستصحاب الحالي يكون الشك فعليا، ولا انصراف بالنسبة إليه في أدلة الاستصحاب بالضرورة، فلو شك في آخر الوقت أنه يدرك ركعة مثلا، فلا بأس بالاستصحابات المذكورة. اللهم إلا أن يقال: بأن ما هو الحا لة السابقة، هو العلم بإدراك الصلاة، ولا أثر في هذا الحال لادراك الركعة، وإذا كان مشتغلا بالصلاة، وشك في أنه يدرك ركعة لا بأس باستصحاب الوقت وجزءه، إلا أنه من الاستقبا لي، والشك ولو كان فعليا والقضية المشكوك فيها منطبقة على

[ 175 ]

الزمان المستقبل، إلا أن إطلاق أدلة الاستصحاب غير واضح، فليتدبر جيدا. ويجوز الاستصحاب الحكمي الجزئي، ضرورة أن الصلاة واجبة بين الحدين، والتأخير حرام مثلا إلى حد لا يدرك الركعة، فاغتنم وتدبر. مسألة: لو بقي من الوقت مقدار ثلاث ركعات وهو مسافر فبالنسبة إلى الظهرين يأتي الاولى ثم الثانية، والتأخير معذور فيه، لاجل إطلاق دليل الترتيب. وأما بالنسبة إلى العشائين فالترتيب قيد لصحة المتأخر دون المتقدم، فإن أتى بالمغرب يفوت العشاء الاخرة، وصحت الاولى للاشتراك، ولو عكس أدرك الصلاتين تامتين مثلا، إلا أنه أخل بالترتيب، وقد كان يتمكن من إحرازه بالقضاء، فلا مرجح لاختيار الاولى على الصورة الثانية من هذه الجهة، بعد فوت أصل الصلاة، إلا أن المستفاد من الاية (1) أن آخر الوقت حتى على الاشتراك اعتبر وقت العشاء الاخرة، وهذا أمر بعيد عن الاذهان، وإلا فبإتيان العشاء قبل المغرب يدرك ركعة من غير عصيان، لانه معذور. وهنا احتمال ثالث وهو: الاتيان بالعشاء الاخرة دون المغرب، فيجوز له التأخير إلى إدراك الركعتين، كما لو نسي وأتى بالعشاء، ثم بعد مضي الوقت التفت إلى بطلان المغرب، أو عدم الاتيان به، فليس عليه إلا قضاء المغرب، وذلك لما اشير إليه من ارتكاز أذهان المتشرعة على إتيان العشاء في آخر الوقت، ولذلك سميت بالاخرة، وأما الترتيب فهو


1 - (أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل). الاسراء (17): 78.

[ 176 ]

معذور فيه، كما لو توجه أنه ما بقي من الوقت إلا مقدار ركعتين مثلا في هذه المسألة. وإليك وجه رابع وهو: الاقتحام، كما ورد في اقتحام صلاة الفريضة في الاية (1)، ولو كان موافقا للقاعدة، فيجوز، ويجب في صورة بقاء مقدار الركعتين أن يأتي بركعة من الاولى ثم بركعة من الثانية في مطلق المسائل، مسافرا كان أو حاضرا، إلا أن قضية أخبار العدول حسب الظاهر، اشتراط تقدم الاولى على الثانية في مطلق الاجزاء. وقضية قوله (عليه السلام): إلا أن هذه قبل هذه (2) لزوم تقدم الطبيعة على الطبيعة، بمعنى عدم تقدم الثانية على الاولى. وحيث إن الاقتحام ممنوع، حتى حكي: أن الشهيد (رحمه الله) استشكل (3) في مورد النصوص، فضلا عن غيره وإن قيل بجوازه (4)، حسب القاعدة، وتفصيله في محله، يكون الوجه الثاني أقرب إلى القواعد، ولو شك فالاحتياط غير ممكن، لاحتمال بطلان المغرب كما يحتمل بطلان العشاء المتقدمة، بل لبطلانها مع ترك المغرب في هذه الصورة حتى لو أخر إلى درك الركعتين، فضلا عن الركعة الواحدة، فليتأمل.


1 - وسائل الشيعة 7: 490 كتاب الصلاة، أبواب صلاة الكسوف والايات، الباب 5، الحديث 4. 2 - تقدم في الصفحة 128. 3 - جواهر الكلام 11: 463، ذكرى الشيعة: 247 / السطر 6، مصباح الفقيه، الصلاة: 491 / السطر 3. 4 - الصلاة (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 176 و 177.

[ 177 ]

المسألة الرابعة حول خلل الصلاة من جهة الطهارة الحدثية والكلام يقع في جهات: الجهة الاولى: في بيان صور الاخلال بالطهارة الحدثية في قضية القواعد في صورة العلم بعدم الطهور أو الحجة على عدمه وضوء أو غسلا أو تيمما، بعد الفراغ عن وجوب وجوده حين الصلاة، فلا بحث في فاقد الطهورين، فصور العلم بفقدانه كثيرة، لانها تارة يكون في الاثناء، واخرى بعد الصلاة وفي الوقت، والثالثة بعد الوقت. وعلى كل تقدير تارة يكون دخوله لاجل الاتكال على العلم، واخرى لاجل الاتكال على الحجة والامارة، وثا لثة على الاصل كالاستصحاب، ورابعة على التقية، وخامسة تبدل الاجتهاد. وعلى كل تقدير تارة يلتفت إلى أنه لم يأت بالوضوء أو الغسل

[ 178 ]

وغيرهما، واخرى إلى أنه كان باطلا إلا أنه محكوم بالصحة لقاعدة الفراغ وغيرها. وعلى بعض التقادير تارة يشك في الطهور، وهو في الاثناء، واخرى يشك بعد الفراغ أو غير ذلك. وأيضا تارة يتوجه إلى الخلل بأن يتذكر، وقد نسي، واخرى يتعلم بأن كان جاهلا بالشرطية وبا لنسبة إلى أصل الطهور، أو خصوصية من خصوصياته جهلا قصورا أو تقصيرا، حكما أو موضوعا، بأن يتوجه إلى أنه توضأ بالمضاف أو المتنجس أو غير ذلك، وهو كثير، ولاسيما حسب الحكم. وثالثة يترك الطهور إكراها إلى أن يضيق الوقت فيكره على الصلاة، أو نقول بوجوبها عندئذ. ورابعة يضطر مثلا إلى ترك الطهور، ويكون هو باقيا في جميع الوقت على الصورتين الانفتين. وخامسة يغفل عنه فيأتي بها بلا طهور. وعلى الصور الاخيرة ربما يرتفع الاضطرار والاكراه والغفلة، في الوقت أو في الاثناء، بناء على إمكان الاضطرار إلى الترك، أو يضطر إلى أمر وجودي مزاحم ينتهي إلى تركه، وربما يتخيل التقية فيلتفت إلى سوء عقيدته واشتباهه، وثالثة يشك في ذلك على أقسام التقية المهاباتية والمراداتية وغيرهما. وبالنتيجة: تبينت كثرة الصور، وإن منها ما لو التفت في أثناء الصلاة وكان قد أخل به، أو التفت أنه أحدث في الاثناء إلا أنه فاقد الطهورين

[ 179 ]

إلى آخر الوقت، أو فاقد الماء دون التراب وهكذا، هذه هي الجهة الاولى في المسألة. الجهة الثانية: في ذكر ما تقتضيه القواعد في المقام ربما يقدم حديث الرفع على مستثنى لا تعاد في مطلق الفقرات، لحكومته عليه، كما عرفت وجهه، ويشمل رفع ما لا يعلمون صور تبدل الاجتهاد، وصور الجهل المركب بحسب الواقع، ففي جميع الفروض تنتفي الشرطية، وتقيد دليلها كسائر الموارد. هذا مع أن حديث الرفع يتقوى بقاعدة كلما غلب الله (1) في بعض الموارد، مع أن في موارد التقية وتبدل الاجتهاد يكون الامر أوضح، حسب أدلته وشهراته مع سعة الوقت. ولاسيما في موارد الاتكال على الاصول، ومثل الاستصحاب، بل وقاعدة التجاوز، والفراغ، وأصا لة الصحة، فإنه في جميع تلك الموارد إما نفس القواعد تقتضي الاجزاء أو حديث الرفع، حسب مختلف فقراته، في مختلف الفروض، فربما يتمسك ب‍ " رفع ما لا يعلمون، وربما ب‍ " رفع ما لا يطيقون وما اضطروا إليه كما لو قلنا بوجوب الاتمام في الاثناء، فإن الفقيه يحتال،


1 - عن علي بن مهزيار، أنه سأله - يعني أبا الحسن الثالث (عليه السلام) - عن هذه المسألة؟ فقال: لا يقضي الصوم ولا يقضي الصلاة، وكل ما غلب الله عليه فالله أولى بالعذر. الفقيه 1: 237 / 1042، وسائل الشيعة 8: 259، كتاب الصلاة، أبواب قضاء الصلوات، الباب 3، الحديث 3.

[ 180 ]

كما عرفت في بعض البحوث السابقة. ولكن قد عرفت أخيرا تقدم عقد المستثنى على حديث الرفع أولا، مع أن رفع ما لا يعلمون ظاهر في الجهالة الالتفاتية فلا يشمل الجهل المركب، وموارد تبدل الاجتهاد، ومسألة كلما غلب الله بمناسبة كلمة العذر مخصوصة بموارد خارج الوقت لولا الدليل الاخر، الحاكم عليه أو المقيد له خاصا، وقد تحرر وجه بطلان التمسك برفع الاضطرار في أمثال المقام في محله صناعة (1)، مع أن السيد الوالد المحقق - مد ظله - قد صرح بعدم عملهم به في أمثال المقام (2). ومن الممكن دعوى أن قوله (عليه السلام): لا صلاة إلا بطهور (3) مقدم صناعة على جميع الادلة، لان الفاقد ليس بصلاة، فيبقى قوله تعالى (أقم الصلاة) (4) والامر بها باق ادعاء. ويؤيده بعض الاخبار الخاصة في خصوص العقوبة على الصلاة بلا طهور (5)، أو أن الصلاة إذا تم ركنه وسجوده وطهوره فالباقي لا يعتنى به.


1 - تحريرات في الاصول 7: 115 وما بعدها. 2 - الخلل في الصلاة، الامام الخميني (قدس سره): 130. 3 - تقدم في الصفحة 73. 4 - العنكبوت (29): 45. 5 - عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: اقعد رجل من الاحبار في قبره فقيل له: إنا جالدوك مائة جلدة من عذاب الله عز وجل فقال: لا أطيقها فلم يزالوا به حتى انتهوا إلى جلدة واحدة، فقالوا: ليس منها بد، فقال: فيما تجلدونيها؟ قالوا: نجلدك أنك صليت يوما بغير وضوء. الفقيه 1: 35 / 130، وسائل الشيعة 1: 368، كتاب الطهارة، أبواب الوضوء، الباب 2، الحديث 2.

[ 181 ]

نعم في موارد التقية لا يبعد، وأما في موارد الاتكال على القواعد والاجزاء بالنظر إليها فلا يتم، على ما أسسناه في وجه نفي الاجزاء في مسألة الجمع بين الاحكام الظاهرية والواقعية (1)، فليراجع. والذي هو مقتضى التحقيق: أن في كل مورد كان الاتكال على الامارات وما بحكمها، ومنها الاستصحاب والقواعد فالاجزاء والصحة الواقعية ممنوعة، وفي كل مورد كان إطلاق دليل الواقع مقيدا ولو بحديث رفع النسيان، والعجز، وما لا يطيقون وغير ذلك، كانت الصحة الواقعية متبعة. وأما مسألة لا صلاة إلا بطهور فهو يرد الدور في الاشباه والنظائر، ومن التفنن في التعبير، مع إمكان التقييد والتزامهم به في الخبثي، فإن الطهور عن الخبث هو القدر المتيقن لوروده هناك في صحيحة زرارة وغيره، وقد ورد في الخلاف وغيره (2) لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب دون غيره من الكتب المعتبر، مع أنه ورد أن القراءة سنة، ولا تنقض السنة الفريضة فلا تكن من الشاعرين. نعم، في خصوص مستثنى لا تعاد تكون المزية للخمسة حسب القواعد، والمتبع هي الادلة الخاصة، والمسألة عند الاصحاب والمتشرعة كأنهما واضحة، وهو أن الصلاة بلا طهور، ولو كان ماء الطهور


1 - تحريرات في الاصول 2: 303 و 307 - 308. 2 - الخلاف 1: 327 - 328 و 342، المبسوط 1: 106، تذكرة الفقهاء 3: 130، التنقيح الرائع 1: 197، سنن ابن ماجه 1: 273 / 837، سنن الترمذي 1: 156 / 247.

[ 182 ]

أو ترابه غير طاهر واقعا، باطلة، وتعد هذه الصورة المذكورة من الصلاة بلا طهور أيضا، ففي خصوص الطهور اتفقت القواعد والاغتراس على بطلان الصلاة، في صورة الاختلال بالطهور الحدثي. الجهة الثالثة: في ذكر بعض فروع خلل الطهور والتي ربما يهم الكلام حولها، أو يبتلي بها المكلف أمور: منها: لو صلى والتفت في الاثناء إلى فقد الطهور. منها: لو صلى مع طهور، وأحدث في الاثناء، والوقت واسع. منها: لو صلى مع الطهور المائي وأحدث في الاثناء، وهو فاقد الماء، والوقت واسع. منها: لو صلى مع الطهور المائي، وأحدث في الاثناء والوقت مضيق، والماء موجود. منها: لو صلى مع المائي، والوقت لا يدرك إلا بقاعدة الادراك، والماء موجود. منها: لو صلى مع الترابي وأحدث، والوقت واسع أو مضيق، فكان فاقد الطهورين، وهكذا أشباه هذه المسائل والفروع. فلنا أن نقول: إن ما هو مفاد عقد المستثنى بالنسبة إلى الطهور ليس إلا ما هو مفاده بالنسبة إلى القبلة والوقت، وإن طبيعة الصلاة لابد وأن تكون تدرك الوقت من الابتداء أو الاخر طبيعي الوقت، وهكذا بالنسبة إلى القبلة، فلو التفت في الاثناء إلى خطائه فعاد نحو القبلة،

[ 183 ]

فحسبه اجتهاده مثلا، ولا تزيد هذه الاخبار على مفاد عقد المستثنى، وعندئذ لو كانت طبيعة صلاة الظهر أو العشاء واجدة للطهور فربما هي داخلة في عقد المستثنى، ولا تكون باطلة لكونها مع الطهور. كما ترى ذلك في أخبار العدول (1)، فإنه يعلم منها كفاية كون الركعات بطبعها متلونه بلون الظهرية، بل يكفي عندهم جزء يسير منها، فلو صح ما ذكر حسب العقل والشواهد النقلية، صحت الصلاة في جميع الفروض المذكورة، لعدم الاخلال بالطهارة الحدثية بالنسبة إلى الطبيعة الفانية فيها الاجزاء. وهذا التقريب يناسب قوله (عليه السلام): لا صلاة إلا بطهور أيضا، وهكذا يناسب ما لو كان في بعض صلاته متطهرا بالمائي، وبعضه بالترابي، أو كان بعضه ترابيا فقط. ذكر ما تقتضيه الاخبار في المقام هذا أيضا بالنظر إلى القواعد، ولكن مقتضى الاخبار - وإن كانت مخصوصة بالناسي - اعتبار الطهور في مطلق الاجزاء، لان الطائفة الامرة بالاعادة على الاطلاق واردة في موارد الاختلال مطلقا، والطائفة الامرة بالاستئناف، فهي في مورد نسيان جزء من الوضوء، أو نسيان مسح الرأس، وهو الاكثر إلا أن الامر بالاعادة يوجب الوثوق بعدم كفاية الوضوء بالنسبة إلى بقية الطبيعة.


1 - وسائل الشيعة 4: 290، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت، الباب 63.

[ 184 ]

اللهم إلا أن يقال: أولا: باختصاصه بالنسيان، فلا يشمل مورد الجهل، أو الاضطرار المرتفع في الاثناء، وغير ذلك. وثانيا: في رواية التهذيب بإسناده عن أبي بصير في رجل شك، ما يومئ إلى كفاية كون الصلاة بطبيعتها مقطوعة الطهور في الجملة (1). إلا أن الانصاف لا يساعدنا، والاغتراس والارتكاز على خلافنا. وأما لو أحدث في الاثناء، فإن كان من الاحداث القاطعة للهيئة الاتصا لية، كما في بعض الاخبار من نسبة القطع إلى مثل الريح والصوت وغيرهما (2)، وقلنا أنه يرجع في الاعتبار إلى الفصل، وحل الغزل والحبا لة وإفسادها وكسرها الاعتباري لوجود الطبيعة الخارجية. وإن كان من نواقض الوضوء والطهور، فالصلاة باطلة من ناحيتين، ومنعدمة طبعا في الاعتبار، فمع سعة الوقت يعيد الوضوء والصلاة، وأما مع ضيق الوقت الحقيقي، بأن لو تيمم يدرك الوقت الحقيقي، وإلا فيدرك الوقت الادراكي، فالاشبه هو التوضؤ وإدراك الوقت لما عرفت.


1 - عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) في رجل نسي أن يمسح على رأسه فذكر وهو في الصلاة فقال: إن كان قد استيقن ذلك انصرف فمسح على رأسه وعلى رجليه واستقبل الصلاة وإن شك فلم يدر مسح أو لم يمسح فليتناول من لحيته إن كانت مبتلة وليمسح على رأسه، وإن كان أمامه ماء فليتناول منه فليمسح به رأسه. تهذيب الاحكام 2: 201 / 787، وسائل الشيعة 1: 471، كتاب الطهارة، أبواب الوضوء، الباب 42، الحديث 8، جامع أحاديث الشيعة 2: 411، كتاب الطهارة، أبواب الوضوء، الباب 31، الحديث 13. 2 - وسائل الشيعة 1: 245، كتاب الطهارة، أبواب نواقض الوضوء، الباب 1 و 2.

[ 185 ]

وأما لو لم يكن يدرك من الوقت حتى الوقت الادراكي، فتفوته الصلاة لو توضأ فهل يتيمم، ويدرك بقية الصلاة في الوقت الحقيقي أو يستأنف الصلاة بالتيمم؟ وجهان. وبعد القول بأن ضيق الوقت من المسوغات، فلا يبعد صحة التيمم. اللهم إلا أن يقال: إطلاق دليل القطع يوجب اعتبار معدومية ما بيده، فعليه الاستئناف بالتيمم ولو أدرك ركعة. والانصاف: إن القواطع الطبيعية العرفية كالكلام الطويل، والقهقهة غير مثل الحدث، فإنه لا يعد قاطعا، وربما كان ذلك لاجل كون الحدث مبطلا، وناقضا للطهور، ومبطلا للصلاة ببطلان الطهور، فعند ذلك لو دل دليل على جواز التوضؤ في الاثناء بعد الحدث، وتتميم، ولا سيما في ضيق الوقت، فإن الوقت مما يهم عند الشرع، والصلاة بالنسبة إليه تفوت، وتنقلب من الفرد الكامل قضاء إلى الفرد الناقص جدا أداء في موارد كثيرة محررة في الفقه (1)، ولاسيما مع احتمال كون التوضؤ والاشتغال به من الصلاة مما يقع في الاثناء، وهي عبادة. فما في بعض الاخبار الصريحة التي كالصحيحة، مثل ما رواه محمد بن مسلم، وزرارة في الفقيه والتهذيبين قال زرارة: فقلت له: دخلها وهو متيمم فصلى ركعة وأحدث، فأصاب ماء، قال: يخرج ويتوضأ


1 - العروة الوثقى 1: 233، فصل في شرائط الوضوء، الثامن، و 480، فصل في أحكام التيمم، السابع، و 536 و 538، فصل في أحكام الاوقات، المسألة 15 و 18 و 19.

[ 186 ]

ويبني على ما مضى من صلاته التي صلى بالتيمم (1). وهكذا الرواية الاخرى (2)، بل وثالثة (3)، بل ورابعة في أبواب قواطع الصلاة من الوسائل حيث اعتبر نقض الصلاة بالتكلم فقط (4). ولولا مخافة الاغتراس كان الافتاء على طبقها متعينا، لصحة السند، وأهمية الوقت بحملها على صورة ضيق الوقت مثلا إلا أنه مشكل، ويظهر أن المسألة ليست قطعية العدم، من حمل الشيخ بعض الاخبار على بعض فروع المتن (5). بقيت فروع اخر في مسألة خلل الطهور وهي أن يحدث في التشهد قبل السلام، أو قبل التشهد، أو قبل


1 - الفقيه 1: 58 / 214، وسائل الشيعة 7: 236، كتاب الصلاة، أبواب قواطع الصلاة، الباب 1، الحديث 10. 2 - سمعت رجلا يسأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل وجد غمزا في بطنه أو أذى أو عصرا من البول وهو في صلاة المكتوبة في الركعة الاولى أو الثانية أو الثالثة أو الرابعة. فقال: إذا أصاب شيئا من ذلك فلا بأس بأن يخرج لحاجته تلك فيتوضأ ثم ينصرف إلى مصلاه الذي كان يصلى فيه فيبنى على صلاته من الموضع الذي خرج منه لحاجته ما لم ينقص الصلاة بالكلام. تهذيب الاحكام 2: 355 / 1468، وسائل الشيعة 7: 237، كتاب الصلاة، أبواب قواطع الصلاة، الباب 1، الحديث 11. 3 - جامع أحاديث الشيعة 3: 120، كتاب الطهارة، أبواب التيمم، الباب 12، الحديث 6. 4 - وسائل الشيعة 7: 236، كتاب الصلاة، أبواب قواطع الصلاة، الباب 1، الحديث 9. 5 - الاستبصار 1: 401 ذيل حديث 4، وسائل الشيعة 7: 236 - 237، كتاب الصلاة، أبواب قواطع الصلاة، الباب 1، ذيل حديث 9 و 11.

[ 187 ]

السلام وبعد التشهد، فإن مقتضى القاعدة عندنا إن حديث لا تعاد ناظر إلى مقام الامتثال حسب الظاهر، فلو كان الحدث من القواطع، فهو من السنة والسنة لا تنقض الفريضة. وأما التمسك ب‍ لا تعاد فهو أيضا في محله، لان الاعادة من قبل الخمسة لازمة دون غيرها، سواء كان من الاجزاء والشرائط الراجعة إلى مرحلة تقرر الماهية، أو إلى الفروع الراجعة إلى مرحلة الوجود. فلو أحدث بعد السجدتين فإما يكون البطلان مستندا إلى القاطع، فهو داخل في عقد المستثنى منه، وفي قوله (عليه السلام): إن السنة لا تنقض الفريضة والحدث قاطع من السنة بالمعنى الاعم. وإما يكون البطلان مستندا إلى الاخلال بشرط الصلاة على الاطلاق، فهو في غير محله، لانها واجدة للشرط المذكور، إلى ما بعد السجدة، أو إلى شرط التشهد، لاشتراط دوام الطهور إلى السلام، فهو من جهة الشرط من عقد المستثنى، ومن جهة المشروط من عقد المستثنى منه، وحيث يكون ترك التشهد رأسا غير مضر، لانه من السنة، فكيف يمكن أن يكون من ناحية شرطه كالموالاة مثلا مضرا، فهذا يؤيد ما ذكرناه من كفاية كون الطبيعة لها الطهور، فبا لحدث يخرج عن الصلاة، إن قلنا بقاطعيته، إلا أنه لا يوجب الاعادة لما اشير إليه. وما في جملة من الاخبار المختلفة لسانا، ربما يكون ناظرا إلى

[ 188 ]

هذه المقالة، وقد ذكرها الوسائل في أبواب قواطع الصلاة (1)، ويظهر من حمل الشيخ (رحمه الله) على حصول الحدث نسيانا، وخصه بالتيمم (2) أن ما مضى غير بعيد، كما يظهر من نفس هذه الاخبار الاشارة إلى التقية وفتواهم الشاهر الفجيع، وإن كان يمكن التقييد إلا أنه واضح الكذب عند صغار أبناء الامامية. وهناك تقريب ينتهي إلى البطلان حسب القاعدة، لامكان التفكيك في الاعتبار، ضرورة أن الحدث في الاثناء من الحدث في الصلاة، وعندئذ ينقض الطهور وهو داخل في عقد المستثنى، فيلزم الاخلال بالركن الذي هو موجود في جميع الاحوال الصلاتية الركنية وغير الركنية، وليس وضع الطهور مختلفا باختلاف أوضاع الاحوال، والاجزاء، والافعال الركنية، وغير الركنية. ومقتضى عكس نقيض ذيل القاعدة: إن كل ما ينقض الفريضة ليس من السنة، والطهور لا ينقض الفريضة، لانه مما فرضه الله في الكتاب، فالصلاة تبطل من جهة شرط ركني قائم بالمصلي، أو بالصلاة من الابتداء إلى الانتهاء، بناء على ما هو المعروف عندهم، والمركوز في أذهانهم، نعم يمكن التقييد بالقيد المعتبر، وهو غير موجود.


1 - وسائل الشيعة 7: 235 - 237، كتاب الصلاة، أبواب قواطع الصلاة، الباب 1، الحديث 9 و 10 و 11. 2 - الاستبصار 1: 401.

[ 189 ]

المسألة الخامسة في بحوث خلل الصلاة من ناحية الطهارة الخبثية وتمام القول فيها في مباحث: المبحث الاول: في مقتضى القواعد وقبل الخوض فيها نشير إلى أن صور المسألة بين من أخل عا لما عامدا، أو جاهلا بقسميه، بالحكمين التكليفي والوضعي على سبيل منع الخلو والموضوع، أو لنسيان الحكم والموضوع هكذا، أو الاضطرار إلى الموضوع مثلا، أو ما يشبهه. وعلى كل تقدير، إما يعلم ويتذكر في الاثناء، أو بعد الصلاة، أو بعد الوقت، بعد الفراغ عن وحدة الحكم في النجاسات، وإلا فلا منع من التفصيل من هذه الناحية، وغير ذلك مما يظهر حكمه خلال المباحث إن شاء الله تعالى.

[ 190 ]

ثم الاصحاب المحققون بين من يقول بالتفصيل حسب القواعد، وعليه الجل لولا الكل، إلا أن هنا نظرين إلى القواعد، فبا لنظر إلى القواعد الاولية، بعد الفراغ عن إطلاق أدلة الشرطية، يجوز تقريب ينتهي إلى اشتراك الصور فيه، نعم بالنسبة إلى القواعد الثانوية فلا. وأما بالنسبة إلى القواعد الاولية فيمكن أن يقال بالبطلان نظرا إلى أن الاطلاقات اشترك فيها جميع الناس. وأما في الشبهة الموضوعية ونسيان الموضوع أو الجهل، فلان الجعل العام المشترك لا يشهد إلا باقتضاء البطلان، وبفقد المشروط بالاختلال بشرطه وإلا فهو لغو، أو بأن الامر بالصلاة في الطاهر، أو بأن النهي عن الصلاة في النجس، ليس إلا في صورة العلم بهما، ولا تجري البراءة العقلية في مطلق الشبهات الموضوعية، لان وظيفة الشرع بيان الحكم لا الموضوع وغيره ذلك. وأما البراءة النقلية، وقواعد الحل والطهارة لا تفيد أكثر من الصحة الظاهرية، وجواز الاكتفاء، وإلا فالصلاة باطلة لو كانت في النجس واقعا. ولكن المحرر في محله: أن أمثال هذه البيانات غير تامة ولو ضم بعضها إلى بعض، فإن القوانين الكلية العامة بعد وجود العالم بها بين الناس في الجملة، يكفي لتصحيح ضربها القانوني الجدي، ولو كان وجود العالم من باب الاتفاق كما هو كذلك، وفي صورة فرض الجهل العام لا

[ 191 ]

يعقل ضربه كي يكون له الامتثال (1)، وحديث عدم جريان البراءة العقلية ولو كانت حينية كما نحن فيه، غير تام يطلب من الاصول (2). فعلى هذا لا تقريب صحيح عام لمطلق الصور إلا ما ينتهي إلى اختلاف الصور، حسب القواعد الاولية أو الثانوية، ولاجل ذلك نتعرض له على حدة. المبحث الثاني: الخلل العمدي في الطهارة الخبثية يوجب البطلان الاخلال العمدي بلا عذر يوجب عندنا البطلان، وقضية تعدد المطلوب أو تعدد الامر الترتبي، أو وجود الامرين بالفعل، خروج عن الجهة المبحوث عنها، وهي كون متعلق الامر من الاقل والاكثر الارتباطي، وإلا فالامر بالصلاة ينحل إلى مراتبها المختلفة فيتعدد الامر، وبا لتداخل من ناحية المسبب - للعلم بكفاية الواحدة كما في الاغسال - يتم المطلوب، كما حررناه في الاصول (3). الخلل مع العذر في الطهارة الخبثية لا يوجب البطلان وأما مع العذر كالاضطرار والاكراه والتقية وغير ذلك، فالصحة قوية لو كان لبس الثوب النجس مورد الاضطرار، ويكون مانعا، وإلا لو


1 - تحريرات في الاصول 3: 451 - 455. 2 - تحريرات في الاصول 7: 135 - 137. 3 - تحريرات في الاصول 5: 74 وما بعدها.

[ 192 ]

كان الشرط معنى عدميا أو يكون معنى المانع هو الشرط العدمي، فشمول دليل الاضطرار مشكل، لان ترك الشرط ليس مورد الامر والاثر الشرعي، بخلاف إيجاد المانع. وقد تحرر: أن ما هو مصب العناوين التسعة لابد وأن يكون مورد الامر أو النهي (1)، مع أن الاضطرار إلى العدم يرجع إلى اللابدية بالنسبة إلى الطبيعة الفاقدة، أو تركها بالمرة، والميسور لا يسقط بالمعسور، فلو لم يبق من الوقت إلا دركها ناقصة فعليه ذلك، لما عرفت أن الفقيه يشرف على تقدمه على سائر الامور الدخيلة في المأمور به، فمقتضى الحق أن اعتبار المانعية في الاعتباريات غير ممكن، إلا في فرض بعيد عن الاذهان، فعده إلى شرطية العدم في مرحلة الاعتبار، والجعل التشريعي أولى، فجريان رفع الاضطرار والاكراه غير ممكن، فالبطلان في سعة الوقت قوية، لعدم صدق الاضطرار أيضا. نعم، في ضيق الوقت لا تبعد الصحة على جميع المباني، ولاسيما لو قلنا أنه اضطر إلى أن يصلي في الثوب الكذائي، أو اضطر إلى أن يصلي بلا سورة أو بدون الطهارة الخبثية. إن قلت: مقتضى قوله (عليه السلام): لا صلاة إلا بطهور (2) أو إطلاق عقد المستثنى بعد كون الطهور أعم، ولاسيما في الاولى، لوروده في مورد الطهارة الخبثية، هو البطلان على الاطلاق، وأنه ليست الطبيعة


1 - تحريرات في الاصول 7: 115 - 118. 2 - تقدم في الصفحة 73.

[ 193 ]

الفاقدة صلاة، كي يكون مجزيا عن الامر بالصلاة، فعليه القضاء. قلت: أعمية الطهور غير بعيدة، بل هو القدر المتيقن في الاولى، وأما في الثانية فهو غير واضح للسياق، وسيمر عليك بعض البحث حوله، ولانكار الاطلاق عن بعضهم (1)، وليس هنا القدر المتيقن إلا المفروض في الكتاب، وهو الغسل والوضوء والتيمم. هذا مع أن هذه الاساليت والتراكيب كثير الدور في الروايات، وليس إما لافادة الجزئية والشرطية أو ادعاء نفي الاثم بدونه، وحيث قد ترى تخصيص هذه الادعاءات تجد أنه لا معنى لكونه الادعاء بالضرورة، كي يقدم على جميع الادلة العامة، ويعارض الادلة الخاصة، لعدم كونه من المطلق والمقيد، كما عرفت فيما مر في القبلة أنه لا صلاة إلا إلى القبلة (2) فافهم واغتنم. ولو فرضنا جواز المعارضة أو التقيد، فللفقيه دعوى أهمية الوقت إلى حد يترك المضطر ركوعه وسجوده، فيومئ إليها، فضلا عن لبس النجس، فعليه تصح الصلاة، ولا قضاء عليه إلا احتياطا. وأما التمسك بالاخبار الخاصة، فمضافا إلى بعده، غير تام، لان الروايات المتمسك بها أجنبية عن الاخلال العمدي العلمي.


1 - الصلاة (تقريرات المحقق النائيني) الاملي 2: 412. 2 - تقدم في الصفحة 92.

[ 194 ]

المبحث الثالث: الخلل الجهلي في الطهارة الخبثية الاخلال الجهلي بالنسبة إلى الطهارة الخبثية، سواء كان عن جهالة حكم النجاسة أو عن جهالة نجاسة عرق الجنب من الحرام مثلا، وسواء كان عن قصور أو تقصير، أو كان مركبا غير ملتفت، أو بسيطا أو غافلا، للتساهل واللا مبالاة في الدين، وبعض الشطحيات والطرهات السودائية، لا يوجب البطلان من جهة امتناع اختصاص الحكم بالعالم، لما تحرر إمكانه (1)، بل هو واقع، ولا من الاجماعات والشهرات المحكية والمنقولة، لاحتمال تخلل الاجتهادات، لوجود بعض الروايات، أو اقتضاء بعض القواعد كقاعدة الاشتراك العام. بيان ما يقتضيه إطلاق حديث لا صلاة إلا بطهور نعم مقتضى إطلاق لا صلاة إلا بطهور وعقد المستثنى، هو البطلان، ولا حكومة لحديث الرفع عليه، لما عرفت أخيرا من امتياز الخمسة، ولو انكر الاطلاق أو أنكرنا إطلاقه في خصوص الطهور، لا وجه للانكارين بالنسبة إلى معتبر زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام): لا صلاة إلا بطهور ويجزئك عن الاستنجاء ثلاثة أحجار، بذلك جرت السنة من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأما البول، فإنه لابد من غسله (2).


1 - تحريرات في الاصول 6: 118 وما بعدها. 2 - تهذيب الاحكام 1: 49 / 144، وسائل الشيعة 1: 315، كتاب الطهارة، أبواب أحكام الخلوة، الباب 9، الحديث 1.

[ 195 ]

مع أن حكومة حديث الرفع عليه أبعد. نعم في خصوص المجتهد المجري حديث الرفع، الموجب للتقييد يلزم عدم الاعادة، وأما المجتهد الجاهل المركب أو غيره، وهكذا المقصر فمقتضى دأب ضرب القوانين الكلية لشمولها لهم، وبطلان أعما لهم إلا بالتقييد، ودليل الرفع لا يقتضي الرفع عن الذي يجد نفسه عالما وهو جاهل، كما لا يشمل المقصر، لامتناع العقاب إلا على ترك الواجب النفسي أو المطلوب الذاتي. والاخلال بالامور الوضعية إن لم يستلزم البطلان لا يعقل العقاب عليها، وحديث تفويت المصلحة لا أساس له، إلا برجوع المأمور به إلى الاقل والاكثر الاستقلاليين. فتحصل: أن مقتضى الاطلاق الاولي هي أصالة الركنية، بالنسبة إلى مطلق الشرائط والاجزاء، ومقتضى لا تعاد اختصاص الخمسة، ومنها الطهور. وهكذا قضية لا صلاة إلا بطهور بالركنية، ولازم ذلك هو البطلان بإخلاله بالطهور الخبثي، سواء كان ذلك بالنسبة إلى البدن أو الثوب. تقريب آخر للقول بالبطلان وهنا تقريب أشرنا إليه، وهو ينتهي أيضا إلى البطلان، وهو: أن السنة لا تنقض الفريضة (1) له عكس نقيض، وهو: أن ما ينقض الفريضة


1 - تقدم في الصفحة 7.

[ 196 ]

ليس بسنة والمراد هي الثابتة في الاخبار لا الكتاب. ويكفي لاثبات الطهور الخبثي من الكتاب، قوله تعالى (وربك فكبر وثيابك فطهر والرجز فاهجر) (1) كما هو كذلك بالنسبة إلى الركوع والسجود، لما لا دليل عليه إلا بعض الايات المناسبة بضميمة بعض الاخبار. وفيه: إن ماهية الصلاة التي هي مورد الامر، يعلم أنها هو الركوع والسجود، وهذان الفعلان تمام حقيقة الصلاة في قوله (أقيموا الصلاة) وهما ثابتان بالكتاب بهذه الايات دون تلك الايات مثل قوله تعالى (فاركعوا مع الراكعين) (2) أو قوله تعالى (واسجد...) (3)، فإن ذلك يشبه استدلال العامة، فإذا قال تعالى (وإذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا) (4) وقال (أقم الصلاة لدلوك الشمس) (5). فلابد من تحرير الماهية وتقررها، فكان الركوع والسجود معظم الاجزاء الذي ذهب إليه المشهور في الاعم والاخص عند تصوير الجامع، فلا يتم ما افيد وجها لبطلان الصلاة للاخلال بالطهور الخبثي، من ناحية أن هذا الطهور أيضا من الكتاب والفريضة، مع أن في الذيل صدورا


1 - المدثر (74): 3 - 5. 2 - البقرة (2): 43. 3 - العلق (96): 19. 4 - المائدة (5): 6. 5 - الاسراء (17): 78.

[ 197 ]

وظهورا، إشكالا محررا في السابق. في الادلة المقتضية لصحة الصلاة إذا أخل بالطهارة الخبثية وأما الادلة المقتضية لصحتها إذا أخل بالطهور الخبثي، وتكون حاكمة أو مقيدة لما سلف، فهي إن كانت حديث الرفع، فهو مضافا إلى محكوميته لعقد المستثنى، بمعنى أنه يتبين منهما المزية للخمسة دون غيرها، أنها على الاطلاق ذات المزية مع قطع النظر عن الادلة الخاصة، وإلا يلزم تقوية المزية والاستثناء، لان البحث حول مقتضى القواعد، مع قطع النظر عن الادلة الخاصة والروايات فلا تخلط. ضرورة أنه يتقدم عليه كل شئ نظيف (1) وكل شئ حلال (2) بناء على أن المراد أعم من الحلية الوضعية والحكمية، بعد انصراف لا تعاد عن العمد، أو عدم شمولها له ذاتا وعقلا، فإنه بحسب فقرات حديث الرفع يكون محكوم كل فقرة منها. فإذا كان الامر كذلك يلزم المعارضة بالذات بين العقد المستثنى


1 - عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: كل شئ نظيف حتى تعلم أنه قذر فإذا علمت فقد قذر وما لم تعلم فليس عليك. تهذيب الاحكام 1: 284 / 832، وسائل الشيعة 3: 467، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 37، الحديث 4. 2 - عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سمعته يقول: كل شئ هو لك حلال حتى تعلم أنه حرام بعينه فتدعه. الكافي 5: 313 / 39 و 40، الفقيه 3: 216 / 1002، وسائل الشيعة 17: 88 - 89 كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 4، الحديث 1 و 4.

[ 198 ]

والمجموع، وبا لعرض بين الفقرات، وحل المعارضة تقدم العقد المذكور عليها، لان القاعدة حسب النظر البدوي بصدد إثبات المزية، حسب الحالات الطارئة لخصوص الخمسة فإطلاق لا صلاة إلا بطهور محفوظ، وهكذا لو كان ثابتا لعقد المستثنى. هذا مع أن ظاهر رفع ما لا يعلمون هو الرفع عن الجاهل المتلفت، لا الرفع عن الجاهل المركب غير الملتفت، فإنه امتنان بالنسبة إلى هذه الطائفة، وحيث إنه يمكن الجمع بين الاحكام الواقعية والظاهرية على أحسن ما يمكن كما تحرر (1)، لا وجه للتصرف في الاطلاقات والقوانين العامة، كي يلزم التصرف بالنسبة إلى المقصر أيضا كما عرفت، مع أن السبيل واحدة وهو باطل حسب الاجماع المدعى وحسب دأب المقنين العرفيين في هذه المواقف، فإن في موارد النسيان والجهل يكون الحكم الاولي محفوظا، بل الاولى في موارد سائر الفقرات أيضا محفوظ كما حررناه. بيان وجه ضعف التمسك بأدلة الحل والطهارة والاجزاء ومن هنا يظهر: وجه ضعف تمسكهم بأدلة الحل، والطهارة (2)، والاجزاء في موارد الاستصحاب، والقواعد وغير ذلك، فإن الحكم الفعلي


1 - لاحظ تحريرات في الاصول 2: 307 - 309 و 328 - 329 و 6: 250 - 252. 2 - كل شئ طاهر حتى تعلم أنه قذر. المقنع: 15، مستدرك الوسائل 2: 583، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 30، الحديث 4.

[ 199 ]

موجود مع هذه الترخيصات والوضعيات الثانوية الثابتة بقواعد الحل والطهارة ولو قلنا بشمولها للشبهة الحكمية، فإن انحفاظ الحكم الواقعي في مرتبة الحكم الظاهري يقتضي الاعادة، والقضاء طبعا، ولو كانت الصلاة المأتي بها بقاعدة الحل والطهارة جامعة للنظافة وحلال. وإن شئت قلت: ما يأتي به صحيح، والاعادة واجبة كما لو نذر الصلاة المعادة، فإنه يجب أن يأتي بصلاة الظهر فرادى ثم يأتي بها معادة، والامر هنا كذلك، ولا بأس بالالتزام بتعدد الظهر الصحيح عليه ووجوبه كرارا، كما هو المستحب عندنا، وما يقتضي الضرورة هو في غير هذه الصورة. وقد أفتى جمع من الاصحاب في مورد إراقة الماء، وتضييق الوقت عمدا بالاعادة والقضاء، وفي غيرهما استحبابا أو وجوبا، فإنه غير ما هو الثابت حسب الجعل الاولي، فلا تخلط ولا تكن من الغافلين. فلا يلزم الاجزاء المادامي، كي يقال بعدم صحته، ولا بالتعذير والمعذرية، كي يقال أنه خلاف الظاهر من أدلة الاصول. فبالجملة: لو سلمنا أن حديث الرفع، وقاعدة الطهارة، والحل يشمل حتى الجاهل المركب، لان كل شئ نظيف وحلال، حتى تعرف الحرام والقذر من غير تقييد في ناحية الصدر، لا يلزم منه الاجزاء المطلق، لان الامر الواقعي محفوظ، وينحل إلى الاوامر في غير حال العمد، فيكون ما أتى به متجريا بالنسبة إلى المقدار المنحل إليه ظاهرا، وإذا تبين الخلاف فعليه الاعادة بالنسبة إلى المقدار المنحل إليه. وتوهم: اندراج مسألتنا في عقد المستثنى منه، بعد عدم ورودها في

[ 200 ]

عقد المستثنى فلا يعيد، في غير محله، لان الطهور في معتبر زرارة هو الخبثي، وهو القدر المتيقن، فقوله (عليه السلام): لا صلاة إلا بطهور لا يحتمل التخصيص والتقييد مطلقا أو يلزم لغويته إذا قدم عليه. وحديث كفاية وجوب الاعادة بالادلة الخاصة في مورد النسيان لانحفاظ قوله (عليه السلام) لا صلاة إلا بطهور غير تام للزوم أن تكون صالحة للاعتماد، فتأمل جدا. ثانيا وهكذا، والانحلال يستتبع الالتفات إلى الاختلال بالواقع، وإلا فلا انحلال واقعي، فليغتنم جيدا. المبحث الرابع: حول الادلة الخاصة، من إطلاق معاقد الاجماعات، والشهرات المنقولة والمحكية ولعل نظرهم إلى الجهالة، لبعد العالم العامد عن المسألة طبعا، نعم، يحتمل تخلل الاجتهاد جدا، ومن بعض الروايات المذكورة في الكتب الاستدلالية غلطا، وفي كتب الاخبار ما لا يدل على المسألة. فعلى ما تحرر في خصوص الجاهل بالنجساة أو بالشرطية والمانعية أو بالكل على أصنافه إذا اطلع على الحكم بعد الصلاة والفراغ تجب الصلاة الاخرى جامعة، وهو الاحوط. وأما القضاء فإن ثبت أنه مقتضى الاصل - كما هو القريب من التحقيق - فهو، وإلا فإن ثبت إطلاق لدليله وإلا فلا، بعد صدق الفوت قطعا.

[ 201 ]

المبحث الخامس: في الجهل بالموضوع وقد كثرت فيه الاقوال من البطلان، والصحة، ومن التفصيلات الاخر، وأما إيجاب الاعادة في الوقت دون خارجه (1)، فهو يرجع إلى البطلان، وإنكار دليل القضاء إلا إذا دل دليل بالخصوص، كما قد يتوهم. والذي هو الحق: هو البطلان حسب إنكارنا الاجزاء أخيرا، أو وجوب الصلاة الاخرى في الوقت وخارجه، حسب ما هو الاشبه عندي عجا لة، وقد ذهنبا إلى الاجزاء حتى في القطع والامارات سالفا، ولو لم يأت بالمأمور به رأسا في ظرفه، فإنه هو الاجزاء بالمعنى الاعم. وربما يدل عليه ما في الجامع عن التهذيبين عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، عن رجل صلى وفي ثوبه بول أو جنابة، فقال: علم به أو لم يعلم، فعليه إعادة الصلاة إذا علم (2). وفي الوسائل (3) عن الشيخ، بإسناده عن سعد بن عبد الله، عن وهب بن عبد ربه، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، في الجنابة تصيب الثوب، ولا يعلم به


1 - مستمسك العروة الوثقى 1: 530 - 531، الخلل في الصلاة، الامام الخميني (قدس سره): 139 - 140. 2 - تهذيب الاحكام 2: 202 / 792، جامع أحاديث الشيعة 2: 172، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 24، الحديث 9، وسائل الشيعة 3: 476، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات والاواني، الباب 40، الحديث 9. 3 - وسائل الشيعة 3: 476، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات والاواني، الباب 40، الحديث 8.

[ 202 ]

صاحبه، فيصلي فيه، ثم يعلم بعد ذلك، قال: لا يعيد إذا لم يكن علم (1) وغيرهما، مع ما فيهما من المناقشة في الدلالة، مع قوة إعراض المشهور، لوجود الاخبار الكثيرة المذكورة في الابواب المتفرقة المجتمعة في الجامع (2) وهي متظافرة صريحة في عدم وجوب الاعادة، بالنسبة إلى الشبهة الموضوعية. فلا يصح ما يقال بوجود الروايات الكثيرة على البطلان، أو ما في بعض شروح العروة الوثقى من عدم دليل عليه، والامر بعد ذلك سهل لا يهمنا التعرض له، لان الاخبار الاولية إن كان لها الاطلاق، فهذه الاخبار تقيدها، وإن لم يكن إطلاق فالاصل يقتضي الصحة رأسا، لعدم لزوم تخلف العلم كما هو واضح. بقي شئ: فيما إذا اعتقد الطهارة وبان الخلاف إذا اعتقد طهارة شئ فصلى ثم تبين خلافها، فبما أنه عا لم خارج عن الاخبار المقيدة، كما هو خارج عن قاعدة الحل والطهارة حسب الظاهر، وإن كان جاهلا واقعا. وتوهم: أنه يتخيل العلم في محله، إلا أن منصرف هذه الاخبار من لا يكون عارفا بالنجاسة، حسب المتعارف في حصول العلم وعدمه، فإن كان يعتقد الطهارة فلا تشمله هذه الاخبار.


1 - تهذيب الاحكام 2: 360 / 23. 2 - جامع أحاديث الشيعة 2: 171، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 24.

[ 203 ]

ودعوى: أن ترك الاستفصال دليل الاطلاق غير واضحة، لان المتعارف جدا عدم العلم بالنجاسة. نعم، ربما يظهر من بعض الاخبار كصحيح العيص بن القاسم، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل صلى في ثوب رجل أياما، ثم إن صاحب الثوب أخبره أنه لا يصلي فيه، قال: لا يعيد شيئا من صلاته (1) عدم وجوب الاعادة، مع أنه يعلم الطهارة، فتأمل. وبالجملة: لي إنكار إطلاق الاخبار الدالة على الصحة، إلا في صورة يصدق أنه لم يعلم عرفا، فمن دخل في الصلاة حسب القاعدة، ثم تبين أنه كان نجسا واقعا ليس ممن لا يعلم، كما لو كان معتقد الطهارة. بيان حال الغافل نعم، الغافل إذا صلى ثم توجه إلى الصلاة في النجس، يصدق عليه أنه لم يعلم، أ ما في الفرض الاول، فإما لاجل أنه عالم بالطهارة حسب الحكومة أو الورود، المحرر للادلة الظاهرية على الواقعية (2)، فكيف يصدق عليه أنه لم يعلم، وإما لاجل انصراف الاخبار عنه.


1 - الكافي 3: 404 / 1، تهذيب الاحكام 2: 360 / 1490، وسائل الشيعة 3: 475، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 40، الحديث 6، جامع أحاديث الشيعة 2: 171 كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 24، الحديث 1. 2 - لاحظ تحريرات في الاصول 2: 326 - 328.

[ 204 ]

وأما في الفرض الثاني، فلاجل أن الجاهل المركب عالم لغة، أو يشك في ذلك، فيكفي لعدم جواز التمسك أو الانصراف، فنرجع إلى القواعد المقتضية لوجوب الصلاة الثانية المعادة بطريق أكمل (اليوم أكملت لكم دينكم) (1). فما في كلمات أصحابنا من أن البطلان، حسب القاعدة (2) أو الصحة (3) أو التفصيل في الادلة الظاهرية (4)، غير تام، بل هناك صحة وإيجاب للصلاة الثانية المعادة، كما في موارد استحباب المعادة، وربما يقال هناك بوجوب قصد الوجوب، لانه يعيد الظهر الواجب، لانها معادة تلك الصلاة. كما أن مقتضى الاخبار الناطقة على خلاف القاعدة ليس أكثر مما مر. وأما معتبر الفقيه والتهذيبين عن حفص بن غياث، عن أبي عبد الله، عن أبيه، عن علي (عليهم السلام) قال: ما ابالي، أ بول أصابني أم ماء إذا لم أعلم (5) فهو أيضا كالاخبار السابقة، إلا أنه أعم من حيث الثوب


1 - المائدة (5): 3. 2 - لاحظ جواهر الكلام 6: 211. 3 - مستمسك العروة الوثقى 1: 540. 4 - لاحظ التنقيح في شرح العروة الوثقى 2: 378 - 379. 5 - الفقيه 1: 42 / 166، تهذيب الاحكام 1: 253 / 735، وسائل الشيعة 3: 467، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 37، الحديث 5 و 475، الباب 40، الحديث 4، جامع أحاديث الشيعة 2: 198، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 34، الحديث 1.

[ 205 ]

والبدن، وحيث إن البول أنجس من المني، وقد شدد أمر المني، فسائر النجاسات بحكمه، كما لم يفصل أحد من هذه الجهة، وسيمر عليك بعض الكلام حوله. بقي تذنيب: في تفاصيل متوهمة قد يتوهم التفصيل في صورة الجهالة الموضوعية بين الوقت وخارجه (1)، وهو غير تام، وأما ما قد يقال بتمامية التفصيل بين الفاحص وغير الفاحص (2)، فإن من لم يتفحص فصلى وانكشف نجاسة ثوبه يعيد، وإذا تفحص فلا، وذلك لا لاجل اقتضاء القاعدة خاصا في مورده، لعدم وجه تام له إلا ما يقتضيه مطلقا بمعنى لزوم الصلاة الاخرى في موارد الخلل، بالنسبة إلى النجاسة والطهارة الخبثية، تفحص أم لم يتفحص، وإلا فلا مرجع آخر غير ما تحرر منا، إذ نقول: قد وردت طائفة على التقييد كخبر الصيقل، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، المروي في الكافي والتهذيبين وأيضا عن ميمون، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، وهما واحد حسب الظاهر القوي، مع ضعف السند، قال: قلت له: رجل أصابته جنابة بالليل فاغتسل وصلى، فلما أصبح نظر فإذن في ثوبه جنابة، فقال: الحمد لله الذي لم يدع شيئا إلا وقد جعل له حدا، إن كان


1 - المبسوط 1: 38، قواعد الاحكام: 8 / السطر 11، مدارك الاحكام 2: 348. 2 - ذكرى الشيعة: 17 / السطر 17، الحدائق الناضرة 5: 414 - 417، مستمسك العروة الوثقى 1: 532.

[ 206 ]

حيث قام لم ينظر، فعليه الاعادة (1). وفي جواز التمسك بمفهوم الشرط إشكال. نعم له مفهوم القيد وحجيته ممنوعة، ولا سيما في روايته الاخرى قال: إن كان حين قام إلى الصلاة نظر فلم ير شيئا، فلا إعادة عليه... (2). وقد ذكروا في الاستصحاب: أن قوله (عليه السلام) فلم ير شيئا يساوق حصول العلم عادة، وعلى هذا يتأكد ما ذكرناه سابقا، لان النظر والفحص والرؤية والعلم، كل ذلك لاجل الاطلاع وعدمه، فرواية ميمون كأنها ناظرة إلى أن الطائفة الاولى لا تشمل صورة العلم الخطابي، فأفادت عدم وجوب الاعادة حتى في صورة العلم التعبدي أو التكويني بالطهارة ولو تبين خلافه. فعلى هذا تكون الجملة المقيدة لايجاب الاعادة عند الجهل، وعدم النظر بمفهومها موجبا للتوسعة، وعدم الاعادة حتى في صورة الجهل المركب، وبمنطوقها غير معمول بها، لان الطائفة الناطقة بعدم الاعادة عندما لا يعلم، لا إطلاق لها كي يقيد، لان من تفحص يعلم، فيكون خارجا عن


1 - جامع أحاديث الشيعة 2: 172، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 24، الحديث 6. 2 - عن ميمون الصيقل، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت له: رجل أصابته جنابة بالليل فاغتسل، فلما أصبح نظر فإذن في ثوبه جنابة؟ فقال: الحمد لله الذي لم يدع شيئا إلا وله حد، إن كان حين قام نظر فلم ير شيئا فلا إعادة عليه، وإن كان حين قام لم ينظر فعليه الاعادة. الكافي 3: 406 / 7، تهذيب الاحكام 2: 202 / 92، وسائل الشيعة 3: 478، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 41، الحديث 3، جامع أحاديث الشيعة 2: 172، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 24، الحديث 5.

[ 207 ]

تلك الطائفة، وحيث لا يمكن طرح المنطوق والاخذ بالمفهوم يسقط الخبر دلالة. نعم، بناء على أنهما روايتان تسقط الجملة الثانية، ويؤخذ بالاولى، وتصير النتيجة توسعة الجاهل، كما هو ظاهر فتوى المشهور، إلا أن التفكيك عندنا مشكل، لعدم الدليل اللفظي على حجية الخبر الواحد على إطلاقه، مع ما عرفت من الاشكال في سنده، فعلى ما تحرر لا دليل على التفصيل المذكور. نعم قضية معتبر محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ذكر المني فشدده، وجعله أشد من البول ثم قال: إن رأيت المني قبل أو بعد ما تدخل في الصلاة، فعليك إعادة الصلاة، وإن أنت نظرت في ثوبك فلم تصبه، ثم صليت فيه، ثم رأيته بعد، فلا إعادة عليك، وكذلك البول (1). وغير خفي: إن الشرطية الاولى مربوطة بحال النسيان أو التذكر - أي: الاطلاع والعلم بعد الدخول وفي الاثناء - والشرطية الثانية مربوطة بالفراغ من الصلاة، وحيث قد عرفت قصور الادلة الاولية عن شمول صورة العلم بالطهارة، ثم تبين له خلافه يكون عمله صحيحا. ولكن مقتضى مفهوم القضية الثانية وجوب الاعادة بدون الفحص، ولكن لا يقيد إطلاق تلك الاخبار، لانها ظاهرة بصورة الغفلة، وعدم الالتفات، وهذه الرواية ناظرة إلى صورة الالتفات إلى الاصابة، ولكن لم ينظر


1 - الفقيه 1: 161 / 758، تهذيب الاحكام 1: 252 / 730، وسائل الشيعة 3: 478، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 41، الحديث 2، جامع أحاديث الشيعة 2: 178.

[ 208 ]

فصلى، ثم بعد الفراغ توجه إلى الاصابة، فلا معارضة بين الاخبار، فضلا عن التباين أو التقييد، كما ترى في كلماتهم (1). وتصير النتيجة - على الشرطية -: وجوب الاعادة إذا ترك النظر والفحص، ولاسيما في مثل هذه الامور التي يكون الاطلاع عليها ميسورا جدا، ويعد العلم بها في ميسور المصلي، فيساعد الاعتبار إيجاب الاعادة. ولكن الرواية لاجل ظهورها في اختصاص المسألة بمثل المني والبول، ولذلك شدد أمر المني، وقال: وكذلك البول ولم يذكر سائر النجاسات، يكون مقتضيا لتفصيل جديد في المسألة بين النجاسات، فعندئذ مع ظهورها في ذلك تعد مما أعرض عنها الاصحاب (رحمهم الله)، مع مخا لفتها لمضمرة زرارة الطويلة (2)، الصريحة في عدم وجوب النظر، المشتملة على دم رعاف أو شئ من المني، فالتفصيل المذكور عندئذ غير جائز لصراحتها اللفظية، وهي مقدمة على مفهوم الشرط، مع الاشكال في تحقق


1 - لاحظ الخلل في الصلاة، الامام الخميني (قدس سره): 126 و 144. 2 - عن حريز عن زرارة قال: قلت له: أصاب ثوبي دم رعاف أو غيره أو شئ من مني (إلى أن قال) فإن ظننت أنه قد أصابه ولم أتيقن ذلك فنظرت فلم أر شيئا ثم صليت فرأيت فيه، قال: تغسل ولا تعيد الصلاة، قلت: لم ذلك؟ قال: لانك كنت على يقين من طهارتك ثم شككت فليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشك أبدا، قلت: فهل علي إن شككت في أنه أصابه شئ أن أنظر فيه؟ فقال: لا ولكنك إنما تريد أن تذهب الشك الذي وقع في نفسك. تهذيب الاحكام 1: 421 / 8، وسائل الشيعة 3: 466، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 37، الحديث 1، و 477، الباب 41، الحديث 1، جامع أحاديث الشيعة 2: 165، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 23، الحديث 6.

[ 209 ]

المفهوم، لبعد احتمال التفصيل بين الشرطية الاولى والثانية بحسب الفحص، وأنه ترك (عليه السلام) قيد الفحص في الشرطية الاولى للزوم الاعادة، مع أنه ربما لو تفحص لا يصلي، كي يبتلى بالاعادة، فليتدبر. ولولا حديث الاجماعات المحكية مع ظهور استنادهم إلى أخبار المسألة، كان لنا أن نقول: إن هناك رواية عن الفقيه (1)، وهي غير رواية التهذيبين (2) وهي، قال: قال محمد بن مسلم لابي جعفر (عليه السلام): الدم يكون في الثوب ثم ذكر مثله، وزاد: وليس ذلك بمنزلة المني والبول ثم ذكر (عليه السلام) المني فشدد فيه، وجعله أشد من البول، ثم قال (عليه السلام): إن رأيت المني قبل أو بعد فعليك الاعادة - إعادة الصلاة - وإن أنت نظرت في ثوبك فلم تصبه وصليت فيه، فلا إعادة عليك، وكذلك البول. ومعناه: أنه إن رأيت المني قبل فنسيت فصليت أو بعد الصلاة، ولا


1 - قال محمد بن مسلم لابي جعفر (عليه السلام) الدم يكون في الثوب علي وأنا في الصلاة فقال: إن رأيته وعليك ثوب غيره فاطرحه وصل في غيره وإن لم يكن عليك ثوب غيره فامض في صلاتك ما لم يزد على مقدار درهم فإن كان أقل من درهم فليس بشئ رأيته أو لم تره، وإذا كنت قد رأيته وهو أكثر من مقدار الدرهم فضيعت غسله وصليت فيه صلوات كثيرة فأعد ما صليت فيه وليس ذلك بمنزلة المني والبول، ثم ذكر (عليه السلام) المني فشدد فيه وجعله أشد من البول، ثم قال (عليه السلام) إن رأيت المني قبل أو بعد فعليك الاعادة إعادة الصلاة وإن أنت نظرت في ثوبك فلم تصبه وصليت فيه فلا إعادة عليك وكذا البول. الفقيه 1: 161 / 758، وسائل الشيعة 3: 431، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 2، الحديث 6، جامع أحاديث الشيعة 2: 178، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 28، الحديث 1. 2 - تهذيب الاحكام 1: 421 / 1335، الاستبصار 1: 183 / 641.

[ 210 ]

مفهوم للقضية الاولى، لانه إن لم ير مطلقا فلا معنى لايجاب الاعادة. وأما القضية الثانية، فالشرط مقيد بالفحص، والمقصود أنه إذا تفحص ولم يصب، ثم رأى ذلك، فلا إعادة عليه. ولا يتقدم عليه معتبر زرارة أي مضمرته المسندة في العلل (1) لانه في موقف آخر، وهو في الاثناء، ولا منع من اختصاص المني والبول من هذه الجهة بحكم، وهو وجوب الاعادة عند ترك الفحص، ويساعدنا الاعتبار في موردهما، مع غلظة شديدة فيهما، ولعل تشديده (عليه السلام) لاجل ذلك، وإلا فالبول أنجس من المني، والمني أرجس من البول. هذا إذا كان المعتبر في مقام بيان حكم الدم، لبعد إصابة المني من الخارج جدا، ويؤيد ذلك صدر الرواية حيث قال فنظرت فلم أر شيئا...، فإنه يؤكد أن الفحص متعارف، أو كان مثل زرارة يعتقد ذلك. في احتمال عدم لزوم الفحص نعم، ربما ينفى بالصراحة لزوم الفحص عند سؤال زرارة، فهل علي إن شككت في أنه أصابه شئ أن أنظر فيه؟ قال: لا ولكنك إنما تريد أن تذهب الشك... إلى آخره، إلا أن الذي ذكرناه في تحريراتنا الاصولية (2) اشتمال الرواية على المناقضة الظاهرية بعد الاضمار، وعدم كفاية سند


1 - علل الشرائع: 361 / 1. 2 - تحريرات في الاصول 8: 339 - 344.

[ 211 ]

العلل مع أن المشهور على ما قيل أعرضوا عنها (1). وتوهم التفكيك بين الجمل في غير محله. فيبقى معتبر محمد بن مسلم (2) سليمان عن المعارض، وظاهرا في أن المني والبول يختصان بحكم، وهو الفحص، والبطلان عند تركه. وأما توهم: كون النظر قيدا غا لبيا (3)، أو أن مضمرة زرارة قوية، وتقابل معتبر ابن مسلم من ناحية أن الحصر يفيد الصحة، أو أن السؤال عن الفحص لا موضوعية له، بل هو للصحة والبطلان، فكلها غير تامة، لما تحرر أن كلمة إنما لا تفيد أكثر من التأكيد (4)، وحمل القيد على الغلبة خلاف الاصل. واحتمال الموضوعية لمثل زرارة جائز كما ترى في الصلاة بلا طهور، فإنها حسب طائفة من الاخبار محرمة ذاتا (5). المبحث السادس: فيما لو التفت إلى النجاسة في الاثناء فمقتضى إطلاق الادلة هو البطلان بالنسبة إلى الالتفات إلى الحكم، لبطلان ما مضى حسب ما تحرر (6)، وهو أيضا قضية الادلة


1 - تحريرات في الاصول 8: 370. 2 - تقدم في الصفحة 207. 3 - التنقيح في شرح العروة الوثقى 2: 355، مدارك الاحكام 2: 350. 4 - تحريرات في الاصول 5: 182 - 183. 5 - وسائل الشيعة 1: 367، كتاب الطهارة، أبواب الوضوء، الباب 2. 6 - تقدم في الصفحة 66.

[ 212 ]

الثانوية، بعد قصور ما يتوهم معارضا لها. وأما بالنسبة إلى الالتفات إلى الموضوع، فربما يقال بإمكان تصحيح هذه الصلاة في مطلق الصور، ولاسيما في ضيق الوقت حسب القواعد، ضرورة أنها إلى حين العلم صحيحة حتى إذا التفت إلى وقوعها فيها من الاول، أو في الاثناء، فضلا عن صورة تقارن العلم بوقوعها وتنجس الثوب، أو الشك في القضية، وذلك إما لاجل اقتضاء إطلاق عقد المستثنى منه بتوهم كونه مندرجا في عقد المستثنى منه. وفيه: ما لا يخفى، من عدم ثبوت الاندراج، وعدم اقتضاء الاطلاق، وإلا فهو لازم إطلاق قاعدة الطهارة عرفا، بناء على شمولها للجاهل المركب، فتأمل. وقد مر فساد شمول لا تعاد للعا لم العامد، كي يقال بانصرافها عنه بالنسبة إلى غير ما نحن فيه، كما هو مقتضى مبنى التقي الشيرازي (رحمه الله)، في رسا لته، والسيد المحقق الوالد مد ظله في بحثه (1). وإما لاجل إطلاق الادلة في المسألة السابقة أو الاولوية، وفساد الثاني عندنا واضح، والاول غير ثابت، بل هي ظاهرة في الفراغ. أو لاجل أن مقتضى القواعد صحتها إلى حال الالتفات، فإذا تمكن من تتميمها بلا فعل مناف يتعين عليه. وفيه: مضافا إلى ما عرفت من عدم الاجزاء حسب القواعد المحررة عندنا، أنه يبتلى نوعا بما ينافي الصورة عرفا، ويعد من الفعل


1 - تقدم في الصفحة 8.

[ 213 ]

الكثير أو الماحي عادة، مع أنه أخص من المدعى، فلابد من النظر إلى الجهتين في المسألة. الجهة الاولى: الطهارة شرط في الصلاة إجمالا إن لنا إنكار اشتراط الطهارة في جميع الاجزاء، وكفاية أن لا تكون الصلاة بلا طهور في الجملة، كما عرفت في القبلة والوقت والعدول، ولا يقتضي قوله (عليه السلام) لاصلاة إلا بطهور أزيد من ذلك حسب الصناعة. وعلى هذا، فإن كان متطهرا حسب الادلة الخاصة أو العامة إلى حال الالتفات، فلا شئ عليه بالنسبة إلى ما بقي عليه، وإن كانت هي بلا ظهور إلى حال الالتفات، فإن تمكن من التلبس به بالنسبة لبقية الاجزاء، بشرط كونها مما يعتني بها كركعة أو ركعتين، ويعد صلاة عرفا، فيتعين عليه إما مطلقا، أو في ضيق الوقت، إلا في موارد الادلة الخاصة الاتية إن شاء الله تعالى. اللهم إلا أن يقال: إن عكس نقيض لا صلاة إلا بطهور هو ما لا طهور له ليس بصلاة، أو يقال: متقضى ذلك هي الصحة، لانها يكون له الطهور وليس مما لا طهور له، فليتأمل جيدا. الجهة الثانية: حول مقتضى الادلة الخاصة فعن جماعة من المتأخرين: بطلان الصلاة في صورة التوجه إلى

[ 214 ]

الصلاة في النجس (1). وعن المشهور: أنه إن أمكنه التطهير، أو التبديل والنزع، مع عدم لزوم المنافيات والقواطع فهو، وإلا فيستأنف (2). وأما في صورة التقارن والجهالة بالواقعة، فالحكم وجوب الاتمام مع التمكن من الازالة، بل والنزع من غير خلاف يعرف (3)، بل في التذكرة ادعى الاجماع، وهكذا في المنتهى (4). والمهم في المسألة أخبارها قبل الاجماع. ويحتمل صحة الصلاة لو كانت الثياب غير المستتر بها بخسة مطلقا. كما يحتمل التفصيل بين النجاسات، كما تمايل إليه هنا الوالد المحقق - مد ظله - بين الدم وغيره (5). ونسب إلى المعتبر بطلان صلاة من التفت إليها بعد الازالة اتفاقا (6).


1 - جواهر الكلام 6: 223، العروة الوثقى 1: 94، في أحكام النجاسات، مستمسك العروة الوثقى 2: 532، تحرير الوسيلة 1: 120، المسألة 6، التنقيح في شرح العروة الوثقى 2: 366. 2 - جواهر الكلام 6: 223، مستمسك العروة الوثقى 1: 533، التنقيح في شرح العروة الوثقى 2: 357. 3 - لاحظ جواهر الكلام 6: 224، التنقيح في شرح العروة الوثقى 2: 359. 4 - تذكرة الفقهاء 1: 133 / السطر 41، منتهى المطلب 1: 315 / السطر 25، جواهر الكلام 6: 228. 5 - الخلل في الصلاة، الامام الخميني (قدس سره): 148 - 149. 6 - لاحظ مدارك الاحكام 2: 354.

[ 215 ]

كما نسب إلى المشهور صحة الصلاة في صورة ضيق الوقت وإن لم يتمكن (1)، وظاهر بعضهم مطلقا (2)، ولا يصلي عاريا. وذهب بعضهم إلى أن يتم عاريا (3)، وكان شأن الوقت ما لا يزاحمه شئ، ولا يكون الرجل في المسألة فاقد الطهور كي يتوهم أن ما لا طهور له الاعم ليس عليه صلاة رأسا، فيكون عكس النقيض حاكما على الادلة، فإما تجب عليه الصلاة عاريا أو لا تجب أصلا، وحيث إن المسألة روائية فإليك نبذة منها في طي طوائف: ذكر طوائف الروايات الواردة في المسألة الاولى: ما يدل على البطلان في الجملة كمعتبر زرارة - على إشكال فيه - ومعتبر محمد بن مسلم السابق (4)، ومعتبر أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) في رجل صلى في ثوب فيه جنابة، ركعتين، ثم علم به، قال: عليه أن يبتدأ بالصلاة قال: وسألته عن رجل صلى... (5).


1 - لاحظ جواهر الكلام 6: 228 - 229. 2 - العروة الوثقى 1: 95، في أحكام النجاسات. 3 - تحرير الوسيلة 1: 121، المسألة 6. 4 - تقدم في الصفحة 207. 5 - الكافي 3: 405 / 6، تهذيب الاحكام 2: 360 / 1489، وسائل الشيعة 3: 474، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 40، الحديث 2، جامع أحاديث الشيعة 2: 173 كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 24، الحديث 11.

[ 216 ]

الثانية: ما ورد في خصوص الدم الملتفت إليه في الاثناء المذكورة في الجامع كمعتبر محمد بن مسلم، قال: قلت له: الدم يكون في الثوب علي وأنا في الصلاة، قال: إن رأيت وعليك ثوب غيره فاطرحه وصل في غيره، وإن لم يكن عليك ثوب غيره فامض في صلاتك، ولا إعادة عليك (و - يب) ما لم تزد على مقدار الدرهم (وما كان أقل - كا) من ذلك، فليس بشئ رأيته (قبل - كا) أو لم تره، وإذا كنت قد رأيته، وهو أكثر من مقدار الدرهم فضيعت غسله... (1). وحيث إن النسخ مختلفة يشكل، ولو صح ما قيل لا يتم في مثل كلمة وحرف، مثل الواو هنا، والحكم يناسب إيجاب الاعادة لمتعارف سعة الوقت. ولعمري إن بذيل الرواية تنحل المشكلة، حيث قال (عليه السلام): وإذا كنت... إلى آخره، فإنه من تققيد الحكم بجملة وهو أكثر من مقدار الدرهم تبين فساد نسخة التهذيب. هذا مع أن الجملة الثانية معرض عنها، والتفكيك في الحجية غير مساعد لبناء العقلاء الذي هو سند حجية خبر الواحد. ومنها: ما مر عن محمد بن مسلم معتبرا، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في المني وتشديده، وكذلك البول (2)، فإنه صريح في خصوص الاثناء، وإيجاب الاعادة


1 - تقدم في الصفحة 209. 2 - نفس المصدر.

[ 217 ]

موافقا للاولى. ومنها: معتبر داود بن سرحان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في الرجل يصلي، فأبصر في ثوبه دما، قال: يتم (1). ومنها: معتبر أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: قال (عليه السلام): لا تعاد الصلاة من دم لم تبصره إلا دم الحيض... (2). ومنها: الاخبار الكثيرة الواردة في الرعاف في الاثناء، الامرة بالغسل والاتمام، بشرط عدم التكلم والالتفات، وهي مذكورة في قواطع الصلاة (3) ولا أنها لا تدل على وجوب الاتمام، حسب الاخبار الواردة في الاستخلاف، فتأمل. مع أن الالتزام بإطلاقها المنتهي إلى الخروج عن الهيئة الاتصالية عرفا، مشكل، كما أن احتمال اختصاص نجاسة البدن بالدم، لما في الدم من بعض الخصوصيات كالعفو فيها، يمنع عن التجاوز، مع أن الطائفة الاولى مخصوصة بالجنابة والبول المشتد فيهما الامر في الشريعة. نعم، هناك طائفة ثالثة ظاهرة في الالتفات في الاثناء، كمعتبر عبد الرحمن بن أبي عبد الله، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يصلي،


1 - تهذيب الاحكام 1: 423 / 1344، وسائل الشيعة 3: 430، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 20، الحديث 3، و 483، الباب 44، الحديث 2، جامع أحاديث الشيعة 2: 180، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 28، الحديث 9. 2 - الكافي 3: 405 / 3، تهذيب الاحكام 1: 257 / 745، وسائل الشيعة 3: 432، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 21، الحديث 1. 3 - جامع أحاديث الشيعة 6: 199، كتاب الصلاة، أبواب ما يقطع الصلاة، الباب 3.

[ 218 ]

وفي ثوبه عذرة من إنسان أو سنور أو كلب، أيعيد صلاته؟ قال: إن كان لم يعلم فلا يعيد (1). حيث إنه من الازكياء وأهل العلم، وافترض المسألة طرحت على وجه يشمل حين الصلاة وبعدها، ولا ينافيه ما ورد من الغسل أحيانا أو التبديل والطرح، لان المفروض في الجواب: أنه لا إعادة، سواء فيه سعة الوقت أو ضيقه. وأما تلك الامور فهي موكولة إلى الادلة الاخر، وحملها على ما بعد الفراغ لكلمة الاعادة واضح الفساد، فلا بأس بالتقييد لو ثبت المقيد، بل هو أظهر فيما نحن فيه. وأما معتبر ما ابالي البول أصابني... (2) إلى آخره، فهو أيضا أعم، فيمكن التقييد. وبالجملة: مقتضى هذه الطائفة كفاية كون الصلاة في الطاهر الظاهري في الجملة، إلا أنه مع ذلك يبقى أن مسألة المني والبول كانت معروفة، وإلا ففرض وجود البول أو المني أقرب من عذرة كلب أو سنور.


1 - الكافي 3: 404 / 2 و 406 / 11، تهذيب الاحكام 2: 359 / 1487، وسائل الشيعة 3: 475، كتاب الصلاة، أبواب النجاسات، الباب 40، الحديث 5، جامع أحاديث الشيعة 2: 171، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 24، الحديث 3. 2 - عن حفص بن غياث، عن جعفر، عن أبيه، عن علي (عليه السلام) قال: ما ابالي أبول أصابني أو ماء، إذا لم أعلم. الفقيه 1: 42 / 166، تهذيب الاحكام 1: 253 / 735، وسائل الشيعة 3: 467، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 37، الحديث 5، و 475، الباب 40، الحديث 4.

[ 219 ]

القول بالتفصيل بين المني والبول وبين غيرهما فبالجملة: بعد سقوط معتبر زرارة من جهات شتى ذكرناها في الاصول (1)، يكون التفصيل قويا بين المني والبول وغيرهما. ولاسيما أنه بعد تشديد الم، وتنزيل البول منزلته من هذه الجهة، ذكر وجوب الاعادة في هذه المسألة، وحيث لا إجماع ولا شهرة خاصة في المسألة يكون باب الاجتهاد مفتوحا على المتأخرين. ويؤيدنا في ما مر أيضا من تأسيس الاصل، رواية السرائر، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله (عليه السلام): إن رأيت في ثوبك دما وأنت تصلي، ولم تكن رأيته قبل ذلك، فأتم صلاتك، فإذا انصرفت فاغسله قال (عليه السلام): وإن كنت رأيته قبل أن تصلي فلم تغسله، ثم رأيته بعد وأنت في صلاتك، فانصرف واغسله وأعد صلاتك (2). ويؤيد ما مر موثق ابن سرحان (3). فيلزم لولا اختصاص الحكم بالدم التفصيل بين صورة تلبسه حال الصلاة بالنجاسة ناسيا، وبين صورة الجهالة. وربما يناقش في إطلاق يقتضي اشتراط طهارة الثوب، لاختصاص


1 - تحريرات في الاصول 8: 339 - 344. 2 - مستطرفات السرائر: 81 / 13، وسائل الشيعة 3: 483، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 44، الحديث 3. 3 - تقدم في الصفحة 217.

[ 220 ]

لاصلاة إلا بطهور (1) بالبدن، وعدم كون الطهور الخبثي في عقد مستثنى لا تعاد فيقتضي إطلاق لا تعاد صحة الصلاة إلا في مثل المني والبول، وأما في غيرهما فيحتمل قويا جواز الصلاة، مع الدم إذا كان ثوبه متنجسا به دون بدنه. وبذلك يرتفع اختلاف الاخبار الموجودة، من غير لزوم اشتراك النجاسات في الحكم، كما ليس كذلك في كثير، كما لا يخفى، ومع ذلك كله، العمل بروايات الدم والاعادة حسن جدا. بقي شئ: حكم ما لو التفت إلى النجاسة في الصلاة وهو عالم عامد إن الفترة التي يتوجه إلى النجاسة في الصلاة وهو عالم عامد بوجه، فإن لوحظت بالقياس إلى الادلة العامة، تكون الصلاة باطلة، إلا على وجه عرفته في تأسيس الاصل، وإن لوحظت بالادلة الخاصة، فهي مغتفرة للابتلاء بها عادة، من غير حاجة إلى التشبث بكونها ليست من الصلاة، وهكذا إلى أن الصلاة إلى حال الالتفات صحيحة، للجهل بالموضوع. وفي تلك الفترة إما نقول بمانعية النجاسة، فهي قابلة للرفع لاحتمال عدمها بعد عدم إطلاق في البين أو الشرطية، فيشكل لاطلاق أدلته، إلا أن يقال بعدم دليل على اعتبار الشرطية بهذه المثابة، ويتم مع الطهارة بالغسل أو التبديل أو النزع وغير ذلك، كرفع الاضطرار بعد وجوب


1 - تقدم في الصفحة 73.

[ 221 ]

الاتمام، مع أنه ربما يلزم الدور، فتدبر. وبالجملة: تحصل إلى الان: أن التفصيل بين صورة العلم بالنجاسة في الاثناء، مع كونها سابقا عليه، سواء كان من الاول أو في الاثناء أو التفصيل بينهما أيضا، لمساعدة الاعتبار، كما في الطهارة الحدثية، وبين صورة تقارن العلم وحدوث النجاسة، وهكذا صورة الشك أو صورة العلم بها بعد زوالها، فكله ناشئ عن رواية زرارة، وهي عندنا غير حجة فيكون الاظهر بطلان الصلاة إذا توجه إلى إصابة المني أو البول في الاثناء، ويبعد أن يكون البطلان مخصوصا بصورة خاصة متعارفة أو الصورتان الاوليتان، لمعتبر محمد بن مسلم (1). وأما الصور الاخر فلا تبعد الصحة إذا كان الطرح لا يشغل زمانا يعتد به، وإلا فمقتضى الشرطية بطلانها إلا في مثل الدم، فإنه مخصوص في تلوث البدن والثوب بالصحة، ولا تسري إلى غيره، بشرط عدم الخروج عن الصلاة عرفا. وأما معتبر عبد الرحمن بن أبي عبد الله (2)، فظاهره جواز الاتمام مع الثوب المتنجس، إلا أنه من روايات الدم يتبين حكم سائر النجاسات، فيقيد الاطلاق، أو يكون معرضا عنه.


1 - تقدم في الصفحة 209. 2 - تقدم في الصفحة 218.

[ 222 ]

جواز إتمام الصلاة في صورة ضيق الوقت ويحتمل هنا جواز الاتمام في صورة ضيق الوقت أو السعة مع العذر المستوعب، أن يتم صلاته عاريا، فإنه يتمكن من ذلك، وحيث إن الصلاة عاريا قد رخصت في الجملة على إشكال، فلا يبعد جوازها هنا، في صورة تنجس الستر، وهو مقتضى جملة من الاخبار في غير هذه الصورة، إلا أن في تحرير الوسيلة قال: فإن أمكن طرح الثوب والصلاة عريانا يصلي كذلك على الاقوى (1) انتهى. إلا أن الالتزام بذلك مشكل حتى في محله، لكونه بعيدا عن مذاق الشرع، مع عدم معارضة أخبارها لما ورد في مقابلها، مع أنها في فرض خاص، وهو ابتلاؤه بالجنابة والتيمم، فتكون من مختصات المني المشدد فيه الامر، فيؤيد ما ذكرناه. مع أن الصلاة عاريا على الكيفية الخاصة، فيسلتزم الاخلال بعدة امور اخر مع أن بدنه نجس طبعا، والتقليل بطرح الثوب والصلاة جالسا، بترك الركوع الذي ليس إلا عن صلب، بعيد غايته، فما هو المحرر في محله لو صح، مخصوص بغير هذه المسألة على الاشبه جدا. وإلا فهناك صور اخر من إمكان الاتمام عاريا في السعة وعدمه، وفي الضيق وعدمه، والله الهادي إلى الصواب.


1 - تحرير الوسيلة 1: 120، المسألة 6.

[ 223 ]

المبحث السابع: فيما لو صلى في النجس، أو كان بدنه نجسا نسيانا ثم التفت في الاثناء، أو بعد الفراغ وعلى الاول كان الوقت في السعة أو ضيقا، فهل تجب الاعادة أو لا، أو يفصل في الصور، أو حسب النجاسات، أو بين الثوب والبدن، بين الحكم والموضوع، وعلى الاول يفصل بين نسيان الشرطية أو النجاسة، أو يفصل بين خصوص نسيان الاستنجاء وغيره، فلا يعيد في الاول، ويعيد في الثاني، أو العكس؟ وجوه وأقوال. فعن القدماء، وهو الشمهور عنهم (1)، بل وعن الغنية: عليه الاجماع هو البطلان (2)، فتجب الاعادة والقضاء، بل في شرح الجمل للقاضي أيضا: هو المجمع عليه (3) ويكفي لاشتهار المسألة، نسبة الخلاف إلى مثل الاستبصار (4)، بل والمحقق في المعتبر (5) وهو كتاب فيه الفتاوى الشاذة. والاشبه أنه ليس له أمر ما هو بين أيدينا، وكذلك


1 - مفتاح الكرامة 1: 180 / السطر 15، جواهر الكلام 6: 215، مستمسك العروة الوثقى 1: 537، التنقيح في شرح العروة الوثقى 2: 367. 2 - جواهر الكلام 6: 216، مستمسك العروة الوثقى 1: 537، لاحظ الغنية، ضمن جوامع الفقهية: 493 / السطر 26. 3 - جواهر الكلام 6: 216، مستمسك العروة الوثقى 1: 537. 4 - الاستبصار 1: 184 / 14، السرائر 1: 183، مدارك الاحكام 2: 345، مستمسك العروة الوثقى 1: 537. 5 - المعتبر: 122 / السطر 20.

[ 224 ]

ذهاب المدارك (قدس سرهم) إلى الصحة جازما بها (1). كما أن المتأخرين فصلوا بين الوقت وخارجه (2)، وبين أصحابنا المعاصرين، ومن عاصرناهم من وافق القدماء (3)، ويظهر من خلال البحث وجوه المحتملات، وبعض الاقوال الاخر. القول بالبطلان هو مقتضى القاعدة وبالجملة: في المسألة روايات كثيرة يظهر منها البطلان، إلا أنه ما وجدنا بعد، ما يدل على عموم المدعى، نعم هو مقتضى القاعدة، بعد ثبوت اعتبار الطهور على الاطلاق، وذلك لان مقتضى إطلاق عقد المستثنى منه، وحديث الرفع، وخصوص رفع ما نسوا في بعض الاخبار المذكورة في البراءة (4)، وإن كان الصحة إلا أن قوة اشتمال عقد المستثنى للاعم من


1 - مدارك الاحكام 2: 348. 2 - مجمع الفائدة والبرهان، 1: 345، مفاتيح الشرائع 1: 106، الحدائق الناظرة 5: 418. 3 - جواهر الكلام 6: 215، العروة الوثقى 1: 95، في أحكام النجاسات، وسيلة النجاة 1: 60، مستمسك العروة الوثقى 1: 537، التنقيح في شرح العروة الوثقى 2: 367. 4 - عن عمرو بن مروان الخراز قال سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم رفعت عن امتي أربع خصال: ما اضطروا إليه، وما نسوا، وما اكرهوا عليه، وما لم يطيقوا.... تفسير العياشي 1: 160 / 534، وسائل الشيعة 16: 218، كتاب الامر والنهي، الباب 25، الحديث 10. عن جعفر بن محمد (عليه السلام) أنه قال: رفع الله عن هذه الامة أربعا: ما لا يستطيعون وما استكرهوا عليه وما نسوا وما جهلوا حتى يعلموا. دعائم الاسلام 2: 95 / 99 مستدرك الوسائل 16: 51، كتاب الايمان، الباب 12، الحديث 2.

[ 225 ]

الطهور الحدثي، مع أن الخبثي هو القدر المتيقن من معتبر زرارة في الاستنجاء، وهو قوله (عليه السلام) لا صلاة إلا بطهور (1) تمنع عن كون الصحة مقتضى القاعدة، بل لو قلنا بإجمال عقد المستثنى، وإطلاق عقد المستثنى منه، لا يمكن الاخذ بإطلاقه هنا للاجمال المتصل، مع أن معتبر زرارة حاكم على قاعدة لا تعاد. ولو سلمنا عدم حكومته كما اشير إليه، لان أمثال هذه التراكيب سيقت لافادة الشرطية، يكفينا سقوط عقد المستثنى منه لاجل ما مر وتحرر، وثبوت الشرطية. اللهم إلا أن يقال: بحكومة حديث الرفع العام والخاص (2). وفيه: إنه لو سلمنا ذلك يلزم ما مر، فإن أدلة الشرطية تقتضي الاطلاق، وحديث الرفع يهدمها، حسب فقراته الشاملة للحكم والموضوع. اللهم إلا أن يقال: بعدم صحته في نسيان الحكم والجهل به، إما ثبوتا أو إثباتا، للاجماع والضرورة، ففي موارد نسيان الموضوع يلزم الصحة. سقوط مرجعية حديث الرفع في المقام ولكن المحرر عندنا: عدم جريان حديث الرفع، إلا في نسيان الجزئية


1 - تقدم في الصفحة 73. 2 - الخلل في الصلاة، الامام الخميني (قدس سره): 160.

[ 226 ]

والشرطية (1)، لانهما قابلتان للجعل فقابلتان للرفع دون الموضوع، فمرجعية حديث الرفع هنا ساقطة بالمرة. نعم، لو قلنا بأن المجعول أن لا تكون الصلاة في كل نجس، على العام الاصولي يمكن التمسك، ولكنه غير تام، كما حررناه في الشبهة الموضوعية للاقل والاكثر (2). في عدم صلاحية قاعدة لا تعاد للمرجعية في المقام وغير خفي: أنه لا تصلح قاعدة لا تعاد للمرجعية هنا، كي يقال بأن مقتضى عقد المستثنى منه هي الصحة حتى في ضيق الوقت، لان الاعادة وعدمها كناية عن البطلان وعدمه، وذلك لان تقييد لا تعاد بالنسبة إلى عقد المستثنى منه، غير جائز لابائها عنه، فإن العرف في موارد الحصر لا يساعدهم، ويكفي الشك، ولاجل ذلك ترى أن في سائر الامور الاخرى التي مثل الخمسة في الحكم وردت ألسنة الروايات على نعت الحكومة مثل لا صلاة بغير افتتاح (3) أو لا صلاة لمن لم يقم صلبه (4) أو لا صلاة إلا بطهور بناء على الحكومة.


1 - تحريرات في الاصول 8: 148 - 150. 2 - تحريرات في الاصول 8: 78 وما بعدها. 3 - تهذيب الاحكام 2: 353 / 1466 وسائل الشيعة 6: 14، كتاب الصلاة، أبواب تكبيرة الاحرام، الباب 2، الحديث 7. 4 - الكافي 3: 320 / 4، وسائل الشيعة 6: 321، كتاب الصلاة، أبواب الركوع، الباب 15، الحديث 1.

[ 227 ]

وهكذا، وإن لم تكن بصدد نفي الاسم ادعاء، إلا أنها بصدد إفادة الشرطية حكومة. وأما في موارد ترك القربة والنية المنوعة، فلا تشمل القاعدة لها، لانها ناظرة إلى أنه لا تعاد صلاة ظهر أو عصر وهكذا إلا من الخمسة فاغتنم، ويلحق به الرياء، فليتأمل جيدا. فتحصل أن مقتضى هذه المجموعة المذكورة هو البطلان، نعم لاحد دعوى أنه كما لو نسي وشرب، وهو صائم، يعد أنه رزق رزقه الله، ولا ينسب إلى الشيطان، كذلك لو نسي فصلى في ثوب نجس يكون هو أولى بالعذر. وكما أنه ورد في روايات الصلاة فيما لا تحله الحياة أنها في كل شئ منه حلال فيجوز التمسك بقاعدة الحل، إلا أنه يتوجه إلى الاول، بعدم دلالة في الرواية على كونها قاعدة كلية، وإلى الثاني، بعدم شموله لحال النسيان، كما مر عدم شمول الادلة الظاهرية لحال عدم الالتفات، على وجه لا يكون في نفسه الشك، وإن كان كافيا وجوده في خزانة النفس، كما حررناه في الاستصحاب (1). مع أنه لم يرو رواية مستقلة تدل على قاعدة الحل، إلا ما في صدر خبر مسعدة (2)، وفيه ما فيه المحرر في محله (3).


1 - تحريرات في الاصول 8: 439 - 445. 2 - مسعدة بن صدقة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سمعته يقول: كل شئ هو لك حلال حتى تعلم أنه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك. الكافي 5: 313 / 40، تهذيب الاحكام 7: 226 / 989. وسائل الشيعة 17: 89، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 4، الحديث 4. 3 - تحريرات في الاصول 7: 26 - 30.

[ 228 ]

في ذكر ما أفاده الوالد المحقق وما أفاده الوالد المحقق في بعض بحوثه: بأن كل شئ نظيف حتى تعلم... (1) لم يؤخذ الشك في الصدر. (2)، ولعله لاجل إفادة ذلك خالف ما ذهب إليه في الاصول، من امتناع استفادة القواعد الثلاث من أمثاله (3)، مع أنه يكفي الذيل للصالحية على القرينة لتقييد الصدر، أو عدم انعقاد إطلاقه، فتبصر. إذا تبينت هذه الوجيزة فإليك نبذة من الاخبار الخاصة، وهي طوائف. ذكر طوائف الاخبار الخاصة الطائفة الاولى: الاخبار الخاصة الواردة في الدم كمعتبر محمد بن مسلم السابق، على اختلاف نسخ التهذيب


1 - تهذيب الاحكام 1: 285 / 119، وسائل الشيعة 3: 467، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 37، الحديث 4. 2 - الخلل في الصلاة، الامام الخميني (قدس سره): 136. 3 - أنوار الهداية 2: 72 - 74، تهذيب الاصول 2: 175 - 188.

[ 229 ]

والكافي المخصوص بالاثناء، وفي ذيله: وإذا كنت قد رأيته وهو أكثر من مقدار الدرهم فضيعت غسله، وصليت فيه صلاة كثيرة، فأعد ما صليت فيه (1). وفي كونه مرتبطا بنسيان الغسل إشكال، لقوة تضييعه الغسل، وعدم غسله صحيحا بالعصر أو غيره، فيكون راجعا إلى الجهالة، هذا مع أن الرواية مشتملة على ما أعرض عنه المشهور، مع اختلاف النسخ. وكمعتبر إسماعيل الجعفي على الاشبه، لاحتمال كونه ابن عبد الرحمن، لا ابن جار، مع احتمال كونه الخثعمي، لا الجعفي الثقة الكثير الرواية، الذي يروي عنه أصحاب الاجماع والاجلاء جدا، فإنه يمكن أن يكون عبدا لرحمن جده، أو جابر، مع قوة احتمال تصحيف الجعفي والخثعمي، أو كونه هما معا. وبالجملة: هذه الرواية عن الجعفي الذي يروي عنه جعفر بن بشير، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال في الدم يكون في الثوب، إن كان أقل من قدر الدرهم، فلا يعيد الصلاة، وإن كان أكثر من قدر الدرهم، وقد كان رآه، فلم يغسله حتى صلى، فليعد صلاته، وإن لم يكن رآه حتى صلى، فلا يعيد الصلاة (2).


1 - تقدم في الصفحة 216. 2 - تهذيب الاحكام 1: 255 / 739، وسائل الشيعة 3: 430، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 20، الحديث 2، جامع أحاديث الشيعة 2: 179، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 28، الحديث 4.

[ 230 ]

وهكذا خبر جميل عن بعض أصحابنا (1). وكمعتبر سماعة، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يرى بثوبه الدم، فيسنى أن يغسله حتى يصلي، قال: يعيد صلاته، كي يهتم بالشئ إذا كان في ثوبه عقوبة لنسيانه... (2). وكخبر قرب الاسناد، عن علي بن جعفر، عن أخيه، قال: وسألته عن رجل احتجم فأصاب ثوبه دم، فلم يعلم به حتى إذا كان من الغد كيف يصنع؟ قال: إذا كان قد رآه فلم يغسله، فليقض جميع ما فاته، على قدر ما كان يصلي ولا ينقص منها شئ، وإن كان قد رآه وقد صلى، فليعتد بتلك الصلاة، ثم يغسله (3). وغير ذلك المذكور في الباب المزبور (4) وغيره (5).


1 - جميل بن دراج، عن بعض أصحابنا، عن أبي جعفر (عليه السلام) وأبي عبد الله (عليه السلام) أنهما قالا: لا بأس بأن يصلي الرجل في الثوب وفيه الدم متفرقا شبه النضح، وإن كان قد رآه صاحبه قبل ذلك فلا بأس به ما لم يكن مجتمعا قدر الدرهم. وسائل الشيعة 3: 430، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 20، الحديث 4. 2 - تهذيب الاحكام 1: 254 / 738، وسائل الشيعة 3: 480، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 42، الحديث 5، جامع أحاديث الشيعة 2: 166، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 23، الحديث 7. 3 - قرب الاسناد: 208 / 810، وسائل الشيعة 3: 477، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 40، الحديث 10. 4 - أبو بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن أصاب ثوب الرجل الدم، فصلى فيه وهو لا يعلم فلا إعادة عليه، وإن هو علم قبل أن يصلي فنسي وصلى فيه فعليه الاعادة. وسائل الشيعة 3: 476، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 40، الحديث 7. 5 - وسائل الشيعة 3: 479، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 42.

[ 231 ]

وهذه الاخبار يؤيدها الصناعة والقواعد حسب ما تحرر (1)، وتكون صا لحة ليعتد بطائفة اخرى كمعتبر العلاء، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: سألته عن الرجل يصيب ثوبه الشئ ينجسه، فينسى أن يغسله، فيصلي فيه، ثم يذكر أنه لم يكن غسله، أيعيد الصلاة؟ قال: لا يعيد الصلاة، وقد مضت الصلاة، وكتبت له (2). وتصير النتيجة: عدم وجوب الاعادة، إلا من باب نسيان الدم، فإنه ربما كان لاجل كثرة الابتلاء به، ولاجله وردت رواية سماعة (3)، على أن الاعادة عقوبة، فما هو الاصل هو خبر العلاء. وتوهم إعراضهم (4) ممنوع، لجمعهم وحملهم، ولتوهمهم اتحاد أحكام النجاسات، مع اختلافها في كثير منها في الفقه كما لا يخفى. فبالجملة: مقتضى الصناعة هي الاعادة حتى لو تذكر في الاثناء، وعلى خلافها معتبرة العلاء بإطلاقها، وهو المتبع إلا في مثل الدم. نعم، خبر الجعفريات، عن علي (عليه السلام) (5) يعارض رواية العلاء، إلا أنه


1 - تقدم في الصفحة 224 وما بعدها. 2 - تهذيب الاحكام 1: 423 / 1345، و 2: 360 / 1429، وسائل الشيعة 3: 480، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 42، الحديث 3. 3 - تقدم في الصفحة 230. 4 - جواهر الكلام 6: 218. 5 - حدثنا أبي عن أبيه عن جده جعفر بن محمد (عليه السلام) عن أبيه أن عليا (عليه السلام) كان يقول: من صلى حتى يفرغ من صلاته وهو في ثوب نجس، فلم يذكره إلا بعد فراغه ليعيد الصلاة. الجعفريات: 50، مستدرك الوسائل 2: 586، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 33، الحديث 1.

[ 232 ]

غير ثابت اعتباره. الطائفة الثانية: في الاخبار الواردة في الاستنجاء فهي مع كثرتها المتعارضة واختلافها، تكون أيضا مقيدة لمعتبر العلاء، ولنعم ما أفاد الحدائق (1) من التمايل إلى اختلاف الانجاس في الاحكام، وهذا منه مترقب لاتباعه الاخبار. فبالجملة: في كثير منها ما يدل على وجوب الاعادة، ولاسيما في البول الذي عرفت اشتداد الحكم في حقه حتى في الاستنجاء، فإنه لا يطهر موضعه إلا بالماء، وهذا أيضا من موارد اختلاف أحكامها. ومن الغريب: أنهم اتبعوا القدماء، في وحدة الحكم واختلافه، دون الاخبار والروايات، مع اختلافها في غير موارد ذهابهم إلى الاختلاف، كما عرفت في باب الجهالة، وتعرف في هذه المسألة. ومن هنا يظهر حل الطائفة الاخرى كمعتبر علي بن جعفر، قال: سألته عن الرجل يصيب ثوبه خنزير، فلم يغسله، فذكر ذلك وهو في صلاته، كيف يصنع به؟ قال: إن كان دخل في صلاته فليمض، وإن لم يكن دخل في صلاته فلينضح ما أصاب من ثوبه، إلا أن يكون فيه أثر فيغسله. قال: وسألته عن خنزير شرب من إناء كيف يصنع به؟ قال: يغسل سبع


1 - لاحظ الحدائق الناظرة 2: 22 - 25 و 5: 418 - 426.

[ 233 ]

مرات (1). فإن قلنا: إن الامضاء على النجاسة خلاف الاجماعات والشهرات القطعية، فلابد من تفسيره على وجه، بأن تكون الاصابة بقرينة الذيل بلا رطوبة، ولا ينافيه قوله: ولم يغسله لان من الممكن صدق الغسل على النضح، أو فرض الغسل عند عدم وجود الاثر، وأنت ترى كيف فرق بين أحكام النجاسات. وبالجملة: يظهر أن في موارد كثرة الابتلاء الموجبة للاهتمام كباب الاستنجاء والابتلاء بالدم، تكون الصلاة باطلة، في صورة النسيان، وهو مقتضى القاعدة، وأما مقتضى معتبر العلاء (2)، عدم وجوب الاعادة، ولا يبعد إطلاقه للشمول إلا بعد الفراغ، أو في الاثناء جدا. وأما القول بالتفصيل بين الاعادة في الوقت واللا إعادة خارجه، فهو ضعيف، بعد ما عرفت من عدم المعارضة في هذه المسألة. نعم، في أخبار الاستنجاء معارضة، إلا أن الواجب هو اتباع ما يدل على وجوب الاعادة، وتقييد معتبر العلاء به، ولا حاجة إلى الجمع بين الاخبار، لعدم التنافي بعد ذلك بينها، والله العالم.


1 - مسائل علي بن جعفر: 348 / 858، الكافي 3: 61 / 6، تهذيب الاحكام 1: 261 / 760، وسائل الشيعة 3: 417، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 13، الحديث 1. 2 - تقدم في الصفحة 231.

[ 234 ]

الطائفة الثالثة: في الاخبار الامرة بالاعادة في نجاسة البدن بالبول ثم إن هناك طائفة اخرى آمرة بالاعادة في نجاسة البدن بالبول، كمعتبر ابن مسكان (1)، ورواية الحسن بن زياد (2)، وهو موافق للقاعدة، ولا ربط له بمعتبر العلاء، لان مورده الثوب، فإن الثوب خلاف الجسد، كما في معتبر علي بن مهزيار، إلا أنه مضمر، قال: كتب إليه سليمان بن رشيد يخبره أنه بال في ظلمة الليل، وأنه أصاب كفه برد نقطة من البول، لم يشك أنه أصابه، ولم يره وأنه مسحه بخرقة، ثم نسى أن يغسله، وتمسح بدهن، فمسح به كفيه ووجهه ورأسه، ثم توضأ وضوء الصلاة فصلى، فأجابه الجواب، قرأته بخطه: أما ما توهمته، مما أصاب يدك ليس بشئ إلا ما تحقق، فإن حققت ذلك كنت حقيقا أن تعيد الصلوات التي كنت صليتهن بذلك الوضوء بعينه ما كان منهن في وقتها - أي: ما كنت أتيت


1 - ابن مسكان قال: بعثت إلى أبي عبد الله (عليه السلام) مع إبراهيم بن ميمون، قلت: تسأله عن الرجل يبول فيصيب فخذه قدر نكتة من بوله فيصلي ويذكر بعد ذلك أنه لم يغسلها؟ قال: يغسلها ويعيد صلاته. الكافي 3: 406 / 10، تهذيب الاحكام 2: 359 / 1486، وسائل الشيعة 3: 480، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 42، الحديث 4، جامع أحاديث الشيعة 2: 164، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 23، الحديث 4. 2 - الحسن بن زياد قال: سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يبول فيصيب فخذه قدر نكتة من بوله فيصلي ثم يذكر بعد أنه لم يغسله؟ قال: يغسله ويعيد صلاته. الكافي 3: 18 / 10، تهذيب الاحكام 1: 268 / 789، وسائل الشيعة 3: 429، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 19، الحديث 2 و 481 الباب 42، الحديث 6، جامع أحاديث الشيعة 2: 164، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 23، الحديث 3.

[ 235 ]

بها في وقتها، وهي صلوات النوافل والفرائض - وما فات وقتها، فلا إعادة عليك لها من قبل أن الرجل إذا كان ثوبه نجسا، لم يعد الصلاة ما كان في وقت، فضلا عما فات وقتها، وإذا كان جنبا أو صلى على غير وضوء، فعليه إعادة الصلوات المكتوبات اللواتي فاتته، لان الثوب خلاف الجسد، فاعمل على ذلك إن شاء الله (1). وكأنه (عليه السلام) يريد التفكيك بين الثوب والجسد، بحسب الحكم الذاتي، ولكن في مثل المقام لمكان الملازمة العادية بين نجاسة البدن والثوب، أراد إفادة أنه تجب، لتنجس البدن الملازم لبطلان الوضوء، إعادة الصلوات على الاطلاق. وأما في صورة كون الثوب نجسا، دون البدن على الاطلاق لمكان التعليل، فلابد من إعادة ما في الوقت، دون ما فات وقتها، فعلى هذا مقتضى هذه الرواية، وجوب الاعادة بالنسبة إلى الاختلال من ناحية طهارة البدن، كما تجب لو صلى جنبا، أو على غير وضوء، ولو كان من جهة نجاسة موضع الغسل والوضوء، إلا أن الانصاف اضطرابه جدا. وقد كانت الاخبار السابقة راجعة إلى الصلاة في الثوب النجس، وأخبار الاستنجاء ظاهرة في البدن، فلا تعارض، ففي غير هذه الصورة يشكل صحة الصلاة إذا أخل بطهارة البدن، بعد ما عرفت أن مقتضى القاعدة، وجوب الصلاة الثانية، ولعلها لكونها عقوبة وتعذيبا وكفارة.


1 - تهذيب الاحكام 1: 426 / 1355، وسائل الشيعة 3: 479، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 42، الحديث 1.

[ 236 ]

وأما في خصوص الدم، فطائفة من الاخبار الماضية نطقت بعفوه، بالنسبة إلى الرعاف أو مطلقا، إلا في خصوص النسيان. إمكان التفكيك بين النجاسات وبين نسيان نجاسة الثوب والبدن فتحصل لحد الان إمكان التفكيك بين النجاسات وبين نسيان نجاسة الثوب والبدن، وعند ذلك تنحل مشكلة المعارضات الظاهرة في الاخبار، من غير الحاجة إلى الجموع التبرعية أو غير العرفية. نعم ما سلكناه خلاف الشهرة، بل والاجماع إلا أن قوة كون المستند نفس هذه الاخبار، مع عدم إمكان تحصيل الشهرة، بعد اختلاف في الجملة، تمنع عن وجوب اتباعهم عميانا، والمهم أنه يكون في الاخبار معتبر العلاء، مرجعا عند الشك بالنسبة إلى الثوب. ولا دليل في خصوص البدن، كي يكون مرجعا إلا معتبر محمد بن مسلم السابق (1)، إلا أن إطلاقه غير واضح، بل ممنوع، لما في ذيله وإن أنت نظرت في ثوبك... إلى آخره، وفي صدره: الدم يكون في الثوب.... فعلى هذا تسوية الثوب والبدن، في غير محله، كما أن تسوية الساتر ومطلق الثوب، أيضا في غير محله، فعلى هذا في نسيان البدن في غير موضع الاستنجاء، يكون المرجع قواعدنا الكلية الماضية، وفي صورة النسيان، وأما في الثوب، فالمرجع معتبر العلاء، وقد خرج عنه نجاسة المني والبول.


1 - تقدم في الصفحة 216.

[ 237 ]

اللهم إلا أن يقال: إن الاخبار المخصوصة بالجهل بالموضوع، تشمل صورة النسيان لصدق عدم العلم حين الصلاة، وإن كان بعد التذكر يصدق عليه أنه ناس، وكان عا لما، فتأمل. أو يقال بعدم الخصوصية في موارد نسيان الاستنجاء، ولاسيما في مثل البول، وفيه ما فيه. أو يقال: بأن المرجع، هي الشهرة والاجماعات المحكية، بعد الادلة الناهضة على الشرطية أو المانعية، المعتضد بالقواعد التي عرفت منا، المنتهية إلى البطلان، وقد ثبت عدم البطلان على الاطلاق في نسيان الثوب، حسب معتبر العلاء، إلا في خصوص البول والمني، فإنهما شديدان في الشرع. ويؤيد المعتبر بعض الاخبار في النجاسات الاخر، مثل الدم وغيره كما عرفت. عدم صحة التفصيل بين الوقت وخارجه إلا في نسيان الاستنجاء ولا وجه للتفصيل بين الوقت وخارجه، وأما نجاسة البدن، فهي تنتهي إلى البطلان، إلا في مورد نسيان الاستنجاء، فإن مقتضى أخبارها التفصيل بين الوقت وخارجه، وبين التذكر في الاثناء وبعد الفراغ. ففي معتبر علي بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر (عليهم السلام)، قال: سألته عن رجل ذكر وهو في صلاته، أنه لم يستنج من الخلاء. قال: ينصرف

[ 238 ]

ويستنجي من الخلاء، ويعيد الصلاة (1). وفي خبر هشام بن سا لم، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، في الرجل يتوضأ، وينسى أن يغسل ذكره، وقد بال، فقال: يغسل ذكره، ولا يعيد الصلاة (2) وهو مخصوص بما بعد الصلاة، وأعم من ناحية الوقت وإن كان الاشبه ظهوره فيه. ويكفينا معتبر علي بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر (عليهم السلام)، وهو ما مر إلا أن في ذيله: وإن ذكر، وقد فرغ من صلاته، فقد أجزأه ذلك وهذا يقتضي الاجزاء بعد مضي الوقت بالضرورة. ويؤيده بعض الاخبار المضطربة كمعتبر الساباطي (3)، وأما خبر سماعة (4)، فلا يعتد به فليراجع، ولولا مخافة الاجماع كان بين الاخبار جمع ظاهر، فليتأمل جيدا. نعم، في سند خبر هشام، أحمد بن هلال المتوفى سنة 267، الموثوق عندنا (5).


1 - تهذيب الاحكام 1: 50 / 145، وسائل الشيعة 1: 318، كتاب الطهارة، أحكام الخلوة، الباب 10، الحديث 4. 2 - تهذيب الاحكام 1: 48 / 140، وسائل الشيعة 1: 317، كتاب الطهارة، أبواب أحكام الخلوة، الباب 10، الحديث 2. 3 - وسائل الشيعة 1: 317، كتاب الطهارة، أبواب أحكام الخلوة، الباب 10، الحديث 1. 4 - وسائل الشيعة 1: 319، كتاب الطهارة، أبواب أحكام الخلوة، الباب 10، الحديث 5. 5 - محمد بن الحسن بإسناده عن سعد بن عبد الله عن موسى بن الحسن عن حسن بن علي عن أحمد بن هلال عن محمد بن أبي عمير عن هشام بن سالم عن أمير المؤمنين (عليه السلام).

[ 239 ]

مع أن هناك معتبر عمار بن موسى، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: لو أن رجلا نسي أن يستنجي من الغائط حتى يصلي، لم يعد الصلاة (1) وقضية ذلك صحتها على الاطلاق، وعدم وجوب الانصراف في الاثناء، إلا أنه يقيد بما مر من هذه الجهة، ويوافقه الاعتبار جدا. نعم، هذا مخصوص با لغائط، وذاك بالبول المشدد فيه الامر، إلا أنه قابل لكونه مخصصا، لما ورد في خصوص إيجاب الاعادة عند نسيان التنجس بالبول الوارد في الجامع (2) وقد مر الايماء إليه. فالحكم في تنجس البدن والثوب بالبول، ونسيان التطهير شديد دون غيره، إلا في الدم، مع احتمال اختصاص الاستنجاء بحكم، فلا يشمل خبر ابن مسكان وغيره المذكورين المشار إليهما آنفا (3)، مورد الاستنجاء، فيلزم التفكيك في البدن، كما اختاره المشهور طهارة غسا لة البول، في موضع من البدن، وهو رأس الحشفة ونجاستها في غيره، وقد تبين حكم التذكر في الاثناء، مع سعة الوقت وضيقه على الفرضين. فرع: في الرد على ما ذكره السيد اليزدي (قدس سره) في ناسي الحكم والموضوع قال في العروة بتسوية ناسي الحكم والوضع، والجاهل في


1 - تهذيب الاحكام 2: 201 / 789، وسائل الشيعة 1: 318، كتاب الطهارة، أحكام الخلوة، الباب 10، الحديث 3. 2 - جامع أحاديث الشيعة 2: 164 - 165، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 23، الحديث 3 و 4 و 5. 3 - تقدم في الصفحة 234 وما بعدها.

[ 240 ]

وجوب الاعادة والقضاء (1)، وقد ذكروا وجهه، أنه يصير في الحقيقة جاهلا، فيندرج في إطلاق تلك الادلة، ومعاقد الاجماعات. وليس الامر عندنا كذلك، لانه مضافا إلى عدم مساعدة العرف، كما يشهد به حديث الرفع، وعدم مساعدة اللغة بعد التذكر، فإنه في موارد النسيان جاهل، إلا أنه يكفي للاختلاف صدق الذكر في مورد النسيان دون الجهل، أن ما يتبين للمتفحص في أخبار التعلم، والمتدبر في قوانين كل شريعة، أنه يشترك العالم والجاهل في الحكم. ولو كان الجاهل مقصرا كان أو قاصرا - كما هو الاكثر - خارجا عن الادلة على تقدير إمكانه، كما هو كذلك، أو كان الشرع مخرجا للجاهل على الاطلاق، كان يلزم لغوية أساس التشريعات والاسلام، فالاوامر الكثيرة، والادلة الناهضة في مختلف موارد الفقه، عبادة كان أو معاملة، ليست إلا طرقا إلى توجيه الامم إلى فساد أعمالهم المقرونة بالجهالة. ولاجل ذلك أنكرنا الاجزاء في موارد حديث الرفع وقاعدة لا تعاد وغير ذلك دونها، مثل المجتهد المخطئ أو المقلد المخطئ في تقليده، أو المقلد المخطئ مقلده في وصوله إلى الواقع، لانه تعلم وإن لم يصب، وتفصيله في بحوث الاجتهاد والتقليد، وقد مر: أن مقتضى الصناعة عدم الاجزاء على الاطلاق، ولو كان ما أتى به صحيحا بالنظر الثانوي، فليلاحظ. فعلى هذا ناسي الحكم والوضع، لمكان بذل جهده في التعلم،


1 - العروة الوثقى 1: 96، فصل إذا صلى في النجس، المسألة 1.

[ 241 ]

مشمول الادلة الثانوية كقاعدة لا تعاد وحديث الرفع، فلو تذكر بعد ذلك فالاعادة وإن كانت واجبة، بحسب النظر الاولي إلى الواقعيات الاولية المحفوظة، ولكنها بالقياس إلى الادلة الثانوية غير صالحة لاقتضاء الاعادة، حسب هذا النظر المشار إليه، وكانت المسألة من قبيل من تعمد في الاضطرار، والاكراه، والسهو، والنسيان، والجهل بالموضوع وهكذا، وإلا فمقتضى الصناعة البسيطة، لزوم الاعادة ولو قلنا بصحة ما أتى به، حسب حكومة الادلة الظاهرية، فافهم واغتنم. وأما توهم امتناع تعلق الخطاب بالناسي كالجاهل، فهو فاسد في التكليفيات، فضلا عما نحن فيه، وهي الاعتبارات الوضعية، وتفصيل البهبهاني فاسد، قد تحرر في الاصول (1). تنبيه: في أن البحث في الخلل أعم من خلل الشرط أو الجزء جهلا أو نسيانا الكلام في بحوث الخلل أعم من الاختلال بالشرط أو الجزء، جهلا أو نسيانا، وغفلة أو اضطرارا وإكراها، فعلى هذا لو انحصر الثوب في النجس، والوقت واسع، ولكنه يعلم بعدم تمكنه، فلا يضطر فعلا إلى الصلاة، ولكنه لابد من الاخلال بأحد الامرين، إما الستر أو الطهارة. ومن هنا يعلم ما لو ضاق الوقت، واضطر إلى الصلاة لاهمية الوقت عن سائر الامور، لانتهائه إلى ترك المأمور به، كما لا يخفى، ولو


1 - لاحظ تحريرات في الاصول 8: 136 - 137.

[ 242 ]

قلنا بجريان الاستصحاب بعد الوقت، كما حررناه في الاصول (1). ولا يخفى: أن مباحث الخلل، بعد الفراغ عن إطلاق أدلة الشرط والجزء، وإلا فالمرجع هي البراءة، من غير حاجة إلى قاعدة لا تعاد ومن زاد وأمثا لهما، فالبحث هنا عن الاطلاق غير جائز. وربما يستفاد إطلاق دليل الشرط والجزء، من إطلاق لا تعاد وإلا فلا تمس الحاجة إلى ضرب قاعدة على خلاف الاطلاقات. فما في كلام جمع من فرض ضيق الوقت، كما في صلاة جد أولادي (قدس سره) (2) وغيره، غير تام. ثم إن الجهة المفروضة في المقام، صورة عدم الاضطرار إلى لبس الثوب، أو كون العريان حرجا حسب شأنه، لكونه بين الناس، أو غير ذلك كوجود الناظر المحترم فافهم، فإنه ربما ينتهي البحث إلى الصلاة جالسا، مخلا بشرائط الركوع والسجود أو مخلا بهما، لان الايماء ليس من الركوع والسجود، بل والقيام برأسه، ولذا رخص الشرع على الاطلاق الايماء في المندوبات، مع أن لا تعاد أعم من الفرائض، ولا صلاة لمن لم يقم صلبه (3) مثله. بل هو أوضح في أن الايماء ليس من الركوع موضوعا، وإنما الشرع - توسعة على العباد - أمر بالايماء في موارد الاضطرار، وفي مطلق الصلوات


1 - تحريرات في الاصول 4: 68 - 71. 2 - الصلاة، المحقق الحائري: 333. 3 - تقدم في الصفحة 226.

[ 243 ]

المندوبة (1)، وإلا يلزم التقييد المستهجن، أو الادعاء المبتذل في قوله لا صلاة لمن لم يقم صلبه فليلاحظ واغتنم. في دوران الامر بين الاخلال بالست أو الطهور فعلى هذا لو دار الامر بين الاخلال بالستر، أو الطهور بأن يصلي في النجس الساتر لعورته، فهل يتخير، أو يتعين أحدهما، أو يكرر الصلاة حسب القواعد؟ وجوه، ولا فرق في الجهة المبحوث عنها، حسب القواعد بين ما لم يدخل في الصلاة أو التفت في أثنائها. وغير خفي: أن محط البحث ما لو تمكن من النزع، على وجه لا يلزم الاخلال بأمر آخر، كالابتلاء بالمنافي والقاطع. وبا لجملة، وجوه بل وأقوال، والمهم عندنا النظر إلى المسألة حسب المختار، وأما تفصيلها بذكر وجوهها وأدلتها ونقلها ونقدها، فهو موكول إلى أهلها. وقبل الخوض فيها فربما يقال: بأنه فيما هو محط النزاع، لا تصل النوبة إلى الصلاة عاريا، بحسب الفرض لامكان القيام والستر باليد، وهكذا الركوع. نعم، حال السجدة ربما يلزم الاخلال بموضع اليدين، أو اليد الواحدة، فهو يتمكن من الصلاة ساترا، ويدور الامر بين الاخلال بشرط السجدة، والطهور بالصلاة في الثوب النجس، فلا يدور الامر، حسب


1 - وسائل الشيعة 5: 481، كتاب الصلاة، أبواب القيام، الباب 1.

[ 244 ]

القواعد إلى الصلاة عاريا أو في الثوب النجس، بل يدور الامر حسب الطبع، وفي صلاة المختار بين الاخلال بشرط السجدة وبين الاخلال بشرط الستر، وهي الطهارة. ومما ذكرنا يظهر: أن هذه المسألة من بحوث الخلل بالطهور، ولو رخصنا جوازه فكيفية الصلاة، هي صلاة المختار، ولو لم نرخص ذلك، فيندرج في مسألة كيفية صلاة العاري المذكورة في مباحث الستر، عند عدم التمكن من الستر الجامع للشرائط، وتفصيله يطلب هناك. والذي هو المهم هنا هو الاشارة إلى أن وجوب الستر في الصلاة قابل للمنع، لتعارف الصلاة في المساجد فرادى وجماعة، وفي مواقف معرضية المكان للناظر المحترم، وعند ذلك لو ورد في الاخبار ما يدل على الستر، فربما كان ذلك ناظرا إلى هذه الجهة، ولا يرتبط بتقيد الصلاة بالستر كتقيدها بالقبلة والطهور وغير ذلك. ومن نظر في مختلف أخبار تلك المسألة، ربما يجوز له الشك في التقييد، فيكون المرجع عندئذ هي البراءة، فإن هناك شواهد كثيرة في طي الاخبار المذكورة، ولاسيما التأكيد في ستر المرأة، وغير ذلك، فاغتنم. دوران الامر بين الاخلال بشرط الطهارة وبين الاخلال بالستر فلو فرضنا اعتبار الستر، ودار الامر بين الاخلال باشتراط الطهور لوحدة الثوب النجس أو الاخلال بالستر، فالاشبه أن الطهور شرط الستر، والستر شرط الصلاة، كما في غير شرائط اللباس، من الاباحة،

[ 245 ]

وكونه مما ذكي، ولم يكن من الميتة، وغير ذلك كالذهب والابريسم. وهناك احتمالات كثيرة اخر، إلا أنها واهية، وهكذا احتمال كونه شرط المصلي بما هو مكلف، بل هو شرط الصلاة أو المصلي بما هو مصلي، الراجع إلى الصلاة عرفا. وحديث مانعية النجس والنجاسة غير معقول عندنا، وما هو المعقول غير مساعد له الادلة، وتفصيله في الاصول (1)، فالطهارة شرط الستر واللباس، وفي موارد النهي عن الصلاة في النجس، تكون الاخبار إرشادا إلى اعتبار طهارة الثوب. وتوهم: أن قوله (عليه السلام): لا صلاة إلا بطهور له الاطلاق حتى بالنسبة إلى الثوب، كي يستفاد منه أهمية الطهور بالنسبة إلى الستر (2)، في غير محله، لان ذيله يرتبط بالاستنجاء، ويمكن أهمية طهارة البدن، فإن الثوب خلاف الجسد، كما في معتبر علي بن مهزيار الماضي، فإطلاقه بالنسبة إلى الثوب، قابل للمنع، فضلا عن الساتر للعورة. فيدور الامر بين أمرين، يكون لهما الاطلاق فرضا، وهما الامر بالستر، والامر بكونه طاهرا، فلو انحصر الثوب في النجس، يدور الامر بين الاخلال بشرط الستر، فيصلي عريانا أو بشرط الطهارة، فيصلي في النجس، بعد كون محط البحث صورة فقد الجهات الاخر كالضرورة والحرج وغيرهما.


1 - لاحظ تحريرات في الاصول 8: 56 - 57 و 86 - 88. 2 - الخلل في الصلاة، الامام الخميني (قدس سره): 173 و 174.

[ 246 ]

وغير خفي: أنه لو كان لقوله (عليه السلام) في معتبر زرارة (1) شئ حسب الصناعة، فلازمه أنه عند فقد الطهور ليس عليه صلاة، لان ما يأتي ب ليس بصلاة، حسب عكس النقيض، فليتأمل. هذا، مع أن الطهور حسب الذيل، هو المطهر، وهي الاحجار، لا الطهارة المعتبرة في البدن أو الثوب والساتر، وحيث لا سبيل إلى الجمع بين الامرين المذكورين عرفا، وإن ذكروا وجوها بين ما هي صناعية غير عقلائية، وما لا يتم فيمكن الاخذ بإطلاقهما، بتكرار الصلاة وجوبا، كما في جملة من الاخبار في أشباه المسألة، وهو مورد العلم الاجمالي بنجاسة أحد الثوبين اللذين يستر بهما، وتكونان صحيحتين. ولكنه لمكان مفروغية الاصحاب عن وجوب التعدد مثلا، فالجمع هو اختيارا لعريان، لان الطهارة شرطه، ولا دليل على تعدد المطلوب بعد الاطلاقين المذكورين، الراجع أحدهما إلى الارشاد إلى كون الستر طاهرا. ويؤيدنا فهم المشهور الاقدمين، وذهابهم إلى تعين العريان (2)، وإنما المتأخرون غفلة عن بعض ما سلف احتملوا التخيير (3) أو تعين الصلاة في النجس، (4) أو يقال بوجوب الجمع شرعا أو عقلا (5).


1 - تقدم في الصفحة 73. 2 - الخلاف 1: 474، المسألة 218، السرائر 1: 186، شرائع الاسلام 1: 46، تذكرة الفقهاء 1: 94. 3 - جامع المقاصد 1: 177 - 178، الحدائق الناظرة 5: 353، مستند الشيعة 4: 276. 4 - العروة الوثقى 1: 97، المسألة 4، مستمسك العروة الوثقى 1: 546. 5 - وسيلة النجاة: 60.

[ 247 ]

بقي شئ: في مقتضى القواعد والاخبار في المسألة المذكورة قضية القواعد تعين الصلاة عريانا، ولو قلنا باعتبار الستر، وهذا من غير فرق بين كونه في الاثناء، أو قبل الصلاة أو في سعة الوقت أو ضيقه. نعم في الاخبار ما يدل على تعين الصلاة في النجس، صريحا أو ظاهرا، فمن الاول معتبر علي بن جعفر، عن أخيه، قال: سألته عن رجل عريان، وحضرت الصلاة، فأصاب ثوبا نصفه دم أو كله، أيصلي فيه أو يصلي عريانا؟ فقال: إن وجد ماء غسله، وإن لم يجد ماء يصلي فيه، ولا يصلي عريانا (1). ومن الثاني: جملة من الاخبار، الامر بالصلاة فيه، في مفروض المسألة، وظاهره التعين حسب ما تحرر (2) كمعتبر الحلبي (3) وغيره (4)، وحيث إن في الاخبار لم يفرق بين الدم وغيره، ولاسيما المني والبول،


1 - قرب الاسناد: 89، الفقيه 1: 160 / 756، تهذيب الاحكام 2: 224 / 884، وسائل الشيعة 3: 484، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 45، الحديث 5. 2 - تحريرات في الاصول 2: 188 وما بعدها. 3 - سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل أجنب في ثوبه وليس معه ثوب غيره. قال: يصلي فيه، فإذا وجد الماء غسله. الفقيه 1: 40 / 155، وسائل الشيعة 3: 484، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 45، الحديث 1. 4 - سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يجنب في ثوب ليس معه غيره ولا يقدر على غسله. قال: يصلي فيه. الفقيه 1: 160 / 754، وسائل الشيعة 3: 484، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 45، الحديث 4.

[ 248 ]

لا يمكن الجمع بينها من هذه الجهة. اللهم إلا أن يقال: إن ظهور الاخبار في التعين تعليقي، وليس بوضعي، حسب ما تقرر، فعند مقايستها مع الاخبار الامرة بالصلاة عريانا كمعتبر عمار الساباطي، عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه سئل عن رجل ليس معه إلا ثوب واحد، ولا تحل له الصلاة فيه، وليس يجد ماء يغسله، كيف يصنع؟ قال: يتيمم ويصلي، فإذا أصاب ماء غسله، وأعاد الصلاة (1). ودلالته موقوفة على أن يحمل على أنه يصلي عريانا، كما في معتبر منصور بن حازم، عن الحلبي، في الرجل ا لذي أصاب ثوبه مني، قال (عليه السلام): يتيمم ويطرح ثوبه ويجلس... (2). وهكذا معتبر سماعة في مفروض المسألة، قال (عليه السلام): يتيمم ويصلى عريانا قاعدا (3).


1 - تهذيب الاحكام 1: 407 / 1279 و 2: 224 / 886، وسائل الشيعة 3: 485، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 45، الحديث 8. 2 - عن منصور بن حازم عن محمد بن علي الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) في رجل أصابته جنابة وهو بالفلاة وليس عليه إلا ثوب واحد وأصاب ثوبه مني. قال: يتيمم ويطرح ثوبه ويجلس مجتمعا فيصلي فيؤمئ ايماءا. تهذيب الاحكام 1: 406 / 1278 و 2: 223 / 882، وسائل الشيعة 3: 486، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 46، الحديث 4. 3 - سماعة قال: سألته عن رجل يكون في فلاة من الارض وليس عليه إلا ثوب واحد وأجنب فيه وليس عنده ماء، كيف يصنع؟ قال: يتيمم ويصلي عريانا قاعدا يؤمى إيماءا. الكافي 3: 396 / 15، تهذيب الاحكام 2: 223 / 881، وسائل الشيعة 3: 486، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 46، الحديث 1.

[ 249 ]

وفي معتبر آخر منه، عنه (عليه السلام)، في الرجل في الفلاة، وانحصر ثوبه بما أجنب فيه، ولا يجد الماء، قال (عليه السلام): يتيمم ويصلي عريانا قائما يومي إيماءا (1) وهكذا غيره. ولا معارضة بينهما إلا بالعرض، وهو معناه التعارض المجازي، لا الحقيقي، فلنعم ما كان يصنع الشيخ الطوسي (رحمه الله) بالجمع بين الامر والنهي، باختيار التخيير (2)، بعد معلومية وجوب الصلاة مرة واحدة من الصلوات الخمس المفروضة، ولا بينها وبين معتبر أخ موسى بن جعفر (عليهم السلام) (3)، لاختصاصها بالدم، فإن نجاستها ليست فيها الغلظة، والتشديد، ولا يكون مثل المني والبول، كما في معتبر محمد بن مسلم السابق (4)، وقد جمعت هذه الاخبار (5). ويمكن الجمع الاخر البديع، وهو: إن الامر بالصلاة في الدم والمتنجس به مخصوص به، ولا إعادة عليه، وأما في مثل البول والمني المذكورين في مجموع هذه الاخبار، المشدد أمرهما في المعتبر المزبور آنفا، فبعد فرض عدم التمكن من الصلاة إلا في المتنجس بهما، يدور الامر بين الاخبار المرخصة بالصلاة فيه، الظاهرة في الصحة، ومعتبر ابن


1 - تهذيب الاحكام 1: 405 / 1271، وسائل الشيعة 3: 486 كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 46، الحديث 3. 2 - الاستبصار 1: 169. 3 - تقدم في الصفحة 232. 4 - تقدم في الصفحة 207. 5 - لاحظ جامع أحاديث الشيعة 2: 175، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 27.

[ 250 ]

مسلم الصريح عرفا، في وجوب الاعادة لقوله (عليه السلام): فعليك الاعادة إعادة الصلاة، وهذا معناه البطلان، ضرورة أنه يستفاد منه شدة أمرهما، سواء كان جاهلا أو عا لما ومضطرا شرعا. ويؤيد الامر بالاعادة، بعد الترخيص في الصلاة فيه، ما في روايات الفقيه (1) الامرة بالغسل، بعد وجدان الماء والاعادة، فإنه لا تنافي بين الترخيص في الصلاة، لقاعدة الميسور، وإيجاب الاعادة، لعدم وفائها بما فات عنه، وإن صلى، فالصلاة لا تترك بحال، والقضاء واجب أحيانا. ويؤيدنا أيضا الترخيص، والامر مثلا مقيدا بصورة الاضطرار العرفي، في معتبر أبان عن الحلبي قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام)، عن الرجل يجنب في الثوب، أو يصيبه بول، وليس له ثوب غيره، قال: يصلي فيه إذا اضطر إليه (2). وتوهم الاضطرار الشرعي (3) غلط، لان المفروض وحدة الثوب، فكأنه لا يصلي إلا عريانا، إلا في صورة الاضطرار العرفي، وهذا هو مقتضى القاعدة، فاغتنم. فبالجملة: يصلي عريانا إلا في المتنجس بالدم، وفي مورد الاضطرار العرفي، يصلي فيه، ولا شئ عليه على الاشبه، وفي مورد التنجس بهما،


1 - الفقيه 1: 40 / 156، و 160 / 755. 2 - تهذيب الاحكام 2: 224 / 883، وسائل الشيعة 3: 485، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 45، الحديث 7. 3 - مستمسك العروة الوثقى 1: 546، مهذب الاحكام 1: 510، التنقيح في شرح العروة الوثقى 2: 388.

[ 251 ]

لا بأس بالصلاة فيه إلا أنه لا يكتفي بها إلا إذا صلى عريانا. وبذلك يقيد إطلاق معتبر الساباطي (1) من حيث النجاسة في صورة أنه غير حلال فيه الصلاة، من جهة النجاسة حتى الدم، بناء على دلالته على الصلاة في النجس، كما هو الظاهر من قوله (عليه السلام) في ذيله فإذا أصاب ماء غسله، وأعاد الصلاة ضرورة أنه في موارد الصلاة عاريا لم يأمر (عليه السلام) بالاعادة، بخلاف موارد الامر بالصلاة فيه، فإنه (عليه السلام) كثيرا ما أمر بالاعادة، حسب الظاهر، فلا تغفل. ولو قيل: أنه أيضا مربوط بنجاسة المني، لقوله (عليه السلام): يتيمم فلا حاجة إلى تقييده. قلنا: نعم إلا أنه يحتمل إرادة إزا لة النجاسة بالتراب، فإنه تيمم أيضا. بقي شئ ثان: في توجيه وجوب إعادة الصلاة وهو أنه، وإن لم يكن الواجب في يوم وليلة إلا خمس فرائض، إلا أنه لا بأس بالالتزام بالتعدد استحبابا، كما في موارد المعادة، أو وجوبا، كما لو نذر الصلاة جماعة فغفل فصلى فرادى، فإنه يسقط الامر ولكن تجب المعادة، أو كما لو نذر المعادة. وقد مر في الاخبار إيجاب إعادة الصلاة عقوبة (2)، وهو مقتضى


1 - وسائل الشيعة 3: 392، كتاب الطهارة، أبواب التيمم، الباب 30، الحديث 1. 2 - تقدم في الصفحة 230.

[ 252 ]

الجمع بين الحكم الظاهري والواقعي عندنا، مع كونهما صحيحين، ويكون الاول إما واجبا على احتمال، أو مندوبا على آخر، وتفصيله في محله (1). وبالجملة: في هذه الاخبار تأمر طائفة بالصلاة، وبالاعادة - أي القضاء - وعندئذ تحمل الاخبار الامرة بالصلاة عاريا على الصحة والكفاية، والامرة بالصلاة في النجس على الصحة ووجوب القضاء، إلا في الدم، لما عرفت من اختصاصه ببعض الاحكام الخاصة، فلا يصلي عاريا، ولا يكون عليه القضاء. ويشهد لذلك ما اشير إليه آنفا، من اشتمال جملة من الاخبار الامرة بالصلاة في النجس على الامر بالاعادة، دون ما يأمر بالصلاة عاريا، وعلى هذا يتبين وجه التخيير أيضا. بقي شئ ثالث: دلالة العقل والنقل على وجوب الصلاة عاريا العدول عما نسب واستبان للمشهور، بعد كون المسألة مضطربة المأثور، ولاسيما اشتهاره حسب المحكي عن مفتاح الكرامة (2) إلى عصر ابن إدريس التارك لشواذ الاخبار، وللواحد من الاثار، غير صحيح، فإنه لو كان هناك اجتهاد لاختلفت الاراء والاقوال، كما في سائر المواضع، فتطابق العقل والنقل على الصلاة عاريا في المفروض من البحث، ويظهر سقوط مناقشة جمع باحتمال تخلل الاجتهاد.


1 - راجع تحريرات في الاصول 2: 211 - 214. 2 - مفتاح الكرامة 1: 182 / 25.

[ 253 ]

بقي شئ رابع: اختيار المشهور لوجوب الصلاة عاريا مع الامن من الناظر المحترم وهو أن في مفروض المسألة اختار المشهور تعين الصلاة عاريا، عند الامن من الناظر المحترم، وذلك لان أصل الستر ربما لم يكن عندهم في الصلاة أمر يهتم به، وإنما كان ذلك لاجل ذاك. أو أن المستفاد من أخبار كيفية الصلاة عاريا لزوم التحفظ حد المقدور، بعد ما كان في منطقة الاخبار غير مأمون عن الناظر، لعدم وجود الموانع والحواجز عن ورود الناظر، وعلى كل، هذه المسألة خارجة عن الجهة المبحوث عنها هنا، كما أن البحث عن كيفيد صلاة العراة خارج، كما لا يخفى. بقي شئ خامس: في بيان بعض مواضع الضعف في كلمات الاعلام (قدس سرهم) في كلماتهم - رضوان الله تعالى عليهم - مواضع للضعف والانتقادات كثيرة، والعثور عليها لا يحتاج إلى التأمل والتعمق، مثلا حمل أخبار الفلاة على فقد الناظر، غير جائز، لقلة اتفاق السفر وحيدا إلى فلاة ليس فيها ماء، أو حمل أخبار الصلاة في النجس (1) على الاضطرار بشهادة رواية واحدة، بعد ما عرفت أنه اضطرار عرفي وثانوي، وطرح الاخبار الامرة


1 - وسائل الشيعة 3: 484، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 45.

[ 254 ]

بالصلاة في النجس، أو عريانا بعد ما فيهما من المعتبرات بلا دليل، غير وجيه. ولو وصلت النوبة إلى المعارضة فالمرجع تمييز الحجة عن اللاحجة بالشهرة القديمة مع أن لنا بيانا في مسألة الترجيح بالحجة، بل وحجية الخبر الواحد المشهور ولو بشهرة حديثه، وهكذا حمل الاخبار الامرة بالصلاة في النجس على صورة عدم التمكن من النزع فيما لو توجه في الاثناء أو قبله. وبالجملة: ظهر حكم المسألة فيما لو التفت في الاثناء إلى نجاسة ثوبه الوحيد، وأما حكم سائر الفروع، فيطلب من محله، لان الجهة المبحوث عنها هنا، صورة ورود الخلل في الصلاة.

[ 255 ]

المسألة السادسة حول الاخلال بشرائط الساتر بعد الفراغ عن شرطيتها الاجما لية، مثلا: إذا كان جاهلا أو ناسيا للحكم أو الموضوع أو غافلا أو مضطرا، مقتضى الادلة الاولية هو البطلان، سواء التفت بعد الفراغ في الوقت الموسع أو المضيق، أو بعد مضي الوقت، أو في الاثناء، تمكن من التبديل بغير فعل المنافي أو لم يتمكن رأسا أو يتمكن مع المنافي، وكل ذلك حسب مقتضى الشرطية حسب ما تحرر. ولا فرق بين الشروط كالاباحة والتذكية، وكونه غير حرير، ولا ذهب بالنسبة إلى الرجال. ومن الفعل المنافي كشف العورة في الاثناء، رجلا أو امرأة، فهناك وجوه من الكلام، وإ ليك تفصيلها:

[ 256 ]

فمنها: صحة الصلاة على الاطلاق نظرا إلى قاعدة لا تعاد الحاكمة على الاطلاقات حتى في صورة الالتفات في الاثناء، لانها لا تجري في صورة العمد، دون ما نحن فيه، الذي يتشبث المصلي بتصحيح صلاته، بالنسبة إلى الاجزاء الاتية، ضرورة أنه ليس من ذاك العمد المنصرفة عنه القاعدة، ونظرا إلى حديث الرفع الحاكم، بالنسبة إلى مطلق الاحوال، ومنها حال الاضطرار، فإنه بعد وقوع الاجزاء السابقة صحيحة، فلا يجوز إبطا لها، فيضطر إلى التبديل، كما في ضيق الوقت. فالصلاة أحيانا تصح بالنسبة إلى الاجزاء المأتي بها، لرفع الجهالة والنسيان، وبا لنسبة إلى طائفة من حال الصلاة، بناء على كون الاكوان غير الشاغلة بالذكر منها، لرفع الاضطرار، وبا لنسبة إلى الباقي لواجدية الشرائط. ولو لم يتمكن من التبديل، لعدم وجود البدل أو غيره، يدور الامر بين الصلاة عاريا أو فاقدة لبعض الشروط، وفيه وجهان، وقد مر قوة الاتيان بها فاقدة لبعض الشروط كشروط الستر (1).


1 - تقدم في الصفحة 244.

[ 257 ]

ظاهر بعض الاخبار الحكم بالصحة هذا مع أن في بعض الروايات، كمعتبر علي بن جعفر، عن أخيه (عليهما السلام) قال: سألته عن الرجل صلى وفرجه خارج لا يعلم به، هل عليه إعادة أو ما حا له؟ قال (عليه السلام): لا إعادة عليه، وقد تمت صلاته (1). فإنه إما بإطلاقه أو بالاولوية، يقتضي الصحة ولو التفت في الاثناء. وحملها على خصوص مضي الوقت، أو الفراغ، أو حال الجهالة، أو النسيان والغفلة، بلا وجه، ولا سيما بعد ملاحظة قوله: وما حاله؟. هذا مع أن الظاهر من كلام ابن إدريس: وكذلك - أي صحت صلاة - الامة إذا اعتقت في أثناء الصلاة (2) مع أن الملازمة العرفية، تقتضي فقد الشرط أحيانا، فلابد من الالتزام بالصحة ولو كان الوقت واسعا. ومقتضى هذا الوجه جواز الاتيان بأجزاء الصلاة حال التبديل، لعدم الفرق بين الاكوان والاجزاء. بقي شئ: فيما ذكره صاحب المدارك من صحة الصلاة حتى مع الاخلال بستر العورة حكي عن المدارك صحة الصلاة ولو أخل بستر العورة وغيره،


1 - تهذيب الاحكام 2: 216 / 851، وسائل الشيعة 4: 404، كتاب الصلاة، أبواب لباس المصلي، الباب 27، الحديث 1. 2 - السرائر 1: 261.

[ 258 ]

بالنسبة إلى بقية الاجزاء، وذلك لقوله: وإنما ثبت وجوب التستر إذا توجه التكليف، قبل الشروع في الصلاة (1). انتهى. ومقتضى تعليله، أنه لا يضر الاخلال العمدي، بالنسبة إلى شروط الستر أيضا، فليراجع. وفيه ما لا يخفى، إلا إذا كان نظره إلى قصور أدلة الستر في الصلاة، ويستتبعه قصور أدلة شروط الستر طبعا، كما لا يخفى. ومنها: البطلان على الاطلاق وهذا بلا وجه، إلا بدعوى عدم الاطلاق لعقد المستثنى منه من القاعدة، مع أنه غير كاف لاطلاق قوله (عليه السلام): السنة لا تنقض الفريضة (2). اللهم إلا أن يناقش، من جهة صدوره، وهي ممنوعة، مع أن معتبر ابن جعفر السابق (3) يكفي لعدم إمكان الالتزام بإطلاق البطلان. ومنها: التفصيل بالنسبة إلى الحالات وهكذا بالنسبة إلى الصور الراجعة إلى الصلاة، أو الراجعة إلى الوقت، وهذا هو الاشبه الموافق لجل الاصحاب، وهكذا بالنسبة إلى الشروط.


1 - مدارك الاحكام 3: 200، مستمسك العروة الوثقى 5: 265. 2 - تقدم في الصفحة 8. 3 - تقدم في الصفحة 232.

[ 259 ]

القسم الاول: في الجاهل بالحكم تقصيرا فبالنسبة إلى الجهل بالحكم عن تقصير، فالاشبه وجوب الاعادة حسب القاعدة، لما مر تفصيله (1). وغير خفي: أنه عنه ربما يفصل بين أوائل التكليف وبين الاوساط والاواخر، لان الاطلاع على الاحكام كلها، في أوائل التكليف، غير لازم، ولا يعد من التقصير جها لته، وأما بالنسبة إلى نسيان الجزئية والشرطية، أو نسيان الحال والغفلة عنها، فلا قصور فيها. وتوهم: أن نسيان الجزئية يرجع إلى الجهالة، في غير محله عرفا. نعم، في شمول القاعدة للنسيان التقصيري إشكال، ولكنه مندفع بالاطلاق، ولا بأس بجريان حديث الرفع في الجهل القصوري لا التقصيري، وأما نسيان ذات الجزء، فالاشبه عدم جريان الرفع كما حررناه (2)، بخلاف القاعدة. وما قد يتوهم من إمكان تصحيح الصلاة بالنسبة إلى حال العمد، فقد مر فساده (3).


1 - راجع الصفحة 194. 2 - تحريرات في الاصول 8: 148 - 150. 3 - تقدم في الصفحة 8.

[ 260 ]

والقسم الثاني: صور الالتفات إلى فقد الشروط كما لو كان في الاثناء وتمكن من التبديل بغير مناف، أو بعض المنافيات العرفية كصيرورته عاريا، أو كان بحيث لو قطع صلاته لمضى الوقت الاختياري أو الاضطراري أيضا، فلا يتمكن من إدراك ركعة، فإنه لا يبعد جريان القاعدة بالنسبة إلى ما مضى، حتى في صورة لو بدله يتمكن من التدارك بلا زيادة ركن، كما لو التفت قبل الركوع إلى فقد الشرط حال القراءة. مع أن اهتمام الشرع بالوقت حتى الاختياري، يقتضي الاتمام، مع أن إبطال العمل الناقص مورد النهي، وإلا فبعد الفراغ فلا معنى للابطال المصطلح عليه في هذه المسائل. ولو كان الوقت واسعا، فقد مر (1) أنه لا وجه للتمسك بقاعدة لا تعاد مع أن معتبر ابن جعفر السابق (2)، ظاهر في ما بعد الفراغ. نعم، لا يبعد الاضطرار، فيكون حديث الرفع مرجعا، وحاكما على أدلة الشروط هنا، وفي الصور السابقة، ولكن فيه إشكال بالنسبة إلى ترك الشروط مما ليس له الاثر الشرعي - كما تحرر (3) - ومر وجه إمكان


1 - تقدم في الصفحة 211 - 212. 2 - تقدم في الصفحة 232. 3 - تحريرات في الاصول 7: 115 - 118.

[ 261 ]

التمسك، ودفعه في البحوث السابقة (1)، مع أن حرمة الابطال في مثل المقام غير واضحة. وتوهم: تعين الطبيعة بإتيان بعضها لكونها تدريجية الوجود، ممنوع لكونها من الاقل والاكثر الارتباطيين، هذا ولو التفت بعد الفراغ فالصحة واضحة. وما قد يتوهم من منع إطلاق عقد المستثنى منه، مندفع بأن الاستثناء دليل على العموم والاطلاق، على وجه يمنع عن التقييد، لكونه مستهجنا، ولاسيما في موارد الحصر المؤيد ما نحن فيه بإطلاق أن السنة لا تنقض الفريضة (2). ولو قلنا: بأن الاستهجان مخصوص بباب العام والخاص، لان المقيد لا يتعرض لاخراج الافراد، بل قرينة على حدود الجد، فلو ورد (أحل الله البيع) (3) ثم ورد نهي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن بيع الغرر (4) فلا منع من الالتزام بالتقييد لا التعارض، ولو كان البيع غير الغرري قليلا جدا بالنسبة إلى الغرري، فافهم، لكفى للمقام كون حديث لا تعاد من قبيل الحصر، فإنه ظاهر في إطلاق الصدر. ولو أمكن منع الاطلاق، فهو بالنسبة إلى الذيل فلا تخلط.


1 - تقدم في الصفحة 225 - 226. 2 - تقدم في الصفحة 8. 3 - البقرة (2): 275. 4 - عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 2: 45 / 168، وسائل الشيعة 17: 448، كتاب التجارة، أبواب آداب التجارة، الباب 40، الحديث 3.

[ 262 ]

هذا مع أن أصل القاعدة صدورا دليل على إطلاق أدلة الشروط، وشاهد على أنه لولاها لكان اللازم هي الاعادة عند الاخلال، فكيف لا يكون له الاطلاق، فليتأمل. فالاخلال بشروط الستر، بأن لا يكون نجسا - كما مر (1) - ولا يكون من الميتة وغصبا على تقدير شرطية الاباحة، ولا يكون مما لا يؤكل، ولا الحرير، ولا من الذهب وهكذا، غير مضر بالصحة في الصور المذكورة، إلا أن الاحتياط مطلوب في بعض الصور جدا، هذا هو الثابت فيها في الجملة، ويأتي تمام البحث في القسم الثا لث. القسم الثالث: صور الشروط والموانع والاجزاء الغير الركنية فإنه ربما يمكن دعوى انصراف القاعدة عن موانع الوجود، وقواطع الهيئة الاتصالية، كما يمكن التفصيل بين الشروط الوجودية والعدمية، بدعوى انصرافها عن الثانية، لمناسبة المستثنى مع ذلك. كما يمكن دعوى أن مطلق الشروط خارج عنها (2)، لعدم دخالتها في عنوان الصلاة، ولذلك عد في بحوث الصحيح والاعم خارجا عن محط النزاع، وأن الكل أعمي بالنسبة إليها، لعدم دخا لتها في الاسم وجودا وعدما، بخلاف الاجزاء العينية، فيكون مثل الجهر والاخفات أيضا خارجا.


1 - تقدم في الصفحة 244. 2 - لاحظ مطارح الانظار: 6 / 7.

[ 263 ]

ولا يخفى فساد الدعوى الاخيرة، بقرينة المستثنى أولا، وبما تحرر من أن الاجزاء التحليلية والعينية، قابلة للبحث في الصحيح والاعم (1). وظاهر جمع (2): أن الصلاة موضوعة لما يسقط به الامر، وتكون موضوعة للكاملة الجامعة، وفيهم الشيخ الانصاري (رحمه الله) (3) على ما ببالي، وربما توجب التفصيل كيفية التعابير في الاخبار. مثلا: في مثل لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب (4) يلزم بطلانها بدونها، لحكومته عليها، كما ذهب إليه في بحوث الجماعة جد أولادي، وشيخ مشايخي (رحمه الله) العلامة الحائري (قدس سره) (5). وأنت خبير بأنه مما لا أصل له، لعدم وجوده في كتب الاخبار، إلا في الخلاف وبعض الكتب الاخر، فلا حجية له، مع إمكان الكلام حول مفاده. فيما لو نسي المكلف وصلى في جلد غير مأكول اللحم وفي مثل خصوص الناسي المصلي في غير المأكول، ذهب


1 - تحريرات في الاصول 1: 202 - 203. 2 - كفاية الاصول: 39، نهاية الدراية 1: 95. 3 - لاحظ مطارح الانظار: 6 / 29. 4 - تقدم في الصفحة 11. 5 - الصلاة، المحقق الحائري: 452.

[ 264 ]

المشهور إلى البطلان (1)، خلافا للشهرة الاخيرة. ويمكن أن يستدل لهم بما في موثق ابن بكير (2)، المذكور في لباس المصلي، والمشتمل على بعض الموهنات، والمتعرض لحال الصلاة الخارجية، مثل القاعدة، والحاكم بالفساد، وعدم قبول الصلاة، وقضية إطلاقه هو البطلان في جميع الاحوال. ومقتضى القاعدة هي الصحة إلا حال العمد والجهل التقصيري، ولكنها أعم بالنسبة إلى سائر الشروط، فتكون النسبة عموما من وجه. وتصير النتيجة عندنا - بعد خروج العامين من وجه عن الاخبار العلاجية - هو الرجوع إلى الاصل، وهو الاشتغال حسب إطلاق دليل الشرط المتمسك به، غير الموثقة. مع أن الترجيح مع الموثقة للشهرة، فحكومة القاعدة على مثل الموثقة إما ممنوع أو محل تردد، ولظهور الاخبار الاخر الدالة على الشرطية، في كونها ذيل الموثقة التي هي إملاء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على ما فيها، فعند المعارضة بالعموم من وجه، لا نرجع إلى البراءة، ولو لم تكن


1 - لاحظ مستمسك العروة الوثقى 5: 349. 2 - علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير، عن ابن بكير قال: سأل زرارة أبا عبد الله (عليه السلام) عن الصلاة في الثعالب والسنجاب وغيره من الوبر فأخرج كتابا زعم أنه املاء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): أن الصلاة في وبر كل شئ حرام أكله فالصلاة في وبره وشعره وجلده وبوله وروئه وألبانه وكل شئ منه فاسدة لا تقبل تلك الصلاة حتى تصلي في غيره مما أحل الله أكله. الكافي 3: 397 / 1، التهذيب 2: 209 / 818، وسائل الشيعة 4: 345، كتاب الصلاة، أبواب لباس المصلي، الباب 2، الحديث 1.

[ 265 ]

الشهرة في مثل المقام مميزة ولا مرجحة. ولا وجه أيضا للقول بالتخيير، فيبقى توهم أن الموثقة ليست بصدد حكم الطبيعة الموجودة، بل هي بصدد الحكم الاولي التأسيسي (1)، وعندئذ نقول بمقتضى الموثقة تبطل الصلاة على الاطلاق، وبمقتضى القاعدة تصح، وحيث إن صحيح عبدا لرحمن بن أبي عبد الله المذكور في خلل النجاسات (2)، ناطق بالصحة حال الجهل، فيلزم الجمع بين الثلاثة، بتقديم الصحيحة على الموثقة أولا، ثم تقديم الموثقة على القاعدة ثانيا، كي لا يلزم سقوط الموثقة بالمرة، وهذا هو المعروف عندهم، بانقلاب النسبة، الباطل عندنا. نعم الجمع العقلائي، هو أنه مهما أمكن أولى من الطرح، وتصير النتيجة نتيجة الانقلاب. هذا، وفيه: إن خروج الجاهل المقصر عن الموثقة بالصحيحة، ممنوع، فتبقى الموثقة مع تقديم القاعدة عليها قابلة للعمل في الجاهل والعامد، وعندئذ يقال: إن القاعدة هي المرجع لولا الشهرة المنقولة، ولاسيما مع فقد الدليل الخاص على حال النسيان، اللهم إلا أن يشتبه الامر بين الشهرة، على نسيان الحكم والموضوع، فيكون المستند عندئذ بعض القواعد، فلا عبرة بها، وغير خفي أنه مع التردد في الحكومة يكون المرجع إطلاق أدلة الشروط.


1 - مستمسك العروة الوثقى 5: 349. 2 - تقدم في الصفحة 218.

[ 266 ]

تذنيب: التفصيل بين النجاسات وغيرها في مسألتنا يمكن التفصيل بين النجاسات وغيرها في ما نحن فيه، لان تلك الادلة الواردة في النجاسات، قابلة لشمول ممنوعية الصلاة، على خلاف القاعدة، وبتصحيح الصلاة في مورد قصور القاعدة. مثلا: قضية بعض الاخبار في تلك المسألة وجوب الاعادة إذا التفت بعد الفراغ (1)، ومقتضى إطلاقه، الاعم من كونه بولا مما يؤكل أو مما لا يؤكل، كان له اللحم أو لم يكن، كما أن مقتضى إطلاق طائفة من الاخبار، عدم شئ عليه في حال الجهالة (2). نعم في طائفة ثا لثة تكون الاخبار صريحة في حكم الصلاة في النجس، للحكم بالغسل فيها (3)، وذلك لان مسألة مانعية شئ في الصلاة، أو شرطية عدمه فيها أعم من مسألة النجاسة، فمثل السمك الذي لا يكون نجسا ولو كان ميتا أو دمه طاهر، لعدم النفس السائلة له، يعد ممنوعا في الصلاة، فعلى هذا عند عدم القرينة، يجوز التمسك بتلك الاخبار لو اقتضت على خلاف قاعدة لا تعاد أو حديث الرفع شيئا، أو كان مقتضى القاعدة قاصرا، لكون مصبها غير الجاهل المقصر، فكما أن الاخبار الخاصة في الجهر والاخفات تقتضي الصحة ولو كان جاهلا مقصرا،


1 - وسائل الشيعة 3: 479، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 42، الحديث 1 و 2. 2 - وسائل الشيعة 3: 474، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 40. 3 - وسائل الشيعة 3: 484، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 45، الحديث 3 و 8.

[ 267 ]

يكون في المقام أيضا كذلك، وهكذا فليراجع. ومن تلك الاخبار معتبر محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ذكر المني فشدده، وجعله أشد من البول، ثم قال: إن رأيت المني قبل أو بعد ما تدخل في الصلاة، فعليك إعادة الصلاة... (1). وحيث ليس المقصود هو الدخول فيها عمدا، فيكون النظر إلى النسيان، وتصير النتيجة: إن نسيان الموضوع أو هو والحكم، يوجب الاعادة، على خلاف القاعدة. ودعوى انصراف المني إلى ما هو النجس، وإن كانت قريبة، إلا أن ذكر السنور في صحيحة عبد الرحمان مع الكلب والانسان (2)، يوجب جواز التمسك بإطلاقه، فليتدبر. وفي أخبار الدم (3) الراجعة إلى التفصيل بين النسيان وعدمه، ما له الاطلاق بالنسبة إلى مطلق الدم، ولو لم يكن نجسا، ولازمه إعادة الصلاة إذا تذكر بعدها. وهكذا في هذا الباب بالنسبة إلى البول حال النسيان، وهكذا في صورة الجهالة، معتبر حفص بن غياث، عن علي (عليه السلام) قال: ما ابالي أبول أصابني أم ماء (4) بناء على إطلاق البول، بالنسبة إلى بول غيره، وهو


1 - تقدم في الصفحة 207. 2 - تقدم في الصفحة 218. 3 - تهذيب الاحكام 1: 254 / 24، جامع أحاديث الشيعة 2: 172، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 24، الحديث 8 و 12. 4 - الفقيه 1: 42 / 166، تهذيب الاحكام 1: 253 / 735، وسائل الشيعة 3: 467، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 37، الحديث 5، و 475 الباب 40، الحديث 4.

[ 268 ]

الاعم من البول النجس ومن بول ما لا يؤكل، ويشمل أيضا حسب الاطلاق جهالته التقصيرية، فتأمل، وبالجملة تحتاج المسألة إلى تدبر وتأمل وتفحص، كما لا يخفى. تنبيه: في مستند طهارة الثوب الذي صلى فيه لا فرق بين كون المستند في الثوب الذي صلى فيه، أصلا، حلا كان أو استصحابا، أو أمارة، وهي بين ما كانت خبر ثقة أو سوق المسلمين أو يد أو غيرها، فإنه بعد ما فرغ أو في الاثناء إذا تبين خلافه، فلا شئ عليه حسب القاعدة، إذا تمكن من إتمام صلاته بلا مناف. نعم في خصوص ما لا يجوز الصلاة فيه لاجل النجاسة أخبار (1) خاصة مقدمة على القاعدة. القول: بصحة الصلاة حتى لو لم تشمل القاعدة موارد الجهالة العذرية وربما يقال: بصحة الصلاة ولو لم تشمل القاعدة موارد الجهالة العذرية، فضلا عن غيرها، وذلك لبيان بديع في مسألة الاجزاء، فإن قضية الجمع بين الحكم الواقعي والظاهري، لا يعقل إلا بإمضاء الشرع بما أتى به، وبكفايته بالفرد الناقص، فالاجزاء على القواعد حتى في الامارات، فضلا عن الاصول. وهو مقتضى قوله (عليه السلام) ما ابالي أ بول أصابني لانه ربما يكون بول


1 - وسائل الشيعة 3: 479، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 42.

[ 269 ]

ما لا يؤكل، ولو كان طاهرا، مع قيام الامارة على خلافه، أو مع وجود الجهل بوجوده الذي هو عذر، بل مطلق الجهل والغفلة، وكل ما يعد عذرا عرفا، ومقتضى إلغاء الخصوصية أيضا عدم الفرق بين البول وغيره، مع أنه شديد أمره. ذكر رأي السيد البروجردي (قدس سره) في المقام أقول: هذا ما ذهب إليه في الاجزاء شيخنا وسيدنا الاستاذ العلامة البروجردي (1)، وربما كانت التوسعة منا، وقد وافقناه في محله (2)، إلا أنا عندما وصل بحثنا إلى مسألة الجمع بين الاحكام المتناقضة عدلنا عما أفاده، وأبدعنا إمكان الجمع بين الاحكام الفعليه المنجزة والاحكام الطريقية (3)، فضلا عن النفسيات الغير المنجزة، وأيضا ذكرنا أن هذه المسألة على مسلك الاستاذ (رحمه الله) من صغريات مسألة مرجعية العمومات، واستصحاب الحكم المخصص الفعلي، بعد ما تبين الخلاف، والقاعدة تقتضي الاولى ولو قلنا بمرجعية الاستصحاب في غير المقام، والتفصيل كله في الاصول. نعم، قامت الشهرة على التفصيل بين الامارات والاصول إلا أنه غير تام، لان قاعدة الحل والطهارة بالنسبة إلى جواز الاكتفاء بالصلاة


1 - حاشية كفاية الاصول، المحقق البروجردي 1: 223، نهاية الاصول: 126. 2 - تحريرات في الاصول 2: 306 - 307. 3 - تحريرات في الاصول 6: 250 - 252.

[ 270 ]

المقيدة، من الاصل المثبت، فاغتنم. وهناك مقا لة اخرى للاستاذ المحقق، المنتهي نظره إلى أن الاجزاء في الطرق غير تام إلا في باب التقليد، نظرا إلى أن في موارد الجهل المركب يجري حديث الرفع كموارد الجهل البسيط. والتحقيق: إنه على مسلكه من تفسير العلم في الاخبار بالحجة، لا يجري حديث الرفع مع وجود المعذر، وهو حجة العبد ولو كان جاهلا قاصرا، وعلى مسلك القوم من حكومة أو ورود، أدلة الطرق على مثل قوله تعالى (ولا تقف ما ليس لك به علم) (1) وعلى مثل حديث رفع ما لا يعلمون حيث لا أساس لتلك الحكومة، ولا الورود في الادلة كما تحرر في الاصول (2). فالاجزاء غير تام إلا بحسب الاجماع المدعى في باب تخلف الاجتهاد، أو غير ذلك مما تقرر تفصيله في كتاب الاجتهاد والتقليد. وعلى هذا ينحصر وجه الاجزاء في موارد النقيصة بحديث لا تعاد المتقدم على أدلة الشرائط والاجزاء، فالاخلال بشروط الثوب، الذي يصلى فيه، من غير جهة النجاسة، لا يضر، وفي موارد الشك في التذكية تصح الصلاة عندنا، لعدم أساس لما ذهب إليه القائلون بالصحة من جريان استصحاب عدم التذكية، لان المناط شرطية عدم كونه من الميتة، وما في الاية والاخبار تقسير لحد الميتة.


1 - الاسراء (17): 36. 2 - تحريرات في الاصول 7: 68.

[ 271 ]

ولا أساس لما ذهب إليه القائلون بالفساد، نظرا إلى عدم جريان الاصول العدمية الازلية، ضرورة أن المنظور من جريانها إخراج مورد الشك في كونه ميتة، عن عنوان المخصص، كي يجوز التمسك بالعمومات. مع أن التحقيق البا لغ حد النصاب، وميقات الدقة في الباب، جواز التمسك بالعام في الشبهة المصداقية، فالمرجع قوله تعالى (أحلت لكم بهيمة الانعام) (1) وأشباهها الاوضح في بيانها التحليل الاعم من الوضع والتكليف. وتوهم اعتبار العلم بعدم كونه من الميتة على نعت جزء الموضوع، أو تمامه لا ينافي جريان القاعدة في موارد الجهل المركب، والغفلة والنسيان حكما وموضوعا، مع أنه توهم فاسد جدا. فعلى هذا لا حاجة إلى قاعدة الحل، مع أنها بالنسبة إلى التقيد المعتبر في الصلاة تكون من الاصل المثبت، فيظهر مواضع ضعف كلمات الاعلام (رحمهم الله) صدرا وذيلا. تذنيب: في عدم شمول قاعدة لا تعاد للزيادة وعدم شمول قاعدة السنة لا تنقض الفريضة للنقيصة قد عرفت وجه عدم شمول القاعدة للزيادة، بل لا يعقل ذلك في جانب المستثنى، ومقتضاه عدم ثبوت الاطلاق للمستثنى منه، ويكفينا


1 - المائدة (5): 1.

[ 272 ]

الشك بعد وجود القرينة المتصلة، هذا ولو فرضنا إمكان الزيادة فيها، وعلى هذا زيادة الاجزاء على الاطلاق، توجب الاعادة إلا برجوعها إلى شرطية العدم، أو إلى مانعية الوجود، ومضادته للطبيعة، ولكنه خلاف الفرض، وهي الزيادة. نعم، مقتضى أن السنة لا تنقض الفريضة (1) صحة الصلاة عند زيادة الاجزاء، لانها من السنة بحسب الذات، لكونها معتبرة من الصلاة ولو أتى بها بعنوان الوجوب، وكل ذلك لاجل أن ترك مثل التشهد والقراءة ليس من السنة، كي لا تنقض الفريضة، بل المركب ينتفي بانتفاء جزء منه عقلا لا سنة، فزيادة القراءة والتشهد وأمثا لهما مما يعدان من الصلاة، لا تنقض الفريضة، وتركها لا توجب الاعادة، وهكذا كل شئ أمكن فرض الزيادة والنقيصة بالنسبة إليه في المركب، حتى في مثل الثوب المحرم، بناء على أن المانع لا يقع مانعا إلا في صورة وقوعه في الصلاة عرفا حتى يضر بها. وعلى هذا كل من القاعدتين يخص بجهة، فقاعدة لا تعاد لا تشمل الزيادة وقاعدة لا تنقض لا تشمل النقيصة.


1 - تقدم في الصفحة 7.

[ 273 ]

المسألة السابعة في الاخلال بشرائط مكان المصلي فإن قلنا بأنه ليس من شروط الصلاة ما يرتبط بمكان المصلي، لانه لو تمكن من إتيانها بدون المكان صحت، فالصحة واضحة لما لا إخلال بشئ من القيود التحليلية، وتفصيل المسألة في مكان المصلي، وظني أن الشروط التسعة كلها أجنبية عن حديث مكان المصلي، بل يرجع إلى امور اخر، فليراجع واغتنم. وعلى تقدير الشرطية كالاباحة للاجماع ونحوها مما يرجع إليها، فعلى القول بالاجتماع جعلا وامتثالا، فلا نحتاج إلى التمسك بحديث لا تعاد وغيره، وهكذا على القول بالامتناع، وتقديم جانب الامر جعلا وامتثالا. نعم، على ما تحرر عندنا من انصراف الامر الصلاتي إلى الصلاة الفارغة عن المحرم (1)، ولو لم يكن متحدا مع الصلاة في الكون، فضلا


1 - لاحظ تحريرات في الاصول 4: 191.

[ 274 ]

عنه، ضرورة أنها عبادة، وقد أمرنا بعبادة الله لقوله تعالى (يا أيها الناس اعبدوا ربكم) (1) ولا تناسب العبادة عرفا، مع ارتكاب الحرام حينها، ولا سيما في زمان غير يسير عند الاشتغال بها، بأن يصلي مثلا وكان يلعب مع مرأة في ركعة، أو يشتغل بالاستمناء حينها، وإن خرج المني بعدها، فإنه لا يجوز الاكتفاء بالمصداق المذكور. وربما يختلف الاشتغال بالمحرم نسيانا وجهلا، وغفلة وعمدا، بحسب عظم الحرام والزمان المشتغل به، يسيرا وكثيرا، وبحسب اتحادهما، وكون المصلي غاصبا لما يؤخذ بأشق الاحوال، فلا يجري حديث الرفع، ولا القاعدة، فالمسألة صحة وفسادا تابعة لهذه الامور، وكل ذلك لما سيمر عليك. وربما تصح الصلاة في مورد فقد المكان المباح، حسب القاعدة الاولية، لا قاعدة الميسور، كما ربما تصح في صورة الجهل التقصيري حسب القاعدة الاولية، لعدم الانصراف في تلك الحال، ولعدم تمامية الاجماع المدعى، فضلا عن القصور والنسيان. وبالجملة: لابد وأن تكون الصلاة عبادة لله، وأما حديث القرب والمقربية (2) فمما لا يرجع إلى محصل، كما أوضحناه في الاصول (3)، بل ربما تكون عبادة الله مبعد العبد، فضلا عن القرب، أو تكون طبيعة


1 - البقرة (2): 21. 2 - نهاية الاصول 1: 260. 3 - تحريرات في الاصول 4: 186 - 189.

[ 275 ]

الصلاة قابلة للتقرب المعنوي، من غير كونها مقيدة به، في مرتبة الجعل أو الامتثال. وربما يؤيدنا قوله تعالى (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى) (1) فليلاحظ تعبدنا. فبالجملة: غاية ما في الباب هي صالحية العمل، لانتزاع عنوان العبادة عنه، في وجوده الخارجي، وإن لم يكن مقيدا به في مرحلة الجعل، والامر بناء على إمكانه فتدبر. وعلى هذا: يظهر مواضع ضعف مقالات القوم (رحمهم الله) في شتى البحوث المختلفة في هذه المسألة. تنبيه: في حكم الاخلال بشروط مكان المصلي إذا أخل بشروط المكان بناء على القول بالشرطية، مثل الاخلال به، بأن صلى على سطح الكعبة، أو في جوفها، أو متأخرا عن النساء أو صلت النساء متقدمة عليهم وهكذا، فكل ذلك بما أنه إخلال بشرط المكان حتى الاستقرار، لا يضر بالصحة، حسب القاعدة وإطلاقها. وحديث سراية النجاسة إليه (2) أجنبي عن شروط المكان، كحديث عدم تمكنه من أداء فرائض الصلاة وواجباته (3) وغير ذلك، حتى أن


1 - الزمر (39): 3. 2 - العروة الوثقى 1: 586، في مكان المصلي، السابع. 3 - العروة الوثقى 1: 585، في مكان المصلي، السادس.

[ 276 ]

الاستقرار من شروط الصلاة، ولو كان المكان مستقرا، ولكنه تعمد إلى خلاف الطمأنينة، تبطل صلاته، وهذا يشهد على أنه أجنبي عن شرط مكان المصلي. ولا دليل على كونها بأجمعها مقوم الاسم ولو ادعاء، فضلا عن الاخلال ببعضها، والحكومة على عقد المستثنى منه متقومة، بكون ما أخل به مقوم الاسم عرفا أو ادعاء ومجازا كقوله لا صلاة لجار المسجد إلا فيه (1) على إشكال في دلالته، وقوله لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب (2) مع ممنوعية سنده ومناقشة في دلالته (3). فربما يكون في مثل التراكيب الاول إفادة نفي الكمال، لاضافته إلى الفرد والمصلي دون الطبيعة، كالثاني، فالتقدم على قبر المعصوم (عليه السلام) أيضا، إما يندرج في مسألة الصلاة المقرون مع المحرم والهتك، بناء على حرمة الهتك الممنوعة عندنا - إلا مع الدليل - لامتناع الاستثناء عنه، بتجويز إخراج الريح في المسجد، أو إلقاء النخاعة والبلغم فيه، فليتدبر واغتنم. أو يندرج في القسم الاخير، ولكن لا دليل كي يكون حاكما عليها، وهكذا الصلاة في مكان حال الخلوة مع الاجنبية أو ما بحكمه.


1 - تهذيب الاحكام 1: 92 / 244، وسائل الشيعة 5: 194، كتاب الصلاة أبواب أحكام المسجد، الباب 2، الحديث 1. 2 - تقدم في الصفحة 11. - تقدم في الصفحة 170.

[ 277 ]

ذنابة: في عدم إمكان التمسك بقاعدة لا تعاد في صورة الاخلال بشروط المكان المهمة لو فرضنا إمكان التمسك بالقاعدة حتى في صورة الاخلال العمدي، كما عليه العلامة التقي الشيرازي (رحمه الله) والوالد المحقق (1)، خلافا للحق الحقيق بالتصديق، فهو ممنوع بالنسبة إلى أدلة الشروط المهمة، لاحتمال كون القدر المتيقن منها صورة غير العمد، فيكون بحسب الثبوت ترك الشرط أو الجزء النسياني، أسوأ حالا من تركه العمدي، وعندئذ يتمسك في خصوص الترك النسياني بحديث الرفع، ولا يثبت به شرطيته أو جزئيته حال العمد، لانه من الاصل المثبت. نعم، بناء على كشف إطلاق أدلة الشروط والاجزاء من إطلاق عقد المستثنى منه، كي يكون مقدما عليها، فلا بأس به، ولكنه بمعزل عن التحقيق.


1 - تقدم في الصفحة 7.

[ 279 ]

المسألة الثامنة في خلل الموانع والقواطع في موارد الاخلال بالموانع والقواطع الراجعة عندنا إلى ادعاء الشرع عدم كون المأتي به صلاة، وإلا فلا يعقل المضادة الوجودية في الموانع والقواطع، إلا طائفة من الاخيرة كالقهقهة والاكل الكثير، فعلى كل حال، بعد كون حقيقة المانعية والقاطعية، إما راجعة إلى نفي الاسم حقيقة، كما في المثالين والرقص، أو إلى نفي الاسم ادعاء، لا يصح الرجوع إلى القاعدة كما هو واضح. وتفسير المانعية والقاطعية باشتراط العدم، غلط واضح، نعم دعوى فهم العرف من أدلة المانعية والقاطعية، شرطية عدم كون الثوب مما لا يؤكل وغيره، غير بعيد جدا، لان الالتزام بالادعاء المذكور بعيد، وتفصيل المسألة في الاصول (1).


1 - تحريرات في الاصول 8: 85 - 89.

[ 280 ]

كما أن تفصيل حكم مانعية الموانع، ومبطلية المبطلات، وقاطعية القواطع، وشرطية الشروط الركنية، في محالها، لان جملة منها توجب الاعادة على الاطلاق، فلا حكم لخصوص الخلل بما هو خلل لها في الصلاة مثل الحدث. ولو أشكل وجوب الاعادة بعد التشهد، فلا فرق بين فرضي الاخلال الغير العمدي والعمد الغير العلمي، وإن يستظهر من العروة التفصيل (1)، ولكنه خلاف ركنية الشرط، أو خلاف عقد مستثنى لا تعاد إلا على وجه أبدعناه في مطلق المستثنيات في لا تعاد فليلاحظ واغتنم.


1 - لاحظ العروة الوثقى 2: 3، فصل في الخلل الواقع في الصلاة، المسألة 3.

[ 281 ]

المسألة التاسعة في الاخلال بالجهر والاخفات فالمشهور المدعى عليه الاجماعات المحكية (1)، صحة الصلاة، والاظهر عنهم كما صرح به جامع المقاصد (2): عدم الفرق بين صورتي الالتفات في المحل وبعده كما أيضا صرح في العروة تبعا له، عدم الفرق بين صورتي الجهل بالحكم أو بمحلهما أو بمعناهما (3). وعندي شبهات نذكرها على إجمالها، ويظهر من خلالها وجه المناقشة في صحة عقوبته وإن اشتهرت:


1 - مدارك الاحكام 3: 378، الحدائق الناظرة 8: 143، رياض المسائل 1: 162 / 1، مستند الشيعة 5: 161، جواهر الكلام 12: 230. 2 - جامع المقاصد 2: 261. 3 - العروة الوثقى 1: 650، في أحكام القراءة، المسألة 24.

[ 282 ]

الشبهة الاولى: في حكومة معتبر محمد بن مسلم على قاعدة لا تعاد يستظهر من معتبر محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن الذي لا يقرأ بفاتحة الكتاب في صلاته. قال: لا صلاة له إلا أن يبدأ بها في جهر أو إخفات... (1)، أنها حاكمة على قاعدة لا تعاد كما هو واضح، ومر وجهه. ويؤيده ما في الخلاف وتفسير أبي الفتوح وعوالي اللالي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب (2). وتوهم: أنه خلاف ما في ذيل القاعدة (3) أن القراءة سنة، والتشهد سنة، والسنة لا تنقض الفريضة مندفع بما مر من أن قاعدة لا تعاد متكفلة لحكم النقيصة، وقاعدة لا تنقض لحكم الزيادة، ضرورة أن ترك القراءة والجهر بها ليس من السنة بالضرورة، وإنما وجودها ووجوب الجهر بها من السنة، وزيادتها لكونها واقعة من الصلاة من السنة، كما ورد في


1 - الكافي 3: 317 / 28، تهذيب الاحكام 2: 146 / 573، و 147 / 576، وسائل الشيعة 6: 37، كتاب الصلاة، أبواب القراءة، الباب 1، الحديث 1، و 88، الباب 27، الحديث 4، جامع أحاديث الشيعة 5: 321، كتاب الصلاة، أبواب القراءة، الباب 1، الحديث 1. 2 - الخلاف 1: 327 - 328 و 342، تفسير أبو الفتوح الرازي 1: 15، عوالي اللالي 1: 196 / 2 و 2: 218 / 13. 3 - لاحظ مستند العروة الوثقى 3: 321.

[ 283 ]

الخبر أن كل شئ ذكر به الله تعالى، فهو من الصلاة (1) والقراءة والتشهد يذكر بهما الله تعالى، ولا سيما في غير صورة العمد، ولو استشكل في الاخير لعد بعض الاخبار تركها نسيانا من السنة، مع ما عرفت من المناقشة في أصل صدور الذيل فليراجع (2)، فيكفي ما ذكرنا لاجماله. حمل الاخبار الحاكمة بالصحة على صورة النسيان وما ورد في الاخبار: من صحة الصلاة إلا في صورة تركها عمدا، فهو ناظر إلى صورة النسيان، كما في نفس الاخبار الكثيرة المتقابلة فيها الجهالة والنسيان (3). بل في معتبر منصور بن حازم قال: قد تمت صلاتك إذا كان نسيانا (4) فالمحصول مما ذكرنا سقوط القاعدة عن المرجعية بالنسبة إلى ترك القراءة.


1 - الكافي 3: 337 / 6، تهذيب الاحكام 2: 316 / 1293، وسائل الشيعة 6: 327، كتاب الصلاة، أبواب الركوع، الباب 20، الحديث 4. 2 - لاحظ ما تقدم في الصفحة 38. 3 - وسائل الشيعة 6: 87، كتاب الصلاة، أبواب القراءة، الباب 27، و 88 الباب 28 و 90، الباب 29. 4 - عن منصور بن حازم قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام): إني صليت المكتوبة فنسيت أن أقرأ في صلاتي كلها فقال: أليس قد أتممت الركوع والسجود؟ قلت: بلى. قال: قد تمت صلاتك إذا كان نسيانا. الكافي 3: 348 / 3، تهذيب الاحكام 2: 146 / 570، وسائل الشيعة 6: 90 كتاب الصلاة، أبواب القراءة، الباب 29، الحديث 2.

[ 284 ]

نعم، في معتبري زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام)، ولعلها واحد مع اضطراب الثانية وأجنبيتها عما نحن فيه - حسب النسخة المطبوعة - لارتباطها بترك القراءة، لا الاخلال بصفتها جهرا أو إخفاتا، قال في رجل جهر فيما لا ينبغي الاجهار به، أو أخفى فيما لا ينبغي الاخفاء فيه، فقال (عليه السلام): أي ذلك فعل فقد نقض صلاته، وعليه الاعادة، وإن فعل ناسيا أو ساهيا أو لا يدري، فلا شئ عليه، وقد تمت صلاته... (1). ومقتضى ذلك، وفتوى المشهور صحة الصلاة، ولو أخل جهلا عمدا - أي تقصيرا - خلافا لبعضهم. ولكن الاظهر: أن الرواية لا تدل على شئ، لان كلمة لا ينبغي إما ظاهرة في موارد الاستحباب، أو مجمل نحتاج فيه إلى القرينة، كما في أخبار الاستصحاب (2)، مع ما فيه، من عطف السهو على النسيان. اللهم إلا أن يقال: إنما اريد من السهو صورة التردد والشك، وعندئذ يشكل تمشي قصد القربة، كما يظهر وجهه إن شاء الله تعالى.


1 - الفقيه 1: 227 / 1003، تهذيب الاحكام 2: 162 / 635، وسائل الشيعة 6: 86، كتاب الصلاة، أبواب القراءة، الباب 26، الحديث 1، جامع أحاديث الشيعة 5: 338، كتاب الصلاة، أبواب القراءة، الباب 4، الحديث 1. 2 - عن زرارة قال:... فليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشك أبدا. تهذيب الاحكام 1: 421 / 1335 و 423 / 1344، الاستبصار 1: 183 / 641، وسائل الشيعة 3: 466 كتاب الصلاة، أبواب النجاسات، الباب 37، الحديث 1.

[ 285 ]

الشبهة الثانية: الجهر عمدا في محل الاخفات وبالعكس لو أجهر عمد في غير محله وبالعكس، لا يكون في ما لا ينبغي، حسب إرادة الله تعالى بالضرورة. وتوهم إيجاب الاعادة في صورة الاخلال العمدي (1)، مندفع بقوله فقد نقص صلاته - حسب بعض النسخ (2) - ونقصان صلاته مع كونها صلاته، لا توجب الاعادة، نعم يناسب الندب. الشبهة الثالثة: عدم استحقاق العقوبة عند الاخلال بما لا يبطل لا معنى لاستحقاق العقوبة بالنسبة إلى الاخلال بما لا يبطل، لان ذلك شئ غيري لا نفسي بالضرورة، والعقوبة على المطلوب الغيري خلف، حتى بالنسبة إلى الطهور، نعم في الاقل والاكثر الاستقلاليين جائزة، كما هو الواضح على تفصيل ذكرناه في الاصول (3)، وهذه الشبهة غير الشبهة المذكورة المشهورة.


1 - العروة الوثقى 1: 650، في أحكام القراءة، المسألة 22. 2 - لاحظ ملاذ الاخيار 4: 72. 3 - تحريرات في الاصول 8: 15.

[ 286 ]

الشبهة الرابعة: في وجوب الجهر في الجهرية ووجوب الاخفات في الاخفاتية المشهور عدم وجوب الجهر في الجهرية والاخفات في الاخفاتية، وحديث الدور مندفع بما تحرر (1)، ولكن ظاهر معتبر زرارة (2) أنه يعتبر الجهر على الاطلاق، لانه أخفى في موضع الجهر وبا لعكس، ويؤيد ذلك النسخة المذكورة (3)، فإن النقصان فرع شرطية الجهر والاخفات. ولذلك يشكل تمشي قصد القربة في صورة السهو والشك، لاعتبار الجهر في الجهرية والاخفات في الاخفاتية، وللتأمل فيما أفدناه تشحيذا للاذهان مجال للمتعمقين في آخر الزمان.


1 - تحريرات في الاصول 6: 116 - 119. 2 - تقدم في الصفحة 284. 3 - نفس المصدر.

[ 287 ]

المسألة العاشرة خلل الركوع والسجود وقيودهما في الاخلال بشروط الركوع والسجود وقيودهما بعد فرض تحققهما عرفا بدونها، لان الكلام حول ذلك، نعم للشرع اعتبار قيد وشرط فيهما ركنا، فيكون الاخصي بالنسبة إليهما وإن كان الاعمي بالنسبة إلى عنوان الصلاة. وبالجملة: اعلم أن مقتضى الاصل عند الشك، وقصور الادلة عدم الركنية، لاندراجه في الاقل والاكثر، نعم قد حررنا، تارة أصالة الركنية بعد الفراغ عن أصل الشرطية والقيدية، من باب مقايسة المركبات الشرعية بالمعاجين العرفية، واخرى من باب تمامية البيان العقلائي، في موارد ترك القيد والجزء طيلة عمره، مع احتمال كون عمله فاسدا (1)، إلا أن التقريب الثاني لا يجري في المقام، لعدم تركه عمدا، وإنما يجري


1 - لاحظ تحريرات في الاصول 8: 40 وما بعدها.

[ 288 ]

التقريب الاول، فتأمل. وأيضا فليعلم أن الصلاة والسجود والركوع موضوعات على الاعم، ولو كانت منصرفة إلى الحقيقة الشرعية، إلا أنه مع كونها حقيقة شرعية لا ينافي الاعمية، كما تحرر في الاصول (1). فعلى ما تحرر مادام لم يثبت حسب الادلة الخاصة مقومية الشرط والقيد للاسم، سواء كان بالقياس إلى الصلاة أو للاجزاء العينية، لا وجه للبطلان، فإن الصلاة وتلك الاجزاء واحدة. وما ترى في كلمات القوم من التفصيل بين كون شئ شرطا للركوع أو للصلاة والسجود وغيره (2)، خال عن التحصيل، لانه ولو كان شرطا للركوع، ولكن الركوع موضوع للاعم كالصلاة، مع أن الركوع بشرائطه فان في الطبيعة، والاجزاء مندمجة في الماهية ومغفول عنها فلا تغفل. وأعجب من ذلك تفصيلهم بين شرط الجزء وشرط الشرط (3) مثلا، وبين الوجوب حال الركوع، غافلين عن رجوع الكل إلى الامر الغيري في المركبات، وملاحظتها في الادلة مستقلة لا تنافي كونها بحسب الامر النفسي فانية في عنوان الصلاة، فإن الاوامر الغيرية، والنواهي الغيرية كلها مترشحة في الاعتبار عن المطلوب النفسي، والامر الاولي، وناظرة إلى خصوصيات تلك الطبيعة، وذلك العنوان


1 - لاحظ تحريرات في الاصول 199 و 260. 2 - لاحظ الخلل في الصلاة، الامام الخميني (قدس سره): 189 - 190. 3 - لاحظ مستمسك العروة الوثقى 5: 514.

[ 289 ]

الاستقلالي التي هي فانية فيه. وعلى هذا في موارد الاخلال بطهارة المسجد، أو ما يصح السجود عليه أو الاخلال ببعض شروط الركوع، تجري القاعدة لو كان إطلاق، ولو لم يكن لدليله الاطلاق، أو لم يكن دليل على ما يحتمل شرطيته، فهو خارج عن الجهة المبحوث عنها في الخلل، كما خرجه جمع من الاصحاب (رحمهم الله) عنها. نعم في خصوص الركوع عن قيام، والسجود والركوع عن القصد، والجلوس أو القيام، ربما يشكل الامر من ناحية الشك في صدق الركوع والسجود، مع أنه لابد وأن يكون ما يأتي به في جميع الاحوال صلاة، ولو شك في صدق الركوع والسجود بلا قصد، يلزم الشك في صدق الصلاة، والقاعدة تقتضي الاشتغال، لان موضوع لا تعاد هي الصلاة، وسيأتي الكلام حول القيام المعتبر في الصلاة، حال التكبيرة والركوع والسجود، حسب الادلة التي ربما تكون حاكمة على القاعدة. وأما الاخلال حال السجدة من جهة شرطية عدم ارتفاعها زائدا عن اللبنة بالنسبة إلى الموقف، أو محل الركبتين واليدين، فالادلة قاصرة على ما عرفت عن إثبات أمر زائد على أصل اعتبارها في الصلاة أو في جزئها، وعندئذ تكون القاعدة حاكمة عليها، كما هو الظاهر عن المشهور، وهكذا بالنسبة إلى سائر الشرائط.

[ 290 ]

خلل الاستقرار في الصلاة نعم في مثل الاخلال بالاستقرار، ربما يشكل الامر للشك في صدق الصلاة، كما اشير إليه (1)، ولاجله احتاط في العروة (2) ولكنه يفصل بين الاخلال به في مقدار كثير منها أو يسير (3)، ففي الثاني فلا يضر، وأما في الاول فالاتمام والاعادة هو الاحوط جدا، وهذا في صورة كون الحركة يسيرة وكثيرة، وأما لو أخل بالاستقرار فتحرك حركة شديدة كثيرة، فالبطلان قوي جدا ولو عن اضطرار. نعم في الموارد الخاصة كالصلاة حال الركوب على الدواب، فربما يمكن توهم صحتها، وتفصيله في محله. بقي شئ: في شرائط الركوع والسجود وإمكان تداركها وعدمه شرائط الركوع والسجود، بين ما هي قابلة للتدارك كترك جزء من الذكر الواجب، أو وضع السجدة على ما لا يصح، لاجل النجاسة، أو لاجل ما لا يؤكل، وما هي غير قابلة كالاستقرار، بناء على كون حال الاخلال حال الصلاة، فإنه وإن كان في الركوع أو السجود، إلا أن الاستقرار شرط الصلاة في جميع الحالات، كما عرفت: أن جميع شروط الركوع والسجود،


1 - تقدم في الصفحة 275 - 276. 2 - العروة الوثقى 1: 670، فصل في الركوع، المسألة 16. 3 - العروة الوثقى 1: 671، فصل في الركوع، المسألة 22.

[ 291 ]

يرجع إلى الصلاة (1)، لانها ليست إلا تلك الاجزاء. وعلى كل حال قد حررنا في رسا لتنا: عدم وجوب العود لاطلاق القاعدة إلا ما خرج بالدليل كجر السجدة على ما لا يصح إلى ما يصح حسب الاخبار (2)، مع تعارضها لما فيها، من رفع الرأس على التفصيل المحرر في محله، وكغيره المحرر في محطه (3). إن قلت: لابد وأن يتبين حكم المسألة، كي يعلم أنه لو كان يجب الرفع، فيستظهر منه ركنية الشرط، وأن تلك السجدة ليست سجدة شرعا، ولازمه البطلان حسب عقد المستثنى. قلت: الادلة المذكورة مرتبطة بغير حال الجهل بالحكم، وعندئذ يبعد النسيان والغفلة، بالنسبة إلى السجدتين، فعليه لا يضر القول بالرفع، بما هو مقتضى الاصل، لان ترك السجدة الواحدة نسيانا لا يبطل، فضلا عنه. وبعبارة اخرى: ربما يكون شئ شرطا مقوما ركنيا بالقياس إلى طبيعة السجدة، لا السجدتين، فلو أخل به فيهما تبطل الصلاة، وأما لو أخل به في واحدة منهما، فلا تبطل، لاشتمال الصلاة على الطبيعي. هذا مع أن القول برفع الرأس مستند إلى بعض الضعاف، والاخبار الغير معمول بها.


1 - تقدم في الصفحة 288. 2 - وسائل الشيعة 6: 353، كتاب الصلاة، أبواب السجود، الباب 8، جامع أحاديث الشيعة 5: 497، كتاب الصلاة، أبواب السجود، الباب 6. 3 - رسالة في قاعدة لا تعاد للمؤلف (قدس سره) (مفقودة).

[ 292 ]

ولا يمكن أن يقال: إن العود في الاخلال بالذكر جزء أو شرطا، خلاف قوله (عليه السلام) لا تعاد الصلاة. أما الجر إلى ما تصح السجدة عليه، فهو إما يكون في صورة عدم الاتيان بالذكر فالتفت، فإنه يجب لكونه شرطا للصلاة إلى أن يخلص عن الذكر. أو يكون حسب بعض التوهمات واجبا على الاطلاق، لكونه شرط الذكر، ولكن ليس فيها من إعادة الذكر شئ، فلو أتى ببعض الذكر فالتفت أنه ساجد على ما لا يصح، فلا دليل على لزوم إعادة الجزء المأتي به. نعم حكي الاجماع عن مثل الغنية والوسيلة والمحققين، وجماعة على لزوم التدارك، ومن الغريب ما قيل: بلزومه، لتوقف صدق السجدة الثانية عليه انتهى. غافلا عن إمكان كون الاخلال في الثانية، وحيث إن مثل هذه الاجماعات لا ترجع إلى محصل، يكون مقتضى القاعدة صحة الذكر، ولزوم التدارك بالنسبة إلى الجزء الغير المأتي به، والتفت بعد الفراغ عنه، فلا عود إليه. اللهم إلا أن يقال: بانصراف القاعدة في موارد إمكان التدارك، إذا لم يلزم الزيادة حال العمد، أو يقال بعدم إطلاق لدليل الشرط، كما قيل في مثل الاستقرار ويمكن أن يقال في مثل ما لا يصح السجود عليه لاطلاق ما يدل على الجر، فتدبر. وتمام الكلام من حيث الحكم الذاتي دون الخلل العارض عليه، يطلب عما تحرر (1)، فليتدبر.


1 - رسالة في قاعدة لا تعاد للمؤلف (قدس سره) (مفقودة).

[ 293 ]

المسألة الحادية عشر خلل القيام المعتبر في الصلاة لو أخل بالقيام المعتبر في الصلاة على القادر، ففيه تفاصيل محكية (1) عن المحقق في المعتبر والشهيد والمدارك (2) وعن العلامة التصريح بركنيته كيف اتفق وغير ذلك، والمهم في المسألة رواياتها دون الاجماع المعلل بها. والذي ينبغي الالتفات إليه - وقد أشرنا إليه - هو: أن لسان لا تعاد آب عن التخصيص والتقييد، فإن الاستثناء يورث صراحة المستثنى منه في المطلوب جدا، والحصر العرفي يأبى عن التقييد في الجملة الخبرية، لاستلزام كذب قائلها ولو كانت بصدد الانشاء كفاية. ولاجل ذلك تجد ورود ما هو الركن بصورة الحكومة، ففي مثل


1 - مستمسك العروة الوثقى 6: 89. 2 - المعتبر: 170، الروضة البهية 1: 122 / 24، مدارك الاحكام 3: 326.

[ 294 ]

النية والقصد والرياء لا يعد ما يأتي به عملا بقوله لا عمل إلا بالنية (1) وإنما الاعمال بالنيات (2) أو بجعل العمل الريائي في السجين، وهو ربما يفيد ادعاء أنه ليس بشئ، مع أنا استشكلنا تبعا للسيد المرتضى (رحمه الله) (3) في بطلانه، وتفصيله في محطه (4). وفي مثل تكبيرة الافتتاح، قد ورد أنه لا صلاة بغير افتتاح (5) ولو كان لما نسب إليه (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب (6) لكان للقول بركنيته وجه، لحكومته على القاعدة، وإن كان قابلا للتقييد، ولكنه غير وارد بسند معتبر، ولعل صحتها بدونها في صورة النسيان، وبعض الصور الاخر يشهد على عدم وروده، لاباء مثله عن التقييد، كما لا يخفى فتأمل. وفي مثل الطهور الخبثي، لا صلاة إلا بطهور (7) فاغتنم. وصحة الصلاة في صورة الجهالة تقصيرا ونسيان الحكم مثلا، ربما تستند إلى أنه مع الجهل والنسيان الراجع إليه عندهم، لا يكون القذر


1 - الكافي 2: 84 / 1، وسائل الشيعة 6: 5، كتاب الصلاة، أبواب النية، الباب 1، الحديث 1 و 4. 2 - تهذيب الاحكام 4: 186 / 2، وسائل الشيعة 6: 5، كتاب الصلاة، أبواب النية، الباب 1، الحديث 2 و 3. 3 - الانتصار: 17. 4 - تحريرات في الفقه، الواجبات في الصلاة، للمؤلف (قدس سره) 83. 5 - تهذيب الاحكام 2: 353 / 1466، وسائل الشيعة 6: 14، كتاب الصلاة، أبواب تكبيرة الاحرام، الباب 2، الحديث 7. 6 - تقدم في الصفحة 11. 7 - تقدم في الصفحة 73.

[ 295 ]

قذرا، كما هو صريح موثق الساباطي، حيث قال: كل شئ نظيف حتى تعلم أنه قذر (1). وإذا علمت فقد قذر، كما قال به الحدائق (رحمه الله) (2). والاشكال عليه بلزوم كون العلم من المنجسات، وعدم نجاسة الملاقي حال الجهل، مثل الاشكال المتوجه إلى المشهور بأن العلم بالماء موجب للجنابة، لان التراب أحد الطهورين. وعلى هذا لا وجه لاستدلالهم بالركنية بالاخبار الدالة على وجوب القيام، لانها محكوم القاعدة كما في سائر المطلقات الواردة في سائر الاجزاء والشرائط والسنن، فما ترى في كلام الاعلام بعيد عن الثواب. نعم، هناك معتبر حاكم على القاعدة بالنسبة إلى القيام.


1 - تهذيب الاحكام 1: 284 / 119، وسائل الشيعة 3: 467، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 37، الحديث 4. 2 - الحدائق الناظرة 1: 136. 7 - تقدم في الصفحة 73.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية