الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




مستمسك العروة - السيد محسن الحكيم ج 10

مستمسك العروة

السيد محسن الحكيم ج 10


[ 1 ]

ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى قرآن كريم مستمسك العروة الوثقى تأليف فقيه عصره آية الله العظمى السيد محسى الطباطبائي الحكيم قدس سره الجزء العاشر

[ 2 ]

الطبعة الثالثة 1391 هج - 1981 م مطبعة الاداب في النجف الاشرف

[ 3 ]

(كتاب الحج) فصل من أركان الدين: الحج (1). وهو واجب على كل من استجمع الشرائط الآتية، من الرجال والنساء والخناثى. بالكتاب، والسنة، والاجماع من جميع المسلمين بل بالضرورة. بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد واله الطاهرين. (1) كما تضمنته الروايات الكثيرة المروية في كتب الفريقين، كصحيح زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام): " بنى الاسلام على خمس: على الصلاة، والزكاة، والحج، والصوم، والولاية " (* 1). ونحوه مما هو كثير. وفي المنتهى: " روي عن ابن عمر: ان النبي (صلى الله عليه وآله) قال: بنى الاسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله (صلى الله عليه وآله) (* 2) وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم شهر رمضان (* 3)، وحج البيت " (* 4)


(* 1) الوسائل باب: 1 من ابواب مقدمة العبادات حديث: 2. (* 2) الشهادة بالرسالة غير موجودة في رواية المنتهى، نعم هي موجودة في رواية صحيح البخاري. (* 3) هذه الفقرة غير موجودة في رواية المنتهى، ولا في رواية البخاري. (* 4) الموجود في رواية البخاري: (الحج)، مع تقديمه على الصوم. وفي رواية المنتهى زيادة: " من استطاع إليه سبيلا ". لاحظ المنتهى ج 2 كتاب الحج صفحة: 1، صحيح البخاري ج: 1 الباب: 1.

[ 4 ]

ومنكره في سلك الكافرين (1)، وتاركه عمدا مستخفا به بمنزلتهم (2)، (1) كذا كله في الجواهر وغيرها. والظاهر أنه لا إشكال في ذلك نعم زاد في الجواهر قوله: " بل لعل تأكد وجوبه كذلك، فضلا عن اصل الوجوب... ". وكأن وجهه: قوله تعالى: (ومن كفر فان الله غني عن العالمين) (* 1) فان التعبير عن الترك بالكفر يدل على مزيد الاهمية. ولكنه غير ظاهر، إذ المراد بالكفر مقابل الشكر، وكما يحصل ذلك بترك الواجبات المؤكدة يحصل بترك الوجبات غير المؤكدة. اللهم الا ان يقال: تخصيصه بهذا التعبير يدل على نحو من الاهمية، إذ لم يرد ذلك في كثير من الواجبات، فيدل ذلك على تميزه عنها بتأكد وجوبه. لكن ذلك موجب لعده من الضروريات عند العلماء، لا عند المسلمين ومن ضروريات الدين. (2) إذا كان الوجه في ذلك ما ذكره في الجواهر: من أن تأكد وجوبه ضروري، فالاستخفاف به راجع الى إنكار الاهمية، فيكون من انكار الضروري. فمقتضاه: أن مجرد الاستخفاف به موجب لذلك وإن لم يتركه فإذا أداه مستخفا به فقد أنكر الضروري. وإن كان الوجه فيه: النصوص الكثيرة، التي منها صحيح ذريح المحاربي عن ابي عبد الله (عليه السلام)، قال: " من مات ولم يحج حجة الاسلام، لم يمنعه من ذلك حاجة تجحف به. أو مرض لا يطيق فيه الحجج، أو سلطان يمنعه، فليمت يهوديا أو نصرنيا " (* 2)، فلا اختصاص لها بالاستخفاف، ومقتضى إطلاقها ترتب الاثر المذكور على الترك ون لم يكن عن استخفاف. هذا إذا كان المراد من الاستخفاف به اعتقاد عدم أهميته، وإذا كان المراد به أنه في غير محله، فهو من انكار الضروري ضرورة، فيلحقه حكمه كما


(* 1) آل عمران: 97. (* 2) الوسائل باب: 7 من ابواب وجوب الحج حديث: 1.

[ 5 ]

وتركه من من غير استخفاف من الكبائر (1). ولا يجب في أصل الشرع إلا مرة واحدة في تمام العمر (2)، وهو المسمى بحجة الاسلام، أي: الحج الذي بني عليه الاسلام، مثل الصلاة والصوم والخمس والزكاة. وما نقل عن الصدوق في العلل: من وجوبه على أهل الجدة كل عام - على فرض ثبوته - (3) شاذ، مخالف للاجماع والاخبار (4)، ولا بد من حمله على تقدم، فلا يحسن جعله في مقابل ما تقدم. ولا دخل للترك عمدا في ترتب أثره. (1) لان ترك الواجب معدود من الكبائر في الروايات المتعرضة لعدد الكبائر. (2) باجماع المسلمين على ذلك - كما في المنتهى - وإجماعا بقسميه من المسلمين فضلا عن المؤمنين - كما في الجواهر - بل ينبغى عد ذلك من الضروريات. نعم قال في العلل - بعد ما روى خبر محمد بن سنان الاتى: - " جاء هذا الحديث هكذا، والذي اعتمده وأفتى به: أن الحج على أهل الجدة في كل عام فريضة.. " (* 1)، ثم استدل بالاخبار الاتية. (3) يظهر من الصمنف الارتياب في ثبوت ذلك، وسبق إلى ذلك العلامة في المنتهى. لكن لا مجال للارتياب في ثبوته، بقرينة أنه ذكره في ذيل خبر ابن سنان الاتى. اللهم إلا أن يكون الارتياب في وجود هذا الكلام في العلل. فتأمل. نعم المقام العلمي الرفيع للصدوق يأبى صدور ذلك منه لما عرفت من أنه من الواضحات، نسأله تعالى العصمة، إنه أرحم الراحمين. (4) في صحيح هشام بن سالم - المروي عن محاسن البرقي - عن أبى عبد الله (عليه السلام)، قال: " ما كلف الله تعالى العباد إلا ما يطيقون، إنما كلفهم

[ 6 ]

بعض المحامل - كالاخبار الواردة بهذا المضمون - (1) من ارادة الاستحباب المؤكد، أو الوجوب على البدل (2)، في اليوم والليلة خمس صلوات.. (إلى أن قال): وكلفهم حجة واحدة وهم يطيقون أكثر من ذلك " (* 1) وفي خبر الفضل بن شاذان عن الرضا (عليه السلام) قال: " إنما أمروا بحجة واحدة لا أكثر من ذلك، لان الله تعالى وضع الفرائض على أدنى القوة " (* 2). وفي خبر محمد بن سنان: " إن أبا الحسن علي بن موسى الرضا (عليه السلام) كتب إليه فيما كتب من جواب مسائله، قال: علة فرض الحج مرة واحدة: لان الله تعالى وضع الفرائض على ادنى القوم قوة، فمن تلك الفرائض الحج المفروض واحدا، ثم رغب أهل القوة على قدر طاقتهم " (* 3). (1) في صحيح على بن جعفر (عليه السلام) عن أخيه موسى (عليه السلام) قال: " إن الله عزوجل فرض الحج على أهل الجدة في كل عام، وذلك قوله عزوجل: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فان الله غني عن العالمين) (* 4). قال: قلت: فمن لم يحج منا فقد كفر؟ قال: لا، ولكن من قال ليس هذا هكذا فقد كفر " (* 5). ونحوه صحيح أبى جرير القمى (* 6)، وخبر حذيفة بن منصور (* 7) وغيرهما. (2) هذا الاحتمالان حكاهما في الوسائل عن الشيخ. (ره)


(* 1) الوسائل باب: 3 من ابواب وجوب الحج حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 3 من ابواب وجوب الحج حديث: 2. (* 3) الوسائل باب: 3 من ابواب وجوب الحج حديث: 3. (* 4) آل عمران: 97. (* 5) الوسائل باب: 2 من أبواب وجوب الحج حديث: 1. (* 6) الوسائل باب: 2 من ابواب وجوب الحج حديث: 4. (* 7) الوسائل باب: 2 من ابواب وجوب الحج حديث: 2.

[ 7 ]

بمعنى: أنه يجب عليه في عامه، وإذا تركه ففي العام الثاني، وهكذا. ويمكن حملها على الوجوب الكفائي، فانه لا يبعد وجوب الحج كفاية (1) على كل أحد في كل عام إذا كان متمكنا، بحيث لا تبقى مكة خالية من الحجاج، لجملة من الاخبار الدالة على أنه لا يجوز تعطيل الكعبة عن الحج (2)، والاخبار الدالة على أن على الامام - كما في بعضها - (3)، وعلى الوالي - كما في آخر - (4) أن يجبر الناس على الحج والمقام في مكة وزيارة الرسول (صلى الله عليه وآله) والمقام عنده، وأنه إن لم يكن (1) كما يظهر من النصوص الاتية، وحكي القول بهما عن الشيخ وغيره. (2) عقد في الوسائل بابا لهذا الحكم، وذكر فيه جملة وافرة من الروايات منها: صحيح حماد عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: " كان علي - صلوات الله عليه - يقول لولده: يا بني انظروا بيت ربكم فلا يخلو منكم فلا تناظروا " (* 1) ونحوه غيره. (3) في صحيح عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام): " لو عطل الناس الحج لوجب على الامام ان يجبرهم على الحج إن شاؤا وإن أبوا، فان هذا البيت إنما وضع للحج " (* 2). (4) في صحيح الفضلاء عن ابي عبد الله (عليه السلام): " لو ان الناس تركوا الحج لكان على الوالي أن يجبرهم على ذلك وعلى المقام عنده، ولو تركوا زيارة النبي (صلى الله عليه وآله) لكان على الوالي أن يجبرهم على ذلك وعلى المقام عنده فان لم يكن لهم اموال أنفق عليهم من بيت مال المسلمين " (* 3) ونحوه


(* 1) الوسائل باب: 4 من ابواب وجوب الحج حديث: 2. (* 2) الوسائل باب: 5 من ابواب وجوب الحج حديث: 1. (* 3) الوسائل باب: 5 من ابواب وجوب الحج حديث: 2.

[ 8 ]

[ لهم مال أنفق عليهم من بيت المال. (مسألة 1): لا خلاف في أن وجوب الحج - بعد تحقق الشرائط - فوري، بمعنى: أنه يجب المبادرة إليه في العام الاول من الاستطاعة (1)، فلا يجوز تأخيره عنه، وإن تركه فيه ففي. ] غيره. لكن حمل النصوص - المتقدمة في دليل الصدوق - على ما ذكر بعيد لاختصاصها بأهل الجدة، والاجبار لا يختص بهم. ولعمومها لصورة عدم حصول التعطيل، والاجبار يختص به، ولذلك جعل في الجواهر حمل النصوص على الوجوب الكفائي - الذي جعله في الوسائل أقرب - غريبا. وقريب منه في البعد والغرابة حمل الوجوب على البدل، بل كاد أن يكون مقطوعا بخلافه. واقرب الوجوه الحمل على الاستحباب المؤكد، ولذا اقتصر عليه في المعتبر وغيره. (1) في التذكرة والمنتهى: " قاله علماؤنا اجمع... ". ونحوه كلام غيره. ويشهد له النصوص، كصحيح معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " قال الله تعالى: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا..) (* 1)، قال: هذه لمن كان عنده مال وصحة. وإن كان سوفه للتجارة فلا يسعه، وإن مات على ذلك فقد ترك شريعة من شرائع الاسلام، إذا هو يجد ما يحج به " (* 2)، وصحيح الحلبي عن أبى عبد الله (عليه السلام): " إذا قدر الرجل على ما يحج به، ثم دفع ذلك وليس له شغل يعذره به، فقد ترك شريعة من شرائع الاسلام " (* 3). ونحوهما غيرهما. وقد عقد في الوسائل بابا واسعا للاخبار المستفاد منها ذلك (* 4)،


(* 1) آل عمران: 97. (* 2) الوسائل باب: 6 من ابواب وجوب الحج حديث: 1. (* 3) الوسائل باب: 6 من ابواب وجوب الحج حديث: 3. (* 4) لاحظ الباب: 6 من ابواب وجوب الحج.

[ 9 ]

[ العام الثاني، وهكذا، ويدل عليه جملة من الاخبار. ولو خالف وأخر - مع وجود الشرائط - بلا عذر يكون عاصيا. بل لا يبعد كونه كبيرة، كما صرح به جماعة، (1)، ويمكن استفادته من جملة من الاخبار (2). ] وإن كانت دلالة كثير منها على ما نحن فيه محل مناقشة. (1) منهم المحقق في الشرائع، فذكر فيها أن التأخير كبيرة موبقة. وفي المسالك: " بلا خلاف في ذلك عندنا.. ". وفي المدارك: بعد ما ذكره ما في الشرائع وغيره من الاحكام - قال: " هذه الاحكام كلها إجماعية، على ما نقله جماعة منهم المصنف في المعتبر.. ". لكن الذي يظهر من المعتبر: ان الفورية إجماعية، أما كون التأخير كبيرة فلا يظهر منه. (2) يمكن استفادته من صحيح عبد العظيم الحسني، حيث عد من جملة الكبائر: ترك ما فرضه الله تعالى (* 1)، ومن خبر الفضل بن شاذان عن الرضا (عليه السلام) فيما كتبه إلى المأمون، حيث عد من جملة الكبائر: الاستخفاف بالحج (* 2)، بناء على ان يكون المراد منه الاستخفاف العملي، فان تركه في العام الاول نوع من الاستخفاف العملي به. وأما ما ورد من أنه: " من مات ولم يحج فلا عليه أن يموت يهوديا أو نصرانيا " (* 3) فالظاهر اختصاصه بصورة ترك الحج في تمام العمر، فلا يشمل صورة ما إذا تركه في العام الاول وحج في العام الثاني. وأما الاية الشريفة (* 4) فقد عرفت أن المراد من الكفر فيها ترك الشكر، وهو قد يكون بفعل


(* 1) الوسائل باب: 46 من ابواب جهاد النفس حديث: 2. (* 2) الوسائل باب: 46 من ابواب جهاد النفس حديث: 33. (* 3) الوسائل باب: 7 من ابواب وجوب الحج حديث: 5. (* 4) يريد بها قوله تعالى: (ومن كفر فان الله غني عن العالمين) بعد قوله: (ولله على الناس حج البيت..) آل عمران: 97.

[ 10 ]

[ (مسألة 2): لو توقف إدراك الحج - بعد حصول الاستطاعة - على مقدمات: من السفر وتهيئة أسبابه، وجب المبادرة إلى إتيانها على وجه يدرك الحج في تلك السنة. ولو تعددت الرفقة، وتمكن من المسير مع كل منهم، اختار أوثقهم سلامة وإدراكا (1). ] الكبيرة، وقد يكون بفعل الصغيرة. (1) قال في المدارك: " ولو تعدد الرفقة في العام الواحد، قيل: وجب المسير مع أولها، فان أخر عنها وأدركه مع التالية، وإلا كان كمؤخره عمدا في استقرار، وبه قطع جدي في الروضة. وجوز الشهيد في الدروس التأخير عن الاولى إن وثق بالمسير مع غيرها. وهو حسن، بل يحتمل قويا: وجواز التأخير بمجرد احتمال سفر الثانية، لانتفاء الدليل على فوريه المسير بهذا المعنى. وأطلق العلامة في التذكرة جواز التأخير عن الرفقة الاولى. لكن المسألة في كلامه مفروضة في حج النائب، وينبغي القطع بالجواز إذا كان سفر الاولى قبل أشهر الحج. وقيل تضيق الوقت الذي يمكن ادراكه فيه، لانه الاصل، ولا مقتضى للخروج عنه.. ". اقول: أما ما ذكره المصنف (ره)، من لزوم اختيار الاوثق سلاما وإدراكا، ففيه: إنه غير ظاهر. بل هو خلاف طريقة العقلاء والمتشرعة، فانهم لا يزالون يسلكون الطرق المعتادة في السفر إلى الحج وغيره من الواجبات، مع اختلافها في الوثوق المذكور، وما كانوا يجتمعون على سلوك الاوثق ويتركون غيره. وكذلك في مراجعتهم الاطباء في معالجات امراضهم مع اختلاف الاطباء في الوثاقة. إذ ليس بناؤهم على مراجعة الاوثق لا غير، بحيث تكون مراجعتهم لغيره تقصيرا منهم في حفظ الصحة أو حفظ النفس نعم الاوثق أرجح عندهم، وقد يكون لغير الاوثق مرجع آخر، فليس

[ 11 ]

[ ولو وجدت واحدة ولم يعلم حصول أخرى، أو لم يعلم التمكن من المسير والادراك للحج بالتأخير، فهل يجب الخروج مع الاولى، أو يجوز التأخير إلى الاخرى بمجرد احتمال الادراك، أو لا يجوز إلا مع الوثوق؟ أقوال، أقواها الاخير (1). ] الترجيح بالاوثقية على نحو اللزوم. نعم مع التعارض والتكاذب بان يقول أحد الطيبين: الدواء كذا لا غيره، ويقول الاخر: الدواء شئ آخر لا غيره، بحيث ينفى كل منهما قول صاحبه لا ينبغى التأمل في لزوم العمل - عقلا - بالاوثق، لا في مثل المقام مما يحتمل الاصابة في كل من القولين. فالانسب مقايسة المقام بباب الموسعات، لا بباب لزوم تقليد الاعلم. فتأمل. ومثله في الاشكال: ما حكاه في المدارك عن بعض - وقطع به جده في الروضة -: من لزوم السير مع القافلة الاولى وإن حصل العلم بوجود الثانية، فانه ايضا غير ظاهر. والسبق الزماني لا يصلح للترجيح. اللهم إلا ان يختص كلامه بصورة العلم بادراك الاولى وعدم العلم بادراك الثانية، فيكون الترجيح من جهة الاوثقية - كما ذكره المصنف (ره) - وقد عرفت إشكاله. وأما ما ذكره: من حصول الاستقرار إذا لم يدرك الحج، فهو لا يختص بالفرض الذي ذكره، بل يجرى فيما لو سافر مع الاولى فلم يدركه وكان بحيث لو سافر مع الثانية أدركه، لان المدار في الاستقرار القدرة الحاصلة بالسفر مع إحدى القافلتين، وإن كان قد سافر مع غيرها التي لم تدرك. وبالجملة: مع تعدد القوافل لا موجب للخروج مع الاولى، لعدم الخصوصية لها، لا من حيث التكليف، ولا من حيث الوضع. (1) قد عرفت من عبارة المدارك: أن القول الاول اختاره في الروضة، والثاني اختاره في التذكرة. والثالث اختاره في الدروس، ومال

[ 12 ]

[ وعلى أي تقدير إذا لم يخرج مع الاولى، واتفق عدم التمكن من المسير، أو عدم إدراك الحج بسبب التأخير استقر عليه الحج (1)، وإن لم يكن آثما بالتأخير، لانه كان متمكنا من الخروج مع الاولى. إلا إذا تبين عدم إدراكه لو سار معهم أيضا. ] إليه في الجواهر. والعمدة في وجهه: ان التأخير مع الوثوق المذكور لا يعد تفريطا في اداء الواجب. ولا يبعد ان يكون الامر كذلك ايضا مع الظن، كما يشهد به بناؤهم على جواز تأخير الصلاة عن اول الوقت إذا لم تكن أمارة على الموت، وكذا تأخير قضائها وغيرهما من الموسعات. والفرق بين ذلك وبين ما نحن فيه، بوجود المقتضي للبقاء هناك وعدم وجوده هنا. مندفع: بان المقتضى قد يحرز في الفرض، فيكون العدم فيه لوجود المانع. على ان الفرق المذكور غير فارق، لان الظاهر من ملاحظة كلماتهم في غير المقام جواز التأخير ما لم تظهر أمارات العجز. فان قلت: قد اشتهر أنه مع الشك في القدرة يجب الاحتياط. قلت: يختص ذلك بصورة ما إذا كان الشك في القدرة موجبا للشك في التكليف، ولا يشمل مثل المقام. نعم إذا فرض الشك في حصول التفريط بالتأخير مع الظن، فالمرجع قاعدة الاحتياط، لعدم المؤمن عقلا، فيلزم دفع الضرر المحتمل. (1) كما عرفت في الحاشية السابقة.

[ 13 ]

[ فصل في شرائط وجوب حجة الاسلام وهي أمور: أحدها: الكمال بالبلوغ والعقل، فلا يجب على الصبي وإن كان مراهقا (1)، ولا على المجنون وإن كان أدواريا (2)، ] فصل في شرائط وجوب حجة الاسلام (1) عليه العلماء كافة، كما في المعتبر والتذكرة وغيرهما. ويدل عليه الاخبار الاتية. (2) عليه العلماء كافة، كما في المعتبر وغيره. واستدل له بحديث: " رفع القلم عن الصبي حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يفيق " (* 1). وفي الوسائل في أبواب مقدمة العبادات: " روى عن الخصال عن علي (عليه السلام): إن القلم يرفع عن ثلاثة: عن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ " (* 2). وخبر ابي البختري عن جعفر عن


(* 1) المعتبر، المقدمة الاولى من كتاب الحج صفحة: 337. (* 2) الوسائل باب: 4 من ابواب مقدمة العبادات حديث: 11.

[ 14 ]

[ إذا لم يف دور افاقته باتيان تمام الاعمال. ولو حج الصبي لم يجز عن حجة الاسلام، وإن قلنا بصحة عباداته وشرعيتها كما هو الاقوى، وكان واجد الجميع الشرائط سوى البلوغ. ففي خبر مسمع عن الصادق (عليه السلام): " لو أن غلاما حج عشر حجج ثم احتلم كان عليه فريضة الاسلام " (* 1). وفي خبر اسحاق بن عمار (1) عن أبي الحسن (عليه السلام): " عن ابن عشر سنين يحج؟ قال (عليه السلام): عليه حجة الاسلام إذا احتلم. وكذا الجارية عليها الحج إذا طمثت " (* 2). ] أبيه عن علي (عليه السلام): " أنه كان يقول في المجنون والمعتوه الذي لا يفيق، والصبي الذي لم يبلغ: عمدهما خطأ تحمله العاقلة، وقد رفع عنهما القلم " (* 3). لكن عرفت فيما سبق أن الحديث المذكور - وكذلك حديث رفع التسعة - انما يدل على رفع المؤاخذة برفع فعليه التكليف، لان الظاهر من رفع القلم عنه رفع قلم السيئات لا غير، فلا يدل على رفع الملاك، ولا رفع المشروعية. فالعمدة إذا - في اعتبار العقل في مشروعية حج الاسلام " وعدم وجوبه عليه بعد الافاقة - هو الاجماع لا غير. (1) مثله: خبر شهاب عن ابي عبد الله (عليه السلام) في حديث، قال: " سألته عن ابن عشر سنين يحج؟ قال (عليه السلام): عليه حجة الاسلام إذا احتلم. وكذلك الجارية عليها الحج إذا طمثت " (* 4). وما في خبر أبان


(* 1) الوسائل باب 13 من ابواب وجوب الحج حديث 2. (* 2) الوسائل باب: 12 من ابواب وجوب الحج حديث: 1. (* 3) الوسائل باب: 36 من ابواب قصاص النفس حديث: 2. (* 4) الوسائل باب: 12 من ابواب وجوب الحج حديث: 2.

[ 15 ]

[ (مسألة 1): يستحب للصبي المميز أن يحج (1) وان لم يكن مجزيا عن حجة الاسلام، ولكن هل يتوقف ذلك على إذن الولي أولا؟ المشهور - بل قيل لا خلاف فيه (2) - أنه مشروط باذنه، لاستتباعه المال في بعض الاحوال للهدي وللكفارة (3). ولانه عبادة متلقاة من الشرع مخالف للاصل، فيجب الاقتصار فيه على المتيقن. وفيه: أنه ليس تصرفا ماليا ] ابن الحكم، قال: " سمعت ابا عبد الله (عليه السلام) يقول: الصبي إذا حج به فقد قضى حجة الاسلام حتى يكبر " (* 1) فالمراد من حج الاسلام الحج المشروع في حقه، أو ثواب حج الاسلام، فلا ينافى ما سبق. (1) لا إشكال في مشروعية الحج في حق الصبى، وقد نفي عنه الخلاف فيه وادعي عليه الاجماع. ويدل عليه الاخبار المذكورة في المتن وغيرها، مما مضى ويأتى. (2) لم اقف على من نفى الخلاف فيه. نعم في المعتبر - بعد أن اختار اعتبار إذن الولي - ذكر: أن لاصحاب الشافعي قولين: أحدهما لا يشترط، لانها عبادة يتمكن من استقلاله بايقاعها، فأشبهت الصلاة والصوم. ثم قال: قلنا: إن الصلاة لا تتضمن غرم مال، وليس كذلك الحج.. ". ونحوه ما ذكره العلامة في المنتهى. وربما يستفاد من نسبة القول بعدم الاعتبار إلى بعض الشافعية عدم الخلاف فيه منا ولا من غيرنا سواه. لكنه غير ظاهر، ولذا نسب في كشف اللثام الاعتبار الى المعتبر والمنتهى والتذكرة والتحرير والدروس، وقال: " وقد يظهر من الخلاف والمبسوط.. "، واقتصر على ذلك. فتأمل. (3) ذكر ذلك في المعتبر، والمنتهى، والتذكرة.


(* 1) الوسائل باب: 13 من ابواب وجوب الحج حديث: 1.

[ 16 ]

[ وإن كان ربما يستتبع المال (1). وأن العمومات كافية في صحته وشرعيته مطلقا، فالاقوى عدم الاشتراط في صحته، ] (1) ذكر ذلك في الجواهر. وفي كشف اللثام - بعد ان ذكر دليل الفاضلين المتقدم - قال: " وورود المنع عليه ظاهر.. ". أقول: تصرف الصبي تارة: يكون تصرفا في المال، وأخرى: تصرفا في النفس. وكل منهما تارة: لا يكون موضوعا للحكم الوضعي من الصحة والفساد، بل يكون موضوعا للحكم التكليفي لا غير، مثل إتلاف ماله وثوبه وقيامه وقعوده. وتارة: يكون موضوعا للحكم الوضعي من الصحة والفساد، مثل بيع ماله، وإجارة نفسه للعمل ونحوهما. ولا إشكال في ان القسم الثاني من التصرف في المال مشروط باذن الولي، فلا يصح بيع ماله، ولا إجارته، ولا رهنه، ولا أمثالها من التصرفات الواردة على ماله إلا باذن وليه. كما لا إشكال في ان القسم الاول منه ومن التصرف في النفس ليس مشروطا باذن الولي، فيجوز له وإن لم ياذن الولي، ضرورة أنه لا معنى لاشتراطه بالاذن إلا حرمة وقوعه بغير إذن الولى. ومن المعلوم أنه لا حرمة على الصبي، كما لا وجوب عليه، فيجوز للصبي السفر بغير إذن الولي كالحضر، وكذا كل فعل لا يكون إلا موضوعا للحكم التكليفي، ومنه إتلاف ماله. وأما القسم الثاني من التصرف في النفس فاشتراطه باذن الولي - بحيث لا يترتب الاثر عليه، ولا يكون صحيحا إلا به - يتوقف على دليل يدل على عموم ولايه الولي على النفس. ولم يتضح لدينا ذلك، غير ما ورد عن النبي (صلى الله عليه وآله) من قوله: " أنت ومالك لابيك " (* 1). لكنه وارد في


(* 1) الوسائل باب: 78 من ابواب ما يكتسب به حديث: 2. ونحوه غيره من أحاديث الباب المذكور.

[ 17 ]

[ وإن وجب الاستئذان في بعض الصور. وأما البالغ فلا يعتبر في حجة المندوب إذن الابوين (1)، إن لم يكن مستلزما للسفر المشتمل على الخطر الموجب لاذيتهما. وأما في حجه الواجب فلا إشكال. ] الكبير لا في الصغير، وأيضا يدل هذا الحديث على جواز التصرف ذاتا لا بعنوان الولاية، وكل ذلك لا يمكن الالتزام به. ولاجل ذلك يظهر وجه قوة ما ذكره المصنف (ره). وأما التصرف المالي الذي يستتبعه الحج - مثل الهدي، والكفارة - فحكم الصبي فيه حكم العاجز - كما قيل - فينتقل إلى البدل مع الامكان، ومع عدمه يسقط. وسيأتي الكلام في ذلك قريبا. (1) جعل في المسالك: اعتبار إذن الابوين فيه اقوى، وحكى عن القواعد: اعتبار إذن الاب، وحكى عن الشيخ: عدم اعتبار إذنهما. وفي الروضة نسب الميل إلى الاخير إلى الدروس، ثم قال: " وهو حسن إن لم يستلزم السفر المشتمل على الخطر، وإلا فاشتراط إذنهما أحسن.. " أقول: اعتبار إذن الابوين أو خصوصا الاب خلاف قاعده السلطنة على النفس، المستفادة من دليل قاعدة السلطنة على المال بالفحوى، فالبناء عليه يحتاج إلى دليل مفقود، سوى خبر هشام بن الحكم - المروي في العلل - عن ابي عبد الله (عليه السلام): " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من فقه الضيف أن لا يصوم تطوعا إلا باذن صاحبه، ومن طاعة المرأة لزوجها أن لا تصوم تطوعا إلا باذنه وأمره، ومن صلاح العبد وطاعته ونصيحته لمولاه أن لا يصوم تطوعا إلا باذن مولاه وأمره، ومن بر الولد أن لا يصوم تطوعا، ولا يحج تطوعا، ولا يصلي تطوعا إلا باذن أبويه وأمرهما، وإلا كان الضيف جاهلا وكانت المرأة عاصية، وكان العبد فاسقا عاصيا، وكان الولد عاقا " (* 1).

[ 18 ]

وفي كشف اللثام: " إنه ضعيف ". وكانه: لان في السند أحمد بن هلال العبرتائى، وقد تقدم الكلام فيه في مبحث لباس المصلي من هذا الشرح. وفي الكافي روى الحديث المذكور بلا زيادة: (ومن بر الولد..) (* 1) وفي الفقيه رواه مع الزيادة، لكن اقتصر على ذكر الصوم تطوعا ولم يذكر الحج، ولا الصلاة (* 2). ولكن هذا المقدار لا يوجب السقوط عن الحجية وكذا المناقشة في الدلالة: بان المراد من العقوق فيه عدم البر، كما يقتضيه قوله (عليه السلام): " ومن بر الولد.. ". فانها مدفوعة: بأنها خلاف الظاهر. نعم ظاهر الخبر: اعتبار الامر مع الاذن " وبدون الامر يكون الحج عقوقا ولو مع الاذن وهو مما لم يقل به أحد. فيتعين حمله على إرادة بيان المرتبة العالية من البر، ويكون المراد من العقوق ما يقابلها، فيكون الخبر واردا في مقام بيان الآداب الاخلاقية، التي ينبغى أن يكون الولد عليها بالنسبة إلى والده، فلا مجال للبناء على اعتبار الاذن في الحج ولا في غيره. ولا سيما بملاحظة عدم اعتبار إذنه في سائر الافعال المباحة والمكروهة فكيف يعتبر في مثل هذه الافعال التي هي من افضل الطاعات وأعظم القربات؟ نعم إذا نهاه عنها عن شفقته عليه وجبت إطاعته وحرم الفعل إجماعا ظاهرا، كما يستفاد من كلماتهم في مبحث الصوم. أما إذا كان نهيه لا عن شفقته عليه، فالظاهر عدم وجوب إطاعته، وإن ورد في كثير من النصوص ما ظاهره وجوب إطاعة الوالد على الولد (* 3)، ولكن لا مجال للاخذ به. ومن ذلك يظهر الاشكال في التفصيل الذي ذكره في الروضة. ولذا قيده المصنف (ره) بأذيتهما. وإن كان اللازم تقييدها بما إذا كانت عن شفقته


(* 1) الوسائل باب: 10 من ابواب الصوم المحرم والمكروه ملحق حديث: 3. (* 2) الوسائل باب: 10 من ابواب الصوم المحرم والمكروه حديث: 2. (* 3) الوسائل باب: 92 من ابواب احكام الاولاد حديث: 4 وغيره.

[ 19 ]

[ (مسألة 2): يستحب للولي أن يحرم بالصبي غير المميز بلا خلاف، لجملة من الاخبار (1). بل وكذا الصبية، وإن استشكل فيها صاحب المستند (2). ] عليه. وعليه يجوز سفر الولد للحج إذا لم يعلما به أبدا، أو أنهما يعلمان به بعد رجوع الولد عن السفر، أو يعلمان به حال وقوعه ولكن اذيتهما لا عن شفقة على الولد. (1) منها: صحيح معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام): " انظروا من كان معكم من الصبيان فقدموه إلى الجحفة أو إلى بطن مر، ويصنع بهم ما يصنع بالمحرم، ويطاف بهم، ويرمى عنهم. ومن لا يجد الهدي منهم فليصم عنه وليه " (* 1)، وصحيح عبد الرحمن بن الحجاج عن ابي عبد الله (عليه السلام) في حديث، قال: ".. قلت له: إن معنا صبيا مولودا، فكيف نصنع به؟ فقال: مر أمة تلقى حميدة فتسألها كيف تصنع بصبيانها، فاتتها فسألتها كيف تصنع، فقالت: إذا كان يوم التروية فاحرموا عنه، وجردوه وغسلوه كما يجرد المحرم، وقفوا به المواقف، فإذا كان يوم النحر فأرموا عنه، واحلقوا راسه، ثم زوروا به البيت، ومرى الجارية أن تطوف به بالبيت، وبين الصفا والمروة " (* 2)، ومصحح اسحاق بن عمار: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن غلمان لنادخلوا معنا مكة بعمرة وخرجوا معنا إلى عرفات بغير إحرام. قال: قل لهم: يغتسلون، ثم يحرمون، واذبحوا عنهم كما تذبحون عن أنفسكم " (* 3). ونحوها غيرها. (2) لاختصاص النصوص بالصبي، وإلحاق الصبية به محتاج إلى دليل


(* 1) الوسائل باب: 17 من ابواب اقسام الحج حديث: 3. (* 2) الوسائل باب: 17 من ابواب أقسام الحج حديث: 1. (* 3) الوسائل باب: 17 من ابواب اقسام الحج حديث: 2.

[ 20 ]

[ وكذا المجنون (1)، وإن كان لا يخلو عن إشكال، لعدم ] مفقود. وربما استدل عليه بما تقدم من روايتي اسحاق وشهاب (* 1). وفي المستند: " فيه نظر، لعدم دلالتها على وقوع الحج عن الصبية، بل ولا على وقوع الحج من الصبي، لجواز أن يكون السؤال عن وجوب الحج فأجاب بانه بعد الاحتلام والطمث، لا أن يكون السؤال عن الحج الواقع حتى يمكن التمسك فيه بالتقرير.. ". اقول: الاحتمال المذكور خلاف الظاهر. نعم قوله (عليه السلام): " وكذلك الجارية " لا يمكن حمله على التشبيه بأنها تحج وهي بنت عشر سنين، بل يتعين حمله على انها تحج قبل البلوغ، ولا يقدح ذلك في دلالته. وقد يتمسك على الالحاق بقاعدة الاشتراك. وفيه: أنها مختصة بالخطابات الموجهة إلى الذكر، ولا تعم الخطاب الموجه إلى الولي على الذكر. وقد يستدل بموثق يعقوب: " ان معي صبية صغارا، وأنا أخاف عليهم البرد، فمن أين يحرمون؟ قال: ائت بهم العرج فليحرموا منها (* 2) " وأشكل عليه في المستند: بان الثابت منها حج الصبية لا الحج بها. أقول: اصل الاستدلال يتوقف على ان يكون الصبية جمعا للذكر والانثى، فان ثم فما ذكره من الاشكال ضعيف، لان الظاهر من قوله (عليه السلام): " ائت بهم " عدم استقلالهم في الامور وكونهم تحت تصرفه. فلاحظ. (1) الحقه الاصحاب بالصبى. واستدل في المنتهى: بأنه لا يكون أخفض حالا منه. وهو كما ترى! فالعمدة فيه: قاعدة التسامح، بناء على اقتضائها للاستحباب.


(* 1) تقدم ذكرهما في أول الفصل. فلاحظ. (* 2) الوسائل باب: 17 من ابواب أقسام الحج حديث: 7.

[ 21 ]

[ نص فيه بالخصوص، فيستحق الثواب عليه (1). والمراد بالاحرام به (2) جعله محرما، لا أن يحرم عنه، فيلبسه ثوبي الاحرام، ويقول: " اللهم إني أحرمت هذا الصبي.. " (3)، ويأمره بالتلبية (4)، بمعنى: أن يلقنه إياها، وإن لم يكن ] (1) يعنى: الولي، كما يقتضيه الاستحباب في حقه. وفي مصحح عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام)، قال: " سمعته يقول: مر رسول الله (صلى الله عليه وآله) برؤينة وهو حاج، فقامت إليه امرأة ومعها صبي لها، فقالت: يا رسول الله أيحج عن مثل هذا؟ فقال: نعم، ولك أجره " (* 1). (2) هذا التعبير مذكور في كلام المصنف وغيره. وهو المذكور في خبر محمد ابن الفضيل، قال: " سالت أبا جعفر الثاني (عليه السلام) عن الصبي متى يحرم به؟ قال (عليه السلام): إذا أثغر " (* 2)، وفي صحيح معاوية بن عمار: " ويصنع بهم ما يصنع بالمحرم.. " (* 3) وفى خبر أيوب: " كان أبي يجردهم من فخ.. " (* 4). لكن في صحيح عبد الرحمن بن الحجاج: " فأحرموا عنه وجردوه.. " (* 5). والمراد منه هو المراد من غيره. (3) ذكر ذلك في الجواهر. ووجهه: استحباب التلفظ بالنية. (4) في صحيح زرارة عن أحدهما، قال: (عليه السلام): " إذا حج الرجل بابنه - وهو صغير - فانه يأمره أن يلبي، ويفرض الحج. فان لم يحسن أن يلبي لبوا عنه " ويطاف به، ويصلى عنه. قلت: ليس لهم ما يذبحون. قال (عليه السلام):


(* 1) الوسائل باب: 20 من ابواب وجوب الحج حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 20 من ابواب وجوب الحج حديث: 2. (* 3) تقدم ذكره في صدر المسألة. (* 4) الوسائل باب: 17 من ابواب اقسام الحج حديث: 6. (* 5) تقدم ذكره في صدر المسألة.

[ 22 ]

[ قابلا يلبي عنه، ويجنبه عن كل ما يجب على المحرم الاجتناب عنه (1)، ويأمره بكل فعل من أفعال الحج يتمكن منه، وينوب عنه في كل ما لا يتمكن (2)، ويطوف به، ويسعى به بين الصفا والمروة، ويقف به في عرفات ومنى، ويأمره بالرمي، وإن لم يقدر يرمي عنه، وهكذا يأمره بصلاة الطواف، وإن لم يقدر يصلي عنه. ولا بد من أن يكون طاهرا، ومتوضئا ولو بصورة الوضوء، وإن لم يمكن فيتوضأ هو عنه (3)، ويحلق رأسه، وهكذا جميع الاعمال. ] يذبح عن الصغار، ويصوم الكبار، ويتقى عليهم ما يتقى على المحرم من الثياب والطيب. وإن قتل صيدا فعلى ابيه " (* 1). (1) كما يستفاد من الصحيح السابق وغيره. (2) هذا الترتيب استفادته من النصوص ظاهرة. (3) هذا الترتيب مقتضى ما عرفت في غيره من أفعال الحج. لكن في كشف اللثام: " وعلى من طاف به الطهارة، كما قطع به في التذكرة والدروس. وهل يجب ايقاع صورتها بالطفل أو المجنون؟ وجهان - كما في الدروس وظاهر التذكرة - من أنها ليست طهارة، مع الاصل. ومن أنه طوافه لا طواف الحامل، فطهارته أولى بالوجوب.. " وفي الجواهر: " الاحوط طهارتهما معا " لانه المتيقن من هذا الحكم المخالف للاصل، وان كان يقوى في النظر الاكتفاء بطهارة الولي، كما يرمي إليه ما في خبر زراره من الاجتزاء بالصلاة عنه. ". وفيه ما عرفت: من ان المستفاد من النصوص أن ما يمكن ايقاعه في الطفل يتعين فيه ذلك ولا يجتزأ بفعل


(* 1) الوسائل باب: 17 من ابواب أقسام الحج حديث: 5.

[ 23 ]

[ (مسألة 3): لا يلزم كون الولي محرما في الاحرام بالصبي، بل يجوز له ذلك وإن كان محلا (1): (مسألة 4): المشهور على أن المراد بالولي - في الاحرام بالصبي غير المميز - الولي الشرعي، من الاب، والجد، والوصي لاحدهما، والحاكم، وأمينه، أو وكيل أحد المذكورين، لا مثل العم، والخال، ونحوهما، والاجنبي. نعم ألحقوا بالمذكورين: الام وإن لم تكن وليا شرعيا، للنص الخاص فيها (2). قالوا: لان الحكم على خلاف القاعدة، فاللازم الاقتصار على المذكورين، فلا تترتب أحكام الاحرام إذا كان المتصدي غيره. ولكن لا يبعد كون المراد الاعم منهم وممن يتولى أمر الصبي ويتكفله وان لم يكن وليا شرعيا (3)، ] الولى عنه، ومالا يمكن إيقاعه في الطفل ينوب الولي عنه فيه، كما هو مورد خبر زرارة. فلاحظ. (1) لاطلاق النصوص. (2) وهو مصحح عبد الله بن سنان السابق (* 1). لكن لا إطلاق له يشمل صورة عدم ولاية الام عليه، ولو بالاستيذان من وليه الشرعي " لان النظر في كلامه (صلى الله عليه وآله) إلى نفي القصور من جهة الطفل، لا نفي القصور من جهة أخرى. ومقتضى حرمة التصرف بالصبي بغير إذن وليه عدم الجواز بالنسبة إلى الام كغيرها من الاجانب. (3) كما اختاره في المستند، لما ذكره في المتن. قال (ره): " لان قوله (عليه السلام): " من كان معكم من الصبيان.. " (* 2) أعم ممن كان


(* 1) تقدم ذكره في المسألة: 2 من هذا الفصل. (* 2) كما في صحيح معاوية بن عمار المتقدم في المسألة: 2 من هذا الفصل.

[ 24 ]

[ لقوله (عليه السلام): " قدموا من كان معكم من الصبيان إلى الجحفة، أو إلى بطن مر... " (1) فانه يشمل غير الولي الشرعي أيضا. وأما في المميز فاللازم إذن الولي الشرعي إن اعتبرنا في صحة إحرامه الاذن. (مسألة 5): النفقة الزائدة على نفقة الحضر على الولي لا من مال الصبي (2). ] مع وليه وغيره وكذا لا اختصاص في الامر بقوله: " قدموا " (* 1) و " فجردوه " (* 2) و " لبوا عنه " (* 3) وغير ذلك، فان ثبت الاجماع فهو، وإلا فالظاهر جوازه لكل من يتكفل طفلا.. ". أقول: العموم غير ظاهر، كما يظهر ذلك بملاحظة النظائر، فإذا قيل: " قدموا ما كان معكم من المال " لم يكن له عموم يشمل الاموال المغصوبة، نظير ما عرفت من الاشكال في مصحح ابن سنان المتقدم في الام (* 4). ولاجل ذلك يتوجه الاشكال على المشهور، حيث فرقوا بين الام وغيرها من المتكفلين بالطفل، مع ان الادلة في البابين على نسق واحد. وهذا الاشكال زائد على الاشكال عليهم في بنائهم على الاطلاق في النص الوارد في الام. (1) (مر) وزان (فلس): موضع يقرب من مكة من جهة الشام نحو مرحلة. وهو منصرف، لانه اسم واد، ويقال له: " بطن مر، ومر الظهران ". كذا في مجمع البحرين. (2) بلا خلاف أجده لانه هو السبب، والنفع عائد إليه. ضرورة


(* 1) كما في صحيح معاوية بن عمار المتقدم في المسألة: 2 من هذا الفصل. (* 2) كما في صحيح عبد الرحمان بن الحجاج المتقدم في المسالة: 2 من هذا الفصل. (* 3) كما في صحيح زرارة المتقدم في المسالة: 2 من هذا الفصل. (* 4) راجع المسالة: 2 من هذا الفصل.

[ 25 ]

[ إلا إذا كان حفظه موقوفا على السفر به (1)، أو يكون السفر مصلحة له. (مسألة 6): الهدي على الولي (2)، ] عدم الثواب لغير المميز بذلك، وعدم الانتفاع به في حال الكبر، كذا في الجواهر. أقول: العمدة فيه: عدم الدليل على الاذن بالتصرف في مال الصبي على الوجه المذكور، وإن كان الثواب عائدا إليه، لان ذلك لا يكفي في جواز صرف مال الصبي. (1) كما أشار إليه في الجواهر. لان صرف المال حينئذ مصلحة للصبي فيجوز. وإطلاق الاصحاب كون النفقة على الولي منزل على غير ذلك، كما اشار إليه في الجواهر ايضا. (2) وفي الجواهر: " كأنه لا خلاف بينهم في وجوبه على الولى الذي هو السبب في حجه، وقد صرح به في صحيحة زرارة.. " (* 1). اقول: قد يشكل اقتضاء مثل هذه السببية للضمان. وأما صحيح زرارة فالامر فيه بالذبح عنهم إنما كان بعد قول السائل: " ليس لهم ما يذبحون " فلا يدل على الحكم في صورة تمكن الطفل منه، بل لعله ظاهر في الذبح من مال الصبي مع التمكن منه. بل لا يبعد ظهوره في ذلك من جهة التقرير. وكان الاولى الاستدلال له بمصحح اسحاق بن عمار، قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن غلمان لنا دخلوا معنا مكة بعمرة، وخرجوا معنا إلى عرفات بغير إحرام. قال: قل لهم يغتسلون، ثم يحرمون، واذبحوا عنهم كما تذبحون عن أنفسكم " (* 2)، فان إطلاقه يقتضي الذبح من مال الولى. بل هو مقتضى إطلاق الخطاب باحجاجه، فان الظاهر من إحجاجه


(* 1) الوسائل باب: 17 من ابواب أقسام الحج حديث: 5. وقد تقدم ذكر الرواية في المسالة: 2 من هذا الفصل. (* 2) الوسائل باب: 17 من ابواب اقسام الحج حديث: 2.

[ 26 ]

[ وكذا كفارة الصيد إذا صاد الصبي (1). وأما الكفارات الاخر ] السعي في وقوع الحج منه - ومنه الذبح - فيتعين على الولي بذله، كما يظهر ذلك بملاحظة نظيره، من الامر باحجاج المؤمن أو نذر إحجاجه، فان الظاهر من ذلك السعي في حصول الحج منه حتى يبذل الهدي ونحوه من الماليات. نعم قد ينافي ذلك ما عرفت فيما تقدم من صحيح زرارة، وما في صحيح معاوية بن عمار المتقدم، من قوله (عليه السلام): " ومن لا يجد الهدي منهم فليصم عنه وليه.. " (* 1) ولكن لا يبعد أن يكون المراد من عدم وجدانهم الهدي عدم وجدان الولي للهدي عنهم، لان الغالب في الطفل عدم الوجدان. لا اقل من احتمال ذلك على وجه يسقط الخبر عن الصلاحية لرفع اليد عن القاعدة المقتضية عدم جواز التصرف في مال الصبي. وقد عرفت ان ترتب الثواب لا يصحح للولي التصرف في مال الصغير، فلا يجوز له التصدق بماله وإن كان ما كان للصدقة من الثواب والاجر في الآخرة، فان ولاية الولي تقتضي حفظ ماله وصرفه في مصلحته الدنيوية لا غير، وولاية الولي عليه إنما هي بملاحظة ذلك لا غير. وإذا ثبت غير ذلك في بعض الموارد فهو للدليل المخرج عن القاعدة المذكورة. مضافا إلى ما عرفت: من ان ظاهر أمر الولي باحجاج الطفل إحجاجه من مال الولي لا مال الطفل. وعلى هذا ما ذكره الجماعة في محله. (1) كما هو المشهور. لما تقدم في صحيح زرارة (* 2). وفي التذكرة: " إنه يجب في مال الصبي، لانه مال وجب بجنايته، فوجب ان يجب في ماله، كما لو استهلك مال غيره.. ". وهو - كما ترى - كأنه اجتهاد في مقابل النص، كما في الجواهر.


(* 1) الوسائل باب: 17 من ابواب أقسام الحج حديث: 3. وتقدم ذكر الرواية في المسالة: 2 من هذا الفصل. فلاحظ. (* 2) المراد هو الصحيح الذي تقدمت الاشارة إليه في صدر المسألة.

[ 27 ]

[ المختصة بالعمد، فهل هي أيضا على الولي، أو في مال الصبي (1)، أو لا يجب الكفارة في غير الصيد (2)، لان عمد الصبي خطأ، والمفروض أن تلك الكفارات لا تثبت في صورة الخطأ؟ وجوه لا يبعد قوة الاخير، إما لذلك، وإما لانصراف أدلتها عن الصبي. لكن الاحوط تكفل الولي، بل لا يترك هذا الاحتياط، بل هو الاقوى. لان قوله (عليه السلام): " عمد الصبي خطأ " (* 1) مختص بالديات (3). ] ومثله ما عن ابن ادريس: من عدم وجوب الكفارة فيه، لا في مال الولى، ولا في مال الصبي. لانصراف ادلة الكفارة عنه، لاختصاصها بالمكلف، لانها من باب العقوبة، والصبي لا تكليف عليه ولا عقوبة على مخالفته. فانه - ايضا - كالاجتهاد في مقابل النص. (1) اختار الاول في القواعد، وحكي عن الكافي والنهاية، إما لاستفادته مما ورد في كفارة الصيد. أو لانه السبب في هذه الغرامة، كما تقدم في كلام الجواهر. وأما الثاني فلم أقف عاجلا على من نسب إليه. نعم لازم ما تقدم من التذكرة في الصيد القول بذلك هنا ايضا. (2) حكى ذلك عن التحرير، والمختلف وغيرهما، واختاره في المنتهى. لما ذكر في المتن. (3) كما ذكره جماعة كثيرة، منهم صاحب المدارك في هذا المقام. وهو ظاهر من مقابلة الخطأ بالعمد، لشيوع التعبير بهما عن الجناية العمدية والخطئية تبعا للقران المجيد (* 2). ولقوله: " تحمله العاقلة " (* 3). فان


(* 1) هذا هو مضمون ما رواه في الوسائل باب: 36 من أبواب قصاص النفس حديث: 2. (* 2) لاحظ: سورة النساء: 91 - 92. (* 3) الوسائل باب: 36 من أبواب قصاص النفس حديث: 2.

[ 28 ]

[ والانصراف ممنوع (1)، وإلا فيلزم الالتزام به في الصيد أيضا. (مسألة 7): قد عرفت أنه لو حج الصبي عشر مرات لم يجزه عن حجة الاسلام بل يجب عليه بعد البلوغ والاستطاعة، ] ذلك إنما يكون في الجنايات لا مطلقا. وقد أشرنا إلى ذلك في مبحث عقد الصبي من تعليقتنا على بيع شيخنا الاعظم، (نهج الفقاهة). مضافا إلى ما عليه ضرورة العلماء والعوام: من صحة أعماله القصدية، من صلاة، وصيام وسفر، وإقامة عشرة أيام وغير ذلك، ولو كان قصده بمنزلة العدم لم يصح شئ من ذلك منه. فلو سافر بقصد المسافة أتم وإن بلغ في اثناء السفر. وكذا لو نوى الاقامة عشرة، فانه يقصر وإن بلغ في الاثناء. وهكذا الحكم في جميع الموارد التي تتقوم بالقصد، والبناء على كون قصده فيها بمنزلة العدم مما لا مجال له. (1) الوجه في هذا الانصراف ما تقدم، من ان الفداء من قبيل المجازاة على الذنب، وذلك لا يتأتى في حق الصبى. والمقايسة بالصيد كما ترى! للفرق بينه وبين المقام بثبوت الفدية فيه مع عدم العمد بخلاف المقام فالخروج عن الاصل المقتضي للعدم غير ظاهر. تنبيه: الظاهر أنه لا فرق في الاحكام المذكورة جميعها بين الصبي المميز وغيره، لعموم الادلة لهما معا، فكما يستحب الحج بالنسبة إلى المميز يستحب بالنسبة إلى غيره ايضا. واختلافهما في صحة توجيه الخطاب لا يقتضى الاختلاف بينهما في ملاك الحج الاستحبابي، فالصبي غير المميز نظير المميز الغافل لا مانع من عموم الملاك له. كما ان استحباب احجاج الولي لا فرق فيه بين الفردين، لعموم الادلة " بل خصوصها. فلاحظ صحيح زرارة. كما أن ثبوت الهدي في مال الولي - وكذا كفارة الصيد - لا فرق فيهما بينهما ايضا وانتفاء الكفارة في غير الصيد أيضا شامل لهما معا.

[ 29 ]

[ لكن استثنى المشهور من ذلك: ما لو بلغ وأدرك المشعر، فانه حينئذ يجزي عن حجة الاسلام، بل ادعى بعضهم الاجماع عليه (1). وكذا إذا حج المجنون ندبا، ثم كمل قبل المشعر (2). واستدلوا على ذلك بوجوه: أحدها: النصوص الواردة في العبد - على ما سيأتي - بدعوى: عدم خصوصية للعبد في ذلك (3)، ] (1) قال في التذكرة " وان بلغ الصبي، أو اعتق العبد قبل الوقوف بالمشعر، فوقف به أو بعرفه معتقا، وفعل باقي الاركان اجزأ عن حجة الاسلام. وكذا لو بلغ أو اعتق وهو واقف. عند علمائنا اجمع..). وفي الخلاف: " وإن كملا - يعنى: الصبى والعبد - تغير إحرام كل منهما بالفرض، وأجزأه عن حجة الاسلام. وبه قال الشافعي.. (إلى ان قال): دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم، فانهم لا يختلفون في هذه المسألة، وهي منصوصة لهم "، وقد ذكرناها ونصوصها في الكتاب المتقدم ذكره.. ". (2) يظهر من كلماتهم عدم الفصل بين الصبى والمجنون. والادلة الآتية - المستدل به على الحكم في الصبي - مطردة في المجنون، ولا فرق بينهما فيها. نعم لم أقف على دعوى الاجماع صريحا في المجنون كما ادعي في الصبي، وإن عرفت أن ظاهر كلماتهم عدم الفرق بينهما. (3) قد صرح بذلك في الجواهر، قال: " إن الحمل على العبد ليس قياسا بعد ما عرفت، من الاجماع، وظهور نصوص العبد في عدم الخصوصية له.. ". أقول: لا يظهر وجه لهذا الظهور، ففي صحيح شهاب عن ابي عبد الله (عليه السلام): " في رجل أعتق عشية عرفة عبدا له. قال (عليه السلام): يجزى عن العبد

[ 30 ]

[ بل المناط الشروع حال عدم الوجوب لعدم الكمال، ثم حصوله قبل المشعر. وفيه: أنه قياس. مع أن لازمه الالتزام به فيمن حج متسكعا ثم حصل له الاستطاعة قبل المشعر، ولا يقولون به (1). الثاني: ما ورد من الاخبار، من أن من لم يحرم من مكة أحرم من حيث أمكنه، فانه يستفاد منها: أن الوقت صالح لانشاء الاحرام، فيلزم أن يكون صالحا للانقلاب أو القلب بالاولى. وفيه ما لا يخفى (2). ] حجة الاسلام... " (* 1) وهو خال عن الاشعار بعدم الخصوصية، فضلا عن الظهور. وصحيح معاوية بن عمار، قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام): مملوك أعتق يوم عرفة. قال: إذا ادرك أحد الموقفين فقد ادرك الحج " (* 2) وليس لهذا الصحيح ظهور فيما نحن فيه، إذ من المحتمل أن يكون المراد منه أن العبد إذا لم يكن حاجا، وأعتق فأحرم بعد أن أعتق وأدرك أحد الموقفين، أجزأه عن حجة الاسلام، بل هذا المعنى اقرب في معنى العبارة المذكورة. نعم رواه في المعتبر بزيادة: " وإن فاته الموقفان فقد فاته الحج، ويتم حجه، ويستأنف حجة الاسلام فيما بعد " (* 3). ودلالته على ما نحن فيه في العبد ظاهرة. لكن دلالته على عدم الخصوصية غير ظاهرة. (1) يمكن ان يدفع ذلك: بأن الاجماع منع من ذلك. (2) فان صاحب الجواهر (ره) - مع انه في مقام تقريب الاستدلال على القول المشهور - اعترف بان صلاحية الوقت إنما ذكرت استيناسا لما نحن فيه، لا انها دليل، ضرورة الفرق بين نفس الموضوعين.


(* 1) الوسائل باب: 17 من ابواب وجوب الحج حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 17 من ابواب وجوب الحج حديث: 2. (* 3) الوسائل باب: 17 من ابواب وجوب الحج حديث: 5.

[ 31 ]

[ الثالث: الاخبار الدالة على أن من أدرك المشعر فقد أدرك الحج. وفيه: أن موردها من لم يحرم (1)، فلا يشمل من أحرم سابقا لغير حجة الاسلام، فالقول بالاجزاء مشكل (2) والاحوط الاعادة بعد ذلك إن كان مستطيعا، بل لا يخلو عن قوة. وعلى القول بالاجزاء يجري فيه الفروع الآتية في مسألة العبد، من أنه هل يجب تجديد النية لحجة الاسلام أو لا (3)؟ ] (1) بل موردها من لم يدرك غير الوقوف بالمشعر وإن كان محرما. (2) وفي الشرائع والمعتبر: " في الاجزاء تردد.. "، وفي المنتهى: " وإن ادرك أحد الموقفين بالغا ففي الاجزاء تردد. ولو قيل به كان وجها، لانه زمان يصح إنشاء الحج فيه، فكان مجزيا بان يجدد نية الوجوب.. وقال بعد ذلك: وبالجملة: فنحن في هذا الموضع من المترددين، وإن كان الاقرب عندنا الجواز... ". وفي المدارك: " التردد في محله.. "، وفي المستند: نسب المنع الى جمع من متأخرى المتأخرين، وجعله الاظهر. هذا ويمكن الاستدلال للمشهور: بأن عمومات التشريع الاولية تقتضي الصحة، وليس ما يستوجب الخروج عنها إلا ما تقدم من النصوص الدالة على اعتبار البلوغ في مشروعية حجة الاسلام. لكنها مختصة بصورة ما إذا وقع تمام الحج قبل البلوغ، ولا تشمل صورة ما إذا بلغ في الاثناء، فتبقى الصورة المذكورة داخلة في الاطلاق المقتضى للصحة. نعم لازم ذلك المشروعية ايضا لو بلغ بعد الوقوف قبل إتمام اعمال الحج، وقد ادعي - في التذكرة وغيرها - الاجماع على خلافه. لكن يمكن دفعه: بأن الاجماع المذكور هو الموجب للخروج عن مقتضى الادلة. (3) بناء على ما ذكرناه في وجه الاجزاء يكون الحج الواقع منه هو

[ 32 ]

[ وأنه هل يشترط في الاجزاء استطاعة بعد البلوغ من البلد أو من الميقات أو لا (1)؟ وأنه هل يجري في حج التمتع مع كون العمرة بتمامها قبل البلوغ أو لا؟ إلى غير ذلك... (مسألة 8): إذا مشى الصبي إلى الحج فبلغ قبل أن يحرم من اليمقات وكان مستطيعا لا إشكال في أن حجه حجة الاسلام. (مسألة 9): إذا حج باعتقاد أنه غير بالغ ندبا فبان بعد الحج أنه كان بالغا، فهل يجزي عن حجة الاسلام أو لا؟ وجهان، أوجههما الاول (2). وكذا إذا حج الرجل - باعتقاد عدم الاستطاعة - بنية الندب ثم ظهر كونه مستطيعا حين الحج. ] حج الاسلام من حين وقوعه، غاية الامر أنه لم يكن واجبا عليه، وبالبلوغ في الاثناء يكون واجبا عليه، كما إذا بلغ في اثناء صلاة الظهر، فانها من حين وقوعها منوية صلاة الظهر، وبالبلوغ في الاثناء يجب إتمامها وتكون واجبة بعد ان لم تكن واجبة ولا يجب اتمامها. فان وجبت نية الوجوب والندب - وقد نوى الندب - نوى الوجوب عند البلوغ، وان لم تجب نية الوجوب والندب لم يلزم تجديد نية الوجوب. وأما بناء على الادلة - المذكورة في كلام المصنف - فربما يختلف الحكم باختلافها، كما سننبه عليه فيما يلي إن شاء الله تعالى. (1) بناء على ما ذكرنا يتعين اعتبار الاستطاعة من الميقات، لما يأتي: من ان البالغ إذا وصل الى الميقات متسكعا ثم استطاع حينئذ وجب عليه حج الاسلام، لعموم الادلة. ومن ذلك تعرف الوجه في حكم المسأله الاتية. (2) الاشكال في الصحة في هذه المسألة من وجهين: الاول: ان حجة الاسلام تختلف مع غيرها من انواع الحج بالخصوصيات

[ 33 ]

الداخلية، نظير الاختلاف بين صلاة الصبح ونافلة الصبح، فالحج مع فقد بعض الشرائط ليس حج الاسلام وليس بواجب، والحج مع الشرائط حج الاسلام وهو واجب. فإذا حج - بعد ماحج حجة الاسلام - كان حجه غير حجة الاسلام، فالاختلاف بينهما بالخصوصيات الداخلية. وحينئذ فإذا نوى حجا غير حجة الاسلام كيف تصح حجة الاسلام مع عدم النية؟! نظير ما لو نوى العصر - باعتقاد أنه صلى الظهر - فتبين أنه لم يصل الظهر فانها لا تصح ظهرا، فإذا صحت ظهرا فقد صحت بلا نية الثاني: من وجهى الاشكال: أنه إذا نوى الامر الندبي ولم ينو الامر الوجوبي، لم يتحقق امتثال الامر الوجوبي بقصد امتثال غيره، فلا موجب لسقوطه. والتحقيق: أن القيود التي تذكر في موضوع الامتثال العبادي اشتباها تارة: تلحظ بما هي، وأخرى: تلحظ طريقا ومرآة إلى غيرها. والاولى تارة: تكون ملحوظة على نحو وحدة المطلوب، واخرى: على نحو تعدد المطلوب، فان لو حظت بما هي على نحو وحدة المطلوب بطلت العبادة، لفوات القصد الى الواقع، لمنافاة قصد القيد - ولو اشتباها - إياه. ففي فرض المسألة إذا لوحظ قيد الحج الندبي والامر الندبي فقد فات قصد الحج الاسلامي والامر الوجوبي، فلا مجال للصحة. وإن لو حظت على نحو تعدد المطلوب فان كان الاختلاف بين القيود الواقعية والقيود المقصودة من قبيل الاختلاف بين الاقل والاكثر صحت العبادة. كما إذا عتقد أن الحج الاسلامي شرع في مكة - مثلا - اشتباها، فقصد الحج الاسلامي المشرع في مكة على نحو تعدد المطلوب، لم يقدح ذلك في صحة امتثال أمر الحج الاسلامي إذا كان قد شرع في المدينة، لان فوات القيد المذكور - الذي قصد اشباها - لا يقدح في قصد الحج الاسلامي، بعدما كان التقييد على نحو تعدد المطلوب. وإن

[ 34 ]

[ الثاني من الشروط: الحرية، فلا يجب على المملوك وإن أذن له مولاه، وكان مستطيعا من حيث المال (1)، ] كان الاختلاف بين القيود الواقعية والقيود المقصودة من قبيل الاختلاف بين المتباينين لم يصح الامتثال، فان تعدد المطلوب إنما يقتضى وقوع القصد على ذات المقيد حتى على تقدير انتفاء القيد، ولا يقتضى وقوع القصد على القيد المباين. ففي المقام إذا قصد الحج غير الاسلامي والامر الندبي على نحو تعدد المطلوب، فقد تعلق القصد بذات الحج وبذات الامر، لكن لم يتعلق بالحج الاسلامي ولا بالامر الوجوبي. ولو بني على عدم اعتبار قصد الوجوب والندب يكون البطلان مستندا إلى عدم قصد خصوصية الحج الاسلامي فانه لا بد من قصدها في تحقق العبادة، فينحصر تصحيح الحج الاسلامي - في الفرض - بصورة ما إذا كان قصد الحج غير الاسلامي بعنوان كونه عبرة ومرآة إلى الحج الاسلامي، فيكون الحج الاسلامي مقصودا بالاصالة ولو إجمالا. ومن ذلك يظهر أنه - مع تباين القيود الواقعية والخطئية - ينحصر تصحيح العبادة بصورة ملاحظة القيد الاشتباهي بنحو المرآتية والطريقية، ومع عدم التباين وكونها من قبيل الاقل والاكثر ينحصر تصحيح العبادة بصورة ملاحظة القيد الاشتباهي بنحو تعدد المطلوب، فإذا لوحظ بنحو وحده المطلوب تعين البناء على البطلان. ومن ذلك يظهر أنه في اطلاق الصحة في كلام المصنف (ره) نظر، وكان اللازم التفصيل في المسألتين على النحو الذي ذكرنا. وسيأتي في المسألة الخامسة والعشرين نظير المقام. (1) إجماعا بقسميه عليه منا ومن غيرنا، كما في الجواهر. ويشهد له ما في موثق الفضل بن يونس عن ابي الحسن موسى (عليه السلام)، قال: " ليس على المملوك حج ولا عمرة حتى يعتق " (* 1)، وما في خبر آدم بن علي


(* 1) الوسائل باب: 15 من ابواب وجوب الحج حديث: 2.

[ 35 ]

[ بناء على ما هو الاقوى من القول بملكه (1)، ] عن أبي الحسن (عليه السلام): " ليس على المملوك حج ولا جهاد، ولا يسافر إلا باذن مالكه " (* 1). (1) نسبه في الدروس إلى ظاهر الاكثر، وفي المسالك إلى الاكثر، ثم قال: " ومستنده الاخبار. وذهب جماعة إلى عدم ملكه مطلقا، واستدلوا عليه بأدلة كلها مدخولة، والمسألة موضع إشكال، ولعل القول بعدم الملك مطلقا متوجه. ويمكن حمل الاخبار - يعني: الاخبار التي استند إليها الاكثر - على إباحة تصرفه فيما ذكر، لا بمعنى ملك رقبة المال، فيكون وجها للجمع.. ". وجعل القول المذكور في الشرائع حسنا، وحكاه في الجواهر عن ظاهر الشهيد في الحواشي، واختاره هو (قدس سره). واستدل له بجملة من الاخبار، كما أشار إليها في المسالك. منها: صحيح زرارة: " سألت ابا جعفر (عليه السلام) عن رجل أعتق عبدا وللعبد مال، لمن المال؟ فقال (عليه السلام): إن كان يعلم أنه له مال تبعه ماله وإلا فهو له " (* 2)، وصحيحة الاخر عن ابي عبد الله (عليه السلام): " إذا كاتب الرجل مملوكه أو أعتقه، وهو يعلم أن له مالا، ولم يكن استثنى السيد المال حين أعتقه فهو للعبد " (* 3)، وصحيح عبد الرحمن بن أبي عبد الله، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: " سألته عن رجل أعتق عبدا له، وللعبد مال، وهو يعلم أن له مالا فتوفي الذي أعتق العبد، لمن يكون مال العبد يكون للذي أعتق العبد أو للعبد؟ قال (عليه السلام): إذا أعتقه وهو يعلم أن له مالا فماله له، وإن لم يعلم فماله لولد سيده " (* 4)، وخبر إسحاق بن عمار


(* 1) الوسائل باب: 15 من ابواب وجوب الحج حديث: 4. (* 2) الوسائل باب: 24 من ابواب العتق حديث: 4. (* 3) الوسائل باب: 24 من ابواب العتق حديث: 1. (* 4) الوسائل باب: 24 من ابواب العتق حديث: 6.

[ 36 ]

عن جعفر (عليه السلام) عن أبيه: " إن عليا أعتق عبدا، فقال له: إن ملكك لي ولك وقد تركته لك " (* 1)، وصحيح سعد بن سعد عن أبي جرير، قال: " سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل قال لمملوكه أنت حر ولي مالك قال (عليه السلام): لا يبدأ بالحرية قبل المال، يقول لي مالك وأنت حر يرضى الملوك، فان ذلك أحب الي " (* 2). هذا مضافا إلى الاخبار الاتية في أدلة بعض الاقوال. لكن النصوص المذكورة ونحوها لا تصلح لاثبات هذا القول - وهو الملكية مطلقا - إذ لا إطلاق لها من هذه الجهة، وإنما هي واردة في مقام حكم آخر فالعمدة - في اثبات القول المذكور -: إطلاق ادلة سببية الاسباب الموجبة للملك، التي لا فرق فيها بين الحر والعبد، كما لا فرق فيها بين مورد ومورد. وتوهم: أن الشك في المقام ناشئ من الشك في قابلية العبد للملك، لاحتمال أن المملوكية مانعة من قابلية المملوك للمالكية، والشك في القابلية على النحو المذكور مانع من التمسك بعموم السببية، لانها لا تحرز القابلية المذكور، فيكون المرجع أصالة عدم ترتب الاثر. فيه: ان القابلية المذكورة تحرز بالاذواق العرفية، فان ذوق العرف في ثبوت القابلية حجة على ثبوتها بتوسط الاطلاقات المقامية، وإلا لم يكن مطلق من المطلقات باقيا على الحجية، لحصول الشك المذكور في جميعها، ولا ريب في بطلان ذلك. مضافا إلى أنه يمكن استفاده القابلية في المقام من النصوص السابقة وإن لم يكن لها إطلاق " فالعمل باطلاق دليل السببية متعين، إلا أن يقوم الدليل على خلافه. هذا وقيل: لا يملك مطلقا. وعن التذكرة: نسبته إلى اكثر علمائنا،


(* 1) الوسائل باب: 24 من ابواب العتق حديث: 7. (* 2) الوسائل باب: 24 من ابواب العتق حديث: 5.

[ 37 ]

وفي الجواهر عن شرح استاذه: أنه المشهور غاية الاشتهار بين المتقدمين والمتأخرين، المدعى عليه الاجماع - بلفظه الصريح - من جماعة، وفي الرياض: " هو الاشهر بين أصحابنا، كما حكاه جماعة منا. وهو الظاهر من تتبع كلماتهم جدا، حيث لم أقف على مخالف لهم في ذلك إلا نادرا، بل ادعى الشيخ في الخلاف - في كتاب الزكاة - والفاضل في نهج الحق عليه إجماعنا صريحا، ودل عليه كلام الحلي المحكي في المختلف في كتاب العتق، حيث قال: إنه لا يملك عندنا. ونحوه عبارة المبسوط المحكية عنه في كتاب الكفارات. وربما كان في عبارة الانتصار إشعار به، بل ظهور جدا، مع فتواه صريحا، وهو الحجة.. ". واستدل له بصحيح عبد الله بن سنان: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام): مملوك في يده مال، أعليه زكاة؟ قال: لا. قلت: ولا على سيده. قال (عليه السلام): لا، لانه لم يصل إليه، وليس هو للملوك ". (* 1) فان حكمه بنفي الملك عن العبد لما في يده لا بد أن يكون من جهة امتناع ملكه وإلا لامكن ان يكون له. وصحيح محمد بن اسماعيل عن الرضا (عليه السلام): " سألته عن رجل يأخذ من أم ولده شيئا وهبه لها بغير طيب نفسها، من خدم ومتاع، أيجوز ذلك له؟ قال: نعم إذا كانت ام ولد " (* 2)، وصحيح محمد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام): " أنه قال - في المملوك -: ما دام عبدا فانه وماله لاهله، لا يجوز له تحرير، ولا كثير عطاء، ولا وصية، إلا ان يشاء سيده " (* 3). بل قد استدل عليه بقوله تعالى: (ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شئ ومن رزقناه منا رزقا حسنا


(* 1) الوسائل باب: 4 من ابواب من تجب الزكاة عليه حديث: 4. (* 2) الوسائل باب: 10 من ابواب الهبات حديث: 2. (* 3) الوسائل باب: 78 من ابواب الوصايا حديث: 1.

[ 38 ]

فهو ينفق منه سرا وجهرا هل يستوون) (* 1)، وقوله تعالى: (ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم مما ملكت أيمانكم من شركاء فيما رزقناكم فأنتم فيه سواء..) (* 2) فان الاستفهام فيه إنكاري يقتضى امتناع الشركة بين المالك وعبده. وما ورد: من أن العبد إذا مات وترك مالا كان في يده فانه لمالكه، ففي موثق عمار الساباطي: " في مكاتبة بين شريكين يعتق أحدهما نصيبه، كيف تصنع الخادم؟ قال: تخدم الباقي يوما وتخدم نفسها يوما. قلت: فان ماتت وتركت مالا. قال (عليه السلام): المال بينهما نصفين، بين الذي أعتق وبين الذي أمسك " (* 3). ولو أمكن ملك العبد كان ميراثا للمولى، لانه مال انتقل إليه بموت مملوكه، مع انه باطل إجماعا، ونصوصا تضمنت: ان العبد لا يرث ولا يورث، ففي خبر محمد بن حمران: " لا يتوارث الحر والمملوك.. " (* 4). ونحوه غيره. ويمكن الاشكال في جميع ما ذكر، أما صحيح بن سنان فلان السائل لما فرض في السؤال كون المال في يد العبد فهم منه ان المال ليس للعبد، وإلا كان المناسب أن يقول: " مملوك له مال ". وحينئذ يكون قول الامام: " وليس هو للملوك " مبنيا على ما فهم من كلام السائل ولا يدل على ان المملوك يمتنع ان يملك. وأما صحيح محمد بن اسماعيل فلان من الجائز أن يكون أخذ الرجل ما وهبه لام ولده من باب الرجوع في الهبة، الذي لا ريب في جوازه في غير الموارد المستثناة، وليس منها مورد الصحيح. أو لان للمالك أخذ مال


(1) النحل: 75. (* 2) الروم: 28. (* 3) الوسائل باب: 19 من ابواب المكاتبة حديث: 4. (* 4) الوسائل باب: 16 من ابواب موانع الارث حديث: 2.

[ 39 ]

العبد وإن لم يكن قد وهبه إياه، فلا تدل الرواية على المدعى. بل المناسب الاستدلال بها على الخلاف، لان إقرار الامام (عليه السلام) ما في السؤال من وقوع الهبة من المالك يدل على صحة الهبة، ولو كان العبد لا يملك كانت لغوا قطعا. وأما صحيح محمد بن قيس فلان قول الامام علي (عليه السلام): " وماله " ظاهر في أن المال للعبد. وحينئذ يكون قوله (عليه السلام): " لاهله " منافيا له لامتناع اجتماع الملكيتين على المملوك الواحد، فلا بد من التصرف في احدهما وذلك إما بحمل الاضافة في الاول على كونها غير إضافة الملكية، وإما بحمل اللام في الثاني على كونها لمحض السلطنة على التصرف. والثاني أقرب، بقرينة ما بعده، الظاهر في كونه تفسيرا لقوله: " لاهله "، بل قوله (عليه السلام): " إلا ان يشاء.. " ظاهر في صحة الوصية إذا شاء السيد، فتكون الوصية له، ولا تصح الوصية بمال الغير، وإن أجاز المالك - كما يظهر من ملاحظة كلماتهم في كتاب الوصية - فتكون الرواية على القول الاول أدل منها على القول الثاني. وأما الاية الاولى فان كان الاستدلال بها من جهة وصف العبد بأنه لا يقدر، فليس ذلك محل الكلام، إذ لا خلاف في أنه محجور عليه وإن قلنا بملكه. وإن كان من جهة أن المقابلة بين قوله تعالى: (عبدا ملوكا لا يقدر على شئ...) (* 1) وقوله تعالى: (ومن رزقناه منا رزقا حسنا...) (* 2) يدل على أن وصف المملوكية يراد منه عدم المالكية، فكأنه قال: " عبدا لا يجد شيئا ولا يقدر على شئ " في مقابل من يجد شيئا ويقدر عليه، وإرادة عدم المالكية من المملوكية لا وجه له، إلا لان المملوكية مانعة من المالكية. فالظاهر أن الوجه في المقابلة: مجرد عدم القدرة، المراد بها الاعم من عدم القدرة على التملك، فكأنه قال تعالى:


(* 1)، (* 2) النحل: 75.

[ 40 ]

" عبدا مملوكا لا يقدر أن يملك، وحرا يقدر أن يملك فيملك وينفق ". فالفارق المقصود بيانه هو عدم القدرة على التملك في العبد، والقدرة على التملك وعلى التصرف فيما يملك في الحر، فلا دلالة فيهما على المدعى. هذا مضافا إلى ان التمثيل أعم من وقوع المثال في الخارج - كما قيل - وإن كان ضعيفا، لانه خلاف الظاهر. وأما الاية الثانية فالظاهر منها نفي الاشتراك بين العبد والمولى على نحو يكونان سواء، وذلك لا يدل على المدعى، إذ يكفي في نفى المساواة كون المولى قادرا على التصرف والمملوك ليس قادرا عليه إلا باذن مولاه، فهذا المقدار من الاختلاف - في القدرة واللا قدرة - كاف في نفى المساواة. وأما ما ورد: من أن العبد إذا مات كان ماله لمولاه (* 1)، فهو من الاحكام التعبدية. ولا ينافيه ما ورد: من أنه لا توارث بين الحر والعبد (* 2) لانه إما مخصص بذلك، أو هو مختص بغيره، بناء على ان المراد نفي التوارث الذي يكون بين الحرين في مراتب الارث، ولا يشمل ما نحن فيه، ولا هذا النحو من التوارث. فلا يمكن من ذلك استفادة كون ما في يد العبد لمولاه لاله، كما لا يخفى. ومثله في الاشكال: الاستدلال على ذلك بما دل على عدم صحة الوصية للعبد، كصحيح محمد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام): " قال: قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في مكاتب كانت تحته امرأة حرة، فأوصت له عند موتها بوصية، فقال اهل المرأة: لا تجوز وصيتها له لانه مكاتب لم يعتق ولا يرث. فقضى: أنه يرث بحساب ما أعتق منه، ويجوز له من الوصية بحساب ما أعتق منه. قال: وقضى (عليه السلام) في مكاتب أوصي له بوصية،


(* 1) راجع الوسائل باب: 23، 24 من ابواب موانع الارث. (* 2) الوسائل باب: 16 من ابواب موانع الارث حديث: 2.

[ 41 ]

وقد قضى نصف ما عليه، فاجاز له نصف الوصية. وقضى في مكاتب قضى ربع ما عليه، فوصي له بوصية فاجاز له ربع الوصية... " (* 1) وجه الاشكال: أن عدم صحة الوصية له أعم من عدم القابلية للملك. وأما قول الورثة: " لا تجوز وصيتها له لانه مكاتب لم يعتق " فهو وإن دل على ظهور ذلك عندهم لا يدل على ما نحن فيه أيضا كظهور ذلك عندنا. ومثله - ايضا - في الاشكال: صحيح عبد الرحمن بن الحجاج، المتضمن للخلاف الواقع بين ابن شبرمة وابن أبي ليلى، فيما لو اعتق عبيده وكان يحيط دينه بأثمانهم، وفي ذيله قال: - فقلت له - يعنى: أبا عبد الله (عليه السلام) -: رجل ترك عبدا لم يترك مالا غيره، وقيمة العبد ستمائة درهم، ودينه خمسمائة درهم، فأعتقه عند الموت، كيف يصنع؟ قال (عليه السلام): يباع العبد فيأخذ الغرماء خمسمائة درهم، ويأخذ الورثة مائة درهم. فقلت: أليس قد بقي عن قيمة العبد مائة درهم عن دينه؟ فقال (عليه السلام): بلى. قلت: أليس للرجل ثلث يصنع به ما شاء؟ قال: بلى. قلت: أليس قد أوصى للعبد بالثلث من المائة حين أعتقه؟ قال: إن العبد لا وصية له، إنما ماله لمواليه " (* 2). فان نفي الوصية للعبد، معللا: بأن ماله لمواليه، كالصريح في أن العبد لا يملك، فتكون الوصية لغوا. لكن قول السائل بعد ذلك: " قلت: فان قيمة العبد ستمائة درهم، ودينه ثلثمائة درهم، فضحك، وقال: من هنا أتى اصحابك، جعلوا الاشياء شيئا واحدا ولم يعلموا السنة إذا استوى مال الغرماء ومال الورثة، أو كان مال الورثة أكثر من مال الغرماء لم يتهم الرجل على وصيته، وأجيزت وصيته على وجهها. فالان يوقف هذا، فيكون نصفه للغرماء، ويكون ثلثه للورثة، ويكون له السدس ".


(* 1) الوسائل باب: 20 من ابواب المكاتبة حديث: 2. ويقرب منه - بتغيير مختصر - ما في باب: 80 من ابواب الوصايا حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 39 من ابواب الوصايا حديث: 5.

[ 42 ]

مما يوجب الارتياب في دلالة الرواية، وكيف جاز أن يكون له السدس في الفرض الاخير في الرواية، ولم يجز أن يكون له اقل من السدس - كما في الفرض السابق في الرواية - مع اشتراكهما في التعليل؟ مضافا إلى أن المفروض في الرواية ليس من الوصية التمليكية، بل هو من الانشاء المنجز عند الموت، الذي ترجع فائدته إلى العبد. ولا ريب في صحته من المالك إذا كان في غير مرض الموت، وإن قلنا بأن العبد لا يملك، فكيف صح تطبيق عدم صحة الوصية للعبد فيه، معللا بما ذكر؟ مع ان الرواية من ادلة القول بأن المنجزات من الثلث، وهو خلاف التحقيق. ولعل الاولى في توجيهها: حملها على ان الامام (عليه السلام) في مقام نقض القياس جريا على مذهب أهل القياس، لا في مقام بيان الحكم الواقعي بل هو إشكال آخر على الرواية - مع قطع النظر عن الاشكالين السابقين - يمنع من صحة الاستدلال بها على المقام. وهذه الوجوه من الاشكال هي العمدة في سقوط الرواية عن الحجية على المقام " وإلا فالفقرة المذكورة من أوضح الادلة على نفي الملكية. ومثل ذلك في الاشكال: ما في المختلف من الاستدلال على ذلك بقوله: " لانه لو ملك المال لدخل المال في ملكه بالاسباب الموجبة للدخول من غير اختيار، كالميراث وشبهه. والتالي باطل إجماعا، فكذا المقدم... " إذ فيه: منع الملازمة في الشرطية الاولى، لامكان كون الرقية مانعا من الارث، كالقتل والكفر. ومثله استدلاله: بأنه لو ملك لما جاز للمولى أخذه منه قهرا، والتالي باطل إجماعا. إذ من الجائز أن يكون للعبد حكم يختص به، من جواز أخذ المولى ماله منه قهرا. ومن ذلك تعرف إشكال ما ذكره السيد في الرياض بقول: " وبالجملة: تتبع النصوص - الواردة في العتق والوصية للملوك - يكشف عن عدم الملكية له دون ريبة... "

[ 43 ]

فان ثبوت بعض الاحكام بدليل لا يدل على ما ذكر، فضلا عن الدلالة بلا ريبة. وبالجملة: لا تصلح الادلة التي استدل بها على نفي الملكية لاثبات ذلك. هذا وفي المسأله أقوال أخرى بالتفصيل بين الموارد، منها: ما حكاه في الشرائع بقوله: " وقيل: يملك فاضل الضريبة خاصة. وهو المروي... " وفي الجواهر: " إنى لم أعرف القائل به بالخصوص وإن نسب إلى الشيخ في النهاية والقاضي. لكن الذي عثرت عليه في الاول - مع عدم اختصاصه بفاضل الضريبة - صريح في إرادة ملك التصرف، كما حكاه عنه في الدروس لا الرقبة... إلى أن قال - بعد حكاية كلامه -: ونحوه عن القاضي... " واشار في الشرائع إلى صحيح عمر بن يزيد قال: " سالت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل أراد ان يعتق مملوكا له، وقد كان مولاه يأخذ منه ضريبة فرضها عليه في كل سنة ورضي بذلك المولى، فأصاب المملوك في تجارته مالا سوى ما كان يأخذ مولاه من الضريبة. قال: فقال: إذا أدى الى سيده ما فرض عليه، مما اكتسب بعد الفريضة فهو للملوك. قال: قال: أبو عبد الله (عليه السلام): أليس قد فرض الله تعالى على العباد فرائض، فإذا أدوها إليه لم يسألهم عما سواها؟ قال: قلت: للملوك أن يتصدق مما اكتسب ويعتق، بعد الفريضة التي كان يؤديها الى سيده؟ قال: نعم، وأجر ذلك له. قلت: فان أعتق مملوكا مما اكتسب - سوى الفريضة - لمن يكون ولاء العتق؟ قال (عليه السلام): يذهب فيتوالى من أحب، فإذا ضمن جريرته وعقله كان مولاه ووارثه. قال: قلت: أليس قد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): الولاء لمن أعتق؟ قال: فقال: هذا سائبة لا يكون ولاؤه لعبد مثله. قلت: فان ضمن العبد الذي أعتقه جريرته وحدثه، أيلزمه ذلك؟ قال: فقال: لا يجوز ذلك، ولا

[ 44 ]

يرث عبدا حرا " (* 1). ودلالته على ان المال للملوك ظاهر. ولا سيما بملاحظة قوله (عليه السلام): " إن أجر ذلك له "، وتعليل عدم الولاء له إذا أعتق عبدا: بأنه لا يكون ولاؤه لعبد مثله، إذ لو كان المال لمولاه لكان المناسب التعليل: بأنه ليس بمعتق، لان المراد به من له العتق، لا من قام به العتق، كما هو ظاهر. والمناقشة فيه: بأنه مخالف لما دل على حجز العبد عن التصرف. مندفعة: بأن الظاهر من إطلاق وضع الضريبة الاذن في التصرف فيما زاد عليها. نعم يشكل هذا التفصيل: بأن الصحيح المذكور إنما يدل على ثبوت الملكية فيما زاد على ضريبة المولى، ولا يدل على نفيها في غيره " فلا يكون سندا للتفصيل. إلا إذا بني على قيام الدليل على عموم نفي الملك، ليكون الجمع بينه وبين الصحيح المذكور بالتخصيص والتفصيل. لكن عرفت خلافه. ومنها: أنه يملك أرش الجنايه خاصة. حكاه في الشرايع قولا، وفي الجواهر: إنه لم يعرف القائل به، كالقائل بالتفصيل بين فاضل الضريبة وارش الجناية وبين غيرهما، وكالقائل بالتفصيل بين ما ملكه مولاه خاصة، أو مع أرش الجناية خاصة، أو مع فاضل الضريبة فقط، أو الثلاثة، دون غيره. ونقل عن شيخه في شرحه: أنه حكى جميع ذلك بل وغيرها. وكيف كان، فقد استدل على التفصيل - المحكي عن الشرائع - بموثق إسحاق ابن عمار، قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام): ما تقول في رجل يهب لعبده ألف درهم أو أقل أو أكثر، فيقول: حللني من ضربي إياك، ومن كل ما كان مني إليك، ومما أخفتك وأرهبتك، ويحلله ويجعله في حل رغبة فيما أعطاه. ثم إن المولى بعد أن اصاب الدراهم التي أعطاه في موضع وضعها فيه العبد فأخذها السيد، أحلال هي له؟ فقال (عليه السلام): لا تحل له لانه افتدى بها عن نفسه من العبد مخافة العقوبة والقصاص يوم القيامة.


(* 1) الوسائل باب: 9 من ابواب بيع الحيوان حديث: 1.

[ 45 ]

[ أو بذل له مولاه الزاد والراحلة (1). نعم لو حج باذن مولاه صح بلا إشكال، ] قال: فقلت له: فعلى العبد أن يزكيها إذا حال عليها الحول؟ قال (عليه السلام) لا: إلا ان يعمل له فيها، ولا يعطي من الزكاة شيئا " (* 1). وفيه: أنه ليس من ارش الجناية - كما هو واضح، وذكره في الجواهر وغيرها - فان جاز العمل به في الخروج عن أدلة المنع، تعين القول بمضمونه، لا في أرش الجناية، كما هو المدعى. ولا سيما أن ارش الجناية لا يرجع إلى العبد وإنما يرجع إلى مالكه، لانه عوض النقص الوارد على ملكه. ولذا قال في الجواهر: " وتسمع - إن شاء الله - في كتاب القصاص والديات المفروغية عن ملك السيد أرش جناية العبد الذى هو مملوك له. والارش جبر تفاوت ما نقص من ملكه... ". والمتحصل مما ذكرنا: أن القول بنفي الملك لا دليل عليه ظاهر. والافق بالادلة الخاصة - ومنها صحيح عمر بن يزيد، وموثق اسحاق المتقدمان هو القول بالملك في الجملة. والذي تقتضيه إطلاقات ادلة السببية هو الملكية مطلقا، إلا في موارد خاصة دل الدليل على نفي الملكية فيها، بنحو لا يمكن استفاده عموم نفي الملكية منها، كي تكون موجبة لتقييد دليل السببية أو تخصيصه بالحر. ومما ذكرنا تعرف الاشكال فيما تقدم في الرياض: من ان تتبع النصوص - الواردة في العتق والوصية للملوك - يكشف عن عدم الملكية له من دون ريبة. ومن ذلك تعرف ضعف التفصيلات التي حكى في الجواهر: حكايتها عن استاذه. فلاحظ، وتأمل. (1) في الجواهر: دعوى الاجماع بقسميه عليه - منا ومن غيرنا - وإن بذل له مولاه.


(* 1) الوسائل باب: 9 من ابواب بيع الحيوان حديث: 3.

[ 46 ]

[ ولكن لا يجزيه عن حجة الاسلام (1). فلو أعتق بعد ذلك أعاد، للنصوص، منها: خبر مسمع: " لو أن عبدا حج عشر حجج ثم أعتق كانت عليه حجة الاسلام إذا استطاع إلى ذلك سبيلا " (* 1). ومنها: " المملوك إذا حج - وهو مملوك - أجزأه إذا مات قبل أن يعتق، فان أعتق أعاد الحج " (2). وما في خبر حكم بن حكيم: " أيما عبد حج به مواليه فقد أدرك حجة الاسلام " (* 2) محمول على إدراك ثواب الحج (3): أو على أنه يجزيه عنها ما دام مملوكا، لخبر أبان: " العبد إذا حج فقد قضى حجة الاسلام حتى يعتق " (* 3)، فلا إشكال ] (1) إجماعا بقسميه، منا ومن غيرنا أيضا، كذا في الجواهر. وفي المستند: بالاجماع، والنصوص. (2) يريد به صحيح ابن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام): " إن المملوك إن حج - وهو مملوك - أجزأه إذا مات قبل ان ينعتق، وإن أعتق فعليه الحج "، (* 4) وصحيحه الاخر: " قال: المملوك إذا حج وهو مملوك، ثم مات قبل أن يعتق أجزأ ذلك الحج، فان اعتق عاد الحج " (* 5). والمتن لا يوافق أحد المتنين. (3) ذكر ذلك في الوسائل. وفي الجواهر: ادعى إجماع الامة على خلاف الخبر المذكور، ثم قال: " فمن الواجب طرحه. أو حمله على


(* 1) الوسائل باب: 16 من ابواب وجوب الحج حديث: 5. (* 2) الوسائل باب: 16 من ابواب وجوب الحج حديث: 7. (* 3) الوسائل باب: 16 من ابواب وجوب الحج حديث: 2. (* 4) الوسائل الباب: 16 من ابواب وجوب الحج حديث: 1. (* 5) الوسائل باب: 16 من ابواب وجوب الحج حديث: 4.

[ 47 ]

[ في المسألة. نعم لو حج باذن مولاه، ثم انعتق قبل إدراك المشعر، أجزأه عن حجة الاسلام. بالاجماع، والنصوص (1). يبقى الكلام في أمور: أحدها: هل يشترط في الاجزاء تجديد النية - للاحرام بحجة الاسلام - بعد الانعتاق فهو من باب القلب، أو لا بل هو انقلاب شرعي؟ قولان مقتضى إطلاق النصوص الثاني، وهو الاقوى (2). ] إدراك ثواب حجة الاسلام ما دام مملوكا... ". (1) قال في الجواهر: " بلا خلاف " بل الاجماع بقسيمه عليه.. " وفي صحيح معاوية بن عمار: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام): مملوك أعتق يوم عرفة. قال: إذا ادرك أحد الموقفين فقد أدرك الحج " (* 1) ورواه في المعتبر بزيادة: " وإن فاته الموقفان فقد فاته الحج، ويتم حجه، ويستأنف حجة الاسلام فيما بعد " (* 2). وخبر شهاب عن أبي عبد الله (عليه السلام): " في رجل أعتق عشية عرفة عبدا له أيجزى عن العبد حجة الاسلام؟ قال (عليه السلام): نعم " (* 3)، وصحيحه عنه (عليه السلام): " في رجل أعتق عشية عرفة عبدا له. قال (عليه السلام): يجزى عن العبد حجة الاسلام، ويكتب للسيد أجران: ثواب العتق، وثواب الحج " (* 4). ونحوها غيرها. (2) كما في الجواهر. لما ذكر. وحكى فيها عن الخلاف: وجوب تجديد نية الاحرام، وعن المعتبر، والمنتهى، والروضة: وجوب تجديد


(* 1) الوسائل باب: 17 من أبواب وجوب الحج حديث: 2. (* 2) الوسائل باب: 17 من أبواب وجوب الحج حديث: 5. (* 3) الوسائل باب: 17 من أبواب وجوب الحج حديث: 4. (* 4) الوسائل باب: 17 من ابواب وجوب الحج حديث: 1.

[ 48 ]

نية الوجوب، وعن الدروس: وجوب تجديد النية. أقول: الاحتمالات المتصورة في الاجزاء ثلاثة: (الاول): أن يكون الحج - الذي وقع فيه العتق قبل أحد الوقوفين - هو حج الاسلام من حين وقوعه، كما ذكرنا في الصبي أنه الاظهر. (الثاني): أن لا يكون حج الاسلام حين وقوعه، ولكن يكون حج الاسلام حين الانعتاق. (الثالث): أن يكون غير حج الاسلام حتى بعد الانعتاق، لكنه يجزى عن حج الاسلام، فهو مستحب يجزي عن الواجب. فعلى الاخير لا مجال لتجديد النية - لا في الاحرام ولا في الوجوب، ولا في غير ذلك - لانه لم يتغير عن حال وقوعه وحدوثه. وعلى الاول لا مجال لتجديد نية الاحرام ولا لتجديد نية حج الاسلام، ولكن يجدد نية الوجوب، لانه حال وقوعه لم يكن واجبا وفي الاثناء صار واجبا. وعلى الثاني يجدد نية الموضوع ونية الوجوب. والذي يقتضيه الجمود على قوله (عليه السلام): " يجزي عن العبد حجة الاسلام " هو الاخير، لان إجزاء شئ عن آخر يقتضى الاثنينية بينهما. كما أن مقتضى الجمود على قوله (عليه السلام): " إذا أدرك أحد الموقفين... " هو الثاني، لان الاول والاخير لا يختص فيهما الادراك بالموقف، بل كان الادراك فيهما للحج من أوله إلى آخره. والذي يقتضيه الاخذ بالمعمومات - الدالة على وجوب الحج الاسلامي - هو الاول " لان القدر اللازم في الخروج عن العمومات صورة وقوع الحج بتمامه في حال الرقية، أما صورة وقوع بعضه في حال الحرية فلا موجب للخروج فيها عن عموم الوجوب، كما تقدم ذلك في الصبي. لكن البناء على الاخذ بالعموم في الفرض يقتضى اختصاص الاجزاء بصورة كون نيته للحج - من حين شروعه فيه - بعنوان كونه الحج المشروع

[ 49 ]

[ فلو فرض أنه لم يعلم بانعتاقه حتى فرغ، أو علم ولم يعلم الاجزاء حتى يجدد النية، كفاه وأجزأه (1). ] في حقه، فيكون ناويا لحج الاسلام إجمالا، وإن كان قد أخطأ في تطبيق غيره عليه. فلو لم يكن الامر كذلك - بان كان ناويا للحج الاستحبابي لنفسه - فالقواعد العامة تقتضي عدم الاجتزاء، كما عرفت الاشارة إلى ذلك في المسألة التاسعة. لكن ذلك خلاف إطلاق النصوص. ولاجل ذلك يشكل الرجوع إلى إطلاق دليل وجوب الحج، الشامل للحر والعبد. وحينئذ يدور الامر بين الامرين الاخرين. ولا يبعد البناء على الثاني، لان إجزاء شئ عن اخر وان كان يتوقف على الاثنينية، لكن يكفي فيها الانقلاب في الاثناء. وحينئذ لا مانع من البناء على الانقلاب، اعتمادا على قوله (عليه السلام): " إذا أدرك أحد الموقفين فقد ادرك الحج ". فيكون وقوفه من حج الاسلام وما قبله من غير حج الاسلام، اجتزى بمجموعهما عنه. وهذا هو الذي يقتضيه الاخذ بظاهر نصوص المقام من غير تكلف. (1) فان قلت: إذا كان الحج غير الاسلامي ينقلب بعد الانعتقاق إلى الحج الاسلامي، لزم الاتيان به على وجه العبادة، فإذا فاتت النية لم يصح وإن كان عن جهل بالحكم أو الموضوع. قلت: إطلاق النصوص يقتضي الاجزاء إذا فاتت النية عن جهل بالحكم أو الموضوع، فيكون الاجزاء مرتبا على الانقلاب الواقعي. نعم إذا تعمد ترك النية، أو افسد نيته - برياء أو نحوه - لم يصح، لانه خارج من منصرف النصوص. ولولا إطلاق النصوص المذكور كان اللازم تجديد النية - بالمقدار اللازم - في الشروع بحج الاسلام وغيره من العبادات. والظاهر أن هذا هو المراد بالقلب فالمراد به الانقلاب على وجه يلزم تجديد النية، لا القلب بالمعنى الذي يكون باختيار المكلف فان اختاره حصل وإلا فلا، فانه بهذا المعنى لا دليل عليه

[ 50 ]

[ الثاني: هل يشترط في الاجزاء كونه مستطيعا حين الدخول في الاحرام، أو يكفي استطاعته من حين الانعتاق، أو لا يشترط ذلك أصلا؟ أقوال، أقواها الاخير (1)، ] كما عرفت في وجوه الاحتمالات السابقة. فلاحظ. (1) قال في الدروس: " ولو اعتق قبل الوقوف أجزأه عن حجة الاسلام. بشرط تقدم الاستطاعة وبقائها... ". وفي الروضة بعد أن حكم باعتبار الاستطاعة سابقا ولاحقا في الصبي والمجنون. قال: ويشكل ذلك في العبد إن أحلنا ملكه. وربما قيل بعدم اشتراطها فيه للسابق، أما اللاحق فتعتبر قطعا... ". وفي المدارك: " واعتبر الشهيد في الدروس: تقدم الاستطاعة وبقائها، مع حكمه باحالة ملك العبد. وهو عجيب:... " ولما كانت الاستطاعة لا تنحصر بالملك بل تكون بالبذل أيضا - كما سيأتي - لا مجال لاشكال الروضة، ولا تعجب المدارك، كما ذكره غير واحد ممن تأخر عنهم. والذي اختاره في المدارك: عدم اعتبار الاستطاعة اصلا، لا سابقا ولا لاحقا، وجعله مما ينبغي القطع به، وقواه في الجواهر وغيرها مستدلين باطلاق النصوص. ويشكل: بأنها ليست واردة في مقام البيان من هذه الجهة، وانما هي واردة لبيان الاجتزاء بالحرية عند أحد الموقفين، فيبقى اعتبار بقية الشرائط بحاله، كما أشار الى ذلك في الروضة في حكم الصبي والمجنون. وقال في كشف اللثام: " ثم من المعلوم أن الاجزاء عن حجة الاسلام مشروط بالاستطاعة عند الكمال، لكن الاتمام لما جامع الاستطاعة التي للمكي غالبا، وكانت كافية في الوجوب هنا وان كانا نائيين - كما مرت الاشارة إليه - لم يشترطوها... ". ثم نقل عن التذكرة: استقرار الوجوب في الصبي والعبد، سواء كانا موسرين أم معسرين، لان ذلك واجب عليهما

[ 51 ]

[ لاطلاق النصوص. وانصراف ما دل على اعتبار الاستطاعة عن المقام (1). الثالث: هل الشرط في الاجزاء إدراك خصوص المشعر (2) - سواء أدرك الوقوف بعرفات أيضا أو لا - أو يكفي إدراك أحد الموقفين، فلو لم يدرك المشعر لكن أدرك ] بامكانه في موضع. ثم قال: " ومن اشترط استطاعة النائي المجاور مكة اشترطها هنا في الاجزاء... ". وبالجملة: الاطلاق الذي ذكروه غير واضح. وعدم تعرض الاكثر لاعتبار الاستطاعة لا يدل عليه، لان مصب كلامهم جهة الرقية والحرية لا غيرهما. وأما ما ذكره في كشف اللثام: من اعتبار الاستطاعة عند الكمال - واحتمله في الروضة، كما تقدم - فوجهه أن الاستطاعة إنما تكون شرطا حال الوجوب لا قبله، إذلا دليل على اعتبارها قبله في غير المقام، فضلا عن المقام. وفي المستند جزم باعتبار الاستطاعة حين العتق. واستدل عليه بالاية (* 1)، والنصوص (* 2) لكن دلالة الاية غير ظاهر، لاختصاصها بغير الفرض، كما لا يخفى. (1) هذا الانصراف غير ظاهر. وليس حال العبد الذي أعتق أثناء الحج إلا حال غير المستطيع الذي تكلف الحج، فانه إذا شرع فيه لا يتوجه عليه الامر بحج الاسلام مطلقا وإن لم يكن مستطيعا. (2) كما هو ظاهر عبارة الشرايع. ومثلها: بعض العبارات الاخرى


(* 1) المراد هو قوله تعالى: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا..) آل عمران 97. (* 2) لاحظ الوسائل باب 8 من أبواب الحج حديث: 4، 5، 7 وغيرها ويأتي ذكر الاحاديث قريبا - إن شاء الله - في المسألة: 1 من مسائل اعتبار الاستطاعة في حجة الاسلام.

[ 52 ]

[ الوقوف بعرفات معتقا كفى؟ قولان، الاحوط الاول كما أن الاحوط اعتبار إدراك الاختياري من المشعر، فلا يكفي إدراك الاضطراري منه (1). بل الاحوط اعتبار إدراك كلا الموقفين (2)، وإن كان يكفي الانعتاق قبل المشعر، لكن إذا كان مسبوقا بادراك عرفات أيضا ولو مملوكا. ] حيث اقتصر فيها على المشعر. وظاهر أكثر العبارات: الاجتزاء بادراك أحد الموقفين، كما هو مذكور في النص، بل لا ينبغى التأمل فيه. لكن مع ذلك قال في الجواهر: " ولو فرض تمكنه من موقف عرفة دون المشعر، فلا يبعد عدم الاجزاء، ضرورة ظهور النص والفتوى في أن كل واحد منهما مجزئ مع الاتيان بما بعده، لا هو نفسه.. ". وفيه: أن ما دل على صحة الحج بادراك عرفه وحدها عند الاضطرار حاكم عليه، فيكون مقدما عليه، لان موضوع الاجزاء فيما نحن فيه إدراك أحد الموقفين - حال الحرية - في الحج الصحيح، فإذا ثبتت الصحة بادراك عرفة وحدها مع الاضطرار ثبت موضوع الاجزاء. والمظنون: أن الاقتصار على ذكر المشعر كان بملاحظة الزمان، لان إدراك السابق غالبا إدراك للاحق، لا لخصوص وقوف المشعر. (1) في الجواهر جعله المنساق من عبارات الاصحاب، ثم قال: " ولعله كذلك، اقتصارا على المتيقن.. " وتوقف المصنف (ره) ناشئ من احتمال الرجوع إلى إطلاق نصوص المقام لمقتضى للاكتفاء به، لان إدراك اضطراري المشعر إدراك لاحد الموقفين. ومن احتمال انصراف النصوص عن الاضطراري إلى الاختياري المجعول الاولي. لكن الظاهر أنه بدوي لا يعتد به. (2) كأنه لاحتمال انصراف الدليل إلى هذه الصورة بخصوصها،

[ 53 ]

[ الرابع: هل الحكم مختص بحج الافراد والقرآن، أو يجري في حج التمتع أيضا وإن كانت عمرته بتمامها حال المملوكية؟ الظاهر الثاني (1)، لاطلاق النصوص. خلافا لبعضهم، فقال بالاول (2)، لان إدراك المشعر معتقا إنما ينفع للحج لا للعمرة الواقعة حال المملوكية. وفيه: ما مر من الاطلاق. ولا يقدح ما ذكره ذلك البعض، لانهما عمل واحد. هذا إذا لم ينعتق إلا في الحج، وأما إذا انعتق في عمرة التمتع، وأدرك بعضها معتقا فلا يرد الاشكال. (مسألة 1): إذا أذن المولي لمملوكه في الاحرام فتلبس به ليس له أن يرجع في إذنه (3)، لوجوب الاتمام على المملوك، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. نعم لو أذن له ثم رجع ] لانها الفرد الاختياري الاولي، كما تقدم في إدراك إضطراري المشعر. لكن عرفت أنه بدوي لا يعتد به. (1) كما اختاره في الجواهر. وحكاه في كشف اللثام عن نص الخلاف والتذكرة، وفي الدروس: نسبته إلى ظاهر الفتوى. (2) حكى في كشف اللثام: الاول عن بعض في مبحث الصبي والمجنون واختاره، لان العمرة فعل اخر مفصول عن الحج، وقت بتمامها في الصغر أو الجنون كعمرة أوقعها في عام اخر، فلا جهة للاكتفاء بها. فيكون كمن عدل اختيارا إلى الافراد، فإذا أتم المناسك اتي بعمرة مفردة في عامه ذلك، لا بعده انتهى. والاشكال عليه بما ذكره المصنف: من أنهما عمل واحد، متوجه. فالعمل بالاطلاق متعين. (3) الظاهر أنه لا إشكال فيه عندنا. قالوا: لانه إحرام انعقد صحيحا

[ 54 ]

[ قبل تلبسه به لم يجز له أن يحرم إذا علم برجوعه (1). وإذا لم يعلم برجوعه فتلبس به، هل يصح احرامه ويجب إتمامه، أو يصح ويكون للمولى حله، أو يبطل؟ وجوه، أوجهها الاخير (2)، لان الصحة مشروطة بالاذن، المفروض سقوطه ] فلا ينحل إلا بمحلل شرعي. وفي التذكرة: نسب ذلك إلى غير واحد من علماء المخالفين، وحكى الخلاف فيه عن أبي حنيفة، وحكى خلافه في كشف اللثام ايضا. وكأنه: لان دليل وجوب الاتمام ناظر إلى وجوب الاتمام من حيث كونه إتماما، ولا نظر فيه إلى تحليل التصرف بمال الغير. وأفعال العبد لما كانت مملوكة للمولى احتيج في جواز التصرف فيها إلى دليل، وهو مفقود. ومن ذلك يشكل ما ذكره المصنف - تبعا للجواهر - من أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، فان ذلك يختص بما إذا لم يلزم التصرف بمال الغير. أما إذا كان قد لزم ذلك فلا مجال له " لان البقاء على الاحرام معصيه للخالق، لما دل على حرمة التصرف في مال الغير، كما في سائر موارد التصرف في مال الغير وإن لم تجب اطاعته. فليس المقام من باب الاطاعة للمخلوق، بل من باب حرمة التصرف بغير إذن المالك وإن لم يكن امرا، أو كان ممن لا تجب إطاعته. (1) لانتفاء الاذن، المانع من صحة التقرب بالاحرام. (2) لم اعرف من اختاره. نعم في المعتبر - وعن غيره -: فيه تردد. والمحكي عن الخلاف والمبسوط والوسيلة: الصحة، وللمولى أن يحله. وفي القواعد ذكر ذلك، ولكن قال بعده: " على إشكال.. ". ووجه الاشكال - على ما ذكره غير واحد -: هو عموم حق المولى، وعدم لزوم الاذن، خصوصا وقد رجع قبل التلبس. ومن انعقاد الاحرام صحيحا فلا ينحل إلا بمحلل شرعى، ولزوم الاذن بصحة الاحرام، وحكي الاول عن المختلف.

[ 55 ]

[ بالرجوع (1). ودعوى: أنه دخل دخولا مشروعا فوجب إتمامه، فيكون رجوع المولى كرجوع الموكل قبل التصرف ولم يعلم الوكيل. مدفوعة: بأنه لا تكفي المشروعية الظاهرية. وقد ثبت الحكم في الوكيل بالدليل، ولا يجوز القياس عليه. (مسألة 2): يجوز للمولى أن يبيع مملوكه المحرم باذنه (2) وليس للمشتري حل احرامه. نعم مع جهله بأنه محرم يجوز له الفسخ، مع طول الزمان الموجب لفوات بعض منافعه. (مسألة 3): إذا انعتق العبد قبل المشعر فهديه عليه، وإن لم يتمكن فعليه أن يصوم (3). ] وفي المدارك والكشف وغيرهما: صحة الاحرام ولزومه، واختاره في الجواهر لدخوله دخولا مشروعا، فكان رجوع المولى كرجوع الموكل قبل التصرف ولم يعلم الوكيل. (1) كذا ذكر غير واحد وجها للبطلان. لكن لم يتضح ما يدل عليه. ولذا قال في كشف اللثام: " من الشك في ان الشرط: الاذن، كالوضوء للصلاة. أو اعتقاده، كطهارة الثوب فيها.. ". ومع هذا الشك يكون المرجع إطلاقات المشروعية. (2) إجماعا - كما في المدارك - وقطعا، كما في الجواهر. قال في الاول: " لان الاحرام لا يمنع التسليم، فلا يمنع صحة البيع. ثم إن كان المشتري عالما بذلك فلا خيار له، وإن لم يعلم ثبت له الخيار مع الفور. إلا مع قصر الزمان بحيث لا يفوته شئ من المنافع... ". وهذا الخيار نظير خيار تخلف الوصف. وذكر نظيره في كتاب الاجارة، فيما لو آجر العين ثم باعها ولم يعلم المشترى بالاجارة. (3) بلا خلاف أجده فيه - كما اعترف به في محكي المنتهى - بل ولا

[ 56 ]

[ وإن لم ينعتق كان مولاه بالخيار (1) بين أن يذبح عنه أو يأمره بالصوم. للنصوص، والاجماعات. ] إشكال لانه بالادراك المزبور يكون حجه حج إسلام، فيساوى غيره من الاحرار في وجوب الهدي عليه مع القدرة، ومع التعذر الصوم، كذا في الجواهر. وهو واضح. (1) بلا خلاف محقق معتد به أجده فيه عندنا، بل في ظاهر المنتهى والتذكرة: الاجماع عليه، بل في صريح المدارك: ذلك، كذا في الجواهر. وفي صحيح سعد بن أبى خلف: " سألت ابا الحسن (عليه السلام) " قلت: أمرت مملوكي أن يتمتع. قال: إن شئت فاذبح عنه، وإن شئت فمره فليصم " (* 1) وفي صحيح جميل، قال الصادق (عليه السلام): " فمره فليصم، وإن شئت فاذبح عنه " (* 2). وعن الشيخ في التهذيب والاستبصار: لزوم الذبح عنه. ويشهد له خبر علي بن أبي حمزة: " سألت ابا إبراهيم (عليه السلام) عن غلام اخرجته معي فأمرته فتمتع، ثم أهل بالحج يوم التروية ولم اذبح عنه، فله أن يصوم بعد النفر؟ فقال: ذهبت الايام التي قال الله تعالى. الا كنت أمرته أن يفرد الحج؟. قلت طلبت الخير، فقال (عليه السلام): كما طلبت الخير فاذهب فاذبح عنه شاة سمينة، وكان ذلك يوم النفر الاخير " (* 3). وفيه - مع ضعف الخبر، وإعراض المشهور عنه -: أن مقتضى الجمع العرفي بينه وبين ما سبق الحمل على الاستحباب، كما يشير إليه التعليل. وأضعف من ذلك: الاستدلال عليه: بأن الاذن في الشئ إذن في لوازمه. إذ - مع أنه غير


(* 1) الوسائل باب: 2 من ابواب الذبح حديث: 2. (* 2) الوسائل باب: 2 من ابواب الذبح حديث: 1. (* 3) الوسائل باب: 2 من ابواب الذبح حديث: 4.

[ 57 ]

[ (مسألة 4): إذا أتى المملوك المأذون في إحرامه بما يوجب الكفارة، فهل هي على مولاه (1)، أو عليه ويتبع بها بعد العتق (2)، أو ينتقل إلى الصوم فيما فيه الصوم مع العجز (3)، ] ظاهر الانطباق على ما نحن فيه - لا يصلح لمعارضة الدليل. (1) كما في المعتبر، وقواه في المدارك. لصحيح حريز عن أبي عبد الله (عليه السلام): " كل ما اصاب العبد - وهو محرم - في إحرامه فهو على السيد إذا اذن له في الاحرام " (* 1). واستدل له في المعتبر: بأن جنايته من توابع إذنه في الحج، فتلزمه جنايته. وهو كما ترى. (2) كما في الجواهر. عملا بالقواعد المقتضية لكونه عليه دون السيد إذ لا تزر وازرة وزر أخرى. لكن يشكل: بان فيه مخالفة للصحيح المذكور (3) يعنى يكون الفداء على العبد فيما لا يكون الصوم له بدلا، فان كان الصوم بدلا انتقل الى البدل مع العجز. وهذا الاحتمال راجع إلى الاول إذ الاول مبنى على عجز العبد عن كل من الفداء والبدل، أما عجزه عن الاول فلعدم الملك، وأما عجزه عن الثاني فلمنع المولى. والثاني مبنى على عدم العجز عن الصوم فلانه قد يأذن السيد له فيه، لكن لو لم يأذن له في الصوم يكون عاجزا، وحينئذ يتبع بالفداء أو بدله بعد العتق. وهذا الاحتمال منقول عن الشيخ (ره) كما في المدارك، قال: " قال الشيخ (رحمه الله تعالى): إنه يلزم العبد لانه فعل ذلك بدون إذن مولاه. ويسقط الدم الى الصوم، لانه عاجز ففرضه الصيام. ولسيده منعه منه، لانه فعل موجبه بدون إذن مولاه.. ". اقول: قد عرفت أنه - على تقدير منع السيد عن الصوم - لا بد من


(* 1) الوسائل باب: 56 من ابواب كفارات الصيد حديث: 1.

[ 58 ]

[ أو في الصيد عليه وفي غيره على مولاه (1)؟ وجوه، أظهرها كونها على مولاه. لصحيحة حريز، خصوصا إذا كان الاتيان بالموجب بأمره أو باذنه (2). نعم لو لم يكن مأذونا في الاحرام بالخصوص، بل كان مأذونا مطلقا إحراما كان أو غيره، لم يبعد كونها عليه، حملا لخبر عبد الرحمن بن أبي نجران - النافي ] البناء على ان الفداء على العبد يتبع به بعد العتق، وعليه البدل على تقدير عجزه. هذا ما تقتضيه القواعد، ولا بد حينئذ من إرجاع كل من هذين الاحتمالين الى الاخر، وإلا كان على خلاف القواعد. كما أنه لا مجال للمصير إلى كل منهما إلا بعد سقوط الصحيح عن الحجية. (1) لا يحضرني قائل بذلك. نعم يظهر عكس هذا التفصيل من المفيد حيث خص كون الفداء على السيد بالصيد، على ما حكاه في المدارك وغيرها وكأن وجه التفصيل المذكور في المتن: الجمع بين صحيح حريز المتقدم، وخبر عبد الرحمن بن أبى نجران: " سألت ابا الحسن (عليه السلام) عن عبد اصاب صيدا وهو محرم، هل على مولاه شئ من الفداء؟ فقال (عليه السلام): لا شئ على مولاه " (* 1)، بحمل الثاني على خصوص مورده - وهو الصيد - وحمل الاول على غيره، حملا للمطلق على المقيد. (2) حكي التفصيل المذكور في المتن - من أنه إذا أذن له في الاحرام بالخصوص فالكفارة على السيد، وإلا فعلى العبد - عن المنتقى، جمعا بين الخبرين، حسبما ذكر في المتن. لكن الجمع المذكور غير ظاهر، لان قوله (عليه السلام) في الصحيح: " إذا اذن له في الاحرام " أعم من كون الاذن بالعموم أو بالخصوص. وكان الاولى: الجمع يحمل الخبر على الصيد - كما هو مورده - وحمل الصحيح على غيره، جمعا بين المطلق والمقيد، فان المتن


(* 1) الوسائل باب: 56 من ابواب كفارات الصيد حديث: 3.

[ 59 ]

مروى - في التهذيب (* 1)، والكافي (* 2)، والفقيه (* 3) كما عرفت. نعم رواه في الاستبصار هكذا: " المملوك إذا اصاب الصيد " (* 4). ونحوه في المعتبر (* 5) فيكون مورده الصيد ايضا، فيتحد مع خبر عبد الرحمن موردا، وحينئذ يتعارضان. والجمع بينهما بحمل الخبر على ما إذا لم يأذن له المولى - كما عن الشيخ وغيره - بعيد جدا، فانه لا يصح إحرامه بدون الاذن، وظاهر السؤال فرض صحة الاحرام. ثم بناء على التعارض يتعين الاخذ بالصحيح، فان الثاني وان كان صحيحا ايضا - فقد رواه الشيخ باسناده عن سعد بن عبد الله، عن محمد بن الحسن، عن محمد بن الحسين، عن عبد الرحمن. واسناد الشيخ إلى سعد صحيح، ومحمد بن الحسن ثقة، لان الظاهر أنه الصفار. وكذا محمد بن الحسين لان الظاهر أنه ابن أبي الخطاب، و عبد الرحمن ثقة ايضا - لكن صحيح حريز لما كان موافقا لصحيحه الاخر - الذي رواه المشايخ الثلاثة باسانيدهم المختلفة الصحيحة - كان أرجح من الاخر من باب الترجيح بما وافق الكتاب، بناء على أن المراد منه: الكتاب بالمعنى الاعم من الكتاب والسنة. ولا سيما وقد قال في المنتقى: " وربما ينظر في رفع التعارض هنا إلى أن طريق الخبر الثاني لا ينهض لمقاومة الاول، باعتبار وقوع نوع اضطراب فيه، مع غرابته. فان المعهود من رواية سعد عن محمد بن الحسين أن تكون بلا واسطة ورواية محمد بن الحسين عن ابن ابي نجران غير معروفة. وفي بعض نسخ


(* 1) ج 5 صفحة 383 حديث: 1334 طبع النجف الاشرف. (* 2) ج 4 صفحة 304 حديث: 7 طبع ايران الحديثة. (* 3) ج 2 صفحة 264 حديث: 1284 طبع النجف الاشرف. (* 4) ج 2 صفحة 216 حديث 741 طبع النجف الاشرف. (* 5) نص العبارة كما يلي: " المملوك كل ما اصاب الصيد... " لاحظ المعتبر صفحة 328.

[ 60 ]

[ لكون الكفارة في الصيد على مولاه - على هذه الصورة. (مسألة 5): إذا أفسد المملوك المأذون حجه بالجماع قبل المشعر فكالحر في وجوب الاتمام والقضاء (1). وأما البدنة ففي كونها عليه، أو على مولاه، فالظاهر أن حالها حال سائر الكفارات على ما مر (2). وقد مر أن الاقوى كونها على المولى الآذن له في الاحرام. وهل يجب على المولي تمكينه من ] التهذيب: سعد بن عبد الله عن محمد بن الحسين... ". وأورده العلامة في المنتهى بهذه الصورة، والغرابة منتفية معه. ونحوه ما ذكره الكاظمي في مشتركاته. وهذا المقدار ربما يستوجب قلة في الوثوق. ثم إنه إن كان إشكال في ترجيح أو تخيير فهو في الصيد، أما في غيره من الجنايات فلا إشكال في لزوم الرجوع إلى صحيح حريز المثبت للفداء على السيد، إذ لا معارض له في ذلك. اللهم إلا أن يستشكل فيه: باحتمال كونه هو صحيحه الاخر - الذي رواه في الاستبصار المعارض بصحيح ابن أبي نجران. لكن هذا الاحتمال ضعيف، بعد روايته في الفقيه والكافي والتهذيب بالمتن المذكور، فان كان إشكال فهو في المتن الاخر المروي في الاستبصار، الوارد في الصيد بالخصوص. وحينئذ لا يكون معارضا لصحيح ابن أبي نجران فيه، فيخصص به صحيح حريز. لكن الاحتمال المذكور خلاف الاصل المعول عليه، المقتضي لكونهما خبرين متباينين. (1) الظاهر أنه لا إشكال فيه، لعموم الادلة له كعمومها للحر. (2) إذ لا دليل فيها بالخصوص، فيتعين الرجوع إلى الصحيح - الذي رواه المشايخ الثلاثة - الذي يثبت الفداء على السيد، إذ لا معارض له في ذلك، كما عرفت.

[ 61 ]

[ القضاء، لان الاذن في الشئ إذن في لوازمه، أولا، لانه من سوء اختياره؟ قولان، أقواهما الاول (1). سواء قلنا: أن القضاء هو حجه، أو أنه عقوبة، وأن حجه هو الاول. هذا إذا أفسد حجه ولم ينعتق، وأما إن أفسده بما ذكر ثم انعتق، فان انعتق قبل المشعر كان حاله حال الحر (2) في ] (1) كما عن الخلاف، والمبسوط، والسرائر. وفي الجواهر: " لعل الاقوى الثاني... " معللا له بما في المتن: من ان القضاء عقوبة دخلت عليه بسوء اختياره، فلا يكون لازما للمأذون فيه. وفي كشف اللثام وجه الاول: بان القضاء ينص عليه قول الصادق (عليه السلام) في صحيح حريز (* 1). ثم قال: " بل الاذن فيه عين الاذن في القضاء بناء على كونه الفرض، وأن الاذن إنما يفتقر إليه فيما لم يجب على المملوك والقضاء وجب عليه، فهو كقضاء الصلاة والصوم وأدائهما. ". ويشكل: بان صحيح حريز مختص بما يمكن أن يكون على السيد، ولا يشمل القضاء والاذن في الحج لا يشمل الاذن في القضاء في المقام وإن قلنا أنه الفرض. ولذا لا إشكال في جواز عدول السيد عن الاذن قبل الشروع في المأذون فيه وجواز العدول هنا محل إشكال. فالكلام ليس في تحقق الاذن وفي مقام الاثبات بل في اعتبار الاذن وفي مقام الثبوت. والوجوب على المملوك وإن كان مقتضى عموم الادلة، لكنه مزاحم بما دل على عدم جواز التصرف في مال الغير بغير إذنه - كما سبق - فيكون من موارد اجتماع الامر والنهى. (2) الظاهر أنه لا إشكال في عموم الحكم بوجوب الاتمام والحج في القابل للحر والعبد. كما لا إشكال في عموم الحكم للحج الواجب والمستحب. والخلاف في ان الاولى فرضه والثانية عقوبة - وبالعكس - ليس خلافا في


(* 1) تقدم ذكر الرواية في المسألة: 4 من هذا الفصل.

[ 62 ]

[ وجوب الاتمام والقضاء والبدنة، وكونه مجزيا عن حجة الاسلام إذا أتى بالقضاء (1)، على القولين: من كون الاتمام عقوبة وأن حجه هو القضاء، أو كون القضاء عقوبة. بل على هذا إن لم يأت بالقضاء أيضا أتى بحجة الاسلام، وإن كان عاصيا في ترك القضاء. وإن انعتق بعد المشعر فكما ذكر، إلا أنه لا يجزيه عن حجة الاسلام (2)، فيجب عليه بعد ذلك إن استطاع. وإن كان مستطيعا فعلا، ففي وجوب تقديم حجة الاسلام، أو القضاء وجهان (3)، مبنيان على أن القضاء ] العموم للنفل، بل هو مختص بما إذا كان الاول فرضا، فلو كان الاول نفلا - كما في العبد - وجب فيه الاتمام والحج من قابل ايضا. (1) قد يشكل عموم دليل الاجزاء عن حجة الاسلام لصورة ما إذا أفسده ثم انعتق قبل المشعر - بناء على ان الاتمام عقوبة - فان الفاسد لا يشمله الدليل الدال على الاجزاء. وفيه: أن الظاهر من الادلة إلحاق الحرية في الاثناء - قبل احد الموقفين - بالحرية من أول الامر، فإذا كان مثل هذا الحج الفاسد مع الفعل ثانيا مجزيا عن حج الاسلام في الحر من أول الامر، كان مجزيا عنه في الحر قبل أحد الموقفين. وبالجملة: هذا الاشكال خلاف إطلاق الادلة. ولذلك صرح بالتعميم الجماعة. قال في الذخيرة: " ولو أعتقه المولى في الفاسد قبل الوقوف بالمشعر يتم حجه، وقضى في القابل، وأجزاه عن حجة الاسلام. سواء قلنا ان الاولى حجة الاسلام أم الثانية.. ". ونحوه في الجواهر وغيرها. (2) لما تقدم. (3) بل قولان، حكي اولهما عن الخلاف والمبسوط. وفي كشف

[ 63 ]

[ فوري أولا، فعلى الاول يقدم لسبق سببه. وعلى الثاني تقدم حجة الاسلام لفوريتها دون القضاء. ] اللثام: " كأنه للاجماع، والنص على فوريتها، دون القضاء... ". ثم قال: " والاظهر عندي تقديم القضاء، لسبق سببه، وعدم الاستطاعة لحجة الاسلام إلا بعده... ". وفي الجواهر: " قلت: وهو كذلك مع فورية القضاء، بل ومع عدمها في وجه... ". أقول: سبق السبب لا يوجب ترجيح أحد المتزاحمين على الاخر. والذي ينبغى ان يقال: الاستطاعة المفروضة، تارة: يكون صرفها في الحج موجبا للعجز عن الحج ثانيا. وأخرى: لا يوجب. فعلى الاولى تنتفي الاستطاعة بوجوب القضاء. وحينئذ لا يجب عليه حج الاسلام، وإن قلنا بعدم فورية القضاء. وعلى الثاني يجب حج الاسلام، إن لم نقل بفورية القضاء. أما إن قلنا بها فاللازم وجوب القضاء وعدم وجوب حج الاسلام لانتفاء الاستطاعة بلزوم المبادرة، كما سيأتي - إن شاء الله - من أن وجوب الواجب إذا كان مانعا عن القدرة كان رافعا للاستطاعة، فينتفى وجوب الحج الاسلامي. نعم لو لم نقل بذلك، تزاحم وجوب الحج الاسلامي ووجوب القضاء. وحينئذ لا يبعد ترجيح الاول، لما في المعتبر والمنتهى: من أن الفورية في الحج الاسلامي أأكد. ولو لم يتم ذلك بتخير بينهما. لكن المبنى المذكور ضعيف، فان حج الاسلام لا يزاحم غيره من الواجبات الفورية، كما سيأتي إن شاء الله. ثم إنه على فرض وجوب حج الاسلام عليه مع القضاء، وعلى وجوب تقديم الاولى، لو خالف وبدأ بحجة القضاء. قال الشيخ - على ما حكاه في المعتبر وغيره -: انعقد عن حجة الاسلام، وكان القضاء في ذمته. قال: " ولو قلنا لم يجز عن واحدة منهما كان قويا... ". وفي القواعد جزم

[ 64 ]

[ (مسألة 6): لا فرق فيما ذكر - من عدم وجوب الحج على المملوك، وعدم صحته إلا باذن مولاه، وعدم إجزائه عن حجة الاسلام إلا إذا انعتق قبل المشعر - بين القن، والمدبر، والمكاتب، وأم الولد، والمبعض (1). إلا إذا هاياه مولاه، وكانت نوبته كافية، مع عدم كون السفر خطريا (2) فانه يصح منه بلا إذن (3). لكن لا يجب، ولا يجزيه حينئذ عن حجة الاسلام وإن كان مستطيعا، لانه لم يخرج عن كونه مملوكا. وإن كان يمكن دعوى الانصراف عن هذه الصورة. فمن الغريب ما في الجواهر، من قوله: " ومن الغريب: ما ظنه بعض الناس، من وجوب حجة الاسلام عليه ] بالثاني. وعلله في كشف اللثام بقوله: " أما القضاء فلكونه قبل وقته. وأما حجة الاسلام فلانه لم ينوها... ". وفيه: أن لزوم تقديم الحج ليس توقيتا للقضاء، بل ترجيحا له عليه. والمسألة من صغريات مسألة الضدين المتزاحمين إذا كان أحدهما أهم، فاللازم إجراء حكمها عليها، فإذا قلنا بصحة فعل المهم - كما هو التحقيق - قلنا به هنا. (1) كما نص على ذلك غير واحد، مرسلين له إرسال المسلمات، وفي ظاهر بعض العبارات: نسبته إلى الاصحاب. وقد تقدم في بعض النصوص التعرض لام الولد. (2) يعني: السفر من الميقات الى مكة. أما السفر من المنزل الى الميقات فلو كان خطريا لم يقدح في صحة الحج، لكونه خارجا عنه (3) كما ذكره غير واحد، من غير تعرض لخلاف فيه. ويقتضيه إطلاق الادلة.

[ 65 ]

[ في هذا الحال، ضرورة منافاته للاجماع المحكي عن المسلمين، الذي يشهد له التتبع على اشتراط الحرية، المعلوم عدمها في المبعض... ". إذ لا غرابة فيه، بعد إمكان دعوى الانصراف (1). مع أن في أوقات نوبته يجري عليه جميع آثار الحرية (2). ] (1) أقول: لا ينبغى التأمل في ان المبعض لا يصدق عليه الحر. ولا العبد، كما اشار إلى ذلك في الجواهر في عبارته المحكية. وعلى هذا إذا نظرنا الى الادلة اللفظية كان مقتضاها وجوب الحج على المبعض، لان الاطلاقات إنما قيدت بما ورد في العبد فإذا كان المبعض لا يصدق عليه أنه عبد لم يدخل في المقيدات، ويتعين الرجوع فيه إلى إطلاقات الوجوب. وإذا نظرنا إلى الادلة اللبية كان مقتضاها عدم وجوب الحج، لان المقيدات اللبية اشتملت على عنوان الحر، فكانت معاقد الاجماعات اشتراط الحرية في الوجوب، فإذا كان الحر لا يصدق على المبعض، فقد انتفى شرط الوجوب فيه، فانتفى الوجوب. وصاحب الجواهر نظر إلى المقيدات اللبية. ولا مجال للاشكال عليه بدعوى الانصراف، لما ذكره من العلم بعدم انطباق الحر على المبعض. وحينئذ لا معنى للانصراف، فضلا عن دعواه. اللهم إلا ان يكون مقصود المصنف من الانصراف انصراف مرادهم من شرط الحرية إلى شرط عدم الرقية. لكن - على تقديره - فالدعوى ضعيفة، لما عرفت من تنصيصهم على حكم المبعض، وأنه كالقن في الاحكام، كما عرفت. (2) هذا وإن كان مقتضى القواعد العامة، التي عرفت ان مقتضاها اختصاص أحكام العبد بغير المبعض، لكن لا مجال للاخذ بها، بعد بناء الاصحاب على خلافها، وإلا فلا وجه للتخصيص بحال نوبته. والذي يظهر منهم في حكم المهاياة: أن الخروج عن أحكام العبد فيه يختص بمنافعه في

[ 66 ]

[ (مسألة 7): إذا أمر المولي مملوكه بالحج وجب عليه طاعته (1)، وإن لم يكن مجزيا عن حجة الاسلام، كما إذا آجره للنيابة عن غيره. فانه لا فرق بين إجارته للخياطة أو الكتابة، وبين إجارته للحج أو الصلاة أو الصوم. الثالث: الاستطاعة من حيث المال، وصحة البدن وقوته، وتخلية السرب وسلامته، وسعة الوقت وكفايته. بالاجماع، والكتاب، والسنة (2). ] أوقات نوبته، فتكون له بناء على ملكه، أو مختصة به بناء على عدم ملكه. وعلى كلا القولين يستقل بالتصرف في نفسه حينئذ. وأما أنه يستقل بالتصرف في ماله كيف شاء، مع عدم إذن المولى المستفادة من المهاياة فغير ظاهر، فضلا عن جريان احكام الحر، من المواريث، وأن له أن ينكح، أو يطلق أو يعتق، أو يهب، أو غير ذلك من أحكام الحر. بل الظاهر بقاء أحكام الرق عليه من الجهات المذكورة وغيرها. ولا بد من مراجعة كلماتهم في كتاب العتق في المبعض. فراجع. (1) الظاهر أنه لا إشكال فيه. ويقتضيه دليل الملكية، فان المنافع إذا كانت مملوكة وجب تسليمها إلى المالك بالمطالبة. والتسليم يحصل بالفعل والمطاوعة، فكما تجب مطاوعة الحر الاجير للمستأجر إذا استأجره على عمل لانه بالاجارة ملك عليه العمل، كذلك في المقام، بل هنا أولى. (2) قال في الجواهر: " باجماع المسلمين، والنص في الكتاب المبين والمتواتر من سنة سيد المرسلين (صلى الله عليه واله وسلم). بل لعل ذلك من ضروريات الدين كأصل وجوب الحج. وحينئذ فلو حج بلا استطاعة لم يجزه عن حجة الاسلام لو استطاع بعد ذلك قطعا... ".

[ 67 ]

[ (مسألة 1) لا خلاف ولا إشكال في عدم كفاية القدرة العقلية في وجوب الحج، بل يشترط فيه الاستطاعة الشرعية. وهي - كما في جملة من الاخبار - (1): الزاد والراحلة، فمع عدمهما لا يجب وإن كان قادرا عليه عقلا، بالاكتساب ونحوه. وهل يكون اشتراط وجود الراحلة مختصا بصورة الحاجة إليها - لعدم قدرته على المشي، أو كونه مشقة ] (1) في صحيح هشام بن الحكم عن أبي عبد الله (عليه السلام): " في قوله عزوجل: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا..) (* 1) ما يعنى بذلك؟ قال: من كان صحيحا في بدنه، مخلى سربه، له زاد وراحله، (* 2). وفي صحيح محمد بن يحيى الخثعمي، قال: " سأل حفص الكناسي أبا عبد الله (عليه السلام) - وأنا عنده - عن قول الله عزوجل: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا...) ما يعني بذلك؟ قال: من كان صحيحا في بدنه، مخلى في سربه، له زاد وراحلة فهو ممن يستطيع الحج. أو قال: ممن كان له مال. فقال له حفص الكناسي: فإذا كان صحيحا في بدنه، مخلى في سربه، له زاد وراحلة فلم يحج، فهو ممن يستطيع الحج؟ قال (عليه السلام): نعم، (* 3). وفي خبر السكوني: " ويحك، إنما يعني بالاستطاعة: الزاد والراحلة، ليس استطاعة البدن " (* 4). ونحوها غيرها، مما هو كثير. وحكي في الجواهر: الاجماع على مضمونها عن الناصريات، والغنية، والمنتهى، والتذكرة.


(* 1) آل عمران: 97. (* 2) الوسائل باب: 8 من أبواب وجوب الحج حديث: 7. (* 3) الوسائل باب: 8 من أبواب وجوب الحج حديث: 4. (* 4) الوسائل باب: 8 من أبواب وجوب الحج حديث: 5.

[ 68 ]

[ عليه، أو منافيا لشرفه - أو يشترط مطلقا ولو مع عدم الحاجة إليه؟ مقتضى إطلاق الاخبار، والاجماعات المنقولة: الثاني. وذهب جماعة من المتأخرين إلى الاول (1)، ] (1) قال في المستند: " وهل اشتراط الراحلة مختص بصورة الاحتياج إليها - لعدم القدرة على المشي، أو للمشقة مطلقا، أو الشديدة منها وإن كان قادرا على المشي، أو لمنافاة المشي لشأنه وشرفه، ونحو ذلك - أو يعم جميع الصور، وإن تساوى عنده المشي والركوب سهولة وشرفا وضعة؟ ظاهر المنتهى: الاول، حيث اشترط الراحلة للمحتاج إليها، وهو ظاهر الذخيرة والمدارك، وصريح المفاتيح وشرحه، ونسبه في الاخير إلى الشهيدين بل التذكرة. بل يمكن استفادته من كلام جماعة قيدوها بالاحتياج والافتقار... ". أقول: الظاهر ان وجه النسبة إلى ظاهر المنتهى: ما ذكره في الفرع الثاني، من قوله: " وإنما يشترط الزاد والراحلة في حق المحتاج اليهما لبعد مسافته. أما القريب فيكفيه اليسير من الاجرة بنسبة حاجته، والمكي لا تعتبر الراحلة في حقه، ويكفيه التمكن من المشي... ". وفي المدارك - بعدما حكى ذلك عنه - قال: " ونحوه قال في التذكرة، وصرح بأن القريب إلى مكة لا يعتبر في حقه وجود الراحلة إذا لم يكن محتاجا إليها. وهو جيد، لكن في تحديد القرب الموجب لذلك خفاء، والرجوع إلى اعتبار المشقة وعدمها جيد. إلا أن اللازم منه عدم اعتبار الراحلة في حق البعيد ايضا إذا تمكن من المشي من غير مشقة شديدة، ولا نعلم به قائلا... ". ومن ذلك تعرف وجه النسبة إلى التذكرة والمدارك، والمظنون ان الوجه في نسبة ذلك إلى الشهيدين وغيرهما هو ذلك. لكن الفرق بين مورد كلامهم وبين ما نحن فيه - وهو البعيد - ظاهر، كما تقدم من المدارك. فلاحظ. والمظنون قويا

[ 69 ]

[ لجملة من الاخبار المصرحة بالوجوب إن أطاق المشي بعضا أو كلا (1)، بدعوى: أن مقتضى الجمع بينها وبين الاخبار ] صحة ما ذكره في المدارك من عدم القائل، فان كان إشكال فهو في الدليل لا في الحكم. نعم ظاهر الوسائل: العمل بالاخبار الاتية. حاملا لها على غير المشقة الزائدة. (1) كصحيح معاوية بن عمار: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل عليه دين. اعليه أن يحج؟ قال (عليه السلام): نعم، إن حجة الاسلام واجبة على من اطاق المشي من المسلمين. ولقد كان اكثر من حج مع النبي (صلى الله عليه وآله) مشاة. ولقد مر رسول الله (صلى الله عليه وآله) بكراع الغميم فشكوا إليه الجهد والعناء فقال: شدوا أزركم واستبطنوا، ففعلوا ذلك، فذهب عنهم " (* 1) وخبر أبي بصير " قلت لابي عبد الله (عليه السلام): قول الله عزوجل: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا...) فقال: يخرج ويمشي إن لم يكن عنده. قلت: لا يقدر على المشي. قال: يمشي ويركب. قلت: لا يقدر على ذلك - أعني: المشي - قال (عليه السلام): يخدم القوم ويمشي معهم " (* 2) وصحيح محمد بن مسلم: " قلت لابي جعفر (عليه السلام): فان عرض عليه الحج فاستحيى. قال: هو ممن يستطيع الحج. ولم يستحيي ولو على حمار اجدع أبتر؟ فان كان يستطيع أن يمشي بعضا ويركب بعضا فليفعل " (* 3)، ومصحح الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) - في حديث - قال: " قلت له: فان عرض عليه ما يحج به فاستحيى من ذلك، أهو ممن يستطيع إليه سبيلا؟ قال: نعم، ما شأنه يستحيى ولو يحج على حمار أجدع أبتر؟! فان كان يطيق أن يمشي بعضا ويركب بعضا فليحج " (* 4).


(* 1) الوسائل باب: 11 من أبواب وجوب الحج حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 11 من ابواب وجوب الحج حديث: 2. (* 3) الوسائل باب: 10 من ابواب وجوب الحج حديث: 1. (* 4) الوسائل الباب: 10 من ابواب وجوب الحج حديث: 5.

[ 70 ]

[ الاول حملها على صورة الحاجة (1). مع أنها منزلة على الغالب (2)، بل انصرافها إليها. والاقوى هو القول الثاني، لاعراض المشهور عن هذه الاخبار، مع كونها بمرأى منهم ومسمع (3)، فاللازم طرحها، أو حملها على بعض المحامل، كالحمل على الحج المندوب (4)، وإن كان بعيدا عن سياقها (5). مع أنها مفسرة للاستطاعة في الآية الشريفة (6)، وحمل الآية على القدر المشترك بين الوجوب والندب (7) بعيد (8). أو حملها على من استقر عليه حجة الاسلام سابقا (9)، وهو ] (1) فان ذلك جمع عرفي من قبيل الجمع بين المطلق والمقيد، فان أخبار القول الاول مطلقة من حيث الحاجة وعدمها، والثانية مقيدة بعدم الحاجة. (2) فانه حينئذ يكون حمل المطلق على المقيد أسهل من غيره من موارد حمل المطلق على المقيد، التي لا يكون الباقي بعد التقييد غالبا. (3) فان إعراضهم عن النصوص المذكورة - مع صحة السند، وكثرة العدد، وكون الجمع العرفي بينها وبين غيرها سهلا كما عرفت، وبناءهم على ارتكابه في سائر المقامات - يدل على خلل في الدلالة، أو في جهة الحكم. (4) كما عن الشيخ (ره). (5) فان استنكار الاستحياء يناسب الوجوب. وكذا قوله (عليه السلام) في الصحيح الاول: " إن حجة الاسلام... ". (6) إذ من المعلوم أن الحكم في الاية للوجوب. (7) هذا الحمل ذكره في الجواهر. (8) فانه لا يناسب قوله تعالى فيها: (ومن كفر..). (9) هذا الحمل ذكر في كشف اللثام.

[ 71 ]

[ أيضا بعيد (1)، أو نحو ذلك (2). وكيف كان فالاقوى ما ذكرنا، وإن كان لا ينبغي ترك الاحتياط بالعمل بالاخبار المزبورة، خصوصا بالنسبة الى من لا فرق عنده بين المشي والركوب، أو يكون المشي أسهل لانصراف الاخبار الاول عن هذه الصورة (3). بل لولا الاجماعات المنقولة والشهرة لكان هذا القول في غاية القوة (4). ] (1) بل هو لا مجال له في الصحيح الاول الذي ذكر فيه من حج مع النبي (صلى الله عليه وآله)، فانهم لم يستقر عليهم الحج، وكانت سنة حجهم أول سنة استطاعتهم. (2) مثل الحمل على التقية، كما ذكره الشيخ. ولعله أقرب المحامل. (3) الظاهر أن منشأ الانصراف هو الغلبة، ولذا لم يكن معتدا به عند المصنف ولا عند غيره. (4) لما عرفت: من أنه مقتضى الجمع العرفي. لكن الانصاف أن التأمل في نصوص الاحتمال الثاني يقتضى البناء على الوجوب، حتى مع المشقة الشديدة، أما صحيح معاوية فلما يظهر من قوله (عليه اليلام) فيه: " ولقد كان أكثر من حج.. (إلى ان قال): فشكوا إليه الجهد والعناء... ". وأما خبر أبي بصير: " يخرج ويمشى إن لم يكن عنده.. " فالظاهر منه أنه إذا لم يكن عنده ما يحج به يخرج ويمشي إلى أن قال فيه: " يخدم القوم ويمشي معهم ". وكل ذلك ظاهر في الوجوب مع المشقة اللازمة، من فقده ما يحتاج إليه، والمهانة اللازمة من الخدمة. وأما صحيح ابن مسلم فيظهر ذلك من قوله (عليه السلام) فيه: " ولو على حمار أجدع أبتر " فان المهانة اللازمة من ذلك ظاهرة. ونحوه مصحح الحلبي. وعلى هذا يشكل الجمع المذكور، ولا بد حينئذ أن يكون الجمع، بحمل الاخبار الاول على

[ 72 ]

[ (مسألة 2): لا فرق في اشتراط وجود الراحلة بين القريب والبعيد، حتى بالنسبة إلى أهل مكة (1)، لاطلاق الادلة. فما عن جماعة: من عدم اشتراطه بالنسبة إليهم لا وجه له (2). ] صورة العجز حتى مع المشقه والوقوع في المهانة. وهذا الجمع من أبعد البعيد، لانه يلزم منه حمل المطلق على الفرد النادر. وحينئذ تكون النصوص متعارضة لا تقبل الجمع العرفي، ولا بد من الرجوع إلى المرجحات إن كانت وإلا فالتخيير. ولا ريب ان الترجيح مع النصوص الاول، لموافقتها ما دل على نفي العسر والحرج، ومخالفة الثانية (* 1) لا يقال: النصوص الاول مخالفة ايضا لاطلاق الكتاب. لانه يقال: إطلاق الكتاب لا مجال للاخذ به بعد أن كان محكوما لادلة نفي العسر والحرج، فموافقته لا تجدي في الترجيح (1) نسبه في كشف اللثام إلى إطلاق الاكثر. (2) قال في الشرائع: " وهما - يعنى: الزاد والراحلة - يعتبران في من يفتقر الى قطع المسافة... ". وفي المسالك في شرحه: " احترز بالمفتقر إلى قطع المسافة عن أهل مكة وما قاربها، ممن يمكنه السعي من غير راحلة، بحيث لا يشق عليه عادة، فان الراحلة حينئذ غير شرط... ". وفي الجواهر - بعد ذكر ذلك - قال: " بل لا أجد فيه خلافا، بل في


(* 1) ما دل من الكتاب العزيز على ذلك انما هو قوله تعالى: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر..) - البقرة: 185 - وقوله تعالى: (ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج..) المائدة: 7 - وقوله سبحانه: (ما جعل عليكم في الدين من حرج..) - الحج: 78. وأما الروايات الواردة بهذا الشأن فهي كثيرة، تقدمت الاشارة إلى بعضها في التعليقة على المسألة: 10 من فصل ماء البئر ج 1. ويأتي ذكر الباقي في هذا الجزء في الميقات الثالث من فصل المواقيت.

[ 73 ]

[ (مسألة 3): لا يشترط وجودهما عينا عنده، بل يكفي وجود ما يمكن صرفه في تحصيلهما من المال (1). من غير فرق بين النقود والاملاك، من البساتين والدكاكين والخانات ونحوها. ولا يشترط إمكان حمل الزاد معه، بل يكفي إمكان ] المدارك: نسبته إلى الاصحاب، مشعرا بدعوى الاجماع عليه.. ". وكلمات الجماعة مختلفة، فبعضها اقتصر فيه على أهل مكة وبعضها ذكر فيه أهل مكة وما قاربها. وكيف كان فدليل هذا الاستثناء: عدم دخول المستثنى في دليل اعتبار الزاد والراحلة، لانصرافه إلى المسافة التى يعدان لها عادة، فلا يشمل غيرها. وهو غير بعيد. ومن ذلك يظهر أنه لا وجه لما ذكره المصنف: من أنه لا وجه له: نعم ما حكي عن المخالفين: من اشتراط مسافة القصر لا وجه له، وكذا ما قاربها. بل لا يبعد ذلك في مثل الفرسخ، فضلا عما زاد عليه مما لا يبلغ مسافة التقصير، فان ذلك كله مما يعد له الراحلة. وفي كشف اللثام: " وقطع الشيخ في المبسوط، والمحقق، والمصنف في التحرير والتذكرة والمنتهى بعدم اشتراط الراحلة للمكي، ويعطيه كلامه هنا. ويقوى عندي اعتبارها للمضي الى عرفات، وإلى أدنى الحل، والعود... ". أقول: اعتبارهما للمضي الى عرفات لا دليل عليه، لاختصاص الاية الشريفة بالسفر إلى البيت الشريف، والاستطاعة الشرعية معتبرة في ذلك، ولا دليل على اعتبارها في السفر الى عرفات، فاللازم الرجوع فيه إلى القواعد المقتضية للاعتبار مع الحاجة وعدمه مع عدمها، ككثير من الامور الاتية. ومن ذلك يظهر الحكم في الخروج الى ادنى الحل للاحرام للحج أو للعمرة. (1) كما في التذكرة وغيرها. وهو مما لا إشكال فيه، وينبغى عده من الضروريات، فان مقتضى الجمود على ما تحت قوله (عليه السلام): " له زاد

[ 74 ]

[ تحصيله في المنازل بقدر الحاجة، ومع عدمه فيها يجب حمله مع الامكان، من غير فرق بين علف الدابة وغيره (1). ومع عدمه يسقط الوجوب. (مسألة 4): المراد بالزاد هنا: المأكول، والمشروب وسائر ما يحتاج إليه المسافر، من الاوعية التي يتوقف عليها حمل المحتاج إليه، وجميع ضروريات ذلك السفر (2). بحسب ] وراحلة " (* 1) وإن كان هو اعتبار وجودهما عينا، لكن المراد منه ما ذكر ويقتضيه قوله (عليه السلام): " ما يحج به " (* 2) (1) قال في التذكرة: " وإن كان يجد الزاد في كل منزل لم يلزمه حمله، وإن لم يجده كذلك لزمه حمله. وأما الماء وعلف البهائم، فان كان يوجد في المنازل التي ينزلها على حسب العادة فلا كلام، وإن لم يوجد لم يلزمه حمله من بلده، ولا من اقرب البلدان إلى مكة - كأطراف الشام ونحوها - لما فيه من عظم المشقة، وعدم جريان العادة به. ولا يتمكن من حمل الماء لدوابه في جميع الطريق، والطعام بخلاف ذلك... ". وفي المنتهى ذكر خلاف ذلك، فقال: " وأما الماء وعلف البهائم فان كانت توجد في المنازل التي ينزلها على حسب العادة لم يجب عليه حملها، وإلا وجب مع المكنة، ومع عدمها يسقط الفرض... ". وما في المنتهى أوفق بالقواعد، كما نص عليه غير واحد. وما في التذكرة منقول عن الشيخ (ره) ولعل مراده صورة المشقة، كما علله بذلك في التذكرة. لكنه غير مطرد، لاختلاف المقامات في ذلك. (2) قال في التذكرة: " فالزاد - الذي يشترط القدرة عليه -: هو


(* 1) تقدم ذكر النصوص المتضمنة لذلك في المسألة: 1 من هذا الفصل. (* 2) يأتي ذكر ما تضمن ذلك - إن شاء الله تعالى - في المسألة: 15 من هذا الفصل.

[ 75 ]

[ حاله: قوة وضعفا، وزمانه: حرا وبردا، وشأنه: شرفا وضعة. والمراد بالراحلة: مطلق ما يركب، ولو مثل سفينة في طريق البحر. واللازم وجود ما يناسب حاله بحسب القوة والضعف. بل الظاهر اعتباره من حيث الضعة والشرف، كما وكيفا (1). فإذا كان من شأنه ركوب المحمل أو الكنيسة، ] ما يحتاج إليه في ذهابه وعوده، من مأكول، ومشروب، وكسوة... (إلى ان قال في المسألة اللاحقة): كما تعتبر قدرته على المطعوم والمشروب، والتمكن من حمله من بلده، كذا تعتبر قدرته على الالات والاوعية التي يحتاج إليها، كالغراير ونحوها، وأوعيه الماء من القرب وغيرها، وجميع ما يحتاج إليه كالسفرة وشبهها، لانه مما لا يستغنى عنه، فأشبه علف البهائم.. ".. ونحوه كلام غيره. والوجه فيه ظاهر، لدخوله تحت قوله (عليه السلام): " ما يحج به ". ولعموم نفي العسر والحرج. وحينئذ لا بد ان تكون الحاجة على نحو يلزم الحرج بالفقدان. (1) كما يظهر من الشرائع، حيث قال: " والمراد بالراحلة: راحلة مثله... ". ونحوه في القواعد. لكن في كشف اللثام قال في شرحها: " قوة وضعفا، لا شرفا وضعة. لعموم الاية. والاخبار وخصوص قول الصادق (عليه السلام) في صحيح أبي بصير: " من عرض عليه الحج - ولو على حمار أجدع مقطوع الذنب - فأبى فهو مستطيع للحج " (* 1). ونحوه أخبار أخر. ولانهم (عليهم السلام) ركبوا الحمير والزوامل... ". وفي المدارك جعله الاصح، وحكى عن الدروس: القطع به، لما ذكر. وفي الجواهر قال: " إلا أن الانصاف عدم خلوه عن الاشكال مع النقص في حقه، إذ فيه من العسر والحرج ما لا يخفى. وحجهم (عليهم السلام) لعله كان في زمان لا نقص


(* 1) الوسائل باب: 10 من ابواب وجوب الحج حديث: 7.

[ 76 ]

[ بحيث يعد ما دونهما نقصا عليه، يشترط في الوجوب القدرة عليه، ولا يكفي ما دونه، وإن كانت الآية والاخبار مطلقة. وذلك لحكومة قاعدة نفي العسر والحرج على الاطلاقات (1). ] فيه في ركوب مثل ذلك... ". أقول: لا يظن إمكان الالتزام بأنهم (عليهم السلام) كانوا يوقعون أنفسهم في المهانة التي تكون حرجية. كما أنه لم يعلم وقوع ذلك منهم في حج الاسلام على نحو لم يكونوا مستطيعين إلا بذلك. وأما ما في صحيح أبي بصير، فقد عرفت أنه معارض بغيره مما يجب تقديمه عليه. (1) هذه الحكومة إنما تقتضي نفي الوجوب، ولا تقتضي نفي المشروعية والكلام في الثاني. والفرق بينه وبين الاول في جملة من الاحكام ظاهر، منها: أنه إذا أقدم المكلف على ما فيه العسر والحرج كان مقتضى الجمع - بين دليل نفي الحرج والاطلاقات الدالة على الوجوب - هو الصحة والاجزاء عن حج الاسلام، فعدم الاجزاء عن حج الاسلام حينئذ يحتاج الى دليل اخر. اللهم إلا ان يستفاد مما دل على أن الاستطاعة: السعة في المال، أو اليسار في المال فانه لا يصدق مع العسر. ففي رواية أبي الربيع الشامي: " فقيل له: فما السبيل؟ قال: السعة في المال " (* 1)، وفي رواية عبد الرحيم القصير عن أبي عبد الله (عليه السلام)، الواردة في تفسير آية الحج، قال (عليه السلام): " ذلك: القوة في المال واليسار، قال: فان كانوا موسرين، فهم ممن يستطيع؟ قال (عليه السلام): نعم " (* 2). وموثق أبي بصير قال: " سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول من مات وهو صحيح موسر لم يحج فهو ممن قال الله عزوجل: ونحشره يوم القيامة... " (* 3). ونحوها غيرها. وسيأتي - إن شاء الله - التعرض لذلك.


(* 1) الوسائل باب: 9 من ابواب وجوب الحج حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 9 من ابواب وجوب الحج حديث: 3. (* 3) الوسائل باب:؟ من ابواب وجوب الحج حديث: 7.

[ 77 ]

[ نعم إذا لم يكن بحد الحرج وجب معه الحج. وعليه يحمل ما في بعض الاخبار: من وجوبه ولو على حمار أجدع مقطوع الذنب (1). (مسألة 5): إذا لم يكن عنده الزاد ولكن كان كسوبا يمكنه تحصيله بالكسب في الطريق لاكله وشربه وغيرهما من بعض حوائجه، هل يجب عليه أولا؟ الاقوى عدمه (2)، وإن كان الاحوط. ] (1) ظاهر ما في هذا البعض: خصوص صورة الحرج والمشقة والمهانة التى يصعب الاقدام عليها، فلا مجال لحمله على ما ذكر. (2) لعدم تحقق الاستطاعة الفعلية. خلافا للمستند، قال فيه: " ولو لم يجد الزاد ولكن كان كسوبا يتمكن من الاكتساب في الطريق لكل يوم قدر ما يكفيه، وظن إمكانه، بجريان العادة عليه من غير مشقة، وجب الحج لصدق الاستطاعة. وعن التذكرة: سقوطه إن كان السفر طويلا لما في الجمع بين الكسب والسفر من المشقة. ولامكان انقطاعه من الكسب وهو منازعة لفظية، لان المفروض امكان الجمع، وجريان العادة بعدم الانقطاع، وإلا فالزاد ايضا قد يسرق... ". لكن المذكور في التذكرة في بيان الشق الثاني: " وإن كان السفر قصيرا، فان كان تكسبه في كل يوم بقدر كفاية ذلك اليوم من غير فضل لم يلزمه الحج، لانه قد ينقطع عن كسبه في ايام الحج فيتضرر. وإن كان كسبه في كل يوم يكفيه لايامه لم يلزمه الحج أيضا للمشقة. ولانه غير واجد لشرط الحج. وهو أحد وجهي الشافعية، والثاني الوجوب. وبه قال مالك مطلقا... ". ومقتضاه عدم الفرق بين السفر الطويل والقصير

[ 78 ]

[ (مسألة 6): إنما يعتبر الاستطاعة من مكانه لا من بلده، فالعراقي إذا استطاع وهو في الشام وجب عليه، وإن لم يكن عنده بقدر الاستطاعة من العراق (1). بل لو مشى إلى ما قبل الميقات متسكعا، أو لحاجة أخرى من تجارة أو غيرها، وكان له هناك ما يمكن أن يحج به وجب عليه. بل لو أحرم متسكعا فاستطاع، وكان أمامه ميقات آخر، أمكن ] في سقوط الوجوب لاشتراك الجميع في ما ذكره أخيرا: من أنه غير واجد لشرط الحج - وهو الاستطاعة الفعلية - كما عرفت. وأما التعليل بالمشقة فالظاهر أنه كان جريا على مذاق المخالفين. (1) قال في المدارك: " ولا يعتبر في الاستطاعة حصولها من البلد فلو اتفق كون المكلف في غير بلده، واستطاع للحج فالعود الى بلده، وجب عليه الحج قطعا... " ونحوه في المستند، وحكاه عن الذخيرة. وبعض المتأخرين في المدارك وغيرها استدل له - مضافا الى صدق الاستطاعة -: بصحيح معاوية بن عمار، قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام): الرجل يمر مجتازا - يريد اليمن أو غيرها من البلدان وطريقه بمكة، فيدرك الناس وهم يخرجون إلى الحج، فيخرج معهم الى المشاهد، فيجزيه ذلك عن حجة الاسلام؟ قال (عليه السلام): نعم " (* 1). لكن دلالة هذا الصحيح غير ظاهرة إذ الظاهر منه كون جهة السؤال عدم قصد الحج من البلد، لا عدم تحقق الاستطاعة منه. فالعمدة: العمومات الدالة على الوجوب على المستطيع. وحكى في المدارك عن الشهيد الثاني: أن من قام في غير بلده إنما يجب عليه الحج إذا كان مستطيعا من بلده. إلا أن تكون إقامته في الثانية على وجه الدوام، أو مع انتقال الفرض، كالمجاور بمكة بعد السنين. وضعفه


(* 1) الوسائل باب: 22 من ابواب وجوب الحج حديث: 2.

[ 79 ]

[ أن يقال بالوجوب عليه، وإن كان لا يخلو عن إشكال (1). (مسألة 7): إذا كان من شأنه ركوب المحمل أو الكنيسة ولم يوجد سقط الوجوب. ولو وجد ولم يوجد شريك للشق الآخر، فان لم يتمكن من أجرة الشقين سقط أيضا، وإن تمكن فالظاهر الوجوب، لصدق الاستطاعة. فلا وجه لما عن العلامة: من التوقف فيه، لان بذل المال له خسران لا مقابل له (2). ] مما ذكر ظاهر. ومن ذلك تعرف وجه الحكم في الفرع الاتي. (1) لانه بعد أن كان إحرامه لغير حج الاسلام صحيحا، فوجوب حج الاسلام - ومنه الاحرام - يتوقف على بطلان إحرامه، أو إبطاله، أو العدول به، وكلها خلاف الاصل. والعدول عن عمرة التمتع إلى حج الافراد - لضيق الوقت، أو لعذر أخر - وكذلك العدول عن الافراد إلى التمتع في بعض المقامات، وإن ثبت بالدليل، لكنه لا يشمل المقام. وعلى تقدير الشمول فلا يختص بما إذا كان أمامه ميقات اخر وبالجملة: سيجئ - إن شاء الله تعالى - أنه لا يجوز لمن أنشأ إحراما لنسك أن ينشئ إحراما اخر إلا بعد تحلله من إحرامه السابق. (2) قال في التذكرة: " الفرع الثالث: إذا وجد شق محمل، ووجد شريكا يجلس في الجانب الاخر لزمه الحج، فان لم يجد الشريك، ولم يتمكن إلا من مؤنة الشق سقط عنه الحج، مع حاجته الى المحمل. وإن تمكن من المحمل بتمامه احتمل وجوب الحج لانه مستطيع، وعدمه لان بذل الزيادة خسران لا مقابل له... ". وجه الاشكال عليه: أن ذلك لا يمنع من صدق الاستطاعة التي هي شرط الوجوب، فيجب حينئذ البذل

[ 80 ]

[ نعم لو كان بذله مجحفا ومضرا بحاله لم يجب (1)، كما هو الحال في شراء ماء الوضوء. (مسألة 8): غلاء أسعار ما يحتاج إليه، أو أجرة المركوب في تلك السنة لا يوجب السقوط (2)، ولا يجوز التأخير عن تلك السنة مع تمكنه من القيمة. بل وكذا لو توقف على الشراء بأزيد من ثمن المثل والقيمة المتعارفة. بل وكذا لو توقف على بيع أملاكه بأقل من ثمن المثل، لعدم وجود راغب في القيمة المتعارفة. فما عن الشيخ: من سقوط الوجوب ضعيف (3). ] وإن لم يكن مقابلا بشئ، ليترتب عليه الواجب. (1) لعموم دليل الحرج، كما سيأتي. (2) كما هو المشهور شهرة عظيمة، ولا سيما بين المتأخرين، كذا في الجواهر. ويقتضيه إطلاق ادلة الوجوب، بعد صدق الاستطاعة. وحكى في الشرائع قولا بالسقوط إذا كان الشراء بأزيد من ثمن المثل، ونسبه في الجواهر وغيرها إلى الشيخ. للضرر، وللسقوط مع الخوف على المال. والفرق: بأن العوض هنا على الناس وهناك على الله تعالى ضعيف. وفيه: أن دليل نفى الضرر مخصص بأدلة الوجوب، وإن توقف على بذل المال. وحمله على غير مثل المقام تقييد من غير مقيد. وسيأتى وجه الفرق بين المقام وبين الخوف على المال. فانتظر. (3) لما عرفت. وفي بعض الحواشي على المتن: أنه لا يبعد السقوط إذا كانت زيادة الثمن اقتراحا من البائع أو المشترى، لا لترقي السعر وتنزله وكأنه: لجريان قاعدة الضرر في الاول دون الثاني، ولذلك استدل الاصحاب

[ 81 ]

[ نعم لو كان الضرر مجحفا بماله مضرا بحاله لم يجب (1)، وإلا فمطلق الضرر لا يرفع الوجوب، بعد صدق الاستطاعة وشمول الادلة. فالمناط هو الاجحاف والوصول إلى حد الحرج الرافع للتكليف. (مسألة 9): لا يكفي في وجوب الحج وجود نفقة الذهاب فقط، بل يشترط وجود نفقة العود إلى وطنه إن أراده، وإن لم يكن له فيه أهل ولا مسكن مملوك ولو ] بقاعدة نفي الضرر على خيار الغبن. وفيه: ما عرفت من أن ادلة الوجوب على المستطيع لما كانت متضمنة لصرف المال كانت أخص من أدلة نفي الضرر، فتكون مخصصة لها. وما اشتهر وتحقق: من أن ادلة نفي الضرر حاكمة على الادلة، فذلك يختص بالادلة المطلقة التي لها فردان ضرري وغير ضررى، فتحكم عليها وتخرج الفرد الضرري عنها، وليس من ذلك أدلة وجوب الحج على المستطيع. ودعوى: أنه لا ضرر مالي في شراء الشئ بقيمة مثله، أو استئجار الشئ بأجرة مثله، لان المال المبذول كان بازائه ما يساويه بحسب القيمة فلم يرد عليه نقص مالي، فلا ضرر. بخلاف شراء الشئ بأكثر من قيمته فانه نقص في المالية، فيكون ضررا منفيا. مندفعة: بان شراء الشئ بقيمته وصرفه فيما لا يحتاج إليه المكلف، أو تركه حتى يذهب لنفسه ويضيع عليه ضرر عليه، فوجوبه تكليف بالضرر، فيكون منفيا. لولا ما عرفت من أن الدليل على الوجوب أخص، فيجب العمل به. (1) على وجه يكون حرجا على المكف، إذ حينئذ يكون منفيا بأدلة نفي الحرج، كما أشار إليه المصنف.

[ 82 ]

[ بالاجارة (1). للحرج في التكليف بالاقامة في غير وطنه المألوف له. نعم إذا لم يرد العود (2)، أو كان وحيدا لا تعلق له بوطن، لم يعتبر وجود نفقة العود. لاطلاق الآية والاخبار في كفاية وجود نفقة الذهاب. وإذا أراد السكنى في بلد آخر غير وطنه لا بد من وجود النفقة إليه إذا لم يكن أبعد من وطنه، وإلا فالظاهر كفاية مقدار العود إلى وطنه (3). (مسألة 10): قد عرفت أنه لا يشترط وجود أعيان ] (1) قال في الشرائع: " والمراد بالزاد: قدر الكفاية من القوت والمشروب، ذهابا وعودا... ". وقال في المدارك: " إطلاق العبارة وغيرها يقتضى اعتبار قدر الكفاية من الزاد والراحلة ذهابا وايابا، سواء كان له أهل وعشيرة يأوي إليهم أم لم يكن، وسوءا كان له في بلده مسكن أم لا. وبهذا التعميم صرح في التذكرة والمنتهى، محتجا بأن في التكليف بالاقامة في غير الوطن مشقة شديدة وحرجا عظيما، فيكون منفيا. وهو حسن في صورة تحقق المشقة لذلك، أما مع انتفائها - كما إذا كان وحيدا لا تعلق له بوطن، أو كان له وطن ولا يريد العود إليه - فيحتمل قويا عدم اعتبار كفاية العود في حقه، تمسكا باطلاق الامر، السالم من معارضة الحرج... ". (2) أو أراد العود إليه، لكن ترك العود لا يوجب حرجا عليه. (3) إذا كان الخروج للحج موجبا للذهاب إلى بلد أبعد من بلده، على نحو لو لم يذهب إليه يقع في الحرج - مثل ما إذا كان يسكن دارا غير مملوكة في بلده قد أباح له المالك سكناها، فإذا خرج الى الحج ارتفعت الاباحة فحينئذ يضطر الى الذهاب الى بلد آخر أبعد من بلده - فاللازم اعتبار الكفاية إلى ذلك البلد.

[ 83 ]

[ ما يحتاج إليه في نفقة الحج من الزاد والراحلة، ولا وجود أثمانها من النقود، بل يجب عليه بيع ما عنده من الاموال لشرائها. لكن يستثنى من ذلك ما يحتاج إليه في ضروريات معاشه فلا تباع دار سكناه اللائقة بحاله (1)، ولا خادمه المحتاج إليه، ولا ثياب تجمله اللائقة بحاله - فضلا عن ثياب مهنته - ولا أثاث بيته من الفراش والاواني وغيرهما مما هو محل حاجته بل ولا حلي المرأة مع حاجتها بالمقدار اللائق بها بحسب حالها في زمانها ومكانها، ولا كتب العلم لاهله التي لابد له منها فيما يجب تحصيله (2). لان الضرورة الدينية أعظم من الدنيوية، ولا آلات الصنايع المحتاج إليها في معاشه، ولا فرس ركوبه مع الحاجة إليه، ولا سلاحه، ولا سائر ما يحتاج إليه. لاستلزام التكليف بصرفها في الحج العسر والحرج (3). ولا يعتبر فيها الحاجة الفعلية. فلا وجه لما عن كشف اللثام: من أن فرسه إن كان صالحا لركوبه في طريق الحج فهو من ] (1) ادعى جماعة الاجماع على ذلك، وكذا في الخادم. واستدل له بدليل نفي العسر والحرج. وعليه فيكون المدار في الامور المذكورة في كلام المصنف وغيره هو ذلك. (2) أو فيما يحتاج إليه في معاشه، فيكون مثل آلات الصناع. (3) قد عرفت أن الادلة المذكورة وإن كانت نافية للتكليف لكنها غير نافية للملاك، فلا تقتضي البطلان أو تكلف المكلف الفعل. لكن سيأتي - إن شاء الله تعالى - التعرض لذلك، وتقدم إمكان الاستفادة مما دل على اعتبار اليسر أو السعة في المال، غير الصادقين مع الحرج والعسر.

[ 84 ]

[ الراحلة، وإلا فهو في مسيره الى الحج لا يفتقر إليه بل يفتقر الى غيره، ولا دليل على عدم وجوب بيعه حينئذ (1). كما لا وجه لما عن الدروس: من التوقف في استثناء ما يضطر إليه، من أمتعة المنزل، والسلاح، وآلات الصنايع (2). فالاقوى استثناء جميع ما يحتاج إليه في معاشه، مما يكون إيجاب بيعه مستلزما للعسر والحرج. نعم لو زادت أعيان المذكورات عن مقدار الحاجة وجب بيع الزائد في نفقة الحج (3). وكذا لو استغنى عنها بعد الحاجة، كما في حلي المرأة إذا كبرت عنه ونحوه. (مسألة 11): لو كان بيده دار موقوفة تكفيه لسكناه، وكان عنده دار مملوكة، فالظاهر وجوب بيع المملوكة (4) إذا كانت وافية لمصارف الحج، أو متممة لها. وكذا في الكتب المحتاج إليها إذا كان عنده من الموقوفة مقدار كفايته، ] (1) فانه - بعد أن نقل عن التذكرة الاجماع على استثناء فرس الركوب - قال: " ولا ارى له وجها، فان فرسه.. إلى آخر قوله: بل يفتقر إلى غيره... ". وجه الاشكال عليه: ان افتقاره إلى غيره في سفر الحج لا ينافي الافتقار إلى بقائه عنده، بحيث لو باعه وقع في الحرج عند الرجوع. (2) قال في الدروس: " فروع ثلاثة: الاول: في استثناء ما يضطر إليه، من أمتعة المنزل، والسلاح، وآلات الصنائع نظر... ". (3) قطعا، كما في الدروس وعن غيرها. لاطلاق الوجوب من غير مقيد. ومنه يعلم الوجه فيما بعده. (4) وفي الدروس: " ولا يجب بيعها لو كان يعتاض عنها بالوقوف

[ 85 ]

[ فيجب بيع المملوكة منها. وكذا الحال في سائر المستثنيات إذا ارتفعت حاجته فيها بغير المملوكة. لصدق الاستطاعة حينئذ إذا لم يكن ذلك منافيا لشأنه، ولم يكن عليه حرج في ذلك. نعم لو لم تكن موجودة، وأمكنه تحصيلها لم يجب عليه ذلك (1)، فلا يجب بيع ما عنده وفي ملكه. والفرق: عدم صدق الاستطاعة في هذه الصورة، بخلاف الصورة الاولى. إلا إذا حصلت بلا سعي، منه أو حصلها مع عدم وجوبه، فانه بعد التحصيل يكون كالحاصل أولا. (مسألة 12): لو لم تكن المستثنيات زائدة عن اللائق بحاله بحسب عينها، لكن كانت زائدة بحسب القيمة، وأمكن تبديلها بما يكون أقل قيمة مع كونه لايقا بحاله أيضا، فهل يجب التبديل للصرف في نفقة الحج أو لتتميمها؟ قولان (2)، من صدق الاستطاعة، ومن عدم زيادة العين عن مقدار الحاجة، ] العامة وشبهها قطعا... "، وفي الجواهر: " الاقوى عدم وجوب بيعها لو كان يمكنه الاعتياض عنها بالاوقاف العامة وشبهها... ". ولعل مرادهما صورة ما إذا كان الاعتياض منافيا لشأنه، أو كان فيه حرج. وإلا فلا وجه ظاهر لما ذكراه، فانه خلاف إطلاق الادلة، كما أشار إليه في المتن. (1) لان تحصيلها تحصيل للاستطاعة، وهو غير واجب. (2) الاول: الوجوب، اختاره في الدروس. قال: " لو غلت هذه المستثنيات، وأمكن الحج بثمنها والاعتياض عنها، فالظاهر الوجوب.. ". ووافقه عليه في الجواهر، حاكيا عن التذكرة والمسالك وغيرهما التصريح

[ 86 ]

[ والاصل عدم وجوب التبديل. والاقوى الاول إذا لم يكن فيه حرج أو نقص عليه (1)، وكانت الزيادة معتدا بها، كما إذا كانت له دار تسوى مائة، وأمكن تبديلها بما يسوى خمسين، مع كونه لايقا بحاله من غير عسر، فانه يصدق الاستطاعة. نعم لو كانت الزيادة قليلة جدا بحيث لا يعتنى بها، أمكن دعوى عدم الوجوب (2)، وإن كان الاحوط التبديل أيضا. (مسألة 13): إذا لم يكن عنده من الاعيان المستثنيات لكن كان عنده ما يمكن شراؤها به من النقود أو نحوها، ففي جواز شرائها وترك الحج إشكال. بل الاقوى عدم جوازه، ] به. قال في الجواهر: " لما عرفت، من أن الوجه في استثنائها الحرج ونحوه، ما لا يأتي في الفرض، لا النص كي يتمسك باطلاقه... ". والقول الثاني للكركي، على ما في الجواهر، واحتمله في كشف اللثام. قال: " ويحتمل العدم كالكفارة، لان اعيانها لا تزيد على الحاجة، والاصل عدم وجوب الاعتياض، وقد يوجب الحرج العظيم... ". والاشكال عليه ظاهر مما في المتن، لان محل الكلام صورة عدم الحرج. والاصل لا يعارض الاطلاق المقتضى للوجوب. وكون الاعيان لا تزيد على الحاجة إنما يصح التعليل به لو كان دليل لفظي يدل على استثنائها، والمفروض عدمه، كما اشار إليه في الجواهر. اللهم إلا ان يقال: إن دليل اعتبار الزاد والراحلة منصرف عن الاعيان المحتاج إليها، والمفروض أنها منها. لكن هذا الانصراف غير ظاهر. (1) إذ لم يرجع النقص إلى الحرج فلا دليل على استثنائه. (2) كأنه لانصراف الدليل.

[ 87 ]

[ إلا أن يكون عدمها موجبا للحرج عليه، فالمدار في ذلك هو الحرج وعدمه (1). وحينئذ فان كانت موجودة عنده لا يجب بيعها إلا مع عدم الحاجة، وإن لم تكن موجودة لا يجوز شراؤها إلا مع لزوم الحرج في تركه. ولو كانت موجودة وباعها بقصد التبديل بآخر لم يجب صرف ثمنها في الحج، فحكم ثمنها حكمها. ولو باعها لا بقصد التبديل وجب - بعد البيع - صرف ثمنها في الحج، إلا مع الضرورة إليها على حد الحرج في عدمها (2). (مسألة 14): إذا كان عنده مقدار ما يكفيه للحج، ] (1) فان المسألتين من باب واحد، إذ إطلاق وجوب الحج على من له زاد وراحلة كما يشمل من له الاعيان المحتاج إليها، ويكون مخصصا بدليل نفي الحرج، يشمل من كان محتاجا إليها وكان له مال يمكن شراؤها به، فانه ايضا يكون مخصصا بدليل نفي الحرج. نعم قد تفترق المسألتان باعتبار أن البيع لما عنده أصعب من عدم شراء ما ليس عنده في نظر العقلاء. ولا سيما إذا جرت عادته على استعمال، بحيث يكون ترك استعماله صعبا عليه لصعوبة ترك العادة، وحينئذ قد يحصل الحرج في البيع ولا يحصل الحرج في ترك الشراء. ولعله إلى ذلك نظر من فرق بين المسألتين. ثم إن الشهيد (ره) في الدروس قال: " لو لم تكن له هذه المستثنيات، وملك مالا يستطيع به صرف فيها، ولا يجب عليه الحج... " والجمع بينه وبين ما ذكره سابقا في الفرع الاول غير ظاهر، إذ الحكم باستثناء الاثمان يستوجب الحكم باستثناء الاعيان بالطريق الاولى. (2) ظاهره الفرق بين البيع بقصد التبديل وعدمه، مع انه لا فرق

[ 88 ]

[ ونازعته نفسه إلى النكاح، صرح جماعة (1) بوجوب الحج وتقديمه على التزويج، بل قال بعضهم: وإن شق عليه ترك التزويج (2). والاقوى - وفاقا لجماعة أخرى - عدم وجوبه، مع كون ترك التزويج حرجا عليه، أو موجبا لحدوث مرض (3). ] بينهما، فانه مع الضرورة إليها لا يجب صرف ثمنها في الحج مطلقا، ومع عدم الضرورة يجب صرف ثمنها في الحج مطلقا أيضا. اللهم إلا أن يقال: إذا باع لا بقصد التبديل فقد اقدم على الحرج، ومع الاقدام على الحرج لا مجال لتطبيق دليل نفى الحرج. وفيه: أنه اقدم على الحرج على أن تكون أثمانها باقية عنده، لا مطلقا، فوجوب الحج حينئذ تكليف حرجي بلا إقدام من المكلف عليه. مع أنه بناء على ذلك لا يكون وجه لقوله: " إلا مع الضرورة ". فإذا عبارة المتن لا تخلو من تشويش. (1) منهم: المحقق في الشرائع، والعلامة في القواعد والمنتهى، وحكاه في كشف اللثام عن الخلاف والمبسوط. (2) صرح بذلك في الشرائع والقواعد، مستدلين على ذلك: بأن الحج من الاستطاعة واجب، والنكاح مندوب، والمندوب لا يعارض الواجب. (3) قال في الدروس: " أما النكاح - تزويجا أو تسريا - فالحج مقدم عليه وإن شق تركه. الا مع الضرورة الشديدة.. " ونحوه ما في المنتهى وعن التحرير، مع التعبير بالمشقة العظيمة. أقول: لا ينبغي التأمل في عدم الاستطاعة حينئذ، لما دل على نفي العسر والحرج، كما في الموارد المتقدمة في المسائل السابقة. ولعل مراد القائلين بالجواز غير هذه الصورة وإن صرحوا بالمشقة، لاحتمال أن يكون المراد من المشقه المشقة اليسيرة، كما يظهر ذلك من ملاحظة ما في الدروس. وإلا فلو كان المراد منها الحرج لم يكن وجه للفرق بين الشديدة وغيرها.

[ 89 ]

[ أو للوقوع في الزنى، ونحوه (1). نعم لو كانت عنده زوجة واجبة النفقة ولم يكن له حاجة فيها، لا يجب أن يطلقها ويصرف مقدار نفقتها في تتميم مصرف الحج، لعدم صدق الاستطاعة عرفا (2). (مسألة 15): إذا لم يكن عنده ما يحج به، ولكن كان له دين على شخص بمقدار مؤنته أو بما تتم به مؤنته، فاللازم اقتضاؤه وصرفه في الحج إذا كان الدين حالا، وكان المديون باذلا، لصدق الاستطاعة حينئذ (3). وكذا إذا كان مماطلا ] وكيف كان فالحكم - كما ذكر في المتن - إن بلغ ترك التزويج حد الحرج انتفت الاستطاعة، وإلا فهو مستطيع، ويجب عليه الحج. (1) كما في المدارك. والاول مانع من جهة ان الاضرار بالنفس حرام، فيرجع إلى الثاني. والمنع فيهما حينئذ مبنى على أن أدله الواجبات والمحرمات رافعة لموضوع الاستطاعة، فيرتفع الوجوب. وسيأتى التعرض لذلك في بعض المسائل، فانتظر (2) كما يأتي في المسألة اللاحقة. (3) قد عرفت ان الاستطاعة - التي أخذت شرطا للوجوب - قد فسرت بالنصوص: بأن يكون له زاد وراحلة، أو أن يكون له ما يحج به. ومقتضى إطلاقها وجوب الحج بمجرد ان يكون له مال، سواء كان ممنوعا من التصرف فيه أم لا. لكن المفهوم من جملة أخرى من النصوص: اعتبار القدرة الفعلية على المال، شرعية وعرفية، ففي صحيح معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام): " قال: قال الله تعالى: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا...). قال (عليه السلام): هذه لمن كان

[ 90 ]

عنده مال وصحة.. (إلى ان قال) (عليه السلام): إذا هو يجد ما يحج به " (* 1) وفي صحيح الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام): " قال: إذا قدر الرجل على ما يحج به، ثم دفع ذلك وليس له شغل يعذره به، فقد ترك شريعة من شرائع الاسلام " (* 2)، وفي خبر علي بن أبي حمزة عن أبي عبد الله (عليه السلام): " أنه قال: من قدر على ما يحج به، وجعل يدفع ذلك وليس له عنه شغل يعذره الله تعالى فيه حتى جاء الموت، فقد ضيع شريعة من شرائع الاسلام " (* 3). وعلى هذا فالمعتبر في الوجوب أمران: الاول: ان يملك الزاد والراحلة. الثاني: أن يكون قادرا على ذلك قدرة فعلية، فإذا انتفى الاول ولكن كان قادرا عليه كان قادرا على الاستطاعة لا مستطيعا، وإذا كان مالكا ولم يكن قادرا عليه قدرة فعلية لكن كان قادرا على تحصيل القدرة الفعلية ايضا لا يكون مستطيعا بل يكون قادرا عليها. ومن ذلك يظهر الاشكال فيما إذا كان المديون مماطلا، وتوقف استنقاذ الدين على الاستعانة بالحاكم الجائر أو الحاكم الشرعي أو غيرهما، فانه مع المماطلة لا قدرة فعليه. نعم القدرة على الاستعانة بالمذكورين قدرة على تحصيل الاستطاعة، فلا يجب معها الحج، كما أشار إلى ذلك بعض الاعاظم في حاشيته. لكن قال في الشرائع: " لو كان له دين، وهو قادر على اقتضائه وجب عليه... ". وفي الجواهر: " لانه مستطيع بذلك. وإن كان قد يقوى في النظر عدمها مع التوقف على حاكم الجور، للنهي عن الركون إليه والاستعانة به، وإن حملناه على الكراهة مع التوقف عليه، ترجيحا لما دل على


(* 1) الوسائل باب: 6 من ابواب وجوب الحج حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 6 من ابواب وجوب الحج حديث: 3. (* 3) الوسائل باب: 6 من ابواب وجوب الحج حديث: 9.

[ 91 ]

وامكن إجباره باعانة متسلط، أو كان منكرا وأمكن إثباته عند الحاكم الشرعي وأخذه بلا كلفة وحرج. بل وكذا إذا توقف استيفاؤه على الرجوع إلى حاكم الجور - بناء على ما هو الاقوى من جواز الرجوع إليه مع توقف استيفاء الحق عليه - لانه حينئذ يكون واجبا بعد صدق الاستطاعة، لكونه مقدمة للواجب المطلق. وكذا لو كان الدين مؤجلا، وكان المديون باذلا قبل الاجل لو طالبه. ومنع صاحب الجواهر الوجوب حينئذ، بدعوى: عدم صدق الاستطاعة. محل منع (1). ] الجواز - بالمعنى الشامل للوجوب - من دليل المقدمة وغيره. ومثله لا تتحقق معه الاستطاعة، بعد فرض أن الجواز المزبور كان بعد ملاحظة المعارضة بين ما دل على المنع وما دل على خلافه، من المقدمة وغيرها... ". وما ذكره غير ظاهر، إلا إذا لم نقل بجواز الرجوع إلى الجائر، إذ حينئذ يكون دليل المنع رافعا للاستطاعة، فلا وجوب كي يزاحم حرمة الرجوع. أما إذا قلنا بالجواز اعتمادا على أدلة الجواز، مع انحصار استنقاذ الحق به، فحينئذ لا رافع للاستطاعة كي يرتفع الوجوب. فالعمدة في وجه عدم الوجوب ما ذكرنا. ولاجله لا فرق بين حاكم الجور وحاكم العدل. (1) قال: " ولو كان مؤجلا، وبذله المديون قبل الاجل، ففي كشف اللثام: وجب الاخذ، لانه بثبوته في الذمة وبذل المديون له بمنزلة المأخوذ، وصدق الاستطاعة، ووجدان الزاد والراحلة عرفا بذلك. وفيه: أنه يمكن منع ذلك كله... " أقول: الظاهر أن محل كلامه صورة ما إذا بذل المديون الدين بلا مطالبة، ولا توقف على المطالبة، وفي هذه الصورة لا ينبغي التأمل في

[ 92 ]

[ وأما لو كان المديون معسرا أو مماطلا لا يمكن إجباره، أو منكرا للدين ولم يمكن إثباته، أو كان الترافع مستلزما للحرج أو كان الدين مؤجلا مع عدم كون المديون باذلا فلا يجب (1). بل الظاهر عدم الوجوب لو لم يكن واثقا ببذله مع المطالبة (2). ] صدق الاستطاعة، لانه مالك للزاد والراحلة، وقادر بالبذل. ودعوى: أنه متبرع بالبذل، فلا يجب على الدائن قبوله، نظير الهبة التى لا يجب على المتهب قبولها. فيها: أن في الهبة يكون الملك موقوفا على الهبة، والهبة موقوفة على القبول، وهو غير واجب، إذ لا موجب له. وهنا الملك حاصل بالفعل، غاية الامر ان المديون له التأخير إلى الاجل، فإذا بذل وجب على الدائن القبول. نعم لا يجب عليه القبول إذا كان التأجيل شرطا له لا للمديون خاصة. لكن إذا لم يكن مانع من جهة المديون تحققت القدرة الفعلية، وحينئذ لا يجوز له التأجيل وإن كان شرطا له. ومن ذلك يظهر لك الاشكال فيما في حاشية بعض الاعاظم على المقام. فلاحظ. وأما إذا كان البذل موقوفا على المطالبة، فلم يتعرض له في الجواهر. والحكم فيه - بناء على ما ذكرنا - عدم الوجوب، لانه لا يستحق على المديون بذل الدين الذي به تتحقق الاستطاعة، والمفروض أنه يتوقف على المطالبة فتكون الاستطاعة موقوفة على المطالبة، فالوجوب موقوف عليها، فلا يقتضى وجوبها، نظير ما لو توقف البذل المجاني على المطالبة. (1) قال في المدارك: " ومتى امتنع الاقتضاء، إما لتأجيل الدين، أو لكونه على جاحد ولم يكن له سواه، لم يجب عليه الحج لان الاستطاعة غير حاصله... ". ونحوه كلام غيره. هذا إذا لم تمكن الاستدانة، وأما إذا أمكنت فسيأتي الكلام فيه في المسألة الاتية. (2) مقتضى قاعدة الشك في التكليف وإن كان ما ذكر، لكن بناءهم

[ 93 ]

[ (مسألة 16): لا يجب الاقتراض للحج إذا لم يكن له مال، وإن كان قادرا على وفائه بعد ذلك بسهولة، لانه تحصيل للاستطاعة (1)، وهو غير واجب. نعم لو كان له مال غايب لا يمكن صرفه في الحج فعلا، أو مال حاضر لا راغب في شرائه، أو دين مؤجل لا يكون المديون باذلا له قبل الاجل، وأمكنه الاستقراض والصرف في الحج ثم وفاؤه بعد ذلك فالظاهر وجوبه (2)، لصدق الاستطاعة حينئذ ] في المقام على الاحتياط، نظير الشك في القدرة في سائر الواجبات المطلقة. ومن هنا كان بناءهم على وجوب السفر إلى الحج وان لم يكن واثقا بالسلامة ولا بالصحة، ولا بسلامة ماله. فتأمل. (1) هذا غير ظاهر، لان الاستدانة لا توجب الاستطاعة كلية، كما يأتي. (2) قال في المدارك - بعد عبارته السابقة -: " ولا تجب الاستدانة. ويحتمل قويا: الوجوب إذا كان بحيث يمكنه الاقتضاء بعد الحج، كما إذا كان عنده مال لا يمكنه الحج به... ". وفيه: ما عرفت من أن القدرة على المال، وكونه عنده شرط في الاستطاعة، وفي الفرض منتفية. وأما ما ذكره من المثال، فان كان المراد منه عدم إمكان صرف عينه في الحج - كما هو الغالب - فالفرق بينه وبين ما نحن فيه ظاهر، فان المال المذكور تحت قدرة المكلف. غاية الامر: أنه لا يمكن صرف عينه في سبيل الحج، ولا يعتبر ذلك اجماعا، كما تقدم. وأما إذا كان المراد صورة ما إذا لم يمكن التصرف فيه ولو ببدله، كما إذا لم يمكن بيعه لعدم حصول راغب فيه، فوجوب الاستدانة لوجوب الحج حينئذ غير ظاهر، وإن جزم في الدروس بذلك. قال: " وتجب الاستدانة عينا إذا تعذر بيع ماله وكان وافيا

[ 94 ]

[ عرفا. إلا إذا لم يكن واثقا بوصول الغائب أو حصول الدين بعد ذلك، فحينئذ لا يجب الاستقراض، لعدم صدق الاستطاعة في هذه الصورة. (مسألة 17): إذا كان عنده ما يكفيه للحج، وكان عليه دين، ففي كونه مانعا عن وجوب الحج مطلقا - سواء كان حالا مطالبا به أولا، أو كونه مؤجلا - أو عدم كونه مانعا إلا مع الحلول والمطالبة، أو كونه مانعا إلا مع التأجيل أو ] بالقضاء... ". وجه الاشكال فيه: أنه مع تعذر البيع يصدق أنه ليس عنده ما يحج به، ولو ببدله ونحوه، فكيف يكون مستطيعا حينئذ؟ ومن ذلك يظهر الاشكال فيما ذكره في المتن في المال الحاضر الذي لا راغب في شرائه، وفي الدين المؤجل الذي لا يكون المديون باذلا له، إذ في الموردين المذكورين لا قدرة على ما يحج به، وإن اختلفا في جهة اخرى، فان الدين ليست عينه تحت القدرة اصلا، والمال الحاضر تحت القدرة، لكنه لا يمكن الحج به من كل وجه. وأما المال الغائب فان كان تحت يده - ولو بتوسط وكيله ونحوه - فهو كالمال الحاضر، إن امكن تبديله - ببيع ونحوه - كان به مستطيعا وإلا فلا. وإن لم يكن تحت يده اصلا - كما لو مات له مورث في مكان بعيد عنه - فحاله حال المغصوب الذي لا يصدق أنه عنده وفي يده، ولا يكون به مستطيعا حينئذ. والمتحصل: أن المستفاد من النصوص أنه يعتبر في الاستطاعة أمور: الملك للمال، وكونه عنده، وكونه مما يمكن الاستعانة به على السفر. ويظهر الاول من قولهم (عليهم السلام): " أن يكون له زاد وراحلة ". (* 1) ويظهر


(* 1) نقل بالمعنى لما رواه في الوسائل باب: 8 من ابواب وجوب الحج حديث: 4، 5، 7.

[ 95 ]

[ الحلول مع عدم المطالبة، أو كونه مانعا إلا مع التأجيل وسعة الاجل للحج والعود أقوال (1). والاقوى كونه مانعا، إلا ] الثاني من قولهم (عليهم السلام): " إذا قدر على ما يحج به " (* 1) أو " كان عنده ما يحج به " (* 2) أو " وجد ما يحج به " (* 3). ويظهر الشرط الاخير من ذكر باء الاستعانة في قولهم (عليهم السلام): أن يكون عنده ما يحج به. فإذا لم يكن له ملك فليس بمستطيع، وإذا كان ولكن ليس عنده - كالعبد الآبق، والدين المؤجل - فليس بمستطيع وإن أمكنه تبديله، وإذا كان عنده ولكن لم يمكن تبديله بنحو يستعين به في السفر ولو ببدله - كالمال المرهون والمال الحاضر الذي لا يرغب أحد في شرائه - فليس بمستطيع. (1) اختار الاول في الشرائع. قال (ره): " ولو كان له مال، وعليه دين بقدره لم يجب إلا ان يفضل عن دينه ما يقوم بالحج... " وفي القواعد: " والمديون يجب عليه الحج ان فضل ماله عما عليه - وإن كان مؤجلا - بقدر الاستطاعة، وإلا فلا... ". وفي الدروس: " والمديون ممنوع، إلا أن يستطيع بعد قضائه، مؤجلا كان أو حالا... ". وفي المنتهى - بعد ان صرح بالتعميم - استدل عليه بعدم تحقق الاستطاعة مع الحلول، وتوجه الضرر مع التأجيل. واختار الثاني في المدارك. قال في رد استدلال المنتهى: " ولمانع أن يمنع توجه الضرر في بعض الموارد كما إذا كان الدين مؤجلا، أو حالا لكنه غير مطالب به وكان للمديون وجه للوفاء بعد الحج. ومتى انتفى الضرر، وحصل التمكن من الحج تحققت الاستطاعة المقتضية للوجوب... ".


(* 1) الوسائل باب: 6 من أبواب وجوب الحج حديث: 3، 9 وهو منقول بالمعنى. (* 2) الوسائل باب: 6 من أبواب وجوب الحج حديث: 8. وهو منقول بالمعنى. (* 3) الوسائل باب: 6 من أبواب وجوب الحج حديث: 11. وهو منقول بالمعنى.

[ 96 ]

[ مع التأجيل والوثوق بالتمكن من أداء الدين إذا صرف ما عنده في الحج. وذلك لعدم صدق الاستطاعة في غير هذه الصورة (1)، ] لكن اعتبر في الحال غير المطالب به وجود وجه للوفاء بعد الحج. وأما الثالث فراجع إلى الثاني، ولا ينبغى عده قولا مقابلا له. وأما الرابع فاختاره في كشف اللثام. قال: " وللشافعية في المؤجل بأجل: وجه بالوجوب، ولا يخلو من قوة ". وفي الجواهر: " هو - يعني: القول بالوجوب - جيد في المؤجل، دون الحال وإن لم يطالب به صاحبه، الذي قد خوطب المديون بوفائه قبل الخطاب بالحج. فتأمل ". قال في المستند: " ولم اعثر للقدماء على قول في المسألة، وكذا كثير من المتأخرين نعم تعرض لها جماعة منهم، وهم بين مصرح بعدم الوجوب إذا لم يفضل عن دينه نفقة الحج، من غير تعرض للمعجل أو المؤجل - كما في الجامع وبعض كتب الفاضل - ومصرح بعدمه مع التعجيل والتأجيل - كالمنتهى والتحرير والدروس - وظاهر المدارك وكشف اللثام والذخيرة: التردد في بعض الصور. وعن المحقق الاردبيلي: الوجوب. والظاهر أنه مذهب القدماء، حيث لم يتعرضوا لاشتراط الخلو عن الدين. وهو الحق، لصدق الاستطاعة عرفا. والمستفيضة المصرحة: بأن الاستطاعة ان يكون له مال يحج به.. إلى ان قال: ولا شك أن من استدان مالا على قدر الاستطاعة يكون ذلك ملكا له، فيصدق عليه ان عنده مالا، وله ما يحج به من المال. للانفاق على ان ما يقرض ملك للمديون، ولذا جعلوا من ايجاب صيغة القرض: " ملكتك "، وصرحوا بجواز بيعه وهبته وغير ذلك من انحاء التصرف. والاخبار المتضمنة لوجوب الحج على من عليه دين بقول مطلق... ". (1) هذا الاستدلال لا يخلو من إجمال، وكان الاولى التعرض لما يعتبر في الاستطاعة ليتضح حصوله في المقام وعدمه. وقد عرفت سابقا أن

[ 97 ]

[ وهي المناط في الوجوب، لا مجرد كونه مالكا للمال (1). وجواز التصرف فيه بأي وجه أراد، وعدم المطالبة في صورة الحلول أو الرضا بالتأخير لا ينفع في صدق الاستطاعة. نعم لا يبعد الصدق إذ كان واثقا بالتمكن من الاداء، مع فعلية الرضا بالتأخير من الداين. والاخبار الدالة على جواز الحج لمن عليه دين (2) لا تنفع في الوجوب، وفي كونه حجة الاسلام ] الظاهر من روايتي أبي الربيع و عبد الرحيم القصير: اعتبار السعة واليسار (* 1) وهما غير حاصلين مع الدين إذا لم يزد ما يحتاج إليه في الحج على ما يقابل الدين، من غير فرق بين المؤجل والحال، مع المطالبة وبدونها. ومجرد القدرة بعد ذلك على الوفاء في المؤجل وفي الحال مع الرضا بالتأخير، غير كاف في صدق السعة واليسار فعلا. ومن ذلك يظهر أن الاقوى ما ذكره في الشرائع وغيرها. (1) هذا تعرض لما في المستند، وكذا ما بعده. (2) مثل صحيح معاوية بن وهب عن غير واحد: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام): يكون علي الدين، فيقع في يدي الدراهم فان وزعتها بينهم لم يبق شئ، أفأحج بها أو اوزعها بين الغرماء؟ فقال (عليه السلام): تحج بها، وادع الله تعالى أن يقضى عنك دينك " (* 2). ونحوه صحيح الحسين بن زياد العطار (* 3) ودلالتها على الجواز بالمعنى الاعم الشامل للوجوب ظاهرة. ولذلك يشكل الاستدلال بها - كما في المستند - على الوجوب، فضلا عن كون الحج حج الاسلام.


(* 1) الوسائل باب: 9 من ابواب وجوب الحج حديث: 1، 3. (* 2) الوسائل باب: 50 من ابواب وجوب الحج حديث: 10. (* 3) الوسائل باب: 50 من ابواب وجوب الحج ملحق حديث: 10.

[ 98 ]

[ وأما صحيح معاوية بن عمار عن الصادق (عليه السلام): " عن رجل عليه دين، أعليه أن يحج؟ قال: نعم، إن حجة الاسلام واجبة على من أطاق المشي من المسلمين " (* 1)، وخبر عبد الرحمن عنه (عليه السلام): أنه قال: الحج واجب على الرجل وإن كان عليه دين " (* 2). فمحمولان على الصورة التي ذكرنا (1). أو على من استقر عليه الحج سابقا. وإن كان لا يخلو من إشكال، كما سيظهر (2) فالاولى الحمل الاول (3). وأما ما يظهر من صاحب المستند (4): من أن كلا من أداء الدين والحج واجب، فاللازم - بعد عدم الترجيح - التخيير بينهما في صورة الحلول مع المطالبة، أو التأجيل مع عدم سعة الاجل للذهاب والعود، وتقديم الحج في صورة الحلول مع الرضا بالتأخير، أو التأجيل مع سعة الاجل للحج والعود ولو مع ] (1) يعني: التي اختار الوجوب فيها. (2) في آخر المسألة. (3) بل هو بعيد. وكان الاولى البناء على طرح هذه النصوص، لمعارضتها بغيرها، كما تقدم في مسألة: اعتبار الزاد والراحلة في تحقق الاستطاعة (4) قال: " فالوجه أن يقال: إن مع التعجيل أو عدم سعة الاجل هو مخير بين الحج ووفاء الدين، سواء علمت المطالبة ام لا. نعم لو علم رضا الدائن بالتأخير فلا يكون مأمورا بالوفاء، فيبقى خطاب الحج خاليا عن المعارض فيكون وجبا... ".


(* 1) الوسائل باب: 11 من ابواب وجوب الحج حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 50 من ابواب وجوب الحج حديث: 4.

[ 99 ]

[ عدم الوثوق بالتمكن من اداء الدين بعد ذلك، حيث لا يجب المبادرة إلى الاداء فيهما، فيبقى وجوب الحج بلا مزاحم. ففيه: أنه لا وجه للتخيير في الصورتين الاوليين، ولا لتعيين تقديم الحج في الاخيرتين، بعد كون الوجوب - تخييرا أو تعيينا - مشروطا بالاستطاعة، الغير الصادقة في المقام. خصوصا مع المطالبة وعدم الرضا بالتأخير (1). مع أن التخيير فرع كون الواجبين مطلقين وفي عرض واحد، والمفروض أن وجوب أداء الدين مطلق، بخلاف وجوب الحج فانه مشروط بالاستطاعة الشرعية. نعم لو استقر عليه وجوب الحج سابقا فالظاهر التخيير، لانهما حينئذ في عرض واحد. وإن كان يحتمل تقديم الدين إذا كان حالا مع المطالبة أو مع عدم الرضا بالتأخير لاهمية حق الناس من حق الله. لكنه ممنوع، ولذا لو فرض كونهما عليه بعد الموت يوزع المال عليهما ولا يقدم دين الناس (2) ويحتمل تقديم الاسبق منهما في الوجوب. ] (1) حاصل الاشكال: أن التزاحم إنما يكون بين الواجبين المطلقين وفي المقام وجوب الحج مشروط بالاستطاعة، وهي منتفية مع وجوب وفاء الدين فيكون الوجوب المذكور واردا على وجوب الحج، لا مزاحما له. (2) يعنى: أن توزيع التركة على الحج والدين بعد الوفاة يدل على عدم الاهمية للدين، وإلا لزم تقدم الدين على الحج. وفي بعض الحواشي الاشكال على ذلك: بأن الدين والحج لما تعلقا - بعد الموت - بأعيان التركة لم يبق لرعاية الاهمية موقع. وفيه: أنه إذا كان الدين أهم كان اللازم ان لا يتعلق الحج بالتركة مع المزاحمة بالدين، كما لم يتعلق الميراث مع المزاحمة

[ 100 ]

للوصية، ولا الوصية مع المزاحمة للدين، ولا الدين مع المزاحمة لتجهيز الميت فتعلق الحج والدين معا مع المزاحمة يدل على عدم أهمية الدين من الحج. وقد تقدم في مبحث قضاء الصلوات: الاحتجاج على أهمية حق الله تعالى بما ورد، من أن حق الله أحق أن يقضى، وتقدم الاشكال فيه هناك (* 1) فما اشتهر من أهمية حق الناس من حق الله تعالى دليله غير ظاهر. وكأنه لما ورد: " من أن الذنوب ثلاثة: ذنب يغفر، وذنب لا يغفر وذنب لا يترك. فالذي يغفر ظلم الانسان نفسه، والذي لا يغفر ظلم الانسان ربه، والذي لا يترك ظلم الانسان غيره " (* 2). وفيه أن الدلالة على ذلك غير ظاهرة، إذ لا تعرض فيه للاهمية، وإنما تعرضه للغفران، وأن ظلم الانسان نفسه يغفر وإن كان له من الاهمية ماله، وظلم الانسان غيره لا يغفر إلا بمراجعة صاحب الحق وإن لم يكن له شئ من الاهمية ما دام أنه حق للغير. فالحديث الشريف متعرض لغير ما نحن فيه. وبالجملة: فهذا الحكم المشهور غير ظاهر، وإن كان تساعده مرتكزات المتشرعة. لكن في بلوغ ذلك حد الحجية تأمل. نعم إذا كان الواجب الشرعي له يدل عند العجز، فدليل حق الناس يقتضى الانتقال إلى البدل لانه ينقح العجز الذي هو موضوع البدلية. أما في غير ذلك فغير ظاهر، وإن كان الظاهر التسالم على عدم وجوب الحج أو الصلاة أو الصوم إذا توقف أداؤها على التصرف في مال الغير. لكن لم يثبت أن ذلك الاهمية حق الناس على حق الله تعالى، فان الظاهر التسالم ايضا على عدم وجوب أداء الزكاة أو الخمس أو الكفارات إذا توقف على ذلك، مع أنها من حق


(* 1) لاحظ المسألة: 3 من فصل صلاة الاستيجار من الجزء: 7 من هذا الشرح. (* 2) لم نعثر على النص المذكور في مظانه، والمروى في الوسائل باب: 78 من ابواب جهاد النفس حديث: 1 قريب من ذلك. وقريب منه - أيضا - ما في نهج البلاغة.

[ 101 ]

[ لكنه أيضا لا وجه له، كما لا يخفى (1). (مسألة 18): لا فرق - في كون الدين مانعا من وجوب الحج - بين أن يكون سابقا على حصول المال بقدر الاستطاعة أولا (2)، كما إذا استطاع للحج، ثم عرض عليه دين، بأن أتلف مال الغير - مثلا - على وجه الضمان من دون تعمد (3)، قبل خروج الرفقة، أو بعده قبل أن يخرج هو، أو بعد خروجه قبل الشروع في الاعمال. فحاله حال تلف المال من دون دين، فانه يكشف عن عدم كونه مستطيعا. (مسألة 19): إذا كان عليه خمس أو زكاة، وكان عنده مقدار ما يكفيه الحج لولاهما، فحالهما حال الدين مع المطالبة، لان المستحقين لهما مطالبون، فيجب صرفه فيهما ولا يكون مستطيعا. وإن كان الحج مستقرا عليه سابقا تجئ الوجوه المذكورة، من التخيير، أو تقديم حق الناس، أو تقديم الاسبق. هذا إذا كان الخمس أو الزكاة في ذمته، وأما ] الناس. وكذا الحال في وفاء الدين إذا توقف على ذلك. (1) كما عرفت سابقا: من أن التقدم الزماني لا يوجب الترجيح في مقام الامتثال. (2) فان المعتبر في الوجوب الاستطاعة حدوثا وبقاء، وكما ان الدين السابق مانع عن الاستطاعة حدوثا. كذلك الدين اللاحق، فانه مانع عنها بقاء، فيوجب نفي التكليف على كل حال. (3) أما مع التعمد فلا يسقط الوجوب، لتحقق الاستطاعة، وسيأتي الكلام فيه.

[ 102 ]

[ إذا كانا في عين ماله فلا إشكال في تقديمهما على الحج، سواء كان مستقرا عليه أولا (1). كما أنهما يقدمان على ديوان الناس أيضا (2). ولو حصلت الاستطاعة والدين والخمس والزكاة معا فكما لو سبق الدين (3). (مسألة 20): إذا كان عليه دين مؤجل بأجل طويل جدا - كما بعد خمسين سنة - فالظاهر عدم منعه عن الاستطاعة (4) وكذا إذا كان الديان مسامحا في أصله، كما في مهور نساء أهل الهند، فانهم يجعلون المهر مالا يقدر الزوج على أدائه - كمائة ألف روبية، أو خمسين ألف - لاظهار الجلالة، وليسوا مقيدين بالاعطاء والاخذ، فمثل ذلك لا يمنع من الاستطاعة ووجوب ] (1) لان التعلق بالعين مانع عن التصرف فيها على خلاف مقتضى الحق، وكما لا يسوغ التصرف في العين المغصوبة لا يجوز التصرف في موضوع الحق. ووجوب الحج مهما كان له أهمية في نظر الشارع فلا يستوجب الولاية على مال الغير. نعم إذا كان الحج مستقرا في ذمته تقع المزاحمة بين وجوبه وحرمة التصرف في مال الغير، والظاهر أنه لا إشكال عندهم في تقديم الحرمة على الوجوب في مثله. هذا إذا كان الحج مستقرا في ذمة المكلف، أما إذا لم يكن كذلك فالحرمة رافعة للاستطاعة، فيرتفع الوجوب. (2) لعين ما ذكر، فان وجوب وفاء الدين لا يشرع التصرف في مال الغير. (3) فانهما يرفعان الاستطاعة ويمنعان عنها كما لو سبقا بمناط واحد. ولاجل ذلك لا يحسن التعبير بحصول الاستطاعة والدين، ولكن المراد معلوم. (4) لعدم الاعتداد به عند العرف.

[ 103 ]

[ الحج. وكالدين ممن بناؤه على الابراء، إذا لم يتمكن المديون من الاداء، أو واعده بالابراء بعد ذلك (1). (مسألة 21): إذا شك في مقدار ماله وأنه وصل إلى حد الاستطاعة أولا، هل يجب عليه الفحص أولا؟ وجهان، أحوطهما ذلك (2). وكذا إذا علم مقداره وشك في مقدار مصرف الحج، وأنه يكفيه أولا. ] (1) هذا يناسب مبنى المصنف (ره) في المسأله، من أن الوثوق بالتمكن من الوفاء كاف في تحقق الاستطاعة. وعليه لا بد أن يكون الوعد بالابراء بنحو يوجب الوثوق بالوفاء بالوعد. لكن عرفت إشكال المبنى، وأن هذا المقدار لا يوجب صدق السعة واليسر. نعم إذا كان الوثوق بلغ حدا يوجب عدم الاعتداد بالدين، فلا يبعد حينئذ تحقق اليسر والسعة. (2) من المعلوم أن الشبهة في المقام موضوعية، وقد اشتهر عدم وجوب الفحص في الشبهات الموضوعية كلية، لاطلاق ادلة الاصول الشرعية كاستصحاب العدم، وأصالة الحل، ونحوهما مما يقتضي نفي التكليف. وكذا البراءة العقلية، بناء على عمومها للشك في التكليف إذا كان بتقصير المكلف بأن يكون المراد من عدم البيان - المأخوذ موضوعا لقاعدة قبح العقاب بلا بيان - ما هو أعم مما كان بترك الفحص وطلب البيان، كما هو الظاهر. نعم بناء على أن المراد منه عدم البيان لا من قبل المكلف لم تجر القاعدة إذا كان عدم البيان لعدم الفحص. لكن في الاصول الشرعية كفاية في اقتضاء عدم وجوب الفحص في المقام ونحوه، كباب الشك في تحقق النصاب في الزكاة والشك في تحقق الربح في الخمس. لكن ذهب جماعة إلى وجوب الفحص في الابواب المذكورة، بل الظاهر أنه المشهور مع الشك في تحقق النصاب. ولعله هناك في محله لرواية

[ 104 ]

[ (مسألة 22): لو كان بيده مقدار نفقة الذهاب والاياب، وكان له مال غايب لو كان باقيا يكفيه في رواج أمره بعد العود، لكن لا يعلم بقائه أو عدم بقائه، فالظاهر وجوب الحج بهذا الذي بيده، استصحابا لبقاء الغائب (1). فهو كما لو شك في أن أمواله الحاضرة تبقى إلى ما بعد العود أولا فلا يعد من الاصل المثبت (2). ] زيد الصائغ، المتضمنة لوجوب تصفية الدراهم المغشوشة مع الشك في مقدارها (* 1). وموردها وإن كان صورة الشك في قدر الواجب مع العلم بوجود النصاب، لكن يمكن استفاده الحكم منها في غيرها من الصور. لكن التعدي عن الزكاة إلى الخمس - فضلا عن المقام - غير ظاهر. وقد يستدل عليه: بأنه لولا الفحص لزمت المخالفة القطعية الكثيرة التي يعلم من الشارع المقدس كراهتها، المستلزم لوجوب الاحتياط. وفيه: أن لزوم المخالفة الكثيرة غير بعيد، لكن كونها مكروهة على وجه تقتضي كراهتها وجوب الاحتياط غير ظاهر، بل هو مصادرة. (1) هذا من الاستصحاب الجاري لاثبات البقاء في الزمان المستقبل، وقد تعرضنا له في كتاب الحيض في مسألة: ما لو شك في بقاء الدم ثلاثة ايام وذكرنا هناك: أن ظاهر بعض ان من المسلمات عدم الفرق في جريان الاستصحاب بين الازمنة السابقة والمستقبلة. نعم يشكل الاستصحاب المذكور باعتبار أن المال الغائب لو بقي على عينه لم يجد في تحقق الاستطاعة فلا بد من إحراز حضوره بعد رجوعه، وحضور المال المذكور خلاف الاصل، فلا بد أن يكون المعيار الوثوق بالحضور بعد الرجوع. فلاحظ. (2) إذا الاصل المثبت ما لم يكن مجراه حكما شرعيا، ولا موضوعا


(* 1) الوسائل باب: 7 من أبواب زكاة الذهب والفضة حديث: 1.

[ 105 ]

[ (مسألة 23): إذا حصل عنده مقدار ما يكفيه للحج، يجوز له - قبل أن يتمكن من المسير - أن يتصرف فيه بما يخرجه عن الاستطاعة، وأما بعد التمكن منه فلا يجوز، وإن كان قبل خروج الرفقة (1). ولو تصرف بما يخرجه عنها بقيت ] لحكم شرعي. وفي المقام مجرى الاصل المذكور موضوع للحكم الشرعي، وهو وجوب الحج، لانه على من كان له مال بعد الحج، فإذا ثبت بالاستصحاب أن له مالا بعد الحج، ترتب الحكم عليه. (1) المذكور في كلام الجماعة: ان المدار في المنع حضور وقت السفر قال في المنتهى: " لو كان له مال فباعه قبل وقت الحج مؤجلا إلى بعد فواته سقط الحج، لانه غير مستطيع. وهذه حيلة يتصور ثبوتها في إسقاط فرض الحج على الموسر. وكذا لو كان له مال فوهبه قبل الوقت أو أنفقه، فلما جاء وقت الخروج كان فقيرا لم يجب عليه، وجرى مجرى من أتلف ماله قبل حلول الحول... ". وفي التذكرة: " لو كان له مال فباعه نسية، عند قرب وقت الخروج، إلى أجل متأخر عنه سقط الفور في تلك السنة عنه، لان المال إنما يعتبر وقت خروج الناس. وقد يتوسل المحتال بهذا إلى دفع الحج... ". وفي الدروس: " ولا ينفع الفرار بهبة المال أو إتلافه، أو بيعه مؤجلا إذا كان عند سير الوفد... ". وفي مجمع البرهان - في شرح قوله ماتنه: " ولا يجوز صرف المال في النكاح وإن شق " -: " وأعلم: أن الظاهر ان المراد بذلك وجوب الحج، وتقديمه على النكاح، وعدم استثناء مؤنته من الاستطاعة، وكون ذلك في زمان وجوبه وخروج القافلة وتهيؤ اسبابه، وإن كان قبله يجوز... " وفي المدارك: " ولا يخفى أن تحريم صرف المال في النكاح إنما يتحقق مع توجه الخطاب بالحج وتوقفه على المال، فلو صرفه فيه قبل سفر الوفد - الذي

[ 106 ]

يجب الخروج معه - أو أمكنه الحج بدونه انتفى التحريم... ". ونحوه ما في كشف اللثام والذخيرة والجواهر وغيرها. وبالجملة: يظهر من كلماتهم: التسالم على جواز إذهاب الاستطاعة قبل خروج الرفقة. والمصنف (ره) جعل المدار التمكن من المسير، فإذا تمكن من المسير لم يجز له إتلاف الاستطاعة، وإن لم يخرج الرفقة. وفي بعض الحواشي: أضاف إلى ذلك - أعني: التمكن من المسير - أن يكون قبل اشهر الحج، فبعد دخول أشهر الحج لا يجوز إذهاب الاستطاعة، وإن لم يتمكن من المسير حينئذ ولم تخرج الرفقة، فيكون الشرط في جواز إذهاب الاستطاعة أمرين، ينتفي الجواز بانتفاء أحدهما. هذا ومقتضى كون الاستطاعة شرطا للوجوب حدوثا وبقاء، وأن، الوجوب المشروط لا يقتضى حفظ شرطه، أن لا يكون وجوب الحج مانعا عن إذهاب الاستطاعة بعد حدوثها، كما لا يكون مانعا عن ذلك قبل حدوثها فهو لا يقتضى وجوب تحصيلها حدوثا، ولا وجوب حصولها بقاء. وكما لا يمنع الوجوب من دفع الاستطاعة لا يمنع من رفعها. وعليه فالمنع من إذهاب الاستطاعة لا بد أن يكون لدليل. اللهم إلا أن يقال: قوله تعالى: (من استطاع إليه سبيلا..) (* 1). ظاهر في أن الاستطاعة آناما موجبة لتحقق الوجوب، نظير قوله: " من افطر وجب عليه الكفارة ". نعم لو كانت عبارة التشريع هكذا: " المستطيع يجب عليه الحج " كانت ظاهرة في إناطة الحكم بالوصف حدوثا وبقاء. وكذلك الحكم في أمثاله، فإذا قيل: " إذا سافر وجب عليه القصر " أجزأ في ترتب الحكم تحقق السفر آناما، فيبقى الحكم وإن زال السفر، فيكون الحكم منوطا بالوصف حدوثا لا بقاء. وإذا قيل: " المسافر يجب


(* 1) آل عمران: 97.

[ 107 ]

عليه القصر " لم يجزه في بقاء الحكم حدوث السفر أناما، بل لا بد من بقاء السفر. فيكون الحكم منوطا بالسفر حدوثا وبقاء. وعلى هذا يكفي في إطلاق الوجوب - حدوثا وبقاء - تحقق الاستطاعة أناما. غاية الامر: أن استطاعة السبيل إلى البيت الشريف لا تتحقق اذاما إلا إذا كانت مقدمات الوجود حاصلة في الواقع كل منها في محله، فإذا كان المكلف في علم الله تعالى ممن يبقى ماله وراحلته وصحته الى ان يصل الى البيت الشريف، ولا مانع يمنعه عن ذلك يكون مستطيعا من أول الامر ويجب عليه الحج، فإذا عجز نفسه - باذهاب ماله، أو غيره من المقدمات - كان مخالفا للوجوب المذكور. ومن ذلك يظهر: أنه لا مجال لدعوى كون الاستطاعة شرطا للوجوب حدوثا وبقاء من جهة: أن الزاد والراحلة لو سرقا في الطريق انتفى الوجوب، وكذا لو حدث مانع من السفر - من سيل، أو عدو، أو مرض أو غيرها - فان ذلك يوجب انتفاء الوجوب. وجه الاشكال عليها: أن حدوث الامور المذكورة كاشف عن عدم الاستطاعة من اول الامر، فلا وجوب حدوثا ولا بقاء، بخلاف ما لو ألقى زاده في البحر، أو قتل راحلته، أو مرض نفسه فان ذلك لا يكشف عن عدم الاستطاعة من أول الامر، بل هو مستطيع لكنه عجز نفسه. فإذا كان مستطيعا كان التكليف ثابتا في حقه، فيكون تعجيز نفسه مخالفة منه للتكليف الثابت عليه، فيكون حراما. ومن ذلك يظهر: أن ما ذكره المصنف (ره)، من أن المعيار في حرمة التعجيز التمكن من المسير، في محله، لانه مع التمكن من المسير يكون مستطيعا، فيتوجه إليه التكليف، فيكون تعجيز نفسه مخالفة له. وأما ما ذكره الاصحاب: من أن المعيار خروج الرففة - على اختلاف عباراتهم المتقدمة - فغير ظاهر. إلا ان يرجع إلى ما ذكره المصنف (ره)

[ 108 ]

بأن يكون مرادهم من خروج الرفقة التمكن من المسير. وإلا فقد عرفت: أنه مع تمكنه من المسير قبل خروج الرفقة يكون مستطيعا، فيجب عليه الحج، فيكون تعجيز نفسه مخالفة منه للتكليف ومعصية له. ومثله في الاشكال: ما ذكره بعض الاعاظم (ره) في حاشيته: من أنه لا يجوز إذهاب المال في اشهر الحج وإن لم يتمكن من المسير، فانه إذا دخل شوال ولم يتمكن من المسير لم يكن مستطيعا. فلم يجب عليه الحج، فلم يجب عليه حفظ مقدماته. هذا كله بناء على ما يظهر من الادلة: من أن القدرة العقلية - المقيدة في الاستطاعة - القدرة الفعلية، كما قد يفهم من جعل الصحة في البدن والتخلية في السرب في سياق الزاد والراحلة. فكما يعتبر في الاستطاع: الملك للزاد والراحة فعلا، يعتبر فيها الصحة في البدن وتخلية السرب فعلا بحيث لا يكفي في تحق الاستطاعة الملك للزاد والراحلة، مع المرض ووجود المانع من السفر، وإن كانا زائلين بعد ذلك قبل وقت الحج. أما إذا جعل المدار في الاستطاعة ملك الزاد والراحلة فقط، وما زاد على ذلك لا يعتبر وجوده فعلا - فإذا ملك الزاد والراحلة وكان مريضا لا يقدر على السفر، أو كانت الحكومة قد منعت عنه فعلا، فهو مستطيع إذا كان يشفى بعد ذلك، والحكومة تأذن فيه - فتقريب ما في المتن على النحو الذي ذكرنا غير مفيد في إثباته، لانه مع ملك الزاد والراحلة يكون مستطيعا، فلا يجوز له تعجيز نفسه من جهتهما، وإن كان عاجزا فعلا من الجهات الاخرى، لمرض أو مانع من السفر. وعلى هذا لا فرق في عدم جواز التعجيز بين وقت وآخر، ما دام قد ملك الزاد والراحلة. فلا فرق بين أشهر الحج وغيرها، ولا بين وقت السفر وغيره ولا بين أول السنة وآخرها " بل لا فرق - على هذا - بين سنة الحج وما قبلها، لاشتراك الجميع في مناط حرمة التعجيز.

[ 109 ]

[ ذمته مشغولة به. والظاهر صحة التصرف - مثل الهبة، والعتق - وإن كان فعل حراما، لان النهي متعلق بأمر خارج (1). نعم لو كان قصده في ذلك التصرف الفرار من الحج لا لغرض شرعي، أمكن أن يقال بعدم الصحة (2). والظاهر أن المناط في عدم جواز التصرف المخرج هو التمكن في تلك السنة، فلو ] (1) قد تحقق في الاصول: أن النهي عن المعاملة لا يقتضى الفساد سواء تعلق بالسبب أم المسبب. وما يدعى: من أنه إذا تعلق بالمسبب اقتضى الفساد، لامتناع اعتبار ما هو مبغوض للمعتبر. ضعيف جدا كما حرر في محله. ثم إن التفصيل بين تعلق النهي بالداخل والخارج إنما يعرف في النهى في العبادات، فان تعلق بالداخل اقتضى الفساد، وإلا لم يقتضه. وأما في المعاملات فلم يعرف التفصيل بين تعلق النهي بالامر الداخل وتعلقه بالامر الخارج، وإنما يعرف التفصيل بين تعلق النهي بالسبب وتعلقه بالمسبب، فان كان المراد من الداخل من المسبب ومن الخارج السبب، كان في التعليل المذكور إشارة الى التفصيل المذكور. لكن لم يتضح الوجه في عدم تعلق النهي في المقام بالامر الداخل على هذا المعنى، فان النهي إنما تعلق بالتعجيز فيقتضى النهي عن المسبب، لانه الذي يتوقف عليه التعجيز لا السبب، كما لعله ظاهر. (2) هذا ايضا غير ظاهر، لان قصد التوصل الى الحرام بالفعل وإن كن يقتضى تحريمه، لكن لا يخرج عن كونه نهيا عن الامر الخارج، ولا يكون نهيا عن الامر الداخل. فلاحظ. كما ان التفصيل بين قصد التوصل بالمقدمة إلى الحرام وغيره إنما يكون في المقدمات إذا لم تكن الغاية توليدية بل كانت فعلا اختياريا، أما إذا كانت توليدية فيكفي في التحريم العلم بالترتب، وإن لم يقصد التوصل إلى الغاية.

[ 110 ]

[ لم يتمكن فيها، ولكن يتمكن في السنة الاخرى لم يمنع عن جواز التصرف (1)، فلا يجب إبقاء المال إلى العام القابل إذا كان له مانع في هذه السنة، فليس حاله حال من يكون بلده بعيدا عن مكة بمسافة سنتين. (مسألة 24): إذا كان له مال غايب بقدر الاستطاعة - وحده أو منضما إلى ماله الحاضر - وتمكن من التصرف في ذلك المال الغايب، يكون مستطيعا ويجب عليه الحج. وإن لم يكن متمكنا من التصرف فيه - ولو بتوكيل من يبيعه هناك - فلا يكون مستطيعا إلا بعد التمكن منه أو الوصول في يده (2). وعلى هذا فلو تلف في الصورة الاولى بقي وجوب الحج مستقرا عليه، إن كان التمكن في حال تحقق سائر الشرائط (3) ] (1) قد عرفت ان مقتضى القاعدة التي ذكرناها عدم الفرق بين السنين، فكأن المستند في الفرق: الاجماع. (2) ضرورة أن المستفاد من النصوص: أن الزاد والراحلة - المعتبرين في حصول الاستطاعة - يجب أن يكونا مما يمكن صرفهما في سبيل الحج، كما يستفاد من قولهم (عليهم السلام): " أن يكون له ما يحج به "، " وأن يكون عنده "، وأمثال ذالك من العبارات - المذكورة في النصوص، الواردة في تفسير الاستطاعة - (* 1) ولا يكفي في حصولها ملك المال الذي لا يمكن أن يحج به. فلو كان له ملك حاضر، ولم يتمكن ان يستعين به في سبيل الحج لم يكن مستطيعا. (3) يعني: إذا كان تلفه بتقصير منه، وإلا فتلفه لا بتقصير منه


(* 1) تقدمت الاشارة إلى مصادرها في المسألة: 17 من هذا الفصل.

[ 111 ]

[ ولو تلف في الصورة الثانية لم يستقر. وكذا إذا مات مورثه وهو في بلد آخر، وتمكن من التصرف في حصته أو لم يتمكن، فانه على الاول يكون مستطيعا، بخلافه على الثاني. (مسألة 25): إذا وصل ماله إلى حد الاستطاعة، لكنه كان جاهلا به، أو كان غافلا عن وجوب الحج عليه ثم تذكر بعد أن تلف ذلك المال (1)، فالظاهر استقرار وجوب الحج عليه إذا كان واجدا لسائر الشرائط حين وجوده والجهل والغفلة لا يمنعان عن الاستطاعة (2) غاية الامر: أنه معذور في ترك ما وجب عليه. وحينئذ فإذا مات - قبل التلف أو بعده - وجب الاستيجار عنه إن كانت له تركة بمقداره، وكذا إذا نقل ذلك المال إلى غيره - بهبة أو صلح - ثم علم ] يكون كاشفا عن عدم الاستطاعة. (1) يعنى: إذا كان تلفه بتقصيره وإلا فلا ريب في عدم كونه مستطيعا (2) لعدم تعرض النصوص لاعتبار العلم والالتفات في حصول الاستطاعة فاطلاق ادلة الوجوب على من ملك الزاد والراحلة محكم. وكأن الوجه الذي دعا القمي (ره) إلى نفى الاستطاعة ما تضمن من النصوص: من ان من ترك الحج ولم يكن له شغل يعذره الله به فقد ترك فريضة من فرائض الاسلام (* 1)، مما يدل على ان وجود العذر ناف للاستطاعة. وفيه: أن المفهوم من النصوص العذر الواقعي الذي لا يشمل قصور المكلف، من جهة غلطه، وجهله، واشتباهه، بل يختص بالامر الواقعي الذي يكون معلوما تارة، ومجهولا اخرى.


(* 1) الوسائل باب: 6 من ابواب وجوب الحج حديث: 1، 3 وغيرهما من احاديث الباب.

[ 112 ]

[ بعد ذلك أنه كان بقدر الاستطاعة. فلا وجه لما ذكره المحقق القمي في أجوبة مسائله: من عدم الوجوب، لانه لجهله لم يصر موردا، وبعد النقل والتذكر ليس عنده ما يكفيه، فلم يستقر عليه. لان عدم التمكن - من جهة الجهل والغفلة - لا ينافي الوجوب الواقعي، والقدرة التي هي شرط في التكاليف القدرة من حيث هي، وهي موجودة، والعلم شرط في التنجز لا في أصل التكليف. (مسألة 26): إذا اعتقد أنه غير مستطيع فحج ندبا، فان قصد امتثال الامر المتعلق به فعلا، وتخيل أنه الامر الندبي أجزأ عن حجة الاسلام، لانه حينئذ من باب الاشتباه في التطبيق (1). وإن قصد الامر الندبي على وجه التقييد لم يجز عنها، وإن كان حجه صحيحا (2)، وكذا الحال إذا علم باستطاعته ثم غفل عن ذلك (3). وأما لو علم بذلك وتخيل ] (1) لا يخفى ان الاشكال في أمثال هذا المورد ليس في مجرد قصد الامر الندبي مع ان المتوجه إليه قصد الامر الوجوبي، بل في قصد غير المأمور به، فكيف يجزي عن المأمور به، بناء على ما يأتي: من أن الحج الاسلامي غير الحج الندبي؟ وحينئذ لا مجال للحكم بالاجزاء، الا إذا كان الاشتباه في التطبيق بالنسبة إلى الامر والمأمور به معا. وقد تقدم في المسألة التاسعة، ماله نفع في المقام. (2) يأتي الاشكال في صحة الحج من المستطيع إذا كان نائبا عن غيره أو متطوعا عن نفسه. إلا أن يختص بغير المقام، كما سيأتي. (3) يعني: فحج ندبا.

[ 113 ]

[ عدم فوريتها فقصد الامر الندبي فلا يجزي، لانه يرجع الى التقييد. (مسألة 27): هل تكفي في الاستطاعة الملكية المتزلزلة للزاد والراحلة وغيرهما - كما إذا صالحه شخص ما يكفيه للحج بشرط الخيار له إلى مدة معينة، أو باعه محاباة كذلك -؟ وجهان، أقواهما العدم، لانها في معرض الزوال (1)، إلا إذا كان واثقا بأنه لا يفسخ. وكذا لو وهبه وأقبضه إذا لم ] (1) هذا إنما يصلح تعليلا للحكم إذا كانت الاستطاعة لاتقبل التزلزل أما إذا كانت تقبله - ضرورة أن كل شئ موجود في معرض الزوال، وكل وجود في معرض الانتهاء - فلا يصلح كون الملكية في معرض الزوال لنفي الاستطاعة، واللازم البناء على تحقق الاستطاعة واقعا إذا لم يفسخ ذو الخيار. كما أنه لو فرض عدم الخيار لم يكن مستطيعا إذا طرأ ما يوجب الخيار ففسخ، فالمدار يقتضى أن يكون على الواقع، والتزلزل والوثوق بعدم الفسخ لا دخل لهما في حصول الاستطاعة وعدمها، فإذا لم يحج في الحال المذكورة فانكشف أنه لم يفسخ ذو الخيار انكشف أنه مستطيع واقعا نظير ما لو كان عنده مقدار الاستطاعة، ولم يمكنه الفحص عنه فلم يحج ثم انكشف أنه مستطيع. هذا في مقام الواقع. وأما في مقام الظاهر فيحتمل الرجوع إلى اصالة عدم الفسخ، فيثبت ظاهرا أنه مستطيع، ويحتمل اعتبار الوثوق بعدم الفسخ. لكن الاول أوفق بالقواعد. واعتبار الوثوق في العمل بالاصل لا دليل عليه. اللهم إلا ان يقال: إذا لم يكن واثقا بعدم الفسخ يكون تكليفه بصرف المال - المؤدي الى ضمانه عند الفسخ - تعريضا إلى الخسران. وفيه: أن ذلك لا يمنع عن العمل بالاصول. وسيأتي في

[ 114 ]

[ يكن رحما، فانه ما دامت العين موجودة له الرجوع. ويمكن أن يقال بالوجوب هنا (1)، حيث أن له التصرف في الموهوب، فتلزم الهبة. (مسألة 28): يشترط في وجوب الحج - بعد حصول الزاد والراحلة - بقاء المال إلى تمام الاعمال (2)، فلو تلف بعد ذلك (3) - ولو في أثناء الطريق - كشف عن عدم الاستطاعة. وكذا لو حصل عليه دين قهرا، كما إذا أتلف مال غيره خطأ. وأما لو أتلفه عمدا فالظاهر كونه كاتلاف الزاد والراحلة عمدا في عدم زوال استقرار الحج (4). ] مبحث البذل ماله نفع في المقام. (1) قد يشكل: بأن التزلزل إذا كان موجبا لنفي الاستطاعة فلا وجوب معه، فلا موجب للتصرف الموجب للزوم الهبة، لان وجوب التصرف - لو قيل به - فانما هو وجوب غيري وهو لا يكون مع انتفاء الوجوب النفسي. نعم بناء على ان التزلزل لا ينافي الاستطاعة يتحقق الوجوب النفسي فيجب حفظ المقدمة بالوجوب الغيري، فكما يجب حفظ الزاد في حرز لئلا يسرق كذلك يجب حفظه عن رجوع الواهب به. هذا إذا توقف عليها السفر، وإلا فلا موجب للتصرف، وحينئذ يحب الحج، ويستقر في ذمة المكلف وإن رجع الواهب. (2) كما يقتضيه دليل اعتبار الاستطاعة، فان المراد منها القدرة الخاصة على العمل، وهي لا تحصل إلا ببقاء الشرائط الى تمام العمل، فمع التلف قبل تمام الاعمال ينكشف عدم الاستطاعة من أول الامر. (3) يعني: بعد حصول الزاد والراحلة. (4) لعدم منافاته للاستطاعة التي هي موضوع الوجوب، كما لو أتلف

[ 115 ]

[ (مسألة 29): إذا تلف - بعد تمام الاعمال - مؤنة عوده إلى وطنه، أو تلف ما به الكفاية من ماله في وطنه - بناء على اعتبار الرجوع إلى كفاية في الاستطاعة - فهل يكفيه عن حجة الاسلام أو لا؟ وجهان، لا يبعد الاجزاء (1). ] الزاد والراحلة عمدا. (1) كما قطع به في المدارك. قال (ره): " فوات الاستطاعة - بعد الفراغ من أفعال الحج - لم يؤثر في سقوطه قطعا، وإلا لوجب إعادة الحج مع تلف المال في الرجوع، أو حصول المرض الذي يشق السفر معه، وهو معلوم البطلان... ". وقريب منه ما في الذخيرة. لكن في الجواهر: " قد يمنع معلومية بطلانه، بناء على اعتبار الاستطاعة ذهابا وايابا في الوجوب.. ". وهو في محله بالنظر إلى القواعد المتقدمة، فانما يحتاج إليه في الاياب إذا كان دخيلا في حصول الاستطاعة، يكون فقده موجبا لانتفائها من أول الامر. فالاجزاء لا بد أن يكون قبيل إجزاء غير الواجب عن الواجب، وهو محتاج إلى دليل يوجب الخروج عن القواعد. ولا سيما وأن المكلف إنما نوى حج الاسلام، فإذا لم يصح لم يصح غيره، لانه لم ينوه. فالبناء على الاجزاء فيه مخالفة للقواعد من جهتين: من جهة صحة العمل ولم ينوه، لانه لم ينو غير حجة الاسلام، ومن جهة إجزائه عن حج الاسلام، والدليل عليه غير ظاهر. نعم سكوت النصوص عن التعرض لذلك، مع كثرة الطوارئ الحادثة في كل سنة على بعض الحجاج - من مرض، وتلف مال، ونحو ذلك مما يوجب زوال الاستطاعة - مع الغفلة عن ذلك، وارتكاز المتشرعة على صحة الحج، ربما يكون دليلا على الاجزاء. لكن لو تم ذلك لم يكن فرق بين زوال الاستطاعة بعد تمام الاعمال وفي أثنائها وقبلها، لاشتراك الجميع فيما ذكرنا، فان تم تم في الجميع،

[ 116 ]

[ ويقربه: ما ورد من أن من مات بعد الاحرام ودخول الحرم أجزأه عن حجة الاسلام (1). بل يمكن أن يقال بذلك إذا تلف في أثناء الحج أيضا (2). (مسألة 30): الظاهر عدم اعتبار الملكية في الزاد والراحلة، فلو حصلا بالاباحة الملازمة كفى في الوجوب، لصدق الاستطاعة (3). ] والتفكيك غير ظاهر. اللهم الا ان يقال ما دل على اشتراط الزاد والراحلة في حجة الاسلام إنما يدل على اعتبار ذلك في الذهاب ولا يشمل الاياب، واشتراط ذلك في الاياب انما كان بدليل نفي الحرج ونحوه، وهو لا يجري في الفرض لانه خلاف الامتنان. (1) هذا إن أمكن الاعتماد عليه، والتعدي عن مورده، كان اللازم البناء على الاجزاء إذا تلفت الاستطاعة بعد الاحرام ودخول الحرم، فإذا لم يمكن الاعتماد عليه في ذلك لم يكن مقربا للمدعى. (2) قد عرفت وجه هذا الاحتمال. (3) لا مجال للاستدلال به بعد ما ورد في تفسير الاستطاعة: بأن يكون له زاد وراحلة (* 1)، مما ظاهره الملك. نعم في صحيح الحلبي: " إذا قدر الرجل على ما يحج به " (* 2)، وفي صحيح معاوية: " إذا كان عنده مال يحج به، أو يجد ما يحج به " (* 3) وهو أعم من الملك. لكن الجمع بينه وبين غيره يقتضى تقييده بالملك وعدم الاجتزاء بمجرد الاباحة.


(* 1) لاحظ الوسائل باب: 8 من ابواب وجوب الحج حديث: 4، 5، 7. (* 2) الوسائل باب: 6 من ابواب وجوب الحج حديث: 3. (* 3) الوسائل باب: 6 من ابواب وجوب الحج حديث: 1. والفقرة الاولى منقولة بالمعنى فلاحظ.

[ 117 ]

[ ويؤيده الاخبار الواردة في البذل (1). فلو شرط أحد المتعاملين على الآخر - في ضمن عقد لازم - أن يكون له التصرف في ماله بما يعادل مائة ليرة مثلا، وجب عليه الحج، ويكون كما لو كان مالكا له. (مسألة 31): لو أوصى له بما يكفيه للحج فالظاهر وجوب الحج عليه بعد موت الموصي. خصوصا إذا لم يعتبر القبول في ملكية الموصى له (2)، وقلنا بملكيته ما لم يرد، فانه ليس له الرد حينئذ. (مسألة 32): إذا نذر - قبل حصول الاستطاعة - أن يزور الحسين (عليه السلام) في كل عرفة، ثم حصلت لم يجب عليه الحج (3). بل وكذا لو نذر: ] مضافا إلى أنه لم يظهر الفرق بين الاباحة المالكية والاباحة الشرعية، وليس بناؤهم على الاجتزاء بها في حصول الاستطاعة. فلا يجب الاصطياد والاحتطاب وأخذ المعدن ونحو ذلك إذا أمكن المكلف ذلك، لكونه مستطيعا بمجرد الاباحة في التصرف. (1) فانها وان كانت مختصة بالبذل لخصوص الحج، لكن يمكن استفادة الحكم منها في المقام بنحو التأييد. لكن التأييد لا ينفع في إثبات الدعوى. (2) على هذا القول يكون الحكم كما في المسألة السابقة. وعلى القول باعتبار القبول يكون الحكم كما في الهبة، فانه لا يجب عليه القبول فيها، وإن كان استدلال المصنف (ره) في المسألة السابقة بصدق الاستطاعة مطردا في الجميع. (3) يظهر من الاصحاب: الاتفاق عليه، فان هذه المسألة وان لم

[ 118 ]

تكن محررة بخصوصها في كلامهم، لكن ما ذكروه في مسألة: ما لو نذر حجا غير حج الاسلام، يقتضي بناءهم على عدم وجوب الحج هنا. قال في المدارك - فيما لو نذر المكلف الحج -: " فاما أن ينوي حج الاسلام أو غيره، أو يطلق، بأن لا ينوي شيئا منهما، فالصور ثلاث.. (إلى أن قال): الثاني: أن ينوي حجا غير حج الاسلام. ولا ريب في عدم التداخل على هذا التقدير. ثم إن كان مستطيعا حال النذر، وكانت حجة النذر مطلقة أو مقيدة بزمان متأخر عن ذلك العام.. (إلى أن قال): وإن تقدم النذر على الاستطاعة وجب الاتيان بالمنذور مع القدرة، وان لم تحصل الاستطاعة الشرعية، كما في غيره من الواجبات. ولو اتفق حصول الاستطاعة قبل الاتيان بالحج المنذور قدمت حجة الاسلام إن كان النذر مطلقا، أو مقيدا بما يزيد عن تلك السنة أو بمغايرها، لان وجوبها على الفور، بخلاف المنذورة على هذا الوجه. وإلا قدم النذر، لعدم تحقق الاستطاعة في تلك السنة، لان المانع الشرعي كالمانع العقلي.. ". ونحوه كلام غيره ممن سبقه - كالدروس، والمسالك - وممن لحقه - كالذخيرة والمستند، والجواهر - على نحو يظهر منهم التسالم على تقديم النذر على حج الاسلام، وأنه يكون رافعا للاستطاعة. نظير ما لو استؤجر على الحج، فان الاجارة رافعة للاستطاعة عندهم، فلا يجب على الاجير حج الاسلام إذا كان الحج المستأجر عليه مزاحما لحج الاسلام. هذا ولكن بعض الاعاظم فرق بين الاجارة والنذر، حيث قال : " الفرق بين النذر والاجارة: هو كفاية سلطنة المؤجر على منفعة نفسه عند عقد الاجاره في صحة تمليكها وتملك المستأجر لها، فلا يبقى مورد لتأثير الاستطاعة. بخلاف النذر، فان اشتراطه - حدوثا وبقاء - يرجحان المنذور


ذكر ذلك في حاشية له على رسالته العملية في الحج، منه قدس سره.

[ 119 ]

من حيث نفسه، ومع غض النظر عن تعلق النذر به يوجب انحلاله بالاستطاعة.. ". وتوضيح ما ذكر: أن رجحان المنذور - المشروط به صحه النذر - يجب أن يكون مع قطع النظر عن النذر، ومع مزاحمة النذر للاستطاعة إذا غض النظر عن النذر يكون المنذور غير راجح، لادائه إلى ترك الحج، وإنما يكون المنذور راجحا بتوسط النذر الرافع للاستطاعة، ومثل هذا الرجحان لا يكفي في صحة النذر. وفيه: أن ما ذكره وإن كان مسلما، لكنه يجرى مثله في وجوب حج الاسلام في الفرض، فان الاستطاعة المعتبرة في وجوب حج الاسلام يجب أن تكون حاصله مع غض النظر عن وجوب الحج، وفى المقام إذا غض النظر عن وجوب الحج ترتفع الاستطاعة بالنذر. وعلى هذا يكون الاخذ بأحد الحكمين رافعا لموضوع الاخر، وترجيح وجوب الحج على وجوب الوفاء بالنذر بلا مرجح حتى بملاحظة كون وجوب الحج أهم، لان ترجيح الاهم إنما يكون في المتزاحمين الواجد كل منهما لملاكه ويكون تزاحمهما في مقام الامتثال، لا في المتواردين اللذين يكون كل منهما رافعا لملاك الاخر، بل فيهما يتعين الرجوع إلى منشأ آخر للترجيح. ولا ينبغى التأمل في أن الجمع العرفي يقتضى الاخذ بالسابق دون اللاحق، تنزيلا للعلل الشرعية منزلة العلل العقلية، فكما أن العلل العقلية يكون السابق منها رافعا للاحق كذلك العلل الشرعية. فيلغى احتمال كون اللاحق رافعا لموضوع السابق، وإن كان احتمالا معقولا في العلل الشرعية، لكنه لا يعتنى به في مقام الجمع بين الدليلين. وقد أشرنا إلى ذلك في بعض مباحث القراءة من هذا الشرح. وبهذا صح ما ذكره: من تقديم الاجارة على الحج عند سبق الاجارة، فان سلطنة الاجير غير كافية في صحة الاجارة، إذا لم يكن قادرا على العمل في وقته مع قطع النظر عن وجوب الوفاء بالعقد. والاستطاعة

[ 120 ]

[ إن جاء مسافره أن يعطي الفقير كذا مقدارا، فحصل له ما يكفيه لاحدهما، بعد حصول المعلق عليه، بل وكذا إذا نذر - قبل حصول الاستطاعة - أن يصرف مقدار مائة ليرة مثلا في الزيارة أو التعزية أو نحو ذلك، فان هذا كله مانع عن تعلق وجوب الحج به. وكذا إذا كان عليه واجب مطلق فوري قبل حصول الاستطاعة، ولم يمكن الجمع بينه وبين الحج، ثم حصلت الاستطاعة، وإن لم يكن ذلك الواجب أهم من الحج، لان العذر الشرعي كالعقلي في المنع من الوجوب (1). وأما لو حصلت الاستطاعة أولا ثم حصل واجب فوري آخر ] اللاحقة رافعة للقدرة مع قطع النظر عن عقد الاجارة، فلو لم يكن السبق موجبا للتقديم لم يكن وجه لصحة الاجارة، بل كانت الاستطاعة وقت العمل رافعة للقدرة عليها، وموجبة لبطلان الاجارة بعين التقريب المذكور في الاستطاعة والنذر - فتأمل جيدا - وعليه يتعين البناء في الفرض على تقديم النذر على الاستطاعة. (1) بذلك طفحت عباراتهم، كما اشرنا إلى ذلك في صدر المسألة. ولاجل ذلك لا مجال لدعوى: كون الاستطاعة عباره عن ملك الزاد والراحلة، وصحة البدن، وتخليه السرب، وان النذر لا ينافي شيئا من ذلك ولا يرفعه، فلا تنتفي الاستطاعة به. وحينئذ تكون هي رافعة لموضوعه، لعدم كونه راجحا للمستطيع الذي يجب عليه الحج. فانه إذا تم ان المانع الشرعي كالمانع العقلي يكون المنع الشرعي مانعا عن الاستطاعة في مقابل تخلية السرب وبقية الامور الاربعة المذكورة. مضافا إلى أنها خلاف ظاهر جملة من النصوص، كصحيح الحلبي:

[ 121 ]

[ لا يمكن الجمع بينه وبين الحج، يكون من باب المزاحمة، فيقدم الاهم منهما (1)، فلو كان مثل انقاذ الغريق قدم على الحج. وحينئذ فان بقيت الاستطاعة إلى العام القابل وجب الحج فيه، وإلا فلا. إلا أن يكون الحج قد استقر عليه سابقا. ] " إذا قدر الرجل على ما يحج به، ثم دفع ذلك وليس له شغل يعذره الله تعالى فيه فقد ترك شريعة من شرائع الاسلام " (* 1) فانه ظاهر في أن مطلق العذر رافع للفرض. ولا ريب في أن الوفاء بالنذر عذر، فيكون رافعا للفرض. وايضا فان لازم هذه الدعوى ان لو كان الحج مزاحما بواجب بحيث يقدم عليه - كما إذا كان المكلف أجيرا على الحج في سنة الاستطاعة، فوجب عليه حج الاجارة - لوجب عليه حج الاسلام في السنة الثانية ولو متسكعا لانه قد استقر الحج في ذمته، ولا يظن من أحد إمكان الالتزام به. وسيأتي الكلام فيه في المسأله الرابعة والستين. (1) قد عرفت: أن حدوث الاستطاعة اناما لا يوجب ثبوت الوجوب، وأنه لا بد من بقائها إلى اخر أزمنة العمل أو أكثر من ذلك، كما سبق ويأتى. وحينئذ إذا تحققت الاستطاعة ثم حصل واجب فوري، كان حصوله رافعا لها، فلا وجوب للحج لانتفاء موضوعه، فكيف يكون من باب المزاحمة؟! ثم إنه لو بني على كون المقام من باب المزاحمة فقد عرفت أن لازمه وجوب الحج عليه في السنة اللاحقة وإن لم تبق الاستطاعة، لاستقرار الحج في ذمته. ولاجل ذلك يشكل قوله (ره): " وإلا فلا ". كما أنه مما ذكرنا يظهر أنه لو حدث أي واجب بعد تحقق الاستطاعة رفعها، سواء كان أهم من الحج، أم مساويا له في الاهتمام، أم أقل منه. نعم إذا كان موضوع ذلك الواجب يزول بالاستطاعة كانت الاستطاعة مقدمة عليه، لما


(* 1) الوسائل باب: 6 من ابواب وجوب الحج حديث: 3.

[ 122 ]

[ فانه يجب عليه ولو متسكعا. (مسألة 33): النذر المعلق على أمر قسمان (1): تارة: يكون التعليق على وجه الشرطية، كما إذا قال: " إن جاء مسافري فله علي أن أزور الحسين (عليه السلام) في عرفة "، وتارة: يكون على نحو الواجب المعلق، كأن يقول: " لله علي أن أزور الحسين (عليه السلام) في عرفة عند مجئ مسافري ". فعلى الاول ] عرفت من أن الواجبين المترافعين المتواردين - اللذين يكون كل واحد منهما إذا لوحظ في نفسه رافعا لموضوع الاخر - يكون العمل على السابق منهما ويبطل اللاحق. هذا ولو فرض تقارن الاستطاعة والنذر لم يكمن لاحدهما اثر، لعدم المرجح، فلا يجب عليه الحج. ولا يجب عليه الوفاء بالنذر. (1) النذر المعلق قسم واحد، وهو المشروط، ولاجل ذلك اشتهر: أن التعليق في العقود والايقاعات مبطل، يراد بذلك ما لو كان الايقاع فيه معلقا. وأما ما كان على نحو الواجب المعلق فليس النذر فيه معلقا بل المعلق هو المنذور. وكيف كان، تارة: يكون الايقاع معلقا - أعني: المعنى الايقاعي الذي يوقعه البائع - وهو البيع في قول البايع: " بعت إذا جاء يوم الجمعة "، أو مضمون النذر في قول الناذر: " لله علي إذا جاء يوم الجمعة أن أفعل كذا " ونحو ذلك. وتارة: لا يكون تعليق في المعنى الايقاعي، وإنما يكون في متعلق المعنى الايقاعي، وهو الصوم في قول الناذر: " لله علي أن اصوم إذا جاء يوم الجمعة "، أو الصدقة في قوله: " لله علي أن اتصدق إذا جاء يوم الجمعة "، أو الزيارة في مثل الفرض المذكور في المتن فالمعلق يكون هو الزيارة، في مقابل القسم الاول الذي يكون المعلق عليه معنى: " لله علي " الذي عرفت أنه المعنى الايقاعي.

[ 123 ]

[ يجب الحج إذا حصلت الاستطاعة قبل مجئ مسافره. وعلى الثاني لا يجب، فيكون حكمه حكم النذر المنجز، في أنه لو حصلت الاستطاعة وكان العمل بالنذر منافيا لها لم يجب الحج، سواء حصل المعلق عليه قبلها أو بعدها. وكذا لو حصلا معا لا يجب الحج، من دون فرق بين الصورتين. والسر في ذلك: أن وجوب الحج مشروط والنذر مطلق، فوجوبه يمنع من تحقق الاستطاعة (1). (مسألة 34): إذا لم يكن له زاد وراحلة، ولكن ] (1) يعني: وجوب الحج مشروط بالاستطاعة، ووجوب الوفاء بالنذر غير مشروط حسب الفرض، فيكون رافعا للاستطاعة. فيرتفع وجوب الحج. هذا ولكن ما ذكره من السر إن كان المقصود به سر تقديم النذر على الاستطاعة في اصل المسالة، فقد عرفت أن السر غير ذلك، وهو ما ذكرنا. وان كان المقصود به سر تقديم النذر في المقام فلا مقتضي له، لان السر فيه هو السر في أصل المسألة. وكان المناسب ذكر السر في عدم تقديم النذر المشروط في المقام لانه الخارج عن الكلية التي تعرض فيها لاصل المسألة. وكيف كان فالفرق الذي ذكره بين النذر المعلق والمشروط غير ظاهر، لان النذر المشروط ايضا يقتضى وجوب تحصيل المقدمات قبل حصول الشرط عقلا. إذ لا فرق بين الوجوب المشروط والمعلق في ذلك، فكما يجب تحصيل المقدمات قبل حصول المعلق في الواجب لمعلق يجب تحصيلها ايضا في الوجوب المشروط. غاية الامر: أنه في الواجب المعلق يكون تحصيلها واجبا شرعا بناء على وجوب المقدمة، وفي الوجوب المشروط

[ 124 ]

[ قيل له: " حج وعلى نفقتك ونفقة عيالك " وجب عليه. وكذا لو قال: " حج بهذا المال " وكان كافيا له - ذهابا وإيابا - ولعياله، فتحصل الاستطاعة ببذل النفقة كما تحصل بملكها (1). ] يكون واجبا عقلا، كما اشرنا إلى ذلك في مسألة غسل المستحاضة قبل الفجر من هذا الشرح. وإذا وجب عقلا فعل المقدمات قبل حصول الشرط مع العلم بحصوله كان ذلك رافعا للاستطاعة، ومانعا من وجوب حج الاسلام. وقولهم: " المانع الشرعي كالمانع العقلي " يراد به ما هو أعم من ذلك. هذا مع العلم بحصول الشرط، أما مع الجهل فيمكن الرجوع إلى اصاله عدم حصول الشرط أو غيرها من الاصول، فيجب عليه الحج ظاهرا، لكن إذا انكشف بعد ذلك حصول الشرط، وأنه مكلف بالزيارة لا بالحج يكون الحج غير مجز عن حج الاسلام. (1) إجماعا محكيا في الخلاف والغنية وظاهر التذكرة والمنتهى وغيرهما إن لم يكن محصلا، كذا في كشف اللثام والجواهر. ويشهد له جملة من النصوص، كصحيح محمد بن مسلم المروي في كتاب التوحيد: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله عزوجل: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا..). قال: يكون له ما يحج به. قلت: فمن عرض عليه الحج فاستحيى؟ قال: هو ممن يستطيع " (* 1)، وخبر أبي بصير عن أبي جعفر (عليه السلام): " قلت له: رجل عرض عليه الحج فاستحيى أهو ممن يستطيع الحج؟ قال (عليه السلام): نعم " (* 2). وهما العمدة في الحكم


(* 1) الوسائل باب: 8 من ابواب وجوب الحج حديث: 2. (* 2) لم نعثر على هذا الحديث في كتاب الوسائل ومستدركه، والجواهر والحدائق وكشف اللثام والمدارك. نعم في التذكرة في المسالة الثانية من المبحث الرابع في المؤنة (جزء: 1 صفحة: 302 -

[ 125 ]

المذكور. وأما صحيح معاوية بن عمار: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام): رجل لم يكن له مال، فحج به رجل من إخوانه، هل يجزيه ذلك عن حجة الاسلام أم هي ناقصة؟ قال (عليه السلام): بل هي حجة تامة " (* 1). فانه وإن دل على الاجزاء لا يدل على الوجوب بالبذل، والاجزاء عن حجة الاسلام أعم من الوجوب. وأكثر منه إشكالا مثل صحيح الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام): - في حديث - قال: " قلت له: فان عرض عليه ما يحج به فاستحيى من ذلك، أهو ممن يستطيع إليه سبيلا؟ قال (عليه السلام): نعم، ما شأنه يستحيي ولو يحج على حمار أجدع أبتر؟ فان كان يطيق ان يمشي بعضا ويركب بعضا فليحج " (* 2) إذ لا مجال للعمل به. وحمل قوله (عليه السلام) " ما شأنه يستحيي " على أنه بيان لحكم أخلاقي لا فقهي، بعيد عن الظاهر فلا مجال للاعتماد عليه، كما عرفت سابقا. واشكل منه صحيح معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام): " فان كان دعاه قوم أن يحجوه فاستحيى فلم يفعل، فانه لا يسعه الا أن يخرج ولو على حمار أجدع أبتر " (* 3)، ونحوها. فانه لو أمكن التفكيك بين مضامين صحيح الحلبي المتقدم - بالحمل على حكمين أخلاقي وفقهي - فلا مجال لذلك فيه، لانه صريح في الحكم على المقيد، فلا مجال فيه للتفكيك المذكور، بأن يكون الحكم على المقيد أخلاقيا، والحكم على غيره فقهيا. ومن ذلك تعرف الاشكال على جماعة من الاصحاب، حيث استدلوا بهذه النصوص، التي ليس بناؤهم على العمل بمضمونها.


- الطبعة الاولى) قال: " ولان الباقر والصادق عليهما السلام سئلا عمن عرض عليه ما يحج به فاستحيى من ذلك اهو ممن يستطيع إلى ذلك سبيلا؟ قال: نعم ". (* 1) الوسائل باب: 10 من ابواب وجوب الحج حديث: 2. (* 2) الوسائل باب: 10 من ابواب وجوب الحج حديث: 5. (* 3) الوسائل باب: 10 من ابواب وجوب الحج حديث: 3.

[ 126 ]

[ من غير فرق بين أن يبيحها له أو يملكها إياه، ولا بين أن يبذل عينها أو ثمنها، ولا بين أن يكون البذل واجبا عليه - بنذر، أو يمين أو نحوهما - أولا، ولا بين كون الباذل ] ومثله في الاشكال: الاستدلال بالاية الشريفة، لصدق الاستطاعة مع البذل. إذ فيه: ما عرفت، من أن الاستطاعة المذكورة في الاية الشريفة وإن كانت صادقة، لكن بعد ورود الادلة على تقييدها بملك الزاد والراحلة - كما في مصحح الحلبي (* 1)، ومصحح هشام بن الحكم (* 2)، وغيرهما - لا مجال للتمسك باطلاقها ولا ينافي ذلك ما ورد في تفسيرها: بأن يكون عنده مال، أو أن يجد ما يحج به (* 3)، أو أن يقدر على ما يحج به (* 4)، وذلك كله صادق مع عدم الملك. لان الجمع العرفي في أمثال المقام - مما ورد في مقام الشرح والتحديد - يقتضى التقييد، فلا تتحقق بمجرد حصول واحد منها، بل لا بد من حصول جميعها. وليس هو من قبيل القضايا الشرطية التي يتعدد فيها الشرط ويتحد فيها الجزاء، التي يكون الجمع بينها بالحمل على سببيه كل واحد من الشروط. فإذا كان الجمع العرفي بين نصوص التفسير والتحديد هو التقييد، تكون الاستطاعة مختصة بصورة ما إذا كان الزاد والراحلة مملوكين، فلا ينطبق على المقام، كما أشرنا إلى ذلك في المسالة الثلاثين. فالعمدة - إذا - في الحكم المذكور: الاجماع، والخبران الاولان.


(* 1) الوسائل باب: 8 من ابواب وجوب الحج حديث: 3. وفي الرواية: " أن يكون له ما يحج به ". (* 2) الوسائل باب: 8 من ابواب وجوب الحج حديث: 7. (* 3) الوسائل باب: 6 من ابواب وجوب الحج حديث: 1. (* 4) نقل بالمعنى لما رواه في الوسائل باب: 6 من ابواب وجوب الحج حديث: 3، 9.

[ 127 ]

[ موثوقا به أولا على الاقوى. والقول بالاختصاص بصورة التمليك ضعيف (1). كالقول بالاختصاص بما إذا وجب عليه (2)، ] (1) هذا القول منسوب إلى الحلي في سرائره. قال (ره): " والذي عندي في ذلك: أن من يعرض عليه بعض إخوانه ما يحتاج إليه من مؤنة الطريق فحسب لا يجب عليه الحج، إذا كان له عائله تجب عليه نفقتهم، ولم يكن له ما يخلفه نفقة لهم، بل هذا يصح فيمن لا تجب عليه نفقة غيره، بشرط أن يملكه ما يبذله ويعرض عليه، لا وعد بالقول دون الفعال.. ". ودليله غير ظاهر، ولذا قال في المختلف - بعد أن حكى ذلك عنه -: " إن فتاوى اصحابنا خالية عنه، وكذا الروايات. بل لو وهب المال لم يجب عليه القبول.. ". وما ذكره أخيرا مبني على أن مراده: اعتبار فعليه التمليك، إذ لا مجال للنقض عليه إلا بناء على ذلك. اما لو كان مراده أن يكون الباذل في مقام التمليك، فهذا المعنى لما لم يتوقف على القبول يتحقق الوجوب وإن لم يتحقق القبول. وإذا تحقق الوجوب وجب القبول، لانه يكون حينئذ شرطا للواجب لا للوجوب كي لا يجب، لان الوجوب لا يقتضى حفظ شرطه. ولاجل ذلك اختلف البذل مع الهبة، فيجب القبول مع البذل، ولا يجب مع الهبة. وكيف كان فاطلاق الادلة المتقدمة ينفي اعتبار التمليك. هذا ولكن التأمل في عبارة السرائر يقتضى أن مراده اعتبار الوثوق، وحينئذ يرجع إلى القول الآتى. (2) هذا القول منسوب إلى العلامة في التذكرة. قال فيها: " التحقيق: ان البحث هنا في امرين: الاول: هل يجب على الباذل الشئ المبذول ام لا؟ فان قلنا بالوجوب أمكن وجوب الحج.. (إلى أن قال): وإن قلنا بعدم وجوبه ففي ايجاب الحج إشكال، اقربه العدم، لما فيه من

[ 128 ]

[ أو بأحد الامرين: من التمليك أو الوجوب (1) ] تعليق الواجب بغير الواجب.. ". وفي جامع المقاصد: " أما البذل لمجموعها، أو لبعضها وبيده الباقي ففي وجوب الحج بمجرده قولان، اصحهما: أنه إن كان على وجه لازم كالنذر وجب، وإلا لم يجب.. ". وفيه: ما عرفت من أن ذلك خلاف إطلاق الادلة. والتعليل الذي ذكره في التذكرة عليل، لا يرجع إلى قاعدة عقلية أو شرعية. ولا يبعد أن يكون مراده: اعتبار الوثوق ببقاء البذل إلى آخر أزمنة الحاجة، فيرجع إلى القول الاتى ايضا. (1) في الحدائق " نقل عن جمع من الاصحاب: اشتراط التمليك أو الوجوب بنذر وشبهه.. ". ونسب هذا القول في المستند إلى الدروس. وكأن المصنف (ره) تبعه في ذلك، ولكن المذكور في الدروس غير ذلك. قال: " ويكفي البذل في الوجوب مع التمليك، أو الوثوق به.. ". فالعدلان: التمليك والوثوق، لا التمليك والوجوب. وكيف كان فصدر العبارة وإن كان قد يظهر منه الشرطية التخييرية، لكن قال بعد ذلك: " وهل يستقر الوجوب بمجرد البذل؟ إشكال: من ظاهر النقل وعدم وجوب تحصيل الشرط. ولو حج كذلك أو في نفقة غيره أجزأ، بخلاف ما لو تسكع، فانه لا يجزي عنه عندنا. وفيه دلالة على أن الاجزاء فرع الوجوب فيقوى الوجوب بمجرد البذل لتحقق الاجزاء. إلا أن يقال: الوجوب ههنا بقبول البذل، ولو وهبه زادا وراحلة لم يجب عليه القبول. وفي الفرق نظر.. ". وعبارته الثانية ظاهرة في التردد بين الوجوب بمجرد البذل. وبين توقفه على القبول، وميله أخيرا الى اعتبار القبول في سببية البذل إذا لم يكن على نحو التمليك. وتدل على عدم اعتبار التمليك أو الوثوق، وعدم توقف الوجوب - ولا الاجزاء - على أحدهما. بل عبارته الاولى

[ 129 ]

[ وكذا القول بالاختصاص بما إذا كان موثوقا به (1). ] ظاهره في حصول الوجوب مع أحد الامرين، لا عدم حصوله إلا مع احدهما. وكيف كان فاعتبار التمليك، أو القبول، أو الوجوب، أو الوثوق، خلاف إطلاق الدليل، إذا كان المراد من اعتبار الوثوق اعتباره في موضوع الحكم الواقعي. وإن كان المراد اعتباره في الحكم الظاهري فسيأتي الكلام فيه. هذا وفي المسألة قول اخر لم يتعرض له المصنف (ره) صريحا، وإن أشار إليه فيما سبق بقوله: " ولا بين أن يبذل عينها أو ثمنها.. "، وهو ما اختاره في المسالك. قال في مبحث البذل: " واشترط بعض الاصحاب تمليكه إياه " وأخرون وجوب بذله عليه. والاجود عدم الاشتراط. نعم يشترط بذل عين الزاد والراحلة، فلو بذل له أثمانها لم يجب عليه القبول. وكذا لو نذر لمن يحج واطلق ثم بذله لمعين، أو أو أوصى بمال لمن يحج ثم بذله كذلك، لان ذلك متوقف على القبول، وهو شرط للواجب المشروط، فلا يجب تحصيله.. ". ويظهر من عبارة التذكرة ذلك أيضا. وما ذكره خلاف إطلاق الادلة الدالة على الوجوب بالبذل، لصدقه ببذل اثمانها، فإذا صدق تحقق الوجوب فيجب القبول، لانه شرط الواجب لا الوجوب، كما أشرنا إليه آنفا. وما في التذكرة من التعليل بالمنة في بذل الثمن غير ظاهر. (1) ذكره جماعة. قال في المدارك: " نعم لا يبعد اعتبار الوثوق بالباذل، لما في التكليف بالحج بمجرد البذل - مع عدم الوثوق بالباذل - من التعرض للخطر على النفس المستلزم للحرج العظيم والمشقه الزائدة، فكان منفيا.. ". وقد اشار إليه - في الجملة - في الدروس في عبارته المتقدمة. وفي الجواهر قال: " نعم قد يقال باعتبار الطمأنينة بالوفاء، أو بعدم الظن بالكذب. حذرا من الضرر والخطر عليه. وللشك في شمول أدلة الوجوب له إن لم تكن ظاهرة في خلافه. بل لعل ذلك كذلك وإن

[ 130 ]

وجب على الباذل. بل هو في الحقيقة خارج عما نحن فيه، ضرورة: أن محل البحث الوجوب من حيث البذل من دون نظر الى الواقعة الخارجية التي قد تنتفي الاستطاعة معها، كما هو واضح. ولا ريب أن المتجة ما قلناه، عملا باطلاق النص، والفتوى، ومعاقد الاجماعات. مضافا إلى تحقق الاستطاعة بذلك.. ". وتحقيق ذلك: أن الكلام تارة: في الحكم الواقعي، وهو ثبوت الوجوب واقعا بتحقق البذل واقعا، وأخرى: في الحكم الظاهري، وهو. ثبوت الوجوب ظاهرا بثبوت موضوعه ظاهرا. فان كان الكلام في الاول، فلا ينبغي التأمل في أن النصوص والفتوى متفقة على ثبوت الوجوب بمجرد البذل واقعا، ولا دخل للوثوق ولا للعلم فيه. وإن كان الكلام في الثاني، فالظاهر أن اللازم العمل بما تقتضيه الطرق العقلائية، ولا يختص ذلك بالوجوب بالبذل، بل يجري في الوجوب بالاستطاعة المالية، فانه لا يتحقق الوجوب الظاهري إذا لم تقم الطرق العقلائية على بقائها. فإذا احتمل المستطيع زوال استطاعته - بموته، أو موت دابته، أو سرقه ماله، أو وجود سيل أو عدو مانع عن عبوره، أو نحو ذلك مما يمنع من بقاء استطاعته - لا يسقط الوجوب عنه، وإن لم يكن الوثوق بخلافه، فكذا في المقام، وفي الجميع يسقط الوجوب مع الوثوق بحصوله. فلا فرق بين الاستطاعة المالية والبذلية من هذه الجهة، ولا يعتبر الوثوق بالبقاء فيهما، بل يعول على الاصول العقلائية، مثل: أصالة السلامة، وبقاء المال، وعدم وجود الحائل، وعدم طروئه، وبقاء البذل، ونحو ذلك، والجميع على حد واحد. ولو حصل الوثوق بحصول الموانع من بقاء الاستطاعة سقط الوجوب الظاهري، لكن الوجوب الواقعي بحاله، لحصول موضوعه. فلو حصل الوثوق بالمانع فلم يسافر وانكشف الخلاف، انكشف ثبوت الوجوب واقعا

[ 131 ]

[ كل ذلك لصدق الاستطاعة، وإطلاق المستفيضة من الاخبار (1). ولو كان له بعض النفقة فبذل له البقية وجب أيضا (2). ولو ] واستقر الوجوب عليه، كما لو اعتقد أنه فقير لا مال له وتبين بعد ذلك أنه غني مستطيع، كما تقدم في المسألة الخامسة والعشرين. نعم إذا كان خوف على النفس كان السفر حراما، فلا يكون مستيطعا واقعا لحرمة السفر. أما إذا كان الخوف على غير النفس، فلاجل انه لا يحرم السفر لا يخرج به عن كونه مستطيعا واقعا، إذا لم يكن مانع واقعا من بقاء الاستطاعة. بل الظاهر أنه لا فرق بين المستطيع ابتداء ومن استقر عليه الحج، فانه في السنين اللاحقة وإن كان يجب عليه الحج متسكعا، لكن لا يجوز له السفر مع خوفه على النفس، ولا يجب عليه مع وثوقه بوجود الموانع عن الوصول. والوجه الذي ذكر - في المدارك وغيرها - لاعتبار الوثوق إن تم اقتضى اعتبار الوثوق ببقاء الباذل وقدرته على البذل، ولا يختص باعتبار الوثوق ببقاء البذل، كما يقتضى ايضا اعتبار الوثوق في الاستطاعة المالية. فإذا التحقيق ما ذكرنا، وأنه لا يعتبر الوثوق ببقاء البذل، بل يكفي - في ثبوت الوجوب ظاهرا - قيام الطرق العقلائية في البقاء، من دون فرق بين الاستطاعة المالية والبذلية. (1) قد عرفت: أن الاستدلال المذكور إنما يصح لو كان القائل باعتبار الوثوق قائلا باعتباره في موضوع الحكم الواقعي اما لو كان قائلا باعتباره في إثبات الوجوب ظاهرا فلا مجال له. (2) كذا ذكر جماعة، مرسلين له إرسال المسلمات، منهم: العلامة في القواعد، والمحقق والشهيد الثانيان في جامع المقاصد والمسالك، والسيد في المدارك، والفاضل الهندي في كشف اللثام، وغيرهم، من دون تعرض لخلاف أو إشكال.

[ 132 ]

[ بذل له نفقة الذهاب فقط ولم يكن عنده نفقة العود لم يجب (1)، وكذا لو لم يبذل نفقة عياله (2). إلا إذا كان عنده ما يكفيهم إلى أن يعود، أو كان لا يتمكن من نفقتهم مع ترك الحج أيضا. ] واستدل له في الجواهر - تبعا للمدارك -: بالاولوية. لكنها غير ظاهرة. وربما يستدل له: بأن ثبوت الحكم في الاستطاعة المالية والبذلية يدل على ثبوته للجامع بينهما. وفيه: أنه وإن سلم لكن لم يثبت وجود الجامع مع التبعيض، كما يتضح بملاحظة النظائر. فان ثبوت حكم لكر من حنطه وكر من شعير لا يدل على ثبوته لنصف كر من الحنطة ونصف كر من الشعير. أو يستدل له: بأن ما في النص: من أن المبذول له مستطيع (* 1)، يدل على أنه مستطيع حقيقة. وحينئذ يتعين صرف ما دل بظاهره على اعتبار الملك الى اعتبار القدرة المالية، سواء كانت بالبذل أم التمليك أم بهما. وفيه: أن الجمع بينهما يمكن أن يكون يجعل الاستطاعة ذات فردين ملكي وبذلي - كما هو ظاهر الاصحاب - ويقتضيه بناءهم على عدم وجوب قبول الهبة إذا لم تكن لخصوص الحج، إذ لو كان المراد من الاستطاعة المالية القدرة على المال - كما ذكر المستدل - لوجب قبول الهبة، لحصول القدرة بمجرد إنشاء التمليك، كما أشرنا إليه آنفا. والاولى: الاستدلال عليه باطلاق نصوص البذل، فانه يصدق ببذل التتمة، كما يصدق ببذل الجميع. (1) لظهور عرض الحج، ببذل ما يحتاج إليه في الذهاب والاياب. (2) نفقة العيال خارجة عن نصوص البذل، لاختصاصها ببذل ما يحتاجه لنفسه في سفر الحج. لكن لما كان وجوب الانفاق على العيال يقتضي منعه من السفر لم يكن مستطيعا، كسائر الاعذار الشرعية. ونصوص البذل إنما تتعرض لتشريع الاستطاعة المالية لا غير، فلا تنافي ما دل على


(* 1) راجع أول المسألة.

[ 133 ]

[ (مسألة 35): لا يمنع الدين من الوجوب في الاستطاعة البذلية. نعم لو كان حالا، وكان الديان مطالبا، مع فرض تمكنه من أدائه لو لم يحج ولو تدريجا، ففي كونه مانعا أولا وجهان (1). ] اعتبار الاستطاعة من الجهات الاخرى. وقد عرفت فيما سبق: أن الاعذار الشرعية مانعة عن الاستطاعة. وسيأتي التعرض له في المسألة الرابعة والستين وغيرها. ولاجل ذلك يظهر الوجه لما ذكره في المتن، من استثناء صورة وجود ما يكفيهم، وصورة عجزه عن الانفاق عليهم. إذ في هاتين الصورتين لا محذور شرعي في السفر. ولذلك قال في الجواهر: " بل إن لم يقم الاجماع على اعتبار بذل مؤنة العيال في الوجوب أمكن منعه في المعسر عنها حضرا، للاطلاق المزبور ". وقد يظهر من عبارته الاجماع على الاعتبار. لكنه غير ظاهر، وان اشتهر في كلامهم ذكر نفقة عياله مع نفقته في البذل. لكن الظاهر منه ما هو المتعارف، ولا يشمل صورة العجز المسقط للتكليف المانع عن الاستطاعة. لا اقل من عدم ثبوت انعقاد الاجماع في الصورة المذكورة، فيرجع الى الاطلاق، كما ذكر في الجواهر. وعليه فما في المتن في محله. لكن كان اللازم تخصيص العيال بواجبي النفقة، وإلا لم يكن ما يمنع من السفر، فيكون مستطيعا ويجب عليه الحج. إلا إذا كان ترك الانفاق عليه حرجا على المعيل، فلا يكون الحج واجبا، بناء على ما تقدم، من أن الحرج مانع من الوجوب. (1) ينشآن من ملاحظة الادلة الاولية المقتضية لنفي الاستطاعة السربية الشرعية، لوجوب الاداء المقتضي لوجوب الحضر حسب الفرض. ومن إطلاق كلمات الاصحاب: من أن الدين لا يمنع من الاستطاعة البذلية. قال في المسالك: " ولا يشترط في الوجوب بالبذل عدم الدين، أو ملك

[ 134 ]

[ (مسألة 36): لا يشترط الرجوع إلى كفاية في الاستطاعة البذلية (1). ] ما يوفيه به، بل يجب الحج وإن بقي الدين.. ". وفي كشف اللثام: " واعلم ان الدين لا ينفي الوجوب بالبذل، كما ينفيه باتهاب ما لا يفي به، مع نفقه الحج، والاياب، والعيال.. ". وفي الجواهر: " ولا يمنع الدين الوجوب بالبذل وان منعه في غيره.. ". ونحوه كلام غيرهم، وقد اشتهر هذا الاطلاق بينهم. وفي المدارك - بعد ما ذكر ذلك - استدل عليه باطلاق النص. وقد عرفت: أن النص إنما يتعرض للمساواة بين البذل والملك، ولا يصلح للتعرض للشروط الاخرى - كالبلوغ، والعقل والحرية، والصحة في البدن وتخلية السرب عقليه كانت أو شرعية - بل كل منها باق بحاله، فإذا قلنا بعدم الوجوب لعدم تخلية السرب الشرعية لم يكن ذلك منافيا لاطلاق النص. وكلمات الاصحاب ايضا منزلة على ما هو المراد من النصوص. ومن ذلك يظهر: أن اقوى الوجهين أولهما. (1) بلا خلاف ظاهر. واستدل عليه في المستند: " بأن الظاهر من اخبار اشتراطه إنما هو فيما إذا انفق في الحج من كفايته، لا مثل ذلك. مع أن الشهرة الجابرة غير متحققة في المورد. ومع ذلك يعارضها إطلاق وجوب الحج بالبذل، وهي اقوى وأكثر، فيرجع إلى عمومات وجوب الحج والاستطاعة العرفية.. ". وما ذكره - أولا - مبنى على الرجوع إلى الاخبار في اعتبار الرجوع إلى الكفاية، فإذا لم تتم لم تصل النوبة إلى دعوى ظهوره فيما ذكر. وما ذكره - ثانيا وثالثا - وإن كان محل المناقشة، لكنها لا تقدح فيما ذكره أولا، كما لا يخفى. وبالجملة: إن كان الدليل هو الاخبار فالجواب عنها ما ذكره. وإن كان الدليل عموم نفي الحرج فلا مجال لتطبيقه في المقام، لاختصاصه بما

[ 135 ]

[ (مسألة 37): إذا وهبه ما يكفيه للحج لان يحج وجب عليه القبول على الاقوى (1)، بل وكذا لو وهبه وخيره بين أن يحج به أولا (2) وأما لو وهبه ولم يذكر الحج لا تعيينا ] إذا أنفق في الحج من كفايته، وليس كذلك فيما نحن فيه، كما ذكره (قده). نعم إذا اتفق لزوم الحرج في إجابة الباذل لم تجب الاجابة. وسيأتي - إن شاء الله - في المسألة الثامنة والخمسين التعرض لذلك. فانتظر. (1) كما في كشف اللثام، واختاره في الحدائق، وحكاه عن الذخيرة ومجمع البرهان، وكذا في المستند وغيرها. لاطلاق النصوص، الشامل للبذل على نحو الاباحة والتمليك، فيجب القبول، لانه حينئذ يكون مقدمة للواجب لا للوجوب. لكن في الشرائع: " لو وهبه مالا لم يجب قبوله... ". وإطلاقه يقتضي عدم الفرق بين أن يهبه للحج بالخصوص أو له ولغيره. وعلله في المسالك: بأن قبول الهبة نوع من الاكتساب، وهو غير واجب للحج، لان وجوبه مشروط بوجود الاستطاعة، فلا يجب تحصيل شرطه، بخلاف الواجب المطلق. ومن هنا ظهر الفرق بين البذل والهبة، فان البذل يكفي فيه نفس الايقاع في حصول القدرة والتمكن، فيجب بمجرده. انتهى. وتبعه في ذلك في الجواهر، بناء منه على ظهور نصوص البذل بالاباحة لاكل الزاد والراحلة أو الاباحة المطلقة حتى للتملك إن ازاده. وفيه: أن المبني غير ظاهر، لشمول النصوص لايقاع الاباحة، وإيقاع التمليك للحج معا، ولا اختصاص لها بالاول كما ذكره. (2) كأنه: لصدق عرض الحج عليه، فيثبت له حكم البذل من الوجوب، فيجب القبول. وفيه: أنه غير ظاهر، لظهور عرض الحج - المذكور في النصوص - في عرضه على التعيين لا على التخيير.

[ 136 ]

[ ولا تخييرا، فالظاهر عدم وجوب القبول، كما عن المشهور (1). (مسألة 38): لو وقف شخص لمن يحج - أو أوصى أو نذر كذلك - فبذل المتولي - أو الوصي أو الناذر - له وجب عليه، لصدق الاستطاعة (2)، بل إطلاق الاخبار. وكذا لو أوصى له بما يكفيه للحج بشرط أن يحج، فانه يجب عليه بعد موت الموصي (3). ] (1) حكى نسبته إلى المشهور في المستند. وقد عرفت: ما ذكره في الشرائع، ومثله في القواعد. ويظهر من شراحهما: التسالم عليه، معللين ذلك: بأن القبول نوع من الاكتساب، وهو شرط وجوب الحج فلا يجب تحصيله. وفي المدارك: " وربما علل: باشتماله على المنة، ولا يجب تحملها. ويتوجه على الاول: ما سبق. وعلى الثاني: منع تأثير مثل ذلك في سقوط الواجب. مع ان ذلك بعينه يأتي في بذل عين الزاد والراحلة، وهو غير ملتفت إليه.. ". ومراده بما سبق تحقق الاستطاعة. لانها التمكن من الحج بمجرد البذل. وفيه: ما عرفت من أن الذي يظهر من الادلة: أن الاستطاعة نوعان ملكيه وبذلية، وتختص البذلية بالبذل للحج، فالهبة مطلقة قبل القبول خارجة عن النوعين معا. وليست الاستطاعة نوعا واحدا - وهو التمكن من المال - كي يدعى وجوب القبول: ولاجل ذلك لا يتم ما ذكر في المدارك - واختاره في المستند - من وجوب الحج في الفرض. بل يشكل ايضا: ما تقدم من المصنف في المسألة الثلاثين، كما اشرنا إليه هناك. (2) قد عرفت الاشكال فيه. نعم لا بأس بالتمسك باطلاق الاخبار، لان عرض الحج على المكلف أعم من ان يكون المال مملوكا للعارض، أو تحت ولايته وسلطانه. (3) هذا من افراد المسأله السابقة، فإذا يدخل في اخبار العرض "

[ 137 ]

[ (مسألة 39): لو أعطاه ما يكفيه للحج خمسا أو زكاة، وشرط عليه أن يحج به فالظاهر الصحة (1)، ] بملاحظة أن الوصي إذا عرض عليه المال الموصى به للحج يدخل في اخبار العرض. بل يزيد عليه بامكان تطبيق الاخبار بملاحظة وصية الميت ايضا، فيكون الميت قد عرض عليه الحج. وهذا وإن كان حاصلا في فرض الوصية السابق، لكن عرض الميت فيه ليس للشخص المعين بل للكلي، حسب فرض المسألة. وسيأتي الاشكال في مثل ذلك. (1) الشرط المذكور تارة: يكون من قبيل إنشاء شرط العمل على المدفوع إليه " وأخرى: من قبيل القيد للمدفوع إليه. فان كان من قبيل الاول فصحته موقوفة على ثبوت ولاية المالك على مثل ذلك، ودليله غير ظاهر. وعمومات صحة الشروط لا تصلح لاثبات السلطنة عليه عند الشك فيها، نظير عمومات صحة البيع لا تثبت السلطنة لكل بايع. وكذلك غيرها، من عمومات صحة العقود والايقاعات ليست ناظرة إلا إلى إثبات قابلية المنشأ للانشاء في ظرف صدوره من السلطان، فلا بد في اثبات ولايته على الشرط من دليل. والفرق بين المورد وغيره من موارد العقود والايقاعات: أن في الموارد المذكورة لما كان موضوعها تحت سلطنة الموقع يكون الشرط من شؤون تلك السلطنة. مثلا: إذا باع الانسان ماله على غيره، فلما كان المال موضوعا لسلطنه البايع الراجعة الى السلطنة على البيع وغيره من التصرفات، فإذا كان البيع تحت السلطنة مطلقا كان الشرط تحتها، لانه من شؤون البيع، وليس كذلك في المقام، فان المال المدفوع ليس ملكا للدافع، وإنما له ولايه تعيين المستحق، ودليل هذه الولاية لا يستفاد منه الولاية على التعيين بشرط. وأما إذا كان الشرط من قبيل القيد، بان يدفعه له مقيدا بكونه يحج به، فقد يقال بامتناعه، بلحاظ أن المدفوع إليه هو الشخص الخارجي،

[ 138 ]

[ ووجوب الحج عليه إذا كان فقيرا، أو كانت الزكاة من سهم سبيل الله (1). (مسألة 40): الحج البذلي مجز عن حجة الاسلام، ] وهو لا يقبل الاطلاق والتقييد، وفيه: ان الشخص الخارجي وإن كان كذلك، لكن الدفع الاختياري الذى أخذ موضوعا للقصد والارادة - يقبل ذلك، لانه يتعلق بالصور الذهنية، والصور الذهنية تقبل ذلك، سواء كانت حاكية عن المفاهيم الكلية أم الجزئية، ولذلك يتمسك في الاحكام الشخصية بالاطلاق الاحوالي. وإذا كان الدفع قابلا للاطلاق والتقييد كان موضوعه كذلك، لانه من شؤونه. فالعمدة في الاشكال في صحه الشرط على هذا الوجه: عدم ثبوت ولاية الدافع على مثل هذا التقييد، وليس في دليل ولاية المالك في الزكاة على تعيين المستحق ما يشمل مثل ذلك. فيلحظ هذا في الزكاة. وأما في الخمس، فقد تقدم في كتاب الخمس: عدم وضوح الدليل على ولاية المالك على تعيين المستحق. لكن الكلام في المقام مبني على ثبوت ولايته ولو باذن الحاكم الشرعي. وقد تقدم من المصنف (ره) في بعض مسائل ختام الزكاة: أنه لا يجوز إعطاء الزكاة للفقير من سهم الفقراء للزيارة أو الحج أو نحوهما من القربات. فراجع. ثم إن ظاهر المتن: أن وجوب الحج في المقام مبني على صحة الشرط. ويمكن المناقشة فيه: بأنه لو بني على بطلان الشرط أمكن أن يدعى الوجوب بلحاظ صدق العرض، فتشمله نصوص البذل، فيجب عليه الحج للاستطاعة البذلية لا لصحة الشرط، نظير ما تقدم في المسالة السابقة. (1) إذا كانت الزكاة كذلك وجب الحج بعد القبول - كما هو مفروض المسألة - وإن لم نقل بصحة الشرط، لان الحج هو المصرف لا غير.

[ 139 ]

[ فلا يجب عليه إذا استطاع مالا بعد ذلك على الاقوى (1). (مسألة 41): يجوز للباذل الرجوع عن بذله قبل الدخول في الاحرام (2). وفي جواز رجوعه عنه بعده وجهان (3). ] (1) كما هو المشهور شهرة عظيمة كادت تكون إجماعا، إذ لم يعرف الخلاف في ذلك إلا من الشيخ في الاستبصار. لخبر الفضل بن عبد الملك عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " سألته عن رجل لم يكن له مال، فحج به أناس من اصحابه، اقضي حجة الاسلام؟ قال: نعم. قال: فإن ايسر بعد ذلك فعليه أن يحج. قلت: هل تكون حجته تلك تامة أو ناقصة إذا لم يكن حج من ماله؟ قال (عليه السلام): نعم. قضى عنه حجة الاسلام (وتكون تامة ليست بناقصه. خ). وإن ايسر فليحج " (* 1). ونحوه خبر أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام): " قال: لو أن رجلا معسرا أحجه رجل كانت له حجته، فان أيسر بعد ذلك كان عليه الحج " (* 2). وحملا على الاستحباب. والعمدة: وهن الخبرين بالاعراض والهجر. ولولا ذلك لاشكل الحمل على الاستحباب بأنه خلاف الظاهر. ولا يقتضيه الجمع بينهما وبين ما دل على الاجزاء عن حجة الاسلام، لتضمنها ذلك ايضا. وأبعد من الحمل المذكور الحمل على من حج عن غيره، أو على الوجوب الكفائي، كما في الوسائل. (2) الظاهر أنه لا إشكال في ذلك، كما يظهر من كلماتهم في مسألة اشتراط وجوب البذل في الاستطاعة، كما سبق. (3) أحدهما: أنه وعد، والوعد لا يجب الوفاء به، كما يقتضيه قاعدة السلطنة على النفس والمال. وأما الثاني فقد يوجه: بأنه إذا شرع


(* 1) الوسائل باب: 10 من ابواب وجوب الحج حديث: 6. (* 2) الوسائل باب: 21 من أبواب وجوب الحج حديث: 5.

[ 140 ]

في الاحرام فقد وجب عليه الاتمام، فيكون تركه غير مقدور، فلا أثر للعدول عن البذل. ونظيره ما ذكر - في من أذن لغيره في الصلاة في ملكه -: من أنه بعد الشروع في الصلاة لا اثر لمنع المالك، كما أشار إلى ذلك بعض مشايخنا في رسالة الحج. وفي حاشيته على المقام ذكر: أن أقوى الوجهين عدمه. ويشكل: بأن الحكم غير ثابت في النظير، فضلا عن المقام. أما الاول فلان نهي المالك عن الصلاة في ملكه يوجب امتناع التعبد بها، وإذا امتنع التعبد بها بطلت. فوجوب إتمام الصلاة إنما يوجب سلب قدرة المصلي على القطع على تقدير إمكان الاتمام، ونهي المالك مانع عن الاتمام، لامتناع التعبد بالصلاة في المكان المغصوب، فتبطل بنفسها لا بابطال المصلي لها. فان قلت: حرمة الابطال من اثار الدخول في الصلاة الصحيحة، ولما كان الدخول في الصلاة باذن المالك كان الدخول صحيحا، فيترتب عليه حرمة الابطال. قلت: لا ريب أن الابطال المحرم هو إبطال الصلاة الصحيحة، فما دامت الصلاة صحيحة بحرم إبطالها، فهو منوط بالصحة - حدوثا وبقاء - إناطة كل حكم بموضوعه، لا أنه منوط بها حدوثا فقط. كيف ولا ريب أنه لو طرأ ما يوجب بطلان الصلاة لم يحرم إبطالها؟ بل لا يتصور إبطالها. وإذا كان الحكم منوطا بالصحة حدوثا وبقاء، كان منوطا بشرائط الصحة حدوثا وبقاء، فإذا زال بعض الشرائط زال الحكم بزواله، ورجوع المالك عن إذنه موجب. لذلك نظير مالو شرع في الصلاة في مكان مباح، ثم اضطر الى الخروج عنه الى مكان مغصوب، فانه لا يحرم قطعها لبطلانها واضعف من ذلك ما قيل: من أن الشروع في الصلاة الصحيحة لما كان يستلزم الاتمام، كان الاذن في الشروع إذنا في الاتمام، لان الاذن في الشئ

[ 141 ]

إذن في لوازمه. وجه الضعف: أن الكلام في جواز رجوع المالك عن إذنه وعدمه، وحرمة إتمام الصلاة وعدمها، لا في تحقق الاذن في الاتمام كى يستدل على تحقق الاذن بالقاعدة المذكورة. فالكلام في تأثير الرجوع عن الاذن وعدمه ثبوتا، لا في ثبوت الاذن وعدمه إثباتا، فالاختلاف بين المقام ومورد القاعدة موضوعا وحكما. ومثل رجوع المالك عن إذنه في الصلاة رجوعه عن إذنه في البناء في ملكه أو الغرس فيه أو الزرع فيه، ففي مثل هذه الموراد إذا رجع - بعد البناء أو الغرس أو الزرع - كان الواجب على المأذون إخلاء الارض. إلا إذا لزم الضرر، فتكون قاعده الضرر حاكمة على قاعدة السلطنة، المقتضية لجواز الرجوع. ولا تعارضها قاعدة الضرر الجارية في حق المالك، لانه مقدم عليه بالاذن. وقد يستشهد على عدم جواز رجوع المالك عن الاذن في الصلاة بما تسالموا عليه: من عدم تأثير رجوع المالك إذا أذن في رهن ملكه. وفيه: وضوح الفرق بين المقامين، فان الرهن باذن المالك يستوجب حقا للمرتهن في العين " فقاعده السلطنة على الحق - الجارية في حق المرتهن - مانعة من تأثير الرجوع، ومن اجراء قاعده السلطنة في حق المالك. والسر في ذلك: أن عقد الرهن ليس من الامور القارة الموقوفة على إذن المالك حدوثا وبقاء، بل هو يحدث وينعدم، فإذا حدث بالاذن صح وترتب اثره وبعد العدم لا يناط بالاذن. بخلاف مثل التصرف في المكان، فانه كما يحتاج الى إذن المالك في الحدوث يحتاج إليها في البقاء. نعم المناسب لباب الرهن الجزء الخاص من التصرف الحادث قبل رجوع المالك، فانه لا اثر للرجوع في حرمته، ولا في ترتب اثر الحرمة عليه بوجه. فهو والرهن من باب واحد، ويصح قياس احدهما على الاخر، لا قياس التصرف اللاحق للرجوع بالرهن، فانهما من بابين لا من باب واحد.

[ 142 ]

هذا كله الحكم في النظير. وأما الكلام في المقام فهو: أنه إذا بنينا على عدم تأثير الرجوع إذا اذن في الصلاة - لما سبق - لا يلزم البناء عليه في المقام، لان وجوب إتمام الحج في المقام لا ينافي حرمة التصرف في المال المبذول، لجواز إتمام الحج بلا تصرف في المال المبذول، بأن يحج متسكعا، أو بالاستدانة، أو الاستيهاب. أو إجارة نفسه على عمل مؤجل أو حال أو غير ذلك. فوجوب اتمام الحج لا يقتضى سلب قدرته على ترك التصرف في المال، كي يكون من قبيل باب الاذن في الصلاة. نعم إذا انحصر إتمام الحج بركوب الراحلة المبذولة كان من ذلك القبيل، وحينئذ يجئ فيه ما ذكر هناك، فان قلنا فيه بعدم تأثير الرجوع وجب الاتمام بالتصرف بالمال المأذون فيه أولا، وإن رجع المالك عن الاذن. وإن قلنا بتأثير الرجوع وجب ترك التصرف، ويجرى عليه حكم المحصور. هذا كله من حيث الحكم التكليفي. أما من حيث الحكم الوضعي - أعني: ضمان المال المبذول في المقام، والانتفاع المبذول في باب الصلاة والاعارة للزرع والغرس - فهو أنه إن بني على تأثير الرجوع في حرمة التصرف فلا إشكال في الضمان. أما لو بني على عدم تأثيره، فقد يقال بعدم الضمان، لوجوب البذل شرعا، المقتضى لعدم احترام المال. وفيه: أن وجوب البذل أعم من عدم احترام المال، نظير البذل عند المخمصة، فانه مضمون على المتصرف فيه بالاكل. وبالجملة: وجوب بذل المال، ووجوب تصرف المبذول له فيه لا يقتضى نفي الضمان الثابت بالاتلاف، لعدم المنافاة بينهما كي يدل أحدهما على عدم الاخر. وكذا الكلام في ضمان منافع الارض المبذولة للغرس والزرع والبناء إذا لزم الضرر من إخلائها من ذلك عند رجوع الباذل عن إذنه. فلاحظ. ومن ذلك تعرف حكم الرجوع عن الاذن في الموارد المختلفة، فان

[ 143 ]

رجوع الباذل للرهن لا اثر له، ورجوع المعير للزرع والغرس ونحوهما يترتب عليه الاثر تكليفا ووضعا، إلا مع الضرر فيترتب اثره وضعا لا تكليفا، ورجوع الاذن في الصلاة يترتب أثره تكليفا ووضعا، فتبطل الصلاة معه ويكون المصلي ضامنا، وكذا المقام. وأما رجوع الزوج عن الاذن للزوجة في الحج فيترتب عليه أثره وإن كان قبل إحرامها، ولا يترتب أثره إذا كان بعد إحرامها، لان وجوب الاتمام مانع عن وجوب إطاعة الزوج. ومثله رجوع الوالد عن الاذن لولده في الحج. وأما رجوع المولى إذا اذن لعبده في الحج أو الاعتكاف، فان كان قبل الاحرام في الحج، وقيل اليوم الثالث في الاعتكاف ترتب عليه اثره -، من حرمة الحج والاعتكاف - فيبطل اعتكافه إذا كان قد شرع فيه. وإن كان بعد الاحرام أو بعد دخول اليوم الثالث، فان قلنا بان منفعة الحج والاعتكاف من المنافع المملوكة - كما هو الظاهر - يكون الحكم كما لو رجع الباذل للصلاة، وان لم نقل بذلك كان الحكم كما في رجوع الزوج والوالد عن الاذن. وأما إذا أذن في دفن الميت في ملكه ثم عدل بعد الدفن، فان لم يؤد نقله إلى موضع آخر إلى محذور لزم، وإن أدى إلى هتك حرمته - لطروء الفساد على بدنه - ففي جواز نقله إشكال، لاحتمال أهميه حرمة الهتك من محذور دفنه في ارض غيره. ولا سيما أن حرمة الهتك لا تختص بالمباشر لدفنه بل عامة حتى لصاحب الارض. ولاجل ذلك يشكل النقل حتى لو دفن في ارض بغير إذن المالك، لاطراد المحذور فيه ايضا. ثم إن الظاهر أن وجه توقف المصنف (ره) عن الحكم بجواز الرجوع في البذل بعد الاحرام، مع بنائه على الجواز فيما لو أذن في الصلاة في داره - كما تقدم منه في كتاب الصلاة -: احتمال التمسك بقاعدة الغرور في المقام، التي يدل عليها - مضافا إلى الاجماع في الجملة -: النبوى المرسل

[ 144 ]

المشهور: " المغرور يرجع على من غره " (* 1). وما ورد في تدليس الزوجة، من رجوع الزوج الى المدلس، معللا بقوله (عليه السلام): " كما غر الرجل وخدعه " (* 2). ومقتضى ذلك وإن كان عموم الحكم برجوع المغرور إلى الغار في جميع الموارد، الا أنه ليس بناء الاصحاب على العمل بها كليه. ولذلك يشكل الاخذ بعموم دليلها، كما اشرنا إلى ذلك في مبحث الفضولي من (نهج الفقاهة)، تعليقتنا على مكاسب شيخنا الاعظم (قده). لكن يخدش الوجه المذكور: أن الايقاعات لا توجب تغريرا للغير، فانها إنشاءات بحتة ليس فيها حكاية ولا دلالة تصديقية، ولا تتصف بصدق ولا كذب، فإذا رجع الباذل عن بذله لم ينكشف من الرجوع خلاف ما دل عليه إنشاء الوعد. نعم إذا ظهر من قوله أو فعله انه لا يخلف في وعده ولا يرجع عنه كان ذلك تغريرا للمبذول له وايقاعا له في الغرور فالتغرير إنما يكون بذلك القول أو الفعل لا بنفس الوعد. وعليه إذا بني على عموم القاعدة، ولزوم العمل بها فاللازم التفصيل بين أن يكون اعتماد المبذول له على مجرد الوعد، وبين أن يكون اعتماده على قوله أو فعله الدال على بقائه على وعده. ففي الاول لا مجال لرجوعه عليه. وفي الثاني يرجع عليه، لحصول التغرير منه في الثاني دون الاول. وأما العمل بعموم القاعدة حتى في المقام فلا بأس به، لعموم دليلها. نعم قد يشكل صدق التغرير إذا لم يكن الغار قاصدا للايهام. بل الظاهر اختصاص الخديعة بذلك، ففي هذه الصورة يضمن الغار، ولا يبعد أن يكون بناء العقلاء والمتشرعة على الضمان ومؤاخذتهم الغار بتغريره.


(* 1) هذا الحديث وان وجد في بعض الكتب الفقهية الا انه لم نعثر عليه بعد الفحص في كتب الحديث للعام والخاصة وبعد الاستعانة ببعض الفهارس المعدة لضبط السنة النبوية. (* 2) الوسائل باب: 7 من ابواب العيوب والتدليس في النكاح حديث: 1.

[ 145 ]

[ ولو وهبه للحج فقبل فالظاهر جريان حكم الهبة عليه، في جواز الرجوع قبل الاقباض وعدمه بعده، إذا كانت لذي رحم، أو بعد تصرف الموهوب له (1). (مسألة 42): إذا رجع الباذل في أثناء الطريق، ففي وجوب نفقة العود عليه أولا وجهان (2). (مسألة 43): إذا بذل لاحد اثنين أو ثلاثة فالظاهر الوجوب عليهم كفاية (3)، فلو ترك الجميع استقر عليهم ] أما إذا لم يكن قاصدا للايهام وايقاع المغرور في خلاف الواقع، ففي البناء على الضمان اشكال، لعدم وضوح الدليل فيه. وعدم ثبوت بناء العقلاء والمتشرعة عليه، وإن كان ظاهر الاصحاب في مبحث الفضولي - فيما لو رجع المالك على المشتري - عموم الحكم لصورة علم الغار وجهله. وإن كان بناؤهم على ذلك لا يهم إذا كان الدليل قاصرا، فانه لم يكن عن إجماع معتد به على ذلك، لاختلاف أنظارهم في وجه الرجوع. فلاحظ ما ذكرناه في (نهج الفقاهة) في ذلك المبحث. والله سبحانه العالم الموفق. (1) لعدم ظهور خصوصيه للمورد تمتاز بها عن بقية افراد الهبة، فيشملها عموم الدليل المقتضي للتفصيل المذكور. (2) ينشآن: مما ذكرنا من اصالة البراءة. ومن قاعدة الغرور، فان هذه المسأله وسابقتها من قبيل واحد، ولذلك توقف المصنف (ره) في المقام. ومن بنى على الرجوع الى قاعدة الغرور في إحداهما بنى على ذلك في الاخرى. (3) لتحقق الاستطاعة بالنسبة إلى كل واحد منهم، على ما ذكره هنا، وتقدم منه في المسألة الثلاثين وغيرها. لكن عرفت الاشكال

[ 146 ]

[ الحج. فيجب على الكل، لصدق الاستطاعة بالنسبة إلى الكل. نظير: ما إذا وجد المتيممون ماء يكفي لواحد منهم، فان تيمم الجميع يبطل (1). ] في ذلك، وأن المستفاد من النصوص أن الاستطاعة نوعان: ملكيه، وبذلية، وكلتاهما في المقام غير حاصلة، لانتفاء الملك. ولعدم شمول نصوص البذل له. ولذا قال في الجواهر: " إن لم ينعقد اجماع على وجوبه للمبذول لهم الحج على جهة الاطلاق من دون خصوصية - كأن يقال: " بذلت الزاد والراحلة لكل من يريد الحج مثلا - أمكن القول بعدمه. للاصل وغيره. وبالجملة: المدار في المسألة: أن وجوب الحج على المبذول له، لصدق الاستطاعة المتحقق في ذلك وأمثاله. أو أنه لمكان الادلة المخصوصة، لعدم الاكتفاء بهذه الاستطاعة المشتملة على المنة، التي سقط لها ونحوها أكثر التكاليف. ولعل الاخير لا يخلو من قوة.. ". وما ذكره في محله. وإن كان بعضه لا يخلو من مناقشة، فان الاعتماد على النصوص المخصوصة في الاستطاعة البذلية، وعدم شمول العمومات لها ليس لاجل المنه، بل لاجل ان العمومات مختصة بالملك، على ما عرفت في المسألة الثلاثين وغيرها. والمنة الحاصلة في البذلية ليست مما يسقط لاجلها التكليف، لعدم بلوغها الحرج. ولو فرض بلوغها ذلك فلا ينبغي التأمل في منعها من الاستطاعة البذلية، لعموم ادلة الحرج، كما عرفت في جملة من مسائل الاستطاعة المالية المتقدمة. فراجع. (1) الوجدان - الموجب لبطلان التيمم - إنما هو بمعنى القدرة على الماء، وهو في المقام حاصل بالنسبة إلى كل واحد منهم، فيبطل تيممه. نعم إذا تسابقوا إليه فسبق واحد منهم بطل تيممه دون غيره، لانكشاف قدرة السابق وعجز غيره وإذا سبقوا إليه جميعا لم يبطل تيمم واحد منهم،

[ 147 ]

[ (مسألة 44): الظاهر أن ثمن الهدي على الباذل (1). وأما الكفارات فان أتى بموجبها عمدا اختيارا فعليه، وإن أتى بها اضطرارا، أو مع الجهل أو النسيان فيما لا فرق فيه بين العمد وغيره، ففي كونه عليه أو على الباذل وجهان (2). (مسألة 45): إنما يجب بالبذل الحج الذي هو وظيفته على تقدير الاستطاعة، فلو بذل للآفاقي بحج القرآن أو الافراد أو لعمرة مفردة لا يجب عليه، وكذا لو بذل للمكي لحج ] لاشتراكهم فيه. أما الاستطاعة في باب الحج فقد عرفت أنها ليست كذلك، فالتنظير في غير محله. (1) لانه جزء من الواجب، فيشمله البذل. هذا إذا كان البذل واجبا بنذر ونحوه، لانصرافه الى الفرد الاختياري. أما إذا كان واجبا بقاعدة اخرى - كالغرور، أو التسبيب - فوجوبه على الباذل غير ظاهر، لانه واجب عند القدرة، وبامتناع الباذل تنتفي القدرة فينتقل إلى بدله. نعم لو كان المبذول له متمكنا من الهدي فاشتراه فذبحه أمكن رجوعه على الباذل بالثمن، لقاعدة الغرور. وهكذا الكلام في كل ماله بدل، فانه لا يجب عليه بذله. بل لو بذل له من اول الامر مالا يفي بالواجب الاختياري وجب عليه الحج وأجزأ عن حج الاسلام. وكذا لو كان المكلف مالكا لمال لا يفي بالواجب الاختياري، ولكن يفي بالواجب الاضطراري، كان مستطيعا بالاستطاعة الملكية، ووجب عليه الحج، وأجزاه عن حج الاسلام. (2) مما ذكرنا سابقا يظهر أن أقوى الوجهين أولهما. فان البذل إذا كان واجبا - بنذر ونحوه - فلا ينصرف إلى مثل ذلك، وإن كان واجبا بقاعدة الغرور ونحوها فلا يقتضي ذلك. فتأمل جيدا.

[ 148 ]

[ التمتع لا يجب عليه. ولو بذل لمن حج حجة الاسلام لم يجب عليه ثانيا (1). ولو بذل لمن استقر عليه حجة الاسلام وصار معسرا وجب عليه (2). ولو كان عليه حجة النذر أو نحوه ولم يتمكن فبذل له باذل وجب عليه (3)، وإن قلنا بعدم الوجوب لو وهبه لا للحج. لشمول الاخبار من حيث التعليل فيها: بأنه بالبذل صار مستطيعا. ولصدق الاستطاعة عرفا. (مسألة 46): إذا قال له: " بذلت لك هذا المال مخيرا بين أن تحج به أو تزور الحسين (عليه السلام) " وجب عليه الحج (4). ] (1) كما يقتضيه ظاهر النصوص. (2) لان المفروض استقرار الوجوب عليه. غاية الامر: أنه كان معذورا من جهة العسر وبالبذل يزول المانع (3) لما سبق. والقول بعدم وجوب قبول الهبة لو وهبه لا للحج لا يرتبط بما نحن فيه، لانه في اصل وجوب الحج واشتغال ذمته. وقد عرفت ان المقام ليس في ذلك، لاستقرار الوجوب عليه بالسبب السابق، والكلام هنا في وجوب إفراغ ذمته عقلا من الواجب المشغولة به، فالقدرة هنا عقليه لا شرعية، فلا مناسبة بين المقام وذلك المقام. ومن ذلك يظهر النظر في قوله (ره): " لشمول الاخبار من حيث... "، فان المقام لا يرتبط بتلك الاخبار، ولا بالتعليل المذكور فيها، ولا بصدق الاستطاعة لانها كلها في مقام أصل الوجوب، وفي حصول ملاكه، لا فيما نحن فيه مما لم تكن الاستطاعة شرطا في الوجوب ولا في الملاك. وما كان يؤمل من المصنف (ره) صدور مثل ذلك منه. (4) تقدم الكلام فيه في المسألة السابعة والثلاثين.

[ 149 ]

[ (مسألة 47): لو بذل له مالا ليحج بقدر ما يكفيه، فسرق في أثناء الطريق سقط الوجوب (1). (مسألة 48): لو رجع عن بذله في الاثناء، وكان في ذلك المكان يتمكن من أن يأتي ببقية الاعمال من مال نفسه أو حدث له مال بقدر كفايته، وجب عليه الاتمام (2)، وأجزأه عن حجة الاسلام. (مسألة 49): لا فرق في الباذل بين أن يكون واحدا أو متعددا (3)، فلو قالا له: " حج وعلينا نفقتك " وجب عليه. (مسألة 50): لو عين له مقدارا ليحج به، واعتقد ] (1) بل انكشف عدم ثبوته، لانتفاء شرطه. (2) ظاهر العبارة أنه كان الرجوع عن البذل بعد الاحرام. وعليه يشكل ما ذكره من اجزائه عن حج الاسلام، لانه بالرجوع انكشف عدم كونه مستطيعا من أول الامر. لكن تقدم منه في المسألة التاسعة والعشرين: احتمال ان تلف المال في أثناء الحج لا يمنع من الاجزاء عن حج الاسلام، والرجوع بعد الاحرام من قبيل تلف الاستطاعة بعد الاحرام. هذا إذا كان المال الذي يكفيه للاتمام قد حدث له، أما إذا كان عنده حين البذل فلا إشكال لان البذل إلى زمان الرجوع يكون متمما للاستطاعة أما إذا كان المراد الرجوع عن البذل قبل الاحرام، وكان عنده من المال ما يكفيه للذهاب والاياب، أو حدث له مال كذلك، فلا ينبغى التأمل في أنه يجب عليه حج الاسلام، وكان بذلك مستيطعا. ولعله مراد المتن. (3) لاطلاق أدلة العرض.

[ 150 ]

[ كفايته فبان عدمها، وجب عليه الاتمام في الصورة التي لا يجوز له الرجوع. إلا إذا كان ذلك مقيدا بتقدير كفايته (1). (مسألة 51): إذا قال: " اقترض وحج وعلي دينك " ففي وجوب ذلك عليه نظر، لعدم صدق الاستطاعة عرفا (2) ] (1) يعنى: وجب على الباذل إتمام ما بذله حتى يكون بمقدار الكفاية، في الصورة التي لا يجوز الرجوع فيها عن البذل. إلا إذا كان بذل المقدار المعين مقيدا بقدر كفايته، بأن كان بذله للمقدار المعين معلقا على تقدير الكفاية فحينئذ لا يجب إضافته بمقدار الكفاية وكأن الوجه في وجوب الاتمام هو الوجه في عدم جواز الرجوع في البذل بناء عليه. لكن يشكل ذلك: بأنه لو بني على عدم جواز الرجوع من جهة التغرير لا مجال للبناء على ذلك هنا، إذ لا تغرير من الباذل. اللهم إلا أن يكون قول الباذل: " لتحج به " بمنزلة إخباره بكفايته للحج، فيكون تغريرا منه. لكن لازم ذلك وجوب الرجوع على كل من أخبر بذلك ولو كان غير الباذل، ولا يختص وجوب الاتمام بالباذل. أو لان قول الباذل: " لتحج به " لما لم يكن مقيدا بتقدير الكفاية، كان دالا على الوعد بالاتمام على تقدير النقص، لانه لازم لبذل المقدار المعين للحج، إذ لا تمكن الاستعانة به في الحج إلا بذلك. والمظنون: أن مراد المصنف ذلك، فيكون مرجع البذل في المقام إلى بذل التتمة على تقدير النقص، فلا يجوز للباذل الرجوع عنه. لكن الدلالة على الوعد بالاتمام يتوقف على علم الباذل بعدم تمكن المبذول له من الاتمام إلا ببذل التتمة، فلو كان الباذل يحتمل تمكن المبذول له من الحج متسكعا، أو أن يكون له مال يتمكن من الاتمام به، فالدلالة غير حاصلة. (2) في هذا التعليل نظر - بناء على ما تقدم منه من أن الاستطاعة

[ 151 ]

[ نعم لو قال: " اقترض لي وحج به " وجب مع وجود المقرض كذلك. (مسألة 52) لو بذل له مالا ليحج به فتبين بعد الحج أنه كان مغصوبا، ففي كفايته للمبذول له عن حجة الاسلام وعدمها وجهان، أقواهما العدم (1). أما لو قال: " حج وعلي نفقتك "، ثم بذل له مالا فبان كونه مغصوبا، ] عبارة عن القدرة المالية، نظير القدرة على الماء التي يبطل معها التيمم - حصولها بالبذل على النحو المذكور. نعم بناء على ما ذكرنا سابقا: من ان الاستطاعة منحصرة في نوعين: ملكيه وبذلية، تكون منتفية بكلا نوعيها، لانتفاء الملك والبذل معا. ومن ذلك يظهر عدم الوجوب في الصورة الثانية، لانتفاء الملك والبذل ايضا، فلا يجب الحج فيها. نعم لو اقترض حصلت الاستطاعة البذلية، ووجب الحج، وأجزأ عن حج الاسلام. (1) لا ينبغي التأمل في أن البذل الانشائي والوعد بالبذل لا يستوجب الاستطاعة البذلية، ولا بد من البذل الخارجي في حصولها، فإذا كان المبذول مغصوبا لم يتحقق البذل الموجب للاستطاعة، لاختصاصه ببذل المال غير المضمون. وهذا مما لا ينبغي التأمل والتردد فيه. ومنه يظهر الاشكال فيما ذكره المصنف في الصورة الثانية، من تعليل صحة البذل بقوله: " لانه استطاع بالبذل " فان البذل الخارجي للمال المغصوب المضمون لا يستوجب الاستطاعة، كما عرفت. والبذل الانشائي لا يكفي في حصولها ايضا، فكيف يكون المبذول له مستطيعا، ويصح حجه. ويجزي عن حجة الاسلام؟! وبالجملة: الاستطاعة البذلية تكون ببذل إنشائي وبذل خارجي، فان اعتبر في المبذول أن لا يكون مضمونا لم يكن فرق بين الصورتين في عدم حصول الاستطاعة البذلية، وإن لم يعتبر ذلك لم يكن ايضا فرق

[ 152 ]

[ فالظاهر صحة الحج وإجراؤه عن حجة الاسلام، لانه استطاع بالبذل. وقرار الضمان على الباذل في الصورتين، عالما كان بكونه مال الغير أو جاهلا (1). (مسألة 53): لو آجر نفسه للخدمة في طريق الحج بأجرة يصير بها مستطيعا وجب عليه الحج. ولا ينافيه وجوب قطع الطريق عليه للغير، لان الواجب عليه - في حج نفسه - أفعال الحج، وقطع الطريق مقدمة توصلية، بأي وجه أتى بها كفى ولو على وجه الحرام، أو لا بنية الحج (2). ] بينهما في حصولها. إذ لا فرق بين الصورتين في ذلك - بل ولا في غيره - إلا في أن البذل الانشائي في الاول مقارن للبذل الخارجي، وفي الثاني غير مقارن، وهذا المقدار لا يستوجب اختلافا بينهما في الحكم. (1) لما كان المفروض جهل المبذول له بالغصب يكون مغرورا من قبل الباذل، فيرجع عليه في تدارك خسارته إذا كان قد رجع عليه المغصوب منه بمثل المبذول أو بقيمته. وهذا الرجوع لقاعدة الغرور. وعموم الحكم بالرجوع على الباذل لصورة علمه وجهله مبني على عموم القاعدة لهما معا، ولو بني على اختصاصها بصورة علم الغار اختص الرجوع على الباذل بها لا غير. (2) كما نص على ذلك في الجواهر، قال (ره) في دفع إشكال أن السفر إذا كان واجبا بالاجارة كيف يكون حج الاجير مجزيا عن حجة الاسلام: " ويدفع: بأن الحج - الذي هو عبارة عن مجموع الافعال المخصوصة - لم تتعلق به الاجارة، وإنما تعلقت بالسفر خاصة، وهو غير داخل في أفعال الحج.. ". ونحوه: ما في المسالك والمدارك وغيرهما. ويظهر منهم التسالم على كون الحج عبارة عن الافعال المخصوصة، وليس

[ 153 ]

السفر منها وإنما هو مقدمة، فلا مانع من أن يكون واجبا لسبب اخر، أو مملوكا عليه بعقد إجارة ونحوها. ويشكل: بأن ظاهر الاية الشريفة وجوب السفر فان حج البيت - في الاية الشريفة - يراد منه الذهاب إليه والسعي نحوه، فيكون واجبا وجوبا نفسيا كسائر افعاله. وإذا أجمل مبدأ السير فالقدر المتيقن منه السير من الميقات. ثم استدل على ذلك في الجواهر بصحيح معاوية بن عمار عن الصادق (عليه السلام): " عن الرجل يمر مجتازا - يريد اليمن أو غيرها من البلدان - وطريقه بمكة، فيدرك الناس وهم يخرجون الى الحج " فيخرج معهم إلى المشاهد، أيجزيه ذلك عن حجة الاسلام؟ قال (عليه السلام): نعم " (* 1)، وصحيحه الاخر عنه (عليه السلام): " قلت لابي عبد الله (عليه السلام): الرجل يخرج في تجارة الى مكة، أو يكون له إبل فيكريها، حجته ناقصة أم تامة؟ قال (عليه السلام): لا بل حجته تامة " (* 2)، وخبر الفضل ابن عبد الملك عنه (عليه السلام) قال: " وسئل عن الرجل يكون له الابل يكريها فيصيب عليها، فيحج وهو كري، تغني عنه حجته؟ أو يكون يحمل التجارة الى مكة فيحج، فيصيب المال في تجارته أو يضع، تكون حجته تامة أو ناقصة؟ أو لا يكون حتى يذهب به الى الحج ولا ينوي غيره؟ أو يكون ينويهما جميعا، أيقضي ذلك حجته؟ قال (عليه السلام): نعم حجته تامة " (* 3). اقول: النصوص المذكورة لا تصلح للخروج بها عن ظاهر الاية الشريفة، فان الصحيح الاول ظاهر في أن خروجه إلى المشاهد لم يكن بقصد غاية اخرى وإنما كان لمحض الحج. وأما الصحيح الثاني فانما يدل على ان حجه - وهو كري، أو يحمل التجارة إلى مكة - صحيح، وهو لا يقتضى


(* 1) الوسائل باب: 22 من ابواب وجوب الحج حديث: 2. (* 2) الوسائل باب: 22 من ابواب وجوب الحج حديث: 4. (* 3) الوسائل باب: 22 من ابواب وجوب الحج حديث: 5.

[ 154 ]

خروج السير من الميقات عن الحج، وعدم لزوم التعبد والتقرب به. لان وقوع العمل على وجه العبادة يتوقف على صدوره عن داعي القربة على نحو يكون ذلك الداعي صالحا للاستقلال في الداعوية، وذلك لا ينافي وجود داع آخر إليه صالح للاستقلال في الداعوية. نعم إطلاقه يقتضى الصحة وإن كان داعي القربة تبعيا. لكن الاطلاق المذكور ليس بحد يصلح للخروج به عن ظاهر الآية، لقرب حمل الكلام على انه في مقام نفي مانعية الضميمة. وأما الخبر الثالث فحمله على ذلك اقرب، فان قول السائل: " ولا ينوي غيره " ظاهر في ذلك جدا. مضافا إلى ضعف سنده بالارسال، كما عرفت في مبحث البذل. فان قلت: المراد من الاية الشريفة وجوب السفر الى البيت وجوبا غيريا، نظير قوله تعالى: (فتيمموا صعيدا طيبا.. " (* 1) فانه لاريب في عدم وجوب السعي إلى التراب وجوبا نفسيا. قلت: إذا كان المراد من آية التيمم ذلك - لقرينة في الكلام، وهي قوله تعالى: (ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم..) ضرورة: أن التطهير إنما يكون باستعمال التراب لا بالسعي إليه. أو لقرينة خارجية من إجماع وغيره - فهو لا يقتضى حمل الامر في المقام عليه، لعدم القرينة عليه. ولا سيما وكون الوجوب النفسي هو الموافق للارتكاز العقلائي، فان السعي إلى بيوت اهل الشأن مظهر من مظاهر العبودية. فلاحظ. والمتحصل مما ذكرنا: أن البناء على عدم جزئية السفر الى البيت في الواجب النفسي وأنه مقدمة لا غير خلاف ظاهر الاية، وليس ما يقتضي الخروج عنه، فالبناء على الاخذ بظاهر الاية متعين. وعلى هذا لا يجوز. وقوع السفر من الميقات إلى مكة على وجه لا يقتضى تقرب المحرم - بأن يكون


(* 1) المائدة: 7.

[ 155 ]

[ وكذا لو كان مستطيعا قبل الاجارة جاز له إجارة نفسه للخدمة في الطريق. بل لو آجر نفسه لنفس المشي معه، بحيث يكون العمل المستأجر عليه نفس المشي صح أيضا، ولا يضر بحجه. نعم لو آجر نفسه لحج بلدي لم يجز له أن يؤجر نفسه لنفس المشي، كاجارته لزيارة بلدية أيضا. أما لو آجر للخدمة في الطريق فلا بأس وإن كان مشيه للمستأجر الاول. فالممنوع وقوع الاجارة على نفس ما وجب عليه أصلا أو بالاجارة. (مسألة 54): إذا استؤجر - أي: طلب منه إجارة نفسه للخدمة بما يصير به مستطيعا - لا يجب عليه القبول، ولا ] مملوكا لغيره بالاجارة ونحوها - أو ملكا له لكن على نحو لا يكون مقربا - بأن كان حراما - أو وقع قهرا أو غفلة - كما إذا أحرم وعزم على ترك السفر فقهر على ذلك، أو نام فحمله شخص حتى أوصله إلى مكة - أو كان رياء ونحو ذلك. نعم لا يضر إذا وقع فيه نوم أو غفلة مع عزمه عليه، ضرورة الاجتزاء به حينئذ. ثم إن الاجارة للخدمة لا تقتضي امتناع التعبد بالسفر، إذ وجوب الخدمة المملوكة بالاجارة وإن اقتضى وجوب السفر. لكن لا مانع من التعبد به من جهة وجوب الحج، فيكون السفر واجبا بالاجارة غيريا، وواجبا بالاستطاعة نفسيا. ولا مانع من اجتماع الوجوبين، ولا من التقرب بهما معا إذا كان كل واحد من الامرين الغيري والنفسي صالحا للاستقلال بالداعوية إلى فعل الواجب، فلا مانع من وجوب حج الاسلام على الاجير إذا كان مال الاجارة كافيا في حصول الاستطاعة. أما إذا كان السفر بنفسه مستأجرا عليه، فيكون مملوكا للمستأجر. وحينئذ لا يمكن التقرب به، لانه مملوك

[ 156 ]

[ يستقر الحج عليه، فالوجوب عليه مقيد بالقبول ووقوع الاجارة. وقد يقال بوجوبه (1) إذا لم يكن حرجا عليه، لصدق الاستطاعة. ولانه مالك لمنافعه فيكون مستطيعا قبل الاجارة، كما إذا كان مالكا لمنفعة عبده أو دابته، وكانت كافية في استطاعته. وهو كما ترى، إذ نمنع صدق الاستطاعة بذلك (2). لكن لا ينبغي ترك الاحتياط في بعض صوره، كما إذا كان من عادته إجارة نفسه للاسفار. (مسألة 55): يجوز لغير المستطيع أن يؤجر نفسه ] لغير الفاعل، فيمتنع ان يتقرب بالفعل الراجع لغيره. وحينذ يمتنع ان يجب عليه حج الاسلام، فتكون الاجارة مانعة من حصول الاستطاعة على كل حال: (1) القائل: النراقي في مستنده. (2) كما عرفت سابقا، إذ لا ملك ولا بذل، وهي منحصرة في أحدهما. نعم بناء على ما تقدم من المدارك: من أنها التمكن من المال الكافي، تتحقق الاستطاعة بمجرد طلب المستأجر الاجارة، وحينئذ يجب عليه القبول، كما عرفت. وكذلك بناء على ما ذكره المصنف (ره) في المسألة السابعة والعشرين وغيرها، من أن الاستطاعة القدرة على المال، فانه حاصل لعين ما ذكر. فعلى مبناه المذكور يتعين عليه البناء على وجوب القبول، ولا وجه لمنع صدق الاستطاعة ولذالك جعل في المستند مما يتفرع على كون الاستطاعة القدرة المالية، وجوب الحج على الكسوب إذا تمكن من كسبه في الطريق، ووجوب الاستدانة لمن له دين مؤجل أو متاع لا يتمكن من بيعه في الحال، ووجوب قبول الهبة وإجارة النفس لمعونة السفر. فالعمدة - إذا - الاشكال في صحة المبني، وأنه مما لا يستفاد من الادلة.

[ 157 ]

[ للنيابة عن الغير. وإن حصلت الاستطاعة بمال الاجارة قدم الحج النيابي (1)، فان بقيت الاستطاعة إلى العام القابل وجب عليه لنفسه، وإلا فلا. (مسألة 56): إذا حج لنفسه، أو عن غيره تبرعا أو بالاجارة، مع عدم كونه مستطيعا لا يكفيه عن حجة ] وأما ما ذكر في المستند: من أن الشخص مالك لمنافعه، فيكون كما لو كان له ضيعة لم يتمكن من بيعها ويمكن إجارتها مدة يكفيه للحج، فموهون إذ المنافع قبل وجودها في الخارج تعد من شؤون ذي المنفعة، وكما أنه لا يملك العامل نفسه لا يملك منافعه، إذ لا إثنينية مصححة لاعتبار إضافة المالكية والمملوكية. ولذلك بنينا على عدم ضمان منافع الحر. ولا فرق في ذلك بين من عادته إجارة نفسه وغيره. (1) هذا إذا كان المستأجر عليه الحج في سنة الاجارة، إذ حينئذ يجب عليه حج النيابة في تلك السنة، فيكون مانعا عن الاستطاعة السربية التي هي شرط وجوب حج الاسلام - وإن كانت الاستطاعة المالية له حاصلة. أما إذا كانت الاجارة على الحج لا تختص بتلك السنة، اما لانها مختصة بالسنة التالية لها، أو عامة للجميع - بان استؤجر على ان ينوب عن شخص مرة واحدة في مدة سنتين أو اكثر - فانه إذا استطاع بمال الاجارة يجب عليه حج الاسلام في سنة الاجارة، ويؤخر الحج النيابي إلى السنة الاخرى، لان الاول مضيق والاخر موسع، فلا يتنافيان ولا يتزاحمان. نعم إذا كان الاجير بحيث لو صرف مال الاجارة في حج الاسلام عجز عن الحج النيابي لم يكن مستطيعا، لان وجوب حفظ المال للحج النيابي يمنع عن صرفه في حج الاسلام، فتنتفي الاستطاعة السربية، ويكون الحكم فيه كالفرض السابق.

[ 158 ]

[ الاسلام، فيجب عليه الحج إذا استطاع بعد ذلك (1). وما في بعض الاخبار: من إجزائه عنها، محمول على الاجزاء ] (1) على المشهور المعروف، وفي المدارك: " هذا مذهب الاصحاب، لا اعرف فيه مخالفا.. "، وفي الجواهر: " بلا خلاف أجده في شئ من ذلك بل يمكن تحصيل الاجماع عليه.. ". ويشهد به خبر مرازم بن على عن ابي الحسن (عليه السلام): " قال: من حج عن إنسان، ولم يكن له مال يحج به أجزأت عنه حتى يرزقه ما يحج به، ويجب عليه الحج " (* 1)، وخبر أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام): " قال: لو أن رجلا معسرا أحجه رجل كانت له حجته، فان أيسر بعد ذلك كان عليه الحج " (* 2). لكن يتعين حمل الثاني على صورة عدم حصول شرائط الاستطاعة البذلية، فالعمدة: الخبر الاول، المنجبر ضعف سنده بعمل الاصحاب. نعم يعارض ذلك جملة من النصوص. منها: صحيح معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام): " قال: حج الصرورة يجزي عنه، وعن من حج عنه " (* 3)، ومصححه الاخر: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل حج عن غيره، أيجزيه ذلك عن حجة الاسلام؟ قال (عليه السلام): نعم " (* 4)، وصحيح جميل عن أبي عبد الله (عليه السلام): " في رجل ليس له مال حج عن رجل أو أحجه غيره، ثم اصاب مالا هل عليه الحج؟ فقال: يجزي عنهما جميعا " (* 5). لكن إعراض الاصحاب عنها مانع من الاعتماد عليها. ولذلك


(* 1) الوسائل باب: 21 من ابواب وجوب الحج حديث: 1. والموجود فيه: (آدم) بدل: (مرازم). وكذلك في التهذيب ج: 5 صفحة: 8، صفحة 411، والاستبصار ج: 2 صفحة: 144. (* 2) الوسائل باب: 21 من ابواب وجوب الحج حديث: 5. (* 3) الوسائل باب: 21 من ابواب وجوب الحج حديث: 2. (* 4) الوسائل باب: 21 من ابواب وجوب الحج حديث: 4. (* 5) الوسائل باب: 21 من ابواب وجوب الحج حديث 6.

[ 159 ]

[ ما دام فقيرا، كما صرح به في بعضها الآخر (1). فالمستفاد منها: أن حجة الاسلام مستحبة على غير المستطيع، وواجبة على المستطيع (2)، ويتحقق الاول بأي وجه أتى به ولو عن الغير تبرعا أو بالاجارة، ولا يتحقق الثاني إلا مع حصول شرائط الوجوب. (مسألة 57): يشترط في الاستطاعة - مضافا إلى ] قال في المدارك - بعد ذكر النصوص الاخيرة -: " إلا انه لا خروج عما عليه الاصحاب... ". وقد ذكر لها محامل بعيده لا مجال للبناء عليها، بعد ان لم تكن مقتضى الجمع العرفي بينها. والذي يقتضيه الجمع العرفي: الاخذ بظاهرها، وحمل غيرها على الاستحباب، كما هو ظاهر. هذا والنصوص من الطرفين مختصة بمن حج عن غيره. أما إذا كان حج عن نفسه متسكعا فالمرجع فيه القواعد المقتضية لعدم الاجزاء عن حج الاسلام، فانه مقتضى إطلاق: " من استطاع فعليه حج الاسلام ". فان اطلاقه يقتضى الشمول لمن حج متسكعا ثم استطاع، كما لا يخفى. وبذلك يندفع اصل البراءة. نعم خبر أبى بصير المتقدم - بناء على حمله على من حج عن نفسه، ولم يكن البذل بشرائط الاستطاعة - يكون دالا على حكم المقام. (1) كأنه يريد به خبر أبي بصير بالنسبة إلى من حج عن نفسه، وخبر مرازم بالنسبة إلى من حج عن غيره. لكن هذا الحمل بعيد جدا بالنسبة إلى صحيح جميل، لانه كالصريح في عدم الحاجة الى الحج بعدما أيسر فالعمدة: أنه لا حاجة إلى بيان محمل النصوص المذكورة، لسقوطها عن الحجية. (2) لا إشكال فتوى ونصا في ان حجة الاسلام واجبة على المستطيع، ولا تجب ولا تستحب للفقير، ولو كانت مستحبة للفقير لاغنت عن الحج

[ 160 ]

[ مؤنة الذهاب والاياب - وجود ما يمون به عياله حتى يرجع، فمع عدمه لا يكون مستطيعا (1). والمراد بهم: من يلزمه نفقته لزوما عرفيا وإن لم يكن ممن يجب عليه نفقته شرعا على الاقوى (2)، فإذا كان له أخ صغير، أو كبير فقير لا يقدر ] إذا استطاع، كما سيأتي. فكان المناسب أن يقال: إن الحج مستحب على غير المستطيع، والمقصود من النصوص الاجزاء عن هذا الحج. فلاحظ. (1) بلا خلاف أجده، بل ربما ظهر من بعضهم الاجماع عليه، كذا في الجواهر. واستدل له - في الجواهر وغيرها - بالاصل. وعدم تحقق الاستطاعة بدونه بعد أن اعتبر الشارع فيها ما هو أسهل منه، ضرورة وجوب الانفاق عليه، فهو حق سابق على وجوب الحج. فلا استطاعة مع عدمه، وبخبر أبي الربيع: " سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن قول الله عزوجل: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا..) فقال: ما يقول الناس؟ قال: فقلت له: الزاد والراحلة. قال: فقال أبو عبد الله (عليه السلام): قد سئل ابو جعفر (عليه السلام) عن هذا فقال: هلك الناس إذا، لئن كان من كان له زاد وراحلة قدر ما يقوت عياله ويستغني به عن الناس، ينطلق إليهم فيسلبهم إياه لقد هلكوا إذا فقيل له: فما السبيل؟ قال: فقال: السعة في المال، إذا كان يحج ببعض ويبقي بعضا [ بعض خ ل ] لقوت عياله.. " (* 1). وقد رواه المشايخ الثلاثة، ورواه المفيد مرسلا عن أبي الربيع في المقنعة بتفاوت يسير. (2) مقتضى الدليل الاول اختصاص الحكم بواجب النفقة، كما اختاره في الدروس والمدارك، وحكاه في الجواهر عن المنتهى. ويقتضيه - أيضا - المرسل في المجمع الاتي. لكنه ضعيف ومقتضى الرواية المذكورة اختصاص


(* 1) الوسائل باب: 9 من ابواب وجوب الحج حديث: 1.

[ 161 ]

[ على التكسب، وهو ملتزم بالانفاق عليه، أو كان متكفلا لانفاق يتيم في حجره ولو أجنبي يعد عيال له، فالمدار على العيال العرفي. (مسألة 58): الاقوى وفاقا - لاكثر القدماء - اعتبار الرجوع الى كفاية، من تجارة، أو زراعة، أو صناعة، أو منفعة ملك له، من بستان، أو دكان، أو نحو ذلك (1)، ] الحكم بالعيال العاجز عن الانفاق على نفسه. والذي اختاره في الجواهر عموم الحكم لكل من يكون ترك إعالته حرجا عليه. عملا بادله الحرج، التى كانت هي المرجع في استثناء المسكن والخادم ونحوهما. وقد رمز الامام (عليه السلام) له بقوله: " اليسار في المال ". وما ذكره (ره) في محله، لما تقدم. (1) حكي ذلك عن الشيخين والحلبيين وابني حمزة وسعيد وجماعة أخرين وعن الخلاف والغنية: الاجماع عليه. لخبر أبي الربيع الشامي، المتقدم في المسألة السابقة. وزاد المفيد في المقنعة في روايته عنه - بعد قوله (عليه السلام) ويستغني به عن الناس " -: " يجب عليه أن يحج بذلك ثم يرجع فيسأل الناس بكفه! لقد هلك الناس إذا. فقيل فما السبيل؟ قال: فقال: السعة في المال، وهو أن يكون معه ما يحج ببعضه، ويبقى بعض يقوت به نفسه وعياله " (* 1) وخبر الاعمش عن الصادق (عليه السلام) أيضا في تفسير السبيل: " هو الزاد والراحلة، مع صحة البدن، وان يكون للانسان ما يخلفه على عياله، وما يرجع إليه من بعد حجه " (* 2). وفي مجمع البيان في تفسير الاية الشريفة: " المروي عن أئمتنا (عليهم السلام): أنه الزاد والراحلة، ونفقة من تلزمه نفقته، والرجوع إلى كفاية، إما من مال أو


(* 1) الوسائل باب: 9 من ابواب وجوب الحج ملحق حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 9 من أبواب وجوب الحج حديث: 4.

[ 162 ]

ضياع أو حرفة.. " (* 1). لكن الجميع غير صالح لذلك، أما الخبر فظاهر في نفقة العيال حال السفر. وأما المرسل في المقنعة فالموثوق به أنه عين الخبر المذكور، وحينئذ يشكل الاستدلال به، للتعارض في النقل. مع أن منصرف الحديث صورة العجز على نحو يؤدي إلى الهلاك. فلا يدل على القول المذكور. وأما خبر الاعمش فلا جمال ما يرجع إليه بعد حجه من حيث المدة - وأنها سنة أو أقل أو أكثر - ومن حيث الكم، وأنه قليل أو كثير. وحمله على ما لا بد له منه عند الرجوع - بقرينة دليل نفي الحرج - رجوع إلى الدليل المذكور، وحينئذ يتعين العمل بمقتضاه لا غير. وأما مرسل مجمع البيان فعده من قسم الخبر لا يخلو من إشكال، لظهوره في كونه من باب بيان المضمون بحسب فهم الناقل، فهو أشبه بالفتوى من الخبر. ولا سيما مع تفرده في نقل ذلك دون غيره من أئمة الحديث. مضافا إلى اشكال السند فيه وفي خبر الاعمش، لعدم صحتهما. وعدم ثبوت اعتماد الاصحاب عليهما، فان الظاهر أن اعتمادهم كان على خبر أبي الربيع الذي عرفت قصور دلالته. وعلى هذا فالاعتماد على النصوص المذكورة غير ظاهر. نعم لا باس بالرجوع إلى أدلة نفي الحرج والعمل بمقتضاها (* 2)، فكما أنها تعمل عملها في كيفية مؤنته ومؤنة عياله في السفر، واستثناء مثل الخادم والدار وغيرهما من المستثنيات، تعمل عملها في ذلك أيضا. فإذا كان صرف ما عنده، مما يكفيه في سفره لنفسه ولعياله حرجا عليه - لانه يرجع إلى مهانة ومذلة - فهو غير مستطيع، وإلا فهو مستطيع. ولعل مراد القائلين باعتبار الرجوع الى كفاية ذلك - كما يظهر من المتن - لا اعتبار


(* 1) الوسائل باب: 9 من ابواب وجوب الحج حديث: 5. (* 2) تقدمت الاشارة الى الادلة المذكورة اجمالا في صفحة: 72.

[ 163 ]

[ بحيث لا يحتاج الى التكفف، ولا يقع في الشدة والحرج، ويكفي كونه قادرا على التكسب اللائق به، أو التجارة باعتباره ووجاهته، وإن لم يكن له رأس مال يتجر به. نعم قد مر عدم اعتبار ذلك في الاستطاعة البذلية (1). ولا يبعد عدم اعتباره - أيضا - فيمن يمضي أمره بالوجوه اللائقة به، كطلبة العلم من السادة وغيرهم، فإذا حصل لهم مقدار مؤنة الذهاب والاياب، ومؤنة عيالهم إلى حال الرجوع وجب عليهم. بل وكذا الفقير الذى عادته وشغله أخذ الوجوه ولا يقدر على التكسب، إذا حصل له مقدار مؤنة الذهاب والاياب له ولعياله (2). ] الكفاية تعبدا، كما في ملك الزاد والراحله، حسبما ينسبق الى الذهن من كلماتهم ولاجل ذلك لم يوافقهم جماعة عليه كابن ادريس والمحقق والعلامة. وعن ظاهر اليد - بل عن المعتبر والتذكرة -: نسبته إلى الاكثر. وكيف كان فان كان مراد القائلين باعتبار الرجوع إلى كفاية في الاستطاعة، المعنى الذي يقتضيه دليل نفي الحرج فهو في محله. وإن كان مرادهم المعني الذي يظهر من نفس الكلام فلا دليل عليه، بل إطلاق ادلة الوجوب ينفيه. (1) بناء على ما ذكرنا من المعنى لا فرق بين الاستطاعة المالية والبذلية في ذلك، فإذا كان المبذول له ممن يكتسب في ايام الحج لا غير، ويعيش بربحه في تمام السنة، فوجوب الحج عليه بالبذل يوجب وقوعه في الحرج، من جهة عجزه عن إدارة معاشه في بقية السنة، فلا يجب عليه الحج. إلا إذا بذل له ما يكفيه لبقية سنته. (2) ومثله: من كان له ولد، أو والد، أو صديق ينفق عليه بمقدار حاجته.

[ 164 ]

[ وكذا كل من لا يتفاوت حاله قبل الحج وبعده (1)، إذا صرف ما حصل له من مقدار مؤنة الذهاب والاياب، من دون حرج عليه. (مسألة 59): لا يجوز للولد أن يأخذ من مال والده ويحج به (2). كما لا يجب على الوالد أن يبذل له. وكذا لا يجب على الولد بذل المال لوالده ليحج به. وكذا لا يجوز للوالد الاخذ من مال ولده للحج. والقول بجواز ذلك أو ] (1) مثل الذي كانت حرفته النيابة عن الاموات في العبادات، أو كانت حرفته بعض الاعمال الخسيسة، كالحمال والكناس ونحوهما ممن اعتاد ذلك ولا يراه حرجا عليه فان الجميع يجب عليهم الحج وإن لم يكن لهم ما به الكفاية. ولا سيما إذا كان عازما على الاستمرار على عمله بعد رجوعه من الحج على كل حال. وما في مناسك بعض الاعاظم، وفي حاشيته على الكتاب: من عدم وجوب الحج عليهم غير ظاهر. (2) كل ذلك على المشهور. لقاعدة السلطنة. وللتوقيع الشريف: " فلا يحل لاحد أن يتصرف في مال غيره بغير إذنه " (* 1). وللنصوص الخاصة مثل خبر علي بن جعفر (عليه السلام) عن أبي إبراهيم (عليه السلام) قال: " سألته عن الرجل يأكل من مال ولده؟ قال: لا، إلا أن يضطر إليه فيأكل منه بالمعروف. ولا يصلح للولد أن يأخذ من مال والده شيئا إلا باذن والده " (* 2)، وحسن الحسين بن ابي العلاء قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام): ما يحل للرجل من مال ولده؟ قال (عليه السلام): قوته بغير سرف إذا اضطر إليه. قال: قلت له: فقول رسول الله (صلى الله عليه وآله) للرجل الذي أتاه فقدم أباه.


(* 1) الوسائل باب: 3 من ابواب الانفال حديث: 6. (* 2) الوسائل باب: 78 من أبواب ما يكتسب به حديث: 6.

[ 165 ]

[ وجوبه - كما عن الشيخ (1) - ضعيف، وإن كان يدل عليه صحيح سعيد بن يسار قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام): الرجل يحج من مال ابنه وهو صغير؟ قال: نعم، يحج منه حجة الاسلام. قلت: وينفق منه؟ قال: نعم. ثم قال: إن مال ] فقال له: أنت ومالك لابيك. فقال (عليه السلام): إنما جاء بأبيه الى النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: يا رسول الله، هذا أبي وقد ظلمنى ميراثي من أمي، فأخبره الاب أنه أنفقه عليه وعلى نفسه. فقال: أنت ومالك لابيك، ولم يكن عند الرجل شئ. أو كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يحبس الاب للابن؟! (* 1)، وخبر أبي حمزة الثمالي عن أبى جعفر (عليه السلام): " إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال لرجل: أنت ومالك لابيك. ثم قال أبو جعفر (عليه السلام): ما أحب أن يأخذ من مال ابنه إلا ما احتاج إليه مما لا بد منه، ان الله لا يحب الفساد " (* 2). ونحوها غيرها. (1) حكي عنه ذلك في الخلاف والتهذيب والنهاية، وحكي أيضا عن القاضي في المهذب. وظاهر الجواهر: نسبته الى المفيد، بل ظاهر الخلاف عدم الخلاف فيه. قال (ره): " مسألة: إذا كان لولده مال، روى اصحابنا: انه يجب عليه الحج، ويأخذ منه قدر كفايته ويحج به، وليس للابن الامتناع منه. وخالف جميع الفقهاء في ذلك. دليلنا: الاخبار المروية في هذا المعنى من جهة الخاصة، قد ذكرناها في الكتاب الكبير. وليس فيها ما يخالفها، فدل على إجماعهم على ذلك. وايضا قوله (عليه السلام): " أنت ومالك لابيك "، فحكم أن ملك الابن مال الاب، وإذا كان له فقد وجد الاستطاعة، فوجب عليه الحج ".


(* 1) الوسائل باب: 78 من ابواب ما يكتسب به حديث: 8. (* 2) الوسائل باب: 78 من ابواب ما يكتسب به حديث: 2.

[ 166 ]

[ الولد لوالده. إن رجلا اختصم هو ووالده الى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقضى أن المال والولد للوالد " (* 1) (1). وذلك لاعراض الاصحاب عنه (2). مع إمكان حمله على الاقتراض من ماله، مع استطاعته من مال نفسه. أو على ما إذا كان فقيرا، وكانت نفقته على ولده، ولم يكن نفقة السفر إلى الحج أزيد من نفقته في الحضر إذ الظاهر الوجوب حينئذ (3). ] (1) وكذا صحيح محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " سألته عن الرجل يحتاج الى مال ابنه. قال (عليه السلام): يأكل منه ما شاء من غير سرف. وقال (عليه السلام): في كتاب علي (عليه السلام): إن الولد لا يأخذ من مال والده شيئا إلا باذنه، والوالد يأخذ من مال ابنه ما شاء. وله أن يقع على جارية ابنه إذا لم يكن الابن وقع عليها. وذكر أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال للرجل: أنت ومالك لابيك " (* 2). (2) لكن الاشكال في كون الاعراض بنحو يقتضي السقوط عن الحجية، إذ من الجائز أن يكون الوجه فيه بناءهم على التعارض والترجيح، وإلا فالشيخان أعرف بمذهب الامامية من غيرهما. وكذا في جهة الصدور. (3) مجرد الامكان غير كاف في رفع اليد عن الظاهر. إلا إذا كان مقتضى الجمع العرفي. ومن المعلوم أن الجمع العرفي بين الدليلين - المتضمن أحدهما للمنع والاخر للرخصة - حمل الاول على الكراهة، فتحمل النصوص الاول على كراهة الاخذ وإن جاز. نعم يشكل الاخذ بالصحيح المذكور " لظهوره في أن جواز الاخذ من أجل قول النبي (صلى الله عليه وآله): إن المال والولد للوالد، الوارد في الخصومة بين الوالد والولد. فان ذلك معارض بما في خبر الحسين بن أبي العلاء المتقدم في شرح تلك الخصومة، وقول النبي (صلى الله عليه وآله)


(* 1) الوسائل باب: 36 من ابواب وجوب الحج حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 78 من ابواب ما يكتسب به حديث: 1.

[ 167 ]

الوارد فيها (* 1). وحينئذ لا بد من الرجوع الى قواعد التعارض. ورواية الحسين معتضدة بعموم حرمة التصرف في مال الغير بغير إذنه، والنصوص الخاصة، كرواية الثمالي المتقدمة (* 2)، ورواية علي بن جعفر (عليه السلام) عن أبي ابراهيم (عليه السلام): " سألته عن الرجل يأكل من مال ولده؟ قال (عليه السلام) لا. إلا أن يضطر إليه، فيأكل منه بالمعروف " (* 3)، وصحيحة ابن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام)، وفيها: " أما إذا أنفق عليه بأحسن النفقة فليس له أن يأخذ من ماله شيئا. وإنه لا يطأ جارية إلا أن يقومها على نفسه " (* 4) وغير ذلك مما هو كثير. كما أن صحيح سعيد معتضد بصحيح ابن مسلم المتقدم (* 5). وقوله (عليه السلام): " من غير سرف " يمكن حمله على السرف المحرم. فتأمل. وبرواية محمد ابن سنان فيما كتبه إلى الرضا (عليه السلام): " وعلة تحليل مال الولد لوالده بغير إذنه.. (إلى أن قال): لان الولد موهوب.. (إلى ان قال): ولقول النبي (صلى الله عليه وآله): أنت ومالك لابيك " (* 6)، وخبر علي بن جعفر (عليه السلام) المروي عن كتابه، والمتضمن لجواز وطئ الاب جارية الابن إن أحب، وكذلك الاخذ من ماله، وأن الام لا تأخذ إلا قرضا (* 7). وعلى هذا فالنصوص طائفتان، كل منهما فيه الصحيح وغيره، وكل منهما مشهور الرواية. نعم الطائفة الاولى موافقة لعموم المنع من التصرف في مال الغير بغير إذنه، والطائفة الثانية مخالفة للعامة، لما تقدم في كلام الشيخ في الخلاف،


(* 1)، (* 2)، (* 3) تقدم ذكر الروايات المذكورة في صدر المسألة. (* 4) الوسائل باب: 78 من أبواب ما يكتسب به حديث: 3. (* 5) تقدم ذكر الروايتين في المسألة قريبا. (* 6) الوسائل باب: 78 من ابواب ما يكتسب به حديث: 9. (* 7) الوسائل باب: 78 من ابواب ما يكتسب به حديث: 10.

[ 168 ]

[ (مسألة 60): إذا حصلت الاستطاعة لا يجب أن يحج من ماله، فلو حج في نفقة غيره لنفسه أجزأه (1)، وكذا لو حج متسكعا. بل لو حج من مال الغير غصبا صح وأجزأه. نعم إذا كان ثوب إحرامه وطوافه وسعيه من المغصوب لم يصح. وكذا إذا كان ثمن هديه غصبا (2). (مسألة 61): يشترط في وجوب الحج الاستطاعة البدنية، فلو كان مريضا لا يقدر على الركوب، أو كان حرجا عليه - ولو على المحمل أو الكنيسة - لم يجب (3). وكذا لو ] من بناء جميع الفقهاء على المنع. وعلى هذا إن بني على الترتيب في الترجيح بالمرجحات، فالموافقة للكتاب لما كانت متقدمة على مخالفة العامة كان اللازم الاخذ بنصوص المنع. وإن بني على عدم الترتيب فاللازم التخيير في المقام، لاشتمال كل طائفة منهما على مرجح. لكن الاخذ بنصوص المنع أولى، لانه أبعد عن الظلم والعدوان، واقرب الى المرتكزات الشرعية، وموافق للمشهور بين الاصحاب. والله سبحانه الموفق للصواب. (1) إجماعا بقسميه، كما في الجواهر. وفي المستند. " لا خلاف فيه بين العلماء، لان الحج واجب عليه، وقد امتثل بفعل المناسك المخصوصة، فيحصل الاجزاء. وصرف المال غير واجب لذاته، وإنما يجب إذا توقف عليه الواجب. ". (2) إذا كان قد اشتراه بعين الثمن. أما إذا اشتراه بثمن في الذمة ووفى من المغصوب صح الهدي، وإن بقي مشغول الذمة بالثمن. (3) بلا خلاف أجده فيه، بل عن المنتهى: كأنه إجماعي، وعن المعتبر: اتفاق العلماء عليه، كذا في الجواهر وغيرها. ويقتضيه ما دل على

[ 169 ]

[ تمكن من الركوب على المحمل لكن لم يكن عنده مؤنته (1). وكذا لو احتاج الى خادم ولم يكن عنده مؤنته. (مسألة 62): ويشترط أيضا: الاستطاعة الزمانية (2)، فلو كان الوقت ضيقا لا يمكنه الوصول الى الحج، أو امكن لكن بمشقة شديدة لم يجب (3). وحينئذ فان بقيت الاستطاعة الى العام القابل وجب، وإلا فلا. ] اعتبار صحة البدن في الاستطاعة زائدا على اعتبار الزاد والراحلة. (1) يمكن أن يدخل هذا في فقد الاستطاعة المالية وإن كان ذلك لفقد صحة البدن. وإن شئت قلت: يدخل في أحد الامرين. (2) نسبه في التذكرة إلى علمائنا وفي كشف اللثام: أنه اجماع. وقال في المستند: " للاجماع، وفقد الاستطاعة، ولزوم الحرج والعسر، وكونه مما يعذره الله تعالى فيه، كما صرح به في بعض الاخبار.. " (* 1). والعمدة: الاول والاخير. وأما الثاني فمشكل، بعد تفسير الاستطاعة بالزاد والراحلة وغيرهما مما لا يدخل فيه الزمان. اللهم إلا أن يكون مفهوما من سياق أدلة التفسير. وأما الثالث فانما يجدي في رفع التكليف لا في رفع الملاك. إلا أن يرجع إلى الاخير، كما اشرنا إليه انفا، ويأتي أيضا. (3) لما عرفت ويأتي من أن أدلة نفي الحرج وإن لم تكن نافية لملاك الحكم في الواجبات والمحرمات الحرجية غير الحج، لكنها في الحج رافعة لملاكه، فان من مقومات الاستطاعة - التي هي شرط الوجوب - عدم لزوم الحرج. ولذلك بنى الاصحاب على انتفائها في كثير من الموارد التي يكون وجوب الحج فيها حرجيا، يتضح ذلك بملاحظة ما تقدم في


(* 1) لعل المقصود بها حديث: 2 و 7 من باب 24 من ابواب وجوب الحج من الوسائل.

[ 170 ]

[ (مسألة 63): ويشترط أيضا: الاستطاعة السربية (1)، بأن لا يكون في الطريق مانع لا يمكن معه الوصول الى الميقات أو الى تمام الاعمال، وإلا لم يجب. وكذا لو كان غير مأمون (2) بأن يخاف على نفسه، أو بدنه أو عرضه، أو ماله - وكان الطريق منحصرا فيه، أو كان جميع الطرق كذلك. ولو كان هناك طريقان، أحدهما أقرب لكنه غير مأمون، وجب الذهاب ] فروع الاستطاعة المالية. (1) بلا خلاف ولا إشكال. وفي المستند: " اشتراطها مجمع عليه، محققا ومحكيا.. ". ويقتضيه - مضافا الى ذلك - الاية (* 1)، والنصوص المتضمنة لتخلية السرب (* 2). (2) الحكم هنا ظاهري، فان موضوع الحكم الواقعي بعدم الوجوب - لعدم الاستطاعة - هو عدم تخلية السرب واقعا، فمع الشك لا يحرز الحكم الواقعي، بل يكون الحكم بعدم الوجوب ظاهريا. نعم مع احتمال تلف النفس لما كان يحرم السفر يكون الحكم الظاهري بحرمة السفر موضوعا للحكم الواقعي بانتفاء الاستطاعة وانتفاء وجوب الحج، لكن لا لاجل انتفاء تخلية السرب، بل للحرمة الظاهرية المانعة عن القدرة على السفر أما مع احتمال تلف المال أو غيره مما لا يكون الاقدام معه حراما، فالاصول والقواعد العقلائية - المرخصة في ترك السفر - تكون من قبيل الحجة على انتفاء تخلية السرب. ولاجل ذلك يكون المدار في عدم وجوب السفر وجود الحجة على عدم وجوبه. من اصل عقلائي، أو أمارة كذلك تقتضي الترخيص في تركه. وعليه لو انكشف الخلاف انكشف كونه


(* 1) آل عمران: 97. (* 2) الوسائل باب: 8 من ابواب وجوب الحج الحديث 4. 7 5

[ 171 ]

[ من الابعد المأمون. ولو كان جميع الطرق مخوفا إلا أنه يمكنه الوصول الى الحج بالدوران في البلاد - مثل ما إذا كان من أهل العراق، ولا يمكنه إلا أن يمشي الى كرمان، ومنه الى خراسان، ومنه الى بخارا، ومنه الى الهند، ومنه الى بوشهر، ومنه الى جدة مثلا، ومنه إلى المدينة، ومنها الى مكة - فهل يجب أولا؟ وجهان، أقواهما عدم الوجوب (1)، لانه يصدق عليه أنه لا يكون مخلى السرب. (مسألة 64): إذا استلزم الذهاب الى الحج تلف مال ] مستطيعا واقعا، كما لو قامت البينة على ثبوت دين عليه بمقدار ما يوجب ثلم استطاعته، ثم انشكف كذب البينة، فانه يجب عليه في العام اللاحق السفر إلى الحج ولو متسكعا، لاشتغال ذمته به واستقرار الوجوب عليه، كما تقدم ذلك في بعض الفروع السابقة. بل في صورة احتمال تلف النفس وإن كان السفر حراما. لكن يمكن أن يقال: إن الحرمة الاتية من جهة جهل المكلف وغلطه لا تكون نافية للاستطاعة، كما تقدم في بعض الفروع السابقة ويأتي. نظير: ما لو ملك الزاد والراحلة واعتقد أنهما لغيره، فان حرمة التصرف الاتية من جهة الجهل لا تمنع من تحقق الاستطاعة واستقرار الوجوب عليه. فلاحظ. (1) وفي المستند: " إشكال، بل عدمه اظهر. لعدم صدق تخلية السرب عرفا، وعدم انصراف استطاعة السبيل إليه. فالمدني لو منع من المسير من طريق المدينة الى مكة، وأمكنه المسير الى الشام، ومنه الى العراق، ومنه الى خراسان، ومنه الى الهند، ومنه الى البحر، ومنه الى مكة لم يجب عليه الحج ". وما ذكره في محله.

[ 172 ]

[ له في بلده معتد به لم يجب (1). وكذا إذا كان هناك مانع شرعي (2)، من استلزامه ترك واجب فوري سابق على حصول الاستطاعة، أو لاحق مع كونه أهم من الحج (3)، كانقاذ غريق أو حريق. وكذا إذا توقف على ارتكاب محرم، كما إذا توقف على ركوب دابة غصبية، أو المشي في الارض المغصوبة. ] (1) كما نص على ذلك في المستند. لقاعده الضرر. وفيه: أن ادلة وجوب الحج مخصصة لادلة نفي الضرر، لاقتضائها وجوب صرف المال، نظير ادلة وجوب الانفاق على الرحم، فلا مجال لاعمال ادلة نفي الضرر معها. إلا أن يقال: إن المقدار اللازم من تخصيص ادلة نفي الضرر بأدلة وجوب الحج خصوص المال المصروف في سبيل الحج، وفرض المسألة ليس من ذلك القبيل، فيبقى داخلا تحت أدلة النفي. لكن هذا التخصيص غير ظاهر، والاطلاق ينفيه. وكأنه لذلك قال في كشف اللثام: " والحق أنه إن ادى تلف المال إلى الضرر في النفس أو البضع سقط لذلك، وإن كان الخوف على شئ قليل من المال. وإن لم يؤد إليه فلا اعرف للسقوط وجها، وإن خاف على كل ما يملكه، إذا لم نشترط الرجوع إلى كفاية.. ". وسيأتي في المسألة السابعة والستين ماله نفع في المقام، وكذا في المسألة الاتية، فانتظر. (2) قد عرفت سابقا الوجه في ذلك. فراجع ما تقدم في المسألة الثانية والثلاثين وغيرها. (3) قد عرفت الاشكال في اعتبار الاهمية في نفي الاستطاعة، فان إطلاق العذر النافي للاستطاعة يقتضى شموله لغير الاهم، فيكون لحوقه

[ 173 ]

[ (مسألة 65): قد علم مما مر أنه يشترط في وجوب الحج - مضافا إلى البلوغ، والعقل، والحرية - الاستطاعة المالية، والبدنية، والزمانية، والسربية، وعدم استلزامه الضرر (1)، أو ترك واجب، أو فعل حرام (2)، ومع فقد احد هذه لا يجب. فبقي الكلام في أمرين: ] رافعا للاستطاعة. ومن ذلك تعرف وجه ما ذكره بقوله: " وكذا إذا توقف.. ". (1) الضرر الذي يستلزمه السفر إلى الحج تارة: يكون بدنيا. وحينئذ إما أن يرجع إلى الاستطاعة البدنية، أو إلى الشرط الاخير. وهو استلزام فعل الحرام. وأخرى: يكون ماليا. وحينئذ يكون دليل نفي الضرر دالا على نفي الوجوب. لكن نفي الوجوب الضررى لا يدل على نفي ملاكه، لانه دليل امتناني، والامتنان إنما يكون برفع الحكم لا برفع ملاكه، إذ لا امتنان في رفعه. وإذا ثبت الملاك فقد استقر الحج في ذمة المكلف، وحينئذ يجب عليه الحج في السنة القابلة ولو متسكعا، وهو خلاف المدعى من انتفاء الاستطاعة. وعلى هذا لا يكون لزوم الضرر شرطا في الاستطاعة لدليل نفي الضرر، بل لا بد أن يدخل تحت عنوان اخر، مثل كونه مما يصح الاعتذار به في ترك الحج، ليدخل في النصوص المتضمنة لاشتراط عدم القدرة في تحقق الاستطاعة. لكن في صحة الاعتذار بالضرر المالي إشكال، كما عرفت قريبا. وكان المناسب للمصنف (ره) التعرض لعدم الحرج، منضما إلى عدم الضرر، فان الحرج أولى من الضرر في صحة الاعتذار به. وقد تقدم: أن جمله من الشروط كان الوجه في اعتبارها لزوم الحرج. (2) تقدم وجه ذلك، كما أشرنا إليه في المسألة السابقة.

[ 174 ]

[ أحدهما إذا اعتقد تحقق جميع هذه مع فقد بعضها واقعا، أو اعتقد فقد بعضها وكان متحققا، فنقول: إذا اعتقد كونه بالغا أو حرا - مع تحقق سائر الشرائط - فحج، ثم بان أنه كان صغيرا أو عبدا، فالظاهر - بل المقطوع - عدم إجزاءه عن حجة الاسلام (1). وإن اعتقد كونه غير بالغ أو عبدا - مع تحقق سائر الشرائط - وأتى به، أجزأه عن حجة الاسلام، كما مر سابقا (2). وإن تركه مع بقاء الشرائط إلى ذي الحجة فالظاهر استقرار وجوب الحج عليه (3)، ] (1) كما يقتضيه إطلاق ادلة الوجوب عند اجتماع الشرائط. (2) يعني: في المسألة التاسعة من مبحث اشتراط الكمال. ومر بعض الاشكال فيه. (3) أصل الحكم في الجملة مما لا ينبغي الاشكال فيه. قال في الجواهر: " لا خلاف ولا إشكال - نصا وفتوى - في أنه يستقر الحج في الذمة إذا استكملت الشرائط وأهمل حتى فات. فيحج في زمن حياته وإن ذهبت الشرائط التي لا ينتفي معها أصل القدرة، ويقضي عنه بعد وفاته.. ". ونحوه كلام غيره. إنما الاشكال فيما ذكر المصنف (ره): من التحديد بذي الحجة، فان المذكور في كلام الجماعة غير ذلك. قال في الذخيرة: " اختلف كلام الاصحاب فيما يتحقق به استقرار الحج، فذهب الاكثر إلى انه يتحقق بمضي زمان يمكن الاتيان فيه بجميع أفعال الحج مستجمعا للشرائط، واطلق المحقق القول بتحققه بالاهمال مع تحقق الشرائط، واكتفى المصنف (ره) في التذكرة بمضي زمان يمكن فيه تأدي الاركان خاصة. واحتمل الاكتفاء بمضي زمان يمكن فيه الاحرام ودخول الحرم. واستحسنه

[ 175 ]

بعض المتأخرين إن كان زوال الاستطاعة بالموت، وإن كان بذهاب المال أو غيره فلا. ولعدم الدليل على الاجزاء لو عجز عن الحج بعد دخول الحرم. والاخبار خالية عن ذلك كله، بل ليس فيها حديث الاستقرار اصلا. ولعل ما ذكره الاصحاب مبني على أن وجوب القضاء تابع لوجوب الاداء. وللتأمل فيه مجال.. ". ونحوه ما ذكره في المستند. وزاد - بعدما حكى عن الذخيرة ما ذكره أخيرا، من التأمل في كون القضاء تابعا للاداء - أن قال: " وهو في موضعه. بل الاقرب عدم الاشتراط، وكفاية توجه الخطاب ظاهرا أولا. وهو ظاهر المدارك، وصريح المفاتيح وشرحه. وجعل الاخير القول بالاشتراط اجتهادا في مقابلة النص، ونسب فيه - وفي سابقه - القول بعدم الاشتراط إلى الشيخين. وينسب إلى المحقق ايضا، حيث حكم بوجوب القضاء بالاهمال، مع استكمال الشرائط.. ". ونحوهما كلام غيرهما. والمستفاد منها وجود احتمالات وأقوال: الاول: استمرار بقاء الشرائط إلى آخر زمان يمكن فيه تمام الافعال. وهو الذي اختاره في التذكرة والقواعد. قال في أولهما: " استقرار الحج في الذمة يحصل بالاهمال، بعد حصول الشرائط باسرها، ومضي زمان جميع أفعال الحج.. ". الثاني: مضى زمان الاركان. وهو المحكي عن التذكرة. لكنه غير موجود فيما عندنا، كما اعترف به في كشف اللثام. الثالث: مضي زمان يقع فيه الاحرام ودخول الحرم، كما احتمله في التذكرة والقواعد. الرابع: توجه الخطاب بالحج ولو ظاهرا، كما اختاره في المستند وغيره. وحكى في المدارك وغيرها عن التذكرة: بأن من تلف ماله قبل عود الحاج، وقبل مضي إمكان عودهم، لم يستقر الحج في ذمته، لان نفقة الرجوع لا بد منها في الشرائط. ومقتضى ذلك: اعتبار بقاء الشرائط إلى زمان يمكن

[ 176 ]

[ فان فقد بعض الشرائط بعد ذلك - كما إذا تلف ماله - وجب عليه الحج ولو متسكعا. وان اعتقد كونه مستطيعا مالا وأن ما عنده يكفيه فبان الخلاف بعد الحج، ففي إجزائه عن حجة الاسلام وعدمه وجهان، من فقد الشرط واقعا. ومن أن القدر المسلم من عدم (1) إجزاء حج غير المستطيع عن حجة الاسلام غير هذه الصورة (2). وإن اعتقد عدم كفاية ما عنده من المال وكان في الواقع كافيا وترك الحج، فالظاهر الاستقرار عليه. وان اعتقد عدم الضرر أو عدم الحرج فحج فبان الخلاف، فالظاهر كفايته (3). وإن اعتقد المانع - من ] فيه العود، فيكون قولا خامسا. وما ذكره المصنف (ره) من التحديد بذي الحجة خارج عن الاقوال المذكورة. وسيأتي منه (قده) التعرض للاقوال في المسألة الاحدى والثمانين، ولم يذكر فيها ما ذكره هنا، ولا حكاه عن أحد قولا ولا احتمالا. وكيف كان فتحقيق هذه الاقوال يأتي في المسألة المذكورة إن شاء الله. (1) هذا إنما يصلح وجها للاجزاء لو كان دليل يدل على عموم الاجزاء، فانه حينئذ يقتصر في الخروج عنه على القدر المتيقن. أما إذا كان مقتضى عموم الادلة عدم الاجزاء - للوجه المذكور أولا - فيتعين القول بعدم الاجزاء. (2) كما تقدم ذلك في المسألة الخامسة والعشرين. وتقدم فيها ذكر خلاف المحقق القمي (قده)، لشبهة العذر الموجب لرفع الاستطاعة. وتقدم الجواب عنها: بأن العذر الرافع للاستطاعة يختص بالعذر الواقعي، ولا يشمل العذر الخطئي. (3) لتحقق الاستطاعة في حقه. والحرج أو الضرر وإن كان مانعا

[ 177 ]

[ العدو، أو الضرر، أو الحرج - فترك الحج، فبأن الخلاف، فهل يستقر عليه الحج أولا؟ وجهان. والاقوى عدمه، لان المناط في الضرر الخوف، وهو حاصل (1). إلا إذا كان ] عن الاستطاعة، إلا أن دليل مانعيته يختص بمثل صحيح الحلبي، المتضمن لمنافاة العذر للاستطاعة (* 1)، وهو يختص بمن ترك الحج، فلا يشمل من حج. وبالجملة: شرائط الاستطاعة مختلفه في أدلتها، فبعضها دليلها مطلق، مثل الزاد والراحلة، وتخلية السرب، وصحة البدن. وبعضها دليلها مختص بصورة ترك الحج، مثل الحرج، ولزوم ترك الواجب، والوقوع في الحرام، وغير ذلك من الاعذار. ففي القسم الاول إن حج مع فقده لم يكن حج الاسلام، وإن لم يحج لم يستقر الحج في ذمته. وفي القسم الثاني لمكان الدليل مختصا بمن ترك الحج ولا يشمل من حج، فإذا حج مع فقده كان حج الاسلام وإذا تركه لم يستقر الحج في ذمته. والتفكيك بين الفاعل والتارك لا مانع عنه. ونظيره: جميع موارد الابدال الاضطرارية، فان الفعل الناقص ان جاء به كان واجبا عليه، وإن لم يأت به كان الواجب هو الكامل. فلاحظ. لكن الظاهر أن المصنف (ره) في فتواه اعتمد على ما يأتي في المسألة الاتية، ولم يعتمد على ما ذكرنا. (1) لا يخفى أنه إذا اعتقد المانع من العدو، فتارة: يعتقد منعه من السير، وأخرى: يعتقد الاضرار به بجرحه ونحوه. ففى الصورة الاولى يكون معتقدا لعدم تخلية السرب، ومن المعلوم أن تخلية السرب في النص أخذت بنفسها شرطا في الاستطاعة، فإذا اعتقدها فقد اعتقد وجود المانع. وهذا الاعتقاد لم يؤخذ بنفسه مانعا عن الاستطاعة، ولا موجبا لفقدها،


(* 1) لعل المراد به حديث: 2 من باب: 24 من أبواب وجوب الحج من الوسائل. أو يراد به صدر الحديث: 3 من باب: 6 من ابواب وجوب الحج من الوسائل.

[ 178 ]

[ اعتقاده على خلاف روية العقلاء وبدون الفحص والتفتيش. وإن اعتقد عدم مانع شرعي فحج، فالظاهر الاجزاء إذا بان الخلاف (1). وإن اعتقد وجوده فترك فبان الخلاف، فالظاهر الاستقرار (2). ] وإنما اخذ الواقع شرطا وعدمه مانعا، فيكون المقام من قبيل ما لو اعتقد عدم الاستطاعة المالية، الذي تقدم منه استقرار الحج في الذمة معه. وفي الصورة الثانية يكون المانع من قبيل العذر المسوغ للترك، وقد عرفت إشكال أن دليل مانعية العذر يختص بصورة وجوده واقعا، ولا يشمل صورة اعتقاد وجوده خطأ، فكيف يصح أن يدعى أن المناط في الضرر الخوف؟! نعم الخوف من الطرق الشرعية، فإذا حصل فقد حرم السفر ظاهرا. لكن لا دليل على مانعيته واقعا على استقرار الحج، لانصراف دليل مانعية العذر عن مثله. وقد أشرنا إلى ان نظيره ما لو كان عنده مال لغيره سابقا، وشك في انتقاله إليه، ثم تبين له أنه انتقل إليه - ببيع ونحوه - وكان قد نسي ذلك. فلاحظ. هذا في ضرر النفس. وأما ضرر المال فقد عرفت أنه راجع إلى الحرج، وقد عرفت أن مانعيته مستفادة من مانعية مطلق العذر، وهي مختصة بالحرج الواقعي لا الخطئي. والخوف فيه ليس من الطرق الشرعية الموجبة للحرمة ظاهرا، كي يتوهم مانعيته عن الاستطاعة، كما قد يتوهم في الضرر الوارد على النفس. وعلى هذا فالبناء على استقرار الحج في ذمة المكلف في الفرض في محله. (1) لما تقدم في من اعتقد عدم الضرر أو عدم الحرج فحج، فان الفرضين من باب واحد. (2) لما عرفته في من اعتقد المانع من العدو أو الضرر أو الحرج،

[ 179 ]

[ ثانيهما: إذا ترك الحج مع تحقق الشرائط متعمدا، أو حج مع فقد بعضها كذلك. أما الاول فلا إشكال في استقرار الحج عليه مع بقائها إلى ذي الحجة (1). وأما الثاني فان حج مع عدم البلوغ، أو مع عدم الحرية فلا اشكال في عدم إجزائه. إلا إذا بلغ أو انعتق قبل أحد الموقفين، على اشكال في البلوغ قد مر (2). وإن حج مع عدم الاستطاعة المالية فالظاهر مسلمية عدم الاجزاء (3). ولا دليل عليه إلا الاجماع، والا فالظاهر أن حجة الاسلام هو الحج الاول (4)، وإذا أتى به كفى ولو كان ندبا، كما إذا أتى الصبي صلاة الظهر ] من أن الوجه الاستقرار. ومن ذلك يظهر لك الاشكال في الفرق بين المسألتين، حيث اختار المصنف (ره) الاستقرار في هذه المسألة وعدمه في المسألة السابقة، مع أنهما من باب واحد. (1) قد عرفت الاشكال في هذا التحديد. (2) قد مر دفع الاشكال المذكور. فراجع. (3) في المستند: عن بعض نفي الخلاف فيه، وعن ظاهر الخلاف والمنتهى وغيرهما: الاجماع عليه. (4) هذا خلاف إطلاق ما دل على وجوب الحج على تقدير الاستطاعة، فانه يقتضى وجوب الحج بعد الاستطاعة وإن كان قد حج قبل ذلك، فيكشف ذلك عن كون الحج المأتي به قبل الاستطاعة غير حج الاسلام الواجب بالاستطاعة، وإلا لكان الامر به من قبيل الامر بتحصيل الحاصل، أو من قبيل الامر بالوجود بعد الوجود. والاول محال. والثاني مقطوع بخلافه، وخلاف ظاهر الادلة، إذ الظاهر أن موضوع الامر صرف الوجود.

[ 180 ]

[ مستحبا - بناء على شرعية عباداته - فبلغ في أثناء الوقت، فان ] ولا مجال لمقايسة المقام بصلاة الصبي قبل البلوغ " إذ ادلة التشريع الاولية تقتضي كون موضوع الحكم في الصبي والبالغ واحدا، لاطلاق الادلة الشامل للصبي كالبالغ، نظير إطلاقها الشامل للعادل والفاسق، والشيخ والكهل، ونحو ذلك. فإذا كان موضوع الخطاب والحكم في الجميع واحدا كانت الماهية واحدة لا متعددة، فإذا جاء به الصبي قبل البلوغ فلو وجب ثانيا بعد البلوغ كان إما من الامر بتحصيل الحاصل، أو من الامر بالوجود بعد الوجود. والاول محال - كما عرفت - والثاني خلاف ظاهر الادلة، فلا يجب. وليس دليل نفي الوجوب عن الصبي من قبيل: " إذا بلغت فصل " كي يكون نظير المقام، فيجب البناء فيه على وجوب الصلاة بعد البلوغ. بل ليس هو إلا حديث رفع القلم عن الصبي (* 1)، وهو لا يقتضي الاثنينية ولا يدل عليها. بل إنما يقتضى مجرد نفي اللزوم عن الصبي. لان الظاهر من رفع القلم عنه رفع قلم السيئات، وارتفاع ذلك يقتضي عدم اللزوم لا غير " لانه به يكون الترك سيئة. ولما لم يقتض الحديث المذكور الاثنينية لم يكن معارضا لما دل على الوحدة، فيتعين العمل به. ومقتضاه إجزاء الفعل قبل البلوغ، وعدم الحاجة إلى فعله ثانيا بعد البلوغ، بل عدم مشروعيته لما عرفت من الاشكال. نعم لا بأس بالاتيان به برجاء المطلوبية، إذا ما ذكرنا إنما يكون دليلا على عدم مشروعيته ثانيا، لا أنه يوجب العلم بعدمها. ولما كان احتمال المشروعية موجودا كان كافيا في جواز الاتيان به برجاء المطلوبية. ومن ذلك تعرف أنه يتعين البناء في المقام على تعدد ماهية الحج قبل الاستطاعة والحج بعدها. فلاحظ.


(* 1) الوسائل باب: 4 من ابواب مقدمة العبادات حديث: 11.

[ 181 ]

[ الاقوى عدم وجوب اعادتها. ودعوى: أن المستحب لا يجزي عن الواجب ممنوعة، بعد اتحاد ماهية الواجب والمستحب. نعم لو ثبت تعدد ماهية حج المتسكع والمستطيع ثم ما ذكر، لا لعدم إجزاء المستحب عن الواجب، بل لتعدد الماهية. وإن حج مع عدم أمن الطريق، أو مع عدم صحة البدن مع كونه حرجا عليه، أو مع ضيق الوقت كذلك، فالمشهور بينهم عدم إجزائه عن الواجب (1). وعن الدروس: الاجزاء. ] (1) كما صرح به جماعة، وحكي عن المشهور، كذا في المستند. وقال في المنتهى: " مسألة: هذه الشروط التي ذكرناها، منها: ما هو شرط في الصحة والوجوب، وهو العقل. لعدم الوجوب على المجنون، وعدم الصحة منه. ومنها: ما هو شرط في الصحة دون الوجوب، وهو الاسلام، على ما ذهبنا إليه من وجوب الحج على الكافر. ومنها: ما هو شرط في الوجوب دون الصحة، وهو البلوغ، والحرية، والاستطاعة، وإمكان المسير. لان الصغير والمملوك، ومن ليس له زاد ولا راحلة، وليس بمخلى السرب ولا يمكنه المسير لو تكلف الحج يصح منهم وإن لم يكن واجبا عليهم، ولا يجزيهم عن حج الاسلام على ما تقدم.. ". وفي المدارك حكى ذلك عن التذكرة، ولم أجده في ما يحضرني من نسختها. وفي الدروس - بعد أن ذكر الشرائط، وأنهاها إلى ثمانية - قال: " ولو حج فاقد هذه الشرائط لم يجزه. وعندي لو تكلف المريض، والمعضوب والممنوع بالعدو، وتضيق الوقت أجزأه ذلك، لان ذلك من باب تحصيل الشرط، فانه لا يجب، ولو حصله وجب وأجزأ. نعم لو أدى ذلك إلى اضرار بالنفس يحرم إنزاله. ولو قارن بعض المناسك احتمل عدم

[ 182 ]

[ إلا إذا كان إلى حد الاضرار بالنفس، وقارن بعض المناسك فيحتمل عدم الاجزاء، ففرق بين حج المتسكع وحج هؤلاء. وعلل الاجزاء: بأن ذلك من باب تحصيل الشرط، فانه لا يجب، لكن إذا حصله وجب. وفيه: أن مجرد البناء على ذلك لا يكفي في حصول الشرط (1). مع أن غاية الامر ] الاجزاء.. ". وقال بعد ذلك: " فانقسمت الشرائط إلى أربعة اقسام إلى ان قال: الرابع: ما هو شرط في الاجزاء، وهو ما عدا الثلاثة الاخيرة. وفي ظاهر الفتاوى: كل شرط في الوجوب والصحة شرط في الاجزاء.. ". ويريد من الثلاثة الاخيرة: الصحة من المرض، وتخلية السرب، والتمكن من المسير. (1) يمكن توجيه كلام الشهيد: بان عدم الحرج والضرر - المأخوذ شرطا في الاستطاعة - يراد به عدم الحرج والضرر الاتيين من قبل الشارع لا مطلقا. فإذا تكلف المكلف الحرج والضرر - لا بداعي أمر الشارع بل بداع اخر - فعدم الحرج والضرر الاتيين من قبل الشارع حاصل، لان المفروض أن الحرج والضرر الحاصلين كانا باقدام منه وبداع نفساني، لا بداعي الامر الشرعي، فتكون الاستطاعة حينئذ حاصله بتمام شروطها، فيكون الحج حج الاسلام. فان قلت: إذا كان المكلف جاهلا، واقدم على الحج بداعي اللزوم الشرعي، يكون الحرج أو الضرر حينئذ مانعا من الاستطاعة. ولازمه بطلان حجه، مع أنه اطلق الشهيد (ره) القول بالصحة. قلت: في الفرض المذكور ايضا لا يكون الحرج أو الضرر آتيا من قبل الشارع، بل يكون ناشئا من جهله بالحكم واعتقاده اللزوم غلطا منه واشتباها، فيكون الشرط - وهو عدم الحرج أو الضرر الاتي من قبل الشارع - حاصلا أيضا، فيكون

[ 183 ]

[ حصول المقدمة، التي هو المشي إلى مكة ومنى وعرفات. ومن المعلوم أن مجرد هذا لا يوجب حصول الشرط، الذي هو عدم الضرر أو عدم الحرج (1). نعم لو كان الحرج أو الضرر في المشي إلى الميقات فقط، ولم يكونا حين الشروع في الاعمال تم ما ذكره (2)، ولا قائل بعدم الاجزاء في هذه الصورة. هذا ومع ذلك فالاقوى ما ذكره في الدروس. لا لما ذكره، ] مستطيعا، ويجزيه عن حج الاسلام. وأما ما ذكره: من استثناء صورة ما إذا بلغ الضرر حد الاضرار بالنفس وقارن بعض المناسك، فلان الاضرار بالنفس حرام. ويحتمل حينئذ سراية الحرمة إلى المنسك الذي قارنه ذالك فيحرم، ولا يصح التعبد به. لكن هذا التوجيه وإن كان يرفع استبشاع التفصيل المذكور. إلا أنه لا يرفع عنه الاشكال بالمرة، لما عرفت انفا: من ان دليل نفي الضرر أو الحرج لا يصلح لرفع الملاك في حال الحرج والضرر، فلا يدل على اشتراط عدم الحرج والضرر في الاستطاعة، لا مطلقهما ولا خصوص ما كان آتيا من قبل الشارع. فلا بد في التفصيل المذكور من الرجوع إلى ما ذكرناه في صدر المسألة، في شرح قوله (ره): " فالظاهر كفايته.. ". فراجع. نعم قد يشكل الامر في مثل صحة البدن التي دلت النصوص على اشتراط الاستطاعة بها في مقابل العذر. ولعل الشهيد فهم من النصوص: أن اعتبارها من باب العذر، لا تعبدا كالزاد والراحلة. وهو غير بعيد: (1) قد عرفت أنه يوجبه. إذ الحرج الذي وقع فيه ليس آتيا من قبل الشارع، فالآتي من قبله معدوم، وبعدمه تحصل الاستطاعة. (2) لكن لا مجال لاحتماله في كلامه، إذ لا فرق في ذلك بين الشروط

[ 184 ]

[ بل لان الضرر والحرج إذا لم يصلا الى حد الحرمة إنما يرفعان الوجوب والالزام لا أصل الطلب (1)، فإذا تحملهما وأتى بالمأمور به كفى. ] الثلاثة الاخيرة وبين غيرها. كما أنه لا خلاف في ذلك بينه وبين غيره من الاصحاب. وقد تقدم في كلامه: التصريح بالفرق بين الشرائط الثلاثة وغيرها. كما ان ما تقدم في كلامه، من قوله: " وعندي.. "، وقوله: " وظاهر الفتاوى.. " كالصريح في تحقق الخلاف بينه وبين غيره في الفتاوى. فلاحظ. (1) قد اشرنا في بعض المواضع من هذا الشرح إلى أن الاختلاف بين فردي الطلب الوجوبي والاستحبابي ليس من قبيل الاختلاف بين فردي الكلي التشكيكي، بان يكون الطلب الوجوبي أكيدا والطلب الاستحبابي ضعيفا، ولا من قبيل الاختلاف بين فردي الطلب المتواطئ، بان يكون الطلب الوجوبي فردا خاصا والطلب الاستحبابي فردا آخر، نظير زيد وعمرو. بل الاختلاف بينهما ليس إلا في الترخيص في مخالفته في الطلب الاستحبابي وعدمه في الطلب الوجوبي. ولما كانت أدلة نفي الحرج والضرر ظاهرة في نفي المنشأ - وهو اللزوم - وكان اللزوم منتزعا من عدم الترخيص، كانت ادلة نفي الحرج والضرر راجعة إلى الترخيص في مخالفة الطلب. فالطلب قبل أدلة نفي الحرج لا ترخيص في مخالفته، وبعد أدلة نفي الحرج مرخص في مخالفته. فالطلب في الحالين لا تبدل فيه، لا في ذاته ولا في صفته، وإنما التبدل في انضمام الترخيص إليه بعد أن كان خاليا عنه، فإذا كان باقيا بحاله كان كافيا في مشروعية المطلوب وجواز التعبد به. ولو سلم أن الاختلاف بين فردي الطلب من قبيل الاختلاف بين فردي الماهية التشكيكية، فيكون الطلب الوجوبي شديدا والطلب الاستحبابي ضعيفا فغاية ما يقتضى دليل نفي الحرج رفع الشدة

[ 185 ]

[ (مسألة 66): إذا حج مع استلزامه لترك واجب أو ] الموجبة للزوم، فيبقي أصل الطلب بحاله. ولو سلم أنه من قبيل الافراد للكلي المتواطئ، فإذا زال الطلب الوجوبي لا بد أن يخلفه الطلب الاستحبابي، لان الملاك بعدما كان موجودا كان موجبا لحدوث الارادة الاستحبابية. ومن ذلك تعرف الاشكال في حاشية بعض الاعاظم على المقام، حيث قال فيها: " لم يعرف ان هذا الطلب المدعى ثبوته - بعد رفع الوجوب - استحبابي أو نوع آخر، وكيف تولد من رفع الوجوب ما لم يكن له عين ولا اثر سابق؟.. ". هذا مضافا إلى ما عرفت في بعض مباحث الوضوء، من أن الطلب بما هو ليس داعيا إلى الفعل العبادي، بل بما هو طريق الى وجود الملاك الموجب للترجح النفساني عند الالتفات. وحينئذ لو فرض عدم حصول الطلب لمانع عنه، أو لعدم الالتفات - كما في الموالي العرفية - كان ذلك الترجيح كافيا في الدعوة إلى الفعل، وصدوره على وجه العبادة، وعدم كونه تشريعا. فلاحظ. نعم يشكل ما ذكره المصنف (ره): بما عرفت الاشارة إليه سابقا، من أن دليل نفي الحرج لما لم يكن مانعا عن وجود الملاك فقد استقر الحج في ذمة المكلف، وإن كانت لا تجب المبادرة إليه لدليل نفي الحرج، فاللازم - مع عدم الحرج - الاتيان به في السنة اللاحقة وان زالت الاستطاعة، كما لو ترك الحج في السنة الاولى عمدا من غير عذر. وإن شئت قلت: بناء على ما ذكره المصنف لا يكون الحرج منافيا للاستطاعه، ولا عدمه شرطا فيها، وإنما يكون رافعا للزوم الحج، وهو خلاف ما ذكره سابقا، من اشتراط الاستطاعة بان لا يكون حرج. وعليه بناء الاصحاب، كما سبق. وعلى هذا لا بد من الرجوع إلى ما ذكرناه في صدر المسألة في شرح قوله (ره): " فالظاهر كفايته.. "، كما تقدم في توجيه كلام الشهيد.

[ 186 ]

[ ارتكاب محرم لم يجزه عن حجة الاسلام، وإن اجتمع سائر الشرائط. لا لان الامر بالشئ نهي عن ضده، لمنعه أولا، ومنع بطلان العمل بهذا النهي ثانيا. لان النهي متعلق بأمر خارج (1). بل لان الامر مشروط بعدم المانع، ووجوب ذلك الواجب مانع (2). وكذا النهي المتعلق بذلك المحرم مانع ] (1) لم يتضح وجه ما ذكره، لان القائلين بأن الامر بالشئ يقتضي النهي عن ضده، منهم: من بناه على مقدمية أحد الضدين للضد الاخر، فيكون النهي غيريا. ومنهم: من بناه على أن المتلازمين في الخارج متلازمان في الحكم، ولما كان عدم أحد الضدين ملازما للضد الاخر كان بحكمه، وعلى كلا التقديرين فالنهي عن الضد نفسه لا عن أمر خارج. نعم استشكل بعضهم في اقتضاء النهى الغيري للفساد، من أجل أنه كالوجوب الغيري لا يقتضى ثوابا ولا عقابا، ولا قربا ولا بعدا. لكن الظاهر ضعف الاشكال المذكور، كما حققناه في محله وعلى تقديره فهو إشكال آخر غير ما ذكره المصنف (ره). ثم إن ظاهر المصنف (ره) المفروغية عن أن المقام من صغريات مسألة الضد. وهو إنما يتم في ما إذا كان الواجب - الذي يلزم تركه من الحج - ضدا لنفس أفعال الحج، أما إذا كان ضدا للسفر إلى الحج، فلا يكون من صغريات تلك المسألة، لانه مقدمة غير عبادية، وهي تختص بما إذا كان ضدا للواجب العبادي، الذي يفسد بالنهي على تقدير القول به. نعم الوجه الذي سيذكره شامل للمقامين. (2) قد عرفت الاشكال فيما ذكره، وأن ما كانت مانعيته مستفادة من دليل مانعية العذر تختص مانعيته بحال الترك ولا تعم حال الفعل. وإلا كان اللازم البناء على عدم الاجزاء في موارد الحرج، لانه ايضا عذر مانع.

[ 187 ]

[ ومعه لا أمر بالحج. نعم لو كان الحج مستقرا عليه، وتوقف الاتيان به على ترك واجب أو فعل حرام دخل في تلك المسألة (1)، وأمكن أن يقال بالاجزاء، لما ذكر: من منع اقتضاء الامر بشئ للنهي عن ضده، ومنع كون النهي المتعلق بأمر خارج موجبا للبطلان. (مسألة 67): إذا كان في الطريق عدو لا يندفع إلا بالمال، فهل يجب بذله ويجب الحج أولا؟ أقوال (2)، ثالثها: الفرق بين المضر بحاله وعدمه، فيجب في الثاني دون الاول. ] ودعوى: أن أدلة نفي الحرج لا ترفع الا اللزوم - كما تقدمت من المصنف - مسلمة. لكنها لا تجدي في البناء على الاجزاء إذا كان مقتضى الدليل عدم الاجزاء، إذ لا منافاة بين كون نفي الحرج لا يقتضى نفي الاجزاء وكون مانعية العذر تقتضي نفي الاجزاء. إذ لا منافاة بين المقتضى واللا مقتضى، كما هو ظاهر. وبالجملة: إن كان لدينا دليل يدل على مانعية العذر مطلقا عن الاستطاعة كان اللازم البناء على مانعية الحرج عنها، وإن لم يكن دليل على ذلك كان اللازم البناء على عدم مانعية ترك الواجب أو الوقوع في الحرام عنها، فالتفكيك بين الحرج وغيره من الاعذار في المانعية عن الاستطاعة وعدمها غير ظاهر. (1) قد عرفت أن دخوله في تلك المسألة يتوقف على كون ترك الواجب ملازما لنفس أفعال الحج لا للسفر، وإلا فلا يكون من تلك المسألة أيضا. كما عرفت ان النهي - على تقديره - يتعلق بأمر داخل في العبادة لا بأمر خارج عنها. (2) أولها: عدم الوجوب، كما في المدارك عن الشيخ (ره) وجماعة

[ 188 ]

[ (مسألة 68): لو توقف الحج على قتال العدو لم ] لانتفاء الشرط، وهو تخلية السرب. ولان المأخوذ على هذا الوجه ظلم لا تنبغي الاعانة عليه. وأن من خاف من أخذ المال قهرا لا يجب عليه الحج وإن قل المال، وهذا في معناه. وهذه الوجوه - كما ترى - ضعيفة، لتحقق التخلية بالقدرة على المال. وعدم حرمة الاعانة على مثل هذا الظلم. وللفرق بين المقام وبين اخذ المال قهرا. مع أن الحكم في المقيس عليه ممنوع. وثانيها: الوجوب مع الامكان. قال في الشرائع: " ولو قيل يجب التحمل مع المكنة كان حسنا.. ". وفي المدارك: " والاصح: ما اختاره المصنف (ره)، من وجوب بذل المال مع القدرة مطلقا. لتوقف الواجب عليه، فكان كأثمان الالات.. ". ومثل ذلك: ما عن العلامة وغيره. وأما الثالث فاختاره في المعتبر قال: " والاقرب أنه إن كان المطلوب مجحفا لم يجب، وإن كان يسيرا وجب بذله، وكان كأثمان الالات.. ". وهذا هو المراد مما في المتن. هذا وقد عرفت في شرح المسألة الرابعة والستين: أنه لا مجال للتمسك بقاعدة نفي الضرر في الباب، لان أدلة وجوب الحج من قبيل مخصص لها، فيؤخذ باطلاقه. ومن ذلك يظهر ضعف القول الاول. كما عرفت أن الحرج في المقام مانع عن الاستطاعة، فيتعين لذلك التفصيل المذكور، لان المراد من أخذ المال المجحف ما يكون موجبا للحرج. ثم إنه لم يظهر وجه توقف المصنف (ره) عن الفتوى في هذه المسألة، وعن التمسك بقاعدة نفي الضرر والحرج، مع أنه أفتى - في المسألة الرابعة والستين، والخامسة والستين - بسقوط الحج مع لزوم الضرر أو الحرج. والفرق بين المقامين غير ظاهر.

[ 189 ]

[ يجب، حتى مع ظن الغلبة عليه والسلامة. وقد يقال بالوجوب في هذه الصورة (1). (مسألة 69): لو انحصر الطريق في البحر وجب ركوبه (2). إلا مع خوف الغرق أو المرض خوفا عقلائيا (3)، أو استلزامه الاخلال بصلاته (4)، أو إيجابه لاكل النجس أو شربه. ولو حج مع هذا صح حجه، لان ذلك في المقدمة، وهي المشي الى الميقات، كما إذا ركب دابة غصبية الى الميقات. ] (1) قال في كشف اللثام: " الاقرب - وفاقا للمبسوط والشرائع - سقوط الحج إن علم الافتقار الى القتال مع ظن السلامة - أي العلم العادي بها وعدمه - كان العدو مسلمين أو كفارا. للاصل. وصدق عدم تخلى السرب. وعدم وجوب قتال الكفار إلا للدفع أو للدعاء الى الاسلام باذن الامام.. الى ان قال: وقطع في التحرير والمنتهى بعدم السقوط إذا لم يلحقه ضرر ولا خوف، واحتمله في التذكرة. وكأنه: لصدق الاستطاعة، ومنع عدم تخلية السرب حينئذ، مع تضمن المسير أمرا بمعروف ونهيا عن منكر، واقامة لركن من أركان الاسلام.. ". أقول: إذا كان الضرر مأمونا، وكان دفع العدو ميسورا فالظاهر صدق تخليه السرب وثبوت الوجوب. وإذا كان الضرر مخوفا، أو كان الدفع حرجا ومشقه لا يقدم عليها العقلاء لم يجب الحج، كما عرفت الكلام في نظيره. (2) بلا إشكال ظاهر. وقد نص عليه جماعة كثيرة. ويقتضيه إطلاق دليل الوجوب. (3) تقدم الكلام في نظيره. (4) الواجب الذي يلزم تركه من السفر الى الحج على قسمين،

[ 190 ]

[ (مسألة 70): إذا استقر عليه الحج، وكان عليه خمس أو زكاة أو غيرهما من الحقوق الواجبة وجب عليه أداؤها، ولا يجوز له المشي الى الحج قبلها. ولو تركها عصى، وأما حجه فصحيح إذا كانت الحقوق في ذمته لا في عين ماله. وكذا إذا كانت في عين ماله ولكن كان ما يصرفه في مؤنته من المال الذي لا يكون فيه خمس أو زكاة أو غيرهما، أو كان مما تعلق به الحقوق ولكن كان ثوب إحرامه، وطوافه، وسعيه، وثمن هديه المال الذي ليس فيه حق. بل وكذا إذا كانا مما تعلق به الحق من الخمس والزكاة، إلا أنه بقي عنده مقدار ما فيه منهما. بناء على ما هو الاقوى، من كونهما في ] الاول: ما يكون له بدل، كالصلاة بالطهارة المائية التي بدلها الصلاة بالطهارة الترابية، والصلاة قائما التي بدلها الصلاة جالسا، ونحو ذلك. الثاني: مالا يكون له بدل. وفي الاول إذا قلنا بجواز تعجيز النفس فيه فلا ينبغى الاشكال في عدم مزاحمته للحج، فيجب الحج وإن لزم منه تركه، لكون المفروض جواز تركه الى البدل. وإن قلنا بعدم جواز تعجيز النفس فيه كان حاله حال ما إذا لم يكن له بدل، وظاهر الفتاوى: عدم الفرق - في مزاحمته لوجوب الحج، ومنافاته للاستطاعة - بين كونه أهم من الحج وعدمه. بل الظاهر أنه لا إشكال فيه عندهم، كما يظهر بملاحظة كلماتهم، فيما إذا نذر الحج في السنة المعينة فاستطاع فيها، حيث لم يتعرضوا لذكر أهمية النذر في وجه المزاحمة. بل لا مجال لدعوى ذلك فيه، فان أهمية حج الاسلام بالاضافة إلى حج النذر ليست موضعا للاشكال. والذي ينبغى أن يقال إنه لا عموم في النصوص - التي اعتمد عليها في مانعية

[ 191 ]

[ العين على نحو الكلي في المعين، لا على وجه الاشاعة (1). (مسألة 71): يجب على المستطيع الحج مباشرة، فلا يكفيه حج غيره عنه - تبرعا أو بالاجارة - إذا كان متمكنا من المباشرة بنفسه. (مسألة 72): إذا استقر الحج عليه، ولم يتمكن من من المباشرة - لمرض لم يرج زواله، أو حصر كذلك، أو هرم بحيث لا يقدر، أو كان حرجا عليه - فالمشهور وجوب الاستنابة عليه، بل ربما يقال بعدم الخلاف فيه (2). وهو الاقوى، وإن كان ربما يقال بعدم الوجوب. وذلك لظهور ] ما ذكر عن الاستطاعة - لكل واجب، بل يختص بالواجب الذي له نوع من الاهمية، بحيث يصح أن يعتذر به في ترك الحج. فإذا علم المكلف أنه إذا حج يفوته رد السلام على من سلم عليه، أو الانفاق يوما ما على من تجب نفقته عليه، أو نحو ذلك من الواجبات التي ليس لها تلك الاهمية، لا يجوز له ترك الحج فرارا من تركها، فانه لا يصح له الاعتذار بذلك. لا اقل من الشك الموجب للرجوع إلى عموم الوجوب على من استطاع. فإذا كان لزوم ترك الواجب أو الوقوع في الحرام عذرا في نظر المتشرعة، ويصح الاعتذار به عندهم كان مانعا من الاستطاعة، وإلا فلا. وكذا لو شك في صحة الاعتذار، لان عموم الوجوب هو المرجع مع الشك في صدق عنوان المخصص. فلاحظ. (1) تعرضنا في كتاب الزكاة والخمس لتحقيق ما هو مفاد الادلة. فراجع. (2) حكى في المستند عن المسالك والروضة والمفاتيح وشرحه وشرح الشرايع للشيخ علي: الاجماع عليه.

[ 192 ]

[ جملة من الاخبار (1) ] (1) كصحيح عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام): " قال: إن أمير المؤمنين (عليه السلام) أمر شيخا كبيرا لم يحج قط، ولم يطق الحج لكبره أن يجهز رجلا يحج عنه " (* 1)، ومصحح معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام): " قال: إن عليا رأى شيخا لم يحج قط، ولم يطق الحج من كبره، فأمره أن يجهز رجلا فيحج عنه " (* 2)، وصحيح محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام): " قال كان علي (عليه السلام) يقول: لو أن رجلا اراد الحج، فعرض له مرض أو خالطه سقم فلم يستطع الخروج، فليجهز رجلا من ماله ثم ليبعثه مكانه " (* 3)، وخبر عبد الله بن ميمون القداح عن أبي جعفر (عليه السلام) عن أبيه: " إن عليا (عليه السلام) قال لرجل كبير لم يحج قط، قال إن شئت أن تجهز رجلا ثم أبعثه يحج عنك " (* 4)، ومصحح الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) - في حديث - قال: " وإن كان موسرا وحال بينه وبين الحج مرض أو حصر أو أمر يعذره الله تعالى فيه، فان عليه ان يحج من ماله صرورة لا مال له " (* 5)، وخبر علي بن أبي حمزة: " سألته عن رجل مسلم حال بينه وبين الحج مرض أو أمر يعذره الله تعالى فيه، فقال (عليه السلام): عليه أن يحج رجلا من ماله صرورة لا مال له " (* 6)، وخبر سلمه أبي حفص عن أبي عبد الله (عليه السلام): " إن رجلا أتى عليا (عليه السلام) ولم يحج قط، فقال:


(* 1) الوسائل باب: 24 من ابواب وجوب الحج حديث: 6. (* 2) الوسائل باب: 24 من ابواب وجوب الحج حديث: 1. (* 3) الوسائل باب: 24 من ابواب وجوب الحج حديث: 5. (* 4) الوسائل باب: 24 من ابواب وجوب الحج حديث: 8. (* 5) الوسائل باب: 24 من ابواب وجوب الحج حديث: 2. (* 6) الوسائل باب: 24 من ابواب وجوب الحج حديث: 7.

[ 193 ]

إني كنت كثير المال، وفرطت في الحج حتى كبرت سني، فقال: تستطيع الحج؟ فقال: لا. فقال له علي (عليه السلام): إن شئت فجهز رجلا ثم ابعثه يحج عنك " (* 1). لكن الروايات الثلاث الاول غير ظاهرة في المستطيع. وحملها عليه ليس بأولى من حمل الامر فيها بالاستنابة على مجرد بيان المشروعية. وخبر القداح ظاهر في عدم الوجوب. ومن أجله يظهر إشكال اخر في النصوص السابقة - بناء على وحدة الواقعة - كما هو الظاهر، فان ظاهر خبر القداح أن أمير المؤمنين (عليه السلام) أجاب باستحباب الاستنابة، فيحمل غيره عليه - بناء على ظهوره في الوجوب - لانه اقرب من حمله على الوجوب، والاخذ بظاهر غيره. ونحوه خبر سلمة أبي حفص. وأما مصحح الحلبي وخبر علي بن أبي حمزة فلا يمكن الاخذ بظاهرهما، من وجوب استنابة الصرورة. والتفكيك بين القيد والمقيد في الوجوب بعيد. ولاجل ما ذكرنا من المناقشات ونحوها جزم في المستند بعدم وجوب الاستنابة، وحكى التردد من بعضهم في الوجوب في هذه الصورة، واستظهره من الذخيرة، بل من الشرائع والنافع والارشاد. لترددهم في مسألة استنابة المعذور، من غير تفصيل بين الاستقرار وعدمه. وأيده بعدم تعرض جماعه للوجوب في هذه الصورة. لكن الانصاف أن حمل النصوص الاول على مجرد تشريع الاستنابة بعيد جدا، أولا: من جهة أن ذكر القيود في المورد المحكي من الامام عن الامام يدل على دخلها في الحكم. والاستنابة في الحج الاستحبابي لا يختص بمجمع القيود وثانيا: أن قوله (عليه السلام) في مقام الحكاية عن أمير المؤمنين: " أمر. " ظاهر في الوجوب ظهورا قويا، لا يقوى على التصرف فيه - بالحمل على مجرد المشروعية - إطلاق مورد الجواب من حيث كونه مستطيعا


(1) الوسائل باب: 24 من أبواب وجوب الحج حديث: 3.

[ 194 ]

وغير مستطيع. وأما الاشكال باختلاف النقل - من جهة إطلاق الامر في النصوص الاول، وتعليقه على المشيئة في رواية القداح وخبر سلمة - فلا يهم، لانه مع الاختلاف في النقل تجري أحكام التعارض، وهي تقتضي الاخذ بالصحاح، لانها أصح سندا، وأكثر عددا. مع قرب احتمال أن يكون المراد من قوله (عليه السلام): " إن شئت أن تجهز.. " في خبر القداح: " إن شئت حججت بنفسك وتحملت الحرج، وإن شئت استنبت ": نعم لا يجئ ذلك في خبر سلمة، لان المفروض فيه أنه لا يطيق الحج بنفسه. وبالجملة: النصوص الاول ظاهرة في الوجوب، والخروج عنه بغيرها خلاف قواعد العمل بالادلة. وأما خبر الخثعمية، المروي عن الزهري، عن سليمان بن يسار، عن ابن عباس: " إن امرأة من خثعم سألت رسول الله (صلى الله عليه وآله): إن فريضة الله في الحج أدركت أبي شيخا كبيرا لا يستطيع أن يستمسك على راحلته، فهل ترى أن أحج عنه؟ قال (صلى الله عليه وآله): نعم " (* 1). وفي رواية عمر بن دينار زاد: " فقالت: يا رسول الله، فهل ينفعه ذلك؟ فقال: نعم، كما لو كان عليه دين تقتضيه نفعه " (* 2). فضعيف سندا، ودلالة لعدم ظهوره في الوجوب. ثم إن المذكور في كلام الاصحاب: الهرم والمرض، والضعف ونحو ذلك مما يرجع إلى قصور الاستطاعة البدنية. ولم أقف عاجلا على من تعرض لغير ذلك من الموانع - من حبس، أو صد، أو نحوهما - مما يوجب فقد الاستطاعة السربية، مع أن المذكور في مصحح الحلبي: أن موضوع الاستنابة مطلق العذر (* 3). ونحوه: خبر علي بن أبي حمزة (* 4). فالتعميم أوفق بالنصوص، لولا ما عرفت من ظهور كون المشهور خلافه.


(* 1)، (* 2) لاحظ الخلاف جزء: 1 صفحة: 156 المسألة: 6 من كتاب الحج. (* 3)، (* 4) تقدما قريبا في أول المسألة.

[ 195 ]

[ في الوجوب. وأما ان كان موسرا من حيث المال، ولم يتمكن من المباشرة مع عدم استقراره عليه، ففي وجوب الاستنابة وعدمه قولان، لا يخلو أولهما من قوة (1). لاطلاق الاخبار ] (1) وهو المحكي عن الشيخ وأبي الصلاح وابن البراج والعلامة في التحرير. اعتمادا على إطلاق النصوص المذكورة، فانه شامل لمن حدثت له الاستطاعة حال العذر لكن لا تبعد دعوى انصراف النصوص - بعد حملها على الوجوب - إلى خصوص من كان مستطيعا قبل العذر. لا أقل من الجمع بينها وبين ما دل على اعتبار صحة البدن وإمكان المسير في الاستطاعة بذلك فان الجمع بينها كما يكون بتقييد اطلاق الحكم بغير الاستنابة - بأن تحمل الشرطية على الشرطية للوجوب بنحو المباشرة - يكون أيضا بتقييد موضوع هذه النصوص بمن كان مستطيعا. ولا ريب في كون التقييد الثاني أسهل. بل الاول بعيد جدا في نفسه، وبملاحظة قرينة السياق، فان الصحة ذكرت في النصوص في سياق الزاد والراحلة (* 1)، اللذين هما شرط في الاستطاعة حتى بالاضافة إلى وجوب الاستنابة، فتكون صحة البدن كذلك. هذا مضافا إلى ما في رواية سلمة أبي حفص، من كون السائل لعلي (عليه السلام) كان مستطيعا سابقا - بناء على وحدة الواقعة، كما هو الظاهر - كما عرفت (* 2). وحينئذ لا مجال للاخذ باطلاق مورد السؤال فيها. ولذلك قيل بعدم الوجوب، كما حكاه في الشرائع ونسب إلى الحلي وابن سعيد والمفيد في ظاهره. وفي القواعد: " الاقرب العدم "، وتبعه في كشف اللثام. وحكى عن الخلاف: الاجماع على عدم وجوبها عليه، لكني لم أجده فيه.


(* 1) راجع الوسائل باب: 8 من أبواب وجوب الحج حديث: 4، 5، 7. (* 2) تقدم ذكر ذلك في التعليقة السابقة.

[ 196 ]

[ المشار إليها. وهي وإن كانت مطلقة من حيث رجاء الزوال وعدمه، لكن المنساق من بعضها ذلك (1). مضافا إلى ظهور الاجماع على عدم الوجوب، مع رجاء الزوال (2). ] (1) النصوص الواردة في الشيخ الكبير (* 1) ظاهرة في خصوص المأيوس من زوال العذر. وأما صحيح ابن مسلم (* 2) بناء على ظهوره في المستطيع - فظاهر في المستطيع قبل العذر، " فلا يكون فيما نحن فيه. نعم إطلاقه يشمل كون استطاعته في سنة العذر. لكن الظاهر أن محل الكلام يشمل ذلك. ومثل الصحيح المذكور: صحيح الحلبي (* 3)، وخبر علي بن أبي حمزة (* 4). (2) في الجواهر عن المنتهى: الاجماع على عدم وجوب الاستنابة مع رجاء زوال العذر. وربما يشهد له التتبع. وفي المدارك: " إجماعا، قاله في التذكرة والمنتهى.. ". لكن في الخلاف: " إذا كان به علة يرجى زوالها - مثل الحمى وغيرها - فأحج رجلا عن نفسه ثم مات، أجزأه عن حجة الاسلام. ثم ادعى إجماع الفرقة والاخبار.. ". لكنه غير ظاهر في الوجوب، ولا في الاجزاء على تقدير البرء. وفي الدروس: " الاقرب أن وجوب الاستنابة فوري إن يئس من البرء، وإلا استحب الفور ". وظاهره الوجوب مع عدم اليأس. لكن قوله بعد ذلك: " لو استناب المعضوب فشفي انفسخت النيابة.. " ظاهر في كون الوجوب تابعا لبقاء العذر واقعا، فإذا زال انكشف عدم الوجوب. إلا أن يقال: إن كلامه الاخير يختص بما إذا كان زوال العذر في تلك السنة، فلا يشمل ما لو استمر في تلك السنة وزال بعد ذلك. وعن الحدائق: اختيار الوجوب مع الرجاء واليأس، تمسكا بظاهر الاخبار. وهو قريب بناء على الوجوب. لكن العمل بها - بعد إعراض الاصحاب عنها - كما ترى. إلا أن يحتمل بناؤهم على


(* 1)، (* 2)، (* 3)، (* 4) تقدم ذكر ذلك كله في التعليقة السابقة.

[ 197 ]

ظهورها في المأيوس - كما في المدارك الجزم به - فإذا تبين ظهورها في غير المأيوس لم يكن إعراضهم موهنا. وبالجملة: ظهور بعض النصوص في الاعم من صورتي اليأس والرجاء غير بعيد، فإذا اختصت بمن استقر الحج في ذمته فقد دلت على وجوب الاستنابة في الصورتين فيه، وإن عمت من لم يستقر الحج في ذمته فقد دلت على وجوبها في الصورتين أيضا. والاجماع على اختصاص الاستنابة بصورة اليأس لم يثبت على نحو ترفع به اليد عن إطلاق الادلة وإن كان محتملا، إذ لم يعثر على مصرح بخلافه. فلاحظ. والذي ينبغى أن يقال: إن اليأس والرجاء مما لم يتعرض لموضوعيتهما للبدلية في النصوص المتقدمة، وليس فيها إشارة إلى ذلك ولا تلويح، وإنما المذكور فيها نفس العذر. نعم نصوص الشيخ الكبير ظاهرة - بملاحظة موردها - في العذر المستمر (* 1). وصحيح الحلبي وخبر علي بن أبي حمزة ظاهران في العذر المانع عن الحج (* 2)، فان كان إطلاقهما شاملا للعذر في السنة كان مقتضاهما مشروعية الاستنابة والنيابة ولو مع العلم بارتفاع العذر، وإن كانا مختصين بالعذر المستمر كان حالهما حال نصوص الشيخ الكبير. وعلى كل حال فليس في شئ من النصوص تعرض للرجاء ولا لليأس من حيث موضوعيتهما للنيابة والاستنابة. وعليه فالمدار - في مشروعية النيابة وعدمها - وجود العذر وعدمه واقعا. نعم الاشكال في الاكتفاء بالعذر في السنة، كما قد يظهر بدوا من صحيح الحلبي ونحوه. لكن يشكل ذلك أولا: بأن لازمه وجوب الاستنابة مع العلم بزوال العذر في السنة اللاحقة، ولا يظن من أحد التزام ذلك، إذ قد عرفت أن اعتبار اليأس مظنة الاجماع. وإذا أمكن التنازل عن ذلك


(* 1)، (* 2) تقدم ذكر الروايات في أول المسألة. فلاحظ.

[ 198 ]

الحق الرجاء باليأس، كما تقدم عن الدروس والحدائق. أما مع العلم بالارتفاع فشئ لم يحتمله أحد. وثانيا: بان المقام من قبيل سائر موارد جعل البدل الاضطراري. والتحقيق: أن اطلاق دلايل البدلية الاضطرارية وان كان يقتضي ثبوت البدلية بمجرد تحقق الاضطرار وقتا ما، لكن مناسبة الحكم والموضوع والارتكاز. العقلائي في باب الضرورات يقتضي حمله على الاضطرار إلى ترك الواجب بجميع افراده التدريجية، فيختص بالعذر المستمر. فيكون المراد من قوله (عليه السلام): " حال بينه وبين الحج مرض.. " (* 1) أنه حال على نحو لم يتمكن من الحج إلى آخر عمره، لا أنه لم يتمكن منه في سنة من السنين. كل ذلك للارتكاز العرفي في باب الضرورات، كما أشرنا إلى ذلك في موارد كثيرة من هذا الشرح. وعليه تكون الروايتان - كغيرهما من روايات الشيخ - ظاهرة في العذر المستمر المانع من اداء الفرض في جميع الاوقات. مضافا إلى ان الروايتين قد اشتملتا على ما لم يقل أحد بوجوبه، من استنابة الصرورة، الموجب لحملها على الاستحباب. فيحتمل أن يكون المراد منهما: استحباب إحجاج غيره عن نفسه لا بعنوان النيابة، كما احتمله في الجواهر. وكيف كان لا مجال للبناء على وجوب الاستنابة مع العذر في السنة إذا كان يرتفع بعدها. ومن ذلك يظهر: أن دعوى ظهور الاخبار في الياس - كما في المدارك حيث قال: " وإنما تجب الاستنابة مع اليأس من البرء. ولو رجا البرء لم يجب عليه الاستنابة إجماعا، قاله في التذكرة والمنتهى. تمسكا بمقتضى الاصل، السالم من معارضة الاخبار المتقدمة، إذ المتبادر منها تعلق الوجوب بمن حصل له اليأس من زوال المانع... " - أو في اليأس والرجاء - كما عن الحدائق، كما تقدم - ليس كما ينبغي. لقصور الاخبار عن التعرض لهذه الجهة، لانها


(* 1) كما في صحيح الحلبي وخبر علي بن أبي حمزة.

[ 199 ]

واردة في مقام بيان حكم العذر الواقعي، واليأس من ارتفاعه ورجاء ارتفاعه أمران آخران أجنبيان عنه، كما عرفت. نعم الظاهر أنه لا إشكال في كون الياس طريقا إلى استمرار العذر، ولا يعتبر العلم باستمراره. وفي كون الرجاء طريقا إليه إشكال، وإن كان قد يحتمل ذلك، اعتمادا على استصحاب بقاء العذر واستمراره، أو استصحاب بقاء العجز. إلا أن يقوم إجماع على خلافه، كما عرفت. والظاهر أن ذكر اليأس والرجاء في كلام الفقهاء (رض) في مقام بيان الحكم الظاهري لا الواقعي، بل لا ينبغي التأمل فيه. كما عرفت من أن الحكم الواقعي موضوعه العذر الواقعي - الذي هو موضوع اليأس والرجاء - لانفسهما. فلاحظ وتأمل. والذي يتحصل مما ذكرنا أمور: الاول: أنه لا إشكال في أن العذر المستمر موضوع لوجوب الاستنابة. الثاني: أنه لا ينبغي الاشكال في أن العذر غير المستمر ليس موضوعا لوجوب الاستنابة عند الفقهاء. والروايتان قد عرفت معناهما. الثالث: أن الياس أو مع الرجاء ليس موضوعا لوجوب الاستنابة واقعا. والنصوص خالية عن التعرض لدخلهما في موضوع الحكم الواقعي المذكور، لا تصريحا ولا تلويحا. الرابع: أنه لا إشكال في وجوب الاستنابة مع اليأس على نحو يكون الوجوب ظاهريا لا واقعيا. ودليله: الاجماع. ولعله مقتضى إطلاق النصوص المقامي، إذ لو انحصر الطريق بالعلم باستمرار العذر لم يبق مورد للعمل بالنصوص المذكورة إلا نادرا، وحمل النصوص المذكورة على ذلك بعيد جدا. وأما الرجاء فمقتضى الاستصحاب طريقيته غالبا للحكم الظاهري. لكن يشكل العمل به، لما عرفت من أنه خلاف مظنة الاجماع. نعم لو استناب مع الرجاء ثم مات قبل الشفاء أجزأ، كما عرفت دعوى الاجماع عليه في الخلاف.

[ 200 ]

[ والظاهر فورية الوجوب، كما في صورة المباشرة (1). ومع بقاء العذر إلى أن مات يجزيه حج النائب، فلا يجب القضاء عنه وان كان مستقرا عليه. وان اتفق ارتفاع العذر بعد ذلك، فالمشهور أنه يجب عليه مباشرة وإن كان بعد إتيان النائب، بل ربما يدعى عدم الخلاف فيه (2). لكن الاقوى عدم الوجوب، لان ظاهر الاخبار: أن حج النائب هو الذي كان واجبا على المنوب عنه (3)، فإذا أتى به فقد حصل ما كان واجبا عليه، ولا دليل على وجوبه مرة أخرى. بل لو قلنا باستحباب الاستنابة، فالظاهر كفاية فعل النائب (4) بعد ] (1) لان دليل النيابة يقتضي تنزيل عمل النائب منزله عمل المنوب عنه وكونه فردا له تنزيلا، فإذا وجب على المنوب عنه فورا فقد وجب على النائب كذلك. (2) قال في المستند: " من غير خلاف صريح منهم أجده، بل قيل: كاد أن يكون اجماعا. وعن التذكرة: أنه لا خلاف فيه بين علمائنا.. ". (3) هذا مما لا إشكال فيه لو ثبتت البدلية. لكنها - بعد انكشاف عدم استمرار العذر - ممنوعة، كما عرفت. وموافقة الامر الظاهرى لا تقتضي الاجزاء، كما تحقق في محله. وبالجملة: بعد انكشاف غلط الطريق وخطئه انكشف عدم ثبوت مشروعية الاستنابة واقعا، فلا يكون فعل النائب غير المشروع مجزيا. (4) كما اختاره جماعة في من لم يستقر الحج في ذمته، ومنهم صاحب الجواهر. وقد تقدم الكلام فيه.

[ 201 ]

[ كون الظاهر الاستنابة فيما كان عليه (1). ومعه لا وجه لدعوى: أن المستحب لا يجزي عن الواجب. إذ ذلك فيما إذا لم يكن المستحب نفس ما كان واجبا، والمفروض في المقام أنه هو. بل يمكن أن يقال (2): إذا ارتفع العذر في أثناء عمل النائب - بأن كان الارتفاع بعد احرام النائب - إنه يجب عليه الاتمام، ويكفي عن المنوب عنه. بل يحتمل ذلك وإن كان في أثناء ] (1) قوى في الجواهر: أن يكون المراد من الاحجاج الاحجاج على نحو يحج عن نفسه، لا نيابة عن المعذور. ولكنه خلاف الظاهر جدا. (2) قال في الدروس " لو استناب المعضوب فشفي انفسخت النيابة. ولو كان بعد الاحرام فالاقرب الاتمام، فان استمر الشفاء حج ثانيا، فان عاد المرض قبل التمكن فالاقرب الاجتزاء.. ". وقال في المدارك: " لو استناب الممنوع فزال العذر قبل التلبس بالاحرام، انفسخت الاجارة فيما قطع به الاصحاب. ولو كان بعد الاحرام احتمل الاتمام والتحلل. وعلى الاول فان استمر الشفاء حج ثانيا، وإن عاد المرض قبل التمكن فالاقرب الاجزاء.. " وظاهر كلامه في الصورة الاولى: صورة اتيان النائب بالحج. وإطلاق انفساخ الاجارة فيه ينافي بناءه على الاجزاء في صوره عود المرض. وكيف كان فاحرام النائب لا اثر له في مشروعية النيابة وعدم انفساخ الاجارة، لما عرفت من ان ارتفاع العذر كاشف عن عدم مشروعية النيابة من أول الامر، فاحرامه باطل. ولاجل ذلك لا يصح احتمال وجوب الاتمام، ولا احتمال لزوم التحلل بعمرة مفردة، لانهما من أحكام الاحرام الذي حدث صحيحا، وليس منه احرام النائب في الفرض، ولا مجال

[ 202 ]

[ الطريق، قبل الدخول في الاحرام. ودعوى: أن جواز النيابة ما دامي كما ترى، بعد كون الاستنابة بأمر الشارع (1)، وكون الاجارة لازمة لا دليل على انفساخها (2). خصوصا إذا لم يمكن إبلاغ النائب المؤجر ذلك. ولا فرق فيما ذكرنا من وجوب الاستنابة بين من عرضه العذر - من المرض وغيره - وبين من كان معذورا خلقة، والقول بعدم الوجوب في الثاني وإن قلنا بوجوبه في الاول ضعيف (3). وهل يختص الحكم ] لدعوى الاجزاء. وأولى بعدم إجزاء حج النائب، وعدم مشروعيه النيابة، وانفساخ الاجارة: ما لو كان ارتفاع العذر في اثناء الطريق. (1) قد عرفت ان الامر ظاهري لا اعتبار به بعد انكشاف الخلاف. (2) كيف تكون لازمة بعد انكشاف كونها على عمل غير مشروع؟. (3) قال في الشرائع: " ولو كان لا يستمسك خلقه قيل: سقط الفرض عن نفسه وعن ماله، وقيل: تلزمه الاستنابة. والاول اشبه ". وفي المدارك: " الاصح لزوم الاستنابة. لاطلاق قوله (عليه السلام) في صحيح الحلبي: وإن كان موسرا.. " (* 1). وعن الحدائق: اختياره. وفي الجواهر: اختار العدم، أما على المختار من الندب ففي العارض - فضلا عنه - فواضح. وأما على الوجوب فالمتجه الاقتصار على المنساق من النصوص المزبورة المخالفة للاصل. بل صحيح ابن مسلم (* 2) كالصريح في ذلك انتهى. ووجه صراحته: اشتماله على قوله: " فعرض له.. ". لكن صراحته تأبى صحة الاحتجاج به على العموم، ولا تأبى صحة الاحتجاج بغيره عليه لو أمكن. فالعمدة: ما عرفت من عدم الوجوب على من لم


(* 1) الوسائل باب: 24 من أبواب وجوب الحج حديث: 2. (* 2) الوسائل باب: 24 من أبواب وجوب الحج حديث: 5.

[ 203 ]

[ بحجة الاسلام، أو يجري في الحج النذري والافسادي أيضا (1)؟ قولان. والقدر المتيقن هو الاول، بعد كون الحكم على خلاف القاعدة. وان لم يتمكن المعذور من الاستنابة - ولو لعدم وجود النائب، أو وجوده مع عدم رضاه إلا بأزيد من أجرة المثل، ولم يتمكن من الزيادة، أو كانت مجحفة - سقط الوجوب (2). ] يستقر الحج في ذمته. فراجع. وفي المسالك: وجوب الاستنابة، لعدم العلم بالقائل بالفرق. واشكاله ظاهر. (1) قال في الدروس: " ولو وجب عليه الحج بافساد أو نذر فهو كحجة الاسلام بل أقوى.. ". وفي المدارك: أنه غير واضح في النذر، بل ولا الافساد ايضا إن قلنا أن الثانية عقوبة. لان الحكم بوجوب الاستنابة على خلاف الاصل، فيقتصر فيه على مورد النص، وهو حج الاسلام. والنذر والافساد إنما اقتضيا وجوب الحج مباشرة، وقد سقط بالعذر. انتهى. وتبعه عليه في الجواهر. وظاهر المصنف (ره) الميل إليه. وهو في محله لو كان الانصراف إلى حج الاسلام ناشئا عن سبب ارتكازي. لكنه غير ظاهر. وفي المستند قال: " إطلاق بعض ما تقدم من الاخبار - كصحيحة محمد والحلبي - عدم اختصاص ذلك بحجة الاسلام، وجريانه في غيرها من الواجبات ايضا كالمنذورة. والظاهر عدم الخلاف فيه أيضا، كما يظهر منهم في مسألة الاستنابة من الحجين في عام واحد ". وسيأتى من المصنف - في المساله الحادية عشرة من الفصل الاتي - الجزم بعموم الحكم لغير حجة الاسلام. (2) لعين الادلة المتقدمة في شرائط الاستطاعة.

[ 204 ]

[ وحينئذ فيجب القضاء عنه بعد موته إن كان مستقرا عليه (1)، ولا يجب مع عدم الاستقرار (2) ولو ترك الاستنابة مع الامكان عصى بناء على الوجوب، ووجب القضاء عنه مع الاستقرار. وهل يجب مع عدم الاستقرار أيضا أولا؟ وجهان، أقواهما نعم (3)، لانه استقر عليه بعد التمكن من الاستنابة. ولو استناب - مع كون العذر مرجو الزوال - لم يجز عن حجة الاسلام (4)، فيجب عليه بعد زوال العذر. ولو استناب مع رجاء الزوال، وحصل اليأس بعد عمل النائب فالظاهر الكفاية. وعن صاحب المدارك: عدمها ووجوب الاعادة، ] (1) كما سيأتي الكلام فيه. (2) لاختصاص أدلة القضاء الآتية بمن استقر الحج في ذمته. (3) كأن الوجه الثاني - وهو العدم - مبني على اختصاص أدلة وجوب القضاء بمن استقر عليه مباشرة. وضعفه ظاهر. (4) قد عرفت أن الحكم الواقعي - وهو وجوب الاستنابة، والاجزاء عن حج الاسلام - تابع لموضوعه الواقعي، وهو استمرار العذر، وأن الياس طريق إليه. وكذا الرجاء، بناء على الحاقه بالياس. فالحكم بالاجزاء مع أحدهما ظاهري يرتفع بعد انكشاف الخلاف، فإذا زال العذر بعد الاستنابة - ولو مع اليأس - انكشف عدم الوجوب وعدم الاجزاء، فيجب عليه مباشرة حينئذ. وإذا استناب مع رجاء الزوال - بناء على عدم وجوب الاستنابة حينئذ لعدم طريقية احتمال الاستمرار مع احتمال الزوال - وانكشف استمرار العذر، فقد انكشف ثبوت الوجوب والاجزاء. وقد تقدمت دعوى الاجماع على الاجزاء عن الشيخ في الخلاف.

[ 205 ]

[ لعدم الوجوب مع عدم اليأس، فلا يجزي عن الواجب (1). وهو كما ترى. والظاهر كفاية حج المتبرع عنه في صورة وجوب الاستنابة (2). وهل يكفي الاستنابة من الميقات، كما هو الاقوى في القضاء عنه بعد موته؟ (3)، وجهان، ] (1) قال: " ولو حصل اليأس بعد الاستنابة وجب عليه الاعادة، لان ما فعله أولا لم يكن واجبا، فلا يجزي عن الواجب. ولو اتفق موته قبل حصول اليأس لم يجب القضاء عنه، لعدم حصول شرطه، الذي هو استقرار الحج أو الياس من البرء.. ". وظاهره: أن اليأس شرط في الحكم الواقعي، فمع عدمه ينتفي الحكم، وقد عرفت إشكاله. ولاجله يظهر الاشكال فيما ذكره أخيرا، فانه - بناء على وجوب الاستنابة على المعذور الذي لم يستقر الحج في ذمته قبل العذر - إذا لم يستنب لعدم اليأس ثم مات قبل الشفاء، انكشف كونه موضوعا لوجوب الاستنابة واقعا وإن لم يقم طريق عليه، فيجب القضاء. نظير: ما لو كان مالكا للزاد والراحلة وكان جاهلا بذلك، فانه يجب عليه الاداء بعد ذلك وإن زالت الاستطاعة - وقد تقدم - كما يجب على وليه القضاء لو مات. (2) لان الظاهر من نصوص الاستنابة: أن فعل النائب يجزي في إفراغ ذمة المنوب عنه، من غير دخل للاستنابة في ذلك. وبعبارة اخرى: المفهوم من النصوص: أن البدل فعل النائب لا فعل المنوب عنه بالتسبيب فلا دخل للتسبيب في إفراغ الذمة، ولا في اداء الواجب وإن كان مقتضى الجمود على ما تحت عبارة النصوص: أن التسبيب دخيل في البدل الواجب لكن مناسبة الحكم والموضوع الارتكازية توجب حمل الكلام على الاول، فهذا الارتكاز من قبيل القرينة المتصلة على صرف الكلام عن ظاهره. (3) يأتي إن شاء الله تعالى.

[ 206 ]

[ لا يبعد الجواز (1) حتى إذا أمكن ذلك في مكة، مع كون الواجب عليه هو التمتع. ولكن الاحوط خلافه، لان القدر المتيقن من الاخبار الاستنابة من مكانه. كما أن الاحوط عدم الكفاية في التبرع عنه لذلك أيضا. (مسألة 73): إذا مات من استقر عليه الحج في الطريق، فان مات بعد الاحرام ودخول الحرم أجزأه عن حجة الاسلام، فلا يجب القضاء عنه (2). وإن مات قبل ] (1) كما يقتضيه إطلاق النصوص. فان الحج - الذي هو موضوع النيابة - أول اجزائه الاحرام من الميقات، وما قبله خارج عنه، فاطلاق النصوص يقتضى حمله على الاول. وليس ما يتوهم منه التقييد إلاما في النصوص السابقة، من الامر بتجهيز رجل، والامر ببعثه مكانه. لكن التجهيز غير ظاهر الارتباط بما نحن فيه. والبعث لا يدل على مبدأ البعث. نعم ربما اقتضى انصرافه كون المبدأ مكان المنوب عنه، الذي قد يكون بلده وقد يكون غيره. لكنه ممنوع، فاطلاقه يقتضى لزوم كون المبدأ المكان الذي لا بد من الابتداء به، وهو الميقات لا غير. والانصراف إلى مكان المنوب عنه بدوي ناشئ من الغلبة، فلا يعتد به في رفع اليد عن الاطلاق. ثم إنه على تقدير تماميته فانما يقتضي كونه من مكان الاستنابة، لا من بلد المنوب عنه. وسيأتي في مسألة اعتبار البلد في الحج القضائي ماله نفع في المقام. (2) بلا خلاف أجده فيه، كما في المدارك والحدائق وغيرهما. بل عن المنتهى: دعوى الاجماع عليه، كذا في الجواهر. ويشهد له جملة من النصوص، منها: صحيح ضريس عن أبي جعفر (عليه السلام): (قال في رجل

[ 207 ]

[ ذلك وجب القضاء عنه وإن كان موته بعد الاحرام، على المشهور الاقوى (1). خلافا لما عن الشيخ وابن ادريس فقالا بالاجزاء حينئذ أيضا. ولا دليل لهما على ذلك إلا اشعار بعض الاخبار، كصحيحة بريد العجلي، حيث قال فيها - بعد الحكم بالاجزاء إذا مات في الحرم - " وإن كان مات - وهو صرورة قبل أن يحرم - جعل جمله وزاده ونفقته في حجة الاسلام ". فان مفهومه الاجزاة إذا كان بعد أن يحرم. لكنه معارض بمفهوم صدرها (2)، ] خرج حاجا حجة الاسلام فمات في الطريق، فقال: إن مات في الحرم فقد أجزأت عن حجة الاسلام، وإن مات دون الحرم فليقض عنه وليه حجة الاسلام " (* 1)، وصحيح بريد العجلي قال: " سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل خرج حاجا، ومعه جمل له ونفقة وزاد، فمات في الطريق، قال (عليه السلام): إن كان صرورة ثم مات في الحرم فقد أجزأ عنه حجة الاسلام، وإن كان مات - وهو صرورة قبل أن يحرم - جعل جمله وزاده ونفقته وما معه في حجة الاسلام " (* 2). (1) بل لم يعرف مخالف فيه إلا ما عن الشيخ في الخلاف وابن ادريس، كما حكاه في المتن تبعا للمدارك وغيرها. وفي كشف اللثام نسبه إلى الحلي فقط، وكأنه لان الشيخ في الخلاف وإن قال: " إذا مات أو أحصر بعد الاحرام سقطت عنه عهدة الحج "، لكن استدلاله بالنصوص والاجماع يدل على أن مراده الاحرام ودخول الحرم، وإلا لم يكن لاستدلاله بذلك وجه. (2) وهو قوله (عليه السلام): " ثم مات في الحرم " الدال بمفهومه على عدم


(* 1) الوسائل باب: 26 من ابواب وجوب الحج حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 26 من ابواب وجوب الحج حديث: 2.

[ 208 ]

[ وبصحيح ضريس، وصحيح زرارة (1)، ومرسل المقنعة (2)، مع أنه يمكن أن يكون المراد من قوله: " قبل أن يحرم " ] الاجزاء إذا مات قبل الدخول في الحرم وإن كان محرما. وحينئذ يدور الامر بين تقييد الذيل - بان يراد منه قبل ان يحرم ويدخل الحرم - وبين حمل الصدر على إرادة الاحرام من دخول الحرم، وبين رفع اليد عن المفهوم في الطرفين، فتكون الصورة الثالثة - وهي صورة الاحرام وعدم دخول الحرم - غير متعرض لها الحديث بكلتا شرطيتيه. ولا ترجيح لبعض هذه التصرفات على بعض، فيكون الصحيح مجملا من هذه الجهة. فيرجع إلى غيره. أو يدعى اظهرية الاخير منه - كما هو غير بعيد - فيتعين الرجوع إلى غيره أيضا. (1) عن أبي جعفر (عليه السلام): " إذا احصر الرجل بعث بهديه. إلى أن قال: قلت: فان مات وهو محرم قبل ان ينتهى إلى مكة. قال (عليه السلام): يحج عنه إن كان حجة الاسلام ويعتمر، إنما هو شئ عليه " (* 1). لكن لما لم يكن مجال للعمل باطلاقه، يتعين اما حمله على الاستحباب، أو على صورة ما إذا لم يدخل الحرم، ولعل الاول أولى. وحينئذ لا يصلح لمعارضة ما سبق. (2) قال المفيد (ره) فيها: " قال الصادق (عليه السلام): من خرج حاجا فمات في الطريق، فانه إن كان مات في الحرم فقد سقطت عنه الحجة، فان مات قبل دخول الحرم لم يسقط عنه الحج، وليقض عنه وليه " (* 2). ودلالته ظاهرة، كمعارضته. لكنه ضعيف السند، غير ثابت جبره بعمل. فإذا العمدة - في الاستدلال على القول المشهور، وضعف مخالفه - هو صحيح ضريس، وعدم صلاحيه صحيح بريد لمعارضته.


(* 1) الوسائل باب: 26 من أبواب وجوب الحج حديث: 3. (* 2) الوسائل باب: 26 من ابواب وجوب الحج حديث: 4.

[ 209 ]

[ قبل أن يدخل في الحرم (1)، كما يقال: " أنجد " أي: دخل في نجد، و " أيمن " أي: دخل اليمن، فلا ينبغي الاشكال في عدم كفاية الدخول في الاحرام، كما لا يكفي الدخول في الحرم بدون الاحرام، كما إذا نسيه في الميقات ودخل الحرم ثم مات. لان المنساق من اعتبار الدخول في الحرم كونه بعد الاحرام (2). ولا يعتبر دخول مكة، وإن كان الظاهر من بعض الاخبار ذلك (3)، لاطلاق البقية في كفاية دخول الحرم. والظاهر عدم الفرق بين كون الموت حال الاحرام أو بعد الاحلال، كما إذا مات بين الاحرامين. وقد يقال بعدم الفرق أيضا بين كون الموت في الحل أو الحرم، بعد كونه بعد الاحرام ودخول الحرم (4). وهو مشكل، ] (1) هذا المعنى - وإن ذكر في المستند - بعيد لا مجال للاعتماد عليه في إثبات الحكم الشرعي. (2) هذا مما لا ينبغي التأمل فيه. (3) يريد به صحيح زرارة. لكن ليس فيه ظهور في اعتبار الدخول في مكة، وإنما فيه الحكم بعدم الاجزاء إذا مات قبل دخولها. (4) قال في الدروس: " ولا فرق بين موته في الحل أو في الحرم، محلا أو محرما، كما لو مات بين الاحرامين.. ". وفي المدارك: " وإطلاق كلام المصنف وغيره يقتضى عدم الفرق في ذلك بين أن يقع التلبس باحرام الحج أو العمرة، ولا بين أن يموت في الحل أو الحرم، محرما أو محلا، كما لو مات بين الاحرامين. وبهذا التعميم قطع المتأخرون. ولا بأس به.. ". ونحوه عن الحدائق.

[ 210 ]

[ لظهور الاخبار في الموت في الحرم (1). والظاهر عدم الفرق بين حج التمتع والقرآن والافراد (2). كما أن الظاهر أنه لو مات في أثناء عمرة التمتع أجزأه عن حجة أيضا (3). بل لا يبعد الاجزاء - إذا مات في أثناء حج القرآن أو الافراد - عن عمرتهما وبالعكس (4). لكنه مشكل، لان الحج والعمرة فيهما عملان مستقلان (5)، بخلاف حج التمتع فان العمرة فيه داخلة في الحج، فهما عمل واحد. ثم الظاهر اختصاص حكم الاجزاء بحجة الاسلام، فلا يجري الحكم في حج النذر ] (1) كما صرح بذلك في صحيح ضريس. وفي الجواهر: " أشكل عليهم: بأن الحكم مخالف للاصول، فيجب الاقتصار فيه على المتيقن، وهو الموت في الحرم. اللهم إلا أن يكون إجماعا، كما هو مقتضى نسبته في الحدائق إلى الاصحاب. لكنه كما ترى.. ". وكأنه لم يعتن بالتصريح بالموت في الحرم في صحيح ضريس، لان المفهوم منه الموت بعد الدخول في الحرم، كما عبر بذلك الاصحاب. لكنه غير ظاهر، فالاخذ بظاهر الصحيح متعين. (2) كما صرح بذلك في الجواهر. والظاهر أنه لا إشكال فيه لاطلاق النصوص. نعم الموت في الطريق في مقابل الموت بعد الاحرام يكون في القران والافراد، ولا يكون في التمتع، وإنما يكون في عمرته. (3) كما تقدم في المدارك وعن الحدائق. لظاهر النصوص المتقدمة. (4) كما يقتضيه ما تقدم في المدارك وعن الحدائق. (5) الروايات واردة في الحج، فالحاق عمرة القران والافراد به محتاج الى دليل. وإلحاق عمرة التمتع به كان من جهة أنها كالجزء من الحج، وهذا لا يطرد في العمرة المذكورة، فالحاقها بالحج غير ظاهر.

[ 211 ]

[ والافساد إذا مات في الاثناء (1). بل لا يجري في العمرة المفردة أيضا، وإن احتمله بعضهم (2). وهل يجري الحكم المذكور فيمن مات مع عدم استقرار الحج عليه، فيجزيه عن حجة الاسلام إذا مات بعد الاحرام ودخول الحرم، ويجب القضاء عنه إذا مات قبل ذلك؟ وجهان، بل قولان (3)، من إطلاق الاخبار في التفصيل المذكور. ومن أنه لا وجه لوجوب القضاء عمن لم يستقر عليه بعد كشف موته عن عدم الاستطاعة الزمانية. ولذا لا يجب إذا مات في البلد قبل الذهاب، أو إذا فقد بعض الشرائط الاخر مع كونه موسرا. ومن هنا ربما يجعل الامر بالقضاء فيها قرينة على اختصاصها بمن استقر عليه. وربما يحتمل اختصاصها بمن لم يستقر عليه، وحمل الامر بالقضاء على الندب. وكلاهما مناف لاطلاقهما. مع أنه على الثاني يلزم بقاء الحكم فيمن استقر عليه بلا دليل، مع أنه مسلم بينهم. والاظهر الحكم بالاطلاق، إما بالتزام وجوب القضاء في خصوص هذا المورد من الموت في الطريق - كما عليه جماعة - وإن لم يجب إذا مات مع فقد سائر الشرائط، أو الموت وهو في البلد. وإما بحمل الامر بالقضاء على القدر ] (1) لاختصاص النصوص بحجة الاسلام، والتعدي إليهما محتاج الى دليل. (2) قد عرفت تصريح المدارك بالعمرة، وإطلاقه يقتضى العموم للمفردة. وكذا حكي عن الحدائق، وعرفت إشكاله. (3) حكي أولهما: عن ظاهر القواعد والمبسوط والنهاية. وثانيهما:

[ 212 ]

[ المشترك، واستفادة الوجوب فيمن استقر عليه من الخارج (1)، وهذا هو الاظهر (2). فالاقوى جريان الحكم المذكور فيمن لم يستقر عليه أيضا، فيحكم بالاجزاء إذا مات بعد الامرين، واستحباب القضاء عنه إذا مات قبل ذلك. (مسألة 74): الكافر يجب عليه الحج إذا استطاع، ] ظاهر الجواهر، حاكيا له عن بعض، حاملا للامر على الندب. لكن أشكل عليه بعد ذلك - تبعا لكاشف اللثام - بأنه يبقى الاجزاء عمن استقر الحج عليه بلا دليل. اللهم إلا أن يرشد إليه: ما تسمعه - إن شاء الله تعالى - في حكم النائب، من الاجتزاء بذلك فيه. ثم قال: " ولعل الاولى تعميم الصحيحين لهما، واستعمال الامر بالقضاء فيهما في القدر المشترك بين الندب والوجوب.. ". أقول: دعوى عموم النصوص لهما غير ظاهرة، لانها واردة في مقام تشريع الاجزاء عن حج الاسلام بعد الفراغ عن ثبوته على المكلف باجتماع شرائطه، فلا تشمل من لم يستقر الحج عليه. وبالجملة: النصوص واردة في مقام جعل البدل عن الواجب، فلا تدل على الغاء شرط وجوبه، لانها ليست واردة في مقام تشريع وجوبه ليؤخذ باطلاقها. (1) وهو الاجماع. (2) كما تقدم عن الجواهر. وقد عرفت: أن الاظهر ان النصوص واردة في من استقر الحج بذمته، وأن الامر بالقضاء للوجوب لا غير. ثم أنه لو بني على إطلاق النصوص، فحمل الامر بالقضاء على القدر المشترك خلاف الظاهر يحتاج إلى قرينة، وهي مفقودة، فيتعين الوجه الاول، كما عليه الجماعة.

[ 213 ]

[ لانه مكلف بالفروع (1)، لشمول الخطابات له أيضا. ولكن لا يصح منه ما دام كافرا (2) كسائر العبادات، وإن كان معتقدا لوجوبه، وآتيا به على وجه مع قصد القربة، لان الاسلام شرط في الصحة. ولو مات لا يقضي عنه، لعدم كونه أهلا للاكرام والابراء (3). ولو أسلم مع بقاء استطاعته وجب عليه. وكذا لو استطاع بعد إسلامه. ولو زالت استطاعته ثم أسلم لم يجب عليه على الاقوى (4)، لان الاسلام يجب ما قبله. كقضاء الصلاة والصيام، حيث أنه واجب عليه ] (1) أشرنا إلى ذلك في كتاب الزكاة وغيره. فراجع. (2) لكون الحج عبادة، ولا تصح من الكافر، لعدم صلاحيته للتقرب المعتبر في العبادة. وكما يمنع من صحته منه مباشرة يمنع من صحته من نائبه ايضا. وفي المدارك - في شرح قول ماتنه: " والكافر يجب عليه الحج، ولا يصح منه.. " - قال: " هذان الحكمان إجماعيان عندنا. وخالف في الاول أبو حنيفة، فقال: إن الكافر غير مخاطب بشئ من الفروع. ولا ريب في بطلانه. ويترتب على الوجوب أنه لو مات كذلك أثم بالاخلال بالحج، لكن لا يجب قضاؤه عنه.. ". (3) يعني: إبراء ذمته من الحج الذي اشتغلت به. (4) كما في القواعد وكشف اللثام والجواهر وغيرها. وقال في المدارك: " لو أسلم وجب عليه الاتيان بالحج مع بقاء الاستطاعة قطعا، وبدونها في اظهر الوجهين. واعتبر العلامة في التذكرة - في وجوب الحج - استمرار الاستطاعة الى زمان الاسلام. وهو غير واضح.. ". وفي الذخيرة والمستند: الوجوب أظهر. واستدل في الثاني بالاستصحاب. ولم يتعرض

[ 214 ]

[ حال كفره كالاداء، وإذا أسلم سقط عنه. ودعوى: أنه لا يعقل الوجوب عليه (1)، إذ لا يصح منه إذا أتى به وهو كافر، ويسقط عنه إذا أسلم. مدفوعة: بأنه يمكن أن يكون ] فيهما لحديث الجب (* 1)، وكذلك في المدارك هنا. وكأنه لما في المدارك - في كتاب الزكاة - من ضعفه سندا. لكن الجبر بالعمل كاف في دخوله في موضوع الحجية. وأما دلالته فواضحة، لان وجوب الحج عليه بعد الاسلام لما كان مستندا الى الاستطاعة السابقة، كان مقتضى قطع ما قبل الاسلام عما بعده عدم سببيه الاستطاعة السابقة للوجوب بعد الاسلام. وكذلك الحكم في جميع الاحكام اللاحقة التي لو ثبتت استندت إلى السبب السابق، مثل: وجوب صلاه الايات بعد الكفر إذا كان حدوث الاية قبله، ووجوب قضاء الصلاة إذا كان مستندا الى الفوت حال الكفر ووجوب الغسل إذا كان مستندا إلى حدوث سببه حال الكفر. نعم إذا كان القضاء بالامر الاول - بناء على تعدد المطلوب - فهو مستند إلى وجود المصلحة في الفعل، فلا يقتضي الاسلام سقوطه. وكذلك وجوب الغسل إذا كان مستندا الى وجود الاثر العيني الخارجي، فلا يقتضي الاسلام سقوطه وكذلك وجوب التطهير من النجاسة. نعم قد تشكل دلالة الحديث بملاحظه قرينة السياق في بعض الموارد التي ورد فيها، المقتضية لحمله على رفع العقاب لا غير. وقد تقدم الكلام في ذلك في كتاب قضاء الصلاة، وكتاب الزكاة فراجع. (1) هذه الدعوى ذكرها السيد في المدارك في مبحث قضاء الصلوات، واحتج بها على عدم تكليف الكافر القضاء. وحكاها في التذكرة والمنتهى عن أبي حنيفة. قال في الاول: " وهو غلط، لان الوجوب حالة الكفر


(* 1) تقدم الكلام فيه في صفحة: 50 من الجزء السابع من هذا الشرح.

[ 215 ]

[ الامر به حال كفره أمرا تهكميا ليعاقب لا حقيقيا (1). لكنه مشكل بعد عدم إمكان إتيانه به، لا كافرا ولا مسلما. والاظهر أن يقال: إنه حال استطاعته مأمور بالاتيان به مستطيعا وإن تركه فمتسكعا، وهو ممكن في حقه، لامكان إسلامه وإتيانه مع الاستطاعة ولا معها إن ترك. فحال الاستطاعة مأمور به في ذلك الحال، ومأمور - على فرض تركه حالها - بفعله بعدها. وكذا يدفع الاشكال في قضاء الفوائت، فيقال: إنه ] يستلزم الصحة العقلية، أما الشرعية فانها موقوفة على شرط، وهو قادر عليه، وهو الاسلام، فكان كالمحدث المخاطب بالصلاة.. ". وفي المنتهى - بعد نقل الاشكال - قال: " والجواب: المنع من عدم المكنة، لان الشرط هو الاسلام، وهو متمكن منه، والتمكن من الشرط هنا يستلزم التمكن من المشروط.. ". ولم يظهر وجه اندفاع الاشكال بما ذكره. إلا بناء على عدم سقوطه بالاسلام. وفي المعتبر: حكى الدعوى المذكورة عن الشافعي، وقال في جوابها: " قلنا: يمكنه الاداء، لان تقديم الاسلام ممكن منه، وإذا كان الشرط ممكنا لم يمتنع المشروط.. ". ولا يظهر ايضا وجه الجواب. إلا أن يكون مراده تقديم الاسلام في سنة الاستطاعة، فيرجع إلى ما ذكره المصنف وغيره. (1) إذا كان دليل الوجوب الادلة العامة فمدلولها واحد لا يمكن أن يكون الامر في حق المسلم حقيقيا وفي حق الكافر تهكميا. مع أن الامر التهكمي لا يوجب عقابا. بل قد عرفت سابقا الاشارة إلى ان البعث العقلي، واستحقاق الثواب على الموافقة والعقاب على المخالفة، كلها من آثار الترجح النفسي ولوازمه. والامر لا موضوعية له في ذلك، بل هو طريق محض إليه لا غير.

[ 216 ]

[ في الوقت مكلف بالاداء، ومع تركه بالقضاء. وهو مقدور له، بأن يسلم فيأتي بها أداء، ومع تركها قضاء. فتوجه الامر بالقضاء إليه إنما هو في حال الاداء على نحو الامر المعلق (1). فحاصل الاشكال: إنه إذا لم يصح الاتيان به حال الكفر، ولا يجب عليه إذا أسلم، فكيف يكون مكلفا بالقضاء ويعاقب على تركه؟ وحاصل الجواب: أنه يكون مكلفا بالقضاء في وقت الاداء على نحو الوجوب المعلق، ومع تركه الاسلام ] (1) يعني: على نحو الامر بشئ معلق، فالمعلق هو المأمور به لا الامر. لكن يشكل ذلك أولا: بما اشكل على الواجب المعلق، من أن القيد المتأخر إذا كان قيدا للواجب كان واجبا بوجوبه، ولما لم يكن مقدورا فعلا كان التكليف به تكليفا بغير المقدور، فيكون محالا. مضافا إلى أن الامر بالمعلق لما لم يكن محركا لم يكن تكليفا ولا وجوبا، لان اعتبارهما مشروط بالمحركية. وثانيا: بأن الاجماع على شرطية الاسلام في صحة العبادة إنما يقتضى اعتباره حال العمل، ولا يقتضى اعتباره في سنة الاستطاعة. فانه لا دليل عليه، والقواعد العامة تنفيه. وارتكاب مخالفة القواعد في ذلك ليس بأهون من ارتكاب مخالفة عموم الادلة الدالة على التكاليف. إلا أن يكون المقصود رفع الاستحالة العقلية التي يدعيها المانع - على ما يظهر من استدلاله - لا ترجيح التصرف بالادلة الاولية، بالبناء على شرطية الاسلام حال الاداء - في الموارد التي يجب فيها القضاء، أو في السنة الاولى في مسالتنا - على التصرف في عموم أدلة التكاليف، كي يشكل: بأن التصرف المذكور ليس باولى من التصرف في عموم التكليف. ثم إنه قد يستضعف الاشكال المذكور: بأن العمومات قويه الدلالة

[ 217 ]

[ في الوقت فوت على نفسه الاداء والقضاء، فيستحق العقاب عليه. وبعبارة أخرى: كان يمكنه الاتيان بالقضاء بالاسلام في الوقت إذا ترك الاداء. وحينئذ فإذا ترك الاسلام ومات كافرا يعاقب على مخالفة الامر بالقضاء، وإذا أسلم يغفر له، وإن خالف أيضا واستحق العقاب. (مسألة 75): لو أحرم الكافر ثم أسلم في الاثناء لم ] معتضدة بما ورد من الايات الشريفة الدالة على عذاب الكافر بترك الصلاة وغيرها. وفيه: أن الكلام في خصوص العمومات المنافية لحديث الجب، مثل: ما دل على قضاء الصلاة، وما دل على وجوب الحج إذا استطاع وزالت استطاعته في السنة الثانية. فان العموم الدال على وجوب الحج بعد زوال الاستطاعة ليس بتلك القوة، على نحو يرجح لاجله الالتزام بأن الشرط - في وجوب الحج - خصوص الاسلام في سنة الاستطاعة. هذا والذي يقتضيه التأمل: أن البناء على تخصيص عموم القضاء، أو العموم الدال على وجوب الحج في السنة الثانية على من استطاع في السنة الاولى فتهاون بحديث الجب لا يمكن، لان لسانه اب عن ذلك. فانه يدل على السقوط بعد الثبوت، فهو معاضد للعمومات لا مخصص. ومن ذلك يظهر ان البناء على نفي القضاء عن الكافر، أو عدم وجوب الحج في المقام - كما ذكر المستشكل لحديث الجب - إن كان المقصود منه نفي الملاك، فهو خلاف ظاهر الحديث أو صريحه. وإن كان نفي فعلية التكليف فلا مضايقة فيه. بل هو في محله، كما يعترف به من تعرض للجواب عن الاشكال بما ذكره المصنف (ره). فان شرط الصحة إذا كان هو الاسلام في الوقت، فإذا خرج الوقت ولم يسلم فقد فات الشرط وتعذر المشروط وسقط التكليف

[ 218 ]

به، وإن كان يستحق العقاب عليه. لانه عجز نفسه عن القيام بالواجب الذي وجب عليه، إما بالوجوب المعلق - بناء على امكان الوجوب المعلق - أو بالوجوب الذي سيجب عليه بالوجوب المنجز - بناء على امتناع الوجوب المعلق - لان تعجيز المكلف نفسه عن الواجب الذي سيجب عليه موجب لاستحقاق العقاب، لانه تفويت لغرض المولى. فتكون المسألة من قبيل غسل الجنب قبل الفجر في شهر رمضان، فانه إذا تركه عمدا كان مستحقا للعقاب، إما لان الوجوب حاصل قبل الفجر على نحو الوجوب المعلق وقد عصاه. أو لانه سيحصل له بعد الفجر، فيكون ترك الغسل تفويتا لغرض المولى، أو لغير ذلك من الوجوه التي تعرضنا لها في كتاب الصوم. فراجع. وبما ذكر يظهر وجه جمع بين القولين. ولعله إلى ذلك اشار الوحيد البهبهاني (ره) في حاشيته على المدارك، فانه اشكل على ما ذكره في المدارك فقال: " يجوز أن يكون مخاطبا بالقضاء وإن كان الاسلام شرطا لصحته وقبوله، وأنه بعد تحقق الاسلام وفعليته يسقط. إذ السقوط معناه رفع ما ثبت من التكليف والوجوب. وثمرة هذا التكليف: عقاب الكافر لو مات كافرا. إلى ان قال: ومصداق قوله (صلى الله عليه وآله): " الاسلام يجب ما قبله " هو هذا القضاء وما ماثله، من الامور التي كانت لازمة عليه قبل الاسلام.. " وإن كان عبارته غير وافية به. ثم إن ما ذكرنا من الوجهين في امتناع الواجب المعلق لا يخلو من إشكال، فان اخذ الزمان المستقبل قيدا في الواجب إنما يمتنع إذا كان أخذه على نحو يكون موردا للتكليف، أما إذا لم يؤخذ كذلك - بأن أخذ وجوده من باب الاتفاق وبغير داعى الوجوب قيدا - فلا يكون التكليف بالمقيد به تكليفا بغير الاختياري، فلا مانع منه. وعدم محركية الوجوب إلى الفعل

[ 219 ]

[ يكفه ووجب عليه الاعادة من الميقات، ولو لم يتمكن من العود الى الميقات أحرم من موضعه (1). ولا يكفيه إدراك أحد الوقوفين مسلما (2)، لان إحرامه باطل. (مسألة 76): المرتد يجب عليه الحج، سواء كانت استطاعته حال إسلامه السابق أو حال ارتداده، ولا يصح منه فان مات قبل أن يتوب يعاقب على تركه، ولا يقضى عنه على الاقوى (3)، لعدم أهليته للاكرام وتفريغ ذمته كالكافر ] قبل الوقت لا يمنع من صدق التكليف عليه. مع أنه قد يكون محركا إلى مقدماته إذا كانت له مقدمات قبل الوقت، ويستحق العقاب على ترك الواجب الناشئ من تركها. فالبناء على امتناع الواجب المعلق لما ذكر غير ظاهر. (1) كما ذكر في الشرائع وغيرها. وعلله في المدارك: بأنه ثبت ذلك في الناسي والجاهل، والمسلم في المقام أعذر منهما. وأنسب بالتخفيف. لكنه غير ظاهر إذا كان عالما عامدا. إلا أن يثبت ذلك في العامد إذا تعذر عليه العود. وسيأتي الكلام فيه في محله. (2) كما نص عليه في الشرائع وغيرها. لكنه قال: " إلا أن يستأنف إحراما.. ". وهوفي محله، لبطلان إحرامه، فتجب عليه إعاده الاحرام من الميقات إن أمكن، وإن لم يمكن فمن موضعه، على ما عرفت. نعم لو تركه جهلا أو نسيانا لحقه حكمهما، وهو الصحة. (3) خلافا للقواعد، حيث قال: " ولو مات - يعني: المرتد المستطيع - أخرج من صلب تركته وإن لم يتب، على إشكال... ". واستدل له: باطلاق وجوب القضاء عمن مات وعليه حج الاسلام (* 1). ولانه دين (* 2). وهو كما ترى، لاختصاص ادلة القضاء بغيره ممن يحسن إبراؤه وإكرامه،


(* 1)، (* 2) لاحظ الوسائل باب: 28، 29 من ابواب وجوب الحج.

[ 220 ]

[ الاصلي. وإن تاب وجب عليه وصح منه وإن كان فطريا، على الاقوى من قبول توبته (1)، سواء بقيت استطاعته أو زالت قبل توبته. فلا تجري فيه قاعدة جب الاسلام، لانها مختصة بالكافر الاصلي بحكم التبادر (2). ولو أحرم في حال ردته ثم تاب وجب عليه الاعادة كالكافر الاصلي. ولو حج في حال إحرامه ثم ارتد لم يجب عليه الاعادة على الاقوى (3). ففي خبر زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام): " من كان مؤمنا فحج ثم أصابته فتنة ثم تاب، يحسب له كل عمل صالح عمله، ولا يبطل منه شئ " (* 1). ] كما ذكر ذلك في كشف اللثام والجواهر وغيرهما. لكن قال في الجواهر: " ولعل الاقوى عدم القضاء.. ". وفيه إشعار بتوقفه في ذلك. ولكنه في غير محله. (1) تعرضنا لذلك في مبحث مطهرية الاسلام من كتاب الطهارة. فراجع (2) بل التسالم ايضا، يظهر ذلك من كلماتهم في مباحث قضاء الصلاة والصيام، حيث قيدوا سقوطه عن الكافر بالكفر الاصلي. وسيأتى في كلام الشيخ ما هو قرينة على ذلك. وما ذكره من التبادر ايضا ظاهر. (3) خلافا للشيخ (ره) في المبسوط، وحكاه في كشف اللثام عن الجواهر. قال في المبسوط " لان إسلامه الاول لم يكن إسلاما عندنا، لانه لو كان كذلك لما جاز أن يكفر.. ". وكأنه لما في الجواهر، من قوله تعالى: (وما كان الله ليضل قوما بعد إذا هداهم حتى يبين لهم ما يتقون) (* 2). لكن الدلالة غير ظاهرة. بل ذيل الآية دال على


(* 1) الوسائل باب: 30 من ابواب مقدمة العبادات حديث: 1. (* 2) التوبة: 115.

[ 221 ]

[ وآية الحبط مختصة بمن مات على كفره (1)، بقرينة الآية الاخرى، وهي قوله تعالى: (ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم..) (* 1). وهذه الآية دليل على قبول توبة المرتد الفطري (2). فما ذكره بعضهم، من عدم قبولها منه لا وجه له. (مسألة 77): لو أحرم مسلما ثم ارتد ثم تاب لم خلاف ذلك. وفيه - كما في الجواهر وغيرها -: أنه مخالف للوجدان، ولظواهر الكتاب والسنة. وفي المدارك: " يدفعه صريحا: قوله تعالى: (إن الذين أمنوا ثم كفروا ثم آمنوا..) (* 2) حيث أثبت الكفر بعد الايمان.. ". إلا أن يقال: إن الاستعمال أعم من الحقيقة. فتأمل. (1) في الجواهر ناقش فيها أولا: باختصاصها بالعمل حال الكفر " فلا تشمل ما نحن فيه. وثانيا: بما ذكره في المتن. لكن المناقشة الاولى غير مطردة في ادلة الاحباط، لظهور بعضها في حبط العمل قبل الكفر، مثل قوله تعالى: (لئن اشركت ليحبطن عملك..) (* 3). وكأنه لذلك لم يتعرض لها المصنف. (2) في الدلالة خفاء، إذ مفادها ليس إلا عدم حبط عمل من لم يمت وهو كافر. وذلك أعم من قبول التوبة في الاخرة، لجواز أن يكون عدم الحبط موجبا لتخفيف العذاب، ولا تدل على ثبوت الثواب - فتأمل - فضلا عن قبولها في الدنيا، من حيث الطهارة والنجاسة،


(* 1) البقرة: 217. (* 2) النساء: 136. (* 3) الزمر: 65.

[ 222 ]

[ يبطل إحرامه على الاصح (1)، - كما هو كذلك لو ارتد في أثناء الغسل ثم تاب. وكذا لو ارتد في أثناء الاذان أو الاقامة أو الوضوء، ثم تاب قبل فوات الموالاة. بل وكذا لو ارتد في أثناء الصلاة ثم تاب قبل أن يأتي بشئ أو يفوت الموالاة، ] والتوارث، ونكاح المسلمة، وغير ذلك من أحكام المسلمين. (1) كما في الشرائع وغيرها. وقال الشيخ في المبسوط: " فان أحرم ثم ارتد ثم عاد إلى الاسلام جاز أن يبني عليه، لانه لا دليل على فساده. إلا على ما استخرجناه في المسألة المتقدمة في قضاء الحج، فان على ذلك التعليل لم ينعقد إحرامه الاول أيضا. غير أنه يلزم عليه إسقاط العبادات التي فاتته في حال الارتداد عنه، لمثل ذلك. لانا إذا لم نحكم باسلامه الاول فكأنه كان كافرا في الاصل، وكافر الاصل لم يلزمه قضاء ما فاته في حال الكفر. وإن قلنا بذلك كان خلاف المعهود من المذهب: وفي المسألة نظر.. ". وقال في المدارك: " وهذا لا يراد متوجه، وهو من جملة الادلة على فساد تلك القاعدة.. ". لكن الايراد غير ظاهر، لان المراد من الكافر الاصلي ما لا يعم ذلك، فلا يترتب عليه حكمه. وليس عندنا دليل على تنزيله منزلته كي يؤخذ باطلاق التنزيل. نعم قد تشكل لو كان الارتداد في اثناء الاحرام، لانه عبادة، ومع الارتداد في الاثناء يبطل منه الجزء المقارن للارتداد. نظير الارتداد في اثناء الصوم، كما سيأتي. وفيه: أن الصوم من الافعال الاختيارية القارة، نظير الاكل والشرب ونحوهما، فيجب أن تكون عبادة حدوثا وبقاء. وليس الاحرام كذلك، بل هو من الصفات، نظير الطهارة والحدث، فإذا وقع عن النية حصل، وبقاؤه لا يعتبر فيه النية. فبطلانه بالكفر يتوقف على أن يكون الكفر محللا، كما أن بطلان الطهارة بالكفر يتوقف على كونه حدثا.

[ 223 ]

[ على الاقوى من عدم كون الهيئة الاتصالية جزءا فيها (1). نعم لو ارتد في أثناء الصوم بطل، وإن تاب بلا فصل. (مسألة 78): إذا حج المخالف ثم استبصر لا يجب عليه الاعادة (2). ] ولاجل ذلك لا يبطل الاحرام بالرياء في الاثناء، كما لا تبطل الطهارة بالرياء بعد حصولها، وإن كان الصوم يبطل بالرياء في اثنائه. ومثله: الاعتكاف. وكأنه إلى ذلك اشار في الجواهر - في تعليل ما في المتن - بقوله: " لما عرفت في الحج، من الاصل وغيره، بعد عدم دخول الزمان في مفهومه، كي يتجه بطلانه بمضي جزء ولو يسير.. ". (1) لا إشكال في ان أجزاء الصلاة يعتبر فيها الترتيب، الموجب لحدوث هيئة خاصه للافعال الخاصة. كما يعتبر فيها الموالاة الشرعية بنحو ينافيها السكوت الطويل، الموجب لخروج المصلي عن كونه مصليا في نظر المتشرعة. وهل يعتبر فيها الموالاة العرفية؟ إشكال والاظهر العدم. أما الهيئة الاتصالية المذكورة في المتن فالظاهر أن المراد منها الاكوان الصلاتية التي تكون بين الافعال وظاهر الجواهر هنا: اعتبارها فيها، وبطلان الصلاة بالارتداد. لكنه غير ظاهر، فان الاكوان المذكورة ليست عبادة، ولا يعتبر وقوعها على وجه القربة. بل هي غير اختيارية للمكلف. فلاحظ (2) كما هو المشهور شهرة عظيمة. لصحيح بريد العجلي عن أبي عبد الله (عليه السلام): " كل عمل عمله - وهو في حال نصبه وضلالته - ثم من الله تعالى عليه وعرفه الولاية، فانه يؤجر عليه. إلا الزكاة، فانه يعيدها لانه وضعها في غير مواضعها، لانها لاهل الولاية. وأما الصلاة والحج والصيام فليس عليه قضاء " (* 1)، ومصحح الفضلاء عن أبي جعفر (عليه السلام)


(* 1) الوسائل باب: 3 من أبواب المستحقين للزكاة حديث: 1.

[ 224 ]

[ بشرط أن يكون صحيحا في مذهبه، وإن لم يكن صحيحا في مذهبنا (1) ] وأبي عبد الله (عليه السلام): " أنهما قالا في الرجل يكون في بعض هذه الاهواء، الحرورية، والمرجئة، والعثمانية، والقدرية، ثم يتوب ويعرف هذا الامر ويحسن رأيه، أيعيد كل صلاة صلاها، أو زكاة أو حج، أو ليس عليه إعادة شئ من ذلك؟ قال (عليه السلام): ليس عليه إعادة شئ من ذلك، غير الزكاة " (* 1)، وخبر محمد بن حكيم، المروي في الذكرى عن كتاب علي ابن اسماعيل الميثمي (* 2)، وغير ذلك مما يأتي بعضه. وعن ابن الجنيد وابن البراج: وجوب الاعادة. لخبر أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام): " لو أن رجلا معسرا أحجه رجل كانت له حجة، فان أيسر بعد ذلك كان عليه الحج. وكذلك الناصب إذا عرف فعليه الحج وإن كان قد حج " (* 3)، ومكاتبة إبراهيم بن محمد بن عمران الهمداني " كتبت إلى أبي جعفر (عليه السلام): إني حججت - وأنا مخالف - وكنت صرورة ودخلت متمتعا بالعمرة إلى الحج فكتب إليه: أعد حجك " (* 4). لكنهما محمولان على الاستحباب جمعا. مضافا إلى ما قيل من ضعفهما، واختصاص الاول بالناصب. (1) الذي ينسبق إلى الذهن من الروايات المذكورة: أن السؤال فيها كان عن صحة العبادة. من جهة فساد الاعتقاد، في فرض الصحة من الجهات الاخرى، فيكون الجواب بعدم الحاجة إلى الاعادة راجعا إلى عدم قدح


(* 1) الوسائل باب: 3 من أبواب المستحقين للزكاة حديث: 2. (* 2) الوسائل باب: 31 من أبواب مقدمة العبادات حديث: 5. (* 3) الوسائل الباب: 21 من ابواب وجوب الحج حديث: 5. واورد ذيله في باب 23 من ابواب وجوب الحج حديث: 5. (* 4) الوسائل باب: 31 من أبواب مقدمة العبادات حديث: 3.

[ 225 ]

[ من غير فرق بين الفرق. لاطلاق الاخبار. وما دل على ] فساد العقيدة في صحة العبادة. وحينئذ يختص عدم وجوب الاعادة بما إذا كان العمل صحيحا لولا فساد العقيدة، وما لم يكن صحيحا لولاها يرجع في حكمه إلى عموم الوجوب. لكن التفصيل بين الزكاة وغيرها معللا بما ذكر، مع غلبه الفساد في الاعمال غير الزكاة، يوجب ظهورها في عموم الحكم لما كان فاسدا في نفسه. ويكون وجه التعليل: أن الزكاة لما كانت من حقوق الناس لم تجز، بخلاف غيرها فانها من حقوق الله تعالى فاجتزأ بها تعالى. وحينئذ لا فرق في العمل بين أن يكون فاسدا عندنا وعندهم، وأن يكون صحيحا عندنا لا عندهم، وبين العكس إذا كان اتيا به على وجه العبادة. نعم مقتضى الغلبة: أن يكون صحيحا عند العامل كما يناسبه قوله (عليه السلام) في الزكاة: " إنه وضعها في غير مواضعها ". فانه مبني على ذلك، فيكون المستثنى منه كذلك. لكن في اقتضاء ذلك رفع اليد عن ظاهر التعليل، المقتضي لانحصار الوجه في عدم الاجزاء في كونه من حقوق الناس لا غير إشكال ظاهر. ومن ذلك تعرف أن عدم وجوب الاعادة فيما كان صحيحا عندنا لا عندهم اقرب إلى مفاد النصوص غير المشتملة على التعليل من العكس. مضافا إلى الاولوية التي ادعاها في الجواهر، فان ما كان صحيحا في الواقع أولى بالاجتزاء به مما كان فاسدا. فتأمل. ومن ذلك تعرف الاشكال فيما في الشرائع، وعن المعتبر والقواعد والمنتهى والدروس وغيرها، من وجوب الاعادة إذا أخل بركن، سواء أكان المراد الركن عندنا أم عندهم. وإن كان الثاني أبعد عن الاشكال، بناء على ما تقدم من الغلبة. وان كان الاول أبعد عن الاشكال، بناء على ما ينسبق إلى الذهن من الروايات مع قطع النظر عن التعليل. لكن عرفت الاشكال في المبنيين معا، وانهما معا خلاف ظاهر التعليل. فلاحظ.

[ 226 ]

[ الاعادة من الاخبار محمول على الاستحباب (1)، بقرينة بعضها الآخر، من حيث التعبير بقوله (عليه السلام): " يقضي أحب إلي "، وقوله (عليه السلام): " والحج أحب إلي ". (مسألة 79): لا يشترط إذن الزوج للزوجة في الحج إذا كانت مستطيعة (2)، ] (1) في صحيح بريد العجلي قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل حج وهو لا يعرف هذا الامر، ثم من الله تعالى عليه بمعرفته والدينونة به، أعليه حجة الاسلام أو قد قضى فريضته؟ فقال: قد قضى فريضته. ولو حج لكان أحب الي. قال: وسألته عن رجل حج وهو في بعض هذه الاصناف من أهل القبلة، وناصب متدين، ثم من الله عليه فعرف هذا الامر يقضي حجة الاسلام؟ فقال (عليه السلام): يقضي أحب إلى.. " (* 1)، ونحوه صحيح عمر بن أذينة (* 2). ثم إنه لا ريب في شرطية الايمان في صحة العبادة، وعليه فعبادة المخالف باطلة، لا يترتب عليها الاحكام. فإذا حج ولم يطف طواف النساء جاز للمؤمنة أن تتزوجه، لعدم صحة إحرامه، ولو استبصر بعد ذلك لم يجب عليه طواف النساء، لما ذكرنا. لكن في الجواهر: احتمل أن الايمان اللاحق شرط في صحة عبادته. وهو خلاف ظاهر الادلة. ولو سلم لم يجب عليه طواف النساء، لاطلاق النصوص المتقدمة الدالة على الاجتزاء وعدم لزوم الاعادة، فانها ظاهرة في عدم لزوم طواف النساء. (2) بلا خلاف يوجد، كما في المستند. ويشهد له جملة من النصوص، كصحيح زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: " سألته عن امرأة لها زوج،


(* 1) الوسائل باب: 23 من ابواب وجوب الحج حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 23 من ابواب وجوب الحج حديث: 2.

[ 227 ]

[ ولا يجوز له منعها منه (1). وكذا في الحج الواجب بالنذر ونحوه إذا كان مضيقا (2). ] وهي صرورة، ولا يأذن لها في الحج. قال (عليه السلام): تحج وإن لم يأذن لها " (* 1)، وصحيح محمد عن ابي جعفر (عليه السلام) قال: " سألته عن المرأة لم تحج " ولها زوج، وأبى أن يأذن لها في الحج، فغاب زوجها، فهل لها أن تحج؟ قال (عليه السلام): لا طاعة له عليها في حجة الاسلام (* 2) "، وصحيح معاوية بن وهب قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام): امرأة لها زوج، فابى أن ياذن لها في الحج، ولم تحج حجة الاسلام، فغاب عنها زوجها وقد نهاها أن تحج. فقال (عليه السلام): لا طاعة له عليها في حجة الاسلام، ولا كرامة. لتحج إن شاءت " (* 3). ونحوها غيرها. (1) كما يفهم من النصوص المذكورة. سواء أكان المراد منه المنع التشريعي أم التكويني، إذا الاول أمر بالمنكر، وهو حرام. والثاني كذلك مع أنه خلاف قاعدة السلطنة على النفس. (2) النصوص الواردة في الباب موردها خصوص حج الاسلام، فالحاق مطلق الواجب به، إما لالغاء خصوصية المورد. أو للاجماع. أو لما في المعتبر وغيره من قوله (عليه السلام): " لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق " (* 4). وإن كان الاستدلال به في حج الاسلام إنما يتم فيما لو استقر الحج في ذمتها أما إذا لم يستقر فيشكل: بأن نهي الزوج مانع عن تحقق الاستطاعة، فلا موضوع لمعصية الخالق. وأما في غير الحج الاسلامي، من الحج النذري


(* 1) الوسائل باب: 59 من ابواب وجوب الحج حديث: 4. (* 2) الوسائل باب: 59 من ابواب وجوب الحج حديث: 1. (* 3) الوسائل باب: 59 من ابواب وجوب الحج حديث: 3. (* 4) الوسائل باب: 59 من ابواب وجوب الحج حديث: 7.

[ 228 ]

[ وأما في الحج المندوب فيشترط إذنه (1)، وكذا في الواجب ] وغيره مما استقر في ذمتها، فلا مانع من الاستدلال به فيه. (1) بلا خلاف يعرف - كما في الذخيرة - ولا نعلم فيه خلافا بين أهل العلم - كما عن المنتهى - بل الاجماع - كما في المدارك - بل لعله إجماع محقق، كذا في المستند. واستدل له - كما قيل -: بأن حق الزوج واجب، فلا يجوز تفويته بما ليس بواجب. وبموثق إسحاق بن عمار عن أبي ابراهيم قال: " سألته عن المرأة الموسرة قد حجت حجة الاسلام، تقول لزوجها حجني مرة أخرى، أله أن يمنعها؟ قال (عليه السلام): نعم يقول لها: حقي عليك أعظم من حقك علي في هذا " (* 1). لكن في المدارك: " وقد يقال: إن الدليل الاول إنما يقتضي المنع من الحج إذا استلزم تفويت حق الزوج، والمدعى أعم من ذلك. والرواية إنما تدل على أن للزوج المنع، ولا يلزم منه التوقف على الاذن.. ". ويشكل: بأن ما دل على سقوط نفقة الزوجة بالخروج من بيتها بغير إذنه - وهو خبر السكوني عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): أيما امرأة خرجت من بيتها بغير إذن زوجها فلا نفقة لها حتى ترجع " (* 2). وصحيح ابن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) في حقوق الزوج على الزوجة: " ولا تخرج من بيتها إلا باذنه " (* 3) ونحوه: خبر العزرمى (* 4)، وخبر ابن جعفر عن المرأة: " ألها أن تخرج بغير إذن زوجها؟ قال (عليه السلام): لا " (* 5) يدل على أن من حقوقه الاستيذان منه في السفر، فلا يجوز


(* 1) الوسائل باب: 59 من ابواب وجوب الحج ملحق حديث: 2. (* 2) الوسائل باب: 6 من ابواب وجوب النفقات حديث: 1. (* 3) الوسائل باب: 79 من ابواب مقدمات النكاح حديث: 1. (* 4) الوسائل باب: 79 من ابواب مقدمات النكاح حديث: 2. (* 5) الوسائل باب: 79 من أبواب مقدمات النكاح حديث: 5.

[ 229 ]

[ الموسع قبل تضيقه على الاقوى (1). بل في حجة الاسلام يجوز له منعها من الخروج مع أول الرفقة، مع وجود الرفقة الاخرى قبل تضيق الوقت. والمطلقة الرجعية كالزوجة في ] لها تفويته. نعم دلاله الموثق على وجوب الاستيذان غير ظاهرة. على أن سوق السؤال فيه وفي غيره من النصوص - المتقدمة في حج الاسلام - يقتضي أن وظيفة الزوجة الاستيذان، لا عدم المنع. فلاحظ. وأما ما ذكر في كلام غير واحد، من أن حق تعيين المسكن للزوج، فهو متفرع على مطالبة الزوجة بنفقة الاسكان، لا ما إذا اسقطت حقها من ذلك. (1) حكى ذلك في المدارك بقوله: " وربما قيل: بان للزوج المنع في الموسع إلى محل التضييق.. ". لكنه قال: " وهو ضعيف، لاصالة عدم سلطنته عليها في ذلك.. ". وفي الدروس: " وليس يشترط في الوجوب، ولا في البدار في الحج الواجب المضيق.. ". وفيه: أن إطلاق ما دل على اعتبار إذن الزوج محكم في غير ما دل على خلافه دليل. ولا دليل في المقام على خلافه، لان ظاهر النصوص السابقة - بناء على التعدي عن موردها إلى مطلق الواجب - عدم اعتبار إذنه في أصل الواجب، لا في الخصوصيات الاخرى. بل عرفت أن العمدة - في الخروج عن قاعدة: اعتبار إذن الزوج في جواز السفر، في مطلق الواجب - هو الاجماع، وهو غير ثابت. وكذلك قوله (عليه السلام): " لا طاعة لمخلوق.. " يختص بما إذا كانت إطاعة المخلوق معصية للخالق، فلا يشمل محل الكلام. ومن ذلك يظهر الوجه في قوله (ره): " بل في حجة الاسلام.. ". كما أنه من ذلك يظهر لك الاشكال فيما يتراءى من عبارة الشرائع وغيرها، من إطلاق عدم اعتبار إذن الزوج في الحج الواجب وإن كان موسعا. لكن المظنون قويا إرادتهم ما هو ظاهر النصوص الذي قد عرفته.

[ 230 ]

[ اشتراط إذن الزوج ما دامت في العدة (1). بخلاف البائنة (2)، لانقطاع عصمتها منه. وكذا المعتدة للوفاة، فيجوز لها الحج، واجبا كان أو مندوبا (3). والظاهر أن المنقطعة كالدائمة في اشتراط الاذن (4). ولا فرق في اشتراط الاذن بين أن يكون ] (1) كما صرح به جماعة، مرسلين له إرسال المسلمات، من دون تعرض لخلاف فيه. ووجهه واضح، لان المطلقة رجعيا بحكم الزوجة باتفاق النص والفتوى، فيجري فيها التفصيل السابق في الزوجة بين الواجب والمندوب. مضافا الى جملة من النصوص المحمولة عليها، كصحيح منصور ابن حازم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " المطلقة إن كانت صرورة حجت في عدتها، وإن كانت حجت فلا تحج حتى تقضي عدتها " (* 1). وفي صحيح معاوية بن عمار: " ولا تحج المطلقة في عدتها " (* 2). وفي رواية أبي هلال: " ولا تخرج التي تطلق. إن الله تعالى يقول: (ولا يخرجن) (* 3) (* 4). ولعل الاخير قرينة على حمل غيره على المطلقة رجعيا. (2) بلا خلاف ظاهر. وعللوه بما في المتن. (3) فقد استفاضت النصوص في جواز حجها في العدة. ففي موثق زرارة عن أبي عبد الله (عليه السلام): " سألته عن التي يتوفى عنها زوجها، أتحج في عدتها؟ قال (عليه السلام): نعم " (* 5). ونحوه غيره. (4) لعموم بعض الاخبار المتقدمة الشامل لها وللدائمة. نعم خبر


(* 1) الوسائل باب: 60 من ابواب وجوب الحج حديث: 2. (* 2) الوسائل باب: 60 من ابواب وجوب الحج حديث: 3. (* 3) الطلاق: 1. (* 4) الوسائل باب: 60 من ابواب وجوب الحج حديث: 4. (* 5) الوسائل باب: 61 من ابواب وجوب الحج حديث: 2.

[ 231 ]

[ ممنوعا من الاستمتاع بها - لمرض، أو سفر - أولا (1). (مسألة 80): لا يشترط وجود المحرم في حج المرأة (2) إذا كانت مأمونة على نفسها وبضعها، كما دلت عليه جملة من الاخبار (3). ] السكوني (* 1) لما كان مشتملا على النفقة كان قاصرا عن شمولها، لعدم النفقة لها. (1) لما عرفت من عموم خبر السكوني. نعم لو كان الموجب لاعتبار الاذن منافاته لحق الاستمتاع، كان التفصيل بين الممنوع من الاستمتاع وغيره في محله. إذ في الاول لا يكون السفر منافيا للحق المذكور. (2) بلا خلاف أجده فيه بيننا، كذا في الجواهر. وفي المدارك: " هذا الحكم مجمع عليه بين الاصحاب، حكاه في المنتهى... ". ويقتضيه إطلاق الادلة. وعن أحمد في إحدى الروايتين: اشتراط ذلك حتى مع الاستغناء عنه. (3) منها صحيح معاوية بن عمار قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المرأة تخرج إلى مكة بغير ولي. فقال (عليه السلام): لا بأس، تخرج مع قوم ثقاة " (* 2)، وصحيح سليمان بن خالد عن أبي عبد الله (عليه السلام): " في المرأة تريد الحج، وليس معها محرم، هل يصلح لها الحج؟ فقال: نعم إذا كانت مأمونة " (* 3)، وصحيح صفوان الجمال قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام): قد عرفتني بعملي، تأتيني المراة، أعرفها باسلامها وحبها إياكم وولايتها لكم، ليس لها محرم، فقال (عليه السلام): إذا جاءت المرأة


(* 1) تقدم ذلك قريبا في المسألة. فلاحظ. (* 2) الوسائل باب: 58 من ابواب وجوب الحج حديث: 3. (* 3) الوسائل باب: 58 من ابواب وجوب الحج حديث: 2.

[ 232 ]

[ ولا فرق بين كونها ذات بعل أو لا (1). ومع عدم أمنها يجب عليها استصحاب المحرم (2) ولو بالاجرة، مع تمكنها منها، ومع عدمه لا تكون مستطيعة (3). وهل يجب عليها التزويج تحصيلا للمحرم.؟ وجهان (4). ولو كانت ذات ] المسلمة فاحملها، فان المؤمن محرم المؤمنة. ثم تلا هذه الاية: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم اولياء بعض..) (* 1) " (* 2) ونحوها غيرها. (1) لاطلاق النصوص، وخصوص صحيح معاوية بن عمار: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المرأة تحج بغير ولي؟ قال (عليه السلام): لا بأس. وإن كان لها زوج أو أخ أو ابن أخ، فأبوا أن يحجوا بها، وليس لهم سعة، فلا ينبغي لها أن تقعد، ولا ينبغي لهم أن يمنعوها (* 3). (2) لانه مقدمة للواجب. لكن هذا إذا توقف الامن على استصحاب المحرم أما إذا كان يكفي في حصول الامن وجود من تصحبه وإن لم يكن محرما، وجب عليها استصحابه وإن لم يكن محرما. وبالجملة: الواجب استصحاب من تكون مأمونة بمصاحبته، سواء أكان محرما أم غيره. (3) لانتفاء تخلية السرب، الذي هو أحد شرائط الاستطاعة. (4) اقواهما الوجوب، كسائر الامور المحتاج إليها في السفر، مثل: الرحل، والراحلة، وغيرهما. وكأن منشأ توقف المصنف: احتمال أن يكون من شرائط الاستطاعة التي لا يجب تحصيلها، مثل: ملك الزاد والراحلة. لكنه ضعيف، إذ كما يجب استصحاب المحرم في ظرف كونه محرما، يجب جعله محرما واستصحابه. لتوقف الواجب المطلق عليه.


(* 1) التوبة: 71. (* 2) الوسائل باب: 58 من ابواب وجوب الحج حديث: 1. (* 3) الوسائل باب: 58 من ابواب وجوب الحج حديث: 4.

[ 233 ]

[ زوج، وادعي عدم الامن عليها وأنكرت (1)، قدم قولها، مع عدم البينة، أو القرائن الشاهدة. والظاهر عدم استحقاقه اليمين عليها. إلا أن ترجع الدعوى إلى ثبوت حق الاستمتاع له عليها، بدعوى: أن حجها حينئذ مفوت لحقه، مع عدم وجوبه عليها، فحينئذ عليها اليمين على نفي الخوف. وهل ] وتخليه السرب حاصله مع القدرة على احد الامرين، وإلا لم يجب استصحاب المحرم الثابتة محرميته. وفي الجواهر: جعل الحكم محل إشكال، ولم يرجح أحد الاحتمالين. لكنه في غير محله. اللهم إلا إذا كان التزويج مهانة لها، فانه لا يجب، لانتفاء الاستطاعة. وكذا الكلام فيما لو توقف على تزويج ابنة ابنها أو بنتها منه. مع إمكان ذلك لها، فانه يجب. (1) أول من صور هذا النزاع - فيما وقفت عليه - الشهيد في الدروس، قال: " ولو ادعى الزوج الخوف وأنكرت، عمل بشاهد الحال، أو بالبينة، فان انتفيا قدم قولها. والاقرب أنه لا يمين عليها.. ". وفي المدارك: " ولو ادعى الزوج الخوف وأنكرت عمل.. ". ونحوهما في الجواهر والحدائق. وظاهره أن الذي يدعيه الزوج خوفه عليها، وعليه فلا ينبغي التأمل في أن هذه الدعوى غير مسموعة، لان خوفه ليس موضوعا للاثر الشرعي، وإنما موضوع الاثر خوفها، فإذا كانت آمنة على نفسها وجب عليها السفر، وإن كان زوجها أو غيره - ممن يمت إليها بنسب أو سبب - خائفا عليها، نعم إذا كانت دعوى الزوج أنها خائفة وغير أمنة، كانت موضوعا لاثر شرعي، وهو عدم الاستطاعة وعدم وجوب الحج. ويترتب على ذلك استحقاق النفقة على الزوج، وسقوط حقوق الزوج على تقدير صحة دعواها، وسقوط نفقتها، وثبوت حقوق الزوج على تقدير صحة دعواه. لكن ثبوت نفقتها يتوقف على كونها زوجة دائمة

[ 234 ]

[ للزوج - مع هذه الحالة - منعها عن الحج باطنا إذا أمكنه ] كما أن ثبوت حقوقه يتوقف على عدم المانع من اهليته لاستيفائها - من مرض، أو هرم، أو نحوهما فيه أو فيها - وإلا لم يكن له حق عليها. وأما حق الاستيذان في الخروج من بيتها فليس من الفوائد المرغوب فيها التي تثير النزاع والخصام، لتسمع الدعوى بملاحظته. وكأنه لذلك قال المصنف: " والظاهر عدم استحقاقه اليمين.. ". لكنه بناء على ذلك لا تسمع دعواه، لعدم استحقاق المطالبة بشئ، لا أنها تسمع ولا يمين عليها، كما أشار إلى ذلك في الجواهر. مع أن منع كون حق الاستيذان من الحقوق التي تصح المطالبة بها - لعدم ترتب الفائدة المرغوب فيها عليه - غير ظاهر، كيف والمطالبة به قد تكون محافظة منه على غرضه؟ فالتحقيق إذا: سماع دعواه، وعليها اليمين إن لم يقم البينة على مدعاه. وفي بعض الحواشي: احتمال أن يكون النزاع المذكور من باب التداعي، لا من باب المدعي والمنكر. وكأنه لان مصب الدعوى وإن كان الخوف وعدمه، فيكون مدعيه مدعيا ومنكره منكرا، لكن بلحاظ أن الغرض من إنكار الخوف استحقاق النفقة على الزوج مدة السفر، فهي تطالب بالنفقة، وهو يطالب بالاستمتاع. فكل واحد منهما يطالب بحق هو على خلاف مقتضى الاصل. والتحقيق: أن المعيار في صدق المدعي والمنكر هو الغرض المقصود من الخصومة، لا ما هو مصب الدعوى. ولكن يشكل: بأن هذا المقدار لا يوجب جريان حكم التداعي، لان الزوجة وإن كانت تدعي ثبوت حق الانفاق، لكن ذلك لما كان من آثار عدم الخوف كان مدعاها مقتضى الاصل، فتكون منكرة.

[ 235 ]

[ ذلك؟ وجهان في صورة عدم تحليفها (1). وأما معه فالظاهر سقوط حقه (2). ولو حجت بلا محرم مع عدم الامن، ] (1) أما وجه الاول فواضح، لانه استيفاء لحقه. وأما الثاني فمبني على أن حرمة الخروج بغير إذن الزوج من الاحكام لا من الحقوق. أو أنها من الحقوق لكن لما كانت الزوجة تعتقد أنها مكلفة تكون معذورة في تفويت الحق، وحينئذ لا دليل على ثبوت الحق. وفيه: ما عرفت من أن الظاهر من الادلة كون ترك الخروج بغير إذن الزوج من الحقوق. مع أنه لو سلم ذلك بالنسبة إلى ترك الخروج، فلا شبهة في أن الاستمتاع منها، فيجوز له حبسها لاستيفائه. وأما عذر المراة في تفويت الحق فهو مبني على أن المسوغ لترك الحج الخوف النوعي، إذ حينئذ يمكن فيه الخطأ، فتعتقد عدمه، فتكون معذورة على تقدير الخطا. أما إذا كان العذر خوفها - كما عرفت، ويقتضيه ادلة العذر - فلا تكون معذورة في حالة الخطأ، فإذا كان الزوج يدعي كذبها في دعوى عدم الخوف لا تكون معذورة. نعم يتم ذلك فيما إذا اعتقدت أنها مستطيعة من حيث المال وكان الزوج ينكر ذلك، إذ يمكن حينئذ الخطأ فيه فتكون معذورة، لا فيما نحن فيه. ولاجل ذلك يكون اقوى الوجهين أولهما. (2) لا إشكال في أن اليمين مانعة من الدعوى ثانيا. كما أن المشهور أنها مانعة من جواز المقاصة عن الحق. ولكن في كونها مانعة من التصرف في العين التي يدعيها المدعي تصرفا عينيا، مثل: أن يلبسها أو يتلفها، أو اعتباريا، مثل: أن يبيعها أو يعتقها، إشكال. والتحقيق: عدمه، كما ذكرنا ذلك في مبحث التنازع من كتاب الاجارة من هذا الشرح. فراجع. وكيف تصح دعوى حرمة تصرف المالك المحكوم عليه؟ وحرمة تصرف الاخذ المحكوم له؟ لانها ليست ملكا له - وكذا غيره من الناس -

[ 236 ]

[ صح حجها إن حصل الامن قبل الشروع في الاحرام (1)، وإلا ففي الصحة إشكال، وإن كان الاقوى الصحة (2). (مسألة 81): إذا استقر عليه الحج - بأن استكملت الشرائط، وأهمل حتى زالت أو زال بعضها - صار دينا عليه ووجب الاتيان به بأي وجه تمكن. وإن مات فيجب أن يقضي عنه إن كانت له تركة، ويصح التبرع عنه. واختلفوا فيما به يتحقق الاستقرار على أقوال، فالمشهور: مضي زمان يمكن فيه الاتيان بجميع أفعاله، مستجمعا للشرائط (3)، وهو إلى اليوم الثاني عشر من ذي الحجة. وقيل: باعتبار مضي زمان يمكن فيه الاتيان بالاركان جامعا للشرائط (4)، فيكفي بقاؤها الى مضي جزء من يوم النحر يمكن فيه الطوافان والسعي. ] فتكون العين من المحرمات، فان التزام ذلك كما ترى. وعليه لا مانع من جواز حبس الزوجة ومنعها من الخروج في فرض المسألة. (1) هذا واضح. لتحقق شرائط الاستطاعة من الميقات، الكافي في وجوب حج الاسلام وصحته. (2) تقدم الكلام في ذلك في المسألة الخامسة والستين. وذكرنا هناك: أن هذه الاعذار إنما تكون مانعة عن الاستطاعة في ظرف الترك، لا في ظرف الفعل فراجع، وتأمل. (3) نسبه في المدارك والذخيرة والمستند إلى الاكثر. وفي الجواهر: جعله المشهور نقلا وتحصيلا. (4) قال في المسالك: " ويمكن اعتبار زمان يمكن فيه تأدي الاركان خاصة.. إلى أن قال: واختاره في التذكرة والمهذب. ". وفى

[ 237 ]

[ وربما يقال: باعتبار بقائها إلى عود الرفقة (1). وقد يحتمل كفاية بقائها إلى زمان يمكن فيه الاحرام ودخول الحرم (2) وقد يقال بكفاية وجودها حين خروج الرفقة، فلو أهمل استقر عليه، وإن فقدت بعد ذلك، لانه كان مأمورا بالخروج معهم (3). والاقوى اعتبار بقائها إلى زمان يمكن فيه العود إلى وطنه، بالنسبة إلى الاستطاعة المالية، والبدنية، والسربية وأما بالنسبة الى مثل العقل فيكفي بقاؤه إلى آخر الاعمال. وذلك لان فقد بعض هذه الشرائط يكشف عن عدم الوجوب عليه واقعا، وأن وجوب الخروج مع الرفقة كان ظاهريا (4). ] الجواهر: ذكر أنه حكي عن الشهيد والمهذب. (1) قد يستفاد ذلك مما ذكره في التذكرة، من أن من تلف ماله قبل عود الحاج، وقبل مضي إمكان عودهم، لم يستقر الحج في ذمته. (2) هذا الاحتمال ذكره في القواعد. وفي المستند: " نسبه بعضهم إلى التذكرة، واستحسنه بعض المتأخرين إن كان زوال الاستطاعة بالموت.. ". (3) قال في المستند: " إن اشترط وجوب القضاء بالاستقرار واقعا فالحق هو الاول.. (إلى أن قال): لكن الشأن في اشتراط ذلك، ولذا تأمل فيه في الذخيرة. وهو في موضعه. بل الاقرب عدم الاشتراط وكفاية توجه الخطاب ظاهرا أولا، كما هو ظاهر المدارك، وصريح المفاتيح وشرحه.. " إلى آخر ما نقلناه عنه في شرح المسألة الخامسة والستين. فراجع كلامه وكلام غيره المنقول هناك. (4) في المستند اعترف بذلك، غير أنه ادعى إطلاق صحيحتي ضريس والعجلي، المتقدمتين في المسألة الثالثة والسبعين، الدالتين على وجوب القضاء

[ 238 ]

إذا لم يمت بعد الاحرام ودخول الحرم، الشامل لما إذا لم يستقر. وكذا إطلاقات وجوب القضاء. وفيه: ما عرفت في المسألة السابقة، من أن الصحيحتين المذكورتين لا عموم لهما لذلك، وليستا واردتين في مقام تشريع وجوب القضاء وإن لم يجب عليه الاداء. فراجع. ثم إن المتعين الرجوع إلى القواعد الاولية. ومقتضى ما تقدم، من اعتبار الشرائط في الوجوب: عدم استقرار الوجوب مع انتفاء بعضها. فما يعتبر في الوجوب وجوده - في الذهاب والاياب - إذا انتفى قبل مضي زمان الاياب انتفى الوجوب معه، وما لا يعتبر في الاياب، بل يعتبر وجوده إلى آخر زمان العمل، إذا انتفى قبل زمان تمام العمل انتفى الوجوب معه، وإذا انتفى بعد ذلك لم ينتف الوجوب معه. فالمدار في استقرار الوجوب واقعا وجود الشرط واقعا، فإذا انتفى انتفى، كما أشار الى ذلك المصنف. ومنه يظهر لك الاشكال في بقيه الاقوال المذكورة. إذ الاول خلاف ما دل على اعتبار جملة من الشرائط في الاياب كالذهاب. نعم يتم ذلك بالاضافة إلى الحياة. ولعل مراد بعضهم خصوص ذلك. والثاني مبني على الفرق بين اجزاء الواجب، وهو غير ظاهر وعدم لزوم التدارك مع الفوات - لعذر، أو ولو لا لعذر - لا يوجب الفرق بينها في الجزئية، وفي اعتبار وجود شرائط الاستطاعة في كل منها على نحو واحد. وعدم لزوم التدارك والاعادة على تقدير ترك بعضها لا يدل على عدم الجزئية، ولا على الفرق بينها فيما ذكرنا. وأما الاحتمال الرابع فهو مبني على إلحاق المقام بما لو مات بعد الاحرام ودخول الحرم، وهو لا دليل عليه. وليس البناء على التعدي عن مورده، وإلا لزم وجوب الحج على من علم بانتفاء جميع الشرائط بعد الاحرام ودخول الحرم، وهو كما ترى. وأما الخامس فهو - على ظاهره - مبني على اعتبار اجتماع الشرائط حين خروج الرفقة ظاهرا،

[ 239 ]

[ ولذا لو علم من الاول أن الشرائط لا تبقى الى الآخر لم يجب عليه. نعم لو فرض تحقق الموت بعد تمام الاعمال كفى بقاء تلك الشرائط إلى آخر الاعمال، لعدم الحاجة حينئذ الى نفقة العود، والرجوع إلى كفاية، وتخلية السرب، ونحوها. ولو علم من الاول بأنه يموت بعد ذلك، فان كان قبل تمام الاعمال لم يجب عليه المشي، وإن كان بعده وجب عليه. هذا إذا لم يكن فقد الشرائط مستندا إلى ترك المشي، والا استقر عليه، كما إذا علم أنه لو مشى الى الحج لم يمت أو لم يقتل أو لم يسرق ماله مثلا، فانه حينئذ يستقر عليه الوجوب، لانه بمنزلة تفويت الشرط على نفسه. وأما لو شك في أن الفقد مستند إلى ترك المشي أولا، فالظاهر عدم الاستقرار، للشك ] ولا يضر انتفاء الشرائط واقعا. وهو غريب، لانه خلاف ما دل على اعتبار الاستطاعة، الظاهر في شرطية الوجود الواقعي لا الظاهري. ولعل مراد بعضهم صورة ما إذا لم يعلم استناد انتفاء بعض الشرائط إلى ترك الحج، بحيث احتمل بقاؤها على تقدير السفر للحج. اعتماد منهم على أصالة السلامة، المقتضية للوجوب الظاهري، فيكون الاستقرار ظاهريا لا واقعيا. وحينئذ يجب ترتيب آثار استقراره ظاهرا، من وجوب الاداء بعد ذلك ولو متسكعا، والقضاء عنه بعد موته، لا أن اجتماع الشرائط ظاهرا موضوع للحكم الواقعي. ولذلك استشكل في المدارك على العلامة في التذكرة، حيث جزم بأن من تلف ماله قبل عود الحاج، وقبل مضي إمكان عودهم، لم يستقر الحج في ذمته، لان نفقة الرجوع لا بد منها في الشرائط، بقوله: " ويشكل: باحتمال بقاء المال لو سافر.. ". وكيف كان فهذا القول على ظاهره خلاف مقتضى

[ 240 ]

[ في تحقق الوجوب وعدمه واقعا (1). هذا بالنسبة إلى استقرار الحج لو تركه، وأما لو كان واجدا للشرائط حين المسير فسار، ثم زال بعض الشرائط في الاثناء فأتم الحج على ذلك الحال. كفى حجه عن حجة الاسلام، إذا لم يكن المفقود مثل العقل، بل كان هو الاستطاعة البدنية، أو المالية، أو السربية ونحوها على الاقوى (2). (مسألة 82): إذا استقر عليه العمرة فقط، أو ] الادلة، بل خلاف المقطوع به منها. (1) هذا الشك إنما يقدح في البناء على ثبوت الوجوب لو لم تجر أصالة السلامة التي من أجلها بني على ثبوت الوجوب ظاهرا حين سفر القافلة، وعدم جريانها بعد العلم بانتفاء الشرط غير ظاهر، لان الثابت بها السلامة على تقدير السفر وهي مشكوكة، لا السلامة مطلقا كي يتبين انتفاؤها. فلاحظ وتأمل. (2) قد تقدمت الاشارة إلى أن الشرائط المعتبرة في الاستطاعة على قسمين: الاول: ما دل على اعتباره دليل بالخصوص، كملك الزاد والراحلة، وكالصحة في البدن، وتخلية السرب. الثاني: ما دخل تحت عنوان العذر، وهو ما يصح الاعتذار به عند العقلاء في ترك الحج. فالقسم الاول إذا حج مع فقده لم يكن حجه حج الاسلام، لفقد شرط حج الاسلام، وهو الاستطاعة. والقسم الثاني إذا حج مع فقده أجزأه، وكان حج الاسلام. لان دليل اعتباره يختص بما لو ترك الحج معتذرا به، فلا يشمل صورة ما لو حج مقدما عليه. وحينئذ يكون المرجع فيه: إطلاق أدلة الوجوب، المقتضي للاجزاء.

[ 241 ]

[ الحج فقط - كما فيمن وظيفته حج الافراد والقرآن - (1) ثم زالت استطاعته، فكما مر، يجب عليه أيضا بأي وجه تمكن وإن مات يقضي عنه (2). ] والظاهر أن المراد من صحة البدن ما يقابل الاحصار، ومن تخلية السرب ما يقابل الصد، فلا يمكن فرض الحج مع انتفائهما. وأما ملك الزاد والراحة فالمقدار المستفاد من الادلة اعتباره بالخصوص في حج الاسلام هو ما يكون إلى آخر الاعمال لا غير، وما زاد على ذلك - مما يحتاج في الاياب، أو بعد الرجوع إلى اهله - فهو داخل في القسم الثاني. وعلى هذا فإذا زالت الاستطاعة المالية في الاثناء لم يجز عن حج الاسلام، وإذا زالت بعد تمام الاعمال أجزات. وأما بقية شرائط الاستطاعة فإذا زالت في الاثناء، أو بعد تمام الاعمال أجزأه حجه عن حج الاسلام. بل مقتضى ما ذكرنا: أنه إذا لم تكن حاصلة له من أول الامر فحج اجزأه عن حج الاسلام. وقد تعرض المصنف في المسألة الخامسة والستين وغيرها لما ذكره هنا. وتعرضنا لذلك تبعا له. فراجع. (1) المحقق في محله: أن كلا من الحج والعمرة - في القران والافراد - واجب مستقل، يجب - مع الاستطاعة إليه - وحده دون الاخر. (2) الظاهر أنه مما لا إشكال فيه. وقد أرسله في الجواهر إرسال المسلمات. قال - في شرح قول ماتنه: " إذا استقر الحج في ذمته.. " -: " والمراد به ما يعم النسكين وأحدهما. فقد تستقر العمرة وحدها، وقد يستقر الحج وحده، وقد يستقران.. ". لكن دلالة الادلة على وجوب الاداء ولو متسكعا ظاهرة، فانه مقتضى الاطلاق. أما وجوب القضاء عنه لو مات فدلالتها غير ظاهرة، فينحصر الدليل بالاجماع.

[ 242 ]

[ (مسألة 83): تقضي حجة الاسلام (1) من أصل التركة إذا لم يوص بها (2)، ] (1) بلا إشكال ولا خلاف. والنصوص الدالة عليه كثيرة جدا، بل لعلها متواترة. منها: صحيح محمد بن مسلم قال: " سألت ابا جعفر (عليه السلام) عن رجل مات ولم يحج حجة الاسلام، ولم يوص بها، أتقضى عنه؟ قال (عليه السلام): نعم " (* 1). ونحوه غيره. وسيأتى بعض ذلك. (2) عن المنتهى والتذكرة: أنه قول علمائنا اجمع. وفي المستند: " الظاهر أنه اجماعي.. ". وفي الجواهر: " بلا خلاف أجده فيه بيننا، بل الاجماع بقسميه عليه.. ". ويدل عليه جملة من النصوص. منها: صحيح الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام): " قال: تقضى عن الرجل حجة الاسلام من جميع ماله " (* 2)، وموثق سماعة: " سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الرجل يموت، ولم يحج حجة الاسلام، ولم يوص بها وهو موسر. فقال: يحج عنه من صلب ماله، لا يجوز غير ذلك " (* 3)، وصحيح العجلي: " عن رجل استودعني مالا فهلك، وليس لولده شئ، ولم يحج حجة الاسلام. قال (عليه السلام): حج عنه، وما فضل فأعطهم " (* 4). ونحوها غيرها. مضافا إلى ما يستفاد من الجمود على ظاهر قوله تعالى: (ولله على الناس حج البيت..) (* 5). فان ظاهر اللام الملك. فإذا كان الحج مملوكا عليه يكون دينا ماليا، فيخرج من اصل المال كسائر


(* 1) الوسائل باب: 28 من ابواب وجوب الحج حديث: 5. (* 2) الوسائل باب: 28 من ابواب وجوب الحج حديث: 3. (* 3) الوسائل باب: 28 من ابواب وجوب الحج حديث: 4. (* 4) الوسائل باب: 13 من أبواب النيابة في الحج حديث: 1 (* 5) آل عمران: 97.

[ 243 ]

[ سواء كانت حج التمتع. أو القرآن، أو الافراد (1). وكذا إذا كان عليه عمرتهما (2). وإن أوصى بها من غير تعيين كونها من الاصل أو الثلث فكذلك أيضا (3). وأما إن أوصى ] الديون، كما لو آجر نفسه ليخيط ثوبا لا بنحو المباشرة فمات، فان الخياطة تخرج من أصل المال. نعم في صحيح معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام): " في رجل توفي، وأوصى أن يحج عنه. قال (عليه السلام): إن كان صرورة فمن جميع المال، إنه بمنزلة الدين الواجب. وإن كان قد حج فمن ثلثه. ومن مات ولم يحج حجة الاسلام، ولم يترك إلا قدر نفقة الحمولة، وله ورثة، فهم أحق بما ترك، فان شاؤوا أكلوا، وإن شاؤوا حجوا عنه " (* 1). فان صدره وإن كان صريحا في إخراجه من الاصل إذا كان قد أوصى به، لكن ذيله ظاهر في خلاف ذلك إذا لم يكن اوصى به، فلا بد من طرحه، أو تأويله. (1) لاطلاق الادلة. (2) لما سبق، من أن المراد من الحج - في النص والفتوى - ما يشمل العمرة. (3) يشهد به مصحح معاوية بن عمار قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن رجل مات، فأوصى أن يحج عنه. قال (عليه السلام): إن كان صرورة فمن جميع المال، وإن كان تطوعا فمن ثلثه " (* 2). ونحوه صحيح الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) (* 3). وما في صحيح معاوية الاخر، وقد تقدم (* 4).


(* 1) الوسائل باب: 25 من ابواب وجوب الحج حديث: 4. (* 2) الوسائل باب: 25 من ابواب وجوب الحج حديث: 1. (* 3) الوسائل باب: 25 ومن ابواب وجوب الحج حديث: 2. (* 4) تقدم ذلك قريبا في نفس المسألة.

[ 244 ]

[ باخراجها من الثلث وجب إخراجها منه، وتقدم على الوصايا المستحبة وإن كانت متأخرة عنها في الذكر (1). وإن لم يف ] نعم يختص الحكم المذكور بما إذا أوصى باخراج ثلثه وصرفه في مصلحته، وانعقد لكلامه ظهور في ذلك. أما إذا اجمل كلام الموصي، ولم يعلم أنه يريد إخراج الحج من الثلث أو من الاصل، فاللازم إخراجه من الثلث، للشك في وصيته بما يساوي ثلث الحج. مثلا: إذا قال: " اخرجوا ثلثي، واخرجوا عني حجة الاسلام، وأعتقوا عني، وتصدقوا عني "، وشك في أن مراده الوصية باخراج الحج من الثلث أو من الاصل، فان الشك المذكور يوجب الشك في الوصية باخراج التفاوت. ومع الشك في الوصية به يبنى على عدمها، فيجري حكم الوصية باخراجه من الثلث. وأما النصوص المذكورة فالظاهر منها بيان ان الوظيفة الاولية الشرعية هو إخراج حجة الاسلام من الاصل وغيرها من الثلث وإن اوصى بها. وأن السؤال فيها كان عن ذلك لدفع توهم ان الوصية بالحج يلحقها حكم الوصية من الاخراج من الثلث. وليس فيها تعرض لصورة ما إذا عين الموصي الاخراج من الثلث أو الاصل، بل المرجع - في صورة التعيين المذكور - القواعد العامة. ولو كان نظرها إلى صورة التعيين كان اللازم اخراج حج الاسلام من الاصل وإن عينه من الثلث. (1) يعني: عند تزاحمها معها في الاخراج من الثلث، بأن كان الثلث لا يسع جميعها. ووجه التقديم ظاهر، لانها لما كانت يجب إخراجها على كل حال وإن لم يسعها الثلث، لم تصلح المستحبات لمزاحمتها التي لا يجب إخراجها إذا لم يسعها الثلث، لان النسبة بينهما من قبيل نسبة الواجب المطلق إلى المشروط، يكون الاول رافعا للثاني. والظاهر أن ذلك هو المراد مما في صحيح معاويه بن عمار قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام):

[ 245 ]

عن امرأة أوصت بمال في الصدقة والحج والعتق. فقال (عليه السلام): ابدأ بالحج فانه مفروض، فان بقي شئ فاجعله في العتق طائفة، وفي الصدقة طائفة " (* 1)، وخبره الاخر، قال: " إن امرأة هلكت، وأوصت بثلثها يتصدق به عنها، ويحج عنها، ويعتق عنها، فلم يسع المال ذلك.. (إلى ان قال): فسالت أبا عبد الله (عليه السلام) عن ذلك. فقال: ابدأ بالحج فان الحج فريضة، فما بقي فضعه في النوافل، (* 2). فان الظاهر: أن المراد من كون الحج فريضة أنه يجب إخراجه مع قطع النظر عن الوصية وليس المراد: أنه كان يجب على الميت وإن لم يكن يجب اخراجه عنه لولا الوصية، فان حمله على ذلك خلاف الاصل في التعليل، المحمول على بيان العلة العرفية الارتكازية، وخلاف ما دل على لزوم الاخذ بالسابق فالسابق في الوصايا المترتبة. بل خلاف الظاهر من فعلية الوصف. فلاحظ. ومن ذلك يظهر عدم الفرق بين الوصايا المستحبة للحي والواجبة عليه التي لا يجب إخراجها من الاصل فيقدم حج الاسلام على الوصايا الواجبة ايضا - عند المزاحمة في اخراجها من الثلث - إذا كان قد أوصى الميت بذلك، لعين ما ذكر. وقد يتوهم: أن الوجه في التقديم كونها واجبة على الميت في حياته، والواجب مقدم على المستحب عند التزاحم ولذلك لو أوصى باخراج الواجب الذي لا يخرج من الاصل، كالعبادات البدنية - بناء على ما هو التحقيق - والمستحب، يتعين إخراج الواجب والغاء المستحب. وفيه: أن أهمية الواجب من المستحب إنما هي بالنظر إلى الامر الشرعي المتعلق بالواجب والمستحب، الموجه إلى الميت حال حياته، الذى هو ساقط - بعد وفاته -


(* 1) الوسائل باب: 30 من أبواب وجوب الحج حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 30 من أبواب وجوب الحج حديث: 2.

[ 246 ]

[ الثلث بها أخذت البقية من الاصل (1). والاقوى أن حج النذر - أيضا - كذلك، بمعنى: أنه يخرج من الاصل (2)، كما سيأتي الاشارة إليه. ولو كان عليه دين أو خمس أو زكاة ] عنه وعن غيره، لا بالنظر إلى وجوب العمل بالوصية. فان الوجوب المذكور بعدما كان ثابتا حتى في الوصايا المستحبة والمباحة والمكروهة، كان مناطه موجودا في الجميع على نحو واحد لا يترجح في بعض على اخر. فلا موجب لترجيح الوصية بالواجب على الوصية بالمستحب، ولا لترجيح الوصية بالمستحب على الوصية بالمباح، ولا الوصية به على الوصية بالمكروه، لاشتراك الجميع في وجود المناط. بل اللازم رجوع النقص على الجميع على النسبة إذا كانت غير مترتبة، وإذا كانت مترتبة كان السابق رافعا لموضوع اللاحق. فراجع مباحث الوصية، وتأمل. نعم إذا تزاحمت الوصايا غير المترتبة بنحو لا يمكن التوزيع، لم يبعد ترجيح الواجب، لاحتمال تعينه، فيكون الفرض من موارد الدوران بين التعيين والتخيير، كما سيأتي نظيره في آخر المسألة. (1) لما عرفت: من أن دليل وجوب إخراج الحج من الاصل رافع لوجوب العمل بالوصية. لان وصيته باخراجه من الثلث - في الفرض المذكور - منافية لوجوب إخراجه من الاصل، فلا مجال للعمل بها، لقوله تعالى: (فمن خاف من موص جنفا أو إثما فاصلح بينهم فلا إثم عليه) (* 1). (2) كما يقتضيه الاخذ بمضمون النذر، فانه تمليك لله سبحانه العمل المنذور، فإذا كان مملوكا كان دينا، فيجب إخراجه من الاصل كسائر الديون، كما سيأتي التعرض لذلك من المصنف (ره) في المسألة الثامنة من الفصل الاتي.


(* 1) البقرة: 182.

[ 247 ]

[ وقصرت التركة، فان كان المال المتعلق به الخمس أو الزكاة موجودا قدم، لتعلقهما بالعين، فلا يجوز صرفه في غيرهما (1). وإن كانا في الذمة فالاقوى أن التركة توزع على الجميع بالنسبة، كما في غرماء المفلس (2). وقد يقال: بتقديم الحج على غيره وإن كان دين الناس (3)، لخبر معاوية بن عمار الدال على تقديمه على الزكاة. ونحوه خبر آخر. لكنهما موهونان باعراض ] (1) أما التعلق بالعين فمما لا إشكال فيه عندنا، وقد تقدم بيانه في كتاب الزكاة والخمس. وأما أنه مانع عن جواز الصرف في غيرهما فاوضح، لانه تضييع لحق الغير، فهو خلاف قاعدة السلطنة على الحقوق. (2) كما في الشرائع وغيرها. وفي المدارك: أنه واضح، بل هو المعروف بيننا. وتقتضيه: قاعدة بطلان الترجيح بلا مرجح. (3) حكى في الجواهر عن جواهر القاضي: احتمال تقدم الحج، وعن آخر: احتمال تقدم الدين. وظاهر الوسائل والحدائق: اختيار الاول، لمصحح معاوية بن عمار: " قلت له: رجل يموت وعليه خمسمائة درهم من الزكاة، وعليه حجة الاسلام، وترك ثلثمائة درهم، واوصى بحجة الاسلام، وأن يقضى عنه دين الزكاة. قال (عليه السلام): يحج عنه من اقرب المواضع، ويجعل ما بقي في الزكاة " (* 1). ونحوه خبره عن أبي عبد الله (عليه السلام): " في رجل مات وترك ثلثمائة درهم، وعليه من الزكاة سبعمائة درهم، واوصى أن يحج عنه. قال (عليه السلام): يحج عنه من اقرب المواضع " ويجعل ما بقي في الزكاة " (* 2). قال في الجواهر: " وفيه - بعد إعراض الاصحاب عنهما، وقصور سند الثاني منهما، واختصاصهما بالزكاة -: أنه يمكن كون


(* 1) الوسائل باب: 21 من ابواب المستحقين للزكاة حديث: 2. (* 2) الوسائل باب: 42 من ابواب احكام الوصايا حديث: 1.

[ 248 ]

[ الاصحاب. مع انهما في خصوص الزكاة. وربما يحتمل تقديم دين الناس لاهميته (1). والاقوى ما ذكر من التحصيص (2) وحينئذ فان وفت حصة الحج به فهو (3)، وإلا فان لم تف إلا ببعض الافعال (4) - كالطواف فقط، ] ما ذكره فيهما مقتضى التوزيع ايضا.. ". ولم يتعرض في المتن للاشكال بقصور السند، لانه يكفي في إثبات القول المذكور المصحح المعتبر السند. كما أنه لم يذكر الاشكال الاخير، لانه خلاف إطلاق الدليل. مع أنه مبني على لزوم الحج البلدي، إذ لو كان الميقاتي مجزيا كان حصة الحج - بعد ورود النقص عليها - غير كافية فيه، فلا وجه للامر باخراجه إلا لاجل عدم ورود النقص عليه. بخلاف الزكاة. (1) تقدم الكلام في هذه الاهمية في شرح المسألة السابعة عشرة. فراجع. (2) يعنى: التوزيع:. لما عرفت: من أنه مقتضى بطلان الترجيح بلا مرجح لان الحج لما كان غير الدين وفي قبال الدين، فإذا بني على تعلق الحج دون الدين، أو الدين دون الحج كان ترجيحا بلا مرجح. فان قلت: إذا كانت الحصة الراجعة إلى الدين لا تفي به فلا بد من وفاء بعض الدين وبقاء بعضه، فيلزم ايضا الترجيح بلا مرجح قلت: لا تعين لبعض الدين في مقابل البعض الاخر. نظير: ما لو نذر صوم يومين، فانه لا تعين لصوم احد اليومين في مقابل صوم الاخر، فلا يكون وفاء بعض الدين دون بعض ترجيحا بلا مرجح. (3) هذا خلاف فرض المسألة، من قصور التركة، إذ حينئذ البناء على التحصيص إنما كان لقصور الحصة عن الوفاء. (4) قال في الجواهر: " ولو كان قد استقر عليه كل من النسكين ووسع النصيب خصوص أحدهما صرف فيه، وإن وسع كلا منهما تخير للتساوي في الاستقرار. ويحتمل تقديم الحج لكونه أهم في نظر الشارع.

[ 249 ]

[ أو هو مع السعي - فالظاهر سقوطه (1)، وصرف حصته في الدين أو الخمس أو الزكاة ومع وجود الجميع توزع عليها (2). وإن وفت بالحج فقط أو العمرة فقط، ففي مثل حج القرآن والافراد تصرف فيهما مخيرا بينهما، والاحوط تقديم الحج (3). وفي حج التمتع الاقوى السقوط ] وتقديمه ممن عليه الافراد والقران خاصة، وتقديم العمرة ممن عليه التمتع خاصة، والتخيير ممن عليه احد الانواع مخيرا. وقد يحتلم سقوطهما عمن عليه التمتع، لدخول العمرة في حجه. وإن لم يف النصيب بشئ من النسكين صرف في الدين، لا فيما يفي به من الافعال من طواف ووقوف، لعدم التعبد بشئ منها وحدها عدا الطواف. واحتمال إثبات مشروعية ذلك بقاعدة الميسور، وما يدرك، قد بينا فساده في محله. على أن الظاهر قصر الاستدلال بها على ما يعضدها فيه كلام الاصحاب، لقصور سندها، وعدم ثبوت كونها قاعدة، وكلام الاصحاب على الظاهر بخلافها هنا، بل لعل ظاهره كون الطواف ايضا كذلك، لاطلاقهم رجوع النصيب ميراثا بمجرد قصوره عن الحج أو العمرة.. ". (1) لما عرفت في كلام الجواهر، من عدم الدليل على مشروعية الابعاض، والاصل عدمها. وحينئذ لا يكون الحج مزحما لغيره، فلا تكون له حصة في قبال غيره، بل يكون المال كله لغيره. (2) لعدم المرجح لبعضها على الاخر. (3) لما تقدم في كلام الجواهر، من احتمال تقديمه لانه أهم، ولا ينبغي الاشكال في أن احتمال الاهمية موجب للترجيح في نظر العقل. لكن يختص ذلك بالتكليف، والكلام هنا في الوضع، وهو تعلق حق الحج بالتركة ونسبة هذا الحق إلى الحج والعمرة نسبة واحدة. فان اضافة الحقية كاضافة

[ 250 ]

[ وصرفها في الدين وغيره. وربما يحتمل فيه أيضا التخيير، أو ترجيح الحج لاهميته (1)، أو العمرة لتقدمها. لكن لا وجه لها بعد كونهما في التمتع عملا واحدا (2). وقاعدة الميسور لا جابر لها في المقام. (مسألة 84): لا يجوز للورثة التصرف في التركة قبل استئجار الحج إذا كان مصرفه مستغرقا لها (3). ] الملكية لا تقبل الشدة والضعف ولا التأكد واللا تأكد. إلا أن يقال: الاهمية في التكليف لما كانت موجبة لاحتمال التعيين في أحد الامرين كانت موجبة للترجيح عقلا. (1) في حاشية بعض مشايخنا على المقام: " لا يبعد استفادته من الرواية الاتية التي أوردها في المسألة السادسة والثمانين، فلا يترك الاحتياط " وفيه نظر، فان ظاهر الرواية الاتية: أنه أوصى أن يحج الوصي بنفسه، فالحج الموصى به بلدي بمباشرة الوصي، والامام (عليه السلام) أمره بالحج الميقاتي عند عدم كفاية المال لذلك، فالمراد من الحج من مكة الحج الميقاتي في قبال البلدي، لا الحج الذي يكون إحرامه من مكة في مقابل العمرة التي يكون إحرامها من الميقات. فلاحظ. (2) كما تقتضيه النصوص. ولاجلها لا أثر لاحتمال مشروعية البعض، بل يبني على خلافه. وحينئذ يبطل حق الحج لانه لا أثر له، فلا تكون التركة موضوعا له، وتكون موضوعا لغيره لا غير. (3) لا إشكال في انتقال التركة إلى الورثة إذا لم يكن دين ولا وصية، بل هو من الضروريات. كما لا إشكال في انتقال ما زاد على الدين والوصية إلى الورثة. أما انتقال ما يساوي الدين والوصية إليهم ففيه خلاف، نسب إلى كثير من كتب العلامة، وإلى جامع المقاصد وغيرها: الاول، ونسب

[ 251 ]

إلى الحلي والمحقق وبعض كتب العلامة وغيرهم: الثاني، وعن المسالك والمفاتيح: نسبته إلى الاكثر. وقد استدل لكل من القولين بوجوه لا تخلو من خدش وإشكال. ولكن الاظهر الاخير، للنصوص المتضمنة للترتيب بين الدين والوصية والميراث، ففي خبر محمد بن قيس: " قال أمير المؤمنين (عليه السلام): إن الدين قبل الوصية، ثم الوصية على اثر الدين، ثم الميراث بعد الوصية، فان أول القضاء كتاب الله تعالى " (* 1). وخبر السكوني: " أول شئ يبدأ به من المال الكفن، ثم الدين، ثم الوصية، ثم الميراث " (* 2)، وخبر عباد بن صهيب: " في رجل فرط في إخراج زكاته في حياته، فلما حضرته الوفاة حسب جميع ما فرط فيه مما يلزمه من الزكاة، ثم اوصى به أن يخرج ذلك فيدفع إلى من يجب له. قال (عليه السلام): جائز، يخرج ذلك من جميع المال. إنما هو بمنزلة دين لو كان عليه، ليس للورثة شئ حتى يؤدوا ما أوصى به من الزكاة " (* 3). ونحوها غيرها. فان ظاهر النصوص المذكورة الترتيب في التعلق، فلا يتعلق الميراث بما يتعلق به الدين والوصية، فمع الدين لا ميراث وكذا مع الوصية، فيكون المال باقيا على ملك الميت موضوعا لحق الديان، إذ لا مانع عقلي ولا شرعي من ملك الميت ولا ينافي ذلك الاجماع على ملك الوارث للزائد على الوصية والدين، لان الظاهر من نصوص الترتيب، أنه للترجيح والاهمية، فيختص ذلك بما يكون مورد المزاحمة - وهو المقدار المساوي للدين والوصية - وما زاد عليه يكون داخلا تحت عموم: ما ترك الميت فهو لوارثه. وعلى هذا القول فالوجه في عدم جواز تصرف الورثة ظاهر، لانه تصرف بملك الغير. أما


(* 1) الوسائل باب: 28 من ابواب الوصايا حديث: 2. (* 2) الوسائل باب: 28 من ابواب الوصايا حديث: 1. (* 3) الوسائل باب: 40 من ابواب الوصايا حديث: 1.

[ 252 ]

[ بل مطلقا على الاحوط (1). إلا إذا كانت واسعة جدا فلهم التصرف في بعضها حينئذ، مع البناء على اخراج الحج من بعضها الآخر كما في الدين، فحاله حال الدين. ] على القول الاخر - وهو الانتقال إلى الوارث - فالوجه فيه: أن حق الديان متعلق بالتركة المنتقلة إلى الوارث. بلا خلاف ولا إشكال، بل في الجواهر: الاجماع بقسميه عليه، فلا يجوز التصرف فيها بما يوجب ضياع الحق وانتفاءه بانفاء موضوعه. وهذا بالنسبة إلى التصرف بالاتلاف ونحوه ظاهر، أما التصرف بالبيع ونحوه من التصرف الناقل فعدم جوازه يتوقف على كون حق الديان قائما بالتركة بما أنها ملك الوارث - كما في حق الرهانة - فانتقالها بالسبب الناقل يوجب انتفاء موضوع الحق بانتفاء قيده. أما إذا كان قائما بها مطلقا - نظير حق الجناية القائم بالعبد الجاني وإن لم يكن في ملك مالكه حال الجناية، كما هو المشهور - فلا مانع من التصرف فيها بالنقل، لانه لا ينافي موضوع الحق. وظاهر الاصحاب: أن التعلق على النحو الاول. ولكنه غير ظاهر من الادلة العامة، وإن كان يساعده ارتكاز العرف والمتشرعة. وربما يستفاد من الصحيح والموثق الاتيين. فتأمل. (1) كما عن جامع الشرائع، وميراث القواعد، وحجر الايضاح ورهنه وغيرها. فلم يفرق فيها بين المستغرق وغيره في المنع عن التصرف، إذ لا أولوية لبعض من بعض في اختصاص التعلق به. ولان الاداء لا يقطع بكونه بذلك البعض، لجواز التلف، ولما دل على تعليق الارث بمطلق الدين. والجميع كما ترى. ولذا كان مختار جامع المقاصد وغيره: الجواز. ويشهد له صحيح البزنطي باسناده: " أنه سئل عن رجل يموت ويترك عيالا وعليه دين، اينفق عليهم من ماله؟ قال (عليه السلام): إن استيقن ان الذي عليه يحيط

[ 253 ]

بجميع المال فلا ينفق، وإن لم يستيقن فلينفق عليهم من وسط المال " (* 1). ونحوه موثق عبد الرحمن بن الحجاج عن ابي الحسن (عليه السلام) (* 2). ومنهما يستفاد عدم جواز التصرف فيما يساوي الدين. لكن الظاهر منهما التصرف المتلف فلا تعرض فيهما لغيره، وإن كان لا يخلو من تأمل. ومن ذلك يظهر لك الاشكال فيما ذكره المصنف (ره)، من التوقف في الجواز إلا إذا كانت واسعة جدا، إذ ليس في الصحيح وغيره إشارة إلى التفصيل بين الواسعة وغيرها، فان بني على العمل بالنص كان اللازم الجزم بالجواز فيما زاد على الدين، وإلا كان اللازم التوقف حتى في الواسعة. وفي حاشية بعض الاعاظم: " لا يبعد جواز التصرف حتى في المستغرق ايضا مع تعهد الاداء. لكن الاحوط أن يكون برضى الديان ". وفيه: انه لا وجه لجواز التصرف بمجرد الضمان إذا لم يرض الديان، إذ لا دليل على فراغ ذمة الميت بذلك، فالازم الرجوع إلى صحيح البزنطي ونحوه لبقاء الدين بحاله. نعم إذا رضى الديان بالضمان فقد برئت ذمة الميت، كما في صحيح ابن سنان: " في الرجل يموت وعليه دين، فيضمنه ضامن للغرماء. قال (عليه السلام): إذا رضي الغرماء فقد برئت ذمة الميت " (* 3). وإذا انتفى الدين لم يكن مانع من ملك الوارث، ولا من جواز تصرفه به. ثم إن المنع من التصرف الناقل - بناء على انتقال التركة إلى الوارث - يختص بالتصرف الذي لا يكون مقدمة لوفاء الدين، أما ما يكون مقدمة له فلا بأس به. فإذا باع الورثة التركة بقصد وفاء الدين من الثمن صح ذلك البيع، لان التصرف المذكور مما يقتضيه الدين فلا يمنع عنه. وكذا لو باع


(* 1) الوسائل باب: 29 من ابواب الوصايا حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 29 من ابواب الوصايا حديث: 2. (* 3) الوسائل باب: 91 من ابواب الوصايا حديث: 1.

[ 254 ]

[ (مسألة 85): إذا أقر بعض الورثة بوجوب الحج على المورث وأنكره الآخرون لم يجب عليه الا دفع ما يخص حصته بعد التوزيع (1)، وإن لم يف ذلك بالحج لا يجب عليه تتميمه من حصته. كما إذا أقر بدين وأنكره غيره من الورثة فانه لا يجب عليه دفع الازيد. فمسألة الاقرار بالحج أو الدين مع انكار الآخرين نظير مسألة الاقرار بالنسب، حيث أنه إذا أقر أحد الاخوين بأخ آخر وأنكره الآخر لا يجب عليه إلا دفع الزائد عن حصته، فيكفي دفع ثلث ما في يده، ] الراهن العين المرهونة بقصد وفاء الدين الذي عليه الرهن، فانه لا يمنع عنه الدين، لانه مما يقتضيه. فلاحظ. (1) لان الحج بمنزلة الدين، وذلك التحصيص من أحكام الدين. أما الاول فلما تقدم من صحيح معاوية بن عمار في مسألة اخراج الحج من الاصل (* 1). ويقتضيه ظهور اللام في قوله تعالى: (ولله على الناس..) (* 2) على ما عرفت. وأما الثاني فهو المعروف، وفي الجواهر: " بلا خلاف محقق معتد به أجده في شئ من ذلك عندنا نصا وفتوى.. ". ويشهد له: خبر اسحاق بن عمار عن أبى عبد الله (عليه السلام): " في رجل مات، فأقر بعض ورثته لرجل بدين. قال (عليه السلام): يلزمه ذلك في حصته " (* 3). ودلالته على المدعى غير ظاهرة. وفي الوسائل " حمله الشيخ على أنه يلزم بقدر ما يصيب حصته لما يأتي ". ويريد بما يأتي: خبر أبي البختري وهب ابن وهب، عن جعفر بن محمد (عليه السلام)، عن أبيه (عليه السلام) قال: " قضى علي (عليه السلام)


(* 1) تقدم في اوائل مسألة: 83 من هذا الفصل. (* 2) آل عمران: 97. (* 3) الوسائل باب: 26 من ابواب الوصايا حديث: 3.

[ 255 ]

في رجل مات وترك ورثة، فأقر أحد الورثة بدين على أبيه: أنه يلزمه ذلك في حصته بقدر ما ورث، ولا يكون ذلك في ماله كله. وإن أقر اثنان من الورثة، وكانا عدلين اجيز ذلك على الورثة، وإن لم يكونا عدلين ألزما في حصتهما بقدر ما ورثا. وكذلك إن أقر بعض الورثة بأخ أو أخت، إنما يلزمه في حصته ". (* 1) لكن الخبر ضعيف السند مع احتمال كون المراد أن الدين يلزم المقر في حصته من الميراث لا في تمام ماله الذي ملكه بغير ميراث. فالعمدة - إذا - الاجماع على التحصيص في الدين على حسب نسبة الحصة. ولولا ذلك لزم البناء على وجوب وفاء الدين بتمامه على المقر ولو بتمام حصته، لان حق الديان قائم بالتركة بتمامها لا على نحو الاشاعة، بل على نحو قيام الكلي في المعين أو الكلي بالكل والبعض، نظير حق الرهانة ولذا لو كان بعض التركة مغصوبا في حال حياة الميت أو بعد وفاته، أو تلف بعد وفاته يتعين الوفاء من الباقي. ولا فرق بينه وبين المقام إلا في أن استيلاء الوارث المنكر للدين على حصته لم يكن بنحو الغصب، بل بنحو يكون معذورا في الانكار، وربما لا يكون معذورا في الانكار فيكون غاصبا. وبالجملة: الفرق بين تعذر الوفاء - لغصب أجنبي ونحوه - وبين تعذر الوفاء - لانكار الوارث أو تمرده - غير ظاهر، فإذا بني على وجوب الوفاء بما يمكن الوفاء به في الاول يتعين البناء عليه في الثاني. نعم الفارق الدليل، وحينئذ يقتصر على مورده، وهو صورة اقرار بعض الورثة وانكار الاخر. أما صورة علم بعض الورثة وجهل الاخر أو تمرده فخارجة عن مورد الدليل، فيرجع فيها إلى ما ذكرنا، والبناء على عدم الفرق بين الصور غير ظاهر. وأشكل منه: ما إذا كان الاختلاف بين الورثة للاختلاف في الاجتهاد والتقليد، فانه يتعين فيه الرجوع إلى مجتهد آخر لحل النزاع وحسم الخصومة إن كان


(* 1) الوسائل باب 26 من ابواب الوصايا حديث: 5.

[ 256 ]

[ ولا ينزل إقراره على الاشاعة على خلاف القاعدة للنص (1). (مسألة 86): إذا كان على الميت الحج، ولم تكن تركته وافية به، ولم يكن دين فالظاهر كونها للورثة (2)، ولا يجب صرفها في وجوه البر عن الميت. لكن الاحوط التصدق عنه، للخبر عن الصادق (عليه السلام) (3): " عن رجل مات، وأوصى بتركته أن أحج بها، فنظرت في ذلك فلم يكفه للحج، فسألت من عندنا من الفقهاء فقالوا: تصدق بها. فقال (عليه السلام): ما صنعت بها؟ قلت: تصدقت بها. فقال (عليه السلام) ضمنت. إلا أن لا يكون يبلغ ما يحج به من مكة فان كان لا يبلغ ما يحج به من مكة فليس عليك ضمان.. ". ] قد ادى إلى النزاع والخصومة. وسيأتى التعرض له في المسألة الواحدة بعد المائة، فانتظر. (1) قد عرفت: أنه خبر أبي البختري المتقدم، وخبره الاخر قال: " قال علي (عليه السلام): من اقر لاخيه فهو شريك في المال، ولا يثبت نسبه، فان اقر أثنان فكذلك. إلا أن يكونا عدلين فيثبت نسبه، ويضرب في الميراث معهم " (* 1). (2) لان المانع عن الميراث هو وجوب الحج، فإذا فرض عدم الوجوب - لعدم كفاية المال - لم يكن مانع عن الميراث. (3) هو خبر على بن مزيد [ فرقد - مرئد - يزيد ] قال: " أوصى إلى رجل بتركته، فأمرني أن أحج بها عنه، فنظرت في ذلك فإذا هو شئ يسير لا يكفي في الحج، فسألت أبا حنيفة وفقهاء أهل الكوفة فقالوا: تصدق بها عنه.. (إلى أن قال) فلقيت جعفر بن محمد (عليه السلام) في الحجر


(* 1) الوسائل باب: 26 من أبواب الوصايا حديث: 6.

[ 257 ]

[ نعم لو احتمل كفايتها للحج بعد ذلك، أو وجود متبرع يدفع التتمة لمصرف الحج وجب إبقاؤها (1). (مسألة 87): إذا تبرع متبرع بالحج عن الميت رجعت أجرة الاستئجار إلى الورثة (2)، سواء عينها الميت أولا. والاحوط صرفها في وجوه البر، أو التصدق عنه. خصوصا فيما إذا عينها الميت (3)، للخبر المتقدم (4). (مسألة 88): هل الواجب الاستئجار عن الميت من ] فقلت له: رجل مات وأوصى إلي بتركته أن أحج بها عنه.. " (* 1) لكن مورد الخبر صورة ما إذا عين مالا للحج، فلا يكون مما نحن فيه. (1) لان الشك في القدرة موجب للاحتياط. (2) أما صحة التبرع فيدل عليها النصوص، كصحيح معاوية بن عمار: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل مات، ولم يكن له مال ولم يحج حجة الاسلام فأحج عنه بعض إخوانه، هل يجزي ذلك عنه؟ أو هل هي ناقصة؟. قال (عليه السلام): بل هي حجة تامة " (* 2). ونحوه غيره. وأما رجوع الاجرة إلى الورثة فلعين ما سبق: من أن المانع من الارث الحج، فإذا جئ به لم يبق مانع منه. (3) لاحتمال كون التعيين على نحو تعدد المطلوب، فإذا تعذرت خصوصية الحج بقيت الوصية بصرف المال في مصلحته بحالها. (4) لكن مورد الخبر صورة الوصية بتمام التركة، التي لا تصح


(* 1) ذكر صدره في الوسائل باب: 37 من ابواب والوصايا حديث: 2 وذيله في باب: 87 من ابواب الوصايا حديث: 1. وسيأتي - إن شاء الله تعالى - التعرض للرواية بنصها الكامل في المسألة: 9 من فصل الوصية بالحج. (* 2) الوسائل باب: 31 من ابواب وجوب الحج حديث: 1.

[ 258 ]

[ الميقات أو البلد؟ المشهور: وجوبه من أقرب المواقيت إلى مكة إن أمكن، وإلا فمن الاقرب إليه فالاقرب (1). ] بدون إجازة الوارث، سواء أكان الحج الموصى به حج الاسلام أم غيره. إذ هو على الثاني ظاهر، وكذا على الاول، لما يأتي من المصنف، من أن الواجب هو الحج الميقاتي، وظاهر الرواية الحج البلدي، كما عرفت الاشارة إليه سابقا. وعلى تقدير لزوم البلدي فتعيين المقدار لا يكون باختيار الموصي بل تابع لاجرة المثل واقعا، وعلى تقديم لزوم العمل بتقدير الموصي فذلك إنما يكون بالاضافة إلى الثلث - الذي هو حقه - لا بالاضافة إلى الثلثين الاخرين. فالتصدق بجميع المال لابد أن يكون لاجل أن الموصي لا وارث له " بناء على أنه إذا أوصى بصرف ماله في البر والمعروف لزم ولا يكون ميراثه للامام - كما هو ظاهر - وتكون الوصية بالحج بنحو تعدد المطلوب، فالاخذ بالرواية مع وجود الوارث غير ظاهر. (1) نسبه إلى أكثر الاصحاب في المدارك، وعن الغنية: الاجماع عليه، ونسبه في كشف اللثام إلى الخلاف، والمبسوط، والوسيلة، وقضية وصايا الغنية، وكتب المحقق، ونسبه في المستند إلى الفاضلين في كتبهما، والمسالك، والروضة، والمدارك والذخيرة. لكن الذي يظهر من عبارات المتن: أن الواجب الحج من اقرب المواقيت الى مكة، وإلا فمن غيره من المواقيت مراعيا الاقرب فالاقرب إلى مكة. وفي الشرايع: " يقضي الحج من اقرب الاماكن.. " قال في المدارك: " والمراد بأقرب الاماكن اقرب المواقيت إلى مكة إن أمكن الاستيجار منه، وإلا فمن غيره مراعيا للاقرب فالاقرب. فان تعذر الاستيجار من أحد المواقيت وجب الاستيجار من اقرب ما يمكن الحج منه الى الميقات.. ". ونحوه ما في المستند والجواهر وغيرهما. لكن هذا الترتيب غير ظاهر من الادلة الاتية على هذا القول ولا

[ 259 ]

[ وذهب جماعة إلى وجوبه من البلد مع سعة المال، وإلا فمن الاقرب إليه فالاقرب (1) وربما يحتمل قول ثالث، وهو الوجوب من البلد مع سعة المال، وإلا فمن الميقات وإن أمكن من الاقرب الى البلد فالاقرب (2). ] من غيرها. بل ولا يظن الالتزام به ممن نسب إليه هذا القول. ونحوه في الاشكال: ما في القواعد، من التعبير بأقرب الاماكن إلى الميقات. وقال في كشف اللثام - في بيان القول المذكور -: " فان أمكن من الميقات لم يجب إلا منه، والا فمن الاقرب إليه فالاقرب لذلك. ولا يجب من بلد موته، أو بلد استقراره عليه.. ". وهذا التعبير هو الذي تقتضيه ادلة القول المذكور، كما سيأتي. ولعل المراد من الاقرب ما هو اقل قيمة، يعني: لا يجب على الورثة بذل ما هو أكثر قيمة. (1) حكاه في الشرائع قولا، واختاره في الدروس، قال: " فيقضى من أصل تركته من منزله. ولو ضاق المال فمن حيث يمكن - ولو من الميقات - على الاقوى. ولو قضي مع السعة من الميقات أجزأه وإن أثم الوارث... ". وهو ظاهر الحلي، كما يقتضيه دليله. فانه استدل على وجوب الحج من البلد: " بأنه كان تجب عليه نفقة الطريق من بلده، فلما مات سقط الحج عن بدنه وبقي في ماله تبعه ما كان يجب عليه لو كان حيا من مؤنة الطريق من بلده.. ". (2) حكاه في المدارك عن الحلي والشيخ في النهاية، وحكاه في المستند - ايضا - عن الصدوق في المقنع، والقاضي، والجامع، والمحقق الثاني، والدروس. ولكن في صحة النسبة في بعضها نظر كما عرفت. وإنما عبر المصنف (ره) بالاحتمال لان في الجواهر احتمل أن يكون الفرق بين القول بوجوب الحج من البلد والقول بوجوبه من البلد إن اتسع المال والا فمن حيث

[ 260 ]

[ والاقوى هو القول الاول (1)، وإن كان الاحوط القول الثاني. ] يمكن - اللذين ذكرهما في الشرائع -: أن الاول يراد به الوجوب من البلد مع الامكان ومع عدمه من الميقات. واحتمل في المدارك: أن يكون المراد من الاول السقوط مع عدم امكان الحج من البلد. لكن قال فيها: " لا نعرف بذلك قائلا.. ". وفي المستند: " لا يعرف قائله، كما صرح به جمع " بل نفاه بعضهم.. ". (1) للاصل وإطلاق الادلة. إذ السفر من البلد لا جزء. من الحج ولا شرط له، وإنما هو مقدمة عقليه للحج إذا كان الحاج بعيدا، فلا تدخل في مفهومه، والاطلاق بنفي وجوبها. ولبعض النصوص، كخبر زكريا إبن ادم قال: " سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل مات وأوصى بحجة، أيجوز أن يحج عنه من غير البلد الذي مات فيه؟ فقال أما ما كان دون الميقات فلا بأس " (* 1) وصحيح حريز بن عبد الله قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل أعطى رجلا حجة يحج عنه من الكوفة، فحج عنه من البصرة قال (عليه السلام): لا بأس " إذا قضى جميع المناسك فقد تم حجه " (* 2)، وصحيح علي بن رئاب عن أبي عبد الله (عليه السلام): " في رجل أوصى أن يحج عنه حجة الاسلام، فلم يبلغ جميع ما ترك إلا خمسين درهما. قال (عليه السلام): يحج عنه من بعض الاوقات التي وقتها رسول الله (صلى الله عليه وآله) من قرب " (* 3). لكن الجميع غير وارد فيما نحن فيه، بل الثاني وارد في الحي، والاول والاخير واردان في الوصية. والاولان ايضا لا ظهور لهما في حجة الاسلام. والاخير إنما ينفي القول الرابع - الذي لا يعرف قائله - ولا


(* 1) الوسائل باب: 2 من ابواب النيابة في الحج حديث: 4. (* 2) الوسائل باب: 11 من ابواب النيابة في الحج حديث: 1. (* 3) الوسائل باب: 2 من ابواب النيابة في الحج حديث: 1.

[ 261 ]

يدل على القول الاول. نظير: خبر أبي سعيد عمن سأل أبا عبد الله (عليه السلام): " عن رجل أوصى بعشرين درهما في حجة. قال (عليه السلام): يحج بها عنه رجل من موضع بلغه " (* 1). ونحوه خبر أبي بصير (* 2)، وخبر عمر ابن يزيد قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام): رجل أوصى بحجة فلم تكفه. قال: فيقدمها حتى يحج دون الوقت (* 3). ونحوه خبره الاخر (* 4). مع ان الثاني ظاهر في إجزاء الحج من الميقات، وهو لا يدل على عدم وجوب إيقاعه من البلد، لامكان التفكيك بينهما، كما تقدم في كلام الدروس. لان وجوب الايقاع من البلد منوط باشتغال الذمة، فإذا فرغت باداء الحج من الميقات سقط الوجوب. ومن ذلك يظهر الاشكال في الاستدلال للقول الثاني بصحيح البزنطي عن محمد بن عبد الله، قال. " سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن الرجل يموت فيوصي بالحج، من أبن يحج عنه؟ قال (عليه السلام): على قدر ماله، إن وسعه ماله فمن منزله، وإن لم يسعه ماله فمن الكوفة. فان لم يسعه من الكوفة فمن المدينة " (* 5). لعدم ظهوره في حج الاسلام. مع أن مورده الوصية، ويجوز أن يكون لها حكم خاص من جهة التعارف، كما أشار الى ذلك في المدارك حيث قال: " ولعل القرائن الحالية كانت دالة على ارادة الحج من البلد، كما هو المنصرف من الوصية عند الاطلاق في زماننا فلا يلزم مثله مع انتفاء الوصية.. ". مع أن الجمع بينه وبين خبر


(* 1) الوسائل باب: 2 من ابواب النيابة في الحج حديث: 5. (* 2) الوسائل باب: 2 من ابواب النيابة في الحج ملحق حديث: 5. (* 3) الوسائل باب: 2 من ابواب النيابة في الحج حديث: 7. (* 4) الوسائل باب: 2 من ابواب النيابة في الحج حديث: 6. (* 5) الوسائل باب: 2 من ابواب النيابة في الحج حديث: 3.

[ 262 ]

زكريا بن ادم حمل الاول على ما إذا عين مالا للحج - كما ورد في موثق عبد الله بن بكير عن أبي عبد الله (عليه السلام): " أنه سئل عن رجل أوصى بماله في الحج، فكان لا يبلغ أن يحج به من بلاده. قال (عليه السلام): فيعطى في الموضع الذي يحج به عنه " - (* 1). فانه أقرب من حمل الثاني على صورة الاضطرار، كما هو ظاهر. وإن شئت قلت: بعد تقييد خبر زكريا بموثق ابن بكير - بحمله على صورة عدم الوصية بمال معين - يدور الامر - في الجمع بينه وبين خبر محمد بن عبد الله - بين التصرف فيه بحمله على صورة الضرورة، وبين حمل خبر محمد على صورة الوصية بمال معين، فيكون المراد من قوله (عليه السلام): " على قدر ماله ": على قدر ماله الذي عينه للحج. ولا ينبغي التأمل في أن الثاني أولى، لان حمل الاول على حال الضرورة بمنزلة الطرح له، فيكون الدوران حينئذ بين الطرح والتخصيص، والثاني أولى. والمتحصل مما ذكرنا: أن النصوص جميعها ليست واردة فيما نحن فيه - وهو القضاء عن الميت - بل واردة في الوصية، عدا صحيح حريز. والعمدة - في المعارضة بينها - هي المعارضة بين خبري زكريا ومحمد بن عبد الله، والجمع بينها بالتصرف في الثاني أولى. وبذلك يكون الجمع ايضا بين خبر زكريا (* 2) وصحيح الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام): " أنه قال: وإن أوصى أن يحج عنه حجة الاسلام، ولم يبلغ ماله ذلك، فليحج عنه من بعض المواقيت " (* 3). وأما الخبر المروي عن مستطرفات السرائر من كتاب


(* 1) الوسائل باب: 2 من ابواب النيابة في الحج حديث: 2. (* 2) تقدم ذكر الرواية في صدر التعليقة. فلاحظ. (* 3) كما في الجواهر نقلا عن المدارك في المسألة: 2 من مسسائل شرائط وجوب الحج وفي المدارك نسب الرواية الى الشيخ (قده)، ولكنا لم نعثر على ذلك لا في كتابيه في الحديث: -

[ 263 ]

المسائل، بسنده عن عدة من أصحابنا " قالوا: " قلنا لابي الحسن - يعني علي بن محمد (عليه السلام) -: إن رجلا مات في الطريق وأوصى بحجته وما بقي فهو لك، فاختلف اصحابنا فقال بعضهم: يحج عنه من الوقت فهو أوفر للشئ أن يبقى، وقال بعضهم: يحج عنه من حيث مات. فقال (عليه السلام): يحج عنه من حيث مات " (* 1). فلا يبعد أن يكون الظاهر من قوله: " بحجته ": إتمام حجته، فلا يكون مما نحن فيه، كما ذكر ذلك في الجواهر. لا اقل من احتمال ذلك فيكون مجملا، أو لزوم حمله على ذلك جمعا بينه وبين خبر زكريا. والله سبحانه العالم. ثم إن المستفاد من دليل القول الاول - سواء كان خبر زكريا أم إطلاق الادلة - ليس إلا وجوب الحج من الميقات، وأما وجوبه من اقرب المواقيت إلى مكة فان لم يمكن فالاقرب إليه فالاقرب، فشئ لا يقتضيه الدليل. إلا أن يكون المراد ما هو أقل قيمة، يعني: لا يجب على الورثة ما هو أكثر قيمة، كما أشرنا إلى ذلك أنفا. ومنه يظهر ضعف القول الثاني، وأن مستنده إن كان هو النصوص فقد عرفت وجه الجمع بينها، وإن كان ما ذكره الحلي: من أنه كان تجب عليه نفقة الطريق من البلد فلما سقط الحج عن بدنه وجب في ماله فهو ممنوع، كما عرفت. ولو سلم فلا يصلح لمعارضة النص. وأما ما ادعاه: من تواتر الاخبار بذلك فغير ثابت. ولذا قال في المعتبر والمختلف: " لم


- التهذيب والاستبصار، ولا في كتبه الفهية، كالمبسوط ونحوه. نعم في التهذيب جاءت العبارة المذكورة في ذيل رواية له عن الحلبي، وعقبها بقوله: " روى ذلك موسى بن القاسم ". ولعل هذا هو منشأ اشتباه المدارك في اسناد الرواية الى الحلبي ناسبا لها الى الشيخ، وعليه اعتمد صاحب الجواهر (قده) كما عرفت. (* 1) الوسائل باب: 2 من ابواب النيابة في الحج حديث: 9.

[ 264 ]

[ لكن لا يحسب الزائد عن أجرة الميقاتية على الصغار من الورثة (1) ولو أوصى بالاستئجار من البلد وجب، ويحسب الزائد عن أجرة الميقاتية من الثلث (2). ولو أوصى ولم يعين شيئا كفت الميقاتية، إلا إذا كان هناك انصراف الى البلدية (3). أو كانت قرينة على إرادتها، كما إذا عين مقدارا يناسب البلدية (4). (مسألة 89): لو لم يمكن الاستيجار إلا من البلد وجب، وكان جميع المصرف من الاصل (5). ] نقف في ذلك على خبر شاذ فكيف يدعى التواتر؟... ". وأما الثالث فأولى بالاشكال من الثاني، لان النصوص لو اغمض النظر عن معارضها فانما تقتضي الثاني. وكذلك ما ذكر الحلي لو أغمض النظر عما فيه من الاشكال فهو يقتضى الثاني لا الثالث. وأما الرابع فعلى تقدير وجود القول به فاضعف من الجميع، كما يظهر بالتأمل. (1) لان ذلك تصرف في مالهم بغير وجه شرعي ثابت. (2) كما صرح بذلك في المدارك والجواهر. لان صرف الزائد ليس إلا بمقتضى العمل بالوصية التي لا يجب إخراجها إلا من الثلث. (3) بنحو يكون قرينة على إرادة ذلك من الموصي. أما إذا كان موجبا للاجمال اقتصر على الميقاتية، للشك في الوصية من البلد. (4) وكذا إذا لم يكن مناسبا لها وأمكن الاستيجار به من البلد، فانه يجب الاخراج من البلد، فان تعذر فالاقرب إليه فالاقرب، كما تضمنته النصوص السابقة. (5) كما استوضحه في المدارك والجواهر. لان إطلاق الوجوب والاخراج من الاصل يقتضي ذلك. وكذا لو توقف على الاستنابة من

[ 265 ]

[ (مسألة 90): إذا أوصى بالبلدية، أو قلنا بوجوبها مطلقا، فخولف واستؤجر من الميقات، أو تبرع عنه متبرع منه، برئت ذمته، وسقط الوجوب من البلد (1). وكذا لو لم يسع المال إلا من الميقات (2). (مسألة 91): الظاهر أن المراد من البلد هو البلد الذي مات فيه (3)، كما يشعر به خبر زكريا بن آدم (رحمهما الله): " سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل مات وأوصى بحجة، ] موضع أبعد من البلد إلى مكة. (1) كما تقدم في كلام الدروس. لان الحج من الميقات فرد للمأمور به، فيسقط به الامر. ولا ينافي ذلك وجوب الاخراج من البلد، لان ذلك تكليف زائد، لا أنه داخل في قوام الواجب. ولذلك يظهر ضعف ما في المدارك، قال (ره): " ويشكل بعدم الاتيان بالمأمور به على وجهه على هذا التقدير، فلا يتحقق الامتثال.. ". نعم لا يبعد البناء على إثم الولي بذلك إذا كان ذلك باختياره - كما تقدم في كلام الدروس لتفويته الواجب بالوصية. إلا أن يلتزم بأن الوجوب على نحو الواجب المشروط المنوط باشتغال ذمة الميت، فإذا برئت بالحج الميقاتي انتفى الشرط فينتفي الوجوب بانتفاء شرطه، لا أنه يسقط لتعذر امتثاله. لكنه بعيد عن ظاهر الوصية. (2) لما تقدم بل هنا أولى، لسقوط الوجوب بالتعذر. (3) قال في المدارك: " الظاهر أن المراد من البلد الذي يجب الحج منه - على القول به - محل الموت حيث كان، كما صرح به ابن ادريس، ودل عليه دليله.. ". اقول: قد تقدمت عبارة ابن ادريس، ولم يصرح فيها ببلد الموت. نعم ذلك مقتضى دليله، لانه حين الموت كان

[ 266 ]

[ أيجزيه أن يحج عنه من غير البلد الذي مات فيه؟ فقال (عليه السلام): ما كان دون الميقات فلا بأس به " (* 1). مع أنه آخر مكان كان مكلفا فيه بالحج. وربما يقال إنه بلد الاستيطان، لانه المنساق من النص والفتوى (1). وهو كما ترى (2). ] مكلفا بالسفر من ذلك المكان، فإذا اقتضى ذلك الاستنابة من البلد كان مقتضيا للاستنابة من ذلك المكان. ولعل غرض المدارك من التصريح هذا المقدار من الاستفادة. (1) قال في الجواهر: " وكيف كان فالمراد بالبلد - على تقدير اعتباره - بلد الاستيطان، لانه المنساق من النص والفتوى. خصوصا من الاضافة فيهما، سيما خبر محمد بن عبد الله.. " (* 2). (2) كأنه يريد: أن الانسياق لا يصلح لمعارضة ما هو ظاهر الخبر المتقدم. والتحقيق: أن اطلاق البلد في كلامهم من دون تعرض لبيان المراد منه يقتضى ظهوره في بلد الاستيطان. وأما النصوص فقد عرفت أنها جميعا واردة في الوصية، والمتعرض منها للبلد خبر زكريا وخبر محمد ابن عبد الله المذكور فيه: " منزله "، وموثق عبد الله بن بكير المذكور فيه: " بلاده " (* 3)، ودلالة الاخيرين على بلد الاستيطان ظاهرة، كدلالة الاول على بلد الموت. والجمع بينها يتعين بحمل الاخيرين على الاول، لان الغالب في بلد الاستيطان ان يكون بلد الموت، فيسهل حملهما عليه، وليس كذلك حمل الاول عليهما. لان التعرض فيه لذكر الموت زائدا على ذكر البلد ظاهر جدا في اعتبار خصوصية الموت في الاستنابة. ولا سيما


(* 1) الوسائل باب: 2 من ابواب النيابة في الحج حديث: 4. (* 2) الوسائل باب: 2 من ابواب النيابة في الحج حديث: 3. (* 3) الوسائل باب: 2 من ابواب النيابة في الحج حديث: 2.

[ 267 ]

[ وقد يحتمل البلد الذي صار مستطعيا فيه (1). ويحتمل التخيير بين البلدان التي كان فيها بعد الاستطاعة. والاقوى ما ذكرنا، وفاقا لسيد المدارك (قده)، ونسبه الى ابن ادريس (رحمه الله) أيضا. وإن كان الاحتمال الاخير - وهو التخيير - قويا جدا (2). ] بملاحظه أنه البلد الذي هو منتهى انقطاع الخطاب بالحج عنه، ضرورة كونه مكلفا بالحج من ذلك المكان، فيناب عنه، كما ذكر في الجواهر، وجعله مؤيدا لما في المتن. (1) حكى في الجواهر هذا الاحتمال عن بعض، وعن بعض العامة: القول به. وكأنه لان بلد اليسار هو البلد الذي توجه إليه الخطاب بالحج منه. وفيه: أن الخطاب بالحج منه يختص بصورة عدم انتقاله عنه، فإذا انتقل عنه توجه إليه الخطاب بالحج من غيره الذي انتقل إليه. ولذلك استدل الحلي على بلد الموت بذلك. (2) كأن وجهه: الاخذ باطلاق البلد، ومنع الانسياق الى بلد الاستيطان، كما أشار إلى ذلك بقوله سابقا: " كما ترى ". وأما خبر زكريا فدلالته بالاشعار لا بالظهور. وفيه: ما عرفت من أن: " بلاده " و: " منزله " ظاهران في بلد الاستيطان. مع أنه لو تم ذلك كان اللازم الاجتزاء بكل بلد ولا يختص بالبلد الذي كان فيه بعد الاستطاعة. وأما الخبر فدلالته تامة، لان قوله: " أيجزيه أن يحج عنه من غير البلد الذي مات فيه ظاهر في أن للبلد الذي مات فيه نوعا من الخصوصية، فإذا حمل الخبر على حال الضرورة فقد دل على الوجوب من ذلك البلد في حال الاختيار. وأوضح منه في ذلك خبر كتاب المسائل المروي في مستطرفات السرائر (* 1)، بناء على الاستدلال به لوجوب الحج من البلد.


(* 1) الوسائل باب: 2 من ابواب النيابة في الحج حديث: 9.

[ 268 ]

[ (مسألة 92): لو عين بلدة غير بلده - كما لو قال: " استأجروا من النجف أو من كربلاء " - تعين (1). (مسألة 93): على المختار من كفاية الميقاتية لا يلزم أن يكون من الميقات أو الاقرب إليه فالاقرب، بل يكفي كل بلد دون الميقات (2). لكن الاجرة الزائدة على الميقات - مع إمكان الاستيجار منه - لا يخرج من الاصل (3)، ولا من الثلث إذا لم يوص بالاستئجار من ذلك البلد (4). إلا إذا أوصى باخراج الثلث (5) ] ويحتمل أن يكون الوجه فيما ذكره المصنف (ره): أن كل بلد من البلدان التي كان فيها بعد الاستطاعة توجه إليه الخطاب بالحج منه، ولما لم يمكن البناء على وجوب الجمع تعين البناء على التخيير. نظير ما ذكره فيمن فاتته الصلاة في الوقت وكان في بعض الوقت حاضرا وفي بعضه مسافرا. وفيه: أنه بعد الانتقال من البلد إلى الاخر يتوجه إليه الخطاب بالحج من الاخر على وجه التعيين، كما عرفت. وبالجملة: فهذا الاحتمال ضعيف جدا، ولذا لم يعرف من أحد، فضلا عن القول به. (1) عملا بعموم لزوم العمل بالوصية. (2) لان الاجزاء لا يقتضى اللزوم، والاطلاق يقتضى إجزاء الجميع. (3) إذ لا ملزم للورثة بذلك مع امكان ما هو أقل قيمة - كما هو المفروض - لان الذي يخرج من الاصل صرف الوجود المنطبق على الاقل كما ينطبق على الاكثر. (4) لان الذي يخرج من الثلث هو الوصية، والمفروض عدمها، (5) لانه إذا أوصى كذلك لزم صرف الثلث في مصلحه الميت.

[ 269 ]

[ من دون أن يعين مصرفه (1)، ومن دون أن يزاحم واجبا ماليا عليه (2). (مسألة 94): إذا لم يمكن الاستئجار من الميقات وأمكن من البلد وجب، وإن كان عليه دين الناس أو الخمس أو الزكاة (3)، فيزاحم الدين إن لم تف التركة بهما، بمعني أنها توزع عليهما بالنسبة. (مسألة 95): إذا لم تف التركة بالاستئجار من ] وتعيين المصرف موكول الى نظر الوصي. فإذا كان نظره يقتضي الحج البلدي كان مما أوصى به الميت، فيخرج من الثلث. (1) إذ لو عين لزم العمل بتعيينه ولم يجز صرف الثلث في غيره. نعم إذا عين مصرفا لا يستوفي الثلث فالحكم كما إذا لم يعين، لان المقدار الزائد موكول الى نظر الوصي، فله صرفه في الحج البلدي. (2) فانه مع المزاحمة للواجب المالي يتعين صرف الثلث في الواجب المالي. لكن - على هذا - لا ثلث للميت، لان الثلث - الذى يكون للميت الوصية به - ثلث ما زاد على الواجب المالي. وكذا لو كان عليه واجب غير مالي، بناء على إخراجه من الاصل كما هو مذهب المصنف (ره). ولاجل ذلك يكون التقييد بالمالي غير ظاهر الوجه، فالعبارة - إذا - لا تخلو عن اشكال. وعلى المختار، من عدم خروج الواجب غير المالي من الاصل يكون الصحيح في التعبير هكذا: " ومن دون ان يزاحم واجبا غير مالي ". فلاحظ (3) لاطلاق دليل وجوب إخراجه من الاصل، كما تقدم في المسألة التاسعة والثمانين. ولا فرق في ثبوت الاطلاق بين أن يزاحمه دين آخر أو لا، فيجب العمل به، ومع المزاحمة يلزم التحصيص والتقسيط.

[ 270 ]

[ الميقات لكن أمكن الاستئجار من الميقات الاضطراري - كمكة أو أدنى الحل - وجب (1) نعم لو دار الامر بين الاستئجار من البلد أو الميقات الاضطراري قدم الاستئجار من البلد ويخرج من أصل التركة، لانه لا اضطرار للميت مع سعة ماله (2). (مسألة 96): بناء على المختار من كفاية الميقاتية لا فرق بين الاستئجار عنه وهو حي أو ميت، فيجوز لمن هو معذور - بعذر لا يرجى زواله - أن يجهز رجلا من الميقات -، كما ذكرنا سابقا أيضا (3). فلا يلزم أن يستأجر من بلده على الاقوى، وإن كان الاحوط ذلك. (مسألة 97): الظاهر وجوب المبادرة الى الاستئجار في سنة الموت (4). خصوصا إذا كان الفوت عن تقصير من ] (1) لعموم دليل البدلية عند الاضطرار. (2) فلا مجال للبدلية الاضطرارية. (3) في أواخر المسألة الثانية والسبعين. (4) كما في كشف الغطاء. والظاهر أنه مفروغ عنه عندهم، لانه دين - كما في النص - فيجري عليه حكمه، من وجوب المبادرة إلى ادائه، عملا بقاعدة السلطنة وللنصوص المتضمنة: أن حبس الحقوق من الكبائر. أو لان اللام في قوله تعالى: (ولله على الناس حج البيت..) (* 1) لام الملك، فيكون الحج مملوكا له تعالى، فيكون دينا حقيقة، فيجب أداؤه، كما عرفت. أو لان ما دل على وجوب المبادرة إليه في حال الحياة يدل عليها بعد الوفاة ايضا، لان ما يفعله النائب هو ما يجب على المنوب


(* 1) آل عمران: 97.

[ 271 ]

[ الميت (1) وحينئذ فلو لم يمكن إلا من البلد وجب وخرج من الاصل (2) ولا يجوز التأخير إلى السنة الاخرى ولو مع العلم بامكان الاستئجار من الميقات توفيرا على الورثة. كما أنه لو لم يمكن من الميقات إلا بأزيد من الاجرة المتعارف في سنة الموت وجب ولا يجوز التأخير إلى السنة الاخرى توفيرا عليهم. (مسألة 98): إذا أهمل الوصي أو الوارث الاستئجار فتلفت التركة، أو نقصت قيمتها فلم تف بالاستئجار ضمن (3) كما أنه لو كان على الميت دين، وكانت التركة وافية وتلفت بالاهمال ضمن. (مسألة 99): على القول بوجوب البلدية وكون المراد بالبلد الوطن، إذا كان له وطنان الظاهر وجوب اختيار الاقرب إلى مكة (4). إلا مع رضي الورثة بالاستئجار من الابعد. نعم مع عدم تفاوت الاجرة الحكم التخيير. ] عنه بماله من الاحكام. فتأمل. (1) كأن وجه الخصوصية: أن المبادرة حينئذ تكون منجزة على المنوب عنه فتكون من أحكامه الفعلية لا الاقتضائية. (2) هذا من أحكام لزوم الفورية. (3) للتفريط الموجب لضمان الحق. أو لما ورد من النصوص المتضمنة: أن من كان أمينا على مال ليصرفه فأخر صرفه - مع إمكانه، ووجود المستحق - ضمن (* 1). (4) المراد من الاقرب الاقل قيمة، كما يظهر ذلك من ملاحظة مجموع


(* 1) راجع الوسائل باب: 36 من ابواب الوصايا.

[ 272 ]

[ (مسألة 100): بناء على البلدية الظاهر عدم الفرق بين أقسام الحج الواجب، فلا اختصاص بحجة الاسلام (1). فلو كان عليه حج نذري لم يقيد بالبلد ولا بالميقات يجب الاستئجار من البلد (2). بل وكذا لو أوصى بالحج ندبا، اللازم الاستئجار من البلد إذا خرج من الثلث (3). (مسألة 101): إذا اختلف تقليد الميت والوارث في اعتبار البلدية أو الميقاتية فالمدار على تقليد الميت (4). وإذا العبارة. وحينئذ يكون قرينة على المراد من عبارة المشهور المتقدمة في صدر ] المسألة الثامنة والثمانين. فراجع. (1) لان الدليل الدال على الوجوب من البلد إن كان ما ذكره ابن ادريس: من أنه مقتضى الخطاب، فلا فرق فيه بين أن يكون الخطاب بحج الاسلام أو بحج النذر. وإن كان هو النصوص فموردها الوصية، فإذا لزم التعدي عن موردها لم يكن فرق بين حج الاسلام وغيره. (2) لو كان النذر مقيدا بالميقات فمقتضى ما ذكره ابن ادريس وجوب الحج من البلد ايضا، لان الخطاب المتوجه إلى الميت حال حياته - بالاتيان بالحج من الميقات - يقتضي وجوب السعي إليه من البلد الذى هو فيه وإن كان من باب المقدمة، فيجب على النائب الاتيان به بعين التقريب الذي ذكر في الحج الاسلامي. بل لو كان ناذرا الحج من بلد آخر غير بلده ايضا يقتضي الحج من بلده الى ذلك البلد ثم منه إلى الميقات، لما ذكر. (3) لما عرفت، من أن نصوص الوصية - على تقدير دلالتها على الوجوب من البلد - لم يذكر فيها أن الموصى به حج الاسلام، بل مقتضى اطلاقها العموم للوصية بالحج الندبي. (4) تقدم مثل ذلك من المصنف في موارد كثيرة. وتقدم الاشكال

[ 273 ]

[ علم أن الميت لم يكن مقلدا في هذه المسألة، فهل المدار على تقليد الوارث، أو الوصي، أو العمل على طبق فتوى المجتهد الذي كان يجب عليه تقليده إن كان متعينا والتخيير مع تعدد المجتهدين ومساواتهم؟ وجوه (1). وعلى الاول فمع اختلاف ] فيه: أن تقليد الميت ليس له موضوعية. بل هو طريق الى وظيفة الميت في مقام العمل، فهو حجة عليه لا على الوارث، واللازم على الوارث العمل على مقتضى تقليده. فإذا كان تقليد الميت يقتضي الحج من الميقات وتقليد الوارث يقتضي الحج من البلد، فالوارث لا يرى براءة ذمتة إلا بالحج من البلد، لانه يرى أنه هو الواجب على الميت في حال حياته. وأنه هو اللازم إخراجه من تركته، وأنه لا يرث إلا ما زاد عليه، فكيف يجتزي بالحج من الميقات؟! نعم لو كان التقليد موضوعا للحكم الواقعي كان لما ذكر وجه. لكنه تصويب باطل. وكذلك الوصي فان الوصي إذا كان مقتضى تقليده الاخراج من البلد، فهو يرى وجوب ذلك عليه لما دل على وجوب العمل بالوصية، فكيف يجتزي باخراج الحج من الميقات؟! وسيأتي منه - في فصل الوصية -: أن المدار على تقليد الوصي والوارث. (1) قد عرفت أن اللازم لكل عامل أن يعمل على تقليده لا تقليد غيره. لكن لو بني على الثاني - في الصورة الاولى - يتعين في هذه الصورة الرجوع إلى المجتهد - الذى كان يجب على الميت تقليده - إذا كان متعينا لان رأيه حجة عليه. أما إذا كان متعددا فيشكل التخيير: بأنه مع التعدد لا يكون رأى أحدهما حجة إلا إذا اختاره نظير: ما لو تعارض الخبران، فانه لا يكون أحدهما حجة الا في حال الاختيار، فمع عدم الاختيار لا حجة ولا حجية. واختيار الوارث لا اثر له في الحجية على الميت. وحينئذ يتعين الرجوع إلى تقليد نفسه، لا التخيير بين المجتهدين. فاللازم حينئذ

[ 274 ]

[ الورثة في التقليد يعمل كل على تقليده (1)، فمن يعتقد البلدية يؤخذ من حصته - بمقدارها بالنسبة - فيستأجر مع الوفاء بالبلدية بالاقرب فالاقرب إلى البلد. ويحتمل الرجوع الى الحاكم لرفع النزاع، فيحكم بمقتضى مذهبه. نظير: ما إذا اختلف الولد الاكبر مع الورثة في الحبوة. وإذا اختلف تقليد الميت والوارث في أصل وجوب الحج عليه وعدمه - بأن يكون ] التفصيل بين أن يكون المجتهد متعينا فيلزم العمل على تقليد الميت، وأن لا يكون متعينا فيلزم العمل على تقليد الحي نفسه. (1) لانه الحجة عليه دون تقليد غيره. وهذا مما لا إشكال فيه، إنما الاشكال فيما إذا أدى ذلك إلى النزاع. توضيح ذلك: أن التقليدين المختلفين تارة: يكونان اقتضائيين. وأخرى: يكون أحدهما اقتضائيا دون الاخر. فان كانا معا اقتضائيين فالعمل على احدهما يكون منافيا للعمل على الاخر دائما. وإذا كان أحدهما اقتضائيا دون الاخر، فالعمل على اللاقتضائى قد يكون منافيا للعمل على الاقتضائى وقد لا يكون، كما في المقام. فان تقليد من يقول بوجوب الحج البلدي اقتضائي، وتقليد من يقول بكفاية الحج الميقاتي لا اقتضائي، لجواز الاتيان بالحج البلدي عنده، فالمقلد لمن يقول بكفاية الميقاتي إذا أقدم على اخراج الحج البلدي لم يكن منشأ للنزاع بينهم. أما إذا لم يقدم على ذلك بل أقدم على بذل الحج الميقاتي، فان لم يتعلق بعمل صاحبه لم يكن مثارا للنزاع والخصام، وإن تعلق بعمله كان مثارا لذلك. ومبنى ذلك: ما تقدم في المسألة الخامسة والثمانين، من أن الواجب على الورثة التوزيع والتحصيص، أو هو إخراج الحج على كل حال. فعلى

[ 275 ]

[ الميت مقلدا لمن يقول بعدم اشتراط الرجوع إلى كفاية فكان يجب عليه الحج، والوارث مقلدا لمن يشترط ذلك فلم يكن واجبا عليه، أو بالعكس - فالمدار على تقليد الميت (1). (مسألة 102): الاحوط - في صورة تعدد من يمكن استئجاره استئجار من أقلهم أجرة مع إحراز صحة عمله مع عدم رضى الورثة أو وجود قاصر فيهم، سواء قلنا بالبلدية أو الميقاتية. وإن كان لا يبعد جواز استئجار المناسب لحال الميت ] الاول لا يكون عمل أحدهما متعلقا بعمل الاخر، فإذا كان الوارث ذكرين كان الواجب على كل واحد منهما نصف المقدار اللازم في الحج. فمن كان مقتضى تقليده إخراج الحج البلدي لزمه نصف المقدار اللازم فيه، ومن كان مقتضى تقليده إخراج الحج الميقاتي لزمه نصف المقدار اللازم في الميقاتي، فكل واحد يدفع ما عليه لا غير. وعلى الثاني يجب على من كان مقتضى تقليده الحج البلدي إخراجه على كل حال، كما لو غصب بعض التركة. فإذا دفع - من كان مقتضى تقليده الحج الميقاتي - نصف ما يلزم في الحج الميقاتي لم يسكت عنه الاخر، لانه لو سكت عنه لزم خسارة التفاوت وإخراج الحج البلدي، فيحصل النزاع، فيتعين الرجوع إلى المجتهد الثاني ويجب العمل على حكمه. وقد عرفت في المسألة الخامسة والثمانين: أن الاقرب هو الثاني، فيتعين الرجوع إلى الحاكم الشرعي لقطع النزاع. ومثله: لو اختلف الورثة في وجوب الحج على الميت وعدمه لاختلافهم في شرائط الاستطاعة. وقد تقدمت الاشارة إلى ذلك في المسألة الخامسة والثمانين. (1) قد تقدم الاشكال فيه. وسيأتى منه - في أول فصل مباحث الوصية -: أن المدار على تقليد الوصي والوارث، كما سبق.

[ 276 ]

[ من حيث الفضل والاوثقية مع عدم قبوله إلا بالازيد وخروجه من الاصل (1). كما لا يبعد عدم وجوب المبالغة في الفحص عن أقلهم أجرة (2)، وإن كانت أحوط. (مسألة 103): قد عرفت أن الاقوى كفاية الميقاتية لكن الاحوط الاستئجار من البلد بالنسبة الى الكبار من الورثة، بمعنى: عدم احتساب الزائد عن أجرة الميقاتية على القصر إن كان فيهم قاصر (3). (مسألة 104): إذا علم أنه كان مقلدا ولكن لم يعلم فتوى مجتهده في هذه المسالة، فهل يجب الاحتياط، أو المدار على تقليد الوصي أو الوارث؟ وجهان أيضا (4). ] (1) هذا إذا كان التعدي عن المناسب يعد هتكا لحرمة الميت وحطا من كرامته، فان حينئذ مما تنصرف عنه الادلة. أما إذا لم يكن كذلك فلا دليل عليه. ثم إن المناسبة تارة: تكون من حيث الفاعل، وأخرى: تكون من حيث القيمة. وفي المقامين لا بد أن يكون تركها هتكا، وإلا فلا موجب لها. (2) لان الاذن محمول على المتعارف. (3) ظاهر العبارة: أن المراد أن الاحوط للكبار أن يبذلوا ما به التفاوت بين الميقاتية والبلدية من ما لهم. لكن - بناء على ما ذكره في المسألة السابقة - يكون الاحوط أن يبذل الكبار ما يلزم في حصتهم من التفاوت، لا أن يبذلوا ما به التفاوت بين الميقاتية والبلدية حتى ما يتعلق بحصة الصغار. (4) لازم ما ذكره سابقا ان يكون الوجهان: الاحتياط بفعل البلدية، وعدمه بفعل الميقاتية. لان الواجب على الوارث إذا كان ما يقتضيه تقليد

[ 277 ]

[ (مسألة 105): إذا علم باستطاعة الميت مالا ولم يعلم تحقق سائر الشرائط في حقه، فلا يجب القضاء عنه، لعدم العلم بوجوب الحج عليه، لاحتمال فقد بعض الشرائط (1)، (مسألة 106): إذا علم استقرار الحج عليه ولم يعلم أنه أتى به أم لا فالظاهر وجوب القضاء عنه (2)، لاصالة ] الميت وتردد بين البلدية والميقاتية. فاللازم إما الرجوع إلى البراءة أو الاحتياط، لا الرجوع إلى تقليد نفسه. وكذا الكلام في الوصي. (1) والاصل البراءة الجاري في حق الميت أو في حق الوارث. هذا إذا لم تكن أمارة أو أصل يقتضى ثبوت الشرط فيقتضي ثبوت الوجوب، وإلا كان العمل عليه، فيجب القضاء عنه. (2) تقدم الكلام في نظير المقام في المسألة الخامسة من ختام الزكاة، وفى آخر مسألة من فصل الاستيجار في قضاء الصلاة، وفي غير ذلك. والحكم الذى ذكره المصنف (ره) هنا في محله، للوجه الذي ذكره فيه: وأما وجه الاحتمال الاخر - وهو ظهور حال المسلم - فلا دليل على حجيته. إلا أن يكون الشك بعد خروج الوقت، فقد قامت الادلة على جواز البناء على وقوع الفعل فيه. أما في غير ذلك فلا دليل عليه. إذ مرجع ذلك إلى أن إسلام المسلم يقتضى وقوع الفعل منه فيبني عليه، وليس ذلك إلا عملا بقاعدة المقتضى التي اشتهر عدم ثبوتها وعدم جواز العمل عليها. وأما قاعده التجاوز فليست هي من ظهور الحال بل هي من قبيل ظهور الفعل، لان الدخول في الفعل المترتب على المشكوك فعله يدل على وقوع ما قبله. وبالجملة: الظاهر تارة: يكون قولا، وأخرى: يكون فعلا،

[ 278 ]

[ بقائه في ذمته. ويحتمل عدم وجوبه عملا بظاهر حال المسلم وأنه لا يترك ما وجب عليه فورا. وكذا الكلام إذا علم أنه تعلق به خمس، أو زكاة، أو قضاء صلوات، أو صيام، ولم يعلم أنه أداها أولا (1) (مسألة 107): لا يكفي الاستئجار في براءة ذمة الميت والوارث بل يتوقف على الاداء (2). ولو علم أن الاجير ] وثالثة: يكون حالا. والجميع إن كان مقرونا بقصد الحكاية فهو خبر وحجيته تختلف باختلاف الموارد، من حيث كون المورد حكما أو موضوعا، من حقوق الناس أو من حقوق الله تعالى، أولا من هذا ولا من ذاك. وباختلاف الخصوصيات من حيث كون المخبر عادلا، أو ثقة، أو ذايد، أو غير ذلك، وكون المخبر واحدا أو متعددا وغير ذلك. وتختلف الحجية باختلاف ذلك كله حسبما تقتضيه الادلة. وإذا لم يكن قصد الحكاية فالدال ليس من الخبر. والدلالة ان كانت عقليه للزوم العقلي فلا إشكال في الحجية، وان لم يكن عقليا بل كان مستندا إلى غلبة أو اقتضاء أو نحوهما فالدلالة محتاجة إلى دليل. ومنه المقام، فان الدلالة المستندة إلى مجرد وجود المقتضي لا دليل عليها. (1) إذا علم أنه تعلق بذمته وشك في ادائه فمقتضى الاستصحاب وإن كان وجوب الاداء. لكن قد يستفاد عدمه مما ورد في الدعوى على الميت، حيث لم يكتف بالبينة في وجوب الاداء، بل احتيج إلى اليمين على البقاء، فمع عدمه لا يجب الوفاء على الوارث، فيكون ذلك على خلاف الاستصحاب. (2) هذا ينبغي أن يكون من الواضحات، لان الاستيجار ليس مصداقا للمأمور به، فكيف تبرأ به الذمة؟!.

[ 279 ]

[ لم يؤد وجب الاستئجار ثانيا، ويخرج من الاصل إن لم يمكن استرداد الاجرة من الاجير. (مسألة 108): إذا استأجر الوصي أو الوارث من البلد غفلة عن كفاية الميقاتية ضمن ما زاد عن أجرة الميقاتية للورثة أو لبقيتهم (1). (مسألة 109): إذا لم يكن للميت تركة وكان عليه الحج لم يجب على الورثة شئ (2)، وإن كان يستحب على وليه. بل قد يقال بوجوبه، للامر به في بعض الاخبار (3). ] (1) إذا كانت الاجارة بعين التركة فالاجارة بالنسبة إلى مقدار التفاوت فضولية، فان اجاز الورثة نفذت وإلا فلا. وإن كان في الذمة لم يرجع الوصي على الورثة أو الوارث على بقية الورثة إلا بمقدار الحج الميقاتي. (2) بلا خلاف ظاهر. وفي كشف اللثام: نسبته إلى المشهور، وظاهر غيره: التسالم عليه. ويقتضيه النصوص المتضمنة: " أنه يحج عنه من صلب ماله لا يجوز غير ذلك " - كموثق سماعة - (* 1) أو " من جميع ماله " - كما في صحيح الحلبي - (* 2) أو " من جميع المال " - كما في صحيح معاوية - (* 3) أو غيرذلك، كما في غيرها. وقد تقدمت في المسألة الثالثة والثمانين. (3) في الجواهر: أنه يشعر بالوجوب كلام ابن الجنيد. وفي كشف اللثام: " قد يستظهر الوجوب من كلام أبي علي، وليس فيه إلا أن الولي يقضي عنه إن لم يكن ذا مال ". ولا ريب أن ظاهره الوجوب، كما في الدروس. وكأنه للامر به في صحيح ضريس، المتقدم فيمن مات قبل دخول


(* 1) الوسائل باب: 28 من ابواب وجوب الحج حديث: 4. (* 2) الوسائل باب: 28 من ابواب وجوب الحج حديث: 3. (* 3) الوسائل باب: 25 من ابواب وجوب الحج حديث: 4.

[ 280 ]

[ (مسألة 110): من استقر عليه الحج وتمكن من أدائه ليس له أن يحج عن غيره تبرعا أو باجارة، وكذا ليس له أن يحج تطوعا (1). ولو خالف فالمشهور البطلان، بل ادعي بعضهم: عدم الخلاف فيه (2) وبعضهم: الاجماع عليه (3). ولكن عن سيد المدارك: التردد في البطلان (4). ومقتضى ] الحرم (* 1). وفي الجواهر: إنه محمول على الندب قطعا. اقول: مقتضى الجمع العرفي: التقييد بالتركة لا الحمل على الندب. نعم الاعتبار يساعد على الندب. (1) لانه تفويت الواجب الفوري، وهو واضح. (2) في الجواهر ادعى عدم وجدان الخلاف في الاول - وهو الحج عن غيره باجارة أو تبرعا - وحكى الخلاف فيه في التطوع. قال في الخلاف: " وأما الدليل على أنه إذا نوى التطوع وقع عنه لا عن حجية الاسلام: قوله (عليه السلام): " الاعمال بالنيات، ولكل امرئ ما نوى.. " (* 2). وهذا نوى التطوع، فوجب أن يقع عما نوى عنه ". (3) ادعى ذلك في المستند في خصوص النيابة. (4) قال فيها: " ولا يخفى أن أحكم بفساد التطوع إنما يتم إذا ثبت تعلق النهي به نطقا أو التزاما. والقول بوقوع التطوع عن حج الاسلام للشيخ في المبسوط. وهو مشكل، لان ما فعله قد قصد به خلاف حج الاسلام، فكيف ينصرف إليه؟! ونقل عنه في الخلاف: أنه حكم بصحة التطوع، وبقاء حج الاسلام في ذمته. وهو جيد إن لم يثبت تعلق النهي به المقتضي للفساد.. ".


(* 1) تقدم في أول المسألة: 73 من هذا الفصل. (* 2) الوسائل باب: 5 من ابواب مقدمة العبادات حديث: 10.

[ 281 ]

[ القاعدة: الصحة، وإن كان عاصيا في ترك ما وجب عليه، كما في مسألة الصلاة مع فورية وجوب إزالة النجاسة عن المسجد إذ لا وجه للبطلان الا دعوى: أن الامر بالشئ نهي عن ضده (1). وهي محل منع. وعلى تقديره لا يقتضي البطلان، لانه نهى تبعي (2). ودعوى: أنه يكفي في عدم الصحة عدم الامر (3). مدفوعة: بكفاية المحبوبية في حد نفسه في الصحة (4)، ] (1) هذه الدعوى اعتمد عليها في كشف اللثام. (2) كأن المراد بالتبعي في المقام الغيري. لكن التحقيق: أن النهي الغيري موجب للثواب والعقاب كالنهي النفسي، وإنما يختلفان في أن النهي النفسي يقتضيهما من حيث هو، والنهي الغيري يقتضيهما من حيث كونه من رشحات النهي النفسي وشراشره. ففعل مقدمة الواجب انقياد وتركها تجرؤ، وفعل مقدمة الحرام تجرؤ وتركها انقياد. فالسفر لقتل المؤمن معصيه، والسفر للحج طاعة، والاول موجب لاستحقاق العقاب، والثاني موجب لاستحقاق الثواب. وإذا كان موجبا لاستحقاق العقاب كان مبعدا، فيمتنع أن يكون مقربا، فلا يصح إذا كان عبادة. (3) هذه الدعوى محكية عن الشيخ البهائي (ره)، وحاصلها: أن الامر بالشئ وإن لم يقتض النهي عن ضده، لكن يمنع عن الامر بضده لامتناع الامر بالضدين. لان اجتماع الضدين إذا كان محالا كان الامر بهما أمرا بالمحال، وهو محال وإذا امتنع الامر بالضد الاخر امتنع التقرب به لان التقرب إنما يكون بالفعل بداعي الامر، فمع عدم الامر يمتنع التقرب. (4) يعني: يكفي في التقرب الفعل بداعي المحبوبية. بل التحقيق: جواز تعلق الامر بالضدين إذا كان على نحو الترتب، كما تعرضنا لذلك في مبحث أحكام النجاسات، من كتاب الطهارة من هذا الشرح. فراجع.

[ 282 ]

[ كما في مسألة ترك الاهم والاتيان بغير الاهم من الواجبين المتزاحمين. أو دعوى: أن الزمان مختص بحجته عن نفسه، فلا يقبل لغيره (1). وهي - أيضا - مدفوعة بالمنع، إذ مجرد الفورية لا يوجب الاختصاص، فليس المقام من قبيل شهر رمضان حيث أنه غير قابل لصوم آخر. وربما يتمسك للبطلان في المقام بخبر سعد بن أبي خلف عن أبي الحسن موسى (عليه السلام): " عن الرجل الصرورة يحج عن الميت؟ قال (عليه السلام): نعم، ] وفي حاشية بعض الاعاظم (ره) على المقام قال: " لا سبيل إلى هذه الدعوى فيما اعتبرت القدرة فيه شرطا شرعيا، كالحج ونحوه ". وكأنه يريد: أن القدرة إذا كانت شرطا للوجوب فانتفاؤها - كما يوجب انتفاء الوجوب - يوجب انتفاء المحبوبية. ولا يخلو ما ذكره من غموض، لان القدرة إنما اعتبرت شرطا شرعيا في حج الاسلام لا في التطوع لمن عليه حج الاسلام، فان التطوع منه لا تعتبر في مشروعيته القدرة. وكذا في الحج عن غيره وإن كان حج الاسلام، لان حج الاسلام الثابت للمنوب عنه إنما يعتبر في مشروعيته قدرته لا قدرة النائب، لان النائب يتقرب بأمر المنوب عنه لا يأمر نفسه. ومن ذلك تعرف أن هذه الدعوى - المحكية عن البهائي - لا مجال لها في المقام بالنسبة الى الحج عن الغير - تبرعا أو بالاجارة - لان النائب إنما يتقرب بأمر المنوب عنه، وهو لا ينافي الامر المتوجه الى النائب بحج الاسلام. (1) هذه الدعوى لم أقف على من ادعاها، ولكن ذكرها في الجواهر وجها للمشهور، وأنكرها بقوله: " فان التحقيق عدم اقتضاء الفورية أصل التوقيت، فضلا عن التوقيت على هذا الوجه ".

[ 283 ]

[ إذا لم يجد الصرورة ما يحج به عن نفسه. فان كان له ما يحج به عن نفسه فليس يجزي عنه حتى يحج من ماله، وهي تجزي عن الميت إن كان للصرورة مال وإن لم يكن له مال " (1). وقريب منه: صحيح سعيد الاعرج عن أبي عبد الله (عليه السلام) (2). وهما - كما ترى - بالدلالة على الصحة أولى (3)، ] (1) هذا الخبر صحيح رواه الكليني عن عدة من اصحابنا. عن احمد ابن محمد، عن سعد (* 1). (2) رواه الصدوق باسناده عن سعيد بن عبد الله الاعرج: " أنه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن الصرورة أيحج عن الميت؟ فقال (عليه السلام): نعم، إذا لم يجد الصرورة ما يحج به. فان كان له مال فليس له ذلك حتى يحج من ماله، وهو يجزئ عن الميت كان له مال أو لم يكن له مال " (* 2). (3) لان الظاهر من قوله (عليه السلام) في الصحيح الاول: " فليس يجزي عنه " أنه لو حج عن الميت لم يجز عن نفسه، لا انه لا يجزي عن الميت. فالضمير في: " عنه " راجع إلى الرجل لا إلى الميت، ولا سيما بقرينة ذكر الميت ظاهرا بعد ذلك. وحينئذ فظهور قوله (عليه السلام): " وهي تجزي عن الميت " في أن حجته عن الميت تجزي عن الميت محكم. مع أنه لو حمل ضمير: " عنه " على الميت كان منافيا لقوله (عليه السلام): " وهي تجزي عن الميت ". إلا أن يحمل الثاني على صورة ما إذا حج عن الميت بعد أن حج من ماله، فيكون المراد أنه ليس يجزي عن الميت حتى يحج من ماله، فإذا حج من ماله ثم حج عن الميت تجزي عن الميت، سواء أكان له حينئذ مال أم لم يكن. لكن هذا المعنى بعيد عن العبارة المذكورة.


(* 1) الوسائل باب: 5 من ابواب النيابة في الحج حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 5 من ابواب النيابة في الحج حديث: 3.

[ 284 ]

وبالجملة: هيئة التركيب تقتضي أن تكون الضمائر في قوله (عليه السلام): " عن نفسه " - في الموضعين - وقوله: " له "، وقوله (عليه السلام): " يجزي عنه "، وقوله: " من ماله " كلها راجعة إلى مرجع واحد، وهو الصرورة، والتفكيك - بارجاع بعضها إلى الصرورة وبعضها إلى الميت - بعيد عن السياق. كما أن هيئة التركيب ايضا تقتضي أن يكون الضمير في قوله (عليه السلام): " وهي " راجعا الى حجة الصرورة عن الميت المذكور في السؤال. هذا ما يرجع الى صحيح سعد. وأما صحيح سعيد، فالظاهر من قوله (عليه السلام) فيه: " فليس له ذلك ": أنه ليس له أن يحج عن غيره تكليفا، لا أنه باطل، بقرينة: " وهو يجزي عن الميت.. ". وحمله على الوضع - يعني: أنه لا يصح الحج عن الميت حتى يحج من ماله، وبعد ذلك إذا حج عن الميت يجزي عن الميت، سواء كان له مال أم لم يكن - بعيد جدا. بل هو أبعد من حمل الصحيح السابق على هذا المعنى، فالاستدلال به على المشهور أولى بالاشكال من الاستدلال بالصحيح السابق. ومن العجيب ما ذكره في الجواهر في رد المدارك - في حمل: " وهو يجزي " على إرادة بيان إجزاء حج الصرورة عن غيره مطلقا - بقوله: " وفيه: انه خلاف ظاهر قوله (عليه السلام): " لا يجزي عنه "، وخلاف قاعدة اقتضاء النهي الفساد. بل هو عند التأمل تفكيك في الخبر يقطع بعدم إرادته.. ". وربما يستدل للمشهور: بأن اللام في قوله تعالى: (ولله على الناس حج البيت..) (* 1). لما كانت ظاهرة في الملك، كانت الآية دالة على كون الحج مملوكا لله تعالى، وحينئذ لا يجوز التصرف فيه بنحو لا يكون مأذونا فيه من قبل الله تعالى، فإذا حج عن غيره أو عن نفسه تطوعا كان تصرفا فيه بغير إذنه تعالى، فيكون باطلا. فان قلت: إذا كانت الاية


(* 1) آل عمران: 97.

[ 285 ]

الشريفة دالة على الملكية لم تدل على الوجوب، وحينئذ لا يكون واجبا، فلا وجه للاتيان به بقصد الوجوب. قلت: يمكن استفادة وجوبه من دليل آخر غير الاية، مثل: ما دل على أنه إحدى دعائم الاسلام الخمس (* 1). فيتعين الاتيان به بقصد الوجوب. فان قلت: يلزم حينئذ الاتيان بقصد اداء المملوك، كما في وفاء الدين. قلت: إنما يلزم الاتيان بقصد وفاء الدين - في صدق اداء الدين - من جهة أن أداء المملوك يمكن أن يكون على وجه آخر، وهذا المعنى لا يتأتى في الحج. لان حج الاسلام لا يكون إلا مملوكا، فقصد حج الاسلام كاف في كونه أداء للمملوك. نعم يمكن الخدش في هذا الاستدلال: بأنه إنما يترتب عليه حرمة التصرف بالاتيان به على غير الوجه الخاص لو كان الملك للمنفعة الخاصة. كما في الاجير الخاص. أما لو كان المملوك ما في الذمة - كما لو استأجره على عمل في ذمته - لم يكن مانع من الفعل لغير المستأجر، لان الفعل الخارجي لا ينطبق عليه ما في الذمة إلا بالقصد، فاذالم يقصده لم ينطبق ما في الذمة عليه ولا يتحد معه كي يحرم التصرف فيه. نظير: ما لو استأجره على صوم يوم بعينه عن زيد فصام ذلك اليوم عن عمرو، لم يكن مانع من صحة الصوم. وكذا لو نذر أن يصوم يوما معينا، فان النذر وإن كان يستوجب كون المنذور مملوكا لله تعالى لكن لما كان المملوك في الذمة لافي الخارج لم يكن مانع من صحة صوم ذلك اليوم إذا جاء به على غير وجه النذر. وأما ما ورد في صحيح الحلبي وغيره، الواردين فيمن عجز عن الحج وهو مستطيع، المتضمنين الامر باستنابة الصرورة الذي لا مال له، الدالين على عدم جواز استنابة الصرورة إذا كان له ماله (* 2) - وهو محل الكلام -


(* 1) تقدم في الصفحة الاولى من الكتاب الاشارة الى مصدره. (* 2) راجع أول مسألة 72 من هذا الفصل.

[ 286 ]

[ فان غاية ما يدلان عليه: أنه لا يجوز له ترك حج نفسه وإتيانه عن غيره، وأما عدم الصحة فلا. نعم يستفاد منهما عدم إجزائه عن نفسه، فتردد صاحب المدارك في محله. بل لا يبعد الفتوى بالصحة، لكن لا يترك الاحتياط. هذا كله لو تمكن من حج نفسه، وأما إذا لم يتمكن فلا إشكال في الجواز والصحة عن غيره (1). بل لا ينبغي الاشكال في الصحة إذا كان لا يعلم بوجوب الحج عليه (2)، لعدم علمه باستطاعته مالا. ] فقد عرفت سابقا عدم العمل بهما، وتعين طرحهما، أو حملهما على الاستحباب. فراجع المسألة الثانية والسبعين. (1) قال في الدروس: " ويشترط الخلو من حج واجب على النائب إلا أن يعجز عن الوصلة إليه.. ". وفي المدارك: " فلو تعذر جازت الاستنابة، لجواز تأخير ذلك الواجب الفوري بالعجز عنه، ومتى جاز التأخير انتفى المانع من الاستنابة، كما هو ظاهر.. ". ويظهر - من الجواهر وغيرها - المفروغية عن ذلك. لكن في المستند: " أنه خالف فيه بعضهم، ولا وجه له ". وفي كشف اللثام: عن ابن ادريس بطلان النيابة وإن لم يتمكن، إذا كان قد استقر الحج في ذمته. قال (ره): " ولعله لاطلاق الاكثر.. ". لكن إطلاقهم ليس حجة. والعمدة: دليل المنع. والوجوه - المتقدمة في تقريب المنع - تختص بصورة التمكن حتى النصوص على تقدير تماميتها، لان المورد يدخل تحت إطلاق قوله (عليه السلام): " إذا لم يجد الصرورة ما يحج به عن نفسه " المذكور في الصحيحين. نعم مقتضى الاية - لو تمت دلالتها - عدم الفرق، كما ذكر الحلي. (2) العلم والجهل لما لم يوجبا تبدلا في الحكم الواقعي فالادلة المتقدمة

[ 287 ]

[ أو لا يعلم بفورية وجوب الحج عن نفسه، فحج عن غيره أو تطوعا (1). ثم على فرض صحة الحج عن الغير - ولو مع التمكن والعلم بوجوب الفورية - لو أجر نفسه لذلك، فهل الاجارة أيضا صحيحة، أو باطلة مع كون حجه صحيحا عن الغير؟ الظاهر بطلانها. وذلك لعدم قدرته شرعا على العمل المستأجر عليه (2)، لان المفروض وجوبه عن نفسه فورا. وكونه صحيحا على تقدير المخالفة لا ينفع في صحة الاجارة. ] على البطلان - على تقدير تماميتها - شاملة لغير العالم كالعالم، فالنهي عن الضد، أو عدم الامر بالضد - وكذلك النصوص - شامله له. نعم الجهل مانع عن مبعدية المنهي عنه، فلا مانع من التقرب به، فإذا كان الموجب للبطلان هو النهي عن الضد فهو لا يقتضي البطلان مع الجهل للشبهة الموضوعية. أما إذا كان المقتضي النصوص فلا فرق فيها بين العالم والجاهل. (1) هذا إذا كان قاصرا. أما إذا كان مقصرا فالجهل لا يمنع عن مبعدية النهي الواقعي. (2) والقدرة على العمل شرط في صحة الاجارة، لان مالا يكون مقدورا لا يكون موضوعا للمعاوضة، وأكل المال بازائه أكل للمال بالباطل. وعدم القدرة في المقام وإن كان شرعيا لكنه مثل عدم القدرة عقلا. وفي حاشية بعض الاعاظم: " هذا تسليم منه بموجب البطلان ولو تبرعا عن الغير أو تطوعا لنفسه ". ويشير بذلك إلى ما سبق منه في الحاشية: من ان القدرة شرط في مشروعية الحج، فمع عدمها تنتفي المشروعية. وفيه: ما عرفت: من أن القدرة شرط في مشروعية حج الاسلام، لا في حج التطوع ولا في التبرع عن غيره به. فلاحظ.

[ 288 ]

[ خصوصا على القول بأن الامر بالشئ نهي عن ضده، لان الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه (1)، وإن كانت الحرمة تبعية. فان قلت: ما الفرق بين المقام وبين المخالفة للشرط في ضمن العقد (2)، مع قولكم بالصحة هناك؟ كما إذا باعه عبدا وشرط عليه أن يعتقه فباعه، حيث تقولون بصحة البيع ويكون للبائع خيار تخلف الشرط (3). ] (1) وحينئذ يكون مانع آخر من صحة الاجارة غير عدم القدرة، وهو المعاوضة على الحرام، فان في حاق الاجارة المعاوضة بين الاجرة والمنفعة فإذا كانت حراما لم تصلح للمعاوضة عليها. (2) لم يظهر توجه هذا الاشكال على ما ذكره، من بطلان الاجارة على الضد إذا وجب ضده، وإنما يحسن توجهه لو كان الحكم هو صحة الاجارة على البيع إذا شرط العتق في المثال المذكور. فانه إذا شرط العتق فقد وجب بالشرط، فإذا استؤجر المشروط عليه على البيع، وقلنا بصحة الاجارة كان الفرق بينهما غير ظاهر، فيحتاج إلى السؤال عن إبداء الفرق. وأما الحكم بصحة البيع لو اشترط الضد فقد تقدم منه مثله، وهو صحة التطوع بالحج عن نفسه إذا وجب عليه حج الاسلام. وبالجمة: تقدم منه حكمان. أحدهما: أنه إذا وجب حج الاسلام فوجوبه لا يقتضي بطلان ضده. وثانيهما: أنه إذا وجب حج الاسلام لم تصح الاجارة على ضده. ومثال شرط العتق وصحة البيع يناسب الاول، ولا فرق بينهما في الحكم، ولا يناسب الثاني كي يحتاج إلى ابداء الفرق بينهما في الحكم. (3) قد تكرر في هذا الشرح: التعرض لان الشرط في ضمن العقد يقتضي إثبات حق للمشروط له على المشروط عليه، فإذا اشترط عليه أن يعتقه فقد صار له عليه أن يعتقه وملك عليه ذلك. ثم نقول: لما كان العتق المملوك

[ 289 ]

متعلقا بالعبد وكان العبد موضوعا له فتارة: يؤخذ وجود العبد في ملكه بنحو شرط الواجب الذي يجب عليه تحصيله، وأخرى: يؤخذ بنحو شرط الوجوب الذي لا يجب عليه تحصيله. فان اخذ على النحو الاول لم يصح البيع، لان القيد المذكور إذا أخذ قيدا في المملوك فقد ملك الشارط على المشروط بقاء العبد على ملكية المشروط عليه إلى أن يتحقق العتق منه وإذا ملك عليه بقاءه على ملكيته اقتضى ذلك قصور سلطنته على بيعه، لانه تصرف في حق غيره. وإذا أخذ قيدا في الملك - يعني: يملك عليه العتق إذا كان العبد باقيا في ملكه - فهذا الملك لا يقتضي بقاء العبد في ملكه، وإذا لم يقتض بقاءه في ملكه جاز للمشروط عليه إخراجه من ملكه بالبيع وغيره، لعدم منافاته لحق الشارط. وحينئذ يصح البيع، ولا يكون من قبيل تخلف الشرط، لان الشرط المنوط بشئ إنما يكون تخلفه بعدم حصوله مع تحقق المنوط، به، ولا يتحقق التخلف بعدم حصوله مع انتفاء المنوط به، فالجمع بين صحة البيع وخيار تخلف الشرط غير ممكن. وقد تقدم التعرض لنظير المسالة فيما لو نذر قراءة سورة فقرأ غيرها، أو نذر الصلاة جماعة فصلاها فرادى. وكذا لو نذر أن يصلي في المسجد فصلى في غيره، فان النذر - كما أشرنا إليه سابقا - يقتضي ملكية المنذور، فيجري فيه الاحتمالان المذكوران. ثم إن الظاهر أن القيد المذكور أخذ على النحو الاول في المقام وفي الامثلة المذكورة، ومقتضاه في المقام بطلان البيع، وفي الامثلة المذكورة - إذا وقع عمدا - بطلان السورة، فتبطل الصلاة بالزيادة العمدية. وكذا بطلان الصلاة فرادى، أو في غير المسجد، لحرمة التصرف في ملك الغير وحقه، فان الملكية - كما تقتضي قصور سلطنة غير المالك فيبطل تصرفه إذا كان موقوفا على السلطنة، كالبيع ونحوه من التصرفات الاعتبارية - تقتضي

[ 290 ]

[ قلت: الفرق أن في ذلك المقام المعاملة - على تقدير صحتها - مفوتة لوجوب العمل بالشرط (1)، فلا يكون العتق واجبا بعد البيع (2) لعدم كونه مملوكا له بخلاف المقام حيث أنا لو قلنا بصحة الاجارة لا يسقط وجوب الحج عن نفسه فورا، فيلزم اجتماع أمرين متنافيين فعلا، فلا يمكن أن تكون الاجارة صحيحة وإن قلنا أن النهي التبعي لا يوجب البطلان. ] حرمة التصرف تكليفا إذا كان التصرف عينيا، فيبطل إذا كان عبادة. نعم إذا وقع سهوا لا يبطل، لكونه مصداقا للمأمور به، وإنما بطل في صورة العمد لفوات العبادية، وهو غير حاصل في صورة السهو، فلا مانع من صحته. بخلاف التصرف الاعتباري فانه يبطل وإن كان عن سهو، لصدوره عن غير السلطان. وبذلك اختلف المقام عن الامثلة المذكورة، فلو نذر ان يعتق عبده لم يصح له بيعه ولو كان سهوا، فالقول بصحة البيع في المقام في غير محله. وكأن المصنف لا يرى أن الشرط يقتضي ملك المشروط له للمشروط. وقد تقدم في موارد من هذا الشرح: أن التحقيق أنه يقتضى ذلك، وكذلك النذر. (1) لو فرض أنها غير مفوتة ايضا لا مانع من صحتها إذا لم تكن القدرة شرطا فيها، فمن كان مديونا وطالبه الدائن، وكان لا يملك أكثر من مقدار الدين، جاز له أن يبيع أو يشتري بالذمة ثم يفي وإن فاته وفاء الدين. يظهر ذلك من مراجعة كلماتهم في أحكام المفلس قبل الحكم عليه بالحجر. (2) يحتمل أن يكون مراده أنه غير واجب لانتفاء ملاكه بأخذ بقاء العبد على نحو شرط الوجوب. ويحتمل أن يكون مراده السقوط بعد الثبوت من جهة العجز. لكن الثاني إنما يتم لو صح البيع. لكنه لا يصح لفقد السلطنة عليه، فلا عجز عن الواجب، فلا يسقط وجوبه.

[ 291 ]

[ فالبطلان من جهة عدم القدرة على العمل (1) لا لاجل النهي عن الاجارة. نعم لو لم يكن متمكنا من الحج عن نفسه يجوز له أن يؤجر نفسه للحج عن غيره (2). وإن تمكن بعد الاجارة ] (1) وقد عرفت ان بطلان البيع من جهة عدم السلطنة، لان الظاهر أن القيد مأخوذ على نحو شرط الواجب لا على نحو شرط الوجوب. والذي يتحصل مما ذكرنا امور الاول: أن النذر والشرط يقتضيان ملك المنذور والمشروط. الثاني: أن التصرف المنافي يكون عينيا - تارة - واعتباريا أخرى. الثالث: أن الملكية لها اثر وضعي - وهو قصور سلطنة غير المالك - وتكليفي، وهو حرمة تصرف غير المالك. الرابع: أن الموضوع - الذي يؤخذ قيدا للمنذور والمشروط - تارة: يؤخذ بنحو شرط الوجوب، وأخرى: بنحو شرط الواجب. الخامس: أنه إذا أخذ على النحو الاول لا مانع من التصرف المنافي مهما كان. السادس: أنه إذا أخذ على النحو الثاني منع من التصرف الاعتباري، فيبطل مطلقا، وحرم التصرف العيني. فيبطل إذا كان عبادة وكان عمدا، ولا يبطل إذا كان سهوا، لكونه لا خلل في ذاته لمطابقته للمأمور به، ولا في عباديته لانه جئ به على وجه العبادة من دون ما يقتضي خلاف ذلك. السابع: أن الظاهر أن القيد مأخوذ - في المثال الذكور في المتن، والامثلة التي ذكرناها في النذر - من قبيل شرط الواجب لا شرط الوجوب، فلا يصح ما ينافيه إذا كان اعتباريا كالبيع، ويحرم إذا كان عينيا، فيبطل إذا كان عبادة وقد وقع عمدا. (2) لانتفاء المانع - وهو عدم القدرة - لانتفاء مقتضيه - وهو الامر بحج الاسلام - بالعجز عنه.

[ 292 ]

[ عن الحج عن نفسه لا تبطل إجارته (1). بل لا يبعد صحتها لو لم يعلم باستطاعته (2)، أو لم يعلم بفورية الحج عن نفسه (3) فأجر نفسه للنيابة ولم يتذكر الى أن فات محل استدراك الحج عن نفسه، كما بعد الفراغ، أو في أثناء الاعمال. ثم لا إشكال في أن حجه عن الغير لا يكفيه عن نفسه بل إما باطل - كما عن المشهور - أو صحيح عمن نوى عنه، كما قويناه. وكذا لو حج تطوعا لا يجزيه عن حجة الاسلام في الصورة المفروضة، بل إما باطل، أو صحيح ويبقى عليه حجة الاسلام. فما عن الشيخ: من أنه يقع عن حجة الاسلام (4) لا وجه له. إذ الانقلاب القهري لا دليل عليه. ودعوى: أن حقيقة الحج واحدة، والمفروض اتيانه بقصد القربة، فهو منطبق على ما عليه من حجة الاسلام. مدفوعة: بأن وحدة الحقيقة لا تجدي بعد كون المطلوب هو الاتيان بقصد ما عليه (5). ] (1) كما في الدروس. قال: " ولا يقدح في صحتها تجدد القدرة ". ويشكل: بأن تجدد القدرة يكشف عن عدم القدرة من أول الامر، فيكشف عن بطلان الاجارة. نعم إذا كان تجدد القدرة بمال الاجارة لم يقدح الاجارة، إذ لا يكون الشئ علة لعدمه. (2) لان الرخصة الحاصلة له بالجهل كافية في حصول القدرة على العمل. (3) إلا إذا كان مقصرا، فانه لا رخصة له حينئذ. (4) تقدمت حكايته عن المبسوط. وفي الخلاف وافق المشهور. (5) يظهر منه: أن القصد دخيل في المطلوب. وهو غير ظاهر، فان المطلوب بالامر الوجوبي غير المطلوب بالامر الاستحبابي، ولو كان

[ 293 ]

[ وليس المقام من باب التداخل بالاجماع، كيف والا لزم كفاية الحج عن الغير أيضا عن حجة الاسلام؟ (1) بل لا بد من تعدد الامتثال مع تعدد الامر وجوبا وندبا، أو مع تعدد الواجبين. وكذا ليس المراد من حجة الاسلام الحج الاول - بأي عنوان كان - (2) كما في صلاة التحية (3)، وصوم الاعتكاف. فلا وجه لما قاله الشيخ (قده) أصلا. نعم لو نوى الامر المتوجه إليه فعلا، وتخيل أنه أمر ندبي غفلة عن كونه مستطيعا، أمكن القول بكفايته عن حجة الاسلام. لكنه خارج عما قاله الشيخ. ثم إذا كان الواجب عليه حجا ] واحدا لانطبق احدهما على الاخر، فيكون المأتي به مصداقا لهما وكافيا في حصول الامتثال لامرهما - سواء نوى به حج الاسلام أم نوى به التطوع - ولا يلتزم به الشيخ. كما أن لازمه: أن من لم يكن مستطيعا فتطوع لم يجب عليه الحج بعد ذلك إذا استطاع. إلا أن يقال: مقتضى إطلاق الاية وجوبه ثانيا إذا استطاع، ولا ينافي ذلك وحدة الحقيقة ووحده الخصوصيات. فتأمل. (1) هذا اللزوم غير ظاهر، لامكان التفكيك بين الموردين - في التداخل وعدمه - بعد أن كان على خلاف الاصل. ولا سيما مع الاختلاف بالاصالة والنيابة. (2) كما تقدم ذلك في المسالة السادسة والخمسين، وتقدم منه خلاف ذلك. (3) فانها تنطبق على كل صلاة صلاها من دخل المسجد ولو كانت فريضة أو نافلة بعنوان خاص. وكذلك الصوم اللازم في الاعتكاف، فانه يصح ولو كان الصوم لرمضان أو قضائه أو غير ذلك.

[ 294 ]

[ نذريا أو غيره، وكان وجوبه فوريا، فحاله ما ذكرنا في حجة الاسلام (1) من عدم جواز حج غيره، وأنه لو حج صح أولا، وغير ذلك من التفاصيل المذكورة بحسب القاعدة. فصل في الحج الواجب بالنذر والعهد واليمين ويشترط في انعقادها: البلوغ، والعقل، والقصد. ] (1) كما نص على ذلك غير واحد. وهو انما يتم لو كان عدم صحة غير حج الاسلام في المسألة السابقة من جهة أن الامر بحج الاسلام يمنع من مشروعية غيره، أو من إمكان التعبد بغيره. أما إذا كان من جهة النصوص فالتعدي عن موردها - وهو حج الاسلام - غير ظاهر. فأدلة المنع ليست كلها مطردة في المقامين. فصل في الحج الواجب بالنذر والعهد واليمين الكلام إما خبر - وهو ما يقصد به الحكاية عن واقع يطابقه فيكون صدقا، أو لا يطابقه فيكون كذبا - وإما انشاء، وهو ما لا يقصد به الحكاية. والثاني إما إيقاع، أو عقد، أو غيرهما. فان قصد به إنشاء

[ 295 ]

[ والاختيار. فلا تنعقد من الصبي وإن بلغ عشرا وقلنا بصحة عباداته وشرعيتها، لرفع قلم الوجوب عنه (1). وكذا لا تصح ] أمر اعتباري - مثل الزوجية والبيعية ونحوهما - فهو عقد أو ايقاع، وإن لم يقصد به ذلك فهو غيرهما. فالنذر لما كان المقصود به تمليك الله سبحانه - كما عرفت ذلك مرارا - ولا يحتاج إلى القبول فهو من الايقاع. ومثله العهد، فانه يقصد به ايجاد المعاهدة. وأما اليمين فهو وعد وليس من الخبر في شئ، إذ لم يقصد به الحكاية، وإنما قصد به إيقاع مضمونه في المستقبل ادعاء، فإذا لم يقع كان خلفا في الوعد، وهو قبيح، لا أنه كذب. وكذلك الوعيد فإذا لم يقع كان خلفا، وهو حسن، لا أنه كذب: ويظهر من ذلك أن اليمين ليس من سنخ النذر والعهد، فانهما من الايقاع وهو من الوعد. هذا ولا إشكال في وجوب العمل بالجميع، وأن مخالفتها تستوجب الكفارة، كما هو موضح في ابوابها. فلاحظ. (1) يشير بهذا إلى حديث: " رفع القلم عن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ " (* 1). وقد اشتهر الاستدلال به على نفي سببية الاسباب إذا كانت صادرة من الصبي، عقدا، أو ايقاعا - كالنذر والعهد - أو غيرهما. كاليمين. والاشكال فيه ظاهر، فان نفي الوجوب في العقد والايقاع أعم من ترتب المضمون، ولذا يصح من الولي ويترتب مضمونه وإن لم يجب على الصبي الوفاء به. كما أن نفي الوجوب في حال الصبا - في غير الايقاع والعقد - لا يقتضي نفي الوجوب بعد البلوغ. فالعمدة في نفي السببية: هو الاجماع. ومن ذلك يظهر لك الاشكال في الاستدلال به في المجنون وبحديث:


(* 1) المعتبر: المقدمة الاولى من كتاب الحج صفحة: 337 وقد تقدم في اول فصل شرائط وجوب حجة الاسلام.

[ 296 ]

[ من المجنون، والغافل، والساهي، والسكران، والمكره. والاقوى صحتها من الكافر. وفاقا للمشهور في اليمين (1) خلافا لبعض (2)، وخلافا للمشهور في النذر (3)، وفاقا لبعض. وذكروا في وجه الفرق: عدم اعتبار قصد القربة في اليمين واعتباره في النذر (4)، ولا تتحقق القربة في الكافر. ] رفع التسعة في الغافل والساهي (* 1). نعم انتفاء القصد فيها يقتضي عدم ترتب الاثر، لخروجها عن موضوع الادلة. وأما الاكراه فيدل على عدم ترتب الاثر فيه ما ورد في طلاق المكره، بحيث تضمن عدم صحته، مستدلا بحديث رفع الاكراه (* 2). (1) حكاه في الجواهر عن الشيخ وأتباعه وأكثر المتأخرين. (2) حكاه في الشرائع عن الشيخ في الخلاف، وحكي ايضا عن ابن ادريس. (3) بل في الجواهر: " لا أجد خلافا في عدم صحته - يعني: النذر من الكافر - بين أساطين الاصحاب، كما اعترف به في الرياض. وحكي عن سيد المدارك التأمل فيه - وكذا عن الكفاية - وحكي عن الرياض: أنه لا يخلو من قوة، إن لم يكن الاجماع على خلافه - كما هو الظاهر - إذ لم ار مخالفا سواهما (يعني: سيد المدارك وصاحب الكفاية) من الاصحاب ". (4) قال في الشرائع في مبحث النذر: " يشترط مع الصيغة نية القربة، فلو قصد منع نفسه بالنذر - لا لله - لم ينعقد.. ثم قال بعد ذلك: وأما متعلق النذر فضابطه: أن يكون طاعة لله تعالى مقدورا.. ". وقد ادعى في الجواهر: الاجماع بقسميه على الحكم المذكور. وكذلك


(* 1) الوسائل باب 56 من ابواب جهاد النفس حديث: 1، 3. (* 2) الوسائل باب: 12 من ابواب اليمين حديث: 12.

[ 297 ]

[ وفيه أولا: أن القربة لا تعتبر في النذر، بل هو مكروه (1)، ] غيره، ولكن اختلفوا في المراد منه، فاستظهر في المسالك: أن المراد جعل شئ لله تعالى في مقابل جعل شئ لغيره، أو جعل شئ من دون ذكر أنه له تعالى أو لغيره، وجعله أصح الوجهين. وربما يستفاد من عبارة الدروس، حيث قال: " وهل يشترط فيه القربة للصيغة، أو يكفي التقرب في الصيغة؟ الاقرب الثاني ". وفي الجواهر جعل المراد منه رجحان المنذور وكونه عبادة في مقابل نذر المباح. ويحتمل: أن يكون المراد في مقابل النذر شكرا على المعصية أو زجرا عن الطاعة. وصريح الشرائع خلاف ذلك كله، بل هو - بمعنى كون الايقاع النذري واقعا على وجه العبادة - مما لم يقم عليه دليل، ويقتضي بطلان النذر إذا كان المقصود منه الزجر عما هو مبغوض للناذر، وهو خلاف إطلاق الادلة. وأما الاحتمالات الاخر فكلها صحيحة في نفسها، غير أنها خلاف ظاهر عبارة الشرائع ونحوها، فلا ينبغي حملها عليها. هذا وفي الدروس: " ويصح (يعني: اليمين) من الكافر وإن لم يصح نذره، لان القربة مرادة هناك دون هذا. ولو قلنا بانعقاد نذر المباح اشكل الفرق.. ". وظاهر العبارة: اعتبار القربة بالمعنى الذي ذكره في الجواهر، لا بالمعنى الذي احتمل من عبارته السابقة. (1) قال في الجواهر: " لا إشكال في اعتبار نية القربة فيه. لكن لا على معنى قصد الامتثال بايقاعه - كغيره من العبادات التي تعلق الامر بايجادها على جهة الوجوب أو الندب - ضرورة عدم الامر به، بل ظاهر موثق اسحاق بن عمار كراهة إيقاعه، قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام): إني جعلت على نفسي شكرا لله تعالى ركعتين.. إلى أن قال (عليه السلام): إني

[ 298 ]

[ وإنما تعتبر في متعلقة، حيث أن اللازم كونه راجحا شرعا (1). ] لاكره الايجاب أن يوجب الرجل على نفسه.. " (* 1). (1) على المشهور، والعمدة فيه: أن اللام في قول الناذر: " لله علي " - سواء كانت للملك والظرف مستقر، أم للغاية والظرف لغو متعلق بالتزمت محذوفا - تقتضي كونه محبوبا لله تعالى - ولو للعنوان التأخرى - فان ما لا يكون محبوبا للمرء لا يكون مملوكا له عند العقلاء، ولا يصح الالتزام به لاجله. فيصح أن تقول: " زيد يملك على عمرو أن يكرمه "، ولا يصح تقول: " يملك عليه أن يهينه ". كما لا يصح أن تقول: " التزمت لزيد أن أهينه "، ويصح أن تقول: " التزمت لزيد أن اكرمه "، وهو من الواضحات. مضافا الى بعض النصوص، مثل صحيح الكناني: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل قال: علي نذر. قال (عليه السلام): ليس النذر بشئ حتى يسمى لله شيئا صياما، أو صدقة، أو هديا، أو حجا " (* 2). وقريب منه غيره. ومن ذلك يشكل ما في الدروس: من جواز نذر المباح " لرواية الحسن بن علي عن أبي الحسن (عليه السلام): " في جارية حلف منها بيمين، فقال: لله علي ان لا أبيعها. فقال (عليه السلام): ف لله بنذرك:. وفيه دقيقة.. ". ويشير بذلك إلى ما رواه البزنطي عن الحسن بن علي عن أبي الحسن (عليه السلام): قلت له: إن لي جارية ليس لها مني مكان ولا ناحية، وهي تحتمل الثمن. إلا أني كنت حلفت فيها بيمين، فقلت: لله على أن لا أبيعها أبدا، ولي إلى ثمنها حاجة مع تخفيف المؤنة. فقال (عليه السلام):


(* 1) الوسائل باب: 6 من أبواب النذر حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 1 من ابواب النذر حديث: 2.

[ 299 ]

[ وثانيا: أن متعلق اليمين أيضا قد يكون من العبادات (1). وثالثا: أنه يمكن قصد القربة من الكافر أيضا (2). ودعوى عدم إمكان إتيانه للعبادات لاشتراطها بالاسلام مدفوعة: بامكان إسلامه ثم إتيانه، فهو مقدور لمقدورية مقدمته. فيجب عليه حال كفره كسائر الواجبات، ويعاقب على مخالفته، وترتب عليها وجوب الكفارة، فيعاقب على تركها أيضا. وإن أسلم صح إن أتى به، ويجب عليه الكفارة لو خالف. ] ف لله بقولك له " (* 1). لكن الظاهر من الرواية أن السؤال فيها عن جواز رفع اليد عن النذر الصحيح للطوارئ المذكورة، لا عن صحة النذر في نفسه إذا لم يكن متعلقه راجحا، فلا تدل على خلاف ما ذكرناه مع أنها ضعيفة السند، غير مجبورة بعمل. ومثله: خبر يحيى بن أبي العلاء عن أبي عبد الله (عليه السلام) عن أبيه (عليه السلام): " إن امرأة نذرت أن تقاد مزمومة بزمام في أنفها، فوقع بعير فخرم أنفها، فأتت عليا (عليه السلام) تخاصم فأبطله. فقال (عليه السلام): انما نذرت لله " (* 2). فانه - أيضا - وارد في غير ما نحن فيه. فالبناء ما ذكرنا - من لزوم رجحان المنذور شرعا - متعين. (1) هذا الاشكال مع الاشكال الاول لا يتواردان على أمر واحد، فان الاشكال الاول مبني على ان مرادهم اعتبار القربة في نفس إيقاع النذر، وهذا الاشكال مبني على اعتبارها في متعلقه. (2) هذا بناء على أن المراد قصده التقرب إلى الله تعالى. أما إذا كان المراد وقوعه على نحو يكون مقربا فلا يتم، لعدم صلاحية الكافر للتقرب بفعله، كما ذكره في الجواهر وغيرها.


(* 1) الوسائل باب: 17 من ابواب النذر حديث: 11 (* 2) الوسائل باب: 17 من ابواب النذر حديث: 8.

[ 300 ]

[ ولا يجري فيه قاعدة جب الاسلام، لانصرافها عن المقام (1). نعم لو خالف وهو كافر، وتعلق به الكفارة فأسلم، لا يبعد دعوى سقوطها عنه كما قيل (2). (مسألة 1): ذهب جماعة (3) إلى أنه يشترط في ] (1) وقد ذكر في الشرائع: أنه لو نذر الكافر فأسلم استحب له الوفاء. ومثله في الدروس. وفي الجواهر: " كما صرح به غير واحد ". لكن هذا الكلام - من الشرائع والدروس - مبني على ما ذكراه، من عدم صحته من الكافر، لا بناء على صحته اعتمادا على حديث الجب (* 1). وكيف كان فدعوى الانصراف غير بعيدة، فان الذي ينسبق إلى الذهن إرادة الجب عن الامور التي يقتضيها الكفر، ولذلك لا يجري في الديون الراجعة الى الناس. اللهم إلا أن يكون ذلك من جهة لزوم خلاف الامتنان في حق غيره، والظاهر من الحديث أنه حديث امتناني، فلا يجري إذا لزم منه خلاف الامتنان. اللهم إلا أن يقال: إنه امتناني بالاضافة الى الكافر نفسه، لا مطلقا، ولذلك ورد الحديث في القتل الذي صدر من المغيرة بن شعبة (* 2). فلاحظ موارد الحديث. اللهم إلا أن يقال: القتل الصادر من المغيرة قتل لمهدور الدم والمال. والانصاف أن ظاهر الحديث الامتنان على الكافر بنحو لا يوجب خلاف الامتنان في حق المسلم " وانصرافه إلى خصوص ما كان يقتضي الكفر، فديون الناس لا يشملها من وجهين. وقد تعرضنا للكلام في الحديث في مبحث وجوب الزكاة على الكافر. (2) ذكر ذلك في الدروس، لكن في كفارة اليمين، ولا يبعد أن يستفاد منه كفارة النذر. فلاحظ. (3) حكاه في الرياض عن الارشاد والمسالك، واختاره.


(* 1) و (* 2) تقدم التعرض اليهما في صفحة: 50 من الجزء السابع من هذا الشرح.

[ 301 ]

[ انعقاد اليمين من المملوك إذن المولى، وفي انعقاده من الزوجة إذن الزوج، وفي انعقاده من الولد إذن الوالد. لقوله (عليه السلام): " لا يمين لولد مع والده، ولا للزوجة مع زوجها، ولا للمملوك مع مولاه " (1)، فلو حلف أحد هؤلاء بدون الاذن لم ينعقد. وظاهرهم اعتنبار الاذن السابق، فلا تكفي الاجازة بعده (2). مع انه من الايقاعات وادعى الاتفاق على عدم جريان الفضولية فيها (3). وإن كان يمكن دعوى: أن القدر المتيقن من الاتفاق ما إذا وقع الايقاع على مال الغير - مثل: الطلاق، والعتق، ونحوهما - لا مثل المقام مما كان في مال نفسه ] (1) رواه منصور بن حازم - في الصحيح - عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لا يمين للولد مع والده، ولا للملوك مع مولاه ولا للمرأة مع زوجها. ولا نذر في معصية. ولا يمين في قطيعة (* 1). ورواه القداح عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " لا يمين لولد مع والده، ولا للمرأة مع زوجها، ولا للملوك مع سيده " (* 2). وفي خبر أنس في وصيه النبي (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام): " ولا يمين لولد مع والده، ولا لامرأة مع زوجها، ولا للعبد مع مولاه " (* 3). (2) فان الظاهر من الاذن المذكور في كلامهم ذلك إذ اللاحق لا يسمي إذنا، بل يسمى إجازة وامضاء. (3) عن غاية المرام: الاتفاق. على بطلان إيقاع الفضولي ولو مع الاجازة.


(* 1) الوسائل باب: 10 من ابواب اليمين حديث: 2. (* 2) الوسائل باب: 10 من ابواب اليمين حديث: 1. (* 3) الوسائل باب: 10 من ابواب اليمين حديث: 3.

[ 302 ]

[ غاية الامر اعتبار رضا الغير فيه (1) ولا فرق فيه بين الرضا السابق واللاحق. خصوصا إذا قلنا: إن الفضولي على القاعدة. وذهب جماعة إلى أنه لا يشترط الاذن في الانعقاد، لكن للمذكورين حل يمين الجماعة إذا لم يكن مسبوقا بنهي أو اذن (2)، بدعوى: أن المنساق من الخبر المذكور ونحوه: أنه ليس للجماعة المذكورة يمين مع معارضة المولى أو الاب أو الزوج (3). ولازمه: جواز حلهم له، وعدم وجوب ] (1) كما في عتق الراهن العين المرهونة، فان المعروف بينهم الصحة مع الاجازة. وما عن بعض: من القول بالبطلان يحتمل أن يكون من جهة بنائه على بطلان الفضولي حتى لو كان عقدا. أو لاختصاص كلامه بصورة عدم الاجازة. فتأمل. وكما في عتق المفلس عبده بدون إذن الديان، فقد اختار جماعة صحته باجازة الديان. بل الظاهر أن المقام لا حق فيه للغير، بل مجرد الحكم باعتبار رضاه، فلا يرتبط بباب الفضولي في العقد أو الايقاع، والمدار فيه على دليل اعتبار الرضا من حيث شموله للاحق وعدمه. (2) نسبه في الرياض إلى الاكثر، وعن المسالك والمفاتيح: نسبته إلى المشهور. (3) هذه الدعوى ادعاها في الجواهر. وهي غير بعيدة، إذ لو كان المراد أن وجود الوالد مانع - كما يقتضيه الجمود على ما تحت العبارة - كان قوله: " مع والده " زائدا. وكذا قوله: " مع زوجها " و " مع سيده " إذ الولد لا بد أن يكون له والد، وكذا الزوجة والعبد لا بد أن يكون لهما زوج وسيد، فذكر الوالد والزوج والسيد لا بد أن يكون بملاحظة المعارضة والممانعة. ولعله واضح.

[ 303 ]

[ العمل به مع عدم رضاهم به. وعلى هذا فمع النهي السابق لا ينعقد ومع الاذن يلزم، ومع عدمهما ينعقد، ولهم حله. ولا يبعد قوة هذا القول. مع أن المقدر - كما يمكن أن يكون هو الوجود - يمكن أن يكون هو المنع والمعارضة، أي: لا يمين مع منع المولي مثلا (1). فمع عدم الظهور في الثاني لا أقل من الاجمال، والقدر المتيقن هو عدم الصحة مع المعارضة والنهي، بعد كون مقتضي العمومات الصحة واللزوم. ثم إن جواز الحل - أو التوقف على الاذن - ليس في اليمين بما هو يمين مطلقا - كما هو ظاهر كلماتهم - بل إنما هو فيما كان المتعلق منافيا لحق المولى أو الزوج، وكان مما يجب فيه طاعة الوالد إذا أمر أو نهى. وأما ما لم يكن كذلك فلا (2)، كما إذا حلف المملوك أن يحج إذا أعتقه المولى أو حلفت الزوج أن ] (1) هذه الدعوى - ايضا - ذكرها في الجواهر، قال في الرد على الرياض: " وثانيا: أنه قد يقال: إن ظاهر قوله (عليه السلام): " مع والده " نفيها مع معارضة الوالد، إذ تقدير وجوده ليس أولى من تقدير معارضته، بل هذا أولى للشهرة والعمومات.. ". وفيه: ان الاسم الموضوع للماهية إما ان يراد به نفس الماهية التي هي موضوع الوجود والعدم، أو نفس الوجود. فان أريد به نفس الماهية في المقام تعين تقدير الوجود، وإن أريد الماهية الموجودة لم يحتج الى تقدير، بل هو ممتنع إذ لا وجود للوجود، وعند الدوران يتعين الثاني بمقتضى الاصل. وحينئذ لا مقتضي لتقدير المعارضة، والاصل عدمه. مع أن الشهرة لا تصلح لتعيين الظهور. (2) هذه الدعوى ذكرها في الجواهر، وتبعه عليها المصنف (ره).

[ 304 ]

[ تحج إذا مات زوجها أو طلقها، أو حلفا أن يصليا صلاة الليل مع عدم كونها منافية لحق المولى أو حق الاستمتاع من الزوجة، أو حلف الولد أن يقرأ كل يوم جزءا من القران، أو نحو ذلك مما لا يجب طاعتهم فيها للمذكورين، فلا مانع من انعقاده. وهذا هو المنساق من الاخبار، فلو حلف الولد أن يحج إذا استصحبه الوالد إلى مكة - مثلا - لا مانع من انعقاده، وهكذا بالنسبة الى المملوك والزوجة. فالمراد من الاخبار: أنه ليس لهم أن يوجبوا على أنفسهم باليمين ما يكون منافيا لحق المذكورين. ولذا استثنى بعضهم الحلف على فعل ] قال (ره): " فالمراد حينئذ من نفي اليمين مع الوالد في الفعل الذي يتعلق بفعله إرادة الولد وتركه إرادة الوالد، وليس المراد مجرد نهي الوالد عن اليمين.. ". فالمعارضة - التي تقدم أنها المنساقة من النصوص - المعارضة في فعل المنذور وتركه - بأن نذر الولد فعله ويريد الوالد تركه وبالعكس - لا في نفس ايقاع اليمين، بأن يريد الولد الايقاع ويريد الوالد ترك الايقاع. وما ذكره (ره) - كما أنه مخالف لظاهر كلماتهم - مخالف لظاهر النصوص، إذ المذكور في الحديث اليمين فهو مورد المعارضة. لا المحلوف عليه، كي يحتمل أنه مورد المعارضة ويحمل الكلام عليه. مع أنه على هذا لا يكون حكما تأسيسيا، فان اليمين على تضييع حقوق الناس باطلة، كما يستفاد مما ورد: " لا يمين في المعصية " (* 1)، فتكون هذه الروايات مؤكدة له. ولا تختص بالزوجة مع زوجها، فانه ايضا لا يمين للزوج مع زوجته - بهذا المعنى الذي ذكره المصنف (ره) -


(* 1) الوسائل باب: 11 من ابواب اليمين.

[ 305 ]

[ الواجب أو ترك القبيح وحكم بالانعقاد فيهما (1)، ولو كان المراد اليمين بما هو يمين لم يكن وجه لهذا الاستثناء (2). ] ولا يمين لكل احد مع من له الحق، كالراهن مع المرتهن، والمفلس مع غريمه، وغيرهم ممن لهم الحقوق. وحمل الروايات على هذا المعنى من أبعد البعيد، كما هو ظاهر. (1) قال في الشرائع: " ولا تنعقد من الولد مع والده إلا مع إذنه، وكذا يمين المرأة والمملوك. إلا أن يكون اليمين في فعل واجب أو ترك قبيح ". ونحوه: ما في غيره. وفي الجواهر: جعل الاستثناء المذكور شاهدا لما ادعاه حسبما بينه والمصنف (ره). وفي الرياض: " ويمكن أن يوجه كلام الجماعة بما لا ينافي ما ذكرناه، بأن يراد من الاحلال: جواز الامر بترك ما حلف على فعله أو فعل ما حلف على تركه، ونفي جواز الاحلال بهذا المعنى لا ينافى عدم انعقاد اليمين أصلا ". وما ذكره " (ره) لا يخلو من إشكال لان الحل بهذا المعنى - مع أنه خلاف الظاهر - لا يرفع الاشكال في العبارة التي كان الاستثناء فيها من جواز الحل، لا فيما كان الاستثناء من عدم الانعقاد بدون الاذن، إذ الاستثناء فيها يقتضي الانعقاد في المستثنى فيرجع الاشكال. (2) أقول: لا يتوجه الاستثناء على كلا القولين، لانه لو بني على ما ذكره في المتن لم يكن للاقتصار في الاستثناء على ما كان في فعل الواجب وترك الحرام وجه، بل كان اللازم استثناء مطلق ما لم يكن فيه تفويت حق الغير وإن لم يكن على ترك حرام أو فعل واجب - كالامور التي ذكرها في المتن - فان اليمين فيها ايضا مستثنى من عدم الانعقاد بدون الاذن، ولا وجه للاقتصار في الاستثناء على الموردين المذكورين. فالاستثناء يتوجه عليه الاشكال على كل من القولين، فلا يصلح قرينة على أحدهما.

[ 306 ]

[ هذا كله في اليمين، وأما النذر فالمشهور بينهم أنه كاليمين في المملوك والزوجة، وألحق بعضهم بهما الولد أيضا (1). وهو مشكل، لعدم الدليل عليه - خصوصا في الولد - إلا القياس على اليمين، بدعوى: تنقيح المناط. وهو ممنوع. أو بدعوى: أن المراد من اليمين في الاخبار ما يشمل النذر، لاطلاقه عليه في جملة من الاخبار، منها: خبران في كلام الامام (عليه السلام) (2). ومنها: أخبار في كلام الراوي (3) ] (1) حكي ذلك عن الارشاد والدروس، بل حكاه في الرياض عن جملة من كتب العلامة. وعن السيد في شرح النافع: الاقتصار على المملوك واستظهر ايضا من المسالك. (2) أحدهما: موثق سماعة: " إنما اليمين الواجبة - التي ينبغي لصاحبها أن يفي بها - ما جعل لله تعالى عليه في الشكر إن هو عافاه من مرضه، أو عافاه من أمر يخافه، أو رد عليه ماله، أو رده من سفره، أو رزقه رزقا، فقال: لله علي كذا وكذا شكرا، فهذا الواجب على صاحبه.. " (* 1). وثانيهما: خبر السندي بن محمد عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " قلت له: جعلت على نفسي مشيا إلى بيت الله. قال (عليه السلام): كفر عن يمينك، فانما جعلت على نفسك يمينا، وما جعلته لله فف به " (* 2). (3) وفي الرياض: أنها مستفيضة وذكر فيه أربعة، منها: رواية الحسن بن علي عن ابي الحسن (عليه السلام)، المتقدمة في اعتبار رجحان المنذور (* 3). ومنها: رواية مسعده بن صدقة قال: " سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) - وسئل


(* 1) الوسائل باب: 17 من ابواب النذر حديث: 4. (* 2) الوسائل باب: 8 من ابواب النذر حديث: 4. (* 3) الوسائل باب: 17 من ابواب النذر حديث: 11.

[ 307 ]

[ وتقرير الامام (عليه السلام) له. وهو - أيضا - كما ترى (1). فالاقوى في الولد عدم الالحاق (2). نعم في الزوجة والمملوك لا يبعد الالحاق باليمين (3) لخبر قرب الاسناد عن جعفر (عليه السلام) ] عن رجل يحلف بالنذر، ونيته في يمينه التي حلف عليها درهم أو أقل - قال (عليه السلام): إذا لم يجعل لله فليس بشئ " (* 1)، وغيرهما. (1) لان الاستعمال أعم من الحقيقة. وما في الرياض: من أن الاستعمال على وجه المجاز والاستعارة يدل على المشاركة في الاحكام الشرعية ومنها: انتفاؤها عند عدم اذن الثلاثة. فيه: أنه لا إطلاق في الاستعمال يدل على المشاركة في جميع الاحكام. ومثله: ما ذكره من التأييد بالاستقراء والتتبع التام، الكاشف عن اشتراك النذر واليمين في كثير من الاحكام. فان الاستقراء ناقص. والاشتراك في كثير من الاحكام لا يجدي ما لم يكن في جميعها. ومثله ما ذكره بقوله: " وبالجملة: بملاحظة جميع ما ذكرنا يظهر الظن المعتمد عليه بصحة ما ذهب إليه الاكثر.. ". فان الظن - على تقدير حصوله مما ذكر - ليس بمعتمد، ولا يدخل تحت أدلة الحجية، لانه لا يرجع إلى ظهور الكلام. فلاحظ. (2) كما في كشف اللثام، ومال إليه في الجواهر، وهو ظاهر الشرائع وغيرها مما اقتصر فيه على ذكر المملوك والزوجة. وفي الكشف: " وعن فخر الاسلام: أن أباه افتى به بعد أن تصفح كتب الحديث فلم يظفر بما يدل على مساواته لليمين.. ". وبناء على ما تقدم من المصنف (ره): من اختصاص محل الكلام بما كان منافيا لحق الوالد، يكون التوقف على إذنه مقتضى القاعدة، ولا يحتاج الى الاستدلال عليه بما ذكر، ولا وجه لتقوية العدم. (3) قد عرفت أنه - بناء على ما سبق منه: من اختصاص النصوص


(* 1) الوسائل باب: 1 من ابواب النذر حديث: 4.

[ 308 ]

[ عن أبيه (عليه السلام): " ان عليا (عليه السلام) كان يقول: ليس على المملوك نذر إلا باذن مولاه " (1)، وصحيح ابن سنان عن الصادق (عليه السلام) (2): " ليس للمرأة مع زوجها أمر في عتق، ولا صدقة، ولا تدبير، ولا هبة، ولا نذر في مالها إلا باذن ] الواردة في اليمين بما يكون منافيا لحقوق الزوج والسيد - لا يحتاج إلى تكلف الاستدلال على الالحاق بما ذكر، لان النصوص المذكورة واردة على حسب مقتضى القاعدة التي لا فرق فيها بين اليمين والنذر، كما لا يخفى. نعم بناء على ما هو ظاهر الاصحاب: من عموم النصوص لما يكون منافيا لحق الزوج والسيد وغيره، يحتاج حينئذ إلى الاستدلال على الالحاق بما ذكر. بل في المملوك لا يحتاج إليه ايضا، لان مادل على قصور سلطنته وولاية المالك عليه يقتضي عدم نفوذ نذره، كغيره من التصرفات الايقاعية، كطلاقه، ونكاحه، وبيعه، وغيرها. وقد استدل الامام (عليه السلام) (* 1) على عدم صحة طلاق العبد بغير إذن مولاه بقوله تعالى: (عبدا مملوكا لا يقدر على شئ..) (* 2)، وكذا في المقام. فلاحظ. (1) رواه عبد الله بن جعفر الحميري في كتاب قرب الاسناد، عن الحسن بن ظريف، عن الحسين بن علوان، عن جعفر (عليه السلام) (* 3). (2) رواه الصدوق والشيخ باسانيد صحيحة، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) (* 4).


(* 1) الوسائل باب: 42 من ابواب مقدمات الطلاق حديث: 2. (* 2) النحل: 75. (* 3) الوسائل باب: 15 من ابواب النذر حديث: 2. (* 4) الوسائل باب: 1 من أبواب النذر ملحق حديث: 1.

[ 309 ]

[ زوجها. إلا في حج، أو زكاة، أو بر والديها، أو صلة قرابتها " (1). وضعف الاول (2) منجبر بالشهرة (3). واشتمال الثاني على ما لا نقول به لا يضر. ثم هل الزوجة تشمل المنقطعة أو لا؟ وجهان (4). وهل الولد يشمل ولد الولد ] (1) كذا في بضع طرق الحديث، وفي بعضها: " أو صلة رحمها " (* 1). (2) الضعف في سند الاول: من جهة الحسين بن علوان، لانه من المخالفين، ولم يثبت توثيقه. أما الحسن بن ظريف فثقة. (3) لم يثبت اعتماد المشهور عليه في فتواهم، بل الظاهر أنه كان اعتمادهم على عموم: " لا يمين للملوك مع مولاه ". ولذا كان بناؤهم على ثبوت الحكم في الولد. نعم مضمون الخبر موافق لفتوى المشهور. لكن الموافقة لفتوى المشهور لا تجدي في جبر الضعف. هذا مضافا إلى ما عرفت: من أن ما دل على قصور ولاية العبد كاف في بطلان نذره، فكيف يمكن دعوى اعتماد المشهور عليه؟! (4) في الرياض: " ينبغي القطع باختصاص الحكم فيها بالدائم دون المتعة " لعدم تبادرها منها عند الاطلاق. مضافا إلى قوة احتمال كون صدقها عليها على سبيل المجاز دون الحقيقة ". وفيه: ما لا يخفى، إذ لا ريب في كونها زوجة كالدائمة، وإن فارقت الدائمة في بعض الاحكام. بل التحقيق: أن الزوجية المنقطعة عين الزوجية الدائمة، والانقطاع جاء من قبل الشرط في ضمن العقد - كما اختاره في الجواهر - لا أنه داخل في مفهوم الزوجية الانقطاعية، فيكون من قبيل الفصول المميزة بينها وبين الدائمية، كما اختاره شيخنا الاعظم (ره). وقد أشرنا إلى ذلك في (نهج الفقاهة) في بعض مباحث المعاطاة. فراجع. كما أن دعوى الانصراف


(* 1) الوسائل باب: 1 من أبواب النذر حديث: 1.

[ 310 ]

[ أولا؟ كذلك وجهان (1). والامة المزوجة عليها الاستئذان من الزوج والمولى، بناء على اعتبار الاذن (2). وإذا أذن المولي للمملوك أن يحلف أو ينذر الحج لا يجب عليه إعطاء ما زاد عن نفقته الواجبة عليه من مصارف الحج (3). وهل عليه تخلية سبيله لتحصيلها أو لا؟ وجهان (4). ثم على القول بأن لهم الحل، هل يجوز مع حلف الجماعة التماس المذكورين ] بنحو يعتد به في رفع اليد عن الاطلاق ممنوعة. (1) وفي الرياض ذكر أن الاول لا يخلو من قرب، ونسب إلى الدروس: الجزم به. ولكنه غير ظاهر، والخروج عن عموم الادلة المقتضية للصحة بدون الاذن لا مقتضي له. (2) لعموم الادلة بناء عليها، كما سبق. (3) إذ لا مقتضي لذلك. ولو شك فالاصل البراءة. (4) أوجههما الاول، لان الاذن في الشئ إذن في لوازمه، وبعد الاذن يسقط حقه في المنع. وعليه يجوز له أن يؤجر نفسه بأجرة ثم يصرفها في سبيل الحج. فان قلت: الاجرة ملك للمولى كسائر أمواله، فكيف يجوز له التصرف فيها ولا يجوز له التصرف في سائر أموال المولى؟!. وحينئذ يتعين صرف نفس المنفعة في الحج، فان أمكنه الحج فهو، وإلا بطل النذر يتعذر المنذور. قلت: لا فرق بين المنفعة والعين في أنهما ملك للمولى، وأنه لا يجوز التصرف فيهما بغير إذن ويجوز مع الاذن، فإذا كان الاذن في الحج إذنا من المولى في التصرف في ماله وجب عليه ذلك وليس للمولى منعه عنه. والتحقيق: أن الكلام في هذه المسألة يقع في مقامين. الاول: في أن إذن المولى في النذر إذن في صرف ماله في سبيل المنذور. ولا ريب

[ 311 ]

[ في حل حلفهم أم لا؟ وجهان (1). ] في أن قاعدة: أن الاذن في الشئ إذن في لوازمه قاعدة ظاهرية يبنى عليها ما لم تقم حجة على خلافها، فإذا أذن مالك الدار في الصلاة في داره، وكان يترتب على الصلاة بعض التصرفات فقد اذن في ذلك، ومرجعها إلى الاخذ باطلاق الاذن ما لم تقم قرينة أوما يصلح للقرينية على خلافها. وعليه إذا شك في إذن المولى في سعي العبد وتحصيله المال المحتاج إليه في الحج يجوز له السعي اعتمادا على الاذن الظاهرية المستفادة من الاذن في الحج. بل لو فرض أن العبد عاجز عن تحصيل المال وأذن له المالك في النذر فقد اذن له في أخذ مال المولى الذي في يده وصرفه في الحج. الثاني: في أنه لو أذن المولى في نذر الحج وفي أخذ المال الذي في يده إذنا صريحا، أو اذن له في التكسب وصرف الربح في الحج المنذور، فهل له العدول عن الاذن فيكون النمذور متعذرا ويبطل النذر، أو ليس له العدول؟ وقد عرفت فيما سبق: أنه لا مانع من العدول، وحينئذ لا مانع من منع المولى عبده عن التكسب وصرف الربح في الحج حتى لو كان قد أذن له في ذلك. وعليه يتعذر على العبد العمل بالنذر فيبطل. نعم لو أجر نفسه للخدمة في مقابل ان يحج به المستأجر فقد صحت الاجارة " لانها باذن المولى، فلا مجال للعدول عن الاذن بعد وقوع الاجارة عن الاذن، فينحصر العمل بالنذر في هذه الصورة لا غيرها. نعم قبل وقوع الاجارة المذكورة لا مانع من عدول المولى عن الاذن، فيمنعه عن إيقاع الاجارة المذكورة. بل في الصورة السابقة لما كان الاحجاج عوضا عن الخدمة - التي هي ملك المولى - كان ملكا للمولى، فيمكنه إسقاطه عن المستأجر ومنع العبد عن التصرف فيه. (1) أوجههما الاول، لاصالة البراءة من الحرمة.

[ 312 ]

[ (مسألة 2): إذا كان الوالد كافرا ففي شمول الحكم له وجهان، أوجههما العدم للانصراف، ونفي السبيل (1). (مسألة 3): هل المملوك المبعض حكمه حكم القن أولا؟ وجهان، لا يبعد الشمول (2). ويحتمل عدم توقف حلفه على الاذن في نوبته في صورة المهاياة (3). خصوصا إذا كان وقوع المتعلق في نوبته. ] (1) لان المنصرف من الدليل: أن ذلك تكريم الاب، والكافر لا يستحق ذلك. وأما آية نفي السبيل فظاهرة - بمناسبة ما قبلها من قوله تعالى: (فالله يحكم بينهم يوم القيامة..) - (* 1) في أنها في أمور الاخرة، فلا تكون مما نحن فيه. (2) لاطلاق ادله نفي سلطنة العبد. وإن كان لا يخلو من إشكال لاحتمال انصرافه الى غير المبعض، بل هو قريب، والمرجع فيه عموم قاعدة السلطنة. لكن الظاهر أنه لا إشكال عندهم في نفي السلطنة المطلقة عنه. (3) هذا الاحتمال موافق لقاعدة السلطنة التي قد عرفت أنها المرجع عند الشك. لكن يشكل: بأن المهاياة تقتضي اختصاص المنافع التي تكون في نوبة المالك بالمالك، فقاعدة سلطنة المالك عليها، تقتضي المنع من التصرف فيها بغير إذنه، وهي غير سلطنته على العبد المنتفية في نوبته. (وبالجملة): عدم صحة النذر تارة: لعدم سلطنة العبد على تصرفه من حيث قيامه به، وأخرى: من حيث تعلق التصرف بمال غيره. فإذا نذر في نوبته ما يتعلق بنوبة المولى، فمن حيث كونه نذرا صادرا من العبد في نوبته يكون تحت سلطانه، ومن حيث كونه متعلقا بما في نوبة المولى لا يكون تحت سلطانه، فلا ينفذ. نعم إذا كان النذر في نوبة العبد ومتعلقا بما في نوبته لم يكن مانع من


(* 1) النساء: 141.

[ 313 ]

[ (مسألة 4): الظاهر عدم الفرق في الولد بين الذكر والانثى (1)، وكذا في المملوك والمالك (2). لكن لا تلحق الام بالاب (3). ] نفوذه، إذ لا سلطان لغيره عليه، لا في نذره ولا في متعلق نذره. نعم يتوقف ذلك على دليل يدل على استقلاله في نوبته وبما في نوبته، فان تم كان نذره نافذا (1) لعموم الولد للجميع. قال الله تعالى: (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الانثيين..) (* 1). (2) الظاهر أنه لا إشكال فيه، ولم يتعرض في كلام أحد للخلاف فيه كما تعرضوا للخلاف في عموم الحكم للام. وكأنه لعموم المملوك والمالك للذكر والانثى، لان المالكية والمملوكية قائمة بالنفس، وهي لا تقبل الذكورة والانوثة. أو لان المناط الملكية وهي مشتركة. وكلا الوجهين لا يخلو من إشكال، ضرورة صحة قولنا: " زيد مالك، وزينب مالكة "، ولا يقال: " زينب مالك ". وكذا الكلام في المملوك والمملوكة. وأما دعوى اشتراك المناط فغير معلومة. مع أنه لا فرق بينها وبين الوالد والوالدة. فالعمدة - إذا - ظهور التسالم على الحكم. مع أنه سبق في النذر: أن الحكم في المملوك على القاعدة لقصور سلطنته، ولا يفرق فيه بين الذكر والانثى. (3) كما نص على ذلك في الرياض، لاختصاص النص والفتوى بالوالد، وهو غير شامل للام. نعم بناء على ما تقدم من المصنف (ره) - تبعا للجواهر - من اختصاص النصوص بما كان منافيا لحق المولى والزوج، وكان مما تجب فيه إطاعة الوالدين يتعين الالحاق. لان النصوص حينئذ تكون واردة على مقتضى القاعدة. فكأن كلام المصنف (ره) مبني على


(* 1) النساء 11.

[ 314 ]

[ (مسألة 5): إذا نذر أو حلف المملوك باذن المالك، ثم انتقل إلى غيره - بالارث أو البيع أو نحوه - بقي على لزومه (1). (مسألة 6): لو نذرت المرأة أو حلفت حال عدم الزوجية ثم تزوجت، وجب عليها العمل به (2) وإن كان منافيا للاستمتاع بها، وليس للزوج منعها من ذلك الفعل، ] ما هو ظاهر كلمات الاصحاب. فلاحظ. (1) الكلام فيه تارة: فيما يكون منافيا لحق المولى، وأخرى: في غيره. أما الثاني فالحكم فيه ظاهر، لانه مقتضى الاستصحاب. أو مقتضى العموم الازماني الثابت لدليل اللزوم. وإطلاق ما دل على اعتبار إذن السيد مختص بالسيد حال النذر، فلا يشمل السيد بعده كي يقتضي اعتبار إذنه. وأما الاول فقد يشكل من جهة: أن السيد الوارث أو المشتري تثبت له الاحكام كما تثبت للموروث والبائع، فإذا نهى العبد عن العمل بالنذر لمنافاته لحقه وجب على العبد إطاعته " فيبطل النذر لانه نذر للمعصية. ويعارض ذلك: أن وجوب اطاعة المولى يختص بغير الواجب، فإذا صح النذر وجب المنذور ولم تجز اطاعة المولى في تركه. وقد تقدم نظير ذلك في الفصل السابق في المسألة الثانية والثلاثين، وتقرر هناك: أنه إذا تعارض تكليفان، بحيث إذا ثبت أحدهما رفع موضوع الاخر، كان العمل على السابق منهما زمانا دون اللاحق. (2) الصورتان المتقدمتان في المسألة الخامسة ايضا آتيتان في هذه المسألة، فتارة: تنذر مالا ينافي حق الزوج، وأخرى: تنذر ما ينافيه. ففي الاولى يجب عليها العمل بالنذر، لاطلاق دليل وجوب العمل بالنذر، أو استصحابه. والزوج الثاني لا يشمله قوله (عليه السلام): " لا يمين للمرأة مع

[ 315 ]

[ كالحج ونحوه بل وكذا لو نذرت أنها لو تزوجت بزيد - مثلا - صامت كل خميس، وكان المفروض أن زيدا أيضا حلف أن يواقعها كل خميس إذا تزوجها، فان حلفها أو نذرها مقدم على حلفه وإن كان متأخرا في الايقاع لان حلفه لا يؤثر شيئا في تكليفها (1). بخلاف نذرها، فانه يوجب الصوم عليها، لانه متعلق بعمل نفسها، فوجوبه عليها يمنع من العمل بحلف الرجل. ] زوجها " (* 1)، لاختصاصها بالزوج حال النذر، ولا يشمل الثاني. وأما الثانية فقد يشكل فيها الاخذ بالنذر بدعوى: مرجوحية متعلقه حين وقوعه فيبطل. وقد عرفت جوابه، فان المسألتين من باب واحد. (1) من المعلوم أن حلف الزوج موجب لتوجه الخطاب إليه بوجوب العمل، لا أنه يوجب توجه الخطاب إليها، ففرضه لا يوجب اختلاف حكم هذه المسألة عن سابقتها. وحينئذ يرجع إلى حكم المسألة السابقة، فيقال: يتعارض فيها خطاب وجوب العمل بالنذر وخطاب وجوب إطاعة الزوج، ولما كان الاول سابقا زمانا كان دليله مقدما في الحجية على الثاني، لانه رافع لموضوع الثاني، وإذا ارتفع وجوب إطاعة الزوج عنها فكانت لا تجب عليها إطاعته، كان نذر الزوج باطلا، لتعلقه بغير المشروع. وبالجملة: نذر الزوج ونذر الزوجة إن صحا اقتضيا خطابين متوجهين إلى شخصين لا إلى شخص واحد، ولما لم يكونا متوجهين الى شخص واحد لا مجال لتوهم المعارضة بين دليليهما، كي يهتم في تعيين المقدم منهما على الاخر، فيدعى أن دليل المتقدم زمانا مقدم على دليل المتأخر. والخطابان


(* 1) لاحظ الوسائل باب 10 من ابواب اليمين حديث: 1، 2، 3.

[ 316 ]

المتعارضان في هذه المسألة أيضا هما وجوب العمل بالنذر، ووجوب اطاعة الزوج، فيجري الكلام السابق فيهما، وتكون النتيجة تقديم دليل الاول - لسبقه زمانا - على دليل الثاني، فإذا سقط الثاني لم يكن لنذر الزوج مجال لانه متعلق بغير المشروع. ومن ذلك يظهر أن المناسب في التعبير: أن يقال - بدل قوله: " فوجوبه عليها يمنع.. " - هكذا " فوجوبه عليها يمنع الرجل أن يعمل بحلفه "، لا أنه يمنع الزوجة من العمل بحلف الرجل، لان المفروض أن حلف الرجل لا يوجب تكليفا للزوجة، ولا عملا عليها. فلاحظ. ثم إنه قد يستشكل في صحة نذر الزوجه الصوم إذا تزوجت، لانها إذا تزوجت وجب عليها إطاعة الزوج، وحينئذ يكون نذرها الصوم إذا تزوجت راجعا إلى نذر تفويت حق الزوج. نظير ما إذا نذرت أنها إذا تزوجت منعت الزوج عن حقه، فيكون باطلا لعدم مشروعية المنذور. ولاجله يشكل نذرها الصوم من دون تقييد بالتزويج، فلا يجوز العمل به إذا تزوجت على كل حال. لانها إذا نذرته مطلقا جاء فيه الاشكال المذكور، لانه إذا فرض أنه لا يصح النذر المقيد لا يصح النذر المطلق. فإذا نذرت الصوم غير مقيد بتقدير الزوجية، فان أخذ مطلقا فهو ممتنع، لان امتناع المقيد يوجب امتناع المطلق الشامل له، وإذا أخذ مهملا لم يشمل حال التزويج، فلا يجب العمل به إذا تزوجت. وإن أخذ مقيدا بغير حال التزويج كان صحيحا، لكن لا يجب العمل به إذا تزوجت لفوات القيد المقيد به النذر. بل من ذلك يظهر الاشكال في نذر زيارة الحسين (عليه السلام) يوم عرفة لمن استطاع بعد ذلك، لانه أيضا إذا نذرها على تقدير الاستطاعة - بأن قال: " لله علي إذا استطعت أن أزور يوم عرفة " - كان نذرا لغير

[ 317 ]

[ (مسألة 7): إذا نذر الحج من مكان معين - كبلده، أو بلد آخر معين - فحج من غير ذلك المكان لم تبرء ذمته ووجب عليه ثانيا. نعم لو عينه في سنة، فحج في تلك السنة من غير ذلك المكان وجب عليه الكفارة، لعدم إمكان التدارك ولو نذر أن يحج من غير تقييد بمكان، ثم نذر نذرا آخر أن يكون ذلك الحج من مكان كذا، وخالف فحج من غير ذلك المكان، برئ من النذر الاول، ووجب عليه الكفارة لخلف النذر الثاني. كما أنه لو نذر أن يحج حجة الاسلام من بلد كذا فخالف، فانه يجزيه عن حجة الاسلام، ووجب عليه الكفارة لخلف النذر (1). ] المشروع، لانه على تقدير الاستطاعة يجب عليه الحج، فلا يجوز له تفويته بالزيارة، فلا يصح نذرها، وإذا لم يصح النذر مقيدا بتقدير الاستطاعة لم يصح النذر مطلقا، وإذا نذرها نذرا مهملا أو مقيدا بغير الاستطاعة لم يجب العمل به على تقدير الاستطاعة. وفيه: أن الجواب المتقدم ايضا آت هنا، فان النذر على تقدير الاستطاعة إنما يكون نذرا لغير المشروع إذا تقدم دليل وجوب الحج، أما إذا سقط بارتفاع موضوعه بسبق النذر فلا يكون نذرا لغير المشروع. ومثله الكلام في نذر الزوجة. فلاحظ، وتأمل. (1) قد تقدم - في مواضع من هذا الشرح - الكلام في نظير المسألة وحاصله: أن وجود حج الاسلام إن أخذ شرطا للنذر فمع سقوطه بالاداء لا مجال للكفارة إذ لا حنث، وإن أخذ قيدا للمنذور وجب تحصيله. فيرجع قوله: " لله علي أن أحج حج الاسلام من بلد كذا " إلى قوله: " لله علي أن لا أحج إلا من بلد كذا " لان وجوب المحافظة على حصول قيد

[ 318 ]

] (مسألة 8): إذا نذر أن يحج ولم يقيده بزمان، فالظاهر جواز التأخير الى ظن الموت أو الفوت (1)، فلا يجب عليه المبادرة، إلا إذا كان هناك انصراف، فلو مات قبل الاتيان به - في صورة جواز التأخير - لا يكون عاصيا. والقول ] المنذور يقتضي المنع من حصوله، لئلا يعجز عن أداء المنذور المؤدي الى تركه، فإذا حج من غير البلد المعين حج الاسلام فقد فوت الموضوع وعجز نفسه عن اداء المنذور. وهذا التعجيز حرام عقلا، فيكون تجريا، فلا يصح التعبد به، فإذا بطل - لفوات التقرب - بقي النذر بحاله، فيجب الاتيان بالمنذور بعد ذلك. وحيئذ لا تجب الكفارة، لان الكفارة إنما تجب بترك المنذور، لا بمجرد التجري في تركه وتفويته، الحاصل بالاقدام على إفراغ الذمة عن حجة الاسلام. فراجع ما كتبناه في شرح مسألة: ما لو نذر أن يصلي جماعة. هذا كله مع العمد، وأما مع السهو فلا ينبغي الاشكال في صحة الحج وعدم الكفارة. (1) قال في المسالك: " لا خلاف في جواز تأخير المطلق، إلا أن يظن الوفاة. سواء حصل مانع أم لا. ". وقال في المدارك: " قد قطع الاصحاب: بأن من نذر الحج مطلقا يجوز له تأخيره إلى أن يتضيق الوقت بظن الوفاة. ووجهه واضح، إذ ليس في الادلة النقلية ما يدل على اعتبار الفورية. والامر المطلق إنما يدل على طلب الماهية من غير إشعار بفور ولا تراخ، كما بيناه مرارا.. ". وفي كشف اللثام: عن التذكرة: أن عدم الفورية اقوى. فاحتمال الفورية إما لانصراف المطلق إليها، كما قيل في الاوامر المطلقة. أو لانا إن لم نقل بها لم يتحقق الوجوب لجواز الترك ما دام حيا. أو لضعف ظن الحياة هنا، لانه إذا لم يأت به في عام لم يمكنه الاتيان به إلا في عام آخر. ولاطلاق بعض الاخبار الناهية عن

[ 319 ]

[ بعصيانه - مع تمكنه في بعض تلك الازمنة وإن جاز التأخير - لا وجه له (1). وإذا قيده بسنة معينة لم يجز التأخير مع فرض تمكنه في تلك السنة، فلو أخر عصى (2)، وعليه القضاء والكفارة (3)، وإذا مات وجب قضاؤه عنه. كما أن في ] تسويف الحج. أقول: الوجوه المذكورة كلها ضعيفة. لمنع الانصراف. وجواز الترك ما دام حيا - لو سلم - فهو ظاهري لا ينافي الوجوب الواقعي. على أنه قد يحصل الظن بالفوات في اثناء فلا يجوز الترك حينئذ. مع أن هذا الاشكال - لو تم - اقتضى المنع من الموسع - موقتا كان أم لا - لاطراد ما ذكر فيه. ومنع ضعف ظن الحياة هنا دائما. وإطلاق بعض الاخبار منصرف إلى حج الاسلام، ولا يشمل الحج النذري، بل هو تابع للنذر من حيث الاطلاق والتقييد. فالعمدة في الاشكال: أن النذر إذا كان مستوجبا حقا لله تعالى كان تأخير الحق بغير إذن ذي الحق حراما. ولذلك ذكروا أن إطلاق البيع والاجارة ونحوهما يقتضي التعجيل. (1) قال في الجواهر: وقد يقال باستحقاقه العقاب بالترك تمام عمره، مع التمكن منه في بعضه، وإن جاز له التأخير إلى وقت آخر يظن التمكن منه. فان جواز ذلك له - بمعنى عدم العقاب عليه لو اتفق حصول التمكن له في الوقت الثاني - لا ينافي استحقاق عقابه لو لم يصادف بالترك في اول أزمنة التمكن.. ". وكأن هذا منه مبني على ان العقاب تابع للواقع لا للاقدام على المخالفة. وهو كما ترى. (2) لان نذر المقيد يقتضي وجوب الاتيان بالمقيد، فتركه عمدا عصيان حرام. (3) في الجواهر: " بلا خلاف أجده فيه، بل هو مقطوع به في

[ 320 ]

[ صورة الاطلاق إذا مات - بعد تمكنه منه، قبل إتيانه - وجب القضاء عنه. والقول بعدم وجوبه (1)، بدعوى: أن القضاء بفرض جديد، ضعيف لما يأتي. وهل الواجب القضاء ] كلام الاصحاب، كما اعترف به في المدارك.. ". وأشكل عليه في المدارك: بأن القضاء يحتاج إلى أمر جديد، وهو مفقود. وإشكاله في محله، والاصل البراءة من وجوبه. ولا مجال للاستصحاب في المقام ونحوه، مما كان للقضاء وقت معين ينفصل عن وقت الاداء. ووجوب إخراجه من الاصل أو من الثلث لو كان منذورا نذرا مطلقا، لا يقتضي وجوب القضاء عليه في الموقت في حياته، ولا إخراجه من تركته بعد وفاته، لان المقيد يتعذر الاتيان به فلا مجال لاخراجه الا بدليل. وما يأتي من تقريب إخراج الحج من أصل المال إنما يجري في النذر المطلق لا المقيد، لانه يفوت بفوات وقته، وما يؤتى به في غير وقته مباين له. فالعمدة - إذا - في وجوب القضاء: هو الاجماع، كما عرفت من المدارك والجواهر، وهو ظاهر غيرهما. فان وجوب القضاء بعد الوقت مذكور في كلامهم، ومرسل فيه إرسال المسلمات. وأما الكفارة فلمخالفة النذر. (1) ذكر ذلك في المدارك قال: " أما وجوب قضائه من اصل التركة إذا مات بعد التمكن من الحج فمقطوع به في كلام أكثر الاصحاب: واستدلوا عليه بأنه واجب مالي ثابت في الذمة، فيجب قضاؤه من أصل ماله كحج الاسلام. وهو استدلال ضعيف أما أولا: فلان النذر إنما اقتضى وجوب الاداء، والقضاء يحتاج إلى امر جديد - كما في حج الاسلام -، وبدونه يكون منفيا بالاصل السالم عن المعارض. وأما ثانيا: فلمنع كون الحج واجبا ماليا، لانه عبارة عن المناسك المخصوصة، وليس بذل المال داخلا في ماهيته ولا من ضرورياته. وتوقفه عليه في بعض الصور كتوقف

[ 321 ]

[ من أصل التركة، أو من الثلث؟ قولان، فذهب جماعة إلى القول بأنه من الاصل (1)، لان الحج واجب مالي، وإجماعهم قائم على أن الواجبات المالية تخرج من الاصل. وربما يورد عليه يمنع كونه واجبا ماليا، وإنما هو أفعال مخصوصة بدنية وإن كان قد يحتاج الى بذل المال في مقدماته، كما أن الصلاة أيضا قد تحتاج إلى بذل المال في تحصيل الماء والساتر والمكان ونحو ذلك (2). وفيه: أن الحج في الغالب محتاج الى بذل المال (3)، بخلاف الصلاة وسائر العبادات البدنية، فان كان هناك إجماع أو غيره على أن الواجبات المالية من الاصل يشمل الحج قطعا. وأجاب صاحب الجواهر - رحمه الله - بأن المناط ] الصلاة عليه في بعض الوجوه، كما إذا احتاج الى شراء الماء، أو استئجار المكان والساتر، ونحو ذلك، مع القطع بعدم وجوب قضائها من التركة. وذهب جمع من الاصحاب إلى وجوب قضاء الحج المنذور من الثلث. ومستنده غير واضح ايضا.. ". وظاهره التوقف في أصل وجوب القضاء، وتبعه على ذلك في كشف اللثام والذخيرة والمستند وغيرها. وسيأتى الاشكال فيه. (1) حكى هذا القول في كشف اللثام عن السرائر، وإطلاق المقنعة والخلاف، واختاره في الشرائع. (2) تقدم هذا الايراد في المدارك. (3) لكن ذلك لا يكفي في كونه واجبا ماليا، لان صرف الطبيعة - الذي هو موضوع الوجوب - ليس موقوفا على المال، فضلا عن أن يكون واجبا ماليا.

[ 322 ]

[ في الخروج من الاصل كون الواجب دينا، والحج كذلك، ] وتفصيل المقام: أن الواجبات التي تكون في الذمة تارة: لا تكون المالية ملحوظة فيها أصلا، مثل الواجبات العبادية الاصلية التي وجبت لمصالح اقتضت وجوبها، كالصوم، والصلاة، والحج، والجهاد، ونحوها. واخرى: تكون المالية ملحوظة فيها. وهذه على قسمين: الاول: ما يكون اشتغال الذمة فيه منتزعا من غير التكليف، ويكون ذلك الاشتغال موضوعا لوجوب الاداء، مثل وجوب اداء الدين، ووجوب اداء نفقة الزوجة، ووجوب أداء الزكاة إذا كان النصاب قد تلف مضمونا على المالك. فان وجوب الدفع وإن اشتغلت به الذمة لكنه منوط باشتغالها بالمال، وذلك الاشتغال منتزع من أمر آخر غير وجوب الاداء. الثاني: ما يكون الاشتغال منتزعا فيه من وجوب الاداء لا غير، مثل وجوب أداء نفقة الاقارب. أما الاول فلا ينبغي التأمل في ان مقتضى العمومات عدم وجوب إخراجها من الاصل، لان الذي تضمنته العمومات إخراج الدين، والظاهر من الدين المال الذي تشتغل به الذمة للغير اشتغالا وضعيا، وقد عرفت أن العبادات البدنية ليست مالا ولم تشتغل بها الذمة اشتغالا وضعيا، فلا تكون دينا. وقد تقدم من المدارك: القطع بعدم وجوب إخراجها من الاصل، وفي الرياض " لا خلاف في أنها تخرج من الثلث، مرسلين له ارسال المسلمات.. ". وأما الثاني فلا ينبغي التأمل وفي وجوب إخراجه من الاصل لعموم الدين. وأما الثالث ففيه تأمل وإشكال، ينشأ من عدم العموم المقتضي لاخراجه من الاصل. ومن الاجماع المدعى على أن الواجبات المالية تخرج من الاصل. لكن في جواز الاعتماد على دعوى الاجماع المذكورة تأمل، بل منع. هذا وقد يشكل الحال في جملة من الموارد من حيث أنها من القسم

[ 323 ]

[ فليس تكليفا صرفا - كما في الصلاة والصوم - بل للامر به جهة وضعية (1). فوجوبه على نحو الدينية، بخلاف سائر العبادات البدنية، فلذا يخرج من الاصل، كما يشير إليه بعض ] الثاني أو الثالث، مثل: وجوب الفدية على من أفطر لعذر ولم يتمكن من القضاء - كالمريض المستمر به المرض من رمضان إلى رمضان الثاني - أو تمكن من القضاء وأهمله، أو كان شيخا أو شيخة، أو ذا عطاش أو غيرهم. فان وجوب الفداء هل هو من باب وجوب أداء ما في الذمة فيكون من القسم الثاني أو وجوب ابتدائي فيكون من القسم الثالث؟ وكذا فداء المحرم إذا ارتكب بعض المحرمات في الاحرام، فانه يحتمل أن يكون المال في الذمة ويجب اداؤه، ويحتمل أن لا يكون إلا وجوب الاداء لا غير. وإن كان الظاهر من الادلة في امثال ذلك أنه من القسم الثاني، فيجب إخراجها من الاصل. وأما الكفارة المحيرة على من أفطر في شهر رمضان عمدا، وكفارة الجمع، فالظاهر أنهما قسم برأسه، فلا يدخل في واحد من الاقسام المذكورة. ولا دليل على إخراجهما من الاصل. (1) لم يتضح الوجه في ذلك إلا من جهة ما عرفت: من أن دليل التشريع كانت العبارة فيه هكذا: (لله على الناس حج البيت..) (* 1)، وظاهرها أن اللام للملك، فيكون الحج مملوكا لله سبحانه على الناس، فيكون حينئذ من قبيل القسم الثاني. هذا بالنسبة الى حج الاسلام أما بالنسبة الى الحج المنذور فأظهر، لما عرفت مرارا، من أن صيغة النذر مفادها جعل المنذور لله سبحانه وتمليكه إياه، فيكون من قبيل القسم الثاني. هذا ولو كان المراد من عبارة الجواهر ذلك كان المتعين التعبير بغير تلك العبارة مما هو أخصر وأوضح.


(* 1) آل عمران: 97.

[ 324 ]

[ الاخبار الناطقة بأنه دين، أو بمنزلة الدين (1). قلت: التحقيق أن جميع الواجبات الالهية ديون الله تعالى، سواء كانت مالا، أو عملا ماليا، أو عملا غير مالي. فالصلاة والصوم أيضا ديون لله، ولهما جهة وضع، فذمة المكلف مشغوله بهما (2). ولذا يجب قضاؤهما، فان القاضي يفرغ ذمة نفسه أو ذمة الميت. وليس القضاء من باب التوبة، أو من باب الكفارة، بل هو إتيان لما كانت الذمة مشغولة به. ولا فرق بين كون الاشتغال بالمال أو بالعمل، بل مثل قوله: " لله علي أن أعطي زيدا درهما " دين إلهي لا خلقي (3). ] (1) في صحيح ضريس: " إنما هو مثل دين عليه " (* 1)، وفي حسن معاوية: " إنه بمنزله الدين الواجب " (* 2)، وفي رواية الحارث بياع الانماط: " إنما هي دين عليه " (* 3). والاول يأتي، والاخيران واردان فيمن أوصى أن يحج عنه. (2) قد عرفت أن الاشتغال تارة: ينتزع من التكليف ويكون مترتبا عليه، وأخرى: منتزعا من أمر آخر غير التكليف ويكون التكليف متفرعا عليه. فالدين الذي يخرج من الاصل يختص بالقسم الثاني ولا يشمل القسم الاول، فنفس الاشتغال - في الجملة - لا يقتضي الحكم بالدينية ولا الاخراج من الاصل. (3) هذا مما لا ينبغي الاشكال فيه، وحينئذ يصدق الدين. وكان على المصنف هذا التقرير بالنسبة إلى قوله تعالى: (ولله على الناس حج


(* 1) الوسائل باب: 29 من ابواب وجوب الحج حديث: 1. (* 2) الوسائل باب 25 من ابواب وجوب الحج حديث: 4. (* 3) الوسائل باب: 29 من ابواب وجوب الحج حديث: 2.

[ 325 ]

[ فلا يكون الناذر مديونا لزيد، بل هو مديون لله بدفع الدراهم لزيد، ولا فرق بينه وبين أن يقول: " لله علي أن أحج أو أن أصلي ركعتين "، فالكل دين الله، ودين الله أحق أن يقضى، كما في بعض الاخبار. ولازم هذا كون الجميع من الاصل. نعم إذا كان الوجوب على وجه لا يقبل بقاء شغل الذمة به بعد فوته لا يجب قضاؤه، لا بالنسبة إلى نفس من وجب عليه، ولا بعد موته. سواء كان مالا أو عملا، مثل: وجوب إعطاء الطعام لمن يموت من الجوع عام المجاعة فانه لو لم يعطه حتى مات لا يجب عليه ولا على وارثه القضاء لان الواجب إنما هو حفظ النفس المحترمة، وهذا لا يقبل البقاء بعد فوته. وكما في نفقة الارحام فانه لو ترك الانفاق عليهم - مع تمكنه - لا يصير دينا عليه، لان الواجب سد الخلة، وإذا فات لا يتدارك. فتحصل: أن مقتضي القاعدة في الحج النذري إذا تمكن وترك حتى مات وجوب قضائه من الاصل لانه دين الهي. إلا أن يقال: بانصراف الدين عن مثل هذه الواجبات. وهو محل منع، بل دين الله أحق أن يقضى (1). ] البيت..) (* 1)، فانهما من قبيل واحد. (1) قد عرفت أن هذه الجملة مذكورة في رواية الخثعمية في بعض متونها، وأن الظاهر منها: أن دين الله أحق وأولى أن يصح قضاؤه، لا أنه أحق أن يجب قضاؤه (* 2).


(* 1) آل عمران: 97. (* 2) تقدم التعرض لها في الجزء: 7 من هذا الشرح صفحة: 117.

[ 326 ]

[ وأما الجماعة القائلون بوجوب قضائه من الثلث (1)، فاستدلوا بصحيحة ضريس وصحيحة ابن أبي يعفور الدالتين على أن من نذر الاحجاج ومات قبله يخرج من ثلثه (2). وإذا كان نذر الاحجاج كذلك - مع كونه ماليا قطعا - فنذر الحج بنفسه أولى بعدم الخروج من الاصل. وفيه: أن الاصحاب لم ] (1) وهم أبو علي، والشيخ في النهاية والتهذيب والمبسوط، وابنا سعيد في المعتبر والجامع، على ما في كشف اللثام. وزاد في المستند حكايته عن الصدوق والمحقق في النافع. (2) قال ضريس: " سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل - عليه حجة الاسلام - نذر نذرا في شكر ليحج رجلا الى مكة، فمات الذي نذر قبل أن يحج حجة الاسلام، ومن قبل أن يفي بنذره الذي نذر، قال (عليه السلام): إن ترك مالا يحج عنه حجة الاسلام من جميع المال وأخرج من ثلثه ما يحج به رجلا لنذره وقد وفى بالنذر. وإن لم يكن ترك مالا إلا بقدر ما يحج به حجة الاسلام حج عنه بما ترك، ويحج عنه وليه حجة النذر. إنما هو مثل دين عليه " (* 1). وقال ابن ابي يعفور: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام): رجل نذر لله: إن عافى الله ابنه من وجعه ليحجنه إلى بيت الله الحرام، فعافى الله الابن ومات الاب. فقال: الحجة على الاب يؤديها عنه بعض ولده. قلت: هي واجبة على ابنه الذي نذر فيه؟ فقال: هي واجبة على الاب من ثلثه. أو يتطوع ابنه فيحج عن أبيه " (* 2). قال في كشف الثام: " فان إحجاج الغير ليس إلا بذل المال لحجه، فهو دين مالي محض بلا شبهة، فإذا لم يجب إلا من الثلث فحج نفسه أولى ".


(* 1) الوسائل باب: 29 من أبواب وجوب الحج حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 29 من ابواب وجوب الحج حديث: 3.

[ 327 ]

[ يعملوا بهذين الخبرين في موردهما (1)، فكيف يعمل بهما في غيره؟ وأما الجواب عنهما بالحمل على صورة كون النذر في حال المرض (2)، بناء على خروج المنجزات من الثلث. فلا وجه له بعد كون الاقوى خروجها من الاصل. وربما يجاب عنهما بالحمل على صورة عدم إجراء الصيغة، أو على صورة عدم التمكن من الوفاء حتى مات. وفيهما ما لا يخفى (3). خصوصا الاول. (مسألة 9): إذا نذر الحج مطلقا أو مقيدا بسنة معينة، ] (1) قال في المستند: " قيل: لم يفت به أحد - يعني: الحكم المذكور في الصحيحين - في موردهما، بل أخرجوه من الاصل، لما دل على وجوب الحق المالي من الاصل. ونزلوا الصحيحين تارة: على وقوع النذر في مرض الموت، وأخرى: على وقوعه التزاما بغير صيغة، وثالثة: على ما إذا قصد تنفيذ الحج المنذور بنفسه فلم يتفق بالموت. فلا يتعلق بماله حج واجب بالنذر، ويكون الامر باخراج الحج المنذور واردا على الاستحباب للوارث، وكونه من الثلث رعاية لجانبه.. ". (2) حكاه في كشف اللثام عن المختلف. (3) لان الموجب لارتكاب التأويلين المذكورين الحذر من مخالفة القواعد، وهذا المحذور لازم لهما، فان النذر بلا صيغة أو مع عدم التمكن من الوفاء باطل لا أثر له، فلا وجه لاخراجه من الثلث. كما لا وجه لاخراجه من الاصل، فالتوجيهات المذكورة فيها تخلص عن محذور ووقوع في محذور اخر. ولذلك حكي عن منتقى الجمان: حملهما على صورة عدم التمكن من الاداء وكون الحكم ندبيا. وهو وإن لم يلزم منه محذور، لكن لا موجب

[ 328 ]

[ ولم يتمكن من الاتيان به حتى مات لم يجب القضاء عنه (1)، لعدم وجوب الاداء عليه حتى يجب القضاء عنه، فيكشف ذلك عن عدم انعقاد نذره (2). ] له. فالاولى إرجاع تعيين المراد منهما إلى قائلهما (عليه السلام). هذا وربما يعارض الصحيحتين حسن مسمع الاتي في المسألة الثالثة عشرة. لكن العمل به في مورده لا يخلو عن إشكال. وسيأتي التعرض لذلك. مضافا إلى احتمال أن يكون نسبته اليهما نسبة المطلق الى المقيد، فيتعين الجمع بينهما بالتقييد، فيحمل الحسن على إرادة الثلث مما ترك أبوه. فلاحظ. (1) بلا خلاف أجده فيه. للاصل السالم عن معارضه خطاب النذر، الذي انكشف عدم تعلقه بعدم التمكن منه، كذا في الجواهر. (2) يعني: عدم وجوب الاداء يكشف عن عدم الانعقاد. وكان المناسب التعليل: بأن عدم التمكن مانع من الانعقاد " إذ من شرائط انعقاد النذر التمكن من المنذور، كما عرفت وأما عدم وجوب الاداء فأعم من عدم الانعقاد، لجواز الانعقاد مع العذر في مخالفة وجوب الوفاء، فانه كما لا يسقط الدين أو الحق بطروء العجز عن الوفاء والاداء يمكن أن يثبت معه ايضا ولا فرق بين الحدوث والبقاء. ولاجل ذلك يتعين القول: بأن اشتراط التمكن من المنذور في انعقاد النذر شرعي لا عقلي، والمرجع فيه دليله من حيث العموم والخصوص. كما أنه على تقدير العموم يقبل التخصيص. نعم إذا لم يكن للانعقاد أثر إلا وجوب الاداء فمع العجز عن الاداء لا يتحقق الانعقاد إذ لا اثر له حينئذ فان الانعقاد من الاعتبارات العقلائية التي لا تصح إلا مع الاثر. وسيأتي القول بصحة النذر مع العجز عن المنذور في بعض الفروض.

[ 329 ]

[ (مسألة 10): إذا نذر الحج معلقا على أمر - كشفاء مريضه، أو مجئ مسافره - فمات قبل حصول المعلق عليه، هل يجب القضاء عنه أم لا؟ المسألة مبنية على أن التعليق من باب الشرط، أو من قبيل الوجوب المعلق (1). فعلى الاول لا يجب، لعدم الوجوب عليه بعد فرض موته قبل حصول الشرط وإن كان متمكنا من حيث المال وسائر الشرائط. وعلى الثاني يمكن أن يقال بالوجوب لكشف حصول الشرط عن كونه واجبا عليه من الاول. إلا أن يكون نذره منصرفا الى بقاء حياته حين حصول الشرط. (مسألة 11): إذا نذر الحج - وهو متمكن منه - فاستقر عليه، ثم صار معضوبا - لمرض أو نحوه - أو مصدودا - بعدو أو نحوه - فالظاهر وجوب استنابته حال حياته، لما ] (1) يعني: مبنية على أن الشرط لوحظ شرطا للمنذور نظير شرط الواجب أو شرطا للنذر نظير شرط الوجوب. فعلى الاول لا يجب القضاء عنه، لعدم تحقق الوجوب قبل الشرط. وعلى الثاني يجب لتحقق الوجوب. ويشكل بأن هذا الابتناء غير ظاهر، إذ على الثاني لا وجه لوجوب القضاء - بناء على شرطية التمكن من المنذور في انعقاد النذر - فان المفروض فيه الموت المانع من التمكن، فلا ينعقد النذر، فلا وجوب. وعلى الاول يمكن القول بوجوب القضاء إذا لوحظ الشرط بنحو الشرط المتأخر، لتحقق الحق فعلا، فيستدعي الوجوب الفعلي. وأما تحقيق المبني، فالظاهر الذي لا ينبغي الاشكال فيه: أن الشرط لوحظ شرطا للنذر لا للمنذور، فيكون وجوب القضاء وعدمه تابعين لملاحظته بنحو الشرط المتأخر والمتقدم.

[ 330 ]

[ مر من الاخبار سابقا في وجوبها (1). ودعوى: اختصاصها بحجة الاسلام ممنوعة كما مر سابقا. وإذا مات وجب القضاء عنه. وإذا صار معضوبا أو مصدودا قبل تمكنه واستقرار الحج عليه، أو نذر وهو معضوب أو مصدود حال النذر مع فرض تمكنه من حيث المال، ففي وجوب الاستنابة وعدمه حال حياته ووجوب القضاء عنه بعد موته قولان (2)، أقواهما ] (1) قد تقدم الكلام في هذه الاخبار في المسألة الثانية والسبعين، وتقدم من المصنف: التوقف في عموم الاخبار للمورد. فراجع. وعن المحقق: أن وجوب الاستنابة حسن، وعن موضع من التذكرة: أنه قريب. (2) أحدهما: الوجوب، نسب في الجواهر إلى الشيخ (ره) وأتباعه. قال في محكي المبسوط: " المعضوب إذا وجبت عليه حجة - بالنذر، أو بافساد - وجب عليه أن يحج عن نفسه رجلا، فإذا فعل فقد أجزأه.. ". واحتمل في توجيهها: أن المراد صورة ما إذا طرأ العذر بعد التمكن، وهو غير بعيد. وحينئذ لا يكون خلاف منه في المسألة. ثم إنه قد يوجه كلامه - بناء على حمله على صورة ما إذا كان النذر حال العذر المانع، كما استظهره في الجواهر -: بفحوى ثبوتها في حجة الاسلام كذلك، بتقريب: أن مشروعيته على الوجه المزبور، فالنذر ملزم به على حسب ما هو مشروع. وفيه: أن المشروعية على الوجه المذكور مختصة بالواجب، والوجوب في المقام ممنوع، لفقد شرط الانعقاد بالعجز. ودليل مشروعية الاستنابة بالنسبة إلى حج الاسلام وإن كان ناظرا إلى اثبات الاستطاعة تعبدا - كما تقدم - لكن ثبوته بالنظر الى المقام غير ظاهر. والانصاف - أنه بناء على عموم نصوص الاستنابة لمن لم يكن مستطيعا

[ 331 ]

[ العدم، وإن قلنا بالوجوب بالنسبة الى حجة الاسلام. إلا أن يكون قصده من قوله: " لله علي أن أحج " الاستنابة (1). (مسألة 12): لو نذر أن يحج رجلا في سنة معينة، فخالف - مع تمكنه - وجب عليه القضاء والكفارة (2). وإن مات قبل إتيانهما يقضيان من أصل التركة، لانهما واجبان ماليان بلا إشكال (3). والصحيحتان المشار اليهما سابقا - الدالتان على الخروج من الثلث - معرض عنهما - كما قيل - أو محمولتان على بعض المحامل. وكذا إذا نذر الاحجاج من غير تقييد بسنة معينة مطلقا، أو معلقا على شرط وقد حصل وتمكن منه وترك حتى مات، فانه يقضي عنه من أصل التركة. ] قبل العذر، وعلى عمومها للحج النذري - يكون التفكيك بين الاستطاعة - التي هي شرط وجوب الحج - والقدرة - التي هي شرط انعقاد النذر - من غير وجه. فلاحظ تلك النصوص، وتأمل. (1) فان الوجوب حينئذ ثابت قولا واحدا، كما في الجواهر. وهو ظاهر. (2) تقدم الاشكال في وجوب القضاء، وأنه يحتاج إلى أمر جديد، وهو مفقود. فراجع ما سبق في المسألة الثامنة. (3) أما الاول فلما عرفت من ان المنذور من الحقوق المالية التي تخرج من الاصل. وأما الكفارة فاخراجها من الاصل غير ظاهرة، لما عرفت في المسأله الثامنة: من أن كفارة النذر - سواء قلنا بأنها كفارة يمين، كما هو الظاهر، أم كفارة إفطار شهر رمضان كما اختاره المصنف (ره) في كتاب الصوم - لم يثبت كونها حقا ماليا لله تعالى أو لغيره، فلا تدخل في الدين الذي يخرج من الاصل.

[ 332 ]

[ وأما لو نذر الاحجاج بأحد الوجوه ولم يتمكن منه حتى مات، ففي وجوب قضائه وعدمه وجهان، أوجههما ذلك. لانه واجب مالي أوجبه على نفسه فصار دينا، غاية الامر أنه ما لم يتمكن معذور. والفرق بينه وبين نذر الحج بنفسه: أنه لا يعد دينا مع عدم التمكن منه واعتبار المباشرة، بخلاف الاحجاج فانه كنذر بذل المال، كما إذا قال: " لله علي أن أعطي الفقراء مائة درهم " ومات قبل تمكنه. ودعوى: كشف عدم التمكن عن عدم الانعقاد ممنوعة (1). ففرق بين إيجاب مال على نفسه، أو إيجاب عمل مباشري وإن استلزم صرف المال، فانه لا يعد دينا عليه، بخلاف الاول (2). (مسألة 13): لو نذر الاحجاج معلقا على شرط - كمجئ المسافر، أو شفاء المريض - فمات قبل حصول الشرط، مع فرض حصوله بعد ذلك وتمكنه منه قبله، فالظاهر وجوب القضاء عنه. إلا أن يكون مراده التعليق على ذلك الشرط مع كونه حيا حينه. ويدل على ما ذكرنا خبر مسمع بن عبد الملك: فيمن كان له جارية حبلى، فنذر إن هي ولدت غلاما أن يحجه أو يحج عنه، حيث قال الصادق (عليه السلام) - بعد ما سئل عن هذا -: " إن رجلا نذر في ابن له إن هو ] (1) هذا خروج عن معقد الاجماع المدعى على اعتبار القدرة على المنذور في انعقاد النذر. (2) هذا التفصيل بلا فاصل.

[ 333 ]

[ أدرك أن يحجه أو يحج عنه، فمات الاب وأدرك الغلام بعد، فأتى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فسأله عن ذلك، فأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يحج عنه مما ترك أبوه " (1). وقد عمل به جماعة (2) ]. (1) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام): كانت لي جارية حبلى، فنذرت لله عزوجل إن ولدت غلاما أن أحجه أو احج عنه. فقال: إن رجلا نذر لله عزوجل في ابن له إن هو ادرك أن يحجه أو يحج عنه، فمات الاب وأدرك الغلام بعد، فأتى رسول الله (صلى الله عليه وآله) ذلك الغلام فسأله عن ذلك فأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يحج عنه مما ترك أبوه " (* 1). (2) المذكور في الشرائع وغيرها قولهم: " لو نذر إن رزق ولدا يحج به أو يحج عنه، ثم مات الوالد، حج بالولد أو عنه من صلب ماله ". وجعل في الرياض: مفروض المسألة حصول الشرط المعلق عليه النذر في حال الحياة، وحينئذ يكون الوجه فيها: القواعد الاولية. ولذا اعتبر - في محكي المسالك - التمكن من المنذور في حال الحياة، ولا تكون الرواية معمولا بها عند أحد منهم، لانها غير مضمون العبارة المذكورة. قال (ره): " لاتفاق الفتوى على تصوير المسألة بنحو ما فرضناه، ولذا استدل عليها بما اسلفناه أولا.. ". ومراده بما أسلفه من الاستدلال: ما ذكره أولا في شرح المسألة، من أنه حق مالي تعلق بتركته، فيجب قضاؤه منها. وأشكل عليه في الجواهر: بأن الشهيد في المسالك ذكر أن الاصل في هذا الحكم الحسن المذكور، وكذلك سبطه في نهاية المرام، فذلك يدل على أن مفروض المسألة في كلام الاصحاب ما هو مورد السؤال في الرواية - يعني: صورة ما إذا مات قبل حصول الشرط - وأن تعبير الاصحاب بمضمون الرواية كالصريح في ذلك. ولو كان مفروض المسألة كما ذكر من الموت


(* 1) الوسائل باب: 16 من أبواب النذر حديث: 1.

[ 334 ]

[ وعلى ما ذكرنا لا يكون مخالفا للقاعدة (1) كما تخيله سيد الرياض ] بعد التمكن لم يحتج إلى هذه المتعبة العظيمة، إذ الحكم حينئذ يكون موافقا للقواعد.. إلى آخر ما ذكره في تقريب أن مفروض المسألة هو مورد الرواية، وأن الوجه فيه هو الرواية. اقول: قد اشتملت الرواية على فرضين: الاول: ما إذا نذر إن ولد له ولد أن يحجه أو يحج عنه، فولد له ثم مات الوالد. والثاني: ما إذا نذر إن ولد له ولد وأدرك أن يحجه أو يحج عنه، فمات الوالد قبل أن يدرك والمفروض في كلام الاصحاب هو الاول. فلاحظ ما تقدم عن الشرائع. ومثله: ما في النافع والقواعد وغيرها. ولم يتعرض في كلام الاصحاب للفرض الثاني. ولاجل ذلك صح للمسالك وغيرها: قولهم: " الاصل في مفروض الفقهاء هو حسن مسمع ". وليس مرادهم مفروض المتن الموافق للفرض الثاني، وإلا لعبروا به. ولما صح لهم الاستدلال عليه بالقاعدة، فان الشهيد في المسالك - مع أنه ذكر أن الاصل في المسألة رواية مسمع - قال بعد ذلك - في الاستدلال على وجوب القضاء من التركة -: " لانه حق مالي تعلق بالتركة، وهو مدلول الرواية ". ونحوه في كشف اللثام. وبالجملة: العبارة المذكورة في كلام الاصحاب آبية عن الحمل على ما ذكر في الجواهر، ويتعين حملها على ما ذكره في الرياض، الذي هو الفرض الاول في الرواية. فلاحظ. ومن ذلك يظهر: أن الرواية لم يظهر عمل أحد بها في الفرض المذكور في المتن، الذي هو الفرض الثاني المذكور في الرواية، كما سبق. (1) لم يتضح ترتبه على ما ذكره، فانه لم يتقدم منه إلا مجرد الفتوى والاستدلال بالرواية، وكلاهما لا يظهر منه أن مقتضى القاعدة لزوم القضاء وانعقاد النذر. بل قد تقدم منه في المسألة العاشرة: إما البطلان أو التفصيل

[ 335 ]

[ وقرره عليه صاحب الجواهر، وقال: إن الحكم فيه تعبدي على خلاف القاعدة. (مسألة 14): إذا كان مستطيعا ونذر أن يحج حجة الاسلام انعقد على الاقوى (1). ولا فرق بين المسألتين إلا في أن المنذور في السابقة الحج، وفي هذه المسألة الاحجاج، وهو غير فارق. وقد عرفت في تلك المسألة أنه يمكن التفصيل بين ملاحظة الشرط بنحو الشرط المتأخر وبين ملاحظته بنحو الشرط المتقدم، وهو آت هنا أيضا. ويحتمل أن يكون مراده مما ذكرنا: ما ذكر في المسألة الثانية عشرة من صدق الدين في نذر الاحجاج بخلاف نذر الحج. لكن كان كلامه هناك فيما لو حصل الشرط في حياته ولم يتمكن من المنذور، والكلام هنا فيما لو تمكن من المنذور ولم يحصل الشرط. والفرق بين المقامين ظاهر، فانه مع حصول الشرط يكون استحقاق المنذور فعليا، ولا مانع من انعقاده إلا عدم التمكن، فيمكن منع مانعيته، وفي المقام لم يحصل الشرط، فلم يكن الاستحقاق فعليا. هذا مضافا الى أنه لم يظهر الوجه في اعتباره - في لزوم قضاء المنذور تمكنه منه قبل موته، مع أن التمكن حينئذ لا دخل له في الانعقاد، إذ التمكن المعتبر في انعقاد النذر التمكن من المنذور في حين فعله لا غير، وهو ظاهر جدا. وبالجملة: فكلام المصنف (ره) في المقام لا يخلو من غموض وإشكال. (1) وفاقا لاكثر المتأخرين، كما في الجواهر في كتاب النذر. خلافا للمرتضى والشيخ وأبي الصلاح وابن ادريس، فيمن نذر أن يصوم أول يوم من شهر رمضان. لان صيامه مستحق بغير النذر. ولان صيامه مستحق بالاصل، ولا يمكن ان يقع فيه غيره. وفيه: أن الوجوب بالاصل لا ينافي

[ 336 ]

الاستحقاق بالنذر، وهو لا يقتضى وقوع غير رمضان في رمضان، وإنما يقتضي ذلك لو نذر أن يصوم غير رمضان فيه، لا ما لو نذر أن يصوم رمضان، كما هو ظاهر. ويشهد بما ذكرنا: ما ورد من النصوص في صحة اليمين على الواجب، كما ذكر في الجواهر. وبالجملة: النذر يقتضي ثبوت شئ زائد على الوجوب، وهو الحق الالهي. وإذا لم نقل بذلك فلا اقل من اقتضائه تأكد الوجوب، الموجب لزيادة الانبعاث. ولا سيما بملاحظة ما يترتب عليه من الكفارة. هذا كله إذا كان مراد المانع - من قوله في الاستدلال: " لان صيامه مستحق... " -: أنه واجب، أما لو كان مراده أنه مستحق بالحق الوضعي - بأن يكون صوم اليوم الاول من شهر رمضان مستحقا لله تعالى ومملوكا له - فهو وإن كان مانعا من صحة النذر، لان النذر مفاده الاستحقاق، فلا يقع على المستحق، لانه لا يقبل التكرر في اليوم الاول لاجتماع المثلين ولا التأكد، فانه لا يصح اعتبار ذلك له عند العقلاء. ومثله أكثر عناوين الايقاعات - مثل: الزوجية، والرقية، والحرية، وغيرها - فانها جميعا لا تقبل التأكيد والتأكد، وليست هي من الماهيات التشكيكية، والاستحقاق، منها، فنذر المستحق لله تعالى لا يوجب استحقاقا له تعالى، فيكون باطلا. لكن ثبوت الاستحقاق من أجل الوجوب ممنوع. ولو ثبت كان مانعا من صحة النذر. ومن ذلك يشكل الامر في نذر حج الاسلام - بناء على ما سبق من أن الظاهر من اللام في قوله تعالى: (ولله على الناس..) (* 1) هو الملكية - فانه إذا كان حج الاسلام مملوكا بالاصل لا يكون مملوكا بالنذر أيضا. وليت المانعين ذكروا ذلك في نذر حج الاسلام، واستدلوا عليه بما ذكر فانه يكون حينئذ في محله ومتين جدا، لكنهم ذكروه في نذر صوم أول


(* 1) آل عمران: 97.

[ 337 ]

[ وكفاه حج واحد (1). وإذا ترك حتى مات وجب القضاء عنه والكفارة من تركته (2). وإذا قيده بسنة معينة فأخر عنها وجب عليه الكفارة. وإذا نذره في حال عدم الاستطاعة انعقد أيضا، ووجب عليه تحصيل الاستطاعة مقدمة (3). إلا أن يكون مراده الحج بعد الاستطاعة (4). (مسألة 15): لا يعتبر في الحج النذري الاستطاعة الشرعية، بل يجب مع القدرة العقلية (5). ] يوم من شهر رمضان - على ما حكي عنهم - وقد عرفت الاشكال فيه. فلاحظ. (1) اتفاقا، كما في كشف اللثام. ووجهه ظاهر، إذ هو مقتضى الاطلاق. (2) أما القضاء فلما عرفت. وأما الكفارة فقد عرفت الاشكال في لزوم خروجها من الاصل، ولا سيما بناء على أنها كفارة إفطار شهر رمضان. (3) حسبما يقتضيه إطلاق النذر. لكن في الروضة: " ولا يجب تحصيلها هنا على الاقوى ". ونحوه في المستند. وفي المدارك: " ولا يجب تحصيلها قطعا. وعلله: بأن المنذور ليس امرا زائدا عن حج الاسلام، إلا أن ينذر تحصيلها فيجب. وهو ظاهر كشف اللثام والجواهر، حيث ذكر فيهما: أنه إذا لم يكن مستطيعا استطاعة شرعية توقعها. وضعف ذلك يظهر مما ذكرنا. (4) يعني: الحج على تقدير الاستطاعة، بأن تكون الاستطاعة شرطا للنذر. (5) فأنه ظاهر النص والفتوى، كما في الروضة وغيرها. وهو كذلك. وفي الدروس قال: " والظاهر أن استطاعة النذر شرعية لا عقلية، فلو نذر الحج ثم استطاع صرف ذلك إلى النذر. فان اهمل واستمرت الاستطاعة إلى القابل وجبت حجة الاسلام ايضا.. ". ولا يخفى أن تفريع ما ذكره يصلح أن يكون قرينة على إرادة غير الظاهر من كلامه، ولو كان مراده

[ 338 ]

[ خلافا للدروس، ولا وجه له، إذ حاله حال سائر الواجبات التي تكفيها القدرة عقلا (1). (مسألة 16): إذا نذر حجا غير حجة الاسلام في عامه وهو مستطيع لم ينعقد (2). إلا إذا نوى ذلك على تقدير زوالها فزالت. ويحتمل الصحة مع الاطلاق أيضا إذا زالت، حملا لنذره على الصحة (3). (مسألة 17): إذا نذر حجا في حال عدم الاستطاعة الشرعية ثم حصلت له، فان كان موسعا أو مقيدا بسنة متأخرة ] ظاهر الكلام كان اللازم أن يقول: " فلو لم يملك زادا ولا راحلة لم يجب الوفاء بالنذر ". ولذا احتمل في الجواهر: إراده غير الظاهر من كلامه. وستأتي الاشارة إليه. (1) لكن الفرق بينه وبينها: أن اعتبار القدرة فيها عقلي، فلا تكون شرطا في الملاك وإنما تكون شرطا في فعلية الخطاب، واعتبارها فيه شرعي - بمعنى: أنها شرط في الملاك - لما عرفت من أن شرط انعقاد النذر القدرة على المنذور، وبدونها لا ينعقد. (2) لانتفاء القدرة التي هي شرط الانعقاد. وفي المدارك علله: بأنه نذر ما لا يصح فعله. وهو مبني على عدم صحة غير حج الاسلام من المستطيع، وقد تقدم. (3) قال في المدارك - فيمن كان مستطيعا حال النذر وقد نذر حجا غير حج الاسلام: - " فان قيدها بسنة الاستطاعة، وقصد الحج عن النذر مع بقاء الاستطاعة بطل النذر من أصله، لانه نذر ما لا يصح فعله. وإن قصد الحج مع فقد الاستطاعة صح. ولو خلا عن القصد احتمل البطلان،

[ 339 ]

[ قدم حجة الاسلام لفوريتها، وإن كان مضيقا - بأن قيده بسنة معينة وحصل فيها الاستطاعة، أو قيده بالفورية - قدمه (1) وحينئذ فان بقيت الاستطاعة إلى العام القابل وجبت، وإلا فلا، لان المانع الشرعي كالعقلي. ويحتمل وجوب تقديم النذر ولو مع كونه موسعا (2)، لانه دين عليه، بناء على أن الدين - ولو كان موسعا - يمنع عن تحقق الاستطاعة. خصوصا مع ظن عدم تمكنه من الوفاء بالنذر إن صرف استطاعته في حجة الاسلام. (مسألة 18): إذا كان نذره في حال عدم الاستطاعة فوريا ثم استطاع وأهمل عن وفاء النذر في عامه، وجب الاتيان به في العام للقابل مقدما على حجة الاسلام وإن بقيت الاستطاعة إليه، لوجوبه عليه فورا ففورا، فلا يجب عليه ] لانه نذر في عام الاستطاعة غير حج الاسلام، والصحة حملا للنذر على الوجه المصحح، وهو ما إذا فقدت الاستطاعة.. ". ويشكل: بأن الحمل على الصحة إنما يكون مع الشك لا مع فرض الابهام وانتفاء القصد، لان المبهم الجامع بين المشروع واللا مشروع غير مشروع. نعم يمكن البناء على صحة النذر، لان زوال الاستطاعة يكشف عن صحته حال وقوعه، ولا يكون نذرا في عام الاستطاعة غير حج الاسلام كي يكون باطلا. (1) تقدم الكلام في ذلك مفصلا في المسألة الثانية والثلاثين من الفصل السابق. (2) هذا الاحتمال ذكره في الجواهر في توجيه كلام الشهيد، المتقدم في اعتبار الاستطاعة الشرعية في الحج النذري.

[ 340 ]

[ حجة الاسلام إلا بعد الفراغ عنه (1). لكن عن الدروس أنه قال - بعد الحكم بأن استطاعة النذر شرعية لا عقلية -: " فلو نذر ثم استطاع صرف ذلك الى النذر، فان أهمل واستمرت الاستطاعة الى العام القابل وجب حجة الاسلام أيضا -. ولا وجه له. نعم لو قيد نذره بسنة معينة، وحصل فيها الاستطاعة فلم يف به وبقيت استطاعته إلى العام المتأخر أمكن أن يقال بوجوب حجة الاسلام أيضا، لان حجه النذري صار قضاء موسعا (2). ففرق بين الاهمال مع الفورية والاهمال مع التوقيت، بناء على تقديم حجة الاسلام مع كون النذر موسعا (3). (مسألة 19): إذا نذر الحج وأطلق من غير تقييد بحجة الاسلام ولا بغيره، وكان مستطيعا أو استطاع بعد ذلك فهل يتداخلان فيكفي حج واحد عنهما، أو يجب التعدد، أو يكفي نية الحج النذري عن حجة الاسلام دون العكس؟ أقوال (4)، ] (1) هذا الاستدلال متين. وقد أشار إليه في الروضه مستشكلا به على ما في الدروس، وتبعه عليه المصنف (ره). (2) والموسع لا يزاحم المضيق، وهو حج الاسلام. (3) تقدم منه تضعيف هذا الاحتمال في المسألة السابعة عشرة. (4) مورد الكلام صورة ما إذا لم يكن المنذور مقيدا بعام الاستطاعة. ثم إن القول بالتداخل محكي عن الشيخ والذخيرة والمدارك، والقول بعدمه محكي عن الخلاف والسرائر والفاضلين والشهدين وغيرهم، بل نسب في

[ 341 ]

[ أقواها الثاني، لاصالة تعدد المسبب بتعدد السبب (1). والقول بأن الاصل هو التداخل (2) ضعيف. واستدل للثالث بصحيحتي ] المدارك إلى الاكثر، والتفصيل محكي عن النهاية والتهذيب والاقتصاد وغيرها. (1) هذا الاصل بني عليه في الاسباب الشرعية، مثل: " إذا أفطرت فكفر " و " إذا ظاهرت فكفر "، من جهة ظهور القضية الشرطية في السببية المستقلة بمعنى: كون الشرط سببا في وجود الجزاء على وجه الاستقلال، على النحو الذى لا يحصل بالتداخل. وإن كان إطلاق الجزاء يقتضي التداخل، لان ظهور الشرط فيما ذكر أقوى من ظهور الجزاء. وهذا التقريب غير وارد في المقام، لان سببيه النذر للوجود المستقل وعدمه تابع لقصد الناذر، فإذا فرض انه قصد مطلق الطبيعة كفى ذلك في البناء على التداخل، ولا يعارض هذا الاطلاق ظهور آخر كي يقدم عليه. فجعل المقام من صغريات قاعدة التداخل في غير محله. (2) هذا القول اختاره جماعة، منهم السيد في المدارك، قال - في مقام الاشكال على ما ذكر الجماعة من أن اختلاف السبب يقتضي اختلاف المسبب -: " وهو احتجاج ضعيف، فان هذا الاقتضاء إنما يتم في الاسباب الحقيقية دون المعرفات الشرعية. ولذا حكم كل من قال بانعقاد نذر الواجب بالتداخل إذا تعلق النذر بحج الاسلام، من غير التفات إلى اختلاف الاسباب " وضعف ما ذكره يظهر مما سبق، فان المراد من الاقتضاء - في كلامهم - ليس هو الاقتضاء العقلي، بل الاقتضاء الدلالي، أعني: ظهور الكلام في التعدد على ما عرفت. وتفصيله في الاصول في مبحث مفهوم الشرط. فراجع. هذا ولو بني على أصالة التداخل فلا مجال للاستدلال بها في المقام لما عرفت، والمتعين - في إثبات التداخل في المقام - إطلاق المنذور الشامل لحج الاسلام من دون معارض.

[ 342 ]

[ رفاعة ومحمد بن مسلم، " عن رجل نذر أن يمشي إلى بيت الله الحرام فمشى، هل يجزيه عن حجة الاسلام؟ قال (عليه السلام): نعم " (1). وفيه أن ظاهرهما كفاية الحج النذري عن حجة الاسلام مع عدم الاستطاعة (2)، وهو غير معمول به. ويمكن حملها على أنه نذر المشي لا الحج، ثم أراد أن يحج (3)، ] ثم إنه استدل بعضهم - على عدم التداخل في المقام - بالاجماع المحكي عن الناصريات، وبالخبر المرسل في نهاية الشيخ، فانه - بعد أن نسب ما ذكر فيها من التفصيل الى بعض الروايات - قال " وفي بعض الاخبار: أنه لا يجزي عنه ". وفي هذا الاستدلال ما لا يخفى، فان الاجماع ممنوع، ضرورة وقوع الخلاف. والخبر المرسل لا يصلح للحجية. (1) قال رفاعة بن موسى: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن رجل نذر أن يمشي إلى بيت الله الحرام فمشى، هل يجزيه عن حجة الاسلام؟ قال: نعم. قلت ارأيت إن حج عن غيره ولم يكن له مال، وقد نذر أن يحج ماشيا، أيجزي ذلك عنه (* 1) من مشيه؟ قال (عليه السلام): نعم " (* 2). وقال محمد بن مسلم: " سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل... (إلى قوله في الجواب الاول) قال: نعم " (* 3). (2) هذا الاستظهار غير ظاهر ولا قرينة عليه. (3) هذا الحمل ذكره كشف اللثام وغيره. وهو غير بعيد في


(* 1) في عبارة التهذيب: " عنه ذلك ". (* 2) الوسائل باب: 27 من ابواب وجوب الحج حديث: 3. ونص الرواية في المتن موافق لما في التهذيب جزء: 5 صفحة: 407 طبع النجف الاشرف، وفي الوسائل جمع بين ذلك وبين ما في الكافي جزء: 4 صفحة: 277 طبع ايران الحديثة. (* 3) الوسائل باب: 27 من ابواب وجوب الحج حديث: 1.

[ 343 ]

[ فسئل (عليه السلام) عن أنه هل يجزيه هذا الحج الذي أتى به عقيب هذا المشي أم لا؟ فأجاب (عليه السلام) بالكفاية. نعم لو نذر أن يحج مطلقا - أي حج كان - كفاه عن نذره حجة الاسلام، بل الحج النيابي وغيره أيضا، لان مقصوده حينئذ حصول الحج منه في الخارج بأي وجه كان (1). ] الصحيح الاول، بقرينة السؤال الثاني. وعن المختلف: حمل الروايتين على ما إذا نذر حج الاسلام. وهو بعيد جدا، كما اعترف به في المدارك. (1) لا يظهر الفرق بين هذه الصورة والصورة الاولى - التي ذكرها في صدر المسألة - إلا من جهة التصريح بالاطلاق وعدمه، وهو لا يوجب الفرق بينهما في الحكم. وبالجملة: الصور ثلاث: الاولى: أن ينذر حج الاسلام. وقد تعرض لها في المسألة الرابعة عشرة. الثانية: أن ينذر حجا غير حج الاسلام: وقد تعرض لها في المسألة السادسة عشرة. الثالثة: أن ينذر حجا مطلقا. وهذه الصورة قد تعرض لها في هذه المسألة. وهذه الصورة تارة: يصرح فيها بالاطلاق، وأخرى: لا يصرح فيها به والحكم فيهما واحد. وإنشاء النذر لا ظهور فيه في كون المنذور غير واجب، كي يحتمل أن يكون هذا الظهور مقدما على إطلاق المنذور. نعم بناء على كون حج الاسلام مستحقا لله تعالى وأنه لذلك لا يصح نذره لامتناع انشاء استحقاق المستحق - كما أشرنا إلى ذلك في المسألة الرابعة عشرة - فلا مجال للاخذ باطلاق المنذور بنحو يشمل حج الاسلام، ولا بد من البناء على عدم التداخل. وحينئذ لو صرح بالاطلاق كان النذر باطلا. هذا ثم إذا بني على التداخل كفى الفرد الواحد، لكن لا بد من نيتهما معا، فان حج الاسلام لا يصح مع عدم نيته. كما أن الوفاء بالنذر قصدي، فإذا لم يقصد الوفاء لم ينطبق المنذور على المأتي به.

[ 344 ]

[ (مسألة 20): إذا نذر الحج - حال عدم استطاعته - معلقا على شفاء ولده مثلا، فاستطاع قبل حصول المعلق عليه فالظاهر تقديم حجة الاسلام (1). ويحتمل تقديم المنذور إذا فرض حصول المعلق عليه قبل خروج الرفقة مع كونه فوريا (2)، بل هو المتعين إن كان نذره من قبيل الواجب المعلق (3). ] ولاجل ذلك يشكل ما ذكره القائلون بالتداخل، من أنه إذا نوى واحدا منهما اجزأ عن الاخر مطلقا، فانه لا وجه له ظاهر. (1) لان الاستطاعة علة لوجوب حج الاسلام، والنذر لا يزاحمها لانه معلق على أمر غير حاصل، فكأنه غير حاصل. (2) فانه - على تقدير هذا الفرض - يكون حصول المعلق عليه موجبا لفعلية النذر، فيكون كاشفا عن عدم الاستطاعة من أول الامر. ولا ينافي ذلك ما ذكرنا في وجه تقديم النذر على الاستطاعة، من أن السبب السابق مقدم على اللاحق، لان النذر سابق - في فرض المسألة - على الاستطاعة، وإنما المتأخر فعليته عنها، والمراد في التقديم هو الانشاء. ومن ذلك يظهر: أنه لو فرض حصول المعلق عليه بعد خروج الرفقة كان الامر كذلك، فان كان قد خرج مع الرفقة بنية حج الاسلام وجب عليه العدول والاتيان به بعنوان الوفاء بالنذر، وإن لم يكن قد خرج مع الرفقة وجب عليه الخروج بعد ذلك مع التمكن والاتيان بالحج النذري. ومع عدم التمكن يبطل النذر إذا كان مقيدا بتلك السنة، ويكون قد استقر عليه حج الاسلام. وإذا لم يكن مقيدا بتلك السنة فقد استقر عليه الحج النذري. وإذا كان ذلك موجبا لانتفاء الاستطاعة - للمزاحمة مع حج الاسلام - انكشف انتفاء الاستطاعة من أول الامر، على ما تقدم تفصيل ذلك في المسألة السابعة عشرة (3) بأن يكون المعلق المنذور لا النذر، فيكون وجوب المنذور فعليا،

[ 345 ]

[ (مسألة 21): إذا كان عليه حجة الاسلام والحج النذري، ولم يمكنه الاتيان بهما إما لظن الموت (1). أو لعدم التمكن إلا من أحدهما (2)، ففي وجوب تقديم الاسبق سببا (3)، أو التخيير، أو تقديم حجة الاسلام - لاهميتها - وجوه، أوجهها الوسط (4)، وأحوطها الاخير. ] وحينئذ يكون الوجوب النذري سابقا على الاستطاعة، لحصوله بالنذر نفسه. لكن عرفت أنه لو كان نفس النذر معلقا فالحكم كذلك، سواء قلنا بأن إنشاء النذر المشروط بوجب نذرا منوطا بالشرط - كما هو أحد الرأيين - أم لا يوجب ذلك بل يوجب نذرا فعليا متأخرا - كما هو الرأي الثاني - فان النذر الفعلي المتأخر لما كان مستندا إلى الانشاء المتقدم كان بمنزلة المتقدم في كونه مقدما على الاستطاعة عند التزاحم والترافع، فيكون رافعا لها لا أنها رافعة له، لان سببها متأخر عن سببه، والمدار في التقديم هو تقدم السبب لا تقدم المسبب. فلا فرق بين المبنيين في تقديم النذر إلا في الوضوح والخفاء. فلاحظ. (1) فيكون عدم التمكن من جهة ضيق الوقت. (2) يعني: من غير جهة الوقت. (3) تقدم السبب لا اثر له في مقام الترجيح العقلي بعد استقرار الوجوب بالنسبة الى كل منهما. ولذلك لا تكون هذه المسألة من قبيل ما سبق، من تقدم السابق من النذر والاستطاعة، لان ذلك التقديم إنما كان مع الترافع، فيكون التقديم شرعيا، بخلاف المقام " فان التقديم - على تقديره - عقلي لا غير. (4) يعني: التخيير. ووجهه غير ظاهر. ولا سيما بعد بيانه وجه الاخير، وهو الاهمية. فان الاهم إذا كان مقدما في نظر العقل كان اللازم البناء عليه، إذ لا موجب لرفع اليد عنه. وهذا مما لا ينبغي التأمل فيه.

[ 346 ]

[ وكذا إذا مات وعليه حجتان ولم تف تركته إلا لاحدهما (1). وأما إن وفت التركة فاللازم استئجارهما ولو في عام واحد (2). (مسألة 22): من عليه الحج الواجب بالنذر الموسع يجوز له الاتيان بالحج المندوب قبله (3). ] (1) ذكر في القواعد: أنه تقدم حجة الاسلام. وفي كشف اللثام حكى ذلك عن النهاية والمبسوط والسرائر والجامع والشرائع والاصباح. لوجوبها باصل الشرع، والتفريط بتأخيرها لوجوب المبادرة بها. واستظهر في الجواهر التخيير، واحتمل تقديم ما تقدم سببه. وفيه: أن التخيير المذكور - إن قيل به - عقلي، والعقل لا يحكم بالتخيير مع أهمية أحد المتزاحمين، بل مع احتمال الاهمية ايضا يتعين عنده التقديم. وتقدم السبب لا اثر له في نظر العقل في الترجيح، إلا إذا كان أحد الواجبين رافعا للاخر، كما عرفت: نعم إذا كان زمانه مقدما على زمان الاخر فقد قيل بتقديم السابق، بل لعله المشهور، كما في صورة الدوران بين أجزاء الصلاة، مثل القيام في الركعة الاولى والقيام في الثانية. ولكن التحقيق خلافه. فراجع كلماتهم في الاصول في مباحث مقدمة الواجب، وفي الفقه في مباحث الدوران بين الاجزاء الصلاتية. لكن لو قيل بتقديم ما هو أسبق زمانا فذلك مع التساوي في الاهمية لا مع الاختلاف، وإلا فلا ينبغي الاشكال في تقديم الاهم عقلا وإن تأخر زمانه. فالسبق إنما يكون موجبا للتقديم مطلقا - حتى مع الاهمية - إذا كان المقام مقام ترافع وتدافع في أصل الوجوب والاستقرار في الذمة، فيكون شرعيا لا عقليا، كما هو في المقام. ولذلك صرح في كشف اللثام: بأنه لا فرق بين تقدم النذر على استقرار الحج وتأخره عنه. (2) إذ لا ترتيب بينهما. والظاهر أنه لا إشكال فيه. (3) لاطلاق ادلته. ولا مجال لقياس المقام على من كان عليه حج

[ 347 ]

[ (مسألة 23): إذا نذر أن يحج أو يحج انعقد ووجب عليه أحدهما على وجه التخيير، وإذا تركهما حتى مات يجب القضاء عنه مخيرا. وإذا طرأ العجز من أحدهما معينا تعين الآخر. ولو تركه أيضا حتى مات يجب القضاء عنه مخيرا أيضا، لان الواجب كان على وجه التخيير، فالفائت هو هو الواجب المخير، ولا عبرة بالتعيين العرضي (1)، فهو كما لو كان عليه كفارة الافطار في شهر رمضان، وكان عاجزا عن بعض الخصال ثم مات، فانه يجب الاخراج من تركته مخيرا وإن تعين عليه - في حال حياته - في إحداها فلا يتعين في ذلك المتعين. نعم لو كان حال النذر غير متمكن إلا من أحدهما معينا، ولم يتمكن من الآخر الى أن مات، أمكن أن يقال باختصاص القضاء بالذي كان متمكنا منه، بدعوى: أن النذر لم ينعقد بالنسبة إلى ما لم يتمكن منه (2)، بناء على أن عدم التمكن يوجب عدم الانعقاد (3). لكن الظاهر أن ] الاسلام - بناء على عدم جواز إتيانه بالحج المندوب - لاختصاص دليل المنع به - لو تم - ولا يشمل المقام. وكذا القياس على من كان عليه صوم واجب، بناء على أنه لا يجوز له التطوع بالصوم، كما هو المشهور. (1) فانه تعيين عقلي لا شرعي، والمدار في القضاء على التعيين الشرعي والتخيير الشرعي، لانهما موضوع القضاء. (2) وإذا لم ينعقد لا وجوب شرعي بالنسبة إليه، فلا مجال للاجتزاء به في القضاء. (3) قد تقدم: أن المبنى المذكور من المسلمات عندهم، المدعى

[ 348 ]

[ مسألة الخصال ليست كذلك، فيكون الاخراج من تركته على وجه التخيير وإن لم يكن في حياته متمكنا إلا من البعض أصلا وربما يحتمل - في الصورة المفروضة ونظائرها - عدم انعقاد النذر بالنسبة الى الفرد الممكن أيضا، بدعوى: أن متعلق النذر هو أحد الامرين على وجه التخيير، ومع تعذر أحدهما لا يكون وجوب الآخر تخييريا (1). بل عن الدروس اختياره في مسألة ما لو نذر إن رزق ولدا أن يحجه أو يحج عنه، إذا مات الولد قبل تمكن الاب من أحد الامرين (2). وفيه: أن مقصود ] عليها الاجماع لكن المراد منه، عدم التمكن من المنذور، وذلك لا يحصل بالنسبة إلى المنذور التخييري ألا بعدم التمكن من العدلين معا، وعدم التمكن من أحدهما لا دليل على منعه من انعقاد النذر. (1) المحتمل: الشهيد في المسالك في كتاب النذر، كما سيأتي كلامه. (2) قال في الدروس: " ولو نذر الحج بولده أو عنه لزم، فان مات الناذر استؤجر عنه من الاصل، ولو مات الولد قبل التمكن فالاقرب السقوط ". فان موت الولد إنما يوجب عدم التمكن من أحد العدلين وهو الحج به، إذ يمكن الحج عنه بعد موته. فالبناء على السقوط حينئذ ليس إلا من جهة عدم التمكن من أحد العدلين. قال في المسالك: " ولو مات الولد قبل أن يفعل أحد الامرين بقي الفرد الاخر، وهو الحج عنه. سواء كان موته قبل تمكنه من الحج بنفسه أم لا، لان النذر ليس منحصرا في حجه حتى يعتبر تمكنه في وجوبه. نعم لو كان موته قبل تمكن الاب من أحد الامرين احتمل السقوط، لفوات متعلق النذر قبل التمكن منه، لانه أحد الامرين، والباقي منهما

[ 349 ]

[ الناذر إتيان أحد الامرين من دون اشتراط كونه على وجه التخيير، فليس النذر مقيدا بكونه واجبا تخييريا حتى يشترط في انعقاده التمكن منهما. (مسألة 24): إذا نذر أن يحج أو يزور الحسين (عليه السلام) من بلده ثم مات قبل الوفاء بنذره وجب القضاء من تركته (1). ] غير احدهما الكلي. وهو خيرة الدروس. ولو قيل بوجوب الحج عنه كان قوى، لان الحج عنه متعلق النذر ايضا، وهو ممكن. ونمنع اشتراط القدرة على جميع افراد المخير بينهما في وجوب أحدهما، كما لو نذر الصدقة بدرهم، فان متعلقه أمر كلي، وهو مخير في الصدقة بأي درهم اتفق من ماله. ولو فرض ذهابه إلا درهما واحدا وجب الصدقة به ". وفي الجواهر: " فيه: أن الفرق واضح بين ما ذكره من المثال وبين ما سمعته من الدروس ". وحاصل ما ذكره في الفرق: أن عدم التمكن من بعض الافراد - في المثال - طارئ بعد التمكن، وفيما ذكره في الدروس قبل التمكن حسبما فرضه. وهو كما ذكر، لكن يكفي في الاشكال النقض بغيره من الامثلة، مثل: ما لو نذر التصدق بدرهم كلي وكان بعض دراهمه مغصوبة، وأمثال ذلك من الموارد التى يكون بعض أفراد المنذور غير مقدور، والاتزام ببطلان النذر في مثل ذلك خلاف المقطوع به. مع أنك عرفت أن دليل اعتبار القدرة لا يشمل مثل ذلك، ولا يصلح لتقييد أدلة النفوذ والصحة. (1) لما عرفت من ان النذر يقتضى أن يكون المنذور حقا لله تعالى كسائر الحقوق المالية التي للناس، فيكون الحال كما لو مات الاجير قبل العمل إذا لم تشترط فيه المباشرة.

[ 350 ]

[ ولو اختلف أجرتهما يجب الاقتصار على أقلهما أجرة (1)، إلا إذا تبرع الوارث بالزائد، فلا يجوز للوصي اختيار الازيد أجرة وإن جعل الميت أمر التعيين إليه (2). ولو أوصى باختيار الازيد أجرة خرج الزائد من الثلث (3). (مسألة 25): إذا علم أن على الميت حجا ولم يعلم أنه حجة الاسلام أو حج النذر وجب قضاؤه عنه من غير تعيين (4)، وليس عليه كفارة (5). ولو تردد ما عليه بين ] (1) لان الحق بالنسبة الى الاكثر أجرة من قبيل اللامقتضي، فلا يزاحم إرث الوارث. (2) راجع إلى قوله: " يجب الاقتصار.. ". وذلك لان جعل أمر التعيين إلى الناذر غاية ما يقتضي أن يكون حقا له، فيكون موروثا، فيكون أمر التعيين بيد الوارث. وحينئذ لا يجوز للوصي إخراج الاكثر أجرة إذا لم يرض الوارث به. نعم إذا جعل الميت أمر التعيين إلى شخص اخر، وكان من قبيل الحق المجعول له، فإذا اختار الاكثر أجرة من له حق التعيين فليس للوارث منعه، لانه مزاحم للحق المقدم على إرث الوارث. وكذا إذا كان راجعا إلى نذر المعين بتعيين الغير، فما يعينه يكون هو المنذور لا غيره. (3) لانه من الوصايا التي هي كذلك. (4) فانه يكفي في امتثال الواجب المردد. ولو جئ بكل من الفردين بملاحظة الخصوصية برجاء المطلوبية كفى ايضا. (5) لاصالة البراءة منها مع الشك، لاحتمال كون الفائت حجة الاسلام التي لا كفارة في فواتها.

[ 351 ]

[ الواجب بالنذر أو بالحلف وجبت الكفارة أيضا. وحيث أنها مرددة بين كفارة النذر وكفارة اليمين (1) فلا بد من الاحتياط ويكفي حينئذ اطعام ستين مسكينا، لان فيه طعام عشرة أيضا الذي يكفي في كفارة الحلف. (مسألة 26): إذا نذر المشي في حجه الواجب عليه أو المستحب انعقد (2) مطلقا حتى في مورد يكون الركوب أفضل (3)، ] (1) الظاهر أن كفارة النذر هي كفارة اليمين، كما تقدم الكلام فيه - في الجملة - في أواخر كتاب الصوم. (2) المذكور في كلامهم مسألتان: الاولى: ان ينذر الحج ماشيا. وسيأتي التعرض لها. الثانية: أن ينذر المشي في سفره إلى الحج الواجب أو المستحب. وهذه هي التي تعرض لها المصنف هنا. والظاهر التسالم على صحة النذر وانعقاده في الجملة. وتقتضيه النصوص، كصحيح رفاعة بن موسى: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام): رجل نذر أن يمشي إلى بيت الله. قال (عليه السلام): فليمش. قلت: فانه تعب. قال (عليه السلام): فإذا تعب ركب " (* 1) ونحوه خبر سماعة وحفص الآتي (* 2)، ويشير إليه غيرهما، مما يأتي التعرض له. والحكم - في الجملة - لا ينبغي الاشكال فيه، لما عرفت من النصوص وظهور الفتاوى وعمومات الصحة، لكون المشي راجحا، فينعقد نذره كما ينعقد نذر غيره. وسيأتي التعرض لصحيحة الحذاء (* 3). (3) لا يخلو من إشكال.


(* 1) الوسائل باب: 34 من ابواب وجوب الحج حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 34 من ابواب وجوب الحج حديث: 10 ويأتي التعرض لها في المسألة الاتية. (* 3) الوسائل باب 34 من ابواب وجوب الحج حديث: 4.

[ 352 ]

[ لان المشي - في حد نفسه - أفضل من الركوب (1) بمقتضى جملة من الاخبار (* 1) وإن كان الركوب قد يكون أرجح لبعض الجهات، فان أرجحيته لا توجب زوال الرجحان عن المشي في حد نفسه. وكذا ينعقد لو نذر الحج ماشيا - مطلقا - (2) ولو مع الاغماض عن رجحان المشي، لكفاية رجحان أصل الحج في الانعقاد، إذ لا يلزم أن يكون المتعلق راجحا بجميع قيوده وأوصافه. فما عن بعضهم: من عدم الانعقاد في مورد يكون الركوب أفضل (3) لا وجه له. وأضعف منه: دعوى ] (1) هذا لا يجدي في تحقيق الرجحان الموجب للانعقاد، لان الظاهر مما دل على أن الركوب افضل في بعض الموارد: كون المشي - الذي هو ضد الركوب - علة لفوات العنوان الراجح الذي يكون بالركوب، وإذا كان علة لفواته كان مرجوحا بالعرض، ولا فرق بين المرجوح بالذات والمرجوح بالعرض في عدم صحة نذره. نعم لو كان ضدا لما هو أرجح منه لم يخرج بذلك عن كونه راجحا، فلا مانع من نذره. لكنه خلاف ظاهر الادلة. فلاحظ. (2) الاجماع بقسميه عليه، كما في الجواهر. وفى المعتبر: " عليه اتفاق العلماء ". وتقتضيه عمومات صحة النذور ونفوذها. واستفادة ذلك من أكثر النصوص غير ظاهرة فانها واردة في الناذر للمشي. نعم في رواية أنس تعرض لذلك (* 2). ولعله بالتأمل يظهر من غيرها ايضا، ولا يهم لكفاية العمومات في صحة النذر. (3) يشير إلى ما عن العلامة في كتاب الايمان من القواعد، حيث


(* 1) راجع الوسائل باب: 32 من ابواب وجوب الحج. (* 2) الوسائل باب: 34 من ابواب وجوب الحج حديث: 8.

[ 353 ]

[ الانعقاد في أصل الحج لا في صفة المشي فيجب مطلقا (1). لان المفروض نذر المقيد، فلا معنى لبقائه مع عدم صحة قيده (2). (مسألة 27): لو نذر الحج راكبا انعقد ووجب (3)، ولا يجوز حينئذ المشي وإن كان أفضل، لما مر من كفاية رجحان المقيد دون قيده. نعم لو نذر الركوب في حجه في مورد يكون المشي أفضل لم ينعقد، لان المتعلق حينئذ الركوب (4) ] قال: " لو نذر الحج ماشيا، وقلنا المشي أفضل انعقد الوصف " وإلا فلا ". وهو ظاهر كشف اللثام. واستشكل عليه في الجواهر بما في المتن وهو في محله. نعم يتم الاشكال فيما لو نذر المشي - كما عرفت - ولا يجري في نذر الحج ماشيا. (1) حكيت عن الايضاح، حيث قال: " إن انعقاد أصل النذر إجماعي، أما لزوم المشي فمبني على أن المشي أفضل من الركوب، فلو كان الركوب أفضل لم يلزم ". (2) إلا أن يكون النذر على وجه تعدد المطلوب. أو نقول: بأن ذلك لا مجال للاشكال عليه بعد دعوى الاجماع. إلا أن يرجع الاشكال إلى منع الاجماع. (3) لما سبق من عمومات الصحة. (4) يعني: وهو مباح، والمباح لا يتعلق به النذر. ومجرد كون المشي أفضل منه لا يقتضي بطلان نذره، إذ لا يعتبر في المنذور أن يكون أرجح من غيره. والذي يتحصل: أن المنذور تارة: يكون مباحا، وأخرى: يكون راجحا لكنه علة لفوات ما هو أرجح منه، وثالثة: يكون راجحا لكنه ضد لما هو أرجح منه. وفي الاولى لا يصح النذر، لعدم الرجحان، وكذا في الثانية، لانه مرجوح بالعرض وإن كان راجحا

[ 354 ]

[ لا الحج راكبا. وكذا ينعقد لو نذر أن يمشي بعض الطريق من فرسخ في كل يوم أو فرسخين، وكذا ينعقد لو نذر الحج حافيا. وما في صحيحة الحذاء (1)، من أمر النبي (صلى الله عليه وآله) بركوب أخت عقبة بن عامر مع كونها ناذرة أن تمشي الى بيت الله حافية، قضية في واقعة (2)، يمكن أن يكون لمانع من صحة نذرها، من إيجابه كشفها، أو تضررها، أو غير ذلك. ] ذاتا. وفي الثالثة يصح، لانه راجح ذاتا وعرضا. ووجود ما هو أرجح منه لا يقتضى مرجوحيته ولا يمنع عن رجحانه. وحينئذ لا مانع من نذره حسب ما تقتضيه عمومات الصحة، إذ لا دليل على اعتبار أن لا يكون ضدا لما هو أرجح، كيف وإلا لزم بطلان أكثر النذور " مثل: نذر الصلاة، والصوم، والحج إذا اتفق وجود ما هو افضل؟. هذا في النذر الوارد على القيد نفسه. وأما إذا كان واردا على المقيد به، فإذا كان المقيد بذاته راجحا صح نذره في جميع الصور المذكورة. ولا يضر في الثانية كون القيد علة لترك ما هو أرجح منه، لان النذر وارد على المقيد به لا على نفسه. نعم إذا كان القيد علة لترك ما هو أرجح من المقيد لم ينعقد النذر المتعلق بالمقيد، لانه مرجوح عرضا. (1) قال: " سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل نذر أن يمشي إلى مكة حافيا. فقال: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) خرج حاجا، فنظر إلى امرأة تمشى بين الابل، فقال: من هذه؟ فقالوا: أخت عقبة بن عامر نذرت أن تمشي الى مكة حافية. فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا عقبة انطلق الى أختك فمرها فلتركب، فان الله غني عن مشيها وحفاها " (* 1). (2) بهذا أجابا في المعتبر والمنتهى عن الصحيحة المذكورة، وتبعهما


(* 1) الوسائل باب: 34 من ابواب وجوب الحج حديث: 4.

[ 355 ]

عليه جماعة، ومنهم في الجواهر. وفيه: أن جواب أبي جعفر (عليه السلام) عن سؤال الحذاء بما ذكر دليل على أنه الحكم الواقعي الاولي المسؤول عنه، ولو كان قضية في واقعة كان ذكره مستدركا وبقي السؤال بلا جواب. نعم لو كان المخبر غير المعصوم لامكن أن يقال ذلك، لا فيما نحن فيه وأمثاله مما كان الخبر من المعصوم في مقام الجواب. وكأنه لذلك حمل الصحيحة في الدروس على عدم انعقاد نذر الحفا، قال (ره): " لا ينعقد نذر الحفا في المشي، للخبر عن النبي (صلى الله عليه وآله).. ". لكن الرواية ظاهرة في نذر المشي حافية، وكذلك أمر النبي (صلى الله عليه وآله) لها بالركوب، وكذلك قوله (صلى الله عليه وآله): " إن الله غني عن مشيها وحفاها ". ولعل مراد الدروس ذلك، لان الحفا لا يكون إلا بالمشي. وحينئذ لا بأس بما ذكره أخذا بظاهر الرواية. ولا سيما بملاحظة التعليل، إذ لا بد أن يكون المراد من غنى الله سبحانه عدم المطلوبية والمشروعية، وإلا فان الله غني عن العالمين. فيكون المراد أن الوجه في عدم الانعقاد عدم مشروعية المنذور، فتتأكد دلالتها على بطلان نذر المشي حافيا، كما اختاره في الدروس. وكيف كان فهي غير ما نحن فيه، من نذر الحج ماشيا حافيا، الذي هو المفروض في المتن، فالرواية أجنبية عنه. نعم يعارضها رواية سماعة وحفص، المروية عن نوادر محمد بن عيسى، قالا: " سألنا أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل نذر أن يمشي إلى بيت الله حافيا قال: فليمش، فإذا تعب فليركب " (* 1). والجمع يقتضى حملها على الاستحباب. اللهم إلا أن تسقط الصححية باعراض الاصحاب عنها، فلا مجال للاعتماد عليها في رفع اليد عن القواعد.


(* 1) الوسائل باب: 34 من ابواب وجوب الحج حديث: 10.

[ 356 ]

[ (مسألة 28): يشترط في انعقاد النذر ماشيا أو حافيا تمكن الناذر وعدم تضرره بهما، فلو كان عاجزا أو كان مضرا ببدنة لم ينعقد (1). نعم لا مانع منه إذا كان حرجا لا يبلغ حد الضرر، لان رفع الحرج من باب الرخصة لا العزيمة (2). ] (1) أما مع العجز فلانتفاء شرط انعقاد النذر، وهو القدرة. وأما مع الضرر فللحرمة الموجبة للمرجوحية. ولعدم القدرة، لان غير المقدور شرعا غير مقدور. (2) تقدم في مواضع من هذا الشرح، تقريب ذلك: بأن ادلة نفي الحرج إنما تضمنت نفي الحكم المؤدي إلى الحرج، وحينئذ تكون نسبتها إلى العمومات الدالة على اللزوم - من وجوب أو تحريم - مرددة بدوا بين أن تكون نسبة المخصص الى العام، مثل: " أكرم العلماء إلا زيدا ". وإن تكون نسبة المرخص إلى الملزم، مثل " أكرم، العلماء، واذنت لك في ترك إكرام زيد ". فعلى الاول يكون إكرام زيد خارجا عن العموم بالمرة، كما لو قال: " أكرم من عدا زيد ". وعلى الثاني لا يكون خارجا عنه وانما يكون خارجا عن اللزوم فقط. فدلالة العموم على وجود ملاك وجوب الاكرام في زيد غير معارضة، فتكون حجة وإنما المعارضة بين دلالة العموم على اللزوم ودلالة دليل الترخيص على عدمه. وهذا التردد بدوي، أما بعد التأمل وملاحظة ورود أدلة نفي الحرج مورد الامتنان - بقرينة مناسبة الحكم والموضوع عرفا. - فالجمع يكون بين أدلة نفي الحرج وعمومات اللزوم على النحو الثاني لا الاول. وحينئذ لا تدل على أكثر من نفي اللزوم، فتبقى الملاكات المدلول عليها بالعمومات بحالها. هذا ما يتقضيه الجمع العرفي بينها. وكذلك الكلام في أدلة نفي الضرر، فان مقتضى الجمع العرفي بينها وبين أدلة الاحكام الاولية اللزومية هو

[ 357 ]

[ هذا إذا كان حرجيا حين النذر، وكان عالما به (1). وأما إذا عرض الحرج بعد ذلك فالظاهر كونه مسقطا للوجوب (2). (مسألة 29): في كون مبدأ وجوب المشي أو الحفاء: بلد النذر أو الناذر، أو أقرب البلدين الى الميقات، أو مبدأ الشروع في السفر (3)، ] ذلك أيضا. نعم قام الدليل - من إجماع وغيره - على حرمة إيقاع النفس في الضرر. ثم إن الظاهر من العزيمة أنه لا يجوز الوقوع في الحرج. لكن الظاهر أن مراد القائل بها عدم المشروعية، لا الحرمة التكليفية، وإلا فلا يظن من أحد الالتزام به. بل خلافه من الضروريات الفقهية، كيف ولا يزال الناس يعملون الاعمال الحرجة ويوقعون الاجارات عليها؟ ولعل ذلك من الضروريات عند المتشرعة. فلاحظ. (1) فانه حينئذ يكون مقدما على الحرج، فلا يشمله دليل نفي الحرج لما عرفت من أنه لما كان امتنانيا اختص بالحرج الآني من قبل الشارع، فلا يشمل الحرج الآتي من قبل العبد لاقدامه عليه، فإذا نذر ما هو حرجي فقد اقدم على الحرج، فتشمله عمومات الصحة من دون معارض. أما إذا كان جاهلا به فدليل نفي الحرج ينفي لزوم النذر، لان لزومه هو الذي يؤدي إلى الحرج، وتبقى مشروعية الوفاء به بحالها. (2) لاطلاق دليله. وعروض الحرج ليس له موضوعية في الحكم، بل من حيث كونه ملازما غالبا للجهل، فالمدار في اللزوم وعدمه العلم والجهل، لا العروض وعدم العروض. (3) اختار الاول في الشرائع، وحكي عن المبسوط والتحرير والارشاد. والثاني ظاهر القواعد والدروس وغيرهما، وفي الحدائق: الميل إليه. وفي الجواهر: " وقيل: يعتبر أقرب البلدين إلى الميقات. وفي المسالك: هو

[ 358 ]

[ أو أفعال الحج (1) أقوال. والاقوى أنه تابع للتعيين أو الانصراف، ومع عدمهما فأول أفعال الحج إذا قال: " لله علي أن أحج ماشيا "، ومن حين الشروع في السفر إذا قال: " لله علي أن أمشي الى بيت الله " أو نحو ذلك. كما أن الاقوى ] حسن إن لم يدل العرف على خلافه.. ولعله لكون المراد المشي في الجملة الى الحج، وهو يصدق بذلك.. ". وفيه: أن الصدق يتحقق بالمشي بأقل من ذلك إلى الميقات. وفي كشف اللثام: " ويمكن القول بأنه من أي بلد يقصد فيه السفر إلى الحج. لتطابق العرف واللغة فيه ". (1) جعله في الجواهر الاصح. وعلله: بما أشار إليه في المتن، من أن المشي حال من الحج، والحج اسم لمجموع المناسك المخصوصة، فلا يجب المشي إلا حاله. وفي المبسوط - بعد أن حكى القول المذكور واستدل له بما ذكر - قال: " ويدفعه: أصالة عدم النقل.. "، يعنى: يراد من الحج القصد لا الافعال، فيجب المشي من حين الشروع في قصد البيت، فيرجع إلى القول الرابع الذي تقدم عن كشف اللثام. وكيف كان فالنزاع في المقام في مراد الناذر، وما ذكره المصنف (ره) من أنه تابع للتعيين، أو للانصراف. ومع عدمهما.. في محله متين. إلا أن الكلام كله في تحقيق الانصراف وعدمه. ولا يبعد أن يكون المنصرف إليه من قول الناذر: " لله علي أن أحج ماشيا " هو المنصرف إليه من قوله: " لله علي أن أزور الحسين (عليه السلام) ماشيا ". والوجه فيه: أن النذر تعلق بالمشي المشروع على نحو ما شرع في الحج، وهو لا يختص بالمشي حال الحج، بل يعم المشي من حين الشروع في السفر. ويشير إليه - أيضا - ما يأتي في منتهاه.

[ 359 ]

[ أن منتهاه - مع عدم التعيين - رمي الجمار، لجملة من الاخبار (1) لا طواف النساء كما عن المشهور (2)، ولا الافاضة من عرفات، كما في بعض الاخبار (3). ] (1) منها صحيح جميل: " قال أبو عبد الله (عليه السلام): إذا حججت ماشيا، ورميت الجمرة فقد انقطع المشي " (* 1). وفي صحيح اسماعيل بن همام عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام): " قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام) في الذي عليه المشي في الحج: إذا رمى الجمرة زار البيت راكبا وليس عليه شئ " (* 2)، وصحيح الحلبي انه سأل ابا عبد الله (عليه السلام) عن الماشي متى ينقضي مشيه؟ قال (عليه السلام): إذا رمى الجمرة وأراد الرجوع فليرجع راكبا فقد انقضى مشيه، وإن مشى فلا بأس " (* 3). والظاهر أن الوجه فيه ما عرفت، من أن المشي المنذور هو المشروع في الحج والمرغوب، وهو يختص بما ذكر، لا أن الحكم تعبدي ولو كان مخالفة للنذر. فلاحظ. (2) اختاره في الشرائع، والدروس. وفي الجواهر وغيرها قيل: انه المشهور. وكأن الوجه فيه: الاخذ بمفهوم الحج، ولا يختص بجزء دون جزء. لكن طواف النساء ليس من أجزاء الحج. اللهم إلا أن يفهم بالتبعية. لكن لا مجال لذلك بعد ورود ما عرفت من النصوص. (3) في خبر يونس بن يعقوب المروي في قرب الاسناد: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) متى ينقطع مشي الماشي؟ قال (عليه السلام): إذا أفاض من عرفات " (* 4). لكن لم يعرف قائل به، وحينئذ لا مجال للاعتماد عليه.


(* 1) الوسائل باب: 35 من ابواب وجوب الحج حديث: 2. (* 2) الوسائل باب: 35 من ابواب وجوب الحج حديث: 3. (* 3) الوسائل باب: 35 من ابواب وجوب الحج حديث: 5. (* 4) الوسائل باب: 35 من ابواب وجوب الحج حديث: 6.

[ 360 ]

[ (مسألة 30): لا يجوز لمن نذر الحج ماشيا أو المشي في حجه أن يركب البحر لمنافاته لنذره، وإن اضطر إليه لعروض المانع من سائر الطرق سقط نذره. كما انه لو كان منحصرا فيه من الاول لم ينعقد. ولو كان في طريقه نهر أو شط لا يمكن العبور إلا بالمركب فالمشهور أنه يقوم فيه، لخبر السكوني (1). والاقوى عدم وجوبه، لضعف الخبر عن إثبات الوجوب (2). ] (1) عن جعفر (عليه السلام) عن أبيه (عليه السلام) عن آبائه (عليهم السلام): " أن عليا (عليه السلام) سئل عن رجل نذر أن يمشي إلى بيت الله فعبر في المعبر. قال (عليه السلام): فليقم في المعبر قائما حتى يجوزه " (* 1). (2) لكن عمل الشيخ وجماعة بالخبر يكفي في جبر ضعفه. مضافا الى أن السكوني قد عول الاصحاب على أخباره، وقد ادعى الشيخ إجماع الاصحاب على ذلك، فرفع اليد عنه غير واضح. ثم إن كان مورد السؤال في الخبر صورة ما إذا نذر المشي في جميع نقاط المسافة، فمقتضى القاعدة بطلان النذر، لعدم القدرة، فان عمل بالخبر كان دالا على الصحة ومخصصا للقاعدة، وكان أيضا دالا على البدلية على خلاف اصل البراءة. فان لم يعمل به تعين البناء على البطلان. وإن كان مورد السؤال صورة ما إذا كان النذر مختصا بالموضع الذي يمكن فيه المشي، فمقتضى القاعدة وجوب المشي في غير المعبر وعدم لزومه فيه، فإذا عمل بالخبر كان دالا على وجوب القيام تعبدا لا بدلا، لعدم وجوب المبدل منه. وظاهر الخبر أن مورده الصورة الاولى، فإذا بني على عدم العمل به تعين


(* 1) الوسائل باب: 37 من ابواب وجوب الحج حديث: 1.

[ 361 ]

[ والتمسك بقاعدة الميسور لا وجه له (1). وعلى فرضه فالميسور هو التحرك لا القيام (2). (مسألة 31): إذا نذر المشي فخالف نذره فحج راكبا، فان كان المنذور الحج ماشيا من غير تقييد بسنة معينة وجب عليه الاعادة، ولا كفارة (3)، إلا إذا تركها أيضا (4). وإن كان المنذور الحج ماشيا في سنة معينة فخالف وأتى به راكبا وجب عليه القضاء والكفارة (5). وإذا كان المنذور ] البناء فيها على بطلان النذر، ويكون مورد كلام الاصحاب الصورة الثانية. (1) إذ العمدة - في دليل القاعدة - الاجماع، وهو في المقام منتف (2) الحركة وإن كانت مقومة للمشي، لكن - مع انتفاء قطع المسافة بالحركة - لا يصدق عليها عرفا أنها ميسور " بخلاف القيام فانه غير مقوم للمشي، ووجوبه إنما هو من جهة الانصراف، فلا يخرج عن كونه ميسورا بسقوط غيره. ولو منع الانصراف فالقيام ليس بواجب حال المشي، ويكفي المشي في غير حال القيام فيكون أجنبيا عن المشي " وحينئذ لا وجه لكونه ميسورا له. (3) أما الاعادة فلعدم اتيانه بالمنذور. وأما عدم الكفارة فلعدم الموجب لانتفاء المخالفة بعد كون النذر موسعا ومطلقا. (4) يعني: على نحو لا يكون معذورا في الترك، كما إذا اطمأن بالوفاة فانه لما وجبت المبادرة كان تركها مخالفة للنذر وموجبا للحنث. وقد تقدم - في المسألة الثامنة - ماله نفع في المقام. (5) تقدم الكلام في ذلك في المسألة الثامنة. هذا وفي المعتبر: " ويمكن أن يقال: إن الاخلال بالمشي ليس مؤثرا في الحج، ولا من صفاته بحيث يبطل بفواته، بل غايته: أنه أخل بالمشي المنذور، فان كان مع القدرة

[ 362 ]

وجبت عليه كفارة خلف النذر، وحجه ماض.. ". ونحوه حكي عن المنتهى والتحرير وغيرهما. وفي كشف اللثام: " هو قوي. إلا أن يجعل المشي في عقد النذر شرطا.. ". أقول: ظاهر كلامهم صورة ما إذا جعله شرطا، وحينئذ لا مجال للبناء على صحته وفاء، لفوات المشروط بفوات شرطه. أما إذا لم يجعله شرطا - بأن نذر أن يحج، ونذر أن يمشي في الحج المنذور - فلا مانع من البناء على الصحة، لان المشي المنذور إن كان قبل الميقات، فإذا ركب قبل الميقات فقد حنث ووجبت الكفارة، وبقي الامر بالحج، فيأتي به على طبق أمره، فيصح وفاء. وإن كان المشي المنذور بعد الاحرام وقبل الطواف، فإذا أحرم صح إحرامه، فإذا ركب بعد ذلك فقد حنث، ولا يقتضي ذلك سقوط الامر بالطواف، وحينئذ يصح طوافه وفاء بالنذر أيضا، وهكذا الكلام الى المواقف. والوجه في ذلك: عدم انطباق عنوان محرم على أجزاء الحج، فلا مانع من التقرب بها. نعم - بناء على أن السير من الميقات إلى مكة من أجزاء الحج فيكون عبادة - تشكل صحته، من جهة أن السير راكبا تفويت لموضوع النذر فيكون حراما. نظير الصلاة فرادى إذا كان قد نذر الصلاة جماعة، فانه لما كان تفويتا لموضوع النذر كانت حراما فتبطل. وقد تقدم نظير ذلك في المسألة السابعة من هذا الفصل، فراجع. ولا يرتبط ما ذكر بالقول بأن الامر بالشئ نهي عن ضده، بل هو من باب أن علة الحرام حرام ولو عقلا على نحو يكون مبعدا، فيمتنع أن يكون مقربا. ولا فرق بين الجزء الاخير من العلة والجزء الاول منها، فانه مع العلم بالترتب يكون الجزء الاول أيضا حراما مبعدا، ومع عدم العلم بالترتب لا يكون آخر الاجزاء منها حراما مبعدا، كما لا يكون أولها كذلك. وبالجملة:

[ 363 ]

[ المشي في حج معين وجبت الكفارة دون القضاء (1)، لفوات محل النذر. والحج صحيح في جميع الصور (2). خصوصا الاخيرة، لان النذر لا يوجب شرطية المشي في أصل الحج (3) وعدم الصحة من حيث النذر لا يوجب عدمها من حيث ] حرمة السبب المفوت للواجب ومبعديته لا ترتبط بحرمة الضد ومبعديته. وهو واضح بالتأمل. (1) أما الاول فللحنث. وأما الثاني فلما ذكر من فوات محل النذر، لانه لما حج بدون المشي فقد صح حجه وتعذر الاتيان به ثانيا، لامتناع الامتثال بعد الامتثال، فيتعذر الوفاء بالنذر. (2) أما في الصورة الاخيرة فواضح، لوقوعه عن أمره بلا مانع من التقرب به، لعدم انطباق عنوان محرم عليه، الا بناء على ما عرفت من أن السير بين الميقات ومكة أيضا واجب ومن أجزاء الحج، فيكون السير راكبا تفويتا للواجب، فيحرم، فيبطل. وكذا إذا كان يمكنه الرجوع إلى الميقات والسير ماشيا، فانه حينئذ يكون الطواف تفويتا للواجب فيحرم. أما مع عدم إمكان الرجوع فقد حنث بترك المشي من الميقات وسقط الامر النذري، فلا مانع من الطواف. وأما في الصورتين الاخيرتين فلما يأتي (3) هذا التعليل راجع الى الحكم بالصحة في الجميع. وحاصل التعليل: أن الصحة تابعة لوقوع الفعل تام الاجزاء والشرائط، والحج راكبا لا نقص في أجزائه ولا في شرائطه. لان النذر - في الصورتين الاولتين - إنما يقتضي شرطية الركوب للحج المنذور، لا للحج الذي هو موضوع الامر الشرعي. وفي الصورة الثالثة إنما اقتضى وجوب المشي في الحج، لا شرطيته للحج ولا لغيره، فإذا لم يكن الحج المشروع مشروطا بالمشي انطبق على الحج راكبا. فيصح ويسقط به أمره ويحصل بذلك امتثاله.

[ 364 ]

[ الاصل، فيكفي في صحته الاتيان به بقصد القربة. وقد يتخيل البطلان، من حيث أن المنوي - وهو الحج النذري - لم يقع، وغيره لم يقصد (1). وفيه: أن الحج في حد نفسه مطلوب، وقد قصده في ضمن قصد النذر، وهو كاف (2). ألا ترى: أنه لو صام أياما بقصد الكفارة ثم ترك التتابع لا يبطل الصيام في الايام السابقة أصلا (3)، وإنما تبطل من حيث ] (1) الذى يظهر من كلمات الاصحاب (رض): أنه يعتبر في صحة العبادة قصد المأمور به بخصوصياته المعتبرة فيه حينما أخذ موضوعا للامر. وأيضا يعتبر فيها قصد الامر بحيث يكون الداعي الى وقوعها أمرها، فإذا فقد أحد هذين فقد بطلت العبادة. وفي المقام لما كان المقصود الحج النذري دون الحج نفسه " فلا يصح الحج النذري لفقد شرطه، ولا الحج الاصلي لعدم قصده، (2) لا ريب في أن الناذر حينما يأتي بالحج المنذور يأتي به بعنوان الوفاء بالنذر، والوفاء من العناوين التقييدية لا من قبيل الداعي. ولذا إذا أعطى زيد عمرا دينارا بعنوان الوفاء بالدين، وعلم عمرو بانتفاء الدين، لا يجوز له أخذ الدينار ولا التصرف فيه. كما لو أعطاه بعنوان المعاوضة، فانه لا يجوز له الاخذ إذا كان يعلم بانتفاء المعاوضة أو بطلانها. وقد ذكروا أن المقبوض بالعقد الفاسد بمنزلة المغصوب لا يجوز التصرف فيه. فإذا كان عنوان الوفاء تقييديا فمع انتفائه لا قصد للفاعل، وحينئذ لا يكون عبادة لانتفاء قصد الامر، كما ذكر في الاشكال. (3) الصيام في الايام السابقة كان الاتيان به بقصد أمر الكفارة الوجوبي وكذلك كان المقصود به الصوم الخاص - وهو صوم الكفارة المشتمل على

[ 365 ]

[ كونها صيام كفارة؟ وكذا إذا بطلت صلاته لم تبطل قراءته وأذكاره التي أتى بها من حيث كونها قرآنا أو ذكرا. وقد يستدل للبطلان - إذا ركب في حال الاتيان بالافعال -: بأن الامر باتيانها ماشيا موجب للنهي عن إتيانها راكبا. وفيه: منع كون الامر بالشئ نهيا عن ضده (1). ومنع استلزامه البطلان على القول به. مع أنه لا يتم فيما لو نذر الحج ماشيا ] خصوصيات اقتضت وجوبه - دون طبيعة الصوم، فصحته - إذا بطل صوم الكفارة - تتوقف على عدم اعتبار قصد الامر ولا قصد المأمور به في عبادية العبادة. وقد عرفت: أنه خلاف ما عليه الاصحاب، وخلاف ما بنوا عليه من الفروع، مثل: ما إذا قصد الامر بالوضوء التجديدي فتبين أنه محدث، وما إذا قصد الامر الوجوبي بغسل الجنابة لاعتقاد سعة الوقت فاغتسل فتبين ضيقه، وأمثال ذلك من الفروع التي حكموا فيها بالبطلان إذا كان ذلك على نحو التقييد لا على نحو الداعي. فراجع كلماتهم. ولازمه: أنه إذا صلى الصبح باعتقاد دخول الوقت بطلت وصحت صلاة ركعتين نافله. ومن ذلك تعرف الاشكال في قوله: " لم تبطل قراءته واذكاره " إذا كان مراده أنه لم يبطل التعبد بالقرآن الكريم والذكر. نعم لو كان التقييد بالعناوين المذكورة على نحو تعدد المطلوب كان ما ذكر في محله. لكن الظاهر عدم بنائهم على ذلك في باب الوفاء بالعقود والنذور ونحوهما. اللهم إلا أن يبنى على الفرق بين المقامين، وإجراء حكم تعدد المطلوب في باب العبادات أمثال المقام. أو أن الصحة مستفادة من بعض النصوص الواردة في صحة عمل الاجير إذا خالف الاجارة، كما سيأتي في المسألة الثانية عشرة والثالثة عشرة. فتأمل جيدا. (1) قد عرفت: أن المضادة بين المشي والركوب فقط.

[ 366 ]

[ مطلقا، من غير تقييد بسنة معينة ولا بالفورية، لبقاء محل الاعادة. (مسألة 32): لو ركب بعضا ومشى بعضا فهو كما لو ركب الكل، لعدم الاتيان بالمنذور، فيجب عليه القضاء أو الاعادة ماشيا (1). والقول بالاعادة والمشي في موضع الركوب، ضعيف لا وجه له. ] (1) كما عن الحلي، واختاره في الشرائع وغيرها. وعن الشيخ والجمع من الاصحاب: أنه يقضي ويمشي موضع الركوب. وعن المختلف الاستدلال له: بأن الواجب عليه قطع المسافة ماشيا، وقد حصل بالتلفيق، فيخرج عن العهدة. ثم أجاب عنه بالمنع من حصوله مع التلفيق. ولعله واضح، إذ لا يصدق عليه أنه حج ماشيا. وفي المدارك: " هو جيد إن وقع الركوب بعد التلبس بالحج، إذ لا يصدق على من ركب في جزء من الطريق - بعد التلبيس بالحج - أنه حج ماشيا. وهذا بخلاف ما إذا وقع الركوب قبل التلبس بالحج، مع تعلق النذر بالمشي من البلد، لان الواجب قطع المسافة في حال المشي وإن فعل في أوقات متعددة، وهو يحصل بالتلفيق. إلا أن يكون المقصود قطعها كذلك في عام واحد. فتأمل ". أقول: من الواضح أن المقصود ذلك، فلا مجال لهذا الاحتمال. وعلى تقديره لا فرق بين المشي قبل الحج وبعده. ثم إنه في خبر ابراهيم بن عبد الحميد: " أن عباد بن عبد الله البصري سأل الكاظم (عليه السلام) عن رجل جعل لله نذرا على نفسه المشي إلى بيته الحرام، فمشى نصف الطريق أو أقل أو أكثر. قال (عليه السلام): ينظر ما كان ينفق من ذلك الموضع فليتصدق به " (* 1). ولكنه مهجور لا مجال للعمل به. والظاهر أن المراد من قوله: " من ذلك الموضع " أنه من


(* 1) الوسائل باب: 21 من أبواب النذر حديث: 2.

[ 367 ]

[ (مسألة 33): لو عجز عن المشي بعد انعقاد نذره - لتمكنه منه، أو رجائه - سقط (1). وهل يبقى حينئذ وجوب الحج راكبا أولا، بل يسقط أيضا؟ فيه أقوال: أحدها: وجوبه راكبا مع سياق بدنة (2). الثاني: وجوبه بلا سياق (3). ] موضع انتهاء المشي إلى آخره. (1) الرجاء طريق لا موضوعية له في الانعقاد، فإذا كان الناذر يرجو القدرة فتبين عدمها انكشف عدم انعقاد نذره، لما عرفت من اعتبار القدرة على المنذور في انعقاد النذر. هذا بالنظر إلى القواعد العامة، وربما يكون مقتضى النصوص الآتية عموم الحكم لصورة الرجاء. ولذلك جعل المصنف صورة الرجاء كصورة التمكن وطروء العجز، وقد سبقه في ذلك المستند. فراجع. أما صورة العلم بالعجز فخارجة عن مورد النصوص والفتاوى، لعدم اقدام الناذر فيها على نذر المشي. فلاحظ. (2) نسب إلى الشيخ وجماعة، وعن الخلاف: دعوى الاجماع عليه. لصحيح الحلبي: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام): رجل نذر أن يمشي إلى بيت الله وعجز أن يمشي، قال (عليه السلام): فليركب، وليسق بدنة، فان ذلك يجزي إذا عرف الله تعالى منه الجهد " (* 1)، وصحيح ذريح المحاربي: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل حلف ليحجن ماشيا فعجز عن ذلك فلم يطقه. قال (عليه السلام): فليركب، وليسق الهدي " (* 2). (3) كما عن المفيد، وابن الجنيد، وابن سعيد والشيخ في نذر الخلاف، وفي كشف اللثام: أنه يحتمله كلام الشيخين، والقاضي، ونذر


(* 1) الوسائل باب: 34 من أبواب وجوب الحج حديث: 3 (* 2) الوسائل باب: 34 من أبواب وجوب الحج حديث: 2.

[ 368 ]

[ الثالث: سقوطه إذا كان الحج مقيدا بسنة معينة. أو كان مطلقا مع اليأس عن التمكن بعد ذلك، وتوقع المكنة مع الاطلاق وعدم اليأس (1). الرابع: وجوب الركوب مع تعيين السنة، أو اليأس في صورة الاطلاق، وتوقع المكنة مع عدم اليأس (2). ] النهاية والمقنعة والمهذب. ويشهد له صحيح رفاعة بن موسى: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام): رجل نذر أن يمشي الى بيت الله تعالى. قال (عليه السلام): فليمش. قلت: فانه تعب. قال (عليه السلام): إذا تعب ركب " (* 1)، وصحيح ابن مسلم: " سئل أحدهما (عليه السلام) عن رجل جعل عليه مشيا الى بيت الله تعالى فلم يستطع. قال (عليه السلام): يحج راكبا " (* 2). (1) حكي عن الحلي والعلامة - في الارشاد - والمحقق الثاني في حاشية الشرائع. وكأن الوجه فيه: العمل بالقواعد المقتضية للسقوط مع العجز والانتظار مع رجاء المكنة. لكن كان اللازم البناء على الوجوب مع اليأس إذا فرض حصول المكنة بعد ذلك. (2) نسب إلى العلامة في المختلف. لكن عبارته فيه - فيما لو أخذ المشي شرطا في المنذور - هكذا: " وإن كان الثاني - يعني: أخذ المشي شرطا، وكان النذر موقتا وعجز - سقط عنه النذر، ولم يجب عليه الحج ماشيا ولا راكبا، ولا كفارة عليه. وإن لم يعجز وركب وجب عليه كفارة خلف النذر. وإن لم يكن موقتا وعجز توقع المكنة، فان أيس سقط ولا يجب الحج راكبا ". وظاهره القول الثالث. نعم ظاهر المسالك - وعن الروضة -: اختيار هذا القول، بناء منهما على أن نذر الحج ماشيا راجع


(* 1) الوسائل باب: 34 من ابواب وجوب الحج حديث: 1. الوسائل باب: 34 من ابواب وجوب الحج حديث: 9.

[ 369 ]

[ الخامس: وجوب الركوب إذا كان بعد الدخول في الاحرام، وإذا كان قبله فالسقوط مع التعيين، وتوقع المكنة مع الاطلاق (1). ومقتضى القاعدة وإن كان هو القول الثالث (2). إلا أن الاقوى - بملاحظة جملة من الاخبار - هو القول الثاني، بعد حمل ما في بعضها: من الامر بسياق الهدي، على الاستحباب، بقرينة السكوت عنه في بعضها الآخر مع كونه في مقام البيان (3). ] إلى نذرين: نذر الحج، ونذر المشي، فإذا تعذر الثاني بقي الاول، ومع رجاء القدرة يجب الانتظار عقلا. (1) قال في المدارك: " والمعتمد ما ذهب إليه ابن إدريس إن كان العجز قبل التلبس بالاحرام، وإن كان بعده اتجه القول بوجوب إكماله، وتساق البدنة، وسقوط الفرض بذلك. عملا بظاهر النصوص، والتفاتا إلى اطلاق الامر بوجوب اكمال الحج والعمرة مع التلبس بهما، واستلزام اعادتهما المشقة.. ". وكأن السقوط في الاول عملا بالقواعد، واختصاص النصوص بغيره. وفيه: أن النصوص شاملة للمقامين، ولا تختص بالثاني. مع أن وجوب الاتمام أعم من الاجتزاء به. (2) لكن مع البناء على الوجوب مع اليأس إذا تبينت المكنة، كما عرفت. (3) وهو صحيح رفاعة بن موسى، وصحيح محمد بن مسلم المتقدمان (* 1)، ونحوهما خبر سماعة وحفص (* 2). لكن أشكل في المدارك على الاستدلال بهذه النصوص: بأن السكوت لا يعارض ما هو ظاهر في الوجوب. وهو في محله، فان السكوت لا يبلغ إطلاق المطلق، ومع ذلك يقدم عليه المقيد.


(* 1) تقدم ذكرهما في القول الثاني من الاقوال المتقدمة في المسألة. (* 2) الوسائل باب: 34 من ابواب وجوب الحج حديث: 10.

[ 370 ]

[ مضافا الى خبر عنبسة (1)، الدال على عدم وجوبه صريحا فيه. من غير فرق في ذلك بين أن يكون العجز قبل الشروع في الذهاب أو بعده (2)، وقبل الدخول في الاحرام أو بعده (3). ] (1) ابن مصعب، قال: " قلت له - يعني: لابي عبد الله (عليه السلام) -: اشتكى ابن لي، فجعلت لله علي إن هو برئ أن أخرج إلى مكة ماشيا، وخرجت أمشي حتى انتهيت إلى العقبة فلم استطع أن أخطو فيه، فركبت تلك الليلة حتى إذا أصبحت مشيت حتى بلغت، فهل علي شئ؟ قال (عليه السلام): اذبح فهو أحب الي. قال: قلت له: اي شئ هو لي لازم أم ليس لي بلازم؟ قال (عليه السلام): من جعل لله على نفسه شيئا فبلغ فيه مجهوده فلا شئ عليه، وكان الله تعالى أعذر لعبده " (* 1). وأشكل عليها في المدارك: بأنها ضعيفة السند، لان الراوي لها واقفي ناووسي. وظاهره اختصاص الطعن بذلك. لكنه غير قادح على ما حرر في محله. فالعمدة عدم ثبوت وثاقته. إلا أن يكون ظاهر المدارك ذلك. ولعل هذا المقدار - بضميمة اعتماد الجماعة على الرواية. وكون الراوي عنه البزنطي، وما رواه الكليني (ره) في الصحيح عن ابن أبي عمير، عن جميل، عن أحدهما: " لا يجبر الرجل إلا على نفقة الابوين والولد. قلت لجميل: فالمرأة؟ قال: قد رووا أصحابنا - وهو عنبسة بن مصعب " وسورة بن كلب - عن أحدهما: أنه إذا كساها.. " (* 2) - كاف في إثبات وثاقته، ودخول خبره في موضوع الحجية. وكأنه لذلك عده في الجواهر من قسم الموثق. (2) نص على هذا التعميم في الجواهر، أخذ بظاهر النصوص. (3) خلافا لما عرفت من المدارك لاطلاق بعض النصوص المتقدمة،


(* 1) الوسائل باب: 34 من ابواب وجوب الحج حديث: 6. (* 2) الوسائل باب: 1 من أبواب وجوب النفقات ملحق حديث: 4.

[ 371 ]

[ ومن غير فرق أيضا بين كون النذر مطلقا أو مقيدا بسنة (1)، مع توقع المكنة وعدمه. وإن كان الاحوط في صورة الاطلاق - مع عدم اليأس من المكنة، وكونه قبل الشروع في الذهاب - الاعادة إذا حصلت المكنة بعد ذلك، لاحتمال انصراف الاخبار عن هذه الصورة (2). والاحوط إعمال قاعدة الميسور أيضا بالمشي بمقدار المكنة. بل لا يخلو عن قوة. للقاعدة، مضافا إلى الخبر: " عن رجل نذر أن يمشي الى بيت الله ] كما عرفت. ولا ينافيه اختصاص بعضها - كصحيح المحاربي، وصحيح محمد ابن مسلم - (* 1) لعدم المنافاة بين المثبتين. (1) كما نص على ذلك في الجواهر. لاطلاق النصوص. (2) قد عرفت - في غير موضع من هذا - الشرح أن دليل بدلية البدل عند الاضطرار وإن كان إطلاق لفظه يقتضى ثبوت البدلية بمجرد حصول الاضطرار في أول الوقت، لكن الارتكاز العرفي في باب الاضطرار يقتضي اختصاصه بصورة استمرار العذر في تمام الوقت، وأن الوجه في تشريعه المحافظة على ملاك المبدل منه من الضياع بالمرة. لا أقل من أن ذلك موجب للتوقف في الاطلاق، الموجب لسقوطه عن الحجية نعم - بناء على أن مقتضى الجمع بين أدلة البدلية وأدلة الواجب الاختياري هو تقييد أدلة الواجب الاختياري بالاختيار - أمكن القول بجواز المبادرة بمجرد الاضطرار آناما، إذ لا مانع حينئذ من الاخذ بالاطلاق. نعم - بناء على ما عرفت في المسألة الثامنة من وجوب المبادرة إلى أداء المنذور إذا كان النذر مطلقا - لا بأس بجواز البدار، لانه حينئذ يكون مضيقا، والاشكال يختص بالموسع. فلاحظ.


(* 1) الوسائل باب: 34 من أبواب وجوب الحج حديث: 2، 9.

[ 372 ]

[ حافيا. قال. (عليه السلام): فليمش، فإذا تعب فليركب " (1). ويستفاد منه كفاية الحرج والتعب في جواز الركوب وإن لم يصل الى حد العجز (2) وفي مرسل حريز: " إذا حلف الرجل أن لا يركب، أو نذر أن لا يركب، فإذا بلغ مجهوده ركب " (* 1). (مسألة 34): إذا نذر الحج ماشيا فعرض مانع آخر غير العجز عن المشي - من مرض، أو خوف، أو عدو أو نحو ذلك - (3) فهل حكمه حكم العجز فيما ذكر، أولا لكون الحكم على خلاف القاعدة؟ وجهان. ولا يبعد التفصيل بين المرض ومثل العدو، باختيار الاول في الاول والثاني في الثاني. وإن كان الاحوط الالحاق مطلقا. ] (1) قد عرفت الاشكال في حجية القاعدة، لعدم الدليل عليها كلية والمراد من الخبر صحيح رفاعة. ونحوه خبر سماعة وحفص المتقدمان (* 2). (2) كما نص على ذلك في الجواهر. لما في المتن. (3) المقابلة بين ما ذكر وبين العجز عن المشي غير ظاهرة، فان الجميع يوجب العجز عن المشي. نعم العجز عن المشي قد يكون عن ضعف في الاستعداد، وقد يكون عن مرض - وكلاهما راجع إلى قصور الفاعل - وقد يكون عن مانع في الارض - من شوك، أو ماء، أو نحوهما - فيكون العجز لقصور في الارض، وقد يكون عن مانع آخر - من عدو، أو هواء، (3) المقابلة بين ما ذكر وبين العجز عن المشي غير ظاهرة، فان الجميع يوجب العجز عن المشي. نعم العجز عن المشي قد يكون عن ضعف في الاستعداد، وقد يكون عن مرض - وكلاهما راجع إلى قصور الفاعل - وقد يكون عن مانع في الارض - من شوك، أو ماء، أو نحوهما - فيكون العجز لقصور في الارض، وقد يكون عن مانع آخر - من عدو، أو هواء،


(* 1) الوسائل باب: 34 من ابواب وجوب الحج حديث: 12. (* 2) تقدم ذكر الاول في المسألة: 26، 33 من هذا الفصل. وتقدم ذكر الثاني في المسألة: 27 من هذا الفصل. لكن الاول غير مطابق لما جاء في المتن، وانما يطابقه الخبر الثاني كما يطابقه خبر رفاعة وحفص المروي في الوسائل باب: 8 من أبواب النذر والعهد حديث: 2.

[ 373 ]

أو حيوان، أو نحو ذلك - فيكون قسما ثالثا. ولا ينبغي التأمل في شمول العجز أو عدم الاستطاعة المذكورين في النصوص لذلك كله. نعم قد ينصرفان إلى قصور الفاعل فيشمل المرض ولا يشمل غيره. واحتمال الاختصاص بخصوص ضعف الاستعداد بعيد جدا. (3) المقابلة بين ما ذكر وبين العجز عن المشي غير ظاهرة، فان الجميع يوجب العجز عن المشي. نعم العجز عن المشي قد يكون عن ضعف في الاستعداد، وقد يكون عن مرض - وكلاهما راجع إلى قصور الفاعل - وقد يكون عن مانع في الارض - من شوك، أو ماء، أو نحوهما - فيكون العجز لقصور في الارض، وقد يكون عن مانع آخر - من عدو، أو هواء،

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية