الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




مستمسك العروة - السيد محسن الحكيم ج 12

مستمسك العروة

السيد محسن الحكيم ج 12


[ 1 ]

ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى قرآن الكريم مستمسك العروة الوثقى تأليف فقيه عصره آية الله العظمى السيد محسن الطباطبائي الحكيم قدس سره الجزء الثاني عشر

[ 2 ]

منشورات مكتبة اية الله العظمى السيد المرعشي النجفي قم - ايران 1404 هجري قمري

[ 3 ]

[ بسم الله الرحمن الرحيم كتاب الاجارة وهى: تمليك عمل أو منفعة بعوض (1). ويمكن أن ] بسم الله الرحمن الرحيم وله الحمد، والصلاة والسلام على رسوله الكريم وآله الطاهرين. كتاب الاجارة (1) عرفها بعضهم - كالعلامة في القواعد -: بأنها عقد ثمرته نقل المنفعة. والاشكال عليه ظاهر، لان العقد هو مجموع الالتزامين النفسيين، القائم أحدهما بالموجب والاخر بالقابل، المرتبطين على نحو خاص من الارتباط، والاجارة ليست كذلك، بل هي الامر الملتزم به، وكذلك غيرها من مفاهيم العقود والايقاعات. ولاجل ذلك عدل بعضهم إلى تعريفها بما في المتن. ويشكل: بأن الاجارة ليست تمليكا للمنفعة، بل هي قائمة بالعين ذات المنفعة، فنقول: (آجرت الدار) ولا تقول: (آجرت منفعة الدار)، وبذلك امتازت عن أكثر العقود، كالبيع والصلح والرهن والهبة والنكاح وغيرها، فان هذه المفاهيم قائمة بموضوعاتها وتقتضي التصرف فيها، بخلاف الاجارة فانها قائمة بذي المنفعة وتقتضي التصرف في المنفعة لافيه، فلو بني على حصول تمليك المنفعة في الاجارة فليس هو عين الاجارة بل مسبب عنها وأثر لها.

[ 4 ]

[ يقال: إن حقيقتها للتسليط على عين للانتفاع بها بعوض (1). وفيه فصول: فصل في أركانها، وهى ثلاثة: الاول: الايجاب والقبول، ويكفى فيهما كل لفظ دال على المعنى المذكور. وللصريح منه: آجرتك أو أكريت الدار - مثلا - فيقول: قبلت أو استأجرت أو استكريت. ويجري ] والمناسب حينئذ أن يقال: إنها جعل العين موضوعا للاجر، بنحو يقتضي تمليك المنفعة، لاأنها عين تمليك المنفعة. ويشكل هذا التعريف أيضا: بأن الاجارة قد لا تقتضي تمليك المنفعة، كما في استيجار ولي الزكاة أو ولي الوقف دارا، لان يحرز فيها الغلة المأخوذة من الزكاة أو من نماء الوقف، فان منفعة الدار في الفرض ليس مملوكة لمالك، وإنما هي صدقة يتعين صرفها في مصرف الزكاة أو مصرف الوقف. وكأنه لذلك عدل في القواعد عن جعل ثمرة العقد التمليك، إلى جعلها نقل المنفعة. لكن عرفت الاشكال فيه أيضا. (1) السلطنة من الاحكام المترتبة على الاموال والحقوق التي هي موضوع عقد الاجارة وليست هي نفس حقيقتها. مع أن ما ذكر لا ينعكس في الاجارة على عمل إذا كان الاجير حرا، ولا يطرد في الاذن بالتصرف بشرط العوض، ضرورة أنه ليس من الاجارة ولا تشترط فيه شرائطها.

[ 5 ]

[ فيها المعاطاة كسائر العقود (1). ويجوز أن يكون الايجاب بالقول والقبول بالفعل، ولا يصح أن يقول في الايجاب: بعتك الدار - مثلا - وإن قصد الاجارة (2)، نعم لو قال: بعتك منفعة للدار أو سكنى الدار - مثلا - بكذا لا يبعد ] (1) كما صرح به غير واحد، بل قيل: لم يعرف متأمل في ذلك. ويقتضيه عموم أدلتها، لعدم الفرق فيها بين البيع والاجارة وغيرهما. نعم خص ذلك بعض الاعاظم (ره) في منافع الاموال لا مطلقا، كما في الاجارة على عمل إذا كان الاجير حرا، فانه لا تعاطي من قبله. اللهم إلا أن يكون نفس إيجاد العمل - كبناء الجدار - إعطاء منه، مع أنه مبني على اعتبار التعاطي من الطرفين، فلو اكتفي في حصول المعاطاة بالاعطاء من طرف والاخذ من الاخر أمكن جريانها مطلقا، إذا كانت الاجرة عينا. (2) هذا مبني على عدم جواز إنشاء مضامين العقود بالمجازات المستنكرة كما في الجواهر، ودليله غير ظاهر. نعم صرح به في الشرائع وغيرها، وعن التذكرة نسبته إلى علمائنا. فان تم إجماعا كان هو الحجة وإلا فاطلاق عمومات الصحة تنفيه. ودعوى انصرافها عن مثله، ممنوعة كدعوى العلم الاجمالي بتقيد العمومات ببعض الخصوصيات في العقد، فيسقط الاطلاق عن المرجعية. فانها مدفوعة بلزوم الاقتصار في الخروج عن الاطلاق على القدر المتيقن، فيتعين الرجوع في غيره إلى الاطلاق. اللهم إلا أن يقال: إذا كان المجاز مستنكرا عند العرف لا يكون آلة لانشاء العنوان الخاص، ولايكون منشأ لاعتباره عندهم، فلا مجال للرجوع إلى الاطلاق، لانه منزل على ما عند العرف، فلاحظ.

[ 6 ]

[ صحته إذا قصد الاجارة (1). الثاني: المتعاقدان، ويشترط فيهما: البلوغ (2)، والعقل (3) والاختيار (4)، ] (1) ذكر بعض الاعاظم في حاشية المتن مانصه: " صحة هذا وأشباهه مبني على جواز التجوز في صيغ العقود، وصحة إنشاء كل واحد منها بلفظ الاخر وهو في غاية الاشكال، بل لا يبعد بطلانه " وحكي عنه في توجيهه: أن اللفظ إنما يكون آلة عرفا لانشاء معناه الحقيقي، ولايكون آلة لانشاء معنى مجازي. ولكن إشكاله ظاهر، فان إنكار صدق العنوان الانشائي إذا أنشئ بنحو المجاز، كانكار صدق الخبر إذا حكي بنحو المجاز، والفرق ممنوع. (2) لااشكال في ذلك ولا خلاف. ويشهد له بعض النصوص (* 1) لكن المتيقن من دلالته عدم صحة عقد الصبي على وجه الاستقلال، لاعدم الصحة وإن أذن له الولي، ولاجل أن المسألة محررة في كتب القوم على التفصيل، وقد تعرضنا لها في (نهج الفقاهة) على الاجمال، أهملنا ذكرها هنا اعتمادا على ذلك. (3) اعتبار العقل في مقابل الجنون المانع من تحقق القصد واضح. لعدم تحقق العقد، لتقومه بالقصد، والمفروض انتفاؤه. أما الجنون غير المانع من تحقق القصد: فالكلام فيه ينبغي أن يكون هو الكلام في الصبي فانه محجور عليه، كما يظهر من ملاحظة كلماتهم في كتاب الحجر. وعدم صحة عقده باذن الولي غير ظاهر من الادلة. (4) اعتباره مما لاإشكال فيه عندنا. وتفصيل الكلام فيه وفي فروعه مذكور في كتابنا (نهج الفقاهة) فليراجع.


(* 1) الوسائل باب: 4 من ابواب المقدمات حديث: 2.

[ 7 ]

[ وعدم الحجر لفلس أو سفه أو رقية (1). الثالث: العوضان، ويشترط فيهما أمور: الاول: المعلومية، وهى في كل شئ بحسبه، بحيث لا يكون هناك غرر (2)، ] (1) الكلام في ذلك موكول إلى كتاب الحجر. (2) كما هو المشهور. واستدل له بما ورد من نهي النبي صلى الله عليه وآله عن الغرر، (* 1) وبالنبوى: من استأجر أجيرا فليعلمه أجره " (* 2). وفيه: أن الاول غير ثابت بل لعله ثابت العدم. والوارد إنما هو: " نهى النبي صلى الله عليه وآله عن بيع الغرر " (* 3)، وهو مختص بالبيع. والنبوي لو تم حجة فلا يدل على ذلك، بل يكفي في العلم المشاهدة. ولذا اختار في الشرائع الاكتفاء بها، وحكي ذلك عن الشيخ والمرتضى وجماعة من المتأخرين. ويعضده: ما ورد في قبالة الارض بخراجها قل أو كثر، (* 4) وفي بعضها جواز إجارتها بالنصف والثلث أو أقل من ذلك أو أكثر (* 5)، وما في الخبر: " عن أرض يريد رجل أن يتقبلها، فأي وجوه القبالة أحل؟. قال (ع): يتقبل الارض من


(* 1) راجع التذكرة مسألة: 2 من الركن الثالث من الفصل الثاني من كتاب الاجارة. (* 2) مستدرك الوسائل باب: 3 من أبواب الاجارة حديث: 1 ويوجد ما يقرب منه في الوسائل باب: 3 من أبواب الاجارة حديث: 3. (* 3) الوسائل باب: 40 من أبواب آداب التجارة حديث: 3. كنز العمال الجزء: 2 صفحة 229 حديث، 4920، 4923. صحيح الترمذي الجزء: 5 صفحة 237. الموطأ الجزء: 2 صفحة: 75. (* 4) الوسائل باب: 17 من أبواب المزارعة حديث: 2. (* 5) الوسائل باب: 21 من أبواب الاجارة حديث: 5.

[ 8 ]

[ فلو أجره دارا أو حمارا من غير مشاهدة ولا وصف رافع للجهالة بطل. وكذا لو جعل العوض شيئا مجهولا. للثاني: أن يكونا مقدورى للتسليم (1)، فلا تصح إجارة للعبد الآبق. وفى كفاية ضم للضميمة هنا - كما في البيع - إشكال (2). ] أربابها بشئ معلوم إلى سنين مسماة، فيعمر ويؤدي الخراج، فان كان فيها علوج فلا يدخل العلوج في قبالته، فان ذلك لا يحل " (* 1) فالظاهر أن المراد بالمعلوم مقابل المجهول المطلق، لا ما هو مراد المشهور. (1) هذا واضح لو كان المراد تعذر التسليم، لعدم المالية في المنفعة حينئذ لتصح المعاوضة عليها، ولايكون أكل الاجرة أكلا بالباطل. أما مع رجاء حصوله فمشكل وقد عرفت اختصاص النهي عن الغرر بالبيع، مع إمكان المناقشة في صدقه بمجرد ذلك، لاحتمال اختصاصه بالجهل بأحد العوضين لا مجرد الخطر، ولامجرد الجهل ولو بالحصول. لكن الظاهر العموم، وإن حكي الاول عن الشهيد الاول في شرح الارشاد، لكن حكي عنه في قواعده الاختصاص بالجهل بالحصول، كما أشرنا إلى ذلك في (نهج الفقاهة) فراجع، فلا يجري الحديث إلا في ذلك. لكن الاشكال في عموم الحديث للاجارة، فكأن المستند فيه الاجماع المدعى على اشتراط ذلك، لاغيره. (2) عن جماعة: الصحة، منهم الاردبيلي، وعن آخرين: المنع، منهم العلامة والشهيد. وعن آخرين: التردد. واستدل للاول: بأن الاجارة تتحمل من الغرر مالا يتحمله البيع. وفيه: أن هذا المقدار لا يوجب القطع بالصحة.


(* 1) الوسائل باب: 18 من أبواب المزارعة حديث: 5.

[ 9 ]

[ الثالث: أن يكونا مملوكين (1)، فلا تصح إجارة مال للغير، ولا الاجارة بمال الغير الا مع الاجازة من المالك. الرابع: أن تكون العين المستأجرة مما يمكن الانتفاع بها مع بقائها، فلا تصح إجارة الخبز للاكل مثلا، ولا الحطب للاشعال، وهكذا. الخامس: أن تكون المنفعة مباحة (2)، فلا تصح ] نعم يمكن الاستدلال بذيل موثق سماعة (* 1)، الدال على جواز البيع مع الضميمة، حيث علل ذلك بقوله عليه السلام: " فان لم يقدر على العبد كان الذي نقده فيما اشترى معه ". وفيه أيضا: أنه لا يظهر منه أنه تعليل للجواز، بل من المحتمل أن يكون بيانا لحكم تعذر الابق، وأنه لا يرجع المشتري إلى البائع بما قابله من الثمن، بل تكون معاوضة قهرية بين تمام الثمن وبين الضميمة - كما هو أحد الوجوه المحتملة في الرواية - أو غير ذلك من الوجوه، لا أنه تعليل للجواز. نعم إذا كان المستند في المنع الاجماع، فلا بأس بالقول بالصحة مع الضميمة، لعدم الاجماع على المنع فيها. (1) لان الصحة بدون الملك ودون إذن المالك خلاف قاعدة السلطنة. وسيأتي منه التعرض للاجتزاء باذن المالك أو إجازته. (2) وفي حاشية بعض الاعاظم: " إن اشتراط مملوكية المنفعة يغني عن هذا الشرط، فان المنفعة المحرمة غير مملوكة "، لان اضافة الملك بحسب اعتبار العقلاء إنما تكون فيما ترجع مصلحته إلى المالك، ويكون من كماله، ولا يصح اعتبارها فيما يكون مفسدة ومضرة على المالك، فيصح


(* 1) الوسائل باب: 11 من أبواب عقد البيع وشرون حديث: 2.

[ 10 ]

[ إجارة المساكن لاحراز المحرمات، أو للدكاكين لبيعها، أو للدواب لحملها، أو الجارية للغناء، أو لكتابة الكفر، ونحو ذلك. وتحرم الاجرة عليها. السادس: أن تكون العين مما يمكن استيفاء المنفعة المقصودة بها (1)، فلا تصح إجارة أرض للزارعة إذا لم يمكن إيصال الماء إليها، مع عدم إمكان الزارعة بماء السماء، أو عدم كفايته. السابع: أن يتمكن المستأجر من الانتفاع بالعين المستأجرة (2) فلا تصح إجارة الحائض لكنس المسجد (3) مثلا. (مسألة 1): لا تصح الاجارة إذا كان المؤجر أو المستأجر مكرها عليها إلا مع الاجازة اللاحقة، بل الاحوط عدم الاكتفاء بها، بل تجديد العقد إذا رضيا. نعم تصح مع ] أن تقول: يملك زيد أن يأخذ درهما من عمرو، ولا يصح أن تقول: يملك زيد أن يأخذ منه عمرو درهما. والمحرمات لما كانت بنظر الشارع مفسدة، لا يصح اعتبارها مملوكة عنده. (1) لانه مع عدمه يكون أخذ الاجرة أكلا للمال بالباطل، ولا تصح معه المعاوضة المأخوذة في حاق الاجارة. (2) لان تعذر المنفعة شرعا بمنزلة تعذرها عقلا، فيرجع الشرط المذكور إلى الذي قبله. (3) في بعض الحواشي: " إن هذا المثال قد خرج باشتراط مملوكية المنفعة وإباحتها " وفيه: أن كنس الحائض للمسجد حلال، وإنما الحرام المكث الموقوف عليه الكنس.

[ 11 ]

[ الاضطرار، كما إذا طلب منه ظالم مالا فاضطر إلى إجارة دار سكناه لذلك، فانها تصح حينئذ (1). كما انه إذا اضطر إلى بيعها صح. (مسألة 2) لا تصح إجارة المفلس - بعد الحجر عليه - داره أو عقاره. نعم تصح إجارته نفسه لعمل أو خدمة (2) وأما السفيه: فهل هو كذلك - أي تصح إجارة نفسه للاكتساب مع كونه محجورا عن إجارة داره مثلا - أولا؟ وجهان: من كونه من التصرف المالي وهو محجور (3)، ومن أنه ليس تصرفا في ماله الموجود (4) بل هو تحصيل للمال، ولا تعد منافعه من أمواله (5). ] (1) إما لاختصاص دليل مانعية الاكراه بما إذا كان الاكراه على خصوص العقد أو الايقاع، فلا يشمل صورة ما إذا كان الاكراه على الغاية. وإما لان دليل مانعية الاكراه لما كان امتنانيا لم يشمل المقام، لان شموله له خلاف الامتنان، إذ يلزم منه الوقوع في الضرورة. (2) لانه ليس تصرفا في ماله الموجود، بل هو تصرف في نفسه. ومنافعه ليست موضوعا لحق الغرماء كي يمنع عن التصرف فيها، فاجارة نفسه للاحتطاب والاصطياد ونحوهما مما لايمنع المفلس عنه. (3) لانه معقد الاجماع على عدم نفوذ تصرف السفيه. (4) كما هو مورد الادلة اللفظية المانعة من نفوذ تصرفه من الكتاب والسنة. (5) لان منافع الحر وإن كانت أموالا، ويصح بذل المال بأزائها، لكنها ليست مملوكة له، لان الملكية تتوقف على الاثنينية، ولا اثنينية بينه وبين نفسه، فإذا لم يملك نفسه لم يملك منافعه، لانها تابعة للعين،

[ 12 ]

[ خصوصا إذا لم يكن كسوبا. ومن هنا يظهر للنظر فيما ذكره بعضهم من حجر السفيهة من تزويج نفسها، بدعوى: أن منفعة البضع مال (1)، فانه أيضا محل إشكال. ] إذ لا وجود لها خارجي، وإنما منشأ اعتبارها العين، فإذا لم تكن مملوكة لنفسه لم تكن المنافع مملوكة، ولذا لا تكون من أمواله. مع أنه لو سلم أنها مملوكة ومن أموال السفيه فليست داخلة في عموم الولاية عليه، لاختصاصه بغيرها. نعم لاتبعد استفادة حكمها من دليل الولاية في الاموال الموجودة، لانها كلها أموال. والمستفاد من دليل الولاية أن العلة فيها الاحتفاظ بمصلحة السفيه من حيث المال، ولافرق بين الموردين. وهذا هو الذي يقتضيه مذاق العرف والشرع. مضافا إلى رواية عبد الله بن سنان الاتية. (1) قال في الجواهر - في مبحث السفيه -: " والظاهر دخول تزويجها نفسها في التصرفات المالية، من جهة مقابلة البضع بالمال، فلا يجوز بدون إذن الولي ". وقد يظهر من المفاتيح: عدم الخلاف في ثبوت الولاية على السفيه والسفيهة في النكاح. ولكنه - كما ترى - غير ظاهر، لعدم كون البضع مالا ولا مقابلا بالمال. أقول: إن كان المراد: أن الصداق ليس في مقابل المنفعة المخصوصة، وإلا لم يستحق المهر بالموت، أو الطلاق قبل الدخول مع أن الاستحقاق ضروري، فهو في محله. وإن كان المقصود: أن المهر ليس في مقابل المنفعة أصلا فهو غير ظاهر. لان المهر في مقابل الزوجية، وهي أيضا نوع من المنفعة. ولا ينافي ذلك صحة العقد بلا مهر، لجواز أن يكون من قبيل العارية أو الهبة المجانية. نعم الزوجية ليست ملحوظة عوضا عن المهر، بل لوحظت عنوانا

[ 13 ]

[ (مسألة 3): لا يجوز للعبد أن يوجر نفسه أو ماله أو مال مولاه إلا باذنه أو إجازته. (مسألة 4): لابد من تعيين العين المستأجرة، فلو آجره أحد هذين العبدين أو إحدى هاتين الدارين لم يصح (1) ] لموضوع المهر. فالمهر من قبيل الهبة للزوجة، لوحظ فيه الزوجية قيدا، فالمقام ليس من باب المعاوضة، إذ لم يدخل في ملك الزوج شئ، لانه لم يملك الزوجية ولا البضع، ولا الانتفاع به، ولا شيئا آخر ليكون عوضا عن مهره. وعلى هذا فالمقام ليس من قبيل المعاملة على منافع السفيه، بل هو نحو آخر. وإجراء الحكم السابق فيه لا يخلو من وجه، لانه هو الذي يقتضيه مذاق العرف والشرع أيضا. مضافا إلى ما يستفاد من رواية عبد الله بن سنان: " إذا بلغ ونبت عليه الشعر جاز أمره، إلا أن يكون سفيها أو ضعيفا " (* 1)، فان إطلاقه يقتضي منع السفيه حتى من النكاح، لانه من أمره. (1) هذا إذا كان على وجه الترديد، لان المردد لا وجود له في الخارج، فلا تصح اجارته. أما إذا كان على وجه الكلي في المعين، فلا بأس باجارته كما لا بأس ببيعه. كما أنه إذا كان أحد العبدين معينا في نفسه، مرددا عندهما أو عند أحدهما - مثل الاكبر أو الاصغر - فالبناء على البطلان فيه مبني على مانعية الجهل، وإلا فلا مانع عنه عقلا ولا عرفا، والادلة المطلقة تقتضي الصحة. وأدلة نفي الغرر قد عرفت


(* 1) هذا المضمون مروي بتعبيرات مختلفة وأقرب الكل إليه ما رواه في الوسائل في باب: 2 من احكام الحجر حديث: 5 الا أنه نقله عن الخصال عن ابي الحسين الخادم بياع اللؤلؤ من دون توسط ابن سنان لكن الموجود في الخصال الجزء 2 صفحة 89 روايته عن بياع اللؤلؤ عن عبد الله بن سنان. فلاحظ.

[ 14 ]

[ ولابد أيضا من تعيين نوع المنفعة إذا كانت للعين منافع متعددة (1). نعم تصح إجارتها بجميع منافعها مع التعدد (2) فيكون المستأجر مخيرا بينها. (مسألة 5): معلومية المنفعة (3): إما بتقدير المدة، كسكنى الدار شهرا، والخياطة يوما، أو منفعة ركوب للدابة إلى زمان كذا. وإما بتقدير العمل (4) كخياطة الثوب المعلوم طوله وعرضه ورقته وغلظته، فارسية أو رومية، من غير تعرض للزمان. نعم يلزم تعيين الزمان للواقع فيه هذا للعمل كأن يقول: إلى يوم الجمعة مثلا. وإن أطلق اقتضى التعجيل على الوجه العرفي (5). وفي مثل استئجار الفحل للضراب ] الاشكال فيها. مع أنه قد لا يكون غرر، كما إذا كان العبدان لا يختلفان بالصفات التي تختلف بها الرغبات أو المالية. فالعمدة فوجه البطلان ظهور التسالم عليه. (1) الكلام فيه كالكلام في تعيين العين المستأجرة. (2) يأتي الكلام في جواز ذلك، في مبحث حكم الاجير الخاص، إذ المنافع المتضادة يمتنع أن تكون مملوكة، إذ القدرة عليها بدلية والملكية تابعة لها، فلا تكون الملكية عرضية. (3) " بلا خلاف أجده فيه، بل الاجماع بقسميه عليه، بل حكي عن المخالفين - الذين اكتفوا بالمشاهدة في البيع -: أنهم وافقوا هنا على اشتراط العلم بقدر المنفعة "، كذا في الجواهر. والعمدة فيه الاجماع المذكور، لا الغرر لما عرفت. (4) كما نص عليه الجماعة، لارتفاع الجهالة بذلك. (5) وحينئذ لا حاجة إلى ذكر المدة، لارتفاع الغرر بذلك. نعم

[ 15 ]

[ يعين بالمرة والمرتين (1). ولو قدر المدة والعمل على وجه التطبيق (2)، فان علم سعة الزمان له صح، وإن علم عدمها بطل، وإن احتمل الامران ففيه قولان. ] إذا كان الاطلاق لا يقتضي التعجيل، لقيام القرينة على عدمه، لزم ذكر المدة بالمعنى المذكور. (1) هذا في غير ضراب الماشية، فانه بقدر بالزمان (2) التقدير بالمدة مع العمل يكون: تارة: على نحو الظرفية، مثل: أن يخبط هذا الثوب في هذا اليوم. وأخرى: على نحو التطبيق وعلى الثاني: تارة: يكون التطبيق ملحوظا عنوانا لموضوع الاجارة، وأخرى: يكون شرطا، فان علمت القدرة، فلا اشكال في الصحة في الجميع. وإن علم عدمها، فلا إشكال في الفساد في الجميع. ومع الاحتمال اختار في الجواهر الصحة في الجميع، لان القدر المعلوم خروجه عن عموم الصحة صورة العلم بالعجز، فلا يشمل صورة احتماله. ونزل القول بالبطلان في فرض التقدير على نحو التطبيق على صورة غلبة عدم حصوله. واستوضح البطلان حينئذ، إلا مع اعتبار التطبيق على نحو الشرطية لا العنوانية. فان احتمال الامكان حينئذ كاف في الصحة، فلو لم يتفق كان له خيار تخلف الشرط. والتحقيق: ابتناء الصحة والبطلان - في جميع الصور - على عموم النهي عن الغرر للاجارة وعدمه. فعلى الاول: لا يصح مع الجهل، إلا أن تجري العادة بحصوله. وعلى الثاني: يصح، إلا أن تجري العادة بعدم حصوله، بحيث يكون ملحقا بالمتعذر الذي تكون المعاملة عليه سفها. وقد تقدم في الشرط الثاني الاشكال في الاول. فراجع. ومن ذلك تعرف الاشكال فيما ذكره في الجواهر مع أنه لا يخلو في نفسه من

[ 16 ]

[ (مسألة 6): إذا استأجر دابة للحمل عليها، لابد من تعيين ما يحمل عليها بحسب الجنس إن كان يختلف الاغراض باختلافه، وبحسب الوزن ولو بالمشاهدة والتخمين إن ارتفع به للغرر. وكذا بالنسبة إلى الركوب لابد من مشاهدة للراكب أو وصفه، كما لابد من مشاهدة الدابة أو وصفها، حتى الذكورية والانوثية ان اختلفت الاغراض بحسبهما. والحاصل: أنه يعتبر تعيين الحمل والمحمول عليه، والراكب والمركوب عليه، من كل جهة يختلف غرض العقلاء باختلافها. (مسألة 7) إذا استأجر الدابة لحرث جريب معلوم، فلا بد من مشاهدة الارض أو وصفها على وجه يرتفع الغرر. (مسألة 8): إذا استأجر دابة للسفر مسافة، لابد من بيان زمان السير من ليل أو نهار (1)، إلا إذا كان هناك عادة متبعة. (مسألة 9): إذا كانت الاجرة مما يكال أو يوزن، لابد من تعيين كيلها أو وزنها، ولا تكفي المشاهدة (2). وإن ] تدافع يظهر بالتأمل فيما ذكر وذكرناه. ثم إن المراد من قولنا بالصحة على الثاني: الصحة التقديرية، بمعنى الصحة على تقدير التمكن، إذ على تقدير عدمه يمتنع البناء على الصحة، لعدم المنفعة. (1) لاختلاف الاغراض في ذلك غالبا. (2) تقدم الكلام فيه في الشرط الاول.

[ 17 ]

[ كانت مما يعد، لابد من تعيين عددها. وتكفى المشاهدة فيما يكون اعتباره بها. (مسألة 10): ما كان معلوميته بتقدير المدة، لابد من تعيينها شهرا أو سنة أو نحو ذلك. ولو قال: آجرتك إلى شهر أو شهرين، بطل. ولو قال: آجرتك كل شهر بدرهم مثلا، ففي صحته مطلقا (1)، أو بطلانه مطلقا (2)، أو صحته في شهر وبطلانه في الزيادة (3)، فان سكن فأجرة المثل بالنسبة إلى الزيادة، أو الفرق بين التعبير المذكور وبين أن يقول: آجرتك شهرا بدرهم فان زدت فبحسابه بالبطلان في الاول والصحة في شهر في الثاني (4)، أقوال. أقواها ] (1) حكي عن الشيخ وابن زهرة وابن الجنيد. (2) كما حكي عن جماعة، وفي الجواهر: " لعله المشهور بين المتأخرين ". (3) اختاره في الشرائع، ونسب إلى المقنعة والنهاية. (4) هذا القول ذكره في القواعد، والظاهر منه صورة ما إذا كان المقصود منه الاجارة في الشهر الاول. وقوله: (فان زدت فبحسابه) من قبيل الشرط. وحينئذ فالبناء على البطلان في الجميع مبني على فساد الشرط وإفساده العقد، وكلاهما في المقام محل إشكال أو منع، إذ التحقيق: أن الشرط الفاسد غير مفسد، وأن الغرر في الشرط الواقع في عقد الاجارة غير ظاهر في اقتضائه البطلان في نفسه، كما عرفت. ومن ذلك يظهر ضعف ماعن الايضاح وجامع المقاصد من القول بالبطلان لما ذكر.

[ 18 ]

[ الثاني، وذلك لعدم تعيين المدة الموجب لجهالة الاجرة. بل جهالة المنفعة أيضا، من غير فرق بين أن يعين المبدأ أولا، بل على فرض عدم تعيين المبدأ يلزم جهالة أخرى، إلا أن يقال: إنه حينئذ ينصرف إلى المتصل بالعقد. هذا إذا كان بعنوان الاجارة، وأما إذا كان بعنوان الجعالة فلا مانع منه (1) لانه يغتفر فيها مثل هذه الجهالة. وكذا إذا كان (2) بعنوان الاباحة بالعوض (3). ] (1) كما صرح به في الجواهر، لكن أشكل عليه في بعض الحواشي على المتن: بأن البذل للجعل في الجعالة في مقابل العمل فالباذل غير العامل وهنا ليس كذلك. (2) كما صرح به في الجواهر. (3) يعني: على تقدير الاستيفاء. ثم إن في بعض الحواشي: " أن الاباحة بالعوض تتوقف على عقد معاوضة صحيحة، وإلا كان ما أباحه المالك بعوضه مضمونا بالمثل أو القيمة، دون المسمى ". وفيه: أنه لامانع من الالتزام بأن الاباحة بالعوض الخاص معاملة خاصة في قبال غيرها من عقود المعاوضات، نظير التمليك بالعوض كالهبة المعوضة والقرض، فتقتضي حينئذ ملك المسمى، بلا حاجة إلى معاوضة أخرى صحيحة. ودعوى: أنها خارجة عن المعاوضات المتعارفة - لو تمت - غير قادحة، كدعوى أنها مع الغرر، إذ هي ممنوعة، وكذا دعوى أنها لا تتعلق بالكلي بل بالعين الخارجية، إذ فيها: أنها لا تقدح إذا كان المباح منفعة الدار، أو كانت الاجرة عينا خارجية. نعم لو كان المقصود باباحة الاجرة التي في الذمة أن تكون المنفعة هي العوض، كان الاشكال

[ 19 ]

[ (مسألة 11) إذا قال: إم خصلت هذا الثوب فارسيا - أي: بدرز - فلك درهم، وإن خطته روميا - أي: بدرزين - فلك درهمان، فان كان بعنوان الاجارة بطل، لما مر من الجهالة (1)، وإن كان بعنوان الجعالة - كما هو ظاهر العبارة - ] في محله. مع إمكان دفعه بأنه لامانع من تعلق الاباحة بالكلي، ويكون المقصود إنه يبيح الاجرة بعوض فيه المنفعة، ودليل الصحة شامل للقسمين جميعا. (1) كما في السرائر وجامع المقاصد والمسالك وغيرها. وعن المبسوط والخلاف وجملة من كتب العلامة وغيره: الصحة. واختاره في الشرائع لعمومات الصحة. واشتراط العلم بالمنفعة - على نحو يمنع من مثل هذا الترديد - غير معلوم، بل دعوى الاجماع عليه تقتضي عدم الشمول لمثل المقام، لمخالفة الاعيان في البطلان. وأدلة نفي الغرر (10) قد عرفت الاشكال في شمولها للمقام، بل لو كان الغرر بمعنى الخطر فشموله له ممنوع، لعدم الخطر. وقد استدل أيضا بصحيحة محمد الحلبي المشار إليها في المسألة الاتية، لكن يأتي بيان المراد منها. نعم يمكن الاشكال على الصحة: بأن الاجارة بعد ما لم تكن على كل منهما لتضادهما، ولا على أحدهما المعين لانه خلاف المفروض، فلابد أن تكون على أحدهما المردد. والمردد لا يقبل أن يكون موضوعا للملكية ولا لنظائرها من الوضعيات، إذ لاخارجية له مصححة لذلك. لكن قد يدفع ذلك: أن هذا الاشكال يتم في المردد واقعا، وليس منه المقام فان الخياطة فارسية أو رومية لها تعين في الواقع بفعل العامل الخارجي. ويشكل: بأن هذا المتعين ليس موضوعا للملكية في الاجارة، وإلا كانت


(* 1) تقدمت الاشارة إليها في صفحة: 7.

[ 20 ]

[ صح. وكذا الحال إذا قال: إن عملت العمل الفلاني في هذا اليوم فلك درهمان وإن عملته في الغد فلك درهم. والقول بالصحة إجارة في الفرضين ضعيف. وأضعف منه القول بالفرق بينهما بالصحة في الثاني، دون الاول (1). وعلى ما ذكرناه من البطلان: فعلى تقدير العمل يستحق أجرة المثل وكذا في المسألة السابقة إذا سكن الدار شهرا أو أقل أو أكثر. (مسألة 12): إذا استأجره أو دابته ليحمله أو يحمل متاعه إلى مكان معين، في وقت معين، بأجرة معينة، كأن استأجر منه دابة لايصاله إلى كربلاء قبل ليلة النصف من شعبان، ولم يوصله، فان كان ذلك لعدم سعة الوقف وعدم ] الاجارة منوطة به، فإذا لم يفعل الاجير أحد الامرين فالاجارة باطلة من أصلها لعدم الموضوع، وهو - كما ترى - خلاف الضرورة العرفية، فان الاجارة ثابتة، وهي التي تدعو إلى العمل، فلاحظ. (1) هذا القول لم أقف على قائله، بل المعروف في كلماتهم اتحاد المسألتين قولا وقائلا ودليلا، ومن تأمل في إحداهما تأمل في الاخرى. نعم عن المبسوط والتحرير والكفاية: التأمل في الثاني مع الجزم بالصحة في الاول. وفي جامع المقاصد - بعد أن جزم بالصحة في الاول - قال في الثاني: " وفيه تردد... ثم قال: أظهره الجواز "، وهو يدل على أن الصحة في الاول أوضح منها في الثاني. نعم لعل منشأ القول المحكي في المتن: أن الثاني أقرب إلى مورد النصوص، التي يمكن أن يستدل بها على الصحة. لكنه يقتضي أن تكون الصحة في الثاني أظهر لا التفصيل المذكور.

[ 21 ]

[ إمكان الايصال، فالاجارة باطلة (1)، وإن كان الزمان واسعا ومع هذا قصر ولم يوصله، فان كان ذلك على وجه العنوانية (2) ] (1) هذا الفرض يمكن فيه مجئ الوجهين الاتيين في الفرض الاتي بناء على ذلك. (2) الامور التي تذكر زائدة على موضوع الاجارة: تارة: لا يمكن أن تستقل بالجعل والانشاء، كزمان العمل ومكانه وآلته ونحو ذلك من متعلقاته، فهذه هي التي يتعين كونها ملحوظة على نحو التقييد. مثلا: إذا استأجره على خياطة ثوب، فالخيط والمخيط والزمان والمكان والفاعل - أعني: الخياط - والثوب ونحوها إذا ذكرت في ضمن العقد يتعين كونها قيودا للعمل، ولا يمكن أخذها شرطا مجعولا بجعل زائد على جعل الخياطة. وأخرى: يمكن أن تستقل بالجعل، كما لو كانت عملا آخر، فهذه تارة: تلحظ قيدا، وأخرى: تجعل بجعل زائد على مفاد الاجارة في ضمنه. مثلا: إذا استأجره على الخياطة فتارة: يلحظ قراءة القرآن قيدا للخياطة، فيقول: استأجرتك على خياطة الثوب قارئا للقرآن. وأخرى: تؤخذ شرطا في ضمن العقد، مجعولة بجعل آخر في ضمن جعل الاجارة، بأن يقول: استأجرتك على خياطة هذا الثوب، واشترطت عليك أن تقرأ القرآن في حال الخياطة أو قبلها أو بعدها. ثم إن ما يؤخذ قيدا تارة: يؤخذ على نحو وحدة المطلوب، وأخرى: على نحو تعدد المطلوب. فان كان على النحو الاول لم يستحق الاجير الاجرة لو جاء بالمستأجر عليه بدونه. وعلى النحو الثاني يستحق، لكن للمشترط خيار تخلف الوصف. ولعل ما في المتن إشارة إلى هذه الجهة، فالمقصود من قوله (ره): " على وجه الشرطية ": على نحو تعدد

[ 22 ]

المطلوب، في قبال القيدية الذي هو على نحو وحدة المطلوب، لا التفصيل بين القيد والشرط، وإلا فقد عرفت أن الزمان لا ينبغي أن يكون ملحوظا بنحو الاشتراط، لانه لا يمكن أن يكون مجعولا بجعل مستقل. نعم الاشكال في تشخيص كون الاشتراط والتقييد على نحو وحدة المطلوب أو على نحو تعدده. والذي ذكروه في مبحث الوكالة: أن الموكل إذا عين السوق أو المكان أو السعر أو غير ذلك - تعين، ولو فعل الوكيل على خلاف ذلك كان تصرفه فضوليا محتاجا إلى إجازة. ومقتضاه أن التقييد على نحو وحدة المطلوب. وكذا في باب الوديعة والعارية وغيرهما من العقود الاذنية. ومقتضى ثبوت خيار الشرط، والوصف، والعيب، وخيار الاشتراط: أن القيد والشرط ملحوظان على نحو تعدد المطلوب، وكذا بناؤهم على أن الشرط الفاسد غير مفسد كما عليه المحققون. والفرق بين البابين غير ظاهر، ولاسيما بملاحظة أن الاذن كما تكون شرطا في صحة فعل الوكيل، كذلك تكون شرطا في صحة العقود، فعدم جواز التصرف في مال أحد الا باذنه شامل للجميع بنحو واحد. فكما أن الاذن في باب الوكالة ونحوها من العقود الاذنية مختصة بصورة وجود القيد ولا تشمل ذات المقيد العارية عن القيد، كذلك في موارد خيار العيب وتخلف الوصف ونحوهما. وإذا كانت الاذن في مورد خيار الوصف والعيب والشرط ملحوظة بنحو تعدد المطلوب، فلم لا تكون كذلك في باب الوكالة والعارية ونحوهما؟!. ولعل التحقيق: أن القيود والشروط في جميع الموارد مبنية على نحو وحدة المطلوب، ولافرق بين الوكالة والعارية والوديعة والاجارة ونحوها مما كان موضوع التصرف فيه عملا، وبين بيع السلف والنسيئة بالنسبة إلى المبيع والثمن ونحوهما مما كان موضوع التصرف فيه عينا ذميا، وبين

[ 23 ]

بيع العين الخارجية الموصوفة بالوصف المفقود وبيع العين المعيبة، اللذين هما موضوع خيار تخلف الوصف وخيار العيب ونحوهما من موارد الخيار. وكذا في العقود التي لاخيار فيها، كتزويج الزوجة المعيبة بغير العيوب السبعة الموجبة للخيار، فان الاذن المعتبرة في صحة العقد، أو الايقاع، وفي جواز تصرف غير المالك كلها في الجميع على نحو واحد، غير قابل للتحليل والتجزئة بين ذات المقيد والمشروط. فذات المقيد في الجميع - مع قطع النظر عن القيد والشرط - لا إذن فيها ولارضا. ومقتضى ذلك وإن كان بطلان بيع فاقد الوصف، وبيع المعيب وفساد العقد والايقاع المشروطين بالشرط الفاسد، لكن خرجنا عن حكم العام بالدليل المخصص، وهو مادل على الخيار في تخلف الوصف، وفي موارد العيب من الاجماع أو النصوص أو بناء العقلاء. فان ذلك يدل على الاجتزاء بالاذن الضمنية في الصحة، وإن لم تكن قابلة للتحليل، وكانت واردة على المقيد، لا أن الاذن في الموارد المذكورة ملحوظة بنحو تعدد المطلوب، فيكفي في صحة بيع ذات المقيد وقوع البيع على المقيد عن إذن وإن كان القيد منتفيا. ويطرد ذلك حتى في الوكالة، فإذا وكله في شراء العبد الكاتب، فاشترى عبدا يعلم أنه ليس بكاتب، كان العقد فضوليا خارجا عن موضوع الوكالة. وإذا اشترى عبدا على أنه كاتب فتبين أنه ليس بكاتب، كان موضوعا للتوكيل وصح العقد، وكان للمشتري الخيار. فليس الفرق بين الموارد المذكورة سابقا: أن الاذن في بعضها على نحو تعدد المطلوب، وفي آخر على نحو وحدة المطلوب، بل الفرق الاجتزاء في بعضها بالاذن الواردة على المقيد لفقده القيد، وعدم الاجتزاء بها في بعضها الاخر. والمتحصل مما ذكرنا: أن الضابط في القيود هو أنها مبنية على نحو وحدة المطلوب، من دون فرق بين الاعمال والاعيان الذمية والخارجية.

[ 24 ]

[ والتقييد لم يستحق شيئا من الاجرة، لعدم العمل بمقتضى الاجارة أصلا (1)، نظير: ما إذا استأجره ليصوم يوم الجمعة، ] ومقتضاه البطلان مع انتفاء القيد. خرجنا عن ذلك في خصوص الخارجيات العينية فانها تصح فيها العقود والايقاعات مع انتفاء القيد، اجتزاء من العقلاء بالاذن الواردة على المقيد، لا أن الاذن فيها منحلة إلى الاذن بذات المقيد، والاذن المقيد بما هو مقيد. هذا الكلام كله في القيود. وأما الشروط المجعولة بانشاء مستقل. فالظاهر أنها عند العقلاء كالخارجيات العينية، يجري عليها حكم تعدد المطلوب، فيجتزأ بالاذن الواردة على الشرط والمشروط فيها، وإن لم تكن الاذن فيها منحلة حقيقة إلى اذنين: إحداهما: متعلقة بالمشروط ذاته، والاخرى: متعلقة بالمشروط بما هو مشروط. والظاهر أنه لافرق بين الشرط الراجع لبا إلى القيد، مثل: مالو استأجره على أن يصلي عن ميت له واشترط عليه التحنك ولبس اللباس الابيض في صلاته، وبين ما لم يكن كذلك، كما لو استأجره على أن يصلي عن ميت له، واشترط عليه أن يخيط ثوبه. ومن ذلك يظهر: أن القيود في الاجارة إن كانت قيودا للعمل المستأجر عليه فهي على نحو وحدة المطلوب، وإن كانت قيودا للعين المستأجرة فهي على نحو تعدد المطلوب. كما يظهر أن الايصال في الوقت المعين في المثال الذي ذكره في المتن لا يكون إلا على نحو التقييد، ولا يمكن أن يكون على نحو الشرطية، لامتناع إنشائه بانشاء مستقل. فلاحظ. (1) كما هو ظاهر النصوص الواردة في الموارد المختلفة، الظاهرة في أن الاجير إذا لم يأت بالعمل المستأجر عليه لا يترتب أثر على الاجارة. وكذا ظاهر الفقهاء. وإن كان مقتضى القواعد استحقاق الاجير المسمى، وضمانه لقيمة العمل كما لو تعذر تسليم الثمن بعدما كان مقدورا عليه.

[ 25 ]

[ فاشتبه وصام يوم السبت. وإن كان ذلك على وجه الشرطية، بأن يكون متعلق الاجارة الايصال إلى كربلاء، ولكن اشترط عليه الايصال في ذلك الوقت، فالاجارة صحيحة والاجرة المعينة لازمة، لكن له خيار الفسخ من جهة تخلف الشرط، ومعه يرجع إلى أجرة المثل. ولو قال: وإن لم توصلني في وقت كذا فالاجرة كذا، أقل مما عين أولا، فهذا أيضا قسمان (1). قد يكون ذلك بحيث يكون كلتا الصورتين - من الايصال في ذلك الوقت، وعدم الايصال فيه - موردا للاجارة (2)، ] ثم إن عدم ترتب الاثر على الاجارة يمكن أن يكون على نحو البطلان، وأن يكون على نحو الصحة لكن لا يكون لاحدهما حق المطالبة بالعوض. والظاهر هو الثاني كما عبر به المصنف (ره). والظاهر أنه هو مراد الاصحاب والمستفاد من النصوص، كما يظهر ذلك من كلماتهم في مالو اشترط نقص الاجرة لو جاء بالعمل المستأجر عليه في غير الوقت المعين له بالاجارة. فان الاجارة لو كانت باطلة كان الشرط كذلك، فلا يستحق الاجير الاجرة ناقصة. مع بنائهم على صحة الشرط، فانتظر ما يأتي في ذيل المسألة. (1) الظاهر من الفرض الاختصاص بالقسم الثاني ولا يجئ فيه القسم الاول، وإنما يجئ في الاجارة على المردد بين الايصالين، كما صرح بذلك غير واحد. (2) بنحو لو صح اقتضى اشتغال ذمته بأحدهما تخييرا، بخلاف الصورة الاتية، فان عقد الاجارة إنما يقتضي اشتغال الذمة بالايصال في الوقت تعيينا، فيجب فعله تعيينا.

[ 26 ]

[ فيرجع إلى قوله: آجرتك بأجرة كذا، إن أوصلتك في الوقت الفلاني، وبأجرة كذا إن لم أوصلك في ذلك الوقت. وهذا باطل للجهالة، نظير ما ذكر في المسألة السابقة من البطلان إن قال: إن عملت في هذا اليوم فلك درهمان... وقد يكون مورد الاجارة هو الايصال في ذلك الوقت، ويشترط عليه أن ينقص من الاجرة (1) كذا على فرض عدم الايصال. والظاهر الصحة في هذه الصورة (2)، لعموم (المؤمنون عند شروطهم) (10) وغيره، مضافا إلى صحيحة محمد الحلبي (3). ] (1) يعنى: بنحو شرط النتيجة، أو أن يتملك منها بنحو شرط الفعل. (2) وعن المحقق الكركي وجماعة: البطلان، طرحا منهم للصحيح، أو حملا له على الجعالة، لمخالفته للقواعد من أجل التعليق والجهالة والابهام. وأنه كالبيع بثمنين. لكن الجميع كما ترى: إذ الاخير مبني على حمله على الصورة الاولى. وما قبله لادليل على قدحه في صحة الشرط، بل المحقق بناؤهم في غير مورد في عدم قدحه، فلاحظ. وحمل الصحيح على الجعالة بعيد جدا، لان الجعالة تقتضي إحداث الداعي إلى العمل بتوسط بذل الجعل، وظاهر الصحيح أن العمل غير مرغوب فيه للباذل، فلا وجه للحث على فعله والترغيب فيه. (3) قال: " كنت قاعدا إلى قاضي، وعنده أبو جعفر عليه السلام جالس، فجاء رجلان، فقال أحدهما: إني تكاريت إبل هذا الرجل ليحمل لي متاعا إلى بعض المعادن، فاشترطت عليه أن يدخلني المعدن يوم كذا وكذا، لانها سوق وأخاف أن تفوتني فان احتبست عن ذلك حططت


(15) الوسائل باب: 20 من أبواب المهور حديث: 4.

[ 27 ]

[ ولو قال: إن لم توصلني فلا أجرة لك، فان كان على وجه الشرطية، بأن يكون متعلق الاجارة هو الايصال الكذائي فقط، واشترط عليه عدم الاجرة على تقدير المخالفة، صح (1)، ويكون الشرط المذكور مؤكدا لمقتضى العقد. وإن كان على وجه القيدية، بأن جعل كلتا الصورتين موردا للاجارة، إلا أن في الصورة الثانية بلا أجرة، يكون باطلا. ولعل هذه الصورة مراد المشهور (2) ] من الكرى لكل يوم احتبسته كذا وكذا، وأنه حبسني عن ذلك اليوم كذا وكذا يوما. فقال القاضي: هذا شرط فاسد وفه كراه. فلما قام الرجل أقبل إلي أبو جعفر (ع) فقال: شرطه هذا جائز ما لم يحط بجميع كراه " (* 1). (1) كما ذكره الشهيد في اللمعة، حاملا للفرض على هذا القسم لاغير. نعم قد يأبى الصحة الصحيح المتقدم. اللهم إلا أن يحمل على صورة كون الزمان الخاص مأخوذا قيدا على نحو تعدد المطلوب، إذ حينئذ يكون فوات القيد موجبا للخيار، لاعدم وقوع العمل المستأجر عليه، كي لا يستحق الاجرة ويكون الشرط مؤكدا لمقتضى العقد كما هو المفروض في المتن، وعرفت أنه الاصل في القيود. (2) المظنون قويا: أن مورد كلام المشهور هنا وفي المسألة السابقة - أعني: مالو اشترط نقص الاجرة - هو خصوص صورة الشرط في ضمن عقد الاجارة الوارد على الايصال في الوقت المعين، فلا يشمل صورة وقوع الاجارة على المردد. ووجه تفصيلهم بالبناء على الصحة في الاولى والبطلان في الثانية: هو الصحيح لاغير. ولا بأس بالعمل به


(* 1) الوسائل باب: 13 من أبواب أحكام الاجارة: 2.

[ 28 ]

[ القائلين بالبطلان (1) دون الاولى، حيث قالوا: ولو شرط سقوط الاجرة إن لم يوصله لم يجز. (مسألة 13): إذا استأجر منه دابة لزيارة للنصف من شعبان - مثلا - ولكن لم يشترط على المؤجر ذلك ولم يكن على وجه العنوانية أيضا، واتفق أنه لم يوصله، لم يكن له خيار الفسخ، وعليه تمام المسمى من الاجره. وإن لم يوصله إلى كربلاء أصلا سقط من المسمى بحساب ما بقي واستحق بمقدار ما مضى. وللفرق بين هذه المسألة وما مر في المسألة السابقة: أن الايصال هنا غرض وداع وفيما مر قيد أو شرط. ] بعد اعتباره في نفسه، واعتماد الاصحاب عليه. ومن ذلك يظهر ضعف ما في المتن من كون مراد القائلين بالبطلان صورة وقوع الاجارة على الامرين، فانه بعيد، وموجب التفكيك بين مورد البطلان - في كلامهم - ومورد الصحة، لانها في خصوص صورة وقوع الاجارة على الايصال في الوقت المعين، وجعل نقص الاجرة على تقدير عدمه من قبيل الشرط، فان هذا التفكيك بعيد. وأبعد من ذلك ما في الروضة من جعل مورد الصحة والبطلان معا صورة وقوع الاجارة على الامرين على نحو الترديد. فان ذلك أيضا بعيد عن مذاقهم من اعتبار في الاجارة، وإن تقدم القول بالصحة من جماعة في المسألة الحادية عشر، فلاحظ. (1) بل عن بعض: أنه لا خلاف فيه إلا من أبي علي.

[ 29 ]

[ فصل الاجارة من العقود اللازمة (1)، لا تنفسخ إلا بالتقابل أو شرط الخيار لاحدهما أو كليهما إذا اختار الفسخ. نعم الاجارة المعاطاتية جائزة (2)، يجوز لكل منهما للفسخ، ما لم تلزم بتصرفهما، أو تصرف أحدهما فيما انتقل إليه. (مسألة 1): يجوز بيع العين المستأجرة قبل تمام مدة الاجارة، ولا تنفسخ الاجارة به (3)، فتنتقل إلى المشتري مسلوبة المنفعة مدة الاجارة، نعم للمشتري مع جهله بالاجارة خيار فسخ البيع (4) لان نقص المنفعة عيب (5)، ولكن ] فصل (1) بلا خلاف، بل عليه الاجماع محكي. ويشهد له غير واحد من النصوص (* 1). مضافا إلى عمومات اللزوم. (2) بناء على تمامية الاجماع على عدم لزوم المعاطاة إلا بملزمات مخصوصة مذكورة في محلها. (3) بلا خلاف ولا إشكال. ويشهد له جملة من النصوص (* 2). (4) كما صرح به جمع كثير، بل عن الغنية: الاجماع عليه. (5) لان مبني المعاوضات على التسليم والانتفاع، وهو متعذر بالاجارة.


(* 1) الوسائل باب: 7، 15 من أبواب الاجارة حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 24 من أبواب الاجارة.

[ 30 ]

[ ليس كسائر العيوب مما يكون المشتري معه مخيرا بين الرد والارش، فليس له أن لا يفسخ ويطالب بالارش، فان العيب الموجب للارش ما كان نقصا في الشئ في حد نفسه، مثل العمى والعرج وكونه مقطوع اليد أو نحو ذلك، لامثل المقام الذي العين في حد نفسها لاعيب فيها. وأما لو علم المشتري أنها مستأجرة ومع ذلك أقدم على الشراء، فليس له الفسخ ايظا. نعم لو اعتقدك. ن مدة الايجارة كذا مقدارا، فبان أنها أزيد، له الخيار أيضا (1). ولو فسخ المستأجر الاجارة رجعت المنفعة في بقية المدة إلى البائع، لا إلى المشتري (2). ] أو لان من الشرائط الارتكازية كون العين مستتبعة للمنفعة، فإذا فات الشرط المذكور كان له خيار تخلف الشرط. وبالجملة: نقص المنفعة خلاف الاصل المعول عليه عند العقلاء، كأصالة الصحة، فيكون الخيار من قبيل خيار الرؤية. (1) لفوات الزيادة عليه من دون إقدام. (2) هذا لا يخلو من نظر، لانه خلاف مقتضى تبعية المنفعة للعين. ومجرد كون مقتضى الفسخ رجوع كل من العوضين إلى حاله قبل العقد غير كاف في ذلك، لان المنفعة إنما كانت ملكا للبائع قبل العقد، لانها تابعة للعين فيملكها مالك العين، فإذا تبدل المالك للعين كان مقتضى التبعية رجوعها إلى المشتري. وكأنه لما ذكرنا احتمل في التذكرة - على ما حكي - رجوع المنفعة إلى المشتري وبذلك يظهر الفرق بين المسألة وبين ما إذا آجر العين على شخص، ثم المستأجر اجرها ثانيا على ثالث، ثم باع المالك العين ففسخت الاجارة الثانية، فان فسخها يوجب رجوع المنفعة

[ 31 ]

[ نعم لو اعتقد البائع والمشتري بقاء مدة الاجارة، وأن العين مسلوبة المنفعة إلى زمان كذا، وتبين أن المدة منقضية، فهل منفعة تلك المدة للبائع، حيث أنه كأنه شرط كونها مسلوبة المنفعة إلى زمان كذا (1)، أو للمشتري، لانها تابعة للعين ما لم تفرز بالنقل إلى الغير، أو بالاستثناء، والمفروض عدمها؟ وجهان. والاقوى: الثاني. نعم لو شرطا كونها مسلوبة المنفعة إلى زمان كذا بعد اعتقد بقاء المدة، كان لما ذكر وجه (2). ثم بناء على ما هو الاقوى من رجوع المنفعة في الصورة السابقة إلى المشتري، فهل للبائع الخيار أو لا؟. وجهان لا يخلوا أو لهما ] إلى المستأجر الاول، لانه ملكها بالعقد لا بالتبعية. وبالجملة: رجوع كل من العوضين إلى محله السابق بالفسخ، ليس لان الفسخ يقتضي ذلك، بل لان الفسخ يبطل العقد، فيرجع كل من العوضين إلى ما يقتضيه السبب السابق. ففي المقام يرجع إلى ما تقضيه التبعية إذا الفسخ، والتبعية إنما تقتضي الرجوع إلى ملك مالك العين، وهو المشتري لا المؤجر. (1) مجرد الاعتقاد لا يقتضي ذلك كما لا يخفى. (2) في بعض الحواشي: " لكنه غير موجه، إذ الشرط في المقام بمنزلة التوصيف لا الاستثناء فلا أثر له " يعني: في جعل المنفعة للبائع. بل محض الاستثناء أيضا بمنزلة التوصيف لا يقتضي ثبوت المنفعة للبائع، وإنما الذي يقتضي ذلك إنشاء كونها للبائع، لكنه لا يتيسر ذلك مع اعتقاد أنها للمستأجر.

[ 32 ]

[ من قوة (1)، خصوصا إذا أوجب ذلك له الغبن. هذا إذا بيعت المستأجرة على غير المستأجر. أما لو بيعت عليه: فقي انفساخ الاجارة وجهان (2). أقواهما: العدم (3). ويتفرع على ذلك أمور: منها: اجتماع الثمن والاجرة عليه حينئذ. ومنها: بقاء ملكه للمنفعة في مدة تلك الاجارة لو فسخ البيع بأحد أسبابه، بخلاف ما لو قيل بانفساخ الاجارة. ومنها: إرث الزوجة من المنفعة في تلك المدة (4)، لو مات الزوح المستأجر بعد شرائه لتلك العين، وإن كانت مما لا ترث الزوجة منه، بخلاف ما لو قيل بالانفساخ بمجرد البيع (5). ] (1) لماعرفت من أن الخيار في المقام من قبيل خيار الرؤية، ولافرق فيه بين المشتري والبائع. وقد استظهر شيخنا الاعظم في مكاسبه الاتفاق على عدم الفرق في خيار الرؤية بين البائع والمشتري. (2) بل قولان. (3) كما هو المشهور. وعن الارشاد: الانفساخ، لان أثر الاجارة الانتفاع بمال الغير وهذا لا يبقى بعد البيع، ولانه يلزم اجتماع العلتين على معلول واحد، لان المنفعة حينئذ تكون مملوكة بالاجارة والتبعية. وضعفه بالتأمل ظاهر. (4) لانها مملوكة أصالة بالاجارة. (5) فان المنافع تكون مملوكة للموروث بالتبعية للعين، فإذا كانت الزوجة لا ترث من العين لا ترث مما هو تابع لها.

[ 33 ]

[ ومنها: رجوع المشترى بالاجرة لو تلف العين بعد قبضها وقبل انقضاء مدة الاجارة، فان تعذر استيفاء المنفعة يكشف عن بطلان الاجارة ويوجب الرجوع بالعوض، وإن كان تلف العين عليه. (مسألة 2): لو وقع البيع والاجارة في زمان واحد - كما لو باع العين مالكها على شخص وآجرها وكيله على شخص آخر، واتفق وقوعهما في زمان واحد - فهل يصحان معا ويملكها المشتري مسلوبة المنفعة كما لو سبقت الاجارة، أو يبطلان معا للتزاحم في ملكية المنفعة، أو يبطلان معا بالنسبة إلى تمليك المنفعة فيصح البيع على أنها مسلوبة المنفعة تلك المدة فتبق المنفعة على ملك البائع؟ وجوه. أقواها: الاول، لعدم التزاحم، فان البائع لا يملك المنفعة وإنما يملك العين (1) وملكية العين توجب ملكية المنفعة للتبعية، وهي متأخرة عن الاجارة. (مسألة 3): لا تبطل الاجارة بموت المؤجر ولا بموت المستأجر على الاقوى (2). نعم في إجارة العين الموقوفة، إذا آجر البطن السابق تبطل بموته بعد الانتقال إلى ] (1) بالتشديد، يعني: أن البائع إنما يبيع العين ولا يملك المشتري المنفعة، بل يملكه العين، والمنفعة يملكها المشتري بالتبعية. والملكية بالتبعية إنما تكون حيث لا يكون مقتض لملكية أخرى، فإذا آجر الوكيل فقد ملك المستأجر المنفعة بعقد الاجارة، المانع من تأثير التبعية. (2) كما هو المشهور بين المتأخرين. وفي المسالك: نسبته إليهم أجمع

[ 34 ]

[ البطن اللاحق، لان الملكية محدودة. ومثله مالو كانت المنفعة موصى بها للمؤجر مادام حيا. بخلاف ما إذا كان المؤجر هو ] والمشهور بين القدماء أنها تبطل بالموت مطلقا. وقيل: لا تبطل بموت المؤجر، وتبطل بموت المستأجر، ونسب إلى أكثر أصحابنا. وقد يستدل للبطلان بموثق إبراهيم بن محمد الهمداني: " قال: كتبت إلى أبي الحسن عليه السلام وسألته: عن امرأة آجرت ضيعتها عشر سنين، على أن تعطى الاجارة (الاجرة خ ل) في كل سنه عند انقضائها، لا يقدم لها شئ من الاجارة (الاجرة خ ل) ما لم يمض الوقت، فماتت قبل ثلاث سنين أو بعدها، هل يجب على ورثتها انفاذ الاجرة إلى الوقت أم تكون الاجارة منتقضة (منقضية خ ل) بموت المرأة؟ فقال عليه السلام: إن كان لها وقت مسمى لم يبلغ فماتت فلورثتها تلك الاجارة، فان لم تبلغ ذلك الوقت وبلغت ثلثه أو نصفه أو شيئا منه، فتعطى ورثتها بقدر ما بلغت من ذلك الوقت إن شاء الله " (* 1). بناء على أن الظاهر أن المراد من قوله عليه السلام: " فلورثتها تلك الاجارة ": أن الاجارة لا تبطل من أصلها، بل من حين الموت، بقرينة ما بعده مما هو ظاهر في توزيع الاجرة، بنسبة زمان الحياة إلى مجموع المدة. وفي مجمع البرهان: ادعى صراحتها في الدلالة على عدم بطلانها بموت المؤجر. وكأنه استند في ذلك إلى ظاهر قوله (ع): " فلورثتها تلك الاجارة " في أن الاجارة صحيحة. وحمل ما بعده على أن الورثة يستحقون الاجرة، على حسب التوقيت الصادر في عقد الاجارة. ولكنه كما ترى وإن وافقه عليه جماعة، فانه غير ظاهر، بل الظاهر ما ذكرنا وإن كان لا يخلو من خفاء.


(* 1) الوسائل باب: 25 من أبواب الاجارة حديث: 1.

[ 35 ]

[ المتولي للوقف وآجر لمصلحة البطون إلى مدة، فانها لا تبطل بموته، ولا بموت البطن الموجود حال الاجارة. وكذا تبطل إذا آجر نفسه للعمل بنفسه (1) من خدمة أو غيرها، فانه إذا مات لا يبقى محل للاجارة. وكذا إذا مات المستأجر الذي هو محل العمل من خدمة أو عمل آخر متعلق به بنفسه. ولو جعل العمل في ذمته لا تبطل الاجارة بموته، بل يستوفى من تركته. وكذا بالنسبة إلى المسأجر إذا لم يكن محلا للعمل، بل كان مالكا له على المؤجر، كما إذا آجره للخدمة من غير تقييد بكونها له، فانه إذا مات تنتقل إلى وارثه، فهم يملكون عليه ذلك العمل. وإذا آجر الدار واشترط على المستأجر سكناه بنفسه لا تبطل بموته (2)، ويكون للمؤجر خيار الفسخ. نعم إذا اعتبر سكناه على وجه القيدية تبطل بموته. (مسألة 4): أذا آجر الولي أو الوصي الصبي المولى عليه مدة تزيد على زمان بلوغه ورشده، بطلت في المتيقن ] (1) في بعض الحواشي: " انه يختص البطلان بما إذا كان متعلق الاجارة هو منفعة نفسه، ولو كان المتعلق هو الخدمة ونحوها كليا، وشرط المباشرة بنفسه فللمستأجر الخيار " وفيه: ما عرفت من أن شرط المباشرة راجع إلى تقييد المنفعة، وعرفت أن التقييد في الكليات على نحو وحدة المطلوب، فلا مجال للخيار. وكذا الحكم في الفرض الآخر. اللهم إلا أن تكون العبارة المؤدية إلى التقييد ظاهرة في كونه على نحو تعدد المطلوب. (2) قد عرفت أن الشرط في المقام راجع إلى القيد، وأن التقييد في المقام على نحو وحدة المطلوب.

[ 36 ]

[ بلوغه فيه، بمعنى: أنها موقوفة على إجازته، وصحت واقعا وظاهرا بالنسبة إلى المتيقن صغره، وظاهرا بالنسبة إلى المحتمل فإذا بلغ له أن يفسخ على الاقوى، أي: لا يجيز، خلافا لبعضهم (1) فحكم بلزومها عليه لوقوعها من أهلها في محلها، في وقت لم يعلم لها مناف. وهو كما ترى. نعم لو اقتضت المصلحة - الملازمة المراعاة - إجارته مدة زائدة على زمان البلوغ، بحيث تكون إجارت أقل من تلك المدة خلاف مصلحته تكون لازمة ليس له فسخها بعد بلوغه. وكذا الكلام في إجارة أملاكه. (مسألة 5): إذا آجرت امرأة نفسها للخدمة مدة معينة، فتزوجت قبل انقضائها، لم تبطل الاجارة، وإن كانت الخدمة لاستمتاع الزوج (2). ] (1) حكي ذلك عن الخلاف، معللا له بما ذكر. ورده في الجواهر بالمنع. لكن مقتضى ولايته على الطفل في جميع ماله الولاية عليه من ماله ونفسه، صحة ما ذكر، إذ لاريب في أن للانسان السلطنة على منافعه المستقبلة، فتكون لوليه السلطنة عليها. كما أن الحكم في أمواله كذلك. والفرق بينهما غير ظاهر. فالاقوى حينئذ عدم جواز فسخه ونفوذ تصرف الولي. اللهم إلا أن يستشكل في ثبوت اطلاق لدليل الولاية يقتضي ذلك في نفسه. وأما ماله: فاطلاق قوله تعالى: (ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن...) (* 1). كاف في اثبات نفوذ التصرف. (2) لان حق الاستمتاع يختص بغير صورة المزاحمة للواجب المجعول


(* 1) الانعام: 152.

[ 37 ]

[ (مسألة 6): إذا آجر عبده أو أمته للخدمة ثم أعتقه (1) لا تبطل الاجارة بالعتق، وليس له الرجوع على مولاه بعوض تلك الخدمة في بقية المدة (2)، لانه كان مالكا لمنافعه أبدا وقد استوفاها بالنسبة إلى تلك المدة. فدعوى: أنه فوت على العبد ما كان له حال حريته، كما ترى. نعم يبقى الكلام في نفقته في بقية إن لم يكن شرط كونها على المستأحر. وفي المسألة وجوه: أحدها: كونها على المولى (3) لانه حيث استوفى بالاجارة منافعه فكأنه باق على ملكه (4). ] بالاجارة السابقة، ولا مجال لدعوى العكس، فيقال: الاجارة باطلة لعدم القدرة على التسليم، لان التحقيق في العلل الشرعية، التي يكون بعضها مزاحما للاخر، الترجيح بالسبق واللحوق، فيكون الاثر للسابق دون اللاحق. ومن ذلك يظهر أنه لو نذر أن يزور الحسين عليه السلام يوم عرفة فاستطاع، كان النذر مقدما على الاستطاعة، ولو استطاع ثم نذر كانت الاستطاعة مقدمة على النذر. (1) صح العتق قولا واحدا لعموم أدلته، كما في الجواهر. وكذا ذكر في صحة الاجارة، وعن إيضاح النافع: أنه ربما قيل بالبطلان. وفي الجواهر: ان الظاهر أن القول بذلك لبعض الشافعية. (2) حكي جواز الرجوع عن الشافعي في القديم. وعن الشيخ والحلي حكايته قولا، ولم يعلم أنه لاصحابنا. (3) حكي ذلك عن القواعد. وفي الجواهر: ضعفه واضح، ضرورة أن المقتضي لها الملك، وقد زال. (4) هذا التنزيل غير ظاهر الوجه.

[ 38 ]

[ الثاني: أنه في كسبه إن أمكن له الاكتساب لنفسه في غير زمان الخدمة (1) وان لم يمكن فمن بيت المال (2) وإن لم يكن فعلى المسلمين (3) كفاية (4). الثالث: أنه إن لم يمكن اكتسابه في غير زمان الخدمة ففي كسبه وان كان منافيا للخدمه (5). الرابع: أنه من كسبه ويتعلق مقدار ما يفوت منه من الخدمة بذمته. الخامس: أنه من بيت المال من الاول. ولا يبعد قوة الوجه الاول. ] (1) الظاهر أن هذه الصورة خارجة عن محل الكلام والخلاف، وعلى هذا يرجع الثاني إلى الخامس. (2) لكن في كون نفقته من مصارف بيت المال إشكال، فان بيت مال الخراج يصرف في المصالح العامة. اللهم إلا أن يكون ترك الانفاق عليه مهانة عامة للمسلمين. (3) المقدار اللازم على المسلمين حفظه عن الهلاك، أما النفقة المتعارفة فلا دليل على وجوبها على أحد. (4) فان لم يمكن ففي كسبه أو غيره، مقتصرا على مقدار الضرورة، نظير أكل مال غيره عند المخمصة. (5) وفيه: أنه تصرف في مال الغير من دون مسوغ ظاهر. مع أنه لافرق بين كسبه وساير أموال المستأجر وغيره. وما في الجواهر: من أن النفقة مقدمة على كل واجب. فيه: أن ذلك يتم لو كان الواجب عليه الخدمة في ذمته، وليس هو مقتضى الاجارة، لانها واقعة على

[ 39 ]

[ (مسألة 7): إذا وجد المستأجر في العين المستأجرة عيبا سابقا على العقد وكان جاهلا به، فان كان مما تنقص به المنفعة فلا إشكال في ثبوت الخيار له بين الفسخ والابقاء (1) والظاهر عدم جواز مطالبته الارش فله الفسخ أو الرضا بها مجانا (2). نعم لو كان العيب مثل خراب بعض بيوت الدار ] منافعه لاعلى ذمته، ومنافعه بالاجارة مال للمستأجر كسائر أمواله، فإذا جاز له التصرف في كسبه جاز له التصرف في مال المستأجر غير الخدمة، وهو كما ترى. (1) قد نفى الخلاف فيه غير واحد، وتأتي في هذه المسألة الاشارة إلى وجهه، وأنه إما من قبيل خيار تخلف الوصف، أو هو مقتضى حديث لاضرر (* 1). (2) حكي عليه اتفاق الاصحاب إلى زمان الشهيد، فتردد فيه في اللمعة، وتبعه غيره فيه. وعن جامع المقاصد: أن الاصح ثبوته. وهو في محله لو كان الناقص جزءا ملحوظا بالاجارة مقابلا به جزءا من الاجرة فانه يكون من قبيل الخراب لبعض البيوت. أما إذا لم يكن كذلك، بل كان من قبيل الوصف الموجب لنقص المالية، - كبطء السير في الدابة - فلا وجه له ظاهر. وكونه منشأ لنقص المالية غير كاف في لزوم إرجاع بعض الاجرة كما لا يخفى. وثبوت الارش في العيب في المبيع لدليل يخصه، لا يصحح البناء عليه في المقام بعد كونه خلاف القاعدة. بل في الفرض الاول إنما الثابت التقسيط، كما عبر به في المتن في خراب بعض بيوت الدار، لا الارش المصطلح الذي هو تدارك لنقص المالية ولو بمال أجنبي


(* 1) راجع الوسائل باب: 16 من أبواب الخيار في كتاب البيع، وباب: 5 من كتاب الشفعة، وباب: 7، 12 من كتاب احياء الموات.

[ 40 ]

[ فالظاهر تقسيط الاجرة (1)، لانه يكون حينئذ من قبيل تبعض الصفقة (2). ولو كان العيب مما لا تنقص معه المنفعة كما إذا تبين كون الدابة مقطوعة الاذن أو الذنب، فربما يستشكل في ثبوت الخيار معه (3). لكن الاقوى ثبوته إذا كان مما يختلف به الرغبات وتتفاوت به الاجرة. وكذا له ] عن الاجرة، مع كون المعاملة باقية على حالها بلا تبعض فيها. فدعوى: عدم جواز مطالبة الارش - كما في المتن - في محله. (1) لما عرفت، وإن كان اطلاق قولهم: عدم ثبوت الارش ولو مع فوات بعض المنفعة، يقتضي عدمه في المقام، إلا أنه منزل على الصورة السابقة. (2) وحينئذ يكون له الخيار في الباقي، كما في سائر موارد تبعض الصفقة. (3) وإن كان يقتضيه اطلاق كلامهم، بل عن غير واحد التصريح به، واستدل له: بأن الصبر على المعيب ضرر. وهو - كما ترى - ممنوع على اطلاقه. وبالجملة: إن كان دليل الخيار في المقام هو: " لاضرر... "، فيقتضي اختصاصه بصورة الضرر. وان كان هو دليل خيار العيب في المبيع، فلو بني على التعدي عن البيع فانما هو فيما لو كان العوض معيبا، والعوض في الاجارة المنفعة والاجرة، لا العين. مع أن تصور العيب بالمعنى المعتبر في عيب المبيع بالنسبة إلى المنافع غير ظاهر، إذ ليس لها خلقة أصلية يكون النقص عنها عيبا. وكذا لو كان دليل خيار تخلف الوصف، من جهة اعتماد المستأجر على أصالة الصحة، فانه أيضا يختص بالاعواض، ولا يجري في غيرها، إذ لاريب في أنه لاخيار للاجير لو استؤجر على خياطة ثوب، وتبين بعد الاجارة أنه معيب. وكذا لو استؤجر على حمل متاع فتبين أنه معيب. وبالجملة: دليل الخيار في المقام

[ 41 ]

[ الخيار إذا حدث فيها عيب بعد العقد وقبل القبض (1)، بل بعد القبض أيضا، وان كان استوفى بعض المنفعة ومضى بعض المدة (2). هذا إذا كانت العين شخصية. وأما إذا ] إما حديث لاضرر، أو دليل خيار تخلف الشرط، وكلاهما غير مطرد. ولاجل ذلك يتعين التفصيل المذكور في المتن. (1) إما لقاعدة التلف قبل القبض الحاكمة بأنه من مال الناقل، فيكون العقد كأنه وقع على الفاقد. وفيه: أنه لو تم ذلك في تلف وصف المبيع، فالتعدي إلى المقام يحتاج إلى دليل. وإما لان مبنى المعاوضة على التسليم والتسلم للعوضين على ماهما عليه، فكما يثبت الخيار بتعذر تسليم العين، كذلك يثبت الخيار بتعذر تسليمها على ماهي عليه من الوصف ولو لاجل تلف الوصف. وإما لاجل أن تلف الوصف يكشف عن تلفه وانتفائه في نفسه، كما في تلف العين المستأجرة ولو بعد العقد والقبض، كما يأتي في الفصل اللاحق. ولاجله تصح دعوى ثبوت الخيار في مالو حدث العيب بعد القبض، لان الاقدام كان على الانتفاع بالعين وهي على الوصف الخاص لا مطلقا، فالتخلف يستوجب الخيار. (2) كما في محكي التذكرة، واختاره في الجواهر وغيرها. لان تسليم المنفعة تدريجي بتدرج زمانها، فإذا حدث العيب فقد حدث قبل تسليم المعيب، وقد عرفت ثبوت الخيار حينئذ. هذا مضافا إلى الوجه الماضي في صورة حدوث العيب قبل القبض وبعد العقد من أن التلف حينئذ كاشف عن عدم المنفعة الصحيحة. لكن الوجه الاول قد ينافيه بناؤهم على عدم الخيار لو غصبت العين بعد القبض. والوجه الاخير ينافيه بناؤهم على الانفساخ من حين التلف، فيما لو تلفت العين المستأجرة بعد القبض، كما سيأتي في الفصل الآتي. فتأمل.

[ 42 ]

[ كانت كلية وكان الفرد المقبوض معيبا، فليس له فسخ العقد (1) بل له مطالبة البدل. نعم لو تعذر البدل كان له الخيار في أصل العقد (2). (مسألة 8): إذا وجد المؤجر عيبا سابقا في الاجرة ولم يكن عالما به كان له فسخ العقد، وله الرضا به. وهل له مطالبة الارش معه؟ لا يبعد ذلك، بل ربما يدعى عدم الخلاف فيه (3). لكن هذا إذا لم تكن الاجرة منفعة عين، وإلا فلا أرش فيه (4) مثل ما مر في المسألة السابقة من كون العين المستأجرة معيبا (5). هذا إذا كانت الاجرة عينا شخصية. ] (1) كما صرح به غير واحد من دون خلاف فيه، لعدم المقتضي للخيار في العقد. (2) لتعذر تسليم العوض الذي عليه مبنى المعاوضة، ولذا يستتبع الخيار (3) بل هو المصرح به في كلام جماعة، بل في مفتاح الكرامة وغيره: لاأجد فيه خلافا. فان تم إجماع عليه - كما استظهره غير واحد - فهو الحجة. وإلا ففيه إشكال، لاختصاص دليله بالبيع فالتعدي إلى المقام وغيره من سائر المعاوضات غير ظاهر، والاصل ينفيه، وإن حكي عن المحقق القول به في عوض الخلع. وفي القواعد: القول به فيه، وفي عوض الهلة ومال الكتابة. وعن المسالك: القول به في المهر. وفي محكي الروضة: القول به في الصلح على وجه قوي. إلا أن ثبوت الاجماع بهذا المقدار على ثبوته كليا في المعاوضات ممنوع جدا. ولذا جزم بعدمه بعض في بعضها. لكن كان المناسب عدم الفرق فيها لانها جميعا من واد واحد. (4) كما نص على ذلك في الجواهر. (5) لما مر أيضا.

[ 43 ]

[ وأما إذا كانت كلية، فله مطالبة البدل لافسخ أصل العقد، إلا مع تعذر البدل على حذو ما مر في المسألة السابقة. (مسألة 9): إذا أفلس المستأجر بالاجرة، كان للمؤجر الخيار بين الفسخ واسترداد العين، وبين الضرب مع الغرماء (1)، نظير ما إذا أفلس المشتري بالثمن، حيث ان للبايع الخيار إذا وجد عين ماله. (مسألة 10): إذا تبين غبن المؤجر أو المستأجر فله الخيار، إذا لم يكن عالما به حال العقد (2) إلا إذا اشترطا سقوطه في ضمن العقد. (مسألة 11): ليس في الاجارة خيار المجلس ولا خيار الحيوان، بل ولا خيار التأخير على الوجه المذكور في ] (1) بلا خلاف، كما عن غير واحد. وصرح به جماعة من القدماء والمتأخرين، إلحاقا للاجارة بالبيع الثابت فيه بالاجماع والنصوص. (* 1) وبعضها وإن لم يكن مختصا بالبيع إلا أنه ظاهر في العين، (* 2) فالحاق المنافع بها يحتاج إلى تنقيح المناط، كما هو ظاهرهم، وإن كان المحكي عن بعض: تكلف إدراج المنفعة في بعض تلك النصوص. (2) بناء على استفادة الخيار في البيع من عموم نفي الضرر، فانه كما يشمل البيع يشمل الاجارة وغيرها من العقود المالية. أما إذا كان المستند الاجماع، فثبوته في الاجارة غير ظاهر، فان كثيرا من الاصحاب أهمل ذكره في المقام.


(* 1) الوسائل باب: 5 من أبواب احكام الحجر. (* 3) الوسائل باب: 13 من أبواب أحكام المضاربة: 1.

[ 44 ]

[ البيع (1)، ويجري فيها خيار الشرط حتى للاجنبي، وخيار العيب، والغبن كما ذكرنا، بل يجري فيها سائر الخيارات كخيار الاشتراط، وتبعض الصفقة، وتعذر التسليم، والتفليس والتدليس، والشركة، وما يفسد ليومه، وخيار شرط رد العوض، نظير شرط رد الثمن في البيع (2). (مسألة 12): إذا آجر عبده أو داره مثلا ثم باعه من المستأجر لم تبطل الاجارة، فيكون للمشتري منفعة العبد مثلا، من جهة الاجارة قبل انقضاء مدتها، لامن جهة تبعية للعين. ولو فسخت الاجارة رجعت إلى البايع (3). ولو مات بعد القبض رجع المشتري المستأجر على البايع، بما يقابل بقية المدة من الاجرة، وإن كان تلف العين عليه. والله العالم. فصل يملك المستأجر المنفعة في إجارة الاعيان، والعمل في الاجارة على الاعمال بنفس العقد، من غير توقف على شئ كما هو مقتضى سببية العقود. كما أن المؤجر يملك الاجرة ] (1) لاختصاص أدلة الثلاثة المذكورة بالبيع، وعموم أدلة ما عداها لها، ولابد من ملاحظة تلك الادلة. (2) نص على ذلك كله في الجواهر، متمسكا بعموم أدلتها. (3) عرفت إشكاله.

[ 45 ]

[ ملكية متزلزلة به كذلك. ولكن لا يستحق المؤجر مطالبة الاجرة الا بتسليم العين أو العمل (1)، كما لا يستحق المستأجر مطالبتهما الا بتسليم الاجرة، كما هو مقتضى المعاوضة. وتستقر ملكية الاجرة باستيفاء المنفعة أو العمل أو ما بحكمه. فأصل الملكية للطرفين موقوف على تمامية العقد، وجواز المطالبة موقوف على التسليم، واستقرار ملكية الاجرة موقو ف على استيفاء المنفعة أو إتمام العمل أو ما بحكمهما. فلو حصل مانع عن الاستيفاء أو عن العمل تنفسخ الاجارة، كما سيأتي تفصيله. (مسألة 1): لو استأجر دارا - مثلا - وتسلمها، ومضت مدة الاجارة استقرت الاجرة عليه، سواء سكنها أو لم يسكنها باختياره (2). وكذا إذا استأجر دابة للركوب أو لحمل المتاع إلى مكان كذا، ومضى زمان يمكن له ذلك، وجب عليه الاجرة واستقرت وإن لم يركب أو لم يحمل، بشرط أن يكون مقدرا بالزمان المتصل بالعقد. وأما إذا عينا وقتا فبعد مضي ذلك الوقت. هذا إذا كانت الاجارة واقعة ] (1) لان مبنى المعاوضات على التسليم والتسلم، فلكل من المتعاوضين الامتناع من التسليم في ظرف امتناع صاحبه، كما أن لكل منهما المطالبة في ظرف صدور التسليم منه، ولايجوز للآخر الامتناع عنه حينئذ، فلو تعذر جاز له الفسخ. (2) لتحقق التسليم من المؤجر، الذي عرفت أنه موجب لاستقرار ملكية الاجرة، وهذا مما لا إشكال فيه ولا خلاف، ويشهد له غير واحد من النصوص.

[ 46 ]

[ على عين معينة شخصية في وقت معين. وأما إن وقعت على كلي وعتين في فرد وتسلمه، فالاقوى أنه كذلك (1) مع تعيين الوقت وانقضائه. نعم مع عدم تعيين الوقت فالظاهر عدم استقرار الاجرة المسماة (2)، وبقاء الاجارة، وإن كان ضامنا لاجرة المثل لتلك المدة، من جهة تفويته المنفعة على المؤجر. (مسألة 2): إذا بذل المؤجر العين المستأجرة للمستأجر ولم يتسلم حتى انقضت المدة، استقرت عليه الاجرة (3). ] (1) لان تسليم الفرد تسليم الكلي، فيتحقق التسليم الذي هو شرط استقرار الاجرة. ونسب إلى الشيخ: العدم، لكون المدفوع غير موضوع الاجارة. لكنه ضعيف كما عرفت، وإن احتمل في عبارة الشرائع. (2) كما هو ظاهر محكي المهذب البارع، وايضاح النافع. واحتملاه في عبارة الشرائع، ووجهه - على ما قيل -: ان جميع الازمنة صالح للاستيفاء، ولا تتعين في زمان القبض، وضعفه ظاهر، لان زمان القبض فرد من زمان الاجارة، فالقبض فيه قبض فيه، فلا فرق بين هذه الصورة وما قبلها، كما صرح به في المسالك وغيرها. نعم لو كان الموجب لاستقرار الاجرة في الصورة الاولى تفويت المستأجر للمنفعة فهو غير حاصل في هذه الصورة، لان فوات الموسع إنما يكون بفواته في جميع الازمنة، ولا يكفي فيه فواته في بعضها. لكنه ليس ذلك هو الوجه، بل الوجه حصول التسليم، وهو حاصل في المقام كما عرفت. (3) كما صرح به في الجواهر، حاكيا نفي الخلاف فيه عن كل من تعرض له. وفي المسالك: " وفي حكم التسليم مالو بذل العين فلم يأخذها المستأجر حتى انقضت المدة، أو مضت مدة يمكن فيها الاستيفاء ". ونحوه

[ 47 ]

[ وكذا إذا استأجره ليخيط له ثوبا معينا - مثلا - في وقت معين، وامتنع من دفع الثوب إليه حتى مضى ذلك الوقت، فانه يجب عليه دفع الاجرة (1)، سواء اشتغل في ذلك الوقت - مع امتناع المستأجر من دفع الثوب إليه - بشغل آخر لنفسه أو لغيره، أو جلس فارغا (2). (مسألة 3): إذا استأجره لقلع ضرسه ومضت المدة التي يمكن إيقاع ذلك فيها (3)، وكان المؤجر باذلا نفسه، استقرت الاجرة (4)، سواء كان المؤجر حرا أو عبدا باذن مولاه. واحتمال الفرق بينهما بالاستقرار في الثاني دون الاول لان منافع الحر لا تضمن إلا بالاستيفاء، لاوجه له، لان ] في القواعد، وعن غيرهما. ويقتضيه عموم اللزوم، لعدم الدليل على اعتبار أكثر من ذلك في استقرار العقد ولزومه. (1) لما سبق. (2) لاطراد المناط في استقرار الاجرة في جميع الصور، وهو البذل الذي يتحقق به التسليم. (3) تفترق هذه المسألة عن المسألة السابقة: بأن المفروض في السابقة انقضاء تمام المدة، وفي هذه المسألة انقضاء زمان يمكن فيه العمل، وإن لم يمض تمام المدة. ولذلك لم يقع الخلاف في المسألة السابقة في لزوم الاجرة، من جهة صدق التفويت فيها، بخلاف هذه. (4) هذا الحكم ربما ينافي ما تقدم منه (ره) في آخر المسألة الاولى من عدم استقرار الاجرة مع عدم تعيين الوقت، مع أن بذل العين أولى بصدق التسليم فيه.

[ 48 ]

[ منافعه بعد العقد عليها صارت مالا للمستحق، فإذا بذلها ولم يقبل كان تلفها منه (1) مع أنا لا نسلم أن منافعه لا تضمن. ] (1) الفرق المذكور ذكره في جامع المقاصد وغيره، من جهة أن الحر لا يكون تحت اليد، فلا تكون منافعه تحت اليد بمجرد بذل نفسه، فلا يتحقق تسليمها إلا باستيفائها. وفيه: ما عرفت من أن التسليم الذي يتحقق به استقرار الاجرة، ويكون التلف من المستأجر، يتحقق بمجرد التخلية، بحت لا يكون مانع من استيفاء المنفعة إلا من قبل المستأجر. وبهذا المعنى يتحقق بمجرد بذل الاجير نفسه للعمل، كما يتحقق ببذل العين المستأجرة. بل الظاهر أنه لافرق بين العبد والحر إلا بالحرية والرقية بالاضافة إلى نفسهما. وأما بالاضافة إلى منافعهما فهو: أن منافع العبد مملوكة لمالكه، ومنافع الحر غير مملوكة. وأما من حيث إمكان إثبات اليد على العين، أو على المنافع تبعا للعين فيهما سواء. وعدم ضمان الحر بمجرد اليد، لعدم ملكية نفسه إجماعا لا يقتضي ذلك. كما أن عدم ضمان منافعه باليد عليه، لعدم كونها مملوكة له أيضا، لا يوجب الفرق بينهما في ما نحن فيه. مع أن استقرار الاجرة في إجارة العبد، بمجرد بذل مولاه له، لم يكن من جهة اثبات اليد عليه، ليفرق بينه وبين الحر، بأن الحر لا يمكن أن يكون تحت اليد، بخلاف العبد، بل إنما كان من جهة تحقق التسليم الحاصل بالبذل، وإن لم يكن العبد تحت اليد، فلم لا يلتزم بذلك بالنسبة إلى الحر؟!. هذا وقد يحكى عن شيخنا الاعظم المحقق الانصاري (ره): الفرق بين كون الاجارة على عمل جزئي معين وعلى عمل كلي، فتستقر في الاول بالبذل دون الثاني، لان تسليم الاول يكون بتسليم العامل نفسه، وتسليم الثاني إنما يكون بتسليم فرده، وهو لا يكون إلا بايجاده في الخارج.

[ 49 ]

[ إلا بالاستيفاء، بل تضمن بالتفويت أيضا إذا صدق ذلك (1)، كما إذا حبسه وكان كسوبا، فانه يصدق في العرف: أنه فوت عليه كذا مقدار. هذا ولو استأجره لقلع ضرسه فزال الالم بعد العقد لم تثبت الاجرة، لا نفساخ الاجارة حينئذ (2). (مسألة 4): إذا تلفت العين المستأجرة قبل قبض ] لكن عرفت فيما سبق الاشكال فيه، وأن تسليم الجزئي إذا كان يكفي في حصوله تسليم العامل فلم لا يكون تسليم الفرد الذي به يتحقق تسليم الكلي كذلك؟!. وبالجملة: الفرق بين تسليم الجزئي الذي وقعت عليه الاجارة، وبين تسليم الجزئي الذي هو مصداق لما وقعت عليه بأنه يكفي في الاول تسليم العامل ولا يكفي في الثاني، غير ظاهر. (1) هذا قد يدعى عدم معقوليته، لان الضمان إن كان تداركا للخسارة فالحبس إنما يقتضي فوات فائدة لا الوقوع في خسارة. وإن كان اشتغال الذمة بالبدل، فمنافع الحر - كنفس الحر - ليس لها أثر في نظر الشارع كي يمكن تعقل البدلية عنها، لعدم كونها مملوكة للحر، ولاهي معنونة بعنوان مثل كونها صدقة أو نحوها، كي يمكن اعتبار البدلية للمضمون به، كما في إتلاف الوقف أو العين الزكوية، فان العين في المقامين غير مملوكة لمالك على التحقيق، لكن معنونة بعنوان كونها وقفا أو زكاة، فيمكن قيام البدل مقامها في حفظ العنوان المذكور، وفي المقام منافع الحر كنفس الحر ليست كذلك، فلا معنى لاعتبار البدلية لشئ عنها. مضافا إلى أن مقتضى الجمود على قاعدة الاتلاف - التي هي دليل الضمان - الاختصاص بما كان مالا للغير. فتأمل. (2) لصيرورة المنفعة محرمة، فيمتنع أكل المال بأزائها، لانه أكل بالباطل.

[ 50 ]

[ المستأجر، بطلت الاجارة (1). وكذا إذا تلفت عقيب قبضها بلا فصل. وأما إذا تلفت بعد استيفاء منفعتها في بعض المدة، فتبطل بالنسبة إلى بقية المدة، فيرجع من الاجرة بما قابل المتخلف من المدة، إن نصفا فنصف، وإن ثلثا فثلث، مع تساوي الاجزاء بحسب الاوقات، ومع التفاوت تلاحظ النسبة. (مسألة 5): إذا حصل الفسخ في أثناء المدة بأحد ] (1) بلا خلاف نعلمه، كما في محكي التذكرة. ونحوه في الجواهر. وقد يستدل على ذلك: بأن مبنى عقود المعاوضة على المعاوضة الاعتبارية والخارجية التي هي تبديل سلطنة بسلطنة، فتعذره يقتضي انتفاءها. وأشكل عليه في الجواهر: بأن ذلك خلاف ما ذكروه في مسألة تلف المبيع قبل القبض من أنه خلاف الاصل، ثبت بدليل خاص بالبيع، ولاوجه للتعدي إلى غيره. اللهم إلا أن يكون التعدي إلى المقام دليل على فهم ذلك من الدليل. هذا والتحقيق أن الوجه في البطلان: ما سيأتي من أن اعتبار المنفعة إنما يصح في ظرف وجود العين فعلا، فمع التلف قبل القبض لا منفعة حتى يصح اعتبار الاجارة، وعليه فبطلان الاجارة من أصلها - كما نسب إلى العلامة (ره) - لامن حين التلف كما هو ظاهر المشهور هنا، بل المتسالم عليه في تلف المبيع قبل القبض، لان ظرف المعاوضة في البيع العين، وهي حاصلة وقت البيع، بخلاف الاجارة، فان وجود العين في زمان غير كاف في اعتبار المنفعة في الازمنة اللاحقة، فإذا تلفت العين في زمان كشف ذلك عن عدم المنفعة، فلا تنعقد الاجارة من أصلها، وإن كان ظاهر المشهور كون البطلان من حين التلف، كالبطلان في البيع. وسيأتي ذلك في المسألة السابعه.

[ 51 ]

[ أسبابه، تثبت الاجرة المسماة بالنسبة إلى ما مضى، ويرجع منها بالنسبة إلى ما بقي - كما ذكرنا في البطلان - على المشهور (1) ويحتمل قريبا أن يرجع تمام المسمى، ويكون للمؤجر أجرة المثل بالنسبة إلى ما مضى، لان المفروض أنه يفسخ العقد الواقع أولا، ومقتضى الفسخ عود كل عوض إلى مالكه، بل يحتمل ] (1) فانه ذكر في الشرائع: أنه لو تجدد فسخ، صح فيما مضى وبطل في الباقي. ولم يتعرض في الجواهر والمسالك وغيرهما - في شرح العبارة المذكورة - لشبهة أو إشكال. وكذا ذكر في الارشاد، فيما لو انهدم المسكن ففسخ: أنه يرجع بنسبة المتخلف ولم يتعرض في مجمع البرهان للاشكال فيه. وكذا ذكره في الحدائق من دون نقل خلاف أو إشكال. ولم أقف على من تعرض لخلاف فيه. بل يظهر من كلماتهم أنه من المسلمات. وقد ادعى بعض الاعيان: ظهور اتفاقهم عليه. وعن بعض توجيهه: بعدم تعقل الفسخ فيما مضى، لانعدامه، فلا معنى لانتقاله بالفسخ إلى المؤجر. وفيه: أن الانتقال من الاعتبارات الصالحة للتعلق بالمعدوم، كالموجود. مع أنه منقوض باجارة العين فضولا، فان المنفعة قبل الاجارة ملك لمالك العين، وبعد الاجارة ملك للمستأجر. نعم قد يشكل ذلك من جهة أن الفسخ إنما يكون من حينه، لامن حين حدوث العقد. وفيه: أنه مسلم، لكن بالاضافة إلى تمام مضمون العقد، فلا يجوز الفسخ بالنسبة إلى بعضه دون بعض، وفي الاجارة المنافع التدريجية بحسب تدرج الزمان، أبعاض موضوع واحد لا يجوز التفكيك بينها فيه، فإذا وقع الفسخ وقع بالنسبة إلى الجميع. ولا مجال للمقايسة بالتلف في أثناء المدة، فان البطلان في ذلك من أول الامر، نظير تبعض الصفقة. ويشهد لما ذكرنا ما هو المعروف المدعى عليه الاجماع: أنه لا يجوز

[ 52 ]

[ أن يكون الامر كذلك في صورة البطلان أيضا، لكنه بعيد (1). (مسألة 6): إذا تلف بعض العين المستأجرة، تبطل بنسبة، ويجئ خيار تبعيض الصفقة. (مسألة 7): ظاهر كلمات للعلماء: أن الاجرة من حين العقد مملوكة للمؤجر بتمامها، وبالتلف - قبل القبض أو بعده أو في أثناء المدة - ترجع إلى المستأجر كلا أو بعضا من حين البطلان، كما هو الحال عندهم في تلف المبيع قبل القبض لا أن يكون كاشفا عن عدم ملكيتها من الاول. وهو مشكل لان مع التلف ينكشف عدم كون المؤجر مالكا للمنفعة إلى ] التبعيض في الرد إذا ظهر عيب في بعض المبيع، كما لو باعه ثوبا وخاتما فتبين عيب في الثوب. ويشير إليه ما ذكروه من وجوب مطابقة القبول مع الايجاب، فلو قبل في بعض المبيع لم يصح العقد. لكن الظاهر بناؤهم على جواز التبعيض في مالو كان بعض المبيع حيوانا، فانه يثبت فيه خيار الحيوان، ويجوز رد الحيوان دون البعض الآخر. بل المشهور جواز الاقالة في بعض المبيع دون بعض، ولم ينقل الخلاف في ذلك إلا من ابن المتوج، على ما حكاه عنه الشهيد. والانصاف: أن المرتكزات العرفية لا تساعد على التبعيض في المقامين وإطلاقات مشروعية الاقالة والفسخ في مورده لا يصلح لاثبات قابلية المحل ومع الشك في القابلية يرجع إلى أصالة عدم ترتب الاثر. وهذا بخلاف مسألتنا، فان الارتكاز العرفي يساعد على التبعيض، ولعله هو الوجه في التسالم والاتفاق ظاهرا عيه. فلاحظ. (1) سيأتي وجهه في المسألة التاسعة.

[ 53 ]

[ تمام المدة، فلم ينتقل ما يقابل المتخلف من الاول إليه. وفرق واضح بين تلف المبيع قبل القبض، وتلف العين هنا، لان المبيع حين بيعه كان مالا موجودا قوبل بالعوض، وأما المنفعة في المقام فلم تكن موجودة حين العقد، ولا في علم الله، إلا بمقدار بقاء العين. وعلى هذا فإذا تصرف في الاجرة، يكون تصرفه بالنسبة إلى ما يقابل المتخلف فضوليا. ومن هذا يظهر: أن وجه البطلان في صورة التلف كلا أو بعضا انكشاف عدم الملكية للمعوض. (مسألة 8): إذا آجر دابة كلية ودفع فردا منها فتلف، لا تنفسخ الاجارة، بل ينفسخ الوفاء (1)، فعليه أن يدفع فردا آخر. (مسألة 9): إذا آجره داراد فانهدمت، فان خرجت عن الانتفاع بالمرة بطلت، فان كان قبل القبض أو بعده قبل أن يسكن فيها أصلا رجعت الاجرة بتمامها، وإلا فبالنسبة، ويتحمل تمامها في هذه الصورة أيضا، ويضمن أجرة المثل بالنسبة إلى ما مضى. لكنه بعيد (2). وإن أمكن الانتفاع بها ] (1) لكون المدفوع ليس فرد الموضوع الاجارة. (2) بلا خلاف في ذلك ولا إشكال، كما في الجواهر. وكأنه لانحلال العقد إلى عقود متعددة، بتعدد مراتب المنفعة في الازمنة التدريجية ولا تلازم بينها في الصحة والبطلان، وإن كانت متلازمة في الفسخ، نظير موارد تبعض الصفقة، بل المقام منه. ويستفاد ذلك - هنا - من النصوص الواردة في الموارد المتفرقة، الوارد بعضها فيمن استأجر دابة إلى

[ 54 ]

[ مع ذلك، كان للمستأجر بين الابقاء والفسخ (1). وإذا فسخ كان حكم الاجرة ما ذكرنا. ويقوى هنا رجوع تمام المسمى مطلقا، ودفع أجرة المثل بالنسبة إلى ما مضى، لان هذا مقتضى فسخ العقد كما مر سابقا. وإن انهدم بعض بيوتها بقيت الاجارة بالنسبة إلى البقية (2)، وكان للمستأجر خيار تبعض الصفقة. ولو بادر المؤجر إلى تعميرها، بحيث لم يفت الانتفاع أصلا، ليس للمستأجر الفسخ حينئذ على الاقوى، خلافا للثانيين (3). ] مسأفة فأعيت (* 1)، وبعضها فيمن استأجر أجيرا ليحفر له بئرا فأعيى (* 2) وفيمن استأجر أجيرا ليحج فمات (* 3). وبالجملة: المقام من البطلان في البعض من أول الامر، كما هو باب تبعض الصفقة، لامن باب البطلان الطارئ بالفسخ، فليسا هما من باب واحد. ثم إنه تقدم من المصنف (ره) في المسألة الرابعة: الجزم بالبطلان في البعض دون البعض. (1) هذا الخيار من قبيل خيار الرؤية، لتخلف الوصف. (2) يعني: وبطلت بالنسبة إلى ما انهدم. (3) يعني: المحقق والشهيد الثانيين، فقد اختار الاول في الجامع، والثاني في المسالك: أن للمستأجر الفسخ وإن لم يفت الانتفاع أصلا، لثبوت الخيار بالانهدام، فيستصحب، إذ لم يدل دليل على سقوطه بالاعادة. وفي الجواهر: " قد يناقش فيه بمنع ما يدل على ثبوته بالانهدام، من حيث كونه انهداما، وإن لم يفت به شئ من المنفعة على وجه تنقطع به


(* 1) الوسائل باب: 12 من ابواب احكام الاجارة حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 35 من أبواب احكام الاجارة حديث: 1، 2. (* 3) الوسائل باب: 15 من أبواب نيابة الحج.

[ 55 ]

[ (مسألة 10): إذا امتنع المؤجر من تسليم العين المستأجرة يجبر عليه، وإن لم يمكن إجباره كان للمستأجر فسخ الاجارة والرجوع بالاجرة (1)، وله الابقاء ومطالبة عوض المنفعة الفائتة. وكذا إن أخذها منه بعد التسليم، بلا فصل أو في أثناء المدة (2). ومع الفسخ في الاثناء يرجع بما يقابل ] أصالة اللزوم، اللهم إلا أن يستبعد الفرض، وهو خروج عن محل الفرض ". أقول: أبعاض العين المستأجرة: منه ما يكون انهدامه موجبا لفوات المنفعة حين الانهدام، ومنه مالا يكون كذلك، لاختصاص الانتفاع به بغير زمان الانهدام، كما إذا انهدم درج السطح أو السرداب في أيام الشتاء فانه لا يوجب نقصا في المنفعة. أما القسم الثاني: فلا ينبغي التأمل في عدم اقتضائه البطلان. وأما القسم الاول: فان كان فوات المنفعة بنحو بعتد به، فلا ينبغي التأمل في البطلان فيه، لانتفاء المعاوضة بالنسبة إليه، لانتفاء موضوعها. وإن كان بنحو لا يعتد به، فالظاهر عدم اقتضائه البطلان ولا الخيار. ومما ذكرنا يظهر جريان ما ذكر في انهدام الكل، وتجئ فيه الاحكام. فإذا انهدام الدكان في أثناء الليل فأعاده قبل الصبح لم يقتض شيئا. ولعله أشار بعض الاعاظم في حاشيته إلى ما ذكرنا. فراجع. (1) كما حكي عن جماعة، واختاره في الشرائع، لان مبنى المعاوضات على التسليم، فمع تعذره يثبت الخيار. وعن الشيخ والعلامة في التذكرة: انفساخ الاجارة، تنزيلا لذلك منزلة التلف قبل القبض. وهو كما ترى، إذ التلف يكشف عن انتفاء المنفعة، ولا موجب لهذا التنزيل. (2) لان المنفعة لما كانت تدريجية فأخذ العين بعد القبض يوجب عدم تحقق القبض بالنسبة إلى المنفعة اللاحقة، ولذا نسب الخيار المذكور إلى جماعة. لكن في جامع المقاصد وعن المسالك: لزوم العقد لتحقق

[ 56 ]

[ التخلف من الاجرة. ويحتمل قويا رجوع تمام الاجرة ودفع أجرة المثل لما مضى (1) - كما مر نظيره سابقا - لان مقتضى فسخ العقد عود تمام كل من العوضين إلى مالكهما الاول. لكن هذا الاحتمال خلاف فتوى المشهور. (مسألة 11): إذا منعه ظالم عن الانتفاع بالعين قبل القبض تخير بين الفسخ (2) والرجوع بالاجرة (3)، وبين الرجوع على الظالم بعوض ما فات. ويحتمل قويا تعين الثاني (4) وإن كان منع الظالم أو غصبه بعد القبض يتعين الوجه الثاني (5) ] التسليم المعتبر في اللزوم بالتسليم قبل الاخذ. وهو غير بعيد، لان القبض المعتبر ارتكازا عند العرف به قبض العين، وإن كان لا يخلو من خفاء. (1) كما تقدم منه (ره)، وتقدم تقريبه. (2) لما سبق في منع المؤجر. (3) على المالك المؤجر. وفي جامع المقاصد وعن غيره: احتمال جواز الرجوع إلى المؤجر بأجرة المثل، لانها مضمونة عليه. لكن دفعه في المسالك: بأن ضمان المؤجر ضمان المعاوضة، بمعنى: الرجوع إلى المسمى بعد الفسخ أو الانفساخ لا ضمان يد، كما هو ظاهر. (4) لكن الاقوى خلافه، لما عرفت من أن تعذر التسليم الذي عليه تبتني المعاوضة موجب للخيار، من دون فرق بين أن يكون لمنع المؤجر، أو لمنع الظالم، أو لغير ذلك. (5) بلا خلاف كما قيل. وما تقدم في أخذ المؤجر بعد التسليم غير آت هنا كما قيل. لكن الفرق لا يخلو من خفاء، فان منع الظالم قبل القبض إذا كان قادحا في حصول التسليم الذي تبتني عليه المعاوضة، كان

[ 57 ]

[ فليس له الفسخ حينئذ، سواء كان بعد القبض في ابتداء المدة أم في أثنائها. ثم لو أعاد الظالم العين المستأجرة في أثناء المدة إلى المستأجر فالخيار باق (1)، لكن ليس له الفسخ إلا في الجميع. وربما يحتمل جواز الفسخ بالنسبة إلى ما مضى من المدة في يد الغاصب (2)، والرجوع بقسطه من المسمى واستيفاء باقي المنفعة. وهو ضعيف، للزوم التبعيض في العقد، وإن كان يشكل الفرق بينه وبين ما ذكر من مذهب المشهور من ابقاء العقد فيما مضى وفسخه فيما بقي، إذ اشكال تبعيض العقد مشترك بينهما. (مسألة 12): لو حدث للمستأجر عذر في الاستيفاء - كما لو استأجر دابة لتحمله إلى بلد، فمرض المستأجر ولم يقدر - فالظاهر البطلان، ] مانعا كذلك بعد القبض بالاضافة إلى المنفعة اللاحقة. (1) قطعا، كما في جامع المقاصد، لفوات المعقود عليه وهو مجموع المنفعة، ولانه قد ثبت له الخيار بالغصب والاصل بقاؤه. لكن الاصل لا يعارض عموم لزوم العقود. فالعمدة الوجه الاول. (2) قال في القواعد: " فيه نظر ". وفي جامع المقاصد: " ينشأ من أن فوات المنفعة - وهي المعوض - يقتضي الرجوع إلى العوض، وهو الاجرة المسماة، والفوات في هذه الصورة مختص بالمنفعة الماضية، فاستحق الفسخ فيها. ومن أن ذلك مقتض لتبعض الصفقة، وهو خلاف مقتضى العقد، فاما أن يفسخ في الجميع أو يمضي في الجميع... إلى أن قال: وهو الاصح ".

[ 58 ]

[ إن اشترط المباشرة (1) على وجه القيدية (2). وكذا لو حصل له عذر آخر. ويحتمل عدم البطلان (3). نعم لو كان هناك عذر عام بطلت قطعا (4)، لعدم قابلية العين للاستيفاء حينئذ (5). (مسألة 13): التلف السماوي للعين المستأجرة أو لمحل العمل موجب للبطلان، ومنه إتلاف الحيوانات. وإتلاف ] (1) لتعذر المنفعة المشروطة، ومع عدم المنفعة لا مجال لصحة الاجارة. ولا يكفي في الصحة مجرد قابلية العين للمنفعة في نفسها، كما لا يخفى بعد التأمل. (2) بأن تؤخذ المباشرة قيدا على نحو وحدة المطلوب. أما إذا كان أخذها على نحو تعدد المطلوب، كما لصاحب الشرط الخيار، نظير مالو باعه شيئا موصوفا فتعذر الوصف، فالمستأجر يكون له الخيار بين الفسخ والرضا بذات المقيد. (3) قال في القواعد: " ولو حدث خوف منع المستأجر من الاستيفاء - كما لو استأجر جملا للحج فتنقطع السابلة - فالاقرب تخير كل من المؤجر والمستأجر في الفسخ والامضاء ". وفيه: ما عرفت. مع أن الوجه في تخير المؤجر لا يخلو من خفاء، إذ لا خلل في مقصده. (4) لكن في القواعد: " لو استأجر دارا للسكنى، فحدث خوف عام يمنع من السكنى في ذلك البلد في تخير المستأجر نظر ". وفي جامع المقاصد: " في ثبوت التخيير قوة ". وفيه: ما عرفت من عدم المنفعة التي هي شرط صحة الاجارة، وقد تقدم: أن في حاق الاجارة المعاوضة على المنفعة، ولا مجال لتحقق المعاوضة مع عدم المنفعة خارجا. (5) عبارة التعليل لا تخلو من مسامحة.

[ 59 ]

[ المستأجر بمنزلة القبض (1)، وإتلاف المؤجر موجب للتخيير بين ضمانه والفسخ (2). وإتلاف الاجنبي موجب لضمانه (3). والعذر العام بمنزلة التلف. وأما العذر الخاص بالمستأجر - كما إذا استأجر دابة لركوبه بنفسه فمرض ولم يقدر على المسافرة أو رجلا لقلع سنه فزال ألمه، أو نحو ذلك - ففيه اشكال. ولا يبعد أن يقال: إنه يوجب البطلان إذا كان بحيث لو كان قبل العقد لم يصح معه العقد (4). (مسألة 14): إذا آجرت الزوجة نفسها بدون إذن الزوج فيما ينافي حق الاستمتاع وقفت على إجازة الزوج، بخلاف ما إذا لم يكن منافيا، فانها صحيحة. وإذا اتفق إرادة الزوج للاستمتاع كشف عن فسادها. ] (1) لا يخلو من إشكال، لان اعتبار المنفعة عند العقلاء تابع لوجود العين خارجا، ولا يكفي فيه الوجود الفرضي ولو كان ذميا. ومنه يظهر الاشكال فيما بعده، وإن كان يظهر من الجواهر وغيرها التسالم عليه. (2) أما الضمان: فلان إتلاف العين اتلاف للمنفعة، وهو موجب لضمانها. وأما الفسخ: فلتخلف المقصود، وهو الانتفاع الخاص بالعين. ويظهر من كلام غير واحد: المفروغية عن ثبوت الخيار لذلك. (3) الموجب للفسخ في إتلاف المؤجر موجود هنا أيضا، فالفرق بينهما في ذلك غير ظاهر. (4) بأن يكون موضوع المعاوضة خصوص انتفاع شخص المستأجر، أما إذا كان التقييد على نحو تعدد المطلوب يكون المقام من باب تخلف الوصف، كما عرفت.

[ 60 ]

[ (مسألة 15): قد ذكر سابقا: ان كلا من المؤجر والمستأجر يملك ما انتقل إليه بالاجارة بنفس العقد، ولكن لا يجب تسليم احدهما إلا بتسليم الآخر. وتسليم المنفعة بتسليم العين. وتسليم الاجرة باقباضها إلا إذا كانت منفعة ايضا، فبتسليم العين التي تستوفى منها. ولا يجب على واحد منهما الابتداء بالتسليم. ولو تعاسرا أجبرهما الحاكم. ولو كان احدهما باذلا دون الآخر ولم يمكن جبره كان للاول الحبس. إلى أن يسلم الآخر. هذا كله إذا لم يشترط في العقد تأجيل التسليم في احدهما، وإلا كان هو المتبع. هذا وأما تسليم العمل: فان كان مثل الصلاة والصوم والحج والزيارة ونحوها فبإتمامه، فقبله لا يستحق المؤجر المطالبة وبعده لا يجوز للمستأجر المماطلة، إلا أن يكون هناك شرط أو عادة في تقديم الاجرة، فيتبع، وإلا فلا يستحق حتى لو لم يمكن له العمل إلا بعد أخذ الاجرة، كما في الحج الاستئجاري إذا كان المؤجر معسرا. وكذا في مثل بناء جدار داره أو حفر بئر في داره أو نحو ذلك (1)، فان إتمام العمل تسليم، ولايحتاج إلى شئ آخر. وأما في مثل الثوب الذي أعطاه ] (1) لا يظهر الفرق بين بناء الجدار وحفر البئر وخياطة الثوب، في أن كل واحد منها له أثر خارجي، لا يكون تسليم الاثر إلا بتسليم المحل ولعل المراد: صورة ما إذا كانت الدار التي فيها الجدار والبئر في يد المالك، فحينئذ لاريب في حصول التسليم بمجرد تمام العمل. ولعله ظاهر العبارة الآتية.

[ 61 ]

[ ليخيطه، أو الكتاب الذي يكتبه، أو نحو ذلك مما كان العمل في شئ بيد المؤجر: فهل يكفي إتمامه في التسليم، فبمجرد الاتمام بستحق المطالبة، أو لا إلا بعد تسليم مورد العمل، فقبل أن يسلم الثوب - مثلا - لا يستحق مطالبة الاجرة؟ قولان، أقواهما: الاول (1)، لان المستأجر عليه نفس العمل، والمفروض ] (1) كما اختاره في الجواهر. تبعا لما في الشرائع وظاهر غيرها، للوجه المذكور في المتن. والثاني: ظاهر القواعد، وحكي عن جملة أخرى، واختاره بعض الاعاظم في حاشيته فقال: " بل الثاني، وضابط ذلك هو: أنه لما كانت مالية العمل باعتبار نفس صدوره من العامل - كالعبادات مثلا وحفر البئر وبناء الجدار وحمل المتاع ونحوه من مكان إلى آخر - فالفراغ عن العمل تسليمه. وإن كان الاثر المتولد منه هو مناط ماليته - كالخياطة والقصارة والصياغة ونحو ذلك - فذلك الاثر بملك تبعا لتملك العمل، ويتوقف تسليم ما آجر نفسه له على تسليمه بتسليم مورده على الاقوى. ولو تلف قبل ذلك بعد الفراغ عن العمل المستأجر له - كالخياطة مثلا - كان بالنسبة إلى متعلق الاجارة من التلف قبل القبض الموجب لانفساخها. ولو أتلفه المؤجر أو أجنبي يتخير المالك في فسخ الاجارة. فيستوفي قيمة الثوب غير مخيط ممن أتلفه، أو امضائها فيستوفي قيمته مخيطا، ويدفع إلى العامل قيمة الخياطة، ويثبت للعامل حق حبس العين بعد إتمام العمل إلى ان يستوفي أجرته ". أقول: قوله في الحاشية المذكورة: " كالعبادات " لا يخلو من نظر، فان مالية الافعال المذكورة إنما هو بلحاظ ما يترتب عليها من الآثار، لابلحاظها في نفسها، ولاسيما في مثل بناء الجدار، فان الفرق بينه وبين خياطة الثوب في غاية الخفاء. فان الصفة الحادثة في الثوب من الخياطة

[ 62 ]

بعينها الصفة الحادثة في الجدار من البناء. وهي في المقامين منشأ الرغبة في العمل، التي هي الموجب لاعتبار المالية فيهما. وربما يحتمل أن يكون وجه الفرق بين الامثلة المذكورة: أن الاثر المترتب على العمل في القسم الاول ليس له وجود خارجي، فان نقل المتاع من مكان إلى آخر، إنما يترتب عليه إضافة الظرفية إلى المكان الثاني، وليس هناك وجود زائد على وجود الظرف والمظروف، ونحوه بناء الجدار، وحفر البئر، إذ لا يترتب على الاول إلا اتصال الحجارة بالطين، ولا على الثاني إلا فصل التراب عن موضعه. وكذا أمثالها مما لا يترتب على الاعمال فيها إلا الاضافات الخاصة، بخلاف مثل صبغ الثوب، فان اللون موجود خارجي زائد على موضوعه. وفيه: أن ذلك جار بعينه في مثل الخياطة والصياغة، فان المترتب عليه ليس إلا الهيئة الخاصة، الحاصلة من تقارب الاجزاء أو تواصلها. مع أن كون الامور المذكورة ليست موجودات خارجية وأنها اضافات خارجية لا يستوجب الفرق بينها وبين مثل السواد والبياض في الحكم المذكور، فان العرف لا يفرق بينهما في جميع الاحكام، فان كل مثل السواد والبياض مملوكا فهي أيضا مملوكة، وإن كان مثلها مناط المالية فهي أيضا كذلك، وإن كان مثلها مما تصح الاجارة عليه فهي أيضا كذلك، وإن كان تسليم العمل بتسليمها فهي أيضا كذلك، فالفرق بينهما غير ظاهر. قوله - في الحاشية -: " تبعا لتملك ": لاإشكال في أن الاثر يملك تبعا للعمل، لانه متولد منه، إلا أن هذا المقدار لا يستوجب كون الاثر موضوعا للمعاوضة المأخوذة في حاق الاجارة، لمباينته للعمل الذي هو تمام موضوعها، وحينئذ لا يكون عقد الاجارة موجبا لتسليمه في ظرف تسلم الاجرة. هذا مضافا إلى أن تملك الاثر بالتبعية لا يتوقف على كون

[ 63 ]

[ أنه قد حصل، لا الصفة الحادثة في الثوب - مثلا - وهي المخيطة (1)، حتى يقال: إنها في الثوب وتسليمها بتسليمه. وعلى ما ذكرنا: فلو تلف الثوب - مثلا - بعد تمام الخياطة في يد المؤجر بلا ضمان يستحق أجرة العمل، بخلافه على القول الآخر (2). ولو تلف مع ضمانه أو أتلفه، وجب عليه قيمته ] مالية العمل بلحاظ ترتبه، فانه لو كانت مالية العمل بلحاظ نفسه، وكان يترتب عليه أثر عيني خارجي أيضا يكون مملوكا لمالك. فالضابط - على هذا - ينبغي أن يكون هكذا: يعني: أن العمل المستأجر عليه قسمان: الاول: مالا يكون له أثر في موضوع. والآخر: ما يكون له أثر عيني في موضوع. فالاول: لاإشكال في حصول تسليمه باتمامه، واستحقاق الاجرة به. والثاني: فيه القولان المذكوران. قوله - في الحاشية -: " يتخير المالك ": يعني: لا تبطل الاجارة بالتلف المذكور، لان التالف لما كان مضمونا لم يكن من التلف قبل القبض، بل من قبيل تخلف الوصف قبل القبض، الموجب للخيار. (1) لانها عين، والاجارة انما تكون على المنفعة التي تنطبق على العمل لا على العين. (2) فانه لا يستحق الاجر، لبطلان الاجارة بالتلف قبل القبض. لكن هذا مبني على التعدي من البيع إلى الاجارة، وهو غير ظاهر كما تقدم في المسألة السابعة، وتعرضنا له في شرح المسألة الرابعة. إلا أن يقال: إذا كان وجوب التسليم مشروطا بامكانه، فمع التلف لا يجب التسليم، وإذا كان الشئ لا يجب تسليمه أبدا لا يصح اعتبار الملكية له. لكن ذلك غير البطلان. أو أن مقصودهم من أن التلف موجب للبطلان: أنه لا يجب معه التسليم.

[ 64 ]

مع وصف المخيطية لاقيمته قبلها، وله الاجرة المسماة. بخلافه على القول الآخر، فانه لا يستحق الاجرة وعليه قيمته غير مخيط. وأما احتمال عدم استحقاقه الاجرة مع ضمانه القيمة مع الوصف. فبعيد، وإن كان له وجه (1). وكذا يتفرع على ما ذكر: أنه لا يجوز حبس العين بعد إتمام العمل إلى أن يستوفي الاجرة (2)، فانها بيده أمانة، إذ ليست هي ولا الصفة التي فيها موردا للمعاوضة، فلو حبسها ضمن، بخلافه على القول الآخر. ] (1) يمكن أن يكون الوجه فيه ما أشرنا إليه، من عدم بطلان الاجارة بالتلف، غاية الامر أنه لا يستحق الاجير المطالبة بالاجرة، ولا يجب على المستأجر تسليمها، إذ على هذا تكون الصفة ملكا للمستأجر، فيضمنها الاجير للمستأجر، ولا تجوز له المطالبة بالاجرة. نعم بناء على أن التلف قبل القبض موجب للبطلان في الاجارة كالبيع يكون التلف موجبا لرجوع العمل ملكا للعامل، فيتبعه أثره، ولا موجب لضمان العامل، لانه له لا لغيره. لكن يشكل هذا الوجه: بأن الصفة إذا كانت مضمونة للمستأجر فقد سلمت إليه بدفع البدل، فيجب عليه دفع الاجرة لحصول التسليم من طرفه، ولافرق في ذلك بين القول بكون الضمان معاوضة، وكونه تدارك خسارة، لان تدارك الخسارة أيضا نوع من التسليم، فيجب معه التسليم من الطرف الآخر. وإن شئت قلت: الاصل وجوب التسليم الا ما خرج، والمتيقن منه صورة عدم التسليم من الطرف الآخر من كل وجه. فلاحظ. (2) كما جزم به في القواعد. وفي الجواهر: أنه مناف لما سبق منه

[ 65 ]

[ (مسألة 16): إذا تبين بطلان الاجارة رجعت الاجرة إلى المستأجر، واستحق المؤجر أجرة المثل بمقدار ما استوفاه المستأجر من المنفعة (1)، أو فاتت تحت يده (2) إذا كان جاهلا بالبطلان، خصوصا مع علم المستأجر (3). وأما إذا كان عالما فيشكل ضمان المستأجر، خصوصا إذا كان جاهلا، لانه بتسليمه العين إليه قد هتك حرمة ماله، خصوصا إذا كان البطلان من جهة جعل الاجرة مالا يتمول شرعا أو عرفا، أو إذا كان أجرة بلا عوض. ودعوى: أن إقدامه وإذنه في الاستيفاء إنما هو بعنوان الاجارة، والمفروض عدم تحققها، فاذنه مقيد بما لم يتحقق. مدفوعة: بأنه إن كان المراد كونه مقيدا بالتحقق شرعا فممنوع، إذ مع فرض العلم بعدم ] من عدم استحقاق الاجرة باتمام العمل. (1) العمدة في دليله الاجماع. والاستدلال له بما دل على احترام مال المسلم (* 1) أو قاعدة الضرر (* 2)، غير ظاهر، كما حرر ذلك في قاعدة: (ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده). مضافا إلى ما يستفاد من صحيح أبي ولاد المشهور (* 3)، فانه تضمن ضمان الانتفاعات المستوفاة. (2) دليله غير ظاهر، والاجماع المدعى عليه في التذكرة لا مجال للركون إليه، لنقل الخلاف من جماعة، كما حرر ذلك في محله. (3) فانه في هذه الحال يكون آثما عاصيا، فأولى أن يؤخذ بأشق الاحوال.


(* 1) الوسائل باب: 152 من أبواب احكام العشرة حديث: 12 وباب: 3 من أبواب مكان المصلي حديث: 1، 3. (* 2) تقدمت الاشارة إلى مستند القاعدة من النصوص في صفحة: 39. (* 3) الوسائل باب: 17 من أبواب احكام الاجارة حديث: 1.

[ 66 ]

[ الصحة شرعا لا يعقل قصد تحققه إلا على وجه التشريع المعلوم عدمه (1). وإن كان المراد تقيده بتحققها الانشائي فهو حاصل. ومن هنا يظهر حال الاجرة أيضا، فانها لو تلفت في يد المؤجر يضمن عوضها، إلا إذا كان المستأجر عالما ببطلان الاجارة ومع ذلك دفعها إليه. نعم إذا كانت موجودة له أن يستردها. هذا وكذا في الاجارة على الاعمال، إذا كانت باطلة يستحق العامل أجرة المثل لعمله، دون المسماة إذا كان جاهلا بالبطلان. وأما إذا كان عالما فيكون هو المتبرع بعمله، سواء كان بأمر من المستأجر، أو لا، فيجب عليه رد الاجرة المسماة أو عوضها، ولا يستحق أجرة المثل. وإذا كان المستأجر أيضا عالما فليس له مطالبة الاجرة مع تلفها، ولو مع عدم العمل من المؤجر. (مسألة 17): يجوز إجارة المشاع، كما يجوز بيعه وصلحه وهبته، ولكن لا يجوز تسليمه إلا باذن الشريك إذا كان مشتركا. نعم إذا كان المستأجر جاهلا بكونه مشتركا كان له خيار الفسخ للشركة، وذلك كما إذا آجره داره فتبين أن ] (1) هذا غير ظاهر، بل المرتكز في ذهن المتعاملين في أمثال المقام قصد المعاملة الشرعية بالسبب الخاص، فالتشريع يكون في السبب، والدفع يكون مقيدا بملكية المدفوع إليه شرعا، وإن كان لاجل التشريع في سببها. وهكذا الكلام في الاجرة وإجارة العامل، فان الدفع في جميع ذلك إنما كان بعنوان استحقاق المدفوع إليه، لا بعنوان كونه غير مستحق له، بل مستحق للدافع والعامل، والتبرع الخارج عن عموم الضمان مختص بالاخير لاغير.

[ 67 ]

[ نصفها للغير، ولم يجز ذلك الغير، فان له خيار الشركة، بل وخيار التبعض. ولو آجره نصف الدار مشاعا، وكان المستأجر معتقدا أن تمام الدار له فيكون شريكا معه في منفعتها، فتبين أن النصف الآخر مال الغير فالشركة مع ذلك الغير، ففي ثبوت الخيار له حينئذ وجهان (1). لا يبعد ذلك إذا كان في الشركة مع ذلك الغير منقصة له. (مسألة 18): لا بأس باستئجار اثنين دارا على الاشاعة، ثم يقتسمان مساكنهما بالتراضي أو بالقرعة (2). ] (1) أقواهما عدمه، لان الموجب للخيار تخلف المقصود العقدي. وكون الشريك زيدا أو عمرا لادخل له في ذلك. (2) هذا من قبيل المنافع، وقد صرح جماعة - منهم العلامة في القواعد - بعدم وجوب الاجابة إليها، ولو وقعت الاجابة جاز الفسخ حتى لو تصرف أحدهما على طبق القسمة. نعم لو تصرفا معا على طبق القسمه لم يجز الرجوع إلا بالتراضي، وكأنه لعدم الدليل على عموم الاجابة إليها، بل عدم الدليل أيضا على صحتها من حيث أنها قسمة، لاختصاص أدلة مشروعيتها بقسمة الاعيان، ولا تشمل المنافع، نعم لو وقع الصلح بينهم على القسمة كان لازما، عملا بعموم دليله. اللهم إلا أن يتمسك بعموم الوفاء بالعقود، فانها نوع منها، وحينئذ يجب البناء على لزومها، ولا يصح الرجوع عنها. نعم لا تجب الاجابة إليها لعدم الدليل عليه، ولكونه خلاف قاعدة السلطنة. وأما التفكيك بين تصرفهما وتصرف أحدهما، فيجوز الرجوع في الثاني دون الاول، فغير ظاهر الوجه، لانها إن كانت جائزة بعد تصرف أحدهما فقط فلتكن

[ 68 ]

[ وكذا يجوز استئجار اثنين دابة للركوب على التناوب، ثم يتفقان على قرار بينهما بالتعيين، بفرسخ فرسخ، أو غير ذلك وإذا اختلفا في المبتدئ يرجعان إلى القرعة. وكذا يجوز استئجار اثنين دابة - مثلا - لاعلى وجه الاشاعة. بل نوبا معينة بالمدة أو بالفراسخ. وكذا يجوز إجارة اثنين نفسهما على عمل معين على وجه الشركة، كحمل شئ معين لا يمكن إلا بالمتعدد. (مسألة 19): لا يشترط اتصال مدة الاجارة بالعقد على الاقوى، فيجوز أن يؤجره داره شهرا متأخرا عن العقد بشهر أو سنة، سواء كانت مستأجرة في ذلك الشهر الفاصل أم لا. ودعوى البطلان (1) من جهة عدم القدرة على التسليم كما ترى، إذ التسليم لازم في زمان الاستحقاق لاقبله. هذا ولو آجره داره شهرا وأطلق، انصرف الاتصال بالعقد. نعم لو لم يكن انصراف بطل (2). ] جائزة بعد تصرفهما. وكأنه لذلك تنظر في الجواهر في الجملة فيما ذكره الجماعة. (1) حكي عن الشيخ وأبي الصلاح، وعلل بما في المتن. وظاهر محكي كلام الاول: أن الوجه فيه عدم الدليل على الصحة. وهو كما ترى، فان عموم الوفاء بالعقود كاف في الدلالة عليها. (2) للابهام.

[ 69 ]

[ فصل العين المستأجرة في يد المستأجر امانة، فلا يضمن تلفها أو تعيبها إلا بالتعدي أو التفريط (1). ولو شرط المؤجر ] (1) إجماعا بقسميه عليه، كما في الجواهر. ويستفاد من النصوص الواردة في ضمان المستأجر إذا تعدى، فان مفهومها يقتضي عدم الضمان مع عدمه، كصحاح علي بن جعفر، والحلبي، وأبي ولاد (* 1)، وغيرها. وفي صحيح محمد بن قيس: " قال أمير المؤمنين (ع): ولا يغرم الرجل إذا استأجر الدابة ما لم يكرهها أو يبغها غائلة " (* 2). وبالجملة: الحكم المذكور لاإشكال فيه. وأما مادل على عدم ضمان الامين (* 3) ففي شموله للمقام إشكال، لان الظاهر منه الامين على الحفظ، وهو غير ما نحن فيه. وأما صحيح الحلبي: " عن رجل استأجر أجيرا، فأقعده على متاعه. فسرق. قال (ع): مؤتمن " (* 4) فيحتمل أن يكون المراد منه المؤتمن على الحفظ، فلا مجال للاستدلال به على المقام. نعم في صحيح الحلبي عن أبي عبد الله (ع): " صاحبا الوديعة والبضاعة مؤتمنان... وقال: ليس على مستعير عارية ضمان، وصاحب العارية والوديعة مؤتمن " (* 5)، ودلالته على عدم ضمان المؤتمن على المال ظاهرة. ويعضدها مادل على عدم


(* 1) الوسائل باب: 17 من أبواب احكام الاجارة حديث: 6، 3، 1. (* 2) الوسائل باب: 32 من أبواب احكام الاجارة حديث: 1. (* 3) الوسائل باب: 4 من أبواب احكام الوديعة. (* 4) الوسائل باب: 4 من أبواب أحكام الوديعة حديث: 4. (* 5) الوسائل باب: 1 من أبواب احكام العارية حديث: 6.

[ 70 ]

[ عليه ضمانها بدونهما فالمشهور (1) عدم الصحة (2). لكن ] ضمان الاجير، (* 1) والمستأجر (* 2)، والمرتهن (* 3)، والمستعير (* 4)، والعامل (* 5)، ونحوهم من المؤتمنين. فيمكن استفادة قاعدة عدم ضمان الامين بالمعنى الاعم، ويخرج به عن عموم: (على اليد ما أخذت حتى تؤدي) (* 6)، بناء على عمومه للامانة كما هو الظاهر. وعلى هذا فعدم ضمان المستأجر كما يستفاد من الادلة الخاصة، يستفاد من القاعدة المذكورة. (1) في مفتاح الكرامة عن المرتضى: الصحة. بل ظاهر كلامه المحكى: أنه إجماع. وعن الاردبيلي والكفاية: موافقته. وفي الرياض: أنه أظهر. (2) لما دل على عدم ضمان الامين، فيكون شرط الضمان مخالفا للكتاب (* 7). ودعوى أن عدم ضمانه لعدم المقتضي، فلا يكون الشرط حينئذ مخالفا للكتاب، لاختصاص المخالف بما كان على خلاف الحكم الاقتضائي لا مطلقا. مندفعة: بأن عموم (على اليد...) بعد ماكان شاملا ليد الامين، ظاهر في وجود مقتضي الضمان في يده، فعدم ضمانه لابد أن يكون لمقتضي العدم. مع أن الشك في كونه من باب التزاحم. فيكون


(* 1) الوسائل باب: 29 من أبواب احكام الاجارة. (* 2) الوسائل باب: 32 من أبواب احكام الاجارة. (* 3) الوسائل باب: 5 من أبواب احكام الرهن. (* 4) الوسائل باب: 1 من أبواب احكام العارية. (* 5) الوسائل باب: 30 من أبواب احكام الاجارة. (* 6) مستدرك الوسائل باب: 1 من أبواب احكام الغصب حديث: 4، وباب: 12 من أبواب الوديعة حديث: 12 وكنز العمال الجزء: 5 حديث: 5197. (* 7) لقوله تعالى: (ما على المحسنين من سبيل) التوبة: 91.

[ 71 ]

عدم الضمان اقتضائيا، وكونه من باب التخصيص كاف في عدم جواز الرجوع إلى عموم: " المؤمنون عند شروطهم " (* 1)، لكون الشبهة حينئذ مصداقية. وأصالة عدم المخالفة للكتاب موقوفة على استصحاب العدم الازلي اللهم إلا أن يقال: المرتكز عند العقلاء كون خروج يد الامين من باب التخصيص، فيكون عدم الضمان لعدم المقتضي، لا من باب التزاحم، وحينئذ يشكل البناء على فساد الشرط، لاجل كونه مخالفا للكتاب. اللهم إلا أن يوجه الفساد بأنه من باب شرط النتيجة - كما أشار إلى ذلك في الجواهر هنا - فان التحقيق بطلان شرط النتيجة، إذ النتائج لاتقبل أن تكون مضافة إلى مالك، فلا تكون شرطا، إذ التحقيق أن الشرط مملوك للمشروط له، فإذا امتنع أن تكون مملوكة امتنع أن تشترط ملكيتها. نعم إذا كانت في العهدة جاز أن تكون مملوكة، لكنها حينئذ تخرج عن كونها شرط نتيجة، بل تكون من قبيل شرط الفعل، وليس هو محل الكلام. مثلا إذا قال: بعتك داري ولك علي أن أملكك فرسي، كان من شرط الفعل، ولا إشكال في جوازه. وإذا قال: ولك علي ملكية فرسي، وقصد المعنى الاول، كان أيضا من شرط الفعل وكان صحيحا. وإذا قصد أن له ملكية الفرس من دون أن تكون في عهدة المشروط عليه، كان من شرط النتيجة، وكان موردا للاشكال المذكور، من أن النتائج إذا لم تكن في العهدة لا تصلح لان تكون طرفا لاضافة الملكية. وكذلك سائر الاعيان التي لا وجود لها في الخارج، إذا لم تكن في العهدة لا تكون مملوكة أيضا. هذا مضافا: إلى أن مفاد صيغة الشرط مجرد جعل التمليك بين المشروط له والشرط، لاجعل الشرط المملوك، فان الصيغة لا تتكفله،


(* 1) الوسائل باب: 20 من أبواب المهور حديث: 4.

[ 72 ]

[ الاقوى صحته. وأولى بالصحة إذا اشترط عليه اداء مقدار ] فإذا لم يكن مجعولا لم يكن ثابتا، فلا يكون شرط النتيجة موجبا لتحقق النتيجة، ولا يصح حينئذ ترتيب الاثر عليها. وليس المراد من بطلان شرط النتيجة إلا هذا المعنى، أعني: عدم ترتب النتيجة عليه. ثم إن الاشكالين المذكورين في شرط النتيجة، إنما يمنعان عنه إذا كان مفاد الشرط في العقد تمليك الشرط للمشروط له، كما هو الظاهر، ويقتضيه مناسبته بباب شرط الفعل، وباب الاقرار، ونحوهما. أما لو كان مفاده مجرد الالتزام للمشروط له بالشرط، فمرجعه إلى إنشاء شرط النتيجة في ضمن العقد، ولا بأس به عملا بعموم نفوذ الشرط. إلا إذا كان مفهومه لا ينشأ إلا بسبب خاص، فان عموم الشرط حينئذ لا يصلح لتشريع صحة إنشائه بدون ذلك السبب، لانه يكون مخالفا للكتاب، فيدخل في الشرط الباطل. ثم إن ما ورد في النصوص من شرط النتيجة، كشرط الضمان في العارية، وشرط الضمان في المسألة الآتية، لابد إما أن يحمل على شرط الفعل بأن يكون المقصود من شرط الضمان شرط تدارك خسارة التالف. كما سيأتي في كلام المصنف، وإما أن يكون المقصود إنشاء النتيجة نفسها في ضمن العقد، من دون قصد تمليك للمشروط له. ومثل ذلك ما ورد في الاستعمال العرفي، فانه لابد أن يحمل على أحد الامرين، ويختلف ذلك باختلاف القرائن المكتنفة في المقام، فقد تقتضي الاول، وقد تقتضي الثاني. وأما نذر النتيجة، فالكلام فيه أظهر، لاشتمال صيغة النذر على اللام الدالة على الملك. وحمل اللام على أنها لام الصلة، والظرف مستقر متعلق بقوله: التزمت، يعني: التزمت لله تعالى، خلاف الظاهر جدا. وقد تعرضنا لذلك في أوائل مباحث الزكاة من هذا الشرح.

[ 73 ]

[ مخصوص من ماله على تقدير التلف أو التعيب (1)، لا بعنوان الضمان (2). والظاهر عدم الفرق في عدم الضمان مع عدم الامرين - بين أن يكون التلف في اثناء المدة أو بعدها إذا لم يحصل منه منع للمؤجر عن عين ماله إذا طلبها، بل خلى بينه وبينها ولم يتصرف بعد ذلك فيها. ثم هذا إذا كانت الاجارة صحيحة. وأما إذا كانت باطلة ففي ضمانها وجهان. اقواهما: العدم (3) ] (1) لعدم المانع المذكور، بل عليه حمل القول بصحة شرط الضمان. (2) كما صرح بذلك في الجواهر، والظاهر أنه المشهور، عملا بالاستصحاب. وعن الاسكافي والطوسي: إطلاق الضمان بعد المدة. ويقتضيه عموم " على اليد... "، المقتصر في الخروج عنه على ما في المدة لدليله، والاستصحاب لا يعارض العام. نعم إذا كان ظاهر ترك المطالبة الائتمان. دخل في عموم نفي الضمان. (3) كما هو المشهور، لقاعدة: (مالا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده)، المجمع عليها. وقد استدل بها على ذلك في المقام في محكي التذكرة وغيرها. ودعوى: اختصاص القاعدة فيما هو مصب العقد، وهو في الاجارة منفعة العين. فيها أن ذلك خلاف مقتضى استدلالهم بها على عدم الضمان. مع أن استدلالهم عليها بالاقدام على الاذن المجاني، المانع من عموم " على اليد ما أخذت... " مطرد في المقامين. مضافا إلى أن الاجارة أيضا موضوعها العين كما عرفت في أول الكتاب، فانه يصح أن يقول: آجرت العين، ولا يصح أن يقول: آجرت المنفعة، فالعين موضوع للاجارة. وكذلك يقال: أعرت العين. ثم إنه لو بني على عدم شمول عكس القاعدة، كفى في نفي الضمان مادل

[ 74 ]

[ خصوصا إذا كان المؤجر عالما بالبطلان حين الاقباض، دون المستأجر. (مسألة 1): العين التي للمستأجر بيد المؤجر الذي آجر نفس لعمل فيها - كالثوب آجر نفسه ليخيطه - أمانة، فلا يضمن تلفها أو نقصها إلا بالتعدي أو التفريط (1)، أو ] على عدم ضمان المستأمن (* 1)، فان موضوع عدم الضمان هو الامين العرفي، وهو حاصل في الاجارة الصحيحة والفاسدة بنحو واحد. ودعوى: أن الاستيمان مبني على الاجارة، فإذا تبين فسادها فقد تبين انتفاؤه. يدفعها: أن ظاهر نصوص عدم الضمان مع الاستيمان عموم الحكم لصورة التلف المؤدي إلى فساد العقد من أول الامر، فتدل تلك النصوص على نفي الضمان مع الاستيمان، ولو كان في العقد الفاسد. فلاحظ تلك النصوص العامة والخاصة في مواردها، فانها تدل على ما ذكرنا من أن الاستيمان المبني على العقد موضوع لعدم الضمان، وإن تبين بطلان العقد كما أشرنا إلى ذلك في (نهج الفقاهة). هذا ولم يحك الخلاف في المقام إلا عن الادربيلي وصاحب الرياض، والذي عثرت عليه من كلام الاول في مسألة عدم ضمان المستأجر هو: عدم الضمان في الاجارة الفاسدة، مستدلا عليه بالاصل والقاعدة المتقدمة. نعم في الرياض. في مسألة ثبوت أجرة المثل في كل موضع تبطل فيه الاجارة، اختار الضمان حاكيا نسبته إلى المفهوم من كلمات الاصحاب، مستدلا عليه بعموم " على اليد... "، واستشكل فيه إذا كان المؤجر عالما بالفساد، للشبهة المتقدمة. (1) بلا خلاف فيه، كما اعترف به غير واحد. نعم في الشرائع:


(* 1) راجع الوسائل باب: 4 من أبواب احكام الوديعة.

[ 75 ]

[ اشتراط ضمانها على حذو ما مر في العين المستأجرة (1). ولو تلفت أو أتلفها المؤجر أو الاجنبي، قبل العمل أو في الاثناء بطلت الاجارة، ورجعت الاجرة بتمامها أو بعضها إلى المستأجر بل لو أتلفها مالكها المستأجر كذلك أيضا (2). نعم لو كانت الاجارة واقعة على منفعة المؤجر. بأن يملك منفعة الخياطي في يوم كذا، يكون إتلافه لمتعلق العمل بمنزلة استيفائه، لانه باتلافه إياه فوت على نفسه المنفعة. ففرق بين أن يكون العمل في ذمته، أو أن يكون منفعة الكذائية للمستأجر، ففي ] نسبته إلى الاصح، وظاهره وقوع الخلاف فيه. وفي المسالك: وجود القول بالضمان. وعن المرتضى: الاجماع. لكن في الجواهر - تبعا لمفتاح الكرامة - أن الخلاف في الضمان مع التهمة، لامع العلم بعدم التفريط والتعدي. وكيف كان، فيدل عليه ما عرفت من النصوص الدالة على عدم ضمان المستأمن، فان المقام منه. (1) كما هو المشهور كما قيل. ويشهد له خبر موسى بن بكير: " عن رجل استأجر سفينة من ملاح فحملها طعاما واشترط عليه إن نقص الطعام فعليه. قال (ع): جائز. قلت: إنه ربما زاد الطعام. قال: فقال: يدعي الملاح أنه زاد فيه شيئا؟، قلت: لا، قال: هو لصاحب الطعام الزيادة، وعليه النقصان إذا كان قد اشترط ذلك " (* 1). وقد عرفت أنه لابد من حمله على شرط الفعل، أو على كون المقصود منه إنشاء الضمان في ضمن العقد. (2) لعدم الفرق بين صور التلف، في أن عدم العين يوجب تعذر


(* 1) الوسائل باب: 30 من أبواب احكام الاجارة حديث: 5.

[ 76 ]

[ الصورة الاولى التلف قبل العمل موجب للبطلان، ورجوع الاجرة إلى المستأجر وإن كان هو المتلف. وفي الصورة الثانية إتلافه بمنزلة الاستيفاء، وحيث أنه مالك لمنفعة المؤجر وقد فوتها على نفسه فالاجرة ثابتة عليه. (مسألة 2): المدار في الضمان على قيمة يوم الاداء في القيميات (1)، لايوم التلف، ولا أعلى القيم على الاقوى. ] العمل المستأجر عليه، لارتباطه به، الموجب لكونه فواته وانعدامه موجبا لانعدام المتعلق به. ومن هنا يشكل الفرق بين الصورة المذكورة والصورة الاخرى، إذا أيضا يقال فيها: إن تعذر العين يوجب تعذر المنفعة الخاصة بل يمكن كون البطلان في الثانية أظهر، لعدم قيام غيره مقامه في الثانية، بخلاف الاولى، لكنه فرق لا يوجب إلا الاولوية. وبالجملة بعدما. كان موضوع الاجارة متعلقا بالعين وهي متعذرة، فيكون موضوع الاجارة متعذرا فتبطل، ولافرق بين الصورتين في ذلك. وأما دعوى المصنف (ره) أن إتلافه بمنزلة الاستيفاء فغير ظاهرة، وإلا كان تلفه بمنزلة حصولها، ولا يظن التزامه بذلك. ومثله دعوى كون تسليم المؤجر نفسه للعمل موجبا لاستقرار الاجرة، فانه إنما يسلم إذا كانت المنفعة مقدورة، والاجارة باقية على صحتها، وقد عرفت خلافه. (1) كما هو أحد الاقوال في المسألة. والعمدد فيه البناء على بقاء العين في الذمة إلى زمان الاداء، فتعتبر القيمة حينئذ، وقيل قيمة زمان المخالفة، اعتمادا على صحيح أبي ولاد (* 1)، المشتمل على قوله: " أرأيت لو نفق البغل أو عطب أليس كان يلزمني؟!، قال (ع): قيمة بغل يوم خالفته "، بناء على أن قوله (ع): " يوم خالفته "، إما مضاف إليه


(* 1) الوسائل باب: 17 من أبواب احكام الاجارة حديث: 1.

[ 77 ]

القيمة. المضافة إلى البغل، أو قيد للاختصاص الحاصل من إضافة القيمة إلى البغل. وفيه: أن الاول غير معهود في الاستعمال ولا يمكن ارتكابه. والثاني غير معقول، لان الاختصاص ملحوظ معنى حرفيا لاإسميا، ولا يمكن التعلق به. بل الظاهر كونه قيدا لعامل الجملة الجوابية المقدر، أعني قوله: " يلزمك " وكما أن القيمة فاعله، كذلك الظرف قيده. والتقدير - بعد ملاحظة الشرط في السؤال -: يلزمك يوم المخالفة قيمة بغل لو نفق أو عطب البغل، فيدل على أن الانتقال إلى القيمة يوم التلف. ولاجل أن الوجه في ضمان القيمة تدارك الخسارة المالية في العين، يتعين البناء على قيمة يوم التلف. لان ثبوت القيمة المذكورة تدارك لمالية العين الفائتة حينئذ. ومن هنا حكي عن الاكثر: أن الاعتبار بقيمة يوم التلف. ويعضده بعض النصوص الاخر: مثل ما ورد في المعتق حصته من عبد. أنه يقوم قيمته يوم أعتق أو يوم حرر. (* 1) وكأن المصنف (ره) جعل المتعلق به الظرف. الفعل المقدر وهو: يلزمك، من دون أن يقدره معلقا على شرط التلف، فتكون الرواية عنده مجملة من هذه الجهة، فيتعين الرجوع في تعيين القيمة إلى القواعد. ولما كان الاظهر عنده: أن العين بنفسها باقية بعد التلف في الذمة. وان كانت قيمية، تعين أن تكون القيمة بلحاظ زمان الاداء، لانه زمان التدارك. وما ذكره (ره) من بقاء العين في الذمة وإن كان في محله، لكن جعل الفعل المقدر المتعلق به الظرف لا معلقا على التلف خلاف الظاهر. وقد عرفت أنه إذا أخذ معلقا على التلف، فالاطلاق المقامي لدليل ثبوت القيمة يقتضي الحمل على المرتكزات العقلائية، وهي تقتضي أن تكون بلحاظ زمان التلف، لانه به يكون التدارك، وإلا كان تداركا بالاكثر أو بالاقل، وهو خلاف المرتكز جدا.


(* 1) الوسائل باب: 18 من أبواب كتاب العتق حديث: 3، 4.

[ 78 ]

[ (مسألة 3): إذا أتلف الثوب بعد الخياطة ضمن قيمته مخيطا (1)، واستحق الاجرة المسماة. وكذا لو حمل متاعا إلى مكان معين ثم تلف مضمونا أو أتلفه، فانه يضمن قيمته في ذلك المكان، لا أن يكون المالك مخيرا بين تضمينه غير مخيط بلا أجرة، أو مخيطا مع الاجرة (2). وكذا لا أن يكون في المتاع مخيرا بين قيمته غير محمول في مكانه الاول بلا أجرة، أو في ذلك المكان مع الاجرة، كما قد يقال. (مسألة 4): إذا أفسد الاجير للخياطة أو القصارة أو التفصيل للثوب ضمن. وكذا الحجام إذا جنى في حجامته (3) أو الختان في ختانه. وكذا الكحال أو البيطار. وكل من آجر نفسه لعمل في مال المستأجر إذا أفسده يكون ضامنا إذا تجاوز عن الحد المأذون فيه، وإن كان بغير قصده، لعموم " من أتلف... " وللصحيح (4) عن أبي عبد الله (ع): ] (1) كما تقدم في المسألة العاشرة من الفصل السابق. (2) قد تقدم منه أنه على القول الثاني يكون من التلف قبل القبض، الموجب لبطلان الاجارة، فلا يستحق الاجرة، ويضمن قيمة العين غير موصوفة. وقد تقدم في بعض الحواشي القول بالتخيير بين الامرين المذكورين. وذكرنا هناك وجهه، وأن الضمان يجعل التلف من قبيل تلف الوصف، وهو خصوصية الصفة، لاتلف العين التي هي قوام المعاوضة، الموجب للبطلان إذا كان قبل القبض، وتلف الوصف قبل القبض يوجب الخيار. (3) استفاض نقل الاجماع صريحا وظاهرا عليه في محكي جماعة. (4) يريد به صحيح الحلبي (1).


(* 1) الوسائل باب: 29 من أبواب أحكام الاجارة حديث: 19.

[ 79 ]

[ " في الرجل يعطى الثوب ليصبغه، فقال، (ع): كل عامل أعطيته أجرا على أن يصلح فأفسد فهو ضامن ". بل ظاهر المشهور ضمانه وإن لم يتجاوز عن الحد المأذون فيه (1)، ولكنه مشكل (2). فلو مات الولد بسبب الختان، مع كون الختان حاذقا، من غير أن يتعدى عن محل القطع، بأن كان أصل الختان مضرا به، في ضمانه اشكال. (مسألة 5): الطبيب المباشر للعلاج إذا أفسد ضامن (3) ] (1) لاطلاقهم القول بضمان الاجير. (2) بل في محكي التحرير: نفي الضمان، وعن الكفاية، أنه غير بعيد. ومال إليه في الجواهر. وجزم به بعض المحققين، للاذن الرافعة للضمان وإن صدق الاتلاف، فان الاتلاف، باذن المالك غير موجب للضمان إجماعا، والصحيح المذكور ونحوه ظاهر في صورة عدم موجود العمل المستأجر عليه. ودعوى: أن الاذن مشروطة بالسلامة، فلا تشمل صورة التلف، ممنوعة، بل هو خلاف المفروض. نعم لا يبعد كون السلامة من قبيل الداعي، الذي لا يقدح تخلفه في حصول الاذن. هذا إذا كان الفساد من لوازم الفعل المأذون فيه - ولو في خصوص المورد - واقعا، وإن جهلت الملازمة. أما إذا لم يمكن من لوازمه، فحصل من باب الاتفاق، فالبناء على الضمان في محله، لانه غير مأذون فيه لا بالاصالة ولا بالتبعية. (3) كما هو المعروف. ويشهد له خبر السكوني: " من تطيب أو تبيطر فليأخذ البراءة من وليه، وإلا فهو ضامن " (* 1). مضافا إلى عموم قاعدة: " من أتلف... "، والصحيح المتقدم، ونحوه. وعن الحلبي:


(* 1) الوسائل باب: 24 من أبواب موجبات الضمان حديث: 1.

[ 80 ]

[ وإن كان حاذقا. وأما إذا لم يكن مباشرا بل كان آمرا، ففي ضمانه إشكال (1)، إلا أن يكون سببا وكان أقوى من المباشر وأشكل منه إذا كان واصفا للدواء، من دون أن يكون آمرا كأن يقول: إن دواءك كذا وكذا. بل الاقوى فيه عدم الضمان وإن قال: الدواء الفلاني نافع للمرض الفلاني، فلا ينبغي الاشكال في عدم ضمانه، فلا وجه لما عن بعضهم من التأمل فيه. وكذا لو قال: لو كنت مريضا بمثل هذا المرض لشربت الدواء الفلاني. (مسألة 6): إذا تبرأ الطبيب من الضمان، وقبل المريض أو وليه، ولم يقصر في الاجتهاد والاحتياط برأ ] عدم الضمان، للاذن. وفيه: أن الاذن كان في العلاج، لافي الافساد. (1) المحكي عن بعض: نفي الريب في الضمان، لاطلاق الاجماع المحكي على ضمان الطبيب، ولخبر السكوني المتقدم، ولانه المتلف لانه السبب، وهو هنا أقوى من المباشر. والجميع كما ترى، لمنع الاجماع. والخبر ظاهر في المباشر، بقرينة اقترانه بالبيطار، لاأقل من عدم عمومه للآمر. وقوة السبب بنحو يستند إليه التلف عرفا غير ظاهر. وأما قاعدة الغرور فليس بناؤهم على العمل بها في أمثال المقام ظاهرا، على أن في صدقه مع جهل الغار تأملا، ولاسيما مع قيام السيرة على عدم التضمين بمجرد ذلك. ولاجل ما ذكر كان عدم الضمان مختار جماعة من المحققين إذا كان واصفا غير آمر، منهم صاحب الجواهر، بل وإذا كان آمرا أيضا، وإن كان في الجواهر مال إلى الضمان، بناء على قوة السبب بالنسبة إلى المباشر في مثله، الذي عرفت منعه، ولاسيما وكون الامر إرشاديا، فهو بمنزلة الوصف.

[ 81 ]

[ على الاقوى (1). (مسألة 7): إذا عثر الحمال فسقط ما كان على رأسه أو ظهره - مثلا - ضمن (2)، لقاعدة الاتلاف. ] (1) كما هو المشهور، بل لايعرف الخلاف فيه إلا من الحلي وبعض آخر، لعدم جواز الاسقاط قبل الثبوت، وحملا للخبر المتقدم على البراءة بعد الجناية. وفيه أن الحمل المذكور خلاف ظاهر الخبر، فلا مجال لرفع اليد عنه بعد حجيته واعتماد الاصحاب عليه. مع أن ما ذكر لايتم لو كانت البراءة شرطا في عقد الاجارة، لانه ليس من الاسقاط قبل الثبوت، بل هو شرط السقوط كما في شرط الخيار. اللهم إلا أن يقال: إنه من شرط النتيجة. لكن عرفت قريبا الكلام فيه، وأنه لا بأس به إذا كان المقصود إنشاء النتيجة في ضمن العقد. (2) كما نص على في الجواهر، لما ذكر، وللصحيح: " في رجل حمل متاعا على رأسه، فأصاب إنسانا فمات أو انكسر منه. قال (ع): هو ضامن " (* 1). لكن في شموله للفرض تأمل. فالعمدة قاعدة الاتلاف. دعوى أنه من التلف غير ظاهرة، لاستناده إليه وإن كان عن غير قصد، كما لو عثر فرجع على إناء غيره فكسره. ومنه يظهر ما عن كشف اللثام من عدم الضمن إلا مع التفريط، أو كونه عارية مضمونة. نعم إذا كانت سلسلة أسباب، بعضها اختياري وبعضها غير اختياري، نسب الفعل إلى الفاعل المختار، كما لو عمد إلى النائم فنخسه، فانقلب على إناء ثالث فكسره، نسب الكسر إلى الناخس. أما لو كانت كلها غير اختيارية نسب الفعل إلى المباشر، كما لو انقلب النائم على نائم آخر، فانقلب الثاني على


(* 1) الوسائل باب: 10 من أبواب موجبات الضمان حديث: 1، وباب: 30 من أبواب احكام الاجارة حديث: 11.

[ 82 ]

[ (مسألة 8): إذا قال للخياط مثلا: إن كان هذا يكفيني قميصا فاقطعه، فلم يكف، ضمن في وجه (1). ومثله لو قال: هل يكفي قميصا؟ فقال: نعم. فقال: اقطعه فلم يكفه (2). وربما يفرق بينهما فيحكم بالضمان في الاول دون الثاني (3)، بدعوى عدم الاذن في الاول دون الثاني. وفيه: أن في الاول أيضا الاذن حاصل (4). وربما يقال بعدم الضمان فيهما، للاذن فيهما. وفيه: أنه مقيد بالكفاية، إلا أن يقال أنه مقيد باعتقاد الكفاية، وهو حاصل (5). والاولى الفرق بين الموارد والاشخاص بحسب صدق الغرور وعدمه، أو ] إناء فكسره، نسب الفعل إلى الثاني. ولو كانت كلها اختيارية، كما لو ضرب زيد عمرا. فغضب عمرو وكسر إناء بكر، نسب الكسر إلى عمرو. ومن ذلك يعرف أن الاختيار ليس شرطا في صحة النسبة، إلا إذا كان موجودا في سلسلة العلل. فانه يستند الفعل إلى السبب الاختياري لاغير. (1) كما في القواعد وغيرها. واختاره في الجواهر، لعدم الاذن في القطع فيكون النقص موجبا لضمان فاعله. (2) كأن وجه الضمان فيه قاعدة الغرور، وإلا فالنقص الصادر من الخياط كان باذن المالك. (3) كما في القواعد وغيرها. واختاره في الجواهر. (4) فيه منع، لان الاذن الحاصلة كانت مشروطة بالكفاية، والمفروض عدمها. (5) بل غير مقيد وإنما هو مطلق، وإن كان عن داعي اعتقاد الكفاية، لكن تخلف الداعي لا يقدح في حصول الاذن، كما في غيره.

[ 83 ]

[ تقيد الاذن وعدمه، والاحوط مراعاة الاحتياط. (مسألة 9): إذا آجر عبده لعمل فأفسد، ففي كون الضمان عليه (1)، أو على العبد يتبع به بعد عتقه (2)، أو في كسبه إذا كان من غير تفريط وفي ذمته يتبع به بعد العتق إذا كان بتفريط (3)، أو في كسبه مطلقا (4)، وجوه وأقوال. ] (1) كما عن النهاية وفي الروض وغيره، وكأنه للحسن: " قضى أمير المؤمنين (ع) في رجل، كان له غلام استأجره منه صائغ أو غيره قال (ع): إن كان ضيع شيئا أو أبق منه فمواليه ضامنون " (* 1)، بعد حمل الصحيح الآتي على المثال، بأن يكون ذكر الكسب من باب تمثيل ما يكون مع الضمان. (2) كما عن الحلي وجامع المقاصد، عملا منهم بالقواعد، لان العبد هو المتلف. (3) هذا التفصيل منسوب إلى المسالك، حملا للصحيح على ذلك، كما تقتضيه القاعدة، لان إذنه في العمل المترتب عليه التلف بلا تفريط بمنزلة إسقاط حقه من كسبه، فيجب على العبد الكسب لتفريغ ذمته. بخلاف صورة التفريط فانه لاإذن له في العمل حينئذ، فحقه في كسب العبد بحاله، وهو مانع عن تصرف العبد فيه، ولاوجه لضمان المولى حينئذ لعدم كونه متلفا. وفيه: أن مجرد الاذن في العمل لا يكفي في تسويغ تصرفه في كسب العبد، الذي هو ماله في غير مورد الاذن، فالعمل باطلاق النصوص متعين. (4) كما في القواعد تبعا للشرائع. وتبعهما جماعة، للصحيح: " في رجل استأجر مملوكا فيستهلك مالا كثيرا، قال (ع): ليس على مولاه


(* 1) الوسائل باب: 11 من أبواب أحكام الاجارة حديث: 2، وباب: 12 من أبواب موجبات الضمان حديث: 1.

[ 84 ]

[ أقواها: الاخير، للنص الصحيح (1). هذا في غير الجناية على نفس أو طرف، وإلا فيتعلق برقبته، وللمولى فداؤه بأقل الامرين من الارش والقيمة. (مسألة 10): إذا آجر دابة لحمل متاع، فعثرت، وتلف أو نقص، لا ضمان على صاحبها، إلا إذا كان هو السبب بنخس أو ضرب. (مسألة 11): إذا استأجر سفينة أو دابة لحمل متاع فنقص أو سرق، لم يضمن صاحبها. نعم لو اشترط عليه الضمان صح، لعموم دليل الشرط، وللنص (2). (مسألة 12): إذا حمل الدابة المستأجرة أزيد من المشترط أو المقدار المتعارف مع الاطلاق، ضمن تلفها أو عوارها (3). والظاهر أجرة المثل لا المسمى مع عدم ] شئ، وليس لهم أن يبيعوه، ولكنه يستسعى، فان عجز فليس على مولاه شئ، ولا على العبد " (* 1)، فيقيد به إطلاق الحسن السابق، فيحمل على كون ضمان المولى في خصوص الكسب. (1) الذي لا يعارضه الحسن، لوجوب حمل المطلق على المقيد. (2) تقدم في المسألة الاولى. (3) إجماعا نصا (* 2) وفتوى، والمشهور أنه يضمن تمامها. وعن الارشاد: أنه يضمن نصفها، لان الحمل بعضه مأذون فيه وبعضه غير


(* 1) الوسائل باب: 11 من أبواب احكام الاجارة حديث: 3. (* 2) لم نعثر على نص وارد في هذا الموضوع خاصة في مضان النصوص من كتب الحديث والفقه، ولعل المراد به ما ورد في نظائره من موارد التعدي عن مقتضى الشرط أو الاطلاق، فراجع الوسائل باب: 16 و 17 و 32 من أبواب احكام الاجارة.

[ 85 ]

[ التلف، لان العقد لم يقع على هذا المقدار من الحمل. نعم لو لم يكن ذلك على وجه التقييد، ثبت عليه المسماة وأجرة المثل بالنسبة إلى الزيادة (1). (مسألة 13): إذا اكترى دابة، فسار عليها زيادة عن المشترط، ضمن. والظاهر ثبوت الاجرة المسماة بالنسبة إلى المقدار المشترط، وأجرة المثل بالنسبة إلى الزائد. (مسألة 14): يجوز لمن استأجر دابة للركوب أو الحمل أن يضربها إذا وقفت على المتعارف، أو يكبحها باللجام أو نحو ذلك على المتعارف، إلا مع منع المالك من ذلك (2)، أو كونه معها وكان المتعارف سوقه هو. ولو تعدى عن ] مأذون فيه. وفيه: أن الموجب للضمان العدوان، الحاصل بحمل ما لم يأذن به المالك. (1) حكي في المسألة ثلاثة أقوال: الاول: ثبوت أجرة مثل المجموع. حكي عن الاردبيلي. والثاني: أجرة مثل الزائد مع المسمى. حكي عن المشهور. والثالث: ثبوت المسمى مع أجرة الزيادة بحساب المسمى. حكي عن المقنعة. والاخير غير ظاهر. والاولان محمولان على التفصيل المذكور في المتن فيرتفع الخلاف. يظهر ذلك من دليهما. نعم لازم ما اختاره في المسألة السادسة من الفصل الآتي: وجوب المسمى وأجرة المثل للمجموع. أما الاولى: فبالاجارة، لعدم الموجب لفسادها. وأما الثانية: فالاستيفاء المنفعة غير المأذون فيها. وسيأتي هناك التعرض لذلك. (2) هذا إذا لم يكن قد اشترط في العقد، ولو لاجل التعارف المنزل عليه العقد، وإلا كان منع المالك بلاحق.

[ 86 ]

[ المتعارف أو مع منعه ضمن نقصها أو تلفها. أما في صورة الجواز ففي ضمانه مع عدم التعدي اشكال. بل الاقوى: العدم، لانه مأذون فيه (1). (مسألة 15): إذا استؤجر لحفظ متاع، فسرق، لم يضمن (2)، إلا مع التقصير في الحفظ ولو لغلبة النوم عليه (3) أو مع اشتراط الضمان. وهل يستحق الاجرة مع السرقة؟ الظاهر: لا (4)، لعدم حصول العمل المستأجر عليه، إلا أن يكون متعلق الاجارة الجلوس عنده، وكان الغرض هو الحفظ لا أن يكون هو المستأجر عليه. ] (1) كما تقدم في المسألة الرابعة. (2) لانه أمين، فيدل على عدم ضمانه مادل على عدم ضمان الامين نعم يظهر من خبر إسحاق الآتي الضمان. لكن لم يعرف العمل به إلا من ابن إدريس، فلا مجال للاعتماد عليه، ويتعين حمله على صورة شرط الضمان بمعنى شرط التدارك، فيكون من شرط الفعل، أو من شرط النتيجة بناء على جوازه، وقد تقدم الكلام في ذلك في أوائل فصل: (أن العين المستأجرة أمانة)، فراجع. وفي الجواهر: عارضه بالصحيح: " عن رجل استأجر أجيرا فأقعده على متاعه فسرق. قال (ع): هو مؤتمن " (* 1) لكن في ظهوره في كونه أجيرا على الحفظ غير واضح، وإن لم يكن بعيدا. (3) لا يخلو من نظر، لان غلبة النوم ليست من التقصير. نعم ربما كان منه. (4) كما مال إليه في الجواهر، معللا له بما ذكر، بل ينبغي أن


(* 1) الوسائل باب: 29 من أبواب احكام الاجارة حديث: 3.

[ 87 ]

[ (مسألة 16): صاحب الحمام لا يضمن الثياب (1)، الا إذا أودع وفرط أو تعدى، وحينئذ يشكل صحة اشتراط الضمان أيضا، لانه أمين محض (2)، فانه إنما أخذ الاجرة على الحمام ولم يأخذ على الثياب (3). نعم لو استؤجر مع ذلك ] لا يكون محلا للاشكال. (1) بلا خلاف ولا إشكال كما في الجواهر، ويشهد له خبر إسحاق ابن عمار عن جعفر عن أبيه (ع): " أن عليا (ع) كان يقول: لا ضمان على صاحب الحمام فيما ذهب من الثياب، لانه إنما أخذ الجعل على الحمام، ولم يأخذ على الثياب " (* 1)، ونحوه خبر أبي البختري (* 2). وفي خبر غياث بن ابراهيم: " إن أمير المؤمنين (ع) أتي بصاحب حمام وضعت عنده الثياب فضاعت، فلم يضمنه، وقال (ع): إنما هو أمين " (* 3) وظاهر الاخير أن صاحب الحمام من أفراد الامين دائما، مع أنه قد لا يكون كذلك كما هو الغالب، فان الداخل إلى الحمام يضع ثيابه في المسلخ وثوقا منه بعدم الدواعي إلى سرقة ثيابه، لجهات دينية أو أخلاقية أو خارجية، من دون إئتمان أحد معين عليها. ولذلك ذكر في المتن قسمين كما يفهم من الاستثناء. (2) وقد يظهر منهم في الودعي الاتفاق على عدم صحة اشتراط الضمان عليه كما تقدم، ولولا ذلك كان الحكم كما في غيره من الامناء، وقد تقدم من المصنف (ره) الجواز فيه. (3) هذا مضمون الخبر السابق.


(* 1) الوسائل باب: 28 من أبواب احكام الاجارة حديث: 3. (* 2) الوسائل باب: 28 من أبواب احكام الاجارة حديث: 2. (* 3) الوسائل باب: 28 من أبواب احكام الاجارة حديث: 1.

[ 88 ]

[ للحفظ أيضا، ضمن مع التعدي أو التفريط، ومع اشتراط الضمان أيضا، لانه حينئذ يأخذ الاجرة على الثياب أيضا، فلا يكون أمينا محضا (1). فصل يكفي في صحة الاجارة كون المؤجر مالكا للمنفعة، أو وكيلا عن المالك لها، أو وليا عليه، وإن كانت العين للغير كما إذا كانت مملوكة بالوصية أو بالصلح أو بالاجارة، فيجوز للمستأجر أن يؤجرها من المؤجر أو من غيره، لكن في جواز تسليمه العين إلى المستأجر الثاني بدون إذن المؤجر إشكال (2) ] (1) إذ المراد من الامين المحض: المأذون في الاستيلاء على العين بقصد الحفظ. وفي المقام يكون الاذن في الاستيلاء على العين بقصد الاجرة في مقابل الحفظ. (2) عن النهاية والسرائر والقواعد وغيرها: المنع، لانها أمانة لم يأذن له المالك في تسليمها إلى غيره. وفيه: أن الائتمام للاول إنما كان من مقتضيات عقد الاجارة، لان استيفاء المنفعة يتوقف عليه، فإذا كان مقتضى عقد الاجارة تملك المنفعة مطلقا، من دون شرط الاستيفاء مباشرة من المستأجر، اقتضى أيضا إئتمانه كذلك، فله أن يستأمن غيره على العين كما استأمنه المؤجر عليها، فيكون المستأجر الثاني مستوفيا للمنفعة وأمينا على العين كالمستأجر الاول. وهكذا الحال في المستأجر الثالث. ومنه يظهر: أنه لو لم يكن عقد الاجارة مقتضيا للائتمان المذكور - كالمستأجر

[ 89 ]

[ فلو استأجر دابة للركوب أو لحمل المتاع مدة معينة، فأجرها ] لموضع معين من سفينة أو سيارة - لم يكن له حق في تسلم العين، ولا حق تسليمها من المستأجر منه. هذا مضافا إلى ظاهر النصوص الواردة في اجارة الارض وغيرها بمساوي الاجرة أو بالاقل (* 1)، حيث صرحت بالجواز من دون تعرض فيها لشبهة عدم جواز التسليم. وحملها على صورة عدم الحاجة في استيفاء المنفعة إلى تسليم العين، كما ترى، فانه كالمقطوع بخلافه في جميعها. ونحوها صحيح ابن جعفر (ع) " في رجل استأجر دابة فأعطاها غيره فنفقت، فما عليه؟ قال (ع): إن كان اشترط أن لا يركبها غيره فهو ضامن لها، وإن لم يسم فليس عليه شئ " (* 2). وما في الجواهر من حمله على كون الدفع إلى الغير كان على نحو تكون أمانة عند الدافع، لكونها في يده وإن كان الغير راكبا لها، بعيد. ولاجل ما ذكرنا ذهب المشهور إلى الجواز كما حكي. وعن ابن الجنيد: التفصيل، فيجوز تسليمها إلى أمين دون غيره. وكأن وجهه: أن المستأجر الاول مؤتمن على العين بلا شرط المباشرة، فله أن يأتمن غيره عليها. ولا بأس به. وقد يشهد له مصحح الصفار: " في رجل دفع ثوبا إلى القصار ليقصره، فدفعه القصار إلى قصار غيره ليقصره فضاع الثوب هل يجب على القصار أن يرده إذا دفعه إلى غيره، وإن كان القصار مأمونا؟. فوقع (ع): هو ضامن له إلا أن يكون ثقة مأمونا إن شاء الله " (* 3). ونحوه مكاتبة محمد بن علي بن محبوب (* 4)، بناء على أن


(* 1) الوسائل باب: 20، 21، 22 من أبواب احكام الاجارة وسيأتي التعرض لها في المسألة الآتية. (* 2) الوسائل باب: 16 من أبواب احكام الاجارة حديث: 1. (* 3) الوسائل باب: 29 من أبواب احكام الاجارة حديث: 18. (* 4) الوسائل باب: 29 من أبواب احكام الاجارة ملحق حديث: 18.

[ 90 ]

[ في تلك المدة أو في بعضها من آخر يجوز، ولكن لا يسلمها إليه، بل يكون هو معها وإن ركبها ذلك الآخر أو حملها متاعه، فجواز الاجارة لا يلازم تسليم العين بيده (1)، فان سلمها بدون إذن المالك ضمن. هذا إذا كانت الاجارة الاولى مطلقة. وأما إذا كانت مقيدة، كأن استأجر الدابة لركوبه نفسه، فلا يجوز إجارتها من آخر (2). كما أنه إذا اشترط المؤجر عدم إجارتها من غيره، أو اشترط استيفاء المنفعة بنفسه لنفسه، كذلك أيضا أي: لا يجوز إجارتها من الغير. نعم لو اشترط استيفاء المنفعة بنفسه، ولم يشترط كونها لنفسه جاز أيضا إجارتها من الغير، بشرط أن يكون هو المباشر للاستيفاء لذلك الغير. ثم لو خالف وآجر في هذه الصور: ففي الصورة الاولى - وهي ما إذا استأجر الدابة لركوبه نفسه - بطلت، لعدم كونه مالكا إلا ركوبه نفسه، فيكون المستأجر الثاني ضامنا لاجرة المثل للمالك إن استوفى المنفعة (3)، وفي ] المراد بالقصار المأمون هو القصار الثاني، بقرينة مناسبة الحكم والموضوع. نعم مورده عين المستأجر، لاعين المؤجر. (1) لكن في هذه الصورة لا يجب على المؤجر تسليم العين أيضا، إذ ليس حينئذ من لوازم الاجارة الاولى التسليم. والكلام لابد أن يكون في غير هذه الصورة كما أشرنا إليه. (2) يأتي وجهه. (3) قد يشكل: بأنه إذا ملك المستأجر منفعة ركوب نفسه، امتنع أن تكون منفعة ركوب غيره مملوكة للمالك، بناء على امتناع ملك المنفعتين

[ 91 ]

[ الصورة الثانية والثالثة في بطلان الاجارة وعدمه، وجهان، مبنيان على أن التصرف المخالف للشرط باطل لكونه مفوتا لحق الشرط (1)، أو لا، بل حرام وموجب للخيار. وكذا ] المتضادتين لمالك واحد أو لمالكين، لامتناع القدرة على المتضادتين في عرض واحد. وعليه يكون للمالك المسمى على المستأجر، عملا بالاجارة الصحيحة فيكون للمالك الامر ان: المسمى على المستأجر، وأجرة المثل على المستوفي الثاني. وعلى القول الآخر ليس له إلا الاول. وسيجئ الكلام في ذلك ثم إنه بناء على ما ذكره المصنف، إذا دفع المستوفي أجرة المثل إلى المالك فان كان مغرورا من قبل المستأجر الاول، فهل يرجع إليه أولا؟ وجهان مذكوران في مبحث قاعدة الغرور. (1) فان الظاهر من شرط فعل: جعل حق للمشروط له على المشروط عليه، كما أشرنا إلى ذلك، ولاجله قلنا بامتناع شرط النتيجة، فقاعدة السلطنة في الحق مانعة من نفوذ التصرف المنافي له، فيبطل، لعدم صدوره من السلطان. ودعوى: أن مفاد الشرط مجرد الالتزام بالمضمون، خلاف الظاهر. ولاجل ذلك جاز للمشروط له المطالبة، وجاز له الاسقاط، كما أشرنا إلى ذلك سابقا. فراجع. نعم يختص ذلك بالشرط الاصطلاحي، وهو الفعل الاجنبي عن موضوع العقد، مثل: شرط أن لا يؤجرها. ولا يجري في شرط الاستيفاء، لانه من قبيل القيد الذي يكون تخلفه موجبا للخيار إذا كان على نحو تعدد المطلوب. لكن في المقام لما كان القيد مانعا عن عموم الاذن، لاستيفاء غير المستأجر للمنفعة يكون حراما، فلا تصح الاجارة عليه، فالبطلان يكون من جهة حرمة المنفعة، لا لنفي السلطنة على الاجارة. وعلى هذا لو آجرها المستأجر فاستوفى المستأجر الثاني المنفعة، يثبت الخيار في الصورة الثالثة، ولا يثبت في الصورة الثانية.

[ 92 ]

[ في الصورة الرابعة (1) إذا لم يستوف هو، بل سلمها إلى ذلك الغير. (مسألة 1): يجوز للمستأجر مع عدم اشتراط المباشرة وما بمعناها أن يؤجر العين المستأجرة بأقل مما استأجر، وبالمساوي له مطلقا (2) أي شئ كانت، بل بأكثر منه ايضا إذا أحدث فيها حدثا (3)، أو كانت الاجرة من غير جنس الاجرة السابقة (4)، بل مع عدم الشرطين أيضا فيما عدا البيت والدار والدكان والاجير (5). ] (1) في هذه الصورة يجري حكم الصورة الثالثة الذي ذكرناه في الحاشية السابقة، من ثبوت الخيار إذا كان الثالث قد استوفى المنفعة بنفسه ولو آجرها الثاني على الثالث بشرط استيفائه - يعني: الثالث - بنفسه بطل الشرط، وفي بطلان الاجارة الخلاف المعروف في أن بطلان الشرط يقتضي بطلان العقد أولا. والتحقيق هو الثاني. (2) بلا خلاف ظاهر، ولا إشكال، لاختصاص أدلة المنع بغيره والنصوص الخاصة والعامة تقتضي الصحة. وعن مجمع البرهان: أنه لا خلاف فيه وفي المساوي. (3) بلا إشكال أيضا، لاتفاق النص والفتوى على. وعن جماعة: دعوى الاجماع على الجواز فيه. (4) كما عن جماعة كثيرة التصريح به، لان الظاهر من الاكثر: الاكثر في الجنس، لا الاكثر في القيمة والمالية، لا أقل من عدم الظهور في العموم بنحو يقيد به اطلاق دليل الصحة. (5) كما نسب إلى جماعة، لعمومات الصحة، واختصاص نصوص المنع

[ 93 ]

[ وأما فيها: فاشكال (1)، فلا يترك الاحتياط بترك إجارتها ] بالمذكورات، فالتعدي إلى غيرها من الاعيان المستأجرة - كما نسب إلى السيدين والشيخين والصدوق وغيرهم - في غير محله، ولاسيما مع تصريح النصوص بالفرق، مثل خبر أبي الربيع: " إن الارض ليست مثل الاجير ولا مثل البيت، إن فضل الاجير والبيت حرام " (* 1) ونحوه غيره. (1) بل المنع مذهب جماعة، لحسنة أبي الربيع عن أبي عبد الله (ع): " سألته عن الرجل يتقبل الارض من الدهاقين، ثم يؤاجرها بأكثر مما يتقبلها، ويقوم فيها بحظ السلطان، فقال (ع) لا بأس به، إن الارض ليست مثل الاجير ولا مثل البيت، إن فضل الاجير والبيت حرام " (* 2) وفي حسنة أبي المعزا: قال (ع) - في الجواب عن السؤال المذكور -: " لا بأس إن هذا ليس كالحانوت ولا الاجير، إن فضل الحانوت والاجير حرام " (* 3). وبمضمون الاول خبر ابراهيم بن ميمون (4)، ومصحح الحلبي عن أبي عبد الله (ع): " لو أن رجلا استأجر دارا بعشرة دراهم، فسكن ثلثيها وآجر ثلثها بعشرة دراهم، لم يكن به بأس، ولا يؤاجرها بأكثر مما استأجرها به، إلا أن يحدث فيها شيئا " (* 5) وذهب جماعة إلى الجواز فيها، وعن التذكرة والمختلف وجامع المقاصد وغيرها: الاستدلال على المنع. وكأن وجه إشكال المصنف: ما ورد في جواز ذلك في الارض، بناء على التعدي من مورده. لكنه ضعيف.


(* 1)، (* 2) الوسائل باب: 20 من أبواب احكام الاجارة حديث: 2. (* 3) الوسائل باب: 20 من أبواب أحكام الاجارة حديث: 4. (* 4) الوسائل باب: 20 من أبواب أحكام الاجارة حديث: 5. (* 5) الوسائل باب: 22 من أبواب احكام الاجارة حديث: 3.

[ 94 ]

[ بالاكثر. بل الاحوط إلحاق الرحى (1) والسفينة (2) بها أيضا في ذلك. والاقوى جواز ذلك مع عدم الشرطين في الارض على كراهة (3)، ] (1) كما عن بعض، للخبر: " إني لاكره أن استأجر رحى وحدها ثم أؤجرها باكثر مما استأجرتها به، إلا أن أحدث فيها حدثا، أو أغرم فيها غراما " (* 1) ودلالته قاصرة، وإن كان سنده غير قاصر. (2) واستدل على المنع فيها بالخبر أيضا: " لا بأس أن يستأجر الرجل الدار والارض والسفينة، ثم يؤجرها بأكثر مما استأجرها به إذا أصلح فيها شيئا " (* 2). لكن ذكر الارض في سياق التي لامنع فيها - كما سيأتي - قرينة على إرادة ما هو أعم من الحرمة والكراهة من البأس المفهوم. لكن الاشكال المذكور مبني على القول بالجواز في الارض، وسيأتي. (3) لتصريح النصوص فيها بالجواز، كما عرفت بعضها، فيحمل ما ظاهره المنع على الكراهة كما هو مذهب جماعة. لكن الروايات الدالة على الجواز مطلقة، وهي روايتا أبي المعزا وابراهيم بن ميمون، ويقيدهما خبر الحلبي " قلت لابي عبد الله (ع): أتقبل الارض بالثلث أو الربع فاقبلها بالنصف، قال (ع) لا بأس: به. قلت: فاتقبلها بألف درهم وأقبلها بالفين، قال (ع): لا يجوز. قلت: لم؟ قال: لان هذا مضمون وذلك غير مضمون " (* 3) ونحوه مصحح إسحاق بن عمار عن أبي عبد الله (ع) (* 4)، ومصححه عن أبي بصير عن أبي عبد الله (ع) (* 5) لكن ذكر فيه


(* 1) الوسائل باب: 20 من ابواب احكام الاجارة حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 22 من أبواب احكام الاجارة حديث: 2. (* 3) الوسائل باب: 21 من أبواب احكام الاجرة حديث: 1. (* 4) الوسائل باب: 21 من أبواب احكام الاجارة حديث: 2. (* 5) الوسائل باب: 21 من أبواب احكام الاجارة حديث: 6،

[ 95 ]

[ وإن كان الاحوط الترك فيها أيضا (1). بل الاحوط الترك في مطلق الاعيان إلا مع إحداث حدث فيها (2). هذا وكذا لا يجوز أن يؤجر بعض أحد الاربعة المذكورة بأزيد من الاجرة (3)، كما إذا استأجر دارا بعشرة دنانير وسكن بعضها وآجر البعض الآخر بأزيد من العشرة، فانه لا يجوز بدون ] أن الذهب والفضة مصمتان، ولعله من غلط النساخ. ويحتمل أن يكون المراد أن الذهب والفضة لا يزيدان ولا ينقصان. وكيف كان، فهذه الروايات مانعة عن الاجرة الزائدة إذا كانت مضمونة في الذمة، أو أنها لاتقبل الزيادة والنقيصة، فتحمل المطلقات عليها وتقيد بها، وليس لهذه المقيدات معارض كي تسقط عن الحجية. وأما ما في رواية اسماعيل بن الفضل (* 1): من المنع من الاجارة بالاكثر مع اختلاف الجنس إلا إذا غرم شيئا أو أحدث حدثا، فالظاهر أنه مما لاعامل به على ظاهره، ولعله محمول على الكراهة. (1) بل المنع مذهب بعض، ويشهد له رواية أبي بصير عن أبي عبد الله (ع): " قال: إذا تقبلت أرضا بذهب أو فضة، فلا تقبلها بأكثر مما تقبلتها به، لان الذهب والفضة مصمتان " (* 2). (2) كما عن جماعة كثيرة، منهم السيدان والشيخان، ودليلهم غير ظاهر إلا التعدي عن مورد النصوص إلى غيره. وهو كما ترى. (3) كما صرح به في الشرايع وغيرها، لخبر أبي الربيع المروي عن الفقيه: " لو أن رجلا استأجر دارا بعشرة دراهم فسكن ثلثيها وآجر


(* 1) الوسائل باب: 21 من ابواب احكام الاجارة حديث: 3. (* 2) الوسائل باب: 21 من أبواب احكام الاجارة حديث: 6.

[ 96 ]

[ إحداث حدث. وأما لو آجر بأقل من العشرة فلا اشكال. والاقوى الجواز بالعشرة ايضا (1) وإن كان الاحوط تركه. (مسألة 2): إذا تقبل عملا من غير اشتراط المباشرة ولا مع الانصراف إليها، يجوز أن يوكله إلى عبده أو صانعه أو أجنبي، ولكن الاحوط عدم تسليم متعلق العمل كالثوب ونحوه إلى غيره من دون اذن المالك، وإلا ضمن (2). وجواز الايكال لا يستلزم جواز الدفع كما مر نظيره في العين المستأجرة ] ثلثها بعشرة دراهم، لم يكن به بأس، ولكن لا يؤاجرها بأكثر مما استأجرها به " (* 1) ونحوه مصحح الحلبي المتقدم (* 2)، بناء على أن الضمير في الجملة الاخيرة راجع إلى الدار باعتبار ثلثها، وإلا فلو كان المراد منه الدار نفسها لم يكن مما نحن فيه. اللهم إلا أن يستفاد من مفهوم الشرط في الصدر، أو من الاولوية. (1) للخبر المتقدم، وبه يضعف ماعن الشيخ من المنع حينئذ، كما قد يشعر به بعض النصوص. (2) كما في الشرايع وغيرها، بل قيل. لم يعثر على مصرح بعدم الضمان عدا المختلف والمسالك، حيث ذكرا. أن عدم الضمان أولى. والذي ينبغي أن يكون الكلام هنا هو الكلام في العين المستأجرة. ودعوى: الفرق بينهما بأن العين المستأجرة يكون الحق للمستأجر في قبضها، وهنا لاحق للاجير في قبضها، إذ لاريب في أنه لا يجب على المستاجر استيمان الاجير. مندفعة: بأنه ليس بفارق في المقام، لان إطلاق الاجارة إذا اقتضى جواز عمل الاجير الثاني، فعدم الاذن له في القبض كعدم الاذن للاجير الاول فيه يقتضي استقرار الاجرة، فلا فرق بين الاجير الثاني


(* 1) الوسائل باب: 20 من ابواب احكام الاجارة حديث: 3. (* 2) راجع اول المسألة.

[ 97 ]

[ فيجوز له استئجار غيره لذلك العمل بمساوي الاجرة التي قررها في إجارته أو أكثر. وفي جواز استئجار الغير بأقل من الاجرة إشكال، الا أن يحدث حدثا أو يأتي ببعض، فلو آجر نفسه لخياطة ثوب بدرهم يشكل استئجار غيره لها بأقل منه، إلا أن يفصله أو يخيط شيئا منه ولو قليلا. بل يكفي أن يشتري الخيط أو الابرة في جواز الاقل (1). وكذا لو آجر نفسه لعمل صلاة سنة أو صوم شهر بعشرة دراهم مثلا في صورة عدم اعتبار المباشرة، يشكل استئجار غيره بتسعة مثلا، إلا أن يأتي بصلاة واحدة أو صوم يوم واحد مثلا. ] والاول في لزوم الاجرة بمنع قبضه، كما لافرق بينهما في عدم وجوب التسليم إليه، وفي عدم الحق في الايتمان له. وإن شئت قلت: الاجارة على العمل المطلق الشامل لعمل الاجير الثاني، تتوقف على الاذن المطلقة الشاملة لتصرف الاجير الثاني. (1) فيه اشكال، لعدم شموله العمل فيه لمثله. نعم في رواية مجمع: " أقطعها وأشتري لها الخيوط، قال (ع): لا بأس " (* 1). لكنه غير ظاهر في الاكتفاء بالخيوط. والشراء وان كان عملا إلا أنه ليس عملا فيه. وظاهر النصوص اعتبار ذلك، ففي صحيح محمد بن مسلم عن أحد هما (ع): " أنه سئل عن الرجل يتقبل العمل فلا يعمل فيه، ويدفعه إلى آخر فيربح فيه، قال (ع): لا، إلا أن يكون قد عمل فيه شيئا " (* 2). ونحوه غيره. وما في بعض الحواشي من تفسير عبارة المتن: بأن المراد


(* 1) الوسائل باب: 23 من ابواب احكام الاجارة حديث: 6. (* 2) الوسائل باب: 23 من ابواب احكام الاجارة حديث: 1.

[ 98 ]

[ (مسألة 3): إذا استؤجر لعمل في ذمته لا بشرط المباشرة يجوز تبرع الغير عنه (1)، وتفرغ ذمته بذلك، ويستحق الاجرة المسماة. نعم لو أتى بذلك العمل المعين غيره لا بقصد التبرع عنه، لا يستحق الاجرة المسماة (2)، وتنفسخ الاجارة حينئذ، لفوات المحل، نظير ما مر سابقا من الاجارة على قلع السن فزال ألمه، أو لخياطة ثوب فسرق أو حرق. (مسألة 4): الاجير الخاص - وهو من آجر نفسه على وجه يكون جميع منافعه للمستأجر في مدة معينة، أو على وجه تكون منفعته الخاصة كالخياطة مثلا له (3)، أو آجر نفسه لعمل مباشرة مدة معينة أو كان اعتبار المباشرة أو كونها في تلك المدة أو كليهما على وجه الشرطية لا القيدية - (4) ] منها دفع ما اشترى من الابر والخيوط، لا يجدي في تحقيق العمل المعتبر، مع أنه مراد المصنف (ره) قطعا. نعم يصدق بذلك الغرم. لكنه غير كاف. (1) الظاهر أنه لا إشكال في جواز التبرع في مثل ذلك مما كان في الذمة، عينا كان أو عملا مملوكا لغيره عليه، ويقتضيه بناء العقلاء عليه، كباب النيابة. فانه نوع منها. (2) لعدم انطباق ما في الذمة عليه إلا بالقصد. وكذا الحكم في الدين، فان المديون إذا أعطى الدائن ما يساوي الدين لا يكون وفاء الا مع قصد الوفاء. (3) من دون إشغال ذمته بشئ، نظير إجارة الدابة بلحاظ منفعتها الخاصة، فانه لااشتغال في ذلك لذمة الدابة ولا لذمة المؤجر. وبذلك افترق الثالث عنه، فان فيه إشغال ذمته بلا تملك لمنفعته الخاصة أصلا. (4) كما في الثالث.

[ 99 ]

[ لا يجوز له أن يعمل في تلك المدة لنفسه أو لغيره بالاجارة أو الجعالة أو التبرع، عملا ينافي حق المستأجر، الا مع إذنه (1) ومثل تعيين المدة تعيين أول زمان العمل، بحيث لا يتوانى فيه إلى الفراغ. نعم لا بأس بغير المنافي، كما إذا عمل البناء لنفسه أو لغيره في الليل (2)، فانه لامانع منه إذا لم يكن موجبا لضعفه في النهار. ومثل إجراء عقد أو إيقاع أو تعليم أو تعلم في أثناء الخياطة ونحوها، لانصراف المنافع عن مثلها (3). هذا ولو خالف وأتى بعمل مناف لحق المستأجر، فان كانت الاجارة على الوجه الاول بأن يكون جميع منافعه للمستأجر، وعمل لنفسه في تمام المدة أو بعضها، فللمستأجر أن يفسخ ويسترجع تمام الاجرة المسماة (4) ] (1) بلا خلاف فيه. بل لعله مجمع عليه كما في الجواهر. وقد يشير إليه خبر اسحاق: " سألت أبا ابراهيم (ع) عن الرجل يستأجر الرجل بأمر معلوم، فيبعثه في ضيعته، فيعطيه رجل آخر دراهم ويقول: اشتر بها كذا وكذا، فما ربحت بيني وبينك. فقال (ع): إذا أذن له الذي استأجره فليس به بأس " (* 1) وإن كان في القواعد العامة كفاية، لانه تصرف في حق الغير، وهو حرام. (2) كما صرح به في الجواهر، وكذا ما بعده، لعدم كونه تصرفا في حق الغير. (3) يعني: لو كانت الاجارة على النحو الاول. وعن المسالك: احتمال المنع. وعن الروضة: فيه وجهان لكنه ضعيف. (4) لعدم التسليم الذي عليه مبنى المعاوضة.


(* 1) الوسائل باب: 9 من ابواب احكام الاجارة حديث: 1.

[ 100 ]

[ أو بعضها (1) أو يبقيها ويطالب عوض الفائت من المنفعة بعضا أو كلا. وكذا إن عمل للغير تبرعا. ولايجوز له على فرض عدم الفسخ مطالبة الغير المتبرع له بالعوض (2)، سواء كان جاهلا بالحال أم عالما، لان المؤجر هو الذي أتلف المنفعة عليه دون ذلك الغير وإن كان ذلك الغير آمرا له بالعمل، إلا إذا فرض على وجه يتحقق معه صدق الغرور (3)، والا ] (1) إذا كان عمله في بعض المدة، لكن تقدم: أن القاعدة تقتضي عدم التبعيض في الفسخ، فلو فسخ كان له المسمى وعليه عوض البعض المستوفى. (2) وفي المسالك: أنه يتخير بين مطالبته من شاء منهما، لتحقق العدوان. وهذا التعليل - مع اختصاصه بصورة علم الغير - غير ظاهر، إذ الغير ليس متصرفا في المنفعة المملوكة لغيره كي يكون عاديا. ومن هنا علله بعضهم بأن الغير مستوف للمنفعة فعليه ضمانها. بل قد يظهر من بعض اختصاصه بالرجوع إليه - وفي الجواهر: لاوجه للرجوع إليه مع الجهل، إذ لا يزيد على من عمل له العبد بدون إذن مولاه ومن دون إذنه واستدعائه. وفيه: أن الحكم في العبد لو تم كان لدليله الخاص به. فالعمدة: أن الضمان إما أن يكون بالاتلاف أو باليد، وكلاهما غير حاصل بالنسبة إلى المتبرع له، فانه ليس متلفا لمنفعة المستأجر، ولاهي تحت يده، لان المنافع إنما تكون تحت اليد بتبع العين ذات المنفعة، والاجير ليس تحت يد الغير المتبرع له. وأما الضمان بالاستيفاء فلا مجال له، لانه يتوقف على الامر، والمفروض عدمه. (3) مجرد الامر لا يوجب غرور الاجير مع تقدم الاجارة منه لنفسه، ففرضه غير ظاهر. ولو سلم فصدق الغرور إنما يصحح رجوع الاجير

[ 101 ]

[ فالمفروض أن المباشر للاتلاف هو المؤجر. وإن كان عمل للغير بعنوان الاجارة أو الجعالة فللمستأجر أن يجيز ذلك (1) ويكون له الاجرة المسماة في تلك الاجارة أو الجعالة (2)، كما أن له الفسخ والرجوع إلى الاجرة المسماة، وله الابقاء ومطالبة عوض المقدار الذي فات (3)، فيتخير بين الامور الثلاثة. ] وهو المغرور إلى الغار، ولا يصحح رجوع المستأجر عليه، لعدم كونه مغرورا. وكان الاولى استثناء صورة كون الامر موجبا لنسبة الاتلاف إلى الآمر، وإن كان التحقيق جواز الرجوع إلى الامر، لتحقق الاستيفاء. (1) لانها معاملة وقعت على ماله من غير السلطان، فتكون كسائر موارد الفضولي محتاجة إلى الاجازة من السلطان. وإذا كانت الاجارة على ما في الذمة فهي وإن لم تكن على مال الغير، لكنها على ما ينافي حق الغير، فلابد من إجازته حينئذ. وكذا لو كان الواقع جعالة. (2) هذا إذا كانت الاجارة الثانية واقعة على ما وقعت عليه الاجارة الاولى. أما مع الاختلاف - كما لو وقعت الاجارة الثانية على ما في الذمة - ففي استحقاق المجيز المسمى المذكور إشكال، لعدم كونه عوضا عن ماله، لكون المفروض كون الاجارة الاولى على المنفعة الخاصة، والثانية على ما في الذمة بلا تعلق لها بالخارج. نعم في الجعالة لا يكون العمل في الذمة موضوعا، بل العمل الخارجي المتحد مع موضوع الاجارة السابقة، فتكون الاجازة كافية في تملك الجعل. ولافرق بين أن تكون الجعالة شخصية كما لو تعلقت بعمل شخص ذلك الاجير، أو كلية كما إذا قال: من رد عبدي فله كذا، فان الثانية منحلة إلى جعالات متعددة بتعدد الاشخاص. (3) يعني: مطالبة الاجير لما عرفت. وفي المسالك وعن القواعد:

[ 102 ]

[ وان كانت الاجارة على الوجه الثاني - وهو كون منفعة الخاصة للمستأجر - فحاله كالوجه الاول، الا إذا كان العمل للغير على وجه الاجارة أو الجعالة، ولم يكن من نوع العمل المستأجر عليه، كأن تكون الاجارة واقعة على منفعة الخايطي فأجر نفسه للغير للكتابة، أو عمل الكتابة بعنوان الجعالة، فانه ليس للمستأجر إجازة ذلك، لان المفروض أنه مالك لمنفعة الخياطي، فليس له إجازة العقد الواقع على الكتابة (1)، ] أنه يتخير بين مطالبة الاجير المستأجر، أما الاول: فلانه المباشر للاتلاف، وأما الثاني: فلانه المستوفي. وهو في محله لان كلا منهما سبب في الضمان، فيعمل بمقتضاه. (1) إذا فرضنا أن الاجارة الثانية منافية للاجارة الاولى، وجب البناء على توقف صحتها على إجازة المستأجر الاول. ولا تتوقف صحة الاجازة على كون موضوع العقد المجاز ملكا للمجيز، فانه تصح اجازة المرتهن لبيع الرهن وإن لم يكن ملكا له، وتجوز إجازة ولي الزكاة لبيع العين الزكوية وإن قلنا بأن الزكاة حق في العين لاجزء مشاع فيها، فصحة الاجازة من المجيز لا تتوقف على كونه مالكا لموضوع الاجازة. نعم انتقال العوض إليه يتوقف على كونه مالكا للمعوض. وعلى هذا: فإذا أجاز المستأجر الاول الاجازة الثانية وأطلق الاجازة صحت الاجازة، ووجب على الاجير العمل بمقتضها، وليس للمستأجر الاول شئ، وعليه الاجرة المسماة، وليس له الفسخ. نعم لو لم يجز وعمل الاجير بمقتضى الاجارة الثانية، كان المستأجر الاول مخيرا بين الفسخ والامضاء، كما ذكر في المتن.

[ 103 ]

[ فيكون مخيرا بين الامرين من الفسخ واسترجاع الاجرة المسماة والابقاء ومطالبة عوض الفائت (1). وإن كانت على الوجه الثالث فكالثاني، أو أنه لافرق فيه في عدم صحة الاجازة بين ما إذا كانت الاجارة أو الجعالة واقعة على نوع العمل المستأجر عليه، أو على غيره (2)، أذ ليست منفعة الخياطة - مثلا - مملوكة للمستأجر حتى يمكنه إجازة العقد الواقع عليها (3)، بل يملك عمل الخياطة في ذمة المؤجر. وإن كانت على الوجه الرابع - وهو كون اعتبار المباشرة أو المدة المعينة على وجه الشرطية لا القيدية - ففيه وجهان: يمكن أن يقال: بصحة العمل للغير. بعنوان الاجارة ] ثم إنه بناء على ما عرفت من امتناع ملك المنفعتين المتضادتين، إذا وقعت الاجارة الثانية على المنفعة المضادة لما وقعت عليه الاجارة الاولى، يشكل القول بصحتها حتى مع إجازة المستأجر الاول، لانها ليست مملوكة للاجير، فلا يمكن أن يملك عوضها. (1) يعني: مطالبة الاجير على ما عرفت. (2) أما إذا وقعت على غيره فلانه ليس مملوكا، بل هو مناف للمملوك له، وأما إذا كانت واقعة على نوعه، فلما ذكر في المتن. (3) قد عرفت أن صحة الاجازة لا تتوقف على كون موضوع العقد المجاز ملكا للمجيز، بل يكفي كون مقتضى العقد منافيا لحقه. وعليه لامانع من صحة الاجازة، فيصح العقد معها، وإذا عمل بقتضاه لا يكون للمجيز الخيار، ويلزمه دفع الاجرة التي استحقها عليه الاجير بالاجارة الاولى. (وبالجملة): إذا وقعت الاجارة الثانية على ضد العمل المستأجر

[ 104 ]

[ أو الجعالة، من غير حاجة إلى الاجازة، وإن لم يكن جائزا من حيث كونه مخالفة للشرط الواجب العمل، غاية ما يكون أن للمستأجر خيار تخلف الشرط. ويمكن أن يقال: بالحاجة إلى الاجازة، لان الاجارة أو الجعالة منافية لحق الشرط (1) فتكون باطلة بدون الاجازة (2). ] عليه، فهي غير واقعة على ملك المستأجر الاول، لكنها منافية لحقه فلا تصح إلا باذنه. وكذا إذا وقعت على مثله الخارجي، فانه مضاد لما في الذمة تضاد المثلين، فلا تصح أيضا إلا باذنه. وكذا إذا وقعت على مثله الذمي. أما إذا وقعت على نفسه، فقد وقعت على مال المستأجر نفسه، فلا مجال للشبهة المذكورة. ومن هنا يظهر: أن الصور المتصورة في الاجارة الثانية خمس هي: الاجارة على مثل العمل المستأجر عليه أولا مع كونه ذميا، وعلى مثله الخارجي، وعلى ضده الذمي، وعلى ضده الخارجي. والجميع مورد للاجازة، بناء على ما ذكرنا من صحة الاجازة إذا كان العمل على العقد الثاني منافيا لحق المستأجر. الصورة الخامسة: أن تكون الاجارة الثانية واقعة على نفس العمل الذمي الذي يملكه المستأجر، فلا مجال للاشكال الذي ذكره في المتن، وتصح الاجازة فيه، وإذا أجاز ملك الاجرة الثانية وعليه الاجرة الاولى للاجير، بخلاف الصور الاربع، فان الاجازة فيها لا تستوجب رجوع الاجرة الثانية إليه، وعليه الاجرة الاولى للاجير. (1) قد عرفت سابقا: أن حق الشرط موجب لقصور سلطنة الاجير عما ينافيه، فلو وقع المنافي كان صادرا من غير السلطان، فيتعين القول بالبطلان بدون الاجازة. (2) وعليه يرجع الاجير على المعمول له بأجرة المثل، لقاعدة: " ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده ". وكذا في الوجه الثالث إذا كانت

[ 105 ]

[ (مسألة 5): أذا آجر نفسه لعمل من غير اعتبار المباشرة ولو مع تعيين المدة، أو من غير تعيين المدة ولو مع اعتبار المباشرة، جاز عمله للغير ولو على وجه الاجارة قبل الاتيان بالمستأجر عليه، لعدم منافاته له من حيث إمكان تحصيله لا بالمباشرة أو بعد العمل للغير، لان المفروض عدم تعيين المباشرة أو عدم تعيين المدة. ودعوى: أن إطلاق العقد من حيث الزمان يقتضي وجوب التعجيل، ممنوعة (1). مع أن لنا أن نفرض الكلام فيما لو كانت قرينة على عدم إرادة التعجيل. (مسألة 6): لو استأجر دابة لحمل متاع معين شخصي أو كلي على وجه التقييد، فحملها غير ذلك المتاع، أو استعملها في الركوب، لزمه الاجرة المسماة وأجرة المثل لحمل المتاع الاخر أو للركوب. وكذا لو استأجر عبدا للخياطة فاستعمله في الكتابة. بل وكذا لو استأجر حرا لعمل معين، في زمان معين، وحمله على غير ذلك العمل، مع تعمده، وغفلة ذلك الحر واعتقاده أنه العمل المستأجر عليه (2). ودعوى: أن ليس للدابة في زمان ] الاجارة واقعة على غير نوع العمل الذي ملكه عليه المستأجر الاول، كما صرح بذلك في الجواهر. (1) قد تقدم منه في المسألة الخامسة من الفصل الاول: البناء على هذا الاطلاق، والاجتزاء به عن تعيين المدة. مع أن المذكور في كلماتهم في مبحث القبض: أن الاطلاق يقتضي وجوب التعجيل في دفع الثمن والمثمن. ولافرق بينه وبين المقام. (2) هذا الاعتقاد لا يتوقف عليه الضمان، فان استيفاء المنفعة يوجب

[ 106 ]

[ واحد منفعتان متضادتان، وكذا ليس للعبد في زمان واحد ألا إحدى المنفعتين من الكتابة أو الخياطة، فكيف يستحق أجرتين؟!. مدفوعة: بأن المستأجر بتفويته على نفسه، واستعماله في غير ما يستحق كأنه حصل له منفعة أخرى (1). ] ضمانها حتى مع علم العامل بعدم الاستحقاق، كما يأتي في الفصل الآتي. (1) قال العلامة في القواعد: " لو سلك بالدابة الاشق من الطريق ضمن، وعليه المسمى والتفاوت بين الاجرتين، ويحتمل أجرة المثل. وكذا لو شرط حمل قطن فحمل بوزنه حديدا ". وعلل احتمال أن المضمون أجرة المثل لاغير: بأ المسمى مجعول بالعقد في قبال المنفعة الخاصة، وقد فاتت فيفوت بفواتها. وعن جامع المقاصد: أنه الاصح. وفيه: أن فوات المنفعة لا يقتضي بطلان العقد، وقد تقدم أنه لو بذل الاجير نفسه في المدة المعينة فلم يستعمله المستأجر استحق الاجرة. وكذا إذا بذل المؤجر العين المستأجرة فلم ينتفع بها المستأجر في المدة، فان المؤجر أيضا يستحق الاجرة، ففوات المنفعة في المقام من قبل المستأجر لا يقتضي بطلان العقد، كي يقتضي عدم استحقاق الاجرة المسماة. وتفصيل الكلام في هذه المسألة: أن المنافع المتضادة لما لم تكن مقدورة قدرة عرضية، لامتناع اجتماع الضدين، لم تكن مملوكة ملكية عرضية، لان القدرة على المنفعة من شرائط ملكها عند العقلاء، ولا يصح اعتبار الملكية لها عندهم إذا لم تكن مقدورة، فان كانت المنافع المتضادة غير مقدور عليها أصلا لم تكن مملوكة أصلا، وإذا كانت مقدورة قدرة بدلية لاعرضية كانت مملوكة ملكية بدلية لاعرضية. ولذا لم يكن إشكال عندهم في أن الغاصب لا يضمن جميع المنافع المتضادة، وإنما يضمن واحدة

[ 107 ]

منها. وهذا الملكية تحتمل وجوها. الاول: أن يكون المملوك منها خصوص الموجود دون المعدوم. ولازمه عدم ضمان المنافع غير المستوفاة، لانها غير موجودة، فلا تكون مملوكة، فلا تكون مضمونة. الثاني: أن يكون المملوك كل واحدة منها في ظرف عدم الاخرى. ولازمه ضمانهما معا إذا لم تكن كل واحدة منها مستوفاة، لان كل واحدة منهما حينئذ في ظرف عدم الاخرى. الثالث: أن يكون المملوك الجامع بنحو لا ينطبق عليهما في عرض واحد، بل إذا انطبق على واحدة لم ينطبق على الاخرى، نظير مفاد النكرة، ونظير النصف الملحوظ فيما لو باع نصف الدار، فان النصف في نفسه وإن كان ينطبق على كل من النصفين في عرض واحد، فان كلا من نصفي الدار نصف للدار، لكن المأخوذ موضوعا للبيع لوحظ بنحو لا ينطبق على كل من النصفين في عرض واحد، بل بنحو ينطبق على أحدهما ولا ينطبق على الآخر، ونظيره أيضا الصاع الملحوظ في بيع صاع من صبرة. وعلى هذا يكون تطبيقه وتعيينه بيد المالك، فما عينه المالك يكون هو المملوك دون ما لم يعينه، وإن كان المستوفى غير ماعينه المالك، ولازمه في المقام أن يكون المضمون هو المسمى، لانه في مقابل المنفعة التي عينها المالك، وما استوفاه المستاجر لما لم يكن معينا من الملك لا يكون مملوكا، فلا يكون مضمونا. الرابع: أن يكون المملوك هو الذي يعينه المالك إذا لم يكن تعين خارجي، وإلا كان المتعين هو المملوك لاغير وإن عينه المالك. ولازمه في المقام أن يكون المضمون أجرة المثل، لانها في مقابل المنفعة المستوفاة المتعينة المملوكة، وعدم ضمان الاجرة المسماة لانها في مقابل منفعة غير

[ 108 ]

مملوكة، لانها غير المتعينة، وتعيين المالك لاأثر له مع التعين. وفي باب الغصب يضمن الغاصب ما استوفاه، ولا أثر لتعيين المالك. وقد عرفت الاشكال في الوجهين الاولين. وأما الوجه الاخير: فتأباه كلمات الاصحاب في باب الغصب، وأن الغاصب إذا استوفى منفعة وكان غيرها أعلى قيمة كان للمالك اختيار ضمان الغاصب الاعلى قيمة، فعن موضع من القواعد: " ولو تعددت المنافع - كالعبد الخياط الحائك - لزمه أجرة أعلاها، ولا تجب أجرة الكل ". وعن موضع آخر أنه قال: " ولو انتفع بالازيد، ضمن الازيد، وإن انتفع بالانقص ضمن أجرة المطلق ". وعن الروضة: " لو تعددت المنافع فان أمكن فعلها جملة أو فعل أكثر من واحدة وجب أجرة ما أمكن، وإلا - كالحياكة والخياطة والكتابة - فأعلاها أجرة. ولو كانت الواحدة أعلى منفردة عن منافع متعددة يمكن جمعها ضمن الاعلى ". لكن الظاهر أن مورد كلامه صورة عدم الانتفاع بمنفعة معينة. نعم عن المسالك: " إن استعملها في الاعلى ضمنها، وإن استعملها في الوسطى أو الدنيا أو لم يستعملها، ففي ضمان أجرة متوسطة أو الاعلى، وجهان ": فهذه الكلمات ونحوها - كما ترى - صريحة في عدم ضمان المنفعة المستوفاة، وضمان غير المستوفاة، وهو في بادئ النظر غريب، فانه لااشكال ولا خلاف في ضمان المنافع المستوفاة، فكيف ساغ البناء على عدم ضمانها وضمان غير المستوفاة؟!. والتحقيق أن يقال في المقام: إن المنافع المتضادة وإن كانت متباينة، لكنها مشتركة في جهة الانتفاع، فإذا اختلفت مرتبة الانتفاع بالشدة والضعف والزيادة والنقيصة، فالاجارة على إحداهما بعينها قد لوحظ فيها القيد بنحو تعدد المطلوب، فإذا استوفى المستأجر المساوي المباين لها كان للمالك المؤجر الخيار. فإذا استأجر الدابة ليحمل عليها كيسا فيه مقدار

[ 109 ]

معين من الحنطة، فحملها كيسا آخر مثله لم يستحق أجرة أخرى، وإنما له الخيار بفوات القيد. وإذا حملها كيسا آخر فيه حنطة ضعف المقدار المعين في الاجارة، فنصفه مستحق الاجارة، وعليه أجرة النصف الآخر وإذا حملها كيسا آخر فيه من الحنطة نصف المقدار المعين في الاجارة، لم يكن عليه غير المسمى، كأنه استوفى نصف حقه. نعم ربما يكون للمؤجر الخيار لفوات القيد أيضا. وبالجملة: الذي يساعده الارتكاز العرفي أن المتباينات ملحوظة في المقام وفي باب الضمان مع تفاوت القيمة من قبيل الاقل والاكثر. والقيود والخصوصيات الموجبة للتباين ملحوظة عندهم بنحو تعدد المطلوب، فيكون الاقوى في المقام ما ذكره في القواعد من لزوم المسمى والتفاوت. ولم أقف عاجلا على من وافق المصنف في وجوب الامرين: المسمى وأجرة المثل وإن كان له في نفسه وجه، لكنه خلاف المرتكز العرفي ومذاق الفقهاء في باب الضمانات. فلاحظ. وكذا الحكم في ضمان الغاصب. ومما ذكرنا يظهر أن المحتملات في حكم المسألة أربعة: الاول: لزوم المسمى فقط، ويقتضيه الوجه الثالث من وجوه كيفية ملك المنافع المتضادة الثاني: لزوم أجرة المثل فقط. ومبناه بطلان العقد، إما لفوات المنفعة كما ذكر في التعليل، أو لعدم ملكية المنفعة غير الموجودة كما يقتضيه الوجه الرابع من الوجوه السابقة، أو لصحيح أبي ولاد الآتي. والثالث: لزوم المسمى وأجرة المثل معا، كما هو مختار المصنف (ره)، ويقتضيه البناء على ملكية المنافع المتضادة في عرض واحد. الرابع: أعلى القيمتين إن كان إحدى المنفعتين أعلى قيمة، والمسمى فقط إن لم يكن كذلك. ويقتضيه ما ذكرناه من أن المرتكز العرفي جعل القيود الموجبة للتباين ملحوظة بنحو تعدد المطلوب، وتكون الزيادة في المنفعة المستوفاة من قبيل

[ 110 ]

الزيادة في المنفعة المسماة، ويكون المقام نظير مالو استأجر الدابة واشترط عليه المالك أن يكون الحمل مقدارا معينا لاأزيد، فحملها أكثر منه وأزيد، فانه يستحق المسمى وأجرة الزائد لاغير، ويكون له الخيار في الفسخ والرجوع إلى أجرة المثل. نعم قد ينافي ذلك في باب الغصب ظاهر ما ورد من النصوص الواردة في الموارد المتفرقة، المتضمنة لضمان الغاصب أجرة ما استوفاه مطلقا، وإن كان للعين المغصوبة منفعة أعلى، ومنها صحيح أبي ولاد (* 1) المشهور الذي قد اكترى بغلا من الكوفة إلى قصر ابن هبيرة ذاهبا وجائيا لطلب غريم له، فلما صار قرب قنطرة الكوفة أخبر أن غريمه توجه إلى النيل، فتوجه نحو النيل، فلما أتى النيل خبر أن صاحبه توجه إلى بغداد فتوجه إلى بغداد، ثم رجع إلى الكوفة. بل هو وارد فيما نحن فيه من استيفاء المستأجر منفعة مضادة للمنفعة المقصودة له بالاجارة، والامام (ع) ضمنه كرى البغل من الكوفة إلى النيل، ومن النيل إلى بغداد، ومن بغداد إلى الكوفة، ولم يضمنه الاجرة المسماة، ولم يجعل للمالك الاختيار لاي منفعة شاء. لكن الظاهر أن الوجه فيه ما ذكرناه من أن الملحوظ للمكاري قطع المسافة فتكون نسبة المنفعة المستوفاة إلى المسماة نسبة الاكثر إلى الاقل، لا لاجل بطلان العقد الواقع، ولا لان التعين الخارجي دخيل في الملكية. وكذلك حال النصوص الاخرى فانها أيضا منزلة على ما ذكرنا، ويكون المراد من النصوص هو المراد من تعبير الفقهاء، أنه يضمن الاعلى. يعنون به: أنه يضمن المستوفى مع التفاوت. كما أنه لا يبعد أن يكون عدم تعرض النصوص - كالصحيح وغيره - لضمان المنافع غير المستوفاة التي هي أعلى قيمة لانها منفعة غير محتسبة ولا منتظرة من العين، وحينئذ لا يدل الصحيح


(* 1) الوسائل باب: 17 من ابواب احكام الاجارة حديث: 1.

[ 111 ]

على عدم ضمانها مطلقا. وإن كان هذا المعنى لا يرتبط بما نحن فيه. والمتحصل مما ذكرناه: أن ما ذكره في القواعد من الاحتمال الاول هو الذي يقتضيه المذاق العرفي. لكن البناء عليه ورفع اليد عن الاحتمال الثالث، الموافق لاصل البراءة. لا يخلو من شبهة وإشكال، وإن كان هو الاظهر. وقد جزم به في موضع آخر من القواعد. قال: " وان زرع الاضر من المعين فللمالك المسمى وأرش النقصان ". وعن التحرير أنه قال: له المسمى وأجرة الزيادة. وهو المراد مما في القواعد كما في مفتاح الكرامة، وحكى فيه عن المبسوط: التخيير بين ذلك وبين أجرة المثل. وقال: " إنه أشبه بالصواب، ثم قال: وهو خيرة التذكرة، وكذا الشرايع والتحرير والارشاد في باب المزارعة، قالوا: لو زرع ما هو الاضر كان للمالك أجرة المثل أو المسمى مع الارش، والذي يقتضيه التدبر في ملاحظة الكتب الثلاثة: أن ذلك فيما لو استأجرها للزراعة أو زارع عليها، وليست مسوقة للمزارعة خاصة... إلى أن قال: وإن هذه العبارة خاصة بالاجارة ". ويؤيد ذلك ما ذكره في القواعد قال: " لو عين اقتصر عليه وعلى ما يساويه، أو يقصر عنه في الضرر على إشكال ". وعن التذكرة: أن القول بأن له أن يزرع ماعينه، وما ضرره كضرره أو أدون ولا يتعين ماعينه قول عامة أهل العلم، إلا داود وباقي الظاهرية، فانهم قالوا: لا يجوز له زرع غير ماعينه. حتى لو وصف الحنطة بأنها حمراء لم يجز أن يزرع البيضاء، ونسبه في محكي الخلاف أيضا إلى أبي حنيفة والشافعي وعامة الفقهاء، وعن المبسوط: أنه نسبه إلى جميع المخالفين، وعن جامع المقاصد: أن جواز العدول هو المشهور بين عامة الفقهاء، وقال أيضا: إنه المشهور. وفي مفتاح الكرامة وجه القول بجواز العدول: بأن الغالب المعروف المألوف أن الغرض المقصود في الاجارة للمالك تحصيل

[ 112 ]

[ (مسألة 7): لو آجر نفسه للخياطة - مثلا - في زمان معين، فاشتغل بالكتابة للمستأجر مع علمه بأنه غير العمل المستأجر عليه، لم يستحق شيئا. أما الاجرة المسماة: فلتفويتها على نفسه بترك الخياطة، وأما أجرة المثل للكتابة - مثلا -: فلعدم كونها مستأجرا عليها، فيكون كالمتبرع بها. بل يمكن أن يقال بعدم استحقاقه لها ولو كان مشتبها غير متعمد (1)، خصوصا مع جهل المستأجر بالحال. (مسألة 8): لو أجر دابته لحمل متاع زيد من مكان إلى آخر فاشتبه وحملها متاع عمرو، لم يستحق الاجرة على زيد ولا على عمرو. (مسألة 9): لو آجر دابته من زيد - مثلا - فشردت ] الاجرة خاصة، وهي حاصلة على التقادير الثلاثة، فكلام أهل العلم مبني على الغالب المعروف. وما ذكره الجماعة وإن كان محلا للمنع، بل لا ينبغي الارتياب في خلافه، وعدم جواز التعدي عن تعيين المالك. لكن قد يفهم منه حكم المقام بطريق الاولوية. وبالجملة: إذا لاحظت كلماتهم تعرف أن الارتكاز العرفي المذكور مما لا معدل عنه عندهم. (* 1) (1) يفترق الحكم هنا عما كان في المسألة السابقة: بأن العمل في المقام مع العلم والجهل لا يتحقق معه عنوان الاستيفاء، لانه لم يكن بأمر من الغير، بخلاف العمل في المسألة السابقة، فانه بأمر يتحقق معه عنوان الاستيفاء. واعتقاد الامر هنا مع الجهل لا يكفي في صدق الاستيفاء.


(* 1) قد ذكرنا في مبحث المزارعة ماله نفع في المقام فراجع. (منه قدس سره)

[ 113 ]

[ قبل التسليم إليه أو بعده في أثناء المدة. بطلت الاجارة (1). وكذا لو آجر عبده فأبق. ولو غصبهما غاصب، فان كان قبل التسليم فكذلك. وإن كان بعده يرجع المستأجر على الغاصب بعوض المقدار الفائت من المنفعة (2). ويحتمل التخيير (3) بين الرجوع على الغاصب وبين الفسخ في الصورة الاولى (4) وهو ما إذا كان الغصب قبل التسليم. (مسألة 10): إذا آجر سفينته لحمل الخل مثلا من بلد إلى بلد، فحملها المستأجر خمرا، لم يستحق المؤجر الا الاجرة المسماة، ولا يستحق أجرة المثل لحمل الخمر، لان أخذ الاجرة عليه حرام، فليست هذه المسألة مثل مسألة إجارة العبد للخياطة، فاستعمله المستأجر في الكتابة (5). لا يقال: فعلى هذا إذا غصب السفينة وحملها خمرا، كان اللازم عدم استحقاق المالك أجرة المثل، لان أجرة حمل الخمر حرام. لانا نقول: إنما يستحق المالك أجرة المثل للمنافع ] (1) يعني: في باقي المدة، لفوات المنفعة وتعذرها، فتكون الاجارة واقعة على مالا منفعة له. (2) هذا مبني على تنزيل الغصب منزلة التلف، كما تقدم القول به في امتناع المؤجر من التسليم، كما تقدم ضعفه، فراجع المسألة العاشرة والحادية عشرة من الفصل الثالث. (3) هذا هو المتعين كما عرفت. (4) قد عرفت هناك احتماله في الصورة الثانية. (5) تقدم فيها ماله نفع هنا، فراجعه.

[ 114 ]

[ المحللة الفائتة في هذه المدة. وفي المسألة المفروضة لم يفوت على المؤجر منفعة، لانه أعطاه الاجرة المسماة لحمل الخل بالفرض. (مسألة 11): لو استأجر دابة معينة من زيد للركوب إلى مكان، فاشتبه وركب دابة أخرى له، لزمه الاجرة المسماة للاولى، وأجرة المثل للثانية، كما إذا اشتبه فركب دابة عمرو فانه يلزمه أجرة المثل لدابة عمرو والمسماة لدابة زيد، حيث فوت منفعتها على نفسه. (مسألة 12): لو آجر نفسه لصوم يوم معين عن زيد مثلا، ثم آجر نفسه لصوم ذلك اليوم عن عمرو، لم تصح الاجارة الثانية (1). ولو فسخ الاولى بخيار أو إقالة قبل ذلك اليوم لم ينفع في صحتها، بل ولو أجازها ثانيا، بل لابد له من تجديد العقد، لان الاجازة كاشفة (2)، ولا يمكن ] (1) لما سبق من أن المنفعة الثانية لما لم تكن مملوكة للاجير - لمباينتها للاولى - لم تمكن الاجارة عليها، لعدم السلطنة له عليها، بل لا تصح وإن أجاز المستأجر الاول، لان المانع لا ينحصر بتعلق حق الغير كما سبق كي تصح الاجارة باجازته، بل المانع عدم الملك لا للاجير ولا لغيره. نعم إذا كانت الاجارة الاولى واقعة على منفعته الخاصة وكذلك الثانية، وكانت الخصوصية - أعني: كون الصوم عن زيد - ملحوظة على نحو تعدد المطلوب، أمكن أن تكون إجازة المستأجر الاول راجعة إلى رفع اليد عن الخصوصية، وحينئذ تصح الثانية بالاجازة، وترجع الاجرة المذكورة فيها إلى المستأجر الاول. (2) هذا لا يجدي في المنع، إلا بناء على الكشف الحقيقي. والعمدة:

[ 115 ]

[ الكشف هنا لوجود المانع حين الاجارة، فيكون نظير من باع شيئا ثم ملك (1)، بل أشكل. ] فصل لا يجوز إجارة الارض لزرع الحنطة أو الشعير، بما يحصل منها من الحنطة أو الشعير، لا لما قيل: من عدم كون مال الاجارة موجودا حينئذ، لا في الخارج ولا في الذمة، ومن هنا يظهر عدم جواز إجارتها بما يحصل منها ولو من ] أن إضافة العوض إلى مالك بعينه من قوام المعاوضة، فإذا تبدل فقد فاتت المعاوضة الواقعة وتعذرت صحتها. (1) لان الصوم عن عمرو لما كان ضد الصوم عن زيد، فإذا ملك المستأجر الاول والثاني، خرج الاول عن كونه مملوكا للمؤجر، لما عرفت من أن القدرة على المتضادين لما كانت بدلية كانت الملكية لها كذلك، فإذا ملك المستأجر الاول أحدهما تعيينا خرج الآخر عن الملكية تعيينا وتخييرا، فإذا فسخت الاجارة الاولى صار الضدان مملوكين على البدل، كحالهما قبل الاجارة، فاذن تكون الاجارة الثانية قبل الفسخ واقعة على منفعة غير مملوكة. وكأن الوجه في كونه أشكل: أن عدم القدرة على الضد الثاني يوجب خروجه عن صلاحية الملك، فالمانع فيه ذاتي، بخلاف مسألة من باع ثم ملك فان المانع فيه عرضي، وهو تبدل المالك من دون قصور في ذات المملوك.

[ 116 ]

[ غير الحنطة والشعير، بل عدم جوازها بما يحصل من أرض أخرى أيضا. لمنع ذلك (1)، فانهما في نظر العرف واعتباره بمنزلة الموجود كنفس المنفعة، وهذا المقدار كاف في الصحة نظير بيع الثمار سنتين، أو مع ضم الضميمة، فانها لا يجعل غير الموجود موجودا، مع ان البيع وقع على المجموع. بل للاخبار الخاصة (2). وأما إذا آجرها بالحنطة أو الشعير في الذمة ] (1) هذا المنع يتم إذا كان المقصود من الدليل المنع العقلي. أما إذا كان المقصود المنع الشرعي من جهة الغرر، الحاصل من الشك في الوجود أو الشك في مقدار الموجود، فالمنع المذكور لا يرفع الغرر الحاصل. (2) المشتمل بعضها على النهي عن إجارة الارض بالطعام، وعلل في بعضها بأنه غير مضمون، ففي موثق أبي بصير عن أبي عبد الله (ع): " لا تؤجر الارض بالحنطة ولا بالشعير ولا بالتمر ولا بالاربعاء ولا بالنطاف، ولكن بالذهب والفضة، لان الذهب والفضة مضمون وهذا ليس بمضمون " (* 1). وفي آخر: بأنه يلزم إجارة الحنطة بالحنطة والشعير بالشعير. (* 2) وفي ثالث: " إن كان من طعامها فلا خير فيه ". (* 3) وظاهر الجميع الاختصاص بما كان منها أو من غيرها المعين ولم يعرف المخالف في المنع إلا ما يظهر من التبصرة والمختلف، تبعا لما يظهر من النافع كما قيل. لكنه مخالف لظاهر النهي المذكور المعول عليه


(* 1) الوسائل باب: 16 من ابواب المزارعة حديث: 2. (* 2) الوسائل باب: 16 من أبواب المزارعة حديث: 11. (* 3) الوسائل باب: 15 من أبواب المزارعة حديث: 5.

[ 117 ]

[ لكن بشرط الاداء منها، ففي جوازه إشكال والاحوط العدم (1) لما يظهر من بعض الاخبار، وإن كان يمكن حمله على الصورة الاولى. ولو آجرها بالحنطة أو الشعير من غير اشتراط كونهما منها فالاقوى جوازه (2)، نعم لا يبعد كراهته. وأما إجارتها ] عند المشهور. والتعبير بقوله (ع): " لاخير فيه " لا يصلح لصرف النهي عن ظاهره، بل لعله ظاهر في نفسه في المنع. (1) احتمل في الجواهر العدم، لما يظهر من بعض النصوص في خصوص هذا الشرط كما ذكر في المتن. لكنه استظهر الجواز، للعمومات. وهو غير بعيد. (2) عملا بالتعليل بأنه غير مضمون، المقتضي للجواز في المضمون. لكن عن بعض: المنع إذا كان من جنس ما يزرع فيها، لصحيح الحلبي: " لا تستأجر الارض بالحنطة ثم تزرعها حنطة " (* 1). ويساعده بعض التعليلات المتقدمة. لكن المشهور على خلافه. ولاجله يشكل العمل بالصحيح، مع أن دلالته لا تخلو من خفاء. وأما دعوى: المعارضة للتعليل بعدم الضمان، فغير ظاهرة، لامكان تعدد وجوه المنع. والعمدة: أن الخبر المشتمل على التعليل ضعيف بالارسال وغيره، فلا مجال للاعتماد عليه. مضافا إلى معارضته بخبر الهاشمي، عن أبي عبد الله عليه السلام: " سألته عن رجل استأجر من السلطان من أرض الخراج، بدراهم مسماة أو بطعام مسمى، ثم آجرها وشرط لمن يزرعها أن يقاسمه النصف أو أقل من ذلك أو أكثر، وله في العوض بعد ذلك فضل، أيصلح له لذلك؟ قال (ع): نعم إذا حفر لهم نهرا... " (* 2) فتأمل.


(* 1) الوسائل باب: 16 من أبواب المزارعة حديث: 3. (* 2) الوسائل باب: 21 من أبواب احكام الاجارة حديث: 3.

[ 118 ]

[ بغير الحنطة والشعير من الحبوب، فلا إشكال فيه (1)، خصوصا إذا كان في الذمة، مع اشتراط كونه منها أولا. (مسألة 1): لا بأس باجارة حصة من أرض معينة مشاعة، كما لا بأس باجارة حصة منها على وجه الكلي في المعين مع مشاهدتها على وجه يرتفع به الغرر. وأما إجارتها على وجه الكلي في الذمة فمحل إشكال، بل قد يقال: بعدم جوازها لعدم ارتفاع الغرر بالوصف، ولذا لا يصح السلم فيها. وفيه: أنه يمكن وصفها على وجه يرتفع، فلا مانع منها إذا كان كذلك. (مسألة 2): يجوز استئجار الارض لتعمل مسجدا، ] (1) في خبر أبي بصير المتقدم ذكر التمر مع الحنطة والشعير، ومقتضاه المنع فيه، بل مقتضى التعليل بعدم الضمان: اطراد المنع في كل مايخرج منها. وإن كان ظاهر بعض: الاختصاص بالحنطة والشعير. ووجهه غير ظاهر، لعموم التعليل في النص، وعموم ما ذكروه في وجه المنع الذي أشار إليه المصنف (ره) في صدر المسألة، ولذا كانت عباراتهم مطلقة. قال في القواعد في كتاب المزارعة: " تجوز إجارة الارض بكل ما يصلح أن يكون عوضا في الاجارة وإن كان طعاما إذا لم يشترط أنه مما يخرج من الارض ". وقال في مفتاح الكرامة: " لانه لا يجوز اشتراط كونه مما يخرج منه، كما في الخلاف والمبسوط والسرائر، والمختلف والتنقيح، وجامع المقاصد. ولا يصح كما في إيضاح النافع، والكتاب. ويكون حراما، كما في التذكرة... " إلى آخر ما حكاه من عباراتهم. وحينئذ فنفي الاشكال في المتن غير ظاهر، لامن حيث النص ولامن حيث الفتوى.

[ 119 ]

[ لانه منفعة محللة (1). وهل يثبت لها آثار المسجد من حرمة التلويث ودخول الجنب والحائض ونحو ذلك.؟ قولان. أقواهما: العدم (2). نعم إذا كان قصده عنوان المسجدية لا مجرد الصلاة فيه (3)، وكانت المدة طويلة كمائة سنة أو أزيد لا يبعد ذلك، لصدق المسجد عليه حينئذ. ] (1) خلافا لابي حنيفة، لان فعل الصلاة لا يجوز استحقاقه بعقد الاجارة، فلا تجوز الاجارة لذلك. وفيه أنه لا ملازمة بين بطلان الاجارة على الصلاة، وبطلان إجارة المكان للصلاة، لان الاجارة على الصلاة تقتضي لزوم الصلاة، وإجارة المكان للصلاة لا تقتضي لزوم الصلاة. مضافا إلى أن استحقاق الصلاة ولزومها بالاجارة لا يقتضي بطلانها، كما في صلاة الاجير. (2) كما عن جامع المقاصد، لان المسجد اسم للموقوف مؤيدا لذلك. وعن الاردبيلي: دعوى كوى المسجد أعم من الموقوف مؤبدا وغيره كالمقام، خصوصا في المدة الطويلة كمائة سنة. لكنه كما ترى مخالف لظاهر الاتفاق على اعتبار التأييد، كما يظهر من كلماتهم في الصلاة. مع أن الشك في ذلك كاف في عدم ترتب الاحكام، للاصل. وإطلاق أدلتها يسقط عن الحجية، إذ ليس المراد منه المعنى اللغوي ضرورة، بل المراد منه مفهوم شرعي، فمع الشك في حصوله يرجع إلى أصالة عدم ترتب الاثر. (3) لاإشكال في أن عنوان المسجد من العناوين القائمة بنفسها، لا ترتبط بفعل المكلف، ولذا لو خرب المسجد لم تبطل مسجديته وإن تعذرت الصلاة فيه بخلاف مالو خرب المكان الذي وقف على أن يكون مصلى، فانه إذا تعذرت الصلاة فيه فقد تعذرت المنفعة المقصودة من الوقف، فتبطل وقفيته. ثم إنه إذا اعتبر الدوام في المسجدية فلا مجال

[ 120 ]

[ (مسألة 3): يجوز استئجار الدراهم والدنانير للزينة (1) أو لحفظ الاعتبار، أو غير ذلك من الفوائد التي لا تنافي بقاء العين. (مسألة 4): يجوز استئجار الشجر لفائدة الاستظلال ونحوه (2) كربط الدابة به، أو نشر الثياب عليه. (مسألة 5): يجوز استئجار البستان لفائدة التنزه، لانه منفعة محللة عقلائية. (مسألة 6): يجوز الاستئجار لحيازة المباحات (3) ] للاجارة المذكورة، وإن لم يعتبر لا حاجة إلى اعتبار أن تكون المدة طويلة. (1) كما صرح به في الشرايع وغيرها. وعن مجمع البرهان: " لاشك فيه لو حصل نفع مقصود محلل، لاطلاق أدلة الاجارة ". وهو في محله. أما إذا لم يكن لها نفع كذلك فلا ينبغي التأمل في البطلان، لان أكل الاجرة حينئذ يكون أكلا للمال بالباطل. وفي الجواهر: " واحتمال عدم الجواز حتى مع تحقق المنفعة، للشك في تناول مثل ذلك، في غير محله " كاحتمال عدم جواز إجارتهما لعدم صحة وقفهما، وعدم ضمان منفعتهما لو غصبا. وفيه: أولا... " إلى آخر ما ذكر في الاشكال من منع الملازمة ومنع عدم جواز الوقف، ومنع عدم الضمان. (2) كما صرح به في الجواهر، لما ذكر فيما قبله. (3) هذه المسألة مذكورة في الشرائع في أواخر كتاب الشركة، وقد اختار فيها الجواز. وفي القواعد قال: " في جواز الاستئجار على الاحتطاب أو الاحتشاش أو الالتقاط نظر، ينشأ من وقوع ذلك للمؤجر أو المستأجر ".

[ 121 ]

[ كالاحتطاب والاحتشاش والاستقاء. فلو استأجر من يحمل الماء له من الشط - مثلا - ملك ذلك الماء بمجرد حيازة السقاء فلو أتلفه متلف قبل الايصال إلى المستأجر ضمن قيمته له. وكذا في حيازة الحطب والحشيش. نعم لو قصد المؤجر كون المحوز لنفسه، فيحتمل القول بكونه له (1)، ويكون ضامنا للمستأجر عوض ما فوته عليه من المنفعة، خصوصا (2) إذا كان المؤجر آجر نفسه على وجه يكون تمام منافعه في اليوم الفلاني للمستأجر، أو يكون منفعته من حيث الحيازة له، وذلك لاعتبار النية في التملك بالحيازة والمفروض أنه لم يقصد كونه للمستأجر بل قصد نفسه. ويحتمل القول بكونه للمستأجر لان المفروض ان منفعته من طرف الحيازة له، فيكون نية كونه لنفسه لغوا والمسألة مبنية على ان الحيازة (3) ] (1) هذا يتم حتى على القول بتبعية المحاز للحيازة في الملكية إذا كان المستأجر عليه في الذمة، لان انطباق ما في الذمة على ما في الخارج يحتاج إلى قصد، وإن انحصر في فرد، ولايكون قهريا وان كان ذلك في الكلي الخارجي (2) راجع إلى الضمان. (3) الوجوه المتصورة بدوا في سببية الحيازة للملك ثلاثة: الاول: أن تكون سببا لملك الحائز مباشرة، وهو من قامت به الحيازة مطلقا، سواء قصد نفسه أم غيره أم لم يقصد. الثاني: أن تكون سببا لملك من كانت له الحيازة، فيكون المحاز تابعا لها في الملكية، تبعية الثمرة للشجرة، والحمل للدابة، والنماء لذي النماء، مطلقا أيضا. الثالث: أن تكون سببا لملك من جعلت له ولو تبرعا، فتكون سببيتها متقومة بالقصد، فان

[ 122 ]

قصد الحائز بها نفسه ملك هو المحاز، وإن قصد غيره ملك غيره المحاز، وان لم يقصد أصلا لم يملك المحاز مالك، وبقي على إباحته الاصلية. هذا ولا ينبغي الاشكال في صحة الاجارة، على الوجهين الاخيرين. نعم قد تشكل بناء على الوجه الاول، بل في المتن أن لازمه عدم صحة الاجارة. وكأنه لعدم رجوع المنفعة، إلى المستأجر حينئذ. وفيه: أنه يكفي في صحتها ترتب غرض ما على حصول العمل المستأجر عليه، نظير الاجارة على النيابة عن ميت من أموات المستأجر، والاستئجار لارضاع الولد وتعليمه الكتابة ونحوها من الكمالات، فالوجوه كلها مشتركة في صحة الاجارة عليها، ولافرق بين الاول والاخيرين في ذلك. نعم تختلف في أمر آخر، وهو ملكية المحاز للمستأجر، فعلى الاول: لا يملكه المستأجر مطلقا، وإنما يملكه الاجير الحائز، وعلى الثاني: يملكه المستأجر مطلقا. إذا كانت الاجارة واقعة على المنفعة الخاصة وحدها أعني: منفعة الحيازة، أو مع غيرها بأن كان جميع منافعه ملحوظة في الاجارة، فان الحيازة على هذا تكون ملكا للمستأجر فيتبعها المحاز، وأما إذا كانت واقعة على ما في الذمة، فان قصد الاجير تشخيص ما في ذمته الواجب عليه بالاجارة، كانت الحيازة الخارجية ملكا للمستأجر فيتبعها المحاز. أما إذا لم يقصد ذلك، بل قصد نفسه، كان المحاز له، ويكون قد فوت العمل المستأجر عليه على المستأجر، فيرجع المستأجر عليه باجرة المثل لو لم يفسخ، أو بالمسمى إذا كان قد فسخ. وعلى الثالث: مقدمية الاجارة لتملك المحاز. تتوقف على وقوعها على الحيازة بقصد كونها للمستأجر، إذ لو وقعت على نفس فعل الحيازة مطلقا استحق الاجير الاجرة ولو قصد نفسه، ويكون هو المالك حينئذ للمحاز، فالاجارة إنما يترتب عليها تملك المستأجر للمحاز، إذا وقعت على الحيازة بنحو خاص،

[ 123 ]

أعني: بقصد كونها للمستأجر. وحينئذ فان قصد الحائز ذلك استحق الاجرة، وكان المحاز للمستأجر. وإن قصد نفسه كان المحاز له دون المستأجر، من دون فرق بين وقوع الاجارة على منفعته الخاصة ووقوعها على ما في الذمة، وحينئذ يستحق المستأجر على المسمى أو أجرة المثل كما سبق. وكذا لو لم يقصد شيئا، لكن في هذه الصورة يبقى المحاز على إباحته الاصلية. ثم إن الوجهين الاخيرين يمكن ارجاع ثانيهما إلى أولهما، بناء على أنه يكفي في ملكية العمل صدوره عن فاعله بقصد أنه لزيد مثلا، فيكون ملكا لزيد بمجرد ذلك، فانه على هذا المبنى تكون ملكية المقصود للمحاز تابعة لملكية الحيازة، فالمتبرع عن غيره بالحيازة يملكها للمتبرع عنه، فيملك المتبرع عنه المحاز، كما يملك نفس الحيازة بالتبرع عنه فيها. فالحيازة تارة: تملك بعقد الاجارة للمستأجر. وأخرى: يملكها المتبرع عنه بالتبرع من الحائز عنه، فيملكها المتبرع عنه بذلك التبرع الراجع إلى فعلها بقصد كونها لغيره، فتكون حال وقوعها ملكا للمتبرع عنه، فيتبعها المحاز. فالبناء على الثالث أيضا راجع إلى تبعية المحاز للحيازة في الملكية. نعم إذا كانت منفعة الحيازة مملوكة على الحائز بالاجارة، لاسلطنة له على جعلها لغير المستأجر المالك لها. نعم بين الوجهين فرق من جهة أخرى، تظهر بالتأمل فيما ذكرنا. وكيف كان: لا ينبغي التأمل في أن الرجوع إلى المرتكز العرفي - الذي هو المعيار المائز بين ما تدخله النيابة والوكالة ومالا تدخله - يقتضي البناء على كون العناوين المذكورة في المتن مما تدخله النيابة، فانها عند العرف كذلك. بل التسالم على كون القبض مما تدخله النيابة، في كل مورد كان موضوعا لحكم شرعي، يقتضي البناء عليه هنا، لانها من أنواعه وأنحائه. فيبطل الوجه الاول. هذا ولاجل أن اعتبار النيابة عند العقلاء إنما يصح فيما إذا كان

[ 124 ]

للمنوب فيه أثر ترتب عليه، وإلا لم يكن النيابة معنى، ولا مجال لاعتبارها عند العقلاء، فتكون بناؤهم على صحة النيابة في هذه العناوين كاشفا عن كونها موضوعا للآثار مطلقا، فيتعين الوجه الثاني الذي هو ثالث الوجوه المذكورة في المتن، ويترتب عليه ما عرفت من أنه إذا استأجره بلحاظ المنفعة الخاصة - أعني: منفعة الحيازة - كان المحاز ملكا للمستأجر، تبعا لملكية الحيازة وإن قصد الاجير الحيازة عن نفسه أو عن غير المستأجر، لعدم نفوذ قصده، لكونه تصرفا في ملك المستأجر، كما لو حاز العبد بقصد غير مولاه. وفي الشرايع في كتاب الشركة قال: " إذا استأجره للاحتطاب أو الاحتشاش أو الاصطياد مدة معينة، صحت الاجارة، ويملك المستأجر ما يحصل في تلك المدة ". لكن قال في كتاب الوكالة: " إن الامور المذكورة لاتقبل النيابة ". وأشكل عليه: بأن البناء على أنها لاتقبل النيابة يقتضي المنع من صحة الاجارة عليها. وفي الجواهر دفع الاشكال: " بأنه قد يمنع التلازم، ويكون حينئذ ملك المباح في الفرض من توابع ملك العمل بالاجارة، وهو غير التملك بالنيابة في الحيازة. ثم قال: " فتأمل " ولعله أشار بالامر بالتأمل إلى أنه إذا لم تقبل العناوين المذكورة اختصت آثارها بالمباشر، فيكون المباح ملكا له، فإذا بني على كونه ملكا لمالك الحيازة وإن لم يكن هو المباشر، كان ذلك قولا بقبولها للنيابة، إذ ليس المراد من كونها قابلة للنيابة إلا هذا المعنى، بأن يكون الاثر لغير المباشر ثم إنه قد استدل على الوجه الاول من الوجوه التي ذكرناه، بما دل على أن من حاز ملك، فان المضمون المذكور وإن لم يرد به نص بلفظه، فقد ورد ما يدل على معناه، مثل قوله (ع): " لليد ما أخذت

[ 125 ]

وللعين ما رأت " (* 1). وفيه: أنه إذا كانت المرتكزات العرفية قاضية بقبولها النيابة، فقد صدق ذلك بالنسبة إلى المنوب عنه ولا يصدق بالنسبة إلى النائب، كما يظهر من ملاحظة نظائره، فإذا ورد: " من صلى ركعتين فله كذا "، وقلنا بقبول الصلاة للنيابة، كانت الصلاة الواقعة من النائب منسوبة إلى المنوب عنه. لاإلى النائب، مثل: من باع أو تزوج أو قبض وغيرها. ونظير المقام باب إحياء الموات، فان قولهم (ع): " من أحيى أرضا مواتا فهي له " (* 2). وإن كان مقتضى الجمود على عبارته تملك من قام به الاحياء، لكن مادل على قبول الاحياء للنيابة يقتضي عمومه للمباشرة والنيابة، لان فعل النائب فعل المنوب عنه، فمن أحيى عن غيره كان غيره المحيى لا المباشر، نظير قوله (ع): " من بنى مسجدا كمفحص قطاة بنى الله له بيتا في الجنة " (* 3)، فان الاثر المذكور يكون له ملك البناء ولو لم يباشر. نعم هنا شئ وهو: أن ملك الحيازة هل يحصل بمجرد نية المباشر عن غيره كما يحصل بعقد الاجارة، أولا؟ فيه إشكال، ومقتضى أصالة عدم ترتب الاثر عدمه. بل العدم مقتضى قاعدة السلطنة على النفس. ومن ذلك يشكل البناء على عموم صحة النيابة ولو تبرعا. والمتحصل مما ذكرنا: أن مقتضى الجمود على ما تحت مفاد الادلة الاولية هو عدم صحة النيابة في أمثال المقام، وأن المحاز ملك للحائز مباشرة. وبعد ملاحظة مادل على قبول ذلك النيابة، والجمع بينه وبين الادلة الاولية، يتعنى البناء على أن المحاز ملك لمالك الحيازة، لامن قامت به


(* 1) الوسائل باب: 38 من أبواب الصيد حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 1 من أبواب كتاب احياء الموات حديث: 5، 6. (* 3) الوسائل باب: 8 من أبواب احكام المساجد حديث: 2، 6.

[ 126 ]

الحيازة، نظير: " من أحيى أرضا " و " من بنى مسجدا ". وهذا الملك تارة: يكون الاجارة، وأخرى: يكون بغيرها من جعالة ونحوها، وقد يكون بالامر بها مجانا، فيجوز المأمور بنية ملك الآمر. أما تبرع الحائز بدون إذن من حاز له فلا أثر له في الملك، لما عرفت من أنه خلاف قاعدة السلطنة. بل قد يشكل حصوله بمجرد الامر بالحيازة مجانا، لعدم الدليل على حصول الملك بمجرد ذلك. وقبول الحيازة للنيابة لا يقتضي ذلك، لان القابلية أعم من الفعلية، فما لم يقم دليل على النفوذ يكون المرجع أصالة عدم ترتب الاثر. اللهم إلا أن يدخل ذلك في الهبة، فيدل على ترتب الاثر مادل على نفوذ الهبة. فتأمل. ثم إنه هل يعتبر في ملك الحائز لما حاز نية التملك، أولا يعتبر ذلك؟ في الشرايع: " قيل: لا. وفيه تردد ". وفي القواعد: " فيه اشكال. وصريح المبسوط في كتاب احياء الموات اعتبارها. قال فيه: لان المحيى إنما يملك بالاحياء إذا قصد تملكه ". وتبعه عليه جماعة، منهم الشهيد في الدروس. وجزم في الجواهر في كتاب إحياء الموات وغيره بعدم الاعتبار، وقال في كتاب الشركة: (يمكن دعوى السيرة، بل الضرورة على خلاف ذلك " (يعني: ما ذكره في المبسوط) وفي مفتاح الكرامة: " الاقرب الاعتبار "، وذكر أنه قد استدل عليه بالاخبار المستفيضة الواردة فيما يكون في جوف السمكة مما يكون في البحر (* 1)، وبالاجماعين الظاهرين من التذكرة والمختلف، المعتضدين بالشهرات. واستدل له في جامع المقاصد بما تكرر في فتوى الاصحاب من أن ما يوجد في جوف السمكة مما يكون في البحر يملكه المشتري ولا يجب دفعه إلى البايع يعني: أنه لو لم تعتبر النية لكان ملكا للبائع لكونه حائزا، ولاوجه


(* 1) الوسائل باب: 10 من أبواب اللقطة.

[ 127 ]

[ من الاسباب القهرية لتملك الحائز (1) ولو قصد الغير، ولازمه عدم صحة الاستئجار لها. أو يعتبر فيها نية التملك، ودائرة مدارها، ولازمه صحة الاجارة، وكون المحوز لنفسه إذا قصد نفسه وإن كان أجيرا للغير، وايضا لازمه عدم حصول الملكية له إذا قصد كونه للغير، من دون ان يكون أجيرا له أو وكيلا عنه، وبقاؤه على الاباحة الا إذا قصد بعد ذلك كونه له بناء على عدم جريان التبرع في حيازة المباحات والسبق إلى المشتركات، وإن كان لا يبعد جريانه. أو أنها من الاسباب القهرية لمن له تلك المنفعة، فان لم يكن أجيرا يكون له، وإن ] لان يكون للمشتري. وفيه: أن الظاهر أن البائع باع تمام ما حازه، وإن كان يعتقد أنه سمكة فقط، فالخطأ يكون في التطبيق لاغير. ثم إن ما ذكره من الفتوى قد تضمنتها جملة من النصوص، ذكرها في الوسائل في كتاب اللقطة، فراجعها. ودلالتها على اعتبار نية التملك غير ظاهرة، وان استدل بها في مفتاح الكرامة. هذا وفي الجواهر قوى اعتبار قصد الحيازة في حصول الملك، فمن حول ترابا أو حجرا عن طريق بقصد التمكن من العبور عنه لا يملكه. وكأنه لانصراف الادلة عن مثل ذلك وهو غير بعيد، ولاسيما مع موافقته للسيرة. وأظهر منه صورة ما إذا لم يتحقق القصد أصلا، كما في حيازة النائم ونحوه. (1) الظاهر من العبارة - بقرينة ما يأتي من قوله: " أو أنها من الاسباب القهرية... " - أن المراد من كونها من الاسباب القهرية: أنها توجب تملك المباشر، الذي هو الوجه الاول من الوجوه التي ذكرناها في الحاشية السابقة. لكن هذا المبنى لا يترتب عليه شئ من الاحتمالين السابقين، إذ الاحتمال الثاني - وهو كون المحاز للمستأجر - لاوجه لترتبه

[ 128 ]

[ قصد الغير فضولا فيملك بمجرد قصد الحيازة، وإن كان أجيرا للغير يكون لذلك الغير قهرا، وإن قصد نفسه أو قصد غير ذلك الغير (1). والظاهر عدم كونها من الاسباب القهرية مطلقا، فالوجه الاول غير صحيح، ويبقى الاشكال في ترجيح أحد الاخيرين، ولابد من التأمل (2). (مسألة 7): يجوز استئجار المرأة للارضاع (3)، بل للرضاع بمعنى: ] عليه. وأما الاحتمال الاول: فهو وإن كان يترتب في الجملة، لكن من بعض آثار ذلك الاحتمال أن يكون ضامنا للمستأحر، ولاوجه لترتبه على هذا المبنى، لان لازم المبنى - كما ذكر - عدم صحة الاجارة، فلا وجه لضمان المستأجر. وأيضا لازم هذا المبنى تملك الحائز المحاز مطلقا قصد نفسه أو غيره. وأيضا فان القول بأن المحاز ملك للمستأجر لا يترتب على شئ من المبنيين. وبالجملة: ابتناء القولين السابقين على المبنيين المذكورين غير ظاهر. (1) لما عرفت من أنه لاسلطنة له على ذلك القصد، لانه تصرف في ملك الغير فلا يؤثر شيئا. هذا إذا كانت الاجارة واقعة على المنفعة الخارجية، ولو كانت على ما في الذمة يكون المدار على قصده، إذ لامانع عن تأثيره. (2) قد عرفت في الحاشية السابقة ترجيح الاخير. الذي هو الوجه الثاني مما ذكرناه من الوجوه الثلاثة. (3) بلا اشكال ظاهر. وهو المتيقن من معقد الاجماع على الجواز في المسألة. وتقتضيه عمومات الصحة، لان الارضاع من المنافع ذات المالية التي يبذل المال بازائها عند العقلاء. والقرآن المجيد شاهد بذلك،

[ 129 ]

[ الانتفاع بلبنها (1) وإن لم يكن منها فعل مدة معينة. ولابد من مشاهدة الصبي الذي استؤجرت لارضاعه، لاختلاف الصبيان. ويكفي وصفه على وجه يرتفع الغرر. وكذا لابد من تعيين المرضعة شخصا أو وصفا على وجه يرتفع الغرر. نعم لو استؤجرت على وجه يستحق منافعها أجمع التي منها الرضاع، لا يعتبر حينئذ مشاهدة الصبي أو وصفه (2). وان اختلفت الاغراض بالنسبة إلى مكان الارضاع - لاختلافه من حيث السهولة والصعوبة والوثاقة وعدمها - لابد من تعيينه أيضا. ] لقوله تعالى: " فان أرضعن لكم فآتوهم أجورهن " (* 1)، فلا مانع من أخذ العوض بازائه. وأما الاجارة للرضاع: فالقول بجوازها محمي عن جماعة. وهو ظاهر الشرائع وغيرها مما عبر فيه بجواز الاستئجار للرضاع. لكنه مشكل كما أشار إلى وجهه غير واحد، منهم جامع المقاصد، لان الاجارة مشروعة لنقل المنافع لا الاعيان، واللبن من الثانية. بل يظهر من محكي التذكرة: الاجماع عليه الفساد فيه، وأنه يتم على قول المخالفين من أن الاجارة قد تكون لنقل الاعيان. اللهم الا أن يقال: إن الارتضاع من المرأة من قبيل المعنى مقابل اللبن، يمكن تمليكه بالاجارة. (1) كان اللازم أن يقيده بقوله: " على نحو الارتضاع " لتكون إجارة المرأة كاجارة الدار، لتستوفي منافعها، في مقابل الاجارة للارضاع التي هي من قبيل إجارة العامل. وأما الانتفاع باللبن فهو انتفاع بالعين، لا تصح الاجارة بلحاظه كما عرفت. وسيأتي في المسألة الثانية عشرة. (2) كما نص على ذلك في الجواهر. وكأنه لعدم كونه موضوعا


(* 1) الطلآق: 6.

[ 130 ]

[ (مسألة 8): إذا كانت الامرأة المستأجرة مزوجة، لا يعتبر في صحة استئجارها إذنه (1)، ما لم يناف ذلك لحق استمتاعه، لان اللبن ليس له (2)، فيجوز لها الارضاع من غير رضاه. ولذا يجوز لها أخذ الاجرة من الزوج على إرضاعها لولده (3)، سواء كان منها أو من غيرها. نعم لو نافى ذلك حقه لم يجز الا باذنه، ولو كان غائبا فأجرت نفسها للارضاع فحضر في أثناء المدة وكان على وجه ينافي حقه، انفسخت ] للاجارة، كما لو استأجر الدابة بجميع منافعها، فانه لا يعتبر في صحتها ذكر الحمل فضلا عن مقداره، لان الغرر مرتفع بذكر المدة، والمرجع في كيفية الانتفاع هو المتعارف. ومن ذلك يظهر أنه إذا استأجر الدابة للحمل والمرأة للارضاع، لم يحتج إلى تعيين الحمل أو المرتضع، لان التعارف كاف في رفع الغرر، بخلاف مالو استأجر الدابة لحمل شئ معين، أو المرأة لارضاع طفل معين، لان خصوصية المنفعة لما كانت يختلف الغرض والقيمة باختلافها، كان الجهل بها موجاب للغرر. فعدم الحاجة إلى تعيين الصبي لا يختص بصورة اجارتها بلحاظ جميع المنافع، فانه إذا استأجرها لخصوص الارضاع لا يحتاج أيضا إلى تعيين الصبي. (1) عن المبسوط والخلاف والسرائر: اعتبار ذلك. وحكي عن الشرائع والجامع، لانه لادليل على لاصحة بدونه، ولان الزوج مالك لمنافعها، وكلا الامرين كما ترى. (2) وكذا الارضاع والارتضاع. (3) عن الشيخ في المبسوط: المنع عن ذلك، وحكي عن جماعة من أهل الخلاف، لانها قد أخذت عوضا في مقابل الاستمتاع، وآخر في مقابل التمكين والحبس، فلا تأخذ عوضا آخر. وهو كما ترى.

[ 131 ]

[ الاجارة بالنسبة إلى بقية المدة. (مسألة 9): لو كانت الامرأة خلية فأجرت نفسها للارضاع أو غيره من الاعمال، ثم تزوجت، قدم حق المستأجر على حق الزوج في صورة المعارضة، حتى أنه إذا كان وطؤه لها مضرا بالولد منع منه (1). (مسألة 10): يجوز للمولى إجبار أمته على الارضاع (2) إجارة وتبرعا، قنة كانت أو مدبرة أو أم ولد. وأما المكاتبة المطلقة: فلا يجوز له إجبارها (3). بل وكذا المشروطة. كما لا يجوز في المبعضة (4). ولافرق بين كونها ذات ولد يحتاج إلى اللبن أولا، لامكان إرضاعه من لبن غيرها. (مسألة 11): لافرق في المرتضع بين أن يكون معينا أو كليا، ولا في المستأجر بين تعيين مباشرتها للارضاع أو جعله في ذمتها، فلو مات الصبي في صورة التعيين أو الامرأة في صورة تعيين المباشرة انفسخت الاجارة. بخلاف مالو كان الولد كليا أو جعل في ذمتها، فانه لا تبطل بموته أو موتها إلا مع تعذر الغير من صبي أو مرضعة. ] (1) في القواعد: " للزوج الوطئ وإن لم يرض المستأجر ". وكأنه منزل على صورة عدم الضرر. (2) لانه مملوك لتعبا لملك الامة، فلا يجوز التصرف فيه بغير إذنه. (3) لخروجها عن سلطنته، للاجماع عى انقطاع سلطنة المولى عن مال المكاتب بغير الاستيفاء، من غير فرق بين المكاتب المطلق والمشروط. (4) للاشتراك بينه وبينها.

[ 132 ]

[ (مسألة 12): يجوز استئجار الشاة للبنها (1)، والاشجار للانتفاع باثمارها (2)، والآبار للاستقاء (3)، ونحو ذلك. ولا يضر كون الانتفاع فيها باتلاف الاعيان، لان المناط في المنفعة هو العرف، وعندهم يعد اللبن منفعة للشاة، والثمر منفعة للشجر، وهكذا. ولذا قلنا بصحة استئجار المرأة للرضاع، وإن لم يكن منها فعل (4)، بأن انتفع بلبنها، في حال نومها، أو بوضع الولد في حجرها وجعل ثديها في ] (1) المشهور في الشاة - كما قيل -: المنع. وعن بعض: الجواز، اعتمادا على مصححة ابن سنان: " عن رجل يدفع إلى رجل غنمه بسمن ودراهم معلومة، لكل شاة كذا وكذا في كل شهر. قال (ع): لا بأس بالدراهم، أما السمن فلا أحب ذلك، إلا أن تكون حوالب فلا بأس " (* 1) ونحوها رواية الحلبي (* 2). لكنهما غير ظاهرتين في الاجارة. فالمرجع القواعد المقتضية للمنع. (2) قيل: لا خلاف ظاهرا فلي فساد الاجارة. ويقتضيه ما تقدم في الاستئجار للرضاع. (3) عن موضع من التذكرة وعن الايضاح: القول بالجواز، بدعوى أن الملحوظ في الاجارة منفعة البئر، وإن أدى استيفاؤها إلى اتلاف العين. وفيه: أنه لا يظهر للبئر منفعة غير الانتفاع باتلاف مائها، ولذا كان المختار للقواعد وموضع من التذكرة وعن جامع المقاصد: المنع. وهو في محله كما يأتي. (4) قد عرفت إشكاله في شرح المسألة السابقة، وأن الارتضاع من


(* 1) الوسائل باب: 9 من ابواب البيع وشروطه حديث: 4. (* 2) الوسائل باب: 9 من ابواب عقد البيع وشروطه حديث: 1.

[ 133 ]

[ فم الولد من دون مباشرتها لذلك. فما عن بعض العلماء من إشكال الاجارة في المذكورات، لان الانتفاع فيها باتلاف الاعيان، وهو خلاف وضع الاجارة، لا وجه له (1). ] المرأة نحو منفعة لها خصوصية زائدة على الانتفاع باللبن، فان انتفاع الطفل باللبن حين ما يوضع في كأس ويشرب غير انتفاعه به حين مايشرب بنحو الارتضاع، ولذا كان الاول غير محرم والثاني محرما للنكاح. وكأن ما ذكرناه في كتاب (نهج الفقاهة) من عدم صحة إجارة المرأة للرضاع، ناشئ عن غض النظر عن ذلك، كما قد يتفق كون المقصود مجرد الانتفاع باللبن ولو بالشرب من كأس لا خصوص الارتضاع من الثدي. (1) بل له وجه ظاهر، لان الاجارة عرفا - كما عرفت في أول الكتاب - وإن كانت واقعة على العين، لكن في حاقها المعاوضة على المنفعة، فتكون الاجرة في مقابل المنفعة، واللبن والماء والثمر في الموارد المذكورة أعيان لا منافع، فلا تكون المعاوضة عليها من قبيل الاجارة. ودعوى: أنها وإن كانت أعيانا لكنها بالاضافة إلى الاعيان التي وقعت عليها الاجارة منافع، فان منفعة الشاة لبنها، ومنفعة الشجرة ثمرها، ومنفعة البئر ماؤها، فالامور المذكورة أعيان في أنفسها ومنافع لغيرها، فلا مانع من ايقاع الاجارة على أصلها بلحاظها. مندفعة: بأن المنفعة الملحوظة في المعاوضة في الاجارة يراد بها ما هو مقابل العين، فانهم ذكروا: أن البيع تمليك الاعيان، والاجارة تمليك المنافع، فالمنافع يراد بها ما يقابل العين، فلا تنطبق على العين، والا لجازت إجارة الشاة بلحاظ سخلها، والجارية بلحاظ ولدها، والبذر بلحاظ الزرع. وكذا في جميع موارد التوالد. فيكون الفرق بين البيع والاجارة: أن البيع يقع على ما هو مقصود بنفسه في المعاوضة، والاجارة

[ 134 ]

[ (مسألة 13): لا يجوز الاجارة لاتيان الواجبات العينية (1)، كالصلوات الخمس، والكفائية كتغسيل الاموات وتكفينهم والصلاة عليهم، وكتعليم القدر الواجب من أصول الدين وفروعه، والقدر الواجب من تعليم القرآن، كالحمد وسورة منه، وكالقضاء والفتوى، ونحو ذلك. ولايجوز الاجارة على الاذان (2). نعم لا بأس بارتزاق القاضي، والمفتي والمؤذن من بيت المال. ويجوز الاجارة لتعليم الفقه والحديث والعلوم الادبية وتعليم القرآن (3)، ما عدا المقدار الواجب، ونحو ذلك. ] تقع على ما هو مقصود لغيره فيها وإن كان عينا، ويكون باب بيع الثمار من قبيل إجارة الاشجار، فيناسب ذكره في باب الاجارة. ولاجل ما ذكرنا صح أن يضاف الاجر إلى ذي المنفعة، فيقال: أجر الاجير، وأجرة الدار، وأمثال ذلك، لكون المنفعة قائمة بالعين المستأجرة. ولو كانت المنفعة عينا لم يحسن ذلك. ومثلها دعوى: أن المنفعة الملحوظة في اجارة الشجر ليست الثمر بل الانتفاع بالثمر، وهو من قبيل المعنى لا العين. وجه الاندفاع: أن الانتفاع بالثمرة ليس منفعة للشجر، بل للثمر نفسه، فلا يرتبط باجارة الشجر. (1) قد تكرر التعرض لذلك في هذا الشرح، وقد تقدم في مبحث القراءة في الصلاة الوجوه المستدل بها على المنع، والمناقشة فيها، وأن العمدة في دعوى المنع: اليقين بوجوب حصولها مجانا. فراجع. (2) تقدم الكلام فيه في مبحث الاذان، فراجع. (3) تقتضي ذلك عمومات الصحة، بعد أن كان التعليم موضوع الاغراض العقلائية، بل هو من أفضلها.

[ 135 ]

[ (مسألة 14): يجوز الاجارة لكنس المسجد والمشهد وفرشها، وإشعال السراج، ونحو ذلك (1). (مسألة 15): يجوز الاجارة لحفظ المتاع أو الدار أو البستان مدة معينة عن السرقة والاتلاف، واشتراط الضمان لو حصلت السرقة أو الاتلاف ولو من غير تقصير (2)، فلا بأس بما هو المتداول من اشتراط الضمان على الناطور إذا ضاع مال ] (1) لما عرفت، فلا يكون أكل الاجرة أكلا للمال بالباطل. (2) يعني: شرط نفس الضمان على نحو يكون من شرط النتيجة. وقيل بعدم صحة ذلك، فلا يصح إلا إذا كان بنحو شرط الفعل يعني: تدارك الخسارة، بناء على عدم ضمان الامين، فانه إذا كان الشرط بنحو شرط النتيجة، يكون الشرط مخالفا للكتاب فيبطل. وما في خبر إسحاق. ابن عمار (* 1) من ضمان الاجير إذا كان أجيرا على الحفظ محمول على صورة اشتراط تدارك الخسارة، لا الضمان بمعنى النتيجة كما هو ظاهره عند الاطلاق، إذ بعد عدم إمكان الاخذ باطلاقه لمخالفته للاجماع، لا يتعين حمله على صورة اشتراط الضمان بمعنى النتيجة، بل من الجائز حمله على صورة اشتراط الضمان بمعنى شرط الفعل، بل هو المتعين، لان الاول شرط مخالف للكتاب. هذا وقد تقدم في فصل: أن العين المستأجرة أمانة، الكلام في ذلك. وأن قاعدة عدم ضمان الامين لا تقتضي كون شرط الضمان بمعنى النتيجة مخالفا للكتاب. والعمدة في المنع: كون شرط النتيجة في نفسه غير معقول. فراجع.


(* 1) لعل المقصود به ما في الوسائل باب: 28 من أبواب احكام الاجارة حديث: 3.

[ 136 ]

[ لكن لابد من تعيين العمل والمدة والاجرة على شرائط الاجارة. (مسألة 16): لا يجوز استئجار اثنين للصلاة عن ميت واحد في وقت واحد (1)، لمنافاته للترتيب المعتبر في القضاء بخلاف الصوم فانه لا يعتبر فيه الترتيب. وكذا لا يجوز استئجار شخص واحد لنيابة الحج الواجب عن اثنين، ويجوز ذلك في الحج المندوب (2). وكذا في الزيارات (3) كما يجوز النيابة ] (1) نص على ذلك غير واحد، لما ذكره المصنف (ره) من منافاته للترتيب المعتبر في القضاء. فمن لا يقول باعتبار في القضاء لامانع عنده من ذلك. (2) في صحيح ابن اسماعيل: " سألت أبا الحسن (ع) كم أشرك في حجتي؟ قال (ع): كم شئت " (* 1). وفي صحيح معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (ع): " قلت له: أشرك أبوي في حجتي؟ قال (ع): نعم. قلت أشرك أخوتي في حجتي؟. قال (ع): نعم، إن الله عزوجل جاعل لك حجا ولك أجر لصلتك إياهم " (* 2). ونحوهما غيرهما. فإذا ثبتت مشروعيته جازت الاجارة عليه. (3) في رواية إبراهيم الحضرمي عن أبي الحسن موسى بن جعفر (ع): " فإذا أتيت قبر النبي صلى الله عليه وآله فقضيت ما يجب عليك، فصل ركعتين، ثم قف عند رأس النبي صلى الله عليه وآله، ثم قل السلام عليك يا نبي الله، عن أبي وأمي وولدي وخاصتي وجميع أهل بلدي، حرهم وعبدهم، وأبيضهم وأسودهم، فلا تشاء أن تقول للرجل: قد أقرأت رسول الله صلى الله عليه وآله عنك السلام إلا كنت صادقا " (* 3).


(* 1) الوسائل باب: 28 من أبواب النيابة في الحج حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 28 من أبواب النيابة في الحج حديث: 2. (* 3) الوسائل باب: 30 من أبواب النيابة في الحج حديث: 1.

[ 137 ]

[ عن المتعدد تبرعا في الحج والزيارات (1). ويجوز الاتيان بها لا بعنوان النيابة بل بقصد إهداء الثواب لواحد أو متعدد (2) (مسألة 17): لا يجوز الاجارة للنيابة عن الحي في الصلاة ولو في الصلوات المستحبة (3). نعم يجوز ذلك في الزيارات والحج والمندوب. وإتيان صلاة الزيارة ليس بعنوان ] (1) كما هو مورد النصوص المتقدمة. (2) قد تقدم في صلاة الاستيجار ذكر بعض ما يدل على إهداء الثواب، ولعل منه ما في مرسل الفقيه: " قال رجل للصادق (ع): جعلت فداك إني كنت نويت أن أدخل في حجتي العام أبي أو بعض أهلي فنسيت. فقال (ع): الآن فاشركهما " (* 1). ونحوه خبر الحارث بن المغيرة (* 2). فان الظاهر من الاشراك بعد العمل الاشراك في الثواب، كما فهمه منه في الوسائل. ثم إن المصنف (ره) سيتعرض للاجارة على إهداء الثواب في المسألة الحادية والعشرين. (3) يدل على الجواز رواية محمد بن مروان: " ما يمنع الرجل منكم أن يبر والديه حيين وميتين، ويصلي عنهما، ويتصدق عنهما، ويحج عنهما، ويصوم عنهما، فيكون الذي صنع لهما وله مثل ذلك... " (* 3)، وفي رواية علي بن أبي حمزة: " قلت لابي ابراهيم (ع): أحج وأصلي وأتصدق عن الاحياء والاموات من قرابتي وأصحابي؟. قال (ع): نعم تصدق عنه، وصل عنه، ولك أجر بصلتك إياه ". (* 4) لكن في الوسائل بعد ذكر الخبر


(* 1) الوسائل باب: 29 من أبواب النيابة في الحج حديث: 2. (* 2) الوسائل باب: 29 من أبواب النيابة في الحج حديث: 1. (* 3) الوسائل باب: 12 من أبواب قضاء الصلاة حديث: 1. (* 4) الوسائل باب: 12 من أبواب قضاء الصلاة حديث: 9.

[ 138 ]

[ النيابة بل من باب سببية الزيارة، لاستحباب الصلاة بعدها ركعتين (1). ] الاول قال: " أقول: الصلاة عن الحي مخصوص بصلاة الطواف والزيارة لما يأتي ". وكأنه يشير إلى ما ذكره من خبر عبد الله بن جندب: " كتبت إلى أبي الحسن (ع): أسأله عن الرجل يريد أن يجعل أعماله في البر والصلة والخير أثلاثا، ثلثا له وثلثين لابويه أو يفردهما بشئ مما يتطوع به. وإن كان أحدهما حيا والآخر ميتا. فكتب الي: أما الميت: فحسن جائز، وأما الحي: فلا إلا البر والصلة " (* 1). بناء على ما في بعض النسخ من كون " الصلاة " بدل " الصلة "، كما هو الصحيح حسب ما يظهر من كلام ابن طاووس في ذيل الحديث المذكور. وفيه: أن مورد الحديث التشريك للحي في الصلاة، فلا يدل على المنع من إفراده بالنيابة عنه، إذ لعل للتشريك خصوصية، كما قد ورد ذلك في خبر علي بن جعفر عليه السلام عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام: " سألته عن رجل جعل ثلث حجته لميت وثلثيها لحي. فقال عليه السلام: للميت ذلك وللحي فلا " (* 2)، مع ورود النص في جواز التبرع بالحج عن الحي. ولذلك قال السيد ابن طاووس - بعد ذكر خبر عبد الله بن جندب -: " لايراد بهذه الصلاة المندوبة، لان الظاهر جوازها عن الاحياء في الزيارات والحج وغيرهما ". فالظاهر جواز النيابة عن الحي في الصلاة المندوبة كغيرها، كما هو ظاهر شيخنا الاعظم (ره) في رسالة القضاء. (1) الذي يظهر من النصوص: أن النيابة في الصلاة على نحو


(* 1) الوسائل باب: 12 من ابواب قضاء الصلاة حديث: 16. (* 2) الوسائل باب: 25 من أبواب النيابة في الحج حديث: 9.

[ 139 ]

[ ويحتمل جواز قصد النيابة فيها لانها تابعة للزيارة (1). والاحوط إتيانها بقصد ما في الواقع. (مسألة 18): إذا عمل للغير لا بأمره ولا إذنه، لا يستحق عليه العوض (2) وإن كان بتخيل أنه مأجور عليه فبان خلافه. (مسألة 19): إذا أمر باتيان عمل فعمل المأمور ذلك فان كان بقصد التبرع لا يستحق عليه أجرة وإن كان من قصد الآمر إعطاء الاجرة (3)، وإن قصد الاجرة وكان ذلك العمل مما له أجرة استحق وان كان من قصد الآمر إتيانه تبرعا (4)، سواء كان العامل ممن شأنه أخذ الاجرة ومعدا نفسه لذلك أو لا بل وكذلك ان لم يقصد التبرع ولا أخذ الاجرة، فان عمل المسلم محترم. ولو تنازعا بعد ذلك في أنه قصد التبرع أو لا، ] النيابة في الزيارة، لاأن الصلاة عن نفسه والزيارة عن غيره. (1) كما عرفت أنه ظاهر النصوص. (2) بلا خلاف ظاهر، للاصل، وعدم ثبوت سبب الضمان من عقد أو يد أو اتلاف. نعم بناء على أنه يكفي في كون العمل تحت اليد رجوع فائدته إليه يكون القول بالضمان في محله. لكنه غير ثابت. وقاعدة احترام عمل المسلم كماله غير ثابتة كلية بنحو تستتبع الضمان عن المعمول له كما لا يخفى. (3) بلا خلاف ظاهر، فانه إباحة منه لعمله تمنع عن ضمانه واحترامه كاباحة ماله. (4) على المشهور شهرة عظيمة، بل لم يحك الخلاف فيه. نعم

[ 140 ]

[ قدم قول العامل، لاصالة عدم قصد التبرع بعد كون عمل المسلم محترما، بل اقتضاء احترام عمل المسلم ذلك وإن أغمضنا ] ظاهر ما في الشرائع في كتاب الجعالة من قوله: " لو استدعى الرد ولم يبذل الاجرة لم يكن للراد شئ، لانه متبرع بالعمل " خلافه في ذلك، مع بنائه في كتاب الاجارة على الاستحقاق إذا دفع إلى العامل شيئا ليعمل فيه، إذا كان من عادة العامل أن يستأجر لذلك - كالغسال والصباغ - أو كان العمل مما له اجرة. وكيف كان: فلا خلاف محقق في الضمان. وفي مجمع البرهان: " يحتمل أن يكون مجمعا عليه ". نعم الاشكال في مستنده، إذ الضمان إما بالعقد أو باليد أو بالاتلاف، والجميع هنا محل الاشكال، فانه لاعقد صحيح في البين، لا أجارة ولا جعالة، للجهل بالاجرة والجعل. ولو سلم ثبوتها فاسدتين ليترتب عليه الضمان بقاعدة: " ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده "، فغير مطرد في صورة قصد الآمر التبرع كما فرض في المتن. وإن كان باليد فغير ظاهر أيضا، لان قاعدة: (على اليد) لو شملت المنافع اختصت بما لو كان ذو المنفعة تحت اليد، لتكون المنفعة تحت اليد تبعا، وهو لايتم في عمل الحر كما عرفت في أول الكتاب. فتأمل. وإن كان بالاتلاف فأشكل، لان سببية العامل فيه أقوى من الآمر، لانه المباشر، كما لو أمره باتلاف مال الغير وأكل طعامه، فان المتلف هو الضامن لا الآمر. والذي ذكره في المسالك وغيرها: أن الموجب للضمان استيفاء المنفعة ذات المالية. لكن سببية ذلك للضمان أيضا محتاجة إلى دليل. وفي الجواهر: الاستدلال له بقاعدة احترام عمل المسلم كماله. كما أشار إليه في المتن وجملة من كتب الاصحاب. لكن عرفت سابقا: أن كون عمل المسلم محترما

[ 141 ]

كماله لا يكفي في ثبوت ضمانه. وعموم مادل على احترام دم المسلم وماله (* 1) ظاهر في الحرمة التكليفية، بمعنى: أنه لا يجبر المسلم على العمل ولا يقهر عليه، ويكون ذلك حراما، لا أنه يكون مضمونا، ولو سلم فهو أعم من ضمان الآمر وغيره. وقد يدعى: أنه وجه الضمان أن الامر بالعمل نظير الاباحة بالضمان والتمليك بالضمان، فانه استعمال بالضمان نافذ شرعا كغيره. ويشكل بأنه لو سلم ذلك لم يجد مع قصد الآمر المجانية، وسيشير إلى ذلك المصنف (ره) في المسألة الخامسة والعشرين. وكأنه لذلك استشكل في مفتاح الكرامة في الضمان حيث قال: " لولا اتفاق من تعرض لهذا الفرع على ثبوت الاجرة عند اجتماع الامرين (يعني: كون العمل ذا أجرة، وكون العامل معتادا في أخذ الاجرة) إلا من قل ممن لا نعرفه لكان احتمال عدم الاجرة مطلقا قويا، إذ لعله لا يقصر عن قوله: أعطني ما في يدك، وأطعمني طعامك، وأدعني ديني، ولم يقل: وعلي عوضه، عند جماعة ونحو ذلك مما لا ضمان فيه، لانه مما يحتمل أن يكون بعوض وأن يكون بدونه، والاصل براءة ذمته من لزومه. ولعل الذي دعاهم إلى ذلك استمرار السيرة، ولكنها غير مستمرة فيما إذا لم يكن له عادة... ". أقول: قد ظهر لك: أن موضع الاشكال صورة قصد الآمر التبرع، إذ مع قصده الاجرة يمكن أن يكون الضمان من جهة كون المورد إجارة أو جعالة فاسدتين، وهما يقتضيان الضمان كالصحيحتين، أو أن تكون معاملة مستقلة، أعني: الاستعمال بشرط الضمان، فلا وجه للرجوع إلى أصالة البراءة. أما إذا قصد الآمر التبرع، فلا مجال لذلك. والضمان باليد والاتلاف قد عرفت إشكاله، لكن التفصيل بين الصورتين خلاف


(* 1) الوسائل باب: 152 من أبواب احكام العشرة حديث: 12.

[ 142 ]

[ عن جريان أصالة عدم التبرع (1). ولا فرق في ذلك بين ] ارتكاز العرف والمتشرعة، والمناط الموجب للضمان عندهم موجود في الصورتين على حد واحد، وهو استيفاء العمل غير المباح من العامل، كما أشار إليه في المسالك وغيرها. فإذا لا يبعد البناء على الضمان، لبناء العرف والمتشرعة عليه، وعدهم لاستباحة العمل ظلما وعدوانا. والمناط في حصول الاستيفاء الموجب للضمان، أن يكون بعث وتحريض للعامل، ولافرق في البعث بين أن يكون بالقول كالامر، وأن يكون بالفعل كأن يدفع إلى الخياط الثوب ليخبطه، أو الغسال ليغسله، أو يجلس بين يدي الحلاق أو الدلاك فيحلق رأسه أو يدلك بدنه، كما صرح به في جامع المقاصد، فان ذلك بمنزلة الامر في حصول الاستيفاء المقتضي للضمان. هذا والظاهر أن الاجرة التي يضمن بها العمل: هي أجرة المثل كما صرح به جماعة. وما في كلام جماعة آخرين من أنها الاجرة المسماة لمثل ذلك العمل قرينة على تواطئهما عليها، فتكون جعالة صحيحة لتعين الجعل. لكن ذلك إن تم يختص بصورة علم الآمر، لامع جهل. كما أنه يمكن أن يكون المقام من باب الاجارة الصحيحة، بأن يكون غرض الآمر توكيل العامل في تعيين الاجرة، كما يتعارف ذلك في الشراء من مخازن البقالين والبزازين وغيرهم، من دون تواطؤ على أجرة معينة، فلابد أن يكون مقصود المشتري توكيل البائع من بقال أو بزاز أو غيرهما في تعيين الثمن، فيكون البيع صحيحا، لانه يكفي في معرفة العوضين المعتبرة في البيع معرفة الوكيل. وكذا في المقام. لكنه يختص التوكيل بالمتعارف وهي أجرة المثل، فلا يكون الضمان بالمسمى. وكذا في البيع. وبالجملة: الضمان بالمسمى غير ظاهر، إلا أن يكون مفاد الامر التوكيل المطلق. (1) كأنه مبني على التمسك بالعام في الشبهة المصداقية.

[ 143 ]

[ أن يكون العامل ممن شأنه وشغله اخذ الاجرة وغيره، إلا أن يكون هناك انصراف أو قرينة على كونه بقصد التبرع، أو على اشتراطه. (مسألة 20): كل ما يمكن الانتفاع به منفعة محللة مقصودة للعقلاء مع بقاء عينه يجوز إجارته. وكذا كل عمل محلل مقصود للعقلاء - عدا ما استثني - يجوز الاجارة عليه، ولو كان تعلق القصد والغرض به نادرا لكن في صورة تحقق ذلك النادر (1). بل الامر في باب المعاوضات الواقعة على الاعيان ايضا كذلك. فمثل حبة الحنطة لا يجوز بيعها، لكن إذا حصل مورد يكون متعلقا لغرض العقلاء ويبذلون المال في قبالها يجوز بيعها. (مسألة 21): في الاستئجار للحج المستحبي أو الزيارة لا يشترط أن يكون الاتيان بها بقصد النيابة، بل يجوز أن يستأجره لاتيانها بقصد إهداء الثواب إلى المستأجر أو إلى ميته (2) ويجوز أن يكون لا بعنوان النيابة ولا إهداء الثواب، بل يكون المقصود ايجادها في الخارج من حيث أنها من الاعمال الراجحة فيأتي بها لنفسه أو لمن يريد نيابة أو إهداء. ] (1) إذا كان الغرض النادر عاما، وكان العمل عزيز الوجود. وكذا الحال في الاعيان. فإذا كان الغرض خاصا أو كان كثير الوجود لا يكون ذا مالية، ولايجوز بذل المال بازائه، لانه أكل للمال بالباطل. (2) قد يشكل ذلك لعدم إحراز الموضوع، لاحتمال كون العمل مقرونا بما يمنع من تحقق الثواب. والاجارة على الاهداء على تقدير وجود

[ 144 ]

[ (مسألة 22): في كون ما يتوقف عليه استيفاء المنفعة - كالمداد الكتابة، والابرة والخيط للخياطة مثلا - على المؤجر أو المستأجر قولان (1). والاقوى وجوب التعيين، إلا إذا كان هناك عادة ينصرف إليها الاطلاق، وإن كان القول بكونه مع عدم التعيين وعدم العادة على المستأجر لا يخلو عن وجه ] الثواب كما ترى، لا يخرج عن كونه مشكوكا ومع الجهل بثبوت العوض لا تصح الاجارة، مضافا إلى أن المالية في الثواب، لافي إهداء الثواب، فلا يكون طرفا للمعاوضة. اللهم إلا أن يقال: إنه يكفي في صلاحيته للعوضية كونه موصلا إلى المال، نظير الاجارة على البيع، كما يتعارف عند الدلالين في البيع أو الاجارة أو نحوهما. (1) في الشرائع وعن السرائر والتحرير والارشاد: أنها على المؤجر واختاره في الجواهر، لتوقف العمل المستأجر عليه على ذلك، فيجب من باب المقدمة. وعن المسالك والروضة وغيرهما: أنها على المستأجر، إلا أن تكون العادة على المؤجر، لان المقصود من الاجارة العمل، أما الاعيان فلا تدخل في مفهوم الاجارة على وجه يجب أداؤها لاجلها، إلا في شواذ تثبت على خلاف الاصل، كالرضاع والاستحمام. ورده في الجواهر بأن عدم دخولها في مفهوم الاجارة لا ينافي وجوبها للمقدمية للواجب، الذي الاصل فيه أن يكون واجبا مطلقا لا مشروطا. وعن مجمع البرهان: وجوب التعيين. وكأنه لاجمال المستأجر عليه من حيث الاطلاق والاشتراط ورده في الجواهر: بأنها من التوابع، وليست من مورد الاجارة الذي يعتبر فيه المعلومية. وفيه: أن الاجمال في مورد الاجارة من حيث الاطلاق والاشتراط كما عرفت، لافي التوابع. هذا ولاجل ما ذكره في الجواهر، من أصالة الاطلاق في العمل،

[ 145 ]

[ أيضا، لان اللازم على المؤجر ليس الا العمل (1). ] تعرف أنه لا إجمال كي يحتاج إلى التعيين، فيكون الاقوى أنها على المؤجر لا المستأجر، إلا أن تكون قرينة على خلاف الاطلاق، فيتعين العمل عليها. ولو أجمل المراد لوجود ما يصلح القرينية وجب التعيين، وإلا بطلت الاجارة. هذا ولكن قد يشكل ما في الجواهر: بأن إطلاق الوجوب يقتضي وجوب المقدمة، أما أنها على وجه تكون ملكا للمستأجر فليس مما يقتضيه الاطلاق. وبالجملة: إطلاق الوجوب يقتضي المبادرة إلى العمل، ولا يقتضي تمليك الخيوط - مثلا - للمستأجر. وقاعدة السلطنة تقتضي بقاءها على ملك الاجير، وحينئذ يجب دفع بدلها إلى الاجير. وهذا المعنى وإن كان مخالفا للقول بأنها على المستأجر، وللقول بأنها على الاجير، لا بأس بالالتزام به إذا كان مقتضى الدليل. ولكن هذا يختص بما إذا كان إطلاق للعمل المستأجر عليه، أما إذا لم يكن لعدم تمامية مقدمات الحكمة، فالعقد باطل، لاجمال موضوعه وإهماله، المانع ذلك من صحته، إذ المهمل لا يمكن انطباقه على كل من الواجد للقيد والفاقد. من الافراد الخارجية والفرضية. ومن ذلك يظهر: أن قول المصنف (ره): " والاقوى وجوب التعيين " مبني على إهمال العمل وعدم إطلاقه، فانه مع الاطلاق لا موجب للتعيين، بل يؤخذ بمقتضى الاطلاق. كما أن مما ذكرنا يظهر الفرق بين مثل الابرة، وبين مثل الخيوط والحبر ونحوهما مما لا تبقى عينه بيد المؤجر، فان الرجوع على المستأجر يختص به، ولا يجري في مثل الابرة ونحوها. وهذا فرق آخر بين هذا القول والقولين الآخرين، فلاحظ. (1) لكن عرفت أنه إذا وجب العمل وجبت مقدماته، ولكن لا يجب بذلها مجانا.

[ 146 ]

[ (مسألة 23): يجوز الجمع بين الاجارة والبيع - مثلا - بعقد واحد (1)، كأن يقول: بعتك داري وآجرتك حماري ] (1) قال في الشرايع - في ذيل مسألة بيع الصاع من صبرة -: " لو جمع بين شيئين مختلفين في عقد واحد - كبيع وسلف، أو إجارة وبيع، أو نكاح وإجارة - صح، ويقسط العوض على قيمة المبيع، وأجرة المثل، ومهر المثل ". وفي المسالك: " لا خلاف عندنا في ذلك كله ". وفي الجواهر: " بلا خلاف أجده فيه ". ولكن قد يشكل ذلك من جهة عدم معلومية الثمن ولا الاجرة، للجهل بالنسبة. وجواز ذلك في بيع الصفقة أو إجارة الصفقة لا يقتضي الجواز هنا، لاجل أن الثمن أو الاجرة هناك معلوم، وإن كان ما يقابل كل واحد من أبعاض المبيع أو المستأجر مجهولا، وهنا كل من الثمن والاجرة مجهول. اللهم إلا أن يقال: إن العمدة في دليل المنع مع الجهل هو الاجماع، وهو منتف في المقام. وفي الجواهر: حكى عن الاردبيلي التأمل في الصحة، لما سبق، وللشك في مثل هذا العقد. ودفع الاول بما أشرنا إليه من أن المعلوم من قدح الجهالة ما إذا كان البيع عقدا مستقلا ودفع الثاني: بأنه خلاف الاطلاق، وأنه لو بني على اختصاص العموم بالعقود المتعارفة. فظهور اتفاق الاصحاب عليه يقتضي دخوله في المتعارف. انتهى. والاخير كما ترى، فان كونه غير متعارف أمر وجداني لا يقبل الشك، كي يكون اتفاق الاصحاب دليلا على خلافه. فالعمدة: منع الاختصاص بالمتعارف، بل ضرورة الفقه على خلاف ذلك، وإلا لزم تأسيس فقه جديد، كما أشرنا إلى ذلك في غير مورد من مباحث هذا الشرح. ثم إنه لو بني على وجود إطلاق يقتضي قادحية الجهالة في المقام - كما يقتضيه استدلال الاصحاب على ذلك بما ورد من

[ 147 ]

[ بكذا. وحينئذ يوزع العوض عليهما بالنسبة، ويلحق كلا منهما حكمه. فلو قال: آجرتك هذه الدار وبعتك هذا الدينار بعشرة دنانير، فلابد من قبض العوضين بالنسبة إلى البيع في المجلس، وإذا كان في مقابل الدينار - بعد ملاحظة النسبة - أزيد من دينار أو أقل منه بطل بالنسبة إليه، للزوم الربا (1). ولو قال: أجرتك هذه الدار وصالحتك على هذا الدينار بعشرة دنانير مثلا، فان قلنا بجريان حكم الصرف من وجوب القبض في المجلس (2)، وحكم الربا في الصلح، (3) فالحال كالبيع وإلا فيصح بالنسبة إلى المصالحة أيضا. ] نهي النبي صلى الله عليه وآله عن بيع الغرر (* 1) - فاتفاق الاصحاب على المقام يقتضي الخروج عنه، فلاحظ. (1) قد يشكل ذلك بأن الضميمة مانعة من تحقق الربا نصا وفتوى، فراجع كلماتهم في مبحث الحيل المانع من تحقق الربا. (2) لكن الظاهر عدم جريانه، بل قيل: " لا خلاف فيه ظاهر ". ويقتضيه اختصاص نصوص الشرطية بالبيع، الموجب للرجوع إلى إطلاق الصحة في غيره. (3) جريان حكم الربا في جميع العقود هو المشهور، ويقتضيه إطلاق جملة من النصوص المتضمنة لتحريم الربا. ودعوى انصرافها إلى البيع غير ظاهرة. ومجرد الغلبة غير كاف فيه. نعم في صحيح ابن مسلم عن أبي جعفر (ع): " في رجلين كان لكل واحد منهما طعام عند صاحبه، ولا يدري كل واحد منهما كم له عند صاحبه؟ فقال كل واحد


(1 *) التذكرة: المسألة الثانية من الركن الثالث من الفصل الثاني من الاجارة.

[ 148 ]

منهما لصاحبه: لك ما عندك ولي ما عندي. فقال (ع): لا بأس بذلك إذا تراضيا وطابت نفسهما بذلك " (* 1). وإطلاقه يقتضي الشمول لصورة العلم بالتفاضل، فيدل على جواز الربا في الصلح. ومنع الاطلاق المذكور غير ظاهر، ولاسيما مع غلبة الاختلاف. ولو سلم فهو كالصريح في عدم اعتبار العلم بالتساوي، فيصح الصلح مع الجهل به. كما أن إطلاقه شامل لصورة العلم بزيادة أحدهما بعينه، ومقتضاه الجواز فيها. وعلى هذا يقتصر في الخروج عن عمومات المنع على مورد الصحيح المذكور، وفي غيره يرجع إلى العمومات المانعة. هذا ويمكن أن يقال: إن عمومات المنع مورد بعضها خصوص البيع، ولا يشمل الصلح، وظاهر بعضها الآخر خصوص المعاوضة بين العينين ولو كانت بطريق الصلح. أما إذا كان مفاد الصلح خاليا عن المعاوضة بين العينين - كما هو ظاهر مورد الصحيح المذكور - فلا عموم يقتضي المنع عنه. فإذا قال: صالحتك على أن تكون هذه العشرة بهذه الخمسة، كان الصلح معاوضة بين العينين، فلا يصح. وإذا قال: صالحتك على أن تكون هذه العشرة لي وهذه الخمسة لك، لم يكن فيه معاوضة بين العينين، فيصح عملا بعمومات الصحة. وأما الآيات الشريفة - مثل قوله تعالى: (يمحق الله الربا ويربي الصدقات) (* 2)، وقوله تعالى: (قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا) (* 3)، وقوله تعالى: (الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان...) (* 4)، وقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا) (* 5)، ونحوها - فلا تخلو من إجمال، إذ ليس المراد


(* 1) الوسائل باب: 5 من أبواب الصلح حديث: 1. (* 2) البقرة: 276. (* 3)، (* 4) البقرة: 275. (* 5) البقرة: 278.

[ 149 ]

[ (مسألة 24): يجوز استئجار من يقوم بكل ما يأمره من حوائجه (1)، فيكون له جميع منافعه. والاقوى أن نفقته على نفسه لا على المستأجر (2)، إلا مع الشرط، أو الانصراف من جهة العادة. ] منها المعنى اللغوي، والمراد الشرعي غير ظاهر، فلا مجال للرجوع إليها في عموم المنع. فلاحظ وتأمل. (1) قال في الجواهر: " ظاهر الاصحاب المفروغية عن جواز الاستئجار، للانفاذ في حوائجه على الاجمال، اتكالا على المعتاد المقدور له واللائق بحاله من ذلك ". أقول: ذلك مقتضى عمومات الصحة. (2) كما عن السرائر والتذكرة والمختلف وجامع المقاصد، والروضة ومجمع البرهان وغيرها، لعدم اقتضاء عقد الاجارة كونها على المستأجر، وإن اختاره في الشرائع وحكى عن النهاية والقواعد والارشاد والروض. وقد يستدل له بالصحيح عن سليمان بن سالم قال: " سألت أبا الحسن (ع) عن رجل استأجر رجلا بنفقة ودراهم مسماة على أن يبعثه إلى أرض، فلما أن قدم أقبل رجل من أصحابه يدعوه إلى منزله الشهر والشهرين فيصيب عنده ما يغنيه عن نفقة المستأجر، فنظر الاجير إلى ماكان ينفق عليه في الشهر إذا هو لم يدعه، فكافأ به الذي يدعوه، فمن مال من تكون تلك المكافأة؟ أمن مال الاجير أو من مال المستأجر؟ قال (ع): إن كان في مصلحة المستأجر فهو من ماله، وإلا فهو على الاجير. وعن رجل استأجر رجلا بنفقة مسماة ولم يفسر شيئا، على أن يبعثه إلى أرض أخرى، فما كان من مؤنة الاجير من غسل الثياب والحمام فعلى من؟ قال (ع): على المستأجر " (* 1). وفيه: أن مورده صورة كون النفقة


(* 1) الوسائل باب: 10 من أبواب احكام الاجارة حديث: 1.

[ 150 ]

[ وعلى الاول (1): لابد من تعيينها كما وكيفا (2)، إلا أن يكون متعارفا. وعلى الثاني: على ما هو المعتاد المتعارف. ولو أنفق من نفسه أو أنفقه متبرع يستحق مطالبة عوضها على الاول (3)، بل وكذا على الثاني، لان الانصراف بمنزلة الشرط. (مسألة 25): يجوز أن يستعمل الاجير مع عدم تعيين الاجرة (4) وعدم إجراء صيغة الاجارة، فيرجع إلى أجرة المثل. لكنه مكروه (5). ولايكون حينئذ من الاجارة المعاطاتية، كما قد يتخيل، لانه يعتبر في المعاملة المعاطاتية ] مأخوذة جزءا من الاجرة، وهو غير ما نحن فيه. وأيضا. فان مورده كون نظر المستأجر إلى منفعة خاصة استأجره عليه. لا إلى جميع المنافع كما هو محل الكلام. (1) يعني: الشرط. (2) قد يظهر من الصحيح الاكتفاء بذكرها إجمالا، اعتمادا على التقدير الشرعي، فلا يبعد حينئذ عدم اعتبار ذكرها تفصيلا للخبر المذكور، ولاسيما مع ما عرفت من عدم وضوح الدليل على اعتبار العلم تفصيلا بالاجرة، بنحو لا يلزم الغرر، فضلا عن مثل الشرط مما كان من التوابع كما مال إليه في الجواهر. (3) عملا بالشرط الموجب للاستحقاق مع عدم السقط. اللهم إلا أن يكون المتبرع قد تبرع عن المستأجر. (4) فان الظاهر عدم الخلاف فيه، كما عن مجمع البرهان. وفي مفتاح الكرامة: عدم وجدان القائل بالتحريم. (5) كما هو المشهور الذي طفحت به عباراتهم. نعم عبر جماعة بأنه

[ 151 ]

[ اشتمالها على جميع شرائط تلك المعاملة عدا الصيغة، والمفروض عدم تعيين الاجرة في المقام، بل عدم قصد الانشاء منهما (1) ولا فعل من المستأجر (2). بل يكون من باب العمل بالضمان (3)، ] يستحب مقاطعة الاجير. ولعل مرادهم ذلك. وكيف كان: فيدل على الحكم صحيح سليمان الجعفري: " إن مولانا الرضا (ع) ضرب غلمانه وغضب غضبا شديدا، حيث استعانوا برجل في عمل وما عينوا له أجرته، فقال له سليمان: لم تدخل على نفسك؟ قال (ع): قد نهيتهم عن مثل هذا غير مرة، واعلم أنه مامن أحد يعمل لك شيئا من غير مقاطعة، ثم زدته على ذلك الشئ ثلاثة أضعاف على أجرته إلا ظن أنك قد أنقضته أجرته، وإذا قاطعته ثم أعطيته أجرته حمدك على الوفاء، فإذا زدته حبة عرف ذلك لك. ورأى أنك قد زدته " (* 1). ومن التعليل يظهر تعين حمل نهيه على الكراهة، وغضبه (ع) وضربه كان لمعصيته التي هي معصية لله سبحانه. كما يتعين أيضا حمل خبر مسعدة: " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يستعمل الاجير حتى يعلمه ما أجره " (* 2) على الكراهة أيضا. (1) بعد أن كان كل منهما قاصدا للاجر، وأنهما قد تبانيا على أمر واحد، كيف لا يكونا قد قصدا الانشاء؟! وسيأتي منه: أن ذلك من باب العمل بالضمان، الذي لا يكون إلا مع قصد الانشاء. (2) الامر بالعمل من قبيل الفعل الدال على إنشاء المعاملة، وقد عنون المصنف (ره) المسألة باستعمال الاجير، ولابد حينئذ من أن يصدر فعل أو قول من المستأجر، ليتحقق به الاستعمال للاجير. (3) قد تقدم منه في المسألة التاسعة عشرة: أنه إذا أمر العامل بالعمل


(* 1) الوسائل باب: 3 من أبواب أحكام الاجارة حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 3 من أبواب احكام الاجارة حديث: 2.

[ 152 ]

[ نظير الاباحة بالضمان كما إذا أذن في أكل طعامه بضمان العوض ونظير التمليك بالضمان كما في القرض، على الاقوى من عدم كونه معاوضة. فهذه الامور عناوين مستقلة غير المعاوضة (1) والدليل عليها السيرة، بل الاخبار أيضا (2). وأما الكراهة فللاخبار أيضا (3). (مسألة 26): لو استأجر أرضا مدة معينة، فغرس فيها أو زرع مالا يدرك في تلك المدة، فبعد انقضائها للمالك أن يأمره بقلعها. بل وكذا لو استأجر لخصوص الغرس أو لخصوص الزرع. وليس له الابقاء ولو مع الاجرة (4)، ولا ] ضمن أجرته، إذا لم يقصد العامل التبرع وإن قصد الآمر التبرع. وما نحن فيه من ذلك الباب، الذي قد عرفت أنه من قبيل الاستيفاء الموجب للضمان وإن قصد المستوفي التبرع. فجعله من باب آخر غير ظاهر. (1) كما صرح به في الجواهر، مستدلا عليه بالسيرة. (2) يعني: الصحيح والخبر المتقدمين. (3) كما عرفت. (4) وفي القواعد: " هو كالغاصب ". وكذا في مفتاح الكرامة عن المبسوط والتذكرة والتحرير وجامع المقاصد. ولم يحك فيه الخلاف من غيرها. ولكنه إنما يتم لو كان التقييد بالمدة يقتضي خروج ذلك عن مورد الاجارة، ولازمه جواز منع المالك له من ذلك حين الزرع أو الغرس، مع أنه استشكل فيه في القواعد. وظاهر جامع المقاصد: الميل إلى عدمه. وعن التذكرة: الاقرب العدم. وكذا عن التحرير. نعم عن المبسوط: أن له المنع، لاحتياجه إلى المطالبة بالقلع ومثل ذلك

[ 153 ]

يشق. انتهى. وهو كما ترى، ظاهر تعليله دخوله في مورد الاجارة. نعم ظاهر جامع المقاصد عدم تناول مورد الاجارة له. لكنه غير ظاهر في بعض الموارد. بل هو خلاف الاطلاق. وحينئذ يشكل الفرق بين المسألتين. ودعوى: أنه في هذه المسألة يكون الزارع مقدما على الضرر. فلا مجال لتطبيق قاعدة نفي الضرر فيه، لتكون حاكمة على عموم السلطنة، بخلاف المسألة الثانية، ممنوعة، فان الاقدام على الضرر يتوقف على علمه باستحقاق المالك للقلع، وبنائه على ذلك. أما بدون ذلك فلا إقدام له على الضرر كالمسألة الثانية. وتوضيح أحكام صور المسألة: أنه إذا استأجر مدة معينة: فتارة: يذكر خصوص الزرع أو الغرس. وأخرى: لا يذكر انتفاع بعينه. وفي الاولى: تارة: يذكر زرع أو غرس مالا يكمل في تلك المدة. وأخرى: يذكر ما يكمل فيها. وثالثة: يذكر مطلقا. فان ذكر مالا يكمل في المدة: فتارة: يتوقف الانتفاع به على كماله، وأخرى لا يتوقف، كما لو كان الزرع يمكن الانتفاع بفصيله والغرس يمكن قلعه وغرسه في موضع آخر. فان ذكر ما يتوقف الانتفاع به على كماله، ففي صحة الاجارة وعدمها وجهان أو قولان. وعن الايضاح وجامع المقاصد: أن الاقوى الصحة، لان العلم بحصول الانتفاع إلى آخر المدة ليس شرطا في الصحة، فما دام يحتمل الانتفاع به ولو للابقاء بالاجرة تبرعا أو صلحا أو نحوهما تصح الاجارة، لعدم المانع. ثم إنه على تقدير الصحة: فهل يجب الابقاء بالاجرة أو يجوز للمالك القلع؟ وجهان. قال في القواعد: " ولو استأجر مدة لزرع لا يكمل فيها، فان شرط نقله بعد المدة لزوم، وإن اطلق احتمل الصحة مطلقا، وبقيد امكان الانتفاع، فعلى الاول احتمل وجوب الابقاء بالاجرة ". وعن جامع المقاصد والمسالك: أن عدم وجوب الابقاء أقوى،

[ 154 ]

[ مطالبة الارش مع القلع، لان التقصير من قبله (1). نعم لو استأجرها مدة يبلغ الزرع، فاتفق التأخير لتغير الهواء أو غيره ] لانه دخل على أنه لاحق له بعد المدة. (انتهى). لكن في القواعد قال - قبل ذلك -: " فان استأجر للزرع فانقضت المدة قبل حصاده، فان كان لتفريط المستأجر - كأن يزرع ما يبقى بعدها - فكالغاصب "، وهو بظاهره مناف لما ذكره. والفرق بين المسألتين غير واضح. والتحقيق ما ذكره أولا، وتبعه عليه في جامع المقاصد والمسالك: من عدم وجوب الابقاء، لعدم المقتضي للوجوب. فقاعدة السلطنة تقتضي عدمه. وقاعدة الضرر لا مجال لها في أمثال المقام، مما أقدم فيه المالك على مالاحق له فيه، فان الظاهر من دليل نفي الضرر اختصاصه بصورة ما إذا لزم الضرر من الحكم الشرعي عرفا على نحو الاستقلال، وفي المقام ينسب الضرر إلى إقدام المالك على مالا حق له فيه، كما ذكر في المسالك وغيرها. وأظهر من ذلك الصورة الثانية وهي: ما إذا كان يمكن الانتفاع بالزرع أو الغرس قبل كماله، إذ حينئذ يكون ترك الابقاء مؤديا إلى فوات نفع زائد، وقاعدة الضرر إنما تنفي الضرر ولا تثبت النفع. ومثلهما في ذلك الصورة الثالثة وهي: ما إذا ذكر الزرع أو الغرس مطلقا، الشامل لما لا ينتفع به قبل كماله، فان الحكم فيها هو الحكم في الصورتين. وأما الصورة الرابعة - وهي: ما إذا ذكر ما يكمل في المدة فاتفق عدم كماله -: فسيأتي في كلام المصنف (ره) التعرض له. (1) ويشير به إلى ما عرفت من أنه أقدم على مالاحق له فيه، وفي مثله لا مجال لتطبيق دليل نفي الضرر، لانصرافه عن مثله، كما يظهر من ملاحظة كثير من نظائره، التي لاريب عند المتشرعة في بقاء سلطنة المالك على ماله أو نفسه بحالها. وما يجري على لسان جماعة من التعبير بأنه أقدم

[ 155 ]

[ أمكن أن يقال: بوجوب الصبر على المالك مع الاجرة، للزوم الضرر (1)، إلا أن يكون موجبا لتضرر المالك (2). ] على الضرر، يراد به هذا المعنى، وإلا فليس هو مقدم على الضرر ضرورة، لكونه أقدم برجاء إقدام صاحبه على الاذن له في البقاء، على حسب رغبته. (1) يعني: يرجع إلى قاعدة الضرر، الحاكمة على عموم قاعدة السلطنة. (2) يعني: يمتنع الرجوع إلى قاعدة نفي الضرر حينئذ، لان تطبيقها بالنسبة إلى ضرر الزارع ليس أولى بالنسبة إلى ضرر المالك، ومع عدم المرجح تسقط بالاضافة اليهما معا، فيرجع إلى قاعدة السلطنة. وقد يتوهم ترجيح الضرر الاقوى. وفيه: أن زيادة الضرر لا توجب تأكد النفي، إذ لاتأكد في الاعدام. كما أنه لا مجال للتخيير مع تساوي الضررين. لانه لا معنى للتخيير بالاضافة إلى الشخصين، لانه إذا اختار كل منهما الاعمال بالنسبة إلى ضرره يرجع التنافي، وإن اختار ضرر غيره كان إقداما على الضرر، وهو مانع من تطبيق القاعدة كلية. وأما تخيير المفتي في المسألة الاصولية: فلا دليل عليه، لاختصاص دليل التخيير بالدليلين المتعارضين، فلا يشمل الدليل الواحد بلحاظ فردين، كما في المقام. ولاجل ذلك وغيره تعين عند تعارض الضررين سقوط قاعدة الضرر، والرجوع إلى غيرها من القواعد المتأخرة عنها، كقاعدة السلطنة في المقام. والله سبحانه هو العالم، ومنه نستمد الاعتصام.

[ 156 ]

[ فصل في التنازع (مسألة 1): إذا تنازعا في أصل الاجارة قدم قول منكرها مع اليمين (1)، فان كان هو المالك استحق أجرة المثل دون ما يقوله المدعي. ] فصل في التنازع (1) كما في جملة من الكتب. وفي مفتاح الكرامة: " طفحت بذلك عباراتهم - خصوصا المتأخرين - من غير خلاف، إلا من المهذب والخلاف ". ثم نقل عن الاول قوله: " إذا سكن دار غيره فقال الساكن: سكنت بغير أجرة، وقال المالك: استأجرتها، كان القول قول صاحبها مع يمينه ". ونقل عن الخلاف قوله: " إذا زرع أرض غيره فقال الزراع: أعرتنيها، وقال رب الارض: أكريتكها، حكم بالقرعة ". أقول: ظاهر الخلاف أن فرضه من قبيل المسألة الآتية، لا من قبيل هذه المسألة التي كان النزاع فيها للاختلاف بينهما في الاجارة وعدمها، على أن يكون المتصرف معترفا بعدم بذل المالك للمنفعة على وجه المجانية. ولعل كلام المهذب وارد في إثبات أصل الاستحقاق للاجرة والعوض، لا في اثبات الاجرة المسماة، وإلا فلا وجه له ظاهر، إذ لاريب في كون المالك المدعي للاجارة مدعيا، فيكون عليه البينة، لا أنه يسمع قوله بيمينه. وتوضيح ذلك: أنه وان اختلفت كلماتهم في تفسير المدعي، فبعضهم فسره: بمن لو ترك الخصومة لترك. وآخر: بمن يدعي خلاف الاصل

[ 157 ]

الظاهر. وثالث: بمن يذكر أمرا خفيا بحسب الظاهر. ورابع: وهو من يدعي خلاف الاصل أو الظاهر، أو يذكر أمرا خفيا بحسب الظاهر. وخامس: وهو من يكون في مقام إثبات قضية على غيره. وربما ذكر غير ذلك، والظاهر أن الاختلاف المذكور ليس اختلافا في المفهوم، بل هو اختلاف في مقام بيان المفهوم مساهلة منهم في التحديد، إذ لا يظن من أحد من هؤلاء المفسرين الالتزام بما يلزم التعريف الذي ذكر من اللوازم. والمتعين تعريفه بمن كان قوله يخالف الحجة التي يرجع إليها في تعيين الوظيفة الشرعية، أمارة كانت أو أصلا. وكأن وجه تسميته بالمدعي في النصوص المتضمنة: " البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه " - وكذا في اللغة والعرف -: أن المدعي اسم فاعل: " ادعى "، وهو افتعال من الدعاء الذي هو الطلب بالقول ونحوه، وطلب الشئ إنما يصح إذا لم يكن حاضرا عند الطالب، فكأن الشئ الذي قامت عليه الحجة حاضر لدي الشخص، فلا مجال لطلبه، ولا معنى لدعائه وادعائه، والشئ الذي لم تقم عليه الحجة غير حاضر لديه، فيصح دعاؤه وادعاؤه. هذا هو المفهوم منه لغة وعرفا. ثم إن المراد من كون قوله مخالفا للحجة: أنه مخالف للحجة التي يلزم الرجوع إليها في نفس الدعوى لولا المعارضة، فلو كان كل منهما قوله مخالفا للحجة في مورد الدعوى، لكنها كانت معارضة بالحجة الجارية في مورد دعوى خصمه، فهما متداعيان، وإن كان مقتضى العلم الاجمالي بكذب إحدى الدعويين بطلان الاصلين معا، لكن ذلك لا يقدح في صدق المدعي، ويكونان بذلك متداعيين. وعلى هذا فثبوت الاجارة لما كان على خلاف الاصل العملي، كان المخبر عنه مدعيا، والمنكر له مدعى عليه. وهذا مما لا إشكال فيه.

[ 158 ]

نعم هنا شئ وهو: أن المعيار في تطبيق المدعي والمدعى عليه، هل هو مصب الدعوى وعبارة المتنازعين، أو هو الغرض المقصود للمتنازعين؟. وتحرير هذا الخلاف في كتب القدماء والمتأخرين مما لم أقف عليه، لكن يستفاد ذلك من تعليلاتهم في كثير من الموارد لكون الحكم هو التحالف الذي هو من أحكام التداعي، أو كون البينه من أحدهما واليمين من الآخر الذي هومن أحكام المدعي والمنكر، فان من ذكرهم للوجوه المختلفة يفهم خلافهم في ذلك. نعم صرح في الجواهر بوقوع الخلاف المذكور، واختار الوجه الاول في صدر كلامه في مبحث الاختلاف في العقود من كتاب القضاء، وكذا في صدر كلامه فيما لو اختلف المتبايعان في قدر الثمن، فانه - بعد ما قل عن المختلف القول بأن القول قول المشتري - قال (ره): " إلا أنه لا يخفى عليك ضعفه في خصوص المقام، لما سمعت (يعني: من النص)، نعم لا بأس به في غيره، لو أبرزت الدعوى باشتغال الذمة بالزائد إنكاره. أما لو أبرزت في تشخيص سبب الشغل، بحيث يكون الاستحقاق تبعيا، فقد يمنع تقديم قول المشتري فيه، ضرورة كون كل منهما مدعيا ومنكرا. ففي المقام - مثلا - يدعي البائع أن ما وقع ثمنا في عقد البيع المخصوص مائة، والمشتري خمسون، فنزاعهما في تشخيص العقد المشخص في الواقع، ولاريب في كون كل منهما مدعيا فيه ومنكرا. ولعله لذا احتمل التحالف الفاضل في كثير من كتبه، بل عن ولده أنه صححه، والشهيد الاول اختياره في قواعده وإن نسبه في الدروس إلى الندرة، بل ماله إليه هنا في جامع المقاصد ". وفي مفتاح الكرامة - في مسألة مالو اختلفا في قدر الاجرة فقال: آجرتك سنة بدينار، فقال: بل بنصفه - نسب إلى المهذب القول بالتحالف، وإلى جامع المقاصد أنه قال: " لاريب في قوة التحالف "، وإلى المختلف أنه قال: " أنه متجه "

[ 159 ]

انتهى. والثاني منسوب إلى المشهور. لكن عرفت أن الوجه في النسبة: استفادة ذلك من بنائهم على إجراء حكم المدعي والمنكر في كثير من موارد النزاع، والا فقد عرفت أنه لا تصريح منهم بذلك. وكيف كان: فما يتفرع على الخلاف المذكور أنه إذا قال المالك: آجرتك الدار بعشرة، فقال الآخر: آجرتنيها بخمسة، فعلى الاول: أنهما متداعيان لاختلافهما في المدعى لكل منهما، وعلى الثاني: أنهما مدع ومنكر، لان غرض الاول استحقاق العشرة، وغرض خصمه نفي استحقاق الخمسة الزائدة على الخمسة التي يعترف بها، وهذا النفي مقتضي الاصل، فمدعي خلافه مدع، ومدعيه منكر. هذا، والتحقيق هو القول المنسوب إلى المشهور، كما اختاره في الجواهر في آخر كلامه المتقدم، وكذلك في مبحث الاجارة فيما لو اختلفا في قدر الاجرة، وجعل القول بالتحالف فيها ضعيفا. ونسب إلى شيخنا الاعظم (ره) في قضائه، لانه منصرف الادلة، فان المقصود من نزاع المتخاصمين أولى بالملاحظة في ذلك، وأولى أن يكون من وظيفة القاضي البت به والحكم فيه، ولا معنى لملاحظة أمر آخر، بل الدعوى التي لا يترتب عليها غرض لا يجب سماعها. وعلى هذا فقد يتوجه الاشكال على ما ذكره الجماعة في مفروض المتن من إطلاق القول: بأن القول قول منكر الاجارة، بأنه لايتم على المشهور، إذ اللازم عليه التفصيل بين ماذا كانت أجرة المثل أكثر، فالقول قول مدعي الاجارة، وبين ما إذا كانت أقل، فالقول قول منكر الاجارة، لانه في الاول مدعي الاجارة ينفي استحقاق الزائد، فيطابق قوله الاصل، وفي الثاني يكون مدعي الاجارة مدعيا لاستحقاق الزائد فيكون مدعيا، وخصمه ينفي استحقاق الزائد فيكون منكرا. نعم يتم كلامهم على المذهب

[ 160 ]

[ ولو زاد عنها لم يستحق تلك الزيادة (1)، ووجب على المدعي المتصرف إيصالها إليه (2). وإن كان المنكر هو المتصرف فكذلك لم ] الآخر، لان مصب الدعوى ثبوت الاجارة وعدمها، فمدعي الاول مدع وخصمه منكر على كل حال. لكن يدفع الاشكال المذكور: أن المراد من كون المدار على مقصود المتنازعين أن ينظر إلى مقصودهما، فان كان كل منهما مخالفا للاصل كانا متداعيين، وإذا كان مقصود أحدهما موافقا للاصل، ومقصود خصمه مخالفا للاصل كان أحدهما مدعيا والآخر منكرا، سواء كان الاصل المثبت لاحدهما النافي للآخر. أو النافي لهما معا جاريا في أحدهما أم فيهما بلا واسطة، أم كان جاريا بواسطة كما في الاصل السببي، كما في المقام، فان أجرة المثل إذا كانت أكثر من الاجرة المسماة، فالاكثر مما يثبته الاصل بالواسطة، لان أصالة عدم الاجارة تثبت أجرة المثل وإن كانت هي الاكثر، لان كل منفعة مستوفاة على وجه الضمان مضمونة بأجرة المثل، إذا لم تكن أجرة مسماة، فيكون الضمان بأجرة المثل - التي هي الاكثر - من آثار نفي الاجرة المسماة بالاصل. وليس المراد من كون المدار على مقصود المتنازعين: أنه لابد من الاصول الجارية في نفس المقصود بلا واسطة، يعني مع قطع النظر عن السبب وعن الاصل السببي الجاري فيه. فان ذلك ممالا مجال للقول به، لان الاصل السببي إذا كان قد اجتمعت شرائط حجيته لم يكن وجه لطرحه بالاضافة إلى الاثر المسبب، فيكون مدعي الاثر منكرا حينئذ. فلا مجال للاشكال على ما ذكره الجماعة من إطلاق: أن القول قول منكر الاجارة، فانه في محله على المذهبين. (1) يعني: ليس له المطالبة بها، لاعترافه بعدم استحقاقها. (2) إذا كان يرى استحقاق المالك لها.

[ 161 ]

[ لم يستحق المالك الا أجرة المثل، ولكن لو زادت عما يدعيه من المسمى لم يستحق الزيادة، لاعترافه بعدم استحقاقها، ويجب على المتصرف إيصالها إليه. هذا إذا كان النزاع بعد استيفاء المنفعة. وإن كان قبله رجع كل مال إلى صاحبه. (مسألة 2): لو اتفقا على أنه أذن للمتصرف في استيفاء المنفعة، ولكن المالك يدعي: أنه على وجه الاجارة بكذا أو الاذن بالضمان، والمتصرف يدعي: أنه على وجه العارية، ففي تقديم أيهما وجهان، بل قولان (1)، من أصالة البراءة ] (1) حكى في مفتاح الكرامة: تقديم قول مدعي العارية بيمينه عن عارية الخلاف والمبسوط والغنية واللمعة ومجمع البرهان والكفاية، ثم قال: " وهو الذي في نفس الشيخ في مزارعة الخلاف ". وحكى نحوه في الجواهر، لاصالة البراءة، لاتفاقهما على أستيفاء المنفعة لم يكن بعنوان غير مشروع، فالتردد في استحقاق العوض وعدمه. والاصل البراءة. وقيل القول قول المالك في عدم العارية، فإذا حلف سقطت دعوى المدعي العارية، وثبت عليه أجرة المثل. اختاره في الشرائع، وحكي عن الحلي وإجارة المهذب. وفي الجواهر في كتاب العارية قال: " لعله المشهور ". واختاره في القواعد، وحكي عن جامع المقاصد والروض والمسالك والكفاية وغيرها، لكنهم قيدوا ما ذكروه من ثبوت أجرة المثل بما إذا لم يزد على المدعي. وربما حكي غير ذلك عن غيرهم. ومبنى الخلاف في الجملة على أن الاصل في المنفعة المستوفاة هو الضمان إلا أن يبذلها المالك مجانا، أو عدم الضمان إلا أن يثبت سبب الضمان. فالقول الاول مبني على الثاني، والثاني مبني على الاول. والمصرح به في

[ 162 ]

[ بعد فرض كون التصرف جائزا، ومن أصالة احترام مال المسلم الذي لا يحل الا بالاباحة والاصل عدمها، فتثبت أجرة المثل بعد التحالف. ولا يبعد ترجيح الثاني. وجواز التصرف أعم من الاباحة. ] كلمات القائلين بالثاني: أن المقام لابد فيه من التحالف، فيحلف المالك على عدم العارية، ويحلف مدعي العارية على نفي الاجارة، فيثبت للمالك أجرة المثل. هذا والذي ينبغي هو التعرض لصور المسأله، فنقول: الاجرة المسماة تارة: تكون في الذمة، وأخرى: في الخارح، والاولى تارة: تكون مساوية لاجرة المثل، وأخرى: تكون أكثر منها، وثالثة: تكون أقل. فالصور أربع. الاولى: أن تكون مساوية لاجرة المثل، كأن يدعي المالك: أنه آجر زيدا داره بدينار. ويدعي زيد: أنها عارية. ومحل الكلام صورة ما إذا كان النزاع بعد انقضاء مدة الاجارة التي يدعيها المالك، فنقول: بناء على كون المعيار في تطبيق المدعي والمنكر مضمون كلام المتداعيين، يكون كل واحد منهما مدعيا ومنكرا لمدعى خصمه في جميع الصور الاربع، لان كلا من الاجارة والعارية خلاف الاصل، فيتحالفان. وحينئذ فان ثبتت قاعدة احترام مال المسلم، بمعنى: الحكم بضمانه على من هو عنده حتى يثبت ما يقتضي عدمه، من إباحة أو عارية مجانية - واستشهد لها في مفتاح الكرامة، وتبعه في الجواهر بصحيح إسحاق بن عمار عن أبي الحسن، الوارد فيمن استودع رجلا الف درهم فضاعت، فقال الرجل: إنها وديعة، وقال الآخر: إنها قرض. قال (ع): " المال لازم له، إلا أن يقيم

[ 163 ]

البينة أنها كانت وديعة " (* 1) - لزمت المتصرف أجرة المثل. وإن لم تثبت القاعدة المذكورة، لما عرفت سابقا من أن مادل على حرمة المسلم ودمه وعرضه ظاهر في الحكم التكليفي لاغير، وأما الصحيح فلا يمكن استفادة القاعدة الكلية منه. نعم ظاهر الاكثر ذلك، فلا ملزم بأجرة المثل ولاغيرها. والانصاف لزوم البناء على القاعدة المذكورة، ومرتكزات المتشرعة تقتضيها، وكفى بها حجة، والصحيح المتقدم مؤيد لها، بل البناء على ضمان المنافع المستوفاة شاهد بها، فالبناء على الضمان بأجرة المثل متعين. هذا بناء على كون المعيار في المدعي والمنكر عبارة المتنازعين. أما بناء على كون المعيار مقصودهما وغرضهما من النزاع، فيكون مدعي العارية مدعيا ومدعي الاجارة منكرا بناء على ثبوت قاعدة الاحترام، لان ثبوت المسمى المساوي لاجرة المثل مقتضى أصالة عدم العارية التي يدعيها المتصرف وأصالة عدم الاجارة لا أثر له، إذ ليس للاجارة في المقام أثر خاص، فان ضمان المتصرف بالعوض الخاص مترتب على مجرد عدم العارية وإن علم بعدم الاجارة، فيكون المقام من باب المدعي والمنكر. وكذا بناء على عدم ثبوت قاعدة الاحترام، لكن يكون مدعي الاجارة مدعيا، ومدعي العارية منكرا، على عكس مقتضى المبنى السابق، لانه يكفي في نفي الضمان نفي الاجارة من دون حاجة إلى اثبات العارية، لان السبب الموجب للضمان - على هذا المبنى - هو الاجارة لاغير. فمدعي الاجارة يدعي الضمان ومدعي العارية ينفي الضمان، فيكون منكرا، فيكون القول قوله بيمينه. وبالجملة: بناء على كون المعيار في المدعي والمنكر غرض المتنازعين يكون فرض المسألة من باب المدعي والمنكر، فان بني على قاعدة الاحترام،


(* 1) الوسائل باب: 7 من أبواب احكام الوديعة حديث: 1.

[ 164 ]

يكون مدعي العارية مدعيا، ومدعي الاجارة منكرا. وبناء على عدم ثبوت القاعدة، يكون الامر بالعكس، مدعي الاجارة مدعيا ومدعي العارية منكرا. الصورة الثانية: أن تكون الاجرة المسماة أكثر من أجرة المثل. وحكمها هو: أنه بناء على كون المعيار الغرض من النزاع، فان بني على قاعدة الاحترام، فهي أيضا من قبيل التداعي، لان مدعي الاجارة يثبت الاجرة الزائدة على أجرة المثل، ومدعي العارية ينفي الاستحقاق بالمرة، لا للاجرة المسماة ولا لاجرة المثل. ولما كانت كلتا الدعويين ذات أثر، وكلتاهما خلاف الاصل، كما الخصمان متداعيين، فيحلف المالك على نفي العارية، فيثبت الاستحقاق لاجرة المثل، ويحلف المتصرف على نفي الاجارة، فينتفي الزائد على أجرة المثل، فيكون للمالك أجرة المثل لاغير. أما بناء على عدم ثبوت قاعدة الاحترام: فالمقام من باب المدعي والمنكر، ومدعي الاجارة يكون مدعيا ومدعي العارية منكرا، بلحاظ نفي الاجارة الذي هو لازم دعواه، لابلحاظ نفس العارية، إذ العارية لاأثر لها على هذا المبنى، لان عدم الضمان مقتضى الاصل، حتى يثبت السبب المضمن وهو الاجارة، فيحلف مدعي العارية على نفي الاجارة، ولا شئ عليه حينئذ كما تقدم القول بذلك من جماعة في صدر المسألة. الصورة الثالثة: أن تكون الاجرة المسماة أقل من أجرة المثل. وحكمها: أنه بناء على كون المعيار في تشخيص المدعي هو الغرض المقصود من النزاع، فالفرض من باب المدعي والمنكر، سواء قلنا بقاعدة الاحترام أم لم نقل. غاية الامر أنه على الاول يكون مدعي العارية مدعيا، لترتب الاثر الشرعي على مدعاه الذي هو خلاف الاصل، ومدعي الاجارة منكرا، بلحاظ نفي العارية لابلحاظ نفس الاجارة، إذ الضمان ليس موضوعه

[ 165 ]

الاجارة، بل موضوعه الاستيفاء بلا بذل مجاني كما عرفت. فالمدعي لاأثر له ولا يجري فيه الاصل في المقام، ولذا لو اعترف المالك بعدم الاجارة وأنكر العارية ثبت الضمان مع يمينه على نفي العارية، وبناء على عدم ثبوت قاعدة الاحترام، يكون مدعي الاجارة مدعيا ومدعي العارية منكرا كما عرفت سابقا. وعلى الاول: يستحق المالك بعد يمينه المسمى لا غير، لاعترافه بعدم استحقاقه الزائد عليه، وعلى الثاني: لا يستحق المالك شيئا، بعد يمين مدعي العارية على نفي الاجارة. الصورة الرابعة: أن تكون الاجرة عينا خارجية. وحكمها: أنه بناء على كون المعيار في تشخيص المدعي الغرض من النزاع، فهما من باب المدعي والمنكر، لان المالك يدعي ملك العين الخارجية والمتصرف ينفي ذلك. ودعوى الاول خلاف الاصل، ونفي الثاني موافق للاصل. ودعوى المتصرف العارية وإن كان خلاف الاصل، لكن لا أثر له لاصالة عدمها، إذ المقصود منها إن كان إشغال ذمة المتصرف، فلا مجال له لاعتراف المالك بعدم اشغال الذمة المتصرف بشئ، وإن كان المقصود منها إثبات ملك المالك للعين الخارجية، فهي لا تصلح لاثبات ذلك، لانه لازم غير شرعي. فادعاه المتصرف العارية لا أثر له إلا بلحاظ ما يلزمه من نفي الاجارة كما عرفت. فإذا حلف المتصرف على نفي الاجارة انتفى ملك العين الخارجية للمالك. أما إذا حلف المالك على نفي العارية لم يثبت ملكها للمالك، لانه لازم عقلي، ولم ينتف به اشتغال ذمة المتصرف بأجرة المالك، لانه حاصل باعترافه. هذا كله حكم الصور الثلاث بناء على كون المعيار في تشخيص المدعي الغرض المقصود من النزاع. أما بناء على كون المعيار فيه صورة الدعوى: فالخصمان في جميع الصور الثلاث المذكورة متداعيان، لان كلا

[ 166 ]

[ (مسألة 3): إذا تنازعا في قدر المستأجر عليه قدم قول مدعي الاقل (1). ] منهما يدعي أمرا على خلاف الاصل، كما عرفت في الصورة الرابعة. وبعد التحالف يستحق المالك أجرة المثل في الصورة الاولى منها، والمسمى في الثانية دون الزائد، أخذا له باعترافه بناء على قاعدة الاحترام. أما بناء على عدمها فلا يستحق شيئا، لاصالة البراءة من دون ثبوت سبب مضمن. وأما في الصورة الثالثة فلا يستحق شيئا على كل من المبنيين، أخذا له باعترافه بفراغ ذمة المتصرف. هذا حكم صور المسألة على اختلاف المباني المتقدمة. ففي الشرائع قال في كتاب العارية: " إذا قال الراكب: أعرتنيها، وقال المالك: آجرتكها، فالقول قول الراكب، لان المالك مدع للاجرة. وقيل: القول قول المالك في عدم العارية، فإذا حلف سقطت دعوى الراكب وتثبت عليه أجرة المثل لا المسمى. وهو أشبه ". وظاهر كل من القولين: أن المورد من باب المدعي والمنكر لا من باب التداعي. لكن في القواعد في كتاب المزارعة: " لو ادعى العامل العارية والمالك الحصة أو الاجرة قدم قول المالك في عدم العارية، وله أجرة المثل مع يمين العامل ما لم تزد على المدعى ". وظاهره: أن المقام من باب التداعي. وعن الشيخ في المبسوط: العمل بالقرعة في تعيين المدعي والمنكر. لكن المحكي عن عبارته. أن ذلك أحوط. والاشكال فيه ظاهر على كل حال، إذ لا موجب للخروج عن القواعد - التي قد عرفتها - من دون دليل مخرج. (1) كما هو المعروف المصرح به في كلماتهم، لاصالة عدم وقوع الاجارة على الزائد المختلف فيه " فيكون القائل به منكرا. نعم بناء على أن المعيار في المدعي صورة القضية: يكونان متداعيين، كما نسب إلى

[ 167 ]

[ (مسألة 4): إذا تنازعا في رد العين المستأجرة قدم قول المالك (1). (مسألة 5): إذا ادعى الصائغ أو الملاح أو المكاري تلف المتاع من غير تعد ولا تفريط، وأنكر المالك التلف، أو ادعى التفريط أو التعدي، قدم قولهم مع اليمين على الاقوى (2). ] جماعة، ففي جامع المقاصد: أنه لاريب في قوة التحالف. وقد عرفت ضعفه. (1) من دون خلاف ظاهر ولا إشكال، لاصالة عدم الرد. وقبول دعوى الودعي الرد بالاجماع - لو تم - لا يقتضي قياس المقام عليه، لاختلافهما في أن القبض في المقام لمصلحة القابض، بخلاف الودعي، فانه لمصلحة المالك. (2) وهو المحكي عن جماعة من القدماء والمتأخرين. وعن الخلاف: الاجماع عليه. ويشهد له خبر بكر بن حبيب: " قلت لابي عبد الله (ع): أعطيت جبة إلى القصار، فذهبت بزعمه. قال (ع): إن اتهمته فاستحلفه، وإن لم تتهمه فليس عليه شئ " (* 1) وخبره الآخر عنه (ع): " لا يضمن القصار إلا ما جنت يداه، وإن اتهمته أحلفته " (* 2)، وخبر أبي بصير المرادي عنه (ع): " لا يضمن الصائغ ولا القصار ولا الحائك، إلا أن يكونوا متهمين، فيخوف بالبينة ويستحلف، لعله يستخرج منه شيئا ". (* 3) والمشهور - كما عن المسالك وعن السيد أن عليه أجماعنا وأنه من منفرداتنا - أنهم يكلفون بالبينة. ويشهد له جملة من النصوص، كمصحح الحلبي عن أبي عبد الله (ع): " في الغسال والصباغ ما سرق منهم من شئ فلم يخرج منه على أمر بين أنه قد سرق، وكل قليل له أو كثير،


(* 1) الوسائل باب: 29 من أبواب احكام الاجارة حديث: 16. (* 2) الوسائل باب: 29 من أبواب احكام الاجارة حديث: 17. (* 3) الوسائل باب: 29 من أبواب احكام الاجارة حديث: 11

[ 168 ]

[ (مسألة 6): يكره تضمين الاجير في مورد ضمانه (1) ] فان فعل فليس عليه شئ، وإن لم يقم البينة وزعم: أنه قد ذهب الذي ادعي عليه، فقد ضمنه إن لم يكن له بينة على قوله " (1) وصحيح ابن مسكان عن أبي بصير عن أبي عبد الله (ع) قال: " سألته عن قصار دفعت إليه ثوبا، فزعم أنه سرق من بين متاعه. قال: فعليه أن يقيم البينة أنه سرق من بين متاعه، وليس عليه شئ، وإن سرق متاعه كله فليس عليه شئ " (* 2). ونحوهما غيرهما. هذا وفي نسبة القول المذكور إلى الشهرة تأمل، فضلا عن نسبته إلى الاجماع. وفي الجواهر: لم يتحقق القول به الا من المفيد والمرتضى ". وكذا في صحة الاستدلال له بهذه النصوص، فان التأمل في مجموع النصوص - على اختلاف مضامينها - يقتضي لزوم البناء على الاكتفاء في عدم الضمان بأحد أمور: إما اليمين، أو البينة، أو قيام امارة على صدقه مثل: أن يدعي السرقة ويكون قد سرق جميع متاعه، أو يكون مأمونا في نفسه. ففي صحيح الحلبي عن أبي عبد الله (ع): قال " كان أمير المؤمنين (ع): يضمن القصار والصائغ احتياطا للناس، وكان أبي (ع) يتطول عليه إذا كان مأمونا " (* 3). ونحوه غيره. هذا مضافا إلى أن إعراض المشهور عن هذه النصوص مع أنها أصح سندا وأكثر عددا مما يوهن حجيتها، وحينئذ لا مجال للعمل بها في قبال النصوص الاول. وما في الشرائع: من أن الاول أشهر الروايتين، فيه تأمل ظاهر. (1) كما نسب إلى الاصحاب. وقد يشهد به خبر حذيفة: " عن الرجل


(* 1) الوسائل باب: 29 من ابواب احكام الاجارة حديث: 2. (* 2) الوسائل باب: 29 من أبواب احكام الاجارة حديث: 5. (* 3) الوسائل باب: 29 من ابواب احكام الاجارة حديث: 4.

[ 169 ]

[ من قيام البينة على إتلافه، أو تفريطه في الحفظ، أو تعديه أو نكوله عن اليمين، أو نحو ذلك. (مسألة 7): إذا تنازعا في مقدار الاجرة قدم قول المستأجر (1). (مسألة 8): إذا تنازعا في أنه آجره بغلا أو حمارا أو آجره هذا الحمار مثلا أو ذاك، فالمرجع التحالف (2). ] يحمل المتاع بالاجر فيضيع، فتطيب نفسه أن يغرمه لاهله. أيأخذونه؟ قال: فقال: أمين هو؟ قلت نعم. قال: فلا يأخذون منه شيئا " فتأمل. (1) قاله علماؤنا، كما عن التذكرة، لاصالة عدم لزوم الزائد. لكن عرفت القول بالتداعي والتحالف ممن يرى أن المعيار في تشخيص المدعي مصب الدعوى لا الغرض. وفي جامع المقاصد: أنه لاريب في قوة التحالف في المقام، معللا له بما ذكر. ونحوه كلامه فيما لو اختلفا في قدر الثمن كما عرفت ضعفه. (2) كما هو المشهور المعروف. يظهر ذلك من كلماتهم في مباحث النزاع من كتاب البيع، ففي الشرائع: " لو قال: بعتك هذا الثوب، فقال: بل هذا، فهنا دعويان ". ونظيره ذكر في القواعد قال: لو قال: بعتك العبد بمائة، فقال: بل الجارية، تحالفا وبطل البيع ". وظاهر الجواهر وغيرها: عدم الخلاف والاشكال في ذلك. نعم قال الشهيد في اللمعة: " وفي تعيين المبيع يتحالفان. وقال الشيخ والقاضي: يحلف البائع كالاختلاف في الثمن ". وفي الروضة: " وضرب عليه في بعض النسخ المقروءة على المصنف (ره). وفي المسالك - بعد ما نقل ما تقدم عن الشرائع -


(* 1) الوسائل باب: 30 من أبواب احكام الاجارة حديث: 12.

[ 170 ]

قال: " الحكم هنا واضح بعد الاحاطة بما سلف ". وقد اشتهر في كلامهم هنا توجيه التحالف: بأن ضابط التحالف أن لا يتفقا على أمر. قال في المسالك في كتاب الاجارة: " وضابط التحالف: أن لا يتفقا على شئ كما لو قال: آجرتك البيت الفلاني، فقال: بل الفلاني، أو قال: آجرتك البيت، فقال: بل الحمام ". ونحوه كلام غيره. لكن التوجيه المذكور يتم بناء على أن المعيار في تشخيص المدعي مصب الدعوى أما بناء على أن المعيار الغرض المقصود، فالغرض المقصود في البيع ليس الا مطالبة المشتري بما يدعي شراءه، وفي الاجارة مطالبة المستأجر بما يدعي استئجاره، والمالك ينفي ذلك، والاصل يقتضي عدم وقوع الاجارة على ما يدعي المستأجر. وأما المالك فهو وإن كان يدعي وقوع الاجارة على ما يدعي وقوع الاجارة عليه، لكن هذه الدعوى لا أثر لها في مطالبته بشئ، وليس له غرض فيها إلا بلحاظ ما يترتب عليها من اللازم، وهو نفي ما يدعيه المستأجر، ولذا يصح له الاقتصار على بطلان دعوى المستأجر، من دون تعرض لمدعاه. وبالجملة: بعد اتفاقهما على استحقاق المالك للاجرة، فالخلاف انما هو في استحقاق المستأجر لمنفعة ما يدعيه، والمالك ينفيه، والاصل معه، فهو منكر والمستأجر مدع. فإذا حلف المالك على نفي ما يدعيه المستأجر، فقد بطلت دعوى المستاجر، وليس له المطالبة بشئ. هذا إذا كان النزاع قبل التصرف. أما لو كان بعد التصرف وانقضاء المدة فاللازم - بعد يمين المالك - أن يدفع له أجرة المثل عن المنفعة المستوفاة مما يدعيه، بناء على ما عرفت من أصالة احترام مال المسلم، لانه لما لم يثبت استحقاقه لمنفعة الفرس التي قد استوفاها، كان اللازم دفع أجرتها. وأما منفعة الحمار الذي يدعي وقوع الاجارة عليه فقد فاتت بتقصير منه، لانه هو الذي ترك الانتفاع بها في المدة المضروبة، فتكون عليه الاجرة

[ 171 ]

[ وكذا لو اختلفا في الاجرة أنها عشرة دراهم أو دينار (1). ] (مسألة 9): إذا إختلفا في أنة شرط أحدهما على الاخر شرطا أو لا، فالقول قول منكره (2). المتفق عليها بينهما، وعليه أجرة الفرس بمقتضى أصالة عدم إجارتها إياه. هذا ما تقتضيه القواعد، وإن لم اعرف من ذكره أو احتمله، عدا ما سبق من الشهيد في اللمعة. نعم ذكره بعض الاكابر في حاشيته على المتن وهو في محله. (1) الكلام في هذه المسألة هو الكلام في سابقتها بعينه. نعم يختلفان في أن المدعي في المسألة السابقة هو المستأجر، بناء على أن المعيار في تشخيص المدعي الغرض المقصود. وفي هذه المسألة يكون المدعي هو المؤجر، لانه يدعي أن الاجارة واقعة على ما يدعيه، والمستأجر ينكر ذلك. مثلا إذا كان المؤجر يدعي: أن الاجرة كانت عشرة دراهم، والمستأجر يدعي: أنها كانت دينارا، فهما يتفقان على أن منفعة العين المستأجرة صارت ملكا للمستأجر، ويختلفان في الاجرة، فالمؤجر يدعي أنها كانت عشرة دارهم والمستأجر يدعي أنها كانت دينارا، فدعوى المؤجر ملزمة وموجبة للمطالبة بالعشرة دراهم، ودعوى المستأجر لا توجب شيئا إلا بلحاظ ما يلزمها من نفي دعوى المؤجر ونفي استحقاق المؤجر المطالبة له بالعشرة، فمرجعها إلى انكار دعوى المؤجر، فهما من قبيل المدعي والمنكر، كما في المسألة السابقة، غير أن المؤجر هنا هو المدعي، والمستأجر منكر، على عكس ما سبق هناك. ومقتضى ذلك سماع قول المستأجر بيمينه، إذا لم تكن بينة للمؤجر على دعواه. (2) لا ينبغي التأمل في ذلك بناء على ما عرفت من المعيار. نعم بناء على الوجه الآخر يكون المقام من التداعي، لاختلافهما في الخصوصيات المشخصة الموجب للاختلاف في المتشخص.

[ 172 ]

[ (مسألة 10): إذا اختلفا في المدة أنها شهر أو شهران مثلا، فالقول قول منكر الازيد (1). (مسألة 11): إذا اختلفا في الصحة والفساد، قدم قول من يدعي الصحة (2). ] (1) كما عن الحلي، لاصالة عدم وقوع الاجارة في الزيادة المختلف فيها، فيكون قول الملك هو الموافق للاصل وقول المستأجر على خلافه، فيكون مدعيا. لكن في القواعد: " ولو اختلفا في المدة، فقال: آجرتك سنة بدينار، فقال: بل سنتين بدينارين، فالقول قول المالك مع يمينه. ولو قال بل سنتين بدينار، فهنا قد اختلفا في قدر العوض والمدة، والاقرب التحالف ". ونحوه ذكر في التحرير. وفي جامع المقاصد - في شرح عبارة القواعد المذكورة - قال: " أما الاختلاف في المدة فظاهر، وأما الاختلاف في العوض فانه على قول أحدهما عوض السنة دينار، وعلى قول الآخر نصف دينار. ولقائل أن يقول: إن العوض الذي جرى عليه العقد متفقان عليه، وإنما الاختلاف في زيادة المدة وعدمها. ووجه القرب: أن كل واحد منهما يدعي عقدا مغايرا للعقد الذي يدعيه الآخر، والآخر ينكره فيتحالفان " وعن الشيخ: القول بالقرعة. لكن عبارته في غير هذه المسألة، وقد تقدمت الاشارة إليها. والتحقيق ما عرفت: من أنه بناء على أن المعيار في المدعي الغرض المقصود من النزاع، فالمستأجر مدع والمالك منكر، وبناء على أن المعيار مصب الدعوى، فهما متداعيان. (2) كما هو المعروف بين الاصحاب، كما عن الكفاية، لاستقرار سيرة العقلاء والمتشرعة على حمل الفعل الصادر المحتمل الصحة والفساد على الصحة، ولا يختص ذلك بفعل المسلم، بل يطرد في فعل كل عاقل، كما

[ 173 ]

[ (مسألة 12): إذا حمل المؤجر متاعه إلى بلد، فقال المستأجر استأجرتك على أن تحمله إلى البلد الفلاني غير ذلك ] عرفت. وفي جامع المقاصد قال في هذا المقام: " لاشك أنه إذا حصل الاتفاق على حصول جميع الامور المعتبرة في العقد، من حصول الايجاب والقبول من الكاملين، وجريانهما على العوضين المعتبرين، ووقع الاختلاف في شرط مفسد مثلا، فالقول قول مدعي الصحة بيمينه، لانه الموافق للاصل، فان الاصل عدم ذلك المفسد، والاصل في فعل المسلم الصحة. لا يقال: الاصل بقاء الملك على مال مالكه، فيعارض الاصل المذكور. لانا نقول: بعد صدور الايجاب والقبول على الوجه المعتبر، وعدم العلم بالمنافي لصحتهما، المقتضي للحكم بصحتهما عملا بالاستصحاب لحال تحقق السبب الناقل، فلم يبق ذلك الاصل كما كان. أما إذا حصل الاختلاف مع الصحة والفساد في حصول بعض الامور المعتبرة وعدمه، فان هذه الاستدلال لا يستمر هاهنا، فان الاصل عدم السبب الناقل. ومن ذلك مالو ادعى: اني اشتريت العبد، فقال بل بعتك حرا ". وفيه أن التفصيل المذكور بلا فاصل، لاستقراء السيرة على الصحة في الجميع. ولذلك حكي الاعتراف منه بذلك في موضع من كتاب البيع، وآخر من كتاب الرهن، فقال في أحدهما: " لو قال: بعتك وأنا صبي، أنه يقدم مدعي الصحة (يعني: المشتري). وقال: إن تقديم قول البائع في غاية الضعف " وقال في ثانيهما: " إذا قال: بعتك بعبد، فقال: بل بحر، أنه يقدم قول مدعي الصحة ". والكلام في ذلك موكول إلى محله. وقد تعرض شيخنا الاعظم (ره) في رسائله الكلام في هذه المسألة. فراجع.

[ 174 ]

[ البلد، وتنازعا، قدم قول المستأجر (1) فلا يستحق المؤجر أجرة حمله. وإن طلب منه الرد إلى المكان الاول (2) ] (1) لاصالة عدم وقوع الاجارة على ما ادعاه الاجير، فلا يستحق الاجرة على عمله. لكن هذا يتم بناء على ما عرفت من أن المعيار في تشخيص المدعي الغرض المقصود. أما إذا كان المعيار صورة الدعوى فهما متداعيان. لتباين الدعويين بتباين متعلقيهما وكذا إذا كان الغرض المقصود من دعوى المستأجر المطالبة بالنقل إلى الموضع الذي يدعيه، بأن كانت مدة الاجارة باقية، فان غرض كل منهما مباين لغرض الآخر، وكلاهما ثبوتي، فيكونان متداعين، يحلف كل منهما على نفي مدعي الآخر، وبعد حلفهما معا يحكم ببطلان كل من الدعويين. فلا يجوز للمستأجر مطالبة الاجير بنقل المتاع إلى الموضع الذي يدعيه، ولا للاجير المطالبة بالاجرة على نقله المتاع الذي يدعيه. وبالجملة: للمسألة صورتان: (الاولى): أن يكون كل واحد من المتعاقدين في مقام مطالبة صاحبه بحق، بأن يكون المستأجر في مقام مطالبة الاجير بالعمل المستأجر عليه حسبما يدعي، والاجير في مقام مطالبة المستأجر بالاجرة، لانه يدعي وقوع العمل المستأجر عليه. وفي هذه الصورة هما متداعيان، يدعي كل منهما شيئا على خلاف الاصل، وينكره الآخر، فيتحالفان. (الثانية): أن يكون أحدهما مطالبا لصاحبه بشئ، دون صاحبه فلا يطالبه بشئ. وفي هذه الصورة يكون المطالب مدعيا وصاحبه منكرا، فيقدم قوله بيمينه. كما إذا انتهت مدة الاجارة فبطلت " أو تعذر العمل المستأجر عليه، لعجز عقلي أو شرعي. (2) قد عرفت: أن المستأجر إنما يكون منكرا إذا لم يكن مطالبا بشئ ينكره صاحبه، فإذا كان مطالبا برد العين إلى الموضع الذي نقلت

[ 175 ]

[ وجب عليه (1)، وليس له رده إليه إذا لم يرض، ويضمن له ] عنه، فربما يقال إنه يكون مدعيا، فيكون الآخر منكرا، فيكونان متداعيين، المؤجر يطالب بالاجرة، والمستأجر يطالب بالرد. وفيه: أن المعيار في التداعي أن يطالب كل واحد منهما بأمر يكون من لوازم دعواه وثبوته يترتب على ثبوت دعواه. أما إذا كان المطالب يترتب على نفي دعوى خصمه، لانه من آثار عدمها، فانه حينئذ لا يكون مدعيا بالاضافة إليه، لان الاصل النافي لدعوى خصمه، بعد ماكان مثبتا لذلك الاثر الذي يطالب به، يكون بملاحظته أيضا منكرا، لانه يدعي أمرا تثبته الحجة الشرعية، وهو الاصل، وليس معنى المنكر إلا ذلك، كما عرفت. ونظير المقام: ما لو أكل طعام غيره مدعيا الاذن منه، فأنكر صاحب الطعام الاذن وطالب بالعوض، فانه بالمطالبة بالعوض لا يكون مدعيا، لانه يدعي أمرا تقتضيه أصالة عدم إذن المالك، كما هو ظاهر. (1) وجوب الرد إلى مكان الذي نقله منه إما أن يستفاد من قوله (ع): " كل مغصوب مردود " (* 1)، وقوله صلى الله عليه وآله: " على اليد ما أخذت حتى تؤدي " (* 2). وإما لان خصوصية المكان من قبيل سائر الخصوصيات القائمة بالعين " مضمونة على المتلف، لكن الاول إنما يقتضي الرد والاداء إلى المالك، وربما يحصلان بحضور المالك في البلد الذي نقل إليه المتاع. وأما الثاني: فلان الخصوصيات التي تكون عليها العين إنما تكون مضمونة إذا كانت ذات مالية. أما إذا لم تكن فلا دليل عليه ضمانها، وإن كانت مما تختلف بها الرغبات، فضلا عما إذا لم تكن كذلك


(* 1) لم نعثر على النص بهذا اللفظ. نعم عثرنا على قوله (ع) " لان الغصب كله مردود " فراجع الوسائل باب: 1 من كتاب الغصب حديث: 3، وباب: 1 من كتاب الانفال حديث: 4 (* 2) مستدرك الوسائل باب: 1 من أبواب الغصب حديث: 4.

[ 176 ]

[ أن تلف أو عاب، لعدم كونه أمينا حينئذ في ظاهر الشرع (1). (مسألة 13): إذا خاط ثوبه قباء، وادعى المستأجر أنه أمره بأن يخيطه قميصا، فالاقوى تقديم قول المستأجر (2) ] أيضا. وخصوصية المكان ربما تكون مما لا تختلف بها الرغبات، ولا تكون ذات مالية. فالدليلان المذكوران غير ظاهرين في إثبات ذلك على إطلاقه. نعم لا يبعد أن يكون ذلك من الاحكام العرفية للضمان. (1) وحينئذ فيشمله عموم أدلة الضمان. (2) كما عن جملة كثيرة من كتب الفاضلين والشهيدين والمحقق الثاني وغيرهم. وعن الحواشي نسبته إلى المشهور، لان المستأجر منكر لما يدعيه العامل من الاذن، فيكون قوله مقدما. لكن في الخلاف - بعد أن اختار أن القول قول صاحب الثوب واستدل له بما ذكر - قال: " وكنا نقول فيما تقدم في هذه المسألة: ان القول قول الخياط لانه عازم، وأن رب الثوب يدعي عليه قطعا لم يأمره، فيلزمه بذلك ضمان الثوب، فكان عليه البينة، فإذا فقدها وجب على الخياط اليمين. وهذا أيضا قوي ". وعن وكالة التذكرة: الجزم بأن القول قول الخياط. وظاهرهما أن المقام من باب المدعي والمنكر وان المالك مدع والعامل منكر. وفيه: ما عرفت من أن مطالبة المالك للعامل بضمان الثوب لا توجب كون المالك مدعيا، لان ذلك من آثار عدم الاذن في قطع الثوب قباء، فإذا جرى كفى في ترتب استحقاق الارش، فيكون قوله موافقا للاصل أيضا، فيكون منكرا لامدعيا. ومن ذلك يظهر لك ضعف ما يقال: من أن تقديم قول المالك يختص بصورة ما إذا لم يدع المالك الارش. أما إذا ادعى الارش على العامل فهما متداعيان، لان العامل يدعي الاجرة والمالك يدعي الارش. وادعي

[ 177 ]

[ لاصالة عدم الاذن في خياطته قباء. وعلى هذا فيضمن له عوض النقص الحاصل من ذلك (1). ولايجوز له نقصه إذا كان الخيط للمستأجر (2). وإن كان له كان له (3). ] فهم ذلك من مجمع البرهان من قوله: " ولعل المصنف لم يذكر التحالف بناء على عدم دعوى الآخر، وأما مع دعواه فالظاهر التحالف، فتأمل ". بل فهم أيضا ذلك من التذكرة، لما ذكر فيها من أن من قدم قول الخياط لابد وأن يقول بالتحالف. وجه الضعف: ما عرفت من أن دعوى المالك الارش لما كانت مقتضى أصالة عدم الاذن في عمل العامل، لا توجب كونه مدعيا، بل هو أيضا من هذه الجهة منكر. ولافرق في كون المالك منكرا، بين اقتصاره على نفي الاجارة بداعي نفي الاجرة، أو بداعي المطالبة بالارش، أو بداعيهما معا لانه في الجميع يدعي ما يقتضيه الاصل. وكلام التذكرة ومجمع البرهان لا يخلو من إجمال. نعم عن صريح الشافعي: أن رب الثوب يدعي عليه الغرم وينفي الاجرة، والخياط يدعي الاجرة وينفي الغرم فيتحالفان. انتهى. وهو صريح فيما ذكر، الذي قد عرفت ضعفه. ومن ذلك يظهر أنه لافرق في كون المالك منكرا والعامل مدعيا بين أن يكون فرض المسألة من باب الاجارة، كما هو ظاهر المتن، وأن يكون من باب الامر بالعمل على وجه الجعالة، كما هو ظاهر فرض الاصحاب للمسألة. نعم لا بأس بالبناء على التحالف إذا كان المعيار في تشخيص المدعي صورة الدعوى، لتباين الدعويين، كما عرفت في نظائره. (1) لانه بفعله، فيدخل في عموم: من أفسد فهو ضامن. (2) لعدم جواز التصرف في مال أحد إلا باذنه. (3) يعني: إذا كان الخيط للمؤجر جاز له نقضه، لانه ماله فيكون

[ 178 ]

تحت سلطنته. فان قلت: نقضه يوجب تصرفا في الثوب الذي هو للمستأجر، فيكون تحت سلطنته، فلا يجوز التصرف فيه. قلت: الوجود القائم بعينين لمالكين، لما كان تصرفا في العينين، كان تحت سلطنة واحدة قائمة بسلطانين، فتكون سلطنتين ضمنيتين. وإذا أعملت إحدى السلطنتين الضمنيتين في الوجود كان الوجود تحت سلطنة مطلقة للسلطان الآخر. وإذا أعملت بالعدم بطلت السلطنة الاخرى من السلطان الآخر. مثلا: العقد القائم بالعوضين للمالكين، لما كان قائما بمالين، كان تحت سلطنة المالكين معا، فإذا أقدم أحد السلطانين على الوجود، كان الوجود تحت سلطنة مطلقة للطرف الآخر، فإذا أوجب البائع كانت المعاوضة تحت سلطان القابل، فوجودها وعدمها تحت سلطانه، وإذا لم يوجب ولم يرض بالمعاوضة، بطلت السلطنة من الآخر. ففي المقام: لما كان بقاء الخيط بالثوب قائما بالعينين معا، فهو تحت سلطنة مالكيهما على النحو الذي ذكرناه، فان رضي صاحب الخيط ببقائه فبقاؤه تحت سلطنة مطلقة لصاحب الثوب، وإن رضي صاحب الثوب ببقائه فهو تحت سلطنة مطلقة لصاحب الخيط، وإن رضي صاحب الثوب ببقائه بطلت سلطنة صاحب الخيط على بقائه، وإن لم يرض صاحب الخيط ببقائه بطلت سلطنة صاحب الثوب على بقائه، فلا يكون له منعه بدعوى أنه تصرف في الثوب. لكن هذه إنما يتم بالاضافة إلى التصرف في الثوب من حيث كونه مخيطا، ولا يقتضي جواز التصرف فيه، التصرف الذي يكون مقدمة لنقضه وفصل الخيط عنه، فان ذلك التصرف ليس قائما بالثوب والخيط، وإنما هو قائم بالثوب نفسه، فهو تحت سلطنة المالك مستقلا، نظير التصرف في آلات صاحب الثوب لاجل فصل الخيط عنه. وعلى هذا فالخروج عن القواعد المقتضية للمنع لا يصح، إلا إذ كان ضررا على

[ 179 ]

[ ويضمن النقص الحاصل من ذلك (1). ولا يجب عليه قبول ] صاحب الخيط، فتكون قاعدة نفي الضرر حاكمة على قاعدة السلطنة. لكن إذا منع المالك صاحب الخيط عن أخذ خيطه، فامتنع، جاء الاشكال في تصرفه في الثوب، لانه تصرف في الخيط أيضا، فيحرم. إلا أن يقال: إن منع مالك الثوب عن التصرف في ثوبه ضرر، فينتفي، ولاضرر في منع مالك الخيط عن أخذ خيطه حسب الفرض. وبالجملة: الخروج عن القواعد المقتضية لما ذكرنا غير ظاهر، وإن تصدى بعض لاثبات أن مقتضاها جواز أخذ الخيط لمالكه، وإن لزم التصرف في الثوب مطلقا، وجواز منع صاحب الخيط من أخذه، وإن لم يلزم ضرر على صاحب الثوب، كما أشرنا إلى ذلك في تعليقتنا على مباحث خيار الغبن. (1) لانه بفعله، فيشمله عموم أدلة الضمان. نعم إذا كانت تستوجب صفة ذا مالية في الثوب، كانت تلك الصفة ملكا للمؤجر، فيكون الثوب لمالكه والخياطة للعامل، وله المطالبة بها. وحينئذ فهل لازم ذلك الشركة في العين أولا؟ وجهان. أقواهما الثاني، لعدم الدليل عليه. وأضعف منه جعل الشركة في المالية. وجه الضعف: أن المالية من الاعتبارات التي هي منتزعة من حصول الرغبة، ولاتقبل الشركة عند العقلاء. وكذلك الحكم لو أراد الخياط أخذ الخيط، فمنعه المالك من التصرف في الثوب، وكان منعه موجبا للضرر، كما كان - أيضا - التصرف في الثوب حين أخذ الخيط ضررا على المالك، فانه مع تعارض الضرر وسقوط قاعدة نفي الضرر في الطرفين، يرجع إلى قاعدة السلطنة في الطرفين، ومقتضاها عدم جواز أخذ الخيط، وعدم جواز التصرف في الثوب،

[ 180 ]

[ عوضه لو طلبه المستأجر (1)، كما ليس عليه قبول عوض الثوب لو طلبه المؤجر. هذا ولو تنازعا في هذه المسألة والمسألة المتقدمة قبل الحمل وقبل الخياطة فالمرجع التحالف (2) ] فيبقى الثوب ممنوعا من التصرف فيه من كل منهما، ولابد من أن ينتهي الامر إلى التخلص بالبيع، ونحوه من المعاوضات على العين، ويكون الاشتراك بينهما بالثمن، بناء على أن ذلك من الاحكام العرفية، كما هو غير بعيد، وإن كان لا يخلو من خفاء. (1) الوجه فيه وفيما بعده ظاهر، لانه مقتضى قاعدة السلطنة. (2) هذا واضح بناء على أن المعيار في تشخيص المدعي مصب الدعوى أما إذا كان المعيار هو الغرض المقصود للمتنازعين فمشكل، لان المستأجر يطالب بالعمل الذي يدعيه، والاجير ينكر ذلك. أما الاجير فلا يطالب بشئ، لانهما يعترفان باستحقاق الاجرة ولا ينكرها أحدهما. نعم يدعي الاجير استحقاق أخذ الاجرة والمطالبة لو عمل، وهذه الدعوى ليس فيها مطالبة بحق فعلي، وإنما هي مطالبة بحق استقبالي، ومثل هذه الدعوى لا تسمع، لعدم استحقاق المطالبة بالحق المذكور إلا في ظرف فعليته. نعم إذا مضت المدة التي يمكن فيها العمل، وبذل الاجير نفسه للعمل، استحق المطالبة بالاجرة لو كانت الاجارة واقعة على العمل الذي يدعيه. وحينئذ تصح له الدعوى، فتكون مسموعة، ويكون مدعيا، والمستأجر منكرا. وحينئذ فان كان مقصود المصنف (قده) هذا المعنى من التحالف فلا بأس به، وإن كان المقصود أنهما في الزمان الواحد متداعيان فقد عرفت اشكاله. وكأنه لذلك ذكر في بعض الحواشي لبعض الاكابر: أنه يقدم قول المؤجر في المسألتين مع يمينه على نفي ما يدعي المستأجر استحقاقه. (انتهى). ثم إنه إذا تحالفا حكم الحاكم على طبق كل من اليمينين، فيحكم ببطلان

[ 181 ]

كل من الدعويين. وحينئذ يقع الكلام في أمور. الاول: في أن الحكم الصادر من الحاكم ليس حكما واقعيا عندنا، لما يستفاد من النصوص: مثل قول أبي عبد الله (ع) في صحيح هشام ابن الحكم: " قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إنما أقضي بينكم بالبينات والايمان، وبعضكم الحن بحجته من بعض، فأيما رجل قطعت له من ماله أخيه شيئا، فانما قطعت له به قطعة من النار " (* 1). فانه كالصريح في أن حكم الحاكم لا يغير الواقع ولا يبدله إلى حكم آخر، فإذا حكم ببطلان الدعوى لم يكن ذلك موجبا لبطلانها واقعا، بل الواقع بحاله. ولاجل ذلك يقع الكلام في الامر الثاني وهو: أنه إذا كان الامر الواقعي بحاله باقيا، يقع الاشكال في جواز الحكم في مورد التحالف، للعلم بمخالفته للواقع، فكيف يجوز له الحكم ببطلان كلتا الدعويين، مع العلم بأن إحداهما ثابتة في الواقع؟! فالحكم المذكور مع هذا العلم حكم على خلاف الواقع. وقد تعرضوا لدفع الاشكال المذكور بوجوه مذكورة في مباحث حجية القطع. ولعل الاسد أن يقال: إن مادل على لزوم حسم النزاع، والمنع من وقوع الفساد المترقب منه، اقتضى جواز الحكم المذكور وإن كان على خلاف الواقع. مثل ما إذا توقف دفع اللص على دفع مقدار من المال إليه، فان وجوب الدفع لا يقتضي استحقاق اللص للمقدار المدفوع إليه، ولا يخرج المدفوع من ملك مالكه، ولا عن تحريم التصرف فيه بغير إذنه، فيحرم على اللص التصرف فيه، ويجب إرجاعه إلى الدافع، وإن وجب دفعه إليه وتمكينه منه، لدفع ضرره واتقاء شره، مع بقاء المدفوع على ملك مالكه، وترتب جميع احكامه عليه. ففي المقام يكون


(* 1) الوسائل باب: 2 من أبواب كيفية القضاء حديث: 1.

[ 182 ]

حكم الحاكم من هذا القبيل، فانه لا يوجب بطلان الدعويين واقعا وحقيقة، وإنما يحكم ببطلانهما عملا، بمعنى أنه لا يجوز للمدعي مطالبة المنكر، ولا الدعوى عليه، ولا النزاع معه، وإن كان المدعى به على ما هو عليه، لا تغيير فيه ولا تبديل. وبالجملة: المدعى به باق على ما هو عليه موضوعا وحكما، إلا في هذ الجهة. وهي جواز المطالبة فيه والادعاء والنزاع، نظير ما ذكرنا من المثال. فدليل نفوذ الحكم مخصص لدليل آثار الواقع في غير الاثر المذكور، فيخرجه عن الدليل مع بقاء عموم الدليل لسائر الآثار الاخرى. إذ من جملة الاحكام الواقعية للمال مثلا جواز المطالبة، فإذا حكم الحاكم انتفى الحكم المذكور واقعا، وبقيت الاحكام الاخرى بحالها، وكذا بالنسبة إلى سائر موارد الدعاوى. وحينئذ لامانع من جواز الحكم في مورد التحالف، مع العلم الاجمالي بمخالفته للواقع في احدى الدعويين، بل بناء على القول بعدم جواز القضاء بعلم الحاكم وتعين الرجوع إلى البينة واليمين، نقول: يقضي بالبينة أو اليمين، وينفذ قضاؤه وإن علم بمخالفته للواقع. فالمحذور المذكور لا يصلح للمنع، إذ لامانع من تخصيص دليل الآثار بغير جواز المطالبة. الثالث: أن حكم الحاكم من قبيل الامارة بالنسبة إلى من عداه من المكلفين فيكون طريقا إلى ثبوت مؤداه في جميع الآثار غير الاثر المقصود، فيجب على جميع المكلفين ترتيب آثار المحكوم به ظاهرا، ويكون حجة على ذلك لما دل على عدم جواز رده ووجوب قبوله، مثل ما في مقبولة عمر بن حنظلة من قول الصادق (ع): " فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه فانما استخف بحكم الله تعالى، وعلينا رد. والراد علينا الراد على الله تعالى، وهو على حد الشرك بالله تعالى " (* 1) فيترتب عليه أحكام الامارات من الحجية


(* 1) الوسائل باب: 11 من ابواب صفات القاضي حديث: 1.

[ 183 ]

في ظرف الشك، وعدم الحجية في ظرف العلم بالواقع تفصيلا أو إجمالا إذا كان منجزا. وحينئذ يشكل الامر في موارد التحالف، فانه يعلم بمخالفته إجمالا للواقع، فلا مجال للاعتماد عليه، فلابد من الرجوع عند العلم بمخالفته للواقع إجمالا أو تفصيلا إلى ما تقتضيه القواعد بالنسبة إلى ذلك العلم، فان كان العلم تفصيليا عمل بمقتضاه، وإذا كان إجماليا عمل بمقتضاه. فإذا ادعى رجل زوجية امرأة، وأنكرت هي ذلك فحلفت، وحكم الحاكم بنفي زوجتيها، لا يجوز له أن يتزوج أمها أو بنتها أو أختها أو خامسة. وكل من علم بصدقه لا يجوز له أن يتزوجها. كما أنها لا يجوز لها أن تتزوج رجلا آخر إذا كان انكارها جحودا. وإذا اختلف المتبايعان في المبيع والثمن، فقال البائع بعتك العبد بالدار، فيقول المشتري: بعتني الجارية بالبستان، وحلفا، وحكم الحاكم بانتفاء البيعين، فقد علم إجمالا بملك البائع للدار أو البستان، وملك المشتري للعبد أو الجارية، وحينئذ لا يجوز شراء العبد أو الجارية من المشتري ولا من البائع، وكذا لا يجوز شراء الدار أو البستان من كل منهما. لكن في الدروس في أواخر كتاب البيع قال: " إذا حلفا أو نكلا احتمل أن ينفسخ العقد، إذ إمضاؤه على وفق اليمينين متعذر، وعلى وفق أحدهما تحكم. ويحتمل أن يتزلزل فيفسخه المتعاقدان أو أحدهما أو يرضى أحدهما بدعوى الآخر، أو يفسخه الحاكم إذا يئس من توافقهما وامتنعا من فسخه، لئلا يطول النزاع. وعلى الانفساخ ينفسخ من حينه، لا من أصله. ثم إن توافقا على الفسخ أو فسخه الحاكم انفسخ ظاهرا وباطنا، ولو بدر أحدهما فان كان المحق فكذلك، والا انفسخ ظاهرا ". وحكي الجزم بالانفساخ عن كثير من كتب الفاضلين والشهيدين، وإن اختلفت عباراتهم في كون

[ 184 ]

الفسخ بعد التحالف من حينه أو من أصله، كما عن اللمعة والروضة. وفي الجواهر: " لاريب أن المتجه على مقتضى الضوابط الشرعية عدم الانفساخ بالتحالف، ولا يتسلط الحاكم على ذلك. هذا كله بحسب الواقع ". وهو في محله. والاستدلال عليه بالنبوي المذكور في الدروس: " إذا اختلف المتبايعان تحالفا وترادا "، كما ترى، لقصوره عن اثبات ذلك دلالة، لعموم الاختلاف لصورة التداعي وغيره، ولذا قال في الدروس: " وعليه يحمل قول النبي صلى الله عليه وآله ". وكذا سندا، وهو ظاهر. بل المروي لاصحاب السنن - أبي داود والترمذي والنسائي - هكذا: " إذا اختلف البيعان وليس بينهما بينة فهو ما يقول رب السلعة أو يتتاركان " أي: يتفاسخان العقد. وهو غير ما نحن فيه، ولم يرد عن صحاحهم وسننهم غير ذلك. وكيف كان: فالبناء على الانفساخ أو فسخ الحاكم غير ظاهر، كما ذكر في الجواهر. واللازم على المتداعيين وعلى غيرهما العمل على مقتضى العلم الاجمالي أو التفصيلي، على وجه لايؤدي إلى الخصومة والنزاع، لئلا يلزم رد الحكم وعدم قبوله. لكن قال في الجواهر: " نعم قد يقال: إن للغير التصرف في كل من الثوبين نقلا وشراءهما، بل والثمن الذي يرجع إلى المشتري منهما أيضا وإن علم أن الواقع ينافي ذلك، إلا أن الظاهر عدم اعتبار مثل هذا العلم في المنع عن العمل بما يقتضيه الحكم في الظاهر. وله نظائر كثيرة في الفقه، منها: العين المقسومة بين اثنين لتعارض البينتين مثلا، بل ومع العلم بأنها لواحد منهما إذا لم نقل بالقرعة، فان للغير شراء الجميع من كل واحد منهما، وإن علم أن أحدهما غير مالك للنصف، إجراء للحكم الظاهري. بل إذا لم يكن إجماع جرى مثله في النكاح لو فرض التداعي

[ 185 ]

بين السيد وآخر في تزويج أمته، فقال السيد هذه، وقال الآخر بل هذه، وتحالفا، فان للغير التزويج بهما وإن علم أن احداهما ذات زوج، عملا بالحكم الظاهري ". وفيه: أنه مع الاعتراف بأنه حكم ظاهري كيف يجوز العمل به مع العلم التفصيلي بمخالفته للواقع؟! وهل هو الا تناقض بين الحكمين؟!. وكذا الحكم مع العلم الاجمالي على التحقيق من كونه حجة على نحو يمنع من جعل الحكم الظاهري على خلافه في أحد الاطراف، فضلا عن تمامها. والحكم فيما ذكره من المثال من العين المقسومة بين المتداعيين لتعارض بينتيهما أيضا كذلك، فانه لا يجوز البناء على كون القسمة ظاهرية، وأنه يجوز العمل عليها حتى مع العلم بالمخالفة للواقع. نعم لا بأس إذا كانت القسمة واقعية، بأن تكون البينتان سببا للاشتراك في العين، فيحنئذ يجوز ترتيب الآثار عليهما مطلقا. لكن الدليل المتضمن للقسمة ظاهر في كونها لمحض حسم النزاع ودفع الفساد المترتب عليه، وليس فيها تحليل الحرام وتحريم الحلال واقعا. بل اللازم ايكال أمر عمل المتخاصمين بالنظر إلى الواقع إلى علمهما. وكذلك عمل غيرهما ممن يكون موردا للابتلاء. ولذا قال في الدروس في أواخر كتاب القضاء: " تتمة: لا يتغير الشئ عما هو عليه بحكم الحاكم، فلو حكم بشاهدي زور على عقد أو فسخ أو طلاق أو نكاح لم يستبح المحكوم به، ولا يحل - للعلم بكذبهما - موافقة الحكم. وعلى المرأة الامتناع لو علمت بالتزوير، فان أكرها أثم دونها، ولها التزويج لغيره بعد العدة، وللرجل ايتانها إذا كان محكوما عليه بطلاقها، وإن تزوجت بغيره بعد العدة ". وقد اشتهر في كلامهم عدم وجوب العمل بالحكم إذا علم بمخالفته

[ 186 ]

للواقع، بل الظاهر أنه لا كلام فيه ولا إشكال. فكيف يمكن جعل حكم الحاكم حجة حينئذ؟! وليس هو إلا كغيره من الحجج التي لا مجال للعمل بها مع العلم التفصيلي على خلافها ضرورة. وكذا مع العلم الاجمالي على خلافها على ما هو التحقيق عند المحققين من كونه منجزا للواقع كالعلم التفصيلي. كما أنه يجب العمل به مع الشك والجهل بالواقع، ولافرق بين المتداعيين في ذلك وغيرهما، لعموم قوله (ع): " فلم يقبل منه فانما استخف بحكم الله سبحانه... "، (* 1) الشامل للمتداعيين وغيرهما. ومما يترتب على ذلك: أنه لو تمكن ذو الحق من المتداعيين من استنقاذ حقه من خصمه، مع علمه بثبوت حقه، جاز له ذلك وإن كان حكم الحاكم عليه لا له، لعدم حجية الحكم عليه مع العلم ببطلانه، وإن كان لا يجوز له المطالبة به والادعاء، كما تقدم في الامر الثاني من أن دليل نفوذ الحكم كما يدل على حجيته في ظرف الشك، يدل على كونه فاصلا للخصومة وحاسما للنزاع. وترتب الاثر المذكور عليه ليس من باب الطريقية، ليكون ملغيا مع العلم بالواقع، بل من باب الموضوعية، وإلا تعذر الفصل به غالبا، لعلم كل من المتخاصمين بصحة دعواه نفيا أو اثباتا، فلو اختص بحال الشك لم يكن حاسما للنزاع مع العلم، وهو خلاف المقطوع به من أدلة نفوذه. نعم المذكور في كلام الاصحاب: أنه إذا كان حكم الحاكم مستندا إلى اليمين، لم تجز لمن حكم عليه بالحق المقاصة من مال المحكوم له، وإن علم بثبوت حقه. قال في الشرائع: " إذا حلف - يعني المدعى عليه - سقطت الدعوى. ولو ظفر المدعي بعد ذلك بمال الغريم لم تحل له المقاصة ". وفي المسالك: " هذا هو المشهور بين الاصحاب، لا يظهر فيه مخالف ".


(* 1) الوسائل باب: 11 من أبواب صفات القاضي حديث: 1.

[ 187 ]

وفي الجواهر: " بلا خلاف أجده في شئ من ذلك ". وهذا وإن كان خلاف مقتضى الادلة الاولية، المقتضية لبقاء حقه وجواز استنقاذه بكل طريق شاء، بلا مطالبة ولا منازعة إلا أن مستنده جملة من النصوص، أدعي دلالتها عليه. منها: خبر عبد الله بن أبي يعفور، عن أبي عبد الله (ع): " إذا رضي صاحب الحق بيمين المنكر لحقه، فاستحلفه، فحلف أن لاحق له قبله، ذهبت اليمين بحق المدعي، فلا دعوى له. قلت له: وإن كان عليه بينة عادلة؟ قال: نعم، وإن أقام بعد ما استحلفه بالله تعالى خمسين قسامة ماكان له، وكانت اليمين قد أبطلت كل ما ادعاه قبله مما قد استحلفه عليه " (* 2). وزاد في الفقيه: " قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من حلف لكم على حق فصدقوه، ومن سألكم بالله فاعطوه، ذهبت اليمين بدعوى المدعي ولادعوى له " (* 2). وخبر خضر النخعي عن أبي عبد الله (ع): " في الرجل يكون له على الرجل المال فيجحده قال (ع): إن استحلفه فليس له أن يأخذ شيئا، وإن تركه ولم يستحلفه فهو على حقه " (* 3) وخبر عبد الله بن وضاح: " قال: كانت بيني وبين رجل من اليهود معاملة، فخانني بألف درهم، فقدمته إلى الوالي فاحلفته فحلف، وقد علمت أنه حلف يمينا فاجرا فوقع له بعد ذلك عندي أرباح ودراهم كثيرة، فأردت أن اقتص الالف درهم التي كانت لي عنده، وأحلف عليها، فكتبت إلى أبي الحسن (ع) فاخبرته أني قد أحلفته فحلف، وقد وقع له عندي مال، فان أمرتني أن آخذ منه الالف درهم التي حلف عليها فعلت. فكتب (ع): لا تأخذ منه شيئا، إن كان ظلمك فلا تظلمه،


(* 1) الوسائل باب: 9 من أبواب كيفية القضاء حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 9 من أبواب كيفية القضاء حديث: 2. (* 3) الوسائل باب: 10 من أبواب كيفية القضاء حديث: 1.

[ 188 ]

ولولا أنك رضيت بيمينه فحلفته لامرتك أن تأخذ من تحت يدك، ولكنك رضيت بيمينه وقد ذهبت اليمين بما فيها. فلم آخذ منه شيئا، وانتهيت إلى كتاب أبي الحسن (ع) " (* 1). وأما النبوي: " من حلف بالله فليصدق، ومن لم يصدق من الله ومن حلف له بالله فليرض، ومن لم يرض فليس من الله في شئ " (* 2)، فليس مما نحن فيه لظهوره في الترغيب في الاذعان بمضمون الحلف. لكن الخبر الاول ظاهر في نفي جواز التداعي. والثاني غير بعيد. والواضح الدلالة الاخير. وهما وإن كانا ضعيفي السند، لكن ضعفهما مجبور بالعمل. لكنهما مختصان بالدين والمقاصة من مال المحكوم له، ولا يشمل أخذ العين نفسها إذا أمكن المحكوم عليه، ولا المقاصة عنها. وقد عرفت أن مقتضى القواعد جواز ذلك، والتعدي من مورد النصوص إلى ذلك غير ظاهر. وأشكل منه التعدي عن المقاصة إلى سائر التصرفات في العين من لبس ونحوه. وأشكل منه التعدي إلى التصرفات الاعتبارية، مثل احتسابه زكاة، وإبرائه منه، وعتقه، ووقفه، ونحو ذلك، فان ذلك كله بعيد عن مدلول النصوص المذكورة جدا، فلا موجب فيه للخروج عن القواعد. نعم لاتبعد دعوى عموم النص للمقاصة عن العين بقرينة التعليل: " إن كان ظلمك فلا تظلمه "، فان الظاهر أن المقصود من ظلمه أخذ ماله بغير اذنه من عين أو دين. فتأمل. كما أن النصوص المذكورة مختصة باليمين، فإذا كان مستند الحكم البينة أو النكول أو الاقرار لامانع من المقاصة، عملا بالقواعد الاولية من دون مخرج عنها. والتعليل في خصوص الخبر الاخير غير واضح الانجبار


(* 1) الوسائل باب: 10 من أبواب كيفية القضاء حديث: 2. (* 2) الوسائل باب: 6 من ابواب كتاب الايمان حديث: 1.

[ 189 ]

بالاعتماد، لاقتصار كلماتهم على خصوص اليمين، وظاهرهم الاعتماد على نصوص اليمين من حيث كونها يمينا، ومن الجائز أن لا يكون اعتمادهم على هذا الخبر، فلم يثبت انجباره، ولاسيما بملاحظة مادل على مشروعية المقاصة، وعموم قوله تعالى: (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم). (* 1) هذا والذي تحصل مما ذكرنا أمور: (الاول): أن حكم الحاكم لا يغير الواقع، بل هو محفوظ في نفسه وعلى حاله. (الثاني): أن علم الحاكم إجمالا لا ينافي حكمه بخلاف العلم. (الثالث): أن حكم الحاكم فاصل للخصومة ومانع من النزاع وإن علم أحد الخصمين وكلاهما ببطلانه، وأن هذا الاثر حكم واقعي. (الرابع): أن حكم الحاكم بالنسبة إلى مؤاده حكم ظاهري، لا يحوز العمل به مع العلم بخلافه إجمالا أو تفصيلا، وإنما يجب العمل به مع الشك. ولافرق بين المتخاصمين وغيرهما من سائر المكلفين. (الخامس): أن بناء جمع من الاصحاب على انفساخ العقد بعد التحالف - إذا كان النزاع في العقود - مما لادليل عليه، فلا مجال للبناء عليه. وكذا البناء على أن الحاكم له الولاية على الفسخ. (السادس): يستثنى من جواز العمل بالعلم - إذا كان على خلاف الحكم - المقاصة، فلا تجوز المقاصة من المحكوم عليه إذا كان عالما بثبوت حقه، وكان مستند الحكم اليمين. (السابع): أنه لا يلحق بالمقاصة أخذ العين نفسها، ولا التصرف فيها بغير نحو المقاصة، سواء كان التصرف خارجيا مثل اللبس ونحوه، أم اعتباريا مثل الابراء والوقف. (الثامن): أن حرمة المقاصة مختصة بما إذا كان مستند الحكم اليمين، فلا مانع من المقاصة إذا كان مستند الحكم البينة، أو النكول، أو الاقرار خطأ أو اشتباها.


(* 1) البقرة: 194.

[ 190 ]

[ (مسألة 14): كل من يقدم قوله في الموارد المذكورة عليه اليمين للآخر. خاتمة فيها مسائل: (الاولى): خراج الارض المستأجرة في الاراضي الخراجية على مالكها (1). ولو شرط كونه على المستأجر ] خاتمة (1) لا ينبغي التأمل في أن الارض الخراجية - وهي المحياة حين الفتح - ملك للمسلمين من ولد ومن لم يولد، لا يملكها أحد غيرهم. وما ذكره جماعة من أنها تملك لآحاد الناس تبعا للآثار، لا دليل عليه، كما ذكرنا في حاشيتنا على مكاسب شيخنا الاعظم (ره). وما في مفتاح الكرامة من أن دعوى أن أرض الخراج لا تكون ملكا، وهم قطعا، فان الارض المفتوحة عنوة المحياة قبل الفتح إذا أذن الامام لاحد بأن يبني فيها أو يغرس، وأن يكون عليه خراجها، ملك رقبتها أصالة أو تبعا - على الخلاف - فإذا زالت آثاره زال ملكه. (انتهى). غير ظاهر، فراجع. ولعل مقصود المتن من المالك: المؤجر الذي يملك منفعتها. ثم الظاهر أنه لاإشكال ظاهر فيما ذكره من أن الخراج على المالك لا على المستأجر، لانه موضوع على من بيده الارض، ومن جعل له سلطان التصرف فيها، فلا يكون على المستأجر. ويظهر من كلماتهم في كتاب

[ 191 ]

[ صح على الاقوى. ولا يضر كونه مجهولا من حيث القلة والكثرة (1)، لاغتفار مثل هذه الجهالة عرفا، ] المزارعة التسالم على الحكم المذكور، وإن اختلفت عباراتهم، فمنهم من عبر بالمالك. وآخر بالصاحب. وثالث برب الارض. والمراد به ما عرفت. ويشهد بالحكم المذكور خبر سعيد الكندي قال: " قلت لابي عبد الله (ع): إني آجرت قوما أرضا، فزاد السلطان عليهم. فقال (ع): أعطهم فضل ما بينهما. قلت: أنا لم أظلمهم ولم أزد عليهم. قال (ع): إنهم إنما زادوا على أرضك ". (1) أشار بذلك إلى ما ذكر في المسالك في مبحث المزارعة من المنع عن الشرط المذكور. للجهالة القادحة. واستشكل فيه في الرياض. ودفعه المصنف باغتفار مثل هذه الجهالة عرفا. وكأنه لان الشرط تابع وليس مقوما للعقد، فالجهالة فيه ليست جهالة في العقد. ويشكل: بأن الشرط في ضمن العقد وإن لم يكن من مقومات كلي العقد، لكنه من مقومات شخصه، فالجهل فيه جهل بمضمون العقد الشخصي، فيصدق على الاجارة الشخصية أنها غررية. نعم قد يصح ذلك في الشروط الملحوظة تبعا لركن العقد، مثل: اشتراط حمل الدابة وسرجها ولجامها ونحو ذلك مما كان معدودا من توابع العوض. هذا وفي الجواهر قال في مبحث المزارعة: " لعل الوجه في إطلاق النص والفتوى صحة هذا الشرط: أنه من اشتراط كون الحق الخراج عليه نحو اشتراط حق الزكاة على مشتري الثمرة، مع عدم العلم بمقدارها، إذ ليس هو اشتراط قدر، بل اشتراط حق، وربما لايؤدي عنه شيئا، ومرجعه إلى اشتراط كون الزارع كالمالك في تعلق هذا الحق، الذي


(* 1) الوسائل باب: 16 من أبواب المزارعة حديث: 10.

[ 192 ]

[ ولاطلاق بعض الاخبار (1). ] لاإشكال في صحة اشتراطه ". ويشكل: بأن اشتراط كون الحق عليه لا يخلو من إشكال في نفسه لان موضوع حق الخراج هو المالك، فيكف يمكن أن يجعل موضوعه غيره؟! فان أمر موضوع الحق بيد جاعله، ولايكون بيد غيره، فاشتراط ذلك غير معقول، فضلا عن أن يكون صحته مما لاإشكال فيها. وكذا الحكم في اشتراط حق الزكاة، فان متعلقه عين النصاب، وليس متعلقا بالمالك ليكون مما نحن فيه. نعم خطاب أداء الزكاة متعلق بالمالك، واشتراط كونه على المشتري بحيث يخرج المالك عن موضوع الخطاب، أيضا غير معقول، إذ ليس للمأمور صلاحية نقل الخطاب المتعلق به إلى غيره. هذا مضافا إلى أن مقدار الخراج إذا كان مجهولا كان الحق مجهولا. ومثله: أن يشترط عليه أن يمكله ما في الصندوق المردد بين القليل والكثير، فالتقريب المذكور لا يرفع الاشكال. فالعمدة ما عرفت في أول الكتاب من أنه لادليل على قدح الجهالة كلية في عقد الاجارة. ودليل نفي الغرر مختص بالبيع. والاجماع على القدح غير حاصل. (1) في صحيح داود بن سرحان عن أبي عبد الله (ع): " في الرجل تكون له الارض عليها خراج معلوم، وربما زاد وربما نقص، فيدفعها إلى رجل على أن يكفيه خراجها، ويعطيه مائتي درهم في السنة. قال (ع): لا بأس ". ونحوه صحيح يعقوب بن شعيب (* 2). وظاهرهما جواز شرط ذلك مع تردده بين الاقل والاكثر، فالدلالة تكون بالظهور


(* 1) الوسائل باب: 17 من أبواب المزارعة حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 17 من أبواب المزارعة ملحق حديث: 1.

[ 193 ]

[ (الثانية): لا بأس بأخذ الاجرة على قراءة تعزية سيد الشهداء وسائر الائمة صلوات الله عليهم (1)، ولكن ] لا بالاطلاق. نعم في صحيح يعقوب الآخر عن أبي عبد الله (ع) قال: " سألته عن الرجل تكون له الارض من أرض الخراج، فيدفعها إلى الرجل على أن يعمرها ويصلحها ويؤدي خراجها، فما كان من فضل فهو بينهما. قال (ع): لا بأس " (* 1). لكن الظاهر منه المزارعة لا الاجارة. وخبر ابراهيم بن ميمون: " سألت أبا عبد الله (ع) عن قرية لاناس من أهل الذمة، لاأدري أصلها لهم أم لا، غير أنها في أيديهم وعليها خراج، فاعتدى عليهم السلطان، فطلبوا إلي فاعطواني أرضهم وقريتهم، على أن أكفيهم السلطان بما قل أو كثر، ففضل لي بعد ذلك فضل، بعد ما قبض السلطان ما قبض. قال (ع): لا بأس بذلك، لك ماكان من فضل " (* 2). ونحوه خبر أبي بردة (* 3). وخبر أبي الربيع (* 4). وهذه الروايات وإن كان مطلقة، لكنها ظاهرة في كون أداء الخراج عوضا، لا شرطا في العقد. (1) لا ينبغي التأمل في صحة ذلك، لكونه عملا له منفعة معتد بها دنيوية وأخروية. نعم قد يشكل ما هو المتعارف، من جهة أنه لابد من تعيين العمل بالخصوصيات التي تختلف بها الرغبات والمالية، لاختلاف مالية القراءة بلحاظ اختلاف المضامين، واختلاف كيفية الاداء. واختلاف المدة، فإذا لم يكن تعيين بطلت الاجارة. نعم إذا كانت الاجارة واقعة


(* 1) الوسائل باب: 10 من أبواب المزارعة حديث: 2. (* 2) الوسائل باب: 17 من أبواب المزارعة حديث: 2. (* 3) الوسائل باب: 17 باب من أبواب المزارعة حديث: 3. (* 4) الوسائل باب: 17 من أبواب المزارعة حديث: 4.

[ 194 ]

[ لو أخذها على مقدماتها من المشي إلى المكان الذي يقرأ فيه كان أولى (1). (الثالثة): يجوز استئجار الصبي المميز من وليه الاجباري أو غيره - كالحاكم الشرعي - لقراءة القرآن أو التعزية والزيارات (2). بل الظاهر جوازه لنيابة الصلاة عن الاموات بناء على الاقوى من شرعية عباداته (3). ] على كلي القراءة ومسمى ذكر المصاب، صحت وإن لم يكن تعيين. وحينئذ لابد في تصحيح الاجارة من وقوعها على النحو المذكور، وحينئذ يستحق الاجرة بمجرد ذلك. (1) كأنه ليكون أبعد عن شبهة منافاة قصد أخذ الاجرة للاخلاص. (2) الامور الثلاثة وأمثالها: تارة: يحصل المقصود منها بمجرد وجودها، سواء كانت عبادة أم لا، وحينئذ لاشبهة في صحة اجارة الصبي عليها، كسائر الاعمال غير العبادية مثل الخياطة والنساجة ونحوهما. وأخرى: لا يحصل المقصود منها إلا بوقوعها على وجه العبادة، فقد تشكل الاجارة عليها بناء على أن عبادات الصبي تمرينية، لا شرعية. إلا أن يقال: إن الخلاف المذكور يختص بالعبادات الوجوبية، لان حديث رفع القلم عن الصبي يختص برفع الوجوب. لكن الظاهر منهم عموم الخلاف، بناء منهم على أن أدلة التشريع العامة غير شاملة للصبي، فينحصر تشريع عباداته بدليل آخر غيرها. ولذلك جعلوا مبني الخلاف المذكور: أن الامر بالامر هل هو أمر أو لا؟ فعلى الاول: تكون مشروعة، وعلى الثاني: لا تكون. ولافرق في ذلك بين الواجبات والمستحبات. (3) قد تكرر مرارا في هذا الشرح التعرض لهذه المسألة. وقد ذكرنا فيما سبق أن أدلة التشريع عامة للبالغ وغير البالغ. وليس ما يستوجب رفع

[ 195 ]

[ (الرابعة): إذا بقي في الارض المستأجرة للزراعة بعد انقضاء المدة أصول الزرع فنبتت، فان لم يعرض المستأجر عنها كانت له (1)، ] اليد عن العموم المذكور الا حديث رفع القلم عن الصبي، لكن الجمع العرفي بينه وبين الادلة العامة بحمله على رفع الالزم، فيكون ترخيصا في مخالفة الوجوب والحرمة، كما يشهد به ذكره في سياق النائم، فانه أحد الثلاثة الذين رفع عنهم القلم، ولاريب أنه لا يسقط عنه التكليف بالمرة، وإنما يسقط عنه اللزوم العقلي، فراجع مبحث المرتد في باب نجاسة الكافر وغيره من المباحث. ثم إن الظاهر أن صحة النيابة عن الاموات لاتبتني على شرعية عبادة النائب، فان الفقير غير المستطيع يجوز نيابته عن الميت في حج الاسلام، والمسافر تشرع له النيابة عن الميت في صلاة التمام، والحاضر تشرع له النيابة عن الميت في صلاة القصر.. وهكذا. إذ اللازم في صحة النيابة في العبادة مشروعية العبادة في حق المنوب عنه، لان النائب يمتثل الامر المتوجه إلى المنوب عنه، فإذا لم يكن المنوب عنه مأمورا لم تكن النيابة عنه. وأما النائب فلا يتعبر في صحة نيابته توجه أمر إليه بالفعل المنوب فيه، نعم يعتبر وجود عموم يدل على مشروعية النيابة من الصبي، كما لو شك في مشروعية نيابة الذكر عن الانثى وبالعكس. والظاهر ثبوت هذا العموم، لعموم بناء العقلاء، وعموم الاخبار المتقدمة في مباحث النيابة. (1) قال في التذكرة في كتاب المزارعة: " إذا زارع رجلا في أرضه فزرعها، وسقط من الحب شئ ونبت في ملك صاحب الارض عاما آخر، فهو لصاحب البذر عند علمائنا أجمع. وبه قال الشافعي ". وقال في كتاب العارية: " لو حمل السيل حب الغير أو نواه أو جوزه

[ 196 ]

أو لوزه إلى أرض آخر، كان على صاحب الارض رده على مالكه إن عرفه، وإلا كان لقطة. فان نبت في أرضه وصار زرعا أو شجرا، فانه يكون لصاحب الحب والنوى والجوز واللوز، لانه نماء أصله، كما أن الفرخ لصاحب البيض. ولا نعلم فيه خلافا ". وفي القواعد في كتاب المزارعة: " ولو تناثر من الحاصل حب فنبت في العام الثاني، فهو لصاحب البذر. ولو كان من مال المزارعة فهو لهما " ونحوه كلام غيره. ومثله مفروض المتن. والحكم فيه كما ذكر المصنف (ره). ووجهه ما أشار إليه في التذكرة من أن النماء تابع الاصل، فيملكه مالك الاصل. نعم قال في التذكرة أيضا: " لو كان المحمول بالسيل مالا قيمة له كنواة واحدة وحبة واحدة فنبت، احتمل أن يكون لمالك الارض إن قلنا لا يجب عليه ردها إلى مالكها، لو لم تثبت، لانتفاء حقيقة المالية فيها، والتقويم إنما حصل في أرضه. وهو أحد وجهي الشافعية. وأن يكون لمالكها إن قلنا بتحريم أخذها ووجوب ردها قبل نباتها. فعلى هذا في قلع النابت وجهان ". ولا ينبغي التأمل في أن الاصح الاحتمال الثاني، فان الملكية ليست متقومة بالمالية، فان المالية تابعة لتنافس العقلاء على موضوعها، والتنافس إنما يكون مع الاعتداد بمرتبة المالية، فإذا لم تكن بمرتبة معتد بها لم يكن موضوعها. وليست الملكية كذلك، فانها تابعة لاسباب أخرى عرفيه أو شرعية، فيصح اعتبارها مع وجود السبب، ولو لم تكن للعين مالية. فالمالية والملكية متباينان مفهوما، وبينهما عموم من وجه موردا. نعم الادلة اللفظية مثل: " لا يحل دم امرئ مسلم ولا ماله إلا بطيبة نفسه "، ومثل: " فلا يحل لاحد أن يتصرف في مال غيره بغير إذنه " إنما يدلان على حرمة التصرف في مال الغير، ولا يدلان


(* 1) الوسائل باب: 3 من أبواب مكان المصلي حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 3 من أبواب الانفال حديث: 6.

[ 197 ]

[ وان أعرض عنها وقصد صاحب الارض تملكها كانت له (1). ] على حرمة التصرف في ملك الغير. لكن الظاهر التسالم على حرمة التصرف في ملك الغير كماله. يظهر ذلك من كلمات أصحابنا، وغيرهم من المخالفين. ويكفي في إثباته كونه ظلما وعدوانا، فيدل على حرمته مادل على حرمة الظلم والعدوان. وقد أشار المصنف (ره) إلى شئ من ذلك في مبحث التيمم في مسألة ما إذا حبس في مكان مغصوب. (1) المنسوب إلى المشهور: أن مجرد إعراض المالك عن المملوك يجعله كالمباح بالاصل، فيجوز لكل تملكه. قال في السرائر - بعد ماروى عن الشعيري: " قال: سئل أبو عبد الله (ع) عن سفينة انكسرت في البحر، فأخرج بعضه بالغوص، وأخرج البحر بعض ما غرق فيها. فقال (ع): أما ما أخرجه البحر فهو لاهله، الله أخرجه لهم، وأما ما خرج بالغوص فهو لهم وهم أحق به " (* 1): - " قال محمد بن ادريس: وجه الفرق في هذا الحديث: أن ما أخرجه البحر فهو لاصحابه، وما تركه أصحابه آيسين منه، فهو لمن وجده أو غاص عليه، لانه صار بمنزلة المباح. ومثله من ترك بعيره، من جهد في غير كلاء ولا ماء، فهو لمن أخذه، لانه خلاه آيسا منه. ورفع يده عنه، فصار مباحا. وليس هذا قياسا، لان مذهبنا ترك القياس، وإنما هذا على جهة المثال، والمرجع فيه إلى الاجماع وتواتر النصوص، دون القياس والاجتهاد، وعلى الخبرين إجماع أصحابنا منعقد ". قال في الجواهر - بعد نقل بعض كلامه هذا -: " قلت: لعل ذلك هو العمدة في تملك المعرض عنه. مضافا إلى السيرة في حطب المسافر ونحوه، وإلا فمن المعلوم توقف زوال الملك على سبب شرعي،

[ 198 ]

كتوقف حصوله، ولا دليل على زوال الملك بالاعراض، على وجه يتملكه من أخذه كالمباح. ومن هنا احتمل جماعة إباحة التصرف في المال المعرض عنه دون الملك، بل عن ثاني الشهيدين: الجزم بذلك. وعن بعض: أنه لا يزول الملك بالاعراض، إلا في الشئ اليسير كاللقمة، وفي التالف كمتاع البحر، وفي الذي يملك لغاية قد حصلت كحطب المسافر. وعن آخر: اعتبار كون المعرض عنه في مهلكة، ويحتاج الاستيلاء عليه إلى الاجتهاد - كغوص وتفتيش ونحوهما - في حصول التملك به. وربما استظهر من عبارة ابن ادريس المتقدمة: اعتبار اليأس، زيادة على الاعراض فيه أيضا.. إلى غير ذلك من كلماتهم، التي مرجعها إلى تهجس في ضبط عنوان لذلك. مع أن السيرة عليه في الجملة، وليس في النصوص غير ما عرفت التعرض له ". أقول: مثل خبر الشعيري خبر السكوني، عن أبي عبد الله (ع) عن أمير المؤمنين (ع) - في حديث -: " قال: وإذا غرقت السفينة وما فيها فأصابه الناس، فما قذف به البحر على ساحله فهو لاهله وهم أحق به، وما غاص عليه الناس وتركه صاحبه فهو لهم " (* 1). ولا يخفى أن الخبرين المذكورين لا دلالة فيهما على أن الوجه في جواز تملك الغواص لما أخرجه. هو يأس المالك، أو إعراضه، أوهما، أو شئ آخر غيرهما إذ هو حكم في واقعة خاصة لا تعرض فيهما لمناطه. لكن ربما يستفاد منهما ومن غيرهما من النصوص المذكورة في مبحث اللقطة: أن المال المملوك إذا صار بحال يؤدي إلى ضياعه وتلفه، فاستنقذه شخص آخر من الضياع والتلف، كان ملكا له، نظير: " من


(* 1) الوسائل باب: 11 من أبواب اللقطة حديث: 1.

[ 199 ]

أحيى أرضا فهي له " (* 1) ففي صحيح عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (ع): " من أصاب مالا أو بعيرا في فلاة من الارض، قد كلت وقامت وسيبها صاحبها لما لم تتبعه، فأخذها غيره، فأقام عليها وانفق نفقة حتى أحياها من الكلال ومن الموت، فهي له ولا سبيل له عليها وانما هي مثل الشئ المباح " (* 2). وخبر مسمع عن أبي عبد الله (ع) قال: " إن أمير المؤمنين (ع) كان يقول في الدابة إذا سرحها أهلها أو عجزوا عن علفها أو نفقتها فهي للذي أحياها. قال: وقضى أمير المؤمنين (ع) في رجل ترك دابة بمضيعة، قال: إن كان تركها في كلاء وماء وأمن، فهي له يأخذها متى شاء، وإن كان تركها في غير كلاء ولاماء، فهي لمن أحياها " (* 3). وصحيح هشام بن سالم عن أبي عبد الله (ع): " قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال: يارسول الله إني وجدت شاة. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: هي لك أو لاخيك أو للذئب. فقال: يارسول الله صلى الله عليه وآله إني وجدت بعيرا فقال صلى الله عليه وآله: معه حذاؤه وسقاؤه، - حذاؤه: خفه وسقاؤه: كرشه - فلا تهجه " (* 4). ونحوها غيرها. فان الظاهر من الجميع: أن الاستنقاذ من التلف في ظرف عجز المالك - سواء كان ملتفتا إلى ذلك وترك المال عجزا منه، أم غير ملتفت إليه، كما في مورد النصوص الاخيرة - مملك. وعليه فان أمكن العمل بالنصوص تعين القول بذلك. ولادخل للاعراض وعدمه ولا لاباحة المالك وعدمها في جواز التملك من المنقذ، وإن لم يمكن العمل بالنصوص - لاعراض المشهور عنها - فاللازم


(* 1) الوسائل باب: 1 من ابواب احياء الموات حديث: 5، 6. (* 2) الوسائل باب: 13 من ابواب اللقطة حديث: 2. (* 3) الوسائل باب: 13 من ابواب اللقطة حديث: 3. (* 4) الوسائل باب: 13 من ابواب اللقطة حديث: 1.

[ 200 ]

القول بعدم جواز التملك بمجرد ذلك وغيره. وفي الجواهر قال: " وأما المال الذي امتنع على صاحبه تحصيله سبب من الاسباب - كغرق أو حرق ونحوهما - فيشكل تملكه بالاستيلاء عليه، خصوصا مع عدم العلم باعراض صاحبه عنه على وجه يقتضي إنشاء إباحة منه لمن أراد تملكه، أو رفع يده عن ملكيته، وإنما هو للعجز عن تحصيله، نحو المال الذي يأخذه قطاع الطريق والظلمة ". أقول: قد عرفت أن موضوع النصوص المال الذي بحال ينتهي إلى التلف لا المال الذي امتنع على صاحبه تحصيله، فلا يدخل فيه المال الذي يأخذه قطاع الطريق والظلمة. والانصاف يقتضي جواز العمل بالنصوص المذكورة، ولم يتحقق من المشهور الاعراض عنها، وقد تعرضوا لمضمونها في لقطة الحيوان الذي لا يمتنع من السباع والضياع، وفي حكم السفينة إذا انكسرت وغرق ما فيها. لكن إثبات القاعدة الكلية، وأن كل ما يؤدي بقاؤه إلى التلف لو لم يؤخذ يجوز أخذه وتملكه، غير ظاهر. ولاسيما أن نصوص الشاة لم يعمل بظاهرها عند المشهور، لبنائهم على جواز أخذها مع الضمان، على اختلاف منهم في معنى الضمان، وأنه فعلي فتكون في الذمة كسائر الديون، أو على تقدير المطالبة، كبنائهم على وجوب التعريف، وإن كان الاظهر عدم الضمان، وعدم لزوم التعريف، أخذا بظاهر النصوص المشار إليها وحملا لما دل على الضمان أو التعريف على غير الالتقاط في الفلاة، بقرينة لزوم التعريف الذي لا يكون في الفلاة. كما أشرنا إلى ذلك في مباحث اللقطة. هذا، وأما إعراض المالك: فلا يظهر من الادلة كونه موجبا لخروج المال عن مالك مالكه، وصيرورته من قبيل المباحات الاصلية، كما عرفت نسبته إلى المشهور، بل يظهر من كلماتهم المتعرضة لحكم الحب

[ 201 ]

[ ولو بادر آخر إلى تملكها ملك (1)، ] المتساقط: التسالم على خلاف ذلك. قال في التذكرة: " لو نبتت نواة سقطت من إنسان في أرض مباحة أو مملوكة، ثم صارت نخلة ولم يستول عليها غيره، فان النخلة تكون ملك صاحب النواة قطعا ". ولعل مرادهم جواز تملكه لغير المالك، وإن كان باقيا على ملك مالكه، كما قد يظهر من بعضهم. لكنه أيضا غير ظاهر، لقصور النصوص المذكورة عن إثبات ذلك، إذ ليس ما يتوهم منه الدلالة على ذلك، إلا صحيح ابن سنان ونحوه، مما اشتمل على ترك المالك، وقد عرفت أنه ظاهر في التملك بالاحياء، لا بالاستيلاء. والسيرة المدعاة عليه غير ظاهرة. وأما تحليل نثار العرس وحطب المسافرين ونحوهما فالظاهر اختصاصه بصورة حصول امارة على إباحة المالك. ولاجل ذلك يتعين تقييد عبارة المتن بهذه الصورة، اقتصارا على القدر المتيقن. ولعل مقصود المصنف (ره) - كغيره - صورة ما إذا ظهر من المالك الاباحة، كما هو الغالب. (1) وفي الجواهر - في بيان أصل المسألة، بعد ما ذكر أن الزرع لصاحب البذر - قال: " لكن مع فرض كون الحب من الذي هو معرض عنه، على وجه يجوز للملتقط التقاطه، فهل هو كذلك، لانه لا يزول عن الملك، بالاعراض، بل به مع الاستيلاء، والفرض عدمه إلى أن صار زرعا، والفرض عدم الاعراض عنه في هذا الحال؟، أو أنه يكون لصاحب الارض لانه من توابعها ونمائها، بل لعل كونه فيها نوع


(* 1) لعل المنظور في مستند التحليل في هذين الموردين هو السيرة وإلا فلم نعثر على خبر يدل على الحلية في الثاني، نعم في بعض الاخبار تدل عليه بالفحوى فراجع الوسائل باب: 12 من اللقطة. واما الاول فالاخبار الواردة فيه ادل على المنع إلا ان تأول فراجع الوسائل باب: باب: 36 من ابواب ما يكتسب به من كتاب النجارة.

[ 202 ]

[ وان لم يجز له الدخول في الارض إلا باذن مالكها (1). (الخامسة): إذا استأجر القصاب لذبح الحيوان فذبحه على غير الوجه الشرعي بحيث صار حراما، ضمن قيمته (2). بل الظاهر ذلك إذا أمره بالذبح تبرعا. وكذا في نظائر المسألة. ] استيلاء من المالك عليه؟ وجهان، إلا أنه جزم في التذكرة: بأنه بينهما على كل حال، خلافا لبعض العامة ". ذكر ذلك في آخر كتاب المزارعة. ويشكل الاول: بأن الزرع عرفا نماء الحب في الارض، ولذا لو غصبه غاصب فزرعه كان الزرع للمالك. والثاني: بأن الاستيلاء بغير قصد لا يستوجب الملك. (1) هذا وإن كان مقتضى عموم: " فلا يحل لاحد أن يتصرف في مال غيره بغير اذنه " (* 1)، إلا أن السيرة جارية في الارض غير المحصنة والمحجبة على الدخول إليها والعبور فيها، ونحو ذلك من التصرفات غير المعتد بها. وقد جرت سيرة النجفيين على اختلاف طبقاتهم في العلم والصلاح، على الدخول في البساتين التي بين مسجد الكوفة والفرات، إذا لم تكن مسورة، فتراهم يعبرون فيها ويجلسون للاستراحة، أو لاكل الطعام وشرب الشاي ونحو ذلك، من دون توقف. وكذلك في غيرها من البساتين الواقعة على حافة نهر الفرات أو نهر الحسينية، أو غيرهما من الجداول، فيدل ذلك على الجواز. ومن ذلك يظهر جواز العبور في الشوارع المستحدثة في المدن. فلاحظ. (2) كما تقدم في المسألة الرابعة من فصل كون العين المستأجرة أمانة. وقد تقدم الاستدلال عليه بالنصوص المستفاد منها قاعدة: " من أتلف مال غيره فهو له ضامن ". فراجع.


(* 1) الوسائل باب: 3 من ابواب الانفال حديث: 6.

[ 203 ]

[ (السادسة): إذا آجر نفسه للصلاة عن زيد، فاشتبه وأتى بها عن عمرو، فان كان من قصده النيابة عمن وقع العقد عليه (1). وتخيل أنه عمرو فالظاهر الصحة عن زيد، واستحقاقه الاجرة. وإن كان ناويا بالنيابة عن عمرو على وجه التقييد لم تفرغ ذمة زيد، ولم يستحق الاجرة، وتفرغ ذمة عمرو إن كانت مشغولة، ولا يستحق الاجرة من تركته، لانه بمنزلة المتبرع (2). وكذا الحال في كل عمل مفتقر إلى النية. (السابعة): يجوز أن يؤجر داره - مثلا - إلى سنة بأجرة معينة، ويوكل المستأجر في تجديد الاجارة عند انقضاء المدة، وله عزله بعد ذلك. وإن جدد قبل أن يبلغه خبر العزل ] (1) لاإشكال في أن ذات زيد غير ذات عمرو، فإذا قصد النائب ذات زيد: فتارة: يكون قصد عنوان عمرو على نحو يكون طريقا إلى ذات زيد ومرآة لها. وتارة: يكون قيدا لها على نحو تعدد المطلوب. وثالثة: على نحو وحدة المطلوب. فان كان على أحد النحوين الاولين كانت صلاته وفاء للاجارة، وأداء للعمل المستأجر عليه. وإذا كان على النحو الاخير، لم تكن صلاته وفاء ولا أداء للعمل المستأجر عليه، لانه غير ما استؤجر عليه. وإذا قصد النائب ذات عمرو جاء فيه أيضا الصور الثلاث. وفي الجميع لا تكون صلاته أداء للعمل المستأجر عليه، ولا وفاء بالاجارة. وأما فراغ ذمة عمرو من الصلاة التي عليه، فيختص بفرض ما إذا قصد ذات عمرو بصورها ولايكون بفرض مااذا قصد ذات زيد بصورها. (2) كما تقدم في المسألة الثامنة عشرة من فصل إجارة الارض بالحنطة والشعير. فراجع.

[ 204 ]

[ لزم عقده. ويجوز أن يشترط في ضمن العقد أن يكون وكيلا عنه في التجديد بعد الانقضاء. وفي هذه الصورة ليس له عزله (1). (الثامنة): لا يجوز للمشتري ببيع الخيار بشرط رد الثمن للبائع أن يؤجر المبيع أزيد من مدة الخيار للبائع (2)، ولا في مدة الخيار من دون اشتراط الخيار، حتى إذا فسخ ] (1) لان مرجع الشرط إلى شرط التوكيل حدوثا وبقاء، وعزله مناف لشرط البقاء. اللهم إلا أن يقال: إن الوكالة من النتائج التي لا يصح شرطها كما عرفت. فضلا عن شرطها حدوثا وبقاء، إذ البقاء يمتنع جعله وإنشاؤه، لان البقاء مستند إلى استعداد الذات، فمن جعل له وكيلا بقيت وكالته. وكذلك الحكم في البيع والنكاح والطلاق، وإنما يقصد بالايجاب حدوثها، لاحدوثها وبقاؤها. فإذا كان البقاء لا يقبل الانشاء بالعقد، فأولى لا يقبل الانشاء بالشرط، فلابد أن يكون المقصود شرط أن لا يعزله عن الوكالة، فإذا عزله لم يصح، لانه تصرف في حق الغير، فيخرج عن سلطانه. (2) المنسوب إلى الاكثر والمشهور والمصرح به في كلام جماعة من الاساطين: أنه لا يجوز تصرف من عليه الخيار في العين تصرفا يمنع من استردادها. وظاهر ما ذكر في وجهه: أن الخيار حق متعلق بالعين، فالتصرف فيها تصرف في موضوع الحق، ولاجل قاعدة السلطنة على الحقوق - التي هي كقاعدة السلطنة على الاموال - يمتنع التصرف، لانه خلاف القاعدة المذكورة. والوجه في تعلقه بالعين: أنه قائم بالعقد، والعقد قائم بالعين. وفيه: أنه لاريب عندهم في جواز الفسخ مع تلف العين في الجملة، كما يظهر من ملاحظة كلماتهم في جواز الاقالة مع التلف، وجوزا الفسخ

[ 205 ]

[ البائع يمكنه أن يفسخ الاجارة، وذلك لان اشتراط الخيار من البائع في قوة إبقاء المبيع على حاله حتى يمكنه الفسخ (1)، ] بالخيار معه. ودعوى: أنه قائم بالعين على نحو تعدد المطلوب. غير ثابتة، وكيف ذلك؟! مع أنه لو كان الخيار قائما بالعين لبطل بتصرف من له الخيار. ولا مجال للالتزام بذلك في مثل بيع الخيار، ضرورة أن البائع يتصرف في الثمن. بل إنما باع لاجل الثمن. ولذلك قال شيخنا الاعظم (ره): " فالجواز لا يخلو من قوة في الخيارات الاصلية. وأما الخيارات المجعولة بالشرط، فالظاهر من اشتراطه إرادة إبقاء الملك، ليسترده عند الفسخ ". وما ذكره غير بعيد، عملا بالقرينة العامة على إرادة ذي الخيار من شرط الخيار ذلك. ولكن على هذا لو اتفق وجود قرينة خاصة على غير ذلك. لم يكن مانع من التصرف. ثم إنه بناء على المنع في الخيار المجعول: هل تجوز الاجارة ونحوها مما لا يكون مانعا من رجوع العين إلى ملك البائع أولا؟ فيه وجهان، كما في كلام شيخنا الاعظم (ره): " من كونه ملكا له. ومن إبطال التصرف لتسلط الفاسخ على أخذ العين ". أقول: ظاهر ما ذكره في وجه المنع: أن البائع ذا الخيار كما اشترط الخيار في الفسخ، اشترط التمكن من الاسترداد، والمراد من الاسترداد وإن كان الاسترداد الخارجي، وهكذا المعنى تنافيه الاجارة. لكن ذلك يختص بما إذا كان مقتضى الاجارة تسليط المستأجر على العين. أما إذا لم يكن كذلك، كما في إجارة السفينة على المسافرين، لا تكون الاجارة منافية لذلك. كما أن مقتضى الشرط المذكور: أن لا يتصرف المشتري بالعين بما يمنع من ردها خارجا إلى البائع عند الفسخ، بأن يضعها في مكان مغلق يحتاج فتحه إلى مضي مدة. (1) قد عرفت: أن الاجارة لا تنافي الفسخ وإن قلنا بأن العقد

[ 206 ]

[ فلا يجوز تصرف ينافي ذلك. (التاسعة): إذا استؤجر لخياطة ثوب معين لابقيد المباشرة، فخاطه شخص آخر تبرعا عنه استحق الاجرة المسماة (1). وإن خاطه تبرعا عن المالك لم يستحق المستأجر شيئا (2)، وبطلت الاجارة. وكذا إن لم يقصد التبرع عن أحدهما ولا يستحق على المالك أجرة، لانه لم يكن مأذونا من قبله (3)، وإن كان قاصدا لها، أو معتقدا أن المالك أمره بذلك. (العاشرة): إذا آجره ليوصل مكتوبه إلى بلد كذا إلى زيد مثلا، في مدة معينة، فحصل مانع في أثناء الطريق أو بعد الوصول إلى البلد، فان كان المستأجر عليه الايصال، وكان طي الطريق مقدمة، لم يستحق شيئا. وإن كان المستأجر عليه ] متعلق بالعين، وإنما تنافي الاسترداد والاخذ بمجرد الفسخ في بعض الصور، فالمنع من الاجارة كلية يتوقف على فهم اشتراط كون العين على حالها غير مسلوبة المنفعة، وهذا الشرط زائد على إمكان الاخذ الخارجي، وزائد على بقاء العين على ملك المشتري، بنحو يكون الفسخ موجبا لرجوعها إلى البائع. وعبارة المصنف (ره) في تعليل الحكم لا تفي بما ذكر. (1) يعني: استحق الاجير الاجرة، لحصول العمل المستأجر عليه منه بتبرع المتبرع، فيستقر له العوض. (2) لعدم تحقق العمل من الاجير، فتبطل الاجارة، لتعذر العمل المستأجر عليه، لعدم قابلية المحل لخياطة ثانية. (3) تقدم وجهه في المسألة الثامنة عشرة من فصل إجارة الارض

[ 207 ]

[ مجموع السير والايصال، استحق بالنسبة. وكذا الحال في كل ما هو من هذا القبيل. فالاجارة مثل الجعالة، قد يكون على العمل المركب من أجزاء، وقد تكون على نتيجة ذلك العمل، فمع عدم حصول تمام العمل في الصورة الاولى: يستحق الاجرة بمقدار ما أتى به، وفي الثانية: لا يستحق شيئا (1). ومثل الصورة ما إذا جعلت الاجرة في مقابلة مجموع العمل من حيث المجموع (2)، كما إذا استأجر للصلاة أو الصوم فحصل مانع في الاثناء عن إتمامها. (الحادية عشرة): أذا كان للاجير على العمل خيار ] للزرع، ولا يكفي مجرد الاذن في الضمان، بل إما أن تكون ظاهرة في التعهد بالعوض على وجه الاجارة أو الجعالة، أو ظاهرة في الامر بالعمل، ليكون استيفاء موجبا للضمان، كما سبق وجهه. وإذا لم تكن الاذن ظاهرة في أحد الامرين لم يكن موجب للضمان. (1) بناء على ما يأتي منه في المسألة الحادية عشرة من قاعدة احترام عمل المسلم: أنه يستحق اجرة المثل. فانتظر. (2) يظهر من هذا التعبير: أن التوزيع في المسألة السابقة كان من جهة أن الاجرة مبذولة في مقابل العمل المركب من الاجزاء، الملحوظة على نحو الجميع لا المجموع. وليس كذلك، فان الاجزاء ملحوظة فيه على نحو المجموع أيضا. ولو كانت ملحوظة على نحو الجميع، للزمت الاجرة لكل واحد من الاجزاء، فانه الفارق بين العام الجميعي والمجموعي. وإذا استأجرت للصلاة أو الصوم فحصل مانع في الاثناء عن الاتمام، فالوجه في عدم تبعيض الاجزاء: أن أجزاء الصلاة في ظرف عدم

[ 208 ]

[ الفسخ، فان فسخ قبل الشروع فيه فلا إشكال، وإن كان بعده استحق أجرة المثل (1)، وإن كان في أثنائه استحق بمقدار ما أتى به من المسمى أو المثل على الوجهين التقدمين إلا إذا كان المستأجر عليه المجموع من حيث المجموع، فلا يستحق شيئا (2). وان كان العمل مما يجب إتمامه بعد الشروع فيه - كما في الصلاة بناء على حرمة قطعها، والحج بناء على ] انضمام بعضها الى بعض لاتقبل المعاوضة، لعدم ترتب أثر عليها حتى عند غير المتعاقدين، فلا تكون لها مالية، فتوزيع الاجرة عليها في حال الانفراد يوجب أكل المال بالباطل. وإن لم يكن فرق بينها وبين أجزاء السير في المثال، فانه إذا استأجره ليصوم من أول النهار إلى آخره فهو كما إذا استأجر ليسافر من البلد الفلاني إلى البلد الآخر في كيفية ملاحظة الاجزاء، وأنها في الجميع ملحوظة على نحو المجموع لا الجميع، وإنما الفرق بينهما: أن اجزاء الصوم ليست موضوعا لغرض عقلائي في حال انفراد بعضها عن بعض، بخلاف أجزاء السير، فقد تكون موضوعا للغرض، وتصح الاجارة عليها في حال الانفراد عن الباقي. ومن ذلك يظهر: أن أحكام تبعض الصفقة إنما تجري إذا كانت الابعاض موضوعا للغرض والمالية عند العقلاء في حال الانفراد عن الباقي. أما إذا لم تكن موضوعا للغرض، فلا تبعيض في العقد ولا في العوض. (1) لان العمل وقع على نحو الضمان، فإذا بطل ضمانه بالمسمى تعين ضمانه بأجرة المثل. والظاهر أن ذلك مما لاإشكال فيه ولا خلاف، فان الضمان هنا أولى من الضمان مع فساد العقد بقاعدة: (ما يضمن..) (2) الكلام فيه كما سبق.

[ 209 ]

[ وجوب إتمامه - فهل هو كما إذا فسخ بعد العمل أو لا؟ وجهان أوجههما: الاول (1). هذا إذا كان الخيار فوريا كما في خيار الغبن إن ظهر كونه مغبونا في أثناء العمل، وقلنا إن الاتمام مناف للفورية، وإلا فله أن لا يفسخ إلا بعد الاتمام. وكذا ] (1) كأن وجهه: أن الممتنع شرعا كالمتنع عقلا، فالاجارة تكون على الحدوث لا على الحدوث والبقاء، فيستحق الاجرة بمجرد الحدوث. لكن لازم ذلك ثبوت الاجرة وإن لم يتم العمل، وهو كما ترى. وبالجملة: إذا جوزنا وقوع الاجارة على الواجب، واستحقاق الاجرة بفعله. فلا مانع من أن تكون الاجارة في مثل الفرض على الحدوث والبقاء. فإذا فسخ في الاثناء كان الاتمام واجبا عليه تكليفا، غير مستحق عليه بالاجارة، فان أتم فقد أدعى الواجب، وإن قطع عصى، وليس لاحد حق عليه. مع أن الامتناع العقلي إذا كان بالاختيار لم يكن منافيا للاختيار، ولا مانعا من وقوع الاجارة عليه. ومن ذلك يظهر لك الوجه الثاني. وقد يتوهم: أن الوجوب كان بتسبيب المستأجر، فيكون التدارك عليه. وفيه أن التسبيب غير مختص به، بل كان من كل من المؤجر والمستأجر. مع أن مثل هذا التسبيب لا يقتضي الضمان، لعدم الدليل عليه بعد أن لم يكن موجبا لنسبة الضرر إليه عرفا. بل الاولى نسبته إلى الاجير نفسه، لانه هو الفاسخ الذي فوت على نفسه الاجرة المسماة. ومثله توهم: أنه كان بتغرير من المستأجر، فيرجع إليه بقاعدة الغرر. إذ فيه: أنه لا تغرير من المستأجر بعد أن كان العقد مشتركا بينهما. والوقوع في المحذور إنما كان من فسخ الاجير نفسه، بل هذا التوهم موهون جدا.

[ 210 ]

[ الحال إذا كان الخيار للمستأجر (1)، إلا أنه أذا كان المستأجر عليه المجموع من حيث المجموع، وكان في أثناء العمل. يمكن أن يقال: إن الاجير يستحق بمقدار ما عمل من أجرة ] (1) يعني: تجري الاحكام السابقة من عدم لزوم شئ على أحدهما إذا كان الفسخ قبل العمل، ولزوم المسمى أو أجرة المثل للاجير إذا كان الفسخ بعد العمل، والتبعيض في المسمى أو اجرة المثل إذا كان الفسخ في أثناء العمل، إلا فيما إذا كان العمل مما يجب إتمامه فيجب تمام المسمى. هذا، والحكم في هذه الصورة باستحقاق الاجير لتمام الاجرة مع الفسخ في الاثناء أهون منه في الصورة السابقة، لان الضرر يستند إلى فسخ المستأجر، فيمكن توهم استناد الضرر إليه الموجب للرجوع عليه. وإن كان أيضا يشكل: بأن الخيار إن كان مجعولا فهو بقبول الاجير واختياره، فاقدامه عليه إقدام منه على لوازمه، وإن كان من قبل الشارع فالضرر يستند إليه، لان المستأجر إنما عمل بحقه المجعول له شرعا، وليس عليه أن لا يأخذ بحقه، لئلا يقع الاجير بالضرر. إلا أن يقال: إن الحق الخياري إذا جعله الشارع دفعا للضرر الوارد عليه، يمتنع أن يثبت في حال لزوم الضرر على الاجير. وبالجملة: بعد ماكان المستأجر مقدما على بذل الاجرة في مقام العمل من دون خيار، فلزوم الضرر المثبت لخياره معارض بلزوم الضرر الوارد على الاجير بالفسخ، ومعه لا مجال لتقديم ضرره، فلا خيار له في الفسخ. وهذا غير بعيد. وعلى هذا فاللازم التفصيل في المقام بين صورة أن يكون الفاسخ المستأجر. ويكون الخيار شرعيا، وبين غيرها من الصور، فيستحق الاجير في الاول تمام الاجرة، ولا يستحق في غيرها شيئا. فتأمل.

[ 211 ]

[ المثل لاحترام عمل المسلم (1)، خصوصا إذا لم يكن الخيار من باب الشرط (2). (الثانية عشرة): كما يجوز اشتراط كون نفقة الدابة المستأجرة والعبد والاجير المستأجرين للخدامة أو غيرها على المستأجر، إذا كانت معينة بحسب العادة، أو عيناها على وجه يرتفع الغرر، كذلك يجوز اشتراط كون نفقه المستأجر على ] (1) لا مجال لتطبيق هذه القاعدة في المقام بناء على ما عرفت من أن المراد من كون المستأجر عليه المجموع من حيث المجموع: أن كل واحد من الاجزاء على الانفراد مما لاقيمة له، لانه يكون أخذ أجرة المثل لما يقابل بعض العمل أكلا للمال بالباطل. وإن شئت قلت: قاعدة الاحترام لا مجال لها، إذا كان العمل لاقيمة له ولا مالية، فان الاحترام يختص بماله قيمة ومالية. وكذا بناء على الاحتمال الثاني أعني: كون الاجزاء ملحوظة على نحو وحدة المطلوب وإن كان لكل واحد منها مالية، إذا كما أن عمل المسلم محترم كذلك مال المستأجر، فانه مسلم وماله محترم لا يجوز أخذه بلا عوض عائد إليه، لان المفروض أن البعض على الانفراد لم يقصد المستأجر المعاوضة عليه، كي يؤخذ منه عوضه. فأخذ العوض منه مع ذلك كان خلاف احترام ماله، كما إذا استأجره ليخيط ثوبه فصبغه اشتباها منه، فانه لا يستحق عليه أجرة كما سبق. نعم إذا أتم الاجير العمل تبرعا منه بعد الفسخ في الاثناء، كان تبعيض الاجرة في محله، لكون البعض حينئذ له مالية في ضمن الكل، كما أنه بعض المطلوب ومقابل ببعض الاجرة. وعلى هذا كان اللازم تقييد العبارة بذلك، وإلا توجه عليها الاشكال. (2) لانه إذا كان من باب الشرط يكون العامل قد أقدم على ضياع

[ 212 ]

[ الاجير أو المؤجر، بشرط التعيين أو التعين الرافعين للغرر. فما هو المتعارف من إجارة الدابة للحج واشتراط كون تمام النفقة ومصارف الطريق ونحوهما على المؤجر. لامانع منه، إذا عينوها على وجه رافع للغرر (1). (الثالثة عشرة): إذا آجر داره أو دابته من زيد اجارة صحيحة بلا خيار له، ثم آجرها من عمرو كانت الثانية فضولية موقوفة على إجازة زيد، فان أجاز صحت له ويملك هو الاجرة فيطلبها من عمرو (2)، ولا يصح له إجازتها على ] عمله على تقدير الفسخ في الاثناء، ولا يتأتى ذلك لو كان الخيار شرعيا، لانه لم يكن يجعله وقبوله، فلا مجال لتوهم الاقدام حتى لو كان عالما، لان العلم به لا يستلزم العلم بالاعمال والفسخ، فيمكن أن يكون إقدامه على العقد برجاء عدم الاعمال. ولا يتأتى ذلك في صورة جعل الخيار، لان القبول الصادر من الاجير يعد عرفا إقداما على الفسخ في الاثناء وعلى لوازمه. (1) لكن الاشكال في إمكان ذلك فيما يتعارف، لاختلاف الاحوال والاطوار السفرية، الموجب لاختلاف النفقات كما وكيفا ومدة. (2) يعني: صحت الاجارة الثانية لزيد، لان المنفعة له فيملك عوضها وهو الاجرة. هذا إذا كانت الاجارة الثانية واقعة على المنفعة المقصودة بالاجارة الاولى. أما إذا كانت واقعة على غيرها، فالاجارة الثانية لا تصح باجازة زيد، لان المنفعة غير مملوكة له، ولا تصح بايقاع المؤجر المالك للعين، لانها أيضا غير مملوكة له، على ما عرفت من عدم ملك المنافع المتضادة. ولا يجدي فسخ الاجارة الاولى بعد ذلك في الصحة،

[ 213 ]

[ أن تكون الاجرة للمؤجر، وإن فسخ الاجارة الاولى بعدها لانه لم يكن مالكا للمنفعة حين العقد الثاني (1). ] لما ذكر في المتن من أنه من قبيل من باع شيئا ثم ملكه. نعم بناء على أن المنافع المتضادة مملوكة لمالك العين، وأن بطلان الاجارة الثانية من جهة أنها منافية لحق المستأجر الاول فإذا أجاز صحت، وتكون الاجرة الثانية للمالك، لانها عوض منفعته، كما أن الاجرة الاولى له أيضا. والمتحصل: ان الاجارة الثانية: تارة: تكون بلحاظ منفعة الاجارة الاولى، وأخرى: تكون بلحاظ غيرها. فعلى الاول: تصح الاجارة الثانية باجازة المستأجر الاول، وتكون الاجرة له، وإذا لم يجز بطلت. وعلى الثاني: تبطل الاجارة الثانية مطلقا، لانها بلحاظ منفعة غير مملوكة، إذا قلنا بأن المنافع المتضادة غير مملوكة، وتصح باجازة المستأجر إن قلنا إنها مملوكة، وتكون الاجرة في الاجارتين معا ملك المؤجر المالك للعين، لكون المنفعتين المعوضتين ملكا له. وإذا ردها المستأجر بطلت، لمنافاتها لحقه. (1) هذا إشارة إلى أن قوام المعاوضة التي يتضمنها عقد الاجارة وغيره من عقود المعاوضات دخول العوض في ملك من خرج عن ملكه المعوض، وأن اعتبار العوضية إنما يصح بلحاظ ذلك. ولو كان العوض يدخل في ملك غير من خرج عن ملكه المعوض لم يكن عوضا عنه، ولم يكن المعوض عنه معوضا. والظاهر أن هذا مما لاإشكال فيه. وإنما الاشكال في لزوم ذلك من الطرفين. يعني: يجب أن يدخل المعوض عنه في ملك من خرج من ملكه العوض، كما لزم أن يدخل العوض في ملك من خرج عن ملكه المعوض عنه، أو لا يجب ذلك؟ فإذا قال زيد لعمرو: خذ هذا الدرهم واشتر لك به ثوبا، لم يصح حتى يتملك عمرو الدرهم، فإذا لم يتملكه وبقي على ملك زيد، فاشترى به ثوبا لنفسه لم يصلح الشراء

[ 214 ]

لنفسه، لان الدراهم وإن صار عوضا عن الثوب، لكن الثوب لم يصر عوضا عن الدرهم، لان الدرهم خرج عن ملك زيد ودخل الثوب في ملك عمرو، فلم يقم الثوب مقامه، ولم يصر في مكانه. والمنسوب المشهور: لزوم ذلك، بل في مكاسب شيخنا (ره): أنه ادعى بعضهم في مسألة قبض المبيع عدم الخلاف في بطلان قول مالك الثمن: اشتر لنفسك به طعاما. (انتهى). كما أنه (ره) حكى عن العلامة التصريح في غير موضع من كتبه، تارة: بأنه لا يتصور، وأخرى: بأنه لا يعقل أن يشتري الانسان لنفسه بمال غيره شيئا. (انتهى). وقد ذكروا الاستدلال عليه: بأن المعاوضة متقومة بذلك، إذ مفهوم المعاوضة راجع إلى جعل كل من العوضين عوضا عن الآخر. ويشكل: بأن صيغة المعاوضة لا تقتضي الاشتراك على النحو المذكور، كما يظهر ذلك من ملاحظة موارد استعمال صيغة المفاعلة في مواردها المتفرقة، مثل: شايعت زيدا، وسافرت، وطالعت الكتاب، وأمثال ذلك من الموارد الكثيرة، كما أشرنا إلى ذلك أيضا في بعض مباحث الطهارة من هذا الشرح، فان ملاحظة موارد الاستعمال للصيغة، تشرف على القطع ببطلان اعتبار المشاركة من الطرفين. ويشهد بذلك: أنك إذا قلت: بعت الكتاب بدينار، اعتبر الكتاب معوضا عنه والدينار عوضا، بقرينة دخول باء العوض عليه، ولا يصح اعتبار العكس - أعني: اعتبار أن يكون الكتاب عوضا والدينار معوضا عنه - وإنما يصح ذلك لو قيل: بعت الدينار بالكتاب، وفي مثله لا يصح اعتبار الكتاب معوضا عنه والدينار عوضا. وبالجملة: المفهوم من قول القائل: بعت الكتاب بالدينار، غير المفهوم من قوله: بعت الدينار بالكتاب، فان مفهوم الاول أن الدينار عوض عن الكتاب، ومفهوم الثاني أن الكتاب عوض عن الدينار. فالعوض

[ 215 ]

يجب أن يقوم مقام المعوض، لكن المعوض عنه لا يجب أن يقوم مقام العوض. ولاجل ذلك ذكر بعضهم: أنه لادليل على اشتراط كون أحد العوضين ملكا للعاقد في انتقال بدله إليه، بل يكفي أن يكون مأذونا في بيعه لنفسه أو الشراء به. (انتهى). والمصنف (ره) في حاشيته على مكاسب شيخنا الاعظم (قده) جعله ممكنا، وأن اعتبار البدلية قد يكون بملاحظة تبديل ملكية هذا بملكية ذلك، وقد يكون بملاحظة إخراجه عن ملكه من دون تبديل الملكية، وقد يكون بملاحظة إتلافه. (انتهى). وفيه: أن المعاوضة وإن كانت تختلف بالملاحظات المذكورة، لكن المعاوضة بين الاعيان التي هي قوام البيع إنما هي بلحاظ البدلية في المملوك، لا في الملكية ولافي غيرها مما ذكر. فالملكية القائمة بين المالك والمملوك المتقومة بهما، إن كان فيها تبديل المملوك كانت بيعا، وإن كان فيها تبديل المالك كانت ميراثا، وان كان فيها تبديل الملكية كانت هبة معوضة، فلابد في البيع من تحقق تبديل المملوك، فيكون الثمن عوضا عن المثمن في قيامه مقام المثمن في تقويم الاضافة الخاصة القائمة بالطرفين، ولذا لا تأمل في كون الثمن عند المتبايعين عوضا عن المبيع. فالمعاوضة في البيع بين العينين، لا بين الملكيتين، ولا بين غيرهما مما ذكره (قده). وإنما التأمل: في أن المبيع أيضا عندهم عوض عن الثمن في البيع، والمنفعة عوض عن الاجرة في الاجارة، فتكون العوضية من الطرفين، أولا، بل العوضية من طرف واحد، وقد عرفت: أن مفاد البيع والاجارة عوضية الثمن والاجرة عن المبيع والمنفعة، وأما عوضية المبيع والمنفعة عن الثمن والاجرة فغير ظاهرة. وإنكار المصنف (ره) الامرين معا تبعا لبعض - كما عرفت - غريب. بل الانصاف يقتضي البناء على الامرين معا، وإن كانت دلالة الكلام

[ 216 ]

[ وملكيته لها حال الفسخ لا تنفع أو إذا جدد الصيغة. وإلا فهو من قبيل من باع شيئا ثم ملك (1) ولو زادت مدة الثانية ] على الاول بالمطابقة وعلى الثاني بالالتزام. فالمفهوم من قول القائل: بعت الكتابة بدينار، هو المفهوم من قوله: بعت الدينار بالكتاب، وإنما يختلفان في المدلول المطابقي، فان الايجاب الاول يدل بالمطابقة على عوضية الدينار على الكتاب، وبالالتزام على عوضية الكتاب عن الدينار. والايجاب الثاني يدل بعكس ذلك، فيدل على عوضية الكتاب عن الدينار بالمطابقة، وعلى عوضية الدينار عن الكتاب بالالتزام. فالمدلول لاحدهما مدلول للآخر من دون زيادة ولا نقصان، وإنما الاختلاف بينهما في أن المدلول المطابقي لاحدهما مدلول التزامي للآخر. ولذلك اختلفا عرفا، فلا اختلاف بينهما في ذات المدلول ولا في كمية المدلول، وإنما الاختلاف بينهما في كيفية الدلالة عليه. فان كان المطلوب الذي يسعى نحو تحصيله هو الكتاب، قيل: بعتك الكتاب بدينار مثلا. وإن كان المطلوب هو الدينار، قيل: بعتك الدينار بالكتاب، وإلا فقد لوحظ كل منهما عوضا عن الآخر ومعوضا عنه. ومفهوم المعاوضة وإن لم يدل على تكرر النسبة، لكن المقصود منه ذلك عرفا. ومرتكزات العرف في مضامين العقود المعاوضية شاهد بذلك. وما في بعض الكلمات من خلاف ذلك تمحل، قضت ارتكابه ضرورة في دفع إشكال أو توجيه إشكال. والله سبحانه ولي التوفيق والسداد. (1) فان المشهور عدم صحة العقد الواقع باجازة المالك حين الاجازة، لامور مذكورة في محلها. ذكرها شيخنا الاعظم في مكاسبه، وذكرناها جريا على منهاجه في: " نهج الفقاهة ". والعمدة فيه أمران: النصوص الناهية عن بيع ما ليس عنده. وأن خصوصية الاضافة إلى المالك من الخصوصيات المقومة للمعاوضة، فالاجازة من المشتري إن كانت قد لوحظ

[ 217 ]

[ عن الاولى لا يبعد لزومها على المؤجر في تلك الزيادة، وأن يكون لزيد امضاؤها بالنسبة إلى مقدار مدة الاولى. (الرابعة عشرة): إذا استأجر عينا ثم تملكها قبل انقضاء مدة الاجارة، بقيت الاجارة على حالها، فلو باعها والحال هذه لم يملكها المشتري إلا مسلوبة المنفعة في تلك المدة (1)، فالمنفعة تكون له ولا تتبع العين. نعم للمشتري خيار الفسخ إذا لم يكن عالما بالحال. وكذا الحال إذا تملك المنفعة بغير الاجارة في مدة ثم تملك العين، كما إذا تملكها بالوصية أو بالصلح أو نحو ذلك، فهي تابعة للعين إذا لم تكن ] فيها خصوصية الاضافة إلى المالك حين العقد، فذلك خلاف قاعدة السلطنة في حق المالك المذكور، مع أنه ليس من محل الكلام، وإن لوحظ فيها خصوصية الاضافة إلى نفسه، فتلك ليست إجازة للعقد. فراجع " نهج الفقاهة " في مبحث الفضولي. لكن النصوص مختصة بالبيع، فلا تشمل الاجارة وغيرها من عقود المعاوضة. فالعمدة فيها هو الامر الثاني، فانه مطرد في الجميع على نحو واحد. بل العمدة في البيع أيضا هو الامر الثاني، لان النصوص لا تخلو من إشكال، من جهة المعارضة، أو من جهة العموم والخصوص. فراجع. (1) لان المنفعة في تلك المدة لم تكن مملوكة للبائع بالتبعية، وإنما كانت مملوكة له بسبب آخر، إذ البيع لا يبطل الاجارة، ومقتضاها أن تكون المنفعة مملوكة للمستأجر بالاجارة في مقابل الاجرة، والمشتري إنما يقوم مقام البائع فيحتاج ملكيته لها إلى سبب آخر أيضا. وبالجملة: لادليل على التبعية في المقام.

[ 218 ]

اللهم إلا أن يقال: التبعية انما كانت سببا للملك، عملا بالارتكاز العرفي ولا فرق في ذلك بين المقام وغيره. توضيح ذلك: أنه لاإشكال في أن التبعية تقتضي ملكية التابع، فيملكه مالك المتبوع، سواء كان التابع من الاعيان الخارجية، كالثمرة للشجرة والبيضة للدجاجة، والحمل للدابة، أم من الافعال، كالمنافع المستوفاة من العين ذات المنفعة، أم من الصفات الخارجية، كالقصارة الحاصلة بعمل القصار، والنساجة الحاصلة بعمل النساج، وهيئة السرير الحاصلة من عمل النجار، أم من الاعتبارات المحضة، مثل المنافع غير المستوفاة للعين ذات المنفعة، فانها حينئذ تكون من الاعتبارات المملوكة لمالك العين. ولذلك يصح القول بكونها مضمونة، إذ لولا أنها مملوكة لم يكن معنى لضمانها، فان الضمان لا يصح اعتباره إلا مع وجود مضمون له يكون مالكا للمضمون. نعم المنافع المستوفاة من قبيل الموجودات الخارجية كما عرفت. فالتابع في جميع الموارد المذكورة مملوك لمالك المتبوع، والموجب للملكية المذكورة هو التبعية، حسبما يقتضيه بناء العرف والمتشرعة عليه. ويشترط في تأثير التبعية المذكورة في الملك أن لا يكون مقتض على خلافها، فلو آجر داره على زيد فملك زيد منفعتها، ثم باع الدار على عمرو، لم يملك المنافع عمرو بالتبعية، لان ذلك خلاف مقتضى عقد الاجارة. وقد ذكر المصنف (ره) هنا شرطا آخر، وهو: أن يكون من انتقل عنه التابع مملوكا له بالتبعية، فلو لم يكن كذلك لم يستوجب التبعية في الملك، ولذلك التزم: بأن المشتري الثاني في فرض المسألة لم يملك المنافع بالتبعية، لان البائع لم يملكها بالتبعية. ولابد أن يلتزم بذلك في مثل مااذا اشترى ثمر الشجر، ثم اشترى الشجر، فإذا باعه على آخر لم يملك الآخر الثمر المتولد بعد البيع بالتبعية، بل يبقى على ملك البائع. هذا

[ 219 ]

[ مفروزة. ومجرد كونها لمالك العين لا ينفع في الانتقال إلى المشتري، نعم لا يبعد تبعيتها للعين إذا كان قاصدا لذلك حين البيع (1). (الخامسة عشرة): إذا استأجر أرضا للزراعة مثلا، فحصلت آفة سماوية أو أرضية توجب نقص الحاصل لم تبطل (2) ولا يوجب ذلك نقصا في مال الاجارة (3)، ولا خيارا للمستأجر (4). نعم لو شرط على المؤجر ابراءه من ذلك بمقدار ما نقص، بحسب تعيين أهل الخبرة، ثلثا أو ربعا أو ] ولاجل أن المرجع في اقتضاء التبعية للملك بناء العرف والمتشرعة عليه، وأن الظاهر بناؤهم على عدم اعتبار الشرط المذكور، فالبناء على عدم اعتباره متعين. (1) إذا كان المراد من القصد المذكور: أنه قاصد للتمليك إنشاء، فيكون قاصدا لتمليك المنفعة والعين معا، فهو في محله، كما لو قصد تمليك شئ مع المبيع، وإذا كان المراد: أنه قاصد للتبعية، فهو غير ظاهر، لان قصد التبعية لا يوجب الملك بالتبعية، إذا لم تكن مقتضية لذلك. (2) لعدم المقتضي لذلك، بعد أن كانت العين ذات منفعة يصح بذل المال بازائها. (3) إذ لا تبعيض في المنفعة. (4) إذ لا نقص في صفة العين يوجب نقصا في صفة المنفعة، إذ المفروض كون النقص الحاصل لامر خارج عن العين، وليس عدمه مبنيا عليه العقد ليوجب الخيار، فهو نظير مالو استأجر دارا ليسكنها، فسكنها، فحدث حادث موجب للقلق أو الارق، فتنغص عيشه فيها.

[ 220 ]

[ نحو ذلك، أو أن يهبه ذلك المقدار إذا كان مال الاجارة عينا شخصية، فالظاهر الصحة (1). بل الظاهر صحة اشتراط البراءة على التقدير المذكور بنحو شرط النتيجة (2). ولا ] (1) لاغتفار الجهالة في الشرط إذا كان تابعا. (2) هذا من قبيل النتيجة، الذي قد عرفت الاشكال في صحته في أول فصل: (أن العين المستأجرة أمانة)، فراجع. وقد ذكرنا هناك: أن البناء على أن الشرط ملك للمشروط له - كما هو كذلك في شرط الفعل - يمنع من صحة النتيجة، لان النتائج التي هي مضامين العقود والايقاع لا تصلح أن تكون موضوعا لاضافة الملكية إذا لم تكن في عهدة المشروط عليه، كما هو مقتضى كونها شرط نتيجة في مقابل شرط الفعل. فالملكية مثلا: تارة: تشترط في ضمن العقد على أن تكون في عهدة المشروط عليه، فيجب عليه تحصيلها فتكون حينئذ من قبيل شرط الفعل. وتارة: تشترط لاعلى أن تكون في عهدة متعهد بها، وهي بهذه الملاحظة مما لاتقبل أن تكون موضوعا لاضافة المملوكية. مضافا إلى أن جعلها مملوكة للمشروط له وجعل ملكيتها له، لا يوجب حصولها، فلا يترتب على الشرط المذكور أثر حصولها. ولاجل ذلك يلزم البناء على بطلان شرط النتيجة على نسق الفعل، بحيث يكون من تمليك النتيجة للمشروط له. نعم لامانع من أن يكون المقصود انشاءها على حد إنشاء مضمون العقد منضما إليه، فيكون المنشأ أمرين: مضمون العقد، ونفس النتيجة. فتترتب النتيجة بمجرد الشرط، إذا لم يعتبر في إنشائها سبب خاص. وعلى ذلك يحمل ما ورد في كلماتهم من صحة شرط سقوط الخيار في ضمن العقد، وكذلك شرط الضمان في العارية، ونحو ذلك. ومنه المقام،

[ 221 ]

[ يضر التعليق، لمنع كونه مضرا في الشروط (1). نعم لو شرط براءته على التقدير المذكور حين العقد، بأن يكون ظهور النقص كاشفا عن البراءة من الاول. فالظاهر عدم صحته، لاوله إلى الجهل بمقدار مال الاجارة حين العقد (2). (السادسة عشرة): يجوز إجارة الارض مدة معلومة بتعميرها واعمال عمل فيها، من كري الانهار، وتنقية الآبار وغرس الاشجار، ونحو ذلك. وعليه يحمل قوله (ع): " لا بأس بقبالة الارض من أهلها بعشرين سنة أو أقل أو أكثر، فيعمرها ] أعني: شرط براءة الذمة من مقدار من الاجرة إذا كانت الاجرة ذمية لاعينا خارجية. ويشهد بذلك ما ورد فيمن تطبب أو تبيطر وأنه ضامن إلا أن يأخذ البراءة، فان الظاهر منه اشتراط البراءة من الضما على نحو شرط النتيجة. (1) وإن قال شيخنا الاعظم (ره): إنه قد يتوهم ذلك بناء على أن التعليق في الشرط يسري إلى العقد، لرجوع الشرط إلى جزء من أحد العوضين. وفيه: منع ذلك، كما هو ظاهر، نعم بناء على ما ذكره بعض في وجه مانعية التعليق في العقود والايقاعات من منافاة التعليق للانشاء، عموم المانعية، ولا وجه للتفكيك بين الشرط وغيره في ذلك، وإن كان التحقيق أن الوجه في المانعية: الاجماع المحقق المعول عليه عندهم، لا ما ذكر. ولذلك جاز عندهم التعليق مع الانشاء في الوصية التمليكية، والنذر المعلق، والتدبير. فراجع. (2) هذا إذا كان المراد من البراءة عدم اشتغال الذمة به. أما إذا كان المراد السقوط عن الذمة بعد الاشتغال به فلا يلزم المحذور.

[ 222 ]

[ ويؤدي ما خرج عليها " (1) ونحو غيره. ] (1) هذا مذكور في مصحح الحلبي عن أبي عبد الله (ع) " قال: إن القبالة أن تأتي الارض الخربة فتقبلها من أهلها عشرين سنة أو أقل من ذلك أو أكثر، فتعمرها وتؤدي ما خرج عليها، فلا بأس به " (* 1). وصحيحه الآخر عن أبي عبد الله (ع): " لا بأس بقبالة الارض من أهلها بعشرين سنة أو أقل أو أكثر، فيعمرها، ويؤدي خراجها. ولا يدخل العلوج في شئ من القبالة، لانه لا يحل " (* 2). وصحيح يعقوب بن شعيب عن أبي عبد الله (ع) - في حديث قال: " وسألته عن الرجل يعطي الارض الخربة ويقول: اعمرها، وهي لك ثلاث سنين أو خمس سنين أو ما شاء الله. قال: لا بأس " (* 3). ونحوها غيرها. والمحتمل فيها أمور: (الاول): ما ذكره المصنف (ره)، من أن المراد من القبالة الاجارة، ويكون العمل هو الاجرة، فتكون من إجارة العين. (الثاني): أن المراد بها الاجارة على العمل، فتكون الاجرة منفعة الارض، والمستأجر العامل، والمستأجر عليه هو العمل من التعمير وغيره. (الثالث): أن تكون من الجعالة على العمل، والجعل هو المنفعة، ويحتمل - كما قيل - أن تكون الاجرة شيئا معلوما، ويكون ذلك الشئ أجرة للعمل، فتكون اجارتان، إجارة الارض، وإجارة الاجير العامل. (الرابع): أن تكون معاملة مستقلة، نظير المصالحة، مفادها تمليك المنفعة للعامل وتمليك مالك الارض للعمل، بلا معاوضة بين المنفعة والعمل. ولعل الاخير هو الاقرب.


(* 1) الوسائل باب: 11 من أبواب المزارعة حديث: 2. (* 2) الوسائل باب: 93 من أبواب ما يكتسب به حديث: 3. (* 3) الوسائل باب: 11 من أبواب المزارعة حديث: 1.

[ 223 ]

[ (السابعة عشرة): لا بأس بأخذ الاجرة على الطبابة وإن كانت من الواجبات الكفائية، لانها كسائر الصنائع واجبة بالعرض (1) لانتظام معائش العباد. بل يجوز وإن وجبت عينا لعدم من يقوم بها غيره. ويجوز اشتراط كون الدواء عليه ] (1) الظاهر: أنه تعليل لكونها من الواجبات الكفائية، لا لجواز أخذ الاجرة. نعم في النسخ التي رأيتها بدل قوله: " واجبة بالعرض ": " واجبة بالعوض "، فيكون تعليلا لجواز أخذ الاجرة. يعني: إنما جاز أخذ الاجرة عليها لانها واجبة بالعوض لامجانا، فقد أخذ في موضوع الوجوب العوض. لكن الظاهر أنه غلط، لانها واجبة بالعوض وبغير عوض، وإلا لما كان فعلها مجانا أداء للواجب. ثم إنك عرفت في مواضع من هذا الشرح التعرض لجواز أخذ الاجرة على الواجبات وعدمه، وأنه لم يقم دليل على عدم جواز أخذ الاجرة على الواجب، وأن وجوب الشئ لايمنع من أخذ الاجرة عليه. فالعمدة في عدم جواز أخذ الاجرة على الواجبات في بعض المقامات عينية وكفائية: هو الاجماع ولولاه لكان القول بجوازه في محله. ويشهد لذلك جواز أخذ الاجرة على الواجبات الكفائية، التي يتوقف عليها النظام، إذ الوجوب لو كان مانعا لم يفرق في منعه بين العيني والكفائي. وما في بعض الحواشي من الفرق بين الواجبات العينية والكفائية بأن الوجوب في الواجبات الكفائية عبارة عن الالزام بعدم حبسها عمن يحتاج إليها، فلا يكون مخرجا لذات العمل عن ملك مالكه، ويجوز أخذ الاجرة عليه. غير ظاهر، إذ الحبس ترك العمل، فعدم الحبس هو العمل. ولو أراد من الحبس معنى وجوديا، فعدمه ليس مقدمة للنظام، بل المقدمة هو العمل ضرورة.

[ 224 ]

[ مع التعيين الرافع للغرر (1). ويجوز - أيضا - مقاطعته على المعالجة (2) إلى مدة أو مطلقا (3)، بل يجوز المقاطعة عليها بقيد البرء، أو بشرطه إذا كان مظنونا (4)، بل مطلقا (5). وما قيل من عدم جواز ذلك، لان البرء بيد الله فليس اختياريا ] (1) لعموم صحة الشرط كشرط كون الخيوط على الخياط، والحبر على الكاتب. وفي القواعد قال: " والكحل على المريض. ويجوز اشتراطه على الكحال ". وحكي التصريح به عن غيره. وقد يستشكل فيه: بأن مناف للعقد، لان الاعيان لا تملك بعقد الاجار أصالة، ولا تبعا. بل قيل: قد يرجع إلى بيع الكحل بلفظ الشرط. وفيه: أنه لادليل على المنع من تمليك العين بالشرط في الاجارة، وعموم صحة الشرط يقتضي الصحة. مع أن الشرط المذكور لا يقتضي التمليك، وإنما يقتضي بذل الكحل مجانا، فلا اشكال حينئذ. لكن قال في القواعد بعد ذلك: " ولو اشترط الدواء على الطبيب فالاقرب الجواز ". والفرق بين المسألتين غير ظاهر، كما اعترف به بعض. (2) يريد بها المداواة واستعمال الادوية لمكافحة المرض. (3) لكن مع عدم التقييد بالمدة وترددها بين القليل والكثير يلزم الغرر. اللهم إلا أن يكون المرض متعينا بنحو خاص، فيستأجر الطبيب على مداواته، فيجب تعينه كافيا في رفع الغرر مثل الصداع ونحوه، نظير خياطة الثوب المردد زمانها بين القليل والكثير، لكن تعين الثوب كاف في رفع الغرر. (4) الفرق بينهما ظاهر، إذ في الاول يكون البرء مقوما لموضوع الاجارة، وفي الثاني يكون غير مقوم، بل وصفا فيه على نحو تعدد المطلوب. (5) يعني: وإن لم يكن مظنونا، لان المصحح للاجارة القدرة

[ 225 ]

[ له، وأن اللازم مع إرادة ذلك أن يكون بعنوان الجعالة لا الاجارة (1)، ] الواقعية، لا العلم بها أو الاعم منه ومن الظن، بل تصح الاجارة مع احتمال القدرة، فإذا تبين عدم المقدرة انكشف البطلان. اللهم إلا أن يحصل الغرر مع عدم الظن بالحصول، فتبطل لذلك، لا لعدم القدرة. لكنه يتوقف على عموم نفي الغرر للاجارة، وقد عرفت الاشكال فيه. (1) قال في القواعد: " ولو جعل له على البرء صح جعالة لا إجارة ". وفي جامع المقاصد: " أما عدم صحته إجارة: فان ذلك ليس من مقدور الكحال، وإنما هو من فعل الله سبحانه. وأما صحته جعالة: فلان السبب إلى حصوله كاف في استحقاق الجعل إذا حصل، وإن كان من فعل الله تعالى ". أقول: كونه من فعل الله تعالى كما يمنع من صحة الاجارة عليه يمنع من صحة الجعالة، لان الجعالة إنما تكون على فعل المجعول له، فان إذا قال مالك العبد: إذا رددت عبدي فلك درهم، فرده غير المخاطب، لا يستحق المخاطب الجعل. وإن كان المراد من كونه من فعل الله سبحانه: أنه من فعله تعالى بنحو لا ينافي نسبة البرء إلى الكحال، فلا يمنع من صحة الاجارة عليه. نعم الفرق بين الاجارة والجعالة: أن الاجارة تتضمن تمليك المستأجر عمل الاجير، والجعالة لا تتضمن ذلك. ولاجل هذا الفرق امتنع وقوع الاجارة على غير المقدور، وجاز وقوع الجعالة عليه، مع الاحتفاظ بصحة النسبة إلى المجعول له، وعدم القدرة لا ينافي صحة النسبة، وإن كان ينافي صحة التملك. وكأن مراد جامع المقاصد من قوله: " يفعل الله تعالى " معنى لا ينافي صحة النسبة، وان كان مانعا من القدرة، فيكون المراد من التعليل أن البرء غير مقدور للكحال، فلا تصح الاجارة عليه وان

[ 226 ]

[ فيه: أنه يكفي كون مقدماته العادية اختيارية (1). ] صحت الجعالة عليه، لصحة نسبته إلى المجعول له، كما أفاد في المتن. (1) المائز بين الفعل الاختياري وغيره: أن الاختياري: ما يكون جميع مقدماته اختياريا، أو بعضها اختياري وبعضها غير اختياري. مع كون غير الاختياري متحققا في ظرفه. وغير الاختياري: ما يكون جميع مقدماته غير اختياري، أو بعضها اختياري وبعضها غير اختياري مع كون غير الاختياري غير متحقق. مثلا: نقل المتاع في السفينة من بلد إلى آخر، يتوقف على وضع المتاع في السفينة، وسحب السفينة في الماء، وعلى وجود الماء. ولاريب أن وجود الماء غير اختياري، لكن لما كان الماء موجودا، كان نقل المتاع اختياريا، وإذا اتفق غور الماء صار نقل المتاع غير اختياري، فعلى هذا قد يكون البرء اختياريا، كما إذا كانت مقدماته غير الاختيارية. متحققة، وقد يكون غير اختياري، كما إذا كانت مقدماته غير الاختيارية غير متحققة، فاطلاق أن البرء غير مقدور غير ظاهر. وفي حاشية بعض الاعاظم على المقام: " إنما يكفي اختيارية المقدمات في اختيارية ذيها، إذا كان - كمخيطية الثوب مثلا - أثرا متولدا منها، ولم يتوسط في البين مقدمة أخرى غير اختيارية، وإلا كانت هي الاخير من أجزاء علته ويستند الاثر إليها، ويكون تابعا لها في عدم المقدورية، ولا يصح الالتزام به بالاجازة، أو الاشتراط، أو غير ذلك، وظاهر أن برء المريض وكذا سمن الدابة ونحوهما من ذلك... ". والاشكال فيه يظهر مما ذكرنا، فان توسط بعض المقدمات غير الاختيارية إذا كانت متهيئة لا يقدح في اختيارية ذيها، كما عرفت. ولافرق بين المخيطية وبين برء المريض وسمن الدابة في كونها اختيارية، إذا كانت المقدمات غير الاختيارية متهيئة. نعم تختلف من حيث السرعة والبطئ. مع أن برء المريض

[ 227 ]

[ ولا يضر التخلف في بعض الاوقات (1)، كيف وإلا لم يصح بعنوان الجعالة أيضا (2). (الثامنة عشرة): إذا استؤجر لختم القرآن لا يجب أن يقرأه مرتبا (3). ] قد يكون مثل المخيطية في سرعة الحصول. (1) ظاهر العبارة: أن التخلف لا يضر في اختيارية الفعل، وقد عرفت أن التخلف لعدم تحقق بعض المقدمات غير الاختيارية يضر في صدق الاختيار، فكأن المراد: أن التخلف في بعض الاوقات لا يضر في صدق الاختيار في حال عدم التخلف. (2) قد عرفت أن يكفي في صحة الجعالة صحة النسبة وإن لم يكن الفعل اختياريا. اللهم إلا أن يقال: يعتبر في استحقاق الجعل تحقق الفعل بقصد الجري على مقتضى الجعالة، ومع عدم الاختيار لاقصد وإن صحت النسبة، فلا يستحق الجعل. ولا يخلو من وجه، إذ لازم البناء على استحقاق الجعل بمجرد صحة النسبة استحقاق الجعل ولو مع قصد التبرع، وهو بعيد. فتأمل. (3) عملا بالاطلاق. وأما الانصراف إلى الابتداء بالاول والختم بالاخير فبدوي. ولذلك يتعين البناء على جواز قراءة آيات السورة من دون ترتيب. اللهم إلا أن يقال: قراءة القرآن تارة: يراد بها قراءة جنس القرآن، وأخرى: يراد بها قراءة الفرد التام. فان أريد الاول تم ما في المتن، وإن أريد الثاني فلابد من الابتداء بالاول والانتهاء بالاخير، لان الفرد له هيئة خاصة على ترتيب خاص، فإذا قرئ على غير ذلك الهيئة لم يؤت بقراءة الفرد الخاص. وأوضح منه قراءة السورة، فانه لايراد منها الجنس، بل المراد منها الآيات على الهيئة الخاصة، فإذا قرئت على غير

[ 228 ]

[ بالشروع من الفاتحة والختم بسورة الناس، بل يجوز أن يقرأ سورة فسورة على خلاف الترتيب، بل يجوز عدم رعاية الترتيب في آيات السورة أيضا. ولهذا إذا علم بعد الاتمام أنه قرأ الآية الكذائية غلطا أو نسي قراءتها يكفيه قراءتها فقط (1) نعم لو اشترط عليه الترتيب وجب مراعاته. ولو علم اجمالا بعد الاتمام أنه قرأ بعض الآيات غلطا، من حيث الاعراب، أو من حيث عدم أداء الحرف من مخرجه، أو من حيث المادة، فلا يبعد كفايته وعدم وجوب الاعادة، لان اللازم القراءة على المتعارف والمعتاد، ومن المعلوم وقوع ذلك من القارئين غالبا ألا من شذ منهم. نعم لو اشترط المستأجر عدم الغلط أصلا، لزم عليه الاعادة مع العلم به في الجملة. وكذا الكلام في الاستئجار لبعض الزيارات المأثورة أو غيرها (2). ] الترتيب فقد فاتت الهيئة ولم يكن قراءة للسورة. وأوضح من ذلك قراءة كلمات الآية على غير الترتيب، فانه لو كان المراد جنس القرآن جازت قراءة كلمات الآيات على غير الترتيب، لصدق الجنس على ذلك. (1) هذا ليس لما ذكره (قده)، بل لان غلبة وقوع الغلط تقتضي الاجتزاء بذلك، وإلا لجازت قراءة الكلمات على غير الترتيب، ولم يتعرض له، وظاهره عدم جوازها، بل ينبغي القطع بذلك. فالوجه في الاكتفاء بقراءة ما وقع فيه الغلط هو ما ذكرناه وذكره هو (قده) بعد ذلك في صورة اشتراط الترتيب في عقد الاجارة. وبالجملة: قوله (ره): " ولهذا... " ينافيه قوله بعد ذلك: " لان اللازم القراءة... ". (2) ما ذكره في آيات السور جار في فقرات الزيارة. وكذا جار

[ 229 ]

[ وكذا في الاستئجار لكتابة كتاب أو قرآن أو دعاء أو نحوها لا يضر في استحقاق الاجرة إسقاط كلمة أو حرف أو كتابتهما غلطا. (التاسعة عشرة): لا يجوز في الاستئجار للحج البلدي أن يستأجر شخصا من بلد الميت إلى النجف، وشخصا آخر من النجف إلى مكة أو إلى الميقات، وشخصا آخر منها إلى مكة، إذ اللازم أن يكون قصد المؤجر من البلد الحج والمفروض أن مقصده النجف مثلا (1)، وهكذا، فما أتى ] أيضا في الاستئجار لكتابة الكتاب أو القرآن، والالتزام بجواز قراءة الزيارة وكتابة الكتاب والقرآن على غير ترتيب الفقرات والسور أو الآيات، كما ترى. ولاجله يتضح ما ذكرناه من عدم جواز قراءة الآيات على خلاف الترتيب، ولاقراءة السور كذلك، فان الجميع من باب واحد. ولم يتعرض المصنف (ره) صريحا لحكم الاجارة على قراءة الزيارة وعلى كتابة الكتاب أو القرآن، ولكن يفهم من قوله: " لا يضر في استحقاق الاجرة... " أن اعتبار الترتيب في الموارد الثلاثة المذكورة مفروغ عنه. وقد عرفت أن الفرق بينها وبين الاستئجار لقراءة القرآن غير ظاهر، بالنظر إلى طبع الكلام. نعم قد تقدم القرينة على خلاف ذلك، فلا بأس بالعمل بها، بل يمكن أن يدعى أن عدم الارتباط بين السور قرينة عامة على عدم ملاحظة الترتيب ولا يخلو من تأمل. (1) هذا عين مفاد الدعوى التي ذكرها في صدر المسألة، ليس مسوقا مساق التعليل لها. نعم ظاهر قوله: " فما أتى به من السير ليس... " أنه تعليل لها. ويشكل: بأنه لا يصلح أن يكون تعليلا، إلا بناء على

[ 230 ]

[ به من السير ليس مقدمة للحج. وهو نظير أن يستأجر شخصا لعمرة التمتع وشخصا آخر للحج، ومعلوم أنه مشكل، بل اللازم على القائل بكفايته أن يقول بكفاية استئجار شخص للركعة الاولى من الصلاة وشخص آخر للثانية، وهكذا، يتمم. ] القول بالمقدمة الموصلة، فان ما أتى به من السير لا قصور في مقدميته للحج إلا عدم ترتب الحج عليه. ولذا قال بعض الاعاظم في حاشيته في المقام: " لا يبعد أن يكون ما أفتى به من عدم الجواز مبنيا على ما اختاره في الاصول من تخصيص وجوب المقدمة بالموصلة ". لكن لو كان مبناه ذلك كان اللازم أن يقول: " ليس واجبا "، بدل قوله: " ليس مقدمة للحج ". فكأن مراده أن الواجب في الحج البلدي أن يحج الشخص عن السير من البلد بقصد الحج، فالسير من البلد لا بقصد الحج ليس قيدا للحج البلدي. فلا يكون مقدمة للحج. وهذا التعليل في غاية المتانة. وما ذكرناه آنفا من أن السير من البلد إلى النجف لا قصور في مقدميته للحج، إنما يصح بالاضافة إلى حج السائر، لا بالاضافة إلى حج غيره، إذ لا مقدمية بينه وبينه، فالتعليل لا يرتبط بالقول بالمقدمة الموصلة بوجه. ونظير المقام وضوء زيد بالنسبة إلى صلاة عمرو، فانه لا يكون مقدمة لها، وإنما يكون مقدمة لصلاة زيد نفسه. وهذا نظير أن يستأجره للصلاة عن ميت لابقيد المباشرة، فيصلي الاجير بلا وضوء ويتوضأ شخص آخر مكانه. وكان الاولى للمصنف (ره) التمثيل به، لا التمثيل بالامثلة التي ذكرها، فان فيها تبعيض النيابة في الاجزاء، لافي الشروط والقيود، كما هو في فرض المسألة ولا يلزم من عدم جواز التبعيض في النيابة في الاجزاء، عدم جوازه فيها في القيود. فمنشأ الخلاف في جواز التبعيض - كما في الحاشية المتقدمة - وعدمه - كما في المتن - هو أن الحج البلدي هل

[ 231 ]

[ (العشرون): إذا استؤجر للصلاة عن الميت فصلى ونقص من صلاته بعض الواجبات غير الركنية سهوا، فإن لم يكن زائدا على القدر المتعارف الذي قد يتفق أمكن أن يقال لا ينقص من أجرته شئ (1)، وإن كان الناقص من الواجبات والمستحبات المتعارفة أزيد من المقدار المتعارف، ينقص من الاجرة بمقداره (2)، ] يعتبر فيه أن يكون الحاج قد خرج من البلد بقصد الحج إلى أن يحج، أولا يعتبر فيه ذلك، بل يكفي أن يخرج شخص من البلد وإن كان غير الحاج؟ فعلى الاول: لا يجوز التبعيض في النيابة وتعدد النائب، وإن قلنا بوجوب مطلق المقدمة كما هو المشهور، لان خروج شخص غير من قام به الحج ليس مقدمة لحج غيره، نظير مالو صلى النائب بوضوء نائب آخر. وعلى الثاني: يجوز التبعيض، وإن قلنا بالمقدمة الموصلة، لان المقدمة على هذا موصلة، لكون المفروض تحقق الحج مع وجود مقدمته، نظير مالو صلى شخص نائب بثوب طاهر قد غسله غيره، فان غسل غير المصلي مقدمة وموصلة لتحقق الصلاة حسب الفرض. فالاشكال على المحشي (قده) من وجهين: أحدهما: استظهاره من الدليل الدال على الحج البلدي: الاكتفاء بخروج غير الحاج من البلد، وهو في غاية من البعد. ثانيهما: بناؤه المنع على القول بالمقدمة الموصلة، وهو غير مبتن على ذلك. مع أن المقدمة في المقام موصلة حسب الفرض، لتحقق الحج من النائب الثاني. (1) لان التعارف يكون قرينة على أن موضوع الاجارة ما يشمل الناقص. (2) لان الاجرة موزعة على الجميع، فمع فوات البعض يفوت بعض الاجرة.

[ 232 ]

[ إلا أن يكون المستأجر عليه الصلاة الصحيحة المبرئة للذمة (1) ونظير ذلك إذا استؤجر للحج فمات بعد الاحرام ودخول الحرم، حيث ان ذمة الميت تبرأ بذلك (2)، فان كان المستأجر عليه ما يبرئ الذمة استحق تمام الاجرة، والا فتوزع ويسترد ما يقابل به بقية الاعمال. ] (1) فان الصلاة الناقصة لما كانت مبرئة للذمة كانت تمام موضوع الاجارة، فيستحق الآتي بها تمام الاجرة. (2) إجماعا محققا كما في المستند، وبقسميه كما في الجواهر، ويشهد له مصحح اسحاق بن عمار قال: " سألته عن الرجل يموت فيوصي بحجة فيعطى رجل دراهم يحج بها عنه فيموت قبل أن يحج ثم أعطي الدراهم غيره. فقال (ع): إن مات في الطريق أو بمكة قبل أن يقضي مناسكه فانه يجزئ عن الاول " (* 1). واطلاقه وإن كان يشمل غير الفرض، لكن لا يقدح في جواز الاستدلال به على الفرض. ويعضده ما ورد من النصوص فيمن مات بعد دخول الحرم، كصحيح ضريس عن أبي جعفر (ع) قال: " في رجل خرج حاجا حجة الاسلام فمات في الطريق. فقال: إن مات في الحرم فقد أجزأت عنه حجة الاسلام، وإن مات دون الحرم فليقض عنه وليه حجة الاسلام " (* 2). وقريب منه غيره، فانها وإن كان المنصرف منها الحاج عن نفسه، لكن يقرب جدا كونه من أحكام مطلق الحج، أو لان الاصل في حج النائب أن يكون بحكم حج المنوب عنه، وتمام الكلام في هذه المسألة موكول إلى محله من كتاب الحج. والحمد لله رب العالمين.


(* 1) الوسائل باب: 15 أبواب النيابة حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 26 من أبواب وجوب الحج حديث: 1.

[ 233 ]

إلى هنا انتهى ما أردنا تعليقه على كتاب الاجارة من كتاب العروة الوثقى، في جواز المشهد المقدس الحيدري على مشرفه أفضل الصلاة والسلام، يوم الثلاثاء، في اليوم الثالث والعشرين من شهر جمادي الثانية، سنة الالف والثلاثمائة واثنتين وسبعين هجرية، على مهاجرها أفضل الصلاة وأكمل التحية، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت واليه انيب.

[ 234 ]

[ بسم الله الرحمن الرحيم كتاب المضاربة وتسمى قراضا عند أهل الحجاز (1). والاول من الضرب، لضرب العامل في الارض لتحصيل الربح، والمفاعلة باعتبار كون المالك سببا له والعامل مباشرا (2). ] بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد النبيين وأشرف المرسلين محمد وآله، الغر الميامين الطيبين الطاهرين. كتاب المضاربة (1) بذلك صرح في التذكرة والمسالك وغيرهما، كما صرحوا بأنه سمي مضاربة عند أهل العراق. (2) يشير إلى أن المفاعلة لابد فيها من الاشتراك، وقد ذكر ذلك في كلام جماعة كثيرة، منهم صاحب الجواهر، على نحو يظهر منهم المفروغية عنه. ولكن لا أصل له، كما يظهر من ملاحظة موارد الاستعمال فتقول: طالعت الكتاب، وتابعت زيدا، وباركت له، وناولته الكتاب،

[ 235 ]

وسافرت وآويته، وجازفت... إلى غير ذلك مما لا يحصى، وكل ذلك لا مشاركة فيه. نعم الذي يقتضي المشاركة التفاعل، مثل: تضاربا " وتجادلا، وتكافحا، وتعاوضا... إلى غير ذلك. وأما المفاعلة: فانها تقتضي السعي إلى الفعل، فإذا قلت: قتلت، فقد اخبرت عن وقوع القتل، وإذا قلت: قاتلت، كنت قد أخبرت بالسعي إلى القتل، فربما يقع وربما لا يقع، ولا تقتضي المشاركة. نعم ربما تكون المادة مقتضية للمشاركة، لكنها حينئذ ليست من مفاد الهيئة. ولاجل ذلك لا حاجة إلى تكلف بيان وجه المشاركة في المقام، وهو إما ما ذكره المصنف، ولعله المشهور، المبتني على حمل الضرب على الضرب في الارض. أو لان كلا منهما يضرب الربح بسهمه، كما ذكره في التذكرة والمسالك. وقيل: إنه من الضرب في المال وتقليبه، كما حكي في التذكرة والمسالك. لكن على هذا لا مشاركة، لان الفاعل لذلك العامل لاغير. إلا أن يكون المقصود من مشاركة المالك سببيته لذلك، كما سبق في المعنى الاول، وفي الجواهر: " لعل الاولى من ذلك في تحقق المفاعلة ضرب كل منهما فيما هو للآخر من المال والعمل ". وكأن مراده من الضرب في المال والعمل الاخذ من نمائه وناتجه، فكان كل واحد منهما قد ضرب فيما هو للآخر وأخذ منه. ولا يخفى أن لازم المشاركة في المقام أن كلا من المالك والعامل مضارب للآخر، مع أن الظاهر أن المضارب هو العامل، والمالك ليس بمضارب. قال في التذكرة: " ولم يشتق أهل اللغة لرب المال من المضاربة اسما "، ونحوه في المسالك، وفي الجواهر: " لم نعثر على اشتقاق أهل اللغة اسما لرب المال من المضاربة... ". فالاولى أن يكون معنى المضاربة مغالبة الناس على أموالهم بالطرق الشرعية، والعامل هو الذي

[ 236 ]

[ والثاني من القرض، بمعنى: القطع (1). لقطع المالك حصة من ماله ودفعه إلى العامل ليتجر به (2). وعليه العامل مقارض بالبناء للمفعول (3) وعلى الاول مضارب بالبناء للفاعل. ] يقوم بهذه المضاربة، دون المالك، فتختص المضاربة به. والذي يتحصل مما ذكرنا أمران: (الاول): أن هيئة المفاعلة لاتدل على المشاركة، وإنما تدل على سعي الفاعل نحو الفعل، والمشاركة خارجة عن مفهومها " نعم ربما تستفاد من المادة في بعض المقامات أو من قرائن خارجية: (والثاني): أن المراد من الضرب في المضاربة المعنى المجازي الذي يحصل من التغلب على أموالهم بالطرق المشروعة، فالمضاربة في المقام المغالبة على الناس في أخذ أموالهم واسترباحها، ويمتاز المقام من أنواع الاتجار الاخرى: بأن دفع المال إلى العامل بقصد التغلب والاسترباح، بخلاف سائر موارد الاتجار، فقد يكون المقصود مجرد التبديل والتقليب بلا نظر إلى الربح وزيادة المال. (1) صرح بذلك في التذكرة والمسالك وغيرهما. (2) يحتمل أن القرض الملحوظ في مادة القراض ليس هو دفع مقدار من ماله وتمكينه منه، بل المقصود الربح الذي يكون من المال، الذي يصير للعامل، لما عرفت من أن (فاعل) يدل على السعي نحو الفعل، لانفس إيقاع الفعل، والا كان قارض بمعنى قرض، يعني: ملك قطعة من ماله لغيره. (3) لانه المفعول به، وليس فاعلا. ومن ذلك يتضح ما ذكرناه من أن قارض لا يدل على المشاركة، وإلا كان كل من المالك والعامل فاعلا ومفعولا به مقارضا - بالكسر - ومقارضا - بالفتح - ومن ذلك

[ 237 ]

[ وكيف كان عبارة عن دفع الانسان (1) مالا إلى غيره ليتجر به على أن يكون الربح بينهما، لا أن يكون تمام الربح للمالك، ولا أن يكون تمامه للعامل. وتوضيح ذلك (2): أن من دفع مالا إلى غيره للتجارة (تارة): على أن يكون الربح بينهما، وهي مضاربة (وتارة): على أن يكون تمامه للعامل، وهذا داخل في عنوان القرض إن كان بقصده (3) (وتارة): على أن يكون تمامه للمالك، ويسمى عندهم باسم البضاعة (وتارة): لا يشترطان شيئا، وعلى هذا أيضا يكون تمام الربح للمالك، ] يظهر أن القراض قائم بين المالك والعامل، والمضاربة قائمة بين العامل وغير المالك من الناس الذي يتجر معهم، هذا بحس الاشتقاق، وأما في الاصطلاح فهي قائمة بين المالك والعامل، وهما طرفا الايجاب والقبول. (1) لا يخفى أن المضاربة من الانشاءات، والدفع معنى خارجي، فليست هي الدفع، بل الدفع من مقتضياتها، وانما هي المعاملة بين المالك والعامل على أن يتجر العامل بمال المالك، ويكون له بعض ربحه. فتفسيرها بالدفع - كما ذكره في النافع والتذكرة والمسالك وغيرها - مبني على نحو من المساهلة. (2) هذا التوضيح ذكره في الشرائع، وتبعه على ذلك في التذكرة والمسالك وغيرهما. (3) هذا القيد لم يتعرض له في الشرائع والتذكرة والمسالك. واشكاله ظاهر، فان القرض تمليك المال بعوض في الذمة مثله أو قيمته، وهو من العناوين الايقاعية لا يتحقق إلا بالقصد، فكيف يكون دفع المال إلى العامل على أن يكون له تمام الربح قرضا من دون قصد؟! كما أشار إلى ذلك

[ 238 ]

[ فهو داخل في عنوان البضاعة. وعليهما يستحق العامل أجرة المثل لعمله (1) إلا أن يشترطا عدمه، أو يكون العامل قاصدا للتبرع. ومع عدم الشرط وعدم قصد التبرع أيضا له أن يطلب ] الاردبيلي (قده). واحتمل في الرياض: أن يكون مراد التذكرة والمسالك من كونه قرضا أن ذلك حكم القرض، لا أنه قرض موضوعا، وكذلك قصدهما من كونه قراضا في صورة اشتراط أن يكون الربح لهما. وهو كما ترى غير ظاهر. كما أنه احتمل صحة ما ذكراه وعدم لزوم القصد في حصول القرض، للمعتبرة المستفيضة، التي منها الصحيح والموثق وغيرهما (* 1) من أنه من ضمن تاجرا فليس له إلا رأس ماله وليس له من الربح شئ، لظهورها في أنه بمجرد تضمين المالك للمضارب يصير المال قرضا ويخرج عن المضاربة وان لم يتقدم عقد القرض، وهو في معنى اشتراطه الربح للعامل، فان الامرين من لوازم القرض. انتهى. وهو كما ترى، إذ لو بني على الاخذ بهذه النصوص، التي مرجعها إلى ما اشتهر عن أبي حنيفة من أن الخراج بالضمان، فهو مختص بالتضمين، وهو غير مورد كلام التذكرة والمسالك. ورجوع التضمين واشتراط الربح للعامل إلى ذلك ممنوع، فان التضمين لا يوجب خروج المال المضمون عن ملك المالك ودخوله في ملك الضامن. (1) ظاهر عبارتي التذكرة والمسالك: أنه مع اشتراط كون الربح للمالك لا شئ للعامل، ونسبه في الرياض أيضا إلى ظاهر غيرهما من الاصحاب، ثم قال: وهو حسن إن لم يكن هناك قرينة من عرف أو عادة


(* 1) يشير إلى رواية محمد بن قيس المروية بطريق فيها الصحيح والحسن والموثق. منه قدس سره. الوسائل باب: 4 من أبواب كتاب المضاربة حديث: 1.

[ 239 ]

[ الاجرة، إلا أن يكون الظاهر منهما في مثله عدم أخذ الاجرة وإلا فعمل المسلم محترم (1) ما لم يقصد التبرع. ] بلزومه. وإلا فالمتجه لزومه ". كما أنه استشكل عليهما في الحكم بأجرة المثل في صورة عدم اشتراط شئ للعامل، وأنه لادليل عليه، والاصل العدم. ومرجعه إلى قيام احتمال التبرع ولا أجرة معه. انتهى. وكأن احتمال التبرع هو الوجه في ما استحسنه في الفرض السابق من عدم الاجرة، وقد ذكره (قده) أنه إذا انتفى احتمال التبرع وجبت الاجرة، بلا خلاف في الظاهر، لئلا يلزم الضرر على العامل الناشئ من إغراء المالك له بترغيبه إلى العمل تحصيلا لما بازائه من الاجرة. انتهى. والمتحصل من كلامه أمور: (الاول): أنه لا ضمان لعمل العامل عن المالك مع احتمال التبرع، للاصل. وقد سبقه إلى ذلك المحقق الاردبيلي.: (الثاني): أنه إذا قامت قرينة من عرف أو عادة بلزوم الاجرة لزمت. (الثالث): أنه مع عدم احتمال التبرع تجب الاجرة، لئلا يلزم الضرر. ويشكل الاول: بأن استيفاء عمل الغير موجب للضمان كاستيفاء ماله، حتى مع احتمال التبرع ما لم يثبت التبرع، وعلى ذلك استقرت طريقة العرف والعقلاء، بلا رادع عنها، كما أوضحنا ذلك في كتاب الاجارة وغيره من هذا الشرح، ومع الشك في التبرع يبنى على أصالة عدمه عندهم، لاعلى أصالة البراءة، ويشكل الاخير: بأن أدلة نفي الضرر لا تقتضي الضمان، لانها نافية لامثبتة. (1) استشكل في الجواهر على ما ذكراه في التذكرة والمسالك من عدم الاجرة إذا اشترط المالك أن يكون الربح له: بأن ذلك خلاف قاعدة احترام عمل المسلم، وتبعه عليه المصنف، وقد عرفت في كتاب الاجارة أن قاعدة الاحترام نفسها لا تصلح لاثبات الضمان على المالك، نظير: قاعدة نفي الضرر، وانما تقتضي قاعدة الاحترام حرمته وعدم جواز استيفائه

[ 240 ]

[ ويشترط في المضاربة الايجاب والقبول (1). ] جبرا أو كرها، فالعمدة في وجه الضمان ما ذكرناه من أن استيفاء عمل العامل موجب لضمانه عند العرف والعقلاء من دون رادع عنه. (1) دعوى الاجماع على كون المضاربة من العقود المحتاجة إلى الايجاب والقبول صريحة وظاهرة في كلام جماعة، وقد ذكرنا في بعض مباحث النكاح أن المعيار في كون المعنى الانشائي عقدا أو ايقاعا ليس بلحاظ مفهومه ذاتا بمعنى أن المفهوم العقدي يخالف المفهوم الايقاعي ذاتا، ولا بالنظر إلى كونه قائما بين شخصين، أو شخص واحد، بل المعيار كونه تحت ولاية شخص واحد أو شخصين، فان كان تحت ولاية شخص واحد فهو إيقاع، وان كان تحت ولاية شخصين فهو عقد. ولما كان مفاد المضاربة خروج حصة من الربح من ملك صاحب المال، ودخولها في ملك العامل، وكان الخروج عن الملك قهرا خلاف قاعدة السلطنة على المال، كما أن الدخول في الملك قهرا خلاف قاعدة السلطنة على النفس، تعين أن يكون ذلك تحت ولاية المالك والعامل معا، فيكون ذلك المفهوم عقدا، محتاجا إلى الايجاب من أحدهما، والقبول من الاخر، وإذا فرض كون المالك والعامل سفيهين ووليهما واحدا فالمضاربة حينئذ إيقاع يكتفى فيها بالايجاب بلا قبول. كما أن الزوج والزوجة إذا كانا بالغين فالنكاح بينهما عقد يحتاج إلى الايجاب والقبول، فإذا اتفق أنهما رقان لمالك واحد كفى في حصول النكاح بينهما ايجاب المالك بلا حاجة إلى القبول، وكذا إذا عقد الجد لابن ابنه على بنت ابنه الآخر فانه يكفي في حصول النكاح بينهما أن يقول: زوجت فلانة من فلان. بل الوكيل على التزويج من الطرفين كذلك. نعم إذا كان وكيلا من أحدهما على الايجاب ومن الآخر على القبول تعين الايجاب والقبول معا.

[ 241 ]

[ ويكفي فيهما كل دال، قولا، أو فعلا (1). والايجاب القولي كأن يقول: ضاربتك على كذا، وما يفيد هذا المعنى. فيقول: قبلت. ويشترط فيها أيضا - بعد البلوغ، والعقل، والاختيار (2) وعدم الحجر لفلس أو جنون (3) - أمور: ] (1) لما دل على صحة المعاطاة وكونها عقدا فعليا لاقوليا، والعقدية لا تتوقف على الانشاء باللفظ، بل تكون بالانشاء بالفعل أيضا بلا فرق إلا في بعض الاحكام المذكورة في مبحث المعاطاة، التي قد لا تطرد هنا. وفي الرياض: " ومن لوازم جوازها وقوع العقد بكل لفظ يدل عليه، وفي اشتراط وقوع قبوله لفظيا، أو جوازه بالفعل أيضا، قولان، قوى ثانيهما في الروضة تبعا للتذكرة، ويظهر منهما عدم الخلاف بيننا فيه، وفي الاكتفاء في طرف الايجاب بكل لفظ، فان تم، والا فالاولى خلافهما اقتصارا فيما خالف الاصل على المتيقن "، وظاهره المفروغية عن عدم جواز الايجاب بالفعل. ولكنه غير ظاهر، بل ممنوع، ومثله الاصل الذي ذكره، فان العمومات كافية في رفع الاصل والمنع من جريانه، يتضح ذلك بملاحظة مباحث المعاطاة. (2) هذه الامور شروط في عموم تصرفات الانسان في ماله ونفسه، وبيان أدلة ذلك موكول إلى كتاب الحجر، وقد تعرض الفقهاء - قدس سرهم - لذلك في الجملة في كتاب البيع، لانه أول الكتب المتعلقة بالتصرفات الاعتبارية تحريرا، وقل ما يتعرضون لذكر ذلك في غيره. (3) ذكر الجنون مستدرك للاكتفاء بذكر اشتراط العقل سابقا. وكان اللازم ذكر السفه بدله، لما دل على حجر السفيه عن تصرفه في ماله فلا تصح المضاربة إذا كان المالك سفيها، كما لا تصح إذا كان العامل

[ 242 ]

[ الاول: أن يكون رأس المال عينا (1)، فلا تصح بالمنفعة، ولا بالدين، فلو كان له دين على أحد لم يجز أن يجعله مضاربة الا بعد قبضه. ولو أذن للعامل في قبضه، ما لم يجدد العقد بعد القبض. نعم لو وكله على القبض والايجاب من طرف المالك والقبو منه، بأن يكون موجبا قابلا، صح. ] سفيها، لعدم الفرق في حجر السفيه بين أن يكون المال عينا أو عملا، أما الفلس فلس عدمه شرطا في العامل، وإنما هو شرط في المالك، وان كان ظاهر العبارة أنه شرط فيهما معا، كالبلوغ والعقل. لكن سيأتي في المسألة الثالثة من مسائل الختام أن كلامه هنا مختص بالمالك. (1) وفي الجواهر: دعوى الاجماع بقسميه عليه، وفي التذكرة: " الاول أن يكون من النقدين دراهم ودنانير، مضروبة منقوشة، عند علمائنا "، وفيها: " لا يجوز القراض على الديون، ولا نعلم فيه خلافا. قال ابن المنذر: أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم أنه لا يجوز أن يجعل الرجل دينا له مضاربة... "، وفي المسالك: " اشتراط ذلك في المال موضع وفاق، نقله في التذكرة. وهو العمدة "، وفي الرياض استدل عليه بعد الاجماع: بأنه القدر المتيقن في الخروج عن أصالة عدم ترتب الاثر، بل أصالة كون الربح للمالك. ولا مجال للتمسك بعموم الوفاء بالعقود في المقام لمنع الاصل المذكور، لاختصاصه بالعقود اللازمة. كما لا مجال للتمسك باطلاقات المضاربة، لعدم ورودها في مقام البيان من هذه الجهة، فينبغي الاقتصار على المتيقن من النص والفتوى، وهو خصوص النقدين: وفي الجواهر الاشكال على ذلك: بأنه يكفى في الصحة قوله تعالى: (إلا أن تكون تجارة عن تراض) ونحوه. وفيه: أن ذلك إنما يقتضي الصحة، ولا يقتضي كونها مضاربة. ومن ذلك يظهر أنه لو سلم

[ 243 ]

جواز التمسك بعموم: (أوفوا بالعقود) (* 1) فانما يقتضي الصحة أيضا ولا يقتضي كونها مضاربة، وأما الاطلاقات المقامية فلا تجدي شيئا، إذ مقتضاها صحة المضاربة التي عند العرف، ولم يثبت أن المعاملة على الدين والمنفعة مضاربة عند العرف، والاصل عدم ترتب أحكام المضاربة عليها. نعم إذا كان مراد الاصحاب من عدم الصحة في الدين والمنفعة عدم الصحة مطلقا لا مضاربة ولاغيرها، كان الاشكال عليهم في محله، إذ الصحة مقتضى بعض العمومات. اللهم إلا أن يدعى اختصاص العمومات بالعقود المتعارفة، فلا تقتضي صحة غيرها. لكنه محل منع، إذ لا مقتضي لهذا التخصيص، والاصل عدمه. اللهم إلا أن يقال: الاصل رجوع الربح إلى مالك الاصل، فثبوته لغيره خلاف دليل صحة المعاملة على ماله، فيكون الاصل بطلان العقد المذكور ما لم يقم عليه دليل بالخصوص. وفيه: أن المضاربة لما كانت من سنخ المعاوضة، لان الحصة من الربح في مقابل العمل، فالمراد من دخول حصة الربح في ملك العامل أن ذلك بعد أن تدخل في ملك المالك، عملا بمقتضى المعاوضة، ليكون ضمان عمل العامل بمال المالك في ظرف أنه مال المالك، ولابد أن يكون ذلك بعد الدخول في ملك المالك، وهكذا ماكان من هذا القبيل. وأما الاجماع على اشتراط ذلك فالقدر المتيقن أنه شرط في المضاربة، لا مطلقا. ومن ذلك تعرف الاشكال فيما ذكره في الجواهر في شرح قول ماتنه: " ولو دفع آلة الصيد كالشبكة بحصته، فاصطاد، كان الصيد للصائد، وعليه أجرة الآلة "، قال في الجواهر: " لم يكن مضاربة قطعا، لانتفاء الشرط، ولا شركة، لعدم الامتزاج، ولا اجارة، لعدم معلومية الاجرة، فليس هي إلا معاملة باطلة ". وحاصل الاشكال: أنه لادليل على انحصار المعاملة الصحيحة


(* 1) المائدة: 1.

[ 244 ]

[ وكذا لو كان له على العامل دين لم يصح جعله قراضا (1). إلا أن يوكله في تعيينه ثم إيقاع العقد عليه بالايجاب والقبول بتولي الطرفين. الثاني: أن يكون من الذهب أو الفضة المسكوكين بسكة المعاملة، بأن يكون درهما أو دينارا، فلا تصح بالفلوس ولا بالعروض، بلا خلاف بينهم، وإن لم يكن عليه دليل سوى دعوى الاجماع (2). نعم تأمل فيه بعضهم (3). وهو في محله، لشمول العمومات، إلا أن يتحقق الاجماع، وليس ] في أحد الاقسام، وعموم: (أوفوا بالعقود) (* 1) ونحوه يقتضي عدم الانحصار، وحمله على المتعارف - لو سلم - لا يقتضي عدم شمول المورد، لانه من المتعارف، وحمله على ما تعارف عند الفقهاء غريب. (1) ففي رواية السكوني عن أبي عبد الله (ع): " قال أمير المؤمنين (ع) في رجل له على رجل مال فيتقاضه ولا (فلا. خ ل) يكون عنده (ما يقتضيه. خ ل) فيقول: هو عندك مضاربة. قال (ع): لا يصلح حتى تقبضه منه ". (2) (* 2) في الجواهر: دعوى الاجماع بقسميه عليه، وقد تقدم في التذكرة نسبته إلى علمائنا، وقد اشتهرت دعوى الاجماع على ذلك في كلام جماعة كثيرة. (3) قال في الحدائق: " إن من لا يلتفت إلى دعوى مثل هذه الاجماعات، لعدم ثبوت كونها دليلا شرعيا فانه لامنع عنده من الحكم بالجواز في غير النقدين، نظرا إلى عموم الادلة على جوازه، وتخصيصها يحتاج إلى دليل شرعي، وليس فليس ". أقول: قد عرفت أن مراد الاصحاب إن كان عدم صحة المضاربة بغير الدينار والدرهم، فهو في


(* 1) المائدة: 1. (* 2) الوسائل باب: 5 من كتاب المضاربة حديث: 1.

[ 245 ]

[ ببعيد، فلا يترك الاحتياط. ولا بأس بكونه من المغشوش الذي يعامل به (1)، مثل الشاميات والقمري ونحوها. نعم لو كان مغشوشا يجب كسره (2) ] محله، للاصل بعد عدم ثبوت كون المعاملة حينئذ مضاربة عند العرف، ولا حاجة إلى دعوى الاجماع في ذلك. وإن كان مرادهم عدم الصحة أصلا ولو لا بعنوان المضاربة. فهو غير طاهر، ولم يثبت اجماعهم عليه، كما عرفت ذلك في اشتراط السابق. (1) بعدما عرفت من أن الشرط أن يكون المال درهما أو دينارا لافرق بين كونهما مغشوشين أولا، للاطلاق، إذ الدرهم والدينار القطعة من الفضة أو الذهبة المسكوكة للمعاملة وإن كان فيها غش، ولذا تجب فيهما الزكاة، كما ذكر ذلك في الجواهر. نعم إذا كان الغش مانعا من صدق الذهب والفضة لغلبة الخليط لم تصح المضاربة، لعدم كونها درهما أو دينارا. ولذا يشكل الحكم في مثل القمريات والشاميات، لعدم صدق الفضة عليهما، لغلبة الخليط. ومن ذلك يشكل ما ذكره المصنف بقوله: " مثل الشاميات والقمري " فان التعامل نفسه لا يكفي في صحة المضاربة بهما، لعدم صدق الذهب والفضة عليهما. (2) في خبر المفضل بن عمرو الجعفي قال: " كنت عند أبي عبد الله (ع) فالقي بين يديه دراهم، فالقى إلي درهما منها. فقال: أيش هذا؟ فقلت: ستوق. فقال: وما الستوق؟ فقلت: طبقتين فضة وطبقة من نحاس وطبقة من فضة. فقال (ع): اكسرها، فانه لا يحل بيع هذا ولا إنفاقه " (* 1) لكن قال في الجواهر: " الظاهر عدم وجوب الكسر وإن نص عليه في الخبر السابق، إلا اني لم أجد من أفتى به بل الفتوى وباقي النصوص على


(* 1) الوسائل باب: 10 من ابواب الصرف حديث: 5.

[ 246 ]

[ - بأن كان قلبا - لم يصح (1) وإن كان له قيمة، فهو مثل الفلوس. ولو قال للعامل: بع هذه السلعة وخذ ثمنها قراضا لم يصح (2)، إلا أن يوكله في تجديد العقد عليه بعد أن نض ثمنه. الثالث: أن يكون معلوما قدرا ووصفا (3)، ] خلافه ". ويشير بذلك إلى صحيح محمد بن مسلم قلت لابي عبد الله (ع): الرجل يعمل الدراهم يحمل عليها النحاس أو غيره، ثم يبيعها. قال (ع): إذا بين (الناس. خ) ذلك فلا بأس " (* 1) وقريب منه غيره. (1) لخروجه عن الدرهم والدينار وإن كان خالصا، فضلا عما إذا لم يكن، لاختصاصهما بما كان مسكوكا بسكة المعاملة، فلا يشملان غيره. (2) لفقد الشرط الاول. وكان الانسب ذكر هذا الشرط فيما سبق. (3) على المشهور، بل ظاهر التذكرة: أنه لا خلاف فيه بيننا، وحكي عن الشيخ في الخلاف. ولكن عن المبسوط: أنه حكى عن بعض بطلان المضاربة بالجزاف، وحكي عن بعض: الصحة، ثم قال: " وهو الاقوى عندي " وعن المختلف: اختياره. لعموم أدلة الصحة، من دون دليل واضح على المنع. وفي الشرائع: اشتراط أن يكون المال معلوم المقدار، واستدل له في الجواهر بما دل على النهي عن الغرر (* 2) ثم أجاب عنه


(* 1) الوسائل باب: 10 من ابواب الصرف حديث: 2. (* 2) روي ذلك بنحوين: احدهما: مادل على النهي من الغرر بقول مطلق، ورواه في التذكرة في المسألة: 2 من الركن الثالث من الفصل الثاني من كتاب الاجارة. ويمكن استفادته مما رواه في الوسائل باب: 10 من ابواب عقد البيع وشروطه حديث: 2. وباب: 12 منها حديث: 13 والآخر: مادل على النهي عن؟؟؟ الغرر، وقد تقدمت الاشارة في صفحة: 7 من هذا الجزء إلى روايته في الوسائل وكنز العمال وصحيح الترمذي والموطأ. فراجع كما رواه في مستدرك الوسائل باب: 31 من ابواب اداب التجارة حديث: 1

[ 247 ]

[ ولا تكفي المشاهدة (1) وإن زال به معظم الغرر. ] بأن النهي عن الغرر مختص بالبيع، ثم قال: " اللهم إلا أن يقال: بأن في بعض النصوص النهي عن الغرر، فيشمل المقام، بل لو سلم تحقق اطلاق في المضاربة يشمل محل الفرض كان التعارض من وجه، والترجيح للاول بفتوى المشهور بذلك ". والاشكال عليه ظاهر، فان النص لم يثبت بنحو يعتمد عليه. ولو سلم فلا يمكن الاخذ بظاهره، لكثرة التخصيص. ولو سلم فالفتوى لا تصلح للترجيح. نعم يكون ترجحه لانه لو لم يؤخذ به في مقابل عموم الصحة لم يبق له مورد، للمعارضة دائما بينهما. وكأنه لذلك قال بعد ذلك: " والتحقيق إن لم يكن اجماع عدم قدح الجهالة التي تؤول إلى العلم، نحو أن يقع العقد على ما في الكيس، لاطلاق الادلة أو عمومها. نعم بناء على عموم أو إطلاق فلا ريب أن الاصل الفساد. أما الجهالة التي لا تؤول إلى العلم فالظاهر عدم جوازها، لعدم إمكان تحقق الربح معها، وهو روح هذه المعاملة. فتأمل جيدا ". لكن ما ذكر من أن الربح روح المعاملة المذكورة مسلم، لكن يمكن الرجوع في تعيين مقداره إلى القرعة، ولو بأن يجعل ذلك شرطا فيها، أو إلى حكم الحاكم مع التنازع أو غير ذلك، ولا يقتضي البطلان. ولو أنه استدل على بطلان المضاربة بقصور الاطلاق عن إثبات الصحة، فالمرجع الاصل، المقتضي للبطلان، كان متينا. (1) حكى في جامع المقاصد عن الشيخ في المبسوط الاكتفاء بالمشاهدة في جواز المضاربة وصحتها، لزوال معظم الغرر. لكن زوال المعظم لا يجدي مع بقاء الغرر بناء على النهي عنه، ولا حاجة إليها بناء على عدم النهي عنه، فالتفصيل غير ظاهر.

[ 248 ]

[ الرابع: أن يكون معينا (1)، فلو أحضر مالين وقال: قارضتك بأحدهما، أو بأيهما شئت، لم ينعقد إلا أن يعين ثم يوقعان العقد عليه. نعم لا فرق بين أن يكون مشاعا أو مفروزا (2) بعد العلم بمقداره ووصفه (3)، فلو كان المال مشتركا بين شخصين، فقال أحدهما للعامل: قارضتك بحصتي في هذا المال، صح مع العلم بصحته من ثلث أو ربع. وكذا لو كان للمالك مائة دينار مثلا، فقال: قارضتك بنصف هذا المال، صح. الخامس: أن يكون الربح مشاعا بينهما، فلو جعل لاحدهما مقدارا معينا والبقية للآخر، أو البقية مشتركة بينهما لم يصح (4). ] (1) وعليه الاجماع، فان المبهم المردد لا وجود له في الخارج، فلا يكون موضوعا للاحكام. (2) بلا خلاف ولا اشكال عندنا، كما في الجواهر. ويقتضيه اطلاق أدلة الصحة مع صدق المضاربة عرفا معه. نعم لو فرض الشك في الصدق لاحتمال اعتبار الافراز في صدق المفهوم عرفا فالاطلاق لا مجال للتمسك به، بل المرجع أصالة عدم الاثر. هذا بالنسبة إلى أثر المضاربة، أما بالنسبة إلى أثر العقد فلا مانع من البناء عليه، عملا بالعموم الدال على صحة العقود فحينئذ يكون نفي الشرطية مستندا إلى الاجماع لاغير. (3) بناء على ما تقدم من اشتراط العلم بالمقدار. (4) قال في الحدائق: " الظاهر أنه لا خلاف بينهم في أنه يشترط في الربح الشياع، بمعنى أنه يشترط أن يكون كل جزء جزء منه مشتركا،

[ 249 ]

[ السادس: تعيين حصة كل منهما (1) من نصف أو ثلث ] لانه مقتضى المضاربة، كما تنادي به الاخبار المتقدمة في حكمها: بأن الربح بينهما. يعني: كل جزء جزء منه، وما لم يكن مشتركا فانه خارج عن مقتضاها، فهذا الشرط داخل في مفهوم المضاربة " يظهر من كلمات غيره الاجماع على الحكم المذكور. وفي الشرائع: علله بعدم الوثوق بحصول الزيادة، فلا تتحقق الشركة. انتهى. وإشكاله ظاهر بعدم اطراده في صورة الوثوق بحصول الزيادة. وأما ما في الحدائق فمبني على ظهور النصوص في كون الربح بينهما على وجه الاشتراك على الاشاعة، لا بمجرد الاشتراك، وإلا فهو حاصل في الصورة المذكورة أيضا، وعلى الاول فالشرط المذكور يكون منافيا لمفهوم العقد كما اختاره طاب ثراه، لا منافيا لحكمه، إذ من البعيد جدا أن يكون حكما لها مع عموم مفهومها، فيكون الحكم على خلاف المفهوم. فإذا ما ذكره هو ظاهر النصوص، لا ما يتخيل من أن ظاهر النصوص بيان حكمها لا مفهومها. فلاحظ. (1) بلا خلاف، كما في التذكرة، بل ظاهر أنه لا خلاف فيه بين المسلمين، وقد ذكره الاصحاب شرطا للمضاربة على نحو ذكر المسلمات، من دون تعرض منهم لنقل خلاف أو إشكال فكأنه لا خلاف فيه بيننا. والمراد به إن كان تعيين الحصة في مقابل ترديدها، بأن تكون معينة لامرددة فدليله، واضح، إذ المردد لا يقبل الملك، كما لا يقبل غيره من الاحكام، وان كان المراد تعيينها عندهما بمعنى كونها معلومة المقدار عندهما، في مقابل المجهولة - كما هو ظاهر كلامهم - فلا تصح المضاربة إذا قال للعامل: ولك مثل ما شرط فلان، فدليله غير ظاهر، لما عرفت في الشرط الثاني من عدم الدليل على مانعية الغرر على نحو الكلية. اللهم إلا أن يحصل الشك حينئذ في صدق المضاربة عرفا، فلا يمكن الرجوع إلى إطلاق

[ 250 ]

[ أو نحو ذلك، إلا أن يكون هناك متعارف ينصرف إليه (1) الاطلاق. السابع: أن يكون الربح بين المالك والعامل، فلو شرطا جزء منه لاجنبي عنهما، لم يصح (2). إلا أن يشترط عليه عمل متعلق بالتجارة (3). نعم ذكروا أنه لو اشترط كون جزء من الربح لغلام أحدهما صح، ولا بأس به خصوصا على القول بأن العبد لا يملك، لانه يرجع إلى مولاه، وعلى القول الآخر يشكل. إلا أنه لما كان مقتضى القاعدة صحة الشرط حتى للاجنبي (4)، والقدر المتيقن من عدم الجواز ما إذا لم يكن غلاما لاحدهما، فالاقوى الصحة مطلقا. بل لا يبعد ] أدلة أحكامها بل يرجع إلى أصالة عدم ترتب الاثر، لكن لامانع من صحة المعاملة مع الجهل لا بعنوان المضاربة. (1) فيكون الانصراف موجبا للعلم بالمقدار. (2) لظهور النصوص في كون الربح بينهما لاغير، فلا تكون مضاربة إذا كان بينهما وبين غيرهما. مضافا إلى الاصل الذي عرفته بناء على الشك في صدق المضاربة عرفا حينئذ. (3) فيكون الاجنبي عاملا آخر، فتكون المضاربة بين المالك وعاملين أو يكون من قبيل الحمال ونحوه إذا لم يكن عمله التجارة، فيكون أحد مصارف الربح فيكون من قبيل مؤنة التجارة التي تستثنى من الربح المشترك. (4) كأن المراد من القاعدة عمومات صحة العقود والتجارة ونحوها. لكنها مخصصة بما دل على اعتبار اختصاص الربح بالمالك والعامل في المضاربة فلا مجال للعمل بها في المقام. نعم يتم ما ذكره لو كان الغرض

[ 251 ]

[ القول به في الاجبني أيضا وإن لم يكن عاملا، لعموم الادلة. الثامن: ذكر بعضهم أنه يشترط أن يكون رأس المال بيد العامل (1)، فلو اشترط المالك أن يكون بيده لم يصح. لكن لا دليل عليه (2)، فلا مانع أن يتصدى العامل للمعاملة ] صحة المعاملة في نفسها، لا بعنوان المضاربة. لكنه خارج عن محل الكلام مع أنك قد عرفت الاشكال في ذلك في الشرط الاول. ومن ذلك يظهر الاشكال في قوله (ره): " فالاقوى الصحة " وقوله: " بل لا يبعد القول... ". وبالجملة: إن كان الكلام في منع ذلك من المضاربة فالمنع مقتضى النصوص القائلة الربح بينهما، ولا مجال للعمل بما دل على صحة المضاربة بعد تخصيصه بهذه النصوص. ولافرق بين هذا الشرط وغيره مما سبق. وكان على المصنف التعرض فيما سبق أيضا لذلك، وان الدليل الدال على الشرطية إنما يقتضي بطلان المضاربة بفقد الشرط، لا بطلان المعاملة بلا عنوان المضاربة. وإن كان الكلام في منع ذلك من صحة المعاملة لا بعنوان المضاربة، فالمنع خلاف عموم الادلة. فلاحظ. (1) قال العلامة في القواعد: " الرابع (يعنى: من شروط رأس المال): أن يكون مسلما في يد العامل، فلو شرط المالك أن تكون يده عليه لم يصح، أما لو شرط أن يكون مشاركا في اليد أو يراجعه في التصرف أو يراجع مشرفه فالاقرب الجواز ". (2) علله في جامع المقاصد: بأن ذلك خلاف وضع المضاربة، ثم قال: إنه موضع تأمل، لانه إن أريد بوضع المضاربة مقتضى العقد فلا نسلم أن العقد يقتضي ذلك... إلى أن قال: وإن أريد بالوضع أن الغالب في العادات ذلك لم يقدح ذلك في جواز المخالفة... الخ. وفيه: أن الشك في اعتباره عرفا في مفهوم المضاربة كاف في اعتباره،

[ 252 ]

[ مع كون المال بيد المالك، كما عن التذكرة (1). التاسع: أن يكون الاسترباح بالتجارة، وأما إذا كان بغيرها - كأن يدفع إليه ليصرفه في الزراعة، مثلا ويكون الربح بينهما - يشكل صحته (2). إذ القدر المعلوم من الادلة ] لما عرفت من أصالة عدم ترتب الاثر، ولا عموم يقتضي صحته مضاربة والاطلاقات المقامية لا مجال لها مع الشك في الموضوع العرفي، كما سبق في نظيره. (1) قال فيها: " الاقرب عندي أنه لا يشترط في القراض أن يكون رأس المال مسلما إلى العامل بحيث يستقل ياه عليه، وينفرد بالتصرف فيه عن المالك وغيره، فلو شرط المالك أن يكون الكيس في يده يوفي الثمن منه إذا اشترى العامل شيئا، أو شرط أن يراجعه العامل في التصرف أو يراجع مشرافا نصبه، جاز ذلك، ولم يجز للعامل التجاوز، وكان القراض صحيحا، لانه شرط سائغ لا يخالف الكتاب والسنة... ". ثم حكى عن الشافعية: أنه يشترط في القراض أن يكون رأس المال مسلما إلى العامل، وبستقل باليد عليه والتصرف فيه، ثم قال: " وقد وافقنا بعض الشافعية على ما قلناه ". والتحقيق ما عرفت من انتفاء المضاربة مع عدم استقلال العامل بالمال، لعدم ثبوتها عرفا حينئذ، وصحة معاملة اخرى بمقتضى العمومات. (2) في التذكرة: " شرطه (يعني: العمل في المضاربة) أن يكون تجارة، فلا يصح على الاعمال، كالطبخ، والخبز، وغيرهما من الصنائع لان هذه أعمال مضبوطة يمكن الاستيجار عليها، فاستغني بها عن القراض فيها، وإنما يسوغ القراض فيما لا يجوز الاستيجار عليه وهو التجارة، التي لا يمكن ضبطها، ولا معرفة قدر العمل فيها، ولاقدر العوض، والحاجة

[ 253 ]

[ هو التجارة. ولو فرض صحة غيرها للعمومات - كما لا يبعد (1) لا يكون داخلا في عنوان المضاربة. العاشر: أن لا يكون رأس المال بمقدار يعجز العامل عن التجارة به، مع اشتراط المباشرة من دون الاستعانة بالغير أو كان عاجزا حتى مع الاستعانة بالغير، وإلا فلا يصح (3)، لاشتراط كون العامل قادرا على العمل. كما أن الامر كذلك في الاجارة للعمل، فانه إذا كان عاجزا تكون باطلة (3) ] داعية إليها، ولا يمكن الاستيجار عليها، فللضرورة مع جهالة العوضين شرع عقد المضاربة " والعمدة ما أشرنا إليه فيما مضى من الشك في تحقق المضاربة عرفا في مثل ذلك الموجب للرجوع إلى أصالة عدم ترتب الاثر. (1) كما عرفت في نظيره من الشروط فيما سبق. وكان المناسب للمصنف أن يتعرض لذلك في الموارد السابقة أيضا. (2) هذا الشرط لم يذكره في الشرائع وغيرها على النحو المذكور هنا، فقد قال في الشرايع: " وإذا أخذ من مال القراض ما يعجز عنه ضمن " ونحو ذلك ذكر في القواعد، وفي المسالك: " وحيث يثبت الضمان لا يبطل العقد به، إذ لا منافاة بين الضمان وصحة العقد "، وفي الحدائق بعد ما حكى عنهم أنه لا منافاة بين الضمان وصحة العقد قال: " ويدل عليه ما تقدم في تلك الاخبار، وعليه اتفاق الاصحاب، من أنه مع المخالفة لما شرطه المالك فانه يضمن والربح بينهما، لكن في الجواهر: " لعل المتجه الفساد لمعلومية اعتبار قدرة العامل على العمل في الصحة، نحو ما ذكروه في الاجارة، ضرورة لغوية التعاقد مع العاجز " وتبعه عليه المصنف وغيره، وهو في محله. (3) إذا كان الموجب للبطلان العجز، فالعجز كان عن المجموع،

[ 254 ]

[ وحينئذ فيكون تمام الربح للمالك (1) وللعامل أجرة عمله مع جهله بالبطلان (2)، ] فيوجب بطلان المجموع، لا بطلان كل جزء جزء، لعدم العجز عن ذلك، وحينئذ تصح في المقدور وتبطل في الزائد، ويكون من قبيل تبعض الصفقة. (1) هذا متفرغ على بطلان المضاربة كلية، أما إذا كانت صحيحة في المقدور باطلة في غيره. فالمقدار المتجر به الذي حصل به الربح مقدور فيكون الربح بين المالك والعامل، ولا يستحق العامل عليه أجرة المثل من المالك. وبالجملة: المقدار الذي اتجر به مقدور، فتصح فيه المضاربة وبكون الربح بينهما على حسب ما شرط في إيقاعها، والمقدار الذي عجز عن العمل به لاعمل فيه، ولاربح فلا يستحق العامل فيه شيئا، لانتفاء السبب. (2) أما مع علمه بالبطلان فلا يستحق الاجرة، لانه أقدم على بذل عمله مجانا، فيكون متبرعا، ولا يستحق الاجرة، وقد وافق في ذلك جماعة من الاعاظم، ومنهم المحقق الثاني في جامع المقاصد والشهيد الثاني في المسالك، حيث ذكروا أن ضمان المال المقبوض بالعقد الفاسد يختص بصورة جهل الدافع وضمان المنافع المستوفاة بالعقد الفاسد يختص أيضا بصورة جهل العامل، أما إذا كان الدافع للمال والعامل عالمين بالحال فقد أقدم الدافع للمال على هتك حرمة ماله، وكذلك العامل يكون متبرعا بعمله، فلا يستحقان عوضا. وقد أطال المصنف (ره) في بيان ذلك في كتاب الاجارة. وفيه: أنه غير ظاهر، كما أشرنا إلى ذلك هناك، وأنه لما كان التشريع في السبب فدفع المال والعمل يكون بقصد العوض لا بقصد التبرع. فراجع مباحث الاجارة.

[ 255 ]

[ ويكون ضامنا لتلف المال (1)، إلا مع علم المالك بالحال. وهل يضمن حينئذ جميعه (2)، لعدم التميز مع عدم الاذن في أخذه على هذا الوجه، أو القدر الزائد، لان العجز إنما يكون بسببه، فيختص به، أو الاول إذا أخذ الجميع دفعة ] (1) كما في الشرائع، وكذلك في جامع المقاصد والمسالك شرط جهل المالك لامع علمه، لما سبق. والوجه في الضمان - على ما ذكره الجماعة - أن وضع العامل يده على المال لم يكن باذن من مالكه، لان الاذن كان بعنوان المضاربة وهو مفقود، فاخذ العامل للمال ووضع يده عليه كان بلا إذن من مالكه، فيكون موجبا للضمان. قال في جامع المقاصد: " لان تسليم المال إليه إنما هو ليعمل فيه، فإذا كان عاجزا عن العمل كان وضع يده على خلاف الوجه المأذون فيه، فكان ضامنا "، ونحوه عبارة المسالك. هذا ولكن الضمان في المقام مخالف لقاعدة: (مالا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده)، فان مال المضاربة غير مضمون على العامل في المضاربة الصحيحة فلا يكون مضمونا عليه في الباطلة. ويدل على القاعدة المذكورة مادل على صحة ضمان المؤتمن، مثل صحيح الحلبي عن أبي عبد الله (ع): " صاحب الوديعة والبضاعة مؤتمنا، وقال (ع): ليس على مستعير عارية ضمان. وصاحب العارية والوديعة مؤتمن " (* 1) ونحوه غيره. فراجع وقد اختار المصنف في كتاب الاجارة أن الاقوى عدم ضمان العين المستأجرة في الاجارة الفاسدة. والفرق بينه وبين المقام غير ظاهر. فراجع ما ذكرناه في شرح ذلك الباب، وما ذكرناه في دليل القاعدة من كتابنا (نهج الفقاهة)، وتأمل. والله سبحانه ولي السداد. (2) قال في المسالك: " وهل يكون ضامنا للجميع، أو القدر


(* 1) الوسائل باب: 1 من كتاب العارية حديث: 6.

[ 256 ]

[ والثاني إذا أخذ أولا بقدر مقدوره ثم أخذ الزائد ولم يمزجه مع ما أخذه أولا (1)؟ أقواها الاخير. (ودعوى) (2): أنه بعد أخذ الزايد يكون يده على الجميع، وهو عاجز عن المجموع من حيث المجموع، ولا ترجيح الآن لاحد أجزائه إذ لو ترك الاول وأخذ الزيادة لا يكون عاجزا (كما ترى) إذ الاول وقع صحيحا، والبطلان مستند إلى الثاني وبسببه (3)، ] الزائد على مقدوره؟ قولان. من عدم التمييز، والنهي عن أخذه على هذا الوجه. ومن أن التقصير بسبب الزائد، فيختص به. والاول أقوى ". أقول: كل جزء من المال إذا لوحظ منفردا فهو مقدور العمل به، وإذا لوحظ منضما فهو غير مقدور العمل به، ولما كان وضع اليد عليه في حال الانضمام، لافي حال الانفراد فهو غير مقدور العمل به، فلا يكون مأذونا في قبضه، فيكون مضمونا بناء على ما عرفت من اقتضاء اليد الضمان. ومن ذلك يعرف ضعف الوجه الثاني فان الزائد لو كان مقبوضا منفردا كان مقدورا، لكن المفروض كونه مقبوضا منضما، فلا يكون مقدورا. (1) قال في المسالك: " وربما قيل انه إن أخذ الجميع دفعة فالحكم كالاول، وإن أخذ مقدوره ثم أخذ الزائد ولم يمزجه ضمن الزائد خاصة ". (3) هذه الدعوى ذكرها في المسالك بعنوان الاشكال على هذا التفصيل. (4) هذا يتم لو كان أخذ الاول بعقد يختص به. والثاني بعقد آخر يختص به، أما إذا كان الاخذ الثاني بعقد موضوعه مجموع الاول والثاني، فيكون موضوع العقد غير مقدور، فيكون العقد باطلا، فالمأخوذ به أولا

[ 257 ]

[ والمفروض عدم المزج. هذا ولكن ذكر بعضهم (1) أن مع العجز المعاملة صحيحة، فالربح مشترك، ومع ذلك يكون العامل ضامنا مع جهل المالك. ولا وجه له، لما ذكرنا مع أنه إذا كانت المعاملة صحيحة لم يكن وجه للضمان (2). ثم إذا تجدد العجز في الاثناء وجب عليه رد الزائد (3)، ] كالمأخوذ به ثانيا، كلاهما مأخوذ بعقد باطل، فيكون كل منهما مضمونا. ولافرق بينهما. (1) تقدم ذلك عن المسالك. وفي الحدائق: " قالوا وحيث يثبت الضمان لا يبطل العقد، إذ لا منافاة بين الضمان وصحة العقد. أقول: ويدل عليه ما تقدم في تلك الاخبار - وعليه اتفاق الاصحاب - من أنه مع المخالفة لما شرطه المالك فانه يضمن، والربح بينهما ". (2) لان العامل أمين عندهم، والامين لا يضمن. وأما ما ذكره في الحدائق فضعيف، لخروج المورد عن عموم النصوص الدالة على أن العامل إذا خالف ما شرط عليه فهو ضامن والربح بينهما، الآتية في المسألة الخامسة. فلاحظ. (3) قال في المسالك: " ولو كان قادرا فتجدد العجز وجب عليه رد الزائد عن مقدوره، لوجوب حفظه، وهو عاجز عنه، وإمكان التخلص منه بالفسخ، فلو لم يفسخ ضمن وبقي العقد كما هو ". ولا يخلو مراده من غموض، فانه لم يكن عاجزا عن الحفظ، وإنما كان عاجزا عن العمل الموجب للانفساخ، بلا حاجة إلى الفسخ. ولذلك يجب أن يقال: انه إذا تجدد العجز جرى عليه حكم مالو كان العجز من أول الامر، فإذا بنينا على البطلان في الجميع كان هنا كذلك. ولافرق بين أن يكون قد عمل في بعض المال وأن لا يكون قد عمل، لان العمل ببعض المال لا يوجب

[ 258 ]

[ وإلا ضمن (1). (مسألة 1): لو كان له مال موجود في يد غيره، أمانة أو غيرها، فضاربه عليها صح (2)، وإن كان في يده غصبا (3)، أو غيره مما يكون اليد فيه يد ضمان فالاقوى أنه يرتفع الضمان بذلك (4)، لانقلاب اليد حينئذ فينقلب الحكم. ] اختصاص العجز بغيره لامكان رفع اليد عما عمل به، والاشتغال بالعمل في غيره، وحينئذ لامعين فيكون الحكم كما لو لم يعمل بالمال أصلا. (1) إذا بنينا على الضمان في المضاربة فقد ثبت هنا بمجرد الفسخ. ولا يتوقف على عدم الرد، نعم الاثم في ترك الرد يتوقف على عدم الرد حيث يمكن الرد ولم يحصل. اللهم إلا أن يقال: لاشمول لعموم على اليد لمثل المقام مما كان الاخذ حدوثا باذن المالك. (2) نص في التذكرة على صحة المضاربة في مال الوديعة والعارية. ويظهر منه اجماع المسلمين عليه. ويقتضيه الاطلاق المقامي بعد عدم الفرق عرفا بين كون المال المضارب عليه في يد المالك وفي يد غيره، أمينا كان، أو مستعيرا، أو غيرهما. وكان على التذكرة التعرض لغير الوديعة والعارية أيضا. (3) قال في الشرائع: " ولو كان له في يد غاصب ماله فقارضه عليه صح، ولم يبطل الضمان ". كما نص على صحة المضاربة في الفرض في التذكرة، ونسبه إلينا وإلى أحد وجهي الشافعية، ويظهر منه اتفاقنا عليه. وفي الحدائق: والظاهر أن الحكم اتفاقي عند الاصحاب، إذ لم أقف على نقل خلاف في المسألة. (4) كما استوجهه في التذكرة، وحكاه عن أبي حنيفة ومالك، لانه ماسك له باذن صاحبه. وكأنه إليه أشار المصنف (ره) بقوله:

[ 259 ]

[ ودعوى: أن الضمان مغيى بالتأدية، ولم تحصل (1) كما ترى (2) ] " لانقلاب اليد " يعني: كانت اليد غاصبة فصارت غير غاصبة. لكنه لا يجدي في نفي الضمان إلا أن يثبت أمران: الاذن في القبض، وأن المأذون لا يضمن. (1) قال في المسالك: " وان وجه بقاء الضمان أنه كان حاصلا قبل ولم يحصل ما يزيله، لان عقد القراض لا يلزمه عدم الضمان، فانه قد يجامعه بأن يتعدى فلا ينافيه. ولقوله صلى الله عليه وآله: (على اليد ما أخذت حتى تؤدي) (* 1) وحتى لانتهاء الغاية، فيبقى الضمان إلى الاداء، إما على المالك أو على من أذن له، والدفع إلى البائع مأذون فيه، فيكون من جملة الغاية ". ومحصله الرجوع إلى استصحاب الضمان تارة، وإلى عموم " على اليد... " أخرى من دون مخصص. (2) كأنه يريد أن الغاية تحصل بالاذن في البقاء كما تحصل بالاذن بالدفع إلى الغير. لكنه غير ظاهر، لان الاذن بالدفع إلى غيره. يجعل غيره كوكيل عنه في القبض، فيكون الدفع إلى الغير دفعا إلى نفسه، أما الاذن في الابقاء فليس فيه شئ من الغاية، فكيف يكون غاية للضمان؟! هذا مع أن في المسالك منع من حصول الاذن في الابقاء من مجرد العقد، قال: " وأما اقتضاء العقد الاذن في القبض فضعفه ظاهر، لان مجرد العقد لا يقتضي ذلك، وإنما يحصل الاذن بأمر آخر، ولو حصل سلمنا زوال الضمان. كيف والعلامة قد صرح في التذكرة: بأن كون المال في يدل العامل ليس بشرط في صحة القراض ". ومن ذلك تعرف أن الكلام في المقام يكون في أمور (الاول): أنه هل يحصل


(* 1) كنز العمال الجزء: 5 صفحة: 257، مستدرك الوسائل باب: 1 من كتاب الوديعة حديث: 12 وباب: 1 من كتاب الغصب حديث: 4.

[ 260 ]

[ ولكن ذكر جماعة بقاء الضمان (1) إلا إذا اشترى به شيئا ودفعه إلى البائع، فانه يرتفع الضمان (2) به، لانه قد قضى دينه باذنه (3)، وذكروا نحو ذلك في الرهن أيضا، وأن ] الاذن في القبض من مجرد العقد أولا؟ وقد منع في المسالك من ذلك، لان عقد المضاربة أعم. وكان على المصنف موافقته، لما سبق في الشرط الثامن، وكذلك كان على العلامة في التذكرة. (الثاني): أنه على تقدير حصول الاذن في القبض هل يرتفع الضمان ويحصل الاداء الذي جعل غاية للضمان في حديث: " على اليد... " أولا؟ الذي اختاره في المسالك الاول وحكى منعه عن بعض، قال: " وربما قيل بعدم زوال الضمان وإن أذن له في قبضه بعد ذلك، لما تقدم من الادلة. ويضعف: بأنه حينئذ وكيل محض ". وقد عرفت أن الاذن في بقاء المال عند آخذه لا يكون موجبا لحصول غاية الضمان، ولايكون المأذون كالوكيل في القبض، إذ لادفع هنا ولا أداء بخلاف الوكيل. نعم يرتفع الضمان بمقتضى الادلة الخاصة الدالة على أن المأذون في القبض أمين ولا يضمن الامين، فبطلان الضمان للادلة الخاصة، لا لحصول الغاية. وهذا هو الامر الثالث الذي ينبغي التنبيه عليه. وهذه الادلة مانعة من الاستصحاب ومخصصة لعموم: " على اليد... ". ومن ذلك يظهر أن ارتفاع الضمان بالاذن بدفعه ثمنا بملاك حصول الغاية وارتفاعه بالاذن بالبقاء بملاك آخر. (1) كما تقدم في الشرائع، وفي الحدائق: أنه المشهور. (2) إجماعا في المسالك. (3) كأنه يشير إلى أن الاداء المجعول غاية الضمان يراد منه أن يكون المال تحت سلطانه الخارجي أو الاعتباري، كما إذا أذن في دفعه ثمنا أو

[ 261 ]

[ العين إذا كانت في يد الغاصب فجعله رهنا عنده أنها تبقى على الضمان والاقوى ما ذكرنا في المقامين، لما ذكرنا (1). (مسألة 2): المضاربة جايزة من الطرفين (2) يجوز لكن منهما فسخها، سواء كان قبل الشروع في العمل أو بعده قبل حصول الربح أو بعده، نض المال أو كان به عروض، مطلقا كانت أو مع اشتراط الاجل (3) وإن كان قبل انقضائه. نعم لو اشترط فيها عدم الفسخ إلى زمان ذكا يمكن أن يقال بعدم جواز فسخها قبله، بل هو الاقوى، لوجوب الوفاء بالشرط. ولكن عن المشهور بطلان الشرط المذكور (4)، ] دفعه وفاء عما في ذمته، فان هذا الاداء لما كان باذنه كان تحت سلطانه، (1) قد عرفت أنه لايتم إلا بناء على اعتبار القبض في صحة الرهن وفي صحة المضاربة. (2) بلا خلاف، كما في المسالك، وفي الجواهر: " الاجماع بقسميه عليه، وهو الحجة في الخروج عن قاعدة اللزوم ". (3) فانه يصح الفسخ قبل الاجل بلا خلاف أجده فيه، للاصل وغيره. كذا في الجواهر، وكون الاصل مقتضيا للجواز حينئذ غير ظاهر سواء كان الاصل العملي، إذ الاصل عدم ترتب الاثر على الفسخ، أم عموم مادل على الجواز، لما تقدم من عدم العموم اللفظي، والدليل منحصر بالاجماع، والاقتصار على المتيقن في المخصص اللبي لازم، ويتعين الرجوع إلى عموم اللزوم. فالدليل حينئذ عموم الاجماع على الجواز، لا الاصل. (4) قال في الشرائع بعد ما ذكر: أن عقد المضاربة جائز من

[ 262 ]

الطرفين " ولو اشترط فيه الاجل لم يلزم. لكن لو قال: إن مرت بك سنة مثلا تشتر بعدها وبع، صح، لان ذلك من مقتضى العقد. وليس كذلك لو قال: " على أن لا أملك فيها منعك، لان ذلك مناف لمقتضى العقد " وفي القواعد: " ولو شرط توقيت المضاربة لم يلزم الشرط والعقد صحيح لكن ليس للعامل التصرف بعده " وقال قبل ذلك: " ولو شرط ما ينافيه فالوجه بطلان العقد، مثل أن يشترط ضمان المال، أو سهما من الخسران أو لزوم المضاربة... ". وفي جامع المقاصد: أن هذه شروط باطلة، لمنافاتها مقتضى العقد شرعا، فيبطل العقد بها، لان التراضي المعتبر فيه لم يقع إلا على وجه فاسد، فيكون باطلا. انتهى. ومن ذلك تعرف أن الشرط المنافي لمقتضى العقد عندهم هو شرط لزوم المضاربة وعدم ملك الفسخ، لا مجرد شرط عدم الفسخ، الراجع إلى شرط الاجل في عبارة الشرائع والتوقيت في عبارة القواعد، فانه عندهم لا يلزم ولا يجب الوفاء به، لا أنه مناف لمقتضى العقد، ولا أنه مبطل للعقد. وعليه فنسبة بطلان شرط عدم الفسخ وابطاله العقد لانه مناف لمقتضى العقد إلى المشهور في كلام المصنف ليس مما ينبغي، وإنما هو في شرط لزوم المضاربة وعدم ملك الفسخ. وكيف كان فاشتراط عدم الفسخ إلى أجل بعينه في عقد المضاربة ليس منافيا لمقتضى العقد، ولا لمضمونه، ولا للكتاب والسنة، فان بطل فلوجه آخر غير ما ذكر. وسيأتي التعرض لوجهه في كلام المصنف. ثم إن المصنف ذكر شرط الاجل وذكر أنه باطل لا يترتب عليه أثر فيجوز معه الفسخ، كما ذكر الاصحاب، وذكر شرط عدم الفسخ مقابلا له وذكر فيه ما ذكر، مع أنه لا يظهر الفرق بينهما، إذ لا معنى لشرط التأجيل إلا ذلك، ولذا لم يذكره الاصحاب في مقابل شرط

[ 263 ]

[ بل العقد أيضا (1)، لانه مناف لمقتضى العقد. وفيه: منع، ] التأجيل وإنما ذكروا شرط أن لا يملك الفسخ. ولعل مراد المصنف منه ذلك. لكن استدلاله على صحته بما ذكره لا يساعد على ذلك ويقتضي أن يكون المراد ما هو ظاهر العبارة. وحينئذ يتوجه عليه الاشكال في وجه الفرق بين شرط التأجيل وبينه. (1) قد عرفت تصريح الشرائع والقواعد وجامع المقاصد ببطلان العقد لمنافاة الشرط لمقتضاه، وعلل في جامع المقاصد ذلك: بأن التراضي المعتبر في العقد لم يقع إلا على وجه فاسد وكان الاولى تعليله: بأن القصد إلى المتنافيين متعذر، فيكون العقد غير مقصود، فلا يصح. وبالجملة: الشرط الواقع في ضمن العقد (تارة): يكون منافيا لمضمون العقد، كما إذا شرط في البيع أن لا يكون للمبيع ثمن، فان قوام المبادلة الطرفان، فلا تكون مع طرف واحد، (وأخرى): منافيا لمقتضاه عرفا، كما إذا شرط في البيع أن لا يملك المشتري المبيع أو لا يملك البائع الثمن، فان ذلك خلاف ما تقتضيه المبادلة، فانها تقتضي أن يكون كل من البدلين قائما مقام الآخر، فإذا كان الثمن ملكا للمشتري فالمثمن بدله لابد أن يكون كذلك، وإذا كان المثمن ملكا للبائع فالثمن بدله كذلك (وثالثة): أن يكون مخالفا للكتاب وان لم يكن مخالفا لمضمون العقد ولا لمقتضاه، كما إذا اشترطت الزوجة في عقد نكاحها أن يرث أبوها أو أخوها من زوجها، فان ذلك مخالف لما دل على إرث غيرهما من مراتب الارث. وهذه الاقسام الثلاثة كلها باطلة. أما الاولان: فلامتناع القصد إلى المتنافين، ولذلك يكون الشرط مبطلا للعقد أيضا. وأما الثالث: فللادلة الخاصة، والتحقيق: أنه ليس بمبطل للعقد إذ لا مقتضي لذلك، فعموم الصحة محكم. وقد عرفت أن شرط عدم الفسخ

[ 264 ]

[ بل هو مناف لاطلاقه (1). ودعوى: أن الشرط في العقود الغير اللازمة غير لازم الوفاء (2)، ] ليس من أحد المذكورات، وشرط أن لا يكون له الفسخ من قبيل الشرط المخالف للكتاب، لما دل على جواز عقد المضاربة، فيكون باطلا لذلك لا لمنافاته لمقتضى العقد، إذ ليس في عقد المضاربة ما يقتضي عرفا ملك الفسخ، حتى يكون شرط عدم ملك الفسخ مخالفا لمقتضى العقد. (1) هذا إن تم فانما يتم بالنسبة إلى شرط أن لا يملك، يعني: أن اطلاق المضاربة بلا شرط يقتضي أن يكون لكل من الطرفين الفسخ، أما مع الشرط فلا تقتضي ذلك، وحينئذ لامانع من صحة الشرط. أما بالنسبة إلى شرط عدم الفسخ فلا يتم، ولا مجال له، لان عدم الفسخ لا يرتبط باطلاق العقد ولا بتقييده، كما لعله ظاهر بالتأمل. فالجواب يناسب الاستدلال بالنسبة إلى شرط عدم ملك الفسخ، لا بالنسبة إلى شرط عدم الفسخ. (2) هذه الدعوى مذكورة في كلام بعض من قارب عصرنا. قال في الحدائق في كتاب الدين: " المشهور أن القراض من العقود الجائزة التي يجوز الرجوع فيها من الطرفين، بل ادعي عليه الاجماع. وعلى هذا فلو شرط التأجيل فيه لم يلزم. وبذلك صرحوا أيضا. وكذا كل شرط سائغ ". وقال في الرياض في شرح قول ماتنه في كتاب المضاربة " ولا يلزم فيها اشتراط الاجل ": " هذه العبارة تحتمل معنين... " (إلى أن قال): الثاني: أن الاجل المشترط فيها حيث كان غير لازم بل جائز، يجوز لكل منهما الرجوع، لجواز أصله، بلا خلاف كما مضى، فلن يكون الشرط المثبت فيه جائزا بطريق أولى ". وهذا المضمون ربما يحتمل من كلام جماعة، ففي جامع المقاصد: " قال الشيخ في المبسوط:

[ 265 ]

إذا دفع إليه ألفا قراضا على أن يدفع إليه الفا بضاعة، بطل الشرط، لان العامل في المضاربة لا يعمل عملا بغير جعل... (إلى أن قال): قال الشيخ: ولو قلنا القراض والشرط جائز لا يلزم الوفاء به، لان البضاعة لا يلزم القيام بها كان قويا... (إلى أن قال في جامع المقاصد): وصرح في التحرير: بأنه لا يلزم الوفاء به، وهو حق، لان العقد جائز من الطرفين ". ويحتمل أن يكون مراده عدم وجوب الوفاء لجواز فسخ العقد فيسقط الشرط، لامع بقاء العقد. وفي جامع المقاصد في شرح قول ماتنه: " ولا يصح التأجيل فيها " - يعني: في الشركة -: " المراد بصحته ترتب أثره عليه، ولو لزومها إلى الاجل وإنما لم يصح لانها عقد جائز فلو شرط التأجيل كان لكل منهما فسخها متى شاء "، ونحوه في المسالك في شرح قول ماتنه: " ولو شرط التأجيل في الشركة لم يصح ". ويحتمل أن يكون مرادهما أنها جائزة على نحو لا تلزم بالشرط فيكون بطلان الشرط لاجل مادل على جوازها، لا لانه شرط في عقد جائز. ولذلك علله في الجواهر بقوله: " لما عرفت من الاجماع على كونها عقدا جائزا بالنسبة إلى فسخها بالقسمة، فلا يلزم الشرط المذكور فيها " وهذا الاحتمال هو الاقرب، إذ لو كان المراد الاول كان اللازم التعبير بأنها عقد جائز والشرط في العقد الجائز جائز. (ودعوى): أنه لو كان المراد الثاني كان اللازم بناؤهم على بطلان شرط التأجيل في عقد آخر مع أن بنائهم على صحته (مدفوعة): بامكان كون التفصيل بين المقامين مبنيا على أمر آخر اعتقدوه: وحينئذ فكأن هذه الكلية - أعني: عدم لزوم الشرط في العقد الجائز - لاأثر لها في كلام الاصحاب. قال في القواعد في كتاب القراض: " وهو عقد قابل للشروط الصحيحة "، وفي جامع المقاصد: " لامزية لهذا العقد في ذلك، بل

[ 266 ]

كل عقد قابل لذلك ". والظاهر من الشروط الصحيحة ما يلزم العمل بها ويترتب الاثر على مضمونها وقال في القواعد: " ولو شرط على العامل المضاربة في مال آخر، أو يأخذ منه بضاعة أو قرضا، أو يخدمه في شئ بعينه، فالوجه صحة الشرط ". وفي جامع المقاصد: " حكي عن الشيخ بطلان الشرط إذا اشترط في المضاربة أن يدفع إليه ألفا بضاعة، لان العامل في المضاربة لا يعمل عملا بغير جعل ولا قسط من الربح، وإذا بطل الشرط بطل القراض... ". وقال في القواعد في كتاب الشركة: " ولو شرطا التفاوت مع تساوي المالين، أو التساوي مع تفاوتهما، فالاقرب جوازه إن عملا أو أحدهما، سواء شرطت الزيادة للعامل أو للآخر وقيل: تبطل إلا أن تشترط الزيادة للعامل " ونحوه في الشرائع. فالقائل بالصحة لا يراها منافية لجواز العقد، والقائل بالبطلان لم يستند إلى جواز العقد وعدم صحة الشرط في العقد الجائز، بل استند إلى أمر آخر. وفي التذكرة: لو شرط في المضاربة أن يعطيه بهيمة يحمل عليها جاز لانه شرط سائغ لا ينافي الكتاب والسنة، فوجب الوفاء به، عملا بقوله (ع): " المسلمون عند شروطهم " (* 1). وبالجملة: ملاحظة كلماتهم في الشروط في العقود الجائزة - مثل الشركة والمضاربة والعارية وغيرها - وبناؤهم على صحة بعض الشروط فيها وعلى بطلان البعض الآخر، لامور ذكروها مع عدم تعرضهم للقاعدة المذكورة، وجعلها منشأ لبطلان بعضها، أو مخصصة بالنسبة إلى الصحيح منها، دليل على عدم بنائهم عليها وما في بعض الكلمات المتقدمة ونحوها محمول على خلاف ظاهر، أو أنه رأي خاص للقائل نفسه. نعم قال في الجواهر في هذا المقام: " إنما الكلام في حكمه


(* 1) الوسائل باب: 6 من أبواب الخيار حديث: 1، 2، 5.

[ 267 ]

(يعني: حكم الشرط بالنسبة إلى وجوب الوفاء به وعدمه) فيحتمل الاول، لكن بمعنى الوجوب المشروط بالبقاء على العقد وعدم إنشاء فسخه لكونه حينئذ كنفس مقتضى العقد، إذ هو من توابعه. وبهذا المعنى يندرج في قوله تعالى: (أوفوا بالعقود)... (* 1) (إلى أن قال): ويحتمل الثاني، لا بمعنى تسلطه على فسخ العقد، بل على معنى عدم وجوب الوفاء به وإن لم يفسخ العقد: للاصل السالم عن معارضة الآية.... (إلى أن قال): ولعل هذا هو مراد الشيخ والفاضل في التحرير من المحكي عنهما، لاأن المراد عدم لزوم الوفاء بالعقد باعتبار جواز العقد، وإلا فالوفاء به واجب حال عدم فسخ العقد، إذ هو كما ترى لادليل عليه، بل المعلوم خلافه، ضرورة كون الشرط أولى من مقتضى العقد الذي لا يجب الوفاء به وإن لم يفسخ العقد، فان من استودع أو وكل أو أعار أو ضارب - أي جاء بعقد من هذه العقود - لا يجب عليه الوفاء بمقتضى ذلك، فيأخذ الوديعة مثلا، ويفعل كل ما وكل، ويتناول العارية ويأخذ عين مال القراض، فالشرط أولى. ومنه يعلم حينئذ أنه هو مراد الشيخ والفاضل فيما ذكراه من عدم لزوم الوفاء به. وهو لا يخلو من قوة ". وما ذكره (قده) من أنه مراد الشيخ والفاضل في التحرير غير ظاهر، فان الشيخ (قده) قد علل البطلان بما ذكر، ثم علل الجواز: بأن البضاعة لا يجب القيام بها وظاهره أن الوجه في الجواز امتناع وجوب البضاعة، لاكون الشرط في عقد جائز، والفرق بين البطلان وبين الجواز الذي اختاره: أن مقتضى البطلان أن لو جاء المشروط عليه بالشرط استحق العوض، كما هو الملاك في ضمان المقبوض بالعقد الفاسد، بخلاف الجواز، فانه لا يستحق كما لو فعل ما وعد به، فانه لا يستحق على الموعود عوضا. وأما العلامة في


(* 1) المائدة: 1.

[ 268 ]

التحرير فلم يعلم منه الوجه في عدم وجوب الوفاء به، ومن القريب أن يكون هو الوجه فيما ذكره الشيخ، وإلا فقد ذكر جملة من الشروط في عقد المضاربة وغيره وصححها، ولم يتعرض فيها لما ذكر، فلو كان الشرط في العقد الجائز لا يجب الوفاء به وإن لم يفسخ العقد لم يكن وجه للبناء على صحة الشروط الاخرى المذكورة في كتابي الشركة والمضاربة وغيرهما. وبالجملة: فكلمات الاصحاب خالية عن التعرض لهذه القاعدة، ويظهر منهم عدم البناء عليها، ولزوم العمل بالشروط وإن كانت في عقد جائز، والعبارات السابقة لابد من حملها على غير هذا المعنى، وإلا لم يكن وجه لبنائهم على صحة جملة من الشروط المذكورة في العقود الجائزة، وتمسكهم على صحتها بلزوم الوفاء بالعقود والشروط. فلاحظ ما تقدم عن القواعد من قوله في كتاب القراض: " وهو عقد قابل... "، وما تقدم في شرحه من جامع المقاصد. وكيف كان فالذي يمكن أن يكون وجها لهذه القاعدة أمور. (الاول) الاولوية المشار إليها في عبارتي الرياض والجواهر. وفيه: أنها لا تخلو من خفاء، فلا تصلح للاثبات. (الثاني): أن دليل الجواز يدل على جواز العقد بتوابعه والشرط من توابعه. وقد يظهر ذلك من عبارة المسالك الآتية. وفيه: أن غير ظاهر، فان دليل الجواز هو الاجماع، والمتيقن منه يختص بالعقد ولا يشمل توابعه. (الثالث): أنه لو لزم الالتزام بالشرط مع عدم الالتزام بالعقد للزم الالتزام به ولو مع فسخ العقد، ولا قائل به. وفيه: أن دليل لزوم الشرط يختص بما كان في العقد، فإذا فسخ العقد ارتفع الشرط الذي هو موضوع اللزوم. (الرابع): أن جواز الشرط مقتضى الاصل كما أشار إلى ذلك في الجواهر في عبارته المتقدمة، وفيه: أن وجوب الوفاء بالعقد أو الشرط لايراد منه الوجوب التكليفي، بل

[ 269 ]

[ ممنوعة (1). نعم يجوز فسخ العقد، فيسقط الشرط (2)، وإلا فما دام العقد باقيا يجب الوفاء بالشرط فيه (3)، وهذا إنما يتم في غير الشرط الذي مفاده عدم الفسخ. مثل المقام، فانه يوجب لزوم ذلك العقد (4). هذا ولو شرط عدم فسخها ] الارشادي إلى نفوذ والشروط، وكذلك وجوب الوفاء بالنذر فالشك في الحقيقة في اللزوم والجواز يرجع إلى الشك في جواز الفسخ وعدمه، والاصل عدم ترتب الاثر على الفسخ. وكأنه لذلك لم يتعرض لها الاصحاب، وكأن بنائهم على خلافها، وشيخنا الاعظم في مكاسبه لم يتعرض لذكرها مع أنه أطال في ذكر مباحث الشروط وما يتعلق بها. نعم في المسالك - في شرح قول ماتنه فيما إذا اشترط في المضاربة أن يأخذ مالا آخر بضاعة: " ولو قيل بصحتهما (يعني: صحة المضاربة وصحة الشرط) كان حسنا " قال: والقراض من العقود الجائزة لا يلزم الوفاء به، فلا يلزم الوفاء بما شرط في عقده، لان الشرط كالجزء من العقد فلا يزيد عليه " والاستدلال بما ذكر مشكل كما عرفت. ولذا قال بعد ذلك: " والذي تقتضيه القواعد أنه يلزم العامل الوفاء به، وبه صرح في التحرير، فمتى أخل به تسلط المالك على فسخ العقد وإن كان ذلك له بدون شرط، إذ لا يمكن هنا سوى ذلك ". والذي يظهر من مجموع كلامه أن القاعدة المذكورة لاأصل لها في كلامهم وإنما تذكر كوجه من الوجوه الذي تختلف فيها العلماء. فلاحظ. (1) قد عرفت وجهه. (2) لعدم لزوم العمل بالشروط الابتدائية، كالوعد. (3) لعدم ترتب الاثر على الفسخ، للاصل كما عرفت. (4) إذا كان وجود العقد شرطا في لزوم العمل بالشرط امتنع أن

[ 270 ]

[ في ضمن عقد لازم آخر فلا إشكال في صحة الشرط (1) ولزومه. وهذا يؤيد ما ذكرنا من عدم كون الشرط المذكور منافيا لمقتضى العقد (2)، إذ لو كان منافيا لزم عدم صحته في ضمن عقد آخر أيضا (3). ] يكون لزوم العمل بالشرط مقتضيا لوجود العقد ومانعا من فسخه، لما تحرر في محله من أن وجوب المشروط لا يقتضي وجود شرطه. وبالجملة: شرط عدم فسخ العقد يمتنع أن يكون موجبا للزوم العقد وامتناع فسخه، لان لزوم عدم الفسخ يتوقف على وجود العقد، فلا يتوقف عليه وجود العقد. ومن ذلك يظهر بطلان شرط التأجيل في جميع العقود الجائزة، كالشركة، والمضاربة، والوكالة، وغيرها، لان شرط التأجيل راجع إلى شرط عدم الفسخ إلى الاجل، وقد عرفت بطلانه. (1) نفي الاشكال غير ظاهر. نعم صرح بعضهم بصحته وبطلان اشتراطه في ضمن عقد المضاربة. وبعض الوجود المذكورة في وجه عدم صحته في ضمن عقد المضاربة مطرد في ضمن غيره. (2) قد عرفت أن من ذكر هذا الوجه أراد بالشرط شرط عدم ملك الفسخ لاشرط عدم الفسخ، وإن كان الاول أيضا غير مناف لمقتضى العقد، وإنما هو مخالف للكتاب، فيبطل ذلك. (3) كذا في الجواهر. لكن قد عرفت آنفا أن بطلان الشرط المنافي لمقتضى العقد لامتناع قصده مع قصد العقد، ولذلك يبطل العقد أيضا، بخلاف الشرط المخالف للكتاب فانه بطلانه لصرف المخالفة للكتاب. ولاجل ذلك لافرق في بطلانه بين أن يكون في العقد الجائز والعقد اللازم، أما المنافي فانما ينافي مقتضى العقد الجائز، ولا ينافي مقتضى العقد اللازم، فلا مانع من صحته إذا كان في عقد لازم. اللهم إلا أن يقال: الشرط

[ 271 ]

[ ولو شرط في عقد مضاربة عدم فسخ مضاربة أخرى (1) سابقة صح، ووجب الوفاء به (2)، إلا أن يفسخ هذه المضاربة، فيسقط الوجوب. كما أنه لو اشترط في مضاربة مضاربة أخرى في مال آخر، أو أخذ بضاعة منه، أو قرض أو خدمة، أو نحو ذلك، وجب الوفاء به (3) ما دامت المضاربة باقية، وإن فسخها سقط الوجوب. ولابد أن يحمل ما اشتهر من أن الشروط في ضمن العقود الجايزة غير لازمة الوفاء (4) ] المنافي لمقتضى العقد وان كان واقعا في ضمن عقد آخر أيضا يكون من الشرط المنافي للكتاب، لان دليل صحة العقد الآخر يقتضي ثبوت مقتضاه، فاشتراط خلافه مخالف للمشروع، فيبطل. (1) الكلام فيه هو الكلام فيما لو اشترط في العقد اللازم وان اختلفا في الجهة المذكورة في المتن. (2) الوجه الذي ذكرناه سابقا لبطلان شرط عدم الفسخ لا يأتي هنا، كما هو ظاهر، فيتعين البناء على الصحة هنا. (3) قال في القواعد: " ولو شرط على العامل المضاربة في مال آخر أو يأخذ منه بضاعة أو قرضا، أو يخدمه في شئ بعينه، فالوجه صحة الشروط ". وقال في جامع المقاصد في شرحه: " وجه الصحة عموم قوله تعالى: (أوفوا بالعقود) (* 1) وقوله (ع): " المسلمون عند شروطهم " (* 1)، وليس الشرط محرما، ولا منافيا لمقتضى العقد. قال الشيخ في المبسوط... " إلى آخر ما نقلناه عنه في الحاشية السابقة. (4) قد عرفت أن نسبة ذلك إلى الشهرة غير ظاهرة.


(* 1) المائدة: 1. (* 2) الوسائل باب: 6 من أبواب الخيار حديث: 1، 2، 5.

[ 272 ]

[ على هذا المعنى، وإلا فلا وجه لعدم لزومها مع بقاء العقد على حاله، كما اختاره صاحب الجواهر (1)، بدعوى: أنها تابعة للعقد لزوما وجوازا، بل مع جوازه هي أولى بالجواز، وأنها معه شبه الوعد. والمراد من قوله تعالى: (أوفوا بالعقود) اللازمة منها، لظهور الامر فيها في الوجوب المطلق (2). والمراد من قوله (ع): المؤمنون عند شروطهم بيان صحة أصل الشرط: لا اللزوم والجواز. إذ لا يخفى ما فيه. (مسألة 3): إذا دفع إليه مالا وقال: اشتر به بستانا مثلا، أو قطيعا من الغنم، فان كان المراد الاسترباح بهما بزيادة القيمة صح مضاربة، وإن كان المراد الانتفاع بنمائهما بالاشتراك ففي صحته مضاربة وجهان، من أن الانتفاع بالنماء ليس من التجارة، فلا يصح، ومن أن حصوله يكون بسبب الشراء، ] (1) تقدمت عبارة الجواهر الدالة على مختاره. (2) يعني: فيتعين حملها على العقود اللازمة، وتخرج منها العقود الجائزة، التي منها ما نحن فيه. وفيه: ما أشرنا إليه آنفا من أن قوله تعالى: (أوفوا بالعقود) وقوله (ع): " المؤمنون عند شروطهم " (* 1) ونحوهما ليس في مقام جعل الحكم التكليفي، والا لزم ترتب عقابين على البائع إذا امتنع عن تسليم المبيع إلى المشتري، عقاب الغصب والعدوان على مال الغير، وعقاب مخالفة وجوب الوفاء، ولا يمكن الالتزام بذلك فيتعين أن يكون المقصود منها الارشاد إلى صحة العقد والشرط والنذر،


(* 1) الوسائل باب: 20 من أبواب المهور حديث: 4، مستدرك الوسائل باب: 5 من ابواب الخيار: 7.

[ 273 ]

[ فيكون بالتجارة والاقوى البطلان (1) مع إرادة عنوان المضاربة إذ هي ما يكون الاسترباح فيه بالمعاملات وزيادة القيمة، لا مثل هذه الفوائد، نعم لا بأس بضمها إلى زيادة القيمة (2). ] ومقتضى العموم الازماني عموم الصحة بحسب الازمان، فيدل على اللزوم، وعدم ترتب أثر على الفسخ لو وقع، وقد خرج من ذلك نفس العقد الجائز، لما دل على الجواز وترتب أثر الفسخ، وبقي الشرط الوقع في ضمنه على حاله، فلا يحتاج في إثبات اللزوم إلى الوجوب التكليفي، ولو فرض الاحتياج إليه فالخارج عن عموم الآية نفس العقد، دون الشرط في ضمنه. (1) قال في القواعد: " ولو شرط أن يشتري أصلا يشتركان في نمائه - كالشجر والغنم - فالاقرب الفساد، لان مقتضى القراض التصرف في رأس المال "، وفي جامع المقاصد: " ولان مقتضى القراض الاسترباح بالتجارة، وليس موضوع النزاع كذلك، فلا يصح القراض عليه. وهو الاصح ". ولم يتضح الفرق بين التعليلين. وفي الشرائع بعدما حكى القول بالفساد قال: " وفيه تردد "، وفي جامع المقاصد: " ويحتمل ضعيفا الصحة. لان ذلك حصل بسعي العامل، وهو شراؤه الشجر والغنم، وذلك من جملة الاسترباح بالتجارة، وضعفه ظاهر، لان الحاصل بالتجارة هو زيادة القيمة لما وقع عليه العقد، لانماؤه الحاصل مع بقاء عين المال " والعمدة: عدم الدليل على صحة المضاربة في المقام ومفهومها العرفي يأباه. ولذا لم يعرف القول بالصحة لاحد من أصحابنا، كما في الجواهر، والاصل عدم ترتب الاثر. (2) قال في الجواهر: " لو قال له اشتره وما يحصل من ارتفاع قيمته ومن نمائه فهو بيننا " فالاقوى الصحة، لاطلاق الادلة. كما انه

[ 274 ]

[ وإن لم يكن المراد خصوص عنوان المضاربة فيمكن دعوى صحته للعمومات (1). ] لو اتفق نماء أعيان المضاربة قبل بيعها شارك في النماء قطعا، ثم قال: " وبذلك ظهر لك أن لشركة العامل في النماء صورا ثلاثة، أحدهما: معلومة الصحة، والثانية: مظنونة، والثالثة: شك في شمول الاطلاق لها، والاصل الفساد ". ويريد بالمعلومة صورة تحقق النماء من باب الاتفاق، وهي التي ذكرها ثانيا في كلامه، والمظنونة صورة التعرض له في العقد مضافا إلى الربح، التي ذكرها أولا في كلامه. وكان الاولى بالعكس لانه إذا حصل النماء من باب الاتفاق، ولم يكن قد تعرض له المتعاقدان، فالقاعدة تقتضي كونه للمالك، لانه نماء ملكه ولاوجه لمشاركة العامل فيه، بخلاف صورة التعرض له، فانه يكون كالشرط في المضاربة، ولاوجه للتوقف في صحته. والمصنف اقتصر على هذه الصورة، ولم يتعرض للصورة الاخرى، وفي المسالك ذكر ما يشمل الصورتين قال: " واعلم أن المنع إنما هو في حصر الربح في النماء المذكور - كما تقتضيه هذه المعاملة - وإلا فلا يمنع كون النماء بينهما ويحتسب من جملة الربح على بعض الوجوه، كما إذا اشترى شيئا له غلة، فظهرت غلته قبل أن يبيعه، فانها تكون بينهما من جملة الربح، إلا أن الربح لم يحصراه فيها لامكان تحصيله من أصل المال ". وبالجملة: إذا لم يتعرضا للنماء فاللازم كونه للمالك، إلا أن يكون ملحوضا إجمالا تبعا. ولعله مراد الجواهر في الصورة الثانية في كلامه، فيكون الاشتراك فيه شرطا إجماليا في المضاربة، في مقابل الصورة الاولى في كلامه التي يكون الاشتراك فيه شرطا مصرحا في ضمن العقد. (1) فانها كافية في إثبات الصحة. واحتمال اختصاص العمومات بالمتعارف، فلا يشمل المقام. ممنوع، كما تقدم نظير ذلك.

[ 275 ]

[ (مسألة 4): إذا اشترط المالك على العامل أن يكون الخسارة عليهما كالربح، أو اشترط ضمانه لرأس المال، ففي صحته وجهان (1) أقواهما الاول، لانه ليس شرطا منافيا لمقتضى العقد - كما قد يتخيل - بل إنما هو مناف لاطلاقه، إذ مقتضاه كون الخسارة على المالك وعدم ضمان العامل إلا مع التعدي، أو التفريط. (مسألة 5): إذا اشترط المالك على العامل أن لا يسافر مطلقا أو إلى البلد الفلاني أو إلا إلى البلد الفلاني، أو لا يشتري الجنس الفلاني، أو إلا الجنس الفلاني، أو لا يبيع من زيد مثلا، أو إلا من زيد، أو لا يشتري من شخص، أو إلا من ] (1) بل قولان أحدهما العدم، وقد تقدم ما في القواعد من قوله: " ولو اشترط ما ينافيه فالوجه بطلان العقد، مثل أن يشترط ضمان المال أو سهما من الخسران... "، وفي جامع المقاصد: " وجه البطلان أن هذه شروط باطلة، لمنافاتها مقتضى العقد شرعا، فيبطل العقد بها لان التراضي المعتبر فيه لم يقع إلا على وجه فاسد، فيكون باطلا. ويحتمل ضعيفا صحة العقد وبطلان الشرط، لان بطلان أحد المتقارنين لا يقتضي بطلان الآخر. وجوابه أن التراضي في العقد شرط، ولم يحصل إلا على الوجه الفاسد. فيكون غير معتبر، فيفوت شرط الصحة ". وكأنه لوضوح منافاة الشرط للعقد لم يتعرض لبيان وجهها وتعرض لوجه ابطال الشرط الباطل للعقد. لكن في الجواهر: أن جميع هذه الامور من الاحكام أو ما هو مقتضى اطلاق العقد، لاأنها من منافيات مقتضاه التي تعود عليه بالنقض

[ 276 ]

فتأمل جيدا. انتهى. وكأنه يريد بالاحكام الاحكام غير الاقتضائية، وإلا فالاحكام الاقتضائية لا يصح اشتراط خلافها، لان الشرط المخالف للكتاب باطل. وبالجملة: قد أشرنا في المسألة السابقة إلى أن الشرط المخالف لمقتضى العقد تارة: يكون مخالفا لمضمونه، واخرى: يكون مخالفا للوازمه العرفية، وثالثة: يكون مخالفا لاحكامه الشرعية الاقتضائية. وكون الشرط الضمان أو شرط تحمل الخسارة من أحد الاقسام المذكورة غير ظاهر، بل من الواضح أنهما غير مخالفين لمضمون المضاربة ولا للوازمها العرفية. نعم قد يتوهم مخالفتهما لما دل على عدم ضمان الامين. لكنه ممنوع لاحتمال أن عدم ضمان الامين لعدم المقتضي، لا لمقتضي العدم، ومع الاحتمال يبنى على صحة الشرط المخالف له، لعدم ثبوت كونه مخالفا للكتاب، والاصل العدم. بل الظاهر المفهوم عرفا أن عدم ضمانه لعدم المقتضي، وحينئذ لا تضر مخالفته للشرط. نعم في مصحح إسحاق بن عمار عن أبي الحسن (ع) قال: " سألته عن مال المضاربة قال (ع): الربح بينهما والوضيعة على المال " (* 1)، وصحيح الحلبي عن أبي عبد الله (ع) أن ه قال: " المال الذي يعمل به مضاربة له من الربح، وليس عليه من الوضيعة شي إلا أن يخالف أمر صاحب المال " (* 2)، ونحوه رواية الكناني عن أبي عبد الله (ع) (* 3) وظاهر الروايات المذكورة أن عدم ضمان العامل للخسارة من أحكام المضاربة فيكون الشرط مخالفا للكتاب، ومخالفا لمقتضى العقد شرعا. اللهم إلا أن يقال أيضا: إن الحكم المذكور لعدم المقتضي فلا ينافيه الشرط.


(* 1) الوسائل باب: 3 من أبواب المضاربة حديث: 5. (* 2) الوسائل باب: 1 من أبواب المضاربة حديث: 4. (* 3) الوسائل باب: 1 من أبواب المضاربة حديث: 3.

[ 277 ]

اللهم إلا أن يقال الاستثناء في روايتي الحلبي والكناني يقتضي عدم الضمان حتى بملاحظة العناوين الثانوية، فيدل على عدم تحمل الخسارة مطلقا في غير المستثنى حتى مع الشرط، فيدل على عدم صحة شرط الضمان وتدارك الخسارة تعبدا، لامن جهة كونه مخالفا لمقتضمى العقد شرعا. اللهم إلا أن يكون منصرف النصوص الجعل الشرعي، لاجعل المالك، كما هو مورد الكلام، وهو غير بعيد جمعا بين النصوص المذكورة وعموم نفوذ الشروط. وحينئذ لامانع من اشتراط تدارك الخسارة كلا أو بعضا. هذا وفي حسن الكاهلي عن أبي الحسن موسى (ع): " في رجل دفع إلى رجل مالا مضاربة، فجعل له شيئا من الربح مسمى، فابتاع المضارب متاعا فوضع فيه. قال (ع): على المضارب من الوضيعة بقدر ما جعل له من الربح (* 1) ": لكنه متروك الظاهر. وفي صحيح محمد ابن قيس عن أبي جعفر (ع) في حديث إن عليا (ع) قال: " من ضمن تاجرا فليس له إلا رأس ماله (المال. خ ل) وليس له من الربح شئ " (* 2)، وفي بعض طرقه: " من ضمن مضاربة ". وظاهره أن شرط الضمان صحيح لكنه مانع من استحقاق الربح للمالك، فيكون من قبيل ما أرسل عن النبي صلى الله عليه وآله: " الخراج بالضمان " (* 3)


(* 1) الوسائل باب: 3 من أبواب المضاربة حديث: 6. (* 2) الوسائل باب: 4 من أبواب المضاربة حديث: 1. (* 3) هكذا روي في كتب أصحابنا وقد أمر سيدنا المؤلف - قدس سره - بالفحص عن سند الحديث ومتنه في كتب الجمهور، لانه من رواياتهم وقد ظهر أنه مروي في صحيح الترمذي في (ج 5 صفحة 285) هكذا: (حدثنا محمد بن المثنى حدثنا عثمان بن عمر وأبو عامر العقدي عن ابن أبي ذئب عن مخلد ابن خفاف عن عروة عن عائشة: ان رسول الله صلى الله عليه وآله قضى أن الخراج بالضمان) ونحوه في (الجزء 5 صفحة 286) بسند آخر ورواه في سنن أبي داود (الجزء 2 صفحة 255) هكذا: (حدثنا ابراهيم بن مروان -

[ 278 ]

[ شخص معين، أو نحو ذلك من الشروط، فلا يجوز له المخالفة (1)، ] وهو مذهب المخالف، وغير معمول به، ولا معمول عليه عندنا. وحمل في الوافي وغيره على أنه يكون المال قرضا. وهو - مع أنه خلاف الظاهر منه - مخالف للقواعد. والمتحصل: أن المنع من شرط الضمان وتدارك الخسارة لا يقتضيه مادل على عدم ضمان الامين، لانه حكم غير اقتضائي. فشرط خلافه لا يكون مخالفا للكتاب. ولا رواية اسحاق ونحوها مما ورد في خصوص المضاربة، لما ذكر أيضا. ولا إطلاق صحيح الحلبي لان منصرفه خصوص جعل الشارع، فلا يشمل جعل العاقد، ولا قوله (ع): " من ضمن تاجرا فليس له إلا رأس ماله وليس له من الربح شئ " لانه يدل على صحة الشرط لا بطلانه. فالعمل باطلاق مادل على صحة الشروط محكم. (1) نص على ذلك في الشرائع والقواعد وغيرهما، وفي المسالك: " لا خلاف عندنا في جواز هذه الشروط ولزومها وإن ضاقت بسبب هذه التجارة ". ثم إن عدم الجواز (تارة): يكون تكليفيا، بأن تصرف تصرفا عينيا ممنوعا منه من المالك. ودليله مادل على عدم جواز التصرف في مال أحد إلا باذنه، مثل التوقيع المشهور (* 1)، ونحوه (وتارة):


- حدثنا أبي حدثنا مسلم بن خالد الزنجي حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة (رض) ان رجلا ابتاع. علاما فأقام عنده ما شاء الله أن يقيم ثم وجد به عيبا فخاصمه إلى النبي صلى الله عليه وآله فرده عليه فقال الرجل: يارسول الله قد استغل غلامي فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: الخراج بالضمان) ومورد الاخير الضمان العقدي الراجع إلى التملك بالثمن لا الضمان الشرعي المتقوم بكون الشئ في عهدة الضامن وعليه دركه، كضمان اليد وقد حكي عن أكثر فقهائهم تخصيص القاعدة بالضمان العقدي، وتعميمها إلى الضمان الشرعي مختص بالحنفية. لكن المحكي عنهم انهم استدلوا عليها بوجه اعتباري لا بالحديث. فراجع... (* 1) الوسائل باب: 3 من أبواب الانفال وما يختص بالامام من كتاب الخمس حديث: 6.

[ 279 ]

[ وإلا ضمن المال لو تلف (1) بعضا أو كلا، وضمن الخسارة مع فرضها. ومقتضى القاعدة وإن كان كون تمام الربح للمالك على فرض إرادة القيدية (2)، ] يكون وضعيا كما إذا كان التصرف الممنوع منه من المالك اعتباريا، كما إذا قال له: لاتبع على زيد فباع عليه. وحينئذ لا يكون مأثوما بالبيع، ولا فاعلا للحرام، وانما كان تصرفه باطلا، لاغير. ودليله عموم قاعدة السلطنة. ومن ذلك يظهر الاشكال في الاستدلال على المقام بالقاعدة، فانها لاعموم فيها للتصرف العيني، الذي هو موضوع الحكم التكليفي. (1) بلا خلاف ولا اشكال. ويقتضيه النصوص الكثيرة، منها صحيح الحلبي ورواية الكناني المتقدمان، وصحيح محمد بن مسلم عن أحدهما (ع) قال: " سألته عن الرجل يعطى المال مضاربة وينهى أن يخرج به فخرج. قال (ع): يضمن المال والربح بينهما " ونحوه غيرها (2) القيود التي تذكر في المضاربة (تارة): تكون من مقومات المضاربة، مثل المبيع والمثمن ومكان البيع وزمانه والبائع والمشتري ونحو ذلك وهذه لا تكون إلا قيودا للمجعول وهو المضاربة، لا مجعولة بجعل مستقل لتعذر ذلك فيها، فإذا قال له: اشتر الغنم، أو في السوق الفلاني، أو في النهار، أو في الليل، أو لاتبع على زيد، أو لاتشتر من زيد، أو بتوسط الدلال الفلاني، أو نحو ذلك، فهذه قيود المضاربة أخذت قيدا للمجعول، لاأنها مجعولة بجعل مستقل في ضمن المضاربة، لامتناع جعلها لانها عينية لاتقبل الجعل، وجعلها في ضمن جعل المفهوم بمثل قوله: وعليك أن تشتري الغنم، راجع إلى تقييد المفهوم، لاجعل شئ في ضمن جعل المفهوم، فهو إذا قيد ولاشرط (وتارة): لا تكون مقومة للمضاربة


(* 1) الوسائل باب: 1 من أبواب كتاب المضاربة حديث: 1.

[ 280 ]

بل خارجة عنها، مثل أن يقول: لاتحمل المال معك، أو لا تنقد الثمن في مجلس البيع، أو اقرأ سورة من القرآن وقت البيع، أو نحو ذلك. وهذا القسم (تارة): يكون ملحوظا قيدا للمضاربة، كأن يقول: بع وأنت تقرأ القرآن، أو تذكر الله تعالى (وأخرى): يكون ملحوظا شرطا في ضمن المضاربة، مجعولا بجعل مستقل، بأن يقول: واشترطت عليك أن تقرأ القرآن وقت البيع (وثالثة): أن يأمر المالك به أو ينهى عنه، من دون ملاحظة كونه شرطا له على العامل، ولاقيدا للعمل، بل لوحظ لنفسه لما فيه من الفائدة، مثل أن يقول: احمل النقد في هميان، أو اتخذ حارسا يحفظ مال التجارة. أما ما أخذ قيدا للمضاربة - سواء كان من مقوماتها أم خارجا عنها - فهو على قسمين: (الاول): ما يؤخذ قيدا في مقام الواقع، كما إذا قال له: لاتتجر بالاكفان، أو لاتبع وأنت جنب فلا ينبغي التأمل في عدم صحة المعاملة لو خالف، لانها غير مأذون فيها من المالك، فصحتها خلاف قاعدة السلطنة، ولا تصح إلا باجازة المالك. (الثاني): ما أخذ قيدا في مقام الظاهر خوفا من الخسران، كما إذا قال: لاتشتر التمر فانه خطر، فاشترى تمرا وربح، فالمعاملة وإن كانت غير مأذون فيها ظاهرا مأذون فيها واقعا، ولا منافاة بين الامرين، لعدم التنافي بين الحكم الظاهري والواقعي. وعليه فالمعالمة صحيحة، ولا تحتاج إلى إمضاء وإجازة. وكذلك تصح المعاملة فيما لم يؤخذ قيدا أو شرطا مجعولا بجعل مستقل، فانها حينئذ مأذون فيها ولاخيار للمالك في الفسخ لعدم المقتضي لذلك، فإذا لم يتخذ حارسا لحفظ ماله أو لم يحمل النقد في هميان كان مخالفا لما أمره به المالك، فيكون آثما وضامنا، لكن لا خلل في المعاملة، ولافي لزومها، ولاخيار للمالك. والمتحصل مما ذكرنا أمور: (الاول): أن القيود المذكورة في

[ 281 ]

[ إذا أجاز المعاملة (1)، وثبوت خيار تخلف الشرط على فرض كون المراد من الشرط الالتزام في الالتزام (2)، وكون تمام الربح له على تقدير الفسخ، إلا أن الاقوى اشتراكهما في الربح (3) على ما قرر، لجملة من الاخبار الدالة على ذلك (4) ] ضمن عقد الضماربة، تارة: تكون قيودا للمضاربة، وأخرى: تكون شرطا فيها، وثالثة: لا تكون قيودا لها ولا شرطا فيها. (الثاني): أن المأخوذة قيودا لا تصح المضاربة بدونها إذا كانت قيودا واقعية، وتصح إذا كانت قيودا ظاهرية (الثالث): أنها إذا لم تكن قيودا ولا شروطا تصح المضاربة معها، ولا تحتاج إلى الاجازة من المالك، وإن كان العامل آثما وضامنا. (1) قد عرفت أنه يختص بالقيود الواقعية. (2) قد عرفت أنه توجه أيضا صورة ثالثة. (3) كما هو المنسوب إلى الاصحاب. (4) الاخبار الواردة في الباب وإن كانت كثيرة، لكن لا يظهر منها ورودها في صورة كون القيد واقعيا، فقد تقدم صحيح محمد بن مسلم (* 1) ومورده النهي عن الخروج، ونحوه أحد صحاح الحلبي، (* 2) وروايات الكناني (* 3) وأبي بصير وزيد الشحام (* 5)، والنهي عن الخروج ليس من قبيل تقييد المعاملة، بل الظاهر منه أنه من القسم الثالث. وقد تقدم أحد صحاح الحلبي (* 6)، ودلالته على الاشتراك في الربح مع المخالفة


(* 1) راجع صفحة: 279. (* 2) الوسائل باب: 1 من كتاب المضاربة حديث: 2. (* 3) الوسائل باب: 1 من كتاب المضاربة حديث: 6. (* 4) الوسائل باب: 1 من كتاب المضاربة حديث: 10. (* 5) الوسائل باب: 1 من كتاب المضاربة حديث: 11. (* 6) راجع صفحة: 276.

[ 282 ]

[ ولا داعي إلى حملها على بعض المحامل (1)، ] غير ظاهرة، فضلا عن كون المخالفة في قيود المعاملة، فلا يكون من أدلة المقام، ونحوه رواية الكناني (* 1) الاخرى، وكذلك صحيح الحلبي الثالث عن أبي عبد الله (ع): " أنه قال في المال الذي يعمل به مضاربة: له من الربح، وليس عليه من الوضيعة شئ، إلا أن يخالف أمر صاحب المال. فان العباس كان كثير المال، وكان يعطي الرجال يعملون به مضاربة، ويشترط عليهم أن لا ينزلوا بطن واد، ولا يشتروا ذا كبد رطبة، فان خالفت شيئا مما أمرتك به فانت ضامن للمال " (* 2). وليس في الخبرين دلالة على الاشتراك في الربح مع المخالفة. نعم في صحيح جميل عن أبي عبد الله (ع): " في رجل دفع إلى رجل مالا يشتري به ضربا من المتاع مضاربة، فذهب فاشترى به غير الذي أمره. قال: هو ضامن، والربح بينهما على ما شرط " (* 3). ولا يبعد أن يكون التقييد فيه من قبيل التقييد في مقام الظاهر، لا الواقع وعلى هذا فليس في الروايات بأجمعها ما هو ظاهر في الاشتراك في الربح مع التقييد الواقعي الذي هو خلاف القواعد. نعم في صحيح الحلبي عن أبي عبد الله (ع): " في الرجل يعطي الرجل مالا مضاربة فيخالف ما شرط عليه قال (ع): هو ضامن والربح بينهما " (* 4). فان إطلاقه يقتضي الاشتراك في الربح حتى في القيود الواقعية. لكن الخروج عن القواعد به في صورة التقييد الواقعي مشكل مع احتمال الحمل على غيره. (1) فقد ذكر في الجواهر: أنه يمكن تنزيل النصوص على إرادة بقاء


(* 1) الوسائل باب: 1 من ابواب المضاربة حديث: 3. (* 2) الوسائل باب: 1 من أبواب المضاربة حديث: 7. (* 3) الوسائل باب: 1 من ابواب المضاربة حديث: 9. (* 4) الوسائل باب: 1 من أبواب المضاربة حديث: 5.

[ 283 ]

[ ولا إلى الاقتصار على مواردها (1)، لاستفادة العموم من بعضها الآخر (2). (مسألة 6): لا يجوز للعامل خلط رأس المال مع مال آخر (3) لنفسه أو غيره، إلا مع إذن المالك، عموما، ] الاذن في المضاربة بأن يكون الغرض من الاشتراط الضمان لاغير، كما يؤمي إليه صحيح الحلبي السابق - يعني: المتعرض لذكر العباس - فان قوله في آخره: " فأنت ضامن... " يقتضي الاقتصار فيه على الضمان. وإلا لقال فأنت ضامن وغير مأذون في المعاملة. ولكنه كما ترى غير ظاهر. (1) حكاه في الجواهر عن بعض الناس، واحتمله من الشرائع، حيث اقتصر فيها على ذكر موردين، قال فيها: " ولو أمره بالسفر إلى جهة فسافر إلى غيرها، أو أمره بابتياع شئ معين، فابتاع غيره، ضمن، ولو ربح والحال هذه كان الربح بينهما بموجب الشرط ". والمثال الاول مذكور في صحيح الحلبي وغيره، والثاني في صحيح جميل. (2) لا يظهر وجود العام الدال على الاشتراك في الربح مع المخالفة وانما الموجود العام الدال على الضمان مع المخالفة لاغير، مثل صحيح الحلبي الاول وخبر الكناني وغيرهما. فالعمدة إذا ما ذكرناه من التفصيل. فلاحظ. تنبيه: إطلاق بعض النصوص والكلمات يقتضي ضمان العامل إذا خالف المالك من غير فرق بين الموارد. ولكن الذي ينصرف إليه الذهن هو ما إذا خالفه فيما كان من شؤون المال مما كان له الولاية عليه، أما إذا كان خارجا عن ذلك - كما إذا أمره بصلاة الليل ونوافل النهار وقراءة القرآن ونحو ذلك، مما لا يرجع إلى المال وإلى المعاملة به، فلم يفعل شيئا من ذلك - فلا ضمان عليه، لقصور الادلة على ذلك. (3) نص على ذلك في الشرائع، وعلله: بأنه تصرف غير مشروع.

[ 284 ]

[ كأن يقول: اعمل به على حسب ما تراه مصلحة، إن كان هناك مصلحة، أو خصوصا، فلو خلط بدون الاذن ضمن التلف (1). إلا أن المضاربة باقية (2) والربح بين المالين على النسبة. (مسألة 7): مع إطلاق العقد يجوز للعامل التصرف على حسب ما يراه (3)، من حيث البايع، والمشتري، ونوع الجنس المشترى. لكن لا يجوز له أن يسافر من دون إذن المالك (4)، إلا إذا كان هناك متعارف ينصرف إليه الاطلاق ] وعلل في المسالك: بأنه أمانة لا يجوز خلطها، كالوديعة. والعمدة مادل على حرمة التصرف في مال أحد إلا باذنه، فإذا لم يكن إذن في التصرف - علم - أو خاص - حرم. (1) كما في المسالك وغيرها. لعدم الاذن في ذلك الموجب للرجوع إلى عموم: " على اليد... " والعمدة النصوص المتقدمة. (2) كما نص على ذلك في المسالك والجواهر. لما عرفت من أن مثل ذلك لا ينافي بقاء الاذن في المضاربة. (3) عملا باطلاق الاذن والاصل الحل والبراءة. (4) قال في القواعد: " ليس للعامل أن يسافر إلا باذن المالك ". وفي جامع المقاصد: " هو مذهب علمائنا. لان فيه تغريرا بالمال. ولانه لا يتبادر من اطلاق العقد ولا يتفاهم منه، ليكون شاملا له، وللروايات الصريحة في ذلك عن أهل البيت (ع)، مثل رواية الحلبي عن الصادق (ع)، وصحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (ع) ". ودلالة الروايات لا تخلو من نظر، فانها إنما تعرضت لصورة نهي المالك عن الخروج - كما تقدم -

[ 285 ]

[ وإن خالف فسافر فعلى ما مر في المسألة المتقدمة (1). (مسألة 8): مع إطلاق العقد وعدم الاذن في البيع نسيئة لا يجوز له ذلك (2)، إلا أن يكون متعارفا ينصرف إليه الاطلاق. ولو خالف في غير مورد الانصراف، فان استوفى الثمن قبل اطلاع المالك فهو (3)، وإن اطلع المالك قبل الاستيفاء فان أمضى فهو (4)، وإلا فالبيع باطل (5)، ] ولم تتضمن النهي عنه. كما تشكل دعوى عدم تبادره من إطلاق العقد، إذ لا مقتضى للانصراف عنه. وكونه تغريرا بالمال كلية غير ظاهرة. نعم ربما يكون كذلك، وربما يكون الحضر كذلك. وكأنه لذلك أهمل ذكره في الشرائع. فإذا لافرق بين السفر والحضر في الجواز ما لم تكن قرينة موجبة للانصراف عنه. (1) لاطلاق بعض النصوص المتقدمة الشامل للمقام، كما عرفت. (2) قال في التذكرة: " وليس له أن يبيع نسيئة بدون إذن المالك. لما فيه من التغرير بالمال، فان خالف ضمن عندنا ". وفي المسالك: أن فيه تغريرا بمال المالك، وأن الامر فيه واضح. وفيه: أنه غير ظاهر، بل ربما يكون النقد كذلك. فالاولى المنع عن كل منهما إذا كان فيه تغرير بالمال، والجواز إذا لم يكن، من دون فرق بين أن يكون متعارفا وأن لا يكون، كما هو ظاهر المختلف وغيره، بل نسب إلى جماعة من متأخري المتأخرين. (3) يعني: تصح المعاملة، ويكون الربح بينهما، على ما تقدم. (4) يعني: يصح البيع، ويكون الربح مشتركا. (5) لكونه غير مأذون فيه. قال في الشرائع: " ويقتضي إطلاق الاذن البيع نقدا، بثمن المثل، من نقد البلد. ولو خالف لم يمض إلا

[ 286 ]

[ وله الرجوع على كل من العامل والمشتري (1) مع عدم وجود ] مع إجازة المالك ". وقال في المسالك: " إذا خالف مادل عليه اللفظ بخصوصه أو إطلاقه لم يقع التصرف باطلا، بناء على جواز بيع الفضولي لكن يقف على إجازة المالك، فان اجاز نفذ. ثم إن قدر على تحصيل النسيئة، وإلا ضمن الثمن، لثبوته بالبيع الصحيح، لا القيمة. وإلا وجب الاسترداد مع إمكانه، ولو تعذر ضمن قيمة المبيع أو مثله، لا الثمن المؤجل وان كان أزيد، ولا التفاوت في صورة النقيصة، لانه مع عدم إجازة البيع يقع باطلا، فيضمن للمالك عين ماله، الذي تعدى فيه وسلمه من غير إذن شرعي " وفي التذكرة: " إذا باع نسيئة في موضع لا يجوز له فقد خالف مطلق الامر، فيقف على اجازة المالك، لانه كالفضولي في هذا التصرف ". وكأن المصنف جرى عليه هذا المجرى. وهو مخالف لما تقدم، من أنه إذا خالف المالك ضمن والربح بينهما، إذ قد عرفت أنه يقتضي صحة المعاملة من دون توقف على إجازة المالك، للنصوص، فما الذي فرق بين المقامين؟ بل في الجواهر: أن الصحة في المقام أولى منها في صورة المخالفة الصريحة التي هي مورد النصوص بل يمكن القول بشمول بعض النصوص للجميع فلاحظ. مع أنه على تقدير الفرق لم يكن وجه لقوله: " فان استوفى الثمن قبل اطلاع المالك فهو "، وكان اللازم أن يقول: إذا استوفى الثمن قبل اطلاع المالك راجع المالك، فان أجاز فهو، وإلا رده على المشتري، لبطلان المعاملة، إذ الموجب للبطلان عدم الاذن، من دون فرق بين اطلاع المالك قبل الاستيفاء وبين الاستيفاء قبل اطلاع المالك. (1) قد عرفت أنه بناء على بطلان البيع فالعين للمالك، له المطالبة بها من كل من وضع يده عليها، فان كان العامل سلمها إلى المشتري جاز

[ 287 ]

[ المال عنده أو عند مشتر آخر منه (1)، فان رجع على المشتري بالمثل أو القيمة لا يرجع (2) هو على العامل، إلا أن يكون مغرورا من قبله (3) وكانت القيمة أزيد من الثمن، فانه حينئذ يرجع بتلك الزيادة عليه (4). ] للمالك الرجوع على العامل وعلى المشتري، كما في جميع موارد تعاقب الايدي فان كان المشتري قد باعها على ثالث وسلمها له، جاز للمالك الرجوع على العامل والمشتري الاول والمشتري الثاني. (1) الذي يظهر من هذا القيد أن العين إذا كانت موجودة عند المشتري أو عند مشتر آخر لم يجز للمالك الرجوع إلى العامل، بل يرجع على من كانت العين موجودة عنده. ولكنه غير ظاهر الوجه، فانه مع تعاقب الايدي يجوز الرجوع إلى كل واحد من ذوي الايدي المتعاقبة وإن كانت العين موجودة عند بعضهم، ولا يختص رجوعه بمن كانت العين عنده. إذ الموجب للضمان اليد، وهي حاصلة في الجميع. وفي القواعد: " وللمالك إلزام من شاء "، وفي مفتاح الكرامة: حكاية ذلك في المبسوط والتذكرة والتحرير وجامع المقاصد وغيرها. ولعل هذا الشرط للرجوع بالبذل، لا لاصل الرجوع على العامل. لكن الشرط حينئذ التعذر، لا عدم وجود العين. (2) يعني: المشتري. لتأخره يده، كما هو حكم تعاقب الايدي، فانه يرجع السابق على اللاحق، ولا يرجع اللاحق على السابق. (3) يعني: إذا كان المشتري مغرورا من العامل جاز له الرجوع عليه، لان المغرور يرجع على من غره. (4) أما بمقدار الثمن فلا يرجع به، لاقدامه على ضمانه بالثمن بلا غرور من العامل، والغرور إنما كان بالزيادة، فإذا فرض أن القيمة التي رجع بها

[ 288 ]

[ وإن رجع (1) على العامل يرجع هو على المشتري بما غرم، إلا أن يكون مغرورا منه وكان الثمن أقل، فانه (2) حينئذ يرجع (3) بمقدار الثمن (4). (مسألة 9): في صورة إطلاق العقد لا يجوز له أن يشتري بأزيد من قيمة المثل (5). كما أنه لا يجوز أن يبيع بأقل من قيمة المثل، وإلا بطل. نعم إذا اقتضت المصلحة أحد الامرين لا بأس به (6). ] المالك على المشتري بمقدار الثمن. فليس له الرجوع على العامل بشئ منها. (1) يعني: المالك. (2) يعني: العامل. (3) يعني: على المشتري. (4) إذ لا تغرير من العامل فيه. وأما الزائد على مقدار الثمن الذي غرمه للمالك فلا يرجع فيه على المشتري، لانه غار له فيه، فإذا رجع على المشتري بتلك الزيادة رجع المشتري عليه بها، لانه غار له. وإن شئت قلت: لا يرجع على المشتري بتلك الزيادة، لانه غار له فيها، فغرامتها مستندة إلى تغريره لاإلى المشتري. (5) كما هو المعروف المصرح به في جملة كثيرة من كتب الاصحاب. لما فيه من تضييع المال، المانع من دخوله في اطلاق الاذن. وكذا ما بعده. (6) كما في المختلف وعن جماعة من متأخري المتأخرين. إذ من المعلوم الاذن مع المصلحة. وفي الجواهر: تخصيصه بما إذا كان متعارفا، أما إذا كان نادرا فلا يدخل في الاطلاق، لانصرافه إلى المتعارف. لكن الانصراف ممنوع، والاطلاق محكم.

[ 289 ]

[ (مسألة 10): لا يجب في صورة الاطلاق أن يبيع بالنقد، بل يجوز أن يبيع الجنس بجنس آخر (1). وقيل بعدم جواز البيع إلا بالنقد المتعارف (2). ولا وجه له إلا إذا كان جنسا لا رغبة للناس فيه غالبا (3). (مسألة 11): لا يجوز شراء المعيب، إلا إذا اقتضت المصلحة، ولو أتفق فله الرد أو الارش، على ما تقتضيه المصلحة. (مسألة 12): المشهور - على ما قيل - أن في صورة الاطلاق يجب أن يشتري بعين المال، فلا يجوز الشراء في الذمة (4). وبعبارة أخرى: يجب أن يكون الثمن شخصيا من مال المالك، لا كليا في الذمة. والظاهر أنه يلحق به (5) الكلي في المعين أيضا. وعلل ذلك: بأنه القدر المتيقن. وأيضا الشراء في الذمة قد يؤدي إلى وجوب دفع غيره (6) - كما إذا ] (1) كما قواه في المسالك مع الغبطة. عملا باطلاق الاذن. (2) كما في الشرايع وغيرها. (3) فلا يكون فيه مصلحة. أما إذا كان فيه مصحلة أيضا فلا بأس إعملا باطلاق الاذن. (4) قال في الشرائع: " وكذا يجب أن يشتري بعين المال، ولو اشترى في الذمة لم يصح، إلا مع الاذن ". وفي القواعد: " وان اشترى في الذمة لزم العامل إن أطلق الشراء ولم يجز المالك، وإن ذكر المالك بطل مع عدم الاجازة ". وفي الحدائق: " أنه صرح بذلك جملة من الاصحاب. (5) يعني: بالشراء بعين المال، لانه نوع منه. (6) هذا ومابعده ذكرهما في المسالك.

[ 290 ]

[ تلف رأس المال قبل الوفاء - ولعل المالك غير راض بذلك. وأيضا إذا اشترى بكلي في الذمة لا يصدق على الربح أنه ربح مال المضاربة. ولا يخفى ما في هذه العلل (1). والاقوى - كما هو المتعارف - جواز الشراء في الذمة (2) والدفع من رأس المال. ثم إنهم لم يتعرضوا لبيعه، ومقتضى ما ذكروه وجوب كون المبيع أيضا شخصيا، لاكليا. ثم الدفع من الاجناس التي عنده. والاقوى فيه أيضا جواز كونه كليا. وإن لم يكن في المتعارف مثل الشراء. ثم إن الشراء في الذمة يتصور على وجوه. أحدها: أن يشتري العامل بقصد المالك وفي ذمته من ] (1) فان العمل بالقدر المتيقن إنما يكون مع عدم الاطلاق، أما مع الاطلاق فالعمل به متعين. ووجوب دفع غيره ليس محذورا إذا كان مقتضى الاطلاق، وإذا كان الشراء بالمال يشمل الشراء بالذمة فقد صدق أن الربح للمال لتبعية ذلك لما ذكر. (2) كما مال إليه في الجواهر واحتمل إرادة الاصحاب من المنع صورة الشراء في الذمة مع إرادة الرجوع إليه بغير مال المضاربة. وفي الرياض: " ويمكن تنزيل إطلاق كلام الاصحاب عليه بصرفه إلى غير صورة غلبة ذلك (يعني: مراد الاصحاب من لزوم الشراء بعين المال صورة مااذا لم يكن الغالب والمتعارف ذلك) أما إذا كان الغالب والمتعارف ذلك فقد جاز الشراء بالذمة "، إذ المتعارف مانع من حمل الاطلاق على غيره. بل قيل: يكون موجبا لحمل الاطلاق عليه بالخصوص. لكن الاظهر العمل بالاطلاق في الجميع.

[ 291 ]

[ حيث المضاربة (1). الثاني: أن يقصد كون الثمن في ذمته من حيث أنه عامل ووكيل عن المالك. ويرجع إلى الاول. وحكمها الصحة وكون الربح مشتركا بينهما على ما ذكرنا. وإذا فرض تلف مال المضاربة قبل الوفاء كان في ذمة المالك يؤدى من ماله الآخر (2) ] (1) يعني على أن يكون المبيع مورد المضاربة وكون الثمن من مال المالك المعين للمضاربة. (2) قد تقدم ماعن المسالك من الاستدلال على عدم جواز الشراء في الذمة ما ظاهره المفروغية عن وجوب الاداء من ماله الآخر، وأنه من المسلمات، وفي الجواهر: استدل عليه بأنه مقتضى الاطلاق. وفيه: أن الاطلاق من حيث كون الشراء في الذمة أو في العين لا يلازم الاطلاق من حيث كون الاداء من مال المضاربة وغيره، إذ المفروض أن الشراء في الذمة وان كان باذن المالك فهو بلحاظ المضاربة وكون الاداء لما في الذمة بمال المضاربة لا بغيره. ولذلك قيد المصنف الوجه الاول بكونه من حيث المضاربة، لا مطلقا، فإذا كان عنوان المضاربة مأخوذا قيدا للشراء فمع تعذره يبطل الشراء، كما إذا اشترى ولي الزكاة شيئا بمال الزكاة فتلف المال قبل الوفاء، فانه يبطل، فلا يكلف بدفع الثمن من ماله. وأشكل من ذلك ما ذكره في الجواهر من أنه إذا دفع من ماله الاخر يكون من مال القراض، للاطلاق المذكور، وأنه محكي عن المبسوط التصريح به. إذ من الواضح أن مال المضاربة هو التالف لاغير، وأن الاذن في الشراء في الذمة كان بقيد الوفاء من ذلك المال لاغير، فلم يقصد المضاربة بما في الذمة مطلقا. ولذلك ذكر في الخلاف أن الذي يقوى في نفسه أن المبيع للعامل، ولا شئ على رب المال. وستدل عليه: بأن رب المال إنما

[ 292 ]

[ الثالث: أن يقصد ذمة نفسه وكان قصده الشراء لنفسه ولم يقصد الوفاء حين الشراء من مال المضاربة، ثم دفع منه وعلى هذا الشراء صحيح، ويكون غاصبا في دفع مال المضاربة من غير إذن المالك، إلا إذا كان مأذونا في الاستقراض وقصد القرض (1). الرابع: كذلك لكن مع قصد فع الثمن من مال المضاربة حين الشراء، حتى يكون الربح له، فقصد نفسه حيلة منه، وعليه يمكن الحكم بصحة الشراء وإن كان عاصيا ] فسح للعامل في التصرف في الف إما أن يشتري به بعينه أو في الذمة وينقد منه ولم يدخل على أن يكون له في القراض اكثر منه. وما ذكره من الوجه متين، لكن انما يقتضي عدم الصحة للمالك، لا التحول إلى العامل لعدم قصد العامل ذلك، فكيف يدخل في ملكه من دون قصد، ويكلف بدفع البدل من دون اختيار؟! ونسب في الخلاف إلى أبي حنيفة ومحمد أن يلزم المالك أن يدفع الثمن من مال آخر ويكونا معا رأس المال. وإلى مالك أن المالك مخير بين أن يدفع الثمن من مال آخر ويكون هو رأس المال لاغير وبين أن لا يدفع شيئا، فيكون المبيع للعامل والثمن عليه. كما نسب إلى أبي حنيفة أيضا أنه إذا تلف المال الثاني لم يلزم المالك شئ، وإلى غيره أنه كلما تلف الثمن دفع المالك غيره ولم يظهر من الجواهر أنه إذا تلف المال الثاني فهل يلزم الدفع من مال ثالث وهكذا أو لا يلزمه؟ كما أنه لم يظهر منه أن رأس المال هو مجموع المالين، أو الاكثر، أو هو الاخير لاغير؟ والتحقيق ما عرفت. (1) أو كان قاصدا الشراء من نفسه للمالك بمال المضاربة، فانه لما

[ 293 ]

[ في التصرف في مال المضاربة من غير إذن المالك، وضامنا له بل ضامنا للبايع أيضا، حيث أن الوفاء بمال الغير غير صحيح ويحتمل القول ببطلان الشراء (1) لان رضى البايع مقيد بدفع الثمن (2) والمفروض أن الدفع بمال الغير غير صحيح، فهو بمنزلة السرقة، كما ورد في بعض الاخبار: أن من استقرض ولم يكن قاصدا للاداء فهو سارق. ويحتمل صحة الشراء وكون قصده لنفسه لغوا بعد أن كان بنائه الدفع من مال ] كان وليا على الشراء للمالك ووليا على نفسه لم يحتج في الشراء للمالك مال نفسه إلى أكثر من إنشاء الايجاب، فيقصد المعاوضة بينه وبين المالك بدفع مال المالك وفاء عما في ذمته من الثمن، فيكون انشاء المعاوضة بالفعل، وهو دفع المال إلى البائع، لا بالقول، وبانشاء واحد بلا قبول، كما تحقق ذلك في بعض مباحث نكاح العبيد من هذا الشرح. فراجع. فيكون في الخارج شراءآن: شراء من المشتري لنفسه، وشراء من نفسه للمالك، فالشراء للعامل بثمن في الذمة والشراء للمالك بعين المال. (1) هذا الاحتمال ضعيف إذ النقص في الشراء على النحو المذكور إن كان لاجل نية عدم أداء الثمن فأمر لم يقل به أحد، ولا دليل عليه وإن كان لاجل دفع مال الغير، الراجع إلى عدم دفع الثمن شرعا فهو أيضا لم يقل به أحد، ولا دليل عليه. (2) قد عرفت أنه لادليل عليه. وما في بعض الاخبار راجع إلى نية عدم دفع الثمن حال البيع، لاعدم الدفع بعد ذلك، فالشاهد لا يرتبط بالمشهود له. مع أن ما في المقام ليس من باب عدم نية الدفع، بل من باب نية دفع ما ليس ملكا له شرعا، بعنوان كون ملكا له تشريعا، فهو أمر ثالث غير ما ذكر.

[ 294 ]

[ المضاربة، فان البيع وإن كان بقصد نفسه وكليا في ذمته، إلا أنه ينصب على هذا الذي يدفعه (1) فكأن البيع وقع عليه. والاوفق بالقواعد الوجه الاول، وبالاحتياط الثاني. واضعف الوجوه الثالث، وإن لم يستبعده الآقا البهبهاني. الخامس: أن يقصد الشراء في ذمته من غير التفات إلى نفسه وغيره. وعليه أيضا يكون المبيع له (2)، وإذا دفعه من مال المضاربة يكون عاصيا. ولو اختلف البايع والعامل في أن الشراء كان لنفسه أو لغيره وهو المالك المضارب، يقدم قول البايع، لظاهر الحال (3)، فيلزم بالثمن من ماله، وليس له إرجاع البايع إلى المالك المضارب. ] (1) هذا غير ظاهر الوجه، ولا يظن الالتزام به في نظائر المقام، فان الغاصب للمال إذا دخل السوق واشترى لنفسه في الذمة، ونوى الوفاء من ذلك المال المغصوب، فاجاز المغصوب منه ذلك لم يكن الشراء له، ولايكون ما اشتراه ملكا للمغصوب منه. مضافا إلى أن البناء على كون ذلك من الشراء بعين المال موجب للبناء على صحة البيع الواقع على العين الخارجية المجهولة للبائع وعدم كونها مقصودة له ولامنوية له، وهو كما ترى. (2) لكون عوضه منه وهو ما في ذمته. (3) قال في الشرائع: " ولو اشترى في الذمة لامعه، ولم يذكر المالك تعلق الثمن بذمته ظاهرا ". فيحتمل أن يكون التعلق ظاهرا بذمته اعتمادا على أصالة الصحة، لانه إذا كان لغيره بطل لعدم الاذن، وإذا كان له صح. ويحتمل أن يكون لظاهر الحال، حيث أن حمل الذمة على ذمة المالك خلاف الظاهر، يحتاج إلى قرينة، فان الاصل في الفعل المنسوب

[ 295 ]

[ (مسألة 13): يجب على العامل بعد تحقق عقد المضاربة ما يعتاد بالنسبة إليه وإلى تلك التجارة، في مثل ذلك المكان والزمان، من العمل، وتولي ما يتولاه التاجر لنفسه، من عرض القماش، والنشر واللطي، وقبض الثمن، وايداعه في الصندوق ونحو ذلك مما هو اللايق والمتعارف ويجوز له استيجار من يكون المتعارف استيجاره، مثل الدلال، والحمال، الوزان، والكيال، وغير ذلك، ويعطي الاجرة من الوسط. ولو استأجر فيما يتعارف مباشرته بنفسه فالاجرة من ماله (1)، ولو تولى بنفسه ما يعتاد الاستيجار له فالظاهر جواز أخذ الاجرة (2) إن لم يقصد التبرع. وربما يقال بعدم الجواز (3). وفيه أنه: ] إلى الفاعل كونه عن نفسه، فإذا قال القائل: صليت، يعني: عن نفسي وإذا قال: صل، يعني: عن نفسك، وهكذا، فلو فرض أن المالك قد أذن بالشراء له، وشك في الشراء أنه للمالك أو للعامل حمل على الثاني، فإذا ادعى المالك ذلك كان قوله مطابقا للحجة والعامل بخلافه، هذا مالا ينبغي الاشكال فيه. لكن في الرياض في صورة مالو اشترى في ذمة المالك، أو في الذمة مطلقا، احتمل الحكم بكون الشراء للمالك، لعموم الاذن. وفيه: أن الاشكال في ظهور الذمة مطلقا في ذمة المالك، وكيف يكون ذلك وهو خلاف ما عليه العرف؟. نعم يصح ما ذكره في صورة الشراء بذمة المالك. فلاحظ. (1) لعدم الاذن. فلا موجب للزومها للمالك. (2) وفي المسالك: أنه له وجها. (3) كما في الشرائع والمبسوط، وفي المسالك: نسبه إلى إطلاق

[ 296 ]

[ مناف لقاعدة احترام عمل المسلم (1) المفروض عدم وجوبه عليه. (مسألة 14): قد مر أنه لا يجوز للعامل السفر من دون إذن المالك. ومعه فنفقته في السفر من رأس المال (2)، ] المصنف والجماعة. (1) كذا في الجواهر. لكن عرفت غير مرة أن قاعدة الاحترام لا تقتضي الضمان للعمل، وإنما الذي يقتضيه الاستيفاء وإن كان واجبا عليه، فان المريض إذا طلب من الطبيب المعالجة ضمن الاجرة وإن كانت المعالجة واجبة عليه، والاستيفاء لعمل العامل في باب المضاربة في مقابل الحصة من الربح لاغير، فاثبات شئ آخر يحتاج إلى دليل. ولاجل ذلك لا يرتبط المقام بما إذا أذن له في البيع أو الشراء، بناء على عموم الاذن للشراء من نفسه والبيع على نفسه، مضافا إلى أن ذلك يختص بما إذا صرح له بالاذن بالاستيجار، وفي المقام ربما لا يكون إلا الاذن في الاتجار ولوازمه على نحو العموم، ومنها استيجار من جرت العادة باستيجاره لحمل الاثقال، لكن عموم ذلك لنفسه غير ظاهر، إذ من المحتمل أن يكون المراد أن لا يتحمل العامل خسارة الاجرة، فلا يشمل الفرض. (2) قال في الشرائع: " وينفق في السفر كمال نفقته من أصل المال على الاظهر "، وفي المسالك وعن غيرها: أنه الاشهر بين الاصحاب، وفي التذكرة وجامع المقاصد: أنه المشهور، بل في التذكرة في موضع نسبته إلى علمائنا، وعن الخلاف: أن عليه اجماع الفرقة وأخبارهم. انتهى. لانه بسفره انقطع إلى العمل في مال القراض فناسب أن تكون النفقة على المال، كما في التذكرة، وجامع المقاصد، أو لان السفر لمصلحة المال فنفقته عليه كما في التذكرة، لكن مقتضى الاخير الاختصاص بنفقة السفر نفسه، لانفقة العامل في السفر، ومقتضى الاول العموم لنفقة الحضر أيضا إذا كان

[ 297 ]

[ إلا إذا اشترط المالك كونها على نفسه. وعن بعضهم (1) كونها على نفسه مطلقا، والظاهر أن مرده فيما إذا لم يشترط كونها من الاصل. وربما يقالا: له تفاوت ما بين السفر والحضر (2). والاقوى ما ذكرنا من جواز أخذها من أصل المال بتمامها، من مأكل، ومشرب، وملبس، ومسكن، ونحو ذلك مما يصدق عليه النفقة. ففي صحيح علي بن جعفر عن أخيه أبي الحسن عليه السلام (3): في المضارب ما أنفق في سفره فهو من جميع المال، فإذا قدم بلده فما أنفق فمن نصيبه هذا وأما في الحضر فليس له أن يأخذ من رأس المال شيئا (4) إلا إذا اشترط على المالك ذلك. (مسألة 15): المراد بالنفقة ما يحتاج إليه من مأكول وملبوس ومركوب وآلات يحتاج إليها في سفره وأجرة المسكن ] منقطعا إلى العمل فيه، وعدم العموم لنفقة السفر مع عدم الانقطاع إلى العمل في المال. مضافا إلى أن المناسبة لا تصلح للاثبات. (1) المراد به الشيخ في المبسوط، لانه دخل على أن له سهما معلوما من الربح، فلا يستحق سواه، وقد لا يربح من المال أكثر من النفقة. (2) قاله الشيخ في المبسوط على تقدير القول بالانفاق. (3) رواه في الكافي عن محمد بن يحيى عن العمركي، ورواه في التهذيب عن محمد بن أحمد بن يحيى عن محمد بن أحمد الكوكبي عن العمركي، ونحوه رواية السكوني عن أبي عبد الله (ع) عن أمير المؤمنين (ع)، رواها في الكافي، ونحوه مرسل الفقيه (* 1). (4) إجماعا، صريحا وظاهرا، حكاه جماعة.


(* 1) ذكر الاحاديث المذكورة في الوسائل باب: 6 من كتاب المضاربة.

[ 298 ]

[ ونحو ذلك (1)، وأما جوائزه وعطاياه وضيافاته ومصانعاته فعلى نفسه (2) إلا إذا كانت التجارة موقوفة عليها. (مسألة 16): اللازم الاقتصار على القدر اللايق، فلو أسرف حسب عليه (3). نعم لو قتر على نفسه، أو صار ضيفا عند شخص، لا يحسب له (4). (مسألة 17): المراد من السفر العرفي (5)، لا الشرعي فيشمل السفر فرسخين أو ثلاثة. كما أنه إذا أقام في بلد عشرة أيام أو أزيد كان نفقته من رأس المال، لانه في السفر عرفا. نعم إذا أقام بعد تمام العمل لغرض آخر - مثل التفرج، أو لتصحيل مال له، أو لغيره مما ليس متعلقا بالتجارة - فنقته ] (1) لاشبهة في كون ذلك مرادا ولا اشكال، للصدق. (2) لان الظاهر من النفقة ما يحتاجه لمعاشه، وما ذكر إنما يحتاجه لجهات أدبية، لامعاشه، فهو داخل في المؤنة المستثناة في الخمس، لافي النفقة الواجبة للزوجة أو للقريب المذكورة في باب النفقات، كما ذكر ذلك في الجواهر. (3) لخروجه عن المأذون فيه، فيكون مضمونا عليه. (4) كما صرح به في الجواهر لان المأذون فيه النفقة المنتفية بالفرض لا مقدار النفقة. (5) كما صرح به في المسالك والجواهر، وحكي عن الروضة ومجمع البرهان والكفاية وغيرها. لاطلاق الادلة، وثبوت القصر وبعض الاحكام لخصوص السفر إلى المسافة مع الشروط الخاصة لا يقتضي حقيقة شرعية ولا متشرعية، بحيث يحمل عليه المراد في جميع موارد الاستعمال من دون

[ 299 ]

[ في تلك المدة على نفسه (1). وإن كان مقامه لما يتعلق بالتجارة ولامر آخر، بحيث يكون كل منهما علة مستقلة لولا الآخر فان كان الامر الآخر عارضا في البين فالظاهر جواز أخذ تمام النفقة من مال التجارة (2)، وإن كانا في عرض واحد ففيه وجوه، ثالثها للتوزيع (3). وهو الاحوط في الجملة (4) وأحوط منه كون التمام على نفسه وإن كانت العلة مجموعهما، بحيث يكون كل واحد جزء من الداعي فالظاهر التوزيع (5). (مسألة 18): استحقاق النفقة مختص بالسفر المأذون فيه (6) فلو سافر من غير إذن، أو في غير الجهة المأذون فيه ] قرينة، إذ لادليل على ذلك، فالحمل على المفهوم العرفي متعين. (1) كما صربح به في التذكرة والمسالك والجواهر. لان السفر حينئذ لم يكن لمصلحة المال فيكون خارجا عن منصرف الادلة. (2) لدخوله في إطلاق الدليل. (3) وأقواها - كما في الجواهر - جواز الانفاق، لاطلاق النص الشامل له، ولانه لا يخرج عن كونه لمصلحة المال المقتضية له على الاستقلال فتأمل. (4) والاضعف، لان الادلة إن عمت اقتضت الاول، وإلا اقتضت الثاني. (5) كما في الجواهر. لكنه غير ظاهر، لما عرفت من أن الادلة إن عمت اقتضت كون النفقة على المال، والااقتضت كونها على نفسه فالتوزيع لا مقتضي له، ولذا كان الاقوى كونها على نفسه، لعدم ثبوت دخوله في إطلاق الدليل. (6) كما في المسالك والجواهر. لاختصاص الدليل به، أو لان مادل على الضمان بالتعدي مقدم عليه عرفا، أو لانه خاص فيخصص به.

[ 300 ]

[ أو مع التعدي عما أذن فيه، ليس له أن يأخذ من مال التجارة. (مسألة 19): لو تعدد أرباب المال - كأن يكون عاملا لاثنين أو أزيد، أو عاملا لنفسه وغيره - توزع النفقة (1) وهل هو على نسبة المالين، أو على نسبة للعملين؟ قولان (2). (مسألة 20): لا يشترط في استحقاق النفقة ظهور ] (1) كما هو المحكي عن جملة كثيرة من كتب الاعيان، كالشيخ والفاضلين والمحقق والشهيد الثانيين وغيرهم. قال في الشرائع: " ولو كان لنفسه مال غير مال القراض فالوجه التقسيط " قال في المسالك: " وجه التقسيط ظاهر، لان السفر لاجلهما، فنقته عليهما ". أقول: قد عرفت إشكال هذا التعليل، فلا مجال للاستدلال به في المقام. نعم يتجه الحكم المذكور في الاول، لصدق مال المضاربة على جميع الاموال، ومقتضى إطلاق أن نفقة المضارب على مال المضاربة أنها على جميع الاموال، ومقتضى ذلك التوزيع على الجميع. ويشكل في الثاني، لصدق كون العامل مضاربا فتكون نفقته على مال المضاربة، ولاوجه للتوزيع. نعم في الجواهر: أن السفر لما لم يكن للقراض خاصة اتجه التوزيع المزبور، وهو راجع إلى ما في المسالك. وفيه ما عرفت (2) في المبسوط: الجزم بالاول، وهو جامع المقاصد: أنه أوجه، وفي المسالك: أنه أجود، لان استحقاق النفقة في مال المضاربة منوط بالمال، ولا ينظر إلى العمل. انتهى. وان شئت قلت. موضوع النفقة مال المضاربة. فهو موضوع التوزيع. وأما القول الثاني فلم نعرف قائله. نعم عن التذكرة: أنه إذا كان المال لنفسه فالتوزيع على المالين، وإذا كان لغيره فعلى العملين. انتهى. لكن عبارة التذكرة لا تساعد عليه. وعلى تقديره فغير ظاهر الوجه.

[ 301 ]

[ ربح بل ينفق من أصل المال (1) وإن لم يحصل ربح أصلا. نعم لو حصل الربح بعد هذا تحسب من الربح، ويعطى المالك تمام رأس ماله، ثم يقسم بينهما. (مسألة 21): لو مرض في أثناء السفر، فان كان لم يمنعه من شغله فله أخذ النفقة (2)، وإن منعه ليس له (3)، وعلى الاول لا يكون منها ما يحتاج إليه للبرء من المرض (4). ] (1) قال في المسالك: " ولا يعتبر في النفقة ثبوت الربح، بل ينفق ولو من أصل المال إن لم يكن ربح، وإن قصر المال. نعم لو كان ربح فهي منه مقدمة على حق العامل "، ونحوه كلام غيره. لكن في الرياض: " مقتضى إطلاق النص والفتوى انفاقها من الاصل ولو مع حصول الربح، ولكن ذكر جماعة إنفاقها منه دون الاصل، وعليه فليقدم على حصة العامل ". وما ذكره الجماعة هو الوجه، إذ لا يصدق الربح الا بعد استثناء النفقة وغيرها من مؤنة التجارة. والظاهر أن ذلك لاإشكال فيه بينهم، ولذلك قال في الجواهر - بعد حكاية ما في الرياض -: " وهو من غرائب الكلام ". (2) بلا ريب، كما في الجواهر. لاطلاق الادلة. (3) كما في الجواهر. وكأنه لان السفر في حال المرض المانع عن العمل ليس للتجارة. وهو غير ظاهر، ولازمه عدم النفقة مع طرو المانع عن العمل غير المرض إذا كان في مقام الزوال، وهو كما ترى. (4) قال في المسالك: " إن مؤنة المرض والموت في السفر سويتان على العامل خاصة، لانهما لم يتعلقا بالتجارة ". وهو في محله بالنسبة إلى الموت لانفساخ المضاربة، لا لعدم تلقه بالتجارة، أما بالنسبة إلى المرض، فيشكل بأن المرض وإن لم يكن للتجارة لكن السفر لها، فإذا كانت مؤنة المرض

[ 302 ]

من نفقات السفر كانت على المالك، كغيرها من شؤون النفقة. نعم يتم بناء على عدم كونها من النفقة الواجبة لواجب النفقة، كما هو المصرح به في كلام غير واحد من الاكابر. وكأن وجهه عدم الدليل على وجوب نفقة المرض للزوجة، فضلا عن غيرها. إذ دليل نفقتها إن كان قوله تعالى: (وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف) (* 1) فمن الواضح اختصاصه بالرزق والكسوة، ولا يشمل الدواء المشروب، لانصرافه عنه، فضلا عن العلاج بالضماد ونحوه، وإن كان قوله تعالى: (وعاشروهن بالمعروف) (* 2) فهو ناظر إلى الجهات الاخلاقية لاغيرها وإن كان قوله تعالى: (لينفق ذو سعة من سعته) (* 3) فالظاهر منه الانفاق على المطلقات، بقرينة ما قبله من قوله تعالى في سورة الطلاق: (وإن كن أولات حمل فانفقوا عليهن حتى يضعن حملهن) (* 4) ولاجل ذلك لا يكون واردا في مقام تشريع النفقة للزوجة، بل في مقام وجود النفقة المشروعة للزوجة على المطلقة، ولا مجال للتمسك باطلاقه، ولا لحمله على المتعارف كما في الجواهر. نعم يتعين ذلك لو كان في مقام تشريع النفقة، لامتناع كون المراد الانفاق في الجملة، كامتناع كون المراد إنفاق كل شئ، فيتعين الحمل على المتعارف. لكن الظاهر من سياقه أنه ليس في مقام التشريع الاصلي، وحينئذ لادليل على وجوب نفقة المرض للزوجة. بل الاصل العدم في كل ما شك في وجوبه لها من أنواع النفقات، مثل الآت التنظيف والغطاء والفراش وظروف الطعام والشراب وغير ذلك مما لايدخل


(* 1) البقرة: 233. (* 2) النساء: 19. (* 3) الطلاق: 7. (* 4) الطلاق: 6.

[ 303 ]

في الطعام والشراب. ومن ذلك يشكل ما في الجواهر فانه بعدما حكى كلمات بعض الاصحاب في تحديد النفقة، وما فيها من الاختلاف والاضطراب والتشويش، قال: " إن كان المدار في الانفاق بذل جميع ما تحتاج إليه المرأة لم يكن لاستثناء الدواء والطبيب والكحل وأجرة الحمام والفصد وجه. وإن كان المدار على خصوص الكسوة والاطعام والمسكن لم يكن لعد الفراش والاخدام - وخصوصا ماكان منه للمرض وغير ذلك مما سمعته في الواجب - وجه وإن جعل المدار فيه المعاشرة بالمعروف واطلاق الانفاق كان المتجه وجوب الجميع، بل وغير ما ذكروه من أمور أخر لاحصر لها فالمتجه إحالة جميع ذلك إلى العادة في انفاق الازواج على الزوجات من حيث الزوجية، لامن حيث شدة حب ونحوه... " وجه الاشكال: أن الامر بالمعاشرة بالمعروف ليس مما نحن فيه، والامر بالانفاق في الاية الشريفة ليس في مقام تشريع وجوب النفقة للزوجة، بل في مقام إلحاق المطلقة بها. وإن كان الذي يظهر من بعض الصحاح أنه وارد في الزوجة، كصحيح ربعي والفضيل بن يسار عن أبي عبد الله (ع) " في قوله تعالى: (ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما أتاه الله) (* 1) قال (ع): إن أنفق عليها ما يقيم ظهرها مع كسوة، وإلافرق بينهما " (* 2) ونحوه صحيح أبي بصير (3) لكن ظاهره اختصاص النفقة بالاطعام والكسوة، كالآية الشريفة، لا يعم غيرهما. اللهم الا أن يكون جواز التفريق مختصا بذلك، لا وجوب النفقة، وحينئذ يتم ما ذكر في الجواهر من لزوم الرجوع إلى المتعارف في النفقة


(* 1) الطلاق: 65. (* 2) الوسائل باب: 1 من أبواب النفقات حديث: 1. (* 3) الوسائل باب: 1 من ابواب النفقات حديث: 12.

[ 304 ]

بعد تعذر الاخذ بصرف الطبيعة، كتعذر الاخذ بالعموم. ويعضد ذلك صحيح عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي عبد الله (ع): " خمسة لا يعطون من الزكاة شيئا الاب والام والولد والمملوك والمرأة، وذلك أنهم عياله لازمون له " (* 1) وفي خبر ابن الصلت " لانه يجبر على نفقتهم " (* 2) والتعليل بأنهم لازمون له بعد أن لم يكن تعبديا يراد به إما أنهم أغنياء ولا تجوز إعطاء الزكاة لذلك، واما لان اللزوم يمنع من تعلق لزوم آخر من جهة الزكاة، لئلا يلزم التداخل، فيكون هو المانع من إعطائهم الزكاة. ولو كانت النفقة مختصة بعض الحاجيات دون بعض كان البعض الآخر موردا للزكاة فلا يحصل التداخل، كما لا يحصل الغنى. فالتعليل المذكور يكون دليلا واضحا على وجوب الانفاق بالنسبة إلى جميع الحاجات، ومنها الدواء وأجرة الطبيب وأجرة الفصد والاواني والظروف اللازمة في الاستعمال وأواني التنظيف وغير ذلك مما يحتاج إليه. وكان الاولى التمسك بالصحيح المذكور على ما ذكر، لاإهماله والتمسك بالاطلاق المحتاج في دليليته إلى تكلف. هذا كله بالنسبة إلى نفقة الزوجة. وأما نفقة العامل فيما نحن فيه، فان قلنا بوحدة المراد كانت نفقة المرض مستثناة أيضا، وإن لم نقل بأن المقامين من باب واحد أمكن التمسك باطلاق الدليل في المقام على ذلك، فان نفقة المرض من أهم ما يحتاج إليه في معاشه. ولذلك يضعف ما تقدم في المسالك وسبقه إليه في جامع المقاصد والتذكرة وغيرهما، من دون تعرض منهم لوجهه. وكأنه دعوى انصراف الاطلاق في المقام عنه، أو لبنائه على ذلك في نفقة الزوجة وكون المقامين من باب واحد. لكن دعوى الانصراف ممنوعة، كدعوى ذلك في نفقة الزوجة على ما عرفت.


(* 1) الوسائل باب: 13 من ابواب المستحقين للزكاة حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 13 من أبواب المستحقين للزكاة حديث: 4.

[ 305 ]

[ (مسألة 22): لو حصل الفسخ أو الانفساخ في أثناء السفر فنفقة الرجوع على نفسه (1)، بخلاف ما إذا بقيت ولم تنفسخ، فانها من مال المضاربة. (مسألة 23): قد عرفت الفرق بين المضاربة والقرض والبضاعة، وأن في الاول الربح مشترك، وفي الثاني للعامل، وفي الثالث للمالك، فإذا قال: خذ هذا المال مضاربة والربح بتمامه لي، كان مضاربة فاسدة (2)، إلا إذا علم أنه قصد ] (1) كما صرح بذلك غير واحد، وظاهر المسالك: أنه لا خلاف فيه بيننا لارتفاع المضاربة، فيرتفع حكمها. وعن بعض العامة لزوم النفقة من أصل المال، لانه استحقها بالسفر. ولا بأس به لو بني على كون الحكم على القاعدة، كما يقتضي ذلك ما تقدم عن جامع المقاصد والتذكرة من تعليل الحكم. أما إذا كان المستند النص فالنص غير شامل له. اللهم إلا أن يقال: النص لا ينفيه، والقاعدة تقتضيه، فالعمل بها متعين في خصوص نفقة السفر، لانفقة العامل. (2) قال في الشرائع: " لو قال: خذه قراضا والربح لي، فسد. ويمكن أن يجعل بضاعد، نظرا إلى المعنى. وفيه تردد ". وفي القواعد: " لو قال: خذه قراضا على أن الربح لك، أو لي، بطل "، ونحوه في التذكرة وغيرها، وفي المسالك: أنه المشهور. بل قيل لا نعرف خلافا صريحا فيه، وإنما وقع التردد من بعضهم كالشرائع. وكيف كان نقول: إن كون الربح مشتركا بين المالك والعامل داخل في قوام المضاربة فكون الربح كله للمالك مناف له، ولاجل أن الجمع بين المتنافيين محال فالقصد اليهما معا محال، فلابد في المقام من أحد أمور

[ 306 ]

[ الابضاع، فيصير بضاعة، ولا يستحق العامل أجرة (1)، ] عدم قصد الامرين، أو قصد الاول دون الثاني، أو العكس، فعلى الاول لا يكون معنى إنشائي أصلا لا صحيح ولافاسد. وعلى الثاني تكون مضاربة صحيحة، وعلى الثالث تكون بضاعة أنشئت بلفظ المضاربة، فتكون صحيحة. وإذا علم أن المتكلم شاعر في مقام الانشاء فقد انتفى الاحتمال الاول، وتعين أحد الاخيرين، وثانيهما أولى، لان التصرف في لفظ المضاربة بحمله على البضاعة أولى من التصرف في قوله: ولي الربح، بحمله على مالا ينافي المضاربة، فيكون هو المتعين، ويحمل الكلام على البضاعة، وعلى هذا لا مجال للمضاربة الفاسدة في مقام الثبوت، فضلا عن مقام الاثبات. هذا كله مع الالتفات. أما مع الغفلة فيمكن القصد إلى المتنافيين معا، بأن يكون أحدهما مقصودا إجمالا، والآخر تفصيلا، وفي المقام يكون المنشئ قد قصد المضاربة بمالهما من المعنى اجمالا، وقصد أن يكون تمام الربح له تفصيلا. فيكون شرطا منافيا لمقتضى العقد، فيكون فاسدا. فان قلنا بأن الشرط الفاسد مفسد فقد فسد العقد، وإلا فلا، ولاوجه للبناء على فساد العقد ممن لا يرى فساده بالشرط الفاسد. اللهم إلا أن يقال القصد الاجمالي إنما يكتفي به في مقام الانشاء إذ لم يكن قصد تفصيلي على خلافه، والا فلا يعتد به في حصول الانشاء، ويكون العمل على القصد التفصيلي، فلا مضاربة في المقام لاصحيحة ولا فاسدة، بل هو بضاعة. والمتحصل: أنه مع الالتفات التفصيلي ففي مقام الثبوت لا مضاربة لاصحيحة ولا فاسدة، وفي مقام الاثبات بضاعة، ومع عدم الالتفات التفصيلي فالواقع إما مضاربة صحيحة أو بضاعة صحيحة، لا مضاربة فاسدة. (1) الذي يظهر من كلمات الاصحاب أنه يعتبر في البضاعة كون

[ 307 ]

[ إلا مع الشرط أو القرائن الدالة على عدم التبرع، ومع الشك فيه وفي إرادة الاجرة يستحق الاجرة أيضا، لقاعدة احترام عمل المسلم. وإذا قال خذه قراضا وتمام الربح لك، فكذلك مضاربة فاسدة (1). إلا إذا علم أنه أراد القرض. ولو لم يذكر لفظ المضاربة، بأن قال: خذه واتجر به والربح بتمامه لي، كان بضاعة (2)، ] الربح للمالك من دون أجرة عليه للعامل. قال في الوسيلة: " وإن دفع إليه ليتجر به له من دون أجرة كان بضاعة "، ونحوه في غيرها، وفي الجواهر: " قد عرفت أنها (يعني: البضاعة) المال المدفوع ليعمل به على أن الربح لمالكه بلا أجره للعامل، فهي حينئذ توكيل في التجارة تبرعا " ولاجل عدم الدليل على هذا المعنى في المقام قيده المصنف بما إذا كانت القرينة على التبرع، أما إذا كانت على عدم التبرع أو لم تقم على أحد الامرين، فاللازم البناء على الاجرة، لقاعدة الاحترام، كما ذكر المصنف، أو لقاعدة الاستيفاء كما هو التحقيق. وحكى في الرياض عن التنقيح: نحو ذلك، واختاره، ثم قال: " وينبغي تنزيل كلمات الاصحاب عليه ". ثم إن عبارة المتن لا تخلو من اشكال، وكان الاولى التعبير بقوله: ويستحق العامل الاجرة، إلا أن تكون قرينة على التبرع بدل ما ذكر من العبارة. (1) كما في القواعد، وكذا في غيرها، وفي التذكرة: " ولو قال: قارضتك على أن يكون جميع الربح لك، فسد القراض أيضا عندنا " وظاهره الاجماع على الفساد. لكن يشكل ما ذكره بما عرفت في الفرض السابق، إذ الكلام في المقامين من باب واحد. (2) قال في الشرائع: " أما لو قال خذه فاتجر به والربح لي،

[ 308 ]

[ إلا مع العلم باراده المضاربة، فتكون فاسدة (1). ولو قال: خذه واتجر به والربح لك بتمامه، فهو قرض (2)، إلا مع العلم بارادة ] كان بضاعة. ولو قال: والربح لك كان قرضا "، ونحوه ما في القواعد، وحكي عن كثير من كتب الاصحاب ويظهر منهم عدم الخلاف فيه. ولكنه يشكل إذا أريد عدم استحقاق العامل الاجرة - كما هو معنى البضاعة على ما عرفت - وذلك لعدم القرينة على المجانية، ومقتضى استيفاء عمل المسلم ضمانه. (1) قد عرفت إشكاله، وأنه على تقدير إرادة المضاربة يكون شرط خلافها مخالفا لمقتضى العقد، فيكون فاسدا، لكنه غير مفسد، على ما هو التحقيق، بل على تقدير قصد المضاربة تفصيلا يمتنع القصد إلى معنى قوله والربح لي، فلا شرط حينئذ، كي يكون منافيا لمقتضى العقد، وفاسدا. (2) كما سبق في الشرائع والقواعد وغيرهما، وظاهرهم التسالم عليه. ويشكل - كما عن مجمع البرهان - بأن القرض تمليك بعوض، وهو غير مفروض في كلام المالك، ولا مقصود له. وقد ينزل كلامهم - كما في الرياض - على إرادة أن اشتراط تمام الربح للعامل من أحكام القرض، لا أنه قرض فعلا. ولكنه بعيد جدا. كما أنه استدل على تحقق القرض بذلك بما ورد في المعتبرة المستفيضة التي فيها الصحيح والموثق: " من ضمن تاجرا فليس له إلا رأس ماله وليس له من الربح شئ "، لظهورها في أنه بمجرد تضمين المالك للمضارب يصير المال قرضا. وفيه: أنه لا تضمين في المقام، ولو فرض فلا دلالة في النصوص المذكورة على حصول القرض، بل ظاهرها أنها من قبيل ماروي مرسلا من قول


(* 1) الوسائل باب: 4 من كتاب المضاربة.

[ 309 ]

[ المضاربة، ففاسد. ومع الفساد في الصور المذكورة يكون تمام الربح للمالك (1)، وللعامل أجرة عمله (2)، إلا مع علمه بالفساد (3) (مسألة 24): لو اختلف العامل والمالك في أنها مضاربة فاسدة أو قرض، أو مضاربة فاسدة أو بضاعة، ولم يكن هناك ظهور لفظي (4) ولا قرينة معينة، ] النبي صلى الله عليه وآله: " الخراج بالضمان " الذي لم يكن بناء الاصحاب على العمل به. ولذا أفتوا بضمان المنافع المستوفاة للمقبوض بالعقد الفاسد، كما دلت عليه بعض الصحاح. (1) لان الربح تابع للمال. لكن هذا مع إجازة المالك وإلا فله عين ماله مع وجوده، أو بدله مع فقده. ولاربح حينئذ، ففرض وجود الربح مبني على ثبوت الاجازة أو استفادة الاذن، وسيأتي التعرض لذلك في المسألة الثامنة والاربعين. (2) للاستيفاء. (3) لاقدامه على العمل بدون استحقاق، فيكون بمنزلة التبرع. وفيه: أن العلم بعدم الاستحقاق شرعا لا يقتضي التبرع، ضرورة أن فعله كان بقصد الربح ولو بغير استحقاق، وهذا المقدار كاف في الاستحقاق. (4) تبع في ذلك الجواهر حيث حكى عن المسالك: أنه إذا اختلفا في القصد المبطل احتمل تقدم قول المالك لانه أعرف بنيته، والعامل نظرا إلى ظاهر اللفظ وترجيحا للصحة. ثم قال: " لا يخفى عليك عدم إتيان الوجهين بعد تسليم كون ظاهر اللفظ في ذلك، ضرورة عدم وجه لمن يدعي خلاف الظاهر بلا قرينة وإلا لزم من ذلك فساد كثير ". وفيه: أن دعوى خلاف ظاهر اللفظ كدعوى خلاف ظاهر اليد وغيرها من


(* 1) تقدم التعرض لسند الحديث ومتنه في المسألة الرابعة.

[ 310 ]

[ فمقتضى القاعدة التحالف (1). ] الحجج في أن صاحبها مدع وخصمه منكر، ولافرق بين الحجج في ذلك، وكذلك من يدعي خلاف مقتضى القرينة تسمع دعواه، وعليه الاثبات. ولعل مراد المصنف أن ذلك شرط في التحالف. ومع الظهور اللفظي أو القرينة يكون المورد من موارد المدعي، والمنكر. لا أنه لا تسمع دعوى الخلاف. (1) لان كلا منهما يدعي أمرا خلاف الاصل. هذا بناء على أن المعيار في المدعي والمنكر مصب الدعوى، أما إذا كان المعيار الغرض المقصود من الدعوى - كما هو الحقيق، وأشرنا إليه في كتاب الاجارة - فيختلف ذلك باختلاف المقامات، فإذا ادعى العامل القرض وادعى المالك المضاربة الفاسدة، وكانت دعوى العامل القرض راجعة إلى دعوى استحقاق الربح وحده، ودعوى المالك المضاربة الفاسدة راجعة إلى دعوى نفي القرض وبقاء المال على ملكه ليكون ربحه له، كانت دعوى المالك على وفق الاصل ودعوى العامل على خلاف الاصل. وإذا لم يكن ربح للمال فادعى العامل المضاربة الفاسدة ليكون له على المالك أجرة العمل، وادعى المالك القرض ليتخلص من الاجرة كانت دعوى المالك موافقة لاصالة براءة ذمته من الاجرة، ودعوى العامل المضاربة الفاسدة خلاف الاصل، فيكون منكرا. وأصالة عدم القرض لما لم تثبت الاجرة لم تكن جارية في المقام لعدم ترتب الاثر على مجراها، ففي الفرض الاول يكون مدعي القرض مدعيا، وفي هذا الفرض يكون منكرا. وإذا ادعى المالك البضاعة وادعى العامل المضاربة الفاسدة فقد اتفقا على كون الربح للمالك، ويكون الخصام بينهما في أن العامل يستحق على المالك الاجرة أولا، فالمالك يدعي أنها بضاعة تبتني على المجانية - كما عرفت - والعامل يدعي المضاربة الفاسدة الموجبة لاستحقاق الاجرة، فاستيفاء عمل العامل الموجب للضمان حاصل على

[ 311 ]

[ وقد يقال: بتقديم قول من يدعى الصحة (1). وهو مشكل، إذ مورد الحمل على الصحة (2) ما إذا علم أنهما أوقعا معاملة معينة واختلفا في صحتها وفسادها، لا مثل المقام، الذي يكون الامر دائرا بين معاملتين على إحداهما صحيح وعلى الاخرى باطل، نظير ما إذا اختلفا في أنهما أوقعا البيع الصحيح أو الاجارة الفاسدة مثلا. وفي مثل هذا مقتضى القاعدة التحالف (3) وأصالة الصحة لا تثبت كونه بيعا مثلا لا إجارة، أو بضاعة صحيحة مثلا لا مضاربة فاسدة. (مسألة 25): إذا قال المالك للعامل: خذ هذا المال قراضا والربح بيننا صح (4). ولكل منهما النصف، وإذا قال: ونصف الربح لك، فكذلك (5)، بل وكذا لو قال: ونصف الربح لي، فان الظاهر أن النصف الآخر للعامل. ولكن فرق بعضهم (6) بين البعارتين، وحكم بالصحة في الاولى، لانه ] كل حال، ويدعي المالك التبرع وينكر العامل ذلك. (1) كما في المسالك. (2) كما قرره في الجواهر. (3) قد عرفت إشكاله، وأن مدعي الاجارة الفاسدة إنما يقصد إنكار البيع الصحيح، والاجارة الفاسدة ليست موضع غرض له. (4) كما في الشرائع وغيره، وظاهر المسالك: الاتفاق عليه عندنا وعند غيرنا إلا بعض الشافعية. والوجه فيه ظهور الكلام في التنصيف، وماعن بعض الشافعية من منع ذلك ممنوع عليه. (5) بلا خلاف. (6) كالمحقق في الشرائع. ووجه الفرق ما في المتن، كما قرره في المسالك.

[ 312 ]

[ صرح فيها بكون النصف للعامل والنصف الآخر يبقى له، على قاعدة التبعية، بخلاف العبارة الثانية، فان كون النصف للمالك لا ينافي كون الآخر له أيضا، على قاعدة التبعية، فلا دلالة فيها على كون النصف الآخر للعامل. وأنت خبير بأن المفهوم من العبارة عرفا كون النصف الآخر للعامل (1). (مسالة 26): لا فرق (2) بين أن يقول: خذ هذا المال قراضا ولك نصف ربحه، أو قال: خذه قراضا ولك ربح نصفه، في الصحة والاشتراك في الربح بالمناصفة. وربما يقال: بالبطلان في الثاني (3)، بدعوى: أن مقتضاه كون ربح النصف الآخر بتمامه للمالك، وقد يربح النصف فيختص به أحدهما، أو يربح أكثر من النصف، فلا يكون الحصة معلومة وأيضا قد لا يعامل إلا في النصف. وفيه: أن المراد ربح نصف ما عومل به وربح، فلا إشكال. ] (1) كما في الجواهر، بل قال: " هو واضح ". وهو كما قال. لكن معنه في المسالك، لعدم استقرار العرف على ذلك، ثم قال: " والاجود البطلان " وفي القواعد: " بطل على إشكال ". (2) كما في الشرائع والقواعد، وفي المسالك: " المشهور صحة القراض في الصورتين، وأنه لافرق بينهما من حيث المعنى ". (3) نسبه في المسالك إلى الشيخ في أحد قوليه، وعلله بما ذكر، ومحصله اشكالان (الاول): أن شرط القراض الاشتراك في كل جزء من الربح وفي الفرض لااشتراك، لان ربح أحد النصفين للعامل، وربح النصف الاخر للمالك. وأيضا قد لا يعامل إلا بالنصف، فيكون ربحه

[ 313 ]

[ (مسألة 27): يجوز اتحاد المالك وتعدد العامل (1)، ] لاحدهما بعينه بلا اشتراك بينهما (الثاني): جهالة النسبة إذ ربما يكون ربح النصف الآخر أقل، وربما يكون أكثر، فالنسبة بين الحصتين مجهولة. وأيضا إذا كان ربح أحد النصفين للعامل وربح الباقي للمالك، فربما يكون ربح الباقي ربح بعض النصف، وربما يكون ربح تمامه، فيكون مقداره مجهولا أيضا. وحمله في الجواهر على صورة تعين النصف المضاف إليه ربح العامل فانه الذي يصح معه الدليل، وهو غير ما نحن فيه. ولذا ذكر في المسالك: أنه أجيب عنه بأن الاشارة ليست إلى نصف معين، بل إلى مبهم، فإذا ربح أحد النصفين فذلك الذي ربح هو المال. والذي لم يربح لااعتداد به. انتهى. ولاجل أن أخذ النصف مبهما لا يكفي في رفع الاشكال، لان العمل إذا كان بالنصف وقد ربح، فذلك النصف إما أن ينطبق عليه نصف المال، وإما أن لا ينطبق، فان انطبق كان ربح للعامل أو للمالك بلا معين وان لم ينطبق لم يكن لاحدهما، وكل ذلك كما ترى، ألحقه بقوله: " فإذا ربح أحد... " يريد أن النصف المبهم لا ينطبق على تمام النصف المذكور، بل ينطبق على نصفه، كما ينطبق النصف الثاني على نصفه الثاني، لان ذلك النصف المعمول به هو المال ذو النصفين، ولا اعتداد بالنصف الذي لم يعمل به. ولكنه كما ترى فان المراد من المال تمامه، فالنصف المعمول به نصفه لاكله. فالمتعين في دفع الاشكال أن يقال: إن ربح النصف ربح لتمام المال، ولذا يقسم بين العامل والمالك في العبارة الاخرى وهي ما إذا قال: خذ هذا المال ولك نصف ربحه، فإذا صدق أنه ربح لتمام المال فقد صدق أن نصفه ربح لنصف المال، فيكون العامل، والنصف الآخر للمالك. (1) قال في القواعد: " يجوز تعددهما، واتحادهما، وتعدد أحدهما

[ 314 ]

[ مع اتحاد المال، أو تميز مال كل من العاملين، فلو قال: ضاربتكما ولكما نصف الربح، صح، وكانا فيه سواء. ولو فضل أحدهما على الآخر صح أيضا (1) وإن كان في العمل سواء، فان غايته اشتراط حصته قليلة لصاحب العمل الكثير وهذا لا بأس به (2) ويكون العقد الواحد بمنزلة عقدين مع اثنين، ويكون كما لو قارض أحدهما في نصف المال بنصف وقارض الآخر في النصف الآخر بربع الربح، ولا مانع منه (3) وكذا يجوز تعدد المالك واتحاد العامل: بأن كان المال مشتركا بين اثنين، فقا رضا واحدا بعقد واحد بالنصف مثلا متساويا بينهما، أو بالاختلاف: بأن يكون في حصة أحدهما بالنصف وفي حصة الآخر بالثلث أو الربع مثلا. وكذا يجوز مع عدم اشتراك المال: بأن يكون مال كل منهما ممتازا، وقارضا واحدا مع الاذن في الخلط، مع التساوي في حصة العامل بينهما، أو الاختلاف: بأن يكون في مال أحدهما بالنصف وفي مال الآخر بالثلث أو الربع. (مسألة 28): إذا كان مال مشتركا بين اثنين، فقا رضا واحدا، واشترطا له نصف الربح، وتفاضلا في ] خاصة ". والظاهر أنه لااشكال ولا خلاف في جميع ذلك، فقد ذكر في كثير من الكتب، من دون تعرض لخلاف أو تردد. ويقتضيه إطلاق الادلة. (1) وفي المسالك: أنه صحيح عندنا. (2) عملا بالعمومات. (3) وفي المسالك: أن ذلك جائز اتفاقا.

[ 315 ]

[ النصف الآخر: بأن جعل لاحدهما أزيد من الآخر مع تساويهما في ذلك المال، أو تساويا فيه مع تفاوتهما فيه، فان كان من قصدهما كون ذلك للنقص على العامل بالنسبة إلى صاحب الزيادة: بأن يكون كأنه اشترط على العامل في العمل بماله أقل مما شرطه الآخر له، كأن اشترط هو للعامل ثلث ربح حصته، وشرط له صاحب النقيصة ثلثي ربح حصته مثلا مع تساويهما في المال، فهو صحيح لجواز اختلاف الشريكين في مقدار الربح المشترط للعامل (1). وإن لم يكن النقص راجعا إلى العامل، بل على الشريك الآخر: بأن يكون المجعول للعامل بالنسبة إليهما سواء، لكن اختلفا في حصتهما، بأن لا يكون على حسب شركتهما، فقد يقال فيه بالبطلان (2)، لاستلزامه زيادة لاحدهما على الآخر مع تساوي المالين أو تساويهما مع التفاوت في المالين، بلا عمل من صاحب الزيادة، لان المفروض كون العامل غيرهما، ولا يجوز ذلك في الشركة والاقوى الصحة (3) ] (1) هذا التعليل أشبه بالمصادرة، واللازم التعليل باطلاق الادلة، وعموم المرتكزات العرفية، ولايحتاج إلى تعدد عقد المضاربة مع كل من الشريكين، لانحلال العقد الواحد الصادر من الشريكين إلى عقدين، لامتناع قيام العقد الواحد بالاثنين، كيف وكل من الشريكين له ولاية على حصته دون حصة شريكه، وكل من العقدين المنضمين بمنزلة العقد المستقل، فكأن أحد الشريكين قال للعامل: إتجر بحصتي ولك النصف، وقال الآخر له: إتجر بحصتي ولك الثلث. (2) حكي البطلان عن المبسوط وجامع الشرائع، وتوقف فيه في التحرير. (3) في بعض الحواشي أن الصحة تتوقف على إيقاع عقد الشركة

[ 316 ]

بين الشريكين على الشرط المذكور من التساوي أو التفاضل. ووجهه: أن المالكين هما موضوعا هذا الاشتراط، أحدهما مشروط له، والآخر مشروط عليه، ولا يرتبط ذلك بالعامل كي يكون الشرط المذكور في عقد المضاربة الذي أحد أركانه العامل. نعم بناء على ما تقدم، من جواز شرط حصته من الربح للاجنبي، يصح الاشتراط في عقد المضاربة إذا مرجعه إلى أن العامل يشترط على أحد المالكين أن يكون مقدار حصته للمالك الآخر بل لو قلنا بعدم صحة الشرط للاجنبي، لانه على خلاف قوله (ع) " الربح بينهما " (* 1) أمكن القول بالصحة هنا، لعدم منافاته لذلك، لان الحصة المشروطة ليست للاجنبي، بل لاحد المالكين. وبالجملة: يكفي في صحة الشر من العامل أن يكون محط غرضه في الجملة وإن كانت فائدة الشرط راجعة لغيره فإذا عرف العامل أن أحد المالكين لا يحضر لاجراء المضاربة إلا إذا كانت حصته اكثر من حصة شريكه صح للعامل أن يشترط في عقد المضاربة ذلك على الشريك الآخر، بل له أن يشترط على أحد الشريكين شروطا تعود فائدتها إلى الشريك الثاني لاغير إذا كان لا يقبل المضاربة الا بذلك، فإذا قال: لاأضارب بمالي إلا إذا زوجني الشريك جاريته فحينئذ يصح للعامل الذي يريد المضاربة أن يشترط على أحد الشريكين أن يزوج جاريته شريكه الآخر، كي يتمكن من المضاربة بالمال، ولايجوز أن نقول إن هذا الشرط قائم بين الشريكين ولادخل للعامل فيه. وبالجملة: لا يعتبر في صحة الشرط أن تكون فائدة الشرط راجعة إلى المشترط، بل يكفي أن يكون له غرض في الشرط وإن كانت فائدته ترجع إلى غيره. بل يصح للعامل أن يشترط على المالك في عقد المضاربة أن يزوج ابنته من أخ العامل أو ولده بما لا يتعلق بالربح أصلا،


(* 1) الوسائل باب: 3 من ابواب المضاربة حديث: 5 وقد تقدم في صفحة: 276.

[ 317 ]

[ لمنع عدم جواز الزيادة لاحد الشريكين بلا مقابلتها لعمل منه (1)، فان الاقوى جواز ذلك بالشرط، ونمنع كونه خلاف مقتضى الشركة، بل هو خلاف مقتضى إطلاقها. ] كما يقتضيه عموم الآدلة. (1) يشير بذلك إلى وجه المنع منه، يعني: أنه قد يتوهم أن اشتراط التفاضل خلاف مقتضى الشركة، فيكون الشرط مخالفا للكتاب، وحاصل الجواب: أن ذلك ليس مخالفا لمقتضى الشركة، وانما هو مخالف لمقتضى إطلاقها، وهو حاصل في كل شرط يذكر في العقد، إذ لولاه يكون الحكم على خلاف مقتضى الشرط، ولا يقدح في صحته، والا لم يصح الشرط دائما. وتوضيح ذلك: أن الشرط المخالف للكتاب يراد به ما يكون مخالفا للحكم الاقتضائي الشرعي على ما هو التحقيق وكون المقام منه ممنوع كما يدل عليه ما تضمن مشروعية المضاربة إذ لا يخطر في البال أن جعل حصة من الربح للعامل مخالف للكتاب، فانه خلاف مقتضى الارتكازات الشرعية، فيدل على أن تبعية الربح للمال من باب وجود المرجح للتبعية مع عدم المقتضي للخلاف، وحينئذ لامانع من اشتراط التفاضل، لافي عقد الشركة، ولافي غيره من العقود، فيصح أن يشترط في البيع التفاضل في النماء للمال المشترك، كما يصح أن يشترط ذلك في المضاربة، ولامانع منه، مع أن الشك في كون الشرط مخالفا للكتاب أو لا موجب للرجوع إلى أصالة عدم المخالفة، على ما هو التحقيق من جريان الاصل في العدم الازلي، كما أشرنا إلى ذلك في حاشية المكاسب.


(* 1) سيأتي في كتاب الشركة بيان وجه الفرق بين جعل حصة من الربح للعامل وجعل التفاضل وأن التحقيق عدم جواز اشتراط التفاضل في عقد الشركة ولا في المقام. (منه قدس سره).

[ 318 ]

[ مع أنه يمكن أن يدعى الفرق بين الشركة والمضاربة (1) وإن كانت متضمنة للشركة. (مسألة 29): تبطل المضاربة بموت كل من العامل والمالك (2)، أما الاول: فلاختصاص الاذن به (3)، وأما ] (1) يعني: لو سلم أنه خلاف مقتضى الشركة أمكن البناء عليه، عملا بدليل صحة المضاربة المتضمنة ثبوت حصة للعامل، فان ذلك خلاف مقتضى الشركة الذي هو تبعية الربح للمال، لكن قام الدليل عليه، فوجب البناء عليه، كما أشرنا إلى ذلك. والمتحصل مما ذكر أمور: (الاول): الاشكال بأن تفاضل المالكين الشريكين في الربح قائم بهما، لا بالعامل، فلا يصح ذكره شرطا في المضاربة. (الثاني): اندفاعه بأنه يمكن أن يكون محط غرض العامل، فيكون متعلقا به، فيصح اشتراطه. (الثالث): أن تفاضل الشريكين في الربح لا ينافي مقتضى العقد، وإنما ينافي اطلاقه، فيصح اشتراطه في الشركة وفي غيرها من العقود. (الرابع): أنه لو سلم أنه مناف لمقتضى العقد جاز البناء عليه للدليل على صحة المضاربة. اللهم إلا أن يقال: لاإطلاق لدليل صحة المضاربة يشمل ذلك، لخروجه عن مفهومها، وإنما هو داخل في عموم صحة المشروط. فإذا خصص ذلك العموم بالشرط المخالف لمقتضى العقد، تعين في المقام الرجوع إلى المخصص، لاإلى العموم. (2) قال في الشرائع: " وبموت كل واحد منهما تبطل المضاربة، لانها في المعنى وكالة "، ونحوه في كثير من الكتب، ويظهر منهم أن ذلك من المسلمات، فان ذلك حكم العقود الجائزة، ومنها المضاربة. (3) فيكون الوارث كسائر الناس، لا يجوز أن يتصرف بغير إذن المالك، وليس ذلك من الحقوق، حتى يكون موروثا للوارث.

[ 319 ]

[ الثاني: فلانتقال المال بموته إلى وارثه، فابقاؤها يحتاج إلى عقد جديد (1) بشرائطه، فان كان المال نقدا صح (2)، وإن كان عروضا فلا، لما عرفت من عدم جواز المضاربة على غير النقدين. وهل يجوز لوارث المالك إجازة العقد بعد موته، قد يقال بعدم الجواز (3)، لعدم علقة له بالمال حال العقد بوجه من الوجوه (4)، ليكون واقعا على ماله أو متعلق حقه. وهذا بخلاف إجارة البطن السابق في الوقف أزيد من مدة حياته، فان البطن اللاحق يجوز له الاجازة، لان له حقا بحسب جعل الواقف. وأما في المقام فليس للوارث حق حال حياة المورث أصلا، وإنما ينتقل إليه المال حال موته. وبخلاف إجازة الوارث لما زاد من الثلث في الوصية، وفي المنجز حال ] (1) يعني: بين العامل والمالك الجديد. (2) يعني: بعقد جديد. (3) قال في الشرائع: " ولو مات رب المال والمال متاع، فأقره الوارث، لم يصح، لان الاول بطل، ولا يصح ابتداء القراض بالعروض " وظاهر التعليل أن المراد من إقراره بعد الموت إبقاؤه، وهذا بعد الموت متعذر للبطلان، وكذلك تجديده، لان في المال عروض. والمصنف رحمه الله حرر المسألة بعنوان الاجازة، وذكر في الجواهر: أن المقام ليس من الفضولي، إذ لا علقة للوارث بالمال حال العقد بوجه من الوجوه... إلى آخر ما ذكر في المتن في تقريب عدم الجواز. (4) الاجازة لا تصح الا بشرطين (الاول): أن يكون العقد المجاز صادرا من غير الولي عليه، فلا يصح منه إلا بالاجازة. (الثاني):

[ 320 ]

[ المرض - على القول بالثلث فيه - فان له حقا فيما زاد، فلذا يصح إجازته، ونظير المقام اجارة الشخص ماله مدة مات في أثنائها، على القول بالبطلان بموته، فانه لا يجوز للوارث اجازتها. لكن يمكن أن يقال: يكفي في صحة الاجازة كون المال في معرض الانتقال إليه وإن لم يكن له علقة به حال العقد، فكونه سيصير له كاف ومرجع اجازته حينئذ إلى ابقاء ما فعله المورث، لا قبوله، ولا تنفيذه، فان الاجازة أقسام، قد تكون قبولا لما فعله الغير، كما في اجازه بيع ماله فضولا، وقد تكون راجعا إلى اسقاط حق، كما في اجازة المرتهن لبيع الراهن، واجازة الوارث لما زاد عن الثلث. وقد تكون ابقاء لما فعله المالك (1)، كما في المقام. ] أن يكون للمجيز ولاية على العقد، فإذا انتفى ذلك لم تصح الاجازة. وهذان الشرطان موجودان في الامثلة المذكورة في الجواهر وفي المتن، أما فيما نحن فيه فمفقودان معا، إذ العقد الواقع من المالك صادر من الولي عليه فيصح، ولا معنى لاجازته والاجازة الصادرة من الوارث - سواء كانت صادرة منه حال حياة الموروث، أم بعد وفاته - صادرة ممن لاولاية له على العقد. نعم إذا كانت صادرة منه بعد وفاة الموروث فهي ممن له ولاية على تجديد العقد لاعلى العقد نفسه، فلا معنى لتعلقها بالعقد. (1) قد عرفت أن العقد الواقع لا قصور فيه، فهو نافذ بلا إجازة والاجازة الصادرة من الوارث ليست ممن له ولاية على العقد، ولا أدنى تعلق له به، والابقاء - مع أنه ليس مجعولا، لان بقاء العقد بنفسه، لا يجعل جاعل - متعذر، لان المفروض بطلانه، فكيف يمكن إبقاؤه؟! مع أنه

[ 321 ]

[ (مسألة 30): لا يجوز للعامل أن يوكل وكيلا في عمله، أو يستأجر أجيرا إلا بإذن المالك. نعم لا بأس بالتوكيل ] غير مقصود للمجيز. نعم يمكن تجديده للوارث، وهذا شي آخر غير إجازة العقد، ويختص بصورة ماذا كان المال نقدا لاعروضا. والمتحصل في الاشكال: أنه إن أريد إجازة العقد بلحاظ الحدوث كما في إجازة الفضولي - فالعقد لا قصور فيه من هذه الجهة، كي يحتاج إلى الاجازة، والاجازة صادرة ممن لاتعلق له بالعقد. وإن أريد إجازته بلحاظ البقاء، فالبقاء ليس مقصودا للمجيز، ولا مما يقبل الجعل، وفي المقام متعذر. لفرض البطلان، كما ذكر في الشرائع. وان أريد من الابقاء التجديد اختص ذلك بما إذا كان المال نقدا، ولا يصح إذا كان عروضا كما ذكر أيضا في الشرائع. ولعل مراد المصنف الاشكال على الشرائع: بأن الاقرار إنما يمتنع إذا ثبت البطلان، وهو ممنوع، إذ يختص البطلان بما إذا لم يقره الوارث أما إذا أقره فلا بطلان. كما أنه يمكن دفع الاشكال: بأن البقاء لا يحتاج إلى جعل بأن ذلك مسلم إذا لم يكن موجب للبطلان، كما في المقام، أما معه فيصح جعل البقاء، ويكون مستندا، إلى الجعل لا لنفسه. ولكن عبارة المصنف بعيدة عن ذلك، وفيها تهافت، فان الاجازة بمعنى الابقاء صادرة من الوارث المالك، وقد ذكر انها صادرة ممن سيصير له علقة، فكأن موضوع كلامه الاجازة من الوارث حال حياة الموروث لابعد وفاته. والتحقيق: أن المالك ركن في عقد المضاربة كالعامل، فإذا مات أحدهما بطل العقد ضرورة، كما في موت أحد الزوجين، فلا يمكن جعل ابقائه أبدا، كما ذكر المحقق رحمه الله، فلا يمكن إبقاء العقد، لا بالاجازة ولا بالابقاء، ولا بغير ذلك. نعم يمكن إبقاع عقد المضاربة بين الوارث

[ 322 ]

[ أو الاستيجار في بعض المقدمات، على ما هو المتعارف (1). وأما الايكال إلى الغير وكالة أو استيجارا في أصل التجارة، فلا يجوز من دون إذن المالك، ومعه لا مانع منه. كما أنه لا يجوز له أن يضارب غيره إلا بإذن المالك. (مسألة 31): إذا أذن في مضاربة الغير فإما أن يكون يجعل العامل الثاني عاملا للمالك، أو يجعله شريكا معه في العمل والحصة، وإما يجعله عاملا لنفسه. أما الاول فلا مانع منه وتنفسخ مضاربة نفسه على الاقوى (2). واحتمال بقائها مع ذلك (3)، لعدم المنافاة، كما ترى. ويكون الربح مشتركا بين ] والعامل إذا اجتمعت الشرائط. (1) كأن الفرق بين المقامين أن المنصرف من المضاربة استعمال العامل في التجارة مباشرة، فايكال التجارة إلى غيره خلاف الظاهر يحتاج إلى إذن بالخصوص، بخلاف المقدمات، فانه ليس في عنوان المضاربة ما يقتضي المباشرة فيها، فاطلاقها يقتضي الاذن إلا إذا كانت قرينة على الخلاف. والحكم في الجميع وجوب أن يكون العمل باذن المالك، المستفادة من الاطلاق، أو من صريح الخطاب، أو من العادة، أو غير ذلك من القرائن، فإذا لم تعلم لم يجز التصرف. (2) كما هو ظاهر المسالك. (3) بل جزم به في الجواهر، لعدم ما يدل على اعتبار خلو المال عن وقوع عقد قراض عليه في صحة الثاني. انتهى. وكأنه اعتبر المضاربة نوعا من الوكالة، ولامانع من توكيل وكيلين على عمل واحد، لعدم التنافي في ذلك. لكن الظاهر عرفا من المضاربة أنها استعمال للعامل وهو

[ 323 ]

[ المالك والعامل الثاني، وليس للاول شئ (1)، إلا إذا كان بعد أن عمل عملا وحصل ربح، فيستحق حصته (2) من ذلك وليس له أن يشترط على العامل الثاني شيئا من الربح (3) بعد أن لم يكن له عمل بعد المضاربة الثانية. بل لو جعل الحصة للعامل في المضاربة الثانية أقل مما اشترط له في الاولى، كأن يكون في الاولى بالنصف، وجعله ثلثا في الثانية لا يستحق تلك الزيادة (4)، بل ترجع إلى المالك. وربما يحتمل جواز اشتراط شئ من الربح، أو كون الزيادة له (5)، بدعوى أن هذا المقدار - وهو ايقاع عقد المضاربة ثم جعلها للغير - ] لا يقبل التعدد، نظير الاستيجار على العمل لكن لو سلم فذلك يمنع من تعدد العامل بالنسبة إلى العمل الواحد، لا بالنسبة إلى العملين، فإذا عمل الاول وربح كان له سهم في الربح، وإذا عمل الثاني أيضا فربح كان له سهم، كما صرح بذلك في الجواهر. والاولى أن يقال: انه إذا كان العامل قد انتزع نفسه من المضاربة، انفسخت بالنسبة إليه، واختص بها الثاني. وإن كان لم ينتزع نفسه، كان كل منهما عاملا، واختص كل واحد منهما بحصته من الربح في عمله. (1) إذ المفروض أن الربح مشترك بين المالك والعامل، وهو غيرهما. (2) كما هو مقتضى المضاربة معه. (3) الا بناء على جواز اشتراط حصة من الربح للاجنبي، وقد تقدم. (4) لانها للمالك حسب المجعول في المضاربة الثانية، فلا تكون كلها أو بعضها لغيره. (5) هذا الاحتمال احتمله في الجواهر، معللا له بما ذكر.

[ 324 ]

[ نوع من العمل، يكفي في جواز جعل حصة من الربح له. وفيه: أنه وكالة، لا مضاربة (1). والثاني أيضا لا مانع منه، وتكون الحصة المجعولة له في المضاربة الاولى مشتركة بينه وبين العامل الثاني، على حسب قرارهما. وأما الثالث فلا ] (1) قد يكون التوكيل من شؤون المضاربة - كما تقدم في المسألة الثلاثين - فيستحق عليه العامل حصة من الربح. فالعمدة: أن العمل الذي يجعل الحصة له في المضاربة الثانية ما يكون حاصلا من العامل في المضاربة الثانية بعد حصولها، والعمل المذكور حاصل قبلها من غير العامل فيها، بل من العامل في المضاربة الاولى وحينئذ إذا كان موجبا لاستحقاق شئ لصدوره لا بعنوان التبرع، فهو على المالك، لاحصة في ربح المضاربة الثانية، لعدم كونه عاملا فيها. بل إذا فرض أن عمل المضاربة الاولى كان بذلك استحق حصة من الربح الحاصل من ذلك العمل ولو بتوسط المضاربة الثانية التي هي في ضمن المضاربة الاولى. ومن ذلك يظهر أن القسم الاول له صورتان: (الاولى) أن تكون المضاربة الثانية أجنبية عن الاولى، تبطلها أو لا تبطلها، على الخلاف المتقدم بين المصنف والجواهر. (الثانية): أن تكون المضاربة الثانية في ضمن الاولى ومن شؤونها فتكون الثانية من قبيل الجعالة التي تكون في ضمن الاولى، وحصة المالك فيها راجعة إلى ربح المضاربة الاولى فتنقسم بين المالك والعامل الاول. وبالجملة: قد تكون المضاربة الثانية أجنبية عن الاولى تنافيها أو لا تنافيها، وقد تكون في طولها ومن شؤونها فارباح الثانية بعد اخراج حصة العامل تكون من أرباح الاولى، فتكون حصة منها للعامل، والباقي للمالك. وقد كان المناسب للمصنف للتعرض لهذا القسم، فتكون الاقسام أربعة.

[ 325 ]

[ يصح من دون أن يكون له عمل مع العامل الثاني (1)، ومعه يرجع إلى التشريك. (مسألة 32): إذا ضارب العامل غيره مع عدم الاذن من المالك، فان أجاز المالك ذلك كان الحكم كما في الاذن السابق في الصور المتقدمة، فيلحق كلا حكمه (2)، وان لم يجز بطلت المضاربة الثانية (3). وحينئذ فان كان العامل الثاني عمل وحصل الربح (4) فما قرر للمالك في المضاربة الاولى فله (5) وأما ما قرر للعامل فهل هو أيضا له (6) أو للعامل الاول، أو مشترك بين العاملين؟ وجوه وأقوال (7)، أقواها الاول، ] (1) من المعلوم أن العامل في المضاربة من يكون عاملا للمالك في ماله، والعامل لغير المالك خارج عنه، سواء كان له عمل أم لم يكن. إلا أن يكون المراد منه مالا يتنافي مع كونه عاملا للمالك، ويكون الاختلاف بمجرد التعبير. (2) إذ لافرق بين الاجازة اللاحقه والاذن السابقة في الاحكام. (3) لصدورها من غير الولي، بلا إذن، ولا إجازة من الولي. (4) يعني باجازة المالك لشراء العامل الثاني، إذ مع عدم الاجازة لا تصح المعاملة، فلا ربح وسيأتي التصريح بذلك من المصنف. وإطلاق كلامه هنا كاطلاق كلام غيره مبني على ذلك، كما هو الغالب. (5) لتبعية الربح للمال، كما هو الاصل. (6) يعني: للمالك. (7) قال في الشرائع في مسألة ما إذا قارض العامل وغيره: " فان كان باذنه وشرط الربح بين العامل الثاني والمالك صح، ولو شرط لنفسه لم

[ 326 ]

[ لان المفروض بطلان المضاربة الثانية، فلا يستحق العامل الثاني شيئا، وأن العامل الاول لم يعمل حتى يستحق، فيكون تمام الربح للمالك إذا أجاز تلك المعاملات الواقعة على ماله. ويستحق العامل الثاني أجرة عمله مع جهله بالبطلان (1) على العامل الاول ] يصح، لانه لاعمل له. وإن كان بغير إذنه لم يصح القراض، فان ربح كان نصف الربح للمالك، والنصف الآخر للعامل الاول، وعليه أجرة الثاني. وقيل: للمالك أيضا، لان الاول لم يعمل. وقيل: بين العاملين ويرجع الثاني على الاول بنصف الاجرة. والاول حسن ". وقال في المسالك: " وهذه الاقوال ليست لاصحابنا، ولانقلها عنهم أحد ممن نقل الخلاف، وان كان ظاهر العبارة بقيل وقيل يشعر به، وإنما هي وجوه للشافعية موجهة، ذكرها المصنف والعلامة في كتبه، ونقل الشيخ في المبسوط قريبا منها بطريقة أخرى غير منقحة. ولهم وجه رابع: أن جميع النصف للعامل الثاني. عملا بالشرط، ولا شئ للاول، إذ لاملك له ولا عمل له ". وقريب منه ما في جامع المقاصد. ويشهد لما ذكراه ما في التذكرة، فانه بعد ما ذكر أن الاقرب أن يكون الربح للمالك ذكر الوجوه الاخرى، ونسبها إلى الشافعية، ولم ينسب شيئا منها إلى أحد من أصحابنا. (1) كما قيده بذلك الجماعة، ولم أقف على غيره من أحد، بل في جامع المقاصد: " لاشك في أنه إذا كان عالما لا يستحق أجرة ". لكن الاختصاص بهذه الصورة يتوقف على كون الضمان بالغرور، أما إذا كان الضمان بالاستيفاء، وأن من استوفى عمل غيره كان ضامنا له وإن كان عالما بالبطلان، فالرجوع إلى العامل بأجرة المثل يكون في صورتي الجهل والعلم.

[ 327 ]

[ لانه مغرور من قبله. وقيل: يستحق على المالك (1). ولا وجه له مع فرض عدم الاذن منه له في العمل هذا إذا ضاربه على أن يكون عاملا للمالك (2)، وأما إذا ضاربه على أن يكون عاملا له، وقصد العامل في عمله العامل الاول، فيمكن أن يقال: إن الربح للعامل الاول، بل هو مختار المحقق في الشرايع (3) ] (1) حكي هذا الاحتمال في التذكرة، وعلله: بأن نفع عمله عاد إليه. انتهى. ولا يخفى ما فيه، فان ذلك ليس من أسباب الضمان. (2) سواء كان الشراء له بذمته أم بعين ماله، فان المبيع له، فيكون له ربحه. (3) قد تقدمت عبارة الشرائع، وهي خالية عن التقييد المذكور، ولاسيما بناء على ما تقدم منه من عدم صحتها حتى مع اذن المالك، فكيف يخصص بها كلام المحقق؟! ولذلك وجهه في المسالك: بأن عقد المضاربة وقع معه، فيستحق ما شرط، وعقده مع الثاني فاسد، فلا يتبع شرطه. انتهى. وأشكل عليه بعد ذلك: بأن العامل الاول لم يعمل شيئا، فلا يكون له شئ من الربح. وأما التوجيه المذكور في المتن من أن العمل المعتبر في المضاربة الاولى ما يعم المباشرة وغيرها فقد ذكره في الجواهر، فقال: " ليس في عقد القراض ما يقتضي مباشرة العمل بنفسه، ضرورة الاكتفاء بمتبرع عنه وبأجرة أو نحو ذلك ". وحينئذ يسقط الاشكال المتقدم من أن العامل الاول لم يعمل شيئا فلا يستحق شيئا. وعلى هذا عول في الجواهر واختار ما في الشرائع. لكن عرفت أن مختار الشرائع لا يختص بهذه الصورة، كسائر الاقوال الاخرى المحكية فيها، فلا وجه لتخصيصه بها، كما في المتن مضافا إلى أن البناء على عموم العمل لغيره المباشرة يقتضي صحة المضاربة الثانية، إذ ليس مضمونها الا ما هو مأذون فيه فلا وجه للبناء

[ 328 ]

[ وذلك بدعوى: أن المضاربة الاولى باقية بعد فرض بطلان الثانية، والمفروض أن العامل قصد العمل للعامل الاول، فيكون كأنه هو العامل فيستحق الربح، وعليه أجرة عمل العامل، إذا كان جاهلا بالبطلان، وبطلان المعاملة لا يضر بالاذن الحاصل منه للعمل له (1). لكن هذا انما يتم إذا لم يكن المباشرة ] على بطلانها بدعوى عدم الاذن. وأيضا إذا كان المراد من العمل في المضاربة ما يعم عمل غيره عنه وجب أن يكون عمل الغير للمالك، كما أن عمل العامل له، فكما أن العامل يتجر للمالك فالمتبرع عن العامل أيضا يتجر للمالك، وهذا لا يتناسب مع الصورة المذكورة في المتن من أن العامل الثاني يعمل للعامل الاول، كما يظهر من قول المصنف: " وأما إذا ضاربه على أن يكون عاملا له ". والمتحصل مما ذكرنا وجوه من الاشكال. (الاول): ان مورد كلام المحقق وغيره من الفقهاء الذين صوروا هذه المسألة صورة ماذا ضارب العامل غيره من دون اختصاص بأنه عن نفسه. (الثاني): أن البناء على عموم عمل العامل الذي ضاربه المالك للمباشري وغيره يقتضي صحة المضاربة من العامل لغيره عن المالك. إذ ليست المضاربة الثانية إلا عملا بالعموم المذكور. (الثالث): أن عموم عمل العامل لغير المباشرة لا يتناسب مع الصورة المذكورة في المتن، فان عمل المتبرع للعامل يكون للمالك، لا للعامل المتبرع عنه إلا أن يكون المراد من قصد العامل الثاني في عمله العامل الاول المذكور في المتن عمل العامل الثاني نيابة عن العامل الاول، وإن كان شراؤه للمالك. لكنه خلاف ظاهر العبارة. (1) قال في الجواهر: " ولا ينافيه فرض عدم إجازة المالك. إذ هي للقراض، أما ما وقع منه من الشراء والبيع فهو باذن العامل الاول الذي لم يشترط عليه مباشرة ذلك بنفسه ". ولا يخفى أن إذن العامل لا تكفي

[ 329 ]

[ معتبرة في المضاربة الاولى (1)، وأما مع اعتبارها فلا يتم، ويتعين كون تمام الربح للمالك إذا أجاز المعاملات وان لم تجز المضاربة الثانية. (مسألة 33): إذا شرط أحدهما على الاخر في ضمن عقد المضاربة مالا أو عملا، كأن اشترط المالك على العامل أن ] في صحة الشراء والبيع إلا إذا كان العامل مأذونا من المالك في الاذن، وإذا لم يكن مأذونا فيه من المالك فلا وجه لصحته، وقد عرفت أنه إذا كان مأذونا فيه من المالك كان مأذونا في المضاربة الثانية، إذ مضمونها الشراء والبيع الذي لم يشترط عليه المباشرة فيهما. (1) كما قيده بذلك في الجواهر، وأن ما تقدم مبني على ما هو الظاهر عدم كون ذلك قيدا لها هنا، كما في نظائره. والذي يتحصل مما ذكرناه: أنه إن كان المفهوم من المضاربة الاولى عموم العمل من العامل للمباشرة وغيرها كان ذلك موجبا للاذن في المضاربة الثانية، على نحو تكون من توابع الاولى. فيضارب العامل غيره على أن يكون حصته من الربح بينهما نحو على التساوي أو التفاضل. ولو ضاربه على أن يكون تمام الربح بينهما لم تصح لمنافاتها للاولى. وفي الصورة الاولى لابد أن يكون قصد المتعاملين أن يكون العمل للمالك، بمعنى أن الشراء والبيع له لا للعامل الاول، إذ لا معنى له بعد أن كان المال للمالك. إلا أن يكون المقصود أن العامل الثاني ينوب عن العامل الاول في الشراء للمالك، بأن يقصد النيابة عن العامل الاول في الشراء للمالك، ولا بأس به حينئذ. وإن كان المفهوم من المضاربة الاولى خصوص المباشرة فالحكم كما ذكر المصنف، من بطلان المضاربة، وكون الربح جميعه للمالك إذا أجاز معاملة العامل الثاني ويستحق على العامل الاول أجرة المثل.

[ 330 ]

[ يخيط له ثوبا، أو يعطيه درهما أو نحو ذلك، أو بالعكس، فالظاهر صحته (1)، وكذا إذا اشترط أحدهما على الاخر بيعا أو قرضا أو قراضا أو بضاعة أو نحو ذلك. ودعوى: أن القدر المتيقن ما إذا لم يكن من المالك الا رأس المال ومن العامل الا التجارة. مدفوعة: بأن ذلك من حيث متعلق العقد فلا ينافي اشتراط مال أو عمل خارجي في ضمنه. ويكفي في صحته عموم أدلة الشروط (2). وعن الشيخ الطوسي فيما إذا ] (1) قال في القواعد: " ولو شرط على العامل المضاربة في مال آخر، أو يأخذ منه بضاعة أو قرضا، أو يخدمه في شئ بعينه، فالظاهر صحة الشروط " وقال في التحرير: " الشروط الفاسدة على أقسام ثلاثة، أحدها: ما ينافي مقتضى العقد، مثل أن يشترط البيع برأس المال... (إلى أن قال): الثاني: ما يقتضي جهالة الربح، مثل أن يشترط العامل جزء من الربح مجهولا أو ربح أحد الكيسين... (إلى أن قال): الثالث اشتراط ما ليس من مصلحة العقد ولا مقتضاه، مثل اشتراط النفع ببعض السلع مثل لبس الثوب، واستخدام العبد، وركوب الدابة ووطئ الجارية وضمان العامل المال أو بعضه. فهذه الشروط كلها باطلة تفسد العقد إن اقتضت جهالة الربح، وإلا فلا على إشكال "، ونحوه ما حكاه السيد في مفتاح الكرامة عن العامة، ثم قال: " ولعلهم يستندون إلى أن هذا العقد على خلاف الاصل، فيقتصر فيه على المتيقن " ولا يخفى أنه إذا تم ذلك جرى في جميع العقود المشتملة على الشروط، لانها على خلاف الاصل أيضا ولا يختص بهذا العقد. (2) هذا العموم إنما ينفع بعد احراز عنوان المضاربة عرفا، لتشمله الاطلاقات المقامية. أما إذا شك في العنوان فالاصل يقتضي بطلان المضاربة.

[ 331 ]

[ اشترط المالك على العامل بضاعة بطلان الشرط دون العقد في أحد قوليه، وبطلانهما في قوله الاخر (1)، قال: لان العامل في القراض لا يعمل عملا بغير جعل ولا قسط من الربح، وإذا بطل الشرط بطل القراض، لان قسط العامل يكون مجهولا (2) ثم قال: وان قلنا: إن القراض صحيح والشرط ] وعموم صحة العقود إنما يقتضي صحة العقد، لا صحة المضاربة، كما هو محل الكلام، وان كان الظاهر صدق العنوان عرفا. (1) قال في الشرائع في أواخر كتاب المضاربة: " إذا دفع مالا قراضا، وشرط أن يأخذ له بضاعة، قيل: لا يصح، لان العامل في القراض لا يعمل مالا يستحق عليه أجرا، وقيل: يصح القراض ويبطل الشرط. ولو قيل بصحتهما كان حسنا " وقال في المسالك: " القولان الاولان للشيخ في المبسوط " أقول: هذه النسبة غير ظاهرة الوجه، كما يظهر ذلك من ملاحظة كلامه، فان ما ذكره أولا كان وجها لاقولا، وما ذكره ثانيا كان قولا بقرينة قوله رحمه الله: " كان قويا " لكنه ظاهر في صحة الشرط والعقد. غاية الامر أنه لا يجب الوفاء بالشرط، لان مضمونه - وهو البضاعة - من العقود الجائزة التي لا يجب الوفاء بها، وحينئذ يكون موافقا للشرائع والقواعد وجماعة من الاصحاب، على ما نسبه إليهم في جامع المقاصد. ومن ذلك يشكل ما في المتن من نسبة القولين إلى الشيخ رحمه الله مستندا في ذلك إلى عبارة المبسوط المذكورة. (2) قال في المبسوط: " وذلك أن رب المال ما قارض بالنصف حتى اشتراط على العامل عملا بغير جعل، وقد بطل الشرط، وإذا بطل ذهب من نصيب العامل وهو النصف قدر مازيد فيه لاجل البضاعة، وذلك القدر مجهول، وإذا ذهب من المعلوم مجهول كان الباقي مجهولا،

[ 332 ]

[ جايز، لكنه لا يلزم الوفاء به، لان البضاعة لا يلزم القيام بها كان قويا " وحاصل كلامه في وجه بطلانهما: أن الشرط المفروض مناف لمقتضى العقد، فيكون باطلا، وببطلانه يبطل العقد، لاستلزامه جهالة حصة العامل من حيث أن للشرط قسطا من الربح، وببطلانه يسقط ذلك القسط، وهو غير معلوم المقدار. وفيه: منع كونه منافيا لمقتضى العقد (1)، فان مقتضاه ليس أزيد من أن يكون عمله في مال القراض بجزء من الربح، والعمل الخارجي ليس عملا في مال القراض. هذا مع أن ما ذكره من لزوم جهالة حصة العامل بعد بطلان الشرط ممنوع، إذ ليس الشرط مقابلا بالعوض في شئ من الموارد (2)، وانما يوجب زيادة العوض، فلا ينقص من بطلانه شئ من الحصة حتى تصير مجهولة. وأما ما ذكره في ] ولهذا بطل القراض. وان قلنا أن القراض... " إلى آخر ما في المتن. (1) ذكر ذلك في المسالك وغيرها. (2) كان الاولى في الاشكال عليه أن يقال: إذا كان الشرط ملحوظا عوضا عن العلم فبطلانه يوجب بطلان المعاوضة وحصول الجهالة، لانتفاء المعاوضة بانتفاء أحد طرفيها، وإذا لم يكن ملحوظا عوضا فلا جهالة في العوض. ولو سلم فالجهالة على هذا النهج غير قادحة في البيع، كما إذا باع ما يملك وما لم يملك، فضلا عن المقام الذي لانقدح فيه جهالة وجود الربح، ولا جهالة مقداره التعييني، وإن كان معلوما بالحصة المشاعة. كما يشكل أيضا: بأن ما ذكره أخيرا من أن العمل في البضاعة لوحظ عوضا عن جزء من النصف، فالعمل لم يكن مجانا، مناف لما ذكره أولا من

[ 333 ]

[ قوله: " وان قلنا... " فلعل غرضه أنه إذا لم يكن الوفاء بالشرط لازما يكون وجوده كعدمه (1)، فكأنه لم يشترط، فلا يلزم الجهالة في الحصة. وفيه: أنه على فرض ايجابه للجهالة لا يتفاوت الحال بين لزوم العمل به وعدمه (2) حيث أنه على التقديرين زيد بعض العوض لاجله. هذا وقد يقرر (3) في وجه بطلان الشرط المذكور: أن هذا الشرط لاأثر له أصلا، لانه ليس بلازم الوفاء، حيث أنه في العقد الجائز، ولا يلزم من تخلفه أثر التسلط على الفسخ، حيث أنه يجوز فسخه ولو مع عدم التخلف. وفيه أولا: ما عرفت ] بطلان الشرط، لانه يقتضي كون العمل مجانا. (1) إذا كان غرضه ذلك كان الاولى تقريره بناء على البطلان، لان الباطل أولى أن يكون وجوده كعدمه، فكأنه لم يشترط. بل غرضه تضعيف ما ذكره اولا، واختيار صحة الشرط وعدم وجوب الوفاء به، لخصوصية في مضمونه، وهو البضاعة التي هي من العقود الجائزة، لا لقصوره فيه. وإن كان يشكل: بأن كون البضاعة من العقود الجائزة في نفسها لا ينافي وجوبها بالشرط. (2) لان مبنى الاشكال على قدح الجهالة على فرض التوزيع على الابعاض، وحينئذ لا يختلف الحكم في الصحة والبطلان لكن عرفت أن الشيخ بنى على عدم تمامية ما ذكره أولا، وأنه غير صحيح، ولذا قال بصحة العقد وصحة الشرط، غير أنه لا يجب الوفاء به، لخصوصية في مضمونه، كما عرفت. نعم كان المناسب له - قدس سره - أن يتعرض لوجه النظر فيما ذكره أولا، على ما هو القاعدة عند المؤلفين. (3) المقرر صاحب الجواهر في ذيل شرح مسألة عدم صحة اشتراط

[ 334 ]

[ سابقا من لزوم العمل بالشرط في ضمن العقود الجائزة ما دامت باقية ولم تفسخ، وان كان له أن يفسخ حتى يسقط وجوب العمل به. وثانيا: لا نسلم أن تخلفه لا يؤثر في التسلط على الفسخ، إذ الفسخ الذي يأتي من قبل كون العقد جايزا إنما يكون بالنسبة إلى الاستمرار بخلاف الفسخ الآتي من تخلف الشرط، فانه يوجب فسخ المعاملة من الاصل، فإذا فرضنا أن الفسخ بعد حصول الربح، فان كان من القسم الاول اقتضى حصوله من حينه، فالعامل يستحق ذلك الربح بمقدار حصته، وإن كان من القسم الثاني يكون تمام الربح للمالك (1) ويستحق العامل أجرة المثل لعمله، وهي قد تكون أزيد من الربح، وقد تكون أقل فيتفاوت الحال بالفسخ وعدمه إذا كان لاجل تخلف الشرط ] الاجل في المضاربة، وأشار إليه ايضا في أواخر كتاب المضاربة، وحاصله: أن الشرط في العقود يترتب عليه أثران، تكليفي وهو وجوب الوفاء، الراجع إلى وجوب إيصال الحقوق إلى أهلها، ووضعي وهو جواز الفسخ، مع التخلف، وهما في المقام لا يترتبان. (1) هذا ذكره في جامع المقاصد، وجعله مقتضى النظر. لكن في الجواهر بعدما حكاه عنه قال: " إنه لا يمكن التزام فقيه به " وفي أواخر كتاب المضاربة قال: " إنه كما ترى لا ينطبق على القواعد، وعلى ما اشتهر بينهم من عدم لزوم الوفاء بالشروط في العقود الجائزة، وأن حالها كحال الوعد، وليس فائدة الشرط فيها فائدته في العقد اللازم من التسلط على الفسخ مع عدم الوفاء به... ". والاشكال عليه - كما ذكره المصنف -

[ 335 ]

[ (مسألة 34): يملك العامل حصته من الربح بمجرد ظهوره من غير توقف على الانضاض أو القسمة، لا نقلا، ولا كشفا، على المشهور، بل الظاهر الاجماع عليه (1)، لانه مقتضى اشتراط كون الربح بينهما (2)، ولانه مملوك وليس للمالك، فيكون للعامل. وللصحيح (3): رجل دفع إلى رجل الف درهم مضاربة، فاشترى أباه وهو لا يعلم. قال: يقوم فان زاد درهما واحدا انعتق، واستسعى في مال الرجل ] ظاهر. وقد تقدم في المسألة الثانية بعض الكلام في ذلك. (1) قال في المسالك: " لا يكاد يتحقق فيه مخالف، ولانقل في كتب الخلاف عن أحد من أصحابنا ما يخالفه "، ونحوه ماعن المفاتيح لكن في القواعد: " ويملك بالظهور، لا بالانضاض على رأي ". وظاهره التوقف وعدم انعقاد الاجماع عليه. (2) لكن الشرط انما اقتضى المالك على تقدير الوجود، لا أنه يقتضي الوجود، كما هو المدعى. ومنه يظهر الاشكال في قوله (ره): " ولانه مملوك... ". (3) رواه الكليني عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن محمد بن ميسر (قيس خ ل) قال: " قلت لابي عبد الله (ع): رجل دفع... " إلى آخر ما في المتن " ورواه الصدوق باسناده عن محمد بن قيس، ورواه الشيخ باسناده عن الحسين بن سعيد عن بن أبي عمير عن محمد بن قيس، وباسناده عن محمد بن علي بن محبوب عن أيوب بن نوح عن ابن أبي عمير عن محمد بن ميسره. كذا في الوسائل. (* 1). والطريق الاول مصحح، والباقية صحاح


(* 1) باب: 8 من كتاب المضاربة.

[ 336 ]

[ إذ لو يكن مالكا لحصته لم ينعتق أبوه (1). نعم عن الفخر عن والده: أن في المسألة أربعة أقوال (2)، ولكن لم يذكر القائل ولعلها من العامة (أحدها): ما ذكرنا (الثاني): أنه يملك بالانضاض، لانه قبله ليس موجودا خارجيا (3)، بل هو مقدر موهوم. (الثالث): أنه يملك بالقسمة، لانه لو ملك ] (1) هذا أول الكلام، بل من الجائز الانعتاق بذلك، وارتكابه أهون من ارتكاب ملك العامل بالظهور إذا تحقق أنه لا وجود له، فلا تصلح الرواية دليلا على ذلك، إلا إذا امتنع الانعتاق بغير الملك، كما أشار إلى ذلك في الجواهر. (2) حكي عن الايضاح أنه قال: " الذي سمعناه عن والدي المصنف أن في هذه المسألة ثلاثة أقوال "، ثم بعد أن ذكر الاقوال الثلاثة والاستدلال لها قال: " الرابع: أن القسمة كاشفة عن ملك العامل، لانها ليست بعمل حتى يملك بها " فذكر أولا أن الاقوال ثلاثة، ثم ذكر قولا رابعا، فيكون المتحصل من نقله وجود أربعة أقوال. ولذلك قال في المسالك: " ونقل الامام فخر الدين عن والده في هذه المسألة أربعة أقوال ". لكن في التذكرة بعد ما ذكر القول الاول قال: " وبه قال أبو حنيفة، والشافعي في أحد قوليه، واحمد في احدى الروايتين " ثم استدل له بما في المتن، ثم قال: " وقال مالك انما يملك العامل حصة من الربح بالقسمة، وهو القول الثاني للشافعي والرواية الثانية عن أحمد، واقتصر على ذلك ولم ينقل الثاني ولا الرابع. لكن في المسالك عن التذكرة حكاية القولين الاولين فليلحظ. (3) هذا التعليل مذكور في الايضاح لاثبات الوجه الثاني. لكنه إن تم اقتضى نفي الاول لا إثبات الثاني.

[ 337 ]

[ قبله لاختص بربحه (1)، ولم يكن وقاية لرأس المال. (الرابع): أن القسمة كاشفة عن الملك سابقا، لانها توجب استقراره. والاقوى ما ذكرنا، لما ذكرنا. ودعوى: أنه ليس موجودا كما ترى (2) وكون القيمة أمرا وهميا ممنوع (3). مع أنا نقول: إنه يصير شريكا في العين الموجودة بالنسبة (4)، ولذا يصح له مطالبة القسمة مع أن المملوك لا يلزم أن يكون موجودا خارجيا، فان الدين مملوك مع أنه ليس في الخارج (5). ومن الغريب إصرار صاحب الجواهر على الاشكال في ملكيته، بدعوى: أنه حقيقة ما زاد على عين الاصل، وقيمة الشئ أمر وهمي ] (1) هذا أيضا مذكور في الايضاح تعليلا للوجه الثالث لكنه إنما ينفي الاولين، ولا يثبت الثالث. (2) إذا كان الربح حقيقة ما زاد على عين رأس المال - كما ادعاه في الجواهر، ويقتضيه العرف واللغة في الجملة - فالدعوى المذكورة في محلها. ولذلك كان المعروف بينهم عدم وجوب الخمس في ارتفاع القيمة وأفتى به المصنف رحمه الله في كتاب الخمس. (3) هذا المنع غير ظاهر، إذ القيمة عبارة عن المالية التي تكون في العين، ولاشك في أنها أمر اعتباري ناشئ عن حدوث الرغبة في العين المصحح للتنافس عليها عند العقلاء وبذل المال بأزائها، وليس لها وجود عيني في الخارج. (4) لاوجه له، لانه إذا لم يكن ربح فلا ملك للعامل في الذمة ولا في العين. (5) هذا مسلم، إلا أنه لما كان له مطابق خارجي ومصداق عيني

[ 338 ]

[ لا وجود له لا ذمة ولا خارجا، فلا يصدق عليه الربح. نعم لا بأس أن يقال: إنه بالظهور ملك أن يملك، بمعنى أن له الانضاض، فيملك. وأغرب منه أنه قال: " بل لعل الوجه في خبر عتق الاب ذلك أيضا، بناء على الاكتفاء بمثل ذلك في العتق المبني على السراية ". إذ لا يخفى ما فيه (1)، مع أن لازم ما ذكره كون العين بتمامها ملكا للمالك حتى مقدار الربح مع أنه ادعى الاتفاق على عدم كون مقدار حصة العامل من الربح للمالك (2) فلا ينبغي التأمل في أن الاقوى ما هو المشهور (3) نعم إن حصل خسران أو تلف بعد ظهور الربح خرج عن ] صح أن يكون مملوكا، وليس كذلك القيمة المالية. ومن هنا يظهر الاشكال في النقض بملك الدين، كما في جامع المقاصد والمسالك وغيرها. مضافا إلى أن الدين إنما صح ملكه لكونه في الذمة، فانه لا يجوز ملك ما ليس في الذمة ولا في الخارج، والمدعى في المقام أنه مملوك وليس في الذمة ولا في الخارج. (1) بل لا يخفى ما في كلمات المصنف رحمه الله في هذا المقام، مثل قوله رحمه الله: " كما ترى " و " ممنوع " و " غريب " و " أغرب... " فانها كلها غامضة المراد بنحو تكون ردا على ما ذكره في الجواهر. (2) إذا تحقق الاتفاق بنحو يصح الاعتماد عليه كان هو الوجه فيما ذكره المشهور، فلا مجال حينئذ للاخذ بما ذكره في الجواهر. (3) لا ينبغي التأمل في أنه هو الاقوى. لكن العمدة فيه: أن المراد من الربح في باب المضاربة الذي يشترك فيه المالك والعامل الحصة من العين الزائدة على مقدار رأس المال مالية، لا الربح بالمعنى اللغوي والعرفي. كما

[ 339 ]

[ ملكية العامل، لا أن يكون كاشفا عن عدم ملكيته من الاول (1) وعلى ما ذكرنا يترتب عليه جميع آثار الملكية، من جواز المطالبة بالقمسة وإن كانت موقوفة على رضى المالك، ومن صحة تصرفاته فيه من البيع والصلح ونحوهما. ومن الارث، وتعلق الخمس والزكاة، وحصول الاستطاعة للحج، وتعلق حق الغرماء به، ووجوب صرفه في الدين مع المطالبة... إلى غير ذلك. (مسألة 35): الربح وقاية لرأس المال (2)، فملكية ] يقوله في الجواهر، كي يتوجه عليه ما ذكره من الاشكال. هذا ما تقتضيه الارتكازات العرفية. والشاهد على ذلك أنه لا يجوز للمالك عندهم أن يفسخ المضاربة عند ظهور الربح، ويستقل بالعين، ويطرد العامل محتجا بعدم حصول الربح، بل يرون أن العامل شريك في العين على حسب حصته من المالية. وظني أن ذلك واضح. وحينئذ لا يحتاج إلى الاستدلال على الحكم بما ذكر، ولا مجال للاشكال بما تقدم. (1) فالملكية ثابتة حين الظهور، لكنها غير مستقرة. وقد استفاض. التعبير بذلك في كتبهم. وكأنه عملا بالصحيح المتقدم الدال على حصول الملكية بمجرد الظهور. ولولاه كان اللازم البناء على عدم الملكية واقعا إذا كان هناك نقص مالي لاحق، إما لتنزل السعر، أو لتلف المال، أو نحو ذلك، لان الربح المجعول للعامل ما زاد على ذلك، لا مطلق الربح. (2) هذا من الاحكام المسلمة بينهم، وفي المسالك: أنه محل وفاق ويقتضيه ما عرفت من أن الربح المجعول للعامل ما زاد على تدارك النقص المالي الحادث من خسران أو تلف. وهو العمدة فيما ذكروه. ولم أقف على نص فيه. نعم استدل له بموثق اسحاق بن عمار عن أبي الحسن (ع)

[ 340 ]

[ العامل له بالظهور متزلزلة، فلو عرض بعد ذلك خسران أو تلف يجبر به إلى أن تستقر ملكيته، والاستقرار يحصل بعد الانضاض والفسخ والقسمة (1)، فبعدها إذا تلف شئ لا يحسب من الربح، بل تلف كل على صاحبه، ولا يكفي في الاستقرار قسمة الربح فقط مع عدم الفسخ (2). بل ولا ] قال: " سألته عن مال المضاربة. قال: الربح بينهما، والوضيعة على المال " بناء على أن المال يشمل الاصل والربح. وهو كما ترى ظاهر في أن المراد من المال ما يقابل الربح. (1) هذا مما لاريب فيه، وفي جامع المقاصد: " لابحث في الاستقرار بذلك "، وفي الجواهر: " لاريب في الاستقرار حينئذ، ضرورة انتهاء العقد بجميع توابعه مع تراضيهما بذلك "، وعن الايضاح: " يستقر بارتفاع العقد وإنضاض المال والقسمة، عند الكل ". (2) بلا ريب، كما في الجواهر، لبقاء عقد المضاربة المستتبع لحكمه من جيران الخسارة بالربح كما لو لم يقسم. ومجرد تعيين حصة العامل بالقسمة غير كاف في الخروج عن مقتضى العقد. لكن ظاهر ما في القواعد من قوله: " وإنما يستقر بالقسمة أو بالانضاض والفسخ ": أن القسمة كافية في الاستقرار، كما أن الانضاض والفسخ كافيان فيه وإن لم تكن القسمة. ولذا أورد عليه في جامع المقاصد: بأن القسمة بمجردها لا توجب الاستقرار من دون فسخ القراض، لانه لا معنى للقسمة إلا قسمة الربح، إذ ليس في رأس المال شراكة الا باعتباره، وقسمة الربح وحده لا تخرجه عن كونه وقاية لرأس المال. وتبعه على ذلك في الجواهر. لكن عرفت أنه لا إطلاق لفظي لدليل الوقاية، كي يتمسك به في المقام، وأن العمدة في


(* 1) الوسائل باب: 3 من كتاب المضاربة حديث: 5.

[ 341 ]

[ قسمة الكل كذلك (1)، ولا بالفسخ مع عدم القسمة (2)، فلو حصل خسران أو تلف أو ربح كان كما سبق، فيكون الربح مشتركا والتلف والخسران عليهما، ويتم رأس المال بالربح. نعم لو حصل الفسخ ولم يحصل الانضاض ولو بالنسبة ] الوقاية الاجماع والارتكاز العرفي، وليس من الواضح شمولهما لما بعد القسمة وإن كان المعروف بينهم ذلك، بل يظهر منهم التسالم عليه. وما في القواعد يخالفه ما فيها، فقد جزم بعدم استقرار الملك مع إنضاض قدر الربح والقسمة وأنه إذا خسر المال بعد ذلك رجع على العامل، كما سيأتي في المسألة التالية. (1) تقدم ما في جامع المقاصد من أنه لا معنى للقسمة الا قسمة الربح إذ ليس في رأس المال شراكة. (2) جعله في الجواهر - تبعا لجامع المقاصد - مبنيا على وجوب البيع على العامل بعد الفسخ. وإن قلنا بعدمه فوجهان. انتهى. لكن سيأتي من المصنف رحمه الله القول بعدم اجبار العامل على الانضاض والبيع. وأما أحد الوجهين الذين ذكرهما أخيرا فهو الاستصحاب، وعموم على اليد وصدق مال القراض ليشمله مادل على أن مال القراض وضيعته من الربح، وارتفاع صدق المقارض على العامل بالفسخ لا ينافي صدق مال المقارضة، الذي هو موضوع الحكم المذكور. بل قد يقال: بأن تسليم رأس المال إلى المالك من تتمة المضاربة، فلا يجوز تسليمه ناقصا مع وجود الربح الذي يمكن به التدارك. هذا ولكن الجميع لا يخلو من اشكال. إذ الاستصحاب تعليقي، وهو غير حجة. وعموم " على اليد... " لا مجال له في الامانات، والوقاية إنما كانت للدليل الخاص لا لليد، ولذا يختص الخسران بالمالك. وصدق مال المقارضة غير ظاهر مع الفسخ وارتفاع القراض به. مع أن مال

[ 342 ]

[ إلى البعض وحصلت القسمة فهل تستقر الملكية أم لا (1)؟ إن قلنا بوجوب الانضاض على العامل فالظاهر عدم الاستقرار وإن قلنا بعدم وجوبه ففيه وجهان أقواهما الاستقرار. والحاصل: أن اللازم أولا دفع مقدار رأس المال للمالك، ثم يقسم ما زاد عنه بينهما على حسب حصتهما، فكل خسارة وتلف قبل تمام المضاربة يجبر بالربح، وتماميتها بما ذكرنا من الفسخ والقسمة. (مسألة 36): إذا ظهر الربح ونض تمامه أو بعض منه، فطلب أحدهما قسمته، فان رضي الآخر فلا مانع منها وإن لم يرض المالك لم يجبر عليها (2)، لاحتمال الخسران ] المقارضة لم يؤخذ موضوعا لدليل لفظي، كي يتمسك باطلاقه وتسليم رأس المال إلى المالك لا دليل على وجوبه، كما سيأتي من المصنف. وعلى هذا يكون أقوى الوجهين هو الاستقرار. (ودعوى): أنه لا يساعده الارتكاز العرفي، الذي هو العمدة في الحكم، فان مقتضاه بقاء الاحكام إلى أن تتحقق القسمة، ولذا لو فرض زيادة السعر بعد الفسخ لم تختص الزيادة بالمالك بل تكون بينه وبين العامل، وكذا حكم النقيصة، فيدل على عدم استقرار الملكية بالفسخ (ممنوعة جدا) لمنع ذلك كله إذ الفسخ بعد أن كان رافعا للمضاربة كان رافعا لاحكامها، ولكل شرط ذكر في ضمنها، وثبوت أحكام عرفية للمضاربة بعد انفساخها يحتاج إلى دليل مفقود. (1) في الجواهر - تبعا لجامع المقاصد - الجزم بالاستقرار. ولعله لعدم القول بوجوب الانضاض على العامل. وإن كان الظاهر أن الارتكاز العرفي يساعد على الاستقرار بالقسمة وإن قلنا بوجوب الانضاض على العامل تعبدا. (2) كما في الشرائع والقواعد، ويظهر من جامع المقاصد والمسالك

[ 343 ]

[ بعد ذلك والحاجة إلى جبره به. قيل: وإن لم يرض العامل فكذلك أيضا (1)، لانه لو حصل الخسران وجب عليه رد ما أخذه، ولعله لا يقدر بعد ذلك عليه لفواته في يده، وهو ضرر عليه. وفيه: أن هذا لا يعد ضررا (2). فالاقوى: أنه يجبر إذا طلب المالك. وكيف كان إذا اقتسماه ثم حصل الخسران، فان حصل بعده ربح يجبره فهو، وإلا رد العامل ] والجواهر عدم الخلاف فيه، معللين ذلك بلزوم الضرر على المالك، لاحتمال الخسران بعد ذلك، كما ذكر المصنف. وهو بظاهره غير تام، لان احتمال الضرر باحتمال الخسران غير مطرد. مع أنه لايمنع من وجوب القسمة وإنما يمنع من وجوب تمكين العامل من حصته، لامن أصل القسمة. مضافا إلى امكان تدارك الضرر المحتمل باخذ الكفيل ونحوه كما في غير المقام مع أن احتمال الضرر غير كاف في منع سلطنة العامل على قسمة حصته المشاعة. واحتمال الضرر المالي غير منفي، ولا مأخوذ موضوعا للاحكام. نعم احتمال الضرر النفسي منفي، فيرفع اللزوم إجماعا، ولبعض النصوص الواردة في بعض الموارد الخاصة، مثل: " الصائم إذا خاف على عينه من الرمد فليفطر "، (* 1)، وليس كذلك الضرر المالي. (1) يظهر ذلك من القواعد، حيث قال: " إن امتنع أحدهما عن القسمة لم يجر عليها "، ونحوه حكي عن التذكرة والتحرير، وفي جامع المقاصد: " أما إذا كان المريد للقسمة المالك فلان العامل لا يأمن أن يطرأ الخسران، وقد أتلف ما وصل إليه، فيحتاج إلى غرم ما وصل إليه بالقسمة وذلك ضرر. وأورد عليه في الجواهر بما في المتن. (2) ضرورة إمكان المحافظة عليه بعدم التصرف. بل لو أغرمه لم


(* 1) الوسائل باب: 19 من أبواب من يصح منه الصوم حديث: 1.

[ 344 ]

[ أقل الامرين من مقدار الخسران وما أخذ من الربح، لان الاقل إن كان هو الخسران فليس عليه إلا جبره، والزايد له وإن كان هو الربح فليس عليه إلا مقدار ما أخذ. ويظهر من الشهيد ان قسمة الربح موجبة لاستقراره وعدم جبره للخسارة الحاصلة بعدها، لكن قسمة مقداره ليست قسمة له من حيث أنه مشاع في جميع المال، فأخذ مقدار منه ليس أخذا له فقط حيث قال على ما نقل عنه (1): " إن المردود أقل الامرين مما أخذه العامل من رأس المال لا من الربح، فلو كان رأس المال مأة والربح عشرين، فاقتسما العشرين، فالعشرون التي هي الربح مشاعة في الجميع، نسبتها إلى رأس المال نسبة السدس فالمأخوذ سدس الجميع، فيكون خمسة أسداسها من رأس المال وسدسها من الربح، فإذا اقتسماها استقر ملك العامل على نصيبه من الربح، وهو نصف سدس العشرين، وذلك درهم وثلثان يبقى معه ثمانية وثلث من رأس المال، فإذا خسر المال الباقي رد أقل الامرين مما خسر ومن ثمانية وثلث ". وفيه (2): - مضافا إلى أنه خلاف ما هو المعلوم من وجوب جبر الخسران الحاصل بعد ذلك بالربح السابق إن لم يلحقه ربح وأن؟؟؟ غرامة ما أخذه منه - أنظار أخر. ] يكن عليه ضرر، لانه في مقابل ما تصرف فيه. كذا في الجواهر. (1) نقله في المسالك. لكن لا بلفظه بل حاصله، لانه بعد أن نقل ذلك قال: " هذا خلاصة تقريره ". كما أنه لم يذكر الكتاب الذي ذكر ذلك فيه. (2) هذه الاشكالات ذكرها في المسالك.

[ 345 ]

[ منها: أن المأخوذ إذا كان من رأس المال فوجوب رده لا يتوقف على حصول الخسران بعد ذلك. ومنها: أنه ليس مأذونا في أخذ رأس المال، فلا وجه للقسمة المفروضة. ومنها: أن المفروض أنهما اقتسما المقدار من الربح بعنوان أنه ربح لا بعنوان كونه منه ومن رأس المال (1). ودعوى: أنه لا يتعين لكونه من الربح بمجرد قصدهما مع فرض اشاعته في تمام المال (2) مدفوعة: بأن المال بعد حصول الربح يصير مشتركا بين المالك والعامل، فمقدار رأس المال مع حصة من الربح للمالك ومقدار حصة الربح المشروط للعامل له، فلا وجه لعدم التعين بعد تعيينهما مقدار ما لهما في هذا المال (3) فقسمة الربح في ] (1) ومنها: أن اللازم البناء على الوقاية بالربح الباقي في المال، لان المفروض على كلامه عدم صحة القسمة، فالربح باق مشاعا في المال. (2) هذه الدعوى ادعاها في الجواهر، وجعلها مقتضى أصالة بقاء الاشاعة. (3) إذ التعيين مقتضى ولايتهما معا مع مطابقته للمرتكز العرفي الذي هو المرجع بمقتضى إطلاق المقام. ثم إن شيخنا في الجواهر وجه كلام الشهيد رحمه الله بحمله على أن المالك قد فسخ المضاربة بالنسبة إلى المقدار المستخرج فيستقر الملك بالنسبة إلى ربحه. وفيه: أن ما ذكر يصلح توجيها لاستقرار ملك الربح، لاتوجيها لكلام الشهيد إذ يبقى إشكال عدم جواز تصرف العامل في رأس المال بغير إذن المالك بحاله. وكذا اشكال بأنه يجب رد رأس المال إلى المالك وإن لم يطرأ الخسران. وكذا إشكال تسمية ذلك مقاسمة الربح.

[ 346 ]

[ الحقيقة قسمة لجيمع المال، ولا مانع منها. (مسألة 37): إذا باع العامل حصته من الربح بعد ظهوره صح مع تحقق الشرايط من معلومية المقدار وغيره، وإذا حصل خسران بعد هذا لا يبطل البيع، بل يكون بمنزلة التلف (1)، فيجب عليه جبره بدفع أقل الامرين من مقدار قيمة ما باعه (2) ومقدار الخسران. (مسألة 38): لا إشكال في أن الخسارة الواردة على مال المضاربة تجبر بالربح، سواء كان سابقا عليها أو لا حقا، ما دامت المضاربة باقيه ولم يتم عملها. نعم قد عرفت ما عن الشهيد (3) من عدم جبران الخسارة اللاحقة بالربح السابق إذا اقتسماه، وأن مقدار الربح من المقسوم تستقر ملكيته. وأما التلف فاما أن يكون بعد الدوران في التجارة (4)، أو بعد الشروع فيها (5)، أو قبله، ثم إما أن يكون التألف البعض أو الكل، وأيضا إما أن يكون بآفة من الله سماوية أو أرضية، أو باتلاف المالك أو العامل أو الاجنبي على وجه ] (1) لما دل على لزوم البيع، المانع من ارجاع المبيع إلى البائع أو غيره. وسيأتي نظيره في المسألة الاربعين. (2) إذا كان قيميا، وأما إذا كان مثليا فمثل ما باعه. (3) وعرفت في المسألة السابقة ما فيه. (4) بأن كان منه شراء وبيع فوقع التلف. (5) سيجئ من المصنف مثاله.

[ 347 ]

[ الضمان. فان كان بعد الدوران في التجارة فالظاهر جبره بالربح (1) ولو كان لا حقا مطلقا، سواء كان التالف البعض أو الكل (2) كان التلف بآفة أو باتلاف ضامن من العامل أو الاجنبي. ودعوى: (3) أن مع الضمان كأنه لم يتلف، لانه في ذمة ] (1) قال في الشرائع: " المسألة الثامنة: إذا تلف مال القراض أو بعضه بعد دورانه في التجارة احتسب التالف من الربح. وكذا لو تلف قبل ذلك. وفي هذا تردد "، ونحوه ما في القواعد والعدة وغيرهما. والظاهر أنه لا خلاف فيه، وعن مجمع البرهان: أنه إجماع، وكذا عن السيد العميدي وكأنه الموافق للارتكاز العرفي المنزل عليه الاطلاقات المقامية. لكن في جامع المقاصد. يحتمل ضعيفا عدم الجبران إذا كان التلف بآفة سماوية، أو غصب غاصب، أو سرقة سارق، لانه نقصان لاتعلق له بتصرف العامل وتجارته، ولانه في الغصب والسرقة يحصل الضمان على الغاصب والسارق بلا حاجة إلى جبره بمال القراض. وضعفه ظاهر، فإن كون الربح وقاية لرأس المال في القراض لم يدل دليل على اشتراطه بكون النقص بسبب السوق، ولانه لا يعقل وجود الربح من كون رأس المال ناقصا، والكلام في الغصب والسرقة إنما هو مع عدم العوض من الغاصب والسارق، وحينئذ فهو تلف. ومما قررنا يظهر أن دعوى الشارح السيد الاجماع على جبر التالف من الربح بعد دورانه في التجارة ليس بجيد. انتهى لكن أشكل عليه: بأن هذا الاحتمال من بعض الشافعية، فلا ينافي الاجماع المدعى. (2) يعني: المساوي لرأس المال، إذ لو تلف جميع المال لم يبق مجال للجبران. (3) حكاها في جامع المقاصد - كما سبق - واستضعفها، وتبعه في ذلك في المسالك والجواهر وغيرهما، وحكاها في التذكرة عن بعض الشافعية

[ 348 ]

[ الضامن كما ترى. نعم لو أخذ العوض يكون من جملة المال (1) بل الاقوى ذلك إذا كان بعد الشروع في التجارة (2) وإن كان التالف الكل، كما إذا اشترى في الذمة وتلف المال قبل دفعه ] على أنها أحد الوجهين عندهم، ثم قال: والاصح عندهم أنه مجبور بالربح. (1) كما تقدم في جامع المقاصد. (2) قد تقدم التردد في ذلك في الشرائع والقواعد، ورده في جامع المقاصد والمسالك والجواهر: بأن المقتضي لكونه من مال القراض العقد، لا دورانه في التجارة ثم إن هذا الجبر مبني على بقاء المضاربة في الفرض المذكور، كما هو المشهور، قال في القواعد: " فان اشترى للمضاربة فتلف الثمن قبل نقده فالشراء للمضاربة، وعقدها باق، وعلى المالك الثمن " وفي مفتاح الكرامة: أنه الاقوى، كما في المبسوط، والتحرير، والمسالك، وبه جزم في المهذب والسرائر والتذكرة والارشاد وجامع المقاصد والروض ومجمع البرهان وكذا الايضاح. انتهى. والمصرح به في كلام جماعة اختصاص الحكم بصورة مااذا أذن المالك في الشراء بالذمة وأطلق بعضهم. ولكن لا ينبغي التأمل في البطلان مع عدم الاذن، لان العامل قصد المالك في الشراء فلا يصح له بدون إذنه. ولا يبعد ذلك أيضا في صورة الاذن، لانه وإن أذن في الشراء بالذمة، لكنه قيده بأن يكون الوفاء من مال المضاربة، وقد تلف فانتفت الاذن، فلا يصح الشراء للمالك إلا باذن جديد، وحينئذ لا يكون الشراء للمضاربة بل يكون للمالك خاليا عن حق العامل. ولو فرض أنه أذن له في الشراء بالذمة من دون قيد الوفاء بمال المضاربة فتلف المال، لزم المالك دفع الثمن، ولايكون مضاربة مستقلة لعدم المال حين الشراء، ولا متممة للمضاربة الاولى، بحيث يكون مجموع المالين مال المضاربة، لاعتبار التعين الخارجي

[ 349 ]

[ إلى البايع فأداه المالك، أو باع العامل المبيع (1) وربح فأدى. كما أن الاقوى في تلف البعض الجبر (2) وان كان قبل الشروع أيضا كما إذا سرق في أثناء السفر قبل أن يشرع في التجارة أو في البلد أيضا قبل أن يسافر. وأما تلف الكل قبل الشروع في التجارة فالظاهر أنه موجب لانفساخ العقد (3)، إذ لا يبقى معه مال التجارة حتى يجبر أو لا يجبر. نعم إذا أتلفه أجنبي وأدى عوضه تكون المضاربة باقية. وكذا إذا أتلفه العامل. (مسألة 39): العامل أمين (4) ] في مال المضاربة، وذلك منتف بالنسبة إلى الثمن الجديد فلا يمكن أن ينضم إلى المال التالف. وبالجملة: قوام المضاربة المال الخارجي، فإذا انتفى بالتلف انتفت، وفرض مضاربة جديدة متممة أو مستقلة ممتنع، لعدم تعين مال آخر خارجا، هذا إذا انحصر وفاء الثمن ببذل من المالك. (1) معطوف على قوله (ره): " فأداه المالك " وهذه الصورة خارجة عن محل الكلام السابق، فيحتمل فيها صحة المضاربة، لان الوفاء كان بمال المضاربة وهو الربح، لكنه ضعيف لانتفاء مال المضاربة الذي كان قوام المضاربة، الموجب لانتفائها، وحينئذ يكون الربح للمالك، وللعامل أجره المثل. (2) لما سبق. (3) لما عرفت، وكأنه واضح عندهم، بل الظاهر أنه مسلم، وان كان مقتضى ما ذكروه في المسألة السابقة من أن قوام المضاربة العقد الصحة، إذ لافرق في ذلك بين أن يكون التلف بعد الشراء وقبله. (4) كما هو المصرح به في كلام جماعة كثيرة، بل الظاهر أنه

[ 350 ]

[ فلا يضمن إلا بالخيانة (1) - كما لو أكل بعض مال المضاربة أو اشترى شيئا لنفسه فأدى الثمن من ذلك، أو وطئ الجارية المشتراة أو نحو ذلك - أو التفريط بترك الحفظ، أو التعدي، بأن خالف ما أمره به أو نهاه عنه، كما لو سافر مع نهيه عنه أو عدم اذنه في السفر، أو اشترى ما نهى عن شرائه، أو ترك شراء ما أمره به، فانه يصير بذلك ضامنا للمال لو تلف ] لا خلاف فيه ولا اشكال، وفي الجواهر: أنه إجماعي. ويقتضيه جملة من النصوص العامة الدالة على عدم ضمان المستأمن والخاصة كصحيح محمد بن مسلم عن أبي جعفر (ع) قال: " سألته عن الرجل يستبضع المال فيهلك أو يسرق، على صاحبه ضمان؟ قال (ع): ليس عليه غرم بعد أن يكون الرجل أمينا. (1) قد تقدم في المسألة الخامسة ما يدل على الضمان في الموارد المذكورة هنا. فراجع تلك النصوص. ثم إن ظاهر المصنف أن الخيانة مفهوما تقابل التعدي والتفريط، فالخيانة والتعدي والتفريط مفاهيم ثلاثة متباينة، والمصرح به في المسالك: أن الخيانة هي التعدي مفهوما، فمفهومهما واحد يقابل التفريط. ولعله ظاهر الشرائع، حيث عبر بالتفريط والخيانة مقتصرا عليهما في وجه الضمان. والذي يظهر من الاستعمالات العرفية أن التعدي والتفريط كل منهما خيانة، وهما متقابلان فالتعدي فعل مالا ينبغي أن يفعل، والتفريط ترك ما ينبغي أن يفعل، فأكل مال المضاربة تعد، ومخالفة أمر المالك تعد، وترك وضعها في الحرز تفريط، والجميع خيانة.


(* 1) راجع الوسائل باب: 4 من كتاب الوديعة. (* 2) الوسائل باب 3 من كتاب المضاربة حديث: 3.

[ 351 ]

[ ولو بآفة سماوية، وإن بقيت المضاربة، كما مر. والظاهر ضمانه للخسارة الحاصلة بعد ذلك أيضا (1). وإذا رجع عن تعديه أو خيانته فهل يبقى الضمان أو لا؟ وجهان. مقتضى الاستصحاب بقاؤه، كما ذكروا في باب الوديعة أنه لو أخرجها الودعي عن الحرز بقي الضمان وإن ردها بعد ذلك إليه. ولكن لا يخلو عن إشكال، لان المفروض بقاء الاذن (2)، وارتفاع ] (1) وفي الجواهر: أنه ظاهر الادلة، وتقدم الجزم بذلك من المصنف قدس سره، لبعض النصوص الصريحة في ذلك. بل قال في الجواهر: " بل قد يقال أو يقوى ضمانه للوضعية المتجددة بعد التعدي، وبالسفر مثلا وان تساوى السعر في البلدين، على وجه لو بقي في البلد الذي سافر عنها كان سعرها ذلك أيضا. لاطلاق كونها على العامل مع مخالفته ". وقد يظهر منه نوع من التوقف، لاحتمال انصراف الوضيعة إلى الوضيعة التي جاءت بسبب مخالفته، فلا تشمل صورة ما إذا كانت الوضيعة عامة. لكن مقتضى كون الوضيعة مذكورة في سياق الربح وهو عام فهي أيضا عامة، بقرينة السياق. ثم إن المذكور في النصوص أمرين: ضمان المال، وضمان الوضيعة والاول يكون بمطلق الخيانة والتعدي والتفريط. أما ضمان الوضيعة فيختص بالمخالفة للمالك، فإذا كانت الوضيعة حاصلة بعد التعدي أو التفريط لم يضمنها، وإن كان يضمن العين. وإذا كانت الوضيعة بعد مخالفة المالك ضمنها كما ضمن العين. فلاحظ. (2) يعني فإذا بقيت الاذن فقد بقي الاستيمان، وإذا ثبت الاستيمان فقد شمله عموم: لا ضمان على الامين، وهو مقدم على الاستصحاب. ومثله الكلام في الوديعة.

[ 352 ]

[ سبب الضمان. ولو اقتضت المصلحة بيع الجنس في زمان ولم يبع ضمان الوضيعة إن حصلت بعد ذلك (1). وهل يضمن بنية الخيانه مع عدم فعلها؟ وجهان، من عدم كون مجرد النية خيانة، ومن صيرورة يده حال النية بمنزلة يد الغاصب (2) ويمكن الفرق بين العزم عليها فعلا وبين العزم على أن يخون بعد ذلك (3). (مسألة 40): لا يجوز للمالك أن يشتري من العامل شيئا من مال المضاربة (4)، لانه ماله. نعم إذا ظهر الربح يجوز له أن يشترى حصة العامل منه مع معلومية قدرها. ولا يبطل بيعه بحصول الخسارة بعد ذلك، فانه بمنزلة التلف (5) ويجب على العامل رد قيمتها لجبر الخسارة، كما لو باعها من غير المالك. وأما العامل فيجوز أن يشتري من المالك قبل ] (1) قد عرفت أن ضمان الوضيعة يختص بصورة مخالفة المالك، فان لم تكن مخالفة للمالك فلا ضمان لها وإن كان مفرطا في عمله، كما هو المفروض في المقام. بل في اقتضائه ضمان العين اشكال، فانه أيضا يختص بالتعدي والتفريط في حفظ العين لافي العمل. اللهم إلا أن يكون مبنى العقد على البيع مع المصلحة، فتركه مخالفة للعقد، فيكون مخالفا للمالك. (2) هذا أول الكلام، ولا دليل عليه. (3) لكنه ليس بفارق. (4) كما نص في الشرائع والقواعد وغيرهما، وفي الجواهر: أنه بلا خلاف ولا إشكال، معللا له بما في المتن. (5) كذا في الجواهر أيضا. وقد تقدم ذلك من المصنف في المسألة

[ 353 ]

[ ظهور الربح. بل وبعده، لكن يبطل الشراء بمقدار حصته من المبيع (1) لانه ماله. نعم لو اشترى منه قبل ظهور الربح بأزيد من قيمته بحيث يكون الربح حاصلا بهذا الشراء يمكن الاشكال فيه، حيث أن بعض الثمن حينئذ يرجع إليه من جهة كونه ربحا، فيلزم من نقله إلى البايع عدم نقله من حيث عوده إلى نفسه. ويمكن دفعه: بأن كونه ربحا متأخر عن صيرورته للبايع، فيصير أولا للبايع الذي هو المالك من جهة كونه ثمنا، وبعد أن تمت المعاملة وصار ملكا للبايع وصدق كونه ربحا يرجع إلى المشتري الذي هو العامل على حسب قرار المضاربة، فملكية البايع متقدمة طبعا (2). وهذا مثل ما إذا باع العامل مال المضاربة الذي هو مال المالك من أجنبي بأزيد من قيمته، فان المبيع ينتقل من المالك والثمن يكون مشتركا بينه وبين العامل، ولا بأس به فانه من الاول يصير ملكا للمالك ثم يصير بمقدار حصة العامل منه له بمقتضى قرار المضاربة. لكن هذا على ما هو المشهور من أن مقتضى المعاوضة دخول المعوض في ملك من خرج عنه العوض وأنه لا يعقل غيره. وأما على ما هو الاقوى من عدم المانع من كون ] السابعة والثلاثين. لكن في جامع المقاصد: " لو تجدد الخسران أمكن القول بالبطلان، ولم أجد تصريحا بذلك، فينبغي التوقف ". وضعفه مما تقدم ظاهر، وفي الجواهر: أنه في غير محله. (1) كما في القواعد وغيرها. (2) تقدم الموضوع على حكمه.

[ 354 ]

[ المعوض لشخص والعوض داخل في ملك غيره، وأنه لا ينافي حقيقة المعاوضة (1)، فيمكن أن يقال: من الاول يدخل الربح ] (1) المعاوضة مصدر " عاوض "، و " فاعل " لا يدل على المشاركة كما يظهر من ملاحظة موارد الاستعمال كما أشرنا إلى ذلك في أول كتاب المضاربة، وإنما الذي يدل على المشاركة " تعارض " والمصدر له التعاوض فمعنى عاوض أنه أعطى العوض وجعله في مكان المعوض، أما المعوض فلا يجب أن يكون في مكان العوض، وعليه فالثمن الذي هو العوض يجب أن يكون في مكان المثمن المعوض، ولا يجب العكس. نعم يكون العكس إذا لم يكن مقتض للخلاف. هذا هو الموافق للمرتكزات العقلائية. وأما احتمال أنه لا يجب أن يكون العوض داخلا في ملك مالك المعوض فيجوز أن يكون المعوض لشخص، فيخرج من ملكه إلى ملك غيره، ولا يدخل في ملكه شئ، بل يدخل العوض في ملك غيره، وهو الذي جعله المصنف (ره) أقوى، فضعيف جدا، لان الظاهر من الباء كون مدخولها عوضا، والظاهر من العوض كونه في مكان المعوض، ولذلك كان من المسلمات امتناع الجمع بين العوض والمعوض. والذي يتحصل: أن المحتمل في مفهوم المعاوضة أمور ثلاثة (الاول): دخول كل من العوض والمعوض في ملك من خرج عنه الآخر. (الثاني): دخول العوض في ملك مالك المعوض دون العكس. (الثالث): عدم لزوم دخول أحدهما في ملك مالك الآخر فيجوز أن يدخل كل منهما في غير ملك من خرج عنه الآخر. والاحتمال الاول هو المشهور، والثاني هو الاقوى، والثالث ضعيف. وعلى الاولين يتوجه الاشكال الذي ذكره المصنف ثم الجواب عنه بما ذكر، ولا يختص الاشكال والجواب بالمشهور فقط. وعلى الثالث لا يتوجه الاشكال من أصله، إذ لا موجب لان ينتقل المال إلى البائع لعدم دخله في مفهوم المعاوضة

[ 355 ]

[ في ملك العامل بمقتضى قرار المضاربة، فلا يكون هذه الصورة مثالا للمقام ونظيرا له (1). (مسألة 41): يجوز للعامل الاخذ بالشفعة من المالك في مال المضاربة (2) ولايجوز للعكس (3). مثلا إذا كانت دار مشتركة بين العامل والاجنبي، فاشترى العامل حصة الاجنبي بمال المضاربة، يجوز له إذا كان قبل ظهور الربح أن يأخذها بالشفعة، لان الشراء قبل حصول الربح يكون للمالك، فللعامل أن يأخذ تلك الحصة بالشفعة منه. وأما إذا كانت الدار مشتركة بين المالك والاجنبي، فاشترى العامل حصة الاجنبي، ليس للمالك الاخذ بالشفعة، لان الشراء له فليس له أن يأخذ بالشفعة ما هو له. ] على ما هو المفروض، كي يشكل: بأنه يلزم من نقله إلى البائع عدم نقله وعوده إلى نفسه. (1) لان الذي يلزم في هذه الصورة أن العوض ينتقل إلى غير مالك المعوض، وهو غير الاشكال السابق الذي هو أنه يلزم من نقل العوض عدم نقله. لكن قد عرفت أيضا أنه لا يتوجه الاشكال من أصله في المقام لجواز كون الشئ عوضا من دون انتقال من مالكه، لان الموجب لانتقاله من ماله أن يكون في ملك مالك المعوض، فإذا لم يلزم ذلك في المعاوضة لم يلزم الانتقال أيضا. (2) يعني: أن يأخذ ما اشتراه للمضاربة لنفسه بالشفعة. (3) يعني أن يأخذ المالك بالشفعة ما اشتراه العامل له، لانه إذا اشتراه صار للمالك، فلا معنى لتملكه بالشفعة. وهذا الحكم مذكور في

[ 356 ]

[ (مسألة 42): لا إشكال في عدم جواز وطئ العامل للجارية التي اشتراها بمال المضاربة بدون إذن المالك، سواء كان قبل ظهور الربح أو بعده، لانها مال الغير أو مشتركة بينه وبين الغير الذي هو المالك. فان فعل كان زانيا، يحد مع عدم الشبهة كاملا إن كان قبل حصول الربح، وبقدر نصيب المالك إن كان بعده. كما لا إشكال في جواز وطئها إذا أذن له المالك بعد الشراء (1)، وكان قبل حصول الربح، بل يجوز بعده على الاقوى (2) من جواز تحليل أحد الشريكين صاحبه وطئ الجارية المشتركة بينهما. وهل يجوز له وطؤها بالاذن السابق في حال إيقاع عقد المضاربة، أو بعده قبل الشراء، أم لا؟ المشهور على عدم الجواز، لان التحليل إما تمليك أو عقد (3) وكلاهما لا يصلحان قبل الشراء (4). والاقوى - كما عن ] الشرائع والقواعد وغيرهما، ولا إشكال فيه. (1) فانه من التحليل الذي لاإشكال في صحته في الجملة. (2) كما ذهب جماعة من الاساطين. ويدل عليه صحيح محمد ابن قيس (* 1) وسيأتي تحرير ذلك في المسألة الواحدة والعشرين من فصل نكاح العبيد والاماء. (3) كذا في المسالك. (4) فلا يتناوله الحصر في قوله تعالى: (الا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم). كذا في المسالك.


(* 1) الوسائل باب: 41 من أبواب نكاح العبيد والاماء حديث: 1.

[ 357 ]

[ الشيخ في النهاية - الجواز، لمنع كونه أحد الامرين، بل هو إباحة (1)، ولا مانع من إنشائها قبل الشراء إذا لم يرجع عن إذنه بعد ذلك، كما إذا قال: اشتر بمالي طعاما ثم كل منه (2) هذا مضافا إلى خبر الكاهلي (3) عن أبي الحسن (ع) قلت: رجل سألني أن أسألك أن رجلا أعطاه مالا مضاربة يشتري ] (1) لكن يشكل للحصر المذكور في الآية الشريفة. إلا أن يقال: إن الدليل القطعي الدال على جواز الوطئ بتحليل المالك موجب للخروج عن عموم الحصر. أو يكون المراد بما ملكت أيمانهم ما يعم التحليل، والموجب لذلك أن مادل على مشروعية التحليل لا يقبل الحمل على أحد الامرين من العقد والتمليك، فيتعين المصير إلى ما ذكر. لكن في جواز التحليل بهذا المعنى قبل الشراء اشكال، إذ لا اطلاق يقتضي جوازه حينئذ والاصل عدم ترتب الاثر. (2) لا ينبغي التأمل في صحة ذلك. لكن المقايسة مع المقام غير ظاهرة لان التصرفات الخارجية لا تتوقف على الاذن الانشائي، ويكفي فيها الرضا النفساني التقديري المستفاد من الفحوى، فمن أذن لغيره في دخول داره جاز للمأذون شرب الماء والوضوء ونحوهما من التصرفات الخارجية التي لو سئل عنها المالك لاذن فيها، ولاريب في عدم كفاية ذلك هنا. نعم المناسب المقايسة بالتصرفات الاعتبارية، كما إذا أذن له في شراء دار ووقفها أو إجارتها ونحوها من التصرفات الاعتبارية، فان الاذن فيها لا تتوقف على وجود الموضوع - كما مثل له في الجواهر - وإن كان المقام يختلف عن المثال بأنه تصرف خارجي والمثال تصرف اعتباري، لكنه لما كان لابد فيه من الرضا الانشائي كان نظيرا. (3) رواه الشيخ باسناده عن الحسن بن محمد بن سماعة عن محمد

[ 358 ]

[ ما يرى من شئ وقال له: اشتر جارية تكون معك، والجارية إنما هي لصاحب المال، إن كان فيها وضيعة فعليه، وإن كان ربح فله، فللمضارب أن يطأها؟ قال (ع): نعم. ولا يضر ] ابن زياد عن عبد الله بن يحيى الكاهلي عن أبي الحسن (ع)، قال: " قلت... ". واسناد الشيخ إلى الحسن موثق، والحسن ثقة، ومحمد ابن زياد صحيح الحديث، لان الظاهر أنه محمد ابن أبي عمير، واحتمال غيره لا يعول عليه عند الاطلاق، وكذلك عبد الله بن يحيى الكاهلي، فانه من الاجلاء - كما قيل - وقد عد حديثه صحيحا في كثير من الموارد فالخبر من الموثق. وفي المسالك: " والقول بالجواز للشيخ في النهاية، استنادا إلى رواية ضعيفة، مضطربة المفهوم، قاصرة الدلالة ". والاشكال على الاول ظاهر. وفي جامع المقاصد في بيان وجه ما في القواعد من أن الاقرب المنع: " ووجه القرب الحصر المستفاد من قوله تعالى: (إلا على ازواجهم أو ما ملكت أيمانهم). ولان أمر الفروج مبني على الاحتياط التام، فلا يعول فيه على مثل هذه الرواية. لكن الحصر لابد من التصرف فيه لما دل على مشروعية التحليل، ولا مجال للاحتياط مع الدليل. نعم ذكر في النافع أن الرواية متروكة، وهذا الترك يوجب سقوطها عن الحجية كغيرها من المهجورات. لكن ذلك يختص بما إذا كان يمنع الوثوق بصدورها، وفي المقام غير ظاهر، لاحتمال كونه صادرا لاجل هذه الطعون غير المقبولة وإن كان ظاهر المحقق أن القادح في الرواية أنها متروكة لا قاصرة عن الحجية، فالطعون المذكورة في كلام من تأخر عنه من باب التعليل بعد الورود، فإذا لا مجال للعمل بالرواية. فلاحظ.


(* 1) الوسائل باب: 11 من ابواب كتاب المضاربة.

[ 359 ]

[ ظهورها في كون الشراء من غير مال المضاربة (1) من حيث جعل ربحها للمالك، لان الظاهر عدم الفرق بين المضاربة وغيرها في تأثير الاذن السابق وعدمه. وأما وطئ المالك لتلك الجارية فلا بأس به (2) قبل حصول الربح، بل مع الشك فيه، لاصالة عدمه. وأما بعده فيتوقف على إذن العامل، فيجوز معه على الاقوى (3) من جواز إذن أحد الشريكين صاحبه. (مسألة 43): لو كان المالك في المضاربة امرأة فاشترى العامل زوجها، فإن كان بإذنها فلا إشكال في صحته، وبطلان ] (1) لان قول السائل: " هي لصاحب المال " يراد منه أنها ليست من مال المضاربة، والا فان مال المضاربة أيضا لصاحب المال. ثم إن الظاهر أن هذا الظهور هو الذي دعا المسالك إلى دعوى كونها قاصرة الدلالة. وأما دعواه اضطراب المفهوم فالظاهر أن الوجه فيه أن قول المالك: " تكون معك " غير ظاهر في الاذن في الوطئ، ولعل المراد أنها تكون معك أمانة ووديعة إلى أن ترجع في مقابل أن يرسله إلى المالك، لكن لما كان من البعيد الاذن للعامل في الوطئ للوديعة تعين أن يكون الاذن قرينة على أن المراد من كونها مع العامل أن يتخذها فرشا له. وفيه: أن الظاهر من قوله: " تكون معك " الذي هو جملة وصفية للجارية ومن قيود الجارية أنه يريد كونها مصاحبة له والمنصرف منه أن تكون فراشا له، لا أمانة. (2) لكونها ملكه بلا شريك. (3) لما يأتي في المسألة الواحدة والعشرين من فصل نكاح العبيد والاماء كما سبق.

[ 360 ]

[ نكاحها (1)، ولا ضمان عليه (2)، وإن استلزم ذلك الضرر عليها بسقوط مهرها ونفقتها. وإلا ففي المسألة أقوال (3): البطلان مطلقا، للاستلزام المذكور، فيكون خلاف مصلحتها. والصحة كذلك، لانه من أعمال المضاربة المأذون فيها في ضمن العقد، كما إذا اشترى غير زوجها. والصحة إذا أجازت بعد ذلك. وهذا هو الاقوى، إذ لا فرق بين الاذن السابق والاجازة اللاحقة، فلا وجه للقول الاول (4). مع أن قائله غير معلوم (5). ولعله من يقول بعدم صحة الفضولي إلا فيما ورد دليل خاص. مع أن الاستلزام المذكور ممنوع، لانها لا يستحق النفقة إلا تدريجا، فليست هي مالا لها فوته عليها وإلا لزم غرامتها على من قتل الزوج. وأما المهر فإن كان ] (1) إجماعا، نصا وفتوى، كما يأتي في شرح المسألة السابعة من فصل نكاح العبيد والاماء. (2) لعدم الموجب له بعد أن كان الشراء باذنها. كما هو المفروض. (3) قال في القواعد: " قيل: يبطل الشراء، لتضررها به، وقيل يصح موقوفا... (إلى أن قال): وقيل: مطلقا، فيضمن المهر مع العلم "، ونحوه حكي في جملة من الكتب، وفي الشرائع: اقتصر على ذكر قولين، فقال: " قيل: يصح الشراء، وقيل: يبطل، لان عليها في ذلك ضررا. وهو أشبه "، ونحوه حكي عن المبسوط. (4) فالاستلزم الذي ذكر وجها له لا يقتضي البطلان مع الاجازة (5) كما الجواهر، لكن قال: " وإن حكي عن ظاهر الشيخ في المبسوط "، وفي التذكرة حكاه قولا للشافعي.

[ 361 ]

[ ذلك بعد الدخول فلا سقوط، وإن كان قبله فيمكن أن يدعى عدم سقوطه أيضا بمطلق المبطل (1)، وإنما يسقط بالطلاق فقط مع أن المهر كان لسيدها (2) لا لها. وكذا ] (1) احتمل ذلك في الجواهر هنا، وسيأتي تحقيق ذلك في المسألة السابعة من فصل نكاح العبيد والاماء، وذكرنا هناك أن التحقيق بقاء تمام المهر، لان العقد لم ينفسخ ولم ينحل، وإنما طرأ الطارئ على مورد العقد فمنع من بقاء أثره، وما دام العقد باقيا لم ينحل يصح كل شرط فيه، ومنه شرط المهر، فلا وجه لتبعيضه، ولا لسقوطه. فراجع. (2) هكذا في النسخ التي بأيدينا، والصحيح كان لسيده، والمراد منه غامض جدا. ويحتمل أن يكون مراد المصنف ما في الجواهر فانه حكي عن المسالك وجامع المقاصد ضمان المهر في المقام. بل في الاول منهما جعل الضمان ظاهرا، واستشكل عليه. أولا: بحصول الاذن منها على فرض الصحة ولو في ضمن الاطلاق. وثانيا: بمنع فوات المهر عليها مع فرض عدم الفسخ من قبلها، لكونه مستحقا لها بالعقد. ثم قال: " ولعل مرادهما ضمان المهر لسيد العبد الذي هو الزوج "، يعني: فلا يكون ضمان المهر للزوجة، وكأن المصنف (ره) يريد بيان ذلك. هذا ولكن احتمال ذلك في كلام المسالك وجامع المقاصد بعيد جدا، لذكر المهر في سياق النفقة التي هي إن كانت مضمونة فللزوجة. مع أنه لاوجه لضمان السيد مع اقدامه على بيع عبده، إلا أن يكون المفروض الشراء من وكيله، وحينئذ تشكل صحة الشراء إذا كان فيه ضرر على السيد، ولو صح كان وكيل السيد ضامنا أيضا كالعامل. مضافا إلى أن ما فات على السيد هو زوجية عبده بعد أن صار حرا أجنبيا، لا المهر،

[ 362 ]

[ لا وجه للقول الثاني (1) بعد أن كان الشراء المذكور على خلاف مصلحتها، لا من حيث استلزام الضرر المذكور (2) بل لانها تريد زوجها لاغراض أخر، والاذن الذي تضمنه العقد منصرف عن مثل هذا (3). ومما ذكرنا ظهر حال ما إذا اشترى العامل زوجة المالك، فانه صحيح مع الاذن السابق أو الاجازة اللاحقة، ولا يكفيه الاذن الضمني في العقد، للانصراف. (مسألة 44): إذا اشترى العامل من ينعتق على المالك فاما أن يكون بإذنه، أو لا. فعلى الاول ولم يكن فيه ربح صح وانعتق عليه (4)، وبطلت المضاربة بالنسبة إليه (5)، لانه خلاف وضعها وخارج عن عنوانها، حيث أنها مبنية على طلب الربح المفروض عدمه، بل كونه خسارة محضة، فيكون ] فوات الزوجية حينئذ كيف يكون ضررا ماليا على السيد حتى يكون مضمونا له. ثم إن حمل كلام المصنف على هذا المعنى بعيد جدا عن العبارة، فلا مجال له. ولعل في العبارة سقطا. (1) وان كان القائل به غير معلوم أيضا كما في المسالك والجواهر، وفي التذكرة: حكاه عن أبي حنيفة. (2) لما عرفت من المناقشة فيه. (3) دعوى الانصراف كلية غير ظاهرة. وكذا فيما بعده. (4) لاإشكال في الحكمين المذكورين، عملا بعموم الادلة. (5) كما صرح به غير واحد، منهم المحقق في الشرائع، معللين له بما ذكر في المتن.

[ 363 ]

[ صحة الشراء من حيث الاذن من المالك، لا من حيث المضاربة وحينئذ فان بقي من مالها غيره بقيت بالنسبة إليه (1)، وإلا بطلت من الاصل. وللعامل أجرة عمله (2) إذا لم يقصد التبرع. ] (1) كما صرح به في الشرائع وغيرها، لعدم الموجب للبطلان في الجميع كما لو تلف بعض المال أو أتلفه المالك أو استرده، لان العقد على الجميع قابل للتحليل والتجزأة، لانه على نحو تعدد المطلوب. (2) كما عن الارشاد والمختلف وغيرهما. وعن المبسوط عدم الاجرة، وظاهر المحقق الثاني الميل إليه، بل لعل ظاهر الشرائع لعدم المقتضي لها، إذ لاأمر بالعمل المذكور، كي يكون استيفاء موجبا للضمان. ومجرد الاذن في الشرائع لا يقتضي الامر به. والاجماع على أن بطلان المضاربة يوجب ثبوت الاجرة - كما عن الفخر في الايضاح - لا يشمل ما نحن فيه، بل يختص بما إذا كان العمل بأمر من المالك في مقام الاسترباح، وليس منه المقام. نعم إذا كانت قرينة على كون الاستئذان للعمل بأجرة استحق المستأذن الاجرة، وتكون الاذن منه كمعاملة على العمل بأجرة. أما إذا لم تكن قرينة فلا موجب لاستحقاقها وان لم يقصد المستأذن التبرع. وبذلك يظهر الفرق بين الامر بالعمل وبين الاذن في العمل، فان الاول يوجب الضمان إلا إذا قصد المأمور التبرع، والثاني لا يوجب الضمان الا إذا قصد الآذن الاجرة، ونحوه في ذلك الاذن في الاستيفاء، فانه لا يوجب ضمان المستوفي الا إذا كانت قرينة على الضمان، كاذن الحمامي في الاستحمام، واذن صاحب المطعم في الاكل من طعامه، فانه يوجب الضمان للقرينة عليه، فلو لم تكن قرينة لم يستوجب الضمان، كما إذا أذن صاحب الدار في دخول داره والاكل من طعامه، فانه لا يضمن الداخل والا الآكل، فباب الاذن

[ 364 ]

[ وإن كان فيه ربح فلا إشكال في صحته (1)، لكن في كونه قراضا - فيملك العامل بمقدار حصته من العبد (2)، أو يستحق عوضه على المالك للسراية (3) - أو بطلانه مضاربة واستحقاق العامل أجرة المثل لعمله (4) - كما إذا لم يكن ربح - أقوال - لا يبعد ترجيح الاخير، لا لكونه خلاف وضع المضاربة (5)، للفرق بينه وبين صورة عدم الربح (6)، بل لانه فرع ملكية المالك المفروض عدمها (7). ودعوى: أنه لابد أن يقال: إنه يملكه آنا ما ثم ينعتق، أو تقدر ملكيته، حفظا لحقيقة البيع، على القولين في تلك المسألة (8) وأي منهما ] غير باب الامر. (1) عملا بعموم الادلة. (2) يعني بناء على عدم السراية في مثله. (3) كما عن المبسوط. ويقتضيه الصحيح المتقدم في المسألة الرابعة والثلاثين (4) كما جعله الوجه في الشرائع والقواعد، واختاره العلامة في كثير من كتبه، وتبعهما عليه غير واحد ممن تأخر عنهما. (5) بذلك استدل في جامع المقاصد والمسالك على بطلان المضاربة فيه. (6) فانه بعد أن كان المفروض حصول الربح يكون كسائر انواع التجارة في مال المضاربة. (7): يعني أن العامل انما يملك حصته من الربح بعد أن يكون الربح للمالك، لانه عوض ماله، عملا بمقتضى المعاوضة، على ما عرفت في المسألة الاربعين، وهنا يتعذر أن يكون الربح للمالك، للانعتاق عليه. (8) يعني: القول بالملكية الفعلية والملكية التقديرية، يعني: الملكية

[ 365 ]

[ كان يكفي في ملكية الربح. مدفوعة (1) بمعارضتها بالانعتاق الذي هو أيضا متفرع على ملكية المالك، فان لها أثرين في عرض واحد، ملكية العامل للربح، والانعتاق، ومقتضى بناء العتق على التغليب تقديم الثاني، وعليه فلم يحصل للعامل ملكية نفس العبد (2)، ولم يفوت المالك عليه أيضا شيئا (3)، بل فعل ما يمنع عن ملكيته. مع أنه يمكن أن يقال: إن التفويت من الشارع (4) لا منه. لكن الانصاف أن المسألة مشكلة، بناء على لزوم تقدم ملكية المالك وصيرورته للعامل بعده، إذ تقدم الانعتاق على ملكية العامل عند المعاوضة في محل المنع (5). نعم ] على تقدير عدم المانع، فان ذلك يكفي في صدق العوضية من الطرفين. (1) كان المناسب أن يقول: مسلمة لكنها لا تجدي في ملك العامل لحصته من الربح، لوجود المانع وهو الانعتاق من جهة التغليب. (2) هذا يقتضي أن يكون المناسب له في تعليل اختيار الاخير أن يقول - بدل قوله: " لانه فرع ملكية المالك " -: لتعذر ملكية العامل للربح. (3) يعني: فلا يكون المالك ضامنا لحصته من الربح للتفويت، فيكون العامل مالكا لبدل الصحة، لان الفوات كان باقدام العامل على شراء من ينعتق على المالك، لا بتسبيب المالك. (4) لكن تفويت الشارع لا يكون موضوع أثر شرعي، والضمان يستند إلى فعل المكلف، فمن القى نجاسة في دهن مائع كان ضامنا له للاتلاف، وإن كان ذلك مستندا إلى حكم الشارع بنجاسة المائع. (5) لان تغليب العتق لادليل عليه كلية لكن إذا لم يكن يكون

[ 366 ]

[ لو قلنا: إن العامل يملك الربح أو لا بلا توسط ملكية المالك بالجعل الاولي حين العقد، وعدم منافاته لحقيقه المعاوضة، لكون العوض من مال المالك والمعوض مشتركا بينه وبين العامل - كما هو الاقوى (1) - لا يبقى إشكال، فيمكن أن يقال (2) بصحته مضاربة، وملكية العامل حصته من نفس العبد على القول ] اللازم تساقط الدليلين، وحينئذ يتم المدعى من عدم ملك العامل، فتبطل المضاربة. اللهم إلا أن يقال: إن إطلاق مادل على ملكية العامل للربح بعد أن يملكه المالك لا يصلح لتشريع الاحكام المخالفة للاحكام الاقتضائية فإذا كان ملك المالك يقتضي الانعتاق فلا تصلح أدلة مشروعية المضاربة لمنع ذلك. (1) تقدم ذلك في المسألة الاربعين. (2) المذكور في جامع المقاصد والمسالك وغيرهما في توجيه بطلان المضاربة في المقام: اعتبار صلاحية المال للتقليب مرة بعد أخرى فيها، وهو منتف في المقام، للانعتقا بمجرد الشراء. وفي الجواهر: استشكل في ذلك بل منع من اعتبار ذلك في مفهوم المضاربة بالنسبة إلى جميع المال. وكأنه لذلك لم يعتن بهذا الوجه المصنف. وفيه: أنه لا اطلاق لفظي في دليل المضاربة يشمل المقام، والاطلاق المقامي قاصر عنه، للشك في صدق المضاربة فيه. ونحوه مما كان المال لا يقبل التقليب، والاصل عدم ترتب الاثر. وعموم صحة العقود وإن كان يقتضي الصحة، لكن لا بعنوان المضاربة، كما سبق في نظيره من شروط المضاربة. اللهم إلا أن يكون داخلا في عموم المضاربة للصحيح المتقدم في المسألة الرابعة والثلاثين، وكفى به دليلا على صحة المضاربة حينئذ وإن كان مختصا بالجهل.

[ 367 ]

[ بعدم السراية (1)، وملكية عوضها إن قلنا بها. وعلى الثاني - أي إذا كان من غير إذن المالك - فان أجاز فكما في صورة الاذن، وإن لم يجز بطل الشراء. ودعوى: البطلان ولو مع الاجازة (2)، لانه تصرف منهي عنه، كما ترى، إذ النهي ليس عن المعاملة بما هي، بل لامر خارج (3)، فلا مانع من صحتها مع الاجازة. ولا فرق في البطلان مع عدمها بين كون العامل عالما بأنه ممن ينعتق على المالك حين الشراء أو ] (1) بناء على اختصاصها بالعتق الاختياري، فلا يشمل المقام وإن كان سببه اختياريا وهو الاذن في الشراء. وستأتي الاشارة إلى ذلك في المسألة الآتية. (2) قال في القواعد: " وإن لم يأذن فالاقرب البطلان إن كان الشراء بالعين أو في الذمة وذكر المالك، وإلا وقع للعامل ". وفي جامع المقاصد: " يظهر من تقرير الشارح الفاضل أن مراد المصنف بالبطلان أنه لا يقع موقوفا، بل يقع باطلا، لاستلزام عقد القراض النهي عن هذا التصرف "، ونحو عبارة القواعد عبارة الشرائع واحتمل في المسالك ما حكى عن شرح الفاضل من البطلان حتى مع الاجازة، للنهي المذكور في المتن. (3) لم يتضح وجود هذا النهي حتى يتكلم في معناه، بل ليس الا مادل على المنع من التصرف في مال الغير بغير إذنه، ولابد - بناء على صحة الفضولي - من حمله على الارشاد إلى عدم الصحة بدون الاجازة. وبالجملة: لادليل بالخصوص على النهي، ولا على البطلان وإنما هو من صغريات باب الفضولي، فإذا بني على صحته بالاجازة فلابد من البناء على ذلك في المقام.

[ 368 ]

[ جاهلا، والقول بالصحة مع الجهل (1)، لان بناء معاملات العامل على الظاهر، فهو كما إذا اشترى المعيب جهلا بالحال (2) ضعيف، والفرق بين المقامين واضح (3). ثم لا فرق في البطلان بين كون الشراء بعين مال المضاربة، أو في الذمة بقصد الاداء منه (4) وإن لم يذكره لفظا. نعم لو تنازع هو والبايع في كونه لنفسه أو للمضاربة قدم قول البايع، ويلزم العامل به ظاهرا، وإن وجب عليه التخلص منه (5)، ولو لم ] (1) قال في القواعد: " في جاهل النسب والحكم إشكال " ووجهه - كما في جامع المقاصد والمسالك - ما ذكره في المتن. (2) هذا التمثيل ذكره في المسالك، واعتمد عليه. (3) فرق في الجواهر بين المقامين: بأن مبنى المضاربة على الاجتهاد بالنسبة إلى العيب وعدمه والرغبة فيها وعدمها، فالخطأ والصواب من توابع المضاربة، ضرورة جريانها على المتعارف في اعمال التجارة. بخلاف المقام الذي لم يكن حاضرا في الذهن، ولا هو متعارف التجارة. انتهى. وحاصله: أن شراء المعيب مأذون فيه كشراء الصحيح، لانه يكون موردا للغبطة والفائدة كالصحيح، وطرو التعلف لا يقدح في الاذن كطروه في شراء الصحيح، بخلاف ما نحن فيه، فانه غير مأذون فيه، كما هو المفروض. (4) قد تقدم ما في القواعد من الصحة للعامل مع عدم ذكر المالك وهو ظاهر الشرائع أيضا، وفيه: أنه يلزم وقوع ما لم يقصد. اللهم إلا أن يكون مقصودهما الوقوع للعامل ظاهرا وفي مقام الاثبات، فمع النزاع بين البائع والمشتري إذا ادعى البائع أنه للعامل كان قوله موافقا للحجة. ويكون خصمه مدعيا. أما مع الاتفاق على قصد المالك فالحكم البطلان. (5) لبقائه على ملك البائع، فيجب عليه رده عليه. وأخذه من باب

[ 369 ]

[ يذكر المالك لفظا ولا قصدا كان له ظاهرا وواقعا (1). (مسألة 45): إذا اشترى العامل أباه أو غيره ممن ينعتق لميه، فان كان قبل ظهور الربح ولا ربح فيه أيضا (2) صح الشراء (3) وكان من مال القراض، وإن كان بعد ] المقاصة للبائع في مقابل أخذه الثمن، غير ظاهر، إذ لادليل عليها فيما إذا كان المقاص عنه ممتنعا عن دفع الحق عن شبهة. (1) إذا لم يذكر المالك لفظا ولاقصدا وكان الشراء بالعين، فالمبادلة تكون بين العينين. وينتقل كل منهما إلى ملك مالك الآخر، وإذا كان الشراء بالذمة فلابد من تعيين الذمة، وإلا لم يكن البدل ذا مالية، ولا صالحا للمبادلة به لاعوضا ولا معوضا. نعم لا يعتبر التعيين التفصيلي بل يكفي التعيين الاجمالي الارتكازي، والمرتكز في الذهن من قول القائل: اشتريت هذا بدينار: أنه بدينار في ذمتي، فيكون الشراء للقائل لا لغيره. (2) لم يظهر وجه المقابلة بين الامرين، ولذلك كانت العبارات خالية عن الجمع، فمنهم من ذكر الظهور، قال في الشرائع: " إذا اشترى العامل أباه فان ظهر فيه ربح انعتق... "، ومنهم من ذكر الربح، قال في المسالك: " فان لم يكن فيه ربح سابقا ولا لاحقا فالبيع صحيح... " وكأنه يريد من ظهور الربح خصوص ارتفاع السوق بعد الشراء، ومن الربح زيادة القيمة حال الشراء، وإن كان ذلك لا يناسب ما يأتي في الصورة الاخرى. وبالجملة الصور ثلاث، لانه تارة: يظهر الربح حين الشراء، وأخرى: بعد ذلك، وثالثة: لا يظهر لاحال الشراء ولابعد ذلك. والصورة الثالثة واضحة الحكم عندهم وهي الصورة الاولى في كلام المصنف وفي كلام المسالك. (3) بلا اشكال، وفي جامع المقاصد: " قطعا، لعدم المانع " وفي

[ 370 ]

[ ظهوره أو كان فيه ربح، فمقتضى القاعدة وإن كان بطلانه (1) لكونه خلاف وضع المضاربة، فانها موضوعة - كما مر - للاسترباح بالتقليب في التجارة، والشراء المفروض من حيث استلزامه للانعتاق ليس كذلك - إلا أن المشهور - بل ادعي عليه الاجماع (2) صحته، وهو الاقوى في صورة الجهل بكونه ممن ينعتق عليه، فينعتق مقدار صحته من الربح منه، ويسري في البقية، وعليه عوضها للمالك مع يساره، ويستسعى العبد فيه مع إعساره (3). ] المسالك: " إذ لاضرر فيه على أحد، ولاعتق ". والمراد لزوم العمل بعموم الادلة لما لم يكن مخصص. (1) كما احتمله في القواعد، لما في المتن، ونسب إلى جماعة، وجعله في المسالك أحد الوجوه في المسألة. (2) وفي القواعد: أن الصحة أقرب. وعن ظاهر التذكرة: أنه اجماعي، وفي الجواهر: " بلا خلاف أجده فيه، كما اعترف به غير واحد بل عن الغنية والسرائر: الاجماع عليه "، وعن مجمع البرهان: نسبته إلى فتوى الفقهاء تارة، وإلى نفي الخلاف أخرى. (3) هذا أحد الوجوه أو الاقوال وخارج عن معقد الاجماع ونفي الخلاف، والمنسوب إليه قليل، والمذكور في معاقد الاجماع ونفي الخلاف ما في الشرائع وغيرها من أنه يسعى المعتق في باقي قيمته، سواء كان العامل موسرا أم معسرا، بدعوى: أنه ظاهر الصحيح الآتي، وهو المسالك: أنه مقتضى إطلاق الرواية. ومن ذلك تعرف أن بيان المصنف لا يخلو من قصور، فقد يظهر منه أن التفصيل بين اليسار والاعسار معقد الشهرة

[ 371 ]

[ لصحيحة ابن أبي عمير (1) عن محمد بن قيس عن الصادق (ع) " في رجل دفع إلى رجل ألف درهم مضاربة، فاشترى أباه وهو لا يعلم قال (ع): يقوم، فإن زاد درهما واحدا انعتق واستسعى في مال الرجل ". وهي مختصة بصورة الجهل (2) المنزل عليها إطلاق كلمات العلماء أيضا (3). واختصاصها بشراء الاب لا يضر، بعد كون المناط كونه ممن ينعتق عليه (4) كما أن اختصاصها بما إذا كان فيه ربح لا يضر أيضا، بعد عدم الفرق بينه وبين الربح السابق (5) وإطلاقها من حيث اليسار والاعسار في الاستسعاء أيضا منزل على الثاني، جمعا ] والاجماع، وليس كذلك. وكأن مراده دعوى الاجماع على الصحة فقط. (1) قد تقدم ذكر هذا الصحيح في المسألة الرابعة والثلاثين. (2) كما هو مصرح به في الصحيحة. (3) لعدم الوثوق بارادة الاعم منه، كما في الجواهر. لكن يتم ذلك لو كان الحكم خلاف الاصل - كما أشرنا إليه سابقا - وإلا أمكن الرجوح إلى الالصل المقتضي للصحة وإن كان النص قاصرا عنه. (4) كما يقتضيه الارتكاز العرفي، فيكون قرينة على العموم، كما هو ظاهر بعض الكلمات كالقواعد - وان كان بعضها الآخر - كالشرائع - الاختصاص بالاب. لكن في المسالك: أن الحكم عام، والتخصيص بالاب في الشرائع من جهة أن مورد الرواية. (5) قد عرفت الاشكال في المراد من ذلك، ولو أريد منه الربح السابق على الشراء فليس ذلك موضوعا لاي أثر شرعي، بل إن بقي حال الشراء فبقاؤه موضوع الاثر وان زال لم يترتب عليه شئ.

[ 372 ]

[ بين الادلة (1). هذا ولو لم يكن ربح سابق (2) ولا كان فيه أيضا، لكن تجدد بعد ذلك قبل أن يباع، فالظاهر أن حكمه أيضا الانعتاق والسراية، بمقتضى القاعدة (3). مع إمكان دعوى شمول إطلاق الصحيحة أيضا للربح المتجدد فيه (4) فيلحق به الربح الحاصل من غيره (5)، لعدم الفرق. ] (1) كما في المسالك والجواهر. والمراد الجمع بين الصحيح المذكور وما دل على ضمان المعتق مع يساره. لكن عموم ذلك للمقام محل تأمل، بل منع، لاختصاص ذلك بما إذا أعتقه، فلا يشمل ما إذا اشتراه فانعتق. وعليه فلا موجب لتقييد النص في المقام، ولاوجه للتفصيل المذكور في المتن، الذي جعله في القواعد أقرب. (2) قد عرفت إشكاله. (3) قد عرفت إشكاله. وأن أدلة السراية مختصة بما إذا اعتق شقصا وهو لا يشمل ما نحن فيه. وربما استشكل في السراية في المقام حتى بناء على عموم الدليل لمطلق العتق الاختياري، لان الموجب للعتق ارتفاع السوق وهو خارج عن الاختيار. وفيه: أنه يكفي في الاختيار الاختيار في بعض المقدمات. (4) كما في المسالك والجواهر. وهو كذلم، فان قوله (ع): " يقوم " يشمل ماكان التقويم والزيادة حال الشراء وبعده، فإذا الواجب عموم الحكم للمقامين. (5) يعني: إذا لم تزد قيمة العبد على ثمنه لكن زادت قيمة الاعيان الاخرى، فان زيادتها توجب ملكية العامل لحصته في جميع مال المضاربة ومنها العبد، فينعتق ويسري العقت في الباقي، ويستسعى العبد، كما أشار إلى ذلك في الجواهر. وقد يشكل: بأن الحكم بالسراية على خلاف الاصل

[ 373 ]

[ (مسألة 46): قد عرفت أن المضاربة من العقود الجائزة (1) وأنه يجوز لكل منهما الفسخ إذا لم يشترط لزومها في ضمن عقد لازم، بل أو في ضمن عقدها أيضا. ثم قد يحصل الفسخ من أحدهما، وقد يحصل البطلان والانفساخ لموت أو جنون، أو تلف مال التجارة بتمامها، أو لعدم إمكان التجارة لمانع أو نحو ذلك، فلابد من التكلم في حكمها من حيث استحقاق العامل للاجرة وعدمه، ومن حيث وجوب الانضاض عليه وعدمه إذا كان بالمال عروض، ومن حيث وجوب الجباية عليه وعدمه إذا كان به ديون على الناس، ومن حيث وجوب الرد إلى المالك وعدمه، وكون الاجرة عليه أولا، فنقول: إما أن يكون الفسخ من المالك، أو العامل، وأيضا إما أن يكون قبل الشروع في التجارة أو في مقدماتها أو بعده، قبل الظهور الربح أو بعده، في الاثناء أو بعد تمام التجارة، بعد إنضاض الجميع أو البعض أو قبله، ] فلا يصار إليه إلا بدليل، وهو مفقود في المقام، لعدم شموله النص له ولا دليل سواه. اللهم إلا أن يستفاد من النص بمقتضى الارتكاز العرفي الموجب لتنقيح المناط. ومثله في الاشكال ما إذا زادت قيمة العبد ونقصت قيمة غيره من الاعيان بحيث لاربح في المجموع، فلا يملك العامل حصته من الربح لافي العبد ولا في غيره، فان مقتضى النص شمول الفرض، لكن القرينة على العدم ظاهرة، كما أشار إلى ذلك في الجواهر أيضا. وكان على المصنف التنبيه عليه. (1) تقدم ذلك كله في المسألة الثانية.

[ 374 ]

[ قبل القسمة أو بعدها، وبيان أحكامها في طي مسائل: الاولى: إذا كان الفسخ أو الانفساخ ولم يشرع في العمل ولا في مقدماته فلا إشكال ولا شئ له ولا عليه (1) وإن كان بعد تمام العمل والانضاض فكذلك (2)، إذ مع حصول الربح يقتسمانه (3)، ومع عدمه لا شئ للعامل ولا عليه إن حصلت خسارة، إلا أن يشترط المالك كونها بينهما على الاقوى من صحة هذا الشرط (4)، أو يشترط العامل على المالك شيئا إن لم يحصل ربح (5). وربما يظهر من إطلاق بعضهم ثبوت أجرة المثل مع عدم الربح (6). ولا ] (1) لعدم الموجب لذلك كله. (2) يعني: لا شئ له بعد ذلك ولا عليه. لعدم الموجب أيضا. (3) عملا بالمضاربة التي انتهت. (4) تقدم الكلام في ذلك في المسألة الرابعة. (5) كأنه لصحة الشرط المذكور، عملا بعموم: " المؤمنون عند شروطهم ". (* 1) لكن بعد فسخ العقد يبطل الشرط معه، ولا يجب العمل به. نعم قد تجب أجرة المثل أو أقل الامرين من أجرة المثل والشرط، لقاعدة: الضمان بالاستيفاء، كما يظهر من ملاحظة ما يأتي في بيان ضعف القول الآتي. (6) قال في التذكرة: " فان فسخا العقد أو أحدهما فان كان قبل العمل عاد المالك في رأس المال، ولم يكن للعامل أن يشتري بعده، وإن كان قد عمل فان كان المال ناضا ولا ربح فيه أخذه المالك أيضا،


(* 1) مستدرك الوسائل كتاب التجارة باب: 5 من ابواب الخيار حديث: 7، غوالي الآلي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: " المؤمنون عند شروطهم " الجزء: 1 صفحة: 473.

[ 375 ]

[ وجه له أصلا، لان بناء المضاربة على عدم استحقاق العامل لشئ سوى الربح على فرض حصوله، كما في الجعالة (1). الثانية: إذا كان الفسخ من العامل في الاثناء قبل حصول الربح فلا أجرة له (2) لما مضى من عمله. واحتمال استحقاقه، لقاعدة الاحترام، لا وجه له أصلا (3). وإن كان من المالك، أو حصل الانفساخ القهري، ففيه قولان (4)، أقواهما العدم أيضا بعد كونه هو المقدم على المعاملة الجائزة التي مقتضاها عدم استحقاق شئ إلا الربح، ولا ينفعه بعد ] وكان للعامل أجرة عمله إلى ذلك الوقت أيضا ". وهو صريح في استحقاق العامل الاجرة حتى مع فسخه وكون المال ناضا ولا ربح فيه. وفي الجواهر: نسبته إلى الغراية وهو كذلك، إذ هو خلاف مبنى المضاربة ضرورة، ولذا قال في القواعد: " وإذا فسخ القراض والمال ناض لاربح فيه أخذه المالك، ولا شئ للعامل ". (1) فانه لاإشكال في عدم استحقاق العامل شيئا إذا لم يحصل الامر المجعول له. (2) لما عرفت من كونه مقتضي المضاربة. (3) لان قاعدة الاحترام لو صح أنها موجبة لضمان العمل فذلك فيما لم يكن متبرعا به، والمفروض في المقام ذلك بعد كونه مقتضى المضاربة على أنك قد عرفت أنها لا توجب الضمان، لان احترامه يقتضي حرمة اغتصابه، لا ضمان ما يقع منه. (4) قال في الشرائع: " إذا فسخ المالك صح، وكان للعامل أجرة المثل إلى ذلك الوقت "، ونحوه ما في المختصر النافع وعن الارشاد واللمعة

[ 376 ]

والروض. (* 1) وعلله في المسالك: بأن عمله محترم صدر باذن المالك لا على وجه التبرع بل في مقابلة الحصة، وقد فاتت بفسخ المالك قبل ظهور الربح، فيستحق أجرة المثل إلى حين الفسخ. واستشكل فيه: بأنه لم يقدم إلا على الحصة على تقدير وجودها، ولو لم توجد فلا شئ له، والمالك مسلط على الفسخ حيث شاء. ثم قال: " ويمكن دفعه: بأنه إنما جعل الحصة خاصة على تقدير استمراره وهو يقتضي عدم عزله قبل حصولها، فإذا خالف فقد فوتها عليه، فتجب عليه أجرته، كما إذا فسخ الجاعل بعد الشروع في العمل ". وقد ذكر ذلك كله جامع المقاصد، غير أنه لم يتنظر فيه، وفي المسالك قال: " وفيه نظر، لان رضاها بهذا العقد قدوم على مقتضياته ومنها جواز فسخه في كل وقت، والاجرة لادليل عليها ". وظاهره البناء على عدم الاجرة، كما أن ظاهر جامع المقاصد البناء عليها، والعمدة عنده فيها تفويت المالك. وفي القواعد: " وإذا فسخ المال القراض ففي استحقاق العامل أجرة المثل إلى ذلك الوقت نظر "، وظاهره الميل إلى عدم الاجرة. واختاره في الجواهر وغيرها. والوجه في العدم أصالة البراءة، لان ما يحتمل أن يكون موجبا للاجرة أمور كلها ضعيفة. (الاول): قاعدة الاحترام، وهي لا تصلح لاثبات الحكم الوضعي: كما سبق. ولو سلم اختصت بما إذا لم يكن في مقام التبرع. (الثاني): قاعدة الاستيفاء وفيها أيضا الاشكال المذكور. (الثالث): التفويت، كما عرفت من جامع المقاصد. لكن لادليل


(* 1) حكاه عنه في الكرامية الجزء: 7 صفحة: 506 وتكرر النقل عنه في مواضع من كلامه في هذه المباحث، وصرح في بعضها أنه شرح للارشاد الجزء: 7 صفحة 515 والمعروف أن الكتاب المذكور لم يخرج منه غير كتاب الطهارة والصلاة وهو المطبوع، وهو الظاهر من كتاب؟؟؟ إلى تصانيف الشيعة الجزء: 11 الصفحة: 275.

[ 377 ]

[ ذلك كون إقدامه من حيث البناء على الاستمرار (1). الثالثة: لو كان الفسخ من العامل بعد السفر بإذن المالك وصرف جملة من رأس المال في نفقته، فهل للمالك تضمينه مطلقا أو إذا كان (2) لا لعذر منه؟ وجهان، أقواهما العدم لما ذكر من جواز المعاملة وجواز الفسخ في كل وقت (3) فالمالك هو المقدم على ضرر نفسه (4). الرابعة: لو حصل الفسخ أو الانفساخ قبل حصول الربح وبالمال عروض لا يجوز للعامل التصرف فيه بدون إذن المالك (5) ببيع ونحوه وإن احتمل تحقق الربح بهذا البيع، ] على سببية التفويت وأنه كاتلاف موجب للضمان. ولاسيما إذا كان بحكم الشارع. ثم إن القولين المذكورين إنما هما في صورة فسخ المالك، أما في صورة الانفساخ القهري فلم يعرف القول بضمان المالك للاجرة، وليس هو إلا في خصوص صورة فسخ المالك لاغير. فلاحظ كلماتهم. (1) إذ البناء المذكور لا يوجب ضمان الاجرة. (2) يعني: الفسخ. (3) يعني: فلا مقتضي للضمان. ولان للسفر كان باذن المالك وصرف المال فيه أيضا كان باذنه، وذلك لا يوجب الضمان. (4) إنما يتم ذلك إذا كان المالك يحتمل الفسخ، أما إذا كان لا يحتمله فلا إقدام منه. فالعمدة عدم موجب للضمان لاحال السفر ولاحال الفسخ. (5) كما في الشرائع وغيرها. وحكى فيها قولا بالجواز، ونسب في غيرها إلى المبسوط وجامع الشرائع. ولكنه غير ظاهر، إذ الفسخ رافع

[ 378 ]

[ بل وإن وجد زبون يمكن أن يزيد في الثمن فيحصل الربح. نعم لو كان هناك زبون بان على الشراء بأزيد من قيمته لا يبعد جواز إجبار المالك على بيعه منه (1)، لانه في قوة وجود الربح فعلا. ولكنه مشكل (2) مع ذلك، لان المناط كون الشئ في حد نفسه زايد القيمة، والمفروض عدمه. وهل يجب عليه البيع والانضاض إذا طلبه المالك أو لا؟ قولان، أقواهما عدمه (3) ودعوى (4): إن مقتضى قوله (ع): " على اليد ما أخذت حتى تؤدي " (* 1) وجوب رد المال إلى المالك كما كان، كما ترى (5). ] للاذن في التصرف، ومنه البيع، فلا وجه لجوازه بدون إذن المالك. (1) كما في المسالك، وكذا في القواعد على إشكال منه. (2) كما في الجواهر (أولا): بما في المتن (وثانيا): بأنه لاسلطنة له على المالك في صورة ظهور الربح الذي لا يزيد على كونه شريكا. ضرورة أنه لاسلطنة للشريك على بيع مال الشركة بغير إذن شريكه. (3) كما جزم به في الشرائع، وعن الروضة وفي المسالك: " لعله الاقوى في صورة عدم الربح ". اعتمادا منهم على أصالة البراءة، وعن جامع الشرائع: الوجوب، وعن موضع من المبسوط: موافقته، وفي القواعد: " ولو طلب العامل بيعه فان لم يكن ربح، أو كان وأسقط العامل حقه منه، فالاقرب إجباره على البيع ليرد المال كما أخذه ". (4) ذكر ذلك في جامع المقاصد، ورده بأن الظاهر منه رد المأخوذ أما رده على ماكان عليه فلا دلالة له، والتغيير بما حدث كان باذن المال وأمره. (5) إذ مال المالك حال الفسخ هو العروض بعد كون الشراء باذنه


(* 1) مستدرك الوسائل باب: 1 من كتاب الوديعة حديث: 12، كنز العمال الجزء: 5 صفحة: 257.

[ 379 ]

[ الخامسة: إذا حصل الفسخ أو الانفساخ بعد حصول الربح قبل تمام العمل أو بعده، وبالمال عروض، فان رضيا بالقسمة كذلك فلا إشكال، وإن طلب العامل بيعها فالظاهر عدم وجوب إجابته (1) وإن احتمل ربح فيه، خصوصا إذا كان هو الفاسخ. وإن طلبه المالك ففي وجوب اجابته وعدمه وجوه، ثالثها التفصيل بين صورة كون مقدار رأس المال ] والعروض هو الذي يجب رده وأداؤه، لاأصل المال. على أن الحديث المذكور وارد في ضمان المأخوذ وأنه في ذمة الآخذ، لافي الحكم التكليفي - الذي هو وجوب الرد - ليكون مما نحن فيه. وكان الاولى التمسك بوجوب رد الامانات، وإن كان يشكل أيضا بما عرفت. (1) وفي المسالك: " فيه وجهان، مأخذهما إمكان وصول العامل إلى حقه بقسمة العروض واسقاط باقي العمل عنه تخفيف من المالك لانه حقه، فلا يكلف الاجابة إلى بيع ماله بعد فسخ المعاملة، وإن حال العامل لا يزيد على حال الشريك، ومعلوم أنه لا يكلف شريكه إجابته إلى البيع. ومن وجوب تمكين العامل من الوصول إلى غرضه الحاصل بالاذن، وربما لم يوجد راغب في شراء بعض العروض، أو وجد لكن بنقصان، أو رجى وجود زبون يشتري بأزيد، فيزيد الربح، ولاريب أن للعامل مزية على الشريك، من حيث أن حقه يظهر بالعمل، والربح عوضه "، ونحوه في جامع المقاصد. ولا يخفى أن الوجه الثاني لا يرجع إلى محصل يخرج به عن قواعد الشركة، المانعة من تسلط الشريك على إجبار شريكه الآخر، كما هو ظاهر بالتأمل. ومن ذلك يظهر ضعف ما في القواعد: من أنه يجر المالك على إجابته.

[ 380 ]

[ نقدا فلا يجب، وبين عدمه فيحب (1)، لان اللازم تسليم مقدار رأس المال كما كان، عملا بقوله (ع): " على اليد... " والاقوى عدم الوجوب مطلقا، وإن كان استقرار مليكة العامل للربح موقوفا على الانضاض ولعله يحصل الخسارة بالبيع، إذ لا منافاة، فنقول: لا يجب عليه الانضاض بعد الفسخ لعدم الدليل عليه، لكن لو حصلت الخسارة بعده قبل القسمة، بل أو بعدها يجب جبرها بالربح، حتى أنه لو أخذه يسترد منه. السادسة: لو كان في المال ديون على الناس فهل يجب ] (1) كما في القواعد، قال: " وكذا يجبر مع الربح، ولو نض قدر رأس المال فرده العامل لم يجبر على إنضاض الباقي، وكان مشتركا بينهما " وهو ظاهر جامع المقاصد، بل وظاهر المسالك في آخر كلامه، وفي صدر كلامه أطلق الوجوب، لكن مورده صورة مالو كان الفسخ قبل الانضاض. وظاهر الشرائع عدم الوجوب وحكي عن التحرير، وفي الجواهر جعل مبنى الخلاف هنا الخلاف فيما يتحقق به الاستقرار - يعني استقرار ملك العامل للربح - فان قلنا بتحققه بالفسخ لم يكن للمالك الاجبار وإن قلنا بتوقفه على الانضاض، لانه من تتمة المضاربة، فلا بد من البناء على الوجوب، لان فرض كونه من تتمة المضاربة مساوق لوجوبه، كما لو لم يتحقق الفسخ. وظاهر المتن المنع من الابتناء المذكور، لامكان التفكيك بين البناء على كون الانضاض من تتمة المضاربة، بلحاظ جيران الخسارة بالربح وإن حصل الفسخ بينهما، وبين البناء على عدم كونه من تتمتها بلحاظ وجوبه على العامل، لان ثبوت هذه الامور ليس من مقتضى المضاربة، لان

[ 381 ]

[ على العامل أخذها وجبايتها بعد الفسخ أو الانفساخ أم لا؟ وجهان (1) أقواهما العدم، من غير فرق بين أن يكون الفسخ من العامل أو المالك. السابعة: إذا مات المالك أو العامل قام وارثه مقامه ] المفروض انفساخها، بل يكون لدليل تعبدي، ومن الجائز أن يدل الدليل على الجبران ولا يدل على وجوب الانضاض على العامل. وبالجملة: المضاربة انفسخت وتمت، وليس لها بعد الفسخ متمم. والجبران إن قيل به فلدليل تعبدي، ومن الجائز أن لا يدل على وجوب الانضاض. وفيه: أن التفكيك المذكور وإن كان ممكنا في نفسه، إلا أنه غير ظاهر، لان المضاربة إن كانت تنتهي بالفسخ فلا وجه لوجوب الانضاض ولا للجيران، بل يكون حال العامل والمالك حال الشريكين. وإلا فلابد من القول بالوجوب كالقول بالجبران. وقد عرفت فيما سبق أن الاوفق بالقواعد الاول. فراجع المسألة الخامسة والثلاثين. (1) بل قولان أشهرهما الوجوب، كما عن المبسوط وجامع الشرائع والتذكرة وجامع المقاصد وغيرها، وفي الشرائع: أن على العامل جباية السلف، ونحوه عن الارشاد والروض، وفي القواعد: أن على العامل تقاضيه، واختاره في المسالك، واستدل له: بأن مقتضى المضاربة رد رأس المال على صفته والديون لا تجري مجرى المال، وأن الدين ملك ناقص والذي أخذه كان ملكا تاما، فليرد كما أخذ بظاهر: " على اليد ما أخذت حتى تؤدي "، وإذن المالك بالادانة إنما كانت على طريق الاستيفاء لا مطلقة، بدلالة القرائن، ولاقتضاء الخبر ذلك. انتهى. وفيه: أن دلالة القرائن ممنوعة، والخبر قد عرفت إشكاله.

[ 382 ]

[ فيما مر من الاحكام (1). الثامنة: لا يجب على العامل بعد حصول الفسخ أو الانفساخ أزيد من التخلية بين المالك وماله، فلا يجب عليه الايصال إليه (2). نعم لو أرسله إلى بلد آخر غير بلد المالك ] (1) لان الموت فسخ قهري، فيجري عليه حكم الفسخ الاختياري، فإذا كان من حقوق المالك على العامل وجوب الانضاض بعد الفسخ ووجوب استيفاء الديون وغير ذلك، كان ذلك الحق لوارث المالك بعد موته، وإذا كان من حقوق العامل على المالك جواز بيع العروض بعد الفسخ كان ذلك لوارثه بعد موته أيضا، فيجوز لوارث العامل البيع. وإذا لم نقل بثبوت الحقوق المذكورة للمالك والعامل - كما تقدم من المصنف - لم يكن للوارث شئ من ذلك أيضا. لكن قال في الشرائع: " وكذ لو مات رب المال وهو عروض كان له البيع إلا أن يمنعه الوارث. وفيه قول "، وظاهره أن جواز البيع الثابت للعامل ثابت له مع موت المالك، إلا أن يمنعه وارث المالك. ولكنه غير ظاهر الوجه، فان المأذون لا يجوز له التصرف المأذون فيه مع موت الآذن، للانتقال إلى الوارث المقتضي لحرمة التصرف فيه بغير إذنه، ولا يكفي في جوازه عدم المنع من المالك. ولذلك كان القول الآخر الذي حكاه في الشرائع هو المتجه - كما في المسالك، ونفى عنه البأس في التذكرة - وإن كان القائل ليس منا على ما قيل، بل حكاه في التذكرة عن بعض الشافعية. هذا إذا كان المراد منه القول بعدم جواز البيع إلا بالاذن. ويحتمل أن يكون المراد القول بالجواز وإن نهاه الوارث، بناء على ما تقدم في بعض الاقوال من وجوب إجابة المالك إذا أراد العامل البيع. (2) للاصل.

[ 383 ]

[ ولو كان بإذنه يمكن دعوى وجوب الرد إلى بلده. لكنه مع ذلك مشكل (1). وقوله (ع): على اليد ما أخذت... " (* 1) أيضا (2) لا يدل على أزيد من التخلية (3). وإذا احتاج الرد ] (1) أما إذا كان باذنه فلا ينبغي التأمل في عدم الوجوب، للاصل والامر برد الامانات في قوله تعالى: (إن الله يأمركم أن تؤدوا الامانات إلى أهلها) يختص بما إذا كان بعد الطلب، فالمراد منه ما يقابل الحبس. وأما إذا كان بغير إذنه فلا ينبغي التأمل في الوجوب، لان النقل تفويت لخصوصية المكان التي كانت للعين، فيجب تداركها. فالمسألتان ليستا من باب واحد، الاولى من باب الامانة، والثانية من باب الضمان. (2) قد عرفت أنه لا يحسن التمسك في المقام بالحديث الشريف المذكور في المسألتين، بل المتجه التمسك في الاولى بما دل على وجوب أداء الامانة وحرمة حبسها، وفي الثانية بالحديث الشريف. وبالجملة: ينبغي إجراء احكام الامانة في المقام. (3) لا يخفى أن الاداء الذي أخذ غاية الضمان ملازم لاخذ المالك، فلا يتحقق بدونه، ولا يكفي فيه مجرد التخلية من دون أن يأخذه المالك، (فان قلت): إن ذلك خلاف قاعدة السلطنة على النفس، لان عدم أخذ المالك - على هذا - يوجب اشتغال ذمة الضامن من دون اختياره. (قلت): لامانع من ذلك إذا اقتضاه الدليل. وكذا دعوى: أن ذلك خلاف قاعدة نفي الضرر، فان اشتغال ذمته بالعين ضرر عليه. إذ لامانع من تخصيص القاعدة بالدليل المذكور. اللهم إلا أن يقال: إن حمل الاداء


(* 1) مستدرك الوسائل باب: 1 من كتاب الوديعة حديث: 12، وباب: 1 من كتاب الغصب حديث: 4. (* 2) النساء: 58.

[ 384 ]

[ إليه إلى الاجرة فالاجرة على المالك (1)، كما في ساير الاموال. نعم لو سافر به بدون إذن المالك إلى بلد آخر، وحصل الفسخ فيه، يكون حاله حال الغاصب في وجوب الرد والاجرة (2). وإن كان ذلك منه للجهل بالحكم الشرعي (3) من عدم جواز السفر بدون إذنه. (مسألة 47): قد عرفت أن الربح وقاية لرأس المال من غير فرق بين أن يكون سابقا على التلف أو الخسران أو لا حقا (4)، فالخسارة السابقة تجبر بالربح اللاحق وبالعكس. ] على ما يقابل الاخذ أهون من تخصيص القاعدتين المذكورتين. ولاسيما بملاحظة ذكره في الحديث الشريف في مقابل الاخذ، فالمراد من الاداء رفع اليد عن العين. مضافا إلى أن ذلك هو الموافق للارتكاز العقلائي في باب الضمان، وأنه يكفي في ارتفاع الضمان تقديم العين إلى المالك وجعلها بين يديه وتحت سلطانه. والمظنون أن على ذلك بناء الفقهاء وإن لم يحضرني فعلا تحرير لذلك فلاحظ. (1) لانها مصلحة ماله. (2) أما وجوب الرد فلان خصوصية كونه في المكان الكذائي قد فوتها الغاصب، فيجب عليه تداركها. وأما الاجرة فلتوقف الرد الواجب عليها. (3) لعدم الفرق في وجوب تدارك ما فات بفعله بين العلم بالحكم والجهل به. (4) والظاهر أنه من القطعيات، وفي الجواهر: جعل بعض ذلك ضروريا، لاطلاق الدليل، وكذا ما بعده.

[ 385 ]

[ ثم لا يلزم أن يكون الربح حاصلا من مجموع رأس المال، وكذا لا يلزم أن تكون الخسارة واردة على المجموع، فلو اتجر بجميع رأس المال فخسر ثم اتجر ببعض الباقي فربح، يجبر ذلك الخسران بهذا الربح، وكذا إذا اتجر بالبعض فخسر ثم اتجر بالبعض الآخر أو بجميع الباقي فربح. ولا يلزم في الربح أو الخسران أن يكون مع بقاء المضاربة حال حصولها، فالربح مطلقا جابر للخسارة والتلف مطلقا مادام لم يتم عمل المضاربة (1) ثم إنه يجوز للمالك أن يسترد بعض مال المضاربة في الاثناء، ولكن تبطل بالنسبة إليه، وتبقى بالنسبة إلى البقية (2)، وتكون رأس المال، وحينئذ فإذا فرضنا أنه أخذ بعد ما حصل الخسران أو التلف بالنسبة إلى رأس المال مقدارا من البقية، ثم اتجر العامل بالبقية أو ببعضها، فحصل ربح يكون ذلك الربح جابرا للخسران أو التلف السابق بتمامه. مثلا إذا كان رأس المال مائة، فتلف منها عشرة أو خسر عشرة وبقي تسعون، ثم أخذ المالك من التسعين عشرة وبقيت ثمانون، فرأس المال تسعون، وإذا اتجر بالثمانين فصار تسعين، فهذه العشرة الحاصلة ربحا ] (1) قد تقدم الكلام في ذلك في المسألة الخامسة والثلاثين. (2) سيأتي في المسألة الثانية عشرة من مسائل الختام عدم صحة التبعيض في الفسخ، فإذا انفسخت المضاربة بالنسبة إلى بعض المال انفسخت بالنسبة إلى جميعه، فيحتاج تجديدها في الباقي إلى اجتماع الشروط. وعليه يشكل البناء في المقام على بطلانها بالنسبة إلى ما أخذه المالك وصحتها بالنسبة إلى ما بقي ويكون هو رأس المال، وان كان يظهر من كلماتهم في المقام التسالم

[ 386 ]

[ تجبر تلك العشرة، ولا يبقى للعامل شئ. وكذا إذا أخذ المالك بعدما حصل الربح مقدارا من المال - سواء كان بعنوان استرداد بعض رأس المال، أو هو مع الربح، أو من غير قصد إلى أحد الوجهين - ثم اتجر العامل بالباقي أو ببعضه، فحصل خسران أو تلف، يجبر بالربح السابق بتمامه، حتى المقدار الشايع منه في الذي أخذه المالك، ولا يختص الجبر بما عداه، حتى يكون مقدار حصة العامل منه باقيا له. مثلا إذا كان رأس المال مائة فربح عشرة ثم أخذ المالك عشرة، ثم اتجر العامل بالبقية فخسر عشرة أو تلف منه عشرة، يجب جبره بالربح السابق حتى المقدار الشايع منه في العشرة المأخوذة، فلا يبقى للعامل من الربح السابق شئ. وعلى ما ذكرنا فلا وجه لما ذكره المحقق (1) وتبعه غيره من أن الربح اللاحق لا يجبر مقدار الخسران الذي ورد على العشرة ] على ذلك. وكذا في باب الاقالة، فانها تجوز في البعض دون البعض، والمخالف في ذلك شاذ نادر. فلاحظ. ويحتمل في المقام الالتزام ببقاء المضاربة حتى بالنسبة إلى ما أخذه المالك، ويكون ما أخذه المالك بحكم مالو وضع في كيس مستقل وأفرز عن باقي المال. لكن لازم ذلك جواز تصرف العامل به بعد أخذ المالك فيتعين البناء على التبعيض. (1) قال في الشرائع: " إذا كان مال القراض مائة فخسر عشرة وأخذ المالك عشرة، ثم عمل بها الساعي فربح كان رأس المال تسعة وثمانين إلا تسعا، لان المأخوذ محسوب من رأس المال، فهو كالموجود، فإذا المال في تقدير تسعين، فإذا قسم الخسران - وهو عشرة - على تسعين كانت حصة العشرة المأخوذة دينارا وتسعا، فيوضع ذلك من رأس المال "،

[ 387 ]

[ المأخوذة، لبطلان المضاربة بالنسبة إليها، فمقدار الخسران الشايع فيها لاينجبر بهذا الربح، فرأس المال الباقي (1) بعد خسران العشرة في المثال المذكور لا يكون تسعين، بل أقل منه بمقدار ] ونحوه عبارة القواعد والتذكرة والارشاد وجامع المقاصد والمسالك ومجمع البرهان، وعن المبسوط وجامع الشرائع والمفاتيح، من دون تعرض للاشكال فيه، بل في كلام بعضهم أنه ظاهر. وغرضهم أن خسران العشرة لما كان موزعا على الجميع فيلحق كل عشرة من التسعين الباقية تسع منه، وهو واحد وتسع، فالعشرة التي أخذها المالك لما خرجت عن مال المضاربة لم يكن خسرانها مجبورا من الربح، لان الربح إنما يجبر به الخسران المتعلق بمال المضاربة، والمفروض ان العشرة التى أخذها المالك قد خرجت عن مال المضاربة، وحينئذ يختص الجبران بالخسران المتعلق بالباقي، وهو تسعة وثمانون الا تسعا، فإذا كان الربح عشرة - كما هو المفروض - ويجبر منه الخسران المتعلق بباقي المال، ويزيد منه واحد وتسع، فيكون هذا الزايد بين المالك والعامل. (1) لعل الاولى في التعبير أن يقول: فرأس المال، الذي يجبر نقصه بعد أخذ المالك العشرة، هو تسعة وثمانون الا تسعا ولا يجبر من الربح المتأخر النقص المتعلق بالعشرة التي أخذها المالك، لخروجها عن مال المضاربة وقد ذكر في القواعد والتذكرة مثالا آخر، وهو مالو كان رأس المال مائة فخسر عشرة، ثم أخذ المالك خمسة وأربعين، والحكم أيضا أن يوزع الخسران على الجميع، فيلحق الخمسة والاربعين التي أخذها المالك نصف الخسران وهو خمسة، ويلحق الباقي أيضا خمسة، فإذا ربح بعد ذلك عشرة كان نصفها جابرا للخسران الوارد على الباقي، والنصف الآخر بين المالك والعامل على حسب شرطهما في المضاربة. ولا يجبر من الربح المذكور

[ 388 ]

[ حصة خسارة العشرة المأخوذة، وهو واحد وتسع، فيكون رأس المال الباقي تسعين إلا واحد وتسع، وهي تسعة وثمانون ] الخسران الوارد على المقدار الذي أخذه، لخروجه عن مال المضاربة. وكذا الحكم عندهم في ساير الموارد يوزع الخسران على الجميع بالنسبة، ولا يجبر بالربح الخسران المتعلق بما أخذه المالك، بل يجبر خصوص الخسران المتعلق بالباقي. ولم أقف على متأمل منهم في ذلك. نعم في الجواهر - بعد تقريب ما ذكره في الشرائع - قال: " لكن الانصاف عدم خلو المسألة الاولى عن إشكال، باعتبار عدم ثبوت ما يقتضي شيوع الخسارة على المال كله على وجه لو أخذ المالك بعض المال يلحقه بعض الخسارة، وإنما المنساق احتساب ما يأخذه المالك من رأس المال، وأما الخسارة السابقة فتجبر بما بقي من مال المضاربة، إذ المالك قد أخذ العشرة مستحقة للجبر... ". وفيه: أنه لاريب في أن الخسارة موزعة على جميع المال حتى الذي أخذه المالك، وإنما الاشكال في جبر الخسارة المتعلقة بما أخذه المالك من الربح الحاصل من الباقي، والعمدة في الاشكال فيه: أنه بعد بطلان المضاربة فيه يخرج عن كونه مال المضاربة، فلا وجه لجبر خسارته بربح غيره الباقي، لان ربح مال المضاربة يجبر خسران ذلك المال، لا خسران غيره. وما تقدم من المصنف (ره) وغيره من بقاء حكم الجبر وإن فسخت المضاربة إنما يسلم فيما إذا ورد الفسخ على تمام المال قبل انضاضه أو قسمته، ثم ربح هو فيجبر به الخسران السابق، لافيما إذا فسخ العقد بالاضافة إلى بعض مال المضاربة وصار ملكا للمالك مختصا به. وبقيت المضاربة في غيره من المال، فانه لاوجه لهذا الجبران حينئذ، فان ذلك مما لا يساعده الارتكاز العرفي أصلا.

[ 389 ]

[ إلا تسع. وكذا لاوجه لما ذكره بعضهم (1) في الفرض الثاني أن مقدار الربح الشايع في العشرة التي أخذها المالك لا يجبر الخسران اللاحق، وان حصة العامل منه يبقى له ويجب على المالك رده إليه، فاللازم في المثال المفروض عدم بقاء ربح للعامل بعد حصول الخسران المذكور، بل قد عرفت سابقا ] ويتضح ما ذكرنا في المثال الثاني الذي ذكره في القواعد والتذكرة، من أن المالك بعد خسران العشرة قد أخذ خمسة وأربعين، فانه على تقدير فسخ المالك فيها وأخذها وابقاء مثلها في يد العامل يبعد جدا أن يكون الربح الحاصل في الخمسة والاربعين التي بيد العامل يجبر به الخسران المتعلق بما أخذه المالك، فان أحدهما صار أجنبيا عن الآخر. نعم إذا كان المالك قد أخذ بعض مال المضاربة لا بعنوان الفسخ، فانه لم يبعد الحكم بالجبران حينئذ. بل حتى لو صرفه المالك فخرج عن كونه مال المضاربة لانعدامه، فان مثل هذا الخروج لانتفاء القابلية لايمنع من لزوم الجبر، ضرورة أنه في المثال الاول لو تلفت عشرة بعد خسران عشرة فان التالفة تجبر خسارتها المتعلقة بها مع خروجها عن مال المضاربة بالتلف، كما تجبر هي نفسها، فالخروج عن مال المضاربة لتلف أو نحوه لايمنع من بقاء الجبر، فيجبر نفس المال وتجبر خسارته، ومن ذلك يظهر لزوم التفصيل بين أن يكون ما يأخذه المالك بعنوان الفسخ فيتم ما ذكره المحقق ومن وافقه، وبين أن لا يكون بعنوان الفسخ، فيتم ما ذكره في الجواهر ومن وافقه وان خرج البعض عن كونه مال المضاربة لفقد القابلية. والله سبحانه ولي التوفيق والسداد. (1) اقتصر في الشرائع على ذكر المسألة الاولى، وكذا في الارشاد ومجمع البرهان، ولم يتعرضوا للثانية. لكن في القواعد والتذكرة وجامع

[ 390 ]

[ أنه لو حصل ربح واقتسماه في الاثناء وأخذ كل حصته منه، ثم حصل خسران: أنه يسترد من العامل مقدار ما أخذ، بل ولو كان الخسران بعد الفسخ (1) قبل القسمة، بل أو بعدها إذا اقتسما العروض وقلنا بوجوب الانضاض على العامل وأنه من تتمات المضاربة. (مسألة 48): إذا كانت المضاربة فاسدة فإما أن يكون مع جهلهما بالفساد، أو مع علمهما أو علم أحدهما دون الآخر فعلى كل التقادير الربح بتمامه للمالك، لاذنه في التجارات (2) وإن كانت مضاربته باطلة. نعم لو كان الاذن مقيدا بالمضاربة (3) توقف ذلك على إجازته، وإلا (4) فالمعاملات الواقعة باطلة (5) وعلى عدم التقيد أو الاجازة يستحق العامل مع جهلهما لاجرة عمله (6). وهل يضمن عوض ما أنفقه في السفر على نفسه، ] المقاصد: ذكرت المسألتان معا، وجعلتا في كلامهم من باب واحد. لكن في الجواهر: خص إشكاله بالمسألة الاولى، وظاهره أنه وافق الجماعة في المسألة الثانية والفرق بين المسألتين غير ظاهر. (1) قد عرفت الاشكال فيه في المسألة الخامسة والثلاثين. (2) لان المضاربة تستلزم الاذن في التجارة وإن كانت باطلة. (3) يأتي في المسألة الثانية من مسائل الختام: أنه إذا لم تكن قرينة على التقييد فاطلاق العقد يقتضي إطلاق الاذن وإن كان العقد باطلا. (4) يعني: وإن لم يجز. (5) لعدم الاذن من المالك ولا الاجارة. (6) لانه لم يقصد التبرع فيكون مضمونا على من استوفاه ولو بالعقد

[ 391 ]

[ لتبين عدم استحقاقه النفقة، أولا، لان المالك سلطه على الانفاق مجانا؟ وجهان أقواهما الاول (1). ولا يضمن التلف والنقص. وكذا الحال إذا كان المالك عالما دون العامل، فانه يستحق الاجرة، ولا يضمن التلف والنقص. وإن كانا عالمين أو كان العامل عالما دون المالك، فلا أجرة له، لاقدامه على العمل مع علمه بعدم صحة المعاملة (2)، وربما يحتمل في ] الفاسد، لان الضمان بالاستيفاء لا يختص بعقد صحيح أو فاسد، لعموم بناء العقلاء عليه. (1) مقتضى قاعدة: مالا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده، عدم الضمان. لو أشكل تطبيق القاعدة: من جهة أنها تختص بمورد العقد، والنفقة في المقام ليست موضوعا للعقد، كفى مستندها في عدم الضمان، وهو التسليط على إتلاف ماله مجانا، والاقدام على عدم ضمانه، المانع من عموم: من أتلف مال غيره فهو له ضامن، للمقام. وكما أن عموم: " على اليد " لا يشمل المضاربة الفاسدة، فلا يضمن العامل للمال مع فساد المضاربة، لعموم مادل على عدم ضمان الامين كذلك عموم: من أتلف... لا يشمل المضاربة الفاسدة، فلا يقتضي الضمان بالاتلاف، لعموم مادل على عدم ضمان المأذون بالاتلاف، المستفاد من بعض نصوص القاعدة. اللهم إلا أن يقال: إنه لاإذن في الاتلاف، لاختصاصها بعامل المضاربة، والمفروض انتفاؤه، فهو نظير مالو أعطى الطعام لزوجته بعنوان كونه نفقة الزوجية فتبين أنها ليست زوجة، فانه لا ينبغي التأمل في الضمان. فلاحظ وتأمل. (2) العلم بعدم صحة المعاملة شرعا لا يقتضي الاقدام على التبرع، الموجب لعدم الاستحقاق. وكذلك الغاصب إذا اشترى بالمال المغصوب إنما يقصد الشراء، ولا يقصد أخذ المال مجانا، والبائع إذا كان عالما

[ 392 ]

[ صورة علمهما أنه يستحق حصته من الربح من باب الجعالة (1) وفيه: أن المفروض عدم قصدها (2)، كما أنه ربما يحتمل ] بالغصب إنما يقصد البيع ولا يقصد التمليك المجاني. ولذلك يصح البيع بالاجازة من المالك، ولو لم يكونا قد قصدا البيع والشراء لم يصح بالاجازة وقد تقدم في كتاب الاجارة نظير المقام في المسألة السادسة عشرة من فصل تمليك المستأجر المنفعة. فراجع. (1) تفترق الجعالة عن الاجارة والمضاربة والمزارعة والمساقاة ونحوها: بأنها إيقاع لا يقوم إلا بالجاعل، ولا يعطي لغيره لونا ولا حكما، فان من قال لغيره: إن خطت ثوبي فلك علي درهم، فقد جعل شيئا على نفسه ولم يجعل شيئا على غيره، بخلاف العناوين المذكورة فانه فيها يكون العامل ذا لو خاص، يكون به مستحقا عليه العمل ومسؤولا عن العمل ولابد له منه، ولذلك كانت من العقود، لان هذه المسؤولية وكونه مستحقا عليه العمل لا تكون إلا بقبول من عليه المسؤولية، ولا تكون بغير سلطانه، ولا ينافي ذلك جواز الفسخ في المضاربة، فان المسؤولية لولا الفسخ كافية في الاحتياج إلى القبول. ونحو ذلك الفرق بين الاذن والوكالة فان الاذن من الايقاع، فلا يحتاج إلى قبول المأذون، لانه لا يكتسى به عنوانا، ولا مسؤولية، بخلاف الوكالة فانها توجب ثبوت عنوان للوكيل يكون به مسؤولا عن العمل، وقائما مقام الموكل، فالوكيل في البيع والشراء يجب عليه أن يبيع إذا اقتضت مصلحة الموكل ذلك، كما يجب عليه أن يشتري إذا اقتضت مصلحة الموكل ذلك، وإلا كان خائنا وجاريا على خلاف مقتضى عنوان الوكالة، وليس كذلك المأذون في البيع والشراء. (2) قد عرفت اختلاف عنوان الجعالة عن عنوان المضاربة، ولما كانا قصديين فلا يصح أحدهما إلا بقصده.

[ 393 ]

[ استحقاقه أجرة المثل إذا اعتقد أنه يستحقها مع الفساد. وله وجه (1)، وإن كان الاقوى خلافه. هذا كله إذا حصل ربح ولو قليلا، وأما مع عدم حصوله فاستحقاق العامل الاجرة ولو مع الجهل مشكل، لاقدامه على عدم العوض لعمله مع عدم حصول الربح. وعلى هذا ففي صورة حصوله أيضا يستحق أقل الامرين من مقدار الربح وأجرة المثل. لكن الاقوى خلافه (2)، لان رضاه بذلك كان مقيدا بالمضاربة (3) ومراعاة الاحتياط في هذا وبعض الصور المتقدمة أولى. ] (1) لانه حينئذ لم يقدم على عدم الاستحقاق شرعا، وإنما أقدم على أنه مستحق شرعا لاجرة المثل. (2) يعني: فلا يستحق العامل أيضا في هذه الصورة. لكنه غير ظاهر، لان الموجب لعدم الاستحقاق على هذا المبنى. إقدامه على العمل باعتقاد عدم الاستحقاق شرعا، وهو غير حاصل في الفرض. (3) فمع فسادها يضمن بقيمته، كما في غيره من الموارد، لعدم كونه متبرعا، كما هو المفروض. لكن على هذا يشكل الحكم بعدم الاستحقاق في الصورة السابقة، إذ إقدامه على العمل بلا عوض أيضا يكون مقيدا بالمضاربة ومبنيا عليها، ومع فسادها لاإقدام على العمل بلا عوض. اللهم إلا أن يستند في الصورة السابقة إلى قاعدة: مالا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده، لان العمل في المضاربة الصحيحة غير مضمون، فلا يكون مضمونا في الفاسدة. لكن القاعدة لا تصلح للحجية مع قصور دليلها عن شمول المقام. اللهم إلا أن يقال: إن ضمان المالك لعمل العامل في المقام إن كان فبالاستيفاء، وهو غير حاصل، إذ المالك انما يحث على الاسترباح لا مجرد

[ 394 ]

[ (مسألة 49): إذا ادعى على أحد أنه أعطاه كذا مقدارا مضاربة وأنكر ولم يكن للمدعي بينة فالقول قول المنكر مع اليمين (1). (مسألة 50): إذا تنازع المالك والعامل في مقدار رأس المال الذي أعطاه للعامل قدم قول العامل بيمينه مع عدم البينه (2)، من غير فرق بين كون المال موجودا أو تالفا مع ضمان العامل (3) لاصالة عدم إعطائه أزيد مما يقوله، وأصالة براءة ذمته إذا كان تالفا بالازيد. هذا إذا لم يرجع نزاعهما ] العمل بلا ربح، والاسترباح مفقود حسب المفروض، والعمل المجرد عن الربح لم يكن بأمر المالك كي يكون ضامنا له بالاستيفاء، فلم يدخل في كيس المالك شئ من عمل العامل حتى يكون مضمونا عليه باستيفائه. ويشكل: بأن الامر بالعمل كان بداعي الربح، لابقيده واقعا، فمع تخلفه لا ينكشف عدم الامر بالعمل، وإلا لزم بطلان العمل، لانتفاء الاذن به فيكون فضوليا. بل لو كان المالك بنفسه يباشر العمل فمع تخلف الداعي لا ينتفي القصد. (1) لموافقته للحجة، وهو أصالة العدم. ولو فرض عدم جريانه كفى الاصل الحكمي، وهو أصالة عدم وجوب شئ على العامل من إرجاع المال أو ضمانه، الذي هو الغرض المقصود من الدعوى، وبدونه لا تسمع فلو فرض أن المالك يعترف بارجاع المال إليه على تقدير صدقه في الدعوى أو يعترف بتلفه من غير ضمان لم يكن أثر لدعواه، فلا تسمع منه. (2) لما عرفت في المسألة السابقة. (3) لما عرفت من أنه مع عدم ضمانه لا تسمع دعوى الزيادة.

[ 395 ]

[ إلى النزاع في مقدار نصيب العامل من الربح، كما إذا كان نزاعهما بعد حصول الربح وعلم أن الذي بيده هو مال المضاربة إذ حينئذ النزاع في قلة رأس المال وكثرته يرجع إلى النزاع في مقدار نصيب العامل من هذا المال الموجود، إذ على تقدير قلة رأس المال يصير مقدار الربح منه أكثر، فيكون نصيب العامل أزيد، وعلى تقدير كثرته بالعكس، ومقتضى الاصل كون جميع هذا المال للمالك إلا بمقدار ما أقر به للعامل (1). وعلى هذا أيضا لا فرق بين كون المال باقيا أو تالفا بضمان العامل، إذ بعد الحكم بكونه للمالك إلا كذا مقدار منه فإذا تلف مع ضمانه لابد أن يغرم المقدار الذي للمالك. (مسألة 51): لو ادعى المالك على العامل أنه خان أو فرط في الحفظ فتلف أو شرط عليه أن لا يشتري الجنس الفلاني، أو لا يبيع من زيد أو نحو ذلك، فالقول قول العامل في عدم الخيانة والتفريط، وعدم شرط المالك عليه الشرط الكذائي، والمفروض أن مع عدم الشرط يكون مختارا في الشراء ] (1) وإن كان مقتضى اليد كون جميعه للعامل إلا ما أقر به للمالك، إلا أن ذا اليد لما أقر بأن أصله للمالك احتاج في اثبات دعوى الاستحقاق إلى بينة، فمع عدمها يقول قول المالك لسقوط يد العامل عن الحجية بهذا الاقرار، حسبما يقتضيه بناء العقلاء، المنزل عليه دليل حجية اليد، إذ الظاهر أن دليل الحجية شرعا من باب الامضاء لما عند العقلاء لامن باب التأسيس. ثم إن الاختلاف بين هذه المسألة وما قبلها مبني على أن المرجع في

[ 396 ]

[ وفي البيع من أي شخص أراد. نعم لو فعل العامل ما لا يجوز له إلا بإذن من المالك - كما لو سافر أو باع بالنسيئة وادعى الاذن من المالك - فالقول قول المالك في عدم الاذن. والحاصل: أن العامل لو ادعى الاذن فيما لا يجوز الا بالاذن قدم فيه قول المالك المنكر، ولو ادعى المالك المنع فيما يجوز الا مع المنع (1) قدم قول العامل المنكر له. (مسألة 52): لو ادعى العامل التلف وأنكر المالك قدم قول العامل (2)، لانه أمين (3)، سواء كان بأمر ظاهر أو ] تشخيص المدعي والمنكر الغرض المقصود من الدعوى، ولما اختلف الغرض في المسألتين اختلف الحكم، أما بناء على أن المرجع مصب الدعوى فلا فرق بين المسألتين في أن المالك في المقامين مدع والعامل منكر، لاتحاد مصب الدعوى فيهما. لكن التحقيق هو الاول، كما أشرنا إلى ذلك في كتاب الاجارة. (1) بأن كانت الاذن محرزة ولو لاطلاق اللفظ. ويدعي المالك المخصص المنفصل أو المقيد، فان الاصل عدم التخصيص والتقييد. ولو كان النزاع في المقيد أو المخصص المتصل يرجع النزاع إلى إطلاق الاذن وعدمه، فيكون الشك في الاذن والاصل عدمه. وبالجملة: إذا ادعى المالك المنع، فان كانت حجة على الاذن سواء كانت لفظية أم حالية كان المالك مدعيا، وإلا كان منكرا والعامل المدعي للاذن مدعيا. (2) بلا إشكال ولا خلاف. كذا في الجواهر. (3) كذا في الجواهر، وزاد بأنه ذو يد على المال باذن المالك. انتهى. يريد به أنه أمين عند المالك ومستأمن منه وكأنه يشير بذلك إلى النصوص

[ 397 ]

[ خفي (1). وكذا لو ادعى الخسارة، أو ادعى عدم الربح، أو ادعى عدم حصول المطالبات في النسيئة مع فرض كونه مأذونا في البيع بالدين. ولا فرق في سماع قوله بين أن يكون الدعوى قبل فسخ المضاربة أو بعده. نعم لو ادعى بعد الفسخ التلف بعده ففي سماع قوله لبقاء حكم امانته (2)، وعدمه ] الواردة في عدم ضمان الامين (* 1)، وأنه إذا اتهم يستحلف، الظاهرة في أنه لا يكلف بالبينة، وقد تقدمت في مباحث الاجارة، كما تقدمت نسبة القول بأنه يكلف بالبينة إلى المشهور، وأنه يشهد به بعض النصوص. لكن الجمع بين جميع النصوص يقتضي القول الاول. وأما صحيح محمد ابن مسلم عن أبي جعفر (ع): " عن الرجل يستبضع المال فيهلك أو يسرق أعلى صاحبه ضمان؟ قال (ع): ليس على صاحبه غرم بعد أن يكون الرجل أمينا " (* 2) ونحوه غيره. فانما تدل على عدم ضمان الامين، لا على عدم تكليفه بالبينة، فهي حكم في مقام الثبوت، لافي مقام الاثبات. (1) لاطلاق النصوص المتقدمة. (2) إذا تحقق ذلك فلا مجال للوجه الثاني. فكأنه أراد استصحاب بقائه، ويكون الوجه الثاني خروجه عن كونه أمينا، فيرجع إلى عموم: " البينة على المدعي ". لكن الاستصحاب ليس بحجة، لانه تعليقي ولو سلم فالظاهر الرجوع إلى عموم العام في أمثال المقام مما كان ظاهرا في العموم الازماني، على ما هو محقق في بعض مباحث الاستصحاب. نعم مقتضى اطلاق الاخبار الدالة على عدم ضمان الامين العموم للمقام، فيكون الاقوى سماع قوله بيمينه.


(* 1) راجع صفحة: 350. (* 2) الوسائل باب: 3 من ابواب كتاب المضاربة حديث: 3.

[ 398 ]

[ لخروجه بعده عن كونه أمينا، وجهان. ولو أقر بحصول الربح ثم بعد ذلك ادعى التلف (1) أو الخسارة، وقال: إني اشتبهت في حصوله، لم يسمع منه (2)، لانه رجوع عن إقراره الاول. ولكن لو قال: ربحت ثم تلف، أو ثم حصلت الخسارة، قبل منه. ] (1) يعني: ادعى تلف أصل المال قبل الاتجار به، إذ لو كان المراد أنه ادعى التلف بعد الربح فلا اشكال في سماع قوله، لعدم المنافاة مع إقراره بوجه، كما سيأتي فرضه. (2) قال في الشرائع: " ولو قال العامل ربحت كذا ورجع لم يقبل رجوعه. وكذا لو ادعى الغلط "، وفي التذكرة: " لو قال ربحت ألفا ثم قال: غلطت، وإنما ربحت مائة، أو تبينت أنه لاربح هنا، أو قال: كذبت في الاخبار خوفا من انتزاع المال لم يقبل رجوعه، لانه أقر بحق عليه ثم رجع لم يقبل كسائر الاقارير "، ونحوها كلام غيرهما. وعلله في الجواهر بسبق إقراره الماضي عليه بقاعدة: إقرار العقلاء على أنفسهم جائز، وقاعدة: عدم سماع الانكار بعد الاقرار، السالمين عن معارضة قاعدة: سماع الامين في كل ما يدعيه، بعد عدم ثبوت هذا العموم وانما الثابت المسلم ما لم يسبق باقرار... إلى آخر كلامه. هذا ولا يخفى أن قاعدة: عدم سماع الانكار بعد الاقرار، تختص بما إذا كان الانكار واردا على ما ورد عليه الاقرار، بحيث يكون معارضا له، كما إذا قال: لك علي درهم، ثم قال: ليس لك علي درهم. أما إذا كان الانكار واردا على أمر آخر غير الواقع الذي ورد عليه الاقرار - كما في المقام - لم يكن وجه للرد، فان قوله: اشتبهت، أو غلطت أو ما قصدت الواقع وإنما كان اخباري تورية، أو قصدت الواقع لا بقصد

[ 399 ]

بيان الواقع، بل بقصد التخلص من الضرر ونحو ذلك مما لا يكون القول الثاني واردا على ما ورد عليه الاول ولا معارضا له. فلا يكون من الانكار بعد الاقرار قال في الشرائع في كتاب الاقرار: " إذا شهد على نفسه بالبيع وقبض الثمن، ثم أنكر فيما بعد وادعى أنه أشهد تبعا للعادة ولم يقبض، قيل: لا يقبل دعواه، لانه مكذب لاقراره، وقيل: تقبل، لانه ادعى ما هو معتاد وهو أشبه " وفي الجواهر حكى الاخير عن الشيخ ومن تأخر عنه، وأما في الاول فقال: " لم نتحقق قائله من العامة فضلا عن الخاصة ". ومن ذلك يظهر إشكال ما في الشرائع وغيرها من عدم قبول قوله الذكر ذكروه هنا، الظاهر في أنه لا يقبل حتى مع البينة، ولا يسمع أصلا كما استظهره أيضا في الجواهر، قال (ره): " ظاهر قول المصنف وغيره " لم يقبل " عدم سماع بينته على ذلك، لكونه مكذبا لها باقراره السابق وعموم: " البينة على المدعي " إنما هو ظاهر في كون الدعوى مسموعة، لا ما أسقطها الشارع بقاعدة الاقرار فتبقى حينئذ شهادة البينة نفسها بلا دعوى ولاريب في تقديم قول المخالف لها عليها، لعدم ثبوت حجيتها في هذا الحال، خصوصا بعد أن كان المشهود به حقا له، فلا ريب في تقديم قوله فيه. فتأمل ". وحمل كلامهم هنا على عدم قبول قوله كما يقبل قول الامين مع اليمين بل يحتاج في قبوله إلى البينة، خلاف الظاهر من كلامهم جدا. والمتحصل: أن الاحتمالات في المقام ثلاثة (الاول): عدم السماع أصلا ولو مع البينة (الثاني): عدم السماع إلا مع البينه، كما في سائر الدعاوى (الثالث): السماع مع اليمين، كما في سائر موارد دعاوى الامين. ووجه الاول: ما اشار إليه في التذكرة - واوضحه في الجواهر -

[ 400 ]

[ (مسألة 53): إذا اختلفا في مقدار حصة العامل وأنه نصف الربح مثلا أو ثلثه قدم قول المالك (1). ] من أن الدعوى الثانية من قبيل الانكار بعد الاقرار، وهو غير مسموع والبينة لما كانت مكذبة باقراره الاول فهي أيضا غير مسموعة. مع أنها لا تسمع إذا لم تكن لها دعوى مسموعة، وفيه: ما عرفت من أنه ليس من الانكار بعد الاقرار، بل هو من باب شرح حال الاقرار، وإطلاق سماع قول الامين يقتضي قبوله، فيسقط به الاقرار. ودعوى عدم العموم في سماع قول الامين - كما تقدمت عن الجواهر - ضعيفة لاطلاق قولهم (ع): " إن اتهمته فاستحلفه " (* 1) الشامل له من دون قرينة على صرفه عنه. وحينئذ تظهر قوة الاحتمال الثالث. نعم لو فرض عدم العموم لما دل على سماع قول الامين تعين الاحتمال الثاني، عملا بما دل على قبول قول المدعي مع البينة. وما تقدم في الجواهر من عدم سماع دعواه ولا بينته، لانهما مكذبان بالاقرار، كما ترى، إذ الاقرار لا يكذب دعوى الغلط ولا الشهادة به، كما هو ظاهر. (1) في التذكرة: نسبته إلى علمائنا، وفي جامع المقاصد: " هذا واضح إن كان الاختلاف قبل حصول الربح، لان المالك متمكن من منع الربح كله، بفسخ العقد، وأما بعد حصوله فان كلا منهما مدع ومدعى عليه، فان المالك يدعي استحقاق العمل الصادر بالحصة الدنيا، والعامل ينكر ذكر فيجئ القول بالتحالف إن كانت أجرة المثل أزيد مما يدعيه المالك، ولا أعلم لاصحابنا قولا بالتحالف، وإنما القول بالتحالف مع الاختلاف في الربح مطلقا قول الشافعي.


(* 1) الوسائل باب: 29 من ابواب كتاب الاجارة حديث: 16، وقريب منه حديث: 11، 17 من نفس الباب.

[ 401 ]

وكأنه مبني على أن المعيار في تشخيص المدعي والمنكر مصب الدعوى فان دعوى المالك أن المجعول في العقد الحصة الدنيا دعوى ايجابية، كما أن دعوى العامل أن المجعول في العقد الحصة العليا دعوى ايجابية، فكل منهما مدع دعوى ايحابية ينكرها الاخر، فيكونا لذلك متداعيين، حكمهما التحالف، وعلى هذا المبنى ذكر في جامع المقاصد في كتاب الاجارة أنه لاريب في قوة التحالف إذا اختلف المؤجر والمستأجر في قدر الاجرة وفي قدر المستأجر (بالفتح) وعلله بما ذكرنا، ونسبه بعض إلى جماعة أيضا، لكن عرفت ضعف المبنى، وأن الميعار في تشخيص ذلك الغرض المقصود من الدعوى، وأما مصب الدعوى بلا غرض فمما لا مجال لوجوب سماعه، فانه غير ملزم، ولا يترتب عليه فائدة ثبت أم لم يثبت فلا يكون معيارا، كما أشرنا إلى ذلك في مباحث التنازع من كتاب الاجارة. وأما ما أشكله في الجواهر على جامع المقاصد بقوله: " لاريب في أن كلا منهما مدع ومنكر، إذا كان نزاعهما في تشخيص ما وقع عليه عقد المضاربة، ضرورة اقتضاء الاصل عدم كل من الشخصين. نعم بعد تعارض الاصول في ذلك يرجع إلى أصل آخر، ولاريب في كونه مع المالك، لان الاصل عدم استحقاق العامل الزائد... ". ففيه: أن الاصل المذكور لا يثبت إحدى الدعويين ولا ينفيهما، وإنما يتعرض لامر آخر، فكيف يكون مرجعا للحاكم في حسم النزاع بين المتداعيين؟!. فالعمدة: ما ذكرنا من ضعف مبنى التحالف في المقام، وان التحقيق أن المعيار الغرض المقصود، وهو في المقام متعلق بالزائد على الاقل، وهو مورد النفي من أحد الخصمين والاثبات من الآخر، لامورد الاثبات من كل منهما. كي يكون المقام من التداعي الذي يكون المرجع فيه التحالف، فالمالك ينفي الزائد، والعامل يثبته، فالاول منكر، والثاني مدع. وإذا لاحظنا

[ 402 ]

[ (مسألة 54): إذا ادعى المالك أني ضاربتك على كذا مقدار وأعطيتك، فأنكر أصل المضاربة، أو أنكر تسليم المال إليه، فأقام المالك بينة على ذلك، فادعى العامل تلفه لم يسمع منه (1) وأخذ باقراره المستفاد من إنكاره الاصل. ] أن المالك يثبت الاقل فالاخبار عنه ليس دعوى على العامل بل إقرار له بأمر معلوم، فلا يسمع من حيث كونه دعوى. ثم لو بني على الاول وكان المقام من التداعي لم يفرق بين ما قيل العمل وبعده. وكون المالك قبل العمل متمكن من الفسخ لاأثر له في تبديل مصب الدعوى. كما أنه لافرق بين كون أجرة المثل اكثر من الحصة وكونها أقل وكونها مساوية، فان أجرة المثل خارجة عن محل الابتلاء على حال زادت أو نقصت أو ساوت، ولا يتغير الحكم باختلاف الحالات المذكورة. (1) مقتضى الجمود على ما تحت العبارة أنه لا يسمع منه دعوى التلف ويكلف باداء العين ولو أدى ذلك إلى حبسه أو ضربه، وبنحو ذلك عبر في القواعد، فقال: " ولو أنكر القراض ثم ادعى التلف لم يقبل قوله " وعلى هذا يكون المراد من قول المصنف (ره): " وأخذ باقراره المستفاد من انكاره " أن انكاره لاخذ المال يستفاد منه تكذيب دعوى التلف واقرار منه بكذبها فلا تسمع. وعلى هذا لا يكون في هذا الكلام تعرض للضمان بحيث لو تحقق التلف كان المال مضمونا عليه ويجب دفع بدله. وهذا البيان يخالف ما في الشرائع حيث قال: " إذا قال دفعت إليه مالا قراضا فانكر العامل، فاقام المدعي بينة، فادعى العامل التلف قضي عليه بالضمان "، وظاهره سماع دعوى التلف مع الحكم بالضمان. ووجه هذا الضمان: أن دعوى التلف إقرار منه بأن إنكاره لقبض المال خيانة منه

[ 403 ]

وهي موجبة للضمان. لكن لا يظهر الوجه لسماع دعوى التلف، لما عرفت من أن انكاره لاخذ المال تكذيب منه لدعوى التلف وإقرار منه بكذبها، فكيف تسمع منه؟! بل دعواه التلف إذا كانت موجبة لخيانته بانكار أخذ المال فلا وجه لسماعها، لان الخائن لا يسمع قوله، وإنما يسمع قول الامين. نعم هذا الوجه لايمنع من سماع بينته على التلف لكن الوجه الاول يمنع من ذلك، لان انكاره كما يقتضي تكذيب دعوى التلف يقتضي تكذيب بينة التلف، فلا يصح له إقامتها. وبالجملة: مقتضى عبارة القواعد عدم سماع دعوى التلف من دون تعرض للضمان، ومقتضى عبارة الشرائع الحكم بالضمان وسماع دعوى التلف والاشكال عليها ظاهر. ومن ذلك يظهر الاشكال فيما في المسالك: " من أن عبارة الشرائع أجود من قول العلامة: " لم يقبل دعواه " لاستلزام عدم القبول حبسه إلى أن يدفع العين، وقد تكون تالفة. إلا أن يتكلف نحو ما تقدم من حبسه مدة يظهر منها اليأس من وجود العين ". وما ذكره من المحذور لا محذور فيه فانه لامانع من حبسه حتى يدفع العين أو يتبين التلف، وحينئذ يكون العمل بالتبين لا بقوله، فاطلاق عدم سماع قوله في محله. وفي الجواهر دفع اشكال المسالك: بأن مراد القواعد من عدم سماع قوله عدم قبول دعوى التلف التى كانت تقبل منه سابقا بيمينه في اسقاط الضمان عنه، وأما التكليف بالعين نفسها فليس مقصودا، ضرورة عدم تصديق مجرد قوله في ذلك من دون استظهار بيمين أو بينة أو حبس أو نحو ذلك. وقريب منه ما في مفتاح الكرامة. ولكنه كما ترى، فانه لادليل على سماع قوله باليمين وقد كذبه، ولا بالبينة وقد كذبها، ولو سلم فهو عمل بالبينة، لا بالقول، مع أن دعوى التلف لا تقتضي سقوط الضمان إلا

[ 404 ]

[ نعم لو أجاب المالك بأني لست مشغول الذمة لك بشئ، ثم ] إذا كان قبل الخيانة ولم يكن بتعد أو تفريط. هذا ولعل مراد الشرائع من الضمان الضمان حتى مع وجود العين، لا خصوص الضمان حال التلف، حتى يكون الكلام دالا على السماع. لكن هذا المعنى من الضمان يحصل بمجرد قيام البينة على الاخذ لثبوت الخيانة حينئذ، ولا يتوقف على دعوى التلف، فضلا عن تحقق التلف. ثم إن الضمان إذا كان من جهة الخيانة الموجبة لخروج اليد عن الامانة فذلك يختص بالتلف بعد الخيانة، فإذا تحقق أنه كان قبل الانكار فلا ضمان وكذا إذا شك في ذلك، لاصالة البراءة من الضمان حتى لو علم تاريخ الانكار وشك في تاريخ التلف، فان أصالة عدم التلف إلى حين الانكار لا تثبت التلف بعده. ولايجوز التمسك بعموم: " على اليد... " في الشبهة المصداقية بعد تخصيصه بما دل على عدم ضمان الامين. وأصالة عدم الامانة الازلي لا مجال لها، للعلم بتحقق الامانة في الزمان السابق. والذي يتحصل مما ذكرنا أمور: عدم سماع قوله الذي كذبه، وعدم سماع بينته التي كذبها، وأنه خائن، وأنه ضامن إذا تحقق أن التلف بعد الانكار، وأنه غير ضامن إذا كان التلف قبل الانكار، أو كان التلف مجهول التاريخ. وفي بعض الحواشي تعليقا على قول المصنف: " لم يسمع منه "، يعني: يقضي عليه بالضمان، ولا يقبل قوله في التلف كما كان يقبل لولا إنكاره. وفي قبول الغرامة منه بنفس هذه الدعوى، أو مع إقامة البينة على ما ادعاه، أو يحبس حتى يتبين صدقه، وجوه واقوال، أقواها سماع بينته ". ولم نقف على هذه الاقوال غير التعبيرات المذكورة، وقد عرفت ما هو المتحصل. فلاحظ.

[ 405 ]

[ بعد الاثبات (1) ادعى التلف، قبل منه، لعدم المنافاة بين الانكار من الاول وبين دعوى التلف. (مسألة 55): إذا اختلفا في صحة المضاربة الواقعة بينهما وبطلانها قدم قول مدعي الصحة (2). (مسألة 56): إذا ادعى احدهما الفسخ في الاثناء وأنكر الآخر قدم قول المنكر. وكل من يقدم قوله في المسائل المذكورة لابد له من اليمين (3). (مسألة 57): إذا ادعى العامل الرد وأنكره المالك قدم قول المالك (4). (مسألة 58): لو ادعى العامل في جنس اشتراه أنه اشتراه لنفسه، وادعى المالك أنه اشتراه للمضاربة، قدم قول العامل. وكذا لو ادعى أنه اشتراه للمضاربة، وادعى المالك ] (1) ظاهر العبارة إثبات الاشتغال بالبينة، وحينئذ لا تجدي دعوى التلف في نفي الضمان. فالمراد اثبات الاخذ، لكن إثبات ذلك لا ينافي انكار الاشتغال، فلا تسمع البينة عليه، فكأن مراد المصنف - كغيره من الفقهاء - ذكر فرض آخر في قبال الفرض السابق وإن لم يكن صحيحا. (2) لاصالة الصحة المعول عليها عند العقلاء والمتشرعة والفقهاء. (3) ولابد أيضا أن يكون بعد امتناع المدعي من إثبات دعواه ببينة ونحوها. (4) لمطابقة قوله لاصالة عدم الرد، فيكون منكرا. (ودعوى): أن عموم مادل على قبول قول الامين يقتضي المنع من العمل بالاصل. (مندفعة): بأنه لاعموم لما دل على قبول قول الامين يشمل المقام مما

[ 406 ]

[ أنه اشتراه لنفسه، لانه أعرف بنيته (1)، ولانه أمين، فيقبل قوله. والظاهر ان الامر كذلك لو علم أنه أدى الثمن من مال المضاربة (2)، بان ادعى. أنه اشتراه في الذمة لنفسه ثم أدى ] كان الفعل مشتركا بينه وبين المالك، ولذا كان المشهور عدم القبول. وعن الشيخ القبول والاستدلال له بالقياس على الودعي، وبأنه إذا لم يقبل قوله كان ضررا عليه. وفي ذلك نظر ظاهر. بل قيل ان ذلك ليس في كلام الشيخ، وأنه (قده) أجل من أن يستدل بمثل ذلك، إذ القياس ليس بحجة. وقبول قوله يوجب الضرر على المالك، ولا وجه للترجيح. نعم في جامع المقاصد والمسالك الاستدلال له: بأنه إذا لم يقبل قوله يلزم تخليده في السجن، لانه إذا كان صادقا امتنع أخذ المال منه، وإذا كان كاذبا فظاهر حاله أنه لا يكذب نفسه، فيلزم تخليد حبسه. إلا أن يحمل كلامهم على أن الواجب حبسه إلى أن يظهر الحال. ولكن الاستدلال بذلك أيضا كما ترى، لما سبق من عدم محذور في ذلك. فإذا لا معدل عن المشهور عملا بالاصل نعم إذا كان المالك قد أمره بالرد إلى موضع معين عند انتهاء المضاربة، فادعى العامل ذلك لم يبعد القبول كغيره من الاعمال المتعلقة به بالنسبة إلى المال لاختصاص الفعل به حينئذ. (1) يشير إلى قاعدة ذكرت في كلام جماعة من الفقهاء من قبول قول من لايعرف المقول إلى من قبله. ولا يبعد بناء العقلاء على القاعدة المذكورة، وإلا لزم تعطيل تشريع الحكم، وهو خلاف دليل جعله. فإذا اشترى الانسان شيئا كان ظاهر الفعل الشراء لنفسه، فيحكم به لذلك. وصريح القول أولى من ظاهر الفعل في القبول. مضافا إلى قاعدة: من ملك شيئا ملك الاقرار به. (2) لا يخلو من إشكال، فان قاعدة قبول قول من لايعرف إلا

[ 407 ]

[ الثمن من مال المضاربة، ولو كان عاصيا في ذلك. (مسألة 59): لو ادعى المالك أنه أعطاه المال مضاربة وادعى القابض أنه أعطاه قرضا، يتحالفان (1)، ] من قبله لا تخلو من إشكال في المقام، لمخالفتها لظاهر الفعل. وكذلك قاعدة سماع قول الامين، فانه يختص بما إذا لم يكن ظاهر حجة على خلافه، كما في المقام. (1) وهو أقرب - كما عن التحرير - وواضح - كما عن الايضاح - ومحتمل - كما في القواعد - وعلله في جامع المقاصد: بأن كل واحد منهما مدع ومنكر، فان العامل يدعي خروج المال عن ملك المالك، والمالك ينكره، والمالك يدعي استحقاق عمل العامل في مقابل الحصة بالقراض، والعامل ينكره. لكن قال في القواعد: " ولو ادعى المالك القراض والعامل القرض فالقول قول المالك، فيثبت له مع اليمين مدعاه من الحصة " واختاره في التذكرة، لان المال ملكه، والاصل تبعية الربح له، فمدعي خلافه يحتاج إلى بينة. أقول: إذا كان المعيار في تشخيص المدعي والمنكر مصب الدعوى فلا ريب في أن المقام من التداعي، لان كلا منهما يدعي خلاف الاصل. وإذا كان المعيار الغرض المقصود من الدعوى فيختلف باختلاف الموارد، فان كان النزاع بعد انتهاء عمل المضاربة ووجود الربح فدعوى العامل القرض خلاف الاصل، لان الاصل يقتضي بقاء المال على ملك مالكه، فدعوى خروجه عنه بالقرض مخالفة له، ودعوى المالك المضاربة بقصد اثبات استحقاقه لحصة من الربح موافقة له، لان استحقاق حصة من الربح موافقة لاصالة تبعية النماء للاصل. وإن كان النزاع قبل انتهاء عمل المضاربة بأن قلنا بوجوب التصفية على العامل، فدعوى المالك المضاربة وإن كانت

[ 408 ]

[ فان حلفا أو نكلا للقابض أكثر الامرين من أجرة المثل والحصة ] موافقة لاصالة بقاء المال على ملك مالكه، لكنها مخالفة لاصالة عدم استحقاق المالك التصفية على العامل، فيكون المالك من هذه الجهة مدعيا والعامل النافي للمضاربة منكرا، لموافقته للاصل المذكور. وكأنه إلى ذلك أشار في جامع المقاصد في عبارته المتقدمة. ولو كان النزاع قبل حصول الربح لم يبعد أن يكون الحكم كذلك لان استحقاق العمل على العامل من آثار العقد وإن كان جائزا. لكن في جامع المقاصد: " لو كان الاختلاف قبل حصول الربح لكان القول قول المالك مع يمينه قطعا، لان الاصل بقاء المال له، ولا معارض له هنا ". وإشكاله ظاهر، لما عرفت من أن استحقاق العمل على العامل من آثار عقد المضاربة، يترتب بمجرد حصوله، فمع الشك فيه يكون الاصل عدم الاثر المذكور. هذا والظاهر أن مورد كلامهم هنا الصورة الاولى، بقرينة عدم التعرض لوجوب العمل على العامل وعدمه، والتعرض للربح فقط، وعليه فلا وجه للتحالف. اللهم إلا أن يكون لبنائهم على أن مرجع دعوى المالك المضاربة إلى استحقاق ما سبق من عمل العامل الذي ترتب عليه الربح بالحصة، والاصل عدمه، وفيه: أن دعوى ذلك إنما يقصد منها نفي استحقاق تمام الربح العامل الموافق للاصل، لاإثبات شئ للمالك على العامل، حتى يكون بذلك مدعيا. وهذا نظير ما إذا ادعى المالك أنه آجره الحمار وادعى المستأجر أنه آجره البغل، كما سبق في كتاب الاجارة فالبناء على ذلك رجوع إلى تشخيص المدعي والمنكر بمصب الدعوى، لا الغرض المقصود، وقد عرفت ضعفه.

[ 409 ]

[ من الربح (1) إلا إذا كانت الاجرة زائدة عن تمام الربح فليس له أخذها، لا عترافه بعدم استحقاق أزيد من الربح. ] (1) كذا في القواعد على تقدير البناء على التحالف، وهو خيرة التحرير والايضاح وجامع المقاصد. وفي التذكرة: اختار أن القول قول المالك، وحكى عن بعض العامة القول بالتحالف، وعلله: بأنه إن كان الاكثر نصيبه من الربح فرب المال يعترف له به وهو يدعي كله، وإن كانت أجرة المثل أكثر فالقول قوله بيمينه في عمله، كما أن القول قول رب المال في ماله، فإذا حلف قبل قوله في أنه ما عمل بهذا الشرط، وإنما عمل بعوض لم يسلم له، فيكون له أجرة المثل. انتهى. وفيه: أن أجرة المثل إنما تكون لمن عمل لغيره، لا لمن عمل لنفسه معترفا بأنه لم يكن بأمر غيره ولا بقصد غيره. وبالجملة: هما معا يعترفان باستحقاق العامل الحصة، ويختلفان في استحقاقه للزائد، فالعامل يدعي ذلك بدعوى كون المالك له، والمالك ينكر ذلك، وحيث أن الاصل عدم خروج المال عن ملك المالك فقول العامل مخالف للاصل، فيكون مدعيا، وقول المالك موافق له، فيكون منكرا، فإذا حلف المالك ثبت قوله، وبطلت دعوى العامل، وأما أجرة المثل فمباينة لكل من دعوى المالك والعامل، فلا وجه لاستحقاق العامل لها وهو لم يقصدها، بل ولم يقصد العمل لغيره، كما عرفت. ومن ذلك يعرف الاشكال فيما في بعض الحواشي: من أن المقام من قبيل المدعي والمنكر، ويختلف الحكم بكون المالك مدعيا أو منكرا باختلاف الصور، فعلى تقدير كون أجرة المثل مساوية لتمام الربح يكون المالك مدعيا على العامل بأنه تنازل عن قيمة عمله إلى الحصة، والعامل ينكر ذلك، فإذا حلف العامل قبل قوله فيكون تمام الربح له، وإذا

[ 410 ]

[ (مسألة 60): إذا حصل تلف أو خسران، فادعى المالك أنه أقرضه وادعى العامل أنه ضاربه، قدم قول المالك مع اليمين (1). ] كانت مساوية للحصة يكون العامل مدعيا، لانه يدعي استحقاق أكثر من قيمة عمله، وهو تمام الربح والمالك ينكر ذلك، فإذا حلف قبل قوله، ويكون للعامل الحصة لاغير، وإذا كانت أزيد من الحصة ودون تمام الربح يكون العامل منكرا بالنسبة إلى دعوى المالك الحصة، ويكون مدعيا بالنسبة إلى دعواه تمام الربح، ويكون المالك مدعيا في الاولى ومنكرا في الثانية، فيقبل قول المنكر من كل منهما في نفي دعوى خصمه. وتوضيح الاشكال عليه: أن أجرة المثل مباينة لكل من الدعويين حتى لو كانت مساوية للربح أو الحصة، فانها غيرهما، وأنه لاوجه لاستحقاقها مع عدم قصد العامل العمل لغيره ولا بأمر غيره، فكيف تكون معيارا للمدعي والمنكر. (1) كذا في القواعد والتذكرة وعن التحرير، واختاره في جامع المقاصد، وعلله: بأن الاصل في وضع اليد على مال الغير ترتب وجوب الرد عليه، لعموم قوله (ع): " على اليد ما أخذت حتى تؤدي " (* 1) ولان العامل يدعي على المالك كون ماله في يده على وجه لو تلف لم يجب بدله، والمالك ينكر. فان قيل: المالك أيضا يدعي على العامل شغل ذمته بماله، والاصل البراءة. قلنا: زال هذا الاصل بتحقق إثبات يده على مال المالك، المقتضى لكونه في العهدة، والامر الزائد المقتضي لانتفاء العهدة لم يتحقق، والاصل عدمه. وفيه: أن قوله صلى الله عليه وآله: " على اليد... " يختص بما إذا كان


(* 1) مستدرك الوسائل باب: 1 من أبواب كتاب الوديعة حديث: 12.

[ 411 ]

المال المأخوذ مال الغير، وهو خلاف دعوى المالك، إذ في القرض لا يكون المال مال الغير، بل يكون مال نفسه، ولذا يكون ضمان المال بالقرض لا باليد، وكذا ضمان المبيع يكون بالبيع لا باليد، ويسمى ضمان المعاوضة. فتقديم قول المالك يتوقف على أصالة احترام مال المسلم على نحو يقتضي ضمانه مطلقا وهي غير ثابتة. وإن كان قد يشهد بها مصحح اسحاق بن عمار قال: " سألت أبا الحسن (ع) عن رجل استودع رجلا الف درهم فضاعت، فقال الرجل كانت عندي وديعة، وقال الآخر: إنما كانت لي عليك قرضا، فقال (ع): المال لازم له إلا أن يقيم البينة انها كانت وديعة ". (* 1) لكن استفادة الكلية من المصحح غير ظاهرة، وإن كان ظاهر المشهور ذلك. فقد ذكر الاكثر أنه إذا اختلف المالك والراكب في أنه عارية أو إجارة، فالقول قول مدعي الاجارة، وعلله في الجواهر بأصالة احترام مال المسلم كدمه وعرضه، بمعنى الحكم بضمانه على من هو عنده. وفيه: أن احترام مال المسلم إنما هو بمعنى عدم جواز التصرف فيه - كما هو معنى احترام دمه وعرضه - لا بمعنى ضمانه على من هذه عنده، فانه لادليل عليه غير عموم: " على اليد... " الذي قد عرفت اختصاصه بمال الغير الذي لا يشمل المقام بعد ادعاء المالك أنه قرض. لكن في الجواهر: " الظاهر أنه مفروغ منه في غير المقام، كما لا يخفى على من أحاط خبرا بافراد المسألة في الابواب المتفرقة ". ولكنه مشكل. وكأنه لذلك كان ماعن الشيخ وابن زهرة وأول الشهيدين والاردبيلي والخراساني القول بقبول قول الراكب بيمينه في المسألة المذكورة. عملا بأصالة البراءة، الموافق لقول الراكب. وإن كان يشكل ذلك: بأن أصالة


(* 1) الوسائل باب 7 من كتاب الوديعة حديث: 1.

[ 412 ]

البراءة أصل مسببي، وهو محكوم للاصل السبي، وهو أصالة عدم الاعارة الموجب لكونه قد استوفى منافع العين بلا إذن من المالك، فيرجع إلى أصالة ضمان المنافع بالاستيفاء، الذي عرفت الاشارة إلى أنه من المرتكزات العقلائية التي استقر عليها بناء المتشرعة وعملهم، وحينئذ لا مجال لاصالة البراءة معه. وإلا أن يقال: على تقدير صحة قول المالك فضمان المنافع يكون بالاجارة لا بالاستيفاء، نحو ما ذكرناه في المقام، من أنه على تقدير قول العامل يكون الضمان بالقرض لا باليد. وحينئذ يشكل البناء على ضمان العامل في المقام لاجل دعوى استيفائه منافع غيره، كالاشكال في البناء على ضمان الراكب، على ما عرفت. اللهم إلا أن يدعى الارتكاز العقلائي في أمثال المقام على ضمان العين والمنفعة بالبدل، وإن كان المالك يدعي الضمان الخاص، فيضمن الراكب قيمة المنفعة دون الاجرة التي يدعيها المالك، ويضمن المتهب قيمة العين لا الثمن الذي يدعيه المالك فيما إذا اختلفا في أنه هبة أو بيع وأمثال ذلك فيكون من قبيل الحكم الواقعي جعله الشارع للحاكم لحسم النزاع وفصل الخصوصة مع ثبوت الحكم الواقعي الاولي بحاله، ولاتنافي بين الحكمين فان الاول يدعو إلى العمل به ورفع النزاع، والثاني يدعو إلى العمل به على فرض النزاع، فيحرم أخذ المالك للبدل على تقدير العارية، ويحرم امتناع الراكب من دفع الاجرة على تقدير الاجارة واقعا، فالحكم الواقعي بحاله وإن ثبت في حق الحاكم معه حكم يخالفه في حال النزاع، ويحتمل بعيدا أن يكون من قبيل الصلح القهري. وكيف كان فهذا الارتكاز غير بعيد، فالعمل به لازم. لكن الظاهر اختصاصه بصورة دعوى الاستحلال، مثل دعوى الهبة في مقابل دعوى البيع، أو دعوى العارية في مقابل دعوى الاجارة، أما

[ 413 ]

[ (مسألة 61): لو ادعى المالك الابضاع والعامل الضاربة يتحالفان (1) ومع الحلف أو النكول منهما يستحق العامل أقل ] إذا لم يكن استحلال - مثل المقام - فلا دليل على الضمان المذكور، بل الارتكاز لا يساعد عليه. وكذلك مورد مصحح اسحاق المتقدم، فان الحكم فيه على خلاف الارتكاز، فيقتصر على مورده لاغير. (1) كما في التذكرة: أنه أقرب، وعن الايضاح: أنه الاصح. وفي القواعد: أن القول قول العامل، لان عمله له، فيكون قوله مقدما فيه. انتهى. لكن التعليل المذكور معارض بمثله بالنسبة إلى المالك، فان المال للمالك، فيكون قوله مقدما فيه أيضا. مع أنه لا يرجع إلى محصل لان من يكون القول قوله يجب أن يكون قوله موافقا للحجة، ومجرد كون العمل للعامل لا يقتضي أن يكون قوله موافقا للحجة، كما أن كون المال للمالك لا يقتضي أن يكون قوله موافقا للحجة. نعم لما كان المالك للمالك فالاصل في نمائه وربحه أن يكون للمالك أيضا لانه تابع له، فدعوى العامل الاستحقاق لحصة من الربح خلاف الاصل المذكور، فيكون قوله مخالفا للحجة فيكون مدعيا، ويكون المالك من هذه الجهة منكرا. كما أن دعوى المالك الايضاع مجانا خلاف الاصل، المقتضي لضمان عمل العامل بالاستيفاء، فيكون المالك من هذه الجهة مدعيا والعامل منكرا، فيكون المقام من التداعي والتناكر من الجانبين، فإذا حلفا بطلت دعوى العامل الاستحقاق للحصة، فيكون الربح كله للمالك، كما بطلت دعوى المالك كون البضاعة مجانية، فيتعين الرجوع إلى قاعدة: ضمان عمل العامل على من استوفاه. وهذا البيان بعينه جار فيما لو اختلف الراكب والمالك في كون الدابة عارية أو مستأجرة، فانه أيضا يرجع إلى أصالة ضمان المنفعة المستوفاة

[ 414 ]

[ الامرين من الاجرة والحصة من الربح (1)، ولو لم يحصل ربح ] بأجره المثل، لا بالاجرة التي يدعيها المالك. وقد عرفت أنه لا يشكل ذلك في المقام وفي المثال المذكور وامثالهما بأن أجرة المثل غير مدعاة لاحد الخصمين بل ينكرها كلاهما. لما عرفت من أن الحكم بضمان أجرة المثل نظير الصلح القهري في حسم الخصومة ليس مبنيا على إثبات الحق المدعى. هذا بناء على أن المراد من البضاعة التي يدعيها المالك كون العمل بلا أجرة - كما نسب إلى ظاهر الاصحاب، وتقدم ذلك في أول الكتاب - أما إذا كان المراد من البضاعة العمل بأجرة المثل - كما هو ظاهر المصنف بقرينة ما سيأتي في ذيل المسألة - فادعاء المالك البضاعة يقتضي اعترافه باستحقاق العامل الاجرة، فإذا ادعى العامل الحصة وأنكر الاجرة وبطلت دعواه بيمين المالك يكون انكاره منافيا لاعتراف المالك، فيسقط، كما هو الحكم فيما لو أقر بشئ فأنكر المقر له ذلك، للتنافي الموجب للسقوط، نظير الحجتين المتعارضتين. لكن يتعين بعد ذلك الرجوع إلى قاعدة: ضمان عمل العامل على من استوفاه - كما في الفرض السابق - ويكون للعامل أجرة المثل لذلك. وعلى هذا لا يكون المالك مدعيا لانه معترف للعامل باستحقاق الاجرة، لا أنه يدعي عليه شيئا، بل ذكر هذا الاعتراف للتخلص من دعوى العامل استحقاق الحصة، فيكون منكرا لاغير. () كما صرح بذلك في القواعد وغيرها على تقدير القول بالتحالف ووجهه: أن الاجرة إن كانت أقل من الحصة فلان الحصة قد انتفت بيمين المالك، فلا تجب عليه، وإن كانت الحصة أقل فلاقرار العامل بعدم استحقاق غيرها فيجوز للمالك أن يقتصر على دفعها بدلا عن الاجرة إلزاما للعامل باقراره فالحكم الاولي الذي اقتضاه عموم: ضمان العمل بالاجرة، هو الاجرة، لكن يجوز للمالك أن يعطي العامل الحصة التي

[ 415 ]

يدعيها إلزاما له باقراره، فلا يجب عليه إعطاؤه أجرة المثل. وفي بعض الحواشي في تعليل الحكم فيما لو كانت الحصة أقل من الاجرة. بأن الحصة هو المتفق عليه بينهما، وبالنسبة إلى الزائد عليها يقر المالك للعامل (* 1) بما ينفي استحقاقه له، ويندرج المقام فيما لو تعارض إقرار المقر وإنكار المقر له. وفيه: أن الاجرة مباينة للحصة، وليسا من قبيل الاقل والاكثر، وليس هناك منهما شئ متفق عليه بين العامل والمالك. وأما وجه اندراج المسألة فيما لو تعارض الاقرار بانكار المقر له فهو أن المالك لما نفى الحصة التي يدعيها العامل، فكان حكمه ضمان العمل بالاجرة كان قد أقر بثبوت الاجرة، والعامل لما ادعى الحصة فقد أنكر الاجرة، فالاجرة مورد اقرار المالك وانكار العامل، فالمراد من قوله: " بما ينفي استحقاقه له " بما ينفي العامل استحقاقه له. هذا وما ذكره وإن كان صحيحا، لكن لايدخل فيما لو تعارض الاقرار بالانكار، لاختصاص ذلك بما إذا لم يكن تداع بل كان إقرار وإنكار، كما إذا أقر زيد بأن عليه درهما لعمرو، فأنكر عمرو ذلك، فان التحقيق تعارض الاقرار بالانكار، فيبطل الاقرار ولا يؤخذ به. أما المقام فلما كان بين المقر والمنكر تداع وخصام ولابد من حسم الخصومة تعين الرجوع إلى قاعدة: ضمان عمل المسلم بالاجرة، ويجب البناء على الاجرة لذلك، فلا يسقط إقرار المالك بالاجرة بانكار العامل لها، وإلا لزم سقوط الاجرة والحصة معا - سقوط الاجرة بانكار العامل، وسقوط الحصة بيمين المالك - فلا شئ للعامل حينئذ، وهو خلاف مبنى الكلام من ثبوت شئ على العامل للمالك، والخيار يكون للمالك بين أن يدفع الاجرة


(* 1) كذا في الحاشية المذكورة، وهي حاشية المرحوم النائيني (قده). والظاهر أن حق العبارة (يقر العامل للمالك...). ولعله من خطأ النسخة المطبوعة (الناشر).

[ 416 ]

[ فادعى المالك المضاربة لدفع الاجرة (1)، وادعى العامل الابضاع استحق العامل بعد التحالف (2) أجرة المثل لعمله. (مسألة 62): إذا علم مقدار رأس المال ومقدار حصة العامل، واختلفا في مقدار الربح الحاصل، فالقول قول العامل (3). كما أنهما لو اختلفا في حصوله وعدمه كان القول قوله (4). ولو علم مقدار المال الموجود فعلا بيد العامل، واختلفا في مقدار نصيب العامل منه، فان كان من جهة ] وبين أن يدفع الحصة المباينة لها، سواء كانت قيمتها أكثر أم أقل، عملا باقرار العامل باستحقاقها، فلا يختص جواز دفع الاجرة بما إذا كانت أقل قيمة. ولعل هذا هو المراد من قول المصنف: " يستحق العامل... " وليس على ظاهره، فان العامل انما يستحق بحكم الحاكم الاجرة لاغير، ولكن يجوز للمالك أن يدفع له الحصة التي يدعيها عملا باقراره، سواء كانت قيمتها أقل أم أكثر. (1) يعني: للتخلص من الاجرة اللازمة له على تقدير الابضاع. (2) لا يخفى أن دعوى المالك المضاربة إذا كان يقصد بها دفع الاجرة عن نفسه، فيكون العمل بلا عوض، كان حينئذ مدعيا، لمخالفة قوله لاصالة ضمان عمل العامل، وكان العامل المدعي للاجرة منكرا، لموافقة قوله للاصل المذكور، فإذا لم يقم المالك البينة على المضاربة حلف العامل وثبتت له الاجرة، فالمقام من باب المدعي والمنكر عكس المسألة السابقة، التي كان العامل فيها مدعيا والمالك منكرا. (3) لانه أمين. ولاصالة عدم الربح الزائد على ما يدعيه العامل. (4) لما ذكر.

[ 417 ]

[ الاختلاف في الحصة أنها نصف أو ثلث فالقول قول المالك (1) قطعا، وإن كان من جهة الاختلاف في مقدار رأس المال فالقول قوله أيضا، لان المفروض أن تمام هذا الموجود من مال المضاربة أصلا وربحا، ومقتضى الاصل كونه بتمامه للمالك (2) إلا ما علم جعله للعامل. وأصالة عدم دفع أزيد من مقدار كذا إلى العامل لا تثبت كون البقية ربحا (3). مع أنها معارضة بأصالة عدم حصول الربح أزيد من مقدار كذا (4)، فيبقى كون الربح تابعا للاصل إلا ما خرج. (مسائل: الاولى): إذا كان عنده مال المضاربة فمات فان علم بعينه فلا إشكال (5)، وإلا فان علم بوجوده في التركة الموجودة من غير تعيين فكذلك، ويكون المالك شريكا مع الورثة بالنسبة (6)، ويقدم على الغرماء إن كان الميت مديونا، ] (1) كما سبق، لما سبق. (2) لاصالة تبعية الربح للاصل. (3) لانه من اللوازم العقلية التي لا تثبت إلا بناء على حجية الاصل المثبت. (4) هذا الاصل أيضا لا يثبت كون الربح الموجود للمالك إلا بناء على الاصل المثبت، وحينئذ لا يكون حجة حتى يعارض ويعارض به. ولو بني على حجيته للاكتفاء بالسببية العقلية صحت المعارضة، وبقي أصل تبعية الربح للمال - الذي هو أصل مسببي - بحاله. (5) وفي الجواهر: " بلا خلاف ولا إشكال ". ويقتضيه أصالة بقاء المال على ملك مالكه. (6) قال في الشرائع: " فان علم مال أحدهم بعينه كان أحق به،

[ 418 ]

وإن جهل كانوا فيه سواء "، وفي الجواهر في شرحه: " بمعنى أنه يقسم بينهم على نسبة أموالهم كما في انقسام غيرهم من الشركاء "، وفي الحدائق: نسب هذا المعنى إلى الاصحاب، وفي جامع المقاصد: " إن علم بقاء المال في جملة الشركة ولم تعلم عينه بخصوصه فصاحبه كالشريك "، ونحوه عبارة غيره. ويظهر من الجيمع أن الاشتباه في المقام يقتضي الاشتراك حتى مع عدم الامتزاج، وهو غير ظاهر، بل يشكل حتى مع العلم بالامتزاج في المثليات، مثل وضع ثوب في أثواب، فانه لا يوجب الاشتراك إذا عرف بعينه، وكذا إذا اشتبه بغيره، فانه لادليل على هذا الاشتراك. وفي الحدائق والرياض وغيرهما: الاستدلال على ذلك بالخبر، وهو رواية السكوني عن جعفر (ع) عن آبائه (ع) عن علي (ع): " أنه كان يقول: من يموت وعنده مال مضاربة، قال (ع): إن سماه بعينه قبل موته، فقال: هذا لفلان، فهو له، وإن مات ولم يذكر فهو أسوة الغرماء ". وظاهره تعلق حق المالك بالتركة تعلق حق الغريم بها، ومن المعلوم أن الغريم إذا أعطى ماله بطل حقه ولم يجز له المطالبة بجزء من عين التركة، فضلا عن كونه شريكا فيها، فالخبر لادلالة فيه على مشاركة المالك للورثة في التركة، فضلا عن مشاركة المالكين بعضهم مع بعض في مجمع أموالهم مع اشتباه بعضها ببعض، كما ذكر الجماعة، وقد عرفت أنه لادليل على حصول الشركة بالاشتباه. بل الخبر الوارد في الدارهم المودعة يقتضي خلاف ذلك، إذ لو كان الامتزاج يقتضي الاشتراك في المثليات حتى مع الاشتباه كان اللازم أن يكون لصاحب الدرهم ثلث الدرهمين الباقيين، لاربعهما، كما ذكر في النص، فدل ذلك على نفي


(* 1) الوسائل باب: 13 من كتاب المضاربة حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 12 من كتاب الصلح حديث: 1.

[ 419 ]

[ لوجود عين ماله في التركة. وان علم بعدم وجوده في تركته ولا في يده، ولم يعلم أنه تلف بتفريط أو بغيره أو رده ] الاشتراك. ولعله يأتي في مباحث الشركة ماله نفع في المقام. ويحتمل حمل الخبر على صورة عدم العلم بوجود مال المضاربة في ضمن التركة، فيكون مفاد الخبر ضمان العامل للمال إذا علم أنه في يده في حال الموت. ولعل الوجه في هذا الضمان تقصيره في عدم الوصية به، ولا يشمل صورة ما إذا علم بأنه في ضمن التركة، بل في هذه الصورة يرجع إلى القرعة. وبالجملة هنا صور: (الاولى): أن يموت وعنده أموال متعددة مختلطة لمالكين. وظاهر الاصحاب الحكم بالاشتراك بينهم فيها على نسبة أموالهم. (الثانية): أن يموت وعنده مال لمالك واحد مختلط بالتركة وظاهرهم مشاركة المالك للورثة بالمجموع على النسبة، كما صرح بذلك المصنف (قده). وهذا الحكمان لا يقتضيهما الاصل، ولا الخبر (الثالثة): أن يموت وعنده مال المضاربة ولم يعلم أنه في ضمن التركة. بل يحتمل ذلك ويحتمل خلافه، ولا يبعد أن تكون هذه الصورة هي مورد الخبر، وإن كان إطلاقه يقتضي عموم الحكم لجميع الصور. وحينئذ يكون بناء الجماعة على الاشتراك في الصورتين الاوليين غير ظاهر، وأشكل منه دعوى جماعة أنه مفاد الخبر. نعم في القواعد: " لو مات العامل ولم يعلم بقاء مال المضاربة بعينه صار ثابتا في ذمته، وصار صاحبه أسوة الغرماء، على إشكال " وهو تعبير بمتن الخبر، لكن في مطلق عدم العلم ببقاء مال المضاربة بعينه، والحديث يختص بصورة العلم ببقاء مال المضاربة في يده وعدم معرفته بعينه، فلو اقتصر عليها كان ذلك عملا بالخبر. (1) ولم يخرج عن ملكه، فلا يكون وفاء عن ذمة الميت.

[ 420 ]

[ على المالك، فالظاهر عدم ضمانة (1) وكون جميع تركته للورثة، وإن كان لا يخلو عن إشكال بمقتضى بعض الوجوه الآتية (2). وأما إذا علم ببقائه في يده إلى ما بعد الموت ولم يعلم أنه موجود في تركته الموجودة أولا - بان كان مدفونا في مكان غير معلوم أو عند شخص آخر أمانة أو نحو ذلك - أو علم بعدم وجوده في تركته مع العلم ببقائه في يده (3) - بحيث لو كان حيا أمكنه الايصال إلى المالك - أو شك في بقائه في يده وعدمه أيضا، ففى ضمانه في هذه الصور الثلاث وعدمه خلاف وإشكال على اختلاف مراتبه، وكلمات العلماء في المقام وأمثاله - كالرهن والوديعة ونحوهما - مختلفة (4). والاقوى الضمان في الصورتين الاوليين. لعموم قوله (ع): " على اليد ما أخذت حتى تؤدى " (* 1) حيث أن الاظهر شموله للامانات أيضا. ودعوى: خروجها لان المفروض عدم الضمان فيها. ] (1) لاصالة البراءة من الضمان. (2) يعني عموم: " على اليد... " إذ لا يعتبر فيه أن يكون حال الموت، ضرورة صدقه مع كونه في بعض آيات الحياة. وعلى هذا كان اللازم على المصنف القول بالضمان فيه، كما في الصورة الاتية. (3) هذا مشترك بين هذه الصورة وما قبلها، والاختلاف بينهما في العلم بعدم الوجود في التركة في الصورة الثانية وعدم العلم بذلك في الصورة الاولى. (4) قال في الشرائع: " إذا اعترف بالوديعة ثم مات وجهلت


(* 1) مستدرك الوسائل باب: 1 من كتاب الغصب حديث: 4.

[ 421 ]

[ مدفوعة: بأن غاية ما يكون خروج بعض الصور منها (1)، ] عينها قيل: يخرج من أصل تركته. ولو كان له غرماء وضاقت التركة حاصهم المستودع. وفيه تردد "، وفي المسالك: نسب الاول إلى المشهور واستدل على الضمان بعموم: " على اليد... "، ولانه يترك التعيين مفرط، ولان الاصل بقاؤها في يده إلى الموت، فتكون من جملة تركته فإذا تعذر الوصول إلى عينها وجب البدل فتكون بمنزلة الدين. ثم ذكر أن التردد يحتمل أمرين (الاول): أن يكون في أصل الضمان، فان الاعتراف بها إنما يقتضي وجوب الحفظ، لا الضمان. (الثاني): أن يكون في كيفية الضمان، لان بقاءها بمقتضى الاصل إنما يقتضي كونها من جملة التركة، غايته أن عينها مجهولة، فيكون مالكها بمنزلة الشريك، ثم قال: " والاقوى أنه إن علم بقاء عينها إلى بعد الموت ولم يتميز قدم مالكها على الغرماء، وكان بمنزلة الشريك، وإن علم تلفها بتفريط فهو أسوة الغرماء، وإلا فلا ضمان أصلا "، ونحو ذلك كلامهم في وجوب الاشهاد على الوديعة إذا ظهر للمستودع امارة الموت، أو وجوب الوصية بها حينئذ، وأنه يحصل الضمان بترك الاشهاد، أو بتركه وترك الوصية معا، أولا يحصل حتى مع تركهما معا. فلاحظ كلماتهم في المقامين. (1) من البعيد جدا أن يكون خروج الامانات من باب التخصيص، فان المتعارف في اليد هو يد الامين، كالمرتهن والمستعير، والمستودع، والاجير على عمل في العين، والمستأجر للعين لاستيفاء منافعها، والملتقط والوصي، والولي، والشريك، وعامل المضاربة، والعامل في المزارعة والمساقاة والجعالة... إلى غير ذلك، ويد غير الامين مختصة بالغاصب والقابض بالسوم، فلو أريد من اليد العموم لزم تخصيص الاكثر، لندرة

[ 422 ]

[ كما إذا تلفت بلا تفريط أو ادعى تلفها كذلك (1) إذا حلف وأما صورة التفريط والاتلاف ودعوى الرد في غير الوديعة (2) ودعوى التلف والنكول عن الحلف (3) فهي باقية تحت العموم (4) ] اليد في الموردين المذكورين. فلا بد أن يكون المراد من اليد في قوله صلى الله عليه وآله " على اليد... " اليد المبنية على الرد، فلا يشمل اليد المبنية على الابقاء وترك الاداء، وحينئذ لا يشمل يد الامين المفروضة في المقام، ويتعين الرجوع إلى أصالة البراءة. (1) هذا راجع إلى ما قبله، والاختلاف بينهما من قبيل الاختلاف بين مقامي الثبوت والاثبات. (2) أما في الوديعة فيظهر منهم التسالم على قبولها باليمين. مثل دعوى التلف، وهذا الاجماع هو العمدة في القبول، أما إذا ادعى الرد في غير الوديعة لم تسمع دعواه على المشهور، لعدم الدليل على سماعها، فيشمله عموم: البينة على المدعي. وما دل على قبول قول الامين أو قول ذي اليد مختص بما كان متعلقا بما في اليد، فلا يشمل ماكان متعلقا بالمالك فإذا لم يقم البينة كان ضامنا للعين. وكأنه للخيانة. ولكنه غير ظاهر كلية لجواز الاشتباه منه في دعوى الرد. (3) ثبوت الضمان في هذه الصورة كأنه لاجل تحقق الخيانة. ولكنه غير ظاهر، لجواز أن يكون التورع عن اليمين. كما يجوز أن يكون اشتباها منه في دعوى التلف، فلم تحرز الخيانة. (4) قد عرفت أن بقاءها تحت العموم يتوقف على تحقق الخيانة، وهو غير ثابت، فالضمان يكون بحكم الحاكم في مقام حسم النزاع، فلا يكون حكما واقعيا، بل ظاهري لحسم النزاع، وليس مما نحن فيه.

[ 423 ]

[ ودعوى: أن الضمان في صورة التفريط والتعدى من جهة الخروج عن كونها أمانة (1)، أو من جهة الدليل الخارجي كما ترى لا داعى إليها. ويمكن أن يتمسك بعموم ما دل على وجوب رد الامانة (2) بدعوى: أن الرد أعم من رد العين ] (1) لظهور أن ذلك نوع من الخيانة، وهي مقابل الامانة، فان المالك ائتمن الامين على العين، فجعل له ولاية حفظها، فاذن له في إبقائها عنده لاجل حفظها، فإذا خانه في ذلك وصار في مقام تضييعها وضياعها فقد فات الغرض المقصود للمالك، فتفوت معه الاذن في البقاء، فيكون داخلا في عموم: " على اليد... " الذي قد عرفت أن موضوعه اليد غير المأذونة في البقاء. فالضمان بالتعدي والتفريط لاجل ذلك. مضافا إلى النصوص الخاصة الوارد بعضها في التعدي على الوديعة (* 1)، بأن خالف ما أمره به المودع، واكثرها في مخالفة العامل في المضاربة ما أمره به المالك (* 2)، وقد تقدمت. فالخارج من عموم: " على اليد... " الامين غير الخائن، أما الخائن فهو داخل تحت العموم. لكن لالما ذكره المصنف (ره) من عموم على اليد للامانات بل لان الامانات الخارجة موضوعا عن عموم على اليد مختصة بغير الخيانة. ثم إن ما ذكره المصنف من التمسك بعموم " على اليد... " على التفصيل المذكور قد سبقه إليه في الجواهر. (2) قال الله تعالى: (إن الله يأمركم أن تؤدوا الامانات إلى أهلها) (* 3) لكن الوجوب المذكور تكليفي محض، لا يقتضى ضمانا ولا اشتغال ذمة بالعين، ليتعلق ذلك الحق بالتركة. ولذا لا يلتزم أحد بأن وجوب رد


(* 1) الوسائل باب: 5 من كتاب الوديعة حديث: 1. (* 2) راجع الوسائل باب: 1 من كتاب المضاربة. (* 3) النساء: 58.

[ 424 ]

[ ورد البدل (1)، واختصاصه بالاول ممنوع ألا ترى أنه يفهم من قوله (ع): " المغصوب مردود " (* 1) وجوب عوضه عند تلفه (2) هذا مضافا إلى خبر السكوني عن على (ع) أنه كان يقول: " من يموت وعنده مال مضاربة قال: إن سماه بعينه قبل موته فقال هذا لفلان فهو له، وإن مات ولم يذكر فهو أسوة الغرماء " (* 2) (3). وأما الصورة الثالثة: فالضمان ] الامانات المتوجه للامين حين المطالبة موجب لضمانه، فإذا تلفت العين حين الرد كان ضامنا لها، فليس هو إلا وجوب تكليفي لاغير. وهذا بخلاف عموم: " على اليد... ". ثم إن من المعلوم أن وجوب رد الامانات يختص بصورة مطالبة المالك وعدم إذنه في بقاء العين، وذلك منتف بالنسبة إلى العامل في حال حياته، وأما بالنسبة إلى الوارث فلعدم كونه مؤتمنا من قبل المالك على العين ولم يتسلمها منه لا يشمله الدليل، فضلا عن أن يقتضي ضمانه. (1) هذه الدعوى لا تجدي في وجوب الرد على الوارث ما لم يثبت الضمان على الموروث، وإلا فهو كالاجنبي خارج عن هذا التكليف. (2) هذا أول الكلام، بل هو ممنوع، كما فيما قبله، وفهم البدل من جهة ضمان المغصوب، لا من جهة وجوب رده. (3) رواه الشيخ عن محمد بن محبوب عن أحمد عن البرقي عن النوفلي عن السكوني عن جعفر (ع) عن آبائه عن علي (ع) والاشكال على التمسك بالحديث من وجهين (الاول): السند، فان النوفلي لم يثبت توثيقه. (الثاني): الدلالة، إذ منصرف الحديث صورة وجود مال


(* 1) الوسائل باب: 1 من كتاب الغصب حديث: 3. (* 2) الوسائل باب: 13 من كتاب المضاربة حديث: 1.

[ 425 ]

[ فيها أيضا لا يخلو عن قوة، لان الاصل بقاء يده عليه إلى ما بعد الموت (1) واشتغال ذمته بالرد عند المطالبة (2)، وإذا لم يمكنه ذلك لموته يؤخذ من تركته بقيمته. ودعوى: أن ] المالك مشتبها، فيكون الحكم واردا لعلاج المال المشتبه، لا أنه وارد لعلاج خسارة مالك مال المضاربة. (1) يشكل بأن عموم اليد إذا كان يقتضي الضمان في الامانات فلا حاجة إلى أصالة بقاء يده عليه في اثبات الضمان، لتحقق اليد من أول الامر، ولم يثبت ما يوجب الخروج عنه، وهو صورة تلفه بلا تفريط. نعم إذا كان الموجب للضمان اليد حال الموت احتيج إلى اثبات ذلك. لكنه غير ظاهر. وقد أشار إلى ذلك المصنف في صدر المسألة. لكنه لم يعتن به وقوى خلافه هناك. نعم إذا كان المستند في الضمان خبر السكوني فلاجل أن موضوع الضمان فيه أن يموت وعنده مال مضاربة، فإذا شك في بقاء المال عنده حال الموت جرى الاستصحاب في إثباته، لكونه موضوع أثر شرعي، فيترتب بالاصل أثره. (2) إشارة إلى ما تقدم منه من الاستدلال على الضمان بوجوب رد الامانات، فيراد من الاصل عموم الرد المقتضي لاشتغال ذمته. لكن الاصل هنا بمعنى لا يتناسب مع الاصل السابق وهو الاستصحاب، ليصح العطف. مع أنه مشروط بالمطالبة، كما عرفت، وهي منتفية. ويحتمل أن يريد به الاستصحاب، فيكون معطوفا على " يده " لاعلى " بقاء " لكنه بعيد، لان الاشتغال بحدوثه يقتضي الرد لو فرض تحقق المطالبة وإن لم يجر الاستصحاب، لكفاية الاشتغال السابق في حكم العقل بوجوب الرد ولو أريد استصحاب الاشتغال بالرد بعد الموت فاشكاله ظاهر، لانتفاء التكليف بالموت.

[ 426 ]

[ الاصل المذكور معارض بأصالة براءة ذمته من العوض، والمرجع بعد التعارض قاعدة اليد المقتضية لملكيته. مدفوعة: بأن الاصل الاول حاكم على الثاني (1). هذا مع أنه يمكن الخدشة في قاعدة اليد: بأنها مقتضية للملكية (2) إذا كانت مختصة (3)، وفي المقام كانت مشتركة، والاصل بقاؤها ] (1) لان الاول موضوعي والثاني حكمي. لكن عرفت أن الاول لا مجال له، لعدم الاثر لمورده، وعموم: " على اليد... " لا مجال للعمل به في يد الامين، فالمتعين الرجوع إلى أصالة عدم التعدي والتفريط الموجبين للضمان فينتفي الضمان بها، لاإلى أصالة البراءة لانها أصل مسببي لا مجال له مع الاصل السببي، وإن كان موافقا له. (2) الملكية ليست موضوعا للكلام، بل موضوعه الضمان واللاضمان سواء كانت ملكية أم لم تكن. فقاعدة اليد المتقضية للملكية لا توافق أحد الاصلين ولا تخالفه، فالرجوع إليها بعد المعارضة غير ظاهر. مع أن اليد إذا جرت كانت مقدمة على كل من الاصلين المذكورين، لا أن الرجوع إليها يتوقف على سقوط الاصلين. (3) الظاهر من قوله: " مختصة " أن تختص بمال ذي اليد، في مقابل المشتركة التي يكون فيها ماله ومال غيره، وهو أيضا خلاف عموم: " على اليد... ". مع أن لازمه امتناع التمسك بها غالبا، لان الشك في ملكية ما في اليد مساوق للشك في الاختصاص، لانه إذا كان ما في اليد مملوكا لغير ذي اليد فقد كانت مشتركة، فالشك غالبا يكون في الاختصاص والاشتراك، وإذا لم يحرز الاختصاص لم يجز التمسك بها، للشك في عنوان الدليل. إلا أن يراد من المختصة ما لم تكن معلومة الاشتراك.

[ 427 ]

[ على الاشتراك (1). بل في بعض الصور يمكن أن يقال: إن يده يد المالك من حيث كونه عاملا له، كما إذا لم يكن له شئ أصلا فاخذ رأس المال وسافر للتجارة ولم يكن في يده سوى مال المضاربة، فإذا مات يكون ما في يده بمنزلة ما في يد المالك، وإن احتمل أن يكون قد تلف جميع ما عنده من ذلك المال (2) وأنه استفاد لنفسه ما هو الموجود في يده. وفي بعض الصور يده مشتركة بينه وبين المالك كما إذا سافر وعنده من مال المضاربة مقدار ومن ماله أيضا مقدار. نعم في بعض الصور لا يعد يده مشتركة أيضا (3)، فالتمسك باليد بقول ] (1) يعني: فلا يصح التمسك بها لاثبات الملكية لذي اليد. (2) يعني: فيحكم بأنه مال المالك، فتسقط يده على الحجية على كونه ماله وتكون حجة على كونه للمالك. ولكن ذلك خلاف عموم دليل حجية اليد، وخلاف المرتكزات العقلائية. وأظهر منه مالو علم بتبدل العين التي كانت للمالك بعين أخرى، كما إذا كانت بيده دراهم فمات فوجد بيده دنانير، فانه لا مجال للحكم بأنها ملك المالك، نعم مع وحدة عين المال يحكم بكونه للمالك، لاستصحاب كون اليد أمينة وكون العين لمالكها وكذا في العين المغصوبة، فالغاصب إذا مات وبيده العين التي قد غصبها إذا احتمل أنه قد ملكها بعد الغصب لا يحكم بملكيتها له بل يحكم بملكيتها لمالكها لعدم الدليل على حجية اليد على الملكية في المقام فيتعين الرجوع إلى الاصول. أما في الصورتين السابقتين فيتعين الرجوع إلى عموم دليل حجية اليد. (3) إذا كان المناط في الاشتراك أن يكون بيده ماله ومال

[ 428 ]

[ مطلق مشكل (1). ثم إن جميع ما ذكر إنما هو إذا لم يكن بترك التعيين عند ظهور امارات الموت مفرطا، وإلا فلا اشكال في ضمانه (2). (الثانية): ذكروا من شروط المضاربة التنجيز (3)، وأنه لو علقها على أمر متوقع بطلت، وكذا لو علقها على أمر ] غيره فهذه الصورة غير ظاهرة. (1) قد عرفت حقيقته. (2) للخيانة. (3) أهمل ذكر هذا الشرط في المضاربة في الشرائع والقواعد. وفي التذكرة: " يجب التنجيز في العقد، فلا يجوز تعليقه على شرط أو صفة مثل: إذا دخلت الدار أو إذا جاء رأس الشهر فقد قارضتك. وكذا لا يجوز تعليق البيع ونحوه. لان الاصل عصمة مال الغير ". وفي جامع المقاصد في المقام: " واعلم أنه يشترط لصحة العقد التنجيز فلو علقه بشرط كدخول الدار أو صفة كطلوع الشمس لم يصح. وبه صرح في التذكرة لانتفاء الجزم المعتبر في العقد ". وعن شرح الارشاد للفخر: أن تعليق الوكالة على الشرط لا يصح عند الامامية. وكذا سائر العقود جائزة كانت أو لازمة. انتهى. وفي المسالك من مبحث اشتراطه التنجيز في الوقف قال: " واشترط تنجيزه مطلقا موضع وفاق، كالبيع وغيره من العقود وليس عليه دليل بخصوصه... (إلى أن قال): ويستثنى من بطلانه بتعليقه على الشرط مالو كان الشرط واقعا والواقف عالما بوقوعه كقوله: وقفت إن كان اليوم يوم الجمعة فلا يضر كغيره ". والذي يستفاد من ملاحظة كلماتهم في أبواب العقود والايقاعات أن إهمال ذكر التنجيز في بعض تلك الابواب مبني على ما ذكروه في باب آخر من عموم شرطية

[ 429 ]

[ حاصل إذا لم يعلم بحصوله (1). نعم لو علق التصرف على أمر صح (2) وإن كان متوقع الحصول. ولا دليل لهم على ذلك (3) إلا دعوى الاجماع على أن أثر العقد لابد أن يكون حاصلا من حين صدوره (4). ] التنجيز للعقود والايقاعات. (1) كما يفهم من تعليل جامع المقاصد ومن صريح عبارة المسالك. (2) بمقتضى عموم الصحة بعد أن لم يكن فيه تعليق لنفس المضاربة وفي الشرائع في باب الوكالة: " لو نجز الوكالة وشرط تأخير التصرف جاز ". وفي المسالك عن التذكرة: نفي الخلاف فيه، ثم قال في المسالك: " وهذا وإن كان في معنى التعليق، إلا أن العقود لما كانت متلقاة من الشارع نيطت بهذه الضوابط، وبطلت فيما خرج عنها وان أفاد فائدتها ". ويشكل: بأن معنى تعليق الوكالة غير معنى تعليق التصرف مع تنجز الوكالة واشتراكهما في بعض الاحكام لا يوجب الاشتراك في المعنى. ولعل مراد المسالك ما ذكرنا. (3) يعني: اشتراط التنجيز. (4) دعوى الاجماع المتقدمة في عبارتي المسالك وشرح الارشاد إنما هي على اعتبار التنجيز ومانعية التعليق، وكذلك عبارات غيرهما، مثل ما ذكره في التذكرة " لا يصح عقد الوكالة معلقا بشرط أو وصف، فان علقت عليهما بطلت، مثل أن يقول: إن قدم زيد أو إذا جاء رأس الشهر فقد وكلتك، عند علمائنا "، وفي جامع المقاصد: " يجب أن تكون الوكالة منجزة عند جميع علمائنا ". وأما الاجماع على أن أثر العقد يجب أن يكون حاصلا من حين صدوره فلم يدعه أحد في المقام ولا في غيره، وإنما ذكر في كلام بعضهم تعليلا للحكم باشتراط التنجيز كما ذكر غيره من

[ 430 ]

[ وهو إن صح (1) أنما يتم في التعليق على المتوقع، حيث أن الاثر متأخر، وأما التعليق على ما هو حاصل (2) فلا يستلزم التأخير، بل في المتوقع أيضا إذا أخذ على نحو الكشف (3) بأن يكون المعلق عليه وجوده الاستقبالي - لا يكون الاثر متأخرا (4). نعم لو قام الاجماع على اعتبار العلم بتحقق الاثر حين العقد تم في صورة الجهل (5). لكنه غير معلوم (6). ] الوجوه. مع أنه لو كان المستند في الحكم هو الاجماع على أن أثر العقد يجب أن يكون حاصلا من حين العقد فهذا الاجماع لا يقتضي اشتراط التنجيز ومانعية التعليق، لان أثر العقد مع التعليق أثر تعليقي وهو حاصل حال العقد. (1) لاإشكال أنه صحيح، لامتناع التفكيك بين العلة والمعلول والاثر والمؤثر. لكن عرفت أنه لا يثبت الدعوى. (2) يعني: إذا لم يعلم بحصوله كما تقدم. (3) يعني: بنحو الشرط المتأخر. (4) لكنه خارج عن محل كلامهم في مانعية التعليق على المتأخر، إذ المراد منه ما يكون متأخرا عن العقد ولوحظ بنحو الشرط المقارن للمعنى الانشائي، فلا يشمل ما ذكر. هذا إذا كان الشرط معلوم الحصول، كما إذا قال: بعتك إذا كان يجئ رأس الشهر، فان العقد فيه صحيح، وإذا كان مجهول الحصول فهو عين الاشكال السابق، لانه من التعليق على ما هو حاصل مجهول. (5) يعني: في صورة التعليق على الشرط المقارن في صورة الجهل. (6) وإن أدعي ذلك فيما تقدم عن جامع المقاصد من اعتبار الجزم، وقبله العلامة في التذكرة، قال (ره) في كتاب البيع: " الشرط الخامس

[ 431 ]

من شرائط العقد الجزم، فلو علق العقد على شرط لم يصح وان كان الشرط المشيئة، للجهل بثبوتها حال العقد وبقائها مدته ". وتبعه على ذلك الشهيد في قواعده، قال (ره): " لان الانتقال بحكم الرضا، ولارضا إلا مع الجزم، والجزم ينافي التعليق ". وهذا أحد الوجوه المذكورة تعليلا لاشتراط التنجيز في العقود، ودليله غير ظاهر، بل مقتضى عمومات الصحة عدم الشرطية، وما ذكره الشهيد في قواعده من أنه لارضا إلا مع الجزم ممنوع، لان الرضا على تقدير مجهول حاصل جزما، فمع العلم بذلك التقدير يحصل العلم بالرضا ويترتب الاثر وهو الانتقال، ولا يتوقف الانتقال على الجزم حال العقد بالرضا، بل يكفي الجزم بعد ذلك بالرضا حال العقد. وهناك وجه ثالث لشرطية التنجيز اشار إليه في التذكرة في عبارته المتقدمة التي ذكرها في كتاب المضاربة من أن الاصل عصمة مال الغير. وسبقه إلى ذلك في المبسوط والخلاف، قال فيهما في مبحث الوكالة: " من أنه لا دليل على الجواز والصحة إذا لم تكن منجزة ". وفيه: أن إطلاق أدلة الصحة شامل للمعلق كالمنجز، وبه يخرج عن الاصل. والذي يتحصل أمور (الاول): أن المذكور في كلام الاصحاب (رض) دعوى الاجماع على اعتبار التنجيز لاعلى شئ آخر. (الثاني): أن المفهوم من كلماتهم في المواضع المختلفة الاستدلال على ذلك تارة: بأنه لابد من ترتب أثر العقد حين وقوعه، كما يقتضيه دليل السببية، والتعليق ينافي ذلك. وأخرى: بأنه يعتبر في ترتب الاثر على العقد الرضا، ولا يحصل الجزم بذلك إلا مع التنجيز. وثالثة: بأنه لادليل على صحة الانشاء المعلق، والاصل يقتضي عدم ترتب الاثر عليه. وقد عرفت الاشكال على هذه الوجوه. (الثالث): أن هذه الوجوه مختلفة المفاد من حيث المطابقة للدعوى والمخالفة لها، فالوجه الاول لا يقتضي المنع من التعليق على أمر حالي، مثل:

[ 432 ]

إن كان هذا اليوم الجمعة فقد بعتك، ويختص بالمنع من التعليق على الامر الاستقبالي، والثاني لا يقتضي المنع من التعليق على معلوم الحصول مثل: بعتك إذا جاء شهر رمضان، ويختص بالمنع من التعليق على مجهول الحصول حاليا كان إو استقباليا، والثالث يقتضي المنع من التعليق حتى على ما هو معلوم حال العقد مع تصريح غير واحد بصحة التعليق فيه كما تقدم في بعض العبارات (الرابع): أن الوجوه المذكورة بعد أن لم تكن خالية من الاشكال ولم تكن مطابقة للدعوى فليست هي المستند في الحكم، بل المستند الاجماع. هذا وقد يتوهم أن الوجه في اعتبار التنجيز هو عدم قابلية الانشاء للتعليق. وفيه: أن التعليق في العقود والايقاعات ثابت في الشريعة، مثل الوصية التمليكية والعهدية والتدبير والنذر والعهد واليمين إجماعا، بل ضرورة عند أهل العلم. مع أنه راجع إلى تعليق المنشأ، لا تعليق نفس الانشاء، فقول القائل: بعتك إذا جاء رأس الشهر، يراد به تعليق البيع على مجئ رأس الشهر، لا تعليق إنشاء البيع عليه، وكذلك في الخبر، فإذا قلت: إذا كانت الشمس طالعة فالنهار موجود كان المراد تعليق وجود النهار على طلوع الشمس، لا تعليق الاخبار بوجود النهار على طلوع الشمس، فالجزاء المعلق على الشرط في الجملة الشرطية يراد به تعليق مضمونه - أعني: المخبر به إن كان الجزاء خبرا، أو المنشأ إن كان الجزاء إنشاء - لا تعليق نفس الخبر أو الانشاء، وإذا أريد به تعليق الخبر كان اللازم أن يقول: إن كانت الشمس طالعة أخبرتك بأن النهار موجود، وكذا إذا أراد تعليق الانشاء، فانه لابد حينئذ أن يقول: ذا جاء رأس الشهر أنشأت بيعك، فإذا قال في الجزاء: " بعتك " كان المعلق نفس البيع المنشأ، لا إنشاؤه إذ انشاؤه مصداق للانشاء، والمصداق لا يقبل التقييد والاطلاق، وانما الذي يقبلهما هو المفهوم. وكذلك الكلام في الخبر فان المصداق منه

[ 433 ]

لا يقبل التقييد والاطلاق، وانما الذي يقبلهما المفهوم. هذا مضافا إلى أن مصداقي الخبر والانشاء لم يلحظا لحاظ المعنى الاسمي، فلا يقبلان أن يكونا موضوعا لاضافة التعليق، وانما الملحوظ لحاظ المعنى الاسمي هو نفس المخبر به والمنشأ فيهما اللذان يقبلان إضافة التعليق. ومن ذلك يظهر الاشكال فيما ذكره بعض الاعيان من أن المعلق في الجمل الشرطية هو الاخبار بالجزاء أو انشاء الجزاء. لانفس المخبر به أو المعنى المنشأ، مستدلا على ذلك بأنه يلزم الكذب في قوله تعالى: (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا) (* 1) لان الاخبار بالفساد إذا كان مطلقا غير مقيد بحال كان بلا مطابق في الخارج، فيكون كذبا - نعوذ بالله تعالى - فلابد أن يكون الشرط قيدا للاخبار، لا للمخبر به، وكذلك الكلام في الانشاء لانهما من باب واحد. وفيه: أن قيود المخبر به ليست على نسق واحد فالقيود التحقيقية يكون الاخبار عن المقيد بها اخبارا عنه وعنها، فتقول: جاء زيد راكبا فرسا، فالاخبار فيه كما يكون عن مجئ زيد يكون عن ركوبه الفرس، أما القيود التعليقية فالاخبار عن المقيد بها لا يكون إخبارا عنها، فإذا قلت: إذا ركب زيد الفرس جاء، لا يكون إخبارا عن مجيئه وعن ركوب الفرس، وإنما يكون إخبارا عن مجيئه على تقدير ركوب الفرس، ويصدق مع عدم ركوبه للفرس وعدم مجيئه، ولذا قيل صدق الشرطية لا يتوقف على صدق طرفيها. فالاية الشريفة إخبار عن الفساد على تقدير تعدد الآلهة لاإخبار عن الفساد وتعدد الالهة كي يلزم الكذب - نعوذ بالله تعالى - فلاحظ وتأمل. ويحتمل أن يكون الوجه في بناء الاصحاب على ذلك بناؤهم على أن العقود الصحيحة خصوص المتعارفة، والتعليق خارج عن المتعارف فيها.


(* 1) الانبياء: 22.

[ 434 ]

[ ثم على فرض البطلان لامانع من جواز التصرف ونفوذه من جهة الاذن (1). لكن يستحق حينئذ أجرة المثل لعلمه، إلا ] لكن المبنى ضعيف. ثم إنه لم يعرف متأمل في الحكم المذكور أو راد له، سوى ماعن الكفاية من نسبة الحكم إلى المشهور، وفي الحدائق: في المقام الرجوع إلى أصالة عدم الشرطية وظاهره البناء على العدم. لكن الخروج عن الاجماع وعدم ظهور الخلاف - كما اعترف به في مجمع البرهان - كما ترى. (1) قال في القواعد في مبحث الوكالة: " وإذا فسد العقد لتعليقها على الشرط احتمل تسويغ التصرف بحكم الاذن "، وفي التذكرة: جعله الاقرب، لان الاذن حاصل مع الوكالة، وإذا فسدت الوكالة فلا موجب لارتفاع الاذن، لان التعليق لا يفسد الاذن، بخلاف الوكالة. ودعوى: أن الاذن حاصل في ضمن الوكالة ويمتنع بقاء الضمني مع زوال المتضمن له. مندفعة: بأن المتضمن للاذن الوكالة الباطلة الحاصلة من المالك، وهي باقية، وعدم صحتها شرعا لا يقتضى زوالها. وليس ذلك قولا بصحة الوكالة مع التعليق، لان بقاء الاذن راجع إلى التوكيل. ضرورة أن الوكالة من العقود والاذن من الايقاع، فلا يرجع أحدهما إلى الآخر، فلا مانع من بطلان العقد وصحة الايقاع. قال في التذكرة: " وهذا أحد وجهي الشافعية. والثاني: لا يصح لفساد العقد ولا اعتبار بالاذن الضمني في عقد فاسد. ألا ترى أنه لو باع بيعا فاسدا وسلم إليه المبيع لا يجوز للمشتري التصرف فيه وإن تضمن البيع والتسليم الاذن في التصرف والتسليط عليه. وليس بجيد، لان الاذن في تصرف المشتري باعتبار انتقال الثمن إليه والملك إلى المشتري، وشئ منهما ليس بحاصل، وإنما أذن له في التصرف لنفسه ليسلم له الثمن. وهنا إنما

[ 435 ]

[ أن يكون الاذن مقيدا بالصحة (1)، فلا يجوز التصرف أيضا. الثالثة: قد مر اشتراط عدم الحجر بالفلس في المالك، وأما العامل فلا يشترط فيه ذلك (2)، لعدم منافاته لحق الغرماء نعم بعد حصول الربح منع من التصرف إلا بالاذن من الغرماء بناء على تعلق الحجر بالمال الجديد (3). الرابعة: تبطل المضاربة بعروض الموت - كما مر - أو الجنون أو الاغماء - كما مر في ساير العقود الجايزة - ] أذن له في التصرف عن الآذن لا لنفسه " وهو كما ذكر، فانه قياس مع الفارق. وعلى هذا البناء نقول باستحقاق العامل في الاجارة الباطلة أجرة المثل وإن كان عالما بالبطلان، إذ لو لم يكن مأذونا كان تصرفه في العين حراما، فلا يستحق عليه أجرا، وإنما جاء الاذن من الاجارة الباطلة، وهي غير منتفية، وليس آتيا من الاجارة الصحيحة كي ينتفي بانتفائها، وهكذا الكلام في جميع العقود الاذنية - كالعارية والوكالة والوديعة والاجارة على العمل وغيرها - إذا بطلت للتعليق جاز التصرف بعد حصول الشرط، لحصول الاذن من العقد المعلق، وبطلانه شرعا لا يوجب بطلان الاذن ولا انتفاءها. وقد أطال المقدس الاردبيلي في شرح عبارة التذكرة في المقام بما لا يخلو من نظر، وإن كان لا يخلو من فائدة. فليراجع. (1) ومع الشك يرجع إلى اطلاق العقد، الموجب لاطلاق الاذن. (2) الذي تقدم منه في أول كتاب المضاربة اشتراط عدم الحجر بالفلس في المالك والعمل معا، على ما هو ظاهر العبارة. وقد تقدم الاشكال عليه في ذلك. (3) لاتحاد المناط الموجب للحجر بالمال السابق على الحجر. لكن

[ 436 ]

[ وظاهرهم عدم الفرق بين كون الجنون مطبقا أو أدواريا (1) وكذا في الاغماء بين قصر مدته وطولها، فان كان إجماعا وإلا فيمكن أن يقال بعدم البطلان في الادواري والاغماء القصير المدة، فغاية الامر عدم نفوذ التصرف حال حصولها، وأما بعد الافاقة فيجوز من دون حاجة إلى تجديد العقد، سواء ] المناط غير ظاهر، والمال الجديد - كالدين الجديد - لم يثبت أن له حكم المال القديم في الحجر عليه، فعموم السلطنة بحاله. (1) قال في الشرائع في مبحث الوكالة: " وتبطل الوكالة بالموت والجنون والاغماء من كل واحد منهما "، وفي المسالك في شرحه قال: " هذا موضع وفاق. ولانه من أحكام العقود الجائزة. ولا فرق عندنا بين طول زمان الاغماء وقصره، ولا بين الجنون المطبق والادوار ". وفي الجواهر: نحو ذلك، وفي التذكرة: " ولو جن الوكيل أو الموكل أو أغمي على أحدهما بطلت الوكالة، لخروجه حينئذ عن التكليف، وسقوط اعتبار تصرفه وعباراته في شئ البتة ". ولا يخفى أن الخروج عن التكليف لادخل له في صحة الوكالة ولا في بطلانها. وأما سقوط اعتبار التصرف فان كان في الوكيل فهو صحيح لكن لا يقتضي بطلان الوكالة وعدم صحة التصرف بعد الافاقة. وإن كان في الموكل فهو لا يقتضي بطلان الوكالة وعدم صحة تصرف الوكيل في حاله فضلا عما بعد الافاقة. فالبطلان لا تقتضيه القواعد العامة. ولذا حكى عن جامع الشرائع: عدم البطلان بالجنون. وكذا في الاغماء ساعة. لكن الفرق بين الساعة والاكثر غير ظاهر، كالفرق بين الجنون والاغماء في الاطلاق والتقييد بساعة.

[ 437 ]

[ كانا في المالك أو العامل. وكذا تبطل بعروض السفه لاحدهما (1) أو الحجر للفلس في المالك أو العامل أيضا (2) إذا كان بعد حصول الربح (3)، إلا مع اجازة الغرماء. الخامسة: إذا ضارب المالك في مرض الموت صح وملك العامل الحصة (4) وإن كانت أزيد من أجرة المثل، على الاقوى من كون منجزات المريض من الاصل. بل وكذلك على القول بأنها من الثلث (5)، لانه ليس مفوتا لشئ على الوارث، إذ الربح أمر معدوم وليس مالا موجودا للمالك، وإنما حصل بسعي العامل (6). ] (1) قال في الشرائع: " وتبطل وكالة الوكيل بالحجر على الموكل فيما يمنع الحجر من التصرف "، ونحوه في القواعد، وحكى عن غيرهما أيضا. ويظهر منهم التسالم عليه. ولولاه لاشكل ذلك بأن الحجر على الموكل لسفه إنما يمنع تصرف الموكل، لاتصرف الوكيل إذا كان توكيله في حال الرشد. (2) لان أموال المفلس تكون تحت ولاية الحاكم، لا يجوز للمالك ولا لفروعه التصرف فيه إلا باذن الحاكم أو الغرماء. (3) إذ الربح من أموال العامل فيحجر عليه فهو الا باذن الغرماء. (4) لعموم الصحة. (5) كما صرح به في القواعد وغيرها، بل يظهر منهم أنه لا خلاف فيه، بل عن صريح مجمع البرهان أو ظاهره أنه لا خلاف فيه، معللين له بما ذكر. (6) لكنه نماء مال المالك، فتمليكه محاباة تضييع على الوارث،

[ 438 ]

[ السادسة: إذا تبين كون رأس المال لغير المضارب سواء كان غاصبا أو جاهلا بكونه ليس له - فان تلف في يد العامل أو حصل خسران (1) فلمالكه الرجوع على كل منهما (2)، فان رجع على المضارب لم يرجع على العامل (3) وإن رجع على العامل رجع إذا كان جاهلا على المضارب وإن ] كما إذا آخر أملاكه باقل من أجرة المثل، إذ المنافع غير موجودة، وإنما يستوفيها الاجير في ظرف حصولها. وكذا لو ساقى الفلاح باكثر من الحصة المتعارفة أو زارع الفلاح باكثر من الحصة المتعارفة، فان ذلك كله إضرار عرفا بمال الوارث. ومنه يظهر ضعف ما في القواعد، قال رحمه الله: " ولو شرط المريض ما يزيد عن أجرة المثل لم يحسب الزائد من الثلث، إذ المقيد بالثلث التفويت، وليس حاصلا هنا، لانتفاء الربح حينئذ. وهل المساقاة كذلك؟ إشكال ينشأ من كون النخلة مثمرة بنفسها فهي كالحاصل "، ونحوه ما في غيرها، بل قيل: إنه لا خلاف فيه. اللهم إلا أن يدعى قصور الادلة عن شمول مثل ذلك. فلاحظ. (1) لا يمكن فرض الخسران الا في ظرف صحة المعاملة بالاقل، والصحة حينئذ لا تكون الا باجازة المالك، وحينئذ لاوجه لرجوع المالك على أحد فيه، لانه بفعله، ولو وقعت معاملتان في إحداهما ربح وفي الاخرى خسران فاجاز الاولى دون الثانية كان له الربح ولم يكن عليه خسران. (2) لعموم: " على اليد... " المقتضي للرجوع على كل منهما. والظاهر أنه لا خلاف فيه. (3) يعني: إذا رجع المالك على المضارب لم يرجع المضارب على العامل، ونحوه ما في التذكرة، معللا له بأنه أخذه من المضارب على وجه الامانة. انتهى. وكلامه هذا يخالف ما ذكره في كتاب الغصب من

[ 439 ]

رجوع الاول إلى الثاني إذا كان عالما، قال رحمه الله: " ثم الثاني إن كان عالما بالغصب فهو كالغاصب من الغاصب، للمالك مطالبته بكل ما يطالب به الغاصب، فان تلف المغصوب في يده فاستقرار الضمان عليه فلو غرمه المالك لم يرجع إلى الغاصب الاول بشئ... (إلى أن قال) ولو غرم الاول رجع عليه "، وفي القواعد هنا: " فان طالب الاول رجع على الثاني مع علمه، لاستقرار التلف في يده، وكذا مع عدم علمه، على إشكال ينشأ من الغرور "، وهو يوافق كلامه في كتاب الغصب فانه ذكر ما ذكر في التذكرة، قال: " لكن الثاني إن علم بالغصب طولب بكل ما يطالب به الغاصب ويستقر الضمان عليه إذا تلف عنده، ولا يرجع إلى الاول لو رجع إليه، ويرجع الاول إليه لو رجع إلى الاول ". نعم ما ذكره في الجاهل من الاشكال من جهة الغرور مخالف ما ذكره في القواعد في كتاب الغصب، قال: " ولو جهل الثاني الغصب فان كان وضع يده يد ضمان - كالعارية المضمونة، والمقبوض بالسوم، والبيع الفاسد - فقرار الضمان على الثاني، والا فعلى الاول " فان مقتضى الثاني الجزم بعدم الرجوع ومقتضى الاول الميل إلى الرجوع، وفي جامع المقاصد هنا قال: " لو ظهر استحقاق مال المضاربة وقد تلف في يد العامل بغير تعد فقرار الضمان على الدافع، لانه دخل معه على أن التلف بغير تفريط يكون منه، لان ذلك حكم المضاربة، فيجب الوفاء به، ولاريب أن الجاهل بالغصب أولى بعدم استقرار الضمان من المقدم على العدوان ". وهذا منه يخالف كلامه في كتاب الغصب، فانه وافق القواعد من رجوع الاول إلى الثاني وعدم رجوع الثاني إلى الاول، لامتيازه عليه بوقوع التلف في يده ومثل ذلك في الاشكال دعوى مفتاح الكرامة نفي الخلاف من كل من تعرض له فيما ذكره مصنفه من رجوع المضارب

[ 440 ]

على العامل إذا كان عالما مع ما عرفت من التذكرة من عدم الرجوع معللا بما ذكر. وكذا الاشكال في تعليلاتهم، فان تعليل التذكرة عدم رجوع المضارب على العامل: بأن العامل أخذه على وجه الامانة، غير ظاهر، فان ذلك حكم من أخذ المال من مالكه باذنه، لامن أخذ من غير المالك بغير إذن المالك عالما بذلك، ولذلك قلنا بجواز رجوع المالك عليه ومثله تعليل جامع المقاصد بقوله: " لانه دخل معه على أن التلف بغير تفريط يكون منه، لان ذلك حكم المضاربة فيجب الوفاء به ". إذ فيه: أن الشرط المذكور لم يكن في عقد لازم ولا جائز، وإنما كان في المضاربة الفاسدة لعدم إذن المالك، فكيف يجب الوفاء به؟ ". وكذلك ما ذكر في القواعد هنا من تعليل رجوع المضارب على العامل إذا كان عالما بقوله: " لاستقرار التلف في يده "، إذ لا يظهر الوجه في اقتضاء ذلك للرجوع عليه، إذ الضمان لم يكن بالتلف، وإنما كان باليد، والجميع في ذلك سواء، فما وجه رجوع الاول إلى الثاني دون العكس في مسألة تعاقب الايدي العادية على العين؟! وقد ذكروا في دفع الاشكال وجوها، كلها موضع نظر، وقد تعرضنا لذلك في كتاب نهج الفقاهة في بعض مباحث الفضولي، وذكرنا فيه ما ذكره شيخنا الاعظم في مكاسبه وشيخ المشايخ في جواهره وغيرهما من وجوه دفع الاشكال. والاقرب في دفعه أن ذلك من الاحكام العرفية التي أمضاها الشارع لعدم الردع عنها. لكن ثبوت ذلك عرفا إذا لم يكن الثاني قد أخذ العين قهرا غير ظاهر. نعم لا يبعد ذلك في خصوص ما إذا كان الثاني قد أخذها قهرا. فلاحظ وتأمل.

[ 441 ]

[ كان جاهلا أيضا، لانه مغرور من قبله (1). وإن حصل ربح كان للمالك إذا أجاز المعاملات الواقعة على ماله (2)، وللعامل أجرة المثل على الضارب (3) مع جهله (4). والظاهر عدم استحقاقه الاجرة عليه مع عدم حصول الربح، لانه أقدم على عدم شئ له مع عدم حصوله (5). كما أنه لا يرجع عليه إذا كان عالما بأنه ليس له (6)، لكونه متبرعا بعمله (7) حينئذ. ] (1) يشير بذلك إلى قاعدة: " المغرور يرجع على من غره " التي هي مضمون النبوي المشهور. نقلا، وعملا فقد اشتهر نقله في كتب الفقهاء رضي الله عنهم، وعملوا به في باب رجوع المشتري من الفضولي فيما اغترمه للمالك إذا كان المشتري جاهلا، وان ذكروا في وجه الحكم بالرجوع أمورا كثيرة كلها لا تخلو من إشكال، والعمدة هو النبوي المذكور. اللهم إلا أن يقال: لم يتضح اعتماد المشهور على الحديث بعد أن ذكروا تلك الامور، فمن الجائز أن يكون اعتمادهم في الحكم بالرجوع عليها لا عليه. وفيه: أن ذلك بعيد، إذ الامور المذكورة لم تذكر في كلام المشهور، وإنما ذكرت في كلام بعضهم، فلا تكون مستندا للمشهور. (2) والا لم تصح، فلا ربح. كما أن المالك إذا أجاز نفس المضاربة كان الربح بينه وبين العامل على حسب ما قرر في المضاربة. (3) لانه المستوفي لعمل العامل، فيكون عليه ضمانه. (4) قد تقدم في المسألة الثانية والاربعين الاشكال فيه. وسيأتي أيضا. (5) تقدم ذلك في أواخر المسألة الثامنة والاربعين. (6) كذا في القواعد والتذكرة وغيرهما. (7) هذا غير ظاهر، فانه لم يقصد التبرع، وانما قصد الربح ولو تشريعا، فيكون المضارب قد استوفى عمله، فعليه ضمانه، الا إذا كان


(* 1) تقدم التعرض له في الجزء العاشر صفحة: 144 من هذه الطبيعة.

[ 442 ]

[ السابعة: يجوز اشتراط المضاربة في ضمن عقد لازم، فيجب على المشروط عليه إيقاع عقدها (1) مع الشارط (2) ولكن لكل منهما فسخه بعده. والظاهر أنه يجوز اشتراط عمل المضاربة على العامل، بأن يشترط عليه أن يتجر بمقدار كذا من ماله إلى زمان كذا على أن يكون الربح بينهما، نظير شرط كونه وكيلا في كذا (3) في عقد لازم، وحينئذ لا يجوز للمشروط عليه فسخها، كما في الوكالة. ] العمل محرما. لكن العمل في المقام هو البيع والشراء، وهما تصرفان اعتباريان لاخارجيان، فلا يكونان محرمين، فيكونان مضمونين، كما في صورة الجهل بعينها. (1) لان الشرط المذكور أخذ بنحو شرط الفعل، وهو إيقاع المضاربة فيجب على المشروط عليه إيقاعها، عملا بالشرط. (2) هذا إذا كان الشرط المضاربة مع الشارط، فإذا كان الشرط المضاربة مع غيره فلابد من إيقاعها معه. (3) الذي هو نظير شرط الوكالة هو شرط المضاربة لا شرط عمل المضاربة، فان شرط الوكالة من قبيل شرط النتيجة، وشرط العمل من قبيل شرط الفعل، وهما متغايران. والثاني لاإشكال في صحته إذا لم يخالف الكتاب والسنة. والاول في صحته إشكال من وجوه (الاول): أن الشرط في ضمن العقد مملوك للمشروط له على المشروط عليه، ولهذا صح للمشروط له المطالبة بالشرط. وهذا لا يتأتى في النتائج، من جهة أنها لاتقبل إضافة المملوكية (والثاني): أن مفاد الشرط حينئذ ملك المشروط له الوكالة مثلا، وملك الوكالة لا يقتضي وقوع الوكالة الذي هو مقصود المشترط، فيكون خلفا. (الثالث): أن بعض النتائج لاتقبل

[ 443 ]

الانشاء التبعي، فلا يصح أن يبيعه فرسا بدينار بشرط أن تكون بنته زوجة له، لان الزوجية لا تقبل الانشاء التبعي. وكذا لو باعه بشرط أن تكون زوجته مطلقة، لان الطلاق لا يقبل الانشاء التبعي. وهكذا فصحة شرط المضاربة يتوقف على كونها مما تقبل الانشاء التبعي، وهو غير واضح. ويدفع الاشكالين الاولين: أن ملك المشروط له للشرط يختص بشرط الفعل، ولا يكون في شرط النتيجة. نعم لابد في شرط النتيجة من كون المشروط محبوبا للمشروط له وان لم يكن مملوكا له، فشرط النتيجة مجرد إنشاء في ضمن إنشاء على أن يكون قيدا له من دون قصد تمليكه للمشروط له. نعم يبقى الاشكال الثالث، وتوضيحه: أن شرط النتيجة في ضمن العقد راجع إلى تقييد المنشأ بالنتيجة، فإذا قلت: بعتك الدار على أن يكون ثمنها بيدك مضاربة، فقد قيدت البيع المنشأ بقيد، وهو المضاربة بثمنه، وبهذا التقييد كنت قد أنشأت المضاربة، لكونها مأخوذة قيدا للمنشأ، لان إنشاء المقيد إنشاء لقيده، فهذا النحو من الانشاء ربما يترتب عليه الاثر، فيحصل المنشأ، كما في شرط الوكالة في ضمن البيع، فيما لو قال: بعتك داري على أن اكون وكيلا على إجارتها، ومثل شرط الملكية مثل: بعتك داري بالف دينار بشرط أن يكون لي عليك من من السكر أو مثل جميع شرائط الفعل، لما عرفت من رجوع الشرط فيها إلى شرط ملكية الفعل للمشروط له، وربما لا يترتب عليه الاثر، مثل شرط التزويج والطلاق، والمايز بين القسمين المرتكزات العرفية، ومع الشك يبنى على عدم ترتب الاثر، للشك في القابلية، وإطلاقات الصحة لا تثبت القابلية. ولا يبعد في المرتكزات العرفية أن تكون المضاربة من النتائج التي

[ 444 ]

يصح إنشاؤها بجعلها قيدا للمنشأ، ومثلها جميع العقود الاذنية، كالعارية والوديعة والوكالة، وكذلك الرهن، فإذا قال: بعتك داري بثمن إلى شهر بشرط أن تكون رهنا على ثمنها، صح البيع وصح الرهن، وليس كذلك البيع والاجارة والوقف والنكاح والطلاق. وقد عرفت أنه مع الشك في المرتكزات العرفية يرجع إلى أصالة عدم ترتب الاثر. والذي يتحصل مما ذكرنا أمور (الاول): أن شرط الفعل مفاده تمليك المشروط له على المشروط عليه الفعل. (الثاني): أن هذا لا يمكن في شرط النتيجة، للاشكالين السابقين. (الثالث): أن شرط النتيجة إنشاء للنتيجة كسائر الانشاءات للعناوين الانشائية، ويختلف عنها بأنه إنشاء تبعي، بخلاف سائر الانشاءات فانه أصلي. (الرابع): أن النتائج في مرتكزات العرف على ثلاثة أقسام، منها ما يقبل الانشاء التبعي، ومنها مالا يقبله، ومنها ما هو مشكوك. والاول يصح أخذه شرطا ويترتب عليه الاثر، والاخيران لا يصح ذلك فيهما. ثم إنه لاإشكال في أنه يجوز الجمع بين عنوانين بعقد واحد، فيقول بعتك هذه الجارية وزوجتك أختها بالف دينار، فإذا قال المخاطب: قبلت صح البيع والنكاح، وليس أحدهما شرطا في الآخر، لان الشرط يجب أن يكون قيدا للمشروط به كما عرفت، وهنا لم يؤخذ أحدهما قيدا للاخر ولا مقيدا به، بل الامران مفترنان في عرض واحد بلا تقييد ولا تقيد. ولذلك لا خلاف بينهم في صحة الجمع من شبهة أو إشكال، وقد تقدم في مبحث ضمان العين المستأجرة ماله نفع في المقام، فليراجع. هذا ولا يبعد أن يكون غرض المصنف من قوله: " عمل المضاربة " نفس المضاربة بقرينة تنظير ذلك بشرط الوكالة وبقرينة قوله بعد ذلك: " فلا يجوز له فسخها ". وإنما لم يجز فسخها لان التوقيت إلى زمان معين

[ 445 ]

[ الثامنة: يجوز إيقاع المضاربة بعنوان الجعالة (1)، كأن يقول: إذا اتجرت بهذا المال وحصل ربح فلك نصفه، فيكون جعالة تفيد فائدة المضاربة. ولا يلزم أن يكون جامعا لشروط الضاربة (2)، فيجوز مع كون رأس المال من غير النقدين أو دينا أو مجهولا جهالة لا توجب الغرر (3). وكذا في المضاربة المشروطة في ضمن عقد بنحو شرط النتيجة (4)، فيجوز مع كون رأس المال من غير النقدين. ] يقتضي اشتراط عدم فسخها مضافا إلى اشتراط وجودها، وحينئذ يكون فسخها قبل الغاية مخالفة للشرط، فلا يكون تحت قدرة المشروط عليه. (1) قد تقدم في المسألة الثامنة والاربعين الفرق بين الجعالة والمضاربة وأن الاولى من الايقاعات والثانية من العقود. ثم إنه قد أشرنا في بعض المباحث السابقة إلى أن المضاربة مخالفة لقاعدة كون الربح لصاحب الاصل التي هي مقتضى المعاملة، ولكن بني عليها للدليل الخاص. وهذا الدليل لم يكن في الجعالة، وعليه فلا تصح في المقام، لمخالفتها لقاعدة لزوم رجوع الربح إلى المالك. فلاحظ ما ذكرناه في الشرط الاول من شروط المضاربة وغيره. نعم إذا قال له: اتجر بهذا المال فإذا ربحت أعطيتك حصة من الربح، صح جعالة، لعدم مخالفة القاعدة في ذلك. (2) لانه ليس مضاربة. نعم يلزم أن يكون بشروط الجعالة، مثل أن يكون له جعل على العمل على كل حال، ولا يعتبر ذلك في المضاربة، فلو قال: من رد عبدي فله نصف ما في جيبه من المال إن كان، لم يصح جعالة. (3) قد تقدم الاشكال في اعتبار عدم الغرر. فراجع. (4) هذا غير ظاهر، إذ المضاربة مفهوم واحد، ولافرق بين

[ 446 ]

[ التاسعة: يجوز للاب والجد الاتجار بمال المولى عليه بنحو المضاربة بايقاع عقدها (1). بل مع عدمه أيضا (2)، بأن يكون بمجرد الاذن منهما (3). وكذا يجوز لهما المضاربة بماله مع الغير (4) على أن يكون الربح مشتركا بينه وبين العامل. وكذا يجوز ذلك للوصي في مال الصغير مع ملاحظة الغبطة والمصلحة والامن من هلاك المال (5). العاشرة: يجوز للاب والجد الايصاء بالمضاربة بمال المولى عليه بايقاع الوصي عقدها (6) لنفسه أو لغيره مع تعيين ] جعله بالاصالة وبالتبعية، وكل ما يعتبر في الاول يعتبر في الثاني، فلو شرط في حال فقد الشرائط كان الشرط مخالفا للكتاب، فيكون باطلا. (1) يعني: مع نفسه بحسب الولاية عليه. لكن في القواعد في كتاب الحجر: الاشكال في صحة ايقاع العقد مع نفسه، وعن التحرير: المنع عنه. وهو - كما ترى - غير ظاهر، إلا بدعوى اعتبار تعدد الموجب والقابل في صحة العقد. وهو ممنوع. أو نقول بعدم الحاجة إلى القبول فيترتب الاثر بمجرد الايقاع، كما أشرنا إلى ذلك في مباحث نكاح العبيد. (2) يعني: مع عدم العقد، وحينئذ لا يكون مضاربة. (3) الاذن في الفرض ضرورية مع الالتفات منهما. (4) وكذا بمجرد الاذن بدون عقد المضاربة، نظير ما سبق، إذ لا فرق بينهما. (5) لقوله تعالى: (ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن) (* 1). (6) يعني: تكون الوصية بايقاع الوصي عقدها.


(* 1) الانعام: 152.

[ 447 ]

[ الحصة من الربح، أو إيكاله إليه. وكذا يجوز لهما الايصاء بالمضاربة (1) في حصة القصير من تركتهما بأحد الوجهين. كما أنه يجوز ذلك لكا منهما بالنسبة إلى الثلث المعزول لنفسه (2) بأن يتجر الوصي به أو يدفعه إلى غيره مضاربة ويصرف حصة الميت في المصارف المعينة للثلث. بل وكذا يجوز الايصاء منهما بالنسبة إلى حصة الكبار أيضا (3). ] (1) الفرق بين هذا وما قبله: أن ما قبله كان بالنظر إلى مال المولى عليه المملوك حال الوصية، وهذا بالنظر إلى الحصة التي يملكها بعد موت الموصي. وفي بعض الحواشي الاشكال فيه. ولعله لعدم ولايتهما على المال المذكور حال الوصية لعدم الملك. ويشكل: بأنه لا يعتبر في ولاية الولي وجود المال فعلا، بل يكفي وجوده بعد ذلك ولو بهبة أو كونه نماء ملك موجود أو متجدد. اللهم الا أن يقال: إنه لاإطلاق في دليل ولاية الاب يشمل المال الذي يملكه بفقده إلا أن يستفاد ذلك من الخبر الآتي. (2) لاطلاق أدلة نفوذ الوصية. (3) قال في الشرايع: " ولو أوصى إلى إنسان بالمضاربة بتركته أو بعضها على أن الربح بينه وبين ورثته نصفان صح. وربما اشترط كونه قدر الثلث أو أقل. والاول مروي " وفي المسالك: " المصنف وأكثر الجماعة أطلقوا الصحة في الورثة الشامل للمكلفين، ويشمل اطلاقهم واطلاق الروايتين ما إذا كان الربح بقدر أجرة المثل، وما إذا كان زائدا عليها بقدر الثلث واكثر "، وعن الكفاية: أن المشهور لم يعتبروا كون الاولاد صغارا، ونحو ذلك كلام غيرهما. وظاهر الشرايع: أن المستند فيه الرواية والرواية ستأتي، (* 1) وهي مختصة بالصغار، ولا تشمل الكبار. وظاهر


(* 1) في صفحة: 452.

[ 448 ]

المصنف وغيره: أن المستند فيه عموم أدلة نفوذ الوصية، إذ الخارج منه ماكان مفوتا للمال على الورثة، وليس منه المقام، كما سيبينه. لكن تقدم ما في الشرايع ما يشير إلى القول بالمنع من الوصية بذلك في مال الصغار والكبار، وتختص الصحة بما كان قدر الثلث، ونسبه في المسالك إلى ابن ادريس. لكن عبارته ظاهرة في المنع من الوصية بالمضاربة مطلقا حتى في قدر الثلث، لان الوصية لا تنفذ إلا في ثلث ماكان يملكه الميت قبل موته، والربح متجدد بعد موته، فكيف تنفذ وصيته وقوله فيه؟! انتهى. وما هو ظاهر عبارته واضح الاشكال، لعموم نفوذ الوصية حتى في نماء المال المتجدد ولو كان من قبيل الربح. مع أن التصرف من الموصي إنما هو في نفس التركة التي هي له، لافي مال لا يملكه، فان الاتجار بها هو مورد الوصية، والنماء لا يعتبر أن يكون مملوكا لاحال المضاربة ولا الوصية بايقاع عندها. فالعمدة في وجه الاشكال في صحة الوصية بالنسبة إلى حصة الكبار: أنه خلاف قاعدة السلطنة في حقهم، قال في القواعد: " ولو أوصى لكل وارث بقدر نصيبه فهو لغو. ولو خصص كل واحد بعين هي قدر نصيبه فالاقرب الافتقار إلى الاجازة، لظهور الغرض في أعيان الاموال. وكذا لو أوصى أن يباع عين ماله من إنسان بنقد بثمن المثل ". وظاهره المنع من صحة التصرف في التركة وإن لم يكن موجبا لنقص القيمة إلا أذا أجاز الوارث، وقال بعد ذلك بقليل: " ولو أوصى ببيع تركته بثمن المثل ففي اشتراط الاجازة اشكال "، وكأنه عدل عن الجزم بالمنع إلى الاشكال فيه. وفي جامع المقاصد: " لاريب في أن الاقوى الصحة " وحكي ذلك عن التذكرة. وهو كما ذكر، فان عموم مادل على نفوذ الوصية شامل لكن تصرف من الموصي، والخارج عنه

[ 449 ]

[ ولا يضر كونه ضررا عليهم من حيث تعطيل مالهم إلى مدة (1) لانه منجبر بكون الاختيار لهم في فسخ المضاربة وإجازتها (2). ] ماكان زائدا على الثلث. والظاهر منه الزائد من حيث القيمة، وليس منه تخصيص كل واحد من الورثة بعين هي قدر نصيبه، ومثله الوصية ببيع التركة بثمن المثل على واحد من ورثته أو من غيرهم. وتعيين ثلثه في عين من أعيان التركه... إلى غير ذلك مما لا يعد حيفا على الوارث وضررا عليه. والذي تحصل أمران (الاول): أن الاحتمالات في المسألة ثلاثة: جواز الوصية بالمضاربة كما هو المشهور، والجواز في الثلث فقط كما أشار إليه في الشرائع، والمنع مطلقا كما هو ظاهر عبارة السرائر. (الثاني): أن وجه الاول القواعد العامة، لا الرواية - كما قد يظهر من المحقق - ووجه الثاني قاعدة السلطنة، ووجه الثالث ما ذكر في السرائر. وقد عرفت ضعف الاخير، وعموم صحة الوصية مقدم على قاعدة السلطنة. (1) هذا التعطيل ربما لا يكون ضررا بل مصلحة للوارث، كما إذا كان لا يتمكن من الاتجار بماله بنفسه ولا يعرف القادر على التجارة وكانت المدة قليلة، وربما تكون ضررا عرفا، كما إذا كانت المدة طويلة وكان عارفا بالتجارة، أو عارفا بالعمال الذين يتجرون، فان حبس المال عنهم حيف وجور عليهم. (2) إذا كانت الوصية إضرارا بالورثة فهي باطلة بلا حاجة إلى الفسخ، لاأنها صحيحة ويكون للوارث الفسخ. وان شئت قلت: الوصية بالمضاربة (تارة): تكون بمجرد إيقاع العقد على أحد الوجهين، فهذا لاضرر فيه على الوارث (وأخرى): تكون بايقاع العقد المشفوع بالعمل فهذه (تارة): تكون بلا إضرار، لقصر المدة مثلا (وأخرى): تكون ذات إضرار، لطول المدة مثلا. والاولتان صحيحتان، والاخيرة

[ 450 ]

[ كما أن الحال كذلك بالنسبة إلى ما بعد البلوغ في القصير (1)، فان له أن يفسخ أو يجيز. وكذا يجوز لهما الايصاء بالاتجار بمال القصير على نحو المضاربة، بأن يكون هو الموصى به (2) لا إيقاع عقد المضاربة، لكن إلى زمان البلوغ أو أقل. وأما إذا جعل المدة أزيد فيحتاج إلى الاجازة بالنسبة إلى الزائد (3) ] صحيحة إلى أن يحصل الضرر فتبطل، ولادخل للفسخ وعدمه في الصحة والبطلان، إذ الفسخ في الاولى غير مناف للوصية، وفي الثانية مناف لها فلا يجوز لصحتها، وفي الثالثة يجوز لبطلانها، لا أنه جابر لضررها. لكن الظاهر من الوصية بالمضاربة إحدى الصورتين الاخيرتين، أعني إيقاع العقد مع العمل طالت المدة أو قصرت، لا مجرد إيقاع العقد، وحينئذ فهي صحيحة إذا لم تكن مضرة، ولايجوز الفسخ للوارث، وباطلة إذا كانت مضرة ويجوز له الفسخ. وإذا فرض أنها غير مضرة في أوائل المدة ومضرة في أواخرها صحت في الاوائل ولايجوز الفسخ، وبطلت في الاواخر وجاز الفسخ. (1) الكلام فيه كما هو الكلام في الكبير، فان لم تكن الوصية بالمضاربة في حصته مضرة فهي صحيحة، وإن كانت مضرة فهي باطلة، وإذا كانت في أوائل المدة غير مضرة فهي صحيحة ولايجوز فسخها حتى بعد البلوغ، وإن كانت في أواخرها مضرة بطلت حتى قبل البلوغ، لاأنها تكون صحيحة ويكون الخيار في الفسخ جابرا لضررها. (2) يعني: تكون الوصية إنشاء للمضاربة بعد الموت نظير الوصية التمليكية التي هي إنشاء للتمليك بعد الموت. (3) إن صح هذا الانشاء فلا فرق بين ما يكون بعد البلوغ وما يكون قبله فان كانت الوصية مضرة بمال القصير فهي باطلة وإن كانت بالاضافة

[ 451 ]

[ ودعوى: عدم صحة هذا النحو من الايصاء، لان الصغير لا مال له حينه (1) وإنما ينتقل إليه بعد الموت، ولا دليل على صحة الوصية العقدية في غير التمليك، فلا يصح أن يكون إيجاب المضاربة على نحو إيجاب التمليك بعد الموت. مدفوعة بالمنع (2). ] إلى ما قبل البلوغ، وإن كانت غير مضرة فهي صحيحة حتى فيما بعد البلوغ، ولا تحتاج إلى الاجازة، لما عرفت من عموم نفوذ الوصية إذا لم تكن مضرة لما بعد البلوغ وما قبله. كما لافرق في العموم بين الوصية بايقاع العقد والوصية بنفس المضاربة. (1) هذا لادخل له في الاشكال، فانه يتوجه وإن كان للصبي مال في حياة والده، إذ وجه الاشكال بطلان تعليق المنشأ على الموت في غير الوصية التمليكية والعهدية، فلا يصح للمالك أن يوصي بالوقف، فيقول: هذا وقف بعد مماتي، أو يوصي بالبيع بأن يقول: بعتك هذا بعد مماتي أو يوصي بالابراء، فيقول: أنت برئ عمالي عليك بعد وفاتي... وهكذا لان التعليق في المنشأ باطل وان كان المعلق عليه الموت، الافي الموردين المذكورين، فلا تصح الوصية بالمضاربة بمال اليتيم معلقا على الموت وإن كان المال ملكا له في حياة الموصي. نعم كون اليتيم لامال له الابعد وفاة الموصي يكون منشأ للاشكال في الوصية بالمضاربة بنحو النتيجة زائدا على الاشكال المتقدم، لما تقدم في أول المضاربة من اعتبار وجود المال وكونه خارجيا، فلا تصح المضاربة على مال سيملكه، كما لا تصح على مال هو دين في ذمة غيره. فيكون في إنشاء المضاربة في المقام إشكالان: اشكال التعليق على الموت، وإشكال عدم المال الخارجي، لااشكال واحد معلل بالآخر، كما يظهر من العبارة. (2) قد عرفت أنه لا مجال للمنع، بل لو فرض التوقف في مانعية

[ 452 ]

[ مع أنه الظاهر من خبر خالد بن بكر الطويل في قضية ابن أبى ليلى (1) وموثق محمد بن مسلم (2) المذكورين في باب الوصية. وأما بالنسبة إلى الكبار من الورثة فلا يجوز بهذا النحو ] التعليق في العقود فلا توقف في مانعية التعليق على الموت فيها، وقد حصر الاصحاب الوصية الصحيحة في التمليكية والعهدية. لاغير. وكذلك اعتبار وجود المال حال المضاربة، فانه لا مجال لمنعه فكل من الاشكالين لا مجال لمنعه. (1) رواه المشايخ الثلاثة - رضي الله عنهم - عن محمد بن أبي عمير عن عبد الرحمن بن الحجاج عن خالد بن بكير الطويل قال: " دعاني أبي حين حضرته الوفاة فقال: يا بني اقبض مال إخوتك الصغار واعمل به، وخذ نصف الربح، وأعطهم النصف، وليس عليك ضمان. فقدمتني أم ولد أبي بعد وفاة أبي إلى ابن أبي ليلى. فقالت: إن هذا يأكل أموال ولدي، قال: فاقتصصت عليه ما أمرني به أبي، فقال لي ابن أبي ليلى: إن كان أبوك أمرك بالباطل لم أجزه. ثم اشهد علي ابن أبي ليلى: إن أنا حركته فانا له ضامن. فدخلت على أبي عبد الله (ع) فقصصت عليه قصتي ثم قلت له: ما ترى؟! فقال: أما قول ابن أبي ليلى فلا أستطيع رده، وأما فيما بينك وبين الله عزوجل فليس عليك ضمان " (* 1). (2) رواه المشايخ الثلاثة رضي الله عنهم - عن محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (ع): " أنه سئل عن رجل أوصى إلى رجل بولده وبمال لهم، وأذن له عند الوصية أن يعمل بالمال وأن يكون الربح بينه وبينهم. فقال: لا بأس به من أجل أن أباه قد أذن له في ذلك وهو حي ". وسماه - كغيره - موثقا، لوجود ابن فضال في سنده.


(* 1) الوسائل باب: 92 من ابواب كتاب الوصايا حديث: 2. (* 2) الوسائل باب: 92 من كتاب الوصايا حديث: 1.

[ 453 ]

[ لوجوب العمل بالوصية - وهو الاتجار - فيكون ضررا عليهم (1) من حيث تعطيل حقهم من الارث وإن كان لهم حصتهم من ] هذا ولا يبعد وحدة الواقعة المحكبة بالخبرين، ولا يظهر منهما أنه من المضاربة، ولا من الانشاء للمضاربة حال الحياة، بل ما تحت العبارة هو الامر بالعمل والاذن به على أن للعامل نصف الربح، ومن الجائز أن تكون معاملة خاصة بينه وبين وصيه في حال الحياة وإن كان موضوعها بعد الوفاة، تشبه المضاربة من جهة والجعالة من جهة أخرى. أو هي وصية عهدية بالولاية على مال الصغير - كما في الرواية الاولى - أو عليه وعلى ماله - كما في الثانية - ولادخل لهما فيما نحن فيه. (1) لم يتضح الفرق بين هذه المسألة وما تقدم، فقد ذكر هناك أن الضرر منجبر بكون الاختيار لهم في الفسخ، فلم لا يكون الضرر المذكور هنا أيضا منجبر بكون الاختيار لهم في الفسخ؟! وقد عرفت فيما سبق أن الضرر الحاصل من الوصية موجب لبطلانها، ولا ينجبر بالاختيار في الفسخ والاجازة، فهي تصح مع عدم الضرر للعموم، وتبطل معه لقوله تعالى: (فمن خاف من موص جنفا أو إثما فاصلح بينهم فلا إثم عليه) (* 1). فان قلت: لا مجال لفسخ الوارث هنا، لان الفسخ إنما يشرع للعامل والمالك، والوارث هنا ليس واحدا منهما، لان المضاربة كانت بين الموصي والعامل، وقد مات الاول فليس للوارث الفسخ حتى ينجبر الضرر به. وبذلك افترقت هذه المسألة عن سابقتها، فان المضاربة في سابقتها بين الوارث والعامل. قلت: المفروض في المسألة السابقة وقوع المضاربة بين الوصي والعامل والوارث إن تولى العقد فهو من باب كونه الوصي، لامن باب كونه الوارث، والوصي يتصرف بالنيابة عن الميت، والوارث أجنبي عنه، فإذا


(* 1) البقرة: 82.

[ 454 ]

[ الربح، خصوصا إذا جعل حصتهم أقل من المتعارف (1). الحادية عشرة: إذا تلف المال في يد إلعامل بعد موت المالك من غير تقصير فالظاهر عدم ضمانه (2)، وكذا إذا تلف بعد انفساخها بوجه آخر (3). الثانية عشرة: إذا كان رأس المال مشتركا بين اثنين فضاربا واحدا ثم فسخ أحد الشريكين (4) هل تبقى بالنسبة ] لم يكن له الفسخ في المسألة الاخيرة لم يكن له الفسخ في سابقتها. مضافا إلى أن الفسخ إنما هو للمالك والعامل لا للموجب والقابل، والوارث هو المالك. وإلا أشكل الامر في فسخ الصغير بعد البلوغ لان تصرف الوصي من باب الوصية كما في الكبير، وحينئذ يكون الصغير أجنبيا عن الطرفين، لامن باب الولاية على الطفل.، فتأمل. (1) في جامع المقاصد دفع هذا الاشكال بما حاصله: أن المضاربة إن صحت كانت حصة العامل من الربح له من دون أن تخرج من ملك مالك المال، وإن بطلت فلا ربح أصلا لاأنه يكون الربح للمالك، وفي كلتا الحالتين لم يخرج من مال المالك شئ إلى العامل حتى تكون المضاربة بالاقل من المتعارف ضرر على المالك بتوسط الوصية. ودفعه في المسالك بما حاصله: أنه يمكن أن تصح المعاملة باجازة المالك وتبطل المضاربة، فيكون تمام الربح للمالك، فتصحيح المضاربة إضرار بالمالك. فراجع. (2) لانه أمين المالك بالمضاربة، ولا يخرج عن حكم الامانة ببطلان المضاربة بموت المالك، للاصل. (3) لعين ما تقدم. (4) قد عرفت في المسألة السابعة والاربعين جواز الفسخ في البعض عقلا وعرفا وشرعا.

[ 455 ]

[ إلى حصة الاخر أو تنفسخ من الاصل؟ وجهان أقربهما الانفساخ (1). نعم لو كان مال كل منهما متميزا وكان العقد واحدا لا يبعد بقاء العقد بالنسبة إلى الاخر. الثالثة عشرة: إذا أخذ العامل مال المضاربة وترك التجارة به إلى سنة مثلا، فان تلف ضمن (2)، ولا يستحق المالك عليه غير أصل المال (3)، وان كان آثما في تعطيل مال الغير. الرابعة عشرة: إذا اشترط العامل على المالك عدم كون الربح جابرا للخسران مطلقا فكل ربح حصل يكون بينهما، وإن حصل خسران بعده أو قبله، أو اشترط أن لا يكون الربح اللاحق جابرا للخسران السابق أو بالعكس، فالظاهر الصحة. وربما يستشكل بأنه خلاف وضع المضاربة. وهو كما ترى (4). ] (1) لانها مضاربة واحدة، فلا تتبعض بالفسخ. لكن تقدم في المسألة السابعة والاربعين جواز التبعيض في المال الواحد لشخص واحد، فأولى منه التبعيض بالنسبة لشخصين، كما هو ظاهر. (2) للخيانة بحبس المال وعدم الاتجار به، وهو غير مأذون فيه. (3) إذ لا موجب له، والاصل البراءة، وإن كان آثما في حبسه بغير إذن مالكه. (4) هذا غير ظاهر، فان منصرف قوله (ع): " الربح بينهما والوضيعة على المال " (* 1) غير ما ذكر. فتصحيحه لابد أن يكون


(* 1) الوسائل باب: 3 من ابواب كتاب المضاربة حديث: 5.

[ 456 ]

[ الخامسة عشرة: لو خالف العامل المالك فيما عينه جهلا أو نسيانا أو اشتباها - كما لو قال: لاتشتر الجنس الفلاني، أو من الشخص الفلاني مثلا، فاشتراه جهلا - فالشراء فضولي موقوف على إجازة المالك (1). وكذا لو عمل بما ينصرف إطلاقه إلى غيره، فانه بمنزلة النهي عنه (2). ولعل منه ما ذكرنا سابقا من شراء من ينعتق على المالك مع جهله بكونه كذلك. وكذا الحال إذا كان مخطئا في طريقة التجارة (3)، بأن اشترى ما لا مصلحة في شرائه عند أرباب المعاملة في ذلك الوقت، بحيث لو عرض على التجار حكموا بخطائه. السادسة عشرة: إذا تعدد العامل (4) - كأن ضارب اثنين بمأة مثلا بنصف الربح بينهما متساويا أو متفاضلا - فاما أن يميز حصة كل منهما (5) من رأس المال، كأن يقول: ] بالعمومات الدالة على صحة العقود. لكنها لا تقتضي جريان أحكام المضاربة عليها، كما تقدم في نظائر المقام. (1) لعدم إذن المالك. (2) يكفي عدم الاذن. (3) فان ذلك خارج عن منصرف الاذن، فيكون فضوليا. (4) قد تعرض لذلك الجماعة في كتبهم، قال في الشرائع: " ولو قال لاثنين: لكما نصف الربح، صح وكانا فيه سواء، ولو فضل أحدهما صح أيضا وإن كان عملهما سواء " وفي القواعد: " ولو كان العامل اثنين فساواهما في الربح صح وإن اختلفا في العمل. (5) هذه الصورة خارجة عن كلام الجماعة.

[ 457 ]

[ على أن يكون لكل منه نصفه، وإما لا يميز، فعلى الاول الظاهر عدم اشتراكهما في الربح والخسران والجبر، إلا مع الشرط (1)، لانه بمنزلة تعدد العقد. وعلى الثاني يشتركان فيها (2) وإن اقتسما بينهما فأخذ كل منهما مقدارا منه، إلا أن يشترطا عدم الاشتراك فيها، فلو عمل أحدهما وربح وعمل الآخر ولم يرجح أو خسر يشتركان في ذلك الربح ويجبر به خسران الآخر. بل لو عمل أحدهما وربح ولم يشرع الآخر بعد في العمل، فانفسخت المضاربة، يكون الآخر شريكا (3) وإن لم يصدر منه عمل، لانه مقتضى الاشتراك في المعاملة. ولا يعد هذا من شركة الاعمال، كما قد يقال (4)، فهو نظير ما إذا آجرا نفسهما لعمل بالشركة، فهو داخل في عنوان المضاربة (5) لا الشركة، كما أن النظير داخل في عنوان الاجارة. السابعة عشرة: إذا أذن المالك للعامل في البيع والشراء نسيئة، فاشترى نسيئة وباع كذلك، فهلك المال، فالدين في ] (1) لكن معه يشكل بقاء عنوان المضاربة، لما تقدم في الشرط الخامس من شروط المضاربة. فراجع. (2) لان ذلك من لوازم وحدة المضاربة عرفا، كما هو المفروض. (3) كما قواه في الجواهر بعد أن ذكر أنه لم يعثر على محرر لذلك. (4) لم يعرف القول لاحد بذلك، وانما حكي عن مالك أنه اشترط التسوية في الربح مع التسوية في العمل، قياسا على شركة الابدان. وفي المسالك: أن الاصل والفرع عندنا باطلان. (5) لكنها قائمة بعاملين. وكذا الحكم في الاجازة، إذ أنها اجارة

[ 458 ]

[ ذمة المالك. وللديان إذا علم بالحال أو تبين له بعد ذلك الرجوع على كل منهما، فان رجع على العامل وأخذ منه رجع هو على المالك (1). ودعوى: أنه العلم من الاول ليس له الرجوع على العامل (2)، لعلمه بعدم اشتغال ذمته. مدفوعة: بأن مقتضى ] قائمة بأجيرين وليستا من شراكة الابدان في شئ. وعرفت أنه ليس موردا للتوهم. كما أنه تقدم بعض الكلام في هذه المسألة في المسألة السابعة والعشرين. (1) قال في الجواهر: " ويكون دخول الوكيل في هذا التصرف بمنزلة دخول الضامن في الضمان، فان أعطاه كان له الرجوع بما وزن لانه توكل باذنه في الشراء وذلك يتضمن تسليم الثمن وكان الاذن في الشراء إذنا فيه وفيما يتضمنه ". وهو كما ذكر. (2) قال في الشرايع: " إذا اشترى لموكله كان البايع بالخيار إن شاء طالب الوكيل، وإن شاء طالب الموكل. والوجه اختصاص المطالبة بالموكل مع العلم بالوكالة واختصاص الوكيل مع الجهل بذلك ". وقال في الشرايع بعد ذلك: " ولو ظهر في المبيع عيب رده على الوكيل دون الموكل لانه لم يثبت وصول الثمن إليه. ولو قيل برد المبيع على الموكل كان أشبه " ونحوه في المسألة الثانية ما في القواعد، والقول الاول فيها منسوب إلى المبسوط، وما قربه في القواعد وجعله في الشرايع أشبه جعله في الايضاح الاصح، وكذا في غيره. وفي المسالك: " قول الشيخ ضعيف كدليله ". ووجهه: أن وصول الثمن إليه أو إلى الموكل لا يرتبط بوجوب أداء المال إلى مالكه، والوكيل قد انعزل عن الوكالة بالبيع، فلا وجه للرد إليه إلا أن يكون وكيلا أيضا في أخذ المبيع إذا رده إليه المشتري، وحينئذ يجوز الرد إليه والى الموكل، ولاوجه لاختصاص الوكيل به،

[ 459 ]

فيجوز الرد إلى كل منهما. وأما استرداد الثمن فيجوز الرجوع فيه إلى الموكل إذا اعترف بوصول الثمن إليه أو إلى الوكيل، وإذا أنكر الموكل وصول الثمن إلى أحدهما جاز له الامتناع من دفعه إلى المشتري، ولاوجه لرجوع المشتري على الوكيل، لعدم كونه وكيلا في رد الثمن، سواء اعترف الموكل بوصول الثمن أم لا. هذا ما تقتضيه القواعد الاولية في حكم المسألة الثانية. أما ما تقتضيه القواعد في حكم المسألة الاولى فهو ما ذكر المحقق من أن الموكل هو الذي يستحق عليه الثمن، فيكون هو المطالب به. والقول الاول محكي عن المبسوط أيضا. ووجهه غير ظاهر إلا ما ذكره في الجواهر، من أن ذلك من أحكام ولي العقد، يريد بذلك أن من الاحكام العرفية جواز الرجوع إلى ولي العقد في ما يقتضيه العقد من دفع الثمن حتى مع العلم بالوكالة، ولم يثبت الردع عنه، فدل ذلك على إمضائه شرعا. وهو كما ذكر، ومنه يظهر الوجه في جواز الرد على الوكيل في المسألة الاولى وان لم يكن وكيلا في أخذ المبيع إذا رده إليه المشتري، فان ذلك من الاحكام العرفية. ومثله جواز مطالبته بما دفعه إليه من الثمن وان كان الوكيل قد أخذه ودفعه إلى الموكل، فان ذلك أيضا من الاحكام العرفية التي أمضاها الشارع المقدس، فيجب الاخذ بها. ولافرق في ذلك بين أن يكون الثمن عينا خارجية أو ذمية. وما ذكره الجماعة من أنه في الاول يرجع المشتري إلى خصوص من كانت في يده غير ظاهر من العرف، بل بناؤهم على جواز الرجوع إلى كل من الوكيل والموكل. أما الوكيل فلانه المتولي للعقد، فيكون متوليا لمتقضاه من دفع الثمن وإن كان في يد الموكل. وأما الموكل فلانه الذي دخل المثمن في كيسه، فيكون مطالبا ببدله وان كان بيد وكيله.

[ 460 ]

[ المعاملة ذلك، خصوصا في المضاربة (1)، وسيما إذا علم أنه عامل يشتري للغير ولكن لم يعرف ذلك الغير (2) أنه من هو ومن أي بلد. ولو لم يتبين للديان أن الشراء للغير يتعين له الرجوع على العامل في الظاهر ويرجع هو على المالك. الثامنة عشرة: يكره المضاربة مع الذمي، خصوصا إذا كان هو العامل. لقوله (ع): " لا ينبغي للرجل المسلم أن يشارك الذمي، ولا يبضعه بضاعة، ولا يودعه وديعة، ولا يصافيه المودة " (3). وقوله (ع): " إن أمير المؤمنين (ع) كره مشاركة اليهودي والنصراني ولا مجوسي، إلا أن تكون تجارة حاضرة لا يغيب عنها المسلم " (4). ويمكن أن يستفاد ] ومن ذلك تعرف الوجه فيما ذكره المصنف رحمه الله من كون الدعوى مدفوعة: بأن مقتضى المعاملة ذلك، يريد أنه مقتضى الوكالة ذلك. إذ المعاملة إنما تقتضي وجوب دفع الثمن على من دخل في كيسه المثمن، وذلك يقتضي الرجوع إلى الاصيل، لكن تقتضي الوكالة ذلك. (1) لما فيها من التفويض إلى العامل وبعد المالك عن المعاملة. (2) فانه لولا جواز الرجوع على العامل لم يقدم على المعاملة معه أحد، لما في ذلك من الخطر العظيم. (3) في صحيح علي بن رئاب: " قال أبو عبد الله (ع): لا ينبغي " رواه في الكافي عن عدة من أصحابنا عن أحمد بن محمد عن ابن محبوب عن ابن رئاب، ورواه الشيخ باسناده عن احمد بن محمد، ورواه الصدوق باسناده عن ابن محبوب، ورواه الحميري عن الحسن بن محبوب (* 1). (4) رواه في الكافي عن علي بن ابراهيم عن ابيه عن النوفلي عن


(* 1) الوسائل باب: 2 من ابواب كتاب الشركة حديث: 1.

[ 461 ]

[ من هذا الخبر كراهة مضاربة من لا يؤمن منه في معاملاته من الاحتراز عن الحرام. التاسعة عشرة: الظاهر صحة المضاربة على مأة دينار مثلا كليا (1) فلا يشترط كون مال المضاربة عينا شخصية، فيجوز إيقاعهما العقد على كلي ثم تعيينه في فرد. والقول بالمنع لان القدر المتيقن العين الخارجي من النقدين. ضعيف (2). وأضعف منه احتمال المنع حتى في الكلي في المعين، إذ يكفي في الصحة العمومات (3). متمم العشرين: لو ضاربه على ألف مثلا فدفع إليه نصفه فعامل به، ثم دفع إليه النصف الآخر، فالظاهر جبران خسارة أحدهما بربح الآخر، لانه مضاربة واحدة. وأما لو ضاربه على خمسمائة فدفعها إليه وعامل بها، وفي أثناء التجارة زاده ودفع خمسمائة أخرى، فالظاهر عدم جبر خسارة ] السكوني عن أبي عبد الله عليه السلام. ورواه الشيخ باسناده عن علي بن ابراهيم (* 1). (1) لا يخفى أن الكلي إذا لم يكن خارجيا ولا ذميا لم يقبل أن يكون مملوكا، فضلا عن أن يكون موضوعا للمضاربة، لان المضاربة إنما تكون من المالك. (2) هذا غير ظاهر، لاصالة عدم ترتب المضاربة. والعمومات (2) هذا غير ظاهر، لاصالة عدم ترتب المضاربة. والعمومات الدالة على الصحة قاصرة عن اثبات عنوان المضاربة. (3) قد عرفت إشكاله.


(* 1) الوسائل باب: 2 من أبواب كتاب الشركة حديث: 2.

[ 462 ]

[ احداهما بربح الاخرى، لانهما في قوة مضاربتين. نعم بعد المزج والتجارة بالمجموع يكونان واحدة (1). ] (1) المزج لا يستوجب ذلك. كالمزج بمال الغير. نعم إذا كان دفع الزائد بعنوان مضاربة واحدة فكأنه فسخ الاولى وأنشأ غيرها، فيكون مجموع المال مال مضاربة واحدة. وإذا لم يكن الدفع بهذا العنوان فهما مضاربتان لا يشتركان في شئ من الجبر والخسران والربح والفسخ. والله سبحانه ولي التوفيق والحمد لله رب العالمين. انتهى الكلام في شرح كتاب المضاربة في السادس عشر من شهر جمادي الثانية من السنة الخامسة الثمانين بعد الالف والثلثمائة هجرية. (2) هذا غير ظاهر، لاصالة عدم ترتب المضاربة. والعمومات الدالة على الصحة قاصرة عن اثبات عنوان المضاربة. (3) قد عرفت إشكاله.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية