الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




نخبة الأزهار - تقرير بحث الأصفهاني للسبحاني

نخبة الأزهار

تقرير بحث الأصفهاني للسبحاني


[ 1 ]

بحث اية الله العظمى شيخ الشريعة الاصفهانى نخبة الازهار في احكام الخيار تأليف العالم الربانى اية الله الشيخ محمد حسين السبحاني قدس سره المتوفى عام 1392 طبع في المطبعة العلمية بقم سنة هجرية قمرية

[ 2 ]

صورة المؤلف ان الذى صنع الجميل مخلد لاسيما في العلم والعرفان فإذا انقضت ايام مدة عرمه فجميل صنع المرء عمر ثان المتوفى سنة 1392 هجريه القمرية

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم تقديم بقلم العلامة الحجة السيد احمد الحسينى المسائل الفقهية بمجموعها تغنى بالروابط الموجدة بين الانسان المسلم وروبه أو مجتمه أو نفسه، فما دام يعقد بالاسلام لابدله من العمل بدستور والسير على ضوء شريعته في كل تصرفاته الفردية والاجتماعية وحتى في عقائده القلبية وضميره الاسلامي. ان ما يصدر من الانسان له حكم خاص في الشريعة الاسلامية و وجهة نظر تخصة، وهذا الحكم هو المعبر عنه في لسان علماء الدين ب‍ (الفقه)، والعالم الذى تتحصل له ملكة استخراج الحكم من آيات كتاب الله العظيم ودلائل سنة الرسول صلى الله عليه وآله المبينة بواسطته أو بواسطة الائمة من البيت عليهم السلام هو المسى ب‍ (الفقيه).

[ 4 ]

وعلى الفقة أن يسعى في استنباط الاحكام لنفسه ولمن لم تنهيا له وسائل الاستنباط من سائر الاستنباط من سائر المسلمين، حتى يتمكنوا من المتوفيق بين أو امر الله تعالى وبين أعمالهم من العبادات والمعاملات وبقية شؤونهم العامة والخاصة ولو الا هذا الطريق لما عرف الناس أحكام ربهم ولحاروافى متاهات الجهل وسبل الضلال. من هنا نحس بشدة ضرورة فتح باب الاجتهاد والبحث الجاد عن كل مسألة مسألة من الفقه، لئلا يصيبه الجمود في شكله ومحتواه واليتبلور حتى يصبح معطاء امجيبا على كل حادثة تحدث ومسالة تتجدد، ويسر مع عجلة الزمن ويملاء الفراغ الذى يواجهه الانسان الذى يعطى كل يوم شكلا جديدا لحياته الفكرية والاجتماعيه. ان تعطيل التجديد والاجتهاد في الفقه الااسلامى يعنى ايقاف المسلم عن سيره التقدمى والحد من نشاطاته الاصيلة ودفعه إلى التسول من الخارجين على دينه والمناهظين لمعتقداته.. واخيرا سلب الاعتماد على شخصيته وذوبانه فيما يستورد له من وراء حدود وطنه الااسلامى الاكبر. ومعنى عدم تعطيل ذلك، اشتغال جماعة من ذوى الاختصاص في مسائله وبذل جهودهم في النظر والبحث والاستنباط، حتى تستوفى جوانب المباحث ويستخرج الحكم نقيا خالصا من شوائب التسرع أو عدم استفراغ الوسع. ويزيد قيمة الاستنباط إذ كان الفقيه من ذوى الاقدام الراسخة في التدريس والتنقيب والفحص، يعطى مجال النقاش التلامذة حتى

[ 5 ]

تظهر مواهبهم المكنونة وتنجلى صدأ اذهانهم، وهو يستفيد أيضا من الاشراقات التى ربما تسطع على افكارهم، فينتبهون إلى نكات بعدت عن ذهنه أو يلتفتون إلى نقطة ضعف غابت عن خاطره. في هذه المجموعة الفقهية - التى نقدم لها بهذه الكلمة المتواضعة - نقرأ جهدا علميا تتوف فيه اسس الاستنباط بأجلى معانيه، ونستشعر بالنظر فيها عظمة استاذكان له شهرة واسعة في الفقه والاستنباط افنى سنين طويلة من عمره في جامعة النجف الاشرف مدرسا ومربيا ومجددا، كما نستشعر جلالة تلميذ امتلاء بالمواهب والجد حتى قطع اشواطا بعيدة في العلم والبحث.

[ 6 ]

اما الاستاذ فهو: شيخ الشريعة الاصبهاني (1) استاذ الفقها، مرجع عصره، الزعيم الدينى الكبير ا لميرزا فتح الله بن محمد جواد النمازى (2) الشيرازي المعروف بشيخ الشريعة (3) ا لااصبهانى النجفي 0 ولد رحمه الله باصبهان في الثاني عشر من ربيع الاول - اوربيع الثاني - سنة 0 1266 (هامش صفحه.......) (1) انظر ترجمته في: اعيان الشيعتة 42 / 257، معارف الرجال 154 / 2، احسن الوديعة 1 / 171، علماء معاصر ص 122، مصفى المقال ص 193، ريحانة الادب 3 ر 206، مكارم الاثا 5 ر 1816، الاعلام للزر كلى 5 ر 333، معجم المؤلفين 8 ر 52، الذريعة في مختلف اجزائه 0 (2) قيل ان جده الحاج محمد على النمازى كان كثير الصلاة مداوما عليها فاشتهر بهذا اللقب (نمازى) وبقى ذالك في احفاده، وقيل انه من اعقاب نمازان خان التركماني الذى نقله الشاه عباس الصفوى من ما وراء النهر إلى اصبهان وكثر اعقابه في ايران وغير ولقب بيتهم بهذا اللقب. (3) كان يلقب اولا ب‍ " الشريعة " ويلقب اخواه ب‍ " الطريقة " و " الحقيقة "، أو كان يلقب ب‍ " شريعة الحق " ثم اشتهر ب‍ " شيخ الشريعة " وبقى يعرف به.

[ 7 ]

نشأ بها نشأتة الاولى وتتلمذ بتفوق على كبار علمائها في المراحل الدراسية المختلفة، ومن اساتذته الذين اخذ عنهم في اصبهان الموالى عبد الجواد الخراساني والمولى حيدر على الاصبهاني والمولى احمد السبزواري والمولى محمد صادق التنكابنى والمولى محمد تقي الهروي والحاج الشيخ محمد باقر بن الشيخ محمد تقي الاصبهاني، وتلقى من الخير كثيرا من المباحث الفكرية والاصولية وسمع عليه تحقيقاتة في تقوية القول بحجية الظن بالطريق. وسافر إلى مشهد الرضا عليهالسلام للزيارة، فجرت به مباحثات بينه وبين علمائه الاجلاء وظهر فضله في سائر العلوم، ثم عاد إلى اصبهان وانقطع عن الحضور على الاساتذة واشتغل بالتدريس والافادة بطريقة اعجب الطلبة بها والتفوا حوله. ثم هاجر إلى النجف الاشرف - مدينة العلم وموئل العلماء في سنتة 1295 وتتلمذ على اساتذتها الاعلام ونهل من نميرهم الصافى، وواصل ليله بنهاره حتى حاز مرتبة عظيمة في العلم والفضيلة واصبح من رجالاتها المعدودين واساتذتها المشهورين، وكان من ابرز شيوخه في النجف الحاج ميرزا حبيب الله الرشتى والشيخ محمد حسين الكاظمي. وفى سنتة 1313 قصد حج بيت الله الحرام زيارة النبي الكريم صلى الله عليه واله، ولما عاد إلى النجف انقطع للتدريس والبحث و التصنيف والتاليف. وله الاجارة بالرواية عن جماعة من الاعلام، منهم، السيد مهدى

[ 8 ]

القزويني الحلى، والسيد محمد باقر الخوانسارى صاحب الروضات، واخيه السيد محمد هاشم الخوانسارى، والشيخ محمد طه النجف، و الشيخ محمد حسين الكاظمي. كان الشيخ ايام دراسته باصبهان يمارس التدريس لحقة من الطلاب، ولما عاد من مشهد انقطع إلى التدريس كما ذكرنا. وعند ما هاجر إلى النجف زوال التدريس ايضا ضمن تتلمذه على اساتذتها حتى سنتة 1313 حيث رجع من الحج، وفيها استقل بالقاء محاضراتة العالية في الفقه والاصول وغير هما معنيا بتربية رجال العلم ومنصرفا إلى تنشئة العلماء والافاضل. ويتفق مترجموه على أنه ربى مئات من أهل العلم في حوزة اصبهان والنجف، وكانت حلقة درسه مرغوبا فيها يتوافد عليها الطلاب والراغبون في الدراسات العالية. يعود السبب في التفاف الطلبة حوله وتسابقهم إلى محضر درسه، إلى اخلاقه الطيبة وحسن القائه وعمق الموضوعات التى كان يتناولها تشعب ثقافته واطلاعه الواسع على فنون من العلم. يمتاز الشيخ على كثير من الفقهاء المعاصرين له بالموسوعية والمطالعة الطويلة في العلوم التى لا تدخل في نطاق الفقه من قريب، فقد كان - كما ينقل قوى الحافظة مرهف الشعور سريع الانتقال كثير القراءة ومدام النظر في الكتب المتفرقة. وتجمع هذه الصفات فيه خلقت منه عالما يلم بفروع

[ 9 ]

العلوم المتداولة في بيئته وغير المتد اولة. ففى الفقه واصوله كان بار عالم يشق له غبار واذعن بتفوقه فيهما من أتى بعده من شيوخ العلم في حوزة النجف وغيرها. وفي الكلام والقائد والفلسفة كان متمكنا يكتب الرسائل فيها ويناظر المخالفين ويغلب عليهم. وفى علوم القرآن والادب يتحدث بقوة الاخذ بناصيتها المتمرن في مسائلها، ويكتب مسألة خلافية منها (قراءة ملك ومالك في سورة الفاتحة) فيفتح أمام قارئه آفاقا من التحقيق والدقة العلمية في الاقوال والاراء. وفى الحديث كان عل جانب عظيم من الدراية به، وحتى في الكتب الحديثية التى ألفها اخواننا اعلام اهل السنة، ففى كتابه " القول الصراح " ترى دقة متناهية في علوم الحديث وعلله عديمة النظير في زمانه. وفي الرجال وأحوال الرواة وتراجمهم هو في الرعيل الاول من روادها والمحققين فيها، حتى يقول تلميذه العلامة الشيخ آغا بزرك الطهراني عنه في كتابه " مصفى المقا ل ": أطول باعا في فنون الحديث والرجال بعد شيخنا العلامة النوري من سائر من ادركتهم من المشايخ. اضف إلى ذلك معرفته بالطب والعلوم الرياضية، فقد نقل بعض الثقات انه مرض فأحضر له احد الاطباء، فجعل يشرح له مرضه واسبابه على ضوء ما جاء في كتاب (القانون) لابن سينا، فظن الطبيب

[ 10 ]

أنه بمناسبة مرضه قد قرأ الموضع الخاص من القانون، ولكنه استدرجه في الكلام إلى امراض اخرى والمسائل الطبية فكان الشيخ يتحدث معه عنها كأن القانون قد فتح امامه يقرأه. وملخص القول نرددهنا ما قاله السيد الامين في كتابه " اعيان الشيعة ": كان يتماز بيمشاركته في فنون الفلسفة القديمة والحكمة الالهية قضلاعن العلوم الاسلامية من الكلام والحديث والرجال وخلافيات الفرق ومعرفة آراء الملل والنحل ولاهواء والمقالات ومالها وما عليها من الحجج والادلة. ومن بين نشاطات الشيخ العلمية تبرز عدد من الكتب القيمة التى تتسم بالعمق في الموضوع واحيانا الابتكار، واليك اسماء ما وقفنا عليه من تلكم الدرر الغالية: 1 - انارة الحالك في قراء ملك ومالك. 2 - ابانة المختار في ارث الزوجة من ثمن العقار. 3 - صيانة الابانة عن وصمة الرطانة. 4 - افاضة الرقديرفى احكام العصير، طبع بقم سنة 1370. 5 - قاعدة لاضرر، طبع بقم سنة 1368. 6 - قاعدة الطهارة. 7 - قاعدة الواحد ا لبسيط. 8 - رسالة في المتمم كرا. 9 - رسالة في التفضيل بين جلود السباع وغيرها.

[ 11 ]

10 - رسالة في العصير العنبى 11 - رسالة في علم الباري بالممتنعات 13 - مناظرة مع الالوسى البغدادي 14 - القول الصراح في نقد الصحاح 15 - ابرام القضاء هذا ما عدا حواشيه على كثير من الكتب الدراسية ورسائله الفتوائية لعمل مقلديه وغيرها من الكتابات المتفرقة. مكانة الشيخ المعروفة في العلم والتقوى وشهرته الواسعة في اوساط النجف واصبهان - التى كانت من اهم الحوزات العلمية آنذاك مهدت له الزعامة الدينية والمرجعية العامة، فقلده كثير من الناس في اواخر ايام فقيه كعصره السيد محمد كاظم الطباطبائى اليزدى، وبعد ان توفى السيد زاد عليه الاقبال في التقليد، وأصبح المرجع الاعظم بعد وفاة الفقيه الزعيم الميرزا محمد تقى الشيرازي - قدس الله أسرار الجميع. واثناء قيامه بمهام المرجعية العظمى والزعامة العامة، شارك الثوار العراقيين في جهادهم ضد الانكليز، وكانت له مشاركة فعالة في صد هجوم العدو على الوطن الاسلامي، وتحالف رؤساء القبائل وزعماء العشائر في الدفاع والمطالبة بحقوق الشعب العراقى، وكان قد قرب الغلب على العدو الكافر لولا خيانة بعض شيوخ العشائر ونفر من كبار

[ 12 ]

التجار والساسة، كما هو مفصل في الكتب المؤلفة في تاريخ الثورة العراقية. وعلى اثر سفره للجهاد أصيب بمرض عضال في صدره كان يقعده في الفراش من حين إلى آخر، واشتد عليه المرض بعد توارد الحوادث والالام، إلى ان اختار الله تعالى له الدار الاخرة، فتوفى في النجف الاشرف ليلة الاحد الثامن من شهر ربيع الثاني سنة 1339 ودفن في الصحن الغروى الشريف في احدى الغرف الشرقية.

[ 13 ]

واما التلميذ فهو: الشيخ محمد حسين السبحاني فقيد العلم والتقى آية الله الشيخ محمد حسين بن الحاج محمد جعفر بن الحاج فرج الله السبحاني الخيابانى التبريزي (1) ولد بمدينة تبريز في ليلة التاسع عشر من شهر رمضان المبارك سنة 1299، وبها قضى أيام طفولته ونشأ نشأته الاولى، وفي حوزتها العلمية بدأ بالدراسات الدينية وقطع مرحلتي المقدمات والسطوح ومقدارا من دروس الخارج، ومن نميرها العذب استقى العلوم الاسلامية، فقرأ علم الفلك والنجوم والحساب على المرحوم الميرزا على المنجم اللنكرانى، والفقه والاصول على آية الله المرحوم الانگجى، والفلسفة على الفيلسوف الشيخ حسين القراچه داغى. ثم هاجر إلى جوار على عليه السلام سنة 1327، وبقى أحد عشر عاما في النجف الاشرف يتلقى الدراسات العالية من خيرة مشائخ هامش صفحه (1) تجد ترجمته في: علماء معاصرين ص 396، نقباء البشر 2 ر 559، معجم رجال الفكر في النجف ص 177، گنجينه دانشمندان 3 ر 314، الذريعة في مختلف اجزائه.

[ 14 ]

العلم بها، وكان في مقدمتهم الايات العظام السيد محمد كاظم الطباطبائى اليزدى والشيخ ضياء الدين العراقى وشيخ الشريعة الاصبهاني، وكان الاخير أشد اساتذته أثرا على مسيرته العلمية، لانه كان ملازما له اكثر من عشر سنوات مستفيدا منه في دروسه العامة ومجالسه الخاصة. وبعد أن بلغ المرتبة العالية من العلم والفضيلة وقطع أشواطا سامية من الفقاهة، رأى ضرورة العودة إلى وطنه (تبريز) للارشاد والتبليغ والعمل على اقامة دين الله تعالى في العباد وتعليم الناس معالم دينهم، فعاد في سنة 1339 إلى مسقط رأسه وأقام به مشتغلا بالشؤن العلمية والاجتماعية. اجيز شيخنا المترجم اجتهادا ورواية من آيات الله العظام شيخ الشريعة الاصبهاني والميرزا محمد تقى الشيرازي والسيد محمد الفيروز آبادى والحاج الشيخ عبد الكريم الحائري والسيد أبو الحسن الاصبهاني والشيخ ضياء الدين العراقى. وفيما يلى ننقل قطعة من اجازة الاخير، ومنها يبد ومكانة الشيخ الرفيعة عند اساتذته الذن تتلمذ عليهم، قال: ". وبعد فان العالم العامل والفاضل الكامل بحر التقى وعلم الهدى جامع المعقول والمنقول حاوى الفروع والاصول فخر الفضلاء الفخام وافتخار الفقهاء القمقام شيخنا المكرم ومولانا الاعظم الشيخ محمد حسين التبريزي قد هاجر عن وطنه الشريف طالبا لتحصيل الكمال ومجدا لتحصيل العز والاستقلال فجد واجتهد إلى ان بلغ درجة الاجتهاد فانه منتهى المراد، والله در من يعرف قدره ويأتمر بأمره ويحفظ قوله.. "

[ 15 ]

لم يتوان الشيخ عن التأليف والتصنيف حين دراسته في النجف الاشرف وبعد ان عاد إلى وطنه، فكتب تقرير دروس اساتذته والف في موضوعات علمية أخرى يبدو من خلالها دقة الضبط والشمول والعمق ومن آثاره الموجودة الان: 1 - ارشاد الافاضل إلى مطالب الرسائل، تعليقة على رسائل الشيخ الانصاري في جزئين، فرغ منها سنة 1365. 2 - نكت الكفاية تعليقة مختصرة على الكفاية كتب اكثرها في حياة صاحب الكفاية وفرغ منها سنة 1330. 3 - كتاب الصلاة، استدلالى موسع. 4 - توقف الاجتهاد على العلم بالرجال. 5 - حاشية كتاب الطهارة للشيخ الانصاري، غير منقحة. 6 - المواعظ والاخلاق، لم يرتب بعد. 7 - نخبة الازهار في احكام الخيار. 9 - تعريف البيع والفرق بين الحق والحكم. 10 - ملاقي الشبهة المحصورة حكم والمضطر إلى ارتكابها. والرسائل الاربع الاخيرة هي التى نقدم لها في هذه المجموعة، وقد سعى مشكورا فضيلة العلامة الشيخ رضا الاستادى في تهئيهتا للطبع وتخريج أحاديثها - جزاه الله خيرا عن العلم والعلماء. ذكرنا فيما سبق أن الشيخ عاد إلى تبريز في سنة 1339 شعورا

[ 16 ]

بالمسؤولية الدينية الملقاة على عاتقه، ومن حين رجوعه إلى موطنه بدأ بالتدريس والتأليف وتربية الطلاب كما اشتغل بسائر الوظائف الشرعية والاجتماعية وكان مثالا رائعا في العمل الجاد والزهد والتقوى وحسن الخلق وصفاء الضمير. وفي ظهيرة يوم الحادى عشر من شهر شوال المكرم سنة 1392 جاء أجله المحتوم، فلبى نداء ربه سعيدا نقى الصحيفة، وشيع جثمانه الطاهر وجوه اهالي تبريز، ثم نقل إلى مدينة قم المقدسة حيث مقره الاخير، فدفن في مقبرة العلماء (من مقابر أبو حسين) بعد ان شيع جنازته الزكية حشد من العلماء وشيوخ الحوزة العلمية، وأقيم في المدينتين وغيرهما فواتح ومجالس التأبين اشترك فيها سائر الطبقات. رحم الله الماضين من علمائنا العاملين، ووفقنا للاهتداء بهديهم والسير على ضوء تعاليمهم الدينية البناء، انه خير موفق ومعين. قم - 20 ذى الحجة الحرام 1398 السيد احمد الحسينى

[ 17 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على اشرف الاولين والاخرين محمد، وآله الطيبين الطاهرين المعصومين، ولعنة الله على اعدائهم اجمعين من الان إلى قيام يوم الدين. اما بعد: فيقول العبد المذنب الاثم، المحتاج إلى الله العاصم، محمد حسين بن الحاج محمد جعفر بن الحاج فرج الله السبحاني التبريزي: هذه درر فوائد وغرر فرائد، التقطتها من بحث خيارات شيخنا العلامة، انموزج السلف، وزبدة الخلف، شيخ الفقهاء والمجتهدين رئيس الملة والدين، استاد العلماء المتأخرين آية الله العظمى وحجته الكبرى، العالم الربانى الشيخ فتح الله الشهير بشيخ الشريعة الاصفهانى، اعلى الله مقامه ورفع في الخلد مكانه، جعلتها تذكرة لنفسي وتبصرة لغيري ان شاء الله.

[ 18 ]

ما هو حقيقة الخيار الخيار لغة اسم مصدر من الاختيار، وهو عبارة عن ترجيح القادر احد طرفي ما يراه خيرا لنفسه أو لمنوبه فيختاره ولو كان ذلك من جهة الاعتقاد النفساني الشهوى دون الاعتقاد الواقعي. وأما تعريفه بالقدرة مطلقا - سواء أكانت على المعنى الذى عرفها به المتكلمون، من صحة تساوى نسبة الفعل والترك، أم على المعنى الذى عرفها به الحكماء اعني: ان شاء فعل وان لم يشاء لم يفعل ولكنه شاء وفعل، فغير صحيح جدا، لان الاختيار متفرع على القدرة ومن نتائجها ولوازمها، لاأنه نفسها كما لا يخفى. قال الشيخ الانصاري قدس سره: " غلب في كلمات جماعة من المتأخرين في ملك فسخ العقد على ما فسره به في موضع من الايضاح فيدخل ملك الفسخ في العقود الجائزة، وفي عقد الفضولي، وملك الوارث رد العقد على ما زاد على الثلث، وملك العمة والخالة لفسخ العقد على بنت الاخ والاخت وملكه الامة المزوجة من عبد فسخ العقد إذا أعتقت، وملك كل من الزوجين للفسخ بالعيوب. ولعل التعبير بالملك للتنبيه على ان الخيار من الحقوق لامن الاحكام، فيخرج ما

[ 19 ]

كان من قبيل الاجازة والرد العقد الفضولي، والتسلط على فسخ العقود الجائزة، فأن ذلك من الاحكام الشرعية لامن الحقوق، ولذا لا تورث ولا تسقط بالاسقاط ". (1) ولا يخفى ما فيه من سوء التعبير إذ سبب دخول تلك الامور ليس الا التعبير بملك فسخ العقد وكذا سبب خروجها ليس الا ذلك، مع ان الملك شيئ واحد، وهو في الواقع ونفس الامر، اما مدخل فقط، أو مخرج كذلك. واما كونه مدخلا ومخرجا معا مع كونه شيئا واحدا كما ترى والاولى في المقام أن يقال: ان هذا التعريف - أي ملك فسخ العقد - للخيار لامطرد ولا منعكس. اما الاول فلدخول ما ذكر من الامور الستة فيه، مع انها ليست من اقسام الخيار الذى يبحث عنه في المقام. وأما الثاني فلخروج خيار من ثبت له خيار في الشرع، لكنه محجور عن اعماله وممنوع منه، مثل الخيار الثابت للسفيه والمجنون وامثالهما شرعا، فان مقتضى الخيار ومقتضى اعماله موجودان فيهم، لكن كونهم محجورين شرعا يمنع عن اعماله، فحينئذ يخرج عن التعريف خيار من ليس له سلطنة فعلا على اعماله، مع أنه من أقسام ما نحن فيه. والجواب عن الاول أن يقال: ان السلطنة والملكية على نحوين نحو منها سلطنة ابتدائية وملكية كذلك مجعولة عن قبل الشرع لذى الخيار. ونحو آخر منها ليس كذلك، بل هي ملكية وسلطنة تابعة لملك المالك، هامش صفحه (1) متاجر الشيخ الانصاري، قسم الخيارات، ص 214 ط تبريز

[ 20 ]

لكونها أحد التقلبات والتصرفات التابعة لملك المالك، لان للمالك ان يتصرف في أمواله وأملاكه بأى تصرف شاء وان يتقلب بأى تقلب يريده فيها، كما هود المراد من المالكية ومقتضاها. فالمراد من الملك في التعريف، هي الملكية الابتدائية غير التابعة فحينئذ يخرج ملك الفسخ في العقود الجائزة غير الهبة، وملك الفسخ في الرد لعقد الفضولي واجازته، عنه، لان ملك الفسخ للعقد فيها ليس ملكا ابتدائيا بل هو فيها، فعل من جملة الافعال المتعلقة على الملك ومن قبيل سائر التصرفات والتقلبات الواقعة عليه الصادرة عن مالكه، لعدم انقطاع حقه عن ملكه من اصله فيها. هذا بخلاف العقود اللازمة التى فيها خيار الغبن، أو العيب، أو الشفعة، أو الرؤية أو غيرها من أمثالها، اذعلقة الملكية فيها منقطعة بالكلية، فالشارع يجعل الملكية لذى الخيار ابتدءا. وببيان أوضح، أن كل شئ اضيف إلى شيئ آخر، يكون هذا الشيئ المضاف ملاحظا ومعتبرا لاجل الشيئ الثاني ويسند إليه من حيث انه كذا أو كذا من عنوانه ووصفه، كما في اكرام العالم أو أطعم الفقير أو اقتل المشرك، فان الملاك والعلة، في اكرام العالم، واطعام الفقير. هو حيث علمه وفقره كما هو كذلك في جميع المقامات من الاضافة. ففيما نحن فيه لما اضيف لفظ " ملك " إلى كلمة " الفسخ " يعلم منه أن الخيار عبارة عن ملك الفسخ للعقد من حيث انه فسخ له.

[ 21 ]

فعلى هذا فالخيار الذى كان في (1) تلك الامور الستة يخرج عن تعريفه، لان الملك فيها للفسخ ليس من هذه الحيثية، كى يكون غير مانع، بل لكونه لازما من لوازم الملكية، وفعلا من جملة الافعال والتقلبات الواقعة على الاملاك لملاكها كما مرمن غير خصوصية له في الفردية والفعلية كما لا يخفى على اولى الحجى. وأما الهبة، فانا نلتزم فيها بثبوت الخيار وانها مثل ما ذكر من الخيارات الكائنة في العقود اللازمة من خيار الغبن والعيب والشفعة وغيرها، اما لوجود النص، (2) أو لشمول التعريف عليه. ثم لما كان ثبوت تلك السلطنة والملكية لنفس العاقد أو لمن كان فعله فعل العاقد كالوكيل، خرج الامران الاولان عن الاربعة الباقية عن التعريف ايضا، وهو ملك الوارث رد العقد على ما زاد على الثلث وملك العمة والخالة لفسخ القعد على بنت الاخ والاخت لنهم ليسوا عاقدين ولا ان افعالهم افعال العاقدين. واما الاخران منها، فنلتزم فيهما ايضا بكونهما داخلين فيما نحن فيه، ومن جملة افراده لشمول التعريف لهما مع انه صرح في بعض الاخبار (3) بكون الامة المزوجة من عبد في تلك الحال بالخيار.


(1) حق العبارة هكذا: فالخيار الذى كان في الامرين الاولين من تلك الامور الستة.. (2) عن أبى عبد الله (ع): قال: أنت بالخيار في الهبة مادامت في يدك.. الوسائل ج 13 ص 336 (3) راجع الوسائل الباب - 52 - من أبواب نكاح العبيد والاماء وهذا عنوانه: باب أن الامة إذا كانت زوجة العبد أو الحر ثم اعتقت تحيزت في فسخ عقدها وعدمه وفيه 14 حديثا.

[ 22 ]

لايفال: ان بعض تلك الامور لم يكن داخلا من اول الامر في التعريف، مثل العقود الجائزه والعقد الفضولي، كى نحتاج إلى اخراجه منه. وذلك اما اولا فلان ما يصدر من المعير والمودع والواهب وغيرهم، بالنسبة إلى العارية والوديعة والموهوب به، هو رفع اثر العقد أعنى أخذ ماله من يد المستعير أو المستودع أو المتهب مثلا، لافسخ العقد من اصله كما هو غير خفى على العاقل فضلا عن الفاضل. واما ثانيا فبأنا لو قلنا بدخول هذه ايضا فلا نحتاج في الاخراج عنه في الجواب إلى اعتبار الملكية الابتدائية في المقام دونها أو اعتبار قيد الحيثية فيه دونها على ما مر من التقريرين المذكورين، إذ مقتضى ثبوت مالهم من حق الرجوع فيها، انهم عند رجوعهم يرفعون اثر العقد لافسخه كما مر فحينئذ يكون سبب الخروج فيها ما ذكرنا من رفع الاثر من دون حاجة إلى غيره مما مر. لانا نقول: اما اولا فان الرجوع فيها ليس رفعا لاثارها بل هو فسخ نفس العقد، غاية الامر انه فسخ فعلى له لا قولى. وثانيا ان كل من قال بان الرجوع رفع لاثر العقد لافسخه ليس بمنكر لفسخه كى لا يتمكن من فسخه، وينحصر التمكن برفعه لاغير بل كما انه قائل بان الرجوع يرفع به اثر العقد كذلك انه قائل بان به يفسخ العقد ايضا. بل التفكيك هنا أحسن بان فسخ العقد بالرجوع من دون ان يأخذ عاريته من المستعير مثلا بخلافه هناك، فان القول بتسلط الشخص باخذ ماله من دون تسلطه على فسخ عقده كما ترى. فحينئذ يتوجه الاشكال عليه، وهو دخول الامور السابقة بهذا التقدير لاعلى كل تفدير.

[ 23 ]

تعريف آخر للخيار قد يعرف الخيار بأنه ملك اقرار العقد وازالته، واخدش الشيخ الاعظم قدس سره في هذا التعريف: بانه ان اريد من اقرار العقد ابقائه على حاله بترك الفسخ، يكون ذكر الاقرار في المقام مستدركا وزائدا، لان القدرة على الفسخ التى هي عبارة اخرى عن ازالته، هي عين القدرة على تركه، فيكون مفهوم القدرة على تركه مستفادا من مفهوم القدرة إلى الفسخ، ومن مفهوم القدرة على ازالة العقد، والا فلو فرض كون الشخص قادرا على الفسخ وعلى ازالة العقد، دون تركه وابقائه، يكون ذلك وجوبا لا قدرة كما هو واضح. وان اريد منه الزامه وجعله غير قابل لان يفسخ فمرجعه إلى اسقاط حق الخيار، فلا تؤخذ في تعريف نفس الخيار. هذا حاصل كلامه رفع مقامه (1). اقول: ان الخيار على ما مر هو لغة وعرفا ترجيح القادر احد طرفي الشئ الذى يرى فيه مصلحة لنفسه فيريده ويختاره، وهذا المعنى ياق على حاله مطلقا، سواءأ كان ذلك الطرف المرجح في النظر والاعتقاد


(1) متاجر الشيخ، بحث الخيار ص 214 ط تبريز

[ 24 ]

تركا متعلقا للخيار، ام فعلا كذلك مثل فسخ العقد وازالته فان الترك ايضا مما قد يصير ذا مصلحة لشخص ذى الخيار، فيكون راجحا فيه فيختاره على فعل الفسخ كما لا يخفى ولذا اتفق أكثر الفقهاء ردا على شر ذمة منهم على ان الترك يصح ان يكون متعلقا للاحكام الشرعية كالفعل لكونه مقدورا مثله. اما الجواب عن الخدشة المذكورة، فبان نقول: اولا ان مثل هذه الخدشة جار في طرف المعطوف، اعني ازالته ايضا، فلا يختص الخدشة بالمعطوف عليه كما هو المتوهم من حصرها فيه، وذلك بان يقال: ان أريد من ازالة العقد فسخه واعدامه فذكرها مستدرك لان القدرة على الاقرار والاثبات عين القدرة على الازالة والاعدام، إذا القدرة لا يتعلق باحد الطرفين، والا يكون وجوبا لا قدرة. واما ثانيا فان غرض المعرف من التعريف، ذكر طرفي القدرة والتصريح بهما معاجريا على ما هو المتعارف في التعاريف هذا. وقد يقال في المقام تفصيا عن وقوع الاشكال: انا نختار الشق الثاني من الشقين، اعني الزام العقد، وان المراد منه اعمال الخيار، وهو قد يكون باسقاط الخيار، وقد يكون بالتصرف في المبيع مثلا، وقد يكون بالتفرق من المجلس، وقد يكون بالالزام بالعقد. ولا يخفى ما فيه ايضا من الاشكال، فان ما هو محذور سابقا بالنسبة إلى ايراد الشيخ الاعظم رحمه الله فهو بعينه موجود هنا، وهو لزوم اخذ اسقاط الخيار والتصرف والتفرق في تعريفه كما هو واضح بالنسبة إلى الثلاثة الاول منها، من ان المراد من اعمال الخيار، اسقاط

[ 25 ]

الخيار، أو التصرف في المبيع، أو التفرق واما بالنسبة إلى الرابع منها، اعني الالتزام بالعقد، فهو عين القول بالشق الاول وهو ارادة ابقاء العقد على حاله بترك الفسخ من اقراره، مع انه خلاف الفرض، إذ المفروض ارادة الشق الثاني منها دونه كما مر. مع انه يلزم على هذا الفرض ما لا يلزم على كون الاقرار بمعنى الالتزام، وهو ان هذا فرار من المطر إلى الميزاب، لانه اراد ان يتفصى من اخذ اسقاط الخيار في تعريفه والحال انه قد اخذ اعمال الخيار الذى هو يكون بتلك الامور في تعريفه. فان قلت: ان المراد من اعمال الخيار كون مرجعه إلى تلك الامور، لا انها مأخوذة في التعريف. قلت: هذا بعينه جار هناك ايضا، بان نقول: ان المراد القائل من تعريف الخيار بملك اقرار العقد، الزام العقد لكن مرجع ذلك إلى اسقاط الخيار لااخذه في تعريفه، مع ان الشيخ الانصاري رحمه الله مع ذلك لم يرض به واشكل عليه بقوله: " فلا يؤخد في تعريف نفس الخيار ". وعلى أي تقدير من التقديرين، فالفسخ عبارة عن حل العقدة الحاصلة بالعقد، وهدم الربط الموجود، والعلقة الموجودة بين الشيئين بسببه. وهذا الحل والهدم تارة يكون مستتبعا للرد فقط كما إذا صالح ماله بلا عوض وكان الخيار مع المشترى، واخرى يكون مستتبعا للاسترداد كذلك، كما في الفرض المذكور، ولكن بجعل الخيار هنا للبايع، فانه إذا فسخ العقد فاللازم بمقتضى الفسخ رد المشترى المبيع في الاول،

[ 26 ]

واسترداد البايع مبيعه إلى ملك نفسه في الثاني وهو واضح، وثالثة يكون مستتبعا لكليهما، (1) كما في المعاملات المفارقة بين الناس، ورابعة لا يكون مستتبعا لشئ منهما أصلا، كما إذا صالح الاب امواله الكثيرة الوافرة مع ابنه بعشرة دراهم، مع شرط الخيار لابنه حسب، في مدة طويلة، ثم مات الاب قبل مضى تلك المدة بتمامها مع وجود دين مستغرق على أمواله عليه، فملك تلك الدراهم بالارث عن ابيه، فان الابن في تلك الصورة لو فسخ. (2)


(1) في كل من البايع والمشترى. (2) هنا بياض في الاصل والظاهران يقال: لم يكن هنا رد ولا استرداد بالنسبة إلى الوالد بل يأخذ الجميع من الاموال والدراهم، اصحاب الديون فتأمل.

[ 27 ]

تطابق التعريفين مع روايات الخيار ثم ان الخيار بأى معنى كان من المعنين السابقين، من ملك فسخ العقد أو ملك اقرار العقد وازالته، هل ذلك هو الذى دل عليه الاخبار، أو هو غيره؟ الذى يظهر من الشيخ الانصاري قدس سره في أول الخيارات وآخرها معا، ان المعنى المذكور للخيار بكيفيته المخصوصة وبعبارته الخاصة ليس مدلول الروايات وانما هو معروف في كلمات المتأخرين. وأما ما تدل عليه الروايات، هو رد المبيع والعين واسترداد الجارية و ردها وامثالها. أقول: ان كل من قال بأن الخيار عبارة عن رد العين أو المبيع مثلا كما هو مقتضى معناه في الاخبار بناءا على قوله قدس سره، لا يقول ان لصاحب الخيار أن يرد المبيع ومع ذلك يبقى العقد على حاله من دون ان يفسخه اولا قبل رده إليه بل مراده من رد المبيع أو استرداد العين فسخه العقد اولا ثم بتبع ذلك الفسخ يرد المبيع إليه أو يسترد العين، بل معناه في الحقيقة ذلك، لان مجرد الرد والاسترداد من دون ملك فسخ العقد لا محصل له في المقام، لانه لا يريد بعد رده، ان يهب أو يعامل بعده معاملة ثانية جديدة

[ 28 ]

بل يريد من اجل الرد ان يرجع ماله إلى نفسه ومال الغير إليه، وهو معنى ملك فسخ العقد، بل المعنى المذكور غير معقول لا يصدر عن شاعر فضلا عن عالم كما لا يخفى. والحاصل ان الدوران فيما نحن فيه، من أن معنى الخيار ملك فسخ العقد مثلا اورد العين أو الجارية أو استردادها، ليس من قبل دوران الامر بين المتباينين، بل من قبيل دوران الامر بين المطلق والمقيد، لما عرفت من عدم معقولية رد العين وابقاء العقد على حاله. فظهر مما ذكرناه انه لا فرق في المقام حين ارادة ذى الخيار الفسخ بين أن يكون المبيع باقيا أو تالفا، غاية الامر أن ذا الخيار يرجع بعده إلى المتلف وياخذ المثل ان كان المبيع مثليا أو القيمة ان كان قيميا، كما عليه الاتفاق من الامامية. ثم ان الحق والتحقيق في معنى الخيار ما هو المعروف في لسان المتأخرين من التعريفين السابقين وان ذلك المعنى هو الذى صرح به في الاخبار، لكن بلفظ مساوق له لا بعين لفظه وعباراته. منها " البيان بالخيار ما لم يفترقا وإذا افترقا وجب البيع (1) فان قوله عليه السلام: " وإذا افترقا وجب البيع " يدل منطوقا ومفهوما على ان الخيار الحاصل قبل الافتراق وعدمه بعده، انما هو بالنسبة إلى العقد، لا انه بالنسبة إلى رد العين أو استردادها وذلك ان الوجوب هنا ليس بمعنى الثبوت بل هو بمعنى لزوم العقد واستقراره والا فثبوته كان قبل التفرق عن المجلس، فلا يتفاوت الحال بالنسبة إليه وإلى عدمه


(1) راجع الوسائل الباب - 1 - من ابواب الخيار

[ 29 ]

فتخصيص الوجوب بالبيع حين تحقق التفرق بقوله: " وإذا افترقا وجب البيع " يدل على ان العقد حينئذ يلزم ويستقر وان لم يكن قبله واجبا ولازما، وكان لذى الخيار ملك فسخه وحله، كما هو معنى ثبوت الخيار قبل التفرق. ومنها ما في خيار الحيوان من قوله: وجب الشراء " (1) فانه مثل قوله عليه السلام: " وجب البيع " في المعنى، فيعلم منه أن اسناد الوجوب الذى أريد منه اللزوم لما مر إلى الشراء، انما هو بعد أيام الخيار أعنى الايام الثلاثة في المقام فيكون الخيار الثابت فيهما بالنسبة إلى فسخ ذلك الشراء، فيتبعه رد الحيوان أو استرداده. ومنها ما في خيار التأخير (2) من اسناد المضى وعدمه في أبام الخيار وبعدها إلى البيع دون رد العين أو المبيع ودون استرداده. ومنها رواية عمر بن حنظلة " انه اشترى أرضا عشرة أجربة فأمسح فوجد خسمة أجربة قال: مضمون ان رضى بالخمسة واسترجع نصف ماله، وان لم يرض بها يرد البيع. (3) وانت خبير بان كل واحد منها يدل على أن الخيار انما هو بالنسبة إلى فسخ العقد الذى عبر عنه تارة بالبيع، وأخرى بالشراء، وهذا التعبير وان لم يكن عين المدعى من كون الخيار عبارة عن ملك فسخ العقد و شبهه، الا أنه مساوق له في المعنى كما عرفت.


(1) الوسائل الباب - 4 - من ابواب الخيار الحديث 9 (2) الوسائل الباب - 9 - من ابواب الخيار (3) الوسائل الباب - 14 - من ابواب الخيار الحديث 1

[ 30 ]

وقد يستدل في المقام بصدر الرواية الاولى ايضا وهو " البيعان بالخيار ما لم يفترقا " وتقريره بأن يقال ان مدة الخيار الثابتة بمقتضى ذلك ممتدة زمانا " إلى امتداد زمان المجلس، وهو ان كان المراد منه فسخ العقد لصلح ملاحظة هذا المعنى فيه، لانه مما لو حصل لبقى ما لم يرد المزيل عن بقائه. بخلافه لو قلنا انه حق ثابت لذى الخيار بالنسبة إلى رد العين فانها قد يفوت قبل انتفاء المجلس وتفرقه فلا يصح ان يتعلق على ردها بعده. وفيه ما لا يخفى إذا المبيع ايضا قد يكون باقيا غالبا ببقاء زمان المجلس، وممتدا زمان وجوده بامتداد زمانه الا أن يمنع المستدل الغلبة.

[ 31 ]

حقيقة الفسخ بعد البيع لو تصرف في المبيع مثلا باحدى التصرفات الملكية فتلف، بان اكله أو شربه أو غير ذلك قبل انقضاء زمان الخيار، ثم فسخ ذو الخيار مع فرض عدم انقضاء العقد، فانه يرجع إلى صاحبه بالمثل أو القيمة بالاتفاق من الاصحاب، مع انه قد تلف في ملكه وليس ضمانه ضمان اليد كى نتمسك بقوله: " على اليد ما اخذت حتى يؤدى " (1) ولاضمان الاتلاف، لعدم اتلافه مال الغير. واما الجواب، فنقول ان الفسخ كما مر عبارة عن حل الربط الحاصل بالعقد، وهذا الحل مسبوق بلحاظ وجود الربط بين الشيئين حقيقة أو فرضا، وذلك ايضا مسبوق بوجود نفس الشيئين كذلك، كى يلحظ الربط بينهما، فلما كان البيع في المقام غير موجود حقيقة لفرض كونه نالفا فلابد من فرض وجوده ليتحقق الربط بينه وبين مقابله من عوضه ويقوم بوجودهما ويقع الفسخ على هذا الربط، فإذا فرضنا وجوديهما المرتبطين ووقع الفسخ على هذا الربط الموجود فيها على الفرض وانحله يرجع كل من العوضين إلى ملك صاحبه، فالثمن يرجع إلى المشترى، والمبيع إلى البايع، الا انه لما لم يكن موجودا يجب عليه ابداله بمثله


(1) سنن البيهقى ج 6 ص 95 كنز العمال ج 5 ص 327

[ 32 ]

ان كان مثليا أو بقيمته ان كان قيميا على ما هو مقتضى الفسخ والحل وبعبارة أوفى، أن الغرض من المبيع أن يتملك أحد المتبابعين ملك الاخر بعوض، كما هو واضح بل اوضح، فإذا فسخ العقد يكون المشترى فيما نحن متملكا بالمبيع من دون عوض، إذا الفرض أن الثمن بمجرد الفسخ خرج عن ملك البايع ودخل في ملك المشترى فحينئذ يبقى ملك الغير عنده بلا عوض، وحينئذ فلا بدله تخلصا من هذا المحذور من رده إلى صاحبه عينا أو مثلا أو قيمة على اختلاف المقامات.

[ 33 ]

الاصل في العقود اللزوم وقد أريد منه معان متعددة: منها الراجح، نسبه الشيخ قدس سره إلى جامع المقاصد ولا يخفى أن مراده من الرجحان ليس هو الطرف المظنون كما توهمه الشيخ رحمه الله، ثم أورد عليه ما اورده من الاشكال. ومنها القاعدة المستفادة من العمومات مثل قوله: " أوفوا بالعقود " (1) وأمثاله. ومنها الاستصحاب ومرجعه إلى أصالة عدم ارتفاع أثر العقد بمجرد فسخ احد المتبايعين من دون رضا الاخر. ومنها وضع البيع وبناؤه لغة وعرفا على اللزوم، ولا يخفى ما فيه من أنه ليس معنى مستقلا في قبال المعاني الاخر، بل راجع إلى ما هو مناسب له من المعاني المذكورة. ومنها التمسك بالمقتضى والمانع، حيث ان البيع عبارة عن تمليك غير محدود، ومعنى كونه تمليكا غير محدود، استمراره ما لم يثبت مانع يقيني، وبعبارة اخرى: أن نفس العقد مقتضى للبقاء، والفسخ مانع عن بقائه، فإذا علمنا بتحقق الفسخ نرفع اليد عن مقتضاه والا فلو هامش صفحه (1) المائدة: 1

[ 34 ]

شككنا فيما هو مانع أو مزيل له كما في المقام فلا، لوجود المقتضى وهو العقد وعدم العلم بالمانع. على انه مانع كما في قولنا: أن الفقر مقتض لجواز أكل الزكاة والسيادة مانعة عنه فإذا شككنا في كون زيد سيدا مع احراز الفقر فيه بالوجدان، تجرى فيه هذه القاعدة لما مر من وجود المقتضى وهو الفقر وعدم المانع وهو سيادته، ولا مجال هنا لاجراء الاستصحاب لعدم اليقين بعدمها سابقا كى يستصحب عند الشك فيها. هذا مما انفردت به هذه القاعدة كما عرفت وهنا أمثال أخر ونظائر لا حاجة إلى أيرادها، ومن أرادها فليرجع إلى كتاب (1) من يرى الاستصحاب نفس هذه القاعدة ليس غير، والحال أنها من جملة مصاديقه وموارده.


(1) وهو العلامة الشيخ محمد هادى الطهراني في كتابه " محجة العلماء " ج 2 ط 1318

[ 35 ]

ادلة اصالة اللزوم في البيع أو مطلق العقود ثم ان القوم رضوان الله عليهم تمسكوا لاثبات أصالة اللزوم في البيع أو مطلق العقود بآيات: الاية الاولى: قوله عز ذكره: " يا ايها الذين آمنوا اوفوا بالعقود " (1) بناء على أن المراد منها العقود المتعارفة الفقهية أو مطلق الاحكام الالهية عقدا كان أو غيره من الصلاة والزكاة والحج ونظائرها من سائر العهود الثابتة في الشرع كما هو الظاهر والمناسب لقوله تعالى بعد ذلك: " احلت لكم بهيمة الانعام الا ما يتلى عليكم.. " (2) والا فلو كان المراد منه هو الاول لما كان مناسبا لهذا القول بل يكون أجنبيا عن المقام بخلافه على الثاني فان العقود التى هي العهود الالهية لما كانت مجملة ومبهمة، عقبها سبحانه وتعالى ببعض أفرادها ومصاديقها على ما مروان العقد هو العهد الموثق لان كل عقد عهد، وليس كل عهد عقدا كما هو المستفاد من موارد استعمالاته في الكتاب (3) وغيره.


(1) المائدة: 1 (2) المائدة: 1 (3) راجع المعجم المفهرس.

[ 36 ]

وما صدر من صاحب المجمع في بيان مادة العقد من أن كل عهد عقد، ولايكون عقد عهدا سهو منه رحمه الله كما لا يخفى على المنصف. قال الشيخ قدس سره في بيان دلالة قوله تعالى: " أوفوا بالعقود " للمدعا " أنه دل بوجوب الوفاء بكل العقد، والمراد منه العمل بما اقتضاه العقد في نفسه، فإذا دل العقد على تمليك العاقد ماله من غيره مثلا وجب العمل بما يقتضيه التمليك من ترتيب آثار ملكية ذلك الغير له، فأخذه من يده بغير رضاه والتصرف فيه كذلك، نقض لمقتضى ذلك العقد، فهو حرام باطلاق الاية، فإذا حرم باطلاقها جميع ما يكون نقضا لمضمونه من التصرفات التى من جملتها التصرفات الواقعة بعد فسخ المتصرف من دون رضا صاحبه، كان هذا لازما مساويا للزوم العقد وعدم انفساخه بمجرد فسخ أحدهما، فيستدل بالحكم التكليفى على الحكم الوضعي وهو فساد الفسخ وعدم صحته منه من غير رضا الاخر، وهو معنى اللزوم. " الا ان هنا اشكالا معروفا بحيث ان كل من تعرض بالاستدلال على أصالة اللزوم بهذه الاية، ذكره الا اقل قليل منهم وهو: ان الاستدلال باطلاق الحكم في المقام متوقف على تحقق وجود الموضوع، لان اثبات الحكم اعني المحمول بالحمل الشايع الصناعي على الموضوع فرع ثبوته أو لا حتى يحمل المحمول عليها، فلو فرضنا تحقق وجوده بنفس اطلاق الحكم كما فيما نحن - إذا المفروض أن العقد بسبب


(1) المتاجر كتاب الخيارات، ص 2

[ 37 ]

وقوع الفسخ عليه من دون رضا صاحبه يكون وجوده فعلا مشكوكا - يلزم الدور، فحينئذ لا يصلح التمسك باطلاقها في المورد المشكوك العقدية كما هو واضح. نعم يمكن اثبات وجود الموضوع أو لا بالاستصحاب ثم الحكم عليه بعده بلزوم الوفاء ببركة الاية الشريفة الا أنه خروج عن محل النزاع إذ الكلام في أنه هل يمكن الاستدلال باطلاقها على اصالة لزوم البيع في الموارد المشكوكة اولا. وقد اجيب عنه بأنا لا نسلم أن الموضوع هنا ليس بموجود أو مشكوك وجوده، بل هو موجود فعلا وباق حقيقة لانا في الموارد التى نعلم فيها بورود الفسخ حقيقة وانه فسخ كذلك في نظر الشارع لانقول فيها انه يزيل العقد وانه يرفعه، فضلا عن الموارد التى كانت نشك في صحة الفسخ كما فيما نحن فيه لان العقد عبارة عن ألفاظ مخصوصة من الايجاب والقبول، والمفروض أنه وجد من قبل، غاية الامر أن الفسخ الذى علم تأثيره قد جعله الشارع مانعا عن ترتيب الاثار المترتبة على العقد قبله، بعد حصوله ووجوده وأن هذه الاثار غير مترتبة عليه بعد ذلك مع بقاء وجود العقد على ما هو عليه من دون تصرف فيه فكذا الكلام فيما شك من تأثيره من الموارد. فحينئذ لما علم أن العقد موجود حقيقة ووقع الشك في أن ما صدر من أحد المتبايعين من الفسخ من دون رضا الاخر، هل هو فسخ كى يكون التصرفات البعدية صحيحة جائزة أو ليس بفسخ كى لا يكون كذلك، بل تكون فاسدة محرمة فيحكم عليه باللزوم عملا باطلاق " اوفوا بالعقود " وليس العقد من قبيل العلل العقلية كى

[ 38 ]

لا يمكن انفكاكه عن آثاره. وفيه ان قد مر أن الفسخ عبارة عن حل العقد والربط الموجود بين المالكين بحيث يكون العقد بسببه معدوما، فكأنه لم يكن مذكورا فالاشكال المذكور من أن الشك في تحقيق الفسخ يوجب الشك في وجود العقد، فاثباته باطلاق الحكم مستلزم للدور يبقى على حاله. ولا يخفى أنه اشكال قوى وارد في المقام ولادافع له اصلا وان تصدى بعض بدفعه الا انه بلا دافع. نعم ان لنا ههنا تقريرا آخر من دون أن يرد عليه الاشكال المذكور من عدم صحة التمسك على وجود الموضوع باطلاق الحكم، ومن دون الحاجة إلى الاستعانة بالتصرفات الواقعة عليه مطلقا في اثبات المدعا كما عليه الشيخ رحمه الله وهو أن نقول: ان الاية انما تدل على أن الوفاء بالعقد واجب وأن ترك الوفاء عليه حرام، ومعنى وجوب الوفاء عليه وحرمة تركه عدم صحة فسخه وعدم صحة رجوعه فيه، فلو فسخ العقد أو رجع فيه يكون الفسخ حينئذ فاسدا والرجوع فيه لغوا بمقتضى الاية الشريفة لما هو مقرر في محله من أن الاوامر والنواهي الواردة في باب المعاملات كلها للارشاد إلى الاحكام الوضعية من فساد الفسخ وغيره دون المولوية. وحاصل هذا التقرير أن قوله: " اوفوا بالعقود " أي لا ترجعوا فيها ولا تبطلوها بفسخ وغيره بل احفظوها على ما هي عليها وأبقوها كذلك، فيكون " أوفوا " على هذا متوجها أولا وبالذات إلى عدم صحة الفسخ

[ 39 ]

وفساده وعدم صحة الرجوع فيه من دون توسيط شئ. لكن يرد عليه أن الانصاف أن الظاهر من الاوامر وكذا النواهي في هذا الباب كونها ايضا للمولوي دون الارشادي. ثم لا يخفى أن معنى الوفاء بالعقد ليس عبارة عن ترتيب آثار ملكية الغير له ولا أن ترك الوفاء به عبارة عن التصرفات المنافية لمالكية له وذلك لما هو بديهى من انه لو باع وسلم المبيع إليه ثم أخذه منه قهرا من دون أن يريد فسخه أو سرقه منه لا يكون ذلك منافيا للوفاء بمقتضى العقد، إذ الفرض أنه سلمه إليه ووافق به، غاية ما في الباب أنه يصير ظالما في حقه لغصب ماله أو لسرقته كما هو ظاهر. ومن هنا ظهر ما في عبارة الشيخ رحمه الله من الفساد، وذلك حيث انه قال في عبارة السابقة: ان العقد لما كان دالا على تمليك العاقد ماله من غيره وجب العمل بما يقتضيه التمليك من ترتيب آثار ملكية ذلك الغير له ثم فرع ذلك بقوله: " فاخذه من يده من غير رضاه والتصرف فيه كذلك نقض لمقتضى العهد ". ووجه الفساد واضح مما ذكرنا. ولنا تقرير آخر ايضا وهو أسلم من السابق من حيث عدم ورود الاشكال عليه اصلا وهو ان نقول: انا سلمنا أن الاوامر والنواهي ظاهرة في المولوي دون الارشادي فالاية تدل حينئذ على وجوب تحفظ العقد وحرمة الاعراض عنه بفسخ والرجوع فيه، لكن هنا مقدمة مسلمة، فمع ضميمتها به يتم المطلوب، هي أن كل عقد جائز يجوز فيه الرجوع بلا اشكال، وكل عقد لا يجوز فيه

[ 40 ]

الرجوع فهو لازم، فيكون مفاد الاية مع تلك المقدمة أن العقد الذى يجب حفظه ويحرم الرجوع فيه، وكذا الاعراض عنه، لاجل كونه لازما، لما هو مقتضى المقدمة والا فغير لازم فان العقد الجائز ليس كذلك ولا يجب حفظه ولا يحرم الرجوع عنه. وان شئت قلت: ان كل فسخ مؤثر في العقد فهو جائز شرعا و ينعكس بعكس النقيض: ان كل فسخ غير جائز شرعا فهو غير مؤثر، والمفروض ان الاية تدل على عدم جواز الفسخ وحرمة ذلك هو المدعا من أصالة اللزوم في العقود. ومع ذلك كله يمكن ان يقال: أن المراد من العقود في الاية وان كان خصوص العقود المتداولة بين الناس فهو بعيد جدا ان كان اعم منها ومن العهود بينه تعالى وبين العباد، لازمة كانت أو جائزة، تكون دلالة الاية على اللزوم حينئذ موهونة لدخول المستحبات فيها على الفرض مع أنها ليست بلازم الوفاء فافهم واغنتم. الاية الثانية ومن جملة العمومات التى يتمسك بها لاصالة اللزوم، قوله تعالى " واحل الله البيع وحرم الربوا " (1) حيث انه يدل على حلية التصرفات مطلقا حتى التصرفات الواقعة على العقد بعد فسخه، نظير التقرير السابق في الاية الاولى. ويرد عليه انه لاوجه لارادة التصرف من لفظ البيع لعدم دلالته عليه كما لا يخفى.


(1) البقرة: 275

[ 41 ]

هذا بناء على ان المراد من الحلية هو الحكم التكليفى، واما بناء على ان المراد منها هو الحكم الوضعي كما هو الظاهر بقرينة المقام فيكون " احل " مشتقا من الحلول، يعنى انه تبارك وتعالى احل البيع في محله، واوقعه في موقعه، وامضاه على حاله، وابقاه في قبال البيع الربوي أي لم يبقه على حاله، ولم يمضه، بل منعه ورد من ترتيب الاثار عليه فظهر انه لادلالة له على المدعى من اصالة اللزوم في البيع بوجه كما عرفت. الاية الثالثة ومن جملة الادلة على اصالة اللزوم، قوله تعالى: " الا ان تكون تجارة عن تراض " (1) وحاصل الاستدلال به، انه يدل باطلاقه على حلية اكل المال إذا كان سبب حصول ذلك المال تجارة عن تراض. ومعلوم ان المراد منه ليس فعلا خاصا واكلا مخصوصا، بل المراد منه مطلق التصرفات حتى التصرفات البعدية بعد الفسخ من دون رضا الاخر. وفيه انه وان كان متعرضا لحال التصرف لما مر من أن المراد من جواز الاكل بالتجارة، هو جواز التصرف، وهذا احسن من هذه الجهة للاستدلال به للمقام من غيره، الا انه لااطلاق له فيه بل هو بصدد مجرد كون الاكل بالتجارة حلالا في قبال الاكل بالباطل، من غير نظر فيه إلى بيان مدة الحلية وانها دائمة. أو مختصة ببعض الاحوال.


(1) النساء: 29

[ 42 ]

الاية الرابعة ومن جملة الادلة صدر هذه الاية. وهو قوله تعالى: " ولا تأكلوا اموالكم بينكم بالباطل " (1) وتقرير دلالته للمقام بوجوه. منها: انه يدل على حرمة الاكل بالباطل في اموال الناس فيما يسمى باطلا عند العرف واما الموارد التى يراها العرف من قبيل الاكل بالباطل، ومع ذلك رخص الشارع فيها بالاكل كما في حق المارة، وحق الشفعة مثلا فهى تكون مما خطأ الشارع فيه وان ترخيصه يكشف عن عدم بطلانه واقعا وانما هي مما تخيله العرف كذلك. فحينئذ إذا لم يعلم في مورد أن الشارع رخص فيه اولا كما في المورد المشكوك، يكون الاكل والتصرف فيه ممن لم يعلم ثبوت حقه فيه، أكلا للمال بالباطل، فلازم ذلك كون الفسخ الصادر من أحدهما من غير رضا الاخر باطلا، وهو يكشف عن لزوم العقد. ولا يخفى ما فيه من الاشكال، إذ الاية حينئذ تصير مجملة لان ما من مورد من الموارد المشكوكة التى ابتلى به المكلف الا ويشك في أنه هل كان من جملة ما هو باطل في الواقع وفي نفس الامر، أو كان من جملة ما تخيله العرف باطلا، فلا يصح حينئذ التمسك بها في بطلان الفسخ الكاشف عن لزوم العقد، وقد أشرنا عليه بمثل هذا الكلام في بعض مسائل الصلاة، في تحقيق معنى التجاوز بالغير، وأن المراد من الغير ماذا؟ فراجع.


(1) النساء: 29

[ 43 ]

ومنها: أنه يدل على حرمة الاكل وان موضوعها فيها هو الباطل العرفي على نحو ما سبق، لكن الموارد المأذون بها في الشرع مع صدق البطلان عليها عرفا كانت من باب التخصيص لامن باب التخطئة في المصداق. وفيه ايضا أن الشارع مع تصديقه العرف في البطلان كيف يرخص في الباطل؟. ومنها: أن الظاهر منها أن كل أكل واقع في الاموال فهو أكل مال بالباطل شرعا الا ما كان بتجارة، فتدل الاية على ان الاكل بسبب الفسخ من دون رضا الاخر باطل، فيتم المطلوب حينئذ. لا يقال: انه حرمة الاكل أو كونه باطلا فرع كونه مال الغير وهو مشكوك بعد الفسخ وبعد وروده.. لانا نقول: أن هذا انما يرد لو جعلنا الاكل عبارة عن التصرفات الواقعة بعد الفسخ، واما لو جعلنا كفاية عن كون مطلق التصرف حتى الفسخ حراما وباطلا غير مؤثر وهو الحق كما مر فلا يلزم الاشكال، لان الفسخ تصرف في مال الغير حيث انه ازالة لملكيته وقطع لربطه وعلقته. لكن فيه ان يقال: ان الحرمة لا ينتزع عنها الفساد ولا يمكن أن يجعل النهى عن الاكل ارشادا إليه، لانه بالنسبة إلى سائر التصرفات غير الفسخ حرام تكليفي فلا يمكن حمله على بيان الحكم الوضعي بالنسبة إلى خصوص الفسخ، لاستلزامه استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد.

[ 44 ]

الدليل الخامس على اصالة اللزوم ومن جملة الادلة التى استدلوا بها عليها قوله صلى الله عليه وآله " المؤمنون عند شروطهم " (1). ودلالته على المدعى متوقفة على ثبوت المقدمتين: الاولى: دلالته على وجوب الوفاء بالشرط. الثانية كون المراد من الشرط مطلق الشروط حتى يعم الشروط الابتدائية كى يكون العقد البيعى من جملة مصاديقها، فيجب الوفاء به بناء على مقتضاه. اما ثبوت المقدمة الاولى فواضح، لكونه ظاهرا في انه يجب الوقوف عند الشروط ويجب القيام بها وأن لا ينقضها بناقض، ولا يتخلف عنها بخلف، بل قد قيل ان دلالة الجملة الخبرية على الطلب اقوى وآكد من دلالة نفس الانشاء عليه ووجهه واضح. هذا مضافا إلى كون ذيله قرينة على دلالته لما ذكر من وجوب الوفاء وهو قوله: " الا من عصى الله " (2) و " الا شرطا حرم حلاله أو أحل حراما " (3) واشباههما من العبائر المختلفة المأثورة عن المعصوم عليه السلام في كتب الاحاديث. فالعقد على هذا شرط فيجب الوقوف عنده ولايجوز التعدي عنه إذا شككنا فيما صدر من أحد المتبايعين دون الاخر في أنه من


(1) الوسائل، الباب - 20 - من ابواب المهور، الحديث 4. (2) راجع الوسائل، الباب - 6 - من ابواب الخيار وذيله. (3) الوسائل، الباب - 6 - من ابواب الخيار، الحديث 5.

[ 45 ]

من مصاديق الفسخ أولا، فيدل حينئذ على اللزوم بهذا التقريب. واما ثبوت المقدمة الثانية فغير مسلم لوجوه: اما اولا فانا لا نسلم ان معنى الشرط هو الالزام والالتزام، إذ لانفهم من الشرط بل لا يستفاد منه في قولنا: اجيئك بشرط ان افعل كذا، أو ان تفعل كذا، انى ملتزم بك عند مجيئي أو انت ملتزم لى عند مجيئي، وانا الزمك عنده ان تفعل الفعل الكذائي، أو ان افعل الفعل الكذائي. بل فائدة الشرط انه يجعل مشروطه بوجوده عرضة للزوال بمعنى انه يجوز العمل عليه لو شاء واراد كما لا يخفى. نعم قد ينطبق ذلك على مورد الالزام والالتزام، ولا يلزم منه انه بهذا المعنى وهو واضح. واما ثانيا، سلمنا ان معنى الشرط هو الالزام والالتزام، الا ان العقد البيعى ليس من هذا القبيل إذا هو شئ والشرط شئ آخر. نعم هو معنى وجوب الوفاء بالعقد، لا انه معنى نفس العقد. ومما ذكرنا يظهر دفع كلتا الدعويين للشيخ الانصاري قدس سره من دعواه منع صدق الشرط في الالتزامات الابتدائية، وان المتبادر العرفي من معناه هو الالزام التابع بالعقد كما في اول باب الخيارات (1) ومن دعواه عدم الاشكال في صحة استعمال الشرط في الالتزام الابتدائي ووقوعه في الاخبار كثيرا كما في باب الشروط (2) واما دفعهما فواضح مما ذكرنا.


(1) المتاجر، قسم الخيارات ص 2 (2) المتاجر ص 275 طبع تبريز 1375

[ 46 ]

واما ثالثا، سلمناه ان معناه هو الالزام والالتزام، وان العقد البيعى ايضا من هذا القبيل، لكن لابد في المقام من اثبات اطلاق حتى يشمل المورد الذى نعلم طر وعارض عليه ويشك في انه من مصاديق الفسخ اولا على الفرض. لكن لنا منع هذا الاطلاق، بل هو ممنوع من اصله. واما رابعا سلمنا جميع ذلك لكن يرد عليه الاشكال العام السابق من ان الحكم بمقتضى اطلاقه على موضوع، متوقف على وجود الموضوع وتحققه حقيقة، والمفروض ان وجود الموضوع فعلا بسبب طر وهذا الطارى، فلا يصح الحكم عليه بانه موجود باطلاق الحكم كما مر سابقا. نعم يمكن الاستدلال عليه بكل واحد من التقريرين الاخيرين في " اوفوا بالعقود " فتذكر الدليل السادس على اصالة اللزوم ومن جملة الادلة المتمسك بها في المقام قوله عليه السلام: " البيعان بالخيار ما لم يفترقا وإذا افترقا وجب البيع " (1) فانه يدل على ان الافتراق إذا حصل انتفى لهما الخيار، ولا معنى لانتفائه الا كون البيع لازما وهو معلوم. لكن فيه اشكال واضح، وهو انه: نعم، الافتراق يدل على لزوم البيع وعدم ثبوت الخيار لهما بعد الافتراق، لكن بمعنى ان الخيار الذى كان للمتبايعين قبل افتراق المجلس، وانه كان موجبا لجواز العقد ليس لهما بعد ذلك وان العقد يصير لازما من هذه الجهة. واما كونه لازما من سائر الجهات ايضا حتى من جهة طر وما يصلح ان يكون فسخا له فلا دلالة عليه كما لا يخفى.


(1) راجع الوسائل، الباب - 1 - من ابواب الخيار

[ 47 ]

ومن الادلة على اللزوم الاستصحاب (1) ومن جملة الادلة الاستصحاب، وهو أقوى الادلة في المقام لو كان سالما عن الاشكالات الاتية. فنقول في تقريره: أنا نعلم يقينا بوقوع العقد وأنه سبب لحصول ملكية أحد المتابعين لمال الاخر وبالعكس قطعا أو لانقطاع علاقة المالك عن العين المنتقلة به، فصارت ملكا لصاحبه وانقطاع علاقة مال صاحبه المنتقل عنه به، فصار ملكا له كذلك، فإذا شككنا بعد ذلك في أن العقد المذكور هل يكون منفسخا بقول أحدهما " فسخت العقد " من دون رضا الاخر أو لا؟ يستصحب الملكية الثابتة بالعقد فلا، لان الشك في وجود الرافع، والاصل عدمه إلى أن يعلم الفسخ حقيقة. لكن فيه اشكال من وجوه: أما اولا فبانه شك في المقتضى فانا نشك في ان اقتضاء العقد و


(1) هذا سابع الادلة التى استدل بها على اصالة الزوم وثامنها الذى لم يتعرض له المؤلف: الناس مسلطون على اموالهم راجع متاجر الشيخ الانصاري قسم الخيارات، ص 2

[ 48 ]

استعداده هل هو باق إلى زمان الشك وبعده أو انقضى ذلك قبل هذا الزمان بقوله: " انا فسخت العقد " فان كان العقد المفروض ثبوته عقدا جائزا وانعقد كذلك في نفس الامر فقد تم استعداده بصدور قوله: " انا فسخت العقد " وانقضى، فيكون هذا مؤثرا فيه، وان كان عقدا لازما في الواقع فاستعداده حينئذ يكون باقيا فلا يكون ذلك القول فيه مؤثرا فيكون حاله من حيث الاستعداد والاقتضاء مجهولة فلا يجرى فيه الاستصحاب. وبعبارة اوضح أن الملكية على نحوين، ملكية مستقلة، وملكيه متزلزلة، أو ملكية لازمة وملكية غير لازمة، فإذا كان الامر كذلك ولم يعلم حال ما هو أثر العقد من مقتضاه يكون استعداده مشكوكا فلا يجرى فيه الاستصحاب. وأما ثانيا فيقال: أن ما نحن فيه من قبيل القسم الثاني من الاستصحاب الكلى لكون الشك في بقاء المتقين السابق من جهة الشك في تعيين ذلك الفرد وتردده بين ما هو باق فعلا وبين ما هو مرتفع كذلك، إذا العقد الذى شك في بقائه ان كان لازما فهو باق قطعا وان كان جائزا فهو مرتفع به جزما كما في مسألة القطع بوجود حيوان في الدار في زمان ثم شك في بقائه فيها بعد ذلك الزمان وعدمه، فالشك فيه من جهة الشك في تعينه في فرد أو تردده بين ما هو باق قطعا ان كان فيلا مثلا وبين ما هو مرتفع كذلك ان كان بعوضة، فلا يجرى فيه الاستصحاب لدوران الامر فيه بين ما هو مقطوع الانتفاء لو كان العقد الموجود المفروض سابقا جائزا وبين ما هو مشكوك الحدوث وهو لزومه فيكون محكوما بالانتفاء بحكم الاصل.

[ 49 ]

واما ثالثا فان الاستصحاب المذكور - من استصحاب بقاء الملكية الثابتة للمالك الثاني بعد فرض صدور ما يحتمل كونه موجبا للفسخ من القول المذكور الذى مقتضاه اللزوم - معارض بما هو حاكم عليه من استصحاب عدم انقطاع علاقة المالك الاول عن العين المنتقلة عنه إلى غيره، فحينئذ يقدم ذلك عليه فلايتم التمسك به أيضا في المقام. وأما الجواب عن الوجوه المذكورة: فعن الاول: فبأن يقال: أولا بالحل: وهو انا لا نسلم عدم حجية الاستصحاب في الشك في المقتضى إذ كما أنه حجة في الشك في الرافع وفي الشك في رافعية الشيئ الموجود كذلك انه حجة في الشك في المقتصى أيضا لشمول اطلاق الاخبار من قوله عليه السلام " لا تنقض اليقين بالشك " أو " لا ينقض الشك اليقين " (1) وأمثالهما. نعم لوبنينا على مبنى الشيخ الانصاري قدس سره من عدم كونه حجة فيه يرد الاشكال في المقام، لكن المختار عدم صحة ذلك القول إذ اليقين المأخوذ في اخبار الباب انما هو باق على حاله وعلى صفة اليقين، وهو الحق من دون التصرف فيه وجعله بمعنى المتيقن كما هو مختاره. وثانيا بالنقض: وهو انا سلمنا أنه كذلك، لكنه من قبيل الموارد التى اجمع


(1) راجع رسالة الاستصحاب ص 82 للاستاذ الاكبر دام ظله.

[ 50 ]

القوم بجريان الاستصحاب فيهما كما في استصحاب بقاء الضوء للسراج إذا شك في استعداد الدهن له واستصحاب بقاء الحياة إذا كان الشك من جهة القابلية والاستعداد لبقاء ذى الحياة وهكذا غيرهما من نظائرهما مما كان الشك فيه من الجهة المذكورة لامن جهة الشك في حدوث الرافع كالموت لاجل السقوط من شاهق مثلا مع أن الاستصحاب حجة فيها بلا اشكال، فما هو الجواب هناك هو الجواب هنا. وثالثا: انا لا نسلم ان الملكية على نوعين بل الملكية لها نوع واحد و حقيقة واحدة ولا اختلاف فيها، وانما الاختلاف والتغاير في اسبابها، فانها قد تفيد ملكية مستفلة لازمة وقد تفيد ملكية غير مستقلة غير لازمة، ومعلوم ان تغاير السبب واختلافه لا يوجب تغاير المسبب واختلافه فحينئذ يستصحب ذلك المسبب اعني الملكية الحاصلة بالعقد. ورابعا: سلمنا انه من قبيل الشك في المقتضى، وان جميع ما ذكرنا من الاجوبة غير واردة، الا ان المقام ليس من القبيل المذكور حقيقة و واقعا، لان المعنى في الشك في المقتضى كون الشك في نفس اقتضاء المقتضى واستعداده فقط، لا في شئ آخر غير الاستعداد والقابلية، بخلاف المقام فان الشك هنا انما في رافعية الفسخ المفروض حصوله من البايع قطعا لافى نفس اقتضاء الملكية واستعدادها من حيث البقاء وعدمه كما هو المدعى، إذا لو صرفنا النظر عنه ليبقى الملكية الحاصلة المفروضة للمالك الثاني على حالها بلا اشكال من دون شك في رفعه أو ارتفاعه.

[ 51 ]

وعن الثاني: انا لا نسلم ان الاستصحاب في الكلى الذى مر ذكره ليس بحجة بل هو حجة فيه بلا ارتياب لكونه مشمولا لاطلاق الاخبار كما قرر في محله هذا اولا. وثانيا: سلمنا عدم حجيته فيه لكن الاستصحاب هنا وكذا فيما كان من هذا القبيل كما في جميع مصاديق القسم الثاني من الاستصحاب الكلى مثل العلم بحدوث حدث مردد بين كونه بولا ومنيا، ليس من قبيل الاستصحاب الكلى كما هو المدعى في المقام، بل هو فيهما من باب استصحاب الفرد قطعا، إذ المفروض أن المستصحب هو الذى يرى جئته في الدار ويرى أنه من بعض افراد الحيوان ويسمع صوته أو بعض علاماته الدالة حسا على انه جزئي شخصي وحقيقي، كما هو مقتضى الشئ وتشخصه خارجا. غاية الامر انه لا يعرفه بشخصه وبتعيينه بحيث يمتاز عن غيره من مشاركاته في جنسه ومعلوم ان عدم حصول العلم والمعرفة به بخصوصه لا يوجب كونه كليا. نعم عدم العلم به كذلك يوجب ترديدا للمستصحب (بالكسر) فيه في بقائه وعدمه فيكون هذا منشأ لشكه، فيكون أركان الاستصحاب من هذه الجهة تامة. ومن هنا ظهر ان القول - بانه لابد في الاستصحاب من يقين سابق وشك لاحق، والمقام ليس كذلك، إذا المستصحب (بالفتح) مردد بين ما هو منتف قطعا، إذا فرض الحاصل من الحدث بولا مثلا و عقب

[ 52 ]

بالوضوء بعده، وبين ما هو مشكوك حدوثه، فعلا، إذا فرض منيا مع التعقيب المذكور، فلا يكون أركانه حينئذ تامة، فلا مجال لجريانه - لاوجه له اصلا، لما مرمن أن كونه كذلك كان منشأ للشك ومصححا للاستصحاب ولترتيب آثاره. نعم الذى يجب ترتيبه عليه من الاثار انما هي الاثار المشتركة بين البول والمنى أعنى آثار الحدث المفروض وجوده في الخارج المشخص بتشخصاته الخارجية وجزئية، مثل حرمة مس كتابة القرآن على هذا الشخص ونظيره، لا ترتيب آثار خصوص كل واحد منهما من حيث شخصيته وخصوصيته، لعدم كونه مستصحبا كذلك. فافهم واغتنم. قال الشيخ قدس سره في مبحث المعاطاة: ويدل عليه أي مدعاه من اصالة اللزوم في المقام وبقاء ملكية المالك الثاني. مع انه يكفى في الاستصحاب الشك في ان اللزوم من خصوصيات الملك أو من لوازم السبب الملك. ومع ان المحسوس بالوجدان ان انشاء الملك في الهبة اللازمة وغيرها على نهج واحد. ان اللزوم والجواز لو كانا من خصوصيات الملك فاما ان يكون تخصيص القدر المشترك باحدى الخصوصيتين بجعل المالك أو بحكم الشارع،

[ 53 ]

فان كان الاول، كان اللازم التفصيل بين اقسام التمليك المختلفة بحسب قصد الرجوع وقصد عدمه أو عدم قصده، وهو بديهى البطلان اذلا تأثير لقصد المالك في الرجوع وعدمه. وان كان الثاني لزم امضاء الشارع العقد على غير ما قصد المنشئ وهو باطل في العقود، لما تقدم من ان العقود المصححة عند الشارع تتبع المقصود انتهى (1) ولا يخفى مافى تلك الوجوه من الاشكال: اما في الاول: من قوله: مع انه يكفى في الاستصحاب الشك.. ففيه انه ممنوع جدا إذ مقتضاه أنا لو شككنا في ان هذا المورد هل هو مجرى الاستصحاب أو ليس بمجراه، لجاز أن يجرى فيه الاستصحاب، مع أنه لابد في جريانه من اعتبار مجراه، وانه هل هو مقرون بما اعتبر في جريانه من الشرائط والاركان، كى يجرى فيه الاستصحاب اولا؟ ففيما نحن فيه انا إذا شككنا في أن اللزوم والجواز من خصوصيات الملك، لا يكون المقام مجرى له أو من خصوصيات السبب المملك يكون مجرى له، لاوجه للحكم بأنه مجراه لما مر من أنه لابد في جريانه من احراز اركانه وشرائطه وهو واضح. واما في الثاني من قوله: مع أن المحسوس بالوجدان.


(1) المتاجر، كتاب البيع، ص 7

[ 54 ]

ففيه أن كون الملك في الهبة اللازمة وغير اللازمة على نهج واحد مسلم بالحس والوجدان، لكنه لا ينافي كونه مختلفا بخصوصية المحل وبلحاظ المورد كما في الهبة لذى الرحم ولغيرهم، فان معناها هو انشاء الملك قى كلا الموردين على نسق واحد ونهج فارد بلا اشكال، فيه، لكن لما كنا جاهلين بمواردها حقيقة كشف الشارع عن حقيقتها بانه ان وقعت على ذى الرحم تكون لازمه، وان وقعت لغيرهم تكون غير لازمة. ووجه الفرق خصوصية المحل في كليهما ونظير ذلك كما فيمن أحدث الحرارة في محلين مختلفين بان احدث حرارتين متساويتين من جميع الجهات في محلين، لكن أحدهما أشد من الاخر كما في الحديد والخزف فانها وان كانت على نحو واحد، الا أن اختلاف المحل يجعلها مختلفين حيث ان بقائها في الاول يكون ازيد زمانا من الاخر: فظهر أنه يمكن اختلاف المعنى الواحد على ما نحسه بالوجدان باختلاف بعض الخصوصيات كما عرفت، فيكون المقام من قبيل الاستصحاب الكلى، ويخرج عما هو الفرض من كون الاستصحاب استصحاب الفرد كما هو مقتضى تسليم الشيخ قدس سره عدم جريانه فيه، وتنزله عنه إلى دعوى جريان الاستصحاب في الفرد. واما في الثالث من قوله أن اللزوم والجواز لو كانا.. ففيه انا نختار الشق الثاني، وقوله لزم امضاء الشارع العقد على

[ 55 ]

غير ما قصده المنشئ مدفوع بأن المسلم من كون العقود تابعة للقصود هو مطابقة اصل المعنى للقصد وتبعيته له، والمفروض أن المنشئ قد قصد الملكية عند انشائه العقد، واما مطابقية خصوصية زائدة عليه خارجة عن مقتضاه مستفادة عن اعتبار الشارع لخصوصية المحل أعنى اللزوم وعدمه، فليس بمسلم. واما في الرابع (1) ففيه ان كون الشئ بالحس والوجدان واحدا لا يستلزم ان يكون واحدا شخصيا خارجيا كى يكون المستصحب مفردا لاكليا بل يمكن ان يكون مع ذلك كليا مرددا بين فردين أو أفراد كثيرة متحدة الحقائق فحينئذ يكون المستصحب في المقام كليا فلازمه استصحاب الكلى لا الفرد. مضافا إلى ما ذكرنا ان لنا جوابا آخر: وهو ان لنا دليلا على ان المسبب ايضا مختلف وليس الاختلاف منحصرا في الاسباب ليس غير. وبيان ذلك أن المؤثر في المقام هل هي الاسباب باختلافها أو هي بجامعها؟ اما الثاني فخلاف الفرض إذا المفروض ان المؤثر هي الاسباب وأما الاول، فلازمه تعدد الاثر المسبب بتعدد الاسباب والمؤثرات بلا اشكال، كما هو مقتضى اختلافها.


(1) لا يخفى ان هذا ايضا هو الوجه الثاني من الوجوه الثلاثة المذكورة في كلام الشيخ لا الرابع.

[ 56 ]

وعن الثالث: وهو كون الاستصحاب بين متعارضين، وأن أحدهما حاكم على الاخر. ففيه اشكالان: الاول: أن كون جريان استصحاب بقاء الملكية للمالك الجديد معارضا باستصحاب عدم انقطاع علاقة المالك الاول عن ملكه، متوقف على عدم انقطاع العلاقة له عن ملكه كلية والحال أن المعلوم من الاخبار الدالة على ثبوت الخيار لذيه في بابه انقطاع علاقته عن ملكه كذلك، وأن الخيار الثابت له حق آخر مجهول عن قبل الشارع ليندفع به الضرر الوارد عليه من جهة العيب الموجود في المبيع أو من جهة الغبن أو غير ذلك من أسباب الخيار، وقد مر سابقا أن معنى الخيار هو فسخ ذى الخيار العقد ورجوعه فيه لا الرجوع بالمال والعين. فظهر أن مقتضاه استرداد ما زال عن ملكه حقيقة وواقعا من المال باعمال الحق المجهول من الخيار عند تحقق اسبابه فتأمل. الثاني: ان كون أحد الاستصحابين حاكما على الاخر لا معنى له الا كونه سببا والاخر مسببا كما هو المطلوب من الحكومة في اصطلاحاتهم والمقام ليس من هذا القبيل. فان بقاء الملكية فيه للمألك الثاني ليس مسببا عن بقائها للمالك الاول، كى يكون حاكما عليه ولايكون مجال لجريانه فيه، بل كل واحد منهما مسبب عن سبب غير سبب الاخر كما هو معلوم.

[ 57 ]

ثم لا يخفى أن الحق جريان هذا الاستصحاب مطلقا سواء كان أثر العقد سبقا ام تسلطا أم غيرهما من الاثار من دون فرق بينهما. وما ذهب إليه الشيخ الانصاري قدس سره من الفرق في جريانه بين كون الاثر سبقا وكونه تسليطا في غير محله اذما من عقد الايكون له اثر كما لا يخفى. هذا كله في الشبهة الحكمية، وأما جريانه في الشبهة الموضوعية فلا اشكال ايضا فيه كما لااشكال في كون اللزوم مقتضى العقود.

[ 58 ]

اقسام الخيار وهى كثيرة حتى عد بعض لها عشرين موردا الا انا نكتفي بذكر الاهم منها كما هو المتعارف في كتب الاكثر وهى سبعة: (1) الاول خيار المجلس: اعلم انه لااشكال في ثبوت هذا الخيار بين الامامية والعامة، الا ان ابا حنيفة قد انكر ثبوت ذلك، وتصدى بعض من تبعه من اشياعه بتوجيه النصوص المستفيضة الواردة في اثبات ذلك الخيار وبتأويلها، تفصيا عن رد كلامه وتخلصا عما يرد عليه من الاشكال بها، فراجع إلى كتبهم. هل يثبت خيار المجلس للوكيل ثم لااشكال ايضا في ثبوته للماللكين العاقدين، وانما الكلام والاشكال في انه هل هو ثابت لو كليهما أولا. قال بعض بثبوته لهما مطلقا، وقال آخر وهو المحقق الثاني بعدم ثبوته لهما كذلك وانما الثابت لموكليهما فقط، وفصل ثالث كالشيخ الانصاري في مكاسبه بين أن يكونا وكيلين في خصوص اجراء


(1) لا يخفى انه لم يتعرض المؤلف في هذه الرسالة الا لاربعة منها وهى المجلس والحيوان والشرط والغبن.

[ 59 ]

العقد أو وكيلين في التصرف في مال الموكل مطلقا على أي نحو اتفق من التصرف المالى، بأن كانا مستقلين في التصرف في ماله بحيث يشمل فسخ المعاوضة بعد تحققها كالعامل في مال المضاربة مثلا وكاستقلال أولياء القاصرين من الصغار والمجانين في تصرفهم في اموالهم على أي نحو شاءوا، وأرادوا، أو كانا مستقلين في التصرف في ماله في خصوص أمر واحد كالبيع والشراء للموكل، وجوه. قال قدس سره: بعدم ثبوت الخيار لهما في الوجه الاول لامور: منها أن المتبادر من قوله: " البيعان بالخيار ما لم يفترقا " غير الوكيلين في مجرد اجراء العقد. وفى الوجه الثاني لهما لعموم النص، وان دعوى تبادر المالكية ممنوعة خصوصا إذا اسندت هذه الدعوى إلى الغلبة، لان معاملة الوكلاء والاولياء لا تحصى. وفى الوجه الثالث بعدم ثبوته لهما ايضا كالوجه الاول لا لما ذكر في وجهه من انصراف الاطلاق إلى غير ذلك أو تبادر غيره من النص، بل لبعض ما ذكر فيه من ان مفاد ادلة الخيار اثبات حق وسلطنة لكل من العاقدين على ما انتقل إلى الاخر بعد الفراغ عن تسلطه على ما انتقل إليه، وعن تمكنه عن رد ما في يديه، فلا يثبت بهذه الادلة هذا التمكن والتسلط لو شك في ثبوته، ولم يكن مفروغا عنه في الخارج. هذا حاصل ما ذكره قدس سره في كتابة المذكور (1) لكن اقول انه لقد اجاد فيما افاد بالنسبة إلى الوجه الاول من


(1) راجع المتاجر ص 217 طبع تبريز.

[ 60 ]

الدليل، من عدم ثبوت الخيار للوكيلين فيه لعدم صدق البيع عليهما أو انصرافه عنهما أو المتبادر منه من باشر التصرفات المالية من الاخذ والرد دون من باشر بمجرد اجراء العقد ليس غير، كما هو الفرض. كما ان دعواه ثبوته في الوجه الثاني لمقتضى صدق البيع عليهما في غاية الجودة والمتانة، لما ذكر من الصدق وعموم النص. واما قوله قدس سره في الوجه الثالث. بعدم ثبوته لهما لا لعدم صدق النص عليهما فيه، أو انصرافه عنهما إذ البيع صادق عليهما بلا اشكال، وليس منصرفا عنهما اصلا، بل لعدم بعض ما ذكره وجها للاول من الوجوه، وهو ان اطلاق ادلة الخيار مسوق لافادة سلطنة كل من العاقدين على ما نقله عنه بعد الفراغ عن تمكنه عن رد ما في يديه مما انتقل إليه والمفروض ان الوكيلين ليسا متمكنين عن رد ما انتقل اليهما لعدم كونهما وكيلا فيه، بل هما وكيلان في خصوص المعاوضة، فلا يشمل عليهما البيع بهذا النحو. فمدفوع بان المفروض ان البيع صادق عليهما وان ثبوت الخيار وعدم ثبوته يدور مدار صدق البيع وعدم صدقه، وكون الصدق مشروطا بهذا الشرط المذكور اول الكلام فعلى مدعيه اثباته. ولصاحب المسالك في هذا المقام كلام لكن الانصاف انه خلط في التمسك بثبوت الخيار وعدم ثبوته بين ما هو مقتضى ادلة الخيار وبين ما هو مقتضى ادلة الوكالة. لكن سلوك الشيخ الانصاري في المقام وهو التمسك بمقتضى ادلة الخيار فقط موافق لمسلك القوم فراجع. ثم ان أغمضنا عن شمول أدلة الخيار في أثباته للوكيلين، وقلنا

[ 61 ]

بأنها دالة على خيار العاقدين المالكين، كما عن المحقق الثاني، هل يمكن التمسك فيهما بعموم أدلة الوكالة أولا؟. الحق أنه يمكن التمسك بها في ثبوته للوجه الثاني، إذ المدار في الثبوت وعدمه على صدق البيع وعلى عدمه، والمفروض أنهما فيه بيعان كما هو مقتضى تفويض أمر المعاوضة إليها مطلقا كما مر سابقا وهذا واضح لا اشكال فيه. كما أن عدم جواز التمسك بها في ثبوته للوجه الاول أيضا كذلك لما مر من عدم صدق البيع فيه. وأما جواز التمسك بها في ثبوته للوجه الثالث فوجهان من جهة أن الوكيل فيه بيع وأن أدلة الوكالة تنزله منزلة المالك العاقد، فيثبت له ما ثبت له من الخيار، ومن أن هذه الادلة تجعله نائبا أو وكيلا عن قبله فيما وكل فيه من متعلق الوكالة لا وكيلا فيما أزيد منه كما هو مقتضاها فلا يثبت له الخيار حينئذ، والاخير منها لا يخلو عن قوة وهو الحق. ثم هل يثبت الخيار للموكلين عند حضورهما في مجلس العقد في الموارد الثلاثة المذكورة أولا؟. أقول انه قدس سره لقد أجاد أيضا في قوله بثبوت الخيار في الاول من الوجوه لهما، لان الخيار حق ثابت للبيع والمفروض أن الوكيل في مجرد أجراء العقد ليس بيعا كما مر، فيكون البيع نفس الموكل فيثبت له الخيار. وأما ثبوته لهما في الثاني والثالث ففيه أشكال لما مر من أن ثبوته يدور مدار صدق البيع وعدم صدقه، وهما ليسا بيعين حقيقة بل البيع

[ 62 ]

حقيقة وكيلاهما كما هو مقتضى تفويض امور المعاملة مطلقا أو خصوص أمر المعاوضة من البيع والشراء إليهما كما مر آنفا، مع أن المراد من الحضور والاجتماع الحضور العيى والاجتماع الكذائي بخلاف حضور الموكلين عند المعاملة واجتماعهما حال البيع، فأنه ليس اجتماعا بيعيا وحضورا كذلك كما لا يخفى. بقى هنا شئ: قال الشيخ قدس سره " فقد يتحقق في عقد واحد الخيار لاشخاص كثيرة من طرف واحد أو من طرفين، فكل من سبق من أهل الطرف الواحد ألى أعماله نفذ وسقط خيار الباقين بلزوم أو بأنفساخه، وليس المقام من تقديم الفاسخ على المجيز، فأن تلك المسألة فيما أذا ثبت للجانبين وهذا فرض من جانب واحد انتهى " (1) وتوضيح ذلك أنه إذا فرضنا عشيرة أشخاص موكلين شخصا واحدا في المعاملة الكذائية في طرف واحد من العقد، وفرضنا عشرة اخرى موكلين شخصا آخر من طرف آخر منه بأن كان احدهما وكيلا منهم في بيع العبد عن قبلهم والاخر وكيلا في شرائه لهم إذا شرطوا الخيار لكليهما أو في بيع حيوان بحيوان، بأن بدل احدهما بالاخر ليكون الخيار لكليهما، أو فرضنا احد المتعاملين وكيلا كذلك والاخر اصيلا أو امثال ذلك من الفروض. وفرضنا فوت احد الوكيلين أو كليهما بعد ان تحقق المعاملة الكذائية فان الخيار حينئذ ينقل منه إلى الموكلين بلا اشكال لكونه حفا لهم


(1) المتاجر ص 217 طبع تبريز

[ 63 ]

ومقتضى كلامه قدس سره انه ان اعمل احدهم الخيار امضاء أو فسخا نفذ ويسقط عن الباقين من الموكلين، وهذه المسألة ليست من مسألة تقديم الفاسخ على المجيز، يعنى ان الفاسخ هناك مقدم على المجيز سواء كان فسخه سابقا على اجازة المجيز ام لاحقا عليها والوجه في ذلك ان معنى اجازة المجيز العقد، انه يبقى العقد على حاله وان يسقط الحق الثابت له شرعا من الخيار عن نفسه فقط، ولاربط له لاسقاط حق غيره منه بخلاف فسخ الفاسخ فانه يعدم الموضوع وهو العقد من البين، فلا يبقى لغيره حينئذ حق اصلا لانتفاء موضوعه مطلقا سواء قدم على الاجازة ام اخر عنها فلا تأثير لوقوع الاجازة بعد فسخ الفاسخ لما عرفت من الوجه. هذا حاصل كلامه قدس سره ولكن لا يخفى ما فيه من الاشكال فان عدم سقوط حق الفاسخ في مسألة تقديم الفاسخ على المجيز في صورة كونه مسبوقا على الاجازة الواقعة من صاحبه وعدم كونها مفيدة للزوم العقد في تلك المسألة كى لا يكون لاعمال الفسخ مجال، ان كان الملاك فيه ثبوت الحق من الجانبين واعتبار تعدده في البين، فقد يمكن لنا فرض ثبوته فيما نحن لكل من الموكلين ايضا لعدم المانع فيه لصدق البيع على كل واحد منهم، فيكون حكمه حينئذ مثل حكم تلك المسألة فيما ذكر لها من الحكم من غير فرق، فان اجاز واحد منهم فلا تكون اجازته مسقطة لحق الغير من الباقين بل انما تكون مسقطة لخيار نفسه والتزاما لبقاء العقد على حاله. فعلى هذا لو فسخ واحد منهم العقد يكون نافذا ومعدما للعقد وان كان ذلك بعد الاجازة، كما انه كذلك هناك.

[ 64 ]

وان كان الملاك في سقوط حق الفاسخ بعد فرض وقوع الاجازة قبله فيما نحن فيه، هو وحدة الحق ولذا كانت الاجازة بمجرد صدورها مؤثرة فلا اثر للفسخ بعد فرض وقوعها فيه. فلو امكن فرض وحدة الخيار في تلك المسألة للمتبايعين كليهما مطلقا اجازة كانت ام فسخا كما انه مما يحتمل لصدق قوله عليه السلام " البيعان بالخيار ما لم يفترقا " عليه أيضا، يكون حالها مثل حال ما نحن فيه أن الواقع من كل واحد منهما مطلقا أجازة أم فسخا يكون مؤثرا في اللزوم أو الفسخ فلا يكون بعد ذلك لاعمال الاخر خيار في المقام سواء أجاز أم فسخ، بل لا معنى له لوجود الطبيعة في ضمن الفرد، ولو كان ذلك الفرد الموجود اجازة مثل ما نحن فيه بعينه.

[ 65 ]

ارث خيار المجلس ثم ان الشيخ قدس سره قال في مسألة أرث الخيار: أن في استحقاق كل من الورثة للخيار مع أنه شئ واحد لا يقبل التقسيم والتجزية، وجوها اربعة. الاول: استحقاق كل منهم خيارا مستقلا متعددا بتعددهم مثل استحقاق مورثهم ولازمه عدم سقوط خيار بعض اجازة أو فسخا باعمال البعض الاخر خياره كذلك كما لا يخفى نظير حد القذف وحق الشفعة الذى لا يسقط بأخذ البعض عن الباقين. والاستناد في ذلك إلى النبوى صلى الله عليه وآله من قوله: " ما ترك الميت فلو ارثه " وغيره. الثاني: استحقاق كل منهم خيارا مستقلا في نصيبه، ولازمه جواز الفسخ، له فيه دون باقى الحصص، ويكون مع اختلاف الورثة في الامضاء والفسخ ثبوت الخيار على من عليه الخيار من جهة تبعض الصفقة. وقال في وجه ذلك انه لما كان الخيار غير قابلة للتجزية والتقسيم كان مقتضى أدلة ارث الورثة فيما ترك مورثهم تعين تبعضه بحسب متعلق الخيار، نظير المشتريين لصفقة واحدة إذا قلنا بثبوت الخيار لكل منهما بسبب حدوث العيب مثلا.

[ 66 ]

الثالث: استحقاق مجموع الورثة الخيار من دون ارتكاب تعدده بالنسبة إلى جميع المال، ولا بالنسبة إلى حصة كل منهم، لان مقتضى أدلة الارث في الحقوق والاموال أمر واحد وهو ثبوت مجموع ما ترك لمجموع الورثة، الا أن التقسيم في الثانية لما كان أمرا ممكنا يكون مرجع اشتراك المجموع من الورثة في المجموع من الاموال إلى اختصاص كل منهم بحصة مشاعة بخلاف الحقوق، فانها باقية على حالها من اشتراك المجموع فيها سواء ارادوا اجازة أم فسخا، فلابد من اتفاقهم عليها أو عليه، فلا يجوز لبعضهم الاستقلال بالفسخ لافى الكل ولافى حصته. الرابع: وهو الذى عبر عنه بقوله: وهنا معنى آخر وهو قيام الخيار بالمجموع من حيث تحقق الطبيعة في ضمنه لامن حيث كونه مجموعا كما في الثالث فحينئذ يكون لازمه جواز استقلال كل منهم بالفسخ ما لم يجز الاخر لتحقق الطبيعة في الواحد، وليس له الاجازة بعد ذلك كما أنه لو اجاز الاخر لم يجز له الفسخ بعده كما ان المجموع ايضا كذلك. هذا حاصل ما افاده قدس سره هناك. (1) وفيه مالا يخفى من عدم صحة عد الاخير منها وجها مستقلا عليحدة في قبالها، لانا لا نعقل كونه كذلك، بل هو من قبيل الوجه الاول منها إذ كون الطبيعة متعلقا للحاكم اما الطبيعة من حيث هي هي مع قطع النظر عن الوجودين الخارجي أو الذهنى، واما الطبيعة باعتبار احد الوجودين وبعبارة اخرى باعتبار وجودها السعي والخارجى أو الذهنى، فإذا لا يكون لها وجود الا وجود الافراد ذهنا أو خارجا فيكون الوجه الاخير


(1) راجع المتاجر ص 291 طبع تبريز

[ 67 ]

حينئذ عين الوجه الاول لامغايرا له كما هو مدعاه. ثم ان الحق والمختار في تلك المسألة من الوجوه الثلاثة هو الوجه الثالث من استحقاق مجموع الورثة بالخيار لا لما ذكره قدس سره من الوجه، بل لان الخيار لما كان حقا شخصيا قائما بشخص واحد وهو مورثهم قبل موته، فإذا فات المورث يكون الورثة كلهم معا قائمين مقامه في قيام الحق المذكور الشخصي الوحداني بهم وبمجموع اشخاصهم كما هو مقتضى القاعدة. ومن هنا يظهر ما هو المختار فيما نحن فيه ايضا من مسألة تعدد الموكلين معا وانتقال الخيار لكونه حقا من الوكيل إليهم بعد فوته وهو ما مر من استحقاق مجموع الموكلين معا لحق الخيار لعين ما ذكرنا له من الوجه كما عرفت.

[ 68 ]

ما ليس فيه خيار المجلس ثم انه قد استثنى من عموم ثبوت هذا الخيار موارد. منها: شراء من ينعتق على المشترى بالملك ولو تقديرا مثل شراء الاب والابن، إذ بمجرد شرائه يصير ملكا " للمشترى ولو ملكا تقديريا " آنا " ما فيترتب عليه الانعتاق، فليس فيه خيار مطلقا لافى العين ولافى القيمة. أما الاولى فللادلة على أن الحر لا يعود رقا. وأما الثانية فمن وجهين: الاول أن الاستحقاق بالبدل فرع الاستحقاق بالمبدل كما هو مقتضى البدلية والمبدلية والا فلا يكون مالكا للبدل أيضا كما هو واضح، والمفروض أنه لا يجوز أن يكون مالكا للعين ومستحقا لها لعروض الحرية فلا يكون له الخيار. الثاني أن ظاهر قوله عليه السلام: " البيعان بالخيار ما لم يفترقا " (1) أي بالخيار فيما بأيديهما من العين من حيث الرد والاسترداد لا ما يرجع إليه عند تعذر العين من القيمة، فأنه غير متبادر عنه، بل المتبادر عند الاطلاق هو الاول وهو غير خفى على المنصف.


(1) راجع الوسائل، الباب - 1 - من ابواب الخيار.

[ 69 ]

قال العلامة قدس سره في التذكرة: " لو اشترى من ينعتق عليه بالملك كالاب والابن لم يثبت خيار المجلس، لانه عقد مغابنة من جهة المشترى، لانه وطن نفسه على الغبن المالى والمقصود من الخيار أن ينظر ويتروى لدفع الغبن عن نفسه " (1) وفيه ما لا يخفى من الاشكال كما اشاره إليه الانصاري أيضا، وهو أن توطين النفس على اعتاقه بالشراء عليه ليس توطينا على الغبن من حيث المعاملة بأن اشترى ما يقابل بالخمسة بعشرة دراهم مثلا أو ازيد من ذلك، مع أن ما هو مناط في ثبوت الخيار وهو أن يتروى وينظر بعدها في معاملته ليدفع الغبن به عن نفسه لو كانت معاملة غبنية، ممكن في المقام. فظهر أن مجرد الاقدام على الشراء عالما بالانعتاق لا يستلزم الاقدام على الغبن فضلا عن كونه عينه كما يتوهم. نعم هو توطين لها على انعتاقه وهو غير منكر. قال صاحب المقابيس: " وفي ثبوت الخيار للبايع والرجوع مع الفسخ إلى القيمة أشكال ينشأ من أن الخيار والعتق هل يتحققان بمجرد حصول البيع أو بعد ثبوت الملك آنا قليلا، أو الاول بألاول والثانى بالثاني، أو بالعكس " ألى آخره (2). هامش التذكرة ج 1 ص 516 (2) واليك تتمة كلام صاحب المقابيس: فعلى الاولين والاخير يقوى القول بالعدم لانصية أخبار العتق، وكون القيمة بدل العين، فيمتنع استحقاقها من دون المبدل، ولسبق تعلقه على الاخير، ويحتمل قريبا الثبوت جمعا بين الحقين ودفعا للمنافاة من البين وعملا بكل من النصين وبالاجماع على عدم امكان زوال يد البايع عن العوضين وتنزيلا للفسخ منزلة الارش مع ظهور عيب في أحدهما وللعتق بمنزلة تلف العين.. راجع المقابيس للتستري ص 240

[ 70 ]

أقول في توضيح بعض فقرانه: ان المراد من " الحقين " هو حق البايع وحق العتق، والجمع بينهما عبارة عن ابقاء المنعتق على حريته ورجوع ذى الخيار بسبب الفسخ الذى كان مالكا " له إلى القيمة. والمراد من " رفع المنافاة " التى هي استحقاق البايع الفسخ المقتضى لرجوع كل من العوضين إلى صاحبه الاول مع تعذر عود المنعتق إلى ملكه، هو رجوع البايع بسبب فسخه إلى قيمة المنعتق لتعذر رد عينه، فعلى هذا يرتفع المنافاة. والمراد من " النصين " هي أدلة الخيار وأدلة العتق، ومقتضى العمل بهما مع قطع النظر عن دليل آخر يفيد رجوع المشترى إلى الثمن وبقاء المنعتق على حريته، ولازم ذلك خلو يد البايع عن كل من العوضين وهو غير ممكن، ولذا عقبها بقوله " وبالاجماع ". يعنى أن الاجماع دل على عدم امكان زوال يد البايع عن العوضين، ويكون الحاصل من العمل بها، استحقاق من له الخيار بالفسخ وبقاء المبيع المنعتق على حريته ورجوع البايع إلى القيمة. وقد ظهر مما ذكرنا ان قوله " بالاجماع " عطف على موضع لفظ الكل الذى في عبارته قدس سره فراجع ولا تغفل (1). هذا حاصل بعض عبارته. لكن يرد على كلامه قدس سره: أولا: أن التقارن والتقدم في المقام انما هو رتبي ذاتي لا ترتيبي


(1) هذا تنبيه على سقوط كلمة " كل " في المتاجر عند نقله كلام المقابيس فراجع المتاجر ص 218 فانه حكى هكذا: " عملا بالنصين وبالاجماع ".

[ 71 ]

زماني، فلاعبرة على مثل هذا التقارن والتقدم في ترتيب الاثار كما لا يخفى على الفطن. وثانيا: أن هذا التفصيل انما يناسب فيما اريد اثبات الخيار بالنسبة إلى العين لا القيمة كما هو مراده ومدعاه، الا ترى أنه بناء على هذا الوجه لا يكون فرق بين تقارن حصول الخيار والانعتاق كما على الاولين وبين تقدم أحدهما على الاخر كما على الاخيرين، غاية ما في الباب أن العتق يحصل بالعقد فيكون بمنزلة تلف المبيع، وهذا لا ينافي ثبوت الخيار به لكونه حقا لذيه فيه. وثالثا: أن ما ذكره قدس سره من انصية أخبار العتق، مسلم لااشكال فيه، لكنه لا يقتضى عدم الخيار في العقد مع أنه حق لذيه فيه كما مردون العين، فحينئذ لا ينافي ثبوته بالنسبة إلى القيمة. وكونها بدلا عن العين لا يضر، لان العين وان لم تكن مملوكة للمشترى فعلا ولازمه امتناع الاستحقاق بالقيمة لامتناع الاستحقاق بالمبدل، لكنها قد حصلت في ملكه وتلفت عليه. ورابعا: أن قوله " وبالاجماع على عدم امكان زوال يد البايع من العوضين الخ " لا محصل له، اذيده لا تكون خالية عن أحدهما، سواء فسخ العقد ام لم يفسخه، فانه على الفرض الاول يأخذ القيمة من المشترى وعلى الفرض الثاني يبقى الثمن في يده. وخامسا: أن تنزيل الفسخ منزلة الارش لاوجه له للمطلب. ولا يخفى أن هذه الاشكالات كلها سوى الاول منها قد تعرض بها الاستاذ الاعظم السيد محمد كاظم الطباطبائى اليزدى دامت

[ 72 ]

أيضا في حاشيته على المكاسب. (1) الا انا قد ذكرنا سابقا أن ادلة الخيار لا يتبادر منها الا الخيار فيما بايديهما من العين من حيث الرد والاسترداد، لا ما يرجع إليه من القيمة عند تعذرها كذلك، لعدم تبادره عند الاطلاق كما لا يخفى. قال الشيخ الانصاري أعلى الله مقامه في ذلك المقام: أقول: ان قلنا انه يعتبر في فسخ العقد بالخيار أو بالتقايل خروج الملك عن ملك من انتقل إليه إلى ملك من انتقل عنه نظرا إلى أن خروج احد العوضين عن ملك احدهما يستلزم دخول الاخر فيه ولو تقديرا لم يكن وجه للخيار فيما نحن فيه.. وان قلنا ان الفسخ لا يقتضى ازيد من رد العين ان كان موجودا وبدله ان كان تالفا أو كالتالف.. (2) اقول: التحقيق هو الاول من الوجهين إذ لا معنى للفسخ الا ما ذكره قدس سره من خروج الملك عن ملك من انتقل إليه إلى ملك من انتقل عنه بالنسبة إلى المعوض ورد ما انتقل إليه إلى من انتقل عنه بالنسبة إلى العوض. وذلك قد مر مرارا ان الفسخ هو حل العقد، ومفاد العقد مبادلة كل من المتبايعين ما في ايديهما لصاحبه، فيكون الفسخ حل هذا المعنى من حينه. ولكن لا نسلم أن مقتضى ذلك عدم الخيار في المقام، وذلك لان المبيع المنعتق وان لم يكن صيرورته مملوكاي للمشترى حقيقة


(1) راجع حاشية السيد، قسم الخيارات، ص 7، (2) المتاجر، ص 218 طبع تبريز.

[ 73 ]

كى يسترجعه عند البايع حتى يكون خارجا عن ملكه وداخلا في ملك صاحبه، لكنه يمكن كونه مملوكا له تقديرا، بأن يقال ان المبيع الذى تلف عند المشترى بالانعتاق كانه ملك للبايع حين الفسخ وهو موجود عند المشترى فحينئذ لابد له من اعطاء عوضه كما في سائر الموارد من الفسخ مع فرض تلف المبيع، ولا يعتبر الانعتاق ليكون منعتقا في ملكه، بل يكفى تقدير ملكه، حين الفسخ. وكذلك الكلام في صورة البيع في زمن الخيار ولكن لا يخفى أنه يكفى في ضمان المشترى تقدير كونه ملكا للبايع بعد الفسخ، ولا يعتبر تقدير كونه ملكا للمشترى ثم خروجه عن ملكه إلى ملك البايع كما يستفاد من كلام الشيخ أعلى الله مقامه وأما الوجه الثاني منهما وهو القول بأن الفسخ لا يقتضى أزيد من رد العين ان كانت موجودة وبدلها ان كانت تالفة، وأنه لا يعتبر امكان تقدير تلقى الفاسخ الملك من المفسوخ عليه وتملكه منه. ففيه أنه بناء على هذا الوجه لاوجه لضمانه بالبدل، لان الفرض أن العين قد تلفت في ملكه من دون ضمان منه فما لم يقدر كون العين التالفة ملكا لمالكها الاول فلا معنى للضمان. لكن يمكن أن يقال ان تلقى الفاسخ عنه لا يتوقف على اعتبار التقدير فيما تعذر تلقى العين بنفسها فانه وان كان معتذرا الا أنه لا يتعذر تلقى تلك العين ببدلها فكان العين محفوظة ببدلها وبماليتها، فيرجع بالفسخ ببدلها. وصحة التلقى عن المفسوخ عليه بهذا الوجه هنا، ليس باقل

[ 74 ]

من صحته بالتقدير في الوجه الاول، فان هناك اعتبار الملكية والحال أنه لاملكية حقيقة وهنا اعتبار بقاء العين المملوكة والحال أنه لابقاء لها حقيقة. وقد ظهر مما ذكرنا أنه بناء على هذا القول ايضا لا محيص عن أن الفاسخ يتلقى الملك عن المفسوخ عليه، غاية ما في الباب أنه يكون التلقى في أحدهما بالبدل وفي الاخر بنفس العين. والحاصل أن شرط صحة الفسخ وهو تلقى الفاسخ عن المفسوخ عليه في كلا المقامين حاصل فلا مانع من اعمال دليل الخيار لكن الحق والتحقيق أن العلماء كثر الله أمثالهم لما رأوا ان الشارع حكم بشئ متوقف على شئ آخر، ورأوا أن الموقوف عليه كالملكية ليس موجودا حقيقة فقدروا وجوده تصحيحا لكلامه الشريف وتحذيرا عن حمله على اللغوية كما في مسألة بيع من ينعتق عليه، فان الانعتاق فيه متوقف على تقدير الملك بمقتضى قوله صلى الله عليه وآله: " لاعتق الا في ملك (1) " ولذا قدروه ولو آنا قليلا. بخلاف مسألة فسخ ذى الخيار فانا لم نحرز حكم الشارع فيه بأدلة الخيار كى يحتاج إلى تقدير الملك، إذ هو أول الكلام والا فلا تكون محلا للخلاف بين الاصحاب. هذا هو الانصاف كما لا يخفى، مع أن تقدير الملك فيما نحن فيه من فسخ البايع العقد خرق لقاعدة " ان الحر لا يعود رقا " بخلافه هناك، فانها على طبق القاعدة، كما مر من أنه " لاعتق الا في ملك ". هامش صفحه........ (1) الوسائل كتاب العتق الباب 5

[ 75 ]

وأما قياس المقام على قاعدة التلف فهو قياس مع الفارق، لان تقدير الملك فيها من جهة حكم الشارع بضمان المشترى المتوقف عليه مقدمة للتلقى، كما إذا باعه بعقد لازم في زمن خيار البايع بخلاف ما نحن فيه، لما مر من عدم احراز حكم الشارع فيه وانه اول الكلام. مع أنها ليست مخالفة لقاعدة بخلافه. فظهر أنه لابد من تقدير ملكية المشترى إذا ترتب عليه الانعتاق لا مطلقا كما هو المستفاد من كلام الشيخ قدس سره ايضا وهو في محله وموقعه كما لا يخفى. تنبيه هنا مسألة مرتبطة لا تخلو عن فائده وهى هذه: اعلم أن تقدير الملك انما هو لاجل الضرورة الداعية إليه، فتقديره آناما أو آنا قليلا في بيع العبد المنعتق كالاب والاخ لازم لاجل انعتاقه كما مر آنفا من قوله: " لاعتق الا في ملك (1) " فإذا فرضنا تقدير الملك المذكور لاجل الضرورة يترتب عليه انعتاقه وهو واضح واما إذا فرضنا كون البايع ذا خيار وفسخ عقد هذا المبيع المنعتق على الفرض فلابد من تقدير الملك للمشترى أيضا كى يسترجع البايع عن ملكه. فيقال انه كلما قدر الملك المذكور للمشترى يترتب عليه انعتاقه وهكذا يتسلسل فلاتصل النوبة إلى تملك البايع وتمكنه منه.


(1) راجع الوسائل، الباب - 5 - من ابواب كتاب العتق

[ 76 ]

لكن يمكن أن يقال وهو الجواب عنه: ان تقدير الملك هنا لاجل ضمانته له ليس غير. فظهر أن في حصول الانعتاق لابد من تقديره لا ان التقدير كلما حصل يترتب عليه الانعتاق بل يوجب شيئا آخر كالضمانة في المقام فافهم واغتنم.

[ 77 ]

مسقطات خيار المجلس اعلم أنه كما لااشكال في ثبوت هذا الخيار مطلقا حتى فيما بين العامة كما مر، كذلك لاأشكال في سقوطه أيضا أنما الكلام والاشكال في دليل ذلك لافى أصل السقوط. وهو يحصل بأحد امور: الاول اشتراط سقوطه في متن العقد والدليل على صحة ذلك عموم قوله صلى الله عليه وآله: " المؤمنون عند شروطهم " (1) للمقام حيث اضيف الجمع إلى الضمير، ومعلوم أن الجمع المضاف يفيد العموم، فحينئذ يجب الوفاء بهذا الشرط أيضا على ما هو مقتضاه. وأما صدق قوله عليه السلام: " البيعان بالخيار ما لم يفترقا " على ذلك المورد، وان كان له مجال فمقتضاه تعارض الدليلين، وان النسبة بينهما عموم من وجه، فلابد في مورد الاجتماع من الرجوع إلى المرجح لكن الترجيح مع قوله: " المؤمنون عند شروطهم "


(1) الوسائل الباب - 20 - من ابواب المهور، الحديث 4.

[ 78 ]

أما أولا فلان دلالته أنا هي بالوضع كما هي كذلك في كل عام بخلاف دلالة قول: " البيعان بالخيار " فانها من باب الاطلاق ومن باب مقدمات الحكمة، وقد قرر في محله أن الدلالة الوضعية مقدمة على الدلالة اللاطلاقية. وأما ثانيا فأن دلالة قوله: " البيعان بالخيار " على مثل المقام غير شاملة بل منصرفة عنه كما لا يخفى على المصنفز وأما ثالثا فأن قوله عليه السلام: " المؤمنون عند شروطهم " أظهر دلالة وهو ظاهر فيتدم عليه. هذا بالنسبة إلى المرجح الداخلي. وأما الترجيح بالمراجحات الخارجية وتأييده يها فلكونه موافقا لمقتضى أصالة اللزوم ومقتضى قوله تعالى: " اوفوا بالعقود " ومؤيدا بعمل الاصحاب. ولو شككنا في الترجيح بالمذكورات أو سلمنا عدمه فالمرجع هو أصالة للزوم فينثبت به المدعى أيضا أذ بعد التعارض يتساقطان فيرجع إليها. هذا بناء على تسليم التعارض بينهما والا فالحق والانصاف انه لا تعارض بينهما لامكان العمل بكلا الدليلين معا، فان الظاهر من أدلة الاحكام أنما هو بيان مرحلة الاقتضاء للمقتضيات مع قطع النظر عن طرؤ الطوارى. ومعناه أنه لو لم يكن في البين مانع من أن يمنع عن تأثير المقتضى مع فرض وجود شرائط التأثير لا ترث، وأن أدلة الشروط متكفلة لبيان

[ 79 ]

مرحلة الحكم الفعلى، أعنى بيان أحداث المانعية فحينئذ تكون مانعة عن تأثير أدلة الاحكام لحكومتها عليها فعلا فلا يكون بينهما معارضة أصلا. ولعل هذا ايضا مراد الشيخ قدس سره من قوله: " عدم نهوض أدلة الخيار للمعارضة الخ (1) ومما ذكرنا يظهر مافى عبارته المذكورة من سوء التعبير كما لا يخفى. نعم ان مجرد كونها مسوقة لبيان ثبوت الاقتضاء بأصل الشرع كما في المكاسب (2) لا يرفع المعارضة عنها لو كانت دلالتها على ثبوته فعلا مطلقا حتى مع ملاحظة الطوارى كما لا يخفى. وقد يستشكل التمسك بدليل الشرط في المقام بوجوه: الاول: أن سقوط الخيار من قبيل شرط الغاية والنتيجة وليس من قبيل الافعال الاختيارية كى يصح اشتراطه، فلا يترتب عليه آثار الصحة وعموم دليل الشرط لا يدل على كون الشارط مشرعا بل انما يدل على أن الوفاء صرفا لما مر من كونه خارجا عن الاختيار فترتيب آثار الصحة على مثل هذا الشرط من قبيل تحليل الحرام وتحريم الحلال، فحينئذ لا يجب الالتزام عليه بل يحرم لما مر. والجواب عنه: أن الحق مثل الملكية في كونه من الاعتبارات


(1) المتاجر، ص 220 (2) المتاجر، ص 220

[ 80 ]

العقلائية التى يتوسل إليه بما جعل سببا له، ومن جملة أسبابه الشرط في هذا المقام لكونه مجعولا سببا له في وجوب الوفاء عليه، فإذا كان ثبوته مما يتوسل إليه وكان مقدورا كان سقوطه ايضا كذلك إذ لا يعقل كون أحد الطرفين مقدورا عليه وتحت الاختيار دون الاخر. وقد يقال في الجواب: ان الاصحاب بين من منع اشتراط النتيجة والغاية مطلقا وبين من جوزه كذلك الا ما نص الشارع بعدم جوازه من ذوات الاسباب الخاصة كالزوجية والطلاق وأمثالهما مما لا يحصل بالاشتراط، بل لابد في تحققه شرعا من صيغته الخاصة وبين من فصل فمنع اشتراط ذوات الاسباب الخاصة مطلقا وجوز غيرها سواء علم عدم وجود سبب خاص له كما في الملكية، بأن يقال: بعتك دارى بكذا بشرط كون دارك لى، أم شك فيه كما في الوكالة. وما نحن فيه من قبيل الاخير، لمكان الشك في ان سقوط الخيار من ذوات الاسباب الخاصة أولا. فعلى هذا يتمسك فيه بعموم " المؤمنون عند شروطهم " فلا مانع منه. لا يقال: ان التمسك به في المقام من قبيل التمسك بالعام في الشبهة المصداقية، وقد قرر في محله عدم جوازه. لانا نقول: ان الخارج من العام من المصاديق ليس له علامة يسمى بذى السبب وكذا الداخل منها تحته ليس له علامة يسمى بأنه غير ذى السبب، كى يكون التمسك بالمشكوك من قبيل التمسك بالعام في الشبهة المصداقية. بل الواقع العلم بخروج امور متعددة ويشك في انه خرج منه غير

[ 81 ]

تلك الامور أيضا أولا، فيكون الشك حينئذ في التخصيص الزايد لافى المصداق. وايضا أن الممنوع من التمسك به مطلقا في المقام وغيره انما هو كون منشأ الشك الامور الخارجية، لا الشك في أن الشارع هل حكم بالجواز أولا كما في المقام والا فالتكليف هو الرجوع إلى نفسه الشريفة لو كان حاضرا أو إلى الادلة المأخوذة منهم عليهم السلام ان لم يكن كذلك كما اشير إلى نظير هذا المطلب في السابق أيضا والمقام من هذا القبيل كما هو واضح. وقد يقال في المقام: انه لا مجال للتمسك به فيه لو لم يمكن تنقيح كون المشكوك من أفراد العام بوجه من الوجوه كما هو كذلك في مثل قولنا: أكرم العلماء ولاتكرم الفساق منهم، فانه إذا شك في وجوب اكرام زيد العالم العادل في السابق وحرمته من جهة الشك في فسقه فعلا يحكم بوجوب اكرامه ببركة استصحاب عدالته، وما نحن فيه كذلك، وتوضيحه أنا إذا شككنا في أن اشتراط سقوط الخيار مخالف للكتاب والسنة كى لا يجوز التمسك بعموم أدلة الشرط أو ليس بمخالف لهما كى يجوز ذلك فنقول: انا نعلم قطعا عدم وجود سبب خاص لسقوط الخيار من قبل الشرع سابقا ولو من جهة عدم وجود ذى سبب فتستصحب عدم وجوده عند وجود ذى السبب. غاية مافى الباب من الفراق بين ما نحن فيه وبين المثال المذكور ان جريان الاصل هنا على نحو السالبة بانتفاء الموضوع بخلافه هناك

[ 82 ]

كما إذا شككنا في امرأة هل هي نبطية أو قرشية أو غيرها نستصحب عدم وجود نسبتها سابقا ولو قبل خلقتها ومن جهة عدم وجود المنتسب على نحو " ليس " التامة. هذا غاية ما يمكن ان يقال في الجواب عن الاشكال. لكن يرد عليه اولا انه ان اريد من الاستصحاب ربط السلب بأن يكون الغرض من الاستصحاب هو استشكاف حال الموضوع المشكوك اعني اثبات عدم كون اشتراط سقوط الخيار مخالفا للكتاب والسنة واثبات عدم كون المرأة نبطية فالاصل مثبت فان الاستصحاب على صورة " ليس التام " التى يجتمع مع عدم الموضوع لا يثبت حال الموضوع المشكوك ولا يثبت اتصافه بالوصف العدمي المستصحب. وان اريد منه سلب الربط بأن يكون الغرض الاكتفاء بمفاد الاصل دون اثبات حال الموضوع فلا فائدة في التمسك به. وثانيا انه من شرط الاستصحاب اتحاد القضيتين المشكوكة والمتيقنة، والامر هنا ليس كذلك لمكان وجود الموضوع في المشكوكة وعدمه في المتيقنة. الثاني انه مستلزم للدور، وبيانه ان لزوم الشرط متوقف على لزوم العقد، لان الشرط في ضمن العقد غير اللازم، غير لازم بلا اشكال، إذ حكمه لا يزيد عن حكم الاصل وهو العقد الذى هو كالوعد، فلو توقف لزوم العقد على لزوم الشرط لزم الدور. واجاب الشيخ الانصاري قدس سره عنه بما حاصله:

[ 83 ]

ان التوقف هنا ليس توقفا سبقيا زمانيا كى يقال: ان ملاك البطلان متحقق وهو تقدم الشئ على نفسه فيبطل. بمعنى ان لزوم الشرط وان كان متوقفا على لزومن العقد الا ان لزوم العقد ليس متوقفا على لزومه بل لزوم العقد ولزوم الشرط متحققان في زمان واحد من دون توقف اصلا، فلزومه بمقتضى دليله عين لزوم العقد على صحته، ان كان الشرط صحيحا يصير العقد لازما والا فلا وهو اوضح من ان يخفى. والا وضح منه في الجواب ان يقال ان البيع عقد لازم، وخيار المجلس مزاحم له فاشتراط السقوط لدفع المزاحم لا لاثباب اللزوم فلا دور. الثالث: أنه مخالف لمقتضى العقد، إذ مقتضى أدلة الخيار اثبات الخيار للبيع في العقد، فاشتراط عدم كونه ذا خيار فيه مناقض لمقتضاه. والجواب عنه أولا: انه ليس مخالفا لمقتضى العقد، لان المخالف لمقتضاه انما يكون لو قال البايع: بعتك دارى بشرط أن لا تسكن فيها، أو بشرط أن لا تبيعها، أو قال المزوج ابنته: انكحتك ابنتى بشرط أن لا تواقع بها وأمثال ذل:. فان شرط عدم تسلط الشمترى ببيع ما اشتراه من الدار وشرط عدم سكناه فيها، وكذا شرط عدم تسلط الناكح بمواقعة

[ 84 ]

زوجته، كلها منافية لمقتضى العقد ومناقضة له كما هو واضح. بخلاف ما نحن فيه إذ شرط سقوط الخيار لاربط له بمقتضى العقد أصلا، نعم هو مناف لاطلاقه لا لمقتضاه. وثانيا: أن اشتراط سقوط الخيار مؤكد لمقتضى العقد لا مناقض له، لان معنى عدم الخيار في العقد لزومه وعدم تزلزله وعدم قابليته للفسخ، وهو أظهر. وثالثا: أن من المسلم جواز شرط الخيار في العقد وجودا بغير هذا الخيار، مع انه مناقض لمقتضاه في الظاهر، لان مقتضاه هو اللزوم على ما مر تفصيلا من مقتضى الادلة المذكورة سابقا، فإذا لم يكن شرط وجوده مناقضا حقيقة لمقتضاه، فيكون شرط سقوطه أيضا كذلك. الرابع: أن اسقاط الخيار في ضمن العقد اسقاط لما لم يجب. والجواب عنه: أن ما نحن فيه ليس من هذا القبيل، بل من قبيل منع ما لم يجب من أن يجب، وحاصله دفع الوجوب فيه لارفعه. ويمكن الجواب بوجه آخر وهو أن اشتراط سقوط الخيار انما هو في محل ثبوته على نحو التعليق والتقدير وهو ليس من قبيل اسقاط ما لم يجب بلا اشكال كما لا يخفى.

[ 85 ]

الثالث من مسقطات خيار المجلس: اشتراط أن لا يفسخ: بأن قال: بعتك بشرط أن لاأفسخ في المجلس، ثم لو خالف ففسخ العقد، هل يكون فسخه مؤثرا فيه أو لا يكون كذلك بل هو لغو، ولفظ باطل؟ ويمكن الاستدلال على الشق الثاني بعموم " المؤمنون عند شروطهم " إذ كما أن له عموما أفراديا كذلك أن له عموما أحواليا شاملا لجميع أحواله، ومن جملة أحواله حال بعد وقوع الفسخ فيكون مقتضى عمومى وجوب الوفاء بالشرط في جميع الاحوال حتى حال الفسخ وبعده، فنستكشف من عمومه أن فسخه انما وقع لغوا صرفا نظير الاستدلال بعموم وجوب الوفاء بالعقد على كون فسخ أحدهما من المتبايعين منفردا من دون رضا الاخر لغوا باطلا لا يرفع وجوب الوفاء بالعقد مع أن العرف لا يفهمون عن مثل قوله: " المؤمنون عند شروطهم " فيما نحن فيه الا عدم القدرة على الفسخ، وهو مساوق لعدم الخيار، لان الخيار كما مر سابقا هو ملك اقرار العقد وازالته، فإذا انتفى القدرة بالنسبة إلى الثاني بمقتضى فهم العرف انتفى الخيار من أصله، لان المركب ينتفى بانتفاء أحد أجزائه.

[ 86 ]

فالتحقيق حينئذ هو لغوية الفسخ إذا اشترط عدمه ولغوية الرجوع والعزل وأمثالها كذلك إذا فسخ أو رجع أو عزل. لكن يشكل التمسك بعمومه في المقام من جهة أن التمسك به، اما قبل احراز الموضوع له أو بعد احرازه، فعلى الاول يلزم التمسك بالعام فيما يشك في كونه فردا له وهو باطل الوجدان، وعلى الثاني اما ان يكون احرازه بهذا العام أو بغيره كالاستصحاب مثلا، الثاني خلاف الفرض في المقام لان الفرض هو التمسك بعموم " المؤمنون عند شروطهم " للمورد المذكور، أما الاول فهو مستلزم للدور. وبيانه: أن عمومية " المؤمنون عند شروطهم " لهذا المورد مما نحن فيه اعني ما إذا شرط عدم فسخ العقد ثم فسخ احدهما، أو شرط عدم العزل في الوكالة ثم عزل، أو شرط عدم الرجوع في الطلاق ثم رجع وأمثال ذلك، متوقفة على كون المورد فردا من أفراد العام واقعا والا فلاوجه للحكم بوجوب الوفاء بالشرط في هذا المورد وفى غيره كما هو واضح. وكونه فردا له واقعا متوقف على عمومية ذلك العام وشموله له من الشرط، فهل هذا الا الدور؟ لكن يمكن الجواب عن ذلك بأن شمول العام على ذلك المورد وان كان متوقفا على كونه فردا له واقعا لما مر من الوجه، لكن كونه فردا له واقعا ليس متوقفا على شمول العام عليه، بل العام كاشف عنه فلا دور، فتأمل. ولو قررنا التوقف بين العلمين بأن نقول ان العلم بأن المؤمنين عند شروطهم شامل لهذا المورد من الفرض، متوقف على العلم بكونه فردا

[ 87 ]

له، والعلم بكونه فردا له متوقف على العلم بشمول العام له، لكان لزوم الدور حينئذ أمتن وأشد، فلا يندفع بمامر من الجواب كما لا يخفى. لكن يمكن الجواب عنه أيضا بأن نقول: ان العلم بفردية الفرد للعام متوقف على العلم بكونه شاملا له فعلا وهو مسلم، وأما كون العلم بشمول العام متوقفا على العلم بفردية الفرد له فممنوع، لان القد المسلم منه هو عدم العلم بخروج الفرد عن تحت العام وهو حاصل في المقام، واما الاعتبار بأزيد من ذلك في الشمول فغير مسلم. وان قيل: ان التمسك بعموم " المؤمنون عند شروطهم " في المقام على هذا الفرض والتقرير أعنى عدم العلم بكون المورد فردا من أفراد العام أولا، تمسك بالعام في الشبهة المصداقية إذ الفرض انا لا نعلم انه من افراد ذلك العام اولا، فلايتم الاستدلال به حينئذ للمقام. قلنا: ان المقام ليس من قبيل الشبهة الحكمية لما هو واضح، من ان منشأ الشك والاشتباه فيه ليس الامور الخارجية كما هو المناط والملاك فيها، بل منشأ الشك عدم معلومية الحكم الشرعي فيه، إذ الشك في ان العقد البيعى أو الوكالى أو الطلاقى، هل يكون منفسخا بسبب الفسخ، أو الوكيل منعزلا بسبب العزل، أو الطلاق باطلا بالرجوع، اولا. فالمرجع حينئذ هو نفس الشارع أن أمكن الرجوع إلى نفسه الشريفة الزكية، والا إلى الادلة الكاشفة عن حكم المسألة كما لا يخفى. ثم لو قلنا بعدم تمامية الاستدلال بعموم " المؤمنون عند شروطهم " لما نحن فيه، لما فيه من ريب من أن وجوب الوفاء بالشرط أنما يثبت في مورد

[ 88 ]

احرز فيه وجود الشرط، وعلم تحقق الموضوع فيه تفصيلا كى يترتب عليه حكمه، والمفروض انا كنا شاكين فعلا في أنه بعد وقوع الفسخ أو العزل أو الرجوع في الامثلة المذكورة هل الموضوع وهو شرط عدم تلك الامور باق على ما هو عليه بحيث يكون تلك الامور لغوا صرفا بالنسبة إلى مشروطاتها، ومثابتها مثل مثابة طيران الطير في السماء بالنسبة إليها أو أنه قد ارتفع بعروضها ولم يبق شئ في البين كى يتمسك بعمومه نظير الاشكال الوارد في الاستدلال بعموم " أوفوا بالعقود " فيما يشك في موجود العقد بسبب عروض ما يشك في أزالته العقد وعدمها من الفسخ وغيره على ما مر سابقا ففى الاستدلال للمقام بالاستصحاب مستقلا مع قطع النظر عن عموم " المؤمنون عند شروطهم " أو منضما بذلك العام غنى وكفاية. أما بيان الاول فنقول: انا قد علمنا قبلا بوجود العقد تفصيلا ثم بعد فسخ البايع في المجلس له نشك في بقائه وعدمه، بمعنى أن الفسخ العارض عليه هل كان مزيلا للعقد ومؤثرا فيه كى لا يكون باقيا فعلا، أو ليس كذلك حتى يكون باقيا على ما هو عليه، فتستصحب بقائه فعلا فيترتب عليه لغوية الفسخ أو الرجوع أو العزل مثلا لا يقال: أن الاصل في المقام مثبت، لان لغوية الفسخ وغيرها من أمثالها من اللوازم العقلية لا الشرعية، فلا مجال لجريان الاستصحاب. لانا نقول: أولا:

[ 89 ]

نعم هو لازم عقلي لكن لغوية الفسخ في نظر العرف هو عين القول ببقاء العقد على حاله على ما هو مقتضى الاستصحاب، وأنهم لا يفهمون من الحكم ببقائه الا هذا المعنى، فيترتب مثل هذه الاثار عليه. وثانيا: ان اللازم إذا كان خفيا في نظر العرف بحيث يرى العرف ذلك اللازم نفس المستصحب كما في المقام فلا مانع من جريانه ايضا وان كان مثبتا. وأما بيان الثاني: وهو التمسك بعموم " المؤمنون عند شروطهم " مع ضم الاستصحاب إليه فنقول: ان المحذور المتصور في التمسك بعمومه هنا ليس الا احتمال ارتفاع الموضوع لوجوب الوفاء بالشرط أو لحرمة ترك الوفاء عليه واقعا، وإذا اثبتنا وجود الموضوع حقيقة وقلنا ببقائه فعلا بمقتضى الاستصحاب لصح التمسك بعموم ذلك العام في هذا المقام من دون كلام فيه. وبالجملة انه إذا فرض بقاء العقد الذى اشترط عدم فسخه بمقتضاه يجب الوفاء عليه بمقتضى " المؤمنون عند شروطهم " فلازم ذلك أنه لو وقع في البين فسخ أو عزل أو رجوع في الوكالة أو الهبة أو غير ذلك ما هو خلاف ما اشترط في العقد مطلقا وخلاف ما اتفقا عليه فيما بينهم يكون لغوا باطلا في نظر الشرع وبلا اثر كما مر مرارا. لا يقال: ان غاية ما يفيد، قوله: " المؤمنون عند شروطهم " هو

[ 90 ]

وجوب الوفاء بالشرط وحرمة الترك به، وهو حكم تكليفي، غاية الامر يكون الفسخ عليه حراما وأما عدم نفوذه فلا يثبت بهذا العام فيحتاج اثباته إلى عناية اخرى. لانا نقول ان العرف لا يفهمون من تبانى المتبايعين على عدم الفسخ للعقد في قوله: بعث، بشرط ان لاافسخ الا انه لو فسخ العقد بعد ذلك كان فسخ لغوا وغير نافذ، بل لا معنى للاشتراط في نظرهم الا هذا كما هو واضح فإذا كان الامر عندهم كذلك يكون مفاد " المؤمنون عند شروطهم " ايضا ناضرا إلى هذا المفهوم العرفي، وارشادا إلى ان المؤمن إذ شرط شرطا فلابد له من الوقوف عند شرطه، وان لا يتجاوز عنه، والا كان غرضه لغوا وسعيه عبثا. والحاصل أن الشروط التى أمر بوجوب الوفاء بها أو بحرمة الترك هي الشروط المعروفة المتداولة بعينها عند العرف في استفادة المراد منها وهو الحكم الوضعي. ويؤيد ما ذكرنا بل يدل عليه اتفاق الاصحاب كافة والحنفية في باب الرهن على أن الراهن إذا وكل المرتهن في بيع الرهن ثم عزل الوكيل لم يكن عزله نافذا ويكون لغوا وغير مؤثر كما لا يخفى. وخلاف الشهيد قدس سره في المقام مبنى على أصل انفرد به نفسه وهو غير مضر في المقام اصلا. فظهر من جميع ما ذكر أن ما وقع من الفسخ والرجوع والعزل و غير ذلك، لاحظ لها من الاثر بعد فرض شرط عدمها في متن العقد،

[ 91 ]

ثم مع ذلك كله لو ادعى الخصم ثبوت التأثير لها فعليه اثباته بالدليل كما لا يخفى. دفع توهم. قد يتوهم مما سبق أنه لو قلنا: بعدم تمامية الاستدلال بعموم " المؤمنون عند شروطهم " للمقام، أو أغمضنا عن الاستدلال به واستدللنا بالاستصحاب استقلالا فيتوجه اشكال حينئذ في المقام. وهو أن المانع الذى يتراآى من العمل بمفاد أدلة الخيار من قوله " البيعان بالخيار ما لم يفترقا " فيه هو كون أدلة الشروط حاكمة عليها لكونها متكفلة لبيان العناوين الثانوية بخلافها، فانها متكفلة لبيان العناوين الاولية، فيكون على هذا حاكمة عليها، وقد أشير إلى ذلك فيما سبق ايضا فحينئذ إذا فرضنا عدم تماميتها فيه فلا مانع حينئذ من العمل بمفادها، ولم تصل النوبة إلى العمل بالاستصحاب والاستدلال به لما نحن فيه، فضلا من أن يكون فيه غنى وكفاية. لانها عموم لفظي بخلافه فانه أصل عملي، والعموم اللفظى مقدم على الاصل. وبعبارة أخرى انها ادلة اجتهادية والاصول ادلة فقاهية فهى مقدمة عليها فلا مجال لها مع وجودها. ولكن يندفع ذلك الاشكال بأن نقول: ان أدلة الخيار انما تدل على الحكم التكليفى أعنى جواز اعمال الخيار اعني السلطنة على الفسخ والامضاء وعلى الحكم الوضعي وهو كون الفسخ أو الامضاء منه صحيحا ونافذا، وإذا انتفى أحد الحكمين

[ 92 ]

في مورد بجهة من الجهات فلا يبقى لها صلاحية صدق فيه. ففى ما نحن فيه لما اتفق المتبايعان على عدم فسخ العقد علم منه أن فسخه ليس بجائز بل حرام، فإذا ينتفى الجواز الذى هو بعض مفاد تلك الادلة ويبقى بعض مفادها وهو الحكم الوضعي من الصحة والنفوذ، فلا يكون مجال لورودها حينئذ فيبقى التمسك بالاستصحاب بلا مانع وبلا مزاحم.

[ 93 ]

الثالث من مسقطات خيار المجلس اشتراط اسقاط الخيار قال الشيخ قدس سره: مقتضى ظاهر هذا الاشتراط وجوب الاسقاط بعد العقد، فلو أخل به ففسخ العقد، ففى تأثير الفسخ وجهان المتقدمان، والاقوى عدم التأثير. (1) والحق أن مرجع هذا القسم من اشتراط اسقاط الخيار كسابقه ايضا إلى القسم الاول من اشتراط سقوط الخيار حقيقة، وأن وقوع الفسخ وغيره بعد الاسقاط لاأثر له أصلا، كما قال به الشيخ قدس سره أيضا. وهذا لااشكال فيه. لكن يتوجه عليه قدس سره هنا اشكال وهو أنه بعد البناء على أنه بمجرد اشتراط الاسقاط يسقط الخيار كما هو مقتضى قوله " والاقوى عدم تأثير الفسخ لو اخل بالشرط وفسخ " فحينئذ لا يبقى في المقام شيئ كى يجب عليه اسقاطه بعد العقد مرة ثانية كما لا يخفى. فظهر من ذلك أنه لاوجه لقوله " ومقتضى ظاهر هذا الاشتراط وجوب الاسقاط بعد العقد " كما واضح.


(1) المتاجر، ص 221 طبع تبريز.

[ 94 ]

قال الشيخ رحمه الله: " وهل للمشروط له الفسخ بمجرد عدم اسقاط المشترط الخيار بعد العقد وان لم يفسخ؟ وجهان. من عدم حصول الشرط وهو اسقاط الخيار بعده - هذا اشارة إلى وجه ثبوت خيار تخلف الشرط - ومن ان المقصود منه ابقاء العقد على حاله فلا يحصل الا إذا فسخ العقد - هذا اشارة إلى عدم ثبوته. ثم قال قدس سره: والاولى بناء على القول بعد تأثير الفسخ هو عدم الخيار أي خيار التخلف للمشروط له، وعلى القول بتأثيره ثبوت الخيار له (1). ولكن لا يخفى ما فيه أيضا من الاشكال. وهو أن للمشروط يكون خيار تخلف الشرط بمجرد تخلف المشترط عليه بشرطه وهو اسقاط الخيار بعد العقد، سواء قلنا بعدم تأثير الفسخ أم بتأثيره، وابتناء ثبوت الخيار على تأثير الفسخ وعدمه على عدم تأثيره لاوجه له أصلا، بل حال القول الاول من عدم تأثير الفسخ مثل حال القول الثاني في ثبوت الخيار من دون فرق بينهما اصلا. وقد يقال: ان اشتراط اسقاط الخيار بعد العقد غير صحيح في خصوص المقام وان كان لاشتراطه في غيره من سائر المقامات مجال. وذلك: فان مقتضى ذلك منع تأثير ما يتحقق بعد ذلك من العلة التامة والاخلال بما هو علة تامة لتحقق أمنر آخر ووجوده، فان العقد علة تامة لثبوت الخيار، فلو جاز اشتراط اسقاطه بعد العقد، يلزم عدم كون العلة التامة علة تامة للخيار والمفروض أنها علة تامة لثبوته.


(1) المتاجر، ص 221

[ 95 ]

أقول: انه لا طائل تحته، لان العقد ليس علة تامة له بل هو مقتضى له والمقتضى انما يؤثر تأثيره إذا لم يمنعه مانع عن اقتضائه ولم يدفعه دافع عن ذلك، والاشتراط المذكور احداث مانع عن تأثيره واقتضائه وايجاد دافع ومبطل كذلك عند اقتضائه في محله وموقعه كما مر إليه الاشارة فيما سبق أيضا. على أن هذا الوجه من الاشكال لو تم لتم في سائر الموارد أيضا فلاوجه لخصوص هذا المورد كما لا يخفى، حول كلام للشيخ حكى الشيخ الانصاري أعلى الله مقامه في المكاسب عن العلامة رحمه الله موردا لعدم جواز اشتراط نفى خيار المجلس وغيره في متن العقد. وهو ما إذا نذر المولى أن يعتق عبده إذا باعه، بان قال: " على أن اعتقك إذا بعتك ". قال: " لو باعه بشرط نفى الخيار لم يصح البيع لصحة النذر فيجب الوفاء به ولا يتم برفع الخيار " ثم قال قدس سره: هذا مبنى على ان النذر المتعلق بالعين يوجب عدم تسلط الناذر على التصرفات المنافية له، وأن الاقوى في الشرط أيضا كونه ذلك. أقول: لا يخفى ما فيه من باعث التعجب والبعد، لعدم ابتناء كلامه قدس سره على ما ادعاه الشيخ الانصاري بل لاربط لكلامه له

[ 96 ]

أصلا، بل يبتنى كلامه هذا على المسالة الكلية المعروفة عند الاصحاب التى من جملتها تلك المسالة المفروضة، وهى هل الشرط الفاسد في العقد يفسد العقد أو لا يفسده، بل يكون الشرط فاسدا فقط. والذى يؤيد ما ذكرناه ذيل قوله قدس سره: " وعلى قول بعض علمائنا من صحة البيع مع بطلان الشرط يلغو الشرط ويصح البيع " وهو كما ترى يدل على ما ادعيناه من مختار العلامة كما لا يخفى (1)


(1) راجع التذكرة ج 1 ص والمتاجر ص 221

[ 97 ]

الرابع من مسقطات خيار المجلس نفس اسقاط الخيار بعد العقد ويمكن الاستدلال عليه بعد الاجماع بامور: الاول: فحوى ما دل على سقوط الخيار بالتصرف من النص معللا بأنه رضا بالبيع فاسقاطه حينئذ يكون كاشفا عن رضاه بالبيع. لكن فيه أن السلطنة على أعمال الخيار عن أصله وأسقاطه من رأسه كما في فرض ابقائه أيضا كذلك أذ هو يحتاج إلى دليل آخر غير دلى ثبوته، لانه لا يدل على أزيد مما ذكر فضلا عن دعوى الفحوى. الثاني: فحوى " الناس مسلطون على اموالهم "، فانهم اولى بالتسلط على حقوقهم العارضة على أموالهم والمتعلقة بها وقد تعسى في المكاسب (1) أن هذه الفحوى هو مدارك القاعدة المسلمة: من أن لكل ذى حق أسقاط حقه. ولكن فيه أيضا أن تسلط الناس على أعيان أموالهم بناء على أنه مضمون الرواية (2) - والا فليس في الاخبار منه عين ولا اثر فضلا عن


(1) راجع المتاجر ص 221 (2) البحار ج 2 ص 272 الطبع الحديث.

[ 98 ]

- كونه آية قرآنية كما توهمه بعض - ليس الا لاجل علاقة الملكية لهم واختصاصها الخاص بهم دون غيرهم، وليس بين الاشخاص وحقوقهم اختصاص خاص أصلا فضلا عن كونه أقوى من الاختصاص الثابت بينهم وبين أموالهم وأنما كان نفس الحق عبارة عن اعتبار خاص بينه وبين قيه الذى تعلق به بناء العقلاء، فيكون حال الحق مثل حال الملكية في عدم التسلط على رفع اليد عنه مع حفظ متعلقه الا مع فرض رفع اليد عنه أيضا. كما أن تسلط المالك على الملك لا يستلزم التسلط على ملكيته بحيث يتمكن من رفع اليد عنها دونه. نعم يتمكن من رفعها تبعا لرفع الملك كما في الاعراض عن الملك، فانه أنما كان من جهة التسلط على الملك لا الملكية وغيره. فظهر أن دليل التسلط على الاموال لا يكون دليلا على التسلط على الحقوق بالفحوى. على أن دليل السلطنة ليس في مقام تشريع السبب من التصرفات بناء على أن الاسقاط تصرف من جملة التصرفات - مع أنه في محل المنع لما يجئ من الاشارة إليه - ولا المسبب، بل أنما كان في مقام اثبات السلطنة للمالك فيما ثبت كونه من الامور الجائزة السائغة في الشرع من التصرفات وأسبابها في قبال الحجر والمنع عنها، فلابد حينئذ من كون لفظ " اسقطت " من جملة تلك الامور، سابقا على دليل السلطنة كى يكون مقتضاه اثبات نفوذه ومضيه وهو خلاف الفرض في المقام، إذ المفروض اثبات جوازه بهذا الدليل. ولعل الوجه في القاعدة السابقة المسلمة من أن لكل ذى حق

[ 99 ]

اسقاط حقه، كون الحق عند العقلاء اعتبارا خاصا عندهم كما مرت إليه الاشارة يسقط باسقاط ذيه، ولذا كانت مسلمة عندهم بداهة أن الوجه فيها لو كان فحوى تسلط الناس على أموالهم لما كانت مسلمة فيما بينهم لما مر. وبما ذكرنا ظهر ما في الاستدلال بالفحوى المذكورة على سقوط الخيار بكل لفظ دال عليه بأحدى الدلالات العرفية من الاشكال والمنع. الثالث: فحوى مادل على كفاية بعض الافعال الصادرة من المالك في أجازة عقد الفضولي. وفيه منع الملازمة، فضلا عن دعوى الفحوى في المقام لانطباق الصغرى والكبرى المسلمتين، من أن كل عقد لو أجازه المالك أو تصرف فيه بأى تصرف كان، يكون لازما في حقه ونافذا عليه هناك، والعقد الفضولي عقد تصرف فيه المالك لازما عليه، بخلاف الكلام هنا، فان تحقق سقوط الخيار لكل لفظ دال عليه غير معلوم ثبوته كى يلزم سقوطه بالاسقاط. الرابع: قوله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا لم تقولون مالا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون " (1) بيان الاستدلال فيه واضح. ولكن فيه أن المراد من الموصول في الاية هو الوعد على ما استشهد بها الامام عليه السلام على لزوم الوفاء به (2)، والاسقاط ليس من قبيل الوعد عرفا.


(1) الصف: 3 (2) تفسير البرهان ج 4 ص 327.

[ 100 ]

على انه من قبيل الانشاء والوعد من قبيل الاخبار. الخامس: عموم قوله تعالى: " أوفوا بالعقود " (1) بناء على أن المراد من العقود هو العهود، فالاسقاط أيضا عهد من جملتها فيجب الوفاء به. وفيه أن الاسقاط ليس من العقود بل من الايقاعات ولذا لا يفتقر إلى القبول، فلو أسقط الخيار من دون اطلاع الطرف الاخر لكان نافذا. السادس: حصول صدق السقاط النافذ عرفا لو قال ذو الخيار: اسقطت خياري، بمقتضى ما تقدم من التسلط على اسقاط الحقوق. وفيه أنه موقوف على تسليم الفحوى وهو في محل المنع. السابع: عموم أدلة الشروط. وفيه أنه موقوف على اثبات شمولها للالتزامات الابتدائية وهو أول الدعوى. ولكن الانصاف أن مقتضى النص بعموم التعليل بقوله عليه السلام: " انه رضا بالبيع " (2) يدل على ان كل قول أو فعل كاشف عن الرضا بالبيع كاف في سقوط الخيار، من غير فرق بين امضائه باعمال الخيار وبين اسقاط أصل الخيار، وهذا النص (3) دليل على المطلب ومخصوص بالبيع.


(1) المائدة: 1 (2) الوسائل، الباب - 4 - من ابواب الخيار - الحديث 1 (3) أي الرواية السابقة التى فيها " انه رضا بالبيع ".

[ 101 ]

وأما القاعدة المسلمة فالتحقيق في بيانها أن يقال: انه لو كان لكل ذى حق حق قابل للنقل، وعلم من الشرع أن الغرض من جعله ليس الا الارفاق في حق كل ذى حق ووجود المصلحة له، وأنه لم يعتبر فيه جهة تعبدية من قبله، صح له اسقاط هذا الحق عند العقلاء. فعلى هذا لا يكون اعتبار العقلاء مأخوذا في الحق بقول مطلق، بل هو مخصوص بهذا الصنف منه، فلا ينتقض ما ذكرنا حينئذ بالحقوق غير القابلة للنقل، مثل الحقوق المنتزعة عن الذات كحق الابوة والاخوة مثلا، ولا بالحقوق التى علم فيها اعمال الشارع الجهة التبعيدية، كحق الرجوع في الطلاق على تقدير. والحاصل أن كل مورد علم في جعله ملاحظة ارفاق المكلف و علم ايضا عدم ملاحظة جهة تعبدية فيه فله أن يرفع اليد عنه بالاسقاط وغيره كما في المقام، وان علم مع ذلك لحاظ جهة تعبدية فيه فليس له ذلك. نظيره سقوط الركعتين من صلوة المسافر، فانه وان علم انه تخفيف وارفاق للمكلف الا انه علم فيه أيضا لحاظ جهة تعبدية فلا يجوز له ضمهما لصلوته المقصورة. وان شك في مورد في لحاظها وعدمه، فالاصل عدم جواز رفع اليد عنه كما في حق الرجوع في الطلاق بناء على عدم العلم باعتبار الجهة المذكورة فيه وعدمه.

[ 102 ]

هل الكتابة كالقول؟ ثم هل الكتابة يقوم مقام القول في المقام في جميع ما يترتب عليه من اللوازم والاثار؟ وجهان مبنيان على أن ظهواهر الافعال كظواهر الاقوال في حجيتها بسبب الدليل وعدمها. فان قلنا بالحجية فلابد حينئذ من اخراج الطلاق بالكتابة عنها لعدم انعقاده الا بالانشاء القولى بالاتفاق. وان قلنا بعدمها فلابد أيضا من اخراج اشارة الاخرس عنه. والتحقيق عدم حجيتها لعدم قيام الدليل من الاجماع والسيرة عليها كما قامت السيرة على حجية ظواهر الاقوال. نعم لو علم من الخارج أن المراد من الكتابة ليس الا اسقاط خيار ذلك الكتاب مثلا لقامت مقام قوله، كما في غير هذا المقام والا فلا لما مر.

[ 103 ]

هل يسقط الخيار بقوله: اختر لو قال أحد المتبايعين للاخر: " اختر " فان اختار المختار - بالفتح - الفسخ فلا اشكال في انفساخ العقد، وان اختار الامضاء فلا اشكال أيضا في لزومه من قبله. وانما الاشكال والنزاع في سقوط خيار الامر، بمعنى أنه هل يسقط بمجرد أمره بذلك في هذا الفرض أولا. أقول: ان غاية ما يمكن الاستدلال به على سقوطه أحد الامرين: الاول: أن هذا الامر هنا غاية تعبدية للخيار كما يترا آى من بعض أخبار هذا الباب، من " أن البيعين بالخيار ما لم يفترقا أو يقول أحدهما لصاحبه: اختر (1) كما أن افتراقهما كان غاية تعبدية له، فحينئذ يسقط خياره بمجرد اختياره لحصول المغيى عند حصول غايته. لكن فيه أن التحقيق أنه ليس غاية تعبدية لعدم الدليل عليه، واما ما ذكر من الخبر فلم يثبت كونه من طرقنا الامامية وانما هو من طرق العامة. الثاني: انه يدل على تمليك الامر خياره على المأمور وتفويضه


(1) المستدرك، الباب - 2 - من ابواب الخيار، الحديث 3

[ 104 ]

إليه فإذا اختار المأمور الامضاء يسقط خيار الامر. وفيه أن الظاهر ان كلمة " اختر " لادلالة لها بحسب وضعها الاعلى طلب اختيار المخاطب أحد طرفي العقد من الفسخ والامضاء، وارادته منه كذلك، وليس في مفاده دلالة على تمليك الخيار وتفويض الامر اياه إلى المخاطب كما لا يخفى. وما ورد من السؤال عنه عليه السلام عن رجل خير امرأته فاختارت نفسها فبانت والجواب عنه بقوله عليه السلام: لا انما هذا شئ كان لرسول الله صلى الله عليه وآله خاصة الخ " (1) لو سلم دلالته على المطلب، بضميمة أن أمر الطلاق بيد من اخذ بالساق، انما هي بقرينة المقام لا ان كلمة " اختر " بنفسها تدل على التمليك والتفويض. تنبيه. ثم اعلم ان لااشكال في ان اسقاط احدهما خياره لا يوجب سقوط خيار الاخر، فلو فسخ الاخر انفسخ العقد لكن لامن جهة تقديم الفاسخ على المجيز بل من جهة بقاء خياره على حاله بعد اسقاطه. مع ان الفرض المذكور ليس من هذا القبيل اصلا كما هو واضح نعم قد يقال: انه لو كان تعارض بين الاجازة والفسخ كما لو اجاز الاصيل أو الوكيل العقد، وفسخه الاخر منهما دفعة واحدة الكائنين في طرف واحد مع فرض كون الطرف الاخر مجيزا ايضا أو بلا خيار اصلا،


(1) الوسائل، الباب - 41 - من أبواب مقدمات الطلاق، الحديث 4 وغيره.

[ 105 ]

كانت المسألة من باب تقديم الفسخ على الاجازة. وكذا لو تصرف ذو الخيار في كلا العوضين دفعة واحدة، كما لو باع عبدا بجارية ثم أكعتقها جميعا فان اعتاق العبد فسخ واعتاق الجارية اجازة. وكذا غير هذين الموردين من الامثال والنظائر. لكن لا يخفى ما فيه من عدم المعقولية، اذكيف يعقل ايقاع الفسخ والاجازة، كما فرض في المثال على قول هذا القائل من شخص واحد دفعة واحدة، مع أنه حرية العبد بسبب تقديم الفسخ على الاجازة، لانه لا ينعتق الا بعد دخوله في ملكه بعد ولازمه القول بحرية العبد دون الجارية مع أنه انما أعتقهما في ملكه على الفرض، وهو غريب عجيب. نعم يمكن في المقام أن يقال: انه لاوجه لتقديم الفسخ على الاجازة لمكان التعارض على الفرض، لان مقتضى الاجازة تثبيت للعقد والفسخ ابطال له وهما متنافيان، ولاوجه لتقديم أحدهما على الاخر فمقتضى القاعدة التساقط في جميع تلك الامثلة وان نسب إلى العلامة التقديم، لكن لم يعلم له وجه.

[ 106 ]

الخامس من مسقطات خيار المجلس افتراق المتبايعين. لااشكال في سقوطه به، وانما الاشكال فيما يكتفى به في صدق الافتراق. قد يقال: أن المعتبر منه ما يكون في نظر العرف افتراقا. وقال الشيخ الطوسى قدس سره: " أقل ما يتحقق به الافتراق وينقطع به خيار المجلس خطوة ".. (1) وقال الشيخ الانصاري أعلى الله مقامه: " أن معنى حدوث الافتراق المسقط خيارهما افتراقهما بالنسبة إلى الهيئة الاجتماعية الحاصلة لهما قبل افتراقهما وحين العقد " (2) وحاصل ما يستفاد من قوله (رحمه الله) كفاية حدوث الافتراق في سقوط الخيار ولو كان أقل من خطوة بل مسماه. والحق هو الحق الاول اعني ما يسمى في نظر العرف افتراقا وهو لا يصدق في نظرهم بمثل الخطوة أو أقل منها، لاسيما إذا كان هذا المقدار منه لاجل تحصيل بعض الاغراض المتعلقة لنفس المعاملة كما إذا


(1) الخلاف ج 1 ص 512 طبع 1377. (2) المتاجر ص 222

[ 107 ]

افترقا بمقدار خطوة أو باقل منها لاخذ الثمن أو المثمن، أو لاجل الفسخ في المجلس لضيق المكان، أو لشدة الحرارة أو غير ذلك من الاغراض السائغة له، فحينئذ فأنه لا يصدق حينئذ الافتراق بالاشكال. ويمكن الاستدلال على مختاره قدس سره بأحد امور: الاول: ما في بعض الروايات من قوله: " فلما استوجبتها قمت فمشيت خطا ليجب البيع حين افترقنا " (1) فأن قوله: " حين افترقنا " يدل على أن وجوب البيع كان عن حين المفارقة وهو الان الذى اخذ بالافتراق وشرع فيه، فيكون هذا دليلا وشاهدا لقوله قدس سره. الثاني: انه إذا علمنا أن اللفظ لو استعمل في الفرد النادر علمنا من ذلك أنه يستعمل في الافراد الشايعة والنادرة كليهما معا كما ادعى السيد قدس سره نظير ذلك في باب المياه في مسألة جواز التطهير بالماء المضاف، (2) ففى ما نحن فيه لما كان الافتراق الذى يتحقق في ضمن الخطا الثلاثة من الافراد النادرة موجبا لسقوط الخيار، يعلم منه أنه لو تحقق في ضمن فرد آخر اندرمنها أيضا يكون موجبا لسقوطه ولو كان ذلك أقل من خطوة ومسماه. الثالث: أن المراد من الافتراق في الرواية هو مقابل الاجتماع وهو أنما يتحقق في مقابلة بعض الاشياء مع بعض آخر والافتراق الذى هو خلافه يكون مجرد التباعد بين الشيئين أو الاشياء فحينئذ يكون بعد احد المتبايعين ولو قليلا كافيا في سقوط الخيار.


(1) الوسائل، الباب - 2 - من ابواب الخيار، الحديث 2 و 3. (2) المسائل الناصريات المسألة 22.

[ 108 ]

هذا غاية ما يمكن الاستدلال به لمختار الشيخ قدس سره ولتصحيحه لكن كل واحد منها لا يصلح سندا لاثبات قوله قدس سره. اما الاول، فان قوله: " حين افترقنا " أي حين تحقق الافتراق بيننا، فحينئذ يكون معناه معنى قوله: " فإذا افترقا وجب البيع " (1) بعينه من غير فرق بينهما اصلا لا مجرد الاخذ والشروع فيه كما هو المدعى هذا أولا. وثانيا: أن ترتيب وجوب البيع على مثل خطوات وتعليقه عليه يدل على عدم كفاية اقل من ذلك في لزوم البيع ووجوبه. واما الثاني، فانا لا نسلم أن الخطوات الثلاثة من الافراد النادرة، سلمنا ذلك لكن ثبوت الحكم لفرد نادر لا يوجب ثبوته لما كان أندر منه، نعم لو كان مساويا له في الندرة لصح دعوى ثبوته له أيضا لكونه مثله. واما الثالث، فان المأخوذ في الرواية هو عنوان الافتراق الذى هو المعتبر والميزان في سقوط الخيار في نظر العرف، لا مجرد البعد كى يصدق على الخطوة وعلى الاقل منها. ومن هنا يظهر ما في التعبير عن الافتراق بأدنى الانتقال ولو كان أصبعا، بل قوله: " قمت فمشيت خطا " في الرواية المذكورة، يدل على أن الاقل من الخطوات الثلاثة لا يكفي في سقوطه في نظر العرف كما هو الظاهر. ومما ذكرنا يظهر ما في منع الشيخ رحمه الله انصراف اطلاق


(1) الوسائل الباب - 1 - من ابواب الخيار، الحديث 4.

[ 109 ]

الخطوة إلى أزيد من خطوة. وفي منعه دلالة الرواية، (1) من الاشكال ودعوى - امكان كون فعل المعصوم لزيادة التوضيح لبيان الفرد للافتراق - غير مسموعة، بل هي محتاجة إلى الدليل والاثبات، وللمانع يكفى مجرد المنع كما لا يخفى. ثم ان الافتراق الموجب لسقوط الخيار هو حركة أحد المتبايعين من المكان الذى تبايعا فيه من دون مصاحبة الاخر معه في الحركة يعنى ان الاخر اما لا يكون متحركا أصلا ويبقى في المكان الذى كان فيه، أو يتحرك فكن لا الى الجهة التى تحرك إليها صاحبه، بل إلى جهة اخرى منافية لها. ولعل هذا مراد الشيخ قدس سره من قوله: " ثم اعلم أن الافتراق على ما عرفت من معناه يحصل بحركة أحدهما وبقاء الاخر في مكانه الخ " (2) فراجع. الاكراه على الافتراق لو اكره على الافتراق فالمعروف عدم اسقاط الخيار عن المكره ويمكن الاستدلال عليه بامور: منها: أنه إذا اسند الفعل كالقيام والقعود والاجتماع والافتراق مثلا إلى ذوى الارادة والاختيار كما صرح به التفتازانى في المطول أيضا يكون ظاهرا في الاختيار، يعنى يكون صادرا عن ارادة واختيار لاعن اكراه واضطرار. فحينئذ الافتراق عن اكراه لا يكون مسقطا للخيار. ومنها: أن قوله صلى الله عليه وآله في حديث الرفع (3):


(1) ذكره في المتاجر، ص 222 طبع تبريز. (2) المتاجر، ص 222 (3) الخصال ص 417 طبع الغفاري.

[ 110 ]

" وما استكرهوا عليه " انما يدل على ان المكره - بالفتح - لاأثر لفعله مطلقا حتى الاثر الوضعي بناء على ان هذا الحديث الشريف يرفع الحكم الوضعي أيضا ولا اختصاص له برفع المؤاخذة فقط، كما يدل على ذلك رواية المحاسن (1) حيث استشهد الامام عليه السلام فيها على عدم وقوع الطلاق والعتاق، بهذا الحديث. ومنها: صحيحة فضيل بن يسار عن ابى عبد الله عليه السلام قال قلت له: ما الشرط في الحيوان؟ قال: ثلاثة أيام للمشترى. قلت: وما الشرط في غير الحيوان؟ قال: البيعان بالخيار ما لم يفترقا فإذا افترقا فلا خيار بعد الرضا منهما (2) حيث يدل على أن الافتراق الموجب لسقوط الخيار مشروط بكونه صادرا عمع الرضا والمكره لارضا له والا لا يكون مكرها. ولكن يمكن الجواب عن كل منها. أما عن الاول ففيه أولا نمنع أن الفعل إذا اسند إلى ذى الارادة و الاختيار لابد أن يكون بالاختيار، وان قال به بعض أهل المعاني والبيان، الا ترى انه مردود بأدلة الضمان مثل قوله: من أتلف مال الغير فهو له ضامن وبأدلة نواقض الصلاة كمن أحدث في صلاته فصلاته باطلة مثلا وغير ذلك وبأدلة نواقض الصلاة كمن أحدث في صلاته فصلاته باطلة مثلا وغير ذلك مما ليس فيه صدور الفعل من الفاعل أو قيامه به مشروطا باختياره وارادته


(1) المحاسن ج 2 ص 339 طبع المحدث والوسائل ج 16 ص 164 طبع اسلامية. (2) الوسائل، الباب - 1 - من ابواب الخيار، الحديث 3 والباب 3 الحديث 5.

[ 111 ]

في تأثيره. وثانيا سلمنا ذلك، لكن القول بأن المكره لااختيار له في حال الاكراه فاسد جدا إذا المكره كغيره في كونه ذا ارادة واختيار في تلك الحال لان الشخص إذا اكره على شئ بأن يقال له: بع دارك بفلان والا لاقتلك أو لاقتل ابنك، فانه من المعلوم يكون مختارا وراضيا ببيع داره كمال الرضا دفعا للضرر الراجع إلى نفسه أو ابنه إذ العاقل إذا صار مرددا بين أمرين، والفرض أنه لابد من اختيار واحد منهما يختار بكمال الرضا و الرغبة ما هو أهون وأسهل من الامرين ويترك ما هو اشد واشق عليه وان كان منشأ ذلك هو اكراه المكره بالكسر، لكنه لا يضر بحصول الرضا بالبيع عند الترديد. ومثل ذلك قول الطلبيب للمريض: أن هذا المرض لا علاج له الا ان تشرب الدواء الفلاني أو تأكل الفلاني المعجون الكذائي أو تعطيني المبلغ الكذائي حتى اعالجك والمفروض انه لا يتمكن ولا يقدر على ذلك الا ببيع داره أو عقاره مثلا فهو حينئذ يرضى ببيعها بكمال الطوع والرغبة لكى ينجى نفسه منه كما هو أوضح من أن يخفى على احد. واما عن الثاني ففيه اولا انا نمنع أن الحديث يرفع الحكم الوضعي بل دلالته منحصرة على رفع الحكم التكليفى ويستتبعه رفع المؤاخذة و كونه دالا على ازيد من ذلك محتاجي إلى دليل. واما رواية المحاسن ففيها كلام طويل في محله لا يسعه هذا المختصر وثانيا سلمنا ذلك، لكن قوله: " وما استكرهوا عليه " في الحديث المذكور لا يشمل ما نحن فيه بل هو خارج عن مفاده والا يلزم ان يكون

[ 112 ]

الحديث معمولا به بالنسبة إلى بعض فقراته وغير معمول به بالنسبة إلى بعضها الاخر، إذ القوم قد اتفقوا في ان الافتراق مسقط للخيار ولو كان في حال سهوا ونسيان أو خطا أو اضطرار أو غفلة أو جنون أو غير ذلك مما يصح نسبة الفعل إلى الشخص وصدوره عنه ولو كان ذلك عنه بتقصير أو قصور، كما ان المعتبر في باب الضمان ايضا كذلك يعنى إذا صح نسبة الفعل إلى المتلف مطلقا. وثالثا ان الاصحاب فرقوا بين من اكره بالافتراق وبالتخاير كليهما وبين من اكراه بالافتراق فقط دون التخاير، فقالوا: ان الخيار يسقط على الثاني دون الاول مع ان الاكراه حاصل على كلا التقديرين كما لا يخفى واما عن الثالث، ففيه اولا أنا لا نسلم أن المراد من الرضا الذى في قوله عليه السلام: " بعد الرضا منهما " هو الرضا بالافتراق، بل المراد منه هو الرضا بأصل المعاملة. وثانيا: ان قوله عليه السلام: " فإذا افترقا فلا خيار بعد الرضا منهما " تفريع للغاية التى في قوله: " البيعان بالخيار ما لم يفترقا " فلو كان الرضا فيه مأخوذا في الافتراق ومعتبرا فيه كما هو المدعى يلزم تفريع المقيد على الغاية المطلقة، مع أن المتفرع - بالفتح - لابد من أن يكون مطابقا للمتفرع عليه اطلاقا وتقييدا كما هو مقتضى القاعدة والا فلا يكون تفريعا له بل شيئا أجنبيا كما هو واضح. على أنه يعارض لقوله عليه السلام: " فمشيت خطا ليجب البيع (1) " فانه يظهر منه كفاية مطلق الافتراق في اللزوم وان بقى الطرف الاخر على حاله


(1) الوسائل الباب - 2 - من ابواب الخيار الحديث 3،

[ 113 ]

فيكون وزان هذه الصحيحة وزان سائر أخبار الباب في عدم الدلالة على المقيد. وقد يستمك في المقام بالاجماع المنقول. وفيه: أن حجية الاجماع الذى لم يعلم كاشفيته عن رأى المعصوم عليه السلام ممنوعة جدا. لكن يمكن أن يستدل للمسألة لحيث لا ينافي قول المشهور بل ينطبق عليه بأن يقال: ان جعل الخيار في موارده انما هو للارفاق وسهولة أمر المتعامل لئلا يقع في خصرو ضرر بالمعاملة، فحينئذ يكون الحكم بسقوط الخيار بسبب فعل الغير كالافتراق مع الاكراه ومع منع التخاير أيضا خلاف الارفاق له. نعم لو استند الفعل إليه ولو كان صدوره عن قصور كما إذا تفرق نسيانا أو غفلة أو في حال السكر أو الاغماء أو الاضطرار أو الاكراه مع عدم المنع من التخاير فلا يكون حينئذ خلاف الارفاق كما لا يخفى. فرع لو أكره أحد المتبايعين على الافتراق ومنع عن التخاير أيضا دون الاخر. فهل يسقط خيار المختار فقط!. أو يسقط خيارهما معا؟. أو لا يسقط خيار كل منهما أصلا؟. أو يسقط خيار المختار لو فارق عن المجلس والا فلا؟. وجوه بل أقوال. مبنى على أن التفرق المسقط للخيار هو ما كان عن اختيار في مقابل

[ 114 ]

الاكراه عليه وعلى منع التخاير، على أن مفاد قوله عليه السلام: " البيعان بالخيار ما لم يفترقا فإذا افترقا وجب البيع " هو أن تفرق كل واحد منهما مسقط لخياره دون خيار الاخر حتى يكون تفرق المختار مسقطا لخياره دون خيار المكره. أو أن مجموع التفرق الحاصل منهما غاية لكلا الخيارين حتى يكون اللازم ثبوت خيارهما في المقام. أو أن حصول الافتراق غاية لكل من الخيارين ولو صدر من واحد منهما حتى يكون اللازم سقوط خيارهما لحصول الافتراق الاختياري الذى هي الغاية. هذا إذا كان أحدهما مختارا مطلقا كما هو الفرض ان قلنا ان الساكن أيضا متفرق أو في صورة خصوص مفارقة الاخر عن المجلس ان لم نقل انه متفرق. فاقول: ان الاظهر منه هو الاول وذلك لان البيعان في قوله عليه السلام تثنية وهى في قوة تكرير المفرد، وقوله عليه السلام " البيعان بالخيار " في قوة قوله البايع والمشترى بالخيار، وقوله " ما لم يفترقا " ففى قوة قوله ما لم يفترق البايع والمشترى، فالمقابلة فيها من حيث الحكم ثبوتا وسقوطا على نحو واحد، فيكون تفرق كل واحد منهما مسقطا لخيار نفسه. وكون مجموع التفرق غاية لكلا الخيارين اللازم منه ثبوته خيار هما في المقام خلاف الظاهر. وكون حصول الافتراق وان كان من واحد، غاية لكليهما مطلقا

[ 115 ]

أو في خصوص مفارقة الاخر المختار عن المجلس بعيد في غاية البعد بل لا معنى له في الظاهر، لانه لا يمكن حمل قوله: " حتى يفترقا " على معنى " حتى يحصل الافتراق من واحد لا بعينه " كما لا يخفى. تنبيه ان زوال الاكراه تارة يتصور بالنسبة إلى مجلس العقد بأن زال الاكراه على افتراقهما عن مجلسه فقط لا مطلقا ويعبر عنه بالاكراه الخاص. واخرى يتصور بالنسبة إلى الاكراه المطلق بأن أكرهوا على الافتراق مطلقا في مجلس العقد وغيره ايضا، فيعبر عنه بالاكراه المطلق في عنوان المسألة. هذا تمام الكلام في خيار المجلس.

[ 116 ]

الثاني من الخيارات، خيار الحيوان لااشكال في ثبوته للمشترى لما هو مقتضى الاخبار المستفيضة (1) والفتاوى. وانما الاشكال في أنه هل هو ثابت فيما كان له حياة مستقرة، فلا يشمل لما لا يستقر له الحياة مثل السمك المشترى حيا المشرف للموت والصيد المرمى المشرف له لاصابة السهم إليه أو جراحة الكلب المعلم عليه والجراد المحرز في الاناء أو أمثالها مما ليس له بقاء ثلاثة أيام بل الغرض الاصلى من بيعه وشرائه هو اللحم، أولا، بل كان عاما شاملا لكلا القسمين من الحيوان؟. الظاهر أنها غير شاملة لمثل هذا القسم من الحيوان، اما لما مر من أن الغرض من البيع والشرى فيه هو اللحم لابلحاظ انه حيوان حى فلا يشمل الاخبار عليها، واما لانصرافها عنها لان الظاهر من سياق النصوص في ذلك الباب كون الحيوان من شأنه بقاء ثلاثة ايام كما هو واضح، وما نحن فيه ليس له شأنية البقاء على الفرض. وعلى تقدير شمول أخبار الخيار على ذلك القسم ايضا هل مقدار


(1) راجع الوسائل، الباب - 3 - من ابواب الخيار.

[ 117 ]

الخيار، مدة حياته، أو يمتد إلى آخر ثلاثة أيام أو هو فورى وجوه. لكن لو قلنا بشمول الاخبار مثل المقام كان المتجه أن مدته فيه إلى ثلاثة أيام لصدق الحيوان عليها وأن المدار على كونه حيوانا حال العقد لابقائه إلى انقضاء ثلاثة أيام وعدم تسليم الانصراف فيها والا فلا خيار فيها مطلقا. الا أن البحث عن أمثال ذلك لا اهمية له في المقام وانما ينبغى التعرض لما هو أهم من ذلك على تقدير شمول اخبار الخيار لما ليس له حيوة مسقترة وهو: اشكال التعارض بين القاعدتين انه تسالم القوم بأن التلف في زمان الخيار لا يسقط الخيار وبان التلف في زمان الخيار ممن لاخيار له، والحال ان مقتضى هاتين القاعدتين في المقام اثبات الخيار على الاولى ونفيه على الثانية، وليس هذا الا التنافى بين مفادهما بناء على توجيههم القاعدة الثانية بان التلف موجب لانفساخ العقد كما في التلف قبل القبض ايضا كذلك، فانه من مال البايع لكونه موجبا لانفساخ العقد والا فلا وجه لان يكون ممن لاخيار له أو من البايع لكونه في ملك المشترى واقعا تحت يده، لاستلزامه المخالفة بين القاعدة الاخيرة وبين قاعدة عدم ضمان الشخص لمال الغير. نعم يمكن الجواب عن المنافاة المذكورة بالنسبة إلى ما ليس له حياة مستقرة لان ذهاق الروح عنه لا يوجب صدق التلف عليه لما مر من أن الغرض منه هو اللحم وهو موجود فعلا ولم يكن تالفا. واما بالنسبة إلى ما كانت له حياة مستقرة فالتنا في باق على حاله

[ 118 ]

رفع الاشكال نقول: فيه اولا انا لا نسلم ان التلف يوجب انفساخ العقد، إذ ليس ذلك اتفاقيا عند الاصحاب، بل قال به جماعة منهم، لكن قولهم ذلك ليس عندنا بمسلم على ان كونه سببا للانفساخ خلاف القاعدة والارتكاب به فرارا عن مخالفة قاعدة عدم الضمان لمال الغير كر عمافر عنه. وثانيا: أن التلف في نفسه ان لم تلازمه جهة اخرى من الجهات لا يكون موجبا لانفساخه، والذى كان موجبا لانفساخه في المقام هو كونه مقرونا باختصاص الخيار للمشترى ولا موجب له هي تلك الجهة، ولذا لو كان الخيار مختصا للبايع أو مشتركا بينهما، أو كان الخيار خيار العيب لما يجرى فيها ذلك الكلام بلا اشكال. على أن الموارد التى قالوا فيها بانفساخ العقد ليست بأزيد من الموارد الثلاثة وهى خيار المجلس وخيار الحيوان وخيار الشرط كما قال به الشيخ الانصاري أعلى الله مقامه، بل عن صاحب الجواهر أنه منحصر في الاولين فقط ولا يجرى في غيرهما من الشرط وغيره. هل هذا الخيار مختص بالمبيع الشخصي؟ ثم هل ذلك الخيار مختص بالمبيع الشخصي المعين أو يجرى في الكلى أيضا؟ قد يقال بالاول لانصراف الاخبار إليه لكثرة وجوده وغلبته في معاملة الناس، ولما جعل الخيار من أجله من الحكمة وهى الاطلاع في ثلاثة أيام بما في المبيع من العيوب الخفية، فان تلك الحكمة الملحوظة فيه انما هو مناسب بالنسبة إلى المبيع الشخصي، واما بالنسبة إلى الكلى فلاوجه لها.

[ 119 ]

لكن فيه ما لا يخفى من الفساد. أما اولا فلانا لا نسلم الانصراف أصلا. وثانيا: سلمنا ذلك لكن الكثرة والغلبة هي كثرة الوجود والغلبة وهى غير مفيدة وانما المفيد انما هو كثرة الاستعمال بحيث لا يتبادر من اللفظ عند استعماله غير ذلك المعنى الشخصي وهو ممنوع في المقام. وثالثا: أن الحكمة المذكورة لو سلمنا كونها وجها لجعل الخيار أنهما هي مفيدة للظن لا لليقين فلا فائدة للاعتماد عليه ما لم يقم عليه دليل من الخارج. نعم لو ادعى الظهور الذى يختلف باختلاف الاذهان كان له وجه هل هذا الخيار مختص بالمشترى أولا هل هذا الخيار مختص بالمشترى أو مختص بمن ينقل إليه الحيوان مطلقا ثمنا أو مثمنا أو مشترك بين البايع والمشترى؟ اقوال. المشهور هو الاول. واستدل له بعد الاجماع كما عن الغنية وظاهر الدروس (1) بوجوه: منها: عموم قوله تعالى: " اوفوا بالعقود (2) " لكن خرج منه المشترى بسبب القرينة الخارجية وبقى الباقي تحته، وكذا الكلام في عموم قوله عليه السلام: " البيعان بالخيار ما لم يفترقا فإذا افترقا وجب البيع " (3) خرج عنه المشترى بسبب الدليل الخارجي.


(1) الدروس، كتاب الخيار، الدرس الثاني ولم نجده في الغنية فراجع. (2) المائدة: 1 (3) الوسائل، الباب - 1 - من ابواب الخيار، الحديث 2 و 3.

[ 120 ]

ومنها: صحيحة الفضيل بن يسار عن ابى عبد الله عليه السلام " قال قلت له: ما الشرط في الحيوان؟ قال: ثلاثة ايام للمشترى، قلت: وما الشرط في غير الحيوان؟ قال البيعان بالخيار ما لم يفترقا فأذا افترقا فلا خيار بعد الرضا منهما " (1) والتمسك بها في المقام بوجوه: الاول: استفادة العرف عن مثل هذه العبارة، الاختصاص والحصر نظير استفادته ذلك عن مثل قوله: الطلاق بيد من أخذ بالساق " (2) وقوله: " الولاء لمن أعتق " (3) ونظائرهما مما يكون مثله في الاسلوب والسياق. والقول بأفادتها الحصر والاختصاص فيهما دونه مع أن كلها الحصر، أي حصر المسند به. الثالث: ان ذكر القيد في الكلام في مقام التحديد وغيره أنما يدور مدار نكتة وفائدة فيه حذرا عن صيرورته لغوا، وهى هنا ليست الا اختصاص الخيار للمشترى والا يكون ذكره لغوا وبلا فائدة. الرابع: مقابلته عليه السلام قوله: " البيعان بالخيار الخ " بقوله " ثلاثة أيام للمشترى " فهى أيضا مما يدل على الحكم المذكور من الاختصاص.


(1) الوسائل، الباب - 1 - من أبواب الخيار الحديث 3 (2) الوسائل (3) الوسائل، الباب - 35 - من أبواب العتق الحديث 1.

[ 121 ]

الخامس: مفهوم الوصف، وهو مفهوم قوله: " ثلاثة أيام للمشترى "، فأنه يدل مفهوما على عدم هذا الشرط لغيره من البايع. على أن في بعض اخبار الباب (1) ان تلف الحيوان في زمن الخيار من البايع، وهو مع ضميمة قاعدة أن تلف المبيع في زمن الخيار ممن لاخيار له، يفيد أن الخيار مختص بالمشترى. وفي بعض آخر منها (2) ان المشترى إذا تصرف في الحيوان لزم البيع، فلو لم يكن أمر المعاملة بيد المشترى فقط وكان للبايع فيه حق ايضا لما يصح استناد لزوم البيع إليه بقول مطلق، بل ينبغى أن يقول (ع) لزم البيع من قبله وطرفه. والحاصل ان اسناد اللزوم إلى تصرف المشترى خاصة يكشف عن عدم خيار البايع كما لا يخفى. على أن في بعض منها (3) تقييد ثبوت الخيار للمشترى بقيد خاص وهو صريح في المدعى. ويمكن الاستدلال للقول الثاني بعمومى صحيحة محمد بن مسلم عن ابى عبد الله عليه السلام " قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: البيعان بالخيار حتى يفترقا وصاحب الحيوان بالخيار ثلاثة ايام " (4) فان الظاهر من كون صاحب الحيوان بالخيار ثلاثة ايام، من ينتقل إليه الحيوان وهو البايع.


(1) الوسائل، الباب - 5 - من أبواب الخيار. (2) الوسائل، الباب - 4 - من ابواب الخيار. (3) الوسائل، الباب - 3 - من أبواب الخيار. (4) الوسائل، الباب - 1 - من ابواب الخيار، الحديث 1.

[ 122 ]

وحمل صاحب الحيوان على المشترى كما عليه صاحب الوسائل (1) لاوجه له بل لو كان المراد منه المشترى يكون العدول من التعبير بالمشترى إلى التعبير بصاحب الحيوان موهما لخلاف المقصود والمعنى المتعارف، لان الغالب في استعمال ذلك اللفظ صاحب المبيع والسعلة وهو البايع لظهوره فيه كما عبر في بعض الروايات عند اختلاف اقوال التجار بأن القول قول رب السلعة، ومعلوم أن رب السلعة هو البايع، فإذا قيل " صاحب الحيوان " فهو بمنزلة ان يقال " رب السلعة " وكذا قوله عليه السلام (2) في بعض آخر منها في جواب سؤال السائل من شر بقاع الارض وهو الاسواق، فبين عند ذلك أن أهلها بين مطفف في القفيز وسارق في الذراع وكاذب في السعلة (3). وبعموم صحيحة اخرى له عن ابى عبد الله عليه السلام قال: المتبايعان بالخيار ثلاثة ايام في الحيوان وفيما سوى ذلك من بيع حتى يفترقا " (4) وتقرير الاستدلال فيها على النحو الذى ذكر في الاولى ولا يضر شمولها لصورة كون المثمن فقط حيوانا بقرينة قوله (ع) " المتبايعان بالخيار " حيث يشعر بان الخيار ثابت للبايع ايضا في هذا الفرض، لانها مقيدة بالروايات السابقة المتمسك بها للقول الاول، حيث


(1) قاله في الوسائل في ذيل الحديث الثالث من الباب الثالث من ابواب الخيار. (2) الوسائل: الباب - 60 - من ابواب آداب التجارة الحديث 1 (3) دلالة هذه الرواية على المدعى غير واضحة (4) الوسائل، الباب - 3 - من ابواب الخيار الحديث 3.

[ 123 ]

جعل الخيار فيها في هذا الفرض للمشترى فقط. واما موثقة على بن فضال عن على بن موسى الرضا (ع) يقول: صاحب الحيوان المشترى بالخيار ثلاثة ايام (1) فلا ينافي تقييد صاحب الحيوان بالمشترى. وبيانه أن احتمال كون القيد واردا مورد الغالب، ومجرد الغلبة كاف في خروجه عن اللغوية من دون احتياج إلى كونه احترازيا كما لا يخفى بخلاف المطلق المراد منه المقيد فانه لابد فيه من وجود قرينة قوية صارفة عن الظهور الاصلى له، ولا يصلح لذلك الا الغلبة الكاملة الموجبة لصرفه عن اطلاقه وتوجيهه إلى التقييد، واما الغلبة الناقصة فلا كفاية لها للتقييد. تزييف ادلة القول الاول لكن لا يخفى مافى القول الاول من المنع. اما الاجماع، فلان المنقول منه غير مجد لافى المقام ولافى غيره، إذ مجرد الاطلاع باقوال جماعة من الفقهاء الذى غايته هو الاطلاع على فتاوى أربعين أو خمسين فقيها مع عدم الاطلاع بفتاوى غيرهم الذين هم أكثر وأزيد منهم بمراتب عديدة، لا يوجب القطع بقول المعصوم كما هو الملاك والمناط في حجيته، أذلعلهم أفتوا بخلاف ما أفتى به الجماعة المعروفة. على أن المقطوع هو ان مستند فتواهم ليس الا الاخبار المتقدمة التى ستعرف ضعف دلالتها على المدعى.


(1) الوسائل - الباب - 3 - من ابواب الخيار، الحديث 2.

[ 124 ]

ومما ذكرنا يظهر حال دعوى الشهرة في المسألة ايضا كما لا يخفى وأما عموم قوله: " اوفوا بالعقود " وعموم قوله: " البيعان بالخيار ما لم يفترقا " ففى حجيته ما لا يخفى من التأمل بعد ورود تخصيصات كثيرة عليه. واما الجواب عن الاخبار كلها، فمقتضى فهم العرف من أمثال هذه العبارات لو عرضت عليهم أن السائل فيها انما هو بصدد استفسار حال الحيوان في مقام بيعه وأن الخيار إلى ايهما يصير من البايع والمشترى وليس هو في صدد السؤال عن حال الشراء، فأجاب الامام عليه السلام (ع) على طبق سؤاله بأن الخيار للمشترى. ويدل على ذلك ايضا صحيحة ابن رئاب " قال: سألت ابا عبد الله (ع) عن رجل اشترى جارية لمن الخيار للمشترى أو البايع أو لهما كليهما؟ فقال: الخيار لمن اشترى ثلاثة ايام نظرة فإذا مضت ثلاثة ايام فقد وجب الشراء " حيث ان السؤال فيها عن ذى الخيار في مقام بيع الجارية. مسألة لافرق بين الامة وغيرها في مدة الخيار، ولاوجه للقول بأن مدة خيار الامة مده استبرائها، لعدم الدليل عليه. ولكن يمكن ان يقال: ان هذا القول ليس مبنيا على أن خيار الحيوان فيها يمتد إلى انقضاء مدة استبرائها، بل هو مبنى على ما هو المعروف من أن المبيع إذا كان مظنة للعيب فمدة الخيار فيه يمتد إلى العلم بعدمه ولما كانت الامة مظنة للحمل وهو عيب فيها اتفاقا فحينئذ يكون للمشترى خيار العيب فيها مدة استبرائها.

[ 125 ]

مبدء خيار الحيوان الحق ان مبدء هذا الخيار من حين العقد، فلو لم يتفرقا ثلاثة ايام انقضى خيار الحيوان وبقى خيار المجلس بظاهر قوله عليه السلام: " ان الشرط في الحيوان ثلاثة ايام وفي غيره البيعان بالخيار حتى يفترقا " فأنه (1) جعله مقابلا لخيار المجلس، فكما ان مبدء الثاني من حين العقد فينبغي أن يكون الاول ايضا كذلك قضاء لحق المقابلة. خلافا لابن زهرة حيث جعله من حين التفرق. وربما يستدل له بأصالة عدم ارتفاعه بانقضاء ثلاثة ايام من حين العقد، وبأصالة عدم حدوثه قبل انقضاء المجلس، وبلزوم اجتماع السببين على مسبب واحد إذ الخيار ان ليسا مختلفين من حيث الحقيقة والماهية، وبما دل على أن تلف الحيوان أو غيره من المبيع في الثلاثة من البايع مع ان التلف في الخيار المشترك من المشترى، فلو كان مبدأه من حين العقد دخل فيه خيار المجلس الذى هو مشترك بين البايع والمشترى فيلزم أن يكون التلف في المجلس من البايع مع وقوعه في زمان الخيار المشترك فلابد ان يكون مبدئه بعد خيار المجلس حتى يكون التلف في زمانه تلفا في زمان الخيار المختص بالمشترى فيكون التلف حينئذ من البايع بمقتضى قاعدة " التلف في زمن الخيار ممن لاخيار له " ويرد الاصل ظاهر الدليل. على أنه بالتقرير الثاني مثبت لان المقصود اثبات كون الخيار


(1) الوسائل، الباب - 1 - من ابواب الخيار، الحديث 3 والباب - 3 - منها الحديث 5.

[ 126 ]

بعد انقضاء المجلس وكونه بعده من اللوازم العادية لعدم كونه قبله على الفرض. هذا بالنظر إلى ترتيب آثار وجود خيار الحيوان بعد الثلاثة من حين العقد، واما بالنظر إلى ترتيب آثار عدمه قبل التفريق، فبالتقرير الاول ايضا مثبت لان الهدف منه ترتيب اثر العدم على ما قبل التفريق، عكس التقرير الثاني، فانه مثبت من حيث ترتيب اثر الوجود بعد الثلاثة الا ان الانصاف ان الاصل ليس مثبتا الا بالتقرير الثاني كما افاده الشيخ قدس سره (1) إذ معنى المثبتية هو ما إذا لم يكن في البين الا اثر عقلي، وهذا بالنسبة إلى الاصل بالتقرير الاول ممنوع، إذ ليس اثره منحصرا في عدم احداثه قبل التفرق، بل له آثار اخر مثل جواز اسقاطه أو انتقاله إلى الورثة بالارث أو غير ذلك مما يعد اثرا له، وهذا بخلافه بالنسبة إلى التقرير الثاني فانه لا اثر له الا كون الخيار بعد انقضاء المجلس ونظير هذا مالو شك في بناء أنه مسجد أو دار، والمفروض أنه مسبوق بعدم كل منهما، فأصالة عدم كونه مسجدا لها آثار شرعية بلا واسطة من جواز تنجيسه وبيعه وشرائه وكذا سائر التصرفات الاخر، بخلاف أصالة عدم كونه دارا إذ ليس لها أثر الا اثبات كونه مسجدا وهو أثر عقلي. ويرد اجتماع السببين بناء على اتحاد المسبب، أن استقلال كل منهما في السببية موقوف على عدم مقارنته للاخر والا يكون كل منهما


(1) المتاجر ص 225.

[ 127 ]

جزأ للسبب، مع أن هذا على فرض تسليم عدم كون الاسباب معرفات. واما معه فلا اشكال. وأما الادلة الدالة على أن التلف من البايع فحمولة على الغالب وهو كونه بعد المجلس. حل اشكال قد ذهب الاصحاب فيما إذا كان لو احد خيارات متعددة مثل خيار المجلس وخيار الحيوان وخيار العيب وغيرها في مبيع واحد، إلى انه يجوز له اسقاط بعض منها وابقاء بعض آخر، مع أن حقيقتهما ليست الاماهية واحدة وشيئا فاردا، فكيف يصح فيه ذلك، مع أن الحق الذى يعبر عنه بالخيار ليس قابلا للتجزية، إذ ليس له نصف ولا ثلث ولاربع ولا أمثال ذلك كى يصح الاسقاط بلحاظ بعضه، وعدمه بلحاظ بعضه الاخر، بل هو فيها شئ واحد حقيقة واحدة بمعنى أنه لو اسقط سقط كله والا فلا يسقط شئ أصلا. ولكن يمكن الجواب عنه بأحد الوجوه. الاول: أن اسقاط الخيار في المعنى هو الرضا بالعقد وبأصل المعاملة كما وردت الرواية بهذا المضمون أيضا مثل قوله عليه السلام: " فإذا افترقا فلا خيار بعد الرضا منهما " (1) فالرضا حينئذ يختلف باختلاف متعلقة فإذا تعلق بخيار العيب أو خيار الرؤية أو خيار المجلس مثلا يكون الساقط ذلك ليس غيره مما لم يكن متعلق الرضا من الخيارات الاخر. بل قد يحصل هذا الرضا من جهة دون جهة اخرى في خيار واحد كما


(1) الوسائل، الباب - 1 - من ابواب الخيار، الحديث 3.

[ 128 ]

في خيار العيب عند اجتماع عيوب متعددة في مبيع واحد إذا رضى ببعضها دون بعض آخر من البواقى. الثاني: النقض بالسقوط، وتوضيخ ذلك أن المعروف والمسلم بين الاصحاب هو انه لو اشترى حيوانا حصل للمشترى خياران خيار - الحيوان والمجلس قبل أن يتفرقا، فإذا انتفى مجلس العقد بالتفرق، انتفى خياره المختص به ويبقى خيار الحيوان على حاله إلى أن يمضى ثلاثة أيام بلا اشكال فيه، فما هو الجواب هناك هو الجواب فيما نحن فيه. وكذا النقض بما اعتبر فيه الفور والتراخى من الخيارات فان الخيار الفوري إذا لم يعمل به سقط مع العلم به بخلاف التراخي فانه يبقى إلى أن تنتهى مدته المحدودة، مع أن حقيقتهما شئ واحد. الثالث: بالحل، وهو أن كونها ماهية واحدة لا ينافي كونها عديدة بالجهات والاضافات ومتعددة باعتبار المشخصات، كما لا ينافي كونها مجتمعة في محل واحد شخصي إذ ما يمتنع اجتماعه فيه من الامور العديدة انما هو الامور المتأصله لا الامور الاعتبارية التى قوامها باعتبار المعتبر وجعل الجاعل كما في المقام. فظهر أن التعدد ليس مختصا بالاسباب دون المسببات كما عن بعض بل كما أنها متعددة كذلك المسببات ايضا متعددة. وما ذكرناه هو المراد بما في التذكرة من ان الخيار واحد والجهة متعددة في جواب من قال: ان الخيارين مثلان فلا يجتمعان. على ان مفاد الخيار هو ملك اقرار العقد وازالته والقدرة على فسخ العقد وامضائه وهو قابل للاشتداد بزيادة الجهات فباسقاط بعض

[ 129 ]

منها تزول مرتبة الشدة من المراتب وتبقى مرتبة اخرى منها اخف. ما المراد من حين العقد؟ وليعلم أن المراد من حين العقد الذى هو ابتداء زمان الخيار هو حين التملك لا مجرد التلفظ بالصيغة، واما التعبير بحين العقد، فلعله للغلبة، لان الغالب انه لا يحصل الملك الا به إذ المراد من ثبوت الخيار أنه لولاه للزم العقد، وهذا المعنى يختلف باختلاف المقامات، فانه قد يتحقق من حينه كما هو القسم الغالب، وقد يتحقق بعد القبض كما في بيع الصرف والسلم، وقد يتحقق بعد الاجازة كما في الفضولي اما مطلقا أو بالنسبة إلى احدهما دون الاخر فحينئذ يتحقق التملك بالنسبة إلى الاصيل من حين العقد وبالنسبة إلى الفضولي بعد اجازة المالك. ما المراد من ثلاثة ايام؟ لا اشكال في أنه إذا عقد على حيوان حين طلوع الشمس، ينقضى زمان الخيار عند غروبها في اليوم الثالث. وكذا لا اشكال في دخول الليلتين المتوسطتين في الثلاثة، لا لان الليل داخل في مفهوم اليوم بل للاستمرار المعتبر فيها المستفاد من الخارج. وانما الاشكال في المقام من جهتين. الاولى: أنه إذا عقد في زمان من النهار، هل يلغى البقية منه مطلقا ثم يحسب زمان الخيار بعدها، أو تحسب تلك يوما واحدا كذلك، أو تحسب ان كان ما مضى من الزمان قليلا بحيث يصدق اليوم على البقية ولو بالمسامحة العرفية وتلغى في غيره أو تحسب من حيث كونها مبدء

[ 130 ]

للخيار لامن حيث كونها جزءا محسوبا من الثلاثة، أو تحسب على نحو التلفيق بأن يلفق اليوم منها ومن مقدار ما نقص من اليوم الرابع، وجوه واحتمالات. الثانية: أن الليلة الاخيرة هل هي داخلة في ثلاثة أولا. أما الوجه الاول من محتملات الجهة الاولى. ففيه أن الظاهر من النص ان ابتداء الثلاثة والخيار هو حين العقد، ونظير ذلك انه لو قال المؤجر آجرتك دارى إلى عشرة أيام انه لا يفهم منه الاكون ابتداء الاجارة هو حين العقد، مع انه لا معنى للزومه في هذه البقية ثم جوازه بعد ذلك كما هو مقتضى عدم الخيار فيها. واما الوجه الثاني منها. ففيه أن اليوم الحقيقي عبارة عما بين طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس، فلا معنى لعد ثلث اليوم أو نصفه أو غيرهما من الكسور يوما واحدا تاما حقيقيا. وأما الوجه الثالث. ففيه أن موضوع الحكم هو اليوم الحقيقي والدقى لا المسامحى كما أن موضوع الحكم في باب الزكاة والكروفي غيرهما مقدار معين محدود من الماء والغلات بحيث لو نقص عنه لما كان الموضوع محققا حقيقتا ولما يحكم عليه بشئ من الاحكام وهو واضح. واما الوجه الرابع: ففيه ما مر من الاشكال في الوجه الاول أيضا مضافا إلى انه لا معنى للتفكيك بين الخيار وبين ثلاثة ايام بجعل الاول من حين العقد والثانى

[ 131 ]

بعد انفضاء البقية. فإذا القول بالتلفيق الذى هو خامس الوجوه المذكورة هو المتعين، ولو كان لازم ذلك صيرورة أحد الايام مجازا في المقام من جهة ارادة مقدار بياض اليوم منه، الا انما لما كان بسبب مساعدة الدليل فلا باس به واما الجهة الثانية من جهتى الاشكال وهو دخول الليلة الاخيرة في الثلاثة وعدمه. فقد يقال بالدخول ويعلل بانه لو لم يكن داخلة فيها لاختلت مفردات الجمع في استعمال واحد مع أن الجمع ليس الا تلك المفردات وفي قوتها. لكن التحقيؤق هو عدم الدخول. واما ما ذكر من المحذور من اختلال مفردات الجمع فهو فرع القول بأن اليوم عبارة عن نهار مع ليلته، وليس الامر كذلك، بل عبارة عن خصوص ما بين طلوع الفجر إلى غروب الشمس من الزمان حقيقة أو تلفيقا وانه استعمل في جميع الثلاثة على نحو واحد. وأما دخول الليلتين المتوسطتين فليس من جهة استعمال اليوم في مقدار معين من الزمان وهو النهار مع الليل، بل دخولهما بالتبع والمجاز، ولحصول الاستمرار المستفاد من الثلاثة لا بالاصالة والحقيقة كى يلزم ما ذكر من المحذور كما لا يخفى.

[ 132 ]

مسقطات خيار الحيوان يسقط هذا الخيار بأمور: الاول: اشتراط سقوطه في العقد. الثاني: اسقاطه بعده وقد تقدم تفصيلهما فيما سبق من خيار المجلس فلا فائدة للاعادة. وأما اشتراط سقوط بعضه، فنسب الشيخ قدس سره القول بالصحة إلى بعض، وقال أيضا لا بأس به. (1) ولكن قد يقال: ان هذا انما يصح بالنسبة إلى السقوط من اوله أو آخره، واما السقوط بالنسبة إلى وسطه فلا، بناء على أن الخيار حق واحد شخصي فإذا تخلل العدم بسبب اسقاط اليوم الثاني فلا يكون موجب لليوم الثالث، لان ما ثبت بالعقد فقد انعدم بالاسقاط فيستحيل اعادة المعدوم. وعلى تقدير امكانها يحتاج إلى المعيد ولا دليل على كون العقد معيدا، كما لادليل على كونه موجبا لخيار آخر. أقول: لما كان الخيار أمرا واحدا بسيطا وليس قابلا للتنقيص مطلقا فلا مجال حينئذ للتفصيل بين الوسط وطرفيه كما هو واضح. ثم ان قوله قدس سره: " ولا بأس به " لا يبعد أن يكون ناظرا إلى ان الخيار وان كان حقا وحدانيا الا انه بمنزلة الحقوق العديدة باعتبار الايام والساعات، فيجوز حينئذ شرط سقوط بعضه بهذا النظر والاعتبار.


(1) المتاجر ص 226

[ 133 ]

الثالث: التصرف، ولا اشكال في مسقطيته في الجملة لا مطلقا، والا فالاختلاف فيما بين الاصحاب في المقام قد بلغ إلى حد قد قيل انه لا يرجى زواله واصلاحه فلابد من التشبث بالاخبار الواردة في المقام. وهى على نحوين: نحو منها ظاهر في أن مطلق التصرف مسقط للخيار كما في ذيل صحيحة على بن رئاب " قلت له: أرايت ان قبلها المشترى أو لامس قال: فقال: إذا قبل أو لامس أو نظر منها إلى ما يحرم على غيره فقد انقضى الشرط ولزم البيع " (1) ونحو آخر منها ظاهر في أن التصرف الكاشف عن الرضا مسقط له كما في صحيحة اخرى له " فان احدث المشترى فيما اشترى حدثا قبل ثلاثة ايام فذلك رضى منه ولاشرط له، قيل له عليه السلام: وما الحدث؟ قال: ان لامس أو قبل أو نظر منها إلى ما كان محرما عليه قبل الشراء " (2) وقوله عليه السلام: " فذلك رضى منه " يحتمل فيه وجوه: منها: أن يراد منه أن التصرف بمنزلة الرضا. ومنها: أن يراد انه دال على الرضا نوعا بمعنى انه كاشف نوعي عن الرضا. ومنها: ان يراد أنه دال عليه فعلا. هذا مع قطع النظر عن التركيب النحوي والا فعلى هذه الوجوه أما ان يكون هو الجواب عن الشرط.


(1) الوسائل، الباب - 4 - من ابواب الخيار، الحديث 3. (2) الوسائل: الباب - 4 - من ابواب الخيار الحديث 1.

[ 134 ]

أو يكون توطئة وتمهيدا للجواب وهى قوله: " ولاشرط له " أي لاخيار له. فعليه يكون الوجوه المحتملة أما ثلاثة على تقدير كونه جوابا أو ستة على تقدير احتمال التمهيد والتوطئة له فيه أيضا. وأما القول بأن احتمالاتها اربعة كما عليه الشيخ الانصاري اعلى الله مقامه في مكاسبه (1) بجعل الوجهين المحتملين في التركيب مختصا بأرادة كون التصرف بمنزلة الرضا تعبدا فلاوجه له كما لا يخفى. التصرف المسقط ما هو؟ إذا تحقق ذلك فاعلم أنه ذهب جماعة منهم صاحب الجواهر ألى ان مطلق التصرف مسقط للخيار. واستدل له باطلاق الاخبار والفتاوى، وبأن الامام عليه السلام جعل كلا من اللمس والتقبيل والنظر مسقطا تعبديا في قبال الرضا أي ذلك التصرف كالرضا في المسقطية لا انها كواشف عنه وهو المسقط حتى يكون المطلقات مقيدة بتلك الصحيحة. أقول: ليس الرضا من حيث هو مسقطا كما ان مجرد الكراهة من حيث هي ليست فسخا فلابد من ان يكون حمله على الحدث من باب كشفه عنه والمراد به الرضا بأصل البيع فيكون الحدث كاشفا عن استمراره لا الرضا بالالتزام، إذ غالب التصرفات فلم يكن كاشفا ولو نوعا عن الالتزام فيلزم التخصيص بالفرد النادر. هامش المتاجر، ص 226.

[ 135 ]

وبعبارة اخرى ان غالب التصرفات من الاحداث الواقعة على المبيع مما ذكر كاشفة نوعا عن استمرار الرضا بأصل البيع لا الرضا بالالتزام بالعقد فانه فرد نادر، فلو حملناها على الاحداث الكاشفة عن الرضا بذلك، يلزم تخصيصها بالفرد النادر وهو قبيح. هذا آخر الكلام في خيار الحيوان.

[ 136 ]

الثالث: خيار الشرط ومن جملة الخيارات خيار الشرط وهو يحصل باشتراطه في العقد. والذى يدل على صحته بالخصوص من الاخبار صحيحة ابن سنان عن ابى عبد الله (ع) في حديث " قال: وان كان بينهما شرط اياما معدودة فهلك في يد المشترى قبل أن يمضى الشرط فهو من مال البايع " (1) ومنها رواية السكوني ان أمير المؤمنين عليه السلام قضى في رجل اشترى ثوبا بالشرط إلى نصف النهار. (2) ومنها الاخبار الواردة برد الثمن. (3) ثم هل هذا الشرط على طبق القاعدة لكن خرج عنها ما خرج مثل الشرط في عقد النكاح والطلاق وأمثالهما مما هو خارج بالنص وبقى تحتها ما بقى لشمول عموم قوله صلى الله عليه وآله: " المؤمنون عند شروطهم الا كل شرط خالف كتاب الله " (4) أو على خلاف القاعدة


(1) الوسائل، الباب - 8 - من ابواب الخيار، الحديث 2. (2) الوسائل، الباب - 12 - من ابواب الخيار، الحديث 1. (3) الوسائل، الباب - 7 - من ابواب الخيار، (4) الوسائل، الباب - 6 - من ابواب الخيار، الحديث 2 - وفيه " المسلمون " مكان " المؤمنون ".

[ 137 ]

لكن خرج منه بعض الشروط بواسطة الاخبار المتقدمة. قد يقال انه على خلاف القاعدة تارة بدعوى عدم الامكان إذ كما لا يمكن فسخ العقد للمتبايعين كذلك لا يمكن مع الشرط ايضا. ووجه ذلك اما ان قوله صلى الله عليه وآله: " المؤمنون عند شروطهم " أنما يشمل على ما هو جائز فعله وسائغ اتيانه من الشرائط قبل الشرط لاما لم يكن سائغا قبله ولكن يكون سائغا بالاشتراط والا يلزم ان يكون مشرعا - بالكسر - وليس الامر كذلك وهو واضح. والمفروض أن قوله: " اوفوا بالعقود " كان يقتضى اللزوم فحينئذ كلما يحصل الفسخ يكون لغوا وغير مؤثر. واما ان الخيار حكم من الحكام الشرعية وليس من الافعال الاختيارية للمكلف بل هو في الحقيقة من احكام الله تبارك وتعالى وليس وضعه ورفعه بيده فلا يكون له حينئذ اثر اصلا. واخرى بدعوى ان هذا مخالف للكتاب والسنة من جهة وجوب الوفاء المستفاد من الكتاب مثل قوله: اوفوا بالعقود، والسنة مثل قوله: " فإذا افترقا وجب البيع " وغير ذلك مما يمكن اثبات وجوب الوفاء به. ولكن يمكن رد ذلك اولا: بانا لا نسلم عدم جوازه قبل الشرط لان مفاده مثل مفاد الاقالة، الا ان بينهما فرقا من جهة اخرى وهو ان الرضا بحل العقد في الاقالة من حينها وفي المقام من حين العقد لكونه مشروطا في ضمنه على الفرض وثانيا:

[ 138 ]

ان فرض الامتناع وعدم الامكان اما لانه كالطريان إلى السماء و المفروض انه ليس كذلك، واما لحرمة العمل بالفسخ وليس الامر كذلك ايضا، وليس من جملة المحرمات، التلفظ بلفظ فسخت كما هو واضح واما القول بان الخيار من قبيل الحكم غير مضر وفي المقام لانه ليس من قبيل اشتراط جعل الزرع سنبلا أو جعل الثمرة تمرا وأمثال ذلك حتى يستحيل بل كان من قبيل شرط النتيجة وقد قرر في محله صحة هذا الشرط إذا كان من ذوات الاسباب. وأما دعوى كونه مخالفا للكتاب والسنة فمدفوعة بأن وجوب الوفاء الذى يترآى كونه مناقضا لشرط الخيار انما هو من مقتضيات اطلاق العقد لامن مقتضيات طبيعته، فلا مناقضة من حيث ذاته فلا محذور كيف والبيع الخيارى وارد في الشرع كثيرا، فالحكم قابل للتغير بالطوارى والعوارض فلا اشكال في صحة الشرط المذكور. فان قلت: بناء على ما ذكر، إذا انعقد عقد بلا شرط أثر اللزوم كذلك لانه مقتضى الاطلاق حسب الفرض، فليس قابلا للزوال بعد الاستقرار، وهذا ينافى ما قرر في محله من جواز العقد بعد كونه لازما بسبب اشتراط الخيار فيه في ضمن عقد آخر بعد ذلك. وايضا ذلك انعقد جائزا بسبب اشتراط الخيار فيه ثم اسقطه صاحب الخيار، فما الذى يصير بسببا للزومه بسبب الاسقاط بعد زوال الاطلاق بسبب الاشتراط. على أن الاطلاق عبارة عن تجرد العقد عن التقييد وهذا أمر عدمي فكيف يسند إليه الامر الوجودى أعنى اللزوم.

[ 139 ]

قلت: محصل ما ذكرنا أن العقد مع قطع النظر عن طرو الطوارى من اشتراط الخيار في ضمن عقد آخر أو اسقاطه بعد العقد محكوم باللزوم شرعا تعبدا ان كان مطلقا فمطلقا وان كان مقيدا فبالنسبة إلى غير جهة العقد. فعلى هذا اندفعت الاشكالات باجمعها. فظهر مما ذكرنا أن اشتراط الخيار على وفق القاعدة وطبقها، والاخبار الخاصة كاشفة عنه لكن خرج عنها مثل اشتراط الخيار في النكاح والطلاق. لا أنه على خلاف القاعدة والاخبار الخاصة مخصصة لما دل على عدم صحة الشرط المخالف للكتاب والسنة. مع أن سياق أدلة عدم صحة الشرط المخالف لهما آب عن التخصيص كما هو غير خفى على الوفى، إذ مفاد تلك الاخبار نفى كون صحة الشروط المخالفة للكتاب منهم عليهم السلام مطلقا لا انه بالنسبة إلى بعض أفرادها دون بعض كما هو مقتضى القول بالتخصيص. شرط صحة خيار الشرط يشترط في صحة هذا الخيار تعيين مدته، فلو اشترطاه إلى مدة مجهولة بان قالوا إلى قدوم الحاج مثلا بطل وبطلت المعاملة ايضا لسراية الغرر إليها، ولا اعتبار بمسامحة العرف احيانا لعدم رضا الشارع بذلك قطعا. وهذا مراد من قال: " ان دائرة الغرر في الشرع أضيق من دائرته في العرف " (1).


(1) كما عن الشيخ الاكبر الشيخ جعفر كاشف الغطاء.

[ 140 ]

وقد يقال بناء على هذا كان الانسب أن يقال ان الغرر في الشرع أوسع دائرة لاأضيق. أقول: أن مراده أن الشارع انما ضيق على الناس بسده باب بعض المسامحات العرفية عليهم. استدل صاحب الجواهر على لزوم تعيين المدة بأن اشتراط المدة المجهولة مخالف للكتاب والسنة لانه غرر. قال في المكاسب في مقام رده: وفيه أن كون البيع بواسطة الشرط مخالفا للكتاب والسنة غير كون نفس المشروط مخالفا للكتاب والسنة، ففى الثاني يفسد الشرط ويتبعه البيع وفي الاول يفسد البيع فيلغوا الشرط. ثم قال: اللهم الا أن يرادان نفس الالزام بخيار في مدة مجهولة غرر وان لم يكن بيعا فيشمله دليل نفى الغرر ونهيه فيكون مخالفا للكتاب والسنة انتهى (1). أقول: لا يخفى ما فيه من عدم المناسبة والربط، اذلم يقل احدان كون البيع بواسطة الشرط مخالفا للكتاب والسنة عين كون نفس المشروط مخالفا لهما، حتى يجاب عنه بأنه غيره لاعينه. نعم الجواب المناسب والدفع اللايق ما أفاده قدس سره بقوله: اللهم الا أن يراد ان نفس الالزام بخيار الخ إذ كما ورد من النبي صلى الله عليه وآله أنه نهى عن البيع الغررى (2) كذلك ورد عنه صلى الله عليه وآله أيضا


(1) المتاجر، ص 228. (2) الوسائل، الباب - 40 - من ابواب آداب التجارة الحديث 3.

[ 141 ]

أنه نهى عن الغرر (1)، من دون تقييده بلفظ البيع، فحينئذ يسرى غرر الشرط إلى المشروط فيبطل أيضا. ولكن هذا الجواب لا يحتاج إلى التعبير والاستمداد بلفظ اللهم في المقام. ثم انه لافرق بين كون زمان الخيار متصلا بالعقد أو منفصلا عنه، فلو شرط الخيار لغد مثلا أو يوما ويومالا، لصح لعموم ادلة الشروط. هل يشترط تعيين مدة الخيار في الصلح؟ وهل يشترط تعيين مدة الخيار في الصلح أولا، قد قيل نعم لاطلاق ما ورد من أنه نهى عن الغرر. وفيه ان غايه ما سلمنا منه هو ورود النهى عن البيع الغررى مع كون ضعف سنده منجبرا بعمل الاصحاب، واما وروده عن مطلق الغرر فليس بمسلم، واما ثبوت تعينها في غير البيع من العقود اللازمة كالاجارة وغيرها فبالاجماع، ولا يعلم استناده إلى هذا الاطلاق كى يشكل الامر هنا أيضا. على ان اغتفار الجهل في المصالح عنه والمصالح به مثل قول احد الشريكين للاخر لك ما عند ولى ما عندي مع عدم علمها بمقدار ما عندهما على ما ثبت في محله يوجب اغتفاره في الشرط بطريق اولى من اجل كونهما من مقومات العقد دونه. ثم هل يسرى فساد الشرط بسبب الجهل في المدة إلى المشروط اولا قيل نعم ولو لم نقل به في غيره من الشروط الفاسدة.


(1) سنن البيهقى ج 1 ص 338.

[ 142 ]

اما اولا فمن جهة ان التراضي لم يقع الا مع الشرط. واما ثانيا فمن جهة سراية إلى العوضين في المعاملة. اقول: اما مسألة التراضي فهى مشتركة الورود بين هذا الشرط وغيره من الشروط، فلا مجال لاختصاصه به، واما مسألة السراية فلا نسلم دخل هذا الشرط في المقابلة بين العوضين في المعاملة حتى يسرى جهله اليهما، غاية الامر ان فقده يوجب الخيار. جعل الخيار للاجنبي لا اشكال في صحة جعل الخيار للاجنبي منفردا، أو مع المتبايعين، أو مع احدهما، ولاريب ايضا في صحة جعله على سبب التحكيم والولاية وعلى سبيل الوكالة لعموم " المؤمنون عند شروطهم " بل الظاهر من الجعل هو الاول. وتظهر الثمرة في سقوط الخيار باسقاط الجاعل أو بتصرفه في المبيع وفي انعزاله بعزله فانه إذا كان على سبيل الوكالة يكون له عزله وتفويت محلها بالاسقاط والتصرف وغير ذلك من المسقطات بخلاف ما إذا كان على سبيل الولاية فانه ليس له شئ مما ذكر لتفويض امر العقد إليه. ولا يخفى انه ليس من هذا القبيل سائر الموارد كجعل الحاكم غيره قيما على صغار أو مأذونا ليتصرف في الموقوفة مثلا لانه من قبيل الوكالة ليس غير، لقصور ادلة النيابة عن كون المجتهد مختارا حتى في اعطاء المنصب اعني الولاية بل قيل انه ليس للامام عليه السلام ايضا بل هو مختص بالله جل ذكره وعظم شأنه، فبناء على هذا لو مات الحاكم فلا يجوز لمن اوكل إليه الامر التصرف فيه لارتفاع الاذن بالموت قطعا.

[ 143 ]

بيع الخيار من أفراد خيار الشرط ما يضاف إليه البيع بأن يقال: " بيع الخيار " وهو ان يبيع شيئا ويشترط الخيار لنفسه مدة معينة كشهر وشهرين مثلا بأن يرد الثمن فيها ويسترد المبيع. والذى يمكن أن يستدل به للمقام مضافا إلى الاجماع، النصوص المستفيضة: منها: موثقة اسحاق بن عمار قال: حدثنى من سمع ابا عبد الله عليه السلام قال سأله رجل وأنا عنده فقال له عليه السلام: رجل مسلم احتاج إلى بيع داره فمشى إلى اخيه فقال له: أبيعك دارى هذه و تكون لك احب إلى من أن تكون لغيرك، على أن تشترط لى انى إذا جئتك بثمنها إلى سنة تردها على، قال لا باس بهذا ان جاء بثمنها ردها عليه قلت: ارايت لو كان للدار غلة لمن تكون الغلة؟ فقال عليه السلام: الغلة للمشترى الا ترى انه لو احترقت كانت من ماله " (1). وغيرها من امثالها (2).


(1) الوسائل الباب - 8 - من ابواب الخيار، الحديث 1، مع تفاوت قليل. (2) راجع الوسائل، الباب - 7 و 8 - من ابواب الخيار.

[ 144 ]

ثم هل هذا الشرط على طبق القاعدة كى يشمله عموم " المؤمنون عند شروطهم " فيعتدى حينئذ عن مورد النصوص إلى غيره بان شرط البايع ان جئت بعض الثمن في مدة كذا أن استرد بعض المبيع من النصف أو الثلث أو الربع مثلا، أو شرط المشترى أنه ان جئت بالمبيع في مدة كذا أو بعضه كذلك ان ترد إلى الثمن أو بعضه. أو ليس كذلك فلا يعتدى إلى غيره. قد يقال بالثاني إذ كما أن تعليق نفس العقد مفسد له كذلك مفسد للشرط فيسرى فساده إلى العقد، ولان مدة هذا الخيار ليست بمظبوطة كى يكون ابتداء الخيار منها والحال أنه يشترط أن يكون مدة الخيار، مضبوطة. ولو سلمنا انظباط المدة بجعل الرد قيدا للفسخ بأن يكون له خيار في كل جزء من المدة المعينة، ويكون التسلط على الفسخ متوقفا على الرد، ولكن توقف التسلط على الفسخ على الرد ينافى الخيار ويناقضه لكونخه عبارة عن السلطنة على الفسخ والامضاء. لكن نقول: اما الجواب عن التعليق فلا نسلم كونه مفسدا ما لم يقم اجماع على الافساد كما في الطلاق وما لم يتعلق بنفس الانشاء بل تعلق ببعض متعلقات المنشأ كما في المقام فحينئذ لافساد في البين فضلا من سرايته إلى العقد. نعم لو كان متعلقا بنفس الانشاء يكون موجبا للافساد لاستلزامه المناقضة بينه وبين فعلية تحقق المنشأ بالانشاء.

[ 145 ]

وأما عن عدم انضباط المدة فنقول: لاضرر فيه الا من جهة الغرر في المقام أصلا لكون منشأ الخيار بيده بحيث كان له احداثه في أي جزء شاء منها. ومن هنا يظهر اندفاع الاشكال بالمناقضة، إذ الخيار انما يحدث من حين الرد بالرد لامن حين العقد كى يشكل الامر. ثم ان ملاحظة رد الثمن في هذا الخيار كما في المكاسب (1) ايضا يتعقل بانحاء. منها: ما يؤخذ قيدا للخيار على وجه التعليق والتوقيت وعلى وجه الظرفية فلا يكون له خيار قبله. ومنها: ما يؤخذ قيدا للفسخ فحينئذ يكون له خيار في كل جزء من المدة المضروبة والتسلط على الفسخ فيجوز له اسقاطه قبل الرد أو مصالحته أو غير ذلك من التصرفات بخلاف النحو الاول. ومنها: ان يكون رد الثمن فسخا فعليا بأن يملك البايع الثمن به كى يتملك منه المبيع. ومنها: أن يكون الرد سبب لانفساخ العقد قهرا فيكون مرجع ثبوت الخيار إلى كون ذى الخيار مسلطا على سبب الانفساخ لا على مباشرة الفسخ. ومنها ان يكون شرطا لوجوب الاقالة على المشترى بان أن يقيل مع البايع لو جائه بالثمن في وقت كذا. ثم ان الوجه الثاني من الوجوه المذكورة لما كان


(1) المتاجر ص 230.

[ 146 ]

والمختار وأنه هو ظاهر الاصحاب والمتداول بين الناس ينبغى أن يصار إليه من بينها ويكون معناه ثبوت السلطنة له من حين العقد لكن اعمال تلك السلطنة مقيد برد الثمن، كما أنه لو قيد بقيد آخر بأن كان في المسجد أو عند الفقيه أو العدول يكون حكمه أيضا كذلك. وبعبارة اخرى بعد تسليم ما ذكر فيه من التناقض في ظاهره انه يمكن توجيه هذا الوجه بوجه يمكن القول بصحته في المقام. وهو أن نقول: ان اشتراط الخيار لنفسه تارة يكون بان يجعل لها سلطنة مطلقة وله حينئذ الفسخ قبل رد الثمن كما هو قضية الاطلاق وهو أوضح واخرى بان يجعل لها سلطنة محدودة بأن يقول: أبيعك دارى على أن يكون لى الخيار على الفسخ عند رد الثمن، والخيار كما مر فيما سبق عبارة عن ملك اقرار العقد و ازالته فحينئذ يكون له التسلط على الفسخ من حين العقد حتى قبل رد الثمن لكن فسخه حين رده فيجوز له حينئذ اسقاطه ومصالحته بشئ آخر كما مر آنفا. وعلى هذا المعنى يحمل صحة هذا الاشتراط في معاملة الناس وفي أقوال الفقهاء لا أن معناه جعل نفس السلطنة مقيدة بالرد كى يرد الاشكال بالتناقض الذى نبهنا عليه آنفا. الثمن المشروط رده لثمن المشروط رده اما ان يكون كليا في الذمة، واما أن يكون وعلى كل تقدير اما أن يكون مقبوضا أولم يكن كذلك يقبضه هل كان للبايع خيار في تلك الحال اولا.

[ 147 ]

احتمل الشيخ قدس سره في المكاسب (1) فيه عدم خياره بناء على ان اشتراط الرد بمنزلة اشتراط القبض قبله، فإذا انتفى الشرط - أعنى الرد الذى لازمه اشتراط القبض قبله - انتفى مشروطه وهو الخيار لكن الاقوى ثبوت الخيار له في هذا الفرض ايضا إذ الغرض من رد الثمن ليس الا ايصاله إلى مالكه كما هو كذلك في كل مقام فإذا فرض كونه في ملك مالكه يحصل الغرض المطلوب من الرد. وبعبارة اخرى أن الرد لم يعتبر فيه موضوعية بل هو من باب الطريقية للايصال. ولو شرط البايع الخيار عند رد يعم بدل الثمن ولو تمكن من رد عينه، فهل له رد الثمن مع تمكنه من عينه اولا. قال الشيخ قدس سره (2): فيه اشكال من جهة اقتضاء الفسخ شرعا بل لغة رد العين مع الامكان. لكن الاقوى عدم الاشكال في ثبوت الخيار وصحة الفسخ عند رد البدل ولو كان متمكنا من رد العين، وذلك لان الفرض ان هذا الشرط سائغ في الشرع وليس مخالفا للكتاب والسنة كى يمنع من اجله، فإذا كان كذلك يكون سببا لجواز رده مع وجود عينه، كما أن في صورة التلف كان التلف ايضا سببا لذلك بلا اشكال. والاشكال في المقام من حيث اقتضاء الفسخ شرعا بل مدفوع بانه كذلك في غير مورد خيار اشتراط رد البدل


(1) المتاجر ص 230 (2) المتاجر ص 230.

[ 148 ]

فليس كذلك: إذ هو بنفس الرد يكون عوضا عن عينه كما هو واضح ومما ذكرنا يظهر حكم رد المثل في القيمى والقيمة في المثلى ايضا إذا اشترطا ذلك حين المعاملة. مسألة لاريب في انه لا يكفي مجرد الرد في الفسخ على الوجهين الاولين من الوجوه الخمسة السابقة (1) لتاخر تحققه ونفوذه عن الرد، وكذا لا يكفي على الوجه الاخير لعدم سلطنته على الفسخ مطلقا: كما لاريب في حصول الفسخ أو الانفساخ على الوجهين الاوسطين ومن هنا ظهر ان عدم كفاية الرد في الفسخ انما يكون لاجل عدم السلطنة لا لاجل عدم دلالته عليه لانه لو فرض الدلالة عرفا اما بان يفهم منه كونه تمليكا للثمن للمشترى فيتملك منه المبيع على وجه المعاطات، واما بان يدل الرد بنفسه على الرضا بكون المبيع ملكا له والثمن ملكا للمشترى، فلاوجه لعدم كفاية مجرد الرد. على ان هذا القول من غرائب الكلام وعجائبه، إذ ليس المقام من قبيل المعاوضة الجديدة حتى يرد انه على وجه المعاطاة أو الرضا بكون المبيع ملكا له والثمن ملكا للمشترى، بل كان من قبيل حل العقد أو الانفساخ أو الاقالة. ظهر ايضا عدم منافاة بين ذهاب الاصحاب إلى تحقق الفسخ من الرد كالاشارة وتعريض كل منهما ما في يده للبيع وبين ذهابهم إلى عدم كفاية الرد فيه في المقام، لاعتبار


(1) صفحه 145

[ 149 ]

ان السلطنة محدودة هنا بخلافها هناك. فرع يسقط هذا الخيار بالاسقاط بعد العقد على الوجه الثاني والثالث (1) بل على الوجه الاول ايضا بناء على ان تحقق المقتضى وهو العقد كاف في صحة اسقاط الحق، بل وعلى الوجهين الاخيرين، لكن لا بعنوان اسقاط الخيار بل بعنوان حق الشرط، فلا ينفسخ بالرد ولا يجب الاقالة بالرد. حكم تلف المبيع والثمن ونمائهما لاريب في انه لو تلف المبيع يكون من المشترى، سواءا " كان قبل الرد أو بعده وكان نمائه له ايضا مطلقا، سواءا " تلف ام لا. اما على الوجه الاول وفرض كونه بعد الرد فلقاعدة " التلف في زمان الخيار ممن لاخيار " له الحاكمة على القاعدة الاولية وهى ان كل مال تلف تحت يد مالكه فهو من ماله. وان فرض قبله فلمقتضى القاعدة الاولية السليمة عن الحاكمة بل لمقتضى الحاكمة ايضا، لان مدرك ضمان من لاخيار له لمال صاحبه هو تزلزل البيع سواء كان بسبب خيار متصل أو منفصل. واما على الوجوه الباقية، فان كان قبل الرد فللقاعدة الحاكمة وان كان بعده فلضمان اليد. ولو تلف الثمن فالظاهر انه من المشترى ايضا، اما بعد الرد وقبل الفسخ فلشمول القاعدة الاولية المحكومة، للثمن ايضا.


(1) من الوجوه الخمسة السابقة

[ 150 ]

قال الشيخ الانصاري اعلى الله مقامه في مكاسبه (1): " ويدعى اختصاصها بالمبيع كما ذكره بعض المعاصرين واستظهره من رواية معاوية بن ميسرة " (2) ثم قال: " ولم اعرف وجه الاستظهار - إذ ليس فيها الا ان نماء الثمن للبايع وتلف المبيع من المشترى وهما اجماعيان حتى في مورد كون التلف ممن لاخيار له، فلا حاجة لهما إلى تلك الرواية، ولا تكون الرواية مخالفة للقاعدة. وانما المخالف لها كون التلف في زمان الخيار ممن لاخيار له وكون النماء للمالك أي نماء الثمن للبايع فيما نحن فيه لا للضامن " (3) ولكن يمكن ان يقال في وجه الاستظهار ان اطلاق المال في قول المشترى في تلك الرواية (4): " انك ان أتيتني بمال ما بين ثلاث سنين فالدار دارك " يشمل للبدل بعد التلف، إذ المدار في هذا الخيار على تلف الثمن من البايع وعلى هذا يكون تلف الثمن من البايع فيرد البدل ويسترجع المبيع لانه لو كان التلف من المشترى، انفسخ البيع بمجرد التلف باعترافه قدس سره. وأما قبل الرد فهو من المشترى أيضا ولا مجال حينئذ للقول بانه من البايع بناء على الوجه الاول من الوجوه الخمسة المتقدمة لعدم ثبوت الخيار قبل الرد، لما مر من ان دليل ضمان من لاخيار له مال صاحبه، هو تزلزل البيع سواءا كان بخيار متصل أم منفصل وهو حاصل


(1) المتاجر ص 231 (2) الوسائل، الباب - 8 - من ابواب الخيار، الحديث 3 (3) عبارة الشيخ قدس سره هكذا: وانما المخالف لها هي قاعدة ان الخراج بالضمان إذا انضمت إلى الاجماع على كون النماء للمالك. (4) أي رواية معاوية بن ميسرة التى مر مصدره آنفا.

[ 151 ]

في المقام. على ان لنا منع المبنى كما علم في ما سبق من ثبوت الخيار من حين العقد لا بالرد فتأمل. (1) هل يصح اشتراط الخيار في غير البيع. قد ظهر فيما سبق صحة اشتراط الخيار في البيع اما بمقتضى الدليل العام واما بمقتضى الدليل الخاص. واما في غيره هل يصح اشتراطه مطلقا عقدا كان أو ايقاعا الا ما خرج بالدليل الخاص كالنكاح والطلاق والابراء والعقود الجائزة ام يمنع اشتراطه كذلك الا ما ثبت بالدليل ككثير من العقود اللازمة مثل الاجارة والصلح والمزاراعة والمساقات. وجهان بل قولان. يمكن التمسك للمنع بما اشرنا إليه السابق في طى بعض الكلمات وحاصله: ان دليل الشرط مثل دليل النذر والعهد واليمين ملزم لا مشرع، ومعناه انه يجب ان يكون متعلق الشرط كمتعلقها من الامور السائغة الجائزة قبل تعلقه عليه والا فلو كان جوازه مستفادا بنفس دليل الشرط يلزم ان يكون مشرعا لا ملز ما. نعم لو علمنا من دليل خاص أو اجماع تطرق الجواز إليه وكونه من الامور السائغة تلتزم به فيه كما في الموارد التى علم من اجماع أو دليل


(1) لعل وجه التأمل وغايته الاشارة إلى ان مقتضى هذا المنع هو الخروج عن محل النزاع والبحث وهو واضح منه ره

[ 152 ]

آخر صحة الاقالة فيها، فانا نستكشف من صحتها فيها أنه كان من الامور السائغة عند الشرع، ويصح حينئذ شرط الخيار فيه. لا لان الاقالة فسخ، بل لانها كاشفة عن جواز هدم العقد بالفسخ والا فلا. وقد يتمسك لامكان احراز الجواز في المشكوك بالاصل. تارة بأن يقال: ان الاصل عدم وجود الشرط المخالف للكتاب والسنة من قبيل السالبة بانتفاء الموضوع أي وان كان ذلك قبل تحققه ووجوده. واخرى بان يقال: ان الاصل عدم جعل الشارع الحكم المترتب على العقد من اللزوم من ذاتياته، بل هو من مقتضيات اطلاقه. وهذا أيضا من قبيل السالبة بانتفاء الموضوع. فلا يرد انه ليس للشرط وجود اتصف بعدم المخالفة، في السابق حتى يستصحب. وكذا مسألة جعل الحكم، ليس له سابق ايضا فيستصحب. لكن فيه أن هذا الاصل على أي تقدير يكون مثبتا ان كان المراد منه ربط السلب إلى الشرط المبحوث عنه والعقد. وغير مفيد ان كان المراد سلب الربط على ما مر تفصيل ذلك في بعض الكلمات. (1) هامش صفحه (1) وان شئت قلت: ان كان المراد اثبات ان الشرط المأخوذ في العقد، ليس مخالفا للكتاب والسنة على نحو مفاد ليس الناقصة، فذاك مما ليست له حالة سابقة، إذ لم يكن بهذا الشرط في زمن من الازمنة وجود *

[ 153 ]

هذا تمام البحث في خيار الشرط. هامش صفحه......... متصف بعدم المخالفة بل كان من اول زمن وجوده مشكوكا في الموافة والمخالفة وان كان المراد نفى وجود شرط مخالف لكتاب والسنة في البين على نحو ليس التامة بحيث يصح هذا السلب مع عدم وجود لهذا الشرط في عالم الاعتبار والتشريع فهذا وان كانت له حالة سابقة، الا انه لا يثبت ان الشرط المنازع فيه، ليس مخالفا مهمأ الاعلى القول بالاصل المثبت فتدبر.

[ 154 ]

الرابع خيار الغبن ومن جملة الخيارات خيار الغبن. وهو في اللغة الخديعة وهو مستلزم للجهل، إذ قد لا يتحقق الخدعة بهذا المعنى ولاكون الشخص مخدوعا الا أن يكون مع الجهل. وفي اصطلاح الفقهاء مبادلة مال بأزيد من ثمنه المثلى، لكن لما كان هذه المعاملة الكذائية غالبا تصدر على وجه الخدع فلذا اعتبروا فيه قيد " مع جهل الاخر " والا فقد لا يكون في البين خدع اصلا كما إذا كان كلاهما جاهلين بالقيمة السوقية. فظهر أنه في اصطلاحهم من حيث المعنى اعم منه في اصطلاح اللغويين. ومن هذا القبيل قوله تبارك وتعالى وجل شانه: " يخادعون الله وهو خادعهم " (1) إذ الجهل بالنسبة إليه تعالى غير معقول وكذا أمثاله مما ينسب إليه مادة الخدع، والمقصود من خدعه جل ذكره توصيفه بافعال وامور يشبه صدورها منه في الظاهر بصدور أفعال الخادعين، لا ان فيه خدعا حقيقتا تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا وان شئت


(1) سورة النساء: 142

[ 155 ]

قلت: ان التعبير بالخدع والمكر بالنسبة إليه سبحانه مجاراة في التدبير وعلى نحو المتشاكلة. واستدل العلامة في التذكرة لثبوت هذا الخيار للمغبون بقوله تعالى: " الا ان تكون تجارة عن تراض منكم " (1) ثم قال فيها بعده: " ومعلوم أن المغبون لو عرف الحال لم يرض بها " (2). ولكن لما كان ظاهر هذا الكلام هو فساد المعاملة وبطلانها من أول الامر، لان المفروض عند انكشاف الحال ثبوت عدم رضى المغبون بهذه المعاوضة، فتكون فاسدة حينئذ لا موجبا لخياره. وجه الشيخ الانصاري أعلى الله مقامه كلامه رحمه الله بقوله: وتوجيهه: أن رضى المغبون بكون ما يأخذه عوضا عما يدفعه مبنى على عنوان مفقود وهو عدم نقصه عنه في المالية.. (3) وحاصل مراده قدس سره منه: ان للمغبون رضائين. رضى فعلى حقيقي بأصل المعاملة وبذات المبيع وهو متحقق فعلا، ورضى تقديري صوري وهو رضاه بأن المبيع المأخوذ عوضا عما دفعه من القيمة يسوى بدرهمين فإذا انكشف الحال وتبين أنه يسوى بدرهم يعلم أنه لم يكن راضيا به من حيث العوض، لكونه فاقدا لعنوان له دخل في ماليته على فرض وجوده لكن لما كان المفقود صفة من صفاته لم يكن فقدانها موجبا لبطلان المعاوضة، بل موجبا لثبوت الخيار، اما ان يرضى بالمبيع


(1) سورة النساء: 29 (2) التذكرة ج 1 ص 522 (3) راجع المتاجر ص 234 طبع تبريز لملاحظة تمام كلامه ره

[ 156 ]

الكذائي ويأخذ ما به يتدارك غبنه وضرره، واما أن يفسخ العقد ويرد المبيع ويسترد ثمنه. ولكن لا يخفى ما في هذا الاستدلال من الاشكال. أما أولا: فلان قوله تعالى: " الا أن تكون تجارة عن تراض " استثناء منقطع لامتصل، ومع ذلك أن " الا " بمعنى " لكن " ومعناه الاستدراك، وكون الا بمعنى الاستدراك شايع في الاستعمال، وهو جملة مستقلة في حد نفسه لا دلالة فيه على الحصر. وثانيا: أن المدار في لزوم المعاملة هو الرضا الفعلى وهو متحقق فعلا حاصل على الفرض، ولذا أقدم بشرائه فعلى هذا يكون العقد معه لازما لاجائزا من جهة اشتماله بشئ موجب للخيار. وثالثا: ورود النقض عليه ببعض الموارد، وهو أن يقال: انا فرضنا أن الشخص يشترى شيئا مبنيا على أن بيته خال عنه وهو محتاج إليه كمال الاحتياج، أو يشترى شيئا على أن ليس مثله عند رفقائه واقرانه، أو ليس له مثل في العالم، بحيث لو كان له مثل عندهم أو في العالم أو لم يكن بيته خاليا عنه لا يكون مشتريا له أصلا فحينئذ إذا اشترى ذلك الشئ ثم اطلع بوجود مثله فيه أو عند رفقائه يكون متضررا في العرف لعدم حصول غرضه من بيعه من جهة فقدانه الوصف الملحوظ فيه حين شرائه فلازم ذلك كون العقد جائزا وكونه ذاخيار من جهة توجه الضرر إليه عرفا وليس الامر كذلك. ورابعا: عكس الايراد الثاني وهو بطلان المعاملة في تلك الحال من اول الامر كما حكى ذلك من صاحب الجواهر.

[ 157 ]

وبيان ذلك ان المفروض ان المشترى انما رضى عند العقد بأمر متوهم غير واقع في الواقع وفي نفس الامر، فيكشف ذلك بعد انكشاف الحال عن عدم رضاه بهذا المبيع من اصله فيبطل. وهذا مثل مسألة اطعام زيد باعتقاد انه صديقه أو كونه هاشميا أو عالما، والفرض انه لو علم انه ليس صديقه بل عدوه في الواقع أو ليس هاشميا أو ليس عالما فيه لما يطعمه اصلا بل يبغضه غايه البغض ففى المقام لو كان مجرد احتمال امر موهوم كافيا في الصحة فلازمه جواز اكل هذا الطعام لزيد مع علمه بانه ليس صديقه بل عدوه ويعلم ايضا انه لو علم المطعم كونه عدوا لما يعطيه شيئا ابدا، والحال انه لااشكال في عدم جواز اكله في الصورة المفروضة بالضرورة من الدين مع وجود احتمال الامر الموهوم هنا ايضا. لكن يمكن دفع كل منها. اما الاولى فنقول: ان المقدمتين كلتيهما ممنوعتان اما الاولى فانا لا نسلم ان الاستثناء منقطع، بل ان قوله " بالباطل " علة قائمة مقام المعلول، وتقدير الكلام: ان اكل الاموال من جميع الوجوه حرام لكونه باطلا أو لانه باطل، الا من جهة كونه تجارة عن تراض، ولقيا العلة مقام المعلول نظائر كثيرة في الكتاب والسنة كما في الكتب الادبية. واما الثانية فسلمنا أن هذا الاستثناء منقطع لكن القول بانه لا يدل على الحصر ممنوع، بل هو من جهة دلالته عليه أدل من دلالته الاستثناء المتصل عليه، فان قولنا: " جائنى القوم الا حمارهم " يدل على مجيئ

[ 158 ]

القوم بذواتهم وانفسهم وسائر متعلقاتهم سوى حمارهم منها فقط بخلاف قولنا " جائنى القوم الا زيدا " فانه لا يدل على مجئ متعلقات القوم كما هو واضح. وبهذا الجواب بعينه ايضا نجيب عما اورده اهل البدع والضلال من الاشكال على حديث المنزلة.

[ 159 ]

تحقيق استطرادى حول حديث المنزلة ان العامة لما صاروا بصدد الرد والاشكال فيما ورد في حق سيدنا ومولانا ومولى كل مؤمن ومؤمنة أعنى أمير المؤمنين وسيد الوصيين على بن ابى طالب صلوات الله وسلامه عليه وآله فاستشكلوا في بعض فضائله بضعف السند مثل رواية الولاية حيث لم يجدوها في صحاحهم مثل صحيح البخاري وغيره (1) لكن لما لم يتمكنوا أن يجيبوا بمثل هذا الجواب في حديث المنزلة حيث علموا أنها موجودة في صحاحهم ايضا من البخاري وغيره، (2) فضطروا في التفصى عن ورود الاشكال عليهم به والتخلص منه بعدم الدلالة وقالوا: " ان حديث المنزلة لا يدل على اثبات جميع منازل هارون له الا النبوة كما هو المدعى. لان الاستثناء فيها منقطع وأن الا بمعنى لكن ولا دلالة فيه على الحصر. لان قوله صلى الله عليه وآله: " الا أنه لانبى بعدى " يستفاد منه أن كل ما هو ثابت لهارون من المراتب والمناصب


(1) قد نقل حديث الولاية في بعض صحاحهم كصحيح الترمذي وسنن ابن ماجة فراجع ج 1 ص 90 ط النجف (2) راجع البخاري ج 6 ص 3 ومسلم ج 7 ص 120 ومسند احمد ج 1 ص 331 وغاية المرام للبحراني ص 108 - 152.

[ 160 ]

فهو ثابت لك الا عدم كون النبوة بعدى كما مقتضى كلمة " ان " المشددة التى يؤول ما بعدها بالمصدر وهو كلمة لا ومدخولها أعنى " لانبى بعدى " مع أن عدم كون النبوة بعده ليس من جملة منازل هارون و مناصبه كى يكون داخلا فيها ثم أخرج بالاستثناء، بل من جملة منازله ثبوت النوبة لاعدمها. هذا حاصل قولهم في رد الرواية. وحاصل الجواب منا عليهم كما مر أن نقول: انا لا نسلم أن الاستثناء منقطع، وأن الا بمعنى لكن وهو لا يدل على الحصر. أما منع المقدمة الثانية: فلما عرفت تفصيلا من أن الاستثناء المنقطع كان أدل على الحصر من الاستأناء المتصل. وأما منع المقدمة الاولى: فنقول الاستثناء فيه متصل وأن تقدير الكلام: انه صلى الله عليه وآله خاطب عليا عليه السلام بقوله: أنت منى بمنزلة هارون في كل وجه من الوجوه من المناصب الثابتة له كائنة ما كانت الا في النبوة لانه ليس بعدى نبى فقامت العلة وهو قوله: الا أنه لانبى بعدى " مقام المعلول الا النبوة " فظهر أن المستثنى على هذا التقرير هو النبوة التى هي داخلة تحت المستثنى منه كانت من جملة منازل هارون ومناصبه، فيكون الاستثناء حينئذ متصلا من غير اشكال كما لا يخفى على من أدنى مرتبة بمعرفة العلوم الادبية. (1)


(1) راجع المراجعات للسيد شرف الدين ره ص 125 - 135، طبع الرابعة.

[ 161 ]

الاجابة عن الاشكالات الاخر اما دفع الثاني: فان رضاه فعلا بالمبيع وان كان حاصلا الا أن وجوده كعدمه بالنسبة إلى لزوم العقد لانه انما رضى به لكونه يسوى بدرهمين لا انه راض به على كل تقدير وعلى كل حال ولو كانت قيمته بدرهم، لانه خلاف الفرض. واما دفع الثالث: فان النقص المذكور غير وارد لوجود الفارق بينه وبين ما نحن فيه، وهو أن كون الاشتراء مبنيا على ما ذكر من خلو البيت عنه أو عدم وجوده عند غيره مثلا من الدواعى الخارجة عن حقيقة العقد وأركانه بخلاف ما نحن فيه فان كونه يسوى بكذا ليس كذلك فانه من اوصافه ولوازم ذاته، فالقياس مع الفارق، فحينئذ يصح جعل الخيار هنا بخلافه هناك. واما الرابع: فان بطلان المعاملة من اول الامر كما هو الفرض اول الكلام، وان كون صحة البيع دائرة مدار المساواة عند الشارع كذلك، بل غاية الامران عدم المساواة يوجب الخيار لا البطلان وأما قياس ما نحن فيه على مسألة الاطعام، ففيه أن صحة الاكل وجوازه فيها متفرعة على كون الاكل صديقا أو عالما أو هاشميا أو غيرهم من العناوين

[ 162 ]

المعتبرة المأخوذة في صحته وجوازه فبانتفاء العنوان ينتفى صحة الاكل وجوازه، ويكون أكلا بالباطل وحراما بخلاف ما نحن فيه لانه لم يكن معنونا بعنوان حتى ينتفى الحكم بانتفاء العنوان كما لا يخفى. ولكن الحق والانصاف أن الاية الشريفة لادخل لها بمسألة الخيار أصلا. إذ المراد من الرضا لا يخلو من أن يكون اما الرضا الفعلى الحاصل في حال الانشاء واما الرضا الواقعي على تقدير العلم بالخلاف. فعلى الاول يكون مقتضاه صحة المعاملة وجواز الاكل ابدا وفي جميع الاوقات حتى بعد فسخ المغبون إذا انكشف الخلاف، والحال انه لا يلتزم به أحد بالضرورة. وأما على الثاني فلازمه عدم جواز الاكل بعد انكشاف الواقع وحصول الرضا مع العلم بالتخلف، والحال أنه لاشك ولا شبهة في جواز التصرف قبل اطلاعه بالغبن بل بعده وقبل فسخ أيضا وهو ظاهر. وكذا صدر هذه الاية من قوله عزوجل: " لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل " (1) لا دلالة فيه أيضا، بل انما يدل على البطلان بناء على شمولها للمقام من المعاملة الخدعية والغبنية. وأما تسلط المخدوع بعد تبين خدعه على رد المعاملة وعدمه كما قال به الشيخ الانصاري قدس سره في مقام بيان تقرير استفادة الخيار من هذه الاية الشريفة فلا دخل له بالمخدوعية على الثاني وعدمها على الاول. (2) هامش سورة النساء: 29. (2) كذا في الاصل وفيه ابهام كما لا يخفى.

[ 163 ]

لانه بمجرد صدق كون المعاملة المفروضة خدعية وعاملها مخدوعا بها كما هو مقتضى الشمول تكون باطلة عاطلة، والتسلط الشرعي والعرفي على ردها لا يخرجها عن كونها خدعية وغبنية كما لا يخفى. فظهر مما ذكرنا ان لازم شمول الاية هو البطلان لا ثبوت الخيار فلا يفرق حينئذ بين ما قبل التبين وما بعده وظهر ايضا ان الاستدلال بالصدر كالاستدلال بالذيل في المقام لا فائدة له بوجه اصلا كما عرفت (1) ويمكن الاستدلال لثبوت هذا الخيار بما ورد من النبي صلى الله عليه وآله في تلقى الركبان من قوله صلى الله عليه وآله: " لا تلقوا الجلب فمن تلقاه واشترى منه فإذا اتى السوق فهو بالخيار " (2) وفي رواية اخرى: " ان تلقى فصاحب السلعة بالخيار " (3). ولا مجال لمنع صحة اثبات الخيار به من حيث ضعفه نظرا إلى عدم وجوده في كتب الحديث، وان مجرد كون عملهم على طبقه لا يكفي في انجبار الضعف، بل لابد فيه من الاستناد عليه وهو غير معلوم وذلك لان الظاهر بقرينة ذكر الاصحاب له في الكتب الفقهية والاستدلالية انهم وجدوه في كتب الحديث وانهم استندوا عليه، والا فلا يبقى وجه لكتبهم فيها مع كونهم غير مستندين عليه كما لا يخفى


(1) قال الشيخ الانصاري في المتاجر ص 234: ولوا بدل قدس سره هذه الاية بقوله تعالى: ولا تأكلوا اموالكم بينكم بالباطل " كان اولى.. (2) سنن البيهقى ج 5 ص 348 (3) الغنية، فصل في اسباب الخيار ومسقطاته

[ 164 ]

ثم ان قوله صلى الله عليه وآله: " فأذا اتى السوق فهو بالخيار " قرينة ظاهرة على ان وجه الحكم بالخيار وملاكه - بعد الوصول إليه - هو الغبن لكون الاسعار والقيم للاشياء منكشفة فيه غالبا وهو واضح. الاستدلال بقاعدة لاضرر وقد استدل عليه ايضا بقوله صلى الله عليه وآله: " لاضرر ولا ضرار " ووجه الاستدلال به انه لزوم البيع مع الغبن حكم يلزم منه الضرر على المغبون، فينتفى بثبوت الخيار له. فنقول: ان المورد التى استعملت فيها قاعدة الضرر في لسان الشرع ثلاثة: الاول: قضية سمرة بن جندب، وفيها قوله صلى الله عليه وآله: " لاضرار ولاضرر على المؤمن " (1) وهذه القضية متضمنة للفظ " على المؤمن " الذى ليس في سائر الموارد الباقية، فيكون تلك الرواية مقدمة على زيادة. ومعلوم انه إذا دار الامر بين الزيادة والنقيصة فالمشتملة على الزيادة مقدمة على الناقص، والا أي وان لم يعمل بهذا اللفظ الزائد في هذه القضية يلزم عدم العمل بلفظة لاضرر ولاضرار أيضا لعدم وروده بهذه العبارة فيها بل بنحو آخر فراجع إلى الرواية.


(1) الوسائل، الباب - 12 - من أبواب احياء الموت، الحديث 3

[ 165 ]

الثاني: قضية منع فضل ماء ليمنع فضل كلاء، روى عقبة بن خالد عن أبى عبد الله عليه السلام قال: قضى رسول اله صلى الله عليه وآله بين أهل المدينة في مشارب النخل انه لايمنع نقع بئر، وقضى صلى الله عليه وآله بين أهل البادية انه لايمنع فضل ماء ليمنع فضل كلاء فقال: لاضرر ولاضرار (1). ولا يخفى ان المستفاد من الاولين هو النهى التكليفى. اما الاول، فواضح. واما الثاني، فكذلك ايضا إذا مراده صلى الله عليه وآله انه لا يجوز مع نقع بئر من فضل مائه وحاصل معناه انه لا يجوز أن يمنع من فضل ماء حتى يكون سببا لمنع فضل كلاء، لان راعى الاغنام والابل وغيرها من سائر المواشى انما يريد الكلاء التى كانت مقرونة بالماء. فإذا منع من الماء يمنع من الكلاء قهرا لانه لا يريده بعد ذلك اصلا كما هو المتعارف فيما بين الرعاة. فظهر ان لاضرر ولاضرار هنا اما ظاهر في الحكم التكليفى أو متعين. واما الثالث: فهو ظاهر في الحكم الوضعي إذ بيع الشريك حصته


(1) الوسائل، الباب - 7 - من ابواب احياء الموات الحديث 2. (2) الوسائل، الباب - 5 - من ابواب الشفعة الحديث 1.

[ 166 ]

من داره أو من غيرها بغير شريكه ليس بمحرم عليه قطعا حتى يحكم عليه بلا ضرر ولاضرار، بل الحكم بثبوت البيع ولزومه بغير شريكه قد يكون موجبا لتضرره من حيث المال أو الشأن أو غير ذلك وهذا الحكم من اللزوم حكم وضعي يكون ضرارا على الشريك في بعض الاوقات، فلذا انجبره بجعله ذاحق وخيار على شريكه. لكن لما كان ارادة كلا المعنيين أي الحكم التكليفى تارة والوضعى اخرى من لفظ واحد من حيث انه لفظ واحد، باطلا بالضرورة، فلابد من جهة الضرورة وعدم العلاج من ارجاع احدهما إلى الاخر. فحينئذ نقول: الظاهر ان لاضرر ولاضرار هنا انما استعمل في نفى الحكم التكليفى ايضا. وتقرير ذلك ان الشارع لما كان غرضه ارادة اثبات حق الشفعة للشفيع على صاحبه به وكان ايضا ارادة عدم اضرار هذا الشفيع الذى هو ذو الحق على صاحبه الذى هو بايع داره على غيره بمعنى ان الشفيع لو أراد أن يأخذ المبيع من يده من جهة تعلق حقه عليه شرعا اوجب عليه أن يأخذه من صاحبه بما رضى به الأجنبي من القيمة والشرائط المعتبرة فيه بحيث لو شرط البايع عليه أن يجلس فيها بعد بيعها له سنة أو سنتين مثلا فلابد له من ان يقبلها منه كذلك من دون ان ينقص من قيمتها شيئا ومن دون ان يسقط الشرائط الملحوظ فيها - أي شرط كان من الشرائط السائغة - فمفاد لاضرر ولاضرار هنا انه لا يجوز عدم العمل بكل ما اتفق عليه البايع والمشترى من القيمة وغيرها بل يجب العمل بمثل ما اتفقا عليه من جميع المقررات والمفروضات فيما بينهما.

[ 167 ]

ثم ان دعوى هذا المعنى منه هنا انما هي من جهة الضرورة وعدم العلاج كما اشير إليه آنفا لا انه الظاهر منه فلا يرد حينئذ دعوى عدم كونه ظاهرا فيه كما لا يخفى. ومن هنا ظهر ان الموارد التى تمسكوا فيها لاثبات الخيار مطلقا - أي خيار كان من خيار الشرط والعيب والغبن وغيرها - بعموم لاضرر ولاضرار لاوجه لها اصلا بل يحتاج أثباته فيها إلى دليل آخر غير هذا العموم. ثم لو سلمنا ان مفاد هذه القاعدة مطلقا أي في المواضع الثلاثة هو الحكم الوضعي أعنى نفى اللزوم في المعاملة حتى يكون مقتضاه ثبوت الخيار للمغبون، فيتوجه عليه اشكال الشيخ الانصاري اعلى الله مقامه في المقام. وهو أن انتفاء اللزوم وثبوت التزلزل في العقد لا يستلزم ثبوت الخيار للمغبون بين الرد والامضاء بكل الثمن اذمن المحتمل ان يكون نفى اللزوم بتسلط المغبون على الزام الغابن بأحد الامرين من الفسخ في الكل ومن تدارك ما فات على المغبون برد القدر الزائد ان كان اصل المال موجودا أو بدله ان كان تالفا ومرجعه إلى ان للمغبون الفسخ إذا لم يبذل الغابن التفاوت (1). والحاصل ان نفى اللزوم في المعاملة المغبون بها بمقتضى قاعدة الضرر لا يثبت ان له الخيار فقط لا غير بل مقتضاها عدم ايصال الضرر إليه وأنه ممنوع شرعا وأن ما كان موجبا لترتبه عليه من الالتزام بلزوم


(1) المتاجر ص 235.

[ 168 ]

العقد كما في المقام غير لازم الوفاء لاجل ورود المنع في مورد الضرر وهذا المنع انما يحصل بواحد من الامور الثلاثة المحتمل اعتباره شرعا من خيار أو تسلط المغبون على الزام الغابن بالفسخ اورد القدر الزائد عليه، ولاوجه لتخصيصه بالاول من دون دليل عليه. ولكن يمكن ان يجاب عنه بان المراد من قوله صلى الله عليه وآله " لاضرر ولاضرار " ان ما هو ثابت من الاحكام على الموضوعات في غير حال الضرر، فهى مرفوعة عنها في حال الضرر نظير رفع الاحكام الثابتة عن الفقرات التسعة المذكورة في حديث الرفع (1) من السهو والنسيان والخطاء والاضطرار وغيرها من اخواتها عند تحققها ووجودها من غير فرق بينها وبين ما نحن فيه اصلا. فإذا الذى كان ثابتا عند عدم الضرر هو اللزوم فيكون ذلك الثابت مرفوعا حين الضرر، فعدمه مساوق لثبوت الخيار بخلاف الباقيين من الزام الغابن على الفسخ ورد القدر الزائد فأنهما غير مساوقين لعدم اللزوم بل غير مرتبطين له. ولكن الانصاف ان هذا الجواب غير وارد على اشكال الشيخ قدس سره بل غير مرتبط به حقيقتا لان اشكاله رحمه الله مبنى على المعنى الثالث من المعاني الثلاثة المحتملة (2) في قوله صلى الله عليه وآله: " لاضرر ولاضرار " وهو حمل النفى على النهى والمعنى المستفاد من


(1) الخصال ص 417 - طبع الغفاري (2) راجع رسالة لاضرر لاستاذ المؤلف فشيخ الشريفة الاصبهاني تجد بيان المعاني الثلاثة أو الاربعة للحديث

[ 169 ]

تحريم الفعل، ونفى الضرر المجرد عن التدارك، والذى هو المختار عنده من قوله: صلى الله عليه وآله " لاضرر ولاضرار " هو عدم مجعولية الحكم الضررى في الشرع. فحينئذ يرد عليه ما مر حاصلا ومحصولا من ظاهر معنى كلامه رحمه الله من ان رفع الحكم الذى يلزم من ثبوته ضرر، يتحقق بكل واحد من الامور المذكورة، ولا يختص ذلك بالخيار. نعم هذا المعنى المدعى في المقام معنى آخر وهو معنى رابع له. ولو قلنا به فيه يكون جوابا عن اشكاله بلا اشكال، لكنه يرد عليه اشكال آخر وهو ان نفى اللزوم عن العقد بقاعدة لاضرر، انما لازمه صيرورة العقد جائزا ولا يلزم منه ثبوت الخيار الذى قد مر سابقا انه حق يجوز نقله وارثه واسقاطه وغيرها من التصرفات كما هو المدعى، والجواز مما لا يقبل شيئا من ذلك.

[ 170 ]

حول قاعدة لاضرر ينبغى التنبيه على امرين: الاول: انه قد كتب بعض العامة جميع الموارد التى قضا فيها النبي صلى الله عليه وآله، منها قضائه صلى الله عليه وآله في الشفعة وقضائه في عدم منع فضل ماء ليمنع فضل كلاء وليس فيها التمسك بقوله " لاضرر ولاضرار " اصلا، بل لا يمكن تصحيحه على فرض وجوده لاسيما بالنسبة إلى قضائه في منع فضل الماء لان المنع عن فضله ليس ضررا عليهم بل هو منع عن انتفاعهم كما هو واضح. وما يتراى في كتب الاحاديث من ذكر هذا اللفظ عقيب بعض الروايات مثل القضيتين المذكورتين انما نشأ من تقطيع الروايات بعضها من بعض، نعم هو منحصر بقضية سمرة بن جندب فقط. الحديث الجامع لاقضية رسول الله صلى الله عليه وآله روى احمد بن حنبل في مسنده وقال: حدثنا عبد الله، حدثنا أبو كامل الجحدرى، حدثنا الفضيل بن سليمان، حدثنا موسى بن عقبة عن اسحاق بن يحيى بن الوليد بن عبادة بن الصامت عن عبادة:

[ 171 ]

قال: ان من قضاء رسول الله صلى الله عليه وآله أن المعدن جبار والبئر جبار والعجماء جرحها جبار والعجماء البهيمة من الانعام وغيرها والجبار الهدر الذى لا يغرم. وقضى رسول الله صلى الله عليه وآله في الركاز الخمس. وقضى أن تمر النخل لمن أبرها الا أن يشترط المبتاع. وقضى أن مال المملوك لمن باعه الا أن يشترط المبتاع. وقضى ان الولد للفراش وللعاهر الحجر. وقضى بالشفعة بين الشركاء في الارضين والدور. وقضى لحمل بن مالك الهذلى بميراثه عن امرأته التى قتلتها الاخرى. وقضى في الجنين المقتول بغرة عبد أو امة فورثها بعلها وبنوها قال وكان له من امرأتيه كلتيهما ولد، قال فقال أبو القاتلة المقضى عليه يا رسول الله صلى الله عليه وآله كيف اغرم من لاصاح له ولا استهل ولاشرب ولا اكل فمثل ذلك بطل، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله هذا من الكهان. قال: وقضى في الرحبة تكون بين الطريق ثم يريد اهلها البنيان فيها فقضى ان يترك للطريق فيها سبع اذرع قال وكان تلك الطريق سمى الميتاء. وقضى في النخلة أو النخلتين أو الثلاث، فيختلفون في حقوق ذلك فقضى ان لكل نخلة من اولئك مبلغ جريدتها حيزلها. وقضى في شرب النخل من السيل ان الاعلى يشرب قبل الاسفل ويترك الماء إلى الكعبين ثم يرسل الماء إلى الاسفل الذى يليه فكذلك

[ 172 ]

تنقضي حوائط أو يفنى الماء. وقضى ان المرأة لا تعطى من مالها شيئا الا باذن زوجها. وقضى للجدتين من الميراث بالسدس بينها بالسواء. وقضى ان من اعتق مشركا في مملوك قعليه جواز عتقه ان كان له مال. وقضى ان لاضرر ولاضرار. وقضى انه ليس لعرق ظالم حق. وقضى بين اهل المدينة في النخل لايمنع نقع بئر. وقضى بين اهل البادية انه لايمنع فضل ماء ليمنع فضل الكلاء وقضى في دية الكبرى المغلظة ثلاثين ابنة لبون وثلاثين حقة واربعين خلفة. وقضى في دية الصغرى ثلاثين ابنة لبون وثلاثين حقة وعشرين ابنة مخاض وعشرين بنى مخاض ذكور. ثم غلت الابل بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وهانت الدراهم فقوم عمر بن الخطاب ابل المدينة ستة آلاف درهم حساب اوقية لكل بعير. ثم غلت الابل وهانت الورق فزاد عمر بن الخطاب الفين حساب أو قيتين لكل بعير. ثم غلت الابل وهانت الدراهم فأتمها عمر اثنى ألفا حساب ثلاث أواق لكل بعير. قال: فزاد ثلث الدية في الشهر الحرام وثلث آخر في البلد الحرام.

[ 173 ]

قال فتمت دية الحرمين عشرين ألفا. قال فكان يقال: يؤخذ من اهل البادية من ماشيتهم لا يكلفون الورق ولا الذهب ويؤخذ من كل قوم مالهم قيمة العدل من اموالهم (1) هذا هو الخبر السادس من أخبار عبادة بن صامت في مسند احمد الذى كنت في صدد ايراده لكونه متضمنا لقضية لاضرر ولاضرار ليعلم أنها قضية واحدة وليس في باقى قضاياه مثل قضائه بشفعة وقضائه بين أهل المدينة وقضائه بين أهل البادية لفظ " لاضرر ولاضرار " لكى يشكل الامر من جهات. التنبيه الثاني: ان لفظ " في الاسلام " في قوله: " لاضرر ولاضرار في الاسلام " ليس في كتب الاحاديث أصلا لامن طرقنا ولا من طرق العامة، وانما هو مما تفرد به ابن اثير في كتابه فيما بين اللغويين. (2)


(1) مسند احمد، الجزء الخامس، ص 326، وراجع رسالة لاضرر لشيخ الشريعة الاصبهاني ص 17 - 18. قال فيه بعد نقل رواية عبادة بن صامت: اقول: وهذه الفقرات كلها اوجلها مروية من طرقنا موزعة على الابواب وغالبها برواية عقبة بن خالد وبعضها برواية غيره وجملة منها برواية السكوني والذى اعتقده أنها كانت مجتمعة في رواية عقبة بن خالد عن أبى عبد الله (ع) كما في رواية عبادة بن صامت الا ان ائمة الحديث فرقوها على الابواب. (2) نهاية ابن اثير ج 3 ص 81 ونقله الصدوق كما نقله عنه صاحب الوسائل راجع كتاب الارث من ايواب الموانع الباب الاول الحديث 9.

[ 174 ]

الخامس من الادلة التى استدل بها على خيار الغبن قد قلنا: انه قد استدل على هذا الخيار بقوله تعالى: " الا أن تكون تجارة عن تراض " وقوله تعالى: " لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل " وبما ورد في تلقى الركبان وبقاعدة لاضرر. وقد يستدل على الخيار بأخبار واردة في حكم الغبن مثل قوله عليه السلام: " غبن المسترسل سحت " (1) وقوله عليه السلام: " غبن المؤمن حرام (2) " وقوله عليه السلام " لاتغبن المسترسل فان غبنه لا يحل (3) " وغير ذلك من نظائرها. ولكن لادلالة لها لثبوت الخيار أيضا، لان المراد من الغبن هو المعنى اللغوى وهو الخديعة الذى قد مر أنه مستلزم للجهل في طرف المغبون لا المعنى الاصطلاحي، أعنى مبادلة مال بمال يزيد على ثمنه المثلى الذى هو اعم منه معنى، فلا يعم للمورد الذى يكون كلا المتبايعين جاهلين، مع ان الغبن حاصل فيه بلا اشكال.


(1) الوسائل، الباب - 17 - من ابواب الخيار، الحديث 1. (2) الوسائل، الباب - 17 - من ابواب الخيار الحديث 2. (3)..

[ 175 ]

سلمنا لكن حرمة الغبن وعدم حليته حكم تكليفي غير مستلزم للحكم الوضعي وهو الخيار للمغبون، وكذا المراد من السحت وهو كون الغابن فيما تحقق به الغبن بمنزلة آكل السحت في استحقاق العقاب. سلمنا ذلك أيضا الا أن الملازمة انما هي بين الحرمة وعدم الحلية وبين الفساد، لابينه وبين الخيار كما هو المدعى فاثباته حينئذ يقتضى دليلا آخر وراء ذلك. الدليل السادس الاجماع وأما التمسك بالاجماع لثبوت الخيار المذكور في المقام. ففيه أنه غير صالح ايضا أما أولا فلانا لا نسلم ثبوته مطلقا حتى مع فرض بذل الغابن ما به - التفاوت من القد الزائد، إذ العلامة ومن تبعه قد خالفوا في ذلك، حيث قالوا بعدم الخيار في صورة بذل الغابن التفاوت فلا يكون تاما حينئذ. وثانيا أنه دليل ظنى لاقطعى كاشف عن رأى المعصوم عليه السلام وفيما نحن فيه لابد من دليل قطعي مع أن المدرك فيه أحد الامور السابقة من قاعدة الضرر وغيرها وقد عرفت عدم تمامية كلها. وثالثا انا ذكرنا سابقا أن تحصيل الاجماع المحصل من أقوال العلماء وفتاويهم في جميع البلدان وفي جميع الاعصار غير ممكن حقيقة وفي الواقع، لان غاية ما وصل الينا من كتبهم المعروفة أو كنا نعرف اسمائهم واشخاصهم انما كانوا بين ثلاثين وأربعين شخصا أو اربعين وخمسين فقيها لاازيد من ذلك، فكيف يمكن دعوى الاطلاع بفتاوى جميعهم بل ربما لا يكون الشخص عالما بفتوى جاره مع كونه

[ 176 ]

جارا له، بل ربما يوجد عالم ذوفتوى ولكن لا يكون له تأليف ولارسالة عملية وغير ذلك من المبعدات. الدليل السابع: ثبوت الخيار على وفق القاعدة ويمكن الاستدلال لما نحن فيه بوجه آخر غير تلك الوجوه المذكورة وهو ان نقول: ان ثبوت الخيار للمغبون انما كان على طبق القاعدة. وتقرير ذلك ان العقد المفروض قد وقع مقيدا بان المبيع مساو للثمن الفلاني وكل عقد مبنى على قيد، يوجب تخلفه الخيار. اما الصغرى فظاهر لانه لو علم عدم كونه مساويا له لما يرضى بالعقد على الفرض ومعلوم انه لافرق بين القيد اللفظى والقيد المفهومى الذى يستفاد من قرينة الحال أو المقال، لكونه قيدا حقيقتا كما لا يخفى. واما الكبرى فكذلك أيضا إذ القيد فيما نحن فيه كغيره قيد للزوم العقد، لانفس المعاملة، والا يوجب تخلفه بطلانها. ويدل على ذلك ايضا ما افاده الشهيد قدس سره في اللمعة من قوله: " لا يجب على المشترط عليه فعله وانما فائدته أي فائدة الشرط جعل البيع عرضة للزوال عند عدم سلامة الشرط وقلب العقد اللازم جائزا " (1) وحاصله كما ترى ايجاب الخيار عند مخالفة الشرط لا البطلان من رأس. نعم يرد على ما ذكره قدس سره من عدم وجوب الوفاء بالشرط،


(1) شرح اللمعة ج 1 ص 385 طبع عبد الرحيم

[ 177 ]

انه مخالف لجميع ادلة الشروط لكونها ظاهرة في وجوب الوفاء بالشرط. ويمكن التمسك فيما ادعيناه أيضا بما ورد من خيار الرؤية من صحيحة جميل بن دراج. " قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن رجل اشترى ضيعة وقد كان يدخلها ويخرج منها، فلما ان نقد المال صار إلى الضيعة فقبلها ثم رجع، فقال أبو عبد الله عليه السلام: انه لو قلب منها ونظر إلى تسعة وتسعين قطعة ثم بقى منها قطعة ولم يرها لكان له في ذلك خيار الرؤية (1) فانها بعد حملها على صورة يصح معه البيع، أو بان يدل ما رأه من القطعات على ما لم يره، تدل على أن فقدان الوصف يوجب قلب اللازم جائزا. وهذه الرواية وان وردت في خيار الرؤية كما عرفت الا ان الملاك وهو فقدان الوصف وتخلفه في كلا المقامين واحد، والمورد لا يكون مخصصا كما هو مقرر في محله. الشرط في ثبوت خيار الغبن ثم انه يشترط في ثبوت هذا الخيار امران. الاول: اعتبار الجهالة بالقيمة السوقية الواقعية في طرف المغبون. الثاني: كون التفاوت فاحشا ومما لا يتسامح به، فلو اشترى بثمن ازيد من قيمته السوقية مع كونها عالما بالزيادة التى لا يتسامح بها عادة فلا خيار له.


(1) الوسائل، الباب - 15 - من أبواب الخيار، الحديث 1.

[ 178 ]

وكذا لو اشترى كذلك لكن كان التفاوت مما يتسامح به عادة وان كان حين الشراء جاهلا فلا خيار ايضا. اما هنا فلما فيه من المسامحة العرفية. واما هناك فلا قدامه على غبنه وضرره. وهل هذان الامران قيدان للموضوع اعني تحقق الغبن وحصوله، أو قيدان للحكم بالخيار، أو التفصيل بان الاول قيد للاول والثانى قيد للثاني وجوه: اما الوجه الاول فلعدم صدق الخديعة مع العلم بالغبن ولصحة سلب الغبن عما إذا كان التفاوت مما يتسامح به. وأما الوجه الثاني فلصدق الغبن مع العلم بالزيادة ولو لم يكن خديعة في البين، ولان الناس انما يما كسون فيما يتسامح فيه ايضا فموضوع الغبن حينئذ موجود متحقق لكن الحكم بالخيار يتوقف على الامرين المذكورين. واما وجه الثالث فيظهر من الوجهين السابقين عليه من دون حاجة إلى ذكره على حدة. لكن خير الوجوه اوسطها. إذ ثبوت الغبن ليس متوقفا على وجود الخديعة ودائرا مدارها إذ قد يثبت الغبن بدون الخديعة ايضا كما إذا كان المتبايعان جاهلين معا كما مرت إليه الاشارة في اول هذا الخيار ولانسلم صحة سلب الغبن عما كان التفاوت مما يتسامح فيه لما مر من الوجه.

[ 179 ]

هنا مسائل اربعة الاولى: لو اقدم على غبن يتسامح فيه فبان مما لا يتسامح فيه من مجموع ما اقدم فيه من المعلوم وغيره، كما إذا اشترى شيئا على انه يسوى بخمسة دراهم في الواقع بخمسة دراهم ونصف فظهر انه يسوى في الواقع باربعة دراهم ونصف مثلا، فالزائد المعلوم وهو نصف درهم وان كان المفروض انه مما يتسامح فيه عرفا لكنه مع النصف الاخر المجهول مما لا يتسامح فيه على الفرض، فعلى هذا يثبت له الخيار لانه انما اقدم على ما يتسامح فيه بشرط لا، فقد تبين انه بشرط شئ. وكذا لو اقدم على ما لا يتسامح فبان انه ازيد مما لا يتسامح فيه منفردا وكان مثله في عدم التسامح. اما ثبوت الخيار هنا فلانه انما رضى واقدم بالنسبة إلى المرتبة الاولى مما لا يتسامح فيه بشرط عدم وصوله إلى المرتبة الاخرى من الثانية والثالثة أو غيرذلك. نعم لو كان الزائد في تلك الصورة مما يتسامح فيه فلا يكون له حينئذ خيار لان الزيادة فيها داخلة في المرتبة الاولى مما لا يتسامح فيه التى أقدم عليها مع عدم كونها واصلة إلى مرتبة ثانية منه وهو واضح ثم اعلم ان المعتبر في تحقق القيمة ملاحظة حال العقد، فلو زادت

[ 180 ]

بعده وأن كان ذلك قبل اطلاع المغبون بالنقصان في زمان العقد لا تكون مجدية لثبوت الخيار لما مر سابقا من ان الملاك والمناط في ثبوته هو قاعدة تخلف الشرط الضمنى وهو غير حاصل. كما انه لو نقصت بعده لا يكون موجبا لثبوته ايضا. وكذا لو قلنا بأن المدرك فيه هو التعبد اما من جهة الاخبار أو الاجماع. نعم لو قلنا ان المدرك في ثبوته قاعدة " الضرر " بمعنى ان الخيار يثبت بثبوت الضرر ويسقط بزواله، - لا انه كاشفا عن عدمه من اول الامر لعدم صدق السقوط حينئذ - كان لسقوطه وجه، لكن قد عرفت الاشكال فيها سابقا. واعلم أن الشيخ قدس سره قال في المكاسب في بيان الامر الثاني أعنى كون التفاوت فاحشا: " الواحد بل أثنان في العشرين لا يوجب الغبن وحده عندنا كما في التذكرة ما لا يتغابن الناس بمثله " (1) أقول: ان الناس لا يتغابنون بما يتسامح في مقام المعاملة بل بأدنى تفاوت ايضا ولعل ما ذكره العلامة اعلى الله مقامه فيها من الحد هو المعيار في مقام الرد دون المعاملة، حيث ان الناس لا يردون بما يتسامح فيه من الزيادة في ذلك المقام فقط كما لا يخفى. المسألة الثانية لو ادعى المغبون الجهل بالقيمة عند الشراء وادعى البايع علمه بها عنده وأنه اقدم على ما وقع عليه العقد وهما متفقان في الزيادة،


(1) المتاجر ص 236.

[ 181 ]

فهل يسمع دعواه الجهل بالقيمة مطلقا من دون مطالبة بينة ويمين لاصالة عدم العلم، أو لانه لا يعلم الا من قبله أو يسمع مع اليمين، أو يسمع مع البينة وان عجز عن اقامتها يتوقف الدعوى فيرجع إلى ما هو مقتضى الاصل في تلك المسألة تلك الدعوى، أو يسمع معها وان عجز عنها فمع اليمين، وجوه. قد يقال بالاول بالقاعدة المعمول بها عند الفقهاء في مقامات كثيرة من ان كل ما لا يمكن العلم به الامن قبل صاحبه يقبل قوله فيه مثل قول المرأة بانقضاء عدتها وعادتها في صحة الطلاق والفراق، وقول معطى النفقة للصغير بعدم كونها مجانا، وقول محتكر الطعام بأنه قوت عياله واولاده وغيرها من امثالها ونظائرها، فأن الجهل ايضا مما لا يعلم الامن قبل مدعيه فيقبل قوله من دون مطالبة الشئ منه من البينة واليمين اصلا. واما الوجه في الثاني فهو انه منكر لعلمه بزيادة القيمة عند العقد، وان قوله موافق للاصل إذا لاصل عدم كونه عالما بها حينه، فيطالب حينئذ باليمين لان فصل الخصومة لابد ان يكون بأحدى الموازين الشرعية من الاتيان بالبينة أو اليمين اوردها أو الرجوع والنكول وغيرها. واما الوجه في الثالث فانه بدعواه الجهل يكون مدعيا وان ما يتميز به المدعى والمنكر - هو تعبيرهم عن المدعى بانه لو ترك ترك أي لو ترك خصوص الدعوى الشخصية لترك في هذه الدعوى الشخصية - صادق عليه في المقام، اذلو ترك مدعى الجهل دعواه هذه لترك فيها. واما الوجه في الرابع ولعله الذى اختاره الشيخ الانصاري أعلى الله

[ 182 ]

مقامه فهو جمعه رحمه الله بين وظيفتي المدعى والمنكر في قوله: " ان الجهل انما يثبت باعتراف الغابن، وبالبينة ان تحققت، وبقول مدعيه مع اليمين لاصالة عدم العلم الحاكمة على اصالة اللزوم.. ولا يمكن للغابن الحلف على علمه لجهله بالحال فتأمل " (1) فان قوله رحمه الله بالبينة ان تحققت وبقول مدعيه إذا ادعى الجهل أو الغبن، يفيد، ان المغبون في نظره مدع ولذا اطلق عليه هذا اللفظ وما يجب عليه في اثبات الدعوى هو اقامة البينة. وانه منكر لانه الذى وافق قوله للاصل وهو عدم علمه بها كما هو ميزان معرفة المنكر عن غيره. ولا يخفى عليك ما في عبارة الشيخ في هذا المقام من عدم معلومية المراد وعدم تنقيحه من ان ايهما من الغابن والمغبون مدع وان ايهما منكر. فان تعبيره قدس سره بأن الجهل انما يثبت باعتراف الغابن وبالبينة ان تحققت، يعلم منه ان المدعى هو المغبون والا لما يحتاج إلى البينة فيكون الغابن على هذا منكرا. وبانه يثبت بقول مدعيه مع اليمين لاصالة عدم العلم الحاكمة على اصالة اللزوم، يعلم منه انه منكر والا فلا معنى لاعتبار اليمين واعتبار موافقة قوله للاصل، لما مر من انه ميزان لمعرفة المنكر، فعلى هذا يكون الغابن مدعيا عكس الاول. وبقوله ولا يمكن للغابن الحلف على علمه لجهله بالحال إلى علم المغبون، يعلم منه انه منكر مثل الاول.


(1) المتاجر ص 236.

[ 183 ]

وبالجملة انه بعد ذلك كله لا يعلم انه مدع في ما نحن فيه أو منكر كما لا يخفى. ولكن نقول: ان معنى المدعى والمنكر مثل معاني سائر الالفاظ كالقيام والعقود والذهاب والرجوع وغيرها في كونها من المعاني العرفية وليس لهما حقيقة شرعية أو متشرعة كما هو واضح. لكن الاصحاب كثر الله امثالهم قد جعلوا الكل واحد منهما ضابطة وقالوا كما عرفت آنفا ان المدعى من كان إذا ترك ترك، وكان ايضا قوله مخالفا للاصل أو الظاهر، والمنكر من كان إذا ترك لا يترك، و كان قوله موافقا للاصل أو الظاهر، وغير ذلك من الموازين المقررة لهما في محله. إذا علم ذلك فينبغي ان يعلم ايضا ان المراد من الاصل المذكور هنا ليس هو الاصول العامة من اصل البرائة واصل العدم، بل المراد هو الاصل المقرر في المسألة قبل ملاحظة الترافع والتداعي ومع قطع النظر عنه، وهو قد يكون اصالة الصحة وقد يكون اصالة اللزوم وقد يكون اصالة البرائة أو الاشتغال أو الاستصحاب كما لا يخفى. نعم قد يتحقق في ضمن الاصول العامة بل الغالب يكون كذلك وذلك لا يوجب كونه عبارة عنها كما توهمه بعض، بل هي احدى مصاديقه. ومما ذكرنا يظهر حال ما نحن فيه فان من يدعى الجهل اعني المغبون هو مدع إذ هو الذى لو ترك الدعوى ترك فيها، وان قوله مخالف للاصل المقرر في المسألة فان الاصل فيها هو اصالة اللزوم و

[ 184 ]

مقتضى قوله دعوى ثبوت الخيار لنفسه بسبب جهله وهو مناف له، و ان الظاهر كونه عالما بزيادة القيمة حين العقد. وان من يدعى علمه بالحال من صاحبه هو منكر، لان قوله موافق للاصل المذكور وهو اصالة اللزوم أي لزم العقد وان الاصل برائة ذمته عما يدعى عليه، وانه لو ترك دعواه (وهو علم مدعيه بالحال) لم يترك بل يؤخذ منه. فحينئذ كان اللازم على المغبون اقامة البينة على كونه جاهلا حال العقد فان اقامها يأخذ التفاوت والا فعلى الغابن الحلف على كونه عالما بالقيمة حينه. وان ادعى هو ايضا الجهل بالحال مثل المغبون أو لم يحرز ضبطه على علمه لكونه فعل الغير، فيتوقف الدعوى، فيرجع إلى الاصل المعين في المسألة كما مرت إليه الاشارة. ومن نظائر المسألة من عليه دين للغير لكن يدعى افلاس نفسه وعدم قدرته على ادائه، وكذا غاصب مال الغير يدعى ادائه ورده إليه، وان ذكره بعض إلى سبيل النقض للميزان المذكور. من أن المديون يدعى الافلاس مع انه لو ترك افلاسه لا يترك وكذا الغاصب لو ترك دعواه الرد، لا يترك، بل يؤخذ منهما ما في ذمتهم من الدين ومال الغصب. فان المراد من انه لو ترك لترك أي في خصوص دعواه مما يدعيه على الغير، لاما يقارنه من ادعاء آخر. فحينئذ يكون مدعى الافلاس انه لو ترك دعواه الافلاس خاصة

[ 185 ]

لترك في هذه الدعوى خاصة، وهذا لا ينافي عدم تركه في دعوى اخرى التى كانت مقارنة لها. وكذا الكلام في مسألة الغصب فانه لو رجع عن دعواه لترك في خصوص دعواه التى رجع عنها لا مطلقا. هذا في غير اهل الخبرة، واما الكلام فيه فهو بعينه مثل غيره في سماع قوله ان احتمل الجهل في حقه، والا فلو كانت الخبروية بحيث يوجب العلم بعدم معقولية الجهل في حقه، أو القطع بعدم احتمال الجهل فيه، فلا يسمع قوله. واما ما ذهب إليه المحقق والشهيد الثانيان من عدم سماع قولهم مطلقا حتى في صورة احتمال الجهل في حقهم كما هو المستفاد من كلامهم فلاوجه له اصلا. المسألة الثالثة: فيما يمكن فرض ثبوت هذا الخيار لكلا الطرفين من البايع والمشترى في معاملة واحدة من جهة وصول الغبن اليهما معا. وهو ما إذا تبايعا في غير بلدهما وفرض ان البايع أو باعه في بلده يكون ثمنه ازيد من الثمن الذى باعه به في المحل المفروض وكذا فرض ان المشترى لو اشتراه في بلده يكون ثمنه انقص من الثمن الذى اشتراه به هناك. والتحقيق فيها انه ان امكن لحوق كل منهما باحد البلدين فبها والا فالمرجع حينئذ اصالة اللزوم، والحكم بعدم كون المعاملة غبنية اصلا لعدم امكان تحصيل العلم بالغبن.

[ 186 ]

نعم يشكل الامر في صورة العلم الاجمالي بحصول الغبن في المعاملة الشخصية ولكن لا نعلم المغبون بشخصه فحينئذ لابد من العمل بالقرعة لشمول دليلها عليه لاشتباه الغبن فيما بينهما ولو لم نعمل بها لكونها ضعيفة السند وعدم عامل بها في هذه المسالة فالمرجع ايضا اصالة اللزوم فتأمل جيدا. المسألة الرابعة قال الشيخ الانصاري رحمه الله تعالى: " ظهور الغبن شرط شرعى لحدوث الخيار أو كاشف عقلي عن ثبوته حين العقد؟ وجهان.. " (1) لا يخفى ان هذه المسألة مما تفرد بها الشيخ قدس سره، لكن لا محصل لها حقيقتا اصلا لعدم الاختلاف في كلمات العلماء بوجه. فان من عبر بالظهور أو بالكشف أو أمثالهما مما هو في كتبهم، انما هو من جهة الطريقية إلى الواقع والكاشفية عنه لا ان له خصوصية في ثبوت الخيار. ومن هنا ظهر المراد من اعتبار الدخول بالسوق في رواية تلقى الركبان (2) فان الدخول به لاجل كونه طريقا لتبين الغبن، وهو ظهوره به، ولذا لو ظهر قبل الدخول بالسوق كان للمغبون ايضا خيار فلا اشكال. واما الجمع بين كلماتهم في اختلاف الاثار، ففيه ايضا ما لا يخفى بل لاوجه له ايضا.

[ 187 ]

إذا الاثار انما هي آثار للغبن الواقعي الثابت بحسب الواقع على الفرض: لاعلى ظهوره وكشفه. فظهر أن الجمع بين كلماتهم انما هو على النحو الذى ذكرناه لاعلى ما ذكره قدس سره من اختلاف الاثار، فافهم.

[ 188 ]

من مسقطات هذا الخيار التصرف اعلم ان التصرف الواقع بعد العلم بالغبن ان كان فعلا ظاهرا في الرضا بالعقد أو كاشفا عن الرضا بالالتزام به، يكون مسقطا للخيار وذلك لاحد الامرين: اما لما مر من أن ظاهر الافعال مثل ظاهر الاقوال في حجيتها الا ما خرج منها بالدليل كما عليه الاصحاب من ترتيبهم الاثار على الافعال الكاشفة عن الفقر والغنى والعدالة والفسق وغير ذلك وهو ظاهر ديدنهم. واما لذيل صحيحة ابن رئاب (1) وهو قوله: " وذلك رضى منه " وبيانه ان الامام عليه السلام انما اقتصر بذكر الصغرى دون التعرض بذكر الكبرى للاشعار بأن الكبرى امر مرتكز في ذهن جميع العقلاء وانه مفروغ عنها عندهم، ولذا لا يحتاج إلى اثباتها كما لا يخفى ومثل ذلك دعوى كلية عدم نقض اليقين بالشك في باب الاستصحاب ايضا. نعم يمكن الاشكال عليه مضافا إلى كونه مجملا بانه يحتمل ان


(1) الوسائل: الباب - 4 - من ابواب الخيار، الحديث 1.

[ 189 ]

يكون الشارع قد جعل التصرف في باب خيار الحيوان منزلة الرضا تعبدا ونزله منزلته كذلك، فلابد حينئذ من الاقتصار على مورده فلا يتعدى من هذا الباب إلى باب آخر كما هو مقتضى معنى التعبد الشرعي وان لم يكن ظاهرا في الرضا بالعقد ولا كاشفا عنه وشككنا في بقاء الخيار وعدمه نحكم ببقائه للاستصحاب، إذ الدليل قد دل على ثبوته اولا وقبل ايجاد هذا الفعل المشكوك كونه مسقطا، وهو يكفى في بقائه ولايحتاج فيه بالنسبة إلى الان الثاني والثالث إلى دليل آخر كما هو واضح. نعم ان المسألة المفروضة مبتنية على أنه إذا ورد عام مثل " اوفوا بالعقود " ثم خرج عن تحته بعض الافراد إلى زمان خاص كزمان الخيار وشك في خروجه في غير ذلك الزمان، فهل يرجع في ذلك المشكوك إلى عموم العام كى يسقط الخيار فيما نحن فيه، أو يرجع فيه إلى المخصص كى لا يسقط فيه. ذهب المشهور إلى سقوط الخيار في المقام وتمسكوا فيه بأمور ثلاثة: منها اطلاق معاقد الاجماع. ومنها عدم جريان مادل على ثبوت الخيار من الاجماع وقاعدة لاضرر ولاضرار في ما نحن فيه. فالاول انما هو ثابت في صورة عدم التصرف واما في صورته فلا. واما الثاني فمنتف ايضا لانه كما لا يجرى مع الاقدام على الضرر فكذلك لا يجرى مع الرضا بالضرر الذى يدل عليه التصرف بعد علمه بالغبن.

[ 190 ]

ومنها: ذيل صحيحة ابن رئاب: " فان احدث المشترى فيما اشترى حدثا قبل ثلاثة ايام فذلك رضى منه ولاشرط له " (1) فان ظاهر العلة، أن التصرف وهو احداث الحدث، هو رضى بلزوم العقد فلا خيار بعد الرضا. ولا يخفى عليك ضعف كل واحد منها اما الاول، فقيه ان المقصود من الاجماع ان كان هو الاجماع على لفظ التصرف مع كونهم مختلفين في معناه فغير مجد في المقام لان ما يجدى فيه هو اتفاق الاراء على أمر شرعى وهو غير متحقق جدا. ونظير هذا الاجماع في عدم الاعتبار اجماعهم على اشتراط التوالى في الوضوء مثلا مع كونهم مختلفين في معناه وفيما يتحقق به ذلك العنوان غاية الاختلاف الذى يقرب من ثمانية اقوال. وأما الثاني، ففيه ان الاجماع وحديث لاضرر ولاضرار لا يصلحان للدلالة على ثبوت الخيار، بل التمسك بهما لثبوته كان محل الكلام والمنع، فضلا عن التمسك بعدمهما في سقوطه. واما الثالث ففيه ما عرفت سابقا وآنفا من كونه مجملا. واحتمال تنزيل التصرف منزلة الرضا في باب واحد تعبدا، فالتعدي منه إلى غيره يحتاج إلى دليل. تتميم لو تصرف المغبون قبل علمه بالغبن فان كان تصرفا مخرجا عن الملكية ونازلا منزلة التلف، بان يبيع المشترى - بالفتح -


(1) الوسائل الباب - 4 - من ابواب الخيار الحديث 1

[ 191 ]

بالعقد اللازم. أو استوالد، أو وقف، أو اعتق أو غير ذلك مما يكون تالفا أو في صورته. قال المشهور بسقوط الخيار ولا ينافى هذا اتفاقهم بعدم سقوط الخيار بالتصرف قبل العلم بالغبن، لان محل الاتفاق انما هو في التصرف غير المتلف، واما تصرفه قبل علمه بغبنه إذا كان تصرفا متلفا فليس اتفاقيا حتى يلزم التنافى واستدلوا على السقوط بعدم القدرة والتمكن على رد العين إليه. لكن يتوجه عليهم ان الخيار لما ثبت فلاوجه لسقوطه بعد ذلك مع اتفاقهم بان الخيار لا يسقط بالتلف. خصوصا إذا كان الخيار حقا متعلقا بالعقد. لان العقد باق قابل للحل والانحلال، فالمغبون في صورة تلف العين إذا فسخ رجع عليه بالمثل أو القيمة كما عليه الشهيد قدس سره واما توجيه كلامهم على ما في المكاسب (1) فهو: ان ما ثبت بنفى الضرر هو عدم لزوم العقد لا الخيار، وعدم اللزوم مساوق للرد والاسترداد، وهو مختص بصورة بقاء العين، فإذا فرض العين تالفة باتلاف شرعى انتفى موضوع الرد (2). لكن يمكن توجيه كلامهم بوجه آخر أحسن من هذا وأسد وهو قولنا بثبوت الخيار في المقام (ولاوجه للعدول عنه للتفصى عن الاشكال إلى التمسك بنفى الضرر والاضرار). ومفاد ثبوته هو الرد والاسترداد بمعنى أن معنى الخيار اما حق


(1) المتاجر ص 239. (2) ان العبارة تحتاج إلى تتميم وهو جواب " أما ".

[ 192 ]

متعلق بالعقد كما هو ملك اقرار العقد وازالته أو حق متعلق بالعين فحينئذ يكون مرددا بين الامرين لكن نقول: ان الحق والتحقيق أنه ظاهر في المعنى الثاني هنا لمساعدة الدليل على ذلك - وان كان المختار فيما سبق خلاف ذلك - لتبادره منه في الاذهان الخالية حيث القى إليها الخيار، فانها لا تفهيم منه الا الرد والاسترداد. ومعلوم ان الرد والاسترداد لا يمكن الا مع بقاء العين لتوقفهما عليه لافى صورة الاتلاف مطلقا عقليا كان أو شرعيا كما مر. ولو سلمنا عدم ظهوره فيه ليصير مجملا فنأخذ بالقدر المتيقن وهو تعلق الحق بالعقد مع بقاء العين. وكذا الكلام على القول بثبوته بنفى الضرر والاضرار، بان نقول ان الاحكام الثابتة بالعناوين الاولية منفية أو مرتفعة عند عروض العناوين الثانوية التى منها عدم الضرر. وفي المقام كان الحكم قبل عروض الضرر لزوم العقد ووجوبه وبعد عروضه يكون ذلك الحكم منتفيا ومعدوما ومعنى اللزوم وعدمه هو القيام بما وقع عليه العقد من مقتضاه من الاخذ والاعطاء به أو ببدله وهو موقوف على بقاء العين. هذا ما أردنا ايراده في هذه الاوراق بعون الله الملك الخلاق وقد فرغنا عن تبييضه في الخامس عشر من شهر جمادى الاخرة من سنة سبع وسبعين وثلاثمأة بعد الالف من الهجرة النبوية صلى الله عليه وآله والحمد لله اولا وآخرا ولا اله الا الله ظاهرا وباطنا تمت التعاليق في السابع والعشرين من شهر رجب يوم بعث النبي من شهور عام 1398 بيد العبد الفقير رضا " الاستادى " والحمد لله ونسأله الخيرة لنا ولجميع المؤمنين بحق عباده الاخيار صلوات الله عليهم اجمعين.

[ 193 ]

رسالتان الاولى تحديد الكر بالوزن والمساحة تأليف العالم الربانى آية الله الشيخ محمد حسين السبحاني قدس الله سره المتوفى عام 1392 ه‍ ق قم - المطبعة العلمية 1398

[ 194 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على عباده الذين اصطفى، محمد وآله خير الورى. اما بعد: فهذه رسالة موجزة في تحديد الكروزنا ومساحة وهى مما تلقيتها من بحث شيخنا العلامة نا درة الافاق ونابغتها، وشيخ الامة وامامها، اعني شيخنا واستاذنا، الشيخ فتح الله النمازى الشيرازي، الشهير بشيخ الشريعة الاصفهانى، مازالت مدارس العلم عامرة بابحاثه ومعاهد الفضل زاهرة بافكاره حرس الله مهحجته وابقى بهجته وارجوا ان تكون تلك الصحائف الغر، ذخرا في يوم لا ينفع مال ولا بنون الا من اتى الله بقلب سليم. المؤلف

[ 195 ]

في تحديد الكر الكر هو الذى بملاقاة النجس به الا إذا تغير لونه وطعمه وريحه. واما مقداره شرعا فله تقديران بالوزن والمساحة بالشبر وغيره اما الاول فمقداره عبارة عن الف ومأتى رطل وتدل عليه صحيحتان: احديهما: مرسلة ابن ابى عمير عن بعض اصحابنا عن ابى عبد الله عليه السلام، قال: الكرمن الماء الذى لا ينجسه شيى ء الف ومأتا رطل (1) والمراد منه الرطل العراقى، لا لان المرسل عراقى حتى يشكل بانه غير المخاطب ولا لاجل ملاحظة الجمع بينها وبين صحيحة محمد بن مسلم التى هي الرواية الثانية للاستشهاد بها في المقام كما يأتي بعيد هذا. بل لاجل رواية على بن جعفر (2) الدالة على أن الف رطل من الماء إذ وقع فيها أوقية من دم تصير منفعلة، فانها كما ترى تدل على ان هذا المقدار


(1) الوسائل الباب - 11 - من ابواب الماء المطلق الحديث الاول (2) الوسائل الباب - 8 - من ابواب الماء المطلق الحديث 16 وهذا لفظه " سألته عن جرة ماء فيه ألف رطل وقع فيه أوقية بول، هل يصلح شربه أو الوضوء منه؟ قال: لا يصلح ".

[ 196 ]

من الماء ليس كرا والا لم يكن متنجسا، فيكون المراد حينئذ من المرسلة المذكورة بقرينة رواية على بن جعفر، أن الكر عبارة عن ألف ومأتى رطل من الماء وانه رطل عراقى. ثانيتهما صحيحة محمد بن مسلم عن ابى عبد الله عليه السلام " الكر ستمأة رطل " (1) وباسناد آخر نقل عنه أيضا " الكر ستمأة رطل " (2). والمراد من هذا الرطل هو الرطل المكى وهو عبارة عن ضعف رطل عراقى، فتنطبق الروايتان الصحيحتان أعنى المرسلة وهذه الرواية كما لا يخفى، لا المدنى كما حمله عليه الشيخ البهائي قدس سره ليكون المراد تسعمأة رطل بالعراقى. لما مر من انفعال الف رطل من الماء بملاقاة النجس في رواية على بن جعفر، ففيه يكون الانفعال بطريق أولى. ولا انه رطل عراقى لانه لم يقل به أحد من الفقهاء و الاصحاب فيتعين ما ذكرناه. التقدير بالمساحة أما المساحة ففيه روايات بطرق ثلاثة. وهى رواية أبى بصير " قال: سالت أبا عبد الله عليه السلام عن الكر من الماء كم يكون قدره؟ قال: إذا كان الماء ثلاثة أشبار ونصف، في مثله ثلاثة اشبار ونصف، في عمقه في الارض، فذلك الكر من الماء " (3) هامش (1 - 2) الوسائل: الباب - 13 - من ابواب الماء المطلق، الحديث 3 و 2. (3) الوسائل، الباب - 10 - من أبواب الماء المطلق، الحديث 6.

[ 197 ]

ورواية حسن بن صالح الثوري عن أبى عبد الله عليه السلام " قال: إذا كان الماء في الركى كرا لم ينجسه شيئ قلت: وكم الكر؟ قال: ثلاثة أشبار ونصف عمقها، في ثلاثة أشبار ونصف عرضها " (1) ورواية اسماعيل بن جابر عن ابى عبد الله عليه السلام " قال: قلت وما الكر؟ قال: ثلاثة اشبار في ثلاثة اشبار " (2) ورواية اسماعيل بن جابر ايضا " قال: قلت لابي عبد الله (ع) الماء الذى لا ينجسه شيئ قال عليه السلام: ذارعان عمقه في ذراع و شبر سعة " (3) ذهب المشهور إلى ان قدره بهذا التقدير عبارة عن ثلاثة واربعين شبرا الاثمن شبر، ومستندهم رواية أبى بصير. اشكال وهو ان العلماء قدس الله أرواحهم قد وزنوا ألف ومأتى رطل من الماء باوزان عديدة بمياه مختلفة ثقيلا وخفيفا في أمصار متعددة وفي أمكنة متكثرة ووجدوها بمعيار ست وثلاثين شبرا من دون زيادة ونقيصة. فحينئذ لا ينطبق أحد التقديرين على الاخر أعنى تقدير المساحة على الوزن. بل يكون بمقدار سبعة أشبار الاثمن زايدا عليه، مع انهم عليهم السلام في مقام بيان تحديد القاعدة وبيان حكم الضابطة حتى يرجع المكلفون عند الشك والتحرير إليها.


(1) الوسائل، الباب - 9 - من ابواب الماء المطلق الحديث 8 (2) الوسائل، الباب - 9 - من ابواب الماء المطلق الحديث 7 (3) الوسائل، الباب - 10 - من ابواب الماء المطلق الحديث الاول.

[ 198 ]

مع انه إذا لاقى نجس بهذا المقدار من الماء فبمقتضى التحديد بالوزن يلزم أن يكون طاهرا ومطهرا وبمقتضى التحديد بالمساحة يكون نجسا ومنفعلا لكونه ناقصا عنه فحينئذ تنخرم الظابطة الشرعية فلا يحصل لها معنى محصل. الجواب ويمكن الجواب عن هذا الاشكال بان يقال: ان الذى كان معيارا واقعيا هو الوزن اذبه لا يمكن الزيادة والنقصان في الموزونات، بخلاف المساحة فانه ليس معيار حقيقة بحيث لا يتسامح فيها غالبا بل اعتبارها انما هي للطريقية إلى الوزن لكون المساحة مما يتسامح فيها بسبب اختلاف الاشبار حتى باختلاف المياه في البلدان من حيث الثقل والخفة، فالماء الثقيل يطلب مساحة اقل مما يطلبه الماء الخفيف فاعتبر المساحة زايدا عليه حتى ينطبق على جميع التقادير والوجوه. (1) اما اعتباره بهذا النحو من كونه ثلاثة اشبار ونصف دون نحو آخر لكونه قطعي الانطباق على الوزن المذكور مع شئ زايد منه. هذا هو قول المشهور.


(1) وان شئت قلت: لما كانت المياه مختلفة من حيث الخفة والثقل، جعلت المساحة اوسع حتى ينطبق من حيث الوزن على جميع المياه حتى اخفها، فان الماء الخفيف يطلب مساحة اوسع مما يطلبها الثقيل فاعتبر الملاك في المساحة مقدار اوسع حتى ينطبق على جميع المياه، فالماء الذى وزنه الف ومأتا رطل، لا يزيد على المساحة الملحوظة في جميع العالم سواء كان ثقيلا أو خفيفا، بل المساحة المذكورة ربما تشتمل على ازيد من ذاك المقدار

[ 199 ]

الا انه يمكن المناقشة والاشكال فيه بان يقال: ان رواية ابن أبى عمير مرسلة فهى ليست بحجة. والقول بانه لا يروى الاعن ثقة، مردود، إذ هو نفسه لايعرف نفس المروى عنه ولذا يرسل الرواية والا كان اللازم عليه الاسناد، فكيف يقال انه لا يروى الاعن ثقة. وعلى فرض تسليم دعوى أنه لا يروى الاعن ثقة لكنها لا تفيد في المقام لاحتمال اعتماده في ذلك على قرائن وأمارات تفيد الوثوق له دون غيره بل يمكن أن لا تفيد تلك الامارات لغيره شكا ولا وهما لو ظهرت له كما لا يخفى (1) واما الجواب عن رواية على بن جعفر فنقول: اما اولا: فان نص الحديث ليس كما ذكر بل نص كما في الوسائل (2) عبارة عمايلى: " على بن جعفر في كتابه عن أخيه قال: سألته عن جرة فيه ألف رطل وقع فيه أوقية من بول هل يصلح شربه أو الوضوء منه؟ قال: لا يصلح ". وثانيا ان نجاسة ذلك المقادر من الماء انما هي بسبب التغير لوقوع أوقية من العدم عليه لا لقلته ونقصه عن الكر، وهو خارج عن المقام، ومثله في التغير السؤال عما فيه ألف رطل من الماء وقع فيه أوقية من البول هل يصلح شربه أو الوضوء منه: قال: لا يصلح. فان هذا ايضا لاجل التغير لا لقلة الماء، غاية الامر انه هناك في اللون وهنا في الطعم.


(1) بل التتبع والفحص يشهدان بانه يروى عن غير ثقة ايضا كما لا يخفى. (2) الوسائل، الباب - 8 - من ابواب الماء المطلق، الحديث 16.

[ 200 ]

تقدير الكر بالاشبار ان هذا يتصور على وجوه. تارة يلاحظ فيما يكون متساوي الاضلاع والابعاد من الطول والعرض والعمق كالشكل المربع. واخرى فيما يكون غير متساوية ولو كان ذلك من جهة احد الاضلاع والابعاد وثالثة يلاحظ في الاجسام المستديرة كالابار والسطوح المستديرة فمقتضى القاعدة في الاضلاع المتساوية عدم ذكر الابعاد بان يقال: ثلاثة في ثلاثه، أو اربعة في اربعة، أو غير ذلك من الاشباه والنظائر كما ان مقتضاها في صورة الاختلاف بينها هو التصريح بالبعد المخالف بان يقال ثلاثة قى ثلاثة في اربع العمق إذا كان بعد العمق مثلا مخالفا واما في الثالث فمقتضى القاعدة فيه هو ضرب نسف قطره (القطر عبارة عن الخط المستقيم الذى يقسم الدائرة ومحيطها إلى قسمين متساويين مارا بمركزها) في نصف محيطة فلو كان القطر ثلاثة اشبار مثلا يكون محيطه تسعة اشبار تقريبا، إذا القطر يكون ثلث المحيط دائما فحينئذ يضرب نصف القطر وهو واحد ونصف في نصف المحيط وهو أربعة ونصف. اما الاحاديث فان صحيحة اسماعيل بن جابر (1) عن ابى عبد الله عليه السلام " ثلاثة اشبار في ثلاثة اشبار " ظاهرة في الشكل المربع، ولذا لم يتعرض بذكر الابعاد مطلقا. واما صحيحة الاخرى التى هي أصح الروايات في الباب وهى


(1) الوسايل، الباب - 9 - من ابواب الماء المطلق الحديث 7.

[ 201 ]

" ذارعان عمقه في ذراع وشبر سعته " (1) فانها ظاهرة في الشكل المستدير فيضرب نصف القطر في نصف محيطه فيخرج حاصل الضرب سبعة و عشرين شبرا ويكون حاصل الضرب في الصحيحة الاولى كذلك ايضا فان ضرب ثلاثة الطول في ثلاثة العرض يسير تسعة وضربها في ثلاثة العمق يصير سبعة وعشرين شبرا. وهذا القول هو المختار والاقوى مما ذهب إليه المشهور لقوة اسانيد كما لا يخفى. هنا اشكالان عويصان ربما يتوهم في المقام اشكالان عويصان ولعدم التخلص عنهما رغب غير واحد من العلماء الاعلام عن هذا القول ورجحوا قول المشهور واختاروه فلابد لنا من التعرض لهما ثم الاجابة عنهما ان شاء الله تعالى. الاول فحاصله ان ضرب نصف القطر في نصف المحيط ثم ضرب المجموع في العمق وهو اربعة اشبار كما هو مقتضى رواية " ذراعين " بعيد عن الادهان السارجة ولا يقف عليه الا المرتاض في العلوم الرياضية واما غيره فلا يتصور في حقه فهم ذلك فضلا عن البدوى والقروى والحضرى. ودعوى ان اسماعيل بن جابر كان من اهل هذا الفن مكابرة جدا والا كان اللازم حينئذ ان يكون ذلك الامر مذكورا في كتب الرجال في ترجمته وكتب الرجال خلو عنه. هامش (2) الوسائل: الباب - 10 - من ابواب الماء المطلق الحديث الاول

[ 202 ]

اما الثاني فان ترك قول المشهور في الكر، كان لاجل استلزامه شيئا عجيبا وهو عدم انطباق احدى الضابطتين على الاخرى مع ان الروايات في مقام اعطاء القاعدة وتحقيقها، لان احد الميزانين وهو التحديد بالاشبار كان زائدا قرابة سبعة اشبار على الاخر وهو التحديد بالوزن الذى هو ميزان حقيقي دقى في تحديد وتوزين الاشياء وهذه الرواية الزيادة امر معتد به لا يستامح عادة في مقام اعطاء القاعدة. وهذا الاشكال بوجه آخر وارد على ذاك القول اعني كون الكر عبارة عن سبعة وعشرون شبرا فانه يصير ناقصا عن الوزن مقدار تسعة اشبار. وبالجملة الاشكالان في المقامين متعاكسان، فعلى قول المشهور يلزم زيادة التحديد بالمساحة على التحديد بالوزن، كما ان الامر في خلاف قول المشهور على العكس، أي يلزم كون التحديد بالوزن ازيد، من التحديد بالمساحة. اضف إلى ذلك ان الاشكال على قول المشهور قابل للذب، دون على القول الاخر كما عرفت من المساحة بالاشبار ليست ضابطة كلية بحيث لا يزيد عنها ولا ينقص، بل يتسامح فيها غالبا بسبب اختلاف الاشبار والمياه وغيرهما، فاعتبارها من باب الطريقية والمعرفية للميزان الحقيقي وهو الوزن كما مر، فيراعى فيها جانب الاحتياط لتنطبق على كل حال. وهذا بخلاف القول بأن الكر سبعة وعشرون شبرا، فانه يصير ناقصا عن الوزن مقدار تسعة أشبار كما هو واضح لمن تأمل في المقام وليس له وجه وجيه في الظاهر حتى يحتمل عليه كما في قول المشهور.

[ 203 ]

فزيادة التحديد المساحة على التحديد بالوزن، له وجه وهو ملاحظة الاحتياط في المياه الثقيلة، والاشبار الصغيره، واما نقصان التحديد بالمساحة على التحديد بالوزن، لا يتصور له وجه، إذ هو على خلاف الاحتياط، هذا حاصل الاشكالين. أما الجواب عن الاول فتارة بالنقص. وهو أن يقال انه وارد على قول المشهور أيضا فان ضرب السعة في السعة أو الصحاح في الصحاح مما يمكن أن يفهمه غالب الناس، الا ان ضرب الكسور في الكسور كالنصف في النصف أو في غيره مما يغفل عنه الاشخاص جدا ويوجب الاشباه كما وقع فيه العلامة المجلسي وصاحب الجواهر قدس سرهما. فلابد في اعمال ذلك من ان يكون الشخص مرتاضا في هذا الفن كما لا يخفى. والجواب باى شى؟؟ فرض هنا كان هو الجواب هناك. واخرى بالحل بأن يقال: ان مراد الامام عليه السلام من الجواب عن الكر لمن سأل عنه بعبارة " ثلاثة في ثلاثة " أو " ذراعين في ذراع وشبر سعته " ليس الا ارائته عليه السلام للسائل هذا المقدار من الماء وتسميته ذلك كرا حتى يقيس السائل غيره من المياه الاخر التى كانت مشكوكة الكرية عليه كى يرتفع تحيره وشكه في كريته وعدمها، فان كان مشكوك الكرية مطابقا لما علمه الامام عليه السلام من المقدار من الماء فيعامل معه معاملة الكرية والا فلا يعامل معه معاملتها.

[ 204 ]

وهذا المقدار كاف في مقام قفهيم المراد ولايحتاج إلى ازيد من ذلك من تفهيم السامع حاصل الضرب ونتيجته. مع انه يرد عليهم ان الشكل في الكر ليس منحصرا في الشكل المربع حتى يسهل امره من حيث الضرب بل قد يتحقق في ضمن الشكل الاهليجى والمخروطي وغيرهما من الاشكال غير المستقيمة الابعاد. فما ذكروه من الاشكال السابق من انه لا يفهم هذا المعنى الدقيق الا المرتاض في العلوم الرياضية دون غيره جاز على قول المشهور كما لا يخفى. أما الجواب عن الاشكال الثاني: بأن يقال: ان هذا المحذور انما جاء بسبب القول بان الكر من حيث الوزن عبارة عن ألف ومأتى رطل بالعراقى دون المكى والمدنى. الا أنا لسنا ملزمين بهذا المعنى فيه كى يرد علينا الاشكال المذكور بل المرجع فيه هو صحيحة محمد بن مسلم عن أبى عبد الله عليه السلام " ان الكر ستمأة رطل " (1) وتوضيح ذلك أن المعتبر في الارطال وان كان هو الرطل العراقى فانه مدار في كل ما اعتبر فيه الرطل الا ان الرطل المذكور في هذه الصحيحة رطل مدنى لا مكي ولا عراقي ولكنه منطبق على سبعة وعشرين شبرا في الحقيقة والواقع. اما الدعوى الاولى فلانه من الواضح والمعلوم أن الشخص إذا


(1) الوسائل، الباب - 13 - من ابواب الماء المطلق الحديث 3.

[ 205 ]

تكلم بشيئ وكان له فردان واصطلاحان عند المتكلم والمخاطب يحمل العقلاء كلامه على ما هو متعارف عند المتكلم مع فرض كون المخاطب عالما بما هو متعارف عند، والا فيحملونه على ما هو متعارف عند المخاطب وعلى اصطلاحه. وعلوم ان ابا عبد الله عليه السلام كان من اهل المدينة، فلابد حينئذ من حمل كلامه عليه السلام على المدنى كما حمله على ذلك شيخنا البهائي قدس سره ايضا (1) واما انطباقها على سبعة وعشرين شبرا فأن الف رطل من العراقى منطبق على ثلاثين شبرا كما في عبارة الشيخ البهائي ايضا فيكون كل مأة منه في مقابل ثلاثة اشبار وقد علم من الخارج ان ستمأة رطل مدنى عبارة عن تسعة مأة رطل بالعراقى، وهو منطبق على سبعة وعشرين فهو المطلوب. فإذا ينطبق اخبار الباب بعضها على بعض ويطرح ما هو مخالف لهذا القول من الخبار، وليس هذا مختصا به بل هو لازم على القول المشهور في الكر ايضا، فانهم يطرحون الاخبار المخالفة لمذهبهم. إذ على فرض التعارض بينها وبين غيرها كان الترجيح لهذه الاخبار التى اخترناه فانها اصح الاخبار في باب الكر لاشتمالها على مرجحات كما صرح به بعض ايضا.


(1) راجع رسالة في تحديد الكر للشيخ البهائي ره المطبوعة مع رسالات اخر له قديما وحديثا.

[ 206 ]

بخلاف مدارك المشهور، فأن العمدة في رواياتهم هي رواية ابى بصير ورواية حسن ابن صالح، فالاولى ضعيفة لكونها شاملة على عثمان بن عيسى وهو واقفى، والثانية ضعيفة ايضا لاشتمالها على حسن بن صالح وهو زيدي. (1) ثم انا نتكلم في جميع الاخبار تفصيلا واجمالا سواء كانت من مدارك القول المشهور أو المختار والا فغير ما اخترناه من الاخبار ساقطة عن مرتبة الاعتبار مطروحة عن اصلها كما مر. فنقول: ان مقتضى مفهوم قوله عليه السلام: " الماء إذا بلغ قدر كر لم ينجسه شئ " (2) انه إذا فرضنا الماء بمثابة قدر الكر من دون زيادة قطرة ونقصانها، ثم لاقت به قطرة دم أو بول أو ولغ الكلب أو الخنزير أو غير ذلك من امثالها فانه ينجس حينئذ بلا اشكال لصيرورته ناقصا اما بسبب الولوغ ووصول قطرة من البول فالاخبار لوحظ فيها اعتبار ان، العاصمية الفعلية من النجاسة والعاصمية بالقوة، وما هو شاملة على الزيادة من قدر الكر من الروايات كما في روايات قول المشهور فهى عاصمة عن الانفعال بالفعل مطلقا بأى سبب كان وما ليس كذلك فهى عاصمة عنه بالقوة كذلك ايضا، لانه بعد الملاقات بالنجس يصير ناقصا عن قدر الكر فيكون عنوانه حينئذ عنوان ملاقاة الماء القليل بالنجس فينجس.


(1) راجع معجم رجال الحديث ج 4 ص 371 وج 11 ص 126. (2) راجع الوسائل، الباب - 9 - من ابواب الماء المطلق.

[ 207 ]

فالاعتبار المذكور ان يعتبران في الخبرين المتعارضين ايضا، فان واحدا منهما لكونه مقرونا بمرجحات، حجة فعلية عاصم عن معارضة الغير، وذلك الغير الذى عبارة عن الاخر حجة بالقوة لكونه مرجوحا بالنسبة إليه لعدم اشتماله على المرجحات على الفرض. تنبيه ان المدار فيما اعتبر في الكر من الماء على كلا القولين من المشهور والمختار عند ورود النجاسة عليه هل هو كون الماء بعضه فوق بعض بحيث يعد في العرف متراكما ومصداقا له. أو المدار اتصال اجزاء الماء بعضه ببعض وعدم اشتراط التراكم فيه، بل يكفى في التطهير كون الماء قدر كر ولو كان عمقه اصبعا أو نحوه. الحق والانصاف ان استظهار عدم الاشتراط عن الاخبار لا يخلو من اشكال كما هو غير خفى لمن تأمل وتدبر فيها هذا تمام الكلام في تحديد الكر تمت الرسالة بيد مؤلفها الفقير محمد حسين السبحاني التبريزي ابن محمد جعفر عاملهما الله بلطفه الخفى وفرغ عن تسويدها في النجف الاشرف عام 1334، وخرج عنه إلى البياض في بلدة تبريز في شهر رجب المرجب من شهور عام 1371. الحمد لله اولا وآخرا وظاهرا وباطنا

[ 208 ]

الرسالة الثانية في تحقيق معنى البيع وما يصح ان يقع معوضا وعوضا وفي الفرق بين الحق والحكم

[ 209 ]

بسم الله الرحم الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الانبياء والمرسلين، محمد وآله الطيبين الطاهرين اما بعد: فهذه نتيجة ما تلقيته من بحث شيخنا العلامة الحجة الجامع لانواع المعارف والعلوم الاسلامية، استاذ الفقهاء والمجتهدين، اعني به حضرة الشيخ فتح الله بن محمد جواد النمازى الشهير بشيخ الشريعة الاصفهانى دامت اظلاله. وهذه الرسالة الموجزة إلى لباب القول في حقيقة البيع واركانه، وما يصح ان يقع عوضا أو معوضا، وتحقق الحال في الفرق بين الحق والحكم. إلى غير ذلك من شوارد المطالب. المؤلف

[ 210 ]

ان البيع من المفاهيم الواضحة عند العرف بشيوع استعماله في محاوراتهم وهو يحدد عندهم - باعطاء شئ في مقابل شئ آخر - أو - دفع شئ واخذ شئ آخر ولما كان ذلك متحققا بالاموال والاعيان، عرفه الفيومى في " مصباح اللغة ": انه مبادلة مال بمال. ولما كان هذا المعنى متضمنا للنقل والانتقال بسبب من الايجاب والقبول عبر بعض عنه بالنقل، وبعض آخر بالانتقال، وثالث بالعقد، بأن قالوا: البيع هو النقل، البيع هو الانقال، البيع هو العقد المفيد.. ثم لما كان ذلك المعنى منسوبا إلى البايع وناشئا من قبله. عبروا عنه بانشاء التمليك وبالتبديل. ولما كان ذلك منسوبا إلى البايع والمشترى معا بنحو من الانحاء عبر عنه بالمبادلة ويقال: هو مبادلة مال بمال. وغير ذلك من الملاحظات الواقعة في تعريفه بعناية من العنايات. والاولى - ان لم يكن متعينا -، تعريفه بالمبادلة، أي مبادلة مال بمال كما مر من المصباح، ووجه ذلك، ان البيع في الحقيقة فعل البايع والمبادلة صفة متحققة بالمالين، فالبايع اولا يبدل احدهما في مقابل

[ 211 ]

الاخر، والمشترى يمضى هذا الفعل الصادر من البايع ويرضى به. ومما يؤيد ما ذكرنا بل يدل عليه، نسبة فعل باب المفاعلة إلى شخص واحد في بعض ابواب الفقه، مثل " صالحت " في باب المصالحة فان المراد منه هو نفس فعل المصالح فقط وليس النكتة فيه الا ما ذكر ثم ان البيع قد يحصل بانشاء الصيغة بان يقال: بعت هذا بهذا، وقد يحصل بنفس الفعل من دون قصد الانشاء. وقد قيل في المقام: ان الملكية من الامور الانشائية فهى متوقفة على سبب وانشاء مثل الايجاب والقبول كالافعال التوليدية المتوقفة على اسبابها. اقول: لا يخفى ما فيه من الاشكال لان هذا انما يتم بالنسبة إلى البيع، بالصيغة، واما بالنسبة إلى البيع بالمعاطاة فلا، لانها على القول بانها بيع حقيقة، لا صيغة كى يتحقق بها البيع المعاطاتى حينيذ، فانها لابد اما ان تكون الصيغة هي المقاولة الواقعة بين الطرفين من البايع والمشترى قبل الاعطاء والاخذ، واما ان تكون نفس الافعال من الاعطاء والاخذ اما الاول فليس بصيغة قطعا كى يتحقق به البيع ويكون منشأ لتحققه وموجدا بايجاده. وان قلت: ان تلك المقاولة في الحقيقة انشاء للبيع وفي معناه قطعا. قلنا: ان هذا تعميم في الصيغة، لا انها صيغة حقيقة كما لا يخفى. واما نفس الافعال - من الاعطاء والاخذ بعد المقاولة - فكذلك، إذ ربما يكون كل واحد من البايع والمشترى ذاهلا صرفا وغافلا محضا

[ 212 ]

حين الاعطاء والاخذ عن قصد الانشاء بالافعال المذكورة كما هو واضح (1) فبناء على هذا يلزم ان لا يتحقق البيع وليس الامر كذلك. فظهر من ذلك ان البيع على نحوين: نحو يحتاج إلى انشاء الصيغة كما في المعاملة بالصيغة، ونحو آخر لا يحتاج إليه وهو البيع المعاطاطى كما مر.


(1) اللهم الا ان يقال: ان الاسباب الفعلية، كالاسباب القولية، و يكفى في صحة الانشاء بهما، التوجه الاجمالي الارتكازي، بحيث لو سئل عن جهة الاخذ والاعطاء، لاجاب عن وجههما وبذلك تتم القاعد الكلية من احتياج البيع إلى الانشاء مطلقا. (المؤلف)

[ 213 ]

الكلام في المبيع الكلى ثم ان المتبادر من المبيع كونه علينا لا منفعة ولاحقا، بخلاف العوض، فانه يجوز أن يكون منفعة أو حقا، ولذا لو قال رجل: بعت سكنى دارى بكذا حملنا على الاجارة كما لا يخفى. ولما كان اللازم فيه كونه عينا مطلقا، سواء كان امرا شخصيا موجودا في الخارج، أم أمرا كليا موجودا في الذمة، أشكل الامر بالنسبة إلى الثاني لان الملكية التى تحصل بالعقد وتوجد بالايجاب والقبول تشبه الاعراض فتحتاج إلى متعلق خارجي، والمبيع إذا كان كليا في الذمة لا وجود له خارجا، وإذا لم يكن موجودا في الخارج لا يكون مالا ولاملكا فان الكلى في الذمة ليس الاعدما محضا ومعدوما صرفا، وإذا كان ما في الذمة عدما صرفا، فكيف يكون ملكا حتى يتعلق به انشاء التمليك؟ مع ان الملكية شبه العرض لاقوام له الا في الموضوع والمتعلق الخارجي. وهذا هو الاشكال في المقام. وقد يقال في الجواب عن ذلك: ان الملكية من قبيل الامور الاعتبارية، لامن قبيل الامور المتأصلة مثل القيام والقعود والحلاوة والحموضة وأمثال ذلك، فحينئذ لامانع من كون محلها أيضا أمرا

[ 214 ]

اعتباريا وموجودا بالفرض والاعتبار. اقول: الحق في الجواب أن يقال: ان مقتضى اشتراط كون المبيع عينا ليس أن يكون عينا موجودا في الخارج فعلا لان الامور المتأصلة - فضلا عن الامور الاعتبارية - التى يترقب وجودها في محلها تكون منشأ للاثر فعلا ومحلا لترتب الاثار عليه كذلك. وان شئت تحقيق الحال فلاحظ نفسك: فانه إذا اخبرك مخبر صادق بأن الله تبارك وتعالى يرزقك بعد سنة مثلا ولدا بارا صالحا، أو يرزقك نعمة اخرى من نعمه، أو أخبرك بأن الفلاني قد قصد قتلك بعد سنة، فعند ذاك تكون مسرورة بسبب البشارة فعلا وتكون خائفة بسبب التخويف منه، مع أن ما به البشارة وما به التخويف لا وجود له فعلا. بل يترقب وجودهما في المستقبل. فما نحن فيه من هذا القبيل، فان البايع إذا باع فعلا عشرين حقة من حنطة في الذمة وكان مترقبا وجودها بعد مدة، يكون المشترى مالكا على ما ذمة البايع من العين المبيعة الموجودة بالقوة لا بالفعل ولا يشترط في المبيع أن يكون موجودا بالفعل وهو واضح. وأما أنه ليس بملك لبايعه فمدفوع بأنه ملك لمالكه فعلا، لكن وجوده متوقف إلى مضى زمان، إذا غاية ما يعلم من أن هذا الشيئ ملك لمالكه وذاك ليس بملك له، أن له ربطا بمالكه أو لاربط له وهذا المعنى موجود في المقام، فأن البايع في علم الله ونفس الامر له ربط بمبيعه الذى هو امر كلى وانه ملك له وان لم يكن موجودا بالفعل. نعم تحققه في الخارج يحتاج إلى وجوده الخارجي.

[ 215 ]

ومن هنا ظهر أيضا أنه مال أيضا بل كونه مالا أظهر من كونه ملكا لان المال هو الذى يرغب فيه العقلاء ويبذلون بازائه المال، وما نحن فيه ايضا كذلك، إذ العقلاء يرغبون إلى هذا الامر الكلى المترقب حصوله بعد مدة من دون ريب واشكال. لا يقال: انه فرق بين المقامين فان البشارة والخوف هناك انما يقومان بنفس الانسان الخارجي، بخلاف ما نحن فيه، فان الملكية أو المالية انما هي قائمة بنفس الشيئ الذى سيوجد، إذ الملك بالحمل الشايع الصناعي محمول عليه كما لا يخفى. لانا نقول: انه لافرق بينهما اصلا، إذ كما أن السرور والمحبة ربط وعلقة واضافة بين الاب والولد مثلا قائمة بهما مع ان احد الطرفين اعني الولد غير موجود، كذلك الملكية هي ربط واضافة بين المالك وملكه وقائمة بهما كما لا يخفى. لا يقال: ان لازم ما ذكر من أن اطلاق المالك وذى المال على الشخص ليس متوقفا على أن يكون له ملك أو مال فعلا، بل يكفى في صحته، كونه ذا مال وذاملك بالقوة، صحة اطلاق ذى المال وذى الملك على الفقير غير القادر على تحويل العين في وقته وليس الامر كذلك لعدم صحة صدقه على مثل هذا الشخص المفروض بالبداهة. لانا نقول: ان عدم صدقه عليه فعلا لعدم الربط والعلقة بينه وبين هذا الشخص المفروض في علم الله وفي نفس الواقع لعدم الاضافة بينهما بخلاف ما نحن فيه، فان المفروض أن العلقة والاضافة فيما بينهما موجودة فعلا، لكن الطرف غير موجود فعلا ولكنه موجودة في ظرفه وعند

[ 216 ]

وقته وأوانه كما مر آنفا (1).


(1) هذا ما افاده شيخنا العلامة دام ظله، وهو يرى ان الملكية من مقولة الاضافة وهى قائمة بين المالك الموجود، والمال المتحقق في ظرفه في المستقبل، ولاجل ذلك يفرق بين الملى والفقير في الذمة فان ظرف الاضافة في الاول موجودة في ظرفه وهذا كاف في تحمل الاضافة دون الثاني. هذا وفي ما افاده دام ظله نظر: فان الملكية لو كانت من مقولة الاضافة، أو من الامور ذات الاضافة وان لم تكن من مقولتها كالعلم والرزق، لاحتاج إلى طرف موجد بالفعل، ولا يكفى الوجود بالقوة في المستقبل، لامتناع قوام الامر الموجود الفعلى، بامر معدوم فعلا، وكونه موجودا في علم الله اوفى عالم الدهر لا يناسب الابحاث الفقهية والاولى ما افيد من ان الملكية من الامور الاعتبارية، وهى ليست من الامور المتأصلة المحتاجة إلى موضوع حقيقي، ويكفى اعتبار وجوده في ذمة البايع إذا كان قادرا على تحويل العين في موعده المقرر. واما قياس ذلك بالسرور القائم بالوالد والولد غير الموجود فعلا فمع الفارق، لان السرور قائم بين الوالد والولد المتصور الذهنى، لا الخارجي، وكذا الخوف، قائم بينه وبين القتل المتصور فتدبر. المؤلف

[ 217 ]

الفرق بين الحق والحكم ان المحققين من الاعلام عرفوا الحق بتعاريف: تارة بأنه سلطنة مجعولة من الشارع للانسان من حيث هو على غيره، أو سلطنة شخص على غيره. واخرى بأنه اعتبار خاص يلزمه السلطنة. وثالثة بأنه مرتبة خفيفة منتزع عن الملك. ثم فسروا الغير بأن المراد منه قد يكون الشخص، وقد يكون المال، وقد يجتمعان كما في الاجارة. اما اولا فلان لحاظ الفرق بين الحق والحكم مثل لحاظ الفرق بين الوجوب والاستصحاب، أو بين الوجوب والاستحاضة مثلا وأمثال ذلك في أنهما ليسا من سنخ واحد كى ينجر الامر عند اشتباه أحدهما بالاخر إلى التفريق والتميز في تشخيص أحدهما عن الاخر، بل هما سنخان متغايران غاية التغاير. لان الحكم عبارة عن الاحكام الخمسة التكليفية من الوجوب والحرمة والندب والكراهة والاباحة وعن الاحكام الاوضعية من السببية

[ 218 ]

والشرطية والجزئية وأمثالها. وأما الحق عبارة عن أمر مترتب عليه وشيئ متفرع عليه. وبعبارة اخرى أن الحكم عبارة عن الامور والاوصاف القائمة بنفس الحاكم، والحق عبارة عن الاوصاف والامور الثابتة القائمة ابتداء أن انتزاعا بنفس المحكوم ليفعل للغير أو يفعل الغير له، وبين المفهومين بون بعيد لا يشتبه أحدهما بالاخر أصلا. وأما ثانيا فلان تعريفه بالسلطنة غير صحيح، إذ من الحقوق في الشرع مالا يتصف بها أصلا بل يكون اطلاقه عليه غير صحيح عند العرف كما في حق الاخ المؤمن على أخيه المؤمن وحق الجار على الجار مع أن واحدا منهما لا يتصف بانساد السلطنة إليه بأنه مسلط وذو سلطنة على أخيه المؤمن أو جاره وهكذا. فالظاهر ان معنى الحق فيهما هو معناه اللغوى والعرفي وهو اللائق والجدير، وبالفارسي - سزاوار - يعنى أن ذا الحق يليق أن يفعل له بكذا بمعنى أن حاله وشأنه يقتضى أن يفعل له كما في قولنا أكرم العالم والمطعم وأهن الظالم والفاسق، فان العالم والمطعم كان من حقهما أن يكرما و الظالم كان من حقه أن يهان وكذا الاب والام كان من شأنهما أن يطاعا، وكذا غيرهما من ذوى الحقوق. وهذا المعنى مطرف في جميع الموارد التى ورد فيها حق من الحقوق المجعولة في لسان الشرع. وايضا انه اعتبر في الحق دائما كونه بالنسبة إلى الغير وقد لوحظ في جميع موارده ذلك المعنى، كما في حق التحجير والمارة وامثالهما إذ مقتضى تعلق حقه على الارض المحجرة انه كان لصاحب التحجيران

[ 219 ]

يمنع الغير عنها، وكذا في حق المارة انه كان للمار حق في ثمرة واقعة في طريقه بحيث لا يجوز للغير ان يمنعه عنها. بخلاف الحكم، فان اعتبار الغير ليس شرطا في لحاظ تعلقه، فانه تارة يكون متعلقا بنفس الشخص كما في وجوب الصلاة والزكاة وغيرهما واخرى يكون بلحاظ الغير متعلقا على الشخص كما في قولك: يجب عليك أن تضرب زيدا أو يجب عليك اكرام العلماء والسادة أو غيرهما، الا انه ليس هذه الملاحظة و الاعتبار بلازم دائما ومن هنا ظهر فساد ما في تفسير " الغير " من كونه تارة شخصا واخرى مالا كما مر آنفا. ثم انه لابد في موارد الحقوق الثابتة لذيها في الشرع من علل و واسباب تكون هي المنشأ لوجودها وثبوتها. وتلك العلة أو السبب قد يكون امرا ذاتيا بحيث لا يمكن اسقاط المعلول والمسبب كما في حق واجب الوجود على العباد اذحقه تبارك و تعالى ان يعبده العباد ولا يشركوا به طرفة عين ابدا فان اسقاط ذلك الحق غير ممكن، وكما في الحق الثابت للوالدين بالنسبة إلى اولادهما فانه لا يمكن اسقاط حق الابوة وامثاله مما كان معلوليته ناشئة عن امر ذاتي غير قابل للتغير والانقلاب. وقد يكون معلولا عن امر اصلى لا يمكن اسقاطه وتغييره في نفسه وحده الا مع اسقاط ذلك الامر الاصلى، وهذا مثل حق الرجوع في الوكالة وامثاله فانه لا يمكن اسقاطه مع كون الوكالة باقية على ما هي عليه، الا ان يسقط معه نفس الوكالة وموضوعها، بان عزل الموكل

[ 220 ]

الوكيل في ضمن اسقاطه، الا انه مع اسقاطه نفس الوكالة لا معنى لاسقاط ذلك الحق، لانه يكون ساقطا بنفسه من دون حاجة إلى اسقاطه ثانيا كما هو واضح، وكذا حق الرجوع في الدين وكذا حق الرجوع للزوج في الطلاق الرجعى وامثالها فعلم ان اسقاط الحق في هذه الموارد غير ممكن الا مع اسقاط اصله ومنشأه. وقد يكون معلولا عن امر يمكن اسقاطه بدونه كما في موارد من الخيارات كخيار الغبن وخيار العيب وخيار الشفعة وامثال ذلك، فان في كل واحد منها حقا للمغبون في رجوعه في عين ماله ثمنا كان أو مثمنا وكذا الشريك ايضا يجوز له الرجوع في حق الشفعة إلى شريكه ويجوز لهم ايضا اسقاط حقوقهم ومصالحتها بشئ آخر وكذا سائر التقلبات الشرعية، وهذا بخلاف حق الرجوع في الوديعة والعارية والهبة، فان للمعير والمودع والواهب حق رجوع في عاريته ووديعته وهبته وليس لهم اسقاطه بنقل أو مصالحة أو بلا شئ بالاجماع والاخبار. هذا كله في بيان حال الحقوق. واما منشأ الاختلاف والتفاوت في جواز اسقاط بعض منها دون بعض آخر فيمكن ان يقال فيه كما قيل: ان الذى لا يجوز اسقاطه كما في العقود الجائزة فهو لكنه حكما شرعيا، والذى يجوز اسقاطه كما في غيرها فهو لكونه حقا. ولكن فيه ما لا يخفى، لان التميز فيما بين الحقوق بان هذا حق وذاك حكم مع انه يطلق الحق على الجميع في الشرع يحتاج إلى مميز ودليل كى يمزه هذا عن ذاك وذاك من هذا مع ان ما ورد في لسان الشرع انما هو: يجوز لك الفسخ، أو: يجوز لك الاسترداد

[ 221 ]

أو: لك الرد، أو: لك الخيار، وامثال ذلك، وهو امر واحد، وشئ فارد، اما منتزع عنه الحكم أو الحق فلو انتزع معه الحكم لا يجوز اسقاطه لعدم كونه في يد المكلف ففى كلها كذلك، ولو انتزع منه الحق يجوز اسقاطه، ففى جميعها كذلك، واما التفصيل بان بعضها حكم وبعضها حق من دون مفصل فهو كما ترى. تعم ان صحة الكبريين الكليتين وهما: كل ما هو حكم لا يجوز اسقاطه وكل ما هو حق يجوز اسقاطه ونقله مسلمة من دون اشكال وخلاف فيها، وانما الشأن في تطبيق هاتين الكبريين على صغرياتهما، بعمنى ان أي مورد، من موارد صغرى تلك الكبرى دون صغرى الاخرى أو بالعكس. لكن يمكن ان يقال في ضابطة التميز بين الصغيريات، ان كل حق يكون سبب جعله ارفاقا للمكلف ودفعا للضرر المتوجه إليه يجوز، له حينئذ اسقاط هذا الحق، إذ في اسقاطه يتوجه إليه الضرر، لكنه من قبل نفسه اختيارا أو من جهة اقادمه عليه، لامن قبل الشرع وغيرها من النظائر. وكل حق ينجر اسقاطه إلى زوال الغرض أو إلى توجه الضرر من قبل الشرع لا يجوز اسقاطه كما في حق الرجوع في العقود الجائزة وحق الوكالة والوصاية وولاية الحاكم وامثالها، لان مقتضى اسقاط حق الرجوع في العارية والوديعة والهبة مثلا هو رفع اليد عن ملكيتها وهو موجب لوصول الضرر من قبل الشرع أو لزوال الغرض الاهم الذى ينافى لنفس جعل الحق، اعني جواز الرجوع فيها، وكذا اسقاط حق الوكالة أو حق الوصاية أو حق الولاية مثلا يقتضى رفع اليد عن

[ 222 ]

اصل الوكالة والوصاية والولاية، فظهر انه لا يجوز اسقاط الحق في امثالها لما مر. فهذا مجمل الكلام في المقام وأما التفصيل بين الموارد كلها على الوجه الذى ذكر لاتسعه هذه الرسالة، فلابد له من محل آخر. حق الرجوع في المطلقة الرجعية وأما حق الرجوع في المطلقة الرجعية، هل يجوز صلحه أو هبته بشئ أو غيرها من الاسباب المسقطات والنواقل ولو كان الداعي على ذلك استخلاص الزوجة من يذ زوجها وعدم تطرقه إليها بوجه، أو لا يجوز، وجوه، تارة يقال: انه جاير مطلقا، واخرى ليس بجايز كذلك، وثالثة يفصل بين القول ببقاء الزوجية بعد الطلاق إلى انقضاء العدة وعدمه، فان قلنا بالبقاء بعده فلا يجوز فيه ذلك، و ان قلنا بعدم بقائها بعده فلا مانع من جوازه إذا تحقق ذلك فاعلم أنه يمكن الاستدلال على الوجه الاول بوجهين: الاول: الروايات الواردة في جواز هبة حقوق المتمتع بها من النفقة والاجرة والكسوة وغيرها، فيستنبط من تلك الروايات أيضا انه يجوز للزوج صلح حق الرجوع إليها، إذا زوجية المطلقة ليست بأشد من زوجية المتمتع بها وأقوى منها، بل دلالتها هنا اولى من دلالتها هناك لان الغرض الاهم من الزوجية فيها هو الاستمتاع في أغلب الاوقات بخلاف الغرض من الزوجية في المقام، فان المقصود الاهم منها هنا هو التناسل والتوارث فيما بينهما.

[ 223 ]

الثاني: الروايات الدالة على جواز هبة الزوجة وابرائها في النكاح الدائم كل ما وجب عليه ايفائه وبرائة ذمته عنه من حقوقها من صداق أو كسوة أو نفقة أو قسم أو غيرها مما يسمى حقا لها، لئلا يطلقها، ويستكشف منها أيضا - لو لم نقل بالدلالة - بتنقيح المناط أن ما نحن فيه أيضا كذلك فيجوز مصالحة حق الرجوع إليها في أيام عدتها وقبل انقضاء مدتها، إذا الدوام لا خصوصية له في الجواز، وأن الزوجية فيها ليست بأشد منها أيضا كما مر. مع ان دائرة الصلح أوسع من دائرة الهبة، كما يدل عليه " ان الصلح جائز بين المسلمين " (1). هذا بالنسبة إلى بقاء الزوجية بينهما بعد الطلاق إلى انقضاء العدة، وأما بالنسبة إلى بقائها فأوضح، إذ المحذور الذى يحتمل ما نعيته في المقام أو يترآى عن الصلح انما هو وجود الزوجية وبقائها لكونها منشأ لذلك الحق ومن شئوناته، فإذا فرضنا انها ليست بباقية، وان ذلك الحق والاثر مجعول له من قبل الشرع في تلك الحال فلا مانع حينئذ من الصلح، وهذا هو المطلوب. ومما يؤيد ذلك القول قوله تبارك وتعالى: " وبعولتهن أحق بردهن " (2) فانه يدل على أن الزوجة بمجرد ايجاد الطلاق من المطلق قد خرجت عن الزوجية على ما يستفاد من كلمة " الرد ". وأما تسميتها زوجة في العبارة المتداولة " المطلقة رجعية زوجة "


(1) الوسائل: الباب - 13 - من ابواب احكام الصلح الحديث 2 - 1. (2) البقرة: 228.

[ 224 ]

فانما هو تعبير للفقهاء واصطلاح منهم والا فليس بهذا المضمون رواية أصلا. نعم ان الشارع قد جعل للزوج حقا وهو جواز رجوعه إلى العقد السابق واسترداده لها إليه كما جعل لها حقوقا أيضا في تلك الحال، سواء فرضنا رجوعه إليها أم عدمه كما مر. وحاصل التائيد أن الاسترداد والرجوع حق للزوج كما يدل عليه التعبير بلفظ " أحق " في الاية، فإذا كان حقا له يجوز صلحه من دون اشكال. لا يقال: فرق بين المقام وهو المطلقة الرجعية وبين المتمتع بها في اطلاق الزوجية عليها إذ المتمتع بها مستأجرة كما هو مقتضى الاية الشريفة: " فما اسمتعتم به مئهن فآتوهن أجورهن فريضة " (1) بخلاف المطلقة الرجعية فانها زوجة حقيقة بناء على زوجيتها فحينئذ دعوى عدم أشدية الزوجية وعدم الاقوائية فيها عنها في المقايسة كما ترى. لانا نقول: ان المتمتع بها زوجة حقيقة بالضرورة من الدين، والا فلازم ما ذكر ثبوت قول العامة من أن المتعة داخلة تحت قوله تعالى: " ومن اتبغى وراء ذلك فأولئك هم العادون " (2) ولا اقل من كونه تأييد ألهم. بيان الملازمه أن المتعة ليست بزوجة ولاملك يمين على الفرض فتكون داخلا في ذيل الاية أعنى قوله تعالى " ومن ابتغى.. " وهذا المعنى مناسب لقولهم لا قولنا.


(1) سورة النساء: 24 (2) المؤمنون: 7.

[ 225 ]

نعم ان زوجيتها فيها ليست مثل الزوجية في العقد الدائم بل هي خاصة منحصرة بمقدار أيام التمتع فقط بخلافها فان زوجيتها مطلقة دائمة، وهذا المقدار من الفرق لا يوجب نفى أصل الزوجية، بل يوجب الفرق في حيثيتها وكيفيتها كما لا يخفى. واما الاستدلال على الوجه الثاني، فبان يقال: ان حق الرجوع هنا منتزع عن حكم الشارع بجواز رجوعه إلى زوجته المطلقة ما لم يخرج ايام العدة، وهو حكم - ولو باعتبار المنشأ - غير قابل للاسقاط والصلح. واما الاستدلال على الوجه الثالث وهو التفصيل، فنقول: اما عدم جواز الصلح والهبة مثلا بناء على بقاء الزوجية، فلان الحق الملحوظ في المقام لازم للزوجية ومعلول لها فانفكاك اللازم والمعلول عن وجود الملزوم والعلة غير معقول. وما جوازه بناء على عدم بقائها فظهر وجهه من احد شقى الوجه الاول فراجع. الا ان الحق انا لا نرى مانعا من جواز الصلح وغيره في المقام مع ما مر من كون دائرته اوسع كما مر من قوله صلى الله عليه وآله: " الصلح جائز بين المسلمين " (1) ودعوى ان التمسك به هنا تمسك بالعام في الشبهة المصداقية لانا نعلم بخروج بعض الافراد منه قطعا ونشك في ان هذا الفرد المشتبه علينا هل كان من افراد المخصص كى لا يجوز فهى الصلح ايضا أو من افراد العام كى يجوز فيه ذلك لكونه فردا من افراده. والقول بانه فرد من افراد المخصص - بالفتح - لامن افراد المخصص - بالكسر - تمسك له في المصداق المشتبه.

[ 226 ]

مدفوعة بانه نعم لااشكال في خروج بعض الافراد من ذلك العام الا ان الافراد الخارجة منها وكذا الافراد الباقية ليست معنونة بعنوان وموصوفة بوصف حتى لا يجوز التمسك به في المورد المشتبه لعدم العلم بعنوانه الموجب دخوله تحت العام ولسكوت نفس العام عن ذلك، بل الخارجة منها افراد غير معنونة، فاى مورد نعلم خروجه يترتب عليه حرمة الصلح قطعا واى مورد نعلم دخوله أو نشك في خروجه يترتب عليه جوازه كما لا يخفى. على ان المقام من قبيل الشبهة الحكمية دون المصداقية. هل يجوز الصلح على حق اليمين من الموارد التى يجوز مصالحتها من الحقوق حق اليمين الذى لمدعى الدعوى على منكرها وان كان للاستخلاص من الاحلاف لاجل رفع النزاع وقطع الخصومة إذا صالح المجتهد أو غيره، فيصالح حق الدعوى له أو غيره من حقوقه بشئ من المال. بل يمكن ان يشترط في ضمنه على المدعى عليه ان يحلف للمدعى أي حلف يريده من الحلف على الله أو باحد الاولياء والقديسين ولكن هذا الحلف غير الحلف الذى تقطع به الخصومة، فانه لا يجوز الا باسمه الخاص اعني لفظ الجلالة ولايجوز الاحلاف فيها لغير المجتهد. ولا يخفى صحة هذه المصالحة لما مر من كونه حقا ثابتا في الشرع نعم يكشل الامر فيما إذا علم القاضى بكذب المنكر فيما ينكره فانه لا يجوز احلافه حتى مثل ذاك الاحلاف لانه امر بالمعصية وهو غير جائز وباقى الكلام في كتاب القضاء.

[ 227 ]

هل يقع الحق عوضا عن المبيع اولا قال الشيخ الانصاري اعلى الله مقامه في مقام بيان صحة كون الحقوق عوضا في البيع وعدمها ما هذا حاصله: انه لابد في البيع ان يكون العوض فيه مما يقبل المعاوضة بالمال ويقبل النقل والانتقال، ولذا علل عدم صحة كون الحقوق عوضا فيه بان البيع تمليك الغير. ثم قال: ولا ينقض ببيع الدين على من هو عليه، لعدم مانع من كون هذا البيع تمليكا. فيكون اثره سقوط الدين عن ذمته، لعدم معقولية تسلط الشخص على نفسه. ثم قال: والسر ان الحق سلطنة فعلية لا يعقل قيام طرفيها بشخص واحد، بخلاف الملك، فانه نسبة بين المالك والمملوك ولايحتاج إلى من يملك عليه حتى يستحيل اتحاد المالك والمملوك عليه فافهم. واما الحقوق القابلة للانتقال كحق التحجير ونحوه فهى وان قبلت النقل وقوبلت بالمال في الصلح، الا أن في جواز وقوعها عوضا للبيع اشكالا من اخذ المال في عوضي المبايعة لغة وعرفا.. (1) اقول: لا يخفى ما فيه من الاشكال من وجوه اربعة بل خمسة.


(1) المتاجر للشيخ الانصاري ص 79 طبع تبريز

[ 228 ]

الاول ان تعليل عدم صحة كون الحق عوضا بان البيع تمليك الغير لاوجه له، إذ المدعى انه هل يجوز ان يكون الحق عوضا في البيع اولا وكون حقيقة البيع، هو تمليك المعوض للغير غير مرتبط لصحة جعل الحق عوضا حال الشراء وعدمها كى يعلل به. نعم هذا التعليل مناسب لعدم جواز الحق معوضا فيه كما هو واضح. الاثانى: سلمنا ارتباطه له، لكن جوابه من النقض، بقول: " لانه لامانع من كونه تمليكا فيسقط " (1) اخص من المدعى، إذ المدعى انه هل يجوز جعل الحقوق عوضا في البيع مطلقا سواء كان البيع ممن هو علهى ام من غيره ولا اختصاص له بالاول كما هو المتوهم من النقض، ومن قوله: " والسر ان الحق سلطنة فعلية.. " (2) الثالث: ان اصل المدعى غير مسلم، إذ من اين ثبت وعلم ان الحق سلطنة فعلية بالنسبة إلى الغير كى لا يعقل قيام طرفيها بشخص واحد. هذا مع ان من الحقوق ما ليس هذا المعنى ملحوظا فيه مثل حق التحجير وامثاله، فان حق المحجر انما تعلق بالارض المحجرة وهى صارت مالا له فقط من دون لحاظ الغير فيه، الرابع: ان جوابه قدس سره عن عدم صحة وقوع حق التحجير عوضا في المبايعة بعدم كونه مالا، مشعر، بل اعتراف بان ما سبق عليه في عبارته قدس سره (3) من الحقوق، وهو حق الخيار وحق الشفعة


(1) المتاجر ص 79 (2) المتاجر ص 79. (3) المتاجر ص 79.

[ 229 ]

كان من قبيل المال، فعلى هذا يوجد من الحقوق، ما يبدل بازائه المال ويقبل المعاوضة ويصح نسبة النقل والانتقال إليه. الخامس: انه هل يعتبر في العوض ان يكون من قبيل المال ومنصحرا فيه بحيث لو لم يكن مما ينتقل منه إلى غيره يكون البيع فاسدا من اصله ولغوا، أو يكفى فيه ان يكون مما يقبل المعاوضة وان لم يكن مالا، فيكون اثر النقل حينئذ السقوط، يعنى سقوط حق المشترى عن ذمة البايع إذا فرض له حق عليه. والتحقيق والاقرب هو الثاني، لعدم الدليل عل اعتبار كون العوض مالا بالخصوص. نعم ان ما هو لازم في تحقق البيع عدم كون العوض من قبيل الحق فلا، بل يمكن دعوى عدم اعتبار كونه مالا في طرف المبيع ايضا كما لا يخفى. ويمكن دفع هذه الاشكالات. أما الاول فواضح. إذ من المعلوم ان التمليك انما هو من الطرفين إذ كما انه مسند إلى البايع بالنسبة إلى مبيعه كذلك مسند إلى المشترى بالنسبة إلى عوضه، غاية الامر أنه في أحدهما أولا وبالاصالة وفي الاخر ثانيا وبالتبع، فيكون حاصل التعليل بقوله: " لان البيع تمليك الغير " (1) أن الحق المذكور لا يقبل النقل والانتقال فلا يصلح لتمليك المشترى عوضه، فحينئذ يكون مرتبطا بالمقام وواقعا في موقعه. نعم لو قيده بلفظ العوض بأن قال لان البيع تمليك الغير بعوض لكان أوضح في الجواب لان فيه دلالة على كونه مما يقبل النقل والانتقال


(1) المتاجر ص 79.

[ 230 ]

ولو تضمنا، والحق الذى في المقام ليس مما يقبل ذلك. واما الثاني فلان قول: " والسران الحق سلطنة فعلية لا يعقل قيام طرفيها بشخص واحد " (1) جواب عن سؤال مقدر ناش عن جواب النقض ببيع الدين على من هو عليه الذى نشأ من عدم اتصاف الحق بالنقل والانتقال، بيان ذلك: انه قدس سره لما دفع ورود النقض للمقام بما مر بأن في بيع الدين على من هو عليه، تمليكا واتصافا بالنقل والانتقال واثره سقوط الدين عن الذمة بخلاف ما نحن فيه من الحق فانه لا يتصف بهما فنشأ عنه سؤال وهو انه لماذا لا يكون ما نحن فيه من قبيل بيع الدين على من هو عليه في كونه متصفا بالتمليك والانتقال فيكون اثلا الانتقال السقوط ايضا. فأجاب عنه بما ذكر من ان الوجه والسر فيما بين المقامين، ان الحق سلطنة فعلية لا يعقل قيام طرفيها بشخص واحد، بل لابد في تحقق معناه من لحاظ الغير وطرفيته له، بخلاف مسالة بيع الدين على من هو عليه واما الثالث، فعن شقه الاول فان الكلام فيما كان لشخص على غيره من الحقوق، فلاريب انه نحو سلطنة منه على من هو عليه. واما عن شقه الثاني، فبعد تسليم الاطلاق أي مطلق الحق الثابت سواء كان على من هو عليه ام لامثل الارض المحجرة في الفرض نقول ان في حق التحجير ايضا سلطنة للمحجر على غيره، فان له ان يمنع غيره عن التصرف في ارضه المحجرة، لا انه مجرد اعتبار بينهما كما لا يخفى. واما الرابع، فان وجه الفرق بين تلك الحقوق والحقوق


(1) المتاجر ص 79.

[ 231 ]

السابقة عليها ما ذكره قدس سره وهذا حاصله: انها وان قبلت النقل وقوبلت بالمال في الصلح بخلافها الا ان نفى المالية عنها هنا لا يكون اثباتا للمالية لها هناك غاية الامر ان هناك ما نعين من وقوعها عوضا للبيع احدهما عدم قبولها النقل وثانيهما عدم ماليتها، بخلافها هنا فان فيها مانعا واحدا وهو عدم المالية فيها. (1) نعم يرد على الشيخ قدس سره ايراد آخر، وهو ان قوله رحمه الله: " وقوبلت بالمال في الصلح " اعتراف بأنها اموال، إذ لانعنى بالمال الا ما يبذل بازائه المال ويرغب فيه العقلاء كما مر في السابق واما الاشكال الخامس فالظاهر انه غير ممكن دفعه ووارد عليه كما لا يخفى.


(1) راجع المتاجر ص 79.

[ 232 ]

عود إلى بدء ما هو حقيقة البيع اعلم أن لفظ البيع ليس له حقيقة شرعية، ولا حقيقة متشرعة، بل انما هو باق على معناه اللغوى والعرفي كما أشرنا إلى ذلك في السابق وقلنا ان معناه من المفاهيم العرفية والمعاني الواضحة عند الناس، غير منقول عن معناه اللغوى والعرفي. ومع ذلك قد اختلف الفقهاء كثر الله أمثالهم في تعيين معناه وتنقيح ما يراد من مصدر " بعت " من المعاني المحتملة. ثم ان مما ذكروا له من المعاني " التمليك " و " التبديل " و " النقل " و " الانتقال " و " الايجاب والقبول " و " المبادلة " وكلها راجع إلى معان ثلاثة: النقل والانتقال والعقد من الايجاب والقبول لاغير. أما المعنى الثاني والثالث من هذه الثلاثة فليسا معنى للبيع بلا اشكال. لان الاول منهما أعنى الانتقال أثر للبيع ولازمه لاأنه نفسه وهو واضح. والثانى محصل وسبب لتحقق معناه، لانهما لفظان واللفظ لا يعقل أن ينشأ باللفظ بل المعنى ينشأ به. فلم يبق ألا المعنى الاول وهو " النقل " ولا يخفى ما فيه أيضا من الاشكال، إذ المراد منه اما الفعل الانشائى

[ 233 ]

الصادر من البايع وان شئت قلت: ان يستعمل مصدرا لباع بمعنى اوجد البيع وهو بهذا المعنى عبارة عن الفعل الصادر من احد المتعاملين خاصة مباشرة أو توليدا. واما ما يقصده البايغ بقول: " بعث " في العقد وهو النقل الاعتباري الانشائى سواء ترتب عليه القبول ام لا. فايهما يراد لا يخلو من مخدور بيان ذلك ان المراد لو كان الاول لا نتقض بسائر تصاريفه التى يراد فيها من البيع، النقل الاعتباري الانشائى مثل " باع " و " باع " و " بايع " و " مبيع ". على انه لزم ان يصح نسبة البيع إلى الدار وان لم يتعقبه القبول بل من دون وجود المشترى وان يصدقه العرف لو اخبرهم بهذا البيع والحال ان الامر ليس كذلك. على انه لو كان بصدد الاخبار عما اراده من بيعه - وهو الفعل الانشائى - وقال: بعث دارى يلزم ان لا يفهم العرف من اخباره الامانواه وليس الامر هكذا. وان كان المراد النقل الاعتباري كما هو كذلك في الموارد المذكورة السابقة، لكنه ينتقض بالفعل الانشائى الذى يدل عليه " البيع " الذى هو مصدر " بعت " ويلزم أن يكون البيع من قبيل الايقاع لا العقد، فلا يحتاج إلى تعقب القبول بعد الايجاب كما هو مقتضى الايقاع. ويلزم صدور كل واحد من الايجاب والقبول من ناحية البايع خاصة، مع أن القبول ليس مقدورا له، لانه فعل الغير. وقد تفطن بذلك صاحب المقابيس وأدعى أن للفظ " البيع " اطلاقات:

[ 234 ]

تارة يستعمل مصدرا لباع بمعنى الفعل الانشائى من ايجاد البيع وانشائه الصادر من البايع خاصة. واخرى يستعمل فيما يقصده البايع بقوله " بعت " في العقد، من النقل الاعتباري الانشائى الكاشف عن الرضا التنجيزي. وثالثة يراد منه الاثر المترتب على تحقق جزئي العقد معا وهو النقل العرفي مطلقا والشرعي مع صحة العقد. ورابعة نفس العقد المركب من الايجاب والقبول، وهو الشايع المعروف بين الفقهاء، انتهى موضع الحاجة (1). اقول: نعم يندفع المحذور ان المذكوران بما ادعى قدس سره من الاطلاقين الاولين للفظ البيع. لان استعمال كل واحد منهما في مورده غير استعمال الاخر في مورده وبالعكس. لكن مقتضى ذلك هو القول بان البيع مشترك لفظي فيهما لا يستعمل الا مع القرينة وهو مستلزم لتعدد الوضع فيه، وهو خلاف الاصل، ولا دليل عليه بل الدليل على عدمه كما يجئ. والحق في المقام ان يقال ان معنى البيع، بالحمل الشايع الصناعي الذى هو سار في جميع تصاريفه ولا يلزم منه محذور اصلا هو النقل الاعتباري وان الذى يصدر من البايع من قوله: بعث أو ملكت، هو صدور هذا المعنى المذكور منه واظهاره ذلك على الغير بانشائه، ويكون هذا المعنى منشأ بانشائه بهما أو بغيرهما من الاسباب ومسببا عنه وله وجود ايضا فعلا وليس تعقب القبول عنه شرطا متأخرا


(1) المقابيس للمحقق التسترى ص 107 - 108 مع اختصار

[ 235 ]

له حقيقة أو بمثابة الشرط المتأخر اصلا كى يكون حصول القبول ووجوده كاشفا عن حصوله من اول الامر وعدمه عن عدمه كذلك حتى يدعى اشكال الاستحالة: من انه كيف يكون الشئ موجودا مع ان من جملة شرائطه وجوده وجود شرطه المفروض عدم وجوده فعلا. بل المتوقف على وجود القبول هو تحققه الخارجي ووقوعه في الخارج ليكون محلا لترتب الاثار واللوازم. والذى ينبه على المختار من معنى البيع فضلا عن الدلالة عليه، انه لو فرضنا ان البايع اراد من لفظ " بعت " مثلا الفعل الانشائى واراد المشترى من لفظ " قبلت " ايضا هذا المعنى المذكور فما الذى يترتب على هذا البيع بعد انشائهما. فان كان المترتب عليه هو النقل الاعتباري الذى هو نتيجة كلا الفعلين وحاصل عنهما، يلزم ترتب شئ اجنبي صرف عليه لعدم كونه متعلق قصدهما بالفرض. وان كان هو نفس الانشاء الفعلى، فهو ليس بيعا في العرف، بل لا فائدة اصلا في ترتبه لاحد من المتبايعين كما هو واضح. وهذا المعنى المدعى مطرد في جميع التصاريف غير مختص ببعضها دون بعض. فلا يرد حينئذ عليه محذور من المحاذير السابقة اصلا فتذكر. إذا تحقق ما ذكرنا فاعلم ان القوم عرفوه بتعاريف عديدة قال المحقق الثاني في جامع المقاصد في تعريفه: " والاقرب ان

[ 236 ]

البيع هو نقل ملك من مالك إلى آخر بصيغة مخصوصة " (1). واورد عليه الشيخ الانصاري قدس سره جملة من الاشكال (2). منها: دعوى لزوم الدور في تعريفه لو اريد بالصيغة خصوص بعت، إذ المقصود معرفة مادة " بعت ". ولا يخفى ما فيه من الفساد، لان الغرض والمقصود كما ذكره رحمه الله معرفة معنى البيع وان معرفته متوقفة على معرفة مادة " بعت " وليس فيه اشكال، واما توقف معرفة نفس بعت على معناه فغير مسلمة إذ يكفى في معرفته انه مما ينتقل به المبيع ويتحقق في ضمنه، واما معرفة حقيقة البيع وانها ماذا؟ كما هو المدعى فليست معرفة صيغة " بعت " متوقفة عليها وهو ظاهر. ولا يخفى ان ما نسبه الشيخ إليه من التعريف ليس عين عبارته وان كان مناسبا له، فلعله نقله بالمعنى، وقد ذكرنا عين عبارته فراجع حول تعريف الشيخ الانصاري للبيع. قال الشيخ الانصاري - بعد سوق الاشكالات على تعاريف القوم للبيع -: فالاولى تعريفه بانه انشاء تمليك عين بمال (3) وفيه ما لا يخفى من الفساد ايضا، بل الانصاف انه اردء التعاريف اما انه انشاء فليس بصحيح إذ حقيقة البيع ليست بانشاء والا يلزم انشاء الانشاء حين المعاملة مع الغير.


(1) جامع المقاصد ص 8 من كتاب المتاجر مع اختصار (2) المتاجر للشيخ الانصاري ص 79 (3) المتاجر ص 79.

[ 237 ]

واما التمليك فكذلك لانتفاضه بموارد عديدة، مع انها بيع حقيقة، كما في بيع الحصير والاجر والجص وغيرها من ساير الالات واللوازم للمسجد، بغلة موقوفة له، فان التمليك لا معنى له هنا، لعدم المملك عليه. وكما في بيع العبد الذى كان تحت الشدة والمشقة بمال الزكاة وكما في بيع من ينعتق بمجرد الشراء كالعمودين وامثال ذلك من الموارد فان التمليك فيها ايضا لاوجه له لما مر. ولذا ادعى بعض من قال في البيع باعتبار التمليك، انه قبل الانعتاق يحصل الملك آناما ثم يحصل العتق تصحيحا لما ادعاه مع ان فيه ايضا ما لا يخفى من ان في حصول الملكية لا يفرق بين كون زمانها مدة قليلة أو كثيرة، فانه اما يحصل فيحصل مطلقا واما لا يحصل فكذلك. واما التفصيل بين كونها آناما وبين غيره فهو كما ترى. واما التعبير بالعين، ففيه ان اعتباره في حقيقة البيع انما يتم لو سلمنا المسامحة في التعبير في كلمات بعض الفقهاء وفي كثير من الاخبار كالخبر (1) الدال على جواز بيع خدمة المدبر والخبر (2) الدال على جواز بيع سكنى الدار التى لا يعلم صاحبها كما اشار إليها في اول البيع (3)


(1) كخبر ابى مريم والسكونى والقاسم بن محمد راجع الوسائل الباب - 3 - من ابواب كتاب التدبير الحديث 1 و 3 و 4. (2) كخبر اسحاق بن عمار المروى في الوسائل، الباب الاول من ابواب عقد البيع وشروطه، الحديث الخامس. (3) المتاجر للشيخ الانصاري ص 79.

[ 238 ]

والا إذا قلنا ان البيع كما يتعلق بالاعيان كذلك يتعلق بالمنافع كما ان ابدال المنافع ايضا مقتضى الاخبار (1) من دون الالتزام بالمسامحة فيها كما هو الظاهر منها، فلايتم ما ذكره. على ان حق التعبير ان يقيد لفظ " العين " بقيد " المتمول " والا كان تعريفه صادقا على ما ليس بيعا شرعيا كما إذا باع قبضة من ماء أو تراب بدرهم في مكان لم يكن لهما قيمة هناك كساحل البحر أو البر. والقول بان غالب موارد المبايعة هو المال ولذا لم يقيد به غير كاف، لان الشيخ قدس سالله سره آتى بلفظ المال في جوانب العوض، وغير تعريف السيد الطباطبائى، حيث انه اكتفى في جانب العوض بلفظ " العوض " لاجل انه رآى انه عام شامل لما ليس بمال فبدله بلفظ المال. مع انه يمكن الاكتفاء بتعريف السيد الطباطبائى والاعتذار بان غالب الموارد في جانب العوض هو المال، ويندر ان يكون العوض غير المال فلا حاجة لتبديل لفظ " العوض " بالمال. ولا يخفى انه لو لم يبدله كان اتم واحسن لما مر من صدق البيع على ما كان اثره الانتقال فيه انعتقاق المبيع كما في بيع العمودين أو سقوط الدين سقوطا. نعم قد اجاد في اسقاط قيد التراضي عن التعريف مع ان السيد الطباطبائى اخذه في التعريف - لصدق البيع على بيع المكره بلا اشكال


(1) راجع التعليقة على المتاجر للسيد الطباطبائى اليزدى قدس سره ص 54.

[ 239 ]

واما اعتبار " المال " في طرف العوض ففيه انه كما يصح ان يكون المال عوضا عن المبيع ومنتقلا إلى ملك البايع كذلك يصح ان يكون الحق عوضا عنه ويكون انتقاله إلى ملكه - في بعض الموارد - بمعنى سقوطه عن ذمته لا انه يصير ملكا له ثم يسقط كما مر سابقا. هذه هي الاشكالات الواردة على تعريف الشيخ الانصاري ره للبيع. ولكن يمكن الجواب عن ثانى الاشكالات وهو النقض بما ذكرنا من موارد عديدة وهو ان نقول: ان ما يوقف للمساجد انما هي موقوفة لاجل صلاح المسلمين ولمصالحهم من صلاتهم واعتكافهم فيها وغيرهما من المصالح الراجعة إليهم لا لاجل الاجر والجص وغيرهما، فإذا يكون المالك تمام المسلمين فيصح التعبير بالتمليك. نعم يشكل الامر في اجارة الموقوفة لها، بأن احدا من المسلمين إذا استجار العين الموقوفة لها سواء كان امام ذلك المسجد أو متوليه أو احد المصلين فيه فيصير ذلك الشخص موجرا ومستاجرا من وجهة واحدة وهو غير معقول. واما الجواب عن النقص ببيع العبد الذى كان تحت الشدة فنقول: ان المالك هنا الفقراء كما ورد في الروايات انه " إذا مات ولم يكن له وارث وقد صار حرا ذا مال يرثه الفقراء لانه قد اشترى بسهم "

[ 240 ]

في الرواية (1) أو " بمالهم " كما في رواية اخرى (2) الا ان تلك الروايات مخالفة لظاهر آيه (3) الزكاة حيث انه تبارك وتعالى قد جعل " وفي الرقاب " فيها قسيما للفقراء وعنوانا مستقلا في حد نفسه. هذا كله بالنسبة إلى مختار الشيخ قدس سره في تعريف البيع واما بناء على مختارنا فنقول: انه كما في المصباح عبارة عن مبادلة مال بمال أو كما قلنا بعوض، أو عن الاعطاء والقبض، وآثار ذلك تختلف باختلاف الموارد فان الاثر المطلوب منه قد يكون انعتاقا كما في بيع العمودين وقد يكون سقوطا وقد يكون غيرها، و اختلاف الاثار واللوازم لا يوجب اختلاف الملزم والمؤثر. وبناء على هذا الايرد عليه اشكال بوجه مما ذكر. اما بيع الات المساجد بالاموال الموقوفة لها فان من بيده تلك الاموال والموفوقات قد يبادلها بما هو من لواز المساجد وآلاتها. وبمجرد تبديلها بها تصير موقوفة لها. ولايحتاج إلى اجراء صيغة الوقف عليها لان اثر ذلك التبديل و الا بدال هو الوقفية كما هو واضح. فحينئذ يصدق عليه انه اعطى شيئا واخذ آخر وانه ابداله بعوض على المختار، أو ابداله بمال كما في تعريف المصباح.


(1) الوسائل، الباب - 43 - من ابواب المستحقين للزكاة الحديث 2. (2) الوسائل، الباب - 43 - من ابواب المستحقين للزكاة، الحديث 2. (3) التوبة: 60.

[ 241 ]

واما بيع العبد بمال الزكاة فنقول فيه: ان اثر تلك المبادلة صيرورته من اموال الفقراء، لما مر من انه انما اشترى من مالها على الفرض. والمبادل في المقام يكون مخيرا في ابقاء العبد على حاله فيجعله خادما للفقراء أو غيرهم من مصارف ما الزكاة، أو بيعه وصرف قيمته فيها أو اعتاقه كما ورد في الرواية (1) من انه يشترى ويعتق. ومن هنا يعلم انه بمجرد الشراء لا يصير معتقا كما توهم، والا فلا يكون حينئذ وجه لقوله عليه السلام: " يشترى ويعتق " كما لا يخفى واما بيع العمودين فكذلك ايضا الا ان اثرها هنا الانعتاق وهو عتق قهرى ولا ينافيه قوله: " لاعتق الا في ملك (2) لانه في المورد الذى لا يكون فيه مانع شرعى، بخلاف المقام في الشارع قد نفى تملكهما عمن ينعتقا عليه، وهو مانع شرعى لا يمكن للمكلف رفعه بخلاف المورد الاخر. ثم ان الشيخ قدس سره قد أورد امورا بالنسبة إلى تعريفه: منها: انه لو كان البيع انشاء تمليك عين بمال لجاز الايجاب بلفظ ملكت والا فلا يكون مراد فاله. ولا يخفى ان هذا ليس نقضا على مختاره ولا واردا عليه، لانه انما عرفه بانشاء تمليك ومقتضاه جوازه بلفظ ملكت وهو عين مطلوبه كما صرح به ايضا بقوله: " ويرده انه الحق " (3) أي جواز الايجاب به


(1) راجع الوسائل، ج 6 ص 203. (2) راجع الوسائل ج 16 ص 6 - 8. (3) المتاجر ص 79.

[ 242 ]

واما بناء على مختارنا فلا يجوز الايجاب به، لان التمليك كما مر اثر المبادلة ولازمها لانفسها. ومنها: عدم شموله على بيع الدين على من هو عليه، لان الشخص لا يملك مالا على نفسه ولايكون مديونا عليه. واجاب عنه اولا بانه قد عرفت في السابق وستعرف في اللاحق من تعقل تملك ما في ذمة نفسه فيرجع ذلك إلى سقوطه. ولا يخفى ما فيه، فانا لم نعرف منه الا مجرد دعوى تعقل تملك الشخص على نفسه من دون الاتيان بدليل وبرهان قاطع لمدعاه، والحال ان المستشكل انما يدعى الاستحالة وهذا بيانه: انا لو قلنا ان في بيع الدين على من هو عليه تمليكا ولو كان مرجعه إلى السقوط يلزم اتحاد الداين والمديون عليه وتسلط الانسان على نفسه وهو غير معقول ومحال. واجاب ثانيا بانه لو لم يعقل التمليك فيه لم يعقل البيع ايضا إذ ليس للبيع لغة وعرفا معنى غير المبادلة و النقل والتمليك وما يساويها. وحاصل ذلك الوجه دعوى المساواة بين لفظ بعت وملكت ونقلت وما يشبهها في المعنى، ولو فرضنا عدم صحة استعمال بعض منها لعدم تعقل التمليك فيه، يلزم عدم صحة الاخر ايضا قضاء الحق التساوى بينها، الا ان الثاني باطل، إذ المفروض افادة لفظ " بعت " التمليك فيكون الاول ايضا كذلك لما مر من مقتضى التساوى. وفيه: ان له ان يمنع التساوى بينها كما هو الحق، إذ للفظ التمليك معنى خاص لا يصدق الا في مورد يوجد فيه من يتملك بخلاف التبديل

[ 243 ]

والمبادلة والبيع فانها معناها عام يصدق فيما كان من يتملك وما لم يكن كما مر في الصور السابقة وبيع الدين ايضا من هذا القبيل في انه يجوز التبديل فيه دون التمليك لما مر. ومنها: شمول التمليك للمعاطاة، مع ان المشهور، بل المجمع عليه انه ليس ببيع. وأجاب عنه بأنا ملتزمون بكونها بيعا لما سيجئ، ومراد كل من نفى بيعيته نفى صحته ولزومه لا كونه بيعا. ولا يخفى أن هذا لا يكون نقضا على الشيخ قدس سره ولا على غيره ممن عرف البيع بالتمليك لانها حينئذ تكون من افراده ومصاديقه. نعم يمكن الاشكال عليه بوجه آخر وهو ان نقول: انه ما المراد من الانشاء المأخوذ في تعريف البيع في المعاطاة فان كان المراد منه المقاولة بين المتعاطيين من السؤال والجواب عن القيمة ومقدار البيع من حيث الوزن أو الكيل أو غير ذلك، مما هو متعارف حين المعاملة اظهاره واعلامه، ففيه - مع انها ليست بانشاء بلا اشكال تكون المعاطاة حينئذ بيعا بالصيغة ويكون هذا تعميما لصيغة البيع في انه قد تحصل بلفظ بعت وامثاله، وقد تحصل بالمقاولة - لابيعا بالافعال كما هو المختار -. وان كان المراد منه هو اعطاء المبيع واخذ الثمن مثلا، ففيه انه ليس بانشاء اصلا بل هو ايفاء للمقاولة الواقعة فيما بينهما، وان حالهما حال الاعطاء والاخذ في البيع بالصيغة (1)


(1) قد اشترنا إلى ما هو الحق عندنا: من ان الاسباب الفعلية كالاسباب القولية وان الفعل يقوم مقام القول إذا كان صريحا عند العرف في ما يفيد *

[ 244 ]

ومنها: صدق تعريفه على الشراء على مستأجر العين بالعين فان المشترى بقبوله للبيع يملك ماله بعوض البيع، والمستأجر بقبوله الاجارة يملك ماله من العين على المؤجر بعوض المستأجر به. واجاب قدس سره عن كليهما بأن التمليك فيهما ضمنى وانما حقيقته التملك بعوض. ومنها: انتقاض طرده بالصلح على العين بمال. واجاب عنه بما حاصله: ان الصلح ليس عين البيع بل معناه الاصلى التسالم، وهو قد يفيد فائدة البيع إذا تعلق بالعين، وقد يفيد هامش القول، فإذا كان الموضوع للاثر امرا انشائيا، يكفى فيه أي سبب عرفى من القول والفعل، فاشارة الاخرس إلى المفارقة عن زوجتها، كالقاء القناع على رأسها. يقومان مقام " انت طالق " إذا كان سببا عرفيا ولعله إلى ذلك ينظر ما نقل عن ابى حنيفة من ان ابيع ينعقد بما يرونه العرف بيعا وما افاده شيخنا من ان حال الاعطاء والاخذ في المعاطاة حالهما في البيع، بالصيغة، غير تام، لجريان المعاطاة، في الموارد التى لا توجد هناك المقاولة كما إذا كانت القيمة وسائر الخصوصيات معلومة، بحيث، لا يصدر من البايع والمشترى الا الاخذو الاعطاء فلا يكون حال الاعطاء والاخذ، فيه حالهما في البيع بالصيغة، لكونهما فيه وفاءا بالمقاولة دون المقام لعدمها بتاتا. وبهذا يستكشف تغاير حالهما في المعاطاة والبيع بالصيغة في عامة الموارد بل يمكن ان يقال: ان المعاطاة، بيع اصيل، والبيع بالصيغة متفرع عليه والمجتمع الانساني في بدء امره كان يبيع ويشترى بالمعاطاة ثم إذا بلغ إلى مرتبة من الحضارة، اخذ يدون القانون، فجعل اللفظ والكتابة مكان المعاطاة، خصوصا فيما إذا لم يمكن حمل المبيع فاحتل البيع باللفظ والكتابة مكان البيع بالمعاطاة - المؤلف

[ 245 ]

فائدة الاجارة، وقد يفيد فائدة العارية، وقد يفيد الانتقال والاسقاط والابراء إذا تعلق بالحقوق، وقد يفيد تقرير امر بين المتصالحين كما في قول احد الشريكين لصاحبه صالحتك على ان يكون الربح لك والخسران عليك فانه يفيد مجرد التقرير. ولو كانت عين تلك المعاني الخمسة حقيقة لزم كونه مشتركا لفظيا وهو واضح البطلان فيكون مفهومه معنى آخر وهو التسالم كما مر لكن يفيد في كل موضع فائدة من الفوايد المذكورة حسب ما يقتضيه متعلقه. فالصلح على العين بعوض تسالم عليه وهو يتضمن التمليك، لا ان معناه هو عين انشاء تمليك في خصوص المورد. ولا يخفى ما فيه، اما اولا لانا لا نسلم ان معناه التسالم الذى هو الجامع بين الموارد المذكورة، كى يفيد في كل موضع فائدة على حسب اقتضاه متعلقة، بل التحقيق انه اصل مستقل كما اتفق عليه كل الفقهاء وان نسب الخلاف إلى الشيخ في المبسوط، الا ان هذه النسبة اشتباه ناش من الاقتصار بأول كلامه من دون النظر إلى سائر عبائره فيه والا فقد اعتراف رحمه الله بكونه اصلا مستقلا في موردين، فراجع (1) واما ثانيا، فلانه لو كان بمعنى التسالم، لصح ان يستعمل " سالمت " مكان " صالحت " وليس كذلك بالاتفاق. واما ثالثا، فلان التسالم لو كان بمعنى الصلح لصلح تعديته بعن


(1) راجع المبسوط ج 2 ص 288 - 289 قال: فإذا ثبت هذا فالصلح ليس باطل في نفسه.. وقال في موضع آخر ويقوى في نفسي ان يكون هذا الصلح اصلا قائما بنفسه.. فراجع

[ 246 ]

ايضا، والحال انه لا يتعدى بها وهو واضح لمن كان له انس بعلم اللغة ومحاورات العرب. والحق ان معنى الصلح كما في اللغة والعرف هو رفع الخصومة والتوفيق بين الطرفين سواء كان بينهما خصومة فعلية ام خصومة مترقبة ام لا يكون بينهما خصومة اصلا، إذ ليس ذلك مبتنيا على ملاحظة الخصومة ولو مترقبة كما عليه العامة، بل يستعمل في الصفح والاعراض ورفع اليد وامثال ذلك، ولذا يتعدى إلى المفعول الاول بعن وإلى الثاني بالباء. ثم إذا تعلق الصلح بالعين بأن يقال صالحت دارى هذه بعوض مثل مائة دينار، يكون هذا الصلح عين البيع من غير فرق بينهما اصلا كما هو الحال في المصالحات الواقعة في الاسواق على ما رأيناه فان كل من المتصالحين لا يريد من صلحه الا اعطاء ما عنده واخذ ما عنده الاخر أو بالعكس. فحينئذ يكون تلك المعاملة اما بيعا فاسدا إذا فرض الجهالة في البين في العوضين أو لا يكون بيعا كما لا يكون غيره لعدم تعلق الارادة به وهو واضح. وحينئذ يعتبر في صحته ولزومه ما يعتبر في البيع من الشرايط من عدم الجهالة في الموضعين والقبض في المجلس في مصالحة النقدين وغيرهما من الخيار فيه وغيره، بناء على ان البيع يحصل بكل لفظ دال عليه ولو كان دلالته بذكر قيود مخصوصة عليه من دون ان يكون مخصوصا بلفظ دون لفظ آخر وبصيغة دون صيغة اخرى كما يشير إلى ذلك عبائر الفقهاء رحمهم الله من دون تخصيصهم ذلك بلفظ مخصوص أو صيغة مخصوصة. وان من قيده بصيغة مخصوصة عند تعريفه كجامع المقاصد

[ 247 ]

فمراده منه ايضا كل ما يدل على البيع ولو كان بواسطة ذكر قيود مخصوصة عليه كما مر، لا ان مراده خصوص لفظ " بعت " كما لا يخفى ومما يدل على انه لا يلزم في البيع ان يكون له لفظ صريح فيه، بل كما يحصل به، كذلك يحصل بغيره لكن بشرط ان يكون مؤداه كاشفا عنه ولو بواسطة ذكر لوازمه وقيوده، تحير الاصحاب واختلافهم في موارد في انها هل هي بيع اولا. منها تقبل احد الشريكين حصة نفسه من الثمار على الاشجار بخمسة وزنات مثلا من الاخر. ومنها رجل اشترى متعاعا بثمن وقال له رجل آخر: شركني فيما اشتريت من المتاع بنصف قيمته المأخوذة. ومنها قوله: لك من عندك ولى ما عندي. فان تحيرهم فيها في كونها بيعا أو غيره من سائر العناوين، يدل على ان البيع في صحته وتحققه ليس لابد ان يكون بلفظ خاص دون آخر، والا فلا يكون لدعوى البيعية فيها مجال، بناء على الاختصاص لعدم وجود لفظ مخصوص فهيا للبيع، بل اللازم حينئذ اتفاقهم طرا على انكار البيعية فيها من اصله. فحينئذ لما ثبت تلك المقدمة من عدم اختصاص البيع في صحته ولزومه بلفظ خاص، بل يتحقق بلفظ عام كما عليه الشيخ رحمه الله في آخر المعاطاة والمفروض تعلقه على عين في مقابل العوض يكون هذا القسم من الصلح بيعا ويعتبر فيه ما يعتبر فيه مما ذكر كما مر، من دون فرق بينهما فيكون مفهومه في خصوص هذا المورد مبادلة مال بمال، أو مبادلة عين بعوض.

[ 248 ]

ومن هنا ظهر ما في قول الشيخ قدس سره: " ومن هنا لم يكن طلبه من الخصم اقرارا بخلاف طلب التمليك " من الاشكال. إذ عدم كون طلب الصلح من الخصم اقرار وكون طلب التمليك والبيع اقرارا ليس من جهة ان الصلح في المورد المذكور ليس بيعا كى يكون اقرار في حقه، بل من جهة ان حقيقته ومفهومه عام كما مر من كونه عبارة عن الصفح والتوفيق ورفع اليد وغيرها من نظائرها، وان اثر هذا المفهوم العام يختلف باعتبار متعلقه، تارة يكون مفيدا فائدة التمليك، واخرى فائدة الابراء، وثالثة فائدة الاجارة وهكذا من موارده، ومن المعلوم ان العام لادلالة له على الخاص بوجه. واما إذا كان متعلقه هو العين في مقابل المال كما هو المفروض في المقام يكون بيعا ويكون طلبه اقرارا له بلا اشكال كما في طلب التمليك والبيع. فبناء على ذلك يكون تعريفه منتقضا بمثل ذلك بناء على مختاره وليس كذلك بناء على ما اخترناه كما لا يخفى. نعم ان ما صرنا إليه من دعوى البيعية فيه في مورد خاص كما مر تفصيله ينافى ما اتفق عليه القوم ويباينه من انهم اتفقوا على ان الصلح اصل مستقل في نفسه في قبال سائر العناوين، واتفقوا ايضا على ان الجهالة في العوضين غير مضرة في صحة المصالحة وانه ليس كالبيع في اشتراط التعيين فيهما وان ذهب بعض الاعلام كالمحقق الاردبيلى قدس سره وبعض آخر إلى اشتراط التعيين فيه ايضا، الا انه يمكن ان يقال فرارا عن مخالفتهم: الانصاف ان التبادل الملحوظ في باب الصلح

[ 249 ]

انما هو واقع بين الفعلين حقيقة أي فعل المصالح وفعل المصالح له، لما علم سابقا من ان معنى الصلح لغة وعرفا وفي جميع المورد التى وقعت في الكتاب المجيد، هو الصفح والتجاوز، أي تجاوز احدهما عن فعله في مقابل تجاوز الاخر عن فعله وان كان هذا التجاوز والاعراض لا يتحقق خارجا الا في ضمن المتصالح عنه والمتصالح به وتبادلهما فيه الا ان متعلق الصلح هو الفعل اولا وبالذات وبالاصالة، وان صدق عليه التبادل ثانيا وبالعرض وبالتبع. بخلاف التبادل في باب البيع، فانه انما هو فيما بين العوضين بالاصالة. وبهذا يظهر الفرق بين المقامين، الا ان هذا خلاف ما عليه ديدن العرف في مصالحاتهم كما في زماننا هذا، فانا نراهم لا يصالحون في مورد الا كان غرضهم من المصالحة دفع المصالح عنه واخذ المصالح به فقط بالنسبة إلى المصالح، ودفع المصالح به واخذ المصالح عنه بالنسبة إلى المصالح له، فهذا عين البيع فلاحظ. ومنها: انتقاضه بالهبة المعوضة، والمراد منها هنا ما اشترط فيها العوض كى يكون موردا للنقض نعم يكون ما إذا وهب الواهب هبة مطلقة من دون اشتراط العوض ثم وهب الموهوب له بعد هبته شيئا بداعي العوض خارجا فان هذه الهبة المطلقة وان كانت تصير هبة لازمة ايضا بالاجماع مثل ما اشترط فيه العوض، كما تعرض لها في الشرايع، لكنها لا تكون موردا للنقض، لانها ليست على صورة المقابلة كما هي

[ 250 ]

كذلك في مورد النقض لما هو مقتضى الشرط. وأجاب عنه الشيخ (1) بأنها ليست انشاء تمليك بعوض على جهة المقابلة، والا لم يعقل تملك أحدهما لاحد العوضين من دون تملك الاخر للعوض الاخر، مع ان ظاهرهم عدم تملك العوض بمجرد تملك الموهوب، بل غاية الامر أن للواهب رجوعا في الهبة لو لم يؤد المتهب عوضها. والحاصل أن مخالفة الشرط لا يوجب بطلان عقد الهبة وعدم انعقادها كى لا يحصل التملك من أول الامر، بخلاف عدم دفع الثمن في البيع، فانه موجب لعدم انعقاد العقد من أول الامر فلا يحصل الملكية عند الامساك عن دفع الثمن، وهذا بخلاف الامساك عن دفع العوض في الهبة العوضة، فان امساك الموهوب له يكون سببا لجواز الرجوع له كما مر، فيكون حال تلك الهبة المشروطة في صورة عدم الوفاء بشرطها مثل حال الهبة غير المشروطة. مضافا إلى أن الجهل بالموهوب لا يضر بصحة الهبة، بخلاف الجهل بأحد العوضين في البيع فانه يضر. ومنها: انتقاضه بالقرض لصدق التعريف عليه من كونه انشاء تمليك عين بمال. لكن فيه كما افاد الشيخ (2) أيضا، ان الغرض الاصلى من القرض ليس المعاوضة والمقابلة، بل هو تمليك على جهة الضمان بالمثل والقيمة،


(1) راجع المتاجر ص 80، (2) المتاجر ص 80.

[ 251 ]

لا معاوضة العين بالمال حقيقة. وقال فيه أيضا: " ولذا لا يجرى فيه ربا المعاوضة ولا الغرر المنفى فيها ولاذكر العوض ولا العلم به ". توضيح ذلك انه لا يعتبر في تحقق الربا في القرض ما يعتبر في تحققه في المعاوضات الاخر من اعتبار كون العوضين من جنس واحد، واعتبار كونهما من قبيل المكيل والموزون، بل يحرم فيه الزيادة مطلقا وان لم يكونا من جنس واحد هذا. لكن في دلالة ذلك على عدم كونه معاوضة اشكال بل منع وان كان اصل المدعى حقا ثابتا لوضوح أن القرض تمليك بالضمان لا بعوض، وبعبارة اخرى انه صفح واعراض عن شخصية الشيئ المقروض به دون ماليته، ولذا لو تعذر مثله أو تنزل قيمته حين أداء المديون عن قيمته الاصلية وعن مالية الاولية، يجب عليه مراعات قيمته الاصلية ولا يكفى أداء قيمته الحالية الناقصة عما في ذمته من المالية السابقة. وجه المنع يمكن ان تكون دائرة الرباء في بعض المعاملات اوسع من البعض الاخر كما، هو كذلك في الرباء القرضى والرباء المعاوضى، فهو في الاولى اوسع لما عرفت. وانه يجوز الاقتراض مع الجهل بالمقادر وسائر الاوصاف وان كان غررا، وانه لا يجب ذكر العوض ولا العلم به ولو كان من المعاوضات المعهودة المخصوصة المتعارفة وجب فيه ذكر العوضين والعلم بكليهما كما هو واضح.


(1) المتاجر ص 80 طبع تبريز

[ 252 ]

تمت الرسالة بيد مؤلفها الفقير، محمد حسين السبحاني الخيابانى التبريزي في النجف الاشرف، في جوار الحضرة العلوية على ساحتها الصلاة والتحية ولكن حالت العوائق، بين شيخنا العلامة دام ظلله، وما كان يرومه من ادامة البحث حسب ما في متاجر الشيخ الانصاري قدس الله سره، فلاجل ذلك نختم البحث في هذا المقام مصلين على نبيه وآله وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين.

[ 253 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين. اما بعد: فهذه رسالة موجزة في بيان امرين. الاول: احكام ملاقي الشبهات المحصورة، ولم استوف الصور، لكن يعلم حكم ما لم نذكر، مما ذكر. الثاني: احكام صورة الاضطرار، فيما إذا اضطر إلى ارتكاب احد الطرفين، بعينه اولا بعينه. وارجو من فضله الواسع ولطفه العميم ان ينتفع به الاخوان الكرام. ويدعوا للمؤلف بالخير والغفران.

[ 254 ]

احكام ملاقي الشبهة المحصورة اعلم أن الحق أن ملاقي الشبهة المحصورة محكوم بالطهارة مطلقا، سواء كانت الملاقاة قبل العلم بالنجاسة الموجودة في أحد الشبهتين ام بعده وان مال بعض إلى الطهارة في الصورة الثانية دون الاولى. لما ستعرف من انهما من واد واحد من غير فرق بينهما في ذلك اصلا. اما وجه كونه طاهرا أن الاجتناب عن المشتبهنين واجب من جهة المقدمة العلمية للاجتناب عن النجس المحقق الواقعي في احديهما، لصدق الامتثال للخطاب المنجر وهو قوله: " اجتنب عن النجس " بالاجتناب عن المشتبهين وان لم يجتنب عن الملاقى، ولا يصدق الامتثال إذا لم يجتنب عنهما وان اجتنب عن الملاقى كمال الاجتناب. وأن شئت قلت: أن أصالة الطاهرة في جانب الملاقى سالمة عن المعارض فلا مانع من جريانها فيه بخلافها في نفس المشتبهين، فان جريانها في احدهما معارض بجريانها في الاخر فيتساقطان، فيجب الاجتناب عنهما معا لما مر من عدم صدق الامتثال الا باجتنابهما.

[ 255 ]

اما حكم الملاقى إذا خرج الملاقى (بالفتح عن محل الابتلاء فنقول: إذا لاقى شئ بأحد المشتبهين ثم خرج الملاقى - بالفتح - عن محل الابتلاء بعد حدوث العلم الاجمالي ففى هذه الصورة لا يجب الاجتناب، عن الملاقى (بالكسر) ويجب الاجتناب عن صاحب الملاقى (بالفتح). اما الاول: فلان العلم الاجمالي حدث بين المشتبهين منجزا اطرافه ولم يكن الملاقى (بالكسر) طرفا للعلم وكانت اصالة الطهارة مثلا فيه بلا معارض، وخروح الملاقى بالفتح عن محل الابتلاء لا يجعله طرفا للعلم بل الاصل يبقى فيه بلا معارض. اما الثاني، فلان الاجتناب عنه اثر العلم الاجمالي المنجز سابقا وخروج احدهما عن محل الابتلاء، نظير اراقة احدى الانائين لا يؤثر في رفع وجوب الاجتناب ابدا فان اثر العلم وهو وجوب الاجتناب موجود، وان لم يكن نفس العلم موجودا واما إذا خرج عن محل الابتلاء قبل حدوث العلم الاجمالي، فيجب الاجتناب عن صاحب الملاقى (بالفتح) والملاقى، لان الملاقى عندئذ يصير طرف العلم الاجمالي، فيعارض الاصل الجارى فيه مع الاصل الجارى في صاحب الملاقى (بالفتح) لانه يعلم اجمالا، بانه اما يجب الاجتناب، اما عن صاحب الملاقى (بالفتح) واما عن الملاقى والملاقى، وكون الملاقى (بالفتح) خارجا عن محل الابتلاء لا يجب تأثيرا في تنجيز العلم الاجمالي بالنسبة إلى الملاقى (بالكسر). وهذا نظير ما إذا علم بان النجس، اما ذاك الاناء أو الانائين اللذين خرج احدهما عن محل الابتلاء كما انه إذا فرض عود الملاقى

[ 256 ]

(بالفتح) إلى محل الابتلاء، فهل يجب الاجتناب حينئذ عنه ايضا اولا الظاهر نعم، لانه بخروجه عن محل الابتلاء لم يكن محكوما بالطهارة، لانه لا اثر للاصل في الخارج عن محل الابتلاء وبعد عوده، يقع جزءا لطرف العلم السابق. الاضطرار إلى ارتكاب احد المشتبهين واما حكم الاضطرار إلى ارتكاب بعض الاطراف دون بعض فحاصل القول فيه: ان الاجتناب عن الباقي الذى هو غير مضطر إليه ليس بواجب مطلقا سواء كان الاضطرار قبل العلم ام بعده أم معه. وسواء كان المضطر إليه معينا ام غير معين، لان الادلة المتضمنة للاحكام الواقعية مقيدة بالادلة الدالة على الاحكام الثانوية من حكم الاضطرار والاكراه وغيرهما بمعنى أن النجس أو الخمر يجب الاجتناب عنه الا في صورة الاكراه والاضطرار مثلا، فيكون احد المشتبهين مرخصا فيه من قبل الشرع لتلك الادلة الثانوية فيكون الباقي حينئذ مشكوكا بالشك البدوى. فان شئت قلت: أن شرط تنجيز العلم الاجمالي أن يكون منجزا على كل تقدير، بمعنى أن المعلوم بالاجمال لو فرض كونه في هذا الاناء يجب الاجتناب عنه وكذا لو فرض كونه في ذاك الاناء يجب الاجتناب عنه وهو غير متحقق في المقام لما مر من ان الطرف المضطر إليه لو فرض وجود الخمر أو النجس فيه حقيقة وواقعا غير واجب الاجتناب عنه لترخيص الشارع فيه فلا يعقل منه أن يامر حينئذ مع ذلك بوجوب العمل بمقتضى العلم ايضا، فيكون غيره من الاطراف غير واجب

[ 257 ]

الاجتناب لكونه مشكوكا ابتدائيا عندئذ في جميع الصور الاربعة من غير فرق كما لا يخفى على الفطن فافهم واغتنم. ويؤيد ما ذكرنا من عدم وجوب وجوب الاجتناب عن الباقي انه لو علمنا بخلية احدهما تفصيلا ولكن لا نعلم أنه الخمر الذى كان في احد الطرفين وانقلب إلى الخل أو كان خلا من اول الامر حين ما كان طرفا للعلم. فلا يجب الاجتناب عن الطرف الاخر لكون خمريته صرف احتمال وشك، والفرق بين الاضطرار والفقدان غير خفى لان التكليف قبل مفقودية احد الطرفين كان منجزا ببركة العلم والاجتناب واجبا عن كليهما فان الفقدان، لا يقلب التكليف، ولا يصير محرم الشرب واجبه، ولاجل ذلك يبقى التكليف في الاخر الموجود، على حال. وهذا بخلاف الاضطرار، فانه يقلب التكليف ويجعل محرم الشرب واجبه في المضطر إليه فيكون وجود الحرام في الاخر، مشكوك الوجود بدأ. نعم يمكن الفرق بين صورتي الاضطرار من كون المضطر إليه معينا أو احدهما لا بعينه، بوجوب الاجتناب عن الباقي والاحتياط في الثانية دون الاولى. وذلك لما مر من الوجه المذكور آنفا من ان ادلة الضطرار بانضمامها بادلة وجوب الاجتناب عن الخمر أو النجس، توجب تقييدها بها فيكون مفادها انه يجب الاجتناب عن الخمر غير المضطر إليه أو عن النجس غير المضطر إليه وهكذا، فعلى هذا يمكن دعوى انقلاب الحكم

[ 258 ]

بوجوب الاجتناب عن الفرد المعين المضطر إليه إلى حكم آخر من وجوب الشرب والاستعمال كما هو مقتضى الاضطرار فيكون الفرد الاخر غير المضطر إليه، مشكوكا بالشك البدوى. بخلاف الفرض الثاني فان التكليف قد كان منجزا فيه لكن الشارع من جهة الارفاق للمكلفين رخص في ترك بعض الاطراف دون بعض فيجب الاجتناب حينئذ عنه لعدم انقلاب الحكم هنا كى يكون حكم الباقي ببركته مشكوكا بالشك البدوى كما في الاول فافهم. المشتبهان التدريجيان اعلم انه إذا كان المشتبهان تدريجيين مطلقا من أي نوع كان يجب الاجتناب عنهما ايضا وان لم يكن احدهما موجودا فعلا لكن يوجد بعد مدة، لكن يشترط في ذلك ان يكون الطرفان واجدا لجميع شرائط وجوب الاجتناب من اعتبار كونهما محل الابتلاء وغيره ومما ذكرنا يظهر ما في كلام الشيخ الانصاري قدس سره من الاشكال وهو الفرق بين الامثلة الثلاثة من الحكم بوجوب الاجتناب في مسألتي النذر والبيع الربوي وبعدم وجوبه في مثل الحيض مع ان الوجه في الكل على حد سواء، لكن يمكن مع ذلك ابداء الفرق وايجاده فيما بين الامثلة، وحاصله: ان الموضوع في مسألة النذر هو شرب الناذر فيما نذر ان لا يشرب التتن ليلة واحدة لكن ترددت هذه الليلة بين ليلتى الجمعة والخميس، والحكم وهو حرمة شربه ايضا معلوم، غاية ما في الباب ان زمان شربه مجهول مردد بينهما وهو غير مضر في ثبوت الحكم ولاجل ذلك لو نذر

[ 259 ]

انه لو برء من مرضه ليتصدق هذا الغنم الموجود في الجمعة الاتية يلزم نذره ولايجوز له بيعه ولاهبته ولاغيرهما من التصرفات قبل مجئ يوم الجمعة ولذا لو فعل ذلك قبله يلزم الحنث. وكذا الكلام في مسألة الربا فان الموضوع فيها فعل المكلف اعني المعاوضة الواقعة بالامور الموجودة الخارجية وهو كل جنس مكيل أو موزون مشخص بالزيادة، وهو موجود في الخارج ومعلوم، وكذا حكمه ايضا معلوم وهو حكم الشارع بحرمة تلك المعاملة فلذا يجب عليه الاحتياط بحكم العقل والاجتناب عن كل المحتملات الربوية من باب المقدمة العلمية. يلزم نذره ولايجوز له بيعه ولاهبته ولاغيرهما من التصرفات قبل مجئ يوم الجمعة ولذا لو فعل ذلك قبله يلزم الحنث. وكذا الكلام في مسألة الربا فان الموضوع فيها فعل المكلف اعني المعاوضة الواقعة بالامور الموجودة الخارجية وهو كل جنس مكيل أو موزون مشخص بالزيادة، وهو موجود في الخارج ومعلوم، وكذا حكمه ايضا معلوم وهو حكم الشارع بحرمة تلك المعاملة فلذا يجب عليه الاحتياط بحكم العقل والاجتناب عن كل المحتملات الربوية من باب المقدمة العلمية. هذا بخلاف مسألة الحيض فان الموضوع فيه غير معلوم لان المحرم هو وطأ الزوج زوجته الحائض والمفروض انه لم يحرز كونها حائضا لافيما سبق من الايام ولا فيما ياتي منها، فالمرجع حينئذ هي اصالة البرائة ولعل هذا هو مراد الشيخ ايضا. وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين والسلام على عباده الذين اصطفاهم

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية