الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




الطهارة الكبير - السيد مصطفى الخميني ج 2

الطهارة الكبير

السيد مصطفى الخميني ج 2


[ 1 ]

تحريرات في الفقه كتاب الطهارة تأليف العلامة المحقق آية الله المجاهد الشهيد السعيد السيد مصطفى الخميني (قدس سره) الجزء الثاني مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني (قدس سره) بمناسبة الذكرى السنوية العشرين لشهادة العلامة المجاهد آية الله السيد مصطفى الخميني (قدس سره)

[ 2 ]

هوية الكتاب * اسم الكتاب: كتاب الطهارة (ج 2) * * المؤلف: السيد مصطفى الخميني (قدس سره) * * تحقيق ونشر: مؤسسة تنظيم ونشر آثار الامام الخميني (قدس سره) * * سنة الطبع: آبان 1376 - جمادى الثاني 1418 * * الطبعة: الاولى * * المطبعة: مطبعة مؤسسة العروج * * الكمية: 3000 نسخة * * السعر: 12500 ريال * جميع الحقوق محفوظة للناشر

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم

[ 1 ]

المبحث السابع في ماء الحمام والكلام في المقام يتم في مواقف:

[ 3 ]

الموقف الاول في المراد من " ماء الحمام " فالذي هو المعروف وعليه الشواهد، أنه ما في الحياض الصغار. وأما احتمال كون ما في الخزانة مستقلا من ماء الحمام، أو كون ما في الحياض مع ما فيها ماء الحمام، فهو في حد نفسه غير بعيد، إلا أن الاستعمالات في السنة تورث تعين ما أرسله المشهور، ضرورة أن رواية ابن حبيب " ماء الحمام لا بأس به إذا كانت له مادة " (1) وغيرها - مثل ما في " فقه الرضا " (2) - كالصريح في ذلك. وقد يشكل: أن تنزيله منزلة الجاري، يعطي أن المجموع ماء الحمام، لان مادة الجاري من الجاري، فكما أن الماء الموجود بعنوان


1 - تهذيب الاحكام 1: 378 / 1168، وسائل الشيعة 1: 149، الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 7، الحديث 4. 2 - الفقه المنسوب للامام الرضا (عليه السلام): 86 / 4، مستدرك الوسائل 1: 194 - 195، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 7، الحديث 2.

[ 4 ]

" المادة " و " السائل على الارض " هماهو الجاري، كذلك ما نحن فيه. ويدفعه: ما في " التهذيب " عن موسى بن جعفر (عليهما السلام) في الحمام أنه قال: " إذا علم أنه نصراني اغتسل بغير ماء الحمام، إلا أن يغتسل وحده على الحوض فيغسله، ثم يغتسل " (1). فإن المتفاهم منه، أنه هو الموجود في الحوض. هذا مع أن الخزائن البعيدة عن الحمام، ليست من تبعات الحمام، ولا يكون مياهها من ماء الحمام أيضا. وأما ما في البالوعة، فهو وإن يصدق عليه " أنه ماء الحمام " ولكنه خارج عن مصب المآثير والاخبار. بل لو كان المنصرف من " ماء الحمام " ما يستحم به في الحمام، فهو ينحصر بما في الحياض الصغار، فالمراد من " ماء الحمام " هو الموجود في محيطه المهيأ للاستحمام به، وهو المراد في الروايات قطعا. وأما الماء المنبسط في أرض الحمام المتصل بالحوض المتصل بالمادة، فهو أيضا من ماء الحمام عرفا، وبه قال الاستاذ في " مفتاح الكرامة " (2).


1 - تهذيب الاحكام 1: 223 / 640. 2 - مفتاح الكرامة 1: 64 / السطر 5.

[ 5 ]

الموقف الثاني: فيما كان المتعارف من بناء الحمامات في القديم ولدى عصر المآثير والاخبار وهذا على ما يظهر من الاخبار ومن الامر المفروغ عنه، أن بناءها لما كانت على وجود المخازن الثلاثة: أحدها: الكبير الموجود فيه الماء الكثير، وكان الحمامي يهتم بحفظ المياه فيه، ويحتاج الحمام في تلك العصور إليه، لقلة المياه وصعوبة الوصول له، وربما كان في بلد حمام واحد، كما هو الان كذلك في القرى وكثير من القصبات. وثانيهما: الصغير الموجود في داخل المحيط المتصل بطريق خاص الى الحياض الكبيرة، من غير لزوم كونه في السطح الادنى منه، فإن الثقب الموجودة بينها وبين تلك الحياض الكبيرة، كافية في إيصال الماء إليها، من غير الاحتياج الى اختلاف السطوح، مع أن ذلك مما يحتاج الى إعمال المصارف الكثيرة في بناء الحمام، فلعل الاظهر أن سطوح هذه الحياض والمخازن، كانت واحدة. واحتمال كون المخازن على سطوح الحمام، لانها كانت من الاواني الكبيرة المنصوبة عليها، بعيد جدا. وتوهم تقريبه بالاحتياج إليها في تسخين المياه في الشتاء، مدفوع بإمكان ذلك في الخزائن المساوية سطحها معها أيضا، كما لا يخفى. وأما الانبوب المتوسط بين الخزائن الكبار والحياض الصغار، فليس سعته وضيقه معلومين إلا بالحدس، وأن تلك الطرق كانت مثل ما هو

[ 6 ]

الان موجود، أو قريبة منه، فإن من المحتمل قويا كونها ضيقة، للاحتياج الى تقليل المصارف، لقلة المياه في مدينة الاخبار وبلاد المآثير، فإن رواياتها كلها - إلا نادرة منها - عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليهما السلام) (1) فاحتمال سعة تلك الطرق بعيد جدا، مع الحاجة الى سدها مرارا في أثناء الاستحمام، ولا يمكن ذلك إلا في الثقب الضيقة. وأما الحياض الموجودة في محيط الحمام، فلا يبعد كون بعضها أحيانا بالغا الى الكر، ولكن الظاهر انتفاء الكرية في الاثناء، ولذلك كانت مورد السؤال وجعلت معتصمة مثلا كما يأتي. وأما الخزائن، فلا دليل على وحدتها في كل حمام، فإن من المحتمل تعددها، واتصال قسم من الحياض الصغار ببعض منها، لاختلاف جوانب الحمام مع وجود الحياض الصغار في أكثر الجوانب، فالاحتمال المزبور قوي جدا، ولا شاهد على كون تلك الخزينة تسع الاكرار من الماء، وتكون دائما مملوءة من الكر. فكون حمام المدينة في السابق، مثل بعض حمامات المنازل في اليوم، قوي جدا، وذلك لعدم تمكن الحمامي من المياه الكثيرة، حتى يحتاج الى الخزينة الكبيرة، بل احتياج الناس الى الاستحمام كان كثيرا، وإذا يوجد ماء في الحمام يشد إليه الرحال، وكثيرا ما يتفق مراجعتهم الى الحمامات الفارغة عن المياه وعما يحتاجون إليه، وكل ذلك يعلم من


1 - وسائل الشيعة 1: 148 - 150، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 7، الحديث 1 - 8.

[ 7 ]

التدبر في حمامات البلدان النائية عن العواصم في اليوم، ومن النظر الى حمامات القرى، وكثير من القصبات، فلاحظ وتدبر. فتحصل: أن تعيين بعض الخصوصيات - كما يتراءى من كلمات جمع من الاعلام (1) - غير قابل للتصديق جدا. ثم إن المحكي من بعض المشايخ المعاصرين أنه يقول: " بناء الحمام في تلك الاعصار، كان ما يسمى ب‍ " الدوش " في هذا العصر " (2) انتهى. أقول: هذا في حد نفسه مما لا بأس به، إلا أنه دعوى بلا بينة وبرهان، ويشهد لذلك اختلاف الفقهاء من العصر القديم في الشرائط الاتية، وهو لا يمكن في هذه الصورة، فتدبر. الموقف الثالث: في نقل الاقوال في المسألة ففي " المعتبر " عن أصحاب أبي حنيفة، عنه أنه قال: " هو بمنزلة الجاري، لان النجاسة لا تستقر مع اتصال الاجزاء " (3). وعن أحمد بن حنبل أنه قال: " قد قيل: إنه بمنزلة الجاري " (4).


1 - التنقيح في شرح العروة الوثقى 1: 280، مهذب الاحكام 1: 219. 2 - لم نعثر عليه. 3 - المعتبر 1: 42، بدائع الصنائع 1: 72، شرح فتح القدير 1: 69. 4 - المعتبر 1: 42، المغني، ابن قدامة 1: 31 / السطر 13.

[ 8 ]

وفي " المنتهى " مثل ذلك عن الاول والثاني (1)، وما وجدنا في " الخلاف " تعرضا لماء الحمام. وأما أصحابنا، فقد انهيت أقوالهم الى خمسة أو ستة، فالذي هو المشهور المعروف، وعليه دعاوى الاجماعات، بل يعد من الضروري، أنه بمنزلة الجاري إذا كانت له المادة (2)، فما يظهر من " المقنعة " من عدم تعرضها للاتصال بها (3)، محمول على إهمال القيد الواضح. وفي اشتراط كرية ما في المخازن قولان، المعروف وهو المشهور اعتبارها، كما في " الذخيرة " وهو ظاهر " المجمع " (4) وفي " المدارك ": " أنه مذهب أكثر المتأخرين " (5). وفي " المعتبر " وتبعه جماعة ك‍ " الدلائل " و " الذخيرة " و " حاشية المدارك " عدم اعتبارها (6)، ولعله يظهر - كما قيل - من إطلاق " الوسيلة " و " المراسم " و " الشرائع " (7). وفي اشتراط كرية مجموع ما في الخزائن والحياض قولان،


1 - منتهى المطلب 1: 6 / السطر 24. 2 - لاحظ جواهر الكلام 1: 95. 3 - لم نعثر على مباحث ماء الحمام في المقنعة، انظر مفتاح الكرامة 1: 64 / السطر 14. 4 - ذخيرة المعاد: 120 / السطر 17، مجمع الفائدة والبرهان 1: 258. 5 - مدارك الاحكام 1: 34. 6 - المعتبر 1: 42، لاحظ مفتاح الكرامة 1: 64 / السطر 20، ذخيرة المعاد: 120 / السطر 21. 7 - مفتاح الكرامة 1: 64 / السطر 19، الوسيلة: 72 / السطر الاخير، المراسم: 37، شرائع الاسلام 1: 4.

[ 9 ]

المحكي عن بعض المتأخرين، الاجماع على اعتبارها (1)، وهو المحكي عن " فوائد القواعد " للشهيد الثاني (2)، وهو مختار " الروض " و " الكفاية " (3). وفي تقريرات درس المحقق الوالد - مد ظله - نفي اعتبارها فيه أيضا (4). وعن استاذه في " مفتاح الكرامة " أنه قال: " يشترط بلوغ المجموع كرا في عدم قبول النجاسة " أي الدفع " وكون المادة كرا في التطهير إذا تنجس ما في الحياض " أي الرفع الخاص (5). وقيل: باعتبار كرية المادة في رفع النجاسة على الاطلاق، من غير فرق بين نجاسة ما في الحياض وعدمه، وعدم اعتبارها في الدفع، بل يكفي كرية المجموع. وهذا التفصيل هو الظاهر بين المتأخرين إلا بعضهم (6)، وبه صرح الفقيه اليزدي في " العروة " (7). وقد حكي تفصيل آخر، وهو ما إذا تساوى سطوح المجموع أو اختلفت، ففي الاول يكفي بلوغ المجموع كرا، وفي الثاني يعتبر كرية المادة


1 - ذخيرة المعاد: 120 / السطر 31. 2 - مفتاح الكرامة 1: 64 / السطر 20. 3 - روض الجنان: 137 / السطر 15، كفاية الاحكام: 10 / السطر 2. 4 - الطهارة (تقريرات الامام الخميني (قدس سره) الفاضل اللنكراني: 14 (مخطوط). 5 - مفتاح الكرامة 1: 64 / السطر 24. 6 - لاحظ مفتاح الكرامة 1: 64 / السطر 27. 7 - ا لعروة الوثقى 1: 41، فصل في ماء الحمام.

[ 10 ]

وحدها (1). وعن " تحرير " العلامة اعتبار زيادة المادة على الكرية، ولم يعين مقدارها، ولكن لا يبعد عدم كفاية الزيادة اليسيرة (2)، كما لا يخفى. وفي المسألة احتمالات اخر، ربما كانت أقرب الى الادلة والاعتبار من المذكورات، ومن تلك الاحتمالات سقوط خصوصية الحمام ولزوم العمل بالادلة المقتضية لانفعال الماء القليل. أو إدراج المسألة في عمومات الماء الجاري واقعا، لا تنزيلا وادعاء، ولعله الاقرب. الموقف الرابع: فيما ورد عن العترة الطاهرة في المسألة وهي روايات وطوائف: الطائفة الاولى: ما تدل على أن ماء الحمام بمنزلة الجاري، من غير قيد وشرط: فمنها: ما في " التهذيب ": أحمد بن محمد، عن عبد الرحمن بن أبي نجران، عن داود بن سرحان قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام): ما تقول في ماء الحمام؟ قال: " هو بمنزلة الماء الجاري " (3).


1 - جامع المقاصد 1: 112، مفتاح الكرامة 1: 65 / السطر 4. 2 - تحرير الاحكام: 4 / السطر 23، مفتاح الكرامة 1: 67 / السطر 1. 3 - تهذيب الاحكام 1: 378 / 1170.

[ 11 ]

وتوهم إضافة " الوافي " شيئا الى هذه الرواية غفلة. نعم، في " الوافي " و " الوسائل " أن أحمد بن محمد هو ابن عيسى (1)، ولكن " التهذيب " خال عن الاشعار به. نعم، في القديم كنا نقوي، أن المراد من " أحمد بن محمد " في " الكافي " و " التهذيبين " دائر بين الثقات، ولعله كذلك في " الكافي " ولكنه في " التهذيبين " مشكل، لتعرض الشيخ في مشيخة الكتابين لسنده الى أحمد بن محمد بن خالد، وأحمد بن محمد بن عيسى، ولجماعة اخرى من المسمين بذلك (2)، من غير قرينة على واحد منهما، وكونه أحدهما - كما هو المتفق عليه ظاهرا - غير واضح، لوجود أحمد بن محمد الكوفي المجهول في هذه الطبقة، وقد روى بتوسط العدة عنه في " الكافي " كما في ذيل ترجمة محمد بن الحسن بن جمهور القمي ] العمي [ (3)، فراجع وتدبر. فصحة الرواية اصطلاحا، محل إشكال. نعم لا يبعد اعتبارها. ومنها: ما في " قرب الاسناد " بسنده عن إسماعيل بن جابر، عن أبي الحسن الاول (عليه السلام) قال: ابتدأني فقال: " ماء الحمام لا ينجسه شئ " (4). ولا يخفى ما قد يشكل في أصل الكتاب.


1 - الوافي 6: 52 / 7، وسائل الشيعة 1: 148، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 7، الحديث 1. 2 - تهذيب الاحكام 10: 5 - 44، من المشيخة، الاستبصار 4: 297 - 306. 3 - جامع الرواة 2: 90. 4 - قرب الاسناد: 309 / 1205، وسائل الشيعة 1: 150، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 7، الحديث 8.

[ 12 ]

وأما أيوب بن نوح أخو جميل، فهو ثقة. وأما صالح بن عبد الله، فقد يشكل كونه الخثعمي الكوفي، حتى يقال: بدلالة رواية ابن أبي عمير عنه على اعتباره أو حسنه، مع أن ذلك أيضا غير واضح. فالاتكال على مثلها غير جائز، إلا على مذهب في حجية خبر الواحد. ومنها: ما رواه " الكافي " عن بعض أصحابنا، عن ابن جمهور، عن محمد بن القاسم، عن ابن أبي يعفور، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال قال: " لا تغتسل من البئر التي يجتمع فيها غسالة الحمام، فإن فيها غسالة ولد الزنا... ". الى أن قال: قلت: أخبرني عن ماء الحمام، يغتسل منه الجنب والصبي واليهودي والنصراني والمجوسي. فقال: " إن ماء الحمام كماء النهر، يطهر بعضه بعضا " (1). وابن جمهور هذا، هو الحسن بن محمد بن جمهور، أو أبوه محمد بن الحسن بن جمهور البصري، وقضية ما في " النجاشي " - من " أنه كان أوثق من أبيه " - وثاقتهما، ومجرد كونه يروي عن الضعفاء، ويعتمد المراسيل، لا يضر بذلك، خصوصا بعد قوله: " ذكره أصحابنا بذلك، وقالوا: كان أوثق من أبيه وأصلح " (2) انتهى.


1 - الكافي 3: 14 / 1، وسائل الشيعة 1: 150، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 7، الحديث 7. 2 - رجال النجاشي: 62 / 144.

[ 13 ]

ولعله هو الابن، لروايته عنه عن أبيه، وقد عبر عنه ب‍ " ابن جمهور ". ويشكل دركه بواسطة واحدة، لما في ذيل ترجمة محمد بن الحسن في " جامع الرواة " قال: " محمد بن يعقوب، عن عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد الكوفي، عن ابن جمهور، عن أبيه " (1) وإن كان في رواية الكليني عن أحمد بن محمد بلا وساطة العدة (2) - كما في ذيل ابن جمهور - شهادة على إمكانه وقربه، فليتدبر جيدا، والمسألة لا تخلو من غموض. وأما محمد بن القاسم، فهو في هذه الطبقة ينحصر بابن الفضيل من أصحاب الرضا (عليه السلام) الثقة الفاضل. فالسند على ما بنينا عليه - من أن تعبير الكليني عن رجل بقوله: " بعض أصحابنا " يدرجه في المعتبرين - معتبر، خصوصا بعد كون الرواية مشهورة، موافقة لفتوى الاصحاب، ومورد الاستدلال، فإن كل ذلك يستلزم كون الرواة - بعدما عرفتهم - من المعتبرين. بحث دلالي للطائفة الاولى وبالجملة: هذه الطائفة ظاهرة في أن ماء الحمام - من غير شرطية شئ آخر - مطهر ومعتصم. نعم، في نفس التنزيل دلالة على أن المادة المتصل بها ماء الحمام


1 - جامع الرواة 2: 90. 2 - الكافي 3: 147 / 3.

[ 14 ]

لازمة، ولا سيما بعد كون المتعارف وجودها كما عرفت (1)، فكما أن الماء الجاري معتصم من غير شرط، كذا إطلاق التنزيل والتشبيه يقتضي ذلك. وأما التمسك بخصوصيات الحمامات في عصر الصدور (2)، فمع عدم إمكان الاطلاع على جميع الجوانب والجهات، لا يليق بالفاضل، فضلا عن الفقيه العامل. وتوهم: أن التنزيل من جهة، أو بعض الجهات، دون مطلقها، فلعله كان لاجل توهم الناس، عدم تقوم السافل بالعالي (3)، لا يخلو من تأسف، لان الاحتمال لا يورث قصورا في الاطلاق، خصوصا مثل هذا التنزيل والتشبيه، ولا سيما بعد كون الحكم في موقف التسهيل. ودعوى الخزينة الواحدة المملوءة من المياه البالغة نوعا الى الاكرار (4)، بلا بينة وبرهان، كما عرفت منا من الاحتمالات في المخازن، وعدم قيام الشواهد على أحدها، بل الاستظهار يناسب تعدد المخازن، وتكون هي غير كبيرة. فجميع ما سمعت من الاقوال - حسب هذه الطائفة - ساقط جدا، إلا ما عن الوالد المحقق - مد ظله - (5)، تبعا " للحدائق " (6) بل


1 - تقدم في الصفحة 5. 2 - دروس في فقه الشيعة، القسم الثاني من المجلد الاول: 238 و 239. 3 - نفس المصدر: 237. 4 - مصباح الفقيه، الطهارة: 13 / السطر 25، دروس في فقه الشيعة، القسم الثاني من المجلد الاول: 239، مهذب الاحكام 1: 218. 5 - تقدم في الصفحة 9. 6 - الحدائق الناضرة 1: 204 - 205.

[ 15 ]

و " الكفاية " (1) وفي المحكي عنه: " أنه مختار جملة من المتأخرين ومتأخريهم " (2). ماء الحمام هو تمام الموضوع للحكم بالمطهرية والاعتصام ومما مر يظهر: أن ما هو تمام الموضوع للحكم بالمطهرية والاعتصام، هو عنوان " ماء الحمام " سواء كان في الحياض الصغار - على المتعارف المذكور في الكتب الفقهية، ويستفاد أحيانا من حواشي الاخبار - أو كان في الدوشات المتعارفة في العصر، فإن مخازن الحمامات إذا كانت عاليات وفي السطوح، فالاستفادة منها بالدوش ممكنة، من غير الحاجة الى الحوض الصغير، وهذا هو أولى بالمطهرية والاعتصام من غيره، لمساعدة العرف على عدم انفعال هذا الماء، لكونه كالمطر تكوينا وحقيقة. ودعوى: أن ما هو كالجاري طبعا وتكوينا، معتصم حكما، دون ما هو كالمطر، غير مسموعة بعد الاطلاق المذكور. وما في كتب بعض فضلاء العصر، من الاطالة حول القضية الحقيقية أو الخارجية وغير ذلك (3)، فهو من اللغو المنهي جدا، لعدم الحاجة في فهم المسألة الى تلك الاطالة الفاسدة، كما لا يخفى.


1 - كفاية الاحكام: 10 / السطر 2. 2 - مستمسك العروة الوثقى 1: 187، الحدائق الناضرة 1: 205. 3 - مستمسك العروة الوثقى 1: 188.

[ 16 ]

فلا ينبغي الخلط بين الحقائق والمجازات، فلو كان المتعارف في البيوع أمرا خاصا، فهو غير موجب لصرف الاطلاقات إليها، أو الى المبيعات المعينة والاثمان المخصوصة، فالمدار على ما صدق عليه " ماء الحمام " بشرط كونه متصلا با لمادة، ولو كان من قبيل الدوشات في اليوم، وإن كانت المادة قليلة. ولو كان الامر كما توهم، لزم العسر والحرج في حمامات البلاد، وفي حمامات المنازل، فيما كانت الاواني الفوقانية غير متصلة بالمياه الكبار، كالفرات ونحوه، ويلزم اختصاص الحكم بحمام البلد، دون القرى، أو بحمام البلدان والقرى، دون المنازل. ولو لم يكن إطلاق، وكان الشرع يرى ما يصنع في الحمامات، وأمضاه بالسكوت، فيعلم منه أن الامر أوسع، لالغاء الخصوصية عرفا عما اشتملت عليه الحمامات، لاختلاف حالات مياه الحمام حسب الايام وأوقاتها قطعا، بعد النظر الى وهنها في تلك الادوار والاعصار، فلا تخلط. أجنبية حديث تقوي السافل بالعالي وغيره وأما حديث تقوي السافل بالعالي، وبالعكس، وعدمه مطلقا، أو أصلا دون عكس، كما قيل بكل ذلك (1)، فهو الاجنبي عما نحن فيه، لان ذاك في الماء الراكد المتصل بالانبوب مثلا، دون الماء الجاري من الفوق الى التحت، ومنه الى البالوعة، ضرورة أن العرف يجد مطهريته، لان


1 - لاحظ الرسائل الفشاركية: 201، مهذب الاحكام 1: 221.

[ 17 ]

حقيقة التطهير ليست إلا تعانق الماء مع النجس، وحمله الى خارج محل النجاسة وموضعها. وإذا كان ما في الحياض غير جار الى البالوعة، فهو أيضا عندهم طاهر ومعتصم، لما فيه من الجريان والتلاطم، كماء النهر، واختلاف المادة الطبيعية والصناعية، لا يورث اختلافا في الحكم عندهم بالضرورة، كما سيأتي تفصيله من ذي قبل (1). ثم إن تفصيل البحث حول دلالة بعض هذه المآثير على اعتبار الكرية في الماء الجاري - فضلا عن دلالتها على عدم اعتبار الكرية في ماء الحمام - قد مضى، وقد نقلنا هناك ما أفاده الشيخ الاعظم الانصاري (قدس سره) في المسألة، وذكرنا ما حوله من الخلط، فليراجع (2). ومنها: ما رواه " التهذيب " بإسناده عن الحسين بن سعيد، عن ابن أبي عمير، عن فضالة، عن جميل بن دراج، عن محمد بن مسلم، قال: رأيت أبا جعفر (عليه السلام) جائيا من الحمام، وبينه وبين داره قذر. فقال: " لولا ما بيني وبين داري ما غسلت رجلي، ولا يخبث ماء الحمام " (3). وفي نسخة: " لا يجنب ". وفي ثالثة: " لا تجنبت ".


1 - يأتي في الصفحة 31. 2 - تقدم في الجزء الاول: 198 - 201. 3 - تهذيب الاحكام 1: 379 / 1173، وسائل الشيعة 1: 148 - 149، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 7، الحديث 3.

[ 18 ]

وفي رابعة: " نحيت " والكل قريب. والظاهر منه: أنه بصدد إفادة طهارة ماء الحمام، والذي هو الاظهر - وهو المناسب للصدر - أن يكون قوله (عليه السلام): " لا يخبث " أو " لا يجنب " دفاعا عن توهم ابن مسلم، ومناسبا للابتداء به بعد تمامية الجملة السابقة، كما لا يخفى، وسندها معتبر، فما يظهر من الاصحاب، من اختصاص الاعتبار في أخبار المسألة بالاولى، وهي معتبر ابن سرحان (1)، في غير محله. ولعله يدل على أن مجرد الاتصال، يورث رفع خباثته، لانه بالاتصال يصير ماء الحمام المقصود في الاخبار، وظاهر قوله: " لا يخبث " ينافي بقاء خباثته بعد الاتصال، فتأمل. ومنها: ما في " التهذيب " عن أحمد بن محمد، عن أبي يحيى الواسطي، عن بعض أصحابه، عن أبي الحسن الهاشمي، قال: سئل عن الرجال يقومون على الحوض في الحمام، لا أعرف اليهودي من النصراني، ولا الجنب من غير الجنب. قال: " يغتسل منه، ولا يغتسل من ماء آخر، فإنه طهور " (2). وأما أبو يحيى، سهيل بن زياد، فلا يبعد اعتباره، لقول النجاشي: " شيخنا المتكلم " ولقول بعض الاصحاب في " النجاشي ": " إنه ليس بكل


1 - الحدائق الناضرة 1: 204، الطهارة (تقريرات الامام الخميني (قدس سره) الفاضل اللنكراني: 13 (مخطوط)، دروس في فقه الشيعة، القسم الثاني من المجلد الاول: 235. 2 - تهذيب الاحكام 1: 378 / 1171، وسائل الشيعة 1: 149 - 150، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 7، الحديث 6.

[ 19 ]

الثبت في الحديث " (1) فإنه يورث ثباته، إلا أنه لمكان تكلمه كان يحكي بعض ما لا يقبله أرباب الخبر. هكذا ظني فيه. وبعد التدبر في كلام الغضائري: " أن حديثه نعرفه تارة، وننكره اخرى، ويجوز أن يخرج شاهدا " (2) انتهى، يعلم حسن حاله جدا، ولا سيما أنه سبط مؤمن الطاق، فلاحظ. وقال في " جامع الرواة ": " لا يبعد كون بعض أصحابنا في المواضع المذكورة، هو هشام بن سالم، أو حماد بن عثمان " (3) انتهى. ولو فرضنا عدم صحة ما أفاده، ولكن الظاهر أنه من المعتبرين، لاصراره على إخفائه، وذلك لاكثاره في الروايات هذه الكلمة، وفي ذلك شهادة على حسن حاله، كما يشهد على حسن حال المروي عنه بتعبيره: " عن بعض أصحابنا ". وفي قول النجاشي: " لقي أبا الحسن العسكري (عليه السلام) " مع روايته بواسطة واحدة عن أبي عبد الله (عليه السلام) في " التهذيب " دلالة على أنه عمر، والله العالم. وأما أبو الحسن الهاشمي، فهو من المهملين، ويحتمل كونه كناية عن موسى بن جعفر (عليهما السلام) لان ظاهر حال الراوي ابتلاؤه بالتقية شديدا. ودلالتها واضحة، لما عرفت من أن التوصيف ب‍ " الطهور " يدل على


1 - رجال النجاشي: 192 / 513. 2 - لاحظ مجمع الرجال 3: 181. 3 - جامع الرواة 2: 425.

[ 20 ]

زيادة على أصل الطهارة، وهي صفة المطهرية (1)، وأما عدم انفعاله فيعلم بقرينة المقام، لان النجاسة ترد عليه كما لا يخفى. الطائفة الثانية ما دلت على أن ماء الحمام، معتصم إذا كان له المادة فمنها: ما رواه " الكافي " عن العدة، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن صفوان بن يحيى، عن منصور بن حازم، عن بكر بن حبيب، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: " ماء الحمام لا بأس به إذا كانت له مادة " (2). ومثله ما في " الفقه الرضوي ": " ماء الحمام سبيله سبيل الجاري إذا كانت له مادة " (3). ودلالتها على كفاية وجود المادة من غير الشرط الاخر - من الكرية وغيرها - أوضح، ضرورة أن تنوين التنكير يقتضي ذلك. وقد عرفت: أن الطائفة الاولى، تدل على اعتبار المادة والاتصال بها، فلا حاجة الى تنقيح سند هذه الرواية: إما بالالتزام بأن منصور بن حازم، قد عمر حتى تمكن من الرواية عن بكر بن حبيب المازني، المتوفى سنة


1 - تقدم في الجزء الاول: 24. 2 - الكافي 3: 14 / 2، وسائل الشيعة 1: 149، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 7، الحديث 4. 3 - الفقه المنسوب للامام الرضا (عليه السلام): 86، مستدرك الوسائل 1: 194 - 195، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 7، الحديث 2.

[ 21 ]

248 ه‍. أو الالتزام بأن بكرا كان من المعمرين. فيكون المراد من " أبي جعفر " على الاول هو محمد بن علي التقي. وعلى الثاني، محمد بن علي الباقر عليهم الصلاة والسلام. والظاهر تعددهما، فما يظهر من الشيخ الانصاري (رحمه الله) (1) لا يخلو من تأسف. وأما الاكتفاء برواية صفوان في الوثوق بالرواية - لكونه مورد الاجماعين (2)، إجماع الكشي (3)، وإجماع الشيخ في " العدة " (4) - فهو غير واضح، بل الذي حققناه أن إجماع الشيخ في " العدة " ليس إجماعا على حدة، بل هو نفس إجماع الكشي (5)، فراجع. الطائفة الثالثة ما يظهر منها أن ماء الحمام من المياه الجارية موضوعا ويشهد لذلك قوله: " كماء النهر، يطهر بعضه بعضا " (6).


1 - الطهارة، الشيخ الانصاري 1: 100. 2 - جواهر الكلام 1: 96. 3 - رجال الكشي 2: 830. 4 - عدة الاصول: 63. 5 - لعله في قواعده الرجالية وهي مفقودة. 6 - الكافي 3: 14 / 1، وسائل الشيعة 1: 150، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 7، الحديث 7.

[ 22 ]

وقوله: " سبيله سبيل الجاري " (1). ويدل عليه قوله: " فإنه طهور " (2). فإن الحمل ظاهر في أنه طهور حقيقة، لا بالتنزيل والادعاء. ويدل عليه فهم العرف وبناء العقلاء في المطهرات، ضرورة عدم الفرق عندهم بين ماء النهر وهذا الماء، فإن كون المخزن في الاول طبيعيا، وفي الثاني صناعيا، لا يورث الفارق بينهما حكما بالضرورة والوجدان، ومياه الدوشات مثل مياه المطر في ذلك الامر واقعا. وقد عرفت في الماء الجاري: أن المراد من " المادة " في صحيحة ابن بزيع أعم من المادة الخاصة، أو المواد المعينة والمشهورة عند العرف (3)، فعلى هذا تسقط خصوصية الحمام، وتندرج المسألة في البحث السابق، وهو الماء الجاري. ويدل عليه ما رواه " الكافي " (4) و " التهذيب " (5) عن محمد بن إسماعيل، عن حنان (6)، قال: سمعت رجلا يقول لابي عبد الله (عليه السلام): إني أدخل الحمام في السحر، وفيه الجنب وغير ذلك، فأقوم فأغتسل، فينتضح علي


1 - الفقه المنسوب للامام الرضا (عليه السلام): 86، مستدرك الوسائل 1: 194 - 195، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 7، الحديث 2. 2 - تهذيب الاحكام 1: 378 / 1171، وسائل الشيعة 1: 149 - 150، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 7، الحديث 6. 3 - انظر ما تقدم في الجزء الاول: 183 و 195. 4 - الكافي 3: 14 / 3. 5 - تهذيب الاحكام 1: 378 / 1169. 6 - كذا في نسخة (منه (قدس سره).

[ 23 ]

بعدما أفرغ من مائهم. قال: " أليس هو جار؟ ". قلت: بلى. قال: " لا بأس ". فإنه كالنص في أنه لمكان كونه جاريا موضوعا، نفي عنه البأس، وقد مر ما يتعلق بها سندا ودلالة في الماء الجاري، فراجع (1). وتوهم دلالة صحيحة ابن سرحان (2) على التنزيل (3)، في محله، لامر فتوى أبي حنيفة وأصحابه بأنه بمنزلة الماء الجاري كما عرفت (4). وفي قوله: " إذا كانت له مادة " (5) دلالة على أن المراد من " المادة " في الشرع ليس مادة خاصة، فالمدار على كون الماء ذا مادة، وإذا كان سائلا فهو الجاري موضوعا، فيدل على اعتصام ماء الحمام، جميع ما دل على اعتصام الماء الجاري، ويشترك معه في الاحكام الاتية في محلها إن شاء الله تعالى (6).


1 - تقدم في الجزء الاول: 199 - 200. 2 - تهذيب الاحكام 1: 378 / 1170، وسائل الشيعة 1: 148، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 7، الحديث 1. 3 - الحدائق الناضرة 1: 204. 4 - تقدم في الصفحة 7. 5 - تهذيب الاحكام 1: 378 / 1168، وسائل الشيعة 1: 149، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 7، الحديث 4. 6 - يأتي في الصفحة 31 - 32.

[ 24 ]

الموقف الخامس: في علاج المعارضة بين أخبار الكر مفهوما وروايات المسألة أما أصل التكاذب، فهو معلوم على ما بنى عليه الاصحاب، من أن ماء الحمام قليل لا ينفعل، وخارج عن أدلة انفعال الماء القليل بالنص الخاص (1). ويورد عليهم: بأن النسبة بين الادلة عموم من وجه، وذلك لان من الممكن قويا، اتحاد سطوح المخازن والحياض الصغار، وكونها في سطح أعلى ليس من الامر الواضح، حتى يقال: بأن أدلة ماء الحمام واردة على الماء القليل غير المتقوي بشئ، ففيما كان ما في الحياض والمخازن كرا يتفق الطائفتان، وفيما كان أقل تقع المعارضة بين الطائفتين. وعلاجها بإنكار كون النسبة عموما من وجه، كما يظهر منهم، ظنا أن ماء الحياض والمخازن متعدد عرفا، فيكون خارجا عن أدلة الكر منطوقا ومفهوما، والوحدة في الحقيقة أو تسامحا غير كافية كما لا يخفى (2)، مدفوع بما مر.


1 - جواهر الكلام 1: 96. 2 - مصباح الفقيه، الطهارة: 13 / السطر 31.

[ 25 ]

وهكذا علاجها بأن ترجيح أخبار الحمام متعين، للزوم لغويتها في العكس، لما عرفت في ماء المطر (1). وقد يتوهم حكومة هذه المآثير على تلك الطائفة، لان المراد من التنزيل هو الادراج في الكثير ادعاء، لان الجاري وكل ما لا ينفعل يكون من الكثير، فيخرج عن مفهوم أخبار الكر بالحكومة. وما فيه غير خفي، لان اطلاع الكثير على الماء المعتصم، ممنوع لغة، وغير ثابت في الشرع، فكون الجاري وماء المطر كرا حقيقة أو في مصطلح الشرع، واضح المنع، فلا حكومة. ودعوى: أن ترجيح أخبار الكر، يستلزم التخصيص المستهجن، ولا عكس، للزوم خروج نوع الحمامات، لاختلاف سطوح مياه الحياض الصغار مع ما في المخزن (2)، غير مسموعة، لعدم اطلاعنا على وضع الحمامات في العصر الاول، وقد مر أن الاوفق بوضع الاسبق اتحاد السطوح (3)، فلا تغفل. فعلى هذا، إن تم ما ذكرناه: من أن ماء الحمام من الماء الجاري موضوعا، واختلاف مآثير الماء الجاري والكر مرفوع، وقد مر تفصيله في محله (4)، فهو، وإلا فتصل النوبة الى العمل بأخبار العلاج، وحيث أن أخبار ماء الحمام مورد الشهرة وموافقة لمذهب العامة، يشكل الامر


1 - تقدم في الجزء الاول: 397 - 398. 2 - مصباح الفقيه، الطهارة: 13 / السطر 34. 3 - تقدم في الصفحة 5. 4 - تقدم في الجزء الاول: 206 - 210.

[ 26 ]

حولها. فإن قلنا: بأن الشهرة في الاخبار العلاجية هي الشهرة الروائية، فلا ترجيح، لاشتهار الطائفتين، فتصل النوبة الى الترجيح بمخالفة العامة، فيتعين العمل على طبق مآثير انفعال القليل. وإن قلنا: بأن المراد منها هي الشهرة الفتوائية، كما هو الاظهر، ففي كون المسألة من مصاديق الخبرين المتعارضين إشكال، بل منع جدا. ومقتضى القاعدة سقوط الاطلاقين، والرجوع الى العام الفوقاني أو الاصول العملية. وقد مضى التحقيق في هذه المواقف في المسائل السابقة كرارا. الموقف السادس: هل يختص ماء الحمام بالتقوي بالمادة ظاهر الاكثر عدم اختصاص الحكم بالحمام، معللين: " بأن العرف لا يجد خصوصية في ذلك " (1). وظاهر الوالد المحقق مد ظله، عدم جواز التعدي، لاحتمال كون الامر مبنيا على المساهلة، للزوم الهرج والمرج والمشقة والكلفة، ومع هذا الاحتمال القوي وجدانا، لا يمكن الغاء الخصوصية (2). وقضية ما سلف منا، عدم اختصاص الحمام بحكم، إلا من باب أنه


1 - العروة الوثقى 1: 41، فصل في ماء الحمام، مستمسك العروة الوثقى 1: 192، دروس في فقه الشيعة، القسم الثاني من المجلد الاول: 240. 2 - الطهارة (تقريرات الامام الخميني (قدس سره) الفاضل اللنكراني: 14 (مخطوط).

[ 27 ]

أحد مصاديق الماء الجاري موضوعا (1)، ولو ثبت هذا فهو، وإلا فالتجاوز ممنوع. وتوهم: أن الاحتمال المذكور يورث كون ماء الحمام من باب العفو، لا الطهارة، في غير محله، لان الطهارة العرفية في ماء الحمام حاصلة، والعفو ينحصر بوضع لا يساعده العرف، كما في ماء الاستنجاء، فعليه لا بأس بالالتزام بطهارة ماء الحمام، واختصاص الحكم به. ثم إنه دام ظله بنى على التجاوز، ظنا أن نصوص الحمام تدل على إناطة الحكم بالمادة المتصلة، فلو كان الماء القليل متصلا بمادة مشابهة لمادة الحمام، فهو أيضا بمنزلة الجاري. وأنت خبير بما فيه: فأولا: لعدم وجود التعليل في مآثير الحمام، ومجرد قوله: " إذا كانت له مادة " لا يدل عليه، بل هو قيد مأخوذ لطهارة الماء في الحمام، لانه لا يورث المشقة والكلفة الخارجة عن المتعارف. وثانيا: التصريح ب‍ " المادة " ليس في الاخبار المعتبرة عندهم. نعم، بناء على ما سلكناه، تكون هذه الاخبار شواهد على أن " المادة " في صحيحة ابن بزيع، أعم من المادة الطبيعية والصناعية. وقد يقال: بأن كلمة " ماء الحمام " من العناوين المشيرة الى أن الماء الذي مثله - وهو ما كان له المادة الكذائية - بمنزلة الجاري،


1 - تقدم في الصفحة 10.

[ 28 ]

وتكون لفظة " الحمام " من باب أخذ المعرف (1). وفيه ما لا يخفى بعدما عرفت: من احتياج ذلك الى التوسعة والاغماض حفظا على أصل المذهب، وهي كونه على السهلة السمحة، فليتدبر. الموقف السابع: هل أن ماء الحمام مطهر عام أو خاص؟ الظاهر من الاعلام، وإرسا لهم كالمسلمات، وعدم تعرضهم للمسألة، أن ماء الحمام مطهر ومعتصم كالماء الجاري على إطلاقه (2). ومن المحتمل قويا كونه - كالشمس - مطهرا خاصا، فكما أن الشمس لا تطهر النواقل، كذلك الحمام لا يطهر إلا المتنجسات الاتية من قبل الاستحمام، ضرورة أن ذلك منصرف الادلة والمفهوم العرفي منها، فمطهريته لغير المستحم ممنوعة جدا، إلا على ما سلكناه من أنه الماء الجاري موضوعا. وأما على ما سلكه القوم، من الالحاق والتنزيل، وهو الظاهر من الكل (3)، فلا يبعد صحة دعوى الانصراف. بل المراجعة الى الاخبار الخاصة الكثيرة في المسألة، تعطي


1 - مصباح الفقيه، الطهارة: 15 / السطر 4، دروس في فقه الشيعة، القسم الثاني من المجلد الاول: 240. 2 - العروة الوثقى 1: 41، فصل في المياه، ماء الحمام. 3 - مصباح الفقيه، الطهارة: 15 / السطر 4، العروة الوثقى 1: 36، فصل في الماء الراكد، مستمسك العروة الوثقى 1: 192، دروس في فقه الشيعة، القسم الثاني من المجلد الاول: 240.

[ 29 ]

ذلك، كما بنى عليه الاصحاب في كثير من المواقف، وقضية الاخذ بالخصوصيات في الحمامات - ومنها كون المادة كرا، أو كون مجموع المادة وما في الحياض كرا، وغير ذلك - عدم جواز التعدي عن تلك الخصوصيات، ومنها ذلك بلا شبهة، فلا يمكن الجمع بين هذين الرأيين المشهورين بين الفقهاء قديما وحديثا، وهو لزوم كرية المادة (1)، ومطهريته لكل متنجس (2). هذا مع أن " ماء الحمام " ربما كان بنحو الاضافة البيانية، أي الماء الذي يستحم به، ولو شك في ذلك فالمرجع العام الفوقاني، أو الاصول العملية، كما اشير إليه (3). مسألة: في كيفية تطهير ما في الحياض ونحوها لو تنجس ما في الحياض، فهل يطهر بمجرد الاتصال بالمادة، أو لابد من الامتزاج؟ كل الى مسلكه في تلك المسألة. وقضية ما سلف منا في محله، أن الماء المتنجس إذا كان تنجسه من قبل تغيره، فيطهر بزوال وصف التغير، وإن تنجس بالملاقاة فلا يطهر إلا


1 - مجمع الفائدة والبرهان 1: 258، ذخيرة المعاد: 120 / السطر 17، مفتاح الكرامة 1: 64 / السطر 17. 2 - تقدم في الصفحة 28. 3 - تقدم في الصفحة 26.

[ 30 ]

بالاستهلاك (1)، ويدل على كل ذلك صحيحة ابن بزيع (2). وربما يخطر بالبال، دعوى اختصاص المسألة بأن ماء الحمام لا يخبث، فلا يتنجس ما في الحياض، لوجود المادة وإن كانت منقطعة في بعض الاحيان، ضرورة عدم الدليل على اشتراط الاتصال في جميع الساعات والاحوال. ولك دعوى انصراف أدلة انفعال القليل عن مياه الحياض الصغار فيما نحن فيه. والانصاف: أن الالتزام بذلك، أقرب الى الصواب من الالتزام بتنجسه، ثم طهارته بمجرد الاتصال، الذي لا يقول به ولا يفهمه أحد من العقلاء، الذين هم المرجع في هذه المسائل، لعدم كونها من المسائل ذات الاسرار والخفيات كالعبادات. ثم إن ظاهر " العروة الوثقى " حيث قال: " وإذا تنجس ما فيها يطهر بالاتصال بالخزانة، بشرط كونها كرا وإن كانت أعلى وكان الاتصال بمثل المزملة " (3) انتهى، اختصاص ذلك بما في الحياض. وأنت قد أحطت خبرا، بقصور الادلة عن إثبات الشرطية المزبورة، وأن قضية ما سلف منهم عدم اختصاص ذلك بما في الحياض، بل المياه الواقفة في سطح الحمام، إذا اتصلت بما في الحياض بعد اتصا لها


1 - تقدم في الجزء الاول: 149 - 153. 2 - الاستبصار 1: 33 / 87، وسائل الشيعة 1: 173، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 14، الحديث 6. 3 - العروة الوثقى 1: 41 - 42، فصل في المياه، ماء الحمام.

[ 31 ]

بالمادة تطهر (1). بل الامر كذلك في مطلق المياه المتنجسة ولو كانت من غير الحمام، فلو تنجس ما في حوض الدار، ثم اتصل بمادة الحمام، فإنه - على ما يظهر منهم - يطهر. وأنت خبير بما فيه بعدا، وهذا شاهد على ما سلكناه، من أن روايات الحمام، ناظرة الى اختصاص الحكم بمواقف معينة، وأما على ما اخترناه فمادة الحمام بالاتصال بكل ماء كان، لا تورث الطهارة. وربما يشهد لما هو الحق، بناء الاصحاب على تخلية ما في الحياض أولا، ثم فتح الانبوب ثانيا، أو يفتحونه أولا، ويصبون الماء الموجود في الحياض في البالوعة، ثم يستحمون، وما ذلك إلا لارتكازهم على عدم طهارة تلك المياه بمجرد الاتصال، والخروج عن المرتكز العرفي بإطلاق أو استظهار، غير ممكن جدا. بحث حول عدم اشتراط كرية مجموع ما في الحياض والمادة قضية ما سلف منا، عدم اشتراط كرية ما في المادة، ولا المجموع (2). وأيضا: مقتضى ما مر منا في الماء الجاري، أن " المادة " في صحيحة ابن بزيع، أعم من المادة الطبيعية والصناعية (3)، فعليه تكون جميع المياه


1 - تقدم في الصفحة 26. 2 - تقدم في الصفحة 13 - 14. 3 - انظر ما تقدم في الجزء الاول: 183 و 195.

[ 32 ]

الصغار المتصلة با لمادة الجعلية، معتصمة بتلك المادة ولو كانت أقل من الكر. وأيضا: يلزم ذلك ولو كانت سطوح المخازن والحياض متساوية. والالتزام بذلك مشكل، ضرورة أنه في صورة اختلاف السطوح، يمكن اعتبار كون ما في الحوض ذا مادة، ويكون ما في المخزن الاعلى مادته، فيخرج عن أدلة انفعال القليل، وأما في صورة وحدة السطوح فلا يعتبر المادة، وذو المادة، وعند ذلك لابد من الالتزام بكرية المجموع في الاعتصام، كما لا يخفى. ويندفع الاشكال على ما تقرر منا أيضا سابقا: بأن الوحدة العرفية ليست دائرة مدار اتحاد السطوح، بل هي دائرة مدار الاتصال العرفي الذي يختلف ذلك باختلافه (1). مثلا: إذا كان العا لي والداني متصلا بالانبوب الوسيع والطريق الواسع، فإنهما يعدان واحدا، بخلاف ما إذا كان بين الماءين في الاناءين المتساويين في السطح، اتصال قصير بانبوب ضيق غايته، فإنه لا يحكم عليهما بالوحدة. فإذن لا بأس بإمكان اعتبار المادة وذي المادة، بين ما في الخزانة وما في الحياض، فيندرج تحت صحيحة ابن بزيع وأخبار المسألة (2)، ومن هنا يظهر ما يتوجه الى الاعلام المتأخرين في ماء الحمام.


1 - تقدم في الجزء الاول: 268. 2 - وسائل الشيعة 1: 148 - 150، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 7.

[ 33 ]

المبحث الثامن في ماء البئر والكلام يتم حوله في ضمن امور:

[ 35 ]

الامر الاول في تعريف البئر قد عرفت في " غاية المراد ": " بأنها مجمع ماء نابع من الارض، لا يتعداها غالبا، ولا يخرج عن مسماها عرفا " (1). وتبعه " كشف الالتباس " و " الروضة " (2). ووجه الحاجة الى التعريف - بعد اختصاص البئر بالاحكام الخاصة الاستحبابية أو الوجوبية - واضح، فلا وجه لتوهم سقوط التقاسيم في المياه، ظنا أن المدار فيها على كونها ذا مادة في عدم الانفعال، أو كثيرة. ويلحق المطر بها أيضا، فلا خصوصية لعنوان " الحمام " و " البئر " و " الجاري ".


1 - غاية المراد 1: 65. 2 - مفتاح الكرامة 1: 77 / السطر 7، الروضة البهية 1: 13 / السطر 23.

[ 36 ]

ثم إن المفهوم العرفي منها واضح لاشبهة فيه، وقضية القواعد كون المطلقات ناظرة إليه. ولكن الظاهر: أن المقصود من " البئر " في المآثير، ما كان له مادة، فلو كان كثيرا بلا مادة فإنه لا ينفعل، ولا ينزح شئ منه، استحبابا كان، أو وجوبا، وهذا لا يرجع الى القول بالحقيقة الشرعية، كما لا يخفى. وتوهم اختصاص المفهوم عرفا بما كان لها النبع والمادة، منقوض بالبئر التي كانت لها المادة، ولكنها تمت، ولا ينبع فيها الماء، فإنها تعد بئرا عرفا بلا خفاء. ثم إن أخذ النبعان - قيدا، أو شرطا - غير صحيح، لعدم شرطيته قطعا، بل المدار على المادة، فإنها أعم منه كما لا يخفى، فما صنعه " العروة الوثقى " (1) تبعا للاخرين (2)، غير مقبول. ومما ذكرنا يظهر: أن الماء النابع الخارج ليس بئرا، فقوله: " غالبا " غير سديد، مع أنه لا معنى للامر بالنزح بالنسبة الى الماء النابع بطبعه، أي الماء الذي خرج من البئر، وجرى على وجه الارض، المسمى ب‍ " ماء العين ". وقضية ما سلف منا - في عدم اعتبار اتصال المادة ودوامها، بل المناط صدق كون الماء ذا مادة - عدم شرطية دوام النبعان، بل قد مضى


1 - العروة الوثقى 1: 42، فصل في ماء البئر. 2 - غاية المراد 1: 65، الروضة البهية 1: 13 / السطر 23، جواهر الكلام 1: 188.

[ 37 ]

عدم شرطية عنوانه، فما في " الجواهر " في المقام (1) لا يخلو عن مسامحات، والامر سهل. الامر الثاني: حول أقوال العلماء قديما وحديثا في حكم البئر كانت الابار قبل الاسلام، فإذا طلع فهل تعامل معها معاملة الطهارة، بعد وقوع النجاسات الكثيرة فيها؟ وكونها في معرض الحوادث والقذارات مما لا يكاد ينكر. أو تعامل معها معاملة النجاسة، فأمر بالاجتناب عنها؟ والذي يمكن أن يتوهم: أن الامر لو كان على الاجتناب لتبين من الاول، لشدة الابتلاء بها. نعم، يمكن أن يدعى: أن الحكم بالانفعال كان صعبا، فجاء به الاسلام بعد مضي مدة، أو هو كالقليل إذا كان قليلا، وكا لكثير إذا كان كثيرا، ولاجله لا يكون عند الاصحاب والتابعين ذا حكم خاص. ولكنها غير مسموعة، لما قال السيد في " الانتصار ": " ومما انفردت به الامامية القول: بأن ماء البئر ينجس بما يقع فيها من النجاسة، ويطهر عندنا ماؤها بنزح بعضه. وهذا ليس بقول لاحد من الفقهاء، لان من لم يراع في الماء حدا إذا بلغ إليه لم ينجس بما يحله من النجاسات - وهو أبو حنيفة - لا يفصل في هذا الحكم بين الماء وغيره، كما فصلت الامامية.


1 - جواهر الكلام 1: 188 - 190.

[ 38 ]

ومن راعى حدا في الماء إذا بلغه لم يقبل النجاسة - وهو الشافعي في اعتبار القلتين - لم يفصل بين البئر وغيرها، وفصلت الامامية، وانفردت بذلك من الجماعة ". ثم قال: " ويفيد ذلك: أنه لا خلاف بين الصحابة والتابعين، في أن إخراج بعض ماء البئر يطهرها، وإنما اختلفوا في مقدار ما ينزح، وهذا يدل على حكمهم بنجاستها من غير اعتبار لمقدار مائها، وأن حكمها في أن إخراج بعض مائها يطهرها " (1) انتهى. وقال الفقيه في " الاما لي ": " إنه من دين الامامية " (2). وعليه فتوى الفقهاء من زمن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الى يومنا هذا (3). وعن " كشف الرموز ": " أنه لو لم ينجس لكان اتفاقهم من زمن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على الزام المشاق من غير فائدة " (4). وفي " المعتبر " نقله عن جماعة من الصحابة والتابعين (5). وهو المشهور، بل كاد يكون إجماعا (6).


1 - الانتصار: 11. 2 - الامالي: 514. 3 - مفتاح الكرامة 1: 78 / السطر 15. 4 - مفتاح الكرامة 1: 78 / السطر 16، كشف الرموز 1: 49. 5 - المعتبر 1: 55. 6 - مفتاح الكرامة 1: 78 / السطر 21.

[ 39 ]

ذهاب العامة إلى نجاسة البئر فبالجملة: يعلم من هذه التعابير: أن المسألة كانت معنونة من الزمن الاول، وكان المعروف في الطبقة المتأخرة القول بالنجاسة، ولكنه أخص مما هو المعروف عن الصحابة والتابعين، لان وجوب النزح لا يستلزم نجاستها. اللهم إلا أن يقال: بظهور الجمل السابقة ونص بعضهم في النجاسة (1)، كما هو غير خفي، فما نسب الى الفقهاء من اختيارهم طهارة ماء البئر (2)، غير صحيح، لما مر منا (3) أن أبا حنيفة كان يقول في الماء القليل بالحد، وقضية ما حكى عنه " الخلاف " (4) وغيره (5)، نجاسة البئر عنده ولو بلغ ما بلغ، فهو والصحابة والتابعون على النجاسة، وهكذا الشافعي فيما إذا كان قليلا (6)، فما في " المعتبر " من نسبة النجاسة الى الجمهور في محله. إلا أن ظاهر تحديد أبي حنيفة، عدم اختصاص النجاسة بالقليل، فلا يكون العامة مقابل الخاصة في هذه المسألة، فليكن ذلك في ذكرك.


1 - مستمسك العروة الوثقى 1: 193 - 194. 2 - الانتصار: 11. 3 - تقدم في الصفحة 230. 4 - الخلاف 1: 192. 5 - تذكرة الفقهاء 1: 19. 6 - تذكرة الفقهاء 1: 27، المغني، إبن قدامة 1: 24 / السطر 13.

[ 40 ]

ولنعم ما قال الاستاذ كما في " مفتاح الكرامة ": " إن التنجس مذهب العامة، بقرينة جواب الامام (عليه السلام) لابن يقطين (1) وابن بزيع: " فإن ذلك يطهرها " وهما وزيران، فتأمل " (2) انتهى. نعم، الشافعية والحنابلة قالا به حال القلة (3)، وعن الشافعية تفصيل آخر (4)، والامر سهل. مختار فقهائنا في حكم البئر ثم إن اشتهار النجاسة ووجوب النزح لاجلها، كان الى زمن المؤلفين والمحققين من المذهب، كالصدوق والمفيد والسيد والشيخ وأضرابهم (5) الى العصور المتأخرة، حتى وصلت النوبة الى المتوسطين، فأخذوا من زمان مفيد الدين محمد بن الجهم جانب الطهارة (6)، فأفتى العلامة في كتبه بها تبعا لشيخه (7)، فاشتهر ذلك الى أن


1 - تهذيب الاحكام 1: 237 / 686، وسائل الشيعة 1: 182 - 183، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 17، الحديث 2. 2 - مفتاح الكرامة 1: 79 / السطر 8. 3 - تذكرة الفقهاء 1: 27، المغني، إبن قدامة 1: 24 / السطر 12 - 13. 4 - المغني، إبن قدامة 1: 25 / السطر 4. 5 - الامالي، الصدوق: 514، المقنعة: 64، الانتصار: 11، المبسوط 1: 11، المراسم: 34، المهذب 1: 21. 6 - غاية المراد 1: 71، مفتاح الكرامة 1: 79 / السطر 16. 7 - تذكرة الفقهاء 1: 25، قواعد الاحكام: 5 / السطر 6، منتهى المطلب 1: 10 / السطر 3.

[ 41 ]

قيل: " إن القول بالنجاسة بعد ذلك صار عزيزا " ولا حكاية إلا عن الشهيد الثاني في " الروضة " و " اللمعة " (1). وفي " شرح الارشاد " له: " أن المسألة من أشكل أبواب الفقه، غير أن المعتبر في المصير الى مثل هذه الاحكام رجحان ما لا حدهما على ضده، وكأنه هنا موجود في جانب النجاسة " (2) انتهى. هذا، وفي كون المسألة اتفاقية وإجماعية في العصر الاول إشكال، لما نسب الى العماني القول بالطهارة (3)، وهكذا ابن الغضائري على ما حكى عنه أبو يعلى الجعفري (4)، وقد نسبه " المختلف " الى الشيخ (5)، بل ربما يستظهر من " الهداية " لعدم تصريحه بالنجاسة (6)، وعن " تهذيب " الشيخ عبارة ظاهرة في مصيره الى الطهارة (7)، فتكون النسبة في غير محلها. فتوهم (8): أن هذا القول من مبدعات العلامة وشيخه ابن الجهم - على ما حكى عنه الشهيد في " غاية المراد " بتوسط استاذه عميد الدين


1 - الروضة البهية 1: 13 / السطر 23. 2 - روض الجنان: 147 / السطر 7. 3 - مختلف الشيعة: 4 / السطر 26. 4 - غاية المراد 1: 71. 5 - مختلف الشيعة: 4 / السطر 26. 6 - الهداية، ضمن الجوامع الفقهية: 48 / السطر 18. 7 - مستند الشيعة 1: 67، تهذيب الاحكام 1: 232. 8 - الطهارة (تقريرات الامام الخميني (قدس سره) الفاضل اللنكراني: 33 (مخطوط).

[ 42 ]

عن مجلس درسه (1) - غير صواب. وظاهرهم وصريح المتأخرين، عدم الفرق بين كونه قليلا أو كثيرا (2). وقد حكي عن الشيخ أبي الحسن محمد بن محمد البصروي، التفصيل بين القليل والكثير (3)، واستظهر ذلك من العلامة، حيث اعتبر الكرية في الجاري (4)، فهذا أولى به، وعن " حاشية المدارك " ما يقرب من ذلك (5). وأما القول الرابع، فهو التفصيل المحكي عن الجعفي قال في " الذكرى ": " إنه يعتبر فيها ذراعان في الابعاد الثلاثة، فلا تنجس " (6). ولكنك تعلم: أنه أخذ ببعض أخبار الكر، وليس قولا في هذه المسألة، فلا تخلط. وأما القول الخامس وهو الطهارة ووجوب النزح (7)، فهو أيضا ليس من الاقوال في المسألة، كما لا يخفى. فتحصل إلى هنا: أن الاستدلال لطهارة ماء البئر بالسيرة القطعية،


1 - غاية المراد 1: 71. 2 - الامالي، الصدوق: 514، لاحظ المقنعة: 64، المهذب 1: 21، السرائر 1: 69، الوسيلة: 74. 3 - غاية المراد 1: 72، مدارك الاحكام 1: 54. 4 - مدارك الاحكام 1: 55، تذكرة الفقهاء 1: 16 - 17. 5 - مفتاح الكرامة 1: 80 / السطر 8. 6 - ذكرى الشيعة: 9 / السطر 37. 7 - منتهى المطلب 1: 12 / السطر 9، مدارك الاحكام 1: 54.

[ 43 ]

وبأن الامر لو كان على النجاسة لما خفي على الفقهاء (1)، ليس في مقامه، بل الظاهر أن اشتهار النجاسة والطهارة في المسألة تابعة لاراء أهل النظر. ودعوى: أن انقلاب السيرة السابقة الى اللاحقة في غير محله، قريبة، لعدم صحة الاستناد الى الرواية في مقابل هذه الشهرة العظيمة من المخالف والمؤا لف. الامر الثالث: في تحقيق حكم البئر قد تبين مما مضى في مباحث الكر: أن القليل ينفعل، دون الكثير، من غير فرق بين أنحاء الكر (2)، فماء البئر إذا كان كرا، يكون مشمول تلك الادلة بالضرورة، واحتمال عدم شمولها له غير جائز، فلا حاجة الى ذكر الادلة الخاصة على عدم تنجسه حال كريته. وحيث أن الملازمة قطعية، والتفكيك غير صحيح، فيعلم عدم انفعاله في حال القلة أيضا. وما مر من القول بالتفصيل، لا يرجع الى محصل، لان أخبار المسألة بين طائفتين، والاصحاب على رأيين: إما الطهارة مطلقا، أو النجاسة مطلقا. وتوهم انصراف أدلة الكر عما نحن فيه، لزيادة المادة عليه،


1 - لاحظ مصباح الفقيه، الطهارة: 35 / السطر 31. 2 - تقدم في الجزء الاول: 255.

[ 44 ]

ولاستلزامه كونه ماء ذا مادة، وهو مقابل الكر، غير سديد، لان موضوعها الماء البالغ كذا. إن قلت: قضية ما سلف نجاسة القليل أيضا، فيلزم نجاسة البئر القليل. قلت: كلا، لما مر في ماء الحمام: أن الماء القليل الذي له المادة - أصلية كانت، أو جعلية وصناعية - غير منفعل (1)، بل ماء الحمام لكونه بمنزلة الماء الجاري، لا يصير منفعلا، والجاري لكونه ذا مادة، لا ينفعل بحكم العرف القطعي. توهم دلالة موثقة عمار على اعتبار كرية البئر وجوابه إن قيل: التفكيك بين القليل والكثير فيما نحن فيه، مفاد بعض المآثير، ومنها موثق عمار، قال: سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن البئر يقع فيها زبيل عذرة يابسة أو رطبة. فقال: " لا بأس إذا كان فيها ماء كثير " (2). قلنا: لا وجه للتفكيك، لان هذه الرواية قاصرة دلالة: إما لاجل أن الظاهر منها هي الكثرة العرفية، لمكان قوله: " ماء كثير " ولا يقول: " الماء الكثير " أو لاجل أن الكثرة الشرعية أعم من الكثير الراكد، فيكون البئر لمكان المادة، من الكثير أيضا. وأما المآثير الاخر الواردة في


1 - تقدم في الصفحة 27. 2 - تهذيب الاحكام 1: 416 / 1312، وسائل الشيعة 1: 174 - 175، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 14، الحديث 15.

[ 45 ]

البئر، فأمرها دائر بين ترجيح جانب النجاسة، أو الطهارة، أو القول بسقوطهما للتعارض، فتصل النوبة الى الاطلاقات التي ذهبنا إليها في ماء الحمام (1)، وذكرنا أن المستفاد من أخبارها، أن ما هو تمام الموضوع، هو كونه ذا مادة شبيهة بالجاري (2)، وماء البئر أولى بذلك بالقطع، فتدبر جيدا. هذا مع إمكان المراجعة الى ما ورد من الكتاب (3) والسنة النبوية والعلوية (4) في عدم انفعال مطلق الماء، على إشكال مضى تفصيله (5). كفاية صحيحة ابن بزيع على اعتصام البئر مطلقا فتحصل: عدم الحاجة الى ذكر الروايات الخاصة في هذه المسألة على الطهارة، مع أن في كثير منها إشكالا سندا ودلالة، ولكن يكفي صحيحة ابن بزيع (6)، خصوصا بناء على ما حررناه حولها في المسائل السابقة، وبينا أن التعليل فيها، مخصوص بالصدر، وأجنبي عن الذيل (7).


1 - تقدم في الصفحة 23 - 27. 2 - تقدم في الصفحة 22 - 23. 3 - الانفال (8): 11، الفرقان (25): 48. 4 - المعتبر 1: 40، وسائل الشيعة 1: 135، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 1، الحديث 9، المحاسن: 570 / 4، وسائل الشيعة 1: 135، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 1، الحديث 7. 5 - تقدم في الجزء الاول: 118 - 119. 6 - الاستبصار 1: 33 / 87، وسائل الشيعة 1: 172، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 14، الحديث 6. 7 - تقدم في الجزء الاول: 158 - 161.

[ 46 ]

والاشكال في حجيتها وحجية جميع ما يوافقها في المضمون، بدعوى إعراض الاصحاب عنها، قد مضى أيضا، وذكرنا أن المسألة ليست من صغريات تلك القاعدة، لعدم ثبوت الشهرة المعرضة صغرى في خصوص هذه المسألة (1)، مع الاشكال في إمكان تحقق الصغرى لمثل هذه القاعدة رأسا، ولعدم ثبوت الاعراض، ضرورة أن الجمع بين الادلة، كالجمع بين العام والخاص ليس من الاعراض عن العام، والترجيح بالمرجحات أيضا لا يعد من ذلك، فليتأمل. هذا، وسيجئ زيادة توضيح حول التفصيل المزبور إن شاء الله تعالى (2). المآثير المستدل بها على النجاسة إذا عرفت ذلك، فالذي لابد من الغور فيه، ذكر الروايات التي استدل بها على النجاسة، أو يمكن الاستدلال بها عليها، وهي كثيرة، نذكر مهماتها طي طوائف، فإن لم يتم دلالتها على النجاسة فهو، وإلا فتمس الحاجة الى نقل المآثير المستدل بها على الطهارة، كما لا يخفى. الطائفة الاولى: ما تدل على النجاسة نصا أو كالنص فمنها: معتبر ابن بزيع في " الكافي " قال: كتبت الى رجل أسأله أن


1 - تقدم في الجزء الاول: 174. 2 - يأتي في الصفحة 56 - 57.

[ 47 ]

يسأل أبا الحسن الرضا عليه الصلاة والسلام عن البئر تكون في المنزل للوضوء، فتقطر فيها قطرات من بول أو دم، أو يسقط فيها شئ من عذرة كالبعرة ونحوها، ما الذي يطهرها حتى يحل الوضوء منها للصلاة؟ فوقع (عليه السلام) في كتابي بخطه: " ينزح دلاء منها " (1). فإنها لتقريره (عليه السلام) كالنص في أنها تنجس، ويطهرها النزح مثلا، ولاجل اشتمالها على النزح، تندرج في بعض الطوائف الاتية. ومنها: صحيحة ابن يقطين في " التهذيبين " عن أبي الحسن موسى بن جعفر (عليهما السلام) قال: سألته عن البئر، تقع فيها الحمامة أو الدجاجة أو الفأرة أو الكلب أو الهرة. فقال: " يجزيك أن تنزح منها دلاء، فإن ذلك يطهرها إن شاء الله تعالى " (2). وهذا نص في النجاسة. وقريب منها ما في ذيل خبر عمار الساباطي قال: " ينزفون يوما إلى الليل وقد طهرت ". ومنها: معتبر عبد الله بن يعفور وعنبسة بن مصعب، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " إذا أتيت البئر وأنت جنب، ولم تجد دلوا، ولا شيئا تغترف


1 - الكافي 3: 5 / 1، وسائل الشيعة 1: 176، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 14، الحديث 21. 2 - تهذيب الاحكام 1: 237 / 686، وسائل الشيعة 1: 182، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 17، الحديث 2.

[ 48 ]

به، فتيمم بالصعيد، فإن رب الماء ورب الصعيد واحد، ولا تقع في البئر، ولا تفسد على القوم ماءهم " (1). وهي مثلها في الظهور في النجاسة، ضرورة أن الماء لا يفسد بدخول الجنب مع احتمال كونه نظيفا عرفيا، فيعلم من ترك التفصيل، أن المقصود هو الفساد الشرعي، كما هو الظاهر في غيرها كصحيحة ابن بزيع. وأما ما اشتهر بين المتأخرين: من أن هذه الطائفة إما مجملة، لقيام الشواهد على أن المراد من " الطهارة " و " النجاسة " والمقصود من " الفساد " ليس الامر الشرعي والطهارة الشرعية، فإن تمت هي فهو، وإلا فتصير مجملة. أو ظاهرة في الدلالة على الطهارة، لتمامية تلك الشواهد، وظهور بعض العبائر فيها على أن البئر لا ينجس (2). فهو غير سديد، لان المستفاد من طريقتهم كأنهم بنوا على تأويل أخبار تدل على النجاسة، وهذا كيف يمكن تصديقه مع ذهاب أرباب الفهم والنظر إليها؟! ولو كان الامر كما تخيلوه، يلزم كون اتفاقهم كاشفا عن رأي المعصوم (عليه السلام) ويكون الحكم مما تلقاه عن الواقفين والمطلعين عليه. فما في تقريراتهم: " من أن الامر بنزح الدلاء من غير تعيين، شاهد


1 - تهذيب الاحكام 1: 149 / 426، وسائل الشيعة 1: 177، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 14، الحديث 22. 2 - الحدائق الناضرة 1: 358 - 360، مستند الشيعة 1: 73، مستمسك العروة الوثقى 1: 195.

[ 49 ]

على أن الطهارة فيها هي الطهارة العرفية " (1) في غاية الوهن، لان ما هو المطهر واضح، وهو مقدار عرفي كسائر العناوين المذكورة في الاخبار الموكول فهمها الى العرف، وما ورد في سائر الاخبار من التعيين، فهو محمول على الاستحباب. وما في كتبهم: " من أن كلمة " البعرة ونحوها " في الاولى، وكلمة " لا تقع في البئر " في الثانية، تشهد على ما مر، وذلك لان " البعرة " ليست من النجاسات، والدخول في البئر لا يفيد تنجس الماء بالجنابة " (2) غير قابل للشهادة، ضرورة أن قيام الدليل على عدم نجاسة البعرة، لا يضر بظهورها الاطلاقي حسب الصناعة القطعية، وأحسنية استناده (عليه السلام) الى عدم تمكنه من الغسل، لا يورث الاشكال فيما هو ظاهر الرواية، ولو فرضنا عدم تنجس البئر بها لكان يتعين عليه الغسل، لانه واجد للماء بالضرورة، فمنه يعلم النجاسة الشرعية. الاشكال على معتبرة ابن يعفور وجوابه وأما الاشكال على الاخيرة: بترك الاستفصال عن حال الجنب، مع كثرة اتفاق كون أبدانهم طاهرة، فتكون هي ظاهرة في النظافة العرفية (3)، فهو


1 - الحبل المتين: 118 / السطر 16، جواهر الكلام 1: 200، شرح تبصرة المتعلمين، المحقق العراقي 1: 111، الطهارة (تقريرات الامام الخميني (قدس سره) الفاضل اللنكراني: 32 (مخطوط). 2 - شرح تبصرة المتعلمين، المحقق العراقي 1: 111، الطهارة (تقريرات الامام الخميني (قدس سره) الفاضل اللنكراني: 32 (مخطوط). 3 - مصباح الفقيه، الطهارة: 34 / السطر 18، الطهارة (تقريرات الامام الخميني (قدس سره) الفاضل اللنكراني: 32 (مخطوط).

[ 50 ]

واضح الدفع، لما مضى أن مع النظافة العرفية لا يفسد الماء بوقوعه فيه، فيعلم من ذلك أن المفروض هو الابتلاء بالنجاسة الخبثية، وهو المتعارف في تلك الاعصار والامصار. هذا مع أن الجهة الاخيرة، ليست علة للنهي عن الوقوع في البئر، بل الظاهر أنه يتعين عليه التيمم، فلا يجب عليه الوقوع، ولايجوز عليه إفساد مائهم شرعا أو إرشادا، ولمكان ترتبه على الاغتسال نوعا، جئ به للارشاد الى أمر يصدقه الارتكاز. هذا كله إذا نظرنا إليها مع قطع النظر عما ورد في سائر المآثير، ومع عدم التوجه الى سائر الخصوصيات المحفوفة بها. وأما مع النظر الى سائر الروايات الواردة في المسألة، ولا سيما مع إباء ما ورد من التعليل في أخبار الحمام (1) وفي خصوص صحيحة ابن بزيع الماضية عن التقييد والتخصيص، فلا محيص إلا من دعوى أنها ليست دالة على نجاسة البئر. هذا وظهور التطهير في الطهارة الشرعية، غير ثابت في عصر الائمة (عليهم السلام) فتصير الرواية مجملة، أو ظاهرة في الطهارة العرفية. هذا مع أن قياس هذه الصحيحة الاخيرة (2) بصحيحة ابن بزيع، في غير محله، ضرورة أن تلك تدل على أن البئر لا يفسد بشئ، ولو كان المراد


1 - وسائل الشيعة 1: 148 - 150، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 7، الحديث 1 و 4 و 7. 2 - تقدم في الصفحة 47، الهامش 2.

[ 51 ]

من " الفساد " فسادا عرفيا فهو كذب، وهذه تدل على أن البئر يفسد، فيعلم منه أنه الفساد العرفي. فبالجملة: لو أمكن الالتزام بأن من مسوغات التيمم، لزوم المحافظة على ماء القوم من النجاسة العرفية فهو، وإلا فهي تشهد على النجاسة، فليتأمل. الطائفة الثانية: المآثير الواردة في فصل البئر عن البالوعة فإنها بجملتها تدل على أن الامر بالفصل، كان بالنظر الى حفظ البئر عن القذارة. ولكن الكلام في أن النظر الى انحفاظها عن القذارة العرفية، أو الشرعية، ولو لم يكن فيها بعض المآثير كان الاقرب هو الاول، ولكن لتلك الروايات ربما يتوهم تعين الثاني. فمنها: ما في الكتب المعتبرة، عن الفضلاء: زرارة، ومحمد بن مسلم، وأبي بصير - وهي معتبرة - قا لوا: قلنا له: بئر يتوضأ منها، يجري البول قريبا منها، أينجسها؟ قال فقال: " إن كانت البئر في أعلى الوادي، والوادي يجري فيه البول من تحتها، وكان بينهما قدر ثلاثة أذرع أو أربعة أذرع، لم ينجس ذلك شئ، وإن كان أقل من ذلك ينجسها... " (1).


1 - الكافي 3: 7 / 2، وسائل الشيعة 1: 197، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 24، الحديث 1.

[ 52 ]

فإنها ظاهرة بل صريحة، في تنجس البئر بالبول الوارد عليها، والحدود المأخوذة من الامارات الشرعية عند الشك في الملاقاة. وما قيل في المقام حول دلالتها: من أن التقارب من المنجسات (1)، لا يخلو عن التأسف جدا. وخلو غير " الكافي " من قوله: " وإن كان أقل من ذلك ينجسها " (2) لا يضر. اللهم إلا أن يقال: بأن في بقية هذه الرواية، شهادة على توجه المعصوم (عليه السلام) إلى سد باب الاستدلال بها على النجاسة الشرعية، لانه قال بعدما ذكرنا صدره: " وإن كانت البئر في أسفل الوادي، ويمر الماء عليها، وكان بين البئر وبينه تسعة أذرع، لم ينجسها، وما كان أقل من ذلك فلا يتوضأ منه... ". فإن النهي عن الوضوء، لا يستلزم النجاسة الشرعية، كما لا يخفى. هذا مع أن ظهور النجاسة في الشرعية بدون القرينة، ممنوعة في عصر المآثير، خصوصا في رواية الصادقين (عليهما السلام). ولا يخفى: أن الرواية مضمرة، إلا أن الاضمار من هؤلاء لا يورث وهنا. روايات الفصل إرشاد إلى أمر تكويني لا تشريعي والذي يظهر لي: أن هذه المآثير بأجمعها، ليست أخبار الفقه


1 - التنقيح في شرح العروة الوثقى 1: 301. 2 - تهذيب الاحكام 1: 410 / 1293، الاستبصار 1: 46 / 128.

[ 53 ]

وروايات التشريع الاسلامي، بل هي أخبار ترشد الى مصا لح الامة، ولاجل أنهم (عليهم السلام) ملجأ الانام وملاذ المسلمين والاسلام، يرجع إليهم كل أحد فيما يحتاج، من السياسة، مدنية كانت أو منزلية، الى المقاصد الاخر العالية، فلا ينبغي الخلط، ولا يصح إدراجها في كتاب " الوسائل " فلا تغفل. ومن هذا القبيل، المآثير الواردة في مسألتنا هذه، فإن من تأمل في صدرها وذيلها، وجميع الخصوصيات الواردة فيها - مع تخا لفها في الحدود، وتشتت مضامينها - يجد أن المراجعة إليهم فيها، ليس لاجل الاطلاع على مسألة شرعية، ولو كانت المراجعة إليهم لذلك - لما عن العامة القول بنجاستها - ولكن جوابهم (عليهم السلام) عن هذه الاسئلة المختلفة بألسنة مختلفة، ليس جواب المفتي والفقيه، بل الظاهر أنهم (عليهم السلام) بصدد ذكر مصالح العباد وتحفظهم عن الوقوع في المهالك المحتملة، ولقد تقرر في محله، أن الماء الراكد مجمع المفاسد، وكان النظر في النزح والاخراج الى تلك الجهة. ومما يشهد على ذلك، الاكتفاء في بعض الاخبار عن النزح بتحرك الماء بدخول الدلو فيه، ففي " الوسائل " عن جابر بن يزيد الجعفي، قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن السام أبرص يقع في البئر. فقال: " ليس بشئ، حرك الماء بالدلو في البئر " (1) ومثله في


1 - تهذيب الاحكام 1: 245 / 708، وسائل الشيعة 1: 189، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 19، الحديث 8.

[ 54 ]

" الكافي " (1). فعلى ما عرفت منا، تقدر على حل معضلة البئر ومشكلة المسألة. الطائفة الثالثة: المآثير الامرة بنزح البئر كله فإنه لولا النجاسة لما كان وجه لذلك. فمنها: معتبر عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " إن سقط في البئر دابة صغيرة، أو نزل فيها جنب، نزح منها سبع دلاء، فإن مات فيها ثور، أو صب فيها خمر، نزح الماء كله " (2). ومثلها موثقة معاوية بن عمار (3). وهكذا رواية أبي خديجة، إلا أن المفروض فيها أنه " إذا انتفخت فيه أو نتنت نزح الماء كله " (4). وبمثابتها جميع المآثير المشتملة على الامر بالنزح بمقدار قلما يتفق احتواء البئر عليه كالسبعين دلوا (5)، أو المائة دلو، كما في بعض


1 - الكافي 3: 5 / 5. 2 - الاستبصار 1: 34 / 93، وسائل الشيعة 1: 179، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 15، الحديث 1. 3 - تهذيب الاحكام 1: 241 / 696، وسائل الشيعة 1: 179 - 180، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 15، الحديث 4. 4 - تهذيب الاحكام 1: 239 / 692، وسائل الشيعة 1: 188، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 19، الحديث 4. 5 - تهذيب الاحكام 1: 234 / 678، وسائل الشيعة 1: 194، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 21، الحديث 2.

[ 55 ]

الاخبار (1)، فإن المستظهر من الكل نجاسة البئر، وإلا فلابد من كفاية بعضه، أو كفاية ذهاب الريح. الطائفة الرابعة: الروايات الكثيرة الامرة بالنزح الظاهرة في أن تلك الاوامر لتطهير الماء المتنجس، والابية عن قبول حملها على الارشاد الى النظافة العرفية، أو على الوجوب التعبدي النفسي، أو الشرطي لجواز الاستعمال الخاص، كالوضوء والغسل والشرب، أو على الاستحباب، لما فيها من الشواهد المختلفة: فمنها: ما مر في الطائفة الاولى، من أن الامر بالنزح لحصول الطهارة (2)، ومثلها ما ورد في رواية عمار الساباطي من قوله (عليه السلام): " فينزفون يوما إلى الليل وقد طهرت " (3). ومنها: ظهور الطائفة الثانية في نجاستها (4). ومنها: ارتكاز المتشرعة في غير المقام، فلقد ذهب الاصحاب (رحمهم الله) الى نجاسة كثير من الاشياء، للنهي عن الاثار المخصوصة بالطاهر،


1 - تهذيب الاحكام 1: 231 / 667، وسائل الشيعة 1: 196، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 22، الحديث 7. 2 - تقدم في الصفحة 47. 3 - تهذيب الاحكام 1: 284 / 832، وسائل الشيعة 1: 196، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 23، الحديث 1. 4 - تقدم في الصفحة 51.

[ 56 ]

كالشرب والوضوء والاغتسال، من غير احتياجهم هناك الى تصريح بالنجاسة بالضرورة. ومنها: ما اشتملت على ترخيص الوضوء بعد النزح، كما في رواية العمركي (1) وغيرها (2). إبطال التمسك بالطائفة الثالثة والرابعة على النجاسة أقول: لو سلمنا دلالة هاتين الطائفتين على النجاسة، فهي دلالة اقتضائية، أي ليست مستندة الى المدلول المطابقي، والدلالة الاقتضائية ترفع بالقرائن المضادة، أو تصير المآثير من هذه الجهة غير قابلة للاستظهار. وأنت خبير: بأن الروايات العامة والخاصة على الطهارة صريحة، فلا وجه للاستدلال بمثلها كما لا يخفى. بل قد عرفت عدم الحاجة الى الادلة الخاصة، لاباء الادلة العامة عن تخصيصها بماء البئر (3)، ضرورة أن الماء إذا كان ذا مادة لا ينجس، ولا يتمكن العرف من قبول التعبد الشرعي في هذه الاخبار، حتى يجمع بينها وبين عموم التعليل بالتخصيص، فلا تغفل.


1 - تهذيب الاحكام 1: 409 / 1288، وسائل الشيعة 1: 193، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 21، الحديث 1. 2 - مسائل علي بن جعفر: 198 / 422، وسائل الشيعة 1: 190، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 19، الحديث 14. 3 - تقدم في الصفحة 45 - 46.

[ 57 ]

إن قلت: ليس هذا إلا الجمع المعروف بين أهله، وهو الجمع العقلائي المدعى بين النص والظاهر، أو الظاهر والاظهر، وفي كونه هنا عقلائيا إشكال، وذلك لان كثيرا من موارد أخبار النزح، شاملة لصورة التغير، التي لاشبهة في لزوم النزح لحصول الطهارة، وفي بعض الموارد فصل بين صورة التغير وغيرها، بحيث يكون مساق الصورتين واحدا من حيث الحكم، فهل تجد من نفسك الحمل على الاستحباب، مع عدم الاستفصال من حيث التغير وعدمه، وفي مورد التفصيل حمل أحد الحكمين على اللزوم الشرطي، لحصول الطهارة المعهودة بين المتشرعة، دون الاخر، مع وحدة السياق؟! قلت: نعم، هكذا افيد، ولكن من العجيب غفلته عن عدم اشتراط النزح لحصول الطهارة حتى في صورة التغير!! نعم، المستعجل لتحصيل الطهارة، لابد له من النزح، وإلا إذا زال تغيره بنفسه مع اتصاله بالمادة، يكفي في طهارته، فليتدبر. عدم استحباب نزح البئر حتى في صورة التغير ومما ذكرناه الى هنا يظهر، عدم تمامية استحباب النزح حتى في صورة التغير، بل هو مأمور به بعنوان المقدمة لامر آخر هو المطلوب، ولو حصل زوال التغير بنفسه فلا ينزح شئ، ولايستحب، وكذلك إذا لاقاها النجاسات، ضرورة أن قضية الجمع بين المآثير المختلفة في الحكم على موضوع واحد - بشهادة ما ورد من كفاية التحريك الحاصل من وقوع

[ 58 ]

الدلو (1) - هو أن المقصود الاصلي عدم استعمال الماء بعد وقوع النجاسة فيه إلا بذلك، وإلا إذا مضت مدة وزمن طويل، وورد على ماء البئر المياه الطيبة من الخارج، فلا ينزح شئ. وهذا عندي قطعي، ولا تعبد في هذه المسألة، ولا يناسب المقام إعمال التعبدات والالزامات الشرعية، فلا تخلط. تذييل: في أن تعارض الطائفتين تعارض الحجة مع اللاحجة لو سلمنا دلالة طائفة من الاخبار على النجاسة، فلا شبهة في دلالة كثير منها على الطهارة، وقد عدها " الوسائل " في بابها قائلا: " باب عدم نجاسة البئر بمجرد الملاقاة من غير تغير " وقد أنهى رواياتها الى الاثنين والعشرين رواية (2)، ولا قصور في بعضها من جهة الدلالة والسند على الحكم المزبور. وعلى هذا، يبقى الكلام في أن المسألة من باب تعارض الحجة مع اللاحجة، لاعراض المشهور عن الثانية، أو من باب تعارض الحجتين. والذي يقوى في بادئ النظر هو الاول، لصراحة أخبار الطهارة، وكثرتها، وعدم صراحة أخبار النجاسة، مع كونها بالنسبة إليها في غاية القلة.


1 - تقدم في الصفحة 53. 2 - وسائل الشيعة 1: 170 - 177، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 14، الحديث 1 - 22.

[ 59 ]

وتوهم دلالة أخبار النزح عندهم على النجاسة (1)، في غاية الوهن، لانهم كيف ذهلوا عن الجمع بحملها على الاستحباب، مع توغلهم في الجموع العجيبة بين الاخبار؟! فمن راجع كتب القدماء - ولاسيما " الاستبصار " - يطمئن بذلك قطعا، فدعوى أكثرية الطائفة الاولى على الثانية (2)، غير مسموعة. واحتمال الجموع الاخر غير صحيح، لان أحسن الجموع العقلائية ما صنعه المتأخرون، وليس هذا من الجمع المغفول عنه عادة، حتى يقال: بغفلة هؤلاء الاعلام والاعاظم عنه في العصور الكثيرة، مع نهاية دقتهم في هذا الامر، ومع تمام توجههم الى أن هذا أمر مشكل صعب، يورث الالتزام بالمشقة المخا لفة لاصل الدين. فما أفاده " كشف الغطاء ": " أن المسألة واضحة، ولا تحتاج الى الرواية بعد التوجه الى أن البئر لا تبقى على الطهارة " (3) في غير محله، لان هذا أمر في زمن السابقين كان أوضح، ومع ذلك التزموا بالنجاسة، فيعلم من ذلك قوة مدركهم، كما أن ضعف الطائفة الاولى في الدلالة يقوي مدركهم. فلا يمكن الالتزام على الوجه الصحيح، بأن الاصحاب - رضي الله عنهم - ما أعرضوا عنها، وقد عملوا بها جمعا أو ترجيحا، لعدم الوجه له،


1 - الطهارة، الشيخ الانصاري: 26 / السطر 5. 2 - مستمسك العروة الوثقى 1: 194. 3 - كشف الغطاء: 193 / السطر 26.

[ 60 ]

فعليه يلزم سقوط تلك الادلة عن الحجية، ولا أقل من الشك المستند، أي الشك الذي له المنشأ العقلائي. ولعمري، إن طهارة البئر بحسب الاخبار، غير قابلة للانكار، وغير مخفية على أحد، فكيف التزموا بالنجاسة، فهل هذا إلا لامر آخر وصل إليهم، من البناء العملي للسا لفين، المنتهي الى رأي المعصوم صلوات الله تعالى عليه، وكان لا يقاومه الرواية والروايات، ولو كانت صريحة كما ترى؟! فما ذكرناه في مطاوي الكلمات سابقا - مماشاة مع الاعلام - غير راجع الى التحصيل، حسب ما يؤدي إليه النظر البدوي. وجه لالتزام الاصحاب قديما بالنجاسة واعراضهم عن أخبار الطهارة نعم، والذي يخطر بالبال، ولعل به ينحل الاشكال، أن يقال: إن فتوى الجمهور - كما عرفت - على النجاسة، وهذا هو الرأي المعروف بينهم من العصور السابقة الى عصر الائمة المتأخرين، - سلام الله تعالى عليهم -، وقد نفذ في المسلمين وأعلامهم هذا الرأي السخيف، وكانت فتوى المعصوم (عليه السلام) على خلافه، ولكن عملهم وعمل أتباعهم على التحرز عند التنجس تقية، وهذا العمل الخارجي من الائمة (عليهم السلام) وأتباعهم، قد حكي للمتأخرين، من غير التوجه الى جهة ذلك وسره، فاشتهر بين العصور المتأخرة هذا، حتى ظنوا ذلك، واعتقدوا بها، وعند ذلك لم يمكن لهم التجاوز عنه بالرواية الظاهرة في الطهارة، لكونها خلاف عملهم

[ 61 ]

المحكي لهم، ولا معنى للجمع بين العمل والرواية - بحمل العمل على التقية - لعدم تحقق التعارض الذي هو موضوع في الادلة العلاجية. فبالجملة: مع الاطمئنان بخطأ المعرضين، لا يمكن ترك العمل بالطائفة الدالة على الطهارة، بل مع الاحتمال العقلائي لا يصح ذلك، فما سلكه الفضلاء في هذه المسألة - من زمن العلامة وشيخه ابن الجهم الى زماننا هذا - لا يوافقه النظر الدقيق. والذي هو التحقيق الحقيق بالتصديق: تمامية إعراضهم عنها، والفرار عن ذلك: إما بإنكار كاسرية الاعراض، وإن قلنا: بجابريته. أو إنكار تحقق إعراض المشهور مطلقا، لعدم إمكان نيل ذلك على ما قررناه (1). أو إنكار تحققه في خصوص هذه المسألة، لذهاب بعض الى الطهارة (2). أو إثبات خطأ المعرضين. لاسبيل إلا الى الاخير. هذا كله ما هو الظاهر في المسألة. وجوه الجمع العرفي بين أخبار النجاسة والطهارة ولو فرضنا التعارض بين الطائفتين اللتين فرغنا عن اعتبارهما فرضا،


1 - تحريرات في الاصول 6: 402. 2 - الطهارة (تقريرات الامام الخميني (قدس سره) الفاضل اللنكراني: 34 (مخطوط).

[ 62 ]

فالجمع بينهما ممكن عرفا، وذلك بوجوه: فتارة: بدعوى قصور الطائفة الاولى والثانية دلالة، فيتعين حمل أخبار سائر الطوائف على الندب، فتصير النتيجة الطهارة. واخرى: بدعوى قصور ما يدل بالخصوص على الطهارة، لوجوه مذكورة، فيحمل غيرها على ترخيص الاستعمال بعد النزح (1). وثالثة: بدعوى المراتب في الطهارة والنجاسة، فيؤخذ بالكل. وإلى ذلك يرجع كلام الشيخ في بعض كتبه: " إن ما يدل على عدم نجاسة البئر، يدل على أنها لا تنجس بنجاسة لا يمكن رفعها ولو بالنزح " (2). مع أن مفهوم صحيحة ابن بزيع (3) وغيرها (4) - مما يدل على حصر تنجس البئر بالتغير - قابل للتقيد بما يدل على نجاسته بالملاقاة، كما قيد مفهوم النبوي (5) بمفهوم أخبار الكر (6)، فتصير النتيجة هي النجاسة. ولعمري، إن هذا الجمع أقرب الى افق التحقيق والصناعة، ولكنه ليس جمعا عرفيا، فتصير المسألة مندرجة تحت عمومات الاخبار العلاجية.


1 - لاحظ المهذب البارع 1: 85. 2 - الاستبصار 1: 33 ذيل الحديث 8. 3 - الاستبصار 1: 33 / 87، وسائل الشيعة 1: 172، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 14، الحديث 6. 4 - الكافي 3: 8 / 4، وسائل الشيعة 1: 171، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 14، الحديث 4. 5 - المعتبر 1: 40، وسائل الشيعة 1: 135، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 1، الحديث 9. 6 - وسائل الشيعة 1: 158 - 164، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 9.

[ 63 ]

ورابعة: بما يأتي من ذي قبل، إن شاء الله تعالى (1). وعند ذلك يتعين القول بالطهارة، لموافقتها مع الكتاب، ومخا لفتها مع العامة، ولو استشكل في الاول يكفينا الثاني. وهذا من غير فرق بين القول: بأن الموافقة مع الكتاب والمخالفة مع العامة، من المرجحات (2)، أو قلنا: بأنهما أيضا من المميزات (3)، كما هو الاظهر عندنا. ومع فرض التعارض والتساقط، يتعين الطهارة أيضا، لما مر في أول البحث (4)، فتدبر جيدا. تنبيه: حول التفصيل بين قلة ماء البئر وكثرته من هنا يعلم وجه التفصيل بين القلة والكثرة (5)، فإن هاتين الطائفتين إذا تساقطتا، فلا يبقى في خصوص ماء البئر نص ولا تعليل، وحيث أن في أخبار الحمام إشكالا - من جهة أن استفادة العلية قابلة للخدشة كما مضى (6) - يتعين المراجعة الى أخبار الكر، فما في كتب الاصحاب من


1 - يأتي في الصفحة 67 - 68. 2 - فرائد الاصول 2: 804 و 818. - كفاية الاصول: 505 - 506. 4 - تقدم في الصفحة 44 - 45. 5 - لاحظ غاية المراد 1: 72. 6 - تقدم في الصفحة 26 - 27.

[ 64 ]

التوهين الصريح لصاحب هذا الرأي (1)، في محله إذا أراد التمسك بأخبار البئر، بالجمع بينها بذلك. وأما إذا كان نظره الى ما ذكر فلا يستبعد، ولكنه غير صحيح، لما عرفت. وأما إذا كان نظرهم الى أن قضية الجمع بين أخبار البئر، هو التفصيل، بحمل ما يدل على النجاسة على القليل، وما يدل على الطهارة على الكثير، بشهادة بعض المآثير التي أشرنا إليها، ولاقتضاء أخبار الكر ذلك، فهو غير سديد، ضرورة أن الشهادة بعدما مضى ساقطة، ومفروضية النزح في الابار، دليل كثرة مياهها، فلا معنى لحمل تلك الطائفة الكثيرة على القلة. بل لا يعقل، لان الامر بالنزح سبعين دلوا (2)، أو أربعين دلوا (3)، أو ثلاثين دلوا (4)، لا يساعد على كونها قليلة، بعد كون " الدلو " ما هو المكيال المعروف، ولو كان الامر بالنزح لتطهير تلك المياه به، لكان ذلك غير مختص بالبئر، فيعلم من ذلك أن المطهر ليس هو النزح، بل هو مقدمة


1 - مستمسك العروة الوثقى 1: 196، التنقيح في شرح العروة الوثقى 1: 284، مهذب الاحكام 1: 224. 2 - تهذيب الاحكام 1: 234 / 678، وسائل الشيعة 1: 194، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 21، الحديث 2. 3 - تهذيب الاحكام 1: 244 / 702، وسائل الشيعة 1: 191، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 20، الحديث 1. 4 - تهذيب الاحكام 1: 413 / 1300، وسائل الشيعة 1: 181، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 16، الحديث 3.

[ 65 ]

لتطهير الابار بالمادة التي توجد فيها تدريجا، وتوجب زوال تغيرها، أو حصول طهارتها بالماء الخارج. هذا مع أن صحيحة ابن بزيع، لا تساعد ذلك الجمع، من غير فرق بين كون القليل علة للحكم في الصدر، كما هو المختار (1)، أو علة لما في الذيل، كما عليه الاكثر. ومما يدل على فساده، الاوامر الصادرة بالنزح في غير النجاسات، كالعقرب (2) والبعرة (3) والحية (4) وغير ذلك (5). التمسك برواية الثوري على التفصيل السابق وإبطاله إن قلت: صريح رواية الحسن بن صالح الثوري، عن أبي عبد الله (عليه السلام) التي ذكرناها في أخبار الكر، أنه (عليه السلام) - على ما فيها - قال: " إذا كان الماء في الركي كرا لم ينجسه شئ ".


1 - تقدم في الجزء الاول: 159 - 160. 2 - تهذيب الاحكام 1: 238 / 690، وسائل الشيعة 1: 188، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 19، الحديث 5. 3 - الكافي 3: 5 / 1، وسائل الشيعة 1: 176، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 14، الحديث 21. 4 - الفقه المنسوب للامام الرضا (عليه السلام): 94، مستدرك الوسائل 1: 205، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 18، الحديث 2. 5 - الكافي 3: 6 / 9، وسائل الشيعة 1: 189، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 19، الحديث 9.

[ 66 ]

قلت: وكم الكر؟... (1). وتوهم إعراض القدماء والمتأخرين عنها، غير تام، لذهاب المشهور الى الافتاء بها في اعتبار حد الكر، الصريحة في الابعاد الثلاثة، والالتزام بالتفكيك بين الصدر والذيل، غير مساعد مع بناء العقلاء، فكون الحسن بتريا زيديا متروك الحديث (2)، لا يضر به هنا. قلت: أولا: يشترط في الانجبار الشهرة العملية، ومجرد الوفاق في المضمون غير كاف، وتلك الشهرة غير ثابتة، بعد وجود الروايات الاخر موافقة لفتوى المشهور في تلك المسألة. وثانيا: كون " الركي " و " الركية " مراد في " البئر " غير واضح، وبعد المراجعة الى قلة استعمالهما، وكثرة استعمال " البئر " مع التوجه الى أن الحفرة لحفظ الماء في ذلك الزمن، كانت مورد الحاجة اتفاقا - لعدم وجود الابار ذات المادة في جميع المحال - يحصل الاحتمال العقلائي دفعا للترادف البعيد في نفسه. على أن " الركي " هو البئر بدون المادة، ويشهد لذلك المراجعة الى المشتقات الاخر من هذه المادة، ففي " أقرب الموارد " قال: " ركا الارض حفرها، والمركو الحوض الكبير " (3) انتهى.


1 - الكافي 3: 2 / 4، وسائل الشيعة 1: 160، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 9، الحديث 8. 2 - تهذيب الاحكام 1: 408، ذيل الحديث 1282. 3 - أقرب الموارد 1: 430.

[ 67 ]

فما في كتب اللغة: من تفسير " الركية " بالبئر (1)، لا يستلزم كونها البئر المقصودة في المآثير، واستعمالها في رواية الحسين بن أبي العلاء في أبواب التيمم (2)، لا يضر بالاحتمال المزبور، كما لا يخفى. بحث وتحقيق: في أوامر نزح البئر نسب الى الشيخ، القول بالطهارة ووجوب النزح تعبدا (3)، والمحكي عن " المنتهى " (4) و " الموجز " وغيرهما (5) اتباعه. والمشهور هو الاستحباب (6)، وظاهرهم الاستحباب النفسي. والذي هو الاقرب: أن تلك الاوامر إرشادية الى أمر يحصل أحيانا بطول المدة، وورود الماء على البئر، وقد مضى منا الايماء إليه (7). وضعف القول الاول لا يحتاج الى مزيد تأمل، لما ورد في المآثير الكثيرة ما يكون قرينة قطعية عليه: من الاكتفاء بالحركة الحاصلة من الدلو (8).


1 - الصحاح 6: 2361، القاموس المحيط 4: 338، مجمع البحرين 1: 195. 2 - الكافي 3: 64 / 7، وسائل الشيعة 3: 345، كتاب الطهارة، أبواب التيمم، الباب 3، الحديث 4. 3 - المهذب البارع 1: 85، تهذيب الاحكام 1: 232. 4 - مفتاح الكرامة 1: 79 / السطر 25، منتهى المطلب 1: 11 / السطر 2. 5 - مستمسك العروة الوثقى 1: 195. 6 - الحدائق الناضرة 1: 350، جواهر الكلام 1: 203، مهذب الاحكام 1: 224. 7 - تقدم في الصفحة 58. 8 - تهذيب الاحكام 1: 245 / 708، وسائل الشيعة 1: 189، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 19، الحديث 8.

[ 68 ]

ومن الاختلاف الشديد في تلك المآثير بأنفسها. ومن أنه أمر بعيد قطعا، لا يمكن الالتزام به جدا. ومن ذهاب الكل الى خلافه. ومن التعابير المشتملة على الخطاب المخصوص بالمكلفين، التي هي ظاهرة في عدم الوجوب، ولا يناسب ذلك مع الوجوب الشرعي، كقولهم (عليهم السلام): " يكفيك خمس دلاء " (1). أو " يجزيك أن تنزح منها دلاء " (2). أو " يكفيك " كذا وكذا، على ما في المآثير المختلفة. بل قضية رواية أبي بصير حيث قال: " فإن سقط فيها كلب فقدرت أن تنزح ماءها فافعل " (3) عدم النجاسة، وعدم الوجوب، فليتدبر. وأما ضعف الاستحباب، فهو - مضافا الى بعض الاستبعادات المشار إليها - يخص بأمر آخر، وهو سقوط هذه الطائفة بالمعارضة. اللهم إلا أن يقال: بأحد الامرين، عدم سقوطها إلا من جهة دلالتها على النجاسة، أو عدم كونها من الاخبار المعارضة لاخبار الطهارة، والاول غير


1 - تهذيب الاحكام 1: 237 / 684، وسائل الشيعة 1: 184، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 17، الحديث 7. 2 - تهذيب الاحكام 1: 237 / 686، وسائل الشيعة 1: 182 - 183، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 17، الحديث 2. 3 - الكافي 3: 6 / 6، وسائل الشيعة 1: 185، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 17، الحديث 11.

[ 69 ]

صحيح، والالتزام بالثاني قريب، لولا الذي مر منا تفصيله (1). وجه التقريب: أن النزح يلازم سراية النجاسة الى النازحين وأطراف البئر، وهذا يستلزم السؤال منهم (عليهم السلام) فيعلم من ذلك عدم الملازمة بينه وبين النجاسة، وهذا التقريب مما يشهد في نفسه على طهارة مياه الابار، فلاحظ وتدبر جيدا. عدم إرادة التحديد الشرعي من الدلاء المذكورة في الاخبار ثم إن الظاهر أن المقادير المعينة في المآثير - من المائة، والسبعين... الى السبع، ودلو واحد (2) - ليست على التحديد الشرعي، بل قضية اختلافها من تلك الجهة، أن الامر فيها بني على النظر الى الكثرة المناسبة للنجس الواقع في البئر، ولذلك ورد بنحو كلي للانسان الذي هو الاكبر سبعون، وللعصفور واحدة (3)، ولما بينهما ما يناسبه. وأنت خبير: بأن كلمة " المائة " و " السبعين " و " الاربعين " و " السبع " كلها كلمات جئ بها في شتى الاخبار، كناية عن الكثرة العرفية، من غير النظر الى الحد الخاص. ويؤيد ذلك، الامر بنزح دلاء غير معينة (4)، وحملها على جمع القلة


1 - تقدم في الصفحة 60 - 61. 2 - وسائل الشيعة 1: 179 - 196، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 15 - 23. 3 - تهذيب الاحكام 1: 234 / 678، وسائل الشيعة 1: 194، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 21، الحديث 2. 4 - الكافي 3: 5 / 1، وسائل الشيعة 1: 176، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 14، الحديث 21.

[ 70 ]

- وهي العشرة (1) - لا يورث قصورها عن الشهادة على ما هو المطلوب. ويدل عليه، اختلاف الامر بالنزح في الموضوع الواحد (2)، فلا تغفل جدا. ولعمري، إن اللازم على علماء الاسلام وفقهاء المذهب، حذف هذه المباحث عن الكتب الفقهية، وإيكا لها الى بعض الكتب الاخر، كيف؟! والديانة العظمى أعظم شأنا من ذلك، والواجب علي تهذيب الفقه، ولكن المجال غير واسع. تنبيه: في استحباب كون ماء الوضوء أو الشرب طيبا بعدما أحطت خبرا بما في روايات البئر، فاعلم: أن المتفاهم من بعضها استحباب كون ماء الوضوء والشرب طيبا غير متنفرة عنه الطباع، ففي صحيحة الفضلاء - زرارة، ومحمد بن مسلم، ويزيد بن معاوية - عن أبي عبد الله (عليه السلام) وأبي جعفر (عليه السلام): في البئر يقع فيها الدابة والفأرة والكلب والخنزير والطير فيموت. قال: " يخرج، ثم ينزح من البئر دلاء، ثم اشرب وتوضأ " (3).


1 - تهذيب الاحكام 1: 245، ذيل الحديث 705. 2 - وسائل الشيعة 1: 179، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 15، الحديث 2 و 3. 3 - تهذيب الاحكام 1: 236 / 682، وسائل الشيعة 1: 183 - 184، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 17، الحديث 5.

[ 71 ]

ومثلها غيرها (1). وتوهم حرمة الاستعمال الخاص، كالشرب والتوضي والاغتسال، لما في بعض الاخبار، ممنوع بالنصوص المرخصة. ودعوى الجمع بينهما، بحمل الثانية على ما بعد النزح، غير قابلة للاصغاء إليها. مسألة: في كيفية تطهير ماء البئر عند تغيره لو تغير ماء البئر بالنجس الواقع فيه، فهل يطهر بالنزح المؤدي الى زواله (2)؟ أو لابد من نزح مائه كله (3)؟ أو لا يشترط النزح، بل يكفي زواله من قبل نفسه مع الاتصال بالمادة (4)؟ أو يكفي ذاك، ويعتبر الامتزاج (5)؟ وجوه وأقوال. ومن الممكن دعوى أن النزح المخصوص غير كاف، بل لابد من نزح مائه كله، لما ورد في كثير من الروايات التي ذكرناها في


1 - تهذيب الاحكام 1: 237 / 685، وسائل الشيعة 1: 184، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 17، الحديث 6. 2 - مستند الشيعة 1: 84. 3 - المبسوط 1: 11. 4 - مدارك الاحكام 1: 102، العروة الوثقى 1: 42، فصل في ماء الحمام. 5 - العروة الوثقى 1: 42، فصل في ماء الحمام، الهامش 1.

[ 72 ]

الطائفة الثالثة (1). ولكنها لا تنهض لذلك، لانها إذا كانت دلالتها تامة على نجاسة البئر، وأن المفروض مثلا فيها تغير الماء، ونجاسة الباقي بالملاقاة مع الماء المتغير، فهو، وإلا فلا يستفاد منها إلا مثل ما يستفاد من غيرها، ولا سيما مع ورود النصوص الصحيحة على عدم لزوم نزح كله، بل فيها: " ينزح حتى يذهب النتن " (2) و " يؤخذ منه حتى يذهب الريح " كما في صحيحة الشحام، عن أبي عبد الله (عليه السلام) (3). وأما لزوم النزح وعدمه، فقد مضى تفصيله في المباحث السابقة، وأنكرنا رأسا بقاء نجاسة الماء المتغير بعد زوال تغيره ولو لم يكن اتصال بالمادة، فضلا عن اعتبار الامتزاج، وذكرنا هناك: أن التعليل في صحيحة ابن بزيع راجع الى الصدر، ولا يحتاج إليه في الذيل، بل لا معنى لرجوعه إليه، فلا تخلط (4).


1 - تقدم في الصفحة 54. 2 - تهذيب الاحكام 1: 236 / 681، وسائل الشيعة 1: 183، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 17، الحديث 4. 3 - تهذيب الاحكام 1: 237 / 684، وسائل الشيعة 1: 184، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 17، الحديث 7. 4 - تقدم في الصفحة 45 وما بعدها.

[ 73 ]

دلالة أخبار النزح على كفاية زوال التغير وأما دلالة أخبار النزح على كفاية زوال التغير، لعدم تذيلها بذيل التعليل، ولظهورها في أن المدار والغاية هو زوال تلك الحالة، فهي مما لا مجال للخدشة فيها. ودعوى: أن موردها البئر، والنزح يستلزم الامتزاج بالمادة، أو أن الاتصال مفروغ عنه، غير مانعة عن الرجوع الى ما هو الظاهر في الاخبار، بعد مساعدة الاعتبار، ضرورة أن النجاسة معلول التغير، ولا معنى لبقائها بدون علتها. مع أنك أحطت خبرا: بأن قوله (عليه السلام) في صحيحة ابن بزيع: " حتى يذهب ريحه، ويطيب طعمه " ناظر الى أن تمام الطهارة هو حصول الطيب، وليس وراء الطيب العرفي طهارة اخرى شرعية، فنحتاج في حصولها الى الاتصال أو الامتزاج، بل الطهارة المقصودة الممضاة في الشريعة هي هذه، فلا ينبغي الاشكال بعد ذلك الوضوح في هذا المقال. رجوع التعليل في صحيحة ابن بزيع إلى الصدر ومن العجيب، ما التزموا به في صحيحة ابن بزيع، من أن التعليل في الذيل، راجع الى جملة محذوفة، وهي هذه: " فإذا ذهبت ريحه، وطاب طعمه يطهر، لانه له مادة "!! وهل هذا إلا الجزاف، وهل هي إلا الغفلة عن المرام؟! وليس سبب هذا الالتزام، إلا أنهم رأوا أنه لا يناسب قوله: " حتى

[ 74 ]

يطيب طعمه " فإذن لابد من ذلك. ولكنك إذا راجعت ما شرحناه حولها سابقا (1)، وتأملت في الصحيحة صدرها وذيلها، تجد أن رجوع التعليل الى حلية الصدر - التي هي محط نظر المتكلم في الرواية قطعا - من الضروريات الاولية، فلا تغتر بما في الكتب المطبوعة. مسألة: في الشك في صدق " البئر " لو شك في صدق " البئر " فعلى القول بسقوط الاحكام الخاصة، فلا ثمرة عملية، لان اعتصامه من أحكام كونه ذا مادة، سواء كان بئرا، أو لم يكن، وسقوط تلك الاحكام، لا يكون لاجل العمل بصحيحة ابن بزيع، كما توهم (2). مع أن المستفاد من أخبار الحمام (3) أيضا، هو علية المادة للاعتصام، فلا حاجة إليها كما لا يخفى. وعلى القول بثوبتها من وجوب النزح أو استحبابه، فإن كان منشأ الشبهة أمرا خارجيا، فلا مانع من التمسك بالاستصحاب الموضوعي إذا كانت لها الحالة السابقة.


1 - تقدم في الجزء الاول: 159 - 160. 2 - التنقيح في شرح العروة الوثقى 1: 126. 3 - تهذيب الاحكام 1: 378 / 1168، وسائل الشيعة 1: 149، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 7، الحديث 4.

[ 75 ]

وإذا لم تكن لها الحالة السابقة، أو كانت الشبهة مفهومية، وقلنا: بعدم جريان الاستصحاب الموضوعي في الشبهة المفهومية، وأنه لا تجري الاستصحابات التعليقية الاختراعية الحكمية، فلا يترتب الاثار الخاصة. وأما انفعاله بالملاقاة، فهو أيضا بلا وجه، لما ذكرناه، فما في بعض كتب أهل العصر من تقوية القول بالانفعال (1)، في غاية الضعف، لان مفروضية انفعال البئر بالادلة الخاصة، لا تستلزم انفعال كل ذي مادة وإن لم يكن بئرا. وتوهم اختصاص دليل عدم انفعال ذي المادة بالصحيحة، في غاية الوهن والسخافة، فلا تخلط.


1 - التنقيح في شرح العروة الوثقى 1: 122.

[ 77 ]

المبحث التاسع في الماء المستعمل في الاحداث والاخباث والكلام حوله يتم ضمن فصول:

[ 79 ]

فصل في طهارة المستعمل ومطهريته حسب القواعد حكم المستعمل في الحدث قضية ما مر في أول الكتاب من الكتاب والسنة، طهارة جميع المياه ومطهريتها (1). ومقتضى إطلاق تلك الادلة، عدم الفرق بين الحالات الطارئة عليها، مادام لم يدل دليل على خروجها عن الحكم المزبور، فالماء المستعمل في الحدث، صغيرا كان أو كبيرا، أوا لمستعمل لتحصيل الطهارة المعنوية مثلا - كما في الاغسال المندوبة، والوضوء التجديدي - طاهر ومطهر، من غير فرق بين كونه مستعملا في جميع الاعضاء أو بعضها، مرة أو مرات، مادام صدق " الماء " عليه، ولم ينجس بملاقاة النجس، ومن غير فرق


1 - تقدم في الجزء الاول: 20 - 38.

[ 80 ]

بين القليل والمعتصم، وكونه واردا أو مورودا. وتوهم: أن اعتبار المستعمل في الحدث، كاعتبار المستعمل في الخبث، فكما أن الثاني يحمل النجاسة مثلا، ويكون متنجسا، كذلك الاول، فإنه يذهب بالجنابة والحدث، فتكون هذه الحالة قائمة به بعد ذلك، فيعد ماء خبيثا غير نظيف، وغير طيب، ولا يكون عند ذلك مطهرا، ولا طاهرا، في غير محله كما لا يخفى. هذا بناء على تصديق الكبرى المزبورة. وأما على الاشكال فيها فيشكل الامر هنا، لان الشك في زوال الحدث به، يقتضي البناء على بقائه، فلابد من التماس الدليل الخاص في المسألة. نعم، قد مر منا إمكان التمسك باستصحاب الطهارة والمطهرية المنجزة، لا المعلقة، فإن المطهرية من الاوصاف التنجيزية للماء (1). أو يقال: بأن الطهارة الشرعية في الماء، تلازم المطهرية عرفا. وأيضا: مر منا في بعض المواقف، الاشكال بأن الطهارة الشرعية تثبت بالاستصحاب أو قاعدتها، والمطهرية تثبت بالاستصحاب، ولكن ذلك غير واف، لان المطلوب إثبات أن هذا الماء الطاهر مطهر، وهو لا يثبت بذلك (2). اللهم إلا أن يقال: " كان هذا الماء طهورا، وهو الان كذلك " ورجوع


1 - تقدم في الجزء الاول: 104 - 106. 2 - نفس المصدر.

[ 81 ]

" الطهور " الى الامرين، لا يستلزم الانحلال في موضوع الدليل الاجتهادي، فلا تخلط. حكم المستعمل في الخبث ومن هنا يظهر النظر في مقتضى القاعدة في المستعمل في الاخباث، شرعية كانت، أو عرفية، وهي الطهارة والمطهرية. نعم، بناء على عدم الفرق في انفعال القليل بين النجس الوارد والمورود، تكون الغسالة نجسة. ثم إن في جريان استصحاب النجاسة بعد الاغتسال بالماء المستعمل، إشكالا ينشأ من المباني في حقيقة النجاسة والطهارة. فصل في طهارة المستعمل في الوضوء الرافع دون مطهريته المستعمل في الوضوء طاهر ومطهر للحدث والخبث، بلا خلاف بين الامامية (1)، وهو المحكي عن أكثر العامة (2)، وقد نطقت به الاثار


1 - المعتبر 1: 85، تذكرة الفقهاء 1: 34، مدارك الاحكام 1: 126، جواهر الكلام 1: 358. 2 - تذكرة الفقهاء 1: 34.

[ 82 ]

المروية خصوصا (1)، وضعف سندها غير مضر. وفي جبرانه بالعمل إشكال، لعدم قيام الشهرة العملية عليها. بل في كفاية الشهرة العملية لجبران ضعفها في خصوص المقام شبهة: وهي أن الحكم المتلقى من القواعد العامة، لا يحتاج الى النص، والتمسك بالنص لا يدل على حصر السند به، وهذا - وهو الانحصار - شرط في الجبر (2)، فما ظنه كثير من الاصحاب في المقام، لا يرجع الى محصل. كما أن توهم ذهاب أبي حنيفة (3) وغيره الى نجاسته نجاسة مغلظة، غير موافق لما وصل الينا منه في الكتب المفصلة (4). نعم، عندي في المسألة شبهة: وهي أن من المحتمل شرطية النظافة العرفية في مطهرية الماء للاحداث، ويشهد لذلك النواهي المشار إليها في البئر، الظاهرة في لزوم كون ماء الوضوء نظيفا، ولا أقل من استحبابه وكراهة التوضي، بناء على ما مر من ورود الترخيص بالتوضي قبل النزح (5).


1 - وسائل الشيعة 1: 209 - 210، كتاب الطهارة، أبواب الماء المضاف، الباب 8. 2 - تحريرات في الاصول 6: 388 وما بعدها. 3 - المجموع 1: 151 / السطر 6، مدارك الاحكام 1: 126، مستمسك العروة الوثقى 1: 219. 4 - اللباب في شرح الكتاب 1: 23. 5 - تهذيب الاحكام 1: 246 / 709، وسائل الشيعة 1: 172، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 14، الحديث 8.

[ 83 ]

ويدل عليه ما مر في الماء إذا تغير لونه وريحه وطعمه، بناء على ما أسسناه هناك، من أن النهي عن الشرب والتوضي والغسل، لا يستلزم النجاسة (1)، وغايته شرطية نظافته في ذلك، وهذا هو رأي الاوزاعي وأحمد ومحمد، وهو القول الثاني للشافعي، والرواية الاخرى عن مالك، وهو المشهور عن أبي حنيفة (2). فبالجملة: لا منع من الالتزام بالتفكيك بين طهارته ومطهريته، فنلتزم بالاولى دون الثانية، وهذا هو الموافق لذوق العقلاء وروح الشريعة. أو الالتزام بعدم مطهريته مع وجود المياه النظيفة، ولعل إليه يرجع ما عن المفيد، فقال: " الافضل تحري المياه الطاهرة التي لم تستعمل في أداء فريضة، ولا سنة " (3) انتهى. فصل في حكم المستعمل في الغسل الندبي والوضوء التجديدي المستعمل في الاغسال المندوبة والوضوءات التجديدية، كالمستعمل في الاشياء النظيفة العرفية، بل وكا لمستعمل لغسل اليد في


1 - تقدم في الجزء الاول: 116 - 117. 2 - المغني، إبن قدامة 1: 18 / السطر 16 - 17، المجموع 1: 151 / السطر 4، و 153 / السطر 4، تذكرة الفقهاء 1: 34. 3 - مفتاح الكرامة 1: 87 / السطر 29، المقنعة: 64.

[ 84 ]

الاكل قبله وبعده، وغير ذلك من السنن والاداب، ولا ينسب الى أحد إشكال فيه (1)، وما ربما يمكن تخيله في المستعمل في الاحداث، غير لازم هنا كما لا يخفى. ولا فرق بينما صار واجبا بالعرض كالمنذور وشبهه، وبين غيره. وقال الصدوق في " المقنع " و " الفقيه ": " لا بأس أن تغتسل المرأة وزوجها من إناء واحد، لكن تغتسل بفضله، ولا يغتسل بفضلها " (2). وعن أحمد في تطهير الرجل بفاضل طهارة المرأة روايتان: المنع، والكراهة (3). وحكي عن المفيد أفضلية التحري كما عرفت (4)، وأما استحباب التنزه عن المستعمل في الاغسال المندوبة والوضوء، فهو غير ثابت نسبته إليه، والامر على كل تقدير سهل. وسند الصدوق في التفصيل غير معلوم لي، ومستند المفيد واضح، لان هذا خلاف النظافة التي هي " من الايمان ". ومن العجب تمسك " الحبل المتين " (5) بفتوى المفيد برواية ابن جعفر، عن الرضا (عليه السلام) في حديث، قال - كما في " الوسائل " -: " من اغتسل


1 - تذكرة الفقهاء 1: 36، الحدائق الناضرة 1: 438، مستمسك العروة الوثقى 1: 219. 2 - المقنع: 40، الفقيه 1: 12، ذيل الحديث 22. 3 - المغني، إبن قدامة 1: 214 / السطر 8، تذكرة الفقهاء 1: 38. 4 - تقدم في الصفحة 83. 5 - الحبل المتين: 116 / السطر 19.

[ 85 ]

من الماء الذي اغتسل فيه فأصابه الجذام، فلا يلومن إلا نفسه " (1)!! وأعجب منه قول " الحدائق ": " بأن هذا الحديث مقتضى ذيله مربوط بماء الحمام " (2)!! ضرورة أن رأي المفيد كما مر، أعم من الحديث مفادا، وذيل الحديث وإن يورث اختصاص المورد بالحمام، ولكن العرف لا يجد خصوصية في ذلك، فما هو المحكي عن الشيخ المذكور - المحقق الواقف على أسرار المذهب وروح الشرائع - في غاية المتانة، لما عرفت منا، ولا حاجة الى الفحص عن مستنده، كما لا يخفى. وغير خفي أيضا: أن ما ذكرناه في الفصل السابق من الشبهة في المطهرية (3)، يأتي هنا أيضا. فصل في طهارة المستعمل في رفع الحدث الاكبر المستعمل في الحدث الاكبر، كالجنابة والحيض والنفاس، وهكذا المستعمل في الاستحاضة ومس الميت، وهكذا المستعمل في الوضوء


1 - الكافي 6: 503 / 38، وسائل الشيعة 1: 219، كتاب الطهارة، أبواب الماء المضاف، الباب 11، الحديث 2. 2 - الحدائق الناضرة 1: 437. 3 - تقدم في الصفحة 82 - 83.

[ 86 ]

المرفوع به الحدث الاكبر مع دخالته جزء في ذلك، طاهر بلا خلاف أيضا، وعليه الاجماعات المنقولة (1). ومن قال من العامة بنجاسته في المسألة السابقة - كأبي يوسف (2) - قال به هنا، كما في " مفتاح الكرامة " (3). وربما ينسب الى ابن حمزة نجاسته (4)، وهو في غير محله، قال في " الوسيلة " بعد أن قسم المياه الى عشرة: " وأما المستعمل فثلاثة أضرب: مستعمل في الطهارة الصغرى، ومستعمل في الطهارة الكبرى، ومستعمل في إزالة النجاسة: فالاول: يجوز استعما له ثانيا في رفع الحدث وفي إزا لة النجاسة. والثاني والثالث: لا يجوز ذلك فيهما، إلا أن يبلغ كرا فصاعدا بالماء الطاهر " (5) انتهى. وأنت خبير: بقصور عبارته عن اختياره نجاسته. الاستدلال على نجاسة المستعمل في رفع الحدث الاكبر وكيف كان: يمكن دعوى النجاسة، لطائفة من المآثير التي استدل بها على ممنوعية مطهريته، بدعوى أن نفي الجواز يرشد الى النجاسة


1 - المعتبر 1: 86، قواعد الاحكام 1: 5 / السطر 17، كشف الرموز 1: 58. 2 - الخلاف 1: 172، المبسوط، السرخسي 1: 46 / السطر 16. 3 - مفتاح الكرامة 1: 88 / السطر 10. 4 - مستمسك العروة الوثقى 1: 219. 5 - الوسيلة: 74.

[ 87 ]

عرفا، فمن منع مطهريته فعليه منع طهارته، كما أن من منع صحة الصلاة في عرق الجنب من الحرام منع طهارته، للملازمة العادية والعرفية، ولو سلم الالتزام بالتفكيك في المثال المزبور - كما التزم به جمع من الاعلام (1)، لوقوعه في الشريعة في أوبار ما لا يؤكل لحمه مع طهارتها - فلا يسلم ذلك هنا. فما في رواية ابن سنان الاتية من قوله: " الماء الذي يغسل به الثوب، ويغتسل به الرجل من الجنابة، لا يجوز يتوضأ منه وأشباهه " (2)، وفي رواية حمزة بن أحمد: " ولا تغتسل من البئر التي يجتمع فيها ماء الحمام، فإنه يسيل فيها ما يغتسل به الجنب " (3) وفي غيرهما، دليل على النجاسة، للتلازم العقلائي المركوز عليه. نعم، بناء على ما يأتي في الفصل الاتي حولها من الاشكالات السندية والدلالية، فلا يتم القول بالنجاسة هنا. ويمكن دعوى: أن نفي الوضوء غير الامر بالغسل، فإن الثاني يشهد على اعتبار النجاسة، بخلاف الاول، لان ذلك أعم عرفا، كما في الماء المغصوب، ولا سيما مع قوة احتمال شرطية النظافة أو استحبابها فيما


1 - العروة الوثقى 1: 71، الحادي عشر من النجاسات. 2 - تهذيب الاحكام 1: 221 / 630، وسائل الشيعة 1: 215، كتاب الطهارة، أبواب الماء المضاف، الباب 9، الحديث 13. 3 - تهذيب الاحكام 1: 373 / 1143، وسائل الشيعة 1: 218، كتاب الطهارة، أبواب الماء المضاف، الباب 11، الحديث 1.

[ 88 ]

يتوضأ به، فلا منع من التفكيك، كما عن جمع من الاقدمين (1). المستعمل في الحدث الاكبر على الوجه الذي مر، مطهر من الاخباث، ولعل هذا هو الامر المفروغ عنه في معاقد الاجماعات المحكية عن جماعة من الاصحاب (2). وعن " الذكرى " بعد أن نقل عن الشيخ الجواز، قال: " وقيل: لا " (3) وظاهره وجود المخا لف، وهو ابن حمزة الطوسي على ما عرفت من العبارة المحكية عن " وسيلته " سابقا (4)، الظاهرة في نفي جواز استعماله في الحدث والخبث، وعن " المقنع " ما هو القريب منه (5). وربما يشكل استفادة نفي المطهرية من عبارتهما، لان نفي جواز الاستعمال، غير ملازم لذلك، كما في المغصوب. وبالجملة: على القول بنجاسته فهذا الحكم واضح، وأما على القول بطهارته فيحتاج الى الدليل، وما يأتي من الادلة على نفي مطهريته من الحدث، غير وافية لذلك كما ترى. نعم، بناء على ما أشرنا إليه: من أن القذارات الشرعية والعرفية، ليست مختلفة في الحقيقة، وأن مطهرية المياه ليست شرعية، بل هي


1 - الفقيه 1: 10، المقنعة: 64، المبسوط 1: 11. 2 - إيضاح الفوائد 1: 19، مفتاح الكرامة 1: 88 / السطر 15، مستند الشيعة 1: 100، مستمسك العروة الوثقى 1: 220. 3 - لاحظ ذكرى الشيعة: 12 / السطر 15. 4 - تقدم في الصفحة 84. 5 - مفتاح الكرامة 1: 88 / السطر 18، المقنع: 41.

[ 89 ]

طبيعية عقلية (1)، ولا حقيقة شرعية في معنى مطهرية المياه وإن قلنا بها في النجاسة والطهارة، فإذا راجعنا العرف في مطهرية الماء المستعمل في رفع الحدث، الملازم قهرا لبعض الاقذار العرفية، فلا نجد إلا تنفرهم واستقذارهم، فتكون الادلة منصرفة عنه. بل في شمولها لها إشكال، للشك في مطهريته، مع انصراف أدلة الاستصحاب عند العرف عن شمول هذه المواقف. أو يقال: إن الاماكن والامصار والاعصار، مختلفة في ذلك، ففي بعض منها لا يجد فيه القذارة، ويراه مطهرا من كل شئ، وفي بعض منها ينعكس الامر، فيكون الحكم تابع موضوعه حسب تشخيص المكلفين، كما في سائر الموارد والمواضيع، فلا تخلط، ولا تغفل. ولعمري، إن ذهاب المشهور الى المطهرية، منشؤه الغفلة عن أن المطهرية غير الطهارة والنجاسة، فإن فيهما اختلافا من القديم: في كونهما من الحقائق المنكشفة بالشرع، أو من المجعولات الشرعية، أو هي عرفية إمضائية إلا في مواضع خاصة، وأما عنوان " المطهرية " فليس فيه خلاف، وأنه من قبيل سائر العناوين العرفية، موكول الى العرف سعة وضيقا، ومحول إليهم مفهوما وصدقا، على ما تقرر في محله (2)، وفيما نحن فيه لا يعد الماء المزبور مطهرا. ولو سلمنا أن الشرع تصرف في المطهرات، فلا نسلم تصرفه في


1 - تقدم في الجزء الاول: 21 و 23. 2 - نفس المصدر.

[ 90 ]

مطهرية الماء، فإنها بيد العرف والعقلاء، ولا دليل شرعي لفظي على أن كل ماء طاهر شرعا مطهر، حتى يتمسك به، فتدبر جيدا. فصل في مطهرية المستعمل في الحدث الاكبر المستعمل في الحدث الاكبر مطهر من الاحداث الصغيرة والكبيرة. والمراد من " الحدث الاكبر " كل ما يوجب الغسل، سواء أوجب الوضوء، أم لم يوجب. أو يقال: سواء كان غسله كافيا عن الوضوء كالجنابة، أو لا. وإن شئت قلت: المراد من " الحدث الاكبر " ما يقابل الاصغر، فيشمل الحدث الكبير، فإن الاحداث ثلاثة: حدث صغير وهو ما يوجب الوضوء، وكبير وهو ما يوجب الغسل، وأكبر وهو ما يوجبهما، فتكون الجنابة كبيرة. وهنا بيان آخر لاكبريتها، ليس هنا محله. حول الاقوال في المقام وعلى كل تقدير: مطهرية الماء المستعمل فيه، هي المشهورة بين الفقهاء حديثا، وفي " الروض " و " الدلائل ": " أنه المشهور " (1) واليه


1 - روض الجنان: 158 / السطر 8، مفتاح الكرامة 1: 88 / السطر 21.

[ 91 ]

ذهب طائفة من القدماء، كالسيد وأبي يعلى، والسيد حمزة ابن زهرة (1). وخا لفهم في ذلك جمع، كالصدوقين والشيخين والقاضي والطوسي (2)، وجماعة من أتباعهم المتوسطين كالمحقق (3)، وعن " الخلاف ": " هو مذهب أكثر أصحابنا " (4). وظاهر ما نسب الى أهل الخلاف في " الخلاف " أنهم قائلون: " بأن الماء المستعمل طاهر ومطهر " (5) ولا يستفاد منه التفصيل بين أنحاء المستعملات. وعن " حاشية المدارك ": " أنه المشهور بين القدماء " (6). وهنا قول ثا لث ظاهر من " المبسوط " حيث قال: " ما استعمل في غسل الجنابة والحيض، فلا يجوز استعماله في رفع الاحداث وإن كان طاهرا، فإن بلغ ذلك كرا زال حكم المنع من رفع الحدث، لانه قد بلغ حدا لا يحتمل النجاسة " (7) انتهى. وقضية هذه العبارة جواز التطهير بالمتمم كرا. وأما توهم التفصيل بين الكر والجاري مثلا، فهو في غير محله، ولا يظهر من أحد من الاصحاب منع استعمال هذه المياه.


1 - رسائل الشريف المرتضى 3: 22، مفتاح الكرامة 1: 88 / السطر 19، الغنية، ضمن الجوامع الفقهية: 490 / السطر 20. 2 - الفقيه 1: 10، المقنعة: 64، المبسوط 1: 11، جواهر الفقه: 8، الوسيلة: 74. 3 - شرائع الاسلام 1: 8. 4 - الخلاف 1: 172. 5 - الخلاف 1: 172، المحلى بالاثار 1: 182. 6 - مفتاح الكرامة 1: 88 / السطر 25. 7 - المبسوط 1: 11.

[ 92 ]

فالذي هو محل الكلام، هو القليل المستعمل، والقليل المتمم، فظاهر إطلاق المانعين المنع مطلقا، وصريح الشيخ الجواز. ولعمري، إنه لا إطلاق في كلماتهم من هذه الجهة، فلا يرجع هذا القول الى أمر ثالث في المسألة، فتأمل. وفي قوله: " لا يحتمل النجاسة " شهادة على أنه في مسألة القليل المتمم يقول بالطهارة، ويريد هنا إثبات جواز الاستعمال بالاولوية. فما عن " المعتبر " و " الذخيرة " و " الدلائل " من الحكم ببقاء المنع بعد بلوغه كرا (1)، لا يورث ظهور كلمات القدماء في الاطلاق، فتأمل. هذا، وقد نسب هذا القول الى " الوسيلة " (2) وتردد فيه " الخلاف " و " الذكرى " (3). هذه هي الاقوال المعروفة في المقام وقد حكي تفاصيل اخر: كالتفصيل بين الجنابة وغيرها (4). وكالتفصيل بين غسل الاموات وغيره (5)، وهذا هو في " المهذب البارع " إلا أنه قال بنجاسته بها، ومنعه الفاضل العجلي (6).


1 - المعتبر 1: 89، ذخيرة المعاد: 143 / السطر 1، مفتاح الكرامة 1: 88 / السطر 30. 2 - الوسيلة: 74. 3 - الخلاف 1: 173، ذكرى الشيعة: 12 / السطر 9. 4 - مستند الشيعة 1: 105. 5 - المهذب البارع 1: 117. 6 - لاحظ المهذب البارع 1: 117، السرائر 1: 61.

[ 93 ]

وكا لتفصيل بين الاغسال الواجبة والمندوبة (1). مقتضى الصناعة ومفاد الاخبار في المطهرية من الحدث وحيث أن المسألة ذات آراء لا يركن إليها، فلابد من النظر الى أخبارها، وقضية ما مضى أولا المطهرية حسب الصناعة الاولية، ومقتضى ما شرحناه ثانيا عدمها، من غير الحاجة في الاولى والثانية الى الادلة الخاصة، ولكن لما كان المعول النصوص الخاصة، فلابد من ذكرها، وهي على طوائف: الطائفة الاولى: ما يستدل بها على المنع وهي كثيرة: فمنها: وهي عمدتها، ما رواه " التهذيبان " بإسناده عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " لا بأس بأن يتوضأ بالماء المستعمل ". وقال: " الماء الذي يغسل به الثوب، أو يغتسل به الرجل من الجنابة، لا يجوز أن يتوضأ به وأشباهه، وأما الماء الذي يتوضأ الرجل به، فيغسل به وجهه ويده في شئ نظيف فلا بأس أن يأخذه غيره ويتوضأ به " (2). وفي سنده أحمد بن هلال الضعيف المطعون المنسوب الى الجعل


1 - الحدائق الناضرة 1: 438، جواهر الكلام 1: 364. 2 - تهذيب الاحكام 1: 221 / 630، وسائل الشيعة 1: 215، كتاب الطهارة، أبواب الماء المضاف، الباب 9، الحديث 13.

[ 94 ]

والوضع (1)، ولا ريب في أن مورده الماء القليل لكلمة " باء ". ومنها: معتبرابن مسلم، عن أحدهما (عليهما السلام) قال: سألته عن ماء الحمام. فقال: " ادخله بإزار، ولا تغتسل من ماء آخر، إلا أن يكون فيهم جنب، أو يكثر أهله، فلا يدرى فيهم جنب أم لا " (2). ومنها: ما رواه الشيخ بإسناده عن حمزة بن أحمد، عن أبي الحسن الاول (عليه السلام) قال: سألته أو سأله غيري عن الحمام. قال: " ادخله بمئزر، وغض بصرك، ولا تغتسل من البئر التي يجتمع فيها ماء الحمام، فإنه يسيل فيها ما يغتسل به الجنب، وولد الزنا، والناصب لنا أهل البيت، وهو شرهم " (3). ومنها: معتبر ابن مسكان، قال: حدثني صاحب لي ثقة، أنه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل ينتهي الى الماء القليل في الطريق، فيريد أن يغتسل، وليس معه إناء، والماء في وهدة (4)، فإن هو اغتسل رجع غسله في الماء، كيف يصنع؟ قال: " ينضح بكف بين يديه، وكفا من خلفه، وكفا عن يمينه، وكفا عن


1 - الفهرست، الشيخ الطوسي: 36 / 97. 2 - تهذيب الاحكام 1: 379 / 1175، وسائل الشيعة 1: 149، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 7، الحديث 5. 3 - تهذيب الاحكام 1: 373 / 1143، وسائل الشيعة 1: 218 - 219، كتاب الطهارة، أبواب الماء المضاف، الباب 11، الحديث 1. 4 - الوهدة: المنخفض من الارض (منه (قدس سره).

[ 95 ]

شماله، ثم يغتسل " (1). ومنها: ما رواه - الكليني - بإسناده عن محمد بن إسماعيل، عن حنان (2)، قال: سمعت رجلا يقول لابي عبد الله (عليه السلام): إني أدخل الحمام في السحر، وفيه الجنب وغير ذلك، فأقوم فاغتسل، فينضح علي بعدما أفرغ من مائهم. قال: " أليس هو جار؟ ". قلت: بلى. قال: " لا بأس " (3). فإنه يعلم من ارتكاز ذلك ممنوعيته كما في الرواية الاولى. ومنها: غير ذلك من الروايات المستدل بها في الكتب المفصلة (4). عدم دلالة الطائفة الاولى على الجواز ولعمري، إن الناظر فيها لا يحتمل دلالتها على المطلوب، فإن المنصف الخبير والمتوجه البصير لاطراف القضايا، لا يجد منها رائحة


1 - تهذيب الاحكام 1: 417 / 1318، وسائل الشيعة 1: 217 - 218، كتاب الطهارة، أبواب الماء المضاف، الباب 10، الحديث 2. 2 - كذا في نسخة (منه (قدس سره). 3 - الكافي 3: 14 / 3، وسائل الشيعة 1: 213، كتاب الطهارة، أبواب الماء المضاف، الباب 9، الحديث 8. 4 - تهذيب الاحكام 1: 39 / 107، وسائل الشيعة 1: 158، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 9، الحديث 1.

[ 96 ]

الدلالة، ولا ينقضي تعجبي من المطنبين في هذه المسألة، ولا أجد ذلك صحيحا. هذا مع أن كثيرا منها ضعيف السند، غير قابل لدعوى الانجبار، لما عرفت من الاختلاف. والذي يقوى في النظر: أن هذه المسألة ليست من المسائل التي تتدخل فيها الشريعة بعنوان الديانة والتقنين، لان النفوس البشرية تأبى عن استعمال تلك المياه طبعا، ولا يحتاج الى إعمال التعبد زائدا على ما ذكرناه، وهذه الاخبار كلها راجعة الى المستعمل في القذارات الشرعية والعرفية، من غير احتمال الاطلاق فيها، كما لا يخفى، ولقد تقرر في محله: أن ترك الاستفصال يدل على الاطلاق، فيما إذا لم يكن انصراف وغلبة الى الصورة الخاصة، فما في كتب القوم من التمسك بهذه المآثير، غير راجع الى محصل. الطائفة الثانية: الروايات المستدل بها على مطهرية الماء المستعمل في الجنابة وذلك لاجل نفي البأس فيها عن وقوعها في الاناء. وهذه الطائفة أجنبية بالمرة عما نحن فيه، ضرورة أن البحث في المطهرية، لا ينافي الالتزام بطهارته، والذي هو محل الكلام، هو القليل المجتمع من غسالة الجنب مثلا في إناء أو مكان، وأنه هل يجوز رفع الحدث به أم لا؟ ومثل ذلك القليل الذي يدخل فيه الجنب، ويتطهر به،

[ 97 ]

مع عدم نجاسة بدنه، والمراجع الى المآثير والاخبار، لا يجد نصا يدل على جواز ذلك، وسيأتي أن هذه الطائفة تدل على طهارة الغسا لة إن شاء الله تعالى. الطائفة الثالثة: وهي التي تدل على ترخيص ذلك إذا كان كرا منها: صحيحة ابن مسلم الماضية في أخبار الكر، عن أبي عبد الله (عليه السلام): وسئل عن الماء تبول فيه الدواب، وتلغ فيه الكلاب، ويغتسل فيه الجنب. قال: " إذا كان الماء قدر كر لا ينجسه شئ " (1). وهذه الطائفة تدل على النجاسة، وحيث قد عرفت فساده، فهي لا تشهد على شئ هنا، كما لا يخفى. فتحصل إلى هنا: أن القاعدة الاولية الصناعية هي المطهرية، ولكن النظر الثانوي الى الجهات المشار إليها، يؤدي الى ترك ذلك جدا. ولا يخفى: أن مقتضى ما احتملناه في المسألة - من الاشكال في مطهرية المياه المستعملة القليلة - عدم اختصاص الشبهة بالقليل، وعدم سريانها في جميع المياه القليلة، فيكون هذا رأيا جديدا في المسألة.


1 - تهذيب الاحكام 1: 39 / 107، وسائل الشيعة 1: 158، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 9، الحديث 1.

[ 98 ]

فصل في المستعمل في رفع الخبث والمراد من " الماء المستعمل فيه " ليس القليل الوارد عليه النجس، فإنه خارج عن هذا النزاع، ضرورة أن نجاسته واضحة على القول بانفعال الماء القليل، فما في بعض كتب الاصحاب من الاستدلال ببعض الاخبار الخاصة (1) في تلك المسألة (2)، غفلة وذهول. وهكذا ليس المراد منه ولا ينبغي أن يكون، الماء الذي يزول به عين النجاسة الموجودة في المحل، والباقية بعد الزوال في الماء المستعمل، لان معناه التفصيل في انفعال القليل بين الوارد والمورود، وقد مر أنه منسوب الى السيد في " الناصريات " (3) وعرفت ضعفه (4)، فهذا القول أيضا خارج عن محط البحث هنا. والذي هو محل الكلام ويساعده الاعتبار، هو الماء المستعمل في إزالة الخبث والنجاسة التي لا عين منها في المحل، ولا أثر لها في المغسول،


1 - وسائل الشيعة 1: 152 و 154 - 156، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 8، الحديث 3 و 4 و 11 و 14. 2 - مستند الشيعة 1: 90. 3 - الناصريات، ضمن الجوامع الفقهية: 215، المسألة الثالثة. 4 - تقدم في الجزء الاول: 269 - 271.

[ 99 ]

فما يظهر من جمع في المقام (1) غير صحيح. وهكذا ليس المراد منه الماء المعتصم المستعمل الوارد على المغسول، فإنه لاعتصامه لا يتنجس قطعا، فالقطرات المنقطعة من المغسول لا تنجس، إلا إذا انقطعت قبل الملاقاة، وأما ما هو المتعارف من الرشح فهو طاهر قطعا، فيكون البحث هنا حول الماء الوارد على المتنجس، غير الملاقي مع النجس الباقي بعد الزوال في الغسا لة، ويكون غير معتصم، كماء الابريق المستعمل لرفع نجاسة دموية، وزالت عينها قبل الغسل، أو كان بحيث ينعدم بجريان الماء على المغسول، ولا يبقى منه أثر فيه بعد الغسل، كالمتنجس بالبول عادة. فما يظهر أيضا من الاصحاب من النزاع في الغسلة الاولى، في محله إذا أرادوا الغسلة التي ليست النجاسة باقية. ولعل الى ما ذكرناه يرجع ما في " المنتهى " من تقصير النزاع على الغسلة الثانية (2)، لانه بالغسلة الاولى لا تفنى النجاسة الزائلة إلا في بعض الصور. ومما شرحناه ينقدح: أن " الغسلة المزيلة " التي وقعت في كلمات القوم ومنهم " العروة الوثقى " (3) وأتباعه (4)، داخلة في محل النزاع في


1 - العروة الوثقى 1: 47، فصل في المياه، الماء المستعمل في الوضوء، المسألة 2، مستمسك العروة الوثقى 1: 229. 2 - منتهى المطلب: 24 / السطر 16. 3 - العروة الوثقى 1: 46 - 47، فصل في المياه، الماء المستعمل في الوضوء. 4 - مستمسك العروة الوثقى 1: 229، التنقيح في شرح العروة الوثقى 1: 369 - 370، مهذب الاحكام 1: 262.

[ 100 ]

فرض، وخارجة في فرض. حول الاقوال في غسالة الخبث إذا عرفت ذلك، فالاقوال في نجاستها وطهارتها كثيرة: منها: أنها نجسة مطلقا، وهو الاشهر، والمشهور بين المتأخرين (1)، وإ ليه " المبسوط " و " الخلاف " (2) بل وهو ظاهر " المقنع " و " الوسيلة " (3). ومنها: أنها طاهرة مطلقا، وهو المنسوب الى أكثر المتقدمين (4)، وقد نسب الى شيوخ المذهب، كالسيد، والشيخ في مسألة الولوغ من " المبسوط " (5) والى أبناء إدريس وحمزة وأبي عقيل (6). ومنها: التفصيل بين الغسلة الاولى والثانية، فتكون نجسة في الاولى، وطاهرة في الثانية، وهذا هو المنسوب الى " السرائر " و " مبسوط " الشيخ و " خلافه " في موضع آخر (7).


1 - جامع المقاصد 1: 128 - 129، مفتاح الكرامة 1: 90 / السطر 4، مستند الشيعة 1: 89 - 90. 2 - المبسوط 1: 11، الخلاف 1: 179، المسألة 135. 3 - المقنع: 18، الوسيلة: 74. 4 - مفتاح الكرامة 1: 90 / السطر 21. 5 - جامع المقاصد 1: 128، مفتاح الكرامة 1: 90 / السطر 22، المبسوط 1: 15. 6 - السرائر 1: 61، مفتاح الكرامة 1: 90 / السطر 19 و 23، لاحظ الوسيلة: 74. 7 - مفتاح الكرامة 1: 90 / السطر 8 - 9، السرائر 1: 180، المبسوط 1: 36، الخلاف 1: 179، المسألة 135.

[ 101 ]

ومنها: ما حكي عن الاستاذ الشريف في " مفتاح الكرامة " بأن الغسا لة كالمحل بعدها، فإن كان المحل مما يطهر بالاولى كان المستعمل طاهرا، وإن كان مما يطهر بالثانية، كان المستعمل في الاولى نجسا (1)، وهو المحكي في " الدروس " عن بعض (2)، وقد احتمله " نهاية الاحكام " 3). وفي كونه قولا آخر إشكال، لان القائل بالتفصيل يكون محل كلامه النجاسة المحتاجة الى التكرار في التطهير، فلعله يقول بطهارة الغسالة الاولى فيما لا يحتاج الى التكرار، فتدبر. وفي المسألة احتمال آخر: وهو نجاسة غسا لة المتنجس بالنجس، كالبول وعرق الجنب مثلا وهكذا، وطهارة غسالة المتنجس مع الواسطة، فلو أصاب قطرة من غسالة النجاسة البولية، فغسالته طاهرة. إن قيل: هذه المسألة من صغريات المسألة الاتية، وهي تنجيس المتنجس، فإن قلنا به يستلزم نجاسة الغسالة، وإن لم نقل بذلك فهي طاهرة. قلنا: نعم، هذا بحسب الموضوع، ولكن لا منع من التفكيك حسب اقتضاء الادلة، فيقال: " بأن المتنجس نجس في غير الغسالة ". نعم، مع الالتزام بعدم تنجيسه يشكل الالتزام بنجاسة الغسالة، كما


1 - مفتاح الكرامة 1: 90 / السطر 14 - 16. 2 - الدروس الشرعية 1: 122، ولاحظ مفتاح الكرامة 1: 90 / السطر 14. 3 - نهاية الاحكام 1: 244.

[ 102 ]

هو الظاهر. إن قلت: ما الفرق بين هذه المسألة والمسألة السابقة، التي نفينا فيها عدم الفرق بين الوارد والمورود؟ قلت: قد مر منا أن المراد في تلك المسألة من " الماء الوارد " هو الماء الوارد على عين النجس، أو الماء المزيل للنجاسة الباقية في الغسالة (1)، والمراد من " الماء الوارد " هنا هو المستعمل لتطهير المحل، من غير كون عين النجاسة مورودة وباقية بعد الورود، والى هذا يرجع ما في " ناصريات " السيد (2)، وإلا فهو سخيف جدا. مفاد الادلة الشرعية في غسالة الخبث ثم إن المهم في المقام المراجعة الى الادلة الشرعية، لعدم إجماع صحيح في المسألة، ولا شهرة كافية، ولما كان قضية القواعد بقاءها على الطهارة الشرعية، فلابد من التماس دليل على نجاستها، وهو وجوه:


1 - تقدم في الصفحة 98 - 99. 2 - الناصريات، ضمن الجوامع الفقهية: 215، المسألة الثالثة.

[ 103 ]

الوجه الاول: ارتكاز العرف فإن المغروس في الاذهان أن الماء الوارد يحمل نجاسة المحل وقذارته، لا أنه ينفيه ويعدمه، وبعد المراجعة الى تنفر الطباع عن مثله، يظهر أن بناء العرف والعقلاء على التجنب، وليس النجس إلا ما كان قذرا عند العرف، ولم يدل دليل على طهارته الشرعية، لان هذه المفاهيم موكولة الى العرف. فقوله (عليه السلام): " كل شئ طاهر حتى تعلم أنه قذر " (1) دليل على أن كل قذر يجب الاجتناب عنه بحسب الحكم الواقعي، وأما القذارات العرفية القائمة على طهارتها النصوص الخاصة، فهي كالقذارات الشرعية الملحقة بها شرعا للنص. فبالجملة: مقتضى هذا التقرير، أن كل قذر عرفي نجس شرعا إلا ما خرج بالدليل. وأما ما اشتهر " أن كل نجس لابد فيه من الدليل الشرعي، وإلا فليس بنجس شرعا، فهو غير تام. أقول: يرد عليه: أولا: أن هذا الدليل غير واف بتمام المطلوب، لان من الغسالة ما ليس بقذر عرفا، كغسا لة النجس الشرعي، ومجرد كون بعض الغسالات


1 - المقنع: 15، مستدرك الوسائل 2: 583، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 30، الحديث 4.

[ 104 ]

من الاقذار العرفية، غير كاف لما هو المقصود. وثانيا: لا تدل قاعدة الطهارة على أن كل قذر، نجس ويجب الاجتناب عنه، بل من المحتمل - قويا - كونها ناظرة الى الاقذار الشرعية، ضرورة أن في الشرع أقذارا شرعية، وأن النسبة بين القذر الشرعيوا لعرفي عموم من وجه حسب الادلة، فيكون هذا سببا لانصراف القانون إليها، وقد تقرر منا وجود الحقائق الشرعية في كثير من اللغات (1)، والالتزام بذلك هنا لا يستلزم الالتزام بها في مثل البيع والاجارة، كما لا يخفى. وثالثا: لو كان المراد من " القذر " في القاعدة القذر العرفي، فلا معنى لفرض الشك والجهل، لان المستقذرات العرفية واضحة، ولا معنى لفرض الجهل فيها. ورابعا: قد استدل بالنصوص الكثيرة على طهارة الغسالة، وإن كانت دلالتها محل إشكال، لان أحسنها ما رواه في " العلل " عن يونس بن عبد الرحمن، عن رجل، عن العنزا، عن الاحول محمد بن نعمان: أنه قال لابي عبد الله (عليه السلام) في حديث: الرجل يستنجي... الى أن قال: " أو تدري لم صار لا بأس به؟ ". قال قلت: لا والله. فقال: " إن الماء أكثر من القذر " (2).


1 - تحريرات في الاصول 1: 184 - 185. 2 - علل الشرائع: 287 / 1، وسائل الشيعة 1: 222، كتاب الطهارة، أبواب الماء المضاف، الباب 13، الحديث 2.

[ 105 ]

وهذه غير نقية السند، وكون ابن عبد الرحمن من أصحاب الاجماع غير مفيد، لان ذلك في مثلها لا يورث الوثوق، لان لازم الاخذ بعموم العلة خروج موردها، وهذا لاجل أن مجرد الاكثرية في الوزن غير صحيح، والاكثرية بحسب الغلبة - وأن الماء الغا لب على النجس، لا ينجس حسب ما تقرر منا في أخبار الكر (1) - يستلزم كون الماء المستنجى به خارجا، لعدم بقاء عصمة الماء بهذه الملاقاة. اللهم إلا أن يقال: إن الاستنجاء المسؤول عنه فيها، هو الاستنجاء من البول، والماء المستعمل يكون أكثر بالمعنى المزبور، فيكون دليلا على المطلوب، فما في كتب المتأخرين " من أن هذه الرواية مطروحة، للزوم القول بعدم الانفعال " (2) في غير محله، لما عرفت في محله أن الماء القليل منفعل، ولكن ليس المراد من " القليل " ما بنوا عليه، فراجع (3). فبالجملة: الرواية بناء على تماميتها سندا ودلالة، لا تفي بتمام المقصود وهو طهارة غسالة النجس على الاطلاق، بل المناط كون الماء المغسول به النجس أكثر وأغلب على المتنجس، بحيث يعتبر عند العرف فناؤه في جنسه، فلا تخلط. ثم إنه لا يبعد دعوى: أن ترك الاستفصال يورث الاطلاق، فيكون موردها الاستنجاء الاكبر أيضا، فيشكل تمامية الدلالة.


1 - تقدم في الجزء الاول: 277 - 286. 2 - لاحظ التنقيح في شرح العروة الوثقى 1: 362. 3 - تقدم في الجزء الاول: 273 - 278.

[ 106 ]

ولكنه ممنوع، لان كون أكثر المائع السيال من الجامد، غير صحيح، لعدم الجامع بينهما، فلابد من كون استنجائه للاصغر وهو البول، فإنه سيال يقاس فيه الاكثرية والاغلبية، فتأمل. وغير خفي: أن " الوسائل " ذكر في الباب الثالث عشر هذه الرواية ثلاث مرات (1)، والظاهر اتحاد الكل، لان الاحول هو محمد بن نعمان مؤمن الطاق، وسيأتي تفصيله في ماء الاستنجاء (2). بعض النصوص الاخر المستدل بها على طهارة الغسالة ومن تلك النصوص مرسلة الواسطي، عن بعض أصحابنا، عن أبي الحسن (عليه السلام): أنه سئل عن مجمع الماء في الحمام من غسالة الناس. قال (عليه السلام): " لا بأس به " (3). ومنها: رواية صب الماء على الثوب من بول الصبي (4). ومنها: ما ورد من أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بتطهير المسجد من بول الاعرابي بصب ذنوب عليه (5)، وهو ماء قليل عند الاصحاب.


1 - وسائل الشيعة 1: 221 - 223، كتاب الطهارة، أبواب الماء المضاف، الباب 13. 2 - يأتي في الصفحة 124 - 125. 3 - الكافي 3: 15 / 4، وسائل الشيعة 1: 213، كتاب الطهارة، أبواب الماء المضاف، الباب 9، الحديث 9. 4 - الكافي 3: 55 / 1، وسائل الشيعة 3: 397، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 3، الحديث 1. 5 - عوالي اللالي 1: 62، مستدرك الوسائل 2: 610، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 54، الحديث 4.

[ 107 ]

ومنها: غير ذلك من الادلة التي لا أساس لها سندا (1)، ولا تفي بتمام المطلوب دلالة. ومن العجيب تمسكهم بصحيحة ابن مسلم التي فيها الامر بالغسل في المركن (2)، فتكون النجاسة واردة عليه، وتخرج عن المسألة بالمرة!! فتحصل إلى هنا: أن الدليل المزبور غير كاف لاثبات النجاسة، وإن كانت أخبار الطهارة غير ناهضة لاثباتها أيضا. الوجه الثاني: ما أفاده الوالد المحقق - مد ظله - على ما في تقريراته غير المطبوعة. وإجماله: أن العرف يلغي خصوصية الملاقاة، فإذا كان الماء القليل منفعلا، فلا يجد فرقا بين أنحاء الملاقاة وأطوارها، ولا يتوهم متوهم ذلك في الدهن الواقع فيه الفأرة، بأن يقول بنجاسته إذا وقعت الفأرة فيه، وبطهارته في عكسها، ولا يتبادر الى ذهن أحد التفكيك، بل المتفاهم العرفي أن ما هو السبب للانفعال، هو الملاقاة فقط، ولا عبرة بأمر آخر وراءها (3).


1 - وسائل الشيعة 3: 400، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 5، الحديث 2. 2 - تهذيب الاحكام 1: 250 / 717، وسائل الشيعة 3: 397، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 2، الحديث 1. 3 - الطهارة (تقريرات الامام الخميني (قدس سره) الفاضل اللنكراني: 51 (مخطوط).

[ 108 ]

وأنت خبير بما فيه، لما مر منا أن القليل الوارد عليه النجس، ساكن يغلبه النجاسة في الاعتبار، بخلاف القليل الوارد عليها، فإنه متحرك ذو قوة، لعلها تمنع عن انفعاله، ويكون الاعتبار هنا بإفنائه النجاسة، وكأنه معتصم، كيف لا، وأي مدخلية في اعتصام الماء المباشر مع المفصول عنه المتصل بالمادة؟! مع أن ذلك لا يورث فرقا حال التطهير به (1). وبعبارة اخرى: النجس الذي يغسل بالابريق، لا يطهره إلا الماء الخارج منه، فأي فرق بينه وبين ما إذا كان الابريق متصلا بالمادة؟! ضرورة أن الماء الذي يطهره، ليس إلا القليل الخارج من انبوب الابريق، فعلى هذا لابد من القول بالطهارة، لانه كالمغسول بالكر والجاري، ولا أقل من أنه يورث احتمال الفرق، فلا يمكن الغاء الخصوصية. مع أن الخصوصيات الاخر موجودة، مثل عدم إمكان التطهير بالوارد إذا تنجس، ومثل لزوم العسر والحرج، ومثل لزوم كون الماء الواحد ذا حكمين، وهو خلاف الاجماع، والاشكال في كل ذلك، لا يستلزم صحة دعوى الغاء الخصوصية، فلامنع - على هذا - من الالتزام بانفعال القليل، دون الغسالة.


1 - لاحظ ما تقدم في الصفحة 98.

[ 109 ]

الوجه الثالث: التمسك بالاطلاق الاحوالي في أخبار الكر قضية الاطلاق الاحوالي لمفهوم أخبار الكر هي النجاسة. وتوهم اختصاص المنطوق بالاعيان النجسة، في غير محله، لظهوره في أن الماء إذا بلغ كرا، لا ينجسه ما يمكن أن يكون منجسا، من غير فرق بين الاعيان النجسة، أو المتنجسات الملحقة بها حكما. وقد مر في المقامات الكثيرة، البحث والتحقيق حول مفاد هذه المآثير منطوقا ومفهوما (1)، ولا نطيل الكلام حولها. والذي لا ريب فيه: أن الاطلاق الاحوا لي فرع العموم الافرادي، وحيث لا سبيل الى الثاني، لا يتم التمسك به. وربما يمكن دعوى: أن المهملة التي في حكم الجزئية، معناها ثبوت المنجسية لبعض الاشياء، وإذا ثبتت لبعضها، فلا مانع من التمسك بالاطلاق الاحوالي با لنسبة الى الفرد المندرج في المفهوم، وحيث لا تعين لذلك الفرد، فيلزم لغوية الحكم الاجمالي الثابت بالمفهوم، وقضية الفرار منها إسراء الحكم الى جميع الافراد، فيكون كل شئ لا ينجس الكثير منجسا للقليل، بدلالة الاقتضاء. أقول: أولا: إثبات المفهوم للقضايا الشرطية ممنوع. وثانيا: قد تقرر منا في محله، أن المفهوم المتخذ من إثبات العلية


1 - منها ما تقدم في الجزء الاول: 204 - 207 و 362.

[ 110 ]

التامة المنحصرة، حجيته ذاتية، وغير قابلة للتخصيص والتقييد (1)، ولا ريب أن كثيرا من المياه لا ينجسه شئ وإن لم يبلغ كرا، للنصوص، وهذا لا يمكن إلا بانكشاف عدم العلية التامة المنحصرة، وعند ذلك لا يبقى مفهوم حتى يتمسك به، فمفهوم الشرط يكون معارضا لما يدل على عدم انفعال القليل، وغير قابل للتخصيص والتقييد. وثالثا: إن الظاهر من المنطوق، هو أن الماء البالغ كرا، لا يمكن أن ينجسه إحدى الاشياء التي تنجس غيره، وذلك لان المراد من " شئ " ليس عنوانا قابلا للانطباق على غير الانجاس العينية والحكمية. وأيضا: ليس عنوان المنجس الفعلي، لعدم إمكان الجمع بين سلب التنجيس من المنجس الفعلي، فيكون المراد قوة التنجيس، فتصير النتيجة ما ذكرناه، أي لا ينجسه ما يمكن أن ينجس غيره، لا أنه لا ينجسه المنجس، فإن " المنجس " عنوان اشتقاقي ظاهر في الفعلية. مع أن المتفاهم العرفي، هو أن المقصود أنه لا ينجسه ما يمكن أن ينجس غيره، فإذن يصير المفهوم إثبات إمكان تنجيسه بإحدى المنجسات، وهذا أعم من كونه يتنجس بها إذا لاقته، ضرورة أ إمكان جعل المنجس للماء القليل، لا يستلزم ذلك، فليتدبر. ولا تلزم اللغوية التي لابد من الاحتراز عنها، لانه بالمفهوم يثبت القابلية والامكان، وهذه هي غير كافية حسب ما مر: من أن التأثير


1 - تحريرات في الاصول 4: 139.

[ 111 ]

والمؤثرية، شرط في اعتبار نجاسة الملاقي (1)، فلا تخلط. وفي المقام نكتة وهي أن قضية التحرير الذي سمعت منا - ولا تسمع من غيرنا - أن المفهوم داخل في المنطوق، بمعنى أن مفاد كلمة " غيره " في البيان المشار إليه، أعم من سائر الاشياء والماء القليل، فكأنه قال: " الماء إذا بلغ قدر كر لا ينجسه ما يمكن أن ينجس غيره " أي غير الماء البا لغ كرا، ومنه القليل. والذي يتوجه الينا بعد ذلك: أن الامكان مستفاد من كلمة " شئ " لكونه كناية عن عنوان النجس، فلا وجه لاسرائه الى مفاد قوله: " لا ينجسه " فهذا حكم بتي، أي لا ينجسه ما يمكن أن ينجس غيره، فإذا ثبت إمكان منجسيته للغير في الجملة، فلابد من إسرائها الى جميع الاشياء، ومنها القليل، وإلا تلزم اللغوية. نعم، يمكن الفرار عنها، بدعوى وجود القدر المتيقن لها، وهو ما إذا كانت النجاسة بعضها واردة عليه. فتحصل إلى هنا: أن التقريب الاول قابل للخدشة، ولكن التقريب الاخير الذي أشرنا إليه بعنوان النكتة، الراجع الى استفادة انفعال القليل من المنطوق، يشكل هدمه، لان معنى الحديث على الوجه الاخير، يرجع الى أن الماء البالغ كرا، لا ينجسه ما ينجس غيره، والمراد


1 - تقدم في الجزء الاول: 94 و 213.

[ 112 ]

من مرجع الضمير هو الماء بقيده، فيكون القليل مندرجا تحت عنوان كلمة " غيره " فإن كان له الاطلاق فهو، وإلا فالقدر المتيقن منه - بمقتضى الصدر - هو القليل، أي أن الماء الكر لا ينجسه ما ينجس غير الماء الكر، فيكون المفروض في المستثنى نجاسة القليل بالملاقاة، وقضية الاطلاق الاحوالي عدم الفرق بين الحالتين. أقول: بعد اللتيا والتي، لا يمكن تتميم الاستدلال، ضرورة أن كلمة " شئ " وإن كانت كناية عن عنوان النجس، ومفهوم النجس وإن كان يقتضي مفهوم الغير، ومقتضى لزوم الربط بين المستثنى منه والمستثنى وإن كان هو الضمير العائد الى المستثنى منه، ولكن الكلام سيق لافادة أن ما ينجس غير الكر لا ينجس الكر وأما أن ما ينجس غير الكر أي شئ هو، وأن غير الكر الذي يتنجس به ما هو؟ فهي ساكتة عنه، ولابد من المراجعة الى الدليل الاخر، فكما لا يستفاد منها عناوين النجاسات، كذلك لا يستفاد منها ما يتنجس بها من سائر الاشياء، والتي ثبتت بالنصوص غير القليل، وأما هو فهو أول الكلام. الوجه الرابع: النصوص المستدل بها عليها وهي كثيرة: فمنها: - وهي عمدتها - ما رواه الشيخ في " الخلاف "، والصدوق في " المقنع " (1) على عادته، والشهيد في " الذكرى "، والمحقق في


1 - الخلاف 1: 179، المسألة 135، المقنع: 18.

[ 113 ]

" المعتبر " (1) عن العيص بن القاسم قال: سألته عن رجل أصابته قطرة من طشت فيه وضوء. فقال: " إن كان من بول أو قذر فيغسل ما أصابه ". وفي " الخلاف ": " وإن كان من وضوء الصلاة فلا بأس " (2). وقد استظهر الوالد مد ظله، صحة سنده (3)، لظهور رواية الشيخ عن كتابه، وطريقه إليه حسن، بل صحيح كما يظهر من " الفهرست " وصرح بحسنه " الحدائق " (4) وغيره (5)، ويؤيده وجود مضمونها في " المقنع " جدا، فلا يضر إضماره. والذي هو الاقوى: أن الرواية مطعونة، وذلك لان الشيخ مع نقلها في " الخلاف " - وهو الكتاب الذي ألفه في شبابه - أعرض عنها في " المبسوط " وأفتى بالطهارة كما عرفت (6)، أو فصل بين الاولى والثانية في موضع آخر منه (7)، ولانه مع عثوره عليها تركها في " التهذيبين " وهذا شاهد على عدم وجود الكتاب عنده، بل هو من مسموعاته عن مشايخه، فظاهر النسبة وإن كان يقتضي كون الرواية من كتابه، ولكنه يضعف بما اشير إليه.


1 - ذكرى الشيعة: 9 / السطر 17، المعتبر 1: 90. 2 - وسائل الشيعة 1: 215، كتاب الطهارة، أبواب الماء المضاف، الباب 9، الحديث 14. 3 - الطهارة (تقريرات الامام الخميني (قدس سره) الفاضل اللنكراني: 53 (مخطوط). 4 - الحدائق الناضرة 1: 479. 5 - مصباح الفقيه، الطهارة: 61 / السطر 19. 6 - تقدم في الصفحة 100. 7 - مفتاح الكرامة 1: 90 / السطر 9، المبسوط 1: 36.

[ 114 ]

هذا، وفي طريقه الى العيص، ابن أبي جيد، وهو علي بن أحمد القمي غير المذكور بمدح ولا ذم صريحا، هكذا أفاده النوري (رحمه الله) في " الخاتمة " والاردبيلي (رحمه الله) في " جامعه " (1). وفي فتوى الصدوق بمضمونها قوة، ولكنها غير كافية. مع أن كثيرا من الاعلام، حملوها على الغسالة التي فيها عين النجاسة (2)، ولكنها خارجة عن الانصاف، لان البول إذا يبس ينقلب بالبخار، ولا يبقى منه الاثر العيني إلا أحيانا، ومقتضى الاطلاق عدم الفرق. ومنها: معتبر عمار الساباطي، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سئل عن الكوز والاناء يكون قذرا، كيف يغسل، وكم مرة يغسل؟ قال: " ثلاث مرات: يصب فيه الماء فيحرك فيه، ثم يفرغ منه ذلك الماء، ثم يصب فيه ماء آخر فيحرك فيه، ثم يفرغ ذلك الماء، ثم يصب فيه ماء آخر فيحرك فيه، ثم يفرغ منه، وقد طهر... " (3). وقد يشكل في سندها، لاجل أحمد بن يحيى، وفي دلالتها بأن الامر بالافراغ في المرة الثالثة، لا يدل على النجاسة، لعدم التزام الاصحاب كثيرا بوجوب الكيفية المذكورة في غسل الاناء، فلعله للتنزيه غايته، والتنظيف نهايته. ولو سلمنا بأن أحمد بن يحيى هو ابن الحكيم الثقة، لامكان ذلك،


1 - مستدرك الوسائل (الخاتمة) 3: 509 / السطر 2، جامع الرواة 2: 509. 2 - التنقيح في شرح العروة الوثقى 1: 375، مهذب الاحكام 1: 261. 3 - تهذيب الاحكام 1: 284 / 832، وسائل الشيعة 3: 496 - 497، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 53، الحديث 1.

[ 115 ]

أوا لمقرئ، لرواية البزنطي عنه (1)، أو قلنا: بأنه محمد بن يحيى، كما في بعض نسخ " التهذيب " فلا نسلم تمامية دلالتها، لما مر، مع أن صدق " الغسل " في نظر الشرع، ربما كان متوقفا على الافراغ، فتدبر. ومنها: ما في " التهذيب " بسند معتبر، عن سماعة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " إذا أصاب الرجل جنابة فأراد الغسل، فليفرغ على كفيه فليغسلهما دون المرفق، ثم يدخل يده في إنائه، ثم يغسل فرجه، ثم ليصب على رأسه ثلاث مرات مل كفيه، ثم يضرب بكفيه من ماء على صدره، وكف بين كتفيه، ثم يفيض الماء على جسده كله، فما انتضح من مائه في إنائه بعدما صنع ما وصفت فلا بأس " (2). تقريب الاستدلال واضح، والجواب أوضح، ضرورة أنه لو كان يأمر بغسل الفرج وحده، كان لاستفادة النجاسة وجه، وأما الضمائم المزبورة فتضر بها، كما لا يخفى. ومنها: ما مر عن عبد الله بن سنان، من الحديث المستدل به على ممنوعية استعمال المستعمل في الغسل (3)، على التقريب الذي أشرنا إليه هناك، وذكرنا أن نفي جواز استعماله في الوضوء، وإن كان ظاهرا في نجاسة غسا لة الثوب المفروض فيها، أو غسالة غسل الجنابة، لابتلاء


1 - تهذيب الاحكام 9: 348 / 1251. 2 - تهذيب الاحكام 1: 132 / 364، وسائل الشيعة 1: 212، كتاب الطهارة، أبواب الماء المضاف، الباب 9، الحديث 4. 3 - تهذيب الاحكام 1: 221 / 630، وسائل الشيعة 1: 215، كتاب الطهارة، أبواب الماء المضاف، الباب 9، الحديث 13.

[ 116 ]

الجنب بالنجاسة غالبا، ولكن ذلك ظهور معلق على عدم وجود القرائن المتصلة أو المنفصلة، كما في نفي جواز الصلاة في عرق الجنب من الحرام (1)، فلا تخلط. ومنها: المآثير الواردة في غسالة الحمام الناهية عن الاغتسال منها (2)، ولولا نجاستها لما كان وجه للنهي. وأنت خبير: بأن المراد من تلك " الغسالة " هي الغسالة المجتمعة في بئر وبالوعة، كما في موثق ابن أبي يعفور، قال: " لا تغتسل من البئر التي تجتمع فيها غسالة الحمام " (3) لعدم معهودية الاغتسال بغسالة الحمام حال جريانها على سطحه، وتلك الغسالة من المياه الكثيرة التي أمرها دائر بين تغيرها بالنجاسة، أو كونها غير نظيفة جدا، فلا يكون النهي عنها مولويا، ولا إرشادا الى النجاسة لاجل كونها غسالة، فراجع الباب الحادي عشر من أبواب الماء المضاف، حتى تكون على بصيرة. هذا مع أن الغسا لة المزبورة لو كانت قليلة، ففيها من أعيان النجاسة لتعارفها، فلا تفي بالمقصود. نعم، بناء على كونها هي الماء الجاري على سطوح الحمامات، فإن من الناس من يأخذها ويغتسل بها، فربما يستظهر منها النجاسة، ولكنها غير تامة، لان عدم المطهرية أعم من النجاسة كما عرفت، فلا تغفل.


1 - تقدم في الصفحة 85. 2 - وسائل الشيعة 1: 218، كتاب الطهارة، أبواب الماء المضاف، الباب 11. 3 - الكافي 3: 14 / 1، وسائل الشيعة 1: 219، كتاب الطهارة، أبواب الماء المضاف، الباب 11، الحديث 4.

[ 117 ]

تذنيب: في أدلة اخرى على طهارة الغسالة تحصل الى هنا: أن الغسالة طاهرة، من غير فرق بين الاولى والثانية. والذي يؤيد ذلك، بل وتدل عليه، الروايات الكثيرة المذكورة في الباب التاسع من أبواب المضاف والمستعمل، الظاهرة في أن إصابة الماء لما في الاناء، لا تورث وجوب الاجتناب، مع أن بدن الجنب نجس غا لبا جدا (1). ومما يشهد لذلك، أن المسألة مما يكثر الابتلاء بها، ولا معنى لخفائها على الاصحاب الاقدمين، ولا وجه لاثبات مثلها بالروايات النادرة الضعيفة، فإنه كان ينبغي اشتهارها من الزمن الاول، فهذا شهادة قوية على طهارتها. مع أن الالتزام بنجاسة الغسالة، يستلزم بعض ما لا ينبغي، مثلا في الاناء المذكور إذا كانت غسالتها نجسة، فهي ليست نجسة، وهذا خلاف القاعدة. أو هي نجسة، ولكنها مطهرة، وهي خلاف القاعدة. أو هي إذا خرجت تكون نجسة، والباقي في أطراف الاناء طاهرا. ومن العجيب التزامهم بأن الغسالة الموجودة في الثوب نجسة،


1 - وسائل الشيعة 1: 211، كتاب الطهارة، أبواب الماء المضاف، الباب 9.

[ 118 ]

فإذا عصر الثوب يخرج النجس من خلاله، ويورث نجاسة المحل، ولا تورث نجاسة الثوب!! ولا مانع من أن يقال: بأن الماء يحمل النجاسة من الثوب الى المحل، ونتيجة ذلك طهارته، ونجاسة ذاك، ولكن الموضوعات المستبعدة العرفية، لا تثبت بالمآثير النادرة المزبورة. نعم، قياس النجاسة الشرعية بالعرفية، يؤدي الى الالتزام بنجاسة الغسالة، ولكنه قياس مع الفارق، لان تنفر الطباع عنها، لا يستلزم وجوب غسل العباء مثلا من قطرتها المصيبة لها، كما لا يخفى، وليس عند العقلاء في القذارات ما يجتنبون عنه من جميع الجهات على الوجه المعتبر في الشرع، ولا دليل شرعي يقتضي كون القذر العرفي نجسا شرعيا، أي كونه موضوعا لجميع الاحكام الالزامية الشرعية. هذا، ويؤيد الطهارة، أن تطهير أعلى البدن بالماء القليل غير ممكن، لسرايتها الى أدناه، ومن الادنى الى الادنى، فلابد من تطهير جميع البدن، ولا سيما في النجاسة البولية مكررا، حتى يطهر نقطة من أعلاه، وهذا شاهد على ما ذكرناه. التمسك ببعض أخبار الاستنجاء على طهارة الغسالة وفي أخبار الاستنجاء ما يدل عليها على التقريب الذي مضى منا (1)،


1 - تقدم في الصفحة 104 وما بعدها.

[ 119 ]

وفيها أيضا معتبر محمد بن النعمان الاحول، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت له: أستنجي، ثم يقع ثوبي فيه وأنا جنب؟ فقال: " لا بأس به " (1). ومع المراجعة الى حال أبي جعفر (شاه) الطاق، محمد بن نعمان الاحول، الذي يعده المخالفون شيطان الطاق، والشيعة تلقبه ب‍ " مؤمن الطاق " وأنه كان متكلما حاذقا، حاضر الجواب، صاحب التأليف (2)، تطمئن النفس بأن المراد من سؤا له، الاستنجاء من المني، وإلا فلا معنى لقوله: " وأنا جنب " لعدم وجه لتوهم مدخلية حالته النفسانية في ذلك، فكأنه كان جنبا، وفرجه ملوثا بالمني فبال، فسأل عن ذلك، فاجيب: بنفي البأس، ولو كان الحكم مخصوصا بالاستنجاء، لما كان وجه لذلك كما لا يخفى. فالقول بالطهارة في مفروض المسألة هو الاقوى، والاشكال في كل واحد من المؤيدات والمذكورات وإن كان ممكنا - خصوصا في روايات الاستنجاء - ولكن قصور أدلة النجاسة كاف لما هو المختار تبعا " للجواهر " (قدس سره) (3)، وكفانا فضلا ذهابه إليها، فلا تغفل.


1 - تهذيب الاحكام 1: 86 / 227، وسائل الشيعة 1: 222 - 223، كتاب الطهارة، أبواب الماء المضاف، الباب 13، الحديث 4. 2 - جامع الرواة 2: 208. 3 - جواهر الكلام 1: 344.

[ 120 ]

الوجه الخامس: دعوى الاجماع والاتفاق وهي ساقطة لما عرفت، مع أن القدر المتيقن منه، ما إذا كانت العين القذرة موجودة في الغسالة، وتكون الغسلة المزيلة باقية فيها العين. هذا، ومدعيه العلامة (رحمه الله) (1)، والاجماع في كتبهم في غير هذه المسألة غير نافع، فضلا عن هذه المسألة، مع أنه قوى نجاستها في " التذكرة " (2) وهو ينافي الاجماع. وتوهم: أن استثناء الاستنجاء في كلامهم، شاهد على أن الغسالة من غيره نجسة، في محله، ولكنه ليس في كلام القائلين بالطهارة، مع أن خصوصية المستثنى، تدل على أن مفروض كلامهم وجود العين النجسة في الغسالة، فما استشهد به الهمداني (رحمه الله) في المقام (3)، لا يخلو عن غرابة. تنبيه: في تقديم أخبار طهارة الغسالة على غيرها عند التعارض لو سلمنا دلالة الاخبار في المسألة على النجاسة والطهارة، فلا يمكن الجمع بينهما بحمل بعضها على الغسلة الاولى، والاخر على الثانية، لعدم الشاهد عليه، فتصل النوبة الى علاجها، ويتعين


1 - تحرير الاحكام: 6 / السطر 9. 2 - تذكرة الفقهاء 1: 36. 3 - مصباح الفقيه، الطهارة: 61 / السطر 11 وما بعده.

[ 121 ]

المراجعة الى ما يدل على الطهارة، لموافقتها للكتاب، ومخا لفتها للعامة، فإن النجاسة قول أبي حنيفة وبعض الشافعية (1)، بل وهو قول الشافعي، لذهابه الى النجاسة في الاولى (2)، وهذا يقتضي نجاستها فيما لا يحتاج الى التكرر. فصل في ماء الاستنجاء والمراد منه يأتي تفصيلا في طي المباحث الاتية - إن شاء الله تعالى. - والذي ينبغي أن يشار إليه: هو أن القائل بطهارة الغسا لة، لا يكون في مخلص هنا، لان ماء الاستنجاء الذي هو مورد البحث، الماء الذي يكون فيه عين النجاسة والقذارة، وقد مر أنه نجس في تلك المسألة (3). نعم، ربما يخطر بالبال دعوى: أن المراد من " ماء الاستنجاء " هو المستعمل لرفع خباثة البول أو الغائط الذي استنجي منه بالاحجار قبله، حتى لا يبقى عين العذرة في الماء، فتكون هذه الغسالة - كغسالة سائر النجاسات - طاهرة شرعا.


1 - لاحظ المغني، إبن قدامة 1: 21 / السطر 12، المجموع 1: 158 / السطر 15. 2 - تذكرة الفقهاء 1: 37. 3 - تقدم في الصفحة 98.

[ 122 ]

ولكنه مشكل إثباته حسب ما يتراءى من الادلة كما سيأتي ذكرها، فما في " العروة الوثقى " من اشتراط الامر الخامس في طهارة ماء الاستنجاء (1) - وهو عدم وجود الاجزاء المرئية - في غير محله، وإلا فنحن في مخلص. محتملات حكم ماء الاستنجاء فبالجملة: بناء على الاعم كما هو الاظهر، فهل هو نجس؟ قضاء لحق القواعد الاولية، ووفاقا لجماعة ك‍ " المعتبر " والشهيد (2)، واليه كان يميل الوالد المحقق - مد ظله - وإن ايد القول بالطهارة في تقريراته (3). وقضيتها ترتيب جميع آثار النجاسة الشرعية حسب أدلتها، إلا ما خرج بالدليل، كجواز الصلاة في الثوب الملاقي، وأما طهارة الثوب - بحيث كان يجوز شرب الماء الملاقي معه - فهي ممنوعة، إلا بدعوى اقتضاء الادلة إياها، وهذا هو معنى " العفو " المزبور في كلماتهم. وأما الاحتمالات الاخر في المراد من " العفو " ككونه معفوا عنه من جميع الجهات (4)، فهو لا يساعد مع اعتبار النجاسة في الشرع كما لا يخفى.


1 - العروة الوثقى 1: 47 - 48، فصل في المياه، الماء المستعمل في الوضوء، المسألة 2. 2 - المعتبر 1: 90، ذكرى الشيعة: 9 / السطر 9. 3 - الطهارة (تقريرات الامام الخميني (قدس سره) الفاضل اللنكراني: 55 (مخطوط). 4 - مفتاح الكرامة 1: 94 / السطر 21.

[ 123 ]

أو كونه معفوا عنه في جميع الجهات، إلا رفع الحدث والخبث (1)، فهو أيضا غير موافق للاعتبار. أو هي طاهرة شرعا ونتيجتها جواز ترتيب جميع آثار الطهارة وأحكامها الغيرية والنفسية إلا ما خرج بدليل خاص، كل ذلك بناء على ثبوت الاطلاق في أدلة أحكام النجاسات، وهذا هو رأي الاكثر، وعليه الفتاوى بظاهرها من القديم والجديد (2)، وهو المستفاد من كلمات المخالفين (3). أو يفصل بين المستعمل في البول فينجس، والمستعمل في الغائط فيعفو، أو يكون طاهرا على الخلاف في المراد من " الاستنجاء " في الاخبار وبحسب كتب اللغة وآراء اللغويين. أو يقال: بالتفصيل الذي احتملناه، وهو أن ماء الاستنجاء إن كان من قبيل الغسالة فهو طاهر، وإن كان مندرجا في أدلة انفعال القليل - بأن تكون العين النجسة موجودة فيه - فهو نجس (4)، فلا يكون مخصوصا بحكم إلا على القول بنجاسة الغسالة.


1 - مدارك الاحكام 1: 125. 2 - شرائع الاسلام 1: 8 تذكرة الفقهاء 1: 37، مجمع الفائدة والبرهان 1: 288 - 289، مستند الشيعة 1: 96. 3 - المغني، إبن قدامة 1: 21. 4 - تقدم في الصفحة 121.

[ 124 ]

مفاد المآثير الواردة في ماء الاستنجاء إذا عرفت ذلك، فلابد من النظر الى روايات المسألة، حتى يتبين الحق من بين تلك المحتملات. فمنها: ما رواه " الكافي " و " التهذيب " بسند معتبر عن الاحول، قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام): أخرج من الخلاء، فأستنجي بالماء، فيقع ثوبي في ذلك الماء الذي استنجيت به. فقال: " لا بأس به " (1). ورواه " الفقيه " وزاد: " وليس عليك شئ " (2). وفي دلالتها على الطهارة إشكال، لان الظاهر رجوع الضمير في قوله: " لا بأس به " الى الثوب، ويؤيده ما في " الفقيه " من قوله: " وليس عليك شئ " بل ربما يؤيد هذا التعبير نجاستها، كما لا يخفى. وفي خروجه من الخلاء واستنجائه خارجه، دلالة على أن العين القذرة ليست في الماء، واحتمال كونها في الموضع وبقائها بعد الزوال في الماء بعيد، لان المتعارف في منطقة السائل خلافه، وبا لرجوع الى وضع حال تلك المنطقة، يظهر أن المحل والمقعد ليس ملوثا بعين النجس والعذرة، بل من المحتمل قويا بناؤهم على الاستنجاء بالاحجار


1 - الكافي 3: 13 / 5، تهذيب الاحكام 1: 85 / 223، وسائل الشيعة 1: 221 - 222، كتاب الطهارة، أبواب الماء المضاف، الباب 13، الحديث 1. 2 - الفقيه 1: 41 / 162.

[ 125 ]

أولا، لئلا تتلوث ثيابهم، ثم التطهير بالماء، فلا يستفاد من ترك الاستفصال في خصوص هذه الرواية شئ. ومنها: " العلل " بإسناده عن يونس بن عبد الرحمن، عن رجل من أهل المشرق عن العنز، عن الاحول (1) - وفي " الوسائل ": عن الغير أو عن الاحول - قال: دخلت على أبي عبد الله (عليه السلام) فقال: " سل ما شئت " فارتجت علي المسائل. فقال: " سل، ما بدالك ". فقلت: جعلت فداك، الرجل يستنجي، فيقع ثوبه في الماء الذي يستنجي به. فقال: " لا بأس ". فسكت فقال: " أو تدري لم صار لا بأس به؟ ". قلت: لا والله جعلت فداك. قال: " إن الماء أكثر من القذر " (2). وفي سنده مضافا الى القطع، اختلاط، ولو كفانا رواية يونس بن عبد الرحمن - لكونه من أصحاب الاجماع، مع إشكال فيه خصوصا (3) - فهو، وإلا فالرواية ساقطة، مضافا الى اشتما لها على التعليل المعرض عنه. هذا بحسب فهم الاصحاب.


1 - علل الشرائع: 287 / 1. 2 - وسائل الشيعة 1: 222، كتاب الطهارة، أبواب الماء المضاف، الباب 13، الحديث 2. 3 - لاحظ تنقيح المقال 3: 338 / 13357، معجم رجال الحديث 20: 209.

[ 126 ]

وأما على ما شرحناه (1)، فإن هذه الرواية تبعد تعدد سؤال الاحول منه (عليه السلام) فتكون واحدة، وهو تارة: نقلها بتمامها، واخرى: نقلها مختصرا مع حذف بعض الخصوصيات، لرعاية حالات الراوي والسائل عنه، أي الاحول. فهي معتبرة. ولكنها قاصرة عن الدلالة على الطهارة، لان مفروض السؤال خروجه من الخلاء، وقضية التعليل أنه استنجى من البول، لما مر من أن أكثرية الماء وزنا ومقدارا، لا تورث رفع النجاسة، فهي الاكثرية بمعنى الغلبة (2)، وهي لا تتصور إلا في الاستنجاء بالبول، وتكون إشارة الى قوله (عليه السلام): " مثلي ما على الحشفة " (3) فإنه كما يشير الى قاهرية الماء على ما على الحشفة، فهذه أيضا مثلها، أو تكون الاجزاء الملتصقة بمحل الغائط، فانية في الماء المستنجى به، فلا يكون الماء الوارد عليه متنجسا به، كما عرفت في الغسالة (4). هذا، ونفي البأس الظاهر في نفيه عن المسؤول عنه - وهو الثوب - أعم من الطهارة. ومنها: ما رواه " التهذيب " بسند معتبر، عن محمد بن نعمان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال قلت له: أستنجي، ثم يقع ثوبي فيه وأنا جنب.


1 - تقدم في الصفحة 105 - 106. 2 - تقدم في الصفحة 105. 3 - تهذيب الاحكام 1: 35 / 93، وسائل الشيعة 1: 344، كتاب الطهارة، أبواب أحكام الخلوة، الباب 26، الحديث 5. 4 - تقدم في الصفحة 105.

[ 127 ]

فقال: " لا بأس به " (1). وهذا هو الاحول أيضا، كما عرفت تفصيله. وفي كونها رواية ثالثة إشكال، لاتحاد الموضوع والسائل والمسؤول منه، والظاهر وحدتها، وفي قوله: " وأنا جنب " أيضا شهادة على أن الاستنجاء كان من البول، لما مر تفصيله، مع ما عرفت من قصور دلالتها على الطهارة (2). ومنها: ما رواه " التهذيب " بسند معتبر، عن عبد الكريم بن عتبة الهاشمي، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يقع ثوبه على الماء الذي استنجى به، أينجس ذلك ثوبه؟ فقال: " لا " (3). وهي ظاهرة بدوا، في أن الاستنجاء كان من الغائط، وقضية ترك الاستفصال عدم الفرق بين حالين: حال وجوده في الماء، وعدمه، وظاهر الذيل طهارة الماء، لان المتفاهم العرفي أن المنجس ينجس، وإذا قيل: " هو لا ينجس " فهو كاشف عن انسلاب موضوعه، فيكون طاهرا في نظر الشرع.


1 - تهذيب الاحكام 1: 86 / 227، وسائل الشيعة 1: 222 - 223، كتاب الطهارة، أبواب الماء المضاف، الباب 13، الحديث 4. 2 - تقدم في الصفحة 105. 3 - تهذيب الاحكام 1: 86 / 228، وسائل الشيعة 1: 223، كتاب الطهارة، أبواب الماء المضاف، الباب 13، الحديث 5.

[ 128 ]

توهم اختصاص الاستنجاء بغسل موضع الغائط وجوابه إن قلت: الاستنجاء من النجو، وهو مايخرج من البطن من ريح أو غائط، فلا وجه لا رادة البول منه، ولذلك ألحقوه به حكما، للغلبة وأمثالها. قلت: قال في " الاقرب ": " استنجى منه استنجاء خلص، والشجرة قطعها من اصولها، وحاجته منه استخلصها، والرجل غسل موضع النجو، أو مسحه بالحجر أو المدر (1). والاول: مأخوذ من استنجاء الشجرة، لانه يزيل الاثر. والثاني: من استنجاء النخلة، لالتقاط رطبها، لان المسح لا يقطع النجاسة، بل يبقي أثرها، انتهى ما في " المصباح " انتهى (2). وبعد المراجعة الى موارد الاستعمال في الاخبار، يعلم أن الاستنجاء المستعمل في المآثير، ليس مأخوذا من النجو، أو يكون استعماله في الاعم الى حد صار متعارفا، فعن عمار الساباطي، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل إذا أراد أن يستنجي بالماء، يبدأ بالمقعدة أو الاحليل؟ قال: " بالمقعدة، ثم الاحليل " (3). وعنه أيضا يقول: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: " لو أن رجلا أراد أن


1 - أقرب الموارد 2: 1276. 2 - المصباح المنير: 72. 3 - الكافي 3: 17 / 4، وسائل الشيعة 1: 323، كتاب الطهارة، أبواب أحكام الخلوة، الباب 14، الحديث 1.

[ 129 ]

يستنجي من الغائط... " (1). وهكذا مما يشهد على الاعمية في محيط الروايات، فتأمل (2). فتحصل إلى هنا: أن الروايات الثلاث واحدة، ولا ظهور لها في أن موردها كان من ماء الاستنجاء بالمعنى الاخص الذي هو المقصود هنا من إثبات طهارته. عدم شمول معتبر الهاشمي لصورة وجود أجزاء الغائط في الماء ويبقى المعتبر الاخير، وفي إطلاقه نظر، لان ترك الاستفصال المؤدي الى الاطلاق، مشروط بعدم انصراف، وهذا هنا غير معلوم، لان احتمال تعارف كون محل الغائط والاستنجاء متعددا قريب، وقضية التعليل في الرواية السابقة (3)، ظهور هذه الرواية في الاستنجاء البولي، أو الغائط الذي غلب عليه الماء، ويكون أكثر منه. فبالجملة: الذي هو الاوفق بالقواعد، أن غسالة الاستنجاء - كغسالة سائر النجاسات - تكون طاهرة، بشرط عدم وجود عين النجس في الماء والغسالة، وإلا فهو نجس، فلا خصوصية لماء الاستنجاء. وأما اختصاصه بالسؤال، فهو لاجل شدة الابتلاء به ووقوع الثوب


1 - تهذيب الاحكام 2: 201 / 789، وسائل الشيعة 1: 318، كتاب الطهارة، أبواب أحكام الخلوة، الباب 10، الحديث 3. 2 - تهذيب الاحكام 1: 209 / 606، وسائل الشيعة 1: 357 - 358، كتاب الطهارة، أبواب أحكام الخلوة، الباب 35، الحديث 2. 3 - تقدم في الصفحة 125.

[ 130 ]

فيه، لعدم الوسائل المتعارفة في اليوم. تذييل: في أن العفو عن ماء الاستنجاء خاص لا عام قضية ما تقرر هي النجاسة، وعدم العفو عن الملاقي فيما يشترط فيه الطهارة، ومع قطع النظر عما أبدعناه، فهل في مفروض المسألة يكون طاهرا، أو نجسا؟ لا يبعد قوة القول الثاني، مع العفو في خصوص الملاقيات على وجه خاص، وهو عفوها فيما يشترط فيه الطهارة شرعا كالعبادات. وأما جواز شرب الماء الملاقي له، أو الملاقي للثوب الملاقي، فهو أيضا ممنوع، وذلك لان مقتضى الروايات الثلاث ليس إلا العفو، وقضية الرواية الاخيرة وإن كانت الطهارة، ولكنها إذا قيست على الادلة الناطقة بالنجاسة في القليل، وإذا لوحظت الطريقة العقلائية في القذارات، لا يستظهر منها إلا نفي الحكم بلسان نفي الموضوع، ضرورة أن الشرع لا يتخذ سبيلا خاصا في التنجيس، وإذا كانت المياه القليلة - حسب الادلة الاولية - نجسة، فلا يستفاد من هذه المآثير الخروج التخصيصي، لقصورها، بل غاية ما يستفاد منها جواز ترتيب آثار الطهارة، كما لا يستفاد منها تصرف الشرع في منجسية الانجاس. فإذا كانت المسألة على مبنى العفو، فلا يجوز سائر الاستعمالات، من غير فرق بين نفس الماء، وبين ملاقياته، إلا جواز الاستفادة من ملاقياته فيما يشترط فيه الطهارة.

[ 131 ]

بل في الغاء الخصوصية بالنسبة الى استعمال ملاقيه في رفع الخبث والحدث إشكال، فضلا عن نفسه. والظاهر أن هذا العفو مخصوص بالمستنجي، فلا عفو بالنسبة الى غيره، لان المتفاهم العرفي كون الحكم تسهيليا على مبنى قاعدة نفي الحرج، وهذا مخصوص به، ولا يشمل غيره، فلو أصاب ثوب غيره بماء استنجى به الاخر، فلا يجوز فيه الصلاة حسب القواعد والصناعة العلمية بالقطع واليقين. توهم عموم رواية الكاهلي والجواب عنه وأما توهم دلالة الرواية التي نقلها " الوسائل " بسند معتبر عن الكاهلي، عن رجل، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت: أمر في الطريق، فيصب علي الميزاب في أوقات أعلم أن الناس يتوضأون. قال: " لا بأس، لا تسأل عنه " (1). بناء على كون المراد من " الوضوء " الاستنجاء كناية، كما أفاده (قدس سره) (2)، فهو في غاية الوهن، لعدم معلومية وجه نفي البأس، وقد مر أن ذلك كما يحتمل كونه لاجل طهارته، أو معفويته بالنسبة الى الكل، يمكن أن يكون لاجل اشتباهه في الموضوع، فإن المراد من الموضوع ليس الاستنجاء، بل المراد أنه يلازمه طبعا واستظهارا، فنفى البأس عنه، ونهى


1 - وسائل الشيعة 1: 222، كتاب الطهارة، أبواب الماء المضاف، الباب 13، الحديث 3. 2 - نفس المصدر، ذيل الحديث 3.

[ 132 ]

عن السؤال، لا لقائه في الشبهة، والله العالم. فما تسلمه الاصحاب (رحمهم الله) على العفو: بأنه معفو مطلقا، أو معفو في غير استعماله في رفع الحدث، أو هو والخبث (1)، غير متين، بل قضية العفو هو الجمود على مقدار الدليل، وهو قاصر عن شمول أزيد مما شرحناه، فتدبر تعرف. تنبيه: حول مسلك الشيخ الاعظم في نجاسة الماء دون تنجيسه قد سلك الشيخ الاعظم (قدس سره) مسلكا، صار نتيجته نجاسة الماء، وعدم تنجيسه الثوب، ونتيجة ذلك طهارة الثوب، فيجوز شرب ما يلاقيه (2)، وأما على العفو فلا يجوز ذلك أيضا عندنا، كما عرفت. وغاية ما أفاد: " أن في المسألة عمومات ثلاثة: أولها: أن النجس منجس. وثانيها: المتنجس منجس. وثالثها: الماء القليل يتنجس بملاقاة النجاسة. ومورد النزاع هو ملاقاة الثوب لماء الاستنجاء، فإن قلنا: بطهارة ماء الاستنجاء، لزمنا رفع اليد عن العموم الاول، وإن قلنا: بنجاسة الماء وطهارة الثوب، لزمنا رفع اليد عن العموم الثاني.


1 - لاحظ مفتاح الكرامة 1: 94 / السطر 29، مدارك الاحكام 1: 125، العروة الوثقى 1: 46 - 47 فصل في المياه، الماء المستعمل في الوضوء، الهامش 4 و 5. 2 - الطهارة، الشيخ الانصاري، 1: 346.

[ 133 ]

وبعد العلم بلزوم رفع اليد عن أحدهما، يقع التعارض بين هذين العمومين، وبعد التساقط يرجع الى العموم الثالث، وهو نجاسة الماء القليل بملاقاة النجاسة. ومعنى هذا أن ماء الاستنجاء نجس، ولكنه للادلة الخاصة في المسألة لا ينجس شيئا " انتهى على ما في تقريرات بعض المعاصرين (1). مناقشة ما أفاده الشيخ الاعظم (قدس سره) أقول: ليس الامر كما أفاده، فإن العموم الثالث لا أصل له، ضرورة أن معنى عموم منجسية النجس أو المتنجس، هو انفعال الماء القليل بالملاقاة، لانه أحد الاشياء التي ينجسها، فهاهنا عمومان طوليان: أحدهما: أن النجس منجس. والثاني: أن المتنجس منجس. ولاريب: أن تخصيص الاول، لا يستلزم تخصيص الثاني، بل يلزم التخصص والخروج الموضوعي، فيدور الامر بين تخصيص كل واحد بأدلة المسألة بعد العلم بالخروج، وقد تقرر عدم قيام الدليل العقلائي على تعيين أحد التخصيصين (2). هذا، بل التحقيق: أنه لا عموم في المسألة إلا واحد، وهو " أن النجس منجس " والقول بتنجيس المتنجس، يتم على القول: بأن


1 - دليل العروة الوثقى 1: 174 - 175. 2 - تقدم في الصفحة 130.

[ 134 ]

المتنجس هو النجس لغة وعرفا، فيشمله العموم الاول، فينحصر العموم في المقام بواحد، وهو " أن النجس منجس " فإن ثبتت نجاسة الماء المستنجى به، فيشمله العموم المزبور، وإلا فلابد حينئذ من المراجعة الى الادلة المتكفلة لصغرى الكبرى المزبورة. وتلك الادلة بين ما يقتضي انفعاله، كأدلة انفعال الماء القليل، وبين ما يقتضي لا انفعا له، وهي أدلة المسألة، وحيث هي أخص من الاولى، تصير النتيجة عدم ثبوت الصغرى للعموم المذكور. نعم، بناء على ما عرفت منا: من أن قضية الجمع بين أدلة انفعال الماء القليل وما ورد هنا، هو العفو (1)، فيثبت نجاسة الماء المستنجى به، ويكون منجسا، لاندراجه تحت الكلي المزبور، إلا أن الشرع ألغى شرطية الطهارة في الثوب ونحوه في الصلاة ونحوها، فيبقى حكم نجاسته ومنجسية النجس، باقيا على حاله، فالعمومات الثلاثة رجعت الى العموم الواحد غير المخصص، والذي هو المخصص عموم شرطية طهارة الثوب واللباس، فيما يشترط فيه طهارته، فافهم واغتنم. فما أفاده (رحمه الله) هنا وعقبه أتباعه في كتبهم، كله خال عن التحصيل، والامر سهل.


1 - تقدم في الصفحة 130.

[ 135 ]

بحث: هل يجوز رفع الحدث والخبث بماء الاستنجاء بناء على طهارته؟ بناء على نجاسة ماء الاستنجاء، فعدم نفوذ استعماله في الخبث والحدث واضح، لان الطهارة شرط في مطهرية المياه، كيف؟! ومعطي الشئ لا يكون فاقده. وأما بناء على طهارته، فهل يترتب عليه جميع أحكامها من الشرب وغيره كما قواه " الحدائق " و " المستند " (1) واحتمله الاردبيلي (رحمه الله) وبعض آخر (2)؟ أو لا يترتب عليه إلا أحكام خاصة، فلا يجوز رفع الحدث والخبث به، ولا يجوز استعماله في الوضوء والغسل المندوبين. نعم، لا يجب الاجتناب عن ملاقياته. ولا أظن التزام أحد بعدم جواز استعماله في الخبث ثانيا، بل الظاهر أن ذلك من ثمرات الخلاف في طهارته ونجاسته، كما في " المدارك " و " المعا لم " و " الذخيرة " (3). أو يفصل بين رفع الخبث والحدث، ويلحق بالثاني الوضوء والغسل المندوبين؟


1 - الحدائق الناضرة 1: 469 و 477، مستند الشيعة 1: 97. 2 - مجمع الفائدة والبرهان 1: 289، جامع المقاصد 1: 129 - 130، مدارك الاحكام 1: 124. 3 - مدارك الاحكام 1: 126، لاحظ مفتاح الكرامة 1: 95 / السطر 2، ذخيرة المعاد: 144 / السطر 5.

[ 136 ]

وإليه ذهب الاصحاب (1)، وإن كان في الالحاق المزبور خلاف، وقال " الجواهر " بجواز ذلك (2)، ومنعه الشيخ (3)، وهو الظاهر من " المدارك " وغيره، لما عرفت أن ثمرة الخلاف عندهم استعماله ثانيا في رفع الخبث، فيعلم منه ممنوعية ذلك في الطهارة المعنوية مطلقا. والذي هو الاوفق بالقواعد الصناعية: ما أفاده " الحدائق " (4) لعدم رجوع الاجماعات المحكية الى محصل، وما استدل به الفقيه الهمداني (5) من رواية ابن سنان (6)، لا يرجع الى ما يركن إليه، مع ضعف سندها. وأما الذي هو الاقرب الى فهم العرف والذوق السليم: أن النظافة والطهارة المعنوية غير حاصلة بمثله (7). ولنعم ما أفاده الوا لد المحقق - مد ظله - هنا - فيما نسب إليه من التقرير - " وهو دعوى انصراف أدلة الوضوء والغسل - المشروعين لحصول التنظيف مقدمة لعبادة المعبود جل اسمه - عن الوضوء والغسل بماء الاستنجاء، بل ينكرون المتشرعة على القائل به، بحيث


1 - لاحظ العروة الوثقى 1: 47 فصل في المياه، الماء المستعمل في الوضوء، مستمسك العروة الوثقى 1: 228، مهذب الاحكام 1: 255. 2 - جواهر الكلام 1: 357. 3 - الطهارة، الشيخ الانصاري 1: 350. 4 - الحدائق الناضرة 1: 477. 5 - مصباح الفقيه، الطهارة: 67 / السطر 2. 6 - تهذيب الاحكام 1: 221 / 630. 7 - والان هو الليلة التاسعة عشرة من رمضان سنة 1388 (منه (قدس سره).

[ 137 ]

يجعلونه كالاحكام المبتدعة. كما أنه لا يبعد انصراف الادلة الواردة في التطهير من النجاسات عن التطهير بهذا الماء وأمثاله " (1) انتهى. ولقد مضى منا بعض الجهات الاخر المورثة لمنع طهورية الماء المستعمل في الاحداث، فضلا عن هذا الماء (2). وأما جواز شربه فهو مشكل، لانه يعد من (الخبائث). نعم، في حرمة كل خبيث عرفي إشكال أيضا، فلا تغفل. فصل هل يجوز رفع الحدث والخبث بالغسالة بناء على طهارتها؟ بناء على نجاسة الغسالة، فلا ريب في سقوط أحكامها، من رافعيتها للحدث والخبث. وأما على القول بطهارتها كما هو الاقرب، فهل هي كغسا لة الاستنجاء على القول بطهارتها، أم هي تختص بدليل؟ الظاهر هو الاول، فتأتي الوجوه المزبورة والادلة المذكورة هنا من غير فرق. نعم، قد يتوهم: أن الاجماعات المحكية عن أساطين الفقهاء - على


1 - الطهارة (تقريرات الامام الخميني (قدس سره) الفاضل اللنكراني: 58 (مخطوط). 2 - تقدم في الصفحة 93.

[ 138 ]

عدم رافعيتها للحدث - مصبها هذا الماء، فهو القدر المتيقن الذي لابد من الالتزام به. وأنت خبير: بأن هذا التقريب يستلزم وهن الاجماعات المنقولة، لاحتمال كون ذلك من صغريات الاجماعات على عدم مطهرية المنجس، ولا يكون مخصوصا بهذه المسألة، وهذا الاحتمال قوي جدا، فلا يقتضي شئ منها. ومن العجب، توهم بعض المعاصرين كفاية رواية عبد الله بن سنان الماضية عنها (1)، لدلالتها على ممنوعية الاستعمال في الحدث - سواء كانت طاهرة أو نجسة - بإ لغاء خصوصية الوضوء (2)!! وأنت خبير: بأنها - مضافا الى ضعف سندها بأحمد بن هلال (3)، وعدم انجبارها بالشهرة العملية - غير تامة دلالة، ضرورة أن ذيلها: " وأما الماء الذي يتوضأ الرجل به، فيغسل وجهه ويده في شئ نظيف، فلا بأس أن يأخذه غيره ويتوضأ به " قرينة على أن النظر الى اعتبار النظافة العرفية في ماء الوضوء، من دون النظر الى الاستعمال في الخبث أو الحدث. مع أن المفروض في صدره أنه قال: " لا بأس بأن يتوضأ بالماء المستعمل ".


1 - مستمسك العروة الوثقى 1: 220 و 228. 2 - تهذيب الاحكام 1: 221 / 630، وسائل الشيعة 1: 215، كتاب الطهارة، أبواب الماء المضاف، الباب 9، الحديث 13. 3 - أحمد بن هلال العبرتائي، كان غاليا، متهما في دينه، وقد روى أكثر اصول أصحابنا. لاحظ رجال النجاشي: 83 / 199، الفهرست، الشيخ الطوسي: 36 / 97.

[ 139 ]

وقال: " الماء الذي يغسل به الثوب أو يغتسل به الرجل من الجنابة، لا يجوز أن يتوضأ منه وأشباهه " فإنه ليس ظاهرا في الثوب المفروض نجاسته، ولا في مفروضية نجاسة البدن. مع أن كلمة: " أشباهه " ظاهرة في رجوع الضمير الى " الماء " أي أشباهه في الكثافة العرفية، فتسقط الرواية عن الاستدلال المقصود في هذه المواقف جدا. نعم، هي شاهدة على ما أبدعناه: من قصور أدلة مطهرية المياه عن إثبات طهورية هذه المياه، بعد كون الموضوعات عرفية. مع أن دعوى الانصراف التي سمعت من الوالد المحقق قريبة (1)، فلاينبغي توهم الملازمة بين الطهارة الشرعية والطهورية العرفية، ولا يصح نسبة هذا الى الشريعة المقدسة المنزهة عن جميع الاوساخ والانجاس، الظاهرية والباطنية. فصل في شروط طهارة ماء الاستنجاء قد اعتبروا في طهارة ماء الاستنجاء شروطا، نشير إليها إجمالا وإن قد مضى أن ماء الاستنجاء لا يكون عندنا مخصوصا بحكم (2)، لان عين القذارة إن


1 - تقدم في الصفحة 136. 2 - تقدم في الصفحة 123.

[ 140 ]

كانت موجودة فهو نجس، قضاء لحق أدلة انفعال القليل. واحتمال كونه طاهرا، بدعوى التعارف الخارجي بين محل الغائط والاستنجاء، أو التعارف الخارجي على بقاء عين الغائط في المحل، وبقائه في الماء، غير بعيد بدوا، ولكن الروايات الثلاث (1) التي عرفتها - بعد رجوعها الى واحدة - اشتملت على فرض الخروج عن الخلاء، وهذا يورث قوة احتمال كون المتعارف في زمن المآثير خلاف ذلك، أو كان كلا الامرين متعارفا، فلايتم التمسك بالاطلاق السكوتي في غيرها لترك الاستفصال، فتدبر. وإن كانت غير موجودة، فهو كالغسالة في الاحكام، وعليه تسقط المباحث الكثيرة التي اشير إليها في الكتب المفصلة والفروع المختلفة، التي أشار إليها " العروة " وغيره (2). ولكن مع ذلك كله، لا بأس بالاشارة الى بعض الجهات اللازمة. فبالجملة: قد اشترط الاعلام شروطا في المسألة: فمنها: عدم تغيره بالنجاسة فإنه مع التغير يصير نجسا.


1 - وسائل الشيعة 1: 221 - 223، كتاب الطهارة، أبواب الماء المضاف، الباب 13، الحديث 1 و 2 و 4. 2 - العروة الوثقى 1: 47 - 48 فصل في المياه، الماء المستعمل في الوضوء المسألة 2، مستند الشيعة 1: 96 - 98.

[ 141 ]

وقد يشكل ذلك: تارة: لاجل ما مر من الاشكال في نجاسة المتغير بالنجس، بمعنى أن الماء إذا لاقى نجسا ثم تغير، وكان زمان التغير غير زمان الملاقاة، فهل هو ينجس أم لا؟ ظاهر جماعة نجاسته مع فرض الاستناد (1)، وقضية ما تحرر منا في محله طهارته (2)، لان الماء المتغير بالنجس يتنجس، لاجل تغيره به وملاقاته، وأما نفس التغير المستند إليه - مع عدم الملاقاة حين التغير وبعده - فلا يورث النجاسة، والملاقاة السابقة غير كافية. ففي المسألة إذا لاقى ماء الاستنجاء مع نجاسة المحل، ثم بعد ذلك تغير، فنجاسته ممنوعة، لما عرفت. وأما توهم: أن المفروض في الشرط هنا، هو كون النجاسة موجودة فيه حال تغيره، فهو فاسد، لان ماء الاستنجاء عندهم نجس حينئذ وإن لم يتغير، كما يأتي في الشرط الخامس (3)، فهذا الشرط لا يكون مفيدا إلا في الصورة السابقة. وأما إذا تغير في المحل، وكان ذلك - أي زمان التغير والاتصال بالنجس - واحدا، فإن كان ذلك متعارفا في الاغلب، فلابد من الالتزام


1 - العروة الوثقى 1: 31 - 32 فصل في المياه، المسألة 14، التنقيح في شرح العروة الوثقى 1: 103، مهذب الاحكام 1: 152. 2 - تقدم في الجزء الاول: 115 وما بعدها. 3 - يأتي في الصفحة 146 - 147.

[ 142 ]

بطهارته، فرارا عن حمل الادلة على الافراد النادرة. وإن كان ذلك غير متعارف كما هو الظاهر، ففي هذه الصورة يمكن الالتزام بنجاسته. واخرى: لاجل دعوى الاطلاق السكوتي في أخبار المسألة (1). وتوهم دلالة التعليل على عدم تغيره بها، في محله، ولكنه في محل المنع سندا ودلالة (2). وثالثة: لاجل عدم ثبوت نجاسة الماء المتغير بكل نجس، إلا على القول باعتبار النبوي (3)، وقد مضى سبيله سندا ودلالة (4)، أو القول بإ لغاء الخصوصية، وهو هنا ممنوع، فإن إطلاقات هذه المسألة مانعة عن الغاء الخصوصية في تلك المسألة. فلو سلمنا التعارض بين أدلة نجاسة المتغير، وأدلة طهارة ماء الاستنجاء، أو سلمنا تقدم تلك الادلة على هذه الادلة - لجهات مذكورة في المفصلات، ومنها: تقدم العموم على الاطلاق، على إشكال فيه أيضا - فلا نسلم صغرى المعارضة بينهما، فتصير النتيجة العمل بهذه المآثير، فيكون الماء المتغير في الفرض المزبور طاهرا.


1 - لاحظ التنقيح في شرح العروة الوثقى 1: 381. 2 - تقدم في الصفحة 125. 3 - المعتبر 1: 40، وسائل الشيعة 1: 135، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 1، الحديث 9. 4 - تقدم في الجزء الاول: 116 و 137 و 189 - 190.

[ 143 ]

ولكن بعد اللتيا والتي، ما هو الاظهر هي النجاسة، لان الاطلاق السكوتي في مآثير هذه المسألة محل منع، وذلك لما تقرر أن من شرائطه عدم الغلبة والانصراف (1)، وهو هنا ممنوع، ضرورة ندرة اتفاق تغير الماء بمجرد الملاقاة مع نجاسة المحل، فيتعين المراجعة الى أدلة نجاسة المتغير، ويتم الغاء الخصوصية في تلك الادلة. ومنها: ما أفاده الشهيد (رحمه الله) في " الذكرى " وهو ازدياد وزن الماء على وزن النجاسة (2)، وحكاه " المعالم " عن " نهاية " العلامة (3)، وقربه الشيخ (4)، وذلك لقوله (عليه السلام): " لان الماء أكثر من القذر " (5) ولا يتصور الاكثرية إلا بحسب الوزن، فلابد منها في عدم الانفعال، ولا يكفي عدم زيادة وزنها عليه، وهذا هو الانسب بكونه شرطا، لا الفرض الاخير وإن نسب الثاني إليهم (قدس سرهم). وأنت خبير: بأن التعليل إما ساقط كما عليه المتأخرون (6)، أو يكون


1 - كفاية الاصول: 288 - 289، تحريرات في الاصول 5: 433. 2 - ذكرى الشيعة: 9 / السطر 11. 3 - لم نعثر على الحاكي، انظر مفتاح الكرامة 1: 95 / السطر 19، نهاية الاحكام 1: 244. 4 - الطهارة، الشيخ الانصاري 1: 351 - 352. 5 - علل الشرائع: 287 / 1، وسائل الشيعة 1: 222، كتاب الطهارة، أبواب الماء المضاف، الباب 13، الحديث 2. 6 - مستمسك العروة الوثقى 1: 225 - 226، التنقيح في شرح العروة الوثقى 1: 362.

[ 144 ]

ناظرا الى الاكثر في الغلبة، كما هو الاقرب عندنا، وقد مضى وجهه (1). وهنا وجه آخر: وهو أن التعليل ناظر الى أن علة عدم تنجسه، عدم غلبة ريح العذرة على الماء، بل الماء غالب على ريح الجيفة، فلا يتنجس، فكأن عدم تنجسه بالملاقاة كان مفروضا، وعدم تنجسه بالتغير معلل بذلك. فبالجملة: إن الاكثرية لا تتصور بين المتباينين إلا في الوزن، ولكن مورد التعليل هو الاستنجاء بالبول، لما عرفت (2)، فهذا تعليل لافادة عدم انفعال الغسالة، من غير فرق بين الاستنجاء وغيره، لان الماء غالب على النجاسة الزائلة به. ومنها: عدم وصول نجاسة إليه من خارج وذلك قضاء لحق أدلة انفعال القليل، وعدم ثبوت إطلاق في أدلة المسألة. وبعبارة اخرى: روايات المقام متعرضة لحكم حيثي، ولا ينبغي الخلط بين الحيثيات. نعم، على فرض الملازمة النوعية الخارجية بين محل الاستنجاء، وبعض النجاسات الاخر، فلابد من القول بطهارته، كما في صلاة الجماعة


1 - تقدم في الصفحة 105. 2 - تقدم في الصفحة 105 - 106.

[ 145 ]

الذين كانوا يصلون خلف يهودي من المدينة الى خراسان، فإن تصحيح تلك الصلاة يلازم صحتها جماعة، للزوم زيادة الركن في تلك المدة الطويلة، أو غيره من الوظائف المتخلف عنها المأموم، فإنه لا معنى الى أنه حكم حيثي، ضرورة أن المستفتي يريد إعادة صلاته عند التخلف، وترك الاستفصال يؤدي الى تركها، كما لا يخفى. ومنها: عدم التعدي الفاحش على وجه لا يصدق معه " الاستنجاء " وهذا ليس من الشروط كما هو الواضح، وحكمه واضح. هذا على القول بنجاسة الغسالة. وأما على القول بطهارتها، فلا حاجة الى رعاية هذا الشرط، لاشتراك ماء الاستنجاء والغسالة في هذه الجهة، بعد لزوم مراعاة الشرط الاتي. ولو شك في موضع أنه تجاوز عن المحل أم لا، فإن قلنا: بإطلاق أدلة الاستنجاء فهو، وإلا فيرجع الى عموم أدلة الانفعال، وقضية ما سلف منا، أنه لا إطلاق في أدلة الاستنجاء إلا إطلاقا سكوتيا ناشئا من ترك الاستفصال (1)، وقد تقرر أن من شرائطه عدم الغلبة والانصراف (2)، وهذا فيما نحن فيه ممنوع، ضرورة أن الغالب عدم التجاوز الى حد يشك في ذلك.


1 - تقدم في الصفحة 129 و 140. 2 - تقدم في الصفحة 143، الهامش 1.

[ 146 ]

فما قد يقال: " من المراجعة الى إطلاقات أدلة الاستنجاء " ناشئ عن توهم الاطلاقات اللفظية لها، مع أن الامر ليس كذلك. ومنها: أن لا يخرج مع البول والغائط نجاسة اخرى مثل الدم وفي كونه شرطا وراء الشرط الاسبق منع. ويدل عليه: أن أدلة المسألة قاصرة، فأدلة انفعال القليل محكمة. وقد يشكل: بأن قضية رواية محمد بن نعمان الاحول الماضية (1)، أن النجاسة الخارجة ليست مورثة للمنع، لقوله فيها: " وأنا جنب " فإن المتفاهم العرفي - كما مر وجهه (2) - أنه كان حين البول جنبا، وكان رأس إحليله ملوثا بالمني، فعند ذلك ومع الغاء الخصوصية، يكون طاهرا ولو كان الخارج دما. نعم، إذا كانت النجاسة من الخارج على الوجه الماضي في الشرط الاسبق (3)، فلا يمكن الغاؤها، لان خصوصية التسهيل في اعتبار طهارة ماء الاستنجاء، ملحوظة ظاهرا. وقد يقال: بأن الدم الخارج إذا كان يعد من البول والغائط - أي


1 - تهذيب الاحكام 1: 86 / 227، وسائل الشيعة 1: 222 - 223، كتاب الطهارة، أبواب الماء المضاف، الباب 13، الحديث 4. 2 - تقدم في الصفحة 119. 3 - تقدم في الصفحة 144.

[ 147 ]

يقال: " إن بوله فيه الدم " أو " في غائطه الدم " - فإنه يكون طاهرا (1)، لاطلاق أدلته، وترك استفصا له عند السؤال، مع أنه لو كان مورثا لنجاسته، كان عليه ذلك. وفيه ما عرفت: من أن التعارف شرط في لزوم السؤال (2)، وهو ممنوع في المثال المزبور، وهكذا إذا كان غائطه دما، لخروجه عن المتعارف، وعدم ثبوت الاطلاق اللفظي. ومنها: أن لا يكون فيه أجزاء من الغائط وفي عده شرطا آخر إشكال، بل منع. ويدل عليه: أن أدلة المسألة، ناظرة الى ملاقاة الماء مع النجاسة في المحل، دون الغائط الخارجي والبول الخارجي، وأدلة انفعال الماء القليل محكمة، كما عرفت (3). وقد يشكل: بأن المتعارف وحدة مكان الخلاء والاستنجاء، فلو كان الماء المزبور نجسا، تلزم لغوية اعتبار طهارته، أو العفو عن ملاقيه، وكيف ارتضوا بإ لحاق ماء الاستنجاء من البول - للغلبة والتلازم الخارجي - بماء الاستنجاء من الغائط، ولا يكونون راضين بذلك؟! واليه أشار


1 - العروة الوثقى 1: 47 - 48 فصل في المياه، الماء المستعمل في الوضوء، المسألة 2. 2 - تقدم في الصفحة 129. 3 - تقدم في الصفحة 140.

[ 148 ]

المحقق الوا لد - مد ظله - (1). ويمكن دعوى: أن ما هو اليوم متعارف هي وحدة المكان، ولكن المتفاهم من قول الاحول: " أخرج من الخلاء فأستنجي " (2) هو أن عادته كانت على الخروج، ولعل في تلك الازمنة كانت الحفر المعدة لذلك، غير مستعدة للاستنجاء عليها بالماء، أو لم تكن حفرة، بل كان يضع على المفازة، ولا يتمكن من التطهير - متعارفا - إلا بالخروج عن محيط الخلاء، فعليه لا يمكن التمسك بالاطلاق السكوتي، ولذلك قلنا: بعدم التفاوت بين الغسالة وماء الاستنجاء، وقلنا: باشتراكهما في الحكم، وسقوط جميع ما أفاده القوم من رأسه هنا (3). ومنها: عدم خروج شئ متنجس معه سواء كان متنجسا بالعذرة، أو كان متنجسا قبل البلع فخرج معها. وهذا أيضا ليس شرطا على حدة، إلا أن الاشارة التفصيلية إليه لا يضاحه لارباب الفضل وطلاب العلوم. واستقواه " الجواهر " وأيده الشيخ (قدس سرهما) (4) ومنعه الاخرون، فقا لوا:


1 - الطهارة (تقريرات الامام الخميني (قدس سره) الفاضل اللنكراني: 57 (مخطوط). 2 - الكافي 3: 13 / 5، وسائل الشيعة 1: 221 - 222، كتاب الطهارة، أبواب الماء المضاف، الباب 13، الحديث 1. 3 - تقدم في الصفحة 129. 4 - جواهر الكلام 1: 357 - 358، الطهارة، الشيخ الانصاري 1: 352.

[ 149 ]

بالطهارة في الفرض الاول، قائلين: " إن المتنجس وإن كان كالمنجس الاجنبي الذي عرفت نجاسة الماء به، ولكن قصور الادلة ممنوع عن شموله: للغلبة أولا. ولكونه مغفولا عنه ثانيا. ولان النجاسة الاتية من قبل الغائط، ليست أشد منه، فكيف يمكن الالتزام بأن ملاقاته مع العذرة لا تورث نجاسته، ولكن ملاقاته مع المتنجس به تورثها؟! " (1). وأنت خبير: بأن الاطلاق السكوتي، لا يكون سندا إلا في صورة الملازمة النوعية، وهي ممنوعة جدا كما هو المفروض، وهو كون الخارج غير ملوث بالعين، بحيث كان هو في الماء، دون الاجزاء العينية من القذارة، لانه مع تلاصق تلك الاجزاء بتلك الاجسام الطاهرة الخارجة، لا يكون الماء عندهم طاهرا، لما مر من الشرط السابق، فعلى ما تقرر يقوى ما سلكه العلمان في النظر. وأما كونه مغفولا عنه، فلا يفيد شيئا. وأما الوجه الثا لث الذي استظهرناه من كلام والدي المحقق - مد ظله - ففيما كان مفروض المسألة ما ذكرناه، فلا معنى للاستبعاد، وفيما كان مفروض المسألة ملاقاة الماء مع الجسم المتنجس عند التطهير


1 - العروة الوثقى 1: 48 فصل في المياه، الماء المستعمل في الوضوء، المسألة 2، مستمسك العروة الوثقى 1: 238، مهذب الاحكام 1: 265.

[ 150 ]

والازالة، بحيث كان مع الجسم أجزاء القذر، حتى يصدق " الاستنجاء " وإلا فمجرد ملاقاته معه في الباطن، لا يورث - عندهم - قذارته الشرعية. فبالجملة: مفروض المسألة هو كون ماء الاستنجاء ملاقيا في المحل للجسم، ولا يبقى فيه من أجزاء العذرة شئ، بل تستهلك فيه، وهذا فرض غير قابل للاتفاق، وعند ذلك لا معنى للتمسك بتلك الاطلاقات السكوتية، فلا تغفل. ومنها: سبق الماء على اليد فلو انعكس فالادلة قاصرة، وأدلة انفعال القليل محكمة. ووجه القصور تعارف السبق. وهذا شرط محكي عن العلامة على ما قيل (1)، ولكن المتأخرين غير راضين به (2)، لعدم التعارف المزبور إلا بمقدار تعارف عكسه. والانصاف: خلافه، ضرورة أن المراجعة الى الوجدان، قاضية بأن استقذار الطبع، يؤدي الى الاستباق الى الماء، وقلما يتفق عكسه، فاليد المتنجسة بالعذرة تؤثر في نجاسة الماء، لكونها من النجاسة غير القائم على عفوها دليل. وهنا وجه آخر لنجاسته: وهو أن اليد السابقة تتلوث بعين


1 - حكي هذا القول عن بعض ولم نعثر على من عزاه إلى العلامة ولا يوجد في كتبه، لاحظ مشارق الشموس: 254 / السطر 4، الحدائق الناضرة 1: 476، جواهر الكلام 1: 358. 2 - العروة الوثقى 1: 48 فصل في المياه، الماء المستعمل في الوضوء، المسألة 3، التنقيح في شرح العروة الوثقى 1: 384.

[ 151 ]

العذرة، فلا تكون إزا لتها عنها من الاستنجاء وإن كان يستنجى بها أيضا، فكأن هذه النجاسة من الخارج، فلا يكون هذا الشرط أيضا شرطا مستقلا. نعم، يخطر بالبال دعوى: أن العرف لا يجد الخصوصية بين السبقين، وينسب التوهم الى الوسوسة. فتحصل: أن قضية الاطلاق السكوتي، هو الاخذ بالقدر المتيقن، إلا في القيود الغالبية والمتعارفة، وإلا في الموارد التي يصح فيها الغاء الخصوصية. ومقتضى القواعد عند الشك في المتعارف، هو الاخذ بالقدر المتيقن أيضا. ومما ذكرناه يظهر وجه النظر في صورة تقارن الصب والملاقاة إشكالا وجوابا، كما أن تمسك الاصحاب (رحمهم الله) طرا بإطلاقات الادلة (1)، ساقط وغفلة كلا. ومنها: قصد الاستنجاء فلو لاقت يده نجاسة المحل لاجل أمر آخر، ثم طرأ عليه قصد الاستنجاء، فلا يكون طاهرا، لما مر مرارا. مع أن هذا ليس شرطا، لان معنى " الاستنجاء " هو القصد الى الخلاص من النجو أو معنى أعم كما مر (2).


1 - لاحظ الطهارة، الشيخ الانصاري 1: 353، التنقيح في شرح العروة الوثقى 1: 385، مهذب الاحكام 1: 265. 2 - تقدم في الصفحة 128.

[ 152 ]

ودعوى: أن استباق اليد الى المحل لامر آخر في أثناء التخلية أو بعدها متعارف، لامساس الحاجة كثيرا إليه، أقرب من دعوى استباق اليد الى المحل من صب الماء بلا جهة تصفية، مع تنفر الطباع عنه. فالشرط المزبور الذي صدقه الاعلام كلهم (1)، ممكن إسقاطه إذا تعقبه قصد الاستنجاء على الفورية العرفية. بل الامزجة اليبوسية كثيرا ما تحتاج الى استعمال اليد في الفراغ، والمعروف أن أمزجة الحجازيين من أيبس الامزجة، فعليه يشكل تصديق الشرط المزبور، ولكنه أحوط جدا. نعم، الملاقاة بغير التعقب بالاستنجاء، أو مع التعقب المتأخر جدا، تورث نجاسة الماء، سواء أزال نجاسة يده بماء آخر، أو أزا لها بماء الاستنجاء. نعم، على القول بطهارة الغسا لة، فلا عبرة بهذه الشروط، كما اشير مرارا (2). ومنها: عدم الاعراض عن القصد المزبور فلو أخل باستدامته، فإن رجع فورا فهو، وإلا ففي طهارته ونجاسته


1 - لاحظ جواهر الكلام 1: 358، الطهارة، الشيخ الانصاري 1: 353، العروة الوثقى 1: 48، فصل في المياه، الماء المستعمل في الوضوء، المسألة 4. 2 - تقدم في الصفحة 140 و 148.

[ 153 ]

وجهان، بل قولان: ظاهر الشيخ في كتابه هو الاول (1)، وصريحه في " حاشية النجاة " الاشكال فيها، خلافا للمعروف بين المتأخرين (2). والوجه - طهارة ونجاسة - واضح، لما عرفت (3). ولو شك في ذلك، فمقتضى ما تقرر هو الاخذ بالقدر المتيقن، إلا على القول بسراية إجمال المخصص والمقيد الى العام والمطلق، كما هو الاقوى. ولكن ربما يتوهم هنا، جريان استصحاب العفو عن النجاسة، لانه إذا قصد الاستنجاء، ولاقت يده نجاسة المحل، فهي نجاسة معفوة غير مؤثرة في الماء، وإذا أعرض يشك في ارتفاع عفوه (4)، فتأمل. وغير خفي: أن مقتضيات المباني في معفوية هذه النجاسة أو غيرها مختلفة، وفي النتيجة يشكل جريانه، كما لا يخفى. ومما يؤيد طهارته وإن عاد بتأخير الغاء الخصوصية عرفا، على الوجه الذي اشير إليه (5)، ويتقوى ذلك بالنظر الى أن مبنى هذا الحكم، تسهيل الامر على العباد، فليتدبر.


1 - الطهارة، الشيخ الانصاري 1: 353. 2 - العروة الوثقى 1: 48، فصل في المياه، الماء المستعمل في الوضوء، المسألة 4، مستمسك العروة الوثقى 1: 239، ولاحظ مهذب الاحكام 1: 265. 3 - تقدم في الصفحة 151 - 152. 4 - مهذب الاحكام 1: 265. 5 - تقدم في الصفحة 151.

[ 154 ]

ومنها: أن يكون المخرج طبيعيا بالذات أو بالعرض والدليل ما أشرنا إليه كرارا، من تمامية أدلة انفعال القليل، وقصور أدلة المسألة عن شمول المخرج غير المعتاد. وهذا الشرط هو المصرح به في كلمات جملة من الاساطين، مع نفيهم الفرق بين الطبيعي وبين غير الطبيعي الذي صار عاديا (1). وقد يقال: بأن " الاستنجاء " من " النجو " وهو مايخرج من البطن، ريحا كان، أو قذرا، فإن كان معناه هو كون المخرج متعارفا (2)، فلا يشمل العارض غير الطبيعي، وإن كان بالنسبة الى شخص المستنجي طبيعيا. وإن كان معناه الاعم - أي الخارج من البطن من غير دخا لة المخرج الخاص في ذلك (3) - فلا فرق بين الطبيعي بالعرض، والحادث في ساعة لاجل قصه. أقول: أولا: إن اشتقاق " الاستنجاء " من " النجو " - وهو جامد - خلاف الاصل، وسيأتي توضيحه في الفصل الاتي (4)، ومضى الايماء إليه (5). وثانيا: مجرد صدق " الاستنجاء " غير كاف، لعدم الاطلاق اللفظي في


1 - جواهر الكلام 1: 357، العروة الوثقى 1: 48 فصل في المياه، الماء المستعمل في الوضوء، المسألة 6، مهذب الاحكام 1: 266. 2 - التنقيح في شرح العروة الوثقى 1: 386. 3 - مستمسك العروة الوثقى 1: 239. 4 - يأتي في الصفحة 156 - 157. 5 - تقدم في الصفحة 128.

[ 155 ]

المسألة، والاطلاق السكوتي مشروط بشرط مضى كرارا (1)، وهو هنا مفقود، فما صنعه المتأخرون - من التمسك بالاطلاق (2) - ذهول وغفلة، فلا تغتر بما في صحفهم. والذي هو الدليل الوحيد، إمكان دعوى الغاء الخصوصية عرفا، أو الاشكال في صحة التمسك بأدلة انفعال الماء القليل، لما مر (3) وتقرر منا في محله: من أن القوانين الكلية، تصير معنونة بالقيود اللاحقة، وتصير قانونا وحدانيا، ويسري من الكل الى الاخر خصوصيات الكلام، من الاجمال وغيره، وعند ذلك يتعين القول بالطهارة، إلا في مورد علم بأنه خارج عن أدلة الاستنجاء، فافهم واغتنم. وقضية ما ذكرناه إشكالا عليهم، عدم الفرق بين كون المخرج غير عادي خلقة، أو صار غير عادي بعدا، وهكذا سواء كان منسدا المخرج الطبيعي، أو كان مفتوحا، والجواب عن الكل أيضا واحد، كما لا يخفى. ومنها: كون الماء واردا على المحل والمخرج فإذا وضع مقعده في ماء قليل، ففي كونه طاهرا إشكال وإن صدق عليه " ماء الاستنجاء " وذلك لان في المآثير كلا وردت كلمة " باء " الظاهرة في أن


1 - تقدم في الصفحة 143. 2 - جواهر الكلام 1: 357، الطهارة، الشيخ الانصاري 1: 351، مصباح الفقيه، الطهارة: 66 / السطر 13. 3 - تقدم في الصفحة 129 - 130 و 134.

[ 156 ]

الماء يصب على المخرج، مع أنه المتعارف، فمجرد صدق " الماء المستعمل في الاستنجاء " غير كاف لطهارته. ومن العجيب، عدم تعرض الاصحاب (رحمهم الله) لمثله!! مع أنه شرط اصطلاحا في المقام، دون المذكورات، ومعتبر حسب الادلة، وقد مضى أنه أيضا خارج عن بحث الغسالة موضوعا (1)، فلاينبغي الخلط. فصل في حكم ماء الاستنجاء من البول لاشبهة في ماء الاستنجاء من الغائط، وأما الاستنجاء من البول فهو - حسب نص الاصحاب (2) - أيضا مثله، ولكن حسب الدليل مشكل، وذلك لان " الاستنجاء " من " النجو " ولا نص في خصوص البول. وغاية ما قيل في المقام دليلا: " إن الغلبة والتلازم الخارجي، تستلزم طهارته، وإلا يلزم لغوية طهارة ماء الاستنجاء " (3). وفيه: أولا: أن ذلك لا يستلزم طهارة الاستنجاء من البول، إذا كان غير مصحوب مع الاخر، مع أن الفتوى على عدم الفرق بين الحالتين: حالة


1 - تقدم في الصفحة 98. 2 - مدارك الاحكام 1: 124، مستند الشيعة 1: 98، الطهارة، الشيخ الانصاري 1: 350 - 351، العروة الوثقى 1: 46 - 47، فصل في المياه، الماء المستعمل في الوضوء. 3 - مستمسك العروة الوثقى 1: 224، التنقيح في شرح العروة الوثقى 1: 383 - 384.

[ 157 ]

الانضمام، وحا لة الانفراد. وتوهم إمكان التجاوز من ذلك الى حالة الانفراد، في غاية الوهن، لان الفرار من لغوية طهارة ماء الاستنجاء أو معفويته، لا يقتضي أزيد من طهارته حال الانضمام. وثانيا: الغلبة في عصر صدور المآثير ممنوعة جدا، لان المتعارف - كما يظهر - هو تعدد مكان الاستنجاء والخلاء، فلا يسري ماء الاول الى الثاني، ولا سيما مع قلة الماء المستعمل في البول، وخصوصا إذا كانت الارض رخوة، فإنه عندئذ يمنع السراية، فلا ملزم بطهارته. فالذي هو الاقرب: أن " النجو " وإن كان بمعنى العذرة، أو ما يخرج من البطن، ولكن كون " الاستنجاء " مشتقا من كلمة " نجو " ممنوع، بل الظاهر أن المراجعة الى " المصباح " وغيره - كما مرت عين عبارته (1) - يعطي أن " الاستنجاء " بمعنى الاستخلاص، ولمشابهة المادة مع مادة " النجو " صار ظاهرا في ذلك، وإلا ففي المآثير كثيرا ما يستعمل في الاعم. أو يقال: إن " الاستنجاء " في محيط الاخبار مستعمل في الاعم، وصار ذلك حقيقة ثانوية لهذه الكلمة (2)، كما قيل بذلك في كلمة " السهو " التي كثيرا ما استعملت في معنى الشك، حتى صار ظاهرا فيه، ومنسلخا ومهجورا عن المعنى الاول (3).


1 - تقدم في الصفحة 128. 2 - مصباح الفقيه، الطهارة: 66 / السطر 9 - 10. 3 - مرآة العقول 15: 227، الحدائق الناضرة 9: 293، جواهر الكلام 12: 418، الخلل في الصلاة، الشيخ الانصاري: 116.

[ 158 ]

بعض الشواهد من المآثير على استعمال " الاستنجاء " في الاعم وقد مرت شواهد من المآثير على الدعوى المزبورة (1)، ومنها: ما في رواية نشيط بن صالح - التي هي مورد العمل - عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته كم يجزي من الماء في الاستنجاء من البول؟ فقال:... (2). ومثلها ما عن حريز، عن زرارة قال: " كان يستنجي من البول ثلاث مرات " (3) وفي ذلك غنى وكفاية. وفي أحاديث البلل المشتبه - المذكورة في الباب الثا لث عشر من أبواب نواقض الوضوء - روايتان تدلان على أعمية الاستنجاء: ففي رواية عبد الملك بن عمرو، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في الرجل يبول، ثم يستنجي، ثم يجد بعد ذلك بللا (4). وفي رواية سماعة - في حديث - قال: " فإن كان بال قبل أن يغتسل فلا يعيد غسله، ولكن يتوضأ ويستنجي " (5) ولعل المتتبع يجد أكثر من ذلك.


1 - تقدم في الصفحة 128 - 129. 2 - تهذيب الاحكام 1: 35 / 93، وسائل الشيعة 1: 344، كتاب الطهارة، أبواب أحكام الخلوة، الباب 26، الحديث 5. 3 - تهذيب الاحكام 1: 209 / 606، وسائل الشيعة 1: 344، كتاب الطهارة، أبواب أحكام الخلوة، الباب 26، الحديث 6. 4 - تهذيب الاحكام 1: 20 / 50، وسائل الشيعة 1: 282 - 283، كتاب الطهارة، أبواب نواقض الوضوء، الباب 13، الحديث 2. 5 - تهذيب الاحكام 1: 144 / 406، وسائل الشيعة 1: 283، كتاب الطهارة، أبواب نواقض الوضوء، الباب 13، الحديث 6.

[ 159 ]

فتحصل: أن " الاستنجاء " وإن قيل: " في اللغة بمعنى غسل موضع النجو أو مسحه " (1)، ولكن في الروايات استعمل في الاعم، بحيث صار حقيقة فيه، أو مرادا منه. أو يقال: بأنه ليس بمعنى الغسل من النجو، بل هو بمعنى الاستخلاص من البول أو الغائط، وقد مضى شطر من البحث حوله (2)، فلا نعيده. هذا مع أن قضية ما مضى منا، أن المتبادر من مورد بعض روايات المسألة، هو الاستنجاء من البول، كما ذكرنا وجهه (3)، فعليه يكون طاهرا. مع أن مقتضى ما تحرر منا في الغسالة (4) تأكد طهارته، وهذا من غير فرق بين الغسالة الاولى والثانية، ولعل ما نسب الى الشيخ من الفرق (5)، محمول على صورة وجود الاجزاء العينية فيها. ثم إن هنا فروعا لا نحتاج الى ذكرها، لوضوحها عند القائلين بطهارة الغسالة، كما أن إطا لة البحث فيما سبق أيضا، غير مناسب على الرأي المتصور، - والله الهادي الى سواء السبيل -.


1 - مهذب الاحكام 1: 254. 2 - تقدم في الصفحة 128. 3 - تقدم في الصفحة 129. 4 - تقدم في الصفحة 117. 5 - مفتاح الكرامة 1: 93 / السطر 30، انظر الخلاف 1: 179.

[ 160 ]

فصل في حكم ملاقي الغسالة بناء على طهارة الغسا لة، يسقط البحث المشهور بين الاعلام حول حكم ملاقيها. وأما بناء على نجاستها، فهل حكم الملاقي حكم المحل قبل الغسل (1)، أو حكم المحل بعده (2)، أو يفصل فملاقي الغسالة الاولى - في مثل البول مثلا - يحتاج الى التعدد، وملاقي الثانية لا يحتاج إليه (3)؟ فيه وجوه، بل أقوال لا وجه لنا للغور فيها. والذي ينبغي: هو الاشارة الى المسألة ووجوهها، فاعلم: أن هذه المسألة أيضا تسقط على القول بعدم منجسية المتنجس. وأيضا لابد من أن تعلم: أن البحث ليس حول كيفية تطهير المتنجس بعين النجس، حتى يتمسك بإطلاق صحيحة زرارة في دم رعاف (4) لا ربط له بهذه المسألة، والعجب من بعض الفضلاء - وإن لا تعجب منه -


1 - لاحظ الدروس الشرعية 1: 122، روض الجنان: 158 / السطر 28. 2 - مفتاح الكرامة 1: 92 / السطر 12. 3 - لاحظ روض الجنان: 159 / السطر 1. 4 - تهذيب الاحكام 1: 421 / 1335، وسائل الشيعة 3: 479، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 42، الحديث 2.

[ 161 ]

تمسكه هنا بمثلها (1)!! بل البحث حول ملاقي الغسالة، والعلم بعدم الفرق بين الموضوعات، منشؤه التمسك بالقياس، أو الاولوية التي يأتي الايماء إليها (2). مقتضى الاصل العملي في المقام فإذا عرفت ذلك، فالذي هو المشهور أن قضية الاستصحاب، هو بقاء النجاسة الى أن يعلم المزيل، وبناء على تمامية الشبهة المعروفة عن النراقي - من معارضة الاستصحابات الحكمية باستصحاب العدم الازلي (3) - يشكل جريانه، كما اعتقده الفاضل المزبور (4). وهذا أيضا من العجائب! وذلك لعدم تمامية الشبهة، كما تقرر في محلها (5)، ولان النجاسة ليست من الاحكام الشرعية، وضعية وغير وضعية، بل هي من الموضوعات العرفية كالبيع، فتارة: أمضاها الشرع، واخرى: لم يمضها، وقد مر تفصيل ذلك وخصوص هذه المسألة في المباحث الماضية (6). نعم، قد يشكل جريان الاستصحاب، لاجل أن النجاسة والطهارة،


1 - التنقيح في شرح العروة الوثقى 1: 396. 2 - يأتي في الصفحة 164. 3 - مناهج الاحكام والاصول: 237 - 238. 4 - التنقيح في شرح العروة الوثقى 1: 395، مصباح الاصول 3: 36. 5 - تحريرات في الاصول 8: 525 - 529. 6 - تقدم في الجزء الاول: 27.

[ 162 ]

ذات تشكيك اعتباري عرفا وشرعا، حسب اختلاف أحكامهما في الشرع المقدس، واختلاف العرف في الاهتمام بالتطهير، والذي هو المقطوع به هي المرتبة التي تزول بالغسلة الاولى، والمرتبة الثانية مشكوكة الوجود، فيكون من قبيل الاقل والاكثر، وقضية استصحاب العدم النعتي، عدم تنجس الملاقي إلا بالمرتبة الاولى المعلومة من دليل منجسية كل متنجس، فالثوب الملاقي للغسالة، مسبوق بعدم تنجسه بنجاسة ضعيفة وشديدة، والمقدار المنتقض هو تنجسه بالاولى، دون الثانية فليتدبر، فعلى هذا يشكل ما أفاده القوم هنا. وأما على تقدير جريان استصحاب النجاسة، فمقتضى الاعتبار أن الغسالة حاملة للنجس، فإن كانت حاملة للبول فيجب التعدد، بناء على لزوم تعدده فيه، وإن كانت حاملة لغيره فلا، وعليه لا يجب التعدد في الملاقي للغسلة الثانية، لان البول قد زال بالاولى. نعم، يجب مرة قضاء لحق تنجسه به، كما هو المفروض، ولا يجب التعفير في ملاقي الغسلة الاولى في ولوغ الكلب، لان النجاسة زا لت بالتراب. نعم، إذا لاقى التراب شيئا ونجسه، فلا يبعد كون الاعتبار مساعدا على وجوب التعفير. ولكن الادلة في تلك المسألة، ربما تكون ناهضة لرفع الشك، لاطلاقها السكوتي، وأما في الغسالة فلا دليل يعتمد عليه إلا رواية

[ 163 ]

العيص بن القاسم (1)، التي قد مضى حالها (2). مع أن في دلالتها إشكالا، لاجل أن مجرد الامر بالغسل، غير كاف لتمامية المطلوب، لامكان إهماله، ضرورة أن المقصود تارة: يكون ذكر كيفية التطهير، واخرى: يكون ذكر عدم نجاسة أمر آخر تعرضه، كما في تلك الرواية، فإن المتفاهم منها، إفادة عدم نجاسة غسالة الوضوء، دون نجاسة ملاقي غسالة البول، فلا تذهل، فما أفاده القوم من تمامية الدلالة، غير مقبول جدا (3). التمسك بالنبوي لنفي تعدد الغسل وجوابه وقد يتوهم: أن إطلاق النبوي المشهور المثبت لطهورية الماء (4)، يكون رافعا للشك، لان كيفية التطهير والتنجس ليست من المخترعات الشرعية، ولا تصرف للشارع فيهما، فيرجع الى العرف، وهو القاضي بالمرة (5). وفيه: - بعد الغض عن السند - أن المراد من " الطهورية " فيه غير


1 - ذكرى الشيعة: 9 / السطر 17، وسائل الشيعة 1: 215، كتاب الطهارة، أبواب الماء المضاف، الباب 9، الحديث 14. 2 - تقدم في الصفحة 113. 3 - مصباح الفقيه، الطهارة: 61 / السطر 17 - 21، مستمسك العروة الوثقى 1: 230. 4 - المعتبر 1: 40، وسائل الشيعة 1: 135، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 1، الحديث 9. 5 - مستمسك العروة الوثقى 1: 243.

[ 164 ]

واضح، والقدر المتيقن منه هو اعتصام الماء، لقوله: " لا ينجسه شئ " ولو سلمنا أنه في مقام إفادة أنه إذا كان لا ينجسه شئ فتطهر به عند الملاقاة، ولكن لا نسلم كونه من هذه الجهة ذا إطلاق رافع لهذه الشكوك، ومجرد عدم ابتكار الشرع شيئا في كيفية التطهير غير كاف، لانه مما يصح إذا كان الامر كذلك في جميع التطهيرات، ولكن العرف إذا توجه الى تصرفه في مواضع غير عديدة في كيفية التطهير، فلا يجد بين تلك الاطلاق والنبوي تعارضا بدويا، فيجمع بينهما بالاطلاق والتقييد. بل من هنا يتنبه الى عدم الاطلاق له من هذه الجهة، كما لا يخفى. فتحصل الى هنا، قصور الادلة عن التعرض لحال ملاقي الغسا لة، وأن الوجوه والاعتبارات الذوقية وإن كانت تقتضي التفصيل، ولكن ذلك مشكل جدا، كما أن الالتزام بتعدد الغسل في ملاقي غسالة ما لا تعدد فيه، أو في ملاقي الغسالة الثانية في البول - بل الالتزام بالمرات في ملاقي الغسلة الاخيرة في ولوغ الكلب - أشد إشكالا. فدعوى حصول الطهارة في الملاقي للغسالة في المرة الاولى قريبة، لعدم مساعدة العرف إلا على ذلك، لا للقياس والاستحسان، عدا ملاقي الغسلة الاولى فيما تحتاج التعدد. دعوى وضوح حكم الغسالة بين المعاصرين للائمة (عليهم السلام) ويمكن دعوى: أن المسألة لو كانت غير واضحة لارباب الروايات ولعلماء المذهب، لكانت مورد السؤال، فيعلم منه وضوح حكمها من الاول

[ 165 ]

من غير الحاجة الى الرواية. وقد يتمسك (1) بما رواه " الوسائل " عن عمار الساباطي، عن أبي عبد الله (عليه السلام): أنه سئل عن رجل ليس معه إلا ثوب، ولا تحل الصلاة فيه، وليس يجد ماء يغسله، كيف يصنع؟ قال: " يتيمم ويصلي، فإذا أصاب ماء غسله، وأعاد الصلاة " (2). ضرورة أن عدم الحل، أعم من كونه متنجسا بالغسالة أو بغيرها. وما رواه الكليني (رحمه الله) مرسلا، عن أبي الحسن (عليه السلام) في طين المطر: " أنه لا بأس به أن يصيب الثوب ثلاثة أيام، إلا أن يعلم أنه قد نجسه شئ بعد المطر، فإن أصابه بعد ثلاثة أيام فاغسله، وإن كان الطريق نظيفا لم تغسله " (3). وقضية الاطلاق أعم مما نجسه البول مثلا أو غسالته. والظاهر أنهما معتبران. الجواب عن مستندي الدعوى السابقة ولكن قد تشكل الاولى: بأن كون حكم الغسالة معلوما عند الساباطي، غير معلوم، فالاطلاق الناشئ من ترك الاستفصال، غير تام. مع أن من شرائطه - كما مر - عدم الانصراف (4).


1 - التنقيح في شرح العروة الوثقى 1: 396. 2 - وسائل الشيعة 1: 485، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 45، الحديث 8. 3 - الكافي 3: 13 / 4. 4 - تقدم في الصفحة 143.

[ 166 ]

ولو ثبت الاطلاق، يلزم التعارض بينها وبين ما دل على التعدد في البول. مع أن الذهن العرفي لا يرى خلافا بدويا بينهما جدا. وتشكل الثانية: بعدم إمكان العمل بجميع مضمونها. إثبات نجاسة ملاقي الغسالة وكفاية المرة ولكن الذي يسهل الخطب: أن المراجعة الى الادلة في باب غسل النجاسات، تورث القطع بعدم الخصوصية بين ملاقيها وملاقي غسالتها، لو لم يحصل الظن بخفة النجاسة. ويدل على كفاية المرة، ما في " المختلف " عن ابن أبي عقيل، عن أبي جعفر (عليه السلام) أنه قال: " إن هذا " مشيرا الى كوز فيه الماء " لا يصيب شيئا إلا طهره، ولا تعد منه غسلا " (1) (2).


1 - جامع الاحاديث أبواب المياه، الباب 1، الحديث 4، ] 2: 5 [ وفي هذا الباب ما يكفي الفقيه قطعا لرفع شبهته، وأن مجرد الغسل وغلبة الماء، كاف في حصول الطهارة (منه (قدس سره). 2 - مختلف الشيعة: 3 / السطر 4.

[ 167 ]

المبحث العاشر في الماء المشتبه من حيث الطهارة والنجاسة ويتم مباحثه في فصول:

[ 169 ]

فصل هل يجوز استعمال الماء المشتبهة نجاسته؟ لا شبهة في أن الماء المتنجس لا يزيل الحدث والخبث، ولو سلم إمكان إشكال في المسألة، من حيث الادلة عموما أو إطلاقا، ولكنه أمر مفروغ عنه، وعليه الاجماع والاتفاق بين الفرق، ويساعده الاعتبار. فإذا كانت النجاسة معلومة، أو قامت الحجة الشرعية العقلائية أو التأسيسية - كالاستصحاب - عليها، فلا يجوز استعماله، وإلا ففي جواز استعماله وعدمه وجهان: من أن الطهارة المشروطة غير محرزة، مع لزوم ذلك قطعا، وإلا فقضية الاستصحاب عدم إزالة النجاسة عن المحل. ومن أن مقتضى الاستصحاب هي الطهارة، ضرورة أن الماء - بل كل شئ - حسب الخلقة طاهر، لشهادة الوجدان، ولمراجعة الشرع بعد تحديد النجاسات في عدد معين. وفيما إذا احتمل اقتران النجاسة مع وجوده - بمعنى أنه وجد

[ 170 ]

متنجسا - يرجع الى قاعدة الطهارة الناطقة بها الروايات: ففي موثق عمار، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث قال: " كل شئ نظيف حتى تعلم أنه قذر، فإذا علمت فقد قذر، وما لم تعلم فليس عليك " (1). وفي " الفقيه " قال: قال الصادق (عليه السلام): " كل ماء طاهر إلا ما علمت أنه قذر " (2). وفي " الكافي " وغيره، عن حماد بن عيسى، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " الماء كله طاهر حتى يعلم أنه قذر " (3). وإرسال الصدوق كإسناده عند جماعة من المحققين (4)، خلافا للتحقيق. ورواية ابن عيسى غير معتبرة، لما في سندها الحسن بن الحسين اللؤلؤي (5)، ورواها في موضع آخر أخذ منه (6) " الفقيه " وفي سنده أبو داود المنشد الذي لم يثبت اعتباره، وجعفر بن محمد المجهول، فهي - على


1 - تهذيب الاحكام 1: 284 / 832، وسائل الشيعة 3: 467، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 37، الحديث 4. 2 - الفقيه 1: 6 / 1. 3 - الكافي 3: 1 / 3، تهذيب الاحكام 1: 216 / 621، وسائل الشيعة 1: 134، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 1، الحديث 5. 4 - الحبل المتين: 11 / السطور الاخيرة، لاحظ مقباس الهداية 1: 357، البيع، الامام الخميني (قدس سره) 2: 468. 5 - رجال النجاشي: 348 / 939، رجال الطوسي: 469 / 45، معجم رجال الحديث 4: 308. 6 - الكافي 3: 1 / 3.

[ 171 ]

المشهور - غير معتبرة (1). الاعتراض على التمسك بقاعدة الطهارة واستصحابها في المقام وقد يشكل: بأن مفاد قاعدة الطهارة، قاصر عن إحراز الشرط المعتبر في مطهرية الماء، وهي الطهارة الواقعية حسب الادلة الاولية، واستصحاب طهارة الماء لا يحرز قيد الموضوع المركب، إلا على الاصل المثبت، ضرورة أن موضوع الدليل الاجتهادي هو " أن الماء الطاهر يزيل الحدث والخبث " وإحراز القيد بالاصل، والمقيد بالوجدان، لا يستلزم إحراز التقيد، كما مر مرارا (2)، فيتعين الوجه الاول. وتوهم: أن ذلك يستلزم عدم جريان الاستصحاب فيما كانت حا لته السابقة النجاسة، لا يفيد شيئا، لان عدم جريانه لا يورث جواز الاستعمال، ضرورة أن إحراز الطهارة شرط كما هو المتسالم عليه، ولعل لذلك الاشكال سكت " العروة الوثقى " عن حكم طهورية الماء المشتبه، وقال: " الماء المشكوك نجاسته طاهر، إلا مع العلم بنجاسته سابقا " (3) مع أن اللازم التعرض لحكم مطهريته، لانه مورد البحث، وإلا فكل مشكوك طاهر، من غير الاحتياج الى عقد بحث له. والعجب من شراح كلامه، حيث غفلوا عن الجهة المبحوث عنها


1 - لاحظ روضة المتقين 1: 32، ومرآة العقول 13: 6. 2 - تقدم في الجزء الاول: 219. 3 - العروة الوثقى 1: 49 فصل في المياه، الماء المشكوك نجاسته.

[ 172 ]

في المياه، وبنوا كلامهم على إثبات طهارته عند الشك (1)!! وعلى كل تقدير يسهل الامر. تصحيح التمسك بالاستصحاب لاحراز طهارة ما تعلم حالته السابقة أقول: قد مر منا، أن المطهرية بنفسها قابلة للاستصحاب (2)، ففيما كانت له الحالة السابقة، فلا حاجة الى استصحاب القيد وهو الطهارة، حتى يقال: بأن الموضوع المركب لا يحرز بإحراز بعض أجزائه بالاصل، وبعضه بالوجدان، بل الماء المشكوك طهارته مشكوك طهوريته، والطهورية كانت مسبوقة باليقين، فتستصحب. ولو قيل: إن المطهرية ليست من الاحكام الجعلية. قلنا: يكفي في ذلك كونها من الاحكام الانجعالية والامضائية، فكما أن الشرع منع مطهرية الماء المتنجس بنجاسة شرعية، كذلك عليه إمضاء المطهرية العرفية، فهي تصير قابلة للاستصحاب. الاستشكال فيما لم تعلم حالته السابقة وجوابه وفيما لم تكن له الحالة السابقة، فقد يشكل الفرار من الاشكال، لا لاجل توهم قصور الحاكمية لقاعدة الطهارة على الادلة الاولية، فإنا قد


1 - مستمسك العروة الوثقى 1: 244، التنقيح في شرح العروة الوثقى 1: 397. 2 - تقدم في الجزء الاول: 32.

[ 173 ]

بينا القول بالاجزاء حتى في الامارات، بل في القطع (1)، لانه منها ومثلها في كونه حجة انجعالية، وليست حجيته ذاتية على ما هو المشهور بين أبناء العصر (2)، والتفصيل موكول الى محله (3). بل لاجل أن موضوع الدليل مركب، وهو " الماء الطاهر " إجماعا، وقاعدة الطهارة لا تكون متعرضة إلا لكون الماء طاهرا بنحو النسبة التامة، وأما إرجاع النسبة التامة الى النسبة الناقصة، فهو بحكم العقل، فلا يحرز موضوع الادلة الاجتهادية، فما توهمه القوم وأبناء التدقيق من كفايتها، في غير محله. نعم، السيرة القطعية على عدم الاعتناء بمثل هذه الشبهة، ضرورة أن بناء المتشرعة على التطهير بالمياه. مع أن العلم بطهارتها من الامر المعلوم عدمه، فيتعين الوجه الثاني. التمسك بالنبوي لاثبات طهارة المياه في الشبهات الموضوعية ثم إن مما خفي عليهم، إمكان التمسك بالنبوي (4) في موارد الشك في طهارة المياه، معتقدين أن الادلة الاجتهادية ليست رافعة للشك في


1 - تحريرات في الاصول 2: 301. 2 - فرائد الاصول 1: 4، كفاية الاصول: 297، فوائد الاصول 3: 6، نهاية الافكار 3: 6. 3 - تحريرات في الاصول 6: 20 وما بعدها. 4 - " خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شئ إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه ". المعتبر 1: 40، وسائل الشيعة 1: 135، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 1، الحديث 9.

[ 174 ]

الشبهات الموضوعية، غافلين عن أن الامر هنا ليس كما توهموه، وذلك لان ما هو موضوع النبوي هو " الماء " وهو معلوم، وما هو حكمه هو الطهورية، وهي مشكوكة، ضرورة أن الشك في طهارته يستلزم الشبهة في طهوريته، وإذا حكم النبوي بطهورية كل ماء، يلزم منه ارتفاع الشك في طهارته، للملازمة القطعية. نعم، بناء على كون موضوعه هو " الماء الطاهر " فلا يمكن التمسك كما لا يخفى. وهذا نظير تمسكهم ب‍ (أوفوا بالعقود) (1) لصحة بعض العقود المستحدثة، قائلين: " إن اللزوم يلازم الصحة عقلا ". هذا كله حكم الماء المشتبه بالشبهة الموضوعية، وأما الحكمية فقد مضت أحكامها في أول الكتاب، فراجع (2). فصل في حكم الشبهتين المحصورة وغيرها إذا علم إجمالا: بنجاسة ماء في إحدى الاناءات، ولم يكن لها الحالة السابقة، أو لو كانت لاحداها الحالة السابقة لم تكن معينة،


1 - المائدة (5): 1. 2 - تقدم في الجزء الاول: 15 وما بعدها.

[ 175 ]

فهل يجب الاجتناب عن الكل، أو لا يجب؟ أو يفصل بين الشبهة المحصورة وغير المحصورة؟ أو يقال: بالتفصيل بين الاحكام، فيجوز شرب الجميع أو واحد منها، ولايجوز التطهير به، بل يجب إراقته ويتيمم؟ وجوه، بل وأقوال، تفصيلها في الكتب الاصولية. والذي ينبغي الايماء إليه: أن النظر هنا الى مطهرية مثله، دون الاحكام الاخر المشتركة معه سائر الاشياء، وقد مر ذهول " العروة " عن ذلك (1)، ولذا فرع عليه المسائل المشتركة فيها جميع الاشياء، ومنها المياه. جريان الاصول الترخيصية في أطراف العلم الاجمالي أقول: قضية ما تحرر في الاصول، لزوم الاجتناب في الشبهة المحصورة، وعدم لزومه في غير المحصورة (2)، ومقتضى ما تحرر منا في محله: أن أدلة الاصول إذا كانت جارية في أطراف العلم الاجما لي، فلا مانع من الاخذ بها، وتكون مقدمة على الادلة الواقعية، بملاك تقدم الادلة المتكفلة للاحكام الظاهرية على الواقعية (3). وتوهم عدم جريانها، لحصول غاياتها، كتوهم تعارضها في أطرافها (4)،


1 - تقدم في الصفحة 171. 2 - فرائد الاصول 2: 407 و 430. 3 - تحريرات في الاصول 7: 331. 4 - مصباح الاصول 2: 346.

[ 176 ]

لان حصول الغاية ممنوع بالوجدان، والسقوط بالمعارضة، فرع مقاومة الادلة الواقعية معها. على أن المدعى، هو تقدم ملاك الترخيص على ملاك الحكم الواقعي المعلوم بالاجمال، ضرورة أن هذا هو مقتضى الجريان، وإلا فالانسب منع جريانها في أطرافها، فكما أن في الشبهات البدوية، لا يعقل الترخيص إلا بعد مضي الشرع عن الواقع، وإلا فلو كان ملتزما بحكمه الواقعي، فلا يعقل منه إرادة الترخيص، كذلك في المقرون بالعلم الاجما لي، فإن له المضي عن الواقع، وجريان الاصول كاشف عن ذلك، فلا تصل النوبة الى الاخذ بالاطلاقات والعمومات، لانها متوقفة على كونها منجرة الى الصغرى المعلومة، والعلم الاجمالي بصغراها، كاف لولا الاصول المرخصة النافية لاثر تلك الكبريات. فبالجملة: في المسألة (إن قلت قلتات) تعرضنا لها في كتابنا المحرر في الاصول، ومن شاء فليأخذ منه، فإن الباب مفتوح (1). نعم، إذا علمنا إجمالا بروح الحكم، فالترخيص في أحد الطرفين ممتنع، فلا يجري الاصل. وتوهم مضيه هنا مناف وخلف للمفروض، وهو العلم بروح الحكم والقطع بإرادة المولى. فلا منع من مضيه عن حكمه في الشبهات البدوية، لانها القدر المتيقن من أدلة الاصول، فلابد من ذلك قهرا. وإن شئت قلت: مع قطع النظر عن أدلة الاصول، يجب الاجتناب في


1 - تحريرات في الاصول 7: 320 وما بعدها.

[ 177 ]

الشبهات المقرونة - دون البدوية - عقلا، لتمامية البيان، ومع النظر إليها فلابد من الالتزام بمفادها، ونتيجة ذلك مضي المولى عن حكمه - لو كان - في البدويات، وأما في المقرونة بالعلم فلا يعلم مضيه، وبعد وجود المطلقات الواقعية لابد من الاخذ بها. فعلى هذا، يتم ما أفاده الوالد المحقق - مد ظله -: من جواز جريانها في الشبهات البدوية، دون المقرونة (1)، ويتم ما استدركناه من فرض العلم بروح التكليف، أو احتمال التكليف الذي لا يتجاوز عنه. وأما قضية ما سلف، فهو أن جريان الاصول في الاطراف، يستلزم سقوط الاحتمال المزبور، فافهم وتدبر جيدا. الروايات الظاهرة في عدم تنجيز العلم الاجمالي ثم إن ما ذكرنا مؤيد بروايات كثيرة متفرقة: منها: ما في " الوسائل " عن " المحاسن " عن أبي الجارود قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الجبن، فقلت له: أخبرني من رأى أنه يجعل فيه الميتة. فقال (عليه السلام): " أمن أجل مكان واحد يجعل فيه الميتة، حرم في جميع الارضين؟! إذا علمت أنه ميتة فلا تأكله، وإن لم تعلم فاشتر وبع وكل، والله، إني لاعترض السوق فأشتري اللحم والسمن والجبن، والله ما أظن كلهم يسمون، هذه البربر، وهذه السودان " (2).


1 - تهذيب الاصول 2: 264. 2 - المحاسن: 495 / 597، وسائل الشيعة 25: 119، كتاب الاطعمة والاشربة، أبواب الاطعمة المباحة، الباب 61، الحديث 5.

[ 178 ]

ومنها: معتبر حنان بن سدير قال: سئل أبو عبد الله (عليه السلام) وأنا حاضر عنده، عن جدي رضع من لبن خنزيرة، حتى شب وكبر واشتد عظمه، ثم إن رجلا استفحله في غنمه، فخرج له نسل. فقال: " ما عرفت من نسله بعينه فلا تقربنه، وأما ما لا تعرفه فكله، فهو بمنزلة الجبن، ولا تسأل عنه " (1). ومنها: معتبر بشير بن سلمة، عن أبي الحسن (عليه السلام) - المروية في " الوسائل " في باب تحريم الجدي الذي يرتضع من لبن الخنزيرة - قال (عليه السلام): " هو بمنزلة الجبن، فما عرفت أنه ضربه فلا تأكل، وما لم تعرفه فكل " (2). ومنها: معتبر ضريس قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن السمن والجبن في أرض المشركين بالروم، أنأكله؟ فقال (عليه السلام): " أما علمت أنه قد خلطه الحرام فلا تأكله، وأما ما لم تعلم فكله، حتى تعلم أنه حرام " (3). وغير ذلك من المذكورات في " الحدائق " وغيرها (4).


1 - الكافي 6: 249 / 1، وسائل الشيعة 24: 161، كتاب الاطعمة والاشربة، أبواب الاطعمة المحرمة، الباب 25، الحديث 1. 2 - الكافي 6: 250 / 3، وسائل الشيعة 24: 162، كتاب الاطعمة والاشربة، أبواب الاطعمة المحرمة، الباب 25، الحديث 2. 3 - تهذيب الاحكام 9: 79 / 336، وسائل الشيعة 24: 235، كتاب الاطعمة والاشربة، أبواب الاطعمة المحرمة، الباب 64، الحديث 1. 4 - الحدائق الناضرة 1: 507 - 511، جواهر الكلام 1: 295.

[ 179 ]

ولاريب في أنها ظاهرة في المحصورة، بل وكلمة " العين " والضمير في قوله: " أنه ضربه " وفي قوله: " أنه قد خلطه " يفيد أن الواجب الاجتناب هو المعلوم التفصيلي، دون غيره. وترك الاستفصال بعد قوله: " في غنمه " شاهد على الاعم، مع أن غنمه ليس خارجا عن الشبهة المحصورة متعارفا. وأما ما ورد من الامر بالقرعة في الموطوء المشتبه (1)، فهو - مضافا الى أن فيه وهنا، لاجل خروجه عن مصب القرعة عند العقلاء - لا يدل إلا على أهمية حرمة الموطوء، فلا تخلط. تنجيز العلم الاجمالي موجب للهرج والمرج في الاسواق والتجارات فتحصل إلى هنا: أن ما أفاده العلمان المحققان، الخونساري والقمي (صلى الله عليه وسلم): من جواز الاقتحام في جميع الاطراف، في نهاية المتانة (2). مع أنه يلزم الهرج والمرج في الاسواق والتجارات، ضرورة أنه قلما يتفق أن لا يعلم إجمالا بوجود حرام في مال التجار، مع عدم قيامهم بالوظائف الشرعية، من إعطاء الزكوات والاخماس. وكونها من الشبهة غير المحصورة، أو من الخارج عن محل الابتلاء، أو أن من شرائط التأثير عدم لزوم الحرج والضرر، كله خال عن التحصيل من جهات عديدة. والذي هو حكم العقل، لزوم الاجتناب من غير فرق بين المحصورة


1 - وسائل الشيعة 24: 169، كتاب الاطعمة والاشربة، أبواب الاطعمة المحرمة، الباب 30، الحديث 1 و 4. 2 - مشارق الشموس: 281 / السطر 30، قوانين الاصول 2: 25 و 36.

[ 180 ]

وغير المحصورة، والخارج عن الابتلاء وغيره. وأما إذا استلزم الضرر والحرج، فما هو اللازم منه مرفوع، دون غيره. وهذا خلاف النصوص في المسألة المتفرقة في الابواب المختلفة. واختصاص ما ورد بعنوان " كل شئ فيه حلال وحرام " (1) في الاموال المختلطة بالربا وأمثال ذلك كما قيل (2)، في غير محله. والامر بعد ذلك صار كالشمس وضحاها فلا تكن غافلا. تنبيه: في الموارد الخاصة التي يجب فيها الاحتياط هذا كله حكم كلي، وقد خرجنا عنه في مواضع، لاجل النصوص الخاصة، أو لاجل أهمية وجدناها من الشرع حتى في الشبهات البدوية، كالاعراض والنفوس. ومن تلك المواقف: جواز البدار الى الطهارة الترابية، فيما إذا كانت أحد الاناءين معلوم النجاسة إجمالا، فإنه بمقتضى النص (3) - يجب الاهراق، ثم التيمم، وهذا على خلاف القاعدة من غير جهة واحدة، ضرورة إمكان التوضي بالماءين من غير لزوم نجاسة البدن، إلا احتمالا غير مسبوق باليقين، كما لا يخفى في بعض صور المسألة.


1 - الفقيه 3: 216 / 1002، وسائل الشيعة 17: 87، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 4، الحديث 1. 2 - حاشية المكاسب، السيد اليزدي: 33، تهذيب الاصول 2: 175. 3 - الكافي 3: 10 / 6، وسائل الشيعة 1: 151، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 8، الحديث 2.

[ 181 ]

مع أن إطلاق الامر قاض بوجوب التيمم مطلقا. وسيأتي زيادة توضيح حول خصوص المسألة في بعض الفصول الاتية (1). وربما يخطر بالبال على ما تقرر: أن الشبهات المقرونة بالعلم الاجمالي، إذا كانت ذات طرفين، أو أطراف ثلاثة، أو أربعة، يجب فيها الاحتياط، وذلك لخصوص ما في بعض النصوص: من ترتيب آثار العلم، كما في الاناءين المزبورين، وفي القبلة المشتبهة التي يجب الصلاة فيها الى الجوانب الاربعة (2)، فإن من ذلك يعلم أهمية الحكم الواقعي من الترخيص الظاهري. ولان نفوس المتشرعة تجد لزوم الاجتناب في هذه الفروض، وأما إذا بلغت الى العشرة وأزيد، فلا تجد لزوم الاجتناب عن الواحد المحتاج إليه. وليس ذلك لما قيل أو يقال في الشبهة غير المحصورة (3)، لما ذكرنا في محله: أن قضية القواعد هو الاجتناب من غير فرق بين الصور، حتى صورة الخروج عن محل الابتلاء (4). فالسيرة كما هي قائمة على عدم الاعتناء بالخارج عن محل الابتلاء، كذلك هي قائمة على عدم الاعتناء بالخارج عن مورد الحاجة فعلا، وإن كان يمكن اتفاق الاحتياج إليه في الزمان المتأخر، فتجويز شرب الاناءين المعلوم أحدهما نجس أو خمر، غير ممكن حسب المرتكز الاسلامي


1 - يأتي في الصفحة 193 - 194. 2 - وسائل الشيعة 4: 310، كتاب الصلاة، أبواب القبلة، الباب 8. 3 - فرائد الاصول 2: 430، مصباح الاصول 2: 376. 4 - تحريرات في الاصول 7: 503.

[ 182 ]

والمغروس في أذهان المؤمنين، ويعد هذا من المنكر القطعي، فعليه يجب الاحتياط في كل موضع يكون كذلك، على خلاف الاصل الاولي. والاشكال في استفادة الاهمية للحكم الواقعي من الامر بالصلاة الى الجوانب الاربعة: بأن ذلك قضية حكم العقل بلزوم الامتثال، مع عدم قيام دليل مرخص يورث كفاية المأتي به عن المأمور به الواقعي، ضرورة أن قاعدة الحل، لا تقتضي أزيد من حلية الصلاة الى طرف، وأما أنها الصلاة الواجدة للشرط، فلا تدل هي عليها، مثل الاشكال في صحة الصلاة في الثوب المشتبه، فإن قاعدة الحلية، لا تورث كون الصلاة مع الشرط المعتبر فيها، مع أن كثيرا من الاصحاب تمسكوا بها عند الشك. ولكنه عندنا غير تام، فلتكن على ذكر حتى يأتيك بعض ما ينفعك، إن شاء الله تعالى (1). فذلكة الكلام: إن قضية العقل تنجز التكليف بالعلم الاجمالي، ومقتضى الجمع بين الاصول وأدلة الاحكام في موارد العلم الاجمالي، هو الترخيص في جميع الاطراف، بلا فرق بين المحصورة وغير المحصورة، وقضية السيرة العملية ومقتضى الاذهان الشرعية وبعض الادلة الخاصة، هو الاحتياط في مواقف معينة اشير إليها، فيسقط بحث الشبهة المحصورة وغير المحصورة، والتفحص عن المراد من الثانية موضوعا، وقد بلغت الاقوال فيها الى ستة.


1 - يأتي في الصفحة 188 - 189.

[ 183 ]

فصل في ملاقي الشبهة المحصورة إذا لاقى أحد أطراف الشبهة المحصورة شئ، فهل ينجس، ويجب الاجتناب عنه مطلقا (1)، أو لا ينجس مطلقا (2)؟ أو يفصل بين صورة تقدم العلم على الملاقاة، فلا ينجس، وبين صورة تقدم الملاقاة على العلم، فينجس (3)؟ أو يقال: بالتفصيل بينما إذا كانا مستصحبي النجاسة فينجس، وما إذا كان أحدهما مستصحب النجاسة، فلاقى الطرف، أو لم يكن لكل واحد منهما حالة سابقة، فلا ينجس؟ ويلحق بالصورة الاولى في التفصيل الاخير، ما إذا لاقى الطرف الذي يجري فيه الاستصحاب. أو التفصيل بين الطهارة والحلية، فيحكم عليه بالطهارة دون الحلية، فيجوز استعماله في التطهير دون الشرب؟ أو غير ذلك من المحتملات، كعكس التفصيل الاخير؟


1 - منتهى المطلب: 30 / السطر 31. 2 - العروة الوثقى 1: 52 فصل في المياه، الماء المشكوك نجاسته، المسألة 6. 3 - كفاية الاصول: 411 - 412.

[ 184 ]

تحديد محل النزاع والذي هو محل النزاع، ومقصود بالكلام هنا: هو ما إذا لم يكن لاحد الاناءين مثلا، حالة سابقة من النجاسة، حتى إذا قيل بانحلال العلم بذلك - لجريان الاصل في طرف معين، وقاعدة الطهارة في الاخر - يلزم القول بطهارة الملاقي على تقدير، ونجاسته على تقدير ملاقاته للطرف المحكوم بالنجاسة استصحابا. بل المنظور في هذه المسألة، ما إذا كان الاناءان غير مسبوقين بالنجاسة معينا أو غير معين، لان تمام النظر حول حكم الملاقي الذي هو خارج عن الاطراف، فلا يكون صورة تقدم الملاقاة على العلم، داخلة في محط الكلام، على ما يتراءى من كلمات الاعلام، فازدياد الصور وتكثيرها وإن كان في نفسه حسنا، ولكنه لا يصح هنا كما لا يخفى، فالتفاصيل المشار إليها، كلها خارجة عن محط النزاع ومصب البحث. لزوم الاجتناب عن ملاقي الشبهة المحصورة فإذا علمت ذلك، فاعلم: أن التحقيق حسب ما يؤدي إليه النظر الدقيق، هو الاجتناب، وذلك لانا لو سلمنا أن الاصول ساقطة، أو ليست هي جارية، وأن الاصل في الملاقى وإن كان مقدما على الاصل في الملاقي فلا يعارضه، لسقوطه بالمعارضة. وأن الاصل في الطرف وإن كان غير مقدم على الاصل في الملاقي، إلا

[ 185 ]

أن ما مع المتقدم متقدم، فلا يكون له المعارض فرضا. وأن العلم الاجمالي بالتكليف في الاطراف، لا يعقل تنجيزه التكليف الاول في الملاقي، ولا علم إجمالي آخر بالتكليف الثاني، ضرورة أن من شرائط تأثيره العلم بحدوث التكليف، مع أن العلم الثاني ليس متعلقا بتكليف ثان، وأن المتنجز لا يتنجز. ولكن مع ذلك كله، في المسألة بعض شبهات تورث لزوم الاجتناب، ضرورة أن نظر العقل الدقيق فيما إذا علمنا إجمالا: بوجوب أحد الشيئين، ثم توجهنا الى أن الواجب أحد الثلاثة، هو سقوط الصورة العلمية الاولية، وحدوث الصورة العلمية الاخرى. فإذا علمنا: بنجاسة أحد الاناءين، وعلمنا بحرمة شرب واحد غير معين منهما، ثم حصلت الملاقاة، فيسقط العلم الاول، ويصير ثلاثيا، بمعنى أنا بعد ذلك نعلم: بأنه إما يكون المبغوض هذا الاناء، أو المبغوض هذا وذاك معا، فلا ينبغي الخلط بين نظر العقل والعرف. هذا مع أن فيما سلمناه نظرا، بل أنظارا تأتي تدريجا: وهو أن الحكم بنجاسة الملاقي غير ممكن، ولا بنجاسة الملاقى، وهذا واضح لا غبار عليه، ولكن إدراك الملازمة بين الملاقي والملاقى، يستلزم لزوم الاجتناب، والتفكيك لا يمكن إلا بالاصل التعبدي، فإن ثبت أن الاصل في الطرف، لا يعارض الاصلين في الملاقي والملاقى معا فهو، وإلا فلابد من الاحتياط. وغاية ما قيل هنا: أن الاصل الجاري في الطرف، مقدم على الاصل الجاري في الملاقي، لان الاصل الجاري في الملاقى مقدم عليه، وهو في

[ 186 ]

عرض الاصل الجاري في الطرف، وما هو مع المقدم مقدم (1). وأنت خبير: بفساد ذلك جدا، لان ملاك التقدم مفقود هنا، وليس في الملاكات المذكورة في محلها هذا الملاك التوهمي، فإذن لا وجه لجريان الاصل المسببي في الملاقي، بعد سقوط الاصل السببي بمعارضته مع الطرف، لان الطرف كما هو يعارض الاصل السببي، يعارض الاصل المسببي في عرض واحد. فتحصل: أن أصل الملازمة عقلا بين الملاقي والملاقى، واضح رخصة وعزيمة، فلابد من التفكيك بالدليل، وهو مفقود كما عرفت. دعوى سقوط الاصول والتفكيك بين طهارة الملاقي وحليته ومن هنا يظهر فساد ما قيل: " إن الاصول في الاطراف متساقطة، موضوعية كانت أم حكمية، سببية كانت أم مسببية، طولية كانت أم عرضية (2)، ضرورة أن استصحاب عدم الملاقاة مع النجس، معارض بمثله، واستصحاب طهارة كل واحد معارض بمثله، وقاعدة الطهارة كذلك، وقاعدة الحل مثلها. ولكن في الملاقي تسقط الاصول الموضوعية، لانها في عرض الاصول الحكمية في الملاقى والطرف. وهكذا تسقط قاعدة الطهارة، لان الشك في طهارة الملاقي، مسبب


1 - فرائد الاصول 2: 424. 2 - التنقيح في شرح العروة الوثقى 1: 415.

[ 187 ]

عن الشك في طهارة الملاقى، فيكون في طول قاعدة الطهارة في الملاقى أو الطرف، وفي عرض قاعدة الحل الجارية فيهما. ولكن قاعدة الحل في الملاقي تبقى بلا معارض، فيلزم التفكيك بين الطهارة والحلية في الملاقي ". وأنت خبير: بأنه أقرب الى الا حجية من الصواب، ضرورة أن العرضية والطولية ليست ذوقية، بل لهما الملاك العقلي، وقد عرفت ذلك منا، فلا تخلط. وقضية ما مر منا سابقا: هو أن القواعد بالنسبة الى الاحكام النفسية في المسألة - كحرمة الشرب - تؤدي فرضا الى جواز شرب الملاقي، وأما بالنسبة الى الاحكام الغيرية - مثل جواز التطهر به - فلا تؤدي الى صحة الوضوء والغسل، لما عرفت منا: من قصور قاعدة الطهارة عن إثبات ذلك حسب الصناعة، فيلزم التفكيك على عكس ما مر آنفا (1). وجه آخر لتساقط الاصول في الاطراف وهنا شبهة ثالثة عقلائية: وهي إنا إذا راجعنا وجداننا، نجد أن كل واحد من الطرف والملاقى والملاقي مبغوض المولى إجمالا، أي كما نرى أن الطرف أو الملاقى مبغوضه، كذلك نجد أن الطرف أو الملاقي


1 - تقدم في الصفحة 171.

[ 188 ]

مبغوضه، وهذا علم لانشك فيه قطعا. وعدم تنجز المتنجز ثانيا وثالثا، لا ينافي ذلك بعد ملاحظة الاطراف، وعليه تصير الاصول متساقطة، أوغير جارية، على الخلاف المعروف بين الافاضل (1). لا أقول: بأنا نعلم بالمبغوضية في الملاقي مع قطع النظر عن الملاقاة، بل المقصود أن العلم بالمبغوضية، يصير ذا أطراف ثلاثة: واحد منها في طرف، واثنان في طرف، ولا يلاحظ العرف ما يلاحظه العقل الدقيق هنا. إيقاظ: في معنى تنجيز التكليف قد يتوهم: " أن معنى تنجيز التكليف، ليس إلا العلم بالتلكيف مع عدم جريان الاصل المؤمن، بمعنى أن نفس العلم ليس منجزا، بل العلم مع عدم جريان الاصول المؤمنة، ولذلك يجوز شرب الماء إذا كان طرفا للثوب في العلم بالنجاسة، فإنه لمكان سقوط الاصول الموضوعية والحكمية، لا يجوز التوضي بالماء، ولا الصلاة في الثوب، ولكن يجوز شرب الماء، لاختصاصه بقاعدة الحل، دون الثوب، لان المفروض أنه ثوب غير مغصوب. ويترتب على ذلك: أن ملاقي الثوب واجب الاجتناب، لمعارضة الاصل فيه مع الاصل في الطرف، فلا يبقى الاصل المؤمن فيه " انتهى ما


1 - لاحظ تحريرات في الاصول 7: 380.

[ 189 ]

أردنا ذكره (1). وفيه أولا: أن معنى تنجيز الحكم لو كان ما ذكره، لما كان الاصل المزبور مؤمنا من العقاب، لان لازمه تقيد التكليف الواقعي بعدم المؤمن، وهذا واضح البطلان، بل هو الدور الصريح، ضرورة أن معنى " المؤمن " هو أن العقاب مع قطع النظر عنه قطعي، وإذا كان كذلك فالتنجز يحصل بنفس العلم، كما هو الواضح، والاصول الشرعية أعذار عند المحققين (2)، وحاكمة على الادلة الواقعية، بالتوسعة عند بعض منهم (3)، فالحكم الواقعي الاولي، تنجز بنفس الالتفات إليه والتصديق به، سواء كان أصل، أو لم يكن. نعم، لا يمنع العقل من جعل الشارع عذرا، أو من تصرفه في حكمه الاولي، فإن كان عذرا فهو مؤمن، وإلا فليس إلا تقييدا، لا تأمينا كما لا يخفى. فإذن في صورة العلم بالنجاسة، تتنجز جميع أحكام النجس، سواء كانت واحدة، أو كثيرة، وسواء كانت الاطراف متفقة، أو مختلفة، فإذا علم بنجاسة الماء إجمالا، يحرم عليه كل شئ مشروط بالطهارة احتمالا منجزا، ويصح عقوبته على جميع الاحكام، لانه موضوعها. فلو كان يجعل ما يترتب على تلك المقالة - من الاثار - من التوا لي الفاسدة، كان أولى. وثانيا: لا يختص الماء في المثال المذكور بأصالة الحل، لان


1 - التنقيح في شرح العروة الوثقى 1: 415. 2 - كفاية الاصول: 319. 3 - كفاية الاصول: 110.

[ 190 ]

الشك في حليته إن كان ناشئا من الطهارة والنجاسة، فقاعدة الطهارة كافية، وإلا ففي الثوب أيضا تجري قاعدة الحل. نعم، لابد من فرض آخر: وهو كون أحد الطرفين مشتبه النجاسة والغصبية، والطرف الاخر مشتبه النجاسة، دون الغصبية، والعلم الاجمالي بالنجاسة لا ينجز حكم الغصب، فتجري في الطرف الاول قاعدة الحل، وتعارض قاعدة الطهارة في الملاقى، فتأمل جيدا. إعادة وإفادة ملخص ما ذكرناه: تعارض الاصول في جميع الاطراف، ولا يكون الاصل الجاري في الملاقي بلا معارض. ويتوجه إليه: أن ذلك فرع تنجز الحكم، والتنجز فرع كون العلم الثاني كافيا فيه، وإذا انتفى ذلك ينتفي ذاك، فلا معارض لذلك الاصل. ومجرد كونه أحد الطرفين، أو ملازما للطرف الملاقى، غير كاف كما لا يخفى. ومحصل ما ذكرناه: أن الصورة العلمية المتعلقة بنحو الاجمال: بأن هذا إما نجس أو ذاك، إما تكون باقية بعد الملاقاة بشخصها، أو تزول وتحدث صورة اخرى: فإن كانت باقية، فلا قصور فيها من حيث تنجز التكليف به في الملاقي. وإن كانت تزول، كما هو كذلك عقلا، فتصير كالعلم بعد الملاقاة الذي

[ 191 ]

عليه الاكثر، من كونه منجزا للثلاثة. فما هو المعروف: من حدوث العلم الاخر بين الطرف والملاقي، غير تام، بل العلم الحادث متعلق: بأن هذا نجس، أو هذا وذاك، للملازمة القطعية بينهما في الحكم. فما اشتهر بين المتأخرين: من الحكم بطهارة الملاقي (1) في غاية الاشكال. وبعبارة اخرى: لو كان الشك بعد الملاقاة، من الشك البدوي واقعا، كان للقول المشار إليه وجه واضح معلوم، وأما إذا صار أحد الاطراف، فلا يعقل بقاء الصورة العلمية السابقة. إن قلت: فيما إذا تأخر العلم عن الملاقاة، لا يجب الاحتياط عند الشيخ (2) وبعض تابعيه، كالفاضل النائيني (3)، وتلميذه الشيخ الحلي (4)، وذلك لان العلم الاجما لي وإن تعلق بالثلاثة في عرض واحد، ولكن الترتب العلمي بين الملاقي والملاقى محفوظ، وقضية هذا الترتب تقدم الاصل الجاري فيه على الجاري في الملاقي، وتساقطه - بالمعارضة - مع الجاري في الطرف، فيبقى الجاري في الملاقي بلا معارض. قلت: هذا ممنوع، لان المفروض تنجز الحكم بالعلم بالنجاسة، ضرورة أن كبرى المسألة وهي " وجوب الاجتناب عن النجس " كانت معلومة، ولابد من ضم الصغرى إليها حتى يتنجز الحكم، وتلك الصغرى


1 - كفاية الاصول: 412، مستمسك العروة الوثقى 1: 257. 2 - فرائد الاصول 2: 424. 3 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 81 - 82. 4 - دليل العروة الوثقى 1: 239 - 240.

[ 192 ]

كما تتنجز بالعلم التفصيلي، تتنجز بالعلم الاجمالي. وفيما نحن فيه، تعلق الاجمالي بالثلاثة دفعة واحدة، فلو سلمنا جميع ما افيد، فلا نسلم سقوط المعارضة بين الاصل الجاري في الملاقي والطرف، لما عرفت من أن ملاكات التقدم مضبوطة في محلها (1)، وليس المعية مع المتقدم منها، فعليه يلزم الاحتياط في جميع صور المسألة، من غير فرق بين هذه الصور المذكورة بالتفصيل في الكتب المفصلة، وليطلب تمام الكلام في المقام من " تحريراتنا الاصولية " (2). هذا كله حسب الصناعة الاولية. قيام السيرة على عدم الاعتناء بملاقيات الاطراف ولكن بناء المتشرعة والسيرة العملية، قائمة على عدم الاعتناء بملاقيات الاطراف، خصوصا فيما كانت الاطراف خارجة عن مورد الاحتياج إليه فعلا وإن كانت قابلة لتصوير الحاجة. وهذا غير الخروج عن محل الابتلاء. مثلا: إذا وقعت قطرة، وتردد أمرها بين وقوعها على ثوبه، أو الارض، أو ثوب صديقه، لا يعتني بذلك، مع أن العلم الاجمالي بوجوب الاجتناب عنه، وعنها بترك السجدة عليها، أو التيمم بها، موجود، أو العلم الاجمالي بوجوب ترك الصلاة فيه وفي ثوب صديقه الذي قد يتفق أن يصلي فيه -


1 - تقدم في الصفحة 185 - 186. 2 - تحريرات في الاصول 7: 349.

[ 193 ]

لانه محشور معه - موجود، ولكن مع ذلك كله لا يعتنى بمثله، وليس هذا إلا لاجل ما أسمعناكم في أصل الاطراف في أصل المسألة، فلا تغفل (1). فصل في تعين التيمم عند انحصار الماء في مشتبهين إذا كان عنده إناءان مشتبهان فالمعروف المدعى عليه الاجماع (2) - ويدل عليه النص - جواز التيمم، بل الظاهر منه تعين ذلك بعد الاهراق، ففي " الوسائل " بسند معتبر عن سماعة قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل معه إناءان فيهما ماء، وقع في أحدهما قذر، لا يدري أيهما هو، وليس يقدر على ماء غيره. قال: " يهريقهما جميعا ويتيمم " (3). ومثلها في المفاد رواية عمار (4).


1 - تقدم في الصفحة 175 - 180. 2 - مدارك الاحكام 1: 107، مستمسك العروة الوثقى 1: 261 - 262، مهذب الاحكام 1: 274. 3 - الكافي 3: 10 / 6، وسائل الشيعة 1: 151، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 8، الحديث 2. 4 - تهذيب الاحكام 1: 248 / 712، وسائل الشيعة 1: 155، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 8، الحديث 14.

[ 194 ]

ويتم البحث هنا ضمن جهات: الاولى: حول إطلاق الرواية الواردة في المقام هل أن الرواية لها الاطلاق الذي يرجع إليه في شقوق المسألة، أم لا؟ ظاهر جماعة هو الاول (1). وربما يشكل: بأن المتفاهم العرفي، هو كون الماء الموجود قليلا، بحيث لا يتمكن من الغسل والوضوء، وذلك لان الاناء المفروض صغير، وليس ممتلئا من الماء حسب المتعارف، ولقوله: " فيهما ماء " الظاهر في أنه قليل جدا. وهل لها الاطلاق السكوتي من جهة حالات أعضاء السائل من حيث نجاستها الفعلية وطهارتها؟ فإن الحكم ربما يختلف حسب اختلاف الانظار مثلا، بناء على لزوم الاخذ في توارد الحا لتين بنقيض الحالة السابقة، فالامر بالتوضي بعد الغسل، كان يؤدي الى صحة الوضوء مع طهارة البدن، ولو كانت هي طاهرة فيمكن ذلك أيضا، بناء على الاخذ بالحالة السابقة، دون نقيضها. فعليه يمكن دعوى الاطلاق السكوتي لها، ونتيجته لزوم الاخذ تعبدا بالنجاسة في توارد الحا لتين، لان الامر بالتيمم، لا يمكن إلا لاجل عدم تمكن المكلف من التوضي الصحيح مع العلم بطهارة بدنه.


1 - مصباح الفقيه، الطهارة: 51 / السطر 11، مستمسك العروة الوثقى 1: 263، مهذب الاحكام 1: 274.

[ 195 ]

والانصاف: عدم الاطلاق الثاني، ضرورة تعارف نجاسة بدنه، وعليه يتعين الاخذ بها، لموافقتها لما هو الاظهر في مسألة توارد الحالتين. ولكن الكلام في تمامية الاطلاق الاول، وأن المقصود من السؤال كل ماءين قليلين مشتبهين ولو كان كثيرا، بحيث يمكن الغسل والتوضي، أو أن مورده القليلان غير الكافيين لذلك، وقد عرفت ذلك آنفا. وتوهم الغاء الخصوصية، أو قطع العرف بعدم الخصوصية، في غاية الوهن. فعلى هذا يعلم: أن مفاد الرواية مطابق للقاعدة، لان مجرد إمكان الوضوء مع الابتلاء بالخباثة في الاعضاء، ليس كافيا لجواز المبادرة في مفروض المسألة، فلابد من التيمم حسب المآثير الشاهدة في خصوص الطهارة الترابية، وأن المدار في الانتقال، هو العجز عن استعمال الماء بوجه صحيح شرعي، غير ملازم لمعنى آخر غير شرعي. فبالجملة: لو كان الماء المفروض قليلا، بحيث لا يمكن غسل المواضع بعد التوضي، فالامر بالتيمم مطابق للقواعد، وإلا فيشكل الامر من جهتين على سبيل منع الخلو: الاولى: إمكان تحصيل الطهارة المائية مع طهارة الاعضاء. وثانيتهما: لزوم نجاسة البدن، سواء كانت الحالة السابقة طهارتها أو نجاستها. مع أن الامر ليس كذلك اتفاقا، وأما على ما استظهرناه، فلا يأتي إشكال. ثم من المحتمل، كون الامر بالتيمم ناشئا من ترجيح جانب الطهارة الترابية على النجاسة، فإن الامر دائر بين كونه ذا طهارة مائية مع نجاسة بدنه، وكونه ذا طهارة ترابية مع طهارة بدنه، فعين الاولى لاقوائيتها،

[ 196 ]

فلا يستفاد من الرواية أن سبب الانتقال، تمامية موضوع التيمم، لان المناط عجزه عنه، شرعا كان، أو عقلا. فما اتفق عليه الاصحاب هنا: من أن وجه الانتقال عجزه الاعم (1)، غير سديد، والتفصيل في مباحث التيمم. فعلى ما حصلناه يعلم: أن الرواية ليست على خلاف القاعدة عند الكل. الثانية: في بعض صور الماءين المشتبهين وأحكامها لو فرضنا شمول الرواية للماءين الكثيرين القابلين للتطهير بهما والتوضي، بأن يتوضأ أولا، ثم يغسل ثانيا بالماء الثاني، ثم يتوضأ به ثالثا، فإن كان الماء النجس هو الثاني، فقد تحصل الطهارة، ويكون بدنه نجسا، وإن كان هو الاول، فقد تحصل الطهارة، ويكون بدنه طاهرا، فهو حينئذ على طهارة مائية، ومشكوكة نجاسة بدنه. فهل يبني على الطهارة، أو النجاسة، أو يأخذ بنقيض حالته السابقة؟ فيه خلاف بين المحققين. وقد مر منا تفصيل البحث في المسائل السابقة (2)، وذكرنا هناك قصور شمول أدلة الاستصحاب لمثل هذا الشك واليقين، لا لاجل فقد الشرط، وهو اتصال زمان الشك واليقين، كما تخيله صاحب


1 - كفاية الاصول: 216، لاحظ مستمسك العروة الوثقى 1: 263 - 265. 2 - تقدم في الجزء الاول: 350.

[ 197 ]

" الكفاية " (1) أو للمعارضة بين الاستصحابين، كما توهمه جمع آخر (2)، فعليه يتعين المراجعة الى قاعدة الطهارة مطلقا. وهنا صور اخرى، وفيها ما يقطع بوقوع صلاته مع الطهارة المائية وطهارة البدن، وهو بأن يكرر الصلاة عقيب الوضوءين. والتكرار هنا ليس بأهون من التكرار الى أربع جهات، لتحصيل القبلة المأمور به في الروايات. وغير خفي: أن في صورة كون أحد الماءين كثيرا، يتعين التوضي به ثانيا، حتى يحصل القطع بفراغ ذمته. حكم صورة ما لو كان أحد الماءين كثيرا إذا عرفت ذلك، فهل يتعين عليه التوضي في صورة كون أحد الماءين كثيرا، لما يظهر من الرواية من اختصاصه بالقليل غير القابل لاستعماله مرتين، خصوصا إذا كان مشتبها بنجاسة بولية، وقلنا: بتعدد الغسل في ملاقي غسالته؟ أو يتعين عليه التيمم، لاجل ظاهر الرواية؟ أو هو بالخيار بين الطهارتين: المائية، والترابية. فقد يقال: بتعين الترابية، وعليه الاكثر (3)، وهو مقتضى إطلاق فتاوى


1 - كفاية الاصول: 480. 2 - فرائد الاصول 2: 667، التنقيح في شرح العروة الوثقى 1: 427. 3 - شرائع الاسلام 1: 7، مدارك الاحكام 1: 107، العروة الوثقى 1: 52 - 53 فصل في المياه، الماء المشكوك نجاسته، المسألة 7، مهذب الاحكام 1: 274.

[ 198 ]

الاصحاب، وعن بعض الفضلاء تعليل ذلك: بلزوم الجمع بين المتناقضين في صورة الرخصة، لان موضوع الترابية هو " العجز عن المائية " وموضوع المائية هي " القدرة على استعمال الماء " وهما غير قابلين للجمع (1). وأورد عليه: بأن الامر كذلك، إلا أن الالتزام بالتخصيص لاجل الدليل، غير ممنوع عقلا، ومتعارف عرفا، كما في مواقف رخصة الافطار في شهر رمضان، مع أن المستثنى هو المريض، والمستثنى منه هو الصحيح، وهما غير قابلين للجمع (2). والذي يخطر بالبال: أن مبنى هذه المسألة، هو أن الامر بالاهراق كان لاية جهة؟ فإن كان فيه جهة لازمة مراعاتها في الانتقال من المائية الى الترابية، فهو يشهد على ممنوعية الترابية بدون الاهراق. وإن كان الامر لمجرد عدم الابتلاء بالنجس، أو لكونه كالدرهم المغشوش اللازم إعدامه، فلا يستفاد منه تعين الترابية. والانصاف: أن الامر بالاهراق، لاجل حدوث موضوع الانتقال وهو " فقدان الماء الموجود عنده " فإذا لاحظ الشرع أن الترابية - حسب الاية الشريفة - موقوفة على فقد الماء، والماء الموجود بين يديه وإن كان بحسب الواقع كافيا، ولكنه لجهله يشكل عليه تحصيلها، لابتلائه بنجاسة البدن، فراعى عند ذلك أهمية طهارة البدن مع مراعاة تحصيل


1 - التنقيح في شرح العروة الوثقى 1: 429. 2 - نفس المصدر.

[ 199 ]

موضوع المسألة، فامر بالاهراق، تحفظا على الواقع اللازم مراعاته - ولاجل مثله اختار المحقق في " المعتبر " جواز إراقة الماء (1)، ورخص في الانتقال الى موضوع التيمم اختيارا - فعلى هذا لا يجوز البدار الى الترابية مع وجود الماء المشتبه، لان موضوع أدلة التيمم ليس " العجز " بل له مسوغات مختلفة، ومنها: عدم وجدانه الماء، ولكنه هنا واجد للماء بالضرورة، فليتأمل جيدا. فتحصل إلى هنا: أن مع فرض شمول الرواية لما إذا كان أحدهما كثيرا أو كلاهما، لا يجوز الوضوء إلا بعد الاهراق. توهم عدم وجوب الاهراق ودفعه ومن هنا يعلم، ضعف توهم عدم وجوب الاهراق، معللا: " بأنه من الامر عقيب الحظر " (2) غفلة عن أن ذلك في جملة واحدة، لا في الجمل المتعددة، مع بعض القرائن الاخر، كما فيما نحن فيه، فإن ذلك بعدما عرفت منا - ولو احتمالا - متعين، فلا سبيل الى القول بالتخيير بين الوضوء والتيمم، ولا سيما بعد قوله: " ويتيمم " الظاهر في تعينه، فلو كان مفاد " يهريقهما " هو الترخيص بدوا، ولكن مفاد الهيئة الثانية هو العزيمة، ولا وجه لصرف النظر عن الثاني بالاول، لامكان العكس. بل الظاهر سراية تعيين التيمم الى تعيين الاهراق، لعدم إمكان مقاومة العزيمة للرخصة، فلا تغفل.


1 - المعتبر 1: 103. 2 - مستمسك العروة الوثقى 1: 265.

[ 200 ]

هذا مع أن الالتزام بالتخصيص في خصوص هذه المسألة، من الغفلة والذهول، وذلك لان هم الفقيه في مباحث مسوغات التيمم، الجمع بين المسوغات المختلفة، وإرجاعها الى أمر واحد: وهو عدم تمكنه من المائية عقلا أو شرعا، فلو كان في مورد يجوز التيمم مع إمكان المائية شرعا وعقلا، يلزم النقض على ما توهموه جامعا، لا التخصيص، لعدم وجود عام أو مطلق يفيد ذلك، فلا تخلط. الثالثة: في أجوبة استصحاب نجاسة بعض الاعضاء غير المعين بناء على جواز التوضي بالكيفية المزبورة، فلا يشترط عدم وجود ماء ثالث معلوم الحال، لان وجه الاشتراط ليس إلا الوجوه المذكورة في منع تكرار العبادة، أو لزوم تقديم الامتثال التفصيلي على الاجمالي، وتلك الوجوه خا لية عن التحقيق، حسب ما يؤدي إليه النظر الدقيق. وقد يشكل الامتثال بالكيفية المزبورة التي بنينا فيها على جريان قاعدة الطهارة بعد عدم جريان الاستصحابين: بأن الاغتسال بالماء الثاني لا يمكن إلا تدريجا، ضرورة أن الجسم لا يعقل تطهيره إلا بالارتماس، أو إيراد الماء عليه، والكل يستلزم التدريج عرفا وعقلا، فإذا وقعت يده في الماء الثاني، أو ورد الماء عليها، يعلم إجمالا: بأن بعض أجزائه وأعضائه نجس، إما بنجاسة هذا الماء، أو بنجاسة الماء الاول، والتطهير بالماء الثاني لا يستلزم قصورا في جريان استصحاب نجاسة بعض أعضائه غير المعين (1).


1 - التنقيح في شرح العروة الوثقى 1: 428.

[ 201 ]

وعلى هذا، لا فرق بين كون الماء الثاني كثيرا، بحيث يحيط بالجسم دفعة، أو تدريجا. والعجب من الاصحاب - رضي الله عنهم -، حيث توهم جمع منهم الفرق بين كون الثاني كثيرا أو قليلا! وأعجب من ذلك فرض كون الماء الثاني كرا أو جاريا (1)!! فإنه خروج عن مفروض البحث، وهو كون الماءين مشتبهين، وهذا مخصوص بالقليلين الشرعيين. تارة يجاب: بأن جريان الاستصحابين في العضوين ممنوع، لانه من الاصل المحرز، وإحراز نجاسة العضوين مع القطع بطهارة أحدهما، خلاف ماهية الاستصحاب، فلا يجريان هنا، كما لا يجريان في أمثاله وإن لم يلزم منه المخالفة العملية. وفيه: - مضافا الى فساد المبنى، وأن الاحراز المزبور لا ينافي التعبدين - أن فيما نحن فيه يمكن إجراء استصحاب واحد في بدنه، بأن يجعل مصبه نفسه، حتى لا يجوز له الصلاة في تلك الحال. واخرى يجاب: بأنه من الاستصحاب في الفرد المردد، لان النجاسة إن كانت من الماء الاول، فقد زالت بالماء الثاني، وإن كانت من الماء الثاني، فهي باقية قطعا (2). وفيه: أن اليد المتنجسة باقية بالشخص، ومعلوم تنجسها،


1 - العروة الوثقى 1: 53 فصل في المياه، الماء المشكوك نجاسته، المسألة 10، الهامش 5 و 6. 2 - مستمسك العروة الوثقى 1: 263، لاحظ التنقيح في شرح العروة الوثقى 1: 425 - 427.

[ 202 ]

ومشكوك زوال نجاستها، فالمصب للاستصحاب هي اليد. وثالثة يجاب: بأن له التطهير - بعد الوضوء بالماء الثاني - بالماء الاول، فعند ذلك يعلم قطعا بزوال نجاسة بدنه، لان العلم الاجمالي الحاصل من ملاقاته مع الماء الثاني، أمره دائر بين عدم انعقاده من أول الامر، أو انتفاء معلومه بعد ذلك، بداهة أن الماء الثاني إن كان نجسا، فالماء الاول يزيله، وإن كان طاهرا فلا علم له بتلك النجاسة، فلا يعلم بعد الاستعمال المزبور بنجاسة فعلية، ولا سابقة. نعم، يحتمل حدوث النجاسة بالماء الاول، المرفوع بقاعدة الطهارة. وبعبارة اخرى: الماء الاول إما نجس، أو طاهر: فإن كان نجسا، فلا علم له بالنجاسة قبل ذلك، لارتفاع نجاسة بدنه بالماء الاول. وإن كان طاهرا، فلا بقاء لتلك النجاسة فعلا، فهو عا لم بزوال النجاسة المعلومة بدوا. وفيه ما عرفت: من حدوث العلم بالنجاسة بمجرد وقوع الماء الاول أيضا، كما لا يخفى. ويمكن دعوى القطع التفصيلي بنجاسة العضو المعين، لان من شرائط التطهير، إحاطة الماء وانفصا له، فإذا لاقاه الماء الثاني يعلم قطعا بنجاسة يده بالاول أو بالثاني، ويشك في زوالها به، فيستصحب في العضو

[ 203 ]

الشخصي نجاسته (1). نعم، هذا أمر عجيب، لان ما يورث القطع بالنجاسة هو الملاقاة، التي هي مقدمة للشك في بقائها، وهذا مما لا ضير فيه عقلا. ورابعة يجاب: بأن الاستصحاب الجاري في العضو المعلوم تأريخه، معارض باستصحاب الطهارة المجهول تأريخها، لعدم تقوم التعارض بالجهل بالتأريخين، كما عليه العلامة النائيني (رحمه الله) فيرجع حينئذ الى قاعدة الطهارة (2). ولكنك تعلم: أنه وإن أمكن استصحاب مجهول التأريخ في بعض الاحيان، بوجه يعارض معلوم التأريخ - كما عرفت تفصيله في الماء الموصوف بالحالتين: القلة، والكثرة (3) - ولكنه هنا غير قابل لفرضه، للزوم جواز الصلاة مع أنه عالم بنجاسته الشخصية، وشاك في رفعها، ولا يعقل استصحاب عدم تقدم حالة طهارته على تلك الحالة، لانه إن شئت قلت: يصير معلوم التأريخ من جهة عدم تأخره عنها، لا من جهة زمان حدوثه. ففي مثل حدوث الكرية في أول الزوال، يمكن استصحاب عدم تقدم القلة عليها، فيلزم احتمال تأخر القلة عن الكثرة، لمجهولية القلة من جهتين: جهة زمانها الشخصي، وجهة تقدمها على الكرية وتأخرها. ولكن الامر هنا ليس كما توهم، ضرورة أنه بعد إيراد الماء الثاني يعلم بنجاسة


1 - دروس في فقه الشيعة 2: 219. 2 - فوائد الاصول 4: 522 - 528، ولاحظ دروس في فقه الشيعة 2: 220. 3 - تقدم في الجزء الاول: 350.

[ 204 ]

يده الشخصية، ويشك بعد الغسل في زوالها، ولا يحتمل تأخر الطهارة الى تلك الحالة. والعجب من صاحب " الكفاية " وجماعة، من توهم: أن الاشكال مخصوص بما إذا كان الماء الثاني قليلا (1)!! وقد عرفت عموميته (2)، وأن فرض كرية الماء الثاني خارج عن مفروض المسألة، لان الكرية المشتبهة من حيث النجاسة، غير متصورة إلا في الكر المتمم بالطاهر، بأن تكون الشبهة حكمية، أو الكر المشتبه من حيث تغيره بالنجس، والامر سهل. خاتمة فيها فائدة قضية ما مر الى هنا: أن الانتقال الى التيمم مطابق للقاعدة، ويكون التيمم متعينا، ويكون الاهراق لانتفاء موضوع التيمم، على حسب المتفاهم من الكتاب، وإن كان موضوعه حسب الاخبار منتفيا، ولكن ربما لاحظ الشرع المتحفظ على الامة بالسماحة والراحة، مع مراعاة بعض الجوانب الاخر، فعند ذلك أوجب الاهراق، لما فيه الجمع بين الحقوق. فما اشتهر: " من أن الاهراق إما واجب تعبدي، أو واجب إرشادي " (3)


1 - كفاية الاصول: 216، دليل العروة الوثقى 1: 246، دروس في فقه الشيعة 2: 218. 2 - لاحظ ما تقدم في الصفحة 201. 3 - مستمسك العروة الوثقى 1: 262، التنقيح في شرح العروة الوثقى 1: 430، مهذب الاحكام 1: 274.

[ 205 ]

غير سديد، بل هو واجب احتياطي، لا بمعنى " الوجوب الاحتياطي " في كلمات الفقهاء، كما لا يخفى. توجيه المحقق الهمداني لكون التيمم موافقا للقاعدة ولصاحب " المصباح " الهمداني (رحمه الله) كلام حول إثبات أن التيمم مطابق للقاعدة، لا يخلو عن غرابة: وهو " أن التطهير بالماء النجس، إذا كان محرما ذاتيا، فلابد من الطهارة الترابية، فربما يدل على تلك الحرمة هذه الرواية، فلا وجه لصحة الوضوء بالمردد المشتبه، وإن أمكن عقلا بالكيفية المذكورة " (1). واجيب عنه - فيما وصل الينا من الوا لد المحقق مد ظله -: " بأن الحرمة الذاتية لا تستلزم حرمة جميع الاطراف، بل هو محرم من باب المقدمة العلمية، فيلزم التزاحم بين ملاكين: الطهارة المائية، والابتلاء بحرمة استعمال النجس في الوضوء، وقضية ما ورد في أن " التراب أحد الطهورين " وقوله: " يكفيك عشر سنين " أهمية ترك الابتلاء بتلك الحرمة الذاتية " (2). وأنت خبير أولا: بأن توهم الحرمة الذاتية في مثل المقام، من الامر المستنكر القبيح، فضلا عن تصديقه، وفضلا عن كون هذه الرواية (3)


1 - مصباح الفقيه، الطهارة: 51 / السطر 10. 2 - الطهارة (تقريرات الامام الخميني (قدس سره) الفاضل اللنكراني: 44 (مخطوط). 3 - الكافي 3: 10 / 6، وسائل الشيعة 1: 151، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 8، الحديث 2.

[ 206 ]

دالة عليه، لعدم دليل آخر على ذلك. فغاية ما يمكن توهمه هي الحرمة التشريعية، وهي خلاف ظاهرها، ولذلك أمر بالاهراق، وإلا فلا معنى لذلك. وحمل الامر بالاهراق على ما هو المتعارف في كلام متعارف الناس، أو كلام العلماء - من بعض الكلمات الزائدة في جواب الفتوى - في غير محله، خصوصا بعد تكراره في الروايتين، ومع مساعدة الاعتبار. فعليه يعلم أن الحرمة الذاتية واضحة المنع جدا. وثانيا: لا يمكن الفراغ من نجاسة البدن مع تحصيل المائية، فيدور الامر بين أن يصلي بالترابية، أو المائية مع نجاسة خبثية مستصحبة، فيتعين الاول حسب هذه الرواية، وإلا فلا قاعدة من دونها تقتضي تعين الاول، لاحتمال أهمية المائية على الترابية الكذائية، ولاسيما بعد كون الاستصحاب دليلا شرعيا، فإنه مع النظر الى تلك الجهة، لا معنى لدعوى أن الانتقال مطابق للقاعدة (1)، ضرورة أن معنى " كون شئ مطابقا للقاعدة " أن هذا الامر - مع قطع النظر عن النص الوارد فيه - مما يمكن الافتاء به. وهذا فيما نحن فيه غير ممكن، لانه إن كان الماء ان كثيرين على الوجه المزبور سابقا، أو كان أحدهما كثيرا، فعليه الوضوء والصلاة، ثم الوضوء الاخر بعد الغسل بالماء الثاني، ثم الصلاة، كما في مشتبه القبلة، وفي مشتبه المضاف والمطلق، فإنه قد أفتى الاصحاب بتعدد


1 - مهذب الاحكام 1: 276.

[ 207 ]

الوضوء في الثاني (1)، وتعدد الصلاة في الاول (2) فإذا اتفق هذان الامران معا فعليه تكرار الوضوء والصلاة، وهذا مما أفتى به الاصحاب - رضوان الله عليهم -، فكيف يمكن الالتزام بأن الرواية مطابقة للقاعدة، سواء جرت قاعدة الطهارة، أو لم تجر؟! نعم، بناء على جريان قاعدة الطهارة، فعدم كونها مطابقة للقاعدة أوضح. وتوهم القطع بعدم وجوب التكرار في خصوص المقام، من المجازفة، ودون إثباته خرط القتاد. فتحصل إلى هنا: أن البحث حول قضية الاصول العملية أمر، وكون الرواية مطابقة للقاعدة أو غير مطابقة، أمر آخر، والثاني على هذه التقادير، خلاف القاعدة. وأيضا: لا يتمكن الفقيه من ترخيص إراقة الماء والاقتناء بالترابية، لما مر أن من الممكن كون المسألة، من قبيل المتزاحمين، وعند ذلك لا وجه لترجيح أحد الجانبين على الاخر، لعدم إمكان كشف الاهمية من دليل الترابية - كما سمعته من الوا لد - مد ظله - (3) لان هذا بعد الفراغ عن تحقق موضوعه، وهو الان أول الكلام، فهذه الرواية مخا لفة للقاعدة على جميع الشقوق، ولا سيما على فرض دلالتها على التخيير بين المائية


1 - لاحظ مفتاح الكرامة 1: 128 / السطر 15. 2 - لاحظ مفتاح الكرامة 2: 119 / السطر 27. 3 - تقدم في الصفحة 205.

[ 208 ]

والترابية، فتأمل. نعم، بناء على ما استظهرناه، تكون موافقة للقاعدة أيضا، أي لو فرضنا كون المورد المفروض فيها القليلين، بحيث لا يتمكن من تطهير الاعضاء بعد التوضؤ بالماء الثاني، فلا يتمكن من تحصيل الطهارة المائية، ويلزم نجاسة بدنه بالعلم التفصيلي، وحيث قد عرفت عدم ثبوت الاطلاق لها حتى تشمل الكثير والقليل (1)، فينحصر العمل بها في القليلين، وفي غير هذه الصورة يجب التكرار، بإتيان الصلاتين عقيب الوضوءين. إن قلت: لابد من الالتزام بأن موردها أعم من القليل والكثير، لاعميتها من الوضوء والغسل. وحملها على القليل غير الكافي لتحصيل الطهارة المائية الوضوئية، إذا كان محتاجا الى الوضوء، وعلى غير الكافي لتحصيل الطهارة الغسلية، إذا كان الرجل المفروض جنبا، في غاية البعد، فيعلم من ذلك أعميتها من تلك الجهة، فمع إمكان القطع بفراغ ذمته بالتكرار، أمر بالتيمم على خلاف القاعدة. قلت: الامر كما حرر، ولكن ملاحظة صدرها ربما يورث الوثوق، بأن المفروض هو احتياجه الى الوضوء، ففي " الكافي " عن عثمان بن عيسى، عن سماعة قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن جرة وجد فيها خنفسا قد مات. قال: " ألقه وتوضأ منه، وإن كان عقربا فألقه فأرق الماء، وتوضأ من ماء غيره ".


1 - تقدم في الصفحة 194.

[ 209 ]

وعن رجل معه إناءان فيهما ماء، وقع في أحدهما قذر... (1). مع أن هذا الفرض هو المتعارف، والالتزام بالفرض المزبور غير بعيد في ذاته. وهنا شبهة اخرى في الرواية: وهي أن كون المراد من " القذر " هو النجس الشرعي، غير واضح، لما عرفت من الامر بإراقته فيما إذا وقع فيه العقرب، فربما يجوز - حسب النظر البدوي فيها - جواز التيمم فيما إذا كان الماء مستقذرا عرفا، فتكون الرواية مورد الاعراض، وساقطة عن الحجية، فتأمل. الرابعة: في جواز التطهير بهما لرفع الخبث وكيفيته فعن " نهاية العلامة ": جوازه وصحة الاكتفاء بالمرة (2). وهذا يتم على ما بنينا عليه في أطراف العلم الاجما لي: من جريان الاصول المرخصة، وتقدمها على إطلاق دليل الحكم الواقعي (3). ولعل إليه يرجع ما حكي عنه: من الاستدلال بإطلاقات دليل مطهرية المياه، وأن ما هو الخارج عنها ما علم بنجاسته تفصيلا. فما في بعض كتب العصر، من الاشكال على هذا الاستدلال: بأن الطهارة شرط في مطهرية


1 - الكافي 3: 10 / 6. 2 - مفتاح الكرامة 1: 127 / السطر 24، نهاية الاحكام 1: 249. 3 - تقدم في الصفحة 175.

[ 210 ]

الماء، فلابد من إحرازها (1)، لا يخلو عن غرابة، لان ما هو الشرط هي الطهارة المعلومة بالتفصيل. مع أن الشرط لو كان واجب الاحراز، لما صح له التمسك بقاعدة الطهارة في صحة التطهير، لعدم كونها من الاصول المحرزة عند الكل. والالتزام بحكومتها على الدليل الاولي غير هذا، كما لا يخفى. وقد مضى تفصيل المسألة بشقوقها سابقا، وذكرنا: أن في مثل المفروض في المقام لابد من الاحتياط (2). مختار السيد بحر العلوم وصاحب الجواهر (قدس سرهما) وعن " منظومة الطباطبائي " وصاحب " الجواهر " (3) بل وجملة من المحققين (4)، جواز الاكتفاء، ولكن يكرر التطهير بعدد رؤوس الاواني إلا في الشبهة غير المحصورة، فإنه عند ذلك يعلم بالطهارة، وذلك لان النجاسة السابقة مقطوعة الزوال، والنجاسة الاخرى مشكوكة الحدوث، فيجري استصحاب الطهارة بعد التطهير، ولذلك اشتهر القول بالاخذ بضد الحالة السابقة (5). والعلم الاجما لي بطرو الحا لتين بلا أثر، لان النجس لا يتنجس.


1 - الطهارة، الشيخ الانصاري 1: 288. 2 - تقدم في الصفحة 180. 3 - الدرة النجفية: 8، جواهر الكلام 1: 305. 4 - الطهارة، الشيخ الانصاري 1: 288، مصباح الفقيه، الطهارة: 51 / السطر 29. 5 - مستمسك العروة الوثقى 1: 264.

[ 211 ]

نعم، إذا كان أحد الاناءين المشتبهين بولا، وقلنا بلزوم التعدد في ملاقيه، وكان الثوب المفروض غير متنجس به، فللعلم الاجمالي حينئذ أثر، فالاستصحاب غير جار هنا، فتجري القاعدة. إشكال على جريان قاعدة الطهارة في المقام نعم، قد يشكل جريانها، لاجل أن المتفاهم منها صورة عدم العلم بحالة سابقة للشئ، أو أن قضية الجمع بين دليل الاستصحاب وقاعدة الطهارة، سراية قيد الى مصبها، وفيما إذا سقط الاستصحاب - لاجل المزاحمة، أو المعارضة، أو غير ذلك - يلزم الاجمال في مجرى القاعدة، لما تقرر منا: من أن القوانين الكلية بعد المقيدات والمخصصات، تجعل في كيس واحد، ويصير كل من العام والمخصص قيدا للاخر، وتسري جميع الخصوصيات من أحدهما الى الاخر. ولذلك ربما يصير قرينة على انصراف معنى العام الى معنى آخر بالمرة، بحيث لو لم يكن له مخصص، كان له معنى آخر حسب المتبادر من ألفاظه. وهذا الذي ذكرناه يجري في جميع القوانين، سواء كانت بينها التقييد والتخصيص، أو بينها الحكومة والورود، فليتدبر. توهم رجوع الاستصحاب في المقام إلى استصحاب الفرد المردد وأما الاشكالات المتداولة على جريان استصحاب الطهارة في مفروض المسألة - لا في الفرض الذي ذكرناه أخيرا وآنفا - فتفصيلها

[ 212 ]

في محلها. ومن المعروف من بينها: أن استصحاب الطهارة من استصحاب الفرد المردد. وفيه: أن في مسألة الفيل والبقة، إن اريد استصحاب الفيل أو البقة فلا يجر، وإن اريد استصحاب الجامع فلا بأس به من هذه الجهة. ففيما نحن فيه لا اريد إلا استصحاب عنوان طهارة الثوب، فإنه لا تردد فيها، وإلا فجميع الاستصحابات من الفرد المردد، لانه مقتضى الشك في البقاء، ضرورة أن كل شك في بقاء شئ يرجع الى الامرين المرددين، فإن أحدث فهو ليس على طهارة قطعا، وإن لم يحدث فهو طاهر قطعا وهكذا، فلا تغفل. هذا مع أن في مفروض البحث، لو أشكل جريان الاستصحابين، تجري القاعدة عند الاصحاب، فتصير النتيجة هو جواز الاكتفاء بالتطهير مرارا. والذي يتوجه إليهم ما مر: من أن التطهير بالاناء الثاني، يستلزم القطع بتنجس الجسم المتطهر به، لان التطهير تدريجي الوجود، فلا يجري استصحاب الطهارة، ولا قاعدتها (1). قولان آخران في المسألة وعن جماعة من الاصحاب: صحة الاكتفاء إذا كان الماء الثاني كرا، وقد مر ما يتعلق به (2).


1 - تقدم في الصفحة 200 - 201. 2 - نفس المصدر.

[ 213 ]

والقول الاخير: عدم إمكان الفراغ من النجاسة وإن يتمكن من النجاسة الاولى، فلو كانت هي النجاسة البولية المحتاجة الى التعدد، فعليه التطهير، ثم الصلاة في الثوب المتطهر به فيما إذا كان منحصرا به، بناء على وجوب تخفيف النجاسة الخبثية حين الابتلاء بصرف وجودها في الصلاة، لاجل مرخص شرعي، فافهم واغتنم. ثم إنه من الممكن دعوى شمول الروايات السابقة لهذه المسألة، بدعوى أن المستفاد منها، قصور الماء المشتبه عن إمكان التطهير به مطلقا، وإن كان في ذيلها الامر بالتيمم. وبناء على أعمية موردها من القليلين، يحكم بالاهراق أيضا تعبدا، بناء على توهم إمكان التطهير. فصل في حكم الاناء الباقي بعد إراقة أحد الانائين المشتبهين إذا كان إناءان: أحدهما المعين نجس، والاخر طاهر، فاريق أحدهما، ولم يعلم أنه أيهما، فالمعروف بين أبناء العصر محكومية الباقي بالطهارة (1).


1 - مستمسك العروة الوثقى 1: 262، التنقيح في شرح العروة الوثقى 1: 430، مهذب الاحكام 1: 275.

[ 214 ]

وقيل: " هذا فيما إذا لم يكن مثلا موضع الاراقة، مما يصح عليه السجود، فإنه عند ذلك يعلم إجمالا بحرمة السجدة، وحرمة الاستعمال، فعليه الاحتياط " (1) وهذا لا ينافي ما أفادوه، لانه خارج عن منصرف كلامهم. وقال في " العروة ": " وهذا بخلاف ما لو كانا مشتبهين، واريق أحدهما، فإنه يجب الاجتناب عن الباقي. والفرق أن الشبهة في تلك الصورة بالنسبة الى الباقي بدوية وفي هذه الصورة مقرونة بالعلم الاجمالي المنجز (2)، انتهى مراده. وقد سكت الوالد المحقق هنا في تعليقته. وفي المسألة عندي إشكال: وهو أن ما أفادوه في وجه عدم الوجوب، فقد شرط التنجيز، وهو الخروج عن محل الابتلاء (3)، وهذا غير صحيح، لان الاراقة هي إعدام الموضوع، والخروج عن محل الابتلاء فرع بقائه، ولذلك قيل في وجه عدم التنجيز: بقبح الخطاب، واستهجان التكليف، لا انعدام موضوعه (4) كما لا يخفى. هذا إشكال على الاعلام. وجه عدم وجوب الاجتناب عن الباقي فيكون وجه المسألة أن الشبهة بدوية، ولا علم بالتكليف، والعلم بنجاسة إناء وأرض - لا تكون مورد التكليف، ولا الوضع - ليس ذا


1 - الطهارة، الشيخ الانصاري 1: 280، العروة الوثقى 1: 53، فصل في المياه، الماء المشكوك نجاسته، المسألة 8، الهامش 4، التنقيح في شرح العروة الوثقى 1: 430. 2 - العروة الوثقى 1: 53، فصل في المياه، الماء المشكوك نجاسته، المسألة 8. 3 - مستمسك العروة الوثقى 1: 262، دروس في فقه الشيعة 2: 224. 4 - فرائد الاصول 2: 420، نهاية الافكار 3: 338 - 339.

[ 215 ]

أثر، بل المناط هو العلم بالتكليف على الوجه المحرر في محله (1). إذا عرفت ذلك، ففيما إذا اريق أحد الاطراف بعد العلم بالتكليف، فلا وجه لتنجيز العلم، لانتفائه، ضرورة أن ما هو الباقي هو العلم بنجاسة أحد الاناءين بنفسه، وأحد الماءين، وهو ليس مناط تنجيز الحكم وتصحيح العقوبة، وما هو المناط غير باق، وقد اشتهر بين أعلام العصر: أن الاثر تابع المؤثر حدوثا وبقاء، وأن التنجيز تابع العلم حدوثا وبقاء، فلا وجه للاحتياط بعد الاراقة. ودعوى العلم الفعلي بالتكليف مجازفة، ضرورة أن التكليف متقوم بالموضوع، وإذا كان موضوعه " الماء المراق " احتمالا، فلا علم به، أي لا يمكن دعوى وجود الخطاب فعلا. نعم، إذا قيل: بأن أثر العلم باق بحكم العقل، فهو له وجه بأن يقال: كما أن العقل حاكم بصحة العقاب على ارتكاب أحد الاطراف - سواء ارتكب الاخر، أو لم يرتكب - كذلك حاكم بذلك، سواء بقي الطرف، أو لم يبق. ولكنه غير وجيه، لان تنجيز التكليف موقوف على الشكل الاول، وهو " أن هذه الاناء أو ذاك نجس " " والنجس واجب الاجتناب " " فهذا أو ذاك واجب الاجتناب " والقضية الاولى منتفية فلا علم بالنتيجة. وتوهم جريان الاستصحاب التعليقي في الحكم العقلي، فيجب الاجتناب، في نهاية الضعف كما لا يخفى.


1 - تحريرات في الاصول 7: 401.

[ 216 ]

ولا ينبغي الخلط بين حا لة بقاء الطرف وحا لة انعدامه، ضرورة أنه مع بقائه يتم الشكل وينتج، ومع انعدامه لا يجد العقل إلا وجود التكليف المحتمل. وكفاية العلم السابق لصحة العقاب، وأنه بيان، غير واضحة جدا. هذا، ولو فرضنا ذلك، فلا شبهة في عدم قصور شمول أدلة الاصول لهذه الصورة، مع عدم إمكان المعارضة بينه وبين الاصل الجاري في المعدوم من صفحة التكوين. وتوهم سقوط الاصل بالمعارضة، فلا أصل بعد ذلك، مما يضحك عليه، لان كل واحد منهما - لاجل المانع - قاصر عن التأمين، وإذا ارتفع المانع يكون مؤمنا. هذا كله على طريقة القوم. وأما على طريقتنا في الجمع بين أدلة الاصول والامارات - وهي إنكار الحكم الظاهري، وإثبات العموم من وجه بين تلك الادلة والتزاحم (1) - فالجواز في جميع الاطراف على حسب القواعد، إلا فيما ذكرناه سابقا (2)، وهذه المواقف خارجة عن تلك المواضع التي رجحنا فيها الاحتياط على الاقتحام وارتكاب الاطراف، فليتدبر. ومما أشرنا إليه يظهر وجه سكوته - مد ظله - هنا، مع أنه يقول: بأن الخروج عن محل الابتلاء لا يضر بالتنجيز، حسب ما أسسه في القوانين


1 - تحريرات في الاصول 6: 255 - 256. 2 - تقدم في الصفحة 180.

[ 217 ]

الكلية (1). ونعم ما أسس، فإن المسألة ليست من صغريات الخروج عن محل الابتلاء، كما عرفت (2). ذنابة: في أن مجرد الاراقة لا تسقط العلم قد يشكل الامر في صغرى المسألة المذكورة، لان إراقة الماء واجب الاجتناب، لا تورث سقوط العلم، لان الماء المفروض إذا اريق على الارض، أو على شئ آخر، فغايته أنه مع عدم إمكان استعماله في الاكل أو الشرب، لا يكون غير قابل لدلك اللسان به، فإنه محرم على فرض كونه نجسا، وهكذا ممنوع ذلك في نفس الاناء أيضا، فيعلم إجمالا بحرمة هذا أو ذاك، فالاراقة لا تورث الخروج عن دائرة إمكان التكليف. نعم، إذا أمكن إعدام الاناء وما فيه، فهو من صغريات المسألة المفروضة. وهنا بعض امور اخر لا خير في التعرض لها، فتدبر. فصل في حكم ما لو توضأ من أحد الانائين ثم علم بنجاسة أحدهما إذا كان ماءان، توضأ بأحدهما أو اغتسل، وبعد الفراغ حصل له العلم


1 - تهذيب الاحكام 2: 280. 2 - تقدم في الصفحة 214.

[ 218 ]

بأن أحدهما كان نجسا، ولا يدري أنه هو الذي توضأ به أو غيره، ففي صحة وضوئه أو غسله إشكال، إذ جريان قاعدة الفراغ هنا محل إشكال، لما قيل في محله: من اختصاص أدلتها بصورة الشك في التطبيق، دون صورة الشك في الانطباق (1)، وإلا يلزم فيما اشتبه قيود المأمور به بين كثير، جواز الاكتفاء بإتيانه مرة واحدة، لانه إذا أتى مثلا بصلاة الى طرف في صورة اشتباه القبلة أو في ثوب، يشك في صحتها وفسادها، فأصالة الصحة إذا كانت حاكمة بها، فلا وجه لتكرارها. وهكذا فيما إذا اشتبه ماء الوضوء، وغير ذلك من الصور. ولا أظن أن يلتزم بذلك أحد من القائلين بجريانها في الصورة الثانية، فكأن المفهوم من أدلتها - بعد ضرب صدرها بذيلها - لزوم كون المصلي في مقام الاتيان بما يعتبر فيها، فإذا فرغ منها وشك فلا يعتن به، ويبن على صحتها، لاجل القاعدة، سواء كانت هي قاعدة التجاوز، أو قاعدة الفراغ، أو أصا لة الصحة، على اختلاف المسالك والتعابير. وقد يشكل على ما ذكرناه: بأن لازمه عدم جواز إجرائها فيما إذا أتى الجاهل بالصلاة والوضوء مدة، ثم تبين له بعد تلك المدة اشتراط المأمور به بأمر، وكان يحتمل إتيانه به حين الاشتغال من باب الصدفة والاتفاق، أو من باب اعتقاده بأنه مستحب، ولم يكن بناؤه على الاتيان به، وهذا بعيد جدا، ضرورة أنه إذا توجه الى تركه لا يكون عليه شئ، بناء على جريان قاعدة " لا تعاد... " في حق الجاهلين، وإذا كان باقيا على جهله


1 - دليل العروة الوثقى 1: 254.

[ 219 ]

يجب عليه الاعادة، لعدم جريان القواعد المصححة المعول عليها في مقام الامتثال. توهم أن الاذكرية علة لجريان قاعدة الفراغ وفي بعض كتب فضلاء العصر: الاستدلال على لزوم الاذكرية والاقربية الى الحق، كما في أخبار المسألة، وأن ذلك علة لا حكمة (1)، ونكتة الى أن الحكم الشرعية هي الامور المترتبة على المجاعيل الالهية، كعدم خلط المياه على جعل العدة، وذهاب الارياح المنتنة في غسل الجمعة، وأمثال ذلك، وما نحن فيه ليس من هذا القبيل. وما فيه غير خفي، لان مفهوم " الحكمة " لو اقتضى ذلك، لكن المراد أمر آخر، وهو أن الشرع تارة: يجعل حكما مدار أمر حدوثا وبقاء، واخرى: لا يكون كذلك، وهذا الامر كما يمكن أن يكون من قبيل الامور الواقعة في سلسلة المعا ليل، كذلك يمكن أن يكون واقعا في سلسلة العلل، وهكذا النكت والحكم، ولا سند من العقل على خلاف ذلك. وأعجب من ذلك ما قيل في المقام: من التقييد بين المطلقات والمقيدات (2)!! فإن التقييد فرع ظهور القيد في كونه قيدا في الحكم، وهذا هنا - لعدم مساعدة فهم العرف - غير واضح. والمسألة بعد تحتاج الى التأمل، ولا سيما في مآثيرها.


1 - التنقيح في شرح العروة الوثقى 1: 433. 2 - نفس المصدر.

[ 220 ]

الوجه في عدم صحة الوضوء في المقام والذي يسهل الخطب: أن المسألة من أجل أمر آخر، يشكل الحكم فيها بالصحة، وذلك لان المفروض إناءان: أحدهما صغير مثلا، والاخر كبير، فتوضأ بالصغير مثلا، ثم علم إجمالا بنجاسة أحدهما، ومقتضى ذلك هو العلم الاجمالي بنجاسة الكبير والاناء الصغير والاعضاء في عرض واحد، فيشكل جريان الاصول في الاطراف كلها، أو تتساقط، وذلك لما مضى: من أن العلم الاجما لي وإن كان حاصلا قبل الملاقاة، ينجز ملاقي الاطراف، ضرورة أن العلم الثاني وإن لا يكون مورثا لانحلال العلم الاول، ولا موجبا لاستناد تنجز التكليف الى مجموع العلمين بقاء، ولكن يورث حدوث الصور العلمية الحادثة بالتكليف، للملازمة القطعية بين الملاقي والملاقى، وعند ذلك يتعين الاحتياط، فيكون الوضوء باطلا، لاجل عدم ثبوت شرط صحته، وهو طهارة الماء. وما في بعض كتب المعاصرين: من دعوى العلم الاجما لي ببطلان الوضوء، ونجاسة الكبير في المثال المشار إليه (1)، غفلة وذهول، لانه يرجع الى جواز انحلاله بالاصل المثبت في طرف، والرجوع الى القاعدة في الاخر، ضرورة أن قضية الاستصحاب عدم كونه متوضئا، فلا يلزم المخالفة العملية من إجراء قاعدة الطهارة في الكبير، فما هو المعلوم بالاجمال هو النجاسة المرددة بين الاعضاء والاناء، وبين الكبير.


1 - دليل العروة الوثقى 1: 253 وما بعدها.

[ 221 ]

تفصيل بين بقاء الماء المتوضأ به وعدمه ثم إن المسا لك في المسألة كثيرة، وآراء الفضلاء هنا متشتتة، وهي ربما تؤدي الى التفصيل في المسألة بين بقاء الماء المتوضأ به وعدمه، فمثل الشيخ الاعظم وبعض أتباعه، ذهب الى جواز إجراء القاعدة في الوضوء (1)، لعدم معارض لها، وأن الوضوء كالملاقي، فمع بقاء الملاقى والطرف يكون الملاقي بلا معارض، لان ميزان التنجيز ليس المعية في العلم، بل الميزان هي العلية في المعلوم، فبما أن الملاقي معلول الملاقى، يكون في التنجيز أيضا متأخرا عنه. نعم، مع انعدام الملاقى يصير الاصل في الملاقي، والقاعدة في الوضوء معارضة بالقاعدة في الكبير. والذي هو الاقرب الى النظر: هو أن الوضوء إذا كان بنفسه طرف العلم، فلامنع من إجراء القاعدة في الكبير، لان من جريان استصحاب عدم الوضوء والقاعدة في الكبير، لا يلزم مخا لفة عملية، كما عرفت آنفا. فعلى جميع المسالك، لابد من الالتزام بطهارة الاناء الكبير في صورة فقد ماء الصغير، وعدم كون الاناء الصغير طرفا للعلم بأن ينعدم مثلا، فما في كتب الاصحاب صدرا وذيلا لا يخلو عن تأسف. كما أن التفصيل بين بقاء الصغير وعدمه، مما لابد منه في خصوص المقام، لنكتة اختصت به. نعم، على ما سلكناه يشكل ذلك، كما لا يخفى.


1 - الطهارة، الشيخ الانصاري 1: 283، مستمسك العروة الوثقى 1: 259 و 267.

[ 222 ]

تذنيب: فيما لو علم إجمالا بالوضوء من أحدهما ثم علم بنجاسة أحدهما كان الكلام فيما إذا توضأ بالصغير، ثم توجه الى نجاسة مرددة بينه وبين الكبير. والذي قد يفرض أنه توضأ بأحدهما، ثم توجه الى نجاسة غير المعين. وبعبارة اخرى: يعلم إجمالا بالوضوء من أحدهما، ويعلم إجمالا بنجاسة أحدهما، ولعله هو الظاهر من " العروة " (1) وحكمه عندنا حكم سابقه علما، وأصلا، وقاعدة. وهنا صورة اخرى: وهي ما لو علم إجمالا بتوضئه من أحدهما، ثم علم تفصيلا بنجاسة الصغير، ففي بعض كتب الفضلاء المعاصرين - مد ظله -: " أنه لا مانع من إجراء القاعدة في الوضوء، بل لك إجراء قاعدة الطهارة في الماء المتوضأ به، لحكومتها على قاعدة الفراغ " (2). وفيه: أنه إذا كان غافلا عن شرطية طهارة الماء، ففي جريانها إشكال مضى (3)، ولقد أفاد هو: " أن المعتبر كون الفاعل في مقام الاتيان بما يعتبر في المأمور به، وأما الامور الخارجة عن اختياره - وهو الانطباق واللا انطباق - فليست مجراها. هذا، وجريان قاعدة الطهارة في مثل المفروض مشكل أيضا، لانعدام


1 - العروة الوثقى 1: 54، فصل في المياه، الماء المشكوك نجاسته، المسألة 11. 2 - دليل العروة الوثقى 1: 257. 3 - تقدم في الصفحة 220.

[ 223 ]

موضوع القاعدة، بعد ظهورها في الشك في نجاسة شئ وطهارته، وإمكان الاشارة الى ما توضأ به، غير كاف حسب الفهم العرفي. نعم، إذا بقي من الاناء الذي توضأ به شئ من الماء، فإجراؤها في الموجود ربما يكفي لصحة الوضوء، فلاتصل النوبة الى قاعدة الفراغ. مسألة: في حكم الشك في أن الوضوء كان من الطاهر أو النجس إذا علم: بنجاسة أحدهما المعين، وطهارة الاخر، فتوضأ، وبعد الفراغ شك في أنه توضأ من الطاهر أو من النجس، فاستظهر في " العروة " صحة الوضوء، معللا: بجريان القاعدة فيه. وقال: " نعم، إذا علم أنه كان حين التوضي غافلا عن نجاسة أحدهما، يشكل جريانها " (1) ووجهه واضح بعدما مر. وقد يقال: بأن المتفاهم من حسن الحسين بن أبي العلاء، جواز المضي ولو مع النسيان (2)، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الخاتم إذا اغتسلت. قال (عليه السلام): " حوله من مكانه ". وقال: " في الوضوء تديره، فإن نسيت حتى تقوم في الصلاة، فلا آمرك أن تعيد الصلاة " (3).


1 - العروة الوثقى 1: 54، فصل في المياه، الماء المشكوك نجاسته، المسألة 11. 2 - مستمسك العروة الوثقى 1: 266. 3 - الكافي 3: 45 / 14، وسائل الشيعة 1: 468، كتاب الطهارة، أبواب الوضوء، الباب 41، الحديث 2.

[ 224 ]

ولاجل ذلك يتعين حمل ما في الموثق على الحكمة، لا العلة التي يطرد معها الحكم وجودا وعدما. وفيه أولا: أن الظاهر منه، أن مع النسيان ولو علم بعدم وصول الماء الى محل الخاتم، لا يأمره بالاعادة، وهذا غير مفتى به. وثانيا: أن الظاهر من قوله (عليه السلام): " تعيد الصلاة " أنه صلى، وبعد ذلك توجه الى نسيانه الادارة حال الوضوء، ولا يعلم منها إجراء القاعدة في الوضوء، بل الظاهر إجراؤها في الصلاة، وأما صحة الوضوء فهي أمر آخر، وقد تقرر: أن جريانها في الصلاة لا يستلزم صحته، فلا منع من إجرائها في الصلاة هنا، ومع ذلك تجب عليه إعادة الوضوء للصلاة الاخرى، لما تقرر: أنها أصل حيثي (1). فبالجملة: ما هو الاظهر أن هذه القواعد، شرعت للتصرف في مقام الامتثال، لتمنع ابتلاء المكلفين بالوسواس وتضييع الوقت، وإن يستلزم الاكتفاء في مقام الامتثال بالاقل، التصرف في المجعول قطعا بحكم العقل، ولكن ليس معناه صحة إجرائها في مطلق الشك في الصحة والفساد. ومما يؤيد ذلك: أن أصا لة الصحة من قبيلها، وهي أصل عقلائي، ولا شبهة أن الامر عند العقلاء على البناء على الصحة، لبنائهم على الاتيان، وهذه لا يمكن إجراؤها في الشك في الانطباق، فلا تغفل.


1 - لاحظ الاستصحاب، الامام الخميني (قدس سره): 342.

[ 225 ]

المبحث الحادي عشر في الماء المشتبه من حيث الاطلاق والاضافة

[ 227 ]

تمهيد قد مر ما يتعلق به في أول مباحث المياه، وذكرنا: أن ما أفاده الاصحاب الاصوليون: من المراجعة الى الاستصحاب فيما إذا كانت حالته السابقة الاطلاق، محل منع (1)، لان الشك في بقائه على الاطلاق، يرجع الى الشك في بقاء موضوع الاستصحاب، ضرورة أن الاستصحاب لا يمكن في المقام إلا بأن يقال: " كنت على يقين من إطلاق هذا " مشيرا الى ما في الخارج، مع أنه يحتمل كونه ليس ماء، لان الاطلاق ليس من الاوصاف الزائدة على حقيقته. وهكذا إذا كانت حالته السابقة هي الاضافة، وشك في انقلابه الى الماء. وتوهم إمكان إجرائه لاحراز المائية، بأن يقال: " هذا الموجود كان ماء " في غير محله، لانه ربما يشير الى ما ليس له الوجود في السابق، لعدم الجامع بين الماءين - المضاف والمطلق - إلا في المادة الاولى الخارجة عن حقيقتهما، فلا تغفل.


1 - تقدم في الجزء الاول: 100.

[ 228 ]

ثم إنه إذا لاقاه نجس، فلا يحكم بنجاسته إذا كان كرا، والوجه واضح. حكم اشتباه المضاف في محصور وإذا اشتبه مضاف في محصور، يجب أن يكرر الوضوء أو الغسل الى عدد يعلم استعمال المطلق في ضمنه، فإذا كان اثنين في الثلاثة يجب استعمال الكل، وإن كان اثنين في أربعة تكفي الثلاثة. وفيما إذا كان ماء آخر معلوم، يجوز له ذلك أيضا، لعدم الدليل على المنع إلا ما مر في التقليد من الوجوه المذكورة على المنع من التكرار، وقد عرفت ضعفها (1). حكم اشتباه المضاف في غير محصور وضابط الشبهة غير المحصورة وإذا اشتبه في غير محصور، ففي " العروة ": جواز استعمال كل واحد منها، كما إذا كان واحدا في الالف. وقال: " المعيار أن لا يعد العلم الاجمالي علما " (2). وقال جماعة: بعدم جواز الاكتفاء، معللين: بأن غاية ما يقتضي الاكتفاء، هو أن كثرة الاطراف توجب ضعف انطباق المعلوم بالاجمال على كل واحد واحد، وعند ذلك يحصل الاطمئنان بوجود الشرط المعتبر في صحة الوضوء.


1 - مما يؤسف له فقدان مباحث الاجتهاد والتقليد. 2 - العروة الوثقى 1: 51، فصل في المياه، الماء المشكوك نجاسته، المسألة 2.

[ 229 ]

وهذا غير تام، ومورد إشكال من جهات: منها: عدم الدليل على حجية كل اطمئنان عقلائي حاصل من أي سبب، فإن الامارات حجيتها ليست دائرة مدار تحصيلها الاطمئنان الشخصي، وغير الامارات - كالقطع - حجة عقلية أو عقلائية ممضاة، وأما حجية الاطمئنان الشخصي الحاصل من ضعف الاحتمال المزبور، فهي ممنوعة. وهكذا دعوى حجية الغلبة حجية نوعية ممنوعة أيضا. وتوهم: أن هذا كاف لعدم صحة العقوبة، لانها لا تصح بلا بيان، غير سديد، لان بيانية العلم مفروغ عنها عندهم، مع قطع النظر عن قيام الاطمئنان على خلافه في كل طرف. ومنها: أن الاحتمالات الموهونة، غير معتنى بها في الامور الدنيوية، وأما في المسائل الراجعة الى العقاب وصحة العقوبة، فهي غير مدفوعة إلا بحجة شرعية، وإلا يجب التحفظ على الواقع مادام العقل يحتمل العقوبة (1). وفيه: أنه لا عقاب بلا بيان، فإذا صدقه أحد، لسقوط العلم عن التأثير، فلا فرق بين الدنيوية والاخروية. ومنها: ما أفاده شيخ مشايخنا الحائري (رحمه الله): من لزوم التنافي بين الاطمئنان بعدم كون المضاف كل واحد، والعلم بكون واحد منها مضافا (2). وفيه: أن ما هو المعلوم واحد غير معين، وما هو مورد اطمينان واحد


1 - التنقيح في شرح العروة الوثقى 1: 406. 2 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 471.

[ 230 ]

معين، وإلا يلزم التهافت بين العلم والشك في أطراف العلم الاجما لي، كما لا يخفى. فلو بلغت الشبهات الى ملايين الاواني، فلابد من دليل يدل على حجية مطلق الاطمئنان. وتوهم الاجماع على حجيته في خصوص هذه المسألة، أو في خصوص الشبهات غير المحصورة، غير سديد، ضرورة أن ما هو مورد الاجماع، هو جواز الاقتحام في الاطراف في الشبهات الالزامية، ونحن التزمنا بذلك في المحصورة، فضلا عن غير المحصورة، وفيما نحن فيه لا أصل يعول عليه في الفرض المزبور، حتى يقال: بسقوط الشبهة غير المحصورة عن الاعتبار مطلقا، كما تخيلناه سابقا، فعليه لابد لنا أيضا من البحث عن الشبهة غير المحصورة موضوعا وحكما، والتفصيل في محله (1)، وما مضى هنا يكفي، لعدم مساعدة الكتاب على أكثر من ذلك. حكم وجود الحالة السابقة لاشتباه المطلق في الكثير المضاف وفيما إذا اشتبه المطلق في الكثير المضاف، وكان لكل واحد من الاواني المشتبهة حالة سابقة، فعلى ما تقرر: من عدم جريان الاستصحاب (2)، فالحكم واضح. وأيضا بناء على جريانه، ضرورة أن الالتزام بالترخيص في الكل جائز عندنا، لما مضى: من تقديم أدلة الاصول على


1 - لاحظ تحريرات في الاصول 7: 425. 2 - تقدم في الجزء الاول: 100.

[ 231 ]

الواقعيات (1). وعليه لا فرق بين كونه بانيا على أن يتوضأ بكل واحد منها لصلاة، وبين عدمه، خلافا لما عليه الاصحاب من الفرق بين الصورتين (2). مع أنه بلا وجه، لان التكليف في الاطراف إذا كان غير منجز، فلا سبيل الى منعه عن ارتكاب ذلك. وإن كان منجزا، فلا وجه لترخيصه في طرف واحد، فإن البناء القلبي واللابناء، لا يؤثر في فعلية التكليف وعدمه، كما لا يخفى. وهنا مسلك آخر: وهو جريان الاستصحاب في جميع الاطراف، وتساقط الكل، ولزوم الاحتياط، لما لا يرون للشبهة غير المحصورة خصوصية في عدم تنجيز العلم، إلا إذا رجعت الى الخروج عن محل الابتلاء، أو رجعت الى وجود مانع كا لحرج والضرر، وغير ذلك مما يمنع عن العلم بالتكليف مطلقا، أو في بعض الصور (3)، فافهم وتدبر. تذنيب: هل يحتاج إلى الاصول المرخصة في الشبهة غير المحصورة؟ المسا لك في سقوط العلم الاجما لي عن التأثير في الشبهة غير المحصورة مختلفة، وثمرة الاختلاف جواز الاقتحام في بعض الاطراف، من غير الاحتياج الى الاصول المرخصة أو المحرزة، وعدمه إلا معها،


1 - تقدم في الصفحة 209. 2 - كوالده الامام الراحل (قدس سره) في أنوار الهداية 2: 233. 3 - كفاية الاصول: 407 - 408.

[ 232 ]

ضرورة أن من يقول: بأن وجه السقوط مثلا، لزوم الضرر أو الحرج أو الاجماع أو النص، فلابد له من التمسك بها، وإلا لو لم يكن أصل لا يجوز البدار، كما فيما نحن فيه. وبالاصطلاح: يصير العلم كلا علم، لا الشبهة كلا شبهة. ومن يقول: بضعف الاحتمال، وقيام الامارة على الخلاف، فلا يحتاج إليها، لاجل دليل حاكم عليها، فيجوز البدار فيما نحن فيه. فعدم جريانها على هذا المسلك، ليس لاشكال في جريانها ذاتا، كما يوهمه عبارات أصدقائنا الافاضل، بل لحكومة في البين. نعم، إذا حصل الاطمئنان الشخصي لاحد في طرف، فله دعوى الورود، لان موضوع أدلة الاصول هو الشك، لا الاحتمال الموهون غير الخاطر في الاذهان إلا من شذ. وربما يمكن دعوى: أن سقوط العلم الاجمالي بالاجماع بعد وجود الاطلاق في معقده، أو لوجود المانع كالضرر أو الحرج، يستلزم كون الشبهة أيضا كلاشبهة، للزوم الخلف، ضرورة أن وجوب الاحتياط بعد ذلك، أيضا ينافيه أدلة الضرر والحرج، وهكذا ينافيه إطلاق الاجماع، للزوم لغويته، فليتأمل جيدا. كما يمكن دعوى: أن المسلك الاخير وهو ضعف الاحتمال، يورث سقوط العلم عن التأثير، ولا يستلزم جواز الاكتفاء باستعمال واحد منها في الوضوء، أو الغسل، أوا لغسل، لان الاطمئنان بعدم انطباق المعلوم بالاجمال على الطرف الواحد، يورث عند العقل أو العقلاء سقوط أثر العلم، ولكن لا دليل على حجيته شرعا حتى يكون حاكما على الاصول،

[ 233 ]

وأمارة على الواقع. وبعبارة اخرى: قصور هذا العلم عن كونه بيانا للواقع مسألة، وحجية الاطمئنان الحاصل من الغلبة مسألة اخرى، لا تلازم بينهما، فالاطمئنان المزبور ربما يوجب سقوط بيانية العلم، أو الشك في كونه كافيا لها، ولكن لا يورث جواز الاكتفاء بواحد من الاواني في مقابل التكليف المعلوم. وهنا إن قلت قلتات لا يسعه المقام. فصل صور الشك في الاضافة والاطلاق وأحكامها إذا لم يكن عنده إلا ماء مشكوك إطلاقه وإضافته، فإن تيقن في السابق إطلاقه أو إضافته، فالمشهور على إجراء الاستصحاب (1)، وقد مر منا منعه، لرجوع الشك فيهما الى الشك في الموضوع بقاء (2). وهنا شبهة اخرى: وهي أن موضوع الوضوء هو " وجدان الماء " أو " التمكن من الماء " واستصحاب الاطلاق مثبت، لعدم إحراز الموضوع المزبور به، كما فيما إذا شك المأموم أنه أدرك الامام أم لا، فإن استصحاب بقاء الامام في ركوعه الى أن ركع مثبت، لعدم إحراز الموضوع - وهو إدراك


1 - مهذب الاحكام 1: 271. 2 - تقدم في الجزء الاول: 100.

[ 234 ]

الركوع - به وإن كان هو معارضا بمثله أيضا. نعم، يجري استصحاب واجديته للماء، إلا أنه لا يحرز أيضا مائية المشكوك. وإجراء الاستصحابين أيضا مشكل، لان التقيد الذي هو المعنى الحرفي والنسبة الناقصة، لا يحرز باستصحاب الجزءين، ولا شبهة في أن الموضوع مركب بنحو يكون بينهما ربط ناقص، ولذلك قلنا: بأن ما اشتهر بين المحصلين: من إحراز أحد الجزءين بالاصل، والجزء الاخر بالوجدان، مما لا أساس له (1). وتوهم خفاء الواسطة، ممنوع كبرى، بل وصغرى. فما ترى هنا في كلمات هؤلاء (2)، لا يخلو عن تأسف. نعم، بناء على القول: بأن موضوع الوضوء ليس " واجد الماء " ولا " المتمكن من الاستعمال " بل الوضوء واجب على المكلف كما هو ظاهر الكتاب، والتيمم موضوعه " العجز " الاعم من الشرعي والعقلي، فلجريانه وجه. ولكنه قد يشكل: بأن المتفاهم العرفي بعد ملاحظة القوانين، كون الموضوع المقابل للتيمم ما يقابل موضوعه، فهو القدرة الاعم من الشرعية والعقلية، والاهمال الثبوتي ممتنع، والاستظهار الاثباتي بنظر العرف ممكن، فلا تغفل وتأمل.


1 - تقدم في الجزء الاول: 350 - 351، ولاحظ الطهارة (تقريرات المحقق الحائري) الاراكي 1: 253. 2 - لاحظ مستمسك العروة الوثقى 1: 248، مهذب الاحكام 1: 271.

[ 235 ]

حكم تيقن واجدية الماء في السابق وإن لم يتعين أنه كان في السابق مطلقا، فإن كان على يقين من حا لته السابقة من الواجدية، فالمذكور في بعض كتب الفضلاء: هو الرجوع الى الاستصحاب (1). وأنت خبير بما فيه، ضرورة أن هذا لا يحرز به حال المشكوك. وإن شئت قلت: الشك هنا يرجع الى الشك في الماء، لان ما هو موضوعه هو " التمكن مثلا من الماء " والان شاك في مائية ما في الخارج، وهذا من قيود الموضوع اللازم إحرازها قبله أو معه. وجريان الاستصحاب في نفس ما في الخارج، من الكلي غير الجاري فيه الاصل. مع أنه لو قلنا بجريانه في القسم الثالث، لا يجري هنا، لاشتراط إحراز الموضوع في جميع الاستصحابات، فلا تخلط. وأما توهم ترتب الاثر على الاستصحاب المزبور - وهو لزوم الاحتياط - فسيأتي توضيحه (2). مع أنه من الممكن دعوى لزومه من غير حاجة إليه، كما لا يخفى. حكم ما إذا لم تكن حالة سابقة مثلا وإن لم يكن على حالة سابقة، أو كان ولم يكن الاصل جاريا، أو كان


1 - مستمسك العروة الوثقى 1: 249. 2 - يأتي في الصفحة 238.

[ 236 ]

ولم يكن فيه الفائدة المزبورة، ففي " العروة " أفاد لزوم الترابية للصلاة ونحوها، واحتاط - استحبابا - بالجمع بين الترابية والمائية (1)، وذلك إما لاجل جريان أصل العدم الازلي، لان المشكوك اتصاف المائع بالاطلاق، وحيث إن الاطلاق وصف وجودي، كنا على يقين من عدمه، وكان هو غير موصوف به قبل وجوده، ونشك في اتصافه به حين حدوثه، فالاستصحاب ناف لاتصافه به (2). وفيه: أنا لو سلمنا جريان الاصل في الاعدام الازلية، فهو إما مخصوص بالاوصاف الزائدة على الذوات العارضة عليها حين حدوثها، كالقرشية والهاشمية والتذكية، كما اختاره العلامة الاراكي صاحب " المقالات " (3) أو هو يجري في الاوصاف الزائدة على الذوات والعارضة عليها من أول تقررها، كالقابلية للتذكية مثلا. وأما جريانه في نفس الذوات، وفي نفس الصور النوعية المقومة كالمائية مثلا، فهو من الامر المرمي باللغو، ضرورة أن " المائعية " من الاوصاف الانتزاعية المتأخرة عن ذات الماء، فكيف يجعلها موضوعا للاستصحاب؟! والامر بعد ذلك لا يحتاج الى التأمل. مع أن أصل جريانه، ناشئ من عدم نيل بعض المسائل العقلية. أو لاجل أن العلم الاجمالي بوجوب المائية أو الترابية وإن كان


1 - العروة الوثقى 1: 51، فصل في المياه، الماء المشكوك نجاسته، المسألة 3. 2 - التنقيح في شرح العروة الوثقى 1: 407. 3 - مقالات الاصول 2: 167.

[ 237 ]

منجزا، ولكن جريان الاصل النافي في طرف فقط، كاف لانحلاله حكما، وهو استصحاب عدم كونه واجدا للماء (1). وتوهم: أن ذلك مخصوص بما إذا كان موضوع الوضوء عنوان " وجدان الماء " مثلا، وأما إذا كان مطلقا فلابد من الاحتياط، لان الاصل المزبور وإن اقتضى وجوب التيمم، ولكن حكم العقل بالاحتياط في موارد الشك في القدرة، مفروغ عنه عند الاصحاب، في غير محله، ضرورة أن الاحتياط متقوم باحتمال العقاب، وهو مسدود بعد وجود البدل شرعا للمكلف به، وما فيه كثير، لان العلم الاجمالي هنا ليس منجزا، بداهة أن المائية والترابية من التكاليف الغيرية. فالعلم الاجمالي لابد أن يرجع الى وجوب الاحتياط، بدعوى أن مع الترابية، يشك في سقوط التلكيف المعلوم أولا المتقيد بالمائية. فما ترى في كتبهم صدرا وذيلا - من مفروغية تنجيز مثل هذا العلم (2) - غفلة وذهول. هذا أولا. واستصحاب عدم وجدان الماء وإن كان نافيا للوضوء، ومثبتا للترابية، بمعنى أن الاصول العدمية المضافة الى موضوعات الاحكام، إذا كانت تلك الاعدام بنفسها، أيضا موضوعات لاحكام اخر ك‍ " الوجدان " و " عدم الوجدان " فيما نحن فيه، فيحرز بها نفي حكم، وإثبات حكم يقابله، ولكن


1 - مستمسك العروة الوثقى 1: 248. 2 - التنقيح في شرح العروة الوثقى 1: 411، مهذب الاحكام 1: 271.

[ 238 ]

بعد مفروضية الاطلاق في دليل الوضوء، فلا يعقل نفي الوضوء به، لعدم كونه موضوعه. وهذا ثانيا. والاهمال في موضوع الوضوء بعد ثبوت الموضوع للترابية، غير ممكن ثبوتا، وممكن إثباتا. ولكن قد مضى عدم سكوت العرف هنا (1)، بل المتفاهم من الادلة أن له أيضا موضوعا خاصا، كالترابية، فالاطلاق المفروض غير قابل للتصديق. هذا، واستصحاب عدم الوجدان، لا يجري فيما إذا كان واجدا للماء قبل هذا الماء المشكوك، كما هو المتعارف. وإذن لا ينفع استصحاب الوجدان لصحة الاكتفاء بالوضوء بهذا المشكوك حاله، كما مضى تفصيله (2). ولكن يضر بأصالة عدم وجدانه الماء، فلا يجري الاصلان: لا الاصل المحرز به موضوع المائية، لانه مثبت، ولا الاصل المحرز به الترابية، لعدم الحالة السابقة له، فتعين الاحتياط، فلا يتم ما في " العروة " إطلاقا (3). بل فرض عدم الحالة السابقة لواجدية الماء، نادر جدا، ولذلك احتاط بعض الاعلام وجوبا في المسألة (4). وربما يتوهم عدم جريان الاصول العدمية المضافة الى موضوعات


1 - تقدم في الصفحة 234. 2 - تقدم في الصفحة 237. 3 - العروة الوثقى 1: 51، فصل في المياه، الماء المشكوك نجاسته، المسألة 3. 4 - العروة الوثقى 1: 51، فصل في المياه، الماء المشكوك نجاسته، المسألة 3، الهامش 12.

[ 239 ]

الاحكام، لانها من المثبتات، فلا ينفع الاصل المزبور لنفي الوضوء (1). وفيه: أنه لو سلمنا ذلك فهو كاف، لانه إذا كان ينفع لاثبات الترابية، فلا حاجة الى نفي المائية كما لا يخفى. فتحصل إلى هنا: أنه بعد سقوط العلم الاجمالي، لاجل أن متعلقه من الاحكام الغيرية لا النفسية، وبعد عدم وجود أصل يصح الاتكاء عليه إلا في فرض نادر، يتعين الاحتياط، لان التكليف بالمائية معلوم، والشك في القدرة لا يورث قصورا فيه على ما تقرر (2)، فلابد من المائية، ثم تحصيل الترابية، حتى يقطع بسقوط التكليف الصلاتي، فيظهر أن لزوم الاحتياط، لا يتوقف على ثبوت العلم الاجمالي المزبور. أو لاجل أن سبب الانتقال من المائية الى الترابية، هو عدم القدرة والتمكن من استعماله، الاعم من كونه لاجل عدم الاستطاعة العقلية، أو الشرطية (3)، أو لعدم العلم بالماء، وإذا شك في مائع أنه ماء يجب التيمم، لعدم تمكنه من استعمال الماء، فنفس الشك كاف للقطع بالترابية، فالاحتياط بالمائية حسن إذا لم يكن تشريع في البين (4). وفيه: أن الادلة في الترابية قاصرة عن إثبات شرطية الاحراز، بنحو الجزئية كان، أو بنحو تمام الموضوع، ضرورة أن كون الموضوع عدم الوجدان، أو عدم التمكن، لا يستلزم شرطية الاحراز، بل هما من العناوين


1 - مهذب الاحكام 1: 272. 2 - تقدم في الصفحة 237. 3 - مهذب الاحكام 1: 271. 4 - دروس في فقه الشيعة 2: 195.

[ 240 ]

الواقعية، يتعلق بهما العلم تارة، والجهل اخرى. وما ترى في كتاب شيخنا المعاصر الحلي - مد ظله -، في غاية الوهن. كما أن ما سلكه في هذه الصفحات لا يخلو عن اغتشاش، خصوصا فيما نسبه الى ماتنه من المناقضة في فتاويه (1)، فإنه لعدم تأمله فيما أفاده في كتاب التيمم، ظن التناقض، فراجع. فبالجملة: إنه توهم اقتضاء كون الموضوع عدم التمكن من ذلك الشرط، وهذا بديهي البطلان، ولا دليل على خلافه. بل قضية ما ورد في الاخبار: من إيجاب الاعادة على ناسي الماء (2)، هو عدم كونه موضوعا، ولا شرطا، فتأمل جيدا. فرع في حكم دوران المائع بين الاضافة والاطلاق إذا دخل الوقت، ولم يكن عنده إلا مائع مردد بين المضاف والمطلق، فلا يبعد عدم وجوب الاحتياط، لعدم علمه بالتكليف الصلاتي بالمائية، لاحتمال حدوث التكليف با لترابية، فلا شك في السقوط، بخلاف الفرض السابق. اللهم إلا أن يقال: بأن التكا ليف قبل الوقت تعليقيات، كما لا يبعد في الجملة.


1 - دليل العروة الوثقى 1: 213 - 217. 2 - الكافي 3: 65 / 10، وسائل الشيعة 3: 367، كتاب الطهارة، أبواب التيمم، الباب 14، الحديث 5.

[ 241 ]

وربما يشكل جريان استصحاب عدم الوجدان، لدعوى انصراف أدلة الاستصحاب عن مثل هذه الصورة، وهي ما إذا كان قبل الوقت غير واجد، وفي الوقت مرددا، فإن من شرائط جريانه، كون اليقين في ظرف وجوده ذا أثر شرعي، وهنا ليس كذلك كما لا يخفى. وفيه منع كبروي، بل وصغروي، فلا تخلط، ولا تغفل.

[ 243 ]

المبحث الثاني عشر في الماء المشتبه من حيث الحرمة والاباحة

[ 245 ]

تمهيد الكلام في المقام بعد مفروغية اعتبار الاباحة والحلية في الطهارات مثلا، وإلا فعلى القول بصحتها فلا ثمرة وضعية فيه. وأما جواز الشرب وسائر الاستفادات، فهو بحث موكول الى كتاب الاطعمة والاشربة. وأيضا: ليس البحث هنا في الاباحة المسببة عن الشك في النجاسة والطهارة، لارتفاعها بجريان الاصل في منشئها، فإذا شك في مشروعية الوضوء وحليته بالماء المشكوكة طهارته، فإن جرت قاعدتها يلزم منه حلية التوضؤ ومشروعيته. فبالجملة: البحث حول هذه المسألة يتم في ضمن مسائل: المسألة الاولى: في حكم التصرف لماء مع الشك في رضا صاحبه إذا كان الماء مملوكا ومشكوكا جواز التصرف فيه، لعدم إحراز طيب المالك، أو كان موقوفا ومشكوكا حدود الوقف وهكذا، فهل يجوز التصرف، ويباح التوضي، أم لا؟ وجهان.

[ 246 ]

ظاهر القوم هو الثاني (1)، ومقتضى الصناعة العلمية هو الاول، لعمومات الحل (2) والبراءة (3)، بعد قصور الادلة الاولية عن تحريم الشبهات الموضوعية. والاستناد في التحريم الى شهادة الحال، وقرائن المحال، خروج عن الجهة المبحوث عنها. وتوهم: أن الظاهر من الاية (ولا تأكلوا أموالكم...) (4) ومن الرواية " لا يحل مال امرئ " (5) هو لزوم الاحراز كما عليه بعض الفضلاء (6)، فسخيف مضى سبيله مرارا. ومن هذا القبيل التمسك بما يأتي تفصيله في المسائل الاتية، وهو ما ورد في رواية " لا يحل مال إلا من وجه أحله الله " (7) وذلك لان المستثنى تابع المستثنى منه، فإن اريد منه نفي الحلية الواقعية والظاهرية، فيكون الاستثناء أعم، وتكون أصالة الحل من تلك الوجوه وإن اريد منه الحلية الواقعية كما هو الظاهر فلا يبق وجه للتمسك، فلا تخلط.


1 - العروة الوثقى 1: 224، فصل في شرائط الوضوء، المسألة 6. 2 - الكافي 5: 313 / 40، وسائل الشيعة 17: 89، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 4، الحديث 4. 3 - التوحيد: 353 / 24، الخصال: 417 / 9، وسائل الشيعة 15: 369، كتاب الجهاد، أبواب جهاد النفس، الباب 56، الحديث 1. 4 - البقرة (2): 188. 5 - عوالي اللالي 1: 222 / 98. 6 - التنقيح في شرح العروة الوثقى 1: 402. 7 - الكافي 1: 460 / 25، وسائل الشيعة 27: 156، كتاب القضاء والشهادات، أبواب صفات القاضي، الباب 12، الحديث 8.

[ 247 ]

نعم، ربما يظهر من الكتاب في سورة النور: (ليس على الاعمى حرج...) إلى قوله تعالى: (ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم...) إلى آخر الاية: (أو صديقكم) (1) أنه في غير هذه المواقف، ممنوع الاكل والتصرف عند الشبهة، ضرورة أن الاية سيقت لافادة الترخيص في موارد الشبهة، وإلا فيجوز مع العلم بالرضا الاكل من بيوت الاعداء، ولو كان سائر البيوت مثلها في جواز الاكل - اتكالا على عمومات الحل والبراءة - لما كان وجه لذكرها بهذا النحو من التفصيل الطويل. بل الكتاب جعل هذه العناوين أمارات طيب النفس والتصرفات المتعارفة، لا مطلق التصرف كما لا يخفى. ففي غير هذه العناوين إما تكون الامارات على خلاف الطيب، أو لابد من الاخذ بنتيجة ذلك، وهو المنع من الاكل والشرب وسائر التصرفات، ومنها التوضي، والله العالم بحقائق آياته. ومما يشهد على أن هذه العناوين أمارات حصول الرضا والاذن، عطف البيوت الاجنبية على بيوت أنفسهم، فليتدبر حقه. وسيأتي زيادة توضيح حول هذه المسألة في طي المسائل الاتية، إن شاء الله تعالى. ثم إن من المحتمل انصراف أدلة الحل عن موارد الشك في الحلية والحرمة غير الثابتتين، كحلية مال الغير وحرمته اللتين هما تابعتان للاذن وعدمه، بخلاف الحلية والحرمة الثابتتين للماء والخمر، فافهم. هذا، ويمكن التمسك باستصحاب عدم الطيب إذا شك في تحققه.


1 - النور (24): 61.

[ 248 ]

وتوهم أنه غير واف بتمام المقصود، لانه من استصحاب العدم النعتي، وربما لا يكون له الحالة السابقة، في محله، إلا أنه يتم باستصحاب العدم الازلي بناء على جريانه. المسألة الثانية: في حكم التصرف بالماء مع الشك في مملوكيته إذا شك في مملوكيته، وأنه حازه أحد أم لا، ولم يكن أمارة على ذلك، لا من ناحية نفسه بأن يكون في يد الغير مع احتمال كونه له، ولا مسبوقا بالملكية لزيد، فيكون تحت استيلائه بالاستصحاب، ويكون ملكا له، لعموم دليل قاعدة اليد، أو لم يكن أصل موضوعي يقتضي ذلك، ولا أمارة على ملكيته من ناحية المظروف، بأن يكون في إناء زيد، أوفي أرض عمرو، أو تحت سلطان خالد، فهل عند ذلك يجوز التصرف والتوضي، أم لا؟ بعد عدم كونه من المباحات الاصلية التي تجري فيه الاصول النافية المفيدة لجواز الحيازة والتملك، فضلا عن جواز التصرف. فيه أيضا كما سبق وجهان. إلا أن الاشكال في تصوير صغرى المسألة، ضرورة أنه إما يدور الامر بين قيام الامارات والظنون العقلائية على إباحته، أو على ملكيته، وقلما يتفق الشق الثالث، والامر سهل. ومحل البحث في هذا الفرض، هو ما إذا كان على تقدير مملوكيته للغير غير مورد للطيب، وغير مأذون من قبل صاحبه ومالكه بالقطع واليقين، وإلا فتكون حاله حال المسألة الاولى.

[ 249 ]

والذي يظهر: أن الاستدلال بالاية السابقة (1) غير آت هنا، كما لا يخفى. ولو سلمنا قصور أدلة الحل - لما مضى (2) - عن شمول هذه المواضيع، فلا قصور في عمومات البراءة الشرعية، بعد ثبوت إطلاقها للشبهات الموضوعية. اللهم إلا أن يقال: بأن صحة التصرف الاكلي تثبت بها، ولا تثبت صحة التصرف الوضوئي، لان اللازم إثبات التعبد بالحلية، بناء على اشتراط كون الماء مباحا في صحة الوضوء، ورفع الحرمة لا يثبت عنوان الاباحة والحلية، كما هو الواضح. وعدم جواز المؤاخذة على التصرف عقلا، لا يورث صحة الوضوء، فالبراءة العقلية والنقلية قاصرتان عن إثبات المقصود، وهو صحة الوضوء بالماء المشكوكة إباحته. وسيأتي زيادة توضيح في المسألة الاتية، إن شاء الله تعالى. المسألة الثالثة: في حكم الماء المردد بين كونه مال نفسه أو غيره إذا كان الماء مرددة ملكيته بين زيد وعمرو، ولم يكن أصل يقتضي ملكيته لاحدهما، ولا أمارة قائمة على لحوقه بملك أحدهما، بأن يكون في إناء أحدهما، أو تحت سلطانهما وهكذا، فهل يجوز التوضي به وسائر الاستعمالات المشروطة بالاباحة وضعا وتكليفا، أو لا يجوز مطلقا؟ أو يفصل بين الاستعمالات الموقوف جوازها على رفع المنع شرعا،


1 - تقدمت في الصفحة 246. 2 - تقدم في الصفحة 246 - 247.

[ 250 ]

وبين الاستعمالات الموقوفة صحتها على إثبات عنوان الاباحة؟ وجوه. قد يقال: بأن الاصل في الشبهات المهتم بها غير جار، ومن تلك الشبهات الشبهة في مال أنه مال نفسه أو مال غيره، فإنه لابد من الاحتياط، فلا يصح الطهارات، ولا يجوز سائر التصرفات. هذا ما أفاده الشيخ في بعض كتبه (1). والمعروف بين أبناء الفضل جواز التصرفات، وصحة الوضوء، لعدم ثبوت هذا الاستثناء وهو الاحتياط في الشبهات المهتم بها، بعد الاطلاق في أدلة الحل والبراءة. وما مر في المسألة الاولى من الوجوه المحتمل نهوضها للمنع (2)، غير تامة صناعة. مع عدم جريان الاستدلال بالاية الشريفة هنا أيضا، لان المفروض فيها صورة العلم با لما لك الشخصي، ففيما لم يكن دليل، ولا أصل يقتضي الما لكية لشخص معين، فقضية الصناعة جواز التصرفات غير الموقوفة على الملك. وأما جواز حيازته باستصحاب عدم المالك له عدما أزليا، فهو ممنوع. والذي هو الاقرب: أن الطريقة العقلائية وبناء المتشرعة، على عدم الاقدام على التصرف في موارد الشبهة والشك، وأن السيرة من القائلين بأصل الما لكية واحترام أموال الغير، على التحرز مادام لم يثبت بإحدى الادلة العقلائية أو الشرعية، جواز التصرف. ولعل نظر


1 - لاحظ فرائد الاصول 1: 375 - 376. 2 - تقدم في الصفحة 246 - 247.

[ 251 ]

الشيخ الاعظم (رحمه الله) كان الى ذلك، لا الى قصور في الادلة ثبوتا أو إثباتا. وتوهم: أن تلك السيرة قابلة للردع بعمومات الحل والبراءة، في غير محله، لما تقرر منا: أن المغروسات الذهنية والبناءات القديمة العقلائية، غير قابلة للردع إلا بإعمال القوة والتشديد في الردع، ولا يمكن الالتزام بجواز اتكاء المقننين في ردع هذه المسائل، على الاطلاق أو العموم، كما ذكرناه في حجية خبر الواحد وسائر الامارات والطرق (1)، فعليه تصبح أدلة الحل والبراءة قاصرة من تلك الجهة، فلا تخلط. فتحصل إلى هنا: أن التحقيق في محل النزاع هو المنع، خلافا لما يظهر من جملة من الافاضل والاعلام (2)، وفيهم الفقيه اليزدي حيث قال: " والمشكوك إباحته محكوم بالاباحة، إلا مع سبق ملكية الغير، أو كونه في يد الغير المحتمل كونه له " (3) انتهى. وقضية إطلاق كلامه جواز التصرف في هذه المسألة أيضا. اللهم إلا أن يحمل كلامه على الصورة الثانية الماضية في المسألة الثانية (4)، والامر بعد ذلك سهل. تذنيب: وفيه عودة إلى حكم المسألتين: الاولى والثانية قد عرفت: أن مصب البحث حول الفروض التي لا تكون الاصول


1 - تحريرات في الاصول 6: 501 - 502. 2 - مستمسك العروة الوثقى 1: 244، مهذب الاحكام 1: 269. 3 - العروة الوثقى 1: 49، فصل في المياه، الماء المشكوك نجاسته. 4 - تقدم في الصفحة 248.

[ 252 ]

الشرعية ولا الطرق العقلائية، مقتضية للمنع أو الجواز، فما ترى في المقام من فرض الحالة السابقة، وتصوير الصور، خارج عن محط الكلام. وبناء على ما عرفت منا في المسألة الثالثة، يظهر وجه المنع في المسألتين: الاولى، والثانية أيضا، فإن الطريقة الثابتة من العرف والشرع، قائمة على لزوم إحراز السبب المحلل والمرخص، حتى فيما إذا شك في أنه له مالك أم لا، وكان الشك عقلائيا ذا منشأ عقلائي، ولا يكفي للمنع مجرد الشك الفرضي والتخيلي، فليتدبر. ولعمري، إن الدليل الوحيد ذلك. ولعل الكتاب والسنة أيضا لو كان فيهما ما يدل على المنع، ناظر الى تلك الطريقة. إن قلت: قضية معتبر مسعدة بن صدقة (1)، هو الرجوع الى الاباحة في الشبهات المهتم بها، لما فيها من فرض الشبهة في العرض والمال، ومع ذلك رخص الارتكاب عند الشك والشبهة، ومجرد كون المفروض مثالا فيها مورد الامارة والاصل العقلائي والشرعي، لا يورث ضررا في أن المستفاد منها جريان أدلة الاباحة والحل في الشبهات المهتم بها، كما لا يخفى. قلت: - مع الغض عما في السند (2) - إن الغاء الخصوصية من


1 - الكافي 5: 313 / 40، وسائل الشيعة 17: 89، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 4، الحديث 4. 2 - لاحظ تحريرات في الاصول 7: 27.

[ 253 ]

الامثلة صحيح إذا اريد التجاوز منها الى أمثا لها، وأما إذا اريد التجاوز منها الى غير ما عليه الامثلة من الجهة المشتركة، فهو ممنوع، وذلك لان المفروض فيها أنه لا يعتنى باحتمال الحرمة الجائي من قبل احتمال بطلان العقد، لان احتمال رضاعة المعقود عليها أو اختيتها وهكذا في غيره ملغى. وأما استفادة جواز عدم الاعتناء باحتمال بنتية أو امية أو اختية من في البيت، لوجود الظلمة، فهو ممنوع جدا، ولا أظن التزام أحد بذلك، وإن كان قضية عموم الحل في صدرها وذيلها، هي الاباحة مطلقا عند الشبهة، ولكن النظر فيها الى ذلك قطعا. فإذا احرزت زوجية زوجة بالاصول العقلائية، ثم احتمل أحد الموجبات للحرمة، أو احتمل حين إرادة التزويج، ذلك مجرد الاحتمال غير العقلائي، فلا يبعد جواز الاقدام، وأما مع الاحتمال العقلائي ومع الشك في الزوجية فلا. وعليه يقاس الشك في النفوس والاموال فلا دلالة لها على التوهم المزبور جدا. مع أن الالتزام بمفادها غير ممكن، للزوم جواز البدار الى وطء المرأة المرددة بين كونها زوجه، أو امه واخته وخالته وغيرهن من المحارم. بل قضية عمومها جواز البدار الى قتل من شك في مهدورية دمه، مع عدم الحالة السابقة لحرمته، وهو أيضا غير قابل للتصديق، فلا تغفل.

[ 254 ]

فروع الفرع الاول: في تردد الماء بين الاضافة والغصب إذا علم إجمالا: بأن هذا الماء إما مضاف أو مغصوب، فالمعروف بينهم جواز شربه، وعدم جواز التوضي به، لعدم الوجه للمنع عنه، وجريان قاعدة الحل (1). وأنت خبير: بأن إطلاقه ممنوع قطعا فيما إذا كان للغصبية حالة سابقة، وأما إذا كانت حالته السابقة غير معلومة، أو كانت حالته السابقة من حيث الاضافة معلومة، حتى تقع المعارضة بين الاصول، فيصبح الماء مشكوكة إباحته، غير مسبوق بملكيته لاحد، أو بعدم إذن ما لكه، أو غير ذلك مما يورث المنع عن التصرف، فإنه في هذه الصورة يمكن الترخيص في التصرف فيه، بناء على عدم تمامية أصالة الحرمة في الاموال. ولكنك عرفت منا أنها قوي جريانها، وعليه السيرة العرفية والعقلائية الشرعية بلا شبهة وإشكال (2). نعم، إذا كان مسبوقا بالاباحة المطلقة، فإنه يجري الاستصحاب، فيجوز شربه، ولا يجوز التوضي به، لعدم الاصل المحرز إطلاقه، وفي


1 - العروة الوثقى 1: 52، فصل في المياه، الماء المشكوك نجاسته، المسألة 4، مستمسك العروة الوثقى 1: 249، مهذب الاحكام 1: 272. 2 - تقدم في الصفحة 250.

[ 255 ]

العكس بالعكس. وغير خفي: أن ما ذكروه وذكرناه، يجري في الماءين المرددين بين الاضافة والغصب، كما لا يخفى. وما قد يتوهم: من أن وجه عدم الترخيص في التوضي تنجيز العلم الاجمالي هنا، لتمامية شرائطه، ومنها كون المعلوم تكليفا على كل تقدير (1)، فهو فاسد، بل الوجه أن الشبهة البدوية من جهة الاضافة مورد المنع، وأنه لا يجوز ولا يصح الوضوء معه، فالعلم الحادث بعد ذلك لا يورث التنجيز، فتجري أصالة الحل في سائر التصرفات. نعم، بناء على لزوم الاحتياط فيها أيضا، فهي أيضا ممنوعة الجريان. وبعبارة اخرى: من شرائط تأثير العلم الاجما لي، عدم كون الشبهة غير المقرونة بالعلم مقتضية للاحتياط، فإذا كان الامر فيما نحن فيه كذلك، لعدم جواز الاكتفاء بالتوضي بالماء المشتبه - إضافة وإطلاقا - في الخروج عن التكليف المعلوم، وهو الامر بالوضوء للصلاة وغيرها، فلا يؤثر العلم في شئ، كما لا يخفى. هذا فيما كان إحدى الشبهتين كافية للاحتياط. وأما إذا كانت كل واحدة منهما مع قطع النظر عن الاقتران بالعلم كافية، فهو أولى، كما نحن فيه على مسلكنا، من جريان أصالة الحرمة في البدويات (2)، فما ترى في كتب الاصحاب حول شرح ما في " العروة


1 - مستمسك العروة الوثقى 1: 249. 2 - تقدم في الصفحة 250.

[ 256 ]

الوثقى " (1) من التمسك بالعلم الاجما لي (2)، في غير محله. إيقاظ: في حكم الوضوء بالماء المردد إذا قلنا: بأن التوضي بالمضاف والمغصوب محرم شرعا تشريعا، فلابد من تركه، وإلا فله ذلك، فلا منع من نفي الجواز التكليفي، فإذا توضأ بالماء المزبور يحدث له العلم الاجما لي: بأنه إما يكون الامر بالوضوء باقيا، أو يجب عليه جبران خسارة المالك، وقضية الاستصحاب في طرف انحلال العلم حكما، فتجري البراءة في الطرف الاخر. وبالجملة: لو سلمنا وجود العلم الاجمالي فهو غير منجز، لانحلاله بالاصل الجاري في طرف المثبت للتكليف. وتوهم: أن الاستصحاب لا يورث الانحلال، لانه من الاصول المحرزة، فاسد كما تحرر في محله. مع أنه لا حاجة إليه، بل مقتضى قاعدة الاشتغال بالتكليف تنجزه، فليتدبر جيدا. ثم إنه ربما يمكن أن يقال: بصحة الوضوء، لاجل عدم الدليل على شرطية إباحة الماء، فإذا كان الامر كذلك، فلك إجراء أصل العدم الازلي، بجعل مجراه المائع، والمشكوك وصف " الاضافة " مع ضم دعوى خفاء الواسطة لاثبات الاطلاق، فإنه إذا تعبد الشرع بأن هذا المائع ليس


1 - العروة الوثقى 1: 53، فصل في المياه، الماء المشكوك نجاسته، المسألة 4. 2 - مستمسك العروة الوثقى 1: 249، التنقيح في شرح العروة الوثقى 1: 408، مهذب الاحكام 1: 272.

[ 257 ]

مضافا، يثبت الاطلاق، لانه ليس وصفا وجوديا. وأنت خبير بما فيه من الجهات العديدة، ولا أظن التزام أحد بذلك التوهم الذي أبدعناه. وربما يخطر بالبال دعوى: أن قاعدة الحل كما يرجع إليها لتصحيح الصلاة في الثوب المشكوكة إباحته، وتصحيح الوضوء بالماء المشكوكة حليته، لان " الحلية " فيها أعم من التكليف، يصح الرجوع إليها لتصحيح البيع المشكوكة حليته وصحته، وهكذا لتصحيح الوضوء بالماء المشكوك إطلاقه، فإنه إذا ورد: " بأنه يصح الوضوء به " فلا حالة انتظارية لامر آخر حتى يقال: بأنه مثبت، فتكون حينئذ حاكمة على دليل شرطية الاطلاق، كما تكون قاعدة الطهارة حاكمة. فبالجملة: إذا اريد من " الحلية " ما ينطبق على عنوان " الصحة " فيلزم صحة الوضوء به. وغير خفي: أنه على تقدير صحة المخطور بالبال، يلزم تعارض الاصول، ويشكل جواز التصرف ولو للتبريد، بناء على مسلك القوم في هذه المسألة. وأما على مسلكنا، فقد عرفت ممنوعية التصرف من غير الحاجة الى العلم الاجمالي (1). الفرع الثاني: في تردد المائع بين النجاسة والغصب إذا علم إجمالا: بأن هذا المائع نجس، أو مغصوب، فالمعروف


1 - تقدم في الصفحة 250.

[ 258 ]

المشهور ممنوعية الوضوء والشرب (1)، والوجه واضح. وقال في " العروة ": " والقول بأنه يجوز التوضي به ضعيف جدا " (2). وقيل: هو مختار بعض الاعلام، كالشيخ علي ابن الشيخ باقر آل " الجواهر " تبعا للعلامة الشيخ محمد طه نجف (3). واحتاط المحقق الوالد - مد ظله - في الحاشية (4)، وكأنه كان يرى قوة الجواز. ويحتمل العكس، فيكون الوضوء باطلا، ولكنه يجوز شربه. ويحتمل جواز الشرب والوضوء، كما يأتي وجهه. وبالجملة: البحث هنا يتم في ضمن جهات: الجهة الاولى: في شربه وهذا هو المتفق عليه، سواء قلنا: بأن العلم الاجمالي منجز، أم لا، ضرورة أن حرمة ذلك معلومة بالتفصيل. اللهم إلا أن يقال: هذا غير ممكن، لان حرمة النجس غير حرمة شرب المغصوب جعلا ودليلا، ولا يرجعان الى الحرمة الواحدة.


1 - العروة الوثقى 1: 52، فصل في المياه، الماء المشكوك نجاسته، المسألة 4، مستمسك العروة الوثقى 1: 249، مهذب الاحكام 1: 272. 2 - العروة الوثقى 1: 52، فصل في المياه، الماء المشكوك نجاسته، المسألة 4. 3 - لاحظ التنقيح في شرح العروة الوثقى 1: 408. 4 - العروة الوثقى 1: 52، فصل في المياه، الماء المشكوك نجاسته، المسألة 4، الهامش 4.

[ 259 ]

نعم، إن قلنا: برجوع العنوان الى الجهة التعليلية، يمكن دعوى القطع بالحرمة، فإن شرب هذا الماء حرام، إما لانه نجس، أو لانه مغصوب، فيكون الترديد في العلة. وأنت خبير بما فيه، فالحرمة معلومة بجنسها تفصيلا، وبنوعها إجمالا، وما هو منشأ الاثر هو الثاني، دون الاول. وعلى هذا، يمكن دعوى: أن هذا العلم ليس منجزا، لما مر من أصالة الحرمة في الاموال (1)، فتكون الشبهة البدوية منجزة، ولا تجري أصالة الحلية في ناحية الغصب، فتكون قاعدة الطهارة في الطرف الاخر بلا معارض، فيجوز شربه، بمعنى أنه يجوز شربه ذاتا، ولا يكون من شرب النجس، ولا يجوز ذلك، لاجل أنه من التصرف في مال الغير احتمالا منجزا. وتظهر الثمرة في صحة الوضوء، فإنها وإن كان تصرفه فيه بالتوضي محرما، ولكنه صحيح، لعدم تمامية دليل اعتبار الاباحة في صحته وضعا. ولعل لمثل ذلك اختار الاعلام - عفي عنهم - ذلك (2). وربما يخطر بالبال دعوى أن يقال: بأن تقدم المنجز زمانا ورتبة، كاف في إسقاط تأثير المنجز الاخر مثلا، لما اشتهر: " أن المتنجز لا يتنجز " وأما إذا كان مثل ما نحن فيه فلا، ضرورة أن العلم الاجمالي بالنجاسة والغصبية حصل، ولا تكون شبهة الغصبية متقدمة عليه، بل هي من محصلات العلم، ويكون العلم قائما بها، فلا وجه لعدم استناد التنجيز الى


1 - تقدم في الصفحة 250. 2 - العروة الوثقى 1: 113، (طبعة مؤسسة النشر الاسلامي).

[ 260 ]

العلم. ومجرد إمكان أن الشبهة كافية، لا يستلزم قصورا فيه. نعم، إذا فرضنا أنه كان يحتمل غصبية الماء أولا، ثم علم إجمالا بها وبالنجاسة، فلك دعوى قصوره عن تنجيز جميع الاطراف. هذا مع أن حديث " أن المتنجز لا يتنجز " مما لا برهان عليه، لامكان استناد التنجز بقاء الى العلتين، لا العلة الاولى، والتفصيل في مقامه (1). ثم إن قضية ما نسب الى " الحدائق ": من أن ما هو الموضوع في خطاب: " اجتنب عن النجس " هو النجس المعلوم (2)، هو أنه يجوز شرب هذا الماء، والوضوء به: أما جواز شربه، فلعدم تحقق موضوعه، لا بالعلم التفصيلي، ولا بالاجمالي. وأما جواز التوضي، فلقاعدة الحل، بناء على ما هو المشهور من جريانها في البدويات. وبالجملة: لا علم إجما لي بالتكليف الفعلي، حتى يلزم من جريان الاصول في الاطراف، مخالفة عملية قطعية. الجهة الثانية: في التوضي به وقد عرفت: أنه باطل عند الجمهور، وخا لفهم بعض الاعلام (3). وما


1 - تحريرات في الاصول 7: 186، 192 - 193 و 505. 2 - الحدائق الناضرة 1: 133 وما بعدها. 3 - تقدم في الصفحة 257 - 258.

[ 261 ]

يمكن أن يكون وجها لذلك امور: أحدها: ما مر منا في الجهة الاولى: من أنه يصح الوضوء، ولا يجوز التصرف، لما تقرر من إمكان الاجتماع (1). ثانيها: أن المستفاد من الادلة، أن ما هو الموضوع لخطاب: " لا تتوضأ " هو المغصوب المعلوم إجمالا أو تفصيلا، وعليه لا علم إجمالي في البين يؤثر في تنجيز الحكم المعلوم، حتى يقال: " بأن جريان الاصول في الاطراف، يورث المخالفة القطعية " (2) أو يقال: " إن مجرد إمكان اجتماع الامر والنهي، غير كاف لصحة العبادة، لان في خصوص العبادات تكون الغلبة مع جانب النهي، كاشفة عن القيد في المأمور به عرفا، بل وعقلا " (3) فإن هذه الكلمات من أرباب الفضل حول هذه المسألة، غفلة محضة، فلا تغفل، ولا تخلط. بل بعد الفراغ عن قبول المبنى المزبور، فهو كمبنى " الحدائق " في النجاسات، فلا تكليف معلوم أصلا بالنسبة الى التوضي، فتكون قاعدة الطهارة من هذه الجهة جارية، فيصح التوضي، لانه بالنسبة الى المغصوب الواقعي لا تكليف قطعا، لعدم تمامية موضوعه، نظير العلم الاجمالي: بأنه إما يجب عليه الاداء في الوقت، أو القضاء خارجه، فإنه لا يورث التنجيز إلا على تقدير ترك الطرف، لان موضوع القضاء هو


1 - تقدم في الصفحة 259. 2 - الطهارة (تقريرات المحقق الحائري) الاراكي 1: 276. 3 - التنقيح في شرح العروة الوثقى 1: 410.

[ 262 ]

" الفوت " وإذا أتى بها في الوقت لا يحرز ذلك حتى يجب، فليتدبر. نعم، لو قلنا: بأن المبنى فاسد، أو قلنا: بأن الموضوع هو المغصوب المنجز إجمالا، يمكن دعوى بطلان الوضوء، لان حكم الغصب بالنسبة الى شرب الماء منجز. بل يلزم الاحتياط - على رأينا - حتى في الشبهة البدوية، كما عرفت (1). ومن هنا يظهر خلط الاعلام، وإطالة الافاضل حوله بما لا طائل تحته، وكأنهم ذهلوا عما تعلموه في الاوائل. ثالثها: أن شرطية إباحة ماء الوضوء، غير ظاهرة رأسا، فلو تصرف فيه بالتوضي، فإن قلنا: بحرمة جميع التصرفات، فتكون المسألة من صغريات مسألة اجتماع الامر والنهي، على إشكال فيه. اللهم إلا أن يتوضأ بالاغتراف والارتماس. وهكذا حكم غسله. وإن قلنا: بجوازها فلا وجه لبطلانه، كما لا يخفى. ويأتي حكم سائر التصرفات من ذي قبل، إن شاء الله تعالى. ولعل وجه احتياط الوالد المحقق ذلك، لا الذي مر آنفا. كما أن وجه فتوى العلمين المذكورين، هو الثاني، على ما هو المشهور بين أفاضل العصر في النجف الاشرف. والذي هو غير خفي: أن المسألة لا يتفاوت حكمها في مفروض البحث مع ما لو كان هناك ماءان، أحدهما: مغصوب والاخر: نجس. نعم، بناء على رجوع العلم الاجمالي الى التفصيلي، فهو من خصائص هذا الفرض، دون ذاك، كما يخفى.


1 - تقدم في الصفحة 250.

[ 263 ]

ثم إنه قد يتوهم بعض الوجوه الرديئة من عدم تنجيز العلم الاجمالي في المسألة، كما عن " الحدائق " (1) وغيره (2)، ولكنه في غير محله. الجهة الثالثة: في بيان حكم سائر التصرفات وأنه هل هو جائز، أم لا؟ وجهان: من أن العلم الاجمالي بالغصبية، يورث تنجز جميع أحكام الغصب. مع أن قضية أصالة الحرمة، هو المنع عنه. ومن أن العلم الاجمالي المزبور لا يورث في مورده شيئا، لان التوضي بالماء النجس، ليس من المحرمات الشرعية، فيرجع ذلك الى العلم الاجمالي ببقاء وجوب الوضوء عليه إذا توضأ به، وحرمة التصرف، وحيث إن قضية الاستصحاب بقاء الامر، ينحل العلم بالنسبة الى الطرف، وتصير النتيجة جواز التصرف حتى التصرف الوضوئي، إلا أنه لا يصح الاكتفاء به. والذي عرفت منا حسب اقتضاء القواعد: حرمة التصرف، من غير الحاجة الى العلم المزبور (3)، فتدبر. وأما توهم عدم إمكان انحلال العلم بالاصل المحرز، فقد مر دفعه:


1 - الحدائق 1: 517، ولاحظ فرائد الاصول 2: 408 و 416، فوائد الاصول 3: 50. 2 - لاحظ دليل العروة الوثقى 1: 221، التنقيح في شرح العروة الوثقى 1: 409. 3 - تقدم في الصفحة 250 - 251.

[ 264 ]

بأن قاعدة الاشتغال تكفي له، لان وجه الانحلال عدم حدوث التكليف الالزامي بالعلم الاجمالي، وهو بعد ثبوت التكليف قبل العلم حاصل (1)، فتأمل جدا. ومن عجيب ما سطر في المقام، توهم التعارض بين قاعدة الطهارة والحل، بناء على جريان الاخيرة (2)!! فإنك خبير: بأن المعارضة بين الاصول في الاطراف عرضية، لا ذاتية، فيكون وجه ذلك وجود الجامع المناقض للاصلين، وهو العلم الاجمالي بالحكم المخالف مع مفادهما، وحيث لا علم إجمالي إلا بالنسبة الى الشرب، فأي معارضة بينهما؟! نعم، بالنسبة الى التصرفات الناقلة - بناء على كون الماء النجس كالاعيان النجسة حكما - يشكل تنفيذها وتجويزها، لانه يعلم إجمالا بحرمتها، إما لاجل نجاسته، أو لاجل مغصوبيته. ولكن مع ذلك إنشاء المعاملة ليس محرما، لان إنشاءها على مال الغير، لا يعد من " التصرف " عرفا، على ما تقرر في الفضولي (3). الجهة الرابعة: في حكم ملاقي المردد بين الغصب والنجاسة وقد تعرض لها شيخنا الاستاذ الحلي - مد ظله -، واستظهر فيها أن


1 - تقدم في الصفحة 256 - 257. 2 - التنقيح في شرح العروة الوثقى 1: 410. 3 - البيع، الامام الخميني (قدس سره) 2: 136، لاحظ تحريرات في الفقه، كتاب البيع، الشرط الرابع من شرائط المتعاقدين، الوجه العقلائي لبطلان الفضولي.

[ 265 ]

ملاقي هذا الماء المشتبه، طاهر على جميع التقادير (1). وأنت خبير بما فيه، لانه كملاقي الشبهة المحصورة بناء على تنجيز العلم الاجمالي بالنسبة الى الطرفين، وعدم جريان أصالة الحرمة، وسقوط أصالة الحل بالمعارضة، لانه بعد الملاقاة يعلم إجمالا بنجاسة الملاقي - بالكسر - أو حرمة التصرف في الملاقى - بالفتح - وهذا العلم الثاني محل البحث تنجيزه، فمن قال: بأن حديث " أن المتنجز لا يتنجز " لا أصل له، لامكان استناد تنجز الملاقى - بالفتح - بقاء الى العلتين، يقول: بسقوط الاصل الجاري في الملاقي - بالكسر - فلا تغفل. ثم إن قضية بعض المباني طهارة الملاقي هنا، وإن كانت نجاسته متعينة في المحصور بالنجس، وذلك بناء على ما نسب الى " الحدائق " من أخذ قيد العلم في موضوع وجوب الاجتناب، كما أشرنا إليه سابقا (2). الجهة الخامسة: هل يكتفي بالتطهير به أم لا؟ في جواز الاكتفاء بالتطهير به وعدمه وجهان، يظهران مما سبق. والذي يختص بهذه الجهة: أنه بناء على جريان قاعدة الطهارة من هذه الحيثية - لعدم تنجيز العلم زائدا على الحكم المشترك بين الطرفين - لا يمكن إحراز المطهرية بها، كما سبق منا في المباحث السابقة. واستصحاب النجاسة فيما يتطهر به محكم.


1 - دليل العروة الوثقى 1: 230 - 231. 2 - تقدم في الصفحة 260.

[ 266 ]

اللهم إلا أن يقال: إن العرف والعقلاء والشرع، على ثبوت الملازمة في الماء بين الطهارة والمطهرية، وكأن المطهرية من آثار الطهارة الاعم من الواقعية، ومن الممكن إجراء استصحاب المطهرية التي هي من آثاره الطبيعية. وأنت خبير بما فيه، لانقطاع صفة " المطهرية " شرعا بزوال الطهارة. نعم، إذا كانت حالته السابقة هي الطهارة، فإجراء الاصل لاحراز المطهرية - لانها من الاوصاف الجعلية المعتبرة في الماء، باعتبار الاحكام والاثار الخاصة - ممكن، سواء رجعت الى أمر تعليقي، أو كانت أمرا فعليا منجزا. الفرع الثالث: في حكم ضمان المردد عند التصرف لو تصرف في أحد المشتبهين بالغصبية، أو في أحد المشتبهين بالنجاسة والغصبية، أو في المردد بين النجاسة والغصبية، فهل عليه الضمان؟ أو لا يكون عليه شئ إلا بعد العلم: بأن ما استعمله هو المغصوب، كما هو مختار الاكثر (1)، معللين: بأن تنجيز الغصب بحسب الاحكام التي موضوعها " الغصب " لا يستلزم تنجيز سائر الاحكام التي موضوعها " إتلاف


1 - العروة الوثقى 1: 54، فصل في المياه، الماء المشكوك نجاسته، المسألة 12، التنقيح في شرح العروة الوثقى 1: 434، مهذب الاحكام 1: 278.

[ 267 ]

مال الغير والتصرف فيه " وأمثاله مما لا يتحقق بذلك العلم الاجمالي (1)؟ أو يقال: بالتفصيل، كما عن بعض الاعلام، فإنه إن كان العلم الاجمالي متقدما على الاستعمال والتصرف، لا يحكم عليه بالضمان، وإن كان بعده يحكم عليه بالضمان، لانه يعلم إجمالا بحرمة التصرف في الطرف، وبا لضمان لاجل التصرف في الاخر، ولا أصل في أحد الطرفين حتى ينحل به العلم (2)؟ هذا نظير العلم الاجمالي الحاصل بعد الملاقاة، وبعد انعدام الملاقى بالفتح. فالمسألة بناء على هذا، ذات احتمالات ثلاثة: الضمان مطلقا، وعدمه مطلقا، والتفصيل بين صور المسألة. وما هو الوجه للضمان مطلقا، ما مر منا من جريان أصالة الحرمة، وأن الاحتمال منجز (3). نعم، جواز أخذ الطرف بعنوان الدين مشكل، بل ممنوع، لاصالة الحرمة في ذلك أيضا، فلابد من التصالح، أو يجب على المتصرف إرضاء من يحتمل ما لكيته على أي تقدير، حذرا من العقوبة المنجزة، فلا تخلط، ولا تغفل. ثم إن من الممكن توهم انحلال العلم الاجمالي - بالضمان والحرمة - بإجراء استصحاب عدم تحقق سبب حلية التصرف في الباقي، فتبقى أصالة البراءة بالنسبة الى الضمان، سليمة عن المعارض.


1 - التنقيح في شرح العروة الوثقى 1: 434. 2 - مستمسك العروة الوثقى 1: 267. 3 - تقدم في الصفحة 250 - 251.

[ 268 ]

وأنت خبير: بأن هذا خلف المفروض في المسألة، وهو حرمة التصرف عند الشك، فإن بناءها على جريان أصالة الحل في المشكوكة إباحته، كما مضى في أول البحث (1). هذا مع أن هذا الاستصحاب في الماء التالف يجري، وثمرته ضمانه، فليتدبر. ومن العجب توهم: أن الماءين المشتبهين إن كانا تحت اليد، يكون تلف كل واحد منهما مورثا للضمان، لان التالف إن كان للغير يجب دفع قيمته، وإن كان الباقي للغير يجب عليه الرد!! وأنت خبير: بأن هذا ليس لاجل قاعدة اليد كما توهمه، بل هو لاجل العلم الاجمالي. مع أنه فيما نحن فيه مثلي لا قيمي، فإذا علم إجمالا: بأن الماء المستعمل إما للغير، فيكون ضامنا، أو الموجود للغير، فيجب الرد، فيحتاط برد الموجود بعنوان قابل للانطباق على أداء المثل إن كان الواجب عليه المثل، وعلى أداء العين، فلا تغفل. والذي هو المحرر صناعة: أن الضمان ثابت على جميع التقادير، لعدم فرق بين سبق العلم ولحوقه، لما مر مرارا: أن المتنجز بقاء يستند الى العلم الحادث، سواء كان الماء المستعمل تالفا كله، أو كان مقدار منه باقيا. مع أنه في صورة تلف الكل، لا يبقى العلم الاول، ويكون العلم الثاني سببا لتنجيز الحكم في الطرف، وإلا فيجري الاصل بلا شبهة عندنا.


1 - تقدم في الصفحة 254 - 255.

[ 269 ]

فبالجملة: إذا علم إجمالا بغصبية أحد الاناءين، فتصرف في الماء، وتلف الماء كله، فلا يبقى علم بالتكليف، لعدم إمكان الخطاب بالاجتناب عن المعدوم فعلا، فيصير الطرف الاخر مجرى الاصل، بخلاف ما إذا كان التالف ذا أثر شرعي كالنجاسة والضمان، فإنه بعد ذلك يعلم إجمالا بضمانه، أو حرمة التصرف في الاخر، وهذا واضح جدا. وهذا إذا كان الماء كله تالفا بالاستعمال والتصرف. ولو بقي منه شئ، فإن قلنا: بإمكان استناد تنجز التكليف في الطرف الاخر بقاء الى العلم الثاني، فيحصل أثره بالنسبة الى الملاقي والضمان. وهذا هو الاقوى في نظري حسب الصناعة العلمية. وأما حكم المسألة حسب النظر الفقهي، فهو الضمان أيضا، لاصالة الحرمة كما عرفت تفصيلها (1). وليس هذا إلا ضمان الاحتياط، بمعنى تنجز التكليف عليه، لا أنه ضامن، بمعنى جواز التقاص منه، كما لا يخفى. ثم إنه غير خفي: أن العلم الاجمالي المزبور، لا يأتي في المردد بين الغصبية والنجاسة، لانحلاله كما مضى تفصيله (2). وإجماله: أنه بعد استعمال الماء، يعلم إجمالا: بأنه إما يجب عليه غسل الاعضاء أو يجب عليه أداء الدين، ولكنك تعلم أن غسل الاعضاء ليس من التكليف النفسي، فيرجع الى بقاء الامر بالنسبة الى ما اشترط


1 - تقدم في الصفحة 250. 2 - تقدم في الصفحة 256.

[ 270 ]

به الطهارة، وهو قضية الاصل وقاعدة الاشتغال، فتجري البراءة في الطرف الاخر. والحمد لله أولا وآخرا، وظاهرا وباطنا، وقد تم ما يتعلق بهذه المباحث يوم الاثنين من شهر ربيع الاول من السنة 1389 في النجف الاشرف، على صاحبها آلاف التحية والسلام.

[ 271 ]

المبحث الثالث عشر في الاسآر

[ 273 ]

تمهيد اعلم: أن المراجعة الى كتب العامة والخاصة قديما وجديدا، والنظر في أخبار المسألة الواردة من طرقنا ومن طريق الاخرين، والتدبر حولها حق التدبر والتفكر، يعطي سقوط هذا البحث، وأنه لا وجه لا طالة الكلام حول مفهوم " السؤر " سعة وضيقا كما ترى، ولا في خصوصيات المسألة من أسآر الحيوانات المختلفة، ضرورة أن الشواهد القطعية في المآثير المروية عن الائمة الاطهار - عليهم صلوات الله المتعال - قائمة وناهضة على أن هذه المسألة من صغريات بحث انفعال الماء القليل، وأن هذه الروايات سيقت مساق تلك المسألة: فما كان من الحيوانات النجسة، يكون سؤره نجسا. ولا يلتزم القائل بعدم انفعال الكر بانفعال سؤر هذا الحيوان، إما لاجل قصور الدليل، أو لاجل عدم صدق " السؤر " على الكثير. وما كان من الحيوانات الطاهرة، يكون سؤره طاهرا. ومما يأتي من الشواهد في الاخبار يعلم: أنه لا يمكن التفكيك بين حكم انفعال القليل وحكم هذه المسألة، من جهة لزوم الاجتناب على

[ 274 ]

تقدير القلة، وعدم لزومه على تقدير الكثرة. فإطالة البحث حول مفهوم " السؤر " ينحصر ثمرته بفهم مواقف كراهية الاستعمال، وهو عندي غير مهم جدا. وأما ذهاب مثل " المبسوط " و " السرائر " و " المهذب " (1) الى إنكار الملازمة بين طهارة الحيوان، وجواز استعمال سؤره، حيث منعوا استعمال سؤر ما لا يؤكل لحمه من الحيوان الحضر غير الادمي والطيور، إلا ما لا يمكن التحرز عنه، كالهرة والفأرة والحية، بل عن الحلي (رحمه الله) التصريح بنجاسته (2)، معللين: بمفهوم رواية عمار بن موسى (3)، وصحيحة ابن سنان (4)، فهو مما لا يمكن الاصغاء إليه بالضرورة، بعدما ورد النص بنفي البأس، كما هو الواضح عند الكل. وبالجملة: إمكان الالتزام بالتفكيك غير كاف، بعد أن تكون الاخبار ناظرة الى تلك المسألة. ومما يمكن أن يتوهم: الالتزام بنجاسة الكر، لصدق " السؤر " عليه، وإمكان الالتزام بنجاسة الجمادات الباقية، لشمول المفهوم لها كما لا يخفى، فتأمل. مع اقتضاء مفهوم " السؤر " ذلك.


1 - المبسوط 1: 10، السرائر 1: 85، المهذب 1: 25. 2 - التنقيح في شرح العروة الوثقى 1: 438، السرائر 1: 85. 3 - الكافي 3: 9 / 5، وسائل الشيعة 1: 230، كتاب الطهارة، أبواب الاسآر، الباب 4، الحديث 2. 4 - الكافي 3: 9 / 1، وسائل الشيعة 1: 231، كتاب الطهارة، أبواب الاسآر، الباب 5، الحديث 1.

[ 275 ]

ولكنه غير صحيح، فلا وجه لاحداث البحث حول هذه المسألة. وكان ينبغي ذكرها طي مباحث انفعال القليل، بأنه لا يفرق بين أنحاء الملاقاة، وعدم انفعال الكر كذلك. شواهد على سقوط بحث الاسآر وأما الشواهد من المآثير الدالة على ما أبدعناه في المسألة، واعتقدنا سقوطها لاجلها، فهي كثيرة: فمنها: ما مر من اتفاقية الحكم بالطهارة إذا كان سؤر الحيوان الطاهر، واتفاقية الحكم بالنجاسة إذا كان سؤر النجس (1). والمسائل الخلافية في السؤر من حيث الطهارة والنجاسة في مثل المسوخ، فهو لاجل الخلاف في نجاستها وطهارتها، ولذلك ادعي الاجماع على طهارته إذا قلنا بطهارة المسوخ (2). ومنها: التعليل الوارد في معتبر الفضل أبي العباس (3)، ومعتبر معاوية بن شريح (4)، في النهي عن سؤر الكلب: بأنه " رجس نجس ". ومنها: التعليل الوارد في معتبر ابن مسلم في طهارة سؤر السنور:


1 - تقدم في الصفحة 273. 2 - مستمسك العروة الوثقى 1: 271. 3 - تهذيب الاحكام 1: 225 / 642، وسائل الشيعة 1: 226، كتاب الطهارة، أبواب الاسآر، الباب 1، الحديث 4. 4 - تهذيب الاحكام 1: 225 / 647، وسائل الشيعة 1: 226، كتاب الطهارة، أبواب الاسآر، الباب 1، الحديث 6.

[ 276 ]

بأنه " إنما هي من السباع " (1) فإنه ليس تعليلا بسبعيته، بل هو تعليل بأنه من الحيوانات الطاهرة، فإن السباع منها، وهو من السباع. ومثله غيره. ومنها: معتبر عمار، عن أبي عبد الله (عليه السلام) المشتمل على ترخيص السؤر من الطير... الى أن قال: " كل شئ من الطير يتوضأ مما يشرب منه، إلا أن ترى في منقاره دما، فإن رأيت في منقاره دما، فلا توضأ منه، ولا تشرب " (2). فإنه كالنص في أن المسألة دائرة مدار حكم الحيوان الملاقي للماء، سواء كان اللقاء بالفم أو غيره، وسواء كان ذلك يعد " سؤرا " أم لا يعد، بل المناط على أمر واحد، وهو عدم ملاقاته للنجاسة، لعدم خصوصية للدم، وللطائر، ولا لمنقاره بالضرورة. ومنها: ما ورد منه وهو مثله، فراجع الباب الرابع، وسائر الابواب المتفرقة المتضمنة لاخبار هذه المسألة من " الوسائل " (3). ومنها: ما ورد في طريقنا عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): كل شئ يجتر فسؤره حلال، ولعابه حلال " (4).


1 - تهذيب الاحكام 1: 225 / 644، وسائل الشيعة 1: 227، كتاب الطهارة، أبواب الاسآر، الباب 2، الحديث 3. 2 - الكافي 3: 9 / 5، وسائل الشيعة 1: 230، كتاب الطهارة، أبواب الاسآر، الباب 4، الحديث 2. 3 - وسائل الشيعة 1: 228، كتاب الطهارة، أبواب الاسآر، الباب 2، الحديث 4 و 6، والباب 5، الحديث 5، وسائل الشيعة 3: 413 - 414، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 11، الحديث 1 و 3. 4 - تهذيب الاحكام 1: 228 / 658، وسائل الشيعة 1: 232، كتاب الطهارة، أبواب الاسآر، الباب 5، الحديث 5.

[ 277 ]

فإن المراد من " الاجترار " على ما أفهم، هو الرعي، وهو كناية عن الحيوانات الطاهرة. وتوهم أن الخنزير أيضا يرعى، فهو إما ممنوع صغرى، أو خارج عنه للنص. وبالجملة: هي ناظرة الى أن المناط على طهارة الشارب ونجاسته، فتأمل. ويحتمل أن يراد من " الاجترار " ما يعبر عنه بالفارسية " نشخوار ". ومنها: وهو كالنص، ما رواه العيص بن القاسم في الصحيح في مسألة سؤر الحائض، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " لا توضأ منه، وتوضأ من سؤر الجنب إذا كانت مأمونة، ثم تغسل يديها قبل أن تدخلهما الاناء " (1). فإن التقيد المزبور، أحسن شاهد على أن حكم هذه المسألة، ناشئ عن أمر آخر، ولا خصوصية لها. وفي هذا الباب وهو الباب السابع بعض ما يؤيد مسلكنا، فراجع (2). ومنها: المآثير الواردة في الباب الثامن، الناطقة بالنهي عن التوضي بما بقي من سؤر الحائض، مع الترخيص في جواز شربه، وفيها مع التقييد المذكور في السابق ما يجوز التوضي أيضا (3). ولعل النهي عن التوضي إذا لم تكن مأمونة، لاجل أنه إذا تذكر


1 - الكافي 3: 10 / 2، وسائل الشيعة 1: 234، كتاب الطهارة، أبواب الاسآر، الباب 7، الحديث 1. 2 - وسائل الشيعة 1: 234، كتاب الطهارة، أبواب الاسآر، الباب 7. 3 - وسائل الشيعة 1: 237 - 238، كتاب الطهارة، أبواب الاسآر، الباب 8، الحديث 5 و 9.

[ 278 ]

نجاستها يشكل الامر عليه، للزوم الاعادة، بخلاف الشرب. فبالجملة: مع هذه الشواهد يحصل القطع: بأن هذه المسألة كمسألة الاستنجاء ساقطة، وكما أن تلك المسألة من صغريات بحث الغسالة، كما عرفت منا تحقيقه (1)، كذلك هذه المسألة من صغريات مسألة انفعال القليل (2)، ولا أظن من يقول - كالفيض مثلا - بعدم انفعال القليل بانفعاله هنا، بل الحكم عند الطرفين على حد سواء، لان علته سواء. إيقاظ: في عدم دلالة رواية الوشاء على خلاف ما أبدعناه في الباب الثالث رواية عن الوشاء، عمن أخبره، عن أبي عبدا لله (عليه السلام): أنه كره سؤر ولد الزنا، وسؤر اليهودي والنصراني والمشرك، وكل من خا لف الاسلام، وكان أشد ذلك عنده سؤر الناصب (3). فإنها ظاهرة في خصوصية للمسألة، ولاسيما مع ذكر ولد الزنا، فإنه طاهر. ولكنك تعلم: أن الرواية مع إرسا لها، غير معمول بها، وليس ذلك إلا لاجل أن ولد الزنا طاهر، فكيف يكون سؤره نجسا؟! ويمكن حمل " الكراهة " على الاعم، فافهم.


1 - تقدم في الصفحة 129 و 140. 2 - الوافي 6: 18 - 19. 3 - الكافي 3: 11 / 6، وسائل الشيعة 1: 229، كتاب الطهارة، أبواب الاسآر، الباب 3، الحديث 2.

[ 279 ]

فتحصل إلى هنا: أن هذه المسألة ليست ذات خصوصية، حتى يمكن التجاوز بأخبارها عن مفاد روايات الكر منطوقا ومفهوما، فإنه ليس لاحد دعوى حرمة سؤر طاهر العين، ولا لاحد دعوى نجاسة سؤر نجس العين وإن كان كرا، ولذلك ترى أن أخبار هذا الباب، مأخوذة من روايات الابواب الاخر، فطائفة منها من أخبار مسألة انفعال القليل، وطائفة منها من روايات مسألة نجاسة كذا وكذا وهكذا، فراجع وتأمل حقه، وثالثة منها مأخوذة من أخبار تدل على طهارة جماعة من الحيوانات والحشرات والمسوخ. نعم، لهذه المسألة خصوصية، وهي كراهة سؤر بعض الحيوانات، دون بعض، وحيث أن الكراهة في هذه المسألة كالكراهة في مسألة منزوحات البئر، ترجع الى بيان الاداب والنظافة، ولا أظن كونها من المكروهات أو المستحبات الوارد فيها النهي أو الامر المولوي التنزيهي أو الاستحبابي، فلا حاجة الى إطا لة البحث تارة: حول مفهوم " السؤر " واخرى: حول خصوصيات المسألة، فافهم واغتنم، وكن على بصيرة من أمرك. تنبيه: في المراد من كراهة سؤر الحائض وشمولها للمتهم لا يبعد دلالة الاخبار الكثيرة الواردة في ترخيص الشرب من سؤر الحائض دون التوضي (1)، على أن " الكراهة " المقصودة فيها هي


1 - وسائل الشيعة 1: 236، كتاب الطهارة، أبواب الاسآر، الباب 8.

[ 280 ]

الكراهة الشرعية. وغير خفي أن ذلك - حسب ما يستظهر من الاخبار - لا يختص بسؤر الحائض، بل هو حكم مطلق ما يباشره المتهم وغير المأمون كما لا يخفى، فعليه أيضا لا تصل النوبة ولا تمس الحاجة الى البحث عن مفهوم " السؤر " لعدم اختصاصه بحكم معين، فليتدبر.

[ 281 ]

المقصد الثاني في النجاسات وأحكامها والبحث حولها يقع في مقامين:

[ 283 ]

وقبل الورود فيهما لا بأس بالاشارة الى مقدمة مقدمة وهي مشتملة على نكات: الاولى: في بيان حقيقة الطهارة والنجاسة العرفيتين لا شبهة في أن النجاسة والطهارة، ليستا مندرجتين تحت إحدى المقولات الواقعية بعنوانهما، كما هو الظاهر على أهله، وليستا من الامور الاعتبارية المحضة، بحيث اعتبرها العقلاء سياسة تحفظا على نظام مدنهم وثبات معاشهم، وتحرزا عن الوقوع فيما يورث الهلكة والاختلال، والهرج والمرج والوبال، كالملكية والسلطنة والمبادلة وأمثالها، وإن كانت لها مصاديق واقعية بحسب المفاهيم الاولية، حسب ما تقرر منا في الاصول من الضابطة الكلية. على أن كل أمر اعتباري مأخوذ من الامر الواقعي الخارجي.

[ 284 ]

فهما من العناوين الانتزاعية، ومنشأ الانتزاع موافقة الطباع وتنفرها، وربما تختلف الاعصار والامصار في ذلك، حسب اختلاف الانام في المعاش والاحكام، كما نجد ذلك واضحا بين أهل النجف والعراق الذي هو عندنا مرحاض الشرق، وبين أهل الغرب، فلا يمكن دعوى أن النجس هو القذر العرفي المتنفرة عنه طباع الناس بنحو العموم والكلي. فبالجملة: النجاسة العرفية والطهارة والنظافة العرفيتين، ما هي الموافقة للطبع، والمخالفة له المختلفة بحسب الازمنة والامكنة، وليستا على هذا أمرين وجوديين إذا لوحظا في ذاتهما، وهما أمران وجوديان إذا لوحظا قياسا الى منشأ الانتزاع، وهو تنفر الطبع، وملائمة الطبع ومساعدته. وربما يمكن تصوير الحد الوسط في هذه الملاحظة، وهو ما لا يلزم منه التنفر ولا الالتذاذ، كنوع الاشياء، فإنها لا يطلق عليها " النظيف " حسب مرتكزنا، فإن " النظيف " ما يلتذ منه الطبع، ولا مشاحة في ذلك. وإطلاقهما على الروحية السالمة والخبيثة، ليس للوضع الاولي، بل هو في الابتداء كان بالتوسع، حتى صار أحيانا مندرجا في الموضوع له. وإذا لاحظناهما بالقياس الى النفوس البشرية فهما وجوديان أيضا، لان صفاء النفس ليس عدم تلوثها بالقذارة، فإن صفاء نفس الصبي غير صفاء نفس النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). وتوهم: أنهما من الامور التكوينية في هذه النظرة، في غير محله، كما لا يخفى على الدقيق البصير. ومن هذه الاساطير، ومن التدبر فيها، تظهر مواقف الاشتباه في كلمات

[ 285 ]

القوم (رحمهم الله) حتى الوالد المحقق - مد ظله - (1). الثانية: في حقيقة الطهارة والنجاسة الشرعيتين اختلفت كلمات الاعلام وآراء الافاضل في الطهارة والنجاسة الشرعيتين، فالمعروف عن الشيخ الاعظم: أنها من الحقائق المكنونة، كشف عنها الشرع الاقدس (2). ولا أظن أن يرخص أحد نسبة ذلك الى مثله، ولو كان منه فهو الخطأ الواضح، كيف؟! وأن السنخية معتبرة في العالم بين الاشياء المرتبط بعضها ببعض، فلو كان الامر كذلك، يلزم كون الارتداد علة لتحقق النجاسة الواقعية، والاسلام علة للطهارة الكذائية، وغسل الميت سببا لزوال عين النجاسة الواقعية، وهكذا مما لا يمكن أن يلتزم به. ومجرد بعض التسويلات الواهية لاثبات السنخية، أو إيجاد احتما لها، غير كاف كما لا يخفى. والمشهور عن جماعة: أنها من الامور الاعتبارية الجعلية (3)، إلا أن سبب الجعل مختلف: فتارة: يجعل النجاسة والطهارة مستقلتين. واخرى: تبعا للحكم، فتكونان منتزعتين من الاوامر والنواهي الواردة


1 - الطهارة، الامام الخميني (قدس سره) 3: 3. 2 - فوائد الاصول 4: 401، منتهى الاصول 2: 403، مصباح الاصول 3: 84. 3 - فوائد الاصول 4: 401، الطهارة، الامام الخميني (قدس سره) 3: 7، مصباح الاصول 3: 85.

[ 286 ]

في الشريعة المقدسة. ولذلك ترى في المآثير والاخبار (1) - بل والكتاب - جعلها مستقلا، وتبعا، من غير لزوم إشكال، لما تقرر في محله: من إمكان ذلك بلحاظ الاثر المقصود (2). ففي مثل الابوال والارواث والمني مثلا وغيرها، تكون مجعولة بالعرض، وفي مثل الكلب والخنزير والمرتد وغيرها، مجعولة بالذات. والكل يرجع الى أمر واحد، وهو جعليتهما كما لا يخفى. والمسطور في كتاب الوالد المحقق هو التفصيل، بأن القذارات على قسمين: طائفة منها عرفية لا تحتاج الى الجعل، وهي ما يتنفر منه الطبع. وطائفة منها ملتحقة بها موضوعا، كنجاسة الكفار والخمر والكلب. وربما يستثني الشرع طائفة من النجاسات العرفية، كالوذي والمذي والنخامة موضوعا، أو حكما (3). هذا من غير حاجة الى التثبت بالجعل في الاولى. مع أن مناشئ هذه المجعولات - بحسب السياسة - مختلفة، كما هو الظاهر.


1 - وسائل الشيعة 3: 404 - 405، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 8، الحديث 1 و 2 و 3، و 415 - 416، الباب 12، الحديث 2 و 6، وسائل الشيعة 18: 443، كتاب الصلح، أبواب الصلح، الباب 3. 2 - تحريرات في الاصول 8: 429 - 432. 3 - الطهارة، الامام الخميني (قدس سره) 3: 3.

[ 287 ]

أقول: هذه الاقوال كلها غير قابلة للتصديق، وخالية عن التحقيق، ضرورة أن ما هو النجس في الشرع هو البول والعذرة، سواء تنفر عنه الطباع، أو رغبت فيها النفوس، كما في العراق أحيانا، فليس التنفر علة، بل هو ربما كان نكتة في بدو التشريع. ثم إن ما هو تحت إرادة الشرع وسلطانه، ليس إلا الامر والنهي، ولو كان في رواية: " إن الشئ الكذائي نجس " فلا يريد منه إلا انتقال الناس منه الى ما هو حكم القذر عندهم، من التجنب، فلا يجعل النجاسة لا مستقلا، ولا تبعا، بل هذه الاستعمالات الكثيرة، كلها توسعات لانتقال النفوس والامة الاسلامية الى ما هو المقصود الجدي، وهو التجنب، من غير التدخل في أمر خارج عن حكومته وسلطنته. ومجرد تنفر الطباع التابعة للشريعة المقدسة، بالتلقينات الكثيرة الموروثة عن الاباء والامهات، لا يكفي لكونها من الجعل، وإلا يكون هو جعلا تكوينيا، كما ليس يخفى. فهذا المجعول التكويني معلول تلك المجاعيل الاعتبارية، من الامر والنهي، وقد تقرر منا: أن الامور الاعتبارية في كل آن وحين، منشأ للمقاصد الواقعية التكوينية (1)، فلا تخلط. فعلى ما تقرر، النجاسة والطهارة مخصوصتان بالعرف واللغة، ولا يوصفان بالشرع رأسا، حتى يقع النزاع في معناهما بعد تسلم التوصيف، بل


1 - تحريرات في الاصول 1: 275 - 276.

[ 288 ]

التوصيف على التوسع والمجاز بالوجه المحرر في مقره (1). فعلى هذا يقال: إن ما اشتهر " من أن النجاسات - مثلا - عشرة " معناه أن ما يجب الاجتناب عنه في مواقف معلومة عند الشرع عشرة، ويكون التوصيف للانتقال الى الاحكام العقلائية المشتركة مع بعض الاحكام الشرعية في بعض النجاسات، كما في المجازات، فقولهم: " الكافر نجس " كقولنا: " زيد أسد " ولا يكاد ينقضي تعجبي من غفلة المدققين عن هذه المسألة، فوقعوا فيما لا يعني!! وإن كان ذلك منهم ليس بعجيب. فبالجملة: بعد ما عرفت أن الطهارة والنجاسة العرفيتين ليستا اعتباريتين محضا، فهما في الشرع ليستا من الانتزاعيتين، للزوم الاقتصار على حال التنفر، وهو واضح المنع، ولا من الاعتبارية، لان الاعتبارية بيد المعتبرين والامر، دون الشرع، فإنه خارج عن سلطانه. نعم، بعد الامر والنهي، ربما يحصل التنفر التكويني، وهو خارج عن الاعتبار. ومن هنا يظهر مواقف الاشتباه - صدرا وذيلا - في كلمات الاعلام (قدس سرهم). ومن ذلك البيان الذي علمناكم، ظهر أن مناشئ الاحكام السلبية المخصوصة بالنجاسات، مختلفة، إلا أنها نكت، لا علل، فالقاذورات العرفية والمنفورات الطبعية، تكون فيها علة الاجتناب واضحة أكلا وشربا، لا علة الاجتناب عنها في الصلاة والطواف، ولا عن ملاقيها حتى في الشرب والاكل، على وجه لا يكون مع الجزء الملاقي جزء منها. وفي


1 - تحريرات في الاصول 1: 144 - 146.

[ 289 ]

الخمر والكافر والمشرك والمرتد وعرق الجنب عن حرام - بناء على نجاسة الكل - تكون علتها سياسية، وهكذا الدم. وربما لا يمكن الاطلاع على جهتها، كما في الدم والميتة، وأمثا لهما مما لا يساعد عليه العرف. وربما تكون المضرات النفسانية أو المزاجية والروحية، مورثة لذلك، فلا يتمكن عقل الانسان من الاطلاع على الاحكام الصادرة عن بيوت الوحي والتنزيل، الراجعة الى الرب الجليل. الثالثة: هل النجاسة من الامور المشككة؟ بناء على ما سلكناه: من أن النجاسات الشرعية ليست من الامور الاختراعية، ولا الوضعية الجعلية الاعتبارية، ولا الانتزاعية، ويكون إطلاق " النجس " على شئ - كإطلاق " الاسد " على الرجل الشجاع - من الادعاء والمجازية، تندفع شبهة ترد على بعض المسالك: وهي أنه قد ورد في بعض المآثير مثلا: " إن ناصبنا أهل البيت أنجس من الكلب " (1) والامور الاعتبارية لا تجري فيها التشكيكات العامية، ولا الخاصية، ولا تقبل الاشتداد والضعف. وجه الاندفاع: أن المراد من هذا التعبير هو الانتقال الى اشتداد الحكم فيهم، وأن الاجتناب هناك أقوى مثلا من الحكم في الكلب، فكما أن في القذارات العرفية التي هي امور انتزاعية، مراتب عرفية، ويكون تنفر


1 - علل الشرائع: 292، وسائل الشيعة 1: 220، كتاب الطهارة، أبواب الماء المضاف، الباب 11، الحديث 5.

[ 290 ]

الطبع من النخامة أكثر من البول مثلا، ومن الكلب العقور أكثر من الخنزير، كذلك الشرع - لانتقال الامة الاسلامية الى هذه النكتة - استعمل أفعل التفضيل لافادة ذلك. هذا، وقضية ما تحرر منا في محله: أن الامور الاعتبارية تسري فيها المراتب الشديدة والضعيفة، إلا أن الاشتداد والضعف فيها، ليس من الاشتداد التكويني، بل هو أيضا اعتباري من سنخ الطرفين، فقولهم: " الملكية الشديدة والضعيفة " شاهد على ذلك، وإن كان في صغرى المسألة إشكال، تفصيله في محله. ومثلها السلطنة المطلقة، في قبال ما يقال: " لفلان السلطنة الضعيفة " أو يقال: " لفلان سلطنة ما على أمر كذا ". وهذا التشكيك عامي باعتبار الاثار والاحكام، لا بمعنى أن في نفس هذا المفهوم الاعتباري اشتدادا وضعفا، فإنه غير مقصود للقائل به، فلا تخلط. وليس بخفي على أهله: أن التشكيك بأقسامه من خواص الامور الخارجية، ولا يسري الى المفاهيم، ولو قيل أو سمع ذلك في بعض كتب الفضلاء، فهو لعدم اطلاعهم على المبادئ العلمية المقررة عندنا في القواعد الحكمية (1). ومما يشهد ويدل على اعتبار الاشتداد فيها: اختلاف أحكامها في الغسل بحسب المرة والتكرار، فإنه لابد أن يلتزم بأن النجاسة تصير بعد


1 - القواعد الحكمية للمؤلف (قدس سره) (مفقودة).

[ 291 ]

الغسلة الاولى، أخف وأقل، وإلا يلزم إما لغوية الغسا لة الاولى، أو الثانية، كما لا يخفى. الرابعة: الثمرات المترتبة على اختلاف المسالك في الطهارة والنجاسة تظهر ثمرات عديدة على اختلاف المسالك المشار إليها في الطهارة والنجاسة ونواحيها: مثلا: على القول بأنهما من الامور الواقعية التي كشف عنهما الشرع الاقدس، لا يمكن اختيار مقالة صاحب " الحدائق " من أخذ العلم في موضوع دليل وجوب الاجتناب (1)، ضرورة أنه يلزم كون الشئ الواحد نجسا وطاهرا، باختلاف حالتي العلم والجهل بالنسبة الى شخصين في آن واحد. ومن ثمرات تلك الاختلافات: أنه على القول: بأنهما أمران وجوديان، لا يمكن إجراء استصحاب عدم إحداهما، وإثبات الاخرى، لكونه من الاصل المثبت، بخلاف ما إذا قلنا: بأن الطهارة عدم النجاسة، لا شئ آخر. ومنها: أن في الشبهات الحكمية في مسألة الحاجة الى التعدد في زوالها، يمكن إجراء الاستصحاب على القول: بأنهما تقبلان الشدة والضعف، ولا يمكن الاجراء على القول: بأنهما أمر بسيط، فإنه في أول المرتبة من الغسل يزول قهرا، قضاء لحق مطهرية الماء في الجملة، فافهم واغتنم.


1 - تقدم في الصفحة 260.

[ 292 ]

ومنها: أنه على القول بأنهما كما تكونان عرفيتين، تكونان شرعيتين، يجري الاستصحاب لابقاء عنوانهما، وترتيب الاثار عليهما، بخلاف ما إذا قلنا: بأنهما عرفيتان فقط، فلا يستصحب العنوان العرفي، لعدم الاثر الشرعي له، فتنحصر الفائدة فيه بالحكمي، فيستصحب عند الشك وجوب الاجتناب السابق، أو جواز الشرب. نعم، إذا شك في بقاء بول على صفة البولية، يمكن الاستصحاب، أما استصحاب عنوان النجاسة فلا. اللهم إلا أن يقال: بأن التطبيق الوارد في المآثير ولو كان بنحو المجازية والادعاء، كاف لاجرائه، فليتأمل.

[ 293 ]

المقام الاول في عدد النجاسات وهي على ما في " الوسيلة " واحد وعشرون (1)، وعند المشهور عشرة (2)، وقيل: " أحد عشر " (3) وقيل: " اثنا عشر " (4) والامر بعد كون المدار على الدليل، سهل. وفي المروي عن بعض نسخ الدعوات، عن ولي سيد الكائنات، عليه أفضل الصلوات والتحيات: أنه أجاب رجلا سائلا عن عدد النجاسات: " بأنه الغب مع الميمات، والدف مع الحيوانات ". وهي عليه عشرة، فإن كل واحد من " الغين " و " الباء " وثلاث ميمات، " والدال " و " الفاء " وثلاثة حيوانات، رمز لها باسمها، والمراد من الحيوانات: الكافر، والكلب، والخنزير، والله العالم.


1 - الوسيلة: 77. 2 - مفتاح الكرامة 1: 136، مستند الشيعة 1: 24، جواهر الكلام 5: 273. 3 - وسيلة النجاة: 57. 4 - العروة الوثقى 1: 55، فصل في النجاسات.

[ 294 ]

الاول: البول وهو من الحيوان النجس العين من النجاسات بالضرورة، وعليه المسلمون أجمعهم (1). وأما في غيرها فهو مورد الخلاف. والبحث حوله يتم في ضمن مسائل: المسألة الاولى: في نجاسة بول ما لا يؤكل لحمه من ذي النفس بول الحيوان غير المأكول لحمه ذي النفس السائلة، نجس بالاتفاق (2)، ولا حاجة الى الاستدلال. والمخالف من المخالفين النخعي، حيث قال بطهارة أبوال جميع البهائم والسباع (3) (4). ويدل عليه معتبر عبد الله بن سنان في " الوسائل " قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): " اغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل لحمه " (5).


1 - المعتبر 1: 410، الحدائق الناضرة 5: 2، المجموع 2: 548 - 550. 2 - المعتبر 1: 410، تذكرة الفقهاء 1: 49، مستند الشيعة 1: 137. 3 - الظاهر أن الفراغ من هذا التسويد، كان في النصف الثاني من العشر التاسع من القرن الحاضر 1394 بيد أقل العباد، مصطفى بن روح الله الموسوي الخميني عفي عنهما، نجف... ] منه (قدس سره) [. 4 - المجموع 2: 548 / السطر 18. 5 - الكافي 3: 57 / 3، وسائل الشيعة 3: 405، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 8، الحديث 2.

[ 295 ]

والقدر المتيقن منه ما كان منها ذا نفس سائلة. والاشكال في قصورها وقصور ما هو مثلها عن إثبات النجاسة، كتوهم اختصاص النجاسة بالثوب، واختصاصها بثوب ابن سنان. هذا مع انك قد عرفت: أنه لا حاجة الى إثبات اعتبار النجاسة، بل المقصود إثبات أن هذا الامر ليس مولويا، بل هو إرشاد الى لزوم الغسل فيما يشترط بالطهارة، سواء كانت النجاسة منتزعة عن هذا الامر، أم لا، فلا تخلط. ويمكن الاشكال في الاستدلال بهذه الاخبار: بأن المراد من قوله (عليه السلام): " ما لا يؤكل لحمه " أعم من الحيوانات المحرمة وما لا يؤكل عادة، كما يأتي في المسألة الثالثة، وإخراج الطائفة الثانية للقرينة، يورث القصور عن إثبات النجاسة بها، كما لا يخفى. ثم إنه ربما يمكن توهم انصراف هذه الروايات عن بول الانسان، كما في لباس المصلي (1). ولكنه ولو تم لا يستلزم طهارته، لاطلاق الاوامر بالغسل من البول المصيب للثوب مع ترك الاستفصال. بل والقدر المتيقن منه هو ثوب الانسان، لكثرة الابتلاء به، مع ما ورد في الباب المزبور من معتبر سماعة، قال: سألته عن أبوال الكلب والسنور والحمار. فقال: " كأبوال الانسان " (2).


1 - لاحظ مهذب الاحكام 1: 284. 2 - تهذيب الاحكام 1: 422 / 1336، وسائل الشيعة 3: 406، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 8، الحديث 7.

[ 296 ]

وإضماره غير مضر كما تحرر (1)، وشموله للحمار لا يورث قصورا في أصل الدلالة، كما لا يخفى. ويحتمل أن يراد منه: أن أبوالها كأبوالهم، في أنها طاهرة ونجسة، فإن من أبوال الانسان ما هو طاهر، بل أطهر من كل شئ، كما لا يخفى على أهله، فليتدبر. هذا مع قيام السيرة القطعية عليه، لان حكم هذه الموضوعات يؤخذ من الاباء والاجداد يدا بعد يد. ويشهد لذلك ما ورد في الاستنجاء، على ما مر منا في محله: من إثبات أعمية " الاستنجاء " فراجع (2). ثم إن الظاهر عدم الحاجة الى دعوى الانصراف، لان كلمة " ما " لغير ذوي العقول، فالتعميم يحتاج الى الدليل، فاغتنم. المسألة الثانية: طهارة بول ما لا يؤكل إن لم يكن ذا نفس سائلة بول ما لا يؤكل لحمه، وليس له نفس سائلة، طاهر لا يجب الاجتناب عنه بلا خلاف صريح من أحد (3)، إلا المحقق، فإنه قد تردد في " الشرائع " ابتداء، وصرح بالطهارة بعد ذلك (4).


1 - لعله في قواعده الرجالية وهي مفقودة. 2 - تقدم في الصفحة 128 - 129. 3 - الحدائق الناضرة 5: 13. 4 - شرائع الاسلام 1: 43.

[ 297 ]

وقال في " المعتبر ": " إنه نجس " (1). وقال أبو حنيفة والشافعي وأبو يوسف: " إنه نجس " (2). وقد استشكل في دليله، لعدم النص عليه (3)، مع إطلاق ما يدل على نجاسة بول ما لا يؤكل لحمه، بل وعموم خبر عبدا لله بن سنان في الباب المزبور، عن أبي عبدا لله (عليه السلام) قال: " اغسل ثوبك من بول كل ما لا يؤكل لحمه " (4). وعليه لا فرق بين السمك المحرم لحمه وغيره، وبين الملحقاة وسائر الحيوانات البحرية مما لا نفس لها، وغيرها من البهائم والسباع. ومجرد كون الحيوانات البرية غير ذات اللحم إذا كانت غير ذات نفس، لا يكفي، لوجود الحيوانات البحرية التي هي ذات لحم، وغير ذات نفس. وتوهم: أنها خارجة عن الابتلاء (5)، غير نافع. وربما يقال: بانصراف الرواية الاولى عن بول ما لا نفس له، لطهارة ميتته ودمه، بل وخرئه، وتلك كافية لكونها منشأ للانصراف (6). وأما الخبر الثاني، فهو مرسل، لان الكليني يرويه بواسطة علي بن


1 - المعتبر 1: 411. 2 - الخلاف 1: 486، المجموع 2: 548 / السطر 17، المحلى بالاثار 1: 169. 3 - التنقيح في شرح العروة الوثقى 1: 461. 4 - الكافي 3: 406 / 12، وسائل الشيعة 3: 405، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 8، الحديث 3. 5 - مهذب الاحكام 1: 296. 6 - مدارك الاحكام 2: 264، مهذب الاحكام 1: 296.

[ 298 ]

محمد، عن عبد الله بن سنان، وهو غير ممكن كما هو الظاهر. فماله الاطلاق غير واف، وماله العموم غير مسند. وأما إطلاق سائر المآثير المشتملة على الاسئلة والاجوبة، أو الامر بغسل البول (1)، فهو - إنصافا - بعيد عن شمول هذه الابوال، ولا معنى لالغاء الخصوصية، بعد ما ترى من الخصوصيات في ميتتهم ودمهم وهكذا. ويمكن أن يستدل على طهارة ما لا نفس له من ذوات اللحوم التي لا يؤكل لحمها: بمعتبر حفص بن غياث في " الوسائل " عن جعفر بن محمد، عن أبيه (عليهم السلام) قال: " لا يفسد الماء إلا ما كانت له نفس سائلة " (2). فإن قضية إطلاقه حسب المفهوم، نجاسة الماء بالنفس السائلة، سواء كانت ميتتها أو بولها. نعم خرج منه جثتها حال الحياة. ومثله ما ورد في الباب المزبور ذيل معتبر الساباطي، حيث قال: " كل ما ليس له دم فلا بأس " (3). فإنه أعم من الميتة وبولها. وأنت خبير: بأن هذه الاستدلالات غير وافية، فكأن الافاضل والاعلام لما بنوا على تمامية الحكم، اشتهوا الاستدلال، فتارة: يستدل بقصور الادلة


1 - وسائل الشيعة 3: 404، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 8. 2 - تهذيب الاحكام 1: 231 / 669، وسائل الشيعة 3: 464، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 35، الحديث 2. 3 - تهذيب الاحكام 1: 230 / 665، وسائل الشيعة 3: 463، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 35، الحديث 1.

[ 299 ]

وانصرافها (1)، وأنت تعلم أنه لو كان الامر كما قيل، لكان انصرافها عن بعض أصناف الحيوانات التي لها النفس أولى كالسباع، لعدم الابتلاء بها إلا نادرا. واخرى: من جهة تقديم لسان مفهوم هاتين الروايتين، على ما يدل على نجاسة بول مطلق ما لا يؤكل لحمه (2)، مع أنك تعلم أن مثل هذين المفهومين، قاصران عن إثبات شئ. مع أن الوجدان حاكم بأن فتوى المشهور، ليست مستندة الى مثل ذلك. وتوهم: أن " البول " غير صادق على أبو الها (3)، كتوهم أنه لا بول لها رأسا (4). نعم لو شك في ذلك فمقتضى الاصول هي الطهارة. وأما دعوى الاجماع والاتفاق (5)، فهي قريبة جدا، فإنه بعد ما نجد قصور الادلة عن إثبات القيد الثاني، بل ودلالتها على نجاسة مطلق البول، يظهر لنا أن المسألة كانت واضحة عند الاوائل، لدلائل اخر، فافهم وتدبر. فاحتمال كون مستندهم هذه الامور، في غاية البعد جدا، لجلالة شأنهم عن هذه التشبثات في المسائل الفقهية. وأما إطلاق معاقد جملة من الاجماعات، كإجماع السيد أبي المكارم في " الغنية " (6) فهو محمول على غيره، كما لا يخفى.


1 - مهذب الاحكام 1: 296. 2 - التنقيح في شرح العروة الوثقى 1: 462. 3 - المعتبر 1: 411، جواهر الكلام 5: 285. 4 - مهذب الاحكام 1: 296. 5 - الحدائق الناضرة 5: 13. 6 - الغنية، ضمن الجوامع الفقهية: 488 / السطر 27.

[ 300 ]

وأما توهم الاتفاق على طهارة أبوال الحيوانات الصغيرة، كالذباب والخنافس، فهو لا يضر بهذه المسألة، لخروجها عن الادلة موضوعا، لعدم كونها ذوات اللحوم واقعا أو عرفا. وتوهم: أن الموضوع المأخوذ في الادلة، معنى سلبي يجامع سلب الموضوع (1)، في غير محله، كما هو الظاهر. ولكنه بعد اللتيا والتي، تحتاج المسألة الى التأمل والتتبع. المسألة الثالثة: في طهارة بول ما يؤكل لحمه أبوال ما يؤكل لحمه طاهرة عند الاكثر من أصحابنا (2). وعن ابن الجنيد، والشيخ في " النهاية ": القول بالنجاسة (3)، وإليه مال الاردبيلي (4)، وتلميذه صاحب " المدارك " (5) وصاحبا " الدلائل " و " المفاتيح " قالوا بنجاستها (6)، وهكذا " الحدائق " (7). ومن المخالفين: أبو حنيفة، والشافعي، وأبو يوسف، وأبو ثور،


1 - لاحظ الطهارة، الامام الخميني (قدس سره) 3: 29. 2 - الخلاف 1: 485، تذكرة الفقهاء 1: 50، العروة الوثقى 1: 55 فصل في النجاسات، التنقيح في شرح العروة الوثقى 1: 455. 3 - لاحظ مختلف الشيعة: 56 / السطر 14، النهاية: 51. 4 - مجمع الفائدة والبرهان 1: 301. 5 - مدارك الاحكام 2: 302 - 303، مستمسك العروة الوثقى 1: 283. 6 - لاحظ مفتاح الكرامة 1: 153 / السطر 15، مفاتيح الشرائع 1: 65. 7 - الحدائق الناضرة 5: 21.

[ 301 ]

وجماعة آخرون، ذهبوا الى النجاسة (1). ولعل هذا الاختلاف ناشئ من الخلاف في حرمة اللحم وحليته، فتصير المسألة تابعة لتلك المسألة. وبالجملة: مذهب الجمهور والمعروف منهم نجاستها، فإذن يتمكن الفقيه من الحمل على التقية، إذا كانت في أخبارنا رواية تدل عليها، كما يأتي. وعلى كل حال تبين: أن المسألة خلافية، فلابد من النظر في أخبارها. والشهرة بين المعاصرين على الطهارة، أو الاتفاق منهم عليها، لا يورث شيئا. ثم إنه لا فرق على هذا، بين ماله النفس وغيره. اعلم: أن روايات هذه المسألة على طائفتين: الاولى: تدل على النجاسة استظهارا (2). والثانية: تدل على الطهارة صراحة (3). وقضية الجمع العقلائي هو الاخذ بالثانية، وحمل الاوامر على الاستحباب، وأنها ليست نجسة، ولكنها يكره استعمالها فيما يشترط فيه الطهارة.


1 - المجموع 2: 549 / السطر 1، المغني، ابن قدامة 1: 732. 2 - وسائل الشيعة 3: 406 و 408 و 409، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 9، الحديث 1 و 8 و 11 و 13 وذيل الحديث 5. 3 - وسائل الشيعة 3: 407 - 410، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 9، الحديث 4 و 6 و 10 و 12 و 17.

[ 302 ]

هذا مع أن شهرة الاصحاب مع الثانية، والاشتهار بين العامة مع الاولى، وكل واحد منهما يكفي لترجيح الثانية على الاولى. مع أنه قد ادعى الوالد المحقق - مد ظله -: " أن السيرة القطعية، والمراجعة الى كثرة الابتلاء، تعطي الطهارة بلا شبهة " (1). فأقوائية إسناد الطائفة الاولى من الثانية، لا تورث في المسألة شيئا. فعلى جميع التقادير، لابد من المراجعة الى رواية تحكي الطهارة، كما لا يخفى. إن قلت: معتبر سماعة في " الوسائل " الماضي آنفا، الناطق با لتسوية بين أبوال الكلب والسنور والحمار وأبوال الانسان (2)، صريحة في النجاسة حسب الفهم العرفي، فلا جمع عقلائي بين الاخبار، فتكون المعارضة بينها واضحة. قلت: قد عرفت منا معنى هذه الرواية (3)، فلا يثبت ظهورها في النجاسة. ولو سلمنا فقضية المعارضة هو الترجيح أولا، ثم السقوط، والمرجح مع الثانية. ولو وصلت النوبة الى السقوط، فالمرجع قاعدة الطهارة أيضا. ثم إن الظاهر، أن ما يؤكل لحمه على طائفتين: الاولى: ما خلق للاكل، كالشاة ونحوها.


1 - الطهارة، الامام الخميني (قدس سره) 3: 20. 2 - تهذيب الاحكام 1: 422 / 1336، وسائل الشيعة 3: 406، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 8، الحديث 7. 3 - تقدم في الصفحة 295 - 296.

[ 303 ]

والثانية: ما خلق للركوب، ويكره أكله. فما كان من الاولى، لا يكون بوله مكروها بالمعنى الذي مر تفسيره. وما كان من الثانية، يكون مكروها. ويدل على التفصيل معتبر عبد الرحمن بن أبي عبد الله قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل يمسه بعض أبوال البهائم، أيغسله، أم لا؟ قال: " يغسل بول الفرس والحمار والبغل، فأما الشاة وكل ما يؤكل لحمه، فلا بأس ببوله " (1). فإنه مع النظر الى الرواية الاتية، يظهر معناه، وهي ما رواها " الوسائل " عن القاسم بن عروة - وهو عندي معتبر - عن بكير بن أعين، عن زرارة، عن أحدهما: في أبوال الدواب تصيب الثوب: فكرهه. فقلت: أليس لحومها حلالا؟! فقال: " بلى، ولكن ليس مما جعله الله تعالى للاكل " (2). فإنه بالنظر الى هاتين الروايتين، يظهر حكم هذه المسألة أيضا، من أنها طاهرة، ولكن لمكان أن لحومها تكون مكروهة، تكون أبوالها مكروهة، فكأن الابوال هنا كالاسآر في تلك المسألة، في كونها بحسب الحكم تابعة اللحم. وبذلك قال بعض العامة، كما في " البداية " لابن رشد، فإنه يحكي


1 - تهذيب الاحكام 1: 247 / 711، وسائل الشيعة 3: 409، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 9، الحديث 9. 2 - الكافي 3: 57 / 4، وسائل الشيعة 3: 408، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 9، الحديث 7.

[ 304 ]

عن قوم قالوا بتبعية الابوال للحوم (1)، وبه قال مالك (2). إلا أن التفصيل المشار إليه لا يتراءى منهم، بل هو من خصائص مذهبنا ظاهرا، والله العالم. ثم إنك قد أحطت خبرا في المسألة الاولى: بأن رواياتها مورد الخدشة في دلالتها على نجاسة أبوال ما لا يؤكل لحمه، لظهورها في أن المراد من " ما لا يؤكل لحمه " أعم من المحرم، والمطرود عادة، والمكروه شرعا، بشهادة ما مضى، فيكون الدليل الوحيد السيرة القطعية والاجماع المسلم، والله الاعلم. المسألة الرابعة: في نجاسة أبوال الطيور المحرمة أبوال الطيور المحرمة نجسة، على المشهور شهرة عظيمة كادت تكون إجماعا (3). وقد خا لفهم منا جماعة من الاقدمين، على المحكي عنهم، كالعماني، والجعفي، والصدوق، والشيخ في " المبسوط " (4) ومن


1 - بداية المجتهد 1: 82. 2 - نفس المصدر. 3 - السرائر 1: 80، جواهر الكلام 5: 275. 4 - مستمسك العروة الوثقى 1: 275، لاحظ مختلف الشيعة: 56 / السطر 6، ذكرى الشيعة: 13 / السطر 7، الفقيه 1: 41 ذيل الحديث 164، المبسوط 1: 36 و 39.

[ 305 ]

المتوسطين العلامة في " المنتهى " (1) ومن المتأخرين شارح " ا لدروس " (2) و " كاشف الاسرار " (3) والمجلسي في " شرح الفقيه " (4) ومن متأخري المتأخرين " الحدائق " و " المفاتيح " و " كشف اللثام " و " المدارك " (5) وهو مشهور بين المعاصرين (6)، إلا السيد الاستاذ البروجردي (رحمه الله) فإنه أفتى بالنجاسة (7)، ومثله الوالد المحقق - مد ظله - (8). ومنشأ الاختلاف يمكن أن يكون امورا، تظهر خلال البحث عن المآثير في المسألة. والذي هو المعروف عنهم: أن قضية المطلقات، بل وعموم خبر ابن سنان (9)، نجاسة جميع غير المأكولات من الطيور وغيرها. وما ورد عن


1 - منتهى المطلب 1: 160 / السطر 3. 2 - مشارق الشموس: 295 / السطر 25. 3 - لاحظ جواهر الكلام 5: 275. 4 - روضة المتقين 1: 210. 5 - الحدائق الناضرة 5: 7، مفاتيح الشرائع 1: 66، كشف اللثام 1: 46 / السطر 24، مدارك الاحكام 2: 262. 6 - العروة الوثقى 1: 55، فصل في النجاسات، مستمسك العروة الوثقى 1: 275، التنقيح في شرح العروة الوثقى 1: 449، مهذب الاحكام 1: 291. 7 - العروة الوثقى 1: 120، فصل في النجاسات، الهامش 1. (طبعة مؤسسة النشر الاسلامي). 8 - الطهارة، الامام الخميني (قدس سره) 3: 16 - 17. 9 - الكافي 3: 57 / 3، وسائل الشيعة 3: 405، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 8، الحديث 2.

[ 306 ]

أبي بصير من طهارة بول الطيور على الاطلاق (1)، غير قابل للعمل به، لاعراض المشهور عنه، كما نص عليه " السرائر " وغيره (2)، فعلى تمامية سنده يشكل الاعتماد عليه، كما هو الظاهر. والذي ألجأهم الى الخلاف: أن قضية الصناعة العلمية، هو الجمع بين الاخبار، والتوفيق بين الاثار. وما اشتهر: " من عدم عمل أحد من الاصحاب بمعتبر أبي بصير " (3) غير صحيح، لذهاب جل من الاقدمين إليه، كما اشير إليه، ويكفي مثل الصدوق، ولا سيما في " الفقيه " (4) فما أفاده ابن إدريس في " السرائر " غير موافق للواقع. ولعله لما كان يرى عدم جواز العمل بالخبر الواحد، أسند الامر إليهم بنحو ذلك، كما لا يخفى. فعليه يتعين العمل بما رواه " الوسائل " صحيحا، عن أبي بصير، عن أبي عبدا لله (عليه السلام) قال: " كل شئ يطير، فلا بأس ببوله وخرئه " (5). وبما رواه " المستدرك " عن " البحار " قال: وجدت بخط الشيخ


1 - الكافي 3: 58 / 9، وسائل الشيعة 3: 412، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 10، الحديث 1. 2 - السرائر 1: 80، تذكرة الفقهاء 1: 49. 3 - نفس المصدر. 4 - الفقيه 1: 41، ذيل الحديث 164. 5 - وسائل الشيعة 3: 412، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 10، الحديث 1.

[ 307 ]

محمد بن علي الجبعي، نقلا عن " جامع البزنطي " عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " خرء كل شئ يطير وبوله، لا بأس به " (1). والظاهر اتحاد الخبرين. أقول: في أن قضية الصناعة هي الطهارة أو النجاسة إشكال، ضرورة أن النسبة بين الروايتين - أي ما تدل على نجاسة بول ما لا يؤكل لحمه (2)، وما تدل على طهارة بول الطائر - عموم من وجه، والتعارض في الطائر المحرم أكله، وحيث لا ترجيح لاحداهما على الاخرى قيل: " يتعين الرجوع الى المطلق الفوقاني، وهي الاوامر الناطقة بوجوب الغسل عند إصابة البول (3)، التي تكون نسبتها الى كل واحدة من الروايتين عموما مطلقا. ولكنه محل خدشة، ضرورة إمكان انقلاب النسبة، بدعوى تقييد تلك المطلقات بمعتبر أبي بصير (4) أولا، ثم بعد ذلك تصير تلك المطلقات بعد التقييد، متوافقة مع معتبر ابن سنان (5)، ضرورة أن مفادها هو نجاسة ما عدا


1 - بحار الانوار 77: 110 / 14، مستدرك الوسائل 2: 560، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات والاواني، الباب 6، الحديث 2. 2 - الكافي 3: 57 / 3، وسائل الشيعة 3: 405، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 8، الحديث 2. 3 - وسائل الشيعة 3: 395 - 397، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 1 و 2. 4 - الكافي 3: 58 / 9، وسائل الشيعة 3: 412، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 10، الحديث 1. 5 - الكافي 3: 57 / 3، وسائل الشيعة 3: 405، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 8، الحديث 2.

[ 308 ]

الطيور ولو كانت محرمة " (1). وأنت خبير بما فيه، من أن التقييد المزبور لا يستلزم الانقلاب، لبقاء النسبة - وهي العموم من وجه - بعد التقييد بين المقيدات، ومعتبر ابن سنان قهرا، كما لا يخفى. فما ترى من شيخنا الحلي - مد ظله - (2)، خال عن التحصيل. والذي هو الاشكال في المقال: هو أن معتبر ابن سنان، قاصر دلالة عن إثبات نجاسة " ما لا يؤكل لحمه " لما عرفت منا: أن هذا العنوان - حسب ما فسر في الاخبار - عنوان مشير الى ما لا يؤكل، سواء كان محرما، أو لا يؤكل، لاجل عدم كونه مخلوقا للاكل (3)، فحينئذ يكون دليل نجاسة ما لا يؤكل - لاجل حرمة لحمه - الاجماع والسيرة، ولا إطلاق في معقدهما بعد ما عرفت الخلاف في ذلك، وعنده يتعين العمل برواية أبي بصير. بل يمكن دعوى سقوط المطلقات عن المرجعية بعد التساقط، لانها تكون مقيدة بالمآثير الدالة على طهارة بول الحيوان المأكول لحمه (4)، فتكون بعد ذلك معارضة لمعتبر أبي بصير، كرواية ابن سنان. هذا كله بناء على عدم ثبوت الترجيح لاحدهما على الاخر. ولكن المعروف بين الاصحاب المدققين: أن الترجيح مع خبر أبي بصير، وذلك لانه إذا انعكس الامر، يلزم لغوية أخذ قيد الطير في


1 - دليل العروة الوثقى 1: 274 - 275. 2 - نفس المصدر. 3 - تقدم في الصفحة 304. 4 - وسائل الشيعة 3: 406 - 412، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 9.

[ 309 ]

موضوع الدليل (1). وأنت خبير بما فيه، وقد مر منا مرارا: أنه لا دليل شرعي ولا عرفي ولا عقلي على لزوم الجمع بين العامين من وجه، حتى يقال: بأنه في صورة عدم الترجيح يتساقطان، وفي صورة الترجيح يتقدم ذو المزية على غيره، بل المناط كون الجمع عقلائيا، فإن أمكن على تلك الطريقة فهو، وإلا فيتعارضان، أو يكون بالتخيير، فلاحظ واغتنم. وربما يتخيل: أن التقييد من جانب رواية ابن سنان، يستلزم كون أفراد معتبر أبي بصير نادرة، لما قيل: " إن الحيوانات المأكولة الطائرة ليست ذات بول " (2). وأنت خبير بما فيه، لما مضى أولا، ولما أنه ليس بتام ثانيا. هذا، وقد أفاد السيد الوالد - مد ظله -: " أنه لا تعارض بين الطائفتين، لان رواية ابن سنان يستظهر منها النجاسة، للامر في مورد التعارض، ورواية أبي بصير نص في عدم النجاسة " (3). وبعبارة مني: كما يجمع بين المتعارضات في تمام المدلول بهذه الطريقة، وعليه ديدن الاصحاب، لا بأس بذلك في العامين من وجه. ثم بعد ذلك أشار الى الوجه الذي قدمناه في المسألة الاولى: من


1 - مستمسك العروة الوثقى 1: 276، التنقيح في شرح العروة الوثقى 1: 452، الطهارة، (تقريرات المحقق الحائري) الاراكي 1: 336. 2 - مستمسك العروة الوثقى 1: 276. 3 - الطهارة، الامام الخميني (قدس سره) 3: 18.

[ 310 ]

قصور معتبر ابن سنان عن إثبات النجاسة (1). واستشكل على الوجه الاول: بلزوم التفكيك في مفاد الهيئة باختلاف الموارد، فأجاب: بجواز ذلك. وكيف لم يتذكر لهذا التفكيك في الوجه الثاني؟ وليس هذا إلا لعدم مساعدة العرف على مثله، فإن الهيئة وإن كانت موضوعة للتحريك الاعتباري، وهو بعد باق على حاله، ولكن بعد قيام القرينة على إرادة المعنى الندبي في مورد، يصير ذلك من الصالح للقرينة، فتصير المسألة - بحسب فهم العقلاء - عندي مشكلة، فليتدبر. وربما يمكن دعوى تقديم معتبر أبي بصير على معتبر ابن سنان، لان الاول عام، دون الثاني، والعام مقدم على الاطلاق، كما تحرر، لانه في حكم البيان له (2)، فليتدبر. ولعمري، إن المسألة حسب القواعد الاجتهادية الصناعية، تؤدي الى الطهارة، وحسب المراجعة الى البناءات العقلائية، تصير مشكلة، وتؤدي الى الطهارة الظاهرية إن قلنا: بجريان قاعدة الطهارة في الشبهة الحكمية، فتأمل جيدا. هذا، وغير خفي: أن قضية ما سلكه السيد الوالد - مد ظله -، هي المراجعة الى تلك القاعدة. اللهم إلا أن يتمسك بإطلاق معاقد الاجماعات، فإنها ظاهرة في أن المراد من " غير مأكول اللحم " هو المحرم لحمه فقط.


1 - تقدم في الصفحة 294 - 295. 2 - لاحظ فرائد الاصول 2: 792.

[ 311 ]

ثم إنه يمكن أن يستدل على نجاسة بول الطيور المحرمة: بما رواه " الوسائل " عن " مختلف العلامة " نقلا عن " كتاب عمار بن موسى " عن الصادق (عليه السلام) قال: " خرء الخطاف لا بأس به، هو مما يؤكل لحمه، ولكن كره أكله... " (1). حيث يكون الظاهر تعليله الطهارة بالجملة الثانية، ولكنه محل منع. فذلكة الكلام في المقام وبالجملة: أن المآثير في المسألة على أربع طوائف: الاولى: تدل على نجاسة مطلق البول (2). الثانية: تدل على نجاسة بول ما لا يؤكل لحمه (3). الثالثة: تدل على طهارة بول ما اكل لحمه (4). الرابعة: تدل على طهارة بول الطيور ولو كانت محرمة (5). والنسبة بين الاولى وسائر الطوائف، عموم وخصوص مطلق، وحيث أن الحكم واحد في الاولى والثانية، تصير الاولى مقيدة بالثانية أيضا، فإن


1 - مختلف الشيعة: 679 / السطر 2، وسائل الشيعة 3: 411، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 9، الحديث 20. 2 - وسائل الشيعة 3: 395 - 397، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 1 و 2. 3 - وسائل الشيعة 3: 404 - 406، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 8. 4 - وسائل الشيعة 3: 406 - 412، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 9. 5 - الكافي 3: 58 / 9، وسائل الشيعة 3: 412، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 10، الحديث 1.

[ 312 ]

قدمنا التقييد بين الاولى والثانية والثالثة، تصير النتيجة نجاسة بول ما لا يؤكل، وطهارة بول المأكول، وتقع المعارضة بين المقيد والطائفة الرابعة، لان النسبة حينئذ تكون عموما من وجه. وإن قدمنا تقييد الاولى بالرابعة، فيكون مفادها بعد التقييد: أن بول غير الطائر نجس، وتكون النسبة بعد ذلك بين الاول بعد التقيد مع الثانية، عموما من وجه، فلا مخلص على جميع التقادير. نعم، يمكن دعوى: أن مفاد الطائفة الثانية لا يكون أصيلا، بل هو موافق مع الاولى، فتكون النتيجة أن البول نجس إلا من الطائر، وما اكل لحمه، فلا تكون معارضة. ولو كان المناط في الجمع بين الاخبار المتعارضة مجرد الامكان، فهذا الجمع متعين، وإلا فحكم المسألة يعرف مما سبق تفصيله، فليتدبر جيدا. المسألة الخامسة: في حكم بول الصبي بول الرضيع حسب ما مر من الاجماعات والاطلاقات، نجس (1). وفي " التذكرة " عن داود " أنه طاهر، والرشح استحباب " (2). وقال ابن الجنيد من أصحابنا - كما في " المختلف " - بطهارته، حيث قال: " بول البالغ وغير البالغ من الناس نجس، إلا أن يكون غير


1 - تقدم في الصفحة 294. 2 - تذكرة الفقهاء 1: 53.

[ 313 ]

البالغ صبيا ذكرا، فإن بوله ولبنه ما لم يأكل اللحم ليس بنجس " (1). وهذا هو المحكي عنه، ولا يوجد حكاية القول بطهارة بول الرضيع عنه، كما يعرب عنه ما استدل به على ذلك، أو يستدل له. نعم، ما حكي عن داود هي طهارة بول الصبي ما لم يتغذ بالطعام، وما حكي عنه (قدس سره) طهارته ما لم يأكل اللحم، وهذا غير موافق لما استدل به، أو استدل له، كما لا يخفى. والذي هو الاشكال: أن الاجماعات غير مطلقة معاقدها لشموله، وإجماع السيد (2) في خصوصه منقول، ومستنده إطلاق الاخبار، أو الغاء الخصوصية، وفي إطلاقها إشكال، لانصراف كلمة " ما لا يؤكل " عن الانسان. نعم، المطلقات الامرة بالغسل إما منصرفة الى بول الانسان، أو هو القدر المتيقن منها، وكثرة الابتلاء ببول الصبي، تورث ظهورها في شموله. بل المسألة لا تحتاج الى الدليل، لانه لو كان طاهرا لكان بينا، فما قد يتمسك ببعض الاخبار في المسألة (3)، لو سلمنا نقاوة أسنادها وسلامة دلالتها، لما كان كافيا. والشبهة في تلك المطلقات من ناحية أنها في مقام بيان حكم النجس، مندفعة بترك الاستفصال مع كثرة الابتلاء. وتوهم تمامية سند طائفة منها، وسلامة دلالتها، مثل ما رواه


1 - مختلف الشيعة: 56 / السطر 28. 2 - الناصريات، ضمن الجوامع الفقهية: 217 / السطر 8. 3 - تهذيب الاحكام 1: 250 / 718، مختلف الشيعة: 56 / السطر 31، وسائل الشيعة 3: 398، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 3، الحديث 4.

[ 314 ]

" الوسائل " في الباب الثالث من الروايات المتكفلة لبيان حكم بول الصبي (1): من الامر بالصب، وعدم لزوم الغسل، فإنها كناية عن عدم نجاسته (2)، فهو في محله. ودعوى: أنها لا تنافي ما يدل على نجاسته، لان من الممكن اختلافه مع سائر الابوال في سرعة الزوال، لعدم غلظته بالاغتذاء (3)، غير مسموعة، لعدم مساعدة العرف على مثلها. مع أنه يستلزم كون النجاسة ذات مراتب، فلو كانت مرتبة منها تزول بالصب، لكان ذلك من التعبد البعيد في هذه المواقف. وعليه يمكن دعوى نجاستها بمقدار لا يمنع عن الصلاة والطواف، ولا من الشرب إلا بنحو الكراهة، فإن تجويز الاختلاف في الحكم هنا، يستلزم ذلك في سائر الاحكام، فليتأمل. ثم إن في الباب المزبور معتبر سماعة قال: سألته عن بول الصبي يصيب الثوب. فقال: " اغسله... " (4). فإنه حسب الصناعة، شاهد على أن الصب أيضا غير واجب، لانه كالامر بالنضح في مورد الشك، والله العالم.


1 - وسائل الشيعة 3: 397، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 3، الحديث 1 و 2. 2 - لاحظ مختلف الشيعة: 56 / السطر 35. 3 - نفس المصدر. 4 - تهذيب الاحكام 1: 251 / 723، وسائل الشيعة 3: 398، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 3، الحديث 3.

[ 315 ]

فالذي هو الدليل الفريد ما عرفت منا، من عدم احتياج هذه المسائل الى الرواية والحديث (1)، وإلا فلا يبعد اقتضاء الصناعة طهارته. ومما يشهد له ما رواه في الباب الرابع، من عدم وجوب غسل المربية ثوبها من بوله (2)، فإنه من الامارات على عدم نجاسته، إلا أنه لمكان القذارة العرفية أمر بالغسل مرة واحدة في اليوم. ومع الغض عن رواية السكوني المزبورة في الباب الثالث (3)، لا فرق - بعد اقتضاء الصناعة طهارته - بين الصبي والصبية، لان بول المرأة كبول المرء لو فرضنا كون السؤال عن بوله، كما في سائر الاحكام إلا مع القرينة. المسألة السادسة: في حكم بول الخفاش بول الخفاش - وهو الوطواط، وقد يعبر عنه ب‍ " الخشاف " كما يجمع على " الخشاشيف " فإن الجمع يرد الاشياء الى اصولها - نجس على المشهور (4)، حتى عند الشيخ القائل بطهارة بول الطيور


1 - تقدم في الصفحة 313. 2 - تهذيب الاحكام 1: 250 / 719، وسائل الشيعة 3: 399، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 4، الحديث 1. 3 - تهذيب الاحكام 1: 250 / 718، وسائل الشيعة 3: 398، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 3، الحديث 4. 4 - مختلف الشيعة: 56 / السطر 7، الحدائق الناضرة 5: 14.

[ 316 ]

المحرمة (1). ويمكن دعوى طهارته ولو قلنا بنجاسة بول الطيور المحرمة. كما يمكن ذلك سواء كانت له النفس السائلة أم لم تكن، للنص الخاص فيه (2)، فتوهم الملازمة في المسألة ممنوع جدا. ولا رأي لمخالفينا في خصوصه (3)، كما هو المعروف بين المتأخرين (4)، فإنهم نفوا الخصوصية له، فمن قال بطهارة بول الطيور المحرمة من ذي نفس قال بما فيه، ومن قال بنجاسته فهو مثله. والذي هو الاشكال في المسألة: أن ما رواه في " الوسائل " في الباب العاشر عن موسى بن عمر، عن يحيى بن عمر، عن داود الرقي قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن بول الخشاشيف يصيب ثوبي، فأطلبه ولا أجده؟ قال: " اغسل ثوبك " (5). لا يكون نقي السند، لان ابني عمر غير وارد فيهما التوثيق من أحد، ومع ذلك أفتى بمضمونه الشيخ في " المبسوط " واستثناه من مطلق


1 - المبسوط 1: 39. 2 - تهذيب الاحكام 1: 266 / 778، وسائل الشيعة 3: 413، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 10، الحديث 5. 3 - لاحظ الفقه على المذاهب الاربعة 1: 12. 4 - مستمسك العروة الوثقى 1: 278، التنقيح في شرح العروة الوثقى 1: 453. 5 - تهذيب الاحكام 1: 265 / 777، وسائل الشيعة 3: 412، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 10، الحديث 4.

[ 317 ]

الطيور (1)، وطرح العمل بما رواه في الباب السابق عن غياث، عن جعفر، عن أبيه (عليهما السلام) قال: " لا بأس بدم البراغيث والبق وبول الخشاشيف " (2). مع أنه بناؤه على الجموع التبرعية، وهاتان الروايتان بينهما الجمع العقلائي، لمنصوصية الثانية في الطهارة، فتحمل عليها الاولى، فإنه يعلم من ذلك: أن الحكم في الخفاش كان عند الاصحاب مفروغا عنه، وكان هذا الخبر - أي الاول - عنده شاذا كما صرح به (3) والمراد من " الشذوذ " عند القدماء ما يؤدي الى الوهن الكثير فيه، فعليه يتعين المراجعة الى ما يدل على نجاسة بول ما لا يؤكل لحمه، لانه يقوي العمل بالاول. ولك دعوى: أن عمل الشيخ لا يفيد شيئا، بل المناط - بعد وضوح السند - مفاد الاخبار، وأنت ترى أن الخبر الاول ضعيف سندا، والثاني معتبر، لان غياث هو ابن إبراهيم البتري الثقة، واحتمال كونه غياث الضبي بعيد جدا، مع أنه عندنا معتبر، فيكون الخفاش طاهر البول، سواء كانت الطيور المحرمة طاهرة الابوال، أم نجسة، فإنه أخص منها بناء على الاخذ برواية أبي بصير، على ما عرفت تفصيله (4). ومجرد نسبة الشيخ الى الشذوذ مع اضطراب كلماتهم في كتبهم في الفتوى والروايات غير مضر وغير موهن جدا.


1 - المبسوط 1: 39. 2 - تهذيب الاحكام 1: 266 / 778، وسائل الشيعة 3: 413، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 10، الحديث 5. 3 - تهذيب الاحكام 1: 266، ذيل الحديث 778. 4 - تقدم في الصفحة 307.

[ 318 ]

وأما توهم: أن التخصيص مستهجن، لانه هو القدر المتيقن منه، فيكون بينهما المعارضة أيضا، كما قيل، ففي غير محله، لعدم ثبوت الاستهجان. ثم إن قضية ما سلف في الوجه الاول، هي الخصوصية لبول الخفاش (1) وإن كان غير ذي نفس سائلة، لان التخصيص في الادلة أمر دائم لا معنى للفرار منه بعد اعتبار الدليل المخصص. هذا مع أنك قد عرفت قصور الادلة عن إثبات شرطية الدم السائل في نجاسة البول في الحيوانات المحرمة (2)، ولعل الاختبار المعروف في عصرنا عن الفضلاء، دليل على أن النجس هي الابوال مما لا يؤكل لحمه وإن لم تكن ذات نفس سائلة، كما هو معقد طائفة من الاجماعات التي عرفت سابقا (3). وبعبارة اخرى: عدم كون الخفاش من ذوات النفس، شاهد على أن الشرط المعروف غير تام، كما مضى في المسائل السابقة، فليتدبر جيدا. أقول: ما اشتهر (4) " من أن ابن إدريس والعلامة (5) قالا بعدم عمل أحد من العصابة برواية أبي بصير (6) " في محله، ولكنه لا يستلزم سقوط خبر


1 - تقدم في الصفحة 316. 2 - تقدم في الصفحة 298 - 299. 3 - تقدم في الصفحة 299 - 300. 4 - مستمسك العروة الوثقى 1: 276. 5 - السرائر 1: 80، تذكرة الفقهاء 1: 49. 6 - الكافي 3: 58 / 9، وسائل الشيعة 3: 412، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 10، الحديث 1.

[ 319 ]

الخفاش (1) وإن لم يفت به حتى الشيخ، لان الاجماع المدعى على الاعراض مخصوص بالاول، ولعل الشيخ لم يفت بمضمون رواية الرقي، لما كان يرى في سندها إشكالا، ضرورة أن الرقي مما ضعفه النجاشي وابن الغضائري وغيرهما تضعيفا بينا (2)، وما ترى في كتاب السيد الوالد من عدم توثيق موسى بن عمر ويحيى (3)، في غير محله، فإن الاول مشترك بين ابن بزيع وهو ثقة، وبين ابن يزيد (4)، فإنه عندنا معتبر، لرواية الاجلاء عنه، والثاني لا يبعد اعتباره عندنا. وقول الشيخ بوثاقة الرقي في بعض كتبه (5) ينافي ذلك. نعم، أفتى بما عنده من الشهرة والتلقي من الاصحاب، ولذلك يشكل التجاوز عما كان مشهورا بين القدماء في المسائل المبتلى بها كثيرا. نعم، يمكن دعوى: أن ذلك مخصوص فيما إذا كان خصوص بول الخفاش مورد الفتوى، لا الكلي المنطبق عليه، كما لا يخفى. هذا، وإذا تم ما احتملناه من قصور الاجماع المزبور على الاعراض،


1 - تهذيب الاحكام 1: 266 / 778، وسائل الشيعة 3: 413، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 10، الحديث 5. 2 - رجال النجاشي: 156 / 410، مجمع الرجال، القسم الثاني من المجلد الاول: 290، تنقيح المقال 1: 414 / 2861. 3 - الطهارة، الامام الخميني (قدس سره) 3: 22. 4 - هداية المحدثين: 262. 5 - رجال الطوسي: 349.

[ 320 ]

وعدم تمامية سند خبر الرقي، يتعين طهارة بول الخفاش، لرواية غياث (1). ومن العجب أنه ضعفها جماعة من الاصحاب (رحمهم الله) (2)!! مع أنه غير واقع في محله حسب الصناعة، لان كونه بتريا لا ينافي وثاقته المصرح بها في كلام جمع (3). نعم، في " الجعفريات ": " أن عليا (عليه السلام) سئل عن الصلاة في الثوب الذي فيه أبوال الخفاش ودماء البراغيث ". فقال: " لا بأس بذلك " (4). وفي نسخة اخرى: بدل " الخفاش " " الخنافس " (5) فإنه يناسب البراغيث، ولعل ذلك يورث الشبهة في رواية غياث أيضا، من حيث احتمال الاشتباه في النقل هناك، فتأمل. فما ترى من ذهاب السيدين العلمين: البروجردي، والخميني - عفي عنهما - الى نجاسة الطيور حتى الخفاش (6)، في غير محله، لامكان


1 - تهذيب الاحكام 1: 266 / 778، وسائل الشيعة 3: 413، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 10، الحديث 5. 2 - منتهى المطلب 1: 160 / السطر 4، قال: " وفي الطريق نظر فإن الراوي إن كان غياث بن إبراهيم فهو بتري ". 3 - رجال النجاشي: 305 / 833، ولاحظ تنقيح المقال 2: 366 / 9380، معجم الرجال 13: 231 / 9280. 4 - الجعفريات: 50، مستدرك الوسائل 2: 559، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات والاواني، الباب 6، الحديث 1. 5 - لاحظ جامع أحاديث الشيعة 2: 92 / 27. 6 - العروة الوثقى 1: 120، الهامش 1. (طبعة مؤسسة النشر الاسلامي)، الطهارة، الامام الخميني (قدس سره) 3: 21.

[ 321 ]

الالتزام بطهارة الخفاش، لا لاجل الاشكال في كونه من ذوات الدم، بل للاشكال في سند المسألة، ففرض المعارضة بين رواية الرقي وخبر غياث، أو بين رواية أبي بصير وخبر غياث، بدعوى استهجان التخصيص، غير لازم. مع انه على تقدير المعارضة، ليس العام الفوقاني مرجعا، لانه معارض برواية أبي بصير لما يقيد إطلاقه بما يدل على طهارة بول ما اكل لحمه، كما مضى سبيله (1)، فيكون المرجع قاعدة الطهارة. وأما توهم وجود الاجماع في " المختلف " على تخصيص رواية الطير بالخفاش (2)، فهو لا يرجع الى محصل، فلاحظ وتأمل. المسألة السابعة: في حكم بول الخطاف بول الخطاف طاهر على المشهور (3)، لانه مما يؤكل لحمه حسبما تحرر في الاطعمة (4). ولو سلمنا ما ادعاه ابن إدريس في " السرائر " (5) تبعا للشيخ في " النهاية " (6) من الاجماع على حرمة لحمه كما هو قوي جدا، لان " النهاية " معدة لنقل الفتاوى المتلقاة عن الائمة المعصومين (عليهم السلام) والشيخ مع توجهه الى ذيل معتبر عمار بن موسى، عن أبي عبدا لله (عليه السلام):


1 - تقدم في الصفحة 306 - 307. 2 - رياض المسائل: 345، مختلف الشيعة: 56 / السطر 10. 3 - الطهارة، الشيخ الانصاري: 344 / السطر 17، مصباح الفقيه، الطهارة: 519 / السطر 12. 4 - مجمع الفائدة والبرهان 11: 183، جواهر الكلام 36: 312. 5 - السرائر 3: 104. 6 - النهاية: 577.

[ 322 ]

عن الرجل يصيب خطافا في الصحراء ويصيده، أيأكله؟ فقال: " هو مما يؤكل ". وعن الوبر، يؤكل؟ قال: " لا، هو حرام " (1). ولكنه مع ذلك حمل جملة: " هو مما يؤكل لحمه " على الانكار والاعجاب، لمعلومية المسألة عنده (2). ولكن لا تسلم نجاسته، لما عرفت من الاشكال في الاطلاقات في مسألة نجاسة الابوال (3)، فإن مثل صحيحة ابن مسلم (4) لا تشمل مطلق البول، بل هي منصرفة الى الابوال المتعارفة. وقيل: " هو بول الانسان ". ومثل معتبر ابن سنان (5) قاصر دلالة عن إثبات نجاسة كل ما لا يؤكل لحمه. وتمامية إطلاق معاقد الاجماعات غير مسلمة، مع أنها مستندة إليها. وأما ما رواه " المختلف " عن " كتاب عمار بن موسى " عن الصادق (عليه السلام) قال: " خرء الخطاف لا بأس به، وهو مما يحل أكله، ولكن كره


1 - تهذيب الاحكام 9: 21 / 84، وسائل الشيعة 23: 394، كتاب الصيد والذبائح، أبواب الصيد، الباب 39، الحديث 6. 2 - تهذيب الاحكام 9: 21، ذيل الحديث 84. 3 - تقدم في الصفحة 294 - 295. 4 - تهذيب الاحكام 1: 250 / 717، وسائل الشيعة 3: 397، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 2، الحديث 1. 5 - الكافي 3: 57 / 3، وسائل الشيعة 3: 405، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 8، الحديث 2.

[ 323 ]

أكله لانه استجار بك، وآوى في منزلك، وكل طير يستجير بك فأجره " (1). فهو قاصر سندا، ولا ملازمة بين الخرء والبول. نعم، يمكن التمسك بما رواه عمار في رواية طويلة في " التهذيب " في باب تحريم الجري من أبواب الاطعمة المحرمة محذوفا عنه كلمة " خرء " (2) فإن إطلاق نفي البأس يقتضي طهارة كل شئ منه حتى الميتة. ولكنه بمعزل عن التحقيق والصواب. ومن العجيب إطا لة الكلام في المقام عن شيخنا الاستاذ الحلي - مد ظله - حول تعليل ما في " المختلف " وكيفية الجمع بين علية حلية الاكل للطهارة، وعلية الطيران لها (3)!! مع أن النسخ المعروفة مشتملة على كلمة " الواو " فيكون هو كلاما مستقلا، ولو سلمنا ذلك ليس هذه العناوين عللا حقيقية في هذه المواقف، بل هي أشباه الحكم والنكت، فراجع كتابه وتأمل، مع ما فيه من المناقشات البنائية والمبنائية، والعدول عنها أجدر وأحرى. المسألة الثامنة: في حكم بول الحيوان المحرم بالعارض أبوال الحيوانات المحرم أكلها بالعارض، تكون نجسة كغيرها


1 - مختلف الشيعة: 679 / السطر 2، وسائل الشيعة 3: 411، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 9، الحديث 20 (مع تفاوت يسير). 2 - تهذيب الاحكام 9: 80 / 345، وسائل الشيعة 23: 393، كتاب الصيد والذبائح، أبواب الصيد، الباب 39، ذيل الحديث 5. 3 - دليل العروة الوثقى 1: 281 - 285.

[ 324 ]

مطلقا، أو هي طاهرة مطلقا. أو يفصل تارة: بين ما كان محرما بالعارض، كالجلال والموطوء للانسان، والغنم الذي شرب لبن خنزيرة، وبين ما كان محرما بالعارض كالمضر والمغصوب والمنذور ترك أكله. واخرى: بين موطوء الانسان، فيكون هو ملحقا بالمحرم الذاتي، وبين غيره. وثالثة: غير ذلك من الصور والاحتمالات، ومنها: الحاق الجلال والموطوء فقط - دون غيره - بالمحرم الذاتي. ومنها: الحاق الجلال العرضي كالذي يؤكل في المجاعة وعند الاضطرار بالمحلل الذاتي. أقول: إن كان المستند هو الاجماعات المدعاة في " الغنية " (1) و " المختلف " و " التنقيح " و " الذخيرة " (2) و " الدلائل " (3) بل في " التذكرة " و " المفاتيح " نفي الخلاف في الحاق الجلال من كل حيوان والموطوء بغير المأكول في نجاسة البول (4)، ويظهر من " التذكرة " أن المخا لفين أيضا لم يفرقوا بين العرضي والذاتي فراجع (5)، فهو لا يتم في المأكول الذي


1 - الغنية، ضمن الجوامع الفقهية: 488 / السطر 27. 2 - مختلف الشيعة: 55 / السطر 37، التنقيح الرائع 1: 142، ذخيرة المعاد: 145 / السطر 15. 3 - لاحظ مفتاح الكرامة 1: 136 / السطر 12، الطهارة، الامام الخميني (قدس سره) 3: 14. 4 - تذكرة الفقهاء 1: 51، مفاتيح الشرائع 1: 65. 5 - تذكرة الفقهاء 1: 51.

[ 325 ]

شرب لبن الخنزيرة مع أنه - كما قيل - مورد تسلم الاصحاب (1). ولكنه غير تام، لان جميع كلمات القوم واردة في غيره، ومخصوصة بهما ظاهرا، فما ترى في " العروة الوثقى " (2) غير قابل للتصديق. وفي كون المستند هذه الاجماعات إشكال واضح، لان المسألة مأخوذة من أخبار الباب وإطلاقاتها كما يأتي. وإن كان المستند روايات المسألة فهي طوائف: الاولى: ما تدل على طهارة ما يؤكل لحمه (3)، وهي بإطلاقها تشمل المأكول الذاتي بالفعل، والذاتي المحرم عرضيا. الثانية: ما تدل على نجاسة ما لا يؤكل لحمه (4)، وهو أيضا أعم من المحرم الذاتي والعرضي. الثالثة: ما تدل على طهارة أبوال أنواع خاصة من الحيوانات، كالحمار والفرس والبقر والشاة والابل وغير ذلك (5)، فإنها بإطلاقها تدل على طهارة الابوال ولو صارت محرمة بالعرض. فإن التزمنا بإطلاق الطوائف الثلاث، فتقع المعارضة بين الاولى والثانية وبين الثانية والثا لثة بالعموم من وجه، فيكون مورد


1 - مستمسك العروة الوثقى 1: 281. 2 - العروة الوثقى 1: 55، فصل في النجاسات. 3 - وسائل الشيعة 3: 407، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 9، الحديث 4 و 6 و 10 و 12 و 17. 4 - وسائل الشيعة 3: 404 - 406، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 8. 5 - وسائل الشيعة 3: 407 و 410، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 9، الحديث 2 و 5 و 14 و 18.

[ 326 ]

التعارض في الفرض الاول موطوء الانسان والجلال، بناء على كونهما محرما لحمهما، كما هو المفروض المتفق عليه في الاطعمة (1)، وإن يظهر عن الاسكافي - بل والشيخ - كراهة لحم الجلال (2)، وعهدة هذه المسألة على ذلك الكتاب، فيكون البحث من هذه الجهة هنا من الاصول الموضوعة، فلا تخلط. ومورد المعارضة في الفرض الثاني الغنم الجلال والموطوء، وهكذا الحيوان الذي شرب لبن الخنزيرة واشتد عظمه، كما قيل (3)، أو مطلقا كما في " العروة " وهو المعروف بين الاصحاب (4) للنصوص الخاصة (5)، وإن كانت قاصرة عن إثبات الاطلاق، والتفصيل في مقامه (6). ويمكن رفع المعارضة، بدعوى أقوائية ظهور الطائفة الثانية في مورد التعارض عرفا. وقد يقال: بأن المراد من عنوان " ما يؤكل لحمه " و " ما لا يؤكل " إما يكون الانواع، أو يكون الافراد، فإن كان الانواع فلا تشمل الاولى مورد المعارضة، لعدم كونه من أنواع ما يؤكل، بخلاف الطائفة الثانية،


1 - جواهر الكلام 36: 272 و 284. 2 - مختلف الشيعة: 676 / السطر 35، الخلاف 6: 85، مسألة 16. 3 - العروة الوثقى 1: 55، فصل في النجاسات، الهامش 12. 4 - العروة الوثقى 1: 55، فصل في النجاسات، مستمسك العروة الوثقى 1: 280. 5 - وسائل الشيعة 24: 161 - 162، كتاب الاطعمة والاشربة، أبواب الاطعمة المحرمة، الباب 25، الحديث 1 و 3. 6 - جواهر الكلام 36: 282.

[ 327 ]

فإنها تشمل المورد، لان عنوان " الموطوء " و " الجلال " من أنواع المحرمات وما لا يؤكل. وإن كان الافراد فلا تشمل الثانية، لان الفرد الموطوء محرم، ولا يكون محللا (1). وفيه: أنه لا يبعد أن يراد منه العنوان المشير الى العناوين الذاتية المحرمة والمحللة، ولكن ليس منها عنوان " الموطوء " و " الجلال " وإلا يلزم اندراج عنوان " المضر " و " المغصوب " أيضا كما لا يخفى. ومما يشهد على انصراف هذه العناوين الى الانواع، روايات ذكرها " الوسائل " في الباب التاسع: ومنها: ما رواه في " المعتبر " عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل يمسه بعض أبوال البهائم، يغسله أم لا. قال: " يغسل بول الفرس والحمار والبغل، فأما الشاة وكل ما يؤكل لحمه فلا بأس ببوله " (2). فإنه يورث ظهور هذا العنوان في العموم الانواعي، فترتفع المعارضة، ويبقى حكم المسألة بلا دليل اجتهادي، فيرجع الى قاعدة الطهارة إن قلنا بجريانها في الشبهات الحكمية، أو الى البراءة في بعض أحكامها، كما لا يخفى فليتدبر.


1 - الطهارة، الامام الخميني (قدس سره) 3: 14. 2 - تهذيب الاحكام 1: 247 / 711، وسائل الشيعة 3: 409، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 9، الحديث 9.

[ 328 ]

إن قلت: قضية الطائفة الثالثة هي الطهارة. قلت: هي أيضا ظاهرة في إفادة حكم النوع دون الفرد، فالاطلاق الافرادي في الكل ممنوع. اللهم إلا أن يقال: إن قضية الاصل الاولي هو العموم الافرادي، وفي الاولى والثانية - للقرينة العقلائية - يرفع اليد عنه. ولكنه لا يتم في الثالثة، فعليه يتعين طهارة بول الجلال والموطوء. ومما ذكرناه يظهر حال ما إذا فرضنا العموم الافرادي للطائفة الاولى دون الثانية، وبا لعكس، وهكذا الثالثة، والامر - بعد ما اشير إليه - سهل. والذي هو الاشكال الاخر في المسألة ما مر منا: وهو أن روايات نجاسة بول ما لا يؤكل لحمه، قاصرة دلالة عن إثبات ذلك على الاطلاق، لان عنوان " ما لا يؤكل لحمه " أعم من المحرم الذاتي، والمحرم العرفي، أي: المتروك طبعا أكله، كما اشير إليه (1) في الاخبار الكثيرة (2)، ولا عموم فوقاني يرجع إليه، كما مر مرارا (3)، فيتعين طهارة بول الجلال والموطوء، إلا خوفا من مخا لفة الاتفاق والاجماع، فقضية الصناعة من جميع الجوانب هي الطهارة قويا، فلاحظ وتأمل.


1 - تقدم في الصفحة 304. 2 - وسائل الشيعة 3: 408 - 409، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 9، الحديث 7 و 9. 3 - تقدم في الصفحة 321.

[ 329 ]

تذنيب: حول رواية النميري الدالة على نجاسة الجلال قد ورد في الباب الرابع والعشرين من أبواب الاطعمة المحرمة في " الوسائل " رواية مرسلة عن موسى بن أكيل النميري، عن الباقر (عليه السلام): في شاة شربت بولا ثم ذبحت. فقال: " يغسل ما في جوفها، ثم لا بأس به، وكذلك إذا اعتلفت بالعذرة، ما لم تكن جلالة " (1). فإن الظاهر منها نجاسة الجلال، فيكون بوله نجسا إما بالذات، أو للملاقاة بالخروج، ولا يمكن الالتزام به، لعدم إفتاء الاصحاب بذلك. هذا مع أن المراد من " الجلال " لغة غير ما هو المقصود في المتون، وحمل الرواية على الاول متعين، وحيث لا ثمرة مهمة في بحثها نحيله الى مقام آخر.


1 - الكافي 6: 251 / 5، وسائل الشيعة 24: 160، كتاب الاطعمة والاشربة، أبواب الاطعمة المحرمة، الباب 24، الحديث 2.

[ 330 ]

الثاني: الخرء من كل حيوان نجس العين فإنه نجس بالضرورة (1)، وقضية الاجماعات الكثيرة الصريحة في عدم الفرق بين البول والغائط في الحكم، أنه نجس في الحيوان الذي يكون بوله نجس، وطاهر من الحيوان الذي بوله طاهر ففي " الناصريات " و " الروض " و " المدارك " و " الذخيرة " نقل الاجماع على عدم الفرق (2). وهذا هو مقتضى الاجماعات في كتب الاولين والاخرين من عد الخرء والبول معا في عداد النجاسات، ولم يفتحوا بابا على حدة لنجاسة الخرء. ولكن من المخالفين كما في " التذكرة " (3) محمد بن الحسن ولعله الشيباني المعروف، قد فرق وقال: " بول ما يؤكل لحمه طاهر، وروثه نجس ". وعن المفيد (4) بل وتلميذه الشيخ في الكتابين: " التهذيب " و " الاستبصار " القول بنجاسة خرء الدجاجة (5)، فإن استثناء الخرء يقتضي بقاء البول في المستثنى منه. اللهم إلا أن يقال: بأن مخرج بوله وخرئه واحد، ولا يخرجان إلا معا،


1 - المعتبر 1: 113، المجموع 2: 548 - 550، الحدائق الناضرة 5: 2. 2 - الناصريات، ضمن الجوامع الفقهية: 216 / السطر الاخير، روض الجنان: 162 / السطر 12، مدارك الاحكام 2: 259، ذخيرة المعاد: 145 / السطر 20. 3 - تذكرة الفقهاء 1: 51، المجموع 2: 549 / السطر 5. 4 - مستند الشيعة 1: 147، المقنعة: 71. 5 - تهذيب الاحكام 1: 266، الاستبصار 1: 178، لعل " الاستبصار " سهو من قلمه الشريف، لاحظ المبسوط 1: 36.

[ 331 ]

فتكون الملازمة بينهما خارجية كما لا يخفى. وأنت خبير: بأن نجاسة خرء طائفة من الحيوانات المبتلى بها، وطهارة الاخريات منها، واضحة من غير الحاجة الى الاجماع أو الدليل اللفظي، ولا إجماع على الملازمة، بمعنى أن من يقول فرضا بنجاسة أبوال ما يؤكل لحمه، لابد وأن يقول بنجاسة خرئه، ومن يسقط شرطية النفس السائلة في نجاسة البول، لابد وأن يسقط في خرئه. فما يظهر من جمع من توهم الملازمة شرعا بينهما بالاجماع وغيره (1)، فهو ممنوع. والذي هو المهم بالبحث، الفحص عن دليل يورث نجاسة الخرء على الاطلاق من كل حيوان، أو من ذي نفس سائلة، فإن ثبت فهو، وإلا ففي موارد الشبهة يرجع الى الاصل الاولي وهو عدم النجاسة، فليتدبر. الروايات العامة الدالة على نجاسة مطلق الخرء وهذه مآثير وروايات في الابواب المتفرقة نشير إليها إجمالا: الاولى: معتبر زرارة، عن أبي عبدا لله (عليه السلام) في أبواب لباس المصلي، فإنه مع طوله مشتمل على تجويز الصلاة في الروث والبول مما يؤكل لحمه، ومنعه عما لا يؤكل لحمه (2)، ودلالته على طهارة ونجاسة البول


1 - مستمسك العروة الوثقى 1: 274، مهذب الاحكام 1: 285. 2 - الكافي 3: 397 / 1، وسائل الشيعة 4: 345، كتاب الصلاة، أبواب لباس المصلي، الباب 2، الحديث 1.

[ 332 ]

والخرء محل منع، لظهوره في المانعية لاجل أمر آخر، لا للنجاسة، فما ترى من ذكر " الوسائل " في هذه الابواب هذه الرواية، غير وجيه. الثانية: معتبر عبدا لرحمن بن أبي عبدا لله، عن أبي عبدا لله (عليه السلام) الماضي آنفا، فإنه (عليه السلام) قال في ذيله: " فأما الشاة وكل ما يؤكل لحمه فلا بأس ببوله " (1). وقضية المفهوم بضميمة الملازمة بين البول والخرء، ثبوت البأس، وهو ظاهر في وجوب الاجتناب الملازم للنجاسة. ولكن عدم تمامية إحدى هذه المقدمات المشار إليها، كاف في عدم تمامية الاستدلال. مع إنك قد عرفت: أن عنوان " ما يؤكل " و " ما لا يؤكل " أعم من المحرم الشرعي ظاهرا (2)، والتفكيك في الهيئة قد عرفت حاله، والرواية في الباب التاسع (3). الثالثة: معتبر مصدق، عن عمار في الباب المزبور، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " كل ما اكل لحمه فلا بأس بما يخرج منه " (4). فإن قضية مفهومه ثبوت البأس بما يخرج، وهو أعم من البول.


1 - تهذيب الاحكام 1: 247 / 711، وسائل الشيعة 3: 409، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 9، الحديث 9. 2 - تقدم في الصفحة 304. 3 - الكافي 3: 57 / 4، وسائل الشيعة 3: 408، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 9، الحديث 7. 4 - تهذيب الاحكام 1: 266 / 781، وسائل الشيعة 3: 409، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 9، الحديث 12.

[ 333 ]

وقد عرفت جهات الشبهة في استفادة الحكم من أمثاله (1)، ومنها: أن الوصول ربما يكون عنوانا مشيرا الى العناوين الخارجية، فينحل الى قضايا جزئية، فلا يكون ذا مفهوم. مع أن إثبات البأس بنحو الاهمال يجامع كون البأس في خصوص البول، أو في بعض الخرء، فلا يثبت المقصود، وهو إثبات البأس على الاطلاق في الخرء، ولا شبهة في لزوم تقييد المفهوم بالنفس السائلة، وهذا دليل قوي على أن كلمة الموصول تشير الى أنواع الحيوانات المحرمة، واللاتي ذوات النفس السائلة، فافهم واغتنم. الرابعة: معتبر علي بن رئاب في الباب المزبور، عن " قرب الاسناد " قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الروث يصيب ثوبي وهو رطب. قال: " إن لم تقذره فصل فيه " (2). فإن هذه الجملة كناية عن أنه قذر، أي استنكار منه (عليه السلام) على ذلك، فيعلم منه أن القذر لا يصلى فيه، وحيث أن الارواث قذرة نوعا مع كونها رطبة فلا يصلى فيها، وذلك للنجاسة، لا للمانعية، لفهم العرف ذلك كما في عرق الجنب. وأنت خبير بما فيه، هذا مع أن: " الروث " فضلة الانعام، ولا يطلق على العذرة، فتكون هذه الرواية معارضة بما يدل على طهارته تعارض الظاهر والنص.


1 - تقدم في الصفحة 331 و 332. 2 - قرب الاسناد: 163 / 597، وسائل الشيعة 3: 410، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 9، الحديث 16.

[ 334 ]

ومثلها الروايات الاخر التي تجمع مع غيرها جمعا عقلائيا. كما أن مثل الثا لثة بعض الاخبار الاخر التي يستدل بمفهومها على المطلوب، وقد عرفت وجه الاشكال فيها (1). ومنها: ما عن أبي البختري، عن جعفر، عن أبيه (عليهما السلام): " أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: لا بأس ببول ما اكل لحمه " (2). بناء على تمامية الملازمة. الخامسة: ما رواه " الوسائل " في الباب المزبور عن " المختلف " عن عمار بن موسى في كتابه، عن الصادق (عليه السلام) قال: " خرء الخطاف لا بأس به، هو مما يؤكل لحمه... " (3). وقد مر سابقا بعض البحث حوله (4)، وذكرنا هناك: أن هذه الرواية مذكورة في " جامع الاحاديث " من غير " واو " (5) فقال: " لا بأس به، وهو مما يحل أكله " وليس هذا رواية مستقلة ظاهرا، بل هو قطعة مما رواه " التهذيب " عن عمار في رواية طويلة في أبواب الاطعمة المحرمة، وليس هناك لفظة " خرء " (6) وعلى هذا يكون سنده معتبرا.


1 - تقدم في الصفحة 331. 2 - قرب الاسناد: 156 / 573، وسائل الشيعة 3: 410، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 9، الحديث 17. 3 - مختلف الشيعة: 679 / السطر 2، وسائل الشيعة 3: 411، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 9، الحديث 20. 4 - تقدم في الصفحة 321 - 322. 5 - جامع أحاديث الشيعة 2: 91، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 2، الحديث 24. 6 - تهذيب الاحكام 9: 80 / 345.

[ 335 ]

ولو سلمنا أنها تكون هكذا: " الخطاف لا بأس به، وهو مما لا يؤكل لحمه " لتقدم أصا لة عدم الزيادة على أصا لة عدم النقيصة، ويكون ظاهرا في أن نفي البأس بلحاظ ما يخرج منه، لا بلحاظ لحمه، للزوم التكرار، ويكون تعليلا للصدر، فلا يتم الاستدلال أيضا، لعدم تمامية المفهوم المقصود في المقام، وهو إطلاقه لا إهماله، فإنه ربما كان من المفاهيم العرفية، وإن لم تساعده القواعد الادبية ولا العقلية، كما تقرر في محله. مع أن الجملة الثانية إذا كانت مع " الواو " ليست ظاهرة في التعليل إلا بلحاظ اشير إليه، وهو غير ثابت جدا، فالرواية من جهتين محل الكلام متنا. مع أن الالتزام بتعددهما يستلزم عدم تمامية سند " المختلف " فلا طريق الى الاستدلال بها على الوجه الصحيح، كما لا يخفى. السادسة: المآثير الكثيرة المشتملة على مفروغية نجاسة العذرة المذكورة في الابواب المتفرقة، كأبواب المياه والبئر (1)، وأبواب المطاعم (2)، وغير ذلك (3) مما يطلع عليه المتتبع، فإنه بعد العثور عليها لا


1 - وسائل الشيعة 1: 147، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 6، الحديث 7 و 9، والباب 8، الحديث 13، والباب 14، الحديث 8. 2 - وسائل الشيعة 24: 169، كتاب الاطعمة والاشربة، أبواب الاطعمة المحرمة، الباب 29، الحديث 1. 3 - وسائل الشيعة 3: 444، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 26، الحديث 14، والباب 32، الحديث 6، والباب 37، الحديث 3.

[ 336 ]

يبقى شبهة في نجاسة العذرة، بل هي من الضروريات، ولا تحتاج الى الاستدلال. وإنما الاشكال في مفادها لغة، والقدر المسلم منه مدفوع الانسان، وهو الظاهر من اللغة، كما في " أقرب الموارد " حيث فسر الروث من ذي الحافر: بمثل الغائط من الانسان، ثم فسر العذرة: بالغائط (1). ولا أقل من الشبهة، فلا يتم المطلوب. ومجرد إطلاقها على ما يخرج من غير الانسان، كما في صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد الله في " الوسائل " (2) فإنه غير كاف. مع أن فيه السؤال عن عذرة من إنسان، أو سنور، أو كلب، فإنه ربما كان ذلك لمعلومية المقصود، ولعدم اللفظة الخاصة لما يخرج منهما. هذا مع أن في كتب اللغة التصريح - ومنها أول كتاب " المنجد " - بأن الخصوصيات المأخوذة في تفسير اللغات ليست دخيلة في الموضوع له، بل هي لبيان الاستعمال، وقد مثل لذلك ب‍ " الروث " إذا قيل: " روث الفرس " (3) وإذا صح إطلاق العذرة - بناء عليه - على مطلق ما يخرج كما لا يبعد ذلك في الغائط، فلابد من أن يكون المراد منه الاخص في الاخبار حسب الاستعمال، ولا شاهد على كونها موضوعة أو منصرفة الى ما يخرج


1 - أقرب الموارد 1: 442، 2: 757. 2 - تهذيب الاحكام 2: 359 / 1487، وسائل الشيعة 3: 475، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 40، الحديث 5. 3 - المنجد، الاصطلاحات، الصفحة ه‍.

[ 337 ]

من خصوص غير مأكول اللحم من السنور والكلب والسباع وغيرها. وفي كتاب المكاسب المحرمة فصل طويل حول روايات تحريم بيع العذرة، وما يتضمن نفي البأس عنه (1)، فراجع. والذي هو الظاهر منهم كما استظهره الوا لد المحقق - مد ظله -: أن مراد الفقهاء في متونهم من " العذرة " أعم من مدفوع الانسان، ومخصوص بما يحرم أكله (2). ولكنه غير كاف لتمامية الاستدلال بتلك المآثير، على ما ترى من لغة العرب في الاستعمالات المجازية، خصوصا في الموضوعات التي تصحبها القرائن الخارجية والداخلية، فتأمل. بعض الروايات الخاصة الدالة على نجاسة الخرء هذا كله حول مفاد الروايات المستدل بها لنجاسة خرء مطلق الحيوان المحرم أكله، وطهارة ما يحل أكله. وفي المقام بعض النصوص الخاصة، ولعله هو مستند المفيد والشيخ في قولهما بالنجاسة في ذرق الدجاج، وهو ما رواه " الوسائل " في الباب العاشر بسند ضعيف، عن فارس قال: كتب إليه رجل يسأله عن ذرق الدجاج، يجوز الصلاة فيه.


1 - المكاسب، الشيخ الانصاري: 4 / السطر 13. 2 - الطهارة، الامام الخميني (قدس سره) 3: 12.

[ 338 ]

قال: " لا " (1). وأنت خبير بقصورها دلالة أيضا بعد ورود النص في خصوص الدجاج ونفي البأس عن خرئه (2)، فيكون هذا شاهدا على أن سندهما غير ذلك قطعا، فكان عندهما ما لا يذكر في كتبهما، والله العالم. وفي نفسي أن أصل النسبة غير ثابت (3)، فراجع حتى تعرف صدق دعوانا. وربما يتوهم دلالة معتبر فضل أبي العباس بن عبد الملك المروي في الباب الحادي عشر قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن فضل الهرة والشاة والبقر والابل والحمار والخيل والبغال والوحش والسباع، فلم أترك شيئا إلا سألته عنه. فقال: " لا بأس به " حتى انتهيت الى الكلب فقال: " رجس نجس... " (4)، على طهارة ما يخرج منها، أو خصوص الفضلة، لان الفضل بمعنى الزيادة، وإذا قيل: " فضول الانسان " فيراد منها العرق وأشباهه ولكنه اصطلاح في الطب، فعلى هذا يكون الخبر نصا في طهارة خرء هذه الحيوانات. وأنت خبير: بأن منشأ هذا التوهم نقل " الوسائل " هذا الحديث هنا، ولو ذكره في الاسآر لما كان لذلك الوهم وجه، فقال (عليه السلام) في ذيله:


1 - وسائل الشيعة 3: 412، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 10، الحديث 3. 2 - تهذيب الاحكام 1: 283 / 831، وسائل الشيعة 3: 412، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 10، الحديث 2. 3 - تهذيب الاحكام 1: 266، المبسوط 1: 36. 4 - وسائل الشيعة 3: 413، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 11، الحديث 1.

[ 339 ]

" رجس نجس، لا تتوضأ بفضله، واصبب ذلك الماء، واغسله بالتراب أول مرة، ثم بالماء " (1). فعليه تصير أجنبية عن هذه المسألة وعن عنوان الباب الحادي عشر في " الوسائل " فاختبر. فذلكة البحث إن الادلة اللفظية قاصرة عن إثبات نجاسة مطلق الخرء من غير المأكول، فيبقى معتبر أبي بصير في الطيور (2) فارغة عن المعارض في خصوص الخرء. نعم، بناء على معاقد الاجماعات الماضية، وبناء على الاجماع المدعى على الاعراض عن رواية أبي بصير كما عن " السرائر " (3) وفي " التذكرة " يشكل التمسك (4). ولكنك عرفت: أن هذه الاجماعات ليست مبتنية على نصوص اخرى غير ما وصلت الينا (5)، فلا منع من الالتزام بطهارة خرء لا يعد من العذرة عرفا.


1 - تهذيب الاحكام 1: 225 / 646. 2 - الكافي 3: 58 / 9، وسائل الشيعة 3: 412، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 10، الحديث 1. 3 - مستمسك العروة الوثقى 1: 276، السرائر 1: 80. 4 - تذكرة الفقهاء 1: 49. 5 - تقدم في الصفحة 301 و 308.

[ 340 ]

فروع الفرع الاول: حول نجاسة البول والغائط في الباطن بعد الفراغ عن نجاسة البول والغائط، فهل هما نجسان على الاطلاق، أو هما نجسان إذا كانا ظاهرين وخارجين من الداخل والباطن؟ فإن قلنا بالثاني، فلا فرق بين أنحاء الملاقاة بعد كونهما في الباطن، لعدم تحقق الملاقاة مع النجس، وما ترى في بعض كتب أهل العصر من المنتسبين الى الفضل من إنكار النجاسة قبل خروجهما، ومن الحكم بنجاسة الملاقي، فهو من الجها لة. نعم، يمكن التفصيل بين النجاسات الباطنية كالدم وغيره، بأن الدم مادام في العروق لا يكون نجسا، وإذا ورد في الفم أو الانف يعد نجسا، ولكنه لا يورث النجاسة بالملاقاة. فبالجملة: البحث حول الدم يأتي في محله، ولا منع من الالتزام بالتفكيك بين أنواع النجاسات من تلك الجهة، لان الميزان الروايات الواردة عن الائمة المعصومين (عليهم السلام) ومقدار دلالتها. فعلى هذا يمكن أن يقال: إن قضية الاطلاق الاحوالي، أو مقتضى فهم العرف بعد ثبوت أصل النجاسة، عدم الفرق بين أنحاء الاحوال بالضرورة، وقد قيل: " إنه هو المشهور بين الاصحاب " بل هو المتسالم عليه عندهم، فما ترى من الشبهة في ذلك، لاجل الاشكال في الاطلاق

[ 341 ]

الاحوا لي (1)، لا يضر بتمامية المقصود. كما أن توهم: أن جعل النجاسة للبواطن والنجاسات في الداخل - بعد عدم تنجس الملاقي - لغو، في غير محله، لان لغوية الاطلاق جائزة، ضرورة أن الدليل المتكفل لنجاسة العذرة، لو كان مخصوصا بها في الداخل، لكان ذلك من اللغو غير الجائز، وأما إذا كان متكفلا لنجاستها من غير النظر الى الحالات خصوصا، فهو جائز، وإلا يلزم دعوى عدم نجاسة ما هو الخارج عن محل الابتلاء، وهكذا مما هو الواضح منعه، فتدبر. هذا مع أنه يظهر الثمرة في بلع الحيوان الذي في جوفه العذرة والبول، كما لا يخفى. فتحصل: أنه بعد ثبوت نجاسة شئ، لا يحتاج في إثبات إطلاقها الى الاطلاق الاحوالي، بل فهم العرف وعدم وجود الخصوصية بين أنحاء الحالات، كاف بلا شبهة وإشكال، فما ترى في بعض الكتب: من قصور الادلة عن إثبات نجاستهما في الباطن، من اللغو المنهي عنه (2)، وإلا يلزم الاشكال في نجاستهما إذا كان في حال آخر، لعدم الفرق بين الحالات. فعلى ما استظهرناه، فنجاستهما على الاطلاق من الامر الواضح جدا، فلو بلع الحيوان المحرم لحمه وفي جوفه البول والغائط يعاقب مرات، لاكله النجاسات والمحرمات، فلا تخلط. نعم، ربما يمكن الاشكال في ذلك لاجل عدم صدق " أكل البول


1 - مستمسك العروة الوثقى 1: 286. 2 - التنقيح في شرح العروة الوثقى 1: 467.

[ 342 ]

والغائط " كما قيل في بلع السمك وفي جوفه الدم (1)، فافهم. ثم إنه ربما يتوهم دلالة أخبار المسألة الاتية (2) على عدم نجاسة الاعيان في الجوف، ضرورة أنه إذا كانت الملاقاة غير مورثة للنجاسة، فهو شاهد على عدم كونها نجسة، ويكون نفي الحكم كناية عن نفي الموضوع، لئلا يلزم التخصيص (3). وأنت خبير بما فيه، فإنه في حد ذاته تقريب قريب، إلا أنه بعد المراجعة الى فهم العرف غير كاف، لان إثبات الخصوصية مشكل جدا، بخلاف نفي التنجس بملاقاتهما في الداخل. مع أن من الممكن كون زوال العين في الداخل من المطهرات، ولكنه كلام غير تام كما لا يخفى، وإن كان عن الشهيدين (رحمهما الله) (4). تنبيه بناء على طهارة البول والغائط في الباطن، فالظاهر اختصاص ذلك بما لم يخرج بعد، وأما لو خرجا، ثم دخلا في الجوف، بأن أكل العذرة وشرب البول، فإنهما لا يصيران طاهرين، لعدم ورود " الباطن " و " الظاهر "


1 - وسيلة النجاة 3: 56، المسألة 34. 2 - الكافي 3: 39 / 1، وسائل الشيعة 1: 276، كتاب الطهارة، أبواب نواقض الوضوء، الباب 12، الحديث 2، الكافي 3: 54 / 5، وسائل الشيعة 3: 427، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 17، الحديث 5. 3 - التنقيح في شرح العروة الوثقى 1: 465. 4 - الروضة البهية 1: 26 / السطر 3.

[ 343 ]

في الدليل المخصوص في هذه المسألة، بل من يريد إثبات طهارتهما يستدل بقصور الادلة، ولا أظن التزام أحد بذلك في مفروض المسألة. الفرع الثاني: في حكم ملاقاة الاخبثين في الباطن بناء على نجاستهما في الباطن، فهل يترتب عليهما جميع أحكامهما، من حرمة الاكل والشرب، ومن تنجس ملاقيهما ولو كانت الملاقاة في الباطن، أم لا؟ لا شبهة في جواز الصلاة والطواف معهما مع كونهما في الباطن، وهكذا لا يتنجس الباطن والمسير بملاقاتهما، أو لو كانا متنجسين يكون معفوا عنهما فيما يشترط بالطهارة. وهذا مما لا شبهة فيه، ولا يحتاج الى الدليل، كما هو الواضح الجلي. فالاستدلال بطهارة المذي والوذي، لان المسير لو كان نجسا لكانا نجسين، غير تام، لان من الممكن عدم تنجيس البول إلا ما يلاقيه، ولا ينجس مع الواسطة شيئا آخر، كما قيل في الوسائط (1)، فما ترى في كتب الاصحاب (2) من الاستدلال بهذه الاخبار (3)، من الغفلة عن الحال.


1 - تحرير الوسيلة 1: 123، المسألة 9. 2 - مستمسك العروة الوثقى 1: 284، التنقيح في شرح العروة الوثقى 1: 465، مهذب الاحكام 1: 298. 3 - الكافي 3: 54 / 5، وسائل الشيعة 3: 427، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 17، الحديث 1 و 5.

[ 344 ]

وأما ما ورد في بعض الاخبار الاخر التي تأتي في محال آخر، من نفي وجوب غسل الباطن، كما في أخبار الباب الرابع والعشرين من أبواب النجاسات (1)، فهو لا يدل على عدم التنجس بالملاقاة، بل ربما كان ذلك عفوا في الصلاة، فعدم وجوب غسل الباطن لا يدل على ما توهموه وتخيلوه - رضي الله عنهم -. ثم إنه لا ينبغي أن يستدل بأخبار وردت في الدم والفم، وإسراء الحكم الى سائر النجاسات، لامكان اختلافها في بعض الاحكام، كما ترى في أحكام الاستنجاء وغيرها. مع أن المآثير الواردة في مسألة طهارة بزاق فم شارب الخمر، المروية في الباب التاسع والثلاثين (2) وغيرها (3)، لا تدل على عدم تنجس الملاقى - بالفتح - بل غايتها العفو، فعليه يجب الاجتناب في سائر الصور المتصورة في المسألة، لعدم الدليل على العفو المطلق، ولعدم الدليل على طهارة الباطن الملاقى بالنجس الباطني، أو النجس الخارجي الداخل في الفم وهكذا. فما ترى من بناء الاصحاب على الطهارة في نوع صور المسألة (4)،


1 - وسائل الشيعة 3: 437، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 24. 2 - وسائل الشيعة 3: 473، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 39. 3 - تهذيب الاحكام 9: 115 / 489، وسائل الشيعة 25: 377، كتاب الاطعمة والاشربة، أبواب الاشربة المحرمة، الباب 35، الحديث 1. 4 - مستمسك العروة الوثقى 1: 284، مهذب الاحكام 1: 297.

[ 345 ]

فهو لاجل الغفلة عن أطراف المسألة، ولذلك قلما يتفق جواز تقليد مجتهد إلا إذا بنى على المراجعة الى الافكار المختلفة، حتى يحصل له الاحاطة الكاملة، فتدبر. فعلى ما تقرر، يشكل الحكم بطهارة الدرهم الذي يبلع ويخرج بعد العلم بملاقاته، وبطهارة الحيوان المتكون في المعدة إذا خرج من المقعدة، وأما إذا خرج من الفم كالقئ فهو لا يكون نجسا، لان ما في البطن لا يعد عذرة، ولا يكون فيه سائر النجاسات، خلافا لما توهمه بعض المنتسبين الى الفضل في العصر، وبطهارة رأس شيشة الاحتقان وهكذا، وكالاسنان الصناعية. ولما كان لكل واحد من النجاسات بحث خاص يمكن أن يؤدي الى التفصيل بينها، فالاولى إحالة هذه المسألة الاخيرة الى بحث نجاسة الدم، وهكذا مسألة ملاقاة رأس الابرة، والله العالم. وفي حكم شيشة الاحتقان، ما يدخل من مخرج البول حتى يصل الى المثانة والخزانة، في عدم الدليل على العفو بعد ثبوت الملاقاة مع النجس، فتدبر. ومما حصلناه يظهر سقوط الاستدلال لكلي المسألة بالاخبار الواردة في بعض النجاسات، مثلا لا معنى للتمسك بما ورد من جواز استرضاع اليهودية والنصرانية (1) لطهارة الباطن، فإن اللبن من الباطن،


1 - وسائل الشيعة 21: 464، كتاب النكاح، أبواب أحكام الاولاد، الباب 76.

[ 346 ]

أو لطهارة ملاقي النجس في الباطن، وأن اللبن من ذلك، على اختلاف الاحتما لين في اللبن، ضرورة أن ذلك - لو تم - ربما كان يختص باللبن، لخصوصية في المسألة وهو جواز سقي الاطفال ذلك، أو لخصوصية في اللبن، لانه لا يعد من الاجزاء الكافرة، بخلاف سائر ما يتصل به، كما في لبن جوف الحيوان الميت. وأما إذا قلنا بتنجس اللبن فيه، فلا يبعد أن يسقي الاطفال بالمتنجس في هذه المواقف، لا مطلقا، وهكذا. الفرع الثالث: بيان مقتضى الاصول العملية عند الشك في حلية اللحم قال في " العروة ": " إذا لم يعلم كون حيوان معين أنه مأكول اللحم أو لا، لا يحكم بنجاسة بوله وروثه " (1) انتهى. ومقتضى إطلاقه طهارتهما مطلقا، سواء كانت الشبهة حكمية، أو موضوعية، وسواء كانت الحرمة الذاتية مشتبهة، أو العرضية، وسواء كانت الشبهة الموضوعية مما تزول بأدنى تأمل ونظر، أو لا تكون كذلك، وسواء في ذلك المجتهد والمقلد قبل الفحص وبعده، وسواء كان الشك في قابليته للتذكية وعدمها. وهذا الاطلاق يمكن إتمامه بحسب الظاهر إلا في الشبهات الحكمية للمقلد وللمجتهد قبل الفحص. وربما يشكل أولا: في جريان قاعدة الطهارة في الشبهات الحكمية


1 - العروة الوثقى 1: 57، فصل في النجاسات، المسألة 3.

[ 347 ]

من المسألة إذا شك في القابلية (1)، لان من المقرر في محله عند المشهور جريان استصحاب عدم القابلية (2)، وقضية ذلك هو حرمة لحمه، فيكون مقدما على القاعدة، لما ينقح به موضوع الدليل، وهو نجاسة بول ما لا يؤكل لحمه وخرؤه. وفيه أولا: أن جريانها ممنوع، وفي النسبة إشكالا، لان من القائلين بجريان الاعدام الازلية، من استشكل في خصوص جريان هذا الاصل (3). وثانيا: لا يحرز بذلك عنوان هذه المسألة. ومجرد كون اللحم محرما، غير كاف كما لا يخفى، فلو فرضنا أصالة الحرمة عند الشك في القابلية - كما عليه الاكثر إلا الوالد - مد ظله - (4) فهو لا يكون منقحا لدليل هذه المسألة، فليتدبر. وربما يشكل ثانيا: في جريانها، لاجل أن الاصل في اللحوم هي الحرمة (5)، على ما تحرر في محله (6). وأنت خبير بما فيه من الاصل أولا، ومن أن على فرض تماميته لا يثبت به موضوع البحث، وهو كون الحيوان مما لا يؤكل لحمه واقعا، أو بدليل ظاهري يحرز به ذلك كالاستصحاب، وأما الاصل المزبور فلا يكفي.


1 - مستمسك العروة الوثقى 1: 291. 2 - لاحظ تحريرات في الاصول 8: 486 - 489. 3 - مصباح الاصول 3: 117. 4 - الاستصحاب، الامام الخميني (قدس سره): 102 و 106. 5 - مستمسك العروة الوثقى 1: 288. 6 - تحريرات في الاصول 8: 486 وما بعدها.

[ 348 ]

إن قلت: هذا الاصل هو استصحاب عدم التذكية، أو استصحاب حرمته حال الحياة. قلت: أما الاستصحاب الاول فهو لا ينفع لبوله وخرئه حال الحياة، ضرورة أن الشك في التذكية واللا تذكية، لا يكون فعليا إلا بعد عروضها على الحيوان في الخارج. والتفصيل بين بوله وخرئه حال الحياة وحال الممات، من المجمع عليه بطلانه. مع أن بذلك أيضا لا يحرز موضوع الدليل الاجتهادي، وسر ذلك أن مجرى الاستصحاب، إما يكون من القضية السالبة المحصلة، أو الموجبة المعدولة المحمول، أي يقال: " ما كان هذا مذكى، والان كذلك " أو يقال: " كان هذا غير مذكى " وموضوع الدليل الاجتهادي قضية سا لبة المحمول، أي " لا بأس ببول الحيوان الذي لا يؤكل لحمه " وإحراز ذلك بذاك غير ممكن إلا بالاصل المثبت. وأما الاستصحاب الثاني، فتفصيله في محله (1)، وإجما له أن حرمة الحيوان قبل التذكية وحال الحياة غير واضحة، وقد اشتهر عن شيخ مشايخنا ترخيص بلع الشاة حية. وأما الاشكالات الاخر المتوجهة الى هذا الاستصحاب، فهي كلها قابلة للدفع. نعم، بناء على ما استظهرناه في موضوع الادلة في المقام لا ينفع الاستصحاب أيضا، لان الاستصحاب لا يثبت به إلا حال الشخص، وموضوع


1 - تحريرات في الاصول 8: 486 - 488.

[ 349 ]

الادلة هي المحرمات النوعية، فتأمل. إن قلت: قضية الادلة الاجتهادية حرمة كل حيوان إلا ما خرج بالدليل، فعليه ترتفع الشبهة الحكمية، ويصير الحيوان مما لا يؤكل لحمه، فالاصل الذي يتمسك به هي القاعدة الاجتهادية. وتوهم: أنه من التمسك بالعام في الشبهة المصداقية، في غير محله، بل هو من الشك في التخصيص، لان مورد الشبهة حيوان لم يعلم حكمه في الشرع مثلا، كالارنب. نعم، إذا كانت الشبهة الحكمية لاجل الشك في طرو الحرمة العرضية، فقضية الاستصحاب بقاء الحلية، وتصير النتيجة هي الطهارة. إلا أن في كفاية ذلك لاحراز عنوان الدليل لما مر إشكال. وعلى أي تقدير: جريان قاعدة الطهارة في هذه الصورة بلا مزاحم (1). قلت: هذه المسألة طويلة الذيل، وقد اختلفت كلماتهم، فالمعروف بين الاخباريين هي الحرمة، وفي خصوص اللحم أيضا هو المحكي عن جماعة عن الاصوليين ومنهم " العروة الوثقى " ولكنه مع ذلك اختار الطهارة (2)، وكأنه (قدس سره) اعتمد في حرمة اللحم على الاصل دون الدليل، كما لا يخفى. والذي يسهل الخطب: أن على تقدير دلالة الاخبار على حرمة كل حيوان - مع أن المعروف أيضا دلالة الاية الشريفة: (قل لا اجد في مآ


1 - مهذب الاحكام 1: 300. 2 - العروة الوثقى 1: 57، فصل في النجاسات، المسألة 3.

[ 350 ]

اوحي إلي...) (1) الى آخره، وكثير من المآثير على أصالة الحلية (2) - لا يمكن الحكم بالنجاسة، لما تقرر منا: أن الادلة اللفظية قاصرة عن إثبات نجاسة بول مطلق ما لا يؤكل لحمه (3)، فتكون القاعدة بلا مزاحم. وربما يشكل ثالثا: بأن قضية المطلقات نجاسة البول، وقد خرج منها بول ما يؤكل لحمه، وحيث يمكن إخراج مورد الشبهة عن تحت المخصص باستصحاب العدم الازلي، يتمسك بالاطلاق، فيلزم التفصيل بين البول والغائط عند الشك، لعدم الاطلاق في أدلته (4) كما عرفت. نعم يمكن الحاقه به للاجماع عليه، فتدبر. وتوهم: أن جريان الاستصحاب بحسب مقام الجعل، يختص بما إذا كان المشكوك فيه من الاحكام الالزامية، دون الترخيصية كالاباحة والحلية، فإنها غير محتاجة الى الجعل، بل يكفي في ثبوتها عدم الجعل (5)، فهو فاسد جدا، ضرورة أن عدم الحاجة الى الجعل لا ينافي شمول إطلاق دليل الجعل لمثله، فتكون الحلية مجعولة بعد إمكان جعلها. وهذا نظير عدم الحاجة في موارد حكم العقل بالاشتغال الى جعله، ولكنه مع ذلك يصح التمسك باستصحاب الاشتغال وجعل الشارع بعد


1 - الانعام (6): 145. 2 - وسائل الشيعة 25: 9، كتاب الاطعمة والاشربة، أبواب الاطعمة المباحة، الباب 1. 3 - تقدم في الصفحة 304. 4 - لاحظ دروس في فقه الشيعة 2: 302. 5 - دروس في فقه الشيعة 2: 303.

[ 351 ]

إمكانه، فلا تكن من الخا لطين. وأنت خبير بما فيه أولا: من قصور تلك الاطلاقات التوهمية، كما مضى سبيله (1). وثانيا: أن الاعدام الازلية لا تجري فيها الاصول إلا في مورد كان الاثر لنفس التعبد به، لا لامر آخر وراءه. وربما يشكل رابعا: بأن في الشبهات الموضوعية لابد من الاحتياط إذا كان تحصيل العلم بها سهلا، فإن أدلة الاصول تقصر عن شمول ذلك، لعدم استقرار الشك إلا مع عسر الاطلاع على الواقع. وهذه الشبهة محكية عن شيخنا العلامة الحائري (قدس سره) ولكنه (قدس سره) استثنى في باب النجاسات ذلك (2)، لصحيحة زرارة الناطقة بعدم لزوم النظر الى ثوبه لرفع ريبه (3). ولكنك تعلم: أنها كما لا تختص بنجاسة الدم من ثوب زرارة، كذا هي ليست تعبدا في الشبهات الموضوعية، بل هي - لمكان شمول الادلة وصدق الشبهة والشك - تعرضت لذلك، فالعرف لا يجد فارقا بين المواقف والموارد، فيعلم منها عدم قصور في أدلة الاصول.


1 - تقدم في الصفحة 313 و 322. 2 - لم نعثر عليه في هذه العجالة. 3 - تهذيب الاحكام 1: 421 / 1335، وسائل الشيعة 3: 402، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 7، الحديث 2.

[ 352 ]

وأما حال ما نسب الى " الجواهر " (1) في المسألة الاتية، وهي الشك في أن الحيوان ذو نفس سائلة، أم لا، فهو إشكال على جريان الاصول في الشبهات الموضوعية، ومخصوص بتلك المسألة، فلا تغفل. الفرع الرابع: بيان مقتضى الاصل العملي عند الشك في أنه ذونفس سائلة إذا لم يعلم: أنه من ذي نفس سائلة أم لا - بناء على اعتبار هذا القيد في نجاستهما - فحكمه يعلم مما مضى، والامر هنا أسهل، لعدم إمكان توهم أصل يقتضي الحرمة، لان المفروض حلية لحمه، ومشكوكية حال دمه. وأما الاشكال الصغروي: بأن كل حيوان حلال اللحم، له الدم السائل إذا كان بريا، فهو في غير محله كما لا يخفى. وأما ما أفاده " الجواهر " في المقام، فيظهر مما ذكره الاصحاب إيرادا عليه، فلا نطيل المقام بذلك الكلام، فراجع (2). وربما يتخيل أن استصحاب العدم الازلي، لا ينفع لاحراز عنوان العام بإخراج الفرد المشكوك عن عنوان الخاص، لان العنوان المجعول مخصصا لعموم ما دل على نجاسة البول والخرء، أمر عدمي لا وجودي، والاصل المزبور يفيد على الثاني لا الاول. بل قضية الاصل في الامر


1 - جواهر الكلام 5: 289، لاحظ دروس في فقه الشيعة 2: 300. 2 - مستمسك العروة الوثقى 1: 295، دروس في فقه الشيعة 2: 300.

[ 353 ]

العدمي، هو الخروج عن تحت العام، والدخول تحت الخاص، فلاحظ (1). وفيه أولا: لو كان الامر كما قيل لكان هذا معينا، ولا نحتاج الى إجراء قاعدة الطهارة حتى يشكل جريانها في الشبهة الحكمية. وثانيا: الامر العدمي بحسب الواقع ونفس الامر، لا يعقل أن يكون مورد الحكم إلا بنحو يرجع الى المعنى الوجودي. وبعبارة اخرى: العناوين العدمية مشيرة الى خصوصيات وجودية. نعم، إذا كان العنوان العدمي مأخوذا في الدليل، فلابد من تبعيته، ولكن الامر هنا ليس كذلك، لما عرفت: من أنه لا دليل شرعي لفظي على اعتبار هذا القيد في نجاسة البول والغائط (2)، فعليه يمكن قلب هذا العنوان العدمي الى الوجودي، ثم إجراء الاصل. والذي يسهل الخطب، عدم تمامية كبرى هذه المسألة - على ما تقرر منا في محله - إلا في صورة واحدة اشير إليها، وتفصيلها في محلها (3). ثم اعلم: أنه سيأتي في ذيل مباحث المني ما به يتم مباحث هذه المسألة، فراجع (4).


1 - دروس في فقه الشيعة 2: 316. 2 - تقدم في الصفحة 299 و 318. 3 - تحريرات في الاصول 7: 101 - 102 و 8: 55 - 56. 4 - يأتي في الصفحة 356.

[ 354 ]

تذنيب: في حكم الرجيع المردد هذا تمام الكلام فيما تردد الامر في الحيوان. وأما لو تردد الامر في رجيعه بأنه رجيع المحرم، أو المحلل، أم السائل، أو غير السائل، فجريان قاعدة الطهارة بلا معارض. وأما توهم استصحابها فهو مشكل، لعدم العلم بالحالة السابقة. مع لحاظ حفظ الموضوع وحدة وعنوانا، ومع الشك في انحفاظ الموضوع أيضا يتعين القاعدة. وهكذا إذا تردد أنه من الارنب أو الشاة، وتردد في حكم الارنب، فإن البناء على حرمته لا يقتضي نجاسته. إيقاظ: حول ثبوت النفس السائلة للحية والتمساح قد تعرض الاصحاب (رحمهم الله) لحال الحية والتمساح، واختلفت كلماتهم في أنهما من ذوات النفس أم لا (1). والمحكي عن الشهيد أن جميع الحيوانات البحرية غير ذات النفس، واستشكل الاخرون في ذلك (2)، مع أن في " حياة الحيوان " أن للحية مائتي لغة، ولها الاصناف الكثيرة (3).


1 - مدارك الاحكام 1: 93، مستمسك العروة الوثقى 1: 296، دروس في فقه الشيعة 2: 317. 2 - جواهر الكلام 5: 296، العروة الوثقى 1: 57 - 58، فصل في النجاسات، المسألة 4. 3 - حياة الحيوان، الدميري 1: 391.

[ 355 ]

وعن " المبسوط " في خصوص الافاعي: " أنها إذا قتلت نجست " (1). وفي " المعتبر " و " المنتهى ": " أنها من ذوات النفس، وأن ميتتها نجسة " (2) انتهى. وحيث إن التمساح من ذوات الناب، فكأنه من السباع البحرية، فيبعد أن لا يكون له دم سائل. وربما يستظهر أن الحيوانات التي تأكل اللحوم بالخضم من ذوات النفس، بخلاف الحيوانات التي تبلع الحيوان وإن كانت برية، كالحية ونحوها، والله العالم. وفي نجاسة هذه الانواع خلاف ظهر مما مر، فإن من يقول: بأن مجرد حرمة الاكل كاف في الحكم بالنجاسة في مخلص، كما أن الذي اختار ما ذكرناه - من أن الادلة قاصرة عن إثبات نجاسة رجيع كل حيوان ذي نفس، بل المقدار الثابت منه ما تعارف منه في البلاد، فمثل التمساح وأمثاله وإن كانت ذات نفس، يشكل نجاسة رجيعها. وإطلاق معاقد الاجماعات مسلم، ولكنه مستند الى الاطلاقات التوهمية للاخبار والماثير، كما لا يخفى - في مخلص أيضا. وحيث لا يجب الفحص والاحتياط في الشبهات الموضوعية، فالمشهور أيضا يرجعون الى القاعدة، فلا خير في تعقيب هذه المسألة جدا.


1 - المبسوط 2: 186. 2 - المعتبر 1: 75، منتهى المطلب 1: 16 / السطر 20.

[ 356 ]

الثالث: المني وفي نجاسته من الحيوان النجس العين اتفاق من المسلمين، ولما كانت المسألة في سائر الصور مورد الاشكال والخلاف بينهم، فلا بأس بتنقيحها ضمن مسائل: المسألة الاولى: في حكم مني الادمي مني الادمي فإنه نجس بالضرورة، ولا يحتاج الى رواية، وهو القدر المتيقن من المآثير (1)، وقد خا لفنا من المخالفين الشافعي فقال: " إنه من الادمي طاهر " وهذا هو قوله في الجديد، وفي القديم ذهب الى نجاسته (2)، والحنابلة على ما في المجلد الاول من " الفقه على المذاهب الاربعة " (3) وهو اشتباه لذهاب أحمد في إحدى الروايتين الى طهارته، كما في " المعتبر " و " التذكرة " (4). وبالجملة: الطهارة قول سعد بن أبي وقاص، وابن عمر (5).


1 - وسائل الشيعة 3: 423، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 16. 2 - المجموع 2: 553 / السطر 15، منتهى المطلب 1: 161 / السطر 23. 3 - الفقه على المذاهب الاربعة 1: 13. 4 - المعتبر 1: 415، تذكرة الفقهاء 1: 53. 5 - المجموع 2: 554 / السطر 4.

[ 357 ]

وأما استفادة النجاسة من إيجاب الاعادة، كما في كلمات جمع (1)، أو استفادة الطهارة من الاخرين بعدم إيجاب إعادة الصلاة (2)، فهو ممنوع كما هو الظاهر. فعد نجاسة المني من الادمي من ضروريات الاسلام (3)، لا يخلو عن غباوة. وربما يشكل نجاسته، لعدم نص يدل عليه إلا الاخبار الامرة بالغسل والازا لة، وهي - بعد إمكان كونها لاجل مانعيته في الصلاة، وأن الاجزاء الصغار منه لا تزول بالدلك - لا تدل عرفا على النجاسة المقصود إثباتها. هذا مع توهم دلالة بعض الاخبار على طهارته (4)، كرواية زيد الشحام المروية في " الوسائل " (5) ورواية أبي اسامة زيد الشحام في " الجامع " (6) وغيرهما (7) مما يشعر بذلك، لاجل أن مجرد إصابة المطر والبل ذلك، لا يكفي للطهارة على ما تقرر في ماء المطر، فلاحظ (8) وتدبر.


1 - دليل العروة الوثقى 1: 328، دروس في فقه الشيعة 2: 319. 2 - الفقه على المذاهب الاربعة 1: 13. 3 - التنقيح في شرح العروة الوثقى 1: 491. 4 - الحدائق الناضرة 5: 34. 5 - الكافي 3: 53 / 5، وسائل الشيعة 3: 446، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 16، الحديث 7. 6 - جامع أحاديث الشيعة 2: 95 / 10. 7 - تهذيب الاحكام 1: 421 / 1332، وسائل الشيعة 3: 446، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 27، الحديث 7. 8 - تقدم في الجزء الاول: 401.

[ 358 ]

وأما دعوى حملها على التقية (1)، فهي ساقطة، لاختلاف عصري الصادق (عليه السلام) ومن قال من العامة بالطهارة وهو الشافعي، وخصوصا مع مخا لفته مع أبي حنيفة (2)، فما ترى في بعض الكتب محمول على القصور (3)، ولاسيما مع ملاحظة ما في ذيل كلامه. وأما ما أفاده الاخر: من أن هذه المآثير دالة على النجاسة، لما يعرف منها مفروغيتها (4)، فهو غير بعيد ذاتا، ولكنه بعد لا يخلو من شبهة، فتدبر. وما قد يقال (5) بدلالة مرسلة شبيب بن أنس المشتملة على قول الصادق (عليه السلام) لابي حنيفة: " أيهما أرجس؟ " ودلالة رواية " العلل " عن الفضل بن شاذان، عن الرضا (عليه السلام) المشتملة على قوله: " وإنما امروا بالغسل من الجنابة، ولم يؤمروا بالغسل من الخلاء وهو أنجس من الجنابة وأقذر " المرويتين في أبواب الجنابة الباب الثاني (6)، فهو قريب، ولكنه لا يتم، لاحتمال إرادة الرجس بمعنى الاخر في الاولى، واحتمال كون التفصيل فرضيا، كما هو المتعارف في الاستعمال: ففي رواية " الدعائم " قوله: " أيهما أطهر المني أو البول؟ " قال:


1 - مصباح الفقيه، الطهارة: 521 / السطر 24، دروس في فقه الشيعة 2: 320. 2 - المجموع 2: 554 / السطر 5. 3 - دروس في فقه الشيعة 2: 322. 4 - مهذب الاحكام 1: 302. 5 - لاحظ الطهارة، الامام الخميني (قدس سره) 3: 39. 6 - علل الشرائع: 90 و 257، وسائل الشيعة 2: 179 - 180، كتاب الطهارة، أبواب الجنابة، الباب 2، الحديث 4 و 5.

[ 359 ]

المني (1). مع أن مطلق الخلاء ليس أنجس من المني. والذي يسهل الخطب ما ذكرناه، من عدم حاجة المسألة الى الرواية (2)، بل كلما ازدادت على طهارته ازداد فيها الضعف والفتور. نعم، في أبواب حرمة القياس، عن محمد بن مسلم قال: " يا أبا حنيفة، الغائط أقذر أم المني؟ ". قال: بل الغائط (3). وفي أبواب المياه رواية أبي بصير قال: " فإن أدخلت يدك في الاناء وفيها شئ من ذلك " أي قذر بول أو جنابة " فأهرق ذلك الماء " (4). وغير ذلك في الابواب المتفرقة روايات تشهد على المدعى، فراجع " جامع الاحاديث " (5). ولا شبهة في أن المراد من " الجنابة " في هذه المآثير إما ينحصر بمني الانسان، أو يكون هو القدر المتيقن كما لا يخفى. وأيضا غير خفي: أن إثبات نجاسة مني المرأة بمثل ما مر، دونه


1 - دعائم الاسلام 1: 91، مستدرك الوسائل 1: 450، كتاب الطهارة، أبواب الجنابة، الباب 2، الحديث 2. 2 - تقدم في الصفحة 356. 3 - الاختصاص: 189، مستدرك الوسائل 17: 266، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 6، الحديث 36. 4 - الكافي 3: 11 / 1، وسائل الشيعة 1: 152، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 8، الحديث 4. 5 - جامع أحاديث الشيعة 2: 93.

[ 360 ]

خرط القتاد. المسألة الثانية: في حكم مني ما لا يؤكل لحمه وله نفس سائلة المني من كل حيوان ذي نفس سائلة مما لا يؤكل لحمه، نجس عندنا حسب الاجماعات المحكية (1)، وقضية إطلاق معاقدها أنه منه نجس، من غير فرق بين ما تعارف منه في البلاد، وما كان خارجا عنه، كالسباع البعيدة، والحيوانات البحرية. والمخا لف في هذه المسألة هو الشافعي، فإن له في غير الادمي ثلاثة أقوال، منها طهارته (2)، ولم يظهر لي من وافقه منهم إلا أحمد، فإن الظاهر أنه في إحدى روايتيه قال بطهارته (3)، فليست المسألة ضرورية في الاسلام. بل واختلاف أقوال هؤلاء الجهلة، شاهد على أن المسألة ما كانت ضرورية في أعصارهم. وربما يشكل نجاسته، لاجل الاشكال في دليله، وانحصار المستند في الاجماع المعلوم سنده، وذلك لان ما يدل على نجاسة المني، مورد الخدشة من جهات: فتارة: ما أفاده " المدارك " من انصرافها الى مني الانسان (4).


1 - تذكرة الفقهاء 1: 53، مفتاح الكرامة 1: 136 / السطر 26. 2 - تذكرة الفقهاء 1: 53، المجموع 2: 555. 3 - بداية المجتهد 1: 84. 4 - مدارك الاحكام 2: 266.

[ 361 ]

واخرى: ما أفاده " الجواهر " من أن المتبادر - لاجل كلمة " الثوب " ولندرة الوجود - مني الانسان (1). وثالثة: ما ذكرناه من أن معتبر محمد بن مسلم في الباب السادس عشر وغيره المشتمل على ذكر المني (2)، ليس في مقام بيان حكم المني من حيث نجاسته ولا نجاسته، بل كلها في مقام بيان أمر آخر، من أشدية نجاسة البول على نجاسة المني، ومن لزوم غسل كل ما يصيبه المني، وذلك لان نجاسته الاجما لية كانت واضحة في عصر هذه الاخبار، فلا حاجة الى السؤال عن تلك الجهة. ورابعة: ما أفاده " القاموس " بل و " الصحاح " " من أن المني ماء الرجل والمرأة، أو هو ماء الرجل فقط " (3) فلا يتم الاطلاق السكوتي أيضا. فبالجملة: يحصل من هذه الامور بأجمعها، أن الاطلاق لهذه المآثير غير واضح، وحيث كان المجمعون مستندين إليها فلا سند لهم غيرها، فيرجع الى الاصول بعد هذا القصور. وما ترى من تصدي السيد المحقق الوالد - مد ظله - لاثبات الاطلاق بكثرة وجود المني من الحيوانات مورد الابتلاء (4)، لا يفي لاثبات ذلك، ولا يندفع به جميع ما سبق منا.


1 - جواهر الكلام 5: 290. 2 - تهذيب الاحكام 1: 252 / 730، وسائل الشيعة 3: 424، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 16، الحديث 2. 3 - القاموس المحيط 4: 394، الصحاح 6: 2497. 4 - الطهارة، الامام الخميني (قدس سره) 3: 38.

[ 362 ]

المسألة الثالثة: في حكم مني ما يؤكل لحمه مما له نفس سائلة مني ما يؤكل لحمه وله الدم السائل نجس عند أصحابنا، وعليه الاجماعات الكثيرة (1)، وهو مقتضى الاطلاقات في المسألة الاولى بناء على تماميتها. والمخالف من المخالفين أيضا هو الشافعي (2). وهو قضية منطوق موثق عمار عنه (عليه السلام) قال: " كل ما اكل لحمه فلا بأس بما يخرج منه " (3). ومعتبر ابن بكير في أبواب لباس المصلي، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث قال: " إن كان مما يؤكل لحمه فالصلاة... " الى قوله: " وكل شئ منه جائز... " (4). ولو استشكل في الاولى: بظهورها في البول والغائط، لخروج مثل الدم عنه (5)، وفي الثانية: بعدم دلالتها على الطهارة، لاحتمال كونها في


1 - مدارك الاحكام 2: 265، مفتاح الكرامة 1: 136 / السطر 26، مستمسك العروة الوثقى 1: 296. 2 - المجموع 2: 555. 3 - تهذيب الاحكام 1: 266 / 781، وسائل الشيعة 3: 409، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 9، الحديث 12. 4 - الكافي 3: 397 / 1، وسائل الشيعة 4: 345، كتاب الصلاة، أبواب لباس المصلي، الباب 2، الحديث 1. 5 - جواهر الكلام 5: 292، الطهارة، الامام الخميني (قدس سره) 3: 40.

[ 363 ]

مقام بيان الحكم الحيثي (1)، لامكن الاشكال في بعض المطلقات السابقة أيضا: بأنها قاصرة عن إثبات نجاسة مني الحيوان الطاهر بوله وخرؤه، وخصوصا معتبر ابن مسلم قال: " ذكر المني وشدده، وجعله أشد من البول " (2) فإنه لا معنى لاشدية المني - من الحيوان الطاهر بوله - من بوله. فيعلم من ذلك: أن هذه القضية مجملة، وليست في مقام إثبات أشدية طبيعة على طبيعة، حتى يلزم نجاسة المني الصناعي والبول الصناعي، كما يأتي تفصيله (3). ثم إنه لو فرضنا الاطلاق للطائفتين، فإن لاحظنا الطائفة الدالة على نجاسة المني بالظهور العرفي، فيمكن الجمع بينها وبين هذه الطائفة. وإذا لاحظناها مع ما يدل على نجاسته بالنص كما مر (4)، فالجمع مشكل، لان النسبة عموم من وجه، ضرورة أن معنى موثق عمار: " كل ما اكل لحمه فلا بأس بما يخرج منه " (5) وهو أعم من عنوان " المني " والمني أعم منه أيضا، لشمول دليله لمني ما لا يؤكل لحمه. فما ترى من توهم: أن مع قبول إطلاق هذه الطائفة، كان المتعين


1 - دروس في فقه الشيعة 2: 326. 2 - تقدم في الصفحة 361. 3 - يأتي في الصفحة 369 - 370. 4 - تقدم في الصفحة 359. 5 - تهذيب الاحكام 1: 266 / 781، وسائل الشيعة 3: 409، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 9، الحديث 12.

[ 364 ]

القول بالطهارة في هذه المسألة (1)، لا يخلو من تأسف. وما أفاده العلامة الوالد - مد ظله - من حكومة هذه الطائفة، أو تقدمها بنحو الاجمال (2)، غير وجيه أيضا. نعم، يمكن دعوى: أن مع حفظ لسان الرواية، يمكن تقديم العرف هذه الطائفة، ضرورة أنه إذا فرضنا دلالة الطائفة الاولى على أن المني مما يؤكل وما لا يؤكل نجس، وكان في الطائفة الثانية ما يدل على الطهارة بهذا التعبير: " كل ما اكل لحمه فلا بأس بما يخرج منه " فإن ما يخرج منه من توابع الحكم عرفا، وتكون النسبة بين الموضوعين عموما مطلقا، فعليه لابد من حفظ لسان الاخبار، ويعلم منه عدم جواز نقل المعاني بالالفاظ الاخر، لاختلاف فهم العقلاء في الجمع، فليتدبر. ولو أشكل الامر جمعا، فالمرجع هي الطهارة. ولعمري إن الافتاء بالنجاسة حسب هذه الاجماعات، مشكل جدا. المسألة الرابعة: في حكم مني ما ليست له نفس سائلة مني ما لا نفس له فيه قولان، فالمشهور بين القدماء حسب الاطلاقات هي النجاسة (3)، وقد خالفهم المحقق (4)، ولعله أول من تعرض


1 - دروس في فقه الشيعة 2: 326. 2 - الطهارة، الامام الخميني (قدس سره) 3: 40. 3 - الانتصار: 15، المبسوط 1: 36، الغنية، ضمن الجوامع الفقهية: 488 / السطر 36. 4 - شرائع الاسلام 1: 43.

[ 365 ]

لخصوص هذه المسألة، وتبعه جمع آخر من الاعلام (1). وربما يشكل في إطلاق معاقد الاجماعات تارة: بأنها في قبال فتوى العامة القائلين بالطهارة مثلا (2). واخرى: باستدلالهم بالاية الشريفة (3) التي تعرضنا لحدودها في مباحث المياه (4)، وهي على فرض دلالتها على نجاسة المني، تكون أخص من المدعى (5). ولو فرضنا تمامية المعاقد إطلاقا، خصوصا معقد " الخلاف " (6) بل ومعقد إجماع السيد وابن زهرة (7)، فلا نسلم حجيته في المقام، لان مستندهم - قويا - ينحصر بالاخبار، ولا نص عندهم وراء ذلك، وليست المسألة واضحة كليتها حتى يقال: بأنها من الاصول المتلقاة، فما ترى من جد السيد الوالد - مد ظله - لاثبات إطلاق المعقد (8)، غير واف بالمطلوب. ثم إنه لا فرق فيما لا نفس له بين أن يكون ذا لحم، أو بلا لحم.


1 - تذكرة الفقهاء 1: 55، ذكرى الشيعة: 13 / السطر 12، مفتاح الكرامة 1: 137 / السطر 5. 2 - جواهر الكلام 5: 292. 3 - الانفال (8): 11. 4 - تقدم في الجزء الاول: 25 - 26. 5 - مشارق الشموس: 301 / السطر 24. 6 - الخلاف 1: 489. 7 - الانتصار: 16، الغنية، ضمن الجوامع الفقهية: 488 / السطر 36. 8 - الطهارة، الامام الخميني (قدس سره) 3: 41.

[ 366 ]

ومما يؤيد الطهارة هنا، طهارة بوله وخرئه ودمه وميتته. نعم، قد مر الاشكال في ذي اللحم المحرم مما لا نفس له (1)، ولكنه منحل بما عرفت بما لا مزيد عليه. وربما يتمسك كما عرفت سابقا (2)، بروايات الباب الخامس والثلاثين، ومنها: معتبر عمار الساباطي قال (عليه السلام) في ذيله: " كل ما ليس له دم فلا بأس " (3). والعدول عن خصوصية السؤال وهو الميتة، يؤكد العموم على ما تقرر. ومنها غير ذلك (4). والتمسك في غير محله، كما مر مرارا. ولو صح التمسك كان الاولى الاستدلال بذيل الحديث المزبور المحذوف فيه الضمير المشير حذفه الى إفادة عموم الاجزاء في المنطوق، فيكون الحكم في المفهوم كذلك مثلا. وأما قوله: " لا يفسد الماء إلا ما كانت له نفس سائلة " فهو ظاهر في أن الفساد مستند الى جثمان ذي النفس وجرثومته، لا جزئه البولي أو المنوي منه، ولذلك ذكر الاصحاب هذه المآثير في باب نجاسة الميتة، فلا تخلط.


1 - تقدم في الصفحة 298 - 299. 2 - نفس المصدر. 3 - تهذيب الاحكام 1: 230 / 665، وسائل الشيعة 3: 463، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 35، الحديث 1. 4 - تهذيب الاحكام 1: 231 / 669، وسائل الشيعة 3: 464، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 35، الحديث 2.

[ 367 ]

إيقاظ: حول حكم مني الصبي غير البالغ قضية ما مر من قصور الادلة عن إثبات نجاسة كل مني، ومقتضى ما في " القاموس " و " الصحاح ": " من أن المني ماء الرجل والمرأة، أو هو ماء الرجل " (1) الاشكال في نجاسته من الصبي كالمرأة، على ما اشير إليه في المسألة الاولى (2)، فلو فرضنا خروج المني من الصغير لعلة ومرض - كالفتور المستولي على الاعضاء - فإنه ليس من علائم البلوغ مطلقا، فإنه في نجاسته إشكال وشبهة، وما في " مفتاح الكرامة ": " من أن تفسيرهما محمول على التمثيل " (3) غير وجيه إلا في بعض الالفاظ. اللهم إلا أن يقال: هو لازم الغاء الخصوصية، فتأمل. بحث وتفصيل: اشتراط الخروج من المخرج الطبيعية وبالنحو المتعارف كما يشترط في نجاسة البول والغائط كونهما من محرم الاكل، وفي نجاسة المني كونه من ذي النفس، على ما هو المشهور والمعروف، فهل يشترط كون الثلاثة من المخرج الطبيعي، وكونها بنحو الخروج المتعارف، أم لا؟


1 - القاموس المحيط 4: 394، الصحاح 6: 2497. 2 - تقدم في الصفحة 358 - 359. 3 - مفتاح الكرامة 1: 137 / السطر 3.

[ 368 ]

وتظهر الثمرة فيما تعارف في عصرنا من أخذ المني بتوسط الابرة من مخزنه، ومن إخراج البول من المخارج غير الطبيعية خروجا غير طبيعي. ظاهر الاصحاب (رحمهم الله) هو الثاني. ويشكل ذلك: بأن إطلاق كلماتهم ومعاقد إجماعاتهم، ممنوع من بعض الجهات الماضية، فضلا عن هذه الجهة الحادثة. مع أن مستند إطلاقه إطلاق الاخبار، وقد عرفت الشهبة فيه مرارا (1). هذا مع أن الظاهر من موثقة عمار الماضية (2)، أن نفي البأس مخصوص بما يخرج، لا بما يخرج بالاخراج الصناعي قال: " كل ما اكل لحمه فلا بأس بما يخرج منه ". وبالجملة: إن قلنا بنجاستها في الباطن - كما عرفت منا قوة ذلك (3) - فلا فرق بين الصورتين، وإن قلنا بطهارتها ففي نجاستها هنا إشكال قوي. وتوهم دلالة هذه الموثقة على أن البأس مخصوص بالخارج، مدفوع بأن صيغة المضارع تفيد الشأنية، ولا يلزم فعلية الخروج في ثبوت البأس، فلا تخلط. بل هي للاستدلال بها على نجاستها في الباطن أولى وأحسن، كما لا يخفى.


1 - تقدم في الصفحة 365. 2 - تقدم في الصفحة 362. 3 - تقدم في الصفحة 340 - 341.

[ 369 ]

المسألة الخامسة: في حكم البول والغائط والمني الصناعية لا شبهة في أن الابوال والغائط الصناعية طاهرة، لما يظهر من الاخبار أنهما مما لا يؤكل لحمه نجس، فيكون من شرائط نجاستهما كونهما من الحيوان. وتوهم: أن قوله (عليه السلام): " اغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل لحمه " (1) وإن كان ظاهرا في القضية الموجبة السالبة المحمول، أو الموجبة المعدولة، أو السالبة المحصلة المفروض موضوعها، ولكن الصناعة قاضية بأنها من السالبة المحصلة المجامعة مع انتفاء الموضوع، فإذا خلقت الابوال والغائط بالمكائن، فهي مما لا يؤكل لحمه وإن كان لعدم اللحم له. في غير محله كما ترى. مع أنه لو سلمنا ذلك فعند المشهور يعتبر كونهما من ذي النفس، وهو لا يصدق. اللهم إلا أن يلغى هذا الشرط، كما عرفت الاشكال فيه (2). وأما الاشكال في صدق " البول " عليها بل و " الغائط " بعد كونهما مثل ما يخرج من الحيوان في جميع الجهات، فهو مندفع با لتبادر والعرف. هذا حكم الرجيعين.


1 - الكافي 3: 57 / 3، وسائل الشيعة 3: 405، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 8، الحديث 2. 2 - تقدم في الصفحة 299 و 318.

[ 370 ]

وأما المني الصناعي فربما يقال بنجاسته، لاطلاقات ادعاها جماعة من الافاضل في خصوصه، كما عرفت (1)، فكما لا يخص ذلك بالانسان كذلك الامر هنا، وكما يحمل كلام اللغويين على التمثيل هناك، يحمل عليه هنا. اللهم إلا أن يقال: بشرطية كونه من ذي النفس في نجاسته، وقد مضى أنه شرط اختلقه المتأخرون، كالمحقق ومن تبعه، فلاحظ (2) وتدبر جيدا. المسألة السادسة: في حكم المني وهو في الباطن قضية ما مر في البحث السابق، نجاسة المني ولو كان في الباطن، لعدم الخصوصية عرفا، والاشكال عليها بجوابه يأتي هنا أيضا. ثم إنه على تقدير طهارته، يشكل الحكم بنجاسته إذا خرج بطريق غير متعارف، كما هو الممكن ويتفق في هذا العصر أحيانا. تذنيب: في حكم المذي والوذي والودي المذي والوذي والودي طاهر كلها عند أصحابنا، وعليه الاجماعات المحققة والمنقولة (3)، ولنعم ما أفاده العلامة في " المختلف " وهو قد يعد دليلا خامسا في الفقه، وقد اشتهر في هذه الاعصار الاستدلال به، فقال بعد


1 - تقدم في الصفحة 363. 2 - تقدم في الصفحة 364. 3 - تذكرة الفقهاء 1: 54، جواهر الكلام 5: 293، دروس في فقه الشيعة 2: 327.

[ 371 ]

الاستدلالات المختلفة: " ولانه مما يعم به البلوى، فلو كان نجسا لكان حكمه منقولا بالتواتر " انتهى. وفي كونه شديد الابتلاء إشكال. وقال أحمد بن الجنيد المتوفى سنة (381 ه‍): " ما كان من المذي ناقضا لطهارة الانسان، غسل منه الثوب والجسد، ولو غسل من جميعه كان أحوط " (1). ويظهر منه على ما هو المحكي، أنه جعل المذي ما خرج عقيب شهوة. وفي " الخلاف ": " هذا هو قول جميع الفقهاء " (2). وهو المحكي عن الكتب الفقهية الاخرى منهم (3). واستثنى في " المعتبر " مالكا في أحد قوليه (4)، وفي " التذكرة " أحمد في إحدى روايتيه (5)، وأصحابنا أعرف بفتوى المخالفين منهم. وبالجملة: المسألة بحسب الفتوى بين شهرتين: شهرة الخاصة على الطهارة، وشهرة العامة على النجاسة، فلو كانت رواية عن الائمة المعصومين (عليهم السلام) المعاصرين لتلك الشهرة، فهي قابلة للحمل على التقية. ومن العجيب أن فتواهم بالنجاسة في هذه الثلاثة أشهر، ومورد الاتفاق كما اشير إليه، وفي المني من يقول منهم بطهارته!! بل ربما يظهر من


1 - مختلف الشيعة: 57 / السطر 16 - 22، تذكرة الفقهاء 1: 54. 2 - الخلاف 1: 118. 3 - دروس في فقه الشيعة 2: 328. 4 - لم نعثر عليه لعله من سهو القلم والصحيح أحمد في إحدى روايتيه، المعتبر 1: 417. 5 - تذكرة الفقهاء 1: 54.

[ 372 ]

بعض العبارات أن الشافعي كان يقول بطهارة مني الحيوان النجس العين، لاستثنائه الكلب والخنزير في بعض أقواله دون بعض (1)، وإذا كان هؤلاء متصدين للافتاء فلا يحصل منهم إلا منع السماء بركتها، كما في الرواية (2) ومن ذلك ما في " الفقه على المذاهب الاربعة " قال: " الحنفية قا لوا: إن ما يسيل من البدن غير القيح والصديد، إن كان لعلة ولو بلا ألم فنجس، وإلا فطاهر، وهذا يشمل النفط، وهي القرحة التي امتلات وحان قشرها، وماء السرة، وماء الاذن، وماء العين، فالماء الذي يخرج من العين المريضة نجس ولو خرج من غير ألم، كالماء الذي يسيل بسبب الغرب، وهو عرق في العين يوجب سيلان الدمع بلا ألم " (3) انتهى. ثم إن المذي: هو الماء الخارج عقيب الثوران والشهوة. والودي: ما يخرج عقيب البول. والوذي: ما يخرج من الادواء، كما عن مرسل ابن رباط (4). فبالجملة: كل ما يخرج من الانسان والحيوان حسب القواعد طاهر، إلا البول والغائط على ما مر، والمني إجمالا، والدم على ما يأتي، فلا حاجة الى الادلة الخاصة والصريحة في طهارة الثلاثة، ولقد مر أنه


1 - المجموع 2: 555 / السطر 9. 2 - الكافي 5: 290 / 6، وسائل الشيعة 19: 119، كتاب الاجارة، الباب 17، الحديث 1. 3 - الفقه على المذاهب الاربعة 1: 12. 4 - تهذيب الاحكام 1: 20 / 48، وسائل الشيعة 1: 278، كتاب الطهارة، أبواب نواقض الوضوء، الباب 12، الحديث 6.

[ 373 ]

لو كانت هي نجسة، لبانت نجاستها، ولتواترت قذارتها (1). وتوهم نجاستها العرضية، لملاقاتها مجرى البول والمني (2)، غير سديد، لما عرفت من طهارة المجاري (3)، ولما انه اتحاد المجرى غير واضح، بل قيل باختلافه. ثم اعلم: أن الروايات متظافرة على طهارتها نصا، وهي كثيرة ربما تبلغ حد التواتر، ومتشتتة في الابواب المتفرقة (4)، فلو سلمنا دلالة طائفة على نجاستها، فهي بالنسبة الى ذاك محجوجة من جهات عديدة، وجميع المرجحات والمميزات متفقة على الاخذ بهذه الطائفة، مع أنها قاصرة دلالة، وقابلة للجمع العقلائي مع غيرها. مع أن في سند ما يدل على النجاسة إشكالا، لوجود الحسين بن أبي العلاء فيه، ونحن وإن ذكرنا اعتباره حسب بعض القرائن العامة (5)، ومما يمكن أن يقال في المسألة: إن لهذا الرجل نسبه خاص معين، روايات ثلاثة كلها عن أبي عبد الله (عليه السلام) (6) والمسؤول عنه فيها واحد حسب الظاهر وهذا يورث الاستبعاد فيكون احتمال الاشتباه قويا جدا.


1 - تقدم في الصفحة 370 - 371. 2 - لاحظ التنقيح في شرح العروة الوثقى 1: 498. 3 - تقدم في الصفحة 343. 4 - تهذيب الاحكام 1: 19 / 47، وسائل الشيعة 1: 270، كتاب الطهارة، أبواب نواقض الوضوء، الباب 9، الحديث 2 و 276 - 286، الباب 12 و 13، وسائل الشيعة 3: 427، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 17، الحديث 5. 5 - لعله (قدس سره) ذكره في فوائده الرجالية وهي مفقودة. 6 - وسائل الشيعة 3: 426، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 17، الحديث 2 و 3 و 4.

[ 374 ]

فقوله في بعضها: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المذي يصيب الثوب. قال: " إن عرفت مكانه فاغسله، وإن خفي مكانه عليك فاغسل الثوب كله " (1) محمول على أن المسؤول عنه هو المني، ولقرب اللفظتين كتابة أو لامر آخر، اشتبه على النساخ والقارئين. ومما يشهد لذلك: أن هذا الجواب بهذه الطريقة مذكور في روايات المني مرارا (2)، فراجع. وأما روايته الاخيرة المشتملة على الامر بالغسل وعدم التوضي (3)، فهي مخا لفة للكل من فرق المسلمين، لما يرون الملازمة كما في بعض أخبارنا، فلا تحمل هي على التقية (4)، ولكنها لمكان قوله: " فيلتزق به " أمره بالغسل استحبابا لشواهد عرفت، والله العالم.


1 - تهذيب الاحكام 1: 253 / 731، وسائل الشيعة 3: 426، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 17، الحديث 3. 2 - وسائل الشيعة 3: 423 - 426، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 16. 3 - وسائل الشيعة 3: 427، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 17، الحديث 4. 4 - كما احتمله صاحب الوسائل (رحمه الله)، راجع نفس المصدر، ذيل الحديث.

[ 375 ]

الرابع: الميتة فإنها عند أصحابنا (1) بل وعند المخالفين نجسة، إلا الشافعي في أحد قوليه (2). وقال في " المعتبر ": " الميتة مما له نفس سائلة نجسة، وهو إجماع الناس، والخلاف في الادمي، وعلماؤنا مطبقون على نجاسة عينه، كغيره من ذوات الانفس السائلة. وقال الشافعي في الاصح عندهم: هو طاهر تكرمة له إكراما، ولانه لو كان نجس العين لما طهر بالغسل " (3) انتهى. فيعلم من ذلك اتفاق جميع المذاهب على نجاستها من غير الادمي، وأما حكم الادمي فيأتي في محله إن شاء الله تعالى. ومن عدم تعرض السيد والشيخ في " الانتصار " و " الخلاف " والعلامة في " المختلف " لحكم أصل المسألة، يعلم اتفاقية ذلك عندهم وعندنا. فبالجملة: كانت المسألة عند الكل واضحة، حتى وصلت نوبة الاجتهاد الى علمين من عشيرة واحدة: " المدارك " و " المعالم " فاستشكل


1 - منتهى المطلب 1: 164 / السطر 2، مشارق الشموس: 309 / السطر 26، مستند الشيعة 1: 160. 2 - المجموع 2: 560. 3 - المعتبر 1: 420.

[ 376 ]

الثاني في دلالة الاخبار وسند ما يدل، وقال: " إن الدليل ينحصر بالاجماعات المحكية " (1). والاول في الكل وقال: " والمسألة قوية الاشكال وأنه لم يقف على نص يعتد به يدل على النجاسة، ثم استظهر أن عدم التنجيس مذهب الصدوق، لانه روى مرسلة تدل على الطهارة، وهو يعمل بمراسيله، لانها حجة عنده على ما صرح في أول الكتاب " (2). بل قد صرح في " الخاتمة " بأن مراسيله كمراسيل ابن أبي عمير (3)، وما قيل: " من أنه لم يف بعهده " (4) من الباطل الذي لا شاهد عليه. هذا، ولقد اختار ذلك في " المقنع " (5) أيضا، فراجع. هذا، واعترض عليه الاصحاب تارة: بأن المسألة غير محتاجة الى الدليل اللفظي واللبي، بل الحكم من الضروريات الواضحة، وعليه السيرة العملية، فكما أن الاحكام الواضحة لا تحتاج الى الرواية والاجماع، هكذا هي، لما أنها منها، ولذلك تكون الروايات كلها - إلا ما شذ - في مقام إفادة الامر الاخر، بعد مفروغية النجاسة عند السائل في الجملة (6).


1 - لاحظ مشارق الشموس: 309 / السطر 29. 2 - مدارك الاحكام 2: 268. 3 - مستدرك الوسائل (الخاتمة) 3: 547 / السطر 9. 4 - الطهارة، الشيخ الانصاري (الطبعة الحجرية): 340 / السطر 18، الطهارة، الامام الخميني (قدس سره) 3: 50. 5 - المقنع: 18. 6 - جواهر الكلام 5: 300.

[ 377 ]

وقيل: " ليس في الفقه في الفرعيات ما يشبه هذا الفرع في الاتفاق والاجماع، وفي كثرة الروايات والاخبار " (1). واخرى: بدلالة المآثير الكثيرة على النجاسة (2). والاول في محله، والثاني غير صريح، وذلك لان هذه الطوائف التي اشير إليها في الكتب الاستدلالية ومنها " الجواهر " (3) كلها مشتملة على الامر بالغسل، أو الامر بالاجتناب عما لاقاه، أو تغير بها، وهذا غير كاف لاثبات النجاسة إلا بدعوى فهم العرف وضم الوجدان إليه. نعم، في بعض المآثير ما يدل مفهوما على نجاستها: فمنها: ما في " الوسائل " عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال قلت له: راوية من ماء... الى أن قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): " إذا كان الماء أكثر من راوية لم ينجسه شئ، تفسخ فيه، أو لم يتفسخ " (4). ومنها: في حديث " الجعفريات " في الماء الجاري يمر بالجيف والعذرة والدم: " يتوضأ منه ويشرب منه، ليس ينجسه شئ " (5).


1 - التنقيح في شرح العروة الوثقى 1: 499. 2 - التنقيح في شرح العروة الوثقى 1: 500. 3 - جواهر الكلام 5: 297 - 299. 4 - وسائل الشيعة 1: 139، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 3، الحديث 8. 5 - الجعفريات: 11، مستدرك الوسائل 1: 191، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 5، الحديث 2.

[ 378 ]

وعن " الدعائم " مثله (1). وفي معتبر حفص بن غياث عن جعفر بن محمد، عن أبيه (عليهما السلام) قال: " لا يفسد الماء إلا ما كانت له نفس سائلة " (2). فإن الافساد هو التنجيس الشرعي، كما مر في ذيل صحيحة ابن بزيع (3)، وهذا يدل منطوقا على نجاستها. والاشكال في سند الاول، لما فيه علي بن حديد وهو لم يوثق (4)، وفي الثاني، لعدم اعتبار " الجعفريات " و " الدعائم " وفي الثا لث، لعدم توثيق حفص مع أنه عامي (5)، أوقع العلمين فيما وقعا فيه، وحيث إن مستند المجمعين ليس أمرا آخر وراء هذه المآثير استشكل " المدارك " في أصل الحكم (6)، وعن الكاشاني اختيار نجاستها (7)، بمعنى الخبث الباطني، هكذا في " الجواهر " (8). وتوهم دلالة الاية الشريفة (إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو


1 - دعائم الاسلام 1: 111. 2 - تهذيب الاحكام 1: 231 / 669، وسائل الشيعة 3: 464، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 35، الحديث 2. 3 - تقدم في الجزء الاول: 115 و 158 و 160. 4 - رجال النجاشي: 274 / 717، الفهرست: 89 / 372، معجم رجال الحديث 11: 302. 5 - رجال الشيخ: 118، الفهرست: 61 / 232. 6 - مدارك الاحكام 2: 268. 7 - لاحظ مفاتيح الشرائع 1: 66. 8 - جواهر الكلام 5: 346.

[ 379 ]

لحم خنزير فإنه رجس) (1) على نجاستها لانها المراد من " الرجس " بعد اشتراك الكل في ذلك (2)، غير سديد. ويتلوه في الضعف التمسك بذيل رواية جابر (3)، الواردة في الفأرة الواقعة في السمن فماتت فيه، فإنه قال: فقال أبو جعفر (عليه السلام): " إنك لم تستخف بالفأرة، إنما استخففت بدينك، إن الله حرم الميتة من كل شئ " (4). لان المراد من التحريم هو التنجيس حتى يناسب التعليل، فتدبر. ولكن الانصاف بعد اللتيا والتي: أن المسألة في الجملة مما لا تكون خفية على الاصاغر، فضلا عن الاكابر، فلا تجادل. هذا، وربما يمكن دعوى دلالة بعض المآثير على طهارتها: ومنها: الطائفة الكثيرة التي تشير الى جواز الانتفاع منها (5)، فإن الظاهر هو الملازمة بين الحكمين: النجاسة، وممنوعية الانتفاع، فإذا جاز ذلك فيعلم منه الطهارة. وأنت خبير: بأن قضية بعض الاجماعات وإن كان ذلك، حيث ادعي عدم


1 - الانعام (6): 145. 2 - الطهارة، الشيخ الانصاري (الطبعة الحجرية): 340 / السطر 5، الطهارة، الامام الخميني (قدس سره) 3: 48. 3 - دروس في فقه الشيعة 2: 339. 4 - تهذيب الاحكام 1: 420 / 1327، وسائل الشيعة 1: 206، كتاب الطهارة، أبواب الماء المضاف والمستعمل، الباب 5، الحديث 2. 5 - وسائل الشيعة 1: 175، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 14، الحديث 16، وسائل الشيعة 17: 173، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 38، الحديث 4، وسائل الشيعة 24: 72، كتاب الصيد والذبائح، أبواب الذبائح، الباب 30، الحديث 4.

[ 380 ]

جواز الانتفاع بالنجس (1)، ولكنه لا يورث التلازم الواقعي، لقصور السند، كما التزم بذلك جمع من الاصحاب - رضي الله عنهم (2) - ومنهم الوالد المحقق - مد ظله (3) - فراجع. ومنها: ما في " التهذيب " و " الاستبصار " بسند معتبر عندنا، عن علي بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل وقع ثوبه على كلب ميت. قال: " ينضحه بالماء ويصلي فيه ولا بأس " (4). وحمله على الوقوع بغير رطوبة (5) لا يناسب التشديد الواقع في ذيله، كما لا يخفى. ومنها: ما مر عن " الفقيه " سئل الصادق (عليه السلام) عن جلود الميتة يجعل فيها اللبن والماء والسمن، ما ترى فيه؟ فقال: " لا بأس بأن تجعل فيها ما شئت من ماء أو لبن أو سمن، وتتوضأ منه وتشرب، ولكن لا تصل فيها " (6). وفي " الفقيه ": سأل علي بن جعفر أخاه موسى بن جعفر (عليه السلام) عن


1 - التنقيح الرائع 2: 5، مفتاح الكرامة 4: 13 / السطر 26. 2 - لاحظ المكاسب، الشيخ الانصاري: 5. 3 - المكاسب المحرمة، الامام الخميني (قدس سره) 1: 80 - 83. 4 - تهذيب الاحكام 1: 277 / 815، الاستبصار 1: 192 / 674. 5 - ملاذ الاخيار 2: 418. 6 - الفقيه 1: 9 / 15، وسائل الشيعة 3: 463، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 34، الحديث 5.

[ 381 ]

الرجل، فذكر مثله (1). فلو كانت الاولى من المرسلات غير المعتبرة، لعدم الاسناد فيها الى المعصوم، فلا تشكل الثانية، لاسنادها الى علي بن جعفر (عليهما السلام) الذي هو دون المعصوم، فعلى ما تقرر يجمع بين جميع ما سرده الاصحاب وذكروه بين هاتين جمعا عقلائيا، فيحمل الظاهر على النص، والله العالم. وأنت خبير بما فيه جدا. وأما ما في " الوسائل " من حملها على التقية (2)، فلا يخلو من تأسف بعد ما عرفت من فتواهم. ومنها: الطائفة القاضية بعدم البأس في أكل الخبز الذي كان عجن بماء ماتت فيه الفأرة، وكانت فيه الميتة، معللا بأن " النار أكلت ما فيه " (3) فإن التعليل يناسب طهارة الميتة، كما لا يخفى. والاشكال في سندها بعد كون الراوي مثل ابن أبي عمير، لما قال فيه النجاشي (4)، لا يضر، ولا سيما بعد إفتاء الشيخ على طبقها بجعل النار من المطهرات في الجملة (5) على ما ببالي، والامر - بعد ما أحطت به خبرا - واضح لا سبيل الى إنكاره جدا.


1 - انظر الفقيه 1: 43 / 169. 2 - وسائل الشيعة 3: 463، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 34، ذيل الحديث 5. 3 - تهذيب الاحكام 1: 414 / 1304، وسائل الشيعة 1: 175، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 14، الحديث 18. 4 - رجال النجاشي: 326 / 887. 5 - النهاية: 8.

[ 382 ]

إذا علمت ذلك، فالبحث حول خصوصيات المسألة يتم في ضمن جهات: الجهة الاولى: في حكم ميتة مأكول اللحم قضية الاجماعات الكثيرة والاخبار على كثرتها، عدم الفرق بين الميتة من مأكول اللحم ومحرمه، ومن استشكل فيها أو في أصل الحكم، لم يفصل بين الفرضين. ويمكن الشبهة بدعوى: أن الاخبار الدالة على نجاسة الميتة غير مطلقة، لكونها إما مشتملة على قضايا خارجية، أو تكون في مقام آخر كما اشير إليه. وإثبات الاطلاق السكوتي بترك التفصيل والاستفصال في عبارة الوا لد المحقق - مد ظله (1) - غير ممكن، لمعلومية حكم المسألة عند السائل، ولكنه عندنا غير واضح أن ما هو الواضح عنده هو نجاسة مطلق الميتة، أو الميتة من غير المأكول لحمه. وأما الاخبار التي ذكرناها (2)، فهي قاصرة عن إثبات نجاسة الميتة إلا إجمالا، لان أقواها دلالة معتبر حفص: " لا يفسد الماء إلا ما كانت له نفس سائلة " (3). وهو مهمل في المستثنى، دون المستثنى منه، وما حكي عن الشيخ


1 - الطهارة، الامام الخميني (قدس سره) 3: 45. 2 - تقدم في الصفحة 377 - 380. 3 - تهذيب الاحكام 1: 231 / 669، وسائل الشيعة 3: 464، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 35، الحديث 2.

[ 383 ]

من دعوى الاطلاق (1)، غير متين جدا، فتأمل جيدا. فتحصل: أن للتفصيل مجالا وإن سكت عنه المتقدم والمتأخر، ولا يحتمله أحد، وذلك لان القدر المتيقن من تلك الاخبار ميتة المأكول، لانها المتعارف في الابتلاء بها. اللهم إلا أن يقال: بعدم دلالة أخبار الماء المتغير على النجاسة، كما ذكرنا سببها (2)، وهكذا روايات البئر، لان الحكم إذا كان هناك استحبابيا، فلا يستفاد منه نجاسة الواقع في البئر، بل ربما كان الامر بذلك للتنزه كما هو الظاهر، فما ترى في الباب الخامس عشر من إرداف الحمار والبعير والجمل بسائر النجاسات (3)، لا يفيد شيئا أصلا كما توهم. أو يقال: بأن المتعارف هو الابتلاء بالميتة والجيفة مما لا يؤكل لحمه شرعا وعادة، كالحمار ونحوه، وأما الابتلاء بمثل الشاة والغنم فهو نادر جدا، فعلى هذا لولا مخافة مخالفة الاجماعات المتكررة والاطلاق في معاقدها كان لهذه الشبهة قدم راسخ في البحث. ولو قيل: جلود الميتة من مأكول اللحم أولى بالنجاسة، لانها المتعارف في الاسواق، وبها ينتفع، وهي تستعمل عادة. قلنا: لو سلمنا ذلك كما هو غير بعيد، فيلزم الشبهة في نجاسة الطائفة الاخرى. ولكن الجواب: أن تلك الاخبار قاصرة عن إثبات


1 - الطهارة، الامام الخميني (قدس سره) 3: 49. 2 - تقدم في الصفحة 377. 3 - وسائل الشيعة 1: 179، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 15.

[ 384 ]

النجاسة، كما عرفت. وأما الاخبار الدالة على النهي عن استعمال أواني أهل الذمة، إذا كانوا يشربون ويأكلون منها الخمر ولحم الخنزير والميتة (1)، فهي قريبة في الدلالة على نجاستها من مأكول اللحم، لان المقصود منها هنا غير المذكى من الحيوانات المأكول لحمها، لانها أكثر ابتلاء من غيرها. إلا أن في تلك الاخبار خدشات في محلها، لان الظاهر منها النهي عن مطلق الاواني وإن كانت مشكوكة الاستعمال، وهو خلاف الاصل، فيحمل على التنزيه. ولان الصريح منها طهارة أهل الكتاب، وهو خلاف الحق، فربما كان التعرض للميتة لاجل قول العامة بنجاستها. ولان من الممكن - كما قيل - وجود الاجزاء الصغار منها فيها، ويكون أكلها محرما، فلا يثبت بها النجاسة (2)، فليتدبر. فبالجملة: بعد ما تقرر من الشبهة في استفادة النجاسة من تلك الاخبار الكثيرة في أصل المسألة، واستفادتها من الاخبار التي ذكرناها في خصوص هذه المسألة، تصبح هذه المسألة بلا سند إلا الاجماع، وهو المعتمد، فتدبر. الجهة الثانية: في حكم ميتة ما لا نفس سائلة له ظاهر الاصحاب قدست أسرارهم أن الميتة من ذي النفس نجسة،


1 - وسائل الشيعة 24: 210، كتاب الاطعمة والاشربة، أبواب الاطعمة المحرمة، الباب 54. 2 - مدارك الاحكام 2: 268.

[ 385 ]

وعن السيد الاشكال في صدق " الميتة " على ميتة غير ذي النفس (1)، وهو مقتضى معتبر حفص (2). ولو استشكل في السند (3) فهو من تلك الجهة منجبر بعمل الاصحاب (قدس سرهم) وهذا هو الامر المتسا لم عليه، ومن المسلمات المفروغ عنها، ولا ينظر فيها. نعم، يمكن الخدشة: بأن قضية الروايات حسبما يفهمها المشهور، نجاسة الميتة والجيفة ولا قيد فيها، ولا تعرض في إحداها إلا في رواية حفص بن غياث الماضية مرارا: " لا يفسد الماء إلا ما له نفس سائلة " (4) بناء على إرادة الدم السائل منها. ومثلها ما عن محمد بن يحيى، رفعه عن أبي عبد الله (عليه السلام). وأنت خبير: بأن مستندهم لا يمكن أن يكون مثله، فيعلم اشتهار الحكم بينهم من باب آخر. ومن المحتمل انصراف الاخبار بكثرتها الى تلك الطائفة، وأن الغا لب من الحيوانات المبتلى بها في الطريق وفي الاسئلة ما كانت لها الدم، فكأنهم من الاخذ بالقدر المتيقن أفتوا بذلك، وهو غير كاف لنا، فيرجع الى تلك المطلقات، وقد بلغني عن شيخ مشايخنا العلامة الحائري (قدس سره) أنه كان يشكل في الجمع بين المطلقات الكثيرة


1 - الناصريات، ضمن الجوامع الفقهية: 218 / السطر 6 - 7. 2 - تهذيب الاحكام 1: 231 / 669، وسائل الشيعة 3: 464، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 35، الحديث 2. 3 - تقدم في الصفحة 377 - 378. 4 - الكافي 3: 5 / 4، وسائل الشيعة 3: 464، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 35، الحديث 5.

[ 386 ]

والمقيد الواحد. فعليه لو سلمنا اعتبار خبر حفص كما هو الاقوى، فيحمل على أن الميتة من ذي النفس إذا غيرت الماء ينجس ويفسد، ولا يثبت به أن الميتة النجسة هي ذلك، كما لا يخفى. وأما البحث الصغروي عن الحيوانات التي لها النفس، وما ليس لها، فقد مضى تفصيله (1). إن قلت: كيف لا يكون هذا القيد في رواية، وقد نطقت به معتبرة عمار الساباطي في الباب الخامس والثلاثين، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سئل عن الخنفساء والذباب والجراد والنملة وما أشبه ذلك، يموت في البئر والزيت والسمن وشبهه. قال: " كل ما ليس له دم فلا بأس " (2). وفي الباب المزبور أيضا معتبر ابن مسكان قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): " كل شئ يسقط في البئر ليس له دم - مثل العقارب والخنافس وأشباه ذلك - فلا بأس " (3). وفيه أيضا بعض المآثير المتعرضة للصغريات والاسئلة


1 - تقدم في الصفحة 294 - 297. 2 - تهذيب الاحكام 1: 230 / 665، وسائل الشيعة 3: 463، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 35، الحديث 1. 3 - تهذيب الاحكام 1: 230 / 666، وسائل الشيعة 3: 464، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 35، الحديث 3.

[ 387 ]

الجزئية (1)، فراجع. قلت: نعم، ولكنها عندنا أجنبية عن هذه المسألة، فإن الحيوانات بعضها ماله الدم السائل، وبعضها ماله الدم غير السائل، وربما كان دمه أكثر مرارا من الدم السائل في بعض، وبعضها ما لا دم له أصلا، أو يعد عرفا مما لا دم له، وهذا المآثير تثبت طهارة ما لا دم له رأسا، وأما فهم الاصحاب (رحمهم الله) منها غير ذلك، فلمغروسية أذهانهم بالاجماعات والمتون، فمع الغض عما في سند بعضها، ودلالة الاخر، لا تكون هذه الطائفة مرتبطة رأسا بهذه المسألة أصلا، فلا تغفل ولا تخلط، واغتنم. ودعوى: أن الجزئيات المذكورة في الروايات، من ذوات الدم، غير مسموعة، فإن النملة بلا دم بلا شبهة، بل والعقرب والوزغ. مع أنه لو كان فيها الدم فهو في غاية القلة، بحيث لا تعد من ذي الدم عرفا. ولعل الى ذلك يرجع ما عن " الوسيلة " و " المهذب " من الاشكال في طهارتهما (2)، وهكذا ما عن الشيخين في " المقنعة " و " النهاية " (3) وعن الصدوق في بعض كتبه (4). وأما توهم معارضة هذه الاخبار مع ما يدل ظاهرا على نجاسة العقرب والوزغ في أخبار البئر وغيرها (5)، فهو في غير محله، لما مر في


1 - وسائل الشيعة 3: 463، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 35. 2 - المهذب 1: 53، الوسيلة: 78. 3 - المقنعة: 70، النهاية: 54. 4 - المقنع: 35، جواهر الكلام 5: 295. 5 - التنقيح في شرح العروة الوثقى 1: 527، مهذب الاحكام 1: 320.

[ 388 ]

محله (1)، ولان قضية الجمع العقلائي بين النص والظاهر، حمل الثانية على الاولى. ولعمري، لولا الشبهة التي ألقيناها على الاطلاقات التخيلية في المسألة، كان عليهم الغاء هذا القيد. بل قضية المفهوم من الطائفة المسبوق ذكرها (2)، أن ماله الدم فيه البأس، سواء كان سائلا، أو غير سائل، فيكون الطاهر ما لا دم له حقيقة أو عرفا. وتوهم: أن الضرورة والسيرة العملية كما تكون قائمة على نجاسة الميتة الكذائية، ناهضة على طهارتها إذا كانت من غير ذي النفس، واضح المنع. الجهة الثالثة: في حكم ميتة حيوان البحر قضية الاطلاقات ومعاقد الاجماعات نجاسة الميتة البحرية كالبرية، وعن " المنتهى " وفي " التذكرة " عبارتان لا تخلوان من اضطراب (3)، فلا يعلم من يقول بالتفصيل بين البحرية والبرية منا، ولا من أهل الخلاف، فما قد يتوهم من ذهاب أبي حنيفة إليه (4) غير سديد. هذا مع أن من الممكن ذلك لهم ولنا: أما لهم، فلما روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في " الخلاف " في المسألة


1 - تقدم في الصفحة 44 - 46. 2 - تقدم في الصفحة 386. 3 - لاحظ منتهى المطلب 1: 164 / السطر 35، تذكرة الفقهاء 1: 61. 4 - نفس المصدر.

[ 389 ]

الثانية: أنه سئل عن التوضي بماء البحر. فقال: " هو الطهور ماؤه، والحل ميتته " (1). وقضية ذلك طهارة الميتة البحرية ولو كانت ذا نفس سائلة. وأما لنا، فلما روى " الوسائل " في كتاب الصيد والذباحة في الباب الواحد والثلاثين، عن ابن أبي عمير، عن ابن المغيرة، عن رجل، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " الحوت ذكي حيه وميته " (2). وفي الباب المزبور، عن عمر بن هارون الثقفي، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " قال أمير المؤمنين (عليه السلام): الجراد ذكي كله، والحيتان ذكي كله، وأما ما هلك في البحر فلا تأكل " (3). فإن النهي الاخير لا يضاد كون الحيتان طاهرة كما لا يخفى. وحيث إن النسبة بينهما عموم من وجه، فإما يرجع الى الاصول العملية وهي الطهارة، أو الى الجمع العقلائي، ولا يبعد تقديم هذه الطائفة، لصراحتها في أن الميتة ذكية، وفي صورة المراجعة الى المرجحات فالتقديم لتلك الطائفة، لموافقتها مع الشهرة. نعم، ربما يمكن دعوى: أن المراد من " الذكي " - بالذال - هو المذكى، قبال الميت، كما في رواية اخرى في الباب المزبور: " أن عليا (عليه السلام) كان يقول: الجراد ذكي، والحيتان ذكي، فما مات في البحر فهو ميت " (4).


1 - الخلاف 1: 52، سنن الترمذي 1: 47، الباب 52، الحديث 69. 2 - وسائل الشيعة 24: 74، كتاب الصيد والذبائح، أبواب الذبائح، الباب 31، الحديث 5. 3 - نفس المصدر، الحديث 7. 4 - نفس المصدر، الحديث 6.

[ 390 ]

فإنه دليل على ذاك الاحتمال. اللهم إلا أن يقال: تنصيصه في الرواية الاولى على أن ميته ذكي ينافي ذلك الاحتمال، فيحمل على أن المراد من " الذكي " فيها هو الطاهر، ومن " الذكي " في الاخرى هي الذكاة، فعلى هذا ما أرسله الاصحاب إرسال المسلمات من نجاسة الميتة البحرية، وادعى على خصوص ذلك في " التذكرة " الاجماع، مع أنه مضطرب العبارة (1) فراجع، غير راجع الى محصل، بل يستظهر من الشيخ في " الخلاف " - كما في " مفتاح الكرامة " قال: " وربما يظهر من " الخلاف " طهارة ميتة الماء، ولعله محمول على الغالب من كونه غير ذي النفس " (2) انتهى - أن المسألة ليست إجماعية، والحمل المزبور بلا شاهد. هذا مع أن دعوى قصور الادلة عن إثبات نجاستها، قريبة جدا، من غير الحاجة الى الادلة الخاصة كما ترى. الجهة الرابعة: في بيان المراد من " الميتة " قال في " العروة ": " المراد من الميتة أعم مما مات حتف أنفه، أو قتل أو ذبح على غير الوجه الشرعي " (3) انتهى. اعلم: أن البحث هنا مقصور على حكم الميتة بحسب النجاسة


1 - تذكرة الفقهاء 1: 61. 2 - الخلاف 1: 189، مفتاح الكرامة 1: 138 / السطر 18. 3 - العروة الوثقى 1: 60، فصل في النجاسات، الرابع الميتة، المسألة 5.

[ 391 ]

والطهارة، من غير النظر الى سائر الاحكام، من جواز الصلاة ولا جوازها، ومن جواز الانتفاع وعدمه، ومن جواز المعاملة عليها، وغير ذلك، فلا ينبغي الخلط. ولا برهان على الملازمة في تلك الاحكام، فيمكن أن نلتزم بأعمية المراد في سائر الاحكام، دون هذا الحكم، فالبحث في غيره يطلب من محال اخر، للاحتياج الى التتبع والغور في الاخبار الكثيرة المتشتتة. إذا عرفت ذلك فاعلم: أن كلمة " الميتة " - بالفتح والسكون - كانت تستعمل في الجاهلية وقبل الكتاب، ويستعملها القرآن العزيز، ويراد منها المعنى الاعم، كما هو غير خفي على أهله: (وآية لهم الارض الميتة أحييناها...) (1). ومثلها كلمة " الميت " (... سقناه لبلد ميت) (2). ولا معنى لتوهم: أن الكلمة وضعت لمعنى شرعي، كما يظهر من بعض أصحابنا (3)، ومن " المنجد " (4) قائلا في تفسيرها: " الميتة: الحيوان الذي مات حتف أنفه، أو على هيئة غير شرعية " بل هي تستعمل في الشرائع إما مجازا، أو حقيقة لغوية. ولنعم ما قال " الاقرب ": " والمراد بالميتة في عرف الشرع، ما مات حتف أنفه، أو قتل على هيئة غير مشروعة إما في الفاعل، أو في


1 - يس (36): 33. 2 - فاطر (35): 9. 3 - دروس في فقه الشيعة 2: 388. 4 - المنجد: 779.

[ 392 ]

المفعول " (1) انتهى. فإن المستفاد من اللغة بعد التدبر، أن هذه الكلمة موضوعة لمعنى أعم مما يكون فيه الحياة الحيوانية والنباتية فزا لت، أو كانت فاقدة لاثار الحياة والحركة الطبيعية والاثار المقصودة. ولو سلمنا مجازية الاستعمال في الفرض الاخير، ولكن التحقيق عدم مجازيته في غيره. ومن يشك فيما نردفه ونسرده، فليراجع موارد الاستعمال والكتب الموضوعة في اللغات، ولولا مخافة الاطالة المزعجة لسرنا لكم من اللغة ما يحصل به الظن القوي جدا، فإذا كان الحيوان زاهقة روحه بالوجه الشرعي، فهو أيضا ميتة حسب اللغة قطعا وبلا شبهة، ولكنه خارج عن هذه الاخبار، لما نعلم من الخارج ذلك كما لا يخفى. ومما ذكرنا يظهر الخدشة فيما توهمه الاصحاب (رحمهم الله) مستدلين بالاخبار المتضمنة لمقابلة الميتة بالمذكى مثلا (2)، فإن ذلك في محيط الشرع لافادة الحكم الخاص، ولا يستفاد من الاستعمالات المزبورة المعاني الحقيقية كما تقرر (3). وأما بناء على اختصاص مفهوم " الميتة " بما مات حتف أنفه - حسب اللغة، كما عرفت عن بعضهم - فلا يمكن استفادة العمومية من هذه


1 - أقرب الموارد 2: 1251. 2 - دروس في فقه الشيعة 2: 388. 3 - تحريرات في الاصول 1: 169 - 170.

[ 393 ]

الاخبار (1) التي استدل بها الشيخ الاعظم (قدس سره) وتبعه جماعة من الفضلاء (2)، وذلك لان من الممكن قريبا إفادة عدم اختصاص الحكم المخصوص بالميتة بها، بل يعم غيرها مما لا يذكى شرعا، فهذا من قبيل الحكومة الاصطلاحية، فإذا قيل عن الجاهل: " هو عا لم " لا يدل ذلك على أعمية الموضوع له، بل هو لغرض آخر، فتدبر. وحيث إن ظاهر الاصحاب (رحمهم الله) بناؤهم على أن المعنى اللغوي للميتة ما مات حتف أنفه، ولا يطلق على المقتول ولا المذبوح بذبح غير شرعي، فيشكل الامر عليهم، لعدم ثبوت الاطلاق في دليل الحاكم، فلو ورد في دليل استعمال " الميتة " في مقابل المذكى، فإن كان ذلك مورد النظر مستقلا فهو، وإلا فينحصر التنزيل والحكومة بمورد خاص. وبعبارة اخرى: تصير الحكومة حيثية، لا مطلقة، فلا تخلط. وإني بعد ما راجعت المآثير، رأيتها - على ما تتبعت - ناظرة الى التنزيل الخاص، لتعرض الروايات لحكم خاص، مثل عدم جواز الصلاة فيها، أو عدم جواز الانتفاع بها. هذا، ولكنا في مخلص من الشبهة، لما عرفت من عمومية معناها، فقوله (عليه السلام) في موثقة سماعة في الباب التاسع والاربعين: " إذا رميت


1 - وسائل الشيعة 3: 489، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 49، الحديث 1 و 2 والباب 50، الحديث 4. 2 - دروس في فقه الشيعة 2: 388.

[ 394 ]

وسميت فانتفع بجلده، وأما الميتة فلا " (1) وقوله في خبر علي بن أبي حمزة قال: " وما الكيمخت؟ " قال: " جلود دواب منه ما يكون ذكيا، ومنه ما يكون ميتة "، فقال: " ما علمت أنه ميتة فلا تصل فيه " في الباب الخمسين (2) وغير ذلك (3)، لا يدل على أن حكم الميتة المفروغ عنها - وهي النجاسة - ثابت لمطلق غير المذكى، فافهم واغتنم. ثم، أن صحة التنزيل والاستعمال المجازي والحكومة المصطلحة، تتوقف - فيما إذا كان للمنزل عليه أحكام مختلفة - على ثبوت الاطلاق في دليل المنزل عليه، وإلا فلا يثبت المقصود. مثلا: إذا كانت لعنوان " الميتة " أحكام خاصة، مثل عدم جواز الانتفاع بها، وعدم جواز الصلاة فيها، وعدم صحة المعاملة عليها، ونجاستها، وكان دليل نجاسة الميتة مهملا، فمجرد إطلاق " الميتة " على غير المذكى لا يكفي في سراية الاحكام مطلقا إليها، لكفاية ترتيب بعض الاثار للفرار عن اللغوية، وحيث قد عرفت منا الخدشة في إطلاق أدلة نجاستها (4)، فلا يمكن إثبات الحكم المقصود هنا.


1 - تهذيب الاحكام 9: 79 / 339، وسائل الشيعة 3: 489، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 49، الحديث 2. 2 - تهذيب الاحكام 2: 368 / 1530، وسائل الشيعة 3: 491، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 50، الحديث 4. 3 - الكافي 3: 407 / 16، وسائل الشيعة 3: 489، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 49، الحديث 1. 4 - تقدم في الصفحة 382 - 383.

[ 395 ]

ومما حصلناه الى هنا، تظهر الخدشة في الاستدلال (1) بما ورد في كتاب الذباحة من إطلاق " الميتة " على الاليات المقطوعة، فإنها بزمرتها ناظرة الى منع الانتفاع منها (2)، فراجع. وما ترى في خبر علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال في اليات الضأن تقطع وهي أحياء: " إنها ميتة " (3) لا يكفي كما لا يخفى. ثم إن قضية ما ورد في بعض الروايات من السؤال عن الجيفة (4) - بناء على تمامية الاستدلال بها - هو نجاسة غير المذكى، لان الجيفة أعم من الميتة من هذه الجهة. نعم، أعمية الميتة من الجيفة من وجه آخر، لا يضر بالمقصود، ضرورة أن الحيوان الحي المتعفن نادر الوجود، وغير مقصود في هذه المآثير بالضرورة. فعلى ما تحرر الى هنا، عرفت نجاسة الحيوان غير المذكى شرعا أيضا، لانه أيضا ميتة لغة.


1 - دروس في فقه الشيعة 2: 389. 2 - وسائل الشيعة 24: 71، كتاب الصيد والذبائح، أبواب الذبائح، الباب 30. 3 - الكافي 6: 255 / 2، وسائل الشيعة 24: 72، كتاب الصيد والذبائح، أبواب الذبائح، الباب 30، الحديث 3. 4 - تهذيب الاحكام 1: 231 / 667، وسائل الشيعة 1: 196، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 22، الحديث 7.

[ 396 ]

الجهة الخامسة: في الاجزاء المبانة من الميتة الاجزاء المبانة من الميتة - حسب الاجماعات المحكية (1) والشهرات المحققة - نجسة عندنا، بل المسألة اتفاقية بين المسلمين إلا في بعض العناوين الخاصة، وأما هذا العنوان العام الكلي فليس معنونا في كلمات القدماء، وكأنه لعدم الحاجة إليه عندهم بعد ثبوت نجاسة الميتة، فكما لا معنى لتوهم نجاسته وطهارة أصل الميتة، كذلك الامر هنا، وكأن العرف - حتى الاعلام (رحمهم الله) - كانوا يرون المناقضة والجزاف بين المسألتين، أي لا يمكن الالتزام بالتفكيك بين حكم الكل وحكم الجزء. والشبهة الصناعية - كما ربما كانت في ذهن " المدارك " و " المعا لم " و " الذخيرة " (2) ولعلها كانت من الاردبيلي (قدس سره) ألقاها على تلامذته (3) - تؤدي الى طهارة ميتة الكلب والخنزير، لان ما هو النجس هو الحيوان، فالذي مات وزهقت روحه ليس حيوانا، ضرورة أن شيئية الشئ بصورته، فهو ليس كلبا، فلا يدل دليل نجاسة الكلب على نجاسة ميتته، فما ترى في كتب المتأخرين ك‍ " الجواهر " (4)


1 - مستند الشيعة 1: 171، الحدائق الناضرة 5: 72، مهذب الاحكام 1: 308. 2 - مدارك الاحكام 2: 272، منتقى الجمان 1: 85، ذخيرة المعاد: 147 / السطر 30. 3 - لاحظ مجمع الفائدة والبرهان 1: 305. 4 - جواهر الكلام 5: 312.

[ 397 ]

وغيره (1): من المقايسة بين المسألة ومسألة الكلب، في غير محله. والذي قد عرفت منا: أن " الميتة " و " الموت " و " الاماتة " وجميع المشتقات منها، أعم مما تخيله القوم، ولا تكون الاستعمالات المتعارفة في الكتاب والسنة مجازية، حسبما يتراءى من اللغة، بل الموضوع له معنى يشمل الارض الميتة وغيرها (2). وأما على ما يتراءى منهم، فيمكن تثبيت الشبهة: بأن الميتة من العوارض اللاحقة للحيوان كالتذكية، فكما لا يطلق " الذكي " على الجزء، كذلك مفهوم " الميتة " فالنجاسة بالنسبة الى الجزء المنفصل منه، تحتاج الى ضم المقدمة الاخرى إليها: وهي دعوى القطع بالملاك (3)، أو الغاء الخصوصية عرفا (4)، أو سريان الحكم الى الجزء عند العقلاء (5)، كما في عبارات الاقوام والاعلام حسب اختلاف أذواقهم. وأنت خبير بما فيه من استشمام القياس بعد تعدد الموضوع عرفا، وعدم الاطلاع على عدم الخصوصية مثلا، فليتدبر. ومن الممكن دعوى: أن جزءه المتصل إذا لوحظ مستقلا، لا يطلق عليه " الميتة " كما لا تطلق " الصلاة " على الركوع إذا لوحظ بحيا لها، فعليه لا يتنجس ملاقيه.


1 - دروس في فقه الشيعة 2: 343. 2 - تقدم في الصفحة 391 - 392. 3 - جواهر الكلام 5: 312. 4 - دروس في فقه الشيعة 2: 342، الطهارة، الامام الخميني (قدس سره) 3: 83. 5 - مهذب الاحكام 1: 308.

[ 398 ]

نعم، لو لاقى جميع الاجزاء أو معظمها ينجس، وهكذا في سائر الاحكام لو كان الدليل هناك كالدليل هنا، كما لا يخفى. ومن هنا يعلم وهن الشبهة في الحكم ولو كانت هي تامة موضوعا. وبعبارة اخرى: تارة يشير الى يده بحيال جثمانه، واخرى: يشير الى يده الفانية في الكل، أي الى جثمانه وإن كانت يده طرف الاشارة خارجا، ففي الفرض الاول يشكل الحكم بنجاستها، بناء على ما سلكه الاصحاب في مفهوم " الميتة ". نعم، ربما يتخيل دلالة النصوص في الابواب المتفرقة عليها (1)، ولا سيما ما ورد في كتاب الذباحة في الباب الرابع والعشرين من إطلاق " الميتة " على ما ينفصل من الحي (2). ولكنها قاصرة عن إثبات عموم التنزيل، كما عرفت منا وجهه (3)، فما ترى في " الجواهر " (4) وتبعه بتفصيله الوالد المحقق - مد ظله - من الاصرار على إثبات الاطلاق في الاستعمال والتنزيل (5)، غير قابل للتصديق، وسيأتي زيادة بحث في الجهات الاتية حولها. وأضعف منها صحيحة الحلبي في الباب الثامن والستين من النجاسات المشتملة على نفي البأس بالصلاة فيما كان من صوف


1 - جواهر الكلام 5: 314. 2 - وسائل الشيعة 23: 376، كتاب الصيد والذبائح، أبواب الصيد، الباب 24. 3 - تقدم في الصفحة 394. 4 - جواهر الكلام 5: 314. 5 - الطهارة، الامام الخميني (قدس سره) 3: 85.

[ 399 ]

الميتة: " إن الصوف ليس له روح " (1) فإن مفهومه " أن ما فيه الروح ويكون مبانا من الحي، يجوز فيه الصلاة إجمالا " وأين هذا من نجاسة الجزء المبان من الميتة؟! فلا تخلط. ومن هنا تظهر سائر الاستدلالات في المقام. ولعمري إن المسألة بعد المراجعة الى ما أشرنا إليه، من البديهيات جدا. ثم إنه ربما يستدل على النجاسة بالاستصحاب (2)، ولكنه - مضافا الى أخصيته من المدعى، كما هو غير خفي، لعدم الحا لة السابقة في بعض الصور - محل إشكال، لان ما هو المعلوم سابقا هي نجاسة عنوان " الميتة " أي أن ما هو النجس في السابق ما كان موصوفا بالميتة، ومورد الشك هوا لجزء المباين معها موضوعا، فلا يجري الاستصحاب، كما لا يمكن التمسك بالدليل الاجتهادي المثبت نجاسة الميتة لاثبات نجاسة الجزء. وفيه: أن الموضوع ومصب الاستصحاب نفس الجزء الخارجي، فيقال بعد ثبوت نجاسة الميتة: " إن هذا الجزء كان نجسا، والان كما كان " من غير الحاجة الى سائر التشبثات في إجرائه. اللهم إلا أن يقال: بأن الجزء حال الاتصال إذا لوحظ بحيال الكل، لا يحكم عليه بالنجاسة كما عرفت، فتدبر جيدا.


1 - تهذيب الاحكام 2: 368 / 1530، وسائل الشيعة 3: 513، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 68، الحديث 1. 2 - جواهر الكلام 5: 312، الطهارة، الامام الخميني (قدس سره) 3: 83.

[ 400 ]

تذنيب ظاهر الاصحاب (رحمهم الله) أن حكم النجاسة بالنسبة الى الاجزاء الصغار من الميتة إجماعي (1)، لان ما كان كثيره نجس فقليله نجس، وإلا يلزم عدم نجاسة الكثير منه كما لا يخفى. نعم، لو شك في صدق " الميتة " عليه، لما أنه في غاية الصغر، فالقاعدة تقتضي طهارته. الجهة السادسة: في حكم الاجزاء التي لا تحلها الحياة الاجزاء التي لا تحلها الحياة طاهرة عند المسلمين إجمالا، والخلاف بينهم في خصوص بعض منها كما يأتي، وقد عدها الاصحاب الى عشرة وعليها الاجماعات المحكية عن " كشف اللثام " و " المدارك " و " الذخيرة " (2) وفي بعض منها الاتفاق المحصل، كالشعر والصوف، وعليه الاجماع في " الغنية " وفي " المنتهى " (3) دعوى الاجماع على خصوص العظم. وقال الشيخ في " الخلاف ": " لا بأس باستعمال أصواف الميت


1 - مستند الشيعة 1: 171، الحدائق الناضرة 5: 72، جواهر الكلام 5: 311. 2 - كشف اللثام 1: 49 / السطر 7، مدارك الاحكام 2: 272، ذخيرة المعاد: 147 / السطر 38. 3 - الغنية، ضمن الجوامع الفقهية: 489 / السطر 5، منتهى المطلب 1: 164 / السطر 25.

[ 401 ]

وشعره ووبره إذا جز وعظمه، وبه قال أبو حنيفة. وقال الشافعي: شعر الميت وصوفه وعظمه نجس، وبه قال عطا. وقال الاوزاعي: الشعور كلها نجسة، لكنها تطهر بالغسل، وبه قال الحسن البصري، والليث بن سعد. وقال مالك: الشعر والريش والصوف لا روح فيه، ولا ينجس بالموت كما قلناه، والعظم والقرن والسن يتنجس. وقال أحمد: صوف الميتة وشعرها طاهر " (1) انتهى. وحيث يرجع فتوى القائل بزوال النجاسة بالغسل الى النجاسة العرضية ظاهرا، ينحصر المخالف بالشافعي وعطا في الشعر والصوف، ويلحق بهما مالك في المذكورات، مع ما في عبارته من سوء التعبير (2)، فراجع. وحيث إن المسألة ذات الرواية عموما وخصوصا، فلا حاجة الى تلك الاطا لة. مع أنك عرفت إمكان وجود التقية في الجملة لو فرضنا صدور رواية دالة على طهارة بعض المذكورات. إذا عرفت ذلك فاعلم: أن قضية القاعدة نجاسة جميع أجزاء الميتة، قضاء لحق ما دل على نجاستها، فإن ما يورث سرايتها من الميتة الى سائر الاجزاء، يستلزم ذلك بالنسبة الى جميعها وإن لم تحلها الحياة. وربما يستظهر من السيد الوالد - مد ظله - أن ما يدل على نجاسة


1 - الخلاف 1: 66. 2 - المجموع 1: 231 / السطر 17 و 236 / السطر 12 - 13، بداية المجتهد 1: 80.

[ 402 ]

الجيفة، قاصر عن إثبات نجاستها، لعدم سريان الانتان والتجيف إليها، لما ليس فيها الروح مثلا، وأن ما يدل على نجاسة الميتة لا يورث لحوق الاجزاء بها. نعم، العرف كان قاضيا بذلك، وهو يخص مصب حكمه وقضائه بغير تلك الاجزاء، ولا أقل من الشبهة والشك (1). وأنت خبير: بأن ذلك منقوض أولا، بما ورد في أخبار لزوم الغسل على من مس الميت (2)، بأنه لو كان الامر كما توهم لما كان يجب عند إمساس الشعر، فهو شاهد على لحوقه بها عرفا. وثانيا: قد عرفت أن " الميتة " معنى أعم مما تخيلوه (3)، وتصدق على الاجزاء إذا سقطت عن الاثار المرغوبة فيها فتأمل، ففي الباب الثامن والستين من أبواب النجاسات، عن قتيبة بن محمد قال قلت: " إنا نلبس الطيالسة البربرية، وصوفها ميت " (4) فراجع. وثالثا: كما لا يجد العرف فرقا بين الدم والعظم، وبين اليد وا لرجل، كذلك لا يجد ذلك فيما نحن فيه بالوجدان. ولو قطعنا النظر عما ورد في خصوص هذه المسألة من الدليل اللبي واللفظي، لما ظننت التزام أحد بالطهارة بعد ما وردت المآثير على نجاسة


1 - الطهارة، الامام الخميني (قدس سره) 3: 99. 2 - وسائل الشيعة 3: 289، كتاب الطهارة، أبواب غسل المس، الباب 1. 3 - تقدم في الصفحة 391 - 392. 4 - وسائل الشيعة 3: 514، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 68، الحديث 7.

[ 403 ]

الميتة، فما ترى في " الجواهر " من إنكار الحاجة الى التخصيص والتقيد (1)، في غير محله جدا. نعم، لو شك في ذلك فقضية الاستصحاب هي الطهارة الثابتة حال الحياة المشكوك زوا لها بالموت. ولو كان دليل نجاسة الاجزاء المبانة من الميتة الاجماعات المحكية، كان للقول المزبور وجه كما لا يخفى. وأمثال هذه الالتحاقات عرفا في الفقه غير عزيزة، فإن الاصحاب (رحمهم الله) جوزوا أكل دم السمك إذا كان يبتلع السمك (2)، وما ذاك إلا لهذا. إذا اطلعت على ما اسمعناك خبرا، فالكلام يتم في مرحلتين: المرحلة الاولى: حول هذا العنوان العام، وأنه هل يمكن إثباته حسب ما وصل الينا، أم لا؟ المرحلة الثانية: حول خصوص الاخبار الواردة في خصوص الاشياء المستثناة من نجاسة الميتة. أما المرحلة الاولى: فيدل عليه - مضافا الى الاجماعات المحكية المذكورة (3) على العنوان المزبور - معتبر الحلبي في " الوسائل " عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال:


1 - جواهر الكلام 5: 321. 2 - جواهر الكلام 36: 170. 3 - تقدم في الصفحة 400.

[ 404 ]

" لا بأس بالصلاة فيما كان من صوف الميتة، أن الصوف ليس فيه روح " (1). وفي الباب المزبور عن " مكارم الاخلاق " للطبرسي، عن قتيبة بن محمد قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام): إنا نلبس هذا الخز وسداه ابريشم... الى أن قال قلت: إنا نلبس الطيالسة البربرية وصوفها ميت. قال: " ليس في الصوف روح، ألا ترى أنه يجز ويباع وهو حي؟! " (2). وتوهم أجنبيتها عن الدلالة على الطهارة والنجاسة، بأن الاولى بصدد ترخيص الصلاة من أجل أنه ذكي، لا مطلقا، وأن الثانية في مقام تجويز الانتفاع بالميتة، في محله بالنسبة الى الاخيرة. مع عدم وضوح سندها. وأما الاولى، فالحكم فيها ليس حيثيا أصلا، فيعلم منه: أن كل ما كان غير ذي روح فهو طاهر، ويثبت المطلوب. نعم، خصوص " الدم نجس " استثناء، وتوهم أنه ذو روح في غير محله، لما أن المراد من " الروح " هو الروح الحساس الحيواني لا الروح النباتي، ولا روح الحيوانات الدموية. وأما الاجزاء الزائدة إذا كانت خلية عن الروح، أو كانت إحدى الاعضاء غير ذات روح نقصانا في الخلقة، ففي نجاستها إشكال. اللهم إلا أن يقال: النظر في الرواية الى الجهة النوعية، لا


1 - تهذيب الاحكام 2: 368 / 1530، وسائل الشيعة 3: 513، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 68، الحديث 1. 2 - مكارم الاخلاق: 107، وسائل الشيعة 3: 514، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 68، الحديث 7.

[ 405 ]

الشخصية. وربما يدل عليه معتبر حماد، عن حريز - في الاطعمة المحرمة - قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام) لزرارة ومحمد بن مسلم: " اللبن والبيضة... " الى أن قال: " وكل شئ يفصل من الشاة والدابة فهو ذكي... " (1). ومعتبر الحسين بن زرارة - وهو عندي غير بعيد اعتباره - عن أبي عبد الله في الباب المذكور قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): " العظم والشعر والصوف والريش كل ذلك نابت لا يكون ميتا " (2). وأنت خبير: بأن المراد من " الذكي " وإن كان الذكاة، ولكنه يستلزم الطهارة قهرا، وأن المراد من " الشئ المفصول " ما كان من هذه المعدودات التي لا تحلها الحياة ظاهرا، فثبت عموم المدعى، وهكذا فإن المراد من " النابت " ما لا تحله الحياة الحيوانية. ومثلهما الروايات الاخر التي لا تخلو من إشكال (3)، وسيأتي تفصيلها في البحث الاتي. وبالجملة: لا يبعد ثبوت هذا العنوان بنفسه، أو بما يلازمه كما


1 - الكافي 6: 258 / 4، وسائل الشيعة 24: 180، كتاب الاطعمة والاشربة، أبواب الاطعمة المحرمة، الباب 33، الحديث 3. 2 - الكافي 6: 258 / 3، وسائل الشيعة 24: 181، كتاب الاطعمة والاشربة، أبواب الاطعمة المحرمة، الباب 33، الحديث 12. 3 - الفقيه 3: 219 / 1011، وسائل الشيعة 24: 182، كتاب الاطعمة والاشربة، أبواب الاطعمة المحرمة، الباب 33، الحديث 9.

[ 406 ]

عرفت (1). وتوهم دلالة ذيل معتبر حريز على نجاستها مطلقا، في غير محله كما يأتي. ولكنك تعلم: أن عنوان " النابت " لا يشمل مثل البول والعذرة والمني، بخلاف عنوان " الشئ المفصول " و " ما ليس فيه الروح " وهذا لا يضر بالمقصود بعد انصرافها منها، أو تخصيصها بأدلتها، كما يخصص بأدلة نجاستها الكلب والخنزير والكافر والميت قبل الغسل وبعد البرد، إن لم نقل بقصور موضوعها عن شمول هذه الامور كلها. إن قلت: قوله (عليه السلام): " لا يكون ميتا " معارض مع ما مر من إطلاق " الميتة " على تلك الاجزاء (2). قلت: نعم، ولكن التضاد والتمانع يرتفع بأن إطلاق " الميتة " حقيقة، ونفي الاسم مجاز بلحاظ نفي الحكم كما هو الشائع. وأما المرحلة الثانية: فقضية ما مر طهارة تلك الاجزاء، سواء جزت، أو قلعت. نعم، في صورة القلع ربما يحتاج الى الغسل لما لاقى الميتة برطوبة. وربما يمكن دعوى وجوب الغسل مع الاحتمال المزبور، قضاء لحق بعض الاخبار الاتية، فتكون العلة والحكمة احتمال التلوث (3).


1 - تقدم في الصفحة 401 - 402. 2 - تقدم في الصفحة 402. 3 - مشارق الشموس: 319 / السطر 3.

[ 407 ]

ويظهر من الشيخ في " الخلاف " و " النهاية " بل و " المبسوط " اختصاص الطهارة بصورة الجزء (1). ويمكن حمل كلامه على أن في صورة القلع لابد من الغسل، فلا يقول بنجاستها العينية، خلافا لما يظهر من " خلافه " من أهل الخلاف القائلين بنجاستها العينية (2). ولكنه خلاف التحقيق، فالنسبة على كل تقدير غير واضحة، فلاحظ وتدبر. وأما توهم نصوصية عبارة " النهاية " في ذلك، لما قال: " ولا يحل شئ منها إذا قلع منها " (3) فهو فاسد، لان ذلك أعم من النجاسة، ولعله كان لا يرى جواز الصلاة فيها كما لا يخفى، والامر بعد ذلك سهل. وهو (قدس سره) وحيد في هذا الرأي والافتاء، ويشهد لما ذهب إليه بعض النصوص، مثل ما مر من معتبر حريز، عنه (عليه السلام) قال: " وإن أخذته منه بعد أن يموت، فاغسله وصل فيه " (4). فإن المراد من " الاخذ " هو القلع حتى يتم رأيه، ولو كان الاعم فيكون دليلا على نجاستها. وهو محجوج بما مر، ضرورة أن الامر بالغسل - بعد النص الثابت على طهارته - لا يشهد على النجاسة بالضرورة. مع أنه مخا لف له


1 - الخلاف 1: 66، النهاية: 585، المبسوط 1: 15. 2 - الخلاف 1: 66. 3 - دروس في فقه الشيعة 2: 350. 4 - الكافي 6: 258 / 4، وسائل الشيعة 24: 180، كتاب الاطعمة والاشربة، أبواب الاطعمة المحرمة، الباب 33، الحديث 3.

[ 408 ]

ولغيره، ولم يذهب أحد إليه، فهذا الامر تنزيهي، لما فيه بعد الموت من القذارة العرفية طبعا، ولا حاجة الى حملها على الوجوب لنجاستها بالقلع، حتى يتوسل بارتكاز العرف على فهم تحقق الملاقاة مع الرطوبة، كما صنعه الوالد المحقق - مد ظله - (1). فبالجملة: يتم الاستدلال بمثله، بناء على حمله على القلع، وحمل الهيئة على الوجوب، من غير اشتراط المباشرة برطوبة، فيكون الغسل واجبا. ويمكن دعوى نجاسته العينية الزائلة بالغسل، كما تزول بالغسل في أموات المؤمنين. وفيه ما لا يخفى، مع أن قضية بعض الاطلاقات طهارة المنتوف، ففي الباب المزبور عن " قرب الاسناد " قال: " لا بأس بما ينتف من الطير والدجاج ينتفع به... " (2). فروع يذكر فيها ما يتعلق بتلك الاشياء المستثناة من الميتة خصوصا: الفرع الاول: في حكم الصوف لا شبهة عندنا في طهارة الصوف، وهو قول أكثر أهل العلم إلا


1 - الطهارة، الامام الخميني (قدس سره) 3: 101. 2 - قرب الاسناد: 136 / 480، وسائل الشيعة 24: 183، كتاب الاطعمة والاشربة، أبواب الاطعمة المحرمة، الباب 33، الحديث 13.

[ 409 ]

الشافعي في أحد قوليه، وهو مضطرب الرأي في هذه المسائل (1). ويظهر من بعض الاخبار نجاسته، فعن " قرب الاسناد " في " جامع الاحاديث " قال: قال جابر بن عبد الله الانصاري: " إن دباغة الصوف والشعر غسله بالماء، وأي شئ أطهر من الماء؟! " (2). وعنه فيه، عن جعفر، عن أبيه (عليه السلام): " أن عليا (عليه السلام) قال: غسل صوف الميت ذكاته " (3). ولكنه لا يقاوم الاخبار الاخر، مع ما في دلالتها، والطهارة مقتضى الجمع بينها. الفرع الثاني: في حكم الشعر ومثله الشعر قولا وخلافا، واستظهارا من الرواية الاولى المزبورة آنفا. الفرع الثالث: في حكم الوبر والوبر طاهر عند المسلمين بلا خلاف. نعم يظهر من تعليل الشافعي


1 - المجموع 1: 236 / السطر 7. 2 - قرب الاسناد: 76 / 246، جامع أحاديث الشيعة 2: 124، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 9، الحديث 16. 3 - قرب الاسناد: 153 / 560، جامع أحاديث الشيعة 2: 125، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 9، الحديث 17.

[ 410 ]

أن النابت نجس نجاسة (1). ولعمري، إنه أخذ من رواياتنا الدالة على أن النابت طاهر عنادا وظلما، كما هو دأبهم في فتاويهم على ما يظهر للمتتبع في الاثار، وقد نص عليه " الكافي " في الرواية السابقة، عن الحسين بن زرارة في الباب المزبور، عنه (عليه السلام) قال: " الشعر والصوف والوبر والريش وكل نابت، لا يكون ميتا... " (2). وفي الكتاب العزيز: (ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين) (3). وتوهم عدم دلالة الاولى على الطهارة، بل هو حكم حيثي لاجل التذكية، غير نافع كما عرفت مرارا. الفرع الرابع: في حكم العظم والعظم طاهر عند الكل إلا الشافعي، فإنه صرح بنجاسته معللا بنموه (4). وفي المآثير في الباب المزبور رواية الحسين بن زرارة، وفيها


1 - بداية المجتهد 1: 80. 2 - الكافي 6: 258 / ذيل الحديث 3، وسائل الشيعة 24: 181، كتاب الاطعمة والاشربة، أبواب الاطعمة المحرمة، الباب 33، الحديث 12. 3 - النحل (16): 80. 4 - المجموع 1: 238 / السطر 4.

[ 411 ]

التصريح بطهارة العظم، معللا بأنه من النابت (1)، وفي بعضها الاخر ذكر عظام الفيل لما فيها الحاجة، فاجيب: بعدم البأس به، وأنه ذكي (2). نعم، ربما يستظهر من رواية " الكافي " في الباب المزبور، عن إسماعيل بن مرار، عن يونس، عنهم (عليه السلام) قا لوا: " خمسة أشياء ذكية مما فيها منافع الخلق: الانفخة، والبيضة، والصوف، والشعر، والوبر " (3) أن العظم نجس، لعدم عده من الخمسة، وظاهرها حصر الاشياء الطاهرة بها. وأنت خبير بما في الدلالة، مع إمكان الجمع العرفي على إشكال، مع أنها ضعيفة اصطلاحا، لعدم توثيق إسماعيل (4) مع عدم مقاومتها لما يدل على ذكاة العظام. اللهم إلا أن يقال (5): بدلالة الاية الكريمة (من يحيي العظام...) (6) على حياتها، ومنعها واضح.


1 - تهذيب الاحكام 9: 78 / 332، وسائل الشيعة 24: 183، كتاب الاطعمة والاشربة، أبواب الاطعمة المحرمة، الباب 33، الحديث 12. 2 - الفقيه 3: 216 / 1006، وسائل الشيعة 24: 182، كتاب الاطعمة والاشربة، أبواب الاطعمة المحرمة، الباب 33، الحديث 10. 3 - الكافي 6: 257 / 2. 4 - تنقيح المقال 1: 144، معجم رجال الحديث 3: 183. 5 - المجموع 1: 238 / السطر 3، لاحظ جواهر الكلام 5: 322. 6 - يس (36): 78.

[ 412 ]

الفرع الخامس: في حكم القرن والمنقار والظفر والمخلب والريش والظلف والسن القرن والمنقار والظفر والمخلب والريش والظلف والسن، كلها طاهرة عندنا (1)، ولا مخالف فيها إلا الشافعي في بعضها نصا (2)، وفي بعضها حسبما يعلل به (3). وفي المآثير النص على طهارة القرن والسن والناب والحافر والريش (4)، وربما يستظهر نجاستها، لما سمعت آنفا، والجواب الجواب. الفرع السادس: في حكم البيض المأخوذ من الميتة البيض من مأكول اللحم إذا كان ميتة، أو مطلق بيضة غير مأكول اللحم، طاهر، أم نجس، أو يفصل، فيه خلاف: فقال العلامة في " التذكرة ": " البيضة في الميتة طاهرة إن اكتست بالجلد الفوقاني، وإلا فلا، وقال الشافعي: إنها نجسة، ورواه الجمهور عن


1 - مدارك الاحكام 2: 272، الحدائق الناضرة 5: 77، مستند الشيعة 1: 175. 2 - المجموع 1: 236 / السطر 7. 3 - تذكرة الفقهاء 1: 62، بداية المجتهد 1: 80. 4 - وسائل الشيعة 24: 180، كتاب الاطعمة والاشربة، أبواب الاطعمة المحرمة، الباب 33، الحديث 3 و 9.

[ 413 ]

علي (عليه السلام) والمشيمة نجسة " (1) انتهى. وفي " الفقه على المذاهب " قال: " إن المالكية قالوا بنجاسة جميع الخارج من الميتة. والحنفية قالوا بطهارة ما خرج منها والبيضة رقيقة القشر وغليظتها طاهرة، بعد كونها طاهرة حال الحياة. والحنابلة قالوا بنجاسة الخارج منها، إلا البيضة إذا تصلب قشرها سواء كانت من ميتة ما يؤكل لحمه، أو غيره، فإنها طاهرة " (2) انتهى. وأما أصحابنا (قدس سرهم) فهم مختلفون حسب التعبير عن القيد المعتبر، من كون القشر صلبا، كما عن " كشف الالتباس " (3) وعرفت من " التذكرة " تعبيرا آخر، وعن بعض المتقدمين و " النهاية " الجلد الغليظ (4)، وفي آخر القشر الاعلى (5)، وقد ادعى الاجماع على الطهارة في هذه الصورة (6). وقد نص الشهيد على عدم الفرق بين بيض المأكول وغيره (7)، والعلامة في " المنتهى " و " النهاية " قوى نجاسة بيض الجلال وما لا


1 - تذكرة الفقهاء 1: 63. 2 - الفقه على المذاهب الاربعة 1: 11. 3 - لاحظ مفتاح الكرامة 1: 147 / السطر 16. 4 - لاحظ ذخيرة المعاد: 148 / السطر 13 - 14، نهاية الاحكام 1: 270. 5 - البيان: 90، روض الجنان: 162 / السطر 24. 6 - مفتاح الكرامة 1: 147 / السطر 10. 7 - لاحظ مفتاح الكرامة 1: 147 / السطر 17.

[ 414 ]

يؤكل (1)، انتهى. والذي ينبغي أن يكون محلا للنظر امور: أحدها: في طهارة البيضة واقعا مع قطع النظر عن كونها في جوف شئ أن البيضة من الاعيان النجسة، أو الطاهرة، مع قطع النظر عن كونها في جوف شئ. الظاهر أنها من الطاهرة، لعدم الدليل على عدها من الاعيان النجسة بعنوانها الذاتي. وربما يستكشف مما سبق في أول مباحث النجاسات، أنها محصورة بعدد خاص (2)، فيكون القول بطهارتها الواقعية قويا، فتأمل. ثانيها: في تبعية البيضة لما اخذت منه في النجاسة أنها في الاعيان النجسة تكون تابعة أم لا. حسب الفهم العرفي أنها تابعة، فلو فرضنا دلالة دليل على نجاسة الجلال من الطير، أو نجاسة طير بعنوانه الذاتي، فلا يسأل عن الاجزاء الوجودية المتعلقة به، وإلا فكل جزء منه يمكن دعوى طهارته، من غير فرق بين الاجزاء المتصلة والمنفصلة، ومن غير الحاجة الى الدليل


1 - منتهى المطلب 1: 166 / السطر 8، نهاية الاحكام 1: 270. 2 - تقدم في الصفحة 293.

[ 415 ]

الخاص في الحاق الاجزاء. وهذا يعلم في جانب الطهارة، مثلا إذا حكم الشرع بطهارة الدجاج، فلا يبقى شك في طهارة البيضة منه، لانها من توابعه، كما في سائر المسائل والموضوعات. ولعمري، إن البيضة من الدجاج كالبيضة من الانسان، في أنها خارجة ومنفصلة، ولكن لا يبقى شك في نجاستها إذا كان الميت نجسا، فعليه فمقتضى القاعدة نجاستها العينية إذا كانت الميتة نجسة، لانها كسائر أجزائها، وإلا فكثير من الاجزاء الداخلة في الباطن طاهرة، لاجل انفصالها عن البدن، فمجرد الانفصال الوجودي غير كاف لتوهم الطهارة. ومما يشهد لذلك ما في رواية أبي حمزة الثمالي، من شهادة قتادة على أنها من الميتة حسب الفهم العرفي، المروية في الباب التاسع من " جامع الاحاديث " (1). ثالثها: في بيان شبهة على طهارة بيضة الميتة قضية الاخبار الكثيرة المشار إليها سابقا، طهارة البيضة من الميتة (2)، وهو مورد الاتفاق، ولا مخالف منا في طهارتها الذاتية. ومقتضى إطلاقها عدم الفرق بين كون الميتة مما كان يؤكل لحمه، أو لا، وهذا هو


1 - جامع أحاديث الشيعة 2: 123، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 9، الحديث 14. 2 - تقدم في الصفحة 411 و 416 و 418.

[ 416 ]

الامر المفروغ عنه في كلماتهم. ولكن للاشكال مجالا واسعا، وذلك لان تلك المآثير والاخبار مخدوشة سندا، أو سندا ودلالة، أو دلالة فقط: أما رواية ابن بكير (1) وصفوان بن يحيى، فهي مروية عن الحسين بن زرارة (2)، وقد مر أنه لم يوثق (3)، وهي ثلاث روايات في الباب التاسع من النجاسات. وأما رواية زرارة المروية في الباب المزبور، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن الانفحة تخرج من الجدي الميت. قال: " لا بأس به ". قلت: اللبن يكون في ضرع الشاة وقد ماتت. قال: " لا بأس به ". قلت: والصوف والشعر والعظام وعظام الفيل والجلد والبيض يخرج من الدجاجة. فقال: " كل هذا ذكي لا بأس به " (4).


1 - الكافي 6: 258 / 3، وسائل الشيعة 24: 180، كتاب الاطعمة والاشربة، أبواب الاطعمة المحرمة، الباب 33، الحديث 4. 2 - تهذيب الاحكام 9: 78 / 332، وسائل الشيعة 24: 183، كتاب الاطعمة والاشربة، أبواب الاطعمة المحرمة، الباب 33، الحديث 12. 3 - تقدم في الصفحة 405. 4 - الفقيه 3: 216 / 1006، وسائل الشيعة 24: 182، كتاب الاطعمة والاشربة، أبواب الاطعمة المحرمة، الباب 33، الحديث 10.

[ 417 ]

فهي وإن كانت معلقة حسب الاصطلاح، ولكنها لا يبعد اعتبارها، إلا أن ظهورها في أن المقصود من " الدجاجة " هي الميتة منها غير مبرهن. وتوهم: أن المراد من " الذكي " هو ذكاته حسب حلية الاكل، فلا تدل على الطهارة، في محله، إلا أن ذلك يستلزم ذاك كما مر مرارا. وحمل هذه المآثير الواردة في مقام الاجوبة على الحكم الحيثي والاضافي، غير صحيح أصلا. ومثلها دلالة رواية إسماعيل بن مرار (1)، مع أنه لم يوثق (2). وأما معتبر حماد، عن حريز، المروي في الباب المزبور (3)، فهو بحسب الدلالة مخدوش، لان قوله في ذيله: " وإن أخذته منه بعد أن يموت، فاغسله وصل فيه " يورث ظهور الصدر في اختصاص السؤال بحال الحياة، وقضية الذيل هي طهارة ما يصلى فيه متعارفا، كالوبر والصوف، فلا يدل على طهارة غير ذلك من الميتة، كما لا يخفى. وأما مرسل " الفقيه " ومسند " الخصال " عن ابن أبي عمير مرفوعا الى أبي عبد الله (عليه السلام) (4) فهو بحسب السند محل الشبهة عند بعض، بل لا يخلو من غلق، فراجع.


1 - الكافي 6: 257 / 2، وسائل الشيعة 24: 179، كتاب الاطعمة والاشربة، أبواب الاطعمة المحرمة، الباب 33، الحديث 2. 2 - تقدم في الصفحة 411. 3 - الكافي 6: 258 / 4، وسائل الشيعة 24: 180، كتاب الاطعمة والاشربة، أبواب الاطعمة المحرمة، الباب 33، الحديث 3. 4 - الفقيه 3: 219 / 1011، الخصال: 434 / 19.

[ 418 ]

وأما رواية غياث بن إبراهيم، عن أبي عبدا لله (عليه السلام) في بيضة خرجت من است دجاجة ميتة. فقال: " إن كانت البيضة اكتست الجلد الغليظ، فلا بأس بها " (1). فهي وإن كانت بحسب السند مورد طعن " المدارك " (2) و " المعا لم " (3) ولكنها بحسب الدقة معتبرة، لان ابن إبراهيم ولو كان بتريا، ولكنه موثق، والمراد من محمد بن يحيى الراوي عنه هو الخزاز ظاهرا، ولو كان هو الخثعمي فهو أيضا معتبر (4). ولكن الاشكال في دلالتها، لانه لا يستفاد منها طهارتها الذاتية قبل الاكتساء، ضرورة أن احتمال كونها قبل الاكتساء تعد من أجزاء الميت، وبعده تعد مستقلة وخارجة عن تحت العنوان المزبور، قوي. وأما رواية الثمالي (5)، فهي وإن دلت على الطهارة، لاجل أن تجويز الاكل يستلزم ذلك، ولكن في سندها محمد بن علي المشترك بين جماعة (6)، ويشكل العثور على انه أي واحد منهم، فليتدبر.


1 - الكافي 6: 258 / 5، وسائل الشيعة 24: 181، كتاب الاطعمة والاشربة، أبواب الاطعمة المحرمة، الباب 33، الحديث 6. 2 - مدارك الاحكام 2: 273. 3 - لاحظ الحدائق الناضرة 5: 91. 4 - رجال النجاشي: 359، هداية المحدثين: 258، دروس في فقه الشيعة 2: 348. 5 - الكافي 6: 256 / 1، وسائل الشيعة 24: 179، كتاب الاطعمة والاشربة، أبواب الاطعمة المحرمة، الباب 33، الحديث 1. 6 - هداية المحدثين: 244.

[ 419 ]

بقي شئ: في الاستدلال على الطهارة بقوله (عليه السلام): " إن الصوف ليس فيه روح " مثلا وهو أن الطهارة مقتضى قوله (عليه السلام) في ذيل معتبر الحلبي: " إن الصوف ليس فيه روح " (1) ومقتضى قوله (عليه السلام): " كل ذلك نابت لا يكون ميتا " في ذيل رواية الحسين بن زرارة (2). وفيه: أن النظر في ذلك الى أمثال الوبر والصوف مما ليس فيه الروح، ولا يشمل حتى مثل العظم، مما فيه الاحساس والوجع إذا كان يقطع، فليتدبر. فالطهارة مستندة الى الاتفاق المستند الى المآثير المزبورة. ولكن هذه المناوشات قبال الامور الواضحة، غير مسموعة، لما أنا بنينا على العمل بمثل هذه الاخبار وإن كانت أسانيدها مشتملة على مثل ابن زرارة. رابعها: حول اشتراط طهارة البيضة بالاكتساء بالقشر مثلا بعد البناء على طهارته الذاتية وجواز أكله، فهل يشترط الطهارة وجواز الاكل بشئ آخر كالاكتساء، أم لا؟ فيه وجهان:


1 - تهذيب الاحكام 2: 368 / 1530، وسائل الشيعة 3: 513، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 68، الحديث 1. 2 - تهذيب الاحكام 9: 78 / 332، وسائل الشيعة 24: 183، كتاب الاطعمة والاشربة، أبواب الاطعمة المحرمة، الباب 33، الحديث 12.

[ 420 ]

قضية القواعد وإطلاقات الادلة عدم الاشتراط، ومقتضى معتبر غياث بن إبراهيم الماضي آنفا هو الاشتراط، وهو مذهب الاكثر (1)، بل عليه دعوى الاتفاق (2). وربما يشكل ذلك - كما عن " المدارك " و " المعا لم " (3) - سندا، فيكون الاطلاق ثابتا. وفيه ما اشير إليه، وأنهما كأنما كانا يعتبران الزائد على الوثاقة في العمل بالرواية، ولعل هذا كان ميراث الاردبيلي (قدس سره) وقد وصل اليهما في الدرس لالقاء شبهة منه عليهما. والذي هو الاشكال: أن تقييد المطلقات الكثيرة بقيد واحد مشكل، ويقوى في النظر أن اعتبار الاكتساء كان لاجل عدم تلوثه بالملاقاة مع الباطن، فيكون قيدا مندوبا، وإلا فلو خرجت بلا اكتساء، ثم غسلت بالماء فلا يبعد طهارتها وجواز أكلها. ومما يشكل عليه: أن الظاهر من رواية غياث أن جواز الاكل مشروط، وهذا لا يستلزم اشتراط الطهارة بالاكتساء رأسا. وأنت خبير بما فيه وهنا من عدم دلالتها على الاكل جوازا ومنعا، ومجرد نقل الاصحاب في كتاب الاطعمة لا يورث ذلك، مع أن " جامع


1 - دروس في فقه الشيعة 2: 347، مهذب الاحكام 1: 310. 2 - الحدائق الناضرة 5: 91، جواهر الكلام 5: 322. 3 - مدارك الاحكام 2: 273، لاحظ الحدائق الناضرة 5: 91.

[ 421 ]

الاحاديث " ذكرها في هذه المسألة (1) فقوله (عليه السلام): " لا بأس بها " يشمل الحلية والطهارة. نعم، تقييد تلك المطلقات بمفهوم الشرط مع إهماله - لانه لا سبيل الى تعيين الاطلاق في ناحية المفهوم - مشكل آخر في المسألة. فعلى ما تقرر، القول بطهارته وجواز أكله من غير لزوم الاكتساء قوي جدا، ولا إجماع في المسألة إلا وهو معلل بتلك الرواية. خامسها: في وجوب غسل البيضة بعد البناء المزبور، فهل يجب غسلها إذا خرجت، أم لا؟ فيه وجهان: من أنها لاقت النجس. ومن أن الملاقاة في الباطن لا توجب النجاسة، خصوصا إذا كان الملاقي والملاقى من الباطن. نعم، إذا لاقى ظاهر الميتة عند الخروج وكانت رطبة، فلابد من الغسل. سادسها: في وجه اشتراط طهارة البيض بكونه من مأكول اللحم قد عرفت أن العلامة - بل المحكي عن " النهاية " - اعتبر في طهارة


1 - جامع أحاديث الشيعة 2: 120 - 126، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 9.

[ 422 ]

البيض كونه من مأكول اللحم (1)، والمعروف عنهم أنه بلا وجه (2). والذي أظنه وجها: أن قاعدة تبعية الاجزاء تقتضي النجاسة، كما اشير إليه (3)، والمخرج قاصر عن شمول بيض غير المأكول، لان الاخبار المتكفلة لحكم البيض بين ما يشكل سندا وإن كان يتم إطلاقه (4)، وبين ما يتم سندا، ولكن مخصوص بالمأكول (5)، فالاطلاق الذي ابتلي به المتأخرون في التمسك به لدفع شهبة العلامة (6)، قابل الخدشة. نعم، إذا قلنا: بأن الطهارة قضية القاعدة، فهي مندفعة بها كما لا يخفى. الفرع السابع: في حكم الانفحة وقد اختلفت آراء الخاصة والعامة في طهارتها الذاتية والعرضية ونجاستها، فعن الما لكية والشافعية والحنابلة نجاستها، وظاهرهم العينية (7).


1 - تقدم في الصفحة 413. 2 - جواهر الكلام 5: 324. 3 - تقدم في الصفحة 401. 4 - تقدم في الصفحة 415. 5 - تقدم في الصفحة 416. 6 - دروس في فقه الشيعة 2: 349، مهذب الاحكام 1: 310. 7 - منتهى المطلب 1: 165 / السطر 35، المغني، ابن قدامة 1: 61 / السطر 11، المجموع 2: 570 / السطر 6.

[ 423 ]

وعن الحنفية طهارتها (1). وعليها الاجماعات المحكية عن كتبهم المختلفة (2)، إلا أن بعضا منهم اعتبر وجوب الغسل، معللا بنجاستها العرضية، وهم " الذكرى " و " كشف الالتباس " و " المدارك " (3) وهو مورد ميل " الروضة " و " الذخيرة " (4) وهو المحكي عن " نهاية العلامة " لايجابه ذلك في البيضة (5). المراد من " الانفحة " وأنها المظروف وحيث إن قضية الصناعة السابقة نجاستها، لانها من الميتة إن كانت كرشا وفي حكم المعدة - بل ولو كانت هي الماء الاصفر الموجود فيه، لان دليل طهارة ما لا تحله الحياة قاصر عن شمول مثله، بل تلك الادلة على تقدير تماميتها، ناظرة الى ما ينبت من الحيوان، كالصوف والوبر والريش والظفر وأمثا لها، ولا تشمل مثل الدم رأسا حتى يحتاج الى التخصيص، فما في كتاب السيد العلامة الوالد - مد ظله - من


1 - نفس المصادر، المغني، ابن قدامة 1: 61 / السطر 12. 2 - مفتاح الكرامة 1: 155 / السطر 25، منتهى المطلب 1: 165 / السطر 35، مدارك الاحكام 2: 273. 3 - ذكرى الشيعة: 14 / السطر 3، لاحظ مفتاح الكرامة 1: 155 / السطر 29، مدارك الاحكام 2: 274. 4 - الروضة البهية 2: 277 / السطر 13، ذخيرة المعاد: 148 / السطر الاول. 5 - مفتاح الكرامة 1: 155 / السطر 30، نهاية الاحكام 1: 270.

[ 424 ]

الاستناد الى تلك الكلية (1)، فهي عندنا غير مسلمة كما عرفت - فلا بد من النظر الى ما هو المراد من " الانفحة " في الاخبار. وغير خفي: أن مقتضى القواعد عندنا هي الطهارة عند الشك في المراد منها، لان إجمال دليل المخصص يسري الى العام عندنا، فإذا ثبت أن الانفحة هي الماء في الكرش وهو نفس المظروف فهو، وإلا فإذا شك واشتبه الامر حسب المفهوم اللغوي فيكون مجملا. نعم، بناء الاصحاب (رحمهم الله) على التمسك بالعام، وما ترى في كتب بعض الافاضل من التعجب من التمسك بقاعدة الطهارة، لوجود الدليل الاجتهادي (2)، في غير محله، لان المسألة من صغريات التمسك بالعام في الشبهة المصداقية الناشئة عن الشبهة المفهومية. ولعمري، إن الخروج عن الاختلاف الكثير المتراءى من اللغويين والفقهاء الى أمر معلوم ومفهوم واضح بين، في غاية الاشكال. ولا يبعد كون الانفحة حسب فهم الفقهاء نفس الظرف، كما عرفت في كلماتهم السابقة من اعتبارهم الغسل، للسراية والملاقاة، وإلا فالماء الاصفر الداخل في جوفه غير قابل للغسل، لاستلزامه سقوطه عن خاصيته، فتأمل. وأما حسب الاخبار، فلا يبعد كونها المظروف، ففي خبر الحسين بن زرارة السابق قال: وسأله أبي عن الانفحة تكون في بطن العناق أو


1 - الطهارة، الامام الخميني (قدس سره) 3: 108. 2 - مستمسك العروة الوثقى 1: 309، دروس في فقه الشيعة 2: 358.

[ 425 ]

الجدي وهو ميت. فقال: " لا بأس به " (1). وفي خبر يونس الماضي عنهم (عليهم السلام) قالوا: " خمسة أشياء ذكية مما فيها منافع الخلق: الانفحة والبيضة... " (2). فإن ما هو مورد الانتفاع هو المظروف الذي يعبر عنه في الفارسية ب‍ (مايه پنير) دون الظرف، فإن له منفعة جزئية مشتركة فيها سائر الاجزاء. وفي رواية أبي حمزة الثمالي المفصلة قال قتادة: وربما جعلت فيه إنفحة الميت. قال: " ليس بها بأس، إن الانفحة ليست لها عرق، ولا فيها دم، ولا لها عظم، إنما تخرج من بين فرث ودم... " (3). فإنه كالنص في أنها المظروف، وإلا فالظرف فيه العروق الصغار، وفي كل عرق دم سائل، فهي كاللبن. ولعمري، إن من تدبر في الاثار حسب الاستعمال، وتوجه الى خصوصية الحكم الكلي البالغ - وهو أن ما هو المستثنى من الميتة ما لا روح فيه ولا نفس له - يتوجه الى أن الانفحة تكون منها، لا من الاجزاء


1 - تقدم في الصفحة 419. 2 - الكافي 6: 257 / 2، وسائل الشيعة 24: 179، كتاب الاطعمة والاشربة، أبواب الاطعمة المحرمة، الباب 33، الحديث 2. 3 - الكافي 6: 256 / 1، وسائل الشيعة 24: 179، كتاب الاطعمة والاشربة، أبواب الاطعمة المحرمة، الباب 33، الحديث 1.

[ 426 ]

الباطنية كالامعاء والمعدة. ويؤيد ذلك كلام جمع من اللغويين. ومن العجيب ما يظهر من " القاموس " و " محيط المحيط " و " الاقرب " (1) المتفقة على عبارة واحدة من المناقضة، فإن ظاهرهم أن الانفحة هي المظروف، والمظروف يصير ظرفا إذا كان يأكل وخرج عن الرضاعة!! فهذا قول ثالث، ولكنه مفيد لما نحن فيه كما لا يخفى. وقد حكي عن بعض الخبراء: " أنها هي المادة المنجمدة في جوف الكرش صفراء يجبن بها " واختاره السيدان الاصفهاني (رحمه الله) والوالد المحقق - مد ظله - في " الوسيلة " و " تحريرها " (2). ومما يؤيد ذلك بل يدل عليه، المآثير المذكورة في الشبهة غير المحصورة، وقد ذكرها الوالد المتتبع حفظه الله تعالى هنا (3)، ومن العجب خلو " جامع الاحاديث " منها!! وهي كثيرة تأتي من ذي قبل، فإنها بكثرتها ظاهرة في أن الانفحة هي المادة، لا الظرف. ولعمري، إن الشبهة مرتفعة بعد ذلك قطعا. هذا كله حول الموضوع. في طهارة الانفحة وأما حكم المسألة، فقد عرفت بما لا مزيد عليه من الاخبار ما يدل على طهارتها وجواز أكلها، ولكن هناك بعض ما يدل على نجاستها: فمنها: ما رواه " الوسائل " في الباب الحادي والستين من أبواب


1 - القاموس المحيط 1: 262، محيط المحيط: 906، أقرب الموارد 2: 1326. 2 - وسيلة النجاة 1: 104، تحرير الوسيلة 1: 115. 3 - الطهارة، الامام الخميني (قدس سره) 3: 104.

[ 427 ]

الاطعمة المباحة عن " المحاسن " بإسناده المعتبر عن بكر بن حبيب قال: سئل أبو عبد الله عن الجبن، وأنه توضع فيه الانفحة من الميتة. قال: " لا تصلح " ثم أرسل بدرهم فقال: " اشتر من رجل مسلم، ولا تسأله عن شئ " (1). وتوهم الحمل على التقية (2) بعد ما عرفت من رأي الحنفية بالطهارة (3)، في غير محله، لان رأيه كان مشهورا في عصره (عليه السلام) وكان ينبغي أن يتقى منه، فما يدل على الطهارة أولى بالحمل على التقية عند المعارضة. وأما بكر بن حبيب، فهو وإن لم يوثق في المتون الرجا لية (4)، ولكنه عندنا حسب التحقيق معتبر، ولا سيما بعد انضمام رواية صفوان، عن منصور بن حازم، عنه، فهو يورث الوثوق بأصل الرواية. وأما ما أفاده الشيخ كما ذكرناه سابقا من بكر بن محمد بن حبيب، فهو غير بكر بن حبيب، فإن ذاك هو المازني النحوي المتوفى (248 ه‍) ولا يتمكن من الرواية عن الباقر والصادق (عليهما السلام)، فلا تخلط. ومنها: ما رواه في الباب المزبور عن الكتاب المذكور، عن أبيه، عن محمد بن سنان، عن أبي الجارود قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الجبن،


1 - المحاسن: 496 / 598، وسائل الشيعة 25: 118، كتاب الاطعمة والاشربة، أبواب الاطعمة المباحة، الباب 61، الحديث 4. 2 - مصباح الفقيه، الطهارة: 532 / السطر 27، الطهارة، الامام الخميني (قدس سره) 3: 105. 3 - تقدم في الصفحة 422. 4 - معجم رجال الحديث 3: 343.

[ 428 ]

فقلت له: أخبرني من رأى أنه يجعل فيه الميتة. فقال: " أمن أجل مكان واحد يجعل فيه الميتة، حرم في جميع الارضين؟!... " (1). ومنها: غير ذلك مما ذكر في الباب المذكور (2). وأما الاشكال عليها سندا بمحمد بن سنان (3)، وأبي الجارود، ولا سيما في خصوص رواية ابن سنان عن أبي الجارود، مما نص ابن الغضائري على " أن حديثه في حديث أصحابنا أكثر منه في الزيدية، وأصحابنا يكرهون ما رواه محمد بن سنان عنه، ويعتمدون ما رواه محمد بن أبي بكر الارجني " (4) انتهى. فهو قابل للدفع، لما أن جمعا من الاعلام اعتبروا أحاديثهما. ولكن الكلام في عدول الامامية عنها، وذهابهم الى طهارة الانفحة. والجمع بينهما بحمل الطائفة الاولى على المظروف، وهذه على الظرف، أو الحمل على أن الاستدلال كان من الاخذ بما التزموا به، وإيجاد الشبهة إثباتا على تقدير نجاستها ثبوتا (5)، من المحامل البعيدة عن افق


1 - المحاسن: 495 / 597، وسائل الشيعة 25: 119، كتاب الاطعمة والاشربة، أبواب الاطعمة المباحة، الباب 61، الحديث 5. 2 - المحاسن: 496 / 599، وسائل الشيعة 25: 119، كتاب الاطعمة والاشربة، أبواب الاطعمة المباحة، الباب 61، الحديث 6. 3 - مهذب الاحكام 1: 312. 4 - مجمع الرجال 3: 74. 5 - مصباح الفقيه، الطهارة: 532 / السطر 17.

[ 429 ]

الاعتبار. بل هذا غير صحيح، لما عرفت من ذهاب أبي حنيفة الى الطهارة (1). أو الحمل على أن المقصود إطلاق لفظة " الميتة " عليه، لما أن قتادة قال: " إنها من الميتة " (2) فإنه أيضا غير مقبول، لانه من أرباب الفتاوى غير المعروفة، فلا يتقى منه، فلا تصل النوبة الى المعارضة، لعدم حجية هذه الطائفة بعد الاعراض عن المضمون. ولو سلمنا المعارضة - كما عليه جمع، حسب اقتضاء الصناعة ذلك - فالترجيح مع طائفة الطهارة، لا كثريتها عددا، وأشهريتها رواية، وأظهريتها دلالة، وأصحيتها سندا. تذنيب: حول قضية الصناعة عند الشك في مفهوم " الانفحة " وكون الظرف مورد الشك قد عرفت قضية الصناعة عند الشك في مفهوم " الانفحة " بعد البناء على أن المظروف يكون خارجا، والظرف مورد الشك، فإنه يرجع الى إجمال عنوان المخصص مع تردد أمره بين الاقل والاكثر، من غير فرق بين أن نقول: بأن المظروف طاهر ذاتا وعرضا، أو قلنا: بأنه طاهر ذاتا، واحتاج الى الغسل لو كان الظرف خارجا عن مفهوم " الانفحة ".


1 - تقدم في الصفحة 424. 2 - مصباح الفقيه، الطهارة: 532 / السطر 18.

[ 430 ]

بقي بحث في مقتضى الصناعة عند الشك في مفهوم الانفحة حول الشك في أن الانفحة مرددة بين كونها نفس الظرف، وبين كونها نفس المظروف، أو هما معا، وعلى تقدير كونها نفس المظروف بين كونها قابلة للتطهير بالملاقاة، أو ليست قابلة له، لانها مائع كاللبن، ولا دليل على الاستثناء، فهل قضية القواعد الرجوع الى الادلة الاجتهادية لرفع الشبهة، أو تصل النوبة الى الاصول العملية؟ لا شبهة في أن أصا لة الاطلاق والعموم، تقضي بالنجاسة بالنسبة الى جميع الاجزاء، والتي هي الخارجة عنها ما لا تحلها الحياة، ولا شبهة في أن مقتضى ذلك الاطلاق والعموم، منجسية الميتة لكل ما لاقاها، سواء كانت الملاقاة في الباطن، أو الظاهر، ولا شبهة في أنا نعلم إجمالا بخروج الظرف، أو المظروف، أو هما معا من أحد الاطلاقين والعمومين، لانه يعلم إجمالا إما بطهارة الظرف، وهو مما تحله الحياة، أو نجاسته وطهارة المظروف، فتكون الملاقاة غير منجسة، لان الالتزام با لطهارة مع النجاسة، خلاف ظاهر الادلة إذا كانت جامدة، أو يلزم اللغوية إذا كانت مائعة. وأما إذا كانت الانفحة هما معا، كما استند الى " العروة الوثقى " اختياره (1)، فالخروج الاول يستلزم عدم ورود التخصيص والتقييد على


1 - دروس في فقه الشيعة 2: 365، لاحظ العروة الوثقى 1: 58، فصل في النجاسات، الرابع.

[ 431 ]

دليل منجسية الملاقاة، لانه لاقى الطاهر وهاالظرف، فلا يصير نجسا بها، فعلى هذا لا يمكن دعوى: أن الاولى هو الالتزام بتقييد الاطلاق الاول أو الثاني. ومن الممكن دعوى تقييد أدلة حرمة أكل النجس، فيكون المظروف أو الظرف باقيا على حالهما، ولكن يستثنى من تلك الادلة، أو يقال بالعفو، فلا يعلم إجمالا بالتقييد أو التخصيص في الطائفتين المزبورتين. وتوهم: أن العلم الاجمالي ينحل الى العلم التفصيلي والشك البدوي، في غير محله، لما عرفت: من أن كل واحد من الظرف والمظروف، يمكن أن يكون هو القدر المتيقن. نعم، بناء على الالتزام بطهارة المظروف على جميع التقادير ينحل، ولكنه قد عرفت حكمه فيما سبق، وهذا واضح. وبالجملة: في المسألة (إن قلت قلتات) ولكن بعد ما عرفت منا حقيقة الامر في المقام - من اتضاح معنى الانفحة - لا تصل النوبة الى بسط الكلام حول هذه التوهمات غير المنتهية الى معنى مسلم عند العقلاء، فليتدبر جيدا. تنبيه: حول حكم الانفحة الجامدة والسائلة بناء على ما هو المختار، من أن الانفحة هي المظروف، فإن خرج مائعا، وكان بالطبع ونوعا مائعا، فلا شبهة في جواز استعمالها حتى حال

[ 432 ]

الجمود من غير الحاجة الى التغسيل، لاطلاق أدلتها، وتقدمها على دليل حرمة أكل النجس، أو على دليل منجسية الانجاس. وأما استفادة طهارته على الاطلاق، حتى يترتب عليه جميع أحكامها، فهو موقوف على دعوى: أن العرف ينتقل منها إليها، وإلا فمن الممكن دعوى: أنه معفو عنه، لما فيه المنافع الكثيرة، كما عرفت من المآثير (1). وهكذا استفادة طهارة الظرف باطنه وظاهره، أو خصوص ظاهره، فإنه بعد سكوت الادلة مشكل، لعدم الملازمة بين طهارة المظروف والظرف بعد إمكان تخصيص دليل منجسية النجس، خصوصا فيما إذا كانت الملاقاة في الباطن مع الباطن، فإنه حينئذ يمكن إنكار أصل نجاسة المائع، ولكنه لا ينتهي الى طهارة الظرف. ولو خرج مائعا، ولكن كانت مصاديق الانفحة بين الحالتين نوعا، ولا غلبة لاحداهما على الاخرى، فلا يبعد دعوى: أنه مثل ما مضى في الحكم. نعم، لو كانت مصاديقها نوعا جامدة، فإن قلنا بلزوم غسلها، فلابد من الاجتناب عنها إذا كانت مائعة، لعدم ثبوت العفو عنها بعد القول بنجاستها حسب الادلة. نعم، على القول بعدم حاجة الجامد منها الى الغسل، لانه يستلزم سقوطها عن الخاصية المنتظرة منها، أو لان إطلاق أدلتها يؤدي الى ذلك كما لا يبعد، فلا يجب إراقتها كما لا يخفى.


1 - تقدم في الصفحة 418 و 425.

[ 433 ]

مسألة: في حكم إنفحة ما لا يؤكل لحمه إنفحة غير المأكول، أو إنفحة المأكول ذاتا وغير المأكول عرضا كالجلال، أو إنفحة المأكول غير المتعارف، كالحمار والفرس، أو إنفحة غير المتعارف في الاستفادة، كإنفحة البقر والابل، طاهرة كإنفحة الجدي والحمل، أم هي نجسة، بناء على كونها مع قطع النظر عن هذه الاخبار الواردة في خصوصها نجسة. فالكلام هنا حول ما إذا كانت الانفحة مع قطع النظر عن هذه الاخبار، نجسة ذاتا أو عرضا، وإلا فلو كانت هي طاهرة فلا حاجة الى إدراجها تحت مفادها. إذا عرفت ذلك فربما يقال: بأن بعد فرض كون الانفحة من الميتة حسبما عرفت منا (1)، والميتة من النجاسات العينية، فالاستثناء منها يقتضي طهارتها، من غير النظر الى أن هذه الميتة قبل الموت كانت مأكولة اللحم، أو غير مأكولة اللحم، لاشتراك ميتة الكل في النجاسة وهي المستثناة من الميتة، لا من الحيوان الكذائي الطاهر العين حتى يختلف بين أنواع الحيوان (2). وأما اشتمال بعض الاخبار على أنها مما يكثر انتفاع الخلق منها (3)،


1 - تقدم في الصفحة 423. 2 - مصباح الفقيه، الطهارة: 532 / السطر 28. 3 - الكافي 6: 257 / 2، وسائل الشيعة 24: 179، كتاب الاطعمة والاشربة، أبواب الاطعمة المحرمة، الباب 33، الحديث 2.

[ 434 ]

وهذا يختص بطائفة دون طائفة، فهو لا يورث تفصيلا في المسألة، لان ذلك مما يعد حكمة في الحكم، وإلا يلزم القول بنجاسة الانفحة مما لا يؤكل عادة كالحمار، وبطهارة ما يجعل في الجبن مما لا يؤكل مطلقا، لان الميزان هو المتعارف في الانتفاع من الانفحة، لا من حيوانها كما لا يخفى. فالقول بأن الانفحة من الكل في حد واحد، قوي جدا، وما ترى في كتب الاصحاب من الاغتشاش، ناشئ من الغفلة عن حقيقة الحال. هذا، وحيث عرفت: أن الانفحة هي المظروف (1)، وعرفت الاشكال في شمول دليل طهارة ما لا تحله الحياة لمثله (2)، فيشكل طهارتها الذاتية، لانها من الميتة عرفا، وملحقة بها حكما، فلولا ما ذكرناه يكون القول بنجاستها الذاتية قويا جدا. وأما توهم عدم صدق " الانفحة " على غير المأكول لحمه، مستدلا بالرواية كما في " المصباح " (3) فهو - مضافا الى ضعف الاستدلال - يورث الحصر بمورده. الفرع الثامن: في حكم اللبن في ضرع الميتة كان الى زمان ابن إدريس مشهورا بين الاصحاب - رضي الله عنهم -


1 - تقدم في الصفحة 424 - 425. 2 - تقدم في الصفحة 423. 3 - مصباح الفقيه، الطهارة: 532 / السطر 29.

[ 435 ]

وعن " الغنية " و " الخلاف " دعوى الاجماع عليه (1)، وهو المعروف عند المتأخرين كما في " المسا لك " (2) وما رأيت حكاية النجاسة عن أحد من القدماء إلا " المراسم " (3). ومع ذلك قال ابن إدريس: " إنه نجس بغير خلاف عن المحصلين من أصحابنا " (4) ولعله ناظر الى نفي التحصيل عن القائلين بالطهارة. وقال " المنتهى " و " جامع المقاصد ": " إنه المشهور " (5) وعن الاخير " أنه الموافق لاصول المذهب " (6). والذي هو الظاهر: أن كل أحد إذا كان يؤدي نظره الى طرف، نسبه الى الشهرة والاكثر، أو ادعى الاتفاق والاجماع، وهذا مما يظهر بعد المراجعة الى " مفتاح الكرامة " (7) والمتون الاخر في الاطعمة والاشربة. وعلى هذا، ففي المسألة قولان: الطهارة، ولعله كان عند القدماء (8)


1 - مفتاح الكرامة 1: 154 / السطر 27، الغنية، ضمن الجوامع الفقهية: 557 / السطر 7، الخلاف 1: 519. 2 - مسالك الافهام 2: 194 / السطر 43. 3 - لاحظ المهذب البارع 4: 214، المراسم: 211. 4 - السرائر 3: 112. 5 - منتهى المطلب 1: 165 / السطر 21، جامع المقاصد 1: 167. 6 - مفتاح الكرامة 1: 154 / السطر 19، جامع المقاصد 1: 167. 7 - انظر مفتاح الكرامة 1: 154 - 155. 8 - الهداية، ضمن الجوامع الفقهية: 62 / السطر 28، المقنعة: 583، النهاية: 585، الخلاف 1: 519، الوسيلة: 361 - 362، المهذب 2: 441.

[ 436 ]

والمتأخرين (1) أشهر، بل المشهور، والنجاسة وهو عند المتوسطين من عصر ابن إدريس الى العلامة (2)، ومن بعده الى عصر " المسا لك " والاردبيلي (3)، والاخير كأنه مردد في المسألة (4) وإن مال الى الطهارة، فالمتبع بعد ذلك هو الدليل، ولا سيما بعد عدم تعرض بعض من القدماء، كالسيد في " الناصريات " و " الانتصار " واتباعه (5). ويظهر التفصيل بين لبن الجارية الميتة وغيرها، فيقال بطهارته منها (6). وربما يستظهر من الصدوق العكس (7)، فيكون هو من النجاسات إذا كان عن جارية، ومن الطاهرات إذا كان عن شاة مثلا، وهو المحكي عن الاسكافي (8)، والله العالم. ثم إن أبناء العامة قد اختلفت آراؤهم حسب الكتب، فيظهر من " منتهى العلامة " أن النجاسة قول مالك، والشافعي، وأحمد في رواية، والطهارة قول أبي حنيفة، وداود، وأحمد في رواية اخرى ضعيفة (9).


1 - مسالك الافهام 2: 194 / السطر 42، مدارك الاحكام 2: 274، كفاية الاحكام: 11 / السطر الاخير، ذخيرة المعاد: 148 / السطر 17. 2 - شرائع الاسلام 3: 175، منتهى المطلب 1: 165 / السطر 21. 3 - المهذب البارع 4: 213، جامع المقاصد 1: 167. 4 - مجمع الفائدة والبرهان 1: 305. 5 - جواهر الكلام 5: 331. 6 - مفتاح الكرامة 1: 155 / السطر 5. 7 - مفتاح الكرامة 1: 155 / السطر 8، المقنع: 15. 8 - مختلف الشيعة: 56 / السطر 36. 9 - منتهى المطلب 1: 165 / السطر 22.

[ 437 ]

ويظهر من " الفقه على المذاهب " أن النجاسة قول الكل إلا الحنفية (1)، وهذا هو الظاهر من الشيخ (2)، إلا أنه قال في مقام حمل رواية وهب بن وهب (3) على التقية: " بأنها موافقة لمذاهب العامة، لانهم يحرمون كل شئ من الميتة، ولا يجيزون استعما لها على حال " (4) انتهى، وهذا ينافي ما سبق بعمومه، والامر سهل. بيان مقتضى القواعد في لبن الجارية أقول: ربما يشكل الطهارة، لان مقتضى القواعد هي النجاسة، لعدم الفرق - على ما مر - بين الملاقاة مع الباطن في الباطن، أو مع الظاهر، بعد قيام الدليل على منجسية النجس في الجملة عرضا، وإن اختلفت آراؤهم طولا. اللهم إلا أن يقال: إن دليل " ما لا تحله الحياة لا ينجس " يشمل اللبن، وفرارا من اللغوية لابد من القول بالطهارة. بل يمكن استكشاف طهارة الضرع باطنه وظاهره (5). وفيه: أن لغوية إطلاق الدليل مما لا يجب الفرار منها، وما هو يفر


1 - الفقه على المذاهب الاربعة 1: 11. 2 - الخلاف 1: 519. 3 - تهذيب الاحكام 9: 76 / 325، وسائل الشيعة 24: 183، كتاب الاطعمة والاشربة، أبواب الاطعمة المحرمة، الباب 33، الحديث 11. 4 - تهذيب الاحكام 9: 77، ذيل الحديث 325. 5 - دروس في فقه الشيعة 2: 361.

[ 438 ]

منه لغوية ذات الدليل وتمام المدلول، فعند ذلك تقع المعارضة بين إطلاق ما دل على طهارة ما لا تحله الحياة، وإطلاق دليل نجاسة الميتة وهو منها، وإطلاق دليل منجسية النجس. وتوهم عدم شمول الدليل الثاني لما نحن فيه، مدفوع بما عرفت. وتوهم اختصاص منجسية النجس بما إذا كانت الملاقاة بعد النجاسة، وبعبارة اخرى: المعتبر هو الملاقاة بمعناها المصدري، وهي هنا غير متحققة، غير مرضي. نعم قضية ما سلف (1)، أن أدلة طهارة ما لا تحله الحياة، تقصر عن شمول المائعات، كالاعراق واللبن والدم، وتختص بالنابتات في البدن، كالشعر والصوف والظفر، وأمثا لها مما عد في كثير من المآثير، وفي ذيلها العمومات الواردة المقتضية لطهارة ما لا تحله الحياة (2)، فراجع وتأمل حتى يظهر لك ما خطر بالبال، فعليه تبقى قاعدة نجاسة اللبن - ذاتية وعرضية - باقية على حالها. هذا، ولو فرضنا المعارضة بين قاعدة طهارة ما لا تحله الحياة، وقاعدة نجاسة المائع بملاقاة النجس، فهي بالعموم من وجه، ولا ترجيح، إلا أن الدليل الاول - لمكان تعرضه لطهارته الذاتية - لا يقاوم الثاني، والثاني يقدم عليه.


1 - تقدم في الصفحة 423. 2 - وسائل الشيعة 24: 179، كتاب الاطعمة والاشربة، أبواب الاطعمة المحرمة، الباب 33.

[ 439 ]

وبعبارة اخرى: لا معارضة بعد ذلك، لعدم المنافاة بين الطهارة الذاتية ونجاسته العرضية، ولا يلزم عند ذلك الالتزام بطهارته فرارا من اللغوية، لما عرفت. نعم، لو سلمنا ذلك فتصل النوبة الى قاعدة الطهارة، بل واستصحابها. اللهم إلا ترجح إحداهما على الاخرى بالمرجحات، والترجيح مع قاعدة منجسية النجس، لانها أقوى، وقد عدت من اصول المذهب (1). مع أن استقذار العقلاء والعرف من أسباب رجوعهم الى نجاستها، والاخذ بما يدل عليها، وطرح الاخر. هذا كله حول قضية القواعد في اللبن. مقتضى المآثير الواردة في لبن الميتة وربما يشكل طهارته بعد هذا، لاجل الشبهة فيما يدل عليها سندا ودلالة، كما عرفت في الانفحة (2)، وهو هنا أقوى، وقد تعرض لها الوالد المحقق - مد ظله - ولقد أجاد فيما أفاد (3)، وبمثل ذلك يفوق الاخرين. فبالجملة نقول: روايات اللبن بين ما تضعف سندا، كرواية الحسين بن زرارة (4)، مع أنها في نسخة " الكافي " خالية من كلمة " اللبن " وهذا هو


1 - جامع المقاصد 1: 167. 2 - تقدم في الصفحة 428 - 429. 3 - الطهار، الامام الخميني (قدس سره) 3: 112 - 114. 4 - على ما في وسائل الشيعة 24: 180، كتاب الاطعمة والاشربة، أبواب الاطعمة المحرمة، الباب 33، الحديث 4، انظر الكافي 6: 258 / 3.

[ 440 ]

المهم هنا، وإلا فالحسين بن زرارة عندنا معتبر كما عرفت (1). وفي حكمها ما رواه " التهذيب " و " الاستبصار " و " الفقيه " عن الحسن بن محبوب (2)، وأنت خبير بأنه بلا واسطة غير ممكن، وثبوت كتابه عندهما - على وجه معتبر - غير معلوم، فعد رواية زرارة صحيحة - كما صنعه الاعلام كلهم (3)، حتى الوالد مد ظله (4) - محل المناقشة، لما اشير إليه. وبين ما هو ضعيف دلالة، وهو معتبر حريز (5)، ولكنه مخصوص - بمقتضى ذيله - بحكم اللبن حال الحياة، فراجع ولا نكررها. وأما مرسل الصدوق في " الفقيه " (6) فهو وإن كان من المعتبر عند بعض (7) خلافا لنا، ولكنه مخدوش لخصوصية في المقام، وهي أن الصدوق صرح بأنه مسند في " الخصال " (8) وسنده في " الخصال "


1 - تقدم في الصفحة 405. 2 - تهذيب الاحكام 9: 76 / 324، الاستبصار 4: 89 / 339، الفقيه 3: 216 / 1006. 3 - مصباح الفقيه، الطهارة: 533 / السطر 13، مستمسك العروة الوثقى 1: 310، مهذب الاحكام 1: 313. 4 - الطهارة، الامام الخميني (قدس سره) 3: 111. 5 - الكافي 6: 258 / 4، وسائل الشيعة 24: 180، كتاب الاطعمة والاشربة، أبواب الاطعمة المحرمة، الباب 33، الحديث 3. 6 - الفقيه 3: 219 / 1011. 7 - لاحظ مستدرك الوسائل (الخاتمة) 3: 547 / السطر 9، الطهارة، الامام الخميني (قدس سره) 3: 114. 8 - الفقيه 3: 219، ذيل الحديث 1011.

[ 441 ]

مغشوش، فعليه يشكل الاعتماد عليه (1) فليراجع، فما يدل على الطهارة غير متين. ولا حاجة الى إثبات نجاسته بمثل رواية وهب بن وهب (2)، حتى يقال: " هو أكذب البرية " (3) مع أنه يقصر دلالة عن النجاسة، لان الحرمة أعم منها، فاللبن محرم ولا يكون نجسا. مع أن من المحتمل رجوع كلمة " ذاك " فيها الى الشاة، أي أن الشاة حرام محضا، لا غيرها من اللبن وغيره. ولا بمثل رواية الفتح بن يزيد، عن أبي الحسن (عليه السلام) المروية في أبواب الاطعمة المحرمة (4)، حتى يقال بالاشكال في سندها ودلالتها (5)، بل المعروف أن إسنادها مدخول. ولا بمثل خبر يونس (6) حتى يقال بضعف سنده ودلالته (7)، لان الحصر بالخمسة لا يستفاد منه، بل المستفاد منه هو أن الخمسة التي فيها


1 - الخصال: 434 / 19. 2 - تهذيب الاحكام 9: 76 / 325، وسائل الشيعة 24: 183، كتاب الاطعمة والاشربة، أبواب الاطعمة المحرمة، الباب 33، الحديث 11. 3 - رجال الكشي: 309 / 558. 4 - الكافي 6: 258 / 6، وسائل الشيعة 24: 181، كتاب الاطعمة والاشربة، أبواب الاطعمة المحرمة، الباب 33، الحديث 7. 5 - دروس في فقه الشيعة 2: 362. 6 - الكافي 6: 257 / 2، وسائل الشيعة 24: 179، كتاب الاطعمة والاشربة، أبواب الاطعمة المحرمة، الباب 33، الحديث 2. 7 - الطهارة، الامام الخميني (قدس سره) 3: 102 و 115.

[ 442 ]

منافع الناس كذا وكذا، وليس لبن الميتة منها، ضرورة أن الطباع تتنفر منه طبعا. وربما يؤيد النجاسة هذا الامر الارتكازي، وأن الالتزام بالطهارة الشرعية لاجل سائر الاحكام في غاية الندرة، فالقول بطهارته مشكل جدا، لاباء النفوس عنه، وانزجار الطباع من مثله. وأمثال هذا لا يثبت طهارته مع الخلاف الجلي الذي عرفت (1). جدا، لاباء النفوس عنه، وانزجار الطباع من مثله. وأمثال هذا لا يثبت طهارته مع الخلاف الجلي الذي عرفت (1). هذا، وما يدل على الطهارة موافق للتقية، لان الرأي العام في عصر الصادق (عليه السلام) وفي بلاط الخلفاء، رأي أبي حنيفة، وهو يقول بالطهارة (2)، وما تدل عليها في أخبارنا كلها عن أبي عبد الله (عليه السلام) وقد عاصره أبو حنيفة، فما ترى من حمل أخبار النجاسة على التقية (3)، غير صحيح حسب التأريخ، فلا تخلط. بل النجاسة مقتضى الكتاب، لما عرفت (4): من أن الاجزاء داخلة في حكم الميتة، بناء على أعمية الحرمة من النجاسة، لاستناد الحرمة الى الذات، فلابد من ممنوعية الذات بجميع آثارها البارزة والظاهرة، فلا تكن من الغافلين.


1 - تقدم في الصفحة 435 - 436. 2 - الفقه على المذاهب الاربعة 1: 11. 3 - تهذيب الاحكام 9: 77، جواهر الكلام 5: 329، مهذب الاحكام 1: 313. 4 - تقدم في الصفحة 401. طهارته مع الخلاف الجلي الذي عرفت (1). هذا، وما يدل على الطهارة موافق للتقية، لان الرأي العام في عصر الصادق (عليه السلام) وفي بلاط الخلفاء، رأي أبي حنيفة، وهو يقول بالطهارة (2)، وما تدل عليها في أخبارنا كلها عن أبي عبد الله (عليه السلام) وقد عاصره أبو حنيفة، فما ترى من حمل أخبار النجاسة على التقية (3)، غير صحيح حسب التأريخ، فلا تخلط. بل النجاسة مقتضى الكتاب، لما عرفت (4): من أن الاجزاء داخلة في حكم الميتة، بناء على أعمية الحرمة من النجاسة، لاستناد الحرمة الى الذات، فلابد من ممنوعية الذات بجميع آثارها البارزة والظاهرة، فلا تكن من الغافلين.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية