الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




نهج الفقاهة - السيد محسن الحكيم

نهج الفقاهة

السيد محسن الحكيم


[ 1 ]

نهج الفقاهة وهو تعليق على كتاب البيع من مكاسب الشيخ الاعظم الانصاري " قده " تأليف فقيه العصر آية الله العظمى السيد محسن الطباطبائي الحكيم قدس سره عنى بنشره انتشارات 22 بهمن، قم صندوق پستى 343

[ 2 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين، اللهم اني أستعين بك، واستكفيك، وأتوكل عليك، فأعني واكفني، وكن حسبي، ولاحول ولا قوة الا بك. كتاب البيع (قوله ره: وهو في الاصل... الخ) لا يخفي أنه إذا باع زيد فرسه على عمرو بدينار فهناك أمور " الاول ": العهد الواقع بين زيد وعمرو وهو التزام كل منها في نفسه ببيع الفرس بالدينار، وهذا الالتزام أمر حقيقي قائم في نفس كل منهما، وهو فعل اختياري تتعلق به الارادة والكراهة، وهو من زيد ايجاب ومن عمرو قبول، ومن زيد ابتداء ومن عمرو امضاء، فالفرق بينهما من قبيل الفرق بين الاعطاء والاخذ، ولا جل ما بين الالتزامين المذكورين من الربط الخاص عبر عنهما بالعقد، وإلا فالعقد ينبغي أن يعبر به عن الربط الخاص بين العهدين كأن أحدهما معقود بالاخر ومشدود به، ولذا شاع في عرفنا اليوم قولهم: عقد معاهدة، فالايجاب والقبول ينبغي أن يعبر عنهما بموضوع العقد لا بالعقد نفسه، وقد يطلق العقد

[ 3 ]

على نفس البيع المسبب عن العقد بالمعنى الاول، وسيأتي التعرض لذلك في كلام الشهيدين، " الثاني ": المبادلة بين الفرس والدينار فان الدينار بدل والفرس مبدل منه والدينار عوض والفرس معوض عنه، وهي نوع من الاضافة اعتباري محض لا ذات له في الخارج ولا وجود، وموضوعه طرفا المعاوضة وهما الفرس والدينار كما أنه موضوع للامر الاول بمعنى أنه متعلق لذلك الالتزام والعهد فانه الامر المعهود والملتزم به، " الثالث ": اللفظ الحاكي عن الايجاب والقبول مثل قول زيد: بعتك فرسي بدينار، وقول عمرو: قبلت، فان (بعث) حاك بالمطابقة عن البيع وبقرينة وروده مورد الانشاء يدل بالالتزام على الالتزام النفسي و (قبلت) يدل بالمطابقة على الالتزام النفسي، ومن ذلك يظهر أن مفهوم البيع هو الامر الثاني أعني الامر الاعتباري الملتزم به الذي ينشؤه الموجب بقوله: (بعت) إذ لا ريب في أن (بعت) لانشاء البيع فالبيع هو الامر المنشأ وهو الامر الثاني لا نفس الالتزام المقوم للانشاء ولا اللفظ الدال عليه ضرورة مباينة اللفظ لمعناه مفهوما وخارجا، ولذا قال في المصباح: والاصل في البيع مبادلة مال بمال... الى أن قال: لكنه أطلق على العقد مجازا لانه سبب التمليك والتملك، وقولهم: صح البيع أو بطل ونحوه أي صيغة البيع... الخ. وان كان في بقية كلامه نظر (قوله: وهو في الاصل) يعني أصل اللغة، وقد يعطى ظاهر العبارة صحة التعريف المذكور لكنه ليس بمراد كما يظهر مما يأتي (قوله: (والظاهر اختصاص المعوض) كما هو المتبادر منه ولا ينافيه ما في المصباح لعدم ظهور كون المال يعم المنفعة، بل لا يبعد ظهوره في خصوص العين كما يساعده لعدم ظهور كون المال يعم المنفعة، بل لا يبعد ظهوره في خصوص العين كما يساعده المتفاهم العرفي، وظاهر غير واحد من أهل اللغة، بل صريح مجمع البحرين ذلك. قال: المال في الاصل الملك من الذهب والفضة ثم أطلق على كل ما يقتنى ويملك من الاعيان (قوله: وعليه استقر اصطلاح) كما يقتضيه مقابلتهم بين البيع والاجارة فبحثوا عنهما في بابين (قوله: في كلمات بعضهم في نقل) الظاهر ان الاستعمال المذكور كان تبعا للنصوص فلا حظ كلماتهم في باب بيع المدثر واجارته، ولم يعهد لهم غير ذلك (قوله: الدال على جواز) كخبر السكوني

[ 4 ]

عن علي عليه السلام قال (ع): باع رسول الله صلى الله عليه وآله خدمة المدبر ولم يبع رقبته، ونحوه غيره (قوله: وبيع سكنى الدار) في خبر اسحاق بن عمار عن العبد الصالح (ع) قال: سألته عن رجل في يده دار ليست له ولم تزل في يده ويد آبائه من قبله قد أعلمه من مضى من آبائه انها ليست لهم ولا يدرون لمن هي فيبيعها ويأخذ ثمنها؟ قال عليه السلام: ما أحب أن يبيع ما ليس له، قلت: فانه ليس يعرف صاحبها ولا يدري لمن هي ولا أظنه سيجئ لهارب أبدا قال " ع ": ما احب ان يبيع ما ليس له، قلت: ايبيع سكناها أو مكانها في يده فيقول: أبيعك سكناي وتكون في يدك كما هي في يدي؟ قال " ع ": نعم يبيعها على هذا (قوله بيع الارض الخراجية) في رواية ابي بردة كيف ترى في شراء أرض الخراج؟ فقال " ع ": من يبيع ذلك وهي أرض المسلمين؟ قال: قلت: يبيعها الذي هي في يده، قال " ع ": ويصنع بخراج المسلمين ماذا؟. ثم قال " ع ": لا بأس اشتري حقه منها وتحول حق المسلمين عليه (قوله: كالثمرة على الشجرة) قد يقال بانه لا مانع من إطلاق الاجارة في المقام حقيقة لان الثمرة تعد منفعة للشجرة عرفا كما في إجارة الحمام المستلزم لاهراق الماء، واجارة الشاة للبنها واجارة المرضعة كذلك (وفيه) أن مفهوم المنفعة مباين لمفهوم العين ولا ينطبق احدهما على ما ينطبق عليه الاخر، والقياس على اجارة الحمام غير ظاهر إذ منفعة الحمام الاستحمام والغسل بالماء وأما تلف الماء أحيانا فهو من لوازم الانتفاعين المذكورين لا أن الماء معدود منفعة عرفا للحمام بنحو يملك باجارته ولذا لو اتلفه متلف يضمن لمالك الحمام لا لمستأجره الا إذا كان تلفه موجبا لتلف المنفعة (واما) إجارة الشاة للبنها، فغير ظاهر الصحة كالمقام (واما) اجارة المرضعة فان كان المقصود إجارتها للارضاع فصحيحة لانه إجارة على عمل وان استلزم تلف اللبن نظير الاجارة على الخياطة على أن تكون الخيوط من الخياط، وان كان المقصود إجارتها للارتضاع من لبنها فهي كالمقام ايضا غير صحيحة. والمتحصل: أن العين ان كان لها منفعة معتديها يصح بذل المال بازائها جازت اجارتها سواء توقف استيفاء المنفعة على بذل عين أخرى أم لا والا لم تصح

[ 5 ]

إجارتها (قوله: نسب الى بعض) قال في مفتاح الكرامة: واعتبر بعض المتأخرين عينية العوضين في البيع وهو وهم نشأ من قولهم: البيع لنقل الاعيان. انتهى. والتبادر العرفي يساعد ما في المتن. نعم مقتضى ما عن المصباح ذلك بناء على ما عرفت من اختصاص المال بالعين، لكن لا مجال للاعتماد عليه في قبال ما عرفت من التبادر وظهور التسالم. كونه عمل الحر مالا (قوله: فان قلنا انه قبل) ان كان الاشكال المذكور من جهة الاشكال في اختصاص المال بالعين وعدمه فقد عرفت انه مشترك بين عمل الحر والمنفعة (وإن) كان من جهة احتمال توقف مالية المال على وجوده في الذمة أو في الخارج وبدونه لا يصدق (ففيه) أن الوجود على النحو المذكور ليس من مقومات المالية قطعا فان المال يكون معروفا للوجود والعدم فيقال: وجد المال وعدم المال، نعم لا يصح ان يقال لزيد مال إذا لم يكن موجودا في الخارج أو في الذمة لكن ذلك لا لعدم صدق المال على المفهوم بل لعدم اعتبار الملكية للمال إذا لم يكن موجودا (وبالجملة): مالية المال تكون بحدوث الرغبة في الشئ على نحو يتنافس فيه وهذا المعنى لا يتوقف على الوجود فان الذهب والياقوت مما يرغب فيهما وجدا أو عدما كما هو ظاهر. ثم انه لا يظهر الفرق بين عمل الحر وبين الاعيان الذمية مثل المبيع في السلف والثمن في النسية فانه لا وجود لهما في الذمة قبل المعاوضة مع انه لا اشكال في صحة المعاوضة عليها وكونهما مالا (ومن) ذلك تعرف انه لا مجال للتمسك بكلام المصباح لتقرير الاشكال في عمل الحر (قوله: قبل المعاوضة عليه) أما بعد المعاوضة عليه كما لو آجر الحر نفسه لعمل فان المستأجر يكون مالكا لذلك العمل في ذمة الحر الاجير فلا مجال للاشكال في كونه مالا لكونه موجودا في الذمة، نعم عرفت الاشكال في عموم المال لما لم يكن من الاعيان، لكن الاشكال في المقام ليس من هذه الجهة بل من جهة عدم كونه موجودا في الذمة أو في الخارج.

[ 6 ]

الفرق بين الحق والملك (قوله: وأما الحقوق الاخر) الحق في اللغة والعرف الامر الثابت في قبال الباطل غير الثابت وفي الاصطلاح الحقية عبارة عن نوع من الملكية التي هي نوع خاص من الاضافة بين المالك والمملوك والاعتبار الخاص بينهما الذي هو معنى لام الملك في مثل قولك الفرس لزيد، فان اللام حاكية عن اضافة بين زيد والفرس على نحو خاص يرى فيه الفرس من توابع زيد وشؤونه ولواحقه يعبر عنها بملكية زيد للفرس، فإذا باع زيد الفرس على عمرو صار الفرس ملكا لعمر وكانت الاضافة المذكورة بين الفرس وعمرو بعد ما لم تكن، كما انها حينئذ لا تكون بين الفرس وزيد بعد ما كانت واما اضافة الحقية فهي نوع من الاضافة المذكورة تختلف معها باختصاصها بمورد خاص " توضيح ذلك " ان المملوك في اضافة الملكية (تارة) يكون عينا متقومة بنفسها كالفرس والدرهم والدار، واخرى يكون عوضا ومعنى كالعقد والفسخ وعمل الحر ونحوها (والاول) تارة يكون خارجيا كالدرهم والفرس الخارجيين (واخرى) يكون ذميا كالمبيع في السلم والثمن في النسية (وثالثة) لا يكون كذلك كما في حق الجناية وحق الزكاة على بعض الاقوال، ويختلف الاول والاخيران، في أن وجود الاول قائم بنفسه ووجودهما قائم بغيره وفي أن اعتبار الاول لا يتوقف على اضافته الى مالك ووجود الاخيرين اعتبارا يتوقف على اضافتة الى مالك فيكون اعتباره ملازما لا عتبار اضافته الى المالك فلو انتفى مصحح اعتبار اضافته الى المالك امتنع اعتباره، فلو لا السلف لا متنع اعتبار شئ في ذمة البايع، كما انه لو لا النسية لا متنع اعتبار شئ في ذمة المشتري، وكذلك لولا الجناية ووجود سبب الزكاة امتنع اعتبار شئ في العبد أو في النصاب فاقسام الاول وهو العين ثلاثة، واما الثاني وهو المعنى فاقسامه ثلاثة ايضا لانه تارة يكون ذميا كعمل الحر الاجير المملوك في ذمته للمستأجر بالاجارة (واخرى) لا يكون ذميا بل قائم بغيره وهو (تارة) لا يكون اعتباره موقوفا على اضافته الى مالك كما في منافع الاعيان المملوكة كالدار والعبد فان

[ 7 ]

اعتبارها في الخارج يكون تابعا لقابلية العين للمنفعة سواء كان لها مالك أم لم يكن (واخرى) يكون موقوفا على ذلك مثل حق الخيار القائم بالعقد، وحق الشفعة القائم بالمبيع، وحق القسم القائم بالزوج، وحق التحجير القائم بالارض، وحق القصاص القائم، بالجاني، وحق الرهان القائم بالعين المرهونة... الى غير ذلك، فانها لو لم يكن مصحح لاعتبار اضافتها الى المالك لم يصح اعتبارها ومنه منافع الاجير الخاص الذي يستأجر بلحاظ منافعه الشخصية (ولا يخفى) ان اضافة المالكية والمملوكية بين المالك وكل واحد من المذكورات في الجميع على نحو واحد، فكما أن زيدا مالك للفرس والدرهم الخارجيين كذلك هو مالك بنحو تلك الملكية للدين الذي في ذمة من اشترى منه نسية أو في ذمة من باعه سلفا، ولمنافعه إذا كان اجيرا، ولمنافع الاعيان التى استاجرها، ولفسخ العقد إذا كان مغبونا مثلا، ولاخذ المبيع بالشفعة إذا كان شريكا، وللاقتصاص من الجاني إذا جنى عليه عمدا، ولاستيفاء دينه من العين المرهونة... الى غير ذلك من الامثلة، ولا تفاوت بين أفراد هذه الاضافة في الموارد المذكورة قوة وضعفا بل هي في الجميع على نحو واحد ومرتبة واحدة، وان كان بعضها يختص اصطلاحا باسم الحقية والاخر باسم الملكية فليس الاختلاف بين الملكية والحقية الا بحسب المورد لا غير (وكيفكان) فالحق اصطلاحا عين أو معنى متعلق بغيره وقائم فيه على نحو لا يصح اعتباره إلا في ظرف اعتبار ملكيته لمالكه فيختص بالقسم الثالث من كل من القسمين فيخرج منه الاعيان الخارجية المملوكة، وكذا الذميات من أعيان ومعان، لعدم كونها قائمة بمن له الذمة وانما هي في الذمة كما تخرج عنه منافع الاعيان لصحة اعتبارها من دون اعتبار مالك لها كما عرفت، ولذا لا اشكال ولا خلاف في عدم سقوطها بالاسقاط. نعم لا فرق بين الذميات من أعيان ومعان في سقوطها بالاسقاط كالحقوق إلا أنها لا تسمى عندهم حقوقا لاختصاص الحق كما عرفت بالملك القائم بموضوع، وليست هي كذلك. ومن ذلك يظهر ان الدين في ذمة الحر ليس من الحقوق. والاقتصاص القائم برقبة الحر الجاني منها. ولذا ينعدم الثاني بانعدام موضوعه، ولا ينعدم الاول بانعدام ذي الذمة بل يستوفى

[ 8 ]

من تركته أو من غيرها، ولا يقال للدين انه ثابت في المديون، ويقال انه ثابت في ذمته (ومن) ذلك يظهر ان قول المصنف " ره ": واما الحقوق الاخر... الخ مبني على المسامحة ولذا ضرب في النسخ المصححة على لفظ (الاخر) لظهوره في ان عمل الحر من الحقوق وليس هو منها كما عرفت. نعم عمل الحر إذا كان من قبيل الاجير الخاص من الحقوق فيسقط بالاسقاط. والفرق بينه وبين منافع الرق ومنافع سائر الاعيان المملوكة جاء من جهة الفرق بينهما بالمملوكية واللا مملوكية، ولذا لو حبس الحر لم يضمن منافعه وإذا حبس الرق ضمن منافعه. فلا حظ. كما ان مما ذكرنا يظهر الفرق بين الحق والحكم فان الحكم لا يصح ان يضاف الى المحكوم عليه اضافة الملكية كما يصح أن يضاف الحق الى المستحق، مع أن الحق من أحكامه السقوط بالاسقاط للقاعدة المقررة بين العقلاء من ان لكل ذي حق اسقاط حقه كما ذكر المصنف (ره) في مسقطات خيار المجلس، وليس كذلك الحكم فان سقوطه انما يكون باسقاط الجاعل له ولا يكون باسقاط المحكوم عليه ضرورة، وصحة قولنا: لزيد ان يشرب الماء، وليس له ان يشرب الخمر، انما هو لكون اللام فيه لام التعدية المتعلقة بفعل مقدر مثل: يجوز له أو يحل له، كما في قوله تعالى: (احل لكم ليلة الصيام الرفث) ونحوه غيره وليست اللام فيه للملك مثل قولنا: الخيار للمغبون، ولذا كان مجرورها ظرف مستقر بخلاف مجرور الاولى فانه ظرف لغو نعم لا تبعد دعوى كون الظاهر من اللام في مثل قولنا: لزيد أن يفعل، كونها للملك فيكون الفعل من حقوق زيد. وحينئذ فان لم تقم قرينة حالية أو مقالية أو عقلية على كونه حكما بني على كونه حقا وان قامت قرينة على ذلك كان العمل عليها. وبالتأمل فيما ذكرنا يتضح لك وجه الفرق بين الحق والملك، ووجه الفرق بين الحق والحكم، واما الفرق بين ما يسقط بالاسقاط وما يسقط به فهو أن الاول ما يكون اعتبار وجوده تابعا لاعتبار اضافته الى مالك كالذميات اعيانا كانت أو معاني كالحقوق بالمعنى الذي ذكرناه والثاني ما لا يكون كذلك، بل اعتبار وجوده يكون تابعا لمنشأ آخر كالاعيان الخارجية. فلا حظ وتأمل (قوله: فان لم يقبل المعاوضة)

[ 9 ]

الظاهر بقرينة المقابلة لما بعده كون عدم قبوله المعاوضة ولو بنحو يستتبع السقوط وحينئذ فلا بد أن يكون عدم قبوله لذلك من جهة عدم كونه مالا عند العقلاء وحينئذ فعدم صلاحيته لان يكون عوضا في البيع ظاهر، إذ لا بد في العوض ان يكون بحيث يصح بذل المال بازائه لئلا يكون اكل المعوض اكلا للمال بالباطل من دون فرق بين الحق وغيره (قوله: لان البيع تمليك الغير) يعني من الطرفين المبيع والعوض ليصح التعليل المذكور (قوله: ولا ينتقض ببيع الدين.... الخ) فانه لا خلاف بيننا ولا اشكال في جواز بيع الدين على من هو عليه. نعم. في بيعه على غير من هو عليه خلاف والمشهور ذلك، وعن الحلي المنع. قال في الجواهر - بعد ما حكى عن شرح استاذه اعتبار عدم كونه حقا -: انه لا يخلو من منع لما عرفته من الاطلاق المزبور المقتضي لكونه كالصلح الذي لا اشكال في وقوعه على الحقوق فلا تبعد صحة وقوعها ثمنا في البيع وغيره من غير فرق بين اقتضاء ذلك سقوطها كبيع العين بحق الخيار والشفعة على معنى سقوطها وبين اقتضاء نقلها كحق التحجير ونحوه، وكأنه " ره " نظر في المنع الى الاول باعتبار معلومية كون البيع من النواقل لا من المسقطات كالصلح، وفيه أن من البيع بيع الدين على من هو عليه ولا ريب في اقتضائه حينئذ الاسقاط ولو باعتبار أن الانسان لا يملك على نفسه ما يملكه غيره عليه الذي بعينه يقرر في نحو حق الخيار والشفعة. انتهى. وحاصل ما اجاب به المصنف " ره " ان الذي يقتضيه البيع حدوث تمليك الغير لا بقاؤه والممتنع في النقض هو بقاء تملك الانسان لما في ذمة نفسه لا حدوثه فلا مانع من صحة بيع الدين على من هو عليه وان كان يسقط بعد ما يملكه المشتري، ولا مجال لتقرير ذلك في الحق المجعول عوضا لان المفروض كونه لا يقبل النقل أصلا لا حدوثا ولا بقاء (قوله: ولذا جعل الشهيد.... الخ) مقصوده الاستشهاد على امكان تملك الانسان ما في ذمته لغيره (قوله: ولا يعقل ان يتسلط على نفسه) هذا البيان ليس تتميما للاستدلال على عدم جواز جعل الحق الذي لا يقبل الانتقال عوضا لان ذلك يتم بمجرد إثبات كون البيع من النواقل ولا يتوقف على اثبات عدم جواز انتقال

[ 10 ]

الحق من هو عليه، مع أن الكلام ليس في خصوص جعل الحق الذي يكون على شخص عوضا عن ماله في البيع ليحتاج الى اثبات امتناع انتقال الحق الى من هو عليه. فالظاهر ان المراد إبداء الفرق بين الملك والحق في جواز انتقال الملك الى من هو عليه وعدم جواز ذلك في الحق وان كان مما يصح نقله الى غير من هو عليه (قوله: والسر ان الحق سلطنة) حاصله أن الحق سلطنة قائمة بين من له الحق ومن عليه فلا بد من تغايرهما، وليس كذلك الملك فانها نسبة بين المالك والمملوك وهي وان كانت تقتضي تغايرهما إلا أنها لا تقتضي تغاير من له الملك ومن عليه، فلا مانع من ان يملك الانسان ما في ذمته لتحقق المغايرة بين المالك والمملوك، لان المالك نفسه والمملوك المال الذي في ذمته وهما غيران، واتحاد المالك ومن عليه الملك غير قادح، لما عرفت من عدم اقتضاء الملكية تغايرهما، ويمتنع ان ينتقل إليه الحق الذي عليه لانه يستلزم اتحاد السلطان والمسلط عليه، وفيه " اولا " انك عرفت ان اضافة الحقية نوع من الملكية وانما تختلف معها موردا اصطلاحا " وثانيا " ان السلطنة من الاحكام التي لا تسقط بالاسقاط، وموضوعها تارة يكون ملكا واخرى يكون حقا والسلطنة على الحق كالسلطنة على الملك من الاحكام لهما فكيف يكون الحق نفس السلطنة " وثالثا " ان ما ذكره من امكان ملك الانسان ما في ذمته لغيره فيسقط، مع انه خلاف المتسالم عليه ظاهرا كما يظهر من ملاحظة كلماتهم في صحة هبة ما في ذمة الغير لمن هو عليه، أن الموجب لسقوط الدين بعينه مانع من ملكه حدوثا، فانه كما انه لا اعتبار عند العقلاء للذمة والعهدة بالاضافة الى بقاء الملك كذلك بالاضافة الى حدوثه، بل كما انه لا اعتبار لهما بالاضافة الى حدوث الملك إذا لم يكن مسبوقا بملك الغير ضرورة عدم ملك الانسان ما في ذمته ابتداء، كذلك لا اعتبار لهما بالاضافة الى ما كان ملكا للغير " وبالجملة ": كما يمتنع ان يملك الانسان نفسه يمتنع ان يملك الانسان على نفسه لان ملكه لما في نفسه بما هو في نفسه يستتبع سراية الملكية الى نفسه، ولذلك كان تصحيح بيع السلم والنسية والاجارة على العمل بقاعدة السلطنة على النفس لا على المال، وبذلك افترق ما في الذمة عن الاموال الخارجية، فان صحة

[ 11 ]

التصرف فيها بقاعدة تسلط الناس على أموالهم (قوله: ولا يحتاج الى من يملك) هذا يتم في ملك الاعيان الخارجية ونحوها لا في الاعيان والمعاني الذمية كما هو محل الكلام فانه محتاج الى ذلك، ولعل قوله " ره ": فافهم، اشارة الى بعض ما ذكرنا " قوله " حصر الثمن في المال " قد عرفت أن المال عرفا مختص بالاعيان، فان بني على الاخذ بظاهر لفظ المال كان اللازم المنع من جعل العوض منفعة وعملا ايضا ولا يختص المنع بالحقوق، ولو بني على التعدي عنه وان المراد بالمال ما له مالية ويتنافس عليه العقلاء فلا فرق بين الحق وبين المنفعة والعمل في جواز جعلها عوضا في البيع وهذا هو الظاهر لموافقته للمتنافهم العرفي. تعاريف البيع " قوله: مسامحة واضحة " أشار في محكي المصابيح وغيرها الى وجهها بان البيع فعل فلا يكون انتقالا لانه انفعال، وبان الانتقال أثر البيع وغايته المسببة عنه لا نفسه، وبانه لا يوافق تصاريف البيع إذ لا يراد ببعت انتقلت وكذا سائر تصاريفه " قوله: من مقولة المعنى دون اللفظ " يعنى ظاهر التعريف المذكور - بقرينة وصف الايجاب والقبول بالدلالة - أن المراد بهما الايجاب والقبول اللفظيان، " قوله: لم يعقل انشاؤه باللفظ " لان الانشاء انما يتعلق بالامور الاعتبارية واللفظ من الامور الحقيقية. مضافا الى ان اللفظ من مبادئ الانشاء فلا يعقل اتحاده مع المنشأ (قوله: عدل جامع المقاصد) قال في جامع المقاصد - بعد ما حكى عن المختلف تعريفه تبعا لابن حمزة بانه عقد يدل على انتقال عين.... الخ -: وفيه نظر فان المفهوم من (بعت) ليس هو عقد البيع قطعا وانما المفهوم منه هو المفهوم من " ملكت " فان كلا منهما ايجاب للبيع... الى ان قال: ولان البيع هو المقصود بالعقد لانفسه... الى أن قال: والاقرب أن البيع هو نقل الملك من مالك الى آخر بصيغة مخصوصة. انتهى. وظاهره ان الوجه في العدول ليس هو ظهور

[ 12 ]

التعريف الاول في كونه من مقولة اللفظ كما ذكر المصنف، بل ما ذكره من الوجهين، مع أن ظهور التوصيف بالدلالة في كون المراد من الايجاب والقبول اللفظيين موقوف على كون المراد بالدلالة الدلالة اللفظية وهو غير ظاهر (قوله: ليس مراد فاللنقل) يظهر ذلك من ملاحظة المشتقات مثل: بعتك هذا، و: نقلتك هذا، فان الاول صحيح والثاني غلط، لكن مجرد عدم الترادف غير قادح في التعريف بل يكون النقل بمنزلة الجنس وما بعده بمنزلة الفصل، اللهم الا أن يكون المراد ان مفهوم البيع غير النقل بل النقل ملازمه غالبا (قوله: وان المعاطاة عنده) هذا انما يتوجه على المحقق لو كان قوله: بالصيغة، ملحوظا قيدا، أما لو كان ملحوظا مرآة الى نفس النقل كما سيأتي فلا مجال له، لان الوصف الملحوظ به الاشارة الى الذات لا يجب أن يكون مساويا لها بل يجوز انفكاكها عنه " قوله: بان المراد ان البيع " لا ينبغي التأمل في ان هذا هو المراد " قوله: لزوم الدر " قيل: فيه منع، لان المراد من (بعت) لفظه والمقصود تعريفه مفهومه " قوله: وجب الاقتصار على " لكن إذا امتنع الاقتصار عليهما فلا ملزم بالاقتصار عليهما بل يجوز أن يكون المراد مطلق الصيغة التي يصح انشاء البيع بها سواء أكانت (نقلت) أم (ملكت) أم غيرهما " قوله: انشاء تمليك عين " هذا محكي عن المصابيح للعلامة الطباطبائي (قده) لكن بعد تبديل المال بالعوض واضافة قيد (على وجه التراضي) إليه وجعله الاخصر والاسد (وفيه) أن البيع موضوع للانشاء كما تقدم فكيف يكون نفس الانشاء. نعم. يصح ذلك تعريفا لانشاء البيع لا للبيع نفسه، ولعل ذلك هو المراد - كما يشهد به كثير من عبارات الكتاب الاتية - فيكون الاشكال في التعبير لا في المراد، وإن شئت قلت: التعريف للبيع بمعنى المصدر لا بمعنى اسم المصدر، كما هو محل البحث. فتأمل فانه سيأتي من المصنف (ره) ان مراده من انشاء التمليك نفس الايجاب المقابل للقبول، وسيأتي ما فيه (قوله: ويرده انه الحق) فيه ان من البيع مالا يكون كذلك كما في الشراء من مال الوقف للاعيان الموقوفة، ومن مال الزكاة للاعيان الزكوية من علف ونحوه كما سيأتي توضيحه (قوله: ومنها انه لا يشمل بيع) هذا الايراد لو تم

[ 13 ]

توجه على التعريف الاول والثالث ايضا (قوله: ما عرفت وستعرف من) قد تقدم الاشكال فيه (قوله: نظير تملك ما هو مساو) يعني كما أنه في التهاتر يملك كل منهما على الاخر ما لا في ذمته فيسقط بعد تحقق الملكية كذلك في المقام، وفيه أن التهاتر ليس من الاحكام العقلية بل هو من الاحكام الشرعية الثابتة بالادلة والعمدة فيه الاجماع ومعقده صورة تملك كل من الشخصين على الاخر مثل ما عليه فموضوعه التملك، ولا يعقل ان يتحق التهاتر الا في ظرف تحقق التملك فلا يعقل ان يكون مانعا عنه لان الشئ لا يكون مانعا عن علته، فلا مجال لقياس المقام عليه إذ المانع من تملك الانسان ما عليه وفي ذمته عقلي لا فرق فيه بنى الحدوث والبقاء. نعم نظير التهاتر ملك أحد العمودين إذ لا مانع عقلا من ملك الانسان احد عمودية وحينئذ ان دل الدليل على عدم صحة التملك حدوثا وبقاء جرى فيه اشكال صحة بيعه بناء على أن البيع تمليك، وان دل على عدم صحة استقرار ملكيته - كما ربما يظهر من بعض نصوصه - لم يكن اشكال في صحة البيع حتى بناء على ما ذكر من المبنى، (قوله: غير المبادلة والنقل والتمليك وما يساويها) لا ينبغي التأمل في ان مفهوم كل واحد من الالفاظ المذكورة مباين لمفهوم الاخر فان المبادلة اعتبار قائم بالبدلين راجع الى كون كل واحد منهما بدلا عن الاخر وقائما مقامه، وصحة اعتبار المفهوم المذكور يتوقف على ان يكون لكل واحد من البدلين منزلة معينة بلحاظ أثر خاص به والا فلا معنى لان يكون بدلا عنه، واما النقل فهو اعتبار قائم في المبيع بعينه يتوقف على أن يكون المبيع له محل معين فينتقل منه الى محل آخر نظير النقل الحقيقي فينقل منه الى محل آخر، واما التمليك فهو اعتبار راجع الى جعل اضافة الملكية بين المبيع وبين المشتري فهو قائم بالمبيع ايضا لا غير ولا يتوقف اعتباره على ملاحظة ما يتوقف عليه اعتبار النقل والمبادلة. نعم ربما تجتمع المفاهيم المذكورة في مقام الاعتبار فان زيدا إذا باع فرسه على خالد بالدرهم صح اعتبار البدلية بين الفرس والدرهم لقيام كل منهما مقام الاخر كما يصح اعتبار النقل للفرس لانتقالها من زيد الى خالد ويصح ايضا اعتبار الملكية بين الفرس والخالد، فالبيع المذكور كما اقتضى البدلية

[ 14 ]

بين المالين اقتضى نقل كل منهما من مالكه الى مالك الاخر، واقتضى ملكية كل من المتعاملين لملك الاخر، وربما تفترق المبادلة عنهما كالشراء من مال الزكاة لما في الذمة فان المبادلة حاصلة بين ما في الذمة ومال الزكاة ولا نقل فيه للمبيع من محل الى آخر ولا تمليك، وقد تفترق المبادلة عن أحدهما دون الاخر كما في بيع السلف فانه لا نقل فيه للمبيع وان صح اعتبار البدلية والتمليك، وكما في الشراء من مال الوقف والزكاة لما يحتاجان إليه من الاعيان الخارجية فانه لا تمليك فيه للمبيع وان صح اعتبار البدلية والنقل، ومن ذلك تعرف تباين المفاهيم المذكورة، وأن البيع لا يستلزم النقل ولا التمليك فضلا عن ان يكون هو هو، وسيجئ انشاء الله تعالى صحة بيع الغاصب وشرائه لنفسه إذا أجاز المالك وانه يقتضي تملك المالك لا الغاصب ولو كان مفاد البيع التمليك لا قتضت الاجازة ملك الغاصب لان ذلك هو المقصود في البيع فاجازته تقتضي نفوذه مع ان بناءهم على ملك المالك، وليس ذلك الا لما عرفت من ان مفهوم البيع ليس هو التمليك بل مجرد جعل البدلية بين المالين فإذا اجاز المالك صحت البدلية المذكورة وكان مقتضاها ملك كل من المالكين مال الاخر، وقصد تمليك الغاصب وتملكه خارج عن قصد المعاملة لخروج متعلقه عنها، فاجازة المعاملة ليست اجازة لذلك، ومما يشهد لذلك أنه لا يجوز في انشاء التمليك ان يقول الموجب للوكيل في القبول: ملكتك كذا، بل انما يقول: ملكت موكلك، ونحوه مع انه يجوز للموجب في البيع أن يقول للوكيل عن المشتري: بعتك، ومما يشهد له ايضا بناء الاصحاب (رض) على عدم صحة شرط البيع بنحو شرط النتيجة وصحة شرط الملكية كذلك، فلاحظ كلماتهم في صحة بيع الحامل مع شرط الحمل وبيع الشجر مع شرط الثمر والرهن بشرط كون العين المرهونة مبيعة عند الاجل وغير ذلك " وبالجملة ": لا ينبغي التأمل في أن مفهوم البيع مباين لمفهوم التمليك والنقل بل الظاهر مباينته ايضا لمفهوم البدلية كما يظهر من تعاريفهما. نعم البدلية من لوازم البيع التي لا تنفك عنه لانه يتضمن المعاوضة بين المبيع والثمن كما تقتضيها الباء الداخلة على الثمن الا انها لا تتحد معه مفهوما فتفسيره بها تفسير

[ 15 ]

باقرب المفاهيم إليه لا انه تفسير بالمرادف أو الاعم. فلاحظ (قوله: لم يعقل شئ مما) قد عرفت مما سبق أن الملازمة غير ظاهرة، وانه لامانع من اعتبار المبادلة بين الدين الذي في الذمة وبين بدله فيسقط بلا حاجة الى اعتبار ملكيته له آناما لكي يتوقف ذلك على تعقل ملكية ما في الذمة الذي عرفت امتناعه (فان قلت): اعتبار البدلية يتوقف في نظر العقلاء على امكان ثبوت ما لكل من البدلين للاخر في ظرف قيامه مقامه فإذا فرض امتناع ملك الانسان لما في ذمته امتنع قيام الدين مقام الثمن لانه لم يكتسب شيئا من طواريه وشؤونه (قلت): يكفي في اعتبار البدلية صلاحية الدين لاكتساب صفة الملكية بحيث يكون مملوكا لو لا المانع، ولا يعتبر فعليه الملكية حتى يمتنع اعتبار البدلية في ظرف امتناع الملكية، ولاجل تحقق البدلية المذكورة يسقط الدين عمن هو في ذمته لامتناع ملكيته له كما ان المبدل منه كذلك فانه لو انقعطت اضافته الى غير من هو في ذمته يسقط ايضا كما عرفت آنفا، (قوله: ومنها صدقه على) هذا الايراد لو تم توجه ايضا على التعريف الاول والثالث ولا يختص بهذا التعريف (قوله: وانما حقيقته التملك) قد عرفت في أول المبحث ان المشتري من قبيل المفعول المطاوع للبايع فليس له وظيقة اكثر من قبول ما جعله البايع من تمليكه أو النقل إليه أو غير ذلك مما هو معنى البيع فهو يقبل ما جعله البايع بعنوان المطاوعة له، فإذا كان البيع هو التمليك فقبوله تملك (قوله: ومنها انتقاض طرده) هذا ذكره في الجواهر ايرادا على تعريف المصابيح، وهو كما قبله لا يختص بالتعريف المذكور، بل يرد على التعاريف الثلاثة السابقة (قوله: والمراد بها هنا) يعني في النقض إذ من جملة أنواع الهبة المعوضة أن لا يذكر التعويض شرطا فيها لكن يتفق تمليك المتهب للواهب شيئا من ماله بقصد الجزاء فان ذلك من أنواع الهبة المعوضة التي لا يجوز رجوع الواهب فيها، قال في الجواهر: ظاهر اطلاق النص والفتوى عدم الفرق في العوض بين ان يكون في نفس العقد أو بعده بان أطلق في العقد ثم بذل العوض بعد ذلك. انتهى. لكن لا يصح النقض بها على التعريف المذكور لعدم كون التمليك فيها بعوض (قوله: على جهة المقابلة) يعني بين المالين

[ 16 ]

وانما المقصود المعاوضة بين الهبتين والتمليكين فهي - اعني الهبة المعوضة - تمليك في قبال تمليك (قوله: وإلا لم يعقل تملك) إذ بدون تملك العوض يمتنع اعتبار المعاوضة بين المالين فان العين الموهوبة قد انتقلت الى الموهوب من دون ان يكون للواهب من مال الموهوب شئ فلا معاوضة بينهما ولا أحدهما عوض عن الاخر (قوله: الرجوع في هبته) لانها حينئذ ليست هبة معوضة فتكون جائزة كما هو الاصل في الهبة (قوله: مقصودة في كل من العوضين) فان ذلك ينافى كون المقصود الهبة لاعتبار المجانية في الهبة لانها التمليك المجاني كما هو ظاهر (قوله: فقد تحقق مما) قد عرفت اشكاله (قوله: كان بيعا) بل الظاهر انه عنوان آخر غير عنوان البيع إلا أن يكون المقصود منه البيع بغير لفظه (قوله: من أن البيع هو الاصل) الذي يظهر من الجواهر ان المراد من الاصل المذكور هو أن تمليك الاعيان مشترك معنوي بين البيع والصلح والهبة، والخصوصية المميزة لكل من الاخيرين قصده، والمميزة للبيع عنهما عدم قصد أحدهما، فخصوصية البيع عدمية وخصوصية كل منهما وجودية (قوله: كان الاصل اللفظي) فيكون الاصل راجعا على هذا الى أصالة الحقيقة واصالة الظهور (قوله: ليس مراد القائل) لما عرفت من انه اصل في مقام الثبوت (قوله: على وجه ضمان المثل) فيكون حينئذ منحلا الى انشاءين انشاء التمليك وشرط الضمان لا انشاء معاوضة بينهما. مضافا إلى أن الضمان ان كان راجعا الى اشتغال الذمة بنفس المضمون فتكون العين بنفسها في الذمة فلا اثنينية ليمكن اعتبار المعاوضة بين العين وبين مافى الذمة، وان كان راجعا الى اشتغال الذمة بنفس المثل أو القيمة دون العين فالاثنينية المصححة لاعتبار المعاوضة غير حاصلة بالاضافة الى المثل في (المثلي) لان المراد من المثل نفس الجامع بين العين وبين غيرها من الامثال، ولذا لو فرض دفع نفس العين كان وفاء للقرض ولا يمكن اعتبار المعاوضة بين الشئ وبين ما يصلح للاتحاد معه والانطباق عليه (قوله: ربا المعاوضة لاختصاصه بالمكيل والموزون والربا في القرض يجري في غيرهما. مع أنه بناء على أن ضمان القرض في القيمي بقيمنه لاوحدة في الجنس فيه مع اعتبارها في

[ 17 ]

ربا المعاوضة (قوله: ولا الغرر المنفي فيها) فان دليل نفي الغرر وان كان الظاهر اختصاصه بالبيع وهو قوله " ع ": نهى النبي " ص " عن بيع الغرر، إلا أن المعروف بينهم عمومه لمطلق المعاوضات، ومع ذلك فالمحكي عن تصريح بعض وظاهر آخرين عدم قدح الغرر في القرض. اللهم إلا أن يقال: المصرح به أيضا في كلام جماعة قدحه فيه، وتصريح بعض بخلافه كتصريح بعض بذلك في المعاوضات " وبالجملة ": قدح الغرر في القرض كقدحه في المعاوضات محل اشكال، ولكن المعروف بينهم ذلك فراجع. نعم في القيمي ظاهرهم جواز قرضه مع عدم العلم بقيمته وقت القرض مع بنائهم على ثبوت القيمة في الذمة عندهم (قوله: ولا ذكر المعوض ولا العلم به) فيصح القرض ولو مع عدم العلم بكونه مثليا أو قيميا (قوله: فتأمل) لعله اشارة الى عدم دلالة ما ذكر على عدم كون القرض من المعاوضات إذ يجوز اختلاف انواع المعاوضات في الاحكام. استعمال البيع في معاقد اخر " قوله: واليه ينظر من عرف " لا يبعد أن يكون التعريف المذكور مبنيا على أن يكون المراد بالعقد نفس المعاملة البيعية التي يتكفل بها عقد البيع. وهذا معنى آخر للعقد غير المعنى المشهور وهو الايجاب والقبول الذي أشرنا إليه في أول الباب، والظاهر أنه الى هذا ينظر كلام الشهيدين الاتي، بل وكلام غيرهما فانتظر، وعليه فالاستعمال المذكور يدل على ثبوت معنى آخر للعقد لا معنى آخر للبيع، (قوله: حتى الاجارة و) فانها اسم للاجر المبذول عوضا بخلاف البيع فانه اسم لما يقوم به البايع، وبخلاف المزارعة والمصالحة فانهما اسم لما يقوم به كل من الطرفين بناء على أن مفهوم المفاعلة متقوم بالاشتراك كالتفاعل (قوله: ليس مقابلا للاول بل) قد عرفت في صدر المبحث ان الايجاب الذي هو احد ركني العقد هو عهد البائع مثلا بالبيع الراجع الى التزامه في نفسه به وبنائه عليه، واما البيع فهو الامر

[ 18 ]

الموجب والمعهود به والملتزم به لا انه نفس العهد والايجاب والالتزام فإذا استعمل في نفس الايجاب كان مجازا سواء أكان المستعمل فيه مطلق الايجاب أم خصوص الملحوق بالقبول " وبالجملة ": البيع من قبيل الاحراق القائم بالحطب لامن قبيل القاء النار على الحطب فانه قائم بالفاعل والايجاب من هذا القبيل فلا يصح جعله معنى للبيع. ثم إن مقتضى التسالم على كون البيع من العقود المقابلة للايقاعات هو انه لا يصح اعتبارها الا في ظرف تحقق القبول، فكما لا يصح اعتباره بدون الايجاب لا يصح اعتباره بدوه القبول، فإذا تحقق الايجاب لا يصح اعتباره قبل تحقق القبول من المشتري فإذا تحقق القبول منه صح اعتباره لان الابتياع مطاوع للبيع فلا يصح اعتبار احدهما الا في ظرف يصح فيه اعتبار الاخر فإذا لم يتحقق القبول من المبتاع لم يصح اعتبار الابتياع له فلا يصح اعتبار البيع للبايع وكذلك الحال في النقل والابدال والتمليك ونحوها مما كان من العقود فانه لا يصح اعتبارها بدون تحقق القبول من الطرف الاخر والا خرجت عن كونها عقودا وهو خلف (وبالجملة): الفعل والانفعال واحد سواء أكانا خارجيين كالكسر والانكسار أم اعتباريين كالبيع والابتياع. نعم. يختلفان بالحيثيات فالفعل من حيث إضافته إلى الفاعل فعل، ومن حيث إضافته إلى المحل انفعال، وكذا الحال في سائر موارده، ومنها الوجوب والايجاب فانهما كالوجود والايجاد يمتنع انفكاك أحدهما عن الاخر ولا فرق بينهما وبين الكسر والانكسار من هذه الجهة، وإن كان بينهما فرق من جهة أن الكسر والانكسار حقيقيان والوجوب والايجاب اعتباريان والامور الاعتبارية ربما تختلف باختلاف الانظار فيكون الشئ الواحد دخيلا في اعتبار أمر بنظر ولا يكون دخيلا في اعتباره بنظر آخر فمع فقده يصح اعتباره بنظر الثاني ولا يصح اعتباره بنظر الاول، وليس كذلك الامور الحقيقية التي لادخل للنظر في تحققها بل هو تابع عللها الحقيقية فان وجدت وجدت وإن حسبها الناظر معدومة، وإن فقدت فقدت وإن حسبها الناظر موجودة، فيكون النظر خطأ تارة وصوابا أخرى. لكن الفرق من هذه الجهة بين الامور الحقيقية والاعتبارية لا يصحح التفكيك بين الفعل

[ 19 ]

والانفعال بل حيث يصح اعتبار احدهما لابد من صحة اعتبار الاخر، كما انه حيث توجد حقيقة أحدهما لا بد من وجود حقيقة الاخر فيمتنع اعتبار التمليك من دون اعتبار التملك والملكية، وحيث يصح اعتبار الايجاب لا بد من صحة اعتبار الوجوب، فالامر الصادر من السافل إلى العالي كما يكون إيجابا بنظر السافل يكون وجوبا أيضا، وكما لا يكون وجوبا بنظر العالي لا يكون ايجابا فالاختلاف بين نظر العالي والسافل في صحة اعتبار الايجاب والوجوب - لو فرض - إنما يصحح اعتبار هما معا بنظر أحدهما ولا يصحح اعتبار كل منهما بنظر الاخر لا أنه يصحح اعتبار أحدهما بنظر هما معا ولا يصحح اعتبار الاخر كذلك، ومن ذلك تعرف مواقع الاشكال في كلام المصنف (ره) " منها " عدم اعتبار القبول في تحقق مفهوم البيع والنقل والتمليك ونحوها مع انها عناوين للعقود عندهم " ومنها " أن البيع اسم لنفس الايجاب لا للامر الموجب الذي ينشأ بالايجاب مع أنك قد عرفت أنه يكون بالايجاب " ومنها " جواز التفكيك بين الفعل والانفعال في الامور الاعتبارية وعدم جوازه في الامور الحقيية مع ما عرفت من مساواتهما في تلازمهما (قوله: إذ الاثر لا ينفك) تعليل لشرطية القبول للانتقال في الخارج فقاعدة امتناع انفكاك الاثر عن التأثير مختصة بالخارجيات الحقيقية ولا تطرد في الاعتباريات وقد عرفت ما فيه. مضافا إلى أن الانتقال الخارجي ليس الا الحركة من مكان إلى آخر وهذا لا يرتبط بالقبول كي يتوقف عليه، وما عدا هذا المعنى اعتباري سواء أكان في نظر الشارع أم في نظر غيره (وكيف كان) فهو يتوقف على القبول لكنه ملازم للنقل أيضا بذلك النظر ولا ينفك عنه كما عرفت (فان قلت): لو كان مثل البيع والنقل والتمليك ونحوها موقوفة على القبول ولا يصح اعتبارها بمجرد الايجاب لزم أن تكون من فعل الموجب والقابل معا مع أنها فعل للموجب لا للقابل (قلت): كل من الايجاب والقبول دخيل في تحقق المفاهيم المذكورة لكن دخل الاول من حيث أنه يصدر منه ودخل الثاني من حيث أنه يقع عليه ومفعول به، ولما اختلفت حيثية الدخل اختلفت صحة النسبة فان احزاء العلة التامة كثيرة وكل واحد منها له دخل في المعلول

[ 20 ]

ولكن الفاعل هو المقتضي (مثلا) إذا كسر زيد الاناء، ففعل زيد دخيل في تحقق الكسر كما أن قبول الاناء له دخيل فيه إلا أن دخل الاول لما كان من قبيل دخل المقتضي ودخل الثاني من قبيل دخل الشرط تعينت نسبة الكسر الى الاول لا غير، وكذلك نقول في المقام فان البيع لا يتحقق إلا مع مبتاع ومشتر، وقبوله لتعلق البيع به موقوف على قبوله الانشائي فإذا لم يقبل لا يتعلق به البيع فلا مجال لاعتباره كما أن الاناء الذي لا يقبل الانكسار لا يتعلق به الانكسار فلا يتحقق كسر في الخارج (قوله: فضلا عن أن) هذا غير ظاهر إذ لا ملازمة بين عدم أخذ القبول في معنى البيع اصطلاحا وعدم أخذه في بعض معانيه فضلا عن كون الثاني أوضح (قوله: وقد يوجه) هذا التوجيه محكي عن السيد الطباطبائي (ره) في المصابيح (قوله: فقد صرح الشهيد الثاني) قد تقدم التصريح به ايضا في كلام المصباح (قوله: لما عرفت من انه حاصل) وقد عرفت إشكاله وأنه غير حاصل إلا بعد القبول لكونه من عناوين العقود لا الايقاعات (قوله: وإلى هذا نظر) يعني إلى هذا المعنى - أعني المسبب عن العقد - والوجه فيما ذكره (قده) أن هذه الاحكام المذكورة من طوارئ المعنى المذكور لا من طوارئ المعنى الاول الذي ذكره أولا فان ذلك من قبيل الايقاع الذي لا يقبل اللزوم والجواز والفسخ، لكن عرفت أن معنى البيع ليس إلا هذا وأن المعنى الاول لا أصل له بل البيع من نتائج العقود في جميع الانظار الشرعية والعرفية من دون فرق بين نظر الموجب وغيره، نعم. يجوز عقلا أن يشرع الموجب فيجعله إيقاعا كما يجوز أن يكون كذلك شرعا إلا أنه فرض غير واقع (قوله: عقد البيع ونحوه) الظاهر أن المراد بالعقد نفس البيع والاجارة ونحوهما مما هو من نتائج العقود ومسبباتها، وكذا المراد من العقد في عبارة الشرائع في كتاب اليمين التي كانت عبارة المسالك المذكورة شرحا لها، قال في الشرائع: إطلاق العقد ينصرف الى العقد الصحيح دون الفاسد ولا يبرأ بالبيع الفاسد لو حلف ليبيعن. انتهى. فان قوله: (ولا يبرأ... الخ) ظاهر في أن المراد من العقد هو البيع ونحوه، ويشهد له أن المتعارف في اليمين الحلف على نفس البيع

[ 21 ]

ونحوه لا على عقده، ومثل ذلك أيضا عبارة الشهيد في القواعد - بقرينة التعبير بصيغة الجمع - فالمراد من العقود البيع والاجارة والرهن ونحوها لا عقدها وإلا كان المناسب الافراد كما يظهر بالتأمل، وهذا أيضا أحد معاني العقد واليه نظر من عبر بمثل عقد جائز، أو لازم، أو فسخ العقد، فان الاحكام المذكورة إنما تعرض على نفس المسببات كما تقدم من المصنف، وعليه يشكل ما ذكروه بان المعنى المذكور للعقد مما لا يتصف بالصحة والفساد بل هو إما موجود أو معدوم فلا مجال لدعوى الانصراف إلى الصحيح، ولا لدعوى كون حقيقة فيه دون الفاسد، واحتمال أن يكون المراد من العقد الايجاب والقبول بعيد جدا. فلاحظ (قوله: وصحة السلب) يعني عن الفاسد (قوله: لم يسمع إجماعا) قد عرفت وجهه وأن الفاسد ضده لا فرده (قوله: يوجب عدم جواز) لان التمسك بالاطلاق إنما يقصد منه رفع احتمال تقييد المطلق بامر زائد عليه لا احتمال اعتبار ما له دخل في ذاته وقوامه والشك في اعتبار شئ في صحة البيع ونحوه من قبيل الثاني الذي يوجب إجمال المطلق وسقوطه عن الحجية من هذه الجهة (قوله: نعم يمكن أن يقال ان البيع، تحقيق فيما ذكره الشهيدان (قوله: الذي يراد من) بدل من الحاصل، (قوله: لا يستعمل حقيقة) يعني أن البيع ونحوه انما يستعمل على نحو الحقيقة في خصوص ما كان مصداقا للصحيح - أعني البيع الذي يترتب عليه الاثر - فان ذلك هو المعنى الحقيقي له، والاختلاف بين الشرع والعرف ليس في معنى اللفظ ومفهومه بل في فرده ومصداقه، فاطلاق العرف البيع على بيع الغرر، وحكم الشارع عليه بانه ليس ببيع، ليس للاختلاف في مفهوم البيع بل للاختلاف في التطبيق فالعرف يراه فردا من البيع بالمعنى المتقدم فيقول: (هو بيع) والشرع لا يراه كذلك فينفي عنه البيع، كما هو الحال في الاختلاف في التطبيق فيما بين اهل العرف مثل الشبح الذي يرى من بعيد يقول بعضهم: هو انسان، ويقول بعضهم: ليس بانسان، فان ذلك ليس لاختلافهم في معنى الانسان بل لاختلافهم في تطبيق الانسان بما له من المعنى الواحد لاختلاف أنظارهم، وعلى هذا فاطلاق العرف البيع على مثل

[ 22 ]

بيع الغرر حقيقة وإن لم يكن صحيحا شرعا. نعم بعد اطلاعهم على أنه ليس بصحيح شرعا وإذعانهم بذلك يكون الاطلاق المذكور مجازا لعدم كونه فردا للبيع في نظرهم الناشئ عن متابعة الشارع، فلو حلف ليبيعن لم يجز مثل بيع الغرر لانه ليس فردا حقيقيا، ولو اقر بالبيع حمل على الصحيح شرعا دون الفاسد لانه ليس بفرد، لكن لو ادعى الجهل بالحكم الشرعي لم يبعد القبول لانه ليس إنكارا بعد الاقرار بل بيان لوجه الاقرار. (هذا) ولكن عرفت أن البيع بالمعنى المسبب لا يتصف بالصحة والفساد بل إنما يتصف بالوجود والعدم لا غير، فالاختلاف بين الشرع والعرف يكون اختلافا في الوجود والعدم الناشئ عن الاختلاف في منشأ الاعتبار فما يكون منشأ عند العرف قد لا يكون منشأ عند الشارع بالعكس فلا خطأ منهم في شئ إذ لا واقع محفوظ يمكن فرض الخطأ فيه تارة والاصابة اخرى، نعم لا اختلاف بين الشرع والعرف في مفهوم اللفظ بل المعنى عند الجميع واحد وهو الذي عرفت الكلام فيه وأنه المبادلة أو النقل أو التمليك أو غير ذلك. فلاحظ (قوله: واما وجه تمسك العلماء) ظاهر العبارة يقتضي أن يكون المراد أن لفظ البيع في مثل: (أحل الله البيع) مستعمل في الصحيح عند العرف بقرينة ورود الخطاب المذكور على طبق الاستعمالات العرفية فإذا كان المراد منه ذلك يكون إطلاق الحكم بالحل دليلا على صحته عند الشارع مطلقا، إذ لو كانت صحته عند الشارع مشروطة بشرط كان اللازم تقييد الحكم به (وفيه) أنه بعد ما تقدم من أن لفظ البيع موضوع للمؤثر وأن الاختلاف بين الشرع والعرف ليس في مفهومه بل في مصداقه لا وجه لحمله على المؤثر عند العرف، بل المتعين حمله على المؤثر واقعا فانه معناه عرفا وشرعا، وكون الاستعمال جاريا على طبق الاستعمالات العرفية لا يصلح قرينة على حمله على غيره، بل يوجب حمله على معناه الحقيقي، ولو سلم لزوم حمله على خصوص المؤثر عرفا كان نفس الحكم بالحل ووجوب الوفاء مقتضيا للحكم بصحته شرعا ولو لدلالته عليه بالالتزام لا أن ذلك مقتضى إطلاقه (فالاولى) أن يقال: إن لفظ البيع يحمل على معناه وهو المؤثر واقعا، ولما لم يكن طريق الى معرفته غير

[ 23 ]

نظر العرف كان مقتضى ورود الكلام في مقام البيان تصديق نظر العرف في التطبيق إذ لولا ذلك كان الكلام حكما على موضوع مجمل لعدم معرفة موضوعه، (وفيه) أيضا أن الحكم بالحل بعد ما كان نفسه مقتضيا للصحة لا مجال لحمل البيع على الصحيح المؤثر واقعا لان البيع المذكور توأم الصحة فيكون حمل الصحة عليه لغوا، بل المتعين حمل البيع على المؤثر عرفا لا غير ليصح جعله موضوعا للحكم المذكور، ويكون المعنى حينئذ أن البيع الصحيح عند العرف صحيح عند الشارع فيكون مفاد نفس الحكم المذكور تصحيح نظر العرف وتصويبهم في كون أفراد البيع صحيحة، هذا بناء على اتصاف البيع المسبب بالصحة والفساد - كما هو مبناه (قده) - أما لو بني على عدم اتصافه بذلك كما عرفت فالمراد من البيع اما البيع في نظر العرف أو البيع في نظر الشارع ولا ثالث لهما كما تقدم، ولاجل امتناع الحمل على الثاني لما سبق من لزوم اللغوية - إذ ليس الحلية الوضعية الا عبارة عن كونه بيعا في نظر الشارع - يتعين الحمل على الاول، فيكون مفاد الدليل تصديق نظر العرف في تحقق البيع وامضاء الاسباب العرفية، وتنفيذ سببيتها، هذا كله بناء على أن الحلية في مثل (أحل الله البيع) هي الحلية الوضعية كما سيجئ ان شاء الله تحقيقه في المعاطاة. فلاحظ وتأمل. والله سبحانه الموفق المعين وهو حسبنا ونعم الوكيل الكلام في المعاطاة (قوله: وربما يذكر وجهان) ذكر ذلك في الجواهر (قوله: ان يقع النقل) عبارة الجواهر: أن يقع الفعل - يعني التعاطي - والمراد من الاباحة المزبورة الاباحة التي ذكرها في الصورة الاولى وهي الاباحة المطلقة والتسليط على التصرف (قوله: ويرد الاول) الذي يظهر من عبارة الجواهر أن المقصود من هذا الوجه أن يقصد المعطي مطلق التسليط الحاصل مع الملك ومع عدمه مع عدم قصده للملك ولا لعدمه، ولذا احتمل حمله على الاباحة لانها الاصل فيما يقصد به مطلق التسليط لان غيرها يحتاج الى قصد

[ 24 ]

آخر بخلافها فانها يكفي فيها مطلق التسليط، فعليه لا فرق بين هذا الوجه والوجه الاول إلا أن الوجه الاول قصد الاباحة على غير نحو الملك وفي هذا الوجه قصد الاباحة مع الغفلة عن الملك وعدمه فلا مجال لاشكال المصنف (ره) عليه بما ذكر نعم. يتوجه عليه بأن التسليط على نحو الملك ليس تسليطا مالكيا بل هو شرعي فلا معنى لانشائه من المالك فانشاؤه من المالك راجع الى الاباحة على الوجه الاول ولذا جعل المصنف (ره) الوجه الاول قصد الاباحة من دون نظر الى التمليك. فلاحظ (قوله: والثاني بما تقدم) قد عرفت اشكاله ولعل الوجه في الفرق بين هذا الوجه والوجه الثاني عند صاحب الجواهر (ره) أن البيع عنده نفس النقل الذي لا يلزمه التمليك وان كان يترتب عليه أحيانا، فمرجع الوجه الثاني الى قصدهما التمليك بعنوان كونه متفرعا على النقل والمبادلة، والوجه الرابع الى قصدهما التمليك ابتداء. فتأمل جيدا (قوله: لكن بعض المعاصرين لما) المراد به صاحب الجواهر (ره) قال: فما عساه يظهر من المتأخرين ومتأخريهم من أن محل النزاع فيما قصد به البيع مثلا من الافعال وغير الاقوال المخصوصة مع جمع جميع شرائط البيع عدا الصيغة وأن المعظم يقولون بالاباحة فيه، والكركي ومن تابعه بالبيع المتزلزل، والفاضل في النهاية بالبيع الفاسد كما ترى. بل تمكن دعوى القطع بفساده بادنى تأمل، وأنه لا ينبغي أن ينسب الى أصاغر الطلبة فضلا عن أعاظم الاصحاب وكبرائهم بل مناص من القول بالفساد فيه لمن اشترط الصيغة في الصحة فضلا عمن جعله عبارة عنها. نعم يشرع عنده التعاطي بقصد الاباحة على معنى اباحة كل منهما التصرف للاخر على جهة المعاوضة... الخ " أقول ": إذا قصد المتعاطيان في اعطائهما اباحة التصرف للاخر. فلا مجال أيضا للخلاف في أن ذلك بيع صحيح لازم، أو غير لازم، أو أنه بيع فاسدا وأنه اباحة صحيحة، كما هو المشهور، وبعد وقوع الخلاف على هذا التقدير ليس باقل من بعده على تقدير ارادة المتعاطيين التمليك، لكن الظاهر من عبارة الجواهر المذكورة وغيرها ليس هو أن محل النزاع ومورد الخلاف والاقوال هو صورة قصد المتعاطيين الاباحة بل مراده ان القول بالاباحة ليس مورده

[ 25 ]

صورة قصد المتعاطيين التمليك بل خصوص صورة قصدهما الاباحة فلا ينبغي أن يعد في قبال القول بالملك والقول بالفساد لعدم كون موردها واحدا، وليس مقصوده أن محل النزاع ومورد الاقوال المذكورة صورة قصد الاباحة كي يتوجه عليه ما ذكرناه. ولذا ذكر في كلامه أن مورد كلام الشيخ وغيره في مثال الاعطاء للبقلي يمكن أن يكون المراد منه الصورة الثالثة وأن يكون الصورة الاولى، نعم يتوجه عليه ما ذكره شيخنا (قده) من أنه خلاف ظاهر كلمات القائلين بالاباحة بل خلاف صريح بعضها، والعمدة ملاحظة كلماتهم واستظهار التقدير الذي هو محل الخلاف، وان كان ذلك ايضا لايهم بل المهم تنقيح ما هو مفاد الادلة بعد أن لم يكن اجماع يجب العمل به في قبال المستفاد منها (قوله: ولا ينافي ذلك قوله وليس) وجه عدم المنافاة: أن المراد به أنه ليس من العقود الفاسدة التي لا يترتب عليها الاثر أصلا - يعني لا تحقق المضمون ولا الاباحة - ولو كان موضوع كلامه صورة قصد المتعاطيين الاباحة لما كان مجال لهذا التوهم كي يتعرض لدفعه (قوله: وهو في الظهور قريب) كأن وجه توقفه في دعوى قوة ظهور الكلام فيما ادعاه أن قوله: وان جاز التصرف للتراضي، ظاهر في الاباحة المالكية الحاصلة من التسليم فالاعطاء يكون بقصد الاباحة، لكن لما لم يتخص كلامه المذكور بصورة فقد الايجاب والقبول بل يعم صورة تحققها بقصد التمليك وفوات بقية الشرائط فلا بد أن يكون موضوع كلامه صورة قصد التمليك وان كانا بالتسليم يقصدان الاباحة فالكلام لا قصور في دلالته على مراد المصنف (ره) (قوله: وقال المحقق في الشرائع) هذه العبارة انما تتضمن أن المعاطاة المقصود بها التمليك لا تفيده، ولا تعرض فيها لترتب الاباحة عليها. اللهم إلا أن يعلم من الخارج، وكذا الحال في عبارة التذكرة (قوله: وحاصله أن المقصود هو الملك) قد عرفت فيما سبق أن البيع هو المبادلة بين المالين فإذا كان المقصود بالمعاطاة هو المبادلة فعدم ترتب المقصود إنما يكون بانتفاء المبادلة لا بعدم حصول الملك لان قصد التمليك إن كان من الخطأ في التطبيق وتخلفه لا يوجب فوات المقصود بالمعاطاة كما في شراء الغاصب لنفسه، وحينئذ إذا

[ 26 ]

أمكن اعتبار المبادلة بلحاظ الاباحة بحيث يكون كل من البدلين قائما مقام الاخر بلحاظ إباحته لمالكه لم يلزم وقوع ما لم يقصد ولا قصد ما لم يقع، اللهم إلا أن يقال: الاباحة الملحوظة في جعل البدلية (إن كانت) هي الاباحة المالكية ففيه أولا أن البدلية انما تكون بلحاظ الصفات الثابتة قبل جعلها بحيث تكون ثابتة للعين مع قطع النظر عن جعلها كالملكية والوقفية ونحو ذلك، والاباحة المالكية ليست كذلك فان العين قبل جعل البدلية لم تكن مباحة لمالكها إباحة مالكية، وثانيا أن الاباحة المالكية إنما يترتب عليها جواز التصرف إذا كانت مجعولة للمالك في ظرف التفاته الى كونه مالكا، ومع قصد التمليك للغير لا مجال لذلك (وان كانت) هي الاباحة الشرعية فهي ليست قائمة بالعين بما هي بل قائمة بها بما هي ملك مثلا فما لم تكن البدلية في الملكية مثلا يمتنع البدلية فيها لا متناع ثبوت الحكم بدون موضوعه وايضا فان الاباحة الشرعية مجعولة من الشارع لموضوعاتها فيمتنع أن تكون تحت جعل المالك تفصيلا أو اجمالا. مضافا الى ان ذلك لو تم في البيع المتضمن للمبادلة لايتم في غيره مما لا يتضمن ذلك (قوله: لكن في عد هذا هذا من الاقوال تأمل) كأنه لاجل أن القول يخرج المعاملة عن كونها بالمعاطات بل تكون بالقول لكن صريح عبارة المختلف والغنية والسرائر والتذكرة أن موضوع النزع في المعاطاة: أن يدفع قطعة الى البقلي فيقول: اعطني بها بقلا، وظاهره عدم منافاة القول للمعاطاة وكأنه لانه لم يقصد بالقول الانشاء وانما قصد به الدلالة على ما هو موضوع التراضي، أو لانهم يعتبرون صيغة مخصوصة في العقد بنحو لا يكون القول المذكور منها، نعم ظاهر عبارة المحقق الثاني اعتبار عدم اللفظ الدال على المراد. فلاحظ (قوله: حيث انه يدل على حلية) إذا باع زيد فرسه على عمرو بدراهم معينة مثلا فالتصرفات المترتبة على البيع المذكور مختلفة الاحكام، فبعضها يكون محكوما بالحل التكليفي كركوب عمرو للفرس، ووضع يده عليها، وبعضها محكوم بالحل الوضعي كوقفها، وبيعها، واجارتها، ونحوها، وبعضها محكوم بالوجوب كالا نفاق عليها، وبعضها يكون محكوما بغير ذلك، فحمل الحل المذكور في الاية الشريفة على حل التصرفات مما لا يمكن إذا كان

[ 27 ]

المراد جميع تلك التصرفات، وحمله على حل البعض منها مما لا قرينة عليه ولا وجه له، وايضا فان أحكام تلك التصرفات قد تضمنتها أدلة تشريعها فتشريعها بهذا الدليل ثانيا ممتنع، وحملها على التأكيد لتلك الادلة خلاف الظاهر جدا، وتشريع حلية ثانية لتلك التصرفات بعنوان البيع كما ترى، وايضا فان الحمل على التصرفات محتاج الى تجوز أو تقدير وهو ايضا خلاف الظاهر، وعليه يتعين إبقاء الكلام على ظاهره وتعليق الحل على نفس البيع، ثم يتردد الامر بدوا بين أن يكون المراد من الحل الحل الوضعي الراجع الى تحقق البيع وترتب أثره عليه في نظر الشارع وبين أن يكون المراد منه التكليفي (فنقول): قد عرفت في آخر المبحث السابق أن البيع بالمعنى المسبب مما لا يتصف بالصحة والفساد بل انما يتصف بالوجود والعدم فان أريد منه مفهومه بلحاظ أفراده بتوسط اعتبار الشارع تعين حمل الحل على الحل التكليفي - يعني الرخصة في التسبب إليه ونفي العقاب عليه - إذ لا معنى للحل الوضعي الراجع الى الارشاد إلى تحققه بتحقق منشأ اعتباره لكون المفروض كونه متحققا في نظر الشارع، وإن أريد منه البيع العرفي أمكن كون الحل إرشاديا إلى تحققه واعتباره أيضا في نظر الشارع كما يمكن أن يكون تكليفيا، ولاجل أن الظاهر من الحل والحرمة في أمثال هذه الخطابات الارشاد لان الاهتمام بها أأكد لما يترتب على ذلك من الارشاد إلى أحكام كثيرة كما عرفت، يتعين حمل البيع على البيع العرفي فيكون مفاد الاية الشريفة تصديق نظر العرف في تحقق البيع وتصويبهم في بنائهم على سببية سببه وكونه منشأ لاعتباره، ولا ينافى ذلك المقابلة بين حلية البيع وحرمة الربا فان الحرمة للربا أيضا إرشادية إلى عدم تملك الزيادة وبقائها على ملك المالك، إذ لو حمل على الحرمة التكليفية فهي إما عين الحرمة الثابتة لمال الغير أو غيرها والثاني لا يمكن الالتزام به لانه يلزمه الالتزام في المخالفة بترتب عقابين وفي الموافقة بترتب ثوابين وهو كما ترى، والاول يلزم منه التأكيد وهو خلاف الاصل فيتعين ما ذكرنا، ولو فرض قوة ظهور البيع في البيع الشرعي المستتبع لحمل الحل على التكليفي فنفس معنى الكلام وان كان يقتضى

[ 28 ]

الحل التكليفي للبيع الشرعي لا غير إلا أن مقتضى الاطلاق المقامي للكلام الوارد في مقام البيان الذي لا طريق الى معرفة موضوعه إلا نظر العرف هو امضاء نظرهم كما هو الحال في أمثال المقام ونظائره، وما اشتهر من أن نظر العرف انما يتبع في تنقيح المفهوم لا في تنقيح المصداق يختص بما له واقع محفوظ في نفسه يخطؤه العرف تارة ويصيبه أخرى لا ما إذا لم يكن له واقع محفوظ ويختلف اعتباره باختلاف الانظار، وما ذكرنا يطرد في جميع الاعتباريات التي تؤخذ موضوعا للاحكام الشرعية في لسان الشارع فان مقتضى الاطلاق فيها امضاء الاسباب العرفية فلاحظ (قوله: فمرادهم بالبيع المعاملة اللازمة) قال في الغنية: وأما شروطه - يعني البيع - فعلى ضربين. أحدهما شرائط صحة انعقاده، والثاني شرائط لزومه فالضرب الاول ثبوت الولاية في المعقود عليه... إلى ان قال: وأن يحصل الايجاب من البائع والقبول من المشتري، ثم شرع في الاستدلال على ذلك... الى أن قال: واعتبرنا حصول الايجاب من البائع والقبول من الشمتري تحرزا.. الى آخر ما نقله المصنف (ره)، وصريح العبارات المذكورة دعوى الاجماع على عدم انعقاد البيع بذلك لا عدم لزومه - كما اعترف المصنف (ره) بذلك في ذيل ما يتعلق بنقل كلماتهم (قوله: ولذا صرح في الغنية بكون) قد عرفت أن هذا شاهد على عدم انعقاد البيع بالمعاطاة، وأنها ليست بيعا عنده لا أنها ليست بيعا لازما، نعم لو كان مراد ابن زهرة (ره) اعتبار ذلك شرعا في الصحة وعدم اعتباره عرفا وأنه يصدق البيع عرفا بالمعاطاة صح التعليل بما ذكر لكنه غير ظاهر في ذلك، اللهم إلا أن يكون من جهة تمسكه بالاجماع إذ لو كان لا يرى صدقه عرفا بالمعاطاة كان التمسك به على البطلان أولى، لعدم المقتضى للصحة حينئذ بخلاف التمسك بالاجماع فانه تمسك بالمانع (قوله: قد عرفت الحال فيها) قد تقدم منه في ذيل الكلام في تعريف البيع تحقيقها " قوله: يظهر وجه التمسك " هذه الاية الشريفة بقرينة المستثنى منه وهو قوله تعالى: " ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل " ظاهرة في حل التصرف الخارجي الذي هو مثل التصرف بالاكل فلا مجال فيها لما سبق في

[ 29 ]

الاية الاولى، نعم مقتضى كون موضوع المستثنى منه هو الباطل الذي لا ينطبق على التجارة سواء أكانت صحيحة شرعا أم عرفا لانها ليست من الباطل يكون الاستثناء منقطعا الذي هو الاخراج من المفهوم المتوهم، ثم إن مقتضى مقابلة الجمع بالجمع في المستثنى منه وان كان يقتضي التوزيع نحو قوله تعالى: (ادخلوا مساكنكم) و (حرمت عليكم أمهاتكم... الاية) و (قوا أنفسكم وأهليكم) و (أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم) و (ويوصيكم الله في أولادكم)... الى غير ذلك لكن الظاهر منه في المقام حرمة أكل كل مال غيره فالمراد من المستثنى أكل مال الغير بنحو الاتجار والاكتساب عن تراض يعني يجوز أكل مال الغير إذا كان المال اكتسابا عن تراض والمراد من التجارة فيه التجارة العرفية لا الشرعية بقرينة التقييد بالتراضي، فتدل الاية على نفوذ التجارات العرفية الواقعة عن تراض بناء على كون الحل فيه إرشاديا كما هو الظاهر على ما عرفت في الاية السابقة (قوله: لان عمومه باعتبار أنواع) عدما السلطنة على المال (تارة) يكون لقصور في الفاعل كالاجنبي عن المال فانه لا سلطنة له عليه لقصوره في نفسه (وأخرى) يكون لقصور في المال كالعين المرهونة التي لا يجوز للراهن التصرف فيها فان عدم سلطنته على التصرف ناشئ من قصور في نفس المال لكونه موضوع الحق الخاص (وثالثة) يكون للقصور في السبب مثل بيع المال مع الجهل بالعوضين فان عدم صحته لا لقصور في المالك ولا في المبيع ولكنه لقصور في العقد مع الجهل المذكور، والظاهر من النبوي الشريف جعل السلطنة ونفي القصور من الجهتين الاولتين لا مطلقا، ولذا لا يظن أن أدلة الشرائط للعقود والايقاعات مخصصة للحديث الشريف فإذا شك في المقام في اعتبار اللفظ في صحة البيع فلا يصلح الحديث لرفع الشك المذكور لانه لا يرجع الى الشك في تخصيصه حتى تكون أصالة العموم محكمة (قوله: حتى المتوقفة على الملك كالبيع) التوقف في الامثلة المذكورة ليس على نسق واحد فان التوقف في الوطء لو سلم فليس لتوقف نفس الوطء عليه بل المتوقف جوازه تكليفا وفي البيع والعتق المتوقف جوازه وضعا الراجع الى توقف ذاته بحيث لولا الملك

[ 30 ]

بيع ولا عتق حقيقة، ومن هنا يظهر أن ثبوت الاباحة في الوطء من أول الامر يقتضي ثبوت الملكية كذلك لدلالة ثبوت الحكم على ثبوت موضوعه ولا تتوقف دلالة دليل الاباحة على الملكية على تحقق الوطء بخلاف جواز البيع والعنق وضعا فانه لو لم يتحقق البيع لا طريق الى ثبوت الملكية " ثم " إن في عموم الاباحة المستفادة من الايتين الشريفتين للتصرفات التي هي موضوع الاباحة الوضعية خفاء إذ الاية الثانية انما دلت على حلية الاكل تكليفا، والتعدي الى حلية البيع ونحوه وضعا غير ظاهر، وأما الاولى فهي وإن كانت مطلقة إلا أنه لما لم يكن جامع بين الحلية التكليفية والوضعية امتنع شمولهما معا ودار الامر بين حملها على الاولى والثانية لكن الاولى اظهر (قوله: الذي لا يعلم ذلك منهم) يعني لا يعلم بناؤهم على توقف التصرف على الملك، بل من الجائز بناؤهم على عدم توقفه عليه كما يقتضيه إطلاق كلامهم في نفي الملك وجواز التصرف " قوله: غاية الامر " يعني لو بنينا على ثبوت بنائهم على الوقف فالمقدار اللازم من التوقف هو الملكية آناما لا من أول الامر " هذا " ولكن عرفت أن الاباحة في الوطء بناء على التوقف تقتضي ثبوت الملكية من أول الامر، مضافا الى أن صحة البيع والعتق ونحوهما وإن لم تقتض ثبوت الملكية من أول الامر لكن ثبوتها قبل التصرف آناما خلاف قاعدة السلطنة الجارية في حق المالك، وثبوتها من أول الامر لا مخالفة فيه لها لكونها مقصودة للمتعاطيين فيتعين البناء على لئلا يلزم من البناء على الاول تخصيص القاعدة " وبالجملة ": مقتضى عموم جواز التصرف المتوقف على الملك وان كان هو ثبوت الملك إما مقارنا للتصرف أو من أول الامر إلا أنه يتعين الثاني لئلا يلزم تخصيص قاعدة السلطنة بالبناء على الاول، نعم هذا الاشكال يبتني على حجية أصالة عدم التخصيص لاثبات عنوان الموضوع أو نفيه إذ الملكية حال التصرف معلومة والملكية من أول الامر ليست على خلاف السلطنة كي يكون العموم مرجعا في نفيها فانما المقصود إثبات أن الملكية حال التصرف ثابتة من أول الامر حتى لا يلزم التخصيص، والعموم ليس حجة في مثل ذلك على ما هو التحقيق.

[ 31 ]

(تنبيه) الوجه في توقف الوطء على الملك قوله تعالى: (إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم) حيث دل على انحصار الجواز في الامرين غاية الامر ما دل على جواز وطء المحللة من الاجماع والنصوص اقتضى الخروج عن هذا الظاهر، لكن المقام ليس منه لعدم الاباحة المالكية فيتعين أن يكون من ملك اليمين بعد انتفاء الزوجية، وفيه ما عرفت من توقف ذلك على حجية العام في إثبات عنوان موضوعه ونفيه وهو خلاف التحقيق بل أصالة العموم إنما تكون حجة في ظرف إحراز الموضوع والشك في الحكم فلا تكون حجة في صورة العكس كما في المقام حيث يعلم بجواز الوطء ولكن يشك في تحقق الملك فلا تخصيص للحصر المذكور وفي عدمه فيلزم التخصيص (واما الوجه) في توقف البيع على الملك فهو أن البيع من المعاوضات الموجبة لدخول كل من العوضين في ملك من خرج منه الاخر فلولا دخول المبيع في ملك البايع لم يدخل الثمن في ملكه بل يدخل في ملك المعطي، لكن هذا الوجه يتوقف على الاجماع على دخول الثمن في ملك البايع في المقام كما هو الظاهر (وأما الوجه) في توقف العتق على الملك فهو نفي الخلاف المحكي عن المبسوط. وأما قوله " ع ": (لا عتق الا في الملك) فغير ظاهر الدلالة على ذلك وان حكي عن المبسوط التمسك به إذ من المتحمل إرادة أنه لا عتق إلا فيملك المعتق لعدم السلطنة عليه لكن في الاعتماد على نفي الخلاف المحكي تأملا وإن كان هو ظاهر الاصحاب ويترتب عليه عدم جواز التبرع بالعتق عن الغير إلا أن يقوم عليه دليل كما في عتق الابن عن أبيه الميت حيث ورد في حسن (بريد) صحته (وأما وجه) توقف الوصية على الملك فالعمدة فيه عدم الدليل على نفوذها الموجب للرجوع الى أصالة عدم ترتب الاثر، وإطلاق نفوذ الوصية مختص بالوصية بمال نفسه فلو أوصى بمال زيد لعمرو بعد وفاته - أعنى وفاة الموصي - لم ينفذ سواء أجاز المالك أم أذن في ذلك قبل الوصية

[ 32 ]

أم لا، أما في الثانية فلعدم السلطنة له على مال الغير، وأما في الاولى فلان الاذن أو الاجارة إنما تقتضيان صحة نسبة الوصية الى المالك وفي المقام لا معنى له لعدم تعليق التمليك على وفاة المالك فلا يشملها دليل نفوذ الوصية، بل مقتضى إطلاق معقد الاجماع على بطلان التعليق البطلان. نعم لو اوصى بمال زيد لعمرو على تقدير وفاة زيد عن اذن من زيد أو كان قد أجاز ذلك لزمت الوصية وكانت وصية لزيد لا له بخلاف الصورة الاولى (وأما الوجه) في توقف الاخراج في الخمس والزكاة على الملك فغير ظاهر إذ الظاهر جواز تبرع الغير في الوفاء عما في ذمة المالك منهما كما تحرر في كتاب الزكاة، إذ هما كغيرهما من الديون التي يجوز التبرع بوفائها، وكون أداء الخمس والزكاة من العبادات لا ينافي ذلك لان الاصل جواز النيابة في العبادات على ما تحرر في مبحث القضاء عن الاموات مع أنه لو فرض البناء على عدم جواز التبرع في نحوهما من العبادات امكن البناء على الجواز في المقام لان المفروض تولي المكلف للوفاء بنفسه، غايته أنه بمال الغير، فإذا فرض اقتضاء المعاطاة للاباحة وجواز التصرف في العوضين فلا مقتضي للمنع كما في الديون غير العبادية، ومن ذلك يظهر عدم توقف ثمن الهدي على الملك، ولا سيما وقد ورد في النصوص جواز الذبح عن العبد والصبي وأن رسول الله " ص ": ذبح عن أمهات المؤمنين بقرة بقرة، ونحر عن علي " ع " اربعا وثلاثين بدنه وغير ذلك فإذا جازت النيابة جاز الهدي بملك الغير، نعم لو اشتراه بالمال المأخوذ بالمعاطاة وبني على تمامية الاجماع على دخوله في ملكه بالشراء توقف ذلك على دخول الثمن في ملكه على ما عرفت من توقف البيع على الملك لكن لا خصوصية حينئذ لثمن الهدي في ذلك بل يجري في ثمن كل مبيع (قوله: فهى كسائر سيراتهم الناشئة) هذا ممنوع جدا، إذ ذلك سيرة المتدينين المبالين كما يظهر بالمراجعة الى طريقتهم (قوله: مع أن ما ذكر من ان للفقيه) يريد انه وان كان يجوز للفقيه الالتزام بالملكية حال التصرف بالنظر الى دلالة الايتين الشريفتين، لكنه لا يمكن ذلك بملاحظة ما ذكره بعض الاساطين " ره " من موجبات الاستبعاد فلا تناقض

[ 33 ]

بين الكلامين (قوله: مع العلم ببقاء مقابله) في بعض النسخ: (انتفاء مقابلة) والظاهر أنه غلط، كما أن ما في النسخة من قوله: (فينفي بالاصل) غلط ايضا، والصحيح (فيبقى بالاصل) يعني: مع عدم العلم ببقاء مقابله يحكم ببقائه بالاصل، ومع البقاء لا ملك ومع ذلك تتعلق الامور المذكورة التي هي من أحكام الاملاك (قوله: ليست عند القائل بالاباحة... الخ) قد يوهم التعبير المذكور اختصاص التبعية بالعقود وما قام مقامها شرعا فيوجه عليه الاشكال بالمنع من هذا الاختصاص، ولكنه ليس ذلك بمراد وانما كان التعبير المذكور جريا على عبارة شرح القواعد، وإلا فالتعليل الذي ذكره في قوله (ره): فان تبعية العقد للقصد.. الخ لا يختص بالعقود، بل يطرد في جميع الاسباب الاء نشائية من غير فرق بين العقود والايقاعات وغيرهما (وكيف كان) فهذا الاشكال إنما يتضمن رفع امتناع كون المعاطاة المقصود بها التمليك لا يترتب عليها التمليك ويترتب عليها الاباحة وليس فيه مخالفة للقواعد ولا هو من القواعد الجديدة (قوله: يؤثر في ضمان كل من العوضين) لو كان الاثر المذكور للعقد لاقتضى ترتبه وإن لم يكن قبض ولا يقولون به، بل الضمان عندهم للقبض سواء أكان الوجه فيه الاقدام على الضمان كما هو المذكور في كلام الاكثر أم قاعدة اليد كما هو التحقيق لا أن السبب الموجب للضمان هو الاقدام على الضمان بالمسمى حتى يكون نظيرا لما نحن فيه من جهة عدم ترتبه، وانما المترتب الضمان بالمثل والقيمة، لما عرفت: من أن الضمان لو كان بالاقدام لزم البناء على الضمان وان لم يتحقق القبض ولا يقول به أحد، بل انما بنوا على الضمان بالمثل في القبض وإن كان الوجه في اقتضائه الضمان هو الاقدام المعاملي فلا يكون المقام نظيرا لما نحن فيه لاختلاف الموضوع (قوله: وتوهم أن دليلهم) سيجئ منه (ره) في قاعدة: (ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده) أنه لا يبعد أن يكون مراد الشيخ ومن تبعه من الاستدلال على الضمان بالاقدام على الضمان بيان عدم المانع عن مقتضى اليد في الاموال والاعمال من الضمان، فالضمان يكون عندهم باليد لا بالاقدام، ولو سلم عدم صحة حمل كلامهم على ذلك لم يكف في رفع الاستبعاد ووجود النظير بناؤهم

[ 34 ]

على ذلك وإن كان خطأ، فان النظير المبني على الخطأ لا يرفع الاستبعاد ولا يصلح ردا على شارح القواعد كما لا يخفى (قوله: وكذا الشرط الفاسد) سيجئ في محله أن الوجه في صحة العقد المشروط بالشرط الفاسد أن إنشاءه على نحو تعدد المطلوب فبطلان المشروط لا يلزم منه بطلان المطلق، وكذا الحال في بيع ما يملك وما لا يملك على ما ياتي في محله ان شاء الله (قوله: يقع للمالك) قد أشرنا في البحث عن معنى البيع أن الوجه في ذلك هو أن المقصود في البيع المبادلة بين المالين، وقصد الملك للموجب والقابل أو غيرهما مما لا دخل له في قصد المبادلة، ولكنه من المقارنات له فعدم حصول المقصود كما لو كان القصد خطأ من القاصد في التعليق لا يقدح في صحة المعاملة، لخروج القصد المذكور عنها فلو اعتقد كل من البائعين أن طرفه أصيل فقصد تمليكه بناء منه أنه من مقتضى المبادلة المذكورة فيتبين أنه وكيل وأن الملك الحاصل من المبادلة لموكله لا يضر ذلك في صحة المعاملة وترتب أثرها عليها، ولا يكون من وقوع ما لم يقصد ولا من عدم وقوع ما قصد لاختصاص ذلك بالقصد الذي هو قوام المعاملة لا ما هو أجنبي عنها وسيجئ ان شاء الله توضيح ذلك في الفضولي (قوله: يجعله دائما على قول نسبه في) استدل له في الجواهر - مضافا الى ظهور بعض النصوص فيه، بان اعتبار الاجل في المتعة على جهة الشرطية الخارجة عن معنى النكاح فمع عدم ذكر الشرط لا أثر له بناء على أن الشرط المقدر لا يجري عليه حكم المذكور، فقصد النكاح حينئذ بحاله (وتوضيح) ذلك أن الزوجية من الاعتباريات التي يكفي في اعتبارها حدوثا حدوث سببها ولا يحتاج في اعتبار بقائها الى سبب، بل يكفي في صحته اعتبار حدوثها، فما لم يوجد المزيل لها يصح اعتبار بقائها فالمنشأ في النكاح الدائم مجرد حدوث الزوجية لا بقاؤها ودوامها فانها تبقى وتدوم بنفسها لا بالانشاء، وعليه فالفرق بين النكاح الدائم والمنقطع ليس في أن الاول أنشئ فيه الدوام والثاني لم ينشأ فيه ذلك، بل الفرق بينهما بعد اشتراكهما في إنشاء حدوث الزوجية في أن الاول لم ينشأ فيه سوى حدوث الزوجية، والثاني أنشئ فيه انقطاعها: فالعقد الذي يتضمن

[ 35 ]

إنشاء الانقطاع منقطع، والذي لم يتضمن إنشاء الانقطاع دائم فإذا قصد المتناكحان الانقطاع ولم يذكراه لفظا لم ينفع القصد المذكور في حصول الانقطاع لعدم وقوعه تحت الانشاء فتبقى الزوجية بحالها على مقتضى طبعها كما لو قصدا اشتراط شئ فنسيا ذكره في العقد " وأورد " عليه المصنف (ره) بان الذي يظهر من النصوص والفتاوى أن الدائم والمنقطع حقيقتان مختلفتان وليس الفرق بينهما من قبيل الفرق بين المطلق والمشروط، واستدل على ذلك بقول الفقهاء، إذا أخل بالاجل انقلب دائما، إذ لو لا الاختلاف في الحقيقة كان المناسب أن يقولوا: " يبقى العقد دائما " وباتفاق النصوص والفتاوى على أن المهر ركن في المنقطع دون الدائم، فانه يدل على أن المقصود بالمنقطع المعاوضة بين الانتفاع والمهر فذا لزم ذكر العوض، وبانه لولا ذلك كان اللازم انعقاد الدوام عند ترك ذكر المهر والاجل مع أن ظاهر المسالك الاتفاق على البطلان حينئذ، وبانه لولا ذلك لم يكن وجه لسقوط بعض المهر عند عدم تمكين الزوجة في بعض المدة في المنقطع مع بنائهم على عدم السقوط بذلك في الدائم " قلت ": ما ذكره (ره) لا يخلو من خفاء، إذ المذكور في النصوص: انه نكاح، وتزويج الى اجل، في مقابل الدائم الذي هو تزويج بلا اجل أو تزويج مقام، و كذلك المذكور في الفتاوى، وقد اشتهر في كلامهم التعبير عنهما بالنكاح الدائم والمنقطع، نعم ورد في بعض النصوص تعليل بينونتها بانقضاء الا جل بانها مستأجرة، لكن الظاهر منه بقرينة عدم بناء الفقهاء على ترتيب أحكام الاجارة من الفساد لعدم قابليتها للانتفاع بها لمرض. أو موت، أو حيض، أو غيرها، أو لعدم قابلية الزوج لذلك وغير ذلك من أحكام الاجارة، أنها ليست كالزوجة الدائمة يحتاج في رفع زوجيتها الى رافع بل ترتفع زوجيتها بانقضاء الاجل كما هو مقتضى التأجيل والتحديد، وكذا يتعين حمل ما ورد من تعليل عدم حرمتها بالفراق الثالث بذلك أيضا على ارادة أنها ليست كالزوجة الدائمة يقصد منها نوعا الزوجية الدائمة والتناسل وغير ذلك من الدواعي إلى التزويج الدائم بل هي يقصد من تزويجها الانتفاع بها في وقت معين فالفرق بينهما

[ 36 ]

كالفرق بين دار السكنى ودار الاجارة ومنزل الوطن ومنزل الاقامة في السفر، ولذا عطف على التعليل المذكور قوله " ع ": (وهي بمنزلة الاماء) في مرسل ابن أبي عمير عن بعض أصحابنا عن زرارة عن ابي جعفر " ع ": قلت له: الرجل يتزوج المتعة وينقضي شرطها ثم يتزوجها رجل آخر حتى بانت منه ثم يتزوجها الاول حتى بانت منه ثلاثا وتزوجت ثلاثة أزواج يحل للاول أن يتزوجها؟ قال " ع ": نعم كم شاء ليس هذه مثل الحرة هذه مستأجرة وهي بمنزلة الاماء. فلولا أن يكون المقصود الجهة المشتركة بينهما وبين الامة من كون الداعي الى تزويجها الانتفاع بها موقتا بخلاف الحرة لم يحسن العطف المذكور فهذا التعبير لم يقصد منه شرح ماهية العقد المنقطع وإنما قصد به تعليل حكم آخر نظير ما ورد في جواز النظر إلى من يريد تزويجها من قوله " ع ": إنما يريد أن يشتريها بأغلى الاثمان، واما التعبير بالانقلاب في كلام الفقهاء فيكفى فيه الاختلاف بين المقصود والواقع في الدوام والانقطاع ولا يتوقف على الاختلاف بالذات، مع أنه لا يعارض تعبير هم بالدائم والمنقطع كما عرفت وكون المهر ركنا في المنقطع لا يدل على شئ لجواز مخالفته للدائم في ذلك كمخالفته له في جملة من الاحكام، ولذا كان القبض ركنا في السلم ولم يوجب ذلك مخالفته للبيع المعجل ذاتا، إذ الفرق بينهما في التعجيل وعدمه لا غير، وإجماع المسالك - إن جاز الاعتماد عليه - كان هو الموجب للخروج عن القاعدة التى عرفتها وإلا كان العمل عليها متعينا، وسقوط بعض المهر يجوز أن يكون من أحكام التأجيل المذكور تعبدا كغيره من الاحكام - مع أنه معارض بعدم السقوط لو كان المانع غير اختياري من حيض ونحوه - وبما اتفق عليه النص والفتوى من انه إذا وهبها المدة قبل الدخول لزمه نصف المهر، إذ لو كان مضمون المتعة المعاوضة كان اللازم تمام المهر، وبغير ذلك فراجع وتأمل (قوله: مطابق للاصل) على ما تقدم في الايراد الاول من أنه لم يدل على صحة المعاطاة دليل (قوله: إذا كان مقتضى الجمع) الجمع بين الادلة المذكورة لا يقتضي كون إرادة التصرفات من المملكات وإنما يقتضي ثبوت الملكية حال التصرف الموقوف عليها في رتبة سابقة عليه، وأما كون المملك هو

[ 37 ]

الارادة أو غيرها فشئ لا يقتضيه الجمع بين الادلة، ومن ذلك يتوجه الاشكال على شارح القواعد أيضا إذ ليس من لوازم القول بالاباحة والملك حال التصرف ذلك ايضا (قوله: فيكون كتصرف ذي الخيار) يعني كما أن تصرف ذي الخيار فيما انتقل عنه أحد التصرفات المذكورة الموقوفة على الملك يكشف عن انفساخ العقد ورجوع المال إلى ملكه وكذا تصرف الواهب في الهبة يكشف عن ذلك، كذلك في المقام يكون التصرف كاشفا عن تحقق ملكية المتصرف قبله آناما، هذا ولكن الذي يظهر من شارح القواعد أن اشكاله المذكور ليس لمحض لزوم كون الارادة من المملكات، بل لاجل كون ذلك خلاف سلطنة المالك على ماله حيث أن كلامن المتعاطيين إنما يقصد الملك حال التعاطي ولا يقصد الملك حال التصرف فوقوعه حال التصرف خلاف سلطنته على ماله ولاجل ذلك فرق بين المعاطاة وبين قوله: أعتق عبدك عني، وتصدق بمالي عنك، لان تمليك عبده لمن أمره بالعتق كان باذن منه، وتملك المال الذي أمر بالصدقة به عنه كان باذن من المالك وليس فيه مخالفة للقاعدة المذكورة، وكذا الحال في التصرف ذي الخيار والواهب فيما خرج منه إذ ليس فيه مخالفة لها ايضا بعد فرض ثبوت الخيار له، وجواز رجوعه في الهبة، " وبالجملة ": الاشكال المذكور وهو لزوم تخصيص قاعدة السلطنة محكم وليس كذلك الحال في النظائر المزبورة كما أشرنا إلى ذلك آنفا وكما اشرنا هناك أيضا إلى أن تمامية الاشكال المذكور مبنية على صلاحية اصالة عدم التخصيص لاثبات عنوان الموضوع ونفيه والا فلا مجال له فراجع (قوله: فهو استبعاد محض) إن كان المراد أن التعلق بغير الاملاك مستبعد محض - كما يقتضيه ظاهر التركيب - ففيه أنه ليس كذلك بل هو مخالف لما دل على اعتبار الملك في موضوع الاحكام كما يظهر منه الاعتراف بذلك فيما عدا الاستطاعة والغنى - مع أنه على هذا يشكل معنى قوله: ودفعها.... الخ فكأن المراد أن عدم تعلق لامنع من الالتزام به كما تقتضيه القواعد لانتفاء الملكية التي هي شرط في التعلق. نعم هو مستبعد محضا، ودفع دعوى الاستبعاد المحض بمخالفتها للسيرة فانها قائمة على التعليق فتكون دليلا عليه رجوع إلى السيرة التي

[ 38 ]

تقدمت المناقشة في حجيتها لامكان كونها ناشئة عن عدم المبالات لكن هذا المعنى خلاف ظاهر التركيب (قوله: لا يتوقفان على الملك) لاتفاق النص والفتوى على تحقق الاستطاعة بالبذل بدون الملك وكذا الغنى فان الظاهر صدقه عرفا بوجدان ما يحتاج إليه في سنته وإن لم يكن مملوكا له، وما اشتهر في ألسنة الفقهاء من تحديد الفقير بمن لا يملك قوت سنته، يراد به من لا يجد ذلك ولو بنحو الاباحة وان كان لا يخلو من تأمل تعرضنا لوجهه في شرح الزكاة من كتابنا (مستمسك العروة الوثقى) ثم ان ظاهر اقتصار المصنف (ره) على الاستطاعة والغنى الاعتراف بتوقف البقية على المك وقد يستشكل في تقوف تعلق حق الديان على الملك، بان المباح له وان لم يكن مالكا للعين إلا أنه لكونه مالكا لان يملك باسترداد العوض أو بالتصرف فيها عنده فللغريم إلزامه باحدهما، وفيه أن المعاطاة عند القائلين بالاباحة لا توجب ملك (أن يملك) وانما له السلطنة على ذلك التي هي من الاحكام لامن الحقوق كما عرفت، ولذا لا يكون له إسقاط ذلك. نعم لو كان المراد من الاشكال تعلق وجوب الوفاء أمكن منع توقفه على الملك بناء على ما هو الظاهر من جواز التبرع في الوفاء عن الغير كما لعله الظاهر من عبارة الاشكال، واما النفقات فان كان المراد حق الانفاق فالظاهر أنه لا موضوع له إذ لم يعهد في الشرع حق الانفاق، وإن كان المراد وجوب الانفاق فتوقفه على الملك غير ظاهر، بل هو خلاف إطلاق الادلة، واما توقف تعلق حق المقاسمة على الملك فلعله لعدم الاطلاق الذي يرجع إليه في ثبوت الحق مع عدم الملك والاصل عدمه، لكن القسمة ايضا من التصرفات فمقتضى عموم الاباحة لها جواز المطالبة بها كغيرها من التصرفات الموقوفة على الملك، واما حق الاخذ بالشفعة فمقتضى اختصاص أدلته بالبيع عدم ثبوته بناء على الاباحة لعدم كون المعاطاة بيعا على هذا المبنى، ولو أريد من تعلق حق الشفعة أن المباح له بالمعاطاة له الاخذ بالشفعة لو باع شريكه المالك للشخص فالحكم اظهر لاختصاص الحق المذكور بالشريك وهو لا ينطبق على المباح له، واما المواريث فلاختصاصها بالملك والحق وهما منتفيان بناء على الاباحة، وأما الربا فهو إما مختص بالبيع أو

[ 39 ]

شامل لمطلق المعاوضة وعلى الاباحة لا شئ من ذلك، اللهم إلا أن يكن قصد المتعاطيين للمعاوضة كافيا في المنع إذ لا دليل على الاباحة حينئذ والاصل عدمها " وبالجملة ": القدر المتيقن من الاباحة صورة عدم الربا كما ستأتي الاشارة الى ذلك في كلام المصنف، وأما الوصايا فقد عرفت الكلام في توقفها على الملك، ثم إنه يمكن أن يستشكل فيما ذكر بانه ان قام دليل على ثبوت هذه التعلقات فمع البناء على توقفها على الملك يمكن أن يلتزم بالملكية آناما قبل التعلق جمعا بين الدليلين ولا يقتضي ذلك ثبوت الملكية من أول الامر إلا إذا كان التعلق من أول الامر كما في بعضها هذا إذا كان دليل التوقف على الملك قطعيا وان كان ظنيا فلا مانع من البناء على تخصيصه، لما عرفت من عدم حجية أصالة عدم التخصيص لاثبات الموضوع، ثم إنه كما يمكن توجيه الاشكال على القول بالاباحة بلزوم تعلق الامور المذكورة بما ليس يملك؟ يمكن توجيهه بلزوم عدم تعلق اكثر الامور المذكورة بما هو ملك فان لازم بقاء المأخوذ بالمعاطاة على ملك المعطي تعلق الخمس والزكاة والاستطاعة والديون والنفقات وهكذا لان مبنى الاشكال المفروغية عن تعلقها بالمأخوذ وعدم تعلقها بالمعطي فكما يكون الاشكال على القول بالاباحة لزوم تعلقها بغير المملوك يكون لزوم عدم تعلقها بالمملوك ايضا. نعم الاشكال في تعلق الربا لا يكون ذا وجهين لان موضوع التعلق نفس المعاملة فالتحريم يطرد في العينين كلتيهما، وكذا الحال في الشفعة بناء على اختصاصها بالمبيع هذا لو كان المراد أخذ الشريك ما يشتري المالك بالمعاطاة بالشفعة أما لو كان المراد الصورة الثانية جاء الاشكال ايضا بالنسبة الى البائع بالمعاطاة فان الشقص إذا كان باقيا على ملكه فاخذه بالشفعة أولى (وبالجملة) كان اللازم إلزام القائلين بالاباحة بعدم تعلق الامور المذكورة بالاضافة الى البائع مع انه مالك - مضافا الى ما ذكروه من إلزامهم بتعلقها بالاضافة الى المشتري مع انه ليس بمالك ولا وجه ظاهر في الاقتصار على الثاني. فلاحظ (قوله: فقد ظهر جوابه) يعني أنه مقتضى الجمع بين اصالة عدم الملك وبين عموم توقف التصرف على الملك وقد عرفت تقريب الاشكال والجواب عنه (قوله: باجماع أو سيرة كما)

[ 40 ]

لم يظهر الفرق بين السيرة في المقام والسيرة المدعاة سابقا على الملك من أول الامر التي استشكل في حجيتها بانها ناشئة عن عدم المبالات في الدين، ثم ان العبارة لا تخلو من مساهلة فان ظاهر قوله: فان ثبت باجماع أو غيره، أنه إذا ثبت كون التلف مملكا للجانبين بالاجماع أو السيرة، وعليه فلا معنى لقوله بعد ذلك: لان هذا هو.. الخ إذ بعد قيام الاجماع على كون التلف مملكا للجانبين لا حاجة إلى ضم دليل آخر إليه لاثباته فالمراد الاجماع على عدم الضمان بالمثل والقيمة كما سيصرح به (قوله: رعاية لعموم على اليد) يعني لئلا يلزم تخصيصه لكن عرفت عدم الدليل على حجية أصالة عدم التخصيص لنفي موضوع العام إذ لم يثبت بناء العقلاء على حجية العام في عكس نقيضه وان نسب الى الاصحاب في تقريرات درس الاستاذ " ره " تبعا لما في تقريرات درس المصنف (ره) في تنبيهات الشبهة المصداقية حيث نسبه الى استدلالاتهم الفقهية جازما به، فان استدلالهم به في بعض الموارد ينافيه ترك استدلالهم به في مواضع كثيرة فراجع، مع أن في شمول العموم المذكور لليد في المعاطاة بناء على إباحة جميع التصرفات حتى الاتلاف تأملا ظاهرا، (قوله: أن لكل منهما المطالبة) أما الاخذ فلانه على القول بالاباحة له السلطنة على جميع التصرفات والمطالبة به من شؤون تلك السلطنة إذ الغصب تضييق لدائرتها وأما المعطي فلانه مالك، نعم إذا كانت مطالبته رجوعا عن مقتضى المعاطاة امتنع ذلك منه إلا مع بذل ما في يده أيضا (قوله: نعم لو قام إجماع) الظاهر أن أصل العبارة هكذا: (نعم لو قام إجماع فهو وإلا.. الخ) يعني أن إطلاقهم كون التلف من مال المباح له يشمل صورة التلف بيد الغاصب فان تم إجماع عليه فهو والا كان مقتضى القاعدة كون التلف من ملك المالك للاصل إذ الالتزام سابقا يكون التلف من ملك المباح له كان عملا بمقتضى الجمع بين الادلة حسبما تقدم وليس كذلك هنا إذ لا مانع من العمل بعموم: " على اليد " بالنسبة الى يد الغاصب المقتضي للضمان بالمثل أو القيمة، هذا إذا لم يتلف العوض الاخر قبل ذلك في يد المباح له والا كان تلفه موجبا للتملك من الجانبين حين التلف على ما سبق

[ 41 ]

" قوله ره لا يقول بانتفال.. الخ " هذا هو الذي جعله في شرح القواعد ظاهر الاكثر، لكن استشكل فيه بأن لازمه عدم جواز تصرف المباح له فيه لان شمول الاذن له خفي، بل لازمه أيضا جواز رجوع المالك فيه وان تلفت العين لان الادلة المتقدمة انما اقتضت كون التلف مملكا للعين لا أنه مملك للنماء ولم يتعرض المصنف " ره " للجواب عن الاشكال المذكور، ولعله لظهور شمول الاذن للنماء ولو للاطلاق المقامي حيث لم يتعرض المالك للمنع عن التصرف فيه، ولا مكان جريان الادلة المتقدمة في النماء جريانها في الاصل للاجماع على عدم الرجوع فيه أيضا بعد تلف الاصل، وأما الاحتمال الاتي فهو الذي جعله في شرح القواعد بعيدا (قوله: عن سائر ما ذكره) فان قوله: (ره) (في اللازم الاخير): مع الاستناد فيه الى أن... الخ انما يلزم القول بالاباحة المالكية لا الشرعية المستفادة من قوله تعالى: أحل الله البيع، وتجارة عن تراض، على ما سبق، مع أن قوله: " وذلك جار في القبض " غير ظاهر لان القبض لا يتوقف على التملك حتى تكون الاذن فيه إذنا فيما يتوقف عليه بخلاف التصرفات المتوقفة على الملك فان الاذن فيها إذن فيما تتوقف هي عليه ومجرد اقتران القبض بقصد التملك لا يوجب المساواة لها فضلا عن الاولوية. اصالة اللزوم (قوله: مشكوك الحدوث) يعني ان مقتضى الاصل عدمه فالفرد ان اللذان يتردد الامر بينهما أحدهما معلوم العدم وجدانا والاخر معلوم العدم تعبدا، وان شئت قلت: الاستصحاب له ركنان، أحدهما العلم بالحدوث، والاخر الشك في البقاء، والفردان في المقام أحدهما فاقد للركنين معا، والثاني فاقد للركن الثاني (قوله: مضا الى امكان) يعني ما ذكر من الاشكال يتم لو كان مجرى الاستصحاب الفرد، أما لو كان الكلي الموجود في أحد الفردين فلا مجال له لاجتماع الركنين

[ 42 ]

فيه إذ أن الكلي يعلم بحدوثه ويشك في ارتفاعه (قوله: فتأمل) اشارة إلى بعض الاشكالات التي تقرر في صحة جريان الاستصحاب في الكلي المردد وجوده بين فردين أحدهما معلوم الارتفاع، والاخر مشكوك الحدوث، ومحلها مبحث القسم الثاني من استصحاب الكلي فراجع، ثم إن المصنف (ره) لم يتعرض للجواب عن استصحاب بقاء علقة المالك، ولعله لوضوحه من أجل عدم العلم بثبوت العلقة المذكورة حتى يستصحب بقاؤها، ودعوى أنها مرتبة من مراتب وجود الملكية السابقة للعين، غير ظاهرة، ولو سلم فهي مرتبة ضعيفة لا تعد موجودة بوجود الملكية حتى يستصحب بقاؤها، مع أن كون الجواز من آثار تلك العلقة شرعا حتى يكون استصحابها كافيا في وجوب البناء عليه تعبدا، غير معلوم فلا دليل على صحة الاصل المذكور شرعا، كما أنك عرفت في مسألة انقلاب المنقطع دائما عند نسيان الاجل أن الملكية ونحوها من الاعتباريات منشأ اعتبارها حدوثا وجود السبب ومنشأ اعتبارها بقاء نفس ذاتها فلا يحتاج في بقاء اعتبارها الى سبب بل بقاؤها مستند الى استعداد ذاتها فالشك في البقاء دائما يكون من الشك في الرافع لا من الشك في المتقضي فلا يشكل استصحاب الملكية بانه قد يكون موقوفا على حجية الاستصحاب مع الشك في المقتضي الذي لا يقول به المصنف (ره) قوله: ليس باعتبار اختلاف) هذا مما لا ينبغي التأمل فيه، إذ لو كان الجواز واللزوم من الخصوصيات المقومة للملكية امتنع أن تكون ملكية واحدة معروضة تارة للجواز، واخرى للزوم مع وضوح خلافه فان البيع المنشأ بالعقد اللفظي يفيد الملكية وهي جائزة في مدة الخيار كخياري المجلس والحيوان وغيرهما، لازمة في مدة أخرى فلو كان الجواز واللزوم مقومين للملكية لزم أن تكون الملكية في مدة الخيار غيرها في المدة الاخرى، ويكون من انقلاب ملكية الى أخرى وليس كذلك فان الواقع ملكية واحدة مستمرة معروضة لعوارض متضادة في أزمنة مختلفة. نعم اختلاف هذه؟ العوارض ناشئ من اختلاف الخصوصيات التي تكون دخيلة الاسباب ومن؟ ذلك بظهور؟ اندفاع ما يقال من أن اختلاف حقيقة السبب تستدعى اختلاف

[ 43 ]

حقيقة المسبب (وجه) الاندفاع أن السببية قائمة بالقدر المشترك بين الاسباب المختلفة الحقيقة وهو حقيقة واحدة، والاحكام المتواردة على المسبب الواحد ناشئة من اختلاف الخصوصيات المقومة للسبب المنوعة له انواعا مختلفة الحقيقة، فالجواز واللزوم المتواردان على الملكية الواحدة ينشآن من الخصوصيات المقومة لاسبابها المقتضية للزوم تارة وللجواز أخرى، وللجواز واللزوم معا في الوقتين كالبيع المقتضي للجواز في مدة الخيار، واللزوم في غيرها، والهبة للاجنبي المقتضية للجواز قبل التصرف، واللزوم بعده من دون فرق بين أن تكون استفادتهما من القضية الشرعية التي موضوعها نفس السبب مثل قول الشارع: " البيع لازم ولا يجوز فسخه " أو غير لازم ويجوز فسخه، وبين أن تكون من القضية الشرعية التي موضوعها العينان مثل قوله: " يجوز تراد العينين " ونحوه، ومن ذلك يظهر اندفاع الاشكال على على المصنف (ره) بان الجواز واللزوم إذا كانا بمعنى جواز تراد العينين وعدمه كانا من أحكام نفس المسبب وانما يكونان من احكام السبب إذا كانا بمعنى جواز الفسخ وعدمه (وجه) الاندفاع أن الكلام انما هو في أن الجواز واللزوم ليسا مقومين للملكية بنحو يكون وجود الملكية اللازمة غير وجود الملكية الجائزة، لافى أن موضوعهما في لسان الشارع هو السبب أو المسبب، فلو فرض كونهما في القضية الشرعية حكمين للمسبب لا للسبب فليسا بحيث يتعدد بهما وجود الموضوع حتى يكون استصحاب الملكية من استصحاب الفرد المردد بين فردين أحدهما معلوم الزوال والاخر معلوم البقاء لكنه مشكوك الحدوث، مع أن جواز تراد العينين ليسا حكما للمسبب بل هو حكم لموضوع متعلق بالعين التي هي موضوع للمسبب (قوله: ويدل؟ عليه مع أنه يكفي) ظاهر العبارة أن قوله: " أنه يكفي في الاستصحاب.. الخ " من جملة الادلة على المدعى ولا سيما بقرينة قوله: (ومع أن المحسوس... الخ) الذي هو ايضا دليل على المدعى ولا ينبغي أن يكون مرادا، بل الذي ينبغي أن يراد أنه لا حاجة الى إقامة الدليل على المدعى إذ يكفي في صحة الاستصحاب المذكور الشك في صحة المدعى وعدم الدليل على خلافه، وكيف كان فما ذكره:

[ 44 ]

من أنه يكفي في صحة الاستصحاب الشك المذكور، غير ظاهر إذ مع الشك المذكور لا يحرز اجتماع ركني الاستصحاب اللذين هما شرط في جريانه ومع عدم إحراز ذلك لا مجال للتمسك بدليله، لعدم جواز التمسك بالعام ما لم يحرز عنوان موضوعه (قوله: ومع أن المحسوس... الخ) هذا بمجرده لا يثبت المدعى وانما يثبت أن الاختلاف ليس بجعل المالك لاغير، فينبغي أن يجعل من مقدمات الدليل الاتي فيذكر معطوفا على قوله: كان اللازم التفصيل... الخ (قوله: كان اللازم التفصيل) يعني إذا كان تخصص الملكية بالجواز واللزوم ناشئا من تخصيص المالك كان اللازم التفصيل في الحكم باحدهما بين أن يجعل اللزوم فيحكم به لاغير، وبين أن يجعل الجواز فيحكم به كذلك، وبين أن لا يجعل أحدهما فلا يكون أحدهما وذلك بديهى البطلان، إذ لا تأثير لقصد المالك في ذلك ولذا لو وهب لاجنبي عينا ولذي رحم أخرى غافلا عن الجواز واللزوم كانت الاولى جائزة، والثانية لازمة، ولو قصد في الاولى اللزوم لم تصح لازمة بل إما أن تصح جائزة أو تبطل لو كان اللزوم مقصودا بنحو وحدة المطلوب، وكذا لو فصد الجواز في الثانية فانها لا تصح جائزة بل إما أن تصح لازمة أو تبطل، هكذا ينبغي تحرير الدليل، والعبارة لا تخلو عن مساهلة فان المناسب إبدال قوله: المختلفة بحسب... الخ بقوله المختلفة بحسب قصد الجواز واللزوم، وكذا قوله بعد ذلك: في الرجوع وعدمه، وهو متعلق بقوله: تأثير (قوله: لزم إمضاء الشارع) بان يجعل الشارع الملكية اللازمة مع قصد المالك الملكية الجائزة وبالعكس، وقد يقال: بان القاعدة المذكورة تختص بالعناوين التي يكون إنشاؤها بجعل العاقد ولا تجري في غيرها، فإذا بني على كون الجواز واللزوم لا يكونان بجعل العاقد وانما يكونا بجعل الشارع فجعل الشارع أحدهما عند قصد العاقد الاخر لا يستلزم الخروج عن القاعدة، ومما ذكرنا تعرف أن الادلة الثلاثة التي ذكرها المصنف (ره) لا تصلح لاثبات المدعى، فاللازم الرجوع في اثباته الى ما ذكرناه آنفا. فلاحظ (قوله: وكذا) لو شك في) فان استصحاب الملكية على النحو المتقدم جار بعينه (قوله: احتمل

[ 45 ]

التحالف في) الذي يظهر من الجواهر أن المدار في تشخيص المدعي والمنكر صورة الدعوى فإذا اختلفا في قدر مال الاجارة فان كانت صورة الدعوى: أن قال أحدهما: " آجرتك الدار بعشرة " فقال الاخر: " آجرتني بخمسة " فهما متداعيان وإن قال أحدهما: لي عليك عشرة أجرة: وقال الاخر: بل خمسة، فهما مدع ومنكر ونسب ذلك الى الشيخ في المبسوط وبعض المتأخرين، وظاهر المشهور المصرح به في كلام بعضهم ان المدار هو الغرض المقصود من التداعي فإذا كان الغرض استحقاق الزائد فهما من المدعي والمنكر في الصورتين، وان كان الغرض في تعيين العقد وأنه وارد على عشرة أو خمسة لترتب أثر شرعي عليه كانا متداعيين، وعلى هذا فمراد المصنف (ره) من قوله: لو تداعيا، أنهما تداعيا في الجواز واللزوم ومراده من قوله (ره): احتمل التحالف في الجملة، صورة ما إذا كانت صورة الدعوى تعيين العقد، ومقابل هذا الاحتمال احتمال كون اليمين على مدعى الجواز وإن كانت صورة الدعوى تعيين العقد كما هو ظاهر المشهور، ويحتمل أن يكون المراد من تداعيهما التداعي في تعيين العقد، والمراد حينئذ من التحالف في الجملة صورة كون الغرض التعيين لا الجواز واللزوم في مقابل احتمال التحالف مطلقا الذي اختاره في الجواهر (قوله: فجواز تملكه بالرجوع فيه) أما بالنسبة إلى الرجوع بمعنى رد العين في الملك، فظاهر لان التملك بالرد تصرف بالعين فلا يجوز أن يكون متحققا بغير سلطنة المالك، وأما الرجوع بمعنى فسخ العقد فهو وإن كان تصرفا في العقد لا في العين، إذ بالفسخ ينحل العقد الواقع فيرجع كل مال الى ملك مالكه بالسبب الاصلي لا بالفسخ إلا أن العقد لما كان موضوعه العين ولذا كان تحت سلطنة المالك حدوثا، يكون تحت سلطنته بقاء لانه نحو من التصرف في العين. نعم لما كان موضوعه مجموع العينين معا فهو تحت سلطنة المالكين فلا يكون تحت سلطنة أحدهما إلا في ظرف إعمال سلطنة الاخر ولا يكون تحت سلطنة كل منهما مستقلا فانه خلاف سلطنة الاخر، وكما أنه في الحدوث كذلك فهو في البقاء كذلك فلا يكون فسخه تحت سلطنة كل منهما مستقلا، وانما يكون تحت

[ 46 ]

سلطنة كل منهما في ظرف إعمال الاخر سلطنته، وكما لا يجوز للاجنبي عن العينين ايقاع العقد بينهما بلا إذن من المالكين ولا لاحد المالكين ايقاعه بلا إذن من الاخر، كذلك في البقاء لا يجوز لثالث فسخه كما لا يجوز لاحدهما إلا في ظرف الاذن من الاخر، " وبالجملة ": تملك العين بلا اذن من المالك بأي سبب كان التملك خلاف قاعدة السلطنة (قوله: لا نسلم ملكيته له) لاحتمال خروجه عن ملكه بالتملك وحينئذ لا يمكن تطبيق القاعدة لعدم إحراز موضوعها، وحاصل الدفع أن ذلك مسلم بالاضافة الى تصرفات المفسوخ عليه بعد الرجوع فانه لا يمكن تنيفذها بقاعدة السلطنة لما ذكر، لا بالاضافة الى التملك بالرجوع بلا إذن المالك فانه خلاف سلطنته على ملكه المعلوم فلا يجوز ولا ينفذ فيكون احتمال خروج المال عن ملك المالك منفيا بقاعدة السلطنة (قوله: فائدة الملك السلطنة) يعني فائدة ملك المقترض السلطنة على العين وهي مانعة من رجوع المقرض فليس له الرجوع بدون إذن المتقرض، ثم إنه قد يستشكل على التمسك بالقاعدة في المقام بانها لا اطلاق فيها بالاضافة الى أنحاء التصرف، وانما المقصود منها إثبات السلطنة في الجملة في مقابل الحجر عن التصرف فالمعنى: أن الناس ليسوا محجورين عن التصرف في أموالهم، فنفي قدرة غير المالك على الرجوع غير مستفاد منها. نعم لو كان لها ظهور في العموم بالاضافة الى أنحاء التصرف التي منها التملك بالرجوع، اقتضت نفي قدرة الغير عليه لانها منافية للسلطنة المطلقة التي للمالك، وفيه أن عمومها لجميع التصرفات مقتضى إطلاقها ولا سيما مع موافقته للارتكاز العقلائي فلا وجه لدعوى إهمالها من هذه الجهة (قوله: يشمل التملك) هذا يتوقف على أن يكون المراد من الحلية الحلية الوضعية ليكون موضوعها التصرفات الاعتبارية التي منها التملك، إما لو كان المراد منها الحلية التكليفية كما هو الظاهر منها ولا سيما بقرينة السياق والمورد إذ لم نعثر على المتن المذكور إلا على ما رواه سماعة عن أبي عبد الله " ع " في حديث قال رسول الله " ص ": من كانت عنده أمانة فليؤدها الى من ائتمنه عليها فانه لا يحل دم امرء مسلم ولا ماله الا بطيبة نفسه، اختصت بالتصرفات الحقيقية مثل

[ 47 ]

أكاء ولبسه ونحوهما فلا تشمل التملك، واما رواية تحف العقول: لا يحل لمؤمن مال أخيه الا عن طيب نفس منه، فضعيفة السند (قوله: غير جار هنا لان) يعني لو كان المراد بالاية تحريم أكل مال الغير على أنه مال الغير الا إذا كان بنحو التجارة أمكن مجيئ؟ التوهم السابق فيقال بالرجوع لم يعلم أنه مال الغير بل يحتمل كونه مال الاكل، فيحتاج الى الجواب عنه بما سبق، أما لو كان المراد حصر مجوز الاكل لمال الغير بما انه مال الاكل كما هو مقتضى مفهوم التجارة بخصوص التجارة عن تراض فمع عدم صدق التجارة عن تراض على الرجوع يحرم الاكل ولو بعنوان كونه مال الاكل، فمفاد الاية: أنه لا يجوز للانسان أن يأكل مالا على أنه ماله وهو مال لغيره الا إذا كان بسبب التجارة عن تراض، فهذه الاية الشريفة نص في المورد بخلاف الاية الاولى فانها تشمل المورد باطلاقها ولذا ورد التوهم المتقدم فاحتيج الى رفع بالاطلاق (قوله: بالجملة المستثنى منها) يعنى مع قطع النظر عن الاستثناء بخلاف الاول فانه وان كان تمسكا بالمستثنى منه اعني " جملة النهى " الا انه بملاحظة الاستثناء (قوله: يخرج عن البطلان) قد يقال عليه: بانه ان كان المراد بالباطل الباطل العرفي يكون ترخيص الشارع الاقدس في الاكل - كما في أكل المارة - تخصيصا لا تخصصا لان الاكل بالترخيص الشرعي لا يخرج عن كونه باطلا عند العرف، وان كان المراد به الباطل الشرعي امتنع الاستدلال به لما نحن فيه لان احتمال الجواز ملازم لاحتمال عدم كونه باطلا فلم يحرز موضوع العام، وفيه أن المراد بالباطل الباطل الشرعي لكن بالاطلاق المقامي يثبت ان الباطل الشرعي هو الباطل العرفي فإذا اذن الشارع في الاكل كان ذلك موجبا لعدم كونه باطلا شرعا فيكون ذلك تقييدا للاطلاق المقامي وردعا عن بناء العرف على كونه باطلا، فالبطلان العرفي انما كان موضوعا للحكم بلحاظ كونه بطلانا عند الشارع لا انه موضوع له في نفسه مطلقا (قوله: مثل قوله " ع " البيعان بالخيار) يمكن الاشكال عليه بان الاستدلال به يتوقف على الجمع بينه وبين ما دل على ثبوت الخيار في بيع الحيوان أو غيره بالتخصيص، أما لو كان بصرفه الى

[ 48 ]

جعل اللزوم من حيث المجلس لا مطلقا فلا يدل على اللزوم من سائر الحيثيات التي منها محل الكلام (قوله: وقد يستدل ايضا بعموم قوله تعالى: أوفوا بالعقود) قد يستشكل عليه بانه مع احتمال تأثير الفسخ في حل العقد ونقضه لا مجال للتمسك بالعموم المذكور لانه يعتبر في صحة الرجوع إلى العام إحراز عنوان موضوعه، وفيه أن العقد من الامور الحقيقية التي لا يرد عليها الفسخ وانما يرد على موضوعه فإذا وقع عقد البيع ثم طرأ الفسخ كان الفسخ رافعا لموضوعه وهو الامر الذي يتعاقد عليه أعني " المبادلة بين المالين " مثلا لاعلى نفس العقد (فان قلت) يمكن تقرير الاشكال المذكور بالاضافة الى موضوع أيضا فيقال: إذا وقع الفسخ احتمل ارتفاع المبادلة فلا مجال للوفاء لا لعقد عليها (قلت): قد عرفت في المباحث السابقة أن وجوب الوفاء بالعقود، والشروط، والنذور، وغيرها لايراد منه جعل حكم تكليفي لزومي لعنوان الوفاء، وانما المقصود منه تطبيق أحكام موضوع العقد وترتيبها عليه على اختلافها من كونها وضعية أو تكليفية لزومية أو غير لزومية فيدل بالالتزام العرفي على ثبوت الموضوع، ولاجل ذلك يدل الكلام المذكور على صحة العقود ونفوذها فإذا فرض عمومه الازماني كما يقتضيه إطلاقه كان دالا على ثبوت الموضوع في الازمنة جميعها، وإطلاقه الشامل لصورة انشاء الفسخ وعدمه يقتضي ثبوت الموضوع حتى في صورة إنشاء الفسخ فلا يكون الانشاء مما له أثر في ارتفاع الموضوع وهذا المعنى راجع الى اللزوم (فان قلت): موضوع عقد البيع إما أن يكون البدلية حدوثا وبقاء واما أن يكون مجرد الحدوث والاول باطل اولا لما سبق في مسألة انقلاب النكاح المنقع دائما بنسيان الاجل: من ان العقد انما يقتضي الحدوث وان البقاء انما يستند الى استعداد الحادث، وثانيا ان لازم ذلك امتناع طرؤ الاسباب الناقلة كالبيع، والصلح، والهبة، وغيرها لمنافاتها للوفاء بالعقد، فيتعين الثاني، ولازمه كون الاية الشريفة انما تدل على ثبوت موضوع العقد حدوثا ويكون البقاء خارجا من مدلولها فلا يكون الجري عليه وفاء ولاتركه نقضا فلا مجال للتمسك بها لاثبات بقاء موضوع العقد وعدم ارتفاعه بالفسخ (قلت): ما ذكر

[ 49 ]

من أن البقاء ليس موضوعا للعقد ولا مجعولا للمتعاقدين مسلم ولكن لما كان يرتفع بالفسخ وكان الفسخ بحسب اعتبار العقلاء رجوعا عن العقد كالبداء في الاحكام العرفية، وكالنسخ في الاحكام الشرعية، كان ترتيب أحكام البقاء والاستمرار على ذلك وفاء بالعقد وترك ذلك نقضا له، فالوفاء بالعقد عرفا ليس مجرد ترتيب أثر العنوان المجعول للمتعاقدين بلحاظ الحدوث فقط بل يعم الحدوث والبقاء ويقابله نقض العهد وهو ترك العمل بموضوع العقد ولو بقاء فالوا في بالعقد هو الذي لا يرجع عن عقده بل يبقى بانيا عليه مستمرا على العمل بموضوعه في مقابل الناقض للعقد الذي لا يعمل كذلك بل يعمل على خلافه راجعا عن عقده، وكذلك الوفاء بالنذر، والوعد، والعهد لا يراد منه إلا الاستمرار على العمل بلحاظ المضمون حدوثا وبقاء وهو المعنى بقوله تعالى: (يوفون بالنذر) وقوله تعالى: " والموفون بعهدهم إذا عاهدوا " وقوله تعالى: " ومن أوفى بما عاهد عليه الله " وقوله تعالى: " وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم " ويقابل ذلك الخلف والنقض ونحوهما، وإلى هذا يشير ما روي عن أمير المؤمنين " ع " أنه قال لمن أنكر عليه التحكيم وسأله الرجوع عنه: { ويحكم أبعد الرضا والميثاق والعهد نرجع أليس الله تعالى قد قال: أوفوا بالعقود، وقال: وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الايمان بعد توكيدها } وما روي من قوله " ع " لابن جريش: { أبعد أن كتبناه ننقضه إن هذا لا يحل } وبالجملة: دوام مضمون العقد ليس داخلا في مضمون العقد وانما مضمونه مجرد الحدوث أعني مجرد حدوث الملكية أو البدلية أو نحوهما، ولاجل ذلك كان مجرد صحته ونفوذه إنما يقتضي ثبوت مضمونه حدوثا من دون فرق بين العقد الجائز واللازم في ذلك وانما الفرق بينهما في أن الجائز لا يجب الوفاء به بل يجوز رفع اليد عن مضمونه بقاء، واللازم لا يجوز فيه ذلك فإذا ثبت عموم وجوب الوفاء بالعقود اقتضى عموم لزومها فإذا قام دليل على عدم وجوب الوفاء وجواز النقض في عقد خاص كان ذلك تخصيصا لذلك العموم فان دل على عدم وجوب الوفاء به مطلقا كان تخصيصا للعموم الافرادي، وان كان في زمان معين كان تخصيصا للعموم الازماني بالنسبة

[ 50 ]

الى ذلك الفرد " هذا " كله بناء على الجمود على ما تحت الكلام أعني ترتيب آثار المضمون على اختلافه - كما عرفت - واما بناء على ما هو الظاهر من كونه ارشادا الى نفوذ العقد وترتب مضمونه فالاستدلال به على اللزوم أظهر، إذ مقتضى إطلاقه الازماني والاحوالي ترتب أثره دائما وإن وقع الفسخ فلا أثر للفسخ في ارتفاع مضمونه ابدا. فلاحظ وتأمل. (تنبيهات) " الاول ": أنك عرفت الاشارة إلى أن المراد من وجوب الوفاء بالعقود أحد أمرين إما تطبيق آثار المضمون وأحكامه المختلفة وإما الارشاد الى ثبوته، وليس المراد أن الوفاء بما هو معنى قصدي واجب " الثاني ": أن اللزوم المستفاد من الاية الشريفة مجعول شرعي ابتدائي لا أنه مجعول للمتعاقدين بان يكون المنشأ بلفظ: بعت، معنيين. أحدهما نفس التبديل، وثانيهما التزام كل منهما بالتبديل المذكور للاخر فيكون كل منهما مالكا لالتزام صاحبه ولاجل أن كلا منهما صار مالكا لالتزام صاحبه بالتبديل المذكور صار لزوم العقد حقا له ولاجل ذلك جاز التقايل وجاز اشتراط الخيار إذ لو كان اللزوم حكما شرعيا امتنعا لمخالفتهما لحكم الشارع كما ذكر بعض الاعاظم (قده) إذ فيه أنه لا طريق الى اثبات تحقق إنشائين ومنشأين بل ليس عند العرف إلا إنشاء المضمون وهو التبديل مثلا لا غير، وكون بنائهم على أن من عقد عقدا يلزم أن يكون بانيا على الالتزام بمضمونه والا لم يقدم أحد على المعاملة الخطيرة مما لا يصلح لاثبات ذلك إذ منشؤه تلازم الدواعي المتقضية للحدوث والبقاء غالبا وندرة الاسباب الموجبة للبداء، ولاجل ذلك يقدم بعض على معاملة الاخر لا لانه ينشئ التزاما ببقاء المضمون زائدا على إنشائه نفس المضمون وأما قبح النقض والخلف فليس مما يدل على ذلك بل لانه يؤدي إلى خيبة الرجاء على العكس من الوفاء فانه حسن ورد المدح عليه شرعا في قوله: تعالى " يوفون بالنذر "

[ 51 ]

" والذين هم لاماناتهم وعهدهم راعون " والموفون بعهدهم إذا عاهدوا " ويكفى فيه موافقته للزوم الشرعي ولا يتوقف على كونه مجعولا للمتعاقدين " الثالث ": أن اللزوم في العقود على نوعين حكمي، وحقي، والاول مثل لزوم عقد النكاح والضمان والثاني كلزوم البيع ونحوه، ولازم الاول عدم مشروعية التقابل؟ فيه من المتعاقدين وعدم جواز شرط الخيار فيه، ولازم الثاني خلاف ذلك والادلة التي ساقها المصنف (ره) على اللزوم لا تقتضيه على النحو الاول، أما الاستصحاب فهو وإن كان يقتضي عدم صحة الفسخ ولو بالتقابل؟ أو شرط الخيار إلا أن دليل مشروعية الا قالة ولو كان هو ارتكاز العرف - بعد عدم ثبوت الردع عنه حاكم عليه، وكذا دليل نفوذ الشروط بعد جريان أصالة عدم كون الشرط مخالفا للكتاب والسنة فانه يقتضي نفوذ شرط الخيار على نحو لايمنع عنه الاستصحاب، وأما قوله " ع ": " لا يحل مال امرء... الخ " فلا يمنع من الفسخ بالاقالة أو الشرط لانه بطيب نفس المالك وكذا قوله تعالى: ولا تأكلوا... الاية لان ذلك ليس من الباطل، ولا مما لا يكون تجارة عن تراض، وكذا قاعدة السلطنة لان ذلك جار على مقتضى سلطنة المالك، واما قوله عليه السلام: " البيعان بالخيار... الخ " فالظاهر أن المراد من قوله عليه السلام: وجب البيع " نفي الخيار لكل منهما المجعول شرعا فلا يقتضي نفي الخيار المجعول منهما ولا عدم مشروعية الاقالة، واما قوله تعالى: (أوفوا بالعقود) فاللزوم المستفاد منه هو المساوق للوفاء بالعقد، والتقابل؟ الصادر من المتعاقدين لا ينافى الوفاء به فلا ينافي اللزوم المستفاد من الامر بالوفاء، وكذا الفسخ بالخيار لا ينافيه أيضا، وكذا الحال في قوله عليه السلام: " المؤمنون عند شروطهم " بل مقتضاه نفوذ شرط الخيار لا عدم نفوذه كما كما هو ظاهر (قوله فان الشرط لغة) يأتي في مبحث الشرط إن شاء الله تعالى تحقيق صدق الشرط على الشرط الابتدائي الشامل للعقد (قوله: كما عن المختلف الاعتراف) قال في المختلف: ولا يكفى المعاطاة في العقد ذهب إليه اكثر علمائنا وللمفيد (ره) قول يوهم الجواز فانه قال: والبيع بنعقد؟... الخ ثم قال: وليس في هذا تصريح بصحته الا أنه موهم. انتهى.

[ 52 ]

ومراده أن العبارة المذكورة توهم صحة المعاطاة وافادتها للملك وليست صريحة في ذلك (قوله: ويقوي إرادة بيان) هذا مما لا ينبغي التأمل فيه، فان التراضي والعلم بالعوضين من شرائط الصحة، والافتراق بالا بدان من شرائط اللزوم، وكذلك التقابض إذ مع عدمه وامتناع أحدهما عن الاقباض يكون للاخر الخيار إذا لم يمكنه إجبار الممتنع عن الاقباض فليس هذا الكلام واردا في حكم المعاطاة من حيث افادتها للصحة أو اللزوم بل هو وارد في مقام شرائط صحة البيع ولزومه الزائدة على ما يتحقق به مفهومه، ولذا لم يتعرض للايجاب والقبول، مع انه لا اشكال في اعتبارهما فيه، فالتقابض المذكور في العبارة يراد به التقابض الجاري على مقتضى البيع فلا يشمل التقابض المعاطاتي فانه يتحقق به البيع، فلا وجه ظاهر لدعوى كون العبارة موهمة لصحة المعاطاة فضلا عن كونها موهمة للزومها (قوله: وكذلك نسبته في المختلف) قد تقدمت عبارة (المختلف) والظاهر منها أن النسبة إلى الاكثر في مقابل قول المفيد الموهم لصحة المعاطاة وافادتها للملك، والمظنون أن عبارة التذكرة كذلك فليس فيها شهادة على وجود قول باللزوم، وعبارة التحرير قد تقدم من المصنف (ره) المناقشة في كون المراد منها افادة المعاطاة للملك وأن المراد منها الاشارة الى القول بافادتها للملك فتكون كعبارة المختلف " وبالجملة ": العبارات المذكورة لو فرض ظهورها في وجود الخلاف المعتد به غير خلاف المفيد فانما هو في صحة المعاطاة وافادتها للملك لا في كونها مفيدة للملك اللازم، فليس ما يدل على عدم تمامية الاجماع الذي ادعاه شارح القواعد (قوله: مشكل لما ذكرنا) يعني أن القول بعدم اللزوم عند الاكثر من جهة بنائهم على عدم الملك فهو من قبيل السالبة بانتفاء الموضوع، وفيه أن بناءهم على جواز التراد يكشف عن ثبوته عند الشارع وإن كان هو يجتمع مع فساد المعاطاة وصحتها على نحو توجب الاباحة أو على نحو توجب الملك فهو من قبيل الاجماع على القدر المشترك بين الاقوال إذ يمتنع هذا البناء مع كون الحكم الواقعي اللزوم (قوله: من اعتبر مطلق اللفظ في اللزوم) قال في المسالك: والذي اختاره متأخروا الشافعية وجميع

[ 53 ]

المالكية انعقاد البيع بكل ما دل على التراضي وعده الناس بيعا وهو قريب من قول المفيد وشيخنا المتقدم وما أحسنه وأمتن دليله إن لم ينعقد الاجماع على خلافه. انتهى ومن هذا يظهر أن عبارة الكتاب لا تخلو من إشكال لمخالفتها للمسالك ولعدم مناسبتها للمقام (قوله: وقد يظهر ذلك من غير) لم يتضح المراد بهذه النصوص، نعم ورد في جملة من النصوص التعبير عن الايجاب والقبول باللفظ كالنصوص الواردة في بيع المصحف، وبيع اطنان القصب، وبيع الابق مع الضميمة، وفى المزارعة، وفي النكاح، وفى غيرها وستجئ الاشارة الى بعضها في شروط الصيغة إلا أن الجميع غير ظاهر في اشتراط اللزوم باللفظ. نعم قد يتوهم منها اعتبار اللفظ في ترتب الاثر لكنه ليس بنحو يعتد به في رفع اليد عن عمومات الصحة والنفوذ (قوله: أن يراد من الكلام) مرجع هذا المعنى الى ملاحظة الكلام نفسه موضوعا للتحليل والتحريم بخلاف المعاني اللاحقة فانه لوحظ فيها مرآة إلى المعنى، ولاجل ذلك يمتنع فرض الجامع بين المعنى الاول والمعاني الاخر لامتناع اجتماع اللحاظين، فان أمكن الحمل على المعنى الاول صح الاستدلال به على المقام وإلا سقط الاستدلال به عليه من دون فرق بين المعاني الثلاثة، فقول المصنف (ره) " في بيان المعنى الثاني ": الكلام مع مضمونه، يعني به الكلام بلحاظ مضمونه كما في مثل قولهم: هذا الكلام صحيح وهذا الكلام فاسد، فان موضوع الصحة والفساد نفس المعنى وليس المراد الكلام المقيد بمضمونه (قوله: وعلى هذا المعنى ورد قوله " ع ") فان مضمون قوله: للبقر ثلث وللبذر ثلث، غير مضمون قول المزارع لصاحب الارض: لك ثلث ولي ثلثان، فلما اختلف المضمون المؤدى اختلف الحكم بالحل والحرمة (قوله: الكلام الواحد) يعنى مع اتحاد مضمونه، وبذلك يتضح الفرق بينه وبين المعاني الاخر (قوله: أو باعتبار محله وغير) كان المناسب أن يجعل هذا الشق معنى خامسا للكلام إذ لا جامع بينه وبين الشق السابق كما لا يخفى (قوله: ويحتمل هذا الوجه الروايات) الروايات الواردة في المزارعة وهي رواية ابي الربيع المذكورة في المتن، وصحيح سليمان بن خالد، وصحيح الحلبي إنما اشتملت على إحدى فقرتي الحصر

[ 54 ]

وهي قوله " ع ": إنما يحرم الكلام، فلا يتوجه عليه الاشكال المتقدم على الحصر المذكور في الرواية الاولى ومقتضى الجمود على الفقرة المذكورة أن يكون المراد انحصار المحرم بالكلام فيكون وجوده محرما وعدمه محللا وهذا هو الشق الاول من المعنى الثالث، ونسبة التحريم الى الكلام باعتبار أنه يفسد المعاملة فإذا فسدت حرم العمل وإن كان تحريم العمل حقيقة بمقتضى حرمة التصرف في مال الغير لا بنفس الكلام (قوله: خصوص المقاولة والمواعدة) فاللام على هذا المعنى للعهد ويكون الفرق بين هذا المعنى والمعنى الثاني هو العموم والخصوص فهذا المعنى خاص وذلك عام (قوله: مع لزوم تخصيص الاكثر) هذا غير ظاهر، نعم لا مجال للتمسك به في المعاطاة للاجماع على جواز التصرف معها سواء أكانت موجبة للملك أم للاباحة، (قوله: وكذا المعنى الثاني) لا يخفى أن السائل انما سأل عن قول الرجل لصاحبه: اشتر لي... الخ فقوله عليه السلام: انما يحرم الكلام - بعد قوله " ع ": ان شاء... الخ وقول السائل: نعم، كالصريح في أن هذا القول إن كان بنحو يمنع من الاختيار في الاخذ وعدمه فهو محرم وان كان بنحو لا يمنع عنه فهو محلل ومن المعلوم أن منعه وعدمه انما هو باختلاف مضامينه وانه إن كان مضمونه مجرد الوعد بالشراء فهو محلل وان كان ايجاب الشراء فهو محرم، وليس هو إلا المعنى الثاني، وكأن هذا المقدار لا ينكره المصنف (ره) وانما منع ظهوره في المعنى الثاني من أجل أنه ليس هنا مطلب واحد المشترك بين الايجاب والوعد وقد أخذ في المعنى الثاني بنحو وحدة المطلب، وفيه أن المقصود تملك السلعة والانتفاع بها، والكلام سواء أكان مضمونه المواعدة أم إنشاء البيع إنما كان مقدمة لذلك، فمراد الامام عليه السلام أنه ان كان الكلام مواعدة فتملك السلعة والانتفاع بها حلال، وان كان ايجابا للبيع فهو حرام (قوله: فتعين المعنى الثالث وهو) قد عرفت أن المعنى الثالث منحل الى معنيين، والمراد منه هنا الاول منهما وهو كون نسبة التحليل والترحيم الى الكلام بمضمون واحد بملاحظة وجوده وعدمه وهو معنى مستغرب لان الفاظ الماهيات لا يعبر بها عن العدم وإن عبر بها عن الوجود - مضافا إلى أن

[ 55 ]

حمل الكلام في إحدى الفقرتين عل العدم إن كان في الفقرة الثانية بان يكون المعنى: الكلام محلل وعدمه محرم، فهذا لا ينطبق على المورد لان عدم المواعدة لا يكون محرما وانما المحرم ايجاب البيع، وان كان في الفقرة الاولى فالمراد: أن الكلام محرم وعدمه محلل، وهو مع أنه خلاف مقتضى الترتيب بين الفقرتين خلاف مقتضى تطبيقهما بعد قوله " ع ": لا بأس، وسوقهما مساق التعليل له (وتوضيحه) أن قوله (ع): أليس إن شاء... الخ راجع الى قضية شرطية حكم منطوقها التحليل وحكم مفهومها التحريم، وموضوع التحليل شرطها وهو كون قول الرجل ليس على نحو الايجاب والالزام، وموضوع التحريم نقيضه، وهو كون قول الرجل على نحو الايجاب والالزام فالموضوع فيهما هو الكلام الموصوف بالوصف العدمي والوجودي لا وجود الكلام وعدمه، ومن ذلك تعرف أن حمل الخبر على الشق الثاني من المعنى الثالث غير متوجه وإن سلم من الاستغراب، كما تعرف أنه كان الاولى للمصنف (ره) الحمل عليه لا على الشق الاول. واما المعنى الرابع فيبعده أن الحمل على العهد لا يناسب سوق الكلام مساق التعليل فانه يناسبه العموم لا الخصوص كما لعله ظاهر (قوله: وعلى كلا المعنيين) قد عرفت أن سقوطه عن الاستدلال به على اعتبار اللفظ لا يختص بالحمل على المعنيين الاخيرين، بل هو كذلك لو حمل على المعنى الثاني ويختص جواز الاستدلال به على ذلك بما لو حمل على المعنى الاول لا غير (قوله: نعم يمكن استظهار اعتبار) قد عرفت أن المعاني الثلاثة الاخيرة مشتركة في أن الكلام ملحوظ عبرة الى مضمونه ومعناه لا ملحوظ في نفسه، وعليه فلا مجال لاستظهار اعتبار الكلام في ايجاب البيع إلا من جهة أن التعبير عن البيع بالكلام لا بد أن يكون من جهة دخله في ترتب الاثر على البيع والا كان المناسب التعبير عنه بلفظه حتى يشمل البيع المعاطاتي أيضا كالبيع اللفظي، وفيه أن المصحح للتعبير المذكور لا ينحصر فيما ذلك، بل يجوز أن يكون لاجل كون الغالب في إنشاء البيع أن يكون باللفظ، بل كونه الغالب في أداء المقاصد جميعا لا لاجل أنه دخيل فيه، هذا ولكن ظاهر عبارة الكتاب أن الاستظهار مبني على ملاحظة

[ 56 ]

الكلام قيدا لمضمونه وقد عرفت أنه ممتنع لانه يلزم اجتماع اللحاظين (قوله: الاول فتأمل) لعله إشارة إلى ما يأتي في التنبيه الثاني من احتمال حصول المعاطاة بالاعطاء من أحد المتعاملين والاخذ من الاخر (قوله: فان الظاهر أن المراد) فيه منع (قوله: المراوضة) مأخوذ من قوله: حتى نتراوض على أمر، أي نستقر عليه، ثم إن النصوص المذكورة ليس فيها تعرض لاعتبار الكلام في ايجاب البيع، وذكر القول فيها انما هو لتوقف الافهام عليه غالبا ولو سلم كان مقتضاها عدم افادة المعاطاة الملك لا عدم لزومه كما هو محل الكلام. فلاحظ وتأمل. " تنبيه " لا يخفى أن الحصر في إحدى فقرتيه في الخبر المذكور ينافى الحصر بلحاظ الفقرة الاخرى، فان مقتضى حصر المحلل بالكلام ارتفاع الحل بعدمه فيكون عدمه حرما وهو ينافي حصر المحرم بالكلام، كما أن حصر المحرم بالكلام يقتضي انتفاء التحريم بانتفاء الكلام فيكون عدمه محللا وهو ينافى حصر المحلل بالكلام، ولا فرق في حصول التنافى المذكور بين أن يكون المراد من الكلام نفسه كما هو متقضى المعنى الاول وبين أن يكون المراد مضمونه، وعلى هذا فلو بني على جعل الحصر اضافيا لرفع التنافى المذكور امتنع الاستدلال بالخبر وان حمل على المعنى الاول، إذ مرجع الحصر الاضافي إلى ان نوعا من الكلام محلل لا محرم وان نوعا آخر محرم لا محلل، وهو لا ينفع في توقف الصحة كلية على اللفظ. اللهم إلا ان يكون بضميمة عدم القول بالفصل لكنه ممنوع لانه خلاف القول بالاكتفاء بمطلق الدال. نعم لو كان احد الحصرين تصريحا بمفهوم الاخر كان الحصر حينئذ واحدا ولا تنافي لكن عرفت اشكاله، وبالجملة: الاستدلال بالخبر المذكور يتوقف على علاج التنافى المذكور اولا فليتأمل فيه. ثم إنك قد عرفت الاشارة الى ان نسبة التحليل والتحريم الى الكلام - على اي معنى حمل - لا تخلو من عناية وتجوز فان ايجاب

[ 57 ]

البيع قبل الشراء لا يكون محرما بل التحريم مستند الى حرمة التصرف في مال الغير بحيث لو لم يوجب البيع لكان حراما وكذلك نسبة التحليل الى المواعدة والمقاولة فانها لا توجب حلية المال وانما المحلل له الشراء الموعود به والمقاول عليه، ولاجل ذلك يتوقف الاستدلال بالخبر على ما نحن فيه على تحقيق معنى له ينطبق عليه. فليحظ. ينبغى التنبيه على امور (قوله: التمسك في مشروعيته بعموم) بناء على ما تقدم منه " ره " من الاشكال في صلاحية قاعدة السلطنة لتشريع الاسباب لا يناسب التمسك بها لتشريع هذه الاباحة. نعم صاحب " الجواهر " صرح بالاستدلال على مشروعيتها بعموم: " تسلط الناس على أموالهم " و " بطيب انفسهم " و " التجارة عن تراض " ونحوها وكأنه لذلك كان تمسكه على عدم اعتبار العلم بالعوضين فيها بالاصل السالم عن المعارض فيريد من الاصل أصالة الاطلاق في أدلتها المذكورة، ولكنه قد عرفت الاشكال في التمسك بعموم السلطنة، وكذا آية التجارة لا مجال للرجوع إليها في المقام لاختصاصها بالاكتساب فلا تشمل اباحة التصرف. نعم لا بأس بالتمسك بعموم: (لا يحل) وكذا عموم الوفاء بالعقود، بناء على كونها على التقدير المذكور من العقود، وحينئذ لو شك في اعتبار شرط فيها كان المرجع الاطلاق (قوله: وجوه يشهد للاول) مرجع الوجوه الثلاثة الى أن أدلة اعتبار الشروط في البيع هل لها اطلاق يشمل البيع العرفي والشرعي اللازم والجائز، أو لاإطلاق لها من الجهتين، أو لها الاطلاق من الجهة الثانية دون الاولى، فالاول للاول، والثاني للثاني، والثالث للثالث، لكن مبني الوجوه المذكورة وجود اطلاق يقتضي الصحة وإلا فلو فرض عدمه مطلقا لم ينفع عدم إطلاق أدلة الشروط

[ 58 ]

من الجهتين في عدم اعتبارها، إذ الشك حينئذ يرجع فيه الى أصالة عدم ترتب الاثر بخلاف مالو كان هناك إطلاق يقتضي الصحة فانه يرجع إليه عند الشك إذ الشك في الاشتراك شك في تقييد ذلك المطلق، واصالة الاطلاق تنفيه، ومن ذلك يظهر أنه لابد من اعتبار الشروط مطلقا (أما) بناء على الملك فلاطلاق أدلة اعتبارها واحتمال انصرافها الى البيع اللازم لتكون شرائط للزوم لا وجه له، بل لا يمكن الالتزام به لو أريد من اللزوم ما يقابل الخيار أيضا، إذ لا ينفك البيع عن الخيار لا أقل من خيار المجلس. نعم لو كان الشرط مستفادا مما لا إطلاق له فاللازم البناء على عدم اعتباره لاطلاق أدلة الصحة التي عرفتها (وأما) بناء على الاباحة فلو سلم عدم إطلاق أدلة الشروط بحيث تشمل المعاطاة بناء على الاباحة كما هو الظاهر، إما لان البيع المأخوذ في موضوع تلك الادلة اسم للمسبب المفوض انتفاؤه، وإما لكونه اسما للسبب، لكن منصرف دليل اعتبار الشروط اعتبارها في ترتب المقصود منه وهو الملك أو المبادلة مثلا، والمفروض عدم حصوله، وحصوله عرفا ممالا يرتبط بتلك الادلة إذ لا يعقل اعتبار تلك الشروط فيه لانه مما لا يقبل الجعل التشريعي لكن عدم الاطلاق في دليل الاباحة يوجب الرجوع - مع فقد أحد الشروط - الى اصالة عدمها للشك في ترتبها حينئذ ومما ذكرنا تعرف الاشكال في جملة من فقرات العبارة كما تعرف صحة قوله " ره ": والاحتمال الاول لا يخلو من قوة، (قوله: لا يعتبر التقابض في المجلس... الخ) هذا مبني على تحقق المعاطاة بالاعطاء من أحد الطرفين والا فإذا لم يتحقق التقابض لم يتحقق المعاطاة (قوله: حيث أن المفيد... الخ) الانسب أن يكون التعبير معكوسا بان يقال: حيث أن العقد منحصر في المفيد للملك، يعني فإذا لم تكن المعاطاة مفيدة للملك لم تكن عقدا (قوله: هو البيع العرفي) قد عرفت اشكاله. ثم الانسب مقابلة البيع العرفي بالبيع الشرعي كما تقدم منه لا العقدي، ولا سيما مع بنائه على كونها عقدا - كما هو مقتضى تمسكه سابقا على الصحة بعموم: " أوفو بالعقود " - وعدم افادة الملك لا يلزم منه عدم كونها عقدا عرفيا كما لم يلزم عدم كونها بيعا (قوله:؟ ولما عرفت من

[ 59 ]

أن الاصل) هذا هو العمدة كما عرفت (قوله: وبما ذكرنا يظهر) قد عرفت أن كونها بيعا عرفيا لا يجدي في عموم الادلة لها بناء على القول بالاباحة، بل الوجه في قدح الربا فيها عدم الدليل على الصحة معه والاصل عدم ترتب الاثر (قوله: بل الظاهر التحريم) هذا الاضراب غير مناسب لما قبله لانه مسوق الترقي ولا يحصل ذلك بالتحريم بناء على عدم الاختصاص بالبيع كما يقتضيه قوله (ره): لانها معاوضة، الظاهر في أن موضوع حرمة الربا مطلق المعاوضة (قوله: لانها معاوضة) قد عرفت اشكاله (قوله: بل معاوضة شرعية) يعني معاوضة بين العينين في الاباحة في مقابل المعاوضة بينهما في الملك، لكن عرفت الاشكال في ذلك في أوائل مبحث المعاطاة عند الكلام في تبعية العقود للقصود ولو أريد المعاوضة بين الاباحتين ففي عموم أدلة حرمة الربا لمثل ذلك تأمل ظاهر (قوله: لانها جائزة عندهم) لا يظهر الوجه في امتناع ثبوت الخيار مع الجواز وهو قد التزم بثبوته بناء على الملك، مع أنها جائزة ايضا، ومجرد عدم ترتب اثر عليه قبل اللزوم لا يوجب لغوية ثبوته لامكان ترتب اثر عليه بعد اللزوم بطرؤ احد الملزمات الاتية، نعم لو كانت على القول بالاباحة جائزة دائما كان ثبوته لغوا لكنها ليست كذلك، (فان قلت): إذا لم يترتب على الخيار اثر عملي قبل اللزوم يكون ثبوته حينئذ لغوا (قلت): يكفي في رفع اللغوية حينئذ جواز اسقاطه بالاسقاط، أو بالمصالحة عليه حينئذ، نعم لا بأس على هذا القول بمنع ثبوت الخيار المختص بالبيع لعدم كونها بيعا حينئذ لكن لا يناسبه اطلاق نفي الخيار ولا تعليله بانه لا معنى للخيار وفى نسخة مصححة ضرب على قوله: " جائزة " وأبدل بلفظ " اباحة " يعني أنها لما كانت مفيدة للاباحة عند المشهور لا معنى للخيار لان الخيار ملك فسخ العقد ولا معنى للفسخ حينئذ لاختصاصه بالاعتباريات الوضعية التي تكون موضوعا للاحكام التكليفية " وان " شئت قلت: الفسخ انما يطرأ على مضمون العقد فيرفعه والعقد على هذا القول لا مضمون له ولا مفاد وغاية ما ثبت اباحة التصرفات وليست هي مضمون العقد من دون فرق بين ان تكون شرعية وان تكون مالكية إذ الثانية

[ 60 ]

- لو قيل بها - فهي مستفادة من الاعطاء والتسليط وليست مضمون عقد (قوله: بناء على صيرورتها بيعا) لا يخفى أنه بناء على القول بالملك فهي بيع من أول الامر وانما يكون اللزوم إذا تحقق احد الملزمات لا انها تكون بيعا حينئذ مضافا الى انها لو لم تكن بيعا من اول الامر جاء الاشكال في امكان الفسخ حينئذ الموجب لامتناع الخيار. التنبيه الثاني (قوله: إلا أن أثره يظهر) يعني الثمرة العملية المعتد بها وهي القدرة على الفسخ، وإلا فالاثر في الجملة كالفسخ والاسقاط ثابت من أول الامر أيضا كما ذكر " ره " (قوله: لاختصاص أدلتها) قد تقدم الاشكال عليه في نظيره (قوله: للشهيد في الدروس) قد عرفت أن كلامه في حاشية القواعد المتقدم في عدم وجوب التقابض في معاطاة النقدين يقتضي ذلك ايضا (قوله: لاريب في أنه لا يحصل معنى المعاطاة) كأنه لدعوى أن هيئة المفاعلة دالة على الاشتراك في المبدأ لكنه غير ظاهر في مثل: (سافرت) و (طالعت الكتاب) و (شايعت زيدا) و (كاتبته) و (عاملته) و (بادرت إليه) و (هاجرت إليه) و (عانيته) و (عاينته) و (ناديته) و (عاتبته) و (حابيته) و (جاريته) و (عاندته) و (كابرته) و (جاملته) و (ساقيته) و (زارعته) و (آجرته) و (عارضته) و (زاحمته) و (آويته)... إلى غير ذلك مما لا يحصى كثرة وشياعا (قوله: وأخذ الاخر تملكا له) لا يبعد ذلك ايضا في صورة التعاطي من الطرفين فان إعطاء أحدهما ايجاب، وأخذ الاخر قبول، واعطاء الثاني ليس ايجابا ولا قبولا، وانما هو جري على مقتضى الاعطاء الاول كما ذكره المصنف " ره " فيما يأتي (قوله: بناء على عموم الحكم) يعني عند الاصحاب، من أجل أن ذكر المعاطاة من باب أنها بيع فعلي لا لخصوصية في التعاطي من الطرفين (قوله: بمجرد إيصال الثمن) يحتمل أن يكون ذلك من قبيل:

[ 61 ]

" أعتق عبدك عني " في كون الواضع للفلس هو المتولي للمعاملة عن نفسه وعن صاحب المال بايصاله للفلس إلى المحل المعد له وليس من باب الاذن في التصرف بلا ملك كما قيل (قوله: فيتقاولان على) بنحو يقصدان انشاء المعاملة المقصودة (قوله: فالاشكال المتقدم) لانه لا مجال لاحتمال دخول الفرض في المعاطاة. التنبيه الثالث (قوله: الثالث تمييز البائع من المشتري) لا ينبغي التأمل في أن البائع والمشتري مفهومان متمايزان تمايزا واضحا عند العرف، فالبائع عندهم مالك المعوض والمشتري مالك العوض، فإذا لوحظ كون الدرهم عوض الثوب فمالك الثوب بائع ومالك الدرهم مشتر، وإذا لوحظ كون الثوب عوض الدرهم كان الامر بالعكس وأما الايجاب والقبول فليسا مائزين بينهما إذ قد يكون الموجب هو المشتري والقابل هو البائع كما لو قال مالك العوض: اشتريت منك الثوب بدرهم، فقال مالك الثوب: قبلت، فان ايقاع المعاملة انما كان من المشتري والبائع لم يقع منه الا قبول ما جعله المشتري. هذا كله في التمايز بينهما في مقام الثبوت، وأما في مقام الاثبات فان كان أحد العوضين من العروض والاخر من النقود فغلبة كون الثاني ملحوظا عوضا والاول معوضا قرينة على كون مالك الاول بائعا ومالك الثاني مشتريا، ولو كانا معا من قبيل العروض أو من قبيل النقود فلا يبعد كون تقدم أحدهما قرينة على كونه بائعا والاخر مشتريا جريا على أصالة التطابق بين التقدم الزماني والرتبي، ولو تساويا لم يبعد الحكم بان الطالب المساوم هو المشتري والاخر هو البائع للغلبة، وقد يتفق وجود قرائن مميزة فيعول عليها وإلا فلا ميز بينهما في الظاهر، وإن علم إجمالابان أحدهما بائع والاخر مشتر فيرجع في ترتيب الاحكام عليهما إلى الاصول الجارية، هذا وعبارات المصنف " ره " لا تخلو من اضطراب لان بعضها ظاهر في كونه في مقام التمييز بين المفهومين ثبوتا، وبعضها ظاهر في كونه في مقام التمييز بينهما إثباتا

[ 62 ]

(قوله: ولو لم يلاحظ إلا كون أحدهما بدلا) إن أريد كون أحدهما بعينه لوحظ بدلا والاخر مبدلا فقد عرفت أن مالك الاول مشتر وأن مالك الثاني بائع، والاشكال إنما يكون في الطريق الى معرفة ذلك ليتميز البائع عن المشتري في مقام الاثبات، ولا وجه للاحتمالات الاتية فانها احتمالات في الشبهة الفهومية لا المصداقية التي هي محل الكلام، وإن أريد - كما هو الظاهر - كون كل منهما ملحوظا بدلا عن الاخر من دون أن يكون أحدهما بعينه ملحوظا بدلا والاخر مبدلا عنه بل الملحوظ المبادلة بينهما فلا ينبغي التأمل في كون المعاملة ليست بيعا فلا بائع فيها ولا مشتري، ولا وجه للاحتمالين الاولين (قوله: بناء على أن البيع) على هذا لا يختص صدقهما معا على كل من المالكين في المقام بل يطرد في كل بيع لصدق العنوانين المذكورين على كل من المتعاملين (قوله: لانصرافهما في أدلة) قد عرفت أنه ليس لنامورد اختصاص على هذا المبنى فلا مجال للانصراف إليه (قوله لصدق الموجب) قد عرفت أن التقدم قرينة على كون المتقدم مالك المعوض فلا يرجع إليها عند اتضاح الحال كما هو ظاهر الفرض (قوله: لانها بمعنى التسالم) هذا إذا كان الانشاء متعلقا بنفس التسالم لا ما إذا كان متعلقا بموضوع التسالم وإلا فجميع العقود يكون المنشأ فيها موضوعا للتسالم حتى البيع فالمايز بين الصلح وغيره أن الصلح هو التسالم على أمر ما ولو كان تبديل عين باخرى الذي هو البيع فان كان المنشأ التسالم على أم كان العقد صلحا وان كان المنشأ موضوع التسالم لم يكن صلحا بل يكون إما بيعا إن كان المنشأ مضمونه، وإما رهنا إن كان المنشأ مضمونه وهكذا فعلى هذا يتعين كون العقد في الفرض معاملة مستقلة (قوله: في أخذه قابلا) لا يتعين أن يكون القبول بالاخذ بل يجوز أن يكون بالاعطاء كما سبق في التنبيه الثاني، بل يجوز أن يكون بهما معا ايضا.

[ 63 ]

التنبيه الرابع " قوله: لفظ المصالحة والمساقاة " فان المبدأ انما يقوم في الامثلة المذكورة باحد المتعاقدين لاغير " قوله: وربما يستعمل في " كما تقدم في ذيل التنبيه الثاني " قوله: متقومة بالعطاء من " هذا أيضا أحد الفروض فانها قد تتقوم بالعطاء من أحدهما والاخذ من الاخر، وبالعطاء والاخذ والعطاء معا من الاخر " قوله: وهذا بعيد عن معنى " بل لا ربط له بالبيع لان البيع هو البدلية بين الاموال التي تكون موضوعا للتمليك لا بين تمليك شئ وتمليك آخر. نعم لو لوحظ تمليك الاخر عوضا عن نفس ماله كان من قبيل البيع إذ لا يعتبر في عوض العين المملكة في البيع أن تكون عينا بل يجوز أن يكون منفعة، وعملا، وحقا، كما سبق في تعريف البيع. نعم قد تشكل صحته من جهة أن التمليك ليس مالا فلا يصح أن يكون عوضا عن المال كما يمكن أيضا تصوير آخر بان تكون عين الاخر في مقابل تمليكه عكس الفرض السابق، وفيه ايضا من الاشكال ما في سابقه، ولكنه غير ظاهر التوجه لان ذلك انما يمنع عن جعله عوضا في البيع لانه مبادلة مال بمال، ولا يمنع من جعله عوضا مطلقا إذا لم يكن أكل المال بازائه أكلا بالباطل كما هو كذلك في الفرضين. نعم ما لا يكون مالا ويكون أكل المال يازائه أكلا له بالباطل لا يجوز جعله عوضا سواء أكان عينا كالخنافس والديدان أم عملا كالكون في المواضع المظلمة والصعود على الجبال المرتفعة ونحو ذلك، لا مثل ما نحن فيه، ولاجل ذلك صحح المعاملة المذكورة غير واحد من الاعيان (قوله: إذ لو لم يملكه الثاني هنا) يعني وفي الهبة ليس كذلك بل يتحقق التمليك المعوض فيها بالايجاب والقبول وإن لم يتحقق التمليك العوض " وحاصل " الفرق بين الصورة المفروضة والهبة المعوضة أن الصورة المفروضة قد جعل فيها أحد التمليكين بازاء الاخر فالايجاب الذي ينشأ به التمليك المعوض به ينشأ التمليك العوض ايضا وبقبول الاخر سواء

[ 64 ]

أكان بالاعطاء أم بالاخذ يتم العقد فلا يمكن انفكاك أحد التمليكين فيها عن الاخر أما الهبة المعوضة فايجاب الواهب انما يتضمن إنشاء تمليكه فقط، وبقبول المتهب يتم العقد فيتحقق التمليك المعوض، واما التمليك العوض فتحققه يتوقف على انشاء آخر من المتهب وقبول من الواهب فإذا لم يتحققا لم يتحقق مع تحقق التمليك المعوض فيمكن التفكيك بين التمليكين في الهبة ولا يمكن هنا. نعم يوهم قوله: لو لم يملكه الثاني... الخ أن التمليك العوض محتاج الى انشاء ابتدائي من الطرف الثاني فيكون منافيا لما ذكرناه لكنه ليس بمراد بقرينة قوله: والمعاملة هنا.. الخ إذ المراد من تقومها بالعطاء من الطرفين أن العطاء من أحدهما ايجاب ومن الاخر قبول، وانه إذا تحققا تحقق التمليكان فهما يكونان بايجاب واحد وقبول واحد ولا يحتاج الثاني الى ايجاب وقبول غير ما هما قوام المعاملة " وبالجملة ": الظاهر أن المراد ما ذكرنا وان كان لا يخلو من خفاء ولا سيما مع قوله: لانه انماملكه بازاء... الخ إذ الا نسب في التعبير عما ذكرنا أن يقال: لان التمليكين يحصلان بقبول واحد وهو الاعطاء الثاني " فان قلت ": الايجاب المتضمن لجعل التمليك للغير بعوض تمليكه لعينه يقتضي استحقاق الموجب على طرفه التمليك فيكون مالكا عليه التمليك كما في جعل العمل عوضا فيجب الوفاء عليه بايجاد التمليك كما يجب عليه الوفاء بايجاد العمل فكيف يكون مجعولا باجياب التمليك معه ولايحتاج الى جعل مستقل (قلت): الاعمال الخارجية لما لم تكن صالحة للجعل الاعتباري كان معنى جعلها أعواضا جعل ملكيتها لمالك المعوض كما هو كذلك في الاعيان المجعولة اعواضا، اما التمليك ونحوه مما يصلح للجعل الاعتباري فيمكن جعلها أعواضا بلحاظ نفسها لابلحاظ جعل ملكيتها كما يمكن الثاني ايضا، فإذا جعلت على النحو الاول كانت مجعولة بالايجاب المتضمن لجعل العوض، وإذا جعلت على النحو الثاني كان المجعول به ملكيتها لمالك المعوض لاجعل نفسها فيحتاج في جعلها الى جعل آخر مستقل، واما دعوى ان تمليك القابل وظيفة القابل فلا يمكن جعله بايجاب الموجب ففيها أنه لا مانع من ذلك ولذا يصح قولك: " تملكت مال زيد إذا قال زيد: " قبلت " (كما يصح اشتريت مال زيد)

[ 65 ]

فيقول زيد: " قبلت " (قوله: على نحو الداعي) يعني فلا يكون منشأ بايجاب التمليك المعوض بل يحتاج الى انشاء ابتدائي من المالك (قوله: أو معاوضة مستقلة) قد عرفت في التنبيه السابق ما يقتضي تعين ذلك (قوله: اباحة ماله بعوض) يعني يكون العوض ملكا للمبيح في قبال اباحته لا في قبال العين المباحة كما في الوجه الاول لان اعتبار العوض للعين المباحة يتوقف على اخلاء محل العوض عنه ليكون العوض فيه، والمفروض أن المباح لا تغير فيه من هذه الجهة فلا يمكن اعتبار العوضية عنه، ومن ذلك يظهر الاختلاف بين الاباحة والملك من هذه الجهة فانه بالتمليك تزول ملكية المملك عن العين فيمكن اعتبار العوض لها ولا كذلك الاباحة. نعم يمكن جعل التمليك بازاء الاباحة كما يمكن العكس (قوله: في صحة الاباحة بالعوض) هذا الاشكال مختص بالصورة الاولى بخلاف الاشكال الاول فانه جار في الصورتين جميعا (قوله: فالظاهر أنه لا يجوز إذ التصرف) التعليل المذكور على تقدير تماميته موجب لوضوح عدم الجواز لانتفاء المشروط بانتفاء شرطه والا كان خلفا فلا مجال للتردد. ثم ان هذا الاشكال تعريض بصاحب الجواهر حيث ذكر أن اباحة كل منهما التصرف للاخر على جهة المعاوضة لا فرق فيها بين أنواع التصرفات ما توقف منها على الملك وغيره على معنى اباحة ايقاعها للمباح له لا للمبيح فتجري عليها احكام الاباحة المجانية من اللزوم بالتلف، وأحكام المعاوضة من تعيين العوض بالمسمى، واحكام: (أعتق عبدك عنى) و: بع هذا المال لك، ونحوه مما يفيد الملك الضمنى بوقوع التصرف بناء على جريانه على القواعد.. الخ (قوله: أحدهما أن يقصد المبيح) مرجع هذا الوجه الى دعوى (اما) تحقق الشرط وهو الملكية قبل البيع لان اباحة التصرف راجعة الى توكيل المباح له في انشاء التملك لنفسه قبل البيع أو لانها راجعة الى انشاء التمليك من المبيح للمباح له ويكون ايجاد التصرف من المباح نه قبولا لذلك التمليك (واما) انتفاء المشروط وهو بيع المباح له لنفسه وانما يبيع للمبيح فيدخل الثمن في ملكه ثم يتملكه المباح له لان الاباحة تقتضي الاذن في هذا التملك (قوله: ولا شك أن المقصود)

[ 66 ]

شروع في بيان فقدان هذا الوجه " وحاصله ": ان الامور المذكورة كلها إنشائيات موقوفة على القصد من المبيح والمباح له وهو منتف فلا يمكن الالتزام بواحد منها لكن يبقى سؤال الفارق بين المقام وبين مثل: (اعتق عبدك عنى) ولم كان الاول خاليا عن القصد والثاني واجدا له ولو اجمالا فانه إذا كان اطلاق الامر بالعتق عنه هو الاذن في التمليك لانه من مقدماته فلم لا يكون إطلاق الاذن في البيع لنفسه إذنا في مقدماته؟ التي منها التملك بل هو أولى لان توقف البيع لنفسه على الملك عقلائي لا شرعي تعبدي فإذا يتعين أن نقول: إذا كان ظاهر لسان الاذن هو البيع عن نفس المأذون وكان مطلقا وقلنا بانه موقوف على الملك كان ذلك توكيلا منه في التملك واذنا فيه لان: " الاذن في الشئ اذن في لوازمه " فضلا عن مقدماته " والتحقيق " أن يقال: التصرف الموقوف على الملك لا يكون موضوعا للاباحة لا بدون الملك لكونه شرطا فيه، ولا معه لان المالك يباح له التصرف لكونه مالكا ولا أثر لاباحة غيره له فإذا قال المالك لغيره: أبحت لك أن تبيع ملكي لك، كان لغوا الا أن يكون المراد به الكناية عن اباحة التملك. هذا مع اختصاص لسان الاباحة بالتصرف الموقوف على الملك أما مع اطلاقها الشامل للتصرف فيه بالتملك وهو غير موقوف على الملك كما لو قال: أبحت لك مالي، فمقتضى إطلاقها جواز التملك وحينئذ يجوز البيع ونحوه مما هو موقوف على الملك لتحقق شرطه، وعلى هذا فاشكال المصنف (ره) في عموم الاباحة للتصرفات الموقوفة على الملك (إن) كان راجعا إلى نفي قدرة المباح له على التصرفات المذكورة من جهة توقفها على الملك ولا طريق الى الاذن في التملك (ففيه) أن إطلاق الاباحة يقتضي عمومها للتملك فيقتضي ثبوت القدرة عليه الموجبة للقدرة على التصرفات الموقوفة عليه " وإن " كان راجعا الى امتناع عموم الاباحة للتصرفات مع الاعتراف بقدرة المباح له عليها للقدرة على التملك " فهو " في محله لما عرفت، وكذا لو كان راجعا الى امتناع اقتضاء الاباحة المطلقة لجواز التصرفات المذكورة بدون تملك، لما ذكره من أن الاباحة لا تصلح لتشريع الاحكام (قوله: الثاني أن يدل دليل شرعي) مرجع

[ 67 ]

هذا الوجه الى دعوى { إما } تحقق الشرط بجعل من الشارع قبل التصرف { وإما } انتفاء المشروط أعني التصرف عن المباح له، بل هو عن المبيح لا غير، ولكن الملكية تتحقق بجعل من الشارع للمباح له بعد التصرف، فلا فرق بين الوجهين إلا في أن الملكية في الاول بجعل من المالك أو نائبه، وفى الثاني بجعل من الشارع " وحاصل " الجواب أنه لا دليل على ثبوت الملكية المذكورة إذ ليس ما يحتمل صلاحيته للدلالة على ذلك الا قاعدة السلطنة وهي إنما تدل على ثبوت سلطنة المالك على الاسباب المشروعة ولا تصلح لتشريع الاسباب غير المشروعة بمقتضى الادلة العامة فإذا كان مقتضى عموم الادلة تقوف تصرف المباح له على ملكه للعين لا تصلح قاعدة السلطنة لاثبات مشروعية إذن المالك للمباح له في التصرف الموقوف على الملك في حال عدم الملك، فكما لا تصلح قاعدة السلطنة لاثبات اباحة البيع مع الجهل بالعوضين لا تصلح لاثبات صحة إباحة البيع مع عدم الملك (قوله: للجمع بين الادلة) يعنى الدليل الدال على صحة الشراء والدليل الدال على عدم ملك العمودين فيحمل الثاني على معنى نفي الملك المستقر فلا يمنع من الملك آناما على نحو يتعقبه العتق، وكذلك في المقام يبنى على دخول العوض في ملك المبيح آناما على نحو ينتقل الى المباح له بعده " هذا " وقد عرفت في تحقيق معنى البيع أنه لا يتوقف على الملك، بل يكفي في تحقق مفهومه تحقق البدلية بين الثمن وأحد العمودين بحيث لو لم يكن مانع من ملك أحد العمودين لملكه المشتري وان كان لا يملكه فعلا لوجود المانع، ولعل هذا المعنى هو المراد من الملكية التقديرية في العبارة، لكن يمنع عن حملها على ذلك بناء المصنف (ره) فيما سبق على دخول الملكية في مفهوم البيع، وعلى فلا بد أن يكون المراد من التقديرية الفعلية غير المستقرة ليتحقق مفهوم المعاوضة البيعية إذ لا يكفى فيها على هذا المعنى مجرد الفرض والتقدير، هذا والمنسوب الى ظاهر الاكثر تحقق الملك آناما ثم ينعتق، ويقتضيه ظاهر مثل صحيح الفضلاء: إذا ملك الرجل والدية أو أخته أو عمته أو خالته أو بنت أخيه أو بنت أخته " وذكر أهل هذه الاية من النساء " عتقوا جميعا الى أن قال عليه السلام: إذا ملكن عتقن

[ 68 ]

(قوله: واثبات صحته بعموم) لو تم هذا بان كانت قاعدة السلطنة صالحة لتشريع الاباحة على النحو المذكور فلا تكون النتيجة استكشاف الملكية آناما، بل كانت صحة التصرف بلا ملكية (قوله: مثل توقف انتقال) تقدم الكلام في وجه هذا التوقف في المسائل المذكورة في الاستدلال على صحة المعاطاة فراجع (قوله: بصيغة خاصة) على هذا لا يحسن إطلاق توقف الوطء على الملك، بل اللازم أن يقال بتوقفه إما على الملك أو التحليل بصيغة خاصة (قوله: مفهوم المعاوضة) هذا مما لا ينبغي الريب فيه بالنسبة إلى مفهوم المعاوضة من الطرفين، لكن كون البيع منها محل تأمل لما عرفت سابقا من أن إحدى العينين فيه معوض وهو المبيع ومالكه البائع والاخرى عوض وهو الثمن ومالكه المشتري، واختصاص الثاني بباء العوض فلا يصح أن تدخل على الاول شاهد على كون الاول لم تلحظ فيه العوضية عن الثاني، وعلى هذا لا يصح أن يقول المالك لغيره: بع مالي لك، ويصح أن يقول: اشتر بمالي لك طعاما، فيكون الثمن نظير المهر يجوز بذله من الزوج والاجنبي " وبالجملة ": عاوضت هذا بهذا: ليس بمعنى: عاوضت بين هذا وهذا، فان الثاني حاك عن المعاوضة بين العينين على نحو واحد، والاول حاك عن عوضية احداهما بعينها، عن الاخرى بعينها، فمدخول الباء عوض لاغير، والاخر معوض عنه لا غير، اللهم إلا أن يقال: عوضية المعوض عن العوض ملحوظة ايضا تبعا، وبذلك افترق المثال الثاني عن الاول، فان العوضية في الطرفين ملحوظة أصالة على نحو واحد وحينئذ يكون الفارق بين المبيع والثمن في البيع كون الاول هو المعوض عنه بالاصالة لكونه المقصود محط الغرض وان كان هو ايضا عوضا عن الثاني والثاني بالعكس (قوله: لما ذكرنا حكم الشيخ) هذا الاستشهاد مبني على كون الاباحة في المعاطاة مالكية كما يقتضيه أيضا قوله (ره) فيما يأتي: مع أن مقصود.. الخ لكنه خلاف ما تقدم منه من كون مقصود المتعاطيين التمليك، ونسبة ذلك الى لشيخ والشهيد وغيرهما، ولو كانت الاباحة شرعية لم يحسن الاستشهاد لامكان اختصاصها بغير الفروض المذكورة والاصل عدمها فيها مع أنها لا ترتبط

[ 69 ]

بعموم السلطنة (قوله: حاكم على عموم) لانه رافع للجواز المأخوذ موضوعا لعموم السلطنة (قوله: حكومة الدليل الدال على) فان ذلك الدليل لما كان دالا على عدم نفوذ عتق عبدالغير فقد اقتضى سلب القدرة عليه وهي شرط في صحة النذر لان الممتنع لا يكون موضوعا لاضافة الملكية التي يتضمنها النذر (قوله: آناما فتأمل) لعله اشارة الى أنه على تقدير التعارض بالعموم من وجه يتعين الرجوع في مورد التعارض الى دليل آخر وهو في المقام أصالة عدم ترتب الاثر لا أنه يستكشف الملكية القهرية الشرعية، واستكشاف الملكية في شراء من ينعتق على المشتري كان من أجل عدم إمكان تخصيص كل منهما، لان قاعدة توقف المعاوضة على دخول العوض في ملك مالك المعوض لا تقبل التخصيص، وكذلك دليل صحة الشراء، لو روده في مورد القاعدة المذكورة فلا يقاس عليه المقام (قوله: بالنسبة الى الميت) فانها تقدر ملكا له حال الحياة، ولاجل ذلك تجري عليها أحكام أمواله حال الحياة فيرثها ورثته وتنفذ منها وصاياه، وتوفى منها ديونه، لا أنه يملكها بعد الموت وان قلنا بامكان ذلك لانه عليه لا وجه لجريان الاحكام المذكورة، ولذا لا تجري في دية الجناية على أعضائه بعد الموت، بل يتعين صرفها في وجوه القرب إجماعا كما عن غير واحد ونصوصا، نعم ذكر غير واحد أنها يقضى منها الدين لانه من أهم القرب وإن كان لا يخلو من اشكال، بل منعه بعض، وكيف كان فدية النفس يقدر كونها ملكا للميت حال حياته، ولذا ذكروا أنها في حكم مال المقتول وكأن الوجه في عدم فعلية الملكية أن هذه الفعلية، إن كانت حال الحياة يلزم تقدمها على العلة وهو الموت، وان كانت حال الموت يلزم إجراء أحكام دية الجناية على الاعضاء بعد الموت وكلاهما لا مجال له " أقول ": لو سلم كون القتل ملحوظا شرطا للملكية على نحو الشرط المقارن لا بنحو الشرط المتأخر، فيمكن أن يكون ملحوظا شرطا لحكم الشارع بالملكية حال الحياة، فالحكم بالملكية ظرفه بعد القتل لكن الملكية المحكوم بها هي الملكية حال الحياة على نحو الكشف المشهوري في باب إجازة الفضولي فلا موجب للالتزام بالملك التقديري دون الفعلي الحقيقي

[ 70 ]

(قوله: أو شراء المعتق) قد عرفت أن الملكية ليست داخلة في مفهوم البيع وحينئذ فان قام دليل على عدم ملك الانسان لمن ينعتق عليه أصلا ولو آناما أمكن العمل به في شراء من ينعتق عليه بلا معارضة بينه وبين ما دل على صحة الشراء له ولا موجب لتقدير الملكية، وان كان الدليل انما دل على عدم استقرار الملكية فلا مانع من الالتزام بان الشراء يوجب الملكية في الجملة آناما ثم ينعتق، والملكية حينئذ حقيقية لا تقديرية، وكذا لو قلنا بدخول الملكية في مفهوم البيع فعلى التقدير الثاني لا تزاحم بين دليل صحة الشراء ودليل الانعتاق بعد الملكية، أما على التقدير الاول فالبناء على الملكية التقديرية لا يجدي في الجمع بين الدليلين لان الملكية التقديرية مرجعها الى الملكية على تقدير مفقود فهي معدومة، والملكية المعدومة لا تجدي في تحقيق مفهوم المعاوضة البيعية بناء على دخول الملكية في مفهوم البيع، فكيف يكون الالتزام بالملكية التقديرية جمعا بين الدليلين، وما الفرق بين ذلك وبين عدم الالتزام بالملكية أصلا بان لا يكون المراد من الشراء في المقام الشراء حقيقة بل هو معاوضة أخرى يترتب عليها الانعتاق كما أشرنا الى ذلك قريبا (قوله: المذكور أولا) يعني في الوجه الاول والملكية فيه مجعولة ابتداء من المتعاقدين (قوله: المذكور ثانيا) يعني في الوجه الثاني والملكية فيه مجعولة ابتداء من الشارع اقتضاها الجمع بين الدليلين (قوله: المذكور ثالثا) الفرق بينه وبين المذكور أولا لا يخلو من خفاء، اللهم إلا أن يكون من جهة أن الاول مضمون عقد والاخير نتيجة ايقاع لان الايقاع يكون واردا على الفسخ فإذا انفسخ العقد رجعت الملكية الى المالك بالسبب الاول لا بجعل من الواهب أو ذي الخيار فتأمل (قوله: اما لازما بناء على) لا تخلو العبارة من جزازة لان سوقها يظهر منه أن الجواز واللزوم مبنيان على المبنيين المذكورين ومن البعيد جدا ارادة ذلك، والذى ينبغي أن يراد أن نية البائع البيع لنفسه، إن كانت مقومة ومؤثرة بطل العقد ولو مع الاجازة لما سبق من امتناع المعاوضة، وان كانت غير مؤثرة ولا مقومة صح بلا إجازة بناء على الاكتفاء بالاباحة الصادرة من المالك قبل

[ 71 ]

البيع أو بشرط الاجازة بناء على عدم الاكتفاء بها كما هو الظاهر لاختصاصها بالبيع للمباح له وهو لا يمكن وقوعه ولا تشمل البيع للمالك (قوله: وانه يملك الثمن بدفعه) إذا كان ملك الغاصب للثمن يتحقق بمجرد دفع المشتري إليه فلا يكون مما نحن فيه حتى يحسن جعل ما يظهر من الجماعة مخالفا لما ذكره (قده) في هذا المبحث، وانما يحسن ذلك لو كان بناؤهم على أن التسليط انما يوجب اباحة التصرف لكن ذلك خلاف ما صرح به هنا ويظهر منه في مبحث الفضولي، بل خلاف ما يظهر من بعض كلماتهم المقولة في ذلك المبحث، ولعله لذلك أمر بالتأمل فتأمل جيدا. الاباحة المعوضة (قوله: ليست معاوضة مالية) لاختصاصها بالاموال وليست الاباحة منها، وكذلك التمليك ونحوه من العناوين الانشائية بل المال موضوعها كالمال المباح والمملوك لانه محط الاغراض العقلائية المستوجبة لاعتبار مالية المال، والتمليك والاباحة إنما يقصدان عرضا باعتبار موضوعهما (قوله: بل كلاهما ملك) أما المباح فلبقائه على ملك المبيح إذ لم يصدر منه الا الاباحة وليست موجبة للخروج عن الملك، وأما العوض فلان المقصود من عوضيته للاباحة هو ذلك، أعني كونه ملكا للمبيح، والمراد من عوضية العوض هنا معنى الجزاء والثواب لا قيامه مقام العوض في الملكية أو نحوها (قوله: يستحق التصرف) يعني تكليفا بلا حق وضعي ولذا لا يسقط بالاسقاط (قوله: خروجه عن المعاوضات) قد يتوهم أن التصرف في الحمامات، والامكنة المعدة لنزول المسافرين، والمحلات المعدة لوضع الاجناس التجارية، ونحو ذلك من هذا القبيل، وفيه أنه لو كان كذلك لاستحق المبيح المعوض بمجرد الاباحة وليس كذلك في مرتكزات العرف كما أن المرتكز كون العوض عوضا عن التصرف لا عن الاباحة فلا يبعد إذا أن يكون ذلك من

[ 72 ]

باب الاباحة على نحو الضمان بالمسمى بعد امتناع كونه من باب الاجارة للجهالة الموجبة للبطلان، ثم إن الظاهر أن مقصود المصنف (ره) من دعوى عدم المعهودية للخروج عن عموم مثل: (أوفوا بالعقود) لاختصاصه بالعقود المتعارفة لكن التعارف لا يقيد الاطلاق فاولى أن لا يخصص العام، مع أنه لو اقتضى ذلك أشكل التمسك بمثل: (قاعدة السلطنة) و (المؤمنون عند شروطهم) و (آية التجارة) وان علم صدقها في المقام لانصراف الجميع الى المتعارف وليس المقام منها (قوله: مع التأمل في صدق التجارة) لا ينبغي التأمل في صدقها بالاضافة إلى المبيح لتحقق الاكتساب بالاضافة إليه. نعم يبعد جدا صدق التجارة بالاضافة الى المباح له، لكن إذا دلت الاية على الصحة بالاضافة الى أحدهما فقد دلت عليها بالاضافة الى الاخر للملازمة، كما أن من الواضح عدم صدق البيع عليها فلا يشملها قوله تعالى: " أحل الله البيع " ونحوه (قوله: من بعض الاخبار الدالة) كصحيحي محمد بن مسلم ومنصور بن حازم عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام: في رجلين كان لكل واحد منهما طعام عند صاحبه ولا يدري كل واحد منهما كم له عند صاحبه فقال كل واحد منهما لصاحبه: لك ما عندك ولي ما عندي، فقال عليه السلام: لا باس، هذا ولا يظهر من الصحيحين المذكورين كون المعاملة المذكورة صلحا، بل من الجائز أن تكون معاملة مستقلة كما أشرنا الى ذلك في ذيل التنبيه الثالث فراجع (قوله: ما ورد في مصالحة الزوجين) ففي مصحح الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام: سألته عن قول الله عزوجل (وان امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا) فقال عليه السلام: هي المرأة تكون عند الرجل فيكرهها فيقول لها: إني أريد أن أطلقك، فتقول له: لا تفعل إني اكره ان تشمت بي ولكن انظر في ليلتى فاصنع بها ما شئت وما كان سوى ذلك من شئ فهو لك ودعني على حالتي، فهو قوله تعالى (فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا) وهذا هو الصلح، ونحوه غيره، لكن الظاهر منها أن المراد بالصلح الصلح الحقيقي في مقابل النزاع والنشوز لا الصلح الانشائي المقابل لسائر العناوين الانشائية كما لا يخفى (قوله: كفى فيها عموم

[ 73 ]

الناس) قد تقدم منه (ره) في الاستدلال على صحة المعاطاة الاشكال في دلالة عموم السلطنة على قدرة المالك على تشريع الاسباب فلا يحسن لذلك الاستدلال به على الصحة في المقام (قوله: والمؤمنون عند شروطهم) قد عرفت أن الاستدلال به على المقام يتوقف على صدق الشرط على الشرط الابتدائي وهو محل اشكال كما سيأتي في محله، فالاولى التمسك لصحتها بعموم: " أوفوا بالعقود " و " تجارة عن تراض " (قوله: أقواها أولها) لعموم: المؤمنون عند شروطهم، بناء على دلالته على اللزوم في مثل المقام، ولا يعارضه عموم السلطنة بالاضافة الى المبيح لكون المفروض صدور التصرف من السلطان فيكون مقتضى العموم القدرة عليه على ما هو عليه من اللزوم والجواز فلا يصلح لمعارضته مادل على لزومه لما عرفت من أنها لا تصلح للتشريع، وبالجملة: عموم السلطنة انما يقتضي شرطية اذن المالك في صحة التصرف فإذا وقع التصرف بارادة المالك وكان لازما لم يصلح العموم لرفع لزومه، ومن ذلك تعرف وجه الثاني وأنه لا وجه للثالث لو كانت الاباحة على النحو المذكور قولية وأما إذا كانت بالمعاطاة فيمكن القول بالاخير لما سبق في المعاطاة على نحو التمليك (قوله: يظهر مما ذكرنا في) يعني من خروجها عن المعاوضات العهودة والظاهر هنا وضوح عدم صدق التجارة فضلا عن البيع (قوله: الصحة واللزوم للعموم) يعني عموم: " المؤمنون عند شروطهم " (قوله: لاصالة التسلط) قد تقدم منه ضعف التمسك به في قبال: المؤمنون عند شروطهم، فيكون اللزوم أقوى، ولا يظهر الوجه في الفرق بين الصورتين كي يكون اللزوم في الاولى أقوى ولا يكون في هذه الصورة كذلك (ثم) إنه قد يستشكل في التمسك بعموم (المؤمنون... الخ) بانه يتوقف على أن يكون للشرط مضمون يشك في ارتفاعه بالفسخ حتى يكون العموم دالا على بقائه، ومن المعلوم أن الاباحة المالكية تزول بكراهة المالك وفسخه، ومنه يظهر الاشكال في عموم: أوفوا بالعقود، ويندفع بان الذي يزول بالكراهة والفسخ هو الاباحة النفسانية، واما الاباحة الاعتبارية الانشائية التي هي أيضا موضوع للاثر بشهادة صحة إنشائها فزوالها بالكراهة

[ 74 ]

غير ظاهر لعدم التنافي بينهما. نعم زوالها بالفسخ موقوف على جواز العقد فإذا دل على لزومه الدليل مثل: أوفوا بالعقود، و: المؤمنون عند شروطهم، الدالين على ثبوت مضمون العقد والشرط دائما وهو هنا الاباحة المذكورة فقد دل على عدم زوالها بالفسخ. التنبيه الخامس (قوله: ذكر المحقق الثاني في جامع المقاصد) ذكر ذلك في ذيل كلامه في المعاطاة من كتاب البيع وكذا ذكر في (المسالك) فانه قال: العاشر ذكر بعض الاصحاب ورود المعاطاة في الاجارة والهبة بان يأمره بعمل معين ويعين له عوضا فيستحق الاجرة بالعمل ولو كان إجارة فاسدة لم يستحق شيئا مع علمه بالفساد بل لم يجز له العمل والتصرف في ملك المستأجر مع إطباقهم على جواز ذلك واستحقاق الاجر (انتهى) (قوله: ولم نجد من صرح به في) هذا الاشكال لا يختص بجريانها في الاجارة لما تقدم من أن المعاطاة في البيع عند الاصحاب لا توجب الملك وانما توجب الاباحة (قوله: موضع نظر لان) هذا لا يتوجه على ما حكاه في (المسالك) لتخصيصه المنع بالعمل في ملك المستأجر وكأن المنع حينئذ لتوقف جواز التصرف في ملك الغير على الاذن منه وفساد المعاملة يقتضي انتفاءها لابتناء الاذن من المالك على المعاملة، فإذا فسدت - كما هو المفروض - انتفت الاذن المترتبة عليها وحرم التصرف، وأما إذا لم يكن العمل تصرفا في ملك المستأجر فبطلان الاجارة لا يوجب حرمته لجواز العمل في نفسه مع قطع النظر عن الاجارة، والظاهر أن المراد مما في (جامع المقاصد) المنع في خصوص الصورة الاولى بقرينة فرض المعاطاة التي لا تتحقق الا بالاعطاء كأن يعطيه ثوبا مثلا ويأمره بخياطته بعوض معين فيأخذه العامل، ثم إنه يظهر من قول المصنف (ره): سيما إذا لم.. الخ جواز عمل الاجير في الاجارة الفاسدة وإن كان تصرفا في ملك المستأجر، لكن عرفت الاشكال فيه وسيجئ في التنبيه الثامن بعض الكلام

[ 75 ]

فيه (قوله: لان الظاهر ثبوت أجرة) لقاعدة احترام عمل المسلم إذا لم يقصد التبرع لانه بالقصد المذكور يكون هو الهاتك لحرمة عمله وليس كذلك لو لم يقصد التبرع وإن كان عالما بالفساد فان علمه به إنما يوجب علمه بعدم استحقاق الاجرة المسماة لا أنه يوجب بذله لعمله مجانا وسيجئ انشاء الله تعالى تحقيق ذلك في مسألة ضمان المقبوض بالعقد الفاسد، ولعل مراد (جامع المقاصد) استحقاق الاجرة المسماة مطلقا لكنه بعيد (قوله: لا يدل على جريان المعاطاة) لان جواز الاتلاف أعم من الملك فلا يدل عليه. نعم بناء على أن المعاطاة تفيد الاباحة فجواز الاتلاف عين الاباحة فالاجماع على جواز الاتلاف اجماع على جريان المعاطاة في الهبة (قوله: وتوقف الملك في) هذا إشكال آخر على المحقق الثاني غير الاشكال الاول فانه كان إشكالا على استدلاله على مدعاه وهذا اشكال على نفس المدعى (قوله: كما يظهر من المسالك) قال فيها في كتاب الهبة: وظاهر الاصحاب الاتفاق على افتقار الهبة مطلقا الى العقد القولي في الجملة فعلى هذا ما يقع بين الناس على وجه الهدية من غير لفظ يدل على ايجابها وقبولها لا يفيد الملك بل مجرد الاباحة.. الخ لكنه بعد هذا الكلام مال الى جريان المعاطاة في الهدية وانها تفيد الملك المتزلزل فراجع (قوله: ومما ذكرنا يظهر المنع) فان الفساد الذي هو بمعنى عدم ترتب الملك لا يقتضي المنع من سائر التصرفات لا مكان الحكم بعدم الملك وبجواز التصرف كما سبق في الاستدلال على صحة المعاطاة بقوله تعالى: (أحل الله البيع) (قوله: بناء على جريان المعاطاة في (يعني على نحو توجب الملك (قوله: لكون الفعل مفيدا) يعني فيشمله عموم الصحة، هذا ولم يتعرض للاتفاق الذي حكاه سابقا عن ظاهر (المسالك) اكتفاء بما يحكيه عن ظاهر (التذكرة) لمعارضته له بل عرفت أنه في (المسالك) لم يعتن بذلك الاتفاق ومال الى جريان المعاطاة في الهدية في كتاب الهبة، والى جريانها في مطلق الهبة في كتاب البيع.

[ 76 ]

التنبيه السادس (قوله: لكن استشكله في) قال في (جامع المقاصد) بعد ما حكى عن (التذكرة) ما ذكر: ويشكل بان باب البيع ثبت فيه حكم المعاطاة بالاجماع بخلاف ما هنا أما الاستيجاب والايجاب فنعم.. الخ وظاهره أن جريان المعاطاة في البيع على خلاف القواعد للاجماع على جريانها ولا اجماع على جريانها في الرهن فلا موجب للخروج عن القواعد، وإشكال ما ذكره ظاهر مما تقدم، ومنه يظهر الاشكال في قول المصنف (ره): ولعل وجه الاشكال، فان وجهه ظاهر مما ذكره وهو أجنبي عما ذكره المصنف وان كان هو أيضا وجها للاشكال بل أوجه مما في (جامع المقاصد) (قوله: والاول غير متصور هنا) كان المناسب أن يقال: وكلاهما غير متصور هنا بل المتصور ثبوت الرهن على وجه الجواز أو اللزوم والاول ينافي الوثوق المقوم لمفهوم الرهن، والثاني خلاف الاجماع على اعتبار اللفظ في اللزوم (قوله: ولم يقم هنا اجماع) هذا هو العمدة لما عرفت من أن الاصل اللزوم والخروج عنه يحتاج الى دليل ومما يوضح انتفاء الاجماه في الرهن ثبوت القول بجريان المعاطاة فيه مع عدم احتمال كون المراد جريانها فيه على وجه الجواز لما عرفت وكذا الكلام في الوقف المبني على الدوام والتأبيد ولا سيما بملاحظة السيرة المستمرة على جريان المعاطاة على وجه اللزوم في جملة من موارده، كالمساجد، والمشاهد، ومنازل المسافرين، وما يتعلق بها من فرش ونحوها وغير ذلك، والمتحصل أنه بعدما كان مقتضى الاصل الصحة واللزوم وأن الخروج عنه انما كان بالاجماع يجب الاقتصار فيه على القدر الميتقن، ولما لم يثبت الاجماع على البطلان في الموردين المذكورين تعين القول بالصحة فيها على وجه اللزوم للاصل الذي لم يثبت ما يوجب الخروج عنه (قوله: نعم يظهر الاكتفاء) قال في الذكرى: قال لاشيخ في المبسوط: إذا بنى مسجدا خارج داره في ملكه فان نوى به أن يكون مسجدا يصلي فيه كل من اراده زال ملكه عنه وان لم ينو ذلك فملكه باق عليه سواء صلي أو لم يصل، وظاهره الاكتفاء بالنية، و أولى منه إذا

[ 77 ]

صلى فيه وليس في كلامه دلالة على التلفظ ولعله الاقرب. انتهى (قوله: هو الملزم في باب البيع) يعني هو الملزم في المعاطاة التي تكون في البيع لاطراد وجه اللزوم في المعاطاة في البيع وغيره على نحو واحد (قوله: لما عرفت من الوجوه الثمانية) الوجوه المذكورة عدا الاستصحاب عمومات ولاجل أنها في المقام مخصصة بما دل على جواز المعاطاة وعدم لزومها كما هو المفروض يكون المورد من صغريات مسألة ما إذا خصص العام في زمان وشك في تخصيصه أيضا في الزمان الثاني وأن المرجع عموم العام أو استصحاب حكم المخصص، ومختار المصنف (ره) اختصاص الرجوع الى العام بما إذا كان له عموم أزماني بحيث يكون مكثرا لافراد العام وإلا فالمرجع استصحاب حكم المخصص وقد اختار في مبحث خيار الغبن كون عمومات اللزوم من قبيل الثاني وأنه لو شك في كون الخيار فوريا أو مستمرا فليست هي المرجع، وأما الاستصحاب فهو محكوم لاستصحاب الجواز لانه اصل سببي سواء أكان الجواز حكما فعليا أم تعليقيا، نعم بناء على التحقيق من أن الاستصحاب التنجيزي في مورد الاستصحاب التعليقي معارض به لا محكوم له وأن الجواز في المقام راجع الى حكم تعليقي وهو الانفساخ على تقدير الفسخ يتعارض الاصلان فلا أصل يقتضي اللزوم ولا الجوار، هذا والتحقيق أن دلالة العام على ثبوت الحكم في الزمان الثاني إن كان بعناية ثبوته في الزمان الاول بحيث كان مفاد العام ثبوت الحكم لكل فرد في كل زمان بعنوان الاستمرار والدوام فإذا خصص العام في زمان بنحو ينتقض الاستمرار وينفصم لا مجال للرجوع إلى العام بعد ذلك الزمان وإن كانت دلالة العام على ثبوت الحكم في الزمان الثاني ليست بتلك العناية فلا مانع من الرجوع إلى العام في الزمان الثاني، ومن ذلك يظهر أنه لو كان التخصيص من أول الامر لا مانع من الرجوع الى العام وإن كان مفاده على النحو الاول لان التخصيص المذكور لا يوجب انفصام الاستمرار ولا انتقاضه وانما يختلف المفادان عملا لو كان التخصيص في الاثناء وقد تعرضنا لذلك في " حاشية الكفاية " وعلى هذا لا مانع من الرجوع الى عمومات اللزوم في المقام، لكون الظاهر أن مفادها على النحو الثاني فلاحظ (قوله:

[ 78 ]

لقاعدة تسلط الناس على أموالهم) بناء على ما هو الظاهر من أن مورد كلام المصنف (ره) صورة قصد المتعاطيين التمليك فالاباحة شرعية لا مالكية، وعليه تارة يشك في أنها لازمة أو جائزة بمعنى أن للمالك رفعها، وأخرى يعلم بانها جائزة ولكن يشك في لزومها بعد جوازها بحيث يكون الشك في بقاء جوازها وارتفاعها، فعلى الاول يكون مقتضى عموم السلطنة أنها جائزة، نعم يجري الاشكال المتقدم في التمسك بالعموم المذكور لانه مخصص بما دل على الاباحة فالرجوع إليه في الزمان اللاحق بعد خصيصه في الزمان السابق مبني على ما سبق. وعلى مختار المصنف (ره) لا يجوز الرجوع الى العموم، بل المرجع ينبغي أن يكون استصحاب حكم المخصص، وعلى الثاني كما هو محل الكلام هنا يكون مقتضى العموم المذكور أيضا هو الجواز، إذ لا فرق بين الزمانين " نعم " الذي يظهر من كلمات جماعة كما تأتي الاشارة إليه في التنبيه السابع أن لزوم المعاطاة على القول بالاباحة راجع الى انعقاد مضمونها وتحقق المبادلة بين العينين لا لزوم نفس الاباحة والمنع عن ارتفاعها مع بقاء كل من العينين على ملك مالكها فالشك في لزوم المعاطاة على هذا القول مساوق للشك في ترتب الاثر المقصود عليه ونفوذها، ولاجل أن مقتضى عمومات الصحة والنفوذ ذلك وأنها خصصت بما دل على مجرد الاباحة في خصوص الزمان الاول وهو ما قبل طرؤ محتمل الملزمية يكون المقام أيضا من صغريات مسألة العام المخصص في زمان وقد شك في تخصيصه في زمان آخر، واذ عرفت أن التحقيق وجوب الرجوع الى العام؟ لا استصحاب حكم الخاص يتعين في المقام البناء على اللزوم بهذا المعنى، وعليه فلا فرق بين القول بالملك والقول بالاباحة في أنه مع الشك في ملزمية شئ يبنى على ملزميته، نعم لو كان الشك في لزوم الاباحة مع العلم ببقاء العين على ملك مالكها كما يقتضيه الجمود على ظاهر عبارة الاكثر فلا ينبغي التأمل في أن مقتضى عموم السلطنة الجواز وعدم اللزوم، لكن الظاهر أن مرادهم ما هو مصرح به في كلام الجماعة من ارادة المعاوضة لا أقل من الشك الموجب للرجوع الى عموم الصحة (قوله: وأصالة سلطنة المالك) هذا غير ظاهر لان مادل على

[ 79 ]

الاباحة الشرعية ناقض لتلك السلطنة فلا مجال لاستصحاب بقائها، نعم يحسن الرجوع الى استصحاب بقاء السلطنة الثابتة حال العلم بالجواز لكن يغني عنه العموم المتقدم بل لا يحسن الجمع بينهما كما لا يخفى (قوله: وهي حاكمة على) لانها أصل سببي واستصحاب الاباحة أصل مسببي (قوله: لو سلم جريانها) كانه لاحتمال كون الشك في موردها من قبيل الشك في المتقضي (قوله: على الظاهر المصرح به في) قال في الحدائق: لا اشكال ولا خلاف عندهم في أنه لو تلفت العينان في بيع المعاطاة فانه يصير لازما، وقال في مفتاح الكرامة: لا اشكال ولا خلاف عندهم في انه لو تلفت العين من الجانبين صار لازما (انتهى) وفي الجواهر عن شرح استاده لاريب ولا خلاف في أن المعاطاة تنتهي الى اللزوم وان التلف الحقيقي أو الشرعي بالنقل بالوجه اللازم للعوضين معا باعث على اللزوم (قوله: فواضح لان تلفه) حاصله: أن الرجوع على هذا القول ان كان بالعين فهو ممتنع لانها تالفة وان كان ببدلها فهو يتوقف على ضمانها ولاجل انه لا دليل عليه إذلا منشأ لتوهمه الا عموم على اليد - وسيجئ الاشكال عليه - يكون المرجع اصل البراءة " هذا " وقد عرفت الاشارة الى أن لزوم المعاطاة عندهم بالتلف بناء على الاباحة راجع الى صيرورتها معاوضة بين العينين ولاجل أن التالف لا يقبل المعاوضة عليه لا بد من حمل كلامهم على ارادة كون ما بعد التلف ظرفا للحكم بكونها معاوضة قبل التلف فيكون التالف من مال من تلف ببده وانتقل إليه لا من مال مالكه الذي انتقل عنه كما ذكر المصنف (ره) وقد عرفت ان هذا المعنى من اللزوم لا يحتاج الى تكلف اثباته بما ذكر بل يكفي فيه العمومات المقتضية لصحة المعاطاة من اول الامر المقتصر في الخروج عنها على القول بالاباحة على ما قبل التلف بالاجماع على الاباحة ويرجع إليها بعد التلف ولعل غرض المصنف (ره) من هذا الاستدلال بيان ان اللزوم لا يتوقف اثباته على ما ذكرناه بل يمكن ان يثبت من طريق آخر (قوله: فلما عرفت من اصالة اللزوم) يعني ان كلا من العينين وان كان مضمونا بضمان المعاوضة ولذا لو تقابلا؟ رجع كل منهما على الاخر بالبدل لكن المانع من الرجوع اصالة اللزوم المتقدمة

[ 80 ]

(قوله: حتى يستصحب) قد عرفت ان التحقيق تعين الرجوع الى عمومات اللزوم كما ذكر (قده) في تأسيس الاصل لا الى الاستصحاب وان اجتمعت اركانه ولعل غرضه بيان عدم اجتماع اركان الاستصحاب وان كان لا يجري لو اجتمعت اركانه لحكومة العمومات عليه (قوله: من عوارض العقد لا العوضين) فان الجواز في العقد الخياري بمعنى الانحلال بالفسخ وهو قائم بالعقد والجواز هنا بمعنى التملك بالاخذ والرجوع لا بعنوان الفسخ فهو قائم بالعوضين، وفيه ان الجواز بهذا المعنى لا يكون مخالفا لاصالة اللزوم المستفاد من ادلته المتقدمة وانما الذي ينافيه الجواز القائم بالعقد فلا وجه للتمسك في نفيه باصالة اللزوم، نعم الجواز بالمعنى المذكور ينافي قاعدة السلطنة لان تملك مال الغير بغير اذنه على خلاف سلطنته عليه وايضا فان حمل الجواز على هذا المعنى خلاف المقطوع به في كلماتهم إذ لا ينبغي التأمل في أن مرادهم من الجواز ما يقابل اللزوم ومن الرجوع الرجوع الاعتباري الانشائي يعني الفسخ بل لا يعرف القول بالجواز بالمعنى الذي ذكره (قده) لاحد منا لا هنا ولا في الهبة وانما نسب الى بعض الشافعية في الهبة ولكنه مما لا تساعد عليه ادلته فيها وان احتمله في الجواهر (قوله: فلا مانع من بقائه) لما عرفت من جواز التقايل؟ ولو بعد التلف الدال على قيام العقد حينئذ بالبدل فيكون الفسخ موجبا للرجوع بالبدل ايضا (قوله: لا مطلق الرجوع) يعني لا مطلق الرجوع بالعين ولو مع تلف الاخرى كما في الهبة فان موضوع الرجوع فيها نفس العين الموهوبة إذ لا عين اخرى معها كي يتوهم قيامه بهما معا، ومن ذلك يظهر الفرق بينه وبين التراد في المقام فان موضوعه لما كان مجموع العينين امتنع بتلف إحداهما ولا كذلك لو كان الجواز بمعنى الرجوع في العين لامكان تحققه بالاضافة الى العين الموجودة ولو مع تلف الاخرى (قوله: في مقابلة اصالة) قد عرفت أن الجواز بالمعنى الذي ذكره (قده) لا يقابل اصالة اللزوم بل يقابل اصالة السلطنة، وعلى لو شك في أن الجواز في المقام هل هو بالمعنى الاول أو بالمعنى الثاني لا طريق الى تعيينه إذ يلزم من حمله على كل من المعنيين تخصيص احد

[ 81 ]

العامين ولا مرجح فيسقط العامان للعلم الاجمالي بمخالفة أحدهما للواقع ويكون المرجع اصالة عدم ترتب الاثر على كل من الفسخ والتملك بالاخذ لو وقع منفردا ولو وقعا معا علم حينئذ برتب الاثر، كما انه لو انحصر مستند اللزوم بالاستصحاب فعموم اللزوم يدل بالالتزام على بطلان الاستصحاب فيبنى على كون الجواز بالمعنى الاول، لكن عرفت أنه لا ينبغي التأمل في ان الجواز الذي قام عليه الاجماع هو بالمعنى الاول كما عرفت أنه مع الشك في بقائه وارتفاعه يكون المرجع عمومات اللزوم ولا حاجة في اثبات هذا اللزوم الى ما ارتكبه المصنف (ره) (قوله: ومنه يعلم حكم ما) يعنى يبنى على اللزوم لما عرفت من انه لا معنى لجواز التراد حينئذ لكن عرفت ما ينبغي أن يقال (قوله: تبعا للمسالك) قال فيها: لو تلفت إحداهما خاصة فقد صرح جماعة بالاكتفاء به في تحقق ملك الاخرى نظرا الى ما قدمناه من جعل الباقي عوضا عن التالف لتراضيهما على ذلك، ويحتمل هنا العدم التفاتا الى اصالة بقاء الملك لمالكه وعموم: الناس مسلطون على اموالهم، والاول أقوى فان... الخ وهذا كما ترى صريح في اختيار اللزوم بتلف احدى العينين ولذا قال في الجواهر: لم أجد مخالفا في لزومها ودخول الباقي في ملك من في يده بتلف احداهما نعم احتمل في المسالك العدم نظرا الى اصالة بقاء الملك لمالكه وعموم: تسلط الناس على اموالهم، ثم حكم بان اللزوم اقوى. انتهى، فلا يظهر الوجه في نسبة عدم اللزوم الى المسالك الا أن يكون مقصوده المتابعة في الاستدلال لافي القول (قوله: لاصالة بقاء سلطنة) مقتضى ما ذكره سابقا من الاستدلال على عدم اللزوم على تقدير القول بالاباحة بقاعدة تسلط الناس على أموالهم الاستدلال بها هنا كما صنع في المسالك. نعم يتوقف ذلك على اثبات الملك باصالة بقائه كما ذكر في المسالك ايضا ولا حاجة في الرجوع الى اصالة بقاء السلطنة الثابتة للمالك على الرجوع قبل التلف (قوله: وفيه انها معارضة) هذه المعارضة غير ظاهرة لامكان العمل بالاصلين معا فيبنى على جواز رجوع مالك العين الموجودة بها وبراءة ذمته عن المثل والقيمة بحيث لا يجوز لمالك العين التالفة الرجوع عليه ببدلها إلا أن يكون اجماع على الملازمة بين

[ 82 ]

الحكمين. هذا ولو بنى على التمسك بعموم السلطنة كما صنع في المسالك فلا معارضة لحكومة العموم المذكور على اصالة البراءة من الضمان. نعم تقع المعارضة بين اصالة بقاء الملك لمالكه وبين الاصل المذكور، والعموم لما لم يحرز موضوعه إلا بالاصل كانت المعارضة في الحقيقة بين الاصلين لاغير (قوله: قبل تلف العين لم تكن) ان كان المراد من عدم كونها يد ضمان حينئذ انها ليست عادية فالضمان قد لا يكون مع العدوان وان كان المراد منه انها لا تستوجب الرجوع الى المثل أو القيمة بعد التلف فهذا معنى كونها ليست يد ضمان بعد التلف فلا يحسن جعله في قباله (قوله: ولا بعده إذا) يعني لا يجوز لصاحب العين التالفة المطالبة بالبدل في ظرف عدم رجوع صاحب العين الموجودة لعدم اشتغال ذمته به ووجهه الاجماع على ما ذكره المصنف في رد بعض الاساطين كما تقدم (قوله: من مقتضى اليد) اذلو كان من مقتضاها لترتب في الصورة السابقة بل هو من مقتضى الرجوع. اللهم الا ان يقال انه من مقتضى اليد لكن بشرط الرجوع جمعا بين عموم على اليد والاجماع المتقدم (قوله: حاكمة على اصالة عدم) هذه الحكومة غير ظاهرة لانها موقوفة على كون الضمان المذكور من آثار السلطنة شرعا وهو غير ظاهر بل لو قلنا بان الرجوع في المقام بمعنى الفسخ كان الاصل النافي للضمان حاكما على اصالة بقاء السلطنة لامتناع الفسخ في ظرف عدم الضمان إذ لا مجال لاعتباره حينئذ ومن آثار انتفاء الشرط انتفاء المشروط (قوله: فلا اصل) يعني لا تجري اصالة عدم الضمان بالمسمى ولا اصالة عدم الضمان بالمثل والقيمة للمعارضة بينهما فلا معارض لاصالة بقاء السلطنة على الرجوع، ويشكل بان الرجوع المقصود اثباته بالاصل المذكور ان كان المراد منه مجرد الرجوع بالعين الموجودة بلا دفع بدل فهو خلاف الاجماع كما عرفت، وان كان المراد منه الرجوع مع دفع البدل فلا دليل على ملك هذا البدل، ومجرد عدم جريان الاصل النافي لذلك البدل لا يكفي في استحقاقه كما لا يكفى فيه مجرد ثبوت السلطنة على العين الموجودة، وعلى هذا فالرجوع بالعين الموجودة مع استحقاق بدل العين التالفة لادليل عليه، وان كان الجزء الاول مما اقتضاه الاصل لكن ما

[ 83 ]

لم يثبت الجزء الثاني لا يجوز البناء عليه - مضافا الى أن اصالة عدم الضمان بالمسمى راجعة الى اصالة بقاء الملك فإذا سقطت بالمعارضة مع اصالة عدم الضمان بالبدل بقيت اصالة بقاء السلطنة بلا موضوع فتأمل جيدا (قوله: أو القيمة فتدبر) اشارة الى ما عرفت من أن العموم المذكور ما لم يحرز موضوعه لا يجوز التمسك به، وموضوعه وهو ملكية العين الموجودة مشكوك، واصالة بقاء الملكية معارض بما تقدم من اصالة عدم الضمان بالمثل أو القيمة - مع أن دلالة العموم المذكور على جواز اخذ بدل التالف موقوفة على ثبوت ملك البدل حتى يدخل في موضوع العام ومجرد ملك التالف لا يجدي الا في اثبات جواز أخذه قبل التلف، وأما أخذ بدله فيتوقف عل ثبوت الضمان كما لعله ظاهر. هذا والتحقيق أن يقال في صورة تلف إحدى العينين أما بناء على الملك فاللازم القول باللزوم لما عرفت من عمومات اللزوم التي يجب الاقتصار في الخروج عنها على القدر المتيقن من الاجماع على الجواز وهو صورة وجود العينين معا، وفى غيرها يكون المرجع العموم لا الاستصحاب وأما بناء على الاباحة فيجوز رجوع مالك العين الموجودة بها لما تقدم في تأسيس الاصل من قاعدة: تسلط الناس على اموالهم، كما يجوز لمالك العين التالفة الرجوع ببدلها لقاعدة ضمان اليد ومجرد الاباحة الشرعية لا يقتضي نفي الضمان لعدم التنافى بينهما بل الاباحة المالكية - لو قيل بها في المقام - لا تنافيه، وانما المنافي له الاباحة شرعية أو مالكية بقصد المجانية ولكن لا دليل عليه فعموم الضمان باليد محكم. نعم لو تم الاجماع على عدم جواز رجوع مالك العين التالفة مع عدم رجوع مالك العين الموجودة تعين الخروج عن القاعدة حينئذ فإذا رجع مالك العين الموجودة بها جاز لمالك العين التالفة الرجوع ببدلها عملا بالقاعدة المقتصر في الخروج عنها على القدر المتيقن هذا كله إذا لم يحتمل الملك بعد التلف، أما مع احتماله - كما هو المصرح به في كلام جماعة - تعين البناء عليه لعموم الصحة فان مقتضاه الملك من حين المعاطاة فإذا وجب الخروج عنه بالاجماع على الاباحة اقتصر في ذلك على القدر المتيقن وهو ما قبل زمان التلف، وعند التلف يرجع الى العموم القتضى للحكم

[ 84 ]

حينئذ بالملك من أول الامر كما يتعين القول باللزوم حينئذ لادلة اللزوم من دون معارض (قوله: لان الساقط لا يعود) لو قيل بان الساقط يمكن ان يعود لم يجد ذلك في جواز الرجوع لانه يتوقف على وجود السبب الموجب للعود وهو مفقود و (دعوى) أنه مضمون بضمان المعاوضة نظير ضمان الراهن للعين المرهونة ولذا لو تقابلا جاز ورجع الدين الى ملك مالكه (مدفوعة) بان ذلك يقتضي عدم سقوط الدين وبقاءه في ذمة المديون مضمونا عليه، لكن حينئذ يصح أن يقال: القدر المتيقن في الخروج عن اصالة اللزوم غير الفرض وفيه يرجع إليها لا غير (قوله: والظاهر أن الحكم كذلك) فان الاباحة وان لم تستوجب السقوط إلا ان الظاهر ان مراد القائلين بها اباحة التصرفات الخارجية والاعتبارية وهذا المعنى من الاباحة لا يتعلق بما في الذمة فيتعين القول باللمك فيجري ما تقدم (قوله: لامتناع التراد) يعنى فيجئ فيه ما تقدم في التلف بعينه (قوله: إذا قلنا باباحة) يعنى فإذا نفذ التصرف امتنع التراد فيجئ ما تقدم (قوله: لامكانه فيستصحب) قد يشكل بان التراد لما كان متعذرا قبل الفسخ كان جوازه ساقطا فبعد الفسخ يستصحب سقوطه لاثبوته، الا ان يكون المراد استصحاب جواز التراد على تقدير امكانه بنحو الاستصحاب التعليقي وبعد الفسخ لما امكن التراد يكون الجواز فعليا (قوله: بقول مطلق) يعني ولو بعد خروج العين عن ملك من انتقلت إليه، لكن إذا ثبت ذلك لزم العمل بدليله لا بالاستصحاب - مع ان الاستصحاب لا يعارض عمومات اللزوم كما عرفت ولا سيما وان الاستصحاب التعليقي غير ثابت الحجية (قوله: غير ذلك) يعني التراد قبل خروج العين، (قوله: فالموضوع غير محرز) هذا الكلام تقدم نظيره في صدر المسألة ولو تم اقتضى المنع من جريان الاستصحاب كلية إذ الشك في الحكم ينشأ من الشك في دخل الحالة السابقة المتغيرة الى حالة اخرى فحينئذ يقال: إن قام الدليل على عموم الحكم للحال الاخرى عمل به لا بالاستصحاب والا امتنع الاستصحاب لعدم احراز موضوعه لاحتمال دخل الخصوصية الفائتة فيه، ويندفع بان الموضوع المعتبر

[ 85 ]

احرازه في صحة الاستصحاب هو الموضوع العرفي لا الشرعي، واحتمال دخل الحالة الفائتة انما يوجب عدم احراز الموضوع الشرعي لا العرفي مثلا الماء المتغير بالنجاسة نجس فإذا زال تغيره بنفسه وشك في بقاء النجاسة للشك في دخل التغير فيها وعدمه جرى استصحاب النجاسة لان الموضوع العرفي للنجاسة هو الماء نفسه وهو باق وان كان الموضوع الشرعي غير محرز وكأن مبنى هذا الاشكال ان المرجع في تعيين موضوع الاستصحاب الدليل لا العرف ومع اجمال الدليل لا يحرز موضوعه لكن المصنف (قده) قد حقق في رسالته أن المرجع العرف لا الدليل وان كان كثير من كلماته في هذا الكتاب وفى الرسائل وغيرهما يوافق المقام فلا حظ. (قوله: يكشف عن سبق) يعني إذا كان التصرف موقوفا على الملك كما سيشير الى ذلك أما في غيره فلا وجه لكشفه عن الملك إلا إذا قلنا به في التلف لانه نظيره (قوله: فلا دليل على زواله) يعني يكون المرجع حينئذ اصالة اللزوم (قوله: المقطوع بانتفائها) يعنى لانتفاء موضوعها لصيرورة العين ملكا للمباح له ثم للمنقول إليه ومقتضى اصالة اللزوم لزومه لعدم المعارض (قوله: هو العقد الناقل) لا يظهر فرق بين كون الكاشف هو التصرف الناقل كما هو مبنى الاستدلال وبين كونه العقد الناقل كما هو مبنى الاستدراك المذكور إذ الفسخ انما يكون للمفسوخ من حين الفسخ لا من أصله فالحدوث لا يرتفع وانما المرتفع البقاء والكاشف هو الحدوث لا غير فكأنه يريد من الاستدراك ان يكون الفسخ واردا على العقد من أصله على نحو يكون ارتفاعه موجبا لارتفاع المنكشف وهو الملكية (قوله: عاد الملك الى الاول) لكن العود لا يجدي في جواز الرجوع الابناء على التمسك بقاعدة السلطنة أما بناء على ما ذكره من التمسك باصالة بقاء السلطنة فلا يجدي لارتفاع السلطنة بارتفاع موضوعها فالمرجع استصحاب عدمها إلا أن يكون بنحو الاستصحاب التعليقي الذي تقدم الاشكال فيه (قوله: لم يكن لمالك العين) لان جواز التراد من الاحكام المجعولة لكل منهما فمع ثبوت موضوعه يثبت ومع ارتفاعه يرتفع ولا دليل على ثبوت جواز إلزام المتصرف بالرجوع أو رجوعه بنفسه. نعم

[ 86 ]

لو كان من الحقوق أمكن ذلك بل أمكن منعه من أصل التصرف على اختلاف كيفية جعله (قوله: كاشف عن سبق) يعني فلا معنى للسلطنة على الغير أو ماله، (قوله: اتجه الحكم بجواز) بل هو غير ظاهر لاختصاص الرجوع في الهبة بالواهب عن نفسه وهو هنا المتصرف - مع انه لازمه عدم جواز رجوع الواهب. هذا مضافا الى ما عرفت من أن اللزوم على القول بالاباحة مساوق للملك عند التصرف فإذا شك فيه كان مقتضى عموم الصحة واللزوم اللزوم وارتفاع الجواز (قوله: نفذ بغير اشكال) لقاعدة السلطنة وكأن وجه الاشكال في اجازة المالك الاول هو وجه الاشكال في صحة التصرفات الموقوفة على الملك إذا صدرت من غير المالك، ومن ذلك يظهر انعكاس الحكم اشكالا ووضوحا على القول بالاباحة فان اجازة المبيح اجازة من المالك واجازة المباح له اجازة من غير المالك مع توقفها على الملك (قوله: ولكل منهما رده) لان من له الاجازة له الرد فيكون رده رجوعا في المعاطاة فترجع العين إليه وحينئذ لا تصح اجازة الاخر لانها من غير المالك (قوله: لغى الرجوع) لانه رجوع بعد التصرف الملزم (قوله: لانه رجوع) هذا خلاف فرض الكشف. نعم لو كان المراد من الكشف غير الحقيقي كان الاحتمال متعينا ولغت الاجازة لانها من غير المالك (قوله: لامتناع التراد) لان المأخوذ بالمعاطاة كان معينا وبالامتزاج صار مشاعا فلا يمكن رد العين (قوله: وهو ضعيف) لما عرفت (فان قلت): المشاع عين المعين كما يقتضيه مقايسة باب الشركة بباب القسمة حيث انها على العكس من القسمة فان في الشركة يصير المعين مشاعا وفى القسمة بالعكس فيكون المشاع معينا، ولذا ذكروا في تعريف القسمة انها تمييز الحقوق فالفرق بين المعين والمشاع نظير الفرق بين الفرد والكلي (قلت): لو سلم ذلك لا ينافي المغايرة في الجملة الموجبة للشك في جواز التراد الموجب للرجوع الى اصالة اللزوم. نعم على القول بالاباحة لما كان الاصل يقتضي بقاء الجواز كما ذكر المصنف في صدر التنبيه تعين البناء على جواز الرجوع وصيرورة المالك شريكا. هذا ولاجل ما عرفت من أن التحقيق ان الاصل على القول بالاباحة اللزوم ايضا فلا فرق بين القولين (قوله:

[ 87 ]

ملحقا له بالاتلاف) كما إذا كان مزجا بغير الجنس ولم يوجب زيادة في المالية كما إذا خلط مقدارا من ماء الورد بالزيت - على ما مثل له المصنف في خيار الغبن - فانه يعد تالفا ويكون المازج ضامنا للمثل إذا كان غير مالك (قوله: فلا لزوم على القول) علتله؟ في المسالك باصالة بقاء الملك وحكى عن بعض الاصحاب الجزم باللزوم وعلتله بامتناع التراد ثم قال (ره): وعندي فيه اشكال. انتهى، أقول: ينبغي ابتناء اللزوم عدمه على ما عرفت من الاصل فعلى ما ذكره المصنف لا لزوم وعلى التحقيق يبنى على اللزوم (قوله: عرفي أو حقيقي) لاريب في أنه عرفى لا حقيقي ولذا لو كانت الحنطة أو الثوب نجسين ثم طحنت الحنطة وفصل الثوب جرى استصحاب النجاسة ولا مجال للرجوع الى اصالة الطهارة، لكن وجه للعمل بالاستصحاب في المقام بعد ما عرفت من أن الرجوع عند الشك في بقاء الجواز وارتفاعه الى اصالة اللزوم (قوله: نظير الفسخ في العقود) يعني جواز الفسخ في العقود اللازمة من الحقوق ولذا يورث ويسقط بالاسقاط والجواز هنا ليس كذلك بل هو من الاحكام فلا يسقط بالاسقاط ولا يورث على ما عرفت فيما سبق من المائز بين الحق والحكم لعدم الدليل على ذلك والاصل يقتضي العدم لاصالة عدم ارثه وعدم سقوطه بالاسقاط (قوله: نظير الرجوع في الهبة) فانه من الاحكام كما يقتضيه الاصل (قوله: نظير الرجوع في) ظاهره ان الاباحة على تقدير القول بها مالكية وقد عرفت اشكاله لعدم انشاء المالك لها، بل الظاهر أنها شرعية مستندها الاجماع فلا مانع من البناء على ثبوتها مع كراهة المالك الباطنة لولا أنهاخلاف الاصل فيقتصر فيها على القدر المتيقن وهو غير حال الكراهة (ولا يجري الاستصحاب) إذ لايقين بالحدوث بالاضافة الى الوارث وانما كان الحدوث بالاضافة الى الميت فالمرجع بالاضافة الى الوارث اصالة اللزوم، بل عرفت انها المرجع ولو مع امكان الاستصحاب واجتماع اركانه هذا ويظهر من المصنف (ره) انه على القول بالاباحة يجوز للوارث الرجوع لكن عرفت انه مع احتمال حدوث الملكية عند الموت يرجع الى عمومات الصحة واللزوم المقتضية لذلك ولا اجماع في المقام على خلافها فلا فرق بين القولين

[ 88 ]

من هذه الجهة (قوله: فالظاهر قيام وليه مقامه) هذا يتوقف على جواز الرجوع للمجنون ليقوم وليه مقامه لكن لادليل عليه فالمرجع - بناء على الملك - اصالة اللزوم على ما تقدم منه (ره) في تأسيس الاصل. نعم بناء على الاباحة وعلى ان المرجع عند الشك عموم السلطنة المتقضي للجواز على ما تقدم منه يجوز للولي الرجوع لكن عرفت أن مقتضى عموم الصحة ثبوت الملكية حينئذ كما ان مقتضى اصالة اللزوم اللزوم. فلاحظ. التنبيه السابع (قوله: ذكر في المسالك وجهين) قال في المسالك: الثامن على تقدير لزومها باحد الوجوه المذكورة فهل تصير بيعا أو معاوضة برأسها يحتمل الاول.. الخ (قوله: بيعا بعد التلف أو) ظاهره كون نفس البيع أو المعاوضة واقعا بعد التلف فيكون التالف أحد العوضين لكن عرفت آنفا أن التالف لا يقبل العوضية مع ان الالتزام بذلك بلا ملزم فلا يبعد ان يكون المراد انه بعد التلف يحكم بكونها بيعا قبل التلف فيكون التالف تالفا من ملك من تلف في يده فيكون التلف شرطا للحكم بالبيع قبله لا انه شرط لنفس البيع. بل مقتضى العموم الحكم بتحقق البيع من اول الامر فالتلف نظير الاجازة على الكشف المشهوري لا كالاجازة على النقل، (قوله: لان المعاوضات) ان كان المعيار في تعيين كونها بيعا أو معاوضة برأسها قصد المتعاطيين تعين كونها بيعا وان كانت المعاوضات غير محصورة، وان كان جعل الشارع فلا بد من ملاحظة دليلها ليتعين ما هو المستفاد منه فإذا دل على كونها معاوضة مستقلة تعين العمل به، وحصر المعاوضات - لو تم - فانما هو لعدم الدليل على غيرها ومجرد ذلك لا يوجب رفع اليد عن الدليل إذا دل على ثبوت غيرها - مع ان دعوى ان مفاده غير المعاوضات المحصورة غير ظاهر، ومن ذلك تعرف الاشكال في قوله: وكونها معاوضة... الخ مع أن كونها بيعا ايضا يحتاج

[ 89 ]

الى دليل (قوله: فكيف تكون بيعا) قد عرفت في التنبيه السادس الوجه في كونها بيعا بعد التلف وانه مقتضى عموم صحة البيع ونفوذه المقتصر في الخروج عنه على المتيقن وهو ما قبل التلف (قوله: لو كان التالف الثمن) اما لو كان التالف الحيوان انفسخت المعاملة بناء على ثبوت الخيار من حين المعاطاة لان التلف في زمان الخيار ممن لاخيار له وكذا بناء على ثبوته من حين التلف لان موضوع المعاوضة حينئذ ان كان هو البدل - اعني القيمة - فليست بحيوان وان كان نفس الحيوان التالف فلا دليل على ثبوت الخيار في مثله لاختصاص الدليل بغيره (قوله: وعلى تقدير ثبوته) يعني بأن يختار كونها بيعا (قوله: والثاني بان التصرف) كان المناسب ان يقول: ويشكل الثاني بأن التصرف لا يكون بيعا (قوله: والتلف تمامه) قد عرفت ان مقتضى الجمع بين الادلة كون التلف شرطا للحكم بتحقق البيع من اول الامر (قوله: بناء على انها) لم يتضح هذا الابتناء مع انه خلاف اطلاق ادلة الخيار المذكور وسيجئ انشاء الله تعالى امكان اجتماع الخيارين المحققين فضلا عن غيرهما. نعم دليله يختص بالبيع فثبوته في المقام يتوقف على كون المعاطاة بيعا وكذا خيار المجلس والفرق بينهما غير ظاهر (قوله: على التقديرين) لعموم دليلهما لهما معا كما سيأتي انشاء الله تعالى في محله (قوله: وقد تقدم ان الجواز) يعني فلا يثبت فيه الخيار المذكور لكون الجواز فيه حكميا لاحقيا من قبيل الخيار (قوله: يترتب عليه احكامه) على ما عرفت (قوله: وكونها معاوضة قبل) يعني ان قوله: جائزة أو لازمة، ليس للترديد لانه لا اشكال عنده في جوازها قبل الملزمات وفى لزومها بعدها بل هو للتقسيم بلحاظ الزمان يعني جائزة قبل الملزمات ولازمة بعدها، والمراد بكونها معاوضة جائزة قبل الملزمات ان فيها تعاوضا في الاباحة لكن على هذا إذا صارت لازمة بالملزمات تكون معاوضة في الاباحة لازمة لا انها توجب حدوث الملك عند تحقق احد الملزمات. اللهم إلا أن يكون مقصوده انها تكون معاوضة بين العينين فتوجب الملك كما يظهر منهم التسالم عليه، ولو لم يتم ذلك في كلامه أشكل الحال ايضا في كلام غيره ممن قال

[ 90 ]

بالاباحة فانهم عبروا ايضا باللزوم بالتلف غيره من الملزمات والجمود على التعبير المذكور ايضا يقتضي كون المراد لزوم الاباحة لا حدوث الملك، ولعله الى هذا اشار بقوله: فافهم. التبيه الثامن (قوله: اما إذا حصل بالقول) المناسب لما يأتي ابدال شرائط اللزوم بشرائط الصحة بل العقد الفاقد لشرائط اللزوم فقط مما لا كلام في انه يترتب عليه أثر العقد الجائز دون أحكام المعاطاة كما أن المناسب لما يحكيه من عبارة الروضة التعميم للقول غير الجامع للشرائط وغيره من الافعال غير القبض كالاشارة والكتابة وغيرهما بل كذلك عبارة صيغ العقود الاتية لاطلاقها (قوله: وفي الروضة في مقام) هذه العبارة مختصة ببعض صور المسألة (قوله: وربما يجمع بين) الجامع السيد (ره) في مفتاح الكرامة ذكره في مبحث المقبوض بالعقد الفاسد ومحصل الجمع ان ما ذكروه في حكم المقبوض بالعقد الفاسد مختص بصورة تقييد الاذن بالتصرف بصحة المعاملة فلا رضى الا على تقدير الصحة، وما ذكروه من اجراء حكم المعاطاة مختص بصورة تحقق الاذن بالتصرف على كل من تقديري صحة المعاملة وفسادها إما لكون انشاء الاذن الحاصل مقارنا لانشاء التمليك كان على نحو تعدد المطلوب أو لحدوث الرضى بالتصرف بعد علمهما بالفساد فيكون جواز التصرف مستندا الى الرضى الحادث المستمر الى حين القبض والتصرف (قوله: المفروض ان الصيغة) حاصله ان الاذن بالتصرف انما انشئت في ضمن انشاء التمليك فإذا فرض فساد العقد وانتفاء التمليك تعين البناء على انتفاء الاذن لانتفاء المقيد بانتفاء قيده، ويشكل بعد ظهور الفرق بين ما نحن فيه وبين موارد تعدد المطلوب في الانشائيات مثل باب تبعض الصفقة، وباب خيار تخلف الوصف، وخيار الرؤية، وخيار العيب، وغيرها مع بناء المصنف (ره) وغيره

[ 91 ]

على صحة العقد في الموارد المذكورة ولا يتم ذلك الا بالبناء على تعدد المطلوب في الانشائيات فالعمدة إذا في الاشكال على الجمع المذكور انه لا وجه لدعوى انشاء الاذن بالتصرف في ضمن انشاء التمليك إذ في ظرف التمليك لا معنى للاذن في التصرف فان تصرف المالك في ملكه لا يتوقف على اذن غيره فيه. نعم يمكن انشاء الاذن بالتصرف على تقدير عدم تحقق الملك لكنه - لو تم - لم يرتبط بالجمع المذكور ولا يمكن حمل كلام المحقق والشهيد الثانيين عليه لابائه عن ذلك (قوله: ومنه يعلم فساد) فان ما ذكر خارج عن مورد كلامهما (قوله: من دون ملاحظة) بل حتى مع ملاحظة ذلك لا يكون معاطاة لما عرفت ويأتي من اختصاص المعاطاة في كلامهم بصورة قصد المتعاطيين معنى البيع (قوله: ولا يكفي عدم العلم) هذا غير ظاهر لامكان اثبات الاباحة بالاستصحاب وكذا الحال في الاذن الحاصل من شاهد الحال (قوله: فهذا ليس الا التراضي) هذا غير ظاهر لكون المفروض كونه انشائيا حادثا بعد العقد المعلوم فساده لدى المتعاقدين فكيف يكون نفس التراضي السابق المنشأ بالعقد الفاسد وسيجئ منه " قده " الاعتراف بذلك، (قوله: لاعلى وجه المعاوضة) الظاهر زيادة حرف النفي لان المفروض ان المعاطاة على وجه المعاوضة وقد تقدم منه (قده) انها متقومة بقصد المعاوضة (قوله: فلا اشكال في حرمة) لانتفاء طيب النفس المشروط جواز التصرف به (قوله: جهة تقييدية) لان الظاهر من قوله عليه السلام: لا يحل مال امرء مسلم... الخ اعتبار طيب نفس المالك بالتصرف بما انه ماله وهو مالكه ولا يكفي طيب نفس المالك بالتصرف بما انه اجنبي عن المال (قوله: ولعله لصدق طيب النفس) هذا غير ظاهر لان طيب النفس كغيره من افعالها يتوقف على حضور الصورة وكما ان الارادة والكراهة تتوقفان على ذلك كذلك طيب النفس. نعم قد يقال بأن ظاهر الحديث الشريف ونحوه اعتبار مقارنة التصرف للرضى ولازمه أنه مع غفلة الاذن بعد الاذن لا يجوز التصرف وهو مما لا يمكن الالتزام به فلا بد إما من رفع اليد عن اعتبار المقارنة، واما من البناء على كفاية الطيب الشأني بحيث لو التفت الى فعل غيره

[ 92 ]

لرضي والاخير هو المتعين إذ لو بني على الاول لزم جواز التصرف بمجرد تحقق الاذن آناما ولو نهى عن التصرف بعدها وهو كما ترى، فيتعين البناء على الثاني ولا يبعد كونه الموافق لسيرة المتشرعة فان بناءهم على التصرف بمجرد إحراز الرضى الشأني، وقد أشرنا الى ذلك في مبحث المكان من كتابنا " مستمسك العروة الوثقى " لكن ذلك يختص بالتصرفات الخارجية مثل اكله وشربه ولبسه ونحوها كما هو مورد الحديث ظاهرا ولا يطرد في التصرفات الاعتبارية مثل بيعه ورهنه واجارته فلو باع مال غيره بلا اذن منه لكن كان بحيث لو التفت لاذن لم يصح البيع بل يلحقه حكم الفضولي كما سيأتي انشاء الله في مبحث الفضولي (قوله: ومن ان الظاهر ان عنوان) هذا غير ظاهر كما تقدم منه " ره " في رد صاحب الجواهر وفى استدلاله على الصحة بمثل: احل الله البيع، ونحوه وفى غير ذلك فراجع وما ذكر من الامثلة قد تقدم في التنبيه الثاني احتمال كونه من قبيل: أعتق عبدك عني، مما كان راجعا الى تولية الغير لايقاع المعاملة بين نفسه وصاحب المال، (قوله: وهذا ليس ببعيد على) هذا بالنظر الى القواعد لحصول الرضى الكافي في جواز التصرف ولكن كونه من المعاطاة بعيد لما عرفت. والله سبحانه ولي التوفيق وهو حسبنا ونعم الوكيل. مقدمة في خصوص الفاظ عقد البيع (قوله: لا اشكال ولا خلاف في عدم) يقتضي ذلك عمومات الصحة والنفوذ (قوله: هو الاصل) لاصالة عدم ترتب الاثر بدونه، اللهم إلا أن يكون مراد القائل من اصالة عدم الوجوب اصالة الاطلاق والعموم في ادلة النفوذ الحاكم على اصالة عدم ترتب الاثر ولاجل ذلك لا يحتاج في اثبات عدم الاشتراط الى التمسك بالفحوى الاتية (قوله: بل لفحوى ما ورد) فان اهتمام الشارع الاقدس في الفروج أشد منه في الاموال فإذا صح الطلاق بالاشارة مع القدرة

[ 93 ]

على التوكيل صح بيعه بها ايضا حينئذ لكن كون الاولوية المذكورة قطعية غير واضح (قوله: صورة قدرة) فمع عدم القدرة على اللفظ يكون المورد خارجا عن القدر المتيقن خروجه عن الاصل فيتعين الرجوع فيه الى الاصل المذكور المقتضي للزوم معاطاة الاخرس. هذا ولكن الكلام في عقد الاخرس وبيعه لا في معاطاته والا فلا يظهر الفرق عندهم بين معاطاته ومعاطاة غيره في الاحكام (قوله: والظاهر ايضا كفاية) لا فرق بين الكتابة والاشارة فيما تقدم (قوله: لفحوى ما ورد من) في صحيح البزنطي انه سأل ابا الحسن الرضا عليه السلام عن الرجل تكون عنده المرأة يصمت ولا يتكلم قال عليه السلام: اخرس هو؟ قلت: نعم ويعلم منه بغض لامراته وكراهة لها أيجوز أن يطلق عنه وليه؟ قال عليه السلام: لا ولكن يكتبه ويشهد على ذلك، قلت: فانه لا يكتب ولا يسمع كيف يطلقها؟ قال عليه السلام: بالذي يعرف به من أفعاله مثل ما ذكرت من كراهته وبغضه لها، ونحوه خبر يونس بل في صحيح الثمالي: سألت ابا جعفر " ع " عن رجل قال لرجل: اكتب يا فلان الى امرأتي بطلاقها أو اكتب الى عبدي بعتقه يكون ذلك طلاقا أو عتقا؟ قال عليه السلام: لا يكون ذلك طلاقا ولا عتقا حتى ينطق به لسانه أو يخطه بيده... الحديث، ونسب القول به الى ابني البراج وحمزة والنهاية لكنه - مع حكاية الاجماع من غيرهم على خلافه - معارض بغيره مما دل على انه ليس بشئ حتى ينطق به أو حتى يتكلم به. هذا وقد عرفت الاشكال في الفحوى (قوله: وفي بعض روايات الطلاق) هو صحيح البزنطي المتقدم (قوله: رجوع عما بنى عليه) هذا غير ظاهر إذ الانشاء انما كان بالاقوال وكذا الافهام وان كان هو بملاحظة القرينة فالقرينة الحالية ما كان بها انشاء ولا افهام وان كانت دخيلة فيه (قوله: ولذا لم يجوزوا العقد) الفرق بين المقامين ظاهر إذ الذي لم يجوزوه عقدا هو الانشاء بالفعل المقرون بالقرينة وما نحن فيه يكون الانشاء باللفظ المفهم للمراد بملاحظة القرينة فلا مجال لقياس أحدهما بالاخر (قوله: الاستدلال المذكور في عبارة التذكرة) حمل الاستدلال المذكور على ما ذكره (ره بعيد جدا بل الاقرب

[ 94 ]

حمله على ارادة الكنايات غير المقرونة بالقرينة وذلك ايضا هو المراد ممن منع الانشاء بالمجازات يعني ما لم تكن مقرونة بالقرينة ولعل الجمع بذلك بين كلماتهم اولى مما تقدم فالمراد من الصريح مالا قصور في دلالته على المراد ولو بالقرينة ومن الكناية والمجاز ما لا يكون كذلك (قوله: ما لم يقصد الملزوم) قصد المتكلم للملزوم لا دخل له في الدلالة فالعبارة لا تخلو من مسامحة (قوله: والمفروض على ما تقرر في) قد تقدم الاشكال في هذه المقايسة (قولا: فلا يجوز بلفظ الهبة) عدم جواز ايقاع النكاح بلفظ الهبة ونحوها لا يقتضي وجوب ايقاعه بالفاظ العناوين المعتبر بها عنه فان عمومات الصحة والنفوذ إذا كانت تقتضي صحة انشاء البيع وغيره من عناوين المعاملات بالمعاطاة التي هي ليست من سنخ الالفاظ والاقوال بل من الافعال فيكف لا تقتضي صحة انشائها بالفاظ الكناية أو المجاز أو المشترك اللفظي أو المعنوي كي يصح ما ذكره الفخر وغيره قدس سرهم من لزوم الانشاء بصيغة مخصوصة ووجوب الاقتصار على القدر المتيقن فالتحقيق ان الاجماع على اعتبار اللفظ في اللزوم إنما قام على اعتبار مطلق اللفظ في مقابل الفعل لان ذلك هو القدر المتيقن منه فيرجع في كل لفظ شك في جواز الانشاء به الى العمومات المذكورة. نعم المجازات البعيدة المستبشعة يشكل الرجوع في صحة الانشاء بها الى العمومات لعدم كون انشائها بها منشأ انتزاع تلك العناوين في نظر العرف ولا تعد عندهم آلة لانشائها ومثل ذلك مانع من الرجوع الى العمومات بعد تنزيلها على العناوين العرفية أما غير ذلك مما لا يكون ملغى في نظر العرف يتعين البناء على صحة الانشاء به من غير فرق بين ما كان حقيقة ومجازا وكناية ومشتركا لفظيا ومعنويا عملا بالعمومات والاطلاقات المقتضية للصحة والنفوذ من غير مخصص أو مقيد ظاهر إذ لا منشأ لتوهم التقييد أو التخصيص الا توهم دعوى الاجماع على اعتبار لفظ خاص لكنها ممنوعة والكلمات المتقدمة شاهد المنع لا اقل من عدم ثبوت الاجماع الموجب للرجوع الى القواعد العامة المقتضية للصحة والنفوذ فلاحظ (قوله: وعلى هذا فالضابط) قد عرفت ما هو الضابط (قوله: رجوع الى عدم اعتبار افادة) قد عرفت

[ 95 ]

الاشكال فيه (قوله: ليس من جنسه) لا يبعد حمله على ما ذكرنا مما كان استعمال اللفظ في المعنى المنشأ من المجازات المستبشعة والا ففيه الاشكال المتقدم كالاشكال في ظاهر كلام المسالك والكنز ونحو هما مما يرجع الى تقييد ادلة النفوذ والصحة من دون مقيد ظاهر (قوله: تغنيها عن القرينة) يعني فيخرج عن حكم المشترك اللفظي الذي تقدم الاشكال فيه (قوله: ولا يخلو عن وجه) بناء على ما سبق منه من جواز الانشاء بالمجاز إذا كان الاعتماد على القرينة اللفظية وعدمه مع الاعتماد على غيرها هو التفصيل في جواز الانشاء بلفظ: (شريت) بعد البناء على عدم ظهوره في البيع بين ان تكون القرينة على ارادة البيع لفظية فيجوز وغيرها فلا يجوز (قوله: هو المرادف للبيع) قد عرفت في البحث عن تعريف البيع الاشكال في ذلك (قوله: بلفظ غيره مع النية) هذا يتم بالنسبة الى انشاء المصالحة به لان الصلح ليس تمليكا، أما بالنسبة الى انشاء الهبة به فغير ظاهر لان الهبة ايضا تمليك، غاية الامر انها تمليك مجاني يعني ما لوحظ فيها شئ عوضا عن العين حتى لو كانت الهبة معوضة فان العوض فيها انما لوحظ عوضا عن التمليك لاعن العين المملكة فانشاء الهبة بلفظ التمليك ليس من قبيل انشاء عقد بلفظ غيره بل هو بلفظ نفسه، اللهم إلا أن يكون نظره الى قيد التمليك - أعني مدخول باء العوض - فانه ظاهر في كونه عوضا عن العين والمقصود منه في انشاء الهبة كونه عوضا عن نفس الهبة (قوله: وأما الايجاب باشتريت) إنشاء الايجاب باشتريت (تارة) يكون من قبيل انشاء الايجاب من القابل نظير انشاء التزويج من الزوج بقوله: " تزوجتك " فتقول الزوجة: " قبلت " وانشاء الرهن من المرتهن بقوله: " ارتهنت مالك " فيقول الراهن: " قبلت " ونظيره قول المشتري للبايع: " ابتعت مالك بكذا " أو: " تملكته بكذا " فيقول البائع: " قبلت " وسيأتي في مسألة تقديم القبول على الايجاب انه لا بأس به، وعلى هذا فالمبيع مال القابل وهو المعوض عنه والثمن مال الموجب وهو العوض فيكون المشتري هو الموجب والبائع هو القابل والظاهر ان هذا خارج عن محط كلام المصنف (ره) (واخرى) يكون

[ 96 ]

" اشتريت " مستعملا بمعنى " بعت " فيتعلق بمال الموجب ويكون هو المعوض عنه والعوض مال القابل وهو مدخول باء المعاوضة بان يقول: (اشتريت مالي بمالك) بمعنى: (بعت مالي مالك) والظاهر أن هذا هو محط كلام المصنف (ره) وينبغي أن يكون جواز الايجاب به مبنيا على جواز الايجاب بالمجاز لان استعمال " اشتريت " بمعنى " بعت " و " شريت " مجاز قوله: وفيه اشكال) كأن وجهه ظهور كلماتهم في عموم المنع لذلك (قوله: واشتريت وشريت) الاول مأخوذ من " شريت " بمعنى " بعت " والثاني مأخوذ من " شريت " مقابل " بعت " (قوله: وشبهها وجهان) اقواهما الانعقاد بها كما في " رضيت " لاشتراك الجميع في افادة القبول بالايجاب المقوم لمفهوم القبول، واستعمالها ايقاعا مستقلا في بعض المقامات في قبال جزئي العقد كما في الفضولي وعقد المكره غير قادح لاطلاق دليل النفوذ بها. فرع (قوله: بالالفاظ المشتركة) وكذا لو كان بالالفاظ المختصة مع الاختلاف في المتقدم (قوله: ثم اختلفا في) كما لو كان اختلاف في الاثار الشرعية بين الموجب والقابل (قوله: فلا يبعد الحكم بالتحالف) هذا إذا كان الاثر الشرعي مترتبا على كل من الدعويين كما لو كان كل من العوضين حيوانا وبني على اختصاص خيار الحيوان بالمشتري كما لو بيع الفرس بحمار فادعى من انتقل إليه الفرس أنه المشتري وأن له الخيار وكذا ادعى من انتقل إليه الحمار فتأمل أما لو كان مترتبا على إحداهما دون الاخرى كما لو كان احد العوضين حيوانا والاخر ثوبا فادعى من انتقل إليه الحيوان انه اشتراه بالثوب ليكون له الخيار وقال من انتقل إليه الثوب: انا اشتريت الثوب به وانت بعت الثوب بالحيوان فالحيوان ثمن لا مبيع فلا خيار لك، فالقول قول الثاني وعليه اليمين لاصالة عدم الخيار.

[ 97 ]

مسألة في اعتبار العربية في العقد (قوله: ولان عدم صحته) هذا الاستدلال منقول على تعليق الارشاد (قوله: وفى الوجهين ما لا يخفى) إذا التأسي انما يقتضي الصحة في مورده لا انه يصلح لتقييد اطلاقات الصحة والنفوذ الشامل لغير العربي والاولوية ممنوعة كما يظهر من ملاحظة ادلة الماضوية (قوله: صحته بغير العربي) يقتضيه الاطلاقات والعمومات الدالة على صحة العقود ونفوذ البيع والتجارة والظار أن ذلك هو المشهور لعدم تعرض الاكثر للشرط المذكور وانما تعرض له جماعة على حكي وهو ما بين ناف له ومثبت (قوله: بناء على ان دليل) هذا هو المدار في أحكام جميع الفروع المذكورة في هذا المقام، ولاجله يظهر ان بعض التعليلات المذكورة في كلام المصنف (ره) الاتي لا أهمية لها (قوله: الا إذا ميزبين معنى) اعتبار هذه الجهة غير ظاهر ولا سيما وأن تمييز بعض الخصوصيات محتاج الى كمال معرفة ومزيد خبرة بل بعضها محل نظر واختلاف بين علماء العربية فكيف يتوقف صدق التكلم بالعربية على مثل هذا التمييز. اعتبار الماضوية (قوله: اعتبار الماضوية) من المعلوم ان الفعل الماضي انما يحكي عن التلبس بالمبدأ في الزمان الماضي ومقتضى ما تحقق في محله من ان معنى الكلام الخبري والانشائي واحد وانما الاختلاف بينهما في قصد الحكاية في الخبر وقصد الايجاد في الانشاء ان انشاء مثل البيع بلفظ الماضي يقتضي تحقق البيع في الماضي لا في الحال فقصد الانشاء في الحال يتوقف على جواز استعمال الالفاظ المجازية في العقود والايقاعات ولاجل انه لا ريب في جواز الايجاب بالفعل الماضي في البيع وغيره

[ 98 ]

يظهر أن القول بعدم جواز استعمال المجاز في غير محله كما عرفت، واما الفعل المضارع فهو مشترك بين الحال والاستقبال فاستعماله في انشاء المادة في الحال حقيقة فهو من هذه الجهة أولى بالصحة من الفعل الماضي (قوله: لصراحته في الانشاء) الفعل الماضي كما يستعمل في الانشاء يتسعمل في الاخبار بل الثاني هو الشايع فصراحته في الانشاء انما تكون بقرينة المقام بل عرفت انها قرينة المجاز فلم لا تكون القرينة المذكورة قرينة في المضارع على عدم كونه خبرا ولا كونه انشاء للوعد وكذا الحال في فعل الامر فانها ايضا تكون قرينة على كونه انشاء للمادة لا أمرا بالفعل " وان شئت " قلت: معنى " إفعل " انشاء الفعل وانما يحمل في مثل " إضرب " ونحوه على كونه استدعاء لامتناع انشاء الضرب فليكن في مثل: (بع) ونحوه مستعملا في معناه الاصلي، وحمله على الاستدعاء والامر بالفعل انما كان قياسا على مثل: (اضرب) ونحوه مما كان يمتنع فيه انشاء المادة لا أنه معناه الاصلي لا أقل من كون قرينة الحال مانعة من الحمل عليه وان كان لولاها لحمل عليه من جهة المقايسة التي هي القرينة النوعية على الحمل على الاستدعاء، ومن ذلك تعرف ان الايجاب بالمضارع أولى بالصحة من الايجاب بالماضي والايجاب بالامر اولى بالصحة منهما. نعم الايجاب به غير متعارف ولاجله قد يشكل لشبهة عدم عده ايقاعا عند العرف فيكون نظير الايجاب بالمجازات المستبشعة التي تقدم الاشكال في جواز الايقاع بها (قوله: قرينة المقام فتأمل) قد عرفت ان قرينة المقام لابد من الاعتماد عليها ايضا في الايجاب الماضي فيكف يكون ذلك قادحا في صحة الايجاب.

[ 99 ]

مسألة في لزوم تقديم الايجاب (قوله: مضافا الى ما ذكر) يعني الاجماع (قوله: خلاف المتعارف) التعارف لا يوجب تقييد المطلق ولا تخصيص العام (قوله: يتضمن انشاء نقل ماله في الحال) يمكن الاشكال عليه بما عرفت من ان القابل ليس ناقلا ولا جاعلا بل ذلك وظيفة الموجب، والقابل انما وظيفته امضاء الايجاب على اختلاف مضامينه من كونه نقلا أو تمليكا أو تبديلا أو غير ذلك، ولو سلم ذلك فلا يسلم اعتبار خصوصية الحال في نقل القابل بل هو تابع لنقل الموجب في الخصوصية فان كان الموجب يجعل النقل في الحال كان القابل كذلك وان كان في غيره فكذلك، فإذا تقدم الايجاب كان المقصود منه النقل بعد تمام العقد، فالمقصود من القبول النقل حاله لانه المطابق للنقل بعد تمام العقد، وإذا تأخر الايجاب كان المقصود النقل في الحال لانه زمان تمام العقد فيكون المقصود من القبول المتقدم النقل بعد الايجاب فخصوصية الحال في القبول المتأخر انما لوحظت لمطابقتها لحال تمام العقد والا فلا يظهر الفرق بين الايجاب والقبول من هذه الجهة (فالاولى) ان يقال؟: إن مفهوم القبول وان كان في نفسه مما يصح ان يتعلق بالامر الاستقبالي كما يتعلق بالامر الماضي نظير الرضى والحب والبغض ونحوها بل لا يعتبر فيه تحقق ايجاب حتى في المستقبل لتعلقه بالوجود اللحاظي لا غير الا ان القبول العقدي أعني ما يتقوم به العقد ويكون متهما له مختص بما يتعلق بالامر الماضي فيكون معنى القبول القابل للايجاب هو قبول خصوص ما جعل وأنشئ لا ما يجعل وينشأ وان كان يجعل في المستقبل فلو تقدم كان قبولا لما يجعل لا لما جعل فلا يلتئم مع الايجاب المتأخر " وبالجملة ": القبول العقدي إمضاء لما وقع لا مجرد الرضى بأمر وان لم يقع ولعل هذا هو المراد من الاستدلال على وجوب تقدم الايجاب بأن القبول فرع الايجاب لا أن المراد فرعيته له فرعية الحكم لموضوعه لان القبول لما كان عارضا على الايجاب ومتعلقا به كان فرعا

[ 100 ]

عليه فان الفرعية بهذا المعنى لا تستوجب التأخر الزماني فان الرضى بشئ عارض عليه، ومع ذلك لا يستوجب وجود المعروض خارجا فضلا عن تقدمه زمانا لان المعروض انما هو الوجود الذهني اللحاظي لا الخارجي كما سيأتي في كلام بعض المحققين (قوله: فساد ما حكي عن بعض المحققين) حكى ذلك السيد في مفتاح الكرامة عن استاذه (قده) (قوله: ومما ذكرنا يظهر الوجه) قد عرفت الاشكال فيه بل الوجه ما ذكرنا من غير فرق بين ان يكون بلفظ " قبلت " وغيره لا طراد وجه المنع من التقديم في المقامين (قوله: منع دلالة رواية سهل) بل الظاهر من قول الرجل: زوجنيها، طلب تزويجها واظهار الرغبة فيه لا انشاء القبول والا كان معلقا باطلا لقوله: يا رسول الله زوجنيها ان لم يكن لك بها حاجة، على رواية العامة وايضا لو كان انشاء للقبول لم يكن مطابقا للايجاب لان الايجاب كان مقيدا بمهر خاص قد خلا عنه القبول (ودعوى) جواز المخالفة بين الايجاب والقبول في وجود المهر وعدمه (لازمها) إما عدم ثبوت المهر المذكور في الرواية على الزواج فيكون ذكره لغوا أو ثبوته على الزوج بدون قبوله وهو مما لا يمكن الالتزام به لكونه من قبيل الشرط على الغير في الايقاع المنافي لقاعدة السلطنة فتأمل ثم ان الرواية المذكورة لا اطلاق فيها من حيث عدم ذكر القبول بعد ايجاب النبي - صلى الله عليه وآله - لانها حكاية حال مع ان المقصود الحكاية عن الواقعة الخارجية في الجملة فلا تدل على عدم الاحتياج الى اعادة القبول بعد الايجاب فلاحظ (قوله: الاقوى المنع في البيع) قد عرفت امتناع تقدم القبول على الايجاب باي لفظ كان - مضافا الى ان الامر مما لا يصح الايجاب به ولا القبول تقدم أو تأخر (قوله: قد صرح في المبسوط بصحته بل) يعني فلا اجماع على عدم حصول الملك به وحينئذ يرجع في صحته الى العمومات المقتضية للصحة وكذلك في اللزوم هذا ولكن عرفت ان تقدم الايجاب على القبول معتبر في تحقق مفهوم العقد فمع انتفائه ينتفي فلا مجال للتمسك بعموم الوفاء بالعقود ونحوه مما كان موضوعه العقد أو نوع منه. نعم لا بأس بالتمسك بعموم حل التجارة لصدقها في المقام وان لم

[ 101 ]

يكن عقد ومن ذلك يظهران ترتيب احكام البيع على المعاملة مع تقدم القبول لا مجال له لان البيع العرفي من انواع العقد وقد عرفت انه لا يصدق مع تقدم القبول بل ذلك مقتضى ما ذكره المصنف (ره) من وجه المنع من تقديم القبول لانه على تقدير تماميته مانع عرفي عن صدق البيع والعقد فيمتنع ايضا لاجله التمسك بعموم الوفاء بالعقود، وبعموم حل البيع في حل تقدم القبول، ومنه يشكل ما ذكره المصنف (ره) ولعله الى ذلك اشار بقوله فتأمل (قوله: ان الادخال في الايجاب) يعني مثل (بعت فرسى بدرهمك) (قوله: وفي القبول) يعني مثل (اشتريت فرسك بدرهمي) فان تعليق الفعل بالفرس يقتضي دخوله في ملكه وجعل الدرهم عوضا بادخال باء العوض عليه يقتضي خروج ماله الى الغير (قوله: وحينئذ فليس في حقيقة) لما ذكره من أن " اشتريت " مما يصح الانشاء الحالي به ك‍ (بعت) وانما يفترقان فيما ذكره (فان قلت): كيف يتم ذلك مع أن التاء فيه للمطاوعة الدالة على مطاوعة الفاعل لغيره وقبوله لاثره، وبالجملة: التاء في (اشتريت) تدل على مطاوعة فاعله لفاعل (شريت) فليس الفرق بين (قبلت) و (اشتريت) الا ان الاول يدل على المطاوعة بمادته والثاني بهيئته (قلت): تاء المطاوعة لا يجب في مدخولها ان يكون صادرا من فاعل غير فاعل الفعل بل يكفي فيه ان يكون مما يصح فيه ذلك فيقال: (رميت زيدا فارتمى) ويصح ان يقال: (ارتمى زيد) كما يصح ان يقال: (اكتسى واهتدى) وان لم يكن له رام وكاس وهاد (قوله: مفقود في الايجاب المتأخر) يعني أن يكون قبولا للقبول المتقدم فإذا قال المشتري ابتداء (اشتريت فرسك بدرهمي) فقال البائع: (بعتك فرسي بدرهمك) امتنع أن يكون قبولا لايجاب المشتري كي يكون مالك الدرهم بائعا ومالك الفرس مشتريا لان المشتري ينقل ماله الى البائع بالالتزام وهو انما ينطبق على مالك الدرهم لا مالك الفرس لان مالك الفرس نقل الفرس الى الغير بنفس الفعل وهو (بعتك فرسي) بل الذي ينطبق على مالك الفرس هو البائع لان البائع هو الذي ينقل مال غيره إليه بالالتزام ومالك الفرس كذلك. هذا ولكن يمكن ان يقال: إنه وان امتنع ان يكون قول

[ 102 ]

البائع: (بعت) بعد قول المشتري: (اشتريت) اشتراء لكن لا مانع من أن يكون قبولا لانشاء (اشتريت) إذا كان صادرا بعنوان تنفيذه وقبوله غاية الامر ان يكون معاملة اخرى عكس البيع من حيث المدلول الصريح والضمني ايجابها " اشتريت " وقبولها (بعت) أو (قبلت) أو نحوهما مما يتضمن القبول والامضاء والتنفيذ وكذا الحال في بقية العقود فكما يصح عقد التزويج بأن تقول المرأة: (زوجتك نفسي) فيقول الرجل: (قبلت) يصح ايضا بأن يقول الزوج: (تزوجتك) فتقول المرأة: (قبلت) وكما يصح عقد الاجارة بقول مالك الدار: (آجرتك داري) فيقول المستأجر: (قبلت) يصح بقول المستأجر: (استأجرت دارك) ويقول المالك: (قبلت) وهكذا (قوله: متعا كسان) فان " رضيت " إنما تفيد المطاوعة، وبها يكون انشاء لنقل ماله الى البائع، ولاجل أن المطاوعة تمتنع مع التقدم امتنع تقدمه و " اشتريت " يفيد الانشاء بنفسه ولا يفيد المطاوعة الا إذا تأخر، ولاجل أنه يفيد الانشاء جاز تقدمه و " رضيت " يفيد المطاوعة و " اشتريت " لا يفيدها إلا إذا تأخر و " اشتريت " يفيد الانشاء لنقل ماله و " رضيت " لا يفيده إلا إذا تأخر (قوله: وقبول الاثر فلا) اعتبار القبول في العقد وكونه أحد ركنيه مما لا ريب فيه عند العرف وبذلك افترق العقد عن الايقاع فان كثيرا من الايقاعات يتوقف على الرضى ممن بيده جعله وانشاؤه وبذلك لا تسمى عقودا لان الرضى المعتبر فيها ليس بالمعنى الذي يكون مطابق مفهوم القبول العقدي المتقوم بالرضى به على نحو المطاوعة والانقياد فلو قال زيد: ملكت فرسي عمرا بدرهم، وقال عمرو - من دون علم بايجاب زيد -: تملك فرس زيد بدرهم، لم يكن ذلك عقدا بل كانا ايجا بين مستقلين فالعقد ليس منتزعا من مجرد توارد الايقاعين على أمر واحد، ولو اوقع الوليان إيقاعين لمضمون واحد لم يكن ايقاعهما عقدا، بل لابد فيه من عناية كون أحدهما تابعا للاخر وامضاء له بلا فرق بين أن يكون القبول بلفظ " قبلت " وغيره ك‍ " اشتريت " و " ابتعت " ونحوهما. نعم يفترقان في أن الاول لا يصح أن يكون ايجابا بخلاف الثاني فانه يصح أن يكون ايجابا، كما

[ 103 ]

يفترقان ايضا بأن الاول لا يتوقف كونه قبولا على اكثر من قصد مضمونه بخلاف الثاني فانه انما يكون قبولا إذا كان صادرا بعنوان التبعية لغيره وامضائه (قوله: جامعا لتضمن) قد عرفت ان وظيفة القابل ليس الا امضاء ما جعله الموجب من دون زيادة على ذلك لا صريحا ولا ضمنا فتملك البائع للثمن ليس يجعل المشتري ولا تملك المشتري للمبيع بل هما بجعل البائع وايجابه بضميمة قبول المشتري وامضائه، (قوله: ولا يعتبر انشاء انفعال) يعنى كي يجب تأخره لكن عرفت اشكاله، (قوله: الحلي وابن حمزة) فان الثاني قال في الوسيلة: الثامن - يعني من شروط البيع - تقديم الايجاب على القبول، وقال الاول في السرائر: فان كان القبول متقدما على الايجاب فالبيع غير صحيح (قوله: ولا فرق بين المتعارف) قد يمكن الفرق بأن التعارف هنا من قبيل الغالب المتخلف في بعض الموارد بشهادة ما ورد في بعض نصوص عقد النكاح من قول الزوج: أتزوجك، وقول الزوجة: نعم، بخلاف التعارف في المسألة الاتية فانه لم يعرف تخلف له، والتعارف على النحو الاول لا يقيد الاطلاق بخلاف التعارف على النحو الثاني (قوله: تم ان ما ذكرنا) يعني من جواز تقديم القبول إذا كان متضمنا لانشاء مستقل في نفسه وان لم يكن قبولا بالمعنى الاخص (قوله: من؟ جهة تحقق عنوان الرهن) يعني ان القبول المذكور انما يسمى قبولا ويتحقق فيه عنوان القبول لتحقق معنى المطاوعة فيه المطابق لعنوان الارتهان وهو مما يمتنع تحققه بدون تحقق عنوان الرهن لان الارتهان من قبيل الانفعال الممتنع تحققه بدون الفعل. هذا والظاهر ان هذا التقريب بعينه جار في تقديم قبول البيع إذ يمكن ايضا ان يقال فيه: ان صدق القبول عليه لتحقق عنوان الابتياع المطاوع للبيع الذي لا يمكن تحققه بدونه فلو تقدم لزم إما عدم صدق القبول عليه لو لم ينطبق عليه عنوان الابتياع أو صدقه لو انطبق عليه العنوان مع انفكاكه عن البيع وهو ممتنع، وعليه كان المناسب ذكره وجها للمنع عن تقديمه وعدم الاقتصار على ما سبق منه (قد) - مضافا الى انه لا يظهر الفرق بين القبول بمثل " تملكت " مما كان فيه انشاء أمر وغيره وقد

[ 104 ]

تقدم منه أنه لا يعتبر في صحة العقد وجود القبول على نحو المطاوعة لعدم الاجماع عليه فما الذي ألجأ الى اعتباره في مثل هذه الموارد، لكنه لا يتم في المقامين لان عنواني الفعل والانفعال كالبيع والابتياع والرهن والارتهان والكسر والانكسار لهما مطابق واحد وانما الاختلاف بالاضافة فإذا اضيف الى الفاعل كان فعلا وإذا أضيف الى المفعول كان انفعالا فكما لا يتحقق الانفعال بدون الفعل كذلك لا يتحقق الفعل بدون الانفعال فإذا كان ما ذكر مانعا من تقدم القبول كان مانعا من تقدم الايجاب أيضا لكنه ليس كذلك إذ ما ذكر انما يتم لو كان الارتهان منتزعا عن مجرد القبول والرهن منتزعا عن مجرد الايجاب، اما لو كانا معا منتزعين من مجموع الايجاب والقبول أعني نفس العقد الذي هو منشأ العنوان الواحد الخاص الذي يكون موضوعا للاضافتين المذكورتين اعني الاضافة الى الفاعل والاضافة الى المفعول، فلا ينطبق على القبول المتقدم عنوان الارتهان ولا على الايجاب المتقدم عنوان الرهن بل موضوع العنوانين المذكورين الراهن والمرتهن وهما متلازمان في الانطباق عليهما ولا يعرضان الا بعد تحقق تمام منشأ الانتزاع اعني تمام العقد، وهكذا الكلام في البيع والابتياع وغيرهما، فلاحظ (قوله: التزام بشئ) يعنى نقل ماله الى غيره كما في عقود المعاوضات على ما تقدم منه " قده " (قوله: بغير عوض) يعنى لا يكون القابل فيها ناقلا ماله الى غيره (قوله: فلما كان ابتداء الالتزام) قد عرفت آنفا ان الايجاب عبارة من انشاء العنوان والقبول تنفيذ ذلك الانشاء والرضى به فمن قام به الانشاء موجب تقدم أو تأخر ومن قام به التنفيذ والرضى قابل تقدم ايضا أو تأخر ولا فرق بين المصالحة وغيرها من العقود نعم بينهما فرق من جهة اخرى لا ترتبط بما نحن فيه وهو أن المصالحة لا يتميز فيها احد المالكين عن الاخر بانطباق عنوان خاص عليه دون الاخر كما في البيع فان مالك المعوض بائع ولو كان هو القابل ومالك العوض مشتر؟ ولو كان هو الموجب فلو قال الثاني: اشتريت مالك بمالي، فقال الاخر: قبلت، صح على ما عرفت وكان المشتري هو الموجب والبائع هو القابل بخلاف عقد المصالحة فان الموجب

[ 105 ]

هو المصالح - بالكسر - دائما والقابل هو المصالح - بالفتح - دائما (قوله: كان ايجابا آخر) إذ ليس فيه انشاء عنوان القبول بالمعنى المتقوم بالمطاوعة على ما عرفت من كونه جزءا من العقد (قوله: بغير لفظ " قبلت ") يمكن أن يكون القبول بمادة الصلح المتضمنة للانفعال مثل " اصطلحت " فحينئذ لا مانع من تقدمه على القبول كما في " ابتعت " إذ لا يظهر الفرق بين المقامين بل لا مانع من انشاء القبول بمثل " صالحتك " وان كان الايجاب بها ايضا لا أن كونه ايجابا مستقلا يتوقف على عدم صدوره بعنوان المطاوعة والتنفيذ والا تعين قبولا وان كان بلفظ الايجاب كما عرفت في انشاء القبول ب‍ " ملكت " - مشددا - بعد انشاء الايجاب ب‍ " تملكت " (قوله: فتلخص مما ذكرنا ان) قد عرفت ان القبول ليس الامفهوم واحد إما صالح للتقديم مطلقا لو كان بمعنى انشاء الرضى بشئ ولو كان مستقبلا من دون فرق بين انواع العقود، وإما غير صالح للتقديم لو كان بمعنى انشاء الرضى بما جعل وانشئ من دون فرق بين انواع العقود ايضا فكلمات المصنف " قده " لا تخلو في هذا المقام من غموض واشكال. والله سبحانه الموفق. من شروط العقد الموالاة (قوله: صورة اتصاله) يعني تكون الصورة الاتصالية مقومة له عرفا بنحو يفوت بفواتها (قوله: فيقدح تخلل الفصل) هذا غير ظاهر من العرف، بل الظاهر الاكتفاء في تحقق العقد ببقاء العهد النفساني في نفس الموجب فإذا كان باقيا الى زمان القبول وتحقق كفى ذلك في تحقق العقد عندهم ولو مع الفصل الطويل فإذا قال الموجب: بعتك الفرس بدرهم، فلم يقبل المشتري وبقي ساكتا فصار الموجب يعظه وينصحه ويوضح له أن له في الشراء فوائد فلما اقتنع المشتري قبل، صدق العقد وان كان مع الفصل بالكلام الاجنبي، كما أنه لو لم يبادر المشتري الى

[ 106 ]

القبول حتى انصرف الموجب عن الايجاب وأعرض فقبل لم يتحقق العقد، وهذا هو السر في عدم صدق العقد مع الفصل المفرط كسنة أو أزيد على ما ذكره المصنف " ره " (قوله: فلا يضره عدم صدق) صدق البيع بدون العقد غير ظاهر، بل الظاهر كونه عند العرف من أنواع العقد فلا يتحقق بدون شرائط العقد، واما التجارة فهي وان لم تختص بالعقود فان حيازة المباحات نوع من التجارة وليست عقدا إلا أن التجارة على نحو المعاوضة منها، لا أقل من عدم ثبوت خلاف ذلك الموجب للرجوع الى اصالة عدم ترتب الاثر وعدم جواز الرجوع الى عموم حل التجارة لعدم إحراز موضوعه (قوله: للرواية فافهم) لعله اشارة الى ما تقدم من ان اعتبار الموالاة انما هي في خصوص العقد لا مطلق الاسباب كالتجارة والبيع لانه خلاف عموم نفوذهما ويمكن ان يكون النكاح كذلك. منه شرائط العقد التنجيز (قوله: وظاهر المسالك في مسألة) قال فيها: واشتراط تنجيزه مطلقا موضع وفاق كالبيع وغيره من العقود. انتهى. وهو صريح في دعوى الاتفاق، (قوله: ادعى الاجماع على) قال في التذكرة: لا يصح عقد الوكالة معلقا بشرط أو وصف فان علقت عليهما بطلت مثل أن يقول: ان قدم زيد، أو: إذا جاء زيد رأس الشهر فقد وكلتك. عند علمائنا وهو أظهر وجهي الشافعية انتهى، وكأن العبارة المحكية في المتن غير هذه العبارة (قوله: مناف للجزم) كأنه يريد الجزم بوجود المنشأ من قبل الموجب وإلا فالجزم بوجوده مطلقا مما لا يمكن اعتباره في الايجاب لتوقف الوجود على القبول وهو مشكوك، بل ربما يتوقف على أمر آخر من قبض وغيره وهو غير معلوم وكيف كان فلا دليل على اعتبار الجزم بأي معنى فرض (قوله: وان شرط المشيئة) يعني ان يقول: بعتك ان شئت (قوله: وبقاؤها مدته) يعني لو علم بثبوتها قبل العقد فيمكن الجهل ببقائها حال العقد،

[ 107 ]

(قوله: صفة يقتضيها اطلاق) فان العقد لو اطلق ولم؟؟ بمشيئة المشتري فهو مقيد بها ذاتا لان فرض كونه عقدا يقتضي توقفه على القبول الناشئ من مشيئة المشتري فبدونها لا قبول فلا عقد فلا بيع والا كان ايقاعا لا عقدا وهو خلف وهذا هو المراد من قوله: لم يشأ لم يشتر (قوله: ولا رضى الا مع الجزم) هذا غير ظاهر لان الرضى بشئ لا يتوقف على امكان حصوله فضلا عن الجزم بوقوعه وكما أن المنشأ المطلق يتعلق به الرضى كذلك المنشأ المعلق (قوله: لان الاعتبار بجنس) الظاهر أن مراده أن الجهل بالحصول المانع من صحة التعليق يراد به الجهل بالحصول بلحاظ نفس مضمون الكلام فان التعليق على أمر ليس فيه تعرض لثبوت ذلك الامر المعلق عليه المستوجب لجهالة الامر المعلق فلا ينافي ذلك العلم به من جهة أمر خارج عن الكلام (قوله: لا متوقع الحصول) مقتضى هذا الكلام اختصاص المنع بالتعليق على الامر الاستقبالي (قوله: كما اعترف به الشهيد) راجع الى دخوله في معقد اتفاقهم لا الى قوله: لا يجري فيه، فانه انما لا يجرى فيه بناء على ان المراد ظاهره أما بناء على ما فسره به الشهيد فيجري فيه (قوله: فهو المتيقن من معقد) يعني من دون فرق بين أن يكون حاليا أو استقباليا لكن بعض الادلة الاتية على امتناعه تختص بالثاني فيكون هو القدر المتيقن (قوله: كما لو شرط في البيع) لا يخفى عدم المناسبة بين المقامين إلا من حيث استعمال لفظ الشرط فيهما وان كان المراد به مختلفا ففي المقام بمعنى التعليق وفي النظير بمعنى الالتزام في ضمن العقد كما سيشير إليه المصنف (ره) (قوله: فالمعلق في كلام المتكلم غير (هذا يتم في الشروط الشرعية وأما الشروط العرفية فهي معلق عليها في كلام المتكلم مثل: ان كانت زوجتي فهي طالق، لامتناع قصد انشاء المنشأ بدونها الا أن يشرع الموقع في ايقاعه ولا يجري على ما عند العرف، (قوله: بعتك إن قبلت) وجه التأييد ان القبول مما لا يعلم بوجوده غالبا. ثم ان من هذا الكلام يعلم ان التعليق على امر يتوقف عليه المنشأ لا مانع منه ولو كان استقباليا فلا يختص كلام المصنف (ره) بالحالي بل يعمه والاستقبالي كما يقتضيه

[ 108 ]

اطلاق عبارة المصنف " ره " السابقة (قوله: ان كان هو مدلول) مدلول الكلام هو نفس المعنى المنشأ، كما ان مدلول الكلام الخبري هو نفس المعنى المخبر به لكن مراد المصنف (ره) نفس الانشاء بقرينة المقابلة للشق الثاني (قوله: فالتعليق غير متصور) وجهه ان الانشاء من قبيل الايجاد وكما ان الايجاد الحقيقي لا يقبل الاناطة والتعليق لان ذلك يستدعي الفرض وهو غير التحقيق كذلك الانشاء، لكن قد يشكل ذلك بان الانشاء للامور الاعتبارية غير الانشاء للامور الحقيقية إذ الثاني عين الوجود والاختلاف بينهما اعتباري، والوجود عين التحقق المنافي للفرض والتعليق بخلاف الثاني فانه متقوم بقصد حصول المنشأ، وكما ان القصد قائم بالموضوعات اللحاظية الذهنية الحاكية عن الخارج وان لم يكن لها خارج بل قد يكون ممتنعا في الخارج، لا مانع من أن يكون منوطا بشروط لحاظية حاكية عن الخارج، وكما يصح ان يكون منوطا بتلك الموضوعات اللحاظية بما هي حاكية عن الخارج يجوز ان يكون منوطا بشروط الحاظية فان الاناطة في المقامين من قبيل واحد وان كان بينهما جهة اختلاف لاختلاف الاضافة القائمة بين الحكم وموضوعه مع الاضافة القائمة بين الحكم وشرطه، بل ادعى بعض الاعيان أن التعليق في العقود والايقاعات التعليقية انما هو لنفس الانشاء إذ لو كان للمنشأ في القضايا الانشائية لكان للمخبر في القضايا الخبرية ولازمه عدم صدق الخبر بانتفاء المعلق لانتفاء المعلق عليه فيكون قوله تعالى: " لو كان فيهما آلهة الا الله لفسدتا " من الخبر الكاذب - والعياذ بالله - وأيضا يكون ذلك مخالفا لما صرحوا به من ان صدق الشرطية لا يتوقف على صدق طرفيها لانه بانتفاء طرفيها لا يكون للمخبر به واقع فالاخبار عنه بلا واقع فلا يكون صادقا فيتعين لذلك الالتزام بان الشرط في قولنا: ان كانت الشمس طالعة كان النهار موجودا، قيد للاخبار بوجود النهار فالاخبار بوجود النهار كان معلقا على طلوع الشمس فمع طلوع الشمس يكون الاخبار فعليا ويكون حينئذ اخبارا صادقا ومع عدم طلوع الشمس لا إخبار فعلي بوجود النهار حتى يكون كاذبا، وهكذا الكلام في الاية الشريفة فعلى فرض تعدد الالهة

[ 109 ]

يكون الاخبار بالفساد وهو حينئذ صادق وعلى فرض عدم تعدد الالهة لا إخبار فعليا حتى يكون كاذبا، لكن يرد عليه ان القيود المأخوذة في المخبر به مختلفة فان كانت قيودا تحقيقية فصدق الخبر يتوقف على تحققها ليتحقق المقيد بها مثل قولنا: ركب زيد فرسا، فان لو لم يكن المركوب فرسا يكذب الخبر وان تحقق الركوب فضلا عما إذا لم يتحقق، وان كانت القيود تعليقية بأن كان المخبر به مقيدا بها على نحو التعليق لا التحقيق فصدق الخبر لا يتوقف على ثبوتها ولا ثبوت المعلق عليها المقيد بها على نحو التعليق، بل يتوقف على ثبوت المعلق عليها على تقدير ثبوتها ففي المثال المتقدم ان كان وجود النهار ثابتا على تقدير طلوع الشمس يكون الخبر صادقا وان كان غير ثابت على تقدير طلوع الشمس يكون الخبر كاذبا، وبالجملة: الاستدلال على النحو المذكور ناشئ من البناء على كون قيود المخبر به كلها على نسق واحد وأنها يتوقف صدق الخبر على تحققها وتحقق المقيد بها وليس كذلك بل هي مختلفة (وكيف كان) فالظاهر من الجمل الشرطية المشتملة على التعليق كون الشرط قيدا لنفس الجزاء الذي هو موضوع الخبر تارة كما إذا كان الجزاء خبرا والانشاء تارة كما إذا كان انشاء، وفاء الجزاء انما تحكي عن الترتيب بين معنى الجزاء والشرط كسائر الادوات المشتمل عليها الكلام لا الترتيب بين نفس الاخبار والانشاء وبين الشرط كيف ونفس الاخبار أو الانشاء ليس ملحوظا للمتكلم أصلا فيكف يكون طرفا لاضافة التلعيق الموقوفة على ملاحظة طرفيها - مضافا الى ان التحقيق والتعليق متنافيان سواء أكان موضوعهما الارادة أم غيرها، والارادة الخارجية التي تكون منشأ لاعتبار الاخبار والانشاء وجود تحقيقي فكيف يمكن ان تكن معلقة للتنافي. نعم يصح تعليق الارادة الاخبارية أو الانشائية بمعنى تعليق مفهومها الصالح في نفسه للوجود التحقيقي والتعليقي، وأما المصداق الخارجي لها فلا يمكن تعليقه لانه وجود تحقيقي لا غير فيصح قولنا: إذا جاء زيد أريد الاخبار عنه، بمعنى تعليق الارادة المفهومية لا تعليق الارادة المصداقية، ومن ذلك يظهر امتناع تعليق الاخبار في مثل: ان قام زيد قمت، من وجهين كما يمتنع تعليق

[ 110 ]

الانشاء في مثل ان قام زيد بعت، من الوجهين ايضا (قوله: وان كان الكلام في انه) كان المناسب في التعبير ان يقال: وان كان المراد تعليق المنشأ كالملكية والبيع ونحو هما (قوله: في مثل أوفوا بالعقود) لم يتعرض في الدليل المذكور لخصوص قوله تعالى: (أوفوا بالعقود) وسببية العقد المذكورة في كلام المستدل لا يختص دليلها به بل يعمه وغيره من ادلة النفوذ مثل: احل الله البيع، وتجارة عن تراض، ولو سلم توهم المستدل ذلك كان المناسب الاشكال عليه بعدم الفرق بين ادلة السببية لا دعوى الفرق بينهما كما قصد المصنف " ره " فان الجميع من قبيل واحد إما ظاهرة في ترتب الاثر حال وقوع السبب أو غير ظاهرة (قوله: وتسلط الناس) قد تقدم الاشكال في الاستدلال بقاعدة السلطنة على سببية أمر مشكوك السببية (قوله: كاف في اثبات) هذا يتم لو فرض مجرد عدم صلاحية: اوفوا بالعقود، لاثبات الصحة أما لو دل على وجوب ترتب اثر العقد حينئذ بنحو لا يصح الا مع ذلك كان مقدما على مثل: احل الله البيع، لانه من قبيل تعارض المقتضي واللا مقتضي. فتأمل (قوله: إذا وقع) قيد للعهد (قوله: هو مدلول العقد) يعني المضمون العرفي (قوله: لا يعقل خلافها) لكون المفروض كونه سببا له فلو لم يترتب لزم الخلف (قوله: كثير جدا كما في موارد اعتبار القبض كالهبة وبيع الصرف وبيع السلم لكن ثبوت ذلك بالدليل لا ينافي ظهور دليل النفوذ في خلافه كما يدعيه المستدل. نعم لو كان المدعى الامتناع العقلي كان ما ذكر ردا عليه في محله (قوله: لا يلزم هنا تخلف) لان العقد انما يتم بالقبول. نعم يلزم تخلف اثر الايجاب عنه لكن لم يمنعه المستدل، (قوله: عدم ترتب الاثر) يعني الاثر الشرعي وأما الاثر العرفي فيمتنع القصد إليه مع العلم بعدم ترتبه (قوله: ما لم يكن سببا) بأن يكون المقصود من المعاملة التسبب الى الاثر الشرعي (قوله: في فقد الشروط المقومة) قد عرفت الاشارة الى انه كل ما له دخل في ترتب الاثر العرفي إذا علم بانتفائه لا يمكن القصد الي المعاملة بلحاظ ترتب اثرها العرفي لان انتفاء الشري يوجب انتفاء المشروط ومع

[ 111 ]

العلم بانتفاء الاثر العرفي يمتنع التوصل إليه من دون فرق بين أن يكون الشرط مقوما لاصل الماهية وان يكون مقوما لصحتها (قوله: لان فساد الوكالة) كان المناسب التعليل بأن تعليق الوكالة واقعا على كون الموكل مالكا إنما يقتضي انتفاءها في ظرف عدم كونه مالكا لا انتفاءها ولو كان مالكا ففي ظرف كونه مالكا يصح الايقاع من الوكيل، واما التعليل المذكور فغير ظاهر (أولا) من جهة ان التعليق الواقعي لا يقتضي الفساد ولذا جوز الايقاع بصورة التنجيز وان كان في الواقع معلقا (وثانيا) من جهة أن بقاء الاذن مع فساد الوكالة محل اشكال وخلاف، بل الاظهر عدمه لان الاذن مبنية على الوكالة فلا تبقى بارتفاعها (قوله: لان الجزم هنا حاصل) لامكان القصد الى البيع ولو لم يكن مالكا كما في بيع الفضولي، (قوله: دون مثال الطلاق) كأنه من جهة ان الشرط غير المحرز مقوم فيه وليس كذلك في طرفيه إذ حلية المرأة المتزوج بها من قبيل الشرط الشرعي لترتب الاثر الشرعي لا شرط عرفي وكذلك في بيع أمة الاب فان كون البائع هو المالك شرط في ترتب الاثر الشرعي (قوله: لعدم قصده) قد عرفت أنه لا مانع من القصد الى المعاملة العرفية ولو مع العلم بانتفاء الاثر الشرعي لانتفاء شرطه كما في بيع الغاصب. التطابق بين الايجاب والقبول (قوله: من حيث خصوص المشتري) الخصوصيات المذكورة في العقد منا ما يفوت بفواتها العقد كخصوصية الثمن والمثمن، ومنها ما لا يكون كذلك كخصوصية وصف المبيع ووصف الثمن وخصوصية الشرط بناء على ان بطلان الشرط لا يقتضي بطلان العقد (فالاول) لا بد من المطابقة فيه بين الايجاب والقبول لان تخلفه قصدا موجب لفواته والمفروض أن فواته موجب لبطلان العقد (اما الثاني) فقد يشكل وجوب المطابقة بينهما فيه إذ غاية ما يقتضي ذلك فواته والمفروض ان

[ 112 ]

فواته لا يوجب بطلان العقد لتقوم العقد بغيره وتخلفه لا يمنع من صدق العقد بالنسبة الى غيره إذ الوجه في عدم فوات العقد بفواته انه منشأ بنحو تعدد المطلوب فإذا فات العقد بالاضافة الى بعض مراتبه أمكن أن يصح بالاضافة الى بعض أخر والانحلال الى هذه المراتب انما هو بتوسط انحلال الايجاب فان القبول - كما عرفت آنفا - ليس الا الرضى بالايجاب وامضاءه فان كان الايجاب منحلا الى مراتب متعددة كان القبول تابعا له وان لم يكن منحلا كان القبول كذلك فإذا كان العمدة في انحلال العقد هو انحلال ايجابه فلا مانع من أن يكون القبول متعلقا ببعض تلك المراتب ويكون العقد متحققا بالنسبة إليها وان لم يكن متحققا بالنسبة الى البعض الاخر مثلا إذا باعه الفرس والحمار بدرهمين فقبل أحدهما بدرهم فقد تحقق العقد بالنسبة الى أحدهما وبطل بالنسبة الى الاخر ومثله ما لو باعه الفرس بعشرة فقبل نصفه بخمسة أو باعه الدابة بشرط خياطة ثوب فقبل بلا شرط { وبالجملة }: البناء على تعدد المطلوب بالنسبة الى بعض الخصوصيات يستدعي جواز المخالفة بين الايجاب والقبول بالنسبة إليها فيصح العقد بالاضافة الى مورد التطابق وببطل بالاضافة الى مورد التخالف فان اريد باعتبار التطابق اعتباره بالاضافة الى تمام مراتب العقد فهو في محله وان اريد بالاضافة الى جميع مراتب العقد فهو غير ظاهر بل ممنوع. اللهم إلا أن يقال: إن انحلال الايجاب إنما يترتب عليه الاثر بشرط القبول، وبعبارة، اخرى الانحلال الذي يكون موضوعا للاثر انما يكون للعقد لا للايجاب نفسه ولا يخلو من وجه. ثم ان اعتبار خصوصية المشتري والبائع انما يكون في ظرف يكون العوض ذميا لان اختلافهما يوجب اختلاف ما في ذمتهما أما إذا كان العوض خارجيا كما لو اعتقد البائع أن الثمن المعين لزيد وقد كان لعمرو فقال مخطبا زيدا: بعتك الفرس بهذا الثمن، فقبل عمرو صح لان الخصوصية المذكورة ليست من مقومات المعاملة كما سيجئ التنبيه عليه في بيع الغاصب إذا أجاز المالك (قوله: لا يبعد الجواز) إذا الاختلاف انما هو بمجرد العبارة وكذا الحال في المثال الاخر واشكال المصنف (ره) ضعيف.

[ 113 ]

من جملة الشروط في العقد " أن يقع كل من ايجابه وقبوله في حال يجوز لكل واحد منهما الانشاء " (قوله: بل والنوم) بل والجهل باللغة والصم والغفلة ونحوها مما يمنع من صحة التخاطب لاشتراك الجهة المانعة (قوله: عدم تحقق معنى) غير واضح بالاضافة الى صلاحية القابل حين الايجاب لكون الظاهر صدق المعاقدة والمعاهدة إذا حدثت صلاحيته بعد الايجاب قبل القبول. نعم لا يبعد ذلك بالاضافة الى بقاء الموجب على الصلاحية الى ان يقع القبول ويتم العقد (قوله: فان حقيقة الوصية) كما أوضحنا ذلك في كتاب الوصية (قوله: وكذا لو مات) الظاهر ان أصل العبارة: ولذا لو مات، يعني لما كان شرطا قام الوارث فيه مقامه ولو كان ركنا لما قام لان قيامه مقامه يتوقف على ثبوت حق له والمفروض انتفاء السبب الموجب له بانتفاء جزئه بخلاف ما لو كان شرطا فان الايجاب حينئذ يكون تمام السبب وذلك كاف في ثبوت الحق كذا قرره المصنف (ره) في رسالته في الوصية، والاشكال عليه ظاهر إذ يمتنع ترتب الاثر على السبب مع انتفاء شرطه، ولو قيل بأن الشرط شرط في فعلية الاثر لا في ثبوت الحق أمكن أن يقال مثل ذلك لو كان القبول جزء السبب فان كونه جزء السبب بالاضافة الى ملكية الموصى له لا ينافي كون الايجاب سببا في ثبوت حق أن يملك والعمدة في هذه المسألة النصوص كما اشرنا الى ذلك في شرح كتاب الوصية (قوله: ولو رد جاز له القبول) فذلك يدل على أن القبول ليس ركنا والا لكان الرد مانعا من التئامه مع الايجاب كما هو كذلك في عامة العقود. ثم ان جواز القبول بعد الرد عندهم انما هو في الرد الواقع حال حياة الموصي أما ما كان حال موته وقبل قبول الموصى له فلا خلاف في عدم جواز القبول بعده وفي الجواهر: الاجماع بقسمية عليه، وتحقيق ذلك موكول الى محله (قوله: لان المعتبر فيه عرفا) المناسب للحكم المعلل ان يقول:

[ 114 ]

لان المعتبر من الرضى ما كان صادرا عمن يعتبر رضاه حين انشاء الاخر وهو من لم يكن محجورا، وهذا ايضا لا يخلو باطلاقه من مصادرة إذ لا ريب في تحقق المعاهدة والمعاقدة من المحجورين وانما الموجب لعدم النفوذ ما دل على مانعية الحجر عن التصرف الذي هو بمنزلة المخصص لادلة الوفاء بالعقود ولذا يصح مع اجازة الغرماء أو الولي أو المالك أو الوارث. نعم لا بد من ملاحظة دليل الحجر فإذا دل على بطلان العقد إذا قارن ايجابه أو قبوله موجب الحجر في كل منهما تم الشرط المذكور لما ذكر و إلا فالمرجع في نفي احتمال ذلك أدلة النفوذ (قوله: ان الموجب لو فسخ قبل) يعنى لورد إذ الفسخ إنما يكون للعقد لا للايجاب. ثم إن مانعية الرد قبل القبول من تحقق المعاهدة لا يصلح لاثبات ما ذكره من لزوم كون القابل حال الايجاب على صفة القابلية لظهور الفرق بين المقامين. نعم يمكن ان يجعل ذلك دليلا على اعتبار بقاء الموجب على الصلاحية الى تمام القبول على تأمل واشكال لامكان الفرق بينهما أيضا - مع أنه لو سلم ما ذكر بالنسبة الى ما ذكره أولا امكن الاشكال فيه بالنسبة الى ما ذكره أخيرا لما عرفت من أن المرجع فيه أدلة الحجر لا غير، { وبالجملة }: المناسب ذكر الشرط المذكور أخيرا في عداد شروط المتعاقدين إذا فرض قيام الدليل عليه، ومن ذلك تعرف الاشكال في بقية العبارة. فلاحظ، (قوله: على خلاف القاعدة) بل قد عرفت انه مقتضى القاعدة وما ذكره " قده " غير ثابت فلا يكون قاعدة.

[ 115 ]

فرع لو اختلف المتعاقد انه في شروط العقد (قوله: بما يقتضيه مذهبه) يعني فيكتفى بذلك بالاضافة الى ما يصدر منه فيعمل بالاضافة الى ما يصدر من الاخر بما يقتضيه مذهب الاخر لا مذهب نفسه فإذا اختلفا في اعتبار العربية، وكان القائل باعتبارها موجبا كفى صدور الايجاب منه بالعربية وان كان القبول بالفارسية وان كان قابلا كفى صدور القبول منه بالعربية وان كان الايجاب بالفارسية (قوله: وجواز العقد) الواو للمعية والمراد التمثيل للوجه الثالث (قوله: اردؤها الاخير) إذ لا يبتني على شئ والامر دائر بين الوجهين الاولين لدوران الامر بين مبنييهما (قوله: بمنزلة الواقعية) بمجرد كونها بمنزلة الواقعية غير كاف في البناء على الصحة إلا أن يثبت عموم التنزيل بلحاظ غير من توجه إليه الحكم ممن كان عمل من له الحكم موضوعا لاثر شرعي بالاضافة إليه ايضا كما في المقام، ولو ثبت هذا العموم امكن البناء على الصحة ولو قلنا هي أحكام عذرية فيكون ذلك الحكم العذري موضوعا للاثر بالنسبة الى غير المحكوم به وكأنه لذلك قيد المصنف " ره " الاحكام العذرية في كلامه الاتي بقوله: لا يعذر فيها الا من اجتهد.. الخ والا فمجرد كونها عذرية لا يقتضي المنع من ترتيب الاثر بالنسبة الى الغير لامكان كونها عذرية على نحو تكون موضوعا للاثر بالنسبة الى الغير نظير قوله عليه السلام: لكل قوم نكاح، مع أن نكاح كل قوم قد لا يكون عذريا ايضا، وكيف كان فادلة الاحكام الظاهرية لا تدل على كونها أحكاما واقعية ثانوية ولا على كونها عذرية بنحو يصح ترتيب أثر الواقع عليها بالاضافة الى غير المحكوم، والبناء على ذلك في بعض الموارد انما كان لدليل يختص به لا لوفاء الادلة العامة به (قوله: واما الموالاة) الفرق بين القسمين هو أن الخلل في الاول يكون في احد الجزئين وفي الثاني يكون في جميعها، وعليه فينبغي عد الترتيب من الثاني لان الترتيب قائم بالجزئين معا فإذا فات فات منها معا ولا يختص باحدهما (قوله: والبناء على) مرجع هذا الشرط الى انه

[ 116 ]

يعتبر في كل من الايجاب والقبول مقارنته لاهلية الطرف للانشاء فإذا كان الموجب لا يرى ذلك فاوجب قبل حدوث أهلية القابل كان الخلل مختصا بالايجاب فإذا حدثت الاهلية للقابل فقبل مع بقاء اهلية الموجب الى تمام القبول لم يكن القبول مختلا في نفسه فجعل هذا الشرط من شرائط الجزئين غير ظاهر ولعله اشار إليه بقول: فتأمل، لو قبض ما ابتاعه بالعقد الفاسد (قوله: لا الى مال من) فان المال يمتنع ان يكون موضوعا للاحكام التكليفية فلا بد أن يكون المصحح لاعتباره في الذمة أمرا غير التكليف وهو الملكية أما لو كان ما في الذمة فعلا من أفعال المكلف فان كان ما يدل على أن المصحح لاعتباره في الذمة الملكية كما في الشروط والاجارات ونحوها فهو، والا تعين كون المصحح هو التكليف كما في الواجبات الشرعية فانها وان كانت مستقره في الذمة على المكلف لكنها ليست مملوكة لله تعالى، ومن ذلك يظهر ان قولنا: على زيد أن يصلي، ظرفه مستقر لا لغو متعلق بمحذوف مثل: يجب عليه، أو: يلزم عليك، كما ذكرنا ذلك في مثل قولنا: لزيد أن يشرب الماء، فان ذلك لو صح لصح في المحرمات مثل: عليك أن تكذب، بمعنى يحرم عليك. فتأمل جيدا (قوله: ومن هنا كان) يعني من أجل ظهور الرواية في الحكم الوضعي أمكن الاخذ بعمومها بالنسبة الى الطفل بخلاف ما لو كان مفادها الحكم التكليفي فانه يمتنع شمولها له لحديث: رفع القلم عن الطفل، وقد يقال: إن هذا انما يتم بناء على تأصل الاحكام الوضعية، أما بناء على انتزاعها من الاحكام التكليفية كما هو مذهب المصنف (ره) فلا يمكن شمولها للطفل ولو قلنا بظهورها في الحكم الوضعي لانتفاء التكليف في حقه ليصح انتزاع الوضع منه ولو صح انتزاعه من تكليف الولي أمكن الاستدلال بها بالنسبة الى الطفل، ولو قيل بظهورها في التكليف بتوجيهه الى الولي ايضا، وفيه انه بعدما كانت ظاهرة في ثبوت الحكم بالنسبة الى ذي اليد فان حملناها على الوضع لم يمنع

[ 117 ]

من شمولها للطفل منع لا مكان انتزاع ذلك الحكم الوضعي من الحكم التكليفي المتوجه الى الولي، أما لو حملناها على الحكم التكليفي فلا وجه لصرفها الى الولي لان تخصيصها بادلة رفع القلم أولى من ذلك فيتعين ارتكابه ولذا لم يتوهم احد صرف عمومات الاحكام التكليفية الشاملة للطفل في مثل الصلاة والصيام وغيرها الى الولي (قوله: إذا لم تكن يدهما) والا لم يصدق عليها اليد فلا تكون موضوعا للحديث، (قوله: لعدم التمييز) تعليل للضعف (قوله: لم يستوفه المشتري) ذكره لدفع توهم كون الضمان بالاستيفاء لا لليد، والوجه في عدم كونه استيفاء أنه ليس انتفاعا منع بها عرفا - مضافا الى أن الضمان بالاستيفاء يختص بما هو مملوك للمضمون وليس كذلك في الفرض (قوله: بطريق أولى) لان اليد على المنافع إنما هي بتبع اليد على العين فإذا كانت اليد التابعة مضمنة فالمتأصلة بطريق أولى (قوله: لا المتلف فافهم) يحتمل أن يكون اشارة الى أن إحداث نمائها غير قابل للملك نوع من الاتلاف، أو الى أن الاستيلاد إشغال لها بالولد فهو استيفاء لنمائها، لكن يشكل الاول بأن الاتلاف الموجب للضمان إيقاع التلف على مال الغير وليس الاحداث المتقدم منه، ويشكل الثاني بأن الاشغال بالولد ليس من منافع الجارية عرفا - مع ان الرواية تضمنت قيمة الولد لا قيمة الاشغال به والولد ليس انتفاعا له كي يضمن بالاستيفاء كما عرفت. بل ليس هو مملوكا للمالك الامة كي يصح ضمانه بالاستيفاء لاختصاص الضمان به بذلك (فالاولى) ان يكون اشارة الى ان الوطء إذا كان سببا لحدوث المال غير قابل للملك فإذا كان ذلك مانعا من كون الضمان بالاتلاف يكون ايضا مانعا من الضمان باليد لان التلف تحت اليد انما يكون موجبا للضمان باليد إذا كان التالف ملكا للمضون له، والولد ليس كذلك، فلا تصلح الرواية شاهدا لما نحن فيه، بل تدل على ضمان الولد بسبب تعبدي غير الاسباب المعروفة، بل عدم تعرض الرواية لضمان منافع الامة من حين الشراء الى زمان الرد يومئ الى عدم ضمان الرد بالنسبة الى المنافع. فلاحظ.

[ 118 ]

قاعدة ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده (قوله: والمراد من الضمان في) الحمل على هذا المعنى كأنه للمحافظة على قرينة السياق المقتضية لكون المراد بالضمان في الصحيح والفاسد معنى واحدا (قوله: فليس هو معنى) ولا هو من لوازمه فان الغاصب إذا تلف المغصوب في يده لا يكون تلفه في ملكه (قوله: فلا يقال ان الانسان) هذا لو تم لا يختص بالشهادة على نفي كون معنى الضمان هو كون التلف في ملك الضامن، بل يشهد ايضا على نفي كونه بالمعنى الذي سبق منه من كونه بمعنى كون خسارته ودركه في ماله الاصلي إذ على ذلك المعنى ايضا يلزم صحة كون المالك ضامنا لا مواله لان دركها وخسارتها عليه لا على غيره، والذي ينبغي ان يقال: إن الضمان عبارة عن التعهد، والالتزام بمال الغير، وحكم هذا التعهد وجوب دفعه مع وجوده ودفع بدله من مثله أو قيمته مع تلفه، وثبوته في المقبوض في العقد الفاسد ظاهر لمام عرفت من عموم على اليد، وأما ثبوته في العقد الصحيح فيتوقف على ملاحظة الجهات التي تكون في العقد الصحيح كي يعرف ما يصح منها لتطبيق العقد الصحيح بلحاظه ومالا يصح فنقول: إذا باع زيد فرسه على عمرو بدينار بيعا صحيحا فهنا أمور (الاول) الخسارة الواردة على كل من زيد بخروج الفرس عن ملكه وعمرو بخروج الدينار عن ملكه المتداركة بالعوض فان الخسارة الواردة على زيد متداركة بالدينار وعلى عمرو متداركة بالفرس (الثاني) ضمان زيد الفرس قبل قبض المشتري وضمان عمرو للدينار قبل قبض البايع فلو تلفت الفرس كانت خسارتها على زيد ولو تلف الدينار كانت خسارته على عمرو ويسمى هذا الضمان ضمان المعاوضة (الثالث) انه بعد التقابض لو طرأ فسخ باقالة أو غيرها أو انفساخ فان كانت العين موجودة دفعها القابض الى المالك وان كانت معدومة دفع بدلها من المثل أو القيمة إليه وذلك يدل على ضمان القابض إذ لو لم يكن كذلك امتنع الفسخ مع التلف لانتفاء الموضوع

[ 119 ]

مع انه لا اشكال فيه في الجملة (فان قلت): يمتنع ضمان القابض لانه مال له والانسان لا يضمن أمواله (قلت): لا مانع في الجملة من ضمان الانسان لامواله إذا كانت موضوعا لحق الغير فان الراهن إذا اتلف العين المرهونة فعليه ضمانها مع أنها ماله، ومثله إذا اتلف المالك ما نذر التصدق به وكذلك العين الزكوية إذا تعلق بها حق الزكاة بناء على انها من الحقوق فإذا جاز ضمان المالك لماله تبعا لضمان حق الغير لامانع من الالتزام في المقام بأن العقد الواقع منهما على مالهما يستوجب ثبوت حق مضمون على تقدير تلف موضوعه بضمان موضوعه وحينئذ ان اريد من تطبيق الضمان في الصحيح ملاحظة الامر الاول فليس هو من الضمان المصطلح فان المعاوضة تستلزم ملك كل منهما لمال غيره بعوض لا أن يكون كل منهما ضامنا لمال غيره كيف وقد عرفت أن معنى الضمان كون المال في عهدة الضامن لغيره وذلك أجنبي عن المعاوضة، وان اريد ملاحظة الامر الثاني فهو ايضا كذلك لبنائهم على ان التلف من مال البائع راجع الى انفساخ العقد عند التلف فيرجع المال الى المالك ويتلف وهو في ملك من هو بيده لا انه يتلف من ملك مالكه ويكون مضمونا على من هو بيده كما في ضمان اليد فاطلاق الضمان عليه بنوع من العناية ولذا سموه بضمان المعاوضة، وان أريد ملاحظة الامر الثالث كان اطلاقه في الصحيح بالمعنى الذي يكون في الفاسد وان كان في الاول تبعيا وفي الثاني اصليا وعليه فلا يلزم التفكيك بين معنى الضمان في الفقرتين من دون حاجة الى ارتكاب ما ذكره المصنف (ره)، ويشهد باطلاقهم الضمان على هذه الجهة قولهم: وبالقبض ينتقل الضمان، إلا أن ارادته من كلامهم بعيدة ولذا فسر المصنف (ره) الضمان في الفقرة الاولى بالضمان بالمسمى وقبله في الجواهر فلاحظ كلماتهم وعليه يتعين البناء على التفكيك بين الفقرتين في معنى الضمان ولا باس به إذا كان هو الظاهر (قوله: هو لزوم تداركه) قد عرفت الاشارة الى أن الضمان عبارة عن كون مال الغير في العهدة ولزوم التدارك بمثله أو قيمته من أحكامه الثابتة عند التلف كما أن من احكامه دفعه بنفسه مع وجوده وليس معنى الضمان لزوم التدارك بالعوض الواقعي (قوله: نظير المعاطاة) قد عرفت

[ 120 ]

أن تعين المالين فيها للعوضية عند التلف كان لاجل البناء على صحتها حينئذ فلا مجال لقياس المقام عليها لكون المفروض فساد العقد الى الابد (قوله: مغايرة لمعناه في) قد عرفت انه الظاهر المتعين ولعله الى ذلك اشار بقوله: فافهم (قوله: لجواز كون نوع) تعليل لمنع كون عموم العقد في القاعدة بلحاظ خصوص الانواع وحاصله انه لو كان العموم بلحاظ الانواع لزم عدم اطراد عكس القضية فان الصلح الجامع بين الصلح المعاوضي وغيره بما هو جامع بين الصنفين لا يقتضي صحيحه المضان فيدخل في عكس القضية وهو: مالا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده، ومقتضى ذلك ان الصلح الفاسد لا يقتضي الضمان - مع أنه قد يقتضيه إذا كان الفاسد من الصلح المعاوضي، ونحو ذلك يقرر في الهبة الجامعة بين الهبة المجانية والمعوضة والعارية الجامعة بين المضمونة وغيرها وعارية الذهب والفضة وغيرها فالمتعين أن يكون المراد أصناف تلك الانواع مثل الصلح المعاوضي الذي يقتضي صحيحه الضمان وكذا فاسده والصلح غير المعاوضي الداخل في عكس القضية فانه لا يقتضي صحيحه الضمان ولا فاسده وكذا الحال في الاصناف المذكورة وغيرها (قوله: ولعل المراد عارية) أو لعل المراد دخول الانواع والاصناف معا مع ملاحظة الحيثية فنوع الصلح أو العارية مثلا لما لم يقتض الضمان بصحيحه يدخل في عكس القاعدة ويكون الفاسد من الصلح أو العارية من حيث هو صلح أو عارية لا يقتضي الضمان ولا ينافي ذلك أن يكون الصلح المعاوضي وعارية الذهب والفضة من حيث هما كذلك يقتضيان الضمان بصحيحهما فيقتضيان الضمان ايضا بفاسدهما ويدخلان في نفس القاعدة (قوله: ويظهر من الرياض اختيار) قال في الرياض فيما لو استعار من الغاصب فرجع المالك على الغاصب: لم يرجع - يعني الغاصب - على المستعير الا مع علمه أو كون العين مضمونة فيرجع عليه فيهما لاستقرار الضمان عليه في الاول واقدامه في الثاني على الضمان مع صحة العارية فكذا عليه الضمان مع الفساد للقاعدة الكلية ان كل عقد يضمن بصحيحه يضمن بفاسده، وقال في المسالك في هذه المسألة: فان رجع على المستعير يرجع على الغاصب ان لم تكن العارية مضمونة وإلا

[ 121 ]

رجع عليه بغير ما أقدم على ضمان... الى أن قال: لانا لم نضمنه من حيث الغصب بل من حيث كونها عارية مضمونة ودخوله على ذلك فإذا تبين فسادها لحق حكم الفاسد بالصحيح كما سلف من القاعدة وان رجع المالك على الغاصب لم يرجع على المستعيران لم تكن مضمونة وإلا رجع عليه بما كان يضمنه لو كانت صحيحة. انتهى وفي الجواهر انكر ذلك على المسالك لعدم الدليل على القاعدة في المقام وأن دعوى الاجماع عليها معلومة الفساد إذ المشهور بين الاصحاب الضمان هنا مع الجهل وان رجع بقاعدة الغرور، وظاهره انكار الدليل على ثبوت القاعدة في مثل ذلك لا انكار عموم القاعدة له فهو يسلم أن مقتضى القاعدة ذلك وان اقتضاء العقد الصحيح للضمان أعم مما كان بنفس العقد وبالشرط، لكن لا يسلم حجية القاعدة على النحو المذكور، ولكن التأمل في ذلك ظاهر لان الظاهر من سببية العقد الصحيح للضمان كونه بنفسه مقتضيا له لا بالشرط المذكور في ضمنه. نعم لا يبعد ذلك بناء على أن الباء في قولهم: بصحيحه وبفاسده، ظرفية لكن يشكل أيضا بما عرفت من أن الضمان في الصحيح انما هو بمعنى التعويض الجعلي فلا يشمل مثل الضمان بالشرط في العارية لانه بمعنى آخر كالضمان في الفاسد (قوله: وربما يحتمل في العبارة) المحتمل صاحب الجواهر ذكر ذلك في كتاب الاجارة في مبحث الاجارة الفاسدة (قوله: وجد له بالفعل) الظاهر أن المراد أن له فردين صحيحا وفاسدا ولو فرضا في مقابل ما ذكره بقوله: لا ما يفرض... الخ وهو أن يكون له فرد واحد يفرض صحيحا تارة وفاسدا اخرى فالمراد بالعقد هو الجامع بين فردين لا الفرد الذي يكون موضوعا لحالين الصحة والفساد (قوله: إلا بعد القبض) لكن القبض شرط لسببية العقد للضمان لانه شرط صحته كسائر شرائط الصحة مثل العلم بالعوضين لا شرط في تأثير العقد الصحيح في الضمان (قوله: ويتدارك برد الثمن) قد عرفت أن الضمان إنما يكون بانفساخ البيع لا مع صحته فمع عدم التلف والانفساخ يكون البيع موجبا لضمان المشتري بالمسمى وان لم يقبض المبيع وكأنه كذلك أمر (قده) بالتأمل (قوله: وكذا الاجارة والنكاح) ان كان

[ 122 ]

الضمان في المقام بالمعنى المتقدم فقد عرفت حاله وان كان لليد فهو لا ينافي ضمان العقد لان ضمانه كان بالمسمى على المشتري وضمان البايع له بعد ملك المشتري له باليد كما لو كان بيد ثالث، وكيف كان فلا قصور في سببية العقد للضمان بالمسمى (قوله: لانه المنشأ للقبض) هذا هو الظاهر كما سيأتي انشاء الله تعالى. مدرك القاعدة (قوله: ثم اضاف الى ذلك) قال (ره): والسر في ذلك - يعنى في الضمان - أنهما تراضيا على لوازم العقد فحيث كان مضمونا فقد دخل القابض على الضمان ودفع المالك عليه - مضافا الى قوله " ص ": على اليد ما اخذت حتى تؤدي، وهو واضح. انتهى (قوله: لا الضمان بالمثل) لو فرض اقدامهما على الضمان بالمثل أو القيمة كما لو باعه بمثله أو بقيمته لم يجد ذلك في ضمانه بعد كون المفروض فساد العقد وعدم ترتب أثر عليه فالاقدام على الضمان إذا لم يمضه الشارع الاقدس ليس من أسباب الضمان مطلقا فلا تتم دعوى كونه من أسباب الضمان (قوله: كما قبل القبض) لكن موضوع كلامهم ما بعد القبض فمرادهم من كون الاقدام موجبا للضمان انه موجب له في المقبوض فلا يتوجه النقض المذكور (قوله: ضمان المبيع على البايع) يعني الضمان الذي يتضمنه العقد الصحيح والمناسب التمثيل له بقوله: بعتك بثمن علي وآجرتك باجرة علي، لكن قوله (ره): إذا تلف في يد المشتري، ظاهر في حصول الاقدام على الضمان العقدي وان الشرط الضمان الاصطلاحي على تقدير التلف مثل ان يقول: بعتك الفرس بدرهم وعلى ضمان الفرس لو تلف عندك، لكن هذا لا يحسن النقض به لتحقق الاقدام على ضمان الفرس بالدرهم لان المراد بالاقدام على الضمان في الصحيح ما كان في مقابل الاقدام على المجانية (قوله: كما إذا قال بعتك) هكذا في نسختي والظاهر سقوط حرف العطف وان اصل العبارة: وكما إذا قال... الخ (قوله: في الاخير عدم)

[ 123 ]

المراد من الاخير مثال الاجارة - كما تقدم - ومن مثال البيع: بعتك بلا ثمن، واستشكال العلامة (ره) كان في القواعد حيث قال: وهل يكون مضمونا على القابض فيه اشكال ينشأ من كون البيع الفاسد مضمونا ودلالة لفظه على اسقاطه. انتهى (قوله: إلا أن مورده مختص) لم يرد لهذا الحديث مورد وكأن المراد أنه مختص بالاعيان لان الظاهر من الموصول الواقع عليه الاخذ خصوص الاعيان ولا ينافيه كون المراد من الاخذ الاستيلاء فان الاستيلاء انما يكون على الامور الخارجية ولا يجري في الامور الاعتبارية كما سيأتي في الامر الثالث (قوله مال المسلم) قد عرفت الاشكال في صدق المال على غير الاعيان فالتمسك بمثل: لا يحل مال امرئ مسلم، غير ظاهر ولا سيما وان الظاهر منه التكليف وجهة التصرف لا الوضع والضمان. نعم لو سلم ذلك لم يرد عليه انصرافه عن صورة العمل باختيار العامل ورضاه ولا سيما مع كراهة الطرف الاخر وندمه على الامر بالعمل، إذ دعوى الانصراف ممنوعة مع فرض كون العمل بداعي الاجرة وجريا على المعاوضة بعنوان كونه مملوكا لمن يعمل له (قوله: مضافا الى عموم نفي) هذا يتوقف على كون مفاد العموم المذكور نفي الضرر ولو كان ناشئا من عدم الحكم أما لو اختص بما كان ناشئا من جعل الحكم فلا يصح التمسك به في المقام والظاهر الثاني - كما هو محرر في محله - وقد يستشكل عليه (تارة) بانصراف العموم المذكور من صورة العمل باختيار العامل ورغبته، وفيه ما عرفت (واخرى) بان صورة الاقدام على الضرر خارجة عن العموم المذكور وكون المقام ليس منه يتوقف على جريان العموم إذ لو لم يجر كان من الاقدام على الضرر فجريان العموم يتوقف على كون المقام ليس من الاقدام على الضرر، وكونه كذلك موقوف على جريان العموم وهو دور (وفيه) أن عنوان الاقدام على الضرر وعدمه لابد من إحرازه مع قطع النظر عن العموم ومن المعلوم أن من يعمل بعنوان استحقاق الغير لعمله ليس مقدما على اضرار نفسه (وثالثة) بمعارضة العموم لقاعدة السلطنة الجارية في حق المستأجر لان اشغال ذمته بالعوض خلاف سلطنته على نفسه، وفيه ان قاعدة الضرر حاكمة على قاعدة السلطنة حكومتها على سائر أدلة الاحكام. نعم لو كان اشتغال ذمة

[ 124 ]

المستأجر ضررا عرفا كان المورد من موارد تعارض الضررين التي يرجع فيها الى القواعد الاخر كقاعدة السلطنة في المقام، لكنه غير ظاهر - مضافا الى أن اشتغال ذمة المستأجر بالعوض ليس على خلاف سلطنته كيف وهو مقدم على ذلك بايقاع المعاملة الفاسدة. نعم لا يتم ذلك مع المخالفة بين العوض الجعلي والواقعي (قوله: لقاعدتي الاحترام و) قد عرفت الاشكال فيه، فالعمدة في دليله الاجماع على أن استيفاء عمل العامل لا بداعي المجانية من أسباب الضمان ولا بدفيه من أمور ثلاثة عدم قصد المجانية، وأن يكون ببعث من المستوفي، وأن يعود نفع العمل إليه، إذ لو لا الاخيران لم يصدق الاستيفاء (قوله: من النقض والاعتراض) قد عرفت تمامية الاعتراض كما عرفت (قوله: خلافا لاخرين) فعن القواعد وجامع المقاصد والتذكرة أنه له أجرة المثل لقاعدة: ما يضمن بصحيحه، ولا ينافيه عدم حصول النفع فان القراض الفاسد يجب فيه أجرة المثل وإن لم يحصل نفع بالعمل لمالك، وفي المسالك تنظر فيه بأن الفرق بين عقد المسابقة وغيره من العقود التي يضمن بفاسدها ليس من جهة رجوع النفع وعدمه، بل لان تلك العقود اقتضت الامر بالعمل بخلاف هذا العقد فانه لم يقتض ذلك فان قوله: سابقتك، على معنى أن من سبق منافله كذا، وقاعدة ما يضمن لا دليل عليها كلية بل النزاع واقع في موارد... الخ { والتحقيق }: أن عقود المراهنات والمغالبات غير عقود المعاوضات فان عقود المعاوضات يكون المعوض عنه مما يرغب في وجوده مالك العوض فيبذل العوض بازائه ويوقع عقد المعاوضة بداعي حصوله في الخارج، ولاجل ذلك يكون فعله في الخارج بداعي العقد راجعا الى فعله بامر باذل العوض المستفاد من ايقاع العقد فيكون مستوفيا له إذا كان العقد فاسدا، وأما عقود المغالبة فالعمل فيها لا يكون محبوبا بل قد يكون مبعوضا، بل بعد إيقاع العقد يكون مبغوضا طبعا لما يترتب عليه من الخسارة التي اقتضاها فادا وقع جريا على العقد الفاسد لا يكون مستوفى لمالك العوض، لما عرفت سابقا من توقف عنوان الاستيفاء على كون العمل مما يعود نفعه الى المستوفي ولا يكون ذلك الا في المحبوب فالعوض في عقود

[ 125 ]

المعاوضات من قبيل الثواب وفى المراهنات والمغالبات من قبيل العقاب والمقصود من قولهم: يرجع نفعه الى المستوفي، أنه محبوب له سواء أكان من شئونه مثل بناء داره وخياطة ثوبه أم لا يكون من ذلك مثل كنس المسجد وتعليم ولده الذي يولد بعد وفاته ونحوهما، ومن ذلك تعرف الاشكال فيما ذكره الجماعة من عدم اعتبار حصول النفع في الضمان مستشهدين على ذلك بالضمان في القراض، وما في المسالك من موافقتهم على ذلك، ومن أن الموجب ليس هو ذلك بل الامر وهو غير موجود في المسابقة فالعمدة في وجه عدم الضمان الاصل بعد عدم ما يوجب الخروج عنه من عقد أو استيفاء أو نحوهما من أسباب الضمان. فلاحظ وتأمل (قوله: على انه ملك المدفوع) قد يقال بأن العقد ليس الا الملكية باعتبار البائع وهي حاصلة إذ المفروض أنه أنشأها وبنى على كون المشتري مالكا، وفيه أن الملكية عند الشارع هي الملكية عند العرف، وانما الاختلاف في الاسباب المصححة للاعتبار فقد لا يكون السبب الشرعي سببا عند العرف كما قد لا يكون السبب العرفي سببا عند الشارع فالجاعل للملكية سواء أكان شرعيا أم عرفيا إنما يقصد جعل ذلك المفهوم الخاص لكن قد يتوصل الى جعله بالسبب الذي لا يكون عند الشارع سببا فيكون التشريع منه في السبب لاغير لا في المسبب بحيث يقصد جعل ملكية اخرى غير الملكية الشرعية فالعنوان الذي يكون الدفع مقيدا به حين فساد العقد هو ذلك المعنى الخاص الذي لم يجعل الشارع العقد الخاص سببا لا معنى آخر وهو الملكية عند العرف كي يدعى حصوله. فلاحظ.

[ 126 ]

قاعدة مالا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده (قوله: فمعناه أن كل) مما تقدم في معنى الاصل تعرف معنى العكس وان كل عقد لا يقتضي ضمانا إذا كان صحيحا لعدم كونه متضمنا لمعاوضة فلا يقتضي ضمان المقبوض إذا كان فاسدا وسيأتي الاستدلال عليها في كلام المصنف (قوله: بل المضمونة بناء) قد عرفت ما فيه (قوله: وغير ذلك من العقود) يعني مما لا يتضمن معاوضة (قوله: والظاهر ان المحكي عنه) المذكور في مجمع الفائدة في مسألة اشتراط ضمان العين في عقد الاجارة هو عدم ضمان العين على تقدير فساد العقد لفساد الشرط المذكور مستدلا عليه بالاصل، وبما تقرر عندهم من أن كل ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده. انتهى، ولاجل ذلك لم يتضح الوجه لما ذكره المصنف (ره) ولعله استفاده من كلام له في غير المسألة المذكورة (قوله: إما لخروجها عن) لعل ذلك ظاهر الرياض حيث استدل على الضمان بالخبر ولم يتعرض للقاعدة اصلا (قوله: ومورد العقد في الاجارة) فيه أن العين هي مورد الاجارة فيقال: آجرت الدار، ولا يقال: آجرت المنفعة. نعم المنفعة موضوع للمعاوضة لان اجارة الدار راجعة الى ايقاع المعاوضة بين منفعتها وبين الاجرة، وكذا باب الاعارة فان موردها العين فيقال: أعرت الدار، وان كان راجعا الى اباحة المنفعة، ولو أريد من كون العين موردا للعقد أنها بسبب العقد صارت معنونة بعنوان خاص وصفة خاصة لم تكن قبل العقد فهو حاصل في العين المستأجرة لانها بسبب العقد صارت موضوعا لحق الاستيلاء عليها لاجل استيفاء المنفعة فهي أولى بأن تكون موردا للعقد من العين في العارية اللهم الا أن يقال: عقد الاجارة لما كان من عقود المعاوضة فهو مما يضمن بصحيحه لما عرفت من معنى الضمان بالصحيح فلا يكون ايضا موردا لتطبيق قاعدة مالا يضمن بصحيحه الا بملاحظة الحيثيتين وهو غير ظاهر، فموضوع العكس مالا يكون من

[ 127 ]

عقود المعاوضة فلا يشمل الاجارة، وفيه أنه لو سلم ذلك كان اللازم ايضا القول بنفي الضمان لما يأتي من أدلة القاعدة الذي لا يفرق فيه بين المقام وغيره، وعدم شمول القاعدة لا يوجب الضمان إذا كان دليلها شاملا له (قوله: معارضة هنا بقاعدة) لم يظهر الوجه في كون ذلك دليلا على الضمان إلا إذا كانت نتيجة المعارضة تخصيص القاعدة بالخبر إذ لو كانت تخصيص الخبر بالقاعدة لكونها اخص منه مطلقا تعين القول بنفي الضمان وكذا لو كانت النتيجة التساقط والرجوع الى دليل آخر إذ المرجع في المقام الاصل وهو يقتضي البراءة من الضمان كما هو ظاهر - مع أنه لا يظهر الفرق بين المقام وغيره في تحقق المعارضة المذكورة فإذا كانت وجها لنفي الضمان في المقام لزم سقوط القاعدة في جميع مواردها (قوله: والاقوى عدم الضمان) كما عرفت وجهه (قوله: غير مخصصة ولا) الاول اشارة الى رد الوجه الثاني. والثاني اشارة الى رد الوجه الاول وقد عرفت وجه ذلك، فلاحظ وتأمل (قوله: فانهم حكموا بضمان المحرم) قال في الشرائع: لا يجوز للمحرم أن يستعير من محل صيدا لانه ليس له امساكه فلو أمسكه ضمنه، ونحوه في القواعد والتحرير وغيرهما، وظاهرهم الضمان بمجرد الامساك فيتوجه النقض به على القاعدة المذكورة، لكن في الجواهر حمل كلامهم على صورة ارساله بعد امساكه لوجوبه عليه، ولان اطلاق كلامهم وان كان يقتضي الضمان بمجرد الامساك لكن من المعلوم ارادتهم صورة الارسال وعليه فلا يكون نقضا على القاعدة لان الضمان بالاتلاف غير منفي في العارية الصحيحة وانم المنفي فيها الضمان بالتلف هذا ولاجل كون ما في الجواهر بعيدا جزم المصنف " ره " بأنهم حكموا بالضمان بمجرد الامساك فيتوجه النقض به حينئذ (قوله: ناقش الشهيد الثاني) قال في المسالك - في شرح عبارة الشرائع المتقدمة - مقتضى عبارة المصنف (ره) وجماعة أنه يضمنه مع التلف للمالك أيضا بالقيمة لانهم جعلوه من العواري المضمونة وان لم يشترط فيها الضمان، ودليله غير واضح إذ مجرد تحريم استعارته لا يدل على الضمان سواء أقلنا بفساد العقد أم بصحته، أما مع صحته فالاصل في العارية عندنا ان تكون

[ 128 ]

غير مضمونة الا ان يدل دليل عليه ولم يذكروا هنا دليلا يعتمد عليه، وأما مع فسادها فلان حكم العقد الفاسد حكم الصحيح في الضمان وعدمه كما اسلفناه في مواضع قاعدة كلية. انتهى، (قوله: بعد البناء على انه) يعني إذا قلنا بأنه لا يجب ارساله - كما مال إليه في المسالك - لاختصاص مادل على وجوب الارسال بغير المملوك فلا يظهر قائل بالضمان كي يصح النقض في المقام، وان قلنا بوجوب الارسال فانما هو للبناء على خروج الصيد عن ملك مالكه باستيلاء المحرم عليه، وذلك بمنزلة الاتلاف له فالضمان يكون بالاتلاف لا بالتلف كما لو جعل خله خمرا فلا يتوجه النقض به على القاعدة - كما عرفت - هذا وظاهر عبارة المصنف (ره) لا تساعد على هذا المعنى بل ظاهرها ان وجوب الارسال راجع الى وجوب الاتلاف وهو بنفسه من أسباب الضمان ولكنه غير ظاهر فان وجوب اكل مال الغير عند المخمصة لا يوجب ضمانه الا في ظرف اكله واتلافه، بل قد يشكل الاول ايضا في صورة علم المعير بالحكم فان الاتلاف الحاصل بوضع يد المستعير كان باذن المالك والاتلاف باذن المالك لا يوجب الضمان. نعم لا يتوجه الاشكال بذلك بناء على ما ذكره في الجواهر من اختصاص الضمان بصورة الارسال إذ الاذن بوضع اليد ليست اذنا في الارسال، ومجرد العلم بأن تكليف المستعير وجوب ارساله لا يتقضي الاذن به كما لا يخفى، ويمكن دفع الاشكال على الاول بأن الاذن في الاتلاف انما يوجب عدم الضمان إذا كان المأذون فيه محللا إذ لا ولاية للمالك على الاذن في الحرام فالاذن بمنزلة العدم فتأمل (قوله التي لم يستوفها) أما المنافع المستوفاة فانها مضمونة بالاستيفاء لا باليد فلا تكون موردا للنقض (قوله: لان الثمن انما هو بازاء) عليه تكون المنافع خارجة عن مورد العقد فلا تكون القاعدة متعرضة لها بل يرجع في ضمانها الى دليل آخر من اليد أو قاعدة الاحترام أو غيرهما مما يأتي بيانه قريبا فلا يتوجه النقض بها (قوله: بناء على انه للبائع) إذ لو كان للمشتري فهو مضمون في البيع الصحيح لانه بعض المبيع فيكون مضمونا ببعض الثمن فلا يتوجه النقض به. هذا والمشهور المنصور أنه إذا لم يشترط انه للمشتري فهو للبائع وحينئذ فإذا قبضه

[ 129 ]

المشتري كان أمانة مالكية غير مضمونة لا في الصحيح ولا في الفاسد، ولو قيل بأنه غير مضمون في الصحيح ومضمون في الفاسد لم يتوجه النقض به أيضا لخروجه عن مورد العقد، ومنه يظهر عدم صحة النقض بالاوصاف والشروط المضمونة مع فساد العقد - مع أنها غير مضمونة مع صحته. ووجه الظهور أنها ليست موردا للعقد بل خارجة عنه فلا مانع من ان تكون مضمونة في الفاسد باليد أو بالاستيفاء وان لم تكن مضمونة في الصحيح لعدم كونه موضوعا للمعاوضة (قوله: بالشركة الفاسدة) لا يخفى أن عقد الشركة في نفسه انما يقتضي الاشتراك في المالين فان اشترط فيه جواز التصرف منهما أو من احدهما ثبت على نحو ما شرط وإلا لم يقتض جواز التصرف بل يحرم التصرف من كل منهما إلا باذن الاخر وعليه فما يقصد النقض به ان كان هو الشركة المقتضية لجواز التصرف - كما هو الظاهر - فإذا فسدت وقلنا بعدم جواز التصرف فكما لا ضمان في الصحيح لا ضمان في الفاسد أيضا لكون المال أمانة والامانة غير مضمونة ولو كانت فاسدة، وان كان هو الشركة غير المقتضية لجواز التصرف لعدم التعرض للتصرف في العقد لم يجز التصرف سواء صح العقد أو فسد وحينئذ يثبت الضمان مطلقا ايضا عملا بعموم على اليد من دون مخصص فالنقض المذكور غير ظاهر (قوله: على ما تقدم من كلام الشيخ) تقدم كلامه في صدر المسألة (قوله: اما من الاقدام) هذا الشق مما يتعرض له الكلام المذكور وانما المستفاد منه نفي سبب الضمان غير العقد والمفروض أن الصحيح منه لا يوجبه فكيف بالفاسد. نعم مقتضى تعليله الضمان فيما يضمن بصحيحه بالاقدام أن الضمان منتف في المقام لعدم الاقدام (قوله موثرة في رفع الضمان) هذا انما يصح إذا كان البناء على ثبوت مقتضى الضمان في العقود الصحيحة فيكون الصحيح رافعا له والفاسد لا رافعية فيه لفساده لكن عرفت أن سوق كلام المبسوط ظاهر في عدم المقتضي للضمان غير العقد (قوله: فان قلت ان الفاسد) هذا ايراد على ما ذكره الشيخ في الاستدلال على عدم الضمان في الفاسد لا على الخدشة التي ذكرها المصنف " ره " (قوله: وهي عموم

[ 130 ]

مادل على) هذا العموم يستفاد من النصوص الواردة في المستعير والمرتهن والودعي والمستبضع والاجير على العمل كالنصار؟ والحمال والجمال ونحوهم والمستاجر للعين وغير ذلك المتضمنة لعدم ضمانهم ومقتضى ترك الاستفصال في بعضها عموم الحكم لصورتي صحة العقد وفساده فتدل هذه النصوص على أن المالك إذا استأمن غيره على ماله فدفعه إليه لم يكن له ضامنا سواء أكان الاستيمان ثابتا شرعا لصحة العقد أم غير ثابت لفساده فمنها صحيح الحلبي عن ابي عبد الله " ع ": في الغسال والصباغ ما سرق منهم من شئ فلم يخرج منه على أمر بين أنه قد سرق وكل قليل له أو كثير فان فعل فليس عليه شئ.... الحديث وصحيح أبي بصير عنه " ع ": عن قصار دفعت إليه ثوبا فزعم أنه سرق من بين متاعه قال: فعليه أن يقيم البينة أنه سرق من بين متاعه وليس عليه شئ فان سرق متاعه كله فليس عليه شئ، وصحيح الحلبي عنه " ع ": صاحب الوديعة والبضاعة مؤتمنان وقال: ليس على مستعير عارية ضمان وصاحب العارية والوديعة مؤتمن، فان التلف المسؤول عن حكمه مما يحتمل وقوعه بعد العقد بنحو تمتنع صحة العقد معه، وترك الاستفصال يقتضي العموم لمثل ذلك، ومثل هذه النصوص كثير في الابواب المتفرقة فراجعها، أما صحيح الحلبي فدلالته على العموم ظاهرة لان الظاهر من قوله (ع): مؤتمنان، الاشارة الى قاعدة عدم ضمان المؤتمن، والظاهر منه أيضا - ولو بقرية إطلاق - الموضوع الشامل لصورة التلف بنحو يكشف عن فساد العقد من اول الامر - هو الائتمان العرفي الانشائي فيشمل صورتي صحة العقد وفساده فتأمل جيدا (قوله: بل ليس لك ان تتهمه) في رواية مسعدة بن صدقة عن ابي عبد الله (ع): ليس لك أن تتهم من قد ائتمنته ولا تأتمن الخائن وقد جربته (قوله: بطريق أولى) هذه الاولوية غير ظاهرة. نعم يمكن أن يدعى انصراف عموم على اليد عن مثل ذلك فان المرتكز العقلائي أن الوجه فيه احترام المال لاحترام مالكه فكما لا يشمل صورة ما لو كان المالك في مقام بذل ماله لغيره مجانا - كما لو قدم طعامه الى ضيفه - كذلك لا يشمل صورة تمليكه له مجانا - كما لو وهبه المال ودفعه إليه - بل اليد في

[ 131 ]

الثاني أولى بانصراف العموم المذكور عنها لان المالك في مقام قطع العلاقة عن المال بالمرة بخلاف الاول. الامر الثاني " وجوب رد المقبوض بالعقد الفاسد " (قوله: على تقدير عدم جواز) الظاهر أن هذا المقدار غير كاف في وجوب الرد بل غاية ما يقتضي حرمة الامساك ولا يتوقف الفرار عن مخالفة الحرمة على الرد، بل يحصل بالتخلية بل يحصل بوضعه في مكان لا يتمكن المالك من الوصول إليه فانه لا يصدق التصرف حينئذ كما لا يصدق الرد فاثبات وجوب الرد لا يكفي فيه مادل على حرمة التصرف (قوله: كما يلوح من) راجع الى نفي الخلاف على التقدير المذكور (قوله: الا ان يقيد بغيرها) لو قام دليل على وجوب الرد فلا فرق بين المؤنة الكثيرة والقليلة في صلاحية عموم نفي الضرر لنفي وجوب الرد المتوقف على المؤنة لاطلاق دليله. نعم إذا كانت المؤنة القليلة غير معتد بها في صدق الضرر عرفا فالعموم المذكور لا يرفع وجوب الرد إذا توقف عليها (قوله: لقوله عجل الله تعالى) هذا التوقيع مروي عن احتجاج الطبرسي (قوله: كفى عموم قوله (ص)) في موثق سماعة عن ابي عبد الله " ع " في حديث: قال رسول الله (ص): من كانت عنده أمانة فليؤدها الى من ائتمنه عليها فانه لا يحل دم امرئ مسلم ولا ماله الا بطيبة نفسه، وتعليق الحل بالمال في نفسه وإن كان لا يخلو من اجمال لاحتمال كون المقدر هو الاستعمال، وكونه الانتفاع، وكونه التصرف، لكن بقرينة سوق تحريم المال مساق تحريم الدم المراد منه اتلافه واعدامه يكون ظاهرا في اتلاف المال إلا أن ذلك لما لم يناسب جعله علة لوجوب أداء الامانة تعين حمله على عموم المنع لحبسه واتلافه وامساكه وانواع التصرف فيه. نعم يشكل اثبات وجوب الرد بالمعنى الوجودي به لان عموم المنع

[ 132 ]

للافعال المتعلقة به انما يقتضي التخلية بينه وبين المالك ورفع الاستيلاء عليه الحاصل ذلك بمجرد رفع يده عنه ولا يتوقف على نقله الى مالكه ولا ينافي ذلك وجوب الاداء المذكور في صدر الحديث إذ ظهور التعليل مقدم على ظهور المعلل فيتعين حمل الاداء في الصدر على ما يقابل الحبس والمنع - اعني تحصيل الاداء من قبله لا غير - والتوقيع الشريف أولى بعدم الدلالة على ذلك فالاستدلال على وجوب الرد فورا بالحديثين غير ظاهر (قوله: انما ملكه اياه عوضا) هذا يختص بالمقبوض في العقود المعاوضية ومحل الكلام أعم فالاولى في الجواب ان يقال: إن الدفع في العقود التمليكية معاوضية كانت أو مجانية إنما كان بعنوان كونه ملكا للمدفوع إليه فالاذن بالتصرف - لو فرضت - فهي اذن بتصرف المالك في ماله ومثلها غير كاف في الجواز، بل لا بد أن تكون بعنوان كونه ملكا للاذن لا للقابض - مع أنك عرفت في مبحث المعاطاة ان انشاء مثل هذه الاذن غير ممكن لعدم ترتب الاثر عليها فتأمل، وأما العقود الاستيمانية فالاذن بالاستيلاء انما كان بعنوان مضمون العقد الجاري عليه الدفع فمع انتفائه تنتفي. نعم قد يحرز طيب النفس بالتصرف في العقود التمليكية المجانية كما لو وهبه ماله مجانا فانه قد يحرز رضى الواهب بالتصرف على تقدير فساد الهبة فان حصل ذلك جاز التصرف لكن ذلك غير الاذن في القبض بعنوان التمليك المقصود للمالك الذي هو محل الكلام إذ قد لا يجوز الرضى ايضا لاحتمال مانع اتفاقي عنه. (تنبيه) قد يتوهم مما ذكرنا في وجه عدم عموم قاعدة على اليد للمقبوض بعد التمليك المجاني من ان الحكم بالضمان ناشئ من احترام المالك وماله فلا يشمل صورة مالو كان المالك في مقام رفع اليد عن ماله، كما لا يشمل صورة ما لو كان باذلا له لغيره أن ذلك مطرد في مثل: لا يحل مال امرئ مسلم، و: لا يجوز لاحد ان يتصرف،

[ 133 ]

فان تحريم التصرف بالمال ايضا ناشئ من احترام المالك وماله فينصرف عن الصورة المذكورة ايضا ومقتضاه جواز التصرف في المقبوض بعقد الهبة الفاسدة، ويدفعه ثبوت الفرق بين دليل الضمان ودليل حرمة التصرف باشتمال الثاني على استثناء صورة الاذن فان الاقتصار على صورة الاذن ظاهر في تحديد الاحترام بذلك والغاء الانصراف وعدم العناية بخلاف دليل الضمان فانه لما لم يتعرض فيه لصورة الاذن ولا لغيرها كان ذلك ظاهرا في العناية بالانصراف على اطلاقه إذ لو لم يكن الامر كذلك لكان عليه البيان وتحديد مقدار الاحترام كما لعله ظاهر بالتأمل فلا يحسن قياس أحد الدليلين بالاخر (قوله: وقد تقدم من التحرير) هذا لم يتقدم في هذا الامر ولا فيما قبله ولم اعرف موضعا من المباحث السابقة تقدم فيه ذلك. الامر الثالث ضمانه المنافع المستوفاة (قوله: صورة الجهل) يعني جهل القابض بالفساد (قوله: الاتفاق على الحكم) لان المغصوب مضمون على قابضه بذاته وبمنافعه المستوفاة (قوله: بناء على صدق المال) لو تم ذلك فانما يقتضي الحديث الشريف مجرد الحكم التكليفي المستلزم للاثم عند المخالفة مع اجتماع شروط التنجيز ولا يدل على الضمان إذ لا ملازمة بين جهة التصرف وبين الضمان كما لا ملازمة بين جواز التصرف وعدم الضمان وكان الاولى الاستدلال بقاعدة: من اتلف. لان الاستيفاء للمنفعة إتلاف لها فيوجب ضمانها، لكن يبقى الاشكال في صحة المبنى - أعني كون المنفعة مالا - وقد تقدم ويأتي التعرض له، بل يمكن أن يقال بعدم اعتبار المال في قاعدة الاتلاف لعموم دليلها مثل: من أضر بطريق المسلمين فهو له ضامن، و: كل من أعطيته أجرا ليصلح فأفسد فهو ضامن، وما ورد في القصار يخرق الثوب من قوله (ع): فهو ضامن بما جنت يده، ونحو ذلك من موارد الضمان بالتعدي التي لا تحصى: وجملة منها موارد العقود الاستيمانية كالوكالة والمضاربة والرهن

[ 134 ]

والوديعة والاجارة وغيرها إلا أن يقال: الادلة المذكورة وان لم يعتبر في موضوعها المال لكنها واردة في خصوص ما كان أمرا خارجيا من عين أو صفة فلا تشمل ما كان اعتباريا محضا كالمنافع فيشكل التمسك بها لاثبات ضمانها، فالعمدة فيه - مضافا الى الاتفاق الذي لا يقدح فيه خلاف الوسيلة - لانه لشبهة - أنه من الاحكام العرفية التي لم يثبت الردع عنها، فلاحظ قوله: ثمنا في البيع) تقدم الكلام فيه في تعريف البيع (قوله: وصداقا في النكاح) هذا يتوقف على اشتراط كون الصداق ما لا على نحو لا يقبل التخصيص وفى الامرين منع ظاهر (قوله: خلافا للوسيلة فنفى) قال فيها: فإذا باع أحد بيعا فاسدا وانتفع به المبتاع ولم يعلما بفساده ثم عرفا واسترد البائع المبيع لم يكن له استرداد ثمن ما انتفع به أو استرداد الولد إن الام عنده وولدت لانه لو تلف لكان من ماله والخراج بالضمان انتهى، (قوله: فالباء للسببية أو المقابلة) باء السببية هي الداخلة على الاسباب مثل قوله تعالى: (ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون) وباء المقابلة هي الداخلة على الاعواض مثل: اشتريته؟ بألف وكافيت احسانه بضعف، ومن ذلك يظهر أن الاستدلال بالحديث المذكور انما يتم بناء على كون الباء للسببية إذ لو كانت للمقابلة دلت على أنه إذا ثبت الخراج يكون الضمان عوضا عنه، وهذا غير الدعوى (قوله: مثل قوله (ع) في مقام) الظاهر أن هذا أجنبي عن هذا المعنى بل المقصود منه التنبيه على ان العين في مدة الخيار ملك للمشتري فالمنفعة تكون له للتبعية بين العين والمنفعة في الملك، وكذا الخبر الوارد في الرهن فلاحظهما، وليس المقصود سببية الضمان لملك الخراج وأن الضامن لعين يملك خراجها ولا قاعدة: من له الغنم فعليه الغرم (قوله: ليس مما أقدم عليه) يحتمل أن يكون مراد المفسر مما ذكره في صدر عبارة التفسير من الاقدام على الضمان التمهيد للضمان الذي هو بازائه الخراج وهو الضمان بمعنى اسم المصدر الناشئ من القبض الجاري على مقتضى عقد المعاوضة الفاسد، لا تطبيق الضمان في الرواية على الضمان بالمعنى المصدري فلا يرد عليه ما ذكر ثم ان هذا التفسير ليس للوسيلة ولعل الوجه في بنائه على عدم ضمان المنافع في المقام

[ 135 ]

وضمانها في المغصوب أن دليل ملك الخراج بالضمان مخصص في المغصوب بصحيح أبي ولاد لا لعدم انطباق الضمان فيه على الضمان في المغصوب لكون المراد منه المعنى المصدري كما لا يرد عليه أن الباء كما يحتمل أن تكون سببية يحتمل أن تكون للمقابلة فيكون الكلام مجملا، إذ فيه أن الاصل أن تكون سببية بل لعل المقابلة راجعة للسببية بنحو من التجوز والعناية (قوله: فالمراد بالضمان الذي) هذا أيضا لا قرينة عليه ولا يدل عليه طبع الكلام إذ كما يحتمل أن يكون المراد المعنى المصدري وهو التعهد بالشئ يحتمل ان يكون المراد اسم المصدر وهو كونه في العهدة، وأيضا كما يحتمل أن يكون المضاف إليه الضمان - أعني المضمون - نفس العين ذات الخراج يحتمل أن يكون نفس الخراج، وأيضا كما يحتمل أن يكون المراد أن الخراج يكون للضامن بسبب ضمانه يحتمل أن يكون المراد أن الخراج يكون عليه بسبب ضمانه لان ضمان العين يستوجب ضمان منافعها ومع هذه الاحتمالات يسقط الكلام عن الحجية في الجميع حيث لا قرينة على التعيين ولم يعرف مورد له بخصوصه كي يمكن أن يستفاد منه معنى بعينه (قوله: المالك فتأمل) يحتمل أن يكون اشارة الى منع اقتضاء العارية ملكا لا للمنفعة ولا للانتفاع، بل إنما توجب الاباحة ويحتمل أن يكون اشارة الى انه يكفي في كون الخراج بالضمان أنه يستوفى الخراج بلا ضمان له مع ضمان العين (قوله: في شراء الجارية المسروقة) وهو خبر زرارة: قلت لابي عبد الله (ع): رجل اشترى جارية من سوق المسلمين فخرج بها الى أرضه فولدت منه أولادا ثم إن أباها يزعم أنها له وأقام على ذلك البينة قال (ع) يقبض ولده ويدفع إليه الجارية ويعوضه في قيمته ما أصاب من لبنها وخدمتها، (قوله: وأضعف من ذلك) إنما كان أضعف لانه ليس في موردها عقد فاسد بخلاف ما قبلها فان فيه عقدا بين غير مالكين (قوله: عبارة السرائر المتقدمة) يعني قوله: ان البيع الفاسد يجري عند المحصلين مجري الغصب في الضمان، ومن المعلوم ان منافع المغصوب مضمونة ولو لم تكن مستوفاة (قوله: إلا ان يندرج في) لكن لو اندرجت في العموم المذكور اقتضى ضمانها وان لم تكن أموالا إذ

[ 136 ]

لم يؤخذ في موضوعه عنوان المال (قوله: لا يوجب صدق الاخذ) لا يخفى أن الاخذ والحصول في اليد متقاربان مفهوما فإذا صدق الحصول في اليد صدق الاخذ فالاولى أن يقال: إن الاكتفاء في تحقق قبضها حيث يكون موضوعا لحكم شرعي بقبض العين لا يكفي في فهمها من اطلاق: ما أخذت (قوله: بقبض الاعيان مشكلة) لما عرفت في الامر الاول من أن الاستيلاء على شئ يتوقف على كونه موجودا حقيقيا ولا يصح بالاضافة الى المنافع التي هي من الامور الاعتبارية ولا وجود لها حال الاستيلاء على العين فنسبة الاستيلاء إليها يتوقف على نحو من التجوز والعناية وذلك مما لا قرينة عليه فيختص الدليل بضمان العين لا غير (قوله: واتلافه بلا عوض) قد عرفت انه لا يقتضي الضمان وإنما يقتضي حرمة التصرف لا غير من دون فرق بين الاستيفاء وعدمه. نعم يمكن التمسك على الضمان بالاستيفاء بقاعدة: من اتلف، لكن عرفت الاشكال في ذلك وأن أدلتها مختصة بالاضرار في العين بالجناية على ذاتها أو صفاتها فلا يشمل استيفاء منافعها (قوله: قد يدعى شمول) فيه أن المنافع في البيع ليست موردا للعقد فلا تكون موردا للقاعدة فالمرجع في ضمانها وعدمه غير القاعدة من دليل أو أصل (قوله: والانصاف أن للتوقف) لم يذكر الوجه في رفع اليد عن الاصل أو التوقف عن العمل به ليكون التوقف مقتضى الانصاف (قوله: خمسة الاول) عد التوقف من الاقوال في المسألة كما ترى (قوله: الضمان الا مع علم) كأن الوجه في هذا التفصيل ما تقديم في قاعدة: ما يضمن بصحيحه، فراجع (قوله: فالقول بالضمان لا يخلو) لكن الاعتماد على نقل الاجماع مع تحقق الخلاف لا يخلو من ضعف ولا سيما مع البناء على عدم حجية الاجماع المنقول مع تحقق الخلاف - على أن اجماع التذكرة انما حكي في الغصب لا في مطلق اليد العادية، بل من المحتمل أن يكون المراد من اليد العادية الغصب بقرينة التفريع، كما أن من المحتمل كون المراد مما في السرائر من قوله: بمنزلة المغصوب، هو ضمان العين لا غير فإذا البناء عدم على ضمان المنافع غير المستوفاة - كما يقتضيه الاصل الذي لا مخرج عنه - هو المتعين

[ 137 ]

المثلى والقيمي (قوله: ما يصدق عليه) على هذا يكون المراد من أجزائه مصاديقه فموضوع المثلية هو الكلي الذي تتساوى افراده ومصاديقه في القيمة لكن ظاهر الاجزاء الابعاض التي يتألف منها الكل فيكون موضوع المثلية نفس الفرد، ومثليته بلحاظ تساوى أجزائه معه. تعريف المثلى والقيمي (قوله: ولذا قيل في توضيحه) هذا التوضيح هو الذي ذكرنا انه ظاهر العبارة وعليه فلا يناسب جعله توضيحا لما سبق لاختلافهما، ويمكن دفع ذلك بأنه إذا تساوت مصاديقه في القيمة مع ملاحظة نسبة المقدار فلا بد أن يستوي الجزء والكل في القيمة مع ملاحظة النسبة لان الجزء ايضا مصداق له كالكل فيكونان مصداقين كغيرهما فلا بد من تساويهما في القيمة مع ملاحظة النسبة كغيرهما إلا أن يقال: التفسير الاول لا يقتضي توقف عنوان المثلي على كون أبعاض المصداق مصداقا بخلاف ما ذكر في التوضيح فانه يتوقف على ذلك ولذا يكون الدرهم والدينار والمصوغ من النقدين مثليا على الاول وقيميا على الثاني (قوله: ومن هنا رجح الشهيد) يعني مما ذكره في التوضيح (قوله: إلا أن يقال إن الدرهم) لكن عرفت انه على هذا يكون المصوغ من النقدين ايضا مثليا مثل الخاتم والسوار والخلخال ونحوها لتساوي امثالها في القمية كالدرهم الصحيح، كما عرفت أيضا أن هذا رجوع الى تفسير المثلي بما ذكره أولا - أعني ما تساوت افراده في القيمة - وهو غير مبنى النقض بالدرهم إذ هو مبني على ما ذكر في التوضيح (قوله: فلا يرد ما قيل) القائل المحقق الاردبيلي في مجمع البرهان (قوله: بعيد جدا)

[ 138 ]

لم يظهر الفرق بين انطباق التعريف وانطباق المعرف؟ في القرب والبعد إذ انطباق المعرف انما هو بلحاظ مفهومه وهو نفس التعريف (قوله: وهو أبعد) لانه يكفي عندهم في ضمان المثلي تفريغ الذمة بدفع المثل لا غير (قوله: ولذا اختار) العلامة في) قال في التذكرة: مال الفرض إن كان مثليا وجب رد مثله إجماعا... الى أن قال: وان لم يكن مثليا فان كان مما ينضبط بالوصف وهو ما يصح السلف فيه كالحيوان والثياب فالاقرب أنه يضمنه بمثله من حيث الصورة لان النبي (ص) استقرض بكرا ورد بازلا.. الخ والغرض من حكاية ذلك الاستشهاد على أن القيميات ايضا من ذوات الامثال بحيث تعد مثلية وتشتغل الذمة في ضمانها بالمثل. هذا ولكن المراد بالمثلي في عبارة التذكرة غير المثلي المقابل للقيمي لتقييد المماثلة فيها بالصورة والا فموضوع كلامه ما لم يكن مثليا (قوله: لم يوجب ذلك اصلاح) قال في الجواهر: ولا يرد النقض بالثوب أو الارض الذي يمكن رفعه بعدم غلبة ذلك فيهما وفرض بعض الافراد كذلك لا يناسب اطراد قواعد الشرع. انتهى، وحاصل اشكال المصنف (ره) عليه أنه يكفي في عدم الاطراد التساوي في القيميات ولو نادرا لكن لو فهم التقييد بالغالب ولومن قرينة حكمهم بضمان المثلي بالمثل الذي يبعد جدا تنزيله على النادر كفى ذلك في إصلاح اطراد التعريف ولا سيما وأن هذا التعريف كغيره من التعاريف الجارية على ألسنة المصنفين انما يقصد منها الاشارة الى المعنى شبه التعاريف اللفظية فلا يقدح فيها الخلل في الطرد أو العكس (قوله: مع مخالفة الباقين) هذا مما لا ريب فيه لو كان الاختلاف في تعيين المفهوم أما لو كان في تعريف المفهوم وكيفية الاشارة إليه فلا يقدح الاختلاف المذكور في ترتيب الاثر على المفهوم عند إحرازه وتطبيقه والظاهر أن اختلاف الكلمات في تعريف المثلي والقيمي من هذا القبيل، كما أن الاختلاف منهم في مصداقه مثل الاختلاف في أن الذهب والفضة غير المسكوكين قيميان أو مثليان وكون العنب والرطب قيميين أو مثليين ونحو ذلك من موارد الاختلاف إنما نشأ من الخطأ في التطبيق لعدم وضوح المفهوم بنحو لا يقع فيه الخطأ لا لاختلافهم في نفس المفهوم كي يتعين

[ 139 ]

الرجوع في جميع موارد الاختلاف الى الادلة الاخر، والمستفاد من كلماتهم الواردة في تحديده وفي النقض على الحدود بعدم الطرد أو العكس هو أن المثلي ما يكثر وجود مثله في الصفات التي تختلف باختلافها الرغبات والقيمي بخلافه، ومنه يظهر أن الذهب والفضة المسكوكين من المثلي، وكذا غير المسكوكين إذا لم يكونا مصوغين واما المصوغان فهما من القيمي لاختلاف الصياغة في الصفات الموجبة لتفاوت الرغبات واختلاف المالية، وكذا الحديد والنحاس والرصاص إذا لم تكن معمولة فانها مثلية وإذا كانت معمولة فان تساوت في المقدار والهيئات - كما هو الشائع في زماننا هذا - مما يصنع في المعامل الافر نجية وشبهها فكذلك والا فهي قيمية، وأما الرطب والعنب فان كانا من نوع بعينه مثل الرطب الخستاوي والعنب الرازقي فهما مثليان قطعا، وإن لم يكونا كذلك فالظاهر أنهما كذلك، أما الثياب فالمصنوع منها في مثل المعامل الافر نجية مثلية والا فهي قيمية والمرجع في غير ذلك من موارد الخلاف الضابط الذي ذكرناه (قوله: أو كل صنف) هذا هو المتعين كما عرفته سابقا (قوله: وما المعيار في الصنف) الظاهر أن المعيار فيه أن يكون له افراد كثيرة شائعة يغلب اتفاقها في الصفات المنوطة بها الرغبات (قوله: لاصالة براءة ذمته عما) هذا يتوقف على أن يكون الفرق بين المثل والقيمة هو الفرق بين الاقل والاكثر فإذا شك في وجوب المثل فقد شك في وجوب الاكثر، والتحقيق أن الاصل فيه البراءة من الزائد، لكنه غير ظاهر إذ المراد من القيمة في المقام النقد الذي يقع ثمنا غالبا كالدراهم الدنانير فيكونان من قبيل المتباينين اللذين يرجع عند الشك في احدهما بعينه الى اصالة الاحتياط - مع أنه لو سلم كون المراد من القيمة مطلق المال الصادق على النقد وعلى العروض فالفرق يكون هو الفرق بين الكلي وفرده فيكون المقام من قبيل الشك بين التعيين والتخيير، والمعروف عند المحققين وجوب الاحتياط فيه بالبناء على التعيين فيتعين في المقام دفع المثل، ومن ذلك تعرف مبنى الاحتمالات الثلاثة في المقام وجوب دفع الامرين المثل والقيمة، ووجوب دفع المثل بعينه، والتخيير

[ 140 ]

بين الامرين وأن الاول هو المتعين وأما احتمال تعين القيمة فلا يظهر وجهه إلامن جهة احتمال كون المراد من قوله " ص ": على اليد... الخ كون خسارة المأخوذ على ذي اليد بقيمته وبالاجماع خرج منه المثلي فمع الشك فيه يرجع الى العالم المذكور، أو من جهة احتمال أن يكون المراد من المماثلة في آية الاعتداء الاتية المماثلة في مقدار الاعتداء في المالية - مع دلالتها على الضمان كما سيأتي، وكلامهما كما ترى (قوله: فان فرض إجماع) هذا ظاهر في أن عدم تخيير الضامن مظنة الاجماع، ولكنه غير ظاهر والاجماع على ضمان المثلي بالمثل والقيمي بالقيمة كما تقدم إجماع في الحكم الواقعي لا في الحكم الظاهري الذي هو محل الكلام (قوله: فالاصل تخيير المالك) قد عرفت أن الاحتمالات المعتد بها ثلاثة فإذا قام الاجماع على انتفاء تخيير الضامن وتردد الامر بين الاحتمالين الاخرين تعين تخيير المالك لانه أوفق بالاصل (قوله: فان مقتضاه) بعد انعقاد الاجماع على تخصيصه عند تعذر العين والبناء على ارتفاع الضمان بدفع المثل في المثلي والقيمة في القيمي فمع التعذر وتردد الامر بين المثلي والقيمي يعلم بخروج المورد عن مرجعية العام، ولكون التردد بين عنواني الخاص فلا مجال للرجوع الى العام بل يرجع الى استصحاب بقاء الضمان، كما انه لو كان أداء المثل في المثلي والقيمة في القيمي من مراتب أداء العين فمع الشك في القيمي والمثلي يشك في تحقق الاداء، ولاجل أن الشك من جهة الشبهة المفهومية كيون المرجع استصحاب بقاء الضمان لا عموم العام (قوله: من أول الامر) يعني مع قطع النظر عن الاجماع على عدم تخيير الضامن (قوله: لا يخلو من منع) كما عرفت (قوله: والاجماع على عدم تخيير) يعني تخيير المالك واقعا كما سبق في تخيير الضامن (قوله: عند التشاح) بأن كان الضامن لا يأذن الا بقبض ما هو عليه واقعا والمالك لا يرضى إلا بما هو له واقعا فمع الجهل بالواقع - كما هو المفروض - لا يمكن حصول اليقين بالبراءة. هذا ولا يخفى ان الدوران بين المحذورين المستتبع لحكم العقل بالتخيير انما يكون في أمرين لا يمكن فعلهما ولا تركهما كما لو دار الامر بين وجوب شئ وحرمته أو بين وجوب شئ

[ 141 ]

ووجوب ضده للذين لا ثالث لهما وفى المقام لما وجب على الضامن تفريغ ذمته بدفع المثل أو القيمة يمكنه دفع كل منهما واذنه للمالك بأخذ ما شاء منهما بعنوان كونه أصلا أو بدلا وحينئذ يجب على المالك اخذ احدهما اما لكونه أصلا أو بدلا لانه يجب عليه تفريغ ذمة غيره من ماله المتوقف على ذلك فيرجع الامر بالاخرة الى تخيير المالك لا تخيير الضامن، والسر في ذلك ان وظيفة الضامن الدفع ووظيفة المالك الاخذ وهو متأخر عنه وان شئت قلت بعد ما وجب تمكين المالك من قبض ماله وتوقف ذلك التمكين على تمكينه من المحتملين معا وعلى اذنه في قبض كل منهما فهذه الاذن (تارة) تكون اباحة للقبض بلا عنوان (وأخرى) تكون بعنوان كونه هبة على تقدير أن لا يكون مصداقا لما في الذمة (وثالثة) تكون بعنوان كونه بدلا عنه، والمتعين هو الاخير لان الاذن على الوجه الاول وان اقتضت الرخصة في وضع اليد على المحتملين معا لكن ينتهي الامر بعد الوضع الى أن يكون احدهما للمالك والاخر للضامن فيحتاج الى علاج ايصال مال المالك إليه المعين واقعا المبهم ظاهرا، وعلى الوجه الثاني خلاف قاعدة نفي الضرر وخلاف اصل البراءة بخلاف الاذن على الوجه الاخير فانها إنما تكون مخالفة لاصل البراءة احتمالا بالنسبة الى ما يختاره المالك لا جزما ولا بأس بارتكابه لتعذر ايصال المال الى مالكه الا به فهو كما لو تعذر المثل في المثلي بنحو لا يرجى التمكن منه الى آخر العمر فان بقاء المال في ذمة الضامن الى آخر العمر ضرر يستكشف من دليل نفيه سقوط أصل البراءة الاحتمالية ولو فرض عدم الدليل على وجوب تفريغ الذمة من مال الغير أو تفريغ ذمة الغير من المال إذا لزم ذلك فللضامن أن لا يرضى بالمبادلة الاحتمالية كما انه للمالك أن لا يرتضي بها تعين الرجوع الى الحاكم الشرعي في رفع التشاح وعلى كل حال فليس للضامن التخيير (قوله: فهو من باب تخيير المجتهد في) كأن الوجه في كون المقام من هذا الباب دعوى ان تخيير المجتهد من أجل الدوران بين المحذورين لان الخبر ان كان صادرا وجبت الفتوى على طبقه وان لم يكن صادرا حرمت الفتوى على طبقه فإذا تردد الصادر بين الخبرين فقد تردد الامر بنى الوجوب والحرمة،

[ 142 ]

وفيه أن وجوب الفتوى ليس من أحكام صدور الخبر بل من أحكام العلم بالصدور فمع التردد في الصادر بين الخبرين تحرم الفتوى بكل منهما لانتفاء العلم والبناء على التخيير عند تعارض الخبرين مع فقد المرجح ليس لما ذكر بل إما للادلة الخاصة الدالة على التخيير بناء على اصالة التساقط في المتعارضين - كما هو التحقيق - أو لكونه مقتضى قاعدة التزاحم - كما ذهب إليه بعضهم - وكيف كان فليس منه المقام إذ لا دليل على التخيير فيه بالخصوص ولعدم التزاحم لما عرفت من امكان الجمع وكأنه لما ذكرناه اشار (قده) بأمره بالتأمل (قوله: ولكن يمكن أن يقال ان) هذا استدلال على ما ذكره أولا من ضمان المثلي بالمثل والقيمي بالقيمة مع قطع النظر عن الاجماع، وحاصله أن المستفاد من بناء العرف الممضى بمقتضى الاطلاقات المقامية لادلة الضمان المتفرقة ان الضمان؟ في الجميع يكون بالمثل ثم بالقيمة ومعرفة المثل موكولة الى العرف ولا تتوقف على انعقاد الاجماع على كون الشئ مثليا أو قيميا. نعم لو شك العرف فالمرجع الاصل المتقدم (قوله: إلا ما شذ وندر) كصحيح أبي ولاد وخبر اسحاق المتقدم في بيع الجارية المسروقة ونحوهما (قوله: فلولا الاعتماد على) تقريب للاطلاق المقامي الدال على امضاء البناء العرفي (قوله: وقد استدل الشيخ في المبسوط) قال في المبسوط في كتاب الغصب بعد ما قسم الاموال على ضربين حيوان وغير حيوان وغير الحيوان على ضربين ماله مثل ومالا مثل له وعرف الاول بما تساوت اجزاؤه: فإذا غصب غاصب من هذا شيئا فان كان قائما رده وان كان تالفا فعليه مثله لقوله تعالى: (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) ولان مثله يعرف مشاهدة وقيمته تعرف بالاجتهاد وما يعلم يقدم على ما يجتهد فيه، ولانه إذا أخذ المثل أخذ وفق حقه وأما إذا اخذ القيمة ربما زاد أو نقص فكان المثل أولى. انتهى، وهذه الادلة كلها كما ترى مساقة لضمان المثلي بالمثل لا لضمان القيمي بالقيمة ولعل مأخذ حكاية المصنف (ره) غير ما ذكرنا (قوله: في مقدار الاعتداء) توضيح ذلك أن المماثلة بين الاعتداءين ليس المراد منها المماثلة بينهما ذاتا فان ذلك من

[ 143 ]

ضروريات كونهما اعتداء بل المراد المماثلة بينهما في المعتدى به وهو مدخول الباء في قولنا: اعتدى عليه بضربه، أو: باتلاف ماله، أو: بقطع يده، أو نحو ذلك، وجهة المماثلة بالمعتدي به (تارة) تكون بلحاظ ذاتيهما مثل أن يعتدي عليه بالضرب فيعتدي عليه بالضرب (وأخرى) يكون بلحاظ الكم مثل أن يضربه مرة فيشتمه مرة (وثالثة) بلحاظ الاثر الخاص المترتب عليه مثل أن يضربه ضربا مؤديا الى بكائه فيجازيه بالشتم المؤدي الى بكائه مثلا (ورابعة) بلحاظ المالية مثل أن يتلف مال زيد المساوي درهما فيأخذ منه زيد درهما، وقد يكون بلحاظ غير ذلك من الخصوصيات من زمان أو مكان أو مقارنات. ثم نقول: إن كلمة (ما) في الاية الشريفة إما أن تكون مصدرية فيكون المعنى: فاعتدوا عليه بمثل اعتدائه، وإما أن تكون موصولة فيكون المعنى: فاعتدوا عليه بمثل الذي اعتدى به عليكم، وقد عرفت أن المتحصل من المعنيين واحد وأن الجهات الملحوظة في المماثلة بين الاعتداءين راجعة الى الجهات الملحوظة بين الامرين المعتدى بهما، ومرجع المناقشة الى أن الظاهر المماثلة في مقدار المالية في المعتدى به ولو مع اختلاف ذاتيهما وان كان ظاهر العبارة وغيرها من العبارات المتعرضة لذكر المناقشة المذكورة الفرق بين مقدار الاعتداء مقدار المعتدى به، لكن المراد ما ذكرنا ولذا قال بعض من ذكر الاحتمال المذكور على ما حكاه في الجواهر: والمراد بالمقدار - يعني مقدار اعتداء المعتدي - هو أن يحكم أهل العرف بأنهما سيان في المنفعة والفائدة ويرضى العقلاء بتملك كل منهما مقام الاخر (قوله: وفيه نظر) لانه خلاف اطلاق المماثلة بل الذي نفاه هو المتيقن من اطلاق المماثلة وسائر الجهات مقتضى اطلاقها (قوله: في الحقيقة والمالية) المالية من الاعتباريات التي لا خارجية لها ولا ينصرف إليها إطلاق المماثلة وكان الاولى ابدالها بالصفات الخارجية التي تختلف الرغبات باختلافها فان مقتضى الاطلاق اعتبارها في الاعتداء المماثل سواء أكان اختلاف في المالية أم لا. هذا بالنسبة الى الاية الشريفة وكذا ايضا بالنسبة الى بناء العقلاء، (قوله: إلزام الضامن بتحصيل) لا يبعد ذلك في بناء العرف ولكنه غير

[ 144 ]

ظاهر بالنسبة الى الاية لما عرفت من ظهورها في اعتبار المماثلة في الحقيقة فإذا كان العدوان بالاتلاف فالمجازاة تكون به لا بالاخذ - مضافا الى ان ظاهرها وظاهر سياقها الترخيص في الاعتداء لا وجوب تهيئة المعتدي الاول المقدمات للمجازي له على اعتدائه فوجوب احضار المعتدي للذراع ليأخذه منه المعتدى عليه غير مستفاد منها، إذ لا تعرض فيها لاستحقاق ذلك عليه واشتغال ذمته به فالاية الشريفة أجنبية عن اثبات الضمان وايضا فان قوله (ره): ولو باضعاف قيمته، ينافي دعوى ظهورهما في اعتبار المماثلة في المالية إذ ذلك يوجب كون المجازاة باكثر من المثل (قوله: صدق أداء القرض) بعد فرض كون ما في الذمة هو القيمة كيف يكون أداء العين أداء للقرض إذ أداء ما في الذمة انما يكون بأداء فرده وفي الجواهر علله بأن مبنى القرض المشروع للارفاق على ذلك، وبأولوية العين من القيمة ولان ثبوت القيمة في القيمي لتعذر المثل ثم قال (ره): الا ان الجميع كما ترى. انتهى، نعم لو قيل بجواز عقد القرض من قبل المقترض كان ما ذكر في محله (قوله: ضمان المثلي بالمثل) الظاهر ان أصل العبارة: ضمان القيمي بالمثل (قوله: في الحقيقة والمالية) قد عرفت الاشكال في دخل المالية في المماثلة مع أن فرض نقص المماثل في القيمة غير ظاهر إذ بناء على بقاء نفس العين في العهدة الى حين الاداء فالمدفوع مساو للعين في المالية غاية الامر أن العين التي في الذمة نقصت ماليتها عن زمان التلف، وبناء على ثبوت المثل بمجرد التلف فالثابت من المثل في الذمة مساو للعين في المالية حين ثبوته. نعم قد ينقص عن المالية بعد ثبوته الى حين أدائه لكن ذلك ليس اختلافا بين المضمون والمضمون به في المالية كما هو المقصود بل نقص في مالية المضمون أو المضمون به بعد ثبوته في الذمة كنقص مالية العين على تقدير بقائها فانه لا يقدح في سقوط ضمانها بردها كما لا يقدح فيه ارتفاع قيمتها كما لا يخفى (قوله: الحق خلافه) وجهه غير واضح ومقايسة المقام بصورة بقاء نفس العين مع سقوطها عن المالية توجب توجه الاحتمال المذكور (قوله: في المثالين المتقدمين)

[ 145 ]

يعني بهما مثال اتلاف ذراع من الكرباس واتلاف العبد مع كون المتلف مشغول الذمة بعبد مثله لمالكه والمثال الثالث مثال نقص القيمة (قوله: من أن العام المخصص) فان عموم الاية يقتضي الضمان بالمثل حتى في القيمي لكنه مخصص بالاجماع على ضمان القيمي بالقيمة ومع اجمال مفهوم القيمي يقتصر في التخصيص على المتيقن منه ويرجع في مورد الشك الى عموم الاية وكذا الكلام في اطلاق ادلة الضمان المتفرقة، بل التحقيق وجوب الرجوع الى العام في المخصص اللبي حتى في الشبهة الموضوعية (قوله: بناء على تحقق الاجماع) قد عرفت انه مقتضى الدليلين ايضا (قوله: مضافا الى الخبر الوارد) هو الصحيح: سأله معاوية بن سعيد عن رجل استقرض دراهم من رجل وسقطت تلك الدراهم أو تغيرت ولا يباع بها شئ الصاحب الدراهم الدراهم الاولى أو الجائزة التي تجوز بين الناس؟ فقال عليه السلام: لصاحب الدراهم الدراهم الاولى، ونحوه مكاتبة يونس: كان لي على رجل عشرة دراهم وان السلطان اسقط تلك الدراهم وجاء بدراهم أعلى من تلك الدراهم ولها اليوم وضيعة فأي شئ لي عليه الاولى التي أسقطها السلطان أو الدراهم التي اجازها السلطان؟ فكتب " ع ": لك الدراهم الاولى. هذا ومورد المكاتبة صورة نقص المالية بل هو ظاهر قول السائل في الاول: أو تغيرت. ولا ينافيه قوله: ولا يباع بها، لامكان حمله على ارادة نفي رواج المعاملة بها لا سقوطها عن المالية ويعارضها مكاتبة يونس الاخرى والترجيح للاولين (قوله: الحق بالقيمي) كأنه لعدم امكان المثل المماثل في المالية فيكون من قبيل تعذر المثل الموجب لجواز دفع القيمة، وفيه أن الوجه للانتقال الى القيمة فيما لو تعذر المثل غير آت هنا فإذا كان مقتضى الدليلين السابقين اعتبار المماثلة في المالية وهي مفقودة كان الدليلان قاصرين عن الدلالة على الاجتزاء به، ولاجل أنه لا دليل على الاجتزاء بالقيمة دار الامر بين المثل والقيمة والمرجع فيه الاصل المتقدم الذي قد عرفت أنه يقتضي الرجوع الى اختيار المالك فربما يختار القيمة - كما هو الغالب - وربما يختار المثل لبعض الدواعي وكأنه الى ذلك اشار بقوله: فتأمل. هذا وقد عرفت ان المالية

[ 146 ]

خارجة عن منصرف الدليلين وان ظاهرهما المماثلة في الحقيقة والصفات الخارجية وحينئذ يكون مقتضاهما الالحاق بالمثلي في الفرض لا بالقيمي ولا مجال للرجوع الى الاصل المتقدم. حكم عدم وجدانه المثل الا باكثر من ثمنه المثل (قوله: فحوى حكمهم) كأن الوجه في هذه الدعوى أن التحفظ من ضرر المضمون له أولى من التحفظ من ضرر الضامن (قوله: وربما احتمل بعضهم) ذكر هذا الاحتمال في القواعد من دون ترجيح له ولا لخلافه ومال إليه في الجواهر (قوله: لعين ما ذكر في) يعني من عموم النص والفتوى وأما قاعدة الضرر فلا مجال للعمل بها لانها مخصصة بأدلة الضمان فيتعين الرجوع الى اطلاق الخاص. نعم إذا لزم الاجحاف بحال الضامن لم يجب الشراء لقاعدة نفي الحرج (قوله: وفاقا لظاهر المحكي) وخلافا لما عن المبسوط من لزوم قيمته في بلد الغصب أو يصبر حتى يصل إليه ليستوفى ذلك للضرر المنفي، وفيه ما عرفت من الاشكال في العمل بقاعدة نفي الضرر (قوله: لعموم الناس مسلطون) فان إطلاقه يقتضي جواز المطالبة في كل مكان وفى كل زمان وليس للضامن حبسه عنه ولاجله لايهم قصور مثل: على اليد... الخ أو: كل مغصوب مردود، عن صلاحية الاستدلال به من جهة دعوى انصرافه الى خصوص مكان ذلك المال مع ان الدعوى ممنوعة في نفسها ينفيها الاطلاق.

[ 147 ]

لو تعذر المثل (قوله: لان منع المالك ظلم) كونه ظلما موقوف على الانتقال الى القيمة وهو عين الدعوى (قوله: لم يعتد عليه أزيد) هذا لا يجدي في وجوب دفع القيمة حتى يثبت كونها مثلا وإلا كان الاعتداء بغير المثل والاية الشريفة لا تقتضي جوازه، وكونه مثلا واضح المنع، مضافا الى ما عرفت من الاشكال في صحة الاستدلال بالاية على الضمان، وكذا الاشكال في التمسك بقاعدة الميسور إذ القيمة مباينة للمثل؟ لا ميسوره - مع أنه لا دليل على قاعدة الميسور كلية وكذا ما يقال من أن له إلغاء حقه من الخصوصية الزائدة على المالية والمطالبة بالمالية إذ المالية هي صفة اعتبارية لا معنى للمطالبة بها، ولو اريد المطالبة بما هو موضوع المالية - أعني ما يكون مصداقا لمفهوم المال فانما تصح لو كان الثابت في الذمة كذلك، أما لو كان الثابت مالا خاصا وهو المثل فليس له المطالبة الا به والمفروض تعذره المانع من صحة المطالبة به، والتفكيك بين خصوصية المالية وغيرها في الالغاء والمطالبة غير جائز، ولذا لا يجوز ذلك مع التمكن من المثل - مضافا الى ما عرفت من أن القيمة ليست من مراتب وجود المثل بل مباينة له لانها مال خاص لا مال محض فالعمدة في اثبات ما ذكره المصنف (ره) دعوى بناء العرف على ذلك الممضى بالاطلاق المقامي لادلة الضمانات فيكون ميسورا في مقام الاسقاط لا ميسورا للمثل الثابت في ذمة الضامن (قوله: فلا دليل على الزامه) لا ينبغي التأمل فيه بناء على بقاء المثل في الذمة لعدم ثبوت بناء العرف على الالزام بالقيمة حينئد أما لو بني على انتقال ما في الذمة الى القيمة فلا ينبغي التأمل في جواز إلزام المالك بقبضها لان الامتناع عنه تصرف في ذمة الضامن بغير حق والاصل يقتضي البناء على الاول (قوله: ويؤيد ما ذكرنا أن) وجه التأييد أن التعبير بيوم المطالبة بدل؟ على أن موضوع كلامهم صورة المطالبة (قوله: فليتأمل) لعله اشارة

[ 148 ]

الى أن التأييد يتوقف على مساواة القرض لغيره في الحكم (قوله: فلا دليل عليه) هذه مناقشة في المبنى وظاهره تسليم الابتناء أعني أن لازم البناء على الانتقال الى القيمة عند تعذر المثل البناء على أن القيمة قيمة يوم التعذر، وقد يشكل بأن الثابت في الذمة إذا كان بعنوان كونه قيمة فمقتضى المحافظة فيه على العنوان المذكور أن لا يكون مقدرا بقدر معين بل يزيد وينقص بزيادة قيمة العين ونقصها الى أن يتحقق الدفع فلو زادت قيمة العين بعد التعذر قبل الدفع ولم يزد ما في الذمة خرج عن كونه قيمة للعين وصح قولنا: ليس قيمة للعين، بل كان قيمة لها، وهو خلف وكذا الحال في صورة النقيصة ولازم ذلك أن يكون المدار على قيمة يوم الدفع، ويمكن دفعه بأن الضمان بالمثل في مقابل الضمان بالقيمة إذ الاول مبني على المحافظة على الحقيقة والصفات مع عدم المحافظة فيه على المالية فلو فرض هبوط المالية فيه الى آخر درجة منها لم يخرج المثل عن كونه مضمونا به ولا يكون ذلك التفاوت مضمونا بخلاف الثاني فانه مبني على المحافظة على المالية دون غيرها من الحقيقة والصفات لمباينة القيمة للعين ذاتا وصفد والمحافظة على المالية انما تكون بتدارك ذلك المقدار من النقص الوارد على المالك عند تلف العين فالقيمة المضمون بها العين عند تلفها في القيميات هي المرتبة الخاصة من المالية التي فاتت على المالك فقولنا: القيمي مضمون بقيمته، يراد بالقيمة فيه الاشارة الى تلك المرتبة الخاصة من المالية لا بعنوان كونه قيمة للعين كي يتوجه ما ذكر، وكذا في المقام حينما يقال: ينتقل الى قيمة المثل عند تعذره، يراد به الاشارة الى تلك المرتبة الخاصة من المالية الثابتة للمثل حين تعذره لا بعنوان كونها قيمة للمثل كي يتوجه ما ذكر، والوجه فيما ذكرنا أنه المطابق للمرتكزات العرفية في مقام التغريم والتضمين فيتعين البناء على قيمة يوم التعذر. نعم يتوقف ذلك على أن القيمة الثابتة حينئذ قيمة للمثل فتكون بدلا عن المثل الذي هو بدل عن العين لاقيمة للعين وبدلا عنها على نحو تكون القيمة والمثل كلاهما بدل عن العين على الترتيب لا في عرض واحد إذ لو قلنا بذلك تعين قيمة يوم تلف العين لا يوم تعذر المثل لما عرفت من أن ضمان القيمة انما هو لتدارك المالية التى فاتت على

[ 149 ]

المالك بتلف العين فلا بد من مساواتها لتلك المالية لكن المبنى المذكور ضعيف لان المثل بعد ما استقر في الذمة بدلا عن العين كانت نسيا منسيا وكان المثل هو ملك المالك فإذا تعذر وبني على ثبوت القيمة بدلا فالبدلية ملحوظة عنه لا عن العين لانها ليست مملوكة حينئذ للمالك، ومن ذلك ايضا يظهر ضعف كون القيمة بدلا عن الجامع بين العين والقيمة كما يأتي التعرض له في كلام المصنف (ره) (قوله: لا يخلو من تحكم) لعل الوجه في الفرق انه في القيميات لا يرجى امكان المثل الذي به يكون الشئ مثليا فلا معنى لاعتبار وجود المثل في الذمة فيه إذ لا يترتب على اعتباره أثر بخلاف المثلي المتعذر مثله فانه يرجى وجود المثل له فلا مانع من اعتبار بقاء المثل في الذمة فيه، وبالجملة: ليس المناط في كون الشئ مثليا كونه متعذر المثل كي يشكل الفرق بين التعذر الابتدائي والطارئ، بل المناط كونه غير شائع المثل وان كان له مثل موجود وهذا المعنى أمر آخر غير التعذر الطارئ الراجع الى عدم وجود المثل أصلا وإن كان له مثل شائع الوجود ولو في الازمنة القريبة اللاحقة. ثم ان التحكم المذكور لو سلم فانما يمنع عن الفرق بينهما وهو كما يكون بالالتزام بتساويهما في ثبوت القيمة عند التعذر يكون ايضا بالالتزام بتساويهما في ثبوت القيمة عند الاداء فيكون القيمي مضمونا بمثله كما في المثلي الى أن يتحقق المسقط وهو دفع القيمة، ويكون ايضا بالالتزام بثبوت نفس المضمون أعني العين في الذمة في المثلي والقيمي ودفع المثل عند التلف في المثلي كدفع القيمة عند التلف في القيمي، وكذا في المثلي المتعذر مثله من قبيل المسقط لا لاشتغال الذمة به وانتقال ما في الذمة إليه فوجوب دفع الاقرب الى التالف من قبيل وجوب المسقط تكليفا لا وضعا وهذا الاخير غير بعيد عن الارتكاز العرفي (قوله: من اعتبار القيمة) هذا متفرع على المبنى المذكور لا انه نفسه (قوله: فتكون القيمة صفة) مرجعه الى أن القيمة بدل عن المثل الذي هو بدل عن العين فتكون القيمة بدل البدل في مقابل الاحتمال الاخر الذي هو كون القيمة بدلا عن العين نظير المثل فيكون للعين بدلان المثل والقيمة لكنهما ليسا بدلين عرضيين بل طوليين وبدلية

[ 150 ]

القيمة مشروطة بتعذر المثل أما بدلية المثل فمطلقة كما تقدمت الاشارة الى ذلك، (قوله: فان قلنا بالاول) يعني ان المثل المستقر في الذمة قيمي (قوله: بيوم التلف) قد عرفت آنفا أنه الاقوى، وان المرتكز العرفي في الضمان بالقيم تدارك الخسارة المالية الواردة على المالك بتلف العين فالمضمون به ما يساوي تلك الخسارة حين التلف (قوله: وهذا مبني على) لان زمان الغصب هو زمان الضمان (قوله: من يوم تلف) لانه زمان ضمان المثل (قوله: بيوم الغصب) لانه يوم الضمان كما عرفت (قوله: المشترك بين العين) قد عرفت الاشارة الى ضعف هذا الاحتمال كيف والجامع بين العين والمثل ليس مملوكا ولا مضمونا ولا مضمونا به إذحال وجود العين هي بخصوصها مملوكة ومضمونة، وبعد تلفها المملوك والمضمون به هو المثل بخصوصه، والجامع بينهما ليس موضوعا للاثار المذكورة فكيف يكون قيميا وموضوعا للقيمة (قوله: الى دفع المثل) الظاهران أصل العبارة: دفع القيمة (قوله: منها فافهم) لعله اشارة الى الاشكال في الحكم المذكور هنا وفي الغصب (قوله: لاطلاق كلامهم) حيث لم يقيدوه بصورة التمكن من المثل (قوله: يجب اسقاطه) يعني ولو بالقيمة (قوله: قيمة المغصوب) يعني بدلا عن العين لا عن المثل على ما تقدم من الاحتمالين لكن عرفت الاشكال فيه وأن المثل بعد ما استقر في الذمة بدلا عن العين صار هو المملوك للمالك وصارت العين نسيا منسيا فإذا تعذر المثل وفرض البناء على الانتقال الى القيمة فالقيمة بدل عن المثل الذي هو ملك المالك لا عن العين التي خرجت عن الملكية للمالك واستقر بدلها في الذمة، وبناء العرف على الانتقال الى الاقرب فالاقرب الى التالف مسلم لكنه من أول الامر أما بعد اشتغال الذمة بالاقرب وصيرورته بدلا عن التالف وخروج التالف عن الملكية وصيرورة بدله ملكا للمالك يكون ذلك البدل هو الملحوظ في مقام الخروج عن العهدة لا العين. فلا حظ (قوله: توجه ما اختاره الحلي) وهو القول باعتبار يوم الاعواز كما تقدمت نسبته إليه في صدر الكلام على الاحتمالات ومبانيها، وقد يشكل بما عرفت آنفا من أن الانتقال

[ 151 ]

الى القيمة يوم الاعواز لا يقتضي ذلك لان القيمة إذا كانت بدلا عن العين كانت تداركا للنقص المالي الوارد على المالك بتلف العين فلا بد من أن تكون القيمة قيمة يوم تلفها لايوم الاعواز، ومجرد كون الانتقال الى القيمة يوم الاعواز لا يقتضي ذلك لما عرفت من أنه لا يظهر مقتض لتعين قيمة يوم الانتقال بنحو القاعدة الكلية كي يبنى عليه هنا، بل المناط ما ذكرنا، ولاجل ذلك بينى على قيمة يوم الاعواز لو كانت القيمة بدلا عن المثل لان المقصود بها تدارك مالية المثل الواردة على مالكه فلا بد أن تكون بقدر ذلك النقص والنقص انما كان يوم الاعواز بقدر قيمة المثل (قوله: إذ كما ان ارتفاع القيمة) يعني ان ارتفاع القيمة انما لا يكون مضمونا بشرط عدم انتهاء النوبة الى دفع القيمة بل كان ارتفاع الضمان بسبب دفع العين أو مثلها أما إذا انتهت النوبة الى دفع القيمة لتلف العين وتعذر المثل فارتفاع القيمة يكون حينئذ مضمونا، وهذا الارتفاع المضمون يكون من زمان الضمان الى زمان تعين القيمة وثبوتها في الذمة أو الى زمان أدائها بناء على ثبوت المثل في الذمة الى زمان الاداء (قوله: على ما اعترف به) تقدم نقل تصريحه بذلك في صدر المسألة (قوله: فلا تعم صورة العجز) لا يكفي ذلك في البناء على ثبوت القيمة بل لا بد فيه من أن تدل على اشتراط التمكن؟ في ثبوت المثل على نحو ينتفي بانتفائه وإلا دار الامر بين المثل والقيمة ولا دليل على تعين القيمة، (قوله: ولا دليل على سقوط) يعني فيرجع في بقاء المثل الى الاستصحاب (قوله: لم يكن له المطالبة) يعني المطالبة بالمثل لانه غير ما يملكه في ذمة الضامن وهو القيمة (قوله: وفيه تأمل) كأنه من جهة احتمال ان بدلية القيمة الثابتة في ذمة الضامن عند تعذر المثل منوطة بتعذره فمع امكان دفعه ترتفع ويكون هو البدل نظير ثبوت القيمة عند تعذر العين على نحو يلحق بالتلف، (قوله: وليس هنا تحديد) ربما يحتمل أن يكون ما في التذكرة تحديدا لجواز مطالبة المالك للضامن بالقيمة وان كان يجب على المالك تحصيل المثل لكنه بعيد (قوله: تعين ما عن جامع المقاصد) لان لفظ الاعواز يرجع فيه

[ 152 ]

الى العرف كسائر الالفاظ التي تذكر في معاقد الاجماعات وفي الكتاب والسنة (قوله: الرجوع الى الاخص) هذا إذا لم يكن الاعم مذكورا أيضا في بعض معاقد الاجماع وإلا فالاجماع على الاخص لا ينافي الاجماع على الاعم فيؤخذ بالاعم. اللهم إلا أن يعلم بوحدة المراد حينئذ فيكون مجملا فيرجع الى الاخص لانه المتيقن. ثم ان جعل التعذر أخص من الاعواز غير ظاهر بالنظر الى معناهما العرفي واللغوي إذ هما واحد فكون التعذر اخص من الاعواز مبني على أن المراد من الاعواز الاعواز الاضافي وهو المعنى المذكور في التذكرة والمسالك، والمراد من التعذر معناه الحقيقي. هذا ولا يبعد أن يكون غرض العلامة (ره) ومن تبعه تفسير الاعواز بذلك ليس تفسير الاعواز بالمعنى المقابل للتعذر بل تفسير الاعواز والتعذر المذكورين في كلامهم المراد بهما معنى واحد فالاشكال حينئذ يكون في مأخذ هذا التفسير مع انه خلاف الظاهر ومخالف لمقتضى عموم السلطنة (قوله: بل الظاهر منه عرفا ما) لا يظهر الفرق بين المقام وأخبار السلم فإذا كان الظاهر من عدم القدرة فيها المعنى العرفي فلم لا يكون الظاهر من التعذر في كلماتهم ذلك. اللهم الا أن يكون الوجه في ظهور نصوص السلم في ذلك ملاحظة مواردها من الثني؟ والجذع والحنطة والشعير ونحوها مما يمتنع فرض التعذر المطلق فيها فيتعين الحمل فيها على التعذر العرفي بخلاف كلامهم في المقام فانه ليس لمورده هذه القرينة فيتعين العمل على ظاهر التعذر - أعني التعذر المطلق - ولا يكفي التعذر في البلد وما حوله في رفع اليد عن عموم السلطنة المقتضي لوجوب احضار المثل. نعم لو لزم من احضار المثل حبس المالك عن الانتفاع بملكه فلا يبعد جواز مطالبته بالقيمة كما في بدل الحيلولة كما تقتضيه قاعدة الميسور المعول عليها عند العرف في مثل المقام كما أشرنا الى ذلك في صدر التنبيه التي لا فرق في جريانها بين التعذر المطلق والتعذر الاضافي فراجع (قوله: الظاهر الاول) إذا كانت القيمة قيمة للمثل وبدلا عنه عند التعذر فلا بد من ملاحظة الحال التي يكون عليها عند التعذر التي تختلف بها القيمة مثل وجود الراغب وعدمه وكثرته وقلته وكثرة الوجود وعزة الوجود ونحوها

[ 153 ]

من الخصوصيات الخارجية الموجبة لاختلاف المالية، ويتعين التقويم بلحاظها لما عرفت من أن الغرض من القيمة تدارك النقص المالي الوارد على المالك بتعذر المثل، وكذلك الحكم لو بني على كون القيمة قيمة للعين وبدلا عنها فانه لا بد من ملاحظة الاحوال التي كانت عليها العين حين التلف ليعرف بذلك مرتبة ماليتها فيتدارك بالقيمة، وأما إذا كانت القيمة مسقطة للمثل حال الاداء بناء على المشهور من بقاء المثل في الذمة الى حين الاداء كما اختاره المصنف (ره) فالقيمة حينئذ قيمة للمثل المفروض الوجود في ذلك الزمان على ما هو عليه‌من عدم الممائل - مع ملاحظة الخصوصيات الخارجية من وجود الراغب وعدمه وقلته وكثرته ومزيد الرغبة فيه لترتب الفوائد المهمة عليه وعدمه فمناط التقويم الخصوصيات الخارجية لا الفرضية، مثل كونه عند الملك أو يتوقف عليه علاج الملك أو نحو ذلك، لان المالية المنوطة بالحيثيات الفرضية فرضية لا تحقيقية، والمالية الفرضية ليست موضوعا لوجوب التدارك فالغرض انما يتعلق بوجود المثل لاغير، وأما ما عداه من الخصوصيات التي بها تختلف المالية فلا بد من كونها تحقيقية لا فرضية (قوله: أم بلد التلف وجوه) أما الاعتبار ببلد التلف فينبغي ان يكون مبنيا على انتقال ما في الذمة الى القيمة، وكون القيمة قيمة للعين لان خصوصية البلد لما كانت دخيلة في مالية العين فالتلف الوارد عليها في البلد الخاص اقتضى نقص تلك المرتبة الخاصة من المالية فلا بد من تداركها بتلك المرتبة، وتداركها بالمرتبة الخاصة ببلد المطالبة ليس تداركا لمالية تحقيقية بل تقديرية؟، لان الخصوصية الموجبة لها ليست ثابتة للعين الاتقديرا، أما الاعتبار ببلد المطالبة فينبغي أن يكون مبنيا على بقاء العين أو المثل في الذمة الى زمان المطالبة لان القيمة المدفوعة الى الضامن تكون قيمة لما في الذمة الفرضي فإذا كان المالك يستحق المطالبة به في بلد بعينه فهو يستحق تطبيق مافى الذمة على الخارجي في ذلك البلد، فخصوصية؟ البلد من قيود ذلك الامر المستحق فيتعين دخلها في التقويم، ولو بني على الانتقال الى القيمة وكونها بدلا عن المثل عند التعذر تعين قيمة بلد التعذر، إذا فرض مخالفته لبلد المطالبة في مالية المثل

[ 154 ]

لما عرفت، وأما ضمان أعلى القيمتين فهو مبني على ضمان ارتفاع القيم وكون المضمون الجامع بين العين والمثل وبقاء المثل في الذمة الى زمان المطالبة على ما تقدم في نظيره فلاحظ (قوله: وفصل الشيخ في المبسوط) شقوق التفصيل المذكور غير ظاهرة الارتباط بما نحن فيه، إذ الشق الاول راجع الى جواز المطالبة بغير بلد التلف لكن لم يتعرض فيه لتعيين القيمة، والشق الثاني راجع الى جواز المطالبة في ظرف التساوي في القيمة وهو غير محل الكلام، والشق الثالث راجع الى عدم جواز المطالبة بالمثل في غير بلد التلف وهو غير مبنى الكلام في المقام، وكان الاولى حكاية هذا التفصيل في ذيل مسألة جواز المطالبة في كل بلد (قوله: الاقوى بل المتعين هو الاول) لان المماثلة المعتبرة في ضمان المثل يراد بها المماثلة في الحقيقة والمالية، والمراد من المماثلة في المالية دخولهما تحت عنوان المال بحيث يكون كل منهما مالا فإذا خرج عن المالية فقد خرج عن كونه مثلا، وفيه ما عرفت الاشارة إليه آنفا من أن الضمان بالمثل في قبال الضمان بالقيمة إذ الملحوظ في الاول الذات والصفات فقط، بخلاف الملحوظ في الثاني فانه تدارك المالية فقط، ولذا لوهبطت قيمة المثل لم يجب على الضامن دفع التفاوت مع المثل كما أنه لو ارتفعت قيمة المثل لم يجز له الرجوع بالتفاوت عند دفع المثل فإذا سقط عن المالية لم يخرج عن كونه مثلا كما هو الحال في ضمان نفس العين قبل التلف فانه لو سقطت عن المالية لا يكون ذلك من قبيل تلف العين أو تعذر ردها، ولذا مال في الجواهر الى لزوم المثل لاغير لعدم الدليل على الانتقال الى القيمة والاصل عدمها (ويمكن) ان يستدل على ما ذكرنا بالصحيح المتقدم في ذيل التنبيه الرابع في الدراهم التى سقطت فان قول السائل: أو تغيرت، وان كان ظاهرا في حصول التفاوت في المالية ولذا تقدم الاستدلال به على عدم ضمان التفاوت، ولكن قوله: وسقطت تلك الدراهم، بقرينة المقابلة لقوله: تغيرت، ظاهر في السقوط عن المالية بالمرة فدل على الانتقال الى القيمة، اللهم إلا أن يكون المراد من السقوط اسقاط السلطان، ومن التغير السقوط لا من السلطان بل من غيره فيكون السقوط شاملا لصورتي انتفاء المالية

[ 155 ]

وتفاوتها، وإذا كان معارضا بمكاتبة يونس الثانية: كتبت الى الرضا (ع): إن لي على رجل ثلاثة آلاف درهم وكانت تلك الدراهم تنفق بين الناس تلك الايام وليست تنفق اليوم فلي عليه تلك الدراهم باعيانها أو ما ينفق اليوم بين الناس؟ قال فكتب الي: لك أن تأخذ منه ما ينفق بين الناس كما أعطيته ما ينفق بين الناس، والجمع بينهما يقتضي حمل المكاتبة على صورة السقوط عن المالية بالمرة بقرينة المكاتبة الاولى المتقدمة أيضا لاختصاصها بصورة حصول التفاوت إذ بعد تقييد الثانية بالاولى تكون الثانية أخص من الصحيح فيقيد بها ويرفع التنافي بين النصوص، لكن هذا خلاف ظاهر إطلاق السقوط في الصحيح بل الظاهر ما ذكرنا أولا فيكون التنافي بين الصحيح والمكاتبة موضوعا للتعارض وأحكامه والترجيح فيه للصحيح، ومورده وان كان القرض إلا أنه مما نحن فيه لانه تمليك بالضمان فلا فرق بين الضمان الجعلي والشرعي، بل يمكن التعدي الى كل كلي في الذمة سقط عن المالية كالمبيع في السلف والثمن في النسية وغيرهما، لانه أولى بالحكم المذكور من الثابت بمناط ضمان العين إذ لا مجال لتوهم الاشكال عليه بانه خلاف مقتضى الضمان الراجع الى تدارك المالية في الجملة وإن عرفت أيضا اندفاعه، وكيف كان فلا دليل يظهر على الانتقال الى القيمة والاصل عدمه (قوله: بل حكي عن بعض) حكى ذلك في الجواهر عن جامع المقاصد ثم قال: لم نعثر على من تعرض له بالخصوص غير من عرفت. انتهى، مشيرا الى التذكرة والايضاح والدروس (قوله: ويحتمل آخر مكان) إذا كان السقوط عن المالية تدريجيا بحسب الزمان كما لو تنزلت القيمة يوما فيوما حتى سقطت بالمرة كان المتيقن آخر زمان التنزل لانه وقت الانتقال الى القيمة، وإذا كان الاختلاف في المالية لاختلاف الامكنة وفى بعض الامكنة لا مالية له أصلا مع كون الزمان واحدا وكان التلف في مكان له فيه مالية والمطالبة في مكان لا مالية له فيه، فإذا بني على الانتقال الى القيمة لامتناع ضمان مالا مالية له ترددت القيمة بين الاقل والاكثر والاصل البراءة من الاكثر، وتعين قيمة مكان الضمان لادليل عليه لان المفروض كونه مثليا في ذلك المكان، وكذلك

[ 156 ]

بالاضافة الى كل مكان له فيه مالية فكيف يصح ضمانه بالقيمة فضلا عن تعين قيمة مكان بعينه لانه ترجيح بلا مرجح نعم لو احتمل بقاء المثل في الذمة الى حين الاداء وان خرج عن المالية غاية الامر أنه لا يستوفى الا بما هو مال فالاصل يقتضي الاكثر لاصالة عدم فراغ الذمة بدفع الاقل، لكن هذا الاحتمال بعيد عن مبنى القول المذكور، ومن هنا يشكل القول المصرح به في كلام الجماعة جدا لما عرفت من عدم المقتضي للقيمة في كل مكان فضلا عن قيمة مكان الضمان (قوله: لان القيمة حينئذ بدل الحيلولة) هذا ان تم اقتضى وجوب المثل عند التمكن بناء على مختاره من بقاء نفس المثل في الذمة بطريق الاولى، فان اقتضاء دفع ما في الذمة لسقوطه بنحو لا يعود أولى من اقتضاء دفع بدله لذلك - مع أنه غير تام لاختصاص بدل الحيلولة بالعين التي لا تخرج عن ملك المالك بتعذر أدائها لعدم الموجب ودفع المضمون به انما هو تدارك لما فات على المالك بتعذرها، ولا يجئ في المثل الذي تبدل الى القيمة في الذمة وخرج عن كونه مملوكا للمالك لانتفاء الوجود الخارجي له والذمي، أو سقط عن الذمة بدفع بدله كما هو على مختار المصنف (ره) والمشهور نعم لو احتمل بقاء المثل في الذمة على هذا القول حتى بعد اداء القيمة كان لما ذكر وجه لكنه لا قائل به وخلاف المرتكزات العرفية التنبيه السابع (قوله: مقتضى اطلاق أدلة) يعني الاطلاق المقامي لادلة الضمانات حيث لم يتعرض فيها لكيفيته مع انها واردة في مقام البيان، فلا بد ان يكون المتكلم قد اتكل في بيانها على الكيفية العرفية، كما اشار الى ذلك المصنف (ره) في التنبيه السابق (قوله: وفي الشرائع في باب القرض) قال في الشرائع في قرض القيمي: انه يثبت في الذمة قيمته وقت التسليم ولو قيل يثبت مثله كان حسنا. انتهى، وفي التذكرة: وان لم يكن مثليا فان كان مما ينضبط بالوصف وهو ما يصح

[ 157 ]

السلف فيه كالحيوان والثياب فالاقرب انه يضمن بمثله من حيث الصورة لان النبي (ص) استقرض بكر.. الخ، وظاهره الوافقة للشرائع، وفى الجواهر: الانصاف عدم خلو القول به من قوة باعتبار معهودية كون قرض الشئ بمثله بل مبنى القرض على ذلك، بل قد يدعى انصراف إطلاق القرض إليه، وربما يؤيده نصوص الخبر الذي يقوى كونه قيميا ولذا تجب قيمته في اتلافه بأكل ونحوه (قوله: فيرده اطلاقات) هذه الاطلاقات - على تقدير تماميتها - ليست في القرض فالتعدي منها الى القرض غير ظاهر، ولا اجماع على عدم الفصل فان خلاف الجماعة في القرض ووفاقهم في غيره شاهد بذلك، فالارتكاز العرفي في القرض من الضمان فيه بالمثل مطلقا لا رادع عن العمل به فيتعين (قوله: ومنها رواية تقويم العبد) المضمون المذكور تضمنه جملة من الروايات، منها صحيح الحلبي عن ابي عبد الله (ع): سألته عن مملوك بين الشركاء فيعتق احدهما نصيبه فقال (ع): إن ذلك فساد على أصحابه فلا يستطيعون بيعه ولا مواجرته فقال (ع): يقوم قيمة فيجعل على الذي اعتقه عقوبة وانما جعل ذلك عليه عقوبة لما افسد، ونحوه صحيح سليمان بن خالد، وموثق سماعة، وقريب منها غيرها، لكن في ظهورها في الضمان الذي هو محل الكلام تأملا لاحتمال كونه معاوضة شرعية قهرية وباب التقويم غير باب التضمين بل لعل ذلك ظاهر بعضها (قوله: سقط من الذمة بحسابه) المذكور في بعض النصوص أنهما يتراد ان الفضل، وفى بعضها إن كان اكثر من مال المرتهن فهلك ان يؤدي الفضل الى صاحب الرهن وان كان اقل من ماله فهلك الرهن ادى إليه صاحبه فضل ماله وان كان الرهن سواء فليس عليه شئ، وفي بعضها ما هو قريب من ذلك، ومقتضى اطلاقها عدم الفرق بين ان يكون الرهن مثليا وقيميا، كما ان اطلاق بعضها يقتضي ايضا عدم الفرق بين كون الدين قيميا ومثليا، وحملها على ما نحن فيه يتوقف على حملها على كون كل من الدين والرهن قيميا أو كون الدين نفس القيمة التي يضمن بها الرهن لكونه قيميا وان كان الدين مثليا إذ لو كانا مثليين كانت النصوص اجنبية عما نحن فيه، كما انه لو كان احدهما مثليا والاخر قيميا كان

[ 158 ]

مقتضى القاعدة ضمان المثلي بمثله والقيمي بقيمته لا ضمان احدهما بالاخر، وكذا لو كان الدين مثليا وكان من القيمة وكان الرهن قيميا فلا يتعين ضمانه بعين الدين، مثلا إذا كان الدين من الدراهم وكان الرهن قيميا فالبناء على ضمانه بالقيمة لا يقتضي ضمانه بنفس الدراهم لجواز ضمانه بغيرها من القيم كالدنانير والدوانيق، ومن ذلك يظهر أن الاستدلال بها على ما نحن فيه يتوقف على مثل هذه التكلفات، ولعل حملها على المعاوضة الشرعية قهرا أو على صورة التراضي بين الراهن والمرتهن بذلك اولى، (قوله: ومنها غير ذلك من) مثل رواية السفرة المطروحة في الطريق التي رواها السكوني وبعض ما ورد في اللقطة، لكن الظاهر ان ذلك ليس مما نحن فيه بل هو من باب جواز التصرف بالقيمة نظير التملك بالقيمة، وقد عرفت ان باب التقويم غير باب التضمين، ولذا يمكن الالتزام به حتى في المثلي، بل البيض واللحم مورد رواية السكوني وهما من المثلي فلا حظ (قوله: بالتزام مال معادل) والمعادلة انما تكون بين النقص المالي على المالك وبين المال المعادل له والنقص انما يكون في حال التلف لا فيما قبله ولا فيما بعده إذ فيما قبله مال المالك على حاله لا نقص عليه فيه ولذا لو دفعه إليه قبل التلف برئ من ضمانه وفيما بعده لا مال للمالك حتى يتصور فيه نقص على المالك، فالمتعين تدارك النقص المالي الوارد على المالك بلحاظ حال التلف لا غير (قوله: إذ يلزم حينئذ أن) يعني يلزم أن يكون الغاصب اخف حكما من غيره وهو باطل لانه إما مساو لغيره أو اشق، وفيه انه يمكن ان التدارك في المغصوب على نحو خاص تارة يكون فيه الغاصب اخف واخرى يكون اشق كما إذا كانت قيمته يوم الغصب اكثر من قيمته يوم التلف (قوله: مواخذة له بأشق) يعني فلا يتعدى منه الى غيره في حكمه.

[ 159 ]

صحيحة أبى ولاد (قوله: فروى الشيخ في الصحيح عن عن أبي ولاد) رواه الشيخ باسناده عن أحمد بن محمد عن ابن محبوب عن ابي ولاد الحناط، ورواه الكليني (ره) عن عدة من اصحابنا عن احمد بن محمد مثله (قوله: إما باضافة القيمة المضافة) لم يعهد في الاستعمال اضافة الاسم مرتين، بل قيل انه ممتنع سواء أكانت الاضافتان في رتبة واحدة أم في رتبتين إذ في الاول يلزم ان يكون الامر الواحد منظورأ إليه في حين واحد بنظرين متباينين، وفى الثاني يلزم ان تكون الاضافة الواقعة في الرتبة الاولى ملحوظة باللحاظ الالي كما هو مقتضى كونها اضافة خاصة واقعة بين المضاف والمضاف إليه الموجبة للربط بينهما، وباللحاظ الاستقلالي كما هو مقتضى كونها مقومة للمضاف (وقد) يستشكل في الاول بمنع اللازم. نعم يلزم أن يكون الامر الواحد ملحوظا طرفا لاضافتين كما في مثل قولنا: قام غلام زيد، فان الغلام وقع طرفا لاضافته الى القيام اضافة الفاعل لفعله وطرفا لاضافته الى زيد اضافة الاختصاص ولا مانع منه واختلاف سنخ الاضافة لا أثر له في الامكان. نعم لا بد أن يكون للمضاف جهات تقوم بها الاضافات المختلفة، ومن المعلوم ان الحيثية التي تقوم بها اضافة القيمة الى البغل غير الحيثية التي تقوم بها اضافتها الى اليوم إذ الحيثية الاولى كونها مقوما بها وانه ماليته وبدله والثانية حيثية كونها مظروفة لليوم فكما يصح ان تقول: لزمني قيمة بغل، و: لزمني قيمة يوم الجمعة يصح ان تقول: لزمني قيمة بغل يوم الجمعة، وفي الثاني بأن الموجب لكونها ملحوظة باللحاظ الاسمي كونها طرفا للاضافة لا كونها مقومة لطرف الاضافة والثاني لا مانع منه كما إذا قلت: اكرم ولد زيد، فان موضوع الاكرام ليس ذات الولد بل الولد المضاف الى زيد (وفيه) ان الاضافة لما كانت معنى حرفيا قائما في غيره وملحوظة تبعا لغيرها فلا يمكن تعددها مع وحدة لحاظ غيره لانه من اجتماع المثلين، نعم يكفي

[ 160 ]

في تعددها تعدد طرفيها ولو كان لتعدد الجهات الملحوظة فيه فيكون الامر الواحد موضوعا لاضافتين بلحاظ جهتين، وذلك انما يكون مع اختلاف سنخ الاضافة لاجل قيام كل سنخ منها بجهة كما في الجمل التركيبية، وأما مع وحدة سنخ الاضافة الموجب لتعلق كل فرد منها بعين الجهة التي تعلق بها الفرد الاخر فلا تعدد في الموضوع لا ذاتا ولا عرضا فيمتنع تعددها، ومن ذلك يظهر الوجه في جواز قيام الاضافتين بالغلام في المثال المذكور فان اضافة الفاعلية قائمة به بلحاظ جهة خاصة واضافة الاختصاص قائمة به بلحاظ جهة اخرى وعدم الجواز فيما نحن فيه لاتحاد الجهة وكذا في مثل: قام زيد عمرو، و: ضربت زيدا عمرا، فان اضافة الفاعلية في الاول واضافة المفعولية في الثاني انما تكون بلحاظ جهة واحدة لا تكرر فيها فلا يمكن تكرر الاضافة معها، ولذا لم يصح المثالان المذكوران، نعم يصح العطف في مثل: قام زيد وعمرو، لان العطف بمنزلة التكرار فكأنك قلت: قام زيد قام عمرو، واضافة الاختصاص سنخ واحد وان تعدد منشؤه فكما لا يجوز: قام غلام زيد عمرو، لا يجوز: عندي خاتم حديد زيد، هذا إذا كانت الاضافتان في رتبة واحدة، وأما لو كانتا مترتبتين مثل قولنا: ماء لحم زيد، و: خاتم حديد زيد، على ان يكون المضاف الى زيد ماء لحم وخاتم حديد، فما ذكر وإن لم يكن مانعا عن الاضافة الثانية لتعدد الجهة ولا يلزم منه ملاحظة الاضافة الاولى باللحاظ الاستقلالي، لكنه غلط في اللغة العربية فانه لا تجوز اضافة المضاف وان جاز اضافة؟ المضاف إليه المعبر عنه بتتابع الاضافات كما لو قصد اضافة اللحم والحديد الى زيد في المثالين المتقدمين، وكيف كان فلو أبدل المصنف (ره) هذا الاحتمال باحتمال كون يوم المخالفة حالا من القيمة أو صفة لها لتم له المقصود من دون حاجة الى ما ذكر. فلاحظ (قوله: فيكون اسقاط حرف) حرف التعريف إنما يسقط من المضاف لا من المضاف إليه والبغل ليس مضافا الى اليوم، وإنما المضاف إليه القيمة ولو أراد كون المجموع هو المضاف فلا ينفع ايضا لانه يكون من قبيل المركب واضافته لا تقتضي الحذف (قوله: قيدا للاختصاص)

[ 161 ]

الظاهر ان الاختصاص عين الاضافة الخاصة القائمة بين المضاف والمضاف إليه فان لوحظت باللحاظ الاستقلالي كانت معنى اسميا مدلولا عليه بلفظ الاختصاص ونحوه وإن لو حظت باللحاظ الالي كانت معنى حرفيا مدلولا عليه بالهيئة التي عليها المضاف والمضاف إليه أو باللام الظاهرة أو المقدرة وحينئذ لا يتعلق بها الجار والمجرور إذ لابد في متعلقهما من أن يكون ملحوظا معنى اسميا لان تعلق شئ بآخر يستوجب اضافة بينهما وتلك الاضافة لا تقوم بالمعنى الحرفي بل لا بد ان تقوم بمعنى اسمي ليكون ملحوظا على نحو الاستقلال وتلحظ الاضافة تبعا له كما هو ظاهر (قوله: لان السائل انما) حاصله أن ملاحظة السؤال تقتضي علم السائل بأن اللزوم بعد التلف - كما يقتضيه تعليق اللزوم على العطب والنفوق - فإذا كان ظرف اللزوم التلف امتنع أن يكون يوم المخالفة قيدا له لانه يلزم ان يكون ظرفه يوم المخالفة ايضا، وذلك متناف فلا بد أن يكون يوم المخالفة قيدا لامر آخر غير اللزوم، وايضا فان ظاهر السؤال السؤال عن المقدار اللازم بالتلف بعد العلم بثبوت الضمان به فلا بد أن يحمل الجواب على إرادة بيان المقدار وذلك يقتضي تعليق الظرف بغير اللزوم وإلا لم يكن جوابا عن السؤال (قوله: كما يدل عليه أرأيت) لا يخفى أن ضمير الفاعل في قول السائل: يلزمني، راجع الى البغل فان حمل الاستفهام على الحقيقي فقد دل على جهل السائل بلزوم البغل على تقدير التلف فلا طريق الى دعوى علم السائل باللزوم فضلا عن كونه بسبب المخالفة ولا الى كون السؤال عن المقدار اللازم، وإن حمل على الاستفهام التقريري فقد دل على علم السائل بلزوم البغل وحينئذ لا بد أن يكون الغرض من التقرير المذكور إما الاستشكال في قوله " ع ": أرى له عليك... الخ من جهة منافاة الضمان للزوم الاجرة أو غير ذلك، وكيف كان فلا دليل على كون السؤال عن المقدار اللازم بسبب المخالفة - كما لعله ظاهر - ومما ذكرنا يظهر أنه لا داعي الى حمل السؤال على الاستفهام التقريري، بل لا يجوز لعدم مساعدة الجواب على ذلك فيتعين حمله على الاستفهام الحقيقي ويكون ذكر القيمة في الجواب ردعا عن توهم لزوم نفس البغل كما أن ذكر يوم المخالفة كان ردعا عن توهم ثبوت الضمان

[ 162 ]

بمجرد القبض، وعلى هذا فالظرف متعلق بفعل مقدر مدلول عليه بحرف الجواب أعني قوله: يلزمك، كما أن لفظ: قيمة، فاعل له وإذا كان صالحا لتعلق الفاعل به فاولى أن يتعلق به الظرف ويكون حاصل الجواب: يلزمك يوم المخالفة قيمة بغل علي تقدير التلف، ولا منافاة بين كون ظرف اللزوم التلف وكون اللزوم يوم المخالفة إذا لم يجعل يوم المخالفة ظرفا للزوم المطلق، وانما جعل ظرفا للزوم المذكور في السؤال وهو اللزوم على تقدير التلف فلا يدل على قيمة يوم المخالفة في قبال يوم التلف ولا على قيمة يوم التلف فى قبال يوم المخالفة إلا إذا أريد من يوم المخالفة زمانها في مقابل الزمان السابق عليها، وهو زمان قبض العين ويكون ذكر يوم المخالفة لدفع توهم الضمان قبله بمجرد القبض - كما هو غير بعيد - فانه على هذا يكون دليلا على اعتبار زمان التلف لا غير، وبالجملة: يدور الامر بين جعل الظرف قيدا للقيمة حالا أو صفة وبين جعله قيدا للزوم على تقدير التلف والثاني أولى لعدم احتياجه الى تقدير المتعلق الذي هو خلاف الاصل، لا أقل من الاجمال الموجب للرجوع الى المرتكزات العقلائية المقتضية لكون القيمة قيمة يوم التلف (قوله: فالظرف متعلق) ذكر في الجواهر ان نسخة التهذيب المصححة المحشاة التي تحضره قد سقط منها لفظ (اليوم) وان المذكور فيها قوله " ع ": ترده، فلا توقيت فيه بل مفاده وجوب رد الارش لا غيره (قوله: بيوم الرد اجماعا) يعني يوم رد العين لا رد الارش، لكن هذا الاشكال بعينه جار في جعله قيدا ل‍ (عليك) إذ يوم رد العين ليس زمان وجوب القيمة وثبوتها في الذمة اجماعا بل زمانه يوم حدوث العيب (قوله: دون العيب القليل) يعني بشرط لا وإلا فهو مضمون في ضمن الزيادة الحادثة (قوله: على مقتضى الفتوى) هذا مقتضى اطلاق فتوى جماعة والمصرح به في كلام بعض هو السقوط قال في الشرائع: فرعان الاول لو زادت القيمة لزيادة صفة ثم زالت الصفة ثم عادت الصفة والقيمة لم يضمن قيمة الزيادة التالفة لانها انجبرت بالثانية، وفي المسالك: لو هزلت الجارية ثم سمنت وعادت القيمة كما كانت ففيه قولان، انتهى. وفي الجواهر قال - في اثناء كلام له

[ 163 ]

في المقام -: فكل صفة ذاهبة يمكن تقديرها مع المتجددة وتزداد القيمة بذلك هي لا تنجبر بالمتجدد وكل صفة لا يمكن تقديرها مع المتجددة أو أمكن ولكن لا تزيد بها القيمة عن المتجددة بل هي هي أو تنقص لا تضمن وتنجبر بالثانية، انتهى والعمدة في ذلك قصور أدلة الضمان عن اثباته مطلقا إذ العمدة فيه مثل هذه الصحيحة وهي - كما ترى - إما ظاهرة في العيب يوم الرد كما يقتضيه كون العيب أقرب الى الظرف فاولى ان يتعلق به من الابعد - مضافا الى ما عرفت من الاشكال في تعلقه بالقيمة وب‍ (عليك) أو محتملة لذلك وحينئذ لاتدل على تعيين أحد الامرين، والرجوع الى الارتكاز العقلائي يساعد ما ذكره في الشرائع وغيرها فان بناءهم على عدم الضمان في العيب المرتفع لا أقل من الشك الموجب للرجوع الى الاصل (قوله: من عدم اختلاف) كما اشار الى ذلك في الجواهر (قوله: دفع ما ربما يتوهمه) لو كان المقصود ذلك لكان يفي به التعبير بيوم التلف بل هو واضح فيه من دون اقل ابهام كما هو في التعبير بيوم المخالفة فالعدول إليه بلا وجه ظاهر، (قوله: من حيث انه يوم المخالفة) إذ العناية به كذلك تقتضي التعبير عنه بلفظه لا بلفظ آخر. هذا ومثل هذا الاشعار حاصل بالنسبة الى يوم التلف حيث عبر تارة بيوم الاكتراء واخرى بيوم المخالفة ولم يعبر عنه بلفظه اصلا فيكون عدم العناية فيه أولى إلا أن هذا لا يعارض الدليل عليه لو تم (قوله: بمشهد من الناس) لم يتضح الوجه في دعوى هذه الغلبة في ذلك العصر ولو سلم فمثل هذا التنبيه انما يحسن لو كان الخطاب لصاحب البغل لا للغاصب (قوله: لم يكن وجه لكون) هذا الاشكال وما يليه وان كان مشتركا بين القول باعتبار يوم المخالفة والقول باعتبار يوم التلف الا ان دفعه على الثاني اسهل كما سيأتي منه (ره) ولذا عده مؤبدا لا قرينة على ارادة يوم التلف (قوله: ان القول قول المالك) لانه لابد ان يدعي عدم التنزل والغاصب يدعي التنزل والاول موافق للاصل (قوله: في قيمة البغل سابقا) أو في القيمة يوم التلف مع جهلهما بالقيمة السابقة أو اختلافهما في صعود القيمة فيدعى المالك صعودها وينكره الغاصب فان الغاصب في هاتين

[ 164 ]

الصورتين يكون منكرا والمالك مدعيا فعلى الاول اليمين وعلى الثاني البينة بل الاول أقرب من غيره (قوله: أعني حلف الغاصب) يعني إذا لم يكن للمالك بينة لما عرفت من أنه مدع وعليه البينة (قوله: أو اللاحق له) إذا اتفقا على القيمة في الزمان اللاحق وادعى الغاصب كونها في يوم المخالفة أقل كان منكرا وان كان لازم دعواه زيادة القيمة في اللاحق فان هذه الزيادة لما لم تكن موضوعا لاثر شرعي فاصالة عدمها غير جارية فلا يكون موافقها منكرا، كما ان الاستصحاب القهقري واصالة تشابه الازمان ليس على حجيتهما في المقام دليل (قوله: وادعى الغاصب نقصانه عليه) يكون هو المدعي ويكون اليمين على المالك وأما الحكم بسماع بينة المالك فلا بد من حمله إما على صورة دعواه زيادتها يوم المخالفة أو على صورة عدم اتفاقهما على شئ بل يدعي المالك انها يوم المخالفة مقدار بعينه وينكر ذلك الغاصب على نحو ما مر بناء على اعتبار يوم التلف (قوله: ولا يخفى بعده) كأنه من جهة عدم ابتلاء الغاصب بالبغل قبل المخالفة ليصح اتفاقه مع المالك على قيمته حينئذ، وفيه - مع أن هذا لا يطرد فيما ذكره من اتفاقهما على القيمة في الزمان اللاحق ليوم المخالفة - أن ذلك قريب بملاحظة زمان المالك للعين لندرة التغابن وغلبة الشراء بقيمة المثل بل هذا اقرب مما ذكره " قده " إذ مجرد الابتلاء به قبل التلف مما لا يدعو الى الاتفاق على القيمة. فلاحظ (قوله: وابعد منه حمل النص) لا يخفى ان غالب صور الاختلاف في القيمة بين المالك والغاصب أن يكون المالك مدعيا والغاصب منكرا لان المالك يدعي زيادة القيمة والغاصب يدعي النقيصة، وحمل الرواية على الغالب يوجب مخالفتها للقواعد من الوجهين اللذين اشار اليهما المصنف " ره " من جعل اليمين وظيفة للمالك ومن قبول بينته لكن يرجعان في الحقيقة الى امر واحد لان قبول بينة المدعي مما لا اشكال فيه فالمخالفة للقواعد من جهة قبول قول المالك المدعي بيمينه فقط ومن الجائز أن يكون لخصومة المالك والغاصب خصوصية لاجلها صح قبول قوله بيمينه مع كونه مدعيا لانه أعرف بقيمة بغله وأبعد عن الاتهام بخلاف الغاصب الذي هو أجنبي

[ 165 ]

عن البغل وموضع الاتهام لتعديه وظلمه، ولذا اشتهر انه يؤخذ بأشق الاحوال، وحمل النص على التعبد في خصوص مورده لما ذكرناه مما يساعده ارتكاز العرف في الجملة ليس بابعد من حمل الاحكام المذكورة في النص على صور مختلفة كلها بعيدة فان ذلك التزام بعيد في بعيد كما لا يخفى. هذا ويمكن حمل الرواية على صورة التداعي عند الحاكم كما يقتضيه قول السائل: فمن يعرف ذلك، فانه ظاهر في السؤال عن طريق معرفة القيمة التي يلزم اداؤها ويكون الجواب متكفلا لبيان ثلاثة طرق إخبار المالك مع يمينه، واخبار الغاصب كذلك، والبينة، فكيون قوله " ع ": اما ان يحلف.... الخ تفسير لقوله " ع ": انت وهو، وقوله " ع ": أو يأتي.. الخ بيان لطريق ثالث وهو البينة فالجواب بيان لطرق القيمة في الجملة وليس المراد منه بيان طرق حكم الحاكم بمقدار القيمة كي يتعين حمل الكلام على بيان طرق الحاكم المترتبة التي هي البينة ثم يمين المنكر ثم اليمين المردودة، بل الكلام بيان لطرق معرفة القيمة في الجملة كل في محله فمع جهل الغاصب والمالك تكون البينة طريقا لهما ومع جهل الغاصب وعلم المالك يكون اخبار المالك مع يمينه حجة للغاصب ومع جهل المالك وعلم الغاصب يكون اخبار الغاصب مع يمينه طريقا للمالك، والتأمل في قول السائل: قلت فمن يعرف.... الخ يوجب الوثوق بظهور الرواية فيما ذكرنا فلا تشمل صورة النزاع والترافع الى الحاكم بحيث يكون ما ذكر منها طريق الحاكم في حكمه فلاحظ (قوله: كما حكي عن الشهيد الثاني) حكاه في الجواهر عن كتابيه المسالك والروضة فقال في المسالك: إن في خبر أبي ولاد ما يدل على وجوب اعلى القيم بين الوقتين، وقال في الثاني: انه قوي لمكان هذا الخبر الصحيح فلاحظ (قوله: ولم اظفر بمن وجه) يمكن توجيهه بأن المراد من يوم المخالفة زمان المخالفة لا خصوص يوم حدوثها وحينئذ يدخل الاقل من القيم تحت الاكثر على حسب ما ذكره بقوله: نعم استدلوا.. الخ وقد اشار في الجواهر الى بعض الوجوه في توجيه الاستدلال بالصحيح فراجع (قوله: بعض من تأخر) هو صاحب الجواهر (رحمه الله) فانه بعد الاستدلال عليه بقاعدة الضرر قال: ومن هنا كان خيرة العلامة

[ 166 ]

الاكبر الاقا محمد باقر البهبهاني (قده) فيما حكي عنه الا انك قد عرفت فيما تقدم اقتضاء القاعدة المزبورة فوات الاعلى مع فواته وإن رد العين نفسها وهو مخالف للاجماع بقسميه. انتهى. وقد يشكل ما ذكر بأن الاجماع على عدم العمل بالقاعدة عند رد العين نفسها لا يقتضي سقوط القاعدة في غيره من الموارد التي لا اجماع على خلافها، فالعمدة في سقوط القاعدة عدم شمولها للمقام لانها انما تقتضي نفي الحكم الضرري لا اثبات حكم يلزم من عدم ثبوته الضرر (قوله: إذ لا فرق مع عدم التمكين) لا يخفى وضوح الفرق بين التلف والبقاء إذ في التلف يكون الذمي القيمة وفي البقاء يكون المضمون نفس العين، وهذا الفرق هو الفارق بينهما فيما نحن فيه، وموجب لالحاق صورة بقائها الى أن تتلف بصورة بقائها الى أن تدفع الى المالك، لان التلف في زمان أعلى القيم يوجب اشتغال الذمة بالاعلى على ما عرفت من أن مقتضى الضمان مع التلف تدارك النقص المالي وهو لا يحصل إلا بذلك، أما مع عدم التلف فلا موجب للاشتغال بالاعلى ما دامت العين موجودة - مع أن عدم تمكين المالك لو كان موجبا للالحاق بالتلف لزم قيمة يوم المخالفة كما سيأتي نقله عن التحرير، لا أعلى القيم بعده إذ الاعلى حينئذ يكون كالاعلى بعد التلف لا يكون مضمونا على الغاصب (قوله: تدارك تلك المالية) قد عرفت أنه مع وجود العين لا موجب للتدارك لعدم النقص والا فلا وجه للاكتفاء في التدارك برد العين، وكون ارتفاع القيمة أمرا اعتباريا مسلم، لكنه لا يجدي فيما نحن فيه لان المضمون في القيميات ليس هو نفس ارتفاع القيمة بل المال المساوي للتالف في القيمة، وإلا فعدم ضمان الارتفاع مطرد في جميع القيميات ولا يضمن بنفسه فيها، ومن ذلك تعرف الاشكال في قوله: والحاصل ان.. الخ (قوله: اكثرها فتأمل) يحتمل أن يكون اشارة الى ما ذكرنا آنفا (قوله: حيث أن الشك في التكليف) الشك انما هو فيما اشتغلت به الذمة من المال لا في التكليف. ثم إن الجواب المذكور ذكره في الجواهر دفعا للدعوى المذكورة (قوله: باستصحاب الضمان) هذا يتم لو كان مفاد الحديث كون ما في الذمة نفس المأخوذ

[ 167 ]

الى ان تدفع القيمة إذ الشك على هذا يكون في فراغ الذمة من العين بدفع الاقل أما إذا كان الثابت في الذمة القيمة وترددت بين الاقل والاكثر فالاستصحاب يقتضي عدم ثبوت الاكثر لا أنه يقتضي ثبوت الاكثر كما حقق في مبحث الاقل والاكثر الارتباطيين (قوله: والقبض فافهم) لعله اشارة الى الاشكال في التخصيص بالمورد المذكور (قوله: ولعله كما قيل) ذكر ذلك في الجواهر ثم قال: - وهو كما ترى - مع ضعف المبني عليه ينبغي تقييده بما إذا تعذر المثل { أقول }: مقتضى بعض الادلة المتقدمة الاعتبار بالزيادة هنا كما قبل التلف (قوله: وتداركه بحسب مالية) يعني أن الوجه المعين لقيم زمان التلف وهو تدارك النقص المالي الوارد على المالك الذي هو ملاك الضمان في القيميات بعينه يعين قيمة مكان التلف لان النقص الوارد على المالك إنما هو بمقدار مالية المال في ذلك المكان فيتعين التدارك بذلك المقدار. هذا بناء على الاعتبار بقيمة يوم التلف أما بناء على الاعتبار بيوم المخالفة فالقيمة باعتبار مكان الضمان كما أن البناء على الاعتبار بأعلى القيم يقتضي البناء على الاعلى في جميع امكنة العين من مكان المخالفة الى مكان التلف (قوله: فالظاهر كما قيل عدم) قال في الشرائع - فيما لو زادت القيمة لزيادة صفة ثم زالت: أما لو تجددت صفة غيرها مثل أن سمنت فزادت قيمتها ثم هزلت فنقصت فنقصت قيمتها ثم تعلمت صنعة فزادت قيمتها ردها وما ضمن بفوات الاولى. قال في الجواهر: بلا خلاف اجده فيه بل الاجماع بقسميه عليه. بدل الحيلولة (قوله: لما دل من الضمان) يدل على ذلك أخبار كثيرة واردة في ضمان الامين والاجير والمستعير وغيرهم فلاحظ الوسائل في الابواب المذكورة وغيرها، (قوله: أو بعدم رجاء) مورد هذا الضائع ومورد ما قبله المسروق والغريق والابق ونحوهم (قوله: نظير ما تقدم في تسلطه على مطالبة) قد تقدم

[ 168 ]

الاشكال في ذلك في التنبيه السادس وأن العمدة فيه بناء العرف عليه الذي لم يثبت الردع عنه أو الممضى بالاطلاقات المقامية وعليه يشكل البناء على إجراء حكم التلف في الفرض الاخير لعدم ثبوت بناء العرف عليه، بل يمكن التأمل في الفرض الثاني أيضا لذلك، ودعوى دخوله في أدلة الضمان - كما ذكر المصنف - غير ظاهرة. نعم هو مقتضى الفتاوى فان كان اجماعا فهو والا فهو غير ظاهر الوجه (قوله: بحيث لا يحصل) كأنه من جهة توقف تحقق مفهوم الغرامة والتدارك على حصول النقص والفوت على من له الغرم فإذا كان قصر المدة مانعا من صدق فوت مال المالك عليه ونقصه لم تصدق الغرامة فلا موجب لها. ثم الظاهر اختلاف الموارد في ذلك فرب عين بمنعها يصدق الفوت والنقص على المالك في مدة قليلة لا يصدق في عين غيرها والمدار على كثرة الحاجة وقلتها فالعين المحتاج لها في كل يوم مرة أو مرات غير العين التي يحتاج إليها في السنة أو اكثر مرة (قوله: المسقط للتكليف) بان كانت مقدمات تحصيله غير اختيارية سواء أطالت المدة أم قصرت في قبال التعذر غير المسقط للتكليف بان كانت مقدمات تحصيله اختيارية سواء أطالت المدة أم قصرت. ثم إن الوجه في استظهار المصنف (ره) اطراد الدليل المتقدم الذي عرفت اشكاله في الصورتين على نحو واحد (قوله: التعبير بالتعذر) قال في الشرائع: وإذا تعذر تسليم المغصوب دفع الغاصب البدل، وقال في القواعد: يجب رد العين مادامت باقية فان تعذر دفع الغاصب البدل (قوله: برد العين فتأمل) لعله اشارة الى أن ذلك خلاف عموم السلطنة الذي قرره آنفا (قوله: ولعل المراد به التعذر) هذا بعيد عن كلامهم جدا فان ظاهر التعذر التعذر المطلق كما لا يخفى (قوله: فلا يجوز) تفريع على المنفي (قوله: ويدل عليه قاعدة تسلط) هذا يتم لو كان دفع البدل يستلزم تصرفا في ملك المالك كما لو بني على كونه عوضا عنه، أما لو لم يكن كذلك بل كان مال المالك باقيا على ملكه فليس في ذلك تصرف في الملك فلا يكون منافيا لقاعدة السلطنة على المال. نعم لو كان الدفع حقا للمالك فمع الشك فيه يرجع في نفيه الى قاعدة السلطنة على النفس لا المال (قوله: خروجه

[ 169 ]

عن التقويم) يعني بذهاب وصف مثل الاتصال في الاناء المنكسر كما سيأتي، (قوله: وتوقف تملك المغصوب) الظاهر أن أصل العبارة العطف: (أو) ليكون قولا آخر في قبال الاول للمباينة بين الامرين المانع من العطف بالواو. ثم إن البناء على توقف الملك على اليأس لا يرفع الاشكال المتقدم إذ مع اليأس ايضا تكون العين باقية على ملك المالك - مع أن المبذول ملك له فيلزم الجمع بين العوض والمعوض، بل هو حاصل حتى مع العلم بعدم وجدان العين كما لا يخفى. اللهم إلا أن يفرق بين صورة اليأس من الحصول وغيرها بأنه في الاولى يسقط عن المالية فلا يكون الجمع فيه بين العوضين ممتنعا بخلاف صورة العلم بالحصول أو رجائه فانه لا يخرج بذلك عن كونه مالا، وحينئذ يمتنع الجمع فيه بين العوضين كما سيأتي تقريبه فانتظر (قوله: ان معنى ضمان العين ذهابها) لم يتضح الوجه فيما ذكره (قده) فان ضمان العين وغيرها بمعنى كون المضمون في عهدة الضامن ولازم ذلك إقامة بدله مقامه عند عدم التمكن منه، ولازم ذلك كون ذهاب المضمون من مال الضامن إذا لم يتبرع عنه في وفاء ما عليه وإلا كان الذهاب من غيره فالذهاب من مال الضمان لازم بعيد غالبي للضمان (قوله: في الوجوه التي بها قوام الملكية) الظاهر أن صحيح العبارة: قوام المالية، بقرينة ما يأتي من كلامه " قده " وغيره مما يظهر بالتأمل (قوله: وتداركا للسلطنة الفائتة) هذا يتم لو كان اللازم التدارك هو السلطنة، أما لو كان موضوع السلطنة كما يقتضيه أدلة الضمان فان حديث: على اليد ما أخذت، إنما يقتضي لزوم نفس المأخوذ الذي هو موضوع السلطنة فيقتضي لزوم تداركه نفسه لا تدارك ما فات من عوارضه وطوارئه؟ من سلطنة وغيرها كيف ولازم ذلك عدم ارتفاع الضمان بدفع نفس العين لانه لا يتدارك به السلطنة الفائتة من حين الاخذ الى حين الدفع وهو كما ترى " وبالجملة ": لا ريب في أن ضمان العين يستتبع لزوم تدارك نفسها وذلك إنما يكون بقيام عين أخرى مقامها بلحاظ جميع الحيثيات المتعلقة بها من دون فرق بين الحيثية الفائتة وغيرها فان ذلك هو المستفاد من أدلة

[ 170 ]

الضمان المعتضدة بظاهر كلمات الاصحاب، وبالارتكاز العرفي، وان البدل المضمون به قائم مقام المضمون فان كان ملكا كان ملكا وإن كان وقفا كان وقفا، وإن كان زكاة كان زكاة، وهكذا فالتدارك له والبدل بدله في جميع شؤونه وأطواره وهذا مما لا ينبغي التأمل فيه، وما في جامع المقاصد إنما كان اشكالا في بقاء العين على ملك المالك لا في ملك المالك للبدل، وقد اعترف المصنف (ره) ايضا به بقوله في صدر كلامه: ولو لا ظهور الاجماع وأدلة الغرامة في الملكية لاحتملنا... الخ وقد كان ينبغي له (قده) الجزم بذلك فانه الذي يساعده الاتكاز العرفي ايضا، وكيف يسوغ التفصيل بين التلف والحيلولة مع وحدة لسان أدلة الضمانات بل مورد بعضها كلا النوعين (فان قلت): إذا فرض أن الفائت من المضمون ليس إلا السلطنة امتنع اعتبار البدلية بينه وبين المضمون به بالنسبة الى ما عداها من الحيثيات لان المفروض بقاؤه للمضون فيكف يصح اعتبار البدلية بالنسبة إليه، بل يختص اعتبارها بالنسبة الى السلطنة ويكون المضمون به قائما مقام المضمون بلحاظها لا غير (قلت): الحيثيات المذكورة إذا كانت ملحوظة بنحو العام الجميعي تم ما ذكر، أما لو كانت ملحوظة بنحو العام المجموعي نظير المركب الذي ينتفي بانتفاء أحد أجزائه فلا مانع من أن يكون المضمون به بدلا عن المضمون بلحاظ جميع الحيثيات لانتفائها بانتفاء السلطنة التي هي بعضها (قوله: على ملك مالكها) هذا قرينة على أن العبارة السابقة صحيحها قوام المالية لا قوام الملكية وإلا ففرض فوات ما به قوام الملكية يمنع عن بقاء الملكية للمالك، وعلى هذا يتوجه على المصنف (ره) اشكال آخر، وهو أنه إذا كان الفائت المالية لزم تداركها كما لزم تدارك السلطنة لان ملاك الضمان تدارك المالية فإذا فاتت كانت أولى بالتدارك من السلطنة فلا بد من البناء على ملكية المالك للمال المضمون به لا الاقتصار على الاباحة (قوله: ما ليس به قوام الملكية) الظاهر ان صحيح العبارة: قوام المالية (قوله: لم يبعد انكشاف ذلك) الظاهر أن صحيح العبارة: لم يبعد كشف ذلك... الخ، ثم ان الوجه في هذا الانكشاف امتناع اعتبار

[ 171 ]

الضمان والتدارك لاختصاصه بصورة تلف المال ليحصل التدارك بالمضمون به والمفروض عدمه والنقص المالي لو فرض ثبوته وكونه مضمونا فانما يقتضي ضمان الارش لا تمام القيمة كما هو ظاهر الدليل فيدور الامر بين أن يكون معاوضة شرعية قهرية وأن يكون حكما جزائيا عى نحو آخر غير الضمان والاول أظهر، لكن لو تم هذا جرى في اكثر موارد بدل الحيلولة مما يرجى حصوله بعد مدة طويلة أو قصيرة أو يعلم بحصوله كذلك كما في اللوح المغصوب في السفينة إذ في جميع ذلك لا يخرج المضمون عن كونه مالا. نعم ربما كان تنقص ماليته وتنخفض قيمته فيتعين الالتزام بالمعاوضة الشرعية القهرية فيه ولا يكون من باب الضمان (قوله: مع بقائها على مقدار ملكيتها) المظنون أن أصل العبارة: مقدار ماليتها، إذ الملكية ليست هي ذات مراتب ومقادير، وعلى هذا يكون هذا الكلام اشارة الى القسم الثاني، والمراد من بقائها على مقدار ماليتها بقاؤها على ذلك بالاضافة الى نفسها وان كانت قد فاتت ماليتها لاجل الحيلولة في مقابل القسم الثالث وهو ما تفوت المالية فيه بالاضافة الى نفس العين لتفرق أجزائها (قوله: لان القيمة عوض الاوصاف) يعني فلا يتوجه الاشكال بلزوم الجمع بين العوض والمعوض لان المعوض عنه هو الاوصاف والاجزاء وهي فائتة وليست موضوعا لملكية المالك كي يمتنع تملك القيمة التي هي عوض عنها، وفيه أن ما ذكره وإن كان فرارا عن الاشكال المذكور لكنه خلاف الارتكاز العرفي، فان المضمون عندهم نفس العين التي فاتت ماليتها والقيمة عوض عنها لا عن وصفها وكأن من هذا يظهر أن الوجه في التزامه (قده) في القسم الثاني بأن المعوض ليس مملوكا للمالك وإنما هو مباح له هو الفرار عن الاشكال المذكور، لكن عرفت الاشكال فيه، بل هو فيه أوضح منه هنا وإن كان هنا يتوجه عليه إشكال آخر وهو أن الاوصاف المذكورة تضمن بالقيمة لا بالمثل ولا يظن التزامه بها، وأما الاشكال المذكور فدفعه أن المعوض عنه ليس نفس العين مطلقا بل العين الخاصة ذات المالية وهي منتفية بانتفائها ولا جمع بين العوض والمعوض، بل الجمع إنما كان بين العوض وذات المعوض ولا مانع منه إذ المعوض

[ 172 ]

ليس نفس الذات بل الذات الخاصة كما لا يخفى، فلا مانع من بقاء الذات الفاقدة للمالية على ملكية المالك وملكيته لما هو عوض عن العين ذات المالية الخاصة التي هي غير مملوكة لفقد المالية. نعم لو فرض عدم سقوط العين عن المالية بالمرة امتنع حينئذ الجمع بين ملكيتها وملكية البدل لاختصاص الضمان بصورة تدارك المالية فلا يمكن الجمع بين المالين في الملكية لخروج ذلك عن كونه تداركا لما فات كما عرفت في الحيوان الموطوء، ولعله الى ذلك أشار الشهيد الثاني في كلامه المتقدم كما أشرنا إليه آنفا (قوله: فيقوى عدم جواز) هذا غير ظاهر لان الادلة العامة الدالة على حرمة التصرف في مال الغير مختصة بما هو مال فلا يشمل ما هو ملك وليس بمال وكونه ظلما حراما عقلا غير ظاهر بنحو يستتبع حرمة شرعية كما هو محقق في محله (قوله: واستجوده بعض المعاصرين) هو صاحب الجواهر، قال في الشرائع: ولو خاط ثوبه بخيوط مغصوبة فان أمكن نزعها ألزم ذلك وضمن ما يحدث من نقص ولو خشي تلفها بانتزاعها لضعفها ضمن القيمة، ووصله في الجواهر بقوله: كما في القواعد والدروس وغيرهما لكونه كالمعدم باعتبار تعذر رده، وظاهر هم عدم وجوب الاخراج حينئذ كما اعترف به في المسالك. ثم حكى عن جامع المقاصد والمسالك القول بوجوب النزع وإن أفضى الى التلف. ثم قال: وهو كما ترى مناف لظاهرهم الذي اعترف به في المسالك سابقا، ومن هنا جزم في مجمع البرهان بعدم وجوب النزع في مثل الفرض بل قال: يمكن انه لا يجوز، ثم نقل تمام كلامه المذكور في العبارة ثم قال: وهو جيد موافق لما قلناه سابقا من اقتضاء ملك المالك القيمة خروج المغصوب عن ملكه لكونها عوضا شرعيا عنه. ثم أيد ذلك بما تقدم منه في وطء حيوان الغير، وبما تقدم أيضا من أن من كان في يده المغصوب لو رجع المالك عليه وغرمه كان له الرجوع على من استقر التلف في يده ثم قال: بل ستسمع ملك الغاصب المغصوب إذا أدى قيمته للحيلولة وان كان متزلزلا، بل كأن ذلك مفروغ عنه عند التأمل في كلماتهم في مقامات متعددة ظاهرة أو صريحة في أن المؤدى عن المضمون عوض شرعي عنه على وجه يقتضي الملك للطرفين من غير فرق

[ 173 ]

بين الموجود من العين مما لا قيمة له وبينهما إذا كانت كذلك لو انتزعت كما في الفرض انتهى. لكنه في مبحث بدل الحيلولة ذكر ما ظاهره المخالفة لذلك قال في الشرائع: وإذا تعذر تسليم المغصوب دفع الغاصب البدل ويملكه الغصوب منه ولا يملك الغاصب العين المغصوبة ولو عادت كان لكل منهما الرجوع، قال في الجواهر: كما صرح بذلك كله غير واحد من أساطين الاصحاب كالشيخ وابن ادريس والفاضل والشهيد والكركي وغيرهم بل في المسالك نسبته إليهم مشعرا بالاتفاق عليه... إلى أن قال في أثناء كلامه: والعين باقية على الملك للاصل ولانها مغصوبة وكل مغصوب مردود واخذ القيمة غرامة للدليل الشرعي لا ينافي ذلك... إلى أن قال في الاستدلال على ذلك: مضافا الى أصالة بقائه على ملكه والى ما عرفته من الاتفاق عليه ولذا لم يذكروا خلافا، بل ولا اشكالا في ملك نمائه المنفصل له، ودعوى أنه من الجمع بين العوض والمعوض عنه الممنوع عنه شرعا واضحة الفساد. انتهى، أقول: لا ينبغي التأمل في أن الرطوبة المغصوبة والخيوط كذلك ليسا من قبيل واحد لان الرطوبة مآلها الى الجفاف ولا ينتفع بها على الحال المذكور فهي ساقطة عن المالية أما الخيوط فهي ذات منفعة معتد بها فعلا بل هي أولى بكونها ذات منفعة منها حال كونها غير مخيط بها إذ منفعتها في هذه الحال انما هو بلحاظ صيرورتها مخيطا بها فهي غير تالفة. نعم ردها قد يستلزم تلفها وقد لا يستلزم فان لم يستلزم فلا اشكال في وجوب رد عينها كسائر الاعيان المغصوبة وحينئذ لا مجال لتوهم الانتقال الى البدل من مثل أو قيمة أما لو استلزم تلفها فوجوب الرد غير ظاهر لعدم الدليل عليه بنحو يشمل صورة لزوم التلف فلو غصب صوفا فغزله أو غزلا فنسجه مع غزله لم يجب عليه نقض الغزل ورده صوفا وله فصل النسج ورده غزلا. نعم لا يجوز التصرف فيه بغير اذن المالك كما لا يجوز للمالك التصرف في الثوب المخيط والمنسوخ بغير اذن الغاصب وحينئذ يتعين التخلص إما بالبناء على الاشتراك في المالية أو العين أو بالرجوع الى الحاكم الشرعي ولا يتضح الوجه في البناء على الضمان بالمثل أو القيمة. فلاحظ (قوله: أو كان الذاهب السلطنة) قد عرفت

[ 174 ]

أن الذاهب في الجميع هو العين الخاصة أعني ذات المالية وذلك وموضوع الضمان فيجب تداركها بعين أخرى مثل أو قيمة تقوم مقامها إما في الملكية ان كانت الذاهبة مملوكة أو غيرها من العناوين الخاصة التي كانت ثابتة للعين الذاهبة، وحينئذ يقع الكلام في أن عوضية البدل للعين الذاهبة هل تقتضي عوضيتها للبدل على نحو تكون معاوضة من الطرفين كسائر المعاوضات ليترتب عليه ملك الضامن للعين التالفة فيكون الاناء المكسور والرطوبة الباقية على الاعضاء ملكا للغاصب كما اختاره في الجواهر في احد كلاميه أو لا يقتضي ذلك كما هو ظاهر الاصحاب، واختاره في اجواهر في كلامه الاخر، الذي يقتضيه الاصل الثاني والذي يساعده الارتكاز الاول، وما ذكره المصنف (ره) من ان وجوب البدل من باب الغرامة يقصد به تدارك التالف لا ينافي ذلك لان تدارك التالف كما يكون بنحو المعاوضة يكون بنحو العوضية ولا يتعين أن يكون على النحو الثاني (فان قلت) العين التالفة لاتقبل الملك ولاغيره من العناوين التي يقصد قيام البدل مقامها فكيف يمكن اعتبارها فيها وكيف تمكن دعوى كون ذلك مقتضى الارتكاز العرفي (قلت) المدعى هو المعاوضة من الطرفين على نحو الاقتضاء لاعلى نحو الفعلية نظير شراء من ينعتق على المشتري فانه لا يستوجب معاوضة فعلية من الطرفين - مع أن الشراء من أظهر المعاوضات وقد عرفت أنه يكفي في صحة اعتبار ذلك أنه يترتب عليه كون العين الموجودة ملكا للضامن، ومن ذلك تعرف الاشكال فيما ذكره المصنف (ره) بقوله: فالمبذول هنا كالمبذول مع تلف العين في عدم البدل له، فلا حظ ثم إنك عرفت الاشارة الى ان الاقسام الثلاثة المذكورة في كلام المصنف (ره) لم تستوف جميع اقسام المضون فان من جملة الاقسام لبدل الحيولة مالو عمل حصول العين بعد مدة طويلة أو يرجى حصولها كذلك، وهذا المقدار مما لا يوجب سقوطها عن المالية فلا يكون داخلا في أحد الاقسام الثلاثة لاشتراكها في فوات المالية وينبغي ان لا يكون الحكم فيه هو الضمان بنحو المعاوضة كما هو كذلك في الحيوان الموطوء على ما تقدم، لكن عرفت في صدر المبحث

[ 175 ]

الاشكال في جواز المطالبة بالمضون على نحو يجب على المالك دفع البدل من مثل أو قيمة إذ النصوص غير ظاهرة في مثله بل ظاهر مواردها غيره مما كان بحكم التلف من ضياع أو سرقة ونحوهما مما لا يرجى حصول العين فيه، وقاعدة قبح الظلم ولزوم الجمع بين الحقين قد عرفت الاشكال في اقتضائهما ذلك في التنبيه السادس كما عرفت الاشكال في التمسك بقاعدة الضرر، وأما الاجماع على الضمان فغير ثابت بنحو يرفع به اليد عن القواعد فلم يبق الابناء العقلاء عليه فان تم فهو على نحو المعاوضة من الطرفين لا بنحو العوضية من طرف واحد فان فيه الجمع بين العوض والمعوض، وعليه فلا ينبغي التأمل في كون دفع البدل في القسم المذكور يستوجب دخول العين المضمونة في ملك الضامن فلاحظ وتأمل (قوله: عهدة مالية) يعني اشتغال الذمة بمال لان المفروض انتفاء ماليتها (قوله: سقوطه فتأمل) لعله اشارة الى عدم جريان القاعدة من جهة الاقدام على الضرر مع العلم بكون الغصب مستتبعا لوجوب الرد لكن الاشكال فيه لان الاقدام على الضرر عرفا لا يتحقق بمثل ذلك (قوله: من أن ظاهرهم عدم وجوب) هذا ذكره في مسألة الخشبة المغصوبة التى استدخلت في البناء قال (ره): ولو بلغت حد الفساد على تقدير الاخراج بحيث لا يبقى لها قيمة فالواجب تمام قيمتها وهل يجبر على اخراجها حينئذ؟ نظر، من فوات المالية وبقاء حق المالك في العين، وظاهرهم عدم الوجوب وأنها تنزل منزلة المعدومة ولو قيل بوجوب اعطائها المالك إذا طلبها كان حسنا. انتهى، نعم في مسألة خيط الجرح بالخيوط المغصوبة دكر أنه إذا كان الحيوان غير ماكول فالحكم فيه كالاولى يعني لا ينتزع الخيط وعلى الغاصب القيمة لانه لا ينتفع به مع ذبحه. انتهى، وظاهره المفروغية من عدم وجوب النزع وان لم يلزم من نزعها نقص قيمتها أو سقوطها لاجل لزوم الضرر على صاحب الحيوان وان كان هو الغاصب. هذا وكلمات المسالك في المسألتين لا تخلو من تناف فراجع (قوله: محمول على صورة تضرر) هذا ربما ينافيه قوله في المسالك: ولو قيل بوجوب.... الخ فلا حظ (قوله: فاستشكل في القواعد) بناء على

[ 176 ]

ثبوت حق الاولوية لا ينبغي الاشكال في وجوب الرب لانه من أحكام الحق المذكور كما هو من أحكام الملك فالاستشكال فيه إما للاشكال في ثبوت الحق المذكور كما يظهر من محكي المسالك فانه تبع القواعد في الاستشكال، وإما للبناء على كون مقتضى الضمان العوضية من الطرفين، ومن هنا لم يحسن قوله (ره) آنفا: مع بقاء حق الاولوية، الظاهر في المفروغية عن ثبوت الحق ولا سيما بملاحظة قوله (ره) بعد ذلك: ولم يكن المالك الا أولى به، الظاهر في البناء على انتفاء الحق المذكور (قوله: بلا خلاف ظاهر) يعني في صورة صيرورته خلا قبل دفع البدل أما بعد دفع البدل فاستشكل فيه غير واحد على ما يظهر من محكي عباراتهم لكن ذلك أيضا لا ينافي نفي ظهور الخالف ثم إن الوجه في جعله مؤيدا للقول بثبوت الحق لا دليلا عدم الملازمة بين ملك المالك له لو صار خلا وبين ثبوت الحق لجواز أن يكون دخوله في ملكه لاجل كون أصله ملكا له حين كان خلا فهو نظير الملك بالتبعية (قوله: وعن التذكرة وبعض آخر) قد حكاه في الشرائع قولا ونسبه في الجواهر الى التذكرة ومحكي المبسوط وظاهر غيرهما وجعله الموافق للتحقيق لبقاء العين المغصوبة على ملك المالك وعلى وجوب ردها على الغاصب مع التمكن وعلى ضمانها وضمان نمائها، وأن القيمة للحيلولة غرامة شرعية ثبتت بالادلة وهي لا تقتضي براءة ولا تغييرا للحال الاولى، وفيه أن القيمة المدفوعة اقتضاها الضمان على نحو اقتضائه لها في التلف على ان تكون تداركا لما فات فكأنه لم يفت من غير فرق بين أن تكون بدلا عن العين أو عن الحيلولة فكأن العين في يده فكيف تكون حينئذ مضمونة، ومن هنا جعل في الشرائع القول بعد ضمان الاجرة أشبه (قوله: مقتضى الاقاعدة ضمانه) يعني لو بقي الارتفاع الى يوم الدفع أما لو نقصت القيمة يوم الدفع فالمتعين قيمة يوم الدفع وكذا الحال لو لم ترتفع القيمة بل نقصت بعد التعذر فان المدار على قيمة يوم الدفع مطلقا لانه زمان الانتقال الي القيمة (قوله: لعموم على اليد مأخذت) قد تقدم منه (ره) الجزم بارتفاع الضمان باداء القيمة، وهو ينافي التمسك

[ 177 ]

بالنبوي على وجوب الرد هنا لان الاداء المذكور فيه غاية للضمان ان انطبق على أداء القيمة كما هو مقتضى البناء على ارتفاع الضمان بدفعها امتنع أن ينطبق على أداء العين ثانيا وان انطبق على أداء العين امتنع أن ينطبق على أداء القيمة فلا وجه للبناء على ارتفاع القيمة بادائها فان الحديث الشريف إنما يدل على ثبوت الضمان ولا تعرض فيه لوجوب الرد كما سبق منه الاعتراف بذلك عند الاستدلال به على ضمان المقبوض بالعقد الفاسد، وأيضا فان التمسك به في المقام مناف لما سيأتي منه من أن التمكن من الرد لا يوجب حدوث الضمان للعين ولا عهدة جديدة بل هي مضمؤنة بالغرامة ولو تمسك بمثل قولهم (ع): كل معضوب مردود، وغيره مما تقدم التمسك به لوجوب رد المقبوض بالعقد الفاسد كان أسد (قوله: فلا يجوز استصحاب) لان السقوط المذكور عقلي لا شرعي (قوله: هو الضمان) كأن المراد من الاستصحاب استصحاب وجوب الرد الثابت قبل التعذر المعلق على التمكن، فيقال: كان حال التعذر لو تمكن من رده وجب فكذا بعده الى زمان التمكن، لا استصحاب وجوب الرد العقلي الثابت قبل التعذر لارتفاعه في حال التعذر ولا استصحاب الضمان لكون المختار عنده (قدس سره) ارتفاع الضمان بدفع المبدل خلافا لصاحب الجواهر ومن سبقه كما سبق، ويمكن الاشكال في الاستصحاب المذكور بأن التمكن ليس من الشرائط الشرعية لوجوب الرد حتى يكون الوجوب المعلق عليه شرعيا بل هو شرط عقلي للوجوب العقلي، والوجوب العقلي لا يجرى فيه الاستصحاب كالسقوط العقلي، كما ان استصحاب وجوب الرد لا يقتضي الضمان لعدم كون الضمان من أحكام الوجوب الشرعية (قوله: المدلول عليه بقوله) هذا متعلق بالعموم لا بالضمان يعني العموم المدلول عليه... الخ (قوله: أظهر هما الثاني لاستصحاب) قد اشرنا آنفا الى أن التمسك بالاستصحاب والعموم على الضمان في المسألة السابقة ينافي التمسك هنا على عدمه بالاستصحاب، وكيف كان فالمتحصل بناء على بقاء المضمون على ملك المالك وعدم اقتضاء ضمانه العوضية من الطرفين هو وجوب رد المال المضمون على مالكه عند ارتفاع الحيلولة عملا بما دل على وجوب

[ 178 ]

رد كل مال الى مالكه على ما تقدم في وجوب رد المقبوض بالعقد الفاسد وبقائه مضمونا بالغرامة المبذولة - حسبما ذكر المصنف (ره) - أما بناء على اقتضاء الضمان العوضية من الطرفين فمقتضى الاستصحاب بقاء تلك العوضية بعد ارتفاع الحيلولة فلا يجوز للمالك المطالبة بالمضمون ولا للضامن المطالبة بالغرامة المبذولة ولم يتضح بناء للعرف على خلاف ذلك كي يعول عليه في رفع اليد عن الاستصحاب المذكور فيلزم العمل عليه (قوله: ما يزيد ملكيته) قد تقدم منه أن الضمان في بدل الحيلولة إنما يقتضي بدلية البدل في السلطنة لافي الملكية فهو باق على ملك الغارم (قوله: لا يوجب عود سلطنته) إذا كان التعذر سببا لفوات السلطنة تعين كون التمكن سببا لعودها (قوله: بل كان بدلا عن أصل) يعني أن البدلية ملحوظة بين البدل والسلطنة حدوثا وبقاء ففي زمان التعذر تكون العين بدلا عن السلطنة في ذلك وفى زمان التمكن لو بقي البدل ملكا للمالك كان ملكا له بلا مبدل منه لعدم فوات السلطنة في ذلك الزمان (قوله: مع تلفه) قيد لدفع بدله وقوله: أو خروجه، معطوف عليه (قوله: ولا يجب رد نمائه) لانه ملكه بما أنه نماء ملكه لا بما أنه بدل عن السلطنة حتى يجري عليه حكم العين فيرجع الى ملك الغارم أما المتصل فهو تابع للعين عرفا فينتقل الى من تنتقل إليه العين (قوله: ولذا لا يباح لغيره) يعني لاجل أن له السلطنة على المطالبة للعموم المذكور كان ذلك العموم بعينه مانعا من اباحة المال لغير المالك لان الاباحة خلاف مقتضى العموم المذكور، ولا يكفي في الاباحة المذكورة بذل الغرامة لان الغرامة ليست بدلا عن السلطنة المذكورة (قوله: وعلى تقدير فيتحقق) يعني سواء أكانت الغرامة عوضا عن العين أم عوضا عن السلطنة يكون المقام من موارد التراد من الطرفين لا الرد من خصوص أحدهما (قوله: فلكل من صاحبي) لان الامتناع من التسليم في ظرف امتناع الطرف الاخر الذي هو من الاحكام العرفية كما يكون في الاخذ يكون في الرجوع على نمط واحد (قوله: والمعوض للغرامة السلطنة) هذا هو الشق الثاني المذكور في وجه ما جزم به في التحرير فلا يكون جوابا عنه، كما

[ 179 ]

أنه لا موقع لقوله: إلا ان يقال.. الخ لرجوعه إليه، وليس نقضا لما سبق، كما لا يظهر الوجه في كون الاقوى الاول (اللهم) الا ان يستشكل في كلية لزوم التقابض من الطرفين في المعاوضة الشرعية فضلا عن التراد فتأمل جيدا (قوله: لانه حبسه بحق) يعني والغصب انما يكون بالقبض عدوانا بغير حق (قوله: لانه قبضه لمصلحة) يكفي في الضمان الاستصحاب (قوله والظاهر أنه بقيمته يوم) إذا قلنا بأن الغرامة في بدل الحيلولة عوض عن نفس العين وأنه بالتمكن من الرد لا تنفسخ المعاوضة فالتلف بعد ذلك لا يوجب تغيرا في الضمان لان التلف حينئذ من مال الغارم وفى ملكه، وإن قلنا بانفساخ المعاوضة حين التمكن فالتلف حينئذ يكون من مال المالك وفي ملكه فيضمنه الضامن ضمانا جديدا ويجرى عليه أحكام الضمان ومنها كون القيمي مضمونا بقيمته يوم التلف على ما تقدم، وإن قلنا بمقالة المصنف (ره) من أن الغرامة باقية على ملك الغارم كما أن العين باقية على ملك المالك والعوضية كانت بين السلطنة الفائتة على العين والسلطنة على الغرامة فالتلف يكون موجبا لتبدل الضمان، والتدارك حينئذ يكون لنفس العين التالفة لانها هي الفائتة فتضمن بمثلها أو قيمتها حين التلف بعد ما كان المضمون السلطنة عليها لانها هي الفائتة والمضمون به السلطنة على الغرامة، ومن ذلك يظهر أن ما ذكره المصنف (ره) من الضمان بقيمة يوم التلف لا ينافي ما تقدم منه من جريان استصحاب ضمان العين بالغرامة قبل التلف فلاحظ وتأمل، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الكريم محمد وآله الطاهرين. الى هنا انتهى ما أردنا ايراده من شرح كلمات شيخنا الاعظم (قدس سره) ونحن على أمر عظيم من تشويش الفكر وقلق البال واضطراب الاحوال وارتباك الشئون الشخصية والنوعية كل ذلك من جراء الحرب العالمية الثانية ولا حول ولا قوة الا بالله العلى العظيم وبالنظر لهذا الامر العظيم العام لم يتسع الصدر للتعليق علي عبارات شيخنا الاعظم (ره) بالشرح بل اتخذنا خطة اخرى هي اخف مؤنة علينا وعلى حضار درسنا وهو البحث في كل مسألة من مسائل هذا الكتاب الشريف على الاستقلال مع التعرض لمطالب شيخنا (قدس سره) على

[ 180 ]

الترتيب الذي نهجه وما توفيقي الا بالله عليه توكلت واليه أنيب وهو حسبنا ونعم الوكيل وكان ذلك ضحى الخميس تاسع جمادى الاولى سنة ستين بعد الالف والثلثمائة هجرية بسم الله الرحمن الرحيم الكلام في شروط المتعاقد به قوله (ره): " مسألة " المشهور كما عن الدروس والكفاية بطلان عقد الصبي... الخ الكلام في هذه المسألة يقع في مقامين (الاول) في ادلة القول المشهور فتقول: قد استدل له بامور (الاول) حديث رفع القلم عن الصبي حتى يحتلم الذي رواه في الخصال عن ابن ظبيان عن علي " ع " وكذا رواه في دعائم الاسلام بتفاوت يسير وروى في الخصال عن الرضى (ع) انه قال: وفى حديث الصبي لا يجري عليه القلم حتى يبلغ، وفى موثق عمار عن الغلام متى تجب عليه الصلاة؟ قال (ع): إذا أتى له ثلاث عشرة سنة فان احتلم قبل ذلك فقد وجبت عليه الصلاة وجرى عليه القلم... الحديث وتقربب؟ الاستدلال به أن رفع القلم إما أن يراد به رفع الحكم، أو رفع المؤاخذة، أو رفع الاستحقاق، لكن يمنع عن الاخير أن الاستحقاق ليس موضوعا لجري القلم لانه حكم عقلي فلا يكون موضوعا لرفع القلم (فان قلت) الاستحقاق وإن كان حكما عقليا لا يكون موضوعا لجري القلم بلا واسطة لكنه يكون موضوعا له بواسطة المنشأ وهو الحكم كما ذكر في حديث رفع التسع " قلت ": فرق بين جعله موضوعا للرفع - كما في حديث الرفع - وجعله موضوعا لرفع القلم - كما في الحديث المذكور - فان الحكم العقلي إذا كان ناشئا من الحكم الشرعي يمكن أن يكون موضوعا للوضع والرفع بواسطة وضع المنشأ ورفعه، ولا يمكن أن يكون موضوعا لرفع القلم ووضعه ولو بالواسطة لاختصاص القلم

[ 181 ]

بما يكون شرعيا فرفع القلم لا يتعلق بما لا يكون شرعيا أصلا سواء أكان بعناية الواسطة أم بلا عناية، ويمنع عن الثاني أن مقتضاه العفو مع الاستحقاق وهو خلاف المقطوع به فيتعين الاول، ومقتضى اطلاقه عدم الفرق بين الحكم التكليفي والوضعي، وفيه ان القلم جريا ورفعا لا يختص بالمجعولات الشرعية، وقد اشتهر في النصوص التعبير بكتابة الحسنات والسيئات، بل رواية ابن سنان الواردة في المقام قد تضمنت أنه إذا بلغ كتبت عليه السيئات وكتبت له الحسنات. وهذا هو الظاهر في المقام ولو سلم كون موضوع رفع القلم هو الحكم فالظاهر منه خصوص الحكم الذي يكون وضعه ثقلا عليه ولا يشمل مثل ما نحن فيه (الثاني) الروايات المتضمنة بمنطوقها أو بمفهومها عدم جواز أمر الصبي في البيع والشراء فان اطلاق نفي الجواز يقتضي نفي الاثر لعقده ولو كان باذن الولي (وفيه) أن الظاهر من الجواز الجواز على نحو الاستقلال مقابل الجواز الثابت للبالغ فلاحظ الروايتين المذكورتين في المتن وغيرهما فان المقابلة بين حالي الصبا والبلوغ قرينة على ذلك - مضافا إلى أن نفي مطلق الجواز عن عقد الصبي لا ينافي النفوذ بعنوان كونه عقدا للولي فان إذنه مصححة لنسبته إليه وان نسب الى الصبى ايضا ولاتنافي بين عدم نفوذه بملاحظة كونه عقدا للصبي لعدم مقتضي النفوذ فيه، وبين نفوذه بملاحظة كونه عقدا للولي لوجود مقتضيه فيه (الثالث) الروايات المتضمنة لكون عمد الصبي خطأ ففي صحيح ابن مسلم عن أبي عبد الله " ع ": عمدا لصبي وخطؤه واحد، وفي خبر اسحاق: ان عليا (ع) كان يقول: عمد الصبيان خطأ يحمل على العاقلة، وفي خبر أبي البختري عن علي (ع) كان يقول في المجنون والمعتوه الذي لا يفيق والصبي الذي لم يبلغ: عمدهما خطأ تحمله العاقلة وقد رفع عنهما القلم، (وفيه) أن الظاهر منها تنزيل العمد منزلة الخطأ فيما له من الاحكام فيختص بما إذا كان للخطأ حكم شرعي ليصح التنزيل بلحاظه كما في باب الجنايات، ولا يجري فيما نحن فيه مما كان الاثر فيه للعمد فقط، ولو كان المراد منه مثل ما نحن فيه لكان الاولى التعبير بمثل: عمد الصبي كلا عمد وقصده كلا قصد، بل قوله (ع) في

[ 182 ]

الخبرين: تحمله العاقلة، و: يحمل على العاقلة، كالصريح في الاختصاص بباب الجنايات لان الضمير المستتر في فعل الحمل والبارز الراجع الى العمد لا يكون في غيرها كما لا يخفى - مضافا الى أن الالتزام بكون المراد منه تنزيل قصده منزلة العدم يوجب البناء على تقييده في كثير من الموارد التي لا يمكن الالتزام فيها بذلك مثل صلاته وصومه وإفطاره وسفره وإقامته وإحرامه ونحوها من الافعال التي تتقوم بالقصد فلا أقل من أن يكون ذلك قرينة على الاختصاص، وأيضا فان استعمال العمد والخطأ في الجناية العمدية والخطئية شائع جدا في النصوص العامية والخاصية على نحو صار كاصطلاح خاص فمع تردد المراد يكون الكلام من قبيل المجمل، ففي صحيح أبي بصير: في غلام لم يدرك وامرأة قتلا رجلا خطأ فقال: إن خطأ المرأة والغلام عمد.. الحديث، وفي صحيح ضريس في امرأة وعبد قتلا رجلا خطأ فقال: ان خطأ المرأة والعبد مثل العمد، ونحوهما غيرهما، وبالجملة: لا ينبغي التأمل في قصور النصوص عن صلاحية الاستدلال بها لما نحن فيه إذ لا أقل من عدم ظهورها فيه، وأشكل من ذلك دعوى استفادة المقصود من حديث رفع القلم بملاحظة خبر أبي البختري المتقدم فان قوله (ع): وقد رفع عنهما، في ذيله ليس له وجه ارتباط بما قبله الا من جهة كونه معلولا لقوله: عمد الصبي خطأ، أو علة لثبوت الدية على العاقلة إذ يكفي في ارتباطه به كونه حكما اخرويا وما قبله حكما دنيويا فيكون المقصود في الحديث بيان الجهتين معا من دون علية ولا معلولية - مع أنه ينفي الاولى خلوه عن مثل الفاء واللام الدالتين على ذلك، وينفي الثانية المخالفة في كيفية التعبير من حيث الاشتمال على (قد) الدالة على تحقيق مدخولها وخلو جملة: تحمله العاقلة، عنها فإذا القول المشهور لا دليل عليه ظاهر (المقام الثاني) فيما يمكن الاستدلال به على خلاف المشهور وهو أمور (الاول) قوله تعالى: (وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فان آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم) لظهورها في كون الابتلاء قبل البلوغ بقرينة التعبير عنهم باليتامى، وقوله تعالى: (حتى) سواء أكانت للغاية أم للابتداء، والظاهر من الابتلاء الابتلاء بالمعاملات على الاموال، واختبار رشدهم

[ 183 ]

فيها، وحملها على الابتلاء بمقدمات العقد، خلاف الظاهر (ودعوى) أن قوله تعالى: (فادفعوا) الاية ظاهر في اختصاص دفع المال بايناس الرشد بعد البلوغ فلا يكون الابتلاء السابق على البلوغ بدفع المال (مندفعة) بأن الظاهر من دفع المال بعد البلوغ وايناس الرشد ارتفاع الحجر والاستقلال بالتصرف ودفع المال كناية عنه يعني: إذا آنستم منهم رشدا فولاية أموالهم لانفسهم لا لكم أيها الاولياء مع أن الابتلاء بالبيع والشراء لا يتوقف على دفع المال حتى يكون الامر بالدفع بعد البلوغ منافيا له فلا مانع من الالتزام بصحة عقدهم الاختباري وان لم يجز دفع المال إليهم حينئذ ولو سلم فالمراد دفع بقية أموالهم الزائدة على المقدار المحتاج إليه في اختبارهم ونفقاتهم. نعم تمكن المناقشة في الدلالة بأن الاختبار لا يتوقف على صحة المعاملة فتكون معاملاتهم تمرينية كعباداتهم على القول بكونها تمرينية لكنها خلاف الظاهر (الثاني) رواية السكوني عن أبي عبد الله " ع " قال " ع ": نهى رسول الله (ص) عن كسب الاماء فانها إن لم تجدزنت إلا أنه قد عرفت بصنعة يد، ونهى عن كسب الغلام الصغير الذي لا يحسن صناعة بيده فانه ان لم يجد سرق، فان التقييد والتعليل ظاهران في نفوذ كسبه في الجملة ولو حمل النهي على الكراهة فالدلالة أظهر وحمله على الكسب بنحو الالتقاط أو العمل بأمر الغير مما لا يكون عقدا خلاف الاطلاق بل خلاف ظاهر التعليل جدا (الثالث) السيرة التي ادعاها الكاشاني وسيد الرياض على ما حكى عنهما المصنف (ره) والظاهر انها ليست موردا للتشكيك إذ لا يحتمل عدم مداخلة الصبيان المميزين في أمر المعاملات في عصر المعصومين (ع) كيف وقد استقرت على ذلك سيرة العقلاء إذ لا يفرقون في جواز المعاملة مع المميزين بين من بلغ الخمس عشرة سنة ومن لم يبلغها إلا بعد أيام أو ساعات، وغاية ما ثبت الردع عن بنائهم على استقلالهم في التصرف فيبقى جواز التصرف باذن الولي بحاله بلا رادع، ومن ذلك تعرف وهن الاشكال على السيرة المذكورة باحتمال كونها ناشئة عن عدم المبالات في الدين كوهن الاشكال عليها بأنها ليست مطلقة بل مختلفة باختلاف عمر الصبي وموضوعات معاملاته إذ فيه أن هذا الاختلاف ليس للبناء على عدم الجواز، بل

[ 184 ]

للاحتياط في المحافظة على المال والحذر من الوقوع في الغبن ولذا اختلف السيرة في توكيل البالغ في المعاملات فرب شخص يوكل في شراء الحيوان لا يوكل في شراء العقار، وبالعكس وهكذا ومثل ذلك لا يقتضي التفصيل في جواز التوكيل بين الموارد المذكورة، وكذا في المقام، وبالجملة لا ينبغي التأمل في ثبوت سيرة العقلاء على ذلك في جميع الاعصار على نحو غيرها من سيرهم التي لم يثبت الردع عنها، والظاهر أن سيرة المتشرعة جارية عليها فلا ينبغي التأمل في حجيتها، ودعوى أن ما عليه السيرة هو المعاطاة التي يكفي فيها الاذن بالتصرف والرضى به أو أن ذلك من اذن الولي في تولي البالغ طرفي العقد غير ظاهرة، بل ممنوعة - مع أن الدعوى الثانية لاتتاح مع كون الطرفين غير بالغين فلاحظ وتأمل فإذا لا يبعد القول بصحة عقد الصبي إذا كان باذن الولي كما اختاره جماعة منهم المحقق الاردبيلي وقبله الفخر في الايضاح على ما حكي عنهما واختاره في إجارة الشرائع وتردد فيه، واختاره في عاريتها وحكي عن جماعة. اشتراط قصد مدلول العقد قوله: " مسألة " ومن جملة شرائط المتعاقدين قصدهما لمدلول العقد الذي يتلفظان به... الخ لا ريب في اعتبار القصد المذكور في ترتب الاثر على العقد كيف وعنوان العقد من البيع وغيره من عناوين العقود قصديات لا يصح اعتبارها عند العقلاء الا في ظرف قصدها، لكن في عد ذلك من الشرائط فضلا عن كونه من شرائط المتعاقدين تأملا ظاهرا إذ هو من مقومات العقد التي ينتفي بانتفائها ذاتا لا مما ينتفي بانتفائها أثره وحكمه. ثم إن من الواضح أن المراد من قصد مدلول العقد قصد ايجاده وانشائه وارادة ايقاعه في مقابل عدم قصد ايجاده سواء أكان لعدم قصد اللفظ - كما في لفظ الغالط - أم لعدم قصد معناه أصلا - كما في عقد الهازل - أم لعدم قصده على نحو الايقاع - كما لو قصد الحكاية عنه والاخبار - ثم

[ 185 ]

إنه لا ينبغي التأمل في عدم الاكتفاء بقصد العنوان المردد بين عنوانين كما لو قال: بعتك الدار، أو: آجرتكها، فيقصد الموجب ايقاع الامر المردد بين البيع والاجارة، وكذا لو كان المردد موضوع العنوان كما لو قال: بعتك الدار، أو: الفرس، لان المردد لما لم يكن له مطابق لم يصح اعتباره، كما لا يصح أن يكون موضوعا للاحكام ولو كانت اعتبارية فلا يصح اعتبار المردد بين البيع والاجارة كما لا يصح اعتبار البيع للمردد بين الفرس والدار فلا بد في صحة العقد من قصد العنوان بموضوعه على نحو التعيين، وأما تعيين من له العقد فيختلف باختلاف عناوين العقود فان كان العنوان مما يتقوم بمن له العقد فلا بد من تعيينه لما عرفت فلا يصح: ملكت فرسي، ولا: زوجت ابنتي، مع عدم تعيين من له التمليك والتزويج، إذ لا اعتبار للتزويج والتمليك مع عدم اضافتهما الى معين وان كان العنوان لا يتقوم بمن له العقد فلا موجب لقصده كما في عقود المعاوضات فان المعاوضة انما تقوم بالعوضين لا غير فيصح ان يقول القائل: بدلت الفرس بالحمار، و: عوضت الفرس بالدينار، ومنه: بعت الفرس بالدينار، بناء على ما عرفت من أن البيع المبادلة بين المالين. نعم إذا لم يكن العوضان خارجيين اعتبر القصد الى من له العقد لان الذميات لا تصح أن تكون موضوعا للمعاوضة إذا لم تكن مضافة الى ذمة معينة سواء لم تكن مضافة الى ذمة اصلا كما لو قال: بعت فرسا بدينار، أم كانت مضافة الى غير معين كما لو قال: بعت فرسا في ذمة زيد أو عمرو بدينار في ذمة أحدهما، مع عدم قصد واحد بعينه فلا بد من تعيين من له العقد ليصح جعل المعوض عوضا، بل في القسم الاول وإن لم يكن من له العقد مقصودا تفصيلا لكنه مقصود إجمالا لا تبعا لقصد المعاوضة إذ مرجع المعاوضة بين الشيئين قيام كل منهما في مقام الاخر بلحاظ اضافته الى من له العقد فمرجع: بعت الفرس بالدينار، الى جعل الفرس عوضا عن الدينار من حيثية اضافته الى مالكه وجعل الدينار عوض الفرس من حيث اضافتها الى مالكها، ومن هنا صح أن يقال: إن من له العقد لا بد من قصده إما اجمالا أو تفصيلا إما لرجوع قصد البدلية إليه أو لتوقف

[ 186 ]

قصدها عليه، ومن ذلك يظهر امتناع قصد البدلية عن غير من يكون له البدل لان التنافي بين الامرين مانع عن القصد اليهما لان اجتماع المتنافيين محال فقصده محال فيمتنع قصد أن يبيع الانسان مال نفسه عن غيره كما يمتنع أيضا قصد أن يببع؟ مال غيره لنفسه، وكذا قصد شراء شئ لنفسه بمال غيره وشراء شئ لغيره بمال نفسه لا أنه يتحقق القصد اليهما ويكون القصد عن غير من له المال لغوا لا يترتب عليه أثر لما عرفت من استحالة القصد المذكور لاستحالة متعلقه وشراء الغاصب لنفسه بالعين المغصوبة مبني على نحو من المسامحة لتنزيل نفسه منزلة غيره، ففى الحقيقة يقصد الشراء عن المالك لكنه يرى أنه المالك، وكذا الحال في أمثاله من الامثلة فلاحظ. ثم إنه يقع الكلام في أمور (الاول) الظاهر انه لا مانع من توجيه الخطاب بالايجاب الى غير من له العقد إذا كان عنوان العقد مما يقوم بغير من هو له مثل البيع والاجارة كما إذا قال البايع للوكيل أو الولي أو الفضولي: بعتك فرسي بحمار زيد، قاصدا أن يكون الفرس لزيد وكذا إذا قال له: آجرتك داري بدينار زيد، ولا يصح إذا لم يكن العنوان كذلك، فلا يصح أن يقول له: ملكتك فرسي بحمار زيد، كما لا يصح أن تقول الزوجة لوكيل الزوج: زوجتك نفسي، والسر في ذلك ظاهر إذ لما صح: ابتعت لزيد، واستأجرت لزيد، صح في القسم الاول ولما لم يصح ان يقول: تملكت لزيد، و: تزوجت لزيد، لم يصح في القسم الثاني (الثاني) الظاهر انه لا يجب معرفة من له العقد فلا يلزم معرفة الموجب من له الابتياع ولا معرفة المبتاع من له البيع فيصح أن يقول الموجب: بعت هذا الفرس بهذا الدينار، فيقول المشتري: قبلت، من دون أن يعرف البائع من له الدينار وأن يعرف المشتري من له الفرس، لعدم الدليل على قدح الجهالة المذكورة وأدلة نفي الغرر إنما تدل على قدح الجهالة بالصفات التي يكون عليها المبيع والثمن مما تختلف الرغبة باختلافها فليست معرفة المالك الا كمعرفة مكان المبيع حين البيع ومعرفة السبب الباعث على البيع ونحو ذلك مما لا يرتبط بالرغبة، والظاهر انه لا فرق بين أن يكون العوضان خارجيين وان يكونا ذميين وان يكونا مختلفين (الثالث) إذا

[ 187 ]

جاز توجيه الخطاب الى غير من له العقد وتردد بين أن يكون الانشاء للايجاب أو القبول أصالة عن نفس الموجب أو عن غيره ولاية عليه أو وكالة عنه أو فضولا فالظاهر يقتضي الاول فإذا قال زيد لعمرو: بعتك منا من حنطة بمنين من أرز، بني على اشتغال ذمة زيد بمن الحنظة؟ لعمرو، واشتغال ذمة عمرو بمنين من الارز لزيد، إلا أن تقوم الحجة على خلاف ذلك (الرابع) إذا علم أن العاقد باع أو اشترى لغيره فتارة يكون وكيلا في مجرد إجراء الصيغة وأخرى يكون وكيلا في نفس المعاملة ففي الاولى لا يجوز الرجوع إليه في تسليم الثمن أو المثمن لعدم المقتضي لذلك بعد ما لم يكن مستحقا عليه ذلك، وأما في الثانية فالظاهر أنه لا إشكال في جواز الرجوع إليه في ذلك إذا كان قد اشترط عليه ذلك في العقد لعموم نفوذ الشرط، أما لو لم يشترط فالظاهر جواز رجوعه عليه مطلقا سواء أكان عالما بذلك حال العقد أم جاهلا، إما لانه من الشرائط الضمنية أو لانه من الاحكام العرفية للعاقد كما يشهد به مرتكزات العرف وسيرتهم من الرجوع الى من يفوض إليه أمر المعاملة كعامل المضاربة ونحوه، ويظهر ذلك بأقل مراجعة لهم في ذلك، ولا فرق بين أن يكون موضوع المعاملة دينا في الذمة أو عينا بيده أو بيد الموكل، وما عن جامع المقاصد والمسالك ومجمع البرهان والمفاتيح من اختصاص المطالبة بمن في يده العين غير ظاهر، وجواز الرجوع الى من في يده العين لان عينه في يده لا ينافي جواز الرجوع الى غيره إذا كان ذلك من أحكام إيقاع العقد كما لا ينافي جواز الرجوع الى من في ذمته الدين جواز الرجوع الى غيره فيما لو كان الموضوع دينا، فالتفصيل بين الدين والعين ضعيف، وكذا الحكم لو كان الموضوع دينا وقد دفع الموكل فردا منه الى الوكيل ليدفعه الى مستحقه لاطراد الوجه المتقدم في الجميع، ومن ذلك تعرف ضعف ما في الشرائع وعن غيرها من اختصاص المطالبة بالوكيل مع الجهل وبالموكل مع العلم سواء أكان المراد الجهل المستمر أم الجهل حال العقد أو إلى زمان القبض إذا كان مرجع الاول الى عدم جواز الرجوع الى الوكيل أصلا والرجوع إليه مع الجهل بالوكالة إنما كان اعتمادا على اصالة كون العقد عن نفسه كما عرفت في الامر السابق، ووجه الضعف

[ 188 ]

حينئذ ما عرفت من أنه خلاف الارتكاز العرفي وسيرتهم وكأن وجه الثاني قاعدة الغرور، لكن لو تمت كلية اختصت بصورة ورود الضرر على المغرور ليرجع الى الغار في تداركه لا أنها تقتضي جواز الرجوع بالعوض والمطالبة به الذي هو محل الكلام وكأن وجه الاخير أن العلم قبل القبض مانع من تحقق الوقوع في الغرور لامكان الامتناع عن الاقباض الا بعد القبض، لكنه أيضا مبني على الرجوع الى قاعدة الغرور، وقد عرفت اشكاله. ثم إن الظاهر جواز الرجوع الى الاصيل أيضا لان العقد حقيقة له فيعمل معه بمقتضاه. ثم إن مما ذكرنا تعرف أن دعوى البائع كونه وكيلا غير أصيل غير مسموعة بلاحظ الاثر المذكور لترتبه على كلتا الحالتين، والدعوى إنما تكون مسموعة إذا كان الاثر ثابتا على تقدير ثبوت المدعى دون ما إذا لم يثبت، أما إذا كان ثابتا على كل من تقديري ثبوته وعدمه فلا تكون مسموعة كما هو ظاهر. ثم إنه حيث يجوز الرجوع الى الوكيل في المطالبة بالثمن أو المثمن يجوز الرجوع إليه أيضا عند الفسخ بالخيار فلو وجد المشتري عيبا في المبيع كان له مطالبة كل من الوكيل والموكل بالثمن عند فسخ البيع ورد المبيع لعين الوجه المتقدم وتمام الكلام في هذا المقام في كتاب الوكالة فراجع عقد المكره قوله: " مسألة " ومن شرائط المتعاقدين الاختيار والمراد به القصد الى وقوع مضمون العقد عن طيب... الخ قد عرفت آنفا أن الانشاء متقوم بقصد وقوع المنشأ فإذ لا يكون قصد لا يكون انشاء، وهذا القصد عين الاختيار لوقوع المنشأ، من الواضح أن اختيار وقوع الشئ حقيقيا كان أو اعتباريا يتوقف على ترجيح وجوده على عدمه في نظر المختار الموجب لميل النفس إليه الموجب لتعلق الارادة والقصد به، وهذا الميل هو المعبر عنه بطيب النفس، وعلى هذا فاعتبار القصد الى المنشأ في حقيقة الانشاء راجع الى اعتبار الاختيار فيه،

[ 189 ]

واعتبار طيب النفس به فضلا عن الرضى به فهذا الشرط ليس راجعا الى اعتبار طيب النفس لكفاية الشرط السابق في اعتباره، بل راجع الى اعتبار عدم الاكراه لا غير فعقد المكره لا يصح من جهة صدوره عن اكراه لا لفقد الرضى وطيب النفس، لما عرفت من امتناع تحقق القصد الى وقوع مضمونه مع عدم تحقق الرضى وطيب النفس به " ودعوى " أن ارضى وطيب النفس الحاصلين في عقد المكره إنما كانا بملاحظة ما يترتب على تركه من الضرر المتوعد به أما بالنظر الى ذاته فلا رضى به ولا طيب نفس، والمقصود من هذا الشرط اعتبار الرضى وطيب النفس بالنظر الى ذاته " مدفوعة " بأن اكثر المعاملات الصحيحة إنما يكون الرضى وطيب النفس بها بملاحظة ما يترتب على فعلها من دفع مفسدة أهم أو جلب منفعة كذلك فلا يعتبر في صحة المعاملات الرضى وطيب النفس الذاتيين ضرورة، فيتعين أن يكون المعتبر فيهما ما هو أعم مما كان بالعنوان الاولي والثانوي كما في عقد المكره، ومن ذلك يتضح ما ذكرناه من ان بطلان عقد المكره من جهة محض صدوره عن اكراه لا لفقد الرضى أو طيب النفس به، ومن ذلك أيضا يظهر أنه لا يصح الاستدلال على اعتبار هذا الشرط بقوله " ع ": لا يحل دم امرئ مسلم ولا ماله الا بطيبة نفسه. نعم يصح الاستدلال عليه بقوله تعالى: الا ان تكون تجارة عن تراض، لظهور التجارة في الاختيار فاعتبار التراضي فيها لا بد أن يكون في مقابل الاكراه لا بالمعنى المساوق للاختيار، وهذا هو العمدة فيه - مضافا الى الاجماع المحقق وحديث رفع الاكراه بناء على ظهوره في رفع السببية ولو بقرينة استدلال الامام " ع " به في صحيح البزنطي عن أبي الحسن " ع ": في الرجل يستكره على اليمين فيحلف بالطلاق والعتاق وصدقة ما يملك أيلزمه ذلك؟ فقال " ع ": لا قال رسول الله " ص ": وضع عن أمتي ما اكرهوا عليه وما لم يظيقوا وما أخطأوا، أو نصوص بطلان طلاق المكره بناء على عدم الفصل بينه وبين المقام لكن عدم الفصل يثبت بنحو يكون في مقابل الاجماع المتقدم ليكون دليلا مستقلا.

[ 190 ]

المكره قاصد للمعنى أولا " وينبغي التعرض لامور " الاول أنك قد عرفت أن محل الكلام في هذا الشرط هو العقد الجامع لجميع شرائط العقد من القصد والرضى وطيب النفس عدا الاختيار بالمعنى المقابل للاكراه بان لا يكون مكرها عليه، وقد صرح جماعة بأن المكره قاصد الى اللفظ دون مدلوله بل هو ظاهر من جعل الاختيار شرطا للعقد في مقابل البلوغ والعقل، وأخرج به عقد السكران والمغمى عليه والمكره بل أصر في الجواهر على ذلك فقال: من المعلوم انتفاء إرادة معنى العقد من المكره لعدم تصور الاكراه عليه " وفيه " - مضافا الى ما سيأتي من أن الاكراه قد يقتضي الدهشة فيضطر المكره - بالفتح - الى قصد إيقاع مضمون العقد فضلا عن قصد مدلول اللفظ - أن ذلك لو تم اقتضى بطلان عقد المكره حتى لو كان بحق أو لحقه الرضى، والاجازة. والالتزام بالصحة في الفرضين المذكورين تعبدالا بعنوان البيع مما لا يمكن ارتكابه - مع أن البناء على خلو المكره عن القصد الى المعنى مما يوجب وضوح حكم عقده على نحو لا يحسن التمسك له بما دل على اعتبار الرضى أو طيب النفس أو حديث رفع الاكراه أو نحو ذلك، إذ مع انتفاء القصد لا مجال لتوهم الصحة لانتفاء العقد بانتفاء القصد كما عرفت فيما سبق وكيف كان فلا بهم توجيه كلام الجماعة بعد وضوح الحال وصعوبة التوجيه معنى الاكراه " الثاني " الظاهر أن الاكراه لغة وعرفا حمل الغير على ما يكره بتوعيده بالضرر غير المستحق، فايقاع العقد المكروه إذا لم يكن ناشئا عن حمل غيره بل يكون بداع آخر لا يكون اكراها كالمريض المحتاج في علاجه الى المال فيلتجئ الى بيع داره مع كراهته لذلك، وكذا لو كان بحمل غيره بتوسطة وعده بالنفع كما

[ 191 ]

لو وعده بأن ينصبه واليا إذا باع داره وكذا لو توعده بالضرر المستحق كما لو قال الدائن للمديون: إن بعت دارك أبرأت ذمتك من الدين، بل في الحقيقة ذلك من الوعد بالنفع. ثم إن الاكراه قد يكون نفسيا كما لو أمره السلطان ببيع داره، وقد يكون غيريا كما لو أمره ببناء قنطرة إذا كان لا يتمكن من بنائها إلا ببيع داره وصرف ثمنها فان ذلك اكراه على البناء نفسيا وعلى البيع غيريا لان الاكراه على ذى المقدمة إكراه على المقدمة إلا أن الظاهر أنه لا اشكال في صحة البيع إذ الادلة المتقدمة على قدح الاكراه في الصحة غير جارية، أما الاجماع فظاهر، وأما حديث الرفع فاطلاقه اللفظي وان كان شاملا للمقام إلا انه لما كان امتنانيا امتنع شموله له إذ يكون تطبيقه خلاف الامتنان لان ابطال البيع في الفرض تعسير لاتيسير وتضييق لاتوسعة، ومثله يقال أيضا فيما لو كان الاكراه بحق فان اجراءه خلاف الامتنان في حق صاحب الحق فلو اكره على بيع داره لوفاء دينه كان بيعه صحيحا لان ابطاله ضرر على الدائن فلا يشمله الحديث الشريف " الثالث " قد عرفت أنه يعتبر في مفهوم الاكراه كراهة الفعل المكره عليه لولا الاكراه وأن الرضى به بل فعله إنما كان فرارا عن الضرر المتوعد به فيكون من باب ارتكاب أخف المحذورين وأقل القبيحين وعلى هذا يمتنع صدق الاكراه مع امكان التفصي بما لاضرر فيه على المكره، إذ حينئذ لا يكون تزاحم بين الضررين كي يكون من باب ارتكاب اخف المحذورين لامكان الفرار عن المحذورين معا بارتكاب الامر المتفصى به، فلو فعل المكره عليه حينئذ كان فعلا لغير المكروه فلا يكون اكراها قادحا في صحة العقد، والظاهر عدم الفرق فيما به التخلص بين التورية وغيرها وقد يستظهر من رواية عبد الله بن سنان قال لي أبو عبد الله " ع ": لا يمين في غضب ولا في قطيعة رحم ولا في جبر ولا في اكراه، قال: قلت أصلحك الله فما الفرق بين الجبر والاكراه؟ فقال " ع ": الجبر من السلطان ويكون الاكراه من الزوجة والام والاب وليس ذلك بشئ، لكن وجهه غير ظاهر بل الظاهر منها الفرق بين مراتب الضرر الذي يخاف عند

[ 192 ]

عدم فعل المكره عليه فان كان مما يتوقع وقوعه من السلطان فالحمل على الفعل جبر، وإن كان مما يتوقع من غيره فهو اكراه - مع أنه لو فرض تمامية الاستظهار المذكور وجب التصرف فيه ولو بالاقتصار على مورده، إذ لا يجوز رفع اليد عن الادلة الاولية بمثله مع ظهور الاتفاق على خلافه، ومثله في الاشكال مافى كلام شيخنا الاعظم " ره " من أن حمل عموم رفع الاكراه وخصوص النصوص الواردة في طلاق المكره ومعاقد الاجماعات والشهرات المدعاة على اعتبار العجز عن التورية لجهل أو دهشة بعيد جدا، إذ لا بعد في ذلك بعد ما عرفت من عدم صدق الاكراه حينئذ بل البعيد جدا عموم ذلك كله لصورة امكان التفصي بالتورية فان لازمه أن لا يكون المراد بالاكراه ما هو معناه لغة وعرفا مع عدم نصب قرينة عليه، وكذا ما في كلامه " قدس سره " من ان العجز عن التورية لو كان معتبرا لاشير إليه في الاخبار المجوزة للحلف كاذبا عند الخوف والاكراه. انتهى، إذ فيه أن التفصي بالتورية شئ نادر جدا، خصوصا في موارد الخطر العظيم لان استعمال اللفظ في غير معناه على نحو التورية غير مألوف للمتكلم يحتاج الى عنايات لاتخفى على السامع الا إذا كان المتكلم من أهل الملكات في ذلك الناشئة من كثرة المزاولة ولممارسة ولذا ترى كثيرا من الناس يعرف كذبه بمجرد النطق لقلة المزاولة مع أن الكذب أخف مؤنة من التورية، ولعل ترك التنيبه على التورية لانها غالبا لا يحصل بها التفصي بل الوقوع في الخطر، أو لان البناء عليها خلاف الاحتياط في لزوم دفع الضرر المتوعد به إذ لا يؤمن من ظهور الحال بنحو يوجب الوقوع في الضرر. نعم إذا كان الامر المتفصى به ضررا على المكره فامكان التفصي لا يوجب انتفاء الاكراه لو فعل المكره عليه إذ يكون حينئذ من قبيل الضرر المتوعد به ولا فرق بين أن يكون أشد ضررا من المكره عليه أو اخف أو مساويا لان المدار في صدق الاكراه الحمل على الفعل بتوسط إحداث داعي الخوف وهو في الجميع حاصل، ومجرد كونه أخف في الواقع لا يقتضي كونه أخف في نظر المكره الذي هو المدار في صدق الاكراه. هذا ولو تفصى المكره

[ 193 ]

بما به التفصي لم يكن اكراها لعدم الحمل عليه لا نفسيا ولا غيريا، ومجرد وقوعه عن خوف الامر المتوعد به لا يكفي في صدق الاكراه ما لم يكن قد حمل عليه نظير ما لو باع داره خوفا من أن يغتصبها الظالم أو من أن يكرهه على بيعها على بعض أعوانه أو نحو ذلك فان ذلك كله ليس من الاكراه في شئ لعدم الحمل المعتبر في مفهومه. الاكراه في المحرمات (الرابع): قد عرفت انه يعتبر في مفهوم الاكراه أن يكون المحمول عليه مكروها للمكره - بالفتح - وأن باعثية الحمل عليه بمناط ارتكاب أقل المحذورين واهونهما وهذا المعنى يختلف باختلاف الافعال المكره عليها فان كان مما لا اقتضاء فيه شرعي بأن يكون مما يجوز فعله شرعا فكراهة الامر المكره عليه وكراهة الامر المخوف الذي يكون الامر المكره أهون منه انما هما بلحاظ الجهات النفسانية والدواعي الجبلية بلا دخل للشارع فيهما ويكون الحكم المرفوع هو الحكم الوضعي مثل الاكراه على البيع والطلاق ونحوهما وان كان مما فيه اقتضاء شرعي كما لو كان محرما شرعا فكراهته وكراهة الامر المخوف انما هو بلحاظ الاقتضاء الشرعي فيهما فلو حمل على شرب الخمر لم يكن ذلك اكراها الا بلحاظ كراهتها لكونها محرمة وان ارتكابها أهون من الوقوع في محرم آخر ولا عبرة بالدواعي النفسانية في مثل ذلك. وهذا مما لا اشكال فيه وكأن السر فيه أن أدلة الاحكام الاقتضائية دالة على إلغاء نظر المكلف وإهمال دواعيه النفسانية وأنه لا عبرة بشوقه الى الفعل ولا بكراهته من غير جهة الحكم الشرعي فالاكراه المأخوذ في موضوع أدلة نفي الاكراه ينزل على الاكراه بالنظر الى حكم الشارع فتكون أدلة الاحكام الاقتضائية من هذه الجهة حاكمة على أدلة نفي الاكراه وإن كانت محكومة لها من حيث عمومها لحال الاكراه ومن هذه الجهة تعرف أنه لا يلزم مما ذكرنا استعمال لفظ الاكراه في معنيين اذلم يستعمل الافي معنى واحد وهو الحمل على المكروه فرارا عما هو مكروه غاية الامر

[ 194 ]

أن الكراهة بملاحظة نظر المكلف حيث لا يكون نظر للشارع وبنظر الشارع حيث يكون له نظر فليس فيما ذكرنا إلا اختلاف الموارد من حيث كون التطبيق في بعضها بنظر وفي بعضها الاخر بنظر آخر، بل هناك قسم ثالث لا تكون فيه الكراهة المأخوذة في موضوع الاكراه بلحاظ الاقتضاء الشرعي ولا بلحاظ الدواعي النفسانية، وذلك كما في اكراه الولي على بيع مال الصبي فان الاكراه الرافع للصحة فيه إنما هو بلحاظ مصلحة الصبي فإذا كانت مصلحة الصبي في ترك البيع فاكره عليه كان باطلا ولو لم يكن مكروها بلحاظ دواعي الولي النفسانية ولا بلحاظ مناط الحكم الشرعي الاقتضائي وان كان البيع مصلحة للطفل كان صحيحا، وان كان مكروها للولي بلحاظ دواعيه النفسانية فإذا الكراهة التي هي شرط صدق الاكراه يختلف النظر في تطبيقها باختلاف المقامات الثلاث، ومن ذلك تعرف الاشكال في كلمات شيخنا الاعظم (ره) في الفرق بين الاكراه المسوغ للمحرمات والاكراه الرافع للحكم الوضعي فلاحظ. الاكراه على الجامع (الخامس): إذا اكره على ايجاد جامع بين فردين أو أفراد فاما أن يكون الاثر الشرعي ثابتا لذلك الجامع وإما أن يكون ثابتا لبعض أنواعه دون بعض ففي الاول لو فعل فردا من أفراد ذلك الجامع كان ذلك الفرد مكرها عليه بلحاظ الجامع وحينئذ لا يترتب أثر الجامع عليه وفي الثاني لو فعل الفرد الذي له الاثر لم يرتفع ذلك الاثر لان موضوع الاثر وهو النوع لم يكن مكرها عليه والجامع المكره عليه لا أثر له (فان قلت): لما امتنع وجود الجامع بنفسه بل لا بد أن يوجد مع الخصوصية فالحمل على الجامع حمل على الخصوصية فتكون الخصوصية موضوعا للاكراه فيرتفع أثرها بحديث رفع الاكراه (قلت): الخصوصية لما لم تكن موضوعا للاكراه ولا مقدمة لما هو موضوعه امتنع أن تكون موضوعا للاكراه النفسي

[ 195 ]

والغيري ومجرد الملازمة بين وجود الجامع ووجودها لا يقتضي لا يقتضي أن تكون موضوعا للاكراه لان التلازم بين الشيئين لا يستدعي التلازم بينهما في الحكم - كما هو محرر في محله - فلو أكرهه على طلاق زوجته ليتزوجها فطلقها بطل الطلاق ولو أكرهه على طلاقها ولو فاسدا فطلقها صحيحا صح الطلاق، لما عرفت من عدم كونه مكرها على ما هو موضوع الاثر فلا موجب لارتفاع أثره، والاكراه على الجامع بين موضوع الاثر وغيره ليس اكراها على الفرد إلا بلحاظ الجامع والمفروض أنه لا أثر له، ومثله ما لو كان أثر الجامع بالنسبة الى بعض الافراد لا يرتفع بحديث الرفع كما لو أكرهه على طلاق زوجته زينب أو هند مع كون طلاق هند واجبا عليه بحق لعجزه عن نفقتها، ففي الفرض لو طلق زينب كان صحيحا لعين ما ذكر، ومثله ما لو أكرهه على بيع داره أو إيفاء دينه، ولا فرق من هذه الجهة بين موضوعات الاحكام الوضعية والتكليفية، فلو أكرهه على شرب الخمر فشرب إناء منه كان مباحا، ولو أكرهه على شرب مايع خلا كان أو خمرا فشرب الخمر كان حراما لما عرفت. الاكراه على أحد الامرين أو الامور " هذا كله " لو كان الاكراه على الجامع، أما لو أكرهه على ايجاد أحد أمرين أو أمور تخييرا فقال له: طلق زينب أو هند، أو بع دارك أو فرسك، فان قلنا بأن الوجوب التخييري راجع الى الامر بالجامع تعيينا فحكم الاقسام ما سبق، وإن قلنا بأنه نوع آخر من الوجوب متعلق بنفس الابدال التخييرية على نحو خاص بحيث يقتضي وجود كل واحد منها في ظرف عدم الاخر - كما هو التحقيق - كان الاكراه متعلقا بكل منها على نحو خاص فكل واحد وقع في حال عدم الاخر كان مكرها عليه كما كان مأمورا به، وحينئذ لو كان كل منهما موضوعا لاثر شرعي ارتفع أثره كما لو أكره على طلاق إحدى زوجتيه فقال له: طلق زينب أو هند،

[ 196 ]

فايهما اختار طلاقها كان باطلا، وكذا لو أمره بشرب الاناء الاصفر من الخمر أو الاحمر فايهما اختار شربه كان مباحا، ولو كان الاثر لاحدهما دون الاخر فاختار ماله الاثر بطل لصدق الاكراه وإمكان التفصي بما لا أثر له لا يقدح في صدقه بالاضافة الى ماله الاثر بعد ما كان كل منهما مكروها وقد حمل عليه تخييرا، ونحوه ما لو قال له: بع دارك أو أذ دينك. نعم إذا كان أحدهما موضوعا للحكم التكليفي دون الاخر كما لو أكرهه على شرب الخمر أو شرب الماء مع كراهته لشرب الماء لم يصدق الاكراه بالنسبة الى شرب الخمر لو اختاره لما عرفت من أن الكراهة في موضوع الحكم التكليفي انما تكون بملاحظة الحكم، وشرب الماء ليس مكروها بهذا اللحاظ فلا يكون مكروها بدلا لشرب الخمر حتى يكون مكرها عليه ولو تخييرا. إكراه أحد الشخصين (السادس): لو أكره شخصين على نحو الوجوب الكفائي فايهما أقدم في ظرف عدم إقدام الاخر كان مكرها فيجري عليه حكم المكره، إذ قد تحقق في محله أن المخاطبين بالوجوب الكفائي بمنزلة أفراد الواجب التخييري فكما أن كل واحد يجب في ظرف عدم الاخر كذلك كل واحد من المخاطبين بالوجوب الكفائي يجب عليه الفعل في ظرف عدم فعل الاخر، وكذلك الحال في الاكراه على نحو الكفاية فانه ايضا يقتضي اكراه كل منهما في ظرف عدم فعل الاخر فلو علم أحدهما إقدام صاحبه على الفعل المكره عليه على كل حال لم يكن العالم مكرها فلو فعل ما أكره عليه كان بطيب نفسه لارتفاع شرط الا كراه وهو الخوف من الضرر المتوعد به لحصول الا من منه بفعل الاخر، فلو أكزه كلا من زيد وعمرو على طلاق زوجته فطلق احدهما مع علمه باقدام الاخر على الطلاق كان طلاق العالم صحيحا لعدم الاكراه، وكذا لو أكره كلا منها على شرب الخمر على نحو الوجوب الكفائي فشرب أحدهما مع علميه باقدام الاخر على الشرب كان آثما (فان قلت):

[ 197 ]

إذا قام أحد المكلفين بالواجب الكفائي كان مؤديا للواجب وان علم بقيام غيره لو لم يقم هو فما الفرق بين الاكراه الكفائي والوجوب الكفائي (قلت): انه يكفي في امتثال الوجوب الكفائي قصد الثواب ولو مع الا من من العقاب ولا يكفي ذلك في الاكراه الكفائي لما عرفت آنفا من أنه لا بد أن يكون انبعاث المكره بداعي الفرار عن الضرر المتوعد به، وقد عرفت أنه في الفرض المذكور لا ضرر في ترك المكره عليه فيكون المقام من باب امكان التفصي، بل تحققه المانع من صدق الاكراه ضرورة. نعم لو اكره كلا من الوليين على بيع مال صبي بعينه على نحو الكفاية فانه لو باع أحدهما كان مكرها وان علم باقدام غيره عليه لو لم يبع لان الطيب المعتبر في المقام ما كان بلحاظ مصلحة الصبي لا بلحاظ مصلحة نفسه فإذا لم يكن مصلحة للصبي كان مكروها، وإقدام الغير عليه ليس تخلصا عن المكروه بل وقوع فيه ففعل الولي الثاني لا يكون سببا للتخلص فلا يكون العلم به مجديا في رفع الاكراه ولا يجري ذلك فيما لوأ كره شخصين على شرب اناء من الخمر معين على نحو الكفاية لان الحرمة قائمة بحيثية الصدور وهي متعددة فيمكن لذلك التخلص بفعل الغير بخلاف المقام فان الكراهة قائمة بالبيع بمعنى اسم المصدر وهي حيثية واحدة لا يمكن فيها التخلص. فلاحظ. صور تعلق الاكراه (السابع): الا كراه تارة يتعلق بالمالك والسلطان، واخرى يتعلق بغيره فان تعلق بالاول فتارة يكون المكره عليه العقد، وأخرى يكون التوكيل في العقد، فالاول كأن يقول له: بع فرسك، والثاني كأن يقول له: وكل في بيع فرسك، وحكم الاول ظاهر، وأما الثاني فحكمه - لو وكل في بيع فرسه - بطلان الوكالة لعموم نفي الا كراه فيكون بيع الفرس الذي وكل فيه كما لو صدر بلا توكيل يجري عليه حكم الفضولي، والثالث تارة يكون الاكراه فيه من المالك

[ 198 ]

وأخرى من الاجنبي فالثاني كأن يقول له: بع فرس زيد، والاول كأن يقول له بع فرسي، والظاهر صحة البيع لعموم أدلة الصحة وقصور أدلة نفي الا كراه عن شمول المقام، أما الا جماع فلانتفائه، وأما نصوص طلاق المكره فلخروج المورد عنها، وأما حديث رفع الاكراه فلظهوره بقرينة وروده مورد الامتنان في إكراه المالك أو السلطان فلا عموم له يشمل المقام، ومن ذلك يظهر أن الوجه توقف صحة البيع في الثاني على الاجازة من المالك لكونه فضوليا فان اجاز صح وان كان المتولي للعقد مكرها عليه لعدم الدليل على القدح في مثله. ثم إنه إن أحرز تحقق إنشاء الامر المكره عليه من المكره فلا اشكال، أما لو شك فيه للشك في تحقق القصد الى ايجاده فلا يبعد بناء العقلاء على ثبوته كما في غير المكره إذا علم أنه في مقام إيقاعه. نعم لو شك في انه في ذلك المقام أو في مقام التخلص عن الاكراه ولو بنحو التورية فلا أصل يقتضي كونه قاصدا للانشاء. الاكراه على بيع عبد من عبديه (الثامن): لو اكره على بيع عبد غير معين من عبدين فهنا صورتان (الاولى) ان يبيعهما تدريجا فيكون الاول باطلا لانه مكره عليه لاجتماع شروط الاكراه فيه من كونه مكروها صدر عن أمر المكره بداعي الفرار من الضرر، والثاني صحيحا وان كان مكروها لعدم صدوره عن أمر المكره لسقوطه بفعل الاول فلا يدعو الى غيره، ومجرد دخل الاكراه في وقوعه غير كاف في صدق كونه مكرها عليه كما عرفت مرارا، ومن ذلك تعرف انه ليس للمكره أن يجعل الثاني المكره عليه دون الاول إذ الاكراه إذا كان يسقط بالاول فكيف يمكن أن يكون باعثا على الثاني، والاول إذا كان مكروها قد حمل عليه الاكراه فكيف لا يكون مكرها عليه، ومن ذلك ايضا تعرف انه لا معنى للرجوع الى المكره في تعيين المكره عليه إذ انطباق الاكراه على الاول دون الثاني واقعي ذاتي لا انه باختياره

[ 199 ]

فلاحظ (الثانية) أن يبيعهما دفعة فان كان كارها لبيع كل منهما لولا الاكراه - كما هو مفروض المسألة - فلا بد أن يكون بيع مجموعهما ناشئا عن غرض آخر زائد على الاكراه مثل سهولة بيع مجموعهما بالاضافة الى بيع أحدهما منفردا أو لانه يشق عليه التفرقة بينهم لكونها والدا وولدا أو لعدم وجود من يشتري أحدهما منفردا أو نحو ذلك فحينئذ يكون بيع كل منهما مكروها قد حمل عليه أمر المكره لكن لما عرفت أن الشرط في تحقق الاكراه ترتب الضرر على ترك المكره عليه وهذا المعنى لا ينطبق على كل منهما في عرض انطباقه على الاخر بل ينطبق على كل على البدل فيكون احدهما مكرها عليه دون الاخر ولاجل ان انطباقه على واحد بعينه بلا مرجح تعين البناء على بطلانهما معا، ومن ذلك تعرف ضعف احتمال صحة الجميع لانه خلاف المركه عليه، ولان الظاهر انه لم يقع شئ منهما عن اكراه إذ الاول ممنوع إلا إذ كان الاكراه على بيع أحدهما بشرط لا وهو خلاف المفروض كالثاني لما عرفت من تحقق الكراهة لبيع كل منهما وأن وقوعهما كان عن أمر المكره ولولاه لم يكن، غاية الامر أنه لم يتعلق الاكراه بهما معا بل باحدهما لا بشرط الحاصل في ضمنهما، ولو أكره على بيع عبد معين فباعهما معا دفعة أو تدريجا فلا ينبغي التأمل في صحة بيع ما لم يكره على بيعه لوجود المقتضي وعدم المانع لانتفاء الاكراه بالنسبة إليه وإن كان لولا الاكراه على بيع المعين لما باعه، لكن هذا المقدار لا يكفي في صدق الاكراه إذ لم تتعلق به إرادة المكره ولم يتخوف من الضرر المتوعد به على تقدير تركه كما لا ينبغي التأمل في بطلان بيع ما أكره على بيعه لصدق الا كراه بالنسبة إليه لاجتماع شرائطه كما لعله ظاهر، ولو اكرهه على بيع معين فباع نصفه فان كان الاكراه شاملا لبيع كل نصف ولو تدريجا بطل بيع النصف للاكراه سواء أ كان المكره - بالفتح - ناويا بيع النصف الثاني بعد ذلك أم بأن كان يحتمل اقتناع المكره - بالكسر - ببيع ذلك النصف وحده، لعدم الفرق في صدق الا كراه على بيع النصف المذكور وإن لم يكن الاكراه شاملا لبيع النصف وحده لاختصاصه ببيع مجموع النصفين دفعة صح بيع النصف لعدم كونه

[ 200 ]

مكرها عليه وإن كان الحامل له عليه الاكراه بمعنى أنه لو لاه لما وقع، لعدم كفاية ذلك في صدقه كما عرفت، فالمقام نظير ما لو أكره على بيع عبده فباع فرسه لاحتمال عدول المكره عن إكراهه على بيع العبد فان ذلك لا يستوجب صدق الاكراه على بيع الفرس ضرورة. الاكراه على الطلاق (التاسع): قال في التحرير لو أكرهه على الطلاق فطلق ناويا فالاقرب وقوع الطلاق، والظاهر أن مراده صورة إمكان التفصي بمجرد التلفظ دون قصد وقوعه، وحينئذ يكون الوجه في الصحة أن إمكان التفصي بمثل ذلك يقدح في صدق الاكراه الذي هو موضوع أدلة الفساد، كما أن الوجه في الفساد ما عرفت من احتمال كونه قادحا في صدق الاكراه فلا تشمله الا دلة، أو أن نفس الطلاق وإن لم يكن إكراهيا إلا أن اللفظ صادر عن اكره، ومقتضى حديث نفي الاكراه نفي سببيته والاخير ظاهر المسالك في توجيه عدم الصحة وكلا الوجهين ضعيف، أما الاول فلما عرفت، وأما الثاني فلان نية الطلاق بعد ما اقتضت الرضى وطيب النفس به وعدم صدوره عن اكراه لعدم كونه مكروها اقتضت الرضى وطيب النفس بنفس اللفظ ايضا لان إرادة الشئ تقتضي ارادة مقدمته فلا فرق بين الطلاق وبين اللفظ في عدم انطباق الاكراه عليهما جميعا - مع أنه لو سلم كون التلفظ مكرها عليه فلا امتناع في رفع سببيته فكيف يصح إجراء الحديث لرفعها. هذا وينبغي التعرض لصور وقوع الطلاق بعد الاكراه وبيان أحكامها فنقول: (الاولى) أن يكون الطلاق مبغوضا ومكروها محضا لولا الاكراه فيكون لاجله محبوبا من باب ترجيح أقل الضررين منه ومن الضرر المتوعد به ولا اشكال في بطلان الطلاق حينئذ (الثانية) أن يكون محبوبا لو لا الاكراه فيتعلق به الاكراه وينأكد لاجله الداعي الى ايقاعه ولا ينبغي التأمل في صحة الطلاق حينئذ لاختصاص أدلة نفي الاكراه بما كان مكروها

[ 201 ]

فلا تشمل ما كان محبوبا من دون فرق بين أن يكون صالحا للسببية المستقلة في الحمل على الطلاق المكروه لان الضرر المتوعد به مما يتعين في نظر المكره - بالفتح - الفرار عنه بفعل الطلاق على كل حال، وبين أن لا يكون كذلك بحيث لو لم يكن الطلاق محبوبا لما كان الاكراه باعثا إليه ولا حاملا عليه (الثالثة) أن يكون الاكراه بعض السبب المؤثر بأن يكون في الطلاق بعض الجهات الموجبة لمحبوبيته بضميمة الاكراه بحيث لولا تلك الجهات لم يؤثر الاكراه في وقوعه ولم يكن حاملا عليه ولا باعثا إليه، كما أنه لولا الاكراه لم تؤثر تلك الجهات في محبوبيته لمزاحمتها بما يوجب مبغوضيته، والظاهر بطلان الطلاق حينئذ لصدق الاكراه فيشمله إطلاق الحديث الشريف. ثم ان الضرر الذي يتخوف عند عدم فعل المكره عليه (تارة) يكون واردا على المكره نفسه (وأخرى) على غيره ولا إشكال في تحقق الاكراه في الاول وكذا في الثاني إذا كان الغير مما بهم؟ أمره المكره كزوجته وولده وخادمه ونحوهم ممن يتعلق به، أما إذا كان نفس المكره - بالكسر - كما لو قال له ولده: طلق زوجتك والا قتلت نفسي، ففي صدق الاكراه إشكال لاحتمال اعتبار إعمال المولوية من جانب المكره - بالكسر - في مفهوم الاكراه عرفا وهو غير حاصل في الفرض هذا ولا فرق في الضرر بين أن يكون دنيويا كما لو قال له: طلق زوجتك وإلا أخذت مالك، أو مال ولدك ونحوه، وأن يكون دينيا كما لو قال له: طلق زوجتك والا منعتك من الصلاة أو منعت ولدك، ونحوه. نعم إذا كان الفرار من الضرر الديني لا يحصل الا بالطلاق الصحيح كما لو قال له: طلق زوجتك لا تزوجها وإلا زنيت بها، امتنع تطبيق أدلة نفي الاكراه إذ يلزم من تطبيقها الوقوع في الضرر لان تطبيقها موجب لعدم صحة الطلاق فيكون التزويج بها باطلا وهو مكروه للمكره، ومن هنا يشكل صدق الاكراه لان المفروض كون المكره - بالفتح - كارها للزنا فيكون خلافه محبوبا له وهو متوقف على الطلاق الصحيح فيكون الطلاق الصحيح محبوبا له غيريا. مضافا الى الاشكال في صدق الاكراه مع كون الضرر المتخوف واردا على المكره - بالكسر - كما عرفت.

[ 202 ]

تعقيب الرضى للعقد (العاشر): المنسوب الى مشهور المتأخرين، بل عن غير واحد حكاية الاتفاق عليه، أنه لو رضي المكره؟ بما اكره عليه صح، وفى مجمع البرهان استظهر البطلان لعدم حصول القصد، بل وعدم صدور العقد عن تراض على ما هو ظاهر الاية، ولانه لا اعتبار بذلك الايجاب في نظر الشارع فهو بمنزلة العدم، ثم قال: وبالجملة: لا اجماع فيه ولانس والاصل والاستصحاب، وعدم الاكل بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض، وما مر، يدل على عدم الانعقاد. إلا أن المشهور الصحة وما نعرف لهم دليلا، وفي الكفاية بعد نسبة الصحة الى الاصحاب قال: استنادا الى تعليلات اعتبارية من غير نص. انتهى. وفي الجواهر: إن لم تكن المسألة اجماعية فللنظر فيها مجال كما اعترف به في جامع المقاصد ضرورة عدم اندراجه في العقود بعد فرض فقدان قصد العقدية وأن صدور اللفظ كصدوره من الهازل والمجنون ونحوهما { أقول }: قد عرفت الاشكال في دعوى انتفاء القصد في عقد المكره وكذا في دعوى انتفاء الرضى وطيب النفس، وأما دعوى صدق الاكل بالباطل فاشكالها أظهر إذ لو سلم صدق الباطل بمجرد الاكراه مع وجود العوض فلا نسلم صدقه بعد ارتفاع الاكراه، وقد عرفت أن العمدة في إثبات قدح الاكراه الاجماع وحديث الرفع، ودلالتهما على قادحيته مختصة بحال وجود الكراهة لولا الاكراه فإذا زالت الكراهة المذكورة وتبدلت بالرضى لولا الاكراه فلا يصلحان لاثبات البطلان وانتفاء الاثر، أما الاجماع فظاهر لشهرة القول بالصحة حينئذ، وأما حديث الرفع فلان اجراءه حينئذ خلاف الامتنان في حق المكره فالمزجع؟ حينئذ إما عموم النفوذ أو استصحاب الحكم السابق الذي هو من قبيل استصحاب حكم المخصص، وحيث أن التحقيق الرجوع الى عموم العام في مثل المقام حيث يدور الامر بينه وبين الرجوع الى استصحاب حكم المخصص يتعين البناء على صحة العقد

[ 203 ]

ونفوذه، كما انه لو بني على الرجوع الى استصحاب حكم المخصص يتعين البناء على البطلان، فلاحظ. الرضى كاشف أو ناقل (الحادي عشر): لو قيل بالصحة مع لحوق الرضى فهل يكون الرضى كاشفا أو ناقلا مقتضى العمومات كما يأتي انشاء الله في مبحث الفضولي الاول على معنى أنه بعد الرضى يحكم بثبوت المضمون من حين العقد فان المجعول بالعقد هو المضمون حاله فإذا حكم الشارع بنفوذه بعد الرضى كان مقتضاه ثبوته كذلك على حسب جعل المتعاقدين، وقياس المقام بالقبض في الصرف والسلم والهبة غير ظاهر لامكان التفكيك بينهما من أجل ظهور أدلة القبض في عدم حصول المضمون قبله أصلا حتى بنحو الكشف، ومثله القياس بانقضاء زمان الخيار على مذهب الشيخ (ره) بخلاف المقام الذي عرفت أن ظاهر أدلة نفوذ العقد بعد الرضى نفوذه بمضمونه (ودعوى) أن مضمون العقد مجرد النقل أو الملك مثلا من دون ملاحظة زمان العقد أو غيره (مدفوعة) بأن لازم ذلك أن لا يتعين عند الاطلاق في الحال لانه بلا معين كما لا وجه لتعيينه في المؤجل فيبقى على الابهام، ولاجل ذلك افترق المقام عن مقام الطلب مثل: قم، و: اقعد، فان كون المادة مطلقة غير مقيدة بالفور أو التراخي لا يوجب انتهاء الامر الى الابهام لان الفرد المأتي به خارجا لما كان ينطبق عليه الماهية المطلقة قهرا كان ذلك الانطباق سببا للتعين بخلاف المقام لعدم ما يوجب التعيين، ومقدمات الحكمة انما تجدي في التعيين في مقام الاثبات لا في مقام الثبوت كما هو ظاهر، وأما قياس المقام بالفسخ الذي هو حل العقد من حينه لا من حين العقد ففيه أن مفهوم فسخ العقد وان كان عبارة عن حله ونقضه ومقتضاه حله من أصله بارتفاع أثره من أصله لا قطع امتداده ورفع استمراره إلا أن المرتكز عند العرف أنه رافع لاستمرار الاثر فتكون نسبة الفسخ الى العقد مبنية على المسامحة والعناية إذ

[ 204 ]

الاستمرار لا يستند الى العقد وإنما يستند الى استعداد الذات فان عقد التزويج إنما يوجب حدوث الزوجية وعقد الهبة إنما يوجب حدوث الملكية وهكذا والاستمرار والبقاء للزوجية والملكية وغيرهما إنما يستند الى استعداد الذات لا الى العقد حدوثا إذ ليس حدوثه الا موجبا لثبوت مضمونه وهو صرف الوجود للاثر بلا ملاحظة الاستمرار ولا له بقاء لان العقد مما يتصرم فلا بقاء له ليترتب عليه الاثر. نعم لما كان حدوث الاثر مستندا الى العقد فكأن العقد باق مادام الاثر موجودا فرافع الاثر كأنه رافع للعقد أو لان مثل هذه الاعتباريات انما يعتبر بقاؤها بلحاظ السبب الموجب للحدوث فما لم يطرأ عليه الرافع تكون باقية فإذا طرأ عليه ارتفعت ولا ينافى ذلك أن بقاءها ناشئ من استعدادها للبقاء لجواز أن يكون عدم طروء الرافع للسبب من قبيل الشرط في البقاء والاستمرار، ومثل هذا في الاشكال النقض بالقبول وبالقبض في الصرف والسلم والهبة حيث بني فيها على النقل لا الكشف إذ فيه أن القبول لما كان من أركان العقد في العناوين العقدية كان مقصود المتعاقدين الانشاء بعده وأن العمدة في البناء على النقل في القبض الادلة الخاصة الدالة على اعتباره. فلاحظ. هذا وسيأتي انشاء الله تعالى في مبحث الفضولي ما له نفع في المقام. فرع يتعلق بالاكراه (الثاني عشر): لو منع السلطان الجائر بيع السلعة باكثر من درهم فباعها المالك بدرهم خوفا منه كان البيع صحيحا لعدم كونه مكرها على ذلك وانما المكره عليه ترك البيع بأزيد من درهم الملازم للبيع بالدرهم أو لترك البيع رأسا، وكذا لو منع الظالم من العبور في غير سفينة زيد فاضطر العابر الى الاستئجار من زيد فانه وان كان مكروها لكن الوقوع فيه ليس بدعوة من الظالم كما تقدم نظير ذلك في ذيل التنبيه الثالث.

[ 205 ]

عقد المملوك " مسألة " من جملة شروط المتعاقدين إذن السيد إذا كان العاقد عبدا فلا ينفذ تصرفه في نفسه أو ماله أو مال غيره الا باذن سيده كما لعله المشهور المعروف، والعمدة فيه صحيح زرارة عن أبي جعفر " ع " وابي عبد الله " ع " قالا: المملوك لا يجوز طلاقه ولا نكاحه الا باذن سيده، قلت: فان كان السيد زوجه بيد من - الطلاق؟ قال " ع ": بيد السيد ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شئ فشئ الطلاق، وظاهر القدرة الاستقلال فنفيها إنما يقتضي نفي استقلال العبد في التصرف فلا يترتب عليه الاثر المقصود منه بمجرد إيقاء، أما مع إذن المولى فلا إشكال في نفوذه ويقتضيه صريح الاستثناء في الصحيح المتقدم. مضافا الى عموم الصحة، لما عرفت من قصور نفي القدرة عن تخصيصه في حال الاذن، ولاجل ذلك يتعين أيضا البناء على الصحة مع الاجازة اللاحقة. مضافا الى ما ورد في صحة نكاح العبد إذا أجاز المولى من تعليل الصحة بقوله " ع ": إنه لم يعص الله وإنما عصى سيده فإذا أجازه فهو له جائز، الظاهر في أن الاجازة اللاحقة كافية في نفوذ تصرف العبد ولا يعتبر الاذن السابقة، بل لعل ذلك كاشف عن أن الاذن في الاستثناء في الصحيح أعم من اللاحقه، اللهم إلا أن يقال: الاذن إنما تتعلق باللاحق فلا تعم اللاحقة فالجمع بين الصحيح وبين مادل على صحة النكاح بالاجازة لابد ان يكون بالتخصيص فانه الجمع العرفي لا بحمل الاذن على معنى الرضى الذي يتعلق بالسابق واللاحق. هذا وربما يقتصر في الاستدلال على عدم نفوذ عقد العبد بدون اذن المولى على الاية الشريفة نفسها لكن قصورها عن ذلك ظاهر لظهورها في مجرد التمثيل ولو بالفرض والتقدير ولا سيما بملاحظة ما بعدها من قوله تعالى: وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شئ وهو كل على مولاه أينما يوجهه لايات نحير، فلا دلالة فيها على حكم تشريعي، كما أنه ربما

[ 206 ]

يخدش في عموم الصحيح لتصرف العبد فيما لا يرجع الى المولى كما لو عقد لغيره باذن من المعقود له بأن الظاهر من الاية الشريفة أن ذكر المملوكية تمهيد لعدم القدرة فيختص بنفي القدرة على المملوك للمولى ولا سيما وكون مورده التزويج والطلاق التعلقين به، وفيه أن المملوكية كما تناسب ذلك تناسب نفي القدرة مطلقا بل هي في ذلك أنسب ولا سيما بملاحظة إطلاق الشئ وعدم تقييده بما يتعلق بالعبد ومثله في الاشكال ما يظهر من الجواهر في هذا المقام حاكيا له عن شيخه في شرح القواعد من القول بالصحة في تصرف العبد لغيره وان لم يأذن له المولى، بل مع نهيه له لان مجرد الاثم في إيقاع العقد للغير لانه تصرف في مال المولى لا يوجب البطلان لعدم المقتضى لذلك وإلا لم تنفع الاجازة لانها لا توجب انقلاب الفعل الواقع عما هو عليه. مع أن النصوص الواردة في تزويج العبد دالة على الصحة بالاجازة فلا بد أن يكون الوجه في بطلان نكاحه لنفسه بدون إذن المولى كونه تصرفا في ملك المولى فيكون من قبيل الفضولي الذي تلحقه الاجازة لا كونه إيقاعا من غير اذنه " وفيه " أن صريح تلك النصوص توقف نفوذ تصرفه على اجازة المولى واما كون ذلك لكونه تصرفا في ملك المولى فلا طريق الى تعيينه لاحتمال كون ذلك حكما تعبديا للعاقد إذا كان مملوكا لا من جهة النقلاب عقده من الاثم الى خلافه " فان قلت ": غاية ما يقتضي الصحيح - كما تقدم - نفي استقلال العبد في التصرف فإذا كان تصرفه متعلقا بمال الغير فلا اشكال في عدم نفوذه بدون رضى المالك، وهذا المقدار كاف في نفي استقلال العبد وحينئذ فإذا أجاز المالك كان مقتضى العمومات النفوذ على ما ياتي في مبحث الفضولي ولا يقتضي الصحيح تخصيص تلك العمومات إذ هي لا تقتضي استقلال العبد في التصرف كي ينافيها الصحيح " قلت ": الظاهر من عدم قدرة العبد المدلول عليه في الصحيح عدمها بالاضافة الى المولى لا مطلقا، وهذا المعنى ينافي صحة عقده بدون رضى المولى ولو منوطا يرضى غيره كيف وهذا المعنى من عدم القدرة لا يختص بالمملوك بل يطرد في الحر أيضا.

[ 207 ]

عقد الفضولي " مسألة " من جملة شرائط العاقد أن يكون سلطانا على العقد لكونه مالكا أو وليلا أو وليا فلا يصح عقد الفضولي ولا يترتب مضمونه عليه بدون اجازة السلطان إجماعا أما مع الاءجازة ففي صحته خلاف وأما إيقاع الفضولي فالمحكي عن غاية المرام الاتفاق على بطلانه ولو مع الاجازة لكن الاعتماد على مثل هذه الحكاية لا تخلو من نظر لظهور بناء الاصحاب على خلافها في جملة من الموارد كالوصية بما زاد على الثلث بناء على الظاهر من كونها إيقاعا كما ذهب إليه بعضهم مع اتفاق النص والفتوى على صحتها مع الاجازة، وفى عتق الراهن العين المرهونة بدون إذن المرتهن، فان المعروف بينهم الصحة مع الاجازة، بل لعله لا خلاف فيه بناء علي صحة الفضولي لاحتمال كون البطلان المحكي عن بعض مبنيا على القول منه ببطلان الفضولي أو على كون المراد البطلان بدون الاجازة، وفى عتق المرتهن بدون إذن الراهن فان المحكي المصرح به في كلام جماعة والمكي عن آخرين وإن كان البطلان مع الاجازة، بل في الروضة: انه باطل قطعا، لكن علله بالحديث المشهور لا عتق الا في ملك، وفى محكي الايضاح: اتفق الكل على اضمار الصحة في قوله " ع ": لا عتق الا في ملك، وفى مفتاح الكرامة إن كان هناك إجماع فلا كلام وإلا فالفضولي جار في مثله إذا اعتقه المرتهن عن الراهن. انتهى، وفي مسألة تصرف المفلس في ماله بالبيع والهبة والرهن احتمل في القواعد البطلان من راس والايقاف على الاجازة، وعن التذكرة نفي الباس عن الايقاف وعن جامع المقاصد: فيه قوة، وعن المسالك: لعله أقوى، وفى مفتاح الكرامة: انه لا يقصر عن التصرف في مال الغير فيكون كالفضولي. انتهى، وهذه الكلمات كما ترى ظاهرة في عدم ثبوت الكلية المذكورة والا لاعتمدوا عليه وذكروها في وجوه المنع التي ضعفوها وأشكلوا عليها مثل لزوم التعليق الممنوع عنه الذي اشكلوا عليه بان التعليق الممنوع التعليق في الانشاء لا تعليق الحكم الشرعي بالصحة

[ 208 ]

على مثل الاجازة مثل وقوع العتق بدون الذن منهيا عنه فيمتنع التقرب به الذي هو شرط في صحته الذي أشكلوا عليه بان مثل التصرف الاعتباري ليس منهيا عنه بل المنهي عنه خصوص التصرف الخارجي ونحو ذلك من التعليلات فلاحظ، ولذا اختار في الجواهر جريانه في العقود وغيرها من الافعال كالقبض ونحوه والاقوال التى رتب الشارع عليها الاحكام إلا ما خرج بالدليل وحكى عن استاذه في شرحه جريان الفضولي فيما جرت فيه لوكالة من العبادات كالاخماس والزكوات وأداء النذور والصدقات ونحوها من مال وجبت عليه أو من ماله، وفيما قام من الافعال مقام العقود وكذا الايقاعات مما لم يقم الاجماع على المنع فيها وجهان أقواهما الجواز ويقوى جريانه في الاجازة واجازة الاجازة وهكذا... الخ فالتحيق أنه لا أصل لهذه الكلية أعني عدم صحة الفضولي في الايقاعات نعم قد يكون البطلان في بعض الموارد معقد الاجماع كالطلاق، فعن قواعد الشهيد انه لم نجد قائلا من الاصحاب بالصحة فيه الا ان في كفاية هذا المقدار في ثبوت الاجماع تأملا ولاسيما بملاحظة الاستدلال عليه بما دل على أن الطلاق بيد من أخذ بالساق كما هو ظاهر هذا وظاهر الاصحاب - على مافى مكاسب شيخنا الاعظم (ره) - أن عقد الفضولي شامل للعقد المقرون برضى المالك ولا يكفي مجرد رضاه في صحة العقد وترتب أثره، بل لابد من اجازته لكنه قوى الاكتفاء برضاه وعدم الحاجة في ترتب الاثر علي الاجازة اعتمادا على عموم الوفاء بالعقود والتجارة عن تراض وقوله (ع): لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفسه، وما دل على أن علم المولى بنكاح العبد وسكوته إقرارمنه له، ولما في رواية قصة عروة من اقباضه المبيع وقبضه الثمن، إذ لو كان فضوليا لم يجز له ذلك ولتعبيرهم عن شرط الصحة بالرضى مثل قولهم في المقام: الشرائط كلها حاصلة الا الرضى، وقولهم: لا يكفي السكوت لانه أعم من الرضي، ولعدم الدليل على توقف صحة الفضولي على الاجازة مطلقا، ولان المانع من صحة عقد العبد معصية السيد وهي منتفية مع رضاه، وفيه أن عموم الوفاء بالعقود لاعموم فيه لكل عقد بل يختص بالعقد المضاف الى من وظيفته

[ 209 ]

الوفاء به لا مطلق العقد وإضافة العقد لا يكفي فيها مجرد الميل إليه فضلا عن الرضى به بل، لا بد في تحققها من الالتزام بمضمونه على نحو التزام الموجب والقابل الحاصل " تارة " بالوكالة " وأخرى " بالاذن " وثالثة " بالاجازة فعقد الوكيل أو المأذون أو المجاز وإن كان صادرا من غير من وظيفته الوفاء به إلا أن مرجع الوكالة والاذن والاجازة اللاحقة لما كان الى الالتزام به كان ذلك المقدار مصححا للاضافة الى الموكل والاذن والمجيز ومجرد الرضى لا يكفي مصححا للاضافة المذكورة فان كثيرا من العقود الواقعة بين المالكين تكون مجبوبة لكثير من الناس لحصول الاغراض المحبوبة لهم بها ولا تكون منسوبة إليهم ولا مضافة إليهم أصلا ولذلك افترق الرضى والاجازة في أن الاول يصح ممن ليس له تعلق بموضوع العقد ولا من شأنه الوفاء به والاجازة لا تصح من ذلك بل لا بد من صدورها ممن له العقد ووظيفته الوفاء به ومن شأنه أن يصدر منه وليس الفرق بين الرضا والاجازة من قبيل الفرق بين الطريق وذي الطريق كي تكون الاجازة من قبيل اظهار الرضى والدليل عليه بل الاجازة مرجعها الى الالتزام بالعقد الواقع في مقابل الاذن والوكالة اللذين هما التزام بالعقد اللاحق، ومن ذلك تعرف أن تأثير الاذن في صحة العقد ونفوذه ليس من جهة أنها إظهار للرضى بالعقد بل من جهة أنها التزام بالعقد الذي يقع فلو لم يكن الالتزام المذكور بل كان الصادر من المالك مجرد إظهار الرضى بالعقد كالرضى بعقد الغير على ماله الذي هو أجنبي عنه لم يكف ذلك في صحة العقد ونفوذه لعدم كون العقد له لعدم الالتزام به، فالوجه المصحح للنسبة التي هي سبب للنفوذ والدخول تحت أدلة وجوب الوفاء بالعقود هو الالتزام بالعقد المشترك بين الاذن السابقة والاجازة اللاحقة لا مجرد الرضى المقابل للسخط والكراهة، ومن ذلك تعرف الاشكال في التمسك بمثل قوله تعالى: أحل الله البيع، وقوله تعالى: تجارة عن تراض، مضافا إلى ما عرفت في مبحث الاكراه من ان المراد بالتراضي عدم الاكراه لا الرضى بالمعنى المذكور إذ التجارة لا تكون الا مع الرضى بالمعنى المذكور، وأما قوله (ع): لا يحل.. الخ فمختص - كما عرفت

[ 210 ]

في مبحث المعاطاة - بالحل التكليفي فلا يشمل ما نحن فيه، واما ما ورد في نكاح العبد فظاهر الاقرار فيه امضاء العقد انشاء لا مجرد طيب النفس، وأما رواية عروة فالاعتماد عليها لا يخلو من إشكال كما سيأتي ومراد الاصحاب من رضى المالك الرضى الانشائي أعني ارتضاءه وامضاءه، وعدم الدليل على توقف الفضولي على الاجازة مطلقا لا يكفي في البناء على صحة العقد ما لم يقم الدليل على عدم الحاجة إليها ولا فرق فيما ذكرنا بين عقد العبد بغير اذن مولاه عقد غيره، وما ورد من أن المانع من صحة عقد العبد معصية السيد المراد منه وقوع العقد بغير اذن السيد لا المعصية التكليفية ولذا قال (ع) في النص: فإذا أجاز جاز، ومقتضاه انحصار سبب الجواز بالاجازة التي هي من المفاهيم الانشائية نعم. قد يقع الاشكال في كفاية الانشاء النفساني بلا إنشاء له خارجي بفعل أو قول أو بلا أمارة تدل عليه، لكن الظاهر عدم كفايته لعدم ثبوت ذلك عند العرف المنزل عليه اطلاق الخطابات البيانية والاصل عدم ترتب الاثر عليه، ويؤيده عدم الاكتفاء به في عناوين العقود والايقاعات المعروفة مع صدورها عمن له العقد، فالاولى أن لا يكتفى به هنا ولعله ياتي في مبحث الاجازة ماله نفع في المقام فانتظر. ثم إن الكلام يقع في مسائل " الاولى " أن يبيع الفضولي للمالك مع عدم سبق منع من المالك، والمعروف القول بالصحة، بل عن التذكرة نسبته الى علمائنا وعن الفخر وجماعة من متاخري المتأخرين البطلان واستدل للاول بأمور " منها " عموم وجوب الوفاء بالعقود بالتقريب المشار إليه آنفا من أنه ليس المراد منه وجوب الوفاء على كل أحد بكل عقد صادر منه أو من غيره مطلقا فانه خلاف الظاهر، بل المراد منه وجوب الوفاء على كل أحد بعقده نظير قوله تعالى: وليوفوا نذورهم، وإضافة العقد الى الشخص تارة بلحاظ صدوره منه وأخرى بلحاظ التزامه به وان كان صادرا من غيره، ولا يمكن الحمل على الاول إذ مقتضاه في عقد الوكيل والمأذون أن لا يجب على الموكل والاذن الوفاء لعدم صدور العقد منهما لا مباشرة ولا تسبيبا إذ مجرد الاذن والوكالة لا يقتضي ذلك، فيتعين الاخير والالتزام المصحح للاضافة لا فرق فيه بين الاذن

[ 211 ]

السابقة والاجازة اللاحقة كما عرفت، و أما ما يظهر من كلمات شيخنا الاعظم (ره) في تقريب الاستدلال من دعوى ظهورها في كل عقد وبيع وان لم يكن صادرا ممن له وظيفة إيقاعه، ولا مضافا إليه ويكون خروج العاري عن الاذن والاجازة من باب التخصيص " ففيه " مضافا الى ما عرفت من أنه خلاف الظاهر أن عقد الفضولي قبل الاجازة اللاحقة إما أن يكون داخلا في العمومات المذكورة من اول الامر أو من حين الاجازة ولازم الاول الكشف الحقيقي وسيأتي أنه خلاف مختاره، ويتوقف الثاني على جواز الرجوع الى العام بعد خروج الفرد منه وكلامه في أصوله يأباه ولا سيما وأن العموم المذكور مما يمتنع أن يكون زمانيا لان مضمون العقود إنما يقصد المتعاقدان مجرد إيقاعه فلا نظر الى ثبوته في الزمان الثاني ودليل النفوذ تابع لجعل المتعاقدين وليس المقصود منه إلا ثبوت نفس المضمون وحدوثه لا غير، فالعمدة إذا في تقريب الاستدلال بها ما ذكرنا الذي يساعد، الارتكاز العرفي كما لعله ظاهر بالتأمل فلاحظ " ومنها " رواية (1) عروة البارقي حيث دفع إليه النبي " ص " دينارا وقال: اشتر لنا به شاة للاضحية فاشترى شاتين ثم باع إحداهما في الطريق بدينار فاتى النبي " ص " بالشاة والدينار فقال له رسول الله " ص ": بارك الله تعالى لك في صفقة يمينك، فان بيع إحدى الشاتين لم يكن عن إذن فيكون من الفضولي، وأما الشراء فمقتضى الجمود على عبارة الاذن أنه كذلك لكن تمكن دعوى أن الاذن بشراء شاة واحدة بدينار تقتضي الاذن بالفحوى بشراء شاتين كشراء شاة واحدة بنصف دينار إلا أن تدفع الفحوى الاولى بأن ظاهر الاذن كون الدينار منه الثمن لاتمامه، وحينئذ يكون شراء الشاة


(1) هذه الرواية رواها العامة في كتبهم كالبخاري في صحيحه وابن حنبل في مسنده وغيرهما ولا خلاف بينهم في كون صاحب القصة هو عروة ولكن الشيخ في رجاله نسب الدعاء بالبركة الى عرفة المدنى والعلامة نسبه الى عرفة الازدي ولعل ذلك في قضية أخرى. منه مد ظله.

[ 212 ]

بنصف الدينار نفس موضوع الاذن لا أنه مدلول عليه بالفحوى، لكن دعوى الظهور كذلك غير ظاهرة (1) كاحتمال أن المراد من الشاة في موضوع الاذن الجنس الصادق على الواحد والكثير إذ يأبى ذلك الاحتمال بيع عروة إحدى الشاتين " وكيف كان " فظهور الرواية في كون البيع فضوليا مما لا مجال له لمتأمل فيه، نعم قد يشكل حملها على الفضولي من جهة قبض عروة للثمن وإقباضه المبيع فان البيع الفضولي قبل الاجازة كالعقد الفاسد لا يجوز فيه القبض والاقباض الا بناء على الكشف الحقيقي ولو بني على جواز إقباضه المبيع لكفاية الرضى النفساني على تقدير الالتفات في جواز التصرف في مال الغير كفى في الاشكال حرمة القبض للثمن، وحمله على صورة علم المشتري بذلك ليكون أمانة في يدعروة الى أن تحصل الاجازة ليس أولى من حمله على كون عروة مفوضا إليه شؤون هذه المعاملة وأطوارها من قبل النبي " ص " فلا يكون عقده فضوليا، ومع هذا الاحتمال تسقط الرواية عن صلاحية الاستدلال بها بل تكون من قضايا الاحوال المجملة (ومنها) صحيحة محمد بن قيس عن أبي جعفر الباقر " ع ": قضى أمير المؤمنين " ع " في وليدة باعها ابن سيدها وأبوه غائب فاستولدها الذي اشتراها فولدت منه فجاء سيدها فخاصم سيدها الاخر فقال: وليدتي باعها ابني بغير اذني فقال " ع ": الحكم أن يأخذ وليدته وابنها، فناشده الذي اشتراها فقال (ع) له: خذ ابنه الذي باعك الوليدة حتى ينفذ البيع لك، فلما رآه أبوه قال له: ارسل ابني، قال: لا والله لا ارسل ابنك حتى ترسل ابني، فلما رأى ذلك سيد الوليدة أجاز بيع ابنه، وقد ذكر في الجواهر وغيرها موهنات كلها موهونة والعمدة ظهور جملة من فقراتها في تحقق رد البيع قبل الاجازة مع دعوى الاجماع من بعضهم على كون الرد مانعا


(1) هذا بلحاظ المتن المحكى في صحيح البخاري وغيره لكن في مسند ابن حنبل وغيره لم يذكر الظرف اعني (به) وانما ذكر: اشتر لنا شاة. منه مد ظله.

[ 213 ]

من صحه الاجازة كما سيأتي فان المخاصمة، واطلاق حكم الامام (ع) بأخذ الوليدة وابنها من دون تقييده بصورة رد البيع، ومناشدة المشتري للامام (ع)، وإلحاحه عليه في فكاك ولده، وحبس سيدها الاول للولد المستولد المستفاد من قول المشتري: حتى ترسل ابني، كل ذلك ظاهر في تحقق الرد (اللهم) إلا أن يقال: الرد المانع من صحة الاجازة إنما هو بمعنى حل العقد ورفع صلاحيته لقبول الاجازة لا مجرد ترك الاجازة والامور المذكورة كما تجامع الرد تجامع التردد فيه مع عدم الاجازة ولا تختص بالرد لتدل عليه، إذ ليست هي الا عملا بمقتضى بقائه على الملكية السابقة فكيف تدل على الرد بالمعنى المتقدم، لا أقل من وجوب الحمل على مالا ينافى الاجماع على مانعية الرد من تصحيح الاجازة بقرينة ظهور الرواية في صحة البيع بالاجازة، فان ذلك أولى من التصرف في ظهور الرواية بنحو آخر، وما ذكرناه هو العمدة في تقريب الاستدلال بها (وأما) ما ذكره شيخنا الاعظم (ره) من أن الاستدلال بها لا يتوقف على ذلك لظهور الرواية ظهورا لا ينكر في أن البيع مطلقا قابل للاجازة وإن لم يتم ذلك في مورد الرواية (فغير واضح) فان قوله " ع ": حتى ينفذ البيع لك، ظاهر في البيع الخاص وكذا قول الباقر " ع ": أجاز بيع ابنه، فإذا امتنع الاخذ بظاهر التنفيذ والاجازة امتنع استفادة الكلية المدعاة لا جمال المراد (ومنها) فحوى ما دل على صحة النكاح من الفضولي في الحر والعبد فان تمليك بضع الغير إذا صح بالاجازة كان تمليك ماله أولى (وفيه) أن النكاح ليس فيه تمليك البضع بل مجرد التسليط عليه، ولو سلم فالاولوية خفية إذ صحة بيع الجماد ليست بأولى من صحة بيع الجوار ذوات البضع، بل من الجائز اعتبار أمر في صحة الاول لا يعتبر في صحة الثاني، وقد اختلفت الاحكام باختلاف المبيع اختلافا فاحشا، وأما شدة الاهتمام في أمر النكاح لانه يكون منه الولد - كما في بعض الاخبار - فالظاهر أن المراد به لزوم الاهتمام به والاحتياط من حيث الفتوى بالصحة والفساد لا في مقام بيان اهتمام الشارع في أسبابه وتضييق دائرتها على نحو يعتبر فيه مالا يعتبر في صحة البيع كي يترتب عليه ثبوت الاولوية المذكورة، ومما ذكرنا

[ 214 ]

في معنى الخبر يظهر التأمل فيما ذكره شيخنا الاعظم (ره) من دعوى ظهور الخبر في عكس الاولوية المدعاة بقرينة وروده في مقام الرد على بعض المخالفين المدعين للفرق بين تزويج الوكيل المعزول مع جهله بالعزل وبين بيعه، بالحكم بالصحة في الثاني والبطلان في الاول، لان المال له عوض والبضع لا عوض له فيكون المراد منه أن النكاح أولى بالصحة من البيع، عكس دعوى القائل بالفرق، فان ما ذكره (قده) خلاف الظاهر منه بقرينة التعبير فيه بالاحتياط الذي هو من وظائف المكلف فالمراد من الخبر أن النكاح لاجل أنه يكون منه الولد أولى بأن يتورع ويحتاط في مقام الفتوى بصحته، وأجدر بأن لا يعتمد فيه على التعليلات العليلة والتكلفات الباردة السخيفة في معرفة حكمه من غيره من موارد الفتوى ولا يتعلق الكلام باثبات أولويته بالصحة من البيع، أو أولوية البيع بها منه، بل هو أجنبي عن ذلك. ثم إنه لو ثبت زيادة اهتمام الشارع الاقدس في النكاح كما يظهر من بعض النصوص لم تتم الاولوية المذكورة أيضا إذ الاهتمام به لا يقتضي تضييق دائرة أسبابه بالاضافة الى غيره، بل ذلك تابع لجهات أخرى تقتضي ذلك. فلاحظ، نعم يمكن الاستدلال بالتعليل الوارد في نكاح العبد بغير إذن مولا للرد على من أفتى بأن النكاح فاسد، ولا تحل اجازة السيد له حيث قال " ع ": إنه لم يعص الله تعالى وإنما عصى سيده فإذا اجازه فهو له جائز، فانه ظاهر في كبرى كلية وهي أن كل عقد صحيح لو كان عن إذن السلطان عليه يصح لو كان قد أجازه السلطان، وإن لم يكن عن اذن منه، أذ التعليل المذكور قد اشتمل على أمرين عدم معصية الله تعالى ومعصية السيد، ومن المعلوم أن الثاني لا دخل له في صحة العقد بالاجازة وإنما هو دخيل في عدم صحة العقد بلا إجازة، فالاول يكون هو العلة في صحة العقد بالاجازة وهو مطرد في جميع موارد الفضولي الذي لا خلل فيه إلا من جهة فقد الاذن ممن له وظيفة إيقاعه، وقد أشار الى ذلك شيخنا الاعظم (ره) في ذيل أدلة الصحة لكن جعله مؤيدا وظاهره المناقشة فيه مع اعترافه بأنه تعليل للحكم بالصحة مع الاجازة، وشأن التعليل التعدي عن مورده الى غيره، ولعله أشار

[ 215 ]

الى الفرق بين المقامين من جهة أن عقد العبد واقع ممن له العقد وانما المانع كونه مولى عليه، وليس كذلك الفضولي، لكن فيه أن عقد العبد تصرف في مال المولى فيكون من الفضولي من هذه الجهة ويزيد عليه من الجهة المذكورة. نعم لو كان عقد العبد على مال الغير باذنه فصحته باجازة المولى تقتضي صحته في المقام، (ومنها) الروايات الواردة في المضاربة مع تعدي العامل عن مقتضى الاذن مثل موثقة جميل: في رجل دفع الى رجل مالا ليشتري به ضربا من المتاع مضاربة فاشترى غير الذي أمره، قال (ع): هو ضامن والربح بينهما على ما شرطه، ونحوها غيرها بناء على حملها على صورة رضى المالك بالمعاملة بعد ظهور الربح - كما هو الغالب - أو للجمع بين هذه الاخبار وبين مادل على اعتبار رضى المالك، (وفيه) أن حملها على ذلك يقتضي أن يكون جميع الربح للمالك لا أن يكون بينه وبين العامل لكون المفروض بطلان المضاربة بالمخالفة، ولذا استوجبت الضمان، وبالجملة: إن كانت المعاملة الواقعة من العامل المخالف لشرط المالك جارية على إذن المالك بأن يكون التقييد بالخصوصية ملحوظا على نحو تعدد المطلوب، لم تكن من عقد الفضولي، لكن لا وجه للضمان حينئذ، وإن كانت جارية على خلاف الاذن كانت من عقد الفضولي، لكن مقتضى الصحة بالاجازة أن يكون جميع الربح للمالك فالجمع بين الضمان وكون الربح بينهما لا ينطبق على قاعدة عقد الفضولي ولا المأذون فيه (اللهم) إلا أن يكون المراد من تقييد العامل ببعض الخصوصيات هو اشتراط الضمان على تقدير المخالفة بناء على عدم قدح ذلك في صحتها، لكن - مع أن الظاهر من بعض النصوص أنه قادح فيها - أنه خلاف ظاهر النصوص المذكورة وإن كان قد يشهد له صحيح الحلبي: في المال الذي يعمل به مضاربة له من الربح وليس عليه من الوضيعة شئ الا أن يخالف أمر صاحب المال فان العباس كان كثير المال وكان يعطي الرجال يعملون به مضاربة ويشترط عليهم أن لا ينزلوا بطن واد ولا يشتروا إذا كيد رطبة فان خالفت شيئا مما امرتك به فانت ضامن للمال، ونحوه رواية أحمد بن محمد بن عيسى. فلاحظ. (ومنها) ما ورد في اتجار غير

[ 216 ]

الولي بمال اليتيم من ان الريح لليتيم والمتجر ضامن للمال فان الضمان بدل على عدم إذن الولي فالاتجار يكون من الفضولي فان بني على اطلاق كون الربح لليتيم كما عن جماعة لم يكن مما نحن فيه، وإن كان مشروطا بالاجازة كانت من افراد الفضولي، لكن ورد مثلها في اتجار الولي إذا لم يكن له مال، فان مقتضى الضمان إذا كان عدم جواز التصرف وخروجه عن موضوع الولاية كان التصرف باطلا ولا ربح، فالحكم برجوع الربح لليتيم لابد أن يكون تعبدا فلا تكون مما نحن فيه وسياق الجميع واحد، ويحتمل أن يكون ثبوت الولاية في القسمين تابعا للمصلحة، فمع الربح يكون التصرف من الولي فيصح، ومع المفسدة تنتفي الولاية فيستوجب الضمان، لكن من المحتمل قريبا أن يكن المراد من الضمان كون الخسران على المتصرف لافساد العاملة فلاحظ " نعم " لا بأس بالاستدلال برواية مسمع الذي استودع رجلا مالا له فجحده وحلف له عليه ثم جاء بالمال بعد سنتين أربعين الف درهم ربحها فيه وقال له: اجعلني في حل فتوقف من أخذ المال والربح، فقال (ع) له: خذ نصف الربح وأعطه النصف انه تائب والله يحب التوابين، فان الظاهر من التعليل كونه تعليلا لاعطاء النصف، وقريب منه صحيح الحلبي الوارد في الاقالة بوضيعة " فتأمل " وربما يؤيد الحكم بالصحة ببعض النصوص الواردة في موارد أخرى لكن التأييد بها ضعيف يظهر ذلك بالتأمل في كلمات شيخنا الاعظم " ره " فراجع وتأمل. ادلة بطلانه الفضولي واستدل للقول بالبطلان بأمور " الاول " قوله تعالى: ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض، جيث دل بمفهوم الحصر على عدم جواز أكل المال بغير التجارة عن تراض، وبمفهوم القيد على عدم حله بالتجارة لا عن تراض، وعقد الفضولي ليس عن تراض وإن لحقته الاجازة،

[ 217 ]

وفيه أنه يتوقف على كون التجارة اسما للسبب إذ لو كان المراد بها المسبب فاعتبار التراضي شرطا فيها بنحو الشرط المتقدم لا يمنع من صحة عقد الفضولي بعد الاجازة واما الاشكال على الدليل المذكور بمنع دلالته على الحصر لانقطاع الاستثناء كما هو ظاهر اللفظ وصريح المحكي عن جماعة من المفسرين، فيندفع بأنه لا فرق في الدلالة على الحصر بين الاستثناء المنقطع والمتصل، ولذا ذكر في معنى المنقطع أنه إخراج من المفهوم، غاية الامر قد لا يكون المفهوم المخرج منه المستثنى متضح الحدود من حيث سعة العموم وضيفة فيقتصر على القدر المتيقن، ولا ريب في أن المقدر في المقام يشمل التجارة لا عن تراض، فالاقتصار في الاخراج على التجارة عن تراض يقتضي بقاء التجارة لا عن تراض على حكم العام، ومثله في الاشكال احتمال كون (عن تراض) خبرا ثانيا لتكون لا قيدا للتجارة فانه بعيد، بل لعله ممتنع على قراءة الرفع، وأبعد منه دعوى كون " عن تراض " قيدا للتجارة المضافة الى المالك المفهوم من الكلام " يعني كون التجارة لكم عن تراض " نعم دعوى ثبوت مفهوم القيد محل نظر ولا سيما إذا كان واردا مورد الغالب كما في المقام فلاحظ " الثاني " النصوص كالنبوي المستفيض: لا تبع ما ليس عندك، ومثله ما عن أبي عبد الله (ع) في مناهي النبي " ص ": نهى عن بيع ما ليس عندك، وفيه أن مقتضى الجمود على ما تحت الكلام إرادة المنع عن بيع ما لم يكن في يده سواء أكان مملوكا له أم لا، مقدورا على تسليمه أم لا، كليا ذميا أم جزئيا خارجيا، وحمله على ما لم يكن مملوكا له بل كان ملكا لغيره مما لاقرينة عليه، بل الحمل على ما لم يكن مقدورا على تسليمه أقرب منه، ولو سلم فالظاهر منه وإن كان الارشاد الى عدم الصحة لكن منصرفه عدم ترتب الاثر على البيع نفسه كبيع ما عنده لا عدم ترتب الاثر مطلقا ولو كان الاثر ضمنيا بأن يكون الاثر منوطا بالاجازة كما هو مقتضى القول بصحة الفضولي مع الاجازة، ومن ذلك يظهر الاشكال في الاستدلال بالنبوي: لا بيع إلا فيما يملك، وبالتوقيع الى الصفار: لا يجوز بيع ما ليس يملك، ولا سيما وقد اقترن الكلام في الاخير

[ 218 ]

بقوله (ع): وقد وجب الشراء فيما يملك، مما يصلح قرينة على حمل نفي الجواز على ما يقابل الوجوب، وأما توقيع الحميري: إن الضيعة لا يجوز ابتياعها إلا من مالكها أو بأمره ورضى منه، فدلالته على المنع غير ظاهرة، إذ الابتياع من الفضولي مع إجازة المالك ابتياع برضى المالك، ومثله صحيح ابن مسلم الوارد في أرض بفم النيل اشتراها رجل وأهل الارض يقولون: هي أرضنا، وأهل الاسنان يقولون: هي من أرضنا فقال (ع): لا تشترها إلا برضى أهلها (الثالث) الاجماع الذي ادعاه الشيخ في الخلاف وابن زهرة في الغنية على البطلان وعن الحلى في باب المضاربة نفي الخلاف في بطلان شراء الغاصب إذا اشترى بعين المغصوب، وفيه أنه لا مجال للاعتماد على مثله - بعد حكاية القول بالصحة عن معظم القدماء ونسبته الى علمائنا كما تقدم (الرابع) مادل من العقل والنقل على عدم جواز التصرف في مال الغير بغير اذنه، وفيه أنه مختص بالتصرف الخارجي - كما يشهد به جواز مالا يحصى من التصرفات الاعتبارية بضرورة الشرع والعقل والعرف (ودعوى) أنه يعم خصوص ما نحن فيه من نقل المال من مالكه الى غيره لكونه أقبح في نظر العقلاء من بعض التصرفات الخارجية " فيها " أن مثل ذلك مما يمتنع تعلق التكليف به لانه من أفعال المعتبر وهو الشارع لامن افعال المكلف نعم فعل المكلف من دواعي وقوعه فالتكليف به لابد أن يرجع الى التكليف بالسبب لا غير فتأمل، ولو سلم عموم التصرف المحرم له فالمراد من عدم الجواز فيه التكليفي، وحينئذ يكون أيضا أجنبيا عما نحن فيه، لان الكلام في ثبوت التصرف لافي جوازه تكليفا، وحرمة التصرف لا تقتضي انتفاءه ولا نفي القدرة عليه لعدم الملازمة بينهما عقلا ولا عرفا (ودعوى) أنه إذا كان محرما كان مبغوضا للشارع وحينئذ يمتنع اعتباره له لامتناع إيجاد ما هو مبغوض (فيها) مع - أنك عرفت أن مقتضى البناء على كونها فعل الشارع عدم تعلق التكليف بها - أن المانع من الوجود المبغوضية المطلقة لا مطلق المبغوضية ولو من قبل المكلف فان أفعال العباد أيضا مستندة إليه ولو بتوسط اختيارهم مع وقوع ما هو مبغوض له

[ 219 ]

منها لجواز أن تكون مصلحة في اعتبار ذلك الامر الاعتباري منوطة بوجود سببه من عقد أو ايقاع، فان ضرب الولد مبغوض للوالد ومع ذلك يقع من الوالد عند صدور ما يقتضي التأديب من الولد، والمقام نظيره - مع أنه لو تم ذلك لجرى في المكروه أيضا كبيع الا كفان والنذر وغيرهما فان المكروه المطلق أيضا لا يصح إيقاعه مع بأنه يتحقق اعتباره عند وجود سببه، وأشكل من ذلك توجيه ما ذكر بان الحرمة توجب سلب القدرة، إذ فيه أنها إنما توجب سلب القدرة التشريعية بمعنى إحداث الداعي الى تركها لاسلب القدرة الحقيقية على إيجادها بايجاد سببها ولو سلم ذلك فانما هو قبل الاجازة إذ بعدها يكون باذن المالك ورضاه فلا يكون محرما (الخامس) أن القدرة على التسليم شرط في البيع والفضولي غير قادر (وفيه) أن المعتبر هو قدرة من له وظيفة الوفاء فقد يكون هو العاقد كالوكيل المفوض إليه أمر المعاملة وان لم يكن المالك قادرا عليه، وقد يكون هو المالك دون العاقد كالوكيل في مجرد إجراء الصيغة وفى الفضولي يكون المالك هو الذي يكون له وظيفة الوفاء فالمعتبر قدرته لا قدرة الفضولي (السادس) ان الفضولي غير قاصد الى مدلول اللفظ وفيه ما تقدم في بحث الاكراه فراجع المسألة الثانية أن يبيع الفضولي عن المالك مع سبق منع المالك وقد ينسب الى جماعة صريحا أو ظاهرا البطلان مع القول بصحة الفضولي وكأنه لان المنع قبل العقد يستلزم غالبا بقاء الكراهة بعد العقد ولوآ ناما، وهذه الكراهة رد للعقد مانع من لحوق الاجازة كالرد الواقع بين الايجاب والقبول (وفيه) ان العرف لا يساعد على ذلك، ويشهد له البناء على صحة عقد المكره إذا أجاز مع تحقق الكراهة بعد العقد قبل الاجازة، فإذا العمومات المقتضية للصحة في المسألة الاولى مقتضية لها هنا من دون فرق - مضافا الى ما ورد في المضاربة مع نهى المالك بناء على كونه

[ 220 ]

من الفضولي، واما رواية محمد بن قيس فظاهر قول المالك فيها: باعها بغير إذني، عدم تحقق النهي وإلا كان المناسب ذكره فانه أدخل في الانكار وعدم الصحة (وأما) ما ورد في نكاح العبد بغير إذن مولاه فظهوره في منع المولى - ولو بشاهد الحال - غير ظاهر، وأما التعليل بمعصية السيد فالظاهر أن المراد به مجرد العقد بغير إذنه - كما هو المصرح به في صدر الرواية - لا العقد المسبوق بنهية، وكذا الحال فيما ورد في بيع مال اليتيم والمغصوب فلاحظ. المسألة الثالثة أن يبيع الفضولي لنفسه، والمشهور - على ما قيل الصحة أيضا للعمومات بالتقريب المتقدم، ولروايتي مسمع والحلبي المتقدمتين، بناء على صحة الاستدلال بهما للصحة، وأما فحوى صحة النكاح فغير ظاهرة لاحتمال كون القصد لنفسه مانعا من ثبوتها، وأما نصوص نكاح العبد بغير إذن مولاه فموردها - وإن كان النكاح لنفسه - لكن الاجازة فيها لنفس العبد لا للمولى فلا ترتبط بما نحن فيه ومثلها دعوى ظهور صحيح محمد بن قيس فانه لا مأخذ له بل المناسب لقول المالك: باعها ابن بغير إذني، أنه باعها للاب، ولو كان البيع لنفسه كان التنبيه عليه أولى لانه ادخل في الانكار نظير ما تقدم ثم إنه قد يستشكل في ذلك لوجوه قد ذكرها شيخنا الاعظم (ره) والعمدة منها وجهان (الاول) أن قصد البيع لنفسه ينافي قصد المعاوضة الحقيقية للتنافي بين المقصودين لان قوام المعاوضة أن يكون كل من العوضين قائما مقام الاخر في النسبة الخاصة به فإذا كان المبيع ملكا لغير البائع فعوضية الثمن راجعة الى قيامه مقام المبيع في نسبته الى مالكه، ومن المعلوم أن ذلك ينافي نسبته الى البايع فيمتنع قصدهما معا، وقد أجاب شيخنا الاعظم (ره) عن ذلك بان ذلك يتم لو لم يكن تصرف من البائع بادعاء كونه مالكا حقيقيا، أما معه فلا بد أن يرجع قصد المعاوضة الى قصد دخول الثمن في ملكه

[ 221 ]

ولا مانع من أن تكون المعاوضة حقيقية مع ابتنائها على أمر ادعائي نظير المجاز الادعائي في الاصول، ويشكل بالفرق بين المقامين بان المجاز الادعائي انما لا ينافي الاستعمال الحقيقي لانه يكفي في كون الاستعمال حقيقيا استعمال اللفظ في معناه الحقيقي وإن جعل المعنى مرآة لامر غير حقيقي، ولا يكفي في انشاء المعاوضة مجرد إحضار مفهوم المعاوضة وإن كان مرآة لغيره بل يكون المنشأ حينئذ ذلك الغير لانه هو المقصود إنشاؤه وايجاده لا مفهوم المعاوضة لكون المفروض أن المفهوم إنما لوحظ مرآة وعبرة الى غيره فمتعلق القصد هو ذلك الغير المحكي لا نفس الحاكي، ولذا كان استعمال الالفاظ المجازية في العقود والايقاعات لا يخرجها عن كونها إنشاء لمفاهيمها الحقيقية الى كونها انشاء للمعاني الحقيقية لتلك الالفاظ فاستعمال لفظ البيع في عقد الاجازة لا يجعله انشاء للبيع لا للاجارة كما لعله ظاهر (والذي ينبغي) أن يقال: إن الغاصب ان كان يرى أنه مالك للعين بأن كان الغصب في نظره منشأ لاعتبار ملكيته لها فقصده البيع عن نفسه راجع الى اعتباره ملكية الثمن لقيامه مقام المبيع الذي يراه مملوكا له، ومثله لا ينافي قصد المعاوضة، بل يلازمه، والذي ينافيه قصد ملكية الثمن لغيره الذي ليس مالكا للمبيع في نظره وإن كان لا يرى نفسه مالكا للعين المغصوبة بأن لا يكون الغصب في نظره منشأ لاعتبار الملكية حقيقة، فقصد كون البيع لنفسه ليس على الحقيقة بل على الادعاء، ومثله لا ينافى قصد المعاوضة الحقيقية وانما الذي ينافيها قصد البيع لنفسه على الحقيقة، وبالجملة: إن كان المقصود من اشكال أن قصد المعاوضة الحقيقية لغير المالك مع الالتفات الى ذلك ممتنع فهو في محله، وان كان المقصود أن بيع الغاصب لنفسه - على ما هو المتعارف - أمر ممتنع فهو - مع أنه خلاف ضرورة العرف - ممنوع جدا لما عرفت إما لكون قصده لنفسه ليس على الحقيقة أو لانه على الحقيقة في نظره، فلا ينافى قصد المعاوضة. فلاحظ (الوجه الثاني) من وجهي الاشكال أن الفضولي إذا قصد البيع لنفسه فان تعلقت الاجازة بهذا المضمون كان مقتضاها صيرورة الثمن للفضولي لا للمالك المجيز، وإن تعلقت بغيره لم تكن اجازة

[ 222 ]

للعقد ولا كان العقد ملحوقا بالاجازة وهو باطل بلا كلام، وعن المحقق القمي الجواب عن ذلك بأن مرجع الاجازة في المقام الى تبديل رضى الغاصب بالبيع لنفسه برضي المالك بالبيع لنفسه، وظاهره أنه تصرف في الايجاب فقط من دون تصرف في القبول، فيشكل بأنه - لو صح ذلك - لم يكن مطابقا لقبول المشتري لان قبوله إنما تعق بايجاب البائع لا بمضون الاجازة فلا يلتئم معها فيمتنع دخوله تحت تحت أدلة النفوذ، وفى المحكي عن بعض عباراته الجواب بأن مرجع الاجازة في المقام الى التصرف في طرفي العقد معا فمفادها أن العقد الذي وقع على المال المعين لنفس البائع الغاصب قد بدلته الى كونه على هذا الملك بعينه لنفسي فتكون عقدا جديدا كما هو أحد الاقوال في الاجازة (واستشكل) فيه شيخنا الاعظم (ره) بأنه مخالف للاجماع والعقل، وكأن وجه مخالفته للعقل امتناع ان يكون الانشاء الواحد ايجابا وقبولا (وفيه) أن الاشكال المذكوز انما يتوجه على ظاهر التعبير بكونها عقدا جديدا، لا على ما يظهر من عبارة الجواب من أن مفاد الاجازة التصرف في طرفي العقد معا إذ لا مانع من ذلك، وأجاب شيخنا الاعظم (ره) بأن ايجاب البائع الفضولي انما تضمن تمليك المشتري بالعوض، وأما دخول المعوض في ملكه فامر خارج عن مضمون الايجاب. نعم مقتضى طبع المعاوضة المقصودة دخوله في ملك مالك المبيع فادا كان يرى نفسه مالكا له ادعاء أو اعتقادا كان قاصدا ملك العوض كذلك ولاجل أن المبيع ملك حقيقه لمالك في نظره يكون قاصدا ملك العوض لمالكه حقيقة، وحينئذ لامانع من تعلق الاجازة بالمعاوضة الحقيقية المقصودة، لكنه " قده " استشكل فيما لو كان الفضولي مشتريا لنفسه فان قبوله بلفظ: تملكت، و: ملكت، - بالتخفيف - متقوم بتمليك نفسه فيمتنع أن يكون موضوعا للاجازة. ثم تفصي عن هذا الاشكال بأن نسبة الملك الى المشترى الفضولي ليست بما هو هو، بل بما هو مالك فحيثية المالكية جهة تقييدية والثابت للشئ من حيثية تقييدية ثابت لنفس تلك الحيثية، ففي الحقيقة يكون المنسوب إليه الملك هو المالك وهذا المضون هو موضع الاجازة. هذا محصل كلامه (قده)

[ 223 ]

(وفيه) ان حيثية المالكية لو كانت ملحوظة فهي حيثية تعليلية من دواعي التمليك، وليس المجعول هو التمليك القائم بالمالك لتكون حيثية تقييدية، ولو سلم فلا إطلاق لها يشمل غير المشتري فان كاف الخطاب مستعملة في خصوص المشتري لا فيما هو المالك حقيقة الاعم من المشتري وغيره حتى تكون إجازته موجبة لتملك المجيز المالك - مضافا الى أن القبول بلفظ: تملكت، ونحوه ليس انشاء للتملك وانما هو قبول للايجاب فإذا كان مفاده مجرد جعل المعاوضة بين المالين كان مفاد القبول امضاء له، وقصد كونه لنفسه كقصد البائع الفضولي خارج عن قصد المعاوضة فاجازتها نفسها لا مانع منها، وبذلك أيضا يندفع الاشكال فيما لو كان الايجاب بلفظ: ملكتك، بأن مضمونه الصريح تمليك المشتري الفضولي فقبول المشتري قبول لهذا المضمون فيمتنع اجازته للمالك، ووجه الاندفاع أنه إذا كان مقصود الموجب المعاوضة بين المالين كان قصد تمليك المخاطب خارجا عنها، كقصد تملك العوض على ما تقدم في دفع الاشكال، فلا يلزم من اجازة المعاوضة اجازة الخصوصية المذكورة، فلا مانع من اجازة المعاوضة فقط على حسب ما تقتضيه من صيرورة كل من المالين في مكان الاخر ولو في الملكية، فإذا المتحصل في الجواب أن المقصود الاولي بالعقد (تارة) يكون نفس المعاوضة، وتكون خصوصية رجوع الثمن ملكا لشخص بعينه ورجوع المثمن كذلك أمرا زائدا على المقصود الاولي وكان قصدها ناشئا من اعتقاد أو ادعاء، وحينئذ لامانع من اجازة العقد بمضمونه الاولي فيترتب عليه مقتضاه من دون فرق بين كون التمليك مدلولا صريحا للايجاب كما لو قال البائع الفضولي: ملكتك هذا بهذا لي، أو مدلولا غير صريح منهما كما لو قال: بدلت هذا بهذا، أو في أحدهما كما لو قال: ملكتك هذا بهذا، أو: بدلت هذا بهذا لي (وتارة) يكون المقصود هو الخصوصية المذكورة كما لو قال البائع الفضولي للمشترى الفضولي: ملكتك هذا بهذا لي، فقبل المشتري مع غفلتهما عن عنوان المعاوضة، بل لم يقصد الا ما تحت اللفظ بحيث لو صادف كونهما مالكين كان معاوضة حقيقية بالحمل الشائع، لكن

[ 224 ]

لما لم يتفق ذلك كان معاملة أخرى وحينئذ تمتنع اجازة المالك لنفسه للزوم كون مضمون العقد غير مجاز، وما هو مجاز غير مضمون العقد، لكن الفرض المذكور خارج عن المتعارف المعهود من بيع الغاصب ونحوه. هذا ومما ذكرنا يندفع إشكال ثالث يختص بصورة علم المشتري بكون البائع غاصبا. وحاصله أن الاصحاب حكموا بأن المالك لو رد البيع فليس للمشتري المذكور الرجوع على البائع بالثمن وذلك كاشف عن عدم تحقق المعاوضة الحقيقية بينهما وإلا تعين بالرد رجوع كل من العوضين الى ملك مالكه (وجه الاندفاع) ما عرفت أن المنشأ بين الغاصب والاصيل هو المعاوضة الحقيقية، وحكم الاصحاب غير ثابت النسبة إليهم ولا المأخذ. نعم حكي عن بعضهم ذلك بتوهم أن التسليط الخارجي مع العلم بفساد العقد يقتضي الاذن بالتصرف مجانا (وفيه) أن التسليط كان بعنوان المعاوضة لانه كان جريا على مقتضى العقد الواقع بينهما لا بعنوان المجانية فلا يستوجب الاذن بالتصرف مجانا - مع أنه لو تم ذلك في صورة الرد لا مجال لقياس صورة الاجازة عليها، لامكان دعوى كون قصد المجانية إنما هو في صورة الرد لا مع الاجازة - مضافا الى أن الاشكال لا يتوجه بناء على الكشف إذ عليه يكون تسليط المشتري متأخرا عن صحة العقد ودخول الثمن في ملك المالك، فيكون تسليط المشتري تصرفا في ملك الغير فلا ينفذ كي يوجب عدم صحة الاجازة لانتفاء موضوعها { وبالجملة }: تكون الاجازة رافعة لموضوع التسليط لا أن التسليط رافع لموضوع الاجازة. (تنبيهان) (الاول): أنك عرفت في بعض المباحث السابقة أن ما في الذمة ما لم يكن مضافا الى ذمة معينة لا يكون موضوعا لاعتبار الملكية عند العقلاء فالعاقد ان لم يجعل العوض في ذمة معينة بطل العقد وان لحقته الاجازة منه أو من غيره، وان

[ 225 ]

أضافه الى ذمة معينة فان كانت ذمته صح العقد له، وإن كانت ذمة غيره من دون إذنه كان فضوليا وتوقفت صحته على الاجارة كما لو عقد على عين غيره، وحينئذ لو عقد لنفسه على ما في ذمة غيره كما لو قال: اشتربت هذا لنفسي بدرهم في ذمة زيد، أو عقد لغيره على ما في ذمة نفسه كما لو قال: اشتربت؟ هذا لزيد بدرهم في ذمتي، امتنع القصد الى المعاوضة مع قصد نفسه في الاول وقصد غيره في الثاني لما عرفت من تنافي القصدين بتنافي موضوعيهما فان ثبت قصد المعاوضة انتفى قصد نفسه في الاول وقصد غيره في الثاني، وان ثبت قصد ذلك انتفى قصد المعاوضة ولا مرجح لاحد القصدين بعينه كي ينتفي الاخر. هذا في مقام الثبوت أما في مقام الاثبات فلا يبعد أن تكون اللام في (لنفسي) و (لغيري) للملك على نحو ما تقدم في بيع الغاصب لنفسه ويحتمل أن تكون لغير الملك بل للتعليل أو نحو ذلك كما تقول: اشتريت اللجام للفرس. فيكون التصرف في قوله: لنفسي ولغيري ويحتمل أن لا يكون المقصود المعاوضة بين المالين من الطرفين بل المقصود عوضية العوض - أعني مدخول باء العوض عن المعوض عنه لاغير - وحينئذ تكون المعاملة معاوضة في الجملة، ولا يبعد البناء على صحتها لعموم وجوب الوفاء بالعقود وإن لم تكن بيعا، وعلى هذا يكون التصرف بقوله: اشتريت، لعدم قصد الشراء حقيقة لكنه بعيد، وأقرب منه احتمال أن يكون المراد من قوله: في ذمتي، في المثال الثاني التعهد بوفاء الدرهم إما بتحصيله من المالك أو بالدفع عنه تبرعا، وعلى الاحتمال الاول يكون المثال الاول من الفضولي إن أجاز زيد لزمه الثمن، وإن رد بطل العقد، والمثال الثاني يكون من غير الفضولي فيصح للعاقد سواء رد الغير أم أجاز، وعلى الاحتمال الثاني يكون العقد في المثالين من الفضولي لكنه ليس بيعا لعدم كونه معاوضة من الطرفين، وكذا المثال الثاني على الاحتمال الاخير، لكن قال في محكي التذكرة - فيما لو اشترى الفضولي -: وإن كان في الذمة لغيره وأطلق اللفظ قال علماؤنا: يقف على الاجازة فان أجازه صح ولزمه أداء الثمن وإن رد نفذ عن المباشر وبه قال الشافعي في القديم وأحمد وإنما يصح الشراء لانه تصرف في ذمته

[ 226 ]

لا في مال غيره وإنما وقف على الاجازة لانه عقد الشراء له فان أجازه لزمه وان رده لزم من اشتراه... الخ (والاشكال) فيه ظاهر مما عرفت إذ لو كان الفرض صورة القصد الى كون الثمن في ذمته وكون الشراء له بعنوان المعاوضة فهو ممتنع وان كان لا بعنوان المعاوضة - كما هو مقتضى الاحتمال الثاني - فلو قيل بالصحة بشرط الاجازة لان دخول المال في ملك أحد قهرا عليه خلاف سلطنته على نفسه لكن لو أجاز فكان الشراء له لم يكن وجه لالزامه بالثمن لكون المفروض كون الثمن مجعولا في ذمة العاقد، وعلى الاحتمال الاول لا يكون من الفضولي بل يصح بلا اجازة وعلى تقديرها لا يلزمه الثمن ايضا، وعلى الاحتمال الاخير يكون؟ من الفضولي فيصح مع الاجازة، لكن لورد يبطل لانه يكون الثمن في ذمة العاقد فانه خلاف ما قصد (ومثله) في الاشكال ما في الشرائع في شراء عامل المضاربة من ينعتق على رب المال بغير اذنه وكان الشراء بالذمة: من وقوع الشراء للعامل إلا أن يذكر رب المال، فان الظاهر من الشراء بالذمة في المقام الشراء بما في ذمة المالك لا لما في ذمته، وإن كان ظاهر الجواهر الحمل على الثاني لتعميمه ذكر رب المال لما إذا كان بمجرد النية لكنه خلاف الظاهر (اللهم) إلا أن يكون القرينة على ذلك لزوم الاشكال المذكور، ويحتمل أن يكون المراد وقوع الشراء للعامل ظاهرا فلو عجز عن اثبات قصده الشراء عن الغير لزمه الثمن في ظاهر الشرع لا أنه يكون الثمن في ذمته واقعا (واشكل) من ذلك توجيهه بأن المقصود كون الثمن في ذمة العاقد وانما يلزم المجيز دفع الثمن بالاجازة لبناء العاقد على أن يكون الثمن في ذمته وأن يأخذه ممن قصد كون الشراء له فيتعلق الثمن بذمة المجيز مترتبا على تعلقه بذمة العاقد ولو رد بقي في ذمة العاقد (توضيح) الاشكال أن تعيين الذمة انما هو لتعيين العوض فإذا تعين العوض بتعيين الذمة - أعني خصوص ذمة العاقد - كان المضمون أجنبيا عن الغير فلا معنى لاجازته منه، ولو سلم امتنع أن تكون الاجازة موجبة لانقلاب مضمون العقد " وان شئت " قلت: تحقق الاجازة مشروط بكون موضوع العقد متعلقا بالمجيز فيمتنع أن يكون ذلك مشروطا بالاجازة. فلاحظ

[ 227 ]

الفضولي في المعاطاة (الثاني): الظاهر جريان الفضولي في البيع المعاطاتي بناء على افادته الملك إذ لا فرق بين الانشاء القولي والفعلي في صحة الاضافة الى المالك بالاجازة فتشمله حينئذ ادلة النفوذ (ودعوى) أن الاقباض بغير إذن المالك منهي عنه والنهي عنه يقتضي الفساد (مندفعة) بامكان حصول المعاطاة بالاعطاء من الاصيل فقط كما لو باع الفضولي لغيره بالذمة - مع أنه قد يكون نفس الاعطاء باذن المالك وإن لم يكن إنشاء التمليك به باذنه - مع أن النهي في مثله لا يقتضي الفساد - مع أن الفساد بمعنى عدم ترتب الاثر عليه لا يقدح في الصحة على تقدير الاجازة - كما تقدم نظيره في الاستدلال على البطلان بما دل على حرمة التصرف في. ل الغير - وأما بناء على إفادته للاباحة الشرعية فيشكل جريان الفضولي حينئذ بأن العمدة في دليل هذه الاباحة الاجماع وثبوته في الفضولي غير معلوم - مع أنه لا يتم على الكشف المشهور لامتناع جعل الاباحة في الزمان الماضي فلا يمكن أن تكون الاجازة سببا للحكم بها من حين العقد وكذا الاشكال لو كان الملك مسببا عن نفس التصرف إذ الانشاء الذي يضاف الى المالك ليس سببا، والسبب المؤثر لا ترتبط به الاجازة. ولا تتوقف مؤثربته عليها، ومثله ما لو قيل بالاباحة المالكية فان اجازة الاباحة الصادرة من الفضولي بنفسها إباحة مالكية حقيقية، لا أن إباحة الفضولي تكون إباحة مالكية بالاجازة القول في الاجازة لا بد من التعرض في هذا المقام لامور " الاول " حكمها وقد اختلف القائلون؟ بصحة الفضولي بعد اتفاقهم على توقفها على الاجازة في كونها ناقلة - يعني موجبة لترتب الاثر من حينها - أو كاشفة إما عن تمامية سببية العقد، أو عن وجود شرط التأثير حينه كالرضا التقديرى، أو وصف التعقب، أو اللحوق،

[ 228 ]

أو عن نفس الاثر، لكونها شرطا متأخرا عنه، أو أنها موجبة لحكم الشارع بثبوت الاثر من حين العقد، أو موجبة لثبوت أحكامه كذلك وجوه أو أقوال وجوه الكشف (أولها): ظاهر ما عن جامع المقاصد والروضة من الاستدلال على الكشف بأن العقد سبب تام في الملك لعموم قوله تعالى: أوفوا بالعقود، وتمامه في الفضولي إنما يعلم بالاجازة فإذا أجاز تبين كونه تاما يوجب ترتب الملك (وفيه) أن العموم المذكور إذا كان يقتضي السببية التامة للعقد كان اللازم البناء على ترتب الاثر عليه بلا انتظار الاجازة، وإن لم يقتض ذلك لما عرفت من اختصاصه بالعقد المضاف الى المالك أو لتقييد إطلاقه بما دل على اعتبار رضى المالك، كان اللازم البناء على عدم تمامية السبب وعلى دخل رضى المالك في ترتب الاثر عليه فلا يترتب الاثر الا بعده. الرضا التقديرى (ثانيها): ما ذكره المحقق الرشتي (قده) في إجارته من أن الشرط هو الرضى التقديري من المالك والاجازة كاشفة عنه كما يكشف عنه شاهد الحال (وفيه) ما عرفت في أوائل المبحث من عدم كفاية الرضى الفعلي في صحة عقد الفضولي فضلا عن الرضى التقديرى - مع ان كشف الاجازة غير ظاهر لجواز اختلاف الاحوال والطوارئ الموجبة لاختلاف حال المالك من حيث الرضا والكراهة والرغبة كما لا يخفى.

[ 229 ]

(ثالثها): ما نسب الى جماعة من الاعلام من أن الشرط ليس الاجازة المتأخرة لامتناع تأخر الشرط لانه من أجزاء العلة التامة وهي ما يمتنع تأخرها عن المعلول للزوم تأثير المعدوم بل الشرط الوصف الانتزاعي منه كالتعقب (وفيه) أن الوصف المذكور قائم بالمتعقب فلا يكون حاصلا إلا عند حصول موضوعه فإذا كان المتعقب معدوما كان التعقب كذلك فالفرار من شرطية المتعقب لما يلزم منها من تأثير المعدوم في الموجود الى شرطية نفس التعقب فرار من المحذور إليه ففي زمان المتقدم ليس الا التقدم وفي زمان المتأخر ليس إلا التأخر، وكون التقدم والتأخر متضايفين؟ لا يقتضي وحدتهما زمانا، بل يقتضي وحدة زمان اعتبارهما بحيث مهما اعتبر التقدم اعتبر التأخر وبالعكس ولو مع اختلاف العنوانين زمانا، ولو سلم حصول نفس التعقب حال العقد لكونه انتزاعيا يجوز انتزاعه من المتأخر، أعني نفس الاجازة فإذا امكن انتزاع مثله من المتأخر المعدوم حال الانتزاع امكن أيضا انتزاع مثل الملكية من الاجازة المتأخرة، وإذا امتنع ذلك امتنع انتزاع التعقب من الاجازة، فالفرار من احدهما الى الاخر لا داعي إليه أو لا مصحح له - مضافا الى ان مقتضى ذلك جواز التصرف بمجرد وقوع العقد من الفضولي وهو مخالف لما دل على اعتبار اجازة المالك سواء أكان ما دل على اعتبار الرضا أو اختصاص عموم نفوذ العقد بما هو مضاف الى المالك لا مطلقا على ما عرفت في ادلة الصحة. (رابعها): ما يظهر من الجواهر من أن الشرط نفس الاجازة ولو كانت متأخرة، وامتناع تأخر الشرط عن المشروط في العل العقلية لا يقتضي امتناعه في العلل الشرعية، بل المدار على جعل الشارع فقد يقتضي ما يشبه تقديم المسبب على السبب - كما في غسل الجمعة يوم الخميس - فضلا عن تقديم المشروط على شرطه قال (ره): لو أخبر المعصوم بأنه يحصل الرضى من المالك الذي يؤثر رضاه كفى ذلك في ترتب الاثار الان عليه لتحقق الشرط حينئذ كتحققه بنفس وقوعه إذ الشرط الحصول فعلا ولو في المستقبل، ولا ريب في تحقق الحصول في المستقبل

[ 230 ]

بالاخبار لان مثل هذا الشرط لا بأس بحصول مشروط قبله بعد أن كان من الاوضاع الشرعية التي منها ما يشبه تقدم المعلول على العلة، وما ذكره (قده) وإن كان صحيحا في نفسه إذ الشرط في مثل المقام لا يراد منه معنى الشرط باصطلاح أهل المعقول - أعني ماله دخل في قابلية المقتضي أو الاثر في قبال المقتضي الذي يستند إليه الاثر، بل يراد منه ما أخذ قيدا للمشروط بحيث يكون التفييد به منافيا لاطلاقه فمعنى شرط الوجوب كونه مقيدا به الوجوب لا بمعنى كونه دخيلا في وجوده، إذ الوجوب من أفعال الموجب الاختيارية والعلة التامة في الفعل الاختياري إرادة الفاعل فلا تحتاج في تأثيرها الى شرط كي يتوهم أن شرط الوجوب شرط بذلك المعنى. نعم لما كان تعلق الارادة بالفعل الاختياري موقوفا على ترجحه فينظر الفاعل المختار الناشئ ذلك الترجح من دخل الفعل في الغرض المجبوب فقد يكون الوجود بقول مطلق راجحا في نظر الفاعل ومترتبا عليه الغرض، وقد لا يكون كذلك إلا على تقدير دون تقدير، فان كان الاول تعلقت به مطلقا فيكون وجوبا مشروطا، والتقدير الذي يكون الترجيح معلقا عليه قد يكون سابقا، وقد يكون مقارنا، وقد يكون أعم من السابق واللاحق والمقارن، واختلاف هذه الاحوال باختلاف الاغراض ومحصلاته، وكذا الحال في سائر الاحكام التكليفية والوضعية فقد يختص التقدير بالسابق كما لو قيل: يحرم التزويج بامرأة أرضعتك فان الرضاع سابق على زمان الحرمة ومعدم حالها، وقد يختص باللاحق لا غير كما لو قيل: يجب عليك شرب الدواء الذي ينفعك، وقد يختص بالمقارن كما لو قيل: يحرم شرب الماء إذا كان نجسا، وكذا نقول في المقام: لا مانع من أن يجعل الشارع الملكية في حال العقد إذا كان يجاز ولو لاحقا، إذا الاجازة ليست دخيلة في الملكية بل تمام العلية فيها هو ارادة الجاعل لا غير، والتفييد بها انما نشأ من عدم ترتب الغرض المقصود من جعل الملكية إلا في ظرف تكون هناك إجازة ولو متأخرة

[ 231 ]

فان كانت الاجازة موجودة في الزمان المتأخر كانت الملكية السابقة عليها موضوعا للغرض وإلا فلا، نظير المركبات التدريجيات فان الجزء الاول انما يترتب عليه الغرض في ظرف وجود الاجزاء اللاحقة، ولذا لا تتعلق الارادة بكل جزء مستقل بل إنما تتعلق به في ضمن إرادة الباقي، إذ في حال عدم بعض الاجزاء لا يكون الجزء موضوعا للغرض فيمتنع تغعلق الارادة به لعدم الترجيح فالملكية حال العقد إنما تكون موضوعا للغرض الموجب ذلك لترجحها في ظرف وجود الاجازة ولو متأخرة لا مطلقا، ولذلك كانت شرطا للعقد في حصول الملكية حاله، فالبناء على امتناع الشرط المتأخر الشرعي قياسا على الشرط العقلي المقابل للمقتضي غير ظاهر، وكأن المنشأ في ذلك توهم كون الشرط في المقام بمعنى الشرط العقلي وهو غير ظاهر (وأما ما) ذكره بعض الاعاظم " قده " في وجه امتناع تأخر الشرط في المقام من أنه لو ثبت الحكم مع تأخر الشرط لزم ثبوت الحكم بلا موضوع لان الشرط المعلق عليه الحكم في الحقيقة قيد للموضوع ينتفي بانتفائه الموضوع (ففيه) انه إنما يتم لو لوحظ الشرط المعلق عليه الحكم مقارنا، أما لو لوحظ لاحقا فانتفاؤه الموجب انتفاء الموضوع هو انتفاؤه في ظرفه، فإذا قال: يجب الحج على من يستطيع غدا، فالموضوع الشخص الذي تتحقق له الاستطاعة في المستقبل فإذا وجد شخص وعلم بأنه تكون له الاستطاعة في المستقبل كان ذلك تمام موضوع الحكم لان موضوعه الذات المضافة الى القيد المتأخر وهو حاصل وتأخر القيد لا يوجب تأخر الاضافة فإذا كانت الاضافة حاصلة كان المضاف حاصلا فيثبت له الحكم ولا يكون من ثبوت الحكم بلا موضوع كما أشار الى ذلك في الجواهر، ومن ذلك يظهر لك النظر في بعض كلمات بعض الاعاظم (قده) على ما في تقريرات درسه الشريف -. فلاحظ لكن الالتزام في المقام بما ذكره في الجواهر خلاف ظاهر أدلة اعتبار الاجازة والرضى كما عرفت في سابقه.

[ 232 ]

الكشف الانقلابي (خامسها): ما يظهر من الاستدلال بأن الاجازة رضى بمضمون العقد وهو النقل من حينه فمقتضى حكم الشارع الاقدس حين الاجازة بصحة العقد هو الحكم حين الاجازة بثبوت المضمون من حين العقد، وأشكل عليه شيخنا الاعظم (ره) بمنع؟ كون مضمون العقد هو النقل من حينه، بل نفس النقل مجردا عن ملاحظة زمان خاص (وقد يشكل) ذلك بأنه يصح قولنا: بعتك غدا، بنحو يكون المقصود إنشاء البيع في المستقبل فمع عدم التقييد بالزمان المستقبل إما أن يكون المقصود إنشاء مطلق البيع الشامل للحالي والاستقبالي، أو المبهم المردد بينهما، أو خصوص الحالي أو خصوص الاستقبالي، والاول ممتنع لان المنشأ جزئي حقيقي لا يصلح للانطباق على فردين، وكذا الثاني لان المبهم ليس موضوعا للاثر - مع أنه لا معين له في فرد بعينه، والحمل على الاخير بلا قرينة فيتعين الثالث لان عدم القرينة على غيره يقتضي الحمل عليه (وفيه) أن المقصود من قولنا: بعتك غدا، إن كان تقييد البيع بالغد فذاك ممتنع لخروج القيد عن الاختيار الموجب لخروج المقيد به عنه، وان كان تعليق البيع على مجئ؟ الغد كما في سائر موارد التعليق فهو - وإن كان صحيحا عرفا بل شرعا في بعض الموارد كالتدبير والوصية التمليكية - لكنه مع عدم التعليق يكون المنشأ غير معلق لا أنه يكون مقيدا بالزمان الحالي. نعم مقتضى كون المنشأ غير معلق أن يكون الانشاء ايجادا له في الحال، وفرق بين كون المنشأ في الحال وكونه مقيدا بالحال على نحو يكون زمان الحال داخلا في المضمون المنشأ - مع أنه لو كان داخلا في المضمون اقتضى ثبوت المضمون في زمان الايجاب لان القبول ليس إلا إمضاء للايجاب فهو تابع له فتحديد المضمون إنما يتكفل به الايجاب لا غير، فلو كان مقيدا بزمان الحال كان مقتضى القبول إمضاءه بقيده (اللهم) إلا أن يقال: لما كان القبول مقوما للعقد في نظر العرف يتعين

[ 233 ]

أن يكون مقصود الموجب الايقاع بعد القبول فتأمل، وأيضا لو كان المضمون النقل من حينه لكان مقتضى الفسخ رفع المضمون من حينه إذ الفسخ ليس الا حل العقد ورفع مضمونه (اللهم) إلا أن يقال: إضافة الفسخ الى العقد مبنية على العناية إذ العقد من الامور الحقيقية غير القارة فلا يقبل الحل فموضوع الفسخ في الحقيقة نفس المضمون لكن المضمون وهو النقل مثل من حينه لما كان مستمرا بذاته بلا جعل من المتعاقدين وكان الفسخ رافعا لاستمراره بحسب الارتكاز العرفي كان الفسخ كأنه وارد على العقد وموجب لانحلاله، ورفع المضمون من أصله وإن كان أنسب في نسبته الى العقد، لكنه خلاف المرتكز العرفي فان المرتكز عند العرف أنه رافع لاستمرار المضمون لا أصل المضمون سواء أكان النقل من حينه أو صرف النقل فتأمل جيدا، وقد استشكل شيخنا الاعظم (ره) على الاستدلال المذكور ثانيا بما حاصله أن وجوب الوفاء بالعقود إنما يصح تطبيقه بعد الاجازة لاختصاص موضوعه - أعني العقد - بعقد المالك، والاضافة الى المالك إنما تكون بالاجازة وحينئذ يمتنع الحكم بثبوت المضون حين العقد لان الملكية انما تنتزع من التكليف بوجوب الوفاء وحرمة التصرف ونحو هما فلا يمكن اعتبار الملكية في زمان قبله (وفيه) أولا أن المحقق في محله أن الملكية ونحوها ليست منتزعة من التكليف لانها مأخوذة في موضوعه فتكون متقدمة عليه رتبة فلو انتزعت منه كانت متأخرة عنه (وثانيا) لو سلم الانتزاع على النحو المذكور فغاية ما يقتضي امتناع تقدم اعتبار الملكية على ثبوت التكليف لا امتناع تقدم نفس الملكية عليه فتكون الاجازة موجبة لتوجه التكليف بالوفاء الذي هو منشأ اعتبار الملكية السابقة، ولا يحتاج اثبات ذلك الى دليل غير عموم وجوب الوفاء ونحوه. هذا وعبارة شيخنا في تقريب هذا الاشكال لا تخلو من غموض فانها توهم أن يكون غرض المستدل من قوله: إن الاجازة متعلقة بالعقد فهو رضى بمضمونه، أن الاجازة تنفيذ تشريعي نظير اجازة الشارع لا مجرد الرضا بمضمون العقد كما هو شأن الاجازة المالكية - مع أن ذلك لا توهمه عبارة المستدل فضلا عن أن تكون

[ 234 ]

ظاهرة فيه، بل لا يمكن توهمه من أحد، وقد استشكل شيخنا الاعظم " ره " ثالثا على الاستدلال المذكور بعدم معقولية نفوذ العقد من حينه بعد الاجازة لان العقد الموجود على صفة عدم التأثير يستحيل لحوق صفة التأثير له لاستحالة خروج الشئ عما وقع عليه فإذا دل الدليل على ذلك تعين صرفه الى نفوذ العقد من حينه حكما لا حقيقة (وفيه) أنه إنما يتم لو كان الاثر المقصود من نفوذ العقد حقيقيا وليس كذلك إذ الملكية ونحوها من آثار العقد اعتباريات محضه، وفي مثلها لا مانع من اعتبارها بعد الاجازة لموضوع العقد من حينه، بأن يحكم من حين العقد الى حين الاجازة بعدم نفوذ العقد وبقاء كل من العوضين على ملك مالكه، وبعد الاجازة يحكم بانتقال كل من العوضين الا ملك مالك الآخر من حين العقد لجواز اختلاف الاعتبار باختلاف المنشأ الموجب لاختلاف العنوان المصحح لا ختلاف الامر المعتبر، مثلا لو شك عند الزوال في طهارة ماء كان أصل الطهارة موجبا الاعتبار طهارته وبعد الوضوء به أو غسل العضو النجس به إذا قامت البينة على نجاسته قبل الزوال فحينئذ يرجع الى استصحاب النحاسة الى حين الزوال فيكون محكوما بالنجاسة جينئذ بعد ما كان محكوما بالطهارة، فالماء الواحد في زمان واحد محكوم في وقت بطهارته وفى وقت آخر بنجاسته، ولا مانع في مثله من خروج الشئ عما كان عليه، لما عرفت من اختلاف الطوارئ الموجب لاختلاف العناوين الموجب لاختلاف الاعتبار. نعم يمتنع ذلك في الاحكام التكلفية لان الغرض منها وهو الزجر والبعث لا يحصل لخروج الزمان الماضي عن محل الابتلاء فلا يصح أن يقال في مقام الانشاء: الفعل في أمس واجب أو حرام ولا يقاس عليها الاحكام الوضعية لترتب الاثر عليها ولو بلحاظ الزمان الحالي أو الاستقبالي. هذا مضافا إلي أنه لو ثم عدم المعقولية كان الواجب خروج الفرد عن حكم العام لا الحمل على النفوذ الحكمي فانه تصرف غير عرفي ولا قرينة عليه. نعم لو قام دليل بالخصوص على صحة العقد كذلك بعد الاجازة تعين حمله على ما ذكر لانه خاص لا يقبل التخصيص لكنه غير مفروض البحث، ومن هنا تعرف أن الكشف الحكمي ضعيف المأخذ جدا كما

[ 235 ]

تعرف أن الكشف الانقلابي في محله بناء على أن مفاد العقد ثبوت مضمونه من حينه، لكن عرفت إشكاله، ومن هنا يشكل القول به بالنظر الى العمومات إذ هي لاتدل على اكثر من نفوذ العقد في مضمونه (اللهم) إلا أن يقال: زمان العقد وإن لم يؤخذ قيدا للمضمون لكن من المرتكزات العرفية كون المضمون من آثار العقد ومسببا عنه على نحو المسببات الحقيقية الناشئة عن أسبابها من كونها مقارنة لها غير منفكة عنها، وهذا الارتكاز العرفي موجب لحمل العمومات على تنفيذه على النحو المذكور فإذا كانت الاجازة مصححة لتطبيق العمومات على العقد كان مقتضاها النفوذ من حينه لا من حين الاجازة وهذا قريب جدا (ومن) ذلك تعرف أن الكشف الحقيقي الانقلابي أقوى من النقل ومن سائر وجوه الكشف فهو المتعين وبعده النفل وبعده الكشف على الوجه الرابع. هذا كله بالنظر الى العمومات (وأما) بالنظر الى الاخبار الخاصة، فرواية عروة على تقدير تمامية دلالتها ظاهرة في الكشف الحقيقي إذ أخذ الدينار وتسليم الشاة لا يناسب الكشف الانقلابي ولا الحكمي فضلا عن النقل، وصحيحة محمد بن قيس ظاهرة في الكشف المردد بين وجوهه في قبال النقل لان أخذ الولد مجانا لا يناسب النقل، وكذا روايات المضاربة والاتجار بمال اليتيم على ما يأتي بيانه في ثمرة الكشف والنقل (وقد) يستشهد بصحيحة أبي عبيدة الواردة في تزويج الصغيرين فضولا الامرة بعزل الميراث من الزوج الذي بلغ فأجاز فمات. للزوجة غير البالغة حتى تبلغ وتحلف، إذ بناء على النقل يكون عزل الميراث تصرفا في مال الوارث بغير سلطنته، وهو خلاف قاعدة السلطنة، أو في مال الميت كذلك بناء على بقائه على ملك الميت المخالف أيضا لعموم أدلة المواريث، أما بناء على الكشف فلا مخالفة فيه لذلك لتردد المال بين كونه ملكا للزوجة وكونه ملكا للوارث فيكون في عزله تقديم احتمال كونه للزوجة احتياطا في المال، وهو - وإن كان منفيا لاصالة عدم الاجازة - لكن لا يختص بالكشف بل جار على النقل أيضا (وفيه) أن تمامية الاستشهاد مبنية على جواز التمسك بالعام في عكس نقضه، والمحقق في محله عدمه، ومن ذلك يظهر عدم تمامة التمسك بها للكشف

[ 236 ]

الحقيقي في قبال الكشف الانقلابي من جهة لزوم المخالفة في الثاني للقواعد المتقدمة فلاحظ وتأمل. ثمرات الكشف والنقل (بقي الكلام) في بيان الثمرة بين الكشف على وجوهه والنقل، وتظهر في أمور " الاول " جواز التصرف لكل منهما فيما انتقل إليه على تقدير العلم باجازة المالك فعلى الوجوه الثلاثة الاول للكشف يجوز التصرف، لانه ملكه، وعلى الكشف الانقلابي والحكمي والنقل لا يجوز لعدم انتقاله حينئذ فيكون تصرفا في مال الغير ولو وطئ الجارية التي اشتراها من البائع الفضولي فاستولد ها كانت أم ولد على جميع وجوه الكشف فانها وإن لم تكن ملكا له حال الوطء - بناء على الكشف الانقلابي والحكمي - لكن بعد الاجازة صارت محكومة بأنها ملكه حين الوطء حقيقة أو حكما فيكون الاستيلاد في الملك الحقيقي أو الحكمي فيجري عليه حكمه. نعم بناء على النقل لا تكون أم ولد، بل لا يلحق به الولد لانه زان لعدم كونها ملكا إلا بعد الاجازة حينها، ومن ذلك تعرف الاشكال في كلام شيخنا الاعظم (ره) فراجع (الثاني) نقل المالك العين الى غيره قبل الاجازة، فعلى النقل لا أثر للاجازة لانها من غير المسالك فلا مانع من النقل فيصح، وعلى الكشف الحقيقي يبطل النقل، لانه من غير المالك، وكذا على الكشف الانقلابي إذ عليه يحكم بعد الاجازة بأن المنقول ملك لغير الناقل، فلا يكون النقل من المالك، وكذا على الكشف الحكمي لان الحكم بكون النقل من غير المالك مقتض لبطلانه (ودعوى) أن الجمع بين الحكم بصحة النقل وصحة الاجازة يقتضي الانتقال الى القيمة فيضمن المجيز القيمة لان تقله للمال إتلاف له على مالكه نظير النقل قبل فسخ ذي الخيار (مدفوعة) بأنه لو تم التزاحم بين الامرين فانما هو في العين ومقتضاه التساقط لا الرجوع الى القيمة، ولو سلم فلا وجه ظاهر لتعين

[ 237 ]

الجمع بذلك إذ كما يمكن ذلك يمكن ايضا أن يكون بدفع القيمة الى مشتري العين من المالك لا من الفضولي، والقياس على فسخ ذي الخيار بعد نقل العين غير ظاهر لان الفسخ متعلق بالعقد من حينه لا من حين العقد والاجازة متعلقة به من حينه - كما هو مقتضى الكشف الحكمي - لا من حينها - كما هو مقتضى القول بالنقل - فإذا وجب ترتيب حكم المضمون من حين العقد وجب الحكم بكون نقل المالك واردا على مال الغير، ومقتضاه بطلان النقل لا ضمان المنقول بقيمته والمتحصل أنه لو بني على صحة الاجازة وجب البناء على بطلان نقل المالك للعين من غير فرق بين وجوه الكشف حتى الكشف الانقلابي والحكمي، لكن البناء على صحة الاجازة غير ظاهر إذد بعد نقل المالك العين الى غيره يكون أجنبيا عن العين فلا دليل على نفوذ إجازته فيكون النقل رافعا لموضوع الاجازة فيصح النقل وتبطل الاجازة من غير فرق بين القول بالنقل والقول بالكشف الانقلابي والحمكي وغيرهما من وجوه الكشف. نعم بناء على كفاية الرضا التقديري وكشف الاجازة عنه لا فرق بين الاجازة من المالك قبل حصول النقل منه وبينها بعده، وعليه يتعين القول ببطلان النقل وصحة الاجازة. ثم إنه لا فرق في ذلك بين نقل المالك ماله الى غيره وبين عتقه واتلافه ونحوهما من موانع تملك العوض بالعقد الفضولي، ومما ذكرنا يظهر لك النظر في كلمات شيخنا الاعظم (ره) فراجع (الثالث): النماء الحادث قبل الاجازة فعلى النقل هو لمن انتقلت عنه العين لانه نماء ملكه، وعلى الشكف هو لمن انتقلت إليه العين لانه نماء ملكه، من غير فرق أيضا بين الكشف الانقلابي والحكمي وغيرهما، إذ على الاول يحكم بعد الاجازة بأنه ملك لمن انتقلت إليه من حين حدوثه، وعلى الثاني يحكم بعد الاجازة بأنه ملك له بعدها لانه من آثار ملكيته لاصله حال حدوثه، وعلى باقي الوجوه يحكم قبل الاجازة حال حدوثه بملكيته له تبعا لملكية أصله قال في الروضة: وتظهر الفائدة في النماء فان جعلناها كاشفة فالنماه المنفصل المتخلل بين العقد والاجازة الحاصل من المبيع للمشتري ونماء الثمن المعين للبائع، ولو جعلناهما نافلة فهما للمالك المجيز انتهى

[ 238 ]

وكأن مورد كلامه فرض الفضولية من الطرفين كما ربما يقتضيه صدر عبارته فلاحظ (الرابع) فسخ الاصيل لانشائه قبل إجازة الاخر فانه بناء على النقل يكون مبطلا له لما حكي من الاجماع على جواز إبطال أحد المتعاقدين لانشاء قبل إنشاء صاحبه، بل قبل تمامية شرائط صحة العقد كالقبض فيما يعتبر فيه القبض، وبناء على الكشف لا يكون مبطلا له. نعم قد يشكل بعدم تمامية المبنى إذ المقدار الممكن تسليمه جواز الابطال قبل إنشاء الاخر لعدم صدق العقد عرفا حينئذ لاجوازه قبل تمامية شرائط الصحة فانه خلاف إطلاق الادلة من دون ثبوت مقيد - مع أنه لا يتم بناء على الكشف الانقلابي أو الحكمي لكون الاجازة عليهما من شرائط الصحة، بل وعلى الكشف على نحو الشرط المتأخر لعدم تحقق الشرط وهو الاجازة. اللهم إلا أن يكون المراد جواز الابطال قبل تحقق الاثر، وعلى هذا القول يكون الاثر مترتبا حال العقد، لكن ثبوت الاثر مع احتمال قدح الفسخ غير معلوم، (الخامس) تصرف الاصيل فيما انتقل عنه فانه يجوز بناء على النقل لانه ملكه، وما عن جامع المقاصد: من أنه لا يجوز للبائع ولا للغاصب التصرف في العين لامكان الاجازة ولا سيما على القول بالكشف. انتهى، غير ظاهر فان المال لما لم يخرج عن ملك الاصيل بناء عى النقل لا يكون العلم بلحوق الاجازة مانعا عن جواز التصرف فضلا عن احتماله، وأما على الكشف فالذي يستفاد من كلام جماعة وظاهر آخرين عدم جواز التصرف كما ادعاه شيخنا الاعظم (ره) واختاره بناء على المشهور في معنى الكشف من كون الاجازة شرطا لكون العقد السابق بنفسه مؤثرا تاما فيكون موضوع وجوب الوفاء نفس العقد غير مقيد بالاجازة متمسكا على ذلك بعموم وجوب الوفاء بالعقد فانه يقتضي لزومه على الاصيل وحرمة نقضه من جانبه (وفيه) أن الوفاء بالعقد ليس الا عبارة عن العمل بمقتضاه، والجري على مضمونه، فإذا فرض أن الاجازة شرط في مؤثرية العقد وفي حصول مضمونه وأنها مشكوكة التحقق فقد شك في ثبوت مضمونه وتحققه فكيف يمكن العلم بالحكم المذكور مع الشك في ثبوت موضوعه، ولا فرق في ذلك بين أن تكون الاجازة قيدا

[ 239 ]

للعقد الواجب الوفاء به وأن تكون قيدا لمؤثريته فان قيد الموضوع المنوط به الحكم قيد للحكم لان الحكم المنوط بموضوع مقيد منوط بقيده أيضا فالفرق بين أن تكون الاجازة قيدا للعقد الواجب الوفاء وأن تكون قيدا لوجوب الوفاء بجواز التصرف على الاول وحرمته على الثاني غير واضح. نعم الاستدلال بالعموم المذكور يتوقف على أمور (الاول) أن يستفاد منه الحكم التكليفي لا أن مفاده مجرد الارشاد الى نفوذ العقود وترتب مضامينها (ثانيها) أن يكون موضوع الوفاء نفس العقد لا موضوعه كالبيع ونحوه ولا هو بلحاظ ترتب موضوعه (ثالثها) أن يكون الرضا شرطا لوجوب الوفاء بالاضافة الى الراضي لا مطلقا، إذ لو انتفى الاول لا موجب لحرمة التصرف مع عدم ترتب المضمون قبل الاجازة كما هو المفروض، كما أنه لو كان موضوع الوفاء هو مضمون العقد أو نفس العقد بلحاظ ترتب مضمونه انتفى بانتفائه قبل الاجازة، كما أنه لو كانت الاجازة شرطا لوجوب الوفاء بالاضافة الى المتعاقدين معا فمع انتفائها من أحدهما ينتفي وجوب الوفاء بالاضافة إلى الاخر أيضا. هذا ولكن اثبات الاول في غاية الاشكال، فان تصرف البائع في المبيع حرام بما أنه مال الغير فإذا حرم ايضا بما أنه ترك وفاء بالعقد لزم أن يكون حراما من وجهين وهو - كما ترى - بعيد، بل يلزم أن يكون دفع البائع المبيع الى المشتري بما أنه ماله لا بعنوان الوفاء بالعقد ليس إطاعة لوجوب الوفاء بالعقد، وليس وفاء بالعقد، وهو خلاف الارتكاز جدا، لا أقل من أن يكون هذا المقدار قرينة على حمل الكلام على الارشاد الى صحة العقود ونفوذها من دون أن يكون تكليف اصلا، وكذا الاشكال في ثبوت الثاني لان العقود من حيث هي مع قطع النظر عن موضوعاتها ومضامينها ليس لها أحكام اقتضائية لموضوعاتها من بيع أو اجارة أو تزويج فوجوب الوفاء بها إما أن يكون المراد به الوفاء بمضمونها كما في قوله تعالى: (يوفون بالنذر) وقوله تعالى: (ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما) أو المراد به الوفاء بنفس العقد بلحاظ ترتب مضمونه

[ 240 ]

عليه، يعني: إذا عقدتم ثبت ما تعاقدتم عليه فوجب الوفاء بالعقد، وليس المراد إذا عقدتم وجب ترتيب أحكام المضمون وان لم يترتب، فانه خلاف الظاهر جدا بل يمكن منع صدق الوفاء حينئذ فان العقد إذا كان موضوعه تمليك مال الاصيل لغيره فإذا فرض عدم حصول الملك وبقاء المال على ملك الاصيل فتسليم المال المذكور الى المشتري ليس وفاء بالعقد لانه لم يحعله على نفسه، ولم يتعهد بدفع مال نفسه الى المشتري إذ الحكم الاقتضائي للبيع دفع مال المشتري إليه لا دفع مال البائع، وكذا الحال في بقية الاحكام الاقتضائية مثل حرمة التصرف فان ما يكون وفاء ترك التصرف في مال المشتري لا في مال نفسه فتطبيق الوفاء حقيقة إنما يكون في ظرف ثبوت المضمون، ولذا استفيد من العموم المذكور صحة العقود وترتب مضامينها ويكون الدليل الدال على شرائط الصحة تقييدا للعموم المذكور (وأما) الامر الثالث فغير بعيد ثبوته فانه لو ثبت كون مفاد العموم الحكم التكليفي وأن موضوع الوفاء نفس العقد فما دل على اعتبار الاجازة إنما يدل على اعتبارها في وجوب الوفاء علي من له وظيفة الاجازة، فلو كان أحد المتعاقدين أصيلا توجه إليه وجوب الوفاء ولو لم يجز الاخر بعد، وكون وجوب الوفاء بالنسبة الى المتعاقدين ارتباطيا خلاف ظاهر العموم في مثل المقام من موارد مقابلة الجمع بالجمع فلاحظ. ولو تم إثبات الامور الثلاثة لا فرق في حرمة تصرف الاصيل في ماله بين القول بالنقل والكشف على اختلاف وجوهه حتى لو كان الشرط هو التعقب لان شرطيته لوجوب الوفاء إنما هو بالاضافة الى المالك المتوقع إجازته لا بالاضافة الى الاصيل، ومن ذلك تعرف مواقع النظر والاشكال في كلمات شيخنا الاعظم (ره). فلا حظ وتأمل.

[ 241 ]

تنبيه قال العلامة في القواعد في فصل الاولياء: ولو تولى الفضولي أحد طرفي العقد ثبت في حق المباشر تحريم المصاهرة فان كان زوجا حرم عليه الخامسة والاخت والبنت والام إلا إذا فسخت على إشكال في الام، وقال المحقق الثاني في شرح العبارة: والتحقيق أن المباشرة من أحد الطرفين لا تقتضي ثبوت النكاح من ذلك الطرف فان النكاح أمر واحد نسبي لا يعقل ثبوته إلا من الجانبين وإنما قلنا انه يلزم في حق المباشر بناء على ان الاجازة كاشفة عن ثبوت العقد ولزومه من حين وقوعه كما أن عدمها كاشف عن عدم ذلك فلو فسخ المباشر ثم اجاز الاخر بينا أن فسخه وقع بعد ثبوت العقد ولزومه فلم يؤثر شيئا، والحكم بحرمة المصاهرة إنما كان لان العقد الواقع نقل عن حكم الحل الذي كان قبله وإن كان سببيته وعدم سببيته الان غير معلومة فلم يبق حكم الاصل كما كان، ومثله ما لو اشتبهت الزوجة المعقود عليها عقدا صحيحا لازما بغيرها، فان تحريم المصاهرة ثابت بالنسبة اليهما معا، وكذا القول فيما لو اشتبه الطاهر بالنجس، والحلال بالحرام، وبهذا البيان يظهر أنه مع الفسخ يتبين أنه لا عقد أصلا فلا تحريم أصلا، وهذا هو الصحيح انتهى وكلامه (ره) يدل على أن البناء على حرمة المصاهرة ليس للزوم الوفاء بالعقد بل لامر آخر وإن كان هو أيضا محل نظر، وسيعترف به في الجملة وقال في القواعد - في فصل المصاهرة -: وهل يشترط - يعني في التحريم - لزومه مطلقا أو من طرفه أو عدمه مطلقا نظر، فلو عقد عليه الفضولي عن الزوجة الصغيرة ففي تحريم الام قبل الاجازة أو بعد فسخها مع البلوغ نظر. انتهى وقال في جامع المقاصد: ما حاصله إن بنينا على كون الاجازة نافلة فالذي يقتضيه صحيح النظر عدم التحريم، وإن قلنا إنها كاشفة فالتحريم الواقعي تابع للاجازة وقبل حصولها ينبغي الحكم بالمنع من باب الاحتياط نظير ما لو عقد لامرأة على اثنين والتبس العقد السابق، أو التبست

[ 242 ]

المعقود عليها بغيرها وإن كان بينهما وبين المقام فرق لثبوت السبب التام فيهما بخلاف المقام فلاحتياط التحريم وإن كان الطرف الاخر لا يخلو من وجه، وفى كشف اللثام استوجه التحريم من طرف الاصيل لصدق العنوان المحرم (وفيه) المنع الواضح إذ بعد عدم ترتب الاثر على مجرد الايجاب من طرف الاصيل كيف يصدق: أمهات نسائكم، ونحوه من العنوانات المحرمة، ومن الغريب أنه في شرح العبارة الاولى نفى الاشكال في تحريم الخامسة والاخت إذا كان المباشر الزوج - مع أن مصنفه في العبارة الثانية مصرح بالنظر والتأمل. فلاحظ وتأمل، (السادس) ما لو انسلخ أحد المتعاقدين أو أحد العوضين عن قابلية الملك بموت أو تلف أو نحوهما قيل على النقل: لا يصح العقد لامتناع ترتب الاثر عليه وعلى الكشف يصح لعدم المانع فتشمله العمومات، (وتحقيق) الحال أن العارض إن كان الموت أمكن القول بالصحة على النقل أيضا، لعدم المانع من التزام ملك الميت حين الاجازة فينتقل الى وارثه - كما يستفاد من الحكم بذلك في جملة من الموارد - إلا أن يقال: لم يثبت ذلك بنحو الكلية فيشكل الحكم، ولو قلنا بصحته - كما هو الظاهر - ولو لبناء العقلاء عليه - أشكل الامر في حكمه، لعدم الدليل على انتفاله الى الورثة، والمستفاد من عموم الادلة خصوص ما مات عنه فلا يشمل ما ملكه بعد الموت. هذا ولاجل أن العوض قد انتقل الى ورثته تعين الرجوع إليهم في إجازة العقد الصدر من أبيهم فان أجاز وانفذ وإن ردوه بطل، فان مجرد إيقاع العقد لا يستوجب ثبوت حق لطرفه في تملك ماله، فيكون العوض منتقلا الى الورثة خاليا عن الحق فيستقل الورثة في التصرف فيه، ولو قيل بأن البيع مجرد المبادلة بين المالين وإن لم يكن تمليك فالحكم كذلك، لان العوض قد انتقل الى الوارث فالمبادلة بين مالهم وبين الاخر فلا بد من رضاهم. هذا كله في موت الاصيل المتولي لاحد ركبي العقد، أما لو مات المالك الذي أوقع عنه الفضولي فالحكم أوضح، لان المال انتقل عنه الى ورثته فلا بد من اجازتهم فان أجازوا نفذلهم وإن ردوا بطل، من دون فرق بين الكشف والنقل في ذلك، كما لا فرق

[ 243 ]

بين القول بأن البيع نفس المبادلة أو التمليك (ودعوى) أن المقصود تمليك الميت لا تمليك الوارث فكيف يصح البيع لهم بالاجازة (قد تقدم) اندفاعها في بيع الغاصب لنفسه (وأما) الانسلاخ بالارتداد الفطري فالحكم فيه كما ذكر أيضا لانه كالموت يوجب انتقال المال الى الوارث (وأما) الانسلاخ بالارتداد الملي مع كون المبيع مصحفا أو عبدا مسلما فان كان المرتد مباشرا لاحد ركني العقد فعلى الكشف تصح الاجازة طرفه، وعلى النقل لا تصح بناء على بطلان نقل المصحف أو المسلم الى الكافر، وان كان المرتد هو المجيز فكذلك (اللهم) إلا أن يستفاد من أدلة عدم صحة البيع على الكافر قصور سلطنته على تملكه ولو في حال الاسلام إذا كان يؤدي الى ملكه حال الكفر، ولو كان العارض تلف العوض فان كان التالف مال الاصيل فاجاز المالك صح على الكشف دون النقل. نعم لو كان التلف قبل القبض يكون بالتلف من مال المالك فلا تترتب ثمرة عملية إلا أن يكون له نماء فتترتب الثمرة، لان النماء يكون لمن انتقل إليه، وإن كان التالف مال المجيز بطل على القولين لان التلف يوجب انقطاع سلطنته فلا مجال لاجازته، ولو كان الطارئ عروض النجاسة فلما لم يكن موجبا لزوال الملك ولا لانقطاع سلطنته مطلقا صح العقد على الكشف دون النقل كما ذكر في الثمرة من دون فرق بين مال الاصيل ومال المجيز، ولو تجددت القابلية فان كانت شرطا للبيع بالمعنى المصدري بطل العقد لانتفاء الشرط، وان كانت للبيع بمعنى اسم المصدر صح على النقل دون الكشف، ودعوى اعتبار استمرار القابلية من زمان العقد الى زمان الاجازة غير ظاهرة المأخذ كلية، فلابد من ملاحظة دليل اعتبارها في كل مورد بخصوصه والعمل فيه على ما ذكرنا من دون فرق بين شرائط العوضين والمتعاقدين وشرائط العقد فما كان شرطا في حال الايقاع بطل العقد بفقده وما كان شرطا في حال الموقع صح مع وجوده حاله وان كان مفقودا حال الايقاع فتأمل جيدا.

[ 244 ]

تنبيهات في الاجازة وينبغي على أمور (الاول) أنه بناء على النقل لو قصد المجيز الامضاء من حين العقد فان كان الوجه في البناء على النقل امتناع الكشف عقلا بجميع معانيه بطلت الاجازة لامتناع مضمونها، وان كان الوجه قصور الادلة عن اثبات الكشف فالظاهر أنها كذلك لان الاجازة على النحو المذكور لا تستوجب اقتضاء الادلة للكشف. نعم لو أمكن أن تكون الاجازة بنفسها موضوعا لدليل النفوذ فيكون حينئذ مقتضاه ثبوت مضمونها وهو ثبوت مضمون العقد من حينه لا من حينها صحت، لكنه ممنوع، فان الظاهر أنه لا اشكال في بطلان العقد إذا وقع على النحو المذكور بأن يقول البائع: بعتك أمس، فيقول المشتري: قبلت، فضلا عن الايقاع من أحد المالكين بمثل الاجازة كما هو ظاهر، اما بناء على الكشف لو قصد المجيز الامضاء من حين الاجازة فلاجل أنها منافية لمتقضى الادلة كانت الادلة على خلافها فتبطل. ثم إن المراد من البطلان بطلان الاجازة المقيدة أما بطلانها من أصلها بحيث لا يكتفى بها في صحة العقد بل يحتاج الى اجازة أخرى فمبني على أن التقييد بالقيد المذكور كان على نحو وحدة المطلوب فلو كان على نحو تعدد المطلوب صح العقد وبطل القيد وحده والظاهر الاول (الثاني) قد عرفت في صدر المبحث ان الاجازة من المعاني الانشائية فهل يعتبر في تحققها انشاؤها باللفظ الصريح أو ما يعمه والكناية أو ما يعمهما والفعل أو يكفى مطلق الالتزام النفسائي إذا علم من أي طريق كان؟ وجوه ولاجل ما عرفت من أن صحة الفضولي مستفادة من العمومات الدالة على نفوذ العقود المضافة الى المالك وأنه يكفي في صحة الاضافة إليه الانشاء الفعلي كان المتعين البناء على صحة الاجازة بالفعل فضلا عن القول الدال بنحو الكناية، وما عن صريح بعض وظاهر آخرين من اعتبار اللفظ لانه متقضى الاستقراء في النواقل الاختيارية مندفع - لو تمت

[ 245 ]

حجية الاستقراء - بأن النقل في المقام إنما يستند الى العقد لا الاجازة، ومثله احتمال الاكتفاء بنفس الرضا النفسائي إذا علم من أي طريق كان عملا بعمومات صحة العقود بعد تقييدها بما دل على اعتبار الرضا، إذ قد عرفت أن العمومات مختصة بالعقود المضافة الى المالكين ولا تكون الاضافة بمجرد الرضا النفسائي لا أقل من الشك الموجب للرجوع الى اصالة عدم ترتب الاثر المانع من العمل بالاحتمال المذكور، وما قد يشهد له مما يوجد في بعض الفتاوى لم يبلغ هذا بنحو يصح الاستناد إليه، إذ ليس هو إجماعا بل ولا مظنة له (وأما) النصوص المدعى شهادتها به (فمنها) ما لا يمكن العمل بظاهره كخبر السكرانة التي زوجت نفسها في حال السكر حيث قال " ع " فيه: إذا قامت معه بعد ما أفاقت فهو رضا منها، إذ لا ريب في أن العقد الصادر من السكران باطل لا تصححه الاجازة بعد الافاقة ولو باللفظ الصريح، ومثله ما تضمن أن قول المولى لعبده المتزوج بغير اذنه: طلق، إقرار له بالنكاح، إذ لا ريب في عدم كون المقصود منه إقرار النكاح ولا هو حاك عن الرضا به (ومنها) ما هو وارد في مورد خاص مثل ما تضمن أن سكوت المولى بعد علمه بتزويج عبده إقرار له منه عليه (ومنها) ما ليس مما نحن فيه مثل ما تضمن أن تصرف ذي الخيار رضا بالعقد فان الرضا فيه يراد منه إمضاؤه على نحو لا يقبل الفسخ الذي هو أحد عدلي الخيار في مقابل الفسخ لا الرضا بمعنى ارتضاء إصل العقد في مقابل الرد ولا ملازمة بين الامرين في الاحكام، على أن النصوص المذكورة إنما كان موضوعها الفعل الحاكي عن الرضا حتى نصوص سكوت المولى إذ الظاهر من قوله (ع) فيها: ولم يغيروا علي، استمرارهم على حسن المعاشرة معه فيشكل ان يستفاد منها أن نفس الرضا النفساني هو تمام موضوع الحكم نظير ما لو وقع الايجاب والقبول الفعليان فحكم بانتقال المال الى المشتري معللا بأن الايجاب والقبول بيع فانه لا يدل على أن البيع النفسي هو موضوع الحكم بل يدل على أن موضوعه هو البيع، فإذا كان البيع لا يتحقق عند العرف الا بالفعل لا يكون ذلك التعليل ردعا عما عند العرف، وقد عرفت أن الرضا النفسائي والاجازة

[ 246 ]

من الانشائيات التي لا تتحقق إلا بالقول أو بالفعل لا أقل من الشك في ذلك، والاصل عدم ترتب الاثر حيث لا دليل، والنصوص المذكورة لا تصلح للدلالة على خلافه. ثم إنه يظهر من كلمات شيخنا الاعظم (ره) في هذا المقام وفي صدر المبحث أن الرضا الذي يحتمل الاكتفاء به في صحة الفضولي هو بمعنى طيب النفس مقابل الكراهة لا الرضا بمعنى الارتضاء وقد عرفت الاشكال فيه في صدر المبحث فراجع (الثالث) حكي عن صريح بعض دعوى الاجماع على أن من شروط الاجازة أن لا يسبقها الرد من المالك فلو رد بطل العقد وان أجاز بعد ذلك، واستدل له بأن الاجازة بمنزلة أحد طرفي العقد فكما يقدح رد القابل قبل القبول في صدق العقد على الايجاب والقبول كذلك في المقام، وبأن مقتضى سلطنة المالك على ماله قطع علقة الطرف الاخر عن ماله، وفى الوجهين نظر ظاهر (أما الاول) فلعدم الدليل على ثبوت الحكم في المقاس عليه فضلا عن المقاس مع وضوح الفرق بين المقامين بتمامية العقد في الثاني غاية الامر أنه محتاج الى إضافته الى المالك التي يكتفى فيها بمجرد الاجازة والامضاء مطلقا ولو سبق الرد بخلاف الاول لامكان دعوى كون الرد المتخلل مانعا من الالتئام بين الايجاب والقبول فلا يتم العقد فتأمل، (وأما الثاني) لان السلطنة على المال إنما تقتضي السلطنة على التصرف فيه فيستدعي ذلك سلب سلطنة غير المالك على التصرف فيه، وحدوث عقد الفضولي فضلا عن بقائه ليس تصرفا في المال ليكون تحت سلطنة المالك ويخرج عن سلطنة غيره، وانما التصرف مضمون العقد وحينئذ لا يكون مقتضى سلطنة المالك دفع قابلية العقد عن لحوق الاجازة (الرابع) الاجازة التي تكون للمالك ليست من الحقوق التي تورث، بل هي من الاحكام لانها نوع من التصرف في المال واللام في قولنا: له أن يجيز، كاللام في قولنا: له أن يبيع، لام التعدية والظرف لغو متعلق بمثل: يجوز، ونحوه فمعنى قولنا: له أن يجيز البيع، هو معنى قولنا: يجوز له أن يجيزه، كقولنا: له أن ببيع؟. الذي هو بمعنى قولنا: يجوز له ان يبيع، وليست اللام فيه للملك والظرف مستقر كي يكون مدخولها حقا من الحقوق،

[ 247 ]

ولاجل ذلك لا يسقط بالاسقاط على ما عرفت في اول كتاب البيع أنه المايزبين؟ الحق والحكم، فإذا مات مالك الارض التي قد بيعت فضولا انتقلت الارض الى غير الزوجة من الورثة وكان لهم أن يجيزوا كما كان لمورثهم، وليس للزوجة حق في اجازة البيع المذكور بوجه لعدم إرثها من الارض كما هو موضح في كتاب الميراث (الخامس) هل تجري الفضولية في القبض فإذا قبض الفضولي عن غيره فاجاز المالك ترتب عليه الاثر من صحة العقد أو الايقاع المعتبر فيه، ومن انتقال الضمان في البيع ونحو ذلك؟ والكلام تارة في قبض المعين واقباضه، وأخرى في قبض غير المعين وإقباضه (أما الاول) فهو أن من الواضح أن القبض من الافعال الخارجية الحقيقية له احكام خاصة تكليفية أو وضعية، وليس من سنخ الانشاء والايقاع لتكون اجازته من قبيل اجازة عقد الفضولي أو إيقاعه، بل مرجع الاجازة فيه الى الرضا بوقوعه، وحينئذ يكون ترتب آثاره عليه بالاجازة موقوفا على كون مفاد دليلها ثبوتها للقبض الواقع من المالك أو ممن يرضى المالك بقبضه حدوثا، كما لو أذن له في قبضه، أو بقاء كما لو كان في يد ولده أو عبده فاشتراه ورضي ببقائه في يد قابضه، والظاهر أنه لا اشكال في ترتب الاثر على القبض المذكور وليست اجازة القبض الا من قبيل الثاني فلا مجال للتوقف في ترتب الاثار عليه بالاجازة كترتبها عليه بالاذن السابقة، وما في كلام شيخنا الاعظم (ره) من أن مرجع إجازة القبض الى إسقاط ضمان الثمن عن عهدة المشتري غير ظاهر لان ضمان الثمن انما هو مثل ضمان المبيع قبل القبض لا يراد منه اشتغال ذمة المشتري به، بل يراد به أنه لو تلف تبين انفساخ البيع قبل التلف فيكون تلف الثمن من مال المشتري لا من مال البائع ويكون تداركه عليه - كما هو معنى الضمان - والضمان بالمعنى المذكور من الاحكام التي لا تقبل الاسقاط - مع أنه لو سلم جواز الاسقاط فلا ماجئ الى الالتزام به - بعد ما عرفت من رجوع الاجازة الى الاذن بالقبض - والحكم في الاقباض هو الحكم في القبض (وأما الثاني) فحكم القبض فيه هو حكم القبض في المعين لجريان ما ذكر فيه بعينه، وأما إقباضه فلما كان إيقاعا لما فيه من تعين

[ 248 ]

المملوك في المعين الذي هو معنى انشائي فوقوعه من الفضولي من وقوع الايقاع منه، وقد عرفت سابقا الكلام في جريان الفضولي في الايقاع، ولا فرق بين المقام وغيره من موارد الايقاع فراجع ما تقدم في صدر المبحث وتأمل. ثم انه لو بني على صحة القبض بالاجازة فاجازة العقد ليس اجازة للقبض لعدم الاستلزام نعم لو كان القبض شرطا في صحة العقد كانت إجازة العقد دون القبض لغوا، فصدورها من المالك في مقام الانفاذ يقتضي اجازة القبض أيضا، ولو قال: أجزت العقد دون القبض، تنافى القصدان ثبوتا، وثبوت أحدهما بعينه بلا مرجح، كما ان التنافي اثباتا موجب للاجمال (السادس) مقتضى اطلاق الادلة أن الاجازة ليست على الفور بل هو ظاهر صحيحة محمد بن قيس. ثم لو قلنا بعدم جواز تصرف الاصيل فيما انتقل عنه فلزم من عدم المبادرة الى الاجازة الضرر عليه جاز له الفسخ بقاعدة الضرر بناء على تمامية دلالتها على جواز الفسخ، كما يأتي في خيار الغبن انشاء الله، أما جواز إجبار المالك على أحد الامرين من الرد والاجازة فلا تصلح لاثباته لعدم ثبوت حق له على المالك أو ماله كي يستحق به جواز الاجبار، وقاعدة الضرر لا تصلح للاثبات، ولا فرق بين عقد النكاح وغيره، (ودعوى) أن النكاح لا يثبت فيه الخيار إلا بامور مخصوصة ليس المقام منها (فيها) أن قاعدة الضرر حاكمة على دليل الحصر في الامور المذكورة ولا سيما وأن دليل الحصر يختص بالنكاح الصحيح كما لا ينافي ذلك ايضا كون الخيار فيه حكميا لاحقيا إذ شأن القاعدة المذكورة أيضا اثبات الخيار ولو حكميا (السابع) هل يعتبر في صحة الاجازة مطابقتها للعقد الواقع عموما وخصوصا أم لا؟ الذي ينبغي أن يقال: انه إذا كان الاختلاف في أركان العقد كالثمن والمثمن على نحو المباينة فلا ينبغي التأمل في قدح مثله في صحة العقد كما لو باع الفضولي الفرس فاجاز في الحمار، أو اشترى الفضولي بدينار فاجاز بدراهم، لعدم تعلق الاجازة بالعقد وان كان الاختلاف فيها على نحو اختلاف الجزء والكل مع تعدد الموضوع عرفا كما لو باع الفرس والحمار فاجاز في الفرس أو في الحمار فلا ينبغي التأمل في الصحة

[ 249 ]

لكون العقد المذكور منحلا الى عقدين عرفا لتعدد الموضوع، فلا مانع من أن يجيز أحدهما ويرد الاخر. نعم مع وحدة الموضوع عرفا - كما لو باع الفرس بدينار فاجاز في نصفها بنصف دينار - فعقد الفضولي وان كان منحلا الى عقود متعددة بتعدد الاجزاء، ولذا لو باع الشريك تمام العين المشتركة ورد شريكه البيع في جزئه المشاع صح البيع بالاضافة الى المقدار المملوك للبائع وكان اللمشتري خيار تبعض الصفقة، ولو لم يكن العقد منحلا الى العقود المتعددة كان اللازم البناء على بطلان البيع في الجميع، لكن لما كان واحدا عرفا لوحدة موضوعه أمكن التأمل في صحته بالاجازة لعدم المطابقة فلا تكون اجازة للعقد الواقع، " وفيه " أنه لم تم ذلك اقتضى البطلان مع تعدد المالك للمبيع الواحد فاجاز بعضهم ورد الباقي، ولا يظن الالتزام به، والفرق بين المسألتين غير ظاهر، ومن ذلك يظهر الحكم فيما لو كان اختلاف في وجدان الشرط وفقدانه كما لو اشترط الفضولي شيئا على المالك فاجاز بدون شرط إذ الشرط ليس قيدا للمنشأ، وانما هو الالتزام في ضمن الانشاء على نحو تعدد المطلوب، ولذا كان التحقيق أن فساد الشرط لا يقتضي فساد العقد فلا مانع من تعلق الاجازة بنفس العقد المشروط بلا اجازة للشرط، وكذا لو اشترط الفضولي للمالك فاجاز بلا شرط، بل هنا يصح العقد ويلزم، بخلاف الصورة الاولى فيمكن البناء على الخيار فيه للمشروط له، بناء على أنه حكم الشرط الفاسد، ولو خلا العقد عن الشرط واقترنت الاجازة به فان كان للمجيز على غيره ولم يرض المشروط عليه بطل الشرط قطعا لعدم الدليل على صحته، وعموم: المؤمنون عند شروطهم، مختص بالمشروط عليهم لا لهم، وصح العقد على ما عرفت. نعم يكون للمجيز الخيار على ما عرفت، ولو رضي كان من قبيل الشرط الابتدائي لا في ضمن العقد، وصحته محل تأمل يأتي انشاء الله في محله، وان كان الشرط قد جعله المجيز على نفسه كان من الشرط في الايقاع وإن رضي المشروط له لان ذلك لا يجعله في ضمن العقد إذ المراد بكونه في ضمن العقد أن يكون زائدا على موضوع الايجاب والقبول ولا يكفي أن يكون نفسه

[ 250 ]

موضوعا لهما فلو قال: لزيد علي أن أخيط ثوبه، فقبل زيد كان شرطا ابتدائيا نظير الهبة. القول في المجيز وفيه أمور (الاول): يتشرط في المجيز أن يكون حين الاجازة جائز التصرف لانها نوع من التصرفات في المال فلا بد من اجتماع شروط نفوذه حالها من البلوغ والعقل والرشد وعدم المرض، بناء على عدم نفوذ تصرف المريض في ماله (الثاني): قال في القواعد: والاقرب اشتراط كون العقد له مجيز في الحال انتهى وظاهره اعتبار وجود ذات المجيز وان أشكل فرض انتفائه إذ المال المملوك لا بد أن يكون له مجيز، إما المالك أو وليه - كما قيل - ويحتمل أن يكون المراد اعتبار وجود القابلية للاجازة حال العقد - كما حمله عليه بعضهم - وكيف كان فدليله غير ظاهر فان متقضى العمومات الصحة مع الاجازة ولو لم تكن ذات المجيز حال العقد أو قابليته للاجازة، وامتناع الصحة حال العقد لا يقتضي امتناع الصحة حال الاجازة، ولوزم الضرر على المشتري بناء على حرمة تصرفه في الثمن والمثمن مشترك الورود بين ما ذكر وغيره، كما عرفت وجه اندفاعه آنفا - مع أن الضرر غير لازم مطلقا كما لا يخفى (الثالث): يكفي في صحة الاجازة كون المجيز جائز التصرف حالها ولا يعتبر كونه جائز التصرف حال العقد (والكلام) يقع في مسائل (الاولى) أن يكون المانع من صحة التصرف كون المبيع متعلق حق غير المالك كما لو باع الراهن العبن المرهونة ثم فكت من الرهن بوفاء منه أو من غيره أو بابراء، ولو لاجل إرث الراهن للمرتهن، ولا ينبغي التأمل في صحة العقد بل لا حاجة الى الاجازة إذ الاحتياج إليها إنما هو لتحقيق كون العقد للمالك والمفروض تحقق ذلك لصدوره منه، وانما المانع حق غيره، فإذا زال المنع بزوال؟ سببه اثر المقتضى اثره لعموم أدلة السببية (الثانية) أن يكون المانع كونه محجورا عليه لسفه

[ 251 ]

ونحوه، ولا ينبغي التأمل أيضا في صحة العقد لو أجاز بعد ارتفاع الحجر لما سبق من عمومات الصحة، والظاهر الاحتياج الى الاجازة فلا يصح بدونها وإن كان العقد صادرا من المالك لان أدلة الحجر مقيدة لادلة النفوذ اضافة العقد الى السلطان، ولا تحصل إلا بالاجازة بعد ارتفاع الحجر، والفرق بين المقام وما سبق أن في المقام قصورا في سلطنة العاقد وفيما سبق مزاحمة سلطنته بسلطنة من له الحق. منه؟ باع ثم ملك (الثالثة): أن لا يكون المجيز مالكا حال العقد كما لو باع مال غيره ثم ملكه بشراء أو ارث، والظاهر الصحة مع الاجازة والبطلان بدونها لما عرفت في المسألة السابقة وهو ظاهر محكي التحرير وعن صريح الدروس، وظاهر الصيمري، وعن تعليق الارشاد للمحقق الثاني البطلان واستدل له بامور (الاول) أنه باع مال غيره لنفسه، وقد تقدم تقريب كونه محذورا في بيع الغاصب كما تقدم أيضا أنه غير قادح (الثاني) أنه بلا رضى من المالك لا مقارنا للبيع ولا لاحقا، وفيه أن المعتبر الاجازة من المالك حال الاجازة والمفروض حصولها كذلك لانه بالشراء من المالك صار البائع هو المالك فإذا أجاز كانت اجازة من المالك (الثالث) انتفاء القدرة على التسليم وفيه أن المعتبر القدرة على التسليم في ظرف لزومه، ولزومه إنما يكون في حال الاجازة والقدرة حينئذ حاصلة - مع أنه لو سلم اعتبار قدرة المجيز حال العقد فربما تكون حاصلة ايضا فاطلاق المنع غير ظاهر (الرابع) أنه لا يتم بناء على الكشف لامتناع انكشاف ملكية المشتري من العاقد من حين العقد لانه يلزم منه دخوله في ملك المشتري قبل دخوله في ملك البائع، لان المفروض شراء البائع له بعد العقد - مع أن المشتري إنما يتلقى الملك من البائع، ويلزم أيضا أن يكون المبيع من حين عقد الفضولي الى حين شرائه من المالك ملكا للمالك وملكا

[ 252 ]

للمشتري من الفضولي - مع أن الملكيتين متضادتان، واجتماع الضدين محال لان كلا منهما يلازم عدم الاخر فاجتماعهما موجب لاجتماع الوجود والعدم في آن واحد، ويلزم أيضا أن يكون بيع المالك على الفضولي موقوفا على اجازة المشتري من الفضولي لان البيع واقع في ملكه - مع أن ملكه موقوف على اجازة الفضولي الموقوفة على ملكه الموقوف على بيع المالك الاصلي، فيلزم توقف اجازة كل من الفضولي والمشتري منه على اجازة الاخر وتوقف صحة كل من بيع المالك الاصلي واجازة المشتري من الفضولي على الاخر، وأيضا إذا انكشف أن المبيع ملك للمشتري من الفضولي - ولذا توقف بيع الثاني على اجازته - تعين البناء على كون ثمنه في البيع الثاني له فان كان أكثر من ثمن العقد الاول كانت الزيادة له أيضا، وان كان مساويا له كان تملكه للمبيع بلا عوض لرجوع عوضه إليه بالبيع الثاني، وإن كان أقل كان النقص الوارد على المشتري بمقدار التفاوت، وكيف كان لزم عدم تملك المالك الاصلي لشئ من المثمن والثمن إذ الاول ملك المشتري الاول والثمن ثمن ملكه فلا يعود للمالك الاصلي " وهذه " اللوازم الاخيرة جعلت في مقام الاستدلال على البطلان اشكالا واحدا، وهو الديل الخامس في مقابل اللازم الاول المعبر عنه بالدليل الثالث واللازم الثاني المعبر عنه بالدليل الرابع " وكلها " مبنية على الكشف عن الملك حين العقد وكان المناسب لجعل كل لازم اشكالا أن يجعل الخامس اشكالات متعددة لتعدد اللوازم الباطلة المذكورة في تقريره، " وكيف كان " فالذي يدفع الاشكالات المذكورة بأسرها على القول بالكشف الالتزام بالكشف من حين العقد الثاني فرارا عن المحاذير المذكورة لا رفع اليد عن أدلة الصحة بالمرة والالتزام بالبطلان - كما يراه المستدل - إذ وجود المانع عن العمل بالادلة في الزمان الاول لا يقتضي سقوطها عن الحجية بالمرة لا لان أدلة الصحة من قبيل العموم الزماني كي لا يكون خروج فرد من الزمان موجبا لانتفاء حجيته في غيره من الازمان فانها من حيث ثبوت مضمون العقد ليست متكفلة للثبوت في الازمنة المتعددة فان مضامين العقود والا بقاعات انما يكون المقصود جعلها

[ 253 ]

حدوثا فقط، وبقاؤها ليس تحت الجعل وإنما يكون مستندا الى استعداد ذاتها فانها إذا حدثت دامت إلا أن يطرأ الرافع فبقاؤها ليس مجعولا بالا يقاع والانشاء وانما المجعول نفس الحدوث - كما اشرنا الى ذلك في بعض مباحث المعاطاة - بل الوجه أن البناء على الثبوت من حين العقد لما كان مستندا الى اطلاقها فلا مانع من تقييد ذلك الاطلاق بالدليل العقلي أو التعبدي كدليل اعتبار القبض في الصرف والسلم بناء على أن ظاهر أدلة اعتبار القبض كونه بنحو الشرط المقارن فيكون ثبوت مضمون العقد مقارنا له وان تأخر عن العقد بمدة طويله وسيأتي ماله دخل في المقام فانتظر (الخامس) أن رد المالك للعقد كما يكون بالقول يكون بالفعل ومنه بيع العين على العاقد أو غيره لمنافاته للاجازة، ولذا ذكروا أن بيع الواهب للعين الموهوبة فسخ لعقد الهبة، وتصرف ذي الخيار فيما انتقل عنه بالبيع ونحوه فسخ للعقد الخياري، فإذا ثبت ذلك في لعقود الجائزة فهنا أولى لان فسخ العقد الذي لم يترتب مضمونه أسهل من فسخ ما يترتب مضمونه (وفيه) وأن الرد والفسخ من الامور الايقاعية الموقوف اعتبارها على قصد الايقاع، ومجرد الفعل نفسه غير كاف في اعتباره عند العقلاء، فلا يكون البيع ردا الا مع قصد ايقاع الرد لكنه غير محل الكلام. نعم يمكن أن يقال: إن البيع وإن لم يكن ردا إيقاعيا إلا أنه مانع من صلاحية تعلق الاجازة بالعقد لان البدلية التي يرجع إليها مفهوم البيع متقومة بالاضافة الى المالك حال العقد، فبدلية الثمن للمثمن يراد بها بدليته في اضافته الى المالك، وهذا المضمون يمتنع أن تتعلق به اجازة العاقد لخروجه عن سلطنته - مع أنه غير مقصود له، وانما المقصود له بالاجازة بدلية الثمن عن المثمن في اضافته له، وهو غير مضمون العقد (وكون) خصوصية المالك حال العقد ليست ملحوظة على نحو تكون مقومة لمضمون العقد بل ملحوظة مورد للمضمون من باب الاتفاق فتبدل المالك لا يوجب انتفاء المضمون (غير ظاهر) وإن جعله بعض الاعيان في حاشيته مقتضى التحقيق في دفع الاشكال، لا أقل من الشك المانع من تطبيق عمومات الصحة بعد البناء على كون موضوعها العقد المجاز للشك في عنوان العام. نعم لو

[ 254 ]

انتقل العين الى غير المالك حال العقد بالارث لم يكن مانع من الاجازة لان الانتقال بالارث بحسب اعتبار العقلاء راجع الى بدلية الوارث عن الموروث فاجازة الوارث اعتبارا راجعة الى اجازة نفس مضمون العقد ادعاء، ولا مجال لقياس المقام عليه - كما اشار الى ذلك بعض الاعاظم (قده) في تحقيقات درسه - وأما ما ذكره شيخنا الاعظم (ره) في دفع الاشكال المذكور من انه نظير الاشكال في عكس المسألة وهو مالو باع الغاصب لنفسه فاجاز المالك لنفسه المندفع بما تقدم في بيع الغاصب ففيه ما عرفت من أن قصد الغاصب نفسه في البيع في طول قصده المالك لا انه منفاف له، فاجازة المالك اجازة لمضمون العقد، ولا مجال لتقدير ذلك في المقام ولعله الى ذلك اشار بقوله: فتأمل (السادس) الاخبار المستفيضة الحاكية لنهي النبي " ص " عن بيع ما ليس عندك، الظاهر في بطلان البيع المذكور إما مطلقا أو بالنسبة الى خصوص المخاطب، ومقتضى اطلاقها البطلان حتى لو تملك المبيع ثم أجاز، بل بعضها صريح في صورة التملك بعد البيع كالصحيح عن يحيى بن الحجاج: سألت أبا عبد الله (ع) عن الرجل يقول لي: اشتر لي هذا الثوب وهذه الدابة وبعنيها أربحك كذا وكذا. قال (ع): لا بأس بذلك اشترها ولا تواجبه البيع قبل أن تستوجبها أو تشتريها، وفى رواية خالد بن الحجاج الواردة في السؤال المذكور: أليس ان شاء أخذ وان شاء ترك؟ قلت: بلى، قال (ع): لا بأس إنما يحلل الكلام ويحرم الكلام، وفي صحيحة ابن مسلم: ليس به بأس انما يشتريه منه بعد ما يملكه، وفي صحيحة منصور: إنما البيع بعد ما يشتريه، وحملها على أن المقصود عدم ترتب الاثر على مجرد البيع المذكور مع قطع النظر عن تعلق الاجازة به بعد التملك خلاف إطلاق النهي، بل ظاهر ذيل الصحيحتين الاخيرتين شرطية تملك المبيع حال البيع، فلا يصح مع عدمه، بل هو أيضا ظاهر: لا تبع ما ليس عندك، وحمله على كون النهي لفقد السلطنة خلاف الجمود على ما تحت التعبير، بل تعرض الامام (ع) لبيان ذلك - مع أنه غير فرض السؤال - مما يؤكد الظهور ليكون تنبيها على حكم تعبدي زائدا على الحكم

[ 255 ]

الارتكازي، وهو عدم تفوذ بيع من لا سلطان له على المبيع، كما أن كون مورد بعض النصوص المبيع الكلي المتعين حمله على الكراهة لحكاية الاجماع على الجواز فيه لا يقتضي التصرف في النصوص الواردة في الشخصي كما لا يخفى. ثم إن مقتضى إطلاق النصوص عدم الفرق في البطلان بين أن يكون البيغ مع ترقب الاجازة بعد التملك أولا مع ترقب التملك أو لا. نعم تختص بصورة البيع عن نفسه لا بمعنى قصد نفسه بالمعاوضة، لما عرفت من منافاة ذلك لقصد المعاوضة، بل المراد البيع عن المالك على أن يكون مئال المبيع الى نفسه بملاحظة شرائه من مالكه واجازة البيع ولا تشمل صورة ما لو كان مقصود البايع البيع عن المالك محضا، والمرجع فيه القواعد المقتضية للبطلان - على ما عرفت في الدليل الخامس - ولو باع عن ثالث بالمعنى المتقدم في البيع عن نفسه فحكمه حكم ما لو باع عن نفس في البطلان للا ولوية الموجبة لدلالة النصوص عليه بالفحوى - مضافا الى ما عرفت. هذا كله لو اشتراه وأجاز، وكذا لو اشتراه ثالث فاجاز فانه وإن لم يكن مشمولا للنصوص السابقة لكن الاشكال المتقدم جار فيه أيضا، أما لو لم يشتره فاجاز المالك كان المورد من صغريات عقد الفضولي ولا تشمله النصوص ولا يتوجه فيه الاشكال المتقدم. نعم من قال ببطلان بيع الغاصب لنفسه إذا اجاز المالك يقول به هنا لانهما من قبيل واحد، ومما ذكرنا يظهر لك ضعف القول بالصحة بلا حاجة الى الاجازة وان استظهر ذلك من الشيخ (ره) وحكي عن الفخر فانه الفرد المتيقن من نصوص النهي مع ورود الاشكال المتقدم فيه، ولو أغمض النظر عن ذلك امكن الاشكال في شمول عمومات الصحة له مثل: أوفوا بالعقود، ونحوه لاختصاصها بالعقود المضافة الى من له وظيفة إيقاعها وليس المقام منها لصدور العقد من غير المالك، وصيرورته بعد ذلك مالكا لا يجدي في حصول الاضافة المذكورة لان المضاف إليه فيها المالك بما هو مالك ولا يحصل ذلك الا باجازته حال الملك، ولو سلم شمول العموم فهو محكوم لقاعدة السلطنة، ولذا لم يصح العقد للمالك قبل الشراء منه إذ ليس ذلك الا لانه على خلاف سلطنته (ودعوى) أن

[ 256 ]

مقتضى عموم: أوفوا بالعقود، نفوذة قهرا على المالك، فلو بني على تقديم القاعدة على العموم يلزم سقوط العموم عن المرجع (فيها) أن نفوذ العقد وثبوت مضمونه من أثار السلطنة لا منفا لها، ولذا لم يكن عقد غير السلطان نافذا بخلاف عقد السلطان. نعم لو كان مفاد العموم اللزوم أو وجوب الوفاء تكليفا كان من هذه الجهة مقدما على قاعدة السلطنة لو كانت منفاية له، لكنه ليس محل الكلام إذ الكلام في ثبوت المضمون حدوثا الذي هو معنى صحة العقد، واثباته بالعموم المذكور لو تم في نفسه فمعارض بالقاعدة المتقدمة عليه فلاحظ، ولو باع مال غيره عن المالك أو عن ثالث ثم ملك فالبطلان فيه على تقدير عدم الاجازة أظهر، لانه لو صح لم يكن مقصودا له لكون المفروض كونه قاصدا للمالك أو الثالث فيكف يدخل في عموم: أوفوا بالعقود. المسألة الرابعة لو باع معتقدا انه غير جائز التصرف فتبين أنه جائز التصرف وصورها أربع لان عدم جواز التصرف، إما لعدم كونه مالك، أو لعدم كونه وليا، وفى كل منهما إما أن يبيع عن نفسه أو عن المالك (فالصورة الاولى) أن يبيع عن المالك فتبين كونه وليا عليه والمعروف اللزوم، بل في كلام شيخنا الاعظم انه لا ينبغي الاشكال فيه، ولو بناء على بطلان الفضولي وكأنه لاطلاق أدلة الولاية ونفوذ تصرف الولي من دون دليل على التقييد بصورة الالتفات إليها، فما عن القاضي من أنه لا يصح تصرف العبد إذا لم يعلم باذن سيده ولا علم به أحد، غير ظاهر (الثانية) أن يبيع لنفسه فينكشف أنه ولي، والظاهر الصحية لما سبق فان مرجع هذه الصورة الى الصورة السابقة على ما عرفت في بيع الغاصب لنفسه. نعم إذا كان قصد نفسه منافيا لامانته ويكون بذلك عاديا كما لو كان عن عمد فكان موجبا لانتفاء ولايته على البيع كان موقوفا على اجازة الولي، لكنه خارج

[ 257 ]

عن محط الكلام (الثالثة) أن يبيع عن المالك فيتبين كونه مالكا، ومثل له بما لو باع مال أبيه بظن حياته فبان ميتا، وعن المشهور الصحة، وفى محكي قواعد الشهيد، لو قيل بالبطلان أمكن، وعن نهاية الاحكام والايضاح احتماله، لانه انما قصد نقل المال عن أبيه لا عن نفسه فيمتنع ثبوت مقصوده، ولانه في الحقيقة معلق والتقدير: إن مات مو ربي فقد بعتك، ولانه كالعابث لاعتقاده عدم قدرته على البيع، واشكال الجميع ظاهر، وفي احتياجه الى الاجازة وعدمه قولان ثانيهما عن غير واحد لان الاحتياج الى الاجازة إما لتحقيق إضافة العقد الى المالك، أو الرضا بمضمون العقد وكلاهما حاصل بصدور العقد من المالك، وعن المحقق والشهيد الثانيين الاول والعمدة فيه أن أدلة اعتبار الرضا في التجارة ظاهر - بقرينة مناسبة الحكم والموضوع - في اعتباره مع التفات المالك الى ماله لا مع اعتقاد كونه مال غيره نظير أدلة اعتبار الرضا في جواز التصرف في مال الغير، فلو قدم لغيره طعاما يعتقد أنه ليس مالا له بل مال لغيره فلا يجوز لغيره أكله إذا كان يعلم أنه مال الاذن فكذا في المقام - مع أنه لو صح مثل هذا البيع بلا إجازة فقد صح بلا سلطنة المالك لان الجهل بالموضوع مانع من وقوع الفعل على ماله عن اختياره وذلك خلاف قاعدة السلطنة على المال (فان قلت): إن كان العاقد قصد المعاوضة على المال بقيد كونه مال الغير فإذا انكشف كونه مال نفسه انكشف عدم قصده المعاوضة عليه وحينئذ لا معنى للاجازة لانتفاء العقد، وإن قصد المعاوضة عليه مطلقا ولو كان مال نفسه فلا حاجة الى الاجازة لحصول الرضا بها لو كان مال نفسه (قلت): الحيثية المذكورة تعليلية لا تقييدية والحيثية التعليلية بوجودها العلمي مؤثرة، فالمعاوضة على ماله الواقعي مقصودة، وإن لم يكن ملتفتا الى أنه ماله، ولذا ذكروا أن تخلف الداعي لا يضر في قصد المعاوضة نعم في خصوص المقام لما كان ظاهر الدليل اعتبار الرضا بالمعاوضة على نحو خاص وهو الالتفات الى أنها واردة على ماله وكان مفقودا توقفت الصحة على حصوله. نعم لو كانت حيثية كونه مالا له أو لغيره ملحوظة تقييدية جاء الاشكال لكنه

[ 258 ]

خلاف الفرض المتعارف، ومما ذكرنا يظهر توقف الصحة على الاجازة فلا يترتب مضمون العقد الا منوطا بها، وعن بعض المتأخرين الصحة وتوقف اللزوم على الاجازة لدليل نفي الضرر، وفيه ما عرفت - مع أن مقتضى نفي الضرر في المقام عدم الصحة بلا إجازة لان الضرر اللازم انما كان لانتقال المال بلا رضى المالك وليس لامر راجع الى أحد العوضين كضرر العيب أوالغبن كي يتدارك بالخيار، (ودعوى) أن قاعدة الضرر نافية للاحكام الثابتة لا مثبتة للتقييد (فيها) أنه يكفي في كونها مقيدة أنها نافية لثبوت الاثر في ظرف الضرر، ولذا تكون حاكمة على أدلة الاحكام إذا لزم من إطلاقها الضرر. نعم يبقى الاشكال في الفرق؟ بين المقام وموارد الغبن والعيب ونحوهما حيث كان الضرر فيها ناشئا عن لزوم العقد لا عن صحته، ولذا كان نفي الضرر نافيا للزوم، وهو غير ظاهر بل الضرر يحصل من ملك الناقص المالية أو المعيب فينبغي أن يكون المنفي الصحة لا اللزوم. ثم لو قلنا ببطلان الفضولي اعتمادا على ظهور قوله تعالى: (الا أن تكون تجارة عن تراض) في اعتبار مقارنة العقد للرضا تعين القول بالبطلان في المقام، وان كان الوجه الاجماع ومثل: لا تبع ما ليس عندك، أو نحوه تعين القول هنا بالصحة لعدم اطرادها فيه حتى مثل ما دل على قبح التصرف في مال الغير (الا) أن يكون موضوع القبح الوجود العلمي لا الواقعي الحقيقي وهو في المقام حاصل لكن ذلك خلاف ظاهر القائل ببطلان الفضولي لاعتماده على مثل التوقيع: لا يجوز لاحد أن يتصرف في مال غيره الا باذنه، وهو لا ينطبق في المقام (الرابعة): أن يبيع مال الغير عن نفسه فيتبين أنه ماله وحكمها حكم سابقتها لرجوعها إليها لما عرفت في الثانية، وقد يقال بعدم الحاجة الى الاجازة لان قصد نفسه مستلزم لبنائه على كون المال لنفسه فرضاه بالبيع رضا ببيع مال نفسه، وحينئذ لا مقتضي للاجازة (وفيه) مع منع الاستلزام المذكور أن المعتبر رضاء ببيع مال نفسه حقيقة لا بناء أو ادعاء فلاحظ.

[ 259 ]

القول في العقد المجاز وفيه أمور (الاول) أن الاجازة ليست بيعا ولا عقدا وانما هي دخيلة في تحقق ما هو موضوع الاثر - أعني العقد الخاص - فالشروط المعتبرة في تحقق العقد أوفى حصول مضمونة لا بد من حصولها على النحو المعتبر فما كان شرطا للعقد على نحو الشرط المقارن تجب مقارنته له، وما يعتبر في ترتب الاثر على العقد يجب تحققه على النحو المستفاد من دليل اعتباره، وقد تقدم في ذيل البحث عن ثمرات الكشف والنقل ماله نفع في المقام فراجع (الثاني) قد عرفت أن وجه الحاجة الى الاجازة في صحة عقد الفضولي تحقيق اضافة العقد الى المالك أو رضاه به، ووقوعه عن سلطانه، فليست إلا كالاذن السابق لا يعتبر فيها الا ما يعتبر في الاذن السابق فيجوز تعلقها بغير المعين إذا كان متعينا في الجملة بنحو يجوز معه التوكيل، وكونها أحد ركني العقد ممنوع، كما لا مانع من تعلقها بالعقد المحتمل الوقوع فيجيزه على تقدير وقوعه، وليس ذلك من التعليق المبطل في العقود فضلا عن الاجازة. العقود المرتبة (الثالث) عقد الفضولي إما أن يتحد أو يتعدد فان وقع على مال الغير فاما أن يكون أول العقود، أو آخرها، أو وسطا بين عقدين موافقين له في الورود على مال الغير، أو مخالفين له في ذلك، أو بين سابق موافق ولاحق مخالف، وبين العكس فهذه صور ست يجمعها ما لو باع عبد المالك بفرس، فباعه المشتري بكتاب، فباعه المشتري بدينار، فبائع البائع الثالث الدينار بجارية، وباع الاول الفرس بشاة، فبيع العبد بالفرس أول العقود، وبيعه بالدينار آخرها وبيعه بالكتاب وسط بين عقدين على مورده وهما بيع العبد بالفرس وبيعه بالدينار، وبين

[ 260 ]

عقدين على غير مورده وهما بيع الفرس بالشاة وبيع الدينار بالجارية، وهذه الصور بعينها ممكنة بالاضافة الى عقد الفضولي على عوض مال الغير مع كون العوض شخصيا، كما لو باع عبد المالك بفرس، فباع المشتري الفرس بشاة، فباع المشتري الفرس ببقرة، فباع المشتري الفرس بجعل، فباع البائع الجمل بغزال، فان بيع الفرس بالشاة أول العقود على العوض، وبيعها بالجمل آخرها، وبيعها بالبقرة وسط بين بيعين موافقين له في المورد، ووسط بين بيعين مخالفين له فيه وهما بيع العبد بالفرس وبيع الجمل بالغزال، ولازم ذلك أن يكون وسطا بين سابق موافق، ولا حق مخالف، ووسطا بين سابق مخالف ولاحق موافق، (أما العوض) البدلي غير الشخصي كما لو باع العبد بفرس فباع الفرس بشاة فباع الشاة ببقرة فباع البقرة بجمل فيمكن فيه فرض الاول والاخر والوسط بين الموافقين في الورود على عرض العبد، والوسط بين لاحق موافق، وسابق مخالف، وهو بيع العبد بالفرس فانه ليس واردا على العوض بل على نفس مال المالك لكن لا يمكن فرض الوسط بين المخالفين إذ كل عقد لاحق لا بد أن يكون على العوض البدلي لمال الغير فيمتنع أن يكون أيضا بين سابق موافق ولاحق مخالف فلا يمكن في العقد على العوض البدلي إلا فرض أربع صور لا غير بخلاف البدل الشخصي فانه يمكن فيه فرض ست صور كالعقد الوارد على نفس مال الغير على ما عرفت. ثم ان تعلقت إجازة المالك بالعقد الوارد على ماله صح فيكون المالك أجنبيا عن المال فالعقود السابقة على العقد المجاز لا تصح باجازة المالك بعد ذلك، وحينئذ إن قلنا بجواز اختلاف المالك حال العقد مع المالك حال الاجازة أمكن أن يصح واحد منها باجازة المشتري، وإن لم نقل بذلك بطلت إذ لا يمكن أن تصح باجازة أي مالك كان، وأما العقود اللاحقة للمجاز فهي صحيحة لازمة بناء على الكشف لصدروها من المالك أما بناء على النقل فاللاحق صادر من غير المالك وبعد الاجازة يصير مالكا فيدخل في مسألة من باع ثم ملك (وإن) تعلقت الاجازة بالعقد على العوض الشخصي صح المجاز وصح العقد السابق المخالف

[ 261 ]

له وهو بيع العبد بالفرس في المثال المتقدم لان اجازته لبيع الفرس بالجمل مثلا مبنية على اجازته لبيع العبد بالفرس إذ لو لم يجزه كان أجنبيا عن الفرس فلا معنى لاجازته بيعه كما لا يخفى، وأما العقود السابقة على المجاز الواردة على العوض كبيع الفرس بالشاة فحكمها حكم العقود السابقة على المجاز إذا كان واردا على نفس مال المالك، وكذلك حكم اللاحقة فانه حكم اللاحقة للمجاز الوارد على نفس مال المالك وإن تعلقت الاجازة بالعقد الوارد على العوض البدلي صح وما قبله إذ لو لم يصح يكون المالك أجنبيا عن مورد العقد المجاز نظير ما سبق وأما ما بعده فهو من صغريات مسألة اختلاف المالك حال العقد مع المالك حال الاجازة. تنبيه قال في القواعد: وللمالك نتبع العقود ورعاية مصلحته ومع علم المشتري اشكال. انتهى، ونحوه ما عن نهاية الاحكام، وقديقرر الاشكال " تارة " في العقد الاول بناء على أن تسليم المشتري الثمن للبائع مع علمه بكونه فضوليا تمليك منه إياه، ومعه تمتنع صحة العقد بالاجازة لامتناع كونه للمجيز بعد فرض كونه ملكا للفضولي " وأخرى " في العقد للترتب عليه، وهو العقد على العوض كما لو باعه الفضولي، لانه بعد ما ملكه بتسليم المشتري كان المالك أجنبيا عنه فإذا باعه أن تسليم المشتري للثمن تمليك للفضولي وهو غير ظاهر، وثانيا على القول بالنقل إذ على الكشف يكون المال ملكا للمالك فيمتنع أن يكون تسليمه الى البايع الفضولي تمليكا له إياه، لانه تصرف في مال غيره لا يصح بغير سلطان، وقد اشار الى الثاني الفخر في محكي ايضاحه، بل يمكن منعه بناء على النقل أيضا بأن التسليم الى الفضولي إنما يكون تمليكا له على تقدير عدم الاجازة لا مطلقا، لعدم الدليل عليه. وسيأتي انشاء الله تحقيق ذلك قريبا فانتظر.

[ 262 ]

القول في الرد واحكامه؟ قد عرفت سابقا أن من شرائط الاجازة أن لا يسبقها الرد، ولا ينبغي التأمل في أنه كالاجازة من العناوين الانشائية التي تنحقق بالا لتزام النفسي المحكي با للفظ مثل: رددت، ونحوه وبالفعل الحاكي عن الالتزام المذكر عرفا، أما التصرف في لعين " فتارة " يكون معدما لموضوع العقد حقيقة أو حكما كاحراقه وكسره وتمزيقه " واخرى " يكون مخرجا له عن ولايته " ورابعة " يكون معدما لمنافعه " وخامسة " يكون مخرجا لمنافعه، عن ملكه الى ملك غيره أو لا الى ملك غيره " وسادسة " يكون غير مؤثر فيه ولا في منافعه، ولكنه يدل على بنائه على مالكيته له " فان كان " التصرف على النحو الاول فهو وان لم يكن ردا فعليا ولا انشاء له بالفعل إلا أنه لما كان مفوتا لموضوع العقد وموجبا لصيرورة المالك أجنبيا عنه بنحو لا تجدي اجازته في صحته، لان الاجازة المصححة للعقد اجازة من له وظيفة إبقاعه وبعد انعدام المال يخرج المالك عن هذه الوظيفة يكون التصرف المذكور مبطلا (وان كان) على النحو الثاني كان ايضا كذلك لان خروج المال عن الملك موجب ايضا لصيرورة المالك أجنبيا فلا تنفع إجازته فيبطل العقد فلو باع المالك العين قبل الاجازة أو اعتق بطل عقد الفضولي، (وان كان) على النحو الثالث لحقه ايضا حكم ما قبله كما لو استولد الجارية أو رهنها، فانه لما كان موجبا لقصور سلطنته عن التصرف في العين وصيرورته كالاجنبي لا تجدي اجازته ولا يصح تصرفه كان مبطلا للعقد (وان كان) على النحو الرابع كما لو سكن الدار أو تركها خالية فاجاز فلا مانع من تعلق الاجازة بالعقد لعدم التنافي بينها وبين التصرفات المذكورة فعلى النقل يحكم بالانتقال من حين الاجازة وتكون التصرفات المذكورة من أهلها في محلها، وعلى الكشف

[ 263 ]

ينكشف وقوعها في ملك المشتري فتكون مضمونة له على المتصرف وعلى الكشف الانقلابي تكون حين وقوعها من أهلها في محلها وبعد الاجازة يحكم بكونها من حين وقوعها في مال الغير فتكون مضمونة وكذلك على الكشف الحكمي، (وان كان) على النحو الخامس كما لو آجر الدار المبيعة ثم أجاز فالحكم فيها كذلك إذ هي أيضا غير منافية للاجازة ولا مخرجة للمالك عن صلاحية إيقاعها فإذا أوقعها انكشف وقوع الاجارة على ملك الغير فتكون فضولية موقوفة على اجازة المشتري. هذا بناء على الكشف الحقيقي وعلى الكشف الانقلابي ينقلب عقد الاجارة من كونه من المالك الى كونه من غير المالك فيصير فضوليا محتاجا في صحته الى اجازة المشتري فان أجازه صح وإن رده بطل (ودعوى) أن وقوع الاجارة صحيحة منقض لوقوع الاجازة لاصل العقد فإذا وقع أحد المتنافيين صحيحا فلا بد من امتناع وقوع الاخير أو إبطال صاحبه، أو إيقاعه على غير وجهه، وحيث لا سبيل الى الاخيرين يتعين الاول (مندفعة) بأنه لا مانع من الالتزام بالابطال إذا ساعد عليه الدليل، وقد عرفت في تقريب الكشف الانقلابي أنه لا مانع من البناء على ملكية المالك للمبيع قبل الاجازة وبعد الاجازة يحكم بكونها ملكا للمشتري من حين العقد وكذا نقول في عقد الاجارة فانه صحيح قبل الاجازة وبعدها يحكم ببطلانه (فان قلت): لا يمكن عموم دليل النفوذ لعقد الاجارة وللعقد المجاز فلا بد من البناء على خروج أحدهما، وعند الدوران يتعين البناء على خروج اللاحق (قلت): السبق الزماني لا أثر له في الترجيح ما لم يكن تقدم رتبي، ومن المعلوم ان صحة العقد المجاز لما كانت مقتضية لخروج المال عن ملك المالك كان رافعا لموضوع عقد الاجارة لاختصاص دليل النفوذ بما كان صادرا عن المالك فشمول العموم للعقد المجاز يوجب خروج عقد الاجارة عن موضوع النفوذ فيكون تخصيصا بخلاف شموله للاجارة واخراج العقد المجاز فانه تخصيص بلا مخصص. ثم لو سلم شمول الدليل لعقد الاجارة فغاية ما يقتضي امتناع الكشف من حين العقد لا بطلان العقد رأسا كما تقدم ذلك في مسألة:

[ 264 ]

من باع ثم ملك، وإجماع أهل الكشف على كون الاجازة مؤثرة من حين العقد ليس بثابت على نحو يكون حجة، ولذا لم نلتزم به في تلك المسألة فلاحظ، ومن ذلك تظهر صحة الاجازة على الكشف الحكمي، وأما بناء على النقل فلا اشكال كما لو باع بعد الاجارة فان البيع لا يبطل ولا الاجارة تمنع منه (وإن كان) التصرف على النحو السادس كتعريض المبيع للبيع (فتارة) يكون مع الالتفات الى العقد (وأخرى) مع عدمه (فان كان) الاول فالظاهر عدم الفرق بين المقام وغيره من موارد الايقاع في تحققه بالفعل كتحققه بالقول لانك قد عرفت أن حقيقة الايقاع الالتزام النفساني بالموقع واعتبار اللفظ أو الفعل من باب الطريق إليه، وكما أن اللفظ طريق إليه كذلك الفعل (ودعوى) أن الفعل لا دلالة فيه لاجماله واحتماله الوجوه المختلفة (مدفوعة) بأن الفعل قد يكون محفوفا بما يكون قرينة على صدوره عن داعي الالتزام المذكور، ولا يعتبر في الطريق الى الالتزام أن يكون دالا بنفسه بلا قرينة كيف ودلالة اللفظ على ذلك الالتزام أيضا بالقرينة الحالية وإلا فهو مشترك بين الخبر والانشاء، وتعيين أحدهما إنما يكون بقرينة خارجة عن اللفظ فإذا صدق الرد عرفا جرت عليه أحكامه للاطلاق المقامي لادلة تلك الاحكام، واحتمال اعتبار خصوص اللفظ في صدق الرد عرفا تعبدا منهم مجازفة لعدم خصوصية له من بين الايقاعات العقدية والايقاعية. نعم يمكن أن يقال: مانعية الرد من تأثير الاجازة بحيث يخرج به العقد عن صلاحية الاضافة الى المالك بالاجازة إذا كان مستفادا من دليل لفظي يمكن أن يكون له الاطلاق المقامي الموجب لتطبيقه على الرد الفعلي العرفي، أما إذا كان مستفادا من دليل لبي - وهو الاجماع - يتعين الرجوع في غير الفرد المتيقن الى الدليل الدال على صحة العقد بالاجازة وان تخلل الرد، ومن ذلك يظهر الاشكال في التمسك بصدق الرد على الرد الفعلي كصدقه على الرد القولي كالاشكال في التمسك بفحوى الاجماع على حصول الفسخ من ذي الخيار بمثل الوطء والبيع والعتق - مضافا الى الاشكال في الفحوى من جهة توقف التصرفات المذكورة على الفسخ وعدم التوقف

[ 265 ]

في المقام على الرد فتأمل جيدا (وان كان) الثاني فلا ينبغي؟ التأمل في عدم كونه ردا لانتفاء الالتفات المقوم للانشاء، وقد عرفت أنه إنشائي لا يتحقق الا بقصد وقوعه " مسألة " إذا لم يجز المالك (فان) كانت العين في يده فلا اشكال، وإن كانت في يد الفضولي أو غيره جاز له انتزاعها منه ان كانت موجودة (وان) كانت تالفة فان لم تكن اليد ضامنة فلا شئ أيضا وان كانت ضامنة رجع ببدل العين من مثل أو قيمة، وكذا بمنافعها على ما تقدم في حكم المقبوض بالعقد الفاسد. حكم المشترى مع الفضولي (واما) حكم المشتري مع الفضولي (فتارة) يكون في رجوعه عليه بالثمن الذي دفعه إليه (وأخرى) في رجوعه بما غرمه للمالك أو لغيره فهنا مقامان " الاول " في رجوعه عليه بالثمن باقيا كان أو تالفا فنقول: إن كان المشتري جاهلا رجع بالثمن اجماعا - كما في مفتاح الكرامة - لعدم ما يوجب خروجه عن ملكه، ومقتضى عموم على اليد رجوعه عليه مع التلف " وان كان " عالما فالمشهور - كما قيل - انه لا يرجع عليه بالثمن مع بقائه، بل عن الايضاح نسبته في موضع الى قول الاصحاب وفي آخر الى نصهم، وعن موضع من جامع المقاصد نسبته الى ظاهر الاصحاب، وعن الروضة الى ظاهر كلامهم، وعن جملة من كتب العلامة وولده والشهيدين وغيرهم جواز الرجوع لعدم ما يقتضي الانتقال الى البائع وبطلان ما يقتضي الانتقال الى غيره، ومجرد تسليط المشتري البائع لا يقتضي ملكه اياه " ودعوى " أنه ملكه الغاصب لاعراض المالك أو يأسه منه أو كون ذلك عقوبة له حيث دفع ماله معاوضا به على محرم كما ترى " واما " مع تلفه فالمحكي عن جماعة دعوى الاجماع على عدم رجوع المشتري ببدله وبراءته من ضمانه قال في محكي التذكرة: لو كان عالما لا يرجع بما اغترم ولا بالثمن مع علم الغصب مطلقا عند علمائنا، ونحوها غيرها واستدل له بأنه سلطه على الثمن بلا عوض، واوضح ذلك شيخنا

[ 266 ]

الاعظم (ره) بأن الضمان إن كان لعموم على اليد فهو مخصص بموارد الاستئمان كالوديعة والعارية ومال المضاربة والعين المستأجرة، فإذا دل الدليل على خروجها عن العموم المذكور فقد دل بالفحوى على خروج المقام أيضا لان التسليط فيه ليس مقيدا بحيثية دون أخرى ولا ينتظر فيه انتهاء أمد بعينه بخلاف الموارد المذكورة (فان قلت): التسليط في المقام ليس مجانيا بل في مقابل العوض وهو المبيع فهو نظير التسليط في سائر موارد العقود الفاسدة لا يمنع من تطبيق عموم اليد ولا مجال لمقايسته؟ بموارد الامانات التي لا معاوضة فيها أصلا (قلت): العوض المقصود المعاوضة عليه ليس مال البائع لكون المفروض كونه فضوليا فتسليطه على الثمن ليس في مقابل ماله بل في مقابل مال غيره فدفعه إليه كدفعه الى ثالث لا يخرج عن كونه تسليطا مجانيا له (ومن) ذلك يظهر الفرق بين المقام والمقبوض بالعقد الفاسد الذي يكون التسليط فيه في مقابل مال القابض لا مجاني، كما أن من ذلك يظهر عدم الضمان في المقام لو قلنا به في المقبوض بالعقد الفاسد لقاعدة الاقدام كما تمسك؟ بها بعض العظام إذ لا اقدام من البائع هنا على ضمان العين بما له وانما اقدم على ضمانها بمال غيره، وذلك إقدام منه على قبضها بلا ضمان (ويشكل) ما ذكر " أولا " بأن دفع الثمن الى البائع لم يكن ابتدائيا بل كان جريا على المعاوضة الواقعة بينهما فالثمن المدفوع لم يكن مدفوعا بعنوان كونه مال الدافع بل بعنوان كونه مال المدفوع إليه ولو تشريعا مبنيا على تشريعه مالكية الغاصب المصحح لايقاع المعاوضة له فكيف يصح قياسه على موارد الاستئمان فضلا عن كون الدلالة عليه بالفحوى - مع أن المدفوع فيها لم يكن بذلك العنوان وانما كان بعنوان كونه مال الدافع على أنه لو بني على الغض عن تشريع مالكية الغاصب فالدفع بعد ما كان بداعي الوفاء بالمعاملة والجري على مقتضاها لا بد أن يكون بعنوان كونه مال المالك للمبيع لا بعنوان كونه مال نفسه - أعني المشتري - فلا مجال للخروج عن عموم على اليد بمجرد تخصيصه بموارد الاستئمان للفرق بين المقامين كما لعله ظاهر بالتأمل (فان قلت): الدفع الخارجي بعد ما كان من الامور الخارجية

[ 267 ]

امتنع تقييد موضوعه بمثل العنوان المذكور لان موضوعها الفرد الخارجي على ما هو عليه من القيود وليس صالحا للاطلاق والتقييد كي يصح تقييده بالعنوان المذكور فمن ضرب أحدا لكونه عدوا وقع عليه الضرب ولو كان صديقا فإذا كان الثمن ملكا للمشتري فدفعه الى البائع كان دفعا له بما هو مال المشتري ويمتنع تقييده بما هو مال المدفوع إليه أو مال المالك (قلت): الدفع الخارجي ليس موضوعا لاثر شرعي بل الاثر الشرعي تابع لقصد الدافع فدفع الانسان ماله الى غيره " تارة " يكون بقصد تمليكه فيكون هبة " واخرى " بقصد المعاوضة عليه فيكون بيعا " وثالثة " بقصد الاذن والترخيص في التصرف فيه فيكون عارية " ورابعة " بقصد استئمانه على حفظه فيكون وديعة فالاثر انما يكون لذلك المعنى الايقاعي الحاكي عنه الدفع الخارجي، ومن المعلوم أن المعاني الايقاعية ونحوها مما يتعلق بالصور الذهنية مما يجوز تقييد موضوعه بأي عنوان كان له دخل في ثبوته له فيصح أن تقول: بعتك هذا العبد الكاتب، وإن لم يكن كاتبا فلا مانع من أن يتقيد موضوع الدفع بعنوان كونه مالا للمدفوع إليه عوضا عن ماله من دون فرق بين صورتي الجهل بالفساد والعلم به غاية الامر انه لا يمكن قصد الدفع المتعلق بالمال الخاص إلا بعد البناء على ثبوت الخصوصية ولو للتشريع في السبب كما في دفع الثمن الى الغاصب، بل وكذا في مطلق المدفوع جريا على العقد الفاسد ففي المقام لم يقصد الدافع دفع مال نفسه ليتصرف فيه الغاصب وانما قصد دفع مال الغاصب إليه فليس المقصود الا تمكين الغاصب من ماله لا من مال الدافع { وبالجملة } لا فرق بين المقام والمقبوض بالعقد الفاسد، ومجرد الفرق بأن المشتري في المقام لم يقصد تضمين البايع بالمعاوضة معه وإنما قصد تضمين المالك بخلاف باب المقبوض بالعقد الفاسد لا يجدي بعد بنائه على كون البائع مالكا ولو لاجل التشريع في السبب فيكون الدفع إليه دفعا لما له لا لمال المشتري (وبذلك) أيضا يندفع ما يقال انه لا يمكن تضمين الغاصب بهذا الدفع لان المفروض ان الضمان المعاوضي مع المالك وفى مال واحد لا يمكن جعل ضمانين (وجه الاندفاع) ان تضمين الغاصب

[ 268 ]

الجعلي ليس في عرض تضمين المالك وانما هو في طوله لاجل التشريع في مالكيته - كما عرفت - والتضمين الشرعي باليد لا ينافي ذلك التضمين الجعلي الذي لم يسلم للمشتري بعد فرض بطلان العقد (وثانيا) بانه لو سلم ذلك فغاية ما يقتضي الحاق المقام بموارد الاستئمان عدم الضمان باليد لا عدمه بالاتلاف فانه لا اشكال في ثبوت الضمان به فيها. نعم لو كان المنشأ في نفي الضمان التسليط المجاني كان المتعين نفي الضمان ولو مع الاتلاف، لكن ذلك أيضا لا يناسب القول بحرمة التصرف لانه أكل للمال بالباطل كما قواه شيخنا الاعظم (ره) (والمتحصل) أن مقتضى القواعد الاولية الضمان باليد في المقام كما هو حكم المقبوض بالعقد الفاسد، وكأنه لذلك كان المحكي عن المحقق " ره " في بعض تحقيقاته ذلك، وعن اللمعة والروضة أنه غير بعيد إذا كان المشتري متوقعا للاجازة، وعن المسالك انه لولا دعوى الاجماع عليه في التذكرة لكان في غاية القوة، ومثله عن الرياض لكن في جواز الاعتماد على مثل هذا الاجماع المعلوم المستند تأمل أو منع، ومن ذلك يظهر حرمة تصرف الفضولي بالثمن لانه بلا إذن بعد ما كان الدفع بعنوان كونه مالا له لا مالا للدافع على ما عرفت في المقبوض بالعقد الفاسد. تنبيه فساد العقد الذي يستتبع القبض (تارة) يكون لصدوره من الفضولي (وأخرى) لخلل فيه من غير جهة العوضين (وثالثة) يكون من جهة عدم اشتماله على التعويض من الطرفين كما في: بعتك بلا ثمن، و: آجرتك بلا اجرة، (ورابعة) من جهة كون أحد العوضين ليس مالا شرعا مع كونه مالا عرفا كالخمر (وخامسة) من جهة عدم كونه مالا عرفا كالحشرات، وقد عرفت هنا أن القبض في الاول يستتبع الضمان كما عرفت في مبحث القبض في العقد الفاسدان القبض في الثاني يستتبع الضمان ايضا، وكذا في الرابع لعموم الضمان باليد،

[ 269 ]

وأما الثالث والخامس فالقبض فيهما لا يستتبع الضمان لقصور عموم على اليد الوارد مورد احترام مال المالك عن شمول صورة كون المالك في مقام الاقدام على هتك حرمة ماله (المقام الثاني) في رجوع المشتري على الفضولي بغير الثمن مما اغترمه للمالك أو لغيره وهو إما أن يكون في مقابل العين كزيادة القيمة على الثمن كما لو تلفت العين وكانت قيمتها أكثر من الثمن الذي رجع به فان هذه الزيادة يستحقها عليه المالك فإذا دفعها إليه رجع بها على المشتري، وإما أن يكون في مقابل المنافع المستوفاة كسكنى الدار، واما أن لا يكون في مقابله نفع عائد إليه سواء أكان الاغترام للمالك كضمان المنافع غير المستوفاة أو الاعيان التالفة من صوف أو لبن أو قيمة الولد المنعقد حرا، أو لا للمالك كالنفقة وما صرفه في العمارة أو نحو ذلك، والظاهر أنه لا إشكال في عدم الرجوع بشئ من ذلك إذا كان عالما، وفى الجواهر: لا خلاف ولا إشكال، لعدم الدليل والاصل يقتضي العدم، وأما إذا كان جاهلا فالمعروف الرجوع على المشتري في القسم الثالث، بل قيل انه اجماع، بل في الجواهر الاجماع بقسميه عليه، واستدل له تارة بقاعدة: المغرور يرجع على من غره، وأخرى بقاعدة نفي الضرر، لكن العمدة في دليل الاول النصوص الواردة في خيار التدليس المتضمنة لرجوع الزوج الى المدلس بالمهر وبما اغترم من قيمة الولد معللا بقوله (ع): لانه دلسها، وبقوله (ع): كما غر الرجل وخدعه. وظاهرها الاختصاص بصورة علم البائع بالحال فلا يشمل صورة الجهل لعدم صدق الخديعة معه، وقاعدة الضرر تختص بصورة ترتب الضرر على اثبات الحكم فلا تعم صورة ترتبه على عدمه - كما في المقام - فان الموجب للضرر عدم الحكم برجوع المشتري على البائع فلا تصلح لاثبات الحكم بالرجوع - مضافا الى أن الرجوع على البائع بالغرامة ضرر على البائع فلا تصلح القاعدة لاثباته. نعم تدل عليه صحيحة جميل عن ابي عبد الله (ع) في الرجل يشتري الجارية من السوق فيولدها ثم يجئ مستحق الجارية قال (ع): يأخذ الجارية المستحق ويدفع إليه المبتاع قيمة الولد ويرجع على من باعه بثمن الجارية

[ 270 ]

وقيمة الولد التي أخذت منه، فان حرية الولد اما أن تعد نفعا للمشتري أولا، وعلى التقديرين يثبت المطلوب، إذ على الاول تكون الدلالة بالفحوى وسكوت روايتي زرارة وزريق عن التعرض لذلك لايهم؟، إما لعدم كون الكلام في مقام البيان من هذه الجهة فلا مجال لتوهم المنافاة للصحيحة أو في مقام البيان فتقدم عليه الصحيحة لانها أظهر كما لا يخفى، ومن ذلك يظهر ضعف ما في الحدائق من عدم الرجوع على المشتري لخلو رواية زريق عن التعرض لذلك مع أنها في مقام البيان، (وأما) القسم الثاني - أعني ما يكون في مقابله نفع عائد الى المشتري - فالمشهور فيه الرجوع الى البائع أيضا. بل عن التقيح؟: أن عليه الفتوى لقاعدة الغرور المتفق على العمل بها فيمن قدم مال الغير الى غيره الجاهل فاكله، فان المالك إذا رجع الى الاكل بالبدل رجع الاكل الى الباذل اجماعا ظاهرا كما ادعاه شيخنا الاعظم (ره)، ولا يوجد فرق بينه وبين المقام، كما أنه ورد في الاخبار رجوع المحكوم عليه على شاهد الزور، ولا يوجد أيضا فرق بينه وبين المقام، وفيه أنه إذا كان المقصود عدم وجدان الفرق بين ما نحن فيه وبين المقامين في ثبوت حكم الرجوع، فعدم وجدانه لا يقتضي عدم وجوده وإن كان المقصود عدم وجدان الفرق في شمول دليل القاعدة فلا بد أولا من النظر فيه ليعلم شموله وعدمه (فنقول): قد استدل للقاعدة تارة بقاعدة الضرر كما قد نسب الى الرياض وان كانت عبارته لا تساعد عليه (وأخرى) بقاعدة الاتلاف كما يقتضيه جعلها مبنية على قوة السبب على المباشر، كما هو ظاهر الجواهر في كتاب الغصب أو قاعدة الاتلاف بالنسبة الى الغرامة الواردة على المشتري كما يظهر من شيخنا الاعظم (ره) حيث جعل من الوجوه المصححة للقاعدة كون الغار سببا في تغريم المغرور كشاهد الزور (وثالثة) بالاجماع المحكي عن الايضاح على تقديم السبب إذا كان أقوى، (ورابعة) بالنصوص الواردة في تدليس الزوجة المتضمنة للرجوع على المدلس بالمهر وغيره معللا في بعضها بانه دلس، وفى آخر بانه غر وخدع، والواردة في ضمان شاهد الزور على اختلاف مواردها والنبوي: المغرور يرجع على من غره،

[ 271 ]

هذا وقد عرفت آنفا الاشكال في التمسك بقاعدة الضرر في المقام، أما قاعدة الاتلاف المبنية على قوة السبب بالاضافة الى المباشر ففي التمسك بها (أولا) المنع من هذه السببية في المقام إذ لم يصدر من البائع الا البيع القائم به وبالمشتري وليس البائع سببا لفوات تلك المنافع بل المشتري المباشر بالاختيار (وثانيا) لو تم اقتضى رجوع المالك عليه كما اختاره في الشرائع في كتاب الغصب لا رجوع المشتري عليه كما لا يخفى، وأما قاعدة الاتلاف بالنسبة الى الغرامة فيظهر اشكال التمسك بها مما سبق فان خسارة المالك مستندة الى حكم الشارع بالضمان وهو مستند الى الاتلاف الاختياري للمشتري وليس الاتلاف مستندا الى تسبيب البائع ببيعه، بل مستند الى الدواعي التي في نفس المشتري كسائر الافعال الاختيارية وليست تلك الدواعي مستندة الى البائع - مع أن الاكتفاء بمثل هذا المقدار من التسبيب في الضمان وفى صحة نسبة الاتلاف يقتضي رجوع المالك الى البائع لا الى المشتري لان اتلاف مال المالك إذا كان ترتبه على البيع يوجب استناد خسارة المشتري المترتبة عليه الى البائع فلان يوجب استناد خسارة المالك المترتبة عليه‌الى البائع بطريق أولى لانتفاء الواسطة بين الخسارة المذكورة وبين الاتلاف ووجودها في خسارة المشتري وقد عرفت أن مقتضى ذلك رجوع المالك الى البائع لا الى المشتري فيرجع به المشتري على البائع كما هو مقتضى قاعدة الغرور (وأما) الاجماع على تقديم السبب إذا كان أقوى فمع اجمال معقده والمتيقن منه صورة صحة نسبة الاتلاف عرفا الى السبب دون المباشر كما في الريح العاصفة الموجبة للاحراق والشمس الموجبة لا ذابة الدهن ونحو هما مما يكون المباشر بمنزلة الالة عرفا، واين ذلك مما نحن فيه أن مقتضاه ايضا رجوع المالك على البائع لا رجوع المشتري عليه بعد رجوع المالك عليه على ما عرفت فيما سبق (وأما) الاخبار الواردة في تدليس الزوجة فالتعليل فيها وان كان يقتضي التعدي عن موردها الى غيره مما شاركه في الخديعة والتدليس لكنه يختص بصورة علم الغار لا يشمل صورة الجهل كما عرفت آنفا - مضافا الى أن الاخذ بظاهر التعليل يقتضي الالتزام بالضمان في موارد كثيرة لا يظن بناء

[ 272 ]

الاصحاب على الضمان فيها كما لو أخبر مخبر بأن الا كل الفلاني نافع لمرض كذا أوله فائدة كذا أو أن الموضع الفلاني فيه معدن كذا فعمل بخبره فلم يحصل لهم الغرض المقصود فانه لا يظن الالتزام بضمان الخسارة في امثال ذلك، (وأما) النصوص الواردة في شاهد الزور فالتعدي عن موردها الى المقام يحتاج الى قرينة. نعم قد يظهر من صحيح جميل عموم الحكم فقد روى عن ابي عبد الله عليه السلام في شاهد الزور: إن كان الشئ قائما بعينه رده على صاحبه وان يكن قائما ضمن بقدر ما أتلف من مال الرجل، لكن ظاهر مورده الشاهدة عند الحاكم وترتب حكم الحاكم على الشهادة بنحو اللزوم واللابدية لوجوب الحكم على طبق الشهادة وليس كذلك في مطلق الغرور - مع أن الظاهر من شهادة الزور الشهادة مع العلم بالخلاف فلا يشمل صورة الجهل - مضافا الى أن مفاد الصحيح الضمان للمالك لا للحاكم المغرور، وكذا مفاد ما ورد في الشهادة بالزنا فقتل المشهود عليه وقال الشاهد: تعمدت الشهادة زورا، وما ورد في من شهد بالسرقة فقطعت يد المشهود عليه ثم رجع الشاهد، وكذا ما ورد في من شهد بموت الزوج أو طلاقه لزوجته فتزوجت ثم جاء زوجها أو رجع الشاهد، فان في بعض تلك النصوص أن الشاهد يضمن للزوجة المهر عن الرجل. نعم في بعضها انه يضمن الرجل لكن ليس فيه فرض غرور الرجل، بل ظاهرة الشهادة للمرأة فتكون هي المغرورة بالشاهد وهي الغارة لزوجها الثاني لا الشاهد، فرجوع الزوج على الشاهد ليس من رجوع المغرور الى الغار، بل يشبه أن يكون من الرجوع الى السبب الاول فلاحظ " وبالجملة ": ظاهر نصوص شاهد الزور أن الضمان فيها بالاتلاف المستند الى التسبيب بالغرور لا بقاعدة الغرور، ولذا عد في الجواهر نصوص ضمان الشاهد في سلك نصوص ضمان السبب وان عد منها ايضا ما دل على رجوع المغرور، ولعل مراده الرجوع في ضرر نفسه لا في ضرر غيره الذي ضمنه، وأما النبوي المشهور: المغرور يرجع على من غره، فسنده قاصر ولم يثبت انجباره بعمل ومجرد الموافقة لفتوى المشهور في بعض المقامات لا يكفي في الانجبار

[ 273 ]

(والذي) يتحصل مما ذكرنا أنه لا دليل على قاعدة الغرور كلية، وانه يمكن استفادتها في خصوص صورة علم الغار من نصوص تدليس الزوجة ومنه يظهر الاشكال في التمسك بها في المقام على ضمان البائع مطلقا ولو كان جاهلا كالاشكال في التمسك بصحيحة جميل المتقدمة لعدم ثبوت كون موردها - أعني حرية الولد - من قبيل النفع العائد إليه، بل الظاهر منه النفع المالي وليست الحرية منه كما يظهر الاشكال ايضا فيما في غصب الشرائع من بائه على رجوع المالك الى البائع الغاصب في ضمان ما حصل للمشتري في مقابلته نفع كسكى الدار وثمرة الشجرة والصوف واللبن لانه سبب الاتلاف ومباشرة المشتري مع الغرور ضعيفة فيكون السبب أقوى كما لو غصب طعاما وأطعمه المالك حكاه قولا وجعله الاشبه، إذ فيه أن هذا المقدار من الغرور لا يصحح نسبة الاتلاف الى الغار كي يكون الضمان عليه لا غير. نعم لو أمكن التعدي عن مورد نصوص شاهد الزور كان القول المذكور في محله لكن عرفت اشكاله - مضافا الى مخالفته لنصوص التدليس لا تحادها معها موردا ومخالفتها لها حكما، كما يظهر الاشكال أيضا فيما حكاه في الشرائع قولا آخر ونسب الى الخلاف وموضع من المبسوط؟ والسرائر وظاهر الرياض ومال إليه في الجواهر: من عدم رجوع المشتري على الغاصب مطلقا بعد رجوع المالك عليه للاصل، وعدم جريان قاعدة الغرور في المقام إما لا ختصاصها بصورة الضرر المنتفي في المقام لحصول العوض للمشتري كما في الرياض أو لا ختصاصها بصورة ترتب فعل الغير على فعله من حيث المجانية ابتداء كالاباحة والهبة والعارية ونحوها بخلاف ترتب فعل المشتري على زعم كونه مالكا كما في الجواهر (وجه) الضعف ما عرفت من أن الاختصاص المذكور خلاف اطلاق دليلها المتقدم والفرق بين زعم المجانية والملكية بعيد جدا، ولا يظن من الجواهر الالتزام بأن من قدم طعاما الى شخص فا كله فتبين انه مال غيره فان كان المقدم أخبره بأنه لنفسه أي الباذل رجع الا كل عليه للغرور وان أخبره أنه للا كل لم يرجع عليه. ثم إنه لا فرق في رجوع المشتري الى البائع الغار له بين أن يكون تغريره باخباره بأن العين له وبين أن يكون بمجرد

[ 274 ]

كون العين تحت يده فان استيلاءه على العين إذا كان امارة على كونها له كان اخبارا بالفعل لا بالقول. نعم لو قلنا بأن حجية اليد على الملكية من باب الاصل العقلائي لا بكونها امارة عليها كان اعتماد المشتري عليها اعتمادا على غير البائع فلا يكون مغرورا من قبله ولا مجال للرجوع عليه بقاعدة الغرور لكن المبنى ضعيف، (وأما القسم الاول) فيظهر حكمه مما سبق لاشتراكهما في عدم الدليل على الضمان بالخصوص وفى جريان قاعدة الغرور وعدمه (ودعوى) الفرق بأن المشتري أقدم على ضمان العين وليس في ذلك مغرورا من قبل البائع بخلاف ما سبق، (مندفعه) بأن الاقدام انما كان على الضمان بمقدار الثمن لا بما زاد عليه فالضمان بمقدار الثمن لا رجوع فيه على الغاصب بخلاف الضمان بالزيادة عليه لعدم الغرور في الاول وثبوته في الثاني - كما لعله ظاهر بالتأمل - ولا فرق بين أن تكون الزيادة حاصلة حين العقد كما لو اشترى ما يساوي عشرين بعشرة فتلف في يد المشتري وبين أن تكون حاصلة بعد ذلك كما لو اشترى ما يساوى عشرة بعشرة فتلف في يد المشتري بعد ما صارت قيمته عشرين، بل الحكم بالرجوع في الثاني لعله أظهر منه في الاول لبعد مجيئ شبهة الاقدام فيه على ضمان الزيادة بخلاف الاول فتأمل، ومنه يظهر حكم ضمان الجزء القائت فانه بحكم ضمان العين فان ضمنه المشتري بما يقابله من الثمن لم يرجع به على البائع وان ضمنه بأزيد رجع به عليه لما تقدم في ضمان الزيادة واما الوصف الفائت فلما لم يكن طرفا للمعاوضة كان حاله حال ضمان المنافع والنماء لاشتراك الجميع في الغرور الموجب للرجوع على البائع، فلو رجع المالك على المشتري بالعين فوجدها فاقدة لوصف رجع عليه ببدله لكونه مضمونا عليه باليد، ورجع المشتري على البائع لكونه مغرورا من قبله، ولا فرق بين وصف الصحة وغيره من الاوصاف في كون الجميع ليس طرفا للمعاوضة وثبوت الارش في خيار العيب تعبدي لا لكون وصف الصحة طرفا للمعاوضة، ولذا لم يتعين الرجوع الى الارش فيه، ولو كان العقد فاسدا من غير جهة الفضولية ففي رجوع المشتري بالغرامات الواردة عليه على البائع كما لو كان صحيحا من غير

[ 275 ]

الجهة المذكورة لصدق الغرور في الجملة وعدمه لا نه لو فرض صدق البائع في دعوى الملكية كانت الغرامة ثابتة أيضا لفساد العقد من جهة أخرى وجهان أقربهما الاول، لان الموجب للضمان القبض الجاري على مقتضى المعاملة الفاسدة والغار هو السبب في الوقوع فيها إذ لو لم يغر المشتري فاخبره أنه غاصب لما اشترى ولما وقع في القبض الجاري على ذلك الشراء المستتبع للضمان، فالغرور هو الموقع في الضمان وقولنا: لو كان صادقا لما وقع المشتري في الضمان، إن كان المراد به أنه لو كان الواقع على طبق قوله لما وقع المشتري في الضمان فهو وان كان صحيحا لكنه لا يجدي في رفع الضمان عن الغار لان الرافع للضمان عنه عدم الغرور بمعنى مطابقة قوله للواقع لا مطابقة الواقع لقوله " وبالجملة ": المعاملة الخاصة لو لم يغر البائع المشتري فيها لما اشترى لان شراءه كان عن اعتقاد كون البائع مالكا الناشئ عن ايهام البائع وخديعته وإن كان ايضا ناشئا عن اعتقاد صحة المعاملة من سائر الجهات فمجموع الاعتفادين مؤثر في الاقدام وباعث عليه فالعلة في أحد الاعتقادين وهو الغرور علة للمجموع فيكون علة للمعاملة والقبض الجارى عليها والضمان المسبب عنه فلاحظ وتأمل. تنبيه وتلخيص كما يجوز رجوع المالك على المشتري بالعين ومنافعها المستوفاة أو ما يعمها وغير المستوفاة، وكذا في الزيادات من اللبن والصوف والثمرة ونحوها يجوز ايضا له الرجوع على البائع بجميع ذلك فهو مخير في الرجوع على أيهما شاء لكن أو رجع على المشترى رجع هو على البائع في تدارك تلك الخسارة إن كان مغرورا من قبله، وإلا فلا رجوع له عليه (وان) رجع على البائع فان كان المشتري مغرورا من قبل البائع لم يرجع البائع عليه، وإن لم يكن مغرورا من قبله رجع البائع عليه، أما رجوعه على كل منهما فهو متقضى اليد، وأما أنه لو رجع على

[ 276 ]

المشتري المغرور رجع المشتري على البائع فلما عرفت من قاعدة الغرور واما عدم رجوع المشتري غير المغرور فمقتضى الاصل واما انه لو رجع على البائع الغار لم يرجع على المشتري فلانه لغو، إذ لو رجع عليه رجع المشتري عليه للغرور (واما) انه لو رجع على البائع غير الغار رجع البائع على المشتري (فالظاهر) انه لا اشكال فيه ولا خلاف وهذه المسألة هي مسألة تعاقب الا يدي وحكمها ما عرفت من رجوع المالك على كل من ذوي الايدي فان رجع على السابق رجع هو على اللاحق وان رجع على اللاحق لم يرجع على السابق إلا مع الغرور. تعاقب الايدى والكلام فيها في مقامين (الاول) حكم المالك بالاضافة الى كل واحد منهم (والثاني) حكم كل واحد منهم بالاضافة الى الاخر (أما المقام الاول) فحاصل الكلام فيه أن ضمان كل واحد من ذوي الا يدي المتعاقبة يلزم منه أن يكون للشئ الواحد ضمانان وضامنان لان المضمون ان كان نفس العين لزم أن تكون العين الواحدة في ذمم متعددة والواحد لا يكون في محال متعددة وان كان البدل من المثل أو القيمة لزم أن يكون للشئ الواحد بدلان، وأن يكون المالك ملك شيئين كل واحد منهما بدل عن ماله، والبدل لا يقبل التعدد والتكثر والالتزام بان البدل عن العين ليس كل واحد منهما بل أحدهما على البدل إن كان المراد به أن كل واحد منهما بدل عن العين والاخر بدل عنه فهو ممتنع لان عنواني البدل والمبدل متضادان لا يمكن اجتماعهما في شئ واحد، وإن كان المراد به أن البدل أحدهما المردد فذلك مما لاخارجية له إذ كل ما يفرض في الخارج فهو متعين فلا يكون مصداقا للمردد، وإن كان المراد أن كلامنهما بدل عند عدم ثبوت الاخر فان كان المراد العدم السابق لزم ثبوت البدلين معا، وإن كان المراد العدم المقارن لزم انتفاؤهما معا لان ثبوت أحدهما إما مانع أو ملازم للمانع، وإن كان المراد أن البدل أحدهما في

[ 277 ]

ظرف عدم المطالبة أو عدم الاداء لزم ثبوت البدلين معا قبل المطالبة والاداء - مع أنهما فرع ثبوت البدل فيلزم المحذور، ويمكن أن يقال: إن ضمان العين إن كان بمعنى كونها في العهدة - كما قد يقتضيه الجمود على ظاهر الموصول في النبوى: على اليد ما أخذت حتى تؤدي، لظهوره في كون المأخوذ بنفسه في الذمة وأداء المثل أو القيمة إنما صار غاية؟ للضمان بلحاظ كونه نحو أداء للعين ولو على سبيل العناية والمجاز - فالمحذور اللازم من تعدد الضامن ليس الا لزوم وجود الامر الواحد في الذمم المتعددة وكون الشئ الواحد في المحال المتعددة لكنه ليس بمحذور إذ لا مانع من تعدد المحل الاعتباري للامر الواحد الحقيقي بلحاظ تعدد الوجود الاعتباري نظير وجود الشئ الواحد في الاذهان المتعددة بتعدد صوره واعتباراته ووجوب الاداء المتوجه الى كل واحد من ذوي الذمم ليس الاكسائر الوجوبات الكفائية المتعلقة بالمكلفين المتعددين التي تسقط بفعل واحد وان صح عقاب كل واحد في ظرف عدم فعل واحد منهم، وأن كان الضمان بمعنى كون البدل - أعني المثل أو القيمة في الذمة - بأن يكون التصرف في كلمة الموصول الواقعة في النبوى المتقدم بتطبيقه على البدل من المثل أو القيمة مع المحافظة على ظاهر الاداء المذكور في ذيله بحمله على الاداء الحقيقي لما في الذمة والباعث على ذلك أن ما لا يمكن اداؤه لا يصح اعتباره في الذمة فمع التلف لا بد أن يكون ما في الذمة هو البدل - مضافا الى ما دل على الانتقال الى القيمة في زمان التلف، فالمحذور ليس الا لزوم ان يكون للشئ الواحد بدلان وهو ممتنع لان البدل لا يتكثر ولا يتكرر، لكنه إنما يلزم المحذور لو كان البدل في كل ذمة حصة غير الحصة التي في الذمة الاخرى، أما لو كان نفس البدل الواحد في الذمة نظير العين الواحدة التي تكون في ذمتين بان يكون مافى ذمة أحد الضامنين عين ما في ذمة الاخر فالمحذور المذكور غير لازم لوحدة البدل وان تعدد محله، وقد عرفت أن مثل هذا التعدد لا يوجب تعدد الحال (ودعوى) أن الشئ الواحد لا يقبل الاستقرار الا في ذمة واحدة (غير ظاهرة) إذ لا مانع من اعتبار الامر الواحد

[ 278 ]

في الذمم المتعددة، وقياس الامور الاعتبارية على الحقيقية غير واضح، بل اللازم قياس المقام بباب تعدد الحاكم مع وحدة الحكم والمحكوم عليه فان تعدد ظرف الحكم بتعدد الحاكم لا يقتضي تعدد الحكم ولا المحكوم عليه، ومن هذا الباب الواجب الكفائي فان الواجب على كل من المكلفين أمر واحد مثلا إذا قال: يجب على الناس قتل زيد أو كسر الاناء أو إراقة هذا الماء، أو نحو ذلك مما يمتنع فيه تكثر المأمور به وتعدده فقد وجب أمر واحد على كل واحد من الناس لا أنه وجب على كل واحد أمر غير ما وجب على الاخر لكنه ليس على التعيين بل على البدل وعلى نحو الوجوب المشروط أو على نحو آخر كما أشير إليه آنفا في تقريب دفع الاشكال، بل الواجب أمر واحد ومقتضى وحدته سقوط طلبه مع وجوده لا أنه يجوز تركه حينئذ كي يشكل بأن الواجب لا يجوز تركه (وتحصل) مما ذكرنا أن كل واحد من ذوى الايدى المتعاقبة ضامن لمال المالك بمقتضى عموم ضمان اليد وان نسبتهم الى العين نسبة واحدة، فيجوز للمالك الرجوع على كل واحد منهم فلو رجع على أحدهم امتنع رجوعه ثانيا على الاخر لحصول التدارك لما له بدفع البدل من أحدهم فلو رجع على غيره أيضا لم يرجع عليه بالتدارك، بل كان بوجه آخر والمفروض عدمه، ومن ذلك يظهر أنه لا مانع من صحة الضمان على طريقة الجمهور من أنه ضم ذمة الى أخرى، ولا من ضمان الاثنين على وجه الاستقلال كما عن ابن حمزة في الوسيلة والعلامة (ره) في درسه الشريف كما عن الفخرو الشهيد حكاية ذلك عنه، بل ظاهر عبارتهما موافقته بل قيل: إنهم جزموا فيما إذا قيل للمالك: ألق متاعك في البحر وعلى كل واحد منا ضمانه، بل في مفتاح الكرامة تطابق الفتاوى ممن تعرض له عليه (واما) ضمان الاعيان المضمونة فليس مما نحن فيه لوحدة الضامن لا غير، والاشكال فيه، بل المنع من جماعة من جهة أن الضمان نقل ما في ذمة الى أخرى، والاعيان ليست في الذمة والضمان فيها انما هو بمعنى أن لو تلفت ثبت في الذمة مثلها أو قيمتها فهى مضمونة بالقوة لا انها مضمونة بالفعل لتكون بنفسها في الذمة فضمانها قبل التلف

[ 279 ]

من قبيل ضمان ما لم يجب، والقول بالصحة إما للبناء على صحة ضمان ما لم يجب في مثل المورد وإما للبناء على كونها بنفسها في الذمة حتى بعد التلف - على ما عرفت - وكذا الحال في ضمان عهدة العوضين، فانه أيضا ليس مما نحن فيه، بل الضامن فيه واحد لا غير ولاشكال فيه عندهم حتى لو قلنا بعدم جواز ضمان الاعيان المضمونة لاستقرار السيرة عليه في جميع الاعصار كما عن مجمع البرهان (واما الكلام) في المقام الثاني وهو أنه إذا رجع المالك الى السابق رجع هو على اللاحق إلا إذا كان غارا له فلا يرجع عليه، وإن رجع الى اللاحق رجع هو الى السابق إذا كان مغرورا من قبله فلا يرجع إليه، ووجهه شيخنا الاعظم (ره) بأن السابق قد اشتغلت ذمته بالبدل قبل اللاحق فيكون اللاحق قد ضمن شيئا له بدل ومرجعه الى ضمان واحد من البدل والمبدل على سبيل البدل، إذ لا يعقل ضمان المبدل معينا من دون البدل، وإلا خرج بدله عن كونه بدلا، وحاصله أن يد الغاصب الاول لما استوجبت ضمان العين بالبدل فاليد الثانية تكون واردة على عين لها بدل فضمانها ضمان عين لها بدل، وضمان ماله بدل راجع الى ضمان العين وبدلها على البدل إذ لو كان الضمان للعين تعيينا خرج البدل عن كونه بدلا (وفيه) أن عموم على اليد انما يقتضي ضمان المأخوذ لمالكه، والمأخوذ إنما ينطبق على العين، ولا ينطبق على البدل، ودليل بدلية البدل الاول ليس ناظرا الى ضمان اليد الثانية حتى يكون مفاده كون المضمون بها العين أو بدلها الاول، والاخرج عن كونه بدلا وانما مفاده كونه بدلا عن العين في ملكية المالك بحيث يقوم مقامها في تدارك خسارة المالك الحاصلة بتلف العين، وهذا المعنى من البدلية لا ينافى ضمان اليد الثانية للعين تعيينا فلا يلزم منه خروج المبدل عن كونه بدلا، ولو سلم ذلك فغايته أن يكون مفاد دليل الضمان أن ذا اليد اللاحقة ضامن للمالك العين ببدلها أو بدلها ببدله فيكون ضامنا لكل من العين والبدل على البدل، لكن الضمان للبدل على البدل يكون للمالك كالضمان للعين فإذا استوفى المالك حقه من الاول فقد حصل التدارك وسقط الضمان عن الثاني من دون فرق بين أن يكون ضمان الاول والثاني على البدل

[ 280 ]

- كما ذكره (قده) - أو على التعيين - كما عرفت - ولا تكون نتيجة ذلك أن يكون على الثاني تدارك خسارة المالك أو خسارة الاول على البدل - كما هو المدعى - وبالجملة: فهذا التوجيه بظاهره غريب (وفي الجواهر) وجه الحكم المذكور بأن من تلف المال في يده ذمته مشغولة بالبدل للمالك وان جاز له إلزام غيره باعتبار الغصب باداء ما اشتغلت ذمته به فيملك حينئذ من أدى بادائه ما للمالك في ذمته بالمعاوضة الشرعية القهرية، وبذلك اتضح الفرق بين من تلف المال في يده وبين غيره الذي خطابه بالاداء شرعي لاذمي إذ لا دليل على اشتغال ذمم متعددة بمال واحد فحينئذ يرجع عليه ولا يرجع هو (وفيه) أن عموم على اليد نسبته الى كل واحد من ذوي الايدي المتعددة نسبة واحدة فاما أن يكون مفاده في الجميع حكما وضعيا، وهو ضمان المال واشتغال الذمة به أو حكما تكليفيا وهو وجوب الاداء، والتلف في اليد لا أثر له في الضمان إذ لا دليل على سببيته له فضمان من تلف في يده المال انما هو باليد وهي حاصلة بالنسبة الى غيره، ولا وجه للفرق بينهما بكون الخطاب في الاول ذميا وفي الثاني شرعيا ولو سلم فمقتضاه عدم جواز رجوع الغارم على من لحقه إذا لم تتلف العين في يده (وقد يوجه) أيضا بأن الاول إذا أدى العوض الى المالك فقد ملك العين التالفة بالمعاوضة القهرية فيقوم مقام المالك في جواز الرجوع الى الايدي المتأخرة الى أن يستقر الضمان على من تلف المال في يده ولما كان اللاحق هو السبب في استقرار الضمان على السابق لم يجز رجوعه على السابق (وفيه) مع أنه لا يتم بناء على ثبوت البدل في الذمة عند التلف لان المعاوضة إن كانت بجعل البدل في الذمة فبناء على ثبوت بدل واحد في جميع الذمم - على ما اخترناه - يلزم أن يكون كل واحد من الضمناء مالكا للعين، وتعدد المالك مع وحدة المملوك ممتنع - مضافا الى أن أداء البدل من واحد مفرغ لجميع الذمم فلا مجال لرجوع المؤدي الى غيره، وبناء على ثبوت البدل في إحدى الذمم على البدل فإذا رجع على واحد بعينه تعين ما في ذمته للبدلية فلا اشتغال لذمة غيره كي يصح رجوعه عليه، ومن ذلك تعرف الاشكال في التوجيه المذكور بناء

[ 281 ]

على حصول المعاوضة بدفع البدل فان البدل المدفوع عين ما اشتغلت به الذمم جميعا أو على البدل فلا اشتغال بعد دفعه لا تعيينا ولا على البدل فلا موضوع للرجوع. نعم بناء على ثبوت العين في الذمة الى حين دفع البدل يمكن تتميم التوجيه المذكور فتكون العين ملكا للضامن الدافع للبدل فيرجع بها على غيره، لكن يبقى؟ الاشكال في ثبوت هذه السببية للاحق بمجرد وضع يده على العين ولا سيما إذا كان بدفع الاول وتسليمها إليه - مع أن اقتضاء السببية كلية لجواز الرجوع غير ظاهر لعدم الدليل عليه، ومن ذلك يظهر الاشكال في توجيه رجوع السابق على اللاحق ولو بناء على عدم المعاوضة بأن اللاحق هو السبب في ضمان السابق بمعنى استقرار العوض في ذمته إذ لو لا يد اللاحق لامكن السابق الخروج عن تبعة الضمان بدفع نفس العين الى المالك فلا يقع في خسارة البدل فيرجع عليه لهذا التسبيب كما يرجع على الغار (وقد يوجه) بأن رجوع السابق الى اللاحق وان لم يكن من مقتضيات أدلة الضمان - كما سبق - لكنه من مقتضياته بحسب بناء العرف الممضى من جانب الشارع لعدم الردع عنه (وفيه) أن ثبوت ذلك عند العرف كلية غير ظاهر. نعم لا يبعد فيما لو كان اللاحق قد أخذه قهرا على السابق فالالتزام بالرجوع في غير ذلك غير واضح المأخذ " اللهم " إلا أن يكون اجماعا لكن ثبوته بنحو يصح الاعتماد عليه في الخروج عن القواعد الاولية غير ظاهر " هذا كله " مع تلف العين أما مع وجودها فيرجع المالك على من هي في يده، أو على من جرت عليها يده فيرجع هو على من هي في يده لعموم قوله " ع " كل مغصوب مردود، ومقتضاه عدم الفرق بين تمكن المالك من استردادها ممن هي في يده وعدمه، كان في الاسترداد منه كلفة أو لم يكن، كما لو كان الغاصبان معا حاضرين عند المالك وكان من في يده العين باذلا لها، (لكن) قد يشكل الحكم بالرجوع على الاول في الفرض إذ الظاهر من الرد رفع المانع عن الاخذ والمفروض عدمه. نعم لو كان الاسترداد ممن هي في يده محتاجا الى عمل جاز للمالك مطالبة الغاصب السابق لوجوب الرد عليه، ولو طلب

[ 282 ]

المالك العوض على الاسترداد فهل يتعين على الغاصب السابق دفعه إليه أو يجوز له مباشرته الاسترداد بنفسه؟ مقتضى وجوب المبادرة الى الرد الاول لان في الثاني مزبد؟ تعطيل للمال عن وصوله الى مالكه، ولا مجال للرجوع الى قاعدة الضرر لنفيه فان وجوب الرد؟ في نفسه ضرري فيؤخذ باطلاقه. نعم إذا طلب العوض الذي يكون إجحافا على الغاصب أمكن جريان القاعدة لنفيه بدعوى انصراف وجوب الرد عنه، ومن ذلك يظهر الحكم فيما لو لم يقدر على استرداد العين إلا المالك فانه يجب على بذل المعوض له على الاسترداد إلا أن يكون اجحافا على الغاصب فيتعين الرجوع الى بدل الحيلولة. فرعامه (الاول): إذا أبرأ المالك واحدا من ذوي الايدي المتعاقبة فهل له الرجوع الى غيره أولا؟ لبراءة؟ ذمة الجميع وجهان لا يخلو ثانيهما من قوة لان الحق الذي للمالك واحد سواء قلنا بثبوته في ذمة الجميع في عرض واحد أو على البدل ومرجع الابراء عن الحق الواحد؟ قطع العلقة بينه وبين الحق فلا مجال لثبوته في ذمة غير من أبرأه لان الواحد لا يقبل أن يكون موضوعا للعلقة ولا موضوعا لها (ودعوى) أن مرجع إبراء الواحد الى افراغ ذمته عن الحق الذي لا ينافي اشغال ذمة غيره (مندفعة) بأن الافراغ إنما يصح بقطع العلقة بينه وبين الحق والا فلا سلطنة للمالك على الافراغ لو لا ذلك لا حدوثا ولا بقاء لانه من المجعولات الشرعية، اللهم إلا أن يقال: انه وان كان كذلك لكنه لما كان من الاحكام الارفاقية كان منوطا بعدم إقدام المالك على خلافه فإذا اقدم المالك على افراغ ذمة الضامن المعين من دون اقدام على افراق ذمة غيره تحقق الفراغ بالنسبة إليه دون غيره، ويساعد على هذا التفكيك ارتكاز العقلاء فانهم في مقام ابراء ذمة واحد بعينه يرون لانفسهم حق الرجوع على غيره فلو قال: أبرأت ذمة زيد دون عمرو،

[ 283 ]

لا يرون ذلك تاقضا؟ منه والظاهر انه لا فرق بين البناء على كون الضمان في الجميع عرضيا وكونه بدليا لان جهة الارفاق بعد ما كانت موجبة لقصور الدليل عن شمول المقصود براؤه يخرج عن حيطة الضمان على كل حال (الثاني): إذا انتقل المضمون الى أجنبي مجانا بارث أو هبة أو بعوض ببيع أو صلح قام المنتقل إليه مقام المالك فيجوز له الرجوع على كل واحد من الضمناء، وإذا رجع الى السابق جاز له الرجوع الى اللاحق دون العكس - على حسب ما ذكر في رجوع المالك - ولو كان الانتقال الى أحد الضمناء جاز له الرجوع على اللاحق كالمالك ولم يجز له الرجوع على السابق لانه لو رجع عليه رجع هو عليه ايضا فيكون رجوعه لغوا والله سبحانه العالم بحقائق الاحكام ومنه نستمد التوفيق في البدء والختام. بيع الفضولي ماله مع مال غيره " مسألة " (لو باع) الفضولي مال نفسه ومال غيره صفقة واحدة " فان قلنا " بصحة البيع فيما يملك لو باع ما يملك وما لا يملك لعدم توجه الاشكالات الاتية تعين القول بالصحة هنا في مال نفسه سواء قلنا ببطلان الفضولي أم بصحته، رد المالك أم أجاز، إذ على تقدير البطلان - ولو للرد - يكون المقام من قبيل بيع ما يملك وما لا يملك " وان لم نقل " بالصحة هناك لتوجه بعض الاشكالات المزبورة تعين القول بالبطلان هنا (وان) اجاز المالك وقلنا بصحة الفضولي بناء على النقل أو الكشف الحكمي أو الانقلابي للزوم التبعيض في المبيع حين العقد. نعم لو قلنا بالكشف على نحو الشرط المتأخر أو نحوه مما يرجع الى الصحة من حين العقد وقد أجاز المالك تعين القول بالصحة في مال نفسه ايضا إذ لا تبعض في المبيع. هذا بالنظر الى القواعد الاولية، أما بالنظر الى الصحيح المتضمن قوله (ع): لا يجوز بيع ما لا يملك وقد وجب الشراء فيما يملك، والاجماع المحكي عن غير واحد فالمتعين

[ 284 ]

الصحة وان بني على توجه الاشكالات الاتية لعدم كونها موانع بنحو لا يمكن التشريع على خلافها، ثم ان القول بالصحة في مال نفسه على تقدير البطلان في مال غيره انما هو من حيث ضم مال غيره الى مال نفسه لا مطلقا، والا فلو كان مانع من غير هذه الجهة تعين البطلان كما لو لزم الربا كما لو باع ديناره ودرهم غيره بدينارين فانه لو بطل البيع في الدرهم لزم بيع ديناره باكثر من دينار وهو الربا، وكذا لو باع عبده الابق بضميمة من غيره فلو بطل البيع في الضميمة لزم بيع الابق بلا ضميمة وهو غير صحيح. هذا وعن الاردبيلي احتمال البطلان في مال نفسه على تقدير عدم اجازة غيره في ماله لانه انما حصل التراضي والعقد على المجموع لا على الجزء فلو صح في مال نفسه حينئذ صح بلا عقد ولا تراض، وعن الشافعي الاحتجاج للبطلان بأن اللفظة الواحدة لا يتأتى تبعيضها فاما ان يغلب الصحيح على الفاسد أو بالعكس، والثاني أولى لان تصحيح العقد في الفاسد ممتنع، وابطاله في الصحيح غير ممتنع، ولانه لو باع درهما بدرهمين أو تزوج باختين حكم بالفساد، ولان الثمن المسمى يتوزع عليهما ولا يدرى حصة كل واحد منهما عند العقد فيكون الثمن مجهولا، وقد يجاب عن الاول بأن المجموع عين الاجزاء فالرضا به والعقد عليه رضا بها وعقد عليها فينحل العقد الواحد الى العقود المتعددة بتعدد الاجزاء لانحلال موضوعه إليها لان القائم بالمتعدد متعدد، وفيه ان الكل وان كان عين الاجزاء لكنه عينها في حال الاجتماع لا مقيدابه ولا مطلقا فالجزء الذي يكون عين الكل ويكون الرضا به رضا به والعقد عليه عقدا عليه لا اطلاق فيه يشمل حال الانفراد، فلا بد في الجواب عن الاشكال المذكور ان يضم الى ذلك بأن العقد الوارد على الجملة تارة ينشأ عن غرض واحد قائم بالجملة فيكون المنشأ على نحو وحدة المطلوب، وأخرى ينشأ عن غرضين أحدهما قائم بالجملة والاخر قائم بالاجزاء فيكون المنشأ على نحو تعدد المطلوب، وحينئذ لا مانع من التفكيك بين أبعاض العقد بلحاظ أبعاض موضوعه، كما لا مانع من تحقق الرضا بكل واحد من هذه الابعاض ولو في حال الانفراد، وبذلك يظهر

[ 285 ]

اندفاع المحكي اولا عن الشافعي، واما ما ذكر ثانيا ففيه انه قياس مع الفارق لامتناع التبعيض في المقيس عليه من جهة لزوم الترجيح بلا مرجح وليس كذلك في المقام، واما اشكال لزوم جهالة الثمن فغير ظاهر لعدم قدح الجهالة في مثل ذلك وانما القادح الجهالة في المبيع التام والا فالجهالة حاصلة ولو مع الصحة في الجميع بأن اجاز غير المالك في ماله وقلنا بصحة الفضولي، ولا يلتزم الخصم بقدحها حينئذ. ثم إن صحة البيع في مال نفسه بحصة من الثمن كما ان صحته في مال غيره على تقدير الاجازة ايضا بحصة منه ولهم في معرفة الحصة والتقسيط طرق (الاول) ان يقوم كل واحد منهما منفردا فتنسب قيمة كل منهما الى مجموع القيمتين فيؤخذ من الثمن بتلك النسبة فان كان الثمن ثلاثة وكانت قيمة مال نفسه أربعة وقيمة مال غيره اثنين رجع المشتري بثلث الثمن - أعني واحدا - لان نسبة قيمة مال غيره - اعني الاثنين - الى مجموع القيمتين - اعني الستة - الثلث. وهذا هو المحكي عن المحقق والشهيد الثانيين، ونسب الى ظاهر السرائر والارشاد (الثاني) أن يقوم مجموع المالين ثم يقوم مال غيره وبعد نسبة قيمته الى قيمة المجموع يؤخذ بتلك النسبة، فإذا كان قيمة مصراعي الباب عشرة وقيمة احدهما اثنين رجع المشتري بخمس الثمن، وهذا هو المشهور المنسوب الى الاصحاب (الثالث) أن يقوم كل منهما في حال الانضمام الى الاخر ثم تنسب قيمة كل منهما الى مجموع القيمتين فيؤخذ من الثمن بتلك النسبة، مثلا إذا كان قيمة الجارية في حال الانفراد ستة وفي حال الانضمام أربعة وقيمة ابنتها بالعكس فمجموع القيمتين عشرة ويكون لمالك الجارية أربعة ولمالك البنت ستة فإذا كانت البنت مال الغير رجع المشتري بثلاثة أخماس الثمن وان كانت الجارية للغير رجع المشتري بخمسين منه. وهذه الطرق لا تختلف عملا مع عدم اختلاف قيمة ابعاض المبيع بلحاظ حالي الاجتماع والانفراد (اما مع) الاختلاف فيختلف الثاني عن الاخرين لما عرفت من رجوع المشتري في مثال مصراعي الباب بخمس الثمن على الطريق الثاني وعلى الاخرين بنصفه، ويختلف الاخير مع الاولين فيما لو كان

[ 286 ]

اختلاف القيمة بلحاظ الاجتماع والانفراد في الابعاض ليس على نحو واحد بأن كان أحدهما تزيد قيمته بالاجتماع والاخر تنقص كما في مثال الجارية وابنتها فقد عرفت انه على الاخير يرجع المشتري بثلاثة أخماس الثمن لو كانت البنت لغير البائع لكن على الاولين يرجع بخمسين منه ولو كانت الجارية لغير البائع رجع المشتري على الاخير بخمس الثمن وعلى الاولين بثلاثة اخماسه. ثم إن مرجع تقويم كل في حال الانضمام المذكور في الطريق الثالث الى تقويم مجموع المالين المذكور في الطريق الثاني فالطريقان يشتركان في ذلك وانما يختلفان في انه على الثاني يكون المنسوب الى قيمة المجموع قيمة أحدهما منفردا، وعلى الثاني قيمة أحدهما منضما، ولو أريد من تقويم احدهما منفردا ما يقابل تقويمهما جميعا فيكون قولهم: منفردا، حالا مؤكدة فلا ينافي تقويمه في حال الانضمام كما احتمله في الجواهر رجع الثاني الى الثالث (وكيف كان) فالمتعين الطريق الثالث فان الابعاض إنما قوبلت بالثمن في حال الانضمام لا مطلقا فلا بد من ملاحظته عند التقسيط فلا وجه لتقويمهما في حال الانفراد كما لا يخفى، واشكل منه الطريق الثاني المبني على ملاحظة الانضمام في تقويمهما معا وملاحظة الانفراد في تقويم مال غيره فانه مع توجه ما سبق عليه يرد عليه أن تقويم مال غيره منفردا ليس باولى من تقويم مال نفسه كذلك الموجب لكون ثمن مصراع نفسه في المثال المتقدم اثنين فيرجع عليه المشتري باربعة أخماس الثمن لا بخمس الثمن، بل هذا أولى لان ما يملكه مصراع واحد منفرد لا مجتمع، وايضا فقد يكون الاجتماع موجبا لنقصان القيمة بحيث تكون قيمته منفردا مساوية لقيمتهما معا أو أزيد فلو رجع المشتري بقيمته منفردا ربما رجع بتمام الثمن أو أكثر وهو كما ترى. هذا كله في المبيع القيمي اما المثلي فان كان مال غيره حصة مشاعة في العين قسط الثمن على حسب نسبة الحصة فان كانت نصفا رجع بنصف الثمن، وان كانت ربعا رجع بربعه، وهكذا وإن كان معينا فان تساوت قيمة الابعاض فالحكم كما في المشاع وان اختلفت فكما في القيمي، ومثله ما لو كان بعضه مثليا وبعضه قيميا، والله سبحانه ولى التوفيق.

[ 287 ]

بيع نصف الدار (مسألة) إذا باع من له نصف دار نصف تلك الدار فلا ينبغي التأمل في أنه يصح أن يقصد نصف نفسه، ونصف غيره، ونصف النصفين، ونصفا في النصفين ولو بأن يكون ربعه - أي ربع النصف - من أحدهما، وثلاثة أرباعه من الاخر أو ثلثه من أحدهما وثلثيه من الاخر أو نحوهما، وحينئذ فان علم انه قصد البيع على أحد الانحاء المذكورة عمل على مقتضاه، وان لم يعلم ذلك، بل علم أنه قصد ما هو الظاهر من اللفظ فلا بد من تحقيق ما هو الظاهر وتعيينه ليحكم بانه هو المراد للبائع (فالكلام) يكون في مقام الاثبات لا الثبوت " فنقول " أما النصف المضاف الى شئ فهو وان كان صالحا للتقييد بالاشاعة - فيراد منه النصف المشاع - والتعيين - فيراد منه النصف المعين - إلا أن حمله على الثاني يحتاج الى قرينة خاصة بخلاف حمله على الاول فانه يكفي فيه عدم القرينة على الثاني، وأما الدار المضاف إليها النصف فانها وان أمكن أن تكون ملحوظة بذاتها بلا ملاحظة أمر زائد عليها، وأن تكون ملحوظة بما هي مشتركة وموضوع للنصفين لكنها عند الاطلاق تحمل على الاول، وحملها على الثاني محتاج الى القرينة ايضا، وحيث أنه لا قرينة على ملاحظة التعيين في النصف ولا على ملاحظة الاشتراك في الدار يكون الظاهر من نصف الدار هو النصف المشاع فيها نفسها فيكون مرددا بين تمام نصف البائع وتمام نصف شريكه وبعض النصفين على السوية أو على التفاضل، وحينئذ لا مزاحم لظهور البيع في كونه لنفسه فيجب العمل عليه فيحمل على نصف نفسه كما صرح بذلك جميع من تعرض له، بل في غصب جمع المقاصد والمسالك ارساله ارسال المسلمات، بل عن الثاني نسبته الى الاصحاب كما في الجواهر، (ومما ذكرنا) يظهر أنه لا فرق بين ما نحن فيه وبين قول البائع: بعت غانما، مع كون الاسم مشتركا بين عبده وعبد غيره الذي حكي عن فخر الدين الاجماع على

[ 288 ]

انصرافه الى عبده، كما لافرق ايضا فيما ذكرنا بين كون البائع أجنبيا وكونه وكيلا على بيع النصف الاخر أو وليا على مالكه، ومن ذلك يظهر الاشكال فيما يظهر من شيخنا الاعظم (ره): من ظهور لفظ النصف في المقام في النصف المشاع في النصفين، ومعارضة هذا الظهور بظهور المبيع فيما يصح له فيه التصرف أو بظهور إنشاء البيع في البيع لنفسه فتكون المسألة ذات احتمالين احتمال تقديم الظهور الاول واحتمال تقديم الظهور الثاني. ثم قوى أن المعارض لظهور النصف هو الظهور الاول وبنى عليه الفرق بين الاجنبي والوكيل أو الولي فحكم في الاخيرين بان العمل على ظهور النصف في المشاع في النصفين لعدم المعارض لان النصف الراجع للغير في الوكيل والولي يجوز للبائع فيه التصرف فان فيه مواقع للنظر، (منها) ما عرفت من ظهور النصف في المشاع في الدار لا في النصفين، (ومنها) انه لا أصل لظهور المبيع فيما يصح فيه التصرف. نعم الاصل صحة التصرف لكنها لا تثبت كون البيع واقعا على ماله (ومنها) انه لا وجه لدعوى عدم مقاومة ظهور التصرف في الاصالة عن نفسه لظهور النصف في المشاع في النصفين - لو سلم من جهة أن ظهور المقيد وارد على ظهور المطلق - فانه ان كان المراد ان ظهور الموضوع مقدم على ظهور الحكم فليس ذلك قاعدة كلية بل المدار على تقديم الاقوى على الاضعف في صرفه إليه فقد يكون ظهور الموضوع أقوى وقد يكون ظهور الحكم اقوى ولذا كان ظهور (يرمي) مقدما على ظهور (الاسد) في قولنا: أسد يرمي، كما صرح (قده) بذلك في شرح حقيقة النقض في أدلة الاستصحاب، وان كان المراد المطلق والمقيد الاصطلاحيين فليس مما نحن فيه. هذا وربما كان نظير ما نحن فيه ما لو وهبت المرأة نصفا مشاعا من مهرها فطلقت قبل الدخول فانه وان احتمل ان يكون للزوج نصف الباقي وقيمة نصف الموهوب - بناء على أن النصف الراجع الى الزوج بالطلاق مشاع في النصفين الموهوب والباقي - لكنه غير ظاهر لان الطلاق كالفسخ في رجوع نصف المهر الى الزوج فكما أن المهر الثابت للزوجة بالعقد ذات المهر كذلك نصفها الراجع بالطلاق الى

[ 289 ]

الزوج نصف ذات المهر من دون ملاحظة امر آخر، وهو كما ينطبق على الموهوب ينطبق على الباقي ولاجل وجود المانع من رجوع الاول وعدم المانع من رجوع الثاني يتعين الثاني للرجوع الى الزوج ولا وجه للرجوع الى القيمة " ولاجل " ما ذكرنا يشكل ما هو المشهور فيما لو أقر من بيده المال لاحد المدعيين للمال بسبب موجب للشركة كالارث ولم يقر للاخر ثم صالح المقر على ذلك النصف كان النصف مشاعا في نصيبهما فان أجاز الاخر نفذ وإن رد نفذ في الربع المختص به وبطل في الربع الراجع لشريكه، إذ لا يخفى أن الاقرار - ولو لاجل كونه اخبارا من ذي اليد - إنما اقتضى ثبوت النصف للمقر له على نحو الاختصاص حسبما يدعيه المقر له ولا وجه للاشتراك فيه‌بينه وبين شريكه في سبب الملك ومجرد الاعتراف بوحدة السبب المملك لا يقتضي ذلك، فان كلا من الشريكين يعترف للاخر بملك النصف كما يدعيه كل منهما وتصديق ذى اليد أحدهما دون الاخر تثبيت لمدعاه دون الاخر لا تصديق لهما في بعض الدعوى وتكذيب في بعضها الاخر وحينئذ إذا وقع الصلح على النصف المذكور كان واردا على مال المقر له لا غير فلا يحتاج الى اجازة الاخر، ولو صالحه على نصف المال مشاعا انصرف البيع الى البيع عن نفسه فيختص بنصفه - كما عرفت في بيع من له نصف الدار نصف تلك الدار - ولذا قال في محكي جامع المقاصد: لقائل أن يقول: لا فرق بين تغاير السبب وكونه مقتضيا للتشريك في عدم الشركة لان الصلح انما هو على استحقاق المقر له وهو أمر كلي يمكن نقله من مالكه الى آخر، ولهذا لو باع أحد الورثة حصة من الارث صح ولم يتوقف على رضا الباقين. انتهى (وبالجملة) اقرار المقر له باتحاد السبب المملك وأنه موجب للشركة في العين لا يقتضي الاقرار بالاشتراك في نصيبه المشاع، بل ليس معنى الاشتراك في العين الا اختصاص كل منهما بنصيبه فالصلح عليه لا يكون صلحا على نصيب الاخر كي يتوقف نفوذه على اجازة الاخر ويكون مقتضاها الاشتراك في العوض. هذا ومقتضى ما ذكرنا انه لو كانت العين بيد اثنين فاقر أحدهما بأن ثلثها لثالث فمقتضى اضافة الثلث الى العين

[ 290 ]

ان المراد ثلث ذات العين الصالح للانطباق على الثلث، من نصفه، والثلث من نصف شريكه في اليد، والثلث من النصفين على السوية، أو التفاضل فهو متردد بين جميع ذلك وليس هنا ما يرفع التردد والاجمال كما كان في المسألة الاولى من تصرف يكون الاصل فيه صدوره على انه عن المتصرف لا غير فيبقى الاجماع مستحكما الا أن تقوم القرينة على كون المراد انه له الثلث ولنا الثلثان - يعني بيننا أثلاثا - فيكون الثلث المقر به مشاعا في النصفين على السوية فيكون للمقر له في كل من النصفين سدس، وربما تقوم القرينة على الاقرار بالثلث في نصفه كما لو قال: انا مقر بان لفلان ثلثا في الدار، فان مقتضى كونه إقرارا أنه في ماله لا في مال غيره لكن ذلك يصح مع التفاته الى اعتبار هذه الجهة في مفهوم الاقرار (وكيف كان) فلو انكر الشريك كان ظالما للمقر له بسدس - لو صح الاقرار - فلو صالح المقر أجنبيا على نصفه كان فضوليا بالنسبة الى السدس الراجع للمقر له فلو اجاز كان له في الثمن ثلثه الموازي لسدسه ولو رد بطل بالنسبة إليه فيستحق المقر من مال المصالحة ثلثيه. نعم لو كان الاستيلاء من كل من الشريكين على نصف معين فلو كان مثل هذا الاخبار حجة كان نصف مشتركا بين الثلاثة اثلاثا والاستيلاء يكون على ما هو ملك لهم على السوية، اما لو كان الاستيلاء منهما على المشاع كما لو قبضا على لجام دابة أو رباط سفينة أو نحو ذلك فالنصف الذي يكون تحت استيلاء المقر للمقر له فيه السدس كالنصف الذي تحت استيلاء المنكر ولا اشتراك بينهما الا على النحو المذكور. نعم لو انتهى الامر الى القسمة بين المقر والمنكر فان قلنا بصحة قسمة الغاصب مع الشريك للسيرة ولادلة الحرج - على ما حكي عن بعض الاكابر - كان للمقر له في النصف المفروز للمقر سدس فيقسمان النصف اثلاثا وان قلنا ببطلان القسمة - كما هو الظاهر - إذ لو سلم ثبوت الحرج فغاية ما يقتضيه دليل نفي الحرج جواز التصرف، والسيرة لم تثبت، ولو ثبتت لم تكن بنحو تكشف عن رأي المعصوم ليجب العمل عليها، أشكل الامر في النصف المفروز للمقر بل كان باقيا بنظره على الاشتراك بينهم اثلاثا ولا يجوز تصرف المقر ولا المقر له

[ 291 ]

فيه الا بطريق المقاصة - لو اجتمعت شرائطها - وحينئذ تكون نسبته اليهما على حد واحد لان كل واحد له ثلث في نصف المنكر فاستيلاؤه عدوانا على ثلثيهما في نصفه يسوغ لهما التصرف في ثلثه في نصف المقر على حد سواء، وحينئذ لو سبق احدهما الى المقاصة كان له ثلثه سواء كان المقر أو غيره، ولو ترافعا المقر له والمنكر الى الحاكم فان لم يكن للحكم موضوعية فالحكم كذلك وان قلنا بموضوعيته على نحو يتبدل الواقع بنظره وحكمه كان للمقر له سدس في نصف المقر لا غير وكذا لو اقتسم المقر والمنكر بطريق الصلح ونحوه فان مقتضى المصالحة ان يكون ثلث المنكر في النصف المفروز للمقر لا غير فلا يشاركه فيه المنكر ولو استولى المقرعلى النصف المذكور بلا اذن من المقر له لم يكن عاديا عليه في الثلث المذكور فيكون ثلثا النصف للمقر احدهما بالاصل والاخر بالصلح والثلث الثالث للمقر له. هذا ما تقتضيه القواعد في باب الاقرار. نعم عن المشهور بل عن الايضاح نسبته الى الاصحاب انه لو اقر احد الاخوين بثالث دفع إليه الزائد عما يستحقه وهو الثلث ولا يدفع إليه نصفه وكأنهم اعتمدوا في ذلك على جملة من النصوص المستفاد منها ذلك كما احتمله في الجواهر واستظهره شيخنا الاعظم (ره) فراجع وتأمل. والله سبحانه أعلم. بيع ما يقبل التملك ومالا يقبله (مسألة) لو باع في صفقة واحدة ما يقبل التملك وما لا يقبله كأن باع خمرا وخلا وشاة وخنزيرا صح فيما يقبله على المشهور بل ظاهر ما عن جامع المقاصد الاتفاق عليه وعن الغنية الاجماع عليه وتقتضيه عمومات الصحة من دون معارض وقد تقدم في مسألة بيع الفضولي مال نفسه ومال غيره دفع بعض الاشكالات الواردة في المقام فراجع، وقد استدل له شيخنا الاعظم (ره) باطلاق صحيحة الصفار المتقدمة المتضمنة انه لا يجوز بيع ما ليس بملك الشامل لعدم القابلية

[ 292 ]

للملك، وفيه أن ظاهر قول السائل فيها: فهل يصلح للمشتري ذلك وانما له بعض هذه القرية، السؤال عن نفوذ بيع ما ليس بملك من حيث كونه صادرا من غير المالك فلا نظر له الى غيرها من جهات المنع ليتمسك باطلاقه فالعمدة في وجه الصحة العمومات، وربما يقيد الحكم بالصحة بصورة جهل المشتري بالفساد إذ مع العلم به يكون المبذول بازاء ما يقبل الملك مجهولا فيبطل لكن عرفت سابقا ما فيه وانه لا يعتبر اكثر من العلم بثمن المبيع ببيع واحد. ثم ان المراد من قولهم: لا يقبل الملك، مجرد عدم صحة بيعه بالنظر الى نفسه وان كان يقبل الملك كالاناء المكسور وآلات القمار وأواني الذهب والفضة ونحوها مما لا يصح بيعه - مع أنها مملوكة ومضمونة على الغاصب لكونها مالا شرعا وعرفا وان قلنا ببطلان المعاملة عليها، ومن ذلك يظهر أن بعض المبيع الذي يبطل البيع بالاضافة إليه على اقسام (منها) ما يكون مملوكا لمالكه ومالا شرعا وعرفا كالامثلة المذكورة وان كان لا يصح بيعه (ومنها) ما لا يكون مملوكا ولا مالا شرعا وان كان مالا عرفا كالحر (ومنها) ما يكون مملوكا ولا يكون مالا شرعا وان كان مالا عرفا كالخمر بناء على جواز ملكها ولو للاستصحاب (ومنها) ما يكون مملوكا وليس بمال شرعا ولا عرفا كر ضراض الاناء المكسور، ويختص الاخير بامتناع القصد الى بيعه بناء على ما عرفت من أنه مبادلة مال بمال، ولعله خارج عن محل الكلام، فلو وقع كان ملحوظا تبعا للبعض الاخر ويكون تمام الثمن بازائه أو يكون المقصود من البيع الهبة، أو يكون بيعه مبنيا على انه مال ولو مع العلم بعدم كونه كذلك لما عرفت آنفا من أنه لا مانع من قصد البائع ايقاع البيع على عنوان مفقود. ثم إن كيفية التفسيط هنا هي الكيفية المتقدمة في بيع الفضولي مال نفسه ومال غيره، وتقويم مالا يصح بيعه لا بد أن يكون بلحاظ العنوان الذى لاحظه المشتري مصححا لبذل المال سواء أكان خطأ منه كما لو اشترى شاة وخنزيرا على انه شاة، أم عمدا كما لو اشترى عبدا وحرا تشريعا منه في كونه عبدا. فلاحظ.

[ 293 ]

ولاية الاب والجد (مسألة) لا اشكال في جواز تصرف الاب والجد له في مال الطفل بالبيع والشراء، ويدل عليه - مضافا الى الاجماع - النصوص الواردة في تقويم الاب جارية ولده الصغار ثم يصنع بها ما شاء، وما ورد في جواز اتجار الوصي بمال الطفل إذا كان قد أوصى أبوه بذلك، وفيها كفاية، وأما نصوص الاخذ من مال الولد (فمع) ان الظاهر منها الاخذ الخارجي لا التصرف الاعتباري (أن) موردها الاخذ من الكبير، ومثله قوله " ص ": أنت ومالك لابيك، فلو عمل بها لم تكن مما نحن فيه، بل في نصوص التقويم ما ورد في الكبير فلاحظ صحيح ابن محبوب الوارد في تقوم جارية البنت التي قد أهداها إليها ابوها حين زوجها، ومصحح اسحاق الوارد في تقويم جارية الابن والوقوع عليها إذا لم يكن قد مسها الاب، لكن فيما تقدم كفاية ولا سيما مع اعتضادها بالاجماع، وتأييدها بما ورد في نفوذ تزويج الاب والجد لولده بل استدل بها على المقام بالفحوى، لكن الفحوى غير ثابتة - كما أشير إليه في مبحث الفضولي - نعم النصوص الواردة في البيع والشراء مختصة بالاب فالدليل على إلحاق الجد هو الاجماع - مضافا الى ما ورد في تعليل تقديم عقد نكاح الجد على عقد الاب من التعليل بانها وأباها للجد لو أمكن العمل به في غير مورده كما هو ظاهر محكي التذكرة إذا كانا موجودين اشتركا في الولاية، وكان حكم الجد أولى، وحكاه في مفتاح الكرامة قولا واختاره وفي محكي تعليق الارشاد أن كلام الاصحاب في باب الانكحة يقتضيه، وظاهره الميل إليه. هذا وينبغي الكلام في أمور.

[ 294 ]

اعتبار العدالة (الاول): المشهور كما قيل عدم اعتبار العدالة لاطلاق الادلة والاعتماد فيه على الاصل غير ظاهر فان الاصل عدم ثبوت ولاية لفاسق أو عدم نفوذ تصرفه واصالة عدم اشتراط الولاية بالعدالة ان رجع الى اطلاق دليل الولاية فليس هو دليلا مقابلا للاطلاق، وإن رجع الى غيره فلا أصل له، وعن الوسيلة والايضاح اعتبارها، وعن الاخير الاستدلال له بانها ولاية على من لا يدفع عن نفسه ولا يعرب عن حاله، ويستحيل من حكمة الصانع أن يجعل الفاسق أمينا يقبل اقراراته واخباراته عن غيره مع نص القرآن على خلافه. انتهى (وفيه) أن مرجعه ان كان الى المانع العقلي فغير ظاهر، وإن كان الى المانع السمعي فممنوع، إذ المراد بنص القرآن ان كان آية النهي عن الركون الى الظالمين، فالتمسك بها يتوقف على كون المراد من الظالم مطلق الفاسق، وان جعل الولاية نوع من الركون إليه، وكلاهما محل تأمل كما يظهر من ملاحظة موارد الاستيمان المالكي من الوكيل والودعي وعامل المضاربة وغيرهم من الامناء - مع أن الاية لا تشمل فعل الشارع فان النهي والامر لا يشمل الناهي والامر، والاشتراك في المفسدة غير ظاهر لامكان الاختلاف ولو لوجود المزاحم - كما هو ظاهر - وقبول الاخبار والاقرار وان كان من فعل المكلف لكنه أمر آخر خارج عن مفهوم الولاية بلحاظ نفوذ التصرف وترتب الاثر عليه فلو دلت الاية الشريفة عليه أمكن تخصيصها بقاعدة: من ملك شيئا ملك الاقرار به) التي لا فرق في دليلها بين العادل والفاسق. ومن ذلك يظهر الاشكال في الاستدلال المذكور لو كان المراد آية النبأ مضافا الى الاشكال في التمسك بها على عدم قبول خبر القاسق.

[ 295 ]

اعتبار المصلحة في التصرف (الثاني): المنسوب الى المتقدمين اعتبار المصلحة في نفوذ التصرف بل استظهر من التذكرة باب الحجر نفي الخلاف فيه بين المسلمين، وقد صرح به جماعة كالشيخ في المبسوط والحلي في السرائر والفاضلين والشهيدين والمحقق الثاني وغيرهم على ما حكي، وكانه لظاهر قوله تعالى: (ولا تقربوا مال اليتيم الا بالتي هي أحسن) لكن في عمومه للاب منع لعدم صدق اليتيم مع وجوده، وحينئذ فالمرجع اطلاق دليل ولايته لكن عرفت أنه منحصر بالاجماع الذي لا مجال للرجوع إليه مع تحقق الخلاف والنص المنحصر في رواية وصية الاب بالمضاربة في مال الولد الصغير التي لا تدل على جواز التصرف مطلقا فان الاتجار بالمال مما جرت عليه طريقة العقلاء ويرونه مصلحة للمالك. نعم تدل على سقوط الضمان الثابت على الولي لولا الوصية وهو غير ما نحن فيه، ورواية تقويم الجارية، لكن ورود مثلها في الكبير مما يوهن التمسك بها في المقام، ويقوى احتمال أن يكون له سلطنة على التصرف الراجع إليه، نظير ما ورد في الاخذ من مال الولد الكبير بغير اذنه فانه وان بني على تقييده بما دل على اعتبار أن لا يكون فيه سرف - كما في صحيح ابن مسلم وخبر ابن ابي العلا - أو كونه بالمعروف - كما في خبر علي بن جعفر - أو كونه مما لا بد منه معللا بأن الله لا يحب الفساد - كما في صحيح الثمالي - لكن ظهوره في عدم اعتبار الاذن لا مجال لانكاره ولا سيما بملاحظة التفصيل بين الوالد وبين الولد والوالدة فلا يمكن التعدي الى مطلق التصرف في مال الولد ولو لم يرجع إليه فلا إطلاق يدل على جواز التصرف ولو لم يكن مصلحة للولد وحينئذ فاصالة عدم ثبوت الولاية مع عدم المصلحة أو عدم نفوذ التصرف لا مانع من العمل بها - مع أنه لو تم الاطلاق الدال على جواز التصرف ولو مع عدم المصلحة فظاهر الاية اعتبار المصلحة في الجد، وبضميمة عدم الفصل تكون معارضة للاطلاق المذكور بالعموم من وجه، والمرجع

[ 296 ]

اصالة عدم الولاية أيضا، واحتمال الفصل منفي بالتعليل في رواية تقديم عقد الجد على عقد الاب فتأمل جيدا. نعم قد يأتي في ولاية غيرهما ما يدل على جواز التصرف ولو مع عدم المصلحة فدلالته على الجواز في الاب بالفحوى لكنه محل تأمل واشكال. فانتظر. مشاركة الجد للاب (الثالث): الظاهر انه لا خلاف في أن الجد وان علا يشارك الاب في الولاية وان اختلف في اعتبار حياة الاب فى ولاية الجد في عقد النكاح - كما عن كثير من الفدماء - اعتمادا على موثق الفضل بن عبد الملك عن ابي عبد الله: إن الجد إذا روج ابنة ابنه وكان ابوها حيا وكان الجد مرضيا جاز، بناء منهم على أن مفهوم القضية الشرعية عدم جواز عقد الجد الذا لم يكن أبوها حيا، وفيه أن المفهوم من قبيل مفهوم الوصف - كما حكاه في الجواهر عن بعض - لا مفهوم الشرط - كما اختاره فيها - لان الشرطية مسوقة لتحقيق الموضوع فلا تفيد المفهوم ومفهوم الوصف غير ثابت وحينئذ فالمرجع اطلاق دليل ولايته من النصوص الذي منه ربما يستفاد حكم المقام، ولو فقد الاب فهل تختص الولاية بالجد الادنى لقوله تعالى: (واولوا الارحام بعضهم أولى ببعض) فانه وان كان ظاهرا في نفسه في أولوية الارحام من الاباعد ويقتضيه الاستشهاد به في بعض النصوص على ذلك إلا ان الاستشهاد به في بعض النصوص الاخر على اولوية الاقرب من غيره من الارحام يدل على أن المراد به ما يعم الامرين بان تكون القرابة بذاتها وبمراتبها المختلفة شدة وضعفا موجبة للاولوية ومقتضاه أولوية الجد الادنى من الاعلى، ولا ينافي ذلك مشاركة الاب والجد الاعلى في الولاية لامكان أن يكون ذلك للدليل الخاص الموجب للخروج عن ظاهره فيقتصر على مورده لا غيره (وفيه) أن الجهة الملحوظة في الاولوية في الاية الشريفة لا تشمل الولاية، ضرورة عدم ثبوتها

[ 297 ]

لغير الاب والجد من الارحام، وأن ثبوتها لهما على سبيل المشاركة ولا سيما مع ملاحظة تقدم عقد الجد على عقد الاب فلا تكون الاية مرجعا فيها اصلا. نعم لما كان إطلاق دليل الولاية منحصرا بالنصوص الواردة في النكاح فان أمكن التعدي منه الى المقام - كما عرفت - فهو وإلا أشكل البناء على ثبوت الولاية للاعلى إذ هو خلاف اصالة عدم ثبوتها الا ان يرجع الى استصحاب ثبوتها له قبل موت الاب فلاحظ وتأمل مسألة من جملة أولياء التصرف في مال غيره في الجملة الحاكم الشرعي وهو الفقيه الجامع لشرائط الفتوى [ فنقول ]: الولاية تتصور باحد معنيين (الاول) استقلاله بالتصرف على نحو يكفي في نفوذ تصرفه مجرد نظره بلا حاجة الى اذن من غيره (الثاني) عدم صحة تصرف غيره بدون إذنه فيكون نظره شرطا في نفوذ تصرف غيره. هذا ولاجل أن ولايته مجعولة من قبل الشارع، وأن من جملة ما يستدل به عليها ما دل على أنهم ورثة الانبياء كان المتعين النظر في مقدار ولاية النبي " ص " والائمة عليهم السلام. ولاية النبي والامام (ع) (فنقول): مقتضى قوله تعالى: (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم) ونحوه مثل قوله " ص " في رواية أيوب بن عطية: أنا أولى بكل مؤمن من نفسه، وقوله (ص) - في حديث الغدير -: ألست أولى بكم من أنفسكم؟ قالوا: بلى قال: من كنت مولاه فهذا علي مولاه، ثبوت الولاية للنبي " ص " والامام على النفوس، ومقتضى عدم الفصل والاولوية ثبوت الولاية على الاموال ايضا،

[ 298 ]

(ودعوى) قوة احتمال الاختصاص بصورة التزاحم إما للانصراف، أو لان الولاية لا تقبل الشدة والضعف فلا بد أن يكون التفضيل مجازيا، والمراد ثبوت الولاية عند التزاحم للنبي (ص) وانتفاؤها عن غيره (مدفوعة) بأن الانصراف ليس بنحو يعتد به في رفع اليد عن إطلاق الكلام، وعدم قبول الولاية للشدة والضعف غير ثابت، وظهور الكلام يقتضيه فالعمل عليه متعين وكون المعهود من سيرتهم في الناس على حد سيرة بعضهم مع بعض من الاستئذان من البالغة الرشيدة في تزويجها، وبيع مال الغير باذنه ونحو ذلك أعم لجواز عدم تعلق إرادتهم بالتصرف على نحو الاستقلال. هذا وأما الاستدلال على ذلك بما دل على وجوب اطاعتهم وحرمة مخالفتهم مثل قوله تعالى: أطيعوا الله ورسوله... الاية، وقوله تعالى: فليحذر الذين يخالفون عن أمره.. الاية، ونحوه فغير ظاهر لعدم دلالته على الولاية بالمعنى المذكور فادراج مثل ذلك في سلك الادلة كما ترى، ومثله الاستدلال بالعقل لحكمه بوجوب شكر المنعم بعد معرفة أنهم - عليهم الصلاة والسلام - أولياء النعم، أو من جهة أن الابوة إذا اقتضت وجوب الاطاعة فالنبوة والامامة أولى أن تقتضي ذلك، فان الدليل المذكور ايضا راجع الى تحقيق وجوب الاطاعة لاغير - كما لعله ظاهر - وأما ثبوت الولاية بالمعنى الثاني فقد ثبت في جملة من التصرفات كالحدود والتعزيرات والحكومات وغيرها لما ورد من أنها لامام المسلمين، وتحقيق ذلك موقوف على مراجعة الادلة الخاصة الواردة في تلك الموارد. نعم لو لم يتم الدليل على ذلك كان المرجع إما اطلاق دليل الجواز أو دليل المنع - ان كان - و إلا كان المرجع أصل الجواز، إلا أن لا يصح الرجوع الى الاصل حيث يمكن الرجوع الى الامام فان الاصول الجارية في الشبهات الحكمية يتوقف العمل بها على الفحص اللازم، ومع التمكن من الرجوع الى الامام يتعين الفحص بالرجوع إليه كما لا يخفى.

[ 299 ]

ولاية الحاكم الشرعي (وأما) ولاية الحاكم فقد قيل بثبوتها اعتمادا على ما ورد في شأن العلماء مثل ما رواه في البحار عن الصدوق في الامالي وثواب الاعمال والصفار في بصائر الدرجات والمفيد في الاختصاص وفى بعضها صحيح السند وفى آخر مصحح بابراهيم بن هاشم مع تفاوت في المتن يسير: ان العلماء ورثة الانبياء إن الانبياء لم يوورثوا دينارا ولا درهما، ولكن ورثوا العلم فمن أخذ منه أخذ بحظ وافر، وما في البحار عن الغوالي عن النبي " ص ": الفقهاء أمناء الرسل ما لم يدخلوا في الدنيا، وما عن تحف العقول عن الحسين بن علي (ع): مجارى الامور والاحكام على أيدي العلماء بالله الامناء على حلاله وحرامه، والمرسل في مكاسب شيخها الاعظم: علماء أمتي كأنبياء بني اسرائيل، وعن جامع الاخبار انه " ص " قال: أفتخر يوم القيامة بعلماء أمتي فاقول: علماء أمتي كسائر الانبياء قبلي، وقريب منه ما عن الرضوي، وما عن نهج البلاغة، أولى بالانبياء أعلمهم بما جاءوا به، وما رواه في البحار عن الامالي والعيون ومعاني الاخبار باسانيد مختلفة، وعن الغوالي وصحيفة الرضا (ع) عن النبي " ص " انه قال " ص ": اللهم ارحم خلفائي، ثلاثا، قيل: يا رسول الله ومن خلفاؤك؟ قال " ص ": الذين يأتون من بعدي يروون حديثي وسنتي، وما في مقبولة ابن حنظلة: قد جعلته عليكم حاكما، وفى مشهورة أبي خديجة: جعلته عليكم قاضيا، والتوقيع الرفيع المروي عن! كمال الدين وكتاب الغيبة واحتجاج الطبرسي: وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها الى رواة حديثا فانهم حجتي عليكم وأنا حجة الله تعالى، هذا ولا يخفى أن ما ورد في شأن العلماء - مع ضعف سند بعضه - قاصر الدلالة على ثبوت الولاية بالمعنى المقصود فان الاول صريح في ارث العلم، والثاني ظاهر في الائتمان على الاحكام وتبليغها، والثالث لا تخلو من اجمال مع أن العلماء بالله غير العلماء بالاحكام الذين هم موضوع البحث، والرابع ظاهر فيما

[ 300 ]

هو ظاهر الثاني كما يناسبه جدا التشبيه بانبياء بني اسرائيل لا بنفس النبي (ص)، ومثله الخامس، والسادس لا يخلو من اجمال في الاولوية - مع أن موضوعه الاعلم المطلق لا مطلق العالم، والسابع ظاهر في الاستخلاف في رواية الحديث والسنة (وبالجملة): النصوص المذكورة ظاهرة في خصوص الوظيفة الدينية البحتة، وأما الحاكم في المقبولة فالظاهر منه من له وظيفة الحكم إما بمعنى الحكم بين الناس فيختص بفصل الخصومة أو مطلقا فيشمل الفتوى - كما يناسبه العدول عن التعبير بالحكم الى التعبير بالحاكم - حيث قال (ع): فليرضوا به حكما فاني قد جعلته عليكم حاكما - مضافا الى ما يأتي مثله في المشهورة وليس له ظهور بمعنى السلطان أو الامير كي يكون له ولاية التصرف في الامور العامة فضلا عن أن يكون بمعنى من له الولاية المطلقة بالتصرف في النفوس والاموال (ودعوى) أن إطلاق الحكم الذي جعل من وظائفه يقتضي ذلك فان قولنا: زيد له الحكم، مثل قولنا: زيد له الامر، ظاهر في نفوذ جميع تصرفاته التشريعية والتكوينية، (مدفوعة) بان ذلك المعنى يأباه قوله (ع): فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه... الخ فانه ظاهر في الحكم المتعلق بفعل المكلف فلا حظ، وأشكل منها المشهورة فان جعله قاضيا فيها إنما يقتضي أن يكون له وظيفة القضاة من فصل الخصومة فقط أو ما يعمه وبعض الامور الاخر مثل الولاية على أخذ الحق من المماطل، وحبسه، وبيع ماله. والتصرف في مال القصير ونصب القيم عليه، ونحو ذلك مما ثبت كونه من وظائف القضاة في عصر صدور الرواية المذكورة، بل قد يستشكل في تعميمه لذلك من جهة خصوص مورده بالخصومة لكن يدفعه انه لو كان مختصا بذلك لكان يكفي فيه قوله (ع): اجعلوا بينكم رجلا قد عرف حلالنا وحرامنا، ولا حاجة الى ضم قوله (ع): فاني قد جعلته عليكم قاضيا، فذلك شاهد بأن المراد تشبيق جعله قاضيا في المورد شبه الكبرى الكلية التي يكون المورد من صغرياتها (وكيف كان) فغاية ما تدل عليه المشهورة ان المجعول للفقيه وظيفة القاضي مطلقا، ومن المعلوم أن الولاية بالمعنى الذي هو محل الكلام ليس منها (وأما) التوقيع الرفيع فاجمال

[ 301 ]

الحوادث المسئول عنها مانع من التمسك به، إذ من المحتمل أن يكون المراد منها الحوادث المجهولة الحكم، ويكون الرجوع الى الرواة لمعرفة حكمها، ولا ينافي ذلك وكول نفس الحادثة إليه من أجل أنه لو كان المراد الرجوع في حكمها كان المتعين التعبير بقوله: ارجعوا في حكمها الى رواة حديثنا، وجه عدم المنافاة أنه لا بد من ارتكاب التقدير على كل حال إذ الحادثة الواقعة لا معنى لا يكال نفسها الى الغير لانه تحصيل الحاصل فالمراد إما إيكال حكمها أو ايكال الشأن اللازم فيها إليه وتعين الثاني غير ظاهر، كما لا ينافى ذلك ايضا ما يقال من ان الرجوع الى العلماء في معرفة الاحكام من البديهيات التي لا تخفى على مثل اسحاق فكيف يمكن أن يكتبه في مسائل اشكلت عليه، إذ فيه أنه يكفي في السؤال احتمال الارجاع الى صنف خاص من العلماء وإذا صدر السؤال عن ذلك من جماعة كعبد العزيز بن المهتدي: سألت الرضا (ع) فقلت: اني لا ألقاك في كل وقت فعمن آخذ معالم ديني؟ فقال " ع ": خذ عن يونس بن عبد الرحمن، وكعلي بن المسيب الهمداني حيث قال للرضا " ع ": شقتي بعيدة ولست أصل اليك في كل وقت فممن آخذ معالم ديني؟ قال " ع ": من زكريا بن آدم القمي، ونحوهما غيرهما كما لا ينافي ذلك أيضا التعليل بقوله " ع ": فانهم حجتي عليكم، فانه يناسب الامور الراجعة إليه " ع " التي هي من منصبه، ولو كان المراد الرجوع في الحكم كان المناسب التعبير بقوله (ع): فانهم حجة الله تعالى، وجه عدم المنافاة أنه يكفي مصححا للتعبير المذكور كونه واسطة في الارجاع المذكور بل التعبير بالحجة يناسب التكليف جدا إذ الحجة ما يكون قاطعا للعذر ومصححا للعقاب وذلك انما يكون في التكليف فانه المستتبع له كما لا يخفى، فالتعليل من هذه الجهة على الخلاف أدل نعم ظاهر التعبير بالحوادث الواقعة أن المراد منها الحوادث الاتفاقية لا الاعمال اليومية المستمرة وتخصيصها بالسؤال يقتضي اختصاصها بالجهة المسؤول عنها وتعيين المرجع في معرفة حكمها مما لا يختص بها فلا بد أن يكون المسئول عنه أمرا غير الحكم، وبقرينة الجواب يعلم ان المراد السؤال عمن يقوم بشئون تلك الحوادث،

[ 302 ]

ووظائفها، ولكن يدفعه ايضا أن من الجائز أن من الجائز أن تكون الاعمال اليومية التي استمر عليها مما اتضح له حكمها بمراجعته " ع " ولو بواسطة علمية و يكون سؤاله عن الحوادث الاتفاقية التي لم تكن محل الابتلاء له الى حين السؤال التي اختصت من بين الاعمال بجهل الحكم ولذلك اختصت بالسؤال (وبالجملة): لا ينبغى التأمل في اجمال التوقيع الشريف فلا مجال للركوم إليه في اثبات الولاية في الامور العامة للفقيه فضلا عن صلاحيته لاثبات الولاية العامة - كما هو محل الكلام - ومن ذلك تعرف أن التوقيع الشريف أجنبي عن انبات الولاية بالمعنى الثاني للفقيه. نعم مشهورة أبي خديجة تقتضي أن ما يكون من وظائف القضاة فهو من وظائف الفقيه فلا بد من رجوع غيره إليه فيها ولا يجوز تصرفه الا باذنه وعليه يحتاج الى تحقيق ما هو من وظائف القاضي وتعيينه ليجري عليه الحكم المذكور وتكون المشهورة جينئذ مقيدة لاطلاق دليل مشروعيته في حق غير الفقيه بصورة اذن الفقيه له فيه. هذا لو كان دليل على مشروعيته مطلقا وإلا فلو كان مقتضى الاصل أو العموم عدم مشروعيته حتى بالنسبة الى الفقيه كانت المشهورة دليلا على المشروعية بالنسبة الى الفقيه وغيره باذنه أما ما لم يثبت كونه من وظائف القضاة فلا مجال للرجوع فيه الى المشهورة بل المرجع إطلاق دليل مشروعيته أو عدمها للفقيه وغيره لو كان، ولو لم يكن فالمرجع فيه الاصل المقتضي للجواز أو الحرمة على اختلاف المقامات. نعم لو علم بمشروعيته في الجملة وشك في اعتبار اذن الفقيه فان كان مقتضى الاصل الجواز كان مقتضاه عدم اعتبار اذن الفقيه، وإن كان مقتضى الاصل اعتبار اذنه كما لو علم بوجوب التصرف وشك في وجوبه على جميع المكلفين كفاية أو على خصوص الفقيه عينا كان مقتضى الاصل الثاني للشك في سقوط التكليف المتوجه إليه بفعل غيره، ولعل من ذلك التصرف في أموال الغائبين والمجانين والمغمى عليهم والاموات الذين لا ولي لهم، وملك المسلمين كافة كالارض الخراجية ونحو ذلك من الموارد التي يعلم بوجوب التصرف فيها أو بمشروعيته لئلا يلزم الفساد فانه إذا علم بالمشروعية وشك في اطلاقها أو اختصاصها بالفقيه كان مقتضى الاصل الثاني،

[ 303 ]

وكذا لو علم بالوجوب وشك في كونه كفائيا أو عينيا على الفقيه فلاحظ، وأما الروايات المتضمنة أن كل معروف صدقة وأن عون الضعيف من أفضل الصدقة فهي لا تصلح لتشريع مثل البيع والشراء والتزويج ونحوها من التصرف الاعتباري لان الشك في الولاية يستوجب الشك في تحقق العون والمعروف ومع الشك في عنوان العام يسقط عن الحجية ول يصلح لاثبات موضوعه. نعم اطلاق مثل ذلك يكفي في تشريع التصرفات الخارجية مثل حفظ، عن التلف والضياع لصدق المعروف عليه قطعا. ثم انه قد اشتهر في الالسن وتداول في بعض الكتب كما في كلام شيخنا الاعظم (ره) بل نسبت روايته عن النبي " ص " الى كتب الخاصة والعامة: السلطان ولي من لا ولي له، والظاهر منه ثبوت الولاية للسلطان في كل ما يحتاج الى ولي والاستدلال به لما نحن فيه من ثبوت الولاية للفقيه في ذلك موقوف على عموم النيابة وقد عرفت أنه غير ثابت. ولاية العدول (مسألة) في ولاية عدول المؤمنين، قد عرفت أن مقتضى المشهورة وجوب الرجوع الى الفقيه في كل ما هو وظيفة القضاة، ومقتضى ذلك انتفاء الولاية عن غيره من سائر المكلفين عدولا كانوا أو غيرهم كما أن مقتضى اطلاقها عدم الفرق بين صورة القدرة على الرجوع الى الفقيه وعدمها، وأما ما لم يكن من وظائف القضاة فان كان اطلاق يقتضي مشروعيته ولو مع القدرة على الرجوع الى الفقيه كان هو المعتمد، وإلا فان كان اطلاق يقتضي المنع عنه تعين المنع عنه والا كان المرجع في مشروعيته وعدمها الاصل المقتضي للجواز تارة والمنع أخرى من غير فرق في ذلك بين العدول وغيرهم والثقات وغيرهم. نعم ربما يعلم من مذاق الشارع رجحان بعض التصرفات التي يكون مقتضى الاصل أو الدليل عدم جوازها فيتعين العمل بالعلم وبه يخرج عن دليل المنع، واحتمال اعتبار اذن الفقيه ساقط

[ 304 ]

بالتعذر لانه خلف فيجوز لمن علم ذلك التصرف بل قد يجب إذا علم وجوبه. نعم لو احتمل اعتبار اذن العادل أو الثقة مثلا في جواز التصرف تعين الرجوع إليه كما تقدم مثل ذلك في ولاية الفقيه، كما تقدم ايضا انه لو شك في وجوبه على العدل تعيينا أو كفاية كان المرجع للعدل قاعدة الاشتغال، ولغيره أصل البراءة ولعل لذلك خص المشهور الولاية بالعدل، وربما يستدل لهم بصحيح اسماعيل بن سعد: سألت الرضا (ع) عن رجل مات.... الى أن قال: وعن الرجل يموت بغير وصية وله ولد صغار وكبار أيحل شراء شئ من خدمه ومتاعه من غير أن يتولى القاضي بيع ذلك؟ فان تولاه قاض قد تواضوا به ولم يستعمله الخليفة أيطيب الشراء منه أم لا؟ فقال (ع): إذا كان الا كابر من ولده معه في البيع فلا باس إذا رضي الورثة بالبيع وقام عدل في ذلك، لكنه بظاهره لا يخلو من اشكال لظهور القاضي الذي قد تراضوا به في القاضي الشرعي الذي له الولاية على مال الصغير مطلقا وان لم ينضم إليه العدل اجماعا، وحمله على القاضي غير الشرعي لا داعي إليه - مع أنه مطلق من حيث التمكن من الرجوع الى الفقيه وعدمه، وكون البيع مما لابد منه لئلا يحصل الضرر وعدمه، فالحمل على خصوص صورة عدم التمكن من الرجوع الى الفقيه مع كون ترك البيع ضررا. ثم الاستدلال به على ما نحن فيه كما ترى. اللهم الا أن يكون للاجماع أو لانه مقتضى الجمع بينه وبين ما دل على كون مثل هذا التصرف من وظائف الفقيه لا غير فيتعين الحمل على صورة عدم التمكن منه، ومثله في الاشكال الاستدلال بصحيح علي بن رئاب على كفاية الامانة وملاحظة مصلحة اليتيم قال: سألت أبا الحسن موسى (ع) عن رجل بيني وبينه قرابة مات وترك أولادا صغارا وترك مماليك وغلمانا وجواري ولم يوص فما ترى فيمن يشتري منهم الجارية فيتخذها أم ولد؟ فقال (ع): لا باس بذلك إذا باع عليهم القيم لهم الناظر فيما يصلحهم... الحديث فان الولي القيم ظاهر في الشرعي فلا

[ 305 ]

تكون مما نحن فيه. اللهم إلا أن يكون قوله (ع): الناظر فيما يصلحهم، تفسيرا للقيم بقرينة السؤال الظاهر في تحير السائل، ولو كان هناك ولي شرعي لم يكن موجب للسؤال والتحير، وأما صحيح ابن بزيع: رجل مات من أصحابنا ولم يوص فرفع أمره الى قاضي الكوفة فصير عبد الحميد القيم بما له وكان الرجل خلف ورثة صغارا ومتاعا وجواري فباع عبد الحميد المتاع فلما أراد بيع الجواري ضعف قلبه عن بيعهن إذ لم يكن الميت صير إليه وصية، وكان قيامه فيها بامر القاضي لانه فروج قال: فذكرت ذلك لابي جعفر (ع) وقلت له... الى أن قال: فقال عليه السلام: إذا كان القيم به مثلك ومثل عبد الحميد فلا بأس به، فجهة المماثلة محتملة لوجوه كالتشيع والفقاهة والوثاقة والعدالة (وتعيين) الاخير لان الحمل على الثالث يستلزم ثبوت البأس مع انتفائه ولو مع تعذر الفقيه ولا يمكن الالتزام به فيتعين الحمل على الثلاثة الاخر، ولاجل اختلافها بالعموم والخصوص يقتصر على الاخص وهو الاخير لانه المتيقن (فيه) أولا أنه لم يفرض في السؤال لا بدية البيع وحينئذ لا بأس بالالتزام بثبوت الباس في البنيع مع انتفاء الفقاهة ولو مع التعذر بالحمل على فرض عدم اللابدية للبيع، بل لعل ترك التعرض لذلك في السؤال قرينة على عدمها لاهمية دخلها في جواز البيع (وثانيا) أن الحمل على العدالة ياباه تصرف عبد الحميد بالبيع بمجرد نصب القاضى له كما يظهر من توقفه من بيع الجواري لانهن فروج ولا ينافي ذلك ما عن بعض نسخ التهذيب من توصيف عبد الحميد بانه ابن سالم الذي قد نص على توثيقه جماعة (أولا) أن المحكي عن بعض النسخ خلوه عن ذلك (وثانيا) أنه لا يقتضي اتحاده مع ابن سالم العطار لجواز مغايرتهما، وليس كل مسمى عبد الحميد بن سالم مذكورا في كتب الرجال - مع أن في توثيقه اشكالا كما يظهر من ملاحظة كتب الرجال (وثالثا) ان الوثاقة أعم من العدالة، ومن هنا يشكل الحمل على الفقاهة فان العدالة شرط في ولاية الفقيه وعليه فجعل الرواية دليلا على الاكتفاء بالوثاقة لا غير أولى لكن موردها خصوص المنصوب من قبل القاضي فتأمل. نعم موثق سماعة: في رجل مات وله

[ 306 ]

بنون وبنات صغار وكبار من غير وصية وله خدم ومماليك كيف يصنع الورثة بقسمة ذلك؟ قال " ع ": إن قام رجل ثقة قاسمهم ذلك كله فلا باس، دال على الاكتفاء بالوثاقة واطلاقه يقتضي عدم الفرق بين امكان الرجوع الى الفقيه وعدمه ولا بدية القسمة وعدمها، لكن مورده خصوص القسمة، فالعمل باطلاقه مع الاقتصار على مورده في محله إلا أن يقوم اجماع على خلافه " وأما " حسنة الكاهلي. قلت لابي عبد الله " ع ": إنا لندخل على أخ لنافى بيت أيتام ومعه خادم لهم فنقعد على بساطهم ونشرب من مائهم ويخدمنا خادمهم وربما طعمنا فيه الطعام من عند صاحبنا وفيه من طعامهم فما ترى في ذلك؟ قال (ع): إن كان في دخولكم عليهم منفعة لهم فلا باس وان كان فيه ضرر فلا، فالظاهر منها السؤال عن تصرف الولي بالاذن في الدخول في دارهم وأكل طعامهم وشرب مائهم واستخدام خادمهم لا في تصرفهم الابتدائي فلا تكون مما نحن فيه. هذا والذي ينبغي ان يقال: أن النصوص المتقدمة بين ما يظهر منه اعتبار العدالة وبين ما يظهر منه الاكتفاء بالوثاقة والجمع العرفي بينهما وان كان هو التقييد والعمل على الاول لكن عرفت إباء صحيح ابن بزيع عن ذلك فلا يبعد البناء على الاكتفاء بالوثاقة ولا سيما بملاحظة قرينة مناسبة الحكم وموضوعه. هذا كله بعد البناء على الغض عن بعض الاشكالات السابقة لامكان اندفاعها بعد التأمل فلاحظ. هذا وظاهر شيخنا الاعظم (ره) حمل مادل على الاكتفاء بالامانة، وملاحظة مصلحة اليتيم على صحة التصرف وجوازه واقعا، وحمل مادل على اعتبار العدالة على اعتبارها على نحو الطريقية في ترتيب الاثر على التصرف بالنسبة الى غير المتصرف فلو علم كون التصرف على نحو المصلحة جاز ترتيب الاثر ولو كان صادرا من الفاسق (وفيه) أن الاصل في الوصف المأخوذ قيدا أن يكون قيدا للحكم الواقعي لا الظاهري - مع أن قول السائل في صحيح اسماعيل: أيطيب الشراء منه؟. لو كان ظاهرا في الطيب الظاهري، وكذا قوله: أيحل الشراء، فمثله موجود في صحيح ابن رئاب وغيره لقول السائل فيه: فما ترى فيمن يشتري منهم... الخ وقول السائل

[ 307 ]

في موثق سماعة: كيف يصنع الورثة.. الخ فان المراد منه ترتيب الورثة الكبار الاثر على القسمة - مع أن رواية ابن بزيع خالية عن التعبير بمثل ذلك وظاهرة في حكم التصرف نفسه فتأمل (وبالجملة): فهذا الجمع مما لا قرينة عليه، ومثله في الاشكال ما يظهر منه (قده) من الفرق بين تصرف العادل وتصرف الفاسق وأنه يجوز ترتيب الاثر على الاول كالشراء منه ولا يجوز في الثاني لعدم حجية خبره، وعدم جريان اصالة الصحة في تصرفه لان الاثر لم يحمل على التصرف الصحيح، وإنما حمل على إصلاح المال ولا يمكن احرازه باصالة الصحة، لان الاصلاح من قبيل المقوم للفعل لا من قبيل المصحح فالشك فيه نظير الشك في أصل وجود الصلاة على الميت لا نظير الشك في صحتها بعد احراز وجودها (وجه) الاشكال (أولا) عدم ثبوت حجية قول العادل في المقام (وثانيا) أن الاصلاح من قبيل شرط الصحة لانه شرط الاذن في ايقاع التصرف وليس من قبيل المقوم، ومثله لو شك المشتري في بلوغ البائع. نعم لو كانت المصلحة شرطا في كل من الايجاب والقبول فاصالة صحة الايجاب لا تثبت شرط القبول الابناء على الاصل المثبت، ولعل هذا هو العمدة في عدم ترتيب أثر الصحة بمجرد تصرف الفاسق، ومن هنا يكون الحكم في المقام أشكل من فرض الشك في بلوغ البائع لان البلوغ إنما يكون شرطا في صحة الايقاع، فبلوغ البائع شرط في ايجابه وبلوغ المشتري شرط في قبوله، فبطلان قبول البالغ لايجاب غير البالغ لبطلان الايجاب لا لفقد شرط القبول بخلاف المقام فان تمليك مال اليتيم تصرف فيه وقرب إليه، كما أن تملكه كذلك والتصرف الخاص - أعني البيعي - قائم لكل؟ منهما فعدم المصلحة مانع من صحة كل منهما في عرض الاخر لا في طوله ولا فرق في هذه الجهة بين العادل والفاسق. نعم لو كانت العين في يد أحدهما فباعها كان بيعها إخبارا فعليا بجوازه وبكونه مصلحة فيمكن قبوله من باب إخبار ذي اليد من دون فرق بين العادل والفاسق، ومثله في ذلك ما لو أذن المالك في بيع ماله بشرط المصلحة فان مجرد بيعه انشاء لا يكفى في صحة القبول. نعم لو كان المالك قد جعل نظر

[ 308 ]

المأذون طريقا الى وجود المصلحة فاخبر بان نظره أن البيع مصلحة كان إخباره حجة، كما في كل ناظر فانه مؤتمن على نظره يقبل خبره فيه فلو باع إنشاء كان بيعه اخبارا فعليا عن كون نظره أن البيع مصلحة فيجوز الشراء منه لثبوت نظره ولو تعبدا فلاحظ وتأمل " وينبغي " التعرض لامور. تنبيهات في الولاية (الاول) أنه حيث يجوز التصرف لاحد فان كان تصرفا خارجيا كان المجعول تكليفا محضا، وان كان اعتباريا من بيع ونحوه فالمجعول يكون حكما وضعيا وهو السلطنة على ايقاعه، وحينئذ يكون المتصرف وليا في قبال الحاكم اونائبا عنه ولا يظهر تعين احد المحتملين لقصور دليل الجعل عن افادة ذلك. نعم لو ان المراد النيابة عن الحاكم الموجود ولو كان الجعل لتعذر الوصول إليه فاطلاق الروايات ينفيها (الثاني) لو سبق واحد من العدول مثلا الى التصدي لبيع مال اليتيم (مثلا) فهل يجوز للاخر مزاحمته بان يسبقه الى بيعه فينفذ بيعه؟ وجهان مبنيان على اطلاق دليل الولاية بنحو يشمل ذلك وعدمه فان كان المستند النصوص فلا يبعد اطلاقها وان كان المستند الاجماع أو قضاء الضرورة فلا يبعد اهمالها. وحينئذ يكون المرجع اصالة عدم الولاية لا استصحاب ثبوتها قبل التصدي لان الشك سار الى ذلك الحين لاحتمال اختصاص الولاية بالواقعة التي لا يتصدى فيها العدل فالمرجع استصحاب العدم لا الثبوت (الثالث) الظاهر أن الحكم المذكور يجري في حكام الشرع فان كانت الواقعة مما ثبت النصب فيها بدليل لفظي - كما في الوقائع التي يرجع فيها الى القضاة - جازت المزاحمة على النحو السابق، وان كانت مما استفيد النصب فيها من اجماع أو نحوه لم تجز (ودعوى) انه لو كان المستند عموم النيابة المتضمن أن فعل الفقيه كفعل الامام " ع " ونظره كنظره لم تجز المزاحمة لان تصدي الحاكم يكون كتصدي

[ 309 ]

الامام، فتصدى الاخير يكون مزاحمة للامام وهي غير جائزة (فيها) أن موضوع النيابة هو ما يكون موضوعا للاثر الشرعي فيختص بالتصرف نفسه كالبيع ونحوه ولا يشمل مقدماته العرفية كالعرض للبيع ونحوه، فالمدعى ان كان هو المزاحمة في موضوع النيابة فهو ممنوع جدا لفرض عدم وقوعه من الفقيه الاول وقد سبق إليه الثاني، وان كان في مقدماته فلا يقدح في نفوذ تصرف الثاني لما عرفت من ان المقدمات ليست موضوعا للنيابة كي تكون مزاحمة الثاني للاول فيها مزاحمة للامام (وأما) كون نظره كنظر الامام وأمره كأمر الامام فلا يجدي في منع المزاحمة لان اعتبار نظره وأمره من باب الطريقية لا على نحو الموضوعية فمع علم الثاني بخطأ نظره ومخالفة أمره للمصلحة لا اعتبار بامره ولا بنظره، فإذا أدى نظر الفقيه الثاني الى خلاف نظر الاول تعين عليه العمل بنظره ومخالفة الاول ولو كان قد أدى نظر فقيه الى بيع المال من زيد فشرع في مقدماته فسبقه الثاني الى البيع من زيد لم يكن بيع الثاني مخالفا لنظر الاول كي يتوجه الشبهة بأن مخالفته مخالفة لنظر الامام فلا مانع من صحته كما لا يخفى، (الرابع) قد عرفت فيما سبق ان المشهور المدعى عليه الاجماع ظاهرا أو صريحا في كلام غير واحد اعتبار المصلحة في التصرف في مال اليتيم وان كان المتصرف أبا أو جدا فهل يعتبر ذلك في تصرف الحاكم أو العدل أوالثقه؟ أو يكفي عدم المفسدة؟ مقتضى الاصل الاول، بل لعله ظاهر اطلاق قوله تعالى في سورتي الانعام والاسراء: (ولا تقربوا مال اليتيم الا بالتي هي أحسن حتى يبلغ اشده.

[ 310 ]

ولا تقربوا مال اليتيم. الاية ولا بأس بالتعرض لمعنى الاية الكريمة تبعا لما في الجواهر وغيرها (فنقول) يقع الكلام في أمور (الاول) النهي المستفاد من (لا) الناهية يحتمل بدوا أن يكون مولويا، وأن يكون ارشاديا، وأن يكون مولويا في مورد وارشاديا في آخر وتعيين احد المحتملات موقوف على ملاحظة ما يأتي (الثاني) القرب الذي هو مدخول لاداة النهي وان كان في نفسه ظاهرا فيما يقابل البعد، ولكن الظاهر منه في المقام التصرف بمال اليتيم نظير قوله تعالى: (ولا تقربوهن حتى يطهرن، والتصرف بمال اليتيم تارة يكون خارجيا مثل أكله؟ وشربه ولبسه ونحوها وأخرى يكون اعتباريا مثل بيعه ورهنه وايجاره ونحوها، فان اريد الاول تعين حمل النهي على ظاهره من كونه مولويا، وان اريد الثاني كان مقتضى حمل النهي على المولوي أن يكون التصرف حراما وان كان نافذا شرعا، وان حمل على الارشادي كان مقتضاه البطلان، وإن أريد ما يعم النوعين من التصرف أمكن حمل النهي على المولوي في الموردين كما أمكن حمله على ما يعم المولوي والارشادي ولا مانع منه لان الاختلاف بين المولوية والارشادية لاختلاف الدواعي لا لاختلاف ذاتي كما لا يخفى (الثالث) بعد ما عرفت من أن المراد من القرب التصرف فمحتملاته كثيرة فانه " تارة " يراد منه أقرب ما يكون الى مصداق القرب أعني أول مراتب التصرف مثل مسه ووضع اليد عليه " وأخرى " يراد ما يعمه وسائر التصرفات الخارجية " وثالثة " يراد منه ما يعم ذلك وابقاءه على حاله بترك التصرف فيه " ورابعة " يراد منه التصرف الاعتباري كالبيع ونحوه " وخامسة " يراد ما يعمه وابقاءه على حاله بترك التصرف فيه " وسادسة " يراد منه الجامع بين الثاني والرابع " وسابعة " يراد منه الجامع بين الثالث والخامس فيكون المراد منه الجامع بين التصرف الخارجي والاعتباري وتركهما، والذي يظهر من عبارة شيخنا الاعظم (ره) الاقتصار على

[ 311 ]

الاول والثاني والرابع والسابع، ولاجل أن منصرف القرب الى الشئ هو القرب المكاني يتردد الامر بين أحد المعاني الثلاثة الاول، لكن الثاني منهما أوفق باطلاق الكلام بلا عناية فيكون هو الاقرب، وعليه فالنهي مولوي لاغير وتكون الاية اجنبية عن التعرض لحكم التصرف الاعتباري، وحينئذ يشكل الاستدلال بها على الصحة والبطلان - مع أن بناء الاصحاب (رضي الله عنهم) على ذلك، ويمكن أن يكون الوجه فيه أن جعل المستثنى - لاي هي أحسن - مجرورا بحرف الجر يقتضي ان يكون المستثنى؟ منه مقدوا ومجرورا بالحرف، مثل ب‍ (حيثية) أو كيفية، أو نحوهما فمعنى الكلام: لا تقربوا ما اليتيم بكيفية إلا بالتي هي أحسن، وحينئذ لا يكون معنى الكلام النهي عن قرب المكلف الى مال اليتيم، بل وصل فعله به، فالقرب بما له من المعنى غير ملحوظ كي يكون ظهوره في القرب المكاني موجبا لظهوره في التصرف الخارجي، بل الملحوظ القرب الى المال بفعل شئ فيه، إذ فرق بين قولنا: لا تقرب زيدا، وبين قولنا: لا تقرب زيدا بشئ أو بفعل، فان معنى الاول القرب المكاني إليه ومعنى الثاني أن يوصل فعلا به أو أن يفعل به شيئا، وحينئذ يكون مقتضى الاطلاق في المقدر المستثنى منه العموم للتصرف الخارجي والاعتباري ولا سيما وأن الابتلاء بالتصرف الاعتباري في مال اليتيم شائع كثير، بل لعله اكثر من غيره فتخصيص المنع بغيره بعيد جدا (الرابع) أن الاحسن اما أن يراد منه التفضيل أو مجرد الحسن، وعلى الاول إما ان يراد الاحسن من تركه أو الاحسن مطلقا، وعلى الثاني فالمراد إما ما فيه مصلحة أو ما لا مفسدة فيه بناء على انه احد معاني الحسن ولازم الاول انه لو كان ترك التصرف لا حسن منه لم يجز التصرف لعدم كونه أحسن إذ التفضيل يتوقف على الاشتراك في المبدأ والمفروض عدمه، ومنه يظهر أن لازم الثاني ان لو فرض انتفاء الحسن في بعض التصرفات التي يدور الامر بينها لم يجز أي تصرف يفرض لعدم الاشتراك في المبدأ، كما ان لازم الثالث جواز التصرف الذي فيه مصلحة وان كان غيره أصلح، ولازم الرابع جواز التصرف إذا لم يكن فيه مفسدة

[ 312 ]

وان كان غيره فيه المصلحة الاكيدة، ومن ملاحظة اللوازم المذكورة تعرف أن المعاني المذكورة كلها خلاف الظاهر فالمتعين حمله على التفضيل المجازى أعني ما يترجح على غيره في نظر العقلاء سواء أكان لان مصلحته أأكد من مصلحة غيره أم لان فيه مصلحة وغيره لا مصلحة فيه أو فيه المفسدة (هذا) ولكن الذي يظهر من حسنة الكاهلي المتقدمة جواز التصرف مع عدم المفسدة لان الظاهر من قوله (ع): ان كان في دخولكم... الخ تحقق المنفعة لهم بالدخول المساوية لما يؤكل من طعامهم لا مطلق المنفعة ولو لم تكن موازية، ضرورة بطلان ذلك فيكون مفهومه إذا لم يكن في دخولكم منفعة موازية إما لعدم المنفعة أصلا أو لعدم كونها موازية فذلك ضرر عليهم لا يجوز، فالشرطية الثانية عين مفهوم الشرطية الاولى. نعم لو أريد صرف طبيعة المنفعة ولو قليلة كان المفهوم إذا لم يكن منفعة اصلا سواء أكان ضرر أم لم يكن فلا يجوز وحينئذ يكون للمفهوم فردان أحدهما مصرح به في الشرطية الثانية والاخر غير مصرح به، ويتحقق التعارض بين الشرطيتين فيما إذا لم يكن منفعة ولا ضرر فيحتاج حينئذ الى الجمع بينهما بحمل الثانية على الاولى ولكن المراد ليس كذلك لما عرفت ولان مجرد عدم الضرر بالدخول غير كاف ما لم يتدارك ضرر استيفاء المال كما لا يخفى، فالمتعين حمل الكلام على ما ذكرنا لئلا يلزم المحذور في منطوق الاولى ومفهوم الثانية فلاحظ، وأوضح منه خبر علي بن المغيرة قلت لابي عبد الله (ع): إن لي ابنة أخ يتيمة فربما أهدي لها الشئ فآكله منها ثم أطعمها بعد ذلك الشئ من مالي فاقول: يا رب هذا بذا فقال: لا باس، وصحيح منصور عن ابي عبد الله (ع) في رجل ولي مال يتيم فقال: ان علي بن الحسين (ع) قد كان يستقرض من مال أيتام كانوا في حجره فلا باس، ونحوه خبر البزنطي، ويستفاد ايضا من الروايات الواردة في تفسير قوله تعالى: (وان تخالطوهم فاخوانكم في الدين) فلاحظ. نعم لو دار الامر بين تصرفين أحدهما أحسن من الاخر مثل أن يخاف عليه من التلف فيتعين بيعه ويدور الامر بين بيعه بدينار وبيعه بدينارين لاختلاف المواضع أو الدلالين أو نحو ذلك فالنصوص

[ 313 ]

المذكورة منصرفة عنه ويتعين الاحسن عملا بالاية " الخامس " أن قوله تعالى: حتى يبلغ أشده، يراد منه - ولو بمعونة النصوص المفسرة له - البلوغ الذي به يخرج عن اليتم، فلو بني على مفهوم الغاية كانت دالة على انتفاء الحكم عند البلوغ بناء على ما هو الظاهر من كونها غاية للحكم، ولو بني على مفهوم الوصف كانت الغاية المذكورة مؤكدة لوصف اليتم في الدلالة على انتفاء الحكم بانتفائه. ثم إن الحكم المعني بها يحتمل أن يكون المستثنى منه فتدل على جواز القرب بغير الاحسن بعد البلوغ ولا مانع منه " فان قلت ": أيضا يحرم القرب بعد البلوغ لانه تصرف في مال غيره " قلت ": نعم ولكنه إذا كان باذنه فهو جائز بخلاف ما قبل البلوغ فانه يحرم وان كان باذنه، ويحتمل ان يكون المستثنى فتدل على عدم جواز القرب بالاحسن بعد البلوغ ولا مانع منه فانه تصرف في مال غيره. نعم تختص بصورة عدم الاذن، وحينئذ فالظاهر أن يكون غاية للحكم في المستثنى والمستثنى منه بلحاظ إطلاقه فكل من اطلاق حرمة القرب بغير الاحسن واطلاق جوازه؟ بالاحسن ينتهي بالبلوغ، والله سبحانه العالم. بيع العبد المسلم على الكافر " مسألة ": لا يصح بيع العبد المسلم على الكافر عند اكثر علمائنا - كما عن التذكرة - وعن غيرها نسبته الى الفقهاء تارة والى أصحابنا أخرى، واستدل له بالمرسل عن حماد بن عيسى عن أبي عبد الله (ع): إن أمير المؤمنين (ع) أتي بعبد ذمي قد أسلم فقال (ع): اذهبوا فبيعوه من المسلمين وادفعوا ثمنه الى صاحبه ولا تقروه عنده، إما لان حرمة الابقاء المستفادة من قوله (ع): ولا تقروه، تلازم عرفا حرمة الشراء وحرمته تقتضي الفساد، وإما لان الامر بالبيع من المسلمين يدل على اعتبار الاسلام في المشتري في صحة البيع فمع انتفائه تنتفي " وفيه " أن حرمة المعاملة لا تقتضي فسادها سواء أكانت متعلقة بالسبب أم بالمسبب، واستفادة الفساد من

[ 314 ]

النهي في أبواب المعاملات ناشئة من ظهوره في الارشاد الى المانعية وليس ها؟ كذلك ضرورة أن البيع واعطاء الثمن الى الكافر يدل على بقاء ملكيته فلا مجال لاحتمال زوال ملكية الكافر للعبد من حين إسلامه فضلا عن دعوى دلالة النص عليه فضلا عن دلالته على امتناع ملكية الكافر للمسلم حدوثا (وأما) الامر بالبيع من المسلمين فان كان مولويا فقد دل على وجوب ذلك تكليفا ولا يدل على حرمة البيع من الكافرين إلا بناء على حرمة الضد فضلا عن الدلالة على الفساد. نعم لو كان ارشاديا دل على اعتبار الاسلام فيمن يشتري المسلم لكنه غير ظاهر لقرب كون الوجه في تخصيص البيع بالمسلم الفرار عن المحذور اللازم من البيع على الكافر وهو وجوب بيعه ثانيا أو الوقوع في الحرام بناء على دلالة النص السابق على حرمة تملك الكافر للمسلم حدوثا وبقاء وحمل الامر والنهي على الارشاد الى الجزئية أو الشرطية والمانعية في باب المعاملة مشروط بان لا يكون ما يصلح للقرينة على الخلاف كما في المقام، واستدل له أيضا بقوله تعالى: (ولن يجعل الله للكافرين على المسلمين سبيلا) فان ملكية الكافر للمسلم سبيل عليه فلا يكون مجعولا، (وفيه) أن الحمل على ذلك يستلزم دلالتها على خروجه عن الملك بمجرد الاسلام وعلى عدم تملكه بالارث، وبناء الاصحاب على خلاف ذلك يؤدي الى تخصيص الاية بغير ذلك وهي آبية عن التخصيص، وايضا فان لازم ذلك الانعتاق على المشتري بناء على عدم دخول الملك في مفهوم البيع لا بطلان الشراء من أصله ولذا قيل في شراء الفريب؟ المسلم بذلك ولم يمنع أصل الشراء - مع أن عموم السبيل للملكية غير ظاهر فان السبيل الى شئ غير السبيل عليه، والاول ظاهر في الوصول الى ذاته والاستيلاء عليه، والثاني ظاهر في القدرة على التصرف به، والملكية من قبيل الاول لا الثاني فحمل الاية على الثاني متعين فتدل على نفي السلطنة على التصرف بالمسلم كما هو ظاهر النص المتقدم المتضمن للامر ببيعه بدون استئذان مالكه وعدم توجيه الامر بالبيع إليه، ولاجلها يتعين الخروج عن عموم قاعدة سلطنة الناس على أموالهم. نعم منصرفها السلطنة المستوجبة لنوع من المهانة لا

[ 315 ]

مطلقا كما سيأتي، وأما ما ورد في تفسيرها من أن المراد نفي الحجة فلا مجال للعمل به بعد اعراض الاصحاب عنه، واما حمله على التفسير بالباطن بنحو لا يمنع عن العمل بظاهر الاية فمحتاج الى دليل والا فهو خلاف ظاهر دليله. نعم سياق الاية الشريفة ظاهر فيما يتعلق بأمر الاخرة فان ما قبلها قوله تعالى: (فالله يحكم بينهم يوم القيامة) والنفي فيها كان باداة الاستقبال ولو لا ذلك كانت دلالتها على نفي القدرة على التصرف فيه مما يكون سبيلا عليه عرفا مما لا ينبغي التأمل فيها كما لا يخفى وتكون حينئذ مقيدة لاطلاق قاعدة السلطنة على المال وان كان بينهما عموم من وجه، فان لسانها لسان أدلة العناوين الثانوية و لذا كانت مقدمة عليها عرفا وليس تقديمها عليها من باب الحكومة إذ ليس فيها تعرض للقاعدة بوجه، ولا بد في صدق الحكومة من ذلك (أما) الرجوع الى استصحاب الصحة في بعض الموارد كما لو كان كفر المشتري مسبوقا بالاسلام أو اسلام العبد مسبوقا بالكفر ثم التعدي الى غيره من الموارد بعدم القول بالفصل فلا مجال له (أولا) لانه من الاستصحاب التعليقي وفي جريانه اشكال محرر في محله (وثانيا) من جهة أن عدم القول بالفصل لا يجدي في نفي الفصل ما لم يكن اجماع على عدم الفصل - مع أن عدم الفصل بين الموارد في الاحكام الواقعية لا يجدي في التعدي ما لم يكن عدم الفصل في الاحكام الظاهرية لجواز التفكيك في جريان الاصل بين المتلازمات إلا بناء على القول بالاصل المثبت فان استصحاب الصحة التعليقي يكون مقدما على استصحاب الفساد التنجيزي بناء على كون الاول سببيا والثاني مسببيا - كما هو مبنى القول بحجية الاستصحاب التعليقي - لكن عرفت الاشارة الاشكال فيه. ثم إنه لا فرق فيما ذكرنا بين البيع وغيره من أسباب الملك الجعلي كالوصية والهبة والصح وغيرها.

[ 316 ]

اجارة المسلم على الكافر وهل يجرى ذلك هي ملك المنافع كالاجارة فلا تصح اجارة المسلم على الكافر - كما عن ظاهر القواعد والايضاح - أو تصح اجارته عليه - كما عن التذكرة وغيرها - أو تفصيل بين وقوع الاجارة على الذمة وغيرها فتصح في الاول - كما عن جامع المقاصد والمسالك وغيرهما - دون الثاني أو تفصيل بين الحر فتصح وغيره فلا - كما عن ظاهر الدروس - وجوه وكأن وجه الثاني المنع من صدق السبيل بمجرد منع العمل خارجا أو في الذمة عليه لانصرافه الى السبيل المطلق، وفيه منع الانصراف المذكور ولاسيما بملاحظة كون السبيل نكرة في سياق العموم، ووجه الثالث أن العمل في الذمة كالدين الذي لا اشكال في جواز ثبوته للكافر في ذمة المسلم كثمن النسية وكالمبيع سلفا والبدل في الضمانات وغير ذلك بخلاف العمل الخارجي فان اجارته تستوجب السبيل عليه باستيفائه، وكأن وجه الرابع إما انصراف الاية - بمناسبة ورودها مورد الامتنان - الى نفي الجعل الابتدائي فلا يشمل صورة إقدام المسلم على ذلك باجارة نفسه باختياره أو لان الاستيلاء على الحر لا يكون بالاجارة لانه لا يكون تحت اليد بخلاف العبد لانه يكون تحت اليد فاجارته من الكافر تستوجب استيلاءه عليه فينتفي بنفي السبيل، ولاجل ذلك قيل بأن حقيقة اجارة الحر تمليك الانتفاع لا المنفعة من جهة أن تمليك المنفعة يستدعي تسليمها بتسليم العين والحر لا يقبل ذلك " وفيه " أنه لا فرق بين الحر والعبد في امكان دخوله تحت اليد، وأما عدم ضمان الحر فليس لانه لا يكون تحت اليد بل لعدم كونه مالا لغيره كما تقدم في بعض المباحث السابقة - مضافا الى أن الاجارة لا تقتضي الدخول تحت اليد مطلقا، ولاجل ذلك تعرف الاشكال في دعوى كون اجارة الحر تمليك الانتفاع - مع أن الانتفاع ايضا يتوقف على قبض العين فيعود المحذور، وايضا فان الانتفاع فعل المستأجر فكيف يكون تحت سلطان المؤجر ليملكه للمستأجر

[ 317 ]

وايضا فان التفكيك بين اجارة الحر والعبد خلاف المرتكز العرفي، ويرد على ما قبله أن مقتضى ذلك جواز اجارة العبد باذنه وعدم جواز اجارته بغير ادنه كما لو كان قد آجر نفسه لغيره فيؤجره المستأجر لثالث، ويرد على ما قبله أن الدين المستوجب للسلطنة على المطالبة إذا لم يكن منفيا بالاية الشريفة لعدم انصراف السبيل إليه فلم لا يكون العمل كذلك؟ والفرق بين كون المملوك في الذمة أو في الخارج غير فارق { فالتحقيق }: أن السبيل المنفي ما كان موجبا لمذلة المسلم ومهانة عليه لا مطلقا فإذا لم تكن الاجارة موجبة لذلك صحت بلا مانع من دون فرق بين كونه في الذمة أو في الخارج كما لو استأجره لخياطة ثوبه، وإن كانت موجبة له كما لو استأجره على أن يكون تحت يده وفي قبضته وتحت سلطانه وسيطرته ونحو ذلك مما كان مهانة على المسلم كان اللازم البناء على فساد الاجارة لو كان مفاد نفي السبيل نفي موضوع السلطنة كما سبق وإلا كان اللازم البناء على نفوذ الاجارة وانتفاء السلطنة وإن وجب على الاجير العمل عملا بمقتضى الاجارة " والكلام " في العارية بعينه الكلام في الاجارة في التفصيل بين اقتضائها كون العبد تحت سلطان الكافر وقبضته فلا تصح، وبين عدم اقتضائها ذلك كما لو استعار الكافر لخياطة ثوبه ونحوها فتصح. ارتهانه المسلم عند الكافر " وأما " ارتهانه عند الكافر فلا يظهر ثبوت السبيل فيه عليه حتى لو كان قد شرط فيه أن يكون تحت يده لان مجرد ذلك لا يعد سبيلا عليه، والسلطنة على استيفاء دينه منه بتوسط بيع الحاكم أو المالك ليس سبيلا عليه بل على المالك وكذا منع المالك عن التصرف فيه وأوضح منه في الجواز استيداعه عند الكافر إذ هو لا يقتضى الا جعله في يد الكافر بداعي حفظه وليس ذلك من السبيل عليه.

[ 318 ]

وقف المسلم على الكافر " وأما " وقف العبد المسلم على الكافر فالظاهر جريان التفصيل المتقدم في الاجارة والعارية فيه بعينه، ثم إن الظاهر من المسلم في الرواية ما كان بالمعنى الاعم المقابل للكافر فيعم جميع فرق المسلمين حتى الناصب والغالي، وأما ما ورد في كفر الناصب والغالي فالظاهر منه الكفر بلحاظ الاثار الاخروية نظير ما ورد في كفر المخالف، والنجاسة وحلية المال أعم من الكفر فلا يدلان عليه، وكذلك ظاهر نفي السبيل فان الظاهر من المؤمن فيها ما يقابل الكافر ولا سيما بملاحظة زمان نزولها إذ المراد بالايمان حينئذ الاقرار بالشهادتين، ويشهد بما ذكرنا رواية حمران قال " ع " فيها: والاسلام ما ظهر من قول وفعل وهو الذي عليه جماعة الناس من الفرق كلها وبه حقنت الدماء وعليه جرت المواريث وجاز النكاح واجتمعوا على الصلاة والزكاة والصوم والحج فحرجوا بذلك من الكفر وأضيفوا الى الايمان... الحديث، ونحوه غيره لا أقل من الاجمال المقتضي للرجوع الى عمومات الصحة، ومن ذلك يشكل إلحاق الناصب والغالي بالكافر فيما نحن فيه، ومن ذلك يظهر لك الحكم في المخالف فانه لا يلحق بالكافر " وأما " اطفال الكفار فالحاقهم محل نظر لعدم صدق الكافر عليهم ولو كان بمعنى عدم الاسلام لتقابلهما تقابل العدم والملكة لا تقابل النقيضين. نعم لا يبعد ذلك في الطفل المميز، ومن ذلك يظهر لك النظر في الحاق اطفال المسلمين بهم فتأمل جيدا.

[ 319 ]

موارد الاستثناء منه بيع المسلم على الكافر " هذا " وقد استثني من الحكم المذكور موارد (منها) ما إذا كان الشراء موجبا للانعتاق لكون المشتري قريبا فعن النهاية والسرائر والمتأخرين كافة الجواز إما لان الشراء في المقام لا يستوجب ملكا بناء على ما عرفت في تعريف البيع من أن الملك ليس من مقومات البيع، ولاجل أن القريب لا يملك قريبه كانت نتيجة المبادلة بين المالين الانعتاق على المشتري واذ لا ملكية لا مجال لاعمال آية نفي السبيل، وإما لان الشراء وان استوجب الملك كما يقتضيه ظاهر النصوص الواردة في عدم ملك القريب المتضمنة قولهم " ع ": إذا ملكوا عتقوا وإذا ملكن عتقن، إلا أن الملكية آناما الملحوقة بالانعتاق ليست من السبيل المنفي لانصرافه الى الملكية المستقرة، ولو قيل بأن السبيل المنفي هو السلطنة لا نفس الملكية فاولى ان لا يكون المورد منه لان السلطنة التي لا يمكن اعمالها لعدم قرار موضوعها ليست مهانة بوجه فلا تكون منفية كما سبق، ومن ذلك تعرف ضعف ما عن المبسوط والقاضي من المنع لان التملك سبيل (ومنها) ما لو أقر الكافر بحرية العبد المسلم فاشتراه فان الاقرار يستوجب المنع من التصرف فيه فلا يكون له سبيل، ويشكل بالعلم الفصيلي ببطلان البيع إما لحرية العبد أو لكفر المشتري، وإجمال السبب لا يقدح في وجوب العمل بالعلم المذكور، ومجرد المنع الظاهري عن التصرف أخذا بالاقرار لا يوجب انتفاء السبيل واقعا كي يرتفع العلم التفصيلي كما لا يخفى. نعم لو كان المنفي هو السبيل الظاهري فلا سبيل عليه حينئذ لكنه خلاف ظاهر الاية الشريفة " واشكل " من ذلك دعوى صحة البيع على تقدير كذب الاقرار لامكان ادراجه في المعاملة الاستنقاذية فانه ثبت في الشريعة صحة هذا النحو من المعاملة فليكن المقام منه كما لو اشترى المسلم مسلما من كافر استرقه، إذ فيه أن البناء على ذلك مناف لما دل من الاجماع

[ 320 ]

والنصوص على عدم صحة بيع الحر وثبوت ذلك في مورد لدليل لا يسوغ التعدي منه الى غيره - على أنه غير ثابت والمعاملة في المثال المذكور صورية لاجل الاستنقاذ والبناء على صيرورة المال المذكور فيئا للمسلمين لو اغتنموه من الكافر لو تم لا يوجب كونه ماله شرعا، بل يجوز أن يكون لعموم مادل على كون المغتنم للمقاتلة فراجع (ومنها) ما لو قال الكافر للمسلم: أعتق عبدك عني، بناء على اعتبار ملك المعتق عنه في صحة العتق فان انشاءعتق المسلم وان كان يقتضي ملك الكافر له لكن لما كان الملك ملحوقا بالعتق جرى فيه الكلام المتقدم في الامر الاول من أن الملكية غير المستقرة ليست من السبيل المنفي وكذلك ما تستتبعه من السلطنة، ومنه يظهر ضعف ما عن المبسوط والخلاف من المنع فيه لما ذكر في الاول، كما من ذلك يظهر الاشكال في استيضاح الجواز في الاول والتوقف هنا على ما يظهر من كلمات شيخنا الاعظم (ره). نعم لو كان الوجه في صحة الشراء في الاول عدم اعتبار الملكية في مفهوم البيع كما سبق أمكن التفكيك بينهما في وصوح الجواز وعدمه لحصول الملكية في الثاني دون الاول فلاحظ (ومنها) مالو اشترط البائع عتقه فان الجواز محكي عن الدروس والروضة فان كان الشرط بنحو شرط النتيجة فهو في محله - على ما عرفت في المورد الثالث - وإن كان بنحو شرط الفعل ففيه نظر لان الملكية القابلة للاستدامة نوع من السبيل ومجرد وجوب العتق عملا بالشرط لا يخرجها عن السبيل المنفي والا تعين القول بجواز البيع بلا شرط لوجوب بيعه على غيره ولا فرق إلا في أن وجوب العتق مع الشرط من توابع الحق الحاصل بالشرط ومع عدم الشرط حكم تكليفي محض ولا يكون ذلك بفارق بعد الاشتراك في ثبوت الملكية المستقرة لو لا الوجوب فتأمل جيدا " هذا " كله حكم الملك الابتدائي الجعلي " أما " الملك الابتدائي القهري فان كان بالارث فالمعروف فيه الجواز، بل عن جامع المقاصد الاتفاق عليه، ويقتضيه عموم دليل الارث من دون معارض لما عرفت من الاشكال في دلالة آية نفي السبيل على عدمه في السبب الاختياري فضلا عن المقام - ولو تمت دلالتها على ذلك فقد

[ 321 ]

عرفت أنها مقدمة على عموم أدلة المواريث، ومقتضى ذلك انتقال الارث الى غير الكافر ممن كان في طبقته أو في طبقة لاحقة ولو كان الامام، إذ لا فرق بين عدم وجود الكافر ووجوده الممنوع من الارث، فكما يجري ما ذكرنا في الاول يجرى في الثاني، ومن ذلك يظهر الاشكال في دعوى التعارض بين عموم الارث وآية نفي السبيل والتساقط، ثم الرجوع الى أصالة بقاء الرقية، لما عرفت من أن المقام مما يتعين فيه الترجيح الدلالي الذي هو مقتضى الجمع العرفي - مضافا الى أنه لا مجال لاستصحاب الرقية إلا بناء على جريان الاستصحاب في القسم الثالث من أقسام استصحاب الكلي فان الرقية للموروث زالت بالموت والرقية المحتمل حدوثها الرقية للوارث والاصل عدمها، إلا أن يقال: ثبوت الملكية للوارث بعناية كونه قائما مقام الموروث في نظر العرف فتكون ملكيته عين ملكيته عرفا وان كانت وجودا آخر دقة فتأمل. هذا وإذ عرفت أنه لا مانع من ارث الكافر للمسلم لعدم دلالة الاية على خلافه تعرف أنه لا فرق بينه وبين غيره من الملك القهري الذي لم يكن بانشائه وجعله سواء أكان بسبب اختياري كما لو زوج أمته من عبده فاسلم فوطئها وانعقد منها الولد، فان الولد محكوم باسلامه ومملوكيته للمولى الكافر قهرا بسبب التزويج الاختياري أم بسبب قهري كما لو وطئ عبده المسلم امته شبهة لاشتراك الجميع في عموم دليل الملكية من دون معارض (ثم) إنك عرفت سابقا أن مقتضى رواية حماد المتقدمة المتضمنة لقوله (ع): اذهبوا فبيعوه من المسلمين وادفعوا إليه ثمنه ولا تقروه عنده، بقاء العبد على ملك الكافر وأن ولاية بيعه لغيره فانه مقتضى اطلاق الامر بالبيع لغيره وحمله على صورة عدم اقدام المولى على بيعه لا قرينة عليه، ومن ذلك يضعف القول بأن ولاية البيع للمولى فان امتنع وجب اجباره. اللهم إلا أن يدعى عدم صلاحية الرواية لاثبات ذلك لضعف سندها بالارسال وعدم ثبوت الجابر، والاية منصرفة عن مثل السلطنة على البيع المؤدي الى الخروج عن ملك الكافر فتأمل، كما يظهر أيضا ضعف ما عن الايضاح من خروجه عن ملك المولى بمجرد الاسلام وإن بقي

[ 322 ]

له حق استيفاء الثمن إذا لخروج عن ملك المولى مانع من رجوع الثمن في البيع إليه. إذ الثمن انما يرجع الى مالك المبيع - مع أن الخروج عن الملك إن كان بمعنى صيرورته حرا فكيف يباع ويملكه المشتري وان كان بمعنى صيرورته رقا بلا مالك فهو - لو كان معقولا - غريب، ولو تولى البيع الحاكم الشرعي أو المولى - بناء على جوازه - فهل يثبت الخيار مطلقا عملا بادلته وقصور آية نفي السبيل عن شمول الملك كما عرفت (أولا) مطلقا بناء على تمامية دلالتها على نفي الملكية (أو) يفصل بين الخيار المستفاد من أدلة نفي الضرر كخيار الغبن والعيب فيبنى على ثبوته لفوة أدلة نفي الضرر على نحو لا تقوى الاية الشريفة على تقييدها وبين غيره فيقيد بها دليله (أو) يفصل بين أن يكون المتضرر المسلم فيبنى على ثبوت الخيار حينئذ وبين غيره ولو تضرر الكافر لان ضرر الكافر مستند الى كفره الاختياري فلا يكون منفيا (أو) يفصل بين أن يقال بان الزائل العائد كالذي لم يزل فيبنى على ثبوت الخيار لانه لا يكون التملك حدوثيا بل بقائيا فلا تشمله آية نفي السبيل وبين القول بانه كالذي لم يعد فلا خيار لانه تملك حدوثي؟ (وجوه) وبعضها أقوال أقواها الاول بناء على ما عرفت من عدم دلالة الاية إلا على نفي السلطنة ولا تدل على نفي الملكية، ولو سلم ذلك تعين الثاني (واما الثالث) فوجهه أن أدلة نفي الضرر حاكمة على أدلة الاحكام - ومنها دليل نفي السبيل - وليس نسبة دليل نفي السبيل الى دليل نفي الضرر كنسبته الى أدلة الاسباب حتى يكون تقديمه عليها موجبا لتقديمه على دليل نفي الضرر أيضا، بل النسبة هنا على العكس إذ هو محكوم لادلة نفي الضرر كغيره من أدلة الاحكام (وفيه) انك عرفت أن الوجه في تقديم دليل نفي السبيل بناء على أن المراد منه السلطنة كونه من قبيل دليل العنوان الثانوي، والقاعدة من قبيل دليل العنوان الاولي، والجمع العرفي بينهما يقتضي حمل الاول على الحكم الاولي والثاني على الثانوي (واما الوجه) في تقديمه على أدلة الاسباب - بناء على أن المراد من السبيل ما يشمل الملكية - فهو أن أدلة الاسباب لانظر فيها الى احراز قابلية المحل، ودليل نفي السبيل ناف للقابلية

[ 323 ]

فيعمل بدليل نفي السبيل لنفي القابلية، ويعمل بدليل السبب على تقدير احراز القابلية بلا تناف بينهما ولا تعارض أصلا، ومن ذلك تعرف أن أدلة نفي الضرر إنما تصلح للحكومة على أدلة اللزوم فيثبت بها الخيار ولا تصلح ان تكون حاكمة على أدلة نفي السبيل بنحو يثبت بها القابلية لان شأنها الاثبات لا النفي فدليل نفي القابلية بحاله وحينئذ لا يجدي نفي اللزوم في صحة الفسخ ورجوع العبد الى الكافر كما لا يخفى (ثم) إنه لو فرض صلاحية دليل نفى الضرر للحكومة على دليل نفي السبيل بنحو يثبت به السبيل فلا فرق بين ضرر المسلم والكافر فكون الكفر اختياريا لا يقتضي اقدامه على الضرر كي لا يتجه جريان دليل نفيه، ومجرد كون الحكم الضرري ناشئا من فعل اختياري غير كاف في رفع اليد عن دليل نفي الضرر ولا في حصول الاقدام على الضرر، إذ الاول خلاف إطلاق الدليل، والثاني خلاف الوجدان (ومنه) يظهر ضعف الوجه المتقدم للاحتمال الرابع (واما الاخير) ففيه أنه بعد ما فرض الزوال والعود الذي هو الوجود بعد العدم فكونه كالزائل لابد أن يكون على نحو التنزيل والادعاء لا على نحو الحقيقة وإلا كان خلفا فهذا التنزيل إن كان شرعيا واقغيا في مقام الثبوت فليس هو الا بلحاظ الحكم الذي هو محل الكلام - أعني جواز الفسخ وعدمه - ولزم اتحاد المبنى والمبتني عليه وان كان ظاهريا في مقام الاثبات فمرجعه الى أن المفهوم من آية نفي السبيل هل السبيل الحادث بسبب جديد؟ أو مطلق الحادث، وهذا وان كان مبنى الخلاف في المسألة إلا انه لا يحسن التعبير عنه بمثل العبارة المذكورة الظاهرة في كونها خلافية مستقلة فلاحظ. ثم إنه لو بني على سقوط خيار العيب فهل يثبت الارش فيجوز الرجوع به؟ أولا وجهان مبنيان على (اطلاق) دليل ثبوته لمثل المقام مما تعذر فيه الرد لمانع من قبل الراد لا لمانع في العين (وعدمه) هذا وقد احتمل في القواعد الرجوع بالقيمة لو تحقق الفسخ ووجهه شيخنا الاعظم - رحمه الله - بان فيه الجمع بين ادلة الخيار ونفي السبيل ثم قال (ره): وهو حسن ان لم يحصل السبيل بمجرد استحقاق الكافر للمسلم المكشف؟ باستحقاق بدله، انتهى.

[ 324 ]

وقد يشكل بأن المفروض امتناع ملكه الفعلي ولذا بني على الرجوع الى البدل فلم يبق الا الملك التقديري الاقتضائي لتصحيح البدلية ومثله ليس من السبيل المنفي كما يشكل ايضا توجيهه بأن الجمع بما ذكر لا دليل عليه إذ الرجوع الى البدل إنما يكون مع التلف عقلا أو شرعا أو عرفا وليس المقام منه، إذ لا قصور في العين ولو عرضا وإنما القصور في المالك وإلحاقه بالتلف محتاج الى دليل فلاحظ وتأمل. بيع المصحف على الكافر (مسألة): المشهور - كما قيل - عدم جواز نقل المصحف الى الكافر - كما صرح بذلك جماعة - واستدل له بوجوب احترام المصحف، وفحوى المنع من بيع العبد المسلم على الكافر، لكن وجوب الاحترام زائدا على ترك المهانة لا دليل عليه فضلا عن المرتبة الخاصة التي ينافيها البيع - مع أن مجرد المنافاة للواجب لا يقتضي الفساد، ومن ذلك يظهر أنه لو فرض كون البيع مهانة على المصحف الشريف كان حراما تكليفا لحرمة المهانة جزما لا أنه حرام وضعا إلا بناء على ان النهي يقتضي الفساد مع أن في كونه مهانة اشكالا بل منعا (واما) الفحوى المدعاة فغير ظاهرة لعدم وضوح المناط الموجب للتكليف بعد أن عرفت أن العمدة في بطلان بيع العبد المسلم على الكافر الاجماع. نعم لو علم مماسة الكافر للمصحف اقتضى ذلك حرمة تسليمه إليه فيبطل البيع لعدم القدرة على التسليم، وكأن الوجه في استحسان شيخنا الاعظم (ره) للمنع كونه المطابق للمرتكزات الشرعية، ولكن لم تثبت بنحو يصح الاعتماد عليها. فلاحظ. والله سبحانه العالم.

[ 325 ]

القول في شرائط العوضين (مسألة): قد عرفت سابقا أن البيع من سنخ المعاوضات المالية، وأنه مبادلة مال بمال فلا بد فيه من أن يكون كل من العوضين مالا، والمالية اعتبار عقلائي ناشئ عن كون الشئ موضوعا لغرض موجب لحدوث رغبة الناس فيه على نحو يتنافسون فيه، ويتسابقون إليه، ويتنازعون عليه سواء أكان ذلك لدفع ضروراتهم الاولية كالاقوات اللازمة أم العرضية كالادوية والعقاقير، أم لتحصيل اللذة كبعض الفواكه والاشربة، ولا يحصل التنافس بمجرد ذلك، بل لابد فيه من عزة الوجود فالماء في الشاطئ ليس مالا، وكذا الحطب في الغابات، والرمل في بعض الصحارى، كما لا يعتبر تعلق الغرض النوعي به، فقد يكون الغرض لواحد مؤديا الى ذلك كما لو تعلق غرض الملك بالرماد فأعلن بانه يعوض عن صاع منه بدرهم، صار الرماد مالا وقيمة الصاع منه درهما بعد أن لم يكن كذلك، كما أن الحاجة قد تكون إلاهية، وقد تكون بجعل جاعل كما لو قرر السلطان أن لا يأذن في السفر لاحد، ولا يسمع دعوى لمدع إلا لمن كان عنده شئ كذا مما لا يكون موضع حاجة في نفسه، فانه بمجرد ذلك يصير ذلك الشئ مالا بعد أن لم يكن لحدوث الحاجة النوعية إليه بتوسط جعل السلطان ولاجل ذلك صارت الطوابع المتعارفة في عصرنا مالا، وكذا الاوراق النقدية المسماة بالنوت فالمالية في جميع هذه الامور ليست أمرا حقيقيا وإنما هي صفة اعتبارية منتزعة من الاسباب المؤدية الى التنافس في الشئ ولو كانت بجعل جاعل، كما انه يمكن الغاء المالية من المال بجعل الجاعل إذا كان الجعل مؤديا الى رفع التنافس عليه سواءأ كان الجعل ارشاديا كما لو نهى الطبيب عن استعمال بعض المأكولات إذا كان بحيث يوثق بارشاده فانه يسقط عن المالية أم مولويا كما لو نهى السلطان عن اتخاذ آلات السلاح على نحو أدى الخوف منه إلى

[ 326 ]

إلقائها في الطرق والصحارى، وكذا نهي الشارع الاقدس عن الخمر والخنزير إذا أدى الى ذلك، أما إذا لم يؤد إليه لقلة المبالات بنهي الشارع كما في بعض الازمنة والامكنة لم يكن ذلك موجبا لالغاء المالية أصلا. نعم للشارع إلغاؤها حكما بأن يحكم ببطلان بيع المال وعدم ضمانه بالاتلاف أو اليد ونحو ذلك من الاحكام فذلك إلغاء للمالية تنزيلا لا حقيقة (وكيف كان) فما ليس بمال لا يمكن بيعه لما عرفت من اعتبار المالية في قوامه ولا حاجة في الاستدلال على بطلان بيعه الى قوله " ص ": لا بيع الا في ملك، بل يشكل الاستدلال به عليه إذ الملكية غير المالية فان المعادن ونحوها من المباحات الاصلية أموال وليست باملاك كما أن مثل الاناء المكسور ملك وليس بمال. نعم الحديث الشريف دال على اعتبار الملكية في البيع لكن ظاهره لا يخلو من اشكال، إذ لاريب في جواز بيع الكليات الذمية ونعم الصدقة وآلات الوقف ونماء وقف المشاهد والمعابد ونحو ذلك مما له مصرف بعينه وليس ملكا لمالك فحمله على ارادة بيان اعتبار السلطنة في البيع وأنه لا يصح بيع ما ليس للبائع أولى من البناء على تخصيصه كمالا يخفى، ومن ذلك يظهر انه لا تعتبر الملكية في صحة البيع وان ذكره في الشرائع وغيرها وفرع عليه عدم جواز بيع الحر ومالا منفعة فيه والمباحات الاصلية كالكلاء والماء والوحوش والسموك، واستدل عليه في الجواهر بالاجماع بقسميه عليه، وبالنصوص الواضحة الدلالة وبالمرسل المتقدم. انتهى، إذ المرسل قد عرفت حاله، والنصوص غير ظاهرة، وكذا الاجماع وعدم جواز بيع الحر ومالا منفعة فيه لفقد المالية، وعدم صحة ما يشترك فيه الناس من المباحات بالاصل مثل الماء والكلاء والسموك والوحوش قبل حيازتها لعدم السلطنة فلو كان البائع من له الولاية على بيعها صح بيعها منه وكانت ملكا للمشتري وخرجت عن الاباحة الاصلية فاعتبار الملكية في البيع لا دليل عليه، ولو سلم لم يكف ذلك في عدم جواز بيع الارض المفتوحة عنوة، بل لا بد في الاحتراز عنه من اعتبار الملكية على نحو لا يشمل نحو ملكية الارض المفتوحة عنوة والا فهى مملوكة هذا وحيث انحر؟

[ 327 ]

الكلام الى ذكر الارض الخراجية فينبغي التعرض لاقسام الارض واحكامها في الجملة. احكام الاراضي (فنقول): الارض إما موات أو عامرة وكل منهما إما هي كذلك بالاصل أو بالعارض فالاقسام أربعة. الارض الموات " الاول ": الموات بالاصل بان لم يكن موتها مسبوقا بعمارة والظاهر أنه لا إشكال عندهم في أنها من الانفال، وفى الجواهر الاجماع بقسميه عليه، ويقتضيه جملة من النصوص المتضمنة أن من الانفال كل أرض خربة كمصحح حفص وموثق سماعة ومصحح ابن مسلم خبر الشحام وغيرها والمصرح به في كلامهم أنها تملك بالاحياء مع الاذن لابدونه، وعن جماعة كثيرة الاجماع على ذلك نفيا واثباتا وهل يملكها الكافر بالاحياء أم لا قولان، بل ظاهر محكي التذكرة الاجماع على اعتبار الاسلام في الملك بالاحياء قال: ولا يملكها الكافر بالاحياء ولا يأذن الامام له في الاحياء، فان أذن الامام له فاحياها لم يملك عند علمائنا، ونحوه ما عن جامع المقاصد لكن قال بعد ذلك: لو أذن له بالتملك قطعنا بحصول الملك، وإنما البحث في أن الامام هل يفعل ذلك؟ نظرا الى أن الكافر أهل أم لا والذي يفهم من الاخبار وكلام الاصحاب العدم. انتهى، وفى الجواهر استغرب دعوى الاجماع بتحقق الخلاف في صريح المبسوط والخلاف والسرائر والجامع وظاهر المهذب والمنافع واللمعة، كما استغرب ايضا دعوى أنه المفهوم من الاحياء، مع أن اخبار التملك بالاحياء بعضها مطلق شامل للكافر وبعضها مختص به كصحيحي

[ 328 ]

محمد بن مسلم وأبي بصير الواردين في شراء الارض من أهل الذمة، وخبر زرارة: لا باس بأن يشتري أرض أهل الذمة إذا عملوها وأحيوها فهي لهم، نعم في المرسل عن النبي " ص ": موتان الارض لله تعالى ولرسوله (ص) ثم هي لكم مني أيها المسلمون، لكنه ضعيف السند، وفي صحيح الكابلي: من أحيى أرضا من المسلمين فليعمرها... الخ لكنه ليس بنحو يقاوم صريح النصوص المتقدمة فليحمل على بعض المحامل. هذا والظاهر من النص والفتوى أن الملك بلا عوض، وعن فوائد الشرائع للكركي احتمال العوض لانها ملك الغير ولا يباح مجانا، وفيه ان الاصل في مال الغير أن لا يباح مطلقا ولو بعوض، وكما تعين الخروج عنه بالدليل الدال على الاباحة تعين الخروج عنه بالدليل على المجانية. نعم في صحيح الكابلي وعمر بن يزيد ما يدل على وجوب دفع الطسق، وظاهرهما ولا سيما الاول منهما عدم الملك بالاحياء الذي هو خلاف ظاهر النص والفتوى ولا سيما ما تضمن أن عليه الصدقة، فلا مجال للركون اليهما ولا سيما مع ما فيهما من اشكال ايصال الطسق الى الامام في حال الغيبة فايكال تعيين المراد منهما الى قائلهما (ع) متعين. الارض العامرة " الثاني ": العامرة بالاصل ولم تزل كذلك، واستظهر شيخنا الاعظم رحمه الله أنها للامام (ع) بل استظهر ذلك مما ذكره الاصحاب من قولهم: وكل أرض لم يجر عليها ملك مسلم فهي للامام، ذكر ذلك في الشرائع والقواعد وغيرهما - وفي مفتاح الكرامة: طفحت به عباراتهم وفي التذكرة الاجماع عليه انتهى، وفي الجواهر: لا خلاف أجده فيه. انتهى، نعم في الجواهر - في مبحث الانفال - استشكل في كون هذا القسم من الارض للامام مستظهرا من ظاهر كلامهم خلافه، وشيخنا الاعظم (ره) في رسالة الخمس استظهر من الاصحاب تقييد النصوص المتضمنة أن الارض التي لا رب لها للامام بما تضمن أن الميتة أو

[ 329 ]

الخربة للامام " وكيف كان " فالذي يدل على انها للامام مصحح اسحاق بن عمار المروي عن تفسير القمي حيث عد فيه من الانفال التي للامام: كل أرض لا رب لها الشامل للعامرة، ونحوه خبر ابي بصير المروي عن تفسير العياشي، ويعارضهما ما في مرسلة حماد حيث عد في جملة الانفال الارض الميتة التي لا رب لها + فان تقييد الارض بالميتة في مقام الحصر يدل بالمفهوم على أن المعمورة ليست للامام وحمل القيد على الغالب لان الغالب في الارض التي لا مالك لها كونها مواتا ليس بأولى من حمل المطلق على الغالب، بل الثاني أولى لان التصرف بالمطلق أهون من التصرف بالمقيد - مضافا الى أن الميتة لم تؤخذ قيدا لما لا رب لها وإنما أخذت قيدا للارض فلاحظ (وبالجملة): الاخذ باطلاق المصحح المتقدم غير ظاهر ولا سيما - مع ما عرفت من ظهور كلماتهم في خلافه والكلية المذكورة في كلامهم في كتاب الاحياء غير ظاهرة المأخذ وليس بناؤهم على الاخذ بها فان مقتضاها أن جميع اراضي الكفار للامام سواء أكانت في دار الحرب أم دار الاسلام، وهو خلاف النص والفتوى فلاحظ. ثم انه لو بني على أنها للامام فلاجل أنها محياة لا معنى لملكها بالاحياء وهل تملك بالحيازة؟ اشكال، والنبوي: من سبق الى من لم يسبق إليه مسلم فهو أحق به، غير صالح لاثبات ذلك إذ الحق أعم من الملك - مع أنه وارد في مقام منع غير السابق من مزاحمته بقرينة التعبير بصيغة التفضيل - مضافا الى اختصاصه بما يجوز السبق إليه فلا يشمل السبق الى مال الغير بغير اذنه ومنه مال الامام فيما نحن فيه، وأما نصوص التحليل فمع انها مختصة بالشيعة غير ظاهرة في الملك فتأمل.

[ 330 ]

الارض العامرة بعد الموات " الثالث ": ما يكون عامرا بعد أن كان ميتا فان كانت العمارة بسبب سماوي فهو ملك الامام قطعا ويقتضيه الاصل والادلة المتقدمة في القسم الثاني - لو تمت - وان كان بالاحياء فالمعروف المدعى عليه الاجماع في كلام جماعة انها ملك المحيي. نعم قد تشعر عبارة جماعة بالاولوية دون الملك فعن المبسوط: إذا حجر أرضا وباعها لم يصح بيعها، ومن الناس من قال: يصح، وهو شاذ فاما عندنا فلا يصح بيعه لانه لا يملك رقبة الارض بالاحياء وانما يملك التصرف.. الخ ونحوه عن المهذب والسرائر لكن الظاهر ان مرادهم بالاحياء التحجير ولا سيما بملاحظة تصريحهم بالملك بالاحياء في كثير من المواضع في كتبهم فلاحظ، وهو الذي يقتضيه ظاهر النصوص الصحيحة المتضمنة أن من أحيى مواتا فهو له، لظهور اللام في الملك - مضافا الى النصوص المتضمنة لجواز الشراء من المحيي معللا له بأنها بالاحياء صارت له، وحمل اللام على الاختصاص والشراء على شراء الحق لا مقتضي له. نعم ظاهر صحيح الكابلي وعمر بن يزيد المتضمنين لوجوب الخراج عليه ودفعه الى الامام عدم الملك لكن قد عرفت وجوب التصرف فيهما بنحو لا ينافي المجانية. الموات بعد العمارة " الرابع ": ما عرض له الموت بعد العمارة فان كانت العمارة سماوية فهي ملك الامام لعموم ما دل على ان الميتة للامام ومقتضاه دخولها في ملك الامام بعد ان لم تكن بناء على أن الغامرة بالاصل من المباحات الاصلية وان كانت العمارة من معمر ففي خروجها عن ملكه بالموت قولان يظهر اولهما مما في المسالك تبعا لما في

[ 331 ]

التذكرة من الاستدلال على كونها ملكا للمحيي الثاني بأن الارض أصلها مباح فإذا تركها الاول حتى عادت الى ما كانت عليه صارت مباحة، ولان العلة في تملك هذه الارض الاحياء والعمارة فإذا زالا زالت العلة فيزول المعلول وهو الملك، لكن في كلا الوجهين مالا يخفى، إذ المستفاد من الادلة أن حدوث الاحياء علة لحدوث الملك ولم يثبت أن بقاءه علة بقائه فيتعين الرجوع الى دليل آخر من استصحاب أو غيره، ومثله في الاشكال الاستدلال عليه بما دل على أن موتان الارض لله ولرسوله، لتقييد ذلك بما دل على التقييد بما لارب لها كما عرفت نظيره آنفا، وعليه فما يستدل به للقول الثاني من الاستصحاب محكم. ثم انه لو أحياها آخر فهل تكون له أو للاول؟ قولان ذهب في التذكرة الى الاول وتبعه عليه جماعة لصحيح معاوية بن وهب: سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: أيما رجل اتى خربة بائرة فاستخرجها وكرى أنهارها وعمرها فان عليه الصدقة فان كانت أرضا لرجل قبله فغاب عنها وتركها فاخربها ثم جاء بعد يطلبها فان الارض لله ولمن عمرها، وصحيح الكابلي عن أبي جعفر (ع): وجدنا في كتاب علي (ع).. الى أن قال: والارض كلها لنا فمن أحيى أرضا من المسلمين فليعمرها وليؤد خراجها الى الامام من أهل بيتي وله ما أكل منها فاز تركها وأخر بها فاخذها رجل من المسلمين بعده فعمرها وأحياها فهو أحق بها من الذي تركها فليؤد خراجها الى الامام من أهل بيتي... الحديث. نعم يعارضهما الصحيح على الظاهر - لسليمان بن خالد - قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن رجل يأتي الارض الخربة فيستخرجها ويجري أنهارها ويعمرها ويزرعها ماذا عليه؟ قال: الصدقة، قلت: فان كان يعرف صاحبها قال " ع ": فليؤد إليه حقه، ونحوه صحيح الحلبي المروي في الوسائل فان الحق الذي أمر " ع " بادائه إما الارض أو أجرتها (وكيف كان) يدل على بقائها على ملك الاول الذي قال به جماعة من القدماء والمتأخرين منهم المبسوط والمهذب والسرائر والجامع والتحرير والدروس وجامع المقاصد لكن يمكن الجمع بين النصوص بأن صحيح الكابلي يختص مورده بملك الاول بالاحياء وصحيح سليمان

[ 332 ]

والحلبي مطلقان ولما بينهما من التنافي يحملان على غير مورد صحيح الكابلي - أعني صورة ما إذ ملك الاول كان بغير الاحياء - وحينئذ يدور الامر بين الاخذ بهما في هذا المورد فيحمل صحيح معاوية على غيره - أعني مورد صحيح الكابلي - وبين طرحهما بالكلية والاخذ باطلاق صحيح معاوية وحيث دار الامر بين الطرح والتخصيص كان الثاني متعينا لانه أولى من الطرح. وهذا نحو من الجمع العرفي كما حقق في محله وعليه يتجه القول الاول، ويحتمل في الجمع حمل ما في صحيح معاوية من قوله (ع): ولمن عمرها، على أنه لبيان الاحقية الفعلية فلا ينافي استحقاق المالك الاول للاجرة المحمول عليها الحق في الصحيحين الاخيرين وعليه يتجه القول الثاني، ويحتمل ايضا في الجمع حمل الصحيح الاول على صورة ما إذا كان الخراب مستندا الى اهمال المالك للارض وترك المزاولة لها - كما هو صريح مورده - وحمل الاخيرين على غير ذلك لاطلاقهما الشامل للصورتين فيحمل المطلق على المقيد وحينئذ يتجه التفصيل بين أن يكون الموت عن اهمال المالك فتنتقل للثاني وغيره فهي على ملك الاول، ويتوجه على الاخير أن المراد ان كان التفصيل بين الاهمال الاختياري وغير الاختياري، فلا يظهر ذلك من الشرطية لعموم الترك والاضراب المذكورين في الشرط الاختياري والاضطراري، وإن كان المراد التفصيل بين الخراب المستند الى الاهمال الاعم من الاختياري وغيره، والمستند الى غير الاهمال من الاسباب السماوية، فهو وإن كان يظهر من الشرطية بدوا لكن الظاهر أنه ذكر تمهيدا لفرض الاحياء من اللاحق لان الخراب السماوي يمتنع فيه الاحياء الثاني غالبا، ومن ذلك يظهر إشكال ما ربما يتوهم من أن الجمع المذكور مقتضى مفهوم الشرطية المذكورة في كلام الامام " ع " فضلا عن كونه مقتضى الجمع بين المطلق والمقيد وأبعد منه الوجه الثاني فانه تصرف في الدليلين بلا شاهد، لظهور الحق في الصحيحين الاخيرين في نفس العين فالمتعين الاول فلاحظ (ثم) إن الظاهر أنه لا مانع من التمسك بعموم مملكية الاحياء لاثبات ملك الثاني فيكون مقدما على استصحاب ملكية الاول، والقطع بتخصيصه في ملك الغير في غير محله

[ 333 ]

كيف والموات كلها ملك للامام. نعم ثبت تخصيصه في موات العامرة المفتوحة عنوة بالاجماع المدعى في كلام جماعة أو في مطلق ما يكون مملوكا بغير الاحياء لعدم الخلاف المدعى في التذكرة فيقتصر في الخروج عنه على المتيقن ويرجع في غيره إليه " ودعوى " امتناع عمومه للملك بالاحياء لامتناع أخذ الحكم قيدا في موضوعه " مندفعة " بما ذكر في نظائره، وأشكل من ذلك دعوى ظهور العموم المذكور في الملكية المستمرة فيمتنع انطباقه بلحاظ احياء الثاني لتنافي التطبيقين ومقتضى ذلك عقلا وان كان عدم انطباقه على واحد منهما لانه ترجيح من غير مرجح إلا أن العرف يبني على تطبيقه على الاول ويكون كأنه رافع لموضوع الثاني إجراء منه لحكم المانع على الضد فيمتنع التطبيق الثاني بعينه، وجه الاشكال أن المستفاد من دليل السببية في المقام أن المجعول صرف الملكية وكذا في عناوين العقود والايقاعات المجعولة بالعقد والايقاع كما أشرنا الى ذلك في مبحث المعاطاة، (ثم) القسم الثالث إما أن تكون العمارة من مسلم أو من كافر ففي الاول يملكه المعمر على ما عرفت ولا يزول ملكه الا بناقل أو بطروء الخراب بناء على ما عرفت من ظاهر بعض أو بطروء العمران من معمر على أحد القولين السابقين، وكذلك في الثاني بناء على عدم اعتبار الاسلام في الملك بالاحياء، أما بناء على اعتباره فهي باقية على ملك الامام. الارض المفتوحة عنوة " هذا " إذا كانت في دار الاسلام أما لو كانت في دار الكفر فاصلها للامام وبالاحياء صارت للمحيي - على ما عرفت - ويزول ملكه عنها بما يزول به ملك المسلم، وباغتنام المسلمين لها كسائر أموالهم المغتنمة فالمنقول ملك للمقاتلين خاصة وغيره من الارض والشجر والبناء ملك لعامة المسلمين من وجد ومن سيوجد اجماعا حكاه جماعة كثيرة وفي الجواهر انه محصل، وتدل عليه النصوص المستفيضة

[ 334 ]

كصحيح محمد الحلبي: سئل أبو عبد الله (ع) عن السواد ما منزلته؟ قال: هو لجميع المسلمين لمن هو اليوم ولمن يدخل في الاسلام بعد اليوم وان لم يخلق بعد، فقلت: الشراء من الدهاقين؟ قال " ع ": لا يصلح إلا أن يشتري منهم على أن يصيرها للمسلمين فإذا شاء ولي الامر أن يأخذها أخذها، قلت: فان أخذها منه قال " ع ": يرد عليه رأس ماله وله ما أكل من غلتها بما عمل، والصحيح عن أبي بردة قلت لابي عبد الله " ع ": كيف ترى في شراء أرض الخراج؟ قال - عليه السلام -: من يبيع ذلك وهي أرض المسلمين؟ قلت: يبيعها الذي هي في يده، قال " ع ": يصنع بخراج المسلمين ماذا؟ ثم قال (ع): لا بأس اشتر حقه منها ويحول حق المسلمين عليه، ولعله يكون أقوى عليها وأملى بخراجهم منه، وخبر أبي الربيع: لا تشتر من السواد شيئا الا من كانت له ذمة فانما هي في، للمسلمين، ونحوها غيرها، والمراد من السواد - كما في الجواهر - عن المنتهى: الارض المغنومة من الفرس التي فتحت في زمن عمر بن الخطاب وهي سواد العراق.. الى أن قال: وسميت سوادا لان الجيش لما خرجوا من البادية رأوا هذه الارض والتفاف شجرها سموها السواد لذلك.. الخ ودلالة النصوص على الملك ظاهرة كدلالتها على المنع من التصرف فان قوله (ع) في الثاني: هي أرض المسلمين، تعليل للمنع عن البيع المستفاد من الاستفهام الانكاري - كما هو صريح الثالث - ومثلهما في ذلك غيرهما، ولذلك كان المشهور المنع من التصرف فيها بالبيع والوقف والهبة ونحوها، بل ظاهر المبسوط المنع من التصرف ولو ببناء ونحوه، ويقتضيه - مضافا الى النصوص المتقدمة - ما دل على المنع من التصرف في مال الغير بغير اذنه، لكن قال في المسالك - في شرح قول مصنفه: ولا يجوز بيعها ولا وقفها ولا هبتها، اي: - لا يصح شئ من ذلك في رقبتها مستقلا أما لو فعل ذلك بها تبعا لاثار المتصرف من بناء وغرس وزرع فجائز على الاقوى فإذا باعها بائع مع شئ من هذه الاثار دخلت في المبيع على سبيل التبع وكذلك الوقف وغيره ويستمر كذلك مادام شئ من الاثار باقيا فإذا ذهبت أجمع انقطع حق المشتري

[ 335 ]

والموقوف عليه وغيرهما عنها هكذا ذكر جمع من المتأخرين وعليه العمل. انتهى، - وهو كما ترى - غير ظاهر، وما يظهر من جملة من النصوص من المفروغية عن مشروعية بيع أرض الخراج وان لم يكن واردا لبيان ذلك مثل خبر اسماعيل ابن الفضل: عن رجل اشترى أرضا من أرض الخراج فبنى بها أو لم يبن غير أن اناسا من أهل الذمة نزلوها له أن يأخذ منهم أجرة البيوت.. الحديث وغيره فلا بد من طرحها أو حمل الشراء على نحو من التجوز كما اشير إليه في النصوص السابقة لا أنها يجمع بينها وبين ما سبق بالتفصيل المذكور فانه بلا شاهد (وبالجملة) لا دليل على تملك الارض تبعا للاثار فيها ولا جواز بيعها كذلك فلا معدل عن دليل المنع من الاصل والنص (ثم) ان ظاهر النصوص المذكورة أنها مملوكة لجميع المسلمين على الاشاعة، ولا باس بالبناء عليه ومجرد عدم وجوب توزيع العين والمنافع غير كاف في رفع اليد عن الظاهر إذ لا مانع من كون الحكم على خلاف القواعد الاولية لبعض الجهات الخارجية. التصرف في الارض المفتوحة عنوة (إلحاق): لا خلاف ولا إشكال في أن ولاية التصرف في الارض المفتوحة عنوة للامام ففى صحيح البزنطي: وما أخذ بالسيف فذلك للامام يقبله بالذي يرى كما صنع رسول الله (ص) بخيبر، ونحوه غيره وعليه لا يجوز التصرف فيها إلا باذنه. نعم ورد في النصوص جواز التقبل من السلطان الجائر، وجواز شراء الخراج منه، وجواز أخذ الخراج منه بنحو الارتزاق أو الجائزة، لكنه لا ينافي ثبوت الولاية لامام الحق لجواز أن يكون ذلك إمضاء لبعض التصرفات لمصلحة اقتضت ذلك. هذا في حال الحضور أما في حال الغيبة فهل يجوز التصرف فيها مطلقا؟ لما دل على تحليل الارض لشيعتهم أو لا يجوز الا باستئذان السلطان الجائر كما يظهر من محكي فوائد الشرائع للكركي قال: لا يجوز جحدهما يعنى

[ 336 ]

الخراج والمقاسمة ولا منعهما التصرف فيهما الا باذنه باتفاق الاصحاب ولو لم يكن عليها - يعني الارض - يد لاحد فقضية كلام الاصحاب توقف جواز التصرف فيهما على اذنه حيث حكموا بأن المقاسمة والخراج منوط برأيه وهما كالعوض عن التصرف وإذا كان العوض منوطا برأيه كان المعوض كذلك. انتهى، أو لا يجوز إلا بالاستئذان من الحاكم الشرعي لعموم دليل النيابة أو يفصل بين أن يكون المتصرف ممن له نصيب من الخراج فيجوز له وبين غيره فلا كما يستفاد من مثل صحيح ابن سنان قلت لابي عبد الله (ع): إن لي أرض خراج وقد ضقت بها أفادعها؟ قال: فسكت عني هنيئة ثم قال: إن قائمنا لو قد قام كان نصيبك من الارض اكثر منها، وفي خبر الحضرمي قال أبو عبد الله (ع) لي: لم تركت عطاءك قلت: مخافة على ديني، قال (ع): ما منع ابن أبي السماك أن يبعث اليك بعطائك أما علم أن لك في بيت المال نصيبا؟ أو يفصل بين ما عرض له الموت من الارض المحياة وقت الفتح وبين الباقية على عمارتها فيجوز الاحياء في الاول لعموم أدلة الاحياء وخصوص رواية سليمان احتمالات، يشكل وجه " الاول " بان أخبار التحليل مختصة بما كان لهم ومن حقوقهم ولا تشمل ما كان من حقوق الناس، " والثاني " بعدم ثبوت الاتفاق المذكور، بل في الجواهر: لم نعرف للاصحاب كلاما في توقف حلها على اذن الجائر مع عدم كون الارض في يده. انتهى، بل المفهوم من الادلة العقلية والنقلية عدم ثبوت الولاية له على ذلك غاية الامر ثبت من النصوص جواز تقبل الارض منه وبراءة الذمة بدفع الخراج إليه وجواز شرائه منه واخذ جوائزه، وذلك لا يدل على الولاية بوجه، بل يدل على نفوذ تصرفه في الموارد المذكورة وقياس غيرها عليه بنحو يخرج به عن القواعد الاولية غير ظاهر " والثالث " بانك قد عرفت سابقا الاشكال في عموم دليل النيابة " والرابع " بأن مورد الصحيح الارض التي بيد السلطان وظاهره أن كونه ممن له نصيب له دخل في رفع ما فيه من ضيق الصدر لا علة للاذن فانك عرفت الاذن في التقبل من السلطان إذا كانت الارض في يده وان لم يكن التقبل ممن له نصيب، ويحتمل

[ 337 ]

أن يكون ما بيده من الارض كان إقطاعا من السلطان مجانا، ولاجل ذلك ضاق صدره فيكون الاستحقاق من الارض مصححا لذلك، وأما الخبر فمورده الاخذ من الخراج وقد عرفت انه سائغ ولا سيما إذا كان ممن له نصيب فيه ولا دخل له فيما نحن فيه " والخامس " بما عرفت من أن أدلة الملك بالاحياء مختصة بغير المقام بلا خلاف فلا مجال للرجوع إليها فيه، كما عرفت أن مصحح سليمان المتقدم محمول على لزوم أداء الارض لا الاجرة فلاحظ. ولكن لما كان المقام من قبيل ما علم من الشارع عدم المنع من التصرف فيه لئلا يلزم الضياع فيكون كسائر الموارد التي بني فيها على ولاية الحاكم عند التمكن لاحتمال دخل إذنه في جواز التصرف فلا بد فيه من مراجعته ان امكن، واحتمال دخل اذن السلطان منفي قطعا لما فيه من تقوية شوكته وترويج باطله (وبالجملة) لا اشكال في جواز التصرف في المقام وانما الاشكال في جوازه مطلقا ولو بدون مراجعة الحاكم أو بشرط المراجعة له فاصالة المنع تقتضي تعين الثاني فيكون من قبيل الموارد التي بني فيها على ولاية العدول على ما تقدم تفصيله فراجع، ولا فرق في ذلك بين نفس الارض وما يتولد فيها من نبات وشجر ونحوهما فانه تابع لها في الملك للمسلمين فلا بد في التصرف فيه من مراجعة الحاكم ان امكن. نعم السيرة قائمة على جواز تملك بعض أجزاء الارض وما يكون فيها من حشيش وورق شجر ونحوهما مما لا مالية له فلا باس بالعمل بها في الموارد التي يتحقق ثبوتها فيه ومنها الطين الذي يعمل أواني وآجرا كما انه لا اشكال ولا خلاف في أن مصرف الخراج هو المصالح العامة اجماعا بقسميه - كما في الجواهر - مضافا الى مرسلة حماد، وعليه فلو جاز التصرف بدون مراجعة السلطان فاللازم صرف طسقها في تلك المصالح سواءأ كان المتولي هو الحاكم أم نفس المتصرف، وما في الجواهر من أن الاقوى العدم لظاهر نصوص الاباحة وللسيرة المستمرة في سائر الاعصار والامصار بين العلماء والاعوام انتهى، غير ظاهر إذ نصوص الاباحة قد عرفت أنها مختصة بحقوقهم، والسيرة غير ظاهرة إلا فيما أخذ من السلطان أرضا كان على نحو الاقطاع أو نفس الخراج

[ 338 ]

على نحو الجائزة أو الشراء أو الارتزاق فمقتضى اصالة الاحترام عدم الخروج عن الضمان الا بما يصرف في مصارف الخراج فلاحظ. تنبيه المذكور في كلام جماعة كثيرة من المتأخرين انه يشترط في كل من العوضين ان يكن طلقا والمراد من الطلقية في كلامهم ان لا يكون فيه مانع عن التصرف لان الطلقية من الاطلاق مقابل التقييد فإذا كان احد العوضين مقيدا امتنع بيعه وان كان مطلقا جاز بيعه وبهذا المعنى من الطلقية صح ان يفرعوا على اشتراطها عدم جواز بيع الوقف ونحوه مما يوجد مانع فيه عن الانتقال. نعم لو كان المراد من الطلقية السلطنة على التصرف أشكل التفريع المذكور إذ السلطنة على التصرف راجعة الى جواز التصرف ولا معنى لتفريع عدم جواز البيع على عدم جواز التصرف كما هو ظاهر. بيع الوقف (مسألة): لا يجوز بيع الوقف اجماعا ونصوصا، وفي الجواهر يمكن دعوى تواترها، انتهى. بل عن بعض الاساطين دعوى الضرورة، ومن النصوص خبر أبي علي بن راشد سألت ابا الحسن (ع) قلت: جعلت فداك إني اشتريت أرضا الى جنب ضيعتي بالفي درهم فلما وقرت المال خبرت أن الارض وقف فقال (ع): لا يجوز شراء الوقف ولا تدخل الغلة في ملكك ادفعها الى من أوقفت عليه، قلت: لا أعرف لها ربا؟، قال (ع): تصدق بغلتها، وما روي في صدقات أمير المؤمنين (ع) من قوله (ع): هذا ما تصدق به علي بن أبي طالب وهو حي سوي تصدق بداره التي في بني زريق صدقة لاتباع ولا توهب حتى

[ 339 ]

يرثها الله تعالى الذي يرث السماوات والارض، بناء على أنه وصف مقوم للنوع لا للشخص إذ لو كان شرطا خارجا عن النوع كان المناسب تأخيره عن ركن العقد وهو الموقوف عليهم، وفيه أنه بعد ما كان التعبير بلفظ الصدقة يمتنع أن يكون عدم البيع مقوما للنوع لان نوع الصدقة مما لا يعتبر فيه ذلك جزما وليس هو المدعى. نعم انما يتم الاستدلال لو كان التعبير بلفظ الوقف - مع أنه قد يشكل أيضا بانه خلاف الاصل في القيود والشروط إذ الاصل التأسيس كما لا يخفى إلا أن يقال: اصالة التأسيس انما تكون مرجعا مع الشك في المراد لا مع العلم به والشك في المعنى الحقيقي نظير اصالة الحقيقة، ولذا قيل: الاستعمال اعم، لكن لو تم ذلك اقتضى عدم الظهور في خروجه عن مفهوم الصدقة لا أنه يكون ظاهرا في دخوله فيه، وأيضا فان قوله (ع): صدقة، ظاهر في كونه مفعولا مطلق فيمتنع جعل قوله (ع): لا يباع، وصفا له إذ هو من صفات العين المتصدق بها لا من صفات نفس الصدقة فيتعين كونه شرطا خارجا عن الصدقة، وجعله صفة له بلحاظ موضوعه خلاف الظاهر (وكيف كان) فلا يصلح ما ذكر دليلا على ما نحن فيه (وأما) الاشكال بانه لو كان شرطا خارجا لكان فاسدا على اطلاقه لانه مخالف لما دل على جواز البيع في بعض الموارد (ففيه) أنه لا مانع من تقييده بما دل على الجواز نظير ما في الرواية السابقة من اطلاق المنع عن البيع - مع أنه وارد ايضا على تقدير كونه فصلا مقوما فانه ايضا لا يصح على اطلاقه، ومثله في الاشكال التمسك بالمكاتبة التي رواها الصفار عن ابي محمد " ع ": الوقوف على حسب ما يقفها أهلها إنشاء الله، إذ لا يتم إلا إذا كان عدم البيع مأخوذا قيدا للوقف في نظر الواقف إذ لو أخذ خلافه قيدا دل على جواز البيع، كما أنه لو بني على أن عدم البيع مقوم للوقف كفى في اثباته ما دل على عموم الصحة والنفوذ ولم يحتج الى التمسك بالمكاتبة، بل قد يشكل التمسك بها لظهورها في القيود الزائدة على ما هو قوام الوقف مثل خصوصية الموقوف عليه وخصوصيات الصرف زمانا ومكانا ونحو ذلك فلاحظ (فالاولى) الاستدلال عليه - مضافا الى رواية أبي على

[ 340 ]

المتقدمة - بما أشار إليه بعض الاساطين في محكي شرحه بأن الدوام والتأبيد مأخوذ في حقيقة الوقف، والبيع وأضرابه من المعاوضات ينافي ذلك، فدليل صحة الوقف مانع من نفوذ البيع لان دليل أحد المتنافيين دليل على عدم الاخر ولذلك تصح دعوى ان صحة البيع تلازم بطلان الوقف كما تصح دعوى ان صحة الوقف تلازم بطلان البيع، ومن ذلك يظهر وجه ما في الجواهر من أن الوقف ما دام وقفا لا يجوز بيعه، بل لعل جواز بيعه مع كونه وقفا من التضاد. نعم إذا بطل الوقف اتجه جواز بيعه. انتهى، بناء على أن مراده من الجواز الجواز الفعلي بمعنى الصحة وثبوت المضمون. نعم يشكل لو كان المراد الجواز التعليقي يعني جواز البيع على تقدير وقوعه فان مثل هذا الجواز التعليقي الثابت بمجرد طروء بغض المسوغات لا ينافي الوقف كي يلزم من ثبوته بطلان الوقف فان بعض الموارد التي حكم فيها بجواز البيع بالمعنى المذكور لم يلتزم احد فيها ببطلان الوقف. نعم مثل هذا الجواز انما ينافي لزوم الوقف فيكون حينئذ جائز الابطلال بالبيع لا أنه مناف لصحته بحيث يبطل بمجرد طروء ما يوجب الجواز المذكور، إذ لا مقتضي لذلك لكن لا يبعد ان يكون مراد الجواهر الاول اعني الجواز الفعلي فلا يتوجه عليه الاشكال واستظهار الثاني من كلامه بقرينة جعل المنع من البيع من مقومات مفهوم الوقف غير ظاهر إذ كون المنع من البيع بمعنى بطلانه من مقتضيات الوقف مما لا غبار عليه بل لا ينبغي الريب فيه لمنافاة البيع للتأبيد جزما واعترف به شيخنا الاعظم (ره) في كلامه في حكم الصورة الثانية وغيره لكنه لا يقتضي المنافاة بين صحة الوقف وجواز البيع على نحو التعليق وانما يقتضي المنافاة بين صحة الوقف وجواز البيع على نحو التنجيز. نعم لو كان الطارئ المسوغ للبيع بنفسه مبطلا للوقف كالخراب والسقوط عن الانتفاع بطل الوقف بطروه ولو لم يتحقق البيع، ويحتمل أن يكون مراد الجواهر خصوص هذا المورد. هذا بناء على دخول التأبيد في مفهوم الوقف أما بناء على أنه مجرد التمليك الترتيبي للطبقات كما يظهر من كلمات شيخنا الاعظم (ره) في حكم الصورة الاولى فجواز البيع لا يبطل

[ 341 ]

الوقف ولو آناما قبل البيع، بل البيع يقع على نفس العين المرقوفة فتخرج به عن كونها وقفا على اشكال يأتي هناك؟ فلاحظ. ثم إن الاصحاب (قدس الله سرهم) بعد بنائهم على اصالة المنع عن البيع في الوقف اختلفوا في الخروج عن هذا الاصل وعدمه، كما أنهم اختلفوا في موارد الخروج وكلماتهم لا تخلو من تشوبش واشكال - كما اعترف به غير واحد - ويظهر ذلك بمراجعتها في الكتب المعدة لنقلها كمفتاح الكرامة والمقابيس ومكاسب شيخنا الاعظم (ره) ولا يهمنا الان نقلها وتحقيق ما يظهر منها، وانما المهم معرفة ما هو المستفاد من الادلة (فنقول): قد ذكر شيخنا الاعظم (ره) أن الوقف منه مؤبد ومنه منقطع وأن الخلاف في جواز البيع وعدمه في المؤبد إنما هو فيما يكون ملكا للموقوف عليهم الذي تكون منفعته لهم ويجوز ايجاره ويجب ضمانه لهم أماما لا يكون كذلك كالمساجد والمدارس الذي هو فك ملك كالتحرير ولا يجوز ايجاره، ولا تضمن منافعه بالاستيفاء بلاحق، فالظاهر انه لا خلاف في عدم جواز بيعه لعدم الملك. انتهى، " والذى " ينبغي أن يقال: ان الوقف بجميع أقسامه نوع من الصدقة غاية الامر أن التصدق (تارة) بجعل العين صدقة مطلقه كما لو قال: داري أو بستاني صدقة مطلقة، فان العين تكون حينئذ صدقة كسائر الصدقات فتجري عليها أحكامها والتصرف فيها يكون راجعا الى ولي الصدقات فتكون العين نظير الزكاة المعزولة التي هي صدقة مصرفها الاصناف الثمانية (وأخرى) بجعل العين على شأن خاص من دون اعتبار التأبيد والدوام نظير نماء الوقف كما لو قال: بستاني صدقة على العلماء: وحينئذ تكون صدقة خاصة تصرف في مصالح العلماء، ويجوز صرف عينها وبدلها ببيعها (وثالثة) بجعلها صدقة مؤبدة وحينئذ تكون وقفا لا يجوز بيعها ولا تمليكها ولا غيرها مما ينافي تأبيد كونها صدقة كما عرفت فالوقف إذا هو الصدقة المؤبدة فتخرج العين عن ملك المالك ولا تدخل في ملك مالك كما لا يجوز التصرف فيها بالتمليك ونحوه مما ينافي تأبيد التصدق بها.

[ 342 ]

اقسام الوقف ثم إن الوقف يكون " تارة " على موقوف عليه يعود نفعه إليه إنسانا كان حيا أو ميتا أو حيوانا أو جمادا أو جهة " وأخرى " لا يكون كذلك بل يكون لمجرد حفظ عنوان وايجاده كما في وقف المساجد فانه لم يلاحظ في وقفها انتفاع أحد به وانما وقف العرصة على أن تكون مسجدا لا غير فتكون بذلك مسجدا، ولو وقف العرصة على المصلين أو الساجدين أو العابدين لم تكن مسجدا ولا تجري عليها أحكام المساجد مثل حرمة تنجيسها وفضل الصلاة فيها ونحوهما من أحكام المساجد وإنما تكون وقفا على الصلاة نظير وقف العرصة للوضوء والغسل ونحوهما من الافعال فلم يلاحظ في وقف المسجد موقوف عليه، وإنما لوحظ مجرد إيجاد عنوان المسجدية، ولاجل ذلك لا يكون خراب المسجد وسقوطه عن الانتفاع به بالمرة منافيا للتأبيد واستمرار الوقف لان عنوان المسجدية ليس قائما بالعمارة ولا متوقفا عليها بخلاف الوقف على أحد الانحاء الاخر فعدم دخول المساجد في محل النزاع لهذه الجهة التي بها افترقت عن سائر الاوقاف التي لوحظ فيها موقوف عليه تصرف منافعها فيه (وهذه) على أقسام " الاول " أن يلاحظ الواقف انتفاع الموقوف عليه به بلحاظ صيرورة المنفعة ملكا لهم كما لو قال: هذا وقف على أولادي على أن تكون منافعه لهم، فتكون المنافع مملوكة للموقوف عليه وتجري عليها أحكام الملك من كونها تحت سلطانهم يتصرفون فيها كيف شاءوا ويرثها وارثهم وتجوز المعاوضة عليها منهم وتضمن لهم عند طروء سبب الضمان من يد أو إتلاف كسائر أملاكهم " الثاني " أن يلاحظ صرف المنفعة فيهم من دون تمليك ولا تملك كما لو قال: بستاني وقف على العلماء تصرف منافعه فيهم، وهذا لا توارث فيه فلو مات أحد من العلماء بعد تحقق الثمرة وقبل صرفها عينا أو عوضا عليه لا يرثها وارثه. كما انه لا ولاية فيه للموقوف عليه إذ لا دليل عليه بعد عدم الملك

[ 343 ]

بل ولايتها للحاكم الشرعي، ويجوز له المعاوضة عليها لعدم منافاتها لما لاحظه الواقف كما أنه مضمونة باليد أو الاتلاف كما تضمن الزكاة المعزولة بذلك لعموم أدلة الضمان، واعتبار الملك في الضمان لا دليل عليه، بل الاطلاق على خلافه ويكفي في صحة اعتباره عند العقلاء قيام المضمون به مقام المضمون في حفظ عنوان الصدقة كما لا يخفى (الثالث) أن يلاحظ الواقف صرف نفس المنفعة في الموقوف عليه كما إذا قال: هذه الشجرة وقف على أولادي يأكلون من ثمرتها، وفى مثله لا توارث ولا ولاية للموقوف عليه ولا تصح المعاوضة عليها حتى من الولي العام لانه خلاف ما لاحظه الواقف. نعم تضمن منافعها بطروء سبب الضمان لما عرفت في القسم السابق (الرابع) أن يلاحظ الواقف انتفاع الموقوف عليه به مباشرة كما في وقف الخانات والرباطات وكتب العلم والادعية والزيارات ونحوها مما يقصد الواقف انتفاع الموقوف عليه به باستيفاء منفعته. وهذا القسم كما لا يجوز فيه التوارث ولا المعاوضة حتى من الولي العام ولا يكون ولايته للموقوف عليه لا يجوز فيه الضمان للمنافع لو استوفى منافعها ظالم بغير حق، لان اعتبار الضمان يتوقف على ملاحظة مضمون له والمفروض أن الواقف ما جعل منافعها ملكا لمالك ولامضافة الى جهة ولا معنونة بعنوان خاص مثل كونها صدقة فكيف يصح حينئذ فرض البدلية بالمثل أو القيمة والمبدل منه ليس له عنوان خاص يمكن اعتبار البدلية بلحاظه كما لا يخفى، فاتلافها كاتلاف المباحات الاصلية لا معنى لاعتبار الضمان فيه. نعم مقتضى اطلاق الضمان باليد والاتلاف ضمان نفس الاعيان الموقوفة بهما، وعدم كونها مملوكة لمالك لا يقدح في ذلك لما عرفت من عدم الدليل على اعتبار المالك في المضمونات فانه - مع إنه خلاف اطلاق الادلة - خلاف المقطوع به في مثل الزكاة المعزولة - مع أن التحقيق أنها ليست ملكا لا للفقراء ولا لغيرهم وانما هي صدقة مصرفها الاصناف الثمانية - كما حقق ذلك في محله - ومن ذلك يظهر لك النظر في كلمات شيخنا الاعظم (ره) فلاحظ، كما أن من ذلك يظهر انه قد يجتمع قسمان في وقف واحد بلحاظ أجزائه كما في وقف المساجد المعمورة قبل

[ 344 ]

الوقف فان المسجدية لما كانت قائمة بالعرصة دون ما فيها من بناء وسقوف ونحو ذلك كان مرجع وقف المجموع الى وقفين وقف العرصة مسجدا ول ينقطع تأبيده بالخراب كما عرفت ووقف البناء ونحوه فانه من قبيل وقف الخانات فإذا انهدم السقف ولم يمكن إرجاع أنقاضه الى ما كانت عليه لم يكن مانع من بيعها بناء على ما يأتي من أن السقوط عن الانتفاع مبطل للوقف وكأنه لذلك ورد ما تضمن جواز بيع ثوب الكعبة وصحة شرائه فلا يتوهم التنافي بينه وبين ما عرفت. فلاحظ وتأمل والله سبحانه الموفق المعين. صور بيع الوقف ثم ان الكلام في بيع الوقف يقع في صور (الاولى) أن يخرب بحيث لا يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه كالحيوان المذبوح والجذع البالي، والمعروف جواز بيعه حينئذ أما بناء على ما عرفت من أن قوام الوقف الذي به امتاز عن أقسام التصدق هو التأبيد والدوام بلحاظ الانتفاع بالمنفعة الخاصة فإذا بطلت بطل لانتفاء الحكم بانتفاء موضوعه وإذا بطل التأبيد بقي صرف التصدق على الموقوف عليه، فيرجع الى القسم الثاني الذي لا مانع من بيعه ولا مجال للعمل بادلة المنع إذ لا إجماع على المنع حينئذ وقوله (ع): لا يجوز شراء الوقف، وقوله " ع ": الوقوف على حسب ما يقفها اهلها، بناء على كونه منها يتوقف اعماله على ثبوت الوقف والمفروض بطلانه وانتفاؤه، أما بناء على أنه تمليك العين لكل طبقة من الموقوف عليهم على الترتيب بترتيب طبقاتهم ويكون ملكهم للمنافع تبعا لملك العين لا بجعل من الواقف فمجرد امتناع المنفعة لا يوجب بطلان الوقف لعدم منافاة ذلك له ولا لدليله فلا بد في اثبات جواز البيع من دعوى انصراف دليل المنع - أعنى قوله عليه السلام: لا يجوز شراء الوقف - عن الفرض لكنه محل اشكال، بل لو قيل بأن مفهوم الوقف راجع الى التمليك الترتيبي المتقدم على أن تبقى العين بنفسها

[ 345 ]

مستمرا دائما، فيكون المنع من البيع من لوازم مفهومه، كان مقتضى اطلاق الصحة والنفوذ المنع عن البيع ولو مع الخراب وعدم المنفعة لعدم ارتباط هذا المعنى من التأبيد بالمنفعة كي يكون بطلانها موجبا لبطلانه فيحتاج أيضا في إثبات جوازه الى دعوى انصراف دلى الصحة، لكنها غير ظاهرة أيضا لا أقل من الشك الموجب للرجوع الى استصحاب المنع " ودعوى " أن المنع السابق على الخراب كان في ضمن وجوب العمل بالوقف وهو انتفاع جميع البطون وقد ارتفع ذلك قطعا فلا يبقى ما كان في ضمنه " مندفعة " بأن المراد من وجوب العمل بالوقف إن كان الوجوب الارشادي الى ثبوت مضمونه فهو غير معلوم الارتفاع فيستصحب، وان كان زائدا على ذلك فغير ثابت - كما أشرنا الى ذلك في المباحث السابقة - مع أن مجرد كون الوجود ضمنيا لا يمنع من جريان الاستصحاب فيه الا مع تعدد الموضوع عرفا وهو ممنوع " ومثلها " دعوى كون استصحاب المنع تعليقيا وفى حجيته بحث " إذ فيها " أن عمدة المناقشة في حجيته معارضته بالاستصحاب التنجيزي، والاستصحاب التنجيزي هنا معاضد لا معارض فان الاصل عدم ترتب الاثر كما لا يخفى، ومثل ذلك في الاشكال الاستدلال على الجواز بأن الامر دائر بين تعطيله حتى يتلف بنفسه وبين انتفاع البطن الموجود به بالاتلاف وبين تبديله بما يبقى وينتفع فيه الكل والاول مناف لحق الله تعالى وحق الواقف وحق الموقوف عليه والثاني مناف لحق البطون اللاحقة ومستلزم لجواز البيع لعدم الفرق بين اتلافه ونقله فيتعين الثالث وهو المطلوب إذ فيه أنه لا يظهر حق لله تعالى في العين الموقوفة وكون الوقف من العبادات - لو سلم - فالمراد به فعل الواقف فهو له تعالى على أن تكون اللام للتعليل لا للملك ولا للاختصاص فلا حق له تعالى في الفعل فضلا عن العين، وكذا لا يظهر حق للواقف فيها بعد ما خرجت عن ملكه إما لكونها صدقة - كما هو الظاهر - أو لكونها ملكا للموقوف عليهم، وأما حق الموقوف عليهم فهو - لو كان ثابتا - بناء على أن الملك التعليقي يستلزم ثبوت حق في العين، لكن

[ 346 ]

ابقائها بلا بيع الى ان تتلف لا ينافي الملك المذكور كما في سائر الاملاك التي تسقط عن الانتفاع، كما لا ينافي أيضا الحقين السابقين على تقدير ثبوتهما فإذا ليس في ترك العين على حالها تضييع لحق من الحقوق المذكورة، ولو سلم فلا باس به إذا اقتضاه الدليل الدال باطلاقه على عدم جواز بيع الوقف فإذا العمدة في جواز البيع على هذا المبنى أعني كون مرجع الوقف التمليك الترتيبي، دعوى انصراف دليل المنع وقد عرفت أنه محل اشكال، واشكل من ذلك ما يقال من ان الواقف وإن وقف عين الرقبة لكن حيث أنها مما تزول خصوصيتها الشخصية فكأنه وقفها بمراتبها وتعلق نظره أولا بشخصيتها ثم بماليتها فإذا لم يمكن الانتفاع بشخصيتها الخاصة فيتعلق بماليتها " وفيه " ما عرفت في احكام المقبوض بالعقد الفاسد من أن المالية ليست موضوعا للعناوين الخاصة كالوقفية والملكية والبيعية ونحوها وإنما موضوعها المال الذي هو موضوع المالية ولو سلم فالمالية القائمة بالعين الخارجية الخاصة غير المالية القائمة ببدلها فالوقف المتعلق بالاولى ليس له اطلاق يشمل الاخرى بل موضوعه الاولى لا غير فإذا بطل فيها احتيج في ثبوته للبدل الى موجب، وقاعدة الميسور الشرعية - لو تم تطبيقها في المقام - لا دليل عليها والمجعولة من الواقف غير ثابتة ولا قرينة عليها، وان لم يبطل كان مقتضى اطلاق دليل المنع عن البيع عدم جوازه " ثم " إنه بناء على ما هو الظاهر من كون الوقف صدقة على نحو خاص يقتضي الدوام والتأبيد فإذا خربت العين بطل التأبيد فبقي أصل التصدق على الموقوف عليه، لان الظاهر كون انشائه على نحو تعدد المطلوب فيجوز لمن له الولاية عليها بيعها ويكون ثمنها صدقة عليهم، وكذا الحال في جميع الابدال الطولية كما يجوز وقف الثمن أو ثمنه لعدم منافاة وقفه لعنوانه إذ لا يخرج عن كونه صدقة عليهم. نعم لا بد من أن يكون مصلحة في نظره أما بناء على كون الوقف تمليكا ترتيبيا بشرط بقاء العين بلا بيع ولا نقل كما يظهر من بعض عبارات شيخنا الاعظم (قده) فإذا خربت بطل القيد المذكور وبطلت الوقفية لفوات قوامها فتبقى العين ملكا ترتيبيا، وحينئذ لا مانع من بيعها فإذا بيعت انتقل الثمن الى ملك

[ 347 ]

البطن الموجود طلقا فلهم اتلافه والتصرف فيه بكل وجه على نحو سائر الاملاك كما تنتقل العين الى مالك الثمن، فإذا انقرض البطن الموجود حين البيع انتقلت الى ملك البطن الثاني كما لو لم يتحقق البيع من البطن الاول، إذ هو مقتضى جعل الواقف ودعوى قيام الثمن مقامها في ذلك عارية عن الشاهد إذ الملكية المجعولة للبطن الثاني تعليقية وليس لها وجود فعلي حال البيع كي يقوم الثمن مقام العين بلحاظها فلا وجه لثبوتها في الثمن بدل العين، بل لو قلنا بأن الملكية التعليقية تستوجب ثبوت حق فعلي للبطون اللاحقة ولذا لا يجوز اتلافها لم يكن موجب لانتقال ذلك الحق الى الثمن إذ لا دليل عليه ولم لا يكون كحق الجناية عند جماعة من الاصحاب لا يمنع من بيع العبد الجاني ولا ينتقل الى ثمنه، نعم لم يعرف قائل بذلك لكن هذا المقدار لا يسوغ الخروج عن القواعد بالالتزام ببدلية الثمن حتى بلحاظ الملكية الشأنية أو بلحاظ الحق الناشئ منها لو قيل به ولعل ذلك كله امارة على عدم تمامية المبنى المذكور. ومن ذلك يظهر لك الحكم بناء على ما يظهر من اكثر عبارات شيخنا الاعظم (ره) في المقام من أن مرجع الوقف الى الملك الترتيبي بلا شرط عدم التصرف إذ لا فرق بين هذا وبين ما قبله فيما ذكرنا وان كان بينهما فرق في جواز البيع على هذا المبنى لو لا الدليل الشرعي التعبدي وعدم جوازه على الاول إلا بعد البطلان من جهة الخراب فلاحظ، وكيف كان فالمبنى المذكور ضعيف فان الوقف على زيد ليس معناه تمليكه لا عرفا ولا شرعا كيف وقد يكون الموقوف عليه لا يقبل التملك كالحيوان والجماد والجهات، والالتزام بأن الوقف على ما يقبل الملك مفهوما يخالف الوقف على ما لا يقبله كما ترى خلاف مرتكزات المتشرعة، ومثله الالتزام بقبول الحيوان والجماد ونحوهما للملك فانه خلاف المرتكز العقلائي إذ المذكورات عندهم قاصرة عن المالكية (فالمتعين) ما عرفت آنفا من أن الوقف تصدق بالعين على نحو خاص على وجه التأبيد، كما يستفاد؟ من النصوص والفتاوى ومرتكزات المتشرعة فإذا خربت العين الموقوفة بطل التأبيد وبقي التصدق الخاص لكون التأبيد ملحوظا قيدا على نحو تعدد المطلوب والتصدق الخاص لا مانع من

[ 348 ]

بيع موضوعه كما عرفت فإذا بيع كان الثمن بمنزلته في كونه صدقة خاصة بلا تأبيد فيجوز بيعه ايضا، وكذا الحال في جميع الابدال الطولية لانها بمنزلة المبدل منه، " وهل " يجب شراء المماثل كما عن جماعة لكونه أقرب الى مقصود الواقف؟ الظاهر العدم لعدم انضباط غرض الواقف وعدم الدليل على وجوب ملاحظة مقصوده فضلا عن الاقرب إليه وانما الواجب العمل بمضمون الوقف لدليل الصحة والنفوذ ولو مع عدم انطباق غرض الواقف عليه لجواز تخلف الاغراض وليس غرض الواقف كغرض الشارع الذي يستتبع حكما شرعيا تجب موافقته عقلا فلاحظ (ثم) إنك عرفت أنه بناء على كون الوقف صدقة تكون ولايته لولي الصدقات إلا أن يكون الواقف قد عين ناظرا فيكون هو المتولي لها يتصرف فيها حسبما يقتضيه نظره من بيع أو غيره على حسب اختلاف النظارة المجعولة عموما وخصوصا وان كان اطلاق النظارة منصرفا الى غير البيع أما بناء على التمليك الترتيبي فولايته للبطن الموجود، فلو بني على البيع كان المتولي له البطن الموجود مع الحاكم أما الاول فللملك، وأما الثاني فلانه القيم على المعدوم والمفروض كونه ملكا لهم أيضا بناء على صحة دعوى ثبوت حق في العين لهم ينتقل الى بدله. نعم لو نصب الواقف ناظرا على الوقف فالحكم كما سبق لا أقل من الشك الموجب للرجوع الى اصالة العدم، ولو استبدل بالوقف فهل للناظر المنصوب من الواقف الولاية على البدل لتعلق حقه بالعين فينتقل الى بدلها؟ أولا لان الولاية ليست من الحقوق ولذا لا تسقط بالاسقاط الاقوى الثاني. نعم لو كان المستفاد من لسان جعل النظارة عمومها للبدل لزم العمل عليه، ولو خرب بعض الوقف جاز صرف ثمنه في مصلحة البعض العامر لانه من مصارف الصدقات أو لانه صرف في مصلحة المالكين ومثله صرفه في وقف آخر وهل يجب لو كان الباقي محتاجا في انتفاع البطون اللاحقة الى ذلك؟ وجهان أقواهما الثاني لعدم الدليل على ذلك لا شرعا ولا بجعل الواقف، ومثله لو توقف انتفاع البطون اللاحقة بالوقف على صرف منفعته الحاضرة التي يستحقها البطن الموجود، نعم لو قامت القرينة على شرط الواقف

[ 349 ]

ذلك تعين، ولو اتجر الولي بثمن الوقف المبيع كان الربح تابعا للاصل صدقة أو ملكا ترتيبيا للبطون لانه جزء البدل فكما ان الاصل مملوك للبطون ترتيبيا كذلك أبداله الطولية وليس هو كالنماء الخارجي أو المنافع فانها خارجة عن موضوع الوقف زائدة عليه بخلاف الربح كما لا يخفى " هذا " وقد عرفت فيما سبق أن جواز البيع في هذه الصورة لا يختص بنوع من الوقف بل يجري في اقسامه كافة حتى مثل وقف خانات الزوار وكتب العلم والمدارس والرباطات ونحوها نعم لا يجري في وقف المساجد لما عرفت من كون المقصود من وقفها ليس هو الانتفاع لينتفي بالخراب بل المقصود حفظ عنوان المسجدية وايجاده وهو لا يختلف باختلاف حالتي العمارة والخراب فلاحظ وتأمل. الصورة الثانية أن يخرب بنحو يسقط عن الانتفاع المعتد به مع كونه ذا منفعة يسيرة ملحقة بالعدم عرفا، وربما يستظهر الجواز من القائلين بالجواز في الصورة الاولى بحمل الخراب فيها على ما يشمل هذه الصورة كما يستظهر المنع ايضا منهم بحمل الخراب فيها على ما يسقط به عن الانتفاع بالمرة لكن كلماتهم مختلفة فبعضها ظاهر في المنع هنا وبعضها ظاهر في الجواز (وكيف كان) فالمتبع الدليل وقد عرفت أن مقتضى الوقف واطلاق قوله (ع): لا يجوز شراء الوقف، هو المنع إلا أن يدعى انصراف المنفعة المأخوذة موضوعا لتأبيد الوقف عن غير المعتد بها وحينئذ يقصر النص عن شمولها ايضا وهي غير بعيدة. نعم بناء على كون المنع عن البيع تعبديا تشكل دعوى الانصراف كما عرفت في الصورة الاولى. هذا ولو كان الوقف واردا على موضوع لوحظ معنونا بعنوان خاص كالبستان والدار ونحوهما فبناء على ما ذكرنا من كون الوقف صدقة على نحو التأبيد في الانتفاع فالمنفعة الملحوظة موضوعا للتأبيد ان كان خصوص منفعة الدار والبستان فإذا بطلت بطل

[ 350 ]

الوقف فيرجع صدقة على الموقوف عليهم فلا مانع من بيعه وبناء على ما ذكره شيخنا الاعظم (ره) من كونه ملكا ترتيبيا فالملكية وإن أمكن تخصيصها بالمعنون على نحو تفوت بفوات عنوانه لكن المرتكزات العقلائية لا تساعد عليه فلا موجب لبطلان الوقف بفوات العنوان فلا مانع من تطبيق قوله (ع): لا يجوز شراء الوقف، فيتعين القول بعدم جواز البيع. الصورة الثالثة أن يخرب بنحو تقل منفعته من دون أن تلحق بالمعدوم، والمنسوب الى صريح جماعة المنع، بل نسب الى ظاهر الاكثر لما عرفت من أدلة المنع من دون مخرج " ودعوى " الانصراف ممنوعة، وعن الشيخ (ره) الجواز معللا بانه لا يمكن الانتفاع به الا على هذا الوجه ذكر ذلك في النخلة المنقلعة لكن التعليل في مورده غير ظاهر لامكان الانتفاع بالنخلة في وجوه كثيرة ولو فرض العدم لم يكن الفرض العدم لم يكن الفرض مما نحن فيه، وكذا لو كان مراده ما تقدم في الصورة الثانية مما لوحظ فيه منفعة عنوان خاص فبطل لكن العبارة لا تساعد عليه (وكيف كان) فالاقوى المنع وأظهر منه ما لو قلت منفعة العين من دون خراب. الصورة الرابعة أن يكون بيع الوقف أنفع للموقوف عليه، والمعروف المنع عن البيع بل لم يعرف القول بالجواز إلا من المفيد (ره) وعن السرائر أن كلام المفيد متأول، كما أنه لم يعرف له وجه مصحح للخروج عن اصالة المنع إلا رواية جعفر بن حيان عن أبي عبد الله " ع " عن رجل وقف غلة له على قرابته من أبيه وقرابته من أمه... الى أن قال: قلت فللورثة من قرابة الميت ان يبيعوا الارض ان احتاجوا ولم

[ 351 ]

يكفهم ما يخرج من الغلة؟ قال " ع ": نعم إذا رضوا كلهم وكان البيع أعود لهم باعوا، وما في توقيع الحميري عن صاحب الزمان عليه وعلى آبائه أفضل الصلاة والسلام - بعد ما سئل عن الخبر المأثور عن الصادق " ع " من أنه إذا كان الوقف على قوم باعيانهم وأعقابهم واجتمع أهل الوقف على بيعه وكان أصلح لهم جاز بيعهم، وأنه هل يجوز الشراء من بعضهم دون بعض؟ وعن الوقف الذي لا يجوز بيعه - أجاب " ع " بانه إذا كان الوقف على إمام المسلمين فلا يجوز بيعه وإذا كان على قوم من المسلمين فليبع كل قوم ما يقدرون على بيعه مجتمعين ومتفرقين، لكن فيه - مع ضعف الاول بجهالة جعفر، ووجود الحسن بن محبوب السراد الذي هو من أصحاب الاجماع في السند لم يثبت كونه كافيا في الحجية فتأمل، وإعراض الاصحاب عنهما - قصور دلالتهما فان كون البيع خيرا لهم وأصلح غير ظاهر في الاعود الانفع لما بينهما من العموم من وجه مع أن (الاول) لا إطلاق له يشمل صورة عدم الحاجة لان ذكرها في السؤال يصلح قرينة على الاختصاص بها ولا يقول به القائل (والثاني) ظاهر في الجواز مطلقا، وذكر الاصلح في السؤال لا يصلح قرينة على تخصيص الجواب به لاختلاف الجواب في الحديثين من حيث الابتناء على السؤال فلاحظ. الصورة الخامسة أن يلحق الموقوف عليهم ضرورة شديدة، وظاهر محكي عبارات جماعة جواز البيع وليس له دليل ظاهر يخرج به عن أدلة المنع غير خبر جعفر بن حيان المتقدم، ودلالته لا تخلو من نظر بل منع لان الحاجة وعدم كفاية الغلة فيه أعم من الضرورة الشديدة، بل بينهما عموم من وجه وإطلاق التوقيع الشريف المتقدم وان كان يقتضيه، لكنه بظاهره غير معمول به ومؤوله ليس بحجة، لعدم القرينة عليه فالعمل بادلة المنع متعين التي لا يقدح فيها الاتفاق المحكي في

[ 352 ]

الانتصار على الجواز كالاجماع المحكي في الغنية عليه لوضوح الخلاف. الصورة السادسة أن يشترط الواقف بيعه عند الحاجة أو غيرها فجوزه العلامة في محكى الارشاد، وتوقف فيه في محكي القواعد، وفصل في محكي جامع المقاصد بين شرط البيع عند عروض المسوغ له فيجوز وبين غيره فلا، والذي ينبغي أن يقال إن كان التأبيد المنافي للبيع من مقومات الوقف فاشتراط البيع يكون منافيا للوقف سواءأ كان بنحو شرط النتيجة أم بنحو شرط الفعل الذي هو محل الكلام أما الاول فواضح، لان المفروض المنافاة بين البيع والوقف والقصد الى المتنافيين ممتنع، وأما الثاني فانه وان لم يكن قصد الى انشاء نفس البيع حينئذ، وإنما كان قصدا الى جعل الداعي إليه لكن ارادة شئ أيضا تنافي ارادة جعل الداعي الى ما ينافيه، وحينئذ يشكل قصد انشائه فضلا عن صحته. نعم يصح لو كان راجعا الى اناطة التأبيد بعدم عروض السبب المجوز للبيع وحينئذ يكون الوقف منوطا لا مطلقا فإذا حدث السبب ارتفع الوقف فجاز البيع، وأما تصحيحه بارجاعه الى شرط فسخ الوقف أولا ثم يبيع ففيه أن الفسخ ايضا ينافي التأبيد كالبيع فلا يمكن شرط فعله في عقد الوقف والمائز بين الوقف وسائر العقود التي يجوز فيها شرط الفسخ أن المجعول فيها مجرد حدوث المضمون من دون نظر الى بقائه ودوامه فلا مانع من شرط الفسخ بنحو شرط النتيجة فضلا عنه بنحو شرط الفعل بخلاف الوقف حسب الفرض من كون التأبيد والدوام مقوما له ومجعولا يجعل الواقف (وكيف كان) فصحة الوقف المنوط بشئ يقتضيها العمومات، والاجماع على بطلان التعليق غير ثابت مع تحقق الخلاف، واحتمال ان الخلاف كان لشبهة لا لجواز التعليق غير ظاهر فالعمل بالعمومات متعين وحينئذ يبطل الوقف بطروء السبب المنوط به الشرط فلا مجال للتمسك على بطلان الشرط بانه

[ 353 ]

مخالف للسنة لقوله (ع): لا يجوز شراء الوقف، لانتفاء موضوعه، وكذا لا حاجة في تصحيحه الى التمسك بقوله (ع): الوقوف على حسب ما يقفها أهلها، فان الرجوع إليه ايضا فرع ثبوت موضوعه (وأما) لو لم يكن التأبيد المنافي للبيع من مقومات الوقف فلا مانع من الشرط المذكور ثبوتا. نعم يشكل صحته بمخالفته للسنة كما عرفت وتصحيحه بعموم: الوقوف على حسب ما يقفها أهلها، غير واضح لاحتمال انصرافه عن مثل ذلك ولا سيما بملاحظة مادل على عدم جواز بيع الوقف. هذا إذا كان المقصود البيع لجميع الموقوف عليهم أما لو كان المقصود البيع لخصوص البطن الموجود بحيث يصرف في مصالحهم كان الشرط ايضا منافيا للوقف، فيتعين في رفع التنافي أن يكون الوقف ايضا منوطا بعدم طروء ما جعل شرطا في البيع فيجري فيه ما عرفت من البناء على صحته للعمومات وأنه لا مجال للتمسك بعموم: لا يجوز شراء الوقف، ولا بقوله (ع): الوقوف على حسب ما يقفها أهلها، ويعضد ما ذكرنا الصحيح الحاكي لوقف أمير المؤمنين (ع) ماله في عين ينبع المتضمن لشرط البيع في فروض متعددة فلاحظ. الصورة السابعة أن يؤدي بقاؤه الى خرابه المؤدي الى سقوط الانتفاع به بنحو يعتد به علما أو ظنا سواء أكان من جهة الاختلاف بين أربابه أم لا، واختار شيخنا الاعظم - رحمه الله - فيه جواز البيع وفاقا لظاهر محكي كلام جماعة حيث أطلقوا جواز البيع عند خوف الخراب كالمبسوط والغنية والوسيلة وفقه القرآن والجامع والنزهة واستدل له بقصور أدلة المنع عن شمول الفرض لعدم الاجماع وانصراف نصوص المنع، لكن لو بني على كون المنع من البيع من مقتضيات الوقف احتيج في دعوى الجواز الى دعوى انصراف نظر الواقف ولكن دعوى انصراف رواية المنع ونظر الواقف عن ذلك غير ظاهرة ولا سيما الثانية، إذ لا قصور في المنفعة حين البيع

[ 354 ]

الى زمان الخراب فلا موجب لانصراف جعل الواقف عنها، ومجرد كونه الغرض من عدم البيع عدم انقطاع شخصه فإذا دار الامر بين انقطاع شخصه ونوعه وبين انقطاع شخصه فالثاني أولى إنما يجدي لو بني على لزوم العمل بغرض الواقف وقد عرفت أنه ممنوع وأن اللازم العمل بمجعول الواقف لا غير والبيع ينافيه حسب الفرض فكيف يسوغ ارتكابه. نعم يتم ذلك في آخر أزمنة بقائه إذ لا منفعة حينئذ تكون موضوعا للتأبيد لكنه فرض لا وجود له، وأما الاشكال بأن البيع قبل ذلك قد يؤدي الى ضرر البطن الموجود للزوم تعطيل الانتفاع الى زمان وجدان البدل أو كون البدل قليل المنفعة بالنسبة الى الباقي فلايهم بعد ما كان البطن الموجود هو المتولي للبيع المستلزم لاقدامه على الضرر المذكور. نعم يقدح ذلك في القول بوجوب البيع حينئذ لانه على خلاف قاعدة نفي الضرر، فالمتحصل أن الكلام في جواز البيع في هذه المسألة ان كان في جواز البيع في آخر أزمنة بقاء التعمير المتصل بزمان الخراب فالحكم هو الحكم في الصورة الثانية والدليل هو الدليل، وان كان في جواز البيع عند طروء ما يوجب العلم أو الظن بالخراب لو بقي مع تحقق المنفعة له الى زمان الخراب فالوجه عدم الجواز إما لكون البيع خلاف مقتضى الوقف أو لاطلاق ما دل على المنع عنه، ومجرد عدم إمكان البيع بعد ذلك بحيث لو لم يبع عند طروء الطارئ تعذر بيعه وخرب بعد حين لا يسوغ البيع الممنوع عنه وليس المقام من التزاحم كي يؤخذ باقل المحذورين (ومنه) يظهر ضعف ما يقال من أن إبقاءه على حاله اضاعة واتلاف للمال فان ذلك لا يصلح مخصصا لادلة المنع كما يظهر ضعف القول بجواز بيعه إذا أدى بقاؤه الى خرابه الموجب لقلة المنفعة مع الاعتداد بها عرفا فضلاعما إذا لم يكن مؤديا الى ذلك الذي لا يظن الالتزام بجواز البيع فيه من أحد ومسوغية الخراب المذكور في كلامهم انما هو بملاحظة ما يترتب عليه من فوات المنفعة كلا أو بعضا.

[ 355 ]

الصورة الثامنة أن يقع الاختلاف بنحو لا يؤمن معه تلف المال أو النفس، وقد يظهر من عبارة جماعة جواز البيع فيه، وكأنه لمكاتبة ابن مهزيار الى ابي جعفر (ع) فيمن وقف ضيعة وجعل له (ع) في الوقف الخمس يسأله عن رأيه في بيع حصته أو تقويمها على نفسه أو يدعها موقوفة؟ فكتب (ع) إليه انه يأمره ببيع حصته - عليه السلام - أو تقويمها على نفسه فكتب إليه: ان الرجل ذكر بين من وقف عليهم بقية الضيعة اختلافا شديدا وليس يأمن ان يتفاقم ذلك بينهم بعده فان كان يرى أن يبيع هذا الوقف ويدفع الى كل انسان منهم ما وقف له من ذلك فكتب - عليه السلام - بخطه: واعلمه أن رأيي له ان كان قد علم الاختلاف ما بين أصحاب الوقف ان بيع الوقف أمثل فانه ربما جاء في الاختلاف تلف الاموال والنفوس (وفيه) أن قوله " ع ": فانه ربما... الخ ان كان تعليلا لجواز البيع مع الاختلاف كان مقتضى عموم التعليل جواز البيع بمجرد احتمال تلف النفوس والاموال وان لم يكن بسبب الاختلاف، وان كان حكمة لجواز البيع عند الاختلاف كان اللازم البناء على جواز البيع مع الاختلاف مطلقا وعلى كل حال لا تصلح الرواية لاعتبار القيدين معا (اللهم) الا أن يبنى على اجمالها ويكون اجتماع القيدين هو المتيقن، ومن ذلك تعرف عدم دلالة الرواية على جواز البيع في (الصورة التاسعة " وهي أن يؤدي الاختلاف الى ضرر عظيم وان لم يكن نفسا أو مالا ولا سيما مع وضوح خلوها عن التعرض لمطلق الضرروعن اعتبار الاداء الواقعي الى ذلك لصراحتها في كفاية الاحتمال وأما في " الصورة العاشرة " وهي أن يلزم من بقاء الوقف فساد يستباح منه الانفس فدلالة الرواية على الجواز فيها مبنية على ملاحظة الذيل تعليلا، لكنك عرفت صراحتها في الاعتبار بتلف الاموال إما منضمة الى النفوس أو مستقلة على الاحتمالين، فلا وجه للاقتصار على النفوس فيها،

[ 356 ]

كما عرفت أيضا صراحتها في الاكتفاء باحتمال الاداء ولا يعتبر الاداء الواقعي كما ذكر في الصورة المذكورة وحيث أن الظاهر كون الذيل تعليلا تكون الرواية ظاهرة في جواز البيع عند احتمال أداء بقائه الى تلف النفوس والاموال فان أمكن العمل بها كان الازم البناء على الجواز حينئذ ولا يتوقف علي حصول الاختلاف ولا على العلم أو الظن بالاداء الى ذلك ولا كون التلف على الوقف ولا على الموقوف عليهم، لكن قد يشكل العمل بها من وجوه (الاول) عدم عمل الاصحاب بظاهرها (وفيه) أن الظاهر من الاصحاب العمل بها والاعتماد عليها واختلاف كلماتهم في موضوع الجواز لاختلافهم في فهم المراد منها (الثاني) مخالفتها للقواعد المانعة من البيع ولا سيما بملاحظة ما فيها من قسمة الثمن على البطن الموجود لا غير (وفيه) أنه لا مانع من تخصيص القواعد العامة بالدليل المقتضي لذلك، (الثالث) عدم ظهورها في الوقف المؤبد لعدم ذكر الاعقاب فيها (وفيه) ان ظاهر اطلاق الوقف الحمل على المؤبد وعدم التعرض للاعقاب لاجل عدم كون السائل في مقام البيان من هذه الجهة (الرابع) عدم ظهورها في حصول القبض الذي هو شرط الصحة وفيه ان الظاهر من الوقف الوقف الصحيح الذي يترتب عليه الاثر وعدم التعرض للقبض لا يقدح لما سبق (اللهم) الا ان يقال: ظاهر قول المكاتب: وجعل لك في الوقف الخمس، أن وقف الضيعة كان على الامام " على " وعلى غيره وقفا واحدا، ويشير إليه قوله بعد ذلك: أو يدعها موقوفة، ثم إن ظاهر قول المكاتب: ويسألك عن رأيك في بيع... الخ أنه سؤال على وجه الاستشارة لا على نحو الاستفتاء عن جواز بيع الوقف كما يشير إليه ذكر تقويم الحصة على نفسه بالقيمة التي اشترى بها الارض في مقابل البيع وتركها موقوفة، فتكون الرواية ظاهرة في مفروغية السائل عن جواز البيع وانما كان تردده في ترجيح إحدى الخصال الثلاث على الباقيتين فسأل الامام " ع " عن ذلك كما يشير إليه أيضا أمر الامام " ع " له بالبيع وترجيحه على غيره من الخصلتين الاخريين اللتين إحداهما التقويم على نفسه الا إذا كان أرفق فمرجع الجواب الى

[ 357 ]

الارشاد الى لزوم البيع في قبال التقويم وقبال ترك الحصة موقوفة لا الى بيان حكم جواز بيع الوقف في قبال عدم جوازه. نعم تدل على اعتقاد السائل جواز بيع مثل هذا الوقف، ولذا سأل عن الارجح منه ومن معادليه وتقرير الامام - عليه السلام - له على ذلك دليل على صحة اعتقاده ولا تعرض في الرواية لموضوع جواز البيع وعدمه، فلا بد حينئذ من الرجوع في تعيينه الى دليل آخر، ومن ذلك يظهر أن الوقف المسؤول عن بيعه لما بين أربابه من الاختلاف قبل وقوعه ولا يؤمن تفاقمه بعده هو الوقف الاول والسائل فيه هو السائل الاول الذي كان عالما بجواز بيع الوقف فالسؤال فيه جار مجرى السؤال الاول ليس سؤالا عن جواز بيعه شرعا بل استشارة في العمل بما هو أرجح من ابقائه وبيعه وتقسيم ثمنه على البطن الموجود، ويشير إليه قوله " ع " في الجواب: وأعلمه أن رأبي أن بيع الوقف أمثل، والمظنون ما عن المجلسي " ره " في بعض حواشيه من ارادة الوقف العرفي الحاصل بمجرد انشاء الوقف من دون قبض مصحح له وموجب لترتب أثره شرعا عليه (والمحصل) أن الرواية صدرا وذيلا وسؤالا وجوابا ظاهرة في الاستشارة في بيع الوقف لا في الاستفتاء عن جوازه وعدمه والتعليل بانه بانه لا يؤمن تلف النفوس والاموال ذكر مرجحا لا مسوغا فلا مجال للتمسك بها على الجواز معه لاجمال موضوعها وترك الاستفصال عن وجود المسوغ لا محل له فلا مجال للتمسك به لاجمال موضوعها وترك الاستفصال عن وجود المسوغ لا محل له فلا مجال للتمسك به لا أقل من عدم ظهورها في الاستعلام عن جواز بيع الوقف فلا تصلح للحجية فلاحظ وتأمل، ثم إنه لو بني على ظهور الرواية في جواز البيع مع اختلاف الموقوف عليهم فظهورها في قسمة الثمن على البطن الموجود لا مجال لانكاره فيتعين العمل به (وما) عن ظاهر جماعة وصريح جامع المقاصد من أنه يشترى بثمنه ما يكون وقفا طرح لظاهر الرواية من غير وجه ظاهر الا المخالفة للقواعد المقتضية لكون ثمن الوقف يصرف في مصالح جميع طبقات الموقوف عليهم لكنه غير كاف في رفع اليد عن ظاهر الدليل كما عرفت آنفا فلا حظ " هذا " كله في الوقف المؤبد.

[ 358 ]

الوقف المنقطع وأما المنقطع وهو الوقف على من ينقرض غالبا كأن يقف على عقبه ولا يذكر ما يصنع به بعد الانقراض فالكلام فيه في مقامين (الاول) في صحته وقفا أو حبسا وبطلانه رأسا فنقول: المصرح به في كلام جماعة اعتبار الدوام في الوقف، وفي الجواهر الاجماع محصله ومحكيه في الغنية وعن المختلف والسرائر عليه، وفي ظاهر جامع المقاصد والمسالك عدم الخلاف فيه، ومقتضى ذلك بطلان الوقف في مدة معينة كسنة ونحوها وبطلان الوقف على من ينقرض كما لو وقفه على زيد أو البطن الاول من ولده، لكن حكى في المبسوط وغيره قولا بالصحة وهو المصرح به في كلام جماعة فكأن المراد من الدوام عدم الاقتران بمدة كما لعله الظاهر منه فان ارتفاع الوقف بانتفاء الموقوف عليه كارتفاعه بانتفاء العين الموقوفة لا ينافي دوامه فان انتفاء العارض بانعدام موضوعه ضروري وكيف كان فالمتيقن من معقد الاجماع ذلك وفى غيره يرجع الى القواعد المقتضية للصحة مضافا الى مكاتبة الصفار الى أبي محمد (ع) يسأله عن الوقف الذي يصح كيف هو فقد روي أن الوقف إذا كان غير موقت فهو باطل مردود على الورثة وإذا كان موقتا فهو صحيح ممضى قال قوم: إن الموقت هو الذي يذكر فيه أنه وقف على فلان وعقبه فإذا انقرضوا فهو للفقراء والمساكين الى ان يرث الله تعالى الارض ومن عليها، وقال آخرون: هذا موقت إذا ذكر أنه لفلان وعقبه ما بقوا، ولم يذكر في آخره الفقراء والمساكين الى أن يرث الله تعالى الارض ومن عليها، والذى هو غير موقت ان يقول: هذا وقف ولم يذكر أحدا، فما الذي يصح من ذلك؟ وما الذي يبطل فوقع (ع): الوقوف بحسب ما يوقفها أهلها انشاء الله، ولاجله يتضح المراد بمكاتبة ابن مهزيار: كل وقف الى وقت معلوم فهو واجب على الورثة كل وقف الى غير وقت جهل مجهول فهو باطل مردود على الورثة، ولو لم تحمل على الاولى أشكل

[ 359 ]

الاخذ بظاهر صدرها فانه خلاف الاجماع وذيلها مجمل المراد لا مجال للعمل به فلاحظ، ومنه يظهر ضعف القول بالبطلان لفقد الدوام الذي هو شرط في الوقف ثم على تقدير القول بالبطلان فهل يصح حبسا - كما صرح به جماعة - لان التقييد قرينة على ارادة الحبس أولا لان القرينية مبنية على المنافاة عرفا بين الوقف وبين التقييد كي يكون التقييد قرينة على ارادة غير الظاهر وهي ممنوعة إذ الدوام شرط للصحة لا مقوم لمفهوم الوقف، فحينئذ لا مانع من أن يكون المراد مفهوم الوقف وان كان مجمولا لمن ينقرض فالحمل على الحبس لا طريق إليه ومثله ما يقال من أن مفهوم الوقف والحبس واحد وإنما الاختلاف بالدوام وعدمه فإذا انتفى الدوام كان حبسا، وجه الضعف أن مفهوم الوقف مغاير لمفهوم الحبس فان الاول تصرف في العين والثاني تصرف في المنافع لا غير ثم على تقدير الصحة وقفا فإذا انقرض الموقوف عليه فهل يرجع الوقف الى ورثة الواقف، أو ورثة الموقوف عليه أو يصرف في سبيل الله أقوال صرح جماعة بالاول ونسبه في المبسوط الى روايات اصحابنا وكأن المراد بها رواية جعفر بن حيان المتقدمة لكنها ظاهرة في شرط دفع ثلثمائة درهم على الموقوف عليهم فلا تكون مما نحن فيه فلاحظ، واختار في الجواهر القول المذكور اعتمادا على مكاتبة ابن مهزيار بعد تفسيرها بمكاتبة الصافر المتقدمة فان الوقف بعد انقراض الموقوف عليهم من غير الموقت فيبطل وان كان قبل ذلك من الموقت فيصح وفيه أن ظاهر المكاتبة غير الموقت أصلا فلا تشمل ما نحن فيه بل هو من الموقت ودعوى أنه قبل انقراض الموقوف عليه من الموقت وبعده غير موقت خلاف ظاهر المكاتبة وقوله (ع): مردود على الورثة، لا يصلح قرينة على ذلك فضلا عن ظهورها في خصوص ما نحن فيه لان الظاهر أن ذكر الورثة بالخصوص لامر ما يقتضيه وإلا فالبطلان يقتضي الرد الى المالك سواء كان هو الواقف أم ورثته كما لا يخفى، واذ كانت الرواية قاصرة عن الدلالة على الرجوع الى الواقف أو ورثته فلا بد من العمل بالقواعد في تعيين المرجع فنقول: إن كان مرجع الوقف على من ينقرض الى اشتراط رجوع الوقف الى الواقف بعد انقراض الموقوف عليه - كما في الوقف

[ 360 ]

الى مدة - فهو وان كان في نفسه لا يخلو من اشكال لان الوقف من الايقاعات اللازمة، ولذا لا يجوز فيه شرط الخيار عندهم، وفي الجواهر: لم أعرف خلافا في عدم جوازه عدا عبارة في محكي التحرير لم يعلم أنها له أو للشيخ. انتهى. لكن يمكن تصحيحه بعموم: الوقوف بحسب ما يقفها أهلها: وإن لم يرجع الى الشرط بل كان المجعول مجرد كونه وقفا على فلان فان قلنا بكون الوقف تمليكا للموقوف عليه فبانقراضه يكون ملكا لوارثه كسائر أملاكه لان المانع من انتقال العين الموقوفة من أحد البطون الى وارثه وتعين انتقالها الى البطن الثاني هو جعل الواقف فإذا كان المفروض أن المالك لم يجعل بعد البطن المنقرض ملكية العين لاحد انتفى المانع عن التوارث فيكون مقتضى العموم ثبوته كما لا يخفى، وإن قلنا بانه تصدق بالعين على نحو خاص فان كان لحاظ الخصوصية على نحو تعدد المطلوب فإذا بطلت بقي أصل التصدق فيجري عليها حكم الصدقة فيجوز صرف عينه في مصرف الصدقات كما يجوز ابقاؤه وصرف نمائه فيها كل ذلك بنظر الولي الا ان يفهم من الواقف ارادة الدوام فيتعين الثاني، وكأنه على ذلك بنى القائل برجوعها الى سبيل الله كما حكاه في المبسوط قولا لبعض الاصحاب ونسب الى ابن زهرة في الغنية وان كان على نحو وحدة المطلوب فإذا بطلت الخصوصية بطل اصل التصدق فترجع الى الواقف أو وارثه، ولاجل أن الاصل في القيود أن تكون ملحوظة بنحو وحدة المطلوب تعين البناء في المقام على الرجوع الى ورثة الواقف الا أن تقوم القرينة على خلاف ذلك، ولا فرق فيما ذكرنا بين الوقف علي من ينقرض غالبا والوقف علي غيره مما لا ينقرض غالبا وان كان ظاهر المشهور في الثاني بقاء الوقف وصرف منافعه في وجوه البر ولعل مرادهم - كما قيل - صورة ما إذا ظهر من بعض القرائن التقييد بنحو تعدد المطلوب فلا حظ (المقام الثاني) في جواز بيعه وعدمه فنقول: بناء على أن المنع من البيع من مقتضيات الوقف لا يجوز بيعه والفرق بين الوقف المنقطع وغيره في ذلك غير ظاهر وكذا بناء على اطلاق الدليل المانع من بيع الوقف كما هو الظاهر فان قوله (ع): لا يجوز شراء الوقف

[ 361 ]

شامل للمنقطع كالدائم. نعم بناء على خلاف ذلك كله فان قيل ببقائه على ملك الواقف لم يجز للموقوف عليه بيعه لعدم السلطنة وجاز للواقف فيكون العوض وقفا كعوض الوقف الذي بيع للخراب على ما هو ظاهر الاصحاب، أما لو أريد بيعه علي ان يبقى موضوعا لانتفاع الموقوف عليه نظير بيع العين المستأجرة والعبد الجاني فيكون حق الموقوف عليه باقيا بحاله في العين - كما احتملناه آنفا - فلا مانع منه أيضا الا من جهة جهالة المدة الموجبة للغرر في البيع، ولا فرق في ذلك بين البيع على الموقوف عليه أو من انتقل إليه حق الموقوف عليه بصلح أو غيره وغيرهما لا طراد الغرر المانع، اللهم الا أن يستفاد الجواز من رواية الحسين بن نعيم الدالة على جواز بيع المالك داره التي جعل سكناها لرجل ولعقبه من بعده إذ الفرق بين المقام وموردها غير ظاهر على هذا المبنى، وقد عرفت اختلاف مفاد الوقف من حيث ملك الموقوف عليهم للمنفعة أو كونهم مصرفا لها أو مجرد البذل وكذلك تكون السكنى فيرجع المنقطع إليها. هذا ولو انتقل حق الموقوف عليه الى الواقف بعقد أو نحوه جاز للواقف البيع حينئذ لعدم المانع حيث أن العين تنتقل الى المشتري بجميع منافعها بمجرد البيع كما في سائر الموارد فلا اشكال، ومثله مالو اتفق المالك والموقوف عليه على نقل العين بمنافعها جميعا فانه لا مانع عنه نعم لابد أن يكون النقل المذكور على نحو الصلح إذ لا عقد سواه يتضمن نقل المنافع في عرض نقل العين وجهالة مقدار المنفعة لا تقدح في بيع الصفقة فضلا عن المقام هذا ولو قيل بانتقاله الى ملك الموقوف عليه لم يجز للواقف البيع لعدم السلطنة وجاز للموقوف عليهم ان قلنا بانتقاله الى وارثهم أملاكه وان قلنا بانتقاله الى الواقف أشكل البيع سواءأ كان حق الانتقال الى الواقف باقيا في العين بعد البيع نظير حق الجناية أو منتقلا منها الى العوض نظير حق الرهانة للجهل بزمان الانتقال المؤدي الى الغرر، ولو قيل بتعين صرفه في سبيل الله تعالى بعد انقراض الموقوف عليه لم يجز نقله على كل حال لانه بعد الانقرض يكون وقفا على سبيل الله تعالى فيكون من الوقف المؤبد نعم لو بني على جواز صرف عينه في سبيل الله تعالى لكونه بعد الانقراض صدقة مطلقة لم يكن مانع من بيعه

[ 362 ]

إلا من جهة الجهالة فلو كانت المعاوضة عليه مما لا تقدح فيها الجهالة جازت بلا مانع اصلا، لكن الولاية على ذلك للولي العام فلا يجوز المعاوضة عليه لامن الواقف ولا من الموقوف عليه إلا على نحو العقد الفضولي فلاحظ وتأمل والله سبحانه الهادي الى سواء السبيل، وهو حسبنا ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم. بيع أم الولد (مسألة) من جملة ما يوجب خروج المال عن كونه طلقا صيرورة المملوكة أم ولد لسيدها، وعن مجمع البرهان والحدائق أنه لا خلاف فيه بين المسلمين ويدل عليه جملة من النصوص الاني بعضها، بل يظهر من رواية السكوني لقول أمير المؤمنين (ع) لمن أراد بيع أمته التي أرضعت ولده: خذ بيدها فقل: من يشتري مني أم ولدي، كون البيع من المنكرات الاسلامية، وكذا ظاهر الصحيح عن عمر بن يزيد: لم باع أمير المؤمنين (ع) أمهات الاول، فلا حظ الكلام في أمور والكلام يقع في أمور (الاول) أنه ألحق جماعة - كما قيل - بالبيع سائر النواقل ولو لم يكن على نحو المعاوضة: بل عن الايضاح الاجماع عليه صريحا، وعن جماعة إرساله إرسال المسلمات، بل ظاهر ما في المقابيس من قوله (ره): الاستيلاد مانع من صحة التصرفات الناقلة من ملك المولى الى ملك غيره، أو المعرضة لها للدخول في ملك غيره كالرهن على خلاف في ذلك. انتهى، الاتفاق عليه ويقتضيه ظاهر بعض نصوص المنع مثل رواية السكوني المتقدمة فان الطاهر كون الاستنكار من جهة كونها ذات علقة خاصة به التي لا فرق في مانعيتها

[ 363 ]

عن النقل بين البيع وغيره، ومثله الصحيح، بل ما فيه من التفصيل بين الدين الذي هو ثمن رقبتها وغيره أيضا كذلك، فانه لو كان يجوز نقلها بغير البيع لوجب لوفاء الدين ولما جاز السكوت عنه، وبالجملة: استفادة عموم الحكم لغير البيع من النواقل غير بعيدة، ولاجلها يظهر ضعف ما جزم به بعض من الجواز بغير البيع للاصل وخلو كلام المعظم عنه، ومن ذلك يظهر عدم الجواز هاهنا لعدم قابليتها لاستيفاء الدين منها كما لا يخفى. جواز بيعها بعد موت ولدها (الثاني) أنه لا اشكال في جواز البيع بعد موت ولدها ويشهد به جملة من النصوص، ولو كان قد خلف ولدها ولدا (ففي جريان) حكم الولد عليه - كما عن الايضاح - لاصالة بقاء المنع أو لصدق الولد أو العدم لظهور الولد في الصلبي، واطلاق ما دل على جواز بيعها بعد موت الولد الحاكم على أصالة المنع، أو التفصيل بين الوارث فكالولد للاشتراك في الجهة المقتضية للمنع وهو رجاء العتاقها من نصيب الولد وغيره لما تفدم في الثاني (وجوه) حكي الاخير عن المهذب البارع ونهاية المرام (وفيه) أن الجهة المقتضية للمنع غير واضحة بل على خلافها صحيح محمد بن مارد الاتي ومما ذكرنا في الوجه الثاني تعرف ضعف الاول. المانع مطلق العلوق (الثالث) لا ينبغي التأمل في أن الولد ظاهر في المنفصل لكن لا اشكال ولا خلاف في كون المراد منه هنا ما يشمل الحمل لصحيح محمد بن مارد عن أبي عبد الله (ع) فيمن يتزوج الجارية فتلد له أولادا ثم يشتريها ثم يبدو له في

[ 364 ]

بيعها؟ قال (ع): هي أمته ان شاء باع ما لم يحدث عنده حمل وان شاء أعتق، ورواية السكوني في مكاتبة يطؤها مولاها فتحبل، فقال (ع): يرد عليها مهر مثلها وتسعى في قيمتها فان عجزت فهى من أمهات الاولاد، وقد يتوقف في دلالتها على الاكتفاء بمجرد الحمل لان الحكم بكونها من أمهات الاولاد إنما كان بعد السعي والعجز عقيب الحمل والغلب ولوج الروح حينئذ (وفيه) أن العجز لا يتوقف على طول مدة السعي بل قد يتحقق بدون السعي أصلا. ثم إنه لاريب في صدق الحمل على المضغة وعن الرياض الاتفاق عليه، وفي المقابيس الاجماع ظاهرا عليه، ويشهد به صحيح ابن الحجاج في عدة الحامل، وفى صدقه على العلقة تردد عن بعض ومنع عن آخرين ولكن عن الايضاح والمهذب البارع الاجماع عليه ويقتضيه المتفاهم العرفي منه كما يقتضي أيضا صدقه على النطفة مع اسقرارها في الرحم كما عن النهاية وكذا عن المبسوط في باب العدة مستدلا بعموم الاية والاخبار. نعم مع عدم استقرار النطفة في الرحم لا يصدق الحمل بمجرد وجودها لعدم كونها مبدأ نشوء آدمي، ومجرد قابليتها لذلك غير كاف ولو شك في استقرار النطفة وعدمه تعين الرجوع الى الاصل فلو اسقطت بعد ذلك انكشف بطلان البيع حين وقوعه. (الرابع) الظاهر الاكتفاء في صدق العنوان بكل ما يوجب الحاق الولد بالاب فلو كان الحمل بغير الوطء مثل الارافة على الفرج أو بالمساحقة كفى ذلك في ترتب الحكم المذكور كما أنه لو كان الوطء بالزنا لم يترتب الحكم لكونه منفيا شرعا اللهم الا أن يتأمل في تحقق النفي مطلقا والمنصوص مجرد عدم الارث، وقاعدة: الولد للفراش، ظاهرية فلا مجال لها مع العلم باللقاح فتدبر. (الخامس) الظاهر أنه يعتبر في ترتب الحكم المذكور أن يكون اللقاح حال الملك فلو كانت ذات ولد بالتزويج قبل الملك لم يترتب الحكم المذكور كما يشهد به مضافا الى اختصاص العنوان المذكور بذلك عرفا صحيح محمد بن مارد المتقدم، ومن ذلك تعرف الاشكال فيما عن الشيخ وابن حمزة من المنع حينئذ لصدق كونها

[ 365 ]

أم ولد وبكونها في معرض الانعتاق فان ضعف الوجهين ظاهر مما ذكرنا. (السادس) الذي يظهر من النصوص كصحيح نحمد بن مارد ورواية السكوني المتقدمتين وغيرهما أن المنع من بيع أم الولد قاعدة كلية يرجع إليها عند الشك ولا ينافي ذلك صحيح زرارة أو حسنه عن أبي جعفر (ع) عن ام الولد قال (ع) أمة تباع وتورث وتوهب وحدها حد الامة، لامكان حمله على موارد الاستثناء الاتية جمعا عرفيا بين الادلة، واما الاجماع على على القاعدة المذكورة فينافيه الخلاف في بعض الموارد، اللهم إلا أن يكون اجماعا على الحكم الظاهري فيجب العمل بالقاعدة ظاهرا حتى يثبت خلافها لكن ثبوته حتى مع قصور نصوص المنع عن اثباته في بعض الموارد غير ظاهر. مواضع الاستثناء من المنع عن البيع (السابع) المواضع القابلة للاستثناء صور كثيرة مرجعها إما الى ثبوت جهة راجعة الى غيرها أولى بالملاحظة، أو راجعة الى نفسها، أو قصور المقتضي للحكم، ومن الاول ما إذا كان على مولاها دين وليس له ما يؤدي هذا الدين، وظاهر الاقتصار المنع من بيعها مطلقا والاصحاب في الجملة على خلافه إذ الدين تارة يكون ثمن رقبتها وأخرى غيره وكل منهما تارة يكون مع حياة السيد وأخرى مع موته، أما إذا كان ثمنا مع موت السيد فالمعروف جواز البيع وعن جماعة حكاية الاتفاق صريحا أو ظاهرا عليه ويقتضيه الصحيح عن عمر بن يزيد قلت لابي ابراهيم (ع): أسألك عن مسألة؟ فقال " ع ": سل، قلت: لم باع أمير المؤمنين " ع " أمهات الاولاد؟ قال " ع ": في فكاك رقابهن، قلت: وكيف ذلك، قال " ع ": أيما رجل اشترى جارية فأولدها ثم لم يؤد ثمنها ولم يدع من المال ما يؤدي عنه أخذ ولدها منها فبيعت وادي ثمنها، قلت: فيبعن فيما سوى ذلك من دين؟ قال " ع ": لا، وفى رواية أخرى لعمر بن يزيد عن أبي الحسن

[ 366 ]

- عليه السلام - عن أم الولد تباع في الدين؟ قال: نعم في ثمن رقبتها، ومقتضى اطلاق الثانية الجواز حتى مع حياة المولى - كما هو مذهب الاكثر - بل قيل لم يعرف الخلاف فيه صريحا، وعن نهاية المرام والكفاية أن المنع فيه نادر لكنه لا يخلو من قوة، وفي الجواهر وجهه بأن الصحيح الاول مختص بحال موت المولى بقرينة قول السائل: ولم يدع.. الخ وظاهره حصر الجواز بذلك إما لظهوره في جواب السؤال عن جميع موارد بيع امهات الاولاد وإما لظهور ذيله في نفي الجواز في غير مورد السؤال فيقيد به اطلاق غيره، وفيه منع ظهورها في الحصر بكلا وجهيه فان قول السائل في السؤال الاول: لم باع.. الخ وان لم يكن ظاهرا في توليه (ع) للبيع بنفسه - لاستبعاد ذلك - ولان جهة السؤال فيه هي الرخصة والاذن في البيع فالظاهر منه ارادة السؤال عن اذنه في البيع وهو وان كان أعم من صورة حياة المولى وموته إلا أنه لما كان سؤالا عن قضية خارجية لم يكن له عموم يشمل حال الحياة فلا يكون متعرضا لجميع موارد البيع فلا يكون الجواب تخصيصا لجميع الموارد بصورة تحقق القيود المذكورة، وأما الذيل فانما يتعرض لنفي الجواز في صورة وجود الدين مع عدم كونه من ثمن الرقبة ولا تعرض فيه لنفيه في غير مورد الحياة فلاحظ، وقد يوجه أيضا بان ظاهر قوله: تباع في الدين، كون البائع غير المولى فتختص بحال الموت، وفيه منع ذلك ولو سلم فلا يدل على الاختصاص بالموت لامكان فرض الحجر على المولى بنحو لا يتولى بنفسه البيع فتأمل، وقد يوجه أيضا بأن بين الرواية المذكورة وصحيح ابن مارد عمومامن وجه لاختصاصه بحال حياة المولى واختصاصها بدين رقبتها وفي مورد التعارض يرجع الى قاعدة المنع عن بيع ام الولد التي دل عليها النص والاجماع، وفيه أن الرواية من قبيل دليل العنوان الثانوي وصحيح ابن مارد بقرينة كون المنع استثناء من دليل جواز بيع الامة من قبيل دليل العنوان الاولي وفى مثل ذلك يكون دليل العنوان الثانوي مقدما على دليل العنوان الاولي - مضافا الى أن قاعدة المنع عن بيع ام الولد قد عرفت أنها غير ثابتة عند قصور النص والاجماع كما هو المفروض

[ 367 ]

وكون المستفاد من النصوص والفتاوى أن الاستيلاد يثبت لها حقا مانعا عن نقلها إلا إذا كان هناك حق أولى منه بالمراعاة مسلم حيث يكون دليل المنع باقيا على حجيته لا مع سقوطه بالمعارضة كما هو المفروض، وربما يستدل على الجواز بان قاعدة المنع معارضة بقاعدة وجوب اداء الدين فيرجع الى عموم السلطنة، وفيه أن قاعدة وجوب أداء الدين لا تصلح لتشريع بيع ما لا يصلح بيعه فالعمل بها انما يكون على تقدير صحة البيع فدليل المنع عن البيع بلا معارض. نعم قد يشكل العمل بالرواية لضعف السند بالمعلى بن محمد البصري لكن - مع أنه من مشايخ الاجازة كما عن الذخيرة تمكن دعوى انجباره بالعمل فلاحظ. تفريعات؟ (الاول) لو قيل بالجواز فالظاهر انه لا إشكال في اعتبار اعسار المولى ولاجله يخرج عن اطلاق الرواية المقتضي لجواز بيعها ولو مع امكان الوفاء من مال آخر، ومن ذلك يظهر أن مقتضى الاقتصار على المتيقن في التقييد جواز بيعها ولو مع وجود ما يستثنى في وفاء الدين كما صرح به في الجواهر وحكاه عن الحدائق وان كان اطلاق الاكثر يقتضي المنع فيه ايضا، اللهم إلا أن ينزل كلامهم على ذلك ولا سيما بملاحظة ندرة الفرض إذ لا اقل من وجود ثيابه وثيابها فلاحظ. (الثاني) لو كانت أم الولد من المستثنيات في الدين لحاجة المولى إليها لا ينبغي الاشكال في عدم وجوب بيعها لما دل على عدم لزوم بيع المستثنيات والظاهر جوازه لما عرفت من الاطلاق الذي لا اجماع يقتضي الخروج عنه، ويحتمل المنع، لان جواز البيع حيث يكون تقديما لحق الديان على حق الاستيلاد فإذا فرض سقوط حق الديان بمزاحمة حق المالك لم يكن ما يوجب اهمال حق الاستيلاد لكنه لا يرجع ذلك الى دليل يقيد به الاطلاق (الثالث) لو مات ولم يخلف الا ما يحتاج إليه في تجهيزه جاز البيع لصدق قوله " ع " في الصحيح: ولم يدع من المال ما يؤدي

[ 368 ]

عنه، لان ذلك المقدار مما لا يؤدى به الدين (الرابع) لا اشكال في جواز بيعها إذا كان ثمنها الذي يملكه البائع باقيا في ذمة المالك والحق به ما إذا استدان المالك مالا فاشترى به الجارية كما هو ظاهر محكي السرائر في باب ابتياع الحيوان وكأنه بدعوى صدق كون بيعها حينئذ في ثمن رقبتها " وفيه " أن الظاهر من الثمن ما يملكه البائع بازاء المثمن والمال المذكور انما كان دينا بالقرض ومملوكا في ذمة مالكها به لا بالبيع، واوضح منه ما لو استدان لوفاء ثمنها إذ بيعها لوفاء الدين المذكور ليس في ثمنها ولا عوضا عن ثمنها كما لا يخفى ولذا خص في المقابيس الحكم بالصورة الاولى (الخامس) صرح في المقابيس بانه لا فرق بين بقاء جميع الثمن في ذمته وبعضه، ونسبه الى اطلاق الاخبار وكلام معظم الاصحاب لصدق قوله " ع ": ولم يؤد ثمنها، في الحالين كما صرح أيضا بعدم الفرق بين مساواة القيمة للثمن الباقي في الذمة ونقصانها عنه وزيادتها عليه لاطلاق النص والفتوى وفى جواز بيع الجميع مع امكان الايفاء بالبعض كما هو ظاهر المقابيس عملا بالاطلاق أو لزوم الاقتصار على البعض لو امكن كما عن الشهيد في غاية المراد لعدم صدق البيع في ثمن الرقبة بالنسبة الى الجميع نظير الاكراه على البعض الذي لا يدعو الى فعل الجميع وجهان اقواهما الثاني (السادس) لو كان الثمن مؤجلا لم يجز البيع قبل حلول الاجل وان كان مأيوسا من اداء الثمن عند الاجل كما صرح به في المقابيس لان ذلك زمان الاستحقاق ولا مكان الابراء أو تبرع آخر بالاداء وفيه أن زمان الاستحقاق زمان الشراء والاجل زمان استحقاق المطالبة فالعمدة إذا دعوى انصراف الاطلاق ومن ذلك يظهر الحكم مع عدم مطالبة البائع بالثمن أو رضاه بالتأخير فان ذلك لا يمنع من صدق الدين في ثمن رقبتها الا أن يدعى الانصراف (السابع) لو تبرع متبرع بالاداء فان سلم الى البائع سقط الدين فلا يجوز البيع وان بذله للورثة ففي جواز البيع وجهان مبنيان على انصراف الدليل عن ذلك وعدمه ثم على الثاني لا يجب عليهم القبول أما على الاول فوجوبه مبني على وجوب قبول الهبة مقدمة لاداء الدين كما هو غير بعيدحيث لا يلزم

[ 369 ]

حرج على المديون فيه ولو رضي البائع باستسعائها ففي جواز البيع نظر كما في المقابيس، والوجه فيه احتمال انصراف دليل الجواز كما لو رضي البائع بالتأخير ولو دار الامر بين بيعها على من تنعتق عليه أو بشرط العتق وبيعها على غيره ففي وجوب تقديم الاول اشكال لابتنائه على الانصراف ايضا فلو أدى الولد ثمنها الى البائع بطريق الشراء كان الحكم كما ذكر وان كان بطريق التبرع امتنع بيعها كما عرفت وان ادى ثمن حقه انعتق نصيبه ويعلم حكم نصيب غيره من مسائل السراية، (الثامن) لو امتنع المولى من أداء الثمن فهل يجوز للبائع اخذها مقاصة؟ اشكال لقصور أدلة المقاصة عن شمول المورد مما لا يجوز بيعه ولذا قال في المقابيس: والاوجه المنع عملا بظاهر الفتاوى أو تغليبا لجانب الحرمة، ولان المنع لحق الولد فلا يسقط بامتناع المولى (التاسع) لو كان الدين شرطا في عقد بيعها فجريان حكم الثمن عليه غير ظاهر وكون الشرط له قسط من الثمن ليست بنحو يعتمد عليها فيما نحن فيه مما كان من أحكام الثمن نفسه وعلى العدم لو فسخ البائع فان قلنا بعدم منع الاستيلاد من الاسترداد بالفسخ استردت كما سيأتي الكلام فيه وان قلنا بمنعه انتقل الى القيمة ولو قلنا بجواز بيعها حينئذ لاداء القيمة بدعوى دخولها في الثمن المجوز اداؤه لبيعها أمكن القول بجواز استردادها بالفسخ لانه لابد من نقلها على كل حال لكن الاظهر عدم جواز بيعها لاداء بدلها لانه ليس من بيعها في ثمنها (العاشر) الظاهر من الثمن في الصحيح وغيره ما يكون عوضا عنها سواء أكان في عقد البيع أم الصلح. فلاحظ وتأمل.

[ 370 ]

فيما لوكامه؟ المدينة؟ غير ثمنها هذا ولو كان الدين الذي على مولاها في غير ثمنها فمع حياة المولى لا يجوز بيعها اجماعا على الظاهر وفي المقابيس أنه مجمع عليه بين الاصحاب، ويقتضيه النصوص المتقدمة، وأما مع موته فالمعروف من مذهب الاصحاب كما في المقابيس المنع أيضا، ويقتضيه - مضافا الى أنه مقتضى استصحاب المنع الثابت حال الحياة روايتا عمر بن يزيد الدالتان عليه منطوقا ومفهوما وبهما يخصص مفهوم المقطوعة ليونس في أم ولد مات ولدها ومات عنها صاحبها قال (ع): وان كان لها ولد وليس على الميت دين فهي للولد وإذا ملكها الولد عتقت بملك ولدها، مع أن في حجيتها اشكالا ظاهرا وعن المبسوط وابن حمزة وجماعة من المتأخرين منهم الشهيدان في اللمعة والروضة جواز البيع مع كون الدين مستغرقا للتركة ودليله في قبال اطلاق الروايتين السابقتين غير ظاهر الا دعوى أنه مع استغراق الدين لا ارث فلا سبيل الى انعتاقها الذي هو الغرض من المنع عن بيعها فينتفي المنع لانتفاء عنقه؟ لكن في نكاح المسالك قال: وجوابه أن الاقوى انتقال للتركة الى الوارث مطلقا وان منع من التصرف فيها على تقدير استغراق الدين فيعتق نصيب الولد منها كما لو لم يكن دين ويلزمه اداء قيمة النصيب من ماله وقد استشكل عليه في المقابيس (تارة) بأن المستفاد مما دل على أنها تنعتق من نصيب ولدها ان ذلك بلا تقويم عليه (واخرى) بظهوره في النصيب المستقر؟ الثابت فلا يشمل المقام مما يتعين صرفه في وفاء الدين (وثالثة) بأن الملك المستوجب للانعتاق على المالك لا يعم الملك في المقام إذ ليس عليه دليل معتبر ولا نص عليه الاصحاب، ولذا لا ينعتق العبد الموقوف على من ينعتق عليه بناء على صحة الوقف وانتقال الموقوف الى الموقوف عليه (ورابعة) بأن لازم ما ذكره أنه متى كان نصيب الولد من التركة باجمعها ما يساوي قيمة أمه يقوم عليه سواء أكان هناك دين مستغرق أم لا وسواء أكان نصيبه الثابت في

[ 371 ]

الباقي بعد الديون ونحوها يساوي قيمتها أم لا، وكذلك لو ساوى نصيبه من الاصل نصفها أو ثلثها أو غير ذلك فانه يقوم نصيبه عليه كائنا ما كان ويسقط من القيمة نصيبه الباقي بعد الدين ان كان له نصيب ويطلب بالباقي وهذا لا يقوله أحد وينبغي القطع ببطلانه هذا ولاجل انحلال ما في المسالك الى دعويين احداهما الانعتاق من نصيب الولد وثانيتهما التقويم عليه باخذ قيمتها منه كان الاشكال الثاني والثالث راجعين الى منع الدعوى الاولى بتقريب أنه لو كان مستندها مادل على انعتاق ام الولد من نصيب ولدها. فيدفعها ظهور النصيب فيما زاد على الدين وهذا محصل الاشكال الثاني وان كان مستندها ما تضمن عدم ملك العمودين وأنه إذا ملكهم انعتقوا فيدفعها ظهور الملك في الملك المطلق وهذا محصل الاشكال الثالث وعلى تقدير تماميتهما لا يكون مانع عن البيع لان المنع انما يكون مقدمة للانعتاق فإذا بطل بطل فيتم ما ذكره الشيخ ره من جواز البيع واما الاشكال الاول والاخير فمرجعهما الى منع الدعوى الثانية أعني التقويم على الولد لانه خلاف ظاهر أدلة الانعتاق من نصيب الولد كما هو الاشكال الاول أو الى أنه لم يقل احد به كما هو الاشكال الاخير، ويدفع الاشكالين أن عدم استقرار النصيب أو الملك انما يتم لو امكن استيفاء الدين منها ولكنه خلاف اطلاق مادل على المنع من بيعها في الدين اللهم الا ان يستظهر من النصيب ما زاد على الدين كما تقدم في بعض عبارة تقرير الاشكال لا مجرد النصيب الذى لا يتعلق به حق الدين فلا يندفع الاشكال الاول لكن هذه المناقشة لا تتوجه على دفع الاشكال الثاني وفي اندفاعه كفاية في اثبات المطلوب كما ان دفع الاشكالين الاخيرين يتعين باقامة الدليل على كون القيمة على الولد فان لم يمكن ذلك يتعين الالتزام بالاشكالين والبناء على الاستسعاء والذي ينبغي التعرض لامور " الاول " عدم جواز بيعها في الدين غير ثمن رقبتها بعد موت مولاها لما عرفت من الروايتين " الثاني " انعتاق نصيب الولد منها لعموم مادل على انعتاق نصيب الولد منها بناء على عمومه لصورة وجود الدين المستغرق وعدم تأني المناقشة فيه بدعوى ظهوره في النصيب الزائد على الدين كما ذكر في

[ 372 ]

الاشكال الثاني واستظهره في الجواهر أو لعموم مادل على أن الولد لا يملك والديه وانه إذا ملكه انعتق عليه الا ان يناقش فيه تارة بعدم عمومه للجزء وفيه ان مناسبة الحكم والموضوع تقتضي عمومه له كالكل أو يناقش فيه بأن الانعتاق مناف لحق الديان، وفيه ما ياتي من عدم ثبوت كون أم الولد موضوعا لحق الديان فتأمل " الثالث " سراية العتق في نصيب باقي الورثة المساوي لنصيبه من باقي التركة كما لعله ظاهر عبارة المسالك المتقدمة بقرينة ذكر التركة في المقام وقوله: كما لو لم يكن دين، وان كان الكلام على هذا المعنى محتاجا الى تقدير كما يظهر بالتأمل ووجهه ليس ادلة السراية لاختصاصها بالعتق الاختياري بل عموم مادل على انعتاقها من نصيب الولد الشامل للمقام بناء على اندفاع المناقشة المتقدمة ودعوى ان لازم ذلك خروج نصيبه من باقي التركة عن كونه موضوعا لحق الدين مع كونه في نفسه موضوعا له غير ظاهرة إذ الدليل المذكور يرجع مفاده الى تعيين حصته من التركة في أم الولد وتعيين حصة غيره في غيرها من التركة فيبقى موضوعا لحق الديان على ما كان غاية الامر أن حق الدين المتعلق بباقي التركة كان موضوعه لولا الدليل المذكور مشتركا بين الورثة ولاجل الدليل المذكور صار مملوكا لغير الولد فيدل الدليل المذكور على القسمة الشرعية بين الورثة وليس فيه تضييع أو مزاحمة لحق الديان هذا إذا قلنا ان أم الوالد موضوع لحق الديان أما إذا لم نقل بذلك لزم سقوط بعض الدين على نسبة ام الولد وبقاء بعضه على نسبة الباقي ولا فرق بين ان تبقى الشركة على نحو الاشاعة في الجميع أو تختص أم الولد بولدها فتنعتق عليه كما هو مفاد الدليل المذكور، وبالجملة لا فرق في العمل بدليل انعتاقها من نصيب الولد بين نصيبه من أمه ونصيبه من مجموع التركة في اللوازم والاحكام فلا يظهر وجه استغراب الانعتاق في الثاني دون الاول فلاحظ فالعمدة حينئذ في دفع ذلك منع عموم الدليل لما نحن فيه كما سبق نعم يدل على السراية ما في موثق أبي بصير من قوله (ع): وان مات مولاها وعليه دين قومت على ابنها فان كان ابنها صغيرا انتظر به‌حتى يكبر ثم بجبر على قيمتها، وظاهره السراية في جميع الامة وان زادت قيمتها على نصيب الولد من تمام التركة وعن الشيخ العمل

[ 373 ]

به في النهاية ولكنه مهجور عند الاصحاب ولاجل ذلك يسقط عن الحجية (الرابع) لو بني على عموم أدلة الانعتاق من نصيب الولد لما نحن فيه فهل يكون ذلك بعوض عليه أو عليها أولا؟ لا يظهر دليل على احد الامرين كما اعترف به في الجواهر في مبحث الاستيلاد ومقتضى الاصل العدم ورواية ابي بصير ودلت على التقويم على الولد لكنها مهجورة كما عرفت (الخامس) هل يتعلق بها حق الديان أولا؟ لا ينبغي التأمل في أن مقتضى المنع عن بيعها في الدين عدم تعلق حق الدين بعينها وقد عرفت أنه لادليل على ثبوت العوض لها كي يكون موضوعا للحق المذكور نعم لو قام دليل على ثبوت العوض فقد دل بالالتزام على كونه موضوعا للحق المذكور إذ لا موجب له الا ذلك كما لا يخفى كما انه لو ثبت كونها موضوعا لحق الديان امتنع التمسك على انعتاقها بما دل على ان الولد إذا ملك عموديه انعتقا لقصوره عن المزاحمة للحق المذكور وكذا مادل على انعتاقها من نصيب الولد وإنما امكن الرجوع اليهما بعد قيام الدليل على انها لاتباع في الدين المانع من تعلق الحق بعينها ولولاه امتنع الرجوع اليهما نعم لو امكن ان يستفاد منهما ثبوت العوض ليكون موضوعا للحق المذكور ارتفعت المزاحمة حينئذ وكانا حاكمين علي ادلة تعلق الحق بهما لكنه مجرد فرض كما عرفت (السادس) إذا لم يتعلق حق الديان بعينها ولا بعوضها فهل يتعلق بمنافعها كما عن بعض احتماله في ام ولد المفلس أولا؟ مقتضى عموم مادل على تعلق الدين بالتركة الاول لان المنافع منها ولو تبعا للعين ولذلك لا يجوز للوارث التصرف فيها الا بعد وفاء الدين الكاشف ذلك عن تعلق الدين بما كان تركة للميت ولو تبعا وتبعيتها للعين في المليكة لا تقتضي تبعيتها لها في عدم تعلق حق الديان فالعموم المذكور بلا معارض " والمتحصل " مما ذكرنا أن أم الولد لاتباع في الدين، وينعتق نصيب الولد منها بلا تقويم عليه، وتستسعى في وفاء الدين فان عجزت سقط الدين عنها اصلا، ومن ذلك يظهر لك الوجه فيما ذكره في المقابيس من أن الجمع بين فتاوى الاصحاب وادلتهم مشكل جدا حيث أنهم؟ الدين بكونه ثمنا وحكموا بانها تعتق على ولدها من نصيبه

[ 374 ]

وأن ما فضل من نصيبه ينعتق بالسراية وتسعى في أداء قيمته انتهى " السابع " المشهور أنه إذا انعتق شقص من رق قهرا استسعي في الباقي، ومقتضي ذلك أنها تستسعى فيما زاد على نصيب الولد والمشهور ان هذا الاستسعاء ليس على سبيل الوجوب بل باختيار الرق والكلام في ثبوت العموم الدال على ذلك بنحو يشمل ما نحن فيه غير ظاهر لنا عاجلا فليوكل الى كتاب العتق والله سبحانه ولي التوفيق بيع ام الولد في الك؟ ومنه على ما حكي في المسالك وعن الروضة ما لو مات مولاها ولم يخلف ما يكفن به فتباع في الكفن، استدل له بأن المنع عن البيع لغاية العتق المتوقف على الارث وهو مفقود مع الحاجة الى الكفن فان الارث بعد الكفن، وفيه أن عموم مادل على أنها لاتباع في غير ثمن رقبتها يقتضى عدم جواز بيعها في الكفن فتكون موروثة وان لم يكن للميت كفن، ولا بأس بتخصيص مادل على ان الارث بعد الكفن إذا قام عليه الدليل وإذا تحقق الارث تحققت الغاية المقصودة من المنع عن بيعها - مع أنك عرفت انها حكمة غير مطردة ولا منعكسة. نعم بناء على جواز بيعها في مطلق الدين يمكن تقريب الجواز هنا بأن الكفن مقدم على الدين فإذا جاز بيعها في الدين جاز بيعها في الكفن بطريق أولى، بل يمكن تقريب الجواز ولو قيل بالاختصاص بالدين الذي يكون ثمن رقبتها لان الكفن مقدم عليه كغيره من أفراد الدين وقد عرفت في المسألة السابقة انه إذا لم يكن للميت الا مقدار الكفن وأم الولد جاز بيعها في فكاك رقبتها فانه لو كان حق الاستيلاد مقدما على الكفن كان اللازم صرف مقدر الكفن في وفاء الدين وعدم جواز بيع ام الولد لذلك محافظة على حق الاستيلاد (وفيه) أن الدليل المانع عن بيعها في غير ثمن رقبتها مخصص لما ذكر لانه دال على عدم جواز بيعها في الكفن الموجب ذلك لتقدم حق الاستيلاد على الكفن عند الدوران بينهما مع ان الكفن مقدم على ثمن

[ 375 ]

الرقبة كغيره من أفراد الدين فلا مجال لدعوى تقدم الكفن على حق الاستيلاد، (وبالجملة): لو كانت قاعدة تقدم الكفن على الدين قطعية لا تقبل التخصيص كان ما دل على جواز بيعها في ثمن رقبتها دالا بالالتزام على جواز بيعها في الكفن فيتعين تخصيص ما دل على أنها لاتباع إلا في ثمن رقبتها بحمله على ما عدا الكفن وحينئذ يتعين بيعها في الكفن إذا لم يترك الميت ما يكفن به سواها وان كانت ظنية قابلة للتخصيص تعين تخصيصها بما دل على انها لاتباع الا في ثمن رقبتها المقتضي لعدم جواز بيعها في الكفن إذا لم يكن للميت سواها فانه اولى من تخصيص عموم المنع عن بيعها في غير ثمن رقبتها بما دل على تعلق حق الكفن بالتركة المقدم على حق الدين لما عرفت في المسألة السابقة من كون العموم الثاني من قبيل العنوان الاولي والاول من قبيل العنوان الثانوي المقدم على ما كان من قبيل الاول، ومن ذلك يظهر أنه لو لم يترك ما يكفن به وكان عليه ثمن رقبتها جاز بيعها في وفاء الثمن ولا يجوز بيعها في الكفن وتقديم الكفن على الدين مختص بصورة الامكان والقدرة على الكفن والمفروض سلب القدرة عليه لدليل المنع عن بيعها في غير الثمن. نعم يمكن أن يقال بوجوب استسعائها في ثمن الكفن لتعلق حق الكفن بمنافعها كما سبق في المسألة السابقة. جناية ام الولد (ومن الاول) ما إذا جنت على غير مولاها فان كانت الجناية بعد وفاته فلا اشكال في حكمها لانها إما حرة خالصة أو رق كذلك فيجري عليها حكمها وان كانت حال حياته فان كانت عمدا فان اقتص منها حيث يجوز القصاص فلا اشكال وان اختار الاسترقاق فان كانت ملكا طلقا لا يلحقها حكم الاستيلاد كما صرح به في الجواهر وغيرها، بل الظاهر الاجماع عليه ويقتضيه ظاهر النص الدال على الاسترقاق - مضافا الى عموم السلطنة المانع من العمل بالاستصحاب لو تمت اركانه - مع أنها غير تامة لان المنع السابق كان موضوعه النقل من مولاها والمقصود اثباته النقل من

[ 376 ]

المسترق. هذا وان كانت الجناية خطأ فالمنسوب الى المشهور أن المولى مخير بين دفعها أو دفع ما قابل الجناية منها الى المجني عليه وبين فدائها بالارش كما عن الشيخ وغيره أو بالاقل منه ومن قيمتها كما عن المشهور، وعن المختلف واستيلاد المبسوط والسرائر أنه لا خلاف في أن الجناية تتعلق برقبتها، لكن عن ديات المبسوط انها على سيدها بلا خلاف الا من أبي ثور فانه جعلها في ذمتها تتبع بها بعد العتق وما ذكره من نفي الخلاف في كون الجناية على سيدها غير ظاهر، وعن المختلف نسبته الى الغفلة، وفى المقابيس الظاهر ارادة نفي الخلاف من العامة ولا يبعد أن يكون المراد من كونها على سيدها انها في ماله ولو كان نفس الامة في مقابل نفي الخسارة عنه أصلا بان تكون في ذمتها وليس المراد وجوب فدائها من ماله سواها (وكيف كان) يدل على المشهور اطلاقات أدلة أحكام جناية مطلق المملوك الشامل لام الولد كغيرها إذ الاستيلاد لا يخرجها عن الملك، وعن المبسوط والمهذب والمختلف لزوم فدائها على سيدها، ويشهد له رواية مسمع: أم الولد جنايتها في حقوق الناس على سيدها، والمرسل عن علي " ع ": المتعق في دبر هو من الثلث وما جنى هو وأم الولد فالمولى ضامن لجنايتهما، وعن الصدوق رواه مسندا ويؤيدهما ان الاستيلاد مانع من أحد طرفي التخيير فيتعين الاخر لكن الروايتين محتملتان لما عرفت في توجيه عبارة ديات المبسوط، والمؤبد مصادرة إذ الاستيلاد انما يمنع عن نقل المالك لا عن كل ما يؤدي إليه كترك الفداء المؤدي الى الاسترقاق أو التخلية والتسليم الى المجني عليه ليسترقها، بل النقل إنما ينطبق على الاسترقاق الذي هو فعل المجني عليه لا أقل من عدم الاطلاق في دليل المنع عن النقل على نحو يشمل أحد طرفي التخيير ليتعين الطرف الاخر كما ذكره المؤيد؟. هذا ولو كانت الجناية على مولاها بما يوجب صحة استرقاقها لو كان المجني عليه غير المولى ففي المسالك وعن الروضة عن بعض الاصحاب جواز بيعها، والمشهور المنع لاطلاق دليل المنع وجواز الاقتصاص لا يستلزم ذلك، والاسترقاق الجديد لا معنى له لانه تحصيل الحاصل وثبوته حكمة لا دليل عليه وكون المنع ارفاقا بها وهو لا يناسب الجاني عمدا مجرد

[ 377 ]

تخمين في تخمين، ولو كانت الجناية علي مولاها خطأ ففي المسالك وعن الروضة عن بعض الاصحاب جواز بيعها، ووجهه غير ظاهر إلا ما قد يستفاد من وجه الجواز في العمد مما عرفت ضعفه فيه فضلا عن المقام كيف وفي رواية غياث: إذا قتلت أم الولد سيدها خطأ فهي حرة، ونحوها رواية وهب بن وهب نعم في رواية حماد إذا قتلت أم الولد سيدها سعت في قيمتها، ولعل المراد السعي فيما زاد على حصة الولد كما احتمله في المقابيس وحكى عن الشيخ في الاستبصار الجمع بينهما بحمل الثانية على صورة موت الولد وكون السعي على وجه الجواز، وفي التهذيب بغير ذلك والامر سهل بعد اعراض الاصحاب عن الثانية فيما إذا جنى عليها (ومنه) ما إذا جنى عليهاحر بما فيه ديتها فيحتمل أن يجري عليها حكم غيرها من تخيير الولي بين امساكها ولا شئ له وبين أخذ الدية فيتعين دفعها الى الجاني لئلا يلزم الجمع بين العوض والمعوض، ويحتمل المنع من أخذ الدية لئلا يلزم استحقاق الجاني لرقيتها لانه من النقل الممنوع عنه، ويحتمل منع الجاني من أخذها وإن اخذ مولاها الدية، وينبغي ابتناء الحكم على أن أخذ الدية من الجاني على نحو المعاوضة على الرقبة فيتعين الثاني أو على نحو تدارك الفائت بسبب الجناية فيتعين الاول، وهذا هو الظاهر، ومن ذلك يظهر انه لاوجه للاحتمال الاخير (ومنه) ما إذا لحقت بدار الحرب ثم استرقت (ومنه) مالو أسرها المشركون ثم استعادها المسلمون فجرت عليها القسمة ثم علم أنها ملك لمسلم بناء على عدم نقض القسمة ويغرم لمالكها من بيت المال كما عن الشيخ في النهاية (ومنه) ما إذا كان مولاها ذميا فخرج عن الذمة فانه تباح أمواله (ومنه) ما إذا كان مولاها ذميا فقتل مسلما فانه يدفع وامواله الى اولياء المقتول فان عموم دليل صحة الاسترقاق في جميع هذه الصور بلا معارض والمنع نقلها؟ لا يشمله وبعد الاسترقاق لا مانع عن التصرف

[ 378 ]

فيها بالبيع ونحوه لاختصاص ادلة المنع عن بيع المولى أبي الولد ونقلها عن ملكه فلا تشمل بيع غيره وتمام الكلام في هذه الموارد موكول الى محالها والله سبحانه ولي التوفيق. لو اسلمت؟ وهى عند الذمي (القسم الثاني) ما تكون فيه جهة راجعة الى نفسها اولى بالملاحظة من حق الاستيلاد (ومنه) مالو اسلمت وهي أمة ذمي فانها تباع عليه بناء على أن حق اسلامها الموجب لنفي سلطنة الكافر عليها أولى من حق الاستيلاد المعرض للعتق كما عن موضع من المبسوط وابن ادريس وتبعهما الفاضلان في الشرائع والتحرير والشهيدان في غاية المراد والمسالك والسيوري في الكنز والصيمري والكركي في موضع من شرحه - على ما حكي عنهم - بل عن ظاهر الاولين نسبته الى الاصحاب لان دليل المنع عن بيع أم الولد وان كان بينه وبين مادل على لزوم بيع العبد المسلم عموم من وجه الا ان الثاني اولى بالتقديم لموافقته للاعتبار، ولحكومة قاعدة نفي السبيل على جل القواعد ولقوله (ص): الاسلام يعلو ولا يعلى عليه أو لان دليل المنع ظاهر في مجرد نفي سلطنة المولى على البيع فلا ينافي ثبوت السلطنة لغيره على البيع كما هو ظهر الدليل الامر ببيع العبد المسلم لا أقل من امكان الجمع بين الدليلين بالحمل على ذلك ولو سلم التساوي فالمرجع عمومات صحة البيع (وفيه) أن ظاهر دليل المنع قصور أم الولد عن البيع لا قصور سلطنة المالك فيبطل الوجه الثاني، وكذا الاول لان قاعدة نفى السبيل ونحوها وكذا مادل على الامر ببيع العبد المسلم لا تعرض فيه لاثبات القابلية وانما يدل على نفي سلطنة الكافر على المسلم وسلطنة غير المولى على البيع من دون تعرض فيه لاثبات القابلية ولذا لا يصلح لتشريع بيع العبد الابق أو المجهول أو غيرهما مما لا يكون واجدا لشرائط البيع، وحينئذ فالدليل الدال على نفي القابلية ومنه مادل على المنع من بيع أم الولد - بلا

[ 379 ]

معارض كي تنتهي النوبة الى الترجيح أو الرجوع الى دليل آخر وكأنه لذلك ذهب جماعة الى المنع عن بيعها وان اختلفوا في أنها لاتقر في يده وتكون عند امرأة مسلمة كما عن موضع من المبسوط أويتركها الحاكم عند من يرى تركها عنده مصلحة كما عن النزهة أو يحال بينهما وتكسب في يد غيره كما عن التذكرة أو تستسعى في قيمتها كما عن المختلف والمهذب وغيرهما أو غير ذلك كما عن غيرهم نعم قد يستشكل في عموم الدليل للبيع الذي لا يكون باختيار المولى كما هو في الفرض كذلك، وحينئذ لا مانع من اطلاق الدليل الدال على انها تباع قهرا على مولاها لذا جاز نقلها بالاسترقاق كما تقدم فيما لو جنت عمدا على غير مولاها (وفيه) أن مورد صحيح عمر بن يزيد بيع التركة لوفاء دين المولى ومن المعلوم أن حق الديان يتعلق بالتركة ويقتضي وجوب بيعها لوفاء الدين كالعين المرهونة فكيف يمكن اختصاص المنع بالنقل الاختياري نعم يختص المنع بما كان للمولى ولو كان من وكيله أو وليه ولو قهرا فلا يشمل النقل الذي لا يكون للمولى اصلا ولا يضاف إليه بتا كاسترقاق ولي المجني عليه - على ما تقدم - فانه لا ينسب للمولى أصلا ومن هنا يظهر الاشكال في كلام بعض الاعيان فراجع وتأمل. لو عجز مولاها عهد نفقتها (ومنه) مااذا عجز مولاها عن نفقتها فعن اللمعة والكنز وغيرهما انها تباع على من ينفق عليها لكن دليله غير ظاهر وأهمية حق النفقة من حق الاستيلاد غير ظاهرة في قبال عموم المنع وان لزم الضرر وعموم نفي الضرر لا يصلح لتشريع الصحة لانه ناف محض لا مثبت (فان قلت) ليس المرفوع عدم الصحة الثابت لبيع أم الولد بل المرفوع تقييد البيع الصحيح بعدم كون المبيع أم الولد والتقييد امر وجودي لا عدمي (قلت) مرجع تقييد موضوع الصحة الى منع عموم الصحة لغير المقيد ونفى الصحة مع عدم القيد فرفع التقييد راجع الى تعميم الصحة لغير

[ 380 ]

المقيد وهذا المعنى لا يمكن اثباته بقاعدة نفي الضرر لانها نافية محضة لامثبتة كما عرفت ولاجل ذلك لا تصلح لتصحيح بيع المجهول أو الابق أو مالا يتمول إذا لزم من عدم صحة بيعها الضرر نعم تقييد موضوع الحكم التكليفي كوجوب الصلاة قائما وان كان راجعا ايضا الى عدم تعميم الوجوب للصلوة جالسا، لكن الضرر يستند الى ثبوت الوجوب للصلوة قائما لا لعدم الوجوب للصلوة جالسا وإذا كان الضرر مستندا الى الحكم الوجودي أمكن رفعه بقاعدة نفي الضرر، لكن لا طريق الى ثبوت الوجوب لغير المقيد إلا قاعدة الميسور أو نحوها، وإلا فقاعدة نفي الضرر أيضا لا تصلح لاثباته فلاحظ وتأمل، واحتمال دليل المنع لترجيح حق الاستيلاد على حق المالك لاعلى حقها خلاف الظاهر منه كما عرفت، فالبناء على المنع من بيعها مطلقا أوفق بالعمل بالقواعد بيعها على منه‌تنعتق عليه (ومنه) بيعها على من تنعتق عليه كما عن الجماعة المتقدم إليهم الاشارة وكأن وجهه انصراف دليل المنع الى الملك المستقر إذ غير المستقر فيه تعجيل حقها ومثله بيعها بشرط العتق فورا ويلحق بهما بيعها على من أقر بحريتها فانه يوجب الانعتاق ظاهرا فلا يستقر ملك المشتري عليها، لكن دعوى الانصراف الى الملك المستقر غير ظاهرة - مضافا الى ان العتق الظاهري لا يجدي مع احتمال الملك واقعا ولا سيما مع العلم التفصيلي ببطلان البيع إما لكون المبيع حرا، أو لكونه أم ولد كما تقدم نظيره في بيع العبد المسلم على الكافر (ومنه) مالو مات قريبها؟ وكان له تركة وليس له وارث سواها فعن الجماعة المتقدم إليهم الاشارة جواز بيعها حينئذ فتعتق وترث الباقي بعد ثمنها لما سبق من أن فيه تعجيل حقها، ولان البيع بلا اختيار من المولى لانها تباع قهرا عليه، ولكنك قد عرفت اشكاله ووجوب البيع لا يصلح لتشريعه ولا بحفظ قابلية المحل كما سبق في المورد الاول

[ 381 ]

الاستيلاد المسبوق بحق الغير (القسم الثالث) وهو ما يكون الاستيلاد فيه مسبوقا بحق للغير وجعل هذا القسم في مقابل القسم الاول باعتبار سبق الحق على الاستيلاد فيه وتأخره عنه في القسم الاول وان كانا مشتركين في كون الجواز فيهما لجهة راجعة الى غير أم الولد وقد ذكر له موارد (منها) ما إذا كان علوقها بعد الرهن، وعن الشيخ " ره " وجماعة من المتأخرين جواز بيعها وعلل بعدم الدليل على بطلان حكم الرهن بالاستيلاد اللاحق فان بين دليل المنع عن بيع أم الولد ودليل وجوب بيع العين المرهونة وان كان عموما من وجه، لكن لما لم يترجح تخصيص أحدهما على تخصيص الاخر كان المرجع بعد التساقط الاصل المقتضي لبقاء أثر السابق وانتفاء اثر اللاحق وليس المقام من التزاحم إذ الشك في تمامية المقتضي لكل من الحكمين ومقتضى اعمال قواعد التعارض في العامين من وجه الرجوع بعد التساقط الى حجة ولو كانت أصلا كما في المقام " وفيه " أنك عرفت في أول المبحث أن دليل المنع عن بيع أم الولد مانع عن صلاحيتها لتعلق حق الرهانة بها، ولا فرق في هذه الجهة بين الحدوث والبقاء فبمجرد طروء الاستيلاد يسقط حق الرهانة فيكون دليل المنع بلا معارض. نعم لو كان دليل المنع مختصا بالنقل الاختياري كان حق الرهانة مانعا عن ثبوت حكم الاستيلاد لعدم كون بيع العين المرهونة اختياريا لكنك عرفت في المورد الاول من القسم الثاني ضعف الدعوى المذكورة، وأضعف من ذلك دعوى انصراف دليل المنع عن صورة سبق حق الرهانة، ومن ذلك تعرف أن السبق الزماني لا أثر له في ترجيح دليل حكم السابق نعم لو كان كل واحد من الحكمين بحيث لو ثبت كان رافعا لموضوع الاخر كان دليل السابق مقدما في نظر العرف على دليل اللاحق وان لم يكن مقدما عقلا في مقام التزاحم ومما ذكرنا يظهر وجه ما عن الشرائع والسرائر من المنع مطلقا (وأما)

[ 382 ]

ما عن الشهيد " ره " في بعض تحقيقاته من الفرق بين وقوع الوطء باذن المرتهن فلا يجوز البيع وبدونه فيجوز، فكأنه مبني على أن الاستيلاد انما يكون مانعا من البيع إذا كان محللا لكنه غير ظاهر لاطلاق أدلة المنع ومن ذلك تعرف الحكم فيما لو كان علوقها بعد افلاس المولى والحجر عليه وكانت فاضلة عن المستثنيات لجريان ما سبق فيه بعيته فان أدلة المنع في الاستيلاد رافعة لموضوع حق الغرماء ولا مجال للرجوع الى استصحاب أثر الافلاس فانه لا يقاوم الدليل، وأما دفعه بانه لم يثبت تعلق حق الغرماء بالاعيان فيجوز أن يكون الثابت؟ مجرد وجوب بيع الحاكم ففيه أن الاستصحاب لا يتوقف جريانه - لو تمت أركانه - على كون الثابت حقا لا حكما بل على الثاني يجري كما يجرى على الاول - مع أن الاستيلاد أيضا ليس من الحقوق ولذا لا يسقط بالاسقاط (وكيف كان) فما عن جماعة من جواز البيع في المورد غير ظاهر، ومثله ما عن بعض من جواز البيع إذا كان علوقها بعد اشتراط أداء مال الضمان منها فانه راجع الى الرهن فيجري عليه حكم تقدمه على الاستيلاد الذي عرفته، وكذلك حال ما إذا كان الاستيلاد بعد تعلق حق الجناية بها الذي لا يجوز البيع لو كان لاحقا والا فلا أثر للتقدم، وأما إذا كان علوقها بعد ثبوت الخيار لبائعها فالمحكي عن الحلي جواز الاسترداد وكأن وجهه اختصاص دليل المنع بالنقل المضاف الى المولى ولو كان قهرا عليه فلا يشمل غيره كالنقل بالفسخ نظير ما عرفت في الاسترقاق، ولاجله يظهر ضعف ما عن العلامة وولده والمحقق والشهيد الثانيين وغيرهم من الحكم بجواز الفسخ والرجوع بقيمة أم الولد لصيرورتها بمنزلة التالف لان المانع الشرعي كالمانع العقلي، إذ فيه أنه لا دليل على المنع في مثله.

[ 383 ]

لو كامه؟ علوقها بعد نذر كونها صدقة (ومنها) ما لو كان علوقها بعد نذر كونها صدقة ومحصل ما يمكن أن يقال: ان النذر " تارة " يكون بنحو نذر النتيجة " وأخرى " يكون بنحو نذر الفعل، وكل منهما إما مطلق أو مشروط والثاني إما أن يكون شرطه حاصلا أولا والثاني إما معلوم الحصول أو مشكوكه " فان كان " بنحو نذر النتيجة وكان مطلقا فالمنسوب الى الاكثر صحة النذر لكن قد قربنا في كتاب الزكاة من كتابنا " مستمسك العروة الوثقى " بطلانه لوجهين مبنيين على كون اللام في قول الناذر: لله علي كذا، للملك كما هو الظاهر (الاول) ان مضمون الجملة تمليك المنذور له تعالى فمقتضى صحة النذر حصول هذا المضمون أما حصول نفس المنذور فامر آخر يحتاج الى جعل مستقل فان جعل النسبة بين الامرين غير جعل المنسوب والاول مفاد كان الناقصة والثاني مفاد كان التامة والجملة لا تحتمل المفادين معا بل مفادها الاول لا غير فيحتاج الثاني الى سبب (الثاني) أن نتائج العقود والايقاعات لا تقبل أن تكون طرفا لاضافة الملكية الا إذا كانت مضافة الى ذمة فإذا اضيفت الى ذمة رجع النذر الى نذر الفعل فراجع، وعلى تقدير الصحة تكون صدقة بمجرد النذر فاستيلادها بعد ذلك لا يترتب عليه الاثر لاختصاص موضوعه بمن كانت ملك المولى ولذلك لا يجوز التصرف فيها بالوطء ولا بغيره كسائر الاماء المملوكة للاجانب، ولو كان مشروطا بشرط حاصل فالحكم كذلك ولو كان معلوم الحصول في المستقبل كأن يقول: لله علي أن تكون صدقة إذا هل شهر رمضان، أو إذا مات زيد، فان كونها صدقة منوط بحصول الشرط وقبله باقية على ملك المولى، والكلام تارة في منافاة الاستيلاد لمقتضى النذر، وأخرى في حكم الوطء تكليفيا ووضعيا، أما الاول فالظاهر عدم المنافاة إذ الاستيلاد إنما يمنع عن النقل بالمعنى المصدري بعده كما هو ظاهر الادلة أما قبله

[ 384 ]

فلا وحينئذ فلا مانع من صيرورتها صدقة عند حصول الشرط المعلق عليه النذر ولاجل ذلك صح استثناء المورد من قاعدة المنع عن نقل أم الولد. نعم لو كان زمان الشرط المعلق عليه النذر بعد موت المولى تحققت المنافاة لانها بالموت تنعتق من نصيب الولد فيمتنع أن تكون صدقة فترجع الى الرقية، وكذا لو قلنا بأن الاستيلاد مانع من الانتقال مطلقا فانه يتعارض دليل صحة النذر ودليل منع الاستيلاد لكن العمل على الثاني لانه رافع لموضوع الاول لان دليل نفوذ النذر مشروط بمشروعية مضمونه ولا يصلح هو لاثبات المشروعية فدليل نفي المشروعية وارد عليه، فيكون الاستيلاد بمنزلة الاتلاف ولاجل ذلك يكون الوطء الموجب له حراما لانه مخالفة للنذر فيستوجب الحنث والكفارة " وتوهم " اختصاص الكفارة بنذر الفعل (فيه) أنه خلاف اطلاق دليلها. هذا والظاهر على هذا الفرض ضمان الحانث قيمة الامة لمستحقي الصدقة لتفويتها عليهم بعد استحقاقهم لها ولو معلقا على وجود الشرط بناء على اقتضاء مثل ذلك الضمان كما يظهر فيما لواتلف الطبقة الاولى العين الموقوفة - بناء على كون الوقف ملكا ترتيبيا - فان ضمانهم انما هو للطبقات اللاحقة التي تملكها ملكا منوطا بانقراض الطبقة الاولى وضمان الراهن العين المرهونة بالاتلاف بلحاظ حق المرتهن وهو الاستيفاء المعلق على الاجل وامتناع الراهن من الوفاء ونحو ذلك (وبالجملة) ثبوت الضمان في أمثال ذلك مع أن المضمون له انما يستحق في المستقبل يقتضي الضمان هنا. نعم لو كان مرجع النذر الى نذر ابقاء العين على القابلية للصدقة ونذر كونها صدقة على تقدير بقائها على القابلية فالاستيلاد موجب للحنث بالاضافة الى النذر الاول فيستوجب الكفارة ولا يكون منافيا للنذر الثاني لان النذر لا يوجب حفظ شرطه فلا موجب للضمان هذا ولو شك في ترتب الاستيلاد على الوطء جاز الوطء لاصالة العدم ولاصالة البراءة للشك في كونه مخالفة للنذر. نعم قد يوجه الاحتياط بان الوفاء بالنذر بعد ما اشتغلت به الذمة وجب اليقين بالفراغ منه والوطء مانع عن حصوله لكنه مندفع في محله إذ لا يخرج الشك في المقام عن كونه شكا في التكليف بنحو يسع

[ 385 ]

الوطء الخاص نظير الشك في المفطر بنحو الشبهة الموضوعية فلاحظ، ولو كان الشرط مشكوك الحصول جاز الوطء وان علم بترتب الاستيلاد عليه لاصالة عدم حصول الشرط ولاصالة البراءة أيضا (ودعوى) أنه يجب الاحتياط في المقام لانه‌من قبيل الشك في القدرة (غير ظاهرة) إذ الشك في القدرة راجع الى الشك في السقوط والشك هنا في الثبوت والمرجع فيه البراءة. نعم لو تبين حصول الشرط ثبت الضمان لما عرفت دون الكفارة للعذر. ولو كان النذر بنحو نذر الفعل فان كان مطلقا أو مشروطا بشرط حاصل لم تخرج الامة عن ملك المولى به فلو وطأها لم يكن زانيا لكنه يحرم لو علم بترتب الاستيلاد عليه لمنافاته للمنذور لان التصدق نقل يمنع عنه الاستيلاد فالوطء الموجب له تعجيز عن فعل المنذور فيحرم وبوجب الكفارة للحنث، ويحتمل تقديم النذر بدعوى اختصاص منع الاستيلاد بالنقل الختياري لانصرافه إليه فلا يعم الواجب ولو بالنذر لكن فيه منع كما عرفت فى القسم الثاني أو لانه سابق فيكون أولى بالتقديم، وفيه ما عرفت أيضا من أن السبق لا يكون سببا للتقديم إذا كان اللاحق رافعا لموضوع السابق كما في المقام فان دليل مانعية الاستيلاد رافع للقدرة على المنذور ودليل صحة النذر لا يصلح لاثبات القدرة عليه فيكون دليل المانعية مانعا من تطبيقه وقد تقدم ذلك فلاحظ، واما الضمان فلا موجب له إذ لا استحقاق لا منجزا ولا معلقا كما في نذر النتيجة وانما الثابت حق الله سبحانه وهو أن يتصدق وضمانه بالكفارة لاغير، ولو كان معلقا على شرط يعلم بحصوله في المستقبل حرم الوطء مع العلم بترتب الاستيلاد عليه، لانه تعجيز أيضا عن المنذور فلو فعله حنث وعليه الكفارة وقد يحتمل تقديم حق النذر على الاستيلاد لما سبق في الصورة السابقة (وفيه) ما عرفت، وقد يحتمل انحلال النذر لصيرورة التصدق مرجوحا (وفيه) ايضا ما عرفت من ان دليل منع الاستيلاد يقتضي صيرورة التصدق معجوزا عنه لامرجوحا، والعجز الناشئ من سوء؟ اختيار المكلف موجب للحنث لاللانحلال ولو كان معلقا على شرط مشكوك الحصول جاز الوطء وان علم بترتب الاستيلاد لما سبق فلو انكشف حصول الشرط لم يكن حنث ولا

[ 386 ]

كفارة للنذر ولا ضمان كما عرفت في الفرض السابق، ومن ذلك تعرف ضعف بعض الاحتمالات المذكورة في كلام شيخنا الاعظم ره فلاحظ (ومنها) ما إذا كان علوقها من مكاتب مشروط ثم فسخت كتابته فانه يجوز للمولى بيعها على ما حكاه في الروضة عن بعض الاصحاب لانها بعد انفساخ الكتابة خرجت عن كونها أم ولد حر لحر وهي أمته ولكن صحة الاستثناء مبنية على كونها قبل الانفساخ أم ولد للمكاتب كما عن القواعد ولو قلنا بالعدم - كما عن التحرير - لعدم كون المكاتب حرا خرج المورد عن موضوع المستثنى منه فلا يكون استثناء (القسم الرابع) مالا يكون بقاؤها في ملك المولى مؤديا الى عتقها لعدم ارث الولد لوجود بعض موانع الارث فيه من كفر أورق أو قتل، والبناء على جواز البيع في هذا القسم مبني على ان العلة في المنع الانعتاق من نصيب الولد، لكن عرفت أنه غير ظاهر من الادلة، بل خلاف ظاهر صحيح ابن مارد - كما سبق - فكيف يصح الخروج عن إطلاق أدلة المنع عن بيعها في حياة المولى وبعد وفاته نعم لو انتفى النسب من طرف الاب أو الام خرجت عن كونها أم ولد بالمعنى الذي يكون موضوعا للاحكام فلا بأس ببيعها حينئذ بعد قصور أدلة المنع عن الشمول لكن عده استثناء من قاعدة المنع مبني على المسامحة والله سبحانه ولي التوفيق وهو حسبنا ونعم الوكيل. بيع العين المرهونة (مسألة) من اسباب خروج الملك عن كونه طلقا كونه مرهونا والكلام فيه يقع في امور (الاول) أن العمدة في اثبات ذلك الاجماع المحكي صريحا وظاهرا في كلام جماعة كثيرة من القدماء والمتاخرين على المنع من التصرف في الرهن بالبيع وغيره من دون نقل خلاف أو تأمل واشكال من أحد من الاصحاب رضي الله عنهم. نعم ربما تأمل بعضهم في بعض افراد التصرف كالوطء في بعض

[ 387 ]

النصوص من جوازه وكذا مالا ضرر فيه على المرتهن من تقبيل واستخدام ونحوهما لكنه لو تم فهو غير ما نحن فيه (واما) النبوي المشهور النقل كما عن بعض والمعتمد عليه كما عن آخر: الراهن والمرتهن ممنوعان من التصرف، فدلالته لا تخلو من اشكال لعدم ظهور التصرف فيه فيما يعم التصرف بالبيع ونحوه من التصرفات الاعتبارية كما تقدم في مبحث الفضولي (وأما) قاعدة السلطنة فهي لا توجب منع الراهن إلا إذا كان البيع منافيا لحق الرهانة إذ حينئذ تكون قاعدة السلطنة على الحق مانعة عن تسلط غير من له الحق على رفعه لكن المنافاة غير ظاهرة إذ لامانع من أن يكون حق الرهانة قائما بالعين ولو انتقلت من الراهن الى غيره والاستيفاء كما يكون من مال المديون يكون من مال غيره ولذا جازت الاستعارة للرهن. اللهم إلا أن يكون ذلك خلاف المرتكزات العرفية كما هو غير بعيد (الثاني) لو باع المرتهن العين كان البيع فضوليا فيجري عليه حكمه من البطلان أو الصحة على تقدير الاجازة وغير ذلك من احكامه (وأما) لو باعها الراهن فهل يكون موقوفا على اجازة المرتهن أو سقوط الحق أو يبطل من اصله، الاول ظاهر عبارات جماعة من القدماء والمتأخرين، والثاني صريح بعض وظاهر آخرين، ويقتضيه فحوى مادل على صحة الفضولي لصدور البيع هنا عن المالك السلطان غايته أنه قاصر السلطنة بخلاف البيع في الفضولي، ومال في المقابيس الى البطلان للاجماع المدعى في كلام جماعة على المنع من التصرف وحكاية الشيخ ورود الاخبار في ذلك وللنبوي المتقدم، فان اطلاق المنع فيه يقتضي الفساد كاقتضائه في أم الولد والوقف وغيرهما مما كان الوجه في النهي ملاحظة جهة راجعة الى الغير ولاجل ذلك افترق المقام عن الفضولي فلا مجال للعمل بالفحوى والفرق بين الراهن والمرتهن ان المرتهن لعدم كونه مالكا يمكن ان يقع بيعه على وجه النيابة عن المالك وعلى وجه الاستقلال فان وقع على الوجه الاول لم يعد تصرفا فلا يكون منهيا عنه فيصح على تقدير الاجازة كالفضولي وان وقع على الوجه الثاني كان محرما وباطلا، والراهن لكونه مالكا لا يقع بيعه الا مستندا الى ملكه إذ

[ 388 ]

لا معنى لقصده النيابة عن غير المالك فهو منهي عنه فيكون باطلا " واما " التعليل الوارد في نكاح العبد بغير اذن مولاه من قوله " ع ": إنه لم يعص الله وإنما عصى سيده، فانما يجري فيمن ليس له مال " أما " المالك المحجور عليه فهو عاص لله سبحانه بتصرفه ولا يقال: انه عصى المرتهن، لعدم كونه مالكا وإنما منع الله سبحانه من تفويت حقه وكذا كل مالك محجور لعارض " وفيه " أن الاجماع المدعى لا مجال للاعتماد عليه بعد وضوح الخلاف كما عرفت من تصريح جماعة وظاهر آخرين من الصحة على تقدير الاجارة واما حكاية الشيخ الاخبار على انه ليس له يعني الراهن - ان يكري داره المرهونة أو يسكنها إلا باذن المرتهن انتهى، فمع انها ليست في البيع إنما تدل على كون المنع من حقوق المرتهن ولذا جاز باذنه فإذا أجاز ارتفع المنع، والتخصيص بالاذن السابقة على العقد فلا تنفع الاجازة قد عرفت اندفاعه في مبحث الفضولي " وأما " النبوي فمقتضى الجمود على عبارته وان كان هو المنع التعبدي بناء على عمومه لما نحن فيه لكن بقرينة كون المورد موضوعا لملكية أحدهما وحق الاخر يحمل المنع على كونه من أجل حق الاخر والمنع الحقي يرتفع بالاجازة كالاذن السابقة، وبذلك يفترق المنع في المقام عن المنع عن بيع أم الولد والوقف فانه لاحق لاحد غير المالك فيهما ولذا لا تجدى الاذن من أم الولد في صحة بيعها وكذا من ولي الطبقات اللاحقة في صحة بيع الوقف " ومن " ذلك تظهر الصحة في أمثال ما نحن فيه مع الاجازة من ذي الحق كبيع أعيان المفلس، والعقد على بنت الاخ والاخت على العمة والخالة، وعلى الامة على الحرة ونحوها من موارد الحقوق التي تجدي فيها الاذن، كما يظهر أن المقام من قبيل الفضولي الذي ورد فيه مثل: لا يجوز لاحد أن يتصرف في مال غيره الا باذنه، ولا يحل مال امرئ مسلم الا بطيبة نفسه، لا من قبيل بيع أم الولد والوقف والتفكيك في بيع المرتهن بين أن يكون على وجه الاستقلال فيكون تصرفا وبين أن يكون عن المالك فلا، غير ظاهر كالتفكيك بين الراهن والمرتهن في امكان تأتي النحوين المذكورين في الثاني دون الاول ضرورة امكان ان يبيع

[ 389 ]

برجاء اذن المرتهن واجازته ومجرد كونه مالكا لا يمنع من ذلك بعد التفاته الى ان المرتهن له حق الرهن المانع من البيع على نحو الاستقلال الذي هو عدوان عليه وعلى حقه إذ العدوان كما يكون على المالك ببيع ملكه يكون على ذي الحق ببيع موضوع حقه، ولاجل ذلك يتضح الوجه في تطبيق التعليل الوارد في رواية نكاح العبد بغير اذن مولاه على ما نحن فيه فان الراهن إذا باع لم يعص الله سبحانه وانما عصى المرتهن بتضييع حقه باذهاب موضوعه فإذا اجاز ذو الحق جاز البيع. نعم لو ثبت كون المنع عن بيع الراهن تعبديا لا لاجل حق المرتهن كان مقتضى التعليل عدم الصحة بالاجازة لانه على هذا يكون عاصيا لله لا للمرتهن ولكن عرفت الاشكال عليه، كما أنك بمراجعة ما تقدم في الفضولي تعرف مواقع النظر في كلامه غير ما ذكرنا (الثالث) لو باع الراهن باذن المرتهن أو بدونه فاجاز المرتهن صح البيع كما عرفت وبطل حق الرهانة في العين فيملكه المشتري بلا حق فيه بلا خلاف ولا اشكال، وكأنه لان حق الرهانة ليس قائما بذات العين ولا بعنوان حاصل لها في ظرف خروجها الى ملك المشتري بل بعنوان كونها مملوكة لمالكها، ولاجل فوات هذا العنوان فات الحق القائم به وهل ينتقل هذا الحق الى الثمن فيكون رهنا أولا، المعروف الثاني وفى محكي المبسوط الاول وتبعه في التحرير والدروس وعن الثاني تعليله بانه قضية عقد الرهن ولا يخلو من خفاء، وكأنه يريد أن حق الرهانة راجع الى حق الاستيفاء ولو من البدل ضرورة جواز استيفاء الدين من العين المرهونة ولو ببيعها والاستيفاء من ثمنها. وهذا الذي ذكره " قد: " هو العمدة في ثبوت حق الرهانة في الثمن لا مجرد كون الثمن بدلا عن المثمن فان البدلية إنما تقتضي انتقال الحق الى البدل في ظرف صلاحيته للانتقال فلا بد في الحكم بالانتقال من احراز صلاحيته لذلك. نعم مع قطع النظر عن اقتضاء حق الرهانة في نفسه للانتقال الى البدل يمكن أن تستفاد صلاحيته لذلك من ثبوته في البدل المضمون به لو أتلفه متلف، فانه لا إشكال في كون البدل رهنا كالمضمون، (وتوهم) أن ثبوت الحق في البدل لاجل كونة مضمونا بالاتلاف كالعين فالمتلف متلف لملك الراهن وحق المرتهن

[ 390 ]

معا فيكون ضامنا لهما معا فيكون مقتضى الضمان الثبوت في البدلية (مندفع) بان ضمانه للحق بضمان موضوعه فرع صلاحية الحق للقيام ببدله والانتقال إليه من المبدل فلا بد من اثبات ذلك مع قطع النظر عن دليل الضمان ولا يصلح دليل الضمان بالاتلاف لاثباته. نعم لو دل الدليل على الضمان في خصوص المورد كما عرفت من الاجماع فقد دل على كونه صالحا للانتقال. مع أن ثبوته في البدل لو كان مترتبا على ضمان نفس الحق كان اللازم البناء على عدم كون البدل موضوعا للحق في صورة اتلاف المرتهن العين فان اتلافه اتلاف لحقه فلا يكون ضامنا له مع بنائهم على كون البدل المضمون به رهنا حتى في صورة اتلاف المرتهن، فإذا التحقيق انه مع بيع الراهن للعين واجازة المرتهن يكون الثمن رهنا ايضا الا ان تكون قرينة على كون الاجازة اسقاطا للحق لكنه خارج عن محل الكلام (الرابع) في أن اجازة المرتهن نظير اجازة المالك في الفضولي لما عرفت آنفا من أن مرجعها الى اعمال سلطنته في موضوع حقه تبعا لسلطنته على حقه، وليس مرجعها الى اسقاط حقه فيكون الكلام في كون الاجازة في الفضولي ناقلة أو كاشفة حقيقيا أو حكميا أؤ انقلابيا بعينه جار في الاجازة هنا، والاشكالات المتقدمة على الكشف بوجوهه جارية هنا كوجوه اندفاعها، كما أن الكلام في احتياجها الى الانشاء وعدم الاكتفاء بالرضا النفساني جار هنا، لان العقد مضاف الى كل من المالك والمرتهن لاشتراكهما في السلطنة على التبديل فلا بد من اضافة العقد الى السلطان ليدخل في العقد الذي هو موضوع وجوب الوفاء فإذا كانت الاضافة محتاجه الى الانشاء كانت هنا كذلك. نعم لو كان حق الرهانة مانعا من نفوذ البيع ومرجع الاجازة الى اسقاطه؟ أمكن حينئذ القول بالنقل هنا، ولو قلنا بالكشف في الفضولي لان عدم الحق يكون حينئذ من شرائط الصحة كالقبض في الصرف فيقرب القول بالنقل به ولا يتحد مع الفضولي فلاحظ (الخامس) في انه لا اشكال في أنه لا أثر للرد بعد الاجازة فهل تنفع الاجازة بعد الرد هنا؟ وجهان فان قدح الرد السابق في نفوذ الاجازة في الفضولي ان كان لاجل قدحه في نسبة العقد الى من

[ 391 ]

هو له كان في المقام قادحا أيضا لما عرفت من أن المرتهن ممن له العقد، وان كان تعبدا للاجماع فثبوت الاجماع غير معلوم هنا (السادس) في أن سقوط حق الرهانة باسقاطه أو اسقاط الدين أو وفائه هل هو بمنزلة الاجازة يصح معه عقد الراهن أولا؟ قد يتوهم الثاني لان المرتهن لما كان شريكا في سلطان الراهن لاشتراكه منه في اضافة العين إليه فإذا سقط الحق بعد ذلك كان المورد من باب: من باع شيئا ثم ملكه الذى عرفت أن صحته محل اشكال حتى مع الاجازة من العاقد فضلا عما لو لم تكن، وفيه أن الاشكال إنما جاء في مسألة: من باع شيئا ثم ملكه من أجل ان الاضافة الملحوظة في مقام جعل البدلية حدثت للعاقد بعد ما لم تكن وليس هنا كذلك إذ لم يحدث للراهن شئ وانما كانت اضافة للمرتهن في طول اضافته فكانت سببا لمزاحمة سلطنته بسلطنته فزالت الاضافة فزالت السلطنة المزاحمة لسلطنة العاقد، فما يقتضيه جعل البدلية من قبله لم يكن فيه تغير ولا تبدل، بل هو على ما كان فكيف يلحقه الاشكال في تلك المسألة الذي كان مبناه لزوم ثبوت شئ لم يثبت بجعل العاقد الذي كان مبنى للبطلان أو لزوم صحة التصرف مع عدم ارضا به بما هو وارد على مال المتصرف الذي كان مبنى القول باعتبار الاجازة، ومن هنا يظهر الاشكال في التمسك باستصحاب عدم ترتب الاثر فانه على خلاف عموم الصحة إذ المقام لما كان من التخصيص من أول الامر تعين الرجوع في غير مورد التخصيص الى العام وإن لم يكن له عموم زماني كما حرر في الاصول، وهذا هو العمدة في سقوط الاستصحاب لا العلم بارتفاع المناط الثابت أولا فانه لا يقدح في جريانه بعد اتحاد القضية المشكوكة والمتيقنة عرفا، ولو سلم قدحه في الاستصحاب فغايته انه لا يثبت عدم ترتب الاثر اما الشك في ترتب الاثر فلا رافع له الا العموم نعم ربما يظهر من بعض الروايات عدم صحة نكاح العبد بدون اذن سيده وان أعتق لكنه غير ما نحن فيه لان عدم صحة نكاح العبد ليس لمجرد كونه تصرفا في ملك المولى بل لكون المتصرف ايضا مملوكا وان كان موضوع التصرف لغير المولى كما لو عقد لغير مولاه باذنه فانه لا يصح، وبذلك افترق عن المقام، على أن الظاهر من

[ 392 ]

بعض الصحاح الصحة ايضا فراجع (السابع) في أن سقوط حق الرهانة باحد الوجوه المتقدمة هل يقتضي صحة العقد من حين السقوط أو من حين العقد؟ قد يقرب الثاني بأن حق الرهانة إذا كان مانعا عن صحة العقد فلو بني على الكشف لزم ثبوت المتمانعين، ويشكل بأن حق الرهانة لا مانعية فيه، ولذا يصح البيع لو أجاز المرتهن ولو بني على ثبوت حق الرهانة، بل المانع مزاحمة سلطان الراهن لسلطان المرتهن فإذا سقط حق الرهانة واستقل الراهن بالسلطان تعين العمل بأدلة الصحة والنفوذ، فإذا كان مقتضاها ترتب الاثر مقارنا للسبب وجب البناء عليه وصح الكشف الانقلابي الذي عرفت أنه المتعين من بين وجوه الكشف، وان لم تكن ظاهرة في المقارنة تعين القول النقل (والاشكال) على الكشف بأنه يلزم أن تكون العين من حين العقد الى زمان سقوط الحق رهنا وكونها ملكا للمشتري (بعينه) الاشكال المتقدم في الفضولي على القول بالكشف - أعني كون العين من حين العقد الى زمان الاجازة ملكا للمجيز وملكا للمشتري - وقد عرفت هناك اندفاعه بأنه لا استحالة في ذلك إذا كان زمان الاعتبارين متغايرا وان اتحد زمان الامرين الاعتباريين، وكذا الحال لو كان مستند الكشف انه مقتضى مفهوم الاجازة لانها امضاء العقد من حينه، فانه ايضا يصح أن يقال: إنه مقتضي العقد لان المقصود جعله بالعقد هو المضمون من حينه فتأمل جيدا.

[ 393 ]

بيع العبد الجاني (مسألة) إذا جنى العبد عمدا بما يوجب قتله أو استرقاقه فالاقوى كما نسب الى جماعة كثيرة بل المشهور جواز بيعه لعدم منافاته لحق الجناية لبقاء الحق في العين ولو انتقلت الى المشتري، وبذلك افترق عن حق الرهانة الذي قد عرفت أنه لا يبقى في العين لو انتقلت من الراهن، وفي محكي المختلف العدم لانه قد باع مالا يملكه (وفيه) أن خروجه عن الملك خلاف الاصل والنصوص دالة على استرقاق ولي المجني عليه التى يجب ان يحمل عليها ما يدل بظاهره على دخوله في ملك الولي فانه مقتضى الجمع العرفي بينهما، واحتمال خروجه عن ملك المولى وعدم دخوله في ملك الولي لا مقتضي له كما لا يخفى، وقد يستدل على المنع " تارة " بخروجه عن المالية المعتبرة في صحة البيع وفيه انه لو سلم ذلك فليس بنحو الكلية كما هو ظاهر " واخرى " بان وجوب دفعه الى ولي المجني عليه يوجب المنع من تسليمه الى المشتري والقدرة على التسليم شرط في صحة البيع، وفيه انه لو سلم وجوب الدفع فقد يكون العبد بيد المشتري على نحو لا يقدر البائع على أخذه ودفعه الى ولي المجني عليه، ويكفي هذا المقدار في صحة البيع، وقد يستدل أيضا بان كونه في معرض الخطر يوجب كون البيع من بيع الغرر المنهي عنه، وفيه مع أنه قد يحصل الوثوق بالعفو أحيانا ان هذا المقدار من الغرر مطرد في بيع المريض والارمد والصحيح في أيام الوباء كيف ون لم يمت فجأة يمرض فجأة والمنع عن البيع لمثل هذا الغرر كما ترى

[ 394 ]

إذا جني خطأ (مسألة) إذا جنى العبد خطأ فالمشهور صحة بيعه، بل قيل: لا خلاف فيه، ويقتضيه ما عرفت في الجاني عمدا، بل الجواز هنا أولى، وعن المختلف والسرائر أنه لا يجوز إلا إذا فداه المولى أو التزم بالفداء، ودليله غير ظاهر إلا ما عرفت من كون بيعه من بيع الغرر الذي قد عرفت إشكاله هذا ويظهر من المختلف وغيره صحة البيع وضمان الفداء، وفيه أن البيع بعد ما لم يكن منافيا للحق لا يوجب ضمانه ولو سلم كونه منافيا كان باطلا لانه على خلاف سلطنة ذي الحق فالجمع بين الصحة والضمان غير ظاهر والله سبحانه اعلم. القدرة على التسليم (مسألة): الثالث من شرائط العوضين في الجملة القدرة على تسليم اجماعا حكاه جماعة كثيرة بل يظهر من الانتصار اجماع العامة عليه وجعلها من شرائط العوضين - مع أن القدرة قائمة بالمتعاوضين المناسب ذلك لجعلها من شرائط المتعاقدين كالبلوغ والعقل - هو لان المراد من القدرة ما يقابل العجز الناشئ عن قصور في العين مثل الطير الطائر والعبد الابق والجمل الشارد ونحوها، لاما يقال العجز الناشئ عن قصور في العاقد مثل مالو تعاوضا على عين معينة وهما في سجن لا يرجى اطلاقهما منه فان الظاهر أن القدرة من هذه الحيثية ليست موضوعا للشرطية في كلامهم فعدمها لا يقتضي الفساد، وربما يوجه ذلك بان القدرة مناط مالية المال فمع عدمها لا يكون الشئ مالا عند العقلاء فمرجع اشتراط القدرة على التسليم الى اشتراط المالية التي هي من شرائط العوضين، ويشكل ذلك - مضافا الى ان اشتراط القدرة عندهم في مقابل اشتراط المالية، أن ذلك لا يطرد

[ 395 ]

في كل مالا يقدر على تسليمه وقت التسليم حتى مع رجاء حصوله بعد ذلك فضلا عن صورة العلم به بعد مدة مع بناء جماعة على البطلان فيهما، وكيف كان فقد استدل على الشرطية بالمرسل المنجبر ضعفه بالاشتهار بين الخاصة والعامة، بل قيل إنه أجمع عليه المخالف والمؤالف: نهى النبي " ص " عن بيع الغرر، اما كون ما نحن فيه غررا فهو الظاهر من كلمات كثير من الفقهاء بل اللغويين فقد مثل لبيع الغرر المذكور في الحديث فيما عن الصحاح والمغرب والمجمل والمجمع ببيع السمك في الماء والطير في الهواء، وعن التذكرة نسبة تفسيره بذلك الى اهل اللغة ولكن قد يشكل بأن الظاهر من الغرر - كما يستفاد من موارد الاشتقاق - توهم حسن ما هو قبيح ولذا قال في محكي النهاية: إنه (ص) نهى عن بيع الغرر وهو ما كان له ظاهر يغر المشتري وباطن مجهول، وعن الغريبين حكايته عن ابن عرنة وكان تفسيره بالجهل تارة والخديعة اخرى والخطر ثالثة من باب التفسير ولو باللازم فانها معان متباينة ولذا جمعها في محكي الصحاح فقال: الغرة الغفلة، واغتر بالشئ خدع به، والغرر الخطر، كما ان تمثيله بعد ذلك لبيع الغرر ببيع السمك في الماء والطير في الهواء لابد أن يكون اعتمادا على قرينة حافة بالكلام إذ المثال لا يناسب المعاني المذكورة إذ لاغفلة فيه ولا خديعة نعم فيه نوع من الخطر الا ان مثله لوقدح في البيع لقدح في بيع المريض والهرم ونحوهما مما هو مظنة الضياع والتلف فليس النهي عن البيع المذكور لذلك فحمل الغرر في الحديث على المثالين المذكورين لا بد ان يكون لقرينة تقتضيه والا فهو خروج عن المعاني التى ذكروها كما هو خروج عما هو المتفاهم عرفا من مادة الغرر، وكأنه الى هذه القرينة اشار الشهيد (ره) في القواعد حيث قال: الغرر ماله ظاهر محبوب وباطن مكروه قاله بعضهم ومنه قوله تعالى متاع الغرور، وشرعا هو جهل الحصول وأما المجهول المعلوم الحصول ومجهول الصفة فليس غررا... الخ فكون بيع الطير في الهواء والسمك في الماء من بيع الغرر مراد شرعي لا معنى لغوي أو عرفى، لكن هذا المراد الشرعي لو ثبت فهو في خصوص الحديث الشريف لافى كلى لفظ الغرر

[ 396 ]

المستعمل في لسان الشارع كما قد يظهر من القواعد، والاعتماد على فهم الجماعة المذكورة في اثبات القرينة الصالحة للصرف الى هذا المعنى غير واضح، والمحصل مما ذكرنا أن المفهوم من مادة الغرر لغة وعرفا انه ليس هو الخطر ولا الجهل، بل هو توهم حسن ما هو قبيح في الواقع، المناسب ذلك لتفسيره بالخديعة - بمعنى اسم المصدر - وأن تفسيره بالجهل والغفلة والخطر تفسير باللازم كما أن تفسير الحديث الباهي عن بيع الغرر ببيع الطير في الهواء والسمك في الماء ليس جاريا على معنى اللفظ ولا على لازمه بل لقرينة تقتضيه، ولذا جعله الشهيد ره مرادا شرعيا، لكن لما لم تتضح لنا تلك القرينة أشكل حمل الحديث عليه بعد ما كان خروجا عن المتفاهم منه عرفا ولغة المقتضي لحمله على بيع ما هو مدلس مما له ظاهر محبوب وباطن مكروه، فالاستدلال به على ما نحن فيه غير ظاهر ثم اني قد عثرت - بعد كتابة هذا - على رواية ابن مسعود قال رسول الله (ص): لاتشتر السمك في الماء فانه غرر، رواها أحمد في مسنده والبيهقي في سننه، والطبراني في الكبير ولا يبعد أن تكون هذه الرواية هي القرينة على تفسير الحديث المذكور وعليها اعتمد الجماعة فكان الاولى الاستدلال بها لا بحديث النهي عن الغرر هذا والظاهر من الغرر في هذه الرواية بعد تعذر الحمل على المعنى الحقيقي الذي هو الانخداع لعدم تحققه حقيقة الخطر من جهة عدم الحصول كما اشير إليه في رواية المنع من بيع الابق الا مع الضميمة وفي روايات المنع من بيع الثمرة قبل ظهورها عاما واحدا، وأما حمله على الجهل فبعيد بقرينة حمله على نفس الشراء فان المناسبة المصححة لحمل الجهل على الشراء بعيدة عن ذوق العرف بخلاف حمل الخطر، وان مناسبة السببية قريبة فيه مع ان اجمال المراد يستوجب الاقتصار على المتيقن وهو صورة الخطر المالي نعم يبقى الاشكال في الاستدلال به على صورة الخطر لاحتمال فوات بعض مراتب المالية للجهل ببعض صفات الثمن أو المثمن لانه يتوقف على اطلاقه الشامل لذلك ولا يخلو من اشكال ولا سيما بملاحظة كون الاصل في التعليلات كونها موافقة لمرتكزات العقلاء ومن المعلوم أن المناسب لمرتكزاتهم الحمل على الخطر

[ 397 ]

من جهة احتمال فوات أصل المال كما في المقام لا ما يشمل فوات مرتبة منه ولا سيما بملاحظة لزوم كثرة التخصيص لو حمل على ذلك فان مالا يكال ولا يوزن عادة كالزرع والثمر على الشجر والحيوانات المقصود لحمها وغير ذلك مما لا اشكال ظاهرا في جواز بيعها جزافا مع حصول الخطر فيه في مراتب المالية لا أقل من الاجمال الموجب لسقوطه عن الاستدلال على ذلك، وكأنه لذلك فسره اللغويون ببيع السمك في الماء ونحوه، لا بمثل بيع المكيل أو الموزون بلا كيل أو وزن فلاحظ ثم ان الفرق بين بيع السمك في الماء وبيع المريض والهرم أن الموت في المريض والهرم تلف طارئ على المال واحتماله موجود في أكثر الاموال بخلاف السمك في الماء فانه غير معلوم الحصول من أصله فالحديث لا يدل على المنع من بيع المريض والهرم فتأمل جيدا، وقد يستدل على هذا الشرط بما اشتهر عن النبي " ص " انه قال لحكيم بن حزام، لاتبع ما ليس عندك، فان الجمود على التعبير وان كان يقتضي الحمل على بيع ما لم يكن حاضرا عنده كالغائب والسلف لكن الاجماع على الجواز فيهما يمنع عنه كما يمنع عن حمله على ما لم يكن ملكا له إذ لو كان المراد ذلك كان الاولى ذكر لام الملك ويمنع عن حمله على مالا يقدر على تسليمه تمسك الفقهاء به على عدم جواز بيع مال غيره لنفسه ثم شرائه من مالكه ولو مع سلطنته على التسليم لكونه وكيلا في بيعه على نفسه فان السلطنة على التسليم حاصلة بالقدرة على مقدمته وهو البيع من نفسه المأذون فيه، فيتعين أن يكون المراد السلطنة الفعلية التي تتوقف على الملك وعلى كونه في يده حتى كانه عنده وان كان غائبا عنه نظير ما ورد في اشتراط الزكاة بالقدرة على التصرف المعبر في بعضه بقوله: في يده، وفى اخر بكونه عنده لكن قد يشكل ذلك بأنه انما يتم لو كان المخاطب بالنهي عاما مثل أن يقال: لا يجوز أن يبيع أحد ما ليس عنده، أما لو كان خاصا - كما في المقام - كان مجملا لجواز أن يكون مورد الخطاب محفوفا بقرينة تقتضي غير ذلك، بل قيل: ان المخاطب - وهو حكيم بن حزام - كان دلالا، ومن المعلوم أن المتعارف بين الدلالين أن اصحاب الاموال يأتونهم

[ 398 ]

بالاموال فيبيعونها لاهلها لا لانفسهم فيكون (ص) قد نهاه عن بيع المال المأذون في بيعه إذا لم يكن حاظرا عنده، ولعله لان بيعه بالوصف ربما يؤدي الى النزاع في اشتراط الوصف أو في ثبوته في العين فيكون في بيع ما ليس عنده تعريض للوقوع في الحزازات وان تعين حينئذ حمل النهي على الكراهة اجماعا، ولاجل ذلك يشكل أيضا الاستدلال به على المنع عن بيع العين الشخصية ثم شرائها من مالكها، واستدلال العلماء به على ذلك ان علم أنه لقرينة حافة بالكلام تعين البناء على اجماله ايضا لعدم معرفة مقدار دلالتها، فكان الاولى الاستدلال في المقام برواية سليمان بن صالح وصححها في الجواهر عن ابي عبد الله " ع ": نهى رسول الله " ص " عن سلف، وبيع، وعن بيعين في بيع، وعن بيع ما ليس عندك، وعن ربح ما لم يضمن، فان حكاية النهي دليل العموم، لكن قد يشكل أيضا بأن المصرح به في جملة من النصوص جواز بيع ما ليس عند البائع تبكيتا على المخالفين الذين اشتهر عندهم المنع عنه والنقض عليهم ببيع السلف، (والمتحصل) من ملاحظة اكثر النصوص الواردة في الباب هو المنع من بيع ما ليس عنده من مال الغير ثم شرائه وتسليمه الى المشتري، ففي صحيح منصور عن ابي عبد الله " ع " في رجل أمر رجلا يشتري له متاعا فيشتريه منه قال " ع ": لا بأس بذلك انما البيع بعد ما يشتريه، ونحوه غيره، ولاجل ذلك يتعين حمل النهي عن بيع ما ليس عنده على ذلك، وان كان يظهر من جملة أخرى المنع عن بيع الذمي حالا إذا لم يكن له فرد عنده، ففي صحيح ابن سنان عن ابي عبد الله (ع): لا بأس بأن يبيع الرجل المتاع ليس عندك تساومه ثم تشتري له نحو الذي طلب ثم توجبه على نفسك ثم تبيعه منه بعد، ونحوه غيره ولعل الجمع العرفي يقتضي حملها على صورة بيع الشخصي (وبالجملة) النصوص الواردة في هذا الباب مختلفة المفاد في المنع والجواز والعموم للشخصي والذمي والاختصاص باحدهما والجمع بينهما لا يخلو من صعوبة، فكيف يمكن الاستدلال بها على ما نحن فيه ولذلك قال في الوسائل: المراد - يعنى من رواية سليمان بن صالح المتقدمة -

[ 399 ]

أنه لا يجوز أن يبيع شيئا معينا ليس عنده قبل أن يملكه ويجوز أن يبيع أمرا كليا موصوفا في الذمة، ويحتمل الكراهة والنسخ والتقية في الرواية لما مضى ويأتي انتهى، وان شئت قلت: ظاهر الرواية المنع عن بيع ما لم يكن حاضرا عنده فإذا امتنع الاخذ بهذا الظاهر فليس التصرف بالموضوع بحمله على ما ذكر أولى من التصرف في الحكم بالحمل على الكراهة، بل الثاني أقرب - مع أن حمل الكلام على السلطنة الفعلية على التصرف بحيث لا يكون موقوفا على مقدمة مقدورة مما لا يمكن الالتزام به لندرة الفرض - مضافا الى أن تمسك الخاصة على عدم جواز بيع العين الشخصية المملوكة لم يثبت كونه بهذا الحديث بل الظاهر انه كان بالنصوص الصحيحة الصريحة التي اشرنا إليها (وأما) تمسك العامة به فقد عرفت ان الذي يظهر من نصوصنا أنه كان استدلالهم به على جواز بيع ما لم يكن حاضرا سواء أكان شخصيا أم ذميا فلاحظ وتأمل. هذا وأما الايراد على الاستدلال بالحديث بأن غاية مدلوله عدم ترتب الاثر على بيع ما ليس عنده ولا يدل على عدمه مطلقا ولو صار بعد ذلك عنده لان الحكم المترتب على عنوان إنما يدل على ثبوته مادام العنوان لا مطلقا فلا مانع من الرجوع الى عمومات الصحة إذا صار المبيع عنده، ولو سلم فلا أقل من وجوب حمله على ما ذكر لئلا يلزم تخصيصه في بيع الرهن، وبيع ما يملكه بعد البيع، وبيع العبد الجاني، وبيع المحجور عليه لرق أو فلس، فان العجز عن التسليم في هذه الموارد حاصل مع البناء على الصحة، فيشكل (أولا) بأن اطلاق عدم نفوذ بيع ما ليس عند البائع يقتضي عدم نفوذه وان صار بعد ذلك عنده، وقاعدة أن الحكم الثابت لعنوان مستمر لا يثبت مع ارتفاع العنوان مسلمة لكنها إنما تقتضي فيما نحن فيه قصور حكم ما لا يقدر على تسليمه وهو عدم جواز بيعه فلا يشمل حال القدرة على التسليم لو تبدل عنوانه لا قصور حكم البيع فانه ليس عنوانا مستمرا بل هوآني فإذا دل على عدم نفوذه الدليل كان اللازم التمسك باطلاقه دائما، ومثله ما لودل الدليل على عدم جواز بيع الخمر فان حكم الخمر وهو عدم جواز البيع لا يثبت له لو انقلب خلا لكن لو بيع الخمر فعدم النفوذ الثابت

[ 400 ]

لبيعه يثبت دائما وان انقلب خلا فانه مقتضى الاطلاق وهكذا الحكم في نطائره الا أن تقوم القرينة على خلافه ولو كانت مناسبة الحكم وموضوعه (وثانيا) بأن التسليم الذي تجب القدرة عليه في صحة البيع هو التسليم المستحق والقدرة على مثله حاصلة في الموارد المذكورة فان بيع الرهن إذا كانت صحته موقوفة على اجازة المرتهن كان تسليم المبيع مستحقا حينئذ لا قبلها وكذا الحال في بقية الامثلة وكأن ذكر بيع الجاني عمدافى المقام بناء على عدم جواز تصرف المولى فيه والا فقد تقدم ان التحقيق نفوذ بيعه وجواز تسليمه بدون اذن المجني عليه (وثالثا) بأن أصالة عدم التخصيص إنما تكون حجة مع الشك في حكم الخاص أما مع العلم به كما في الامثلة المذكورة فاصالة عدم التخصيص ليست بحجة ولا توجب حمل الدليل على ما لا يلزم من حمله عليه تخصيص (ورابعا) انك عرفت الاشكال في اعتبار القدرة بالمعنى المقابل للعجز الناشئ عن قصور في العاقد فيشكل لذلك ذكر موارد الحجر فيما نحن فيه فتأمل جيدا، وقد يستدل على ما نحن فيه بان لازم العقد وجوب التسليم فيجب أن يكون مقدورا لامتناع التكليف مع العجز، واجيب بأنه إن اريد ان لازم العقد وجوب التسليم مطلقا منعنا الملازمة وان اريد وجوبه في الجملة فلا ينافي كونه مشروطا بالتمكن كما لو تجدد العجز، واعترض عليه في الجواهر باصالة عدم تقييد الوجوب ثم دفعه بمعارضته باصالة عدم تقييد البيع بهذا الشرط (وفيه) أنه ان اريد باصالة عدم تقييد الوجوب الاصل العملي فلا أصل له، وإن أريد اطلاق دليل الوجوب فهو مسلم لكنه مقيد عقلا بالتمكن، ولو سلم فاصالة عدم تقييد البيع به لا مجال له لان الاطلاق المذكور حاكم عليه، ومثله في الاشكال ما قيل من ان الغرض من البيع الانتفاع بالعوض وهر لا يتم الا بالتسليم " إذ فيه " ان المقصود ان كان الاستدلال في صورة العلم بالعجز فيمتنع ان يكون الغرض ذلك لامتناعه حسب الفرض، وان كان في صورة اعتقاد القدرة أو احتمالها فلو سلم أنه الغرض فتخلفه لا يستوجب الفساد، وقد اشتهر أن تخلف الغرض لا يوجب بطلان العقد - مع أن كون الغرض الانتفاع

[ 401 ]

المترتب على التسليم غير ظاهر، ومثله الاستدلال بأن بذل الثمن على مالا يقدر على تسليمه سفه وأكله أكل للمال بالباطل " إذ فيه " مع أنه لايتم فيما لو كان الثمن غير مقدور على تسليمه المنع من كونه سفها كلية لجواز أن يكون الغرض بذله للمسلمين واباحته لهم، ولو كان مع رجاء حصوله في يده فالامر أوضح ولاسيما مع كونه مالا كثيرا والمبذول قليلا. هذا والذي يظهر من عبارات الاصحاب ومعاقد الاجماع ان القدرة على التسليم شرط في صحة البيع، ومال في الجواهر الى أن مرادهم ان العجز مانع لان القدرة شرط وجعل الثمرة في ذلك جواز البيع مع الشك على الثاني لاصالة عدم المانع وعدمه على الاول لاصالة عدم الشرط، واستشهد على ذلك بوقوع الخلاف منهم في صحة بيع الضال والضالة والحيوان الممتنع كالجمل الشارد؟ والفرس الغائر فانه لو كانت القدرة شرطا عندهم تعين بناؤهم على البطلان لعدم العلم بها فليس ذلك الا لبنائهم على مانعية العجز ليمكن البناء على الصحة مع الشك لما عرفت " وفيه " (أولا) ان المانع هو الامر الوجودي الذي يلزم من وجوده العدم، والعجز أمر عدمي فانه عبارة عن عدم القدرة عما من شأنه أن يكون قادرا فالتقابل بينه وبين القدرة تقابل العدم الملكة والعدم لا يكون مانعا (وثانيا) انه لو سلم ذلك فالمرجع عند الشك فيه استصحاب الحال السابقة فان كانت القدرة عمل عليها وان كانت العجز عمل عليه، ولا اصل لاصالة عدم المانع إذا لم ترجع الى الاستصحاب كما حقق في محله (وثالثا) لو سلم ذلك اختص بالمانع الوجودي لا العدمي إذ مبنى الاصل المذكور أولوية العدم بالممكن من الوجود فإذا كان المانع عدميا كان مقتضى ذلك ثبوته لا عدمه، (ورابعا) أن ما ذكره من الاختلاف في الموارد المذكورة لا يصلح شاهدا على ما ذكر (اولا) من أجل أنه لو كان مرادهم ما ذكر تعين بناؤهم على الصحة للشك ولا وجه لهذه الاقوال المحكية (وثانيا) أن لازم ما ذكره القول بالبطلان على تقدير انكشاف العجز لان الحكم بالصحة اعتمادا على اصالة عدم المانع ظاهري (وثالثا) ان الذي يظهر من كلمات القائلين بالصحة ان الوجه

[ 402 ]

فيه عندهم التشكيك في صدق الغرر عرفا أو التشكيك في عموم حكمه فيرجع الى عمومات الصحة وسيأتي في بيع الابق التعرض لذلك فانتظر. ثم ان العبرة في الشرط المذكور انما هو زمان استحقاق التسليم فانه المستفاد من الادلة المتقدمة ويترتب على ذلك عدم اعتبارها مع كون العين في يد المشتري إذ لا معنى لاستحقاقه التسليم! حينئذ، وكذا لو كان المبيع ينعتق على المشتري فانه لخروجه عن ملكه وصيرورته حرا لا يكون مما يستحق تسليمه، وكذا في بيع السلف ونحوه مما كان التسليم فيه مؤجلا فانه لا يقدح فقدها قبل الاجل لعدم كونه زمان التسليم المستحق، وكذا الكلام في عقد الفضولي ونحوه مما يتوقف على اجازة غير العاقد فان عدم القدرة غير قادح قبل الاجازة لعدم تمامية السبب الموجب لاستحقاق التسليم - مع أن الاشكال فيه يختص بصورة عجز المالك عن التسليم إذ لو كان قادرا عليه حين العقد كان الشرط حاصلا وان كان العاقد عاجزا عنه، لان الشرط قدرة من يجب عليه التسليم والوفاء بالعقد وهو المالك. هذا وقد يستشكل في الفضولي بناء على القول بالكشف لتحقق الملك من حين العقد مع عدم القدرة على التسليم، ويدفع بعدم ثبوت الاستحقاق للتسليم بمجرد الملك، بل لا بد فيه من الاجازة " وفيه " أنه خلاف قاعدة السلطنة " فالاولى " دفعه بما عرفت من أن عجز العاقد غير قادح وانما القادح عجز المالك وهو غير المفروض، ولو سلم اعتبار قدرة العاقد فبناء على الملك بضميمة مادل على استحقاق المالك لاخذ ملكه جواز تسليمه إليه ومنع ذلك قبل الاجازة تفكيك بين الحق وحكمه كما هو مبنى الاشكال من دون وجه ظاهر كالتفكيك بين الملك واستحقاق التسليم كما هو مبنى الدفع فلاحظ وتأمل ولو لم يقدر المشتري على تسليم الثمن في السلم لم يقدح ذلك في صحة العقد لو اتفق حصوله لانتفاء الملك قبله فلا عجز عن التسليم المستحق، والنهي عن بيع الغرر لا مجال لتطبيقه الا في الغرر الحاصل في البيع الصحيح لولا الغرر فلا يشمل الغرر في القبض الذي هو شرط الصحة فيكون دليل اعتبار القبض حاكما على دليل النهي عن بيع الغرر فالقبض في الصرف والسلم نظير الاجازة في عقد الفضولي كلاهما دخيل

[ 403 ]

في استحقاق التسليم والعجز عنه لا يستوجب صدق الغرر القادح في الصحة، والغرر في البيع العرفي ليس قادحا لعدم عموم النهي المتقدم له حينئذ ووجوب التسليم بمجرد العقد في السلم لو تم الدليل عليه فهو حكم تعبدي لاعن استحقاق التسليم إذ هو خلاف أدلة شرطية القبض. نعم لازم ما ذكرنا جواز الجهل بالعوضين في الفضولي إذا علم بهما حال الاجازة ولا بأس بالالتزام به الا ان يقوم الدليل على خلافه وكذلك الكلام في الصرف والسلم. ثم ان مقتضى اطلاق معاقد الاجماع بل صريح بعضها اعتبار القدرة حتى مع العلم بالحال فما عن الفاضل القطيفي من الحكم بالصحة مع العلم غير ظاهر لا سيما بناء على التمسك بحديث النهي عن بيع الغرر، بناء على أن المراد به الجهل ولو بالحصول فان العلم بالعجز لا يرفع الجهل المذكور، ولو كان المشتري قادرا على التسليم فعن جماعة صحة العقد لعموم الصحة وظهور معاقد الاجماع في غيره، لا أقل من عدم ظهورها فيه، ولقصور النهي عن الغرر لانتفاء الغرر حينئذ. هذا ومتقضى ظاهر كلماتهم ومعاقد اجماعهم ان المدار في الصحة وعدمها على القدرة الواقعية فمعها يصح العقد وان جهلت ومع انتفائها يبطل وان اعتقد حصولها، لكن مقتضى حديث نفي الغرر - بناء على التمسك به - أن المدار على العلم بحصولها ولا يكفي وجودها الواقعي في الصحة ما لم يعلم لصدق الغرر حينئذ سواء اريد منه الجهل أو الخطر. نعم لو اعتقد حصول القدرة فانكشف عدمها وكان ذلك موجبا لانتفاء المالية رأسا تعين البطلان لانتفاء المالية، والظاهر كفاية الوثوق بها في انتفاء الغرر عرفا فلو اعتاد الطائر العود صح بيعه كما عن الفاضلين والشهيدين والمحقق الثاني وغيرهم وفى الجواهر: لم أعرف مصرحا بالمنع، واحتمال العدم لعدم الوثوق بالعود إذ ليس للطائر عقل باعث عليه كما عن نهاية الاحكام ضعيف إذ العادة كالعقل بل ربما تكون أقوى في الحيوان منه في غيره، ولو كانت القدرة معلومة الحصول بعد زمان الاستحقاق بمدة فان كانت المدة يسيرة يتسامح بها فلا ينبغي الاشكال في الصحة لقصور معاقد الاجماع وكذا النهي عن الغرر ولو كانت طويله مقبوطة لا يتسامح بها كسنة أو اكثر ففي الصحة وعدمها قولان اختار

[ 404 ]

اولهما في الشرائع وتبعه عليه جماعة ويقتضيه اطلاق الادلة من دون مقيد ظاهر إذ الاجماع على خلافه غير واضح بل منتف مع خلاف الجماعة المانع من حجية اطلاق المحكي منه ولا غرر مع العلم بالحال، وما تقدم من اعتبارها في زمان الاستحقاق يراد منه ما يقابل وجودها قبله. نعم لا يبعد حينئذ ثبوت الخيار مع الجهل للنقص من غير اقدام عليه ولو كانت المدة غير مضبوطة كالعبد المسافر لحاجة لا يعلم زمان انقضائها ففي صحة البيع اشكال واستظهر في الجواهر الجواز للعموم المؤيد باطلاق الفتوى بجواز بيع ما لم يمكن تسليمه الا بعد مدة حيث لم يشترطوا انضباط المدة وكلامهم في جواز بيع الغائب والوديعة والعارية والمغصوب والابق والسمك كالنص في ذلك ضرورة عدم انضباط المدة في ذلك ولا غرر بعد امكان التسليم، وفوات المنفعة مدة التعذر ليس من الغرر في البيع، وانما هو غرر في غيره، ويشكل بأن اطلاق الفتوى بالجواز غير ناظر الى هذه الجهة بل ناظر الى مجرد جواز البيع في مقابل عدمه وكذا اطلاقهم جواز بيع الغائب ونحوه، ولذا حكموا بعدم جواز بيع مسكن المطلقة المعتدة بالاقراء لجهالة وقت التسليم، ولا فرق بين الجهل بالحصول والجهل بزمان الحصول في صدق الغرر في البيع. نعم تقدم في بيع الوقف رواية الحسين بن نعيم المتضمنة لجواز بيع الدار المجعول سكناها لرجل ولعقبه من بعده، لكن التعدي عن موردها الى المقام غير ظاهر إذا كان مقتضى القواعد العامة المنع الا ان يستشكل في عموم النهي عن الغرر على نحو يشمل المقام كما عرفت في صدر المبحث والاجماع والنصوص الدالة على اعتبار العلم بالعوضين غير ظاهر فيما نحن فيه وسيأتي في مبحث اعتبار العلم ماله نفع في المقام انشاء الله تعالى. هذا ولا اشكال في اعتبار قدرة العاقد إذا كان مالكا كما لا اشكال في عدم الاعتبار بقدرته إذا كان وكيلا في مجرد اجراء الصيغة كما لا اعتبار بعلمه بالعوضين الذي هو شرط في صحة البيع، أما لو كان وكيلا في المعاملة وشئونها نظير عامل المضاربة فلا اشكال في كفاية قدرته وان كان المالك عاجزا عن التسليم، بل الظاهر كفاية قدرة موكله ايضا لعدم الدليل على اعتبار اكثر

[ 405 ]

من ذلك فبناء على اعتبار العلم بالقدرة يكفي العلم بقدرة احدهما اما العاقد أو للموكل ولا يحتاج في الاكتفاء بقدرة الموكل الى رضاه برجوع المشتري إليه ولا رضا المشتري بالرجوع إليه وان كان يظهر من الجواهر حكايته عن بعض إذ لا موجب له بعد ما عرفت من عدم الدليل على تقييد عموم الصحة بذلك ومنه يظهر ضعف دعوى البطلان في الفضولي لفقد الشرط المذكور مضافا الى ان تفريع البطلان في الفضولي على ذلك غير ظاهر إذ الفضولي ليس من قبيل الوكيل ومثلها في الاشكال الاعتراض عليها بانه قد يحصل الوثوق للفضولي بارضاء المالك فيتحقق له القدرة على التسليم حال العقد، إذ فيه ما عرفت في تقريب الاستدلال بقوله (ص): لاتبع ما ليس عندك، من أن المراد من القدرة القدرة الفعلية التي لا تحصل بالقدرة على ارضاء المالك، ومثل الاعتراض المذكور في الاشكال دفعه بان الفرض يخرج الفضولي عن كونه فضوليا لمصاحبة الاذن للبيع غايته حصولها بالفحوى، إذ فيه ما عرفت في مبحث الفضولي من أن الاذن التقديرية غير كافية في صحة العقد مع أن القدرة على ارضاء المالك لا تستوجب الاذن بالفحوى وشاهد الحال فلاحظ وتأمل. بيع الابق منفردا (مسألة) المشهور بين الاصحاب بل المحكي عليه الاجماع صريحا وظاهرا كما عن جماعة انه لا يجوز بيع الابق منفردا ويقتضيه مضافا الى هذه الاجماعات وما تقدم آنفا منها صحيحة النخاس الاتية فان قوله (ع) فيها: لا يصلح، وان لم يكن ظاهرا في المنع لكن قوله (ع) في ذيلها: فان ذلك جائز، قرينة على ارادة نفي الجواز من قوله (ع): لا يصلح، مضافا الى حديث النهي عن بيع الغرر - على ما عرفت من تقريب الاستدلال به - وكما لا يجوز جعل الابق منفردا مثمنا لا يجوز جعله ثمنا لعدم الفرق بينهما في معاقد الاجماع هنا وفي اعتبار القدرة على

[ 406 ]

التسليم، وفى صدق الغرر، وذكر المثمن في كلامهم من باب المثال لاشتراك مناط المنع عندهم والتردد من بعضهم في الثمن مبني على عدم وضوح المناط عنده، وإن كان الظاهر ما ذكرنا كما قربه المتردد وهل يلحق الصلح بالبيع في ذلك اولا لعدم ظهور المناط المطرد فيه ومعاقد الاجماع قاصرة عن شموله وللاشكال في اقتضاء النهي عن بيع الغرر للمنع لتوقفه على الغاء خصوصية مورده وهو غير ظاهر، وما دار على ألسنة اكثر الاصحاب من نفي الغرر على نحو يستدلون به في غير المعاوضات كالوكالة فضلا عن المعاوضات كالاجارة والمزارعة والمساقاة والجعالة مما لم يتضح له اصل يعتمد وما يرسل في كلمات بعض عن النبي " ص " أنه نهى عن الغرر، فالظاهر ان المراد به ما سبق من النهي عن بيع الغرر والا فمن البعيد جدا صدور النهي عن الغرر في كل شئ حتى لو كان المراد به الخديعة ضرورة جوازها في كثير من الموارد بل رجحانها في بعضها كما لا يخفى، فالقول بعدم اعتبار القدرة على التسليم في الصلح كما عن المسالك في مسألة رهن مالا يقدر على تسليمه غير بعيد عملا بالعموم الدال على جوازه ومنه يظهر ضعف القول باعتبارها فيه مطلقا أو فيما لم يكن مبنيا على المسامحة نعم لو بني على التمسك في البيع برواية ابن مسعود كان المنع في الصلح المتضمن للمعاوضة في محله، لعموم التعليل الذي لا يطرد في الصلح الذي لا يتضمن معاوضة مثل ان يقول: صالحتك على أن يكون هذا لك وذلك لي فلاحظ

[ 407 ]

بيع الضال والمجحود والمغصوب هذا ومقتضى الاجماع على اعتبار القدرة على التسليم والنهي عن بيع الغرر عدم جواز بيع الضال والمجحود والمغصوب كما عن جماعة، وكأن القول بجواز بيعه مراعى بالتسليم فلو تعذر تخير المشتري كما عن اللمعة مبني على التوقف في عموم معقد الاجماع لذلك وانتفاء الغرر بالخيار ولكن التشكيك في عموم الاجماع غير ظاهر والخيار لو اقتضته القواعد لا يصلح لرفع الغرر بمعنى الجهل في البيع نعم يرفع الغرر بمعنى الخطر لتدارك الضرر به لكن ادلة النهي عن بيع الغرر مقتضاها فساد البيع الخطري مع قطع النظر عن الحكم الشرعي إذ ثبوت الحكم فرع ثبوت موضوعه فلا يثبت الخيار الا في فرض صحة البيع في نفسه فلو كان البيع الخطري فاسدا امتنع ثبوت الخيار وكذا الحال في حكم الشارع بضمان المبيع على البائع قبل القبض، أو بعدم وجوب تسليم الثمن فانهما ايضا لا يخرجان المورد عن الغرر القادح في الصحة سواء أكان المراد به الجهل أم الخطر، لتفرعهما على صحة البيع نعم لو كان الضمان أو الخيار مجعولين للمشتري بجعل التعاقدين خرج البيع عن كونه خطريا فلو كان المستند في المنع عن بيع الابق حديث النهي عن بيع الغرر، وفسر بالخطر كان القول بصحة بيع الابق إذا كان مضمونا على البائع كما عن الاسكافي والعلامة في المختلف في محله، وكذا لو كان المستند في المنع عن بيع الابق مختصا بالنصوص فان للقول بالجواز في الفرض وجها لامكان دعوى انصرافها عنه.

[ 408 ]

بيع الابق مع الضميمة (مسألة) لا اشكال ظاهرا في جواز بيع الابق مع الضميمة في الجملة، وعن المختلف نفي الخلاف فيه، ويقتضيه صحيحة رفاعة النخاس قلت لابي الحسن (ع): أيصلح لي أن اشتري من القوم الجارية الابقة وأعطيهم الثمن وأطلبها أنا؟ قال (ع): لا يصلح شراؤها إلا أن تشتري منهم معها ثوبا أو متاعا فتقول لهم: اشتري منكم جاريتكم فلانة وهذا المتاع بكذا وكذا درهما فان ذلك جائز، وموثق سماعة عن ابي عبد الله في الرجل يشتري العبد وهو آبق عن أهله قال (ع): لا يصلح الا أن يشتري معه شيئا آخر فيقول أشتري منك هذا الشئ وعبدك بكذا وكذا درهما، فان لم يقدر على العبد كان الذي نقده فيما اشترى معه وظاهر الطلب المذكور في سؤال الاولى وقوله (ع) في الثانية: فان لم يقدر... الخ الاختصاص بصورة رجاء الوجدان، بل قيل انه ايضا من معاقد الاجماعات المنقولة فالمياوس من الظفر به لا يجوز بيعه ولو مع الضميمة للغرر بناء على ما عرفت، كما أن الظاهر من التعليل في الثانية الاختصاص بصورة كون الضميمة مما يجوز بيعه منفردا فلا يجوز كونها مما لا يقدر على تسليمه ثم إن ظاهر النص والفتوى كون الشراء واقعا على الابق والضميمة، ومقتضى قاعدة أن التلف قبل القبض في ملك البائع، أنه لو صار العبد مأيوسا من الظفر به يوزع الثمن عليه وعلى الضميمة، بناء على شمول القاعدة له كما هو ظاهر دليلها الوارد في سرقة المبيع، لكن ظاهر قوله (ع) في الموثقة: فان لم يقدر... الخ عدم الرجوع على البائع فيما يقابل العبد من الثمن، بل لعل ظاهره أن وقوع الشراء على الابق مراعى بالظفر به فان لم يقدر عليه كان على الضميمة لاغير كما عن ظاهر كشف الرموز إذ لو كان المراد انقلاب المعاملة كان المناسب التعبير بقوله (ع): صار الذي... الخ اللهم الا ان يحمل على ذلك بقرينة ظهور الصدر في وقوع الشراء منجزا على المجموع لا معلقا على الظفر

[ 409 ]

بالابق، بل الصحيحه كالصريحة في ذلك، فالوجه حينئذ حمل قوله (ع): كان الذي.. الخ على معنى الانقلاب بعد التعذر، ولو مات العبد فلم يقدر عليه لذلك لم ببعد إجراء القاعدة لخروج الفرض عن ظاهر النص أو منصرفه، ولو تلفت الضميمة قبل القبض، فان كان بعد قبض الابق كان تلفها على البائع فيرجع المشتري بما قابلها من الثمن، وان كان قبله لم يبعد انفساخ البيع حتى بالاضافة الى الابق لظهور النصوص في عدم الفرق في عدم صلاحية الابق للبيع بين الحدوث والبقاء، ومثله لو فسخ البيع في الضميمة لخيار ونحوه، وأوضح منه مالو عقد على الضميمة فضولا فلم يجز المالك منها وأجاز في الابق، ولو وجد في الابق عيبا بعد القدرة عليه أو قبلها جرى عليه حكم العيب من الرجوع بالارش نعم لو كان ذلك بعد تعذر الادراك فليس له ذلك لانقلاب المعاملة وخروج العبد عن بعض المبيع كما عرفت فلا مجال حينئذ الرجوع بارش عيبه العلم بقدر الثمنه؟ (مسألة) المعروف اشتراط العلم بقدر الثمن فلا يجوز البيع بحكم احدهما إجماعا صريحا وظاهرا حكاه جماعة، ويقتضيه مادل على نفي الغرر في البيع بناء على كون المراد منه الجهل أو الخطر ولو بلحاظ بعض مراتب المالية، أما لو اختص بالخطر على أصل المالية كما اشرنا الى وجهه آنفا فالاستدلال به على المقام غير ظاهر. هذا وفى صحيحة رفاعة سألت أبا عبد الله (ع) فقلت له: ساومت رجلا بجاربة فباعنيها بحكمي فقبضتها منه ثم بعثت إليه بالف درهم فقلت له هذه الالف درهم حكمي عليك فابى أن يقبضها مني وقد كنت مسستها قبل أن أبعث إليه بالف درهم فقال (ع): أرى أن تقوم الجارية بقيمة عادلة فان كانت قيمتها أكثر مما بعثت إليه كان عليك أن ترد ما نقص من القيمة، وان كانت قيمتها أقل مما بعثت إليه فهو له قلت له: أرأيت ان اصبت بها عيبا بعد أن مسستها؟ قال عليه السلام

[ 410 ]

ليس عليك أن تردها عليه ولك أن تأخذ ما بين الصحة والعيب. ولكنها لا تخلو من تدافع لانه لو صح البيع بحكم المشتري فلا وجه للتقويم بالقيمة العادلة ان كانت اكثر من حكمه، والانصراف الى القيمة السوقية يقتضي لزومها وان كانت اقل من حكمه، الا ان يدعى الانصراف إليها بمعنى عدم جواز حكمه باقل منها، لكنه خلاف الظاهر ولا سيما بملاحظة عمل رفاعة، وان بطل فلا وجه لمس الجارية، ولا الزام المشتري بالقيمة التي عينها، ولا الزام المالك بارش العيب فيتعين تأويلها ولعل الاقرب حملها على توكيل المشتري في البيع ويكون عدم قبول حكمه فيما لو كان أقل من القيمة السوقية لاجل الخيار من جهة الغبن أو الحيوان بناء على ثبوته للبائع وكيف كان فلا مجال للاخذ بظاهرها كما عن الحدائق بعد اعراض الاصحاب عنها، واضعف منه ما عن الاسكافي من تجويز قول البائع: بعتك بسعر ما بعت، ويكون للمشتري الخيار إذ فيه انه ان صح البيع فلا مقتضي للخيار وان بطل للغرر فلا يصححه الخيار لان الحكم لا يثبت موضوعه كما عرفت آنفا المكيل والموزومة (مسألة) العلم بالمثمن قدرا شرط أيضا في صحة البيع إجماعا صريحا وظاهرا حكاه جماعة، ويقتضيه حديث نفي الغرر في البيع على ما عرفت، واستدل له بصحيح الحلبي في رجل اشترى من رجل طعاما عدلا بكيل معلوم وان صاحبه قال للمشتري ابتع مني هذا العدل الاخر بغير كيل فان فيه مثل ما في الاخر الذي ابتعت قال (ع): لا يصلح الا بكيل، قال: وما كان من طعام سميت فيه كيلا فانه لا يصلح مجازفة هذا مما يكره من بيع الطعام، ويمكن الاشكال فيه بأن الاستدلال بالفقرة الاولى ينافيه مادل من النص والفتوى على جواز الاعتماذ على اخبار البائع عن المقدار - مع أن (لا يصلح)، أعم من المنع، والاستدلال بالفقرة الثانية يتوقف على كون قوله (ع): سميت فيه كيلا، بمعنى كونه مكيلا وهو غير ظاهر

[ 411 ]

بل المحتمل كون المراد منه شراءه بعنوان الكيل فلا يدل على وجوب الكيل كلية - مع أن لفظ الكراهة و: لا يصلح، أعم من الحرمة، وفيه أن اطلاق الكراهة ولا يصلح، ظاهر في المنع على ان المحكي عن الفقيه روايته: فلا يصح بيعه مجارفة، واما الظهور في عدم الاعتماد على اخبار البائع فلا بد من رفع اليد عنه بالحمل على كون الاخبار مبنيا على الحدس المتهم فيه البائع لاعلى الاختبار، ويناسبه عدم اخبار البائع بالكيل قبل كيل العدل الاول، فالعمدة في الاشكال منع ظهور: سميت فيه كيلا، في كونه مكيلا واجماله يسري الى الفقرة الاولى، فيشكل التمسك به من هذه الجهة، وبموثقة سماعة سألته عن شراء الطعام وما يكال ويوزن بغير كيل ولا وزن فقال (ع): أما ان تأتي رجلا في طعام قد كيل ووزن تشتري منه مرابحة فلا بأس ان اشتريته ولم تكله ولم تزنه إذا كان المشتري الاول قد أخذه بكيل أو وزن وقلت له عند البيع: إني اربحك كذا وكذا وقد رضيت بكيلك ووزنك فلا بأس، ودلالتها ظاهرة، وبرواية محمد بن حمران المتضمنة للمنع عن البيع بغير كيل إذا كان اشتراه كذلك اعتمادا على اخبار البائع، وبرواية ابي العطارد قلت: فاخرج الكر والكرين فيقول الرجل أعطنيه بكيلك فقال: إذا ائتمنك فلا بأس، ونحوها غيرها ثم ان القدر المستفاد من النصوص المذكورة اعتبار الكيل أو الوزن فيما يكال ويوزن سواء ألزم من تركهما غرر أم لا، كما ان مقتضى حديث النهي عن بيع الغرر مانعية الغرر سواء أكان العوض مما يكال أو يوزن أم لا فبين مقتضى الدليلين عموم من وجه، فمثل بيع الثمار على الاشجار و الزرع قائما والحيوان المقصود منه اللحم ونحوها باطل بمقتضى دليل النهي عن الغرر لحصول الغرر فيه لعدم العلم بمقداره حتى مع المشاهدة، ولا تقتضي النصوص بطلانه لعدم كون الامور المذكورة مما يدخلها الكيل أو الوزن عادة، كما أن بيع أحد المتساويين في القيمة بالاخر مع تساويهما في المقدار باطل بمقتضى النصوص إذا كانا مما يكال أو يوزن ولا يقتضي الحديث بطلانه، إذ لاخطر فيه على المال نعم لو كان الغرر بمعنى الجهل اقتضى النهى عنه البطلان في الفرض المذكور لفرض

[ 412 ]

الجهل بالمقدار، وأما فتاوى الاصحاب ومعاقد اجماعاتهم فمقتضاها يوافق مقتضى النصوص لكن قد يوهن ظهورها في ذلك استدلالهم بحديث النهي عن الغرر، وكيف كان فقد عرفت الاشكال في الاستدلال بالحديث في المقام وكذا برواية ابن مسعود فالعمدة هو النصوص ولو سلم امكان الاستدلال بحديث الغرر فلا منافاة بينه و بين النصوص لكونهما من قبيل المثبتين فالعمل باطلاقها متعين، والظاهر قصورها عن اثبات البطلان في التعليل الذي لم يتعارف وزنه كما لو دفع فلسا الى الدهان وأراد به دهنا لحاجة يكفيها اليسير منه، وكون جنسه من المكيل لا يقتضي اعتبار الكيل فيه مطلقا نظير الثمار التى تباع على الاشجار والزرع الذي يباع قائما والحطب الذى يباع في الاجام والحيوان الذي يباع للاكل وغير ذلك فان المدار على حاله حال البيع فإذا كان يختلف حاله من حيث كونه مكيلا أو موزونا في حال وليس كذلك في أخرى فالمدار في اعتبار احدهما على كونه في تلك الحال مما يدخل في المكيال أو الميزان، فان كان كذلك تعين كيله أو وزنه والا فلا حاجة إليه (واما) المسكوكات السلطانية فالظاهر أن ماليتها تابعة لاعتبار السلطان ولا دخل للمقدار فيها ولاجل ذلك لا حاجة الى معرفة وزنها لخروجها عن مورد النصوص المتقدمة، بل هي أولى بالخروج عنه من الثمار على الاشجار فان الثمار تختلف ماليتها باختلاف مقدارها وزنا أو كيلا وليس كذلك المسكوكات السلطانية فإذا جاز بيع الثمار بلا كيل أو وزن فاولى أن يجوز بيع المسكوكات كذلك فانها حينئذ أولى من الثمار في أن لا يكون من المكيل والموزون، ومن ذلك يشكل اجراء احكام الربا فيها كما اشار الى ذلك الاردبيلي في مجمع البرهان فتكون الدراهم بمنزلة الثوب الذي ورد النص بجواز بيعه بالغزل الذى هو من الموزون لاشتمال الثوب على خصوصية أوجبت خروجه عن ملاحظة الوزن في ماليته اللهم الا أن تكون من الموزون في عصر الشارع فتكون من هذه الجهة موردا للربا للاجماع على دخول الربا فيما كان موزونا في زمان الشارع وان صار غير موزون في الزمان اللاحق، والظاهر أنه لا خلاف في وجوب معرفة العدد في المعدود، وتشير إليه

[ 413 ]

صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله (ع) انه سئل عن الجوز لا نستطيع أن نعده فيكال بمكيال ثم يعد ما فيه ثم يكال ما بقي على حساب ذلك العدد قال (ع): لا بأس به، فانها وان لم تكن واردة في بيان وجوب العدد في الجوز لكنها ظاهرة في اعتقاد السائل ذلك فتقريره عليه حجة عليه، ومنها يظهر ضعف ما في مجمع البرهان من عدم الدليل على عدم جواز بيع المعدود إلا عدا، وأن الاصل والعمومات وحصول التراضي الذي هو العمدة في الدليل دليل قوي فاثبات خلافه مشكل. بيع المكيل وزنا وبالعكس (مسألة) اختلفوا في جواز بيع المكيل وزنا وبالعكس وعدمه على أقوال ثالثها التفصيل بين الاول فيجوز والثاني فلا، لان الوزن أصل الكيل وأضبط وإنما عدل إليه في المكيلات للتسهيل والذى ينبغي ان يقال: إن تقدير المبيع مثلا باحد التقديرين إذا كان المتعارف تقديره بالاخر تارة من حيث كونه طريقا الى التقدير المتعارف فيه، واخرى من حيث كونه أصلا في قباله، والاول تارة يكون التفاوت المحتمل مما يتسامح فيه وأخرى يكون مما لا يتسامح فيه، ولا ينبغي الاشكال في الجواز في الاول من دون فرق بين كيل الموزون ووزن المكيل فانه في الحقيقة تقدير بما يتعارف فيه، ويشهد به رواية عبد الملك بن عمرو قلت لابي عبد الله (ع): اشتري مائة راوية من زيت فاعترض راوية أو اثنين فازنهما ثم آخذ سائره على قدر ذلك قال (ع): لا بأس، واما الثاني فالجواز فيه لا يخلو من اشكال ما لم تثبت الطريقية شرعا كما ثبتت طريقية إخبار البائع بالكيل والا فمجرد الطريقية العرفية من جهة حصول الظن غير كاف في الخروج عن مقتضى النص المتقدم، واما كفاية أحد التقديرين عن الاخر أصلا فالمنسوب الى جماعة بل في الرياض نسبته الى المشهور كفاية الوزن في المكيل والنصوص المتقدمة

[ 414 ]

على خلافه، وكون الوزن أصل الكيل - لو سلم - لا يجدي في جواز الخروج عنها (ودعوى) أن التقدير بالوزن موجب للخروج عن البيع جزافا (ممنوعة) إذ معرفة وزن المبيع المكيل لا ترتبط بمعرفة مقداره الذي تدور المالية مداره وليس معرفة وزنه المتعارف في غيره الا كمعرفة وزنه غير المتعارف كثقل صخرة مجهولة المقدار كما لا يخفى، ومن ذلك يظهر الاشكال في جواز بيع الموزون بالكيل فانه لا يخرج عن كونه جزافا ولا فرق بينه وبين معرفة مقداره بكيل مجهول المقدار مثل مل ء اناء أو ظرف معين، فكما أن معرفة مقدار كيله بذلك لا يخرجه عن بيع الجزاف كذلك كيله بالمكاييل؟ المتعارفة في غيره هذا وفي الدروس: ولو أسلم في الكيل وزنا وبالعكس فالوجه الصحة لرواية وهب عن الصادق (ع)، انتهى. ومراده رواية وهب عن الصادق (ع): لا بأس بالسلف ما يوزن فيما يكال وما يكال فيما يوزن، لكن الظاهر من معنى الرواية إنما هو لا بأس بسلف المكيل في الموزون وبالعكس لاجواز تقدير المكيل بالوزن وبالعكس، واحتمل في مفتاح الكرامة أن يكون قوله: وزنا، في عبارة الدروس بمعنى الموزون فيوافق ظاهر الرواية لكنه يخالف ظاهر كلامه، وكيف كان فالرواية لا تصلح لاثبات ما هو ظاهر العبارة لقصورها سندا ودلالة كما في الرياض وغيرها، وأما المعدود فاستعمال الكيل أو الوزن فيه طريقا الى العدد لا اشكال فيه ظاهر إذ كان لا يحتمل الخطأ الا بمقدار يتسامح فيه وإلا أشكل ذلك، بل ظاهر التقييد بالتعذر في الشرائع وغيرها، بل المنسوب الى كثير عدم جوازه لفوات التقدير بالعدد نعم يجوز في حال الضرورة لما تقدم صحيح الحلبي، اذ الظاهر كون موردها من هذا القسم، ولاجل ذلك يشكل حمل التقييد في كلام السائل بعدم استطاعة العد على بيان سبب العدول عن العد لا لاجل اعتقاد عدم الجواز كي يكون عدم الردع تقريرا من الامام (ع) فما عن الروضة وفي المسالك من الجواز مطلقا ضعيف اللهم إلا أن يستند في الجواز مطلقا الى عموم الصحة إذ لا اجماع على المنع والتقييد في كلام السائل مجمل الوجه فلا تصلح الرواية لتخصيص

[ 415 ]

العموم واما استعمال الكيل اصلا فيشكل جوازه بل الظاهر عدمه لانه جزاف ولا يزيد على المشاهدة واما استعمال الوزن اصلا فيه فظاهر ما ذكروه في جواز اسلام المعدود وزنا جوازه عندهم ولا يخلو من اشكال لمخالفته ظاهر الرواية المتقدمة ولحديث النهي عن بيع الغرر بناء على صحة الاستدلال به على اعتبار العلم بقدر العوضين. اختلاف البلدان في الكيل والوزن (تنبيه) مقتضى الحديث المذكور أن لو اختلف البلدان في الاوزان والمكاييل كما في زماننا هذا وجب علم من لم يكن من اهل البلد أن يعرف مقدار نسبة الوزن والمكيال الى ما في بلده من الوزن والمكيال إذ لو لا ذلك كان غررا بل هو ظاهر المنع عن بيع المجازفة في صحيح الحلبي لان المكيال المتعارف إذا كان مجهول المقدار كغير المتعارف فتأمل، واما بقية النصوص فلا اطلاق فيها يقتضي جواز التقدير بكل كيبل أو وزن وان كان مجهول المقدار لانها في مقام اعتبار الكيل والوزن في مقابل تركهما، واما صحيح الحلبي، لا يصلح للرجل أن يبيع بصاع غير صاع المصر، فالظاهر منه المنع عن البيع بغير صاع المصر بتدليس أنه‌صاع المصر، كما صرح به في ذيل خبر محمد الحلبي فلا اطلاق له يدل على جواز البيع بصاع المصر وان جهل مقداره، فما عليه سيرة المسافرين من الشراء بوزن البلد الذي يحضرونه أو بكيله مع جهلهم بالمقدار لا يخلو من اشكال اللهم الا ان تكون سيرة معتدا بها في اثبات جواز ذلك أو ان يكون المراد بالمجازفة في الصحيح التخمين بلا وزن ولا كيل اصلا كما هو مورده ومع كونه متعارفا في البلد يشكل صدق الخطر معه، فيشكل لذلك تطبيق حديث النهي عن الغرر فلاحظ وتأمل.

[ 416 ]

المكيل والموزونة؟ في عهد الشارع (تذييل) قال في مجمع البرهان: ثم اعلم أنهم قالوا: المراد بالمكيل والموزون ما ثبت فيهما الكيل والوزن في زمانه " ص " وحكم الباقي في البلدان ما هو المتعارف فيهما فما كان مكيلا في بلد أو موزونا فيه يباع كذلك والافلا، ونحوه قال في الكفاية، وظاهره النسبة الى الاصحاب، وفي الحدائق نسبته الى تصريح الاصحاب، وكأن مأخذ هذه النسبة ما عن المبسوط من قوله: إذا كانت عادة الحجاز على عهده (ص) في شئ الكيل لم يجز الاكيلا في سائر البلاد، وما كانت فيه وزنا لم يجز فيه الا وزنا في سائر البلاد والمكيال مكيال أهل المدينة والميزان ميزان أهل مكة هذا كله بلا خلاف فان كان مما لا تعرف عادته فيه في عهده (ص) حمل على عادة البلد الذي فيه ذلك الشئ فما عرف بالكيل لا يباع الاكيلا وما كان العرف فيه الوزن لا يباع الا وزنا. انتهى. قال في مفتاح الكرامة - بعد حكاية ذلك عن المبسوط -: وذلك كله خيرة التذكرة ونهاية الاحكام والكتاب والمختلف وحواشي الشهيد والمسالك وغيرها وهو المنقول عن القاضي. انتهى. وكأنه يريد بالنقل عن القاضي مافى المختلف فانه بعد ما حكى عبارة المبسوط المتقدمة قال: وكذا قال ابن البراج وهو الاقرب. انتهى. ومن ذلك تعرف الاشكال فيما ذكره في الجواهر من قوله (ره): ودعوى الاجماع هنا على كون المدار على زمان النبي - صلى الله عليه وآله - على الوجه الذي عرفته غريبة فاني لم أجد ذلك في كلام أحد من الاساطين فضلا عن أن يكون اجماعا. نعم قد ذكروا ذلك بالنسبة الى حكم الربا كما تسمعه في محله لا انه كذلك ايضا بالنظر الى الجهالة والعلم والغرر وعدمه الذي من المعلوم عدم المدخلية لزمانه " ص " في رفع شئ من ذلك واثباته انتهى. وهذا هو العمدة في الاشكال عليه (وأما) الاشكال بان المقطوع به بعد التتبع أن الموضوع هنا وفي مسألة الربا واحد وهو المكيل والموزون قد حمل عليه

[ 417 ]

حكمان احدهما عدم صحة بيعه جزافا والاخر عدم صحة بيعه متفاضلا (ففيه) أن ذلك مسلم لولا ما ذكروه في باب الربا من أن الاعتبار بالمكيل والموزون ما كان في عصر النبي (ص) فان تعرضهم لذلك هناك وعدم تعرضهم له هنا يقتضى التفكيك بينهما في المراد، ومثله في الاشكال الاشكال بأن المذكور في كلام جماعة تصريحا وتلويحا أن من شرط الربا كون الكيل والوزن شرطا في صحة بيعه ومنهم المحقق في الشرائع فانه فرع على اعتبار الكيل والوزن في الربا عدم الربا في الماء معللا ذلك بعدم اشتراط الكيل والوزن في بيعه، وقد اعترف في الجواهر بذلك في شرح هذه المسألة حيث أورد على احتمال جريان الربا في الماء لانه لا يباع سلفا الا وزنا بقوله: وفيه أن الوزن في السلم للضبط لا لانه يعتبر في صحة بيعه ذلك فالاقوى عدم جريان الربا فيه الخ... وجه اندفاع الاشكال ان من الجائزان يكون مرادهم اعتبار الكيل أو الوزن في صحة بيعه في عهد الشارع لا مطلقا فلا منافاة بين كلامهم هذا وبين اعتبارهم الكيل والوزن في زمان الشارع. وهذا الاحتمال وان كان بعيدا عن ظاهر الكلام إلا أنه يمكن ارتكابه بقرينة عدم تعرضهم لذلك في المقام، فإذا العمدة الاشكال الاول من ظهور الاتفاق في كلام جماعة على أن المدار في التقدير المعتبر في صحة البيع التقدير المعروف في زمان الشارع فكيف يصح حينئذ استغراب دعوى الاجماع أو انكار وجوده في كلام أحد من الاساطين. نعم يوهن الاتفاق المذكور اعتبارهم العلم بالعوضين في البيع واعتبارهم للكيل في المكيل والوزن في الموزون والعد في المعدود لكونها طريقا الى العلم المذكور واستدلالهم على اعتباره بحديث النهي عن الغرر، والنصوص المتقدمة الظاهرة في اعتبار الكيل طريقا الى العلم فان ذلك كله لا يناسب اعتبار التقدير المتعارف في زمان الشارع بالخصوص تعبدا ولو مع حصول الغرر وعدم العلم بالمقدار كما لا يخفى، ولو اغمض النظر عن ذلك فلا دليل على ما ذكروه من أنه إذا لم يعلم تقديره في زمان الشارع يتعين التقدير بالمتعارف في البلدان في زمان البيع ولا يجوز التقدير المتعارف في بلد بالخصوص ومع اختلاف البلدان يتعين التقدير المتعارف في بلد البيع،

[ 418 ]

وتوجيه الاعتبار في التقدير بعادة الشارع بوجوب حمل اللفظ على المتعارف عند الشارع فيه أن الكلام ليس في مفهوم لفظ الكيل والوزن بل في مصداقه وظاهر الادلة المتقدمة الاعتبار بمصداقه في زمان لبيع كما يقتضيه ظاهر تعليق الحكم على العنوان مثل: المسافر يقصر، و: الحاضر يتم، و: صل خلف العادل و: اسأل؟ العالم، ونحوها، ومنه يظهر الاشكال في توجيه كون المرجع فيما لم بعلم عادة الشرع هي العادة العرفية بان الحقيقة العرفية هي المرجع عند انتفاء الشرعية كتوجيه كون المرجع عادة كل بلد إذا اختلفت البلدان بان العرف الخاص قائم مقام العام عند انتفائه فان ذلك في غير ما نحن فيه وان حكي عن جماعة من الاعاظم، ومن هنا يظهر موهن آخر للاجماع المحكي في كلام الجماعة، ولاجله يشكل الاعتماد عليه في الخروج عن ظاهر الادلة المتقدمة. ثم لو بني على الاعتماد عليه فقد يشكل الحكم في موارد (منها) مالو علم بالتقدير في عهد الشارع وتردد بين الكيل والوزن مثلا ومقتضى الادلة المتقدمة العمل بالمتعارف في مكان البيع فان كان كل منهما متعارفا تخير لعدم المرجح. نعم لو كان المورد داخلا في معقد الاجماع المتقدم بناء على شموله لصورة العلم الاجمالي كان مقتضاه الاحتياط بالتقدير بهما معا (ومنها) مالو علم أنه غير مقدر في عهد الشارع فقد يقال بعدم لزوم التقدير فيه عملا بالسيرة في زمان الشارع لكن لما كان من المحتمل ان يكون ترك التقدير لعدم الاعتداد بمالية ما به التفاوت على نحو يلزم الغرر من ترك التقدير لم يجز رفع اليد عن عموم أدلة الغرر ولو صار ما به التفاوت ذا مالية معتد بها في صدق الغرر - مضافا الى اطلاق ما دل على اعتبار التقدير من النصوص المتقدمة المقتصر في الخروج عنها على مورد الاجماع وهو غير ما نحن فيه وعدم دخول ما نحن فيه فيها لخروجه عن موضوعها في عهد الشارع لا يقتضي خروجه عنها بعد دخوله في موضوعها في العهد اللاحق. اللهم الا أن يكون الاجماع المتقدم قرينة على حمل النصوص على خلاف ظاهرها كما عرفته من الجماعة فحينئذ لا يمكن العمل بها في المقام ويكون المرجع الاطلاق المقتضي لعدم التقدير وكذا لو استمر عدم التقدير فيه (ومنها)

[ 419 ]

ما لو فرض كون الشئ في عهد الشارع مقدرا في بلد غير مقدر في بلد آخر فانه لا اشكال في الحكم في بلد التقدير، وأما بلد عدم التقدير فالكلام فيه هو الكلام فيما قبله (ومنها) مالو بيع في الصحراء والحكم فيه أنه مع اتفاق البلدان في التقدير وعدمه يجري عليه حكمها لصدق العنوان الوجودي والعدمي ومع الاختلاف في البلدان لا يجب فيه التقدير لعدم شمول النصوص لمثله حينئذ. نعم لو بني على صلاحية حديث النهي عن الغرر للاستدلال به على المقام كان هو المرجع فيجب فيه التقدير الرافع للغرر. فلاحظ وهو سبحانه ولي التوفيق. " مسألة " قال في محكي التذكرة: لو أخبر البائع بكيله ثم باعه بذلك الكيل صح عندنا، وعن الرياض انه لا خلاف في جواز الاعتماد في الكيل والوزن على اخبار البائع. انتهى. ويشهد له غير واحد من النصوص وما تقدم في صحيح الحلبي من المنع عن الاعتماد على اخبار البائع محمول على الاخبار عن الحدس كما عرفت، ومقتضى اطلاق النصوص عدم الفرق بين صورة عدالة البائع وغيرها. نعم لا يبعد انصرافها الى صورة سكون المشتري إلى الاخبار، ويقتضيه ما في خبر ابي العطارد المتقدم من قوله (ع): إذا ائتمنك فلا بأس، فلا يكفي مجرد الخبر ولو مع التهمة الموجبة لعدم كون الخبر طريقا عرفيا، اللهم الا أن يقال: إذا كان المستند في وجوب التقدير حديث النهي عن الغرر فهو لا يقتضيه لانتفاء الغر؟ ببناء المتعاملين على المقدار الخاص فان ذلك ليس بأدون من بيع العين الغائبة على أوصاف مذكورة في العقد. اللهم الا أن يقال بالفرق بين المقامين بان التعهد بالوصف تعهد بغير ما هو ركن المعاملة بخلاف المقام ولذا لو تبين القصان؟ كان التحقيق وجوب الرجوع ببعض الثمن لبطلان البيع في بعض المبيع لانتفاء موضوعه فلو كان مثل هذا التعهد موجبا لانتفاء الغرر لجاز بيع مالا يعلم وجوده ولو في المستقبل لحصول التعهد المعاملي فيه مثل ما نحن فيه فان تعهد البائع بكون المبيع عشرة مع احتمال كونه تسعة راجع الى تعهدين (أحدهما) التعهد بوجود العاشر المقابل

[ 420 ]

ببعض الثمن وهو تعهد بوجود المبيع، ولذا يستوجب التخلف فيه الرجوع ببعض الثمن (وثانيهما) تعهده بوجوده بلحاظ وصف الانضمام الى التسعة وهو زائد على التعهد المعاملي نظير التعهد بالوصف، ولذا يستوجب خيار تبعض الصفقة بالاضافة الى بيع التسعة فالتعهد الاول ليس زائدا على ما تقتضيه المعاملة فلو كان مثله كافيا في رفع الغرر كان اللازم جواز بيع مجهول الوجود رأسا وهو كما ترى - مضافا الى ما يأتي انشاء الله تعالى من الاشكال في ارتفاع الغرر بمجرد توصيف المبيع من حيث هو بل لا يبعد كون ارتفاعه باعتبار أن التوصيف راجع الى الاخبار عن الوصف لما اشتهر من أن الاوصاف قبل العلم بها أخبار فراجع. هذا ولو تبين الخلاف فاما أن يكون بالنقيصة أو بالزيادة. (ففي الاول) فهل يبنى على بطلان العقد أو على صحته فيتخير المشتري بين الفسخ والامضاء بتمام الثمن أو ببعض الثمن؟ (وجوه) أو أقوال أقواها الاخير إذ المقام من باب تبعض الصفقة الذي يكون الانشاء فيه بنحو تعدد المطلوب فلا يتم البطلان المبني على خروج الناقص عن موضوع المعاملة كما لا يتم البناء على الامضاء بتمام الثمن المبني على كون القدر من قبيل الوصف الملحوظ عنوانا للمبيع زائدا عليه لا طريقا إليه وهو خلاف المرتكز العرفي في التقدير المعتبر في صحة البيع. نعم ربما يكون كذلك إذا لم يكن معتبرا في الصحة مثل الدبس الذي هو من الموزون يباع مائة من؟ منه على أن يملا عشرة أصوع فتبين أنه مائة من ولا تملا عشرة أصوع، لكنه خارج عما نحن فيه و حكمه التخيير بين الفسخ والامضاء بتمام الثمن ولذا قد تكون الزيادة في القدر نقصا للوصف المعتبر فيه حين البيع مثل أن يتبين أنه يملا عشرين صاعا في المثال المذكور لرقته فان مثل هذه الزيادة تستوجب الخيار للمشتري لانها نقص وصف نظير مالو باعه ثوبا اذرعا معينة على أن يكون وزنه مائة مثقال فتبين أن وزنه مائتا مثقال لغلظته (وبالجملة): التقدير المعتبر في صحة البيع ما لوحظ طريقا الى كم المبيع فإذا فات فات بعض المبيع المقابل ببعض الثمن فيبطل البيع بالنسبة الى البعض المذكور ويبقى ثمنه للمشتري. نعم له الخيار في الباقي

[ 421 ]

لتخلف وصف الانضمام نظير باب تبعض الصفقة ومن ذلك يتعين حمل ما في القواعد من قوله " ره ": فان نقص أو زاد تخير المغبون، انتهى. على انه تخير المشتري مع النقيصة والبائع مع الزيادة، وتسميته مغبونا بلحاظ فوات شرطه لا أن الخيار خيار الغبن كما ذكر في مفتاح الكرامة وفرع عليه عدم الاعتبار بالتفاوت اليسير كما هو حكم الغبن في المالية فانه لا وجه له إذ قد لا يكون تفاوت بين الواجد للوصف والفاقد في المالية، ومثله في الاشكال ما عن بعض من تعليل ذلك بأن الخيار انما يثبت في تخلف الوصف إذا اشترط في متن العقد إذ فيه أن ذلك المقدار انما يقتضي عدم كونه من خيار تخلف الوصف ولا يثبت كونه خيار الغبن. هذا ومن ذلك تعرف حكم ما لو تبينت الزيادة فانه لا وجه ظاهر للبطلان فيه ولا للخيار للبائع بين الفسخ والامضاء بتمام الثمن بل يتعين رجوعه بالزيادة ويكون للمشتري الخيار للشركة بين المالين من دون اقدام منه عليها، وأما البائع فانه وان لزم من البيع الشركة في ماله وهو المقدار الزائد الا انها ليست شركة في موضوع البيع ومثله لا يستوجب الخيار، ومن ذلك تعرف ان ما تقدم عن القواعد من الخيار للمغبون المنطبق في الفرض على البائع مبني على ان الخيار من قبيل خيار تخلف الوصف اللازم للامضاء بتمام المثمن لا الامضاء ببعض المثمن كما قربناه والا فقد عرفت أن الخيار للمشتري فقط. ثم ان في حكم اخبار البائع سائر الطرق العرفية القائمة على مقدار العوضين فمعها يصح البيع ولو انكشفت الزيادة والنقيصة جرى ما تقدم من تبعض الصفقة وخيارها.

[ 422 ]

تنبيه ما ذكرنا كله إنما يجري مع قصد المعاوضة على المقدار بابعاضه مثل الصبرة المكيلة على أن يكون كل صاع منها بكذا أو السمن الموزون على أن يكون الرطل بكذا أما إذا اتفق تعلق الغرض بصرف الوجود بدون ملاحظة القدر وتطبيق ابعاض الثمن على ابعاض المثمن ففي وجوب الكيل والوزن فيه تأمل لاحتمال اختصاص نصوصهما بالصورة السابقة، نعم الظاهر عموم حديث النهي عن بيع الغررله كغيره، لكن عرفت الاشكال في الاستدلال بالحديث على امثال المقام وكيفكان فلو أخبر البائع بالكيل أو الوزن ارتفع الغرر وصح البيع فلو تبينت النقيصة أو الزيادة كان الخيار للمشتري أو البائع، ولم يجز الرجوع ببعض الثمن أو المثمن وما يظهر من شيخنا الاعظم ره في صدر هذه المسألة وفي صدر المسألة السابقة في توجيه صحيحة الحلبي من البطلان حينئذ غير ظاهر اذلا دليل على اعتبار ملاحظة تطبيق ابعاض الثمن على ابعاض المثمن من حيث القدرة في صحة البيع فلاحظ. بيع الثوب والارض مع المشاهدة (مسألة) قال في الشرائع: يجوز بيع الثوب والارض مع المشاهدة وإن لم يمسحا وإن مسحا كان أحوط لتفاوت الغرض في ذلك وتعذر ادراكه بالمشاهدة وان لم يمسحا، انتهى. وفى الجواهر نفى الخلاف المعتد فيه، وفي المسالك ان هذا الاحتياط ليس على وجهه، انتهى. وعن التذكرة لو باع مختلف الاجزاء مع المشاهدة صح كالثوب والدار والغنم بالاجماع، انتهى. وقد يشكل ذلك بما حكاه في الجواهر عن شرح استاذه للقواعد قال: والحق أن قاعدة الغرر مثبتة

[ 423 ]

لا يسوغ هدمها الا باقوى منها وأنى لنا بذلك فيدور الحكم مدارها فما كان من الثياب مخيطا يطلب وصفه لاذرعه ومن الارض يطلب فسحته ومن البهائم يطلب هيئة اجتماعها لاعددها ولا يتوقف بيعها على ذرع أو عد وما بني على المداقة فلا بد من ذلك فيه، انتهى. والظاهر ان المراد من قوله: وما بني على المداقة... الخ انه كذلك بنظر العرف فيكون من المذروع والمعدود عرفا ولذلك كان في بيعه بدون ذلك غرر قادح في البيع لكن عرفت الاشكال في عموم قادحية الغرر لمثل المقام لعدم ظهور الحديث فيه، ومن هنا يسهل البناء على ما ذكره الاصحاب. نعم لو قصد المقابلة بين العوضين بملاحظة أبعاض المقدار بأن يشتري ما يتردد بين الخمسة والستة بستة دراهم بانيا على شراء كل واحد بدرهم الذي عرفت ان حكمه البطلان في الزائد على تقدير النقيصة اشكل القول بالجواز لكنه خلاف المتعارف إذ المتعارف شراء ذات المجموع بستة فان كان في الواقع ستة كان كل واحد بدرهم وان كان خمسة كان كل واحد بدرهم وخمس وقادحية الغرر في مثله غير ثابتة فلاحظ وتأمل بيع بعض منه؟ متساوي الاجزاء (مسألة) بيع بعض من جملة متساوية الاجزاء كصاع من صبرة مجتمعة الصيعان أو متفرقتها يتصور على وجوه " الاول " أن يراد منه كسر واقعي من الجملة مقدرا بالصاع، فإذا كانت الصبرة عشرة أصوع كان المبيع عشرها، وإذا كانت خمسة كان المبيع خمسها، فالصاع لوحظ مرآة الى الكسر المشاع المساوي للصاع المجزئ تقديره عن معرفة مقدار الصبرة، والظاهر أنه لااشكال في صحة البيع المذكور كما أن الظاهر ان مرجعه الى تشريك المشتري في الصبرة، فان الصبرة بعد ما كانت مملوكة على الاستقلال مثلا للبائع صارت مملوكة للمشتري على الاشتراك، بمعنى كونها تحت ملكية واحدة لمالكين بعد اعتبارهما كما لك واحد ولو لم يلاحظا واحدا فالملكيتان؟ ناقصتان لمالكين، كما أنه لو اعتبر الشئ

[ 424 ]

المشترك كسورا متعددة كان كل كسر ملكا لمالك على نحو الاستقلال فهذه الجهات تختلف باختلاف هذه الاعتبارات والا فما انشأه البائع حقيقة ليس الا التشريك لا أن المبيع حقيقة هو الكسر، وإلا فان كان كليا خرج عن كونه مشاعا مع أن لازمه خروج المتعين الخارجي عن ملك الشركاء لكون المملوك لكل واحد منهم هو الكلي في المعين وان كان جزئيا مرددا فلا خارجية له كما سيأتي، فالتعبير ببيع العشر لابد ان يرجع الى ما ذكرنا من معنى التشريك وليس المراد ظاهره وهذا المعنى من التشريك لا يتوقف على القول بامتناع الجزء الذي لا يتجزأ فان الجزء الذي لا يتجزأ لو قيل به يصح ان يضاف الى مالكين باضافة واحدة كما يصح ان يضاف الى مالك واحد فان كل واحدة من الاضافتين الضمنيتين بعد ما كانت اعتبارية يصح أن تقوم بما لا يتجزأ كما يصح ان تقوم بما يتجزأ وكما يصح التشريك في الملكية يصح التشريك في الملكية والوقفية فيكون الشئ الواحد ملكا ووقفا على نحو الضمنية فيصح بحسب الاعتبارات يقال: بعضه وقف وبعضه ملك، كما يصح ان يقال: إنه وقف وملك، واما القسمة فهي عند العقلاء وبحسب اعتبارهم تميز الحقوق الضمنية فالدر همان المشتركان بين المالكين ان تراضيا على أن يكون الابيض لاحدهما والاصفر للاخر كان ذلك عند العقلاء قسمة، وان تراضيا على ان يكون حق أحدهما في الابيض بدلا عن حق شريكه في الاصفر كان ذلك بيعا لا قسمة وان كانت النتيجة للامرين واحدة فالقسمة عند العرف تمييز لا تبديل فلو كانت العين مشتركة بين الوقف والملك جازت القسمة ولا يجوز التبديل. هذا والظاهر انه لا اشكال في صحة البيع في الصورة المذكورة ومثله مالو باع عبدا من عبدين إذا كان المراد من العبد الكسر المشاع يعني نصف العبدين سواء اتفق العبدان في القيمة أم اختلفا لعموم الادلة، وما عن التذكرة من انه لو قصد الاشاعة في عبد من عبدين أو شاة من شاتين بطل بخلاف الذراع من الارض، انتهى. غير ظاهر لما عرفت من أن قصد الاشاعة راجع الى قصد الكسر ومعه لافرق بين الامثلة " الوجه الثاني " ان يراد منه بعض مردد بين

[ 425 ]

صيعان الصبرة، ولا اشكال كما قيل - في بطلان البيع مع اختلاف المصاديق في القيمة لانه غرر، أما مع اتفاقها فيها فالمشهور المنع بل هو المنسوب الى الاصحاب للجهالة التي يبطل معها البيع كما في المختلف والسرائر وغيرهما، أو للابهام في المبيع كما في الايضاح وغيره، أو للغرر كما فيه أيضا أو لان المردد لاخارجية له فلا يقبل الملكية والبدلية ونحوهما من الاعتبارات، لكن الاول ممنوع اذلا واقع محفوظ في نفسه مجهول للمتعاقين - مع ان قدح الجهل مطلقا غير واضح وان كان يوهمه ما ذكروه من اعتبار العلم بالعوضين وما ذكره غير واحد من تعليل البطلان به في المقام على نحو يظهر انه اجماع لكن لم يثبت بنحو يعتمد عليه والابهام مسلم لكن لم يدل دليل على قدحه، والغرر قد عرفت الاشكال في قدحه على نحو الكلية - مع انه ممنوع مع تساوي الافراد في المالية ولو كان مثل ذلك قادحا لم يجز بيع الكلي في المعين مع تساوي الافراد في المالية - مع أن بناءهم على الجواز فالعمدة إذا في المنع هو الاخير (والاشكال) عليه بمنع احتياج صفة الملك الى موجود خارجي فان الكلي المبيع سلما أو حالا مملوك للمشتري ولا وجود لفرد منه بصفة كونه مملوكا للمشتري (مندفع) بأنه ليس مرجع الاشكال الى أن الملكية لا تقبل القيام بما لا يكون خارجيا كي يتوجه عليه المنع من ذلك وانها ليست من الصفات الحقيقية كالحموضة والسواد وإنما هي من الاعتبارات التى يصح قيامها بالكلي الذمي، بل مرجعه الى ان المردد يمتنع ان يكون له مطابق في الخارج وما يكون كذلك لا يقبل الملكية ونحوها، وكأن الوجه في الاشكال المذكور مقايسة الفرد المردد بالكلي الصالح للانطباق على كل واحد من الافراد مثل مفهوم فرد الانسان أو الانسان المقيد باحد التشخصات ونحو ذلك الذي لاريب في امكان انطباقه على كل فرد خارجي، ولكنه ليس كذلك فان الفرد المردد جزئي نظير الفرد المعين لكنه مما يمتنع ان يكون في الخارج فان كل مافى الخارج من الافراد معين في نفسه لامردد، وبالجملة إذا باع أحد العبدين فان أراد مفهوم الواحد منهما أعني العبد المقيد باحد التشخصين

[ 426 ]

فالمبيع كلي - وسيأتي الكلام فيه - وإن أراد مصداق أحدهما المردد بينهما الذي يحكيه قولنا: هذا أو هذا فذاك يمتنع أن يكون له مطابق في الخارج فان كل ما في الخارج يشار إليه بقولنا: هذا، ولا يشار إليه بقولنا: هذا أو هذا، وإذ لا يكون له مطابق خارجي امتنع ان يكون موضوعا للملكية ونحوها من الاعتبارات، ومن ذلك تعرف الاشكال فيما ذكره جماعة أو لهم المحقق الاردبيلي " ره " من عدم دليل معتبر على المنع، ولولا تعرض جماعة للفرق بين الكلي في المعين وبين الفرد المردد لامكن حمل كلام الاردبيلي وغيره ممن قال بالجواز على صورة بيع الكلي في المعين ويكون النزاع حينئذ لفظيا، وأما الرواية التى حكاها الشيخ " ره " في الخلاف المتضمنة جواز بيع احد العبدين فالمتعين حملها على الكلي. فرع لو اختلفا فادعى المشتري الاشاعة فيصح البيع وقال البائع: أردت معينا، فعن التذكرة الاقرب قبول قول المشتري عملا باصالة الصحة واصالة عدم التعيين انتهى، لكن اصالة عدم التعيين لا اصل لها لانها لا تثبت الاشاعة لانها من اللوازم العقلية والصحة ليست أثرا شرعيا لها، وأما اصالة الصحة فهى من الاصول الصحيحة التي قام عليها الدليل لكنها تجري حيث لا يتسالمان على صيغة ظاهرة في التعيين المقتضي للفساد والاكان العمل على الظهور فانه حجة (ودعوى) أن اصالة الصحة صارفة للظهور (موقوفة) على كون حجيتها من باب ظهور الحال لكنه خلاف التحقيق إذ الظاهر انها أصل تعبدي عقلائي لنفسه فلاحظ. (الوجه الثالث) أن يراد منه الكلي المنطبق في نفسه على كل واحد من الافراد ويعبر عنه بالكلي الخارجي لانحصاره في الافراد الخارجية المعينة ولذا يعبر عنه بالكلي في المعين ايضا، وبذلك افترق عن الكلي في الذمة أو الكلي الذمي فان الثاني لم يلاحظ فيه افراد معينة وانما لوحظ في الذمة لاغير.

[ 427 ]

ثم انه يتصور الكلي المذكور في مقام موضوعيته للبيع على انحاء (الاول) أن يلحظ لا بشرط أعني لا بشرط الوحدة والتعدد بل بنحو صرف الوجود وبهذه الملاحظة يصلح للانطباق على الواحد والمتعدد فكما ينطبق على كل واحد من صيعان الصبرة ينطبق على مجموع صيعانها (الثاني) أن يلحظ بشرط لا أعني صاعا واحدا مطلقا وبهذه الملاحظة يمتنع أن ينطبق على مجموع الصيعان وان صح ان ينطبق على الاخر (الثالث) أن يلحظ صاعا مهملا لا مطلقا ولا مقيدا وبهذه الملاحظة يمتنع ان ينطبق على صاع من أصوع الصبرة لا بنفسه ولا بتطبق المالك لان الانطباق فرع الاتحاد في الحدود والمفروض اهمال تلك الحدود، (الرابع) أن يلحظ بشرط لا بنحو لا يمكن أن ينطبق بما هو موضوع البيع الا على واحد لا اكثر، وبهذه الملاحظة لا ينطبق بنفسه على واحد معين لانه ترجيح بلا مرجح فلا بد ان يكون انطباقه باختيار البائع أو المشتري على ما يأتي والظاهر انه لا اشكال في بطلان البيع في الاول للجهل بالقدر وكذا في الثالث لما عرفت من امتناع انطباقه على معين. وأما الثاني فالظاهر انه لا مانع منه مع العلم بقدر الصبرة لان مرجعه الى بيع جميع صيعانها فانه مقتضى اخذه مطلقا فانه كغيره من الطبائع المطلقة المأخوذة موضوعا للاحكام، واما الرابع فالمعروف بينهم صحة البيع فيه بل لا خلاف ظاهر فيه الا ما يظهر من محكي الايضاح من المنع وعن بعض متابعته واستدل له في الايضاح بالابهام وغيره، واستدل له من تابعه - مضافا الى ذلك - بانه لم يعهد ملكية الكلي في غير الذمة إلا على وجه الاشاعة باتفاقهم على تنزيل الارطال المستثناة من بيع الثمرة على الاشاعة " وفيه " ما عرفت من عدم الدليل على قدح الابهام والغرر مطلقا وعدم المعهودية ممنوع، ولو سلم فلا يصلح دليلا على المنع، وتنزيل الارطال المستثناة من بيع الثمرة على الاشاعة للاجماع أو للظهور أو غير ذلك - كما سيأتي - لا يدل على بطلان بيع الكلى في المعين كيف وقد عرفت ان الصحة فيه مظنة الاتفاق

[ 428 ]

فكيف يصح التعويل في المنع فيه على الاتفاق في مسألة الارطال المستثناة من بيع الثمرة كما لا يخفى، وربما يستدل على المنع بان الافراد الخارجية بما هي حصص الكلي وبمشخصاتها ملك للبائع قبل القبض فليس المشتري إذا مالكا لما هو خارجي فيتعين ارجاع الكلي الخارجي الى الكلي الذمي ويكون المقصود اشتراط تسليمه من الافراد الخارجية، وفيه ان خارجيته باعتبار كونه جامعا بين الافراد الخارجية الخاصة في قبال الذمي الذي لم يلحظ فيه ذلك وانما لوحظ كونه في الذمة وان لم يكن له فرد خارجي أصلا، وعدم انطباق المبيع على واحد من الافراد الخارجية لعدم المرجح لا ينافي كونه خارجيا بمعنى كون أفراده التي ينطبق عليها انطباقا بدليا خصوص الافراد الخارجية بحيث لو تلفت قبل القبض كان من تلف المبيع قبل القبض لا من قبيل تعذر الشرط كما في الكلي الذمي الذي اشترط تسليمه من الافراد الخارجية فلاحظ. بيع صاع من؟ صبرة (مسألة) لو باع صاعا من صبرة فهل ينزل على الكسر المشاع أو على الكلي في المعين؟ قولان حكي ثانيهما عن الشيخ والشهيدين والمحقق الثاني وغيرهم لانه المنسبق الى الفهم، ولصحيحة بريد بن معاوية عن ابي عبد الله (ع) في رجل اشترى من رجل عشرة آلاف طن قصب (كذا) في انبار بعضه على بعض من اجمة واحدة والانبار فيه ثلاثون الف طن فقال البائع: قد بعتك من هذا القصب عشرة آلاف طن، فقال المشتري: قد قبلت واشتريت؟ ورضيت، فاعطاه من ثمنه الف درهم ووكل المشتري من يقبضه فاصبحوا وقد وقع النار في القصب فاحترق منه عشرون الف طن وبقي عشرة آلاف طن، فقال (ع): العشرة آلاف طن التي بقيت هي للمشتري والعشرون التي احترقت من مال البائع، وقد يدفع الاول بأن مقتضى الوضع في قوله: صاعا من صبرة، هو الفرد المنتشر الذى قد عرفت بطلان

[ 429 ]

بيعه على المشهور أو اجماعا مقتضى المعنى العرفي هو المقدار المقدر بصاع وظاهره الاشاعة، وفيه أن تنوين التنكير انما يقتضي كون المراد بمدخوله الطبيعة المقيدة باحد التشخصات فيكون كليا كما هو الوجه الثالث لا جزئيا مرددا كما هو الوجه الثاني وتحقيق ذلك في الاصول (ودعوى) أن مقتضى التفاهم العرفي الحمل على الاشاعة غير ظاهرة بل ممنوعة جدا، ومن ذلك يظهر لك الاشكال في دفع الثاني بان الرواية ظاهرة في الفرد المنتشر. نعم يمكن دفعه بان الرواية مع اجمالها وعدم تعرضها لظهور البيع المفروض فيه في كونه على نحو بيع الكلي في المعين لا تصلح لاثبات قاعدة كلية - كما هو محل الكلام - لانها قضية في واقعة كما لا يخفى، ومن ذلك تعرف قوة القول الثاني. هذا ويتفرع على هذا الخلاف أمور (الاول) انه بناء على المختار يكون تعيين المبيع بيد البائع لان الافراد قبل تطبيق الكلي على واحد منها ملك للبائع بحصصها ومشخصاتها فليس للمشترى السلطنة عليها لخروجها عن ملكه، ومجرد ملك الكلي انما يستوجب السلطنة عليه لا غير، ومن ذلك يظهر الاشكال فيما عن المحقق القمى " ره " من أن تعيين الكلي بيد المشتري، وأما بناء على القول الاخر فتمام الافراد مشتركة بين البائع والمشتري فلا يتعين حق أحدهما في عين الا بالقسمة المشروطة بالرضا منهما معا، (الثاني) أنه لو تلف بعض الجملة وبقي مقدار المبيع فعلى المختار يتعين دفعه للمشتري ويكون التالف من ملك البائع أما الثاني فلما عرفت من ان الافراد الخارجية لم تخرج عن كونها ملكا للبائع بمجرد بيع الكلي الصادق على كل واحد منها صدقا تبادليا وإذا كانت للبائع كان تلفها منه ضرورة، وأما الاول فلان تلف الكلي انما يكون بتلف جميع افراده والمفروض تلف البعض وبقاء البعض وبقاء البعض فملك المشتري لم يرد عليه نقص ولا تلف فيتعين دفع الباقي إليه كما تدل عليه ايضا الصحيحة السابقة بناء على ظهورها فيما نحن فيه كما عرفته، وأما على القول الاخر فيكون التالف منهما معا كما في سائر موارد الاشتراك لان التالف مشترك بينهما (الثالث) أنه لو باع المالك صاعا آخر من شخص آخر فتلف

[ 430 ]

الجميع الا صاعا واحدا فعلى الاشاعة يكون التالف على الجميع والباقي لهم على حسب نسبة سهامهم كما في سائر موارد الشركة، وأما على المختار فيحتمل ان يكون الباقي للمشتري الاول لان الصاع المبيع ثانيا هو الساري في ملك البائع وهو الصبرة عدا صاع لا الصبرة بتمامها فإذا تلفت الصبرة عدا صاع فقد تلف موضوع البيع ثانيا فيجري حكم التلف قبل القبض بالاضافة الى البيع الثاني، ويحتمل أن يكون لهما لان الكلي المبيع أولا لما لم ينطبق بنفسه على احد الافراد لانه ترجيح بلا مرجح وإنما يكون انطباقه باختيار المالك فقبله لا انطباق له فتكون أجزاء الصبرة بتمامها باقية على ملك البائع فإذا باع الكلي ثانيا على شخص آخر كان موضوعه تمام موضوع المبيع الاول بعينه ونسبة كل واحد من الصيعان التي تشتمل عليها الصبرة إليه كنسبتها الى موضوع البيع الاول فإذا لم يبق الاصاع واحد ان نسبته الى كل من المبيعين كنسبته الى الاخر فصيرورته لاحدهما بعينه ترجيح بلا مرجح كما عرفت والترتب الزماني بين البيعين لا يستوجب الترتب الرتبي كي يقال: ان موضوع البيع الثاني الوجود بعد الوجود وموضوع الاول صرف الوجود، فالحكم في البيعين المترتبين في الزمان حكم البيعين الواقعين دفعة، وعلى هذا فيحتمل ان يكون لهما معا فيبطل البيعان معا بالاضافة الى نصف كل من المبيعين ويحتمل ان يكون الحكم تابعا لاختيار المالك فإذا عينه لاحد المشتريين بطل البيع بالنسبة الى الاخر والاول اقرب لان ولاية التطبيق انما كانت للمالك باعتبار كونه المالك للخصوصية فليس لاحد حق المطالبة بخصوصية دون أخرى، أما في المقام فليس الاخصوصية واحدة يتزاحم فيها الحقان ومقتضى التزاحم كونها لهما معا وولاية المالك على ترجيح احد الحقين على الاخر غير ثابتة ثم اعلم ان المبيع انما يبقى كليا ما لم يقبض وأما إذا قبض فان قبض منفردا تعين للمشتري وان قبضه منضما الى غيره بقي على كليته سواء قبضه مع بعض الصبرة كما لو أقبضه البائع صاعين منها أو مع تمام الصبرة كما لو اقبضه تمام الصبرة على ان يكون صاع منها له والباقي امانة لعدم الدليل على

[ 431 ]

التعيين بمجرد ذلك كي يترتب عليه الاشتراك فالمبيع في الفرضين باق علي كليته وتمام المقدار المقبوض باق على ملكية البائع لاغير الفرق بين الاستثناء والبيع واعلم أن الاصحاب ذكروا فيما لو باع ثمرة الشجرة واستثنى منها ارطالا معلومة أنه لو خاست الثمرة سقط من المستثنى بحسابه، وظاهر ذلك تنزيل الارطال المستثناة على الاشاعة وعليه قد يشكل الفرق بين هذه المسألة وما نحن فيه من بيع الصاع من صبرة مع ان المشهور كما عرفت تنزيله على الكلي ولهم في ابداء الفرق بين المسألتين وجوه الاول النص وهو صحيح بريد المتقدم وأشكل عليه بأنه ان أمكن التعدي عن مورد النص لم يكن فرق بين المسألين لخروجهما معا عن مورده فإذا صح التعدي الى مسألة البيع مطلقا صح التعدي الى مسألة الاستثناء والا وجب الاقتصار علي مورده وهو بيع القصب وتعين الرجوع في كل من المسألتين الى غيره، الثاني الاجماع على ترتيب احكام الاشاعة في مسألة الاستثناء واشكل بأنه نقطع بعدم استناد المجمعين الى توقيف بالخصوص وإنما اعتمدوا على القواعد العامة التي لا فرق فيها بين المسألتين (الثالث) لزوم القبض في مسألة البيع لوجوب اقباض المبيع المشتري على البائع وعدم لزومه في غيره واعتباره في لزوم البيع وعدم اعتباره في لزوم غيره، وفيه مع أن اعتباره في اللزوم لادخل له في الفرق وان لزوم القبض مشترك بين المسألتين لوجوب ايصال مال الغير الى اهله ان ايجاب القبض على البائع يتوقف على بقاء المبيع إذ مع تلفه يبطل البيع وبقاء المبيع في مسألة البيع يتوقف على نفي الاشاعة فلا يمكن اثبات نفي الاشاعة بوجوب القبض كما لا يخفي ومن ذلك يظهر الاشكال فيما ذكره في مفتاح الكرامة في الفرق بين المسألتين حيث قال ويمكن الفرق بان التلف من الصبرة قبل القبض فلزم على البائع تسليم المبيع منها وان بقي قدره فلا ينقص البيع لاجله يخلف الاستثناء فان التلف فيه بعد القبض والمستثنى

[ 432 ]

بيد المشتري امانة على الاشاعة بينهما فيوزع الناقص عليهما ولهذا لم يحكم بضمان المشتري هنا بخلاف البائع هناك، انتهى. وجه الاشكال ان ما ذكره أولا بقوله بان التلف من الخ مسلم لو لم يكن البيع على نحو الاشاعة والا اقتضى البطلان في المقدار التالف وما ذكره ثانيا في مسألة الاستثناء من ان التلف بعد القبض ان كان المراد منه بعد قبض المشتري فذلك انما يقتضي خروج البائع عن الضمان للمشتري ولا اثر له في حمل الاستثناء على الاشاعة وان كان المراد منه انه بعد قبض البائع يعني ان الكلي المستثنى كان بيد البائع وفى قبضته فالتلف يكون بعد قبض البائع فهو مسلم لكن اقتضاءه توزيع التالف غير ظاهر لان مجرد كونه في يد البائع لا يوجب الاشتراك والقياس على صورة مالو دفع البائع مجموع الصبرة المبيع صاع منها الى المشتري التي قد تقدم احتمال الاشتراك فيها غير ظاهر لاختصاص ذلك بما لو كان الدافع له ولاية تعيين الكلي وهو في مسألة الاستثناء للمشتري لا البائع على انك عرفت الاشكال في ذلك فلاحظ (الرابع) ان الوجه في الاشاعة في مسألة الاستثناء ليس حمل المستثنى على الكسر المشاع، بل لان المستثنى لما كان ظاهرا في الكلي كانت وحدة السنخية بين المستثنى والمستثنى منه تقتضي حمل المستثنى منه على الكلي فمعنى: بعتك هذه الصبرة الاصاعا، بعتك الكلي الخارجي الذي هو المجموع عدا الصاع فهو كلي كنفس الصاع فيكون كل واحد منهما مالكا للكلي، ولاجل ان نسبة كل جزء من الموجود الى كل منهما على السواء لعدم المرجح يكون الموجود بينهما والتالف كذلك فيكونان من هذه الجهة مشتركين كسائر الشركاء، وهذا بخلاف بيع الصاع من الصبرة فان ملك البائع ليس ملحوظا بعنوان كلي لعدم وقوعه موضوعا للحكم في هذا الكلام حتى يلحظ بعنوان كلي كنفس الصاع، وفيه مع أن الظاهر من المبيع المستثنى منه هو نفس الموجود الخارجي لا الكلي ان لازم ذلك رجوع مسألة الاستثناء الى مسألة البيع التي عرفت ان التلف فيها من البائع، وكون المستثنى من قبيل الكلي لو سلم لا يقتضي ملك البائع للكلي لان المستثنى لم يلحظ موضوعا لملك البائع وانما لوحظ تحديدا للمبيع ومقتضاه ليس إلا

[ 433 ]

عدم كونه مبيعا لان الاستثناء من الاثبات يقتضي نفي الحكم عن المستثنى لا ثبوت ضده له فدعوى كون البائع مالكا للكلي كالمشتري غير ظاهرة، ومن ذلك يظهر أن حال المستثنى حال الباقي فيما لو باع صاعا من صبرة لم يلحظ موضوعا لحكم ولو سلم فمجرد ذلك لا يستوجب الاشتراك لان الخصوصيات الخارجية باقية على ملك البائع لم تخرج عنه فهي له خاصة فكيف تصح دعوى نسبة كل جزء الى كل منهما على حد سواء (فالاولى) في وجه الفرق بين المسألتين أن ظهور الصاع في مسألة البيع في الكلي بلا مزاحم، وظهوره في مسألة الاستثناء مزاحم بظهور وحدة السنخية بين المستثنى منه والمستثنى وهو اقوى فيتعين لاجله حمله على الكسر المشاع الذي يكون بقدر المستثنى ليكون من سنخ المستثنى منه، ولو حمل على الكلي توقف ملك البائع له على جعله ملكا ابتدائيا له لانه لم يكن مملوكا للبائع وانما كان المملوك له تمام الافراد فإذا فرض بيع تمام الافراد كان ثبوت ملك البائع للكلي محتاجا الى سبب (فان قلت) المحافظة على وحدة السنخية كما تكون بذلك تكون بحمل المستثنى منه على الكلي (قلت): التصرف في المستثنى بالحمل على الكسر المشاع أولى من التصرف في المستثنى منه بالحمل على الكلي لقوة ظهور المبيع في العين الخارجية جدا نعم قد يشكل الحمل على الاشاعة من جهة ان مقتضاه عدم جواز تصرف المشتري في المبيع مع ان السيرة على خلافه ومن جهة ان مقتضاه ان لو تصرف المشتري بالاتلاف لزم ضمان حصة البائع بالمثل أو القيمة - مع ان بناء الاصحاب على تعين دفعها من الباقي كما في سائر موارد الشركة، ولاجل ذلك التزم بعض الاعاظم بالتنزيل على الكلي في المسألتين معا لكن يدفعه ملك البائع وذلك لا ينافي الاشاعة بوجه فالعمل عليها في صورة التلف بالتوزيع في محله فلاحظ وتأمل والله سبحانه الهادي الى سواء السبيل وهو حسبنا ونعم الوكيل.

[ 434 ]

اقسام بيع الصبرة واعلم ان الشهيد في حواشي القواعد والشهيد الثاني في الروضة قالا على ما حكي عنهما: ان اقسام بيع الصبرة عشرة لانها إما ان تكون معلومة المقدار أو مجهولته فان كانت معلومة صح بيعها أجمع وبيع نصفها أو ربعها وكل جزء منها معلوم مشاع وبيع مقدار كقفيز تشتمل عليه وبيعها كل قفيز بكذا لابيع كل قفيز منها بكذا، والمجهولة كلها باطلة الا الثالث وهو قوله: بعتك قفيزا منها وهي مشتملة عليه، انتهى. ولو لم يعلم باشتمالها عليه ففي القواعد وعن التذكرة وحواشي الشهيد والروضة وغيرها البطلان للغرر من جهة الجهل بوجود بعض المبيع المستوجب للجهل بوجود المبيع الضمني كما لو جهل بوجود أصل المبيع، وعن ظاهر الدروس واللمعة الصحة، وحكي أيضا عن ظاهر المبسوط وان حكي عن الايضاح حكاية خلافه، ولعله لمنع الغرر مع بناء العقد على توزيع الثمن على مجموع المبيع غير المعلوم الوجود بتمامه نعم لو بني العقد على جعل الثمن في مقابل الموجود كان ذلك غررا قادحا، وفيه انه لا يظهر الفرق بينه وبين سائر موارد الجهل بالقدر إذا كان القدر ملحوظا موضوعا للمعاملة وأخذ العنوان موضوعا للمعاملة صريحا لا يرفع الغرر كما اشرنا الى ذلك في مسألة اخبار البائع بقدر المبيع (وبالجملة) لافرق بين قوله: بعتك قفيزا من هذه الصبرة، وبعتك هذه الصبرة التي هي قفيز وبعتك هذه الصبرة، مع كون مبنى المعاملة على كون القدر موضوعا فمع الجهل بالقدر يكون بعض المبيع مجهول الوجود فيلزم بذل بعض الثمن بازاء مالا يعلم وجوده فلو لم يكن ذلك غررا أو لم يكن غررا قادحا لاختصاص دليل القادحية بصورة الخطر على أصل المالية كما احتملناه آنفا جاز البيع في الجميع ومع انكشاف الخلاف يتبعض الثمن وان عم الدليل صورة البعض كالكل لم يكن فرق بين الجميع، وأما الرابع في المجهولة وهو بيعها كل قفيز بكذا، فالمشهور كما في الكفاية أنه لا يصح

[ 435 ]

وعن الشيخ في الخلاف انه لامانع منه، والاصل جوازه وفى الكفاية أنه غير بعيد واورد في مفتاح الكرامة على القول بالبطلان بان المبيع معلوم بالمشاهدة والمثمن معلوم لانه مما يمكن ان يعرف وهو ان تكال الصبرة يقسط الثمن على قدر قفز انها فيعلم مبلغه وله نظائر ذكر جملة منها في التذكرة، انتهى. وفيه نظر لان العلم بالعوضين بعد البيع لا يجدي مع الجهل بهما حينه، وعن المختلف الصحة في القفيز الواحد لانه معلوم مقتضاه الصحة في الزائد عليه أيضا إذا كان معلوما، وفيه أن العلم ببعض المبيع لا يرفع الغرر في البيع والا جاز البيع مع الجهل بالكيل والوزن لحصول العلم بالبعض فيصح فيه مسألة إذا شاهد عينا في زمان سابق على العقد واقتضت العادة تغيره عن صفاته السابقة الى صفات مجهولة عند احد المتبايعين لم يصح البيع لان الرؤية القديمة على النحو المذكور لاترفع الغرر، ولو اقتضت العادة بقاءها فلا اشكال في الصحة ولا خلاف لعموم الصحة من دون معارض لانتفاء الغرر بذلك، وان احتمل الامران لم يبعد الجواز لان اصالة البقاء من الاصول المعول عليها عند العقلاء في الجملة فيرتفع لاجلها الغرر أيضا نعم لو كانت بحيث لا يعول عليها عندهم لوجود امارة على خلافها كان البيع غرريا فلا يجوز الا بذكر الصفات في العقد، بل لو كانت الامارة قوية لم يجز البيع كما في القسم الاول حتى مع ذكر الصفات لان ارتفاع الغرر بذلك لرجوعه الى الاخبار عن الصفات وارتفاع الغرر عرفا بالاخبار يختص بما لو كان الخبر له نحو طريقية عرفا وذلك منتف حيث تكون الامارة على خلافه ولو كان مجرد العادة. اللهم الا ان يتمسك باطلاق مادل على الاعتبار باخبار البائع عن الكيل والوزن بناء على إلغاء خصوصية مورده والتعدي الى سائر الخصوصيات التي يكون الجهل بها موجبا للغرر القادح كما هو غير بعيد (وكيفكان) فذلك كله خارج عن

[ 436 ]

البيع برؤية القديمة فلو باع أو اشترى بالرؤية القديمة وانكشف التغير ثبت الخيار للمغبون نظير خيار الرؤية ولعله ياتي دليله انشاء الله تعالى في اقسام الخيار، بل يظهرمن محكي نهاية الاحكام والمسالك انه راجع الى خيار تخلف الشرط لان الرؤية بمثابة الشرط في الصفات الكائنة في المرئي فيدل عليه مادل على خيار تخلف الشرط، لكنه يشكل بما اشتهر من عدم الاعتبار بالشروط غير المذكورة في متن العقد صريحا أو انصرافا، ومجرد توقف صحة العقد على كون العقد مبنيا عليها لا يكفي في كونها من قبيل الشروط الضمنية التي تفهم حين العقد ولو بملاحظة القرائن العامة المستوجبة لكون العقد مبنيا عليها عرفا. نعم لو توقفت صحة العقد عرفا على كونه مبنيا عليها كانت من قبيل الشروط الضمنية لكنه خلاف المفروض. هذا كله في الاوصاف التي لا تكون موضوعا للمعاملة عرفا أما ما كان كذلك كالتقدير مثل الكيل فيما يكال والموزون فيما يوزن فلا ينبغي التأمل في تبعض الثمن بتغيرها فلو اشترى صبرة قد كالها قبل العقد فكانت عشرة أصوع بعشرة دراهم فتغيرت حال العقد ونقصت الى ثمانية كان للمشتري استرجاع درهمين لان القدر المرئي موضوع للمعاملة عرفا وانشاؤها انشاء للتقييد به فيكون من قبيل الشروط الضمنية هذا وعن نهاية الاحكام احتمال البطلان، وكأنه مبني على كون الوصف المرئي ملحوظا قيدا وأن فواته موجب لفوات موضوع المعاملة وقد عرفت الاشكال في الاول، وأما الثاني فيختص بالصفات المقومة عرفا دون غيرها فلاحظ وتأمل، والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم النبيين (محمد) وآله الطيبين الطاهرين. الى هنا انتهى التدريس في كتاب البيع في جوار الحضرة العلوية المقدسة على مشرفها أفضل الصلاة والسلام والتحية في شهر صفر المظفر من سنة الالف والثلثمائة والثالثة والستين هجرية، وبه انتهى الجزء الاول من كتاب " نهج الفقاهة " بقلم الفقير الى الله الغني (محسن) خلف العلامة المرحوم السيد (مهدي) الطباطبائي الحكيم ولاحول ولا قوة إلا بالله عليه توكلت واليه أنيب وهو حسبنا ونعم الوكيل.

[ 437 ]

تنبيه كانت النية منعقدة على اتباع الجزء الاول من كتاب (نهج الفقاهة) يجزئه الثاني الذي هو تعليق على مباحث الخيارات من مكاسب شيخنا الاعظم الانصاري - قدس سره - في الطبع والنشر، ولكن سيدي الوالد المؤلف - مد ظله العالي - لم يشأ أن ينشر الان قبل ان ينظر فيه مجددا نظرا الى ان العهد على تأليفه قد بعد بعدا لا يقل عن ثلاثين عاما ولعل الوقت يتسع والتوفيق يساعد على تجديد النظر فيه والله سبحانه ولي التوفيق. ولكن هناك وريقات من أوله قد سنحت الفرصة في عهد ماض بتجديد النظر فيها فالحقناها بالجزء الاول حبا للاسراع الى ابراز ما فيها من فوائد والله الموفق والمعين وهو حسبنا ونعم الوكيل 29 ذي الحجة 1371 * يوسف الطباطبائي الحكيم

[ 438 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمدلله رب العالمين، والصلوة والسلام على محمد وآله الغر الميامين الطيبين الطاهرين المعصومين (قوله: من الاختيار) نص على ذلك في القاموس وكأنه مأخوذ بحسب اصل اللغة من الخير بلحاظ أن ما يختاره خير له (قوله: في ملك فسخ العقد) ينبغي التعرض في هذا التعريف لامور (الاول) أن الملكية إضافة خاصة بين المالك والمملوك تحكيها عند ملاحظتها معنى حرفيا لام الملك في قول القائل: المال لزيد، ومن المعلوم أن الخيار ليس من قبيل الاضافة فانه يضاف الى ذي الخيار اضافة الملكية فيقال الخيار لزيد، وجعلت الخيار لنفسي، ونحو ذلك فهو من قبيل المملوك لا الملكية فلا بد من الالتزام بالمسامحة في هذا التعريف إما في المعرف بأن يراد تفسير ملكية الخيار وحقيته؟ لانفسه كما التزم بذلك في تعريف الفقه بأنه علم بالاحكام الشرعية.. الخ وفي تعريف علم الاصول بأنه علم بالقواعد الممهدة.. الخ ونحو ذلك مما هو كثير في مقام تعريف الفنون، أو في التعريف بأن يراد من الملك المملوك فالاضافة الى الفسخ اضافة بيانية، والموجب لهذه المسامحة التنبيه على أن الخيار المجعول من قبل الشارع الاقدس أو من نفس المتعاقدين كما في شرط الخيار من قبيل الحقوق المضافة الى صاحبها اضافة الملكية لما عرفت في أول كتاب البيع من ان اضافة الحقية نوع من اضافة الملكية بعينها والاختلاف بينها وبين غيرها من افراد الاضافة الملكية من قبيل اختلاف افراد الكلى المتواطئ لامن قبيل اختلاف

[ 439 ]

مراتب الكلي المشكك بالشدة والضعف، ولو أشكل وجه التعبير المذكور فلا ينبغى الاشكال في ثبوت المسامحة فيه لما عرفت من وضوخ كون الخيار من قبيل المملوك لامن قبيل الملكية (الثاني) قد عرفت أن الخيار اسم مصدر الاختيار فالفرق بينهما هو الفرق بين المصدر واسم المصدر، ومن المعلوم ان الفسخ ليس من هذا القبيل فانه موضوع للخيار لانه مختار لمن له الخيار والاختيار لانفس الخيار، فذكره في التعريف مسامحة أيضا، ولعل الباعث على ذلك أن الخيار خارج عن الاختيار وليس مما يترتب عليه أثر شرعي فيمتنع أن يكون مملوكا أو محقوقا لان اضافة الملكية لا تقوم بما لا أثر له فجعل الخيار لصاحبه لابد ان يكون راجعا الى جعل عدلي الخيار وطرفيه ملكا لذي الخيار على التخيير ولو كان راجعا الى ملك الجامع بينهما لان الاثر إنما يترتب على كل منهما لا على الاختيار المتعلق بهما فمعنى قوله (ع): صاحب الحيوان بالخيار، أنه له الفسخ وله عديله لا أنه يملك الاختيار (الثالث) أن اضافة الفسخ الى العقد لا تخلو من مسامحة لان العقد من الامور الحقيقية العينية يستند وجوده حدوثا وبقاء الى علته ولا يترتب على بقائه أثر، وإنما الاثر المؤثر في ثبوت مضمومة مجرد حدوثه فلا يكون لذلك موضوعا للفسخ وإنما موضوع الفسخ مضمونة كالبدلية في عقد البيع والتمليك في عقد الهبة فذلك الذي ينحل بالفسخ وينفسخ لا العقد (الرابع) أن الخيار كالتخيير لا يقوم بطرف واحد وقد أهمل في هذا التعريف ذكر العدل الاخر للخيار فيحتمل بدوا أن يكون إقرار العقد كما جعل في التعريف الاتي في كلام المصنف ويحتمل أن يكون عدم الفسخ ولعل الاول يرجع إليه لان إقرار العقد لا يقبل الجعل بنفسه وليس من الامور الجعلية وانما يكون بترك الفسخ فإذا اختار عدم الفسخ فقد اعمل الخيار وحينئذ يسقط الخيار باعماله فلا سلطان له على الفسخ فيكون العقد بذلك قارا غير متزلزل وعلى ذلك يحمل ما ورد في روايات خيار الحيوان من قوله " ع ": فذلك رضا بالبيع، وقوله " ع "

[ 440 ]

في رواية قرب الاسناد: يستحلف بالله ما رضيه، وقوله " ع " في رواية السكوني فيمن اشترى ثوبا بشرط الى نصف النهار فعرض له ربح فاراد بيعه قال " ع ": ليشهد أنه قد رضيه واستوجبه ثم ليبعه ان شاء، وفي رواية الشحام في مثل ذلك قال " ع ": ان رغب في الربح فليوجب على نفسه الثوب ولا يجعل في نفسه إن رآه عليه أن يرده، وبالجملة: بعد فرض صحة العقد وثبوت مضمونه لا معنى لجعله ولا لجعل شئ فيه فمعنى جعل اقراره لو اختيار اقراره اختيار عدم الفسخ، وعلى هذا فالخيار يكون بين الفسخ وعدمه وكلاهما مملوك لذي الخيار فان اختار الفسخ انفسخ وان اختار عدمه سقط الخيار لانه قد استوفى ما هو له فيستقر العقد ويخرج عن المعرضية للزوال، ومن ذلك تعرف أن سقوط الخيار باختيار عدم الفسخ أجنبي عن سقوطه بالاسقاط لان الاول سقوط بالاعمال وهو غير السقوط بالاسقاط، والفرق بينهما كالفزق بين سقوط الامر بالامتثال وسقوطه بالنسخ، (اللهم) إلا أن يقال: اختيار عدم الفسخ راجع الى رفع اليد عن الفسخ وهو عين اسقاطه، لكن هذا المقدار لا يوجب اتحادهما مفهوما ولا خارجا فاختيار عدم الفسخ استيفاء للخيار واعمال له لا اسقاط له، بل قد يقال بانه في ظرف اختيار عدم الفسخ لا يكون الفسخ ملكا له كي يصح اعتبار اسقاطه لان الفسخ وعدمه نقيضان يمتنع اجتماعهما فيمتنع اعتبار الملكية لهما في عرض واحد فلو بني على ملكيتهما لذي الخيار فهي بدلية فالمملوك ما هو المختار لا غير فإذا اختار عدم الفسخ كان ذلك اعمالا للخيار ولا مجال لاعتبار كونه اسقاطا له أصلا ومما ذكرنا تعرف انه كان المناسب ذكر عدم الفسخ بديلا للفسخ في هذا التعريف فيقال: الخيار ملك الفسخ أو عدمه، والاقتصار على ذكر الفسخ مسامحة كغيرها من المسامحات الواقعة في هذا التعريف التي أشرنا إليها وكان الاولى تعريفه بالخيار بين الفسخ وعدمه (قوله: ولعل التعبير بالملك) يظهر من التعبير بحرف الترجي مع تعبيره في الموارد المتقدمة بالملك وما يأتي منه من التعبير بالقدرة والسلطنة أن المراد من الملك في كلامه نفس السلطنة التي هي من الاحكام لا الملكية التي هي موضوع

[ 441 ]

السلطنة ولا يخفى ان جعل الخيار من هذا القبيل كما ترى سواء أريد منه نفس الحق الخيارى أو موضوع الحق أعني المحقوق يسقط بالاسقاط فان كلا منهما موضوع للسلطنة لانفسها. ثم إنه لا مجال لتوهم دخول خيار المالك في الفضولي بين الرد والاجازة، وكذا خيار الوارث بين رد العقد على ما زاد على الثلث واجازته فان الرد ليس من قبيل الفسخ للعقد لعدم ترتب اثر على العقد بدون الاجازة فاثر الرد ليس فسخ العقد وانما أثره رفع صلاحية العقد لتعلق الاجازة به فلا مجال لتوهم دخول ذلك في التعريف الذي هو ملك الفسخ كما لعله ظاهر { قوله: لان المتبادر من النص } لا يخفى ان الوكيل في اجراء الصيغة وكيل في ايقاع البيع وايجاده فإذا أوقعة فقد فعله وهو فعله والبيع كسائر المشتقات اسم لفاعل المبدأ وكذلك البائع. نعم يفترق عن الوكيل في البيع انه لا يقوم بشرائط الصحة كالعلم بالعوضين والقبض بخلاف الوكيل في البيع فانه يقوم بايقاع البيع وشرائط صحته وهذا المقدار لا يوجب فرقا بينهما في صدق المشتق وعدمه، بل الظاهر صدق المشتق عليهما معا وان كان صدقه على ما نحن فيه أخفى بخلاف صدقه على الوكيل في البيع بشرائطه فانه أجلى ولذا لو كان الموقع المباشر هو المالك وكان الوكيل قائما بشرائط الصحة إذا كان مما يقبل التوكيل كالقبض فانه مما لاريب في صدق البيع والبائع عليه وعلى هذا فدعوى تبادر غيره غير ظاهرة. نعم المنساق من النصوص كون الخيار مجعولا إرفاقا بالمالك لا تعبدا لمصلحة ناشئة من مجرد قيام المبدأ بالموقع وذلك مما يوجب انصراف البيع عنه بلا فرق بين اقسامه ولا يكفي في الارفاق ثبوته للوكيل على نحو ليس له اعماله الا بنظر الاصيل إذ مع انه لا يتم مع ارادة الاصيل الفسخ وامتناع الوكيل عنه أن ثبوته للوكيل خلاف الارفاق بالمالك إذ العقد له وموضوعه ماله وملكه وهو اجنبي عن ذلك فكيف يجعل له فيه الحق وعليه فلا يبعد كون قرينة الارفاق توجب ظهور البيع فيمن له البيع وهو المالك وان كان ظاهر المشتق من كان البيع فعله وهو المباشر له مالكا كان أو وكيلا لكن لازم ذلك أن يكون الاجتماع المنوط به الخيار والافتراق المجعول غاية له اجتماع المالكين

[ 442 ]

وافتراقهما ولكنه خلاف ظاهر النصوص جدا إذ الظاهر من الافتراق في النصوص ما يقابل الاجتماع الذي لابد منه في حصول البيع وهو اجتماع المباشرين لا المالكين والاولى أن يقال: ان لفظ البيع وان كان ظاهرا في مطلق من فعل البيع لكن قرينة الارفاق توجب ظهوره في خصوص المالك ومقتضى الجمود على ما تحت العبارة وان كان الاقتصار على صورة مباشرة المالك كما عن جامع المقاصد الا ان القرينة المذكورة توجب الغاء قيد المباشرة فيتعدى عن صورة المباشرة الى غيرها ومرجع ذلك الى ثبوت الخيار للمالك مطلقا وان لم يباشر وعدم ثبوته للوكيل مطلقا في جميع اقسامه. هذا بالنسبة الى قيد المباشرة واما قيد الاجتماع والافتراق فمقتضى الجمود على عبارة النصوص الاقتصار على اجتماع المالكين المباشرين وافتراقهما الا ان مناسبة الحكم والموضوع تساعد على التعدي في صورة التوكيل الى اجتماع الوكيلين وافتراقهما لااجتماع المالكين وافتراقهما، والذي يوضح ما ذكرنا أنه لو فرض ورود النصوص في خصوص الموارد التي كان المباشر فيها هو المالك لا يظن التوقف في ثبوت الخيار للمالك في صورة التوكيل منوطا باجتماع الوكيلين فلاحظ وتأمل (قوله: مضافا الى أن مفاد) هذا يتوقف على أن حق الخيار قائم بالعين ولو بتبع قيامه بالعقد وإلا فلو كان قائما بنفس العقد لاغير لم يتوقف اعماله على السلطنة على العين اصلاكي يكون دليله دالا عليه بشرط ثبوت السلطنة على العين، ولعل المراد كونه منوطا بالسلطنة الضمنية على الفسخ ولو بضميمة سلطنة الاخر عليه فانه لولا دليل الخيار يكون الفسخ تحت سلطنة المالكين معا إذ لا ريب في مشروعية التقابل فدليل الخيار يدل على أن الفسخ تحت سلطنة كل من المالكين ولو لم يرض الاخر، لكن هذا خلاف ظاهر العبارة وكيف كان فظهور الادلة في ذلك غير واضح ولا مأخذ له والاطلاق ينفيه لولا قرينة الارفاق فلا ينبغي عد هذا وجها لنفي ثبوته للوكيل في قبال ظهور الذليل في الارفاق، (قوله: ألا ترى انه لو شك) قد عرفت ان امتناع الرد لا ينافي الخيار ولا يوجب امتناع الفسخ بناء على التحقيق من كون الخيار متعلقا بالعقد فكيف يمكن

[ 443 ]

رفع الشك في جواز الرد باطلاق ادلة الخيار، وايضا لا مناسبة بين المقام والامثلة المذكورة فان الشك في السلطنة في الموارد المذكورة من جهة الشك في قصور المحل وأدلة السلطنة لا تصلح لنفيها فضلا عن أدلة الخيار، أما الشك في سلطنة الوكيل على الفسخ فهو من الشك في قصور الفاعل وأدلة الخيار تثبت السلطنة المطلقة فترفع الشك المذكور لولا قرينة الارفاق فالمقايسة بين المقامين غير واضحة (قوله: بعض أخبار هذا) مثل صحيح ابن مسلم: المتبايعان بالخيار ثلاثة أيام في الحيوان وفيما سوى ذلك من بيع حتى يفترقا، وظهوره في وحدة من له الخيار في البابين واضح (قوله: وان لم يكن من تعارض) لان شرط التعارض التنافي وهو غير حاصل في المثبتين مثل: العالم يجب اكرامه، و: العالم العادل يجب اكرامه (قوله: سياق الجميع يشهد) هذا لو تم اقتضى اختصاص الخيار بالمالك دون الوكيل (قوله: كما هو ظاهر الحدائق) ما ذكره في الحدائق يقتضيه الجمود على عبارة النص من دون ملاحظة قرينة الارفاق ولازمه جواز الفسخ ولو مع منع الاصيل (قوله: لم يحنث ببيع) هذا يتوقف على قصد الناذر المباشرة ولو قصد ما تحت العبارة فهو في محله (قوله: كالالة) هذا ادعائي وكيف يكون الفاعل المختار كالالة (قوله: شائعة) لكنه مجاز نظير: بنى الامير المدينة، فلا يحمل عليه الكلام من دون قرينة وقد عرفت ان الاشكال في صدق البائع على المالك أولى من الاشكال في صدقه على الوكيل لعدم قيامه الا ببعض شروط العقد المتوقف عليها الصحة (قوله: مع حضورهما في) قد عرفت ان الاجتماع المنوط به بقاء الخيار هو الاجتماع الذي لابد منه في البيع وهو اجتماع الوكيلين ولذا اطلق في النصوص ذكر الافتراق واجتماع المالكين وافتراقهما غير اجنبيان عن ذلك، ومن ذلك تعرف الاشكال في كلمات المصنف " قده "، (قوله: لعموم النص) قد عرفت ان اكثر الوجوه المتقدمة منه (ره) في نفي ثبوته للوكيل بالمعنى الاول جار هنا (قوله: إذا استندت الى الغلبة) قد عرفت استنادها الى قرينة الارفاق (قوله: الوجه الاخير) يعني وجه

[ 444 ]

الثبوت للمالك وما ذكره (قده) في محله وانما الاشكال في ثبوته للوكيل، واشكل منه ثبوته لهما معا فان لفظ البيع لا يصلح لارادة المعنيين معا وعموم المجاز وان كان ممكنا عقلا لكنه يحتاج الى قرينة ظاهرة وهي مفقودة (قوله: وهذا فرض من) العمدة في الفرق ان الحق المجعول حق واحد ثابت للجامع بين الافراد فإذا سبق واحد منهم الى استيفائه سقط بالاستيفاء سواء كان استيفاؤه بالامضاء أو بالفسخ فلو كان الحق متعددا بتعدد أفراد الجانب الواحد فان سبق أحد منهم الى استيفائه لم يسقط حق الباقين فلو سبق أحدهم الى استيفائه بالامضاء كان للاخر استيفاء حقه بالفسخ. نعم لو سبق احدهم الى استيفائه بالفسخ انتفى الموضوع فلا مجال لاستيفاء الاخر حقه بالامضاء. هذا وكأن الوجه في كون ثبوت الحق في المقام على هذا النحو اطلاق موضوع الخيار وهو البيع فان مقتضى الاطلاق ثبوت الخيار لصرف الطبيعة المقتضي بكون الحق واحدا لموضوع واحد وحمله على الطبيعة السارية خلاف الاطلاق لكن هذا مبني على عموم البيع للمالك الموكل والعاقد الوكيل بحيث تكون نسبته الى المالك والوكيل نسبة واحدة فلو فسخ الوكيل لم يكن للمالك الامضاء وبالعكس وربما ينافي هذا ما ذكره (ره) سابقا في مناقشة بقوله (ره): وأضعف منه تعميم الحكم... الخ اللهم الا أن يكون مقصوده ترتب الاثر على السابق إذا كان وكيلا في ظرف عدم منع الموكل فلاحظ (قوله: فهل العبرة فيه بتفرقهما) مبنى الاحتمالات المذكورة أن ثبوت الخيار للوكلين من جهة عموم البيع لهما أو من جهة الفحوى؟ وعلى الاول فالمضاف إليه التفرق مطلق الطبيعة أو الطبيعة المطلقة؟ وعلى الثاني فالافتراق مقابل الاجتماع حال العقد مطلقا أو في خصوص مجلس العقد أو في مقابل اجتماع العاقدين فقط؟ فالثالث مبني على الاخير، والثانى مبني على ما قبله، والاول مبني على ما قبل، والرابع مبني على ما قبله، ولم يذكر احتمال الاكتفاء بخروج واحد اصيلا أو وكيلا فيسقط به الخيار وهو احد المحتملات ويبتني على اول الوجوه الموافق لاطلاق الدليل بناء على عموم البيع للاصيل والوكيل معا (قوله: أو بتفرق

[ 445 ]

الكل) يعني عن مجلس العقد كما يأتي منه (ره) بيانه (قوله: تفويض الامر) يعني نقل الحق الى الوكيل فيكون ذا حق دون المالك (قوله: الاقوى العدم لان) لا ينبغي التأمل في أن دليل الخيار ليس مرجعا في المقام لانه انما يتعرض لمجرد ثبوته لاهله شرعا اما جواز نقله من مستحقه الى غيره فيكون مجعولا مالكيا فالمرجع فيه غيره فان كان الشك في قابلية نقله وعدمها فلا دليل يقتضي اثبات هذه القابلية والمرجع اصل العدم وان كان الشك في قدرة ذي الخيار على نقله مع احراز قابلية الحق لذلك فقاعدة السلطنة على الحق كقاعدة السلطنة على المال تقتضي بعمومها ثبوت قدرته، ومن ذلك تعرف الاشكال في استدلال المصنف (ره) على العدم، وبالجملة الكلام ليس في الجعل الشرعي كي يرجع الى ادلة الجعل وانما هو في الجعل المالكي فيرجع فيه الى دليل سلطنة المالك ان امكن (قوله: لاندفاعه بأن) هذا الاندفاع غير ظاهر فان البيع في لسان الشارع إذا اخذ موضوعا لحكم شرعي فالمراد منه البيع الشرعي لا غير. نعم مقتضى الاطلاقات المقامية ان البيع الشرعي هو البيع العرفي لكن ذلك حيث لا دليل على خلافه كما هو المفروض (قوله: ويندفع ايضا) هذا غير ظاهر ايضا فانه لا ينبغي التأمل في عدم الخيار في الصرف والسلم قبل القبض بل كيف يصح اعتبار الخيار مع عدم ترتب الاثر على العقد كي يكون موردا للفسخ (قوله: لا يصح على مذهب الشيخ) لكنه اشكال على الشيخ وتابعيه ولا بدلهم من التصرف في ظاهر الدليل فيراد من البيع انشاء البيع الجامع لشرائط ترتيب الاثر لولا الخيار وكذا الكلام لو بني على ثبوت الخيار قبل القبض في السلم والصرف (قوله: فالوجه في عدم ثبوته) الكلام في الفضولي بعد الاجازة هو الكلام في الوكيل بعينه فراجع. نعم بناء على ان الاجازة عقد مستأنف لا مجال لاحتمال ثبوت الخيار للفضولي لو بني على الغض عن قرينة الارفاق كما بني على ثبوته للوكيل لعدم صدق البيع عليه كما كان يصدق على الوكيل (قوله: على ما تقدم) على هذا لو كان احدهما مالكا والاخر فضوليا فلا بد من اجتماع المجيز والاصيل من مجلس

[ 446 ]

العقد الى مجلس الاجازة لان العقد تألف من الاجازة وانشاء المالك فهما كالايجاب والقبول (قوله: التزمت فتأمل) لعله اشارة الى ان الالتزام الحاصل بالاجازة ليس بأءكد من الالتزام الحاصل بالايجاب والقبول (قوله فلو تبايع غاصبان) هذا ليس من فروع المقام بل من من فروع الفضولي. اتحاد الموجب والقابل قوله: وجعل الغاية التفرق) لا يخفى ان منشأ الاشكال في ثبوت الخيار في المقام أمران " الاول " قوله (ع): البيعان، فانه موضوع للتثنية ولا بد فيها من التعدد " الثاني " قوله (ع): حتى يفترقا، إذ الافتراق لا يكون الا في المتعدد لكن الذي يوهن الاشكال من الجهة الاولى أن التثنية المذكورة ليست بالاضافة الى طبيعة واحدة ليكون المراد فردين فلا تصدق على الفرد الواحد، بل هي بالاضافة الى طبيعتين وهما طبيعة البائع والمشتري، والتثنية مبنية على التغليب فهي مجازية والمراد منها البائع والمشتري، والظاهر من مثل هذا التعبير هو طبيعة البائع والمشتري لانه الاصل في اللفظ الموضوع للطبيعة، وحمله على الفرد يحتاج الى قرينة وعناية، وعلى هذا فمقتضى الاطلاق ثبوت الحكم للطبيعتين وان اجتمعتا في وجود واحد، فالاشكال من هذه الجهة ضعيف، واما الاشكال من الجهة الثانية فمحكم إذ الافتراق بعد ما كان مفهوما وذاتا موقوفا على الاثنينية في الوجود يكون اقتران الكلام به موجبا رفع الاطلاق لانه لا أقل من كونه صالحا للقرينية على تعدد الوجود، وبذلك افترق عن صورة عدم امكان الافتراق خارجا ووجودا كما إذا كانا في سجن واحد مؤبدا أو ملتصقين بحيث يمنع فصلهما وافتراقهما فان امتناع الافتراق في هذه الموارد لا يقدح في ثبوت الخيار لان الحكم المغيا بغاية لا يختص بصورة امكانها بل يعم صورة امتناعها لان الامكان والامتناع من هذه الجهة خارجان عن مفهوم

[ 447 ]

الكلام فلا يتقيد بهما يخلاف الامتناع بالنظر الى المفهوم فانه داخل في مفهوم الكلام فيمنع من عمومه واطلاقه ومن هنا يظهر أن البناء على عدم الخيار في الفرض متعين وأما دعوى تنقيح المناط في المقام فيثبت لاجله الخيار فغير واضحة، ومن ذلك تعرف أن قوله (ع): ما لم يفترقا مانع من اطلاق الحكم بالخيار من دون فرق بين ان يكون قيدا للموضوع وأن يكون قيدا للحكم وان كان الثاني اظهر كما هو الاصل في القيود المبيع المنعتق على المشترى (قوله فلا اشكال في ثبوت) لان الاشكال انما جاء من الانعتاق المترتب على الملك فإذا بني على عدم الملك قبل انقضاء زمان الخيار انتفى منشأ الاشكال (قوله: لان مقتضى الادلة الانعتاق الخ) هذا مسلم لكن يمكن الاشكال بمعارضة الادلة المذكورة بالادلة الدالة على ثبوت الخيار بناء كونه متعلقا بالعين وبين الطائفتين عموم من وجه فكما يمكن تخصيص ادلة الخيار باخراج المورد منها عملا باطلاق أدلة الانعتاق يمكن تخصيص أدلة الانعتاق باخراج المورد منها عملا باطلاق أدلة الخيار فالبناء على الاول يحتاج الى مرجح نعم لو بني على عدم تعلقه بالعين وانه متعلق بالعقد لم تكن مزاحمة بين مقتضى الدليلين ولا معارضة بين مدلوليهما وحينئذ لامانع من الاخذ باطلاق كلا الدليلين فيبنى على الانعتاق وثبوت الخيار اللهم الا ان يستشكل في الخيار من أحد وجوه (الاول) أن شراء المبيع المنعتق على المشتري اتلاف له في الحقيقة وسيجئ سقوط الخيار بالاتلاف، وفيه أن الاتلاف انما يكون مسقطا للخيار إذا كان كاشفا عرفا عن الالتزام بالعقد أو اسقاط الخيار لا أنه مسقط تعبدا وحصول هذا الكشف غير ظاهر في المقام، ومنه يندفع ايضا توهم سقوط خيار البائع بدعوى ان بيعه على من ينعتق عليه اقدام على اتلافه واخراجه عن المالية مع أنه لو سلم ذلك كان فسخا لان تصرف ذي الخيار فيما انتقل عنه فسخ للعقد (الثاني) أن الاصحاب (قدس سرهم) قد ذكروا قاعدتين مترتبتين تتفرع إحداهما على الاخرى (الاولى) قاعدة الضمان قبل القبض ومرجعها الى

[ 448 ]

ان المبيع إذا تلف قبل قبض المشتري له يكون مضمونا له بالمسمى على البائع يعني يكون التلف كاشفا عن انفساخ المعاملة قبل التلف آناما فيرجع الثمن الى ملك المشتري (الثانية) انتقال الضمان بالقبض ومرجعها الى ان قبض المشتري للمبيع يوجب كون ضمانه عليه بمعنى أن لو فسخ العقد يرجع البائع عليه بالعين إن كانت موجودة وببدلها ان كانت تالفة ولما امتنع تطبيق القاعدة الاولى في المقام لان تقدير المبيع ملكا للبائع قبل الانعتاق الذي هو بحكم التلف مانع من الانعتاق على المشتري فإذا امتنعت القاعدة الاولى امتنعت القاعدة الثانية لكونها متفرعة عليها وإذا امتنع ضمان المشتري امتنع الفسخ لامتناع رجوع العين وبدلها الى البائع أما العين فللانعتاق وأما البدل فلفرض عدم الضمان (وفيه) أن تفرع القاعدة الثانية على الاولى غير ظاهر إذ لا يجمعهما دليل واحد كي يتوهم ذلك فهما قاعدتان مستقلتان وتعبير الاصحاب بقولهم: وبالقبض ينتقل الضمان لا يقتضي ذلك مع ان امتناع القاعدة الاولى في المقام ليس لامتناع حكمها بل لامتناع موضوعها لان الانعتاق على المشتري بمنزلة قبضه فلاحظ (الثالث) ان ثبوت الضمان على المشترى بالقبض لا دليل عليه لفظي كي يتمسك باطلاقه والعمدة في دليله الاجماع على جواز الاقالة مع التلف وهو غير ثابت في المقام وفيه ان المستفاد من كلماتهم في مبحث الاقالة مشروعيتها حتى مع التلف والظاهر انه لا خلاف في مشروعيتها هنا وانما هو في ثبوت الخيار لكل من المتبايعين على سبيل الاستقلال من جهة قصور الادلة ذاتا أو عرضا فالاولى في تقرير المنع ما اشرنا إليه من ان الخيار وان كان في نفسه لايمنع عنه التلف لكن نصوص الباب بقرينة الارفاق ظاهرة في ثبوت الخيار في ارجاع العين بالفسخ فمع وجود المانع عن الارجاع لا مجال للخيار فيدور الامر بين تخصيص ادلة الخيار وتخصيص مادل على الانعتاق بمجرد الملك وتخصيص مادل على عدم رجوع الحر رقا، ولاجل أن عموم الاخيرين قوي جدا بل الظاهر الاجماع على امتناع تخصيصهما يتعين تخصيص أدلة الخيار لا أقل من وجوب الرجوع الى عمومات اللزوم بعد كون التعارض بين الادلة بنحو العموم من وجه ولو بني على منع تعلق الخيار بالعين

[ 449 ]

أصلا ولو تبعا للعقد فلا مانع من الخيار ولا من عموم الادلة للمقام من دون فرق بين صورة العلم بالانعتاق بالملك وعدمه، ومجرد العلم بذلك لا يوجب اسقاط الحق الخياري لعدم المنافاة بينهما حتى يكون الاقدام على احدهما إقداما على عدم الاخر ومن ذلك تعرف الاشكال في كلمات المصنف قدس سره وكلام المقاييس فلاحظ (قوله: ومنها العبد المسلم) قد تقدم في مسألة عدم جواز بيع المسلم على الكافر انه بناء على عدم تمامية دلالة آية نفي السبيل على امتناع ملكية الكافر للمسلم لامانع من الخيار فيتعين العمل بعموم دليله وبناء على تمامية دلالتها على ذلك أو قيام دليل اخر عليه يمتنع الخيار فيتعين تخصيص دليل الخيار والظاهر انه لافرق في ذلك بين القول بتعلق الخيار بالعين وعدمه إذ على الثاني لا مجال في المقام للرجوع الى البدل إذ هو إنما يمكن في التلف وما بحكمه وليس منه المقام إذ لا قصور في العبد وإنما القصور في البائع المانع من تملكه للمسلم كما هو الظاهر ولاجل انه لادليل على امتناع ملك الكافر للمسلم فالوجه في المقام ثبوت الخيار عملا بأدلته (قوله: ومنها شراء العبد نفسه) لا يخفى ان الكلام تارة يكون بناء على عدم ملك العبد واخرى بناء على ملكيته في الجملة فعلى الاولى لاوجه لثبوت الخيار لعدم كون البيع على حقيقته فان المال كله مال المولى وتبديل بعض المال ببعض لا معنى له لان البدلية تتوقف على ان يكون للمبدل منه عنوان خاص كي يصح اعتبار بدلية البدل له وصيرورته بدلا عنه في حفظ ذلك العنوان فليس الشراء على هذا المبنى الا صوريا ونتيجته خروج العبد عن الرقية تعبدا (وأما) على الثاني فالشراء حقيقي لصحة اعتبار البدلية فان الثمن قبل الشراء كان ملكا للعبد وبعده صار ملكا للمولى والعبد قبل الشراء كان ملكا لمولاه وبعده خرج عن الرقية للمولى وصار حرا نعم يشكل ذلك بناء على ان البيع تمليك إذ لا يعقل ملك العبد لنفسه فكيف يصح تمليكه نفسه لكن عرفت في أول مبحث البيع ان التمليك والملكية خارجان عن حقيقته وليس هو الا البدلية بين المالين فان لم يكن مانع من دخول كل من العوضين في ملك من خرج الاخر عنه تحقق

[ 450 ]

التمليك وإلا فلا كما في الشراء من مال الزكوة ومال الوقف ومن ينعتق على المشتري بناء على عدم دخول العمودين في ملك القريب اصلالا آناما ولامستقر أو كما في المقام لما عرفت من أن اضافة الملكية لا تقوم بطرف واحد بل لابد لها من طرفين متغايرين، ومن هنا يظهر لك الاشكال فيما ذكره بعض الاعاظم قدس سره في درسه من امكان ذلك وانه لا ينافي ملكية العبد لنفسه عدم تسلطه على بيع نفسه فان الملكية لا تلازم السلطنة ومثله في الاشكال ما ذكره في دفع الاشكال على دعوى كون العبد مالكا لماله وأن العبد وما يملك ملك للمولى من انه يلزم أن يكون مال العبد ملكا له وللمولى ولا يمكن اجتماع المالكين على مملوك واحد وكيفية الدفع ان المال الواحد لا يمكن اجتماع مالكين عليه في عرض واحد واما طولا فلم يقم على امتناعه دليل (وجه) الاشكال أولا بان أخذ الملكية الاولى التي للعبد في موضوع الملكية الثانية التي للمولى غير معقول إذ الملكية من الاعتبارات المحضة التي ليس لها ما بحذاء في الخارج فيمتنع ان تكون مملوكة لمالك ولا تكون طرفا لاضافة الملكية وشرط التمليك في ضمن العقد انما صح بناء على ان الشرط مملوك للمشروط له كما هو الظاهر الثانية التي للمولى غير معقول إذ الملكية من الاعتبارات المحضة التي ليس لها ما بحذاء في الخارج فيمتنع ان تكون مملوكة لمالك ولا تكون طرفا لاضافة الملكية وشرط التمليك في ضمن العقد انما صح بناء على ان الشرط مملوك للمشروط له كما هو الظاهر فذلك باعتبار ايقاع السبب من المشروط عليه وهو الانشاء على النحو الخاص وهو أمر حقيقي كما لعله ظاهر، وثانيا ان هذا الاختلاف لا يصحح تعدد المالك مع وحدة الذات فلا يصح ان يكون ذات الشئ ملكا لمالك وذاته بما هي موصوفة ملكا لمالك آخر ولاجل ذلك لابد من القول بان البناء على ان العبد مالك لماله مانع من البناء على كون مال العبد ملكا للمولى بل ليس له الا نفس العبد لاغير (ثم) ان الكلام في ثبوت الخيار هنا بعينه الكلام في ثبوته في مسألة شراء من ينعتق على المشتري بل الثبوت هنا اشكل لامكان تاتي دعوى كون حق الخيار مانعا عن الانعتاق في تلك المسألة بخلاف المقام لامتناع تملك العبد نفسه هنا فلا بد من تحقق الانعتاق نعم لو بني على امكان رجوع الحر الى الرقية هناك أمكن القول بها هنا فلاحظ (قوله: لو اشترى جمدا في شدة الحر ففي الخيار اشكال) لعله من جهة احتمال كون الخيار في المقام قائم بالعين فيسقط يتلفها مطلقا ولو تدريجياء. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية