الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




مستمسك العروة - السيد محسن الحكيم ج 8

مستمسك العروة

السيد محسن الحكيم ج 8


[ 1 ]

ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى قرآن الكريم مستمسك العروة الوثقى تأليف فقيه العصر آية الله العظمى السيد محسن الطباطبائى الحكيم قدس سره الجزء الثامن

[ 2 ]

مطبقه الاداب في النجف الاشرف 1390 ه‍ 1970 م منشورات مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي قم - ايران 1404 ه‍ ق

[ 3 ]

{ بسم الله الرحمن الرحيم فصل في صلاة المسافر لااشكال في وجوب القصر على المسافر (1)، مع اجتماع } فصل في صلاة السفر (1) ادعى غير واحد عليه الاجماع، بل الضرورة من الامامية (رض) وحكي أيضا عن أكثر العامة. ويدل عليه النصوص الكثيرة، ففي صحيح زرارة ومحمد: " قلنا لابي جعفر (ع): ما تقول في الصلاة في السفر؟ إلى أن قال (ع): فصار التقصير في السفر واجبا كوجوب التمام في الحضر قالا: قلنا له: إنما قال الله عزوجل: (فليس عليكم جناح) (* 1) ولم يقل: (افعلوا)، فكيف أوجب ذلك؟! فقال (ع): أو ليس قد قال عزوجل في الصفا والمروة: (فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما)؟ (* 2) ألا ترى أن الطواف بهما واجب مفروض، لان الله عزوجل ذكره في كتابه. وصنعه نبيه؟ وكذلك التقصير.. " (* 3)


(* 1) النساء: 101. (* 2) البقرة: 158. (* 3) الوسائل باب: 22 من ابواب صلاة المسافر حديث: 2.

[ 4 ]

{ الشرائط الآتية (1)، باسقاط الركعتين الاخيرتين من الرباعيات (2). وأما الصبح والمغرب فلا قصر فيهما. وأما شروط القصر فأمور: الاول: المسافة (3)، وهي ثمانية فراسخ امتدادية (4) } (1) للادلة الآتية الدالة على شرطيتها. (2) بلا خلاف. ففي صحيح زرارة عن أبي جعفر (ع): " عشر ركعات، ركعتان من الظهر، وركعتان من العصر، وركعتا الصبح، وركعتا المغرب، وركعتا العشاء الاخيرة، لا يجوز فيهن الوهم... إلى أن قال: فرضها الله عزوجل... إلى أن قال: فزاد رسول الله صلى الله عليه وآله في صلاة المقيم غير المسافر ركعتين في الظهر والعصر والعشاء الآخرة، وركعة في المغرب للمقيم والمسافر " (* 1) ونحوه غيره. (3) يعني: المحدودة، إجماعا من الخاصة والعامة كما عن غير واحد دعواه مع استثناء داود الظاهري، إذ اكتفى بمجرد الضرب في الارض. والنصوص بها في الجملة متواترة، كما سنشير إلى بعضها. (4) فلا يعتبر الزائد عليها، إجماعا منا حكاه غير واحد. وتدل عليه النصوص المستفيضة، ففي موثق سماعة: " في كم يقصر الصلاة؟ فقال (ع): في مسيرة يوم، وذلك بريدان، وهما ثمانية فراسخ " (* 2). وفي رواية الفضل: " إنما وجب التقصير في ثمانية فراسخ، لاأقل من ذلك، ولا أكثر " (* 3) وفي صحيح الكاهلي " بريد في بريد أربعة وعشرون ميلا " (* 4) وفي رواية ابن الحجاج: " أربعة وعشرون ميلا يكون ثمانية فراسخ " (* 5)


(* 1) الوسائل باب: 13 من ابواب اعداد الفرائض ونوافلها حديث: 12. (* 2) الوسائل باب: 1 من ابواب صلاة المسافر حديث: 8. (* 3) الوسائل باب: 1 من ابواب صلاة المسافر حديث: 3. (* 4) الوسائل باب: 1 من أبواب صلاة المسافر حديث: 3. (* 5) الوسائل باب: 1 من ابواب صلاة المسافر حديث: 15.

[ 5 ]

{ ذهابا أو إيابا، أو ملفقة من الذهاب والاياب إذ كان الذهاب أربعة أو أزيد (1)، } وفي صحيح أبي أيوب: " في بريدين أو بياض يوم " (* 1) ونحوها غيرها. وأما ما ورد في تحديدها بمسيرة يوم وليلة - كما في صحيح زكريا ابن آدم (* 2) - أو مسيرة يومين - كما في رواية أبي بصير (* 3) - أو ثلاثة برد - كما في صحيح البزنطي (* 4) - فهو مطروح، أو محمول على مالا ينافي الاول، أو على التقية. وأما ما رواه عمرو بن سعيد قال: " كتب إليه جعفر بن أحمد يسأله عن السفر، وفي كم التقصير؟ فكتب (ع) بخطه - وأنا أعرفه: قد كان أمير المؤمنين (ع) إذا سافر وخرج في سفر قصر في فرسخ. ثم اعاد عليه من قابل المسألة، فكتب إليه. في عشرة أيام " (* 5) فالاول منها محمول عند بعضهم على حد الترخص، ونحوه خبر الخدري عن النبي صلى الله عليه وآله (* 6) ولكنه - كما ترى - خلاف المقطوع به. والثاني على مدة قطع الثمانية فراسخ وهو أيضا خلاف الظاهر، ولاقرينة عليه. وكأن ارتكاب ذلك كان لعدم صلاحيتها لمعارضة ما عرفت. لكن الاولى إيكال أمرها إلى قائلها، من دون تعرض للمراد منها من دون شاهد عليه. (1) كما عن الاكثر - كما عن جماعة - أو المشهور - كما عن آخرين -


(* 1) الوسائل باب: 1 من ابواب صلاة مسافر حديث: 7. (* 2) الوسائل باب: 1 من ابواب صلاة مسافر حديث: 5. (* 3) الوسائل باب: 1 من ابواب صلاة مسافر حديث: 9. (* 4) الوسائل باب: 1 من ابواب صلاة المسافر حديث: 10. (* 5) الوسائل باب: 6 من ابواب صلاة المسافر حديث: 2. (* 6) الوسائل باب: 6 من ابواب صلاة المسافر حديث: 4.

[ 6 ]

وحكي عن جملة من كتب الصدوق، والشيخ، وسلار وحمزة، والحلي، والفاضلين والشهيدين، والمحقق الثاني، وغيرهم. وتدل عليه طائفة من النصوص، كصحيح معاوية بن وهب: " قلت لابي عبد الله (ع): أدنى ما يقصر فيه المسافر، فقال (ع): يريد ذاهبا وبريد جائيا " (* 1) وصحيح زرارة: " سألت أبا جعفر (ع) عن التقصير، فقال: بريد ذاهب وبريد جائي (كذا) قال (ع): كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا أتى (ذبابا) قصر. - وذباب على بريد - وإنما فعل ذلك لانه إذا رجع كان سفره بريدين ثمانية فراسخ " (* 2) ونحوهما غيرهما. ومنه مادل على وجوب التقصير على أهل مكة في خروجهم الى عرفات. وبها يجمع بين مادل على تحديد المسافة بالبريدين، كالطائفة المشار إليها سابقا، وبين مادل على تحديدها بالبريد، كصحيح زرارة عن أبي جعفر (ع): " التقصير في بريد والبريد أربعة فراسخ (* 3) ومصحح الخزاز: " قلت لابي عبد الله (ع): أدنى ما يقصر فيه المسافر فقال عليه السلام: بريد " (* 4) وصحيح الشحام: " سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: يقصر الرجل الصلاة في مسير اثني عشر ميلا " (* 5) ونحوها غيرها فتحمل الاولى على الملفقة، والثانية على تحديد خط السير في الذهاب والاياب ويوضح ذلك ما في صحيح زرارة السابق من التعليل، وما في خبر إسحاق المروي عن العلل وغيرها في قوم خرجوا في سفر وتخلف عنهم رجل وبقوا


(* 1) الوسائل باب: 2 من ابواب صلاة حديث: 2. (* 2) الوسائل باب: 2 من ابواب صلاة المسافر حديث: 14، 15. (* 3) الوسائل باب: 2 من ابواب صلاة المسافر حديث: 1، 10. (* 4) الوسائل باب: 2 من ابواب صلاة المسافر حديث: 11. (* 5) الوسائل باب: 2 من ابواب صلاة المسافر حديث: 3.

[ 7 ]

ينتظرونه، حيث قال (ع): " إن كانوا بلغوا مسيرة أربعة فراسخ فليقيموا على تقصيرهم أقاموا أم انصرفوا، وإن كانوا ساروا أقل من أربعة فراسخ فليتموا الصلاة ما أقاموا، وإذا مضوا فليقصروا. ثم قال (ع): هل تدري كيف صار هكذا؟ قلت: لاأدري. قال (ع): لان التقصير في بريدين ولايكون التقصير في أقل من ذلك، فلما كانوا قد ساروا بريدا وأرادوا أن ينصرفوا بريدا كانوا قد ساروا سفر التقصير... " (* 1) فان الحديثين المذكورين بمنزلة الحاكم على نصوص الثمان المفسر لها بما يشمل الملفقة من الذهاب والاياب، والمقيد لاطلاق النصوص الاربع، فيتعين حملهما معا عليه. ومنه يظهر ضعف ماعن الذكرى، والروض، والمدارك: من الميل إلى التخيير بين القصر والتمام في الثمانية الملفقة، بحمل الامر بالتقصير فيها على الوجوب التخييري، جمعا بينه وبين مادل على اعتبار الثمانية الامتدادية فانه جمع غير ظاهر الشاهد، بل عرفت كون الشاهد على خلافه، ولاسيما مع إباء بعض أخبار التقصير الواردة في خروج أهل مكة الى عرفات عنه مثل خبر معاوية بن عمار: " إن أهل مكة إذا خرجوا الى عرفة كان عليهم التقصير " (* 2)، وخبر إسحاق بن عمار: " قلت لابي عبد الله (ع): في كم التقصير؟ فقال (ع): في بريد. ويحهم كأنهم لم يحجوا مع رسول الله صلى الله عليه وآله فقصروا " (* 3) وصحيح معاوية بن عمار: " قلت لابي عبد الله (ع): إن أهل مكة يتمون الصلاة بعرفات قال (ع): ويلهم - أو ويحهم - وأي سفر أشد منه؟! ". (* 4) فانها كالصريحة في تحتم


(* 1) الوسائل باب: 3 من ابواب المسافر حديث: 11. (* 2) الوسائل باب: 3 من ابواب صلاة المسافر حديث: 5. (* 3) الوسائل باب: 3 من ابواب صلاة المسافر حديث: 6. (* 4) الوسائل باب: 3 من ابواب صلاة المسافر حديث: 1.

[ 8 ]

{ بل مطلقا على الاقوى (1) وإن كان الذهاب فرسخا والاياب } القصر تعيينا كما لا يخفى. وحمل الانكار فيها بالويل أو الويح على الانكار على الالتزام بالتمام والبناء على عدم مشروعية القصر، لما سنه عثمان - كما دل عليه صحيح زرارة (* 1) - مع أنه خلاف الظاهر، لا يناسب ما في الاول من التعبير بقوله (ع): " كان عليهم التقصير "، ولا ما في الاخير بقوله عليه السلام: " وأي سفر أشد منه؟! ". ورفع الجناح في الآية الشريفة لا يصلح شاهدا للتخيير. لما عرفت من اتفاق النص والفتوى على إرادة الوجوب التعييني منه. كما منه يظهر ضعف ما عن ابن زهرة وأبي الصلاح وغيرهما: من تعين التمام في الاربعة مطلقا، كضعف ماعن الكليني: من الاكتفاء بالاربعة الامتدادية مطلقا. فانه وإن كان يشهد له نصوص الاربعة في نفسها، الا أنه لا مجال للاعتماد عليها في ذلك بعد وجوب حملها على إرادة بيان خط السير الذي يكون فيه الذهاب والاياب، بقرينة ما عرفت من النصوص. ولعل ذلك مراد الكليني (ره)، فيكون من القائلين بالثمانية الملفقة. نعم قد يشهد لظاهره صحيح عمران بن محمد: " قلت لابي جعفر الثاني (ع): جعلت فداك إن لي ضيعة على خمسة عشر ميلا خمسة فراسخ، وربما خرجت إليها فأقيم فيها ثلاثة أيام أو خمسة أيام أو سبعة أيام فأتم الصلاة أم أقصر؟ فقال (ع): قصر في الطريق، وأتم في الضيعة " (* 2). لكن المتعين طرحه. أو حمل الامر بالتمام فيه على التقية، لمعارضة ما عرفت. وحينئذ يكون شاهدا لعدم اعتبار الرجوع ليومه، كما سيأتي إن شاء الله تعالى. (1) لما يستفاد من نصوص الاربعة بعد الجمع بينها وبين نصوص


(* 1) الوسائل باب: 3 من ابواب صلاة المسافر حديث: 9. (* 2) الوسائل باب: 14 من ابواب صلاة المسافر حديث: 14.

[ 9 ]

الثمانية، من الاكتفاء بالثمانية الملفقة مطلقا، ولو بالنحو المذكور. ولاسيما بملاحظة ذيل موثق ابن مسلم: " عن التقصير. قال (ع): في بريد. قلت: بريد؟ قال (ع): إذا ذهب بريدا ورجع بريدا فقد شغل يومه " (* 1) فانه ظاهر في أن المدار على شغل اليوم بالذهاب والاياب ولو مع اختلاف مسافتهما. ومثله في ذلك: التعليل في مصحح زرارة المتقدم الوارد في سفر النبي صلى الله عليه وآله إلى (ذباب) (* 2)، وخبر إسحاق الوارد في منتظر الرفقة (* 3) لكن لا يخفى أن التعليلات المذكورة وإن كانت حاكمة على نصوص الثمان ومقتضية لجواز التلفيق مطلقا، إلا أن الجميع مقيد بنصوص البريد ذاهبا وجائيا. والتعليلات المذكورة لا تصلح لتقديمها على نصوص البريد بل يجب حملها عليه حملا للمطلق على المقيد . ولاسيما مع عدم إمكان


(* 1) الوسائل باب: 2 من ابواب صلاة مسافر حديث: 9. (* 2) تقدم ذلك في صدر التعليقة السابقة. (* 3) تقدم أيضا في التعليقة السابقة. وبعبارة أخرى: نصوص الثمانية ظاهرة في وجوب البعد ثمانية فراسخ، ونصوص الاربعة ظاهرة في وجوب البعد أربعة فراسخ، ونصوص التعليلات لما لم تكن في بيان تعليل الحكم في مقام الثبوت، وإنما هي في بيان تعليله في مقام الاثبات، لم تصلح للحكومة الا على نصوص الثمانية، فتدل على أن المراد منها ما يعم الملفقة بنحو تشمل الاربعة ذهابا إبابا. ولا تعرض فيها لالغاء اعتبار البعد أربعة فراسخ لتكون حاكمة على نصوص الاربعة نعم أطلاق التلفيق تقتضي الاكتفاء بكون مجموع الذهاب والايات ثمانية، ولو كان أحدهما أقل من أربعة. لكن هذا الاطلاق مقيد بنصوص الاربعة، بعدما لم تكن له حكومة عليها، حملا المطلق على القيد. نعم لو كان التعليل تعليلا للحكم في مقام الثبوت، كان حاكما على جميع نصوص التحديد، ويكون المستفاد منه: كون المدار على الثمانية ولو ملفقة مطلقا لكن عرفت أنه تعليل للحكم في مقام الاثبات، وأن التقصير في البريد ذاهبا وجائيا تقصير في البريدين، فانما يتضمن الغاء ظهور البريدين في الامتداديين، وأن المراد بهما ما يعم الملفقين، ولا تعرض فيه لالغاء نصوص البريد، فيجب العمل بها. منه قدس سره

[ 10 ]

{ سبعة. وإن كان الاحوط - في صورة كون الذهاب أقل من أربعة مع كون المجموع ثمانية - الجمع (1). } الالتزام باطلاق التعليلات المذكورة، لدلالته على الاكتفاء بمجرد شغل اليوم ولو بالتردد بميل ذاهبا وآيبا أربعا وعشرين مرة، وهو مما لا يمكن الالتزام به، بل الظاهر أنه لا خلاف في عدم الاكتفاء به. نعم حكي عن التحرير التقصير على إشكال، ولم يعرف الاشكال فيه من غيره، ولا منه في غير التحرير. اللهم إلا أن يفرق بين التلفيق من ذهاب واحد وإياب كذلك، والتلفيق من أكثر من ذهاب وإياب، كما هو غير بعيد. وسيأتي. وكيف كان فالمتعين إذا حمل التعليلات على بيان أن المراد من الثمانية فراسخ الاعم من الامتدادية والملفقة من أربعة الذهاب وأربعة الاياب. وهو أولى من التصرف في نصوص البريد، بحملها على الغالب، الموجب للحكم بالتقصير في كثير من فروض التلفيق المستبشع فيها ذلك. وعليه فما عن شرذمة من متأخري المتأخرين: من الحكم بالتقصير في الفرض ونحوه، ضعيف. (1) أما في صورة كون الاياب أقل من أربعة فالاحتياط فيها لا مجال له، لظهور أخبار البريد في كفاية كون الذهاب بريدا في وجوب التقصير غاية الامر اعتبر في بعض النصوص: ضم الاياب ليكون متمما للثمانية، لاأنه ملحوظ بالاصالة في قبال الذهاب، ليجري الاحتياط في الصورتين معا. لكن لا يخفى أن جملة من النصوص تضمنت تحديد أقل المسافة ببريد الاياب أيضا مع بريد الذهاب، فلا فرق بين الذهاب والاياب في ذلك.


قال في التحرير: " ولو قصد أربعة فراسخ فان عزم على الرجوع من يومه قصر، أما لو قصد التردد في ثلاثة فراسخ ثلاث مرات لم يقصر. إلا أن لا يبلغ في الرجوع الاول مشاهدة الجدران ولا سماع الاذان " وظاهره الجزم بوجوب القصر عند التردد فيما دون الاربع. منه قدس سره

[ 11 ]

{ والاقوى عدم اعتبار (1) كون الذهاب والاياب } فأن أخذ بظاهر التعليلات بني على جواز نقص كل منهما عن البريد مع تكميله بالآخر، وإلا فلابد من اعتبار عدم نقص كل منهما عنه فلاحظ. (1) كما عن العماني، ونسبه في محكي كلامه إلى آل الرسول صلى الله عليه وآله. وعن المفاتيح: نسبته إلى الشيخ (ره). وعن مجمع البرهان: نسبته إلى القاضي. واختاره الكاشاني، والبحراني، ونسبه ثانيهما إلى جملة من أفاضل متأخري المتأخرين. وهو المشهور بين المعاصرين، ومن قارب عصرنا. ويقتضيه إطلاق نصوص التلفيق، بل هو كصريح مادل على وجوب التقصير على أهل مكة عند خروجهم الى عرفات، مع عدم ما يشهد لاعتبار الرجوع ليومه، إلا ما قد يتراءى من ذيل موثق ابن مسلم المتقدم من اعتبار شغل اليوم بالفعل (* 1). ولكنه - كما ترى - غير ظاهر، بل الظاهر كونه في مقام مجرد التقدير، ليكون نظير الصغرى للكبرى المرتكزة في ذهن السائل من اعتبار الثمانية فراسخ، المقدرة في جملة من النصوص بمسيرة يوم، وبياض يوم، ونحو ذلك، كما يشهد به مصحح زرارة عن أبي جعفر (ع) المتقدم في نصوص التلفيق (* 2)، فان المراد منهما واحد، كما يظهر بأقل ملاحظة ويشير إلى ذلك التعبير باليوم، مع أن السفر قد يكون كله بالليل، أو بعضه باليوم وبعضه بالليل. ولقد أطال السيد بحر العلوم (ره) في رسالته في تقريب دلالة الحديث المذكور على اعتبار الرجوع ليومه. كما أتعب نفسه الشريفة في الاستدلال على ذلك بموثق سماعة: " عن المسافر في كم يقصر الصلاة؟ فقال (ع): في مسيرة يوم، وذلك بريدان، وهما ثمانية فراسخ. ومن سافر قصر


(* 1) تقدم ذلك قريبا. (* 2) تقدم ذلك في أوائل الكلام في هذا الشرط.

[ 12 ]

الصلاة وأفطر. إلا أن يكون رجلا مشيعا لسلطان جائر، أو خرج إلى صيد، أو إلى قرية له يكون مسيرة يوم يبيت إلى أهله لا يقصر ولا يفطر " (* 1). بناء على أن المراد من أهله بلد الخروج، ويكون معنى قوله (ع): " أو إلى قرية له... " أو المسافر إلى قرية له، مع كون سفره جامعا للشرائط لانه مسيرة يوم ذاهبا وجائيا، ورجوعه ليومه لا يجوز فيه التقصير لانقطاعه بقصد القرية. وبما عن شرح السنة للحسين بن مسعود: " من أن أمير المؤمنين (ع) خرج من الكوفة إلى النخيلة فصلى بالناس الظهر ركعتين ثم رجع من يومه " (* 2). فان نقل الرجوع من يومه امارة دخله في قصر الصلاة. وبما عن المقنع: " سئل أبو عبد الله (ع) عن رجل أتى سوقا يتسوق بها، وهي من منزله على أربع فراسخ. فان هو أتاها على الدابة أتاها في بعض يوم، وإن ركب السفن لم يأتها في يوم. قال (ع): يتم الراكب الذي يرجع من يومه صوما، ويقصر صاحب السفن " (* 3). بدعوى كون المعنى: يتم الراكب الذي لا يرجع من يومه إما بتقدير حرف النفي، أو بحمل الرجوع من يومه على إمكان الرجوع من يومه ولكن لم يرجع. لكن الجيمع - كما ترى - قاصر الدلالة على ذلك بنحو يعول عليه في إثبات الحكم الشرعي، فضلا عن قصور السند في بعضها. ومجرد الموافقة لفتوى المشهور غير كاف في الجبر، كما تكرر بيان وجهه في هذا الشرح.


(* 1) لاحظ صدره في الوسائل باب: 1 من ابواب المسافر حديث: 13، وذيله في باب: 8 من ابواب صلاة المسافر حديث: 4. (* 2) البحار ج 18 صفحة 686 الطبع القديم، كما في هامش جواهر الكلام الجزء: 14 صفحة 225 الطبع الحديث. (* 3) الوسائل باب: 3 من ابواب صلاة المسافر حديث: 13.

[ 13 ]

{ في يوم واحد (1)، أو في ليلة واحدة (2)، أو في الملفق منهما مع اتصال إيابه بذهابه وعدم قطعه بمبيت ليلة فصاعدا في الاثناء، بل إذا كان من قصده الذهاب والاياب ولو بعد تسعة أيام يجب عليه القصر. فالثمانية الملفقة كالممتدة في إيجاب القصر } وعلى هذا فالمتعين الاخذ بما هو المستفاد من النصوص الصحيحة الدالة على تعين القصر، وإن لم يرد الرجوع ليومه، الدالة باطلاقها أو بصريحها على ذلك كما أشرنا إليها من قبل. ومن ذلك يظهر ضعف ماعن المرتضى والحلي والفاضلين في بعض كتبهما: من تعين التمام على غير مريد الرجوع ليومه. كضعف ماعن المشهور: من التخيير له بين القصر والتمام. وماعن التهذيب والمبسوط وغيرهما: من التفصيل بين مريد الرجوع ليومه فيتخير بين القصر والتمام، وغيره فيتعين عليه التمام. وماعن المفيد وسلار ووالد الصدوق: من التخيير لمريد الرجوع لغير يومه في خصوص الصلاة، دون الصوم. وغير ذلك من الاقوال. لعدم الوضوح المستند لها في قبال ما عرفت، وإن كان يوافق الثاني الرضوي، قال فيه: " وإن سافرت إلى موضع مقدار أربع فراسخ، ولم ترد الرجوع من يومك، فأنت بالخيار فان شئت تممت، وإن شئت قصرت " (* 1). لكنه غير ثابت الحجية في نفسه، ولا يصلح للمعارضة لغيره مما سبق. ودعوى انجباره بفتوى المشهور. ووهن ما سبق بالاعراض عنه غير ثابتة، لما عرفت من عدم الانجبار بمجرد الفتوى، وعدم الوهن بمجرد المخالفة، لان بنائهم على الجمع بالتخيير فرع الاعتماد عليه لا القدح فيه. (1) كما هو الموجود في أكثر العبارات. (2) كما عن جماعة التصريح به، بل ظاهر السيد بحر العلوم أو صريحه


(* 1) مستدرك الوسائل باب: 3 من ابواب صلاة المسافر حديث: 2.

[ 14 ]

{ إلا إذا كان قاصدا للاقامة عشرة أيام في المقصد أو غيره، أو حصل أحد القواطع الاخر. فكما أنه إذا بات في أثناء الممتدة ليلة أو ليالي لا يضر في سفره فكذا في الملفقة، فيقصر ويفطر ولكن مع ذلك الجمع بين القصر والتمام، والصوم وقضائه في صورة عدم الرجوع ليومه أو ليلته أحوط. ولو كان من قصده الذهاب والاياب ولكن كان مترددا في الاقامة في الاثناء عشرة أيام وعدمها لم يقصر (1). كما أن المأر في الامتدادية أيضا كذلك. (مسألة 1): الفرسخ ثلاثة أميال (2). } دعوى الاجماع عليه، وإن كان مقتضى الجمود على ذيل موثق ابن مسلم المتقدم المشتمل على التعليل عدمه (* 1). إلا أن يستفاد من النصوص اعتبار اتصال السير عرفا. فتأمل. ومما ذكرنا يظهر حكم الملفق. (1) لعدم قصد السفر الواحد ثمانية فراسخ ولو ملفقة، نظير مالو قصد الاقامة على رأس الاربعة. إذ كما أن قصد الاقامة مناف لقصد السفر كذلك التردد فيها. وسيأتي التعرض له في الشرط الرابع. (2) بلا خلاف - كما عن المنتهى - وإجماعا، كما عن المعتبر والتذكرة والغرية والنجيبية والمفاتيح والكفاية. وعن جماعة: حكاية الاتفاق عليه. ويشهد به ما تقدم من صحيح الكاهلي (* 2)، وخبر عبد الرحمن بن الحجاج (* 3) وصحيح الشحام (* 4)، وما في موثق العيص عن أبي عبد الله (ع): " قال (ع) في التقصير: حده أربعة وعشرون ميلا " (* 5) بعد الجمع


(* 1) تقدم ذل في أوائل الكلام في هذا الشرط. (* 2)، (* 3)، (* 4) تقدم ذلك كله في الشرط الاول من شروط القصر. (* 5) الوسائل باب: 1 من ابواب صلاة المسافر حديث: 14.

[ 15 ]

{ والميل أربعة آلاف ذراع (1) بذراع اليد، الذي طوله أربع } بينها وبين غيرها، وغيرها. (1) كما هو المشهور. وعن المدارك والكفاية: أنه مما قطع به الاصحاب وعن غير واحد: أنه المشهور المعروف بين اللغويين، والفقهاء والعرف. وفي السرائر عن مروج الذهب للمسعودي أنه قال: " الميل أربعة آلاف ذراع بذراع الاسود، وهو الذراع الذي وضعه المأمون لذرع الثياب، ومساحة البناء، وقسمة المنازل، والذراع أربع وعشرون إصبعا ". وعن الازهري: أن الميل عند القدماء من أهل الهيئة ثلاثة آلاف ذراع، وعند المحدثين أربعة آلاف ذراع. والخلاف لفظي فانهم اتفقوا على أن مقداره ستة وتسعون ألف إصبع، والاصبع ست شعيرات بطن كل واحدة إلى ظهر الاخرى، ولكن القدماء يقولون: الذراع اثنتان وثلاثون إصبعا، والمحدثون: أربع وعشرون إصبعا. ونحوه ما في القاموس: " الميل قدر مد البصر. ومنار يبنى للمسافر، أو مسافة من الارض متراخية بلا حد أو مائة ألف إصبع إلا أربعة آلاف إصبع، أو ثلاثة أو أبعة آلاف ذراع بحسب اختلافهم في الفرسخ هل هو تسعة آلاف بذراع القدماء أو اثنى عشر ألف ذراع بذراع المحدثين ". وحكي التقدير بذلك عن نهاية ابن الاثير. وحينئذ يتعين حمل الاطلاق عليه. إذ لا مجال لحمله على مد البصر، ولا على ما يمتاز فيه الراجل والراكب، وإن عدا من معانية، لعدم انضباطهما. كما لا مجال لحمله على ما تفرد به في محكي تاج العروس: من أنه ستة آلاف ذراع. لندرته وغرابته. نعم في مرسل الخزاز: " إن كل ميل ثلاثة آلاف وخمس مائة ذراع " (* 1). لكن. مع إرساله وهجره بين الاصحاب لا مجال للاعتماد


(* 1) الوسائل باب: 2 من ابواب صلاة المسافر حديث: 13.

[ 16 ]

{ وعشرون إصبعا، كل إصبع عرض سبع شعيرات (1)، كل شعيرة عرض سبع شعرات، من أوسط شعر البرذون. (مسألة 2): لو نقصت المسافة عن ثمانية فراسخ ولو يسيرا لا يجوز القصر، فهي مبنية على التحقيق، لا المسامحة العرفية (2) نعم لا يضر اختلاف الاذرع المتوسطه في الجملة (3) كما هو الحال في جميع التحديدات الشرعية. } عليه. مع إمكان حمله على ذراع خاص يساوي سبعة أثمانه أربعا وعشرين إصبعا. وأولى بعدم إمكان الحمل عليه رواية الصدوق للمرسل المذكور هكذا: " كل ميل ألف وخمس مائة ذراع " (* 1). فان لازم ذلك أن يكون البريد ثمانية عشر ألف ذراع، التي هي فرسخ ونصف بالفرسخ المتعارف. وهو - كما ترى - مناف لكون البريدين مسيرة يوم، كما صرحت به النصوص. فلا معدل عما هو المشهور. (1) قيل: إنه المشهور. لكن تقدم في محكي كلام الازهري: أنه ست شعيرات. ولعل الحاجة غير ماسة إلى معرفة ذلك، لان الذراع المقدر بأربع وعشرين إصبعا هو الذراع المتعارف عند الاعراب اليوم، الذي هو من المرفق إلى طرف الاصبع الوسطى، فانه ست قبضات، أربع وعشرون إصبعا، فيكون المعيار منه المتعارف، كما هو الحال في سائر التحديدات، ولا تنتهي النوبة إلى تحديده بالاصبع، فضلا عن تحديد الاصبع والشعيرة. فلاحظ. وتأمل. (2) كما تقتضيه ظواهر الادلة في المقام وفي سائر موارد التحديد. (3) هذا ينافي ما تقدم من الضبط بالشعرة. وكيف كان فالعمل على أقل الاذرع المتوسطة.


(* 1) الوسائل باب: 2 من ابواب صلاة المسافر حديث: 16.

[ 17 ]

{ (مسألة 3): لو شك في كون مقصده مسافة شرعية أولا بقي على التمام على الاقوى (1)، } (1) كما عن غير واحد التصريح به، بل عن الجواهر نفي وجدان الخلاف فيه. لاصالة التمام، الراجعة إلى عموم مادل على وجوب التمام على كل مكلف، المقتصر الخروج عنه على المسافر، فان مقتضى الجمع العرفي بين العام والخاص كون موضوع حكم العام عنوان العام المسلوب عنه الخاص، فإذا أحرز عنوان العام بالوجدان. وسلب الخاص عنه بالاصل، كفى ذلك في ثبوت موضوع حكم العام تعبدا، فيثبت نفسه. نعم قد يشكل ذلك أولا: بمنع كون مقتضى الجمع العرفي ذلك، بل ليس موضوع حكم العام إلا الافراد الواقعية الباقية بعد التخصيص وهي مما لا يمكن إثباتها بالاصل. وثانيا: بأنه يتم لو لم يظهر من الادلة كون موضوع حكم العام عنوانا وجوديا، والمقام من الثاني، فان المصرح به في بعض النصوص كون موضوع التمام الحاضر أو المقيم، فلاحظ صحيح زرارة المتقدم فيما يقصر من الصلاة (* 1). وحينئذ فاثبات وجود التمام بأصالة عدم السفر الخاص مبني على صلاحية إثباته عنوان الحاضر، وهو مبني على القول بالاصل المثبت. ويندفع الاول: بأنه وإن كان قريبا، لكن دعوى كون مقتضى الجمع العرفي ذلك أقرب. ويندفع الثاني: بأن ذكر ذلك في النصوص ليس من باب التقييد، فانه خلاف ظاهر أكثر النصوص جدا. وشهد به عدم اختصاص التمام بالمقيم والحاضر قطعا، بل يثبت لكثير من أفراد المسافر ككثير السفر، والعاصي، والمتمادي به السير من دون قصد له، والمتردد، وغيرهم. فليس موضوع وجود التمام إلا من لم يكن مسافرا سفرا خاصا. فيمكن إثباته بأصالة عدم كون المكلف مسافرا ذلك السفر الخاص. والعلم بوجود السفر


تقدم ذلك في أول هذا التفصل.

[ 18 ]

{ بل وكذا لو ظن كونها مسافة (1). (مسألة 4): تثبت المسافة بالعلم الحاصل من الاختبار وبالشياع المفيد للعلم (2)، وبالبينة الشرعية (3). } في الجملة لا يقدح في جريان أصالة عدم السفر الخاص، لان العلم بذات المقيد لا ينافي الشك في وجود المقيد بما هو مقيد، فلا مانع من جريان الاصل فيه. ولاجل ذلك كان بناء الفقهاء (رض) على الرجوع إلى أصالة التمام عند الشك في جواز القصر من جهة الشبهة الحكمية لوجوب الرجوع إلى العام عند الشك في التخصيص. وأما استصحاب الحضر فان أريد منه استصحاب الحضر بالمعنى العرفي اختص جريانه بصورة الشك في الخروج من البلد بنحو الشبهة الموضوعية. أما إذا كان بنحو الشبهة المفهومية فلا يجري، لما عرفت مرارا: من عدم جريان استصحاب المفهوم المردد. وأما إذا كان بمعنى ما يقابل السفر الشرعي فمرجعه إلى أصالة عدم السفر. ثم إنه قد يتوهم: أنه في فرض المسألة يجوز الرجوع إلى إطلاق وجوب القصر على المسافر للعلم بصدق السفر. وفيه: أن الاطلاق المذكور بعد ما قيد بأدلة اعتبار المسافة لا يجوز الرجوع إليه عند الشك في وجود قيده (1) لعدم الدليل على حجية مطلق الظن في الاحكام، فضلا عن الموضوعات. واحتمل في الروض الاكتفاء بالظن القوي، لانه مناط العمل في كثير من العبادات. وهو كما ترى. (2) كان الاولى الاقتصار على ذكر الشياع بلا قيد، ليكون معطوفا على الاختبار. (3) بناء على عموم حجيتها، كما قربناه في مبحث المياه من هذا الشرح (* 1).


(* 1) راجع الجزء الاول المسألة: 6 من فصل ماء البئر.

[ 19 ]

{ وفي ثبوتها بالعدل الواحد إشكال (1)، فلا يترك الاحتياط بالجمع. (مسألة 5): الاقوى عند الشك وجوب الاختبار أو السؤال (2) لتحصيل البينة، أو الشياع المفيد للعلم، إلا إذا كان مستلزما للحرج. (مسألة 6): إذا تعارض البينتان فالاقوى سقوطهما (3) } (1) وعن الذكرى والروض: احتماله، لقرب دعوى بناء العقلاء على حجيته مطلقا، بل حجية مطلق خبر الثقة. لكن لو تمت دلالة رواية مسعدة (* 1) على عموم حجية البينة كانت رادعة عن هذا البناء، فلا مجال للتعويل عليه. (2) كما في الجواهر وغيرها، لقاعدة الامتثال، وعدم الدليل على معذورية العامل بالاصول النافية قبل الفحص في المقام. وفيه: أن قاعدة الامتثال لا مجال لها مع الاصل المؤمن من الخطر. ودليل الاصل كاف في إثبات العذر، كما في سائر موارد الشبهات الموضوعية. وما دل على وجوب تعلم الاحكام من الاجماع وغيره - غير شامل للمقام. نعم يمكن أن يقال: إنه يلزم من العمل بالاصل في المقام المخالفة القطعية الكثيرة، المعلوم عدم جوازها شرعا، المستكشف منه وجوب الاحتياط ولكن لزوم ذلك أول الكلام، بل ممنوع جدا، لقلة الابتلاء بموارد الشك فتأمل. مع أنه لا يصلح لاستكشاف وجوب الاختبار ونحوه من أسباب العلم وإنما يقتضي وجوب الاحتياط مع عدمه. نعم لو بني على وجوب الجزم بالنية كان ما ذكر في محله. لكن تقدم ضعفه. (3) لاصالة التساقط في الامارات المتعارضة، كما تحقق ذلك في الاصول. وعن المحقق تقديم بينة الاثبات، لان شهادة النفي غير مسموعة. وفيه:


(* 1) الوسائل باب: 4 من ابواب ما يكتسب به حديث: 4

[ 20 ]

{ ووجوب التمام (1)، وإن كان الاحوط الجمع. (مسألة 7): إذا شك في مقدار المسافة شرعا (2) وجب عليه الاحتياط بالجمع، إلا إذا كان مجتهدا، وكان ذلك بعد الفحص عن حكمه، فان الاصل هو التمام. (مسألة 8): إذا كان شاكا في المسافة ومع ذلك قصر لم يجز بل وجب عليه الاعادة تماما (3). نعم لو ظهر بعد } أن عموم حجية الشهادة لا يفرق فيه بين النفي وإلاثبات ولو كان المستند في الاول الاصل، فضلا عما لو كان المستند فيه الحس. اللهم إلا أن يقال: إذا كان المستند للنفي الاصل ترجح بينة الاثبات لانها حاكمة على الاصل الذي هو مستند بينة النفي، فإذا سقط الاصل سقطت بينة النفي، لبطلان مستندها، كما تقدم ذلك في مباحث أحكام النجاسات. (1) لاصالة التمام المشاره إليها سابقا. (2) يعني: بنحو الشبهة الحكمية. والوجه في وجوب الاحتياط مع ما عرفت من أصالة التمام: هو ما تحرر في محله من وجوب الفحص، وعدم جواز الرجوع إلى الاصول اللفظية في الشبهات الحكمية قبل الفحص عن الحجة، فيجب على العامي الرجوع إلى المجتهد، وعلى المجتهد الرجوع إلى الادلة، وقبل ذلك يجب الاحتياط عقلا الذي هو مفاد قاعدة الاشتغال. نعم يجوز للمجتهد - بعد الفحص عما يوجب القصر وعدم عثوره عليه الرجوع إلى أصالة التمام. أما العامي فليس له الرجوع إليها، لانه وظيفة المجهتد، لقدرته على الفحص. وعجز العامي عنه. نعم لو شك بنحو الشبهة الموضوعية رجع إليها، لانها وظيفته حينئذ بمقتضى فتوى مجتهده، وعدم اشتراط جواز الرجوع إليها بالفحص. (3) لاصالة التمام المقتضية لوجوب التمام. ومع الغض عن ذلك فمقتضى

[ 21 ]

{ ذلك كونه مسافة أجزأ (1)، إذا حصل منه قصد القربة مع الشك المفروض (2). ومع ذلك الاحوط الاعادة أيضا. (مسألة 9): لو اعتقد كونه مسافة فقصر ثم ظهر عدمها وجبت الاعادة (3). وكذا لو اعتقد عدم كونه مسافة فأتم، ثم ظهر كونه مسافة، فانه يجب عليه الاعادة (4). (مسألة 10): لو شك في كونه مسافة أو اعتقد العدم ثم بان في أثناء السير كونه مسافة يقصر وإن لم يكن الباقي مسافة (5). (مسألة 11): إذا قصد الصبي مسافة ثم بلغ في الاثناء وجب عليه القصر (6) وإن لم يكن الباقي مسافة. وكذا يقصر } قاعدة الاشتغال عدم الاكتفاء بالقصر المأتي به، للشك في الامتثال به. (1) كما في الجواهر وغيرها. لمطابقة العمل للواقع، الموجبة للاجزاء (2) لاريب في إمكان حصوله، لما عرفت من عدم اعتبار الجزم بالنية (3) لعدم الدليل على الاجزاء بموافقة الامر الظاهري، فضلا عن الامر الخيالي الخطئي. (4) لما عرفت. وعن المدارك والروض: الاجزاء، لقاعدة الاجزاء وفيه: ما عرفت. (5) كما في الجواهر وغيرها، بل لا ينبغي الخلاف فيه، لتحقق الموضوع واقعا فيتبعه حكمه. واحتمال اعتبار العلم بالمسافة في وجوب القصر - كما عن الروض - ضعيف كما اعترف به هو، إذ هو خلاف إطلاق الادلة. ودعوى: أن ظاهر أدلة اعتبار القصد لزوم قصد الثمانية فراسخ، الموقوف على العلم بها ممنوعة، بل الظاهر منها قصد السفر في مسافة هي في الواقع ثمانية. (6) كما عن الروض. لعموم أدلة القصد، الشامل لقصد الصبي.

[ 22 ]

{ إذا أراد التطوع بالصلاة مع عدم بلوغه. والمجنون الذي يحصل منه القصد إذا قصد مسافة ثم أفاق في الاثناء يقصر. وأما إذا كان بحيث لا يحصل منه القصد فالمدار بلوغ المسافة من حين إفاقته. (مسألة 12): لو تردد في أقل من أربعة فراسخ ذاهبا وجائيا مرات حتى بلغ المجموع ثمانية لم يقصر (1)، ففي التلفيق لابد أن يكون المجموع من ذهاب واحد وإياب واحد ثمانية. (مسألة 13): لو كان لبلد طريقان والابعد منهما مسافة، فان سلك الابعد قصر (2)، وإن سلك الاقرب لم } وفي الجواهر: " فيه إشكال ". وكأنه لما دل على أن عمد الصبي خطأ (* 1). وفيه مع اختصاص ذلك بالجنايات، كما يظهر من ملاحظة النصوص الدالة عليه -: أن القصد المعتبر في المقام أعم من الالتفات، وإن لم يكن موجبا لارادة السفر، كما سيأتي في الاسير في أيدي المشركين، وهذا المعنى مما لا مجال للاشكال في حصوله للصبي. مع أن لازم الاشكال المذكور عدم إمكانه تطوعه بالقصر في السفر وبطلانه على القول بكون عباداته شرعية، وأنه لابد من تطوعه بالتمام، ولا يظن الالتزام به من أحد. وأضعف من ذلك: ماعن بعض: من اعتبار قصد وليه وجودا وعدما، فانه خال عن السند. (1) تقدم الكلام فيه في مسألة اختلاف الذهاب والاياب. (2) إجماعا، كما عن جماعة، ولم ينسب الخلاف فيه إلا إلى القاضي وعلل بالشك في شمول الادلة لمثله، واحتمال كونه من سفر اللهو، لان


(* 1) الوسائل باب: 11 من ابواب العاقلة حديث: 3.

[ 23 ]

{ يقصر، إلا إذا كان أربعة أو أقل وأراد الرجوع من الابعد (1). (مسألة 14): في المسافة المستديرة (2) الذهاب فيها } قطع الزيادة لا لداع، كقطع تمام المسافة كذلك، وللشك في صدق المسافر عليه. لكن الجميع كما ترى، فان إطلاق الادلة محكم، وصدق المسافر عليه قطعي. وكونه من اللهو المانع عن القصر ممنوع. مع أنه قد يكون لداع عقلائي، كالفرار من الصوم لاحتمال مرض، أو كون يومه عيدا، أو لمشقة أو نحو ذلك من الاغراض الصحيحة العقلائية. (1) بناء على ما تقدم من الاكتفاء بمطلق التلفيق. (2) حكى في مفتاح الكرامة عن مصابيح استاذه الوحيد (ره) ما يوهم عدم اعتبار المسافة المستديرة، قال في المصابيح: " أما السفر فلا شك في أنه لغة وعرفا أن يطوي المسافة بعنوان امتداد ذهابي يذهب ويغيب عن الوطن فلابد من قيدين: أحدهما: الابعاد عن الوطن، فلو كان المسافر يمشي ويدور في البلد أو يدور حوله، لا يكون مسافرا... " ثم حكي عن الصيمري في كشف الالتباس: أن الاستقامة والاستدارة لامدخل لهما في تحديد المسافة لاطلاق الفتاوى والروايات...، ثم استظهر من الشهيد الثاني في نفائح الافكار: أنه لاكلام فيه. وجعل الاصرح في الدلالة على ذلك ماعن جماعة الاجماع عليه: من أنه لو كان للبلد طريقان أقرب وأبعد، فسلك الابعد قصر، ولايكون ذلك إلا مع الاستدارة، ولا قائل بالفصل بين أفراد الاستدارة... الى إخر ما ذكر. أقول: المسافة المستديرة تارة: تفرض مستديرة على البلد، وأخرى: في جانب منها، بحيث يلاصق البلد نقطة منها، فتكون مع البلد شبه الدائرتين المتلاصقتين. أما الثانية فلا ينبغي التأمل في كونها موضوعا للقصر، لاطلاق النصوص والفتاوى، وصدق السفر معها. ويشهد به ما ذكروه في البلد الذي له طريقان. وأما الاولى فدعوى انصراف النصوص عنها بل الفتوى

[ 24 ]

{ الوصول الى المقصد والاياب منه الى البلد (1). وعلى المختار: يكفي كون المجموع مسافة مطلقا، وإن لم يكن الى المقصد أربعة. وعلى القول الآخر: يعتبر أن يكون من مبدأ السير إليه أربعة مع كون المجموع بقدر المسافة. (مسألة 15): مبدأ حساب المسافة سور البلد (2)، } قريبة جدا. بل الظاهر عدم صدق السفر ذاهبا وآيبا بريدين في بعض صورها فالبناء على التمام معها عملا بأصالة التمام في محله. والظاهر أنها مورد كلام الوحيد (ره) فلاحظ. (1) لا يخلو من إلاشكال، لان المعيار في الذهاب التباعد عن مبدأ السير وهو موجود فيما بين المقصد والنقطة المقابلة لمبدأ السير، فلا يصدق الشروع في الاياب. إلا مع التجاوز عن تلك النقطة. نعم قد يستعمل الاياب بمجرد الخروج عن المقصد مسامحة بلحاظ مقصدة الاصلي وهو البلد. لكنه لا عبرة به (2) كما نسب إلى غير واحد لكونه المتبادر من إطلاق النص والفتوى كما قيل. ويشهد له صحيح زرارة: " سافر رسول الله صلى الله عليه وآله إلى ذي خشب، وهي مسيرة يوم من المدينة يكون إليها بريدان، أربعة وعشرين ميلا، فقصر، وأفطر... " (* 1). وفي الكفاية: " انه لا يبعد أن يكون مبدأ التقدير مبدأ سيره بقصد السفر ". وكأنه لان ظاهر نصوص التقدير كونها ملحوظة مما بين المكلف والمقصد. وتشير إليه النصوص المتضمنة لذكر المنزل، مثل خبر المروزي: " فإذا خرج الرجل من منزله يريد اثني عشر


(* 1) المراد به - ظاهرا - هو صحيح زرارة ومحمد بن مسلم المذكور في الفقيه ج 1 صفحة 278 الطبع الحديث. وقد نقله الوسائل عنه غير مسند في باب: من ابواب صلاة المسافر حديث: 44 ونقل بعضا من الرواية عن الفقيه مسندا في باب: 17 من ابواب صلاة المسافر ملحق حديث: 44 وبعضا آخر كذلك في باب: 22 من الابواب المذكورة.

[ 25 ]

{ أو آخر البيوت فيما لاسور فيه في البلدان الصغار والمتوسطات } ميلا - وذلك أربعة فراسخ - ثم بلغ فرسخين ونيته الرجوع أو فرسخين آخرين قصر " (* 1)، وخبر صفوان: " لا يقصر ولا يفطر، لانه خرج من منزله وليس يريد السفر ثمانية فراسخ " (* 2)، ومرسل ابن بكير: " إن كان بينه وبين منزله أو ضيعته التي يؤم بريدان قصر " (* 3)، وموثق عمار: " لا يكون مسافرا حتى يسير من منزله أو قريته ثمانية فراسخ " (* 4). لكن مبدأ السير لا ينطبق على المنزل دائما، إذ قد يكون من نقطة معينة في المنزل. نعم قد تنطبق النصوص على ماعن ابن بابويه: " من أن مبدأها جدران البيت " لكن - مع احتمال أن يكون المراد من المنزل ما هو أوسع من البيت لا يناسب عطف الضيعة والقرية عليه في الخبرين الاخيرين. وحمله على التخيير بين الاقل والاكثر ممتنع. بل الظاهر منها أن المبدأ المنزل، حيث لا يكون في قرية أو ضيعة، ومنهما حيث يكون فيهما. ومنه يظهر الاشكال فيما تقدم عن الكفاية، فانه وإن سلم أنه مقتضى الاطلاق، إلا أنه يجب رفع اليد عنه لهذه النصوص. وأما الاول الذي ذكر في المتن، فهو وإن كان يساعده الصحيح وغيره مما تقدم، لكنه عليه يشكل البناء على اعتبار المحلة في البلاد المتسعة جدا، لعدم الوجه الظاهر. والبناء على كون فهم البلد من النصوص بعناية التقدير، فيرجع إلى مقدارها في الكبيرة، وهو المراد من المحلة، نظير ما ذكر في تحديد الوجه: من رجوع غير مستوي الخلقة إليه مندفع - مضافا إلى


(* 1) الوسائل باب: 2 من ابواب صلاة المسافر حديث: 4. (* 2) الوسائل باب: 4 من ابواب صلاة المسافر حديث: 1. (* 3) الوسائل باب: 14 من ابواب صلاة المسافر حديث: 3. (* 4) الوسائل باب: 4 من ابواب صلاة المسافر حديث: 3.

[ 26 ]

{ وآخر المحلة في البلدان الكبار الخارقة للعادة. والاحوط - مع عدم بلوغ المسافة من آخر البلدان - الجمع (1)، وإن كانت مسافة إذا لوحظ آخر المحلة. الشرط الثاني: قصد قطع المسافة من حين الخروج (2) فلو قصد أقل منها، وبعد الوصول إلى المقصد قصد مقدارا آخر يكون مع الاول مسافة لم يقصر. نعم لو كان ذلك } أنه لا منشأ لفهم التقدير، وأنه ليس هناك بلد متعارف المقدار، ليكون ملحوظا في مقام التقدير، لاختلاف البلدان جدا في الصغر والكبر بأن ذلك يوجب رجوع الافراط والتفريط في الكبر والصغر إلى ذلك الوسط وكذا من نوى السفر وهو في البيداء، ولا وجه لاختصاص الرجوع إليه بالكبيرة جدا. فالاولى أن يقال: إن ظاهر الادلة اعتبار صدق السفر في تمام المسافة، فيكون مبدأ المسافة أول حركة يصدق عليها السفر. ولاجل ذلك حصل الاختلاف، فان من كان في البيداء يصدق السفر على أول خطوة يخطوها، ومن كان في القرية أو البلد لا يصدق عليه أنه مسافر إلا بالخروج عنهما، ومن كان في البلاد الكبيرة جدا يصدق عليه المسافر إذا بعد عن أهله ووصل إلى موضع لا يحسب أنه من أهله، والمسألة محتاجة إلى التأمل. (1) لاحتمال اعتبار سور البلد في مبدأ المسافة مطلقا. (2) إجماعا بقسميه، كما في الجواهر وغيرها. ويدل عليه موثق عمار عن أبي عبد الله (ع): " عن الرجل يخرج في حاجة، فيسير خمسة أو ستة فراسخ فيأتي قرية فينزل فيها، ثم يخرج منها فيسير خمسة فراسخ أخرى أو ستة لا يجوز ذلك ثم ينزل في ذلك الموضع. قال (ع): لا يكون

[ 27 ]

مسافرا حتى يسير من منزله أو قريته ثمانية فراسخ، فليتم الصلاة " (* 1). فان الظاهر منه بقرينة السؤال اعتبار إرادة السير ثمانية، والمرسل عن صفوان - فيمن خرج من بغداد يلحق رجلا حتى بلغ النهروان: " قال (عليه السلام): لا يقصر، ولا يفطر، لانه خرج من منزله وليس يريد السفر ثمانية فراسخ، إنما خرج يريد أن يلحق صاحبه في بعض الطريق فتمادى به السير إلى الموضع الذي بلغه... " (* 2). بل في كلام غير واحد الاستدلال عليه: بما دل على تحديد المسافة بضميمة الاجماع والنصوص على جواز التقصير عند بلوغ حد الترخص، فإذا لم يكن طيها معتبرا في التقصير تعين أن يكون المعتبر قصدها لا غير، ومن هنا لم تذكر المسافة في القواعد شرطا في قبال القصد وإنما ذكر قصد المسافة المحدودة لا غير. اللهم إلى أن يقال: طي المسافة معتبر في وجوب التقصير بنحو الشرط المتأخر، كما يظهر من صحيح أبي ولاد، المتضمن لاعادة الصلاة التي صلاها قصرا إذا بدا له الرجوع قبل بلوغ المسافة (* 3). ولاسيما بملاحظة التعليل فيه. فلاحظ. فالعمدة إذا: الاجماع، والنصوص المذكورة الدالة على اعتبار القصد. وأما اعتبار طي المسافة معه بنحو الشرط المتأخر، فهو وإن كان ظاهر نصوص المسافة، وصحيح أبي ولاد - ونحوه خبر المروزي - (* 4) لكن يجب رفع اليد عنهما بالتأويل أو الطرح لاعراض المشهور عنهما، ومعارضتهما بصحيح زرارة الدال على صحة الصلاة (* 5). وسيأتي التعرض لذلك إن شاء الله.


(* 1)، (* 2) تقدم ذكرهما في المسألة: 15. (* 3) الوسائل باب: 5 من ابواب صلاة المسافر حديث: 1. (* 4) تقدم في المسألة: 15 من هذا الفصل. (* 5) الوسائل باب: 23 من ابواب صلاة المسافر حديث: 1.

[ 28 ]

{ المقدار مع ضم العود مسافة قصر من ذلك الوقت (1)، بشرط أن يكون عازما على العود (2). وكذا لا يقصر من لا يدري أي مقدار يقطع، كما لو طلب عبدا آبقا، أو بعيرا شاردا، أو قصد الصيد ولم يدر أنه يقطع مسافة أولا. نعم يقصر في العود إذا كان مسافة، بل في الذهاب إذا كان مع العود بقدر المسافة وإن لم يكن أربعة (3)، كأن يقصد في الاثناء أن يذهب ثلاثة فراسخ، والمفروض أن العود يكون خمسة أو أزيد. وكذا لا يقصر لو خرج ينتظر رفقة إن تيسروا سافر معهم وإلا فلا (4)، أو علق سفره على حصول مطلب في الاثناء قبل بلوغ الاربعة إن حصل يسافر وإلا فلا (5). نعم } وأما موثق عمار: " قال سألت أبا عبد الله (ع) عن الرجل يخرج في حاجة له وهو لا يريد السفر، فيمضي في ذلك، فتمادى به المضي حتى يمضي به ثمانية فراسخ، كيف يصنع في صلاته؟ قال (ع): يقصر، ولا يتم الصلاة حتى يرجع إلى منزله " (* 1) فمحمول - كما قيل - على التقصير في الرجوع، أو مطروح في قبال ما عرفت. (1) يعني: وقت سيره الثاني. (2) ليكون من الثمانية الملفقة. (3) على ما سبق من المصنف (ره) من الاكتفاء بمطلق التلفيق. (4) كما نص عليه الاصحاب لما سبق. (5) لظهور الادلة المتقدمة في القصد المنجز المطلق، وهو منتف، بخلاف الفرض الآتي.


(* 1) الوسائل باب: 4 من ابواب صلاة المسافر حديث: 2.

[ 29 ]

{ لو اطمأن بتيسر الرفقة، أو حصول المطلب بحيث يتحقق معه العزم على المسافة، قصر بخروجه عن محل الترخص. (مسألة 16): مع قصد المسافة لا يعتبر اتصال السير (1) فيقصر وإن كان من قصده أن يقطع الثمانية في أيام، وإن كان ذلك اختيارا، لا لضرورة، من عدو، أو برد، أو انتظار رفيق، أو نحو ذلك. نعم لو كان بحيث لا يصدق عليه اسم السفر لم يقصر (2)، كما إذا قطع في كل يوم شيئا يسيرا جدا للتنزه (3) أو نحوه. والاحوط في هذه الصورة أيضا الجمع. (مسألة 17): لا يعتبر في قصد المسافة أن يكون مستقلا بل يكفي ولو كان من جهة التبعية للغير (4). لوجوب الطاعة - كالزوجة، والعبد - أو قهرا - كالاسير (5)، } (1) بلا خلاف ظاهر، لاطلاق الادلة. وقد تشهد به: مكاتبة عمرو بن سعيد المتقدمة في الثمانية الامتدادية (* 1). وذكر العشرة لانها غاية العدد في الغالب. فتأمل. (2) لظهور النصوص في اعتبار السفر، كما صرح به في جملة منها. (3) كما في الجواهر، لكن في منع صدق السفر في الفرض تأملا. نعم هو من الافراد غير المتعارفة، ومثله لا يقدح في الاطلاق، وإلا وجب تقييده بالمتعارف سرعة أيضا. وهكذا سائر الخصوصيات غير المتعارفة. فلاحظ. (4) كما صرح به جماعة كثيرة. لاطلاق النص والفتوى. (5) الاسير إن كان له قصد فهو من المكره، وإلا فهو من المجبور الذي لااختيار له. وسيأتي حكمه.


(* 1) تقدم ذكره في أول الشرط الاول.

[ 30 ]

{ والمكره ونحوهما - أو اختيارا - كالخادم ونحوه - بشرط العلم بكون قصد المتبوع مسافة (1)، فلو لم يعلم بذلك بقي على التمام (2). ويجب الاستخبار مع الامكان (3). نعم في وجوب } (1) كما عن الذكرى والروض ومجمع البرهان وغيرها. ليتحقق للتابع قصدها، المعتبر في جواز القصر. وما عن الدروس وغيرها: من أنه يكفي قصد المتبوع عن قصد التابع، على ظاهره غير ظاهر الوجه، لمنافاته لما دل على اعتبار القصد. (2) لما تقدم: من أصالة التمام، المعول عليها عند الشك في المسافة. ودعوى: أن تعليل التابع قصده بمقصد المتبوع كاف في تحقق قصد المسافة، إذا كان مقصد المتبوع مسافة واقعا. مندفعة: بأن الظاهر من الادلة: اعتبار قصد المساحة المخصوصة، وعدم كفاية قصد عنوان مردد بين مساحات مختلفة. ولذا يتم طالب الضالة وإن علم أن ضالته في مكان معين في الواقع، إذا كان ذلك المكان مرددا في نظره بين رأس فرسخ ورأس ثمانية، كما إذا خرج من النجف جاهلا أن دابته مربوطة في الكوفة أو في الحلة. (3) أقول: لا ينبغي التأمل في أن المقام ليس من صغريات وجوب الفحص في الشبهات الحكمية والموضوعية، ليبنى فيه على قاعدة وجوب. الفحص، بناء على عموم أدلتها لكن شبهة إلا ما خرج. حيث أن الوجوب هناك على تقديره إرشادي، كما حقق في محله. ولذا لا يترتب على مخالفته من حيث هي عقاب، وإنما يكون العقاب على مخالفة الواقع. ولاجل ذلك يأمن من العقاب بفعل الواقع المحتمل، ومنه: ما تقدم في المسألة الخامسة، حيث يمكن الاحتياط بفعل القصر والتمام معا، ويأمن بذلك من العقاب. والوجوب هنا على تقديره نفسي، إذ مع عدم الاختبار يعلم بوجوب التمام، وعدم وجوب القصر، لعدم القصد المعتبر فيه، فلا مجال للاحتياط بفعل

[ 31 ]

{ الاخبار على المتبوع إشكال، وإن كان الظاهر عدم الوجوب (1) (مسألة 18): إذا علم التابع بمفارقة المتبوع قبل بلوغ المسافة ولو ملفقة بقي على التمام (2)، بل لو ظن ذلك فكذلك (3). نعم لو شك في ذلك فالظاهر القصر. خصوصا لو ظن العدم لكن الاحوط في صورة الظن بالمفارقة والشك فيها الجمع. } القصر والتمام، وإنما الاحتياط بفعل الاختبار، لاحتمال وجوبه تعبدا. ولاجل ذلك لا ينبغي التأمل في جريان أصل البراءة فيه، الجاري في سائر موارد الشبهات الوجوبية الكلية. ولا وجه للبناء على وجوبه - كما في المتن وغيره - أو التردد فيه، كما في الجواهر، حيث جعل فيه وجهين، مقتضى الاصل العدم. ونحوه غيره. لكن الظاهر أن الوجه في حكم المصنف (ره) بالوجوب: بناؤه على أنه من موارد وجوب الفحص في الشبهة الموضوعية، كما يتضح ذلك مما يذكره في المسألة العشرين. وفيه: ما سيأتي. ونظير المقام: ما لو أمكنه العلم بموضع دابته الضالة أو عبده الآبق، فانه لا يجب الاستخبار أيضا. (1) للاصل المتقدم فيما قبله. (2) لانتفاء القصد المعتبر في القصر. (3) الظاهر أن المفروض في هذه المسألة صورة إحراز المقتضي للتبعية وكون المفارقة على تقدير وقوعها لوجوب المانع من دوام السفر أو انتفاء شرطه. بخلاف المسألة الآتية، فان احتمال المفارقة فيها لاحتمال زوال مقتضي التبعية. وكيف كان فان كان احتمال المفارقة ناشئا من احتمال طروء المانع، أو فقد الشرط، فكون الظن به مانعا من تحقق القصد إلى السفر كلية غير ظاهر، بل لا يبعد حصول القصد إذا كان الداعي له مزيد أهمية.

[ 32 ]

{ (مسألة 19): إذا كان التابع عازما على المفارقة مهما أمكنه، أو معلقا لها على حصول أمر، كالعتق أو الطلاق ونحوهما، فمع العلم بعدم الامكان وعدم حصول المعلق عليه يقصر (1). وأما من ظنه فالاحوط الجمع وإن كان الظاهر التمام. بل وكذا مع الاحتمال، إلا إذا كان بعيدا غايته بحيث } ومن ذلك يظهر الحال في صورة الشك في المفارقة، والظن بعدمها. بل الظاهر عدم منافاتهما للقصد، فيجب القصر معهما. (1) لتحقق القصد إلى المسافة تبعا، غير المنافي له القصد إلى المفارقة، المعلق على أمر غير حاصل باعتقاده. نعم مع الظن بالحصول أو احتماله يكون القصد إلى المسافة تعليقيا لاتنجيزيا، فلا مجال لاقتضائه القصر، لما عرفت: من ظهور النصوص والفتاوى في اعتبار القصد التنجيزي في وجوبه وهو مفقود. وإن حكي عن جماعة: القصر في المقام، بل يظهر من محكي المنتهى - حيث اقتصر في نقل القول بالتمام على قول الشافعي الاتفاق عليه منا، بل ظاهر رده على الشافعي - بالنقض بالعبد والمرأة - الاتفاق على القصر فيهما حتى من العامة. لكن عن نهاية الاحكام: الجزم بالتمام، معللا بانتفاء القصد. وفي محكي الذكرى: التفصيل بين ظهور أمارة التمكن من المفارقة فالتمام، وعدمه فالقصر، للبناء على بقاء الاستيلاء، وعدم رفعه بالاحتمال البعيد. وكأنه يريد من الاحتمال البعيد ما يقابل الظن بالحصول، بقرينة المقابلة. وقد عرفت إشكاله. ويحتمل أن يريد ما في المتن: من التفصيل بين احتمال حصول التمكن بعيدا فالقصر، وغيره فالتمام. ولا بأس به حينئذ، لكون المفهوم من النص ما يعمه. وإن كان لا يخلو من تأمل.

[ 33 ]

{ لا ينافي صدق قصد المسافة، ومع ذلك أيضا لا يترك الاحتياط. (مسألة 20): إذا اعتقد التابع أن متبوعه لم يقصد المسافة، أو شك في ذلك، وفي الاثناء علم أنه قاصد لها، فالظاهر وجوب القصر عليه، وإن لم يكن الباقي مسافة. لانه إذا قصد ما قصده متبوعه فقد قصد المسافة واقعا (1). فهو كما لو قصد بلدا معينا واعتقد عدم بلوغه مسافة، فبان في الاثناء أنه مسافة. ومع ذلك فالاحوط الجمع. (مسألة 21): لا إشكال في وجوب القصر إذا كان مكرها على السفر أو مجبورا عليه (2). وأما إذا أركب على } (1) قد عرفت الاشكال في ذيل المسألة السابعة عشرة، وأن تردد المقصد بين مسافات مختلفة مانع من وجوب التقصير، كتردد مكان الضالة بين بلاد كثيرة مختلفة بالقرب والبعد. نعم لا يقدح تردد المسافة المعينة بين أن تكون ثمانية فراسخ أو دونها في وجوب التقصير واقعا، كالخارج من النجف قاصدا الحلة مع تردده في كون المسافة بينهما تبلغ ثمانية فراسخ. والفرق بين تردد العنوان وتردد المعنون ظاهر. (2) الجبر يقابل الاختيار، فالمجبور لا اختيار له ولاقصد، فلا ينبغي الحاقه بالمكره الحاصل له القصد، بل ينبغي الحاقه بما بعده في الاشكال، من جهة فقد القصد المعتبر في السفر الموجب للقصر. ومجرد أن له حركة سيرية غير اختيارية - كالاسير الذي يسحب قهرا - غير كاف في الالحاق بالمكره، لاشتراكهما في عدم القصد. ولعله يريد من المجبور الاسير الذي يقاد فيمشي تبعا لقائده. لكنه حينئذ يكون من المكره لحصول القصد منه الى السير، وإن كان الداعي له إليه الخوف.

[ 34 ]

{ الدابة، أو ألقي في السفينة من دون اختياره، بأن لم يكن له حركة سيرية، ففي وجوب القصر ولو مع العلم بالايصال إلى المسافة إشكال (1)، وإن كان لا يخلو عن قوة. } (1) قال في المستند: " قد يختلج بالبال فيه الاشكال، إذ القصد إنما يكون على العمل، ولا يصدر منه عمل حتى يكون قاصدا له. ولعدم شمول كثير من أخبار القصر لمثله، وعدم تبادره من شئ من أخباره، وإجمال نحو قوله (ع): (التقصير في بريدين) لاحتمال إرادة قصد بريدين أو سيره، ومثل ذلك لا يقصد ولا يسير. إلا أن الظاهر الاجماع على وجوب القصر عليه. ويمكن الاستدلال له بقوله تعالى: (فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر..) (* 1) فان ذلك كائن في السفر وان لم يكن مقصودا له، ولا معارض له، فيجب التقصير أيضا. وفيه: أنه إن بني على الغض عمادل على اعتبار القصد في القصر، فلا وجه للمناقشة في إطلاق الادلة بما ذكر، وإن بني على النظر إليها، فلا وجه لدعوى الاجماع على القصر، ولا للاستدلال عيه باطلاق الآية. إذ دعوى الاجماع خلاف ما صرحوا به من اعتبار القصد. وإطلاق الآية مقيد بما دل على اعتباره، كما لا يخفى. ومثله: دعوى كون المراد من القصد في كلماتهم أعم من العلم، فانها خلاف الظاهر. والاستشهاد له بتصريحهم بوجوب القصر على الاسير في أيدي المشركين غير ظاهر، فانه أعم من ذلك، إذ الاسير في الغالب يكون مكرها، لا مجبورا، كما هو محل الكلام، ولا إطلاق في كلامهم يشمله، لانه وارد في مقام حكم التابع من حيث أنه تابع. فالعمدة في وجوب القصر. ما في رواية اسحاق بن عمار، الواردة في


(* 1) البقرة: 184.

[ 35 ]

{ الثالث: استمرار قصد المسافة (1)، فلو عدل عنه } قوم خرجوا في سفر وتخلف منهم واحد، قال (ع): " بلى إنما قصروا في ذلك الموضع لانهم لم يشكوا في مسيرهم وأن السير يجد بهم... " (* 1) فانه يدل على أن تمام موضوع التقصير هو العلم بالسفر ثمانية فراسخ. لكن سند الحديث لا يخلو من إشكال. (1) نسبه في الحدائق الى الاصحاب أولا، وادعى اتفاقهم عليه ثانيا. وفي المستند: عن بعض نفي الخلاف فيه، وعن آخر: أنه اجماع. واستدل له غير واحد بصحيح أبي ولاد، الوارد فيمن خرج في سفر ثم بدا له الرجوع، قال (ع) فيه: " وإن كنت لم تسر في يومك الذي خرجت فيه بريدا، فان عليك أن تقضي كل صلاة صليتها في يومك ذلك بالتقصير بتمام، من قبل أن تؤم من مكانك، لانك لم تبلغ الموضع الذي يجوز فيه التقصير حتى رجعت، فوجب عليك قضاء ما قصرت. وعليك إذا رجعت أن تتم الصلاة حتى تصير الى منزلك " (* 2)، وبما في رواية إسحاق، من قوله (ع): " وإن كانوا قد ساروا أقل من ذلك لم يكن لهم إلا إتمام الصلاة " (* 3)، وبرواية المروزي فيمن نوى السفر بريدين أربعة فراسخ، فبدا له بعد ما بلغ فرسخين. قال (ع): " وإن رجع عما نوى عند بلوغ فرسخين وأراد المقام فعليه التمام " (* 4). ويشكل الاول: بأنه ظاهر في اعتبار بلوغ المسافة في صحة التقصير من أول الامر، بنحو الشرط المتأخر، بقرينة أمره بالاعادة، وهو خلاف


(* 1) تقدم ذكره في أوائل الشرط الاول. (* 2) تقدم ذلك في أول الشرط الثاني. (* 3) تقدم ذكره في أول الشرط الاول. (* 4) تقدم ذكره في المسألة: 15.

[ 36 ]

{ قبل بلوغ الاربعة أو تردد أتم. وكذا إذا كان بعد بلوغ الاربعة لكن كان عازما على عدم العود (1)، أو كان مترددا في أصل العود وعدمه (2)، أو كان عازما على العود لكن بعد نية الاقامة هناك عشرة أيام. وأما إذا كان عازما على العود من غير نية الاقامة عشرة أيام فيبقى على القصر (3) وإن لم يرجع ليومه (4) بل وإن بقي مترددا إلى ثلاثين يوما. نعم بعد الثلاثين مترددا يتم. (مسألة 22): يكفي في استمرار القصد بقاء القصد } المشهور: ومعارض بصحيح زرارة الآتي (* 1)، فيكون مطروحا. ويشكل الثاني: بأنه ضعيف السند. ويشكل الثالث - مضافا الى احتمال أن يكون المراد من المقام إقامة عشرة أيام -: بأنه لابد من حمله على ذلك، إذ لاوجه للتمام على من بلغ بريدا وإن كان من نيته الرجوع. ولا ينافيه ذكر الفرسخين، لانها محمولة على الخراسانية، التي هي ضعف غيرها، بشهادة تفسير البريد بها، وأمره بالقصر إذا بلغها ناويا للرجوع، أو فرسخين آخرين. فلاحظ. ويمكن دفع الاشكال في الاول: بأنه يجب حمله - بقرينة الصحيح - على الاستحباب، ولامانع من الاخذ بظاهره من وجوب الاتمام إذا رجع. كدفعه في الثاني: بأنه يمكن دعوى انجباره بالعمل. فتأمل. (1) بأن كان مترددا بين الاقامة والسفر. (2) بأن كان مترددا بين السفر والاقامة والعود. (3) لما سيأتي، مما دل على الاكتفاء بالمسافة النوعية. (4) لما سبق، من عدم اعتبار الرجوع ليومه في المسافة التلفيقية.


(* 1) يأتي ذكره في المسألة: 24.

[ 37 ]

{ النوع وإن عدل عن الشخص (1)، كما لو قصد السفر إلى مكان مخصوص فعدل عنه الى آخر يبلغ ما مضى وما بقي إليه } (1) كما عن غير واحد التصريح به. لصدق المسافة المقصودة. المأخوذة موضوعا لوجوب القصر. إلا أن يقال: المقدار المعدول إليه لم يكن مقصودا أولا، وإنما طرأ قصده ثانيا بعد العدول عن الاول، فكيف يمكن ضمن ما لم يقصد الى ما قد قصد، وظاهر أدلة اعتبار القصد كون الجميع بقصد واحد ودعوى: أن المسافة النوعية مقصودة بقصد واحد، كما ترى، إذ الجامع بين المسافتين مما لم يطرأ عليه القصد، وإنما طرأ على مسافة شخصية أولا، ثم طرأ على مسافة شخصية أخرى ثانيا. فالاولى أن يقال: إن أدلة اعتبار القصد إنما دلت على اعتباره عند الخروج من المنزل، وأدلة اعتبار استمراره إنما دلت على قدح التردد في أصل السفر لاغير. فلا تشمل صورة العدول عن مسافة إلى مسافة، بل تبقى مشمولة لادلة الاكتفاء بالقصد الاول. ومنه يظهر وهن ما في الروض: من احتمال عدم الترخص، لبطلان المسافة الاولى بالرجوع عنها، وعدم بلوغ المقصد الثاني مسافة انتهى فانه لا مجال لذلك بعد عموم أدلة التقصير له، ولاجل ذلك أوجب التقصير - في العدول عن الامتدادية إلى الملفقة ولو لم يرد الرجوع ليومه - من لا يقول به في الملفقة من أول الامر، إذا كان مريدا للرجوع ليومه، كالشيخ (ره) في النهاية وغيره. مضافا إلى ما في صحيح أبي ولاد الوارد فيمن بدا له الرجوع الى البلد، من قوله (ع): " إن كنت سرت في يومك الذي خرجت فيه بريدا، كان عليك حين رجعت أن تصلي بالتقصير، لانك كنت مسافرا إلى أن تصير في منزلك " (* 1)، وما في خبر إسحاق بن عمار من قوله (ع):


(* 1) تقذم ذكره في أول الشرط الثاني.

[ 38 ]

{ مسافة فانه يقصر حينئذ على الاصح. كما أنه يقصر لو كان من أول سفره قاصدا للنوع دون الشخص (1)، فلو قصد أحد المكانين المشتركين في بعض الطريق، ولم يعين من الاول أحدهما بل أو كل التعيين الى ما بعد الوصول الى آخر الحد المشترك، كفى في وجوب القصر. (مسألة 23): لو تردد في الاثناء ثم عاد الى الجزم، فاما أن يكون قبل قطع شئ من الطريق، أو بعده، ففي } " إن كانوا بلغوا مسيرة أربعة فراسخ فليقيموا على تقصيرهم، أقاموا أم انصرفوا " (* 1)، وما في خبر المروزي من قوله (ع): " فإذا خرج الرجل من منزله يريد اثني عشر ميلا - وذلك أربعة فراسخ - ثم بلغ فرسخين، ونيته الرجوع، أو فرسخين آخرين قصر " (* 2). ومنه يظهر ما في المحكي عن المقدس البغدادي: من عدم الترخص لو بلغ بريدا وإن أراد الرجوع ليومه، تمسكا باطلاق الاصحاب عدم التقصير فيمن بدا له الرجوع أو تردد ينتظر الرفقة، لعدم اعتبار التلفيق هنا، لعدم كونه مقصودا من قبل. فان ضعفه ظاهر مما سبق. (1) لاطلاق مادل على الترخص بمجرد الخروج من المنزل مريدا للسفر ثمانية فراسخ، فانه شامل للثمانية الشخصية المعينة وغيرها. ودعوى: انصرافه إلى المسافة الشخصية ساقطة جدا، لان المراد من المسافة خط السير، وتعيينه متعذر غالبا. نعم لا بأس بدعوى الانصراف الى صورة تعيين المقصد. إلا أنه بدوي، لا يعول عليه في رفع اليد عن الاطلاق.


(* 1) تقدم ذكره في أول الشرط الاول. (* 2) تقدم ذكره في المسألة: 15.

[ 39 ]

{ الصورة الاولى يبقى على القصر إذا كان ما بقي مسافة (1) ولو ملفقة. وكذا إن لم يكن مسافة في وجه (2)، لكنه مشكل (3) فلا يترك الاحتياط بالجمع. وأما في الصورة الثانية فان كان ما بقي } (1) لكفاية قصده للمسافة بعد التردد في وجوب التقصير. (2) قد جزم به في الجواهر وغيرها، لتناول الادلة له، لانه يصدق أنه خرج من منزله قاصدا للمسافة. وما دل على قدح تردد، فانما دل على قدحه في بقاء الترخص حال وجوده، ولم يدل على اقتضائه ارتفاع السفر حقيقة أو تعبدا بمجرد حدوثه، فيتعين الرجوع بعد ارتفاعه بالعزم على السفر - إلى أدلة الترخص. (3) لاحتمال كون المرجع في المقام استصحاب حكم الخاص، لا الرجوع الى عموم العام، لاحتمال كون عمومات الترخص إنما تدل على حكم واحد مستمر، بحيث يكون الحكم في الزمان الثاني ملحوظا بعناية البقاء لوجوده في الزمان الاول، لا ملحوظا في نفسه في مقابل وجوده في الزمان الاول، كما هو مبني الاحتمالين: احتمال الرجوع إلى العام، واحتمال الرجوع الى الاستصحاب. فالحكم في الزمان الثاني إن كان ثبوته بلحاظ استمراره وبقائه الى الزمان الثاني فالمرجع الاستصحاب لا العام، وان كان بلحاظ نفسه في قبال وجوده في الزمان الاول فالمرجع العام، كما أوضحنا ذلك في تعليقتنا على الكفاية. فإذا شك في ثبوت الحكم في الزمان الثاني، وأنه على النحو الاول أو النحو الثاني، لا مجال للرجوع الى العام. وفيه: أن الظاهر من أدلة التقصير والتمام هو ثبوت الحكم في كل زمان، مع قطع النظر عن ثبوته فيما قبله، كما يقتضيه ظهور كون الموضوع المناط به الحكم هو السفر، وهو صادق على حصص الفرد الزمانية بنحو واحد ونسبة واحدة. مضافا الى ما في خبر إسحاق المتقدم من قوله (ع):

[ 40 ]

{ مسافة ولو ملفقة يقصر أيضا (1)، وإلا فيبقى على التمام (2). نعم لو كان ما قطعه حال الجزم أولا مع ما بقي بعد العود الى الجزم - بعد اسقاط ما تخلل بينهما مما قطعه حال التردد - مسافة ففي العود إلى التقصير وجه، لكنه مشكل (3)، فلا يترك الاحتياط بالجمع. (مسألة 24): ما صلاه قصرا قبل العدول عن قصده لا تجب إعادته في الوقت (4) فضلا عن قضائه خارجه. } " وإن كانوا ساروا أقل من أربعة فراسخ فليتموا الصلاة ما أقاموا، فإذا مضوا فليقصروا " (* 1). لكن الخبر ضعيف. (1) على ما عرفت. (2) كأنه دعوى: ظهور الادلة في اعتبار كون حركة السير في الثمانية فراسخ كلها ناشئة عن قصد واحد للثمانية، وليس كذلك في الفرض ولاجله افترق عن الفرض السابق. ولا يجدي إسقاط المتخلل في دفع المحذور المذكور، لان الظاهر من الثمانية الغ‌متدة المتصلة - أعني: أول وجود للمسافة المقدرة بالمقدار المذكور - فإذا أسقط المختلل فات الاتصال والامتداد. وكأنه لعدم وضوح ذلك عند المصنف (ره) جعل العود الى التقصير في صورة كون المجموع مسافة بعد إسقاط المختلل وجها، عملا باطلاق وجوب القصر على المسافر، المؤيد بخبر إسحاق المتقدم. لكن في الدعوى الاولى تأملا. والتمسك باطلاق أدلة التقصير، المؤيد بما في خبر إسحاق قريب. (3) لما عرفت من ظهور المسافة المعلق عليها التقصير في خصوص المتصلة. (4) كما هو المشهور شهرة عظمية، لصحيح زرارة: " قال سألت


(* 1) تقدم ذكره في أول الشرط الاول.

[ 41 ]

{ الرابع: أن لا يكون من قصده في أول السير أو في أثنائه إقامة عشرة أيام (1) قبل بلوغ الثمانية. } أبا عبد الله (ع) عن الرجل يخرج مع القوم في السفر يريده، فدخل عليه الوقت وقد خرج من القرية على فرسخين، فصلوا، وانصرف بعضهم في حاجة، فلم يقض له الخروج، مايصنع بالصلاة التي كان صلاها ركعتين قال (ع): تمت صلاته، ولا يعيد " (* 1). نعم يعارضه خبر المروزي: " وإن كان قصر ثم رجع عن نيته أعاد الصلاة " (* 2). ولاجل ذلك جمع الشيخ في الاستبصار: بحمل الاول على نفي القضاء في خارج الوقت، والثاني على وجوب الاعادة في الوقت. وفيه - مع ضعف الثاني في نفسه، مضافا الى إعراض الاصحاب عنه، بل كاد أن ينعقد الاجماع على خلافه، إذ لم يعرف القول بالاعادة من أحد سواه في خصوص الاستبصار، وهو غير معد للفتوى، وإلى أنه جمع بلا شاهد -: أنه معارض في نفي القضاء بصحيح أبي ولاد: " وإن كنت لم تسر في يومك الذي خرجت فيه بريدا، فان عليك أن تقضي كل صلاة صليتها في يومك ذلك بالتقصير بتمام من قبل أن تؤم من مكانك... " (* 3) فيتعين حمل الجميع على الاستحباب. (1) عن الذخيرة: " لاأعرف فيه خلافا "، وعن المدارك: " لا خلاف في أنها قاطعة للسفر ". ويستدل له - مضافا الى ذلك، والى استصحاب التمام - بما في صحيح زرارة عن أبي جعفر (ع): " من قدم قبل التروية بعشرة أيام عليه إتمام الصلاة، وهو بمنزلة أهل مكة،


(* 1) الوسائل باب: 23 من ابواب صلاة المسافر حديث: 1. (* 2) تقدم ذكره في المسألة: 15. (* 3) تقدم ذكره في أول الشرط الثاني.

[ 42 ]

فإذا خرج الى منى وجب عليه التقصير، فإذا زار البيت أتم الصلاة، وعليه إتمام الصلاة إذا رجع الى منى حتى ينفر " (* 1). اللهم إلا أن يستشكل في الاجماع: بعدم حجيته ما لم يوجب العلم بالحكم. وفي الاصل: بأنه محكوم لعموم وجوب التقصير على المسافر. وفي الصحيح: بظهوره في كون التنزيل بلحاظ وجوب التمام لاغير. إلا أن يقال: إن عطف قوله (ع): " وهو بمنزلة... " ظاهر في أنه لبيان حكم آخر، وإلا كان تأكيدا لما قبله، وهو خلاف الاصل. بل قوله (ع): " فإذا خرج... " كالصريح في أن محل الاقامة بمنزلة الوطن، إذا سافر عنه قصر، وإذا رجع إليه أتم، وإذا خرج عنه الى ما دون المسافة أتم. نعم عدم التزام الاصحاب بذلك فيه يوجب وهن دلالته جدا، وكونه مما يرد علمه الى أهله (ع). والتفكيك في الحجية بين دلالاته بحيث ينفع فيما نحن فيه، بعيد عن المذاق العرفي. نعم قد يشير إلى عموم المنزلة صحيح ابن جعفر (ع) عن أخيه (ع) " عن الرجل يدركه شهر رمضان في السفر فيقيم الايام في المكان. عليه صوم؟ قال (ع): لا، حتى يجمع على مقام عشرة أيام... إلى أن قال: وسألته عن الرجل يكون عليه الايام من شهر رمضان وهو مسافر، يقضي إذا أقام في المكان؟ قال (ع): لا، حتى يجمع على مقام عشرة أيام " (* 2). فان ظاهر السؤال. صدرا وذيلا - كون منشئه تخيل أن المراد بالمسافر ما يقابل المقيم والحاضر معا، لا ما يقابل الحاضر فقط، ولاجل ذلك سأل عن جواز الصوم في حال الاقامة أداء وقضاء، فيكون الجواب ظاهرا في الاقرار على ذلك إذا كانت مدة الاقامة عشرة. ويؤيد ذلك:


(* 1) الوسائل باب: 3 من ابواب صلاة المسافر حديث: 3. (* 2) الوسائل باب: 15 من ابواب صلاة المسافر حديث: 1.

[ 43 ]

{ وأن لا يكون من قصده المرور على وطنه كذلك (1). وإلا أتم، لان الاقامة قاطعة لحكم السفر، والوصول الى الوطن قاطع لنفسه، فلو كان من قصده ذلك من حين الشروع أو بعده لم يكن قاصدا للمسافة. وكذا يتم لو كان مترددا في نية الاقامة، أو المرور على الوطن قبل بلوغ الثمانية (2). نعم لو } ما ورد في وجوب التقصير على كثير السفر إذا كان قد أقام عشرة أيام في بلده أو غيره (* 1). فتأمل. مضافا الى أن الظاهر مما دل على وجوب التمام على المقيم - بقرينة مناسبة الحكم لموضوعه - كون التمام بعناية خروجه بالاقامة عن عنوان المسافر. فلعل ذلك كله، بضميمة تسالم الاصحاب كاف في الحكم بقاطعية الاقامة. ومما ذكرنا يظهر أن مراد المصنف (ره) بقوله: " لان الاقامة قاطعة لحكم السفر ": أنها قاطعة له نفسه شرعا. في قبال الوطن القاطع له عرفا حقيقة، لا أنها رافعة لحكم السفر نظير التردد. وإلا لم يصلح تعليلا للحكم المذكور، ولامما تساعده الادلة. فلاحظ. (1) إذ بذلك يخرج عن عنوان المسافر عرفا. وما في المستند: من عدم فرق العرف بين ما إذا مر بمنزله الذي يتوطنه، ولاسيما إذا كان راكبا ولاسيما إذا مر عن حواليه، وبين ما إذا لم يمر - كما ترى - ضعيف. نعم لا بأس به بالنسبة الى الوطن الشرعي، بناء على القول به. لكن دليله دل على كونه بمنزلة الوطن العرفي من حيث قاطعية السفر. وسيأتي الكلام فيه. (2) لعدم قصد السفر المتصل الواحد، بل يكون المقصود مرددا بين المتصل والمنفصل.


(* 1) راجع الوسائل باب: 12 من ابواب صلاة المسافر.

[ 44 ]

{ لم يكن ذلك من قصده، ولا مترددا فيه، إلا أنه يحتمل عروض مقتض لذلك في الاثناء، لم يناف عزمه على المسافة، فيقصر. نظير ما إذا كان عازما على المسافة إلا أنه لو عرض في الاثناء مانع - من لص أو عدو أو مرض أو نحو ذلك - يرجع، ويحتمل عروض ذلك، فانه لا يضر بعزمه وقصده. (مسألة 25): لو كان حين الشروع في السفر، أو في أثنائه (1)، قاصدا للاقامة، أو المرور على الوطن قبل بلوغ الثمانية، لكن عدل بعد ذلك عن قصده، أو كان مترددا في ذلك، وعدل عن ترديده الى الجزم بعدم الامرين، فان كان ما بقي بعد العدول مسافة في نفسه، أو مع التلفيق بضم الاياب قصر (2)، وإلا فلا. فلو كان ما بقي بعد العدول الى المقصد أربع فراسخ، وكان عازما على العود ولو لغير يومه قصر في الذهاب والمقصد والاياب. بل وكذا لو كان أقل من أربعة، بل ولو كان فرسخا فكذلك على الاقوى من وجوب } (1) الاولى إسقاط هذا العطف. فانه على تقدير القصد في الاثناء يكون داخلا في المسألة الآتية التي استشكل فيها في التقصير والتمام، فلا وجه لذكره هنا، ولالجزمه بالتمام على تقدير عدم كون الباقي مسافة ولو ملفقة كما هو مفاد قوله فيما يأتي: " وإلا فلا ". فالفرق بين المسألتين: أن الاولى فيما لو كان قصد الاقامة أو التردد فيها من الاول، والثانية فيما لو كان في الاثناء. ولعل كلمة: " أو في أثنائه " من قلم الناسخ. (2) لتحقق القصد اللاحق الى المسافة المتصلة الممتدة أو الملفقة.

[ 45 ]

{ القصر في كل تلفيق من الذهاب والاياب، وعدم اعتبار كون الذهاب أربعة أو أزيد، كما مر (1). (مسألة 26): لو لم يكن من نيته في أول السفر الاقامة أو المرور على الوطن، وقطع مقدارا من المسافة، ثم بدا له ذلك قبل بلوغ الثمانية، ثم عدل عما بدا له وعزم على عدم الامرين، فهل يضم ما مضى إلى ما بقي إذا لم يكن ما بقي بعد العدول عما بدا له مسافة؟ - فيقصر إذا كان المجموع مسافة، ولو بعد اسقاط ما تخلل بين العزم الاول والعزم الثاني إذا كان قطع بين العزمين شيئا - إشكال. خصوصا في صورة التخلل، فلا يترك الاحتياط بالجمع، نظير ما مر في الشرط الثالث (2). الخامس من الشروط: أن لا يكون السفر حراما (3)، وإلا لم يقصر. سواء كان نفسه حراما (4)، كالفرار من } (1) ومر الاشكال فيه. (2) لاتحاد مناط المسألتين. (3) اجماعا، كما عن الخلاف، والمعتبر، و التذكرة، والمنتهى، والدرة، وظاهر كشف الحق، والذخيرة، والكفاية، ومجمع البرهان، وغيرها. ويدل عليه جملة من النصوص الآتي إليها الاشارة. (4) كما هو ظاهر المشهور. ويقتضيه صحيح عمار بن مروان عن أبي عبد الله (ع): " من سافر قصر وأفطر. إلا أن يكون رجلا سفره الى صيد، أو معصية الله تعالى، أو رسولا لمن يعصي الله، أو في طلب عدو، أو شحناء، أو سعاية، أو ضرر على قوم من المسلمين " (* 1).


(* 1) الوسائل باب: من ابواب صلاة المسافر حديث: 3.

[ 46 ]

{ الزحف، وإباق العبد، وسفر الزوجة بدون إذن الزوج في غير الواجب، وسفر الولد مع نهي الوالدين في غير الواجب، وكما إذا كان السفر مضرا لبدنه، وكما إذا ندر عدم السفر مع } فانه إذا حرم السفر يصدق عليه أنه في معصية، وموثق سماعة: " ومن سافر قصر الصلاة وأفطر. إلا أن يكون رجلا مشيعا لسلطان جائر، أو خرج الى صيد... " (* 1). فان السفر المشايع فيه بنفسه حرام. ومرسل ابن أبي عمير: " لا يفطر الرجل في شهر رمضان إلا في سبيل حق " (* 2) وما ورد في تعليل وجوب التمام على المتصيد بأن التصيد مسير باطل، بدعوى: أن السفر المحرم باطل، وليس بحق. اللهم إلا أن يستشكل في الجميع: بأن ظاهر قوله (ع): " أو في معصية " كونه معطوفا على قوله: " الى صيد "، فيكون المراد سفره في معصية. وظاهره: كون المعصية غير السفر، فان السفر المعصية غير السفر في المعصية، الذي هو من قبيل السعي في الحاجة. وأن الظاهر من حرمة المشايعة كونها بلحاظ ما يترتب عليها، من ترويج الجور والاعانة عليه، لامن حيث أنها حركة بعنوان المشايعة، فتكون حينئذ من القسم الثاني. ولو أريد من الثاني خصوص ما كانت الغاية فعلا اختياريا، كان هذا قسما برأسه. ولا يبعد دخوله في قوله (ع): " أوفي معصية " وحينئذ لا يدل على حكم السفر المحرم نفسه، كأكثر الامثلة المذكورة. والظاهر من سبيل الحق ماكان سبيلا إلى الحق. فلا ينافي تحريمه النفسي - وكذا التعليل بالمسير الباطل - فلا يثبت بهما عموم الدعوى، إذ قد يكون السفر المحرم بقصد بعض الاغراض الصحيحة العقلائية المباحة أو المستحبة،


(* 1) الوسائل باب: 8 من ابواب صلاة المسافر حديث: 4. (* 2) الوسائل باب: 8 من ابواب صلاة المسافر حديث: 1.

[ 47 ]

{ رجحان تركه، ونحو ذلك. أو كان غايته أمرا محرما (1)، كما إذا سافر لقتل نفس محترمة، أو للسرقة، أو للزنا، أو لاعانة ظالم، أو لاخذ مال الناس ظلما، ونحو ذلك. وأما إذا لم يكن لاجل المعصية، لكن تتفق في أثنائه، مثل الغيبة، وشرب الخمر، والزنا، ونحو ذلك مما ليس غاية للسفر فلا يوجب التمام (2) بل يجب معه القصر والافطار. (مسألة 27): إذا كان السفر مستلزما لترك واجب، } فيكون مسير حق لا باطل. مع أنه لا يمكن الاخذ باطلاقهما، كما لا يخفى ودعوى القطع بالاولية أو المساواة - كما في الجواهر - محل تأمل. ولاجل بعض ما ذكرنا - مضافا إلى دعوى استلزامه المنع من ترخص كل مسافر تارك للواجب في سفره، المقتضي لعدم الترخص إلا للاوحدي - تنظر الشهيد الثاني في الروض في وجوب التمام في هذا القسم. اللهم إلا أن يستفاد ذلك من اطلاق معاقد الاجماع، وعدم العثور على مخالف فيه، وعدم ثبوت خلاف الشهيد الثاني، ولاسيما وكون خلافه - على تقديره - للشبهة الاخيرة غير الواردة، وعلى تقدير ورودها إنما تقدح في عدم الترخص في السفر المستلزم ترك الواجب - كما يأتي الكلام فيه - لاما حرم في نفسه، كما هو محل الكلام. فتأمل جيدا. (1) يعني: كانت غايته فعلا اختياريا بالمباشرة محرما. وبذلك افترق عن السفر المضر ببدنه. وكيف كان فلا خلاف ولا إشكال في قدحه في الترخص. وتدل عليه النصوص المتقدمة، وغيرها. (2) هو واضح لا خلاف فيه، كما في مفتاح الكرامة. لقصور الادلة من النصوص والاجماعات عن شموله. فالمرجع فيه أصالة القصر على المسافر.

[ 48 ]

{ كما إذا كان مديونا وسافر مع مطالبة الديان وإمكان الاداء في الحضر دون السفر ونحو ذلك، فهل يوجب التمام أم لا؟ الاقوى التفصيل بين (1) ما إذا كان لاجل التوصل الى ترك الواجب أو لم يكن كذلك، ففي الاول يجب التمام، دون الثاني. لكن الاحوط الجمع في الثاني. } (1) لا ينبغي التأمل في أن الكون في الحضر - الذي يتوقف عليه أداء الدين الواجب - والكون في السفر من قييل الضدين. وعليه إن لم نقل بأن وجود أحد الضدين مقدمة لترك الآخر فالسفر المذكور ليس مقدمة لترك الواجب، فلا يمكن قصد التوصل به إليه، فضلا عن أن يكون معصية ويقتضي التمام، لعدم الدليل على ذلك، حيث لا تشمله النصوص المتقدمة، ولا الاجماعات، فلا موجب للخروج عن أصالة القصر على المسافر. وإن قلنا بمقدميته له كان البناء على التمام فيه في محله، لصدق كونه سفرا في معصية. نعم لابد من التفاته إلى ترتب ترك الواجب عليه، لعدم صدق السفر في المعصية بدونه. وحينئذ يتعين التفصيل بين الالتفات إلى الغاية المذكورة وعدمه، لاقصد التوصل وعدمه. وإذ أن التحقيق: انتفاء المقدمية المذكورة، فالقول بوجوب القصر مطلقا في محله. اللهم إلا أن يقال: المعيار في كون السفر في معصية نظر المسافر، لا الواقع. فكما أنه إذا سافر بقصد الوصول اختيارا الى غاية محرمة، صدق كون سفره سفرا في معصية، وإن لم يصل الى الغاية ولم تترتب على سفره، بل وإن لم يكن سفره مقدمة لها أصلا واقعا. كذلك اعتقاده المقدمية مع الالتفات أو القصد الى الغاية كاف في الصدق. ولا يتوقف على ثبوتها

[ 49 ]

{ (مسألة 28): إذا كان السفر مباحا، لكن ركب دابة غصبية، أو كان المشي في أرض مغصوبة، فالاقوى فيه القصر، (1). وإن كان الاحوط الجمع. (مسألة 29): التابع للجائر إذا كان مجبورا، أو مكرها على ذلك، أو كان قصده دفع مظلمة، أو نحوها من } واقعا. فالتفصيل بين صورة البناء على المقدمية مع الالتفات الى ترتب ترك الواجب فيجب التمام، وبين غيرها فيجب القصر. في محله. وعليه فاعتبار قصد التوصل في وجوب التمام - كما في المتن - وعدم الاكتفاء بمجرد الالتفات، غير ظاهر الوجه، للاكتفاء به في حسن العقاب في سائر الموارد في الغايات التوليدية، وإن لم يحصل قصد التوصل. ولعل ما ذكره المصنف (ره) راجع إلى ما قلنا، وإن بعد. وسيأتي - إن شاء الله - في المسألة السادسة والثلاثين تحقيق كون المدار على الواقع، أو على اعتقاد المسافر. (1) لاختصاص النصوص بما لو كان السفر بما أنه طي للمسافة حراما، فلا تشمل صورة مالو كان التحريم بلحاظ كونه تصرفا في مال الغير بركوبه عليه، أو لبسه له، أو وضعه في جبيه، أو نحو ذلك. ومنه يظهر ضعف ما في الجواهر وغيرها من وجوب التمام. اللهم إلا أن يقال: اختصاص النصوص بغير ما ذكر ممنوع، بل إطلاقها يقتضي عموم الحكم له. مع أن ذلك يقتضي عدم الترخص بالسفر المضر بالبدن، فان تحريمه ليس بعنوان كونه سفرا بل بعنوان كونه مضرا. وكذا سفر الولد مع نهي الوالد، وسفر الزوجة بدون إذن الزوج، فان تحريمهما بعنوان كونهما معصية للوالد، وخروجا من البيت بغير إذن الزوج. وكذا الحال في كل سفر يحرم لحرمة غايته التوليدية، إذا كانت تترتب على السفر، لامن حيث كونه بعدا عن الوطن.

[ 50 ]

{ الاغراض الصحيحة المباحة أو الراجحة قصر (1). وأما إذا لم يكن كذلك - بأن كان مختارا، وكانت تبعيته إعانة للجائر في جوره - وجب عليه التمام (2)، وان كان سفر الجائر طاعة (3)، فان التابع حينئذ يتم، مع أن المتبوع يقصر. (مسألة 30): التابع للجائر المعد نفسه لامتثال أوامره لو أمره بالسفر (4)، فسافر امتثالا لامره، فان عد سفره إعانة للظالم في ظلمه كان حراما (5)، ووجب عليه التمام، وإن كان من حيث هو - مع قطع النظر عن كونه إعانة - مباحا. والاحوط الجمع. وأما إذا لم يعد إعانة على الظلم، فالواجب عليه القصر. (مسألة 31): إذا سافر للصيد، فان كان لقوته وقوت عياله قصر (6)، } (1) لانتفاء المعصية من كل وجه. (2) لصدق كونه سفرا في معصية. (3) لعدم قصده المعصية. (4) يعني: لغاية مباحة. وإلا كان من القسم الثاني بلا إشكال. (5) هذا لاإشكال فيه، إنما الاشكال في المعيار في صدق الاعانة وعدمه، والكلام فيه في محل آخر. (6) بلا خلاف - كما عن التنقيح، والذخيرة - بل هو مجمع عليه نقلا، إن لم يكن تحصيلا - كما في الجواهر - لاطلاق مادل على وجوب القصر في السفر. مضافا الى ما في مرسل محمد بن عمران القمي عن أبي عبد الله (ع): "... إن خرج لقوته وقوت عياله فليفطر، وليقصر " (* 1).


(* 1) الوسائل باب: 9 من ابواب صلاة المسافر حديث: 5.

[ 51 ]

{ بل وكذا لو كان للتجارة (1). وإن كان الاحوط فيه الجمع. وإن كان لهوا - كما يستعمله أبناء الدنيا - وجب عليه التمام (2). } وقصور نصوص نفي الترخص بسفر الصيد - بواسطة التعليل فيها بأنه مسير باطل، وب‍ " إنما خرج في لهو " - عن شموله. (1) كما هو المشهور بين المتأخرين. لما تقدم من إطلاق وجوب القصر على المسافر. لكن المحكي عن أكثر القدماء قصر الصوم، دون الصلاة. بل في محكي السرائر: " إن أصحابنا أجمعوا على ذلك فتيا، ورواية ". وعن المبسوط: نسبته إلى رواية أصحابنا. وليس عليه دليل ظاهر، عدا ما ذكر من الاجماع، والمرسلتين (* 1). وفي الاعتماد عليها - في تقييد إطلاقات ترخص المسافر، وما دل على تلازم الافطار والقصر، كصحيح معاوية بن وهب: " إذا قصرت أفطرت، وإذا أفطرت قصرت " (* 2) - تأمل. أو منع. إذ الاجماع المنقول ليس بحجة. والمرسلتان غير معلومتي الدلالة، وإن كانتا مجبورتي السند. اللهم إلا أن يكون قوله في المبسوط: " إنه يتم ويفطر الصوم " - ونحوه في السرائر نقل للمتن باللفظ، أو معنى. وهو غير قاصر الدلالة، فيكون حجة. واحتمال عدم وروده في المقام بعيد جيدا. والمسألة بعد لا تخلو من إشكال. (2) إجماعا، حكاه جماعة كثيرة. وعن الامالي: إنه من دين الامامية. ويدل عليه النصوص الكثيرة، كصحيح عمار بن مروان، وموثق سماعة، المتقدمين (* 3) وخبر السكوني: " سبعة لا يقصرون... إلى أن قال: والرجل


(* 1) المراد بهما: مرسلتا الشيخ في المبسوط والحلي في السرائر. (* 2) الوسائل باب: 15 من ابواب صلاة المسافر حديث: 17. (* 3) تقدم ذكرها في الشرط الخامس.

[ 52 ]

{ ولافرق بين صيد البر والبحر (1). كما لافرق - بعد فرض كونه سفرا - بين كونه دائرا حول البلد، وبين التباعد عنه، وبين استمرار ثلاثة ايام وعدمه على الاصح (2). } يطلب الصيد، يريد به لهو الدنيا " (* 1)، وصحيح زرارة " عمن يخرج من أهله بالصقورة والبزاة والكلاب يتنزه الليلتين والثلاث، هل يقصر من صلاته، أو لا يقصر؟ قال (ع): إنما خرج في لهو، لا يقصر " (* 2). إلى غير ذلك. (1) لاطلاق النصوص والفتاوى. اللهم إلا أن يدعى: انصرافه إلى المعهود المتعارف بين الملوك وأبناء الدنيا، من صيد الاول بالبزاة والكلاب كذا في الجواهر. لكن عرفت: أن التعارف لا يوجب الانصراف المعتد به في رفع اليد عن الاطلاق. (2) لاطلاق الادلة. نعم عن الاسكافي: " المتصيد ماشيا إذا كان دائرا حول المدينة، غير مجاوز حد الترخص لم يقصر يومين. فان تجاوز الحد واستمر دورانه ثلاثة أيام، قصر بعدها ". وهو غير واضح. نعم يشير الى ما في ذيله خبر أبي بصير عن أبي عبد الله (ع): " ليس على صاحب الصيد تقصير ثلاثة أيام. وإذا جاوز ثلاثة لزمه " (* 3). لكنه مما لا مجال للعمل به بعد مخالفته لما سبق. ومثله صحيح العيص: " أنه سئل الصادق (ع) عن الرجل يتصيد، فقال: إن كان يدور حوله فلا يقصر، وإن كان تجاوز الوقت فليقصر " (* 4). ونحوه صحيح صفوان عن عبد الله قال: " سألت أبا عبد الله (ع) عن الرجل... " (* 5) فانهما - مع ماهما عليه من الاجمال -


(* 1) الوسائل باب: 8 من ابواب صلاة المسافر حديث: 5. (* 2) الوسائل باب: 9 من ابواب صلاة المسافر حديث: 1. (* 3) الوسائل باب: 9 من ابواب صلاة المسافر حديث: 3. (* 4) الوسائل باب: 9 من ابواب صلاة المسافر حديث: 8. (* 5) الوسائل باب: 9 من أبواب صلاة المسافر حديث: 2.

[ 53 ]

{ (مسألة 32): الراجع من سفر المعصية ان كان بعد التوبة يقصر (1). وان كان مع عدم التوبة فلا يبعد وجوب التمام عليه، لكون العود جزءا من سفر المعصية (2). لكن الاحوط الجمع حينئذ (3). (مسألة 33): إباحة السفر كما أنها شرط في الابتداء شرط في الاستدامة أيضا. فلو كان ابتداء سفره مباحا، فقصد المعصية في الاثناء انقطع ترخصه (4)، ووجب عليه الاتمام، وإن كان قد قطع مسافات (5). ولو لم يقطع بقدر المسافة } محمولان على الصيد للقوت، جمعا. (1) لعدم كونه سفرا في معصية أو نحو ذلك. فالمرجع فيه عموم القصر على المسافر. (2) كما ذكر بعض الاعيان، وحكاه عن المحقق القمي في أجوبة مسائله. وفيه منع ظاهر، لاختلافهما موضوعا، وعنوانا. ولذا نفى في الجواهر الاشكال في الترخص في العود. إلا أن يكون قصد به المعصية أيضا. (3) وفي حاشية النجاة لشيخنا الاعظم (ره): " الاحوط في كل سفر معصية الاتمام في العود، كما قيل. إلا أن يندم... ". وهو من المشكلات. ولذا علق عليه سيدنا الاعظم (ره) في حاشيته: " بل الاحوط الجمع ". ولعل مراد شيخنا: أن الاحوط التمام مع القصر المذكور في متن نجاة العباد، لا التمام وحده. فتأمل. (4) لعدم الفرق بين الابتداء والاستدامة، كما صرح به غير واحد، على نحو يظهر أنه من المسلمات. وهو كذلك، لاطلاق الادلة. (5) كما صرح به في الجواهر وغيرها، بنحو يظهر كونه من المسلمات،

[ 54 ]

{ صح ما صلاه قصرا. فهو كما لو عدل عن السفر، وقد صلى قبل عدوله قصرا (1)، حيث ذكرنا سابقا أنه لا يجب إعادتها وأما لو كان ابتداء سفره معصية، فعدل في الاثناء إلى الطاعة } ولم يعرف فيه خلاف صريح. نعم في حاشية النجاة لشيخنا الاعظم (ره): " فيه تأمل مع قطع المسافة الموجبة للقصر ". وكأن وجه التأمل: احتمال كون نصوص هذا الشرط - أعني: شرط الاباحة - إنما تكون مقيدة لاطلاق المسافة المأخوذة موضوعا لوجوب التقصير، فيكون المحصل بعد الجمع بينهما: أنه لابد في التقصير من قصد السفر المباح ثمانية فراسخ، فإذا حصل ذلك للمكلف وجب عليه التقصير إلى أن يخرج عن كونه مسافرا، بالمرور بالوطن، أو ما هو بمنزلته، لا مقيدة للحكم بوجوب التقصير، حتى يكون المتحصل بعد الجمع بينهما: أن كل مسافر يجب عليه التقصير في حال عدم كون سفره معصية، كي يكون لازمه وجوب التمام في الفرض، كما في المتن، وغيره. وبالجملة: مرجع التأمل المذكور في حاشية شيخنا الاعظم (ره): إلى إرجاع الشرطية الاباحة إلى تقييد السفر في المسافة المخصوصة، ومرجع ما في المتن: إلى تقييد حكم السفر في المسافة المخصوصة. فعلى الاول إذا تحقق السفر المباح في المسافة المخصوصة يجب التقصير، وإن نوى في سفره الباقي المعصية، وعلى الثاني يجب التمام إذا نوى ذلك، لان انتفاء شرط وجوب القصر يوجب انتفائه. والاظهر ما ذكره شيخنا الاعظم. وكان اللازم الجزم بوجوب القصر. وكأن الذي منعه عن الجزم كون المعروف وجوب التمام وسيأتي ماله دخل في المقام. (1) إذ غاية ما تقتضيه نصوص المقام تقييد السفر بالمباح، فيكون مقتضى الجمع بينها، وبين مادل على اعتبار القصد، وبين صحيح زرارة السابق في المسألة الرابعة والعشرين: كون تمام موضوع القصر هو قصد السفر

[ 55 ]

{ فان كان الباقي مسافة فلا إشكال في القصر (1)، وإن كانت ملفقة من الذهاب والاياب (2)، بل وإن لم يكن الذهاب أربعة على الاقوى (3). وأما إذا لم يكن مسافة ولو ملفقة فالاحوط الجمع بين القصر والتمام. وإن كان الاقوى القصر (4)، بعد كون مجموع مانواه بقدر المسافة ولو ملفقة، فان المدار على حال العصيان والطاعة، فما دام عاصيا يتم، وما دام مطيعا يقصر، من غير نظر إلى كون البقية مسافة أولا. } المباح. والمفروض حصوله حال الصلاة، فتكون موافقة للامر الواقعي، وهي تقتضي الاجزاء. (1) لتحقق الموضوع، وهو قصد السفر المباح البالغ المسافة. (2) كما في الرياض، وعن غيره. وعن بعض نفي الخلاف فيه. والظاهر أن مرادهم الاكتفاء به في الجملة، على الشروط المقررة في المسافة الملفقة - من اعتبار كون كل من الذهاب والاياب أربعة وعدمه، والرجوع ليومه وعدمه، كل على مذهبه - لا الاكتفاء به مطلقا، ليكون منافيا لما ذكروه في غير قاصد المسافة ابتداء ونحوه، من عدم ضم ما بقي من الذهاب إلى الرجوع، وإن كان هو في نفسه مسافة. وإن احتمل في الجواهر وغيرها المنافاة لذلك، لكنه خلاف الظاهر. (3) لكن تقدم الاشكال فيه. (4) كأن وجهه ما عرفت: من أن نصوص المقام كما يحتمل أن تكون مخصصة لادلة الترخص بخصوص سفر غير المعصية، ويكون سفر المعصية خارجا عنها، يحتمل أيضا أن تكون مقيدة لاطلاق حكم الترخص بخصوص حال غير المعصية، فيكون سفر المعصية باقيا تحت عنوان السفر، غايته أنه

[ 56 ]

{ (مسألة 34): لو كانت غاية السفر ملفقة من الطاعة } يجب التقصير في حال الطاعة، والتمام في حال المعصية. ومع الدوران بين تقييد الموضوع وتقييد الحكم يتعين الثاني، عملا بأصالة الاطلاق في الموضوع ولا يعارضها أصالة الاطلاق في الحكم، للعلم بسقوطها عن الحجية في زمان المعصية، إما للتخصيص أو للتخصص، كما أشرنا الى ذلك في مسألة التردد في الاثناء. وفيه: أن الظاهر من قوله (ع) في مرسل ابن أبي عمير: " إلا في سبيل حق " (* 1)، وقوله (ع) في موثق عبيد: " لانه ليس بمسير حق " (* 2) وقوله (ع) في خبر ابن بكير: " فان التصيد مسير باطل " (* 3) ونحوها غيرها: كون سفر المعصية مستثنى من موضوع السفر، فيكون موضوع الترخص خصوص قصد السفر الذي لا يكون معصية، على نحو تكون الاباحة شرطا للموضوع، لا لحكمه. وحينئذ يمتنع أن ينطبق على أي قطعة تفرض من سفر المعصية، فلابد في الفرض من استئناف مسافة جديدة. ولاجل ذلك لم يعرف الخلاف فيه، كما اعترف به غير واحد صريحا، أو ظاهرا. نعم لو سافر بقصد السفر المباح، فنوى في أثنائه المعصية، ثم عدل منها إلى غيرها، فالمشهور وإن كان اعتبار مسافة جديدة، لكن المحكي عن ظاهر نهاية الشيخ، والمعتبر، والروضة، وصريح الذكرى، وغيرها، عدم اعتبارها. بل يكفي كون المجموع من السابق واللاحق مسافة، باسقاط المتخلل، أو مع انضمامه. والوجه فيه: ما تقدم هنا، وفي مبحث التردد


(* 1) تقدم ذكره في الشرط الخامس من هذا الفصل. (* 2) الوسائل باب: 9 من ابواب صلاة المسافر حديث: 4. (* 3) الوسائل باب: 9 من ابواب صلاة المسافر حديث: 7.

[ 57 ]

{ والمعصية فمع استقلال داعي المعصية لا إشكال في وجوب التمام (1). سواء كان داعي الطاعة أيضا مستقلا، أو تبعا. وأما إذا كان داعي الطاعة مستقلا وداعي المعصية تبعا، أو كان بالاشتراك، ففي المسألة وجوه (2). } في الاثناء. وإذ عرفت ظهور الادلة في تقييد الموضوع، كان اللازم عدم احتساب المتخلل. كما أنك إذ عرفت ظهور نصوص المسافة في خصوص الممتدة المتصلة، كان المتعين عدم الضم أصلا، كما هو المشهور. نعم ما ذكرناه لا يلائم ما تقدم عن المشهور: من وجوب التمام إذا عدل الى المعصية، وإن قطع مسافات، كما عرفت. وبالجملة: فتوى المشهور فيما لو عدل إلى المعصية، وفيما لو عدل الى الطاعة، غير متلائمة وغير مبتنية على مبنى واحد. نعم في المتن أفتى في المقامين على مبنى واحد، كما يظهر ذلك بالتأمل فيما ذكرناه. وأما مرسل السياري عن أبي الحسن (ع): " إن صاحب الصيد يقصر مادام على الجادة، فإذا عدل عن الجادة أتم، فإذا رجع إليها قصر " (* 1) فمع ضعفه بالارسال، وعدم ثبوت الجابر له، ظاهر في التفصيل في الترخص لصاحب الصيد، وهو خلاف الاجماع. وحمله على من خرج لا بقصد الصيد، ثم عدل عن الطريق للصيد، فيكون شاهدا لما نحن فيه - كما عن الشيخ (ره) - لاقرينة عليه. فرفع اليد عنه متعين. هذا إذا كان الرجوع الى قصد المباح بعد قطع مقدار من المسافة، أما لو رجع إليه قبل ذلك كان البناء على القصر في محله، كما عرفت في مبحث التردد. (1) لوضوح صدق سفر المعصية. (2) أحدهما: وجوب القصر، بدعوى: ظهور نصوص سفر المعصية


(* 1) الوسائل باب: 9 من ابواب صلاة المسافر حديث: 6.

[ 58 ]

{ والاحوط الجمع. وإن كان لا يبعد وجوب التمام (1). خصوصا في صورة الاشتراك، بحيث لولا اجتماعهما لا يسافر. (مسألة 35): إذا شك في كون السفر معصية أولا، مع كون الشبهة موضوعية، فالاصل الاباحة (2). إلا إذا كانت الحالة السابقة هي الحرمة (3)، أو كان هناك أصل موضوعي، كما إذا كانت الحلية مشروطة بأمر وجودي، كاذن المولى، وكان مسبوقا بالعدم، أو كان الشك في الاباحة والعدم من جهة الشك في حرمة الغاية وعدمها، وكان الاصل فيها الحرمة (4). } فيما إذا كان داعي المعصية صالحا للعلية بالاستقلال. وثانيها: وجوب التمام لما يأتي. وثالثها: التفصيل بين صورة الاشتراك في الداعوية، فيجب التمام وكون داعي المعصية تابعا، فيجب القصر. بدعوى: ظهور نصوص في كون المراد من سفر المعصية ما يكون للحرام دخل فيه، بحيث لولاه لم يكن. (1) لانه يكفي في كونه سفرا في معصية كونه سائرا بقصد المعصية، بلا فرق بين الصور المذكورة. (2) فانه الاصل الجاري في الشبهة الموضوعية التحريمية. (3) إذ حينئذ يكون استصحابها حاكما على أصالة الاباحة. وكذا الحال في الاصل الموضوعي الجاري في نفي الشرط، فانه حاكم عليها، كما هو شأن الاصل السببي. (4) إذ جريان الاصل المذكور يوجب كون الغاية معصية تعبدا، فيصدق على السفر أنه سفر في معصية، فيكون من قبيل إحراز جزء الموضوع بالاصل، وجزئه الآخر بالوجدان.

[ 59 ]

{ (مسألة 36): هل المدار في الحلية والحرمة على الواقع أو الاعتقاد، أو الظاهر من جهة الاصول؟ (1) إشكال. فلو اعتقد كون السفر حراما، بتخيل أن الغاية محرمة، فبان خلافه، كما إذا سافر لقتل شخص بتخيل أنه محقون الدم، فبان كونه مهدور الدم، فهل يجب عليه إعادة ما صلاه تماما (2) أولا؟ ولو لم يصل وصارت قضاء، فهل يقضيها قصرا أو تماما؟ وجهان (3). والاحوط الجمع. وإن كان لا يبعد كون المدار على الواقع (4)، إذا لم نقل بحرمة التجري، وعلى } (1) هذا معطوف على الاعتقاد، الذي هو بديله يختص بحال الشك، الذي هو موضوع الاصل، فيكون عدلا للواقع، في قبال الاعتقاد الذي هو عدل له أيضا. (2) وكذا قضاؤه. لعدم الفرق بين الاعادة والقضاء على تقدير البطلان. (3) ينشآن: من ظاهر قوله (ع): " إلا في سبيل حق " (* 1)، أو " في معصية الله " (* 2)، " أو رسولا لمن يعصي الله " (* 3)، أو " طلب شحناء " (* 4)، ونحو ذلك، في إناطة الحكم بالتحريم الواقعي. ومن أن الاباحة لما كانت شرطا في السفر - الذي أخذ موضوعا للترخص بعنوان كونه مقصودا، لا بوجوده الواقعي الخارجي - كان الظاهر من اعتبارها فيه هو اعتبارها كذلك، فيكون القادح في الترخص قصد المعصية. وسيما بملاحظة كون الحكم بالترخيص إرفاقيا، كما يظهر من النصوص. ومنها بعض نصوص المقام. (4) فانه الظاهر من كلمات الاصحاب، حيث جعلوا الاباحة شرطا


(* 1) ورد ذلك في مرسل ابن أبي عمير المتقدم في الشرط الخامس من هذا الفصل. (* 2) و (* 3) و (* 4) ورد ذلك كله في صحيح عمار بن مروان المتقدم في الشرط الخامس.

[ 60 ]

{ الاعتقاد إن قلنا بها. وكذا لو كان مقتضى الاصل العملي الحرمة وكان الواقع خلافه، أو العكس، فهل المناط ما هو في الواقع، أو مقتضى الاصل بعد كشف الخلاف؟ وجهان. والاحوط الجمع. وإن كان لا يبعد كون المناط هو الظاهر، } للسفر، كشرط بلوغ المسافة بريدين، الظاهر في كونها شرطا واقعيا، لاقصديا، بل ظاهر النصوص أيضا، لما ذكر. ومجرد كون السفر المأخوذ شرطا للترخص قصديا لا خارجيا، لا ينافي ذلك إذا ساعدته الادلة، ولذا لانقول بذلك في البلوغ بريدين، فان جميع ما ذكر فيه التمام من أنواع سفر المعصية في النصوص كان محرما واقعيا، لاقصديا اعتقاديا. ودعوى: أن ظاهر قوله (ع): " في معصية الله، أو رسولا لمن يعصي الله "، كون ذلك بنظر المكلف. ممنوعة، بل الظاهر كون المراد منه السفر في الحرام، ولو بنحو الرسالة إليه. ومناسبة الارفاق لا تنافي ذلك لان في جعل الترخيص لخصوص السفر المباح واقعا، دون الحرام كذلك، نحوا من الارفاق أيضا. وليست حيثية الارفاق علة يدور مدارها الحكم جزما، بل هي حكمة يجوز تخلفها، فليس ذلك مما يصلح لاجله رفع اليد عن الظاهر. هذا إذا لم نقل بحرمة التجري. أما لو قلنا بها فاللازم البناء على التمام مع اعتقاد الحرمة أيضا، لتحقق الحرمة للسفر بالفرض، ولو كانت من أجل التجري. واعتبار الحرمة بالعنوان الاولي لا ملزم به. وحينئذ تكون نتيجة ذلك الاكتفاء في نفي الترخص باحدى الحرمتين: الاولية الواقعية، والثانوية الناشئة من التجري، لا أنه يكون المدار على الاعتقاد لاغير، كما يظهر من المتن.

[ 61 ]

{ الذي اقتضاه الاصل، إباحة أو حرمة (1). (مسألة 37): إذا كانت الغاية المحرمة في أثناء الطريق لكن كان السفر مستلزما لقطع مقدار آخر من المسافة، فالظاهر أن المجموع يعد من سفر المعصية (2)، بخلاف ما إذا لم يستلزم. } (1) أما إباحة فظاهر، فانا وإن لم نقل بثبوت حكم ظاهري في قبال الحكم الواقعي، لكن لابد لنا من القول بالترخيص الشرعي في فعل الحرام، إذا كان الاصل يقتضي الحل. وحينئذ يكون السفر سائغا ومرخصا فيه شرعا حقيقة. وأما حرمة فينبغي ابتناؤه على ما سبق من القول بحرمة التجري وعدمها. إذ على الاول يكون السفر محرما شرعا بعنوان التحري، وإن كان حلالا بالعنوان الواقعي الاولي. وعلى الثاني يكون حلالا لاغير، فيجب فيه القصر واقعا. فاجراء أصل الاباحة وأصل الحرمة على نحو واحد - كما في المتن - غير ظاهر. هذا ويمكن أن يقال: إن مورد النصوص، والمستفاد منها: كون الموضوع هو الحرام الواقعي، لا ما يشمل الحرام من جهة التجري. وغاية ما يدعى: انصرافه إلى صورة تنجز ذلك الحرام على المكلف. وهذا هو الاقرب. ولاسيما وأن البناء على حرمة التجري شرعا بعيد جدا، إذ غاية ما يمكن الالتزام به هو إيجابه لاستحقاق العقاب، كالمعصية الحقيقية. فتأمل جيدا. والله العالم. (2) هذا إذا كان الاستلزام من جهة المقدمية، كما إذا كان مرسى السفن - التي تركب في طريق الغاية المحرمة - واقعا في مكان أبعد من الغاية بميل ونحوه مثلا. أما إذا لم يكن للمقدمية، بل لتلازم القطعتين من السفر لتلازم غايتهما، فلا وجه لعده جزءا من سفر المعصية. ولعل المراد الصورة الاولى.

[ 62 ]

{ (مسألة 38): السفر بقصد مجرد التنزه ليس بحرام، ولا يوجب التمام (1). (مسألة 39): إذا نذر أن يتم الصلاة في يوم معين، أو يصوم يوما معينا وجب عليه الاقامة ولو سافر وجب عليه القصر، على ما مر (2): من أن السفر المستلزم لترك واجب لا يوجب التمام، إلا إذا كان بقصد التوصل إلى ترك الواجب والاحوط الجمع. } (1) يظهر من المقدس البغدادي، والجواهر، وغيرهما الاجماع عليه. واستدل عليه في الجواهر: بالاصل، والسيرة القطعية. (2) يعني: في المسألة السابعة والعشرين. وفيه: أن ذلك إنما كان في الاستلزام الناشئ من التضاد الذاتي بين فعل الواجب والسفر، لا الناشئ من مقدمية ترك السفر للواجب، كما في المقام، فان ترك السفر مقدمة شرعا للصوم وإتمام الصلاة، لاعتباره فيهما، فيكون نذرهما نذرا له. وقد تقدم في أول هذا الشرط: أن السفر المنذور تركه من سفر المعصية، يجب فيه التمام. وبالجملة: إتمام الصلاة المنذور إن كان خصوص الاتمام المشروع بشرائطه الشرعية، كان نذره منحلا إلى نذر شرطه، وهو ترك السفر، فيجري فيه ما سبق. وإن كان مطلق الاتمام وإن لم يكن مشروعا كان النذر باطلا. فالبناء على صحة النذر ملازم لالحاق السفر في الفرض بالقسم الاول من أقسام سفر المعصية. نعم مقتضى جواز السفر في شهر رمضان اختيارا الجواز هنا، بضميمة قاعدة الالحاق. ويؤيده - بل يشهد به -: رواية عبد الله بن جندب: " سمعت من زرارة عن أبي عبد الله (ع): " انه سأله عن رجل جعل على

[ 63 ]

{ (مسألة 40): إذا كان سفره مباحا، لكن يقصد الغاية المحرمة في حواشي الجادة فيخرج عنها لمحرم ويرجع إلى الجادة. فان كان السفر لهذا الغرض كان محرما موجبا للتمام وإن لم يكن كذلك، وإنما يعرض له قصد ذلك في الاثناء، فما دام خارجا عن الجادة يتم (1)، وما دام عليها يقصر. كما أنه إذا كان السفر لغاية محرمة، وفي أثنائه يخرج عن الجادة، } نفسه نذر صوم، فحضرته نية في زيارة أبي عبد الله (ع). قال (ع): يخرج، ولا يصوم في الطريق، فإذا رجع قضى ذلك " (* 1). وقريب منها غيرها. ويأتي - إن شاء الله تعالى - في كتاب الصوم: أن مقتضى الجمع بين الادلة، أن الحضر شرط لنفس الصوم، لا لمشروعيته. لكن لم يؤخذ وجوده مطلقا كذلك، بل خصوص وجوده من باب الاتفاق، لابداعي وجوده، فلا يكون نذر الصوم نذرا للحضر، ولا للاقامة. فتأمل جيدا. وسيأتي الكلام في هذه المسألة في المسألة الثانية والعشرين من الفصل الآتي. (1) هذا يتم بناء على متخاره: من أن إباحة السفر شرط في الترخص لا في السفر الذي جعل موضوعا له، كما تقدم في ذيل المسألة الثالثة والثلاثين. أما على المختار: من كونها شرطا في السفر الذي جعل موضوعا له، فلا يجوز التقصير إذا رجع إلى الجادة. إلا إذا كان الباقي مسافة، ولو ملفقة. ثم إن الظاهر أن محل الفرض مالو كان الخروج عن الجادة معدودا عرفا جزءا من السفر، بحيث يكون خط السير الخروجي معدودا جزءا من المسافة المحدودة. أما لو كان معدودا عرفا خارجا عنها، كما لو غضب على المكاري، فنزل عن دابته يركض إليه ليضربه ظلما، أو خرج من منزله إلى المواضع التي حوله ليسرق متاعا، أو يشرب ماء غصبا، أو


(* 1) الوسائل باب: 10 من ابواب من يصح منه الصوم حديث: 5.

[ 64 ]

{ ويقطع المسافة أو أقل (1) لغرض آخر صحيح، يقصر مادام خارجا. والاحوط الجمع في الصورتين. (مسألة 41): إذا قصد مكانا لغاية محرمة، فبعد الوصول إلى المقصد قبل حصول الغرض يتم (2). وأما بعده فحاله حال العود عن سفر المعصية، في أنه لو تاب يقصر، ولو لم يتب يمكن القول بوجوب التمام، لعد المجموع سفرا واحدا (3). والاحوط الجمع هنا، وإن قلنا بوجوب القصر } يدخل بستانا بغير إذن أهله، فالظاهر بقاؤه على التقصير في حال الخروج، فضلا عن حال الرجوع. (1) أما في الاول فلا ينبغي الاشكال في الترخص حال الخروج، لقصد السفر المباح مسافة. وأما في الاقل فهو مبني على ما سبق في ذيل المسألة الثالثة والثلاثين. (2) لعدم انتهاء سفر المعصية قبل حصولها، بل يصدق عليه أنه مسافر لقصد المعصية. (3) لاريب في أن المسافر من حين خروجه من وطنه إلى أن يرجع إليه، سفره سفر واحد، ما لم ينقطع بأحد قواطع السفر، وهو منتف في الفرض. نعم عد المجموع سفرا وحدا إنما يوجب التمام في حال كونه في المقصد، قبل الشروع في الاياب، لاحد وجهين. الاول: صدق السفر المعصية عليه حينئذ. لكنه منتف. لان كونه في المقصد لم يقصد منه معصية، ولا هو معصية. الثاني: أن تكون إباحة السفر شرطا للموضوع، لانه على هذا المبنى لم يتحقق منه سفر المباح، ليجب عليه القصر، لان السفر السابق كان سفر

[ 65 ]

{ العود، بدعوى: عدم عده مسافرا قبل أن يشرع في العود (1). (مسألة 42) إذا كان السفر لغاية، لكن عرض في أثناء الطريق قطع مقدار من المسافة لغرض محرم، منضما إلى الغرض الاول، فالظاهر وجوب التمام في ذلك المقدار من المسافة، لكون الغاية في ذلك المقدار ملفقة من الطاعة والمعصية (2). } معصية، والسفر اللاحق المباح لم يتحقق منه، فيجب عليه التمام. أما إذا كانت الاباحة شرطا للحكم، فالسفر السابق لا قصور في موضوعيته للقصر، وإنما القصور في الحكم، من جهة عدم حصول شرطه، وهو الاباحة. وهذا الشرط إنما انتفى قبل حصول الغرض الحرام. أما بعد حصوله فقد حصل شرط الاباحة، فيتعين القصر. وبعبارة أخرى: بعد حصول الغرض الحرام يصدق على هذا المكلف أنه مسافر، وليس سفره معصية، فيجب عليه القصر. لكن عرفت سابقا الاشكال في هذا المبنى، وإن كان ظاهر المصنف (ره) اختياره. ولو تم ذلك كان اللازم الجزم بوجوب القصر مطلقا، وإن لم يتب، إذ التوبة وعدمها لا يوجبان اختلافا في الصدق وعدمه. (1) قد عرفت الاشارة إلى أن الفرق بين الشروع في الاياب وما قبله، حال كونه في المقصد، إنما يتم بناء على أخذ الاباحة شرطا للموضوع لان تحقق السفر المباح يتوقف على الشروع فيه، فقبله لاسفر مباح. أما إذا أخذت شرطا للحكم فالسفر السابق موضوع للحكم، وإنما لم يثبت له الحكم لانتفاء شرطه، بحصول قصد المعصية، فإذا زال قصد المعصية بحصولها، فقد حصل الشرط، وثبت الحكم. (2) يعني: وقد عرفت فيما سبق وجوب التمام في مثله، لصدق كون السفر في معصية.

[ 66 ]

{ والاحوط الجمع، خصوصا إذا لم يكن الباقي مسافة (1). (مسألة 43): إذا كان السفر في الابتداء معصية، فقصد الصوم، ثم عدل في الاثناء إلى الطاعة. فان كان العدول قبل الزوال وجب الافطار (2). وإن كان بعده ففي صحة الصوم ووجوب إتمامه إذا كان في شهر رمضان مثلا، وجهان (3). والاحوط الاتمام والقضاء. ولو انعكس بأن كان طاعة في الابتداء وعدل إلى المعصية في الاثناء. فان لم يأت بالمفطر، } (1) لم يظهر لهذه الخصوصية دخل في الاحتياط المذكور، لان الملفق من المعصية إن كان معصية عرفا وجب التمام، وإن كان الباقي مسافة. وإلا وجب القصر، وإن لم يكن الباقي مسافة. فالعمدة في الاحتياط: الاشكال في صدق المعصية على الملفق وعدمه. (2) لما يأتي إن شاء الله تعالى في كتاب الصوم: من وجوب الافطار لمن سافر قبل الزوال المفروض حصوله. نعم لابد على المعروف - كما سبق - من وجوب كون الباقي مسافة، ومن وجوب الشروع فيه. ولا يفطر بمجرد العدول، كما عرفت. (3) ينشآن: من أن مقتضى البناء على أن الاباحة ليست شرطا في السفر الموجب للترخص، وإنما هي شرط في الترخص، فيكون المسافر في الفرض مسافرا قبل الزوال. غاية الامر أن لم يقتض سفره الترخص حال قصد المعصية. وإنما يقتضيه حال قصد الطاعة، وذلك بعد الزوال، فيجب الافطار. ومن أن المعيار في إفطار اليوم وصومه حال الزوال، فإذا كان صائما صوما صحيحا حاله لا يجب عليه الافطار بعد ذلك. وكأنه لاجل ذلك توقف المصنف (ره) عن الحكم. وإلا فلازم مبناه من أن المدار

[ 67 ]

{ وكان قبل الزوال، صح صومه (1). والاحوط قضاؤه أيضا وإن كان بعد الاتيان بالمفطر، أو بعد الزوال بطل (2). والاحوط إمساك بقية النهار تأدبا إن كان من شهر رمضان (3). (مسألة 44): يجوز في سفر المعصية الاتيان بالصوم الندبي، ولا يسقط عنه الجمعة، ولا نوافل النهار، والوتيرة، فيجري عليه حكم الحاضر (4). السادس من الشرائط: أن لا يكون ممن بيته معه (5)، } في الترخص وعدمه على حال الاباحة والعصيان، هو وجوب الافطار والقضاء جزما، لما تقدم من الوجه الاول، وضعف الوجه الثاني، لعدم ثبوته. هذا وإذ عرفت أن الاباحة شرط للسفر الموجب للترخص، فيكون السفر المشروط بها في الفرض حاصلا بعد الزوال، كان الواجب الحكم بصحة الصوم، ووجوب إتمامه بلا قضاء، كما لو سافر ابتداء بعد الزوال. (1) فانه حينئذ يكون كمن سافر وحضر قبل الزوال، فانه ينوي الصوم ويتمه. ولافرق بين القول بأن الاباحة شرط السفر، والقول بأنها شرط في الترخص. (2) كما لو سافر أول النهار وحضر بعد الزوال، أو بعد استعمال المفطر. ولافرق أيضا بين القولين المتقدمين آنفا في ذلك. (3) يعني: استحبابا. وسيأتي - إن شاء الله تعالى - في كتاب الصوم بيان وجهه. (4) لظهور النص والفتوى في اختصاص حكم المسافر بخصوص السفر المباح، من دون فرق بين الاحكام. (5) بلا خلاف فيه، كما عن جماعة. نعم المعروف بينهم: إرجاع

[ 68 ]

{ كأهل البوادي من العرب والعجم، الذين لامسكن لهم معينا بل يدورون في البراري، وينزلون في محل العشب والكلاء، ومواضع القطر واجتماع الماء. لعدم صدق المسافر عليهم (1). } هذا الشرط ومابعده إلى شرط واحد، وإن اختلفت عبارتهم عنه. فعبر المعظم: بأن لا يكون سفره أكثر من حضره، وآخر: بأن لا يكون كثير السفر، وثالث: بأن لا يكون السفر عملا له، ورابع: بأن لا يكون ممن يلزمه الاتمام في السفر، وخامس: بأن لا يكون سفره في حكم حضره، وسادس: اقتصر على ذكر العناوين الموجودة في النصوص، من المكاري، والجمال، والملاح، والراعي، والجابي الذي يدور في جبايته، والامير الذي يدور في إمارته، والتاجر الذي يدور في تجارته، والبدوي الذي يتطلب مواضع القطر ومنابت الشجر، و (الاشتقان) وهو البريد أو أمين البيدر، و (الكري) وهو الساعي (* 1). وما ذكره المصنف (ره) - تبعا لجماعة - أولى، لاختلاف الشرطين مفهوما، مع تضمن النصوص لكل منهما بخصوصه. ففي مضمر إسحاق بن عمار: " عن الملاحين والاعراب هل عليهم تقصير؟ قال (ع): لا، بيوتهم معهم " (* 2)، ومرسل سليمان بن جعفر الجعفري عمن ذكره عن أبي عبد الله (ع): " الاعراب لا يقصرون، وذلك أن منازلهم معهم " (* 3). (1) كما يشير إليه التعليل في النصوص: بأن بيوتهم معهم، فان المراد منه ذلك. وحينئذ فلو كان متوطنا في بلد معين، وكان له بيت ينقل، فسافر فيه اتفاقا، لزيارة ونحوها، قصر وإن كان بيته معه، لصدق المسافر


(* 1) راجع الوسائل باب: 11 من ابواب صلاة المسافر. (* 2) الوسائل باب: 11 من ابواب المسافر حديث: 5. (* 3) الوسائل باب: 11 من ابواب صلاة المسافر حديث: 6.

[ 69 ]

{ نعم لو سافروا المقصد آخر، من حج، أو زيارة، أو نحوهما قصروا (1). ولو سافر أحدهم لاختيار منزل، أو لطلب محل القطر أو العشب، وكان مسافة، ففي وجوب القصر أو التمام عليه إشكال (2). فلا يترك الاحتياط بالجمع. السابع: أن لا يكون ممن اتخذ السفر عملا وشغلا له (3) كالمكاري، والجمال، والملاح، والساعي، والراعي، ونحوهم فان هؤلاء يتمون الصلاة والصوم في سفرهم الذي هو عمل لهم، وإن استعملوه لانفسهم، كحمل المكاري متاعه أو أهله من مكان إلى مكان آخر. ولافرق بين من كان عنده بعض } عليه حينئذ. نعم لو جعل نفسه من الذين يسكنون البيوت المبنية على الحط والارتحال أتم، كأهل القرى الذين يتوطنون في أيام الصيف منازلهم، وفي أيام الشتاء يرتحلون في بيوتهم إلى المواضع القطر والنبت، لحاجة أنعامهم الى ذلك. (1) كما عن جماعة كثيرة من المتأخرين ومتأخريهم، بل عن الغوالي: دعوى الاجماع عليه. لعدم كون بيوتهم معهم. والمستفاد من التعليل في النصوص: دوران الحكم مداره وجودا وعدما، فلو سافروا للزيارة ونحوها، وكانت بيوتهم معهم أتموا. (2) ينشأ: مما سبق. ومن أن السفر لما كان راجعا الى إصلاح شؤون بيته كان كأنه سفر وهو في بيته. ولكنه - كما ترى - خروج عن ظاهر التعليل من غير ملزم. فالبناء على القصر فيه حيث لا يكون بيته معه متعين. (3) بلا خلاف، كما عرفت، ويدل عليه صحيح زرارة: " قال أبو

[ 70 ]

{ الدواب يكريها الى الاماكن القريبة من بلاده (1)، فكراها } جعفر (ع): أربعة قد يجب عليهم التمام في السفر كانوا أو في الحضر: المكاري، والكري والراعي، والاشتقان، لانه عملهم " (* 1). ومثله مرفوع ابن أبي عمير، بزيادة " الملاح " (* 2). ومقتضى حمل التعليل المذكور على الارتكاز العرفي عموم الحكم لمن كان بانيا على الاستمرار على السفر للتعليم أو للتعلم أو لغير ذلك من الغايات المحللة. فالعمال الذين يسافرون كل يوم من وطنهم إلى الخارج المسافة للعمل ثم الرجوع الى وطنهم ليلا يتمون صلاتهم، ويصومون شهر رمضان، وان لم يصدق أن عملهم السفر بل عملهم البناء، أو الحضر، أو نحو ذلك. كل ذلك حملا للتعليل على مقتضى الارتكاز العرفي، وهو الاستمرار على السفر لاي غاية كانت. مضافا الى ما ورد في التاجر الذي يدور في تجارته، والامير الذي يدور في إمارته، والجابي الذي يدور في جبايته. فان هؤلاء شغلهم الجباية، والامارة، والتجارة التي تكون في السفر، وليس سفر نفسه شغلهم. ولافرق بينهم وبين العمال المذكورين في أن السفر مقدمة لما هو عملهم. وحاصل ما يشير إليه التعليل: أن الذي شغله السفر ليس له مقر يسافر عنه، فيكون ممن لامقر له إلا منازل السفر، فيكون من قبيل من بيته معه، ولذا وجب عليه التمام. (1) بشرط أن يبلغ المسافة، كما نص عليه في الجواهر. لان الظاهر من السفر - الذي جعل التمام لمن كان هو عملا له - هو السفر الشرعي، الذي يكون موضوعا للقصرلولا كونه عملا. وقد يشير إلى ذلك خبر إسحاق: " عن الذين يكرون الدواب يختلفون كل الايام، أعليهم التقصير


(* 1) الوسائل باب: 11 من ابواب صلاة المسافر حديث: 2. (* 2) الوسائل باب: 11 من ابواب صلاة المسافر حديث: 12.

[ 71 ]

{ الى غير ذلك من البلدان البعيدة وغيره. وكذا لافرق بين من جد في سفره (1)، بأن جعل المنزلين منزلا واحدا، وبين } إذا كانو ا في سفر؟ قال (ع): نعم " (* 1). ونحوه خبره الآخر (* 2). (1) كما هو المشهور شهرة عظيمة. لاطلاق أدلة التمام على المسافر الذي اتخذ السفر عملا. نعم عن ظاهر الكليني والشيخ في التهذيب: وجوب التقصير إذا جد السير. للنصوص المستفيضة الدالة على ذلك، كصحيح ابن مسلم عن أحدهما (ع): " المكاري والجمال إذا جد بهما السير فليقصروا " (* 3)، وصحيح البقباق: " سألت أبا عبد الله (ع) عن المكارين يختلفون، فقال (ع): إذا جدوا السير فليقصروا " (* 4)، والمروي عن كتاب ابن جعفر عن أخيه (ع): " عن المكارين الذين يختلفون الى النيل، هل عليهم إتمام الصلاة؟ قال (ع): إذا كان مختلفهم فليصوموا، وليتموا الصلاة. إلا أن يجد بهم السير، فيقصروا وليفطروا " (* 5). حاملين للجد على معنى جعل المنزلين منزلا واحدا. ومال إلى العمل بها أصحاب المنتفى، والمدارك، والذخيرة، والمفاتيح والحدائق. وإن خالفوهم في معنى جد السير، فحملوه على ظاهره، وهو المعنى العرفي، وهو زيادة السير على القدر المتعارف، بنحو يحصل منه جهد ومشقة، وإن لم يبلغ جعل المنزلين منزلا، إذ لا قرينة على ما ذكره الشيخان. وهو في محله.


(* 1) الوسائل باب: 12 من ابواب صلاة المسافر حديث: 2. (* 2) الوسائل باب: 12 من ابواب صلاة المسافر حديث: 3. (* 3) الوسائل باب: 13 من ابواب صلاة المسافر حديث: 1. (* 4) الوسائل باب: 13 من ابواب صلاة المسافر حديث: 2. (* 5) الوسائل باب: 13 من ابواب صلاة المسافر حديث: 5.

[ 72 ]

{ من لم يكن كذلك. والمدار على صدق اتخاذ السفر عملا له عرفا (1)، } إلا أن العمل بالنصوص المذكورة بعد إعراض الاصحاب عنها، حتى الشيخ في كتبه الفتوائية - مشكل. ولاسيما وأن ظاهر الكليني (ره) توهينها، إذ أنه بعد ما روى روايات التمام قال: " وفي رواية أخرى: " المكاري إذا جد به السير فليقصر " (* 1). قال: ومعنى جد السير: جعل المنزلين منزلا ". فان إرساله لهذه الروايات لا يخلو من دلالة على وهنها. فلا مجال لرفع اليد بها عن عموم ما سبق. وحملها على ما إذا أنشأ المكاري والجمال سفرا غير صنعتهما - كما عن الذكرى - أو على ما إذا أقاما عشرة - كما عن المختلف - أو على ما إذا قصدا المسافة قبل تحقق الكثرة - كما عن الروض - بعيد جدا. نعم الاقرب منها ما احتمله في الذكرى. من حملها على ما إذا كانت المكاراة فيما دون المسافة، ويكون جد السير عبارة عن قصد المسافة، فيكون محملها محمل خبري إسحاق المتقدمين (* 2). لكنه لايتم في مرسل عمران بن محمد: " الجمال والمكاري إذا جد بهما السير فليقصرا فيما بين المنزلين، ويتما في المنزل " (* 3) الذي يجب تقييد ما تقدم به، على تقدير جواز العمل به، وعدم قدح الاعراض عنه فيه. وإرساله قد لايمنع عن ذلك، بعد اعتماد الشيخ عليه. بل قد يدعى قصور ما تقدم عن اقتضاء القصر في المنزل. فتأمل. (1) لما عرفت من التعليل، الحاكم على بقية النصوص الدالة على وجوب التمام على أحد العناوين الخاصة، من المكاري، والجمال، ونحوهما، فيدور وجوب التمام مداره وجودا وعدما. ومنه يظهر ضعف ماعن الذكرى


(* 1) الوسائل باب: 13 من ابواب صلاة المسافر حديث: 4. (* 2) تقدم ذكرهما في التعليقة السابقة. (* 3) الوسائل باب: 13 من ابواب صلاة المسافر حديث: 3.

[ 73 ]

{ ولو كان في سفرة واحدة لطولها وتكرر ذلك منه من مكان غير بلده الى مكان آخر (1). } وجماعة: من كون المدار على صدق أحد العناوين الخاصة، أو صدق عملية السفر، وماعن الحلبي: من أن المدار على صدق أحد العناوين الخاصة، من المكاري، والجمال، ونحوهما. اللهم إلا أن يكون مراده ما ذكرنا، لغلبة تلازم صدق تلك العناوين مع عملية السفر. وقد عرفت أن المراد من عملية السفر مزاولته وتعاطيه، على نحو يكون صاحبه لامقر له الا منازل السفر، فهي بيوته التي تتناوب عليه. (1) الظاهر تحقق الصدق العرفي بمجرد التلبس بالسفر بانيا على أنه عمله، ولا يتوقف على طول السفر، ولا على تكرره، كما عن المقدس البغدادي استظهاره، وفي الجواهر: " لا يخلو من وجه ". فان قلت: إذا كانت الاقامة عشرة أيام رافعة لحكم التمام، فكيف لا تكون الاقامة طول العمر كذلك؟! فكيف يجب التمام في السفرة الاولى؟! قلت: هذا شرط آخر لوجوب التمام، أعني: عدم إقامة عشرة أيام فما زاد. ويمكن حصوله بالسفرة الاولى، كما لو سافر إلى بلد زائرا، فأقام بها يوما، ثم اشترى دوابا وصار مكاريا وسافر. فان قلت: ظاهر جملة من النصوص اعتبار الاختلاف، وهو لا يتحقق بالسفرة الاولى. قلت: الظاهر من الاختلاف الاختلاف بمعنى الملكة المأخوذ في مفهوم المكاري. لا أقل من وجوب حمله على ذلك، بقرينة التعليل المتقدم. ولو بني على حمله على الفعلية كان اللازم اعتبار التكرر بنحو الشرط المتأخر، كما يقتضيه الفعل المضارع، لا الشرط المتقدم الذي هو مدلول الفعل الماضي، كما يدعيه الجماعة، وإذ لا قائل باعتباره بنحو الشرط المتأخر يتعين حمله على الملكة.

[ 74 ]

{ فلا يعتبر تحقق الكثرة بتعدد السفر ثلاث مرات (1)، أو مرتين (2). فمع الصدق في أثناء السفر الواحد أيضا يلحق الحكم، وهو وجوب الاتمام. نعم إذا لم يتحقق الصدق إلا بالتعدد يعتبر ذلك. (مسألة 45): إذا سافر المكاري ونحوه ممن شغله السفر سفرا ليس من عمله - كما إذا سافر للحج أو للزيارة - يقصر (3). نعم لو حج أو زار، لكن من حيث أنه عمله } (1) كما في الروض، والرياض. حملا لاطلاق النصوص على الغالب المتعارف. وفيه: أن الغالب في المكاري من تكرر منه السفر أكثر من ثلاث مرات، بل أكثر من ذلك بكثير، فاللازم التخصيص بهم لو بني على الحمل على الغالب، ولاوجه لتخصيصه بذي الثلاث. مضافا إلى أن ظهور التعليل ليس بالاطلاق، ليختص بالمتعارف. مع أن التعارف والغلبة لا يوجبان القدح في الاطلاق، كما هو محقق في محله. ومثله ماعن الذكرى: من أن المدار على صدق وصف أحدهم، أو صدق عملية السفر، وأن ذلك إنما يحصل بالمرة الثالثة. إذ فيه: ما عرفت من المنع. (2) كما عن المختلف: لتوقف صدق الاختلاف عليه، ولايحتاج الى الثلاث. وفيه: أيضا ما عرفت. (3) كما في الجواهر. اقتصارا في تقييد الادلة على المتيقن، وهو السفر الذي يدخل في عملهم ومكاراتهم، لانصراف الادلة عن غيره. بل هو ظاهر الادلة، لان الضمير في قوله (ع): " لانه عملهم... " راجع الى السفر المحكوم بوجوب التمام، فلابد في السفر المحكوم بوجوب التمام فيه أن يكون من عملهم. وقد يشير إليه صحيح ابن مسلم: " ليس

[ 75 ]

{ - كما إذا كرى دابته للحج أو الزيارة، وحج أو زار بالتبع - أتم (1). (مسألة 46): الظاهر وجوب القصر على الحملدارية الذين يستعملون السفر في خصوص أشهر الحج (2). بخلاف } على الملاحين في سفينتهم تقصير " (* 1)، حيث خص الحكم بالسفينة. ونحوه خبر ابن جعفر (ع) (* 2). ولعله أيضا محمل خبري إسحاق المتقدمين (* 3). ومنه يظهر ضعف القول بالاتمام، اعتمادا على إطلاق أدلة التمام على من كان عمله السفر. هذا بناء على أن الموضوع عملية السفر. أما إذا كان المراد مزاولة السفر وتعاطيه على نحو تكون منازل السفر كبيوته المتبادلة، لعزمه على اتخاذها بيوتا له، فاللازم التمام، لان هذا السفر كغيره من أسفاره. (1) لانه في عمله. (2) كما نص عليه في الجواهر وغيرها. لعدم صدق كون السفر عملهم، الذي عرفت أنه مدار وجوب التمام. والوجه في ذلك: أن عملية السفر - كعملية سائر الحرف والصنائع - موقوفة على البناء على المزاولة مرة بعد أخرى، على نحو لا يكون له فترة طويلة غير معتادة لمن يزاول تلك الحرفة أو الصنعة. ولذا لا يظن أن يحتمل أن من كان بناؤه على السفر من النجف الاشرف إلى كربلاء للبيع على الزائرين في الزيارات المأثورة فهو ممن عمله السفر، لان الفترات بين أيام الزيارات منافية لصدق عملية السفر. كما أن من كان بناؤه على نسيج ثلاثة أثواب أو أربعة في كل سنة ليلبسها


(* 1) الوسائل باب: 11 من ابواب صلاة المسافر حديث: 4. (* 2) الوسائل باب: 11 من ابواب صلاة المسافر حديث: 7. (* 3) تقدم ذكرهما في أوائل الشرط السابع.

[ 76 ]

لا يصدق عليه أنه نساج وعمله النساجة. فهؤلاء المسافرون في كل سنة إلى مكة في أشهر الحج لا يصدق عليهم أنهم عملهم السفر، وإن كان بناؤهم على ذلك في كل سنة، لتحقق الفترة المنافية لصدق عملية السفر، فلا تجدي مزاولتهم للسفر المذكور - بلحاظ ضم السنين بعضها إلى بعض - في صدق كون السفر عملهم. نعم لو بنى بعض أهل مكة على مكاراة جماله في أشهر الحج بين جدة ومكة، على نحو عزم على التردد مرة بعد أخرى، بلا فترة منافية للاستمرار عرفا على العمل المذكور، كان في أشهر الحج ممن عمله السفر، ووجب عليه التمام. وبالجملة: اعتبار المواظبة والتكرر في صدق كون السفر أو غيره عملا مما لا مجال لانكاره عرفا. ويدل عليه صحيح هشام: " المكاري، والجمال الذي يختلف وليس له مقام، يتم الصلاة، ويصوم شهر رمضان " (* 1) - ونحوه غيره - إذ المراد من الاختلاف تكرر الذهاب والاياب بلا فترة. وهذا المعنى غير موجود في الحملدارية ونحوهم، ممن يسافر في كل سنة مرة أو مرات متفرقة بنحو لا يصدق معه المواظبة على السفر، والاختلاف فيه، والاستمرار عليه. فالمرجع في حكمهم أصالة القصر علي المسافر. وإلى ذلك تومي مكاتبة محمد بن جزك إلى أبي الحسن الثالث (ع): " إن لي جمالا، ولي قوام عليها، ولست أخرج فيها إلا في طريق مكة، لرغبتي في الحج، أو في الندرة إلى بعض المواضع، فما يجب علي إذا خرجت معهم أن أعمل، أيجب علي التقصير في الصلاة والصيام في السفر، أو التمام؟ فوقع (ع): إذا كنت لا تلزمها، ولا تخرج معها في كل سفر إلا إلى مكة فعليك تقصير وإفطار " (* 2).


(* 1) الوسائل باب: 11 من ابواب صلاة المسافر حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 12 من ابواب صلاة المسافر حديث: 4.

[ 77 ]

{ من كان متخذا ذلك عملا له في تمام السنة، كالذين يكرون دوابهم من الامكنة البعيدة، ذهابا وايابا، على وجه يستغرق ذلك تمام السنة أو معظمها، فانه يتم حينئذ (1). (مسألة 47): من كان شغله المكاراة في الصيف دون الشتاء، أو بالعكس، الظاهر وجوب التمام عليه (2). ولكن الاحوط الجمع. } (1) لان الفترة بين السفرات الواقعة في السنين - لقلتها - لا تمنع من صدق الاختلاف والمزاولة والاستمرار، فيصدق أنهم ممن عملهم السفر. نعم لو اشترى دوابا ليكريها، ذهابا وإيابا، مرة بعد أخرى، في مدة معينة كسنة، فاتفق أنه كراها إلى مقصد معين، ثم إلى آخر - وهكذا - حتى تمادى به السير ستة أشهر ذاهبا، من دون قصد الاستمرا على ذلك، وإنما كان عن البداء المرة بعد الاخرى، لم يبعد القول بوجوب التمام عليه في تمام ذهابه وإيابه، لكفاية عزمه السابق في صدق عملية السفر. أما لو كان قاصدا المكاراة عليها من مقصد الى آخر - وهكذا إلى نهاية الغاية - قصر في الذهاب والاياب، إذ ليس حاله إلا حال من قصد السفر إلى نهاية ستة أشهر ذاهبا وآيبا، مرة واحدة لسبب اتفاقي، الذي لاإشكال في وجوب القصر عليه، لعدم كونه ممن عملهم السفر. وكذا لو كان مترددا بين الصورتين من أول الامر. فالمدار حينئذ في صدق عملية السفر، ووجوب التمام على قصد المكاراة ذاهبا وآيبا، مرة بعد أخرى، على النحو المتعارف بين المكارين، ليصدق عليه أنه لامقر له إلا منازل السفر. (2) وفي الجواهر: " فيه وجهان: يشنآن من إطلاق الدليل، وصدق العملية له في هذا الحال، مع اختلافه ذهابا وإيابا متكررا. ومن أن المتيقن الاول، فيبقى غيره على أدلة القصر. والاحوط الجمع ". وفيه: أنه

[ 78 ]

{ (مسألة 48): من كان التردد الى ما دون المسافة عملا له - كالحطاب ونحوه - قصر إذا سافر (1)، ولو للاحتطاب. إلا إذا كان يصدق عليه المسافر عرفا، وإن لم يكن بحد المسافة الشرعية، فانه يمكن أن يقال بوجوب التمام عليه إذا سافر بحد المسافة (2). خصوصا فيما هو شغله من الاحتطاب مثلا. } لاوجه للاقتصار على المتقين، مع اقتضاء الاطلاق التمام. ولاسيما بملاحظة ما ورد: من إتمام الجابي والاشتقان، بناء على أنه أمين البيدر، فان عمليتهما للسفر إنما تكون في أوقات مخصوصة. واحتمال الفرق: بأن وضع هذه الاعمال على هذا الحال، إذ عملية كل شئ بحسبه، بخلاف التاجر ونحوه. ضعيف جدا بعد ما عرفت من صدق عملية السفر في المقامين بنحو واحد، فليست عملية السفر مثل التوطن محتاجة الى قصد الدوام. بل تتوقف على قصد المزاولة للسفر مدة معتدا بها، بحيث يكون لامقر له الا منازل السفر، التي يتردد إليها ذاهبا وآيبا، كما عرفت. ولا يتوقف ذلك على أن يكون في تمام السنة. (1) كما تقدم في أوائل هذا الشرط (2) بل هو المحكي عن الموجز الحاوي. لكنه ضعيف - ويظهر من بعض عدم القول به من أحد سواه - لما عرفت من أن ظاهر أدلة التمام على من كان عمله السفر كونه حكما على من كان عمله السفر الموجب للقصر لولا كونه عملا مطلقا، فيكون لسانها لسان الاستثناء من أدلة التقصير. نعم في الفرض المذكور لو كان عازما على مزاولة السفر الشرعي للاحتطاب ولكنه لعدم تيسره له اشتغل بالسفر الى ما دون المسافة، أو كان ذلك أعود

[ 79 ]

{ (مسألة 49): يعتبر في استمرار من شغله السفر على التمام أن لا يقيم في بلده أو غيره عشرة أيام (1). وإلا انقطع حكم عملية السفر، } له، فإذا سافر الى المسافة للاحتطاب جرى عليه حكم السفرة الاولى ممن اتخذ السفر عملا له، التي قد عرفت أن الظاهر من الادلة أن حكمها وجوب التمام. ولو كان عازما على الاحتطاب مطلقا، إما من المسافة أو مما دونها فاشتغل بالاحتطاب مما دونها، ثم اتفق له أن قصد الاحتطاب من المسافة، قصر كالاول. (1) على المشهور. وعن المعتبر: نفي الخلاف فيه. وعن المدارك: أن ظاهر الاصحاب الاتفاق عليه. واستدل له بمصحح هشام المتقدم عن أبي عبد الله (ع): " المكاري، والجمال الذي يختلف وليس له مقام، يتم الصلاة، ويصوم شهر رمضان " (* 1). فان الظاهر من المقام إقامة عشرة أيام، إما لانها المتبادر منه عند الاطلاق في النص والفتوى. أو للاجماع على عدم التقصير باقامة ما دونها. أو لان البناء على إطلاقه يوجب التقصير لكل مكارغالبا، لتحقق الاقامة في الجملة ولو بعض يوم، وذلك مما لا يمكن الالتزام به. وفيه مع رجوع الاخير إلى ما قبله -: أن من المحتمل - بقرينة العطف على الاختلاف أن - يكون المراد من المقام ما ينافي مفهوم المكاري عرفا، فلا يكون مما نحن فيه. وبخبر عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (ع): " المكاري إن لم يستقر في منزله إلا خمسة أيام أو أقل قصر في سفره بالنهار، وأتم بالليل، وعليه صوم شهر رمضان. وإن كان له مقام في البلد الذي يذهب إليه عشرة أيام وأكثر، قصر في سفره وأفطر " وفيه: انه - مع ضعف سنده باسماعيل بن مرار المجهول. ومتروكية ظاهر،


(* 1) تقدم ذكره في المسألة: 46 من هذا الفصل.

[ 80 ]

من التقصير نهارا باقامة الخمسة فما دونها - قاصر الدلالة على ما نحن فيه، وإنما يدل على وجوب التقصير في السفر إلى مقصد يقيم فيه عشرة. نعم رواه الصدوق (ره) عن عبد الله بن سنان - وطريقه إليه صحيح - هكذا: " المكاري إذا لم يستقر في منزله إلا خمسة أيام أو أقل قصر في سفره بالنهار وأتم صلاة الليل، وعليه صيام شهر رمضان. فان كان له مقام في البلد الذي يذهب إليه عشرة أيام أو أكثر، وينصرف الى منزله ويكون له مقام عشرة أيام أو أكثر، قصر في سفره وأفطر " (* 1). وظاهره اعتبار أمرين في وجوب التقصير: إقامة عشرة في البلد الذي يذهب إليه، ومثلها في بلده الذي يرجع إليه. وهو أيضا غير ما نحن فيه. وبمرسل يونس عن بعض رجاله عن أبي عبد الله (ع): " سألته عن حد المكاري الذي يصوم ويتم. قال (ع): أيما مكار أقام في منزله، أو في البلد الذي يدخله أقل من عشرة أيام، وجب عليه الصيام والتمام أبدا. وإن كان مقامه في منزله أوفي البلد الذي يدخله أكثر من عشرة أيام، فعليه التقصير والافطار " (* 2). وفيه مع ضعف سنده بالارسال، وبإسماعيل بن مرار -: أنه يدل على اعتبار أكثر من عشرة أيام، وهو غير المدعى بل مناف له. اللهم إلا أن يدفع الاول: برواية الشيخ (ره) له عن كتاب نوادر الحكمة، ولم يستثن القميون من رواياته مثله، فدل ذلك على اعتمادهم عليه وكفى به مصححا. والثاني: بأن الظاهر من الشرطيتين كون إحداهما تصريحا بمفهوم الاخرى، وجعل الثانية تصريحا بمفهوم الاولى أولى من العكس لموافقته للترتيب الذكري، ولمناسبته لقاطعية إقامة عشرة للسفر الشرعي. فتأمل. ولعل من هنا يتضح المراد برواية ابن سنان التي رواها الشيخ، وأن


(* 1) الوسائل باب: 12 من ابواب صلاة المسافر حديث: 5. (* 2) الوسائل باب: 12 من ابواب صلاة المسافر حديث: 1.

[ 81 ]

{ وعاد الى القصر في السفرة الاولى خاصة (1)، دون الثانية، } المراد أنه يقصر في سفره من البلد الذي يذهب إليه ويقيم عشرة، لا من سفره إليه، كما قد يشهد به: ظهورها في أن المقابلة بين الصدر والذيل من جهة الاختلاف بينهما في الاقامة خمسة وعشرة لاغير. وبه أيضا يتضح المراد من المتن الذي رواه الصدوق. فيكون ما ذكره الاصحاب: - من أن إقامة المكاري عشرة في بلده أو غيره موجبة لتقصيره في سفره عنه - مستفادا من مجموع النصوص المذكورة. واشتماله على ما هو متروك الظاهر لا يقدح في الحجية. (1) كما عن السرائر، والمدارك، والرياض، وعن المهذب البارع والذخيرة: الميل إليه، ونسب الى المحقق مذاكرة، وإلى السيد عميد الدين. اقتصارا فيما دل على القصر على المتيقن، وهو السفرة الاولى، والرجوع في غيره الى عموم وجوب التمام. وعن الشهيدين والمحقق الثاني وغيرهم: العود الى التمام في الثالثة، لزوال الاسم بالاقامة، فيكون حاله كالمبتدئ. ولانه مقتضى صحيح هشام المتقدم، المعتبر للاختلاف مع عدم المقام، إذ لا يصدق ذلك إلا في الثالثة (* 1). وفيه: المنع من زوال الاسم. ومجرد وجوب القصر لا يدل عليه. والعرف أقوى شاهد عليه. مع أنك عرفت عدم اعتبار التعدد في المبتدئ وأما الصحيح فقد عرفت إشكال الاستدلال به في المبتدئ. فراجع. فلا مجال لرفع اليد عن عموم مادل على وجوب التمام لمن كان عمله السفر. بل الظاهر إن أدلة الترخص للمقيم عشرة ممن عمله السفر بنفسها كافية في وجوب التمام، لانها - كما تضمنت وجوب القصر - بشرط الاقامة عشرة - تضمنت وجوب التمام بشرط عدم الاقامة عشرة، فكل سفر عن الاقامة


(* 1) راجع المسألة: 46 من هذا الفصل.

[ 82 ]

{ فضلا عن الثالثة (1). وإن كان الاحوط الجمع فيهما. ولا فرق في الحكم المزبور بين المكاري، والملاح، والساعي، وغيرهم ممن عمله السفر (2). أما إذا أقام أقل من عشرة أيام } المذكورة يوجب القصر، وكل سفر لا يكون عنها يوجب التمام. ولولا ذلك لاشكل الرجوع الى عموم وجوب التمام في السفر الثالث، لان دليل القصر بعد الاقامة عشرة من قبيل الخاص، المقدم إطلاقه لو كان على دليل العام فيؤخذ به في السفرين الاولين، ويرجع في الثالث إلى الاجماع على وجوب التمام. وأما البناء على التمام في السفرة الثانية، لاستصحاب وجوب التمام الثابت قبل الخروج فهو - مع أنه لا مجال له فيما لو كان السفر الثاني بعد إقامة دون العشرة في غير وطنه، لان حكمه القصر حال الاقامة المذكورة، فهو المستصحب لا التمام - إنما يتم لو لم يكن معارضا باستصحاب تعليقي، وهو استصحاب وجوب القصر على تقدير السفر، لانه كان حين الاقامة عشرة محكوما بذلك. وأما الاشكال على استصحاب التمام: بأنه من قبيل القسم الثالث، لان التمام في الوطن لانه حاضر، وفي السفر لانه عمله، واختلاف العلل يوجب اختلاف المعلول، فالمتيقن معلوم الارتفاع، والمشكوك محتمل الحدوث ففيه: أن عملية السفر ليس علة حقيقية للحكم بالتمام، في قبال علة الحضور في الوطن، بل الظاهر أن التمام في المقامين بمناط واحد، وهو عدم السفر الاتفاقي. فلاحظ (1) كذا في بحاة العباد. وظاهره كون الثالثة محل الخلاف كالثانية وأن التقصير فيها مبني على وجوب التقصير فيها للمبتدئ، وأن الاقامة عشرة موجبة لكونه مبتدئا. وقد عرفت الاشكال في كل منهما. هذا وقد ادعى بعض: الاجماع عليه وجوب التمام في الثالثة، ولعله ظاهر غيره أيضا. ولكنه غير ظاهر. فراجع، وتأمل. (2) كما هو المشهور، بل في الجواهر: " بلا خلاف أجده فيه "

[ 83 ]

{ بقي على التمام (1). وإن كان الاحوط مع إقامة الخمسة الجمع (2) ولا فرق في الاقامة في بلده عشرة بين أن تكون منوية } وفي الرياض: " اتفقت الفتاوى بعدم الفرق ". والمحقق وإن حكى في الشرائع وغيرها قولا بالاختصاص بالمكاري، إلا أنه لم يعرف قائله، كما اعترف به جماعة. وإن كان هو مقتضى الجمود على مورد النصوص، لاختصاصه به. لكن لا يبعد التعدي الى سائر من عمله السفر، بأن يكون دليل الاقامة عشرة كاشفا عن أن المراد بعملية السفر - التي جعلت علة للحكم في جميعها - الاشتغال بعمل السفر على نحو تنافيه الاقامة المذكورة، على ما هو المتعارف، فيكون في الجميع بمعنى واحد، فان ذلك أقرب عرفا من تقييد التعليل في خصوص المكاري بعدم الاقامة. فيكون المقام نظير موارد الدوران بين التخصيص والتخصص. (1) لعموم نصوص التمام عليهم، وخصوص نصوص الاقامة عشرة الدالة على التمام بدونها. (2) لما عن الاسكافي: من أنها بحكم العشرة. ولم يعرف مستنده. نعم عن المبسوط، والنهاية، والوسيلة - بل نسب الى الشيخ واتباعه -: التقصير في صلاته نهارا، والاتمام في صومه وفي صلاته ليلا. ويشهد له حديث ابن سنان المتقدم (* 1). لكن قال في محكي السرائر: " لا يجوز العمل به بلا خلاف، لان الاجماع على خلافه بلا خلاف ". وعن غاية المراد وغيرها: أنه متروك الظاهر. مضافا الى دلالته على الاكتفاء في ذلك بالاقل من خمسة، الذي لم ينقل عن أحد أصلا. وإلى إمكان دعوى معارضته بخبر يونس المتقدم، الواجب ترجيحه عليه. فلاحظ. وحينئذ فلا مجال للعمل به.


(* 1) راجع أوائل الكلام في هذه المسألة.

[ 84 ]

{ أولا (1)، بل وكذا في غير بلده أيضا (2)، فمجرد البقاء عشرة يوجب العود الى القصر. ولكن الاحوط - مع الاقامة في غير بلده بلانية - الجمع في السفر الاول بين القصر والتمام. (مسألة 50): إذا لم يكن شغله وعمله السفر، لكن عرض له عارض فسافر أسفارا عديدة، لايلحقه حكم وجوب التمام (3)، سواء كان كل سفرة بعد سابقها اتفاقيا، أو كان } (1) كما صرح به غير واحد، بل يظهر منهم الاتفاق عليه. نعم عن النجيبية: اعتبار النية. لكن قال في مفتاح الكرامة: " لم أجد له موافقا ". ويدل عليه إطلاق النص، ومعاقد الاجماعات. (2) كما يقتضيه إطلاق النص. لكن المحكي عن الروض والعلامة المجلسي: الاجماع على اعتبار النية، وهو ظاهر محكي الذخيرة. وسوق البلد وغيره بمساق واحد، لا يأبى التفكيك بينهما في اعتبار النية في الثاني وعدمه في الاول، لامكان كون المراد من النصوص أن يخرج عن حكم السفر عشرة أيام، وهو حاصل في البلد بلا نية، وفي غيرها معها. إلا أن الشأن كله في ثبوت الاجماع المذكور، لاهمال جمع كثير لذكر غير بلده، بل لايعرف من تعرض له إلى زمان المحقق في النافع. وهو فيه وإن ذكره لم يتعرض لذكر النية، والعلامة في جملة من كتبه أهمله، وفي التبصرة ذكره ولم يشترط فيه النية. نعم في القواعد ذكره واشترط فيه النية، وتبعه عليه الجماعة. ومع هذا الاهمال والاطلاق لا يبقى وثوق بنقل الاجماع على نحو يعتمد عليه في تقييد إطلاق النص. فالعمل على الاطلاق متعين. ولاسيما أن النية لادخل لها في منافاة الاقامة عشرة لعملية السفر أصلا. فلاحظ. (3) لانتفاء العلة التي يدور الحكم مدارها، وهي عملية السفر، على

[ 85 ]

{ من الاول قاصدا لاسفار عديدة. فلو كان له طعام أو شئ آخر في بعض مزارعه، أو بعض القرى، وأراد أن يجلبه إلى البلد، فسافر ثلاث مرات أو أزيد، بدوابه أو بدواب الغير لا يجب عليه التمام (1). وكذا إذا أراد أن ينتقل من مكان إلى مكان فاحتاج إلى اسفار متعددة في حمل أثقاله وأحماله. (مسألة 51): لا يعتبر فيمن شغله السفر اتحاد كيفيات وخصوصيات أسفاره، من حيث الطول والقصر، ومن حيث الحمولة، ومن حيث نوع الشغل. فلو كان يسافر إلى الامكنة القريبة، فسافر إلى البعيدة، أو كانت دوابه الحمير فبدل بالبغال أو الجمال، أو كان مكاريا فصار ملاحا - أو بالعكس - يلحقه الحكم (2)، وإن أعرض عن أحد النوعين إلى الآخر، أو لفق من النوعين. نعم لو كان شغله المكاراة، فاتفق أنه ركب السفينة للزيارة - أو بالعكس - قصر، لانه سفر في } ما عرفت من لزوم صدق أنه لامقر له إلا منازل السفر المتناوبة. وذلك لا يحصل إلا بالعزم على المزاولة مدة طويلة، ولا يحصل ذلك بمجرد المزاولة من دون عزم على الاستمرار. (1) لعدم صدق كون السفر عملا له، لان صدق العملية دائر عرفا مدار اتخاذه حرفة وصنعة، كما صرح به في المستند وغيره، وهو غير حاصل في الفرضين. (2) لصدق كونه مسافرا سفرا هو عمله، على النحو الذي كان سفره السابق عليه. ومجرد اختلاف السفرين في الخصوصيات، لا يوجب اختلافهما في صدق العمل عليهما بنحو واحد.

[ 86 ]

{ غير عمله (1)، بخلاف ما ذكرنا أولا، فانه مشتغل بعمل السفر، غاية الامر أنه تبدل خصوصية الشغل إلى خصوصية آخرى. فالمناط هو الاشتغال بالسفر وإن اختلف نوعه. (مسألة 52): السائح في الارض، الذي لم يتخذ وطنا منها يتم (2). والاحوط الجمع. (مسألة 53): الراغي الذي ليس له مكان مخصوص يتم (3). (مسألة 54): التاجر الذي يدور في تجارته يتم (4). (مسألة 55): من سافر معرضا عن وطنه، لكنه لم يتخذ وطنا غيره يقصر (5). } (1) بل يأتي به بداع آخر، كغيره ممن لا يكون السفر عملا له. لكن عرفت الاشكال فيه في المسألة الخامسة والاربعين. (2) كذا في نجاة العباد أيضا. وكأنه لان السفر يختص بمن كان له حضر، والسائح لاحضر له ولا سفر، كي يثبت له حكم المسافر. أو لانه نظير الاعراب الذين بيوتهم معهم. ولاسيما إذا كان قد اتخذ بيتا معه، لا أنه يتخذ له في كل منزل بيتا. (3) بلا إشكال ظاهر. ويدل عليه صحيح زرارة (* 1) وموثق السكوني (* 2)، ومرفوع ابن أبي عمير (* 3) حيث عد فيها ممن يجب عليه التمام في السفر، معللا في الاول والاخير: بأن السفر عملهم. ولاجله قيده في المتن بما ذكر. (4) بلا إشكال ظاهر أيضا. ويدل على موثق السكوني. (5) لعموم وجوب القصر على المسافر، مع عدم دخوله فيمن بيته


(* 1) تقدم ذلك في السابع من شرائط وجوب القصر. (* 2) تقدم ذلك في المسألة: 31 من هذا الفصل. (* 3) تقدم ذلك في السابع من شروط القصر.

[ 87 ]

{ (مسألة 56): من كان في أرض واسعة قد اتخذها مقرا، إلا أنه كل سنة مثلا في مكان منها، يقصر إذا سافر عن مقر سنته (1). (مسألة 57): إذا شك في أنه أقام في منزله أو بلد آخر عشرة أيام أو أقل بقي على التمام (2). } معه، ولا فيمن عمله السفر. نعم إذا كان بانيا على عدم التوطن في مكان بعينه، فانه يمكن أن يكون داخلا فيمن بيته معه، لان منازل سفره في نظره كمنزل وطنه، فيكون نظير السائح. بل يمكن القول بوجوب التمام عليه وإن كان مترددا في التوطن وعدمه، لاختصاص أدلة الترخص بغيره ممن كان له وطن يسافر عنه ويرجع إليه. فتأمل جيدا. (1) لانه يكون ذا أوطان متعددة بتعدد السنين، فإذا سافر عن مقر سنته فقد سافر عن وطنه. ولا إشكال حينئذ في وجوب القصر عليه إذا صدق أن له وطنا، لكن الاشكال في صدق الوطن بمجرد القصد، لاعتبار الدوام في التوطن، ولا يكفي توطن سنة في صدقه، كما سيأتي. والاولى إلحاقه بالاعراب الذين بيوتهم معهم، فان كانوا في بيوتهم أتموا، وإذا فارقوها قصروا. (2) هذا ظاهر، بناء على أن الاقامة عشرة إنما أوجبت القصر لارتفاع موضوع عملية السفر، إذ الشك حينئذ يرجع الى الشك في بقاء عملية السفر وارتفاعها، فتستصحب. وكذا لو كان عدم الاقامة عشرة قيدا شرعيا لوجوب التمام على المكاري، إذا كان الشك في أول الاقامة، مع العلم بآخرها كما لو علم أنه خرج يوم الجمعة من البلد، وشك في أنه دخله قبل تسعة أيام أو عشرة، إذ لا مجال لاستصحاب الاقامة حينئذ، إذ الاصل عدمها. أما إذا كان الشك في آخرها، كما لو علم أنه دخل البلد يوم الجمعة، وشك

[ 88 ]

{ الثامن: الوصول الى حد الترخص (1)، وهو المكان } في أنه خرج منه بعد تسعة أو عشرة، كما لو كان في يوم الاثنين مسافرا، وشك أنه خرج اليوم أو أمس، فقد يشكل الحكم بوجوب التمام عليه حينئذ، لامكان استصحاب الاقامة في اليوم العاشر، فيثبت به موضوع القصر، وهو تمام العشرة، لان الموضوع يكون مجموع الاقامات المتصلة في الايام العشرة، فإذا أحرز منها تسعة بالعلم، والعاشر بالاصل، يكون من قبيل الموضوع المركب المحرز بعضه بالوجدان وبعضه بالاصل، فيترتب عليه الاثر. اللهم إلا أن يقال: إنما يجري الاستصحاب لو كان موضوع الاثر الوجود الباقي الى العشرة. أما لو كان الوجود المستغرق للعشرة، أو المساوي أمده للعشرة، فلا يمكن إثباته باستصحاب بقاء الاقامة الى العشرة، إلا بناء على الاصل المثبت، لملازمة هذا المفهوم للبقاء إلى نهاية العشرة، كما تقدم نظيره في أقل الحيض ثلاثة. نعم لو شك حين الخروج أن اليوم الاحد أو يوم الاثنين، فلا ينبغي التأمل في الرجوع إلى أصالة عدم المقام عشرة كالصورة الاولى. ولا مجال للرجوع الى استصحاب البقاء، إذ لاشك بالنسبة الى الازمنة التفصيلية. فتأمل جيدا. (1) على المشهور شهرة كادت تكون إجماعا، كما عن الذكرى، بل عن الخلاف: الاجماع عليه. وعن علي بن بابويه: التقصير بمجرد الخروج من المنزل. ويوافقه مرسل ولده عن أبي عبد الله (ع): " إذا خرجت من منزلك فقصر إلى أن تعود إليه " (* 1) وقريب منه غيره. لكنه لا يصلح لمعارضة ما يأتي، فيتعين حمله عليه إن أمكن.


(* 1) الوسائل باب: 7 من ابواب صلاة المسافر حديث: 5.

[ 89 ]

{ الذي يتوارى عنه جدران بيوت البلد، ويخفى عنه أذانه (1). ويكفي تحقق أحدهما، مع عدم العلم بعدم تحقق الآخر. } (1) كما عن المشهور، أو بين المتأخرين، أو أكثر المتأخرين، أو الاظهر بينهم، أو أكثر علمائنا، أو نحو ذلك من عبارات النسبة. وعن أكثر المتقدمين: اعتبار أحد الامرين، بل نسب الى المشهور تارة، وإلى الاكثر أخرى. وعن التنقيح: الاقتصار على الاول. ونحوه ماعن المقنع: من الاقتصار على التواري من البيوت. وعن المفيد والتقي وسلار والحلي: الاقتصار على خفاء الاذان. ومنشأ الاختلاف المذكور اختلاف الاخبار، إذ هي بين ما يشير الى الاول، كصحيح ابن مسلم: " قلت لابي عبد الله (ع): الرجل يريد السفر فيخرج، متى يقصر؟ قال (ع): إذا توارى عن البيوت " (* 1) وبين ما يدل على الثاني، كصحيح ابن سنان عنه (ع): " عن التقصير قال (ع): إذا كنت في الموضع الذي تسمع فيه الاذان فأتم. وإذا كنت في الموضع الذي لا تسمع فيه الاذان فقصر. وإذا قدمت من سفرك فمثل ذلك " (* 2) وصحيح حماد بن عثمان المروي عن المحاسن عنه (ع): " إذا سمع الاذان أتم المسافر " (* 3) وما تقدم في خبر إسحاق بن عمار: " أليس قد بلغوا الموضع الذي لا يسمعون فيه أذان مصرهم الذي خرجوا منه؟ " (* 4) فمبنى القول الاول المذكور في المتن: تقييد منطوق إحدى الطائفتين بالآخر. ومبنى الثاني: إما تقييد مفهوم إحدى الطائفتين بمنطوق الاخرى


(* 1) الوسائل باب: 6 من ابواب صلاة المسافر حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 6 من ابواب صلاة المسافر حديث: 3. (* 3) الوسائل باب: 6 من ابواب صلاة المسافر حديث: 7. (* 4) الوسائل باب: 3 من ابواب صلاة المسافر حديث: 11.

[ 90 ]

أو رفع اليد عن المفهوم فيهما بالمرة، أو رفع اليد عن خصوصية الشرط في كل منهما وجعل الموضوع هو الجامع بينهما، أو البناء على التعارض فيكون الحكم التخيير، بناء على أنه تخيير في المسألة الفرعية. ومبنى الاخيرين التعارض، والترجيح، إما للاولى، أو للاخيرة. هذا ولا يخفى أن ما ذكر - على تقدير تماميته في نفسه - إنما يصح لو كان فخاء الاذان أو البيوت ملحوظا موضوعا لجواز التقصير. أما إذا لوحظ معرفا للمقدار الخاص من البعد - يعني: أن يبعد الانسان إلى حد لا يسمع فيه الاذان لو كان، ويتوارى عن البيوت لو كانت، وإن لم يكن أذان ولا بيوت فلا مجال لهذا الخلاف. لان التقديرين إن كانا متساويين كان أحدهما عين الآخر، والاختلاف يكون في المفهوم الملازم، نظير التقدير بثمانية فراسخ ومسيرة يوم، فلا معنى للاكتفاء بأحدهما تعيينا، أو تخييرا، أو اعتبار الانضمام. وان كانا مختلفين، فحيث يمتنع التقدير بالاقل والاكثر معا، وجب إعمال قواعد التعارض، من الترجيح أو التخيير. نعم هنا احتمال آخر، وهو أن يكون كل من الخفائين علامة على تحقق البعد في الجملة، أعم من أن يكون مقارنا لوجوده، أو سابقا عليه. فحينئذ يمكن أن يقع الخلاف في أن العلامة مجموعهما، أو كل منهما مستقلا، مطلقا، أو في غير صورة العلم بانتفاء الاخرى. وفيه أيضا: أنه لايتم لو أريد بهما المقداران إذ مع البناء على تلازمهما لا معنى للخلاف المذكور، لرجوعهما الى مقدار واحد، ومع البناء على انفكاكهما يتعين كون العلامة احدهما، إما السابق، أو اللاحق، ويكون ضم الآخر إليه في غير محله. نعم لو أريد بهما الفعليان فحيث إنه لاريب في انفكاك أحدهما عن الآخر يمكن النزاع المذكور. لكن لازم ذلك انتفاء العلامة عند انتفائهما معا. وهو مما لا يمكن أن يلتزم به. فالتحقيق: إنه لا ينبغي التأمل في كون العنوانين المذكورين في النصوص

[ 91 ]

يراد بهما تحديد مقدار البعد الذي يجوز معه التقصير، كما اعترف به جماعة - بل نسبه الى الاصحاب غير واحد - لا أنهما علامتان عليه، ولا موضوعان لجواز التقصير. وحينئذ فلابد من النظر في كونهما متساويين، أو مختلفين. وعلى الثاني فهل يمكن التصرف بظاهر أحدهما، أو كليهما، ليرجع أحدهما الى الآخر فيرتفع التنافي، أولا يمكن ليرجع إلى قواعد التعارض؟ فنقول: أما صحيحة ابن مسلم، المتضمنة للتحديد بأن يتوارى عن البيوت، فمقتضى الجمود على عبارتها أن يستتر المسافر نفسه عن البيوت، يعني: أن يبعد إلى حد يكون بينه وبينها ساتر وحاجب. وهذا تارة: يكون بعناية أن لا يراها، وأخرى: بعناية أن لا تراه. وحيث أن الثاني محتاج الى تقدير الابصار لها. مضافا الى عدم مناسبته لكون ذلك أمارة للمسافر يعمل عليها نعين أن يكون بعناية الاول. ولاجل ذلك عبر المشهور بخفاء الجدران، أو تواريها، مريدين خفاءها عليه. وكأن الباعث على هذا التعبير ان المسافر هو فاعل المواراة، وإن كانت هي قائمة بكل من الطرفين. وحينئذ فالتحديد المذكور مما لا يناسب التحديد في صحيحة ابن سنان وأخواتها، إذ البعد المؤدي الى استتار البيوت عن المسافر يزيد كثيرا عن البعد المانع عن سماع الاذان، سواء أريد منه عدم سماع فصوله، على نحو يميز بعضها عن بعض أم عدم سماعه بما أنه أذان، على نحو لا يميز كونه أذانا أو ندبة، أم عدم سماعه بما أنه صوت، بحيث يخفى أصل الصوت، فان جميع ذلك يحصل قبل أن يحصل البعد الموجب للاستتار. وحينئذ يدور الامر بين حمل الاولى على خصوص البوادي، التي لا يكون التوطن فيها إلا في بيوت منقولة أو ثابتة، وحمل الثانية على ما عداها من البلدان والامصار. وبين حمل الاولى على إرادة مرتبة خاصة من الاستتار تكون مساوية في المقدار لعدم السماع. وبين حملها على عدم إرادة التحديد

[ 92 ]

{ وأما مع العلم بعدم تحققه فالاحوط اجتماعهما (1). بل الاحوط مراعاة اجتماعهما مطلقا. فلو تحقق أحدهما دون الآخر، إما يجمع بين القصر والتمام، وإما يؤخر الصلاة الى أن يتحقق الآخر. } بل مجرد وجوب التقصير حينئذ، لكون التواري عن البيوت أمارة قطعية على الوصول الى الحد، ولو متجاوزا عنه. والاول وإن كان أوفق بصناعة الجمع، لان نسبة الصحيحة الاولى - بلحاظ كون موردها البيوت - إلى غيرها نسبة المقيد الى المطلق. ويؤيده اختصاص خبر إسحاق بالمصر. إلا أنه مما لم يقل به أحد، بل لا يظن إمكان الالتزام به، لان تبعية مادخل في حد الترخص للوطن في المدن والامصار أولى منها في البيوت والقرى، كما هو ظاهر. فيتعين أحد الاخيرين. وثانيهما أقرب عرفا. وكيف كان فالتصرف يختص بالصحيحة الاولى لاغير. ولو فرض تعذر الجمع العرفي كان الترجيح لنصوص الاذان، لكونها أشهر. (1) التفصيل بين صورة العلم بانتفاء الاخر وعدمه مبني على أن وجود كل منهما أمارة على الوجود، وانتفاءه أمارة على الانتفاء، فإذا أحرز أحدهما وشك في الآخر فقد أحرزت الامارة على الوجود وشك في وجود المعارض لها، ومع الشك في وجود المعارض يرجع الى أصالة عدمه. أما مع العلم بانتفاء الآخر، فتتعارض الامارتان، فيسقطان عن الحجية، ويرجع الى الاصول. وهذا المعنى جمع آخر بين النصوص، ليس فيه تقييد المنطوق بالمنطوق، ولا المفهوم بالمنطوق، ولارفع اليد عن المفهوم، ولارفع اليد عن خصوصية كل من الشرطين، بجعل الشرط هو الجامع بينهما، بل جعل المنطوق والمفهوم من كل من الشرطيتين لبيان كون شرطها علامة وأمارة على الحد وعدمه أمارة على عدمه. وهو وإن كان في نفسه معنى صحيحا قريبا، واستظهرناه من نصوص صفات المني في مبحث الجنابة من هذا الشرح، لكن عرفت

[ 93 ]

{ وفي العود عن السفر أيضا ينقطع حكم القصر (1). إذا وصل الى } الاشكال فيه في الحاشية السابقة. (1) على المشهور شهرة عظيمة كادت تكون إجماعا، كما عن الذكرى ويدل عليه - مضافا الى مادل عليه في الذهاب، لظهوره في أن مابين حد الترخص والبلد خارج عن حكم السفر، وأنه بحكم البلد، من دون خصوصية للذهاب - صحيح حماد، وذيل صحيح ابن سنان المتقدمان (* 1). نعم يعارضهما جملة من النصوص، كصحيح العيص عن أبي عبد الله (ع): " لا يزال المسافر مقصرا حتى يدخل بيته " (* 2) وصحيح معاوية بن عمار عنه (ع): " إن أهل مكة إذا زاروا البيت ودخلو منازلهم أتموا، وإذا لم يدخلوا منازلهم قصروا " (* 3) وقريب منه صحيح الحلبي (* 4) وموثق إسحاق عن أبي ابراهيم (ع): " عن الرجل يكون مسافرا، ثم يقدم فيدخل بيوت الكوفة، أيتم الصلاة أم يكون مقصرا حتى يدخل أهله؟ قال (ع): بل يكون مقصرا حتى يدخل أهله " (* 5) ومرسل الصدوق عن أبي عبد الله (ع): " إذا خرجت من منزلك فقصر الى أن تعود إليه " (* 6) ونحوها غيرها. وعن علي بن بابويه: العمل بها كالذهاب. ووافقه السيد المرتضى، وأبو علي، وفي الرياض: " لولا الشهرة المرجحة للادلة الاولة لكان المصير الى هذا القول في غاية القوة، لاستفاضة نصوصه


(* 1) راجع أوائل الكلام من هذا الشرط. (* 2) الوسائل باب: 7 من ابواب صلاة المسافر حديث: 4. (* 3) الوسائل باب: 3 من ابواب صلاة المسافر حديث: 7. (* 4) الوسائل باب: 3 من ابواب صلاة المسافر حديث: 8. (* 5) الوسائل باب: 7 من أبواب صلاة المسافر حديث: 3. (* 6) الوسائل باب: 7 من ابواب صلاة المسافر حديث: 5.

[ 94 ]

{ حد الترخص (1) من وطنه أو محل اقامته. وإن كان الاحوط تأخير الصلاة الى الدخول في منزله، أو الجمع بين القصر والتمام إذا صلى قبله بعد الوصول الى الحد. } وصحة أكثرها، وظهور دلالتها جملة، بل صراحة كثير منها... " وفي الحدائق: جعله الاظهر. وعن المدارك والذخيرة: التخيير بين القصر والتمام جمعا بين النصوص. وعن الاردبيلي: أنه حسن لو وجد القائل به. وتكلف غير واحد توجيه النصوص المذكورة بنحو لا تنافي الاول، منهم شيخ الطائفة فحمل دخول الاهل والمنزل على وصول محل الترخص. وفي الوسائل: هو جيد، لان هذه النصوص ظاهرة، وتلك النصوص نص. وهذا الجمع وغيره وإن كان بعيدا، لكن لا بأس به بعد إعراض المشهور عنها بنحو يوجب وهنها. ولاسيما بملاحظة اشتمال بعضها على عدم اعتبار حد الترخص في الذهاب أيضا كالاياب. وقد عرفت أنه مخالف للاجماع المنعقد في كثير من الطبقات. ولعل الاقرب حملها على التقية. (1) وهو بناء على رجوع الحدين المتقدمين الى حد واحد ظاهر. وكذا بناء على أن الحد خفاء الاذان، وأن المواراة عن البيوت طريق إليه في الذهاب، كما قربناه في الجمع. بين الروايتين، إذ العبرة في الاياب حينئذ بخفاء الاذان لاغير، لامتناع الطريقة المتقدمة في الاياب. وكذا بناء على سقوط رواية المواراة للمعارضة. أما بناء على اعتبار اجتماعهما، أو الاكتفاء بأحدهما، فيشكل ذلك في الاياب، لعدم الدليل عليه فيه، لاختصاص رواية المواراة بالذهاب فقط. ولذا كان ظاهر الشرائع الاعتبار هنا بخفاء الاذان لاغير. ومال إليه في محكي المدارك وغيره. ثم إنه مقتضى ما هو ظاهر المشهور من الاكتفاء بأحد الامرين في الذهاب، وأن أحدهما كاف في وجوب القصر فلابد من رفعهما معا في الاياب، إذ لا يرتفع القصر إلا برفع موجبه، فإذا

[ 95 ]

{ (مسألة 58): المناط في خفاء الجدران خفاء جدران البيوت (1)، لاخفاء الاعلام والقباب والمنارات، بل ولاخفاء سور البلد إذا كان له سور. ويكفي خفاء صورها وأشكالها، وإن لم يخف أشباحها. (مسألة 59): إذا كان البلد في مكان مرتفع، بحيث يرى من بعيد، يقدر كونه في الموضع المستوي (2). كما أنه إذا كان في موضع منخفض يخفى بيسير من السير، أو كان هناك حائل يمنع عن رؤيته، كذلك يقدر في الموضع المستوي وكذا إذا كانت البيوت على خلاف المعتاد، من حيث العلو أو الانخفاض، فانها ترد إليه. لكن الاحوط خفاؤها مطلقا (3) وكذا إذا كانت على مكان مرتفع، فان الاحوط خفاؤها مطلقا. (مسألة 60): إذا لم يكن هناك بيوت ولا جدران يعتبر التقدير (4). نعم في بيوت الاعراب ونحوهم ممن لا } كان موجبه أحدهما، فلا يرتفع إلا بارتفاعهما معا. (1) قد عرفت أنه ليس في النص خفاء، ولا جدران، وإنما الموجود فيه التواري عن البيوت، الذي هو بمعنى استتارها عنه. كما عرفت محمله مما اقتضاه الجمع العرفي. (2) لان الظاهر من الدليل كون التواري من جهة البعد، لامن جهة أخرى. ومنه يظهر الوجه في التقدير فيما يأتي، وضعف ماعن المدارك: من الاكتفاء بالخفاء في المنخفضة، للاطلاق. ونحوه ماعن الذخيرة: من الاكتفاء بالخفاء للحائل، ولو رئيت بعد ذلك. (3) قد عرفت أنه معنى الكلام. (4) كما هو مقتضى ورود الكلام هذا المورد. وفي الجواهر: نفى الريب فيه.

[ 96 ]

{ جدران لبيوتهم يكفي خفاؤها، ولايحتاج الى تقدير الجدران (1). (مسألة 61): الظاهر في خفاء الاذان كفاية عدم تميز فصوله (2). وإن كان الاحوط اعتبار خفاء مطلق الصوت حتى المتردد بين كونه أذانا أو غيره، فضلا عن المتميز كونه أذانا، مع عدم تميز فصوله. (مسألة 62): الظاهر عدم اعتبار كون الاذان في آخر البلد، في ناحية المسافر (3)، في البلاد الصغيرة والمتوسطة بل المدار أذانها وإن كان في وسط البلد على مأذنة مرتفعة. نعم في البلاد الكبيرة يعتبر كونه في أواخر البلد، من ناحية المسافر. } (1) وعن ظاهر المقاصد العلية: اعتبار تقديرها. لكن عرفت أنه ليس في النص إلا ذكر البيوت، فان كانت الجدران راجعة إليها، فلا معنى لتقديرها مع فعلية البيوت، وإن لم تكن كذلك. فلاوجه للاعتبار بها، لا بالفعل، ولا بالتقدير. (2) بل مقتضى الجمود على عبارة النص خفاؤه بما هو أذان، بحيث لا يتميز أنه أذان أو غيره. نعم يحتمل قريبا: أن يكون المراد خفاء صوت الاذان بما هو صوت عال بمرتبة خاصة من العلو، فيكون عنوان الاذان ملحوظا طريقا الى نفس الصوت. وإنما خصه بالذكر من بين الاصوات لمعهوديته خارجا، وليس لغيره مثل هذه المعهودية. ولو بني على اعتبار تميز الفصول كان اللازم اعتبار تميز الحروف، لعدم الفرق. (3) بل مقتضى اطلاق تقدير البعد الكائن بين المسافر والبلد بذلك هو اعتبار ما ذكر، لان إرادة غيره تحتاج الى نصب قرينة. نعم لو كان للاذان محل معين وسط البلد أو غيره كان منصرف التقدير ذلك لاغير. لكنه

[ 97 ]

{ (مسألة 63): يعتبر كون الاذان على مرتفع، معتاد في أذان ذلك البلد (1)، ولو منارة غير خارجة عن المتعارف في العلو. (مسألة 64): المدار في عين الرائي وأذن السامع على المتوسط (2) في الرؤية والسماع، في الهواء الخالي عن الغبار والريح ونحوهما من الموانع عن الرؤية أو السماع. فغير المتوسط يرجع إليه. كما أن الصوت الخارق في العلو يرد الى المعتاد المتوسط. (مسألة 65): الاقوى عدم اختصاص اعتبار حد الترخص بالوطن، فيجري في محل الاقامة أيضا (3)، بل } ليس كذلك، بل يجوز أن يكون فيه وفي آخر البلد، من ناحية المسافر ومن الناحية الاخرى، وفي غير ذلك من المواضع. فيتعين ما ذكرنا. (1) فيكون هو منصرف التقدير كسائر الخصوصيات المعتادة ووجهه ما أشرنا إليه مكررا، من أن التقدير إذا كان بأمر مختلف الافراد بالزيادة والنقصان، فمقتضى إطلاقه تعين المعتاد لاغير، لان الاعتياد مما يصلح أن يكون قرينة على تعيين المراد من الكلام الوارد في مقام البيان، لان غير المعتاد لو أريد احتيج الى نصب قرينة، بخلاف المعتاد. ومنه يظهر الوجه في اعتبار كونه معتادا بحسب حال البلد، إذا فرض اختلاف البلدان في ذلك. نعم لابد من مراعاة المعتاد في عصر صدور النصوص، لا المعتاد في كل زمان، بحيث يختلف الحد باختلاف الاعتياد بحسب الازمنة، فانه خلاف ظاهر الدليل. (2) لانه المعتاد، فينصرف إليه التقدير. (3) كما استوضحه في نفائح الافكار، والمدارك. واختاره في السرائر

[ 98 ]

{ وفي المكان الذي بقى فيه ثلاثين يوما مترددا. وكما لافرق في الوطن بين ابتداء السفر والعود عنه في اعتبار حد الترخص، كذلك في محل الاقامة. فلو وصل في سفره الى حد الترخص } وكشف الالتباس، والذخيرة، وظاهر التذكرة، والذكرى، على ما حكي عنهم. وفي مفتاح الكرامة: " وهو الذي يستفاد من كلام الاكثر من مواضع، بل هو صريح كلامهم في مسألة ناوي الاقامة في بلد، حيث ذكروا: إنه لا يضره التردد في نواحيها، ما لم يبلغ محل الترخص، فقد ذكروا ذلك هناك متسالمين عليه. والاخبار منطبقة الدلالة عليه، فلا اشكال فيه ". أقول: أما دلالة الاخبار عليه فلا تخلو من خفاء. أما رواية حماد: " إذا سمع الاذان أتم المسافر " (* 1) فلا معنى للاخذ باطلاقها. وأما رواية ابن سنان فموردها السؤال عن التقصير، وإجماله مما لا يخفى. بل لعل قوله (ع): " وإذا قدمت... " (* 2) ظاهر في خصوص الوطن. نعم لا يبعد احتمال اطلاق صحيح محمد ابن مسلم (* 3) إلا أن دعوى انصرافه الى خصوص الوطن - بأن يراد من السفر فيه السفر بعد الحضر - قريبة جدا. وأما رواية التنزيل للمقيم بمكة منزلة أهله (* 1) فقد عرفت الاشكال فيها في قاطعية نية الاقامة. فراجع. ولاجل ذلك قيل بعدم اعتبار حد الترخص هنا. نعم يمكن أن يقال: انه لو فرض اختصاص صحيح محمد ابن مسلم بالوطن، يمكن دعوى: أن الغرض منه تحديد الموضع الذي يجب فيه التمام، وتمييزه عما يجب فيه القصر، بلا خصوصية للوطن عرفا. ولاسيما بملاحظة بعد الاكتفاء بالخطوة والخطوتين في وجوب القصر في موضع الاقامة فلعل هذا - بضميمة ما أشرنا إليه سابقا. من كون الاقامة قاطعة لموضوع السفر حقيقة - كاف في البناء على الاطلاق. ومثله الكلام في الموضع الذي


(* 1)، (* 2)، (* 3)، (* 4) تقدمت الروايات في الثامن من شروط القصر.

[ 99 ]

{ من مكان عزم على الاقامة فيه ينقطع حكم السفر، ويجب عليه أن يتم (1) وإن كان الاحوط التأخير إلى الوصول إلى المنزل، كما في الوطن. نعم لا يعتبر حد الترخص في غير الثلاثة، كما إذا ذهب لطلب الغريم أو الآبق، بدون قصد المسافة، ثم في الاثناء قصدها، فانه يكفي فيه الضرب في الارض (2). (مسألة 66): إذا شك في البلوغ إلى حد الترخص بنى على عدمه (3)، فيبقى على التمام في الذهاب، وعلى القصر في الاياب. (مسألة 67): إذا كان في السفينة أو العربة، فشرع في الصلاة قبل حد الترخص بنية التمام، ثم في الاثناء وصل إليه، فان كان قبل الدخول في قيام الركعة الثالثة أتمها قصرا (4) وصحت، بل وكذا إذا دخل فيه قبل الدخول في الركوع (5) } يتردد فيه المسافر ثلاثين يوما. والمسألة بعد لا يخلو من اشكال. (1) هذا لم تم عموم التنزيل لا يكفي فيه، إذ الظاهر من دليله كون التنزيل بعد أن يقدم الى البلد، لاقبله. فلاجل ذلك فصل جماعة - كالشهيد الثاني وسبطه وغيرهما - بين الدخول والخروج. فلم يعتبروا الحد في الاول مع اعتبارهم له في الثاني. نعم قد يتم بملاحظة ما ذكرنا أخيرا، فيقوى به إطلاق روايتي حماد وابن سنان. (2) بلا اشكال، كما قيل. لاختصاص الدليل على اعتبار الحد بغيره. (3) للاستصحاب. (4) لتبدل الحكم بتبدل موضوعه. (5) والقيام حينئذ يكون زيادة، لانه واقع في غير محله، لانه في

[ 100 ]

{ وإن كان بعده فيحتمل وجوب الاتمام، لان الصلاة على ما افتتحت. لكنه مشكل، فلا يترك الاحتياط بالاعادة قصرا أيضا (1). وإذا شرع في الصلاة في حال العود، قبل الوصول الى الحد، بنية القصر، ثم في الاثناء وصل إليه، أتمها تماما، وصحت. والاحوط - في وجه - إتمامها قصرا (2). ثم إعادتها تماما. (مسألة 68): إذا اعتقد الوصول الى الحد، فصلى قصرا، ثم بان أنه لم يصل إليه، وجبت الاعادة، أو القضاء تماما (3). وكذا في العود إذا صلى تماما باعتقاد الوصول، } الواقع مسافر يجب عليه القصر. (1) بل هو المتعين، لانقلاب الحكم بانقلاب موضوعه، كما عرفت وكون الصلاة على ما افتتحت لم يثبت بنحو يشمل المقام، كما هو ظاهر. نعم قد يقال: بأن الركعة الثالثة المأتي بها إما أن تكون مأمورا بها أولا. والثاني باطل، وإلا لزم صحة صلاته لو تركها وسلم على الركعتين مع أنه لاريب في البطلان حينئذ، لانه قبل حد الترخص. وفيه: أن البطلان بالتسليم على الركعتين، من جهة كونه امتثالا بالقصر قبل حد الترخص لا ينافي عدم الامر بالركعة، حيث لا يتحقق الامتثال قبله، كما لا يخفى. ومما ذكرنا يظهر وجه الفرع الآتي. (2) مقتضى ما تقدم منه - من أن الاقوى إتمامها تماما - يكون الاحوط إتمامها تماما، ثم إعادتها تماما. لان إتمامها قصرا مخالفة لحرمة الابطال، واعادتها قصرا يعلم بعدم مشروعيتها، لانه دون حد الترخص. فيتعين الاحتياط على نحو ما ذكرنا. (3) لعدم الدليل على الاجزاء. وكذا الحال فيما يأتي.

[ 101 ]

{ فبان عدمه، وجبت الاعادة أو القضاء قصرا. وفي عكس الصورتين - بأن اعتقد عدم الوصول فبان الخلاف - ينعكس الحكم، فيجب الاعادة قصرا في الاولى، وتماما في الثانية. (مسألة 69): إذا سافر من وطنه، وجاز عن حد الترخص، ثم في أثناء الطريق وصل الى ما دونه، إما لاعوجاج الطريق، أو لامر آخر، كما إذا رجع لقضاء حاجة، أو نحو ذلك، فما دام هناك يجب عليه التمام (1). وإذا جاز عنه بعد ذلك وجب عليه القصر، إذا كان الباقي مسافة (2). وأما إذا سافر من محل الاقامة وجاز عن الحد، ثم وصل إلى ما دونه، أو رجع في الاثناء لقضاء حاجة بقى على التقصير (3). وإذا صلى في الصورة الاولى - بعد الخروج عن حد الترخص - } (1) لاطلاق مادل على وجوبه قبل الحد. (2) هذا يتم إذا كان الرجوع الى ما دون حد الترخص رجوعا عن نية السفر. أما لو لم يكن الرجوع كذلك، بل كان المكلف باقيا على نية السفر، فلا وجه ظاهر لما ذكر، بل يكفي كون الباقي، بضميمة ما قطعه أولا الى الموضع الذي رجع إليه مسافة. ولاوجه لالغاء المسافة التي بين البلد والموضع المذكور. (3) لان حد الترخص إنما يعتبر في وجوب القصر في الخروج عن محل الاقامة بالنسبة الى السفر الاول، لا مطلقا، ولذا لو وصل الى نهاية المسافة، ثم رجع الى محل الاقامة، جاز التقصير في الرجوع، وإن وصل الى محل الاقامة، فضلا عما قبله بعد حد الترخص، كما سيأتي. وبالجملة: اعتبار حد الترخص في مثل الفرض لادليل عليه.

[ 102 ]

{ قصرا، ثم وصل الى ما دونه، فان كان بعد بلوغ المسافة فلا اشكال في صحة صلاته. وأما ان كان قبل ذلك. فالاحوط وجوب الاعادة. وإن كان يحتمل الاجزاء، إلحاقا له بما لو صلى، ثم بدا له في السفر، قبل بلوغ المسافة (1). (مسألة 70): في المسافة الدورية حول البلد، دون حد الترخص (2)، في تمام الدور أو بعضه، مما لم يكن الباقي قبله أو بعده مسافة (3) يتم الصلاة. } (1) هذا هو المتعين لو كان ناويا لعدم الرجوع ثم بدا له أن يرجع بل لا ينبغي التأمل فيه لو لم يكن الرجوع رجوعا عن نية السفر، كما هو ظاهر الفرض، فان صحة القصر أولى من صحته في الرجوع عن اصل السفر أما لو كان ناويا له، كما لو علم أن خط السير معوج، على نحو يوجب الرجوع عن حد الترخص، فلا يبعد القول بعدم جواز التقصير عند تجاوز الحد، لظهور أدلة التحديد في اعتبار البعد الخاص - أعني: ما يكون بعضا من البعد الناشئ عن سير المسافة - لا مطلق البعد، ولو كان ملغيا من جهة الرجوع. وعليه فلو قصر أعاد. وأظهر من ذلك - في وجوب الاعادة - مالو كان الرجوع على خط السير الذهابي، إذ القطعة الخاصة من الذهاب - أعني: مابين ما وصل إليه وما رجع إليه - ليست معدودة من السفر الموجب للترخص. فلاحظ. (2) قد تقدم في المسألة الرابعة عشرة: الاشكال في الترخيص في المسافة الدورية حول البلد مطلقا، ولو كانت فوق حد الترخص. (3) يعني: إذا كانت المسافة الدورية حول البلد بعضها دون حد الترخص وبعضها فوق حد الترخص، فان كان القوس الواقع فوق حد الترخص

[ 103 ]

{ فصل في قواطع السفر موضوعا أو حكما وهي أمور: أحدها: الوطن، فان المرور عليه قاطع للسفر، وموجب للتمام (1) مادام فيه، أو في ما دون حد الترخص منه (2). } مسافة، وجب التقصير فيه، دون ما كان دون حد الترخص. وإن لم يكن مسافة إلا بضميمة القوس الكائن دون حد الترخص لم يجب التقصير في شئ منهما، سواء أكان القوس الواقع فوق حد الترخص قبل ماكان دونه، أم بعده. أقول: إذا كان عموم أدلة الترخص للمسافر شاملا للمسافر في المسافة الدورية، فاللازم الجزم بالترخص في القوس الواقع فوق جد الترخص. وإن لم يكن مسافة، لما سبق: من أن المسافة المعتبرة في الترخص ما كانت من البلد، وهي موجودة في الفرض، لامن حد الترخص. والله سبحانه أعلم. فصل في قواطع السفر موضوعا أو حكما (1) بلا خلاف ولا إشكال فيه، في الجملة، بل لعله من الضروريات لاختصاص أدلة القصر بغيره، واستفاضة النصوص بالاتمام فيه، كما ستأتي الاشارة إليها. نعم تقدم في بعض النصوص: وجوب التمام ما لم يدخل منزله. وقد عرفت: أنه لا مجال للعمل به. (2) كما تقدم الكلام فيه.

[ 104 ]

{ ويحتاج في العود الى القصر بعده إلى قصد مسافة جديدة (1)، ولو ملفقة، مع التجاوز عن حد الترخص (2). والمراد به المكا الذي اتخذه مسكنا ومقرا له دائما (3)، بلدا كان أو قرية } (1) لاعتبار كون المسافة في خارج الوطن. (2) كما سبق. (3) فان تحقق هذا المعنى كاف في صدق الوطن عرفا، الموجب لصدق الحاضر، المقابل للمسافر، المأخوذ في موضوع أدلة التقصير، فيبقى داخلا تحت أدلة التمام. مضافا الى النصوص الخاصة الدالة على وجوب التمام في الوطن، كصحيح الحلبي (* 1) عن أبي عبد الله (ع): " في الرجل يسافر، فيمر بالمنزل له في الطريق، يتم الصلاة أو يقصر؟ قال (ع): يقصر. إنما هو المنزل الذي توطنه " (* 2) وصحيح علي بن يقطين: " قلت لابي الحسن (ع): إن لي ضياعا ومنازل بين القرية والقرية، الفرسخ والفرسخان والثلاثة، فقال (ع): كل منزل من منازلك لاتستوطنه فعليك فيه التقصير " (* 3) وصحيحة الآخر: " كل منزل لاتستوطنه فليس لك بمنزل، وليس لك أن تتم فيه " (* 4) وصحيح سعد بن أبي خلف: " سأل علي بن يقطين أبا الحسن (ع) عن الدار تكون للرجل بمصر، أو الضيعة فيمر بها. قال (ع): إن كان مما قد سكنه أتم فيه الصلاة وإن كان مما لم يسكنه فليقصر ". (* 5)


(* 1) كذا في الجواهر. لكن في الوسائل: روى المتن المذكور عن حماد بن عثمان. " منه قدس سره ". قلت: ونحوه في الاستبصار ج 1 صحفة 230 طبع النجف الاشرف وأما التهذيب فهو موافق لما في الجواهر. راجع التهذيب ج 3 صفحة 212 طبع النجف الاشرف. (* 2) الوسائل باب: 14 من ابواب صلاة المسافر حديث: 8. (* 3) الوسائل باب: 14 من ابواب صلاة المسافر حديث: 10. (* 4) الوسائل باب: 14 من ابواب صلاة المسافر حديث: 6. (* 5) الوسائل باب: 14 من ابواب صلاة المسافر حديث: 9.

[ 105 ]

{ أو غيرهما سواء كان مسكنا لابيه وأمه ومسقط رأسه، أو غيره مما استجده. ولا يعتبر فيه - بعد الاتخاذ المزبور - حصول ملك له فيه (1). نعم يعتبر فيه الاقامة فيه بمقدار يصدق عليه عرفا أنه وطنه (2). والظاهر أن الصدق المذكور يختلف } وبالجملة: لا ينبغي التأمل في وجوب التمام بالوطن بالمعنى المذكور. وذكر غير واحد الخلاف في معنى الوطن، وإنهاء الاقوال فيه إلى ثمانية أو اكثر، لا تنافي الاتفاق الذي ادعاه بعض عليه، ولا ما في كلام بعض من نفي الاشكال فيه، فان ذلك الخلاف راجع إلى الخلاف في ثبوت الوطن الشرعي وقيود ثبوته، لافي ثبوت التمام للوطن العرفي. نعم قد يتراءى - مما في الشرائع وغيرها: " من أن الوطن هو كل موضع له فيه ملك قد استوطنه... " - الخلاف في ثبوت الوطن العرفي، في قبال الوطن الشرعي، وجريان حكم التمام عليه. ولكنه مما لا ينبغي، فان كثيرا من المتوطنين لاملك لهم في أوطانهم فضلا عن أن يكون الملك وطنا لهم والالتزام بوجوب القصر عليهم غريب، بل لعله خلاف الضروري. بل الظاهر - بقرينة كون موضوع كلامهم المسافر الخارج عن وطنه - أن مرادهم ثبوت الوطن الشرعي وتحديده، في قبال الوطن العرفي. وكذا الحال في صحيح ابن بزيع الآتي، فانه - على تقدير تمامية دلالته على ثبوت الوطن الشرعي - ليس في مقام حصر الوطن به، بل في مقام مجرد بيان ثبوته، إذ لا إطلاق له يقتضي شرح مطلق الوطن - المأخوذ موضوعا للتمام - بذلك. فلاحظه سؤالا وجوابا. (1) بلا خلاف نصا وفتوى - كما في الرياض - أو بلا خلاف صريح - كما في الجواهر - لاطلاق الادلة. (2) لا يبعد الاكتفاء بمجرد النية، كما عن بغية الطالب للشيخ الاكبر وفي الجواهر: " لا يخلو من قوة ".

[ 106 ]

{ بحسب الاشخاص والخصوصيات، فربما يصدق بالاقامة فيه - بعد القصد المزبور - شهرا أو أقل. فلا يشترط الاقامة ستة أشهر (1)، وإن كان أحوط، فقبله يجمع بين القصر والتمام، إذا لم ينو إقامة عشرة أيام. (مسألة 1): إذا أعرض عن وطنه الاصلي أو المستجد وتوطن في غيره، فان لم يكن له فيه ملك أصلا، أو كان ولم يكن قابلا للسكنى، كما إذا كان له فيه نخلة أو نحوها، أو كان قابلا له، ولكن لم يسكن فيه ستة أشهر، بقصد التوطن الابدي، يزول عنه حكم الوطنية، فلا يوجب المرور عليه قطع حكم السفر (2). وأما إذا كان له فيه ملك قد سكن فيه } (1) لتحقق الصدق بدونها. وما عن الذكرى: من أن الاقرب الاشتراط ليتحقق الاستيطان الشرعي مع العرفي، غير ظاهر، إذ لا ملزم بتحقق أحدهما مع الآخر. ومثله: ماعن المدارك: من أنه غير بعيد، لان الاستيطان على هذا الوجه إذا كان معتبرا مع الملك فمع عدمه أولى. إذ فيه: أنه لا مجال للاولوية. واعتباره مع الملك في الشرعي للدليل، لا يلازم اعتباره مع عدمه في العرفي، كما هو ظاهر. (2) أما مع انتفاء الملك فلا طلاق أدلة القصر، مع عدم ما يوجب الخروج عنها، لاختصاص النصوص الدالة على التمام في الملك والضيعة بصورة وجود الملك. وكذا صحيح بن بزيع. وأما إذا كان ولم يكن قابلا للسكنى فيدل على التمام فيه: موثق عمار عن أبي عبد الله (ع): " في الرجل يخرج في سفر، فيمر بقرية له أو دار، فينزل فيها. قال (ع): يتم الصلاة ولو لم يكن له إلا نخلة واحدة لا يقصر. وليصم إذا حضره الصوم " (* 1)


(* 1) الوسائل باب: 14 من ابواب صلاة المسافر حديث: 5.

[ 107 ]

وعن المحقق والعلامة ومن تأخر عنهما: الجزم به إذا أقام هناك ستة أشهر، جمعا بينه وبين صحيح ابن بزيع الآتي. وفيه: إنه لو أمكن الجمع بينهما بذلك فهو موقوف على ظهور الصحيح في الوطن الشرعي، وسيأتي ما فيه. وإلا كان الموثق المزبور معارضا به، وبمادل على اختصاص التمام بالوطن، فيجب حينئذ طرحه لمرجوحيته من وجوه. مضافا الى عدم ظهور العمل به على إطلاقه. وأما إذا كان قابلا للسكنى ولم يسكن فيه ستة أشهر، فيدل على وجوب التمام فيه مادل على وجوبه في الملك والضيعة، كما في صحيح اسماعيل ابن الفضل، من قول الصادق (ع): " إن نزلت قراك وضيعتك (* 1) فأتم الصلاة " (* 2) وما في صحيح البزنطي، من قول الرضا (ع): " يتم الصلاة كلما أتى ضيعة من ضياعه " (* 3) ونحوه ما في صحيحه الآخر (* 4) وصحيح ابن الحجاج: " قلت لابي عبد الله (ع): الرجل يكون له الضياع بعضها قريب من بعض، يخرج فيقيم فيها، يتم أو يقصر. قال (ع): يتم " (* 5) - كذا عن الفقيه والتهذيب - (* 6) وعن الكافي: " يقيم " بدل


(* 1) كما في التهذيب ج 3 صفحة 210 طبع النجف الاشرف، والاستبصار ج 1 صفحة 228 طبع النجف الاشرف. وفى الوسائل: " وأرضك " بدل " وضيعتك "، كما في الفقيه ج 1 صفحة 287 طبع النجف الاشرف. (* 2) الوسائل باب: 14 من ابواب صلاة المسافر حديث: 2. (* 3) الوسائل باب: 14 من ابواب صلاة المسافر حديث: 17. (* 4) الوسائل باب: 14 من ابواب صلاة المسافر حديث: 18. (* 5) الوسائل باب: 15 من ابواب صلاة المسفار حديث: 2. (* 6) راجع الفقيه ج 1 صفحة 282 طبع النجف الاشرف، والتهذيب ج 3 صفحة 213 طبع النجف الاشرف، والاستبصار ج 1 صفحة 231 طبع النجف الاشرف.

[ 108 ]

{ - بعد اتخاذه وطنا له دائما - ستة أشهر، فالمشهور على أنه بحكم الوطن العرفي (1)، وإن أعرض عنه إلى غيره، ويسمونه } " يطوف " (* 1) فيشكل الاستدلال به. الى غير ذلك. لكن قد أشرنا إلى معارضتها بما تقدم، مما دل على اعتبار التوطن في التمام. فيجب إما تقييد الاولى بالثانية إن أمكن، أو طرحها إن لم يمكن، كما لعله كذلك في بعضها، لمخالفتها لظاهر الاصحاب، ولرجحان الثانية عليها من وجوه، منها: موافقة عموم القصر على المسافر. وأما إذا أقام فيه ستة أشهر، ولم يكن بقصد التوطن فوجوب التمام فيه مبني على ظهور صحيح ابن بزيع في ثبوت الوطن الشرعي، وكون المراد من الاقامة فيه مطلق الاقامة، ولولا بقصد التوطن الابدي، لتحققه في المقام، فيكون اللازم التمام. هذا ولم يتضح من عبارة المشهور اعتبار قصد التوطن، ولكنه غير بعيد. (1) نسبه الى المشهور جماعة. وعن التذكرة، و الروض: أنه إجماع وعن بعض الاجلة: " لا أعرف فيه خلافا إلا من الصدوق، على وجه ". ودليلهم عليه: صحيح ابن بزيع عن الرضا (ع): " عن الرجل يقصر في ضيعته. قال (ع): لا بأس، ما لم ينو مقام عشرة أيام. إلا أن يكون له فيها منزل يستوطنه. قلت: ما الاستيطان؟ فقال (ع): أن يكون له فيها منزل يقيم فيه ستة أشهر، فإذا كان كذلك يتم متى يدخلها " (* 2) وما تقدم في صحيح الحلبي وسعد بن أبي خلف (* 3). وفيه: أن قوله (ع): " يستوطنه "، وقوله (ع): " يقيم "


(* 1) راجع الكافي ج 3 صفحة 438 طبع ايران الحديثة. (* 2) الوسائل باب: 14 من ابواب صلاة المسافر حديث: 11. (* 3) راجع أوائل هذا الفصل.

[ 109 ]

بصيغة المضارع، يأبى ذلك جدا. ولاسيما بملاحظة اقتصار الامام (ع) على الجواب بالاول، الظاهر في الاستيطان العرفي، فلو كان المراد منه الاستيطان الشرعي كان الاقتصار عليه إيهاما لخلاف الواقع. فلاجل ذلك يتعين حمله على بيان كيفية اتخاذ المتوطن وطنا ثانيا، ويكون بذلك ذا وطنين، لان مفروض السؤال فيه من له وطن، ثم يستوطن منزلا آخر له في ضيعته. وهذا هو الذي سأل عنه ابن بزيع، وليس سؤاله عن مفهوم الاستيطان، الذي لا يخفى على من هو دونه في الفضل، فالامام عليه السلام ليس في مقام شرح مفهوم الاستيطان شرعا أو عرفا، بل في مقام بيان ما يتحقق الاستيطان للوطن الثاني ممن كان له وطن. ولاجل ذلك أطلق لفظ الاستيطان أولا، وبعد السؤال فسره بالاقامة، إذ لو كرره في الجواب انقلب المعنى، وكان ظاهرا في الاستيطان ستة أشهر، مع أنه غير مراد، إذ المراد الاستيطان أبدا، لكنه يحصل بالاقامة ستة أشهر في كل سنة. والاقتصار على الستة أشهر إنما هو لانها الاصل في قسمة السنة. وإلا فالوطن الثاني يحصل بالعزم على الاقامة فيه في كل سنة مدة معتدا بها، أقل من ستة أشهر أو اكثر. وأما اطلاق الصحيحين الاخيرين فهو وان كان يقتضي الاكتفاء بالتوطن في الماضي في الجملة، ولو مع انتفاء فعليته، إلا أنه مقيد بما دل على اعتبار فعلية الاستيطان، مما تقدم. فالمتعين حمل الجميع على إرادة الاستيطان الفعلي. وبالجملة: عموم الادلة وخصوصها - مما دل على اعتبار الاستيطان الفعلي العرفي في وجوب التمام - صالح لان يكون موجبا لرفع اليد عن ظهور هذه الصحاح، على تقدير ثبوته. ودعوى: أن الصحيح الاول حاكم، وهو مقدم على المحكوم. مندفعة: بأن الحاكم إنما يقدم على المحكوم لو كان ظهوره في الحكومة أقوى من ظهور المحكوم، وليس المقام كذلك.

[ 110 ]

{ بالوطن الشرعي، ويوجبون عليه التمام إذا مر عليه، مادام بقاء ملكه فيه (1). لكن الاقوى عدم جريان حكم الوطن عليه بعد الاعراض. فالوطن الشرعي غير ثابت. وإن كان الاحوط الجمع بين إجراء حكم الوطن وغيره عليه، فيجمع فيه بين القصر والتمام إذا مر عليه، ولم ينو اقامة عشرة أيام. بل الاحوط الجمع إذا كان له نخلة (2) أو نحوها، مما هو غير قابل للسكنى، وبقي فيه بقصد التوطن ستة أشهر. بل وكذا إذا لم يكن سكناه بقصد التوطن، بل بقصد التجارة مثلا (3). } (1) الوجه في اعتبار الملك عندهم: موثق عمار المتقدم (* 1) وكونه المتيقن من صحيح ابن بزيع (* 2) لان المنزل المذكور في الجواب هو ما يكون في ضيعته، لا مطلقا. وأما اللام في قوله (ع): " أن يكون له منزل " فلا دلالة فيها على الملك، لان إضافة المنزل إليه بواسطة اللام يكفي فيها كونه موضع نزوله وقراره، لامثل إضافة الضيعة، فان دلالة اللام على الملك تختلف باختلاف المضاف. (2) لما عرفت من موثق عمار (* 3) المعمول به عند جماعة. (3) لاحتمال كفاية ذلك في تحقق الوطن الشرعي، على تقدير ثبوته بل هو الظاهر، كما أشرنا إليه سابقا. وكون قصد التوطن مأخوذا في مفهوم الاستيطان، المذكور في الجواب الاول في الصحيح، لا يكون قرينة على اعتباره في الاقامة المذكورة في الجواب الثاني تفسيرا للاستيطان، لان المدار على ظهور المفسر - بالكسر - لا المفسر.


(* 1) راجع أوائل هذه المسألة. (* 2) مر ذلك في التعليقة السابقة. (* 3) تقدم في أوائل هذه المسألة.

[ 111 ]

{ (مسألة 2): قد عرفت عدم ثبوت الوطن الشرعي، وأنه منحصر في العرفي. فتقول: يمكن تعدد الوطن العرفي، بأن يكون له منزلان في بلدين أو قريتين، من قصده السكنى فيهما أبدا، في كل منهما مقدارا من السنة، بأن يكون له زوجتان مثلا، كل واحدة في بلدة، يكون عند كل واحدة ستة أشهر، أو بالاختلاف (1). بل يمكن الثلاثة أيضا. بل لا يبعد الازيد أيضا (2). } (مسألة 3): لا يبعد أن يكون الولد تابعا (3) لابويه } (1) بأن يقيم في أحدهما أربعة أشهر، وفي الآخر ثمانية أشهر. ولا ينافيه ما في الصحيح، بناء على حمله على الوطن العرفي - كما عرفت - لانه محمول على أحد الافراد الذي يسبق الى الذهن. (2) للصدق عرفا في الجميع. (3) لا ينبغي التأمل في كون الفرق بين الامكنة - في صدق الوطن وعدمه - ليس تابعا للجهات الخارجية، وإنما هو تابع للقصد النفساني. فإذا قصد المكث في محل إلى آخر عمره بحيث لا يخرج عنه إلا لامر يقتضي الخروج، ولو خلي ونفسه كان مقره ذلك المكان - كان هو وطنا له. ولو خرج عنه كان مسافرا، ولو أقام فيه كان حاضرا. وما عداه لا يكون وطنا. وهذا القصد المقوم لصدق الوطن، تارة يكون تفصيليا، واخرى يكون اجماليا ارتكازيا، ناشئا من التبعية لوالديه أو احدهما. فإذا حصل القصد بأحد النحوين صدق الوطن، وإلا فلا، من دون فرق بين ما قبل البلوغ ومابعده. وإلغاء قصد الصبي في مثل المقام لادليل عليه، بعد الاكتفاء به عرفا في صدق التوطن.

[ 112 ]

{ أو أحدهما في الوطن، ما لم يعرض بعد بلوغه عن مقرهما، وإن لم يتلفت بعد بلوغه إلى التوطن فيه أبدا فيعد وطنهما وطنا له أيضا. إلا إذا قصد الاعراض عنه (1)، سواء كان وطنا أصليا لهما ومحلا لتولدهما، أو وطنا مستجدا لهما، كما إذا أعرضا عن وطنهما الاصلي، واتخذا مكانا آخر وطنا لهما، وهو معهما قبل بلوغه، ثم صار بالغا، وأما إذا أتيا بلدة أو قرية، وتوطنا فيها وهو معهما، مع كونه بالغا، فلا يصدق وطنا له، إلا مع قصده بنفسه (2). (مسألة 4): يزول حكم الوطنية بالاعراض والخروج وإن لم يتخذ بعد وطنا آخر. فيمكن أن يكون بلا وطن (3) مدة مديدة. } (1) وكذا لو تردد، على ما يأتي. (2) أو بالتبعية. وكذا لو كان غير بالغ، لاتحاد المناط في الجميع نعم الطفل غير المميز، الذي لا يتأتى منه القصد الاجمالي الارتكازي ولو تبعا قد يدعى صدق الوطن في حقه بقصد متبوعه. لكنه غير ظاهر. (3) وحينئذ يكون كالسائح يتم دائما، إذ لم يتخذ مقرا ولو موقتا وإذا اتخذ له مقرا موقتا يأوي إليه إذا لم يكن ما يقتضي الخروج، فانه يتم فيه، ويقصر إذا سافر عنه إلى مقصد، اتفاقا لزيارة أو نحوها. ويكون مقره كبيوت الاعراب يتم فيه، لان بيته معه. فكأن الوطن نوعان: شخصي وهو المتعارف. ونوعي، وهو بيوت الاعراب ونحوها من البيوت التي تتخذ مقرا موقتا، بعد الانصراف عن الوطن الاصلي. وقد جرى على ذلك بعض المهاجرين الى بغداد، فيستأجر دارا فيها سنة، وسنة أخرى في مدينة البياع، وثالثة في الكاظمية، ورابعة في الكرادة الشرقية

[ 113 ]

{ (مسألة 5): لا يشترط في الوطن إباحة المكان الذي فيه (1)، فلو غصب دارا في بلد، وإراد السكنى فيها أبدا يكون وطنا له. وكذا إذا كان بقاؤه في بلد حراما عليه، من جهة كونه قاصدا لارتكاب حرام، أو كان منهيا عنه من أحد والديه، أو نحو ذلك. (مسألة 6): إذا تردد بعد العزم على التوطن أبدا، فان كان قبل أن يصدق عليه الوطن عرفا، بأن لم يبق في ذلك المكان بمقدار الصدق، فلا إشكال في زوال الحكم (2)، وإن لم يتحقق الخروج والاعراض. بل وكذا إن كان بعد الصدق في الوطن المستجد. وأما في الوطن الاصلي إذا تردد في البقاء فيه وعدمه، ففي زوال حكمه قبل الخروج والاعراض إشكال (3)، لاحتمال صدق الوطنية ما لم يعزم على العدم. فالاحوط الجمع بين الحكمين. }... وهكذا. فكأنه قصد التوطن في منطقة بغداد وتوابعها، من دون توطن في مكان خاص، وانصرف عن وطنه الاصلي، فهؤلاء يتمون في بيوتهم ويقصرون إذا سافروا عنها إلى زيارة مشهد أو نحو ذلك، لانهم يسافرون عن وطنهم النوعي. فيفترقون عن السائح من جهة تحقق التوطن في الجملة منهم، كما يفترق أهل بيوت الاعراب عنه أيضا بذلك. (1) لعدم الدليل عليه، والعرف شاهد بخلافه. (2) إذا فرض عدم الصدق قبل الاعراض فلا حكم أولا كي يزول بالاعراض. (3) ينشأ: من التردد في كون الوطنية تابعة للقصد حدوثا وبقاء.

[ 114 ]

{ (مسألة 7): ظاهر كلمات العلماء - رضوان الله عليهم - اعتبار قصد التوطن أبدا في صدق الوطن العرفي، فلا يكفي العزم على السكنى إلى مدة مديدة، كثلاثين سنة، أو أزيد. لكنه مشكل، فلا يبعد الصدق العرفي بمثل ذلك (1). والاحوط في مثله إجراء الحكمين بمراعاة الاحتياط. } أو من قبيل الايقاع الذي يكفي فيه القصد الآني، غاية الامر أنه يرتفع بالاعراض، نظير نصب الوكيل وعزله. ولا يبعد الاول. ويقتضيه ظاهر النصوص المتقدمة. وعليه يكون حكمه التمام وإن سافر عن مكانه، بناء على ما تقدم في المسألة الخامسة والخمسين، من أحكام من كان السفر عملهم فراجع. (1) بل هو خلاف الظاهر، إذ لافرق في نظر العرف بين السنة والثلاثين سنة في كون قصد التوطن مدتها لا يوجب صدق الوطن، بل لابد فيه من التوطن مدة العمر. نعم يحتمل دخوله فيمن بيوتهم معهم، لان انقطاعه عن وطنه الاصلي واتخاذ المنزل كوطن له، يقتضي كونه في بيته الثاني، وإن كان موقتا. اللهم إلا أن يختص من بيوتهم معهم بمن كانت بيوتهم مبنية على الارتحال، لتكون معهم، ولا يشمل البيوت الثابتة المبنية على الاستقرار. ولكن هذا التخصيص خلاف مقتضى التعليل الارتكازي، فانه لافرق في ارتكاز العرف بين الامرين اللهم إلا أن يقال: حمل التعليل على مقتضى الارتكاز يقتضي كون المراد من البيوت الاوطان، فانها التى لا يقصر فيها ويجب فيها التمام، لا مطلق البيوت. وإلا كان التعليل غير ارتكازي، وهو خلاف الاصل في التعليلات وإذا حملت البيوت على الوطن لم تشمل ما نحن فيه. اللهم إلا أن يقال: الارتكاز يقتضي الحمل على البيوت التي لا يكون المقيم فيها مسافرا عرفا، وإن لم تكن وطنا. فالمقيم فيها إذا كان منقطعا

[ 115 ]

{ الثاني من قواطع السفر: العزم على إقامة عشرة أيام (1) متواليات (2)، في مكان واحد (3)، من بلد، أو قرية، أو مثل بيوت الاعراب، أو فلاة من الارض (4). } عن وطنه، وجاعلا له كوطنه لا يكون مسافرا، فلذا كان عليه التمام. فالتعليل يكون إشارة الى هذا المعنى، وهو قريب جدا الى الاذواق العرفية فالمسافر الذي يقصر مقابل الحاضر الذي يتم، والحضور يكون بالاقامة في الوطن الدائم، ويكون بالوطن الموقت، فان المقيم فيه حاضر عرفا. ويشهد بذلك: أن كثيرا من الاعراب الذين يسكنون هذه البيوت لهم أوطان مستقرة، يسكنونها في بعض السنة، ويخرجون منها في أيام الربيع لسوم مواشيهم. وعلى هذا يكون المقر بمنزلة الوطن في وجوب التمام. (1) قد تقدم في شروط القصر الكلام في وجه قاطعية الاقامة. فراجع وأما ايجابها التمام فمما لاإشكال فيه، بل لعل من الضروريات. والنصوص الدالة عليه مستفيضة، لو لم تكن متواترة. (2) كما هو المشهور، بل لعله لا خلاف فيه. والقول بجواز خروج المسافر إلى ما دون المسافة ليس راجعا الى نفي اعتبار التوالي، بل راجع إلى نفي منافاة الخروج للاقامة نفسها، كما سيأتي. والوجه في اعتباره: ظهور أدلة التحديد بالزمان - فيما يقبل الاستمرار - في المقدار المستمر، غير المتفرق، كما يظهر من ملاحظة النظائر. وقد أشرنا الى ذلك في فصل الحيض وغيره. (3) كما سيأتي. (4) كما صرح به جماعة، بل في كلام بعض: أنه مما لا خلاف فيه. وقد اشتملت النصوص على البلد، والضيعة، والمكان، والارض.

[ 116 ]

{ أو العلم بذلك (1)، وإن كان لاعن اختيار. ولا يكفي الظن بالبقاء (2)، فضلا عن الشك. والليالي المتوسط داخلة (3)، بخلاف الليلة الاولى والاخيرة (4)، فيكفي عشرة أيام وتسع ليال. ويكفي تلفيق اليوم المنكسر من يوم آخر على الاصح (5) فلو نوى المقام عند الزوال من اليوم الاول إلى الزوال من اليوم الحادي عشر كفى، ويجب عليه الاتمام. وإن كان الاحوط الجمع } (1) كما في صحيح زرارة عن أبي جعفر (ع) قال: " قلت له: أرأيت من قدم بلدة الى متى ينبغي له أن يكون مقصرا؟ ومتى ينبغي له أن يتم؟ فقال (ع): إذا دخلت أرضا، فأيقنت أن لك بها مقام عشرة أيام، فأتم الصلاة... " (* 1) وإطلاقه يقتضي عموم الحكم لصورة ما إذا كان المقام لاعن اختيار. (2) لعدم الدليل عليه، فالمرجع عموم القصر على المسافر. (3) بلا إشكال، أما لو أريد من اليوم ما يدخل فيه الليل فظاهر. وأما لو أريد منه ما يقابل الليل - كما هو الظاهر - فظهور الدليل في الاستمرار - كما عرفت - كاف في اثباته. (4) لخروجهما عن اليوم عرفا، ولا موجب لتبعيتهما له. (5) كما عن الشهيد وجماعة. لان الظاهر من اليوم الساعات النهارية لا خصوص الامد الممتد بين الطلوع والغروب، كما أشرنا إلى ذلك في أن أقل الحيض ثلاثة. فراجع. ومنه يظهر ضعف ماعن المدارك: من أن الاظهر العدم، وماعن النهاية والتذكرة: من الاستشكال فيه.


(* 1) الوسائل باب: 15 من ابواب صلاة المسافر حديث: 9.

[ 117 ]

{ ويشترط وحدة محل الاقامة (1)، فلو قصد الاقامة في أمكنة متعددة عشرة أيام لم ينقطع حكم السفر، كأن عزم على الاقامة في النجف والكوفة، أو في الكاظمين وبغداد، أو عزم على الاقامة في رستاق من قرية الى قرية، من غير عزم على الاقامة في واحدة منها عشرة أيام. ولا يضر بوحدة المحل فصل مثل الشط، بعد كون المجموع بلدا واحدا، كجانبي الحلة، وبغداد، ونحوهما. ولو كان البلد خارجا عن المتعارف في الكبر فاللازم قصد الاقامة في المحلة منه، إذا كانت المحلات منفصلة، بخلاف ما إذا كانت متصلة. إلا إذا كان كبيرا جدا بحيث لا يصدق وحدة المحل، وكان كنية الاقامة في رستاق مشتمل على القرى، مثل قسطنطينية ونحوها. } (1) بلا خلاف ظاهر. لان الظاهر من النصوص كون موضوع التمام هو الاقامة الواحد المستمرة، ومع تعدد المكان تتعدد الاقامة، فلا تكون واحدة مستمرة. نعم في موثق عبد الرحمن بن الحجاج قال: " قلت لابي عبد الله (ع): الرجل تكون له الضياع، بعضها يكون قريبا من بعض، فيخرج فيقيم فيها، أيتم، أم يقصر؟ قال (ع): يتم " (* 1) كذا رواه في الكافي. وعن الشيخ والصدوق: روايته: " يطوف " بدل: " يقيم " مع أنه لم يظهر منه كون الاقامة عشرة، فيمكن أن يكون من قبيل مادل على وجوب الاتمام في الضيعة، مما تقدم الكلام فيه. ثم إن المراد من الوحدة المكانية ليس الوحدة الحقيقية، ضرورة جواز تردد المقيم في بلد من داره الى المسجد، وإلى السوق، وإلى الحرم، وإلى


(* 1) تقدم ذلك في المسألة: 1 من هذا القصل.

[ 118 ]

{ (مسألة 8): لا يعتبر في نية الاقامة قصد عدم الخروج عن خطة سور البلد على الاصح (1). بل لو قصد حال نيتها الخروج الى بعض بساتينها ومزارعها ونحوها من حدودها، } الحمام... الى غيرها من الامكنة المتعددة. ولا الوحدة الاعتبارية مطلقا، لاختلاف مقتضي الاعتبار جدا، فقد تكون البلاد المتعددة مع تعددها واحدا ببعض العناوين الاعتبارية، مثل العراق، وإيران، وآسيا، وغير ذلك. بل المراد خصوص الوحدة الاعتبارية بلحاظ عنوان الاقامة، فإذا كانت الامكنة المتعددة حقيقة بنحو لا يكون تعددها موجبا لتعدد الاقامة عرفا فيها كانت مكانا واحدا بذلك الاعتبار. وإن كانت بحيث توجب تعدد الاقامة كانت متعددة. والوجه في ذلك: ما عرفت من رجوع اعتبار وحدة المكان الى اعتبار وحدة الاقامة، لانحصار الدليل عليها بما دل على اعتبار وحدة الاقامة، فتدور وحدة المكان مدار وحدتها. فمهما كانت الامكنة المتعددة لا تكون الاقامات فيها إلا إقامة واحدة عرفا - كالدار، والمسجد، والحرم والحمام، وغيرها - كانت مكانا واحدا. ومهما كانت الامكنة لتباعدها بنحو تعد الاقامة في بعضها غير الاقامة في الآخر، كانت الامكنة متعددة. إذا عرفت ذلك فاعلم: أنه تختلف الاقامة العرفية باختلاف الامكنة فالقرى المفصول بعضها عن بعض بربع الفرسخ تعد الاقامة في بعضها غير الاقامة في الاخرى، ومحلات البلد الواحد، وإن كان يبعد بعضها عن بعض بربع الفرسخ لاتعد الاقامة في بعضها غير الاقامة في الاخرى. فلابد من ملاحظة خصوصيات الامكنة، لينظر أن التعدي من مكان إلى مكان هل يعد ارتحالا عنه إلى آخر، أو لا يعد كذلك؟ وعلى ذلك تدور صحة الاقامد وعدمها، بلا فرق بين الارض، والقرية، والبلاد المتسعة، وغيرها فلاحظ. (1) وفي الحدائق: " الظاهر انه لا خلاف ولا إشكال في جواره.

[ 119 ]

{ مما لا ينافي صدق اسم الاقامة في البلد عرفا، جرى عليه حكم المقيم، حتى إذا كان من نيته الخروج عن حد الترخص - بل الى ما دون الاربعة - إذا كان قاصدا للعود عن قريب، بحيث لا يخرج عن صدق الاقامة في ذلك المكان عرفا، كما إذا كان من نيته الخروج نهارا والرجوع قبل الليل. (مسألة 9): إذا كان محل الاقامة برية قفراء لا يجب } وأما ما اشتهر في هذه الاوقات المتأخرة والازمنة المتغيرة: من أن من أقام في بلد أو قرية - مثلا فلا يجوز له الخروج عن سورها المحيط بها، أو عن حدود بنيانها ودورها، فهو ناشئ عن الغفلة " وفي مفتاح الكرامة: " هذا تعريض بالفاضل الفتوني ". ووجه ضعفه: عدم منافاة الخروج عن السور في الجملة لصدق الاقامة في البلد عرفا، التي أخذت موضوعا لادلة وجوب التمام، لان خارج السور القريب منه معدود عرفا متحدا مع البلد، فلا تكون الاقامة فيه مغايرة للاقامة في البلد، فضلا عن الخروج إليه آناما. هذا ومقتضى ما عرفت - من أن ظاهر النصوص كون الموجب للتمام هو الاقامة الواحدة المستمرة التي لا يتخلل بين أجزائها عدم - أن يكون مبنى الفروض المذكورة في هذه المسألة: كون المكان الذي يخرج إليه المقيم معدودا عرفا مغايرا لموضع الاقامة، بحيث تكون الاقامة فيه إقامة أخرى، غير الاقامة في موضعها. أو معدودا معه واحدا. فما يكون من قبيل الاول لا تجوز نية الخروج إليه، لان الخروج إليه إذا كانت منافيا لاستمرار الاقامة كانت نية الخروج إليه منافية لنية الاقامة الواحدة المستمرة، بل كانت نية الاقامة حينئذ من قبيل نية الاقامة في القرى المتعددة، التي لا تكون موضوعا لوجوب الاتمام. وما يكون من قبيل الثاني تجوز نية الخروج إليه، لعدم منافاتها لنية الاقامة الواحدة المستمرة.

[ 120 ]

ولاجل ذلك نسب القول بجواز نية الخروج إلى ما دون المسافة الى الندرة والشذوذ، ولم يعرف قائل به الى زمان فخر الاسلام، فقد قيل: إنه قال به في بعض حواشيه، وتبعه عليه في الوافي، وشرح المفاتيح. وعن الشهيد الثاني في بعض فوائده، أنه قال: " وما يوجد في بعض القيود: من أن الخروج الى خارج الحد، مع العود الى موضع الاقامة ليومه أو ليلته لا يؤثر في نية الاقامة، وإن لم ينو إقامة عشرة مستأنفة، لاحقيقة له، ولم نقف عليه مسندا الى أحد من المعتبرين، الذين تعتبر فتواهم، فيجب الحكم باخراجه... ". وكأن الوجه الذي دعاهم الى ذلك: حمل الاقامة في النصوص على كون البلد مثلا مقرا له ومحطا لرحله. إذ من الواضح أن هذا المعنى لا ينافيه الخروج المذكور. بل لا ينافيه الخروج الى المسافة، لولا الاجماع على قدح نيته. لكن حيث لاقرينة على هذا المعنى، لا مجال لرفع اليد عن ظاهر النصوص في كون الاقامة ما يقابل الارتحال والذهاب، المعبر عنها بالحضور المنافي ذلك قطعا. لاأقل من إجمال النصوص، والمرجع عموم التقصير على المسافر. اللهم إلا أن يقال: المفهوم عرفا من الاقامة هو المعنى الاول، فيتعين حمل النصوص عليه، ولا اجمال فيها حينئذ. وأما ما في خبر الحضيني، المروي في الوسائل في باب تخيير المسافر بمكة: " إني أقدم مكة قبل التروية بيوم أو يومين أو ثلاثة. قال (ع): انو مقام عشرة أيام، وأتم الصلاة " (* 1) فالاستدلال به على هذا القول مبني على كون الخروج إلى عرفات لا يوجب التقصير، والالتزام بكون الخروج هذه المدة غير مناف للاقامة. والاول مناف لصريح النصوص. والثاني بعيد جدا. مع أن عدم صحة الخبر في نفسه، وإعراض الاصحاب عنه مانعان عن العمل به.


(* 1) الوسائل باب: 25 من ابواب صلاة المسافر حديث: 15.

[ 121 ]

{ التضييق في دائرة المقام (1)، كما لا يجوز التوسيع كثيرا، بحيث يخرج عن صدق وحدة المحل. فالمدار على صدق الوحدة عرفا وبعد ذلك لا ينافي الخروج عن ذلك المحل الى أطرافه، بقصد العود إليه، وإن كان الى الخارج عن حد الترخص، بل الى ما دون الاربعة، كما ذكرنا في البلد. فجواز نية الخروج إلى ما دون الاربعة لا يوجب جواز توسيع محل الاقامة كثيرا، فلا يجوز جعل محلها مجموع ما دون الاربعة، بل يؤخذ على المتعارف، وإن كان يجوز التردد الى ما دون الاربعة، على وجه لا يضر بصدق الاقامة فيه. (مسألة 10): إذا علق الاقامة على أمر مشكوك الحصول لا يكفي، بل وكذا لو كان مظنون الحصول، فانه ينافي العزم على البقاء المعتبر فيها. نعم لو كان عازما على البقاء لكن احتمل حدوث المانع لا يضر (2). (مسألة 11): المجبور على الاقامة عشرا والمكره عليها يجب عليه التمام، وإن كان من نيته الخروج على فرض رفع الجبر والاكراه، لكن بشرط أن يكون عالما بعدم ارتفاعهما، وبقائه عشرة أيام كذلك (3). } (1) قد عرفت فيما سبق الكلام في هذه المسألة. (2) لانه مع وجود المقتضيات للعزم - من الميل والرغبة - يتحقق وإن احتمل عروض الرافع المزاحم. وبذلك افترق عن الفرض السابق، لان التعليق راجع الى تعليق مقتضيات العزم وعدم فعليتها. فتأمل جيدا. (3) إذ بذلك وإن لم يدخل في العازم يدخل في المتيقن، وقد عرفت

[ 122 ]

{ (مسألة 12): لا تصح نية الاقامة في بيوت الاعراب ونحوهم ما لم يطمئن بعدم الرحيل عشرة أيام (1). إلا إذا عزم على المكث بعد رحلتهم إلى تمام العشرة. (مسألة 13): الزوجة والعبد إذا قصدا المقام بمقدار ما قصده الزوج والسيد - والمفروض أنهما قصدا العشرة - لا يبعد كفايته في تحقق الاقامة بالنسبة اليهما، وإن لم يعلما حين القصد أن مقصد الزوج والسيد هو العشرة. نعم قبل العلم بذلك عليهما التقصير، ويجب عليهما التمام بعد الاطلاع. وإن لم يبق إلا يومان أو ثلاثة، فالظاهر وجوب الاعادة أو القضاء عليهما بالنسبة إلى ما مضى مما صليا قصرا. وكذا الحال إذا قصد المقام بمقدار ما قصده رفقاؤه، وكان مقصدهم العشرة. فالقصد الاجمالي كاف (2) في تحقق الاقامة. لكن الاحوط الجمع في الصورتين. بل لا يترك الاحتياط. } أن اليقين بالبقاء كالعزم عليه. (1) إذ لولاه لا يحصل العزم، ولا اليقين، ومعه يحصل العزم. (2) هذا غير ظاهر، إذ لا يخرج به عن كونه مترددا في إقامة العشرة المحكوم بوجوب القصر. ومثله: مالو نوى الاقامة إلى أجل مردد بين العشرة وما دونها، مثل قدوم الحاج، وقضاء الحاجة، ونزول المطر، وأمثال ذلك، فانه لا يوجب عليه التمام واقعا، وإن كان الاجل لا ينقضي قبل العشرة بل هو من المتردد الذي يجب عليه القصر نصا وفتوى. ولا مجال لقياس المقام على مالو قصد السفر إلى مكان معين عنده، ولكن لا يعلم أن المسافة إليه تبلغ ثمانية فراسخ، حيث تقدم كفاية القصد

[ 123 ]

الاجمالي للثمانية في وجوب القصر. إذ التردد هنا في حد الزمان الاجمالي، وأنه ينتهي الى العشرة أو الى ما دونها، وهناك لاتردد في حد المسافة، وإنما التردد في أن المسافة المحدودة تبلغ ثمانية أو لا تبلغ، والفر بينهما ظاهر. نعم نظير المقام: مالو قصد مكان ضالته الذي لا يعلم أنه في الكوفة أو في الحلة أو في ذي الكفل، نظرا الى أن المتردد فيه حدود المسافة. ولذا تقدم وجوب التمام على المسافر المذكور، وان كان مقصده الاجمالي ينطبق واقعا على نهاية مسافة. وبالجملة: تارة: يكون المسافر مترددا في حد ذات الزمان الذي يقيم فيه، وأنه الاقل أو الاكثر، وإن كان جازما بعنوانه من حيث المقدار على كل من تقديري الاقل والاكثر، كما إذا كان عالما بأن الزمان الذي يقيم فيه إن كان منتهاه يوم الجمعة فهو تسعة أيام، وإن كان منتهاه يوم السبت فهو عشرة أيام، ولكنه متردد في حده، وأنه الجمعة أو السبت. وفي هذه الصورة يجب البقاء على التقصير واقعا، لعدم تحقق قصد الاقامة منه في زمان هو عشرة أيام، لاحتمال انتهاء الاقامة يوم الجمعة لايوم السبت. وأخرى: يكون جازما بحد الزمان الذي يقيم فيه، وهو يوم السبت في المثال، وان كان مترددا في انطباق عنوان العشرة أيام عليه، لتردده في اليوم الذي بدأ فيه الاقامة، كما لو دخل البلد عند الزوال، وهو لا يدري أن اليوم يوم الاربعاء أو الخميس، فنوى الاقامة إلى زوال السبت، وتبين أن يوم دخوله كان هو الاربعاء. وفي هذه الصورة يجب عليه التمام، لتحقق قصد الاقامة منه في زمان هو عشرة أيام في الواقع، وإن لم يدر أن ذات الزمان معنون بعنوان عشرة أيام، لان الغرض من ذكر العشرة تحديد الامد فلا يلزم ملاحظتها موضوعا للقصد. وكذا الحال إذا نوى الاقامة الى آخر الشهر، وكان مترددا في أن النية كانت في زوال يوم العشرين أو زوال

[ 124 ]

{ (مسألة 14): إذا قصد المقام إلى آخر الشهر - مثلا - وكان عشرة كفى، وإن لم يكن عالما به حين القصد، بل وإن كان عالما بالخلاف. لكن الاحوط في هذه المسألة أيضا الجمع بين القصر والتمام بعد العلم بالحال، لاحتمال اعتبار العلم حين القصد. (مسألة 15): إذا عزم على إقامة العشرة، ثم عدل عن قصده، فان كان صلى مع العزم المذكور رباعية بتمام بقي على التمام مادام في ذلك المكان (1). وأن لم يصل أصل، أو } الواحد والعشرين. أما إذا علم أنه زوال العشرين، ولكن كان مترددا في أن الشهر ناقص أو كامل فعليه القصر، كما عرفت. وهذا التفصيل الذي ذكرناه في قصد الاقامة بعينه جار في قصد المسافة وأنه إن كانت ذات المسافة المقصودة معلومة الحد، وإنما الشك في انطباق عنوان الثمانية فراسخ عليها، وجب القصر. وإن كانت مجهولة الحد، وأنه الموضع الفلاني أو الموضع الفلاني وجب التمام، وان علم العنوان على تقديم أن يكون الحد هو الموضع الخاص. ومن ذلك تعرف الاشكال فيما ذكر في المسألة الآتية. (1) بلا خلاف، كما عن جماعة بل عن جماعة: الاجماع عليه. لصحيح أبي ولاد: " قلت لابي عبد الله (ع): إني كنت نويت حين دخلت المدينة أن أقيم بها عشرة أيام، وأتم الصلاة، ثم بدا لي بعد أن لا أقيم بها، فما ترى لي أتم، أم أقصر؟ قال (ع): إن كنت دخلت المدينة، وصليت بها صلاة فريضة واحدة بتمام، فليس لك أن تقصر حتى تخرج منها. وإن كنت حين دخلتها على نيتك التمام، ولم تصل فيها صلاة فريضة واحدة بتمام حتى بدا لك أن لا تقيم، فأنت في تلك الحال بالخيار، إن شئت فانو المقام

[ 125 ]

{ صلى مثل الصبح والمغرب، أو شرع في الرباعية. لكن لم يتمها وإن دخل في ركوع الركعة الثالثة، رجع الى القصر (1). } عشرا وأتم، وإن لم تنو المقام فقصر ما بينك وبين شهر. فإذا مضى لك شهر فأتم الصلاة " (* 1) مضافا إلى إطلاق نصوص الاقامة. لتعليق التمام فيها على مجرد نية الاقامة ولو حدوثا، ولا مقيد لها بصورة البقاء. وخبر حمزة بن عبد الله الجعفري: " لما نفرت من منى نويت المقام بمكة، فأتممت الصلاة، ثم جاءني خبر من المنزل، فلم أجد بدا من المصير إلى المنزل، ولم أدر أتم أم أقصر، وأبو الحسن (ع) يومئذ بمكة، فأتيته وقصصت عليه القصة، فقال (ع): ارجع الى التقصير " (* 2) لا يصلح لمعارضة ما سبق، لوهنه في نفسه باهمال الجعفري، وباعراض الاصحاب عنه. ثم إن التفصيل المذكور إنما هو للعدول في الاثناء. أما لو كان بعد تمام العشرة بقي على التمام، وإن لم يصل فريضة بتمام. (1) لان الظاهر من الشرط في الشرطية الثانية أن لا يفرغ من صلاة فريضة تامة غير مقصورة، وهو حاصل في جميع الفروض المذكورة. بل لااشكال فيه بالنسبة الى الاول. وكذا الثاني، وإن احتمل في الحدائق: كون المراد من الشرط في الاوللى أن يصلي فريضة مطلقا، بعد قصد التمام في المقصورات. إذ هو احتمال غريب، ولذا جعله بعيدا، وجعل الظاهر خلافه. وكذا في الثالث، وان كان ظاهر محكي المبسوط وغيره: الاكتفاء بمجرد الشروع في الرباعية، وإن لم يدخل في ركوع الثالثة. وكأنه حملا للنص على ما يعم الشروع في الرباعية بقصد التمام. أو لدعوى انصراف النص عن مثله، فالمرجع فيه إطلاق التمام على المقيم، أو استصحابه، بناء على


(* 1) الوسائل باب: 18 من ابواب صلاة المسافر حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 18 من ابواب صلاة المسافر حديث: 2.

[ 126 ]

{ وكذا لو أتى بغير الفريضة الرباعية، مما لا يجوز فعله للمسافر كالنوافل والصوم ونحوهما، فانه يرجع الى القصر مع العدول. } كونه المرجع، دون عموم القصر. وفيه: أن الانصراف ممنوع. وعن التذكرة والمختلف: الاكتفاء بالدخول في ركوع الثالثة، لانه يلزم من الرجوع الى القصر ابطال العمل المنهي عنه. وفيه: أن تحريم الابطال لا ينافي سببية العدول لتبدل الحكم، فيكون انبطالا لا إبطالا. وأما عدم اندراجه في قوله (ع): " وإن شئت فانو المقام وأتم " حيث لا يتصور التخيير بين القصر والتمام، بعدما بدا له بعد الركوع الثالث، من جهة تعذر جعل صلاته قصرا. فغير ظاهر لامكان القصر له بالاستئناف. وأضعف من ذلك: الاكتفاء بمجرد القيام الى الثالثة وكون الزيادة عمدية مبطلة لو بني على القصر - لو سلم لا يجدي في الاكتفاء المذكور بعد صدق عدم الصلاة تماما. ومما ذكرنا يظهر وجه الحكم في بقية الفروض. نعم قد يدعى: أن ذكر الصلاة تماما مبني على الغالب، والمراد مجرد فعل ما هو من أحكام الاقامة، بأن يشرع في الرباعية بقصد اتمامها أربعا كما اشرنا إليه في توجيه ظاهر محكي المبسوط وغيره. أو يدعى: أن فعل ذلك إما أن يحكم بصحته، أو ببطلانه. لاسبيل الى الثاني، للامر به واقعا فيتعين الاول. ولابد أن يكون من جهة الحكم بصحة الاقامة. وقد تقدم أنها من قواطع السفر، فإذا صحت احتيج في جواز التقصير الى إحداث سفر جديد، ولا يكفي فيه العدول عن نية الاقامة. وفي الاول: أنه خروج عن الظاهر من غير وجه ظاهر. وفي الثاني: (اولا): النقض بصورة مالو كان العدول قبل فعل شئ، فانه قبل العدول آناما محكوم بأحكام الحاضر، فيكشف ذلك عن صحة إقامة. ولازمه عدم الرجوع الى

[ 127 ]

{ نعم الاولى الاحتياط مع الصوم، إذا كان العدول عن قصده بعد الزوال. وكذا لو كان العدول في أثناء الرباعية، بعد الدخول في ركوع الركعة الثالثة، بل بعد القيام إليها، وإن لم يركع بعد. (مسألة 16): إذا صلى رباعية بتمام، بعد العزم على } التقصير بمجرد العدول، مع أنه خلاف الاجماع. (وثانيا): إن ما ذكر أشبه بالاجتهاد في قبال النص، فان صحيح أبي ولاد يدل على الرجوع الى التقصير بمجرد العدول إذا لم يكن صلى تماما، وإن لم يحدث سفرا جديدا فكيف يبني على رفع اليد عن مدلوله لما ذكر؟!. ثم إن في الحاق الصوم الواجب بالفريضة في البقاء على التمام أقوالا: الالحاق بمجرد الشروع فيه، حكي عن العلامة في جملة من كتبه، وعن الموجز الحاوي، وغاية المرام، وارشاد الجعفرية، والمقاصد العلية، والمسالك وغيرها. وعلل: بتحقق أثر النية. والالحاق بشرط الرجوع عن نية الاقامة بعد الزوال، نسب إلى جامع المقاصد، وفوائد الشرائع، والتنقيح، والهلالية وغيرها. وعلل: بأنه - لاجل عدم جواز الافطار حينئذ - بمنزلة مالو رجع بعد الغروب. والالحاق بشرط أن يكون العدول بعد الغروب، نسب الى جماعة. وعلل: بأن المراد من الفريضة التامة مطلق العمل التام، ولما يستفاد من رواية معاوية بن وهب، من أن الصوم والصلاة واحد (* 1). والجميع - كما ترى - خروج عن ظاهر النص بلا قرينة. وأما رواية معاوية في ظاهرة في اتحادهما في الترخص وعدمه، وأنه إذا أفطر قصر، وإذا قصر أفطر، وليست متعرضة لما نحن فيه. فالاقوى عدم الالحاق، كما عن مجمع الفائدة، والمدارك، والكفاية، والذخيرة، والحدائق، والرياض وغيرها.


(* 1) تقدم ذلك في المسألة: 31 من فصل صلاة المسافر.

[ 128 ]

{ الاقامة، لكن مع الغفلة عن اقامته، ثم عدل، فالظاهر كفايته في البقاء على التمام (1). وكذا لو صلاها تماما لشرف البقعة (2) كمواطن التخيير، ولو مع الفلة عن الاقامة (3). وإن كان الاحوط الجمع بعد العدول حينئذ. وكذا في الصورة الاولى. (مسألة 17): لا يشترط في تحقق الاقامة كونه مكلفا بالصلاة (4)، فلو نوى الاقامة وهو غير بالغ، ثم بلغ في أثناء العشرة، وجب عليه التمام في بقية الايام. وإذا أراد التطوع بالصلاة قبل البلوغ يصلي تماما (5). وكذا إذا نواها وهو مجنون (6)، إذا كان ممن يتحقق منه القصد، أو نواها حال الافاقة، ثم جن، ثم أفاق (7). } (1) لاطلاق الصحيح المتقدم. ودعوى: انصرافه الى خصوص صورة الفعل، جريا على نية الاقامة. ممنوعة، بل الانصراف بدوي لا يعول عليه في رفع اليد عن الاطلاق. (2) للاطلاق أيضا. لكن لاتبعد دعوى الانصراف الى خصوص صورة كون الصحة من آثار نية الاقامة. إلا أن يقال: الصحة في المقام مستندة إلى نية الاقامة، غاية الامر إنه لولا النية لصحت أيضا من جهة الخصوصية في المكان، فالصحة لها سببان على البدل. (3) لا يمكن فرض ذلك في حال الالتفات، بل لابد فيه من الغفلة (4) لاطلاق الادلة. والاشكال في قصد الصبي قد عرفت دفعه في قصد المسافة. ثم إنه لا يطرد في صورة العلم بالاقامة عشرة أيام. (5) لانه كالبالغ في كيفية العمل، سواء أكانت أعماله شرعية أم تمرينية (6) للاطلاق. (7) إذ الجنون - لو سلم كونه رافعا للقصد - لا يقدح عروضه،

[ 129 ]

{ وكذا إذا كانت حائضا حال النية (1)، فانها تصلي ما بقي بعد الطهر من العشرة تماما. بل إذا كانت حائضا تمام العشرة يجب عليها التمام، ما لم تنشئ سفرا. (مسألة 18): إذا فاتته الرباعية بعد العزم على الاقامة ثم عدل عنها بعد الوقت، فان كانت مما يجب قضاؤها، وأتى بالقضاء تماما ثم عدل، فالظاهر كفايته في البقاء على التمام (2). وأما إن عدل قبل إتيان قضائها أيضا فالظاهر العود إلى القصر، وعدم كفاية استقرار القضاء عليه تماما. وإن كان الاحوط الجمع حينئذ، مادام لم يخرج. وإن كانت مما لا يجب قضاؤه كما إذا فاتت لاجل الحيض، أو النفاس، ثم عدلت عن النية، قبل إتيان صلاة تامة، رجعت إلى القصر. فلا يكفي مضي وقت الصلاة في البقاء على التمام (3). (مسألة 19): العدول عن الاقامة قبل الصلاة تماما قاطع لها من حينه، } لعدم الدليل على اعتبار استمرار القصد، وإنما دل على قدح التردد والبداء ولذا لا يقدح النوم، ولا النسيان. (1) للاطلاق. (2) للاطلاق. إذ اعتبار خصوص الاداء لاوجه له. والانصراف إليه بدوي. (3) كما عن الذكرى. لصدق أنه لم يصل فريضة بتمام. وفي نجاة العباد لم يستبعد الاكتفاء، تبعا لما عن التذكرة وغيرها، لاستقرارها في الذمة تماما. وهو كما ترى.

[ 130 ]

{ وليس كاشفا عن عدم تحققها من الاول (1). فلو فاتته حال العزم عليها صلاة أو صلوات أيام، ثم عدل قبل أن يصلي صلاة واحدة بتمام، يجب عليه قضاؤها تماما. وكذا إذا صام يوما أو أياما حال العزم عليها، ثم عدل قبل أن يصلى صلاة واحدة بتمام، فصيامه صحيح. نعم لا يجوز له الصوم بعد العدول، لان المفروض انقطاع الاقامة بعده (2). (مسألة 20): لافرق في العدول عن قصد الاقامة بين أن يعزم على عدمها، أو يتردد فيها (3)، في أنه لو كان بعد الصلوة تماما بقي على التمام ولو كان قبله رجع إلى القصر. (مسألة 21): إذا عزم على الاقامة فنوى الصوم، ثم عدل بعد الزوال قبل الصلاة تماما، رجع إلى القصر في صلاته (4). لكن صوم ذلك اليوم صحيح، لما عرفت من } (1) لان ظاهر الصحيح التعرض للبقاء على التمام، لا لاصل الحدوث فاطلاق مادل على أن حدوث نية الاقامة مطلقا كاف في وجوب التمام محكم بلا معارض. مضافا الى أن فعل الفريضة لو كان شرطا في صحة الاقامة لزم الدور، لان نية الاقامة شرط في صحة التمام والامر به. فتأمل. (2) على ما عرفت: من عدم الاكتفاء بالصوم في البقاء على التمام. (3) لما في ذيل الصحيح المتقدم: من أن البقاء على التمام مشروط بالبقاء على النية، فإذا لم ينو الاقامة - ولو كان مترددا - وجب القصر، إذا لم يصل فريضة بتمام (* 1) (4) لما عرفت.


(* 1) راجع المسألة: 15 من هذا الفصل.

[ 131 ]

{ أن العدول قاطع من حينه، لا كاشف، فهو كمن صام، ثم سافر بعد الزوال (1). (مسألة 22): إذا تمت العشرة لا يحتاج في البقاء على التمام إلى اقامة جديدة. بل إذا تحققت باتيان رباعية تامة كذلك، فما دام لم ينشئ سفرا جديدا يبقى على التمام (2). (مسألة 23): كما أن الاقامة موجبة للصلاة تماما، و لوجوب - أو جواز - الصوم، كذلك موجبة لاستحباب النوافل الساقطة حال السفر، ولوجوب الجمعة، ونحو ذلك من أحكام الحاضر (3). (مسألة 24): إذ تحققت الاقامة وتمت العشرة أولا وبدا للمقيم الخروج إلى ما دون المسافة ولو ملفقة، فللمسألة صور: الاولى: أن يكون عازما على العود إلى محل الاقامة } (1) لاطلاق الاخبار الدالة على أن من سافر بعد الزوال أتم صومه مثل صحيح ابن مسلم " إذا سافر الرجل في شهر رمضان، فخرج بعد نصف النهار، عليه صيام ذلك اليوم " (* 1) فانه ظاهر الشمول لما نحن فيه. كما أن مقتضى استصحاب وجوب الصوم ذلك. لكن في الاعتماد عليه، في قبال عموم وجوب الافطار على المسافر إشكال ظاهر. فلاحظ. (2) أما في الاول فلاطلاق مادل على أن نية الاقامة موجبة للتمام. وأما في الثاني فللتصريح في صحيح أبي ولاد بوجوب الاتمام حتى يخرج (* 2) (3) لما عرفت من انها من قواطع السفر، وأن المقيم في البلد بمنزلة أهله.


(* 1) الوسائل باب: 5 من أبواب من يصح الصوم منه حديث: 1. (* 2) تقدم في المسألة: 15 من هذا الفصل.

[ 132 ]

{ واستئناف إقامة عشرة أخرى. وحكمه: وجوب التمام (1) في الذهاب، والمقصد، والاياب، ومحل الاقامة الاولى. وكذا إذا كان عازما على الاقامة في غير محل الاقامة الاولى، مع عدم كون ما بينهما مسافة (2). الثانية: أن يكون عازما على عدم العود إلى محل الاقامة وحكمه: وجوب القصر إذا كان ما بقي من محل إقامته إلى } (1) إجماعا، كما عن الروض، والمقاصد العلية، والمصابيح. وعن الغرية: عليه عامة الاصحاب. وعن الصيمري في كشف الالتباس: انه لاشك ولا خلاف فيه. وعن مجمع البرهان: ان دليله واضح لا إشكال فيه. ووجهه: ما عرفت، من كون الاقامة قاطعة لموضوع السفر، فالرجوع إلى القصر بعدها محتاج إلى سفر جديد، وهو غير حاصل في الفرض. بل لو قلنا بكونها قاطعة لحكمه تعين أيضا البناء على التمام، بناء على الرجوع في مثل المقام الى استصحاب حكم المخصص، لاعموم أدلة القصر. وعن بعض: وجوب القصر، ونسب الى المقدس البغدادي (ره)، والشيخ محمد طه نجف (ره) وكأنه لبنائهم على كون الاقامة رافعة لحكم السفر، لا قاطعة لنفسه، وعلى كون المرجع في مثل المقام عموم أدلة التقصير، لااستصحاب التمام. أو على إطلاق الخروج في صحيح أبي ولاد (* 1) وكلاهما ضعيف. إذ الاول عرفت حاله في شروط المسافة. والثاني - لو سلم - لا مجال للاخذ به بعد البناء على قاطعية الاقامة للسفر، للاجماع على عدم جواز التقصير لغير المسافر. (2) كما نص عليه في محكي مجمع البرهان وغيره، لجريان ما سبق فيه لكونهما من باب واحد.


(* 1) تقدم في المسألة: 15 من هذا الفصل.

[ 133 ]

{ مقصده مسافة (1)، أو كان مجموع ما بقي مع العود إلى بلده أو بلد آخر مسافة، ولو كان ما بقي أقل من أربعة، على الاقوى من كفاية التلفيق، ولو كان الذهاب أقل من أربعة (2). الثالثة: أن يكون عازما على العود إلى محل الاقامة، من دون قصد إقامة مستأنفة، لكن من حيث أنه منزل من منازله في سفره الجديد. وحكمه: وجوب القصر أيضا في الذهاب، والمقصد، ومحل الاقامة (3). } (1) يعني: إذا كان مابين محل إقامته ومقصده مسافة. والتعبير عنه بما بقي بلحاظ سفره قبل نية الاقامة. وفي الجواهر: " الظاهر أنه لا خلاف فيه، فان الباحثين عنها والمتعرضين لها اتفقوا على ذلك، من دون نقل خلاف، ولا إشكال، بل اعترف بعضهم بظهور الاتفاق عليها "، ويقتضيه مادل على وجوب القصر على المسافر، من دون معارض. وهذا مما لاإشكال فيه. نعم في جعل هذا من صور مسألة الخروج الى ما دون المسافة ولو ملفقة - كما في المتن - غير ظاهر. (2) لكن عرفت إشكاله في مبحث التلفيق. هذا بالنسبة إلى الرجوع الى بلده. أما بالنسبة الى الرجوع إلى غير بلده، فليس هو من التلفيق، بل يجري عليه حكم الامتداد، فانه نوع منه. إذ لا يعتبر استقامة خط السير، بل يشمل غير المستقيم أيضا. (3) كما عن الشيخ، والقاضي، والحلبي، والعلامة في كثير من كتبه وغيرهم. بل عن الشهيد: نسبته الى المتأخرين. وهو إنما يتم بناء على ضم الذهاب مطلقا - ولو كان دون الاربعة - إلى الاياب. أما بناء على عدمه، واعتبار كون الذهاب أربعة، فغير ظاهر. لان المفروض كون

[ 134 ]

الذهاب الى المقصد دون الاربعة. ودعوى: كفاية قصد السفر بالاياب، فهو من حين خروجه عن محل الاقامة يصدق أنه مسافر، بلحاظ قصد الاياب، فيجب عليه التقصير. مندفعة: بما عرفت في أحكام المسافة، من أن ظاهر الادلة اعتبار السير في المسافة في وجوب التقصير، فإذا لم يكن السير الذهابي جزءا من السفر الموجب للقصر، لم يشرع القصر حاله. ولذا حكي عن جماعة: الاقتصار في وجوب التقصير على الاياب، ومحل الاقامة وأوجبوا التمام في الذهاب، والمقصد. وهذا القول وإن كان أقرب من الاول إلى القواعد، لعدم ورود الاشكال المتقدم فيه. إلا أنه استشكل فيه أيضا جماعة: بأن جعل الشروع في الاياب شروعا في السفر يتوقف على ضم الاياب الى الخروج ثانيا عن محل الاقامة، وكونهما سفرا واحدا عرفا، وهو لا يطرد في جميع الصور. ولذا فصل - في المتن وغيره - بين الصورة الثالثة والرابعة، فأوجب القصر في الاياب في الاولى، والتمام فيه في الثانية، لانه يصدق على الاياب والخروج عن محل الاقامة أنهما سفر واحد عرفا في الاولى، ولا يصدق ذلك عليهما في الثانية. وفيه: أن عدم الصدق في الثانية مبني على المسامحة، إذ لا ينبغي التأمل في كون المسافر عند شروعه في الاياب قاصدا للسفر إلى بلده حقيقة، غاية الامر أنه - بلحاظ كونه لما لم يقض وطره من محل الاقامة - يقال - بنحو من العناية - إنه ذاهب إلى محل الاقامة، لا إلى بلده. وهذا المقدار لا يدور عليه الحكم. ونظيره: من خرج من وطنه لحاجة له في موضع على رأس ثلاثة فراسخ، لكنه لا يتمكن من النزول فيه عند الوصول إليه، لعدم وقوف القطار فيه مثلا، بل كان يقف على رأس أربعة فراسخ، فانه إذا وقف القطار على رأس الاربعة فرجع إلى مقصده، يقال عند شروعه في الرجوع

[ 135 ]

إليه: انه قاصد السفر إلى المقصد، لا إلى بلده، مع أنه لا يظن من أحد التوقف في وجوب القصر عليه في الذهاب، والاياب، لما ذكرنا من كونه قاصدا حقيقة الرجوع إلى بلده، وان كان يمر بمقصده. ولذا اتفق النص والفتوى على انحصار قواطع السفر بالمرور بالوطن، والاقامة عشرا، والتردد ثلاثين يوما. بل من ضروريات نصوص الاقامة: أن الاقامة دون عشرة في الضياع والقرى المملوكة لا يقطع السفر، ولا يقدح في اتصال السفر قبلها بما بعدها على أي نحو كانت، فكيف يكون المقام في موضع الاقامة قاطعا في المقام؟! فتأمل جيدا. فإذا التفصيل المذكور لا يخلو من إشكال. مضافا الى ما يمكن أن يشكل به على أصل الحكم بالتقصير في الاياب جميع صوره، وذلك أنه بناء على كون الاقامة قاطعة لنفس السفر المأخوذ موضوعا لوجوب التقصير، لابد في جواز التقصير من قصد السفر عن محل الاقامة، بحيث يكون الكون في محل الاقامة خارجا عنه. وهذا المعنى إنما ينطبق على الخروج عن محل الاقامة كلية بعد العود إليه، ولا ينطبق على الاياب إليه، لان انطباقه على الاياب يلازم كون المرور بمحل الاقامة جزءا من السفر عنه، وقد عرفت أنه غير جائز. فالقول بالتمام في الذهاب والمقصد، والاياب، ومحل الاقامة، الى أن يخرج عنه كلية - كما عن غير واحد من متأخري المتأخرين، وفاقا لما عن العلامة في جواب المسائل المهنائية ونسب الى ولده في بعض الحواشي - في محله. وما عن غير واحد: من نفي الخلاف في وجوب القصر في الاياب، أو دعوى الاجماع عليه. ليس بنحو يصلح أن يعتمد عليه في رفع اليد عما تقتضيه القواعد. ومن ذلك تعرف حال الصورة الرابعة. اللهم إلا أن يقال: لادليل على اعتبار تحقق السفر عن محل الاقامة في المترخص، بل اللازم - بعد البناء على قاطعية الاقامة للسفر - اعتبار

[ 136 ]

{ الرابعة: أن يكون عازما على العود إليه من حيث أنه محل إقامته، بأن لا يكون حين الخروج معرضا عنه، بل أراد قضاء حاجة في خارجه والعود إليه، ثم إنشاء السفر منه ولو بعد يومين، أو يوم، بل أو أقل. والاقوى في هذه الصورة البقاء على التمام في الذهاب، والمقصد، والاياب، ومحل الاقامة ما لم ينشئ سفرا. وإن كان الاحوط الجمع في الجميع، خصوصا في الاياب، ومحل الاقامة. الخامسة: أن يكون عازما على العود الى محل الاقامة، لكن مع التردد في الاقامة بعد العود وعدمها. وحكمه أيضا وجوب التمام (1). والاحوط الجمع، كالصورة الرابعة. السادسة: أن يكون عازما على العود، مع الذهول عن } تحقق السفر غير السفر السابق المنقطع بالاقامة، وهذا متحقق في المقام وفيه: أن ظاهر صحيح أبي ولاد (* 1) اعتبار السفر عن محل الاقامة، والخروج عنه مسافرا، بحيث يكون خط السير في خارجه. (1) كما عن المدارك، والذخيرة: والمصابيح. أما بناء على الاشكال المتقدم فظاهر. وأما بناء على القصر في الاياب في الصورة الثالثة، فلعدم قصد السفر به، لان التردد في الاقامة تردد في السفر غير المنقطع بها، ومعه لابد من التمام، كما تقدم في الشرط الرابع من شروط القصر. ومن ذلك يظهر ضعف ماعن الغرية وارشاد الجعفرية. من الحكم بالقصر، وعن فوائد الشرائع وحاشية الارشاد: انه الاقوى، وما عن جامع المقاصد والجعفرية: من أن فيه وجهين.


(* 1) تقدم في المسألة: 15 من هذا الفصل.

[ 137 ]

{ الاقامة وعدمها. وحكمه أيضا: وجوب التمام (1). والاحوط الجمع، كالسابقة. السابعة: أن يكون مترددا في العود وعدمه (2)، } (1) يظهر وجهه مما سبق في الصورة الخامسة، لان الذهول عن الاقامة وعدمها مناف لقصد السفر، كالتردد فيها هناك، بناء على وجوب القصر في الاياب. أما بناء على وجوب التمام فيه، فوجه التمام أظهر. (2) عدم العود تارة: يكون بمعنى الاقامة في المقصد، وأخرى: بمعنى السفر إلى أهله. فعلى الاول يكون محصل الفرض: أنه قصد الذهاب الى المقصد، مترددا بين الاقامة فيه والعود الى محل الاقامة. وينبغي الجزم بوجوب التمام في الذهاب، لان التردد في الاقامة مانع من الترخص فيه، سواء أكان قاصدا - على تقدير العود - الاقامة في محل الاقامة ثانيا، أم الذهاب إلى أهله، أم تردد في ذلك. وعلى الثاني فاما أن يكون بناؤه - على تقدير العود - الاقامة في محل الاقامة ثانيا، وإما أن يكون بناؤه - على تقديره - السفر إلى أهله، أو تردد في ذلك. فعلى الاول يكون محصل الفرض: أنه سافر إلى المقصد، مترددا بين الذهاب منه الى أهله، وبين العود والاقامة. وينبغي الجزم بوجوب التمام أيضا في الذهاب، لما عرفت من أن التردد في الاقامة مانع عن القصر. وكذا لو كان مترددا في الاقامة ولافرق في ذلك بين القول بالترخص في الاياب في الصورة الثالثة والرابعة والقول بالتمام فيه. وعلى الثاني يكون محصل الفرض: أنه سافر إلى المقصد مترددا بين السفر منه إلى أهله وبين العود الى محل الاقامة والذهاب منه إلى أهله. وينبغي الجزم بأن حكمه التمام في الذهاب، على تقدير كون رجوعه إلى محل الاقامة من قبيل الرجوع إليه في الصورة الرابعة، وأن حكمه القصر لو كان من قبيل الرجوع إليه في الصورة الثالثة، بناء على القصر في الاياب

[ 138 ]

{ أو ذاهلا عنه (1). ولا يترك الاحتياط بالجمع فيه في الذهاب والمقصد، والاياب، ومحل الاقامة، إذا عاد إليه إلى أن يعزم على الاقامة، أو ينشئ السفر. ولافرق في الصور التي قلنا فيها بوجوب التمام بين أن يرجع الى محل الاقامة في يومه، } فيها. أما بناء على التمام فيه فيهما - بناء على الاشكال المتقدم - فالحكم التمام هنا على التقديرين لعدم تحقق قصد السفر الخارج عن محل الاقامة. وهذا الكلام كله في الذهاب. وقد عرفت أنه قد يجب فيه التمام، وقد يجب فيه القصر. كما أن وجوب القصر - على تقديره - مبني على القول بالضم مطلقا. أما بناء على اعتبار الاربعة في جواز الضم فلا مجال للقصر فيه في جميع الصور. وأما الاياب فلا يعرف حكمه إلا بعد الشروع فيه، ليعلم أنه كان بأي قصد. وحينئذ يعرف حكمه مما سبق في الصور السابقة. لكن لابد من ملاحظة ما يأتي في ذيل المسألة الخامسة والعشرين، فقد يجب فيه القصر، مع وجوب التمام فيه فيما سبق، وذلك إذا انقطعت الاقامة في الذهاب، حيث يجب فيه التقصير، فلاحظ. (1) الذهول عن العود إن كان بمعنى الذهول عنه وعما ينافيه - من الاقامة في المقصد، والسفر منه الى أهله - فهو يلازم عدم قصد السفر إلا إلى المقصد. وحينئذ فلابد من التام فيه، لعدم قصد المسافة الموجبة للقصر وإن كان بمعنى الغفلة عنه فقط، بأن عزم على السفر إلى المقصد ومنه إلى أهله، أو بنى على الاقامة فيه، أو تردد بين الامرين، وجب القصر في الذهاب في الاول، والتمام في الاخيرين. هذا حكم الذهاب. وأما الاياب فلا يعرف حكمه إلا بعد الشروع فيه، كما سبق. ومما ذكرنا كله تعرف أنه لاوجه ظاهر لتوقف المصنف (ره) عن الفتوى في هذه المسألة، مع ما عرفت من وضوح حكمها في جميع الصور.

[ 139 ]

{ أو ليلته، أو بعد أيام (1). هذا كله إذا بدا له الخروج إلى ما دون المسافة، بعد العشرة أو في أثنائها، بعد تحقق الاقامة. وأما إذا كان من عزمه الخروج في حال نية الاقامة، فقد مر (2) أنه إن كان من قصده الخروج والعود عما قريب. وفي ذلك اليوم، من غير أن يبيت خارجا عن محل الاقامة، فلا يضر بقصد اقامته ويتحقق معه، فيكون حاله بعد ذلك حال من بدا له. وأما إن كان من قصده الخروج إلى ما دون المسافة في ابتداء نيته، مع البيتوتة هناك ليلة أو أزيد، فيشكل معه تحقق الاقامة. والاحوط الجمع من الاول إلى الآخر. إلا إذا نوى الاقامة بدون القصد المذكور جديدا، أو يخرج مسافرا. (مسألة 25): إذا بدا للمقيم السفر، ثم بدا له العود إلى العود محل الاقامة والبقاء عشرة أيام، فان كان ذلك بعد بلوغ أربعة فراسخ، قصر في الذهاب، والمقصد، والعود (3). وإن كان قبله فيقصر حال الخروج (4) - بعد التجاوز عن حد الترخص - (5) إلى حال العزم على العود، ويتم عند } (1) لان التفصيل بين الامرين إنما قيل به في قصد المسافة التلفيقية، لافيما نحن فيه. (2) قد مر الكلام فيه. (3) لكونه مسافرا في الجميع، كالخارج من وطنه. (4) لكونه شارعا في سفر مقصود له. (5) على ما تقدم.

[ 140 ]

{ العزم عليه (1). ولا يجب عليه قضاء ما صلى قصرا (2). وأما إذا بدا له العود، بدون إقامة جديدة، بقى على القصر حتى في محل الاقامة، لان المفروض الاعراض عنه (3). وكذا لو ردته الريح، أو رجح لقضاء حاجة، كما مر سابقا (4). (مسألة 26): لو دخل في الصلاة بنية القصر، ثم بدا له الاقامة في أثنائها أتمها، وأجزأت (5). ولو نوى الاقامة ودخل في الصلاة بنية التمام، فبدا له السفر، فان كان } (1) لان العدول عن السفر مانع من البقاء على القصر، لاعتبار استمرار قصده، كما عرفت. (2) لما تقدم في المسألة الرابعة والعشرين من أول المبحث. (3) يعني: فلا مجال لتوهم أن الرجوع الى موضع الاقامة ملحق بالاقامة السابقة، لعدم منافاة هذا المقدار من الخروج لها، فان الخروج حال الاعراض مانع عن ذلك، ولا دليل على أن العدول عنه موجب للرجوع الى التمام، فالمرجع عموم القصر. (4) في المسألة التاسعة والستين من الفصل الاول. (5) بلا خلاف ظاهر، بل عن التذكرة، وإرشاد الجعفرية، وظاهر الذخيرة: الاجماع عليه. ويدل عليه - مضافا الى إطلاق أدلة التمام على المقيم - صحيح علي بن يقطين عن أبي الحسن عليه السلام: " عن الرجل يخرج في السفر، ثم يبدو له في الاقامة، وهو في الصلاة. قال (ع): يتم إذا بدت له الاقامة " (* 1) ونحوه خبر سهل (* 2).


(* 1) الوسائل باب: 20 من ابواب صلاة المسافر حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 20 من ابواب صلاة المسافر حديث: 2.

[ 141 ]

{ قبل الدخول في الركعة الثالثة أتمها قصرا، واجتزأ بها (1). وإن كان بعده بطلت، ورجع إلى القصر مادام لم يخرج (2) وإن كان الاحوط إتمامها تماما، وإعادتها قصرا، والجمع بين القصر والاتمام ما لم يسافر (3)، كما مر. (مسألة 27): لا فرق في إيجاب الاقامة لقطع حكم السفر واتمام الصلاة بين أن تكون محللة أو محرمة (4)، كما إذا قصد الاقامة لغاية محرمة، من قتل مؤمن، أو سرقة ماله أو نحو ذلك، كما إذا نهاه عنها والده، أو سيده، أو لم يرض بها زوجها. (مسألة 28): إذا كان عليه صوم واجب معين غير رمضان - كالنذر، أو الاستيجار، أو نحوهما - وجب عليه الاقامة مع الامكان (5). } (1) بلا إشكال فيه على الظاهر، بناء على عدم الاكتفاء في البقاء على وجوب التمام بمجرد الدخول في الصلاة بنية التمام. أما بناء على الاكتفاء بذلك - كما تقدم نقله عن الشيخ - أتمها تماما، وبقي على التمام. وقد عرفت فيما سبق أن هذا المبنى خلاف ظاهر صحيح أبي ولاد (* 1). (2) إذا كان بعد الدخول في ركوع الثالثة. وقد تقدم الكلام في ذلك في المسألة الخامسة عشرة. فرجع. (3) مبنى الاحتياط: الاشكال في الاكتفاء بهذا المقدار من الاثر في البقاء على التمام وغيره، مما عرفت ضعفه. (4) للاطلاق. (5) إعلم: أن الحضر إذا كان شرطا لوجوب الصوم - كما يقتضيه


(* 1) تقدم ذلك في المسألة: 15 من هذا الفصل.

[ 142 ]

ظاهر الآية (* 1) وبعض النصوص (* 2) كان السفر موجبا لعدم المصلحة في الصوم. وحينئذ لا يكون ترك الصوم تفويتا، ولاعدمه فوتا. ولا وجه لوجوب القضاء لما فات في السفر، بل إن وجب بعد ذلك في الحضر لم يكن قضاء لما فات، بل هو واجب آخر أجنبي عنه. وهو خلاف ضرورة الفقه، بل خلاف مرتكزات المتشرعة. وان كان الحضر شرطا لوجوده، كان اللازم وجوب تحصيله، فلا يجوز السفر. ولاجل أن المشهور المنصور جواز السفر اختيارا في شهر رمضان، وجب الالتزام بأن الشرط ليس وجود الحضر مطلقا، بل وجوده من باب الاتفاق. وحينئذ يجوز تفويته اختيارا، كما يجوز تفويت شرائط الوجوب، ولكن يجب القضاء. هذا في صوم رمضان. أما غيره فمقتضى قاعدة الالحاق جريان ذلك فيه أيضا، فيكون الحضر شرطا لوجود الصوم، لا مطلقا، بل خصوص وجوده من باب الاتفاق. وعليه فيجوز السفر اختيارا في كل صوم واجب معين، بالاصل أو بالعارض، كما اختاره في نجاة العباد، وأمضاه شيخنا الاعظم (ره) والسيد المحقق الشيرازي (قده) وغيرهما من محشيها. ويشهد به في النذر بعض النصوص، كرواية عبد الله بن جندب: " سمعت من زرارة عن أبي عبد الله (ع) أنه سأله عن رجل جعل على نفسه نذرا صوما. فحضرته نية في زيارة أبي عبد الله (ع). قال (ع): يخرج، ولا يصوم في الطريق. فإذا رجع قضى ذلك " (* 3) وقريب منها غيرها. وعلى هذا فلا موجب للاقامة. نعم لا يبعد ذلك في الاستئجار، لظهور الاجارة في كونها إجارة على الاقامة والصوم معا، لا على الصوم على تقدير الاقامة.


(* 1) وهي قوله تعالى: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه...) البقرة: 185. (* 2) تأتي الاشارة إليها - ان شاء الله تعالى - في المسألة: 1 من فصل شرائط وجوب الصوم. (* 3) الوسائل باب: 10 من ابواب من يصح منه الصوم حديث: 5.

[ 143 ]

{ (مسألة 29): إذا بقي من الوقت أربع ركعات، وعليه الظهران، ففي جواز الاقامة إذا كان مسافرا، وعدمه من حيث استلزامه تفويت الظهر وصيرورتها قضاء، اشكال (1) فالاحوط عدم نية الاقامة مع عدم الضرورة. نعم لو كان حاضرا، وكان الحال كذلك لا يجب عليه السفر لادراك الصلاتين في الوقت. (مسألة 30): إذا نوى الاقامة، ثم عدل عنها، وشك في أن عدوله كان بعد الصلاة تماما حتى يبقى على التمام أم لا، بنى على عدمها (2)، فيرجع إلى القصر. (مسألة 31): إذا علم بعد نية الاقامة بصلاة أربع ركعات والعدول عن الاقامة، ولكن شك في المتقدم منهما مع } ومنه يظهر أنه لو كان مرجع النذر إلى نذر الاقامة والصوم معا، وجبت الاقامة أيضا. وانما لا تجب الاقامة - حسبما قلنا - إذا كان النذر للصوم المشروع في الزمان المعين، لاغير. وقد تقدم الكلام في هذه المسألة في المسألة التاسعة والثلاثين من الفصل السابق. وتمام الكلام في المقام موكول إلى محله من كتاب الصوم. (1) لكنه ضعيف، لان التفويت المحرم ترك الواجب في ظرف الفراغ عن وجوبه، ولا يشمل ترك تبديل الواجب، الذي لا يقدر عليه المكلف بواجب يقدر عليه، لعدم الدليل على حرمة مثل ذلك، والاصل البراءة. ولاجل ذلك لم يجب السفر في الفرض الآتي. إذ لافرق بين الفرضين في ذلك. وقد تقدم في المسألة الثالثة من فصل القراءة ماله تعلق بالمقام. (2) لاصالة عدمها، فيثبت موضوع وجوب القصر بكلا جزئيه،

[ 144 ]

{ الجهل بتاريخهما رجع إلى القصر، مع البناء على صحة الصلاة (1) لان الشرط في البقاء على التمام وقوع الصلاة تماما، حال العزم على الاقامة، وهو مشكوك (2). } أحدهما بالوجدان، وهو العدول، والثاني بالاصل، وهو عدم الصلاة تماما. (1) هذا يوجب المخالفة القطعية للعلم الاجمالي بالتكليف، لانه إن كان العدول بعد الصلاة تماما وجب عليه البقاء على التمام. وان كان قبلها وجب عليه الاعادة لما مضى والقصر لما يأتي، فالبناء على صحة الصلاة، والرجوع إلى القصر مخالفة قطعية للتكليف المعلوم بالاجمال. (2) هذا إنما يصلح تعليلا للرجوع الى القصر، لو جرت أصالة عدم وقوع الصلاة تماما الى حين العدول. لكنه يمتنع جريانها، إما لمعارضتها بأصالة عدم وقوع العدول إلى حين الصلاة تماما، كما هو المشهور. أو لعدم حجية الاصل المذكور ذاتا، كما هو التحقيق، حسبما حررناه في تعليقتنا على الكفاية: (حقائق الاصول)، في استصحاب مجهول التاريخ، وتقدم في مباحث خلل الوضوء. ولاجل أنه لا يجري الاصل الموضوعي المذكور، فالمرجع الاصل الحكمي وهو استصحاب وجوب التمام لو أمكن. وإلا - كما لو كان العدول المحتمل قبل الوقت. وبني على عدم حجية الاستصحاب التعليقي - تعين الجمع بين التمام والقصر، من جهة العلم الاجمالي. كما أن عليه إعادة القصر، لانها بعض المعلوم بالاجمال. هذا كله بناء على عدم الرجوع إلى العام في الشبهة المصداقية. أما بناء على الرجوع إليه فيكون الحكم التمام، لعموم مادل على التمام بنية الاقامة المقتصر في الخروج عنه على صورة العلم بالعدول، قبل الصلاة تماما، لا القصر لعموم مادل على القصر للمسافر، للعلم بتخصيصه بأدلة الاقامة، المعلوم

[ 145 ]

{ (مسألة 32): إذا صلى تماما ثم عدل، ولكن تبين بطلان صلاته، رجع إلى القصر، وكان كمن لم يصل (1). نعم إذا صلى بنية التمام، وبعد السلام شك في أنه سلم على الاربع أو على الاثنين أو الثلاث، بنى على أنه سلم على الاربع ويكفيه في البقاء على حكم التمام إذا عدل عن الاقامة بعدها (2) (مسألة 33): إذا نوى الاقامة، ثم عدل عنها بعد خروج وقت الصلاة، وشك في أنه هل صلى في الوقت حال العزم على الاقامة أم لا، بنى على أنه صلى. لكن في كفايته في البقاء على حكم التمام إشكال (3)، وإن كان لا يخلو من } انطباقه في المقام. هذا ويمكن أن يقال: إن موضوع وجوب التمام على من عدل عن نية الاقامة، هو نية الاقامة مع الصلاة تماما، فإذا ثبتت صحت الصلاة بأصالة الصحة فقد تحقق موضوعه. وعدم العدول قبل الصلاة تماما، لادخل له في وجوب التمام، إلا من حيث اقتضائه صحة الصلاة، لا أنه شرط آخر في قبال الصلاة تماما صحيحة. فليس الشرط في وجوب التمام إلا صحة الصلاة تماما ويمكن إثبات ذلك بأصل الصحة. (1) لما عرفت من عدم الاكتفاء بمطلق الاثر الشرعي لنية الاقامة، فضلا عن الاثر الخارجي. (2) لاطلاق دليل قاعدة البناء على الاكثر، الشامل لمثل الاثر المذكور. (3) لاحتمال اختصاص دليل قاعدة الشك بعد خروج الوقت - وهو صحيح زرارة والفضيل بنفي الاعادة، للاقتصار فيه على ذلك، قال (ع): " وإن شككت بعد ما خرج وقت الفوت، وقد دخل حائل فلا إعادة

[ 146 ]

{ قوة خصوصا إذا بنينا على أن قاعدة الشك بعد الفراغ، أو بعد الوقت، إنما هي من باب الامارات، لا الاصول العلمية (1). (مسألة 34): إذا عدل عن الاقامة، بعد الاتيان بالسلام الواجب، وقبل الاتيان بالسلام الاخير، الذي هو مستجب، فالظاهر كفايته في البقاء على حكم التمام (2)، وفي تحقق الاقامة. وكذا لو كان عدوله قبل الاتيان بسجدتي السهو إذا كانتا عليه. بل وكذا لو كان قبل الاتيان بقضاء الاجزاء المنسية، كالسجدة والتشهد المنسيين. بل وكذا لو كان قبل } عليك من شك حتى تستيقن... " (* 1) لكن لا يبعد أن يكون ذكر نفي الاعادة لاجل كونه أجد الآثار المترتبة على الوجود، لا لخصوصية فيه. وإذا رجعت القاعدة المذكورة الى قاعدة التجاوز فالامر أظهر، لما عرفت في أوائل مبحث الخلل، من صلاحية القاعدة المذكورة لاثبات الوجود المطلق بلحاظ جميع الآثار. (1) هذا لا أثر له في الفرق في الاكتفاء وعدمه. إذ لو كان دليل القاعدة شاملا باطلاقه للاثر المذكور، اكتفي بها على كلا المذهبين. وإلا لم يكتف بها على كليهما أيضا. نعم لو لم يكن الاثر المذكور شرعيا أمكن أن يدعى الفرق بين المذهبين في ذلك. لكنه شرعي على كل حال. فمنشأ الاشكال: عدم عموم الدليل له، ولو كان عاما له ارتفع الاشكال، وإن لم تكن القاعدة من الامارات، ولم نقل بحجية الاصل المثبت. (2) لصدق أنه صلى فريضة تمام، فيجب عليه البقاء على التمام. وكذا في الفرضين الاخيرين. نعم لو قيل بأن الاجزاء المنسية أجزاء للصلاة أشكل الحكم في الفرض الثاني منهما. لكنه خلاف التحقيق، كما تقدم.


(* 1) الوسائل باب: 60 من ابواب المواقيت حديث: 1.

[ 147 ]

{ الاتيان بصلاة الاحتياط، أو في أثنائها (1) إذا شك في الركعات وإن كان الاحوط فيه الجمع، بل وفي الاجزاء المنسية. (مسألة 35): إذا اعتقد أن رفقاؤه قصدوا الاقامة فقصدها، ثم تبين أنهم لم يقصدوا، فهل يبقى على التمام أولا؟ فيه صورتان: إحداهما: أن يكون قصده مقيدا بقصدهم (2). الثانية: أن يكون اعتقاده داعيا له إلى القصد، من غير أن يكون مقيدا بقصدهم. ففي الاولى يرجع إلى التقصير (3). } (1) هذا غير ظاهر، لان احتمال نقص الركعة أو الأكثر موجب لاحتمال عدم صدق التمام. ومنه يظهر أنه لا يجب عليه صلاة الاحتياط، بل يجب عليه الاستئناف قصرا، كما لو عدل قبل السلام. والظاهر أنه لافرق في ذلك بين البناء على كون التسليم على الصلاة المشكوكة تسليما على نقص غير مخرج، كما استظهرناه، وبين البناء على كونه مخرجا، لاجل البناء على انقلاب التكليف بصلاتين، على ما يظهر من جماعة. إذ المراد من الصلاة بتمام - على هذا المعنى - هو تمام الصلاتين. فتأمل جيدا. (2) بأن يكون قصده الخارجي ثابتا في فرض ثبوت قصدهم، نظير الارادة في الوجوب المشروط، فان الارادة الخارجية الحاصلة للآمر حاصلة له فعلا في فرض وجود الشرط اللحاظي. أو بأن يكون موضوع قصده هو موضوع قصدهم، غاية الامر أنه كان يعتقد أن موضوع قصدهم عشرة ومقتضى الجمود على عبارة المتن إرادة الاول. لكن المظنون قويا هو الثاني. (3) أما على تقدير الاحتمال الثاني فظاهر، لكون المفروض أنه لم

[ 148 ]

{ وفي الثانية يبقى على التمام. والاحوط الجمع في الصورتين. الثالث من القواطع: التردد في البقاء وعدمه ثلاثين يوما (1)، إذا كان بعد بلوغ المسافة. وأما إذا كان قبل بلوغها } يقصد إقامة عشرة، وإنما قصد إقامة المدة المنوية لرفقائه، فإذا كانت في الواقع دون عشرة أيام لم يكن قد نوى مدة عشرة. ومجرد علمه بأن تلك المدة عشرة، غير مجد في وجوب التمام، ما لم يوجب العلم باقامة العشرة الذي هو غير المفروض. ونظيره: مالو نوى الاقامة إلى يوم العيد، وكان يعتقد أن مابين زمان الاقامة والعيد عشرة أيام، ولم يكن في الواقع كذلك. وأما على تقدير الاحتمال الاول فانه وإن كان نوى إقامة عشرة لكن نيته ليست مطلقة، بل مشروطة حسب الفرض بنية رفقائه، فإذا لم يكن الشرط حاصلا في الواقع، لم تكن النية داخلة في إطلاق النصوص، لان النية المنوطة بشرط غير حاصل بمنزلة العدم في نظر العرف. وإن كان التحقيق - حسب ما ذكرنا في الواجب المشروط - أنها موجودة حقيقة، غاية الامر أنها منوطة لا مطلقة. ومجرد عدم حصول المنوط به خارجا، لا يوجب عدم حصولها، لان المنوط به حقيقة وجود الشرط الفرضي اللحاظي، لا الخارجي الحقيقي. لكن الوجود التعليقي بدون وجود المعلق عليه ليس موضوعا للحكم بوجوب التمام، كما هو واضح. (1) على المشهور، بل عن ظاهر الروض أو صريحه: مساواته لمحل الاقامة في حكاية الاجماعات. ولم يعرف مخالف في ذلك إلا المحقق البغدادي (ره) فقد حكي عن ظاهره أو صريحه: أنه ليس من القواطع، ولا يحتاج في تحديد الترخص الى قصد مسافة مستأنفة. وكأنه جمود منه على نصوص وجوب التمام بعد التردد، والرجوع بعد الخروج عن مكان التردد الى عمومات

[ 149 ]

{ فحكمه التمام حين التردد، لرجوعه إلى التردد في المسافرة وعدمها (1). ففي الصورة الاولى إذا بقي في مكان مترددا في البقاء والذهاب أو في البقاء والعود إلى محله، يقصر إلى ثلاثين يوما، ثم بعده يتم مادام في ذلك المكان (2)، ويكون بمنزلة من } الترخص للمسافر. وفيه: أن النصوص المذكورة وإن لم يصرح فيها بقاطعية التردد، إلا أن المنسبق إلى الذهن منها كون وجوب التمام إنما هو لقدح الاقامة الطويلة في عنوان المسافر، المأخوذ موضوعا للترخص، فتكون نظير الحاكم على أدلته، لا المخصص البحث. وهذا هو العمدة في تسالم الاصحاب على القاطعية وإلا فمن البعيد وقوفهم على ما لم نقف عليه. وكيف كان لا ينبغي التأمل فيما ذكرنا. (1) هذا يتم إذا كان تردده في الاقامة عشرة أيام وعدمها، فان الاقامة إذا كانت منافية للسفر كان تردده فيها ترددا في السفر. وكذا لو كان تردده في البقاء دون العشرة والعود الى وطنه. أما لو كان تردده في الاقامة دون العشرد والذهاب. كما لو تردد في بعض منازل سفره في إقامة يوم أو يومين أو أكثر - إلى تسعة أيام - والذهاب. ثم لم يزل كذلك حتى مضى عليه ثلاثون يوما، وجب عليه القصر إلى نهاية الثلاثين، لعدم منافاته لقصد السفر بوجه. (2) إجماعا، كما عن الخلاف والمدارك، وظاهر المنتهى والذخيرة والرياض. وتدل عليه النصوص المستفيضة، كصحيح أبي ولاد عن أبي عبد الله (ع): " إن شئت فانو المقام عشرا وأتم، وإن لم تنو المقام فقصر ما بينك وبين شهر. فإذا مضى لك شهر فأتم الصلاة " (* 1) وصحيح زرارة


(* 1) تقدم ذلك في المسألة: 15 من هذا الفصل.

[ 150 ]

{ نوى الاقامة عشرة أيام، سواء أقام فيه قليلا أو كثيرا، حتى إذا كان بمقدار صلاة واحدة (1). (مسألة 36) يلحق بالتردد ما إذا عزم على الخروج غدا أو بعد غد، ثم لم يخرج. وهكذا، إلى أن مضى ثلاثون يوما، حتى إذا عزم على الاقامة تسعة أيام مثلا (2)، ثم بعدها عزم على إقامة تسعة أيام أخرى. وهكذا. فيقصر إلى ثلاثين يوما، ثم يتم، ولو لم يبق إلا مقدار صلاة واحدة. } عن أبي جعفر (ع): " وإن لم تدر ما مقامك بها، تقول غدا أخرج أو بعد غد، فقصر ما بينك وبين أن يمضي شهر. فإذا تم لك شهر فأتم الصلاة، وإن أردت أن تخرج من ساعتك " (* 1) ومصحح ابن أبي أيوب: " قال: سأل محمد ابن مسلم أبا عبد الله (ع) [ أبا جعفر (ع). خ تهذيب ] (* 2)... إلى أن قال (ع): فان لم يدر ما يقيم يوما أو أكثر، فليعد ثلاثين يوما، ثم ليتم وإن كان أقام يوما، أو صلاة واحدة " (* 3) ونحوها غيرها. (1) كما في مصحح ابن أبي أيوب المتقدم. (2) ففي خبر أبي بصير: " وإن كنت تريد أن تقيم أقل من عشرة أيام فأفطر ما بينك وبين شهر، فإذا تم الشهر فأتم الصلاة والصيام " (* 4) وفي صحيح معاوية بن وهب عن أبي عبد الله (ع) - في حديث - قال (ع):


(* 1) الواسئل باب: 15 من ابواب صلاة المسافر حديث: 9. (* 2) راجع التهذيب ج 3 صفحة 219 طبع النجف الاشرف. وفي الوسائل نقل الرواية عن الشيخ (ره) باسناده عن أبي عبد الله (ع)، ثم أردفها برواية الكافي عنه (ع). ولعل المقصود بذلك إنما هو رواية الشيخ (ره) في الاستبصار. راجع الاستبصار ج 1 صفحة 238 طبع النجف الاشرف. والكافي ج 3 صفحة 436 طبع ايران الحديثة. (* 3) الوسائل باب: 15 من ابواب صلاة المسافر حديث: 12. (* 4) الوسائل باب: 15 من ابواب صلاة المسافر حديث: 3.

[ 151 ]

{ (مسألة 37): في إلحاق الشهر الهلالي إذا كان ناقصا بثلاثين يوما إذا كان تردده في أول الشهر وجه، لا يخلو عن قوة (1). وإن كان الاحوط عدم الاكتفاء به. } " وإن أقمت تقول غدا أخرج أو بعد غد، ولم تجمع على عشرة فقصر ما بينك وبين شهر. فإذا تم الشهر فأتم الصلاة " (* 1). (1) الموجود في مصحح ابن أبي أيوب المتقدم ذكر الثلاثين، وفيما عداه من النصوص ذكر الشهر. كما أن الموجود في عبارات الاكثر التعبير بالشهر. وفي النهاية وأكثر كتب المتأخرين: التعبير بالثلاثين. ولا خلاف - كما في مفتاح الكرامة، وغيره - في اعتبار الثلاثين إذا لم يكن ابتداء التردد في أول الشهر. إنما الخلاف فيما لو كان أول يوم منه. والمعروف اعتبار الثلاثين فيه أيضا. وعن مجمع البرهان: الاكتفاء بالشهر الهلالي، وتبعه غير واحد. ووجه القول الاول، بناء على كون الشهر حقيقة في الثلاثين ظاهر لاتفاق النصوص عليه. أما بناء على كون حقيقة في خصوص مابين الهلالين أو مشتركا لفظيا بينهما، أو مشتركا معنويا، فان رواية الثلاثين تكون حينئذ نسبتها إلى رواية الشهر نسبة القرينة الصارفة عن الحقيقة الى المجاز، أو المعينة للمشترك اللفظي، أو المقيدة للمشترك المعنوي، كذا قرر هذا الوجه في الجواهر وغيرها. ووجه القول الثاني: أن لفط (الشهر) حقيقة فيما بين الهلالين، فيجب حمله عليه. ولا تصلح رواية الثلاثين لصرفه، لعدم التنافي بينهما. إذ يمكن أن يكون كل منهما موضوعا للحكم، فيكون التردد فيما بين الهلالين موجبا للتمام كالتردد ثلاثين. ويختص الاول بما لو وقع التردد في أول الشهر.


(* 1) الوسائل باب: 15 من ابواب صلاد المسافر حديث: 17.

[ 152 ]

{ (مسألة 38): يكفي في الثلاثين التلفيق إذا كان تردده في أثناء اليوم (1)، كما مر في إقامة العشرة. وإن كان الاحوط عدم الاكتفاء ومراعاة الاحتياط. (مسألة 39): لافرق في مكان التردد بين أن يكون بلدا، أو قرية، أو مفازة (2). } ويختص الثاني بغيره. والتحقيق: أن الشهر وإن كان حقيقة فيما بين الهلالين لا غير، فانه موضوع لغة وعرفا للجامع بين الشهور العربية الاثني عشر، من محرم إلى ذي الحجة. إلا أنه يمتنع حمله في النصوص المذكورة عليه. إذ لازمه اختصاص تلك النصوص بصورة وقوع التردد في أول آنات الشهر، ويكون المراد منها أنه إذا تردد المسافر في تمام محرم، أو صفر، أو غيرهما من الشهور العربية، فعليه التمام. ولا تعرض فيها لصورة وقوع التردد في ثاني آنات اليوم الاول من الشهور، فضلا عن صورة وقوعه في غير اليوم الاول من الايام. وهذا مما لا يمكن الالتزام به ضرورة. فلابد أن يكون المراد منها مقدار الشهر، وحيث أن الشهر يختلف بالتمام والنقصان، يتعين حمله على خصوص التام، فانه مقتضى الاطلاق المقامي، فضلا عن كونه مقتضى رواية الثلاثين. ومما ذكرنا يظهر لك ضعف الوجه الذي أشار إليه في المتن. (1) لما عرفت من ظهور الادلة في المقدار الحاصل مع التلفيق وغيره (2) كما في الجواهر، حاكيا عن بعض التصريح به. ويقتضيه إطلاق كلامهم، كاطلاق جملة من النصوص، وعن الدروس واللمعة: التقييد بالمصر. وكأنه وارد مورد التمثيل. وإلا فمن الواضح خلافه، فانه تقييد لنصوص البلد والارض من غير وجه.

[ 153 ]

{ (مسألة 40): يشترط اتحاد مكان التردد (1) فلو كان بعض الثلاثين في مكان وبعضه في مكان آخر لم يقطع حكم السفر. وكذا لو كان مشتغلا بالسير وهو متردد، فانه يبقى على القصر إذا قطع المسافة. ولا يضر بوحدة المكان، إذا خرج عن محل تردده إلى مكان آخر - ولو ما دون المسافة - بقصد العود إليه عما قريب، إذا كان بحيث يصدق عرفا أنه كان مترددا في ذلك المكان ثلاثين يوما، كما إذا كان مترددا في النجف، وخرج منه إلى الكوفه لزيارة مسلم، أو لصلاة ركعتين في مسجد الكوفه، والعود إليه في ذلك اليوم، أو في ليلته. بل أو بعد ذلك اليوم. (مسألة 41): حكم المتردد بعد الثلاثين كحكم المقيم في مسألة الخروج إلى ما دون المسافة مع قصد العود إليه (2)، في أنه يتم ذهابا، وفي المقصد، والاياب، ومحل التردد، إذا كان قاصدا للعود إليه من حيث أنه محل تردده. وفي القصر } (1) لظهور الادلة في ذلك، كما تقدم في الاقامة. إذ لسان الدليل في البابين واحد. ومن ذلك يظهر ذلك الكلام في الخروج إلى ما دون المسافة بقصد العود إليه عن قريب. (2) إذ بعد ما عرفت من البناء على قاطعية التردد للسفر، وأنه كالاقامة عشرة، لابد أن يجري فيه الكلام المتقدم في الخروج الى ما دون المسافة، بعد نية الاقامة على نسق واحد. نعم لو بني على عدم قاطعيته وجب القصر بمجرد الخروج عن ذلك المكان، ولو مع عدم الاعراض عنه، بناء على كون المرجع في المقام عموم وجوب القصر على المسافر، كما هو الظاهر.

[ 154 ]

{ بالخروج إذا أعرض عنه، وكان العود إليه من حيث كونه منزلا له في سفره الجديد، وغير ذلك من الصور التي ذكرناها. (مسألة 42): إذا تردد في مكان تسعة وعشرين يوما أو أقل، ثم سار الى مكان آخر وتردد فيه كذلك - وهكذا - بقي على القصر مادام كذلك (1) إلا إذا نوى الاقامة في مكان أو بقي متردد ثلاثين يوما في مكان واحد. (مسألة 43): المتردد ثلاثين يوما إذا أنشأ سفرا بقدر المسافة لا يقصر إلا بعد الخروج عن حد الترخص، كالمقيم، كما عرفت سابقا (2). } (1) لعدم الدليل على وجوب التمام، ليخرج عن عموم وجوب القصر فالعموم المذكور محكم. (2) وعرفت وجهه في المسألة الخامسة والستين في مبحث حد الترخص والله سبحانه أعلم.

[ 155 ]

{ فصل في أحكام صلاة المسافر مضافا إلى ما مر في طي المسائل السابقة قد عرفت أنه يسقط - بعد تحقق الشرائط المذكورة - من الرباعيات ركعتان (1). كما أنه تسقط النوافل النهارية (2) أي نافلة الظهيرين. بل ونافلة العشاء - وهي الوتيرة - أيضا على الاقوى (3). } فصل في أحكام صلاة المسافر (1) تقدم في أول صلاة المسافر. (2) بلا إشكال. وعن جماعة: الاجماع عليه صريحا وظاهرا والنصوص الدالة عليه كثيرة، منها: صحيح ابن مسلم عن أحدهما (ع): " عن الصلاة تطوعا في السفر. قال (ع): لا تصل قبل الركعتين ولا بعدهما شيئا نهارا " (* 1) ونحوه غيره. (3) كما هو المشهور. وعن المنتهى: نسبته الى علمائنا. وعن الحلي: الاجماع عليه. ويقتضيه إطلاق بعض النصوص (* 1) وعن الشيخ في النهاية جواز فعلها. لخبر الفضل بن شاذان عن الرضا (ع): " إنما صارت العتمة مقصورة، وليس تترك ركعتاها، لان الركعتين ليستا من الخمسين وإنما هي زيادة في الخمسين تطوعا، ليتم بهما بدل كل ركعة من الفريضة ركعتين من التطوع " (* 3) وعن الذكرى: " إنه قوي ". وهو في محله


(* 1) الوسائل باب: 21 من ابواب أعداد الفرائض ونوافلها حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 21 من ابواب أعداد الفرائض ونوافلها حديث: 2، 3، 7. (* 3) الوسائل باب: 29 من ابواب أعداد الفرائض ونوافلها حديث: 3.

[ 156 ]

{ وكذا يسقط الصوم الواجب عزيمة (1)، بل المستحب أيضا، الا في بعض المواضع المستثناه. فيجب عليه القصر في الرباعيات فيما عدا الاماكن الاربعة (2). ولايجوز له الاتيان بالنوافل النهارية. بل ولا الوتيرة إلا بعنوان الرجاء واحتمال المطلوبية، لمكان الخلاف في سقوطها وعدمه. ولا تسقط نافلة الصبح، والمغرب، ولا صلاة الليل (3). كما لا إشكال في أنه يجوز الاتيان بغير الرواتب من الصلوات المستحبة (4). (مسألة 1): إذا دخل عليه الوقت هو حاضر، ثم سافر قبل الاتيان بالظهرين، يجوز له الاتيان بنافلتهما سفرا (5)، وإن كان يصليهما قصرا. وان تركها في الوقت يجوز له قضاؤها. } فانه مقتضى الجمع العرفي بين النصوص. لولا شبهة الاعراض عن الخبر الموجب لسقوطه عن الحجية. وقد تقدم في أوائل الصلاة ماله نفع في المقام (1) كما تقدمت الاشارة الى ذلك. وتفصيله يأتي - إن شاء الله - في محله من كتاب الصوم. (2) على ما يأتي قريبا إن شاء الله. (3) بلا خلاف. والنصوص به متظافرة، ففي رواية الحرث: " قال أبو عبد الله عليه السلام: " كان أبي (ع) لا يدع ثلاث عشرة ركعة في الليل، في سفر ولا حضر " (* 2). (4) لاطلاق أدلتها. (5) هذا خلاف مادل على سقوط نافلة المقصورة. واحتمال اختصاصه


(* 1) الوسائل باب: 25 من ابواب أعداد الفرائض ونوافلها حديث: 1.

[ 157 ]

{ (مسألة 2): لا يبعد جواز الاتيان بنافلة الظهر في حال السفر (1) إذا دخل عليه الوقت وهو مسافر، وترك الاتيان بالظهر حتى يدخل المنزل، من الوطن، أو محل الاقامة } بغير هذه الصورة، فيرجع الى عموم ثبوتها. غير ظاهر. نعم قد يقتضي ذلك موثق عمار عن أبي عبد الله (ع): " عن الرجل إذا زالت الشمس وهو في منزله، ثم يخرج في السفر، فقال (ع): يبدأ بالزوال فيصليها ثم يصلي الاولى بتقصير ركعتين، لانه خرج من منزله قبل أن تحضر الاولى وسئل: فان خرج بعدما حضرت الاولى. قال (ع): يصلي الاولى أربع ركعات. ثم يصلي بعد النافلة ثمان ركعات، لانه خرج من منزله بعدما حضرت الاولى. فإذا حضرت العصر صلى العصر بتقصير، وهي ركعتان لانه خرج في السفر قبل أن تحضر العصر " (* 1) إلا أن في جواز العمل به - مع ابتناء الحكم فيه على كون العبرة بحال الوجوب، وعلى عدم دخول وقت الظهر بمجرد الزوال - إشكالا. ولاسيما مع مخالفته لعموم سقوط نافلة المقصورة. ولذا اختار في المدارك العدم، حيث قيد جواز الاتيان بها في السفر بصورة فعل الفريضة تماما في الحضر. وإن قال في الجواهر: " فيه نظر "، ولم يتعرض لوجهه. اللهم إلا أن يكون مراده صورة فوات وقت النافلة. إذ حينئذ يكون عموم مادل على قضائها محكما. لكن الظاهر أن كلام المدارك لا يختص بذلك. وكيف كان فالانصاف يقتضي جواز العمل بالموثق، لانه من قسم الحجة. ولم يثبت إعراض منهم يوجب وهنه فلا مانع من تخصيصه لعمومات السقوط. كما لامانع من. التفكيك بين دلالته في الحجية. فتأمل. (1) هذا أيضا خلاف إطلاق مادل على سقوط نافلة المقصورة، إذ


(* 1) الوسائل باب: 23 من ابواب أعداد الفرائض ونوافلها حديث: 1.

[ 158 ]

{ وكذا إذا صلى الظهر في السفر ركعتين، وترك العصر إلى أن يدخل المنزل، لا يبعد جواز الاتيان بنافلتها في حال السفر. وكذا لا يبعد جواز الاتيان بالوتيرة في حال السفر إذا صلى العشاء أربعا في الحضر ثم سافر، فانه إذا تمت الفريضة صلحت نافلتها (1). (مسألة 3): لوصلى المسافر - بعد تحقق شرائط القصر - تماما، فاما أن يكون عالما بالحكم والموضوع (2)، أو جاهلا بهما - أو باحداهما -، أو ناسيا. فان كان عالما بالحكم والموضوع عامدا - في غير الاماكن الاربعة - بطلت } المفروض أنه في السفر وظيفته القصر، ومقتضى الاطلاق المتقدم سقوط نافلتها. ومجرد كونه في الواقع يصليها تماما بعد الوصول إلى وطنه لا يوجب انقلاب تكليفه فعلا، وإنما يوجب انقلاب تكليفه بعد ذلك، فليحقه حينئذ حكم النافلة، لا فعلا، وكذا الحال في الفرض اللاحق. (1) كأنه إشارة إلى ما في الصحيح عن أبي يحيى الحناط: " سألت أبا عبد الله (ع) عن صلاة النافلة بالنهار في السفر، فقال (ع): يا بني لو صلحت النافلة في السفر تمت الفريضة " (* 1). ولكنه يدل على أنه مهما لا تتم الفريضة في سفر لاتشرع النافلة فيه. وإذ أن السفر في الفرض لا تتم فيه الفريضة، فيجب أن لاتشرع فيه النافلة. لا أنه إذا صليت الفريضة تماما، في حضر أو سفر، جاز الاتيان بنافلتها، ولو سفرا، ليدل على مشروعية النافلة في المقام. (2) إمكان التقرب من العالم العامد إنما يكون بالتشريع في تطبيق المأمور به على المأتي به، لافي الامر. والا كان خاليا عن التقرب.


(* 1) الواسائل باب: 21 من ابواب أعداد الفرائض ونوافلها حديث: 4.

[ 159 ]

{ صلاته. ووجب عليه الاعادة في الوقت والقضاء في خارجه (1). وإن كان جاهلا بأصل الحكم، وأن حكم المسافر التقصير، لم تجب عليه الاعادة، فضلا عن القضاء. وأما إن كان عالما } (1) إجماعا، كما عن الانتصار، والغنية، والتذكرة، والدروس، وشرح المفاتيح، وظاهر المنتهى، والنجيبية، والذخيرة، وهو الذي يقتضيه إطلاق دليل الواقع، حيث لادليل على الاجزاء يقتضي الخروج عنه. مضافا إلى صحيح زرارة ومحمد قالا: " قلنا لابي جعفر (ع): رجل صلى في السفر أربعا، أيعيد، أم لا؟ قال (ع): إن كان قرئت عليه آية التقصير وفسرت له، فصلى أربعا أعاد. وإن لم يكن قرئت عليه، ولم يعلمها، فلا إعادة عليه " (* 1) وفي خبر الاعمش: " ومن لم يقصر في السفر لم تجز صلاته، لانه زاد في فرض الله عزوجل " (* 2) وصحيح عبيد الله ابن علي الحلبي: " قلت لابي عبد الله (ع): صليت الظهر أربع ركعات وأنا في سفر. قال (ع): أعد " (* 3) والظاهر أن المراد من الصحيح الاخير السؤال عن القضية الفرضية، فاطلاقه كاطلاق غيره يشمل العامد، لاعن القضية الخارجية، كي يجب حمله على غير صورة العلم والعمد، لمكان جلالة الحلبي ورفعة مقامه. نعم يمكن أن يستشكل في اقتضائه الاعادة في خارج الوقت في العامد لوجوب تقييده بصحيح العيص بن القاسم قال: " سألت أبا عبد الله (ع) عن رجل صلى وهو مسافر فأتم الصلاة. قال (ع): إن كان في وقت فليعد، وإن كان الوقت قد مضى فلا " (* 4). بل قد يستشكل في


(* 1) الوسائل باب: 17 من ابواب صلاة المسافر حديث: 4. (* 2) الوسائل باب: 17 من ابواب صلاة المسافر حديث: 8. (* 3) الوسائل باب: 17 من ابواب صلاة المسافر حديث: 6. (* 4) الوسائل باب: 17 من ابواب صلاة المسافر حديث: 1.

[ 160 ]

الاستدلال بالصحيح الاول على الاعادة في خارج الوقت في العامد، نظرا إلى أن بين صدره وهذا الصحيح عموما من وجه، لعموم هذا الصحيح للجاهل والعالم، وعموم الاول للوقت وخارجه. وهذا التعارض بعينه جار في الجاهل بالنسبة إلى الاعادة في الوقت، فان مقتضى إطلاق الصحيح الاول عدم وجوبها، ومقتضى إطلاق الثاني وجوبها. والتحقيق أن يقال: بعد صراحة الصحيح الاول بالتفصيل بين العالم والجاهل وصراحة الصحيح الثاني بالتفصيل بين الوقت وخارجه، يمتنع الجمع بينهما بالتصرف في أحدهما دون الآخر، لان ذلك خلاف صريح التفصيل المذكور فيه. مثلا: التصرف في الاول، بحمل نفي الاعادة فيه في الجاهل على نفيها في خارج الوقت، ووجوب الاعادة المذكور فيه في العالم على وجوبها في داخل الوقت، خلاف صريح التفصيل فيه، لان التفصيل إنما يحسن مع تنافي الحكمين. وكذلك التصرف في الصحيح الثاني بحمل وجوب الاعادة فيه على خصوص العالم، ونفي القضاء فيه على خصوص الجاهل، فانه أيضا خلاف صريح التفصيل بين الوقت وخارجه المذكور فيه، لما عرفت من توقف صحة التفصيل على تباين الحكمين. فيتعين في مقام الجمع ارتكاب التصرف فيهما معا. وذلك، إما أن تحمل الاعادة وعدمها في الاول على خارج الوقت فيلزم حمل الثاني على خصوص الجاهل، فيكون حكمه التفصيل بين الوقت وخارجه، دون العالم، فانه يعيد في الوقت وخارجه. وإما بأن يحمل الاول على داخل الوقت، فيلزم حمل الثاني على خصوص العالم. فيكون التفصيل بين الوقت وخارجه مختصا بالعالم، دون الجاهل، فانه لا يعيد لافي الوقت ولافي خارجه. وإما بأن يحمل الثاني على العالم، فيلزم تقييد صدر الاول بالحمل على الاعادة في خصوص الوقت، ويبقى ذيله على إطلاقه في نفي

[ 161 ]

{ بأصل الحكم وجاهلا ببعض الخصوصيات - مثل أن السفر إلى أربعة فراسخ مع قصد الرجوع يوجب القصر، أو أن المسافة } الاعادة على الجاهل. ومرجع هذا الحمل إلى الحمل الثاني. وإما بأن يحمل الثاني على الجاهل، فيلزم تقييد ذيل الاول بحمل نفي الاعادة فيه على الجاهل في خارج الوقت، ويبقى صدره على إطلاقه في وجوب الاعادة على العالم في الوقت وخارجه. ومرجع هذا الحمل إلى الحمل الاول. ثم إنه لما كان حمل وجوب الاعادة ونفيه على خارج الوقت بعيدا في الصحيح الاول، من جهة أن التعرض لحكم خارج الوقت دون داخله خلاف الاولى، ومن جهة أن استعمال لفظ الاعادة في القضاء دون الاداء خلاف الشائع، يتعين التصرف بحمل الاول على داخل الوقت، والثاني على خصوص العالم، ومقتضاه عدم وجوب القضاء على العالم. ويحتمل الجمع بحمل الصحيح الثاني على خصوص العالم الناسي، فيجب القضاء فيما عداه من أقسام العالم. ولعله أولى من غيره من أنواع الجمع، إذ لا يلزم عليه إلا تصرف واحد في الصحيح الثاني، للعمل بتخصيص وجوب الاعادة على العالم بغير الناسي. وكذا تخصيص عموم قضاء الفائت بغير الناسي، بخلاف غيره من أنواع الجمع، فان التصرف فيه متعدد. مضافا إلى أنه أوفق باطلاق قضاء الفائت. وإلى إمكان المناقشة في دلالة الصحيح، بأن قوله: " فأتم الصلاة " ظاهر في أن الاتمام لم يكن مقصودا من أول الامر، وإنما طرأ من جهة النسيان. وإلى أن الاجماعات الدالة على وجوب القضاء على العالم غير الناسي مانعة من حمل وجوب الاعادة في الصحيح على خصوص الوقت. وقد عرفت أن حمله على خارج الوقت بعيد أيضا. فلابد من ارتكاب الجمع المذكور، فانه لا يلزم منه مخالفة لشئ من ذلك. ومن ذلك تعرف وجه الحكم الذي ذكره المصنف (ره)

[ 162 ]

{ ثمانية، أو أن كثير السفر إذا أقام في بلده أو غيره عشرة أيام يقصر في السفر الاول، أو أن العاصي بسفره إذا رجع إلى الطاعة يقصر، ونحو ذلك - وأتم، وجب عليه الاعادة في الوقت والقضاء في خارجه (1). وكذا إذا كان عالما بالحكم جاهلا بالموضوع، كما إذا تخيل عدم كون مقصده مسافة مع كونه مسافة، فانه لو أتم وجب عليه الاعادة أو القضاء. } في الجاهل بقوله: " لم تجب عليه الاعادة فضلا... " كما هو المشهور كما عن جماعة، بل عن المقدس البغدادي: الاجماع عليه. ومما ذكرنا يظهر ضعف ما في الغنية، وعن الاشارة: من وجوب الاعادة إن ذكر في الوقت، بل في الاول: دعوى الاجماع عليه. وأضعف منه ماعن العماني: من وجوب الاعادة مطلقا. (1) كما عن أكثر من تعرض له. لاطلاق دليل الواقع، المعتضد باطلاق صحيح الحلبي (* 1)، وخبر الاعمش (* 2). بل صحيح العيص بالنسبة إلى الوقت (* 3)، مع عدم المخرج عنها. إلا ما يتوهم من دخوله في صحيح زرارة ومحمد (* 4)، لان عدم العلم ببعض الخصوصيات يصدق معه عدم العلم بتفسير الآية. أو لانه يستفاد من الصحيح المذكور كون الوجه في الاجزاء مطلق الجهل. أو مما ورد في الصوم من بعض النصوص المطلقة الشاملة له، كرواية العيص: " من صام في السفر بجهالة لم يقضه " (* 5). ونحوه غيره، بضميمة عدم القول بالفصل. لكن الجميع غير ظاهر. إذ الظاهر من التفسير بيان أن المراد من نفي الجناح الوجوب، والمفروض أنه حاصل له. واستفادة كون الوجه في


(* 1)، (* 2)، (* 3)، (* 4) تقدم ذلك في أوائل التعليقة السابقة. (* 5) الوسائل باب: 2 من ابواب من يصح الصوم منه حديث: 5

[ 163 ]

{ وأما إذا كان ناسيا لسفره، أو أن حكم السفر القصر، فأتم، فان تذكر في الوقت وجب عليه الاعادة، وإن لم يعد وجب } الاجزاء مطلق الجهل لا منشأ لها. وعدم الفصل غير ثابت. مع أن الحكم في الصوم غير ثابت. ولو سلم ذلك، وبني على عدم الفصل، كان دليله معارضا بصحيح زرارة ومحمد، ومقتضى الرجوع إلى الاصل بعد التساقط البطلان، كما سيأتي في نظيره في الصوم. نعم لو فرض إجمال الصحيح - لاجمال التفسير - سقط عن الحجية، وكان المرجع رواية العيص ونحوها. لكنه ممنوع، وأن الظاهر من التفسير تفسير نفي الجناح بالوجوب. ومن ذلك يظهر لك الحال في الجاهل بالموضوع، فانه من أفراد من قرئت عليه آية التقصير وفسرت له، فلا مجال لاحتمال دخوله في ذيل صحيح زرارة ومحمد، بل المتعين دخوله في صدره، وحينئذ يجيئ فيه الكلام المتقدم في العامد بعينه. وقد يستوجه إلحاقه بجاهل الحكم في نفي الاعادة والقضاء للاولوية، فان الجاهل بالموضوع معذور فأولى بالتخفيف من الجاهل بالحكم غير المعذور ولاقتضاء الامر الظاهري للاجزاء. بل عن المقدس البغدادي: أنه لو فاتته الصلاة قضى تماما. ولكن ضعفه ظاهر. لمنع الاولوية، لعدم وضوح المناط في الاجزاء. ولما حرر في محله: من عدم اقتضاء الامر الظاهري للاجزاء. مع أنه لو سلما فلا يقتضيان القضاء تماما، بل يتوقف ذلك على كون الجاهل بالموضوع حكمه التمام وأن القصر بدل على تقدير الاداء لا مطلقا وهو كما ترى. ومثله: الناسي لسفره، والناسي لحكم سفره، فان الجميع داخل في العالم، فيجري فيه ما تقدم في العامد، لاتفاق النصوص المتقدمة عليه. مضافا إلى اطلاق دليل الواقع.

[ 164 ]

{ عليه القضاء في خارج الوقت (1). وإن تذكر بعد خروج الوقت لا يجب عليه القضاء (2). وأما إذا لم يكن ناسيا للسفر } (1) لما تقدم. أو لعموم قضاء الفائت من دون معارض، كما عرفت ولا يدخل في صحيح العيص، لفرض التذكر في الوقت. (2) على المشهور. وعن الانتصار، والخلاف، والسرائر، وظاهر التذكرة: الاجماع عليه. بل عن الثالث: دعوى تواتر الاخبار به. إلا أنا لم نقف إلا على ما رواه أبو بصير عن أبي عبد الله (ع): " عن الرجل ينسى، فيصلي في السفر أربع ركعات. قال (ع): إن ذكر في ذلك اليوم فليعد، وإن لم يذكر حتى يمضي ذلك اليوم فلا إعادة عليه " (* 1) ومقتضى الجمود على متن الجواب وإن كان ثبوت الحكم في الظهورين لا غير لاختصاص اليوم بالنهار، لكن بملاحظة إطلاق السؤال، وما تقدم في صحيح العيص، يحمل ذكر اليوم على إرادة مطلق الوقت، فيثبت الحكم في العشاء أيضا. ولاسيما مع عدم القول بالفصل. ومن ذلك يظهر ضعف ماعن الصدوق، ووالده، والمبسوط: من وجوب الاعادة مطلقا لصحيح الحلبي (* 2)، فانه يجب تقييده بما ذكر. ودعوى: أنه ظاهر في السؤال بعد الوقت، لاستبعاد وقوع السؤال فيه في الوقت، غير ظاهرة. والاستبعاد لا يصلح قرينة. مع أنك عرفت أن المراد السؤال عن القضية الفرضية، لا الخارجية، فلا مانع من التقييد حينئذ. وأولى منه بالتقييد غيره ما تضمن الامر بالاعادة مطلقا ولو بعد الوقت. ثم إن مقتضى ترك الاستفصال في رواية أبي بصير المذكورة عدم


(* 1) الوسائل باب: 17 من ابواب صلاة المسافر حديث: 2. (* 2) تقدم ذلك في أوائل هذه المسألة.

[ 165 ]

{ ولا لحكمه، ومع ذلك أتم صلاته ناسيا (1)، وجب عليه الاعادة والقضاء (2). (مسألة 4): حكم الصوم فيما ذكر حكم الصلاة، فيبطل مع العلم والعمد (3)، } الفرق بين نسيان الحكم والموضوع. لكن قيل: ان المتيقن من النص والفتوى نسيان الموضوع - أعني: السفر - فيرجع في نسيان الحكم إلى غيره من الادلة المتقتضية للاعادة والقضاء. وفيه: ما أشرنا إليه: من وجوب العمل بالعموم الناشئ من ترك الاستفصال، ولا موجب للاقتصار على المتيقن. مع أن دعوى: كون متيقن الفتوى نسيان الموضوع غير ظاهر، لان ذكر النسيان في كلامهم في سياق العلم والجهل يقتضي اتحاد متعلقهما. فدعوى: كون المتيقن منها نسيان الحكم أولى. (1) يعني: لصلاته، بأن غفل عن عددها فصلاها أربعا. (2) بلا إشكال ظاهر. ويقتضيه إطلاق ما تقدم من النصوص، المعتضد باطلاق دليل الواقع، وليس ما يوجب الخروج عنه في الاعادة قطعا. وأما في القضاء فقد يتوهم عدمه، لدخوله في رواية أبي بصير، فيلحقه حكم ناسي الحكم أو السفر. ولكن لا مجال له، لان الظاهر من الاربع فيه الاربع في الرباعية، لافعل الركعتين الاخيرتين بعنوان الاولتين سهوا كما هو المفروض. وكذا قوله: " فاتم الصلاة " في صحيح العيص (* 1) فانه ظاهر في صلاة التمام بعنوان التمام، فلا يشمل المقام. فلاحظ. (3) إجماعا. ويقتضيه - مضافا إلى إطلاق مادل على بطلان الصوم في السفر - (* 2) النصوص الآتية في الجاهل.


(* 1) تقدم ذلك في اوائل المسألة السابقة. (* 2) الوسائل باب: 1 من ابواب من يصح الصوم منه.

[ 166 ]

{ ويصح مع الجهل بأصل الحكم (1)، دون الجهل بالخصوصيات ودون الجهل بالموضوع. } (1) إجماعا. ويدل عليه صحيح عبد الرحمن البصري عن أبي عبد الله (عليه السلام): " سألته عن رجل صام شهر رمضان في السفر، فقال (ع) إن كان لم يبلغه أن رسول الله صلى الله عليه وآله نهى عن ذلك فليس عليه القضاء، وقد أجزأ عنه الصوم " (* 1):، وصحيح الحلبي " قلت لابي عبد الله (ع): رجل صام في السفر، فقال (ع): إن كان بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وآله نهى عن ذلك فعليه القضاء، وإن لم يكن بلغه فلا شئ عليه " (* 2)، وصحيح العيص عنه (ع): " من صام في السفر بجهالة لم يقضه " (* 3). وفي صحيح ليث: " وإن صامه بجهالة لم يقضه " (* 4). ومقتضى إطلاق الاخيرين - كما أشرنا إليه سابقا - عدم الفرق بين الجهل بالحكم، والجهل بالخصوصيات والجهل بالموضوع. لكن يعارضه في الاخير إطلاق صحيح الحلبي (* 5) ونحوه، الظاهر في اعتبار الجهل بأصل الحكم شرطا في الصحة، فيقدم عليه للاخصية. ولو سلم التساوي وعدم الترجيح في الظهور فالمرجع إطلاق مادل على بطلان الصوم في السفر. وأما الجهل بالخصوصيات فقد يدعى عدم بلوغ النهي فيه، فلا يجب القضاء معه. لكن الانصاف منع ذلك، وأن المراد من بلوغ النهي العلم بأصل الحكم، فيجري فيه ما ذكرنا في الجاهل بالموضوع بعينه.


(* 1) الوسائل باب: 2 من ابواب من يصح الصوم منه حديث: 2. (* 2) الوسائل باب: 2 من ابواب من يصح الصوم منه حديث: 3. (* 3) الوسائل باب: 2 من ابواب من يصح الصوم منه حديث: 5. (* 4) الوسائل باب: 2 من ابواب من يصح الصوم منه حديث: 6. (* 5) تقدم ذلك في أوائل المسألة السابقة.

[ 167 ]

{ (مسألة 5): إذا قصر من وظيفته التمام بطلت صلاته في جميع الموارد (1). إلا في المقيم المقصر للجهل بأن حكمه التمام. (مسألة 6): إذا كان جاهلا بأصل الحكم، ولكن لم } (1) على المشهور، كما عن الروض، وظاهرهم، كما في الحدائق. وفي الجواهر: " بل ربما كان ظاهر جميع الاصحاب أيضا حيث اقتصروا في بيان المعذورية على الاولى - وهي عكس الفرض - ". لاطلاق أدلة التمام، الموجب للبطلان. وعن الجامع: الصحة. وعن مجمع البرهان: نفي البعد عنها. وليس له وجه ظاهر غير صحيح منصور عن الصادق (ع) " إذا أتيت بلدة، فأزمعت المقام عشرة أيام فأتم الصلاة. فإن تركه رجل جاهلا فليس عليه إعادة " (* 1)، وخبر محمد بن اسحاق بن عمار: " سألت أبا الحسن (ع) عن امرأة كانت معنا في السفر، وكانت تصلي المغرب ركعتين ذاهبة وجائية. قال (ع): ليس عليها قضاء " (* 2). لكن الخبر غير ظاهر في الجاهل. وحمله عليه بلا وجه ظاهر، بعد حكاية الاجماع على خلافه، كما عن الدروس، ورميه بالشذوذ، كما عن الشيخ وغيره. وأما الصحيح فالعمل به في مورده لا يخلو عن إشكال بعد اعراض الاصحاب عنه، فضلا عن التعدي عنه إلى غيره. بل وإلى الناسي كما عن الجامع. اللهم إلا أن يقال: إنه لم يثبت إعراضهم عنه، لعدم تصريحهم بخلافه. ومجرد عدم التعرض لمضمونه غير كاف في إثباته. ولاسيما مع إطلاق بعض معذورية الجاهل بالقصر والاتمام. فالعمل به في مورده - كما في المتن - لا يخلو من قوة.


(* 1) الوسائل باب: 17 من ابواب صلاة المسافر حديث: 3. (* 2) الوسائل باب: 17 من ابواب صلاة المسافر حديث: 7.

[ 168 ]

{ يصل في الوقت، وجب عليه القصر في القضاء بعد العلم به (1)، وإن كان لو أتم في الوقت كان صحيحا. فصحة التمام منه ليس لاجل أنه تكليفه، بل من باب الاغتفار (2). فلا ينافي ما ذكرناه قوله: " اقض ما فات كما فات "، ففي الحقيقة الفائت منه هو القصر، لا التمام. وكذا الكلام في الناسي للسفر أو لحكمه، فانه لو لم يصل أصلا - عصيانا أو لعذر - وجب عليه القضاء قصرا. } (مسألة 7): إذا تذكر الناسي للسفر أو لحكمه في أثناء الصلاة، فان كان قبل الدخول في ركوع الركعة الثالثة أتم الصلاة قصرا (3) واجتزأ بها. ولا يضر كونه ناويا من الاول للتمام، لانه من باب الداعي والاشتباه في المصداق (4)، } (1) أما قبل العلم به فالمتعين القول باجزاء القضاء تماما. لاطلاق مادل على معذورية الجاهل، الشامل للاداء والقضاء. (2) وإن شئت قلت: دليل الصحة إنما دل عليها في ظرف حصول الامتثال به، لا على انقلاب إليه مطلقا. فاطلاق مادل على وجوب القصر عند عدم الامتثال بالتمام محكم، ومقتضاه وجوب القضاء قصرا. (3) بلا كلام، كما في الجواهر، حاكيا عن المقدس البغدادي الاعتراف به. (4) المستفاد من النصوص: أن القصر والتمام حقيقة واحدة، يختلف مصداقها باختلاف خصوصيتي الحضر والسفر، وأن صلاة القصر عين الركعتين الاولتين اللتين فرضهما الله تعالى، وأن السفر اقتضى سقوط الركعتين الاخيرتين اللتين سنهما النبي صلى الله عليه وآله. وعليه فالمسافر يتقرب بصلاة القصر

[ 169 ]

{ لا التقييد، فيكفي قصد الصلاة، والقربة بها. وإن تذكر بعد ذلك بطلت (1)، ووجب عليه الاعادة مع سعة الوقت، } بعين ما يتقرب به الحاضر في الركعتين الاولتين، فيأتيان بفعل واحد، ممتثلين أمرا واحدا. غير أن الحاضر يقصد امتثال ذلك الامر في ضمن امتثاله للامر المنبسط على الركعات الاربع، والمسافر يقصد امتثال الامر المتعلق بالركعتين مستقلا بلا ضم امتثال الآخر إليه، بل يقصد امتثال الامر بهما بقيد عدم زيادة عليهما. وهذا المقدار من الاختلاف لا يوجب فرقا بينهما في أصل التقرب المعتبر في العبادة بالاضافة الى الركعتين، وإنما هو اختلاف في الخصوصية. فان كانت الخصوصية ملحوظة في التقرب على نحو التقييد كان فواتها موجبا لفوات التقرب. وإن كانت ملحوظة فيه على نحو الداعي، لم يكن فواتها موجبا لفوات التقرب، كما في سائر موارد الاشتباه في التطبيق. ودعوى: أن العناوين - التي تقصد من باب الاشتباه في التطبيق ولا يقدح تخلفها - هي التي لا تؤخذ في موضوع الامر، أما ماكان كذلك فتخلفه يوجب فوات المقصود الواجب قصده، لاعتبار قصد المأمور به في حصول التقرب. مندفعة: بأن قصد المأمور به بقيوده إنما يعتبر في حصول التقرب بالمعنى الاعم من الاجمالي والتفصيلي، فيمكن قصد قيود المأمور به على ماهي عليه إجمالا، وقصد غيرها تفصيلا خطأ. ولاتنافي بين القصدين لاختلافهما بالاجمال والتفصيل. على أنك عرفت في مباحث النية عدم وضوح الدليل على اعتبار قصد المأمور به في تحقق العبادة، وإن كان هو المشهور، بل المحتمل اعتبار قصد الامر، لاغير. نعم ربما كان قصد المأمور به دخيلا في كون الانبعاث عن الامر، وربما لا يكون. فراجع. (1) لحصول الزيادة.

[ 170 ]

{ ولو بادراك ركعة من الوقت (1). بلى وكذا لو تذكر بعد الصلاة تماما وقد بقي من الوقت مقدار ركعة، فانه يجب عليه إعادتها قصرا (2). وكذا الحال في الجاهل بأن مقصده مسافة إذا شرع في الصلاة بنية التمام ثم علم بذلك، أو الجاهل بخصوصيات الحكم إذا نوى التمام ثم علم في الاثناء أن حكمه القصر. بل الظاهر أن حكم من كان وظيفته التمام إذا شرع في الصلاة بنية القصر جهلا ثم تذكر في الاثناء العدول إلى التمام ولا يضره أنه نوى من الاول ركعتين مع أن الواجب عليه أربع ركعات، لما ذكر من كفاية قصد الصلاة متقربا وإن تخيل أن الواجب هو القصر، لانه من باب الاشتباه في التطبيق والمصداق، لا التقييد. فالمقيم الجاهل بأن وظيفته التمام إذا قصد القصر ثم علم في الاثناء يعدل إلى التمام، ويجتزئ به. لكن الاحوط الاتمام والاعادة، بل الاحوط في الفرض الاول } (1) أما مع ضيق الوقت حتى عن الركعة فقد يحتمل إتمامها تماما، والاجتزاء بها، لانه يلزم من بطلانها وجوب القضاء، وقد عرفت أنه ساقط عن الناسي. اللهم إلا أن يقال: الدليل إنما دل على الصحة إن ذكر وقد مضى الوقت، فإذا ذكر قبل مضيه وجب القضاء. وفيه: أن الظاهر من قوله: " وإن كان الوقت قد مضى... " عدم التمكن من الفعل في الوقت. أو يقال: إن الدليل إنما دل على الصحة لو ذكر بعد الفراغ عنها تماما، فلا يشمل ما نحن فيه، والتعدي إليه غير واضح. فتأمل جيدا. (2) لصدق أنه في وقت.

[ 171 ]

{ أيضا الاعادة قصرا بعد الاتمام قصرا. (مسألة 8): لو قصر المسافر اتفاقا لا عن قصد فالظاهر صحة صلاته (1) وإن كان الاحوط الاعادة. بل وكذا لو } (1) ادعى في الجواهر: عدم وجدان الخلاف في البطلان بين من تعرض لهذا الفرع. وعلله - تبعا للمبسوط - بأنه قد صلى صلاة يعتقد فسادها، وأنها غير المأمور به. ومقتضى التعليل المذكور كون المراد صورة الالتفات إلى عدم الامر بالقصر المأتي به. وحينئذ يتعين كون التقرب بلحاظ الامر التشريعي، لا الشرعي، والبطلان حينئذ في محله. لكن إرادة ذلك بعيدة عن ظاهر العبارة، لان الظاهر أن قيد الاتفاق راجع الى القصر يعني: كان قاصدا لفعل التمام، فوقع منه القصر بلا قصد له، بل من باب الاتفاق. وينحصر فرضه حينئذ في صورتين. إحداهما، أن يقع منه التسليم بلا قصد إليه أصلا، ككلام النائم. وحينئذ لاوجه للاجتزاء به، لفوات التقرب المعتبر فيه. فاما أن يحكم بالبطلان بمثل ذلك، أولا، فلابد من تجديد السلام بقصد الصلاة بعد الالتفات. وثانيتهما: أن يقع منه التسليم سهوا، بأن يعتقد أن عليه التمام ثم يسلم على الركعتين باعتقاد فعل الاربع، ولا مانع من الالتزام بالصحة وعدم الحاجة إلى استئناف القصر بعد العلم بأنه حكمه، لما عرفت في المسألة السابقة. ثم إنه يمكن تصحيح القصر - مع الالتفات إلى كون المأمور به هو التمام جهلا، وإلى أن المأتي به هو القصر - بدعوى: كون التشريع ليس في الامر، ليلزم فوات التقرب، بل في تطبيق المأمور به - هو التمام - على القصر. فيأتي بالقصر بدعوى كونه عين التمام المأمور به. لكن كون مراد المصنف (ره) ذلك بعيدا جدا، بل الظاهر أن الفرق بين هذه الصورة

[ 172 ]

{ كان جاهلا بأن وظيفته القصر فنوى التمام، لكنه قصر سهوا. والاحتياط بالاعادة في هذه الصورة (1) أأكد وأشد (2). (مسألة 9): إذا دخل عليه الوقت وهو حاضر متمكن من الصلاة، ولم يصل، ثم سافر وجب عليه القصر (3). ولو دخل عليه الوقت وهو مسافر، فلم يصل حتى دخل المنزل من الوطن، أو محل الاقامة، } والصورة الآتية: أن قصد التمام فيها كان عن نسيان، وفي الثانية عن جهل. (1) وقوى بعض البطلان، لان وظيفة الجاهل التمام، فيكون القصر غير المأمور به. وفيه: ما عرفت آنفا: من أنه لادليل على كون وظيفة الجاهل التمام مطلقا حتى لو جاء بالقصر، وإنما المستفاد من النصوص صحة التمام لو امتثل له، وهو غير ما نحن فيه. مع أن لازم ذلك وجوب القضاء تمام لو لم يأت به في الوقت، وإن علم بعد خروج الوقت أن وظيفة المسافر القصر، ولم يلتزم به القائل المذكور. وكون دليل القضاء يفيد التوسعة في وقت الاداء لا يجدي، لان المطابقة بين الاداء والقضاء مما لابد منها، فإذا لم يصل في الوقت في حال الجهل، فقد فاته التمام، فدليل القضاء يدل على توسعة الوقت للتمام، فيجب فعله خارج الوقت، وإن علم بأن حكم المسافر القصر. مع أن ذلك لو سلم اختص بجاهل الحكم، لا مطلق الجاهل. (2) كأنه للشبهة المتقدمة. (3) على المشهور. وعن السرائر: الاجماع عليه. ويقتضيه - مضافا إلى إطلاق مادل على وجوب القصر على المسافر - صحيح اسماعيل بن جابر: " قلت لابي عبد الله (ع): يدخل علي وقت الصلاة وأنا في السفر، فلا

[ 173 ]

أصلي حتى أدخل أهلي، فقال (ع): صل، وأتم الصلاة. قلت: فدخل علي وقت الصلاة وأنا في أهلي أريد السفر، فلا أصلي حتى أخرج فقال (ع): فصل، وقصر، فان لم تفعل فقد خالفت والله رسول الله صلى الله عليه وآله " (* 1) وصحيح محمد بن مسلم: " قلت لابي عبد الله (ع): الرجل يريد السفر، فيخرج حين تزول الشمس، فقال (ع): إذا خرجت فصل ركعتين " (* 2) ولا ينافي الاستدلال بالاخير فرض الخروج حين الزوال، لان الخروج المذكور يلازم إمكان التمام قبل الوصول إلى حد الترخص. بل الظاهر أن السؤال كان من جهة وجوب التمام عليه قبل السفر. وخبر الحسن بن علي الوشا: " سمعت الرضا (ع) يقول: إذا زالت الشمس وأنت في المصر، وأنت تريد السفر فأتم. فإذا خرجت وأنت بعد الزوال قصر العصر " (* 3) بناء على ما هو الظاهر من إرادة الاتمام في المصر. واحتمال إرادة الاتمام بعد الخروج - كما عن الكافي - خلاف الظاهر. نعم يعارضها صحيحة محمد بن مسلم: " سألت أبا عبد الله (ع) عن الرجل يدخل من سفره، وقد دخل وقت الصلاة وهو في الطريق، فقال (عليه السلام): يصلي ركعتين. وإن خرج إلى سفره وقد دخل وقت الصلاة فليصل أربعا " (* 4)، ومصححته عنه (ع): " عن الرجل يدخل مكة من سفره وقد دخل وقت الصلاة. قال (ع): يصلي ركعتين. فان خرج إلى سفره وقد دخل وقت الصلاة فليصل أربعا " (* 5)، وصحيح


(* 1) الوسائل باب: 21 من ابواب صلاة المسافر حديث: 2. (* 2) الوسائل باب: 21 من ابواب صلاة المسافر حديث: 1. (* 3) الوسائل باب صلاة المسافر حديث: 12. (* 4) الوسائل باب: 21 من ابواب صلاة المسافر حديث: 5. (* 5) الوسائل باب: 21 من ابواب الصلاة المسافر حديث: 11.

[ 174 ]

زرارة المروي عن مستطرفات السرائر عن أحدهما (ع): " أنه قال في رجل مسافر نسي الظهر والعصر حتى دخل أهله، قال (ع): يصلي أربع ركعات. وقال لمن نسي الظهر والعصر وهو مقيم حتى يخرج، قال (ع): يصلي أربع ركعات في سفره. وقال: إذا دخل على الرجل وقت صلاة وهو مقيم، ثم سافر، صلى تلك الصلاة التي دخل وقتها عليه وهو مقيم أربع ركعات في سفره " (* 1)، وخبر بشير النبال: " خرجت مع أبي عبد الله (ع) حتى أتينا الشجرة، فقال لي أبو عبد الله (ع): يا نبال، قلت: لبيك. قال (ع): إنه لم يجب على أحد من أهل هذا العسكر أن يصلي أربعا غيرى وغيرك. وذلك: إنه دخل وقت الصلاة قبل أن نخرج " (* 2). لكن لم يصرح في الاخير أنهما صليا بعد الخروج، فمن الجائز أن يكون المراد أنهما صليا قبله أربعا. وأما الاولان: فالجمع العرفي بينهما وبين ما سبق غير ظاهر. إذ يبعد جدا حمل ما سبق على مالو كان الخروج قبل الوقت بقليل، بحيث لا يمكن فعل التمام قبل الوصول إلى حد الترخص، إذ يأباه جدا قوله في الصحيح الاول: " فلا أصلي حتى أخرج ". كما أنه يبعد أيضا حمل الاخيرة على الصلاة أربعا قبل الخروج، أو بعده قبل الوصول إلى محل الترخص. وكون التصرف فيها بذلك أقرب من التصرف في الاول بما سبق، غير كاف في كون الجمع عرفيا غير محتاج الى شاهد على أنه لا يتأتى في صحيح زرارة. كما أن الجمع بينهما بالتخيير - كما عن الشيخ في الخلاف واحتمله في التهذيب والاستبصار، حملا للامر على الوجوب التخييري، كما يشهد به


(* 1) الوسائل باب: 21 من ابواب صلاة المسافر حديث: 13. (* 2) الوسائل باب: 21 من ابواب صلاة المسافر حديث: 10.

[ 175 ]

صحيح منصور بن حازم قال: " سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: إذا كان في سفر فدخل عليه وقت الصلاة قبل أن يدخل أهله، فسار حتى دخل أهله، فان شاء قصر، وإن شاء أتم. والاتمام أحب الي " (* 1) - مما لا مجال له. لصراحة صحيح اسماعيل بالوجوب التعييني، لان التفصيل بين الدخول والخروج يأبى ذلك جدا. وصحيح منصور - مع أنه مختص بصورة الرجوع إلى الاهل، كما هو موضوع المسألة اللاحقة - لا مجال للعمل به في مورده بعد إعراض المشهور عنه، فضلا عن التعدي عنه إلى المقام. ونحوه: الجمع بينهما بحمل الاول على صورة سعة الوقت، والاخيرة على صورة ضيقه - كما عن الفقيه والنهاية، وموضع من المبسوط والكامل - بشهادة موثق إسحاق: " سمعت أبا الحسن (ع) يقول: في الرجل يقدم من سفره في وقت الصلاة، فقال (ع): إن كان لا يخاف فوت الوقت فليتم، وإن كان يخاف خروج الوقت فليقصر " (* 2). فانه أيضا يرد عليه ما سبق من منافاته للتفصيل المشتمل عليه نصوص الطرفين، ولما هو كصريح صحيح اسماعيل. ومن اختصاصه بصورة القدوم من السفر وعدم إمكان العمل به في مورده. مضافا إلى قرب دعوى: إرادة أنه إن كان في سعة فليدخل وليتم، وإن كان يخاف الضيق فليقصر في الطريق، كما ورد في صحيح ابن مسلم عن أحدهما (ع): " في الرجل يقدم من الغيبة فيدخل عليه وقت الصلاة فقال (ع): إن كان لا يخاف أن يخرج الوقت فليدخل وليتم، وإن كان يخاف أن يخرج الوقت قبل أن يدخل فليصل وليقصر " (* 3).


(* 1) الوسائل باب: 21 من ابواب صلاة المسافر حديث: 9. (* 2) الوسائل باب: 21 من ابواب صلاة المسافر حديث: 6. (* 3) الوسائل باب: 21 من ابواب صلاة المسافر حديث: 8.

[ 176 ]

{ أو حد الترخص منهما أتم (1). فالمدار على حال الاداء، لاحال الوجوب والتعلق. لكن الاحوط في المقامين الجمع. } وحيث تعذر الجمع العرفي وغيره بينها فاللازم الرجوع إلى المرجحات ومقتضاها تعين العمل بالطائفة الاولى، لموافقتها لعموم وجوب القصر على المسافر، وسلامتها من الوهن الحاصل للثانية، حيث تضمنت أن العبرة في صورة الدخول أيضا بحال الوجوب، ولم يعرف القائل به هناك، كما سيأتي مؤيدا ذلك كله بموافقة الشهرة الفتوائية. والاجماع المنقول. ولما قد يظهر من صحيح اسماعيل - حيث تضمن أن التمام مخالفة لرسول الله صلى الله عليه وآله، مؤكدا ذلك بالقسم - من أن التمام موافق للعامة. ومن ذلك يظهر ضعف القول بوجوب الاتمام في المقام اعتبار بحال الوجوب، كما نسب إلى مشهور المتأخرين، وحكي عن المقنع، وكثير من كتب العلامة، والشهيدين، والمحقق الثاني، وغيرهم. فلاحظ. (1) كما هو المشهور شهرة عظيمة كادت تكون إجماعا، فان القول هنا بكون الاعتبار بحال الوجوب ضعيف القائل، حيث حكي عن غير واحد دعوى عدم الوقوف عليه. وإن كان يظهر من الشرائع وغيرها وجوده، لكنه غير ظاهر. بل عن السرائر: " لم يذهب إلى ذلك أحد ولم يقل به فقيه، ولا مصنف ذكره في كتابه، لامنا، ولا من مخالفينا ". ويشهد له من النصوص - مضافا إلى ما تقدم من صحيح إسماعيل بن جابر (* 1) -: صحيح العيص قال: " سألت أبا عبد الله (ع) عن الرجل يدخل عليه وقت الصلاة في السفر. ثم يدخل بيته قبل أن يصليها. قال (عليه السلام): يصليها أربعا. وقال (ع): لا يزال مقصرا حتى يدخل بيته " (* 2).


(* 1) راجع أوائل المسألة. (* 2) الوسائل باب: 21 من ابواب صلاة المسافر حديث: 4.

[ 177 ]

ويعارضها - مضافا إلى ما تقدم - خبر موسى ابن بكر عن زرارة عن أبي جعفر (ع): " أنه سئل عن رجل دخل وقت الصلاة وهو في السفر، فأخر الصلاة حتى قدم، وهو يريد يصليها إذا قدم إلى أهله، فنسي حين قدم إلى أهله أن يصليها حتى ذهب وقتها. قال (ع): يصليها ركعتين صلاة المسافر، لان الوقت دخل وهو مسافر، كان ينبغي أن يصلي عند ذلك " (* 1). فانه وإن كان واردا في القضاء، لكن ظاهر التعليل فيه عموم الحكم للاداء، بل عموم الحكم لصورة الخروج. هذا وقد عرفت الاشارة إلى امتناع الجمع العرفي بين النصوص، كامتناع الجمع بالتخيير، وإن كان يشهد به هنا صحيح منصور المتقدم (* 2) وكذا بالتفصيل بين ضيق الوقت وسعته، وإن كان يشهد به موثق اسحاق المتقدم (* 3). فيتعين الرجوع إلى الترجيح، وهو يقتضي العمل بالطائفة الاولى، لما عرفت، بل هنا أولى. وهنا قولان آخران: (أحدهما): الاعتبار في المسألة الاولى بحال الوجوب وفي المسألة الثانية بحال الاداء، عكس التفصيل السابق. وكأنه لنظير ما ذكر أولا في التفصيل الاول. أو لما روي في البحار، عن كتاب محمد بن المثنى الحضرمي، عن جعفر بن محمد بن شريح عن ذريح المحاربي، قال: " قلت لابي عبد الله (ع): إذا خرج الرجل مسافرا وقد دخل وقت الصلاة كم يصلي؟ قال (ع): أربعا. قلت:


(* 1) الوسائل باب: 21 من ابواب صلاة المسافر حديث: 3. (* 2) راجع أوائل المسألة. (* 3) راجع التعليقة السابقة.

[ 178 ]

{ (مسألة 10): إذا فاتت منه الصلاة، وكان في أول الوقت حاضرا وفي آخره مسافرا أو بالعكس، فالاقوى أنه مخير بين القضاء قصرا أو تماما (1)، أنه فاتت منه الصلاة } فان دخل وقت الصلاة وهو في السفر. قال (ع) يصلي ركعتين قبل أن يدخل أهل. فان دخل المصر فليصل أربعا " (* 1). لكن التفصيلين معا ضعيفان. إذ ما ذكر لهما من الوجه - عد الرواية - كما ترى اقتراح من غير وجه. والرواية على تقدير اعتبار سندها - لا تصلح معارضة لجميع ما سبق، فطرحها، وإرجاعها الى أهلها متعين. والله سبحانه أعلم. (1) لانه يدور الامر بين عدم وجوب قضاء أحدهما، ووجوب قضاء كل منهما، ووجوب قضاء أحدهما بخصوصه تعيينا، ووجوب قضاء أحدهما تخييرا. لكن الاول: مخالفة لدليل وجوب القضاء. والثاني: يتوقف على وجود مصلحتين عرضيتين فيهما، وهو منتف. والثالث: ترجيح بلا مرجح، لان خصوصية كل من القصر للمسافر والتمام للحاضر على نحو واحد في اعتبارها في المصلحة. فيتعين الاخير. نعم قد تقدمت هذه المسألة في قضاء الصلاة، وذكرنا: أن المتعين - بحسب القواعد - القضاء قصرا في الفرض الاول، وتماما في الثاني، بناء على أن العبرة في المسألة السابقة بحال الاداء، لان الفوت الذي هو موضوع القضاء قد جعل موضوع الفرض، فيجب أن يكون مقارنا له، ولاريب أن الفرض المقارن للفوت إنما يصدق على ما وجب في آخر الوقت، لانه - بعد انقلاب الواجب من القصر الى التمام، أو من التمام الى القصر - يكون المطالب به المكلف والواجب عليه تعيينا هو الثاني لاغير، فإذا تركه إلى آخر الوقت كان هو الفرض الفائت، فيتعين قضاؤه. أما ما وجب أولا ففي زمان


(* 1) مستدرك الوسائل باب: 15 من ابواب صلاة المسافر حديث: 2.

[ 179 ]

{ في مجموع الوقت، والمفروض أنه كان مكلفا في بعضه بالقصر وفي بعضه بالتمام. ولكن الاحوط مراعاة حال الفوت، وهو آخر الوقت. وأحوط منه الجمع بين القصر والتمام. (مسألة 11): الاقوى كون المسافر مخيرا بين القصر والتمام في الاماكن الاربعة (1)، وهي مسجد الحرام، ومسجد } الفوت ليس بفرض، وفي حال كونه فرضا ليس بفائت، لكون المفروض أنه تبدل بواجب آخر. نعم مقتضى خبر زرارة المتقدم وجوب القضاء بلحاظ حال الوجوب. لكن عرفت اشكاله في المسألة السابقة. وأما ما في المتن: من التخيير فيتوقف على كون الفائت هو الجامع بين القصر والتمام، مع أنه لم يكن مفروضا على المكلف في زمان من أزمنة الاداء، لا في حال السفر، ولا في حال الحضر. ولعل ما ذكرنا ظاهر بأقل تأمل. (1) على المشهور شهرة عظيمة كادت تكون إجماعا، ونسب الى مذهب الاصحاب ومتفرداتهم. وعن السرائر وظاهر الخلاف: الاجماع عليه. وظاهر مفتاح الكرامة: تكثر دعوى الاجماع. للاخبار الكثيرة الدالة عليه، التي منها الصحيح والموثق وغيرهما. وفي فهرست الوسائل: أنها أربعة وثلاثون حديثا على اختلاف في مضامينها (* 1). فمنها: صحيح ابن الحجاج: " سألت أبا عبد الله (ع) عن التمام بمكة والمدينة، فقال (ع): أتم وإن لم تصل فيهما إلا صلاة واحدة " (* 1)، ومصحح حماد بن عيسى عنه (ع): " من مخزون علم الله الاتمام في أربعة مواطن: حرم الله،


(* 1) راجع الوسائل باب: 25 من ابواب صلاة المسافر، ومستدرك الوسائل باب: 18 من ابواب صلاة المسافر. (* 2) الوسائل باب: 25 من ابواب صلاة المسافر حديث: 5.

[ 180 ]

{ النبي صلى الله عليه وآله، ومسجد الكوفة، والحائر الحسيني عليه السلام. بل التمام هو الافضل، وإن كان الاحوط هو القصر. } وحرم رسوله صلى الله عليه وآله، وحرم أمير المؤمنين (ع)، وحرم الحسين (ع) " (* 1) وصحيح ابن مهزيار: " كتبت إلى أبي جعفر الثاني (ع): إن الرواية قد اختلفت عن آبائك في الاتمام والتقصير للصلاة في الحرمين، فمنها: يأمر بأن يتم الصلاة ولو صلاة واحدة، ومنها: يأمر أن يقصر ما لم ينو مقام عشرة أيام. ولم أزل على الاتمام فيهما إلى إن صدرنا من حجنا في عامنا هذا، فان فقهاء أصحابنا أشاروا إلي بالتقصير إذا كانت لاأنوي مقام عشرة، وقد ضقت بذلك حتى أعرف رأيك. فكتب (ع) بخطه: قد علمت - يرحمك الله - فضل الصلاة في الحرمين على غيرهما، فأنا أحب لك إذا دخلتهما أن لا تقصر وتكثر فيهما من الصلاة. فقلت له بعد ذلك بسنتين مشافهة: إني كتبت إليك بكذا، وأجبت بكذا، فقال (ع): نعم. فقلت: أي شئ تعني بالحرمين؟ فقال: مكة، والمدينة " (* 2) إلى غير ذلك... نعم يعارضها جملة أخرى آمرة بالقصر ما لم ينو مقام عشرة. منها: صحيح أبي ولاد، المتقدم في مبحث العدول عن نية الاقامة (* 3). ومنها: صحيح ابن بزيع: " سألت الرضا (ع) عن الصلاة بمكة والمدينة تقصير أو إتمام؟ فقال (ع): قصر ما لم تعزم على مقام عشرة أيام " (* 4). ومنها: المصحح عن علي بن حديد: " سألت الرضا (ع) فقلت: إن


(* 1) الوسائل باب: 25 من ابواب صلاة المسافر حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 25 من ابواب صلاة المسافر حديث: 4. (* 3) لاحظ المسألة: 15 من فصل قواطع السفر. (* 4) الوسائل باب: 25 من ابواب صلاة المسافر حديث: 32.

[ 181 ]

أصحابنا اختلفوا في الحرمين، فبعضهم يقصر وبعضهم يتم، وأنا ممن يتم على رواية أصحابنا في التمام، وذكرت عبد الله بن جندب أنه كان يتم، فقال: رحم الله ابن جندب (ثم قال): لي لا يكون التمام. إلا أن تجمع على إقامة عشرة أيام. وصل النوافل ما شئت. قال ابن حديد: وكانت محبتي أن يأمرني بالاتمام " (* 1). ومنها: مصحح معاوية بن وهب: " سألت أبا عبد الله (ع) عن التقصير في الحرمين والتمام، فقال: لا تتم حتى تجمع على مقام عشرة أيام. فقلت: إن أصحابنا رووا عنك أنك أمرتهم بالتمام، فقال: إن أصحابنا كانوا يدخلون المسجد فيصلون ويأخذون نعالهم ويخرجون، والناس يستقبلونهم يدخلون المسجد للصلاة، فأمرتهم بالتمام " (* 2)، وحسنه: " قلت لابي عبد الله (ع): مكة والمدينة كسائر البلدان؟ قال: نعم. قلت: روى عنك بعض أصحابنا أنك قلت لهم: أتموا بالمدينة لخمس. فقال: إن أصحابكم هؤلاء كانوا يقدمون، فيخرجون من المسجد عند الصلاة، فكرهت ذلك لهم، فلهذا قلته " (* 3). ويمكن الجواب عنها، أما صحيح أبي ولاد فلتوقف الاستدلال به على كون التخيير بين القصر والتمام عاما لجميع البلد. أما لو اختص بالمسجد فلا مجال له. مضافا إلى إمكان دعوى كون السؤال عن حكم الاقامة في مطلق البلد، ولاجل ذلك استفيد منه الحكم الكلي، وإن كان للمدينة خصوصية دون غيرها. ولزوم تخصيص المورد لامانع منه في مقام الجمع بين الادلة. وأما صحيح ابن بزيع والمصحح عن ابن حديد، فمع ضعف الثاني، يمكن حملهما على إرادة نفي وجوب التمام، لانفي مشروعيته إذا لم


(* 1) الوسائل باب: 25 من ابواب صلاة المسافر حديث: 33. (* 2) الوسائل باب: 25 من ابواب صلاة المسافر حديث: 34. (* 3) الوسائل باب: 25 من ابواب صلاة المسافر حديث: 27.

[ 182 ]

ينو الاقامة عشرة، كما يشهد به قوله في الثاني: " وكانت محبتي أن يأمرنى بالتمام ". إذ هو ظاهر في الالزام به، لافي الترخيص فيه. ومن ذلك يظهر الجواب عن مصحح معاوية، وحسنه. والظاهر منهما أن أصحاب الائمة (ع) في عصرهم كانوا مختلفين، فبعضهم كان مأمورا بالاتمام، ولذا كان يرى وجوبه تعيينا، وبعضهم كان مأمورا بالقصر، فيرى وجوبه تعيينا. والظاهر أن الوجوبين طارئان بالعناوين الثانوية فالعنوان الموجب للامر بالاتمام تعيينا هو ما أشير إليه في مصحح معاوية وحسنه الاخيرين. والعنوان الموجب للامر بالقصر هو خوف الوقوع في خلاف التقية، كما أشير إليه في حسن ابن الحجاج: " قلت لابي الحسن (ع): إن هشاما روى عنك أنك أمرته بالتمام في الحرمين، وذلك من أجل الناس قال: لا، كنت أنا ومن مضى من أبائي إذا وردنا مكة أتممنا الصلاة، واستترنا من الناس " (* 1). فان الظاهر أن الاستتار إنما يكون من جهة التقية ممن كان يرى وجوب القصر على المسافر من العامة. فكل من العنوانين الموجب للقصر والتمام راجع إلى التقية. وان اختلفت الجهة. ولاجل ذلك الاختلاف صح له (ع) أن يقول في حسن ابن الحجاج: " لا، كنت... " إد المراد إنكار جهة التقية التي ادعاها هشام، لاإنكار أصل التقية، وإلا لم يكن وجه للاستتار بالاتمام. ومن ذلك أيضا تعرف أن المراد من قول السائل في صحيح ابن مهزيار: " فمنها: يأمر أن يتم...، ومنها: يأمر أن يقصر... " الامر الالزامي التعييني، لكن كان لبعض العناوين الثانوية، ولولاها لكان كل منها واجبا تخييريا. وأما ما في صدر الحسن الاخير فلابد أن يكون المراد منه مساواة مكة والمدينة لسائر البلاد في عدم وجوب التمام إلا بنية


(* 1) الوسائل باب: 25 من ابواب صلاة المسافر حديث: 6.

[ 183 ]

الاقامة عشرة. وبالجملة: المستفاد من نصوص المسألة: أن العبارات الصادرة من الائمة (ع) على أنحاء. منها: ما هو صريح في التخيير بين التمام والقصر ومنها: ما هو آمر تعيينا بالتمام، ومنها: ما هو آمر تعيينا بالقصر. والجمع بين الاخيرين وما قبلهما: هو أن الحكم الاولي التخيير، وقد يطرأ عنوان فيقتضي وجوب أحدهما تعيينا. وأن اختلاف أصحاب الائمة (ع) في ذلك ناشئ من اختلافهم في الامر الصادر لهم، الناشئ من اختلاف الجهات المعينة للقصر أو التمام. فلا تنافي بين روايتي الامر بالتمام والامر بالقصر، كما لا تنافي بينهما وبين غيرهما. ومن ذلك يظهر الوجه فيما رواه في كامل الزيارة عن سعد: " أنه سئل أيوب بن نوح عن تقصير الصلاة في هذه المشاهد: مكة، والمدينة، والكوفة وقبر الحسين (ع)، والذي روي فيها، فقال: أنا أقصر، وكان صفوان يقصر، وابن أبي عمير وجميع أصحابنا يقصرون " (* 1)، وما في صحيح ابن مهزيار: " من أن فقهاء أصحابنا أشاروا إليه بالتقصير... " (* 2) فان المراد الالتزام بالتقصير، والاشارة بذلك للامر الصادر عن الائمة (ع) به لبعض العوارض المتقضية لذلك. وما ذكرنا هو الذي يقتضيه الجمع بين النصوص. وأما حمل نصوص الامر بالاتمام على إرادة الامر بالاقامة فبعيد جدا. وكذا حمل التخيير بينه وبين القصر على إرادة التخيير بين نية الاقامة وعدمها، فانه خلاف مادل على الاتمام ولو صلاة واحدة، أو مارا، أو حين يدخل. ومما ذكرنا يظهر لك ضعف ماعن ظاهر الصدوق أو صريحه. من منع


(* 1) مستدرك الوسائل باب: 18 من ابواب صلاة المسافر حديث: 3. (* 2) تقدم ذلك في أوائل هذه التعليقة.

[ 184 ]

{ وما ذكرنا هو القدر المتيقن، والا فلا يبعد كون المدار على البلدان الاربعة، وهي مكة، والمدينة، والكوفة وكربلاء (1). } الاتمام إلا مع نية الاقامة. وكذا ما عن السيد وابن الجنيد: من وجوبه. إذ جواز القصر من ضروريات مدلول النصوص المتقدمة إليها الاشارة. وطرحها بأجمعها، والعمل بما ظاهره وجوب التمام خلاف مقتضى الجمع بين الادلة. إلا أن في الحكاية عنهما إشكالا، لما عن المختلف: من نسبة استحباب التمام اليهما. ولذا لم يتعرض في المتن للاحتياط بفعل التمام. فلاحظ. وتأمل. (1) كما نسب إلى المبسوط والنهاية - على وجه - وابني حمزة وسعيد، والمحقق في كتاب له في السفر، بل حكي عن الشيخ، والفاضلين، وأكثر الاصحاب، بل نسب إلى المشهور. ووجهه: أما في الاولين فالاخبار الكثيرة المشتملة على التعبير بمكة والمدينة، كصحيح ابن الحجاج المتقدم (* 1)، وبالحرمين، لتفسيرهما في صحيح ابن مهزيار المتقدم بهما، وبحرم الله وحرم رسوله صلى الله عليه وآله، المفسرين في رواية معاوية بن عمار وغيرها بهما (* 2). وما يتوهم معارضته لها، من مرسل إبراهيم بن أبي البلاد عن أبي عبد الله (ع): " تتم الصلاة في ثلاثة مواطن: في المسجد الحرام، ومسجد الرسول صلى الله عليه وآله، وعند قبر الحسين (ع) " (* 3)، ونحوه مرسل حذيفة


(* 1) راجع التعليقة السابقة. (* 2) الوسائل باب: 17 من ابواب المزار حديث: 1. وفى نفس الباب - وكذا في الباب 16 من أبواب المزار - أحاديث أخر على ذلك. (* 3) الوسائل باب: 25 من ابواب صلاة المسافر حديث: 22.

[ 185 ]

ابن منصور عنه (ع) (* 1). وخبر أبي بصير عنه (ع) (* 2)، وخبر خادم اسماعيل بن جعفر عنه (ع) (* 3)، فمع ضعفه في نفسه، غير صالح للمعارضة، لعدم التنافي بينهما، لكونهما مثبتين. وذكر المسجد بالخصوص يمكن أن يكون لغلبة كونه موضع صلاة. ويشهد بعموم الحكم للبلدين: ما في مرسل حماد عن أبي عبد الله (ع): " من الامر المذخور: إتمام الصلاة في أربعة مواطن: بمكة، والمدينة، ومسجد الكوفة، والحائر " (* 4). فان التعبير بالبلدين، ثم العدول عنه إلى التعبير بالمسجد في الكوفة شاهد قوي على عموم الحكم لها. ونحوه مرسل الفقيه (* 5)، بل الظاهر أنه هو. ويشهد له أيضا ما في صحيح ابن مهزيار من قوله: " أي شئ تعني بالحرمين؟... " فان الظهر أن اختصاص الحرمين في مكة والمدينة في الجملة مما لاإشكال فيه عنده، وإنما السؤال كان عن أن الحرم يعم البلد، أو يخص المسجد، أو جهة معينة منه، أو غير ذلك، فلا يمكن حمل البلدين فيه على المسجدين فلاحظ. نعم يقتضي الاختصاص بالمسجد في المدينة صحيح أبي ولاد المتقدم. لكن عرفت قريبا وجه الجمع بينه وبين ما نحن فيه. فتأمل. ومن ذلك يظهر ضعف ماعن الحلي: من اختصاص الحكم بالمسجدين. أخذا بالمتيقن. وأما بلد الكوفة فليس ما يدل على جواز الاتمام فيه إلا خبر زياد القندي عن أبي الحسن (ع) (* 6). وما عداه قد اشتمل بعضه على التعبير


(* 1) الوسائل باب: 25 من ابواب صلاة المسافر حديث: 22. (* 2) الوسائل باب: 25 من ابواب صلاة المسافر حديث: 14. (* 3) الوسائل باب: 25 من ابواب صلاة المسافر حديث: 14. (* 4) الوسائل باب: 25 من ابواب صلاة المسافر حديث: 29. (* 5) الوسائل باب: 25 من ابواب صلاة المسافر حديث: 26. (* 6) الوسائل باب: 25 من ابواب صلاة المسافر حديث: 13.

[ 186 ]

بحرم أمير المؤمنين (ع)، كمصحح حماد بن عيسى المتقدم (* 1)، ومرسل المصباح (* 2). وبعضها قد اشتمل على التعبير بمسجد الكوفة، كمرسل حذيفة ابن منصور (* 3)، ومرسل الفقيه (* 4)، وخبر أبي بصير (* 5)، ومرسل حماد (* 6). ولاريب في اختصاص الاخير بالمسجد. وأما الثاني فلا يخلو من إجمال. وتطبيقه في بعض الروايات عليها - كخبر حسان بن مهران، وفيه: " قال أمير المؤمنين: مكة حرم الله تعالى، والمدينة حرم رسول الله صلى الله عليه وآله، والكوفة حرمي، لا يريدها جبار بحادثة إلا قصمه الله " (* 7). - ونحوه خبر عاصم بن حميد - (* 8) وفي رواية القلانسي: " إن الكوفة حرم الله، وحرم رسول صلى الله عليه وآله، وحرم أمير المؤمنين (ع) " (* 9) غير كاف في اثبات الحكم لها، لضعفه - كخبر زياد - أولا. ولان مجرد التطبيق لا يجدي فيما نحن فيه، وإنما المجدي التفسير، بأن يقال: حرم أمير المؤمنين (ع) هو الكوفة. وليس


(* 1) راجع اوائل التعليقة السابقة. (* 2) الوسائل باب: 25 من ابواب صلاة المسافر حديث: 24. (* 3) المراد هو المرسل المتقدم في صدر التعليقة. (* 4)، (* 5)، (* 6) تقدم ذكر ذلك في هذه التعليقة. (* 7) الوسائل باب: 16 من ابواب المزار حديث: 1. (* 8) لم نجد الرواية المذكورة في مظانها، من الوسائل، والمستدرك، والجواهر، والحدائق، والمستند. نعم في المستدرك باب: 12 من ابواب المزار، عن امالي الطوسي (ره) عن عاصم بن عبد الواحد المدني، عن الصادق (ع) وفيه: " والكوفة حرم علي (ع)... " وقد أشار صاحب المستند في ج 2 صفحة 584، والحدائق في ج 11 صفحة 456 طبع النجف الاشرف إلى الرواية المذكورة مصرحا الاخير منهما باهمال الراوي. كما وإنا لم نجد ذكرا له في تنقيح المقال المامقاني (ره) وانما جاء فيه: ترجمة عاصم بن حميد. من أصحاب الصادق (ع). فراجع تنقيح المقال ج 2 ص 113 (* 9) الوسائل باب: 44 من ابواب أحكام المساجد حديث: 33.

[ 187 ]

مفاد النصوص ذلك. والتطبيق إنما يجدي في الحكم الثابت لموضع عام، لا ما إذا أريد من العام فرد مخصوص وقد أجمل. فرفع اليد عن عموم وجوب القصر على المسافر فيما عدا مسجد الكوفة لا يخلو من إشكال، والاقتصار على المتيقن - وهو خصوص المسجد - متعين. ويشير إليه مرسل حماد المتقدم. وإلحاق الكوفة بمكة، بضميمة عدم الفصل - كما عن الشيخ (ره) - غير ظاهر، لثبوت القول بالفصل حينئذ. وأما كربلاء: فالنصوص المتعرضة للحكم فيها بين ما تضمن التعبير ب‍ " حرم الحسين (ع) "، كمصحح حماد (* 1)، وخبر خادم اسماعيل بن جعفر (* 2)، ومرسل حذيفة بن منصور (* 3). ومرسل الصباح (* 4)، وبين ما تضمن التعبير ب‍ " عند قبر الحسين (ع)، كخبر أبي شبل (* 5) وخبر عمرو بن مرزوق (* 6)، ومرسل إبراهيم بن أبي البلاد المتقدم (* 7) وبين ما تضمن التعبير بالحائر، كمرسل حماد، ومرسل الصدوق، الذين قد عرفت أن الظاهر أنهما واحد (* 8). أما الاول فقد ورد في مرفوع منصور بن العباس: أنه خمسة فراسخ من أربع جوانبه (* 9). وفي مرسل محمد بن اسماعيل البصري: أنه فراسخ في فرسخ من أربع جوانب القبر (* 10). لكن لا مجال للاعتماد عليه في مثل


(* 1) تقدم ذلك في أول المسألة. (* 2) و (* 3) و (* 4) تقدم ذلك كله في صدر التعليقة. (* 5) الوسائل باب: 25 من أبواب صلاة المسافر حديث: 12. (* 6) الوسائل باب: 25 من ابواب صلاة المسافر حديث: 30. (* 7) تقدم ذلك في صدر التعليقة. (* 8) تقدم ذلك في صدر التعليقة. (* 9) الوسائل باب: 67 من ابواب المزار حديث: 1. (* 10) الوسائل باب: 67 من ابواب المزار حديث: 2.

[ 188 ]

المقام، لضعف السند من دون جابر. ولما لم يكن طريق شرعي إلى تحديده يبقى على إجماله، وليس له معنى عرفي ليرجع إليه. وأما الاخير فلم أقف في النصوص على تحديده، إلا على رواية الحسين ابن ثوير، الواردة في آداب الزيارة المأثورة، وفيها: " وعليك بالتكبير، والتهليل، والتسبيح، والتحميد، والتعظيم لله تعالى، والصلاة على محمد وأهل بيته، حتى تصير إلى باب الحائر، ثم تقول: السلام... (إلى أن قال) ثم اخط عشر خطأ، ثم قف وكبر ثلاثين تكبيرة. ثم امش إليه حتى تأتيه من قبل وجه، فاستقبل وجهك بوجهه... " (* 1). فانه - على تقدير ظهوره في كون باب الحائر متصلا بالحائر - ظاهر في أن الحائر أكثر من عشر خطوات. نعم عن الارشاد للمفيد (ره): أن الحائر محيط بهم (ع) إلا العباس (ع) فانه قتل على المسناة، وعن السرائر: أنه ما دار سور المشهد والمسجد عليه، دون ما دار سور البلد عليه، لان ذلك هو الحائر حقيقة، لان الحائر في لسان العرب الموضع المطمئن الذي يحار الماء فيه. وعن البحار عن بعض: أنه مجموع الصحن المقدس، وبعضهم: أنه القبة السامية. وبعضهم: أنه الروضة المقدسة وما أحاط بها من العمارات المقدسة، من الرواق والمقتل والخزانة وغيرها. ثم قال: " والاظهر عندي أنه مجموع الصحن القديم، لاماتجدد منه في الدولة الصفوية ". لكن الجميع غير واضح المستند. مع أن في الاعتماد على المرسلين المشتملين على التعبير بالحائر (* 2) إشكالا. فالاقتصار على القدر المتيقن من معنى الحائر، ومن معنى الحرم - وهو ما يقارب الضريح المقدس - متعين.


(* 1) الوسائل باب: 62 من ابواب المزار حديث: 1. (* 2) المراد بها: مرسلا حماد والصدوق المتقدمان في صدر التعليقة.

[ 189 ]

{ لكن لا ينبغي ترك الاحتياط، خصوصا في الاخيرتين. ولا يلحق بها سائر المشاهد (1). والاحوط في المساجد الثلاثة الاقتصار على الاصلي منها، دون الزيادات الحادثة في بعضها (2). نعم لافرق فيها بين السطوح، والصحن، والمواضع المنخفضة منها. كما أن الاحوط في الحائر الاقتصار على ما حول الضريح المبارك. (مسألة 12): إذا كان بعض بدن المصلي داخلا في أماكن التخيير وبعضه خارجا لا يجوز له التمام (3). نعم لا بأس بالوقوف منتهى أحدها إذا كان يتأخر حال الركوع والسجود (4) } وأما تحديده في كلام بعض بخمسة وعشرين ذراعا فلم أقل على مستند له غير مصحح إسحاق بن عمار: " سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: إن لموضع قبر الحسين عليه السلام حرمة معروفة من عرفها واستجار بها أجير. قلت: صف لي موضعها. قال (ع): امسح من موضع قبره اليوم خمسة وعشرين ذراعا من ناحية رأسه، وخمسة وعشرين ذراعا من ناحية رجليه، وخمسة وعشرين ذراعا من خلفه، وخمسة وعشرين ذراعا مما يلي وجهه " (* 1) إلا أن في تعلقها بما نحن فيه تأملا ظاهرا. والله سبحانه أعلم. (1) لعدم الدليل الموجب للخروج عن عموم القصر على المسافر. وما عن السيد وابن الجنيد. من إلحاق المشاهد بها في وجوب التمام. وقد عرفت الاشكال فيه في الملحق به، فضلا عن الملحق. (2) إذا كانت الزيادة بعد صدور النصوص، لعدم الدليل على ذلك نعم لو كانت الزيادة قبل صدور النصوص فظاهرها دخول الزيادة. (3) لعدم دخوله في أدلته. (4) لصدق الصلاة في المواطن المذكورة.


(* 1) الوسائل باب: 67 من ابواب المزار حديث: 4.

[ 190 ]

{ بحيث يكون تمام بدنه داخلا حالهما. (مسألة 13): لا يلحق الصوم بالصلاة في التخيير المزبور (1)، فلا يصح له الصوم فيها، إلا إذا نوى الاقامة أو بقي مترددا ثلاثين يوما. (مسألة 14): التخيير في هذه الاماكن استمراري (2) فيجوز له التمام مع شروعه في الصلاة بقصد القصر وبالعكس ما لم يتجاوز محل العدول. بل لا بأس بأن ينوي الصلاة من غير تعيين أحد الامرين من الاول (3). بل لو نوى القصر فأتم غفلة أو بالعكس فالظاهر الصحة (4). } (1) كما هو ظاهر الفتاوى، والمصرح به في كلام غير واحد. لعدم دخوله في الادلة. وعموم التلازم بينهما في القصر والتمام مختص بغير ما نحن فيه، لظهوره في عدم الفرق بين السفر المشرع لقصر الصوم والمشرع لقصر الصلاة، وأن عنوان المسافر في المقامين بمعنى واحد. ويشير إلى عدم الالحاق ما في موثق عثمان بن عيسى: " عن إتمام الصلاة والصيام في الحرمين قال (ع): أتمها ولو صلاة واحدة " (* 1). (2) لاطلاق الادلة، التي لافرق فيها بين الابتداء والاستدامة. (3) بأن يقصد الامر المتعلق بالركعتين في الجملة، بلا تحديد له باحدى الخصوصيتين. (4) كما لو تخيل أنه مأمور بالتمام لكونه حاضرا. وكذا لو جاء بكل من الركعتين الاخيرتين بقصد أنها الثانية، لاعتقاده عدم فعلها. واحتمال البطلان بزيادة الركعتين لعدم قصد امتثال أمرهما ضعيف. لان ذلك من قبيل الاشتباه في التطبيق، كما تقدم في مبحث الخلل. فلاحظ.


(* 1) الوسائل باب: 25 من ابواب صلاة المسافر حديث: 17.

[ 191 ]

{ مسألة 15): يستحب أن يقول عقيب كل صلاة مقصورة (1) ثلاثين مرة: " سبحان الله والحمد الله، ولا إله إلا الله، والله اكبر ". وهذا وإن كان يستحب من حيث التعقيب عقيب كل فريضة حتى غير المقصورة (2)، إلا أنه يتأكد عقيب المقصورات (3)، بل الاولى تكرارها مرتين (4)، مرة من باب التعقيب، ومرة من حيث بدليتها عن الركعتين الساقطتين. } (1) بلا خلاف أجده، كما في الجواهر. لخبر المروزي قال: " قال الفقيه العسكري (ع): يجب على المسافر أن يقول في دبر كل صلاة يقصر فيها: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ثلاثين مرة، لتمام الصلاة " (* 1). وفي خبر رجاء: " إن الرضا (ع) كان يقولها في دبر كل صلاة يقصرها ثلاثين مرة، ويقول هذا تمام الصلاة " (* 2). ويتعين حمل الاول على الاستحباب، لما عرفت من نفي الخلاف، وقضاء السيرة القطعية بذلك. (2) كما ورد في بعض الاخبار. (3) لتعدد الجهة. (4) لاحتمال عدم التداخل. لكنه خلاف اطلاق الادلة. ولاجله لا مجال للرجوع إلى قاعدة عدم التداخل. والحمد لله رب العالمين. انتهى الكلام فيما يتعلق بصلاة المسافر، في النجف الاشرف، ثالث ربيع الثاني من السنة الخمسين بعد الالف والثلاثمائة هجرية، على مهاجرها أفضل الصلاة والسلام وأزكى التحية. بقلم مؤلفه الاقل (محسن)، خلف المقدس العلامة المرحوم السيد (مهدي) الطباطبائي الحكيم. وله الحمد


(* 1) الوسائل باب: 24 من ابواب صلاة المسافر حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 24 من ابواب صلاة المسافر حديث: 2.

[ 192 ]

{ بسم الله الرحمن الرحيم كتاب الصوم وهو الامساك عما يأتي من المفطرات، بقصد القربة (1). } والمجد، كما هو أهل. وهو حسبنا ونعم الوكيل. بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، محمد وآله الغر الميامين. كتاب الصوم الصوم في اللغة: مطلق الامساك، أو إمساك الحيوان، أو خصوص الانسان، وعن ابن دريد: " كل شئ سكنت حركته فقد صام صوما ". (1) قد اختلفت عباراتهم في معناه الشرعي، ففي بعضها: أنه الكف وفي آخر: أنه التوطين، وفي ثالث: أنه الامسال. وقد اختلفت أيضا في القيود المذكورة في تعريفاته. وظاهر أكثرهم أنهم في مقام التعريف الحقيقي، لعدول كل عن تعريف الآخر، معتذرا بتوجه المناقشات على التعريف المعدول عنه، من جهة الطرد، أو العكس، أو من جهتهما معا. وليس ذلك إلا لبنائهم على التعريف الحقيقي. لكن السعي في هذا السبيل لما لم يترتب عليه مزيد فائدة كان تركه والاشتغال بما هو أهم أولى.

[ 193 ]

{ وينقسم (1) إلى الواجب، والمندوب، والحرام، والمكروه، بمعنى قلة الثواب. والواجب منه ثمانية (2): صوم شهر رمضان، وصوم القضاء، وصوم الكفارة - على كثرتها - وصوم بدل الهدي في الحج وصوم النذر والعهد واليمين، وصوم الاجارة ونحوها - كالشروط في ضمن العقد - وصوم الثالث من أيام الاعتكاف، وصوم الولد الاكبر عن أحد أبويه. ووجوبه في شهر رمضان من ضروريات الدين (3)، ومنكره مترد (4) يجب قتله (5). ومن أفطر فيه - لامستحلا -، } نعم هنا شئ، وهو أنه لاريب في الاجتزاء يصوم من أكل ناسيا للصوم. وحينئذ فان كان الصوم عبارة عن الامساك عن ذوات المفطرات لم يصدق ذلك على الصوم المذكور، ووجب الالتزام بكونه بدلا عن الصوم لاصوما حقيقة، وهو خلاف ظاهر النص والفتوى. وإن كان عبارة عن الامساك عنها بقيد الالتفات إلى الصوم لزم أخذ الالتفات إليه قيدا فيه، وهو ممتنع، إذ الالتفات إلى الشئ خارج عنه. فلابد من أخذ المفطرات مهملة، لا مطلقة، ولا مقيدة بالالتفات. وهكذا الحال في أخذ قصد القربة فيه وفي غيره من العبادات، فالامر به وبسائر العبادات متعلق بالذات الملازمة لقصد القربة، لا بالذات المطلقة، ولا بالذات المقيدة بقصد القربة. فلاحظ (1) سيأتي التعرض للاقسام المذكورة. (2) الاستدلال على وجوب كل من الاقسام المذكورة موكول إلى محله. (3) كما صرح به جماعة، بل الظاهر أنه إجماع. (4) تقدم في مبحث نجاسة الكافر الكلام في أن إنكار الضروري مطلقا موجب للكفر، أو بشرط علم المنكر بأنه من الدين. فراجع. (5) إن كان ولد على فطرة الاسلام. وإلا فبعد أن يستتاب فلا يتوب،

[ 194 ]

{ عالما عامدا يعزر (1) بخمسة وعشرين سوطا (2)، فان عاد عزر ثانيا (3)، فان عاد قتل على الاقوى (4). وإن كان } كما أشرنا إليه في كتاب الطهارة. ومحله مفصلا في كتاب الحدود. (1) بلا خلاف ظاهر. لصحيح بريد العجلي: " سئل أبو جعفر (ع) عن رجل شهد عليه شهود أنه أفطر شهر رمضان ثلاثة أيام. قال (ع): يسأل هل عليك في إفطارك شهر رمضان إثم، فان قال: لا، فان على الامام أن يقتله. وإن قال: نعم، فان على الامام أن ينهكه ضربا " (* 1) (2) لخبر المفضل بن عمر عن أبي عبد الله (ع) - فيمن أتى امرأته وهما صائمان -: " وإن كان أكرهها فعليه ضرب خمسين سوطا، نصف الحد. وإن كانت طاوعته ضرف خمسة وعشرين سوطا، وضربت خمسة وعشرين سوطا " (* 2). وضعف سنده - لو تم - مجبور بالعمل به في مورده. لكن التعدي منه إلى مطلق الافطار - مع كونه خلاف إطلاق الصحيح المتقدم، وإطلاق مادل على إيكال تقدير التعزير إلى الامام - غير ظاهر. ولاسيما وكون التقدير المذكور خلاف ظاهر إطلاق التعزير في كلامهم، فانه عندهم يقابل الحد، وهو الذي له تقدير بعينه. وكأنه لذلك كان ماعن جماعة من التصريح بعدم التقدير. (3) بلا خلاف ظاهر. ويقتضيه إطلاق الصحيح المتقدم. (4) كما عن الاكثر أو المشهور. لموثق سماعة: " سألته عن رجل أخذ في شهر رمضان، وقد أفطر ثلاث مرات، وقد رفع إلى الامام ثلاث مرات. قال (ع): يقتل في الثالثة " (* 3). ونحوه خبر أبي بصير (* 4)


(* 1) الوسائل باب: 2 من ابواب أحكام شهر رمضان حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 12 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 1. (* 3) الوسائل باب: 2 من ابواب أحكام شهر رمضان حديث: 2. (* 4) الوسائل باب: 2 من ابواب أحكام شهر رمضان ملحق الحديث: 2.

[ 195 ]

{ الاحوط قتله في الرابعة (1). وإنما يقتل في الثالثة أو الرابعة إذا عزر في كل من المرتين أو الثلاث (2). وإذا ادعى شبهة محتملة في حقه درئ عنه الحد (3). فصل في النية يجب في الصوم القصد إليه، مع القربة والاخلاص (4) } أما صحيح يونس عن أبي الحسن الماضي (ع): " أصحاب الكبائر كلها إذا أقيم عليهم الحد مرتين قتلوا في الثالثة " (* 1) فالاستدلال به يتوقف على عمومه للمقام، بأن يراد من الحد ما يعم التعزير. وهو كما ترى. (1) كما هو المحكي عن بعض. للمرسل: " إن أصحاب الكبائر يقتلون في الرابعة " (* 2). وضعفه - لعدم صلاحية المرسل لمعارضة ما سبق - ظاهر. وكونه أحوط غير ظاهر. لانه مخالف للادلة المتقدمة. وأهمية القتل إنما تقتضي تقديم الاحتياط فيه على الاحتياط في غيره عند تزاحم الاحتياطين. وذلك في غير ما نحن فيه. (2) كما عن التذكرة وجماعة. ويقتضيه ظاهر ما سبق. لا أقل من عدم إطلاقه بنحو يشمل صورة عدمه، كما لا يخفى. (3) لاطلاق مادل على أن الحدود تدرأ بالشبهات. فصل في النية (4) بلا خلاف. لكونه من العبادات المعتبر فيها ذلك اجماعا. نعم الظاهر، بل الذي لا ينبغي التأمل فيه: أنه لا يعتبر فيه أن يكون الترك


(* 1) الوسائل باب: 5 من ابواب مقدمات الحدود حديث: 1. (* 2) لم نعثر على ذلك، وإنما روي ذلك مرسلا في خصوص شارب الخمر. لاحظ الوسائل باب: 11 من ابواب حد المسكر حديث: 7.

[ 196 ]

{ كسائر العبادات. ولا يجب الاخطار بل يكفي الداعي (1). ويعتبر فيما عدا شهر رمضان - حتى الواجب المعين أيضا - القصد إلى نوعه (2)، من الكفارة، أو القضاء، أو النذر، } للمفطرات في كل آن من آنات النهار مستندا إلى إرادة موافقة أمر الله تعالى. وإلا لزم بطلان الصوم بانتفاء ذلك بالنوم، أو الغفلة، أو العجز عن ارتكاب المفطر، أو عدم الرغبة فيه، أو وجود المنفر الطبعي عنه، بناء على قدح الضميمة في عبادية العبادة، وذلك مما لا يمكن الالتزام به ضرورة بل المعتبر فيه: استقلال داعي الموافقة للامر في الزجر عن المفطر على تقدير الالتفات والاختيار وعدم وجود المتقضي الخارجي للزجر عنه. فلا يقدح فيه النوم، والغفلة، والعجز، ووجود المتقضي الخارجي للزجر عنه، كما في الموارد المذكورة إذا فرض تحقق داعي موافقة الامر الشرعي بنحو يستقل في الزجر لولا ما ذكر، وإنما يقدح فيه عدم تحقق داعي الموافقة للامر الشرعي أصلا، أو عدم صلاحيته للاستقلال في الزجر. فالعبادية المعتبرة في آنات الصوم إنما هي عبادية فاعلية، لافعلية، كما في سائر العبادات ولعل ذلك يجري أيضا في بعض الواجبات العبادية، كالوقوف في عرفات أو المشعر الحرام. (1) كما تقدم بيانه مفصلا في نية الوضوء. فراجع. (2) وهو في غير المعين قول علمائنا - كما عن المنتهى - وقول العلماء كافة - كما عن التذكرة - وعند الاصحاب - كما عن المعتبر - وبلا خلاف يعرف - كما عن التنقيح - وإجماعا - كما عن السرائر، والتحرير، وغيرهما وظاهر الشرائع. ويدل عليه - مضافا إلى ذلك -: أن الفعل العبادي لا يصح عبادة إلا إذا قصد إيقاعه على النحو الذي أخذ موضوعا للتكليف، لما عرفت في نية الوضوء من أن قوام العبادية انفعال المكلف بأمر المولى،

[ 197 ]

بنحو تحدث له إرادة تكوينية تابعة للارادة التشريعية للمولى، فلابد أن تتعلق إرادة العبد بما تعلقت به إرادة مولاه، وهذا معنى قصد موضوع الامر على النحو الذي أخذ موضوعا له. فإذا فرض أن صوم الكفارة بعنوان كونه كفارة قد أخذ موضوعا للامر، فلا يكون عبادة إلا إذا قصد الاتيان به معنونة بذلك العنوان. نعم قد يتوهم فيدعى: أن ظاهر الادلة السمعية كون موضوعها نفس الصوم الذي هو الماهية المشتركة بين أفراده، فإذا كان على المكلف صوم يوم قضاء وصوم يوم كفارة فقد وجب عليه صوم يومين لاميز بينهما إلا بمحض الاثنينية، فلا مجال للتعيين، فضلا عن وجوبه. فلو صام يوما واحدا سقط عنه صوم يوم وبقي عليه صوم يوم آخر. ولكنه كما ترى، بل ظاهر نصوص الامر بالقضاء والكفارة ونحوهما: أخذ العنوان من القضاء والكفارة أو نحوهما في موضوع الامر، فلابد من قصده ليقع عبادة، كما عرفت. ويشهد به أيضا اختلافها بخصوصيات أخر، مثل التضييق والتوسعة، والسقوط مع العجز بلا بدل ومع البدل وغير ذلك، فان اختلافها في الخصوصيات المذكورة يدل على اختلافها بالقيود والحدود. كما يظهر أيضا من نصوص عدم جواز الصوم ندبا لمن عليه فريضة: أن الصوم المندوب غير الصوم الواجب يمكن أن يقصد أحدهما بعينه. فيسقط أمره ويبقى أمر الآخر، نظير النافلة والفريضة في الصلاة. نعم لا يبعد الالتزام برجحان طبيعة الصوم في نفسها، عدا الحرم منه، وتعرضها خصوصيات أخرى موجبة له من قضاء أو كفارة، فإذا قصد النفس الطبيعة بلا خصوصية وقع مندوبا، وإذا قصدها مع الخصوصية الاخرى وقع ذو الخصوصية وترتبت عليه أحكامه.

[ 198 ]

{ مطلقا كان أو مقيدا بزمان معين (1)، من غير فرق بين الصوم الواجب والمندوب. ففي المندوب أيضا يعتبر تعيين نوعه، } هذا في غير رمضان، أما هو فلا يشرع فيه غير فرضه أصلا، فلا يصح ولو ندبا وإن قصد صرف الطبيعة الراجحة، كما سيأتي. (1) كما هو المشهور. ونسب إلى الشيخ، والمحقق، والعلامة في بعض كتبه، والشهيد في كتبه الثلاثة. وهو واضح جدا بناء على أن النذر يوجب كون الفعل المنذور ملكا لله سبحانه على المكلف، كما هو الظاهر. ويقتضيه مفهوم صيغة النذر، لان تسليم ما في الذمة يتوقف على قصد المصداقية، ولولاه لم يتعين الخارجي لذلك، كما في سائر موارد ما في الذمة من الديون المالية عينا كانت أو فعلا. وبذلك أيضا يتضح وجه اعتبار التعيين في الصوم الواجب بالاجارة والشرط ونحوهما. أما بناء على عدم إيجاب النذر ذلك، بل إنما يقتضي وجوب المنذور فقط، يشكل اعتبار قصد التعيين، بل يكفي قصد نفس العنوان المنذور في سقوطه، لانطباق موضوعه عليه قهرا. فان قلت: الوجوب الآتي من قبل النذر إنما يتعلق بعنوان الوفاء، كما يقتضيه ظاهر أدلة النفوذ، فيجب قصد الوفاء في سقوط أمر النذر، كما هو الحال في الامر بالكفارة والقضاء. قلت: أولا: إن الامر بالوفاء بالنذور ليس مولويا، بل هو إرشادي إلى صحة النذر، نظير الامر بالوفاء بالعقود والشروط وغيرها، كما أوضحناه فيما علقناه على مباحث الشرط من مكاسب شيخنا الاعظم (ره). وثانيا: إنه لو سلم كونه مولويا فالظاهر كونه توصليا، لاتعبديا، فلا يتوقف سقوطه على قصد امتثاله، بل يكفي في سقوطه الاتيان بمتعلقه، وهو فعل نفس المنذور. نعم لو بني على أن الواجب عنوان الوفاء بالنذر بنحو يكون قصديا، توقف وجوده على قصده لكن الظاهر أنه ليس كذلك، بل ليس الواجب إلا فعل المنذور لا غير

[ 199 ]

{ من كونه صوم أيام البيض مثلا أو غيرها من الايام المخصوصة (1) فلا يجزي القصد إلى الصوم مع القربة من دون تعيين النوع، من غير فرق بين ما إذا كان ما في ذمته متحدا أو متعددا، } ومما ذكرنا يظهر أن ما حكي عن السيد. والحلي والعلامة في جملة من كتبه والمدارك وغيرهم: من عدم اعتبار التعيين فيه ينبغي أن يكون مبنيا على ذلك لاغير. وأما الاستدلال له: بأنه زمان يتعين بالنذر للصوم، فكان كشهر رمضان، لا يعتبر فيه التعيين. ففيه: أن التعيين الواقعي لا يكفي في انطباق ما في الذمة من حق الغير عليه، ولافي صدق إطاعة أمر النذر لو كان عباديا، ولافي صدق الوفاء بالنذر لو كان قصديا. ومثله في الضعف: الاستدلال للاول بأنه زمان لم يعينه الشارع في الاصل، فافتقر إلى التعيين، كالنذر المطلق. وجه الضعف: أنه لو بني على عدم اقتضاء النذر جهة وضعية، ولاكون الامر بالوفاء عباديا، ولا كون عنوان الوفاء قصديا، يكون انطباق المنذور على المأتي به قهريا، فيسقط أمره، ولا يتوقف على التعيين. وكذا الحال في النذر المطلق، فان المنذور فرد من العنوان المستحب يعرضه بالنذر الوجوب. فتكون أفراد المستحب بعضها واجبا بالعرض وبعضها مستحبا، فيلحقه حكم مالو وجب صوم يوم واستحب صوم يوم آخر، بلا تميز بين اليومين إلا بمحض الاثنينية، فإذا صام أحدهما سقط الوجوب وبقي الاستحباب. فالعمدة إذا في القولين ما ذكرنا. هذا ولا يبعد الفرق بين مفاد النذر ومفاد العهد واليمين، فظاهر الاول الاول، كما عرفت، وظاهر الاخيرين الثاني. (1) يظهر من أدلة القولين في النذر المعين: تأتي الخلاف هنا أيضا (*

[ 200 ]

{ ففي صورة الاتحاد أيضا يعتبر تعيين النوع (1). ويكفي التعيين الاجمالي (2)، كأن يكون ما في ذمته واحدا، فيقصد ما في ذمته، وإن لم يعلم أنه من أي نوع، وإن كان يمكنه الاستعلام أيضا. بل فيما إذا كان ما في ذمته متعددا أيضا يكفي التعيين الاجمالي، كأن ينوي ما اشتغلت ذمته به أولا، أو ثانيا أو نحو ذلك. وأما في شهر رمضان فيكفي قصد الصوم وإن لم ينو كونه من رمضان (3). بل لو نوى فيه غيره } وعن البيان: إلحاق المندوب المعين بالواجب في عدم اعتبار التعيين. وعن بعض تحقيقاته: إلحاق مطلق المندوب به، لتعينه شرعا في جميع الايام، وتبعه على ذلك بعض من تأخر. ولكن التحقيق: لزوم التعيين في الاول إما لاخذ الزمان الخاص قيدأ في موضوع الامر، كما يقتضيه الجمود على عبارة النصوص، فلا يقع عبادة وامتثالا لامر إلا إذا قصده المكلف. وإما لان صوم الزمان المعين كما يصلح أن يكون امتثالا للامر بالمعين يصلح أن يكون امتثالا للامر بالمطلق، فكونه امتثالا للاول بعينه محتاج إلى معين وليس إلا القصد، ومجرد تعينه غير كاف فيه، ولاسيما مع صلاحية الزمان لغيره. وأما المندوب المطلق فالقصد إلى صرف الطبيعة المطلقة فيه كاف في تعينه، لان ما عداه طبيعة خاصة. نعم لو قصد طبيعة الصوم مهملة مرددة بين الواجب والمندوب، لم يجز عنه ولا عن غيره. (1) لما عرفت من اعتبار القصد إلى عنوان موضوع الامر في تحقق العبادة. (2) للاكتفاء به عند العقلاء، الذين هم المرجع في القيود المعتبرة في العبادة. (3) على المشهور، بل في محكي التذكرة: نسبته إلى علمائنا. ونحوه

[ 201 ]

{ جاهلا أو ناسيا له أجزأ عنه (1). نعم إذا كان عالما به وقصد } ماعن المختلف والمنتهى، بل عن التنقيح: دعوى الاتفاق عليه. وعن الغنية: دعوى الاجماع. واستدل له - مضافا إلى ذلك - بأصالة البراءة من وجب التعيين. وبأصالة الاطلاق النافية لاشتراطه. وبأن التعيين فرع قابلية المورد للترديد، ولما كان رمضان لا يصح فيه صوم غير صومه لا مجال للترديد، فيكون متعينا بالذات بلا حاجة الى التعيين. والجميع كما ترى، إذ الاجماع لم يثبت بنحو يصح الاعتماد عليه. وأصل البراءة لا مجال له بعد قيام الاجماع بل الضرورة على كون الصوم من العبادات المعتبر فيها القصد، وبه يقيد إطلاق الادلة. مع أنه إنما يصلح لرفع الشك في شرط المأمور به، لا في شرط الاطاعة والامتثال، كما هو موضح في الاصول. فتأمل. والتعيين فرع الترديد في نظر المكلف، وهو حاصل، ولا ينافيه عدم مشروعية غير صوم رمضان، كما هو ظاهر. فما تقدم في صوم أيام البيض وغيرها جار هنا بعينه. نعم يمكن قصد الامر الخاص بنحو يكون ملازما لقصد خصوصية رمضان، كما يمكن العكس، بأن يقصد الصوم الخاص بالغد عن أمره، فان ذلك كله قصد لصوم رمضان عن أمره الخاص به، ولا إشكال فيه ولعله ذلك هو مراد القائلين بعدم اعتبار التعيين هنا، فمرادهم عدم اعتباره تفصيلا، لا عدم اعتباره أصلا ولا إجمالا، إهمالا منهم لقاعدة اعتبار قصد المأمور به بخصوصياته في تحقق العبادية. وإن كانت عبارة المتن وغيره آبية عنه. (1) إجماعا، حكاه غير واحد. وتساعده القواعد إذا رجع الى قصد الخصوصية إجمالا، بأن كان الخطأ في مجرد التطبيق لاغير. أما إذا رجع

[ 202 ]

{ غيره لم يجزه (1). } ألى قصد الامر والخصوصية المباينين لخصوصية رمضان وأمره يشكل الاجتزاء به بالنظر إلى القواعد. نعم يدل على الاجتزاء به في الاول: ما ورد في الاجتزاء يصوم يوم الشك على أنه من شعبان، ففي رواية سماعة. " فان كان من شهر رمضان أجزأ عنه بتفضل الله تعالى " (* 1). وفي خبر الزهري: " لو أن رجلا صام يوما من شهر رمضان تطوعا، وهو لا يعلم أنه من شهر رمضان، ثم علم بذلك لاجزأ عنه، لان الفرض إنما وقع على اليوم بعينه " (* 2) بل ظاهر الاخير الاجتزاء به في الثاني أيضا. بل يمكن القول بدلالة الاول عليهما معا بالغاء خصوصية مورده. اللهم إلا أن يدعى: أن منصرف النصوص خصوص صورة الجهل بالتطبيق الراجعة إلى تحقق قصد الخصوصية إجمالا. وقد يومئ إليه التعليل في الثاني. ولاسيما بملاحظة تخصيصه بصورة عدم العلم. ولا ينافيه التعبير بالتفضل في الاول، لامكان كون الوجه في التفضل عدم الجزم بالنية. فتأمل جيدا. لكن يدفع توهم الانصراف المذكور: التفصيل في النصوص بين نية رمضان وشعبان، إذ لاوجه للتفصيل مع قصد الخصوصية إجمالا. والتعليل لا يخلو من إجمال. مع ضعف سند الخبر، ومخالفته لظاهر ما قبله من إجزاء التطوع عن رمضان تفضلا. فلاحظ. (1) كما عن الحلي، والكركي، والشهيدين، وصاحب المدارك، وغيرهم. لعدم الدليل على الاجتزاء به بعد فوات التقرب المعتبر، من جهة عدم قصد خصوصية الواجب، وعدم قصد امتثال أمره. والنصوص المتقدمة


(* 1) الوسائل باب: 5 من ابواب وجوب الصوم حديث: 4. (* 2) الوسائل باب: 5 من ابواب وجوب الصوم حديث: 8.

[ 203 ]

{ كما لا يجزئ لما قصده أيضا (1). بل إذا قصد غيره عالما به } لا تصلح للدلالة على الاجتزاء به. بل ظاهر الخبر الثاني عدمه. وعن السيد والمبسوط والمعتبر والتذكرة والمختلف: أن الاجزاء لا يخلو عن قوة، لان النية المشترطة - وهي القربة - حاصلة، وما زاد لغو لا عبرة به. وهو كما ترى. نعم لازم القول بالصحة في غير العالم اعتمادا على القواعد القول بها فيه أيضا، فالتفكيك بينهما في ذلك غير ظاهر. (1) وفي الجواهر: " إنه المعروف في الشريعة، بل كاد يكون من قطعيات أربابها، إن لم يكن من ضرورياتها ". لعدم الدليل على مشروعية غير صوم رمضان فيه، ولقوله تعالى: (فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر) (* 1)، وللنبوي: " ليس من البر الصيام في السفر " (* 2) ولمرسل الحسن بن بسام عن رجل: " كنت مع أبي عبد الله (ع) فيما بين مكة والمدينة في شعبان وهو صائم، ثم رأينا هلال شهر رمضان، فأفطر. فقلت: جعلت فداك أمس كان من شعبان وأنت صائم، واليوم من شهر رمضان وأنت مفطر! فقال (ع): إن ذلك تطوع ولنا أن نفعل ما شئنا. وهذا فرض وليس لنا أن نفعل إلا ما أمرنا " (* 3). وقريب منه مرسل ابن سهل (* 4). لكن الجميع لا يخلو من خدش. إذ يكفي في المشروعية إطلاقات مشروعية ما قصده. والآية الشريفة ظاهرة في نفي وجوب صوم رمضان على المريض والمسافر، لا مطلق الصوم. ولو سلم فظاهرها المنع من حيث


(* 1) البقرة: 184. (* 2) مستدرك الوسائل باب: 9 من ابواب من يصح الصوم منه حديث: 2. (* 3) الوسائل باب: 12 من ابواب من يصح الصوم منه حديث: 5. (* 4) الوسائل باب: 12 من ابواب من يصح الصوم منه حديث: 4.

[ 204 ]

{ مع تخيل صحة الغير فيه، ثم علم بعدم الصحة، وجدد نيته قبل الزوال لم يجزه أيضا (1). بل الاحوط عدم الاجزاء إذا كان جاهلا بعدم صحة غيره فيه، وإن لم يقصد الغير أيضا بل قصد الصوم في الغد مثلا. فيعتبر في مثله تعيين كونه من رمضان (2). كما أن الاحوط في المتوخي - أي: المحبوس } السفر والمرض، لامن حيث زمان رمضان، كما هو محل الكلام. وكذلك النبوي، مع أنه أخص من المدعى، ومقيد بما دل على مشروعية الصوم في السفر في الجملة، كما هو المفروض في المقام. والمرسلان - مع أنهما أخص من المدعى أيضا، ويتضمنان جواز الصوم ندبا في السفر الذي هو محل الاشكال، كما سيأتي إن شاء الله، وأنهما لا يدلان إلا على المنع من صوم رمضان في السفر - ضعيفان. ومن ذلك يمكن البناء على ما هو صريح المبسوط: من أن المسافر إذا نوى صوم التطوع، أو النذر المعين، أو صوما واجبا آخر وقع عما نواه، وعليه قضاء رمضان. لولا ما عرفت من كون الحكم مظنة الاجماع وخلاف الشيخ غريب - كما هو في الجواهر - فلا يقدح في الاجماع. ولاسيما مع مخالفته له في بقية كتبه، وعدم موافقة أصوله، بل حكى الاتفاق غير واحد في غير المسافر. وهذا هو العمدة في المنع، كما اعترف به في الجواهر. والله سبحانه أعلم. (1) لاختصاص دليل الاجتزاء بالنية قبل الزوال بغير المقام، فيتعين العمل فيه بالقواعد المقتضية للبطلان، لما عرفت من وضوح عباديته، فيجب وقوعه بتمامه عن نية التقرب. (2) كما تقدم في نية رمضان. وكأن الوجه في تخصيص الاحتياط بالجاهل: دعوى كون نية العالم بعدم صحة الغير فيه راجعة إلى نية الخصوصية،

[ 205 ]

{ الذي اشتبه عليه شهر رمضان وعمل بالظن - أيضا ذلك، أي: اعتبار قصد كونه من رمضان. بل وجوب ذلك لا يخلو عن قوة (1). (مسألة 1): لا يشترط التعرض للاداء والقضاء، ولا الوجوب والندب، ولا سائر الاوصاف الشخصية (2)، بل } كما أشرنا إليه سابقا، وعدم ثبوت ذلك في الجاهل. هذا بناء على كون عدم اعتبار التعيين في رمضان جاريا على القواعد، أما لو كان على خلافها من جهة الاجماع، فالوجه في التوقف في الجاهل: عدم ثبوت الاجماع فيه. (1) حكي في المتوخي وجوه: (أحدهما): وجوب التعيين مطلقا - كما عن البيان: أنه قوي - لانه زمان لا يتعين فيه الصوم. ولانه معرض للقضاء المعتبر فيه التعيين. (ثانيهما): عدم الوجوب، لانه زمان الصوم كشهر رمضان غير معتبر فيه التعيين. (ثالثها): التفصيل بين حصول الامارة الموجبة للظن بشهر رمضان فلا يجب، لحجية الظن كالعلم، وعدمه فيجب، لعدم الطريق إلى ثبوت الشهر. والكلام فيه يعرف مما سبق في الجاهل. فتأمل جيدا. (2) لان الخصوصيات المذكورة مما لادخل لها في تحقق العبادة والطاعة، والاصل البراءة من وجوبها، على ما هو التحقيق: من جريان البراءة في الشك في شرط الاطاعة كالشك في شرط المأمور به. مع أن الاطلاقات المقامية كافية في نفي وجوب مثل ذلك. نعم يشكل ذلك في خصوصيتي الاداء والقضاء: من جهة أن الاداء هو الفعل في الوقت والقضاء هو الفعل خارج الوقت، فيرجعان إلى قيود المأمور به، فيجري عليهما ما يجري عليها، من لزوم نيتها تفصيلا أو إجمالا.

[ 206 ]

{ لو نوى شيئا منها في محل الآخر صح، إلا إذا كان منافيا للتعيين. مثلا: إذا تعلق به الامر الادائي فتخيل كونه قضائيا فان قصد الامر الفعلي المتعلق به واشتبه في التطبيق فقصده قضاء صح. وأما إذا لم يقصد الامر الفعلي بل قصد الامر القضائي بطل، لانه مناف للتعيين حينئذ (1). وكذا يبطل إذا كان مغيرا للنوع، كما إذا قصد الامر الفعلي لكن بقيد كونه قضائيا مثلا، أو بقيد كونه وجوبيا مثلا فبان كونه أدائيا، أو كونه ندبيا، فانه حينئذ مغير للنوع، ويرجع إلى عدم قصد الامر الخاص. (مسألة 2): إذا قصد صوم اليوم الاول من شهر رمضان فبان أنه اليوم الثاني مثلا، أو العكس، صح (2). وكذا لو قصد اليوم الاول من صوم الكفارة أو غيرها فبان الثاني - مثلا - أو العكس. وكذا إذا قصد قضاء رمضان النسة الحالية فبان أنه قضاء رمضان النسة السابقة وبالعكس. } (1) بل لعدم قصد الامر الخاص - أعني: الامر المتوجه إليه - كما سيذكر، وإنما قصد أمر وهميا لا واقع له. (2) لانه جاء بالمأمور به عن أمره. وخصوصية اليوم الاول أو غيره ليست دخيلة في موضوع الامر، كي يكون عدم قصدها مانعا من تحقق العبادية. وقصده اليوم الثاني أو الاول خطأ لايمنع من تحقق الاطاعة، فيلغى. وكذا الحال في الفرض الآتي. نعم إذا كان قصد الخصوصية اليوم أو السنة راجعا إلى تقييد الامتثال، الموجب لعدم قصد خصوصية الامر أو المأمور به بطل.

[ 207 ]

{ (مسألة 3): لا يجب العلم بالمفطرات على التفصيل، فلو نوى الامساك عن أمور يعلم دخول جميع المفطرات فيها كفى (1). (مسألة 4): لو نوى الامساك عن جميع المفطرات، ولكن تخيل أن المفطر الفلاني ليس بمفطر، فان ارتكبه في ذلك اليوم بطل صومه (2). وكذا إن لم يرتكبه ولكنه لاحظ في نيته الامساك عما عداه (3). وأما إن لم يلاحظ ذلك صح صومه في الاقوى (4). (مسألة 5): النائب عن الغير لا يكفيه قصد الصوم بدون نية النيابة (5) وإن كان متحدا. نعم لو علم باشتغال } (1) هذا واضح إذا كان قدنوى التقرب بخصوص الامساك عن المفطرات المعلومة إجمالا. ووجه الكفاية: تحقق الصوم منه متقربا. أما لو نوى التقرب بالامساك عن جميع الامور التي يعلم أن فيها المفطر وغيره كان ذلك تشريعا، فتبتني الكفاية على عدم قدح التشريع في الصحة، وإلا بطل. (2) لاستعمال المفطر. (3) وجه البطلان حينئذ: عدم التقرب بالامساك عنه، فيكون متقربا ببعض الصوم لا بتمامه، فلا يكون صومه بتمامه واقعا على نحو العبادة. نعم إذا كانت نية الامساك عما عداه مقارنة لنية الصوم المشروع، مع الخطأ في تطبيقه على الامساك عما عداه، كانت الصحة في محلها. (4) هذا يتم إذا لاحظ الامساك عنه إجمالا، كما هو المراد ظاهرا. أما لو لم يلاحظه، بل لاحظ ما عداه مهملا، تعين البطلان، كما قبله. (5) لان كون الفعل لغيره المنوب عنه من الامور القصدية، فلا يكون بغير قصد.

[ 208 ]

{ ذمته بصوم، ولا يعلم أنه له أو نيابة عن الغير، يكفيه أن يقصد ما في الذمة (1). (مسألة 6): لا يصلح شهر رمضان لصوم غيره (2) واجبا كان ذلك الغير أو ندبا. سواء كان مكلفا بصومه أولا كالمسافر ونحوه. فلو نوى صوم غيره لم يقع عن ذلك الغير سواء كان عالما بأنه رمضان أو جاهلا، وسواء كان عالما بعدم وقوع غيره فيه أو جاهلا. ولا يجزئ عن رمضان أيضا إذا كان مكلفا به مع العلم والعمد. نعم يجزئ عنه مع الجهل أو النسيان، كما مر. ولو نوى في شهر رمضان قضاء رمضان الماضي أيضا لم يصح قضاء، ولم يجز عن رمضان أيضا مع العلم والعمد. (مسألة 7): إذا نذر صوم يوم بعينه لا تجزؤه نية الصوم بدون تعيين أنه للنذر (3)، ولو إجمالا، كما مر (4). } (1) لانه يرجع إلى قصد النيابة على تقدير كونه نائبا، وهذا المقدار يكفي في تحقق النيابة، لتحقق التقدير. (2) تقدم في أوائل الفصل الكلام في هذه المسألة. (3) لا يخلو من إشكال، لان التعين مانع من صلاحية التعيين وعدمه لاختصاص الصلاحية لهما بغير المتعين القابل لكل من التعيين وعدمه. ولاجل ذلك حكم بالصحة في المسألة التاسعة. (4) مر وجهه، من أن مفاد النذر جعل المنذور ملكا لله سبحانه، فلا يمكن أداؤه إلا بنية أداء ما في الذمة، فلو بني على كون مفاد النذر مجرد الالتزام بالمنذور، وأن مفاد دليل النفوذ وجوب ما التزام به، فإذا

[ 209 ]

{ ولو نوى غيره، فان كان مع الغفلة عن النذر صح (1)، وإن كان مع العلم والعمد ففي صحته إشكال (2). } جاء به - ولو مع الغفلة عن النذر - سقط الامر، لحصول موضوعه، لانه توصلي، وعنوان الوفاء ليس واجبا زائدا على وجوب المنذور. وتقدم أن الاول أظهر. (1) لان النذر لا يرفع ملاك مشروعية الصوم غير المنذور، فإذا ثبت الملاك لاوجه للبطلان، لكون المفروض الغفلة عن النذر، المانعة من تحقق العصيان. هذا إذا نوى غير المنذور، كما لو نذر الصوم ندبا فصام قضاء. أما لو نوى نفس المنذور غافلا عن النذر فالصحة أوضح، وإن لم يكن وفاء بالنذر. (2) أقول: بناء على أن النذر لا يوجب حقا في ذمة الناذر وإنما يقتضي وجوب المنذور فقط، ففعل غير المنذور يكون من صغريات مسألة الضد، فيبتني الفساد فيها على اقتضاء الامر بالشئ النهي عن ضده، فإذا منع من الاقتضاء المذكور - كما هو المحقق في محله - فلا مجال للاشكال في الصحة. أما بناء على أن النذر يوجب جهة وضعية - كما هو الظاهر - فلا يبعد أيضا القول بالصحة. إذ الصوم غير المنذور ليس تصرفا في الحق الحاصل بالنذر، ليكون حراما، لحرمة التصرف في حق الغير كحرمة التصرف في ماله، وإنما هو ضد لاداء الحق الواجب، فيجري عليه ما يجري على ضد الواجب من الصحة كما عرفت. نعم لو فرض كون مرجع النذر إلى نذر أن يشغل الزمان المعين في الصوم المنذور كان البطلان في محله، لكن الصوم المأتي به تفويتا لموضوع النذر فيحرم، فيبطل. لكن هذا النحو خارج عن الفرض فان قلت: إذا كان النذر يقتضي ملكية الله سبحانه للصوم، امتنع على الناذر جعله على خلاف مقتضى النذر، لانه تصرف في مال الغير.

[ 210 ]

{ (مسألة 8): لو كان عليه قضاء رمضان السنة التي هو فيها وقضاء رمضان السنة الماضية، لا يجب عليه تعيين أنه من أي منهما، بل يكفيه نية الصوم قضاء (1). وكذا إذا كان عليه نذران كل واحد يوم أو أزيد. وكذا إذا كان عليه كفارتان غير مختلفتين في الآثار. (مسألة 9): إذا نذر صوم يوم خميس معين، ونذر } قلت: إنما يتم ذلك لو كان المملوك الصوم بما أنه من منافع الناذر الشخصية. أما لو كان المملوك العمل في ذمة الناذر، فهذا لا ينطبق على الصوم الخارجي إلا بالنية، فلا مانع من التصرف فيه بجعله لغير المنذور له. (1) هذا يتم لو لم يكن مايز بين القضاءين في الآثار، مثل التضييق والتوسعة، والكفارة وعدمها، وإلا كشف ذلك عن التمايز بالقيود، الموجب لاعتبار القصد، كما أشرنا إليه سابقا. وأما ما ربما يقال: من وجوب تعيين ما يقضى من الايام حتى ما كان لسنة واحدة، فينوي اليوم الاول أو الثاني، لتمايزهما بالخصوصيات، فيجب ملاحظتها في القضاء الملحوظ به البدلية. ففيه: أنه يتم لو فرض كون خصوصية اليوم الاول أو الثاني ملحوضة في موضوع التكليف بالاداء. لكنه خلاف ظاهر الدليل المتضمن لوجوب صوم شهر رمضان من حيث أنه شهر رمضان كما لا يخفى. ومن ذلك يظهر لك وجه عدم وجوب التعيين لو نذر صوم يوم إذا رزق ولد، وصوم يوم آخر إذا شفي المريض، فرزق ولدا، وشفي مريضه، لان عدم التمييز بينهما مانع من إمكان التعيين، فضلا عن وجوبه. كذا الحال في صورة تعدد الكفارات المتفقة، كما لو ترك صوم اليومين المندورين في الفرض المذكور.

[ 211 ]

{ صوم يوم معين من شهر معين، فاتفق في ذلك الخميس المعين يكفيه صومه (1)، ويسقط النذران. فان قصدهما أثيب عليهما (2) وإن قصد أحدهما أثيب عليه، وسقط عنه الآخر. (مسألة 10): إذا نذر صوم يوم معين، فاتفق ذلك اليوم في أيام البيض مثلا، فان قصد وفاء النذر وصوم أيام البيض أثيب عليهما، وإن قصد النذر فقط أثيب عليه فقط، وسقط الآخر. ولايجوز أن يقصد أيام البيض دون وفاء النذر (3). } (1) إن كان العنوان المأخوذ في كل من النذرين ملحوظا مرآة للزمان المعين، كان النذر الاول صحيحا، والثاني لغوا باطلا، ووجب عليه الصوم بقصد الوفاء وأداء ما في ذمته. وإن كان ملحوظا موضوعا لكونه موضوعا للاستحباب الشرعي، كما لو نذر صوم آخر خميس في ذي القعدة ويوم دحو الارض، فاتفقا يوما واحدا، صح النذران معا، ووجب قصدهما معا فلو قصد أحدهما دون الآخر وفى بأحدهما دون الآخر. وفي ثبوت الكفارة حينئذ إشكال، لاختصاص أدلتها بالحنث غير الصادق في المقام. إلا أن يقال: الحنث مجرد عدم موافقة النذر، وهو حاصل. (2) لما كان يعتبر في المنذور أن يكون راجحا، فالمقصود امتثاله وإطاعته بفعل المنذور هو الرجحان الثابت فيه مع قطع النظر عن الامر بالوفاء بالنذر. والثواب إنما يكون على إطاعة الامر الذاتي المذكور، لا الامر العرضي الناشئ من النذر، كما يظهر من العبارة. ومن ذلك يظهر لك الاشكال فيما يظهر من عبارته في المسألة الآتية. فتأمل جيدا. (3) لما تقدم: من وجوب قصد الوفاء في النذر.

[ 212 ]

{ (مسألة 11): إذا تعدد في يوم واحد جهات من الوجوب، أو جهات من الاستحباب، أو من الامرين، فقصد الجميع، أثيب على الجميع. وإن قصد البعض دون البعض أثيب على المنوي، وسقط الامر بالنسبة إلى البقية (1). (مسألة 12): آخر وقت النية في الواجب المعين - رمضانا كان أو غيره - عند طلوع الفجر الصادق (2). } (1) يعني: إذا كان مضيقا. للعجز المسقط للتكليف. (2) لوضوح كون الصوم من العبادات المعتبر وقوعها بتمامها عن نية الامتثال، فلو تأخرت النية عن طلوع الفجر - الذي هو أول وقته - يلزم وقوع بعضه بلا نية، فيبطل. لكن المحكي عن السيد (ره): جواز التأخير عمدا الى الزوال. بل ظاهر ابن الجنيد: جواز التأخير إلى ما قبل الغروب. وحينئذ يكون ذلك منهم خلافا في وجوب وقوع الصوم بتمامه عبادة. فان لم ينعقد الاجماع على خلافهم كان مقتضى الاصل جواز التأخير اختيارا. ولاسيما بملاحظة ما تقدم: من أن نية الصوم ليست مقومة لعباديته، لعدم اعتبار وقوعه على وجه العبادة، وإنما يعتبر وقوعه في حال كون المكلف عازما عن داعي الامر على الامساك على تقدير وجود المقتضي لاستعمال المفطر، فإذا لم يقم دليل على وجوب العزم في أوله - من إجماع أو غيره - فالمرجع أصل البراءة. لكن الانصاف أن ارتكاز عباديته عند المتشرعة مما يوهن الخلاف المذكور جدا، فلا مجال لرفع اليد عن الاجماع عليه ممن عداهما. بل الظاهر أن الوجه في خلافهما: النصوص الآتية في غير المعين وفي المندوب. ولاجل عدم شمول تلك النصوص للواجب المعين كان العمل على المشهور متعينا. وأما ما عن ابن أبي عقيل: من لزوم تقديمها من الليل. فلو سلم

[ 213 ]

{ ويجوز التقديم في أي جزء من أجزاء ليلة اليوم الذي يريد صومه (1). النسيان أو الجهل بكونه رمضان أو المعين } ظهوره في المخالفة، وامتنع حمله على ارادة وقوع الصوم عن نية، أو أنه من باب الاحتياط، أو لعدم القدرة على ايقاعها حدوثا في الجزء الاول من النهار، فلا دليل عليه إلا ما قد يظهر من النبوي المشهور: " لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل " (* 1) ونحوه خبران آخران. لكن يتعين حملها على ما ذكر، للاجماع على عدم اعتبار شئ في الصوم اكثر من كون عبادة. (1) كما هو المعروف، بل لعله إجماع. وما عن السيد (ره): من أن وقتها قبل الفجر غير ظاهر في المخالفة. مع أنه لو سلم كونه ظاهرا في التوقيت بآخر الليل، فلازمه الالتزام ببطلان صوم النائم قبل الفجر إذا كان قد نوى الصوم أول الليل، وهو كما ترى. نعم ظاهرهم: عدم الاكتفاء بايقاعها قبل الليل. وقد يشهد به النبوي المشهور المتقدم. لكن لا يبعد ظهور كون الحصر فيه إضافيا، أي بالاضافة إلى النهار. ويمكن أن يستدل له: بأنه القدر المتيقن في الخروج عن قاعدة اعتبار المقارنة للنية في العبادات. وفيه: أن قاعدة المقارنة إن تمت هنا لاتقبل التخصيص، فلابد من حمل الدليل الوارد على خلافها على إخراج المورد عن العبارة، فالمتعين الرجوع إلى الاصل، وهو يقتضي نفي التوقيت. لكن الذي يهون الخطب أن ذلك كله مبني على كون النية المعتبرة في العبادات الاخطار، أعني: الارادة التفصيلية. أما على ما هو التحقيق: من أنها عبارة عن الداعي - أعني: ما يعم الارادة الاجمالية الارتكازية - فلا تقديم


(* 1) مستدرك الوسائل باب: 2 من ابواب وجوب الصوم ونيته حديث: 1 وملحقه. وفي كنز العمال ج 4 صحفة 303 حديث: 6105 - 6109.

[ 214 ]

{ الآخر، يجوز متى تذكر إلى ما قبل الزوال (1) إذا لم يأت } ولا وقت لها إلا وقت العمل. (1) إجماعا، كما عن صريح الغنية، وظاهر المعتبر، والمنتهى، والتذكرة ويشهد له، ما ورد في المسافر إذا حضر قبل الزوال (* 1)، وحديث رفع النسيان وما لا يعلمون (* 2) والمرسل: " إن ليلة الشك أصبح الناس، فجاء اعرابي فشهد برؤية الهلال، فأمر صلى الله عليه وآله مناديا ينادي: من لم يأكل فليصم، ومن أكل فليسمك " (* 3). مورده وان كان الجهل، إلا أنه تمكن دعوى ظهوره في مطلق العذر. والجميع لا يخلو من خدش، إذ التعدي عما ورد في المسافر يتوقف على إحراز المناط، وهو غير حاصل. وحديث الرفع لا يصلح لتصحيح الناقص، ولعدم لزوم التدارك. ولاسيما فيما كان شرطا للاطاعة. فتأمل. والمرسل - منع ضعفه بالارسال، وكونه عاميا، وتضمنه قبول شهادة الواحد في الهلال، ولاسيما من كان من الاعراب. فتأمل - مختص بالجاهل، وبشهر رمضان، فالتعدي منهما إلى النسيان والصوم المعين غير ظاهر. مع أنه لا يدل على بقاء الوقت إلى الزوال. فالعمدة إذا: الاجماع. ولا يقدح فيه خلاف العماني، حيث ألحق الناسي بالعامد في البطلان، لكثرة تفرده في مخالفة الاصحاب. مع عدم ثبوت خلافه في المقام، كما قيل. ثم إن ظاهر غير واحد: اختصاص الاجماع بالمعين، من دون فرق بين رمضان، والنذر المعين، والمطلق المضيق، والقضاء المضيق. كما


(* 1) الوسائل باب: 6 من ابواب من يصح الصوم منه. (* 2) الوسائل باب: 56 من ابواب جهاد النفس (* 3) لاحظ المعتبر مسألة، وقت النية في الصوم. وقريب منه حديث عكرمة عن ابن عباس، كما في المبسوط للسر خسي ج 3 صحفة 62.

[ 215 ]

{ بمفطر، و أجزأه عن ذلك اليوم، ولا يجزؤه إذا تذكر بعد الزوال (1). وأما في الواجب غير المعين فيمتد وقتها اختيارا من أول الليل إلى الزوال (2)، } أنه لافرق في العذر بين الجهل والنسيان للموضوع والحكم. وأما احتمال الرجوع في المعين إلى بعض النصوص الآتية في غير المعين، بدعوى عمومه للمعين. فضعيف - كما عرفت - لقصوره عن شمول المعين جزما، كما يظهر من التعبير في السؤال والجواب فيها. فانتظر. (1) والعمدة فيه: الاجماع المدعى: مضافا إلى أنه مقتضى أصالة العبادية في الصوم، المقتصر في الخروج عنها على ما قبل الزوال، كما عرفت. وأما النصوص الآتية المفصلة بين ما قبل الزوال ومابعده، فعلى تقدير وجوب الاخذ بظاهرها، قد عرفت اختصاصها بغير المعين، ولا تشمل المقام. (2) بلا خلاف معتد به، وعن المدارك: انه مما قطع به الاصحاب. ففي صحيح ابن الجحاج عن أبي الحسن (ع): " في الرجل يبدو له - بعدما يصبح ويرتفع النهار - في صوم ذلك اليوم ليقضيه من شهر رمضان ولم يكن نوى ذلك من الليل. قال (ع): نعم، ليصمه، وليعتد به إذا لم يكن أحدث شيئا " (* 1). وفي مصحح الحلبي عن أبي عبد الله (ع) " إن رجلا أراد أن يصوم ارتفاع النهار أيصوم؟ فقال (ع): نعم " (* 2) وفي خبر صالح بن عبد الله عن أبي إبراهيم (ع): " رجل جعل لله تعالى عليه الصيام شهرا، فيصبح وهو ينوي الصوم، ثم يبدو له فيفطر ويصبح وهو لا ينوي الصوم فيبدو له فيصوم. فقال: هذا كله جائز " (* 3). وخبر محمد بن قيس


(* 1) الوسائل باب: 2 من ابواب وجوب الصوم ونيته حديث: 2. (* 2) الوسائل باب: 2 من ابواب وجوب الصوم ونيته حديث: 1. (* 3) الوسائل باب: 2 من ابواب وجوب الصوم ونيته حديث: 4.

[ 216 ]

{ دون ما بعده على الاصح (1). ولافرق في ذلك بين سبق } عن أبي جعفر (ع). " قال علي (ع): إذا لم يفرض الرجل على نفسه صياما، ثم ذكر الصيام قبل أن يطعم طعاما، أو يشرب شرابا ولم يفطر فهو بالخيار إن شاء صام وإن شاء أفطر " (* 1). وموثق عمار عن أبي عبد الله (ع): " عن الرجل يكون عليه من أيام شهر رمضان، ويريد أن يقضيها، متى ينوي الصيام؟ قال (ع): هو بالخيار إلى أن تزول الشمس، فإذا زالت الشمس، فان كان نوى الصوم فليصم، وإن كان نوى الافطار فليفطر. سئل: فان كان نوى الافطار يستقيم أن ينوي الصوم بعد ما زالت الشمس؟ قال (ع): لا " (* 2). واختصاص البعض بقضاء شهر رمضان أو النذر، لا يقدح في عموم الحكم لغيرهما من أفراد غير المعين، للاجماع على عدم الفصل. مضافا إلى إطلاق البعض الآخر. كما أن إطلاقها يقتضي عدم الفرق بين تضيق الوقت وعدمه، فالتعيين بضيق الوقت بمنزلة عدمه. (1) للموثق المتقدم، بضميمة عدم القول بالفصل. وعن ظاهر ابن الجنيد: جواز تجديد النية بعده. ويشهد له - مضافا إلى إطلاق بعض النصوص المتقدمة -: صحيح ابن الحجاج عن أبي الحسن (ع): " عن الرجل يصبح ولم يطعم، ولم يشرب، ولم ينو صوما، وكان عليه يوم من شهر رمضان، أله أن يصوم ذلك وقد ذهب عامة النهار؟ فقال (ع): نعم له أن يصومه ويعتد به من شهر رمضان " (* 3)، ومرسل البزنطي عمن ذكره عن أبي عبد الله (ع): " الرجل يكون عليه القضاء من شهر


(* 1) الوسائل باب: 2 من ابواب وجوب الصوم ونيته حديث: 5. (* 2) الوسائل باب: 2 من ابواب وجوب الصوم ونيته حديث: 10. (* 3) الوسائل باب: 2 من ابواب وجوب الصوم ونيته حديث: 6.

[ 217 ]

{ التردد، أو العزم على العدم (1). وأما في المندوب فيمتد إلى أن يبقى من الغروب زمان يمكن تجديدها فيه على الاقوى (2). } رمضان، ويصبح فلا يأكل إلى العصر، أيجوز أن يجعله قضاء من شهر رمضان؟ قال (ع): نعم " (* 1)، وصحيح هشام بن سالم عن أبي عبد الله (ع): " قلت له الرجل يصبح ولا ينوي الصوم، فإذا تعالى النهار وحدث له رأي في الصوم، فقال (ع): إن هو نوى الصوم قبل أن تزول الشمس حسب له يومه، وإن نواه بعد الزوال حسب له من الوقت الذي نوى " (* 2). هذا ولاريب أن مقتضى الجمع بينها وبين الموثق حمله على استحباب الافطار واستئناف القضاء، كما يومئ إليه الصحيح الاخير. لكن لا مجال له بعد إعراض المشهور عنها، بل ظاهر السيد (ره): الاجماع على خلافها. فيتعين العمل بظاهره، مع اعتضاده باطلاق خبر ابن بكير الآتي. (1) كما صرح به في بعضها. (2) كما عن الصدوق في الفقيه، والشيخ، والاسكافي، وابني زهرة وحمزة، والحلي، والمنتهى، والتحرير، والمختلف، والدروس، والروضة وعن الانتصار والسرائر: الاجماع عليه. لموثق أبي بصير: " عن الصائم المتطوع تعرض له الحاجة. قال (ع): هو بالخيار ما بينه وبين العصر. وإن مكث حتى العصر، ثم بدا له أن يصوم، فان لم يكن نوى ذلك فله أن يصوم ذلك اليوم إن شاء " (* 3)، وإطلاق صحيح هشام بن سالم عن أبي عبد الله (ع): " كان أمير المؤمنين (ع) يدخل إلى أهله فيقول:


(* 1) الوسائل باب: 2 من ابواب وجوب الصوم ونيته حديث: 9. (* 2) الوسائل باب: 2 من ابواب وجوب الصوم ونيته حديث 8. (* 3) الوسائل باب: 3 من ابواب وجوب الصوم ونيته حديث: 1.

[ 218 ]

{ (مسألة 13): لو نوى الصوم ليلا، ثم نوى الافطار ثم بدا له الصوم قبل الزوال فنوى وصام قبل أن يأتي بمفطر صح على الاقوى (1)، إلا أن يفسد صومه برياء ونحوه، } عندكم شئ وإلا صمت، فان كان عندهم شئ أتوا به. وإلا صام " (* 1) وإطلاق خبر محمد بن قيس المتقدم (* 2) وغيره. وعن جماعة: العدم. وعن الذخيرة: نسبته إلى الاكثر وعن المسالك والمدارك: أنه المشهور. للاصل، وخبر ابن بكير: " عن رجل طلعت عليه الشمس وهو جنب، ثم أراد الصيام بعدما اغتسل، ومضى ما مضى من النهار قال (ع): يصوم إن شاء. وهو بالخيار إلى نصف النهار " (* 3). لكن الخبر لا يصلح لمعارضة ما سبق، لامكان حمله على خصوص الصوم الواجب أو على الفضل، حسبما يقتضيه الجمع العرفي بينها. (1) كما هو المشهور، كما عن المدارك والحدائق. إذ احتمال قدح نية الافطار من حيث هي مما يقطع بخلافه. بل ينفيه: مادل على حصر النواقض في غيرها، فلم يبق إلا احتمال البطلان من جهة منافاته لنية الصوم فإذا تمت دلالة النصوص السابقة على عدم اعتبار النية قبل الزوال كان الاحتمال المذكور ساقطا أيضا. ومنه يظهر: أنه لا حاجة إلى الاستدلال على الصحة: بأن المعتبر في صحة الصوم النية عند انعقاده لا استمرارها. مع أنه غير ظاهر، لمخالفته لمرتكزات المتشرعة في عامة العبادات. وأيضا يشكل: بأنه إن تم الدليل على اعتبارها في انعقاده فلا يبعد امكان إثبات اعتبار استمرارها بالاستصحاب.


(* 1) الوسائل باب: 2 من ابواب وجوب الصوم ونيته حديث: 7. (* 2) تقدم ذلك قريبا. (* 3) الوسائل باب: 20 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 3.

[ 219 ]

{ فانه لا يجزؤه لو أراد التجديد قبل الزوال على الاحوط (1). } مع أن بعض الادلة المستدل بها على الاعتبار لافرق فيها بين الاول ومابعده. فلاحظ. وعن الحلبي، والارشاد، وشرحه للفخر، والشهيد في الدروس والبيان، وحاشية القواعد - وكذا عن المسالك وغيرها -: البطلان، واختاره في الجواهر. لانه مع فوات النية يبطل الصوم في ذلك الزمان، فيبطل بتمامه: لانه لا يتبعض. وضعفه ظاهر مما مر. نعم يتم ذلك في الواجب المعين الذي لا يجوز ترك النية فيه اختيارا، وكذا في غير المعين بعد الزوال، كما هو ظاهر. هذا ولكن المحكي عن المختلف: أنه لا فرق في قدح نية الافطار وعدمه بين ما قبل الزوال ومابعده. وهو غير ظاهر بناء على ما عرفت من وجه القول بالصحة. نعم بناء على أن الوجه فيها عدم اعتبار النية إلا في انعقاد الصوم - كما يقتضيه الاقتصار على النبوي المتقدم (* 1) - كان لما ذكره الوجه. (1) لاحتمال ظهور نصوص حرمة الرياء في كونه مبطلا له، لا من جهة منافاته للتقرب المعتبر في العبادة. كي يتوجه القول بالصحة في المقام - كما عن بعض - لعدم اعتبار التقرب بالامساك الخارجي، كما عرفت. بل لانه إذا كان الفعل المأتي به رياء مبعدا امتنع أن يكون مقربا. ولا ينافيه ما سبق: من عدم كون عبادية الصوم فعلية، لان ذلك بالاضافة إلى العبادية العقلية، لا بالاضافة الى الادلة الشرعية، المتضمنة لترتب الثواب عليه، وأنه جنة من النار. فلاحظ.


(* 1) راجع اول المسألة: 12 من هذا الفصل.

[ 220 ]

{ (مسألة 14): إذ نوى الصوم ليلا لا يضره الاتيان بالمفطر بعده قبل الفجر (1)، مع بقاء العزم على الصوم. (مسألة 15): يجوز في شهر رمضان أن ينوي لكل يوم نية على حدة (2). والاولى: أن ينوي صوم الشهر جملة ويجدد النية لكل يوم (3). ويقوى الاجتزاء بنية واحدة للشهر كله (4). لكن لا ويترك الاحتياط بتجديدها لكل يوم. وأما في غير شهر رمضان من الصوم المعين فلابد من نيته لكل } (1) لعدم منافاته للنية، ولا للمنوي. وعن البيان: الجزم بعدم جواز التناول، والتردد في جواز ما يبطل الغسل. وهو - كما ترى - دعوى خالية عن الدليل، كما عن المدارك. أو على خلافها الدليل، كما في الجواهر. (2) كما هو ظاهر الاصحاب. وعن المنتهى: الاجماع عليه. لكن عن الشهيد الثاني أنه استشكل فيه، بناء على عدم جواز تفريق النية على أجزاء العبادة الواحدة. وفيه: أنه لا مجال لاحتمال ذلك، لتعدد الثواب والعقاب، والكفارة، وإمكان التفكيك بين الايام في الطاعة والمعصية، فان ذلك كله من لوازم تعدد العبادة. (3) جمعا بين ما ذكرنا وما ذكره الشهيد. (4) إجماعا، كما عن السيدين، والشيخ في الخلاف. واستدل له: بأن صوم الشهر كله عبادة واحدة. لكن عرفت ما فيه، فان تم إجماع، وإلا كفى في جواز ذلك أصالة البراءة من لزوم إيقاعها لكن يوم في ليلته ولاجله يظهر ضعف ماعن المختلف، وجامع المقاصد وغيرهما - بل عن الحدائق: نسبته إلى المشهور بين المتأخرين -: من وجوب ذلك. نعم قد

[ 221 ]

{ يوم (1) إذا كان عليه أيام، كشهر أو أقل أو اكثر. (مسألة 16): يوم الشك في أمن شعبان أو رمضان يبني على أنه من شعبان، فلا يجب صومه (2). وإن صام ينويه ندبا (3)، } يقتضيه ظاهر النبوي المتقدم، المتضمن وجوب تبييت النية (* 1). لكنه - على تقدير حجيته، وعدم قدح تخصيص الاكثر فيه، لخروج غير الواجب المعين، بل الواجب المعين في غير العمد، ولا إعراض القدماء عنه - قد عرفت أنه لا يبعد حمله على عدم جواز انعقاده بلا نية. ثم إن هذا الخلاف جار على ما هو المشهور من كون النية الاخطار. أما بناء على أنها الداعي فلا مجال للخلاف المذكور، لانه إن تحقق الداعي حال الصوم صح وإن حدث قبل أشهر، وإن لم يتحقق لم يجد الاخطار في الليل، فضلا عن أول الشهر. (1) وفي الجواهر: " بلا خلاف أجده، بل في الدروس: الاجماع عليه ". أقول: عرفت المراد بالنية. وعليه فلا فرق بين رمضان وغيره إلا أن يكون إجماع على الفرق المذكور. (2) بلا خلاف ولا اشكال. ويكفي فيه الاصل. مع استفاضة النصوص بذلك، بل دلالة بعضها على المنع عن صومه. (3) فان الظاهر أنه لا إشكال في مشروعية صومه في الجملة، بل عن صريح جماعة وظاهر الآخرين: الاجماع عليه وتدل عليه النصوص الكثيرة، المتضمنة أنه يصام على أنه من شعبان، ففي موثق سماعة: " قلت لابي عبد الله (ع)... إلى أن قال (ع): إنما يصام يوم الشك


(* 1) راجع أول المسألة: 12 من هذا الفصل.

[ 222 ]

{ أو قضاء (1)، أو غيرهما. ولو بان بعد ذلك أنه من رمضان أجزأ عنه (2)، } من شعبان، ولا يصومه من شهر رمضان " (* 1). وأما ما تضمن النهي عن صومه، كخبر الاعشى عن الصادق (ع): " نهى رسول الله صلى الله عليه وآله عن صوم ستة أيام: العيدين، والتشريق، والذي يشك فيه من رمضان... " (* 2) - ونحوه غيره - فمحمول على صيامه على أنه من شهر رمضان، جمعا بينه وبين مثل موثق سماعة. وربما حمل على الكراهة، كما عن المفيد. وهو غير ظاهر بعد تضمن النصوص الامر بصومه على أنه من شعبان. نعم لا يبعد ذلك في خبر عبد الكريم بن عمرو. قال: " قلت لابي عبد الله (ع): إني جعلت على نفسي أن أصوم حتى يقوم القائم، فقال (ع): لاتصم في السفر، ولا العيدين، ولا أيام التشريق، ولا اليوم الذي يشك فيه " (* 3). لكن يتعين تخصيصه بمورده لا غير. (1) لاطلاق نصوصه، إذ صومه على أنه من شعبان كما يمكن أن يكون بنية الندب يمكن أن يكون بنية القضاء. اللهم إلا أن يدعى: أن المنصرف من صومه على أنه من شعبان صومه بنية صوم شعبان المندوب لا غير. لكنه ليس بنحو يعتد به. مع أنه يمكن التعدي عن مورده في نظر العرف. نعم لو لم يتم هذا فالوجه في جواز الجميع - مضافا إلى ظهور الاتفاق -: إطلاق أدلة مشروعيتها. (2) إجماعا مستفيض النقل أو متواترا، كالنصوص. بل في كثير


(* 1) الوسائل باب: 5 من أبواب وجوب الصوم ونيته حديث: 4. (* 2) الوسائل باب: 6 من ابواب وجوب الصوم ونيته حديث: 2. (* 3) الوسائل باب: 6 من ابواب وجوب الصوم ونيته حديث: 3.

[ 223 ]

{ ووجب عليه تجديد النية إن بان في أثناء النهار (1)، ولو كان بعد الزوال. ولو صامه بنية أنه من رمضان لم يصح وإن صادف الواقع (2). } منها: أنه يوم وفق له، وأنه يجزئ بما وسع الله تعالى على عباده، ونحو ذلك (* 1). ثم إن تم وفاء نصوص يوم الشك بمشروعية كل صوم تمت دلالتها أيضا على الاجزاء، وإن لم يتم كما أشرنا إليه - فالحاق غير صوم شعبان به في الاجتزاء محتاج إلى دعوى الاجماع على عدم الفصل، أو دعوى الاولوية. وأما التعليل في رواية الزهري: بأن الفرض وقع على اليوم بعينه، فمقتضاه الاجزاء ولو مع العلم، مع أنه فيها قد نفى الاجزاء معه، كما أشرنا الى ذلك آنفا. (1) لقصور النصوص عن صورة الانكشاف في الاثناء، فالحاقها إنما كان بالاجماع، أو الاولوية، والمتيقن منهما صورة التجديد. ومنه يظهر ضعف ما في الجواهر: من عدم وجوب التجديد. ومن أن إطلاق النص والفتوى يقتضي الاجتزاء ولو مع عدم تجديد النية. نعم قد يوهم تعليل الاجزاء في رواية الزهري الاجتزاء مطلقا. لكنه ينافيه الحكم بعدم الاجزاء في صورة العلم، كما سبق. (2) كما هو المشهور، كما في الجواهر. للاخبار المتضمن بعضها للنهي عن صومه كذلك، الظاهر في الحرمة التكليفية المتقتضية للبطلان، مثل موثق سماعة المتقدم (* 2) - ونحوه روايتا الزهري (* 3) - والمصرح بعضها بلزوم


(* 1) الوسائل باب: 5 من أبواب وجوب الصوم ونيته. (* 2) تقدم ذلك قريبا. (* 3) الوسائل باب: 5 من ابواب وجوب الصوم ونيته حديث: 8، وباب: 6 من ابواب وجوب الصوم ونيته حديث: 4.

[ 224 ]

{ (مسألة 17): صوم يوم الشك يتصور على وجوه: الاول: أن يصوم على أنه من شعبان. وهذا لا إشكال فيه، } قضائه، كصحيح هشام بن سالم عن أبي عبد الله (ع): " قال (ع) في يوم الشك: من صامه قضاه وإن كان كذلك - يعني: من صامه على أنه من شهر رمضان قضاه وإن كان من شهر رمضان - لان السنة جاءت في صيامه على أنه من شعبان، ومن خالفها كان عليه القضاء " (* 1). واحتمال أن قوله " يعني... " من كلام الشيخ أو بعض الرواة لا يقدح في الاستدلال به، لان ما قبله كاف في الدلالة، لان قوله (ع): " وإن كان كذلك " إنما يصح إذا أريد أن صيامه كان بنية رمضان، إذ لو أريد غيره لم يكن لقوله (ع): " وإن كان كذلك " معنى. فتأمل. نعم لايتم ذلك في صحيح ابن مسلم عن أبي جعفر (ع): " في الرجل يصوم اليوم الذي يشك فيه من رمضان. فقال (ع): عليه قضاؤه وإن كان كذلك " (* 2)، بناء على أن قوله: " من رمضان " متعلق بقوله: " يشك " لا بقوله: " يصوم ". لكن لابد حينئذ من حمله - كغيره من المطلقات - على ما ذكر، جمعا كما أشرنا إليه سابقا. هذا وعن الشيخ في البيان، والعماني، والاسكافي: إجزاؤه عن رمضان. وعن الشيخ: الاستدلال له باجماع الفرقة وأخبارهم على أنه من صام يوم الشك أجزأه عن صيام شهر رمضان. (انتهى). وهو كما ترى. إذ الاجماع معلوم الانتفاء. والنصوص قد عرفت مفادها. نعم في موثق سماعة: " قال سألته عن اليوم الذي يشك فيه من شهر رمضان، لا يدري أهو من شعبان أو من شهر رمضان، فصامه فكان من شهر رمضان. قال (ع):


(* 1) الوسائل باب: 6 من ابواب وجوب الصوم ونيته حديث: 5. (* 2) الوسائل باب: 6 من ابواب وجوب الصوم ونيته حديث: 1.

[ 225 ]

{ سواء نواه ندبا، أو بنية ما عليه من القضاء أو النذر، أو نحو ذلك. ولو انكشف بعد ذلك أنه كان من رمضان أجزأ عنه، وحسب كذلك. الثاني: أن يصومه بنية أنه من رمضان. والاقوى بطلانه وإن صادف الواقع. الثالث: أن يصومه على أنه إن كان من شعبان كان ندبا أو قضاء مثلا، وإن كان من رمضان كان واجبا. والاقوى بطلانه أيضا (1). } هو يوم وفق له ولاقضاء عليه " (* 1) ومصحح معاوية بن وهب قال: " قلت لابي عبد الله (ع): الرجل يصوم اليوم الذي يشك فيه من شهر رمضان، فيكون كذلك، فقال (ع): هو شئ وفق له " (* 2). لكن عن الكافي رواية الاول هكذا: " فصامه، فكان من شهر... ". وهو - مع أنه أضبط - يتعين الاعتماد عليه في المقام، لعدم مناسبته للذيل على رواية الشيخ (* 3). وأما المصحح فان لم يكن الظاهر متعلق " من شهر رمضان " ب‍ " يشك " لانه أقرب، يتعين الحمل عليه، جمعا. مع أنه لو فرض تعذر الجمع بذلك، تعين الطرح، لاعراض المشهور. ولشهرة الرواية الدالة على البطلان. (1) كما عن الشيخ (ره) في جملة من كتبه، والحلي، والمحقق، وصاحب المدارك، وأكثر المتأخرين، بل عن التذكرة: " لو نوى أنه يصوم عن


(* 1) الوسائل باب: 5 من ابواب وجوب الصوم ونيته حديث: 6. (* 2) الوسائل باب: 5 من ابواب وجوب الصوم ونيته حديث: 5. (* 3) في رواية الشيخ (ره): " فصامه من شهر رمضان... " لاحظ التهذيب ج 4 ص 181 طبع النجف، الاستبصار ج 2 صفحة 78 طبع النجف الاشرف.

[ 226 ]

رمضان أو نافلة، لم يجز إجماعا ". لانه لم ينو أحد السببين قطعا، والنية فاصلة بين الوجهين، كما عن الشيخ. أو لما يستفاد من النصوص: من تعين نيته من شعبان، فنيته على خلاف ذلك تشريع محرم، فلا يتحقق به الامتثال، كما عن المدارك، أو لان حقيقة صوم رمضان غير حقيقة غيره كما يكشف عن ذلك اختلاف أحكامهما، فإذا لم تعين حقيقة أحدهما فالنية - التي حقيقتها استحضار حقيقة الفعل المأمور به - لم يقع عن أحدهما، كما ذكر شيخنا الاعظم (ره). لكن الجميع لا يخلو من إشكال: أما الاول: فلان الواقع لما لم يخل عن أحد التقديرين، فنية كل على تقدير بعينه ترجع إلى نية كونه من شعبان لاغير إذا انكشف أنه من شعبان أو من رمضان لاغير إذا انكشف أنه من رمضان، فالفاصل بين الوجهين محقق حينئذ. نعم لاجزم بالمنوي حال النية، إلا أنه لادليل على قدحه في العبادة حتى مع إمكان الموافقة التفصيلية الظاهرية، كما هو محقق في الاصول، وأشرنا إلى وجهه في أوائل مسائل التقليد من هذا الشرح. وأما الثاني: فلان الظاهر من الحصر في بعض النصوص كونه ظاهريا إضافيا بلحاظ نيته من رمضان، فلا يمنع من العمل على الواقع، فالمرجع في الفرض لابد أن يكون القواعد الاولية، المقتضية للصحة، وتشير إليها بعض النصوص، كحسن بشير النبال عن أبي عبد الله (ع): " سألته عن صوم يوم الشك. فقال (ع): صمه فان يك من شعبان كان تطوعا، وإن يك من شهر رمضان فيوم وفقت له " (* 1). وفي حسن الكاهلي: " قال سألت أبا عبد الله (ع) عن اليوم الذي يشك فيه من شعبان. قال (ع): لان أصوم يوما من شعبان أحب إلي من أفطر يوما من


(* 1) الوسائل باب: 5 من ابواب الصوم ونيته حديث: 3.

[ 227 ]

{ الرابع: أن يصومه بنية القربة المطلقة، بقصد ما في الذمة، وكان في ذهنه أنه إما من رضمان أو غيره، بأن يكون الترديد في المنوي لافي نيته، فالاقوى صحته (1). وإن كان الاحوط خلافه. } شهر رمضان " (* 1). ونحوه خبر الزهري (* 2). وأما الثالث: فيظهر اندفاعه مما ذكر في الاشكال في الاول، لرجوعه إليه. ومن هنا يظهر: أن الاقوى الصحة، كما عن الخلاف، والمبسوط. والوسيلة، والمتخلف، والدروس، وظاهر البيان وغيرها. (1) لتحقق النية إلى الصوم المشروع واقعا عن أمره، وإنما التردد في عنوانه. أقوال: لم يتضح الفرق بين هذه الصورة وما قبلها، إذ المراد من القربة المطلقة إن كان هو الجامع بين الامر بصوم شعبان والامر بصوم رمضان، فنيتها غير كافية، لاعتبار ملاحظة الخصوصيات في الامر والمأمور به في باب العبادات، لتوقف الاطاعة عليها. وإن كان المراد الامر الخاص وموضوعه الخاص بواقعهما، مع التردد في خصوصياتهما في نظر المكلف، بأن يقصد المكلف الصوم الخاص عن أمره الذي هو إما رمضان وجوبا أو شعبان ندبا، رجع إلى الصورة السابقة بعينها. فلا وجه للفرق بينهما في


(* 1) الوسائل باب: 5 من ابواب وجوب الصوم ونيته حديث: 1. (* 2) لم نعثر على رواية الزهري بمضمون حسن الكاهلي الراجع الى اهمال كيفية النية لينفع فيما نحن فيه وانما الذي عثرنا عليه روايتين له، إحدهما: ظاهرة في صوم يوم الشك تطوعا، وهي التي رواها في الوسائل باب: 5 من أبواب وجوب الصوم ونيته حديث: 8. والاخرى ظاهرة في صومه بعنوان شعبان، والنهي عن صومه بنية رمضان، وهي المروية في الوسائل باب: 6 من ابواب وجوب الصوم ونيته حديث: 4.

[ 228 ]

{ (مسألة 18): لو أصبح يوم الشك بنية الافطار، ثم بان له أنه من الشهر. فان تناول المفطر وجب عليه القضاء، وأمسك بقية النهار وجوبا (1) تأدبا. وكذا لو لم يتناوله ولكن كان بعد الزوال (2). وإن كان قبل الزوال ولم يتناول المفطر، } الصحة والبطلان، كما يظهر باقل تأمل. وأما ما قد يظهر من المتن: من كون السابقة من الترديد في النية، واللاحقة من الترديد في المنوي، فلا يرجع إلى محصل ظاهر، وإن ذكره في نجاة العباد أيضا. إذ الترديد في النية في مقابل الجزم بها، وليس هنا كذلك، للجزم بنية الصوم على كل تقدير. نعم لو نوى صومه من رمضان إن كان كذلك، ولم ينو صومه من شعبان، كان ترديدا في النية. ومع ذلك فلا دليل أيضا على قدح مثله، كالترديد في المنوي. إلا إذا كان موجبا لابهامه وعدم تعينه واقعا، كما لو قصد أن يصوم يوم الشك إما من شعبان أو رمضان، بلا تعليق على تقدير معين واقعا. لكنه خارج عن الصورتين معا. كما أنه مما ذكرنا يظهر لك ضعف ما يظهر من إطلاق بعض الفتاوى: من البطلان أيضا في الفرض. فتأمل جيدا. (1) إجماعا، كما عن الخلاف. بل عن المنتهى، والذكرى: " لا نعلم أحدا قال بأنه يأكل بقية يومه، إلا عطا وأحمد في رواية ". ويشهد به: النبوي الوارد في ثبوت الهلال يوم الشك: " من أكل فليمسك " (* 1). ولعل هذا المقدار كاف في إثبات الوجود المذكور، ولاسيما بملاحظة ما ورد في حرمة استعمال المفطر ممن وظيفته الصوم. وأيضا الظاهر أن حكمه في الكفارة حكم من استعمل المفطر بعد الافطار، كما سيأتي. (2) لما عرفت من انتهاء وقت النية في مثله بالزوال.


(* 1) تقدم ذلك في المسألة: 12 من هذا الفصل.

[ 229 ]

{ جدد النية وأجزأ عنه (1). (مسألة 19): لو صام يوم الشك بنية أنه من شعبان - ندبا أو قضاء أو نحوهما - ثم تناول المفطر نسيانا، وتبين بعده أنه من رمضان، أجزأ عنه أيضا، ولا يضره تناول المفطر نسيانا (2)، كما لو لم يتبين، وكما لو تناول المفطر نسيانا بعد التبين. (مسألة 20): لو صام بنية شعبان ثم أفسد صومه - برياء ونحوه - لم يجزه عن رمضان (3) وإن تبين له كونه منه قبل الزوال. (مسألة 21): إذا صام يوم الشك بنية شعبان، ثم نوى الافطار، وتبين كونه من رمضان قبل الزوال قبل أن يفطر، فنوى صح صومه (4). وأما إن نوى الافطار في يوم من شهر رمضان عصيانا، ثم تاب فجدد النية قبل الزوال لم ينعقد صومه (5). وكذا لو صام يوم الشك بقصد واجب معين، ثم نوى الافطار عصيانا. ثم تاب فجدد النية، بعد تبين كونه من رمضان، قبل الزوال (6). } (1) كما تقدم في المسألة الثانية عشرة. (2) لما سيأتي: من عدم قدح ذلك في الصوم. (3) لبطلانه بالرياء المفسد، كما أشرنا إلى ذلك في المسألة الثالثة عشرة (4) كما لو لم يكن قد نوى الصوم أصلا. (5) لفوات النية عمدا، الموجب للبطلان في الواجب المعين، على ما سبق. (6) يمكن القول بالصحة، لان نية الافطار إنما كانت تجريا محضا،

[ 230 ]

{ مسألة 22): لو نوى القطع أو القاطع في الصوم الواجب المعين بطل صومه (1)، سواء نواهما محينه، أو } لعدم صحة الصوم الذي نواه من أول الامر، لما تقدم: من أنه لا يصح في رمضان غيره. فإذا جدد النية بعد تبين أن اليوم من رمضان، يكون كما لو أصبح بنية الافطار ثم تبين قبل الزوال كون اليوم من رمضان، الذي تقدم في المسألة الثامنة: أنه يجدد النية بعد التبين قبل الزوال، ويصح صومه. ومجرد نيته للصوم المعين - الذي لا يصح واقعا - لا يصلح فارقا بين المسألتين. (1) ينبغي أن يكون حكم نية القطع - وهو رفع اليد عما تلبس به من الصوم - ونية القاطع - وهو فعل أحد المفطرات الآتية - حكم نية الافطار، فإذا تم الدليل على اعتبار النية من طلوع الفجر الى الغروب في صحة الصوم كانت نية القطع أو القاطع منافية لها، فيبطل الصوم لفوات شرطه. وإن لم يتم الدليل على ذلك فلا موجب للبطلان بحدوث نية القطع أو القاطع، ولافرق في ذلك بين المنوي الحالي والاستقبالي. ودعوى: أن نية الثاني غير منافية لنية الصوم فعلا، فلا موجب للبطلان. مندفعة: بأنهما إنما لا ينافيان نية الصوم إلى زمان القطع أو القاطع المنويين، لانية الصوم المأخوذ موضوعا للحكم الشرعي، الذي هو الامساك إلى الغروب، إذ من الواضح منافاتها لها، لتنافي متعلقهما. والمعتبر من النية - في الصوم وغيره من العبادات - هي الثانية، فإذا انتفت بطل الصوم. نعم قد يظهر من التعبير بنية المفطر أو القاطع: استناد الافطار إلى فعل المفطر أو القاطع، لا إلى النية. وبناء على ما ذكرنا يستند إلى النية، إذ قد لا يتحقق استعمال المفطر بعد ذلك، ولو تحقق استند الافطار إلى أسبق العلل. لكن لا يخفى: أن التعبير المذكور بلحاظ أصل ماهية الصوم

[ 231 ]

{ فيما يأتي. وكذا لو تردد (1). نعم لو كان تردده من جهة الشك في بطلان صومه وعدمه لعروض عارض، لم يبطل (2) وإن استمر ذلك إلى أن يسأل. ولا فرق في البطلان بنية القطع أو القاطع أو التردد بين أن يرجع إلى نية الصوم قبل الزوال أم لا (3). وأما في غير الواجب المعين فيصح لو رجع قبل الزوال (4). (مسألة 23): لا يجب معرفة كون الصوم هو ترك } فان المنافي للماهية استعمال نفس المفطر، أما فوات النية فانما ينافي الماهية الصحيحة، لانها بحكم الشرط، لا أصل الماهية، لخروجها عن حقيقته، حقيقة وحكما، كما عرفت. هذا وقد عرفت في كتاب الصلاة: أن نية الزيادة أو النقيصة قد لا تنافي نية الامر والمأمور به إذا كان التشريع في التطبيق. وفي المقام يكون الامر كذلك، وقد يكون من نية غير المأمور به. ثم إن نية المفطر إنما تكون منافية لنية الصوم مع الالتفات إلى مفطريته أما إذا لم يكن ذلك فلا تكون منافية لها. (1) فان التردد مضاد للنية، كنية القطع، فيجري عليه حكمها. نعم إذا كان التردد على نحو لا ينافي قصد الصوم ولو رجاء لم يبطل. (2) كما نص عليه جماعة. لان التردد المذكور راجع إلى النية الصوم على تقدير صحته، وهو كاف في نية العبادة، كما في الصوم الاحتياطي. (3) لما عرفت: من اعتبار النية من طلوع الفجر إلى الغروب في الواجب المعين. (4) لعدم اعتبار النية فيه قبل الزوال، على ما سبق الكلام فيه.

[ 232 ]

{ المفطرات مع النية، أو كف النفس عنها معها (1). (مسألة 24): لا يجوز العدول من صوم إلى صوم (2) واجبين كانا أو مستحبين، أو مختلفين. وتجديد نية رمضان إذا صام يوم الشك بنية شعبان ليس من باب العدول، بل } (1) هذا إذا كان قد قصده مطلقا، لتحقق الموافقة القطعية على نحو العبادة. نعم لو اعتبرت الموافقة التفصيلية في صحة العبادة - كما لعله المشهور. ولاجله بني على بطلان عبادة تارك طريقي الاجتهاد والتقليد وإن طابقت الواقع - كانت معرفة معنى الصوم منهما لازمة. إلا أن التحقيق: عدم اعتبارها، كما أشرنا إليه في مسائل التقليد من هذا الشرح. (2) فانه على خلاف الاصل. ومجرد ثبوته بالدليل في الصلاة أو غيرها غير كاف في إثباته مطلقا، بل اللازم الاقتصار على المقدار الثابت لاغير، والرجوع في غيره الى أصالة عدم صحة المعدول إليه. نعم يختص ذلك بما بعد زمان انعقاده، فالواجب المعين ينعقد عند طلوع الفجر، فلا يجوز العدول إليه بعده، والواجب غير المعين ينعقد عند الزوال، فلا يعدل إليه بعده، والمستحب ينعقد عند الغروب، فلا يعدل إليه بعده. أما قبل زمان انعقاده - كما لو عدل إلى واجب غير معين قبل الزوال - فلا مانع منه. إذ المعدول عنه إن كان غير معين فلا تعينه النية قبل الزوال، لعدم تعينه حينئذ، فلا مانع من العدول بالنية إلى غيره. وإن كان معينا فنية العدول كنية المفطر مفسدة له، فلا مانع من تجديد النية لغيره أيضا. ولعل عبارة المصنف منزلة على ذلك. وإلا فاشكالها ظاهر. وبالجملة: جواز العدول تابع لوقت التجديد، ففي كل وقت يجوز تجديد النية يجوز العدول ويصح، وكل وقت فات تجديد النية فيه للمعدول إليه لم يجز العدول فيه.

[ 233 ]

{ من جهة أن وقتها موسع لغير العالم به إلى الزوال (1). فصل فيما يجب الامساك عنه في الصوم من المفطرات وهي أمور: الاول والثاني: الاكل والشرب (2) من غير فرق في المأكول والمشروب بين المعتاد - كالخبز، والماء، ونحوهما وغيرها، كالتراب، والحصى، وعصارة الاشجار، ونحوها (3)، } (1) لكن الذي تقدم: هو الاجتزاء به عن رمضان إذا ثبت الهلال ولو بعد الزوال إذا جدد النية. والتحديد بالزوال إنما هو فيما إذا لم ينو الصوم، لافيما إذا نواه من شعبان، وإلا فهو من باب الاجتزاء، لا من باب العدول. فالاولى دعوى: وجوب الاقتصار على مورده لا غير. فصل فيما يجب الامساك عنه في الصوم من المفطرات (2) إجماعا في الجملة. بل ادعي عليه الضرورة. ويشهد به الكتاب والسنة. (3) كما هو المشهور شهرة عظيمة، بل عن الخلاف، والغنية، والسرائر، والمختلف، وظاهر المنتهى، والتذكرة: الاجماع عليه. بل في محكي كلام السيد (ره) في المسائل الناصرية، نفي الخلاف فيه بين المسلمين إلا من الحسن بن صالح، حيث قال: إنه لا يفطر. ثم قال: " وهو

[ 234 ]

{ ولابين الكثير القليل (1)، كعشر حبة الحنطة، أو عشر } مسبوق بالاجماع، وملحو به ". وكفى بذلك دليلا على مفطرية ما ذكر بضميمة وضوح كونه من مرتكزات المتشرعة. ويشهد به أيضا: النص الوارد في الغبار، كما سيأتي (* 1). وحينئذ فما عن السيد (ره) في بعض كتبه: من نفي المفطرية - وكذا عن ابن الجنيد - ضعيف. وإن امكن الاستدلال له: بمنع صدق الطعام والشراب - المذكورين في صحيح ابن مسلم عن أبي جعفر (ع): " لا يضر الصائم ما صنع إذا اجتنب ثلاث خصال: الطعام، والشراب والنساء، والارتماس في الماء " (* 2). وفي بعض طرقه: إبدال " ثلاث " ب‍ " أربع " على غير المتعارف، فيقيد به إطلاق مادل على لزوم الاجتناب عن الاكل والشرب من دون ذكر للمتعلق، فان اطلاقه الحاصل بحذف المفعول وإن كان يقتضي المنع عن كل ما يتعلق به الاكل والشرب، لكنه مقيد بما ذكر. مضافا الى ما ورد في عدم الافطار بالذباب إذا دخل الحلق، معللا: إنه ليس بطعام (* 3). ومثله: ما ورد في الكحل (* 4). إلا أنه لا مجال لجميع ذلك بعدما عرفت من تكرر دعوى الاجماع، المعتضدة بارتكاز المتشرعة بعدما عرفت. مع إمكان حملهما على المعنى المصدري. فتأمل. (1) بلا خلاف ظاهر. لاطلاق الادلة. والقلة والكثرة لا يوجبان الانصراف المعتد به.


(* 1) الوسائل باب: 22 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 1. ويأتي ذكره - إن شاء الله - في السادس من الامور الذي يجب الامساك عنه في الصوم. (* 2) الوسائل باب: 1 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 1. (* 3) الوسائل باب: 39 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 2. (* 4) الوسائل باب: 25 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 1.

[ 235 ]

{ قطرة من الماء، أو غيرها من المايعات. حتى أنه لو بل الخياط الخيط بريقه أو غيره، ثم رده إلى الفم، وابتلع ما عليه من الرطوبة، بطل صومه (1). إلا إذا استهلك ماكان عليه من الرطوبة (2) بريقه على وجه لا يصدق عليه الرطوبة الخارجية (3) وكذا لو استاك. وأخرج المسواك من فمه، وكان عليه رطوبة ثم رده إلى الفم، فانه لو ابتلع ما عليه بطل صومه، إلا مع الاستهلاك على الوجه المذكور. وكذا يبطل بابتلاع مايخرج من بقايا الطعام من بين أسنانه (4). } (1) عندنا، وهو قول أكثر الشافعية، كذا في محكي التذكرة. ويقتضيه. ما تقدم من الاطلاق. (2) كما نص عليه في الجواهر وغيرها. (3) يمكن دعوى عدم كفاية هذا المقدار، بل يكفي في المنع عنه: صدق ريقه وريق غيره على نحو الامتزاج عليه، ولا يعتبر صدق غير ريقه عليه، ليكفي في الجواز عدم صدقه. ولذا قيده في الجواهر بقوله: " يجب يعد ابتلاع ريقه لاغير ". لكن في تحقق الاستهلاك كذلك - مع الاتحاد في الجنس - إشكال فتأمل. (4) قولا واحدا عندنا، كما في الجواهر. ويقتضيه: الاطلاق المتقدم. نعم قد ينافيه: ما في صحيح ابن سنان: " عن الرجل الصائم يقلس فيخرج منه الشئ من الطعام، أيفطر ذلك؟ قال (ع): لا. قلت: فان ازدرده بعد أن صار على لسانه. قال (ع): لا يفطره ذلك " (* 1). ولاجله ناقش في الحدائق في الحكم المذكور. لكن - مع أنه لم يعرف عامل به في مورده - غير ما نحن فيه، لامكان أن يلحق مايخرج بعد البلع


(* 1) الوسائل باب: 29 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 9.

[ 236 ]

{ (مسألة 1): لا يجب التخليل بعد الاكل لمن يريد الصوم وإن احتمل أن تركه يؤدي إلى دخول البقايا بين الاسنان في حلقه. ولا يبطل صومه لو دخل بعد ذلك سهوا (1) نعم لو علم أن تركه يؤدي إلى ذلك وجب عليه، وبطل صومه على فرض الدخول. (مسألة 2): لا بأس ببلع البصاق (2) وإن كان كثيرا } حكم مايخرج من الصدر، فالتعدي منه الى المقام غير ظاهر. (1) لاختصاص قدح استعمال المفطرات بصورة العمد، كما سيأتي. نعم عن فوائد الشرائع هنا: وجوب القضاء خاصة لو قصر في التخليل فجرى بالريق إلى الجوف. ونفى عنه البأس في المسالك، للتفريط الموجب للالحاق بالعمد. ولكنه كما ترى، لاختصاص ذلك بصورة العلم بالترتب، كما هو الحال في العمد المعتبر في حسن العقاب وتحقق المعصية. ولا يكفي مجرد احتمال الترتب في صدقه جزما. اللهم إلا أن يقال: مقتضى الاطلاقات الاولية تحقق الافطار به، وما دل على عدم قدح الاكل سهوا - من النص (* 1) والاجماع - مختص بغير المقام مما لا يكون فيه تفريط أصلا، فيلحقه حكم العلم بالترتب الذي لا مخرج به قطعا عن عموم المفطرية للاكل والشرب. وبذلك يفترق عن النوم مع العلم بالاحتلام، كما سيأتي جوازه في مفطرية الاستمناء، فانه لاعموم يقتضي مفطريته. اللهم إلا أن يؤخذ باطلاق معاقد الاجماع على اختصاص المفطرية بصورة العمد، غير الشامل لصورة الاحتمال، فيبقى داخلا تحت عموم المفطرية. (2) بلا خلاف، كما عن الخلاف. وعن التذكرة: نسبته إلى


(* 1) الوسائل باب: 9 من ابواب ما يمسك عنه الصائم.

[ 237 ]

{ مجتمعا، بل وإن كان اجتماعه بفعل ما يوجبه (1)، كتذكر الحامض مثلا. لكن الاحوط الترك في صورة الاجتماع، خصوصا مع تعمد السبب. (مسألة 3): لا بأس بابتلاع مايخرج من الصدر من الخلط وما ينزل من الرأس (2) ما لم يصل إلى فضاء الفم. } علمائنا. لقصور الادلة عن شموله - فتأمل - والاصل البراءة. مضافا إلى السيرة التي ادعاها غير واحد. والى خبر زيد الشحام: " في الصائم يتمضمض قال (ع): لا يبلع ريقه حتى يبزق ثلاث مرات " (* 1). (1) كما نص عليه غير واحد. لعين ما سبق. (2) مطلقا فيهما، كما عن المعتبر، والمنتهى، والتذكرة، والبيان، وغيرها. لقصور الادلة عن شمول مثله، والاصل البراءة، فتأمل. مضافا إلى موثق غياث: " لا بأس بأن يزدرد الصائم نخامته " (* 2)، بناء على عموم النخامة لهما، كما صرح به بعض اللغويين، واستظهره غير واحد من الفقهاء، وظاهر المجمع والقاموس وغيرهما. كما أن الظاهر عموم الازدراد لما يصل إلى فضاء الفم، بل لعله فيه أظهر. وظاهر الشرائع والارشاد: التفصيل بينهما، بالجواز في الاول، والمنع في الثاني. وكأنه مبني على أن مقتضى الادلة الاولية المنع فيهما، لكن وجب الخروج عنها في الاول للموثق، لاختصاص النخامة به. وعن الشهيدين: الجواز فيهما قبل الوصول إلى فضاء الفم، والمنع منهما بعده. وكأنه لقصور الخبر عن الحجية، لضعف سنده، أو اجمال المراد به، ومقتضى القواعد المنع في الواصل إلى فضاء الفم، لصدق الاكل والشرب


(* 1 (الوسائل باب: 31 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 39 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 1.

[ 238 ]

{ بل الاقوى جواز الجر من الرأس إلى الحلق، وإن كان الاحوط تركه. وأما ما وصل منهما إلى فضاء الفم فلا يترك الاحتياط فيه بترك الابتلاع. (مسألة 4): المدار صدق الاكل والشرب (1) وإن } عليه، دون ما لم يصل لعدم الصدق. وضعف القولين يظهر مما سبق. (1) قد يستشكل في ذلك: بأن الادلة لم تختص بالمنع عن الاكل والشرب، بل مثل الصحيح السابق - المتضمن لوجوب الاجتناب عن الاربع وغيره - دال على المنع عما هو أعم من الاكل والشرب. وكيف ولو خص بهما أشكل الحكم بالافطار بالطعام والشراب الواصلين إلى الجوف بغير طريق الفم؟ كما يحكى عن بعض أهل زماننا هذا. إذ دعوى: صدق الاكل والشرب بذك غير ظاهرة، لتقومهما بالفم، وإطلاقهما على غير ذلك مسامحة بلحاظ ترتب الغاية. مضافا إلى أنه يستفاد - مما ورد في المنع عن الاحتقان بالمائع (* 1)، وصب الدهن في الاذن إذا كان يصل إلى الحلق (* 2)، وما ورد في الاستنشاق إذا كان كذلك (* 3)، وما ورد في مفطرية الغبار (* 4) -: أن المعتبر في الصوم: عدم الايصال إلى الجوف مطلقا. وحينئذ يشكل صب الدواء في الجرح إذا كان يصل إلى الجوف. بل في المختلف: استقرب فيه الافطار، مستظهرا له من المبسوط. وكذا تقطير المائع في الاذن. وعن أبي الصلاح: الجزم بمفطريته. وكذا الصب في الاحليل وفي محكي المبسوط: الجزم بمفطريته. وفي المختلف: أنه أقرب.


(* 1) الوسائل باب: 5 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 4. (* 2) الوسائل باب: 24 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 5. (* 3) و (* 4) المراد: رواية سليمان المروزي، ويأتي ذكرها - ان شاء الله - في الامر السادس مما يجب الامساك عنه في الصوم.

[ 239 ]

{ كان بالنحو غير المتعارف. فلا يضر مجرد الوصول إلى الجوف إذا لم يصدق الاكل والشرب، كما إذ صب دواء في جرحه أو شيئا في أذنه أو إحليله فوصل إلى جوفه. نعم إذا وصل من طريق أنفه فالظاهر أنه موجب للبطلان إن كان متعمدا، لصدق الاكل والشرب حينئذ. (مسألة 5): لا يبطل الصوم بانفاذ الرمح أو السكين أو نحوهما بحيث يصل إلى الجوف (1) وان كان متعمدا. الثالث: الجماع وإن لم ينزل (2). للذكر والانثى، قبلا أو دبرا صغيرا كان أو كبيرا، حيا أو ميتا، واطئا أو } اللهم إلا أن يقال: الظاهر عرفا من الاكل والشرب إيصال المأكول والمشروب من طريق الحلق وإن لم يكن بواسطة الفم، فيشمل ما يتعارف بين بعض أهل زماننا، وكذا الاستنشاق. وأما ما تضمن وجوب الاجتناب عن الطعام والشراب، فهو ظاهر في خصوص الاكل والشرب. وما ورد في الاحتقان ونحوه مما لم يكن من طريق الحلق يجب الاقتصار على مورده لاغير، كما هو ظاهر المشهور. فالبناء على قاعدة المنع مما يصل إلى الجوف مطلقا غير ظاهر. (1) كما هو المشهور، وعن المبسوط. وفي المختلف: البطلان، لما سبق. وفيه: ما عرفت. (2) لاإشكال في الافطار بالجماع في قبل المرأة، ولعله من الضروريات. وهو القدر المتيقن من نصوص مفطرية الجماع. وكذا بالجماع في دبرها إذا أنزل. ويدل عليه: النصوص الواردة في الاستمناء (* 1) فتأمل.


(* 1) راجع الوسائل باب: 1، 4، 8 من ابواب ما يمسك عنه الصائم

[ 240 ]

وأما إذا لم ينزل فالمحكي عن صريح الخلاف، والوسيلة، والمبسوط: الاجماع على أنه كذلك أيضا. وعن الغنية: الاجماع على الفساد بحصول الجنابة، الشامل لما نحن فيه، بناء على سببيته لها، كما تقدم في كتاب الطهارة. ويدل عليه: إطلاق النصوص الدالة على الافطار بالنكاح، أو الجماع، أو الوطئ، أو إصابة الاهل، أو نحو ذلك على اختلاف مضامينها ودعوى: الانصراف إلى الجماع في القبل. ممنوعة، إذ لا منشأ لها إلا الغلبة. وقد عرفت غير مرة: أنها لا توجب الانصراف المعتد به في رفع اليد عن الاطلاق. ولاسيما مع مناسبته لارتكاز مفطرية الجنابة بلا خصوصية للنكاح في القبل. بل لا يبعد استفادة ذلك من النصوص، ففي خبر عمر بن يزيد: " قلت لابي عبد الله (ع): لاي علة لا يفطر الاحتلام الصائم، والنكاح يفطر الصائم؟ قال (ع): لان النكاح فعله، والاحتلام مفعول به " (* 1). فان الظاهر منه كون المرتكز في ذهن السائل مساواة الاحتلام والنكاح في حصول الجنابة التي هي السبب في الافطار، فالجواب بالفرق بينهما بالعمد وعدمه تقرير لما في ذهنه. وفي خبر القماط عنه (ع): " عمن أجنب في شهر رمضان في أول الليل فنام حتى أصبح. قال (ع): لا شئ عليه. وذلك أن جنابته كانت في وقت حلال " (* 2). فان مفهوم التعليل قدح الجنابة في وقت حرام. وبذلك يظهر لزوم الحكم بالافطار بالايلاج في دبر الغلام، وفرج البهيمة، بناء على وجوب الغسل بذلك. ويعضده: الاجماع المحكي سابقا عن الغنية من فساد الصوم بتعمد الجنابة، وتلوح دعواه من المختلف


(* 1) الوسائل باب: 35 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 4. (* 2) الوسائل باب: 13 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 1.

[ 241 ]

{ موطوءا. بل وكذا لو كان الموطوء بهيمة. بل وكذا لو كانت } وغيره. نعم لو لم نقل بوجوب الغسل بذلك يشكل الحكم بالافطار به. اللهم إلا أن يكون المستند فيه: ظاهر الاجماع المدعى في المبسوط على الافطار فيهما، وصريح الاجماع المدعى في محكي الخلاف في أولهما. لكن الاعتماد عليه محل إشكال، بعد تردد مثل المحقق في الشرائع، ودعواه فيها: أن الاشبه أنه يتبع وجوب الغسل. ونحوه العلامة في المختلف. أو يكون المستند فيه: إطلاق الجماع الشامل للغلام والبهيمة بنحو شموله لدبر المرأة. لكنه بعيد. مع إمكان دعوى تقييده بمثل صحيح ابن مسلم: " لا يضر الصائم ما صنع إذا اجتنب ثلاث خصال: الطعام، والشراب، والنساء، والارتماس في الماء " (* 1). فإذا البناء على ما ذكره المحقق هو القأوى. وعليه فالحكم بالافطار في الصورة المذكورة في المتن موقوف على البناء على وجوب الغسل فيها. والكلام فيه تقدم في غسل الجنابة، وقد تقدم من المصنف (ره): التوقف في اقتضاء وطئ البهيمة للغسل، مع جزمه بالافطار. هنا. وأما مرسل علي بن الحكم عن رجل عن أبي عبد الله (ع): " إذا أتى الرجل المرأة في الدبر وهي صائمة لا ينقض صومها، وليس عليها غسل " (* 2). ونحوه مرفوع بعض الكوفيين (* 3). فلا مجال للعمل بهما بعد ضعفهما في أنفسهما، وإعراض الاصحاب عنهما، ودعوى الاجماع على خلافهما.


(* 1) تقدم ذلك في الامر الاول مما يجب الامساك عنه. (* 2) الوسائل باب: 12 من ابواب الجنابة ملحق الحديث: 3. (* 3) الوسائل باب: 12 من ابواب الجنابة حديث: 3.

[ 242 ]

{ هي الواطئة. ويتحقق بادخال الحشفة (1)، أو مقدارها من مقطوعها. فلا يبطل بأقل من ذلك. بل لو دخل بجملته ملتويا (2) ولم يكن بمقدار الحشفة لم يبطل، وإن كان لو انتشر كان بمقدارها. (مسألة 6): لافرق في البطلان بالجماع بين صورة قصد الانزال به وعدمه (3). (مسألة 7): لا يبطل الصوم بالايلاج في غير أحد الفرجين (4) بلا إنزال. إلا إذا كان قاصدا له، فانه يبطل وإن لم ينزل من حيث أنه نوى المفطر (5). (مسألة 8): لا يضر إدخال الاصبع ونحوه لا بقصد الانزال (6). } (1) هذا مما لادليل عليه في المقام، وإنما تضمنت النصوص اعتباره في وجوب الغسل (* 1)، فلو لم يكن المقام من متفرعات وجوب الغسل كان مشكلا. وكذا الحكم باعتبار مقدارها من مقطوعها، فان مبناه فهم التقدير من النصوص القائلة: " إذا التقى الختانان وجب الغسل " (* 2). فالبناء عليه في المقام يتوقف على كونه من متفرعات وجوب الغسل. (2) يعني: منكمشا. الظاهر رجوعه الى مقطوع الحشفة. (3) بلا إشكال. لظهور الادلة في كونه بنفسه موضوعا للحكم بالبطلان. (4) لعدم الدليل عليه. بل الظاهر: عدم الاشكال فيه. (5) كما تقدم في أواخر الفصل السابق. (6) لعدم الدليل عليه. بل الظاهر: أنه لااشكال فيه.


(* 1) راجع الوسائل باب: 6 من ابواب الجناية.

[ 243 ]

{ (مسألة 9): لا يبطل الصوم بالجماع إذا كان نائما (1) أو كان مكرها بحيث خرج عن اختياره، كما لا يضر إذا كان سهوا (2). (مسألة 10): لو قصد التفخيذ مثلا فدخل في أحد الفرجين لم يبطل (3). ولو قصد الادخال في أحدهما فلم يتحقق كان مبطلا، من حيث أنه نوى المفطر (4). (مسألة 11): إذا دخل الرجل بالخنثى قبلا لم يبطل صومه، ولا صومها (5). وكذا لو دخل الخنثى بالانثى ولو } (1) لاعتبار الاختيار والعمد في فعل المفطر في مفطريته. وسيأتي إن شاء الله في الفصل الآتي. (9) يعني: سهوا عن الصيام. فانه لا خلاف أيضا في أنه لا يقدح استعمال المفطر مع نسيان الصوم، كما سيأتي إن شاء الله. (3) لعدم العمد. (4) على ما سبق. (5) على ما هو ظاهر المشهور. لظهور الادلة في الايلاج بالفرج الحقيقي، وهو غير معلوم للشبهة الموضوعية، لا مطلق الثقب وإن كان مثله. وعن كشف الغطاء: أن الاقوى البطلان. وكأنه مبني على أنه فرج حقيقة كسائر الفروج النساء والرجال، ولذا يكون له ما يكون لها من الخواص، مثل أنها تحمل بوطئها فيه، أو تلقح بوطئها للمرأة. وهو غير بعيد. إلا أن في عموم الادلة تأملا، لانصرافها إلى ما يكون مقتضى الخلقة الاصلية، فمع الشك فيه يكون مقتضى الاصل الصحة. هذا مع قطع النظر عن العلم الاجمالي في بعض الفروض، وإلا وجب العمل عليه.

[ 244 ]

{ دبرا. أما لو وطئ الخنثى دبرا بطل صومهما (1). ولو دخل الرجل بالخنثى، ودخلت الخنثى بالانثى (2)، بطل صوم الخنثى (3) دونهما (4). ولو وطئت كل من الخنثيين الاخرى لم يبطل صومهما (5). (مسألة 12): إذا جامع نسيانا أو من غير اختيار، ثم تذكر أو ارتفع الجبر، وجب الاخراج فورا، فان تراخى بطل صومه (6). (مسألة 13): إذا شك في الدخول، أو شك في بلوغ مقدار الحشفة، لم يبطل صومه (7). الرابع من المفطرات: الاستمناء، أي: إنزال المني متعمدا (8)، } (1) يعني: وطئه الرجل، لا الخنثى. (2) الواو بمنزلة مع. (3) للعلم بأنها إما واطئة أو موطوءة. (4) لاحتمال كل منهما مساواتها له في الذكورة والانوثة. نعم يكونان كواجدي المني في الثوب المشترك. (5) لاحتمال تساويهما في الذكورية والانوثية. (6) لتعمد الجماع ولو بقاء لاحدوثا، لظهور الادلة في الاعم منهما. (7) للاصل. (8) بلا خلاف، كما عن المنتهى، والذخيرة، والحدائق. وعن المعتبر: الاتفاق عليه. وعن شرح اللمعة للاصبهاني: " أنه مما أطبق عليه الاصحاب ". وعن المدارك: " عليه أجمع العلماء كافة ". ونحوه - في

[ 245 ]

{ بملامسة، أو قبلة، أو تفخيذ، أو نظر (1)، أو تصوير } دعوى الاجماع - ما عن الانتصار، والوسيلة، والغنية، والتذكرة، وغيرها. ويدل عليه: صحيح ابن الحجاج عن الصادق (ع): " عن الرجل يعبث بأهله في شهر رمضان حتى يمني. قال (ع): عليه من الكفارة مثل ما على الذي يجامع " (* 1)، وخبر أبي بصير: " عن رجل وضع يده على شئ من جسد امرأته فادفق. فقال (ع): كفارته أن يصوم شهرين متتابعين، أو يطعم ستين مسكينا، أو يعتق رقبة " (* 2)، ومرسل حفص بن سوقة، عمن ذكره، عن أبي عبد الله (ع): " في الرجل يلاعب أهله أو جاريته، وهو في قضاء شهر رمضان، فيسبقه الماء. فقال (ع) عليه من الكفارة مثل ما على الذي جامع في شهر رمضان " (* 3)، وغيرها. والجميع وإن لم يصرح فيه بالافطار والقضاء، إلا أنه يدل عليه بالالتزام، للاجماع على انتفاء الكفارة مع عدم الافطار. مع أن الاجماعات المتقدمة تغني عن الاستدلال عليه بالنصوص. وتشير إليه أيضا: النصوص - الدالة على مفطرية الجناية العمدية - المتقدمة. والنصوص الدالة على كراهة المس مع خوف سبق المني. وسنذكر بعضها إن شاء الله. (1) الحاق النظر بما قبله يتوقف، إما على ثبوت الاجماع على مفطرية مطلق الاستمناء، كما هو ظاهر غير واحد. لكن ينافيه القول بالصحة معه مطلقا - كما عن الخلاف، والسرائر، وفي الشرائع، وغيرها - أو إذا كان إلى من يحل النظر إليه، كما عن المفيد وسلار، وابن البراج، والسيد


(* 1) الوسائل باب: 4 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 4 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 5. (* 3) الوسائل باب: 4 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 2.

[ 246 ]

{ صورة الواقعة، أو تخيل صورة امرأة، أو نحو ذلك من الافعال التي يقصد بها حصوله. فانه مبطل للصوم بجميع أفراده. وأما لو لم يكن قاصدا للانزال وسبقه المني من دون إيجاد شئ مما يقتضيه، لم يكن عليه شئ (1). (مسألة 14): إذا علم من نفسه أنه لو نام في نهار رمضان يحتلم، فالاحوط تركه. وإن كان الظاهر جوازه (2)، } في جملة من كتبه، وابن حمزة، والتحرير. اللهم إلا أن ينزل كلام هؤلاء على صورة عدم القصد إليه، كما عن الرياض دعواه. لكن صريح محكي المدارك: اعتبار الاعتياد مع القصد. وإما على ثبوت فهم عدم الخصوصية من العبث، والملاعبة، والمس، واللزق، واللصق، المذكورة في النصوص، فيراد منها: مطلق ما يقصد منه نزول المني، وإما لما عرفت: من ظهور النصوص في قاعدة مفطرية الجنابة العمدية. ومن ذلك تعرف: وجه الحكم في التخيل، وكذا في الاصغاء. وإن كان ظاهر الشرائع عدم قدحه مطلقا. فتأمل. (1) قطعا بلا خلاف ولا إشكال. لعدم الدليل عليه بعد قصور النصوص السابقة عن إثبات مفطريته حينئذ، والاصل البراءة. ولو فرض استفادة مفطرية خروح المني في نفسه من الادلة، اختصت - بقرينة ما ورد في عدم مفطرية الاحتلام - بما إذا استند خروجه إلى المكلف الصائم، كالاكل، والشرب، والجماع، كما تقدمت الاشارة إليه، ويجئ تفصيله فيما يأتي إن شاء الله. (2) إذ لا يخرج عن كونه حينئذ مفعولا به، الذي تقدم في النص

[ 247 ]

{ خصوصا إذا كان الترك موجبا للحرج (1). (مسألة 15): يجوز للمحتلم في النهار الاستبراء بالبول أو الخرطات، وإن علم بخروج بقايا المني في المجرى (2) }. تعليلا لعدم مفطرية الاحتلام. نعم لو كان المراد من التعليل مجرد العذر العقلي في تحقق الجنابة، كان الحكم بمفطرية الاحتلام المذكور في محله، لان العلم بترتبه على النوم الاختياري كاف في عدم العذر العقلي فيه، لانه يكفي في اختيارية الفعل كون بعض مقدماته اختيارية ولو كانت عدمية. لكنه خلاف الظاهر. ولو سلم ظهوره في ذلك فالاعتماد عليه محل إشكال. ولاسيما مع بناء الاصحاب ظاهرا على خلافه، وأن المفطر هو الجنابة العمدية بفعله، لا مطلق العمد إليها في الجملة. وحركة المني إلى الخارج في المقام نظير حرمة الدم في العروق، مما لا تصح نسبته إلى المكلف بوجه. فتأمل. وبذلك افترق الفرض عن صورة العلم بدخول بقايا الطعام في الفم إلى الجوف لو لم يخلل، حيث تقدم في المسألة الاولى من هذا الفصل: الحكم بالافطار على تقدير الدخول. وحاصل الفرق: أن الاكل قد أخذ مطلقا موضوعا للافطار في جملة من النصوص، والخارج إنما هو خصوص صورة الاكل ناسيا للصوم، فلا يشمل الفرض. بخلاف خروج المني، فانه قد ورد - في خصوص خروجه بالاحتلام - دليل على عدم مفطريته، وإطلاقه - ولاسيما بملاحظة التعليل المشار إليه سابقا - شامل للمقام، فإذا لم يكن مفطرا في هذه الحال لم يجب الاجتناب عنه. (1) أدلة الحرج والضرر - على تقدير جريانها - إنما تدل على جواز الافطار، لا على نفي المفطرية. وكذا الحال فيما يأتي. (2) قيل: إنه مقطوع به. وهو كذلك، لقصور الادلة - من الاجماع

[ 248 ]

{ ولا يجب عليه التحفظ (1) بعد الانزال (2) من خروج المني إن استيقظ قبله. خصوصا مع الاضرار أو الحرج. (مسألة 16): إذا احتلم في النهار وأراد الاغتسال، فالاحوط تقديم الاستبراء إذا علم أنه لو تركه خرجت البقايا بعد الغسل، فتحدث جنابة جديدة (3). (مسألة 17): لو قصد الانزال، باتيان شئ مما ذكر ولكن لم ينزل، بطل صومه من باب نية إيجاد المفطر (4). } والنصوص - عن شمول مثله. فأدلة جواز الاستبراء أو استحبابه محكمة. إلا أن يقال: إنها غير ظاهرة فيما نحن فيه، ولا إطلاق لها يشمل صورة لزوم الافطار كي تكون دالة على عدم المفطرية. فالعمدة في الجواز: أصل البراءة. ولاسيما مع كون السيرة من المحتلمين الصائمين على البول بلا احتمال منهم للمنع. (1) لما عرفت في المسألة السابقة: من عدم الدليل عليه، والادلة إنما تدل على مفطرية الجنابة بفعل المكلف، لا مطلقا. (2) يعني: نزول المني من مقره، قبل الخروج إلى الخارج المخرج. (3) مقتضى ما تقدم - من عدم الدليل على وجوب التحفظ - جواز ترك الاحتياط، فالاحتياط المذكور لا يناسب الجزم بعدم لزوم التحفظ. إلا أن يكون المراد منه صورة الخروج بفعله ببول أو نحوه. وعليه فالظاهر عدم جوازه لانه تعمد للجنابة، ولاسيرة عليه. وبذلك افترق عن الاستبراء قبل الغسل مع العلم ببقاء شئ في المجرى، فان خروجه لا يوجب جنابة، فلا موجب لمفطريته. (4) كما سبق.

[ 249 ]

{ (مسألة 18): إذا أوجد بعض هذه الافعال لابنية الانزال، لكن كان من عادته الانزال بذلك الفعل، بطل صومه أيضا إذا أنزل (1). وأما إذا أوجد بعض هذه، ولم } (1) في الرياض: " الذي أظنه أن هذا ليس محل خلاف أجده في وجوب الامرين معا "، يعني: البطلان، والكفارة، ويقتضي البطلان: إطلاق النصوص المتقدمة (* 1). نعم عن المدارك: الصحة، لعدم حجية غير الصحيح الاول. ودلالته على البطلان في المقام تتوقف على كون (حتى) للغاية، وهو غير ظاهر. بل من المحتمل - أو الظاهر - كونها تعليلية، بمنزلة (كي). وحينئذ يتوقف تطبيقها على وجود القصد، المفقود في المقام حسب الفرض. وفيه: أن ما ذكره - أولا - لايتم، بناء على حجية خبر الثقة مطلقا. وما عدا الاول فيه الموثق، والمرسل المعتبر لكون الراوي عن حفص فيه محمد بن أبي عمير: التي عدت مراسيله في الصحاح عند المشهور. فتأمل. وما ذكره - ثانيا ممنوع، فان الظاهر من (حتى) كونها للغاية دائما. غاية الامر أنه قد تقوم القرينة الخارجية على كون الغاية فيها علة غائية، فمع عدم القرينة يكون مقتضى أصالة الاطلاق عدمها. ولاسيما بملاحظة كون قصد الامناء خلاف ظاهر حال المسلم العاقل. نعم قد يتوهم: معارضة النصوص المذكورة بمرسل المقنع عن علي (عليه السلام): " لو أن رجلا لصق بأهله في شهر رمضان فأمنى، لم يكن عليه شئ " (* 2). ورواية أبي بصير - المروية في التهذيب، والمنتهى والذخيرة، والحدائق - عن الصادق (ع): " عن رجل كلم امرأته في


(* 1) لاحظ الامر الرابع من المفطرات. (* 2) الوسائل باب: 33 من ابواب ما يمسك عنه الصائم ملحق حديث: 5.

[ 250 ]

{ يكن قاصدا للانزال، ولا كان من عادته، فاتفق أنه أنزل، فالاقوى عدم البطلان (1). وإن كان الاحوط القضاء، خصوصا } شهر رمضان فأمنى. فقال (ع): لا بأس " (* 1). فيكون مقتضى الجمع العرفي: حمل الاول على خصوص صورة القصد، وحمل الثانية على غيرها. وفيه - مع أن الاولى مرسلة، ومروية في الوسائل عن الفقيه هكذا: " لو أن رجلا لصق بأهله في شهر رمضان فأدفق كان عليه عتق رقبة " (* 2) اللهم إلا أن تكون رواية أخرى غير الاولى. فتأمل. والثانية - مع أنها ضعيفة - موردها مالا يعتاد غالبا خروج المني بعده. فتختص به جمعا -: أن ما ذكره من الجمع لا شاهد عليه، فلا مجال له. فالبناء على البطلان متعين. ولاسيما مع كونه مظنة الاجماع، كما عرفت من الرياض وغيره. (1) كما عن السيدين، والحلي، والفاضلين في جملة من كتبهما، وغيرهم. لعدم الدليل عليه. والنصوص المتقدمة وإن كانت في نفسها مطلقة، لكن تضمنها للكفارة مانع عن الحكم باطلاقها، لان الكفارة لا تناسب العذر، المفروض من جهة عدم القصد، وعدم الاعتياد معا. ومنه يظهر: ضعف ما اختاره في المستند - حاكيا عن المختلف. والمهذب: نسبته إلى المشهور، وعن المعتبر والخلاف: الاجماع عليه -: من وجوب القضاء والكفارة، في الملاعبة، والملامسة، والتقبيل، للاطلاقات المذكورة. وبالجملة: ذكر الكفارة قرينة على الاختصاص بصورة العمد، للاجماع على اعتباره فيها. ولاختصاصها عرفا بالذنب المتوقف على ذلك. ولاجله يشكل ثبوت الاطلاق للنصوص، فيقتصر في الكفارة على المتيقن - وهو صورة القصد إليه أن الاعتياد، فان الاعتياد له نحو من الطريقة العرفية.


(* 1) التهذيب حديث: 837 ج 4 صفحة 273 طبع النجف الاشرف. (* 2) الوسائل باب: 33 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 5.

[ 251 ]

{ في مثل الملاعبة، والملامسة، والتقبيل (1). الخامس: تعمد الكذب على الله تعالى، أو رسوله، أو الائمة - صلوات الله عليهم - (2)، سواء كان متعلقا } مع أن حمل النصوص على خصوص صورة القصد بعيد جدا - وفي غير هاتين يشكل ثبوت الكفارة، فضلا عن القضاء. نعم ما ورد في كراهة المس والتقبيل والمباشرة في شهر رمضان، معللا بخوف أن يسبقه المني - كصحيح الحلبي عن الصادق (ع): " عن الرجل يمس من المرأة شيئا، أيفسد ذلك صومه أو ينقضه؟ فقال (ع): إن ذلك ليكره للرجل الشاب، مخافة أن يسبقه المني " (* 1)، وصحيح محمد وزرارة عن أبي جعفر (ع): " هل يباشر الصائم أو يقبل في شهر رمضان؟ فقال (ع): إني أخاف عليه فليتنزه من ذلك. إلا أن يثق أن لا يسبقه منيه " (* 2). ونحوهما غيرهما - ظاهر في أن سبق المني مطلقا موجب للافطار. ولا يظهر له معارض عدا خبر أبي بصير المتقدم (* 3). لكن في حجيته تأملا، لضعف سنده، وعدم ثبوت جابر له. ومجرد الموافقة لفتوى المشهور - لو تمت - غير جابرة. فالخروج عن إطلاق تلك النصوص بمجرده، وحملها على صورة الاعتياد، غير ظاهر. (1) لانه مورد النصوص. (2) كما عن الشيخين والسيدين، في الانتصار والغنية، بل عنهما: دعوى الاجماع عليه. وعن الخلاف: نسبته إلى الاكثر. واستدل له - مضافا إلى الاجماع المدعى في كلام السيدين، وقاعدة


(* 1) الوسائل باب: 33 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 33 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 13. (* 3) راجع التعليقة السابقة.

[ 252 ]

الاشتغال - بالنصوص، كموثق سماعة: " عن رجل كذب في رمضان. فقال (ع): قد أفطر، وعليه قضاؤه. فقلت: ما كذبته؟ قال (ع): يكذب على الله، وعلى رسوله " (* 1). وفي موثقه الآخر: " قد أفطر وعليه قضاؤه، وهو صائم يقضي صومه ووضوءه إذا تعمد " (* 2). وموثق أبي بصير قال: " سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: الكذبة تنقض الوضوء وتفطر الصائم. فقلت له: هلكنا! (ع): ليس حيث تذهب، إنما ذلك الكذب على الله، وعلى رسوله، وعلى الائمة " (* 3). ونحوها غيرها. وعن السيد في الجمل، والحلي، والمحقق في المعتبر والشرائع، والعلامة في التذكرة والمختلف: العدم، ونسب إلى أكثر المتأخيرين. لاصالة البراءة وعدم تمامية الاجماع. وعن المعتبر: أن دعواه مكابرة. ويشهد له: مخالفة حاكيه له. وعدم صحة النصوص. وقصور دلالتها، لاشتمالها على نقضه للوضوء، المراد به نقض كماله، الموجب - بقرينة وحدة السياق - لحمل الافطار فيه على نقض كمال الصوم أيضا. ولقوله في موثق سماعة: " وهو صائم "، فيكون المراد من افطار الصوم ذلك أيضا. وفيه: أنه لا مجال للاصل مع الدليل. والنصوص إن لم تكن صحيحة فهي من الموثق الذي هو حجة. مع أن عمل القدماء بها كاف في جبر سندها. وكون المراد من نقض الوضوء نقض كماله لا يقتضي حمل إفطار الصوم فيه عليه. وقرينة وحدة السياق في مثله غير ثابتة. ولاسيما مع اختلاف المادتين، وما زالت النصوص مشتملة على الواجب والمستحب معا. وقوله (عليه السلام): " وهو صائم " كما يصلح أن يصرف قوله (ع):


(* 1) الوسائل باب: 2 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 2 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 3. (* 3) الوسائل باب: 2 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 2.

[ 253 ]

" { بأمور الدين أو الدنيا (1)، سواء كان بنحو الاخبار أو بنحو الفتوى (2)، } قد أفطر " إلى إرادة نقض الكمال، يمكن العكس أيضا، بحمل الصوم على الامساك الواجب وعدم جواز استعمال المفطر، وترجح الاول على الثاني عرفا غير ثابت. وغاية ذلك: سقوط النص عن صلاحية إثبات المفطرية لاصلاحيته لصرف غيره إلى نقض الكمال. وحينئذ يكفي غيره لاثبات المفطرية. هذا ما تقتضيه صناعة الاستدلال. وإن كان في النفس منه شئ. ولاسيما بملاحظة أن حمل الصوم على ما ذكر - من وجوب الامساك - خلاف ظاهر القضية الحملية الحالية. وحمله على الامساك حال الكذب خلاف ظاهر حال المتكلم، لانه أمر خارجي معلوم للسامع لا يحتاج إلى بيان، ولاسيما ممن شأنه تشريع الاحكام. فيتعين حمله على الصوم الحقيقي، وحمل ظاهر " أفطر " على نقض الكمال، فيتعين حمل بقية النصوص على ذلك. ولاسيما مع تأييده بنقض الوضوء، واعتضاده بما دل على حصر المفطر في غيره. والاحتياط طريق النجاة. (1) كما عن المنتهى، والتحرير. لاطلاق النصوص. وعن كشف الغطاء: تخصيصه بالاول. وكأنه: لدعوى الانصراف إليه. لكنها غير ظاهرة. (2) المفتي تارة: يخبر عن الواقع بتوسط الحجة. وتارة: يخبر عن رأيه الحاكي عن الواقع. فان كان الاول - كما هو الظاهر من الفتوى - كانت من قبيل الخبر عن الله تعالى، فلا يناسب جعلها في قبال الخبر. اللهم إلا أن يكون المراد من الخبر الصريح، كأن يقول: " قال الله تعالى كذا، وخلق الله كذا " بخلاف الفتوى مثل: " هذا حلال، وهذا حرام " فانه راجع إلى الاخبار عن الله تعالى بأنه أحله أو حرمه. وإن كان الثاني فالظاهر عدم كونه من الكذب على الله تعالى، وإنما هو كذب على نفسه

[ 254 ]

{ بالعربي، أو بغيره من اللغات (1). من غير فرق بين أن يكون بالقول، أو الكتابة، أو الاشارة، أو الكناية، غيرها مما يصدق عليه الكذب (2). مجعولا له، أو جعله غيره وهو أخبر به مسندا إليه (3) لاعلى وجه نقل القول. وأما لو كان على وجه الحكاية ونقل القول فلا يكون مبطلا (4). (مسألة 19): الاقوى إلحاق باقي الانبياء والاوصياء بنبينا صلى الله عليه وآله (5)، فيكون الكذب عليهم أيضا موجبا للبطلان بل الاحوط إلحاق فاطمة الزهراء - سلام الله عليها - بهم أيضا (6). } لو لم يكن رأيه كذلك. (1) للاطلاق. (2) للاطلاق أيضا. وتوهم: أن الكذب نوع من الخبر، وهو إنما يكون بالقول، دون غيره. ساقط، لصدق الخبر المتصف بالصدق أو الكذب على الجميع. (3) كما لو قال: " بايع علي (ع) معاوية، كما أخبر بذلك فلان " إذ لا يخرج بهذا الاسناد عن كونه كاذبا. (4) لعدم كونه كذبا. (5) جعله في الجواهر أولى. لرجوع الكذب عليهم إلى الكذب على الله تعالى. وفيه: نظر، كما يظهر من جعل الكذب على النبي صلى الله عليه وآله مقابلا للكذب على الله تعالى. ولذا صرح بنفي الالحاق في محكي كشف الغطاء. نعم لو أمكن التمسك باطلاق: " رسوله ". " والائمة "، بأن يكون المراد منهما الجنس، كان الاطلاق في محله. لكنه خلاف الظاهر. (6) كما عن كشف الغطاء. وفي الجواهر جعل الاولى الالحاق أيضا

[ 255 ]

{ (مسألة 20): إذا تكلم بالخبر غير موجه خطابه إلى أحد، أو موجها إلى من لا يفهم معناه، فالظاهر عدم البطلان (1). وإن كان الاحوط القضاء. (مسألة 21): إذا سأله سائل: " هل قال النبي صلى الله عليه وآله كذا... "، فأشار (نعم) في مقام (لا)، أو (لا) في مقام (نعم)، بطل صومه (2). (مسألة 22): إذا أخبر صادقا عن الله أو عن النبي صلى الله عليه وآله مثلا، ثم قال: " كذبت "، بطل صومه (3). وكذا إذا أخبر بالليل كاذبا، ثم قال في النهار: " ما أخبرت به البارحة صدق " (4). } لما سبق. وفيه: ما عرفت. نعم يحتمل التعدي عن النبي صلى الله عليه وآله والائمة (ع) إليها (ع)، وإلى الانبياء، والاوصياء (ع). بدعوى: فهم عدم الخصوصية عرفا. لكنه غير ثابت. (1) كما صرح به في الجواهر. وكأنه: لعدم صدق الخبر بدون المخبر. ولذا تصح تعدية الفعل إليه فيقال: " أخبرت زيدا ". لكن الخبر لم يذكر في النص، وإنما المذكور الكذب. لكن الكذب نوع من الخبر. ولا أقل من الانصراف. (2) لصدق الكذب. (3) كما صرح به في محكي كشف الغطاء. لانه من الكذب غير الصريح، فيشمله الاطلاق. ودعوى: انصرافه عنه، غير ظاهرة. هذا إذا كان المقصود نفي الواقع المطابق للخبر، كما هو الظاهر. أما إذا كان المقصود نفي الخبر المطابق للواقع، فلا يبطل به صومه، لعدم كونه كذبا على الله تعالى أو على النبي صلى الله عليه وآله، بل كذب على نفسه فقط. (4) كما في محكي كشف الغطاء. والكلام فيه كما سبق.

[ 256 ]

{ (مسألة 23): إذا أخبر كاذبا، ثم رجع عنه بلا فصل لم يرتفع عنه الاثر (1)، فيكون صومه باطلا. بل وكذا إذا تاب بعد ذلك، فانه لا تنفعه توبته في رفع البطلان (2). (مسألة 24): لافرق في البطلان بين أن يكون الخبر المكذوب مكتوبا في كتاب من كتب الاخبار أولا، فمع العلم بكذبه لا يجوز الاخبار به وإن أسنده إلى ذلك الكتاب (3). إلا أن يكون ذكره له على وجه الحكاية دون الاخبار. بل لا يجوز الاخبار به على سبيل الجزم (4) مع الظن بكذبه، بل وكذا مع الاحتمال كذبه، إلا على سبيل النقل والحكاية. فالاحوط لناقل الاخبار في شهر رمضان - مع عدم العلم بصدق الخبر - أن يسنده إلى الكتاب، أو إلى قول الراوي على سبيل الحكاية. } (1) حيث لا يخرج خبره السابق عن كونه كذبا. (2) نعم تنفعه في رفع الاثم. (3) لما عرفت: من أن الاسناد إلى الكتاب لا يخرجه عن الكذب، لان الصدق في الاسناد لا ينافي الكذب في الاخبار عن الواقع. (4) لما يظهر من مثل قوله تعالى: (االله أذن لكن أم على الله تفترون) (* 1)، وقوله تعالى: (أتقولون على الله مالا تعلمون) (* 2) وغيرهما. عدم جواز الاخبار بدون العلم، أو ما هو بمنزلته، كاليد المسوغة للشهادة بالملك، والاستصحاب المسوغ للشهادة ببقاء الواقع، كما يظهر من بعض النصوص. فمع عدم العلم بالواقع لا يجوز الاخبار عنه، سواء أظن به، أم بعدمه، أم شك.


(* 1) يونس: 59. (* 2) يونس: 68.

[ 257 ]

{ (مسألة 25): الكذب على الفقهاء والمجتهدين والرواة - وإن كان حراما - لا يوجب بطلان الصوم (1). إلا إذا رجع إلى الكذب على الله ورسوله صلى الله عليه وآله. (مسألة 26): إذا اضطر إلى الكذب على الله ورسوله صلى الله عليه وآله في مقام التقية من ظالم لا يبطل صومه به (2). كما أنه لا يبطل } هذا حكم الاخبار من حيث نفسه. وأما حكمه من حيث الصوم فلا دليل على كون الاخبار مع عدم العلم مفطرا، لاختصاص الدليل بالكذب ولما كان المشهور المنصور: كونه عبارة عن مخالفة الخبر للواقع، فمع الشك في المخالفة يشك في حصول الافطار به، والمرجع أصل البراءة. بل بناء على ما سيأتي: من اختصاص المفطرية بحال العمد المتوقف على قصد الكذب لا يفطر به وإن كان مخالفا للواقع. وحينئذ لا مجال لاصل البراءة، للعلم بعدم مفطريته واقعا. فتأمل. ولاجل توقف المصنف (ره) في ذلك توقف عن الفتوى بعدم مفطريته. ومما ذكرنا، يظهر: أنه لا تنافي بين جزمه بعدم جواز الاخبار مع الاحتمال، وقوله: " فالاحوط... " فان الاول كان في حكم الاخبار ئكليفا، والثاني في حكمه وضعا. (1) لعدم الدليل عليه، والاصل البراءة. (2) كما في محكي كشف الغطاء وغيره. وكأنه: لانصراف الدليل إلى الكذب المحرم. وحينئذ لا موقع لما قيل. من أن التقية إنما ترفع الاثم لاحكم الافطار من القضاء. فانه إنما يتم لو بني على إطلاق دليل المفطرية ليكون حاله حال الاكل تقية، لا مالو بني على الانصراف، اللهم إلا أن يكون مبني ما ذكر: منع الانصراف المعتد به. ومجرد كون الكذب بعنوانه الاولي محرما لا يقتضيه. وإلا لاتجه انصراف الاكل والشرب إلى

[ 258 ]

{ مع السهو، أو الجهل المركب (1). (مسألة 27): إذا قصد الكذب فبان صدقا دخل في عنوان قصد المفطر، بشرط العلم بكونه مفطرا (2). (مسألة 28): إذا قصد الصدق فبان كذبا لم يضر، كما أشير إليه (3). (مسألة 29): إذا أخبر بالكذب هزلا - بأن لم يقصد المعنى أصلا - لم يبطل صومه (4). } المحرم، ولم يدعه أحد. لكن الانصاف: الفرق بين المقامين، لوجود المناسبة المقتضية له في الاول، والقتضية لعدمه في الثاني، كما لعله ظاهر. (1) لعدم العمد، الذي هو شرط المفطرية، كما سيأتي. (2) إذ مع عدم العلم بمفطريته لا يكون من قصد المفطر بما هو مفطر بل يكون من قصد ذات المفطر بعنوانه الاولي، ومثله لا ينافي قصد الصوم لان المعتبر في قصد الصوم القصد إلى الامساك عن المفطرات ولو إجمالا، كما تقدم. والقصد إلى ترك الشئ بعنوان إجمالي - مثل عنوان ما جعل مفطرا شرعا - لا ينافي القصد إلى فعله بعنوانه التفصيلي، لان القصد إنما يتعلق بالوجود العلمي، ومع اختلاف الوجودات العلمية - ولو لاختلاف العناوين الاجمالية والتفصيلية - يجوز اختلاف القصود المتعلقة بها، فيتعلق بأحد العنوانين قصد الفعل، وبالآخر قصد الترك، فلا تنافي بين القصد إلى الاكل والقصد إلى الصوم بماله من المعنى، نعم لو احتمل أو علم بتنافي العنوانين انطباقا امتنع القصد المطلق اليهما. لكنه في غير محل الفرض. (3) يعني: في آخر المسألة السادسة والعشرين. (4) لعدم تحقق الخبر، المتقوم بقصد الحكاية عن الواقع.

[ 259 ]

{ السادس: إيصال الغبار الغليظ إلى حلقه (1)، } (1) على المشهور شهرة عظيمة كادت تكون إجماعا. إذ لم يعرف مخالف فيه صريحا إلى زمان المحدث الكاشاني. نعم ظاهر عدم تعرض الصدوق. والسيد والشيخ في المصباح، وسلار له: المنع من مفطريته. وكأنه لاجل ذلك حكي في الشرائع: الخلاف فيها. واستدل له - مضافا إلى قاعدة المنع عن كل ما يصل إلى الجوف، المتقدم إليها الاشارة في ذيل مفطرية الاكل. وإلى دعوى الاجماع عليه صريحا أو ظاهرا، كما عن الناصرية، والغنية، والسرائر، ونهج الحق، والتذكرة، والتنقيح - برواية سليمان المروزي: " سمعته يقول: إذا تمضمض الصائم في شهر رمضان، أو استنشق متعمدا، أو شم رائحة غليظة، أو كنس بيتا، فدخل في أنفه وحلقه غبار، فعليه صوم شهرين متتابعين، فان ذلك له فطر، مثل الاكل، والشرب، والنكاح " (* 1). ولا يقدح ضعفها بحهالة سليمان، لانجباره بالعمل. ولا إضمارها، لان تدوين الاجلاء لها في كتب الحديث شهادة منهم بكونها رواية عن المعصوم. ولا معارضتها بموثق عمرو بن سعيد عن الرضا (ع): " عن الصائم يتدخن بعود أو بغير ذلك، فتدخل الدخنة في حلقه. فقال (ع): جائز لا بأس به. وسألته عن الصائم يدخل الغبار في حلقه. قال (ع): لا بأس " (* 2) لامكان حمله على صورة العذر، لاختصاص الرواية الاولى بصورة العمد، بقرينة ذكر الكفارة، وتشبيهه بالاكل وأخويه المختص مفطريتها بحاله. اللهم إلا أن يقال: أصالة المنع عن كل ما يدخل الجوف - لو تمت -


(* 1) الوسائل باب: 22 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 22 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 2.

[ 260 ]

{ بل وغير الغليظ (1) على الاحوط. سواء كان من الحلال } مختصة بما كان له جرم، لا ما يشمل الغبار ونحوه من الاجزاء اللطيفة المنتشرة. والرواية غير معلومة الانجبار بالعمل، لتقييد المشهور الغبار بالغليظ، مع خلوها عنه. وحملها على صورة العمد خلاف ظاهر تقييد المضمضة والاستنشاق به وتركه فيما عداهما. ويكفي في صدق المجازاة المسامحة من المكلف في ترك التحفظ ولو بترك بعض المقدمات البعيدة. والاجماع على اختصاص الكفارة بحال العمد موهن آخر للرواية. والتشبيه إنما يقتضي التخصيص بالعمد لو كانت الرواية مطلقة، لا مالو كانت كالصريحة في العموم من جهة ما ذكرنا. والموثق صدره ظاهر في العمد، بقرينة قوله (ع): " جائز ". والتفكيك بين ما في الصدر والذيل بعيد. هذا ولكن قد يقال: إن قول الامام في الخبر: " أو كنس بيتا فدخل في أنفه... " ظاهر في أن الحكم ليس لمطلق الغبار، بل للغبار الذي يحصل عند كنس البيت، الذي يكون غالبا من الغليظ. وعليه يتضح الوجه في تقييد المشهور الغبار بالغليظ، وأن هذا التقييد دليل على اعتمادهم على الرواية، وأن النسبة بينها وبين الموثق نسبة المقيد والمطلق. فيتعين حمل الموثق على غير الغليظ، جمعا بينه وبين الرواية. وترك التقييد بالعمد في الغبار ليس بنحو يوجب امتناع حمل الرواية على صورة العمد. فإذا لامانع من العمل بالرواية. فلاحظ. (1) وعن المسالك: انه الظاهر، لانه نوع من المتناولات، فيحرم ويفسد. وفيه: أنه مبني على ثبوت أصالة المنع ينحو يشمل المقام، وقد عرفت: أنه أول الكلام. كما عرفت: اختصاص الرواية بالغليظ، وأنه يتعين في غير الغليظ الرجوع إلى الموثق النافي لمفطريته، المعتضد بالسيرة القطعية على عدم الاجتناب عنه في الصوم.

[ 261 ]

{ - كغبار الدقيق - أو الحرام، كغبار التراب ونحوه (1). وسواء كان باثارته بنفسه - بكنس أو نحوه - أو باثارة غيره، بل أو باثارة الهواء مع التمكين منه وعدم تحفظه (2). والاقوى إلحاق البخار الغليظ، ودخان التنباك (3) ونحوه. ولا بأس بما } (1) بلا إشكال ظاهر. وخصوصية مورد النص ملغاة في نظر العرف إذ المفهوم من النص عندهم - بقرينة مناسبة الحكم والموضوع - دخول النفس الغبار كما لا يخفى. مضافا إلى أصالة المنع، بناء عليها. (2) قد يظهر من محكي كشف الغطاء، عدم مفطريته حينئذ ولو مع عدم التحفظ. لكن الفرق بينه وبين غيره غير ظاهر. (3) حكي عن المتأخرين: إلحاقهما بالغبار. وكأن الوجه فيه: استفادته من نص الغبار، أو أصالة المنع. ولاجل الاشكال في ذلك - كما عرفت - استبعد الالحاق في المدارك، والكفاية، والذخيرة. بل عن التنقيح: الجزم بعدمه في الدخان، لموثق عمرو بن سعيد المتقدم، الواجب تقديمه على الوجهين المذكورين حجة للالحاق، على تقدير تماميتهما. ومن ذلك يظهر الاشكال في البناء على مفطرية دخان التتن، والترياك ونحوهما. وكونه - بواسطة الاعتياد والتلذذ - يقوم مقام القوت، ويكون أشد من الغبار، غير واضح. ومثله: ما قيل: من استقرار سيرة المسلمين على الاجتناب عنه. لانقطاع السيرة المذكورة. وكذا ما يقال: من أنه ماح لصورة الصوم بحسب ارتكاز المتشرعة. فانه بنحو يكون حجة أول الكلام. فتأمل. بل لعل استقرار سيرة المسلمين على الدخول إلى الحمامات في نهار رمضان من دون أقل استشكال في ذلك دليل على جواز جذب البخار. ولافرق في ارتكازهم بين الغليظ وغيره. فالتعدي منه إلى الدخان - لتناسبهما

[ 262 ]

{ يدخل في الحلق غفلة، أو نسيانا، أو قهرا (1)، أو مع ترك التحفظ بظن عدم الوصول (2)، ونحو ذلك. السابع: الارتماس في الما (3). ويكفي فيه رمس } جدا - غير بعيد، لولا بلوغ الحكم المذكور من الاستبشاع في هذه الاعصار حدا يلحقه بمخالفة الضروري. وقال شيخنا الاعظم (ره) في محكي صومه: " الاقوى الالحاق لو عممنا الغبار لغير الغليظ، لتنقيح المناط، والاولوية وإن قيدناه بالغليظ فالاقوى عدم اللحوق، لان الاجزاء الترابية تلصق بالحلق وتنزل مع الريق، بخلاف الزأجاء اللطيفة الرمادية في الدخان، فانها تدخل في الجوف مصاحبة للدخان النازل، ولا تلصق بالحلق، ولا ينزل مع الريق منها شئ. والدخان ليس مما يؤكل، والاجزاء الرمادية ليست منفردة عن الدخان حتى يصدق الاكل بنزولها... ". وما ذكره في وجه الفرق بين الدخان والغبار مانع من الجزم بالاولوية على تقدير تعميم الغبار لغير الغليظ. مع أن اللصوق بالحلق والنزول مع الريق ليسا مناطا في مفطرية المفطرات، ليكون الفرق المذكور فارقا، حيث لا يظن الاشكال في مفطرية دخول الجرم إلى الجوف، ولو مع انتفاء الريق أصلا، ووجود الحائل على الحلق، بحيث لا يلصق به الجرم. مع أن الفرق المذكور في نفسه غير ظاهر، أو ممنوع، فلاحظ. (1) على ما سيأتي - إن شاء الله - في اعتبار العمد في الافطار. (2) إطلاق النص، بضميمة قرينة أن الغبار مما يكون الداعي النفساني موجبا لعدم ابتلاعه، يقتضي حصول الافطار به في الصورة المذكورة. (3) على المشهور شهرة عظيمة، بل ادعي عليه الاجماع. للنصوص الناهية عنه، الظاهرة في الارشاد إلى مفطريته، كغيرها مما ورد في أمثال المقام. وأظهر منه في ذلك صحيح ابن مسلم: " سمعت أبا جعفر (ع)

[ 263 ]

{ الرأس فيه (1)، وإن كان سائر البدن خارجا عنه. من غير } يقول: لا يضر الصائم ما صنع إذا اجتنب ثلاث خصال: الطعام، والشراب، والنساء، والارتماس في الماء " (* 1)، والمرفوع المروي عن الخصال، عن أبي عبد الله (ع): " خمسة أشياء تفطر الصائم... "، وعد منها: الارتماس في الماء (* 2). نعم يعارض ذلك كله: موثق إسحاق بن عمار: " رجل صائم ارتمس في الماء متعمدا، عليه قضاء ذلك اليوم؟ قال (ع): ليس عليه قضاؤه ولا يعودن " (* 3). والجمع العرفي بينهما يوجب حمل ما سبق على الكراهة، كما عن المرتضى في أحد قوليه، وابن إدريس وغيرهما. ومن ذلك يظهر ضعف ماعن الشيخ في الاستبصار، والعلامة، وولده والشهيد الثاني وغيرهم: من حمل النهي على الحرمة التكليفية - واختاره في الشرائع والمدارك - فانه خلاف المعهود بينهم في الجمع بين النهي والرخصة الواردين في مقام بيان الماهيات، فان بناءهم على حمل النهي على الكراهة الوضعية. ولا ينافيه في المقام: قوله (ع) في الموثق: " ولا يعودون " لقرب حمله على ذلك أيضا، كما يظهر بأقل ملاحظة لنظائر المقام. فراجع. (1) لاشتمال جملة من النصوص عليه، كصحيح ابن مسلم عن أبي جعفر (ع) قال: " الصائم يستنقع في الماء، ويصب على رأسه، ويتبرد بالثوب، وينضح بالمروحة، وينضح البوريا تحته، ولا يغمس رأسه في الماء " (* 4). ونحوه غيره. ولاتنافي بينه وبين ما تضمن النهي عن الارتماس الظاهر في ارتماس تمام البدن. لامكان حمله على الاول، ويكون كل منهما مفطرا.


(* 1) الوسائل باب: 1 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 2 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 6. (* 3) الوسائل باب: 6 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 1. (* 4) الوسائل باب: 3 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 2.

[ 264 ]

{ فرق بين أن يكون رمسه دفعة، أو تدريجا (1) على وجه يكون تمامه تحت الماء زمانا. وأما لو غمسه على التعاقب - لا على هذا الوجه - فلا بأس به وإن استغرقه (2). والمراد بالرأس ما فوق الرقبة بتمامه (3)، فلا يكفي غمس خصوص المنافذ في البطلان (4). وإن كان هو الاحوط. وخروج الشعر لا ينافي صدق الغمس (5). (مسألة 30): لا بأس برمس الرأس، أو تمام البدن في غير الماء من سائر المائعات (6)، بل ولا رمسه في الماء المضاف. وإن كان الاحوط الاجتناب، خصوصا في الماء المضاف. } ومنه يظهر ضعف ما في محكي الدروس: من التوقف في الافطار. برمس الرأس، وماعن ظاهر الميسي: من منعه. (1) كما نص عليه في الجواهر. للاطلاق. (2) لعدم صدق الارتماس والانغماس، الظاهرين في كون الرأس بتمامه تحت الماء آناما. فاحتمال تحريمه - كما في المدارك - ضعيف. (3) لانه الظاهر منه لغة وعرفا. (4) لقصور الادلة عن شموله. وما في المدارك: من أنه لا يبعد تعلق التحريم بغمس المنافذ كلها دفعة، وإن كانت منابت الشعر خارجة عن الماء ضعيف. (5) لخروج الشعر عن مفهوم الرأس. (6) إذ لم أقف على إطلاق يقضتي الاكتفاء بمطلق الارتماس. ولو فرض وجوده - كما هو ظاهر الجواهر - فهو مقيد بصحيح ابن مسلم. وحمل ذكر الماء فيه على ارادة التمثيل لمطلق المائع خال عن القرينة. اللهم إلا أن يكون الوجه في تخصيصه بالذكر. كونه الغالب في الارتماس.

[ 265 ]

{ (مسألة 31): لو لطخ رأسه بما يمنع من وصول الماء إليه ثم رمسه في الماء، فالاحوط، بل الاقوى بطلان صومه (1). نعم لو أدخل رأسه في إناء - كالشيشة ونحوها - ورمس الاناء في الماء، فالظاهر عدم البطلان. (مسألة 32): لو ارتمس في الماء بتمام بدنه إلى منافذ رأسه، وكان ما فوق المنافذ من رأسه خارجا عن الماء، كلا أو بعضا، لم يبطل صومه على الاقوى (2). وإن كان الاحوط البطلان برمس خصوص المنافذ، كما مر. (مسألة 33): لا بأس بافاضة الماء على رأسه (3) وإن اشتمل على جميعه، ما لم يصدق الرمس في الماء. نعم لو أدخل رأسه أو تمام بدنه في النهر المنصب من عال إلى السافل - ولو } لكنه غير ظاهر. ومن ذلك يظهر ضعف ماعن المسالك: من أن في حكم الماء: مطلق المائع وإن كان مضافا، كما نبه عليه بعض أهل اللغة والفقهاء. انتهى: إذ لاريب في كون الماء حقيقة في المطلق. وإطلاقه على غيره مجاز، محتاج في الحمل عليه إلى قرينة. ومثله: ماعن كشف الغطاء: من تقوية إلحاق خصوص المضاف بالماء. (1) كما في محكي كشف الغطاء. لصدق الارتماس معه. لكن تنظر فيه في الجواهر. وكأنه لدعوى الانصراف، وإن صدق معه الارتماس. (2) لعدم تحقق الارتماس، كما تقدم. (3) كما تقدم في صحيح ابن مسلم (* 1). والظاهر أنه لاإشكال فيه.


(* 1) تقدم قريبا في السابق من المفطرات.

[ 266 ]

{ على وجه التسنيم - فالظاهر البطلان، لصدق الرمس (1). وكذا في الميزاب إذا كان كبيرا، وكان الماء كثيرا، كالنهر مثلا. (مسألة 34): في ذي الرأسين إذا تميز الاصلي منهما فالمدار عليه. ومع عدم التميز يجب عليه الاجتناب عن رمس كل منهما (2). لكن لا يحكم ببطلان الصوم (3) إلا برمسهما ولو متعاقبا. (مسألة 35): إذا كان مائعان يعلم بكون أحدهما ماء } (1) وكون الماء جاريا وواقفا لا أثر له في الفرق. (2) يعني: إذا كان يحرم عليه الافطار. إذ حينئذ يعلم إجمالا بحرمة رمس أحدهما، فيجب عقلا الاحتياط. أما لو كان الصوم مندوبا فحكم العقل إرشادي إلى عدم الاجتزاء بالصوم مع الارتماس في طرف الشبهة. لان منجزية العلم الاجمالي لا تختص بالاحكام الالزامية، فكما يمنع العلم من جريان الاصل المنافي في الاحكام الالزامية، يمنع منه في الاحكام غير الالزامية. (3) لاحتمال كون المرموس الرأس الزائد. وإن كان يعاقب على تقدير المصادفة للرأس الاصلي، بل مطلقا، بناء على قبح التجري عقلا بحيث يوجب العقاب. هذا ويمكن أن يقال: إنه وإن لم يحكم بالافطار واقعا أو ظاهرا شرعا إلا أنه بمقتضى العلم الاجمالي يحكم عقلا بعدم الاجتزاء به، لاحتمال مصادفة الواقع المنجز. كما لو توضأ من أحد الاناءين المشتبهين، أو صلى في أحد الثوبين كذلك. واستصحاب الصحة لا يجري في قبال العلم الاجمالي المنجز، كما هو لازم القول بالحرمة. وبالجملة: وجوب الاجتناب عقلا تابع لتنجز الواقع، وهو مانع من جريان الاصل المؤمن منه.

[ 267 ]

{ يجب الاجتناب عنهما، ولكن الحكم بالبطلان يتوقف على الرمس فيهما (1). (مسألة 36): لا يبطل الصوم بالارتماس سهوا، أو قهرا، أو السقوط في الماء من غير اختيار (2). (مسألة 37): إذا ألقى نفسه من شاهق في الماء بتخيل عدم الرمس، فحصل، لم يبطل صومه (3). (مسألة 38): إذا كان مائع لا يعلم أنه ماء أو غيره، أو ماء مطلق أو مضاف، لم يجب الاجتناب عنه (4). } (1) بناء على اختصاص الحكم بالماء المطلق فالكلام في الفرض كما سبق في ذي الرأسين. ولو عمم لمطلق المائع كفى الرمس في أحدهما في الافطار. (2) لاعتبار العمد في المفطرية، كما سيأتي إن شاء الله. (3) لعدم العمد. (4) لاصالة البراءة عن مفطرية الارتماس فيه. ودعوى: أنه إنما يصح جريانها لو كان المفطر ملحوظا في وجوب الصوم عنه بنخو الطبيعة السارية، إذ حينئذ يشك في تعلق التكليف بالاضافة إلى المشتبه بنحو الشبهة الموضوعية. أما لو كان ملحوظا بنحو صرف الوجود الخارق للعدم، فلا يصح جريانها، لان صرف الوجود مفهوم معين علم بتعلق التكليف بالصوم عنه، فمع الشك في المائع أنه ماء أولا يشك في الخروج عن عهدة التكليف المعلوم بالارتماس فيه، ومع الشك في الخروج عن عهدة التكليف المعلوم يجب الاحتياط. مندفعة: بأن مرجع الشك في المقام إلى الشك في اتساع التكليف بنحو يشمل الارتماس في المردد وعدمه، فيكون الارتماس فيه موضوعا للشك في التكليف، والشك في التكليف مطلقا مجرى لاصالة

[ 268 ]

{ (مسألة 39): إذا ارتمس نسيانا أو قهرا، ثم تذكر أو ارتفع القهر، وجب عليه المبادر إلى الخروج، وإلا بطل صومه (1). (مسألة 40): إذا كان مكرها في الارتماس لم يصح صومه (2)، بخلاف ما إذا كان مقهورا (3). } البراءة. ولافرق في جريانها بين انحلال التكليف إلى تكاليف متعددة، متلازمة ثبوتا وسقوطا وإطاعة ومعصية، وبين مثل المقام، لعدم الفرق في حكم العقل بقبح العقاب من دون بيان بين المقامين. ولاجل ذلك نقول بالبراءة في الدوران بين الاقل والاكثر الارتباطيين مع انحلال التكليف بالاكثر إلى تكاليف متلازمة ثبوتا وسقوطا وإطاعة ومعصية، وأن التكليف بالاقل مشكوك السقوط مع الاقتصار على الاقل. وتفصيل الكلام موكول إلى محله من الاصول. (1) لتحقق الارتماس منه عمدا. ودعوى الانصراف إلى الحدوث دون البقاء ممنوعة. (2) لعدم الدليل على الصحة. وكون البطلان مقتضى إطلاق الادلة. وأدلة نفي الاكراه إنما تصلح لنفي المؤاخذة أو سائر الآثار المترتبة على فعل المكره ولا تصلح لاثبات الصحة، لان وظيفتها النفي لا الاثبات. ومثله: الكلام فيما لو أكره على ترك الجزء، أو الشرط، أو فعل المانع، في سائر العبادات. (3) لانتفاء العمد. وبذلك افترق عن الاكراه، لتحقق القصد معه لان الاكراه هو الحمل على فعل المكروه عن إرادة. وكذا الحال لو كان الارتماس واجبا عليه لانقاذ غريق، إذ الوجوب المذكور إنما يقتضي وجوب الافطار. لاصحة الصوم مع الارتماس، إذ لا تعرض فيه لذلك.

[ 269 ]

{ (مسألة 41): إذا ارتمس لانقاذ غريق بطل صومه وإن كان واجبا عليه. (مسألة 42): إذا كان جنبا. وتوقف غسله على الارتماس انتقل إلى التيمم إذا كان الصوم واجبا معينا (1). وإن كان مستحبا، أو كان واجبا موسعا وجب عليه الغسل (2) وبطل صومه (3). } (1) فان وجوبه كذلك يوجب حرمة الغسل الارتماسي، فيكون غير مقدور شرعا، فيتعين عليه التيمم. (2) لتمكنه منه، لكون المفروض جواز الافطار. وربما يتوهم: وجوب التيمم في الفرض أيضا، بناء على كونه محرما تكليفا، لا مفطرا إذ أنه بناء على ذلك لافرق بين الواجب المعين وغيره في كون الارتماس فيه حراما، لاطلاق الادلة ودعوى: قصورها عن شمول النافلة - كما احتمله في محكي المدارك - ممنوعة. فإذا حرم الغسل الارتماسي تعين التيمم. وفيه: أنه إذا فرض جواز إفطار الصوم لعدم كونه من الواجب المعين، كانت الطهارة المائية مقدورة ولو بتوسط الافطار، فيجب أن يفطر أولا، ثم يرتمس بعده، لئلا يحصل الارتماس حال الصوم المفروض كونه محرما. فيكون الافطار في المقام نظير وجوب شراء ماء الغسل لئلا يكون الغسل بالماء المغصوب. فإذا لافرق في وجوب الغسل الارتماسي بين القول بمفطرية الارتماس والقول بتحريمه. (3) يعني: يبطل بمجرد وجوب الغسل وإن لم يرتمس. لانه إذا وجب الارتماس للغسل فقد امتنع الامر بالصوم عنه، فيبطل لعدم الامر به، وامتناع التقرب بفعله.

[ 270 ]

{ (مسألة 43): إذا ارتمس بقصد الاغتسال في الصوم الواجب المعين، بطل صومه وغسله (1) إذا كان متعمدا. وإن كان ناسيا لصومه صحا معا (2). وأما إذا كان الصوم مستحبا، أو واجبا موسعا، بطل صومه، وصح غسله (3). (مسألة 44): إذا أبطل صومه بالارتماس العمدي، فان لم يكن من شهر رمضان، ولا من الواجب المعين غير رمضان، يصح له الغسل حال المكث في الماء، أو حال الخروج (4). وإن كان من شهر رمضان يشكل صحته حال المكث، لوجوب الامساك عن المفطرات فيه بعد البطلان أيضا. بل يشكل صحته حال الخروج أيضا، لمكان النهي السابق، كالخروج من الدار الغصبية إذا دخلها عامدا (5). ومن هنا يشكل صحة الغسل في الصوم الواجب المعين أيضا، سواء كان في حال المكث، أو حال الخروج. } (1) أما بطلان صومه فللارتماس فيه عمدا. وأما بطلان غسله فللنهي عنه، لكونه مفطرا. (2) أما الصوم فلعدم انتقاضه بالارتماس السهوي. وأما الغسل فلعدم النهي عنه، لعدم كونه مفطرا. (3) يعني: إذا كان متعمدا. ووجه الحكم فيهما يظهر مما سبق. (4) المراد من حال الخروج: حال المكث تحت الماء مقارنا لحركته للخروج. ثم إنه لافرق بين الحالين في كون الغسل في كل منهما مأمورا به بلا شائبة نهي عنه، لكون المفروض كون الصوم مما يجوز نقضه بالمفطر. (5) فان الخروج المذكور مورد الخلاف بين الاعلام. فقيل بوجوبه

[ 271 ]

{ (مسألة 45): لو ارتمس الصائم في الماء الغصوب } مقدمة للكون في المكان المباح، وليس منهيا عنه، لا فعلا، ولا سابقا على الدخول. وهو المنسوب إلى فقهائنا (رض). وقيل: بأنه واجب وحرام فعلا. وهو المنسوب إلى أبي هاشم. وقيل: بأنه واجب وليس بحرام فعلا، ولكنه كان حراما قبل الدخول. وهو المنسوب إلى الرازي. والتحقيق: أنه ليس بواجب، لانفسيا - كما هو ظاهر - ولاغيريا لعدم كونه مقدمة لواجب. وكونه مقدمة للكون في المكان المباح - لو سلم - لا يقتضي وجوبه غيريا، لعدم وجوب الكون في المكان المباح، بل ليس الثابت في الشريعة المقدسة إلا حرمة الكون في المكان المغصوب. نعم لا بأس بدعوى وجوبه عقلا، فرارا عن الغصب في الزمان الزائد على زمان الخروج من باب وجوب ارتكاب أقل القبيحين. فان قلت: الفرار عن الغصب في الزمان الزائد واجب، فإذا توقف الفرار على الخروج كان واجبا أيضا. وهذا معنى ما اشتهر، من وجوبه مقدمة للتخلص عن الغصب. قلت: الفرار عن الغصب وإن كان واجبا، إلا أن الخروج ليس مقدمة له، بل هو ملازم له، لانه أقل القبيحين، الملازم لعدم أكثرهما. كما أن التحقيق أنه ليس بحرام فعلا، لخروجه عن الاختيار المانع من التكليف به. وإنما الاشكال في أنه كان حراما سابقا، فيقع على وجه المبغوضية، فيكون مبعدا، وموجبا للعقاب - وهو المعبر عنه بحكم المعصية - أولا. وجهان، ناشئان من كونه اختياريا - ولو في الزمان السابق - أولا فعلى الاول يكون مبعدا وموجبا للعقوبة، لانه مخالفة للنهي عنه، ولو سابقا. وعلى الثاني لا يكون كذلك. واختار بعض الاعيان الثاني، مدعيا أن للخروج عدمين: عدم في

[ 272 ]

ظرف عدم الدخول، وعدم في ظرف الدخول. والاختياري هو الاول، لا الثاني، فانه ليس اختياريا من الازل، فلا يصح تعلق التكليف به من الازل. وفيه: أنه لا يظهر وجه للتفكيك بين العدمين في الاختيار وعدمه فكما أن عدم الخروج على تقدير الدخول ليس اختياريا بل واجب، كذلك عدمه على تقدير عدم الدخول، فانه أيضا ليس اختياريا بل ممتنع، فاما أن يلتزم بامتناع التكليف بالخروج على كل تقدير، وإما أن يلتزم بجوازه كذلك. والتحقيق هو الثاني، سواء أكان الدخول مقدمة للخروج أم ملازما له. إذ على الاول: يكون اختياره الدخول كاختيار سائر المعلولات باختيار عللها، ويكفي مثله في صحة التكليف. وعلى الثاني: يكون اختياره ملازما لاختيار الدخول، كما في سائر المتلازمات، ويكفي أيضا مثله في صحة التكليف. وهذا الذي ذكرنا هو الموافق لمرتكزات العرف والعقلاء. وتحقيق الكلام موكول إلى محله في الاصول. وعليه يمتنع الغسل في حال الخزوج، لحرمته المانع من إمكان التقرب به. وربما يتوهم الفرق بين المقام وبين الخروج من الدار المغصوبة، بأن دليل حرمة الغصب نسبته إلى الدخول والخروج نسبة واحدة، بخلاف حرمة استعمال المفطر في المقام، فان حرمة الاستعمال الاول من باب حرمة الافطار وحرمة الاستعمال الثاني من باب وجوب الامساك على المفطر، فحرمة الثاني مشروطة بالافطار، وإذا كانت مشروطة به امتنع أن تقتضي المنع عما كان معلولا للافطار، لانه يلزم أن يكون الافطار المذكور علة لوجود المعلول وعلة لعدمه، أما الاول: فلكونه المفروض، وأما الثاني: فلانه مقتضى علية الافطار للحرمة، التي هي علة العدم. فحينئذ نقول: الخروج إذا كان معلولا للارتماس الدخولي امتنع أن يكون محرما بالحرمة المشروطة به، لانه يلزم أن يكون الارتماس الدخولي علة للخروج ولعدمه.

[ 273 ]

{ فان كان ناسيا للصوم وللغصب صح صومه وغسله (1). وإن كان عالما بهما بطلا معا -. وكذا إن كان متذكرا للصوم ناسيا للغصب (2). وإن كان عالما بالغصب ناسيا للصوم صح الصوم، دون الغسل (3). (مسألة 46): لا فرق في بطلان الصوم بالارتماس } ودفعه أولا: بعدم المقتضي للالتزام بكون حرمة الاستعمال ثانيا مشروطة بالافطار، ولم لا يكون الدليل الدال على وجوب الامساك دالا على كون وجوب الامساك عن المفطرات ثابتا على من يجب عليه الصوم من أول النهار إلى آخره وإن أفطر في بعض النهار؟! فتكون حرمة استعمال المفطر نظير حرمة الغصب التي لافرق فيها بين الدخول والخروج. وثانيا: بأن الارتماس المفطر الذي هو شرط حرمة استعمال المفطر ثانيا آني، ولايكون علة للارتماس في الان الثاني، وانما الذي يكون كذلك هو خصوص الارتماس مع البعد عن سطح الماء، وليس هو المفطر لاستناد الافطار إلى أول مراتب وجوده. وثالثا: بالاشكال في إمكان كون الحدوث من علل البقاء، لان الحدوث والبقاء وجود واحد، لا وجودان مترتبان، كما هو الحال في العلة والمعلول، ليكون الاول علة للثاني، فلاحظ. (1) أما الاول: فلعدم القصد الى المفطر. وأما الثاني: فللجهل بالغصبية، المصحح للتقرب بالغسل، على ما تقرر في محله. ومنه يظهر وجه بطلانهما لو علم بهما. (2) إذ يكفي في بطلان الغسل الالتفات إلى كونه مفطرا محرما. (3) يعلم وجهه مما سبق.

[ 274 ]

{ بين أن يكون عالما بكونه مفطرا أو جاهلا (1). (مسألة 47): لا يبطل الصوم بالارتماس في الوحل، ولا بالارتماس في الثلج (2). (مسألة 48): إذا شك في تحقق الارتماس بنى على عدمه (3). الثامن: البقاء على الجنابة عمدا إلى الفجر الصادق (4)، } (1) لاطلاق الادلة من دون مقيد. وسيأتي في الفصل الآتي. (2) لعدم كونهما من الماء، بل هما أولى بالعدم من الماء المضاف الذي عرفت عدم قدح الارتماس فيه. (3) لاصالة عدمه. (4) على المشهور، بل عده في الجواهر من القطعيات، وإنه لم يتحقق فيه خلافا. وعن الخلاف، والوسيلة، والغنية، والسرائر، وظاهر التذكرة والمنتهى وغيرها: الاجماع عليه، بل في محكي الانتصار: دعوى الاجماع المتكرر عليه. ويدل عليه جملة من النصوص. وفي الرياض: أنها قريبة من التواتر إذ منها مادل على ثبوت الكفارة، كموثق أبي بصير عن أبي عبد الله (ع): " في رجل أجنب في شهر رمضان بالليل، ثم ترك الغسل متعمدا حتى أصبح. قال (ع): يعتق رقبة، أو يصوم شهرين متتابعين، أو يطعم ستين مسكينا " (* 1) ونحوه رواية المروزي عن الفقيه (* 2) ومرسل ابن عبد الحميد (* 3) مع التصريح فيهما بالقضاء. ولاجلهما تكون الكفارة في


(* 1) الوسائل باب: 16 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 2. (* 2) الوسائل باب: 16 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 3. (* 3) الوسائل باب: 16 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 4.

[ 275 ]

الموثق للافطار، لا المجرد المعصية. ومنها: ما ورد في النائم، كصحيح الحلبي عنه (ع): " في رجل احتلم أول الليل أو أصاب من أهله، ثم نام متعمدا في شهر رمضان حتى أصبح. قال (ع): يتم صومه ذلك، ثم يقضيه إذا أفطر من شهر رمضان ويستغفر ربه " (* 1) وصحيح البزنطي عن أبي الحسن (ع): " عن رجل أصاب من أهله في شهر رمضان أو أصابته جنابة، ثم ينام حتى يصبح متعمدا قال (ع): يتم ذلك اليوم، وعليه قضاؤه " (* 2) ونحوهما غيرهما. نعم يعارضها جملة أخرى دالة على الجواز وعدم الافطار، كصحيح حماد عن الخثعمي عن أبي عبد الله (ع): " كان رسول الله صلى الله عليه وآله يصلي صلاة الليل في شهر رمضان، ثم يجنب، ثم يؤخر الغسل متعمدا حتى يطلع الفجر " (* 3) ونحوه غيره. لكنها لا مجال للعمل بظاهرها بعدما عرفت: من حكاية الاجماعات الكثيرة على خلافها. فلابد من حملها على التقية، كما يشير إليه ما رواه في المقنع عن حماد بن عثمان. " أنه سأل أبا عبد الله (ع) عن رجل أجنب في شهر رمضان من أول الليل، فأخر الغسل حتى يطلع الفجر. فقال (ع): كان رسول الله صلى الله عليه وآله يجامع نساءه من أول الليل، ثم يؤخر الغسل حتى يطلع الفجر! ولا أقول كما يقول هؤلاء الاقشاب (* 4)، ويقضي يوما مكانه " (* 5) ورواية اسماعيل بن عيسى قال: " سألت الرضا (ع) عن رجل أصابته


(* 1) الوسائل باب: 16 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 15 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 4. (* 3) الوسائل باب: 16 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 5. (* 4) جمع قشب ككتف وهو من لا خير فيه من الرجال. (* 5) الوسائل باب: 13 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 3.

[ 276 ]

{ في صوم شهر رمضان، أو قضائه (1)، دون غيرهما من } جنابة في شهر رمضان، فنام عمدا حتى يصبح، أي شئ عليه؟ قال (ع): لا يضره هذا، ولا يفطر، ولا يبالي. فان أبي (ع) قال: قالت عائشة: إن رسول الله صلى الله عليه وآله أصبح جنبا من جماع غير احتلام " (* 1). أما مالا صراحة فيه في العمد - كصحيح العيص: " أنه سأل أبا عبد الله (ع) عن رجل أجنب في شهر رمضان في أول الليل، فأخر الغسل حتى طلع الفجر. فقال (ع): يتم صومه، ولا قضاء عليه " (* 2). ونحوه غيره - فمحمول على غير العامد، جمعا بينه وبين ما سبق مما هو صريح في العامد، أو ظاهر فيه. ومن ذلك يظهر ضعف ماعن ظاهر الصدوقين: من عدم الافطار بذلك. وعن الداماد في شرح النجاة، والاردبيلي في آيات أحكامه وشرح الارشاد، والكاشاني في المعتصم: القول به، أو الميل إليه. (1) كما هو ظاهر الاصحاب - ويقتضيه - مضافا الى أنه مقتضى قاعدة اتحاد القضاء مع الاداء -: صحيح عبد الله بن سنان: " أنه سأل أبا عبد الله (ع) عن الرجل يقضي شهر رمضان، فيجنب من أول الليل، ولا يغتسل حتى يجيئ آخر الليل وهو يرى أن الفجر قد طلع. قال (ع): لا يصوم ذلك اليوم، ويصوم غيره " (* 3) وصحيحه الآخر: " كتب أبي إلى أبي عبد الله (ع) - وكان يقضي شهر رمضان - وقال: إني أصبحت بالغسل وأصابتني جنابة، فلم أغتسل حتى طلع الفجر. فأجابه (ع): لاتصم هذا اليوم، وصم غدا " (* 4) ونحوهما موثق سماعة (* 5)


(* 1) الوسائل باب: 13 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 6. (* 2) الوسائل باب: 13 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 4. (* 3) الوسائل باب: 19 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 1. (* 4) الوسائل باب: 19 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 2. (* 5) الوسائل باب: 19 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 3.

[ 277 ]

{ الصيام الواجبة والمندوبة على الاقوى (1). وإن كان الاحوط } وحينئذ فما عن المنتهى: من التردد فيه، وعن المعتبر: من الميل إلى عدمه، في غير محله. وما يظهر من تعليل الاول ذلك باختصاص النصوص بشهر رمضان كما ترى. (1) أما في المندوبة فهو المشهور بين من تعرض له. ويدل عليه: صحيح عبد الله بن المغيرة عن حبيب الخثعمي: " قلت لابي عبد الله (ع): أخبرني عن التطوع وعن صوم هذه الثلاثة أيام إذا أجنبت من أول الليل فأعلم أني أجنبت. فأنام متعمدا حتى ينفجر الفجر، أصوم أولا أصوم؟ قال (ع): صم " (* 1) وخبر عبد الله بن بكير عن أبي عبد الله (ع): " سئل عن رجل طلعت عليه الشمس وهو جنب، ثم أراد الصيام بعدما اغتسل ومضى ما مضى من النهار. قال (ع): يصوم إن شاء، وهو بالخيار الى نصف النهار " (* 2) وقريب منهما موثقه عنه (ع) (* 3) وماقد يظهر من المشهور أو ينسب إليهم من المنع في غير محله. وأما الواجبة فصريح جماعة المنع فيها، كرمضان وقضائه، بل هو ظاهر المشهور والمنسوب إليهم. حملا له عليها. ولا مجال لحمله على التطوع، لمعلومية التسامح فيه بما لا يتسامح في غيره، كصلاة التطوع. وفيه: أن قاعدة الالحاق وإن كانت تامة في الجملة، وقد استقر بناء الاصحاب عليها في كثير من الموارد. إلا أنها لا مجال لها في المقام. إذ الوجه فيها - كما أشرنا إليه في بعض مباحث الطهارة من الشرح - إما ظهور الدليل الوارد في المورد الخاص في كونه لبيان نفس الماهية من حيث هي. أو الاطلاق


(* 1) الوسائل باب: 20 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 19 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 3. (* 3) الوسائل باب: 19 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 2.

[ 278 ]

{ تركه في غيرهما أيضا (1). خصوصا في الصيام الواجب، موسعا كان أو مضيقا. وأما الاصباح جنبا من غير تعمد فلا يوجب البطلان (2). } المقامي لدليل مشروعية الملحق، الموجب لحمله على الملحق به. وكلاهما لا مجال لهما في المقام. إذ الاول ينافيه مادل على الجواز في المندوب. والاطلاق كما يمكن أن يكون الوجه فيه: الاكتفاء ببيان صوم شهر رمضان وقضائه يمكن أن يكون الاكتفاء ببيان صوم المندوب. ولو فرض أن البيان في الاول أولى بالاعتماد عليه، للمشاركة في الوجوب، أمكن أن يقال: إن الوجه في الاطلاق: الاعتماد على ما ورد في مطلق الصوم مما ينفي اعتبار ذلك فيه، مثل صحيح ابن مسلم: " سمعت أبا جعفر (ع) يقول: لا يضر الصائم إذا اجتنب ثلاث خصال: الطعام والشراب، والنساء، والارتماس في الماء " (* 1) فانه يدل على عدم قدح البقاء على الجنابة في طبيعة الصوم من حيث هي. فإذا دل دليل على دخله في خصوص صوم رمضان لم يكن وجه لالحاق غيره به، بل المرجع فيه الدليل المذكور. (1) بل هو المختار في الجواهر، وعن المصابيح، ناقلا الاجماع عليه وفي محكي مفتاح الكرامة: " لم أجد في علمائنا المتقدمين من خالف في ذلك أو تردد، سوى المحقق في المعتبر ". ونحوه كلام غيره. وقد عرفت ضعفه وان كان لا ينبغي ترك الاحتياط، لما عرفت من الشبهة. لكن يتم ذلك في الصيام الواجب، دون المندوب، فان في الاحتياط تفويتا للمندوب، الذي دل الدليل على صحته. (2) كما هو ظاهر الاصحاب، لانهم قيدوا الافطار بصورة العمد.


(* 1) الوسائل باب: 1 من ابواب عنه الصائم حديث: 1.

[ 279 ]

بل يظهر ذلك مما عن الخلاف: من الاجماع على صحة الصوم لو نام وقد نوى الغسل. وفي الجواهر: " لا خلاف أجده فيه ". وعن المدارك: إنه مذهب الاصحاب، لا أعلم فيه مخالفا ". وكيف كان يدل عليه: صحيح البزنطي عن القماط: " سئل أبو عبد الله (ع) عمن أجنب في شهر رمضان في أول الليل، فنام حتى أصبح قال (ع): لا شئ عليه. وذلك أن جنابته كانت في وقت حلال " (* 1) وصحيح ابن رئاب: " سئل أبو عبد الله (ع) - وأنا حاضر - عن الرجل يجنب بالليل في شهر رمضان، فينام ولا يغتسل حتى يصبح. قال (ع): لا بأس، يغتسل ويصلي ويصوم " (* 2) ونحوهما غيرهما. ولا ينافيها: مادل على الفساد بالنوم جنبا حتى يصبح، كصحيح ابن مسلم عن أحدهما قال: " سألته عن الرجل تصيبه الجنابة في شهر رمضان ثم ينام قبل أن يغتسل. قال (ع): يتم صومه، ويقضي ذلك اليوم " (* 3) ونحوه غيره - لوجوب حملها على العامد، جمعا بينهما، بشهادة صحيح الحلبي المتقدم (* 4) إذ بعد تقييد ما سبق به - لاختصاصه بالعامد - يبقى تحت ما سبق غير العامد، فيكون أخص من مثل صحيح ابن مسلم. وهذا نحو من الجمع العرفي، كما حقق في مبحث التعارض. هذا كله في رمضان. أما غيره من انواع الواجب المعين، فان أمكن إلحاقه برمضان من جهة النصوص المذكورة، بدعوى إلغاء خصوصية موردها فهو. وإلا كفى أصل البراءة في الالحاق فيه وفي غير المعين، أو عموم حصر المفطر في غيره.


(* 1) الوسائل باب: 13 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 13 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 7. (* 3) الوسائل باب: 15 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 3. (* 4) تقدم قريبا في اول الامر الثامن مما يجب الامساك عنه في الصوم.

[ 280 ]

{ إلا في قضاء شهر رمضان (1) على الاقوى. وإن كان الاحوط إلحاق مطلق الواجب غير المعين به في ذلك (2). وأما الواجب } (1) كما نسب الى الشيخ، والفاضلين، والمحقق الثاني وغيرهم، بل عن الاخير: نسبته إلى الشيخ والاصحاب. لاطلاق صحيحي ابن سنان المتقدمين (* 1) ودعوى: اختصاصهما بالعمد - لان الظاهر من قول السائل في الاول: " ولا يغتسل حتى... "، وقوله في الثاني: " أصبحت بالغسل فلم أغتسل حتى... ": أن ذلك عن عمد، كما هو الاصل في نسبة الفعل إلى الفاعل - ممنوعة. والاصل المذكور لا أصل له. نعم يشكل التمسك بموثق سماعة: " سألته عن رجل أصابته جنابة في جوف الليل في رمضان، فنام - وقد علم بها - ولم يستيقظ حتى أدركه الفجر. فقال (ع): عليه أن يتم صومه، ويقضي صوما آخر. فقلت: إذا كان ذلك من الرجل وهو يقضي رمضان؟ قال (ع): فليأكل يومه ذلك، وليقض، فانه لا يشبه رمضان شئ من الشهور " (* 2) لظهور صدره في عدم الصحة في رمضان في مورد السؤال، فلابد من حمله على العمد - كما هو الظاهر - أو على تعدد الانتباه، فيختص الذيل بذلك. لكن في غيره من النصوص كفاية. ولاجلها لا مجال للتمسك في المقام بقاعدة المساواة بين القضاء والاداء، فان نسبة النصوص إلى القاعدة نسبة الخاص الى العام، الواجب تقديمه عليه. (2) كما نسب إلى الشيخ وجماعة من المتأخرين، بل عن جامع المقاصد وفوائد الشرائع: نسبته إلى الشيخ والاصحاب. وليس له وجه ظاهر إلا دعوى استفادته من نصوص القضاء، بالغاء خصوصية موردها، وأن المفهوم


(* 1) تقدما قريبا في أوائل هذا الامر. (* 2) الوسائل باب: 19 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 3.

[ 281 ]

{ المعين - رمضانا كان أو غيره - فلا يبطل بذلك. كما لا يبطل مطلق الصوم - واجبا كان أو مندوبا، معينا أو غيره - بالاحتلام في النهار (1). ولا فرق في بطلان الصوم بالاصباح جنبا عمدا بين أن تكون الجنابة بالجماع في الليل أو الاحتلام (2)، ولا بين أن يبقى كذلك ميتقظا أو نائما (3) بعد العلم بالجنابة مع العزم على ترك الغسل (4). ومن البقاء على الجنابة عمدا: } منها عرفا: كون الموضوع فيها كونه غير معين. لكن في جواز الاعتماد عليها إشكال، بل منع. فأصل البراءة محكم، كما أشرنا إليه سابقا. (1) بلا خلاف، بل الاجماع بقسميه عليه - كما في الجواهر - بل لعله ضروري. ويدل عليه النصوص المستفيضة، كصحيح عبد الله بن ميمون عن أبي عبد الله (ع): " ثلاثة لا يفطرن الصائم: القئ، والاحتلام، والحجامة " (* 1) وصحيح العيص: " أنه سأل أبا عبد الله (ع) عن الرجل ينام في شهر رمضان فيحتلم، ثم يستيقظ، ثم ينام قبل أن يغتسل قال (ع): لا بأس " (* 2) ونحوهما غيرهما. (2) كما صرح بكل منهما في جملة من النصوص، كصحيحي الحلبي والبزنطي (* 3) وغيرهما. (3) لاطلاق النص والفتوى. مع التصريح في جملة من النصوص بالثاني، المقتضي لثبوت الحكم في الاول بطريق أولى (* 4). (4) كما يقتضيه ظاهر التعمد المذكور في صحيحي الحلبي والبزنطي.


(* 1) الوسائل باب: 35 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 35 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 3. (* 3) تقدما في أول الامر الثامن مما يجب الامساك عنه في الصوم. (* 4) لاحظ ما تقدم في أول الامر الثامن.

[ 282 ]

{ الاجناب قبل الفجر متعمدا (1) في زمان لا يسع الغسل ولا التيمم. وأما لو وسع التيمم خاصة فتيمم، صح صومه. وإن كان عاصيا في الاجناب (2). وكما يبطل الصوم بالبقاء على الجنابة متعمدا كذا يبطل بالبقاء على حدث الحيض والنفاس } (1) كما نص عليه في الجواهر وغيرها. وفي كلام بعض: نفي الاشكال فيه. وعن الخلاف: الاجماع عليه. لان مورد النصوص المتقدمة وإن كان مختصا بصورة كون البقاء جنبا بنفسه اختياريا مع قطع النظر عن الحدوث، إلا أن الظاهر منها: كون المفطر مجرد الاختيار في البقاء ولو بتوسط الاختيار في الحدوث، كما في الفرض. (2) أما الصحة فلعموم بدلية التراب عن الماء، الشامل لما نحن فيه. وما عن المنتهى وغيره: من المنع عن البدلية عن الغسل في المقام - وعن المدارك اختياره - لان أدلة البدلية مثل قولهم (ع): " التراب أحد الطهورين " ونحوه (* 1) ظاهر في قيام التيمم مقام الغسل أو الوضوء في ترتيب آثار الطهارة. ولم يظهر من نصوص المقام كون صحة الصوم منها، بل الظاهر منها: كون نفس الغسل شرطا في صحة الصوم، لا الطهارة. فيه: أن الظاهر من دليل اعتبار الغسل: اعتباره من أجل اعتبار ما يترتب عليه من الطهارة، لامن حيث هو. ومثله في الضعف: ما قد يقال: من اختصاص أدلة البدلية بصورة اعتبار الطهارة المطلقة، لا مطلق الطهارة، ولو كان خصوص الطهارة من الجنابة. إذ فيه أيضا: أن ذلك خلاف إطلاق أدلة البدلية. ومثلهما في الضعف: ما قد يقال: من أن أدلة المقام إنما تدل على


(* 1) تقدم في فصل ما يصح التيمم به من الجزء: 4 من هذا في مسألة: 24 من فصل أحكام التيمم من الجزء المذكور ما يدل على ذلك فراجع

[ 283 ]

قدح الجنابة في الصوم، فيكون البطلان من آثار الجنابة، ولما كان التحقيق أن التيمم ليس رافعا لها، لم يجد التيمم في تصحيح الصوم. وهذا وإن كان لا يخلو من وجه، إلا أن الاوجه خلافه: أولا: من جهة اشتمال جملة من نصوص المقام على ذكر الغسل، بنحو يكون مقتضى الجمود على ظاهرها: شرطية الغسل والطهارة، لامانعية الجنابة. وثانيا: من جهة أن الطهارة وإن كانت صفة وجودية ضد الحدث، إلا أن المراد منها - في موضوعيتها للاحكام - الخلو من الحدث، ولذا تضاف الى حدث معين، فيقال: طاهر من الاكبر، أو الاصغر، أو من الجنابة أو من الحيض، أو غير ذلك. ودليل البدلية ظاهر في ترتيب آثار الخلو من الحدث الخاص سواء ألوحظ الحدث مانعا، أم الخلو عنه شرطا، لرجوع الاول إلى الثاني ولاجل ذلك كان من الضروري صحة الصلاة مع التيمم، مع تسالمهم على كون الحدث قاطعا، كما يقتضيه الجمود على ظاهر جملة من النصوص وهكذا الحال في الطهارة المقابلة للنجاسة، فانها يراد منها عدم النجاسة. ولذا يرجع إلى قاعدة الطهارة في الشبهة الموضوعية حتى في الموارد التى كان ظاهر الدليل مانعية النجاسة فيها. وبالجملة: لو بني على فتح هذا الباب لاشكل الحكم في كثير من الغايات المترتبة على الطهارة من الحدث والخبث، التي يكتفى في ترتيبها بالتيمم وأصالة الطهارة، مع أن مقتضى الجمود على ظاهر أدلتها مانعية الحدث والنجاسة. فلاحظ باب حرمة دخول المساجد، وقراءة العزائم على الجنب وغيرها. وتأمل. وأما العصيان فمبني على عدم وفاء التيمم بتمام مصلحة الغسل. ويقتضيه الجمع العرفي بين إطلاق دليل الطهارة المائية وتقييد دليل الطهارة الترابية بتعذر الماء، فان العرف في مثله يحكم: بأن الوجه في إطلاق الدليل الاول:

[ 284 ]

{ إلى طلوع الفجر (1)، فإذا طهرت منهما قبل الفجر وجب عليها الاغتسال أو التيمم، ومع تركهما عمدا يبطل صومها، } تعين المائية في مقام الوفاء بالمصلحة. وكذا الحال في سائر الابدال الاضطرارية. وقد أشرنا الى ذلك في غير مقام من كتاب الطهارة. فراجع. (1) كما هو المشهور بين من تعرض له. بل عن جامع المقاصد: نفي الخلاف فيه. ويدل عليه في الاول: موثق أبي بصير عن أبي عبد الله (ع): " قال: إذا طهرت بليل من حيضها، ثم توانت أن تغتسل في رمضان حتى أصبحت، عليها قضاء ذلك اليوم " (* 1) وعن المعتبر والذكرى: التردد فيه. بل عن نهاية الاحكام الميل الى العدم، بل يستظهر من عدم التعرض له في كثير من كتب السيدين والشيخين وغيرهما. ويستدل له: بالاصل، مع عدم صحة الرواية. وفيه مالا يخفى. إذ يكفى في الحجية كونها من الموثق. ولاسيما وكونها من روايات بني فضال، التي أمرنا بالخصوص بالاخذ بها. وفي الثاني: القاعدة المجمع عليها، من أن النفساء كالحائض، والكلام فيها تقدم في مبحث النفاس. هذا ومقتضى عموم مادل على وجوب الكفارة بتعمد المفطر: وجوب الكفارة أيضا. لكن في المستند وغيره: عدمها. ووجهه غير ظاهر. وأصل البراءة لا مجال له مع الدليل.


رواه الشيخ (ره) باسناده عن علي بن الحسن، عن علي بن اسباط، عن عمه يعقوب ابن سالم الاحمر، عن أبي بصير. (منه قدس سره). راجع التهذيب ج 1 صفحة 393 طبع النجف الاشرف. (* 1) الوسائل باب: 21 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 1.

[ 285 ]

{ والظاهر: اختصاص البطلان بصوم رمضان (1). وإن كان الاحوط إلحاق قضائه به أيضا، بل إلحاق مطلق الواجب، بل المندوب أيضا. وأما لو طهرت قبل الفجر في زمان لا يسع الغسل ولا التيمم، أو لم تعلم بطهرها في الليل حتى دخل النهار فصومها صحيح (2)، واجبا كان أو ندبا على الاقوى. (مسألة 49): يشترط في صحة صوم المستحاضة (3) } (1) لاختصاص النص به، والمرجع في غيره عموم حصر المفطر في غيرهما، الموافق لاصل البراءة. ولاجل العموم المذكور يشكل البناء على قاعدة الالحاق، كما أشرنا إليه سابقا. ودعوى: كون المفهوم من الموثق المتقدم: منافاة حدث الحيض للصوم مطلقا، عهدتها على مدعيها. فما في نجاة العباد: من إلحاق غير شهر رمضان من النذر المعين ونحوه به ضعيف. نعم لا يبعد الالحاق في قضاء رمضان. لظهور دليل القضاء في اتحاده مع المقضي في جميع الخصوصيات عدا الزمان. (2) لعدم الدليل على المفطرية حينئذ. لاختصاص الموثق المتقدم بصورة التواني عن الغسل، غير الصادق فيما نحن فيه. وما في نجاة العباد: من تخصيص الصحة في الواجب المعين، دون الموسع والمندوب، ضعيف ونحوه: ماعن كشف الغطاء: من تخصيص الصحة بغير الموسع. (3) على المشهور شهرة عظيمة. بل عن جماعة: الاجماع عليه. ويدل عليه صحيح ابن مهزيار: " وكتبت إليه (ع): امرأة طهرت من حيضها أو من دم نفاسها في أول يوم من شهر رمضان، ثم استحاضت، فصلت وصامت شهر رمضان كله من غير أن تعمل ما تعمل المستحاضة، من الغسل لكن صلاتين، هل يجوز صومها وصلاتها أم لا؟ فكتب (ع): تقضي

[ 286 ]

{ - على الاحوط - الاغسال النهارية التي للصلاة (1)، دون مالا } صومها، ولا تقضي صلاتها. لان رسول الله صلى الله عليه وآله كان يأمر فاطمة (ع) والمؤمنات من نسائه بذلك " (* 1) وإضماره لا يقدح، كما تكرر غير مرة. وكذا اشتماله على ما لا يقول به الاصحاب من عدم قضاء الصلاة. لامكان التفكيك بين فقرات الحديث الواحد في الحجية. وكذا اشتماله على الامر لفاطمة - التي تكاثرت الاخبار. بأنها (ع) لم تر حمرة أصلا، لاحيضا ولا استحاضة - لامكان أن يكون المراد منها بنت أبي حبيش. أو لكون الامر لفاطمة الزهراء (ع) لاجل أن تعلم المؤمنات، لا لعمل نفسها. ولا سيما وكون المحكي عن الفقيه والعلل روايته هكذا: " كان يأمر المؤمنات... " (* 2) ومن ذلك يظهر ضعف الوجه في توقف المصنف (ره) عن الجزم بالاشتراط. (1) أقول: مقتضى الجمود على عبارة النص كون الوجه في فساد الصوم: ترك الغسل للصلاتين، الظهرين والعشاءين، إذ لا تعرض فيه لغسل الفجر. لكن الظاهر - بل المقطوع به - إرادة ترك الغسل للصلاة أصلا حتى للفجر. وحينئذ فبطلان الصوم عند ترك الجميع لا يدل على اعتبار كل واحد منها فيه، وإنما يدل على اعتبارها في الجملة، كلا أو بعضا. ولما كان لا يحتمل اعتبار غسل العشاءين فقط، بل التردد إنما هو في اعتبار غسل النهار فقط، أو مع غسل الليل، يكون غسل الليل مشكوك الشرطية ويكون المرجع فيه أصل البراءة، على التحقيق من جريانه مع الشك في الشرطية، كالجزئية.


(* 1) الوسائل باب: 18 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 1، باب: 41 من ابواب الحيض حديث: 7. (* 2) الفقيه ج 1 صفحة 142 طبع النجف الاشرف. هذا والمذكور في الكافي، والتهذيب وموضع أخر الفقيه هو ما تقدم أولا. لاحظ الكافي ج 4 صفحة 136 طبع ايران الحديثة والتهذيب ج 4 صفحة 310 طبع النجف الاشرف، والفقيه ج 2 صفحة 94 طبع النجف الاشرف.

[ 287 ]

{ يكون لها. فلو استحاضت قبل الاتيان بصلاة الصبح أو الظهرين بما يوجب الغسل - كالمتوسطة (1)، أو الكثيرة - فتركت الغسل بطل صومها. وأما لو استحاضت بعد الاتيان بصلاة الفجر، أو بعد الاتيان بالظهرين، فتركت الغسل إلى الغروب لم يبطل صومها (2). ولا يشترط فيها الاتيان بأغسال الليلة المستقبلة (3)، وإن كان أحوط. وكذا لا يعتبر فيها الاتيان } ثم نقول: إن تم إجماع على اعتبار غسلي النهار مع فهو. وإلا كان كل منهما طرفا للعلم الاجمالي، فيجب الاحتياط بفعلهما معا. اللهم إلا أن يكون غسل الفجر متيقنا أيضا، إذ لم يقل أحد بالاقتصار على غسل الظهرين دونه، مع احتمال الاقتصار على غسل الفجر قبل الصوم دون غسل الظهرين كما عن العلامة (ره) في النهاية. لكن هذا المقدار لا يوجب العلم التفصيلي، بنحو ينحل به العلم الاجمالي ليرجع في غسل الظهرين إلى أصالة البراءة. (1) لا يخفى أن مورد الصحيح هو الكثيرة، ولاجل ذلك خص الحكم بها في الجامع، والبيان، والموجز، وشرحه، والجعفرية، بل لعله ظاهر كل من عبر بالاغسال. لكن عن جامع المقاصد وغيره: التصريح بعدم الفرق بين الكثيرة والمتوسطة. وهو غير ظاهر الوجه. إلا دعوى: كون المفهوم من النص مانعية الحدث الاكبر للصوم. وعهدتها على مدعيها. مع أني لم أجد التصريح بعدم الفرق في جامع المقاصد. وحينئذ فما في الجواهر - من رمي التقييد بالكثيرة بالشذوذ، أو كونه محمولا على ما يقابل القليلة - لم يصادف محله، (2) لعدم فوات الغسل النهاري. (3) فانه لا يعتبر ذلك في الصحة قطعا، كما في جامع المقاصد.

[ 288 ]

{ بغسل الماضية، بمعنى: أنها لو تركت الغسل الذي للعشاءين لم يبطل صومها لاجل ذلك. نعم يجب عليها الغسل حينئذ لصلاة الفجر، فلو تركته بطل صومها من هذه الجهة. وكذا لا يعتبر فيها ما عدا الغسل من الاعمال (1). وإن كان الاحوط اعتبار جميع ما يجب عليها من الاغسال، والوضوءات، وتغيير الخرقة، والقطنة. ولا يجب تقديم غسل المتوسطة والكثيرة على الفجر (2)، وإن كان هو الاحوط. (مسألة 50): الاقوى بطلان صوم شهر رمضان بنسيان غسل الجنابة ليلا قبل الفجر (3) حتى مضى عليه يوم } ويقتضيه الاصل، كما تقدم في غسل الليلة الماضية. ومنه يظهر: أنه لافرق في جريان الاصل بين أن تغتسل لصلاة الصبح قبل الفجر - كما سيأتي - وأن تغتسل بعد الفجر، فان الوجه المتقدم يقتضي جريان الاصل النافي لاعتبار الغسل لليلة الماضية في صحة صوم النهار اللاحق. (1) لعدم الدليل عليه. فما عن ظاهر السرائر، ونهاية الاحكام وغيرهما، - من التوقف عليه، حيث علق الفساد فيها على الاخلال بما عليها - في غير محله، أو يكون المراد منه خصوص الغسل. (2) لعدم الدليل عليه. والنص إنما تضمن الغسل للصلاة ولو بعد دخول وقتها. ومجرد دلالة الرواية على كون المنع للحدث لا يجدي في وجوب التقديم. إلى أن يدل الدليل على منع الدخول في الصوم مع الحدث، وهو غير ثابت. وحينئذ فما عن العلامة في النهاية - من احتمال اشتراط الصوم بغسل الفجر خاصة مع وجوب تقديمه عليه - ضعيف. (3) كما عن الصدوق، والشيخ في النهاية والمبسوط، والمحقق في المعتبر

[ 289 ]

وابن سعيد، والعلامة، وأكثر المتأخرين. بل نسب الى الاكثر، والاشهر. ويدل عليه صحيح الحلبي: " أنه سأل أبا عبد الله (ع) عن رجل أجنب في شهر رمضان، فنسي أن يغتسل حتى خرج شهر رمضان. قال (ع): عليه إن يقضى الصلاة والصيام " (* 1)، وخبر إبراهيم بن ميمون: " سألت أبا عبد الله (ع) عن الرجل يجنب بالليل في شهر رمضان. ثم ينسى أن يغتسل حتى يمضي لذلك جمعة، أو يخرج شهر رمضان. قال (ع): عليه قضاء الصلاة والصوم ". (* 2) وقريب منهما مرسل الفقيه (* 3). وعن الحلي: العدم، بل في محكي كلامه: أنه لم يقل أحد من محققي أصحابنا بوجوب القضاء. وفي الشرائع والنافع: أنه أشبه. وكأنه لما دل على رفع النسيان (* 4) ولمساواته للنوم، الذي سيأتي عدم المفطرية معه. ولما دل على حصر المفطر في غيره. والجميع - كما ترى - لا يصلح لمعارضة ما سبق. مع أن حديث رفع النسيان إنما يصح تطبيقه لو ثبت عموم يقتضي قدح مطلق الجنابة، وهو مفقود. ولو ثبت فلا يصلح الحديث لتصحيح الناقص، بنحو لا يحتاج الى الاعادة والقضاء. إذ غاية ما يقتضي رفع التكليف بالتمام، لا ثبوت التكليف بالناقص حال النسيان ليصح، كما أشرنا إلى ذلك آنفا. والمساواة للنوم إن أريد بها المساواة في العذرية عقلا فلا تجدي فيما نحن فيه، وإن أريد بها المساواة شرعا في الاحكام فهي مصادرة. وربما يتوهم: معارضة النصوص المذكورة بما ورد في عدم قضاء الجنب إذا نام حتى أصبح (* 5)، لان بينها وبين نصوص المقام عموما من


(* 1) الوسائل باب: 30 من ابواب من يصح الصوم منه حديث: 3. (* 2) الوسائل باب: 30 من ابواب من يصح الصوم منه حديث: 1. (* 3) الوسائل باب: 30 من ابواب من يصح الصوم منه حديث: 2. (* 4) الوسائل باب: 56 من ابواب جهاد النفس (* 5) تقدم ذلك في الامر الثامن مما يجب الامساك عنه في الصوم.

[ 290 ]

{ أو أيام. والاحوط إلحاق غير شهر رمضان - من النذر المعين ونحوه - به، وإن كان الاقوى عدمه (1). كما أن الاقوى عدم إلحاق غسل الحيض والنفاس لو نسيتهما بالجنابة في ذلك (2) وإن كان أحوط. } وجه. ولكنه في غير محله، لدلالة تلك النصوص على عدم اقتضاء الجنابة من حيث النوم للافطار، ودلالة نصوص المقام على اقتضائها له من حيث النسيان، فلا تنافي بينهما، كما لا تنافي بين المقتضي واللا مقتضي في سائر المقامات وعليه فلو نسي الجنابة ثم نام حتى أصبح، أو نام ثم استيقظ فنسي حتى أصبح كان مفطرا، وعليه القضاء، لتحقق المقتضي بلا مانع. (1) لاختصاص النص بشهر رمضان، والتعدي منه إلى مطلق الصوم محتاج إلى فهم عدم الخصوصية لرمضان، بنحو يقدم على عموم مادل على حصر المفطر في غيره، وهو غير ثابت. فالعموم المذكور، المطابق لاصل البراءة محكم. ومنه يظهر: ضعف ما استظهره في الجواهر: من عدم الفرق بين الاقسام في الاشتراط. نعم يلحق برمضان قضاؤه، لما دل على اتحاد المقضي وقضائه، لما أشرنا إليه سابقا. ولاسيما مع امكان دخوله في صحيحي ابن سنان المتقدمين في قضاء رمضان (* 1). (2) لما سبق في نظيره: من اختصاص النصوص بالجنابة، فالتعدي منها إليها يحتاج الى دليل مفقود. وفهم عدم الخصوصية للجنابة غير ثابت ولاسيما بملاحظة عموم حصر المفطرات في غيره. وما في الجواهر - من استظهار الالحاق بالجنابة غير ظاهر. وتعليله: بأنهما أقوى، لانه لم يرد فيهما ما ورد فيه مما يوهم أن الشرط إنما هو تعمد البقاء. ممنوع، لاختصاص


(* 1) تقدم ذكرهما في الامر الثامن مما يجب الامساك عنه في الصوم.

[ 291 ]

{ مسألة 51): إذا كان المجنب ممن لا يتمكن من الغسل - لفقد الماء، أو لغيره من أسباب التيمم - وجب عليه التيمم (1)، فان تركه بطل صومه (2). وكذا لو كان متمكنا من الغسل وتركه حتى ضاق الوقت (3). (مسألة 52): لا يجب على من تيمم بدلا عن الغسل أن يبقى مستيقظا حتى يطلع الفجر، فيجوز له النوم بعد التيمم قبل الفجر على الاقوى (4). وإن كان الاحوط البقاء مستيقظا، لاحتمال بطلان تيممه بالنوم، كما على القول بأن التيمم بدلا عن الغسل يبطل بالحدث الاصغر. } النص المتقدم في الحيض بصورة التواني في الغسل (* 1) مع أن هذا المقدار - لوتم - لا يوجب الاقوائية. بل كثرة النصوص في قدح الجنابة عمدا، وقلتها في قدحهما كذلك، ربما يقتضي أقوائيتها منهما. مع أن الاقوائية في العمد لا تقتضي الاقوائية في المقام، لاختلاف الجهات. فالتعدي عن عموم حصر المفطر بغيرهما غير ظاهر الوجه. (1) لما عرفت من كون المورد من موارد عموم كونه أحد الطهورين وأنه بمنزلة الغسل، فيترتب على فعله وتركه ما يترتب على فعل الغسل وتركه. (2) لانه بقاء على الجنابة عمدا. (3) يعني: ضاق عن الغسل، فلم يغتسل، ولم يتيمم. أما لو ضاق الوقت عن الغسل فتيمم صح صومه. فالمراد من العبارة: أن ضيق الوقت عن الغسل كغيره من الاعذار موجب للتيمم، وتركه موجب للبطلان. (4) يعني: بناء على ما اختاره من عدم انتقاض التيمم الذي هو بدل الغسل بالحدث الاصغر كالنوم، كما أشار الى ذلك في المتن.


(* 1) تقدم ذلك في الامر الثامن مما يجب الامساك عنه في الصوم.

[ 292 ]

{ (مسألة 53): لا يجب على من أجنب في النهار بالاحتلام أو نحوه من الاعذار أن يبادر إلى الغسل فورا (1) وإن كان هو الاحوط. (مسألة 54): لو تيقظ بعد الفجر من نومه، فرأى نفسه محتلما لم يبطل صومه، سواء علم سبقه على الفجر، أو علم تأخره، أو بقي على الشك. لانه لو كان سابقا كان من البقاء على الجنابة غير متعمد. ولو كان بعد الفجر كان من الاحتلام في النهار. نعم إذا علم سبقه على الفجر لم يصح منه صوم قضاء رمضان (2) مع كونه موسعا. وأما مع ضيق وقته فالاحوط الاتيان به وبعوضه (3) } (1) بلا خلاف، بل الاجماع بقسميه عليه، كما في الجواهر. وعن التذكرة: نسبته إلى علمائنا. وعن المنتهى، والذخيرة، والحدائق: نفي العلم بالخلاف فيه. ويدل عليه صحيح العيص عن أبي عبد الله (ع) المتقدم في عدم مفطرية الاحتلام (* 1) وما في مرسل إبراهيم بن عبد الحميد: " إذا احتلم نهارا في شهر رمضان فلا ينام حتى يغتسل " (* 2) محمول على الندب وكأنه هو الوجه في الاحتياط. (2) لما عرفت من إطلاق النص الدال على قدح الجنابة فيه، الشامل لغير العمد. (3) منشؤه: التوقف في أن قولهم (ع): " لاتصم هذا اليوم، وصم غدا " (* 3) هل له ظهور أو انصراف الى الموسع أولا؟ فعلى الاول


(* 1) تقدم ذلك في الامر الثامن مما يجب الامساك عنه في الصوم. (* 2) تقدم ذلك في الامر الثامن مما يجب الامساك عنه في الصوم. (* 3) تقدم ذلك في الامر الثامن مما يجب الامساك عنه في الصوم.

[ 293 ]

{ (مسألة 55): من كان جنبا في شهر رمضان في الليل لا يجوز له أن ينام قبل الاغتسال إذا علم أنه لا يستيقظ قبل الفجر للاغتسال (1). ولو نام واستمر إلى الفجر لحقه حكم البقاء متعمدا (2)، فيجب عليه القضاء والكفارة. وأما إن احتمل الاستيقاظ جاز له النوم وإن كان من النوم الثاني أو الثالث أو الازيد فلا يكون نومه حراما (3). وإن كان الاحوط } يجب أن يصومه لصحته، ولا موجب لصوم غيره. وعلى الثاني يجب أن يصوم غيره لبطلانه. والاظهر الثاني. (1) لان في ذلك تعمد البقاء على الجنابة، المؤدي إلى تعمد الافطار المحرم. (2) بل هو بالخصوص مورد بعض النصوص المتقدمة. (3) كما عن صريح جماعة من المتأخرين، واختاره في المدارك، حاكيا له عن المنتهى. للاصل، وعدم الدليل على الحرمة. وفي المسالك: الحرمة في النوم الثاني مطلقا، وفي الاول مع عدم العزم على الغسل، أو عدم اعتياد الانتباه. وكأنه لما في صحيح معاوية بن عمار: " قلت لابي عبد الله (ع): الرجل يجنب في أول الليل، ثم ينام حتى يصبح في شهر رمضان. قال (ع): ليس عليه شئ. قلت: فانه استيقظ ثم نام حتى أصبح. قال (ع): فليقض ذلك اليوم عقوبة " (* 1) وفيه: أن العقوبة بالقضاء لا تلازم الحرمة وإنما يلازمها العقوبة الاخروية لاغير. مع أن الصحيح خال عن التعرض لحكم النومة الاولى، وربما كان ظاهرا في جوازها ولو مع عدم اعتياد الانتباه فإذا لا معدل عما يقتضيه أصل البراءة. وقد يظهر من الجواهر القول بالحرمة لخبر إبراهيم بن عبد الحميد: " وإن أجنب ليلا في شهر رمضان فلا ينام ساعة حتى يغتسل " (* 2) لكنه


(* 1) الوسائل باب: 15 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 1. (* 2) تقدم ذلك في الامر الثامن مما يجب الامساك عنه في الصوم.

[ 294 ]

{ ترك النوم الثاني فما زاد وإن اتفق استمراره إلى الفجر (1)، غاية الامر: وجوب القضاء أو مع الكفارة في بعض الصور، كما سيتبين. (مسألة 56): نوم الجنب في شهر رمضان في الليل مع احتمال الاستيقاظ أو العلم به إذا اتفق استمراره إلى طلوع الفجر على أقسام، فانه إما أن يكون مع العزم على ترك الغسل وآما أن يكون مع التردد في الغسل وعدمه، وإما أن يكون مع الذهول والغفلة عن الغسل، وأما أن يكون مع البناء على الاغتسال حين الاستيقاظ مع اتفاق الاستمرار. فان كان مع العزم على ترك الغسل أو مع التردد فيه لحقه حكم تعمد البقاء جنبا (2)، } - مع إرساله - مروي في الوسائل المصححة هكذا: " فلا ينام إلا ساعة حتى يغتسل. فمن أجنب في شهر رمضان فنام حتى يصبح فعليه... " ودلالته غير ظاهرة، بل هو على الجواز أدل. وربما يتوهم: أن مقتضى استصحاب بقاء النوم إلى الصبح حرمته، لان النوم على الجنابة إلى الفجر حرام. وفيه: أن الحرام تعمد البقاء على الجنابة إلى الفجر، وهذا المعنى لا يثبت بالاستصحاب المذكور، ولو ثبت لا يوجب حرمة النوم الخارجي حتى يعلم بترتبه عليه. كما لعله ظاهر بالتأمل. (1) لان اتفاق استمراره لا يوجب صدق تعمد البقاء، فلا يقتضي ثبوت الحرمة، كما هو محل الكلام. (2) أما في الاول فعن المعتبر والمنتهى: نسبته إلى علمائنا، وفي الرياض الاتفاق عليه. لوضوح كونه من تعمد البقاء على الجنابة، فيدل على حكمه ما تقدم في تعمد البقاء: من الاجماع والنصوص، مطلقها ومقيدها.

[ 295 ]

وأما في الثاني: فهو المحكي عن جماعة. وربما كان إطلاق ماعن المنتهى من أنه لو نام غير ناو للغسل فسد صومه، وعليه القضاء. ذهب إليه علماؤنا انتهى. ظاهر في الاجماع عليه. إلا أن استدلاله عليه: بأن العزم على ترك الغسل يسقط اعتبار النوم، يقتضي اختصاص كلامه بالاول، كما اعترف به في الرياض وغيره. وكيف كان فاستدل له بالنصوص المتقدمة في حكم تعمد البقاء على الجنابة. وفيه: أن المطلق منها وإن كان يشمل المقام، لكنك عرفت حمله على صورة تعمد البقاء، جمعا بينه وبين مادل على نفي المفطرية مطلقا. والمقيد منها بالعمد ظاهر في العمد الى النوم حتى يصبح، أوفي مطلق العمد إلى البقاء على الجنابة حتى يصبح، وليس المقام كذلك، كما هو ظاهر. ولاجل ذلك تأمل في المدارك في وجوب القضاء في الفرض. اللهم إلا أن يقال: التردد في الغسل ينافي نية الصوم، لانه إذا كانت الطهارة في أول الفجر معتبرة في قوامه، فنيته عين نية الطهارة في الحال المذكورة، ومع عدمه لانية للصوم المأمور به. فان قلت: المعتبر في الصوم الطهارة من الجنابة العمدية، لامن مطلق الجنابة، فلا موجب لنية الطهارة من الجنابة مطلقا. قلت: التردد في الغسل وعدمه الذي هو محل الكلام، هو التردد في الطهارة من الجنابة في حال الالتفات إليها وفي البقاء عليها، فيكون ترددا في البقاء على الجنابة العمدية، فيكون ترددا في الصوم، وهو ينافي نية الصوم. نعم إذا كان التردد في الغسل للتردد في الاستيقاظ وعدمه فلا منافاة بينه وبين نية الصوم. وكذا لو كان التردد في وجوب الغسل وعدمه، بناء على ما سبق: من عم منافاة نية فعل المفطر لنية الصوم إجمالا. فلاحظ.

[ 296 ]

{ بل الاحوط ذلك إن كان مع الغفلة والذهول أيضا (1). وإن كان الاقوى لحوقه بالقسم الاخير. وإن كان مع البناء على الاغتسال، أو مع الذهول - على ماقوينا - فان كان في النومة الاولى بعد العلم بالجنابة فلا شئ عليه، وصح صومه (2). } (1) الذهول أولى من التردد بعدم وفاء النصوص المتقدمة بقدحه. وأما من حيث المنافاة لنية الصوم فالظاهر عدمها، لامكان ارتكاز نية الصوم المأمور به شرعا في ذهنه مع الغفلة عن مفطر بعينه، فيلحق الذهول المذكور حكم نية الغسل، كما قواه في المتن. وإن كان ظاهر الجماعة خلافه. (2) بلا خلاف ظاهر، بل الظاهر الاتفاق عليه. وعن الخلاف: الاجماع عليه. ويدل عليه - مضافا إلى إطلاق النصوص النافية للبأس عن النوم بعد الجنابة حتى يصبح -: صحيح معاوية بن عمار المتقدم (* 1) وصحيح ابن أبي يعفور: " قلت لابي عبد الله (ع): الرجل يجنب في شهر رمضان ثم يستيقظ، ثم ينام، ثم يستيقظ، ثم ينام حتى يصبح. قال (ع): يتم صومه، ويقتضي يوما آخر. وإن لم يستيقظ حتى يصبح أتم صومه وجاز له " (* 2) وحمل نفي الاستيقاظ في الشرطية الثانية على نفي أصل الاستيقاظ، لا الاستيقاظ الثاني خلاف الظاهر، لانه يوجب عدم التعرض لبعض الصور المفروضة، وهو خلاف الظاهر، بل يوجب عدم التعرض لما هو أولى من غيره بالتعرض فلاحظ. لكن عن موضع من المعتبر: " لو أجنب فنام ناويا للغسل حتى أصبح فسد صومه ذلك اليوم، وعليه قضاؤه. وعليه أكثر علمائنا " وهو غير ظاهر. ومثله: ما حكي عنه: من استدلاله على ذلك بصحيح ابن أبي يعفور المذكور وصحيح ابن مسلم عن أحدهما (ع) قال: " سألته عن الرجل تصيبه الجنابة


(* 1) راجع المسألة: 55 من هذا الفصل. (* 2) الوسائل باب: 15 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 2.

[ 297 ]

{ وإن كان في النومة الثانية - بأن نام بعد العلم بالجنابة، ثم النتبه ونام ثانيا - مع احتمال الانتباه، فاتفق الاستمرار وجب عليه القضاء فقط (1)، دون الكفارة على الاقوى (2). وإن كان } في شهر رمضان، ثم ينام قبل أن يغتسل. قال (ع): يتم صومه، ويقضي ذلك اليوم، إلا أن يستيقظ قبل أن يطلع الفجر. فان انتظر ماء يسخن أو يستقي فطلع الفجر فلا يقضي صومه (يومه. خ ل) " (* 1) إذ الصحيح الاول قد عرفت مفاده. والصحيح الثاني - كغيره من المطلقات - محمول على العمد، جمعا بينه وبين غيره، كما عرفت آنفا. (1) بلا خلاف يعرف. وعن المدارك: نسبته الى الاصحاب. وعن المنتهى، نسبته إلى علمائنا، وعن الخلاف: الاجماع عليه. وفي المستند: " استفاض نقل الاجماع عليه ". ويدل عليه صحيحا معاوية وابن أبي يعفور المتقدمان. (2) كما نسب الى ظاهر الاصحاب. بل قيل: إنه نقل الاجماع عليه للاصل، مع عدم الدليل عليها، عدا ما يقال: من أصالة وجوب الكفارة عند وجوب القضاء، وخبر المروزي عن الفقيه (ع): " إذا أجنب الرجل في شهر رمضان بليل ولا يغتسل حتى يصبح، فعليه صوم شهرين متتابعين مع صوم ذلك اليوم. ولا يدرك فضل يومه " (* 2) وما في مرسل إبراهيم ابن عبد الحميد: " فمن أجنب في شهر رمضان فنام حتى يصبح، فعليه عتق رقبة أو إطعام ستين مسكينا، وقضاء ذلك اليوم، ويتم صيامه. ولن يدركه أبدا " (* 3).


(* 1) الوسائل باب: 15 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 3. (* 2) الوسائل باب: 16 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 3. (* 3) الوسائل باب: 16 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 4.

[ 298 ]

{ في النومة الثالثة فكذلك على الاقوى (1). } والجميع محل إشكال: أما القاعدة فلا دليل عليها، كما سيأتي إن شاء الله وأما الخبر الاول فخال عن ذكر النوم. وتقييده بالنوم الثاني ليس أولى من تقييده بالعمد، بل الثاني أظهر، ولاسيما بملاحظة موثق أبي بصير المصرح به بالتقييد بذلك (* 1) وأما الثاني - فمع ضعفه في نفسه - ظاهر في النومة الاولى، ومجرد عدم إمكان العمل باطلاقه غير كاف في حمله على النومة الثانية، لقرب حمله على صورة العمد، بل هو الاقرب جمعا فيتعين. فلا معدل عن العمل بالاصل، المؤيد أو المعتضد بسكوت الصحيحين المتقدمين عن الكفارة (* 2). (1) أما وجوب القضاء فالظاهر عدم الخلاف فيه. ويقتضيه: ما تقدم في النوم الثاني. وأما عدم وجوب الكفارة فهو المحكي عن المعتبر، والمنتهى والمدارك وجماعة من متأخري المتأخرين. لما تقدم في النوم الثاني أيضا: من الاصل، وعدم الدليل. لكن المحكي عن الشيخين، وابني حمزة وزهرة والحلبي، والحلي، والعلامة، والشهيد، والمحقق الثاني في جملة من كتبهم وغيرهم: وجوبها. بل عن الغنية، والخلاف، والوسيلة، وفي جامع المقاصد: الاجماع عليه. لما تقدم أيضا في وجه وجوب الكفارة في النوم الثاني، مما عرفت الاشكال فيه. وأما الاجماع المحكي في لسان الجماعة فيشكل الاعتماد عليه بعد مخالفة من عرفت. بل من الغريب دعوى الاجماع على وجوب الكفارة من مثل جامع المقاصد مع خلاف المعتبر والمنتهى، وتردد الشرائع فيه بعد نسبته الى قول مشهور. وكأنه يريد الاجماع ممن سبق المحقق. لكن مخالفته ومخالفة


(* 1) الوسائل باب: 16 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 2. (* 2) المراد بهما: صحيحا معاوية بن عمار وابن أبي يعفور المتقدمين قريبا.

[ 299 ]

{ وإن كان الاحوط ما هو المشهور (1): من وجوب الكفارة أيضا في هذه الصورة، بل الاحوط وجوبها في النومة الثانية أيضا. بل وكذا في النومة الاولى أيضا إذا لم يكن معتاد الانتباه (2) ولا يعد النوم الذي احتلم فيه من النوم الاول، بل المعتبر فيه النوم بعد تحقق الجنابة، فلو استيقظ المحتلم من نومه ثم نام كان من النوم الاول لا الثاني (3). } غيره مانعة من جواز الاعتماد عليه، كما عرفت. (1) قد عرفت وجه الاحتياط. (2) كأنه لاحتمال صدق العمد. (3) كما عن الفخر في شرح الارشاد، والشهيدين، والمدارك، واختاره في الجواهر وغيرها. وقد يشهد له صحيح العيص بن القاسم: " أنه سال أبا عبد الله (ع) عن الرجل ينام في شهر رمضان فيحتلم، ثم يستيقظ، ثم ينام قبل أن يغتسل قال (ع): لا بأس " (* 1) فتأمل. مضافا الى قصور دليله عن شمول نوم الاحتلام. وأما صحيح معاوية بن عمار، المتقدم في المسألة الخامسة والخمسين (* 2) فهو إما مختص بالجنابة بغير الاحتلام، فلا يكون مما نحن فيه. وإمامطلق شامل لما نحن فيه فمقتضى قوله: " ثم ينام " أن يكون المراد غير نومة الاحتلام. فلاحظه. وأما صحيح ابن أبي يعفور المتقدم (* 3) فمورد الحكم بالقضاء فيه - على ما في الوسائل المصححة - النوم إلى الصبح بعد يقظتين، يقظة بعد نومة الاحتلام ويقظة أخرى. نعم فيما يحضرني من نسختي الوسائل المطبوعة


(* 1) الوسائل باب: 35 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 3. (* 2) من هذا الفصل. (* 3) تقدم ذلك قريبا في هذه المسألة.

[ 300 ]

والحدائق - وعن الفقيه والوافي عنه - روايته هكذا: " يجنب في شهر رمضان ثم ينام، ثم يستيقظ، ثم ينام " (* 1) فيكون حاله حال صحيح معاوية إما ظاهر في غير الاحتلام، أو شامل له. وبقرينة: (ثم) يراد من النوم فيه غير نومة الاحتلام. وفيما يحضرني من نسخة الجواهر، والمستند والمعتبر والمنتهى، والمختلف، ومجمع البرهان، والذخيرة، وعن التهذيب، والوافي عنه روايته هكذا: " يجنب في شهر رمضان، ثم يستيقظ، ثم ينام حتى يصبح " (* 2) وحينئذ يكون مقتضاه احتساب المقدار الواقع بعد الاحتلام وربما كان نحوه موثق سماعة: " سألته (ع) عن رجل أصابته جنابة في جوف الليل في رمضان، فنام وقد علم بها، ولم يستيقظ حتى يدركه الفجر. فقال (ع): عليه أن يتم صومه، ويقضي يوما آخر " (* 3) لكن الموثق غير ظاهر في النومة الثانية. وحينئذ كما يمكن حمله على النومة الثانية لنومة الاحتلام، يمكن حمله على التعمد كغيره مما ورد في مطلق النوم بعد الجنابة وقد عرفت أنه الاظهر. وأما النسخة الاخيرة لصحيح ابن أبي يعفور فلا مجال للاعتماد عليها في قبال غيرها، ولاسيما مع استبعاد الفرق بين يقظة الجنابة إذا أجنب في اليقظة وبين الانتباهة بعد نومة الاحتلام. فإذا لا موجب لطرح الاصل وعموم حصر المفطر اللذين هما العمدة في المقام.


(* 1) كما في الفقيه ج 1 صفحة 136 الطبعة الايرانية بعنوان (نسخة). وأما الطبعة الاخرى من الفقيه فلم تشتمل على ذلك، لاحظ الفقيه ج 2 صفحة 75 طبع النجف الاشرف، والوافي ص 348 والوسائل باب: 15 من ابواب ما يجب الامساك عنه حديث: 2، الطبعة الايرانية الحديثة. (* 2) التهذيب ج 4 صفحة 211 طبع النجف الاشرف، الاستبصار ج 2 صفحة 86، الوافي صفحة 348. (* 3) الوسائل باب: 15 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 5.

[ 301 ]

{ (مسألة 57): الاحوط إلحاق غير شهر رمضان من الصوم المعين به (1) في حكم استمرار النوم الاول، أو الثاني، أو الثالث، حتى في الكفارة في الثاني والثالث، إذا كان الصوم مما له كفارة، كالنذر ونحوه. (مسألة 58): إذا استمر النوم الرابع أو الخامس فالظاهر أن حكمه حكم النوم الثالث (2). } أما صحيح العيص: فالظاهر منه الاحتلام في النهار. فانه المنصرف من إطلاق السؤال. ولاسيما بقرينة عدم تعرضه للبقاء على الجنابة الى الصبح وإنما كان السؤال عن مجرد النوم على الجنابة آناما، ومن البعيد أن يكون مما يحتمل المنع عنه في ليل رمضان كي يسأل عن حكمه. ولو سلم كان ظاهرا في الجواز التكليفي للنوم في الجملة، ولايكون مما نحن فيه. فلاخظ. ومما ذكرنا يظهر ضعف ما في المستند: من احتساب نومة الاحتلام من النوم الاول. فتأمل جيدا. (1) لان النصوص المتقدمة وإن كانت واردة في رمضان بخصوصه لكن يقرب فهم عدم الخصوصية له، وأن ذلك قادح في مطلق الصوم المعين. وإنما لم يجزم المصنف (ره) بذلك لما عرفت غير مرة: من أن ذلك معارض باطلاق مادل على حصر المفطرات في غيره، المطابق لمقتضى أصالة البراءة. لكن عرفت ضعف الوجه الاول. نعم يتعين القول بالحاق قضائه به، لما عرفت من اتحاد القضاء والمقضي في الخصوصيات، لو لا ما قد عرفت: من بطلان القضاء بالاصباح جنبا ولو لم يكن قد أفاق. (2) لانه يفهم وجوب القضاء فيه من نصوص النوم الثاني، كما فهم وجوب القضاء في النوم الثالث، فانه لم تصرح به النصوص. وأما الكفارة

[ 302 ]

{ (مسألة 59): الجنابة المستصحبة كالمعلومة في الاحكام المذكور (1). } (مسألة 60): ألحق بعضهم الحائض والنفساء بالجنب في حكم النومات (2). والاقوى عدم الالحاق، وكون المناط فيهما صدق التواني في الاغتسال (3)، فمعه يبطل وإن كان في النوم الاول، ومع عدمه لا يبطل وإن كان في النوم الثاني أو الثالث. (مسألة 61): إذا شك في عدد النومات بنى على الاقل (4). (مسألة 62): إذا نسي غسل الجنابة، ومضى عليه أيام، وشك في عددها يجوز له الاقتصار في القضاء على القدر } - على تقدير القول بها في الثالث - فلا فرق في نصوصها بينه وبين غيره. (1) فان الجنابة الواقعية وإن لم تكن تمام موضوع الحكم، بل العلم جزء منه إلا أن المحقق في الاصول: قيام الاستصحاب مقام العلم المأخوذ في موضوع الحكم على نحو الطريقية، لظهور دليله في تنزيل الشك بعد اليقين بمنزلة اليقين. فراجع. (2) كما في النجاة، ونسب الى غير واحد ممن تأخر. ووجهه: أن حكم النومة الاولى في الجنب موافق للاصل، فيطرد فيهما. والنصوص في النومتين وإن كانت واردة في الجنب، لكن يتعدى اليهما بالاولوية. وفيه: ما عرفت في المسألة الخمسين: من عدم ثبوت الاولوية. (3) لانه المذكور في النص (* 1) فيدور الحكم مداره. (4) لاصالة عدم الزائد عليه.


(* 1) راجع الامر الثامن مما يجب الامساك عنه في الصوم.

[ 303 ]

{ المتيقن (1). وإن كان الاحوط تحصيل اليقين بالفراغ. (مسألة 63): يجوز قصد الوجوب في الغسل وإن أتى به في أول الليل (2). } (1) لاصالة الصحة في المقدار الزائد عليه، المشكوك وقوعه حال الجنابة. ولا مجال لاستصحاب بقاء الجنابة حينه لو كان الشك في نهاية المدة لان أصالة الصحة مقدمة عليه، لكونه محكوما لها. (2) قد اشتهر الاشكال في وجوب المقدمات قبل الوقت، من أجل أن وجوب المقدمة تابع لوجوب ذيها، فإذا كان الوقت شرطا لوجوب الصوم كان شرطا لوجوب المقدمة، فلا وجوب قبله، فكيف يمكن أن ينوي الوجوب بفعل المقدمة قبل الوقت؟! ولاجل ذلك يمتنع الاتيان بالغسل قبل الوقت بنية الوجوب. فلابد في إمكان نية الوجوب به من الالتزام بكون وجوب الصوم من الوجوب المعلق، بأن يكون الوقت شرطا للواجب - وهو الصوم - لا للوجوب، فيكون الوجوب حاليا والواجب استقباليا. ودعوى: أنه إذا كان الوقت شرطا للواجب كان الواجب غير مقدور في الزمان الحالي، لان العجز عن الشرط فيه يستوجب العجز عن المشروط فإذا انتفت القدرة في الحال انتفى الوجوب فيه. مندفعة: بأن الزمان الاستقبالي أخذ شرطا للواجب بنحو لا يجب تحصيله، بأن أخذ وجوده الاستقبالي الحاصل من قبل إرادة الله تعالى شرطا، فإذا فرض حصوله بعد ذلك من قبله تعالى كان الفعل فيه مقدورا، وجاز تعلق التكليف به. نعم مثل هذا التكليف لا يبعث على إيجاده فعلا حالا، وإنما يقتضي البعث إليه في وقته المعين له، وهذا المقدار لا يوجب المنع من تعلق التكليف به فعلا عرفا أو عقلا، نظير الامر بالمركب فانه ينحل الى أوامر متعددة

[ 304 ]

بتعدد الاجزاء، والامر الضمني المتعلق بالجزء الاخير لا يقتضي البعث إليه فعلا، ولكن لا يصح لذلك أن يقال: إن الامر بالمركب منتف، وإنما الامر الفعلي هو المتعلق بالجزء الاول منه لاغير. ويكفي في صحة دعوى كونه حاليا أنه يبعث الى فعل المقدمات قبل الوقت، كالغسل في المقام. أو الالتزام بالتفكيك بين الوجوب النفسي والغيري في الاطلاق والاشتراط فيكون وجوب الغسل مطلقا غير مشروط بالوقت، ووجوب الصوم مشروطا به. لكن في معقولية ذلك إشكال، لان الوجوب الغيري معلول للوجوب النفسي، فإذا كان الوجوب النفسي معلولا للشرط امتنع أن لا يكون الوجوب الغيري معلولا له، لان علة العلة علة. أو الالتزام بأن الزمان اللاحق شرط للوجوب النفسي على نحو الشرط المتقدم، ولكنه شرط للوجوب الغيري على نحو الشرط المتأخر. والاشكال السابق لا مجال له هنا، لامكان كون المصلحة الموجودة في المقدمة منوطة بالوقت على غير نحو إناطة مصلحة الواجب به. أو الالتزام بكون الشرط وجود الوقت الاستقبالي اللحاظي لا الخارجي فيكون الوجوب ثابتا قبله منوطا به، لا مطلقا. لكن هذا الالتزام وإن كان في محله، إلا أنه لا يدفع الاشكال، لان وجوب المقدمة قبل الوقت وإن كان حاصلا على نحو الاناطة بالوجود الاستقبالي، إلا أن الاناطة المذكورة مانعة من باعثيته إلى فعل المقدمة قبل حصول المنوط به. إلا أن تكون الاناطة على نحو الشرط المتأخر، فيتوجه عليه ما يتوجه على الوجه السابق من الاشكال. أو الالتزام بوجوب الغسل وجوبا تهيئيا، لاغيريا، ويكون هو الباعث على فعله قبل الوقت. لكن مغايرة الوجوب التهيئي للوجوب الغيري غير ظاهرة. وقد تعرضنا لهذه الوجوه في تعليقة الكفاية في مبحث وجوب التعلم.

[ 305 ]

{ لكن الاولى مع الاتيان به قبل آخر الوقت أن لا يقصد الوجوب بل يأتي به بقصد القربة. (مسألة 64): فاقد الطهورين يسقط عنه اشتراط رفع الحدث للصوم (1)، فيصح صومه مع الجنابة، أو مع حدث الحيض أو النفاس. (مسألة 65): لا يشترط في صحة الصوم الغسل لمس الميت (2). كما لا يضر مسه في أثناء النهار. (مسألة 66): لا يجوز إجناب نفسه في شهر رمضان إذا ضاق الوقت عن الاغتسال أو التيمم (3)، بل إذا لم يسع للاغتسال ولكن وسع للتيمم (4). ولو ظن سعة الوقت فتبين } ولو لم يتم شئ من ذلك وجب عقلا فعل الغسل قبل الوقت بنية الاستحباب. وهذا الوجوب العقلي يبعث على فعل المقدمة قبل الوقت كفعلها بعده. بل قد يجب فعلها تعيينا قبله إذا لزم من تركها فوات الواجب، لا أنه يأتي بها بنية الوجوب الشرعي النفسي أو الغيري، كما هو كذلك لو ثم أحد الوجوه السابقة. فلاحظ. (1) لعدم الدليل على قدح الجنابة حينئذ. والثابت من الادلة غيره مما سبق. (2) لعدم الدليل على شرطيته، ولا على مانعية حدث المس لا حدوثا ولا بقاء. (3) كما سبق في أوائل المفطر الثامن. (4) يعني: لا يجوز إجناب نفسه حينئذ، لكن عدم الجواز في الفرض تكليفي - بمعنى: حصول العصبان - لا وضعي، بمعنى: البطلان، كما

[ 306 ]

{ ضيقه، فان كان بعد الفحص صح صومه (1)، وإن كان مع ترك الفحص، فعليه القضاء على الاحوط (2). التاسع من المفطرات: الحقنة بالمائع (3)، ولو مع الاضطرار إليها (4) لرفع المرض. ولا بأس بالجامد (5). وإن كان الاحوط اجتنابه أيضا. } سبق في أوائل هذا المفطر تصريحه به. (1) لعدم الدليل على المفطرية حينئذ. (2) لاحتمال صدق التعمد بترك الفحص. لكن الاظهر عدمه. (3) كما عن المختلف، حاكيا له عن الشيخ في المبسوط والجمل، والقاضي، والحلبي، وحكي أيضا عن الارشاد والتحرير، والدروس، وغيرها. بل في الناصريات: " لم يختلف في أنها تفطر ". ويقتضيه صحيح البزنطي عن أبي الحسن (ع): " أنه سأله عن الرجل يحتقن تكون به العلة في شهر رمضان. فقال (ع): الصائم لا يجوز له أن يحتقن " (* 1). وحمل نفي الجواز على الحرمة التكليفية - كما نسب إلى كثير - خلاف ظاهره في أمثال المقام. والظاهر من الاحتقان عرفا خصوص المائع. (4) كما يقتضيه ظاهر النص. ولم يعرف التفصيل بين الاختيار والاضطرار في المفطرية. نعم عن ابن زهرة: التفصيل بينهما في الكفارة، مدعيا الاجماع عليه. ولعله في محله. إذ مع الاضطرار يجوز الافطار أو يجب، فلا مجال للكفارة معه. (5) كما عن الاكثر، ونسب إلى جملة من كتب الشيخ (ره)، والسرائر، والنافع. ويقتضيه الاصل - بعد قصور الصحيح المتقدم عن شموله، لظهوره في المائع - وصحيح علي بن جعفر (ع) عن أخيه موسى


(* 1) الوسائل باب: 5 من ابواب يمسك عنه الصائم حديث: 4.

[ 307 ]

{ (مسألة 67): إذا احتقن بالمائع، لكن لم يصعد إلى } ابن جعفر (ع) قال: " سألته عن الرجل والمرأة هل يصلح لهما أن يستدخلا الدواء وهما صائمان؟ فقال (ع): لا بأس " (* 1). فانه لو سلم إطلاقه الشامل للمائع كان مقيدا بالصحيح السابق، لما عرفت من ظهوره في خصوص المائع. وأوضح من ذلك: موثق الحسن بن فضال: " كتبت إلى أبي الحسن (عليه السلام): ما تقول في اللطف يستدخله الانسان وهو صائم؟ فكتب (ع) لا بأس بالجامد " (* 2)، وعن الشيخ (ره) روايته: " في اللطف من الاشياف " (* 3). ولاجله يظهر أنه لو بني على عموم الصحيحين معا للجامد والمائع معا، يكون الموثق المذكور موجبا للجمع العرفي بينهما بالتقييد لان الموثق أخص من الاول فيقيد به، وبعد التقييد المذكور يكون الاول أخص من الثاني فيقيد به أيضا. ومن ذلك يظهر ضعف ماعن السيد في الناصرية، والمفيد، وعلي ابن بابويه، والحلبي: من الافساد في الجامد كالمائع، واختاره في المختلف. كما يظهر أيضا ضعف ما في المعتبر: من الحرمة فيهما معا، لعدم صحة الموثق لوجود ابني فضال في سنده. ولكونه مكاتبة. إذ فيه: أن الموثق من الخبر حجة، ولا سيما إذا كان في السند بنو فضال. وكذا المكاتبة. مع أن في صحيح ابن جعفر - بعد حمله على الجامد، ولو للجمع بينه وبين صحيح البزنطي - كفاية. ولو فرض التعارض وتساويهما في العموم كان مقتضى الجمع العرفي الحمل على الكراهة.


(* 1) الوسائل باب: 5 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 5 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 2. (* 3) الوسائل باب: 5 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 3.

[ 308 ]

{ الجوف، بل كان بمجرد الدخول في الدبر فلا يبعد عدم كونه مفطرا (1). وإن كان الاحوط تركه. (مسألة 68): الظاهر جواز الاحتقان بما يشك في كونه جامدا أو مائعا (2). وإن كان الاحوط تركه. العاشر: تعمد القئ (3) } (1) لانصراف الاحتقان عنه. (2) كما في سائر موارد الشبهات الموضوعية التحريمية. وقد تقدم في المسألة الثامنة والثلاثين ماله نفع في المقام. فراجع. (3) عن جماعة نسبته إلى الاكثر، وعن آخرين: نسبته إلى المشهور. وفي الجواهر: أنه إجماع من المتأخرين، بل في الخلاف، وظاهر الغنية، والمحكي عن المنتهى، الاجماع عليه. انتهى. وتشهد له جملة من النصوص: منها: صحيح الحلبي عن أبي عبد الله (ع): " إذا تقيأ الصائم فقد أفطر. وإن ذرعه من غير أن يتقيأ فليتم صومه " (* 1). وفي موثق سماعة " سألته عن القئ في رمضان. فقال (ع): إن كان شئ يبدره فلا بأس وإن كان شئ يكره نفسه عليه فقد أفطر، وعليه القضاء " (* 2) ونحوهما غيرهما. ومن ذلك يظهعر ضعف ماعن الحلي: من أنه محرم غير مفطر، للاصل. ولعموم حصر المفطر في غيره. ولان الصوم الامساك عما يصل إلى الجوف، لاعما يخرج منه، فتحمل النصوص على الحرمة. ولصحيح عبد الله بن ميمون، عن أبي عبد الله (ع) عن أبيه (ع) قال: " ثلاثة لا يفطرن الصائم: القئ، والاحتلام، والحجامة " (* 3). فان الاصل


(* 1) الوسائل باب: 29 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 29 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 5. (* 3) الوسائل باب: 35 من ابواب ما يسمك عنه الصائم حديث: 1.

[ 309 ]

{ وإن كان للضرورة (1)، من رفع مرض، أو نحوه. ولا بأس بما كان سهوا (2)، أو من غير اختيار (3). والمدار على الصدق العرفي (4)، فخروج مثل النواة، أو الدود لا يعد منه (5). (مسألة 69): لو خرج بالتجشؤ شئ، ثم نزل من غير اختيار، لم يكن مبطلا (6). ولو وصل إلى فضاء الفم } لا مجال له مع الدليل. والعموم مقيد بالدليل. وكون الصوم: الامساك عما يدخل في الجوف اجتهاد في مقابل النص. وحمل النصوص على الحرمة خلاف صريحها. والصحيح مقيد بما سبق. فيحمل على غير صورة الاختيار. ومن الاخير يظهر ضعف ماعن السرائر: من أنه منقص للصوم غير مبطل له، جمعا بين النصوص، إذ الجمع العرفي يقتضي التقييد كما عرفت لاحمل الافطار على النقص. (1) لاطلاق النصوص. (2) كما سيأتي في الفصل الآتي إن شاء الله تعالى. (3) كما صرح به في النصوص، وادعي الاتفاق عليه. نعم عن ابن الجنيد: وجوب القضاء إذا كان من محرم. وضعفه ظاهر. (4) كما في سائر الموضوعات المذكورة في الكتاب والسنة. (5) لاأظن أنه محل إشكال، فلا يكون مفطرا. (6) أما ما خرج بالتجشؤ فلعدم الدليل على الافطار به. بل الظاهر أنه لاكلام في عدمه، كما يقتضيه ظاهر جملة من النصوص الآتية. وأما ما نزل بلا اختيار فلما سيأتي: من اعتبار الاختيار في حصول الافطار. مضافا إلى صحيح عبد الله بن سنان قال: " سئل أبو عبد الله (ع) عن الرجل الصائم يقلس، فيخرج منه الشئ من الطعام، أيفطر ذلك؟ قال (ع): لا.

[ 310 ]

{ فبلعه اختيارا بطل صومه (1)، وعليه القضاء والكفارة. بل تجب كفارة الجمع إذا كان حراما (2)، من جهة خباثته، أو غيرها. (مسألة 70): لو ابتلع في الليل ما يجب عليه قيؤه في النهار فسد صومه (3) إن كان الاخراج منحصرا في القئ، وإن لم يكن منحصرا فيه لم يبطل (4). إلا إذا اختار القئ مع امكان الاخراج بغيره. ويشترط أن يكون مما يصدق القئ على إخراجه (5). وأما لو كان مثل درة، أو بندقة، أو درهم } قلت: فان ازدرده بعد أن صار على لسانه. قال (ع): لا يفطره ذلك " (* 1) وموثق عمار: " عن الرجل يخرج من جوفه القلس حتى - يبلغ الحلق، ثم يرجع إلى جوفه وهو صائم. قال (ع): ليس بشئ " (* 2). وقريب منهما غيرهما. فتأمل. (1) لاطلاق مادل على المنع عن الاكل، بناء على عمومه للمقام. لكن صحيح ابن سنان المتقدم يقتضي الصحة لو أمكن العمل به على ظاهره. (2) بناء على ما سيجئ: من وجوبها في الافطار على الحرام. (3) يعني: وإن لم يتقيأ، لان وجوب فعل القئ المفطر يمنع من التعبد بالامساك عنه. (4) لامكان التقرب بالامساك عن القئ، لكون المفروض إمكان إخراجه بغيره، فيتعين ذلك في نظر العقل، جمعا، بين غرضي الشارع الاقدس كما في كل واجب كانت مقدمته محرمة مع عدم الانحصار فيها. (5) كما سبق.


(* 1) الوسائل باب: 29 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 9. (* 2) الوسائل باب: 30 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 3.

[ 311 ]

{ أو نحوها مما لا يصدق معه القئ لم يكن مبطلا. (مسألة 71): إذا أكل في الليل ما يعلم أنه يوجب القئ في النهار من غير اختيار فالاحوط القضاء (1). (مسألة 72): إذا ظهر أثر القئ وأمكنه الحبس والمنع وجب (2)، إذا لم يكن حرج وضرر. (مسألة 73): إذا دخل الذباب في حلقه وجب إخراجه مع إمكانه (3) ولايكون من القئ. ولو توقف إخراجه على القئ سقط وجوبه، وصح صومه (4). } (1) لاحتمال كون المعيار في المفطر العمد المصحح للعقاب الحاصل في الفرض، لا خصوص العمد في زمان الفعل المنتفي. وإن كان هو الظاهر من اعتبار إكراه النفس عليه في موثق سماعة (* 1)، ولصدق: " بدره " و " ذرعه ". لا أقل من الرجوع إلى أصالة البراءة، الموافقة لعموم حصر المفطر في غيره. (2) لمفطريته حينئذ، لتحقق العمد إليه، المصحح للعقاب، كما عرفت. والمراد من الوجوب التكليفي، بقرينة استثناء الحرج والضرر. إذ لو كان المراد الوضعي - بمعنى: البطلان - لم يكن فرق بين الحرج والضرر وغيرهما في ذلك. وحينئذ يختص الوجوب بالواجب المعين. (3) لحرمة أكله في نفسه. (4) للتزاحم بين وجوب الصوم وحرمة الاكل، والاول أهم، أو محتمل الاهمية، فيترجح في نظر العقل. ومنه يظهر: اختصاص الحكم بالواجب المعين. إلا أن في ثبوت أهمية مطلق الواجب المعين. من حرمة الاكل أو احتمالها تأملا، أو منعا.


(* 1) تقدم ذلك في المفطر العاشر.

[ 312 ]

{ (مسألة 74): يجوز للصائم التجشؤ اختيارا وإن احتمل خروج شئ من الطعام معه (1). وأما إذا علم بذلك فلا يجوز (2). (مسألة 75): إذا ابتلع شيئا سهوا، فتذكر قبل أن يصل إلى الحلق (3) وجب إخراجه (4)، وصح صومه. وأما إن تذكر بعد الوصول إليه فلا يجب (5) بل لا يجوز إذا صدق عليه القئ. وإن شك (6) في ذلك فالظاهر وجوب إخراجه أيضا مع إمكانه، عملا بأصالة عدم الدخول في الحلق (7). } (1) للاصل. وقد يقتضيه ظاهر النصوص المتقدمة في المسألة التاسعة والستين. (2) كأن الوجه: دلالة نصوص القئ عليه. وقد تأمل ظاهر. (3) يعني: منتهاه. (4) يعني: لا يجوز ابتلاعه، لقدحه في الصوم، فلو أخرجه لم يكن وجه لبطلان الصوم. (5) لتحقق الاكل والشرب، فلا يتحقق ثانيا بنزوله إلى الجوف. إلا أن نقول: بأن وصول شئ الى الجوف مفطر لنفسه وإن لم يكن أكلا أو شربا. وقد تقدم التعرض له في المفطر الاول. (6) يعني: في الوصول وعدمه. (7) لا يخلو من تأمل، لان أصالة عدم دخوله في الحلق لا يثبت كون ابتلاعه حينئذ أكلا أو شربا. إلا بناء على الاصل المثبت، لان اللزوم بين الاول والثاني عقلي، لا شرعي. نعم لو ثبت أن كل ما لم يدخل الحلق يحرم ابتلاعه ويقدح في الصوم. كان الاصل المذكور كافيا في اثبات الحرمة. لكنه كما ترى.

[ 313 ]

{ (مسألة 76): إذا كان الصائم بالواجب المعين مشتغلا بالصلاة الواجبة، فدخل في حلقه (1) ذباب، أو بق، أو نحوهما، أو شئ من بقايا الطعام الذي بين أسنانه، وتوقف إخراجه على إبطال الصلاة بالتكلم ب‍ (أخ) أو بغير ذلك، فان أمكن التحفظ والامساك إلى الفراغ من الصلوة وجب (2) وإن لم يمكن ذلك ودار الامر بين إبطال الصوم بالبلع أو الصلاة بالاخراج، فان لم يصل إلى الحد من الحلق - كمخرج الخاء - وكان مما يحرم بلعه في حد نفسه - كالذباب ونحوه - وجب قطع الصلاة (3) باخراجه، ولو في ضيق وقت الصلاة (4) وإن كان مما يحل بلعه في ذاته - كبقايا الطعام - ففي سعة الوقت للصلاة - ولو بادراك ركهة منه - يجب القطع والاخراج وفي الضيق يجب البلع وإبطال الصوم، تقديما لجانب الصلاة } (1) يعني: في فمه، كما يظهر ذلك من تقسيمه الآتي. (2) لئلا يلزم قطع الصلاة المحرم. (3) لاهمية حرمة الاكل وحرمة الافطار من حرمة قطع الصلاة. بل ثبوت حرمة القطع في مثل ذلك غير معلوم، فانه يجوز القطع للحاجة التي منها: الفرار عن المحرم، كما تقدم في كتاب الصلاة. (4) فيقطع الصلاة، وينتقل إلى البدل الاضطراري، لان دليل البدلية ظاهر في مثل المورد. أما لو فرض لزوم فوات الصلاة بالمرة فجواز القطع غير ظاهر، فان الصلاة إحدى الدعائم التي بني الاسلام عليها، ومزيد الاهتمام بها من الشارع مما لا مجال للتشكيك فيه، فكيف يجوز تركها محافظة على امتثال النهي عن أكل الحرام في الجملة؟! وكذا الحال في الفرض الآتي.

[ 314 ]

{ لاهميتها (1). وإن وصل إلى الحد، فمع كونه مما يحرم بلعه وجب إخراجه بقطع الصلاة وإبطالها، على إشكال (2). وإن كان مثل بقايا الطعام لم يجب (3)، وصحت صلاته، وصح صومه على التقديرين (4)، لعدم عد إخراج مثله قيئا في العرف. (مسألة 77): قيل يجوز للصائم أن يدخل إصبعه في حلقه ويخرجه عمدا. وهو مشكل مع الوصول إلى الحد (5)، فالاحوط الترك. (مسألة 78): لا بأس بالتجشؤ القهري (6) وإن وصل } (1) ثبوت الاهمية إنما هذ إذا دار الامر بين فوات الصلاة في الوقت بالمرة وفوات الصوم. أما إذا دار بين فوات الصلاة التامة وفوات الصوم فثبوتها محل تأمل، كما تقدم. (2) بل هو الاظهر. والاشكال ضعيف، كما عرفت. نعم في ضيق الوقت بحيث يؤدي القطع إلى فوات الصلاة يشكل جواز القطع، كما تقدم. (3) لعدم المقتضي، كما تقدم في المسألة السابقة. (4) يعني: تقديري الاخراج وعدمه. أما على الاول فلما ذكر. وأما على الثاني فلكون وصوله إلى الحد لم يكن باختياره، فلا يكون مفطرا. وابتلاعه بعد ذلك وان كان باختياره فليس بمفطر، لانه بعد تجاوز الحد، كما سبق. (5) إن كان الاشكال من جهة الادخال، ففيه: أنه لم يتضح الفرق بينه وبين إنفاذ الرمح والسكين بحيث يصلان إلى الجوف، الذي تقدم في أوائل الفصل الجزم بعدم الافطار به، لعدم صدق الاكل والشرب. وان كان من جهة الاخراج لاحتمال صدق القئ. ففيه: أن هذا الاحتمال ضعيف. (6) للاصل. وكذا تعمد التجشؤ، كما تقدم. ووجه بقية المسألة يعلم مما سبق في المسائل السابقة.

[ 315 ]

{ معه الطعام إلى فضاء الفم ورجع. بل لا بأس بتعمد التجشؤ ما لم يعلم أنه يخرج معه شئ من الطعام. وإن خرج بعد ذلك وجب إلقاؤه. ولو سبقه الرجوع إلى الحلق لم يبطل صومه. وإن كان الاحوط القضاء. فصل في اعتبار العمد والاختيار في الافطار المفطرات المذكورة، ما عدا البقاء على الجنابة - الذي مر الكلام فيه تفصيلا - إنما توجب بطلان الصوم إذا وقعت على وجه العمد والاختيار. وأما مع السهو وعدم القصد فلا توجبه (1). } فصل في اعتبار العمد والاختيار في الافطار (1) أما في السهو وعدم القصد إلى فعل المفطر فقولا واحدا، ونصوصا - كما في الجواهر - وبلا ريب ولا خلاف، كما في المستند. والظاهر أن النصوص المشار إليها في الجواهر: ما ورد في الكذب والقئ من التقييد بالعمد (* 1) وما ورد في قضاء من أفطر قبل الغروب من التعليل: بأنه أكل متعمدا (* 2) ومثل خبر مسعدة: " سئل عن الذباب يدخل في حلق الصائم. قال (ع): ليس عليه قضاء، لانه ليس بطعام " (* 3) بناء على أن المراد أنه ليس باختيار المكلف، وما ورد في تعليل عدم مفطرية الاحتلام من أنه مفعول به (* 2) وما ورد في سبق ماء المضمضة الذي سيأتي - إن


(* 1) لاحظ نصوص الكذب في الوسائل باب: 2 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 1، 2، 3، وأما نصوص القئ فقد تقدمت قريبا في المفطر العاشر. (* 2) الوسائل باب: 50 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 1. (* 3) الوسائل باب: 39 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 2. (* 4) الوسائل باب: 35 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 4.

[ 316 ]

شاء الله - الكلام فيه. وأما النصوص المتضمنة للقضاء على من أفطر متعمدا (* 1) فلا تصلح لاثبات ذلك، لان التقييد بالعمد إنما كان في السؤال، فلا تصلح لتقييد وجوب القضاء على من أفطر. نعم في رواية المشرقي ذكر في الجواب (* 2) إلا أن الجزاء فيها مجموع الحكمين: من القضاء والكفارة، فلا تدل على تقييد القضاء به. فالعمدة في النصوص: ما ذكرنا. وأما في السهو عن الصوم فلا خلاف ظاهر في عدم الافطار. وعن غير واحد: نفي الخلاف. وفي المستند: دعوى الاجماع المحقق، وحكاه عن بعض. ويشهد به جملة من النصوص المتضمنة لعدم الافطار لو أكل أو شرب أو جامع ناسيا. منها: صحيح الحلبي عن أبي عبد الله (ع): " عن رجل نسي فأكل وشرب. ثم ذكر. قال (ع): لا يفطر: إنما هو شئ رزقه الله، فليتم صومه " (* 3) وصحيح محمد بن قيس: " كان أمير المؤمنين (ع) يقول: من صام فنسي فأكل وشرب فلا يفطر، من أجل أنه نسي، فانما هو رزق رزقه الله تعالى، فليتم صيامه " (* 4) وموثق عمار: " أنه سأل أبا عبد الله (ع) عن الرجل ينسى وهو صائم فجامع أهله. فقال (ع): يغتسل، ولا شئ عليه " (* 5) ونحوها غيرها. واختصاصها بالثلاثة لا يقدح في عموم الحكم، لما في الصحيح الثاني: من التعليل بالنسيان، المطرد في الجميع. ولعدم الفصل، أو فهم عدم الخصوصية. مضافا الى عموم: " ما غلب الله عليه فالله أولى بالعذر " (* 6)


(* 1) الوسائل باب: 8 من ابواب ما يمسك عنه الصائم. (* 2) الوسائل باب: 8 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 11. (* 3) الوسائل باب: 9 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 1. (* 4) الوسائل باب: 9 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 9. (* 5) الوسائل باب: 9 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 2. (* 6) الوسائل باب: 24 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 6.

[ 317 ]

{ من غير فرق بين أقسام الصوم (1)، من الواجب المعين، والموسع، والمندوب ولافرق في البطلان مع العمد بين الجاهل بقسميه (2) والعالم، } الوارد في نفي القضاء عن المغمى عليه، بناء على أن تطبيقه بلحاظ نفي القضاء موجب للتصرف فيه بحمل العذر على العذر حتى من أجل القضاء، لا للتصرف في تطبيقه، ليختص بمورده. وفيه تأمل. (1) بلا خلاف. لاطلاق جملة من النصوص. واختصاص بعض النصوص برمضان أو النافلة لا يستوجب تقييد المطلق. ولاسيما مع إمكان إلحاق غيرهما بهما في الحكم، بالغاء خصوصية المورد. ولما عن الفقيه: من أنه - بعد روايتي الحلبي وعمار - قال: " روي عن الائمة (ع): أن هذا في شهر رمضان وغيره. ولا يجب فيه القضاء " (* 1) (2) على المشهور. لاطلاق دليل المفطرية. وعن ظاهر الحلي، والشيخ في موضع من التهذيب: العدم مطلقا، وحكي أيضا عن ظاهر الجامع، واختاره في الحدائق. لاطلاق موثق أبي بصير وزرارة، قالا جميعا: " سألنا أبا جعفر (ع) عن رجل أتى أهله في شهر رمضان، أو أتى أهل وهو محرم وهو لا يرى إلا أن ذلك حلال له. قال (ع): ليس عليه شئ " (* 2) المعتضد باطلاق صحيح عبد الصمد، الوارد فيمن لبس قميصا حال الاحرام: " أي رجل ركب أمرا بجهالة فلا شي عليه " (* 3) وحمل الموثق على الجاهل القاصر غير ظاهر. ومثله: حمله على نفي خصوص الكفارة، فانه خلاف إطلاقه. ودعوى: أن بينه وبين أدلة


(* 1) الوسائل باب: 9 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 3. (* 2) الوسائل باب: 9 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 12. (* 3) الوسائل باب: 25 من ابواب تروك الاحرام حديث: 3.

[ 318 ]

{ ولابين المكره وغيره (1). فلو أكره على الافطار فأفطر } المفطرية عموما من وجه، والترجيح لها من وجوه: منها: الشهرة. ومنها: ظهور جملة من أدلة القضاء في الجاهل. غير ظاهرة، إذ الشهرة الفتوائية لا تصلح للترجيح. مع أن إعمال الترجيح في تعارض العامين من وجه خلاف التحقيق. وظهور جملة من أدلة القضاء في الجاهل أول الكلام. فالتحقيق: أن إطلاق الموثق في نفي القضاء أقوى من إطلاق أدلة المفطرية، كما هو الحال في أمثاله مما يظهر لعنوان الموضع خصوصية تناسب الحكم، كالجهل في المقام. ولو سلم عدم الترجيح في الظهور فاللازم الرجوع إلى الاصل المتقتضي لنفي المفطرية. وأما التقييد بغير المقصر فخال عن الوجه. فالبناء على الصحة في الجاهل وإن كان مقصرا أقوى. نعم لا تشمل الجاهل المتردد الذي لا يحكم عقله بالحل، فالرجوع فيه إلى عموم المفطرية ووجوب القضاء أولى. ونحوه: الجاهل بالموضوع وإن كان عقله حاكما بالحل، لاختصاص الموثق بالجاهل بالحكم. وصحيح عبد الصمد وإن كان يشمله وغيره، ويقتضي نفي القضاء والكفارة، لكن الاعتماد عليه في ذلك لا يخلو من إشكال، لامتناع الاخذ باطلاقه، للزوم كثرة التخصيص الموهنة له. فلا يبعد اختصاصه بمورده: من الجهل بالحكم مع حكم عقله بالحل، فيكون كالموثق. فالمرجع في الجاهل بالموضوع مطلقا عموم المفطرية. فتأمل جيدا. (1) كما عن المبسوط، والتذكرة، والمسالك، والحدائق، لاطلاق أدلة المفطرات، المؤيد بما ورد في الافطار تقية، كمرسل رفاعة عن رجل عن أبي عبد الله (ع): " قال (ع): دخلت على أبي العباس بالحيرة... (إلى أن قال): فأكلت معه وأنا أعلم والله أنه يوم من شهر رمضان،

[ 319 ]

{ مباشرة فرارا عن الضرر المترتب على تركه بطل صومه على الاقوى. نعم لو وجر في حلقه من غير مباشرة منه لم يبطل (1). (مسألة 1): إذا أكل ناسيا، فظن فساد صومه، فأفطر عامدا بطل صومه (2). وكذا لو أكل بتخيل أن صومه } فكان إفطاري يوما وقضاؤه أيسر علي من أن يضرب عنقي ولا أ عبد الله " (* 1) لكن المحكي عن الاكثر: عدم الافطار. للاصل، بعد انصراف أدلة المفطرية الى غير المكره. ولحديث رفع الاكراه الحاكم على إطلاقها (* 2) وفيه: أن الانصراف ممنوع فلا مجال للاصل. وحديث الرفع لا يصلح لاثبات الصحة، لانه ناف لامثبت، كما أشرنا إلى ذلك آنفا. وأما ما ورد في إكراه الزوجة على الجماع: من أن على الزوج كفارتين (* 3) فلا يدل على عدم إفطارها، بل على إفطارها أدل، بقرينة تعدد الكفارة. وأما ما ورد في نفي القضاء عن المغمى عليه: من قوله (ع): " كلما غلب الله عليه فالله أولى بالعذر " (* 4) فلا يبعد اختصاصه بالاجبار، كما في الاغماء، فلا يشمل الاكراه. مع أنك عرفت في أول الفصل: التأمل في صحة التسمك به في غير مورده. (1) بلا خلاف - كما جزم به جماعة - لانتفاء العمد المعتبر في المفطرية إجماعا، كما سبق. (2) هذا بناء على ما سبق: من إلحاق الجاهل بالعامد ظاهر، لان الافطار مقتضى الاطلاق. أما بناء على إلحاقه بالساهي فقد يشكل الحكم


(* 1) الوسائل باب: 57 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 5. (* 2) الوسائل باب: 56 من ابواب جهاد النفس. (* 3) الوسائل باب: 12 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 1. (* 4) الوسائل باب: 24 من ابواب من يصح منه الصوم حديث: 6.

[ 320 ]

{ مندوب يجوز إبطاله، فذكر أنه واجب (1). (مسألة 2): إذا أفطر تقية من ظالم بطل صومه (2). } بالافطار في الفرض، لكون الوجه في الافطار جهله بكونه صائما شرعا، والظاهر عدم الفرق بين أفراد الجهل بالحكم. اللهم إلا أن يقال: مورد موثق أبي بصير وزرارة المتقدم خصوص الجهل بالمفطرية مع العلم بالصوم (* 1) والمقام عكس ذلك، فالتعدي إليه يحتاج الى دليل مفقود. إلا أن يثبت عدم الفصل. لكنه ممنوع، كما يظهر من المحقق حيث تردد في حكم الجاهل، وجزم في المقام بالافطار والقضاء. (1) فانه لا ينبغي التأمل في البطلان، لاطلاق أدلة المفطرية. وخروج نسيان الصوم عنها لا يلازم خروج ما نحن فيه، للفرق الظاهر بين المقامين. (2) لما تقدم في المكره. وقال في المدارك - بعدما اختار الصحة في المكره -: " وفي معنى الاكراه: الافطار في يوم يجب صومه للتقية، أو التناول قبل الغروب لاجل ذلك ". ونحوه في الذخيرة. وقال في الحدائق: " قالوا: في معنى الاكراه: الافطار في يوم... ". فكأن الخلاف فيه مبني عندهم على الخلاف في المكره. نعم ظاهر جملة من النصوص الواردة في الامر بالتقية: صحة العمل الجاري على طبق التقية وإن وجد مانعا أو فقد شرطا أو جزءا، مثل المصحح عن أبي عمر الاعجمي: " قال لي أبو عبد الله (ع): يا أبا عمر أن تسعة أعشار الدين التقية، ولادين لمن لاتقية له. والتقية في كل شئ، إلا في النبيذ، والمسح على الخفين " (* 2) فان استثناء المسح على الخفين يقتضي


(* 1) تقدم ذكرهما في أول هذا الفصل. (* 2) لاحظ صدر الرواية في الوسائل باب: 24 من ابواب الامر بالمعروف حديث: 2، وذيلها في باب: 25 حديث: 3.

[ 321 ]

شمول المستثنى منه للحكم الوضعي، ومصحح زرارة: " قلت له: في مسح الخفين تقية؟ فقال (ع): ثلاثة لا أتقي فيهن أحدا: شرب المسكر، ومسح الخفين، ومتعة الحج " (* 1) وفي رواية أبي الصباح عن جعفر بن محمد (ع): " ما صنعتم من شئ، أو حلفتم عليه من يمين في تقية، فأنتم منه في سعة " (* 2) فان إطلاق السعة يقتضي الصحة. فتأمل، وموثق سماعة: " وإن لم يكن إمام عدل فليبن على صلاته كما هو، ويصلي ركعة أخرى، ويجلس قدر ما يقول: " أشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله " ثم ليتم صلاته معه على ما استطاع فان التقية واسعة. وليس شئ من التقية إلا وصاحبها مأجور عليها إن شاء الله " (* 3). وقريب منها غيرها. وحينئذ لامانع من الالتزام بالصحة في المقام، كما هو صريح جماعة، بل هو المشهور في غير المقام. فراجع ما تقدم في الوضوء. نعم القدر المتيقن صورة مالو كان العمل موافقا لمذهبهم من حيث الحكم الكلي، مثل استعمال ما ليس مفطرا عندهم مع كونه مفطرا عندنا كالارتماس. أما لو كان موافقا لمذهبهم من حيث الموضوع الخارجي، فان شمول النصوص له غير ظاهر، كما لو ثبت عندهم هلال شوال فأفطروا، فان الافطار معهم ليس موافقة لهم إلا في اعتقاد كون يوم الافطار عيدا وهو من قبيل الموضوع لا الحكم. إلا أن يرجع ذلك إلى مذهبهم في الحكم بحجية الشهادة، أو في حجية حكم حكامهم التي هي من قبيل الحكم الكلي الظاهري. ولافرق بين الحكم الواقعي والظاهري في دخولهما تحت دليل


(* 1) الوسائل باب: 25 من ابواب الامر بالمعروف حديث: 5. (* 2) الوسائل باب: 12 من ابواب الايمان حديث: 2. (* 3) الوسائل باب: 56 من ابواب صلاة الجماعة حديث: 2.

[ 322 ]

{ (مسألة 3): إذا كانت اللقمة في فمه، وأراد بلعها لنسيان الصوم، فتذكر وجب إخراجها، وإن بلعها مع إمكان إلقائها بطل صومه، بل تجب الكفارة أيضا. وكذا لو كان مشغولا بالاكل فتبين طلوع الفجر. } الاجزاء. ويشير إليه خبر أبي الجارود: " إنا شككنا سنة في عام من تلك الاعوام في الاضحى، فلما دخلت على أبي جعفر (ع) وكان بعض أصحابنا يضحي، فقال (ع): الفطر يوم يفطر الناس، والاضحى يوم يضحي الناس، والصوم يوم يصوم الناس " (* 1). إلا أن يقال: أدلة الاجزاء مختصة بالعمل الناقص الموافق للتقية، مثل الوضوء مع المسح على الخف، أو غسل الرجلين، والصلاة مع القراءة بدون البسملة، والصوم مع الارتماس ونحو ذلك. ولا تشمل صورة ترك العمل الواجب بحيث تقتضي عدم وجوب قضائه إذا كان مما يقضى. والافطار في عيدهم من قبيل ذلك، لان الموافقة لهم في الجواز الافطار، لافي صحة الصوم، لانه خلاف معتقدهم، فنفي القضاء يحتاج الى دليل مفقود. ومجرد كون المورد من باب الموافقة لهم في الحكم الكلي غير كاف في نفي القضاء مع كون مذهبهم جواز الافطار وعدم صحة الصوم. فالمقام نظير مالو كان مذهبهم ترك صلاة موقتة، فتركها تقية، فان ذلك لا يوجب نفي القضاء. وبالجملة: الادلة ظاهرة في إجزاء العمل الناقص إذا كان الموجب لنقصه التقية، فيسقط الامر به، ولايحتاج الى الاعادة. ولاتعرض فيها لسقوط الامر بالفعل إذا كانت التقية تقتضي تركه. ومن الاول - الذي هو موضوع النصوص -: الافطار عند سقوط القرص تقية، فانه موافقة لهم في مذهبهم في امتثال الحكم الكلي الواقعي، وهو انتهاء اليوم بسقوط القرص.


(* 1) الوسائل باب: 57 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 7.

[ 323 ]

{ (مسألة 4): إذا دخل الذباب، أو البق، أو الدخان الغليظ، أو الغبار في حلقه من غير اختياره لم يبطل صومه. } وما في الجواهر من الاشكال فيه وفي الافطار في عيدهم - بالشك في شمول دينية التقية لمثل ذلك، الذي مرجعه الى موضوع مصداقا أو مفهوما لا إلى حكم غير ظاهر، فان الاختلاف في المسح على الخف، وجزئية البسملة، ومانعية التكتف أيضا اختلاف في مفهوم الموضوع، ولا ريب في ثبوت التقية فيها، وأنها من الدين، فالاختلاف في الموضوعات المستنبطة اختلاف مذهبي تشمله أدلة التقية. نعم الاختلاف في الموضوع من جهة الامور الخارجية ليس اختلافا مذهبيا، فلا تشمله الادلة الخاصة بها، مثل الاختلاف في العيد للاختلاف في الرؤية وعدمها. وأما لو كان من جهة الاختلاف في الحكم الظاهري للاختلاف في حجية الشهادة أو حكم حاكمهم، فهو وإن كان اختلافا مذهبيا - كما اعترف به في الجواهر - لكنه لا تشمله أدلتها بنحو لا توجب القضاء كما عرفت. نعم لو حكم حاكمهم بهلال ذي الحجة فالحج الجاري على مقتضى الحكم المذكور مجزئ عن الاعادة. وكذا لو حكم حاكمهم بطهارة ماء فتوضأ به وصلى أجزأت صلاته عن الاعادة والقضاء. ومما ذكرنا يظهر قوة ما في نجاة العباد: من الاجزاء إذا تناول ما ليس مفطرا عندهم، أو أفطر قبل الغروب تقية، ووجوب القضاء لو أفطر في عيدهم. كما يظهر أيضا ضعف القول بالصحة في الجميع، اعتمادا على نصوص مشروعية التقية، كضعف القول بعدم الاجزاء، اعتمادا على أدلة وجوب القضاء، بعد الاستشكال في دلالة نصوص التقية على الصحة، كما في المسالك، والحدائق. وبالجملة: التفصيل الذي ذكرناه هو الظاهر من النصوص المتقدمة،

[ 324 ]

{ وإن أمكن إخراجه وجب، ولو وصل إلى مخرج الخاء (1). (مسألة 5): إذا غلب على الصائم العطش، بحيث خاف من الهلاك، يجوز له أن يشرب الماء (2)، مقتصرا على مقدار الضرورة (3)، ولكن يفسد صومه بذلك (4). } والقول بالصحة مطلقا. أو ببطلان الصوم مطلقا ضعيف. ومن ذلك يظهر: أن مرسل رفاعة المتقدم - المتضمن وجوب القضاء على من أفطر في عيدهم تقية (* 1) موافق لما ذكرنا، لا مخالف له، وإن كان هو ضعيفا لا يصلح للحجية. (1) لحرمة أكله في نفسه. (2) لادلة وجوب حفظ النفس عن الهلاك. وكذا لو كان حرجا أو خاف ضررا، لدليل نفي الحرج والضرر. (3) بلا خلاف ظاهر. ويقتضيه موثق عمار عن أبي عبد الله (ع): " في الرجل يصيبه العطاش حتى يخاف على نفسه؟ قال (ع): يشرب بقدر ما يمسك رمقه، ولا يشرب حتى يروي " (* 2) وخبر المفضل قال: " قلت لابي عبد الله (ع): إن لنا فتيات وشبانا لا يقدرون على الصيام من شدة ما يصيبهم من العطش. قال (ع): فليشربوا بقدر ما تروى به نفوسهم وما يحذرون " (* 3). (4) لاستعمال المفطر اختيارا. وأدلة رفع الاضطرار لا تصلح لتصحيح الصوم (* 4).


(* 1) راجع أوائل الكلام من هذا الفصل: (* 2) الوسائل باب: 16 من ابواب من يصح منه الصوم حديث: 1. (* 3) الوسائل باب: 16 من أبواب من يصح منه الصوم حديث: 2. (* 4) راجع الوسائل باب: 56 من ابواب جهاد النفس.

[ 325 ]

{ ويجب عليه الامساك بقية النهار (1) إذا كان في شهر رمضان وأما في غيره من الواجب الموسع والمعين فلا يجب الامساك (2) وإن كان أحوط في الواجب المعين. (مسألة 6): لا يجوز للصائم أن يذهب إلى المكان الذي يعلم اضطراره فيه إلى الافطار (3) باكراه أو إيجار في حلقه أو نحو ذلك، ويبطل صومه لو ذهب وصار مضطرا ولو كان بنحو الايجار. بل لا يبعد بطلانه بمجرد القصد إلى ذلك، فانه كالقصد إلى الافطار (4). } (1) كما يفهم من الخبرين السابقين. (2) لعدم الاطلاق في الموثق، والمتيقن منه شهر رمضان. والخبر - مع ضعفه في نفسه - لاتبعد أيضا فيه دعوى الانصراف إلى شهر رمضان كما يظهر ذلك بملاحظة السؤال. لا أقل من الاجمال فيه، فأصالة البراءة من وجوب الامساك في غير رمضان محكمة. (3) يعني: إذا كان صومه معينا، فان العمد الى الذهاب عمد الى الافطار المحرم، وقد عرفت: أن الافطار عمدا مفطر موجب للقضاء. نعم يمكن الاشكال في الايجار: بأنه غير مفطر، نظير الاحتلام، لانه مفعول به، فالعمد إليه ليس عمدا إلى المفطر، حتى يكون حراما. فالعمد إليه بالذهاب ليس عمدا الى الحرام، كما لو علم أنه إذا نام يحتلم، أو إذا أكل في الليل شيئا احتلم. بل قد يشكل الامر في القئ. بناء على ما تقدم من المصنف (ره): من التوقف في كفاية العمد المصحح للعقاب في تحقق العمد المعتبر في مفطريته. (4) فقد تقدم أنه مفطر. هذا والحكم في المسألة الآتية ظاهر.

[ 326 ]

{ (مسألة 7): إذا نسي فجامع لم يبطل صومه. وإن تذكر في الاثناء وجب المبادرة إلى الاخراج، وإلا وجب عليه القضاء والكفارة. فصل في أمور لا بأس بها للصائم لا بأس للصائم بمص الخاتم أو الحصى، ولا بمضغ الطعام للصبي، ولا بزق الطائر، ولا بذوق المرق، ونحو ذلك مما لا يتعدى إلى الحلق (1)، } فصل في أمور لا بأس بها للصائم (1) للاصل. وعموم حصر المفطر في غيره. مضافا الى صحيح ابن سنان عن أبي عبد الله (ع): " في الرجل يعطش في شهر رمضان. قال (ع): لا بأس أن يمص الخاتم " (* 1) ونحوه صحيح منصور عنه (ع) (* 2) وصحيح الحلبي عن أبي عبد الله (ع) - في حديث -: " أنه سئل عن المرأة يكون لها الصبي وهي صائمة، فتمضغ له الخبر وتطعمه؟ قال (ع): لا بأس. والطير إن كان لها " (* 3) ونحوه في المضغ خبر مسعدة عنه (ع) (* 4) وصحيح حماد قال: " سأل ابن أبي يعفور أبا عبد الله (ع) - وأنا أسمع - عن الصائم يصب الدواء في أذنه؟ قال (ع): نعم، ويذوق المرق،


(* 1) الوسائل باب: 40 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 40 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 3. (* 3) الوسائل باب: 38 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 1. (* 4) الوسائل باب: 38 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 2.

[ 327 ]

{ ولا يبطل صومه إذا اتفق التعدي (1)، إذا كان من غير قصد ولا علم بأنه يتعدى قهرا أو نسيانا. أما مع العلم بذلك من الاول فيدخل في الافطار العمدي (2). وكذا لا بأس بمضغ العلك (3)، ولاببلع ريقه بعده، وإن وجد له طعما فيه (4) } ويزق الفرخ " (* 1) ونحوه في ذوق المرق جملة أخرى. وأما مصحح سعيد الاعرج: " سألت أبا عبد الله (ع) عن الصائم يذوق المرق ولا ببلعه. قال (ع): لا " (* 2) فمحمول على الكراهة. وحمله على عدم الحاجة - كما عن الشيخ - لا شاهد عليه. (1) لعدم العمد، الذي هو شرط في الافطار. وما عن المنتهى: من وجوب القضاء إذا كان الادخال في الفم لا لغرض صحيح، ضعيف. (2) لان العمد إلى ما يعلم ترتب الشئ عليه عمد الى ذلك الشئ. (3) للاصل. والعموم المتقدم. وصحيح ابن مسلم: " قال أبو جعفر (ع): يا محمد إياك أن تمضغ علكا. فاني مضغت اليوم علكا وأنا صائم فوجدت في نفسي منه شيئا " (* 3) وخبر أبي بصير عن أبي عبد الله (ع): " عن الصائم يمضغ العلك؟ قال (ع): نعم إن شاء " (* 4) ولاجلها يحمل ما في مصحح الحلبي عن أبي عبد الله (ع) من المنع عنه على الكراهة (* 5) كما يشهد به التحذير عنه في الصحيح. (4) للاطلاق. بل الصحيح كالصريح فيه.


(* 1) الوسائل باب: 37 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 3. (* 2) الوسائل باب: 37 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 2. (* 3) الوسائل باب: 36 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 1. (* 4) الوسائل باب: 36 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 3. (* 5) الوسائل باب: 36 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 2.

[ 328 ]

{ ما لم يكن ذلك بتفتت أجزاء منه (1)، بل كان لاجل المجاورة وكذا لا بأس بجلوسه في الماء (2) ما لم يرتمس، رجلا كان أو امرأة (3)، وإن كان يكره لها ذلك. ولا ببل الثوب ووضعه على الجسد (4)، } (1) فيدخل في الاكل المفطر. إلا أن تكون الاجزاء مستهلكة في الريق، فالحكم بالافطار حينئذ غير ظاهر. (2) للاصل. والعموم. وخبر ابن راشد عن أبي عبد الله (ع) - في حديث -: " قلت فالصائم يستنقع في الماء؟ قال (ع): نعم. قلت: فيبل ثوبا على جسده؟ قال (ع): لا " (* 1) ونحوه غيره، وقد تقدم بعضه في مبحث الارتماس. (3) أما في الاول فلا خلاف فيه يعرف. وأما في الثاني فهو المشهور. وعن الحلبي: وجوب القضاء. وعن القاضي وابن زهرة: وجوبه مع الكفارة. وكأنه لخبر حنان بن سدير: " أنه سأل أبا عبد الله (ع) عن الصائم يستنقع في الماء؟ قال (ع): لا بأس، ولكن لا يغمس رأسه. والمرأة لاتستنقع في الماء، لانها تحمله بقبلها " (* 2) وهو كما ترى. إذ فيه - مضافا إلى إعراض المشهور عنه -: قصور الدلالة، من جهة التعليل. فالمتعين الحمل على الكراهة، كما هو المشهور. (4) بلا خلاف ظاهر، بل الاجماع في الظاهر، كما في الجواهر. وبه - مضافا الى عموم حصر المفطر في غير المقام، وصحيح ابن مسلم عن أبي جعفر (ع)، المتضمن: أن الصائم يتبرد بالثوب (* 3). فتأمل - يحمل


الوسائل باب: 3 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 5. (* 2) الوسائل باب: 3 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 6. (* 3) الوسائل باب: 3 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 2.

[ 329 ]

{ ولا بالسواك باليابس (1)، بل بالرطب أيضا (2). لكن إذا أخرج المسواك من فمه لا يرده وعليه رطوبة، وإلا كانت كالرطوبة الخارجية لا يجوز بلعها إلا بعد الاستهلاك في الريق. وكذا لا بأس بمص لسان الصبي، أو الزوجة (3) } النهي في خبر ابن راشد المتقدم وغيره على الكراهة، كما يأتي. (1) بلا خلاف، بل الاجماع بقسميه عليه، كما في الجواهر. للاصل والعموم المتقدم. والنصوص المستفيضة الدالة على جوازه مطلقا. كصحيح ابن سنان عن أبي عبد الله (ع): " يستاك الصائم أي ساعة من النهار أحب " (* 1). (2) كما هو المشهور، وعن المنتهى: نسبته إلى علمائنا أجمع. لما سبق أيضا. وعن المختلف، عن ابن أبي عقيل: المنع عنه. ويقتضيه النهي في جملة من النصوص، مثل صحيح ابن مسلم عن أبي عبد الله (ع): " ولا يستاك بعود رطب " (* 2) ومصحح الحلبي عن أبي عبد الله (ع): " ولا يستاك بسواك رطب " (* 3) ونحوهما غيرهما. لولا معارضتها بغيرها، مما يوجب الحمل على الكراهة، مثل صحيح الحلبي: " سألت أبا عبد الله (ع): أيستاك الصائم بالماء وبالعود الرطب يجد طعمه؟ فقال (ع): لا بأس " (* 4) (3) للاصل. والعموم. ولصحيح ابن جعفر (ع)، عن أخيه (ع): " قال سألته عن الرجل الصائم يمص لسان المرأة، أو تفعل المرأة ذلك؟ قال (ع): لا بأس " (* 5) ويدل أيضا على جواز مصها للسانه. ونحوه


(* 1) الوسائل باب: 28 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 28 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 8. (* 3) الوسائل باب: 28 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 10. (* 4) الوسائل باب: 28 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 3. (* 5) الوسائل باب: 34 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 3.

[ 330 ]

{ إذا لم يكن عليه رطوبة (1)، ولا بتقبيلها، أو ضمها (2)، أو نحو ذلك. (مسألة 1): إذا امتزج بريقه دم واستهلك فيه يجوز بلعه على الاقوى (3)، وكذا غير الدم من المحرمات والمحللات. والظاهر عدم جواز تعمد المزج والاستهلاك بالبلع (4)، سواء كان مثل الدم ونحوه من المحرمات، أو الماء ونحوه من المحللات. فما ذكرنا من الجواز إنما هو إذا كان ذلك على وجه الاتفاق. } في ذلك خبر أبي بصير عن أبي عبد الله (ع) (* 1) ولم أقف على نص في الصبي. (1) الاطلاق المتقدم يقتضي الجواز معها، بل هو الغالب. نعم قد يدعى سوق النصوص لحكم مجرد المص، فلا تدل على جواز ابتلاعها، فيرجع فيه إلى الاصل المانع. لكنه لا يخلو من تأمل. (2) النصوص بذلك مستفيضة، كصحيح جميل وزرارة وأبي بصير عن أبي جعفر (ع): " لا تنقض القبلة الصوم " (* 2) وموثق سماعة بن مهران قال: " سألت أبا عبد الله (ع) عن القبلة في شهر رمضان للصائم أتفطر؟ قال (ع): لا " (* 3). ونحوهما غيرهما. (3) إذا بلعه بعد استهلاك الدم فيه لا يخرج عن كونه بلعا للريق. المنصوص على جوازه، كما تقدم. (4) وجهه غير ظاهر. لانه إذا فرض جواز البلع بعد الاستهلاك كان المنع عن الاستهلاك غير ظاهر الوجه، لانه محتاج الى دليل، وهو مفقود، والاصل يقتضي الجواز.


(* 1) الوسائل باب: 34 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 2. (* 2) الوسائل باب: 33 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 12. (* 3) الوسائل باب: 33 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 14.

[ 331 ]

{ فصل يكره للصائم أمور أحدها: مباشرة النساء، لمسا، وتقبيلا، وملاعبة (1) خصوصا لمن تتحرك شهوته بذلك (2). بشرط أن لا يقصد } فصل يكره للصائم أمور (1) لاطلاق جماعة الكراحهة. بناء على قاعدة التسامح، مع الاكتفاء بالفتوى في تطبيقها. مضافا الى إطلاق بعض النصوص، مثل ماعن العيون: " ثلاثة لا يعرض أحدكم نفسه لهن وهو صائم: الحجامة، والحمام، والمرأة الحسناء " (* 1) وما عن أبي جعفر (ع): " عن الرجل يجد البرد، أيدخل مع أهله في لحاف وهو صائم؟ قال (ع): يجعل بينهما ثوبا " (* 2) (2) فقد استفاض في النصوص نهيه عن ذلك، كصحيح منصور: " ما تقول في الصائم يقبل الجاربة والمرأة؟ فقال (ع): أما الشيخ الكبير مثلى ومثلك فلا بأس. وأما الشاب الشبق فلا، لانه لا يأمن، والقبلة إحدى الشهوتين " (* 3) المحمول على الكراهة إجماعا. وعن جماعة - منهم الفاضلان والشهيدان -: تخصيص الكراهة بذلك جمعا بين النصوص، وحملا للمطلق منها على المقيد. ولعل الجمع بينها باختلاف مراتب الكراهة أوفق بالقواعد. فتأمل.


(* 1) الوسائل باب: 33 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 33 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 7. (* 3) الوسائل باب: 33 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 3.

[ 332 ]

{ الانزال، ولاكان من عادته. وإلا حرم إذا كان في الصوم الواجب المعين (1). الثاني: الاكتحال بما فيه صبر أو مسك أو نحوهما، مما يصل طعمه أو رائحته إلى الحلق (2). } (1) كما نص عليه في الجواهر، معللا له: بأنه كتعمد الابطال. وهو بالنسبة إلى الاول ظاهر، بناء على أن قصد المفطر مفطر. أما بالنسبة إلى الثاني فمحل تأمل، لان مجرد الاعتياد غير كاف في منافاة ذلك لقصد الصوم. نعم لو أنزل بطل صومه، كما تقدم في المسألة الثامنة عشرة. (2) بلا خلاف أجده، كما في الجواهر. وفي موثق سماعة: " عن الكحل للصائم. فقال (ع): إذا كان كحلا ليس فيه مسك وليس له طعم في الحلق فلا بأس به " (* 1) وفي صحيح ابن مسلم: " عن المرأة تكتحل وهي صائمة؟ فقال (ع): إذا لم يكن كحلا تجد له طعما في حلقها فلا بأس " (* 2) وخبر الحسين بن علوان: " كان لا يرى بأسا بالكحل للصائم إذا لم يجد طعمه " (* 3) المحمول على الكراهة إجماعا، ادعاه غير واحد صريحا وظاهرا. وللنصوص المطلقة في الجواز المعللل بعضها: بأنه ليس بطعام ولا شراب (* 4). وفي بعضها: إنه ليس بطعام يؤكل (* 5) وخصوصا: مادل على نفي البأس بالاكتحال بما فيه المسك (* 6)


(* 1) الوسائل باب: 25 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 2. (* 2) الوسائل باب: 25 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 5. (* 3) الوسائل باب: 25 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 12. (* 4) الوسائل باب: 25 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 1. (* 5) الوسائل باب: 25 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 6. (* 6) الوسائل باب: 25 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 11.

[ 333 ]

{ وكذا ذر مثل ذلك في العين (1). الثالث: دخول الحمام إذا خشي منه الضعف (2). الرابع: إخراج الدم المضعف (3) بحجامة أو غيرها. } نعم قد يقتضي الجمع بين ما ذكر وما دل على إطلاق النهي عن الاكتحال (* 1) عموم الكراهة وشدتها فيما له طعم، كما احتمله في الجواهر والامر سهل. (1) لدخول الذر بالاكتحال، فتشمله النصوص المتقدمة. (2) ففي صحيح ابن مسلم: " عن الرجل يدخل الحمام وهو صائم. فقال (ع): لا بأس ما لم يخش ضعفا " (* 2) المحمول على الكراهة إجماعا. (3) ففي صحيح سعد الاعرج: " عن الصائم يحتجم. فقال (ع): لا بأس، إلا أن يتخوف على نفسه الضعف " (* 3) وفي صحيح الحلبي: " أني أتخوف عليه، أما يتخوف على نفسه؟ قلت: ماذا يتخوف عليه؟ قال (ع) الغشيان، وتثور به مرة. قلت: أرأيت إن قوي على ذلك ولم يخش شيئا؟ قال (ع): نعم إن شاء " (* 4) ومن التعليل يظهر عموم الحكم للحجامة وغيرها. وما في صحيح ابن سنان: " لا بأس أن يحتجم الصائم، إلا في شهر رمضان، فاني أكره أن يغرر بنفسه " (* 5) لا يبعد حمله على شدة الكراهة في رمضان، وإن كان قد يأباه التعليل. كما أن إطلاق النهي عن الحجامة (* 6) قد يقتضي عموم الكراهة وإن أمن الضعف. فلاحظ


(* 1) الوسائل باب: 25 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 27 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 1. (* 3) الوسائل باب: 26 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 10. (* 4) الوسائل باب: 26 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 1. (* 5) الوسائل باب: 26 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 12. (* 6) الوسائل باب: 26 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 7.

[ 334 ]

{ وإذا علم بأدائه إلى الاغماء المبطل للصوم حرم (1). بل لا يبعد كراهة كل فعل يورث الضعف، أو هيجان المرة (2). الخامس: السعوط (3)، مع عدم العلم بوصوله إلى الحلق وإلا فلا يجوز على الاقوى (4). السادس: شم الرياحين (5)، } (1) لادائه إلى تعمد الافطار. (2) لعموم التعليل المتقدم في صحيح الحلبي. (3) لموثق ليث: " عن الصائم يحتجم ويصب في أذنه الدهن، قال (ع): لا بأس، إلا السعوط، فانه يكره " (* 1) وخبر غياث: " يكره السعوط للصائم " (* 2) وما عن جماعة: من القول بالحرمة - منهم المفيد والديلمي - غير ظاهر. ومثله: القول بالجواز بلا كراهة، كما نسب إلى الاسكافي. (4) كما عن المبسوط والمختلف وغيرهما. لما دل على عدم جواز الاكل والشرب، الصادقين مع الوصول الى الحلق. ولا يصلح الخبران لمعارضته لعدم الاطلاق فيهما، لسوقهما لبيان كراهة السعوط من حيث هو لاغير. فما عن المشهور: من اطلاق الكراهة غير ظاهر. (5) إجماعا صريحا وظاهرا، محكيا عن جماعة. ويدل عليه جملة من النصوص، كخبر الحسن بن راشد: " الصائم لا يشم الريحان " (* 3) وفي خبره الآخر: " الصائم يشم الريحان؟ قال (ع): لا، لانه لذة، ويكره له أن يتلذذ (* 4) المحمولة على الكراهة، كما يقتضيه ظاهر بعضها، وصريح


(* 1) الوسائل باب: 7 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 7 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 2. (* 3) الوسائل باب: 32 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 12. (* 4) الوسائل باب: 32 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 7.

[ 335 ]

خصوصا النرجس (1). والمراد بها: كل نبت طيب الريح (2). السابع: بل الثوب على الجسد (3). الثامن: جلوس المرأة في الماء (4)، بل الاحوط لها تركه (5). التاسع: الحقنة بالجامد (6). } مادل على الجواز، كصحيح ابن مسلم: " الصائم يشم الريحان والطيب؟ قال (ع): لا بأس (* 1) ونحوه غيره. (1) للنهي عنه بالخصوص في خبر ابن رئاب، معللا: بأنه ريحان الاعاجم (* 2). (2) كما في المجمع. وفي القاموس: إنه أحد معانيه. (3) بلا خلاف أجده، كما في الجواهر. للنهي عنه في خبر ابن راشد (* 3) وخبر الصيقل (* 4) وفي خبر سنان: " لا تلزق ثوبك إلى جسدك وهو رطب وأنت صائم حتى تعصره " (* 5) ولا يبعد كون العصر ينافي البلل، لان الظاهر من المبلول ما فيه بلل، لا مجرد الرطب. ولو بني على منافاته للبلل كان اللازم البناء على خفة الكراهة، إذ لا مجال لحمل المطلق على المقيد في أمثال المقام. (4) كما تقدمت الاشارة إليه (* 6). (5) للنهي المتقدم (* 7). (6) قد تقدم الكلام فيه (* 8).


(* 1) الوسائل باب: 32 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 32 من ابواب ما يمسك عنه الصائم ملحق حديث: 4. (* 3) الوسائل باب: 3 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 5. (* 4) الوسائل باب: 3 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 4. (* 5) الوسائل باب: 3 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 3. (* 6)، (* 7) لاحظ أوائل الكلام من الفصل السابق. (* 8) لاحظ المسألة: 68 من فصل ما يجب الامساك عنه من المفطرات.

[ 336 ]

{ العاشر: قلع الضرس، بل مطلق إدماء الفم (1). الحادي عشر: السواك بالعود الرطب (2). الثاني عشر: المضمضة عبثا (3). وكذا إدخال شئ آخر في الفم لا لغرض صحيح. الثالث عشر: انشاد الشعر (4). } (1) لموثق عمار: " في الصائم ينزع ضرسه؟ قال (ع): لا، ولا يدمي فاه... " (* 1) (2) للنهي عنه في جملة من النصوص، المحمول على الكراهة، كما تقدم (* 2). (3) الموجود في مرسل حماد: النهي عن المبالغة في المضمضة (* 3) وفي خبر يونس: " الافضل للصائم أن لا يتمضمض " (* 4) وفي خبر عمار فيمن تمضمض الثالثة: " أنه قد أساء " (* 5) وفي الرضوي: التحذير عن إدخال الماء في الفم للتلذذ في غير وضوء (* 6). وأما ما في المتن فلم أقف على ما يدل عليه. (4) كما عن بعض. لصحيح حماد: " يكره رواية الشعر للصائم، وللمحرم، وفي الحرم، وفي يوم الجمعة، وأن يروي بالليل. قلت: وإن كان شعر حق؟ قال (ع): وإن كان شعر حق " (* 7) وفي صحيحه


(* 1) الوسائل باب: 26 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 3. (* 2) لاحظ أوائل الكلام من الفصل السابق. (* 3) الوسائل باب: 23 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 2. (* 4) الوسائل باب: 23 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 3. (* 5) الوسائل باب: 23 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 5. (* 6) مستدرك الوسائل باب: 14 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 3. (* 7) الوسائل باب: 13 من ابواب أداب الصائم حديث: 1.

[ 337 ]

{ ولا يبعد اختصاصه (1) بغير المراثي، أو المشتمل على المطالب الحقة من دون إغراق، أو مدح الائمة (ع). وان كان يظهر من بعض الاخبار التعميم (2). الرابع عشر: الجدال، والمراء، وأذى الخادم (3)، } الآخر: " ولا ينشد في شهر رمضان بليل ولانهار. فقال له (ع) إسماعيل يا أبتاه فانه فينا؟ قال (ع): وإن كان فينا " (* 1). (1) كما نسب إلى الاصحاب. ويشهد له: ما عن الآداب الدينية الطبرسي، عن خلف بن حماد: " قلت للرضا (ع): إن أصحابنا يروون عن آبائك: أن الشعر ليلة الجمعة، ويوم الجمعة، وفي شهر رمضان، وفي الليل مكروه. وقد هممت أن أرثي أبا الحسن (ع)، وهذا شهر رمضان. فقال (ع): إرث أبا الحسن (ع) في ليلة الجمعة، وفي شهر رمضان وفي الليل وفي سائر الايام. فان الله عزوجل يكافؤك على ذلك بالثواب الجزيل " (* 2) واختصاصه بالمرائي لا يقدح في التعميم، لامكان التعدي عنها بعدم القول بالفصل، كما ادعي. (2) بل هو صريح ما تقدم. لكن دعوى الهجر عند الاصحاب، وموافقته للتقية - كما قيل - توجب ترجح الثاني. فتأمل. (3) ففي خبر جراح المدائني: " ولا تنازعوا، ولا تحاسدوا... إلى أن قال (ع): ودع المراء، وأذى الخادم " (* 3). ونحوه - في الحسد والتنازع خبر أبي بصير (* 4)، وفيما عن نوادر ابن عيسى: " فإذا


(* 1) الوسائل باب: 13 من ابواب أداب الصائم حديث: 2. (* 2) الوسائل باب: 105 من ابواب المزار حديث: 8. (* 3) الوسائل باب: 11 من ابواب آداب الصائم حديث: 3. (* 4) الوسائل باب: 11 من ابواب آداب الصائم حديث: 4.

[ 338 ]

{ والمسارعة إلى الحلف (1)، ونحو ذلك من المحرمات والمكروهات في غير حال الصوم، فانه تشتد حرمتها أو كراهتها حاله. فصل فيما يوجب الكفارة المفطرات المذكورة كما أنها موجبة للقضاء كذلك توجب الكفارة (2)، } صمتم فاحفظوا ألسنتكم عن الكذب، وغضوا أبصاركم، ولا تنازعوا، ولا تحاسدوا، ولا تغتابوا، ولا تماروا، ولا تكذبوا ولا تباشروا، ولا تخالفوا، ولا تغاضبوا ولا تسابوا، ولا تشاتموا، ولا تنابزوا ولا تجادلوا، ولا تباذوا، ولا تظلموا ولا تسافهوا، ولا تزاجروا، ولا تغفلوا عن ذكر الله تعالى... " (* 1) - الحديث طويل -. (1) لمصحح الفضيل: " إذا صام أحدكم الثلاثة في الشهر فلا يجادلن أحدا، ولا يجهل، ولا يسرع إلى الايمان والحلف بالله تعالى. فان جهل عليه أحد فليتحمله " (* 2) فتأمل. ويمكن إدخاله تحت جملة من العناوين المذكورة في النصوص المروية في الوسائل والمستدرك (* 3). فصل فيما يوجب الكفارة (2) إعلم أنه قد ورد في جملة من النصوص وجوب الكفارة على من


(* 1) الوسائل باب: 11 من ابواب آداب الصائم حديث: 13. (* 2) الوسائل باب: 12 من ابواب آداب الصائم حديث: 1. (* 3) لاحظ الوسائل باب: 11، 12 من ابواب آداب الصائم، ومستدرك الوسائل باب: 9 من الابواب المذكورة.

[ 339 ]

{ إذا كانت مع العمد والاختيار (1)، من غير كره ولا إجبار (2) } أفطر متعمدا، كصحيح ابن سنان عن أبي عبد الله (ع): " في رجل أفطر من شهر رمضان متعمدا يوما واحدا من غير عذر. قال (ع): يعتق نسمة أو يصوم شهرين متتابعين، أو يطعم ستين مسكينا. فان لم يقدر على ذلك تصدق بما يطيق " (* 1)، ومصحح عبد الرحمن البصري عنه (ع): " عن رجل أفطر يوما من شهر رمضان متعمدا. قال (ع): عليه خمسة عشر صاعا، لكل مسكين مد بمد النبي صلى الله عليه وآله أفضل " (* 2)، وصحيح البزنطي عن المشرقي، عن أبي الحسن (ع): " من أفطر يوما من شهر رمضان متعمدا فعليه عتق رقبة مؤمنة. ويصوم يوما بدل يوم " (* 3). ونحوها غيرها. واختلاف هذه النصوص في نفس الكفارة يأتي الكلام فيه ان شاء الله. وعليه فكل ما ثبت كونه مفطرا فالعمومات المذكورة تقتضي وجوب الكفارة فيه. مضافا إلى ما ورد بالخصوص في كثير منها، كالاكل، والشرب، والجماع، والاستمناء، وتعمد البقاء على الجنابة، والغبار بناء على كونه مفطرا. (1) كما يقتضيه - مضافا إلى اعتباره في الافطار كما تقدم -: التقييد به في الصحيح عن المشرقي، الدال على عدمها مع عدم بمفهوم الشرط. (2) أما الثاني فلعدم العمد، فيجري فيه ما سبق. ومثله: صورة السهو عن الصوم، لانتفاء الافطار معه. ولرواية عبد السلام، الآتية في الافطار على الحرام (* 4).


(* 1) الوسائل باب: 8 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 8 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 10. (* 3) الوسائل باب: 8 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 11. (* 4) لاحظ الامر الاول من المسألة: 1 من هذا الفصل.

[ 340 ]

{ من غير فرق بين الجميع (1)، حتى الارتماس، والكذب على الله وعلى رسوله صلى الله عليه وآله، بل والحقنة، والقئ على الاقوى. } وأما في الاول فلانه وإن كان يصدق الافطار عمدا، لكن - لاختصاص الكفارة أو انصرافها إلى خصوص صورة تحقق الاثم والذنب، وهو منتف في الاكراه - لا تشمله أدلتها. مضافا إلى حديث رفع الاكراه (* 1)، ولو بملاحظة تطبيقه في طلاق المكره، على نحو يدل على عدم صحته وعدم ترتب أثره عليه. وكذلك في المقام. (1) إذ بعد البناء على مفطريتها تدخل تحت العمومات المتقدمة. ودعوى: انصراف الافطار إلى غيرها غير ظاهرة. وفي الشرائع: نفى الكفارة في تعمد القئ، والاحتقان بالمائع، مع بنائه على وجوب القضاء. وكأن الوجه في الاول: خلو نصوص المفطرية عن التعرض لها مع تعرضها لوجوب القضاء. وما في رواية مسعدة من قول الصادق (ع): " من تقيأ متعمدا وهو صائم فقد أفطر، وعليه الاعادة. فان شاء الله تعالى عذبه، وإن شاء غفر له " (* 2). فانه ظاهر في نفي الكفارة، بل في الجواهر: كالصريح في عدم الكفارة، التي يفزع إليها في تكفير الذنوب. ولاجله - مضاف إلى صريح إجماع الخلاف وظاهر غيره، المؤيد بالتتبع لعدم معرفة القائل بوجوبها - مال في الجواهر إلى نفيها، وأفتى به في نجاة العباد. ولا يخلو من قوة. وإن كان الخروج به عن عموم وجوب الكفارة بالافطار عمدا لا يخلو من إشكال. وأما وجهه في الثاني: فلعله دعوى الانصراف. لكنها غير ظاهرة.


(* 1) الوسائل باب: 56 من ابواب جهاد النفس. (* 2) الوسائل باب: 29 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 6.

[ 341 ]

{ نعم الاقوى عدم وجوبها في النوم الثاني من الجنب بعد الانتباه (1) بل والثالث. وإن كان الاحوط فيها أيضا ذلك، خصوصا الثالث. ولافرق أيضا في وجوبها بين العالم والجاهل، والمقصر والقاصر (2) على الاحوط. وإن كان الاقوى عدم وجوبها على الجاهل (3)، خصوصا القاصر، والمقصر غير الملتفت حين الافطار. نعم إذا كان جاهلا بكون الشئ مفطرا، مع علمه بحرمته، كما إذا لم يعلم أن الكذب على الله ورسوله صلى الله عليه وآله } (1) قد تقدم عدم الدليل على وجوبها فيه وفي النوم الثالث. والعمومات المتقدمة لا تقتضيه، لانتفاء العمد فيها. فراجع ما سبق في المفطرات. (2) كما نسب إلى الاكثر، والمشهور. وقيل بثبوتها في المقصر، دون القاصر. ووجه الاول: الاطلاقات المتقدمة، لعدم منافاة الجهل للعمد المأخوذ قيدا في وجوبها في كثير من النصوص. ووجه الثاني: انصراف الكفارة واختصاصها بصورة الاثم، وهو غير حاصل في القاصر. (3) لما تقدم من موثق أبي بصير وزرارة: " عن رجل أتى أهله وهو في شهر رمضان، أو أتى أهله وهو محرم، وهو لا يرى إلا أن ذلك حلال له. قال ((ع): ليس عليه شئ " (* 1) بناء على عمومه الشامل للقاصر والمقصر - كما هو الظاهر - لترك الاستفصال، مع عدم القرينة على التعيين. نعم موردها من كان يرى أنه غير مفطر، فتشمل القاطع بالحل مطلقا والمتردد الذي يحكم عقله بجواز الارتكاب - بناء على أن المراد بالحل الاعم من الواقع والظاهر - ولا تشمل المتردد الذي لا يحكم عقله بالحل، فالتعدي إليه لا يخلو من إشكال، بل الرجوع الى عموم الكفارة فيه أنسب بالقاعدة كما تقدم مثل ذلك في القضاء.


(* 1) راجع أوائل الكلام من فصل اعتبار العمد والاختيار في الافطار.

[ 342 ]

{ من المفطرات، فارتكبه حال الصوم، فالظاهر لحوقه بالعالم في وجوب الكفارة (1). (مسألة 1): تجب الكفارة في أربعة أقسام من الصوم: الاول: صوم شهر رمضان. وكفارته مخيرة (2) بين } (1) لا يخلو من إشكال، لان الظاهر من قول السائل: " وهو لا يرى إلا أن ذلك حلال له " أنه يرى حلال له من حيث الصوم ومن حيث الاحرام، لا أنه حلال في نفسه، أو من حيثية أخرى، وحينئذ فيشمل الفرض المذكور. (2) كما عن الشيخين، والسيدين، والاسكافي، والقاضي والحلي، والحلبي وسلار، وكثير ممن تأخر. وفي الجواهر، وعن الحدائق: أنه المشهور، وعن الانتصار: أنه مما انفردت به الامامية. ويشهد له صحيح ابن سنان عن أبي عبد الله (ع): " في الرجل أفطر في شهر رمضان متعمدا يوما واحدا، من غير عذر قال (ع): يعتق نسمة، أو يصوم شهرين متتابعين، أو يطعم ستين مسكينا. فان لم يقدر تصدق بما يطيق " (* 1) وخبر أبي بصير: " عن رجل وضع يده على شئ من جسد امرأته فادفق. فقال (ع): كفارته أن يصوم شهرين متتابعين، أو يطعم ستين مسكينا أو يعتق رقبة " (* 2) وموثق سماعة - المروي عن نوادر ابن عيسى، على ما في الجواهر والوسائل المصححة. وكذا في رواية الشيخ، على ما في الوسائل: - " عن رجل أتى أهله في شهر رمضان متعمدا. قال (ع): عليه عتق رقبة، أو اطعام ستين مسكينا، أو صوم شهرين متتابعين " (* 3) وموثقه


(* 1) الوسائل باب: 4 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 2. (* 2) الوسائل باب: 4 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 5. (* 3) الوسائل باب: 8 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 13، ملحقه.

[ 343 ]

{ العتق، وصيام شهرين متتابعين، وإطعام ستين مسكينا على الاقوى. وإن كان الاحوط الترتيب (1)، فيختار العتق مع الامكان، } الآخر: " عن معتكف واقع أهله. قال (ع) عليه ما على الذي أفطر يوما من شهر رمضان متعمدا: عتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكينا " (* 1). وقد تؤيد هذه النصوص بما اقتصر فيه على ذكر الصدقة لاغير، كصدر مصحح جميل (* 2) ومصحح محمد بن النعمان ومصحح عبد الله ابن سنان (* 4) وموثق عبد الرحمن بن أبي عبد الله (* 5) وموثق سماعة (* 6) وخبر إدريس بن هلال (* 7) وغيرها. بناء على أن التصرف فيها بالحمل على التخيير - كما يقتضيه القول به - أولى من التصرف فيها بالتقييد، كما يقتضيه القول بالترتيب. ويمكن أن يعارض بالاقتصار في صحيح البزنطي عن المشرقي على الامر بالعتق (* 8) إذ على الترتيب يمكن الاخذ بظاهره، وعلى التخيير لابد من حمله على الوجوب التخييري. (1) كما عن العماني، والمرتضى في أحد قوليه، ونسب الى محتمل


(* 1) الوسائل باب: 6 من ابواب الاعتكاف حديث: 5. (* 2) الوسائل باب: 8 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 2. (* 3) الوسائل باب: 8 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 6. (* 4) الوسائل باب: 8 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 3. (* 5) الوسائل باب: 8 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 10. (* 6) الوسائل باب: 8 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 12. (* 7) الوسائل باب: 8 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 8. (* 8) تقدم ذلك في أول الفصل.

[ 344 ]

{ ومع العجر عنه فالصيام، ومع العجز عنه فالاطعام. ويجب الجمع بين الخصال إن كان الافطار على محرم (1)، كأكل المغصوب، وشرب الخمر، والجماع المحرم، ونحو ذلك. } الخلاف، ولم يعرف لغيرهم. لما عن علي بن جعفر (ع) في كتابه، عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام: " عن رجل نكح امرأته وهو صائم في رمضان، ما عليه؟ قال (ع): عليه القضاء، وعتق رقبة. فان لم يجد فصيام شهرين متتابعين. فان لم يستطع فاطعام ستين مسكينا. فان لم يجد فليستغفر الله تعالى " (* 1) وخبر عبد المؤمن الانصاري: " فيمن أتى أهله في شهر رمضان. قال صلى الله عليه وآله: إعتق رقبة. قال: لا أجد قال صلى الله عليه وآله: فصم شهرين متتابعين. قال: لا أطيق. قال صلى الله عليه وآله: تصدق على ستين مسكينا " (* 2). وفيه: أن الثاني - مع ضعفه في نفسه - إنما يدل بالاطلاق الظاهر في التعيين، والتصرف فيه بحمله على التخيير - بقرينة ما سبق - أولى من التصرف فيما سبق من التقييد، بجعل (أو) للتنويع، لا التخيير، مع أن هجره عند الاصحاب كاف في سقوطه عن الحجية. ومن الاخير يظهر الاشكال في الاول. مضافا الى أن التصرف فيه بالحمل على الاستحباب أولى من التصرف فيما سبق بحمل (أو) على التنويع ولو سلم التعارض فالترجيح لما سبق، لكثرة العدد، وأصحية السند، والمخالفة للعامة. فلاحظ. (1) كما عن الصدوق، والشيخ في كتابي الحديث، والوسيلة، والجامع وجملة من كتب العلامة، والشهيدين وغيرهم. لخبر عبد السلام بن صالح


(* 1) الوسائل باب: 8 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 9. (* 2) الوسائل باب: 8 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 5.

[ 345 ]

- الذي رواه الصدوق عن عبد الواحد بن محمد بن عبدوس النيسابوري، عن علي بن محمد بن قتيبة، عن حمدان بن سليمان عنه - قال: " قلت للرضا (ع): يابن رسول الله، قد روي عن آبائك (ع) فيمن جامع في شهر رمضان أو أفطر فيه: ثلاث كفارات، وروي عنهم (ع) أيضا: كفارة واحدة فبأي الحديثين نأخذ؟ قال (ع): بهما جميعا - متى جامع الرجل حراما، أو أفطر على حرام في شهر رمضان، فعليه ثلاث كفارات: عتق رقبة، وصيام شهرين متتابعين، وإطعام ستين مسكينا، وقضاء ذلك اليوم. وان نكح حلالا، أو أفطر على حلال. فعليه كفارة واحدة، وان كان ناسيا فلا شئ عليه " (* 1). والتوقف في اعتبار السند في جهة عبد الواحد بن محمد بن عبدوس، أو علي بن محمد بن قتيبة. أو عبد السلام بن صالح الهروي في غير محله. إذ الاول من مشايخ الصدوق المعتبرين، الذين أخذ عنهم الحديث، كما عن المدارك. والثاني من مشايخ الكشي، وعليه اعتمد في رجاله، كما في النجاشي والخلاصة. وفي الخلاصة، في ترجمة يونس بن عبد الرحمن: " روى الكشي حديثا صحيحا عن علي بن محمد القتيبي... إلى أن قال: وفي حديث صحيح عن علي بن محمد القتيبي... ". وقد ذكره في الخلاصة في قسم الموثقين، وهو ظاهر ما في المختلف أيضا، حيث قال: " في طريق هذه الرواية: عبد الواحد بن محمد بن عبدوس النيسابوري. ولا يحضرني الآن حاله، فان كان ثقة فالرواية صحيحة يتعين العمل بها " والثالث في الخلاصة: " إنه ثقة صحيح الحديث ". ونحوه عن النجاشي، والحسن بن داود، وغيرهم ممن تأخر. مضافا الى ما في التحرير في كتاب الكفارات: من تصحيح الحديث المذكور. وإلى اعتضاده بما عن الفقيه من الفتوى بمضمونه، لوجود ذلك


(* 1) الوسائل باب: 10 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 1.

[ 346 ]

{ الثاني: صوم قضاء شهر رمضان (1) } في رواية أبي الحسين الاسدي، فيما ورد عليه من الشيخ أبي جعفر محمد بن عثمان العمري (ره).... وبه ترفع اليد عن إطلاق النصوص المتقدمة، فتحمل على إرادة بيان كفارة الافطار من حيث هو، لامن حيث خصوصية كونه على حرام. (1) على المشهور، وفي الجواهر: نفي الخلاف فيه ممن عدا العماني. وعن الانتصار والغنية والخلاف: الاجماع عليه. وتشهد له جملة من النصوص كخبر بريد بن معاوية العجلي عن أبي جعفر (ع): " في رجل أتى أهله في يوم يقضيه من شهر رمضان. قال (ع): إن كان أتى أهله قبل الزوال في يوم يقضيه من شهر رمضان. قال (ع): إن كان أتى أهله قبل الزوال فلا شئ عليه، إلا يوما مكان يوم. وإن كان أتى أهله بعد الزوال فان عليه أن يتصدق على عشرة مساكين، فان لم يقدر عليه صام يوما مكان يوم، وصام ثلاثة أيام كفارة لما صنع " (* 1). ونحوه في ثبوت الكفارة ما يأتي: من صحيح هشام بن سالم، ومرسل حفص بن سوقه، وموثق زرارة. نعم يعارضها موثق عمار عن أبي عبد الله (ع): " عن الرجل يكون عليه أيام من شهر رمضان، ويريد أن يقضيها، متى يريد أن ينوي الصيام قال (ع): هو بالخيار إلى أن تزول الشمس، فإذا زالت الشمس فان كان نوى الصوم فليصم، وإن كان نوى الافطار فليفطر... إلى أن قال: سئل: فان نوى الصوم، ثم أفطر بعد مازالت الشمس؟ قال (ع): قد أساء، وليس عليه شئ إلا قضاء ذلك اليوم الذي أراد أن يقضيه " (* 2) والجمع بينه وبين ما سبق وإن كان يقتضي حمل ما سبق على الاستحباب - كما في محكي المسالك وعن الذخيرة - ولا سيما بملاحظة اختلافه في كيفيتها،


(* 1) الوسائل باب: 29 من ابواب أحكام شهر رمضان حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 29 من ابواب أحكام شهر رمضان حديث: 4.

[ 347 ]

{ إذا أفطر بعد الزوال (1). وكفارته إطعام عشرة مساكين، لكل مسكين مد (2). فان لم يتمكن فصوم } وفي وقت ثبوتها. إلا أنه لا مجال له بعد هجره عند الاصحاب، ومخالفته للاجماعات التي عرفتها، فيتعين حمله على التقية. فتأمل. (1) كما في خبر بريد المتقدم. وعليه يحمل إطلاق موثق زرارة، ومرسل حفص. وأما ما في صحيح هشام، من قول أبي عبد الله (ع) - في رجل وقع على أهله وهو يقضي شهر رمضان -: " إن كان وقع عليها قبل صلاة العصر فلا شئ عليه، يصوم يوما بدل يوم وان فعل بعد العصر صام ذلك اليوم، وأطعم عشرة مساكين، فان لم يمكنه صام ثلاثة أيام كفارة لذلك " (* 1). فلا مجال للاخذ به، لعدم القائل به، فلابد من طرحه فيحمل على سهو الراوي. أو إرادة وقت الظهر - بناء على اشتراكهما في الوقت - أو نحو ذلك، وإن بعد. (2) كما نسب إلى المشهور لخبر بريد، وصحيح هشام المتقدمين. وعن علي بن بابويه وولده: أنها كفارة الافطار في رمضان المتقدمة. وعن ابن البراج: أنها كفارة يمين: إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة، مخيرا بينها، ونسب أيضا الى الشيخين، وسلار، والحلبي، والحلبي وربما نسب الى الحلبي: أنها صيام ثلاثة أيام، أو إطعام عشرة مساكين. وعن ابن حمزة في الوسيلة ذلك إذا لم يكن مستخفا، وإلا فكفارة الافطار في رمضان. ووجه الاول: موثق زرارة عن أبي جعفر: " رجل صام قضاء من شهر رمضان فأتى النساء. قال (ع): عليه من الكفارة مثل ما على الذي أصاب في شهر رمضان، لان ذلك اليوم عند الله من أيام رمضان " (* 2).


(* 1) الوسائل باب: 29 من ابواب أحكام شهر رمضان حديث: 2. (* 2) الوسائل باب: 29 من ابواب أحكام شهر رمضان حديث: 3.

[ 348 ]

{ ثلاثة أيام (1). والاحوط إطعام ستين مسكينا. الثالث: صوم النذر المعين (2). وكفارة إفطار شهر رمضان (3). } وما في مرسل حفص بن سوقة من قوله (ع) - في الرجل يلاعب أهله أو جاريته وهوفي قضاء شهر رمضان، فيسبقه الماء فينزل -: " عليه من الكفارة مثل ما على الذى جامع في شهر رمضان " (* 1). وفيه: أن الثاني مرسل لا يصلح للاعتماد عليه. والوأل لا يصلح لمعارضة ما سبق، لامكان الجمع العرفي بحمله على الاستحباب. فتأمل. ولو بني على امتناع الجمع كان الترجيح من الاولين، لصحة السند، وكثرة العدد. ودعوى: ضعف خبر بريد بالحارث بن محمد المجهول مندفعة: بانجبارها باعتماد المشهور. ولاسيما كون الرواي عنه الحسن بن محبوب، الذي هو من أصحاب الاجماع، ومن الذين قيل في حقهم: إنهم لا يروون إلا عن ثقة، وكون الراوي عن الحسن أحمد بن محمد، الظاهر في ابن عيسى الاشعري. ومثلها: الاشكال في صحيح هشام لاشتماله على التحديد بالعصر، إذ يمكن التفكيك في مدلول الخبر الواحد في الحجية. (1) كما في صحيح هشام، وخبر العجلي. (2) على المشهور شهرة عظيمة، بل لم يعرف الخلاف فيه إلا من ابن أبي عقيل، وعن الانتصار: الاجماع عليه. للنصوص الآتية. ومستند ابن أبي عقيل غير ظاهر، كما في الجواهر. (3) كما عن المشهور في كفارة النذر، وعن الانتصار والغنية: الاجماع عليه. لصحيح جميل عن عبد الملك بن عمر عن أبي عبد الله (ع): " سألته عمن جعل لله عليه أن لا يركب محرما سماه فركبه. قال (ع): لا، ولا


(* 1) الوسائل باب: 4 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 2.

[ 349 ]

أعلمه إلا قال: فليعتق رقبة، أو ليصم شهرين متتابعين، أو ليطعم ستين مسكينا " (* 1) ومكاتبة ابن مهزيار إلى الهادي (ع): " رجل نذر أن يصوم يوما بعينه، فوقع ذلك اليوم على أهله، ما عليه من الكفارة؟ فكتب إليه: يصوم يوما بدل يوم، وتحرير رقبة مؤمنة " (* 2) ونحوها - سؤالا وجوابا - مكاتبة الحسين بن عبيدة (* 3) ومكاتبة القاسم الصيقل (* 4) بناء على أن الامر بالعتق للتخيير بينه وبين الاطعام والصيام. وفيه: أن الخبر الاول معارض بمحصص الحلبي عن أبي عبد الله (ع): " إن قلت: (لله علي) فكفارة يمين " (* 5) وخبر حفص بن غياث عن أبي عبد الله (عليه السلام): " سألته عن كفارة النذر، فقال (ع): كفارة النذر كفارة اليمين " (* 6) والمكاتبات كما تصلح أن تكون شاهدا لكون الكفارة كفارة رمضان، تصلح أيضا شاهدا لكونها كفارة يمين، لان العتق خصالها الثلاث أيضا. بل صحيح ابن مهزيار -: " كتب بندار مولى إدريس: يا سيدي نذرت أن أصوم كل يوم سبت، فان أنا لم أصمه ما يلزمني من الكفارة؟ فكتب إليه وقرأته: لا تتركه إلا من علة. وليس عليك صومه في سفر، ولا مرض. إلا أن تكون نويت ذلك. وإن كنت أفطرت فيه من غير علة فتصدق بعدد كل يوم على سبعة مساكين " (* 7) - شاهد للثاني، بناء على أن (سبعة)


(* 1) السوائل باب: 23 من ابواب الكفارات حديث: 7. (* 2) الوسائل باب: 7 من ابواب بقية الصوم الواجب حديث: 1. (* 3) الوسائل باب: 7 من ابواب بقية الصوم الواجب حديث: 3. (* 4) الوسائل باب: 7 من ابواب بقية الصوم الواجب حديث: 3. (* 5) الوسائل باب: 23 من ابواب الكفارات حديث: 1. (* 6) الوسائل باب: 23 من ابواب الكفارات حديث: 4. (* 7) الوسائل باب: 7 من ابواب بقية الصوم الواجب حديث: 4.

[ 350 ]

مصحف (عشرة)، كما حكي في المسالك: روايته كذلك في المقنع (* 1)، قائلا في المسالك: " هو عندي بخطه الشريف ". بل مقتضى الجمع بينه وبين المكاتبات السابقة: الحمل على التخيير، فتكون معارضة لخبر عبد الملك، موافقة لحسن الحلبي وخبر حفص. ولا ريب حينئذ في وجوب ترجيحها عليه، لضعفه، واتحاده، بل لقصور حكايته، حيث يظهر منه نحو تردد للراوي في روايته. فلاحظ. وكأنه لذلك اختار في النافع والمسالك: أنها كفارة يمين، وحكي عن الصدوق (ره). نعم قد يعارض ذلك كله مخالفتها للاجماع المحكي عن الانتصار والغنية وموافقتها لمذهب العامة. لكن الاجماع المحكي لم يبلغ حدا يوجب سقوط مخالفه عن الحجية. وموافقة العامة ومخالفتهم واقعتان في مقام الترجيح في مقبولة ابن حنظلة في الرتبة اللاحقة للمرجحات السابقة. فلاحظ. هذا وعن الروض، والحلي، والعلامة في بعض كتبه: حمل الخبر على كفارة نذر الصوم، وحمل معارضه على غيره، واختاره في الوسائل. وفيه: أنه لا شاهد له، فلا مجال لارتكابه. وعن الشيخ: حمل الاول على القادر، ومعارضه على العاجز، بشهادة خبر جميل بن صالح: " كل من عجز عن نذر نذره فكفارته كفارة يمين " (* 2). وفيه: أن الظاهر منه العجز عن المنذور، لا العجز عن كفارة النذر، فيتعين حمله على الاستحباب. وعن سلار، والكراجكي، وظاهر غيرهما: أن كفارة النذر كفارة ظهار ودليله غير ظاهر. ومثله: ماعن الراوندي: من أنها كفارة ظهار، فان عجز عنها فكفارة يمين.


(* 1) لاحظ المقنع باب الايمان والنذور والكفارات صفحة 34. (* 2) الوسائل باب: 23 من ابواب الكافرات حديث: 5.

[ 351 ]

{ الرابع: صوم الاعتكاف (1). وكفارته مثل كفارة شهر رمضان مخيرة بين الخصال (2)، ولكن الاحوط الترتيب المذكور. هذا وكفارة الاعتكاف مختصة بالجماع، فلا تعم سائر المفطرات (3). } (1) بلا خلاف ظاهر في الجملة. وتقتضيه النصوص الآتية. (2) كما هو الاشهر فتوى، وعن المنتهى والتذكرة: نسبته إلى فتوى علمائنا، وعن الغنية: الاجماع عليه. ويدل عليه موثق سماعة المتقدم في كفارة رمضان (* 1) وموثقه الآخر: " سألت أبا عبد الله (ع) عن معتكف واقع أهله. فقال (ع): هو بمنزلة من أفطر يوما من شهر رمضان " (* 2). وعن بعض: أنها كفارة ظهار. وعن المسالك والمدارك: أنه أرجح لصحيح زرارة: " سألت أبا جعفر (ع) عن المعتكف يجامع أهله. قال (ع): إذا فعله فعليه ما على المظاهر " (* 3) وصحيح أبي ولاد الحناط: " سألت أبا عبد الله (ع) في امرأة معتكفة هيأت نفسها لزوجها حتى واقعها... قال (ع): عليها ما على المظاهر " (* 4) الواجب ترجيحهما على ما سبق لصحة السند. وفيه: أنه يتم لو لم يمكن الجمع العرفي بالحمل على الافضل. (3) كما في الشرائع. وفي الجواهر: نسبته الى الشيخ ومن تبعه، وعن المدارك ناسبا له إلى الشيخ وأكثر المتأخرين. لاختصاص النصوص المتقدمة بالجماع، والاصل البراءة من وجوب الكفارة في غيره. وعن المفيد


(* 1) لاحظ القسم الاول من الاقسام الاربع من هذا الفصل. (* 2) الوسائل باب: 6 من ابواب الاعتكاف حديث: 2. (* 3) الوسائل باب: 6 من ابواب الاعتكاف حديث: 1. (* 4) الوسائل باب: 6 من ابواب الاعتكاف حديث: 6.

[ 352 ]

{ والظاهر أنها لاجل الاعتكاف (1) لا للصوم، ولذا تجب في الجماع ليلا أيضا. وأما ما عدا ذلك من أقسام الصوم فلا كفارة في إفطاره (2)، واجبا كان - كالنذر المطلق، والكفارة - أو مندوبا، فانه لا كفارة فيها وإن أفطر بعد الزوال. (مسألة 2): تتكرر الكفارة بتكرر الموجب في يومين أو أزيد (3) من صوم له كفارة. } والسيدين والعلامة في التذكرة: الوجوب، بل عن الغنية: الاجماع عليه، إلحاقا له بالجماع. وفيه: مالا يخفى. نعم عن الشيخ في الخلاف والمبسوط وظاهر العلامة في التذكرة: الاجماع على ثبوتها في الاستمناء. وليس له وجه ظاهر. والاجماع لا مجال للاعتماد عليه بعد مخالفة مثل المحقق وغيره. (1) كما يقتضيه ظاهر النصوص التي تقدمت إليها الاشارة، وصريح مادل على وجوبه الكفارة في الجماع ليلا، كخبر عبد الاعلى بن أعين: " سألت أبا عبد الله (ع) عن رجل وطئ امرأته وهو معتكف ليلا في شهر رمضان. قال (ع): عليه الكفارة. قلت: فان وطئها نهارا. قال (ع): عليه كفارتان " (* 1) ونحوه مرسل الصدوق (* 2). (2) بلا خلاف ظاهر، وعن المنتهى: دعوى اتفاق العامة والخاصة عليه. ويقتضيه الاصل، بعد اختصاص مادل على ثبوت الكفارة بالافطار بغيره، وعدم الدليل على ثبوت الكفارة فيه. (3) إجماعا، كما عن المبسوط، والتذكرة، والتنقيح، ونهج الحق وفي الجواهر الاجماع بقسميه عليه. من غير فرق بين تخلل التكفير وعدمه، واتحاد جنس الموجب وعدمه، والوطئ وغيره. لاطلاق مادل على وجوبها


(* 1) الوسائل باب: 6 من ابواب الاعتكاف حديث: 4. (* 2) الوسائل باب: 6 من ابواب الاعتكاف حديث: 3.

[ 353 ]

{ ولا تتكرر بتكرره في يوم واحد (1) في غير الجماع، وإن تخلل التكفير بين الموجبين، أو اختلف جنس الموجب على } بالافطار، الصادق مع الجميع، كما يقتضيه البناء على أصالة عدم التداخل مع عدم ما يوجب الخروج عنه. (1) كما عن المبسوط، والخلاف، والوسيلة، وكتب المحقق الثلاثة والمنتهى والذخيرة. لامتناع تكرر الافطار الموجب لها، إذ لا ينطبق إلا على استعمال المفطر أولا، فمقتضى أصالة البراءة عدم وجوب الزائد على المرة. وما في بعض النصوص - من تعليق الكفارة على استعمال نفس المفطر - منصرف إلى صورة وقوعه مفطرا، ولذا لايبنى على وجوب الكفارة ولو مع عدم وجوب الصوم. ومن ذلك يظهر ضعف القول بالتكرار مطلقا، كما عن المحقق الثاني في حواشي الشرائع، وفي المسالك: " إنه الاصح، إن لم يكن سبق بالاجماع على خلافه ". وكأنه اعتماد على أصالة عدم التداخل. ولانه كما يجب الامساك قبل فعل المفطر يجب بعد فعله أيضا، فإذا وجبت الكفارة في الاول، لمخالفة وجوب الامساك، كذلك تجب في الثاني. إذ فيه: أن أصالة عدم التداخل إنما تجدى لو تكرر عنوان السبب. وقد عرفت امتناعه. كما أن مجرد مخالفة وجوب الامساك لم يجعل موضوعا للسببية، ليبنى على عدم الفرق بين المخالفتين، وإنما المجعول الافطار - الذي هو نقض الصوم - وليس له إلا فرد واحد. ودعوى: أنه لادليل على انتقاض الصوم باستعمال المفطر أولا، بل من الجائز صحته حتى بعد استعماله. ودليل القضاء لا ينافي ذلك، لامكان كونه واجبا تعبدا، نظير الكفارة. مندفعة: بأنه خلاف صريح النصوص الدالة على ماهية الصوم، وبيان المفطرات، ونصوص القضاء أيضا، إذ

[ 354 ]

{ الاقوى، وإن كان الاحوط التكرار مع أحد الامرين، بل الاحوط التكرار مطلقا. وأما الجماع فالاحوط، بل الاقوى تكريرها بتكرره (1). } ليس القضاء إلا فعل ما لم يفعل في وقته. فراجع. وتأمل. كما يظهر أيضا ضعف ماعن المختلف وغيره: من التكرر مع تغاير جنس المفطر، أو اتحاده مع وقوع التكفير عن الاول، وعدم التكرر مع انتفائهما معا. ومستنده في الاول: أصالة عدم التداخل. وفي الثاني: أصالة التداخل. وفيه: أن الاصل عدم التداخل مطلقا. واختلاف الجنس، ووقوع التكفير لا يقتضيان شيئا بعد امتناع تكرر السبب - أعني: الافطار - كما عرفت. ومن ذلك كله يظهر ضعف التفصيل بين اختلاف الجنس فتتكرر، واتحاده فلا، وبين وقوع التكفير فتتكرر، وعدمه فلا. (1) كما نسب إلى السيد المرتضى (قده) وقواه في المستند. وكأنه لما ورد في كفارته من النصوص الكثيرة، المعلقة وجوب التكفير على عنوان: الجماع، أو ملاعبة الاهل، أو العبث بها، أو نحو ذلك، من دون تعرض فيها لعنوان الافطار. وحينئذ يكون مقتضى أصالة عدم التداخل وجوب التكرار. وفيه: ما عرفت من أن منصرف النصوص المذكورة خصوص الافطار بالجماع، لانفس الجماع تعبدا. مع أنه لو تم لجرى في بعض أخبار الاستمناء لذكره بنفسه سببا للكفارة. فالعمدة فيه: رواية الفتح بن يزيد الجرجاني المروية عن العيون والخصال: " أنه كتب إلى أبي الحسن (ع) يسأله عن رجل واقع امرأة في شهر رمضان، من حلال أو حرام في يوم عشر مرات. قال (ع): عليه عشر كفارات. فان أكل أو شرب فكفارة يوم واحد " (* 1).


(* 1) الوسائل باب: 11 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 1.

[ 355 ]

{ (مسألة 3): لا فرق في الافطار بالمحرم الموجب لكفارة الجمع بين أن تكون الحرمة أصلية - كالزنا، وشرب الخمر - أو عارضية (1)، كالوطء حال الحيض، أو تناول ما يضره. (مسألة 4): من الافطار بالمحرم: الكذب على الله، وعلى رسوله صلى الله عليه وآله، بل ابتلاع النخامة إذا قلنا بحرمتها من حيث دخولها في الخبائث. لكنه مشكل (2). } وعن ابن أبي عقيل: أنه روى عن صاحب كتاب (شمس المذهب) عنهم (ع): " أن الرجل إذا جامع في شهر رمضان عامدا فعليه القضاء والكفارة. فان عاد إلى المجامعة في يومه ذلك مرة أخرى فعليه في كل مرة كفارة " (* 1). وعن العلامة (ره): " روي عن الرضا (ع): أن الكفارة تتكرر بتكرر الوطء " (* 2) وفيه: أنه لم تثبت حجية الروايات المذكورة، فالاعتماد عليها غير ظاهر. وعمل السيد (ره) الذي لا يعمل إلا بالقطعيات غير معلوم. (1) لما عرفت من إطلاق المحرم، الشامل لما هو أعم من المحرم بالذات وبالعارض. (2) لعدم ثبوت ذلك، كيف ويتعارف وقوعه كثيرا بلا اكتراث من أهل العرف فيه؟! بل في صحيح عبد الله بن سنان عن الصادق (ع): " من تنخع في المسجد، ثم ردها في جوفه، لم تمر بداء في جوفه إلا أبرأته منه (* 3). فاصالة البراءة عن الحرمة - كما في المستند - محكمة: نعم


(* 1) الوسائل باب: 11 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 2. (* 2) الوسائل باب: 11 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 3. (* 3) الوسائل باب: 20 من ابواب أحكام المساجد حديث: 1.

[ 356 ]

{ (مسألة 5): إذا تعذر بعض الخصال في كفارة الجمع وجب عليه الباقي (1). (مسألة 6): إذا جامع في يوم واحد مرات وجب عليه كفارات بعددها. وإن كان على الوجه المحرم تعددت كفارة الجمع بعددها (2). (مسألة 7): الظاهر أن الاكل في مجلس واحد يعد إفطارا واحدا وإن تعددت اللقم، فلو قلنا بالتكرار مع التكرر في يوم واحد لا تتكرر بتعددها، وكذا الشرب إذا كان جرعة فجرعة. (مسألة 8): في الجماع الواحد إذا أدخل وأخرج مرات لا تتكرر الكفارة (3)، وان كان أحوط. (مسألة 9): إذا أفطر بغير الجماع، ثم جامع بعد ذلك، يكفيه التكفير مرة (4). وكذا إذا أفطر أولا بالحلال، ثم } لا ينبغي التأمل في كون نخامة الغير منها. (1) لا يخلو من إشكال، لان الظاهر من الدليل كون التكليف بالجمع ارتباطيا. وعليه فمقتضى القاعدة الاولية سقوطه بالعجز عنه ولو للعجز عن بعض أجزائه. إلا أن تثبت قاعدة الميسور. ولكنه محل إشكال، أو منع كما تكرر في هذا الشرح. نعم إذا طرأ العجز لم يبعد الوجوب، عملا بالاستصحاب. (2) بناء على تعددها بتعدد الجماع. (3) لان الظاهر من دليل تكررها بتكرر الجماع غير هذا الفرض. (4) هذا يتم إذا لم نقل بالتكرر بالجماع، إذ الافطار حينئذ لا ينطبق

[ 357 ]

{ أفطر بالحرام تكفيه كفارة الجمع (1). (مسألة 10): لو علم أنه أتى بما يوجب فساد الصوم وتردد بين ما يوجب القضاء فقط أو يوجب الكفارة أيضا، لم تجب عليه (2). وإذا علم أنه أفطر أياما ولم يدر عددها، يجوز له الاقتصار على القدر المعلوم (3). وإذا شك في أنه أفطر بالمحلل أو المحرم كفاه إحدى الخصال (4). وإذا شك في أن اليوم أفطره كان من شهر رمضان أو كان من } إلا على الاول، فالجماع الواقع بعد الافطار بالاكل كالاكل الواقع بعد الافطار بالاكل. أما إذا قلنا بالتكرر بتكرره فظاهر دليله حينئذ سببية كل فرد من الجماع إذا وقع في نهار رمضان وإن لم يتحقق الافطار به، فيكون الجماع في الفرض موجبا للكفارة. ودعوى: اختصاص دليل التكرر بصورة تكرر الجماع لاغير، بحيث يكون وجود الجماع السابق له دخل في وجوب الكفارة بالجماع اللاحق. خلاف ظاهر الدليل. نعم لو انعكس الفرض كان الحكم في محله. (1) في وجوبها إشكال، لان المحرم إنما وقع بعد الافطار بالمحلل. فلا يكون مفطرا، فلا يوجب الكفارة، بناء على عدم التكرر بتكرر غير الجماع. نعم لو انعكس الفرض كان ما ذكر في محله. (2) للاصل. (3) يعني: الاقتصار في الكفارة. ووجهه: أصالة البراءة من وجوب الزائد عليه. ولافرق بين أن يكون النسيان مسبوقا بالذكر أم لا، لان العلم السابق إنما ينجز حال وجوده، فإذا زال حال النسيان فقد زال التنجز معه، وجاز الرجوع إلى أصل البراءة، كما هو موضح في محله من الاصول. (4) لاصالة البراءة من وجوب الزائد.

[ 358 ]

{ قضائه - وقد أفطر قبل الزوال - لم تجب عليه الكفارة (1)، وإن كان قد أفطر بعد الزوال كفاه إطعام ستين مسكينا (2)، بل له الاكتفاء بعشرة مساكين (3). (مسألة 11): إذا أفطر متعمدا ثم سافر بعد الزوال لم تسقط عنه الكفارة بلا إشكال (4). وكذا إذا سافر قبل الزوال (5) للفرار عنها. } (1) لاحتمال كون الافطار في القضاء قبل الزوال، الذي لا كفارة فيه، ومع هذا الاحتمال فالاصل البراءة من الوجوب. (2) بلا إشكال، لانه أحوط. ولاجل ذلك لا يحتاج إلى بيانه. (3) إذ الشك المذكور يوجب العلم إجمالا بوجوب التصدق على عشرة مساكين تعيينا، أو بوجوب الصدقة على ستين مسكينا تخييرا بينه وبين العتق وصوم شهرين متتابعين، فالتصدق على عشرة مساكين مما يعلم بتعلق الطلب به المردد بين التعيين والتخيير. ولاجل ذلك يعلم بتحقق الامتثال به ويشك في وجوب الزائد عليه، فيرجع فيه إلى أصل البراءة. (4) لاطلاق دليل الكفارة، بلا ورود الشبهة الآتية في الفروض الآتية لكون السفر بعد الزوال لايمنع من بقاء وجوب الصوم، كما هو ظاهر. (5) بلا خلاف ظاهر، ونفاه بعض. وعن الخلاف: دعوى الاجماع عليه. وقد يستدل له بمصحح زرارة عن أبي عبد الله (ع): " أيما رجل كان له مال فحال عليه الحول فانه يزكيه. قلت له: فان وهبه قبل حله بشهر أو بيوم؟ قال (ع): ليس عليه شئ أبدا. وقال زرارة عنه (ع): إنما هذا بمنزلة رجل أفطر في شهر رمضان يوما في اقامته، ثم خرج في آخر النهار في سفر، فأراد بسفره ذلك إبطال الكفارة التي وجبت عليه. وقال: إنه حين رأى الهلال الثاني عشر وجبت عليه الزكاة، ولكنه لو

[ 359 ]

كان وهبه قبل ذلك لجاز ولم يكن عليه شئ، بمنزلة من خرج ثم أفطر... " (* 1) فان الظاهر من اسم الاشارة في قوله (ع): " إنما هذا " الاشارة الى الاول الذي حال الحول على ماله، لا الثاني، بقرينة قوله (ع): " وجبت عليه... ". مضافا إلى أن الاول هو موضوع البيان، فعود اسم الاشارة إليه أولى من الثاني، لانه إنما ذكر حكمه عرضا بعد السؤال عنه، فليس مقصودا إلا عرضا. وفيه: أن مورده السفر بعد الزوال في آخر النهار، وقد عرفت أنه لاإشكال في عدم إسقاطه للكفارة. ويمكن أن يستدل له بما دل على وجوب الصوم إلى أن يسافر (* 2) فانه ظاهر في أنه صوم صحيح، فيدخل في عموم: " من أفطر وهو صائم متعمدا فعليه الكفارة " (* 3) ولا ينافيه مادل على وجوب قضائه، لامكان أن يكون وجوب القضاء لتدارك ما فات من مصلحة الصوم التام. وفيه: أن ظاهر الادلة كون السفر ناقضا للصوم ومبطلا له، فيبطل الصوم الواقع منه بمجرد تحقق السفر منه، فإذا كان المكلف يسافر في علم الله تعالى قبل الزوال، فصومه باطل من أول الامر، فالافطار قبل السفر إفطار في صوم باطل، فلا أثر له في وجوب الكفارة. ولا ينافيه وجوب الامساك إلى أن يسافر، لامكان كونه احتراما للشهر، لا لوجوب الصوم حقيقة، فيكون الامساك المذكور من قبيل الامساك بعد الافطار عمدا، فانه لا يدل على كونه صوما حقيقة. فتأمل. فالاولى أن يقال: إن السفر في أثناء النهار إن كان عدمه شرطا


(* 1) الوسائل باب: 58 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 1. (* 2) كما تأتي ذلك في الامر الخامس من شرائط صحة الصوم. (* 3) تقدم ذلك في أول هذا الفصل.

[ 360 ]

للوجوب - يعني: لثبوت ملاك الصوم - كان الصوم قبله بلا ملاك، فلا يكون الافطار قبله موجبا للكفارة. وإن كان عدمه شرطا للواجب - وهو الصوم - كما يقتضيه صدق الفوت والقضاء في حق المسافر، فيقال: فانه الصوم، ويجب عليه قضاؤه، إذ الفوت إنما يصدق في ظرف وجود الملاك، والقضاء فرع وجوب الاداء وفوته، كان اللازم البناء على وجوب الكفارة كما لو أفطر ولم يسافر، إذ لافرق بينهما في وجوب الصوم، وفي حرمة إيقاع المفطر غير السفر، وفي جواز الافطار بالسفر. ومجرد اختلافهما بوجود السفر وعدمه لا يؤثر فرقا في وجوب الكفارة. لان موضوع الكفارة الصوم الصحيح الواجب على المكلف صحة تأهلية، وهذا المعنى لا يختل بوجود السفر باختياره. نعم لو كان السفر غير اختياري كان موجبا للمنع عن التكليف بالصوم لانه مع الاضطرار الى السفر لا يقدر على إتمامه، فلا يكون مكلفا به، فينتفي. موضوع الكفارة، لانه الصوم الواجب. أما السفر الاختياري فلا يمنع عن القدرة على الصوم التام، ولا عن التكليف به من غير جهة السفر. وبذلك يظهر الفرق بين الموانع الاختيارية والاضطرارية، فتجب الكفارة بالافطار قبل الاولى، ولا تجب به قبل الثانية. فالحيض والنفاس ونحوهما لا توجب سقوط الكفارة لو اتفق وقوعها اختيارا من المكلف بعد صدور المفطر كالسفر الاختياري. ولو وقعت اضطرارا اقتضت سقوط الكفارة، كالسفر الاضطراري. هذا ولكن سيأتي في فصل شرائط وجوب الصوم: أن السفر المأخوذ مانعا من الصوم لم يؤخذ مانعا منه كسائر الموانع، ولذا لا يدعو الامر بالصوم الى تركه، فيكون التكليف بالصوم كالمنوط بعدمه، فلا يثبت إلا في ظرف عدمه من باب الاتفاق، فإذا اتفق وجوده كشف عن عدم

[ 361 ]

{ بل وكذا لو بداله السفر لا بقصد الفرار (1) على الاقوى. وكذا لو سافر فأفطر قبل الوصول إلى حد الترخص. وأما لو أفطر متعمدا، ثم عرض له عارض قهري، من حيض، أو نفاس، أو مرض، أو جنون، أو نحو ذلك من الاعذار ففي السقوط وعدمه وجهان، بل قولان، (2) أحوطهما الثاني وأقواهما الاول (3). (مسألة 12): لو أفطر يوم الشك في آخر الشهر ثم تبين أنه من شوال فالاقوى سقوط الكفارة (4). وإن كان الاحوط عدمه. وكذا لو اعتقد أنه من رمضان ثم أفطر متعمدا فبان أنه من شوال، أو اعتقد في يوم الشك في أول الشهر أنه من رمضان فبان أنه من شعبان. } التكليف بالصوم من الاول، فيجري عليه حكم المانع غير الاختياري. اللهم إلا أن يقال: إن دعوى كون السفر ونحوه إذا وقع في أثناء النهار كان مبطلا للصوم من أول الامر مما لا شاهد عليها. إذ يحتمل كونه مبطلا له وناقضا له من حينه. فإذا لا يبعد البناء على وجوب الكفارة مطلقا. (1) كما هو المشهور. وعن المختلف: السقوط فيه. ووجهه يعلم مما سبق، لانهما من باب واحد. (2) حكي ثانيهما عن الاكثر، وعن الشيخ: الاجماع عليه. وحكي أولهما عن بعض، وفي الجواهر: إنه لم يتحقق قائله. (3) يعلم وجهه مما سبق، الذي عرفت الاشكال فيه. (4) لعدم وجوب الصوم واقعا، وظاهر الكفارة اختصاصها به. ودعوى: أنها من آثار التجرؤ والتمرد، الحاصل بمخالفة الحكم الظاهري غير متحققة. ومثله: الفرض الثاني.

[ 362 ]

{ (مسألة 13): قد مر (1) أن من أفطر في شهر رمضان عالما عامدا إن كان مستحلا فهو مرتد، بل وكذا إن لم يفطر ولكن كان مستحلا له. وإن لم يكن مستحلا عزر بخمسة وعشرين سوطا، فان عاد بعد التعزير عزر ثانيا، فان عاد كذلك قتل في الثالثة. والاحوط قتله في الرابعة. (مسألة 14): إذا جامع زوجته في شهر رمضان (2) وهما صائمان مكرها لها كان عليه كفارتان، وتعزيران: خمسون سوطا (3)، فيتحمل عنها الكفارة والتعزير. وأما إذا طاوعته في الابتداء فعلى كل منهما كفارته وتعزيره (4). وإن أكرهها } (1) تقدم ذلك في أول كتاب الصوم، ومر الكلام فيه. (2) هذا القيد غير مذكور في الخبر الآتي، غاية الامر أن ذكر الكفارة والتعزير في الجواب ظاهر في خصوص الصوم الذي فيه الكفارة والتعزير، فيعم جميع أفراده. (3) إجماعا، كما عن جماعة. لخبر المفضل بن عمر عن أبي عبد الله (ع): " في رجل أتى امرأته وهو صائم وهي صائمة. فقال (ع): إن كان استكرهها فعليه كفارتان، وإن طاوعته فعليه كفارة وعليها كفارة. وإن كان أكرهها فعليه ضرب خمسين سوطا نصف الحد، وإن كان طاوعته ضرب خمسة وعشرين سوطا، وضربت خمسة وعشرين سوطا " (* 1) وضعفه منجبر بالاجماع المدعى، ونفي الخلاف. وخلاف العماني، حيث نسب إليه القول باتحاد الكفارة عليه - مع أنه غير محقق - غير قادح. (4) إجماعا على الظاهر. لصدق الافطار العمدي بالنسبة الى كل منهما فيشمله مادل على وجوبها على من أفطر متعمدا. مضافا الى امكان دخوله


(* 1) الوسائل باب: 12 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 1.

[ 363 ]

{ في الابتداء ثم طاوعته في الاثناء فكذلك على الاقوى (1)، } في الخبر - كما هو الظاهر - لصدق أنها طاوعته. والاكراه بعد ذلك لا أثر له، لعدم تأثير الجماع حينئذ الكفارة عليها مع المطاوعة، فضلا عن الاكراه. (1) كأنه لظهور الخبر في استمرار الاكراه إلى الفراغ، فلا يشمل المقام، فيرجع فيه إلى الضوابط المقتضية لكون على كل منهما كفارة واحدة كذا في الجواهر. وفيه: أنه مبني على كون جماعها في الابتداء عن إكراه غير مفطر لها، فانه حينئذ تجب عليه لاجله كفارة واحدة، فإذا طاوعته وجبت عليها كفارة لافطارها باستدامة الجماع بلا إكراه. أما بناء على أنها تفطر بالاكراه، يكون مقتضى القواعد أن عليه كفارة واحدة دونها، لان مطاوعتها بعد ذلك لا توجب الافطار العمدي، لتحقق الافطار باكراهها في الابتداء، فلا مقتضى للكفارة. نعم لو ثبت أن الجماع بعد الافطار عن عذر موجب للكفارة، كان البناء على أن عليها كفارة في محله. ولكنه غير ظاهر وإن قلنا بتكرر الكفارة بتكرر الجماع، لاختصاصه بصورة تحقق الافطار الموحب للكفارة لا مطلق الجماع ولو بعد الافطار عن عذر، فالمكره على الافطار إذا أفطر ثم جامع عمدا لادليل على وجوب الكفارة عليه. وإذ عرفت سابقا: أن استعمال المفطر عن إكراه مفطر، تعرف أن مقتضى القواعد في المقام وجوب كفارة واحدة عليه دونها. نعم مقتضى إطلاق النص: تعدد الكفارة عليه، لصدق الاكراه على صرف ماهية الجماع. ولا ينافيه صدق المطاوعة له أيضا، لان ذلك إنما هو بلحاظ البقاء، لاصرف الوجود، والظاهر من الخبر كون المعيار في تعدد الكفارة عليه الاكراه في صرف وجود المفطر، وفي كون كفارة واحدة على كل منهما المطاوعة في صرف الوجود المفطر.

[ 364 ]

{ وإن كان الاحوط كفارة منها وكفارتين منه. ولافرق في الزوجة بين الدائمة والمنقطعة (1). (مسألة 15): لو جامع زوجته الصائمة وهو صائم في النوم (2) لا يتحمل عنها الكفارة، ولا التعزير (3). كما أنه ليس عليها شئ، ولا يبطل صومها بذلك (4). وكذا لا يتحمل عنها إذا أكرهها على غير الجماع من المفطرات (5) حتى مقدمات الجماع، وإن أوجبت إنزالها. (مسألة 16): إذا أكرهت الزوجة زوجها لاتتحمل عنه شيئا. (مسألة 17): لا تلحق بالزوجة الامة إذا أكرهها على الجماع وهما صائمان (6)، فليس عليه إلا كفارته وتعزيره } هذا بناء على أن المراد بالاكراه في النص: مالا يرتفع معه الاختيار أما لو أريد منه ما يعم الاجبار وفرض ذلك، كان اللازم البناء على وجوب كفارتين عليه للنص، وكفارة واحدة عليها بالمطاوعة، للقواعد الاولية الموجبة للكفارة بمطلق الافطار العمدي. (1) كما نسب التصريح به إلى الاصحاب. ويقتضيه إطلاق النص. (2) يعني: وهي نائمة. (3) للاصل، بعد عدم الدليل عليه، وعدم دخوله في الخبر. وما عن الشيخ (ره): من وجوب الكفارتين عليه غير ظاهر. (4) للاصل، بعد عدم تحقق الافطار العمدي منها. (5) للاصل، بعد عدم الدليل عليه، وعدم شمول النص له. وكذا في المسألة الآتية. (6) لظهور النص في الزوجة. وكون إضافة الامرأة الى الضمير

[ 365 ]

{ وكذا لا تلحق بها الاجنبية إذا أكرهها عليه على الاقوى (1). وإن كان الاحوط التحمل عنها، خصوصا إذا تخيل أنها زوجته فأكرهها عليه. (مسألة 18): إذا كان الزوج مفطرا، بسبب كونه مسافرا، أو مريضا، أو نحو ذلك، وكانت زوجته صائمة، لا يجوز له إكراهها على الجماع (2)، وإن فعل لا يتحمل عنها } يكفي فيها أدني ملابسة، ولو لكونها أمته خلاف الظاهر. ومنه يظهر ضعف ماعن المختلف من الالحاق. (1) للاصل، وعدم دخوله في النص. وعن المختلف: الاشكال في ذلك، لان الكفارة عقوبة على الذنب، وهو هنا أفحش. ولانه قد يكون الذنب قويا، فلا تجدي الكفارة في تخفيفه. انتهى. وقد يظهر من الشيخ (ره) ذلك أيضا. والاصل يقتضي عدم الالحاق. (2) على الاصح. لاصالة عدم جواز إجبار المسلم على غير الحق الواجب عليه. كذا عن المدارك. وفي الجواهر: " فيه بحث ". وكأنه لعموم مادل على ثبوت حق الانتفاع بالبضع للزوج، الذي لا ينافيه حرمة التمكين تكليفا من جهة الافطار عمدا. نظير وجوب أكل مال الغير عند المخمصة الذي لا ينافي ملك الغير له، فيجوز للزوج الاكراه، ويجب عليها الامتناع حسب الامكان. نعم لو كانت حرمة الافطار مانعة من ثبوت حق الانتفاع للزوج، كان عدم جواز الاجبار في محله، لانه إجبار على غير الحق. لكن عرفت عدم المنافاة، فلا وجه للمنع. إلا أن يقال: لم يثبت ما يدل على عموم الحق المذكور، والعمدة فيه: إطلاق وجوب الاطاعة، فإذا ثبت تقييده بغير المعصية، فلا طريق

[ 366 ]

{ الكفارة، ولا التعزير (1). وهل يجوز له مقاربتها وهي نائمة إشكال (2). (مسألة 19): من عجز عن الخصال الثلاث في كفارة مثل شهر رمضان تخير (3) بين أن يصوم ثمانية عشر يوما، أو يتصدق بما يطيق (4). } إلى ثبوته. ومن ذلك يظهر الاشكال في دعوى استفادته من قوله تعالى: (نساؤكم حرث لكم فاتوا حرثكم...) (* 1). فتأمل جيدا. ويشهد بنفي الحق المذكور: أنه خلاف السيرة الارتكازية القطعية على عدم جواز منع الزوجة من الصوم والصلاة، ومقدماتهما من طهارة حدثية أو خبثية أو نحوهما، وغيرهما من الواجبات الشرعية. (1) للاصل، بعد عدم دخوله في النص، كما سبق في نظيره. فما عن بعض - من القول بوجوب كفارة عنها عليه - غير ظاهر. (2) يبتني على ثبوت الحق وعدمه في المقام، نظير ما تقدم في الاكراه. (3) كذا حكي التعبير عن الاكثر. وفي الشرائع: " كل من وجب عليه شهران متتابعان، فعجز، صام... ". (4) كما عن المختلف، والدروس، وغيرهما. لانه مقتضى الجمع بين مادل على بدلية خصوص صوم الثمانية عشر - كخبر أبي بصير وسماعة بن مهران قالا: " سألنا أبا عبد الله (ع) عن الرجل يكون عليه صيام شهرين متتابعين، فلم يقدر على الصيام، ولم يقدر على العتق، ولم يقدر على الصدقة. قال (ع): فليصم ثمانية عشر يوما، على كل عشرة مساكين ثلاثة أيام " (* 2)، وخبر أبي بصير قال: " سألت أبا عبد الله (ع) عن


(* 1) البقرة: 223. (* 2) الوسائل باب: 9 من أبواب بقية الصوم الواجب حديث: 1. ثم إن الشيخ (ره) -

[ 367 ]

رجل ظاهر من امرأته، فلم يجد ما يعتق، ولا ما يتصدق، ولا يقوى على الصيام. قال (ع): يصوم ثمانية عشر يوما، لكن عشرة مساكين ثلاثة أيام " (* 1) - وبين مادل على بدلية خصوص الصدقة، كصحيح ابن سنان عن أبي عبد الله (ع): " في رجل أفطر في شهر رمضان متعمدا يوما واحد من غير عذر. قال (ع): يعتق نسمة، أو يصوم شهرين متتابعين، أو يطعم ستين مسكينا. فان لم يقدر تصدق بما يطيق " (* 2) ومصححه الآخر عن أبي عبد الله (ع): " في رجل وقع على أهله في شهر رمضان، فلم يجد ما يتصدق به على ستين مسكينا. قال (ع): يتصدق بقدر ما يطيق " (* 3). وفيه: أن الجمع بذلك فرع التعارض، المتوقف على اتحاد المورد، ولكنه غير ظاهر. إذ ثاني الاولين صريح في كون مورده كفارة الظهار وأولهما إن لم يكن ظاهرا في المرتبة - بقرينة ما في ذيل الجواب: من توزيع الصيام على الصدقة على ستين مسكينا، الظاهر في كونه بدل الصدقة على ستين مسكينا المتعينة - فلا أقل من عدم ظهوره في العموم. والاخيران موردهما كفارة شهر رمضان. وعليه فيجب العمل بكل في مورده من دون مقتض للتصرف في كل منهما بالحمل على التخيير. على أنه لو سلم عموم الاول لكفارة شهر رمضان وجب تخصيصه بالاخير، جمعا بين العام والخاص.


- رواها عن أبي بصير وسماعة في التذيب ج 4: ص 208 طبع النجف الاشرف، والاستبصار ج 2 ص 92 طبع النجف الاشرف بدون قوله: " ولم يقدر على العتق " ورواها في التهذيب ج 4 صفحة 312 عن أبي بصير، كما في الوسائل. فلاحظ. (* 1) الوسائل باب: 8 من ابواب الكفارات حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 8 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 1. (* 3) الوسائل باب: 8 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 3.

[ 368 ]

{ ولو عجز أتى بالممكن منهما (1). وإن لم يقدر على شئ منهما } ومنه يظهر ضعف ما عن المفيد والسيد والحلي: من بدلية الاول مطلقا. كضعف ماعن الاسكافي والمقنع والمدارك والذخيرة: من بدلية الثاني مطلقا لضعف الخبرين الاولين سندا. إذ فيه: أن الضعف يجبر بالعمل. ولو سلم فلا مجال للتعدي عن مورد الصحيحين الاخيرين. ثم إن المذكور في صحيح أبي بصير عن أبي عبد الله (ع): " قال: كل من عجز عن الكفارة التي تجب عليه، من صوم، أو عتق، أو صدقة في يمين أو نذر، أو قتل. أو غير ذلك مما يجب على صاحبه فيه الكفارة، فالاستغفار له كفارة، ماخلا يمين الظهار " (* 1) فيمكن الجمع بينه وبين ما سبق، بحمل الكفارة المعجوز عنها على ما يشمل البدل، كالصدقة بما يطيق، أو صوم الثمانية عشر يوما، إذ عليه ترتفع المنافاة بينهما. نعم في صحيح ابن جعفر (ع): " إذا عجز عن الخصال الثلاث فليستغفر " (* 2) ومقتضاه كون الاستغفار في رتبة الصدقة. والجمع بينهما بالترتيب لا شاهد له. إلا أن يكون هو الاجماع. (1) كأنه قاعدة الميسور. لكن في تماميتها إشكالا أشرنا إليه فيما سبق. مع أنه غير معقول بالنسبة الى الصدقة، إذ مع فرض العجز عن الصدقة بما يطيق كيف يمكن تكليفه بالممكن منهما؟! اللهم إلا أن يكون المراد من الصدقة بما يطيق: الصدقة على ستين مسكينا بما يطيق وإن لم يكن مدا، وحينئذ فالبدل في حال العجز عنه هو ما يمكنه لكنه - مع أنه غير ظاهر من العبارة - غير ظاهر من الدليل.


(* 1) الوسائل باب: 6 من ابواب الكفارات حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 8 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 9. وهو منقول بالمعني. إلا إذا كان المراد غيره.

[ 369 ]

{ استغفر الله تعالى ولو مرة (1) بدلا عن الكفارة، وأن تمكن بعد ذلك منها أتى بها (2). } (1) بلا خلاف فيه، على الظاهر. لماعرفت: من أنه مقتضى الجمع بين نصوص المقام، وصحيح أبي بصير وابن جعفر (ع). ومقتضاه الاكتفاء بالمرة للاطلاق. (2) هذا ينافي البناء على بدلية الاستغفار، إذ مقتضى البدلية الاجزاء اللهم إلا أن تختص بدليته بالعجز المستمر، فإذا تمكن بعد ذلك انكشف عدم البدلية. وعليه فاللازم البناء على ذلك في بدلية الصوم ثمانية عشر، والصدقة بما يطيق، لعدم الفرق بين المقامين. فالاولى أن يقال: إنه إن بني على عدم فورية وجوب الكفارة، فتخصيص البدلية بالعجز المستمر وان كان يساعده الارتكاز جدا، وعليه بنينا على عدم جواز البدار لذوي الاعذار في الواجبات الموقتة، إلا أن حمل الدليل عليه في المقام بعيد جدا، لندرة العجز المستمر عن الصدقة بالقليل كما لا يخفى. فالاكتفاء بالعجز العرفي مطلقا، أو مع عدم ظهور أمارة المكنة لا يخلو من قوة. نعم في مصحح إسحاق: " الظهار إذا عجز صاحبه عن الكفارة فليستغفر ربه، وينوي أن لا يعود قبل أن يواقع، ثم ليواقع وقد أجزأه ذلك من الكفارة. فإذا وجد السبيل إلى ما يكفر من الايام فليكفر... " (* 1) ومورده وإن كان الظهار. لكن لا يبعد استفادة الحكم في غيره منه، كما يساعده الارتكاز العرفي، ولاسيما مع البناء على وجوبه مع فعل الكفارة، كما يظهر من بعض نصوص قصة الاعرابي الذي واقع أهله في شهر رمضان (* 2)


(* 1) الوسائل باب: 6 من ابواب الكفارات حديث: 4. (* 2) الوسائل باب: 8 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 2، 5.

[ 370 ]

{ (مسألة 20): يجوز التبرع بالكفارة عن الميت (1)، صوما كانت أو غيره. وفي جواز التبرع بها عن الحي إشكال (2) والاحوط العدم. خصوصا في الصوم } وعلى هذا فالمسقط للكفارة عدم الوجدان، لافعل الاستغفار لانه بدل فلاحظ. (1) بلا خلاف معتد به، على ما تقدم في مبحث قضاء الصلوات. (2) بلا خلاف. فعن المبسوط: الجواز مطلقا، وعن المختلف وغيره موافقته. وعن المدارك وغيره: العدم مطلقا، وقواه في الجواهر، وقال: " لعله المشهور ". وفي الشرائع: التفصيل بين الصوم فالثاني، وغيره فالاول. واستدل للاول: بأن الكفارة دين كسائر الديون التي يجوز التبرع فيها. ولما ورد في قصة الاعرابي الذي ادعى العجز عن الكفارة، حيث قال له النبي صلى الله عليه وآله: خذ هذا التمر، وتصدق به " (* 1) ولما ورد في قصة الخثعمية المشهورة، حيث قال النبي صلى الله عليه وآله لها: " فدين الله أحق بالقضاء " وقد تقدمت في قضاء الصلوات (* 2). وفيه: أن كونها كسائر الديون مصادرة. مع أن صحة التبرع في وفاء دين الحي محل اشكال، ففي حاشية الكركي المنع عنها بلا إذن منه. فتأمل. وما ورد في قصة الاعرابي ليس من التبرع الذي هو محل الكلام بل من باب الاذن في إخراج الكفارة من ماله صلى الله عليه وآله. نعم لو كان المراد من التبرع في المقام بذل الاجنبي للمال، في مقابل إخراج المكلف لها من ماله، أمكن الاستدلال به على الجواز. مع إمكان الاشكال فيه: باحتمال كونه من باب التمليك، لا الاذن في الصدقة بماله صلى الله عليه وآله


(* 1) الوسائل باب: 8 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 2. (* 2) الحدائق ج: 11 صفحة: 39 الطبعة الحديثة وتقدم التعرض لها في المسألة: 3 من فصل صلاة الاستيجار ج 7 صفحة 117 الطبعة الثالثة.

[ 371 ]

نعم في موثق سماعة عن أبي بصير، الوارد في كفارة الظهار: " فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أنا أتصدق عنك، فأعطاه تمرا لاطعام ستين مسكينا. قال صلى الله عليه وآله: إذهب فتصدق بها.. " (* 1) وأما ما ورد في قصة الخثعمية، فمع أنه ضعيف السند، وأن من المحتمل كون مورده الميت، مما لا مجال للعمل باطلاقه في الحي إجماعا، بل ضرورة فيجب الاقتصار فيه على مورده، للبناء على إجماله. واستدل للثاني: بأن ظاهر الخطاب الموجه الى شخص بشئ وجوب مباشرته له، فيجب العمل به. إلا أن يقوم ما يقتضي جواز التبرع، وهو في المقام مفقود. ووجه الثالث: أما في الصوم فلما ذكر. وأما في غيره فلانه لا إشكال عندهم في صحة الوكالة في العتق، والاطعام، وقد ادعى في الجواهر: الاجماع المحقق على الصحة فيما لو أعتق الاجنبي عبده عن غيره بمسألته. والاشكال في صحة التبرع بالعتق من بعض، ليس لبنائه على عدم كون الكفارة موردا للتبرع، بل لشبهة أنه لاعتق إلا في ملك، بناء على كون المراد منه في ملك المعتق عنه. إذ لا مجال للبناء على الدخول في ملك المعتق عنه في التبرع لانتفاء السبب. وعلى هذا فلا مجال للاشكال في صحة التبرع بغير الصوم. إذ المنشأ فيه إن كان احتمال اعتبار المباشرة التي يقتضيها ظاهر الخطاب فيدفعه الاجماع المذكور، المساعد له ارتكاز العرف والمتشرعة في أمثال ذلك، مما لم يكن الغرض من الامر فيه محض تكميل النفس، كما في الصوم، والصلاة، ونحوهما، بل كان الغرض منه أيضا شيئا آخر يقوم بفعل الغير. وإن كان احتمال اعتبار كون العتق والاطعام من ماله، فهو خلاف


(* 1) الوسائل باب: 2 من ابواب الكفارات حديث: 1.

[ 372 ]

{ (مسألة 21): من عليه كفارة إذا لم يؤدها حتى مضت عليه سنين لم تتكرر (1). (مسألة 22): الظاهر أن وجوب الكفارة موسع، فلا تجب المبادرة إليها (2). نعم لا يجوز التأخير إلى حد التهاون. } إطلاق النص. وعدم الاجتزاء بالتصدق بمال الغير، إنما هو لعدم السلطنة عليه، لا لقصور الدليل عن شموله. مضافا الى ظاهر موثق سماعة، وأبي بصير. وإن كان احتمال اعتبار الاذن من المكلف تعبدا فهو مما لا مجال للركون إليه. وإن كان لاحتمال دخل إذنه في كون فعل الغير له، بنحو يترتب عليه آثاره وفوائده، بحيث لو لم يأذن لغيره في أن يفعل عنه لا تصح نسبة الفعل إليه بوجه، ولا ترجع فوائده إليه. ففيه: أنه خلاف بناء العرف، لاستقرار بنائهم على رجوع فوائده إليه بمجرد وقوعه من الغير بقصد أن يكون له إذا كان مما يقبل النيابة، ولا يتوقف ترتب الفائدة ورجوعها الى المنوب عنه على إذن منه. وهذا البناء كاف في حكم العقل بالخروج عن عهدة التكليف، لتحقق الاطاعة عند العقلاء، كما في سائر الموارد. فتأمل جيدا. وبالجملة: لا ينبغي التأمل في الجواز بعد الاجماع على صحة الاذن والوكالة. فلاحظ. (1) للاصل، بعد عدم الدليل على التكرر. (2) يظهر من الدروس وغيره المفروغية عنه، ويقتضيه إطلاق الادلة. نعم يمكن أن يستشكل في ذلك: بأن مقتضى كونها كفارة للذنب وجوب المبادرة إليها عقلا، نظير وجوب المبادرة الى التوبة، فكما يحكم العقل بوجوب الاطاعة وحرمة المعصية، فرارا عن الوقوع في الذنب، يحكم بوجوب المبادرة

[ 373 ]

{ (مسألة 23): إذا أفطر الصائم بعد المغرب على حرام - من زنا، أو شرب الخمر، أو نحو ذلك - لم يبطل صومه (1)، وإن كان في أثناء النهار قاصدا لذلك. (مسألة 24): مصرف كفارة الاطعام للفقراء (2)، } إليها أيضا، فرارا عن بقاء الذنب، لعدم الفرق بين الحدوث والبقاء في نظر العقل، لان في كل منهما خطرا. بل لعل ذلك منشأ لانصراف الادلة إلى الفورية. فتأمل. (1) لعدم الدليل عليه، والاصل البراءة. (2) بلا خلاف معتد به، فان الآية (* 1) والنصوص (* 2) وإن كانت مشتملة على المسكين، إلا أن الاجماع - صريحا، وظاهرا، محكيا عن جماعة - على أن الفقير والمسكين يراد كل منهما من الآخر عند الانفراد. قال في محكي المبسوط: " لا خلاف في أنه إن أوصى للفقراء منفردين، أو للمساكين كذلك، جاز صرف الوصية إلى الصنفين جميعا " ومثله: ماعن نهاية الاحكام وفي محكي المسالك: " واعلم أن الفقراء والمساكين متى ذكر أحدهما دخل فيه الآخر بغير خلاف ". وعن الروضة، ومحكي الميسية: الاجماع على ذلك، وفي الحدائق: نفي الخلاف فيه، ويظهر من كلامهم في الكفارات المفروغية عنه. فما في القواعد - من الاشكال في إجزاء الاعطاء للفقير في الكفارة - ضعيف. ولاسيما بملاحظة ما في مصحح إسحاق، الوارد في إطعام عشرة مساكين أو اطعام ستين مسكينا: " قلت: فيعطيه الرجل قرابته إن كانوا محتاجين؟ قال (ع): نعم " (* 3).


(* 1) البقرة: 184. (* 2) تقدم ذكرها في المسألة: 1 من هذا الفصل. (* 3) الوسائل باب: 16 من ابواب الكفارات حديث: 2.

[ 374 ]

{ إما باشباعهم (1)، وإما بالتسليم إليهم. كل واحد مدا (2)، } (1) بلا خلاف ولا إشكال، كما في الجواهر. ويدل عليه مصحح أبي بصير: " سألت أبا جعفر (ع) عن: (أوسط ما تطعمون أهليكم) (* 1) قال (ع): نعم، ما تقوتون به عيالكم من أوسط ذلك. قلت: وما أوسط ذلك؟ قال: الخل، والزيت، والتمر، والخبز، يشبعهم به مرة واحدة " (* 2) واختصاصه بكفارة اليمين لا يقدح في جواز التعدي الى المقام وسائر الكفارات. لعدم الفصل. ومنه يظهر ما في ماعن المفيد: من أنه اعتبر في كفارة اليمين أن يشبعهم طول يومهم. ويشهد له رواية سماعة - المروية عن تفسير العياشي - عن أبي عبد الله (ع): " سألته عن قول الله عزوجل: (من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم) في كفارة اليمين. قال (ع): ما يأكل أهل البيت يشبعهم يوما. وكان يعجبه مد لكل مسكين " (* 3) لضعف الرواية بالارسال، مع لزوم حملها على الاستحباب، جمعا بينها وبين المصحح. (2) كما هو المشهور، ولاسيما بين المتأخرين. للنصوص الكثيرة الدالة على الاكتفاء به، بل لعلها متواترة، الوارد بعضها في كفارة قتل الخطأ (* 4) وبعضها في كفارة اليمين (* 5) وبعضها في كفارة شهر رمضان (* 6) بضميمة عدم القول بالفصل بين أنواع الكفارات.


(* 1) المائدة: 89. (* 2) الوسائل باب: 14 من ابواب الكفارات حديث: 5. (* 3) الوسائل باب: 12 من ابواب الكفارات حديث: 9. (* 4) الوسائل باب: 10 من ابواب الكفارات حديث: 1. (* 5) راجع الوسائل باب: 12 من ابواب الكفارات. (* 6) الوسائل باب: 8 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 10، 12.

[ 375 ]

{ والاحوط مدان، من حنطة، أو شعير، أو أرز، أو خبز أو نحو ذلك (1) ولا يكفي في كفارة واحدة إشباع شخص واحد مرتين } وعن الشيخ في الخلاف والمبسوط والنهاية والتبيان: أنها مدان، ووافقه عليه غيره، وعن الخلاف: الاجماع عليه. ويشهد له مصحح أبي بصير في كفارة الظهار: " تصدق على ستين مسكينا ثلاثين صاعا، لكل مسكين مدين مدين " (* 1) وفيه: أنه إن أمكن تخصيصه بمورده وجب الاقتصار عليه، لعدم معارض له فيه. وإلا - كما هو الظاهر، من جهة عدم الفصل بين الموارد - فاللازم حمله على الاستحباب، جمعا عرفيا بينه وبين ما سبق. وأما دعوى الاجماع، فموهونة بمخالفة الاكثر، كما لا يخفى. (1) مما يسمى طعاما، كما هو المشهور، بل في محكي الخلاف: الاجماع عليه. لاطلاق الادلة. وما في بعض كتب اللغة: من أنه قد يختص الطعام بالبر لا يقدح فيما ذكرنا، - لانه لو تم - فهو خلاف الاستعمال الشائع، الذي يحمل عليه اللفظ عند الاطلاق. مع أنه مختص بلفظ الطعام، ولا يجري فيما اشتملت عليه النصوص، و هو الاطعام. فالبناء على إطلاقه، الشامل لكل ما يطعم، المقابل لما يشرب، متعين. نعم ورد في نصوص كفارة اليمين التقييد بالحنطة، والدقيق، والخبز ففي صحيح الحلبي: " يطعم عشرة مساكين لكل مسكين مد من حنطة، أو مد من دقيق " (* 2)، وفي صحيح الثمالي: " إطعام عشرة مساكين مدا مدا، دقيق، أو حنطة " (* 3). وفي مصحح هشام بن الحكم: " مد مد من حنطة " (* 4). وفي مصحح أبي بصير: " قلت: وما أوسط ذلك؟


(* 1) الوسائل باب: 14 من ابواب الكفارات حديث: 6. (* 2) الوسائل باب: 12 من ابواب الكفارات حديث: 1. (* 3) الوسائل باب: 12 من ابواب الكفارات حديث: 4. (* 4) الوسائل باب: 14 من ابواب الكفارات حديث: 4.

[ 376 ]

فقال (ع): الخل، والزيت، والتمر، والخبز، يشبعهم به مرة واحدة " (* 1) ونحوها غيرها. وعليه فالجمع العرفي يقتضي التقييد بذلك في خصوص كفارة اليمين. والتعدي إلى غيرها يتوقف على عدم الفصل، وهو غير ثابت. فعن الحلي: " يجوز أن يخرج حبا، ودقيقا، وخبزا، وكلما يسمى طعاما الا كفارة اليمين، فانه يجب عليه أن يخرج من الطعام الذي يطعم أهله، للآية ". وفي التحرير: " يجوز إخراج الخبز، والدقيق، والسويق، والحب - لا السنبل - من كل ما يسمى طعاما، في جميع الكفارات. إلا كفارة اليمين، فان الواجب فيها الاطعام من أوسط ما يطعم أهله. ولو أطعم مما يغلب على قوت البلد جاز ". وأما التقييد في الآية بالاوسط - وكذا في جملة من النصوص - فقد اختلفت النصوص في تفسيره. ففي بعضها: إرادة الوسط في المقدار، ففي مصحح الحلبي عن أبي عبد الله (ع): " في قول الله عزوجل: (من أوسط ما تطعمون أهليكم) قال (ع): هو كما يكون في البيت: من يأكل المد، ومنه من يأكل أكثر من المد، ومنهم من يأكل أقل من المد، فبين ذلك. وإن شئت جعلت لهم أدما. والادم أدناه ملح، وأوسطه الخل والزيت، وأرفعه اللحم " (* 2). ونحوه غيره. وفي بعضها: إرادة الوسط في الجنس، كمصحح أبي بصير المتقدم. ونحوه مصحح البزنطي عن أبي جميلة (* 3)، وخبر زرارة (* 4) وغيرهما. ويجب حمل الاخير على الاستحباب، لما في مصحح الحلبي المتقدم،


(* 1) الوسائل باب: 14 من ابواب الكفارات حديث: 5. (* 2) الوسائل باب: 14 من ابواب الكفارات حديث: 3. (* 3) الوسائل باب: 14 من ابواب الكفارات حديث: 2. (* 4) الوسائل باب: 14 من ابواب الكفارات حديث: 9.

[ 377 ]

{ أو أزيد، أو إعطاؤه مدين أو أزيد (1)، بل لابد من ستين نفسا. } من قوله (ع): " وإن شئت جعلت... ". الظاهر في نفي الوجوب. فالمتحصل من مجموع الادلة كتابا وسنة: الاكتفاء بمطلق ما يسمى إطعاما في جميع الكفارات، عدا كفارة اليمين، فانه يتعين فيها إما الخبز، أو الحنطة، أو الدقيق. ومقتضى إطلاق الخبز والدقيق في النصوص - وكذا ما في الجواهر: من نفي الاشكال في إجزائهما - عدم الفرق بين ما يكون من الحنطة ومن غيرها. اللهم إلا أن يكون ذكر الحنطة مع الدقيق في الصحيحين موجبا لانصرافه إلى دقيق الحنطة، بل لعل الاقتصار على الحنطة في مصحح هشام يقتضي ذلك، بأن يكون الجمع بينه وبينهما موجبا لحمل الحنطة على ما يعم الدقيق. ومن هنا يشكل إطلاق الخبز في مصحح أبي بصير، فلعل الجمع أيضا يقتضي حمله على خبز الحنطة. بل يمكن الاشكال فيه أيضا: بعدم وروده في مقام البيان من هذه الجهة. فتأمل. وأما ما ورد في قصة الاعرابي الذي أفطر شهر رمضان، أو الذي ظاهر من امرأته: من إعطاء النبي صلى الله عليه وآله له التمر ليتصدق به (* 1)، فلا يصلح لتقييد الادلة، لعدم ظهوره في التقييد، كما هو ظاهر، والله سبحانه أعلم. (1) إجماعا ظاهرا. لعدم الاتيان بالمأمور به، وهو إطعام الستين. مضافا إلى مصحح إسحاق بن عمار: " سألت أبا ابراهيم (ع) عن إطعام عشرة مساكين أو إطعام ستين مسكينا، أيجمع ذلك لانسان واحد يعطاه؟ فقال (ع): لا، ولكن يعطي إنسانا إنسانا، كما قال الله عزوجل " (* 2).


(* 1) تقدم ذكرهما في المسألة: 20 من هذا الفصل. (* 2) الوسائل باب: 16 من ابواب الكفارات حديث: 2.

[ 378 ]

{ نعم إذا كان للفقير عيال متعددون - ولو كانوا أطفالا صغارا (1) } قال في الجواهر: " نعم لو دفعه لواحد، ثم اشتراه منه، ثم دفعه لآخر... - وهكذا إلى تمام الستين - أجزأه، بلا خلاف ولا إشكال ". ويقتضيه إطلاق الصدقة في كثير من النصوص، لتحققها بالتمليك، فلا مانع من الشراء بعده. وتوهم: أنه لابد من أكل الفقير لها، ليتحقق الاطعام المعتبر في الكفارة كتاب وسنة. مندفع: بأن الاطعام مفسر في النصوص ببذل الطعام لهم ليأكلوه، أو تمليكهم إياه، فلا يعتبر في الاول التمليك، ولا يعتبر في الثاني الاكل. ولو اعتبر الاكل في الجميع لزم عدم الاجتزاء بمجرد التصدق حتى يتحقق الاكل في الخارج، وهو خلاف المقطوع به من النصوص. ثم إن ما ذكر - من عدم الاكتفاء باعطاء الواحد مرتين في كفارة واحدة - إنما هو مع التمكن من المستحق. أما مع التعذر، ففي الشرائع وغيرها: أنه يجوز، بل في الجواهر: لم أقف فيه على مخالف صريح معتد به، وعن ظاهر الخلاف: الاتفاق عليه. ويشهد له خبر السكوني: " قال أمير المؤمنين (ع): إن لم يجد في الكفارة إلا الرجل والرجلين. فليكرر عليهم حتى يستكمل العشرة، يعطيهم اليوم، ثم يعطيهم غدا " (* 1). واختصاص مورده بكفارة العشرة لا يقدح في التمسك به على عموم الحكم بناء على إلغاء خصوصيته عرفا، أو عدم الفصل. نعم ظاهره ملاحظة التعدد في الايام. إلا أن يحمل على الاشباع بملاحظة المتعارف فيه، فلا يكون خصوصية لذلك، نظير خصوصية الغد. فتأمل. (1) الظاهر أنه لاإشكال ولا خلاف في جواز إعطاء الصغار كالكبار فيما لو كان الاطعام بنحو التمليك. كما يقتضيه - مضافا إلى إطلاق الادلة


(* 1) الوسائل باب: 16 من ابواب الكفارات حديث: 1.

[ 379 ]

{ يجوز إعطاؤه بعدد الجميع لكل واحد مدا (1). } لصقد المسكين عليهم كصدقه على الكبار - صحيح يونس بن عبد الرحمن عن أبي الحسن (ع): " عن رجل عليه كفارة إطعام عشرة مساكين، أيعطي الصغار والكبار سواء، والنساء والرجال، أو يفضل الكبار على الصغار، والرجال على النساء؟ فقال (ع): كلهم سواء " (* 1). وأما في الاشباع، فالمحكي عن المفيد: المنع من إعطائهم مطلقا، وفي الشرائع: " يجوز إطعامهم منضمين. ولو انفردوا احتسب الاثنان بواحد ". وكأنه لخبر غياث: " لا يجزي إطعام الصغير في كفارة اليمين ولكن صغيرين بكبير " (* 2). وفي خبر السكوني: " من أطعم في كفارة اليمين صغار وكبارا فليزود الصغير بقدر ما أكل الكبير " (* 3). لكن الاول شامل لصورة الانضمام أيضا، بل الثاني ظاهر فيها - كما في الجواهر - إلا أنه ظاهر في لزوم تزويد كل صغير بقدر ما أكل الكبير، لافي احتساب الاثنين بواحد. اللهم إلا أن يجمع بينه وبين الاول بالتخيير بين الامرين. أو يحمل الاول على صورة الانفراد، فيختص التزويد بصورة الانضمام. ولعل الثاني أقرب. وعليه: تشكل دعوى عموم احتساب الاثنين بواحد لصورتي الانضمام والانفراد، كما عن الرياض. نعم في عموم الحكم لغير كفارة اليمين نظر، لاختصاص الخبرين بها اللهم إلا أن يتمم في غيرها بعدم الفصل. ولا سيما بملاحظة اختصاص دليل مشروعية الاشباع بها لاغير. (1) للاطلاق. ولصحيح يونس عن أبي الحسن (ع): " ويتمم


(* 1) الوسائل باب: 17 من ابواب الكفارات حديث: 3. (* 2) الوسائل باب: 17 من ابواب الكفارات حديث: 1. (* 3) الوسائل باب: 17 من ابواب الكفارات حديث: 2.

[ 380 ]

{ (مسألة 25): يجوز السفر في شهر رمضان لا لعذر وحاجة (1)، } إذا لم يقدر على المسلمين وعيالاتهم تمام العدة التي تلزمه أهل الضعف ممن لا ينصب " (* 1). ثم إن عبارة المتن ظاهرة في جواز إعطاء المعيل بقدر عدد العيال، وإن لم يكن وكيلا عنهم إذا كانوا كبارا، ولا وليا عليهم إذا كانوا صغارا. لكنه غير ظاهر الوجه إذا كان بنحو التمليك، إذ التمليك يحتاج سلطنة. نعم إذا كان بنحو الاشباع أمكن ذلك بلا توكيل أو ولاية، لكن المعيل حينئذ واسطة في الاشباع. لكن لابد حينئذ من العلم بحصول الاشباع، ولاتفرغ الذمة إلا به. (1) على المشهور شهرة عظيمة. لمصحح الحلبي عن أبي عبد الله (ع): " عن الرجل يدخله شهر رمضان وهو مقيم لا يريد براحا، ثم يبدو له - بعدما يدخل شهر رمضان - أن يسافر. فسكت، فسألته غير مرة، فقال (ع): يقيم أفضل. إلا أن تكون له حاجة لابد له من الخروج فيها، أو يتخوف على ماله " (* 2) وصحيح ابن مسلم عن أبي جعفر (ع): " عن الرجل يعرض له السفر في شهر رمضان وهو مقيم وقد مضى منه أيام. فقال (ع): لا بأس بأن يسافر، ويفطر ولا يصوم " (* 3) وقريب منهما غيرهما. وعن الحلبي: أنه لا يحل اختيارا، لاطلاق مادل على وجوب الصوم بناء على كون الحضر من شرائط الوجود، لا الوجوب. مضافا إلى مصحح


(* 1) الوسائل باب: 18 من ابواب الكفارات حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 3 من ابواب من يصح منه الصوم حديث: 1. (* 3) الوسائل باب: 3 من ابواب من يصح منه الصوم حديث: 2.

[ 381 ]

{ بل ولو كان للفرار من الصوم (1). لكنه مكروه (2). } أبي بصير: " سألت أبا عبد الله (ع) عن الخروج إذا دخل شهر رمضان فقال (ع): لا، إلا فيما أخبرك به: خروج إلى مكة، أو غزو في سبيل الله تعالى، أو مال تخاف هلاكه، أو أخ تخاف هلاكه " (* 1) وما في حديث الاربعمائة: " ليس للعبد أن يخرج إلى سفر إذا دخل شهر رمضان لقول الله عزوجل: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) (* 2). وفيه: أن الحضر - لو سلم كونه شرطا للوجود - فلم يؤخذ شرطا على نحو يجب تحصيله كسائر شرائط الوجود، بل أخذ بنحو لا يجب تحصيله كما قد يقتضيه ظاهر الآية. والصحيحان المتقدمان كافيان في إثبات ذلك. ولاجلهما ترفع اليد عن ظاهر مصحح أبي بصير، وحديث الاربعمائة - لو سلمت حجية الثاني في نفسه - حملا للظاهر على الاظهر فيحملان على الكراهة، أو ترك الافضل. لا يقال: يمكن الجمع بينهما بالتقييد، بحمل المجوز على صورة وجود الحاجة، وغيره على غيرها. لانا نقول: لا مجال لهذا الجمع بالاضافة إلى الصحيح الاول، لظهوره في الجواز بلا حاجة. وسيأتي ماله نفع في المقام في شرائط وجوب الصوم. (1) كما هو المشهور. وعن العماني وابن الجنيد وأبي الصلاح: الحرمة بل يلوح ذلك من الشيخ في التهذيب. وهو ضعيف، لاطلاق الادلة المتقدمة. (2) للنهي عنه فيما سبق، المحمول عليها جمعا. نعم ظاهر المدارك: كون الحضر أفضل، أخذا بظاهر الصحيح الاول. لكن لا تنافي بينهما،


(* 1) الوسائل باب: 3 من ابواب من يصح منه الصوم حديث: 3. (* 2) البقرة: 185. (* 3) الوسائل باب: 3 من ابواب من يصح منه الصوم حديث: 4.

[ 382 ]

{ (مسألة 26): المد ربع الصاع (1)، وهو ستمائة مثقال وأربعة عشر مثقالا وربع مثقال. وعلى هذا فالمد: مائة وخمسون مثقالا وثلاثة مثاقيل ونصف مثقال وربع ربع المثقال. وإذا أعطى ثلاثة أرباع الوقية من حقه النجف (2) فقد زاد أزيد من واحد وعشرين مثقالا (3)، إذ ثلاثة أرباع الوقية: مائة وخمسة وسبعون مثقالا. فصل يجب القضاء دون الكفارة في أمور: أحدها: ما مر من النوم الثاني، بل الثالث (4). وإن كان الاحوط فيهما الكفارة أيضا، خصوصا الثالث. } لامكان كون الحضر أفضل، وكون السفر فيه منقصة موجبة للكراهة. (1) تقدم الكلام في هذه المسألة في مستحبات الوضوء. فراجع. (2) هي ثلاث حقق اسلامبول وثلث، أعني: تسعمائة وثلاثة وثلاثين مثقالا صيرفيا وثلثا. (3) ولو أعطى حقة النجف لستة أنفار فقد زاد مقدارا أيضا. فصل يجب القضاء دون الكفارة في أمور: (4) قد مر الكلام في ذلك في المفطرات. فراجع.

[ 383 ]

{ الثاني: إذا أبطل صومه بالاخلال بالنية (1)، مع عدم الاتيان بشئ من المفطرات (2)، أو بالرياء (3)، أو بنية القطع أو القاطع كذلك. الثالث: إذا نسي غسل الجنابة ومضى عليه يوما أو أيام كما مر (4). الرابع: من فعل المفطر قبل مراعاة الفجر، ثم ظهر سبق طلوعه (5) وأنه كان في النهار. سواء كان قادرا على } (1) فانه وإن وجب القضاء لتركه للصوم، لكن لادليل على وجوب الكفارة، لاختصاص أدلتها بالافطار الحاصل باستعمال المفطر، لا مطلق ترك الصوم، كما نص عليه في المستند. (2) إذ في ظرف الاتيان يدخل تحت الافطار باستعمال المفطر، فتشمله أدلة الكفارة. فان قلت: إذا كان الاخلال بالنية مفطرا، كان الاكل بعده غير مفطر، لاستناد الافطار إلى أسبق علله، وحينئذ فلا يوجب الكفارة. قلت: لو بني على ذلك لم تجب الكفارة في جميع المفطرات، لسبقها بنية الافطار، التي هي مفطرة. وحينئذ لابد من حمل نصوص وجوب الكفارة بالافطار على استعمال المفطر، ولو كان الافطار حاصلا بالاخلال بالنية، أو بالرياء، أو بنية القاطع، أو نحو ذلك. أو يقال: بعموم أدلة الكفارة للنية، لكنها تختص بالنية الملحوقة باستعمال المفطر، ولا تشمل النية المجردة. (3) معطوف على: (بالاخلال). (4) مر وجوب القضاء في المسألة الخمسين من فصل المفطرات، وعدم وجوب الكفارة في فصل اعتبار العمد والاختيار في وجوبها. (5) بلا خلاف أجده، كما في الجواهر، وفي محكي الانتصار: الاجماع

[ 384 ]

{ المراعاة، أو عاجزا عنها (1)، أو حبس، أو نحو ذلك } عليه. وكذا عن الخلاف وظاهر الغنية. ويشهد له صحيح الحلبي عن أبي عبد الله (ع): " أنه سئل عن رجل تسحر ثم خرج من بيته وقد طلع الفجر وتبين. فقال (ع): يتم صومه ذلك، ثم ليقضيه. وإن تسحر في غير شهر رمضان بعد الفجر أفطر " (* 1) وموثق سماعة: " سألته عن رجل أكل وشرب بعد ما طلع الفجر في شهر رمضان. فقال (ع): إن كان قام فنظر فلم ير الفجر فأكل، ثم عاد فرأى الفجر، فليتم صومه، ولا إعادة عليه. وإن كان قام فأكل وشرب. ثم نظر إلى الفجر فرأى أنه قد طلع، فليتم صومه، ويقتضي يوما آخر. لانه بدأ بالاكل قبل النظر، فعليه الاعادة " (* 2) ونحوهما غيرهما. هذا كله في وجوب القضاء. وأما عدم الكفارة فيقتضيه الاصل، بعد اختصاص عموم وجوبها بالافطار بصورة العمد. (1) كما مال إليه في الجواهر، وجعله في المستند الاقوى، إلا أن يقوم الاجماع على خلافه. لاطلاق النصوص المتقدمة. خلافا للمشهور، حيث نفوا القضاء عن العاجز، بل عن الرياض: نفي وجدان الخلاف فيه للاصل، مع اختصاص النص والفتوى - بحكم التبادر وغيره - بصورة القدرة، كما لا يخفى على من تدبرهما. لكن الاصل خلاف إطلاق دليل المفطرية. وتقييده بغير الجاهل بالموضوع غير ظاهر. لعدم المقيد. وأما اختصاص النصوص بالقادر فانه خلاف الظاهر.


(* 1) لاحظ صدر الرواية في الوسائل باب: 44 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 1. وذيلها في باب: 45 من الابواب المذكورة حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 44 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 3.

[ 385 ]

{ أو كان غير عارف بالفجر (1). وكذا مع المراعاة وعدم اعتقاد بقاء الليل (2)، بأن شك في الطلوع، أو ظن فأكل، ثم تبين سبقه. بل الاحوط القضاء حتى مع اعتقاد بقاء الليل (3) ولافرق في بطلان الصوم بذلك بين صوم رمضان، وغيره من الصوم الواجب والمندوب. بل الاقوى فيها ذلك حتى مع المراعاة واعتقاد بقاء الليل (4). } (1) لدخوله في إطلاق بعض نصوص الباب، كالعاجز. (2) هذا خلاف إطلاق موثق سماعة، الدال على نفي القضاء مع المراعاة وإن حصل الشك أو الظن، ومن المعلوم أنه مقدم على إطلاق أدلة المفطرية، وإطلاق مثل صحيح الحلبي لو تم. ومنه يظهر ما في الجواهر: من الميل إلى القضاء، وحكاه عن الروض. لاطلاق أدلة المفطرية. وبأنه أولى بذلك من الظان ببقاء الليل باخبار الجارية والاستصحاب. إذ في الاطلاق ما عرفت. والاولوية ممنوعة. (3) هذا غير واضح. للتسالم على نفي القضاء مع المراعاة، وفي محكي الانتصار: الاجماع عليه، وموثق سماعة المتقدم دال عليه. ونحوه ما في مصحح معاوية، من قوله (ع): " أما إنك لو كنت أنت الذي نظرت ماكان عليك قضاؤه " (* 1). وحمله على إرادة أنك لو كنت أنت الذي نظرت لعلمت طلوع الفجر فلم تأكل خلاف الظاهر. ولاسيما بملاحظة باقي نصوص المراعاة. ولا يبعد أن يكون المراد في المتن صورة ترك المراعاة لاعتقاد بقاء الليل. وعليه لا يبعد وجوب القضاء، لاطلاق الموثق وغيره. (4) كما استوضحه في المستند، واستظهر عدم الخلاف فيه إذا كان


(* 1) الوسائل باب: 46 من ابواب ما يمسك عنه الصائم ملحق حديث: 1.

[ 386 ]

الواجب غير معين، ونفى بعض الاشكال فيه، وعن العلامة وغيره: التصريح به. لاختصاص نصوص الصحة مع المراعاة بغيره، فاطلاق مادل على المفطرية - بضميمة مادل على وجوب قضاء الفائت - يقتضي القضاء. مضافا إلى إطلاق ذيل صحيح الحلبي المتقدم (* 1) - فتأمل - ، وموثق اسحاق بن عمار: " قلت لابي إبراهيم (ع): يكون علي اليوم واليومان من شهر رمضان، فأتسحر مصبحا، أفطر ذلك اليوم وأقضي مكان ذلك اليوم يوما آخر، أو أتم على صوم ذلك اليوم وأقضي يوما آخر؟ فقال (ع): لا، بل تفطر ذلك اليوم، لانك أكلت مصبحا، وتقضي يوما آخر " (* 2) وخبر علي بن أبي حمزة عن أبي إبراهيم (ع): " عن رجل شرب بعدما طلع الفجر وهو لا يعلم في شهر رمضان. قال: يصوم يومه ذلك، ويقضي يوما آخر. وإن كان قضاء لرمضان في شوال أو غيره، فشرب بعد الفجر، فليفطر يومه ذلك، ويقضي " (* 3). ولا يعارضها مصحح معاوية الآتي، لانه مختص بالمعين، بقرينة القضاء. وأما الواجب المعين فاستظهر في المدارك إلحاقه برمضان، في عدم الافطار مع المراعاة، وتبعه في الذخيرة والمستند. لعدم الدليل على فساد الصوم، ولا على وجوب قضائه. لاطلاق صحيح معاوية بن عمار: " قلت لابي عبد الله (ع): آمر الجارية أن تنظر الفجر، فتقول: لم يطلع بعد فأءكل، ثم أنظر فأجده قد كان طلع حين نظرت. قال (ع): تتم يومك ثم تقضيه. أما إنك لو كنت أنت الذي نظرت ماكان عليك قضاؤه " (* 4).


(* 1) لاحظ ذلك في أول الامر الرابع من الامور المذكورة في هذا الفصل. إشارة ألى ما يأتي: من قرب دعوى اختصاصه بصورة عدم المراعاة منه قدس سره. (* 2) الوسائل باب: 45 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 2. (* 3) الوسائل باب: 45 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 3. (* 4) تقدم ذلك في التعليقة السابقة.

[ 387 ]

{ الخامس: الاكل تعويلا على من أخبر ببقاء الليل وعدم طلوع الفجر مع كونه طالعا (1). } فانه شامل لرمضان وغيره. وفيه: أن إطلاق دليل المفطرية، وإطلاق مادل على القضاء بالافطار يقتضي البناء على الافطار، ووجوب القضاء. والصحيح المذكور معارض بصحيح الحلبي بالعموم من وجه (* 1)، وحمل الصحيح الثاني على غير المعين، ليس أولى من حمل الصحيح الاول على شهر رمضان. وحينئذ فان كان الثاني أقرب عرفا فهو، وإلا فالمرجع عموم المفطرية والقضاء. هذا ولكن التحقيق: أن صحيح الحلبي لفظه شامل لصورتي المراعاة وعدمها، وللمعين وغيره، وهو مختص برمضان، وصحيح معاوية مختص بصورة المراعاة في المعين، وشامل لرمضان وغيره، والجمع كما يكون بتقييد الاول بعدم المراعاة، وبتقييده بغير المعين، يكون أيضا بتقييد الثاني برمضان. إلا أن الاول لما كان صدره مقيدا بصورة عدم المراعاة جمعا بينه وبين ما سبق، فذيله يتعين أيضا حمله على ذلك، وحينئذ يرتفع التنافي بينه وبين الثاني، ولا يتردد الامر في الجمع بين النحوين الآخرين حتى يرجع إلى دليل آخر، من جهة عدم المرجح، وعليه يتم ما استظهر في المدارك. لكن ذلك معارض: بأن قوله (ع في الثاني: " تتم صومك " مختص برمضان، فيتعين حمل ما بعده عليه، فلا يتم الثاني دليلا على الحكم في غيره معينا أو غيره. إلا أن يقال: لاوجه لهذا الاختصاص، بل تقدم احتمال المصنف (ره) تعميم الحكم المطلق المعين. ولعله لهذا الصحيح الثاني. (1) بلا خلاف أجده، كما في الجواهر. لصحيح معاوية السابق.


(* 1) تقدم ذلك في أول الرابع من الامور المذكورة في هذا الفصل.

[ 388 ]

{ السادس: الاكل إذا أخبره مخبر بطلوع الفجر، لزعمه سخرية المخبر، أو لعدم العلم بصدقه (1). السابع: الافطار تقليدا لمن أخبر بدخول الليل (2) } وأصالة البراءة من الكفارة. ثم إن ظاهر إطلاق النص والفتوى: عدم الفرق بين كون المخبر عدلا أولا، متعددا أولا. وعن المحقق والشهيد الثانيين، والمدارك والذخيرة: سقوط القضاء لو كان المخبر عدلين، لحجية البينة. وفيه: أن حجية البينة - كحجية الاستصحاب - لا تنافي وجوب القضاء عند انكشاف الخطأ، فاطلاق قوله (ع): لو كنت أنت... "، مع إطلاق أدلة المفطرية يقتضي تحقق الافطار بذلك. كما أن عموم وجوب القضاء بالفوت يقتضي وجوبه أيضا. (1) بلا خلاف أجده، كما في الجواهر وعن مجمع البرهان. وعن المدارك: أنه قطع به الاصحاب. لصحيح العيص بن القاسم: " سألت أبا عبد الله (ع) عن رجل خرج في شهر رمضان وأصحابه يتسحرون في بيت، فنظر إلى الفجر فناداهم أنه قد طلع الفجر، فكف بعض، وظن بعض أنه يسخر فأكل. فقال: يتم صومه ويقضي " (* 1). مضافا إلى ما تقدم في الرابع والخامس، فانه يدل على القضاء في المقام بالاولوية. وأما الكفارة فينفيها أصل البراءة، وعن ظاهر جماعة: أنه لا خلاف في نفيها في غير صورة إخبار العدلين أو العدل الواحد، التي سيأتي الكلام فيها. (2) كما هو المشهور، وعن الحدائق: نفي الاشكال فيه، وفي الرياض: نفي الخلاف فيه. إلا من المدارك في بعض صوره. وعن الخلاف والغنية: الاجماع عليه مع الشك. وهذا - مضافا إلى فحوى ما تقدم في الرابع


(* 1) الوسائل باب: 47 من ابواب يمسك عنه الصائم حديث: 1.

[ 389 ]

والخامس، وإلى إطلاق مادل على المفطرية، بضميمة مادل على إيجابها قضاء الصوم - هو العمدة في وجوب القضاء. ولاجله يخرج عما دل باطلاقه على نفيه، كصحيح زرارة. قال: " قال أبو جعفر (ع): وقت المغرب إذا غاب القرص. فان رأيته بعد ذلك وقد صليت أعدت الصلاة، ومضى صومك، وتكف عن الطعام إن كنت أصبت منه شيئا " (* 1) - ونحوه خبر زيد الشحام - (* 2) ومصحح زرارة عن أبي جعفر (ع): " أنه قال لرجل ظن أن الشمس قد غابت فأفطر، ثم أبصر الشمس بعد ذلك، قال (ع): ليس عليه قضاؤه " (* 3). مع إمكان دعوى ظهور الاول في صورة العلم، والثاني في صورة حصول الظن من الامارات التي يعرفها لامن الخبر، فلا يكونان مما نحن فيه. وأما الاستدلال عليه بما في ذيل موثق أبي بصير وسماعة عن أبي عبد الله (ع): " في قوم صاموا شهر رمضان فغشيهم سحاب أسود عند غروب الشمس، فرأوا أنه الليل، فأفطر بعضهم، ثم إن السحاب انجلى فإذا الشمس. فقال (ع): على الذي أفطر صيام ذلك اليوم. إن الله عزوجل يقول: (ثم أتموا الصيام إلى الليل) (* 4). فمن أكل قبل أن يدخل الليل فعليه قضاؤه، لانه أكل متعمدا " (* 5). ففيه: أن الموثق معارض بما يأتي، فيجب حمله على وجوب إتمام الصوم بعد الافطار، نظير صحيح زرارة السابق، كما قد يشهد به: الاستدلال بقوله تعالى: (ثم


(* 1) الوسائل باب: 51 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 51 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 4. (* 3) الوسائل باب: 51 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 2. (* 4) البقرة: 187. (* 5) الوسائل باب:؟ من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 1.

[ 390 ]

{ وإن كان جائزا له (1)، لعمى أو نحوه. وكذا إذا أخبره عدل، بل عدلان (2). بل الاقوى وجوب الكفارة أيضا إذا لم يجز له التقليد (3). الثامن: الافطار لظلمة قطع بحصول الليل منها (4) فبان خطؤه، ولم يكن في السماء علة. وكذا لو شك (5)، أو ظن } أتموا...)، إذ حمله على القضاء يوجب الاستدلال به عليه على مقدمة مطوية، وهو خلاف الظاهر. ولاجل ذلك يشكل الاستدلال بذيله، لامتناع التفكيك بينهما في الحكم إذ هو بمنزلة الكبرى. فتأمل. وأما الكفارة فينفيها أصل البراءة. (1) إذ الجواز الظاهري لايمنع من تحقق الافطار، لعدم الدليل على الاجزاء معه. ومنه يظهر ضعف ماعن المدارك: من نفي القضاء حينئذ. (2) إذ غاية الامر حجية الخبر حينئذ، فيجوز معه الافطار ظاهرا، وقد عرفت عدم الدليل على الاجزاء. ومنه أيضا يظهر ضعف ما عن المحقق الثاني: من أنه لا شئ على المفطر لو كان المخبر عدلين، لحجية شهادتهما. (3) لان الظاهر من الافطار عمدا - الذي هو موضوع الكفارة - الافطار لا عن عذر مع الالتفات إلى الصوم. نعم إذا كان جاهلا بعدم جواز التقليد جرى عليه حكم الجاهل بالحكم، من انتفاء الكفارة. (4) كأنه لعموم أدلة المفطرية، بضميمة مادل على وجوب القضاء على من أفطر. وفيه: أن العموم مقيد بصحيح زرارة وخبر الشحام المتقدمين آنفا، اللذين قد عرفت انتفاء المعارض لهما. مضافا إلى مصحح زرارة الوارد في الظن بضميمة الاولوية، بناء على إطلاق الظن فيه. فالبناء على عدم القضاء - كما في المستند - متعين. وحال الكفارة حينئذ ظاهر. (5) لعموم أدلة المفطرية من غير مقيد، لعدم شمول النصوص المتقدمة له.

[ 391 ]

{ بذلك (1)، منها، بل المتجه في الاخيرين الكفارة أيضا، لعدم جواز الافطار حينئذ (2). ولو كان جاهلا بعدم جواز الافطار فالاقوى عدم الكفارة (3)، وإن كان الاحوط إعطاؤها. نعم لو كانت في السماء علة فظن دخول الليل فافطر، ثم بان له الخطأ لم يكن عليه قضاء (4)، فضلا عن الكفارة. } (1) قد يشكل: بأنه خلاف مصحح زرارة المتقدم، مع عدم المعارض له، اللازم حينئذ تقديمه على عموم أدلة المفطرية. وحمل الظن فيه على العلم، كقوله تعالى: (الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم...) (* 1) حمل على خلاف الظاهر من دون قرينة. نعم قوله: " فأفطر " بالفاء الدالة على الترتيب، يصلح أن يكون قرينة على إرادة خصوص الظن الذي يجوز التعويل عليه. ولاسيما بملاحظة أصالة الصحة في فعل المسلم. وحينئذ لا إطلاق للظن فيه يؤخذ به، والمتيقن منه ما يجوز العمل به. وهو وإن كان المحكي عن المدارك أنه مطلق الظن حيث لا طريق إلى العلم بلا خلاف. لكنه غير ظاهر، لخلو أكثر عباراتهم عن التصريح به - كما عن الذخيرة - وظهور محكي المقنعة في خلافه. فلا يبعد حينئذ تخصيصه بما يحصل من المراعاة مع وجود علة في السماء، فان جواز العمل به حينئذ إن لم يكن متيقنا من الفتاوى، فلا أقل من كونه متيقنا من المصحح وغيره. وعليه فاطلاق أدلة المفطرية في غيره محكم. (2) فيكون إفطاره من العمد بالمعنى المتقدم، الذي هو موضوع الكفارة. (3) على ما سبق في الجاهل بالحكم. (4) للمصحح المتقدم (* 2) مضافا إلى مصحح الكناني قال: " سألت


(* 1) البقرة: 46. (* 2) لاحظ الامر السابع من الامور المذكورة في هذا الفصل.

[ 392 ]

{ ومحصل المطلب: أن من فعل المفطر بتخيل عدم طلوع الفجر، أو بتخيل دخول الليل بطل صومه في جميع الصور إلا في صورة ظن دخول الليل، مع وجود علة في السماء، من غيم، أو غبار، أو بخار، أو نحو ذلك. من غير فرق بين شهر رمضان، وغيره (1) من الصوم الواجب والمندوب. وفي الصور التي ليس معذورا شرعا في الافطار - كما إذا قامت البينة على أن الفجر قد طلع ومع ذلك أتى بالمفطر، أو شك في دخول الليل، أو ظن ظنا غير معتبر ومع ذلك أفطر - يجب الكفارة أيضا فيما فيه الكفارة. (مسألة 1): إذا أكل أو شرب - مثلا - مع الشك في طلوع الفجر، ولم يتبين أحد الامرين لم يكن عليه شئ (2) } أبا عبد الله (ع) عن رجل صام، ثم ظن أن الشمس قد غابت وفي السماء غيم فأفطر، ثم إن السحاب انجلى فإذا الشمس لم تغب. فقال (ع): قد تم صومه ولا يقضيه " (* 1) ونحوه خبر زيد الشحام عنه (ع) (* 2) لكن ينبغي تخصيصه بصورة المراعاة التي يجوز العمل فيها بالظن، لماعرفت (1) لاطلاق النص في المستثنى والمستثنى منه. (2) لاصالة عدم تحقق الاكل في النهار، الذي هو موضوع القضاء ولا يجرى استصحاب بقاء الاكل إلى زمان تحقق النهار، لانه لا يثبت تحقق الاكل فيه، لان الشك ليس في بقاء الاكل وعدمه، بل في بقاء الليل وعدمه، فاستصحاب بقاء الليل يقتضي كون الاكل لافي النهار. لا يقال: موضوع القضاء ترك الصوم، وهو يثبت بأصالة عدم الصوم. لانه يقال:


(* 1) الوسائل باب: 51 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 3. (* 2) تقدم ذلك في الامر السابع من الامور المذكورة في هذا الفصل.

[ 393 ]

{ نعم لو شهد عدلان بالطلوع، ومع ذلك تناول المفطر وجب عليه القضاء (1)، بل الكفارة أيضا، وإن لم يتبين له ذلك بعد ذلك. ولو شهد عدل واحد بذلك فكذلك على الاحوط (2). (مسألة 2): يجوز له فعل المفطر ولو قبل الفحص ما لم يعلم طلوع الفجر، ولم يشهد به البينة، ولايجوز له ذلك إذا شك في الغروب عملا بالاستصحاب في الطرفين (3) ولو شهد عدل واحد بالطلوع أو الغروب فالاحوط ترك المفطر، عملا بالاحتياط، للاشكال في حجية خبر العدل الواحد وعدم حجيته. إلا أن الاحتياط في الغروب الزامي، وفي الطلوع استحبابي، نظرا للاستصحاب. } الصوم ترك المفطر في النهار، وقد عرفت أنه بنفسه يثبت بالاصل. (1) يعني: وجوبا ظاهريا بمقتضى حجية البينة. وكذا وجوب الكفارة فلو انكشف خطأ البينة لم يلزم شئ منهما. (2) لاحتمال حجية الخبر. لكن عرفت مكررا: عدم الدليل عليها فلا مانع من العمل بالاصول المتقدمة، بل خبر مسعدة بن صدقة ظاهر في نفي الحجية (* 1). (3) يعني: استصحاب بقاء الليل والنهار، اللذين لاإشكال ظاهرا في حجيتهما في المقام، بل عد جواز العمل بهما من الضروريات. وقد يشكل: بأن ظاهر قوله تعالى: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) (* 2) ونحوه - مما دل على توقيت الصوم وغيره من الموقتات -: وجوب إيقاع الفعل لموقت في زمان هو رمضان، أو غيره من الاوقات، بنحو مفاد


(* 1) الوسائل باب: 4 من أبواب ما يكتسب به حديث: 4. (* 2) البقرة: 185.

[ 394 ]

{ التاسع، إدخال الماء في الفم للتبرد - بمضمضة أو غيرها - } كان الناقصة، وهو لا يثبت باستصحاب النهار أو نحوه الذي هو مفاد كان التامة، لوضوح تباين المفادين، فلا يثبت أحدهما بالاستصحاب الجاري في إثبات الآخر. فكما أن استصحاب بقاء الكر في الحوض لا يثبت كرية الماء الموجود فيه، كذلك استصحاب بقاء النهار لا يثبت نهارية الزمان الخاص الواقع فيه الامساك، وإذ لا تثبت نهارية الزمان الخاص لا يجب الامساك فيه. نعم لو كان الاثر ثابتا لوجود النهار بنحو مفاد كان التامة، كما إذا قيل: " صم مادام نهار رمضان " كان استصحاب بقاء النهار كافيا في إثبات وجوب الصوم. إلا أنه خلاف ظاهر دليل التوقيت فيه، وفي سائر موارد التوقيت التي يؤخذ الزمان فيها قيدا للفعل. ويمكن أن يدفع الاشكال: بأن ظرفية الزمان الخاص - أعني: الليل والنهار، ونحوهما - ليس المراد بها كونه ظرفا للفعل الموقت حقيقة، إذ الاضافة بينهما ليست إضافة الظرفية، إذ كيف يمكن اعتبارها بين حركة الكوكب في القوس الفوقاني أو التحتاني وبين فعل المكلف؟! بل إضافة الظرفية إنما تعتبر بين فعل المكلف والامد الموهوم، الذي يعتبر ظرفا للفعل كما يعتبر أيضا ظرفا لليل أو النهار أو غيرهما من الساعات، فيكون معنى: " صم في رمضان " صم في ذلك المأد الموهوم الذي يكون ظرفا لرمضان فترجع الاضافة بين الصورة ورمضان إلى اضافة الاقتران، نظير الاضافة بين الصلاة والطهارة في قولنا: " صل في طهارة ". وعليه فكما لاإشكال في جريان استصحاب الطهارة لاثبات كون الصلاة في طهارة، كذلك لا ينبغي الاشكال في جريان استصحاب رمضان لاثبات كون الصوم في رمضان. فلاحظ. وتأمل. هذا ولو فرض تحكم الاشكال المذكور أمكن الرجوع - في إثبات

[ 395 ]

{ فسبقه ودخل الجوف، فانه يقضي (1) } وجوب الصوم في الزمان المشكوك كونه قبل الغروب أو بعده - إلى استصحاب نفس الوجوب، فيقال: كان الصوم واجبا، فهو على ماكان. ولايقال عليه: إن المعلوم الثبوت سابقا هو وجوب الصوم في النهار، والمقصود إبقاؤه هو وجوب نفس الصوم، فيكون المشكوك غير المتيقن، وهو مانع من جريان الاستصحاب لاعتبار اتحاد القضية المعلومة والمشكوكة في جريانه. لانه يقال: هذا المقدار من الاختلاف إنما يقدح بناء على اعتبار الاتحاد بينهما بحسب لسان الدليل. وأما بناء على اعتباره بحسب نظر العرف فلا إشكال فيه، كما أوضحناه فيما علقناه على مباحث الاستصحاب من الكفاية. فراجع. كما يمكن أيضا: جواز الاكل في الزمان المشكوك كونه بعد الطلوع لاصالة البراءة من وجوب الامساك، ولظاهر قوله تعالى: (حتى يتبين لكم...) (* 1) المحمول على الحكم الظاهري. ولما رواه إسحاق بن عمار: " قلت لابي عبد الله (ع): أءكل في شهر رمضان حتى أشك؟ قال (ع): كل حتى لا تشك " (* 2). ونحوه غيره. (1) بلا خلاف فيه في الجملة، كما في الرياض، أو بلا خلاف فيه أجده، كما في الجواهر، وعن المنتهى: نسبته إلى علمائنا، وعن الانتصار والخلاف والغنية: الاجماع عليه. واستدل له بموثق سماعة - في حديث - قال: " سألته عن رجل عبث بالماء يتمضمض به من عطش، فدخل حلقه. قال (ع): عليه القضاء. وإن كان في وضوء فلا بأس " (* 3) وبصحيح الحلبي عن أبي عبد الله (ع): " في الصائم يتوضأ للصلاة، فيدخل


(* 1) البقرة: 187. (* 2) الوسائل باب: 49 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 1. (* 3) الوسائل باب: 23 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 4.

[ 396 ]

{ ولا كفارة عليه (1). وكذا لو أدخله عبثا فسبقه (2). وأما } الماء حلقه. فقال (ع): إن كان وضوءه لصلاة فريضة فليس عليه شئ وإن كان وضؤه لصلاة نافلة فعليه القضاء " (* 1) ورواه في الكافي عن حماد عنه (ع) (* 2) بضميمة الاولوية. اللهم إلا أن يمنع الحكم في الاصل - كما سيأتي - فيتعين الحمل على الاستحباب. نعم قد يعارض الموثق: موثق عمار: " سألت أبا عبد الله (ع) عن الرجل يتمضمض فيدخل في حلقه الماء وهو صائم. قال (ع): ليس عليه شئ إذا لم يتعمد ذلك. قلت: فان تمضمض الثانية فدخل في حلقه الماء. قال (ع): ليس عليه شئ. قلت: فان تمضمض الثالثة فقال (ع): قد أساء، ليس عليه شئ، ولا قضاء " (* 3) إلا أنه مطلق والموثق مقيد، فيحمل المطلق على المقيد، ثم إن مورد الموثق المضمضة، فالحاق غيرها بها كأنه لالغاء خصوصيتها. (1) للاصل، بعد انتفاء العمد، الموجب لامتناع الرجوع إلى أدلة الكفارة. (2) كما عن صريح بعض، وظاهر محكي الانتصار: الاجماع عليه. وكأنه لمفهوم قوله (ع) في موثق سماعة المتقدم: " وان كان في وضوء... ". ودعوى: أن من المحتمل كون المراد من الشرط غير مضمضة العطش فتكون الشرطية الثانية تصريحا بمفهوم الصدر. في غير محلها، لاختصاص ذلك بما لو كانت الشرطيتان في كلام المعصوم، وليس هنا كذلك، فالاخذ بالمفهوم في محله. ولا سيما مع مناسبته للاولوية الارتكازية. وحينئذ فلا بأس بالتعدي إلى مطلق الادخال في الفم لغرض، كتطهير الفم، والتداوي،


(* 1) الوسائل باب: 23 من ابواب ما يمسك عنه الصائم ملحق حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 23 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 1. (* 3) الوسائل باب: 23 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 5.

[ 397 ]

{ لو نسي فابتلعه فلا قضاء عليه أيضا (1)، وإن كان أحوط. ولا يلحق بالماء غيره - على الاقوى - (2) وإن كان عبثا. كما لا يلحق بالادخال في الفم الادخال في الانف للاستنشاق أو غيره، وإن كان أحوط في الامرين. (مسألة 3): لو تمضمض لوضوء الصلاة فسبقه الماء لم يجب عليه القضاء، سواء كانت الصلاة فريضة (3) أو نافلة على الاقوى (4). بل لمطلق الطهارة (5) وإن كانت لغيرها من الغايات، من غير فرق بين الوضوء والغسل. وإن كان الاحوط } ونحوهما. وإن جزم في الجواهر في الاولين بنفي القضاء، للاصل. (1) كما في الجواهر. لخروجه عن النصوص، فالمرجع فيه: مادل على عدم قدح النسيان، مما سبق. (2) كما في الجواهر. لعدم الدليل عليه، وقد عرفت: اعتبار الاختيار في حصول الافطار. ومنه يعرف الحال في الاستنشاق، وإن حكي عن صريح الدروس: إلحاقه إذا كان للتبرد بالمضمضة. (3) بلا خلاف، كما جزم به غير واحد، بل استفاض نقل الاجماع عليه. ويشهد له النصوص المتقدمة، لاتفاقهما على نفي القضاء فيها. (4) إجماعا، كماعن الخلاف والمنتهى ومحكي الانتصار. ويقتضيه اطلاق موثق سماعة وعمار المتقدمين. نعم يعارضهما: صحيح الحلبي المتقدم. إلا أن يدعى هجره عند الاصحاب، المسقط له عن الحجية. لكنه محل تأمل لحكاية القول به - أو الميل إليه - عن جماعة. فتأمل. (5) وفي محكي الانتصار، وعن الغنية والسرائر: الاجماع عليه. ويشهد له إطلاق. موثق عمار المتقدم - وكذا موثق سماعة - بناء على كون

[ 398 ]

{ القضاء فيما عدا ماكان لصلاة الفريضة، خصوصا فيما كان لغير الصلاة من الغايات. (مسألة 4): يكره المبالغة في المضمضة مطلقا (1)، وينبغي له أن لا يبلع ريقه حتى يبزق ثلاث مرات (2). (مسألة 5): لا يجوز التمضمض مطلقا مع العلم بأنه يسبقه الماء إلى الحلق (3)، أو ينسى فيبلعه. } المراد من الوضوء فيه الطهارة، وذكر الوضوء بالخصوص لانه الشائع. وفيه: ما عرفت من أنه مخالف لصحيح الحلبي (* 1) بل لمفهوم موثق سماعة أيضا - (* 2) لان إرادة مطلق الطهارة من الوضوء لاقرينة عليها. (1) لمرسل حماد عن الصادق (ع): " في الصائم يستنشق، ويتمضمض؟ قال (ع): نعم، ولكن لا يبالغ " (* 3). (2) لخبر زيد الشحام: " في صائم يتمضمض. قال (ع): لا يبلع ريقه حتى يبزق ثلاث مرات " (* 4). (3) إذ حينئذ يكون من الافطار عمدا. وكذا في الفرض الثاني، كما تقدم نظيره. وتقدم في المسألة الاحدى والسبعين الاشكال فيه: بأن العلم المذكور مصحح للعقاب، ولا يصحح نسبة الفعل إلى المكلف، التي هي شرط في حصول المفطرية، كما يظهر من بعض النصوص. ثم إن الظاهر من النص والفتوى: جواز المضمضة في غير الفرضين مطلقا. وعن التهذيب والاستبصار: أنه لا تجوز إذا كانت للتبرد، مستدلا


(* 1)، (* 2) تقدم ذكرهما في الامر التاسع من الامور المذكورة في هذا الفصل. (* 3) الوسائل باب: 23 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 2. (* 4) الوسائل باب: 31 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 1.

[ 399 ]

{ العاشر: سبق المني بالملاعبة، أو الملامسة (1)، إذا لم يكن ذلك من قصده ولا عادته على الاحوط. وإن كان الاقوى عدم وجوب القضاء أيضا. فصل في الزمان الذي يصح فيه الصوم وهو النهار (2) من غير العيدين (3). } عليه: بما في خبر يونس، من قوله (ع): " والافضل للصائم أن لا يتمضمض " (* 1). وهو - كما ترى - قاصر الدلالة، بل دال على الجواز مطلقا، كغيره. (1) تقدم الكلام فيه في المفطرات. فراجع. فصل في الزمان الذي يصح فيه الصوم (2) إجماعا، بل ضرورة من المذهب، بل الدين - كما في الجواهر - ونحوه في غيره. ويكفي في عدم المشروعية في غيره عدم ثبوتها، ورواية أبي بصير: " إذا اعترض الفجر وكان كالقبطية البيضاء، فثم يحرم الطعام ويحل الصيام " (* 2). نعم الخبر المذكور ونحوه لايمنع من الصيام في غير النهار برجاء المطلوبية، وإنما يمنع عن ذلك العلم بعدم المشروعية، الحاصل بدعوى الاجماع والضرورة على عدمها. (3) فلا يجوز صومهما إجماعا من المسلمين، كما في الجواهر وغيرها.


(* 1) الوسائل باب: 23 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 3. (* 2) الوسائل باب: 42 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 2.

[ 400 ]

{ ومبدؤه طلوع الفجر الثاني (1)، ووقت الافطار ذهاب الحمرة من المشرق (2). ويجب الامساك من باب المقدمة (3) في جزء من الليل في كل من الطرفين، ليحصل العلم بامساك تمام النهار. ويستحب تأخير الافطار حتى يصلي العشاءين (4) } ويشهد له جملة من النصوص، ففي خبر الزهري: " وأما الصوم الحرام فصوم يوم الفطر، ويوم الاضحى " (* 1). والكلام فيه كما سبق. (1) خلاف فيه ولا إشكال، كما يشهد به رواية أبي بصير المتقدمة وغيرها. (2) كما هو المشهور. ففي مرسل ابن أبي عمير عمن ذكره عن أبي عبد الله (ع): " قال: وقت سقوط القرص ووجوب الافطار من الصيام أن تقوم بحذاء القبلة، وتتفقد الحمرة التي ترتفع من المشرق، فإذا جازت قمة الرأس إلى ناحية المغرب فقد وجب الافطار، وسقط القرص " (* 2). وقريب منه غيره. وقد تقدم الكلام في ذلك في مواقيت الصلاة. فراجع. (3) يعني: المقدمة العلمية، كما هو المصرح به هنا، وفيما سبق في الوضوء والتيمم وغيرهما. وقد تقدم الاشكال عليه: بأن الوجوب العقلي للمقدمة العلمية يختص بما يحتمل انطباق الواجب عليه. ليكون فعله من باب الاحتياط، فلا يشمل ما يعلم أنه غير الواجب. فيتعين كون الوجوب في المقام ونحوه عرضيا، للتلازم غالبا بين الامساك في أول جزء من النهار والامساك فيما قبله، فلا تسع قدرة المكلف الجمع بين الافطار في آخر جزء من الليل والامساك في أول جزء من النهار. فلاحظ. (4) ففي صحيح الحلبي عن أبي عبد الله (ع): " أنه سئل عن الافطار، أقبل الصلاة أو بعدها؟ قال (ع): إن كان معه قوم يخشى


(* 1) الوسائل باب: 8 من ابواب الصوم المحرم حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 52 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 1.

[ 401 ]

{ لتكتب صلاته صلاة الصائم (1). إلا أن يكون هناك من ينتظره للافطار (2)، أو تنازعه نفسه على وجه يسلبه الخضوع والاقبال (3) - ولو كان لاجل القهوة والتتن والترياك - فان الافضل حينئذ الافطار، ثم الصلاة مع المحافظة على وقت الفضيلة بقدر الامكان. } أن يحبسهم عن عشائهم فليفطر معهم. وإن كان غير ذلك فليصل، ثم ليفطر " (* 1). ونحوه غيره. وليس فيها التنصيص على ذكر العشاءين، بل الظاهر من الصلاة فيها المغرب لاغير. وكذا فيما عن دعائم الاسلام: " السنة تعجيل الفطر، وتأخير السحور، والابتداء بالصلاة، يعني: صلاة المغرب... " (* 2). (1) كذا في نجاة العباد. وظاهرهما: أنه مضمون رواية، ولم أعثر عليها. نعم في موثق زرارة وفضيل عن أبي جعفر (ع) - في حديث -: " تصلي وأنت صائم، فتكتب صلاتك تلك فتختم بالصوم أحب إلي " (* 3) وفي محكي المقنعة روايتها: " وتكتب صلاتك وأنت صائم أحب الي " (* 4). (2) كما تضمنته جملة من النصوص، منها صحيح الحلبي المتقدم (* 5). (3) ففي مرسل المقنعة: " وإن كنت ممن تنازعك نفسك للافطار، وتشغلك شهوتك عن الصلاة، فابدأ بالافطار، ليذهب عنك وسواس النفس اللوامة، غير أن ذلك مشروط: بأن لا تشتغل بالافطار قبل الصلاة إلا أن


(* 1) الوسائل باب: 7 من ابواب آداب الصائم حديث: 1. (* 2) مستدرك الوسائل باب: 6 من ابواب آداب الصائم حديث: 1. (* 3) الوسائل باب: 7 من ابواب آداب الصائم حديث: 2. (* 4) الوسائل باب: 7 من أبواب آداب الصائم حديث: 4. (* 5) تقدم ذلك قريبا في هذه المسألة.

[ 402 ]

{ (مسألة 1): لايشرع الصوم في الليل (1)، ولا صوم مجموع الليل والنهار. بل ولا إدخال جزء من الليل فيه إلا بقصد المقدمية. فصل في شرائط صحة الصوم وهي أمور: الاول: الاسلام، والايمان، فلا يصح من غير المؤمن (2) } يخرج وقت الصلاة " (* 1). (1) هذا ومابعده من القطعيات، كما عرفت. فصل في شرائط صحة الصوم (2) إجماعا محققا. ويشهد له من الكتاب - في الاول - قوله تعالى: (وما منعهم أن تقبل نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله ورسوله) (* 2) وقوله تعالى: (لئن أشركت ليحبطن عملك) (* 3)، وقوله تعالى: (وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا) (* 4) ومن السنة فيهما أخبار كثيرة، عقد لها في الوسائل باب في مقدمات العبادات أوائل الجزء الاول (* 5) فلاحظها.


(* 1) الوسائل باب: 7 من ابواب أداب الصائم حديث: 5. (* 2) التوبة: 54. (* 3) الزمر: 65. (* 4) الفرقان: 25. (* 5) الوسائل باب: 29 من ابواب مقدمة العبادات.

[ 403 ]

{ ولو في جزء من النهار (1). فلو أسلم الكافر في أثناء النهار - ولو قبل الزوال - لم يصح صومه. وكذا لو ارتد ثم عاد إلى الاسلام بالتوبة، وإن كان الصوم معينا وجدد النية قبل الزوال على الاقوى. الثاني: العقل، فلا يصح من المجنون (2) - ولو أدوارا } (1) كما عن العلامة، والشهيد غيرهما. لاطلاق الادلة المتقدمة، المقتضي لبطلان الجزء، الموجب لبطلان الكل. وعن المبسوط، والمحقق، والحلي وابن سعيد: الصحة، لعدم الدليل على البطلان. وقوله تعالى: (لئن أشركت ليحبطن عملك...) إنما يدل على البطلان بالشرك عند الموت، لا مطلقا. وفيه: أن الدليل لا ينحصر بالآية الشريفة، لما عرفت: من اتفاق الكتاب والسنة على بطلان الاعمال الواقعة حال الكفر. مع أن ما ذكر في معنى الآية مناف لاطلاقها. اللهم إلا أن يدعى الانصراف إلى العمل التام الصادر على النحو الصحيح. لكن تدل على المقام بالاولوية. ودعوى أن بطلانه قبل الزوال لا ينافي تجديد النية حينئذ، فيصح كما في الناسي والجاهل. مندفعة: بأن جواز تجديد النية في موارد مخصوصة لا يقتضي جوازه بنحو الكلية. اللهم إلا أن يستشكل في وجوب إيقاع النية في أول الصوم، كما سبق. (2) بلا خلاف، كما عن جمع، والعمدة فيه: كون الصوم من العبادات الموقوفة على النية، وهي لاتتأتى منه. وأما حديث رفع القلم فهو إنما يدل على رفع التكليف، وهو أعم من البطلان، ولذا يصح الصوم من النائم مع أنه ممن رفع عنه القلم (* 1).


(* 1) الوسائل باب: 56 من ابواب جهاد النفس.

[ 404 ]

{ وإن كان جنونه في جزء من النهار - ولا من السكران، ولا من المغمى عليه - ولو في بعض النهار وإن سبقت منه النية على الاصح. الثالث: عدم الاصباح جنبا (1)، أو على حدث الحيض والنفاس بعد النقاء من الدم، على التفصيل المتقدم. الرابع: الخلو من الحيض والنفاس في مجموع النهار (2) فلا يصح من الحائض والنفساء إذا فاجأهما الدم ولو قبل } ومنه يظهر: أنه لو فرض سبق النية قبل الفجر ثم طرأ الجنون كان كالنائم في صحة الصوم، كما عن الشيخ في الخلاف. اللهم إلا أن يدعى - كما هو الظاهر - منافاة الجنون للنية بجميع مراتب وجودها فعلية وفاعلية، بخلاف النوم فانه إنما ينافي النية الفعلية - كالغفلة - لا الفاعلية المقومة لعبادية الصوم كما سبق في أول الكتاب. ومنه يظهر الحكم في المغمى عليه والسكران، فانه لامانع من دعوى صحة صومهما إذا سبقت منهما النية، كما عن الشيخين في الاول. ولا مجال لدعوى منافاة السكر والاغماء للنية الفاعلية. إذ الظاهر كونهما كالنوم. (1) تقدم الكلام فيه في المفطرات. (2) إجماعا قطعيا. وتدل عليه النصوص الكثيرة المدعى تواترها، كموثق العيص عن أبي عبد الله (ع) قال: " سألته عن امرأة طمثت في شهر رمضان قبل أن تغيب الشمس. قال (ع): تفطر حين تطمث " (* 1) وحسن منصور بن حازم عن أبي عبد الله (ع): " قال: أي ساعة رأت الدم فهي تفطر الصائمة إذا طمثت " (* 2) ومصحح الحلبي عن أبي عبد الله (ع)


(* 1) الوسائل باب: 25 من ابواب من يصح منه الصوم حديث: 2. (* 2) الوسائل باب: 25 من ابواب من يصح منه الصوم حديث: 4.

[ 405 ]

{ الغروب بلحظة، أو انقطع عنهما بعد الفجر بلحظة، ويصح من المستحاضة إذا أتت بما عليها من الاغسال النهارية (1). الخامس: أن لا يكون مسافرا (2) } " عن امرأة أصبحت صائمة، فلما ارتفع النهار أو كان العشي حاضت، أتفطر؟ قال (ع): نعم، وان كان وقت المغرب فلتفطر. وسألته عن امرأة رأت الطهر في أول النهار من شهر رمضان، فتغتسل ولم تطعم، فما تصنع في ذلك اليوم؟ قال (ع): تفطر ذلك اليوم، فانما فطرها من الدم " (* 1) وصحيح ابن الحجاج قال: " سألت أبا الحسن (ع) عن المرأة تلد بعد العصر، أتتم ذلك اليوم أم تفطر؟ قال (ع): تفطر، وتقضي ذلك اليوم " (* 2) إلى غير ذلك. (1) تقدم الكلام فيه في المفطرات. (2) إجماعا بقسميه، كما في الجواهر. والنصوص الدالة عليه لعلها متواترة، أو متجاوزة حد التواتر، الوارد جملة منها في مطلق الصوم، كصحيح صفوان بن يحيى عن أبي الحسن (ع): " عن الرجل يسافر في شهر رمضان فيصوم. قال (ع): ليس من البر الصيام في السفر " (* 3) وموثق سماعة قال: " سألته عن الصيام في السفر. فقال (ع): لا صيام في السفر قد صام ناس على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله فسماهم العصاة. فلا صيام في السفر، الا الثلاثة أيام التي قال الله عزوجل في الحج " (* 4)، وموثق عمار: " لا يحل له الصوم في السفر، فريضة كان أو غيره، والصوم


(* 1) الوسائل باب: 25 من ابواب من يصح منه الصوم حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 26 من ابواب من يصح منه الصوم حديث: 1. (* 3) الوسائل باب: 1 من ابواب من يصح منه الصوم حديث: 10. (* 4) الوسائل باب: 11 من ابواب من يصح منه الصوم حديث: 1.

[ 406 ]

في السفر معصية " (* 1). وجملة منها في صيام شهر رمضان، وهو كثير جدا، كرواية يحيى ابن أبي العلاء عن أبي عبد الله (ع): " الصائم في السفر في شهر رمضان كالمفطر فيه في الحضر " (* 2). وجملة منها في قضائه، كصحيح علي بن جعفر (ع) عن أخيه أبي الحسن (ع): " عن الرجل يكون عليه أيام من شهر رمضان وهو مسافر أيقضي إذا أقام في المكان؟ قال (ع): لا، حتى يجمع على مقام عشرة أيام " (* 3). وجملة منها في النذر، كصحيح ابن مهزيار فيمن نذر أن يصوم كل سبت: " لا تتركه الا من علة. وليس عليك صومه في سفر، ولا مرض إلا أن تكون نويت ذلك... " (* 4). وبعضها في صوم الكفارة. كموثق ابن مسلم: " وإن ظاهر وهو مسافر أفطر حتى يقدم. وإن صام فأصاب مالا يملك فليقض الذي ابتدأ فيه " (* 5). هذا وقد يظهر من محكي المقنعة: جواز صوم الكفارة مطلقا، بل نسب إلى المفيد (ره): جواز صوم الواجب عدا شهر رمضان. ومستنده غير ظاهر في قبال ما عرفت من النصوص.


(* 1) الوسائل باب: 10 من ابواب من يصح منه الصوم حديث: 8. (* 2) الوسائل باب: 1 من ابواب من يصح منه الصوم حديث: 5. (* 3) الوسائل باب: 8 من ابواب من يصح منه الصوم حديث: 1. (* 4) الوسائل باب: 10 من ابواب من يصح منه الصوم حديث: 1. (* 5) الوسائل باب: 9 من ابواب من يصح منه الصوم حديث: 1.

[ 407 ]

{ سفرا يوجب قصر الصلاة (1)، مع العلم بالحكم (2)، في الصوم الواجب. إلا في ثلاثة مواضع: أحدها: صوم ثلاثة أيام بدل هدي التمتع (3). الثاني: صوم بدل البدنة ممن أفاض من عرفات قبل الغروب عامدا (4)، وهو ثمانية عشر يوما. } (1) للتلازم بين قصر الصلاة والافطار، كما في مصحح معاوية بن وهب، عن أبي عبد الله (ع) - في حديث -: " إذا قصرت أفطرت، وإذا أفطرت قصرت " (* 1) وقريب منه غيره. (2) لما سيأتي. (3) فان من لا يجدي هدي التمتع ولا ثمنه صام بدله عشرة أيام: ثلاثة في سفر الحج، وسبعة إذا رجع إلى أهله، بلا خلاف فيه ولا إشكال. لاتفاق الكتاب والسنة عليه، لقوله تعالى: (فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة) (* 2) وموثق سماعة المتقدم (* 3) وصحيح معاوية بن عمار: " عن متمتع لم يجد هديا. قال (ع): يصوم ثلاثة ايام في الحج: يوما قبل التروية، ويوم التروية، ويوم عرفة... " (* 4) ونحوهما غيرهما. ويأتي الكلام فيه في محله إن شاء الله تعالى. (4) فانه لما كان يجب الوقوف بعرفات إلى الغروب، فلو أفاض قبله عمدا كان عليه كفارة بدنة، فان لم يقدر صام ثمانية عشر يوما على المشهور. ويدل عليه صحيح ضريس: " عن رجل أفاض من عرفات من قبل أن


(* 1) الوسائل باب: 4 من ابواب من يصح منه الصوم حديث: 1. (* 2) البقرة: 196. (* 3) تقدم ذكره في اول الشرط الخامس من شروط صحة الصوم. (* 4) الوسائل باب: 46 من ابواب الذبح حديث: 4.

[ 408 ]

{ الثالث: صوم النذر المشترط فيه سفرا خاصة، أو سفرا وحضرا (1)، } تغيب الشمس. قال (ع): عليه بدنة ينحرها يوم النحر. فان لم يقدر صام ثمانية عشر يوما بمكة، أو في الطريق، أو في أهله " (* 1). وعن الجمل، والاقتصار، والمراسم، والوسيلة، والغنية: الاقتصار في الاستثناء على غير المقام. ولعله لعدم صراحة الرواية في جواز إيقاع الصوم في السفر الموجب للقصر، لجواز كون الصوم بعد نية الاقامة بمكة أو في الطريق، فيتعين حملها على ذلك، جمعا بينها وبين مادل على المنع عن الصوم في السفر. لكن لاتبعد دعوى ظهورها في السفر. بل الظاهر أن التنصيص على مكة والطريق لنفي تعين إيقاع بعضها بمكة وبعضها عند أهله، كما في العشرة السابقة، فيكون المراد: أن له إيقاعها - كلها أو بعضها - في الحضر والسفر. فتأمل. (1) كما هو المعروف، وفي الجواهر: لا أجد فيه خلافا، وعن المنتهى: نفي الخلاف فيه، وعن الحدائق: الاتفاق عليه. وما في الشرائع - من نسبته إلى قول مشهور - ليس لوجود خلاف فيه - وإن كان ظاهره ذلك - بل لضعف الرواية في نظر مصنفه، كما صرح به في المعتبر، وهي: صحيحة ابن مهزيار المتقدمة في الشرط الخامس. ولا تقدح فيها جهالة الكاتب - وهو بندار مولى إدريس - بعد قراءة ابن مهزيار. ولا الاضمار، لاثباتها في الكتب المعتبرة التي ألفها أصحابها الاعاظم (قدس سرهم) لجمع أحاديث المعصومين (ع). ولا ظهورها في جواز الصوم حال المرض إذا نوى ذلك، مع أن جوازه وعدمه لا يناطان بالنية، وإنما يناطان بالضرر وعدمه. لامكان إرجاع الاستثناء إلى السفر لاغير. ولا اشتمال ذيله على كون كفارة النذر إطعام سبعة مساكين، المخالف


(* 1) الوسائل باب: 23 من ابواب الوقوف بعرفة حديث: 3.

[ 409 ]

{ دون النذر المطلق (1). } لغيره من الادلة الدالة على أنها كفارة يمين، أو كبرى مخيرة ككفارة شهر رمضان. لان سقوط بعض فقرات الرواية عن الحجية للمعارض لا يوجب سقوط الجميع عنها. على أنك عرفت أن في نسخة المقنع: " عشرة " بدل " سبعة " (* 1). فالتوقف في الحكم - كما هو ظاهر الشرائع، وعن المعتبر - غير ظاهر (1) كما هو المشهور. وتدل عليه النصوص التي منها: صحيح ابن مهزيار المتقدم، ومصحح كرام: " إني جعلت على نفسي أن أصوم حتى يقوم القائم (ع). فقال (ع): صم، ولا تصم في السفر... " (* 2) وموثق زرارة قال: " قلت لابي جعفر (ع): إن أمي جعلت عليها نذرا - إن رد الله تعالى عليها بعض ولدها من شئ كانت تخافه عليه - أن تصوم ذلك اليوم الذي يقدم ما بقيت، فخرجت معنا مسافرة إلى مكة، فأشكل علينا لمكان النذر، أتصوم أم تفطر فقال (ع): لا تصوم قد وضع الله عنها حقه، وتصوم هي ما جعلت على نفسها. قلت: فما ترى أذا هي رجعت إلى المنزل، أتقضيه؟ قال (ع): لا. قلت أفتترك ذلك؟ قال (ع): لا، لاني أخاف أن ترى في الذي نذرت فيه ما تكره " (* 3) إلى غير ذلك. وعن المفيد، والمرتضى، وسلار: وجوب الصوم ولو مع إطلاق النذر. لعموم الوفاء به. ولرواية عبد الحميد عن أبي الحسن (ع) قال: " سألته عن الرجل يجعل لله عليه صوم يوم مسمى. قال (ع): يصومه أبدا في السفر والحضر " (* 4) وفيه: أن عموم الوفاء مختص بصورة رجحان


(* 1) لاحظ القسم الثالث من المسألة: 1 من فصل ما يوجب الكفارة. (* 2) الوسائل باب: 10 من ابواب من يصح منه الصوم حديث: 9. (* 3) الوسائل باب: 10 من ابواب من يصح منه الصوم حديث: 3. (* 4) الوسائل باب: 10 من ابواب من يصح منه الصوم حديث: 7.

[ 410 ]

{ بل الاقوى عدم جواز الصوم المندوب في السفر أيضا (1). } المنذور، فأخبار المنع حاكمة عليه رافعة لموضوعه. ورواية عبد الحميد مقيدة بالصحيح. (1) كما عن الصدوقين، والقاضي، والحلي، وجماعة من المتأخرين، بل عن الحلي: نسبته إلى الفقهاء المحصلين من أصحابنا، بل عن المفيد: نسبته إلى المشهور عند القدماء. لصحيح البزنطي: " سألت أبا الحسن (ع) عن الصيام بمكة والمدينة ونحن في سفر. قال (ع): أفريضة؟ فقلت: لا ولكنه تطوع كما يتطوع بالصلاة، فقال (ع): تقول اليوم وغدا. قلت: نعم. فقال (ع): لاتصم " (* 1) وما في موثق عمار: " لا يحل له الصوم في السفر فريضة كان أو غيره، والصوم في السفر معصية " (* 2) والمروي عن تفسير العياشي: " لم يكن رسول الله (صلى الله عليه وآله) يصوم في السفر تطوعا، ولافريضة " (* 3) المعتضدة بعمومات المنع. وعن ابن حمزة: الجواز، لمرسل اسماعيل بن سهل عن رجل قال: " خرج أبو عبد الله (ع) من المدينة في أيام بقين من شعبان فكان يصوم ثم دخل عليه شهر رمضان - وهو في السفر - فأفطر، فقيل له: أتصوم شعبان، وتفطر شهر رمضان؟! فقال (ع): نعم، شعبان إلي إن شئت صمت وإن شئت لا، وشهر رمضان عزم من الله عزوجل على الافطار " (* 4) ومرسل الحسن بن بسام عن رجل: " كنت مع أبي عبد الله (ع) فيما بين مكة والمدينة في شعبان وهو صائم، ثم رأينا هلال شهر رمضان فأفطر.


(* 1) الوسائل باب: 12 من ابواب من يصح منه الصوم حديث: 2. (* 2) تقدم ذلك في أول الشرط الخامس من شروط صحة الصوم. (* 3) الوسائل باب: 12 من ابواب من يصح منه الصوم حديث: 6. (* 4) الوسائل باب: 12 من ابواب من يصح منه الصوم حديث: 4.

[ 411 ]

{ إلا ثلاثة أيام للحاجة في المدينة (1). والافضل إتيانها في } فقلت له: جعلت فداك أمس كان من شعبان وأنت صائم، واليوم من شهر رمضان وأنت مفطر! فقال (ع): إن ذلك تطوع، ولنا أن نفعل ما شئنا. وهذا فرض فليس لنا أن نفعل إلا ما أمرنا " (* 1) وصحيح سليمان بن جعفر الجعفري: " سمعت أبا الحسن (ع) يقول: كان أبي (ع) يصوم يوم عرفة في اليوم الحار في الموقف، ويأمر بظل مرتفع فيضرب له " (* 2). وعن جماعة: الجواز مع الكراهة، بل نسب ذلك إلى الاكثر، جمعا بين الطائفتين، وحملا للاولى على الكراهة. ولا يخفى: أن صحيح الجعفري - مع أنه في مورد خاص - مجمل محتمل لكون الصوم فرضا ولو بالنذر. وليس قول أبي الحسن (ع): " كان أبي... " واردا مورد تشريع الصوم في السفر، وإنما هو وارد لدفع توهم عدم مشروعية صوم يوم عرفة على النحو الخاص. ولو سلم فهو مقيد بما سبق، فيحمل على صورة نذره بالسفر بالخصوص. وأما المرسلان فضعفهما ظاهر، وانجبارهما بالعمل غير ثابت. مع أن الحمل على الكراهة بعيد عن قوله (ع) في الموثق: " والصوم في السفر معصية ". كبعد ارتكابهم (ع) لمثل هذه المعصية. والله سبحانه أعلم. (1) بلا خلاف، كما في الجواهر. لصحيح معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام): " قال (ع): إن كان لك مقام بالمدينة ثلاثة أيام صمت أول يوم الاربعاء، وتصلي ليلة الاربعاء عند اسطوانة أبي لبابة - وهي اسطوانة التوبة، التي كان ربط إليها نفسه حتى نزل عذره من السماء - وتقعد عندها يوم الاربعاء، ثم تأتي ليلة الخميس التي تليها ما يلي مقام


(* 1) الوسائل باب: 12 من ابواب من يصح منه الصوم حديث: 5. (* 2) الوسائل باب: 12 من ابواب من يصح منه الصوم حديث: 3.

[ 412 ]

{ الاربعاء والخميس والجمعة (1). وأما المسافر الجاهل بالحكم لو صام فيصح صومه ويجزوه (2) - حسبما عرفته في جاهل حكم الصلاة - إذ الافطار كالقصر، والصيام كالتمام في الصلاة } النبي صلى الله عليه وآله ليلتك ويومك، وتصوم يوم الخميس، ثم تأتي الاسطوانة التي تلي مقام النبي صلى الله عليه وآله ومصلاه ليلة الجمعة، فتصلي عندها ليلتك ويومك، وتصوم يوم الجمعة. وان استطعت أن لا تتكلم بشئ في هذه الايام إلا مالابد لك منه، ولا تخرج من المسجد إلا لحاجة، ولا تنام في ليل ولا نهار فافعل، فان ذلك مما يعد فيه الفضل. ثم احمد الله سبحانه في يوم الجمعة، واثن عليه، وصل على النبي صلى الله عليه وآله، وسل حاجتك، وليكن فيما تقول: اللهم ما كانت لي اليك من حاجة، شرعت أنا في طلبها والتماسها أو لم أشرع، سألتكها أو لم أسألكها، فاني أتوجه اليك بنبيك محمد صلى الله عليه وآله نبي الرحمة في قضاء حوائجي، صغيرها وكبيرها. فانك حري أن تقضى حاجتك إن شاء الله تعالى " (* 1) وقريب منه مصحح الحلبي (* 2) والمروي عن مزار ابن قولويه مرسلا عن بعضهم (ع) (* 3). (1) لم أقف على رواية مطلقة، لتكون مستندا لاستحباب مطلق الثلاثة. والروايات التي وجدتها كلها قد خص الاستحباب فيها بالثلاثة لاغير. (2) إجماعا محققا. ويشهد له جملة من الصحاح، كصحيح ليث عن أبي عبد الله (ع): " إذا سافر الرجل في شهر رمضان أفطر. وإن صامه بجهالة لم يقضه " (* 4) ونحوه صحاح عبد الرحمن البصري، والحلبي، والعيص


(* 1) الوسائل باب: 11 من ابواب المزار حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 11 من ابواب المزار حديث: 3. (* 3) الوسائل باب: 11 من أبواب حديث: 5. (* 4) الوسائل باب: 2 من ابواب من يصح منه الصوم حديث: 6.

[ 413 ]

{ لكن يشترط أن يبقى على جهله إلى آخر النهار، وأما لو علم بالحكم في الاثناء فلا يصح صومه (1). وأما الناسي فلا يلحق بالجاهل في الصحة (2). وكذا يصح الصوم من المسافر إذا سافر بعد الزوال (3). } ابن القاسم، وعبد الرحمن البجلي (* 1) وغيرها. (1) إذ لو صام كان قد صام بعلم لا بجهالة، فلا يصح صومه، فلا يجزئ. وإن شئت قلت، يخرج الفرض عن النصوص المتقدمة، فيبقى داخلا تحت أدلة المنع. (2) لاطلاق النصوص المتقدمة. وقيل: يلحق به، لاشتراكهما في العذر، ورفع الحكم، وعدم التقصير. وفيه: مالا يخفى، إذ ليس الوجه في الصحة في الجاهل ما ذكر، ليشترك معه فيها، بل الوجه النصوص، وهي غير مشتركة بينهما. (3) كما عن الاسكافي، والكليني، والمفيد، والصدوق في الفقيه والمقنع، والعلامة في أكثر كتبه، وولده، والشهيدين في اللمعة والروضة وغيرهم من المتأخرين. ويشهد له صحيح ابن مسلم عن أبي عبد الله (ع): " إذا سافر الرجل في شهر رمضان فخرج بعد نصف النهار، فعليه صيام ذلك اليوم، ويعتد به من شهر رمضان " (* 2) وصحيح الحلبي عنه (ع): " عن الرجل يخرج من بيته وهو يريد السفر وهو صائم. قال (ع): إن خرج من قبل أن ينتصف النهار فليفطر، وليقض ذلك اليوم. وإن خرج بعد الزوال فليتم يومه " (* 3) ومصحح عبيد بن زرارة عنه (ع): " في


(* 1) الوسائل باب: 2 من ابواب من يصح منه الصوم حديث: 2 و 3 و 5 وملحق حديث: 2. (* 2) الوسائل باب: 5 من ابواب من يصح منه الصوم حديث: 1. (* 3) الوسائل باب: 5 من ابواب من يصح منه الصوم حديث: 2.

[ 414 ]

الرجل يسافر في شهر رمضان، يصوم أو يفطر؟ قال (ع): إن خرج قبل الزوال فليفطر. وإن خرج بعد الزوال فليصم. فقال (ع): يعرف ذلك بقول علي (ع): أصوم وأفطر حتى إذا زالت الشمس عزم، يعني: على الصيام " (* 1) وموثقه عنه (ع): " إذا خرج الرجل في شهر رمضان بعد الزوال أتم الصيام، فإذا خرج قبل الزوال أفطر " (* 2). وعن الشيخ في النهاية والمبسوط والاقتصاد والجمل، والقاضي، وابن حمزة، والمعتبر، والشرائع، والنافع، والتخليص: أنه إن بيت نية السفر ليلا أفطر ولو خرج بعد الزوال، وإلا صام وإن خرج قبله. ويشهد له مصحح رفاعة قال: " سألت أبا عبد الله (ع) عن الرجل يعرض له السفر في شهر رمضان حين يصبح. قال (ع): يتم صومه " (* 3) وموثق علي ابن يقطين عن أبي الحسن موسى (ع): " في الرجل يسافر في شهر رمضان أيفطر في منزله؟ قال (ع): إذا حدث نفسه في الليل بالسفر أفطر إذا خرج من منزله، وإن لم يحدث نفسه في الليلة ثم بدا له في السفر من يومه أتم صومه " (* 4) ومرسل إبراهيم بن هاشم، عن رجل، عن صفوان عن الرضا (ع): " لو أنه خرج من منزله يريد النهروان ذاهبا وجائيا لكان عليه أن ينوي من الليل سفرا، والافطار. فان هو أصبح ولم ينو السفر، فبدا له من بعد أن أصبح في السفر قصر، ولم يفطر يومه ذلك " (* 5) ومرسل صفوان عمن رواه عن أبي بصير: " إذا خرجت بعد طلوع الفجر


(* 1) الوسائل باب: 5 من أبواب من يصح منه الصوم حديث: 3. (* 2) الوسائل باب: 5 من ابواب من يصح منه الصوم حديث: 4. (* 3) الوسائل باب: 5 من ابواب من يصح منه الصوم حديث: 5. (* 4) الوسائل باب: 5 من ابواب من يصح منه الصوم حديث: 10. (* 5) الوسائل باب: 5 من ابواب من يصح منه الصوم حديث: 11.

[ 415 ]

ولم تنو السفر من الليل، فأتم الصوم واعتد به من شهر رمضان " (* 1) ومرسل سماعة وابن مسكان، عن رجل، عن أبي بصير قال: " سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: إذا أردت السفر في شهر رمضان فنويت الخروج من الليل، فان خرجت قبل الفجر أو بعده فانت مفطر، وعليك قضاء ذلك اليوم " (* 2). وعن رسالة ابن بابويه: عدم اعتبار شئ من الامرين، فيكفي مطلق السفر في لزوم الافطار وإن خرج بعد الزوال ولم يبيت النية، ونسبه في المعتبر والمنتهى: إلى علم الهدى. ويشهد له - مضافا الى إطلاق الآية (* 3) وإطلاق مادل على التلازم بين التقصير والافطار (* 4) -: رواية عبد الاعلى: " في الرجل يريد السفر في شهر رمضان. قال (ع): يفطر وان خرج قبل أن تغيب الشمس بقليل " (* 5). وظاهر محكي المبسوط: اعتبار تبييت النية والخروج قبل الزوال في الافطار، وان انتفى أحدهما لزمه الصوم، ولاقضاء عليه. وكأن وجهه: تقييد إطلاق كل مما دل على الافطار بالخروج قبل الزوال، وعلى الافطار إذا بيت النية بالآخر. وعن التهذيب والاستبصار: وان لم يبيت النية صام مطلقا. وإن بيتها، فان خرج قبل الزوال لزمه الافطار، وان خرج بعد تخير بينه وبين الصوم. وعن ابن حمزة: إن خرج قبل الزوال ناويا للسفر في الليل أفطر وقضى. وإن لم يكن ناويا صام ولا يقضي. وإن خرج بعد الزوال صام وقضى.


(* 1) الوسائل باب: 5 من ابواب من يصح منه الصوم حديث: 12. (* 2) الوسائل باب: 5 من ابواب من يصح منه الصوم حديث: 13. (* 3) البقرة: 184 - 185. (* 4) تقدم ذلك في أوائل الشرط الخامس من شروط صحة الصوم. (* 5) الوسائل باب: 5 من أبواب من يصح منه الصوم حديث: 14.

[ 416 ]

وعن الشيخ في النهاية: أنه إن بيت النية وخرج قبل الزوال أفطر. وإن خرج بعد الزوال أمسك وعليه القضاء. وإن لم يبيت النية صام على كل حال. وهذه الاقوال الثلاثة لا يتضح لها شاهد. والتعرض لتقريب الشواهد لها لا يساعد عليه الوقت. فالاولى التعرض لحال شواهد الاقوال السابقة إجمالا، فنقول. الطائفة الاولى من النصوص قد صرحت بشرطيتين: إحداهما: إذا خرج قبل الزوال أفطر، وثانيتهما: إن خرج بعد الزوال صام. وكذا الطائفة الثانية أيضا تعرضت لشرطيتين: إحداهما: إذا بيت النية أفطر، وثانيتهما: إذا لم يبيت النية صام. وحينئذ يدور الامر في مقام الجمع بين الطائفتين إما بتقييد الاولتين منهما إحداهما بالاخرى، ولازمه اعتبار أمرين في الافطار: الخروج قبل الزوال، وتبييت النية معا. وإما بتقييد الثانيتين منهما إحداهما بالاخرى، ولازمه اعتبار أمرين في الصوم: الخروج بعد الزوال، وعدم تبييت النية ولا يمكن البناء على الجمع بين التقييدين معا، للزوم التناقض فان مفاد التقييد الاول: اعتبار أمرين في الافطار، وكفاية عدم أحدهما في الصوم، ومفاد الثاني: اعتبار عدم كل منهما في الصوم، وكفاية أحدهما في الافطار. فيتعين إما البناء على الاول، أو على الثاني. وإذ لا مرجح، لا مجال للبناء على أحدهما، لانه بلا شاهد. ويجب الرجوع حينئذ إلى قواعد التعارض، المقتضية لتقديم الطائفة الاولى، لصحة سندها. ومخالفتها للمحكي عن مالك وأبي حنيفة والشافعي والاوزاعي وأبي ثور وغيرهم وعن المعتبر والمنتهى: أنهما رويا حديث رفاعة: " حتى يصبح " بدل " حين يصبح " (* 1) وعليه فهو ظاهر في خلاف القول الثاني. ومما ذكرنا اتضح لك ضعف القول الرابع ومثله: القول الثالث.


(* 1) الموجود في المعتبر المطبوع: " حين يصبح ". لاحظ المسألة: 2 من اللواحق ص 319

[ 417 ]

{ كما أنه يصح صومه إذا لم يقصر في صلاته (1)، كناوي الاقامة عشرة أيام، أو المتردد ثلاثين يوما، وكثير السفر، والعاصي بسفره وغيرهم ممن تقدم تفصيلا في كتاب الصلاة. } إذ لا مجال للاخذ بالاطلاقات ورواية عبد الاعلى في قبال ما عرفت. وهنا أخبار أخر لم يعرف قائل بها، كصحيح رفاعة قال: " سألت أبا عبد الله (ع) عن الرجل يريد السفر في شهر رمضان. قال (ع): إذا أصبح في بلده ثم خرج، فان شاء صام، وإن شاء أفطر " (* 1)، وموثق سماعة: " سألته عن الرجل كيف يصنع إذا أراد السفر؟ قال (ع): إذا طلع عليه الفجر ولم يشخص فعليه صيام ذلك اليوم. وإن خرج من أهله قبل طلوع الفجر فليفطر ولا صيام عليه " (* 2) وخبر سليمان بن جعفر الجعفري قال: " سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام)... الى أن قال (ع): إذا أصبح في أهله فقد وجب عليه صيام ذلك اليوم. إلا أن يدلج دلجة " (* 3) فان أمكن حملها على ما سبق فهو، وإلا فهي مطروحة. (1) بلا خلاف فيه في الجملة. ويشهد له ما تقدم: من صحيح معاوية (* 4) وغيره. نعم يستثنى من ذلك: السفر بعد الزوال - على ما عرفت - والسفر للتجارة - على إشكال تقدم في صلاة المسافر - والمسافر الذي لا يريد الرجوع ليومه. فعن الشيخ (ره): أنه يتم الصوم، ويتخير في الصلاة بين الاتمام والقصر. والسفر في مواضع التخيير. فتأمل جيدا.


(* 1) الوسائل باب: 5 من ابواب من يصح منه الصوم حديث: 7. (* 2) الوسائل باب: 5 من أبواب من يصحح منه الصوم حديث: 8. (* 3) الوسائل باب: 5 من أبواب من يصح منه الصوم حديث: 6. (* 4) لاحظ أوائل الكلام في الشرط الخامس من شروط صحة الصوم.

[ 418 ]

{ السادس: عدم المرض أو الرمد الذي يضره الصوم (1) لايجابه شدته (2)، أو طول برئه، أو شدة ألمه، أو نحو ذلك. سواء حصل اليقين بذلك، أو الظن، بل أو الاحتمال } (1) بلا خلاف - كما عن جماعة - بل إجماعا، كما عن آخرين. ويشهد له - مضافا الى قوله تعالى: (فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر) (* 1) - النصوص المستفيضة، لو لم تكن متواترة، كموثق سماعة قال: " سألته: ماحد المرض الذي يجب على صاحبه فيه الافطار كما يجب عليه في السفر، من كان مريضا أو على سفر؟ قال (ع): هو مؤتمن عليه مفوض إليه، فان وجه ضعفا فليفطر، وإن وجد قوة فليصمه كان المرض ماكان " (* 2) وصحيح حريز عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " الصائم إذا خاف على عينيه من الرمد أفطر " (* 3)، وموثق عمار عن أبي عبد الله (ع): " في الرجل يجد في رأسه وجعا من صداع شديد، هل يجوز الافطار؟ قال (ع): إذا صدع صداعا شديدا وإذا حم حمى شديد، وإذا رمدت عيناه رمدا شديدا فقد حل له الافطار " (* 4) وصحيح ابن جعفر (عليه السلام) عن أخيه موسى بن جعفر (ع) - في حديث - قال: " كل شئ من المرض أضربه الصوم فهو يسعه ترك الصوم " (* 5) ونحوها غيرها. (2) بلا خلاف. لظهور بعض الادلة، وإطلاق الآخر.


(* 1) البقرة: 184. (* 2) الوسائل باب: 20 من ابواب من يصح منه الصوم حديث: 4. (* 3) الوسائل باب: 20 من ابواب من يصح منه الصوم حديث: 6. (* 4) الوسائل باب: 20 من ابواب من يصح منه الصوم حديث: 9. (* 5) الوسائل باب: 19 من ابواب من يصح منه الصوم حديث: 1.

[ 419 ]

{ الموجب للخوف (1)، بل لو خاف الصحيح من حدوث المرض لم يصح منه (2). وكذا إذا خاف من للضرر في نفسه، أو غيره، أو عرضه، أو عرض غيره، أو في مال يجب حفظه وكان وجوبه أهم في نظر الشارع من وجوب الصوم (3)، وكذا إذا زاحمه واجب آخر أهم منه. ولا } (1) كما يقتضيه إطلاق الاكثر للخوف، لصدقه مع الاحتمال. ويشهد له صحيح حريز. وتعليق الحكم من بعض على اليقين والظن في غير محله إن أريد التخصيص بهما. وأشكل منه: ماعن شرح اللمعة: من التصريح بعدم الاكتفاء بالاحتمال. لثبوت التكليف وعدم العلم بالمسقط. إذ فيه: أنه لا مجال للرجوع الى الاصل مع الدليل. اللهم إلا أن يكون منهم تشكيكا في صدق الخوف مع الاحتمال. إلا أنه في غير محله أيضا، لصدقه بمجرد الاحتمال المعتد به وإن كان دون الاحتمال المساوي. (2) كما يفهم من الادلة المتقدمة. ولا يضر في ذلك كون موردها المريض، إذ الظاهر منها: كون المانع هو حدوث مرتبة من المرض، سواء كانت قبلها مرتبة أخرى أم لم تكن. بل ظاهر صحيح حريز المتقدم خوف حدوث الرمد. (3) فان الاهمية موجبة لترجحه في مقام الامتثال، فيسقط وجوب الصوم عنه. نعم يتم هذا لو أحرز وجود المزاحم بقيام العلم أو العلمي على وجوده. أما مع الشك فيه فلا وجه لرفع اليد عن التكليف المعلوم. اللهم إلا أن يستفاد من أدلة المقام طريقية الاحتمال الموجب للخوف مطلقا حتى في المقام، كما لعله ظاهر الاصحاب. وهو غير بعيد. نعم لو زاحمه واجب آخر غير الضرر، فلابد من احرازه بالعلم أو

[ 420 ]

{ يكفي الضعف (1) وإن كان مفرطا مادام يتحمل عادة. نعم لو كان مما لا يتحمل عادة جاز الافطار (2). لو صام بزعم } ما يقوم مقامه. ومجرد احتمال المزاحمة أو ظنها غير كاف في رفع اليد عن الواجب المعلوم الثبوت، بل قاعدة الاشتغال تقتضي وجوب امتثاله. كما أن الحكم بالبطلان مطلقا في صورة التزاحم بالواجب الاهم مبني على حرمة الضد المزاحم بالضد الاهم. وإلا توقف البطلان على مقدمية ترك الصوم لذلك الواجب. وإلا صح الصوم وإن لزم فوات الواجب الاهم. غاية الامر: أنه يعصي بتفويت الواجب، كما هو موضح في مسألة الضد من مباحث الاصول، وأشرنا إليه مكررا في كتاب الطهارة. فلا ينبغي سوق جميع صور التزاحم مساق المرض في عدم صحة الصوم إذ الصوم علة المرض المحرم، وليس اللازم في غيره أن يكون كذلك، بل قد يكون الصوم فيه كذلك وقد لا يكون. فلاحظ. (1) بلا خلاف ظاهر. لعموم دليل الوجوب، كيف وهو من اللوازم الغالبية؟!. (2) لعموم دليل نفي الحرج (* 1) وعليه يحمل إطلاق رواية سماعة: " فان وجد ضعفا فليفطر " (* 2) أو على ما يخاف منه المرض. والموجب لهذا التقييد: هو الانصراف الناشئ عن مناسبة الحكم لموضوعه المرتكزة في أذهان العرف، ولاسيما بملاحظة حصوله غالبا. مضافا الى أن قوله (ع): " وإن وجد قوة فليصم " ظاهر في أن المراد من الضعف الضعف عن الصوم، لا مطلق الضعف ولو ببعض مراتبه، وإلا فهو لا يقابل القوة. مع أن في


(* 1) لاحظ ما علقناه على ذلك في المسألة: 10 من فصل ماء البئر ج 1 صفحة 203 الطبعة الثالثة. (* 2) المراد به هي الرواية المتقدمة في أول الامر السادس من هذا الفصل.

[ 421 ]

{ عدم الضرر فبان الخلاف بعد الفراغ من الصوم ففي الصحة إشكال (1)، فلا يترك الاحتياط بالقضاء. وإذا حكم الطبيب بأن للصوم مضر، وعلم المكلف من نفسه عدم الضرر يصح صومه (2). وإذا حكم بعدم ضرره، وعلم المكلف أو ظن } ثبوت الاطلاق في الرواية تأملا، لورودها في مقام إرجاع الامر إليه، لافي مقام بيان مرتبة المرض. فتأمل. (1) ينشأ: من كونه مريضا واقعا. فيكون خارجا عن موضوع الامر بالصوم فيبطل، كما لو صام المسافر بزعم الحضر. وفي رواية الزهري: " فان صام في السفر أو في حال المرض فعليه القضاء. فان الله عزوجل يقول: (فمن كان منكم...) " (* 1) ومن أن الظاهر من استثناء المريض في الآية والرواية - بقرينة مناسبة الحكم والموضوع - كونه من باب التزاحم بين وجوب الصوم وحفظ النفس وأهمية الثاني. لا لعدم الملاك في صوم المريض، ليكون استثناؤه من باب التخصيص. وحينئذ فلو صام كان صومه واجدا لملاك الامر، فيصح. ولا يرد: أن لازم ذلك الصحة حتى مع زعم ثبوت الضرر ووجوده واقعا. لانه مع اعتقاده الضرر - أو ظنه الذي هو حجة - يتنجز النهي عن الصوم، لكونه علة الحرام، فيكون معصية فيبطل، لوقوعه على غير وجه العبادة. وعليه تحمل رواية الزهري الضعيفة. وهذا هو الاقوى، كما مال إليه في الجواهر. (2) لما تقدم من موثق سماعة (* 2) ونحوه غيره مما دل على رجوعه إلى نفسه. ولا دليل على حجية قول الطبيب مطلقا حتى لو ظن بخطئه،


(* 1) الوسائل باب: 1 من ابواب من يصح منه الصوم حديث: 2. (* 2) تقدم ذلك كله في أول الشرط السادس من هذا الفصل.

[ 422 ]

{ كونه مضرا وجب عليه تركه (1)، ولا يصح منه. (مسألة 1): يصح الصوم من النائم (2) ولو في تمام } فضلا عمالو علم بخطئه، بل الحجية حينئذ ممتنعة. وعليه يتعين عليه وجوب الصوم. وكذا لو فرض قيام البينة على الضرر، وبني على عموم حجيتها بنحو بشمل المقام. هذا مع احتمال الاصابة. أما مع العلم بالخطأ فلا مجال للحجية، فيصح الصوم، بل يجب، كما عرفت. (1) لما عرفت من النصوص الدالة على رجوعه إلى نفسه. ولافرق في ذلك بين تحقق الضرر واقعا وعدمه. أما الاول فواضح مما أشرنا إليه. وأما الثاني فلان انتفاء الضرر واقعا إنما يمنع عن صدق المعصية على الصوم لكنه يكون تجرؤا لمخالفة الحجة الظاهرية، والتجرؤ يمنع من وقوع الفعل على وجه العبادة كالمعصية الحقيقية. تنبيه: قد يستشكل في المقام وأمثاله في أن موضوع الحكم بالافطار هو المرض الواقعي - كما يقتضيه ظاهر الآية (* 1) وجملة من الروايات - أو العلم به أو خوفه - كما يقتضيه صحيح حريز (* 2) وموثق سماعة (* 3) أو مجموعهما، أو كل منهما، كما قد يقتضيه الجمع العرفي بين الادلة؟ لكن المتعين في الجمع العرفي: الالتزام بأن موضوع الحكم الواقعي هو المرض واقعا. وثبوت الحكم مع العلم أو الخوف من باب الحكم العقلي الطريقي، أو الشرعي الظاهري، لا أنه موضوع لحكم واقعي آخر - ليلزم منه اجتماع حكمين مع خوف الضرر إذا كان موجودا واقعا، الذي هو خلاف المرتكز العرفي - ولا أنه جزء موضوعه، ليلزم تقييد اطلاق الطائفتين معا، كما لا يخفى. (2) قد عرفت في مبحث النية: أن الصوم ليس على حد غيره من


(* 1)، (* 2)، (* 3) تقدم ذلك كله في أول الشرط السادس من هذا الفصل.

[ 423 ]

{ النهار، إذا سبقت منه النية في الليل. وأما إذا لم تسبق منه النية، فان استمر نومه إلى الزوال بطل صومه، ووجب عليه القضاء إذا كان واجبا (1). وإن استيقظ قبله نوى وصح كما أنه لو كان مندوبا واستيقظ قبل الغروب يصح إذا نوى. (مسألة 2): يصح الصوم وسائر العبادات من الصبي المميز على الاقوى من شرعية عبادته (2). } العبادات يجب وقوعه في الخارج عن داعي الامر به كما يجب وقوعها كذلك بل يكفي وقوعه في الخارج بلا اختيار، فضلا عن وقوعه بداع آخر. نعم لابد من أن يكون المكلف عازما على أنه لو تمكن من المفطرات أو بعضها وكان له دواع نفسانية إليها لكان يتركها بداعي الامر. ولذا يصح ممن لا يتمكن من فعل المفطرات، كالمسجون في سجن يتعذر فعل أحد المفطرات فيه، والنائم، ومن لا يجد داعيا إلى فعلها، ومن يجد الصوارف الاكيدة عن فعلها. نعم الفرق بين صوم الاخيرين وبين سائر عباداتهما إنما يتم بناء على اعتبار عدم الضميمة المستقلة غير الشرعية في صحة التقرب والتعبد. أما بناء على الاكتفاء باستقلال داعوية الامر لو انفردت وان كانت معها ضميمة غير شرعية صالحة للاستقلال في الداعوية، فلا فرق بين صومهما وسائر عباداتهما. ولما ذكرنا صحح الاصحاب صوم النائم من أول الفجر الى الغروب وإن كان نومه بلا اختيار. (1) تقدم في فصل النية: الوجه في البطلان هنا، والصحة في الفرض الآتي. (2) لما عرفته غير مرة: من أن مقتضى إطلاق أدلة مشروعية العبادات

[ 424 ]

{ ويستحب تمرينه عليها (1)، بل التشديد عليه لسبع. من } عدم الفرق بين الكبير والصغير. وحديث: رفع القلم عن الصبي حتى يحتلم (* 1)، لما كان امتنانيا لا يصلح أن يرفع نفس المشروعية التي هي من لوازم ملاك الامر أو الرجحان، إذ ليس في رفعها امتنان، وإنما يرفع مجرد الالزام، لان في رفعه كمال الامتنان. (1) بلا خلاف ولا إشكال. وإنما الخلاف في مبدئه، فعن المفيد (ره) وغيره: أنه إذا قدر على صيام ثلاثة أيام متواليات. وقد يشهد له خبر السكوني عن أبي عبد الله (ع): " إذا أطاق الغلام صوم ثلاثة أيام متتابعة فقد وجب عليه صوم شهر رمضان " (* 2) وعن المعتبر: أنه يمرن لست سنين. وليس عليه دليل ظاهر. وعن المبسوط وجماعة: أنه يمرن لسبع وقد يشهد له مصحح الحلبي عن أبي عبد الله (ع) - في حديث - " إنا نأمر صبياننا بالصيام إذا كانوا بني سبع سنين بما أطاقوا من صيام اليوم، فان كان إلى نصف النهار، أو اكثر من ذلك، أو أقل. فان غلبهم العطش و الغرث (* 3) أفطروا حتى يتعودوا الصوم ويطيقوه. فمروا صبيانكم إذا كانوا بني تسع سنين بالصوم ما أطاقوا من صيام فإذا غلبهم العطش أفطروا " (* 4) وفي دلالته تأمل ظاهر. فالاولى أن يجعل دليلا على ماعن النهاية: من أنه يمرن لتسع، كمرسل الفقيه عن الصادق (ع): " الصبي يؤخذ بالصيام إذا بلغ تسع سنين على قدر ما يطيقه، فان أطاق إلى الظهر أو بعده صام إلى ذلك الوقت، فإذا غلب عليه الجوع والعطش أفطر " (* 5). نعم عن


(* 1) الوسائل باب: 4 من ابواب مقدمات العبادات حديث: 11. (* 2) الوسائل باب: 29 من ابواب من يصح منه الصوم حديث: 5. (* 3) الغرث: بالتحريك الجوع. (* 4) الوسائل باب: 29 من ابواب من يصح منه الصوم حديث: 3. (* 5) الوسائل باب: 29 من ابواب من يصح منه الصوم حديث: 11.

[ 425 ]

{ غير فرق بين الذكر والانثى في ذلك كله (1) (مسألة 3): يشترط في صحة الصوم المندوب - مضافا إلى ما ذكر -: أن لا يكون عليه صوم واجب (2)، - من } المختلف: رواية المصحح في المقامين: (سبع) (* 1) وعليه يتم الاستدلال. وكيف كان فمقتضى الجمع بين هذه النصوص وغيرها من المطلقات. البناء على اختلاف مراتب التأكيد باختلاف مراتب العمر. وما في المتن - تبعا للشرائع وغيرها - إنما يتم بناء على ثبوت رواية السبع. اللهم إلا أن يكتفى بفتوى الشرائع وغيرها في الحكم. (1) في محكي المدارك: " قطع الاصحاب باستحباب تمرينها قبل البلوغ والتشديد عليها لسبع. ولاريب في استحباب التمرين. إلا أن تعيين مبدئه يتوقف على الدليل ". وكأنه لاختصاص النصوص بالذكر، فالتعدي إلى الانثى محتاج الى قرينة مفقودة. ولاسيما بملاحظة اختلافهما في وقت الوجوب. وقاعدة الاشتراك لا مجال لها، لعدم الدليل عليها فيه (2) كما هو المشهور شهرة عظيمة، بل قيل لا خلاف فيه إلا من السيد (ره) في المسائل الرسية، وعن جماعة موافقته، منهم العلامة في القواعد ويشهد للاول صحيح زرارة عن أبي جعفر (ع): " سألته عن ركعتي الفجر قال (ع): قبل الفجر... الى أن قال: أتريد أن تقايس؟ لو كان عليك من شهر رمضان أكنت تتطوع إذا دخل عليك وقت الفريضة! فابدأ بالفريضة " (* 2) ومصحح الحلبي: " سألت أبا عبد الله (ع) عن الرجل عليه من شهر رمضان طائفة، أيتطوع؟ فقال (ع): لا، حتى يقضي ما عليه من شهر رمضان " (* 3) ومثله خبر الكناني عنه (ع) (* 4).


(* 1) راجع المختلف صفحة: 64. (* 2) الوسائل باب: 28 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 28 من ابواب أحكام شهر رمضان حديث: 11. (* 3) الوسائل باب: 28 من ابواب أحكام شهر رمضان حديث: 5. (* 4) الوسائل باب: 28 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث: 6.

[ 426 ]

{ قضاء، أو نذر، أو كفارة، أو نحوها - (1). } ومنهما يظهر ضعف القول الثاني. إذ ليس المستند فيه إلا الاطلاق الواجب تقييده بما عرفت. أو القياس على الصلاة، بناء على الجواز فيها وهو لا مجال للعمل به. ولاسيما في قبال النص. (1) كما عن ظاهر الاكثر. ويشهد له ما في الوسائل عن الفقيه، باسناده عن الحلبي - وباسناده عن أبي الصباح الكناني - جميعا، عن أبي عبد الله (ع): " لا يجوز أن يتطوع الرجل بالصيام وعليه شئ من الفرض " (* 1) قال: " وقد وردت بذلك الاخبار والآثار عن الائمة (عليهم السلام) " (* 2) وفي كتاب المقنع: " إعلم أنه لا يجوز أن يتطوع الرجل وعليه شئ من الفرض كذلك وجدته في كل الاحاديث " (* 3). ومنه يظهر ضعف ماعن السيد (ره)، وظاهر الكليني، و المدارك وبعض من تأخر عنه. من الجواز في مطلق الواجب غير قضاء رمضان، للاصل. إذ لا مجال للاصل مع النصوص. وتوهم: أنه لا مجال للاخذ بها لتعارضها، لاطلاق بعضها، وتقييد الآخر بمن عليه قضاء شهر رمضان ويحمل المطلق على المقيد. مندفع: بأن الحمل إنما يكون مع التنافي، ولا تنافي بين إطلاق المنع وخصوصه. هذا ولكن قد يشكل العمل بالرواية العامة، فان الموجود في الفقيه هكذا: " باب الرجل يتطوع بالصيام وعليه شئ من الفرض: وردت الاخبار والآثار عن الائمة (عليهم السلام) أنه لا يجوز أن يتطوع الرجل بالصيام وعليه شئ من الفرض. وممن روى ذلك الحلبي وأبو الصباح


(* 1) الوسائل باب: 28 من ابواب أحكام شهر رمضان حديث: 2. (* 2) الوسائل باب: 28 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث: 3. (* 3) الوسائل باب: 28 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث: 3. (* 3) الوسائل باب: 28 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث: 4.

[ 427 ]

{ مع التمكن من أدائه (1). وأما مع عدم التمكن منه - كما إذا كان مسافرا وقلنا بجواز الصوم المندوب في السفر، أو كان في المدينة وأراد صيام ثلاثة أيام للحاجة - فالاقوى صحته. وكذا إذا نسي الواجب وأتى بالمندوب فان الاقوى صحته (2) إذا تذكر بعد الفراغ. وأما إذا تذكر في الاثناء قطع. ويجوز } الكناني عن أبي عبد الله (ع) " (* 1). وهو مخالف لما تقدم في الوسائل. والمظنون قويا: أن الصدوق (ره) عنى - بالروايتين في كلامه المذكور - الروايتين السابقتين في قضاء شهر رمضان، المرويتين في الوسائل عن الكافي في آخر الباب المعقود له (* 2)، وفهم الصدوق (ره) منهما مطلق الفرض، لا روايتين غيرهما. ولاجل ذلك اقتصر في الكافي والتهذيب على روايتهما فقط (* 3). فلاحظ. والمظنون قويا أيضا: أنهما المعني بالمرسل في المقنع. وعليه فيشكل ما عليه المشهور، إذ لا مأخذ له على هذا. فتأمل جيدا. (1) كما عن ظاهر جماعة، منهم الدروس والمدارك. لان إطلاق النصوص منصرف إلى ذلك، بتوسط ارتكاز أهمية الفرض المانعة من صلاحية التطوع لمزاحمته. ولا مجال لذلك مع عدم التمكن منه. (2) كما جزم به في الجواهر. وقرب العدم في صورة عدم التمكن من الواجب. وكأنه فرق من دون فارق، لعين الوجه السابق. إذ غاية ما يقتضيه النسيان عدم التمكن من المنسي، بل الصحة مع النسيان أخفى، لامكان دعوى الانصراف إلى صورة عدم التمكن من غير جهته، كما لا يخفى.


(* 1) الفقيه ج 2 صفحة 87 طبع النجف الاشرف. (* 2) المراد بهما: ما رواه في الوسائل باب: 28 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث: 5، 6. (* 3) لاحظ الكافي ج 4 صفحة 123 طبع ايران الحديثة، التهذيب ج 4 ص 276 طبع النجف الاشرف.

[ 428 ]

{ تجديد النية حينئذ للواجب مع بقاء محلها (1)، كما إذا كان قبل الزوال. ولو نذر التطوع على الاطلاق صح (2) وإن كان عليه واجب، فيجوز أن يأتي بالمنذور قبله بعدما صار واجبا (3). وكذا لو نذر أياما معينة يمكن إتيان الواجب قبلها (4). وأما لو نذر أيام معينة لا يمكن اتيان الواجب قبلها ففي صحته اشكال، من أنه بعد النذر يصير واجبا، ومن أن التطوع قبل الفريضة غير جائز فلا يصح نذره. ولا يبعد أن يقال: إنه لا يجوز بوصف التطوع (5)، وبالنذر يخرج عن الوصف، ويكفي في رجحان متعلق النذر } (1) على ما سبق. (2) لان اشتغال الذمة بالواجب إنما يمنع عن صحة التطوع لاعن صحة نذره. (3) لا يخلو من إشكال، لانه إذا كان لا يجوز التطوع لمن عليه الفرض، فلا يجوز أن يكون للمنذور إطلاق يشمله، بل يختص بغيره، فلا يكون الاتيان به قبل الواجب فردا للمنذور. (4) الاشكال فيه كما سبق. وحينئذ فلو نذر كذلك، وقصد الصوم الصحيح شرعا، وجب الاتيان بالواجب من باب المقدمة لصحة المنذور، ثم يأتي بالمنذور بعده. (5) هذا غير معقول، لان ذات التطوع إن كانت راجحة امتنع النهي عن التطوع بها، لان التطوع بالراجح من المستقلات العقلية، كالتطوع بالواجب. وإن كانت مرجوحة امتنع نذرها، لاعتبار الرجحان في متعلق النذر.

[ 429 ]

{ رجحانه ولو بالنذر (1). وبعبارة أخرى: المانع هو وصف الندب، وبالنذر يرتفع المانع. (مسألة 4): الظاهر جواز التطوع بالصوم إذا كان ما عليه من الصوم الواجب استئجاريا (2). وإن كان الاحوط تقديم الواجب. } (1) هذا - مع أنه خلاف ظاهر الادلة - خلاف مضمون صيغة النذر فان مالا يكون راجحا عنده سبحانه لا يمكن أن يجعل له تعالى على المكلف كما أن مالا يكون محبوبا لزيد لا يمكن جعله لزيد شرطا في عقد، بل إذا كان مبغوضا له يكون عليه لا له، فنقول: " لزيد علي أن أعطيه درهما " ولا تقول: " لزيد علي أن أءخذ منه درهما ". إلا أن يكون أخذ الدرهم منه محبوبا له ولو بالعرض. وقد أشرنا إلى ذلك أيضا في مبحث التطوع بالصلاة لمن عليه فريضة. (2) الصورة المتصورة في المقام أربع، لانه تارة: يكون الواجب والتطوع لنفسه، وأخرى: يكونان لغيره، وثالثة: يكون الواجب لنفسه والتطوع لغيره، ورابعة: بالعكس. والمتيقن من النصوص السابقة: الصورة الاولى. ويجري حكمها في الثانية، لانه إذا لم يشرع للمنوب عنه التطوع - لثبوت الواجب عليه - لايشرع للنائب، لتفرع المشروعية للنائب على المشروعية للمنوب عنه. اللهم إلا أن يكون عدم المزاحمة للواجب من شرائط الاداء، لامن شرائط المؤدى كما هو الاقرب. ومنه يظهر: أن حكم الثالثة البطلان، فان أداء التطوع ولو عن الغير لا يصح لمن عليه الفرض. والظاهر الصحة في الصورة الرابعة المذكورة في المتن، لان الواجب بالاستحباب ليس على المتطوع، بل على المنوب عنه، والنائب يؤدي ما هو

[ 430 ]

{ فصل في شرائط وجوب الصوم وهي أمور: الاول والثاني: البلوغ والعقل، فلا يجب على الصبي، والمجنون (1). إلا أن يكملا قبل طلوع الفجر (2)، دون ما إذا كملا بعده، فانه لا يجب عليهما وإن لم يأتيا بالمفطر (3) بل وإن نوى الصبي الصوم ندبا (4). لكن الاحوط - مع عدم } فرض على غيره، فلا تشمله النصوص. وقواه في الجواهر وغيرها. فصل في شرائط وجوب الصوم (1) إجماعا. لحديث رفع القلم عنهما (* 1) (2) فلا خلاف ولا إشكال في وجوب الصوم عليهما - كما في الجواهر - لاطلاق دليل الوجوب. (3) خلافا لما عن الوسيلة: من وجوب الصوم عليه حينئذ، لاطلاق دليله. وفيه: أنه لادليل على الاجتزاء بالنية من حين البلوغ، بل لابد فيه من اعتبار النية من حين الفجر، والمفروض عدمها. فتأمل، وراجع ما سبق في النية. ولو كان قد أتى بالمفطر فلا ريب في عدم وجوب الصوم إذ لايشرع صوم البعض. (4) خلافا لما عن الخلاف والمعتبر والمدارك: من وجوب الصوم عليه حينئذ، لاطلاق الدليل. وفيه: ما عرفت. اللهم إلا أن يقال: بناء


(* 1) الوسائل باب: الوسائل باب: 4 من ابواب مقدمات العبادات حديث: 11.

[ 431 ]

{ اتيان المفطر - الاتمام، والقضاء (1) إذا كان الصوم واجبا معينا. ولافرق في الجنون بين الاطباقي والادواري (2) إذا كان يحصل في النهار ولو في جزء منه (3). وأما لو كان دور جنونه في الليل، بحيث يفيق قبل الفجر فيجب عليه. الثالث: عدم الاغماء، فلا يجب معه الصوم ولو حصل في جزء من النهار. نعم لو كان نوى الصوم قبل الاغماء فالاحوط اتمامه (4). } على التحقيق من شرعية عبادات الصبي، وأنها كعبادة البالغ، غير أنها قد رفع الالزام بها لمصلحة اقتضت ذلك، فإذا نوى الصبي الصوم قبل الفجر فصام، وفي أثناء النهار بلغ، اختص رفع الالزام بما قبل البلوغ، وأما بعده فدليل اللزوم بحاله. ودعوى: أن موضوع اللزوم على البالغ هو تمام اليوم لابعضه. ممنوعة على نحو الكلية، بل يجوز تكليف البالغ بالبعض المتمم للكل إذا ساعدت عليه الادلة، كما في المقام، فان تفويت المصلحة الملزمة لولا الصبا حرام، وهو يترتب على الافطار حين البلوغ في الاثناء. ونظير المقام: مالو صلى في آخر الوقت وقد بلغ في الاثناء، فانه يجب عليه إتمام صلاته. (1) يعني: القضاء على تقدير عدم الاتمام، إذ مع الاتمام لافوت للصوم، كي يحتمل وجوب قضائه. ويحتمل أن يكون إطلاق القضاء في العبارة خروجا عن شبهة خلاف ماعن الاقتصاد: من وجوب القضاء عليه مع عدم وجوب الامساك. (2) لاطلاق دليل حكمه. (3) لما تقدم: من منافاته للصوم، وليس هو كالاغماء. (4) يجري فيه ما تقدم في الصبي، بناء على أن الاغماء غير مناف

[ 432 ]

{ الرابع: عدم المرض (1) الذي يتضرر معه الصائم. ولو برئ بعد الزوال ولم يفطر لم يجب عليه النية والاتمام (2) وأما لوبرئ قبله ولم يتناول مفطرا. فالاحوط أن ينوي ويصوم (3)، وإن كان الاقوى عدم وجوبه. } للصوم، كما تقدم في الفصل السابق. وعليه يجب إتمامه ويصح صوما إذا بقي محل النية. (1) بلا خلاف ولا إشكال، بل لعله ضروري. لاتفاق الكتاب المجيد، والسنة المتواترة عليه. (2) لفوات محل النية. (3) كما هو المشهور، وفي المدارك: نسبته الى علمائنا أجمع، وعن المفاتيح، أنه لا خلاف فيه، وفي الذخيرة: حكاية الاجماع من بعض عليه وهو في محله بناء على أن الاصل يقتضي بقاء محل النية إلى الزوال. وإلا فلا وجه له إلا استفادته مما ورد في المسافر والجاهل، ومن دعوى الاجماع المتقدمة. والاستفادة محل نظر. وما في المدارك - من أن المريض أعذر من المسافر - لا يجدي في الاستفادة، لعدم إحراز المناط. وثبوت الاجماع بنحو يصح الاعتماد عليه مشكل، وان كان قريبا، إذ أنه لا يظهر خلاف فيه من أحد. وما عن ابني زهرة وحمزة - من استحباب إمساك المريض إذا برئ - ليس فيما نحن فيه. فراجع. ثم إن محل الكلام إن كان في مريض كان لا يضره الصوم، بشهادة أنه أمسك وبرئ، غاية الامر أنه كان يعتقد أنه يضره الصوم تمام اليوم فلما برئ في الاثناء انكشف خطأه، فمثله يجب عليه الصوم واقعا، فبعد انكشاف الحال كيف يحتمل أنه مفطر وأنه يجوز له الاكل والشرب؟! بل يكون كالجاهل الذي علم في أثناء النهار أن اليوم من رمضان. نعم

[ 433 ]

{ الخامس: الخلو من الحيض والنفاس (1)، فلا يجب معهما وإن كان حصولهما في جزء من النهار. السادس: الحضر، فلا يجب على المسافر الذي يجب عليه قصر الصلاة، بخلاف من كان وظيفته التمام - كالمقيم عشرا والمتردد ثلاثين يوما، والمكاري، ونحوه، والعاصي بسفره - فانه يجب عليه التمام. إذ المدار في تقصير الصوم على تقصير الصلاة، فكل سفر يوجب قصر الصلاة يوجب قصر الصوم وبالعكس (2). (مسألة 1): إذا كان حاضرا فخرج إلى السفر، فان كان قبل الزوال وجب عليه الافطار (3)، وإن كان بعده } يبقى الاشكال في الاكتفاء بصومه من جهة عدم النية أول النهار. وان كان في مريض كان يضره الصوم ولو أول النهار، فكان إمساكه موجبا تضرره المحرم، وبعد تضرره برئ وبقي متضررا، فلا يظن من أحد الالتزام بصحة صومه بعد البرء، لوقوعه على الوجه المحرم، المنافي لعباديته - كالرياء - حسبما تقدم. نعم لو كان الامساك حرجا عليه، فأقدم عليه مدة من أول النهار ثم ارتفع الحرج، كان الاشكال في صحة صومه من جهة عدم النية عند الفجر في محله. وحينئذ يكون حكمه حكم المغمى عليه أول النهار إذا أفاق قبل الزوال. وقد تقدم. فلاحظ. (1) كما تقدم. (2) تقدم الكلام فيه في الفصل السابق. (3) تقدم الكلام فيه.

[ 434 ]

{ وجب عليه البقاء على صومه. وإذا كان مسافرا وحضر بلده أو بلدا يعزم على الاقامة فيه عشرة أيام، فان كان قبل الزوال ولم يتناول المفطر وجب عليه الصوم (1)، } (1) بلا خلاف ظاهر. لموثق أبي بصير: " سألته عن الرجل يقدم من سفر في شهر رمضان. فقال (ع): إن قدم قبل الزوال الشمس فعليه صيام ذلك اليوم، ويعتد به " (* 1) وموثق سماعة: " إن قدم بعد زوال الشمس أفطر، ولا يأكل ظاهرا. وإن قدم من سفره قبل الزوال الشمس فعليه صيام ذلك اليوم إن شاء " (* 2) ورواية البزنطي: " سألت أبا الحسن (ع): عن رجل قدم من سفر في شهر رمضان ولم يطعم شيئا قبل الزوال. قال (ع): يصوم " (* 3) ومصحح يونس: " قال في المسافر يدخل أهله وهو جنب قبل الزوال ولم يكن أكل، فعليه أن يتم صومه، ولاقضاء عليه " (* 4) ونحوها غيرها. نعم يظهر من جملة أخرى خلاف ذلك، كصحيح ابن مسلم: " سألت أبا عبد الله (ع) عن الرجل يقدم من سفر في شهر رمضان، فيدخل أهله حين يصبح، أو ارتفاع النهار. قال (ع): إذا طلع الفجر وهو خارج ولم يدخل أهله فهو بالخيار إن شاء صام وإن شاء أفطر " (* 5) وصحيحه الآخر عن أبي عبد الله (ع): " فإذا دخل أرضا قبل طلوع الفجر وهو يريد الاقامة بها فعليه صوم ذلك اليوم. وان دخل بعد طلوع الفجر فلا


(* 1) الوسائل باب: 6 من أبواب من يصح منه الصوم حديث: 6. (* 2) الوسائل باب: 6 من أبواب من يصح منه الصوم حديث: 7. (* 3) الوسائل باب: 6 من أبواب من يصح منه الصوم حديث: 4. (* 4) الوسائل باب: 6 من أبواب من يصح منه الصوم حديث: 5. (* 5) الوسائل باب: 6 من أبواب من يصح منه الصوم حديث: 3.

[ 435 ]

{ وإن كان بعده، أو تناول فلا (1)، وإن استحب له الامساك } صيام عليه، وإن شاء صام " (* 1) بل قد يظهر ذلك من موثق سماعة المتقدم. لكن يجب حملها على التخيير قبل القدوم بين الامساك إلى أن يدخل فيصوم، وبين الافطار والبقاء عليه بعد الدخول، كما قد يظهر من صحيحة رفاعة بن موسى قال: " سألت أبا عبد الله (ع) عن الرجل يقبل في شهر رمضان من سفر حتى يرى أنه سيدخل أهله ضحوة أو ارتفاع النهار. قال (ع): إن طلع الفجر وهو خارج ولم يدخل فهو بالخيار إن شاء صام، وإن شاء أفطر " (* 2) فالخيار له في حال كونه خارجا ولم يدخل لابعد مادخل. فان لم يمكن ذلك الحمل فلتطرح، لاعراض الاصحاب عنها. فما عن ابن زهرة: من إطلاق استحباب الامساك للمسافر إذا قدم أهله، ضعيف. أو محمول على مالا يخالف ما ذكر. ثم إن اطلاق فرض السؤال في مصحح يونس المتقدم وان كان بمقتضى ترك الاستفصال العموم للجنابة العمدية، لكن قول الامام (ع) في الجواب " أن يتم صومه " دليل على أن المراد بالجنابة الاحتلام ونحوه مما لا يضر في الصوم، فيكون موضوع الحكم: الذي لم يستعمل جميع المفطرات في ذلك اليوم إلى أن دخل البلد. فالاخبار واردة لتشريع الامتثال، لا لتشريع موضوع الامتثال. (1) بلا خلاف فيه ظاهر أيضا. لموثق سماعة المتقدم، بعد حمله على ما سبق. ومعتبر ابن مسلم: " عن الرجل يقدم من سفر بعد العصر في شهر رمضان، فيصيب امرأته حين طهرت من الحيض، أيواقعها؟ قال (ع): لا بأس به " (* 3) فما عن الشيخ (ره) - من إطلاق وجوب


(* 1) الوسائل باب: 6 من ابواب من يصح منه الصوم حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 6 من أبواب من يصح منه الصوم حديث: 2. (* 3) الوسائل باب: 7 من أبواب من يصح منه الصوم حديث: 4.

[ 436 ]

{ بقية النهار (1). والظاهر أن المناط كون الشروع في السفر قبل الزوال أو بعده (2)، لا الخروج عن حد الترخص. وكذا في الرجوع المناط دخول البلد. لكن لا يترك الاحتياط بالجمع إذا كان الشروع قبل الزوال والخروج عن حد الترخص بعده وكذا في العود إذا كان الوصول إلى حد الترخص قبل الزوال و الدخول في المنزل بعده. (مسألة 2): قد عرفت التلازم بين إتمام الصلاة و الصوم، وقصرها والافطار. لكن يستثنى من ذلك موارد: أحدها: الاماكن الاربعة، فان المسافر يتخير فيها بين القصر والتمام في الصلاة، وفي الصوم يتعين الافطار (3). الثاني: ما مر من الخارج إلى السفر بعد الزوال (4)، } الصوم، و سقوط القضاء عنه، إذا لم يكن قد فعل ما ينقض الصوم - محمول على ما قبل الزوال. أو مدفوع بما عرفت. وعن السرائر أنه مخالف للاجماع. (1) كما يشهد به جملة من النصوص، كموثق سماعة: " سألته عن مسافر دخل أهله قبل زوال الشمس وقد أكل. (ع): لا ينبغي له أن يأكل يومه ذلك شيئا. ولا يواقع في شهر رمضان " (* 1) ونحوه غيره. (2) لان الظاهر من أدلة حد الترخص كونها مقيدة لاطلاق أدلة أحكام المسافر، لاحاكمة عليها بجعل ما دون الحد من البلد، كي يكون حد الترخص حدا للسفر ابتداء وغاية، بل الحد حد للترخص، لا للسفر. (3) تقدم الكلام فيه في صلاة المسافر. (4) مر الكلام فيه.


(* 1) الوسائل باب: 7 من أبواب من يصح منه الصوم حديث: 1.

[ 437 ]

{ فانه يتعين عليه البقاء على الصوم، مع أنه يقصر في الصلاة (1). الثالث: ما مر من الراجع من سفره، فانه إن رجع بعد الزوال يجب عليه الاتمام، مع أنه يتعين عليه الافطار. (مسألة 3): إذا خرج إلى السفر في شهر رمضان لا يجوز له الافطار إلا بعد الوصول إلى حد الترخص (2). وقد مر سابقا: وجوب الكفارة عليه إن أفطر قبله (3). (مسألة 4): يجوز السفر اختيارا في شهر رمضان (4)، } (1) هذا على المشهور - وكذا ما يأتي في الثالث - حسبما تقدم في صلاة المسافر. (2) بلا خلاف ولا إشكال - كما في الجواهر - في وجوب الكفارة عليه لو أفطر قبله، فضلا عن وجوب القضاء. للقاعدة المتقدمة، المتضمنة للملازمة بين التقصير والافطار. (3) مر في المسألة الحادية عشرة من فصل الكفارة. (4) على المشهور شهرة عظيمة كادت أن تكون إجماعا. إذ لايعرف الخلاف فيه إلا من الحلبي، فانه حكي عنه أنه قال: إذا دخل الشهر على حاضر لم يحل له السفر مختارا. لقوله تعالى: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) (* 1) بناء على أن المراد منه الحاضر في أوله، كما يشهد له جملة من النصوص الاتية. ولخبر أبي بصير، الذي رواه المشايخ الثلاثة على اختلاف يسير لا يضر بالاستدلال: " سألت أبا عبد الله (ع) عن الخروج إذا دخل شهر رمضان. فقال (ع): لا، إلا فيما أخبرك به: خروج الى مكة، أو غزو في سبيل الله تعالى، أو مال تخاف هلاكه، أو أخ تخاف هلاكه. وإنه ليس أخا من الاب والام " (* 2) ومرسل علي بن


(* 1) البقرة: 185. (* 2) الوسائل باب: 3 من أبواب من يصح منه الصوم حديث: 3.

[ 438 ]

أسباط عن رجل عن أبي عبد الله (ع): " إذا دخل شهر رمضان فلله تعالى فيه شرط قال الله تعالى: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه). فليس للرجل إذا دخل شهر رمضان أن يخرج، إلا في حج، أو عمرة، أو مال يخاف تلفه، أو أخ يخاف هلاكه، وليس له أن يخرج في إتلاف مال أخيه. فإذا مضت ليلة ثلاثة وعشرين فليخرج حيث يشاء " (* 1) ونحوهما خبر أبي بصير الآخر (* 2) وحديث الاربعمائة عن علي (ع) (* 3) وخبر الحسين بن المختار عن أبي عبد الله (ع) (* 4). نعم يعارضها: صحيح ابن مسلم عن أبي جعفر (ع): " عن الرجل يعرض له السفر في شهر رمضان، وهو مقيم وقد مضى منه أيام. فقال (ع): لا بأس بأن يسافر، ويفطر ولا يصوم " (* 5) ولو بني على كون مقتضى الجمع: تقيد الصحيح بموارد الاستثناء فيها. أو ظهوره في كون السؤال فيه عن حكم الافطار والصوم في السفر، لا السؤال عن حكم نفس السفر، كفى في وجوب رفع اليد عن النصوص الاول صحيح الحلبي عن أبي عبد الله (ع) قال: " سألته عن الرجل يدخل شهر رمضان وهم مقيم لا يريد براحا، ثم يبدو له بعدما يدخل شهر رمضان أن يسافر. فسكت، فسألته غير مرة، فقال (ع): يقيم أفضل إلا أن تكون له حاجة لابد له من الخروج فيها، أو يتخوف على ماله " (* 6). المعتضد أو المؤيد بحسن حماد:


(* 1) الوسائل باب: 3 من أبواب من يصح منه الصوم حديث: 6. (* 2) الوسائل باب: 3 من أبواب من يصح منه الصوم حديث: 7. (* 3) الوسائل باب: 3 من أبواب من يصح منه الصوم حديث: 4. (* 4) الوسائل باب: 3 من أبواب من يصح منه الصوم حديث: 8. (* 5) الوسائل باب: 3 من أبواب من يصح منه الصوم حديث: 2. (* 6) الوسائل باب: 3 من أبواب من يصح منه الصوم حديث: 1.

[ 439 ]

{ بل ولو كان للفرار من الصوم (1)، كما مر. وأما غيره من الواجب المعين فالاقوى عدم جوازه (2)، إلا مع الضرورة. كما أنه لو كان مسافرا وجب عليه الاقامة لاتيانه مع الامكان. } " رجل من أصحابنا جاءني خبره من الاعوص، وذلك في شهر رمضان، أتلقاه وأفطر؟ قال (ع): نعم، قلت: أتلقاه وأفطر، أو أقيم وأصوم قال (ع): تلقاه وأفطر " (* 1) والمرسل الوارد في تفصيل السفر لمشايعة المؤمن والافطار على الاقامة والصوم (* 2). هذا ومقتضى صحيح الحلبي أفضلية الاقامة من جهة إدراك الصوم، ولا يبعد أن يكون النهي عن السفر في النصوص الاول عرضيا لملازمته لترك الافضل. (1) للاطلاق المتقدم. (2) لان الحضر من شرائط الواجب، فيجب تحصيله، كسائر شرائط الواجب. ويشهد لذلك: صدق الفوت بترك الصوم في السفر، ووجوب القضاء، ولو كان من شرائط الوجوب التي لا يجب تحصيلها لم يكن وجه لذلك، لان انتفاء شرائط الوجوب يقتضي انتفاء الملاك المشرع للواجب، ومع انتفائه لا معنى للفوات والقضاء. فان قلت: لو كان الحضر من شرائط الوجود لحرم السفر في شهر رمضان، لاقتضائه ترك الصوم، فجوازه دليل على أنه من شرائط الوجوب. قلت: وجوب تحصيل شرط الواجب يتوقف على أخذ مطلق وجوده شرطا للواجب. أما لو كان المأخوذ شرطا له وجوده لابداعي الامر امتنع وجوب تحصيله، للزوم الخلف، فان حصوله يكون بداعي


(* 1) الوسائل باب: 10 من أبواب صلاة المسافر حديث: 2. (* 2) الوسائل باب: 10 من أبواب صلاة المسافر حديث: 3.

[ 440 ]

الامر، كما هو ظاهر. فان قلت: إذا كان المأخوذ شرطا للصوم الحضر من باب الاتفاق - لامن قبل الامر - لم يجب تحصيله مطلقا، بلا فرق بين شهر رمضان وغيره من الواجب المعين، فلا وجه لدعوى وجوب الاقامة في الواجب المعين غير رمضان. قلت: قيام الدليل الخاص على كون الشرط خصوص الوجود من باب الاتفاق في شهر رمضان لا يقتضي جواز التعدي عنه إلى سائر أنواع الصوم الواجب المعين. اللهم إلا أن يقال: إذا ثبت كون الشرط في صوم رمضان الحضر من باب الاتفاق، فلابد من التعدي إلى غيره، كما تقتضيه قاعدة الالحاق التي استقر بناؤهم على العمل بها في سائر الحدود المعتبرة في صوم رمضان وسائر الموارد، إلا أن يقوم دليل على خلافها. ولاسيما بملاحظة اعتضادها بما ورد في المعين بالنذر، كرواية عبد الله بن جندب: " سمعت من زرارة عن أبي عبد الله (ع): أنه سأله عن رجل جعل على نفسه نذر صوم يصوم، فحضرته نية في زيارة أبي عبد الله (ع). قال (ع): يخرج ولا يصوم في الطريق، فإذا رجع قضى ذلك " (* 1) وقريب منه غيره مما هو مذكور في باب صوم النذر في السفر. ولذلك اختار في الجواهر: عدم وجوب الاقامة في الصوم المعين مطلقا، رمضان كان، أو قضاؤه، أو كفارة أو نذر - وكذا في نجاة العباد - وأمضاه شيخنا الاعظم (ره)، وسيدنا


كذا في صوم الوسائل عن التهذيب. وفى كتاب النذر عن الكافي: " نذرا صوما " (* 2) وبين المتنين إختلافات أخر. فراجع. منه قدس سره. (* 1) الوسائل باب: 10 من أبواب من يصح منه الصوم حديث: 5، التهذيب ج 4 صفحة 333، ج 7 صفحة 306 طبع النجف الاشرف. (* 2) الوسائل باب: 13 من أبواب النذر حديث: 1، الكافي ج 7 صفحة 457 طبع أيران الحديثة.

[ 441 ]

{ (مسألة 5): الظاهر كراهة السفر في شهر رمضان (1) قبل أن يمضي ثلاثة وعشرون يوما (2)، إلا في حج، أو عمرة، أو مال يخاف تلفه، أو أخ يخاف هلاكه (3). (مسألة 6): يكره للمسافر في شهر رمضان (4) } المحقق الشيرازي (ره) وغيرهما. وهذا هو الاقوى. نعم لو كان مقصود الناذر نذر الاقامة والصوم وجبت الاقامة. وكذا الواجب المعين بالاجارة إذا كان المقصود الاجارة على الاقامة والصوم، كما أشرنا إلى ذلك في صلاة المسافر. والله سبحانه أعلم. (1) قد عرفت: أن مقتضى الجمع بين النصوص هو أفضلية الاقامة والصوم. (2) تقدم التحديد بذلك في رواية علي بن أسباط (* 1). (3) تقدم التعرض في النصوص لاستثناء ذلك (* 2). (4) كما هو المشهور، وعن المدارك: أنه مما قطع به الاصحاب. لصحيح ابن سنان: " سألت أبا عبد الله (ع) عن الرجل يسافر في شهر رمضان ومعه جارية له، أفله أن يصيب منها بالنهار؟ فقال (ع): سبحان الله أما يعرف هذا حرمة شهر رمضان؟! إنه له في الليل سبحا طويلا. قلت: أليس له أن يأكل ويشرب ويقصر؟ فقال (ع): إن الله تبارك وتعالى قد رخص للمسافر في الافطار والتقصير رحمة وتخفيفا، لموضع التعب والنصب ووعث السفر، ولم يرخص له في مجامعة النساء في السفر بالنهار في شهر رمضان... (إلى أن قال): وإني إذا سافرت في شهر رمضان ما أكل إلا القوت، وما أشرب كل الري " (* 3) وعن أبي الصلاح:


(* 1)، (* 2) لاحظ ذلك في المسألة: 4 من هذا الفصل. (* 3) الوسائل باب: 13 من أبواب من يصح منه الصوم حديث: 5.

[ 442 ]

{ - بل كل من يجوز له الافطار - (1) التملي من الطعام والشراب وكذا يكره له الجماع في النهار، بل الاحوط تركه (2). وإن كان الاقوى جوازه. } الحرمة، وهو ضعيف لما يأتي. (1) لما يظهر من الصحيح السابق: من أن الموجب للكراهة منافاة ذلك لحرمة الشهر، لا لخصوصية السفر. (2) لما عرفت: من حكاية الحرمة عن أبي الصلاح، وكذا عن الشيخ (ره) للصحيح المتقدم - ونحوه صحيحه الآخر (* 1) وصحيح ابن مسلم عن أبي عبد الله (ع): " إذا سافر الرجل في شهر رمضان فلا يقرب النساء في النهار، فان ذلك محرم عليه " (* 2) لكن يجب حملها على الكراهة، جمعا بينها وبين مادل على الجواز، كصحيح عمر بن يزيد: " سألت أبا عبد الله (ع) عن الرجل يسافر في شهر رمضان، أله أن يصيب من النساء؟ قال (ع): نعم " (* 3) ونحوه غيره مما هو كثير. فلاحظ الباب المعقود له في الوسائل في أبواب من يصح منه الصوم. (4).


(* 1) الوسائل باب: 13 من أبواب من يصح منه الصوم حديث: 6. (* 2) الوسائل باب: 13 من أبوا من يصحح منه الصوم حديث: 8. (* 3) الوسائل باب: 13 من أبواب من يصح منه الصوم حديث: 1. (* 4) الوسائل باب: 13 من أبواب من يصح منه الصوم.

[ 443 ]

{ فصل وردت الرخصة في إفطار شهر رمضان لاشخاص بل قد يجب (1): الاول والثاني: الشيخ والشيخة، إذا تعذر عليهما الصوم (2)، أو كان حرجا ومشقة (3)، فيجوز لهما الافطار. لكن يجب عليهما (4) } فصل (1) وذلك إذا لزم من الصوم ضرر محرم. (2) بلا خلاف أجده فيه، بل الاجماع بقسميه عليه، كما في الجواهر ويشهد له - مضافا الى حكم العقل، وحديث رفع الاضطرار (* 1) - النصوص الكثيرة التي كادت تكون متواترة، كما ستأتي الاشارة إلى بعضها. (3) إجماعا على الظاهر أيضا. ويشهد له - مضافا الى مادل على نفي الحرج (* 2) إطلاق بعض النصوص الآتية. أو صريحها. (4) على المشهور شهرة عظيمة. للامر بالفدية في النصوص الاتية. وعن أبي الصلاح: الاستحباب. ويشهد له الصحيح عن ابراهيم الكرخي: " قلت لابي عبد الله (ع): رجل شيخ لايستطيع القيام الى الخلاء لضعفه، ولا يمكنه الركوع والسجود... (إلى أن قال): قلت: فالصيام. قال (ع): إن كان في ذلك الحد فقد وضع الله تعالى عنه. فان كانت


(* 1) الوسائل باب: 56 من أبواب جهاد النفس. (* 2) راجع المسألة: 10 من فصل ماء البئر ج 1 من هذا الشرح.

[ 444 ]

{ في صورة المشقة (1) - بل في صورة التعذر أيضا - (2) } له مقدرة فصدقة مد من طعام بدل كل يوم أحب إلي. وان لم يكن له يسار ذلك فلا شئ عليه " (* 1) إلا أنه - مع اختصاصه بالعاجز - يمكن حمله عليه جمعا، كما يأتي. (1) بلا خلاف فيه بين القائلين بوجوب الفدية. لصحيح عبد الملك ابن عتبة الهاشمي قال: " سألت أبا الحسن (ع) عن الشيخ الكبير، والعجوز الكبيرة التي تضعف عن الصوم في شهر رمضان. قال (ع): يتصدق عن كل يوم بمد من حنطة " (* 2) وصحيح الحلبي عن أبي عبد الله (ع): " عن رجل كبير يضعف عن صوم شهر رمضان. فقال (ع): يتصدق بما يجزئ عنه طعام مسكين لكل يوم " (* 3) ونحوهما غيرهما. (2) على المشهور. كما يقتضيه إطلاق بعض النصوص الشامل له. وللمشقة. وخصوص خبر أبي بصير، المحكي عن نوادر ابن عيسى قال: " قال أبو عبد الله (ع): " أيما رجل كبير لايستطيع الصيام، أو مرض من رمضان الى رمضان ثم صح، فانما عليه لكل يوم أفطر فيه فدية إطعام، وهو مد لكل مسكين " (* 4) وخبره الآخر عن أبي عبد الله (ع) " قلت له: الشيخ الكبير لا يقدر أن يصوم. فقال (ع): يصوم عنه بعض ولده. قلت: فان لم يكن له ولد. قال (ع): فأدنى قرابته. قلت: فان لم يكن له قرابة. قال (ع): يتصدق بمد في كل يوم. فان لم يكن عنده شئ فليس عليه " (* 5).


(* 1) الوسائل باب: 15 من أبواب من يصح منه الصوم حديث: 10. (* 2) الوسائل باب: 15 من أبواب من يصح منه الصوم حديث: 4. (* 3) الوسائل باب: 15 من أبواب من يصح منه الصوم حديث: 9. (* 4) الوسائل باب: 15 من أبواب من يصح منه الصوم حديث: 12. (* 5) الوسائل باب: 15 من أبواب من يصح منه الصوم حديث: 11.

[ 445 ]

{ التكفير بدل كل يوم بمد من طعام. والاحوط مدان (1). } وعن المفيد والسيد وسلار وابني زهرة وإدريس والمختلف: عدم الوجوب، واختصاصها بصورة المشقة للاصل. ولمناسبة الفدية للقدرة. ولصحيح ابن مسلم عن أبي جعفر (ع): " في قول الله عزوجل: (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين) (* 1) قال (ع): الشيخ الكبير والذي يأخذه العطاش " (* 2) الظاهر في أن موضوع الفدية الطاقة. ولكن لا مجال للاصل مع الدليل. والمناسبة - لو تمت - لا تصلح لاثبات شئ. والصحيح - مع معارضته بما دل على أن الآية منسوخة - غير ظاهر فيما ذكر، لاحتمال كون المراد: " الذين كانوا يطيقونه "، كما في مرسل ابن بكير عن أبي عبد الله (ع) (* 3) ولو سلم فمقتضاه اختصاص الآية بالطاقة، لااختصاص الفدية بها، فلا يعارض مادل على ثبوتها مع العجز أيضا، مما عرفت الاشارة إليه. نعم يمكن الاستشهاد للقول المذكور بالصحيح عن إبراهيم الكرخي المتقدم، بناء على ظهور في العاجز، فانه يقيد مادل باطلاقه على ثبوت الكفارة فيه، ويوجب حمل مادل بالخصوص على وجوبها فيه - كروايتي أبي بصير - على الاستحباب. بل لو سلم إطلاقه يمكن حمله على العاجز، جمعا بينه وبين ما تقدم مما دل على وجوبها في القادر مع المشقة. (1) كما عن الشيخ (ره) فيمن تمكن منهما، جمعا بين مادل على أنها مد واحد، الذي هو المشهور في النصوص، وما دل على أنها مدان، كصحيح ابن مسلم عن أبي جعفر (ع) المتقدم، الذي رواه الشيخ (ره): " في


(* 1) البقرة: 184. (* 2) الوسائل باب: 15 من أبواب من يصح منه الصوم حديث: 3. (* 3) الوسائل باب: 15 من أبواب من يصح منه الصوم حديث: 6.

[ 446 ]

{ والافضل كونهما من حنطة (1). والاقوى وجوب القضاء عليهما لو تمكنا بعد ذلك (2). } الشيخ الكبير والذي به العطاش. قال (ع): يتصدق كل واحد منهما في كل يوم بمدين من طعام " (* 1) بحمل الثاني على القادر عليهما، والاول على العاجز. وفيه - مضافا إلى بعده في أخبار المد -: أنه جمع لا شاهد عليه، فلا يجوز ارتكابه بعد أن كان الجمع العرفي يقتضي حمل الثاني على الاستحباب (1) كما في صحيح الهاشمي المتقدم (* 2) ولم يعرف عامل بظاهره. (2) كما هو المشهور، كما في المستند. لعموم قضاء الفائت. وعن علي ابن بابويه: العدم، وحكي عن جماعة، منهم النافع والمدارك، ويظهر من محكي المراسم والوسيلة والسرائر، وقواه في الرياض والمستند. لصحيح محمد ابن مسلم عن أبي جعفر (ع): " الشيخ الكبير والذي به العطاش لاحرج عليهما أن يفطرا في شهر رمضان. ويتصدق كل واحد منهما في كل يوم بمد من طعام، ولاقضاء عليهما " (* 3) ويشير إليه صحيح الحلبي المتقدم (* 4) ورواية أبى بصير المحكية عن النوادر (* 5) ورواية ابن فرقد فيمن ترك الصيام: " إن كان من مرض فإذا برئ فليقضه. وإن كان من كبر


(* 1) الوسائل باب: 15 من أبواب من يصح منه الصوم حديث: 2. ولا يخفى: أنه ليس هو بالصحيح لمحمد بن مسلم المتقدم في التعليقة السابقة، كما يظهر ذلك بمراجعة الوسائل، والتهذيب ج 4 صفحة 238 طبع النجف الاشرف والاستبصار ج 2 صفحة 104 طبع النجف الاشرف. بل هو الصحيح الآتي له قريبا، مع تغيير يسير. فلاحظ. (* 2) تقدم ذلك قريبا في هذه المسألة. (* 3) الوسائل باب: 15 من أبواب من يصح منه الصوم حديث ة 1. (* 4)، (* 5) تقدما قريبا في هذه المسألة.

[ 447 ]

{ الثالث: من به داء العطش (1) فانه يفطر، سواء كان بحيث لا يقدر على الصبر، أو كان فيه مشقة. ويجب عليه التصدق بمد. والاحوط مدان. من غير فرق بين ما إذا كان مرجو الزوال إم لا (2). والاحوط - بل الاقوى - وجوب القضاء عليه إذا تمكن بعد ذلك (3). } أو عطش فبدل كل يوم مد " (* 1). ودعوى: انصرافها إلى غير المتمكن من القضاء ممنوعة. كما يظهر بأقل تأمل فيها. ولاسيما بملاحظة ذكر ذي العطاش الممنوع فيه الغلبة. والمقابلة بين المريض والشيخ الظاهرة في اختلافهما في الحكم. فلاحظ. (1) إجماعا حكاه غير واحد، منهم العلامة في محكي التذكرة، والتحرير، والمنتهى. لما دل على رفع الاضطرار والحرج. وللنصوص المتقدم بعضها في الشيخ، التي منها يستفاد أن الفدية مد واحد. كما هو المشهور نصا وفتوى. وعن الشيخ: أنها مدان لمن تمكن منهما. للصحيح المتقدم وتقدم الجواب عنه. (2) لاطلاق أدلة الفدية. وعن العلامة في جملة من كتبه: نفي الفدية مع رجاء البرء، وتبعه عليه في جامع المقاصد. للاصل. وكونه من المريض الذي لا كفارة عليه. وهو - كما ترى - لا يصلح لمعارضة ما سبق. ومثله: ما عن سلار في المراسم: من نفيها مع اليأس من البرء، لاصالة البراءة. (3) كما هو المشهور ظاهرا. لعموم قضاء الفائت - كما سيأتي - ولقوله تعالى: (ومن كان مريضا...) (* 2) وفيه: أن العموم مخصص بصحيحي ابن مسلم وغيرهما. والآية غير ظاهرة الشمول لما نحن فيه، لقرب دعوى


(* 1) الوسائل باب: 10 من ابواب الصوم المندوب حديث: 1. (* 2) البقرة: 185.

[ 448 ]

{ كما أن الاحوط أن يقتصر على مقدار الضرورة (1). } انصرافها إلى غيره، كما يعطيه خبر داود بن فرقد المتقدم. ولو سلم فهي أيضا مخصصة بما عرفت. ودعوى: أن بينه وبينها عموما من وجه، لاختصاصها بالمرض الزائل إذ الظاهر من: " أيام أخر " غير أيام المرض. وعمومه له وللمستمر، والمرجع في مورد التعارض عموم القضاء. مندفعة: بأنه لو سلم فحيث أن المرض المتقدم في الشرط هو في أيام شهر رمضان فغير أيامه يراد بها غير أيام شهر رمضان، سواء أكان فيها مرض آخر أم لم يكن. ولا وجه لتخصيصها بما لا يكون فيها مرض أصلا، وإرادة غير أيام مطلق المرض خلاف الظاهر. فان قلت: إذا كان المرض في شهر رمضان مسوغا للافطار كان مسوغا له في غيره بالاولوية، فلابد من حمل (الايام الاخر) على غير أيام مطلق المرض، لا خصوص المرض السابق. قلت: هذا بعينه جار في الصحيحين، فنفي القضاء فيهما لابد أن يكون بملاحظة حال البرء من العطاش - لا حاله - فيكونان أيضا أخص. هذا مضافا إلى ما يفهم من نصوص الباب في الموارد الثلاثة، من كون الفدية بدلا عن نفس الصوم بمنزلة القضاء، يتدارك بها مصلحته، لابدلا عن خصوصية الوقت. ولذا لا تجب في المريض، والمسافر، والحائض، والنفساء، وغيرهم من المعذورين - فتأمل جيدا - فإذا القول بنفي القضاء - كما عن بعض - في محله. (1) فعن بعض: وجوب الاقتصار عليها، لرواية عمار عن أبي عبد الله (ع): " في الرجل يصيبه العطش حتى يخاف على نفسه. قال (عليه السلام): يشرب بقدر ما يمسك به رمقه، ولا يشرب حتى

[ 449 ]

{ الرابع: الحامل المقرب التي يضرها الصوم (1)، أو يضر حملها (2)، فتفطر، وتتصدق (3) } يروى " (* 1) وفيه: أنه أجنبي عما نحن فيه، لاختصاصه بمن يعرض له العطش اتفاقا في نهار الصوم. وكذا رواية المفضل عنه (ع): " إن لنا فتيانا وبنات لا يقدرون على الصيام من شدة ما يصيبهم من العطش. قال (ع): فليشربوا بمقدار ما تروى به نفوسهم وما يحذرون " (* 2) مع الاشكال في اعتبارها، لجهالة اسماعيل بن مرار، وقد مر الكلام فيه في مرسلة يونس في مستمرة الدم. فلا مجال لرفع اليد عن الاطلاق. (1) بلا خلاف ولا إشكال، وفي الجواهر: الاجماع بقسميه عليه. لعموم مادل على نفي الضرر والحرج. ولصحيح محمد بن مسلم قال: " سمعت أبا جعفر (ع) يقول: الحامل المقرب، والمرضعة القليلة اللبن لاحرج عليهما أن تفطرا في شهر رمضان، لانهما لا تطيقان. وعليهما أن تتصدق كل واحدة منهما في كل يوم تفطران فيه بمد من طعام. وعليهما قضاء كل يوم أفطرتا فيه، تقضيانه بعد " (* 3). (2) اتفاقا. لاطلاق النص وغيره. (3) بلا خلاف ظاهر فيه إذا كان الخوف على الولد. وكذا لو كان على نفسها، كما اختاره جماعة. لاطلاق الصحيح. وعن المشهور - كما في محكي المسالك -: عدم الكفارة حينئذ، بل في محكي الدروس: نسبة التقييد بالولد الى الاصحاب. ولا يخلو من تأمل، إذ قيل: " لم نقف على مصرح بالتفصيل إلا فخر الاسلام وبعض من تأخر عنه ".


(* 1) الوسائل باب: 16 من ابواب من يصح منه الصوم حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 16 من ابواب من يصح منه الصوم حديث: 2. (* 3) الوسائل باب: 17 من ابواب من يصح منه الصوم حديث: 1.

[ 450 ]

{ من مالها (1) بالمد أو المدين (2)، وتقضي بعد ذلك (3). الخامس: المرضعة القليلة اللبن (4) إذا أضر بها الصوم } وكيف كان فليس له وجه ظاهر في قبال إطلاق الصحيح. وانتفاء الكفارة في المريض وكل من خاف على نفسه، لا يكفي في قياس المقام عليه (1) كما نص عليه جماعة من الاعاظم. لظهور الامر بها في ذلك كالقضاء. وليست من النفقة الواجبة، لتكون على الزوج. ويشهد به: ما ورد في من أكره زوجته على الجماع في نهار رمضان، وأنه عليه كفارتان وإن طاوعته فعليه كفارة وعليها كفارة. (2) يعني: على الخلاف المتقدم. (3) على المشهور، وعن الخلاف: دعوى الاجماع عليه. للصحيح وعن علي بن بابويه وسلار: العدم. ولا يعرف له وجه إلا الصحيح عن محمد بن جعفر: " قلت لابي الحسن (ع): إن امرأتي جعلت على نفسها صوم شهرين، فوضعت ولدها، وأدركها الخبل، فلم تقو على الصوم. قال (ع): فلتتصدق مكان كل يوم بمد على مسكين " (* 1) وهو - مع أنه غير ما نحن فيه - ليس له ظهور يقوى على صرف الصحيح الى الاستحباب. (4) اتفاقا، كالحامل. للصحيح المتقدم فيها، ولمكاتبة ابن مهزيار المروية عن مستطرفات السرائر: " كتبت إليه (يعني: علي بن محمد) أسأله عن امرأة ترضع ولدها وغير ولدها في شهر رمضان، فيشتد عليها الصوم - وهي ترضع - حتى يغشى عليها، ولا تقدر على الصيام، أترضع وتفطر وتقضي صيامها إذا أمكنها، أو تدع الرضاع وتصوم. فان كانت مما لا يمكنها اتخاذ من يرضع ولدها فكيف تصنع؟ فكتب (ع): إن كانت ممن يمكنها اتخاذ ضئر استرضعت لولدها أو أتمت صيامها. وإن كان ذلك لا يمكنها


(* 1) الوسائل باب: 17 من ابواب من يصح منه الصوم حديث: 2.

[ 451 ]

{ أو أضر بالولد (1). ولا فرق بين أن يكون الولد لها، أو متبرعة برضاعه، أو مستأجرة (2). ويجب عليها التصدق بالمد أو المدين أيضا من مالها (3)، والقضاء بعد ذلك. والاحوط - بل الاقوى - الاقتصار على صورة عدم وجود من يقوم مقامها في الرضاع (4) تبرعا، أو بأجرة من أبيه، أو منها، أو من متبرع. } أفطرت وأرضعت ولدها، وقضت صيامها متى ما أمكنها " (* 1). (1) لاطلاق الصحيح. (2) كما نص عليه في محكي الدروس وغيره. لاطلاق الصحيح، وصريح المكاتبة. (3) الكلام فيه كما سبق في الحامل قولا ودليلا. وكذا الحال فيما بعده (4) كما يقتضيه صريح المكاتبة، فيقيد بها إطلاق الصحيح. بل قد يشير إلى ذلك قوله (ع) في الصحيح: " لاحرج عليهما "، فانه مع إمكان ارتضاع الولد من غيرها لاحرج في الصوم. وكذا التعليل فيه بعدم الطاقة فان مقتضى تطبيقه على الارتكازي العرفي حمله على خصوص الصورة المذكورة. ولا ينافي ذلك تصريح الاصحاب: بعدم الفرق بين الام والمتبرعة إذ المراد من المتبرعة المرضعة مجانا، وان وجب عليها ذلك للانحصار. وضعف سند المكاتبة غير ظاهر، لروايتها عن الحميري عن ابن مهزيار الجليلين، ومن القريب جدا: أن يكون الحلي قد عثر على ما يوجب له اليقين برواية الحميري لها. فلاحظ.


(* 1) الوسائل باب: 17 من ابواب من يصح منه الصوم حديث: 3.

[ 452 ]

{ فصل في طرق ثبوت هلال رمضان وشوال للصوم والافطار، وهي أمور (1): الاول: رؤية المكلف نفسه. الثاني: التواتر. الثالث: الشياع المفيد للعلم وفي حكمه كل ما يفيد العلم ولو بمعاونة القرائن. فمن حصل له العلم بأحد الوجوه المذكورة وجب عليه العمل به وإن لم يوافقه أحد، بل وإن شهد ورد الحاكم شهادته. الرابع: مضي ثلاثين يوما من هلال شعبان، أو ثلاثين يوما من هلال رمضان، فانه يجب الصوم معه في الاول، } فصل في طرق ثبوت هلال رمضان وشوال (1) الطرق الاربعة الاول كلها راجعة إلى العلم، الذي هو حجة بنفسه. وتعرض الاصحاب لذكرها - كاشتمال النصوص على بعضها - كان تنبيها على أسباب العلم، لا لخصوصية فيها، كما هو واضح. هذا والنصوص قد تعرضت للاول، وهي متجاوزة حد التواتر، كصحيح الحلبي عن أبي عبد الله (ع) - في حديث -: " فإذا رأيت الهلال فصم، وإذا رأيته فأفطر " (* 1) كما تعرضت للثاني، مثل خبر عبد الرحمن


(* 1) الوسائل باب: 3 من ابواب أحكام شهر رمضان حديث: 7.

[ 453 ]

{ والافطار في الثاني. الخامس البينة الشرعية (1)، وهي خبر عدلين، سواء } " عن هلال رمضان يغم علينا في تسع وعشرين من شعبان. فقال (ع): لاتصم ذلك اليوم، إلا أن يقضي أهل الامصار، فان فعلوا فصمه " (* 1) ونحوه غيره. ويحتمل أن يكون المراد بها الثالث. كما أنها استفاضت في الرابع، كصحيح محمد بن قيس: " فان غم عليكم فعدوا ثلاثين ليلة ثم أفطروا " (* 2) ونحوه غيره، الوارد بعضه في هلال شهر رمضان، وبعضه في هلال شوال. (1) بلا خلاف ظاهر في ذلك في الجملة. نعم في الشرائع: حكاية القول بعدم القبول مطلقا، ولم يعرف قائله، كما اعترف به في الجواهر وغيرها. ويدل عليه - مضافا إلى إطلاق مادل على حجية البينة، كخبر مسعدة بن صدقة، حسب ما تقدم تقريب دلالته في المياه (* 3) - موثق منصور ابن حازم عن أبي عبد الله (ع): " فان شهد عندك شاهدان مرضيان بأنهما رأياه فاقضه " (* 4) وصحيح الحلبي عن أبي عبد الله (ع) قال: " قال علي (ع): لاتقبل شهادة النساء في رؤية الهلال، إلا شهادة رجلين عدلين " (* 5) وصحيحه الآخر عن أبي عبد الله (ع): " إن عليا (ع) كان يقول: لا أجيز في رؤية الهلال إلا شهادة رجلين عدلين " (* 6) ونحوها غيرها.


(* 1) الوسائل باب: 12 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث: 3. (* 2) الوسائل باب: 5 من ابواب أحكام شهر رمضان: 11. (* 3) لاحظ المسألة: 6 من فصل ماء البئر من الجزء الاول من هذا الشرح. (* 4) الوسائل باب: 11 من ابواب أحكام شهر رمضان حديث: 4. (* 5) الوسائل باب: 11 من ابواب أحكام شهر رمضان حديث: 7. (* 6) الوسائل باب: 11 من ابواب أحكام شهر رمضان حديث: 1.

[ 454 ]

نعم يعارضها، خبر إبراهيم بن عثمان الخزاز عن أبي عبد الله (ع): " قلت له: كم يجزئ في رؤية الهلال؟ فقال (ع): إن شهر رمضان فريضة من فرائض الله تعالى فلا تؤدى بالتظني، وليس رؤية الهلال أن يقوم عدة فيقول واحد: قد رأيته، ويقول الآخرون: لم نره، إذا رآه واحد رآه مائة، وإذا رآه مائة رآه الف. ولا يجزئ في رؤية الهلال - إذا لم يكن في السماء علة - أقل من شهادة خمسين. وإذا كانت في السماء علة قبلت شهادة رجلين يدخلان ويخرجان من مصر " (* 1) وخبر حبيب الخزاعي (الخثعمي الجماعي): " قال أبو عبد الله (ع): لا تجوز الشهادة في رؤية الهلال دون خمسين رجلا، عدد القسامة. وإنما تجوز شهادة رجلين إذا كانا من خارج المصر - وكان بالمصر علة - فأخبرا أنهما رأياه، أو أخبرا عن قوم صاموا للرؤية " (* 2) وكأنه لاجلها اختار جماعة عدم قبول البينة إذا لم يكن في السماء علة كالصدوق، والشيخ، وبني حمزة وزهرة والبراج، والحلبي - على ما حكي عنهم - على اختلاف في عباراتهم المحكية، من حيث اعتبار كونهما من خارج البلد أيضا إذا كانت في السماء علة - كما هو ظاهر الخبرين - أو يكفي أحد الامرين، من العلة والخروج عن البلد. وكيف كان فالقول المذكور ضعيف، لا لضعف الخبرين - لان الظاهر اعتبار الاول، مع الانجبار بعمل الاجلاء - بل لان الظاهر الخبرين عدم حجية البينة مع الاطمئنان النوعي بالخطأ، كما يشير إليه قوله (ع) في الاول: " فلا تؤدى بالتظني "، وقوله (ع): " إذا رآه واحد رآه مائة... ". فالممنوع من حجية البينة خصوص الصورة التي هي مورد الملازمة


(* 1) الوسائل باب: 11 من ابواب أحكام شهر رمضان حديث: 11. (* 2) الوسائل باب: 11 من ابواب أحكام شهر رمضان حديث: 13.

[ 455 ]

{ شهدا عند الحاكم وقبل شهادتهما، أو لم يشهدا عنده، أو شهدا ورد شهادتهما (1). فكل من شهد عنده عدلان يجوز بل يجب عليه ترتيب الاثر (2)، من الصوم أو الافطار. ولافرق بين أن تكون البينة من البلد أو من خارجه، وبين وجود العلة في السماء وعدمها (3). نعم يشترط توافقهما في الاوصاف، فلو اختلفا فيها لا اعتبار بها (4). نعم لو أطلقا، } المذكورة لا مطلقا. ولذا تضمنا جواز الاعتماد عليها مع العلة، وكون المخبر من خارج البلد، لانتفاء الملازمة المذكورة حينئذ، الموجب لانتفاء الاطمئنان بالخطأ نوعا. وهذا أمر آخر غير القول المذكور. اللهم إلا أن يكون مراد القائل ذلك. وحينئذ لا بأس بالالتزام به، للخبرين المذكورين، المطابقين لبناء العقلاء في باب حجية الخبر. (1) كما نص عليه غير واحد من دون نقل خلاف فيه. ويقتضيه إطلاق النصوص. (2) إذ بقيام الحجة يتنجز وجوب الصوم أو الافطار. (3) على ما عرفت. (4) كما نص عليه غير واحد، مرسلين له إرسال المسلمات. وهو كذلك لامن جهة أن ظاهر دليل حجية البينة كون موضوعه الخبرين الحاكيين عن مفهوم واحد، وليس كذلك في الفرض، لان الذات المقيدة بوصف غير الذات المقيدة بضده. فان ذلك ممنوع، بل الظاهر كون موضوعه الخبرين الحاكيين عن خارجي واحد ولو بتوسط مفهومين مختلفين، ولذا لا إشكال عندهم في قبول البينة مع اختلاف الشاهدين في الاوصاف غير المتضادة. بل لان الاختلاف بالاوصاف المتضادة مانع من الحكاية عن خارجي واحد

[ 456 ]

{ أو وصف أحدهما وأطلق الآخر كفى (1). ولا يعتبر اتحادهما } بل يؤدي إلى التكاذب، فلا يمكن أخذ القدر المشترك بين الخبرين. فلو شهد أحدهما برؤية الهلال المحدب الى الارض، والآخر برؤية الهلال المحدب إلى الشمال، فالمدلول الالتزامي للخبر الاول عدم الهلال المحدب الى الشمال والمدلول الالتزامي للخبر الثاني عدم الهلال المحدب الى الارض. وكما أن القدر المشترك بين المدلولين المطابقيين للخبرين هو نفس وجود الهلال، كذلك القدر المشترك بين المدلولين الالتزاميين لهما هو عدم الهلال، فالاخذ بأحد المدلولين دون الآخر ترجيح بلا مرجح. والعمدة في عدم الاعتبار بشهادة الشاهدين مع اختلافهما في الاوصاف المتضادة: هو عدم حكايتهما عن وجود خارجي واحد، بل كل واحد يحكي عن وجود غير ما يحكيه الآخر، فلا يكون خبرهما بينة. هذا إذا كان خبر كل منهما عن الموصوف بنحو وحدة المطلوب. أما إذا كان بنحو تعدد المطلوب وجب قبولهما، لاشتراك الخبرين في الحكاية عن ذات الموصوف بنحو مفاد كان التامة، والاختلاف في وصفه - بنحو مفاد كان الناقصة - غير قادح، كما لو اتفقا على الاخبار بوجود شئ واختلفا في الاخبار عن وجود شئ آخر. وعلامة ذلك: أن لو تبين للشاهد الخطأ في الشهادة بالوصف بقي مصرا على الشهادة بذات الموصوف بخلاف مالو كان الاخبار عن الموصوف بما هو موصوف على نحو وحدة المطلوب، فانه لو تبين له الخطأ في الشهادة بالوصف عدل عن الشهادة بذات الموصوف. وقد أشرنا إلى ذلك في مباحث المياه في أوائل الكتاب فراجع. وعلى هذا فاطلاق ما في المتن وغيره: من عدم الاعتبار مع الاختلاف في غير محله. (1) لما عرفت من الاشتراك في الحكاية عن أمر خارجي واحد،

[ 457 ]

{ في زمان الرؤية (1) مع توافقهما على الرؤية في الليل (2). } بلا تكاذب بين الخبرين، ليؤدي الى المحذور السابق. (1) إذ لا مقتضي لذلك بعد اشتراكهما في الحكاية عن وجوده، مع كون وجوده في أحد الزمانين ملازما لوجوده في الزمان الآخر. (2) فلو اختلفا فيها - كما لو شهد أحدهما برؤيته ليلة الاثنين والآخر برؤيته ليلة الثلاثاء - لم يثبت في كلتا الليلتين، لعدم اشتراك الخبرين في أمر واحد. نعم لازم شهادة الاول كون يوم الثلاثاء من الشهر، فيشترك الاول بمدلوله الالتزامي مع الثاني بمدلوله الالتزامي أيضا. إلا أن هذا المقدار من الاشتراك غير كاف في الدخول تحت موضوع الحجية، لاختصاصه بشهادة الشاهدين بأمر واحد، والمدلول الالتزامي ليس مشهودا به لهما، ولابد من صدق البينة من اتحاد المشهور به. فان قلت: قد تكرر مرارا وتحقق: إمكان التفكيك بين المدلول المطابقي والالتزامي في الحجية، فلم لا يكون الخبران حجة في المدلول الالتزامي لاشتراكهما فيه، وليسا بحجة في المدلول المطابقي لعدم الاشتراك؟! قلت: إذا ثبت حجية شئ أمكن حينئذ التفكيك بين مداليله في الحجية. والخبر الاول لما كان خبرا واحدا، فليس بحجة، وكذا الخبر الثاني، فلا وجه لحجيتهما في المدلول الالتزامي. واشتراكهما في ذلك المدلول بالالتزامي لا يجدي في وجوب ترتيب الاثر عليه واعتباره، لما عرفت من اختصاص دليل حجية البينة بما إذا اتحد المشهود به. نعم لو كان اللزوم بينا بالمعنى الاخص، وموجبا لكون الدلالة الالتزامية لفظية، كفى الاشتراك في الدلالة عليه في صدق البينة، والدخول تحت دليل الحجية، لتحقق الحكاية حينئذ للخبرين عن أمر واحد. وبالجملة: إذا اشترك الخبران في الحكاية عن أمر واحد بالدلالة

[ 458 ]

{ ولا يثبت بشهادة النساء (1)، } اللفظية - مطابقة، أو تضمنا، أو التزاما، أو مختلفة - صدق مفهوم البينة وثبتت الحجية في كل واحد من المداليل المذكورة، لاطلاق دليل الحجية كما أنه لامانع من التفكيك بينها في الحجية إذا قام دليل على نفي الحجية في واحد منها، فتبقى البينة حجة في الآخر. أما إذا كان أحد الخبرين حاكيا عنه بالالتزام العقلي، لعدم كون اللزوم بينا بالمعنى الاخص، فلا عبرة بالخبرين معا، لانتفاء البينة، فينتفي حكمها وهو الحجية، فضلا عما إذا كان كل واحد منهما حاكيا كذلك. ومن هنا يظهر أنه لو شهد عدل برؤية هلال شعبان ليلة الاثنين، وآخر برؤية هلال شهر رمضان ليلة الاربعاء بعد ثلاثين ليلة، فقبول شهادتهما لاثبات كون الاربعاء من شهر رمضان موقوف على كون دلالة شهادة الاول بالالتزام على كون الاربعاء من شهر رمضان من الدلالة اللفظية، لكون اللزوم بينا بالمعنى الاخص. لكنه ليس كذلك، فلا وجه للقبول. (1) إجماعا، كما عن غير واحد. لصحيح الحلبي المتقدم (* 1) وصحيح حماد: " لا تجوز شهادة النساء في الهلال " (* 2) ونحوهما صحاح ابن مسلم (* 3) وعبد الله بن سنان (* 4) والعلاء (* 5) وغيرها. وما في خبر داود بن الحصين: " لا بأس في الصوم بشهادة النساء " (* 6) مطروح قطعا.


(* 1) تقدم ذلك في أول الفصل. (* 2) الوسائل باب: 11 من ابواب أحكام شهر رمضان حديث: 3. (* 3) الوسائل باب: 11 من ابواب أحكام شهر رمضان حديث: 2. (* 4) الوسائل باب: 24 من ابواب الشهادات حديث: 10. (* 5) الوسائل باب: 24 من ابواب الشهادات حديث: 19. (* 6) الوسائل باب: 11 من ابواب أحكام شهر رمضان حديث: 15.

[ 459 ]

{ ولا بعدل واحد (1)، ولو مع ضم اليمين. السادس: حكم الحاكم (2) } (1) كما هو المشهور. وعن سلار: الاكتفاء به في الصوم دون الافطار واستشهد له بصحيح محمد بن قيس عن أبي جعفر (ع): " قال أمير المؤمنين (ع): إذا رأيتم الهلال فافطروا، أو شهد عليه عدل من المسلمين " (* 1) وفيه - مع أن المحكي عن بعض نسخه: (عدول) (* 2) بدل (عدل) (* 3)، أو (بينة عدل) (* 4)، كما في الوسائل، والبينة رجلان. وأن العدل يطلق على الواحد والكثير، كما نص عليه أهل العربية. وأن مورده الافطار، الذي لا يقول به هو -: أنه لا يصلح لمعارضة ما سبق، مما هو أصح سندا وأكثر عددا، وموافق للاجماع ممن عداه. (2) كما هو ظاهر الاصحاب. كما عن الحدائق. لاطلاق مادل على وجوب قبوله ونفوذه، وعدم جواز رده. ولصحيح محمد بن قيس عن أبي جعفر (ع): " إذا شهد عند الامام شاهدان أنهما رأيا الهلال منذ ثلاثين يوما أمر الامام بالافطار ذلك اليوم، إذا كانا شهدا قبل زوال الشمس، وإن شهدا بعد زوال الشمس أمر الامام بالافطار ذلك اليوم، وأخر الصلاة


(* 1) الوسائل باب: 5 من ابواب أحكام شهر رمضان حديث: 11. (* 2) الوسائل باب: 8 من ابواب أحكام شهر رمضان حديث: 1. والتهذيب ج 4 ص 177 طبع النجف الاشرف. وفيها: " واشهدوا عليه عدولا... ". (* 3) الوسائل باب: 5 من ابواب أحكام شهر رمضان حديث: 11، التهذيب ج 4 ص 158 طبع النجف الاشرف، الاستبصار ج 3 ص 73 طبع النجف الاشرف، الفقيه ج 2 ص 77 طبع النجف الاشرف. (* 4) الوسائل باب: 11 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث: 6. ولكن في الاستبصار ج 2 ص 64 طبع النجف الاشرف: " بينة عدول من المسلمين ".

[ 460 ]

إلى الغد فصلى بهم " (* 1) والتوقيع الذي رواه اسحاق بن يعقوب: " وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فانهم حجتي عليكم، وأنا حجة الله " (* 2). ويشكل الاول: بأن التمسك به فرع إحراز موضوعه - وهو الحكم الذي هو وظيفة المجتهد - فلا يصلح لاثبات موضوعه. نعم لو ثبت إطلاق يقتضي نفوذ حكم الحاكم في كل شئ كفى ذلك في نفوذه في المقام. لكنه غير ثابت. والثاني مختص بالامام الظاهر في إمام الحق، ولا يجدي فيما نحن فيه. إلا أن يقوم ما يدل على أن الحاكم الشرعي بحكم الامام، وله كل ما هو وظيفته. وأما التوقيع الشريف فلا يخلو من إجمال في المراد، وأن الرجوع إليه هل هو في حكم الحوادث، ليدل على حجية الفتوى؟! أو حسمها ليدل على نفوذ القضاء؟ أو رفع إشكالهما وإجمالها، ليشمل ما نحن فيه؟. وإن كانت لاتبعد دعوى انصرافه الى خصوص مالابد من الرجوع فيه الى الامام، وليس منه المقام، لامكان معرفة الهلال بالطرق السابقة. وكأنه لاجل ذلك اختار بعض أفاضل المتأخرين: العدم، وتبعه في الحدائق والمستند على ما حكي. هذا ويمكن الاستدلال له بما ورد في مقبولة ابن حنظلة، من قوله (ع): " ينظران من كان منكم ممن قد روى حديثنا، ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا، فليرضوا به حكما، فاني قد جعلته عليكم حاكما " (* 3) وقوله (ع) في خبر أبي خديجة: " اجعلوا بينكم رجلا قد عرفت حلالنا وحرامنا فاني قد جعلته عليكم قاضيا " (* 4) فان مقتضى اطلاق التنزيل ترتيب جميع


(* 1) الوسائل باب: 6 من ابواب أحكام شهر رمضان حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 11 من ابواب صفات القاضي حديث: 9. (* 3) الوسائل باب: 11 من ابواب صفات القاضي حديث: 1. (* 4) الوسائل باب: 11 من ابواب صفات القاضي حديث: 6.

[ 461 ]

وظائف القضاة والحكام، ومنها الحكم بالهلال، فانه لا ينبغي التوقف عن الجزم بأنه من وظائفهم التي كانوا يتولونها. فانه لم يكن بناء المسلمين في عصر صدور هذه النصوص وغيره على الاقتصار في الصوم والافطار على الطرق السابقة، أعني: الرؤية، والبينة، فمن قام عنده بعض تلك الطرق أفطر مثلا، ومن لم يقم عنده شئ منها بقي على صومه، بل كانوا يرجعون إلى ولاة الامر، من الحكام، أو القضاء، فإذا حكموا أفطروا بمجرد الحكم. وأقل سبر وتأمل كاف في وضوح ذلك، كيف! ولولاه لزم الهرج والمرج. ويشير إلى ذلك: صحيح محمد بن قيس المتقدم، والمرسل المتضمن شهادة الاعرابي برؤية الهلال، وأمر النبي صلى الله عليه وآله مناديا ينادي: " من لم يأكل فليصم. ومن أكل فليمسك " المتقدم في تأخير النية إلى ما قبل الزوال للمعذور (* 1) وخبر أبي الجارود: " الفطر يوم يفطر الناس، والاضحى يوم يضحي الناس، والصوم يوم يصوم الناس " (* 2) المتقدم في استعمال المفطر تقية، وما تضمن قول الصادق (ع) لابي العباس: " ما صومي إلا بصومك، ولا إفطاري إلا بافطارك " (* 3) ونحوها. والظاهر أنه لافرق في ذلك بين أن يكون مستند الحكم البينة أو الشياع العلمي، وبين أن يكون علم الحاكم بنفسه، بناء على جواز حكمه بعلمه - كما هو الظاهر - حسب ما تحقق في محله من كتاب القضاء، فانه إذا صح له الحكم به وجب ترتيب الاثر عليه، لما دل على وجوب قبوله، وحرمة رده. فالتردد فيه - كما عن المدارك - غير ظاهر.


(* 1) راجع صفحة: 214. (* 2) الوسائل باب: 57 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 7. (* 3) الوسائل باب: 57 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 6.

[ 462 ]

{ الذي لم يعلم خطؤه، ولا خطأ مستنده (1)، } (1) لا ينبغي التأمل في عدم جواز العمل بالحكم إذا علم بخطئه الواقع - كما إذا حكم بكون الجمعة أول شوال، وعلمنا بكونه من شهر رمضان - لان حكم الحاكم ليس ملحوظا في نظر الشارع الاقدس عنوانا مغيرا للاحكام وجودا، وعدما، بل هو طريق - كسائر الطرق - حجة على الواقع في ظرف الشك فيه، فإذا علم الواقع انتفى موضوع الحجية، لامتناع جعل الحجة على الواقع في ظرف العلم به، مصيبة كانت الحجة أم مخطئة. وكذا لا مجال للعمل به إذا علم تقصير الحاكم في مقدمات الحكم، لان تقصيره مسقط له عن الاهلية للحكم، فلا يكون موضوعا لوجوب القبول وحرمة الرد. ولان الحكم حينئذ يكون فاقدا لبعض الشرائط المعتبرة فيه عند الحاكم، ويراه حكما على خلاف حكمهم (ع)، فكيف يحتمل وجوب العمل به منه أو من غيره؟! وكذا لو فقد بعض الشرائط غفلة من الحاكم، كما لو حكم تعويلا على شهادة الفاسقين غفلة عن كونهما كذلك، أو غفلة عن اعتبار عدالة الشاهد. أما إذا كان جامعا للشرائط المعتبرة فيه في نظره، بعد بذله الجهد في معرفتها والاجتهاد الصحيح في إثباتها، لكن كان الخطأ منه في بعض المبادئ - كما لو شهد له عنده فاسقان مجهولا الحال عنده، فطلب تزكيتهما بالبينة، واعتمد في ثبوت عدالتهما على البينة العادلة، التي قد أخطأت في اعتقاد عدالتهما - وجب العمل بالحكم، لانه حكم صحيح في نظر الحاكم فيدخل تحت موضوع وجوب القبول وحرمة الرد. وهكذا كل مورد كان فيه الخطأ من الحاكم في بعض المبادئ في الشبهات الموضوعية، أو الحكمية كما لو أدى اجتهاده الى حجية الشياع الظني - كما عن التذكرة والمسالك وغيرهما - لان الظن الحاصل منه أقوى من الظن الحاصل بالبينة، فيدل

[ 463 ]

{ كما إذا استند إلى الشياع الظني (1). } على حجيته ما يدل على حجيتها بالفحوى. أو أدى الى حجية الرؤية قبل الزوال على كون ذلك اليوم من الشهر اللاحق أو نحو ذلك. ففي جميع هذه الموارد يجب العمل بالحكم، لدخوله تحت دليل الحجية. وبالجملة: عموم الدليل المتقدم يقتضي وجوب العمل بكل حكم، إلا في حال العلم بمخالفته للواقع. أو صدوره عن تقصير في بعض المبادئ أو غفلة توجب صدور حكمه على خلاف رأي الحاكم واجتهاده. (1) سبق العبارة يقتضي كونه مثالا لخطأ المستند. ولكنه غير ظاهر بل هو خطأ في الاستناد، فيكون مثالا لخطأ الحاكم. وكيف كان فلا يتضح الوجه في عدم حجية الحكم إذا أدى نظر الحاكم إلى حجية الشياع الظني، وقد عرفت دخوله في عموم الحجية. فان قلت: إذا كان المكلف لا يرى حجية الشياع الظني، كان حكم الحاكم - اعتمادا عليه - حكما على خلاف حكمهم (ع) في نظر المكلف فلا يجب قبوله. ومجرد كونه معذورا في حكمه على طبق اجتهاده لا يلزم منه وجوب العمل على ما يراه مخطئا في اجتهاده، ولاسيما وأن ذلك خلاف المرتكز العقلائي في الحجج. قلت: لو تم هذا اقتضى عدم نفوذ حكم الحاكم على من يخالفه في الرأي، اجتهادا أو تقليدا، وهذا - مع أنه خلاف المقطوع به، إذ لازمه عدم صلاحية الحاكم لحسم التداعي إذا كان ناشئا من الاختلاف في الاحكام الكلية، فان حكمه حينئذ لابد أن يكون مخالفا لهما، أو لاحدهما، فلو بني على عدم نفوذ حكم الحاكم المخالف في الرأي لزم أن يكون التداعي بلا حاسم، والالتزام به كما ترى - خلاف ما يستفاد من مقبولة عمر بن حنظلة، حيث دلت على وجوب الرجوع الى الحاكم المجتهد إذا كان النزاع في ميراث (* 1) الظاهر في كونه نزاعا في الحكم


(* 1) تقدم ذلك في أوائل الامر السادس من هذا الفصل.

[ 464 ]

{ ولا يثبت بقول المنجمين (1)، ولا بغيبوبة الشفق في الليلة الاخرى (2). } الكلي، لافي الموضوع الخارجي. وأقوى منه في الدلالة على ذلك: ما في ذيلها من الرجوع إلى قواعد التعارض عند اختلاف الحكمين، إذ ذلك إنما يكون وظيفة المجتهد، كما يظهر بأقل تأمل. وقد أشار الى بعض ما ذكرنا المصنف (ره) في قضائه، تبعا لما في الجواهر، قال (ره): " ولايجوز له (يعني: لحاكم آخر) نقضه، إلا إذا علم علما قطعيا بمخالفته للواقع، بأن كان مخالفا للاجماع المحقق أو الخبر المتواتر، أو إذا تبين تقصير في الاجتهاد. ففي غير هاتين الصورتين لا يجوز له نقضه وان كان مخالفا لرأيه، بل وإن كان مخالفا لدليل قطعي نظري كاجماع استنباطي، أو خبر محفوف بقرائن وإمارات قد توجب القطع مع احتمال عدم حصوله للحاكم الاول... " وقد تقدم في مباحث التقليد ماله نفع في المقام. فراجع. وتمام الكلام في ذلك موكول الى محله من كتاب القضاء. (1) لعدم الدليل عليه بعد عدم إفادته العلم. وعن شاذ منا وبعض الجمهور جواز العمل به. لقوله تعالى: (وبالنجم هم يهتدون) (* 1) ولجواز العمل عليها في القبلة. وهو كما ترى، إذ الاول دال على جواز الاهتداء بالنجوم، لا العمل بقول المنجمين تعبدا بلا اهتداء. والثاني لا يقتضي الجواز هنا، لما دل على جواز العمل بالظن هناك لصدق التحري الكافي، وعدم جواز العمل به هنا لانه من التظني المنهي عنه. كما تقدم. (2) كما هو المشهور. وعن المقنع: " واعلم أن الهلال إذا غاب قبل الشفق فهو لليلة، وإن غاب بعد الشفق فهو لليلتين، وإن رئي فيه ظل الرأس فهو لثلاث ليال ". وكأنه لرواية إسماعيل بن الحر عن أبي


(* 1) النحل: 16.

[ 465 ]

{ ولا برؤيته يوم الثلاثين قبل الزوال (1) فلا يحكم بكون ذلك } عبد الله (ع): " إذا غاب الهلال قبل الشفق فهو لليلة، وإذا غاب بعد الشفق فهو لليلتين " (* 1). ولكنها مهجورة، ومعارضة بما هو ظاهر رواية الحسن بن راشد - قال: " كتب إلي أبو الحسن العسكري (ع) كتابا، وأرخه يوم الثلاثاء لليلة بقيت من شعبان، وذلك في سنة اثنتين وثلاثين ومائتين، وكان يوم الاربعاء يوم شك، وصام أهل بغداد يوم الخميس، وأخبروا في أنهم رأوا الهلال ليلة الخميس، ولم يغب إلا بعد الشفق بزمان طويل. قال: فاعتقدت أن الصوم يوم الخميس، وأن الشهر كان عندنا ببغداد يوم الاربعاء. قال: فكتب إلي: زادك الله تعالى توفيقا فقد صمت بصيامنا قال: ثم لقيته بعد ذلك، فسألته عما كتب به الي، فقال لي: أو لم أكتب اليك إنما صمت الخميس؟ ولا تصم إلا للرؤية " (* 2) - من عدم الاعتبار بذلك مع فرض الغياب بعد الشفق بزمان طويل. وعن الشيخ في كتابي الاخبار: حمل الاولى على مااذا كان في السماء علة من غيم، أو ما يجري مجراه. وفيه: أنه لا شاهد له. (1) كما هو المشهور شهرة عظيمة يمكن تحصيل الاجماع معها، كما في الجواهر، وعن التذكرة: نسبته إلى علمائنا أجمع. ويشهد له - مضافا الى مادل على انحصار الحجة بغيره (* 3) - صحيحة محمد بن قيس عن أبي جعفر (ع): " قال أمير المؤمنين عليه السلام: إذا رأيتم الهلال فافطروا أو شهد عليه عدول من المسلمين. وإن لم تروا الهلال إلا من وسط النهار


(* 1) الوسائل باب: 9 من ابواب أحكام شهر رمضان حديث: 3. (* 2) الوسائل باب: 9 من ابواب أحكام شهر رمضان حديث: 1. (* 3) الوسائل باب: 8 من ابواب أحكام شهر رمضان حديث: 1.

[ 466 ]

أو آخره فأتموا الصيام إلى الليل " (* 1) بناء على أن المراد من الوسط ما قبل الزوال، بلحاظ كون الاول طلوع الفجر، ومكاتبة محمد بن عيسى: " جعلت فداك ربما غم علينا هلال شهر رمضان فنرى من الغد الهلال قبل الزوال، وربما رأيناه بعد الزوال، فترى أن نفطر قبل الزوال إذا رأيناه أم لا؟ وكيف تأمر في ذلك؟ فكتب (ع): تتم إلى الليل، فانه إن كان تاما رئي قبل الزوال " (* 2) بناء على ان المراد من هلال شهر رمضان هلال شوال، بقرينة سؤاله عن جواز الافطار، وقوله (ع): " إن كان تاما... "، إذ لادخل لتمامية هلال شهر رمضان في رؤيته في أوله قبل الزوال، بل رؤيته كذلك تناسب كونه ناقصا، كما هو ظاهر. ورواية الجراح المدائني: " قال أبو عبد الله (ع): من رأى هلال شوال نهارا في رمضان فليتم صيامه " (* 3) والمرسل عن الفقيه عن أمير المؤمنين (ع): " إذا رأيتم الهلال، أو رآه ذوا عدل منكم نهارا فلا تفطروا حتى تغرب الشمس، كان ذلك في أول النهار، أوفي آخره. وقال (ع): لا تفطروا إلا لتمام ثلاثين من رؤية الهلال، أو بشهادة شاهدين عدلين " (* 4) والاخبار المتضمنة للامر بالصوم للرؤية والافطار للرؤية، بناء على انصرافها الى الرؤية الليلية (* 5).


(* 1) الوسائل باب: 5 من ابواب أحكام شهر رمضان حديث: 11. (* 2) الوسائل باب: 8 من ابواب أحكام شهر رمضان حديث: 4. (* 3) الوسائل باب: 8 من ابواب أحكام شهر رمضان حديث: 2. (* 4) لم نعثر على الرواية في الوسائل ومستدركها والفقيه والحدائق. نعم رواه في الجواهر مرسلا عن بعض الكتب. (* 5) راجع الوسائل باب: 3 من ابواب أحكام شهر رمضان، وقد تقدم ذكر كثير من هذه الاخبار من اول الفصل الى هنا.

[ 467 ]

هذا ولكن النصوص الاخيرة غير متعرضة لهذه الحيثية، بل هي في مقام اعتبار الرؤية، وعدم الاعتبار ببعض الامور التي لا تصلح للاعتماد عليها وأما المرسل فمن القريب أن يكون عين صحيح محمد بن قيس، الذي لا ينافي مادل على دلالة الرؤية قبل الزوال على كون اليوم من الشهر اللاحق. ورواية جراح مطلقة صالحة للتقييد به. فلم يبق إلا المكاتبة، وليس هي في وضوح الدلالة، وصحة السند، وكثرة العدد كمعارضها، مثل مصحح حماد بن عثمان عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " إذا رأوا الهلال قبل الزوال فهو لليلة الماضية، وإذا رأوه بعد الزوال فهو لليلة المستقبلة " (* 1) وموثق عبيد بن زرارة وعبد الله بن بكير قالا: " قال أبو عبد الله (ع): إذا رئي الهلال قبل الزوال فذلك اليوم من شوال، وإذا رئي بعد الزوال فهو من شهر رمضان " (* 2) وموثق اسحاق: " سألت أبا عبد الله (ع) عن هلال رمضان يغم علينا في تسع وعشرين من شعبان، فقال (ع): لا تصمه إلا أن تراه. فان شهد أهل بلد آخر أنهم رأوه فاقضه، وإذا رأيته من وسط النهار فأتم صومه الى الليل " (* 3) والمرسل عن أبي جعفر (ع): "... وإذا رئي هلال شوال بالنهار قبل الزوال فذلك اليوم من شوال، وإذا رئي بعد الزوال فذلك اليوم من شهر رمضان " (* 4). فالعمدة في رفع اليد عن هذه النصوص: إعراض المشهور عنها، إذ لايعرف القول بمضمونها إلا من المرتضى (ره) في شرح المسائل الناصرية دون غيره من كتبه: نعم حكيت متابعته عن جماعة من متأخري المتأخرين


(* 1) الوسائل باب: 8 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث: 6. (* 2) الوسائل باب: 8 من ابواب أحكام شهر رمضان حديث: 5. (* 3) الوسائل باب: 8 من ابواب أحكام شهر رمضان حديث: 3. (* 4) الفقيه ج 2 صفحة 110 طبع النجف الاشرف.

[ 468 ]

{ اليوم أول الشهر، ولا بغير ذلك (1) مما يفيد الظن ولو كان } كالمحقق السبزواري في الكفاية والذخيرة، والكاشاني في الوافي والمفاتيح، وغيرهما. فلا مجال للاعتماد عليها لذلك. والمسألة لا تخلو عن إشكال. (1) كالتطوق، فقد نسب إلى الصدوق: أنه أمارة كونه لليلتين. ويشهد له صحيح مرازم عن أبي عبد الله (ع): " إذا تطوق الهلال فهو لليلتين " (* 1) وكعد خمسة أيام من أول الهلال في الماضية، فالخامس أول الآتية، كما يشهد به جملة من النصوص، كرواية محمد بن عثمان الخدري، عن بعض مشايخه، عن أبي عبد الله (ع): " صم في العام المستقبل اليوم الخامس من يوم صمت فيه عام أول " (* 2) ونحوها غيرها. وعن عجائب المخلوقات للقزويني: " امتحنوا ذلك خمسين سنة فكان صحيحا ". وكعد شعبان ناقصا أبدا وشهر رمضان تاما ابدا، كما يشهد به جملة أخرى، كخبر حذيفة بن منصور: " شهر رمضان ثلاثون يوما لا ينقص أبدا " (* 3) وفي خبر معاذ بن كثير - بعد بيان الشهور كلها شهر ناقص وشهر تام -: " ثم الشهور على مثل ذلك شهر تام وشهر ناقص، وشعبان لايتم أبدا " (* 4) ونحوهما غيرهما. وعن المفيد في بعض كتبه والصدوق العمل بها. لكن الجميع مهجور عند الاصحاب معرض عنه. والاخيرة معارضة بجملة أخرى - قيل إنها متواترة - كصحيح حماد عن أبي عبد الله (ع): " أنه قال في شهر رمضان: هو شهر من الشهور يصيبه ما يصيب الشهور من النقصان " (* 5) ونحوه غيره. فيتعين العمل على المشهور في الجميع.


(* 1) الوسائل باب: 9 من ابواب أحكام شهر رمضان حديث: 2. (* 2) الوسائل باب: 10 من ابواب أحكام شهر رمضان حديث: 1. (* 3) الوسائل باب: 5 من ابواب أحكام شهر رمضان حديث: 26. (* 4) الوسائل باب: 5 من ابواب أحكام شهر رمضان حديث: 32. ولكن رواها في الوسائل مسندة إلى يعقوب بن شعيب. وكذلك في التهذيب ج 4 صفحة 171 طبع النجف الاشرف والاستبصار ج 2 صفحة: 67 طبع النجف. (* 5) الوسائل باب: 5 من ابواب أحكام شهر رمضان حديث: 3.

[ 469 ]

{ قويا. إلا للاسير، والمحبوس (1). (مسألة 1): لا يثبت بشهادة العدلين إذا لم يشهدا بالرؤية (2)، بل شهدا شهادة علمية. (مسألة 2): إذا لم يثبت الهلال وترك الصوم، ثم شهد عدلان برؤيته يجب قضاء ذلك اليوم (3). وكذا إذا قامت البينة على هلال شوال ليلة التاسع والعشرين من هلال رمضان (4)، أو رآه في تلك الليلة بنفسه. (مسألة 3): لا يختص اعتبار حكم الحاكم بمقلديه (5) بل هو نافذ بالنسبة إلى الحاكم الآخر أيضا إذا لم يثبت عنده خلافه. } (1) كما سيأتي. (2) للتقييد في نصوص قبول شهادة البينة في المقام بصورة شهادتهما بالرؤية. (3) بلا خلاف ظاهر. ويشهد له صحيح منصور بن حازم عن أبي عبد الله (ع): " أنه قال: صم للرؤية، وأفطر للرؤية. فان شهد عندك شاهدان مرضيان بأنهما رأياه فاقضه " (* 1) ونحوه غيره. (4) ففي صحيح ابن سنان عن رجل: " صام علي (ع) بالكوفة ثمانية وعشرين يوما شهر رمضان، فرأوا الهلال، فأمر مناديا ينادي: اقضوا يوما، فان الشهر تسعة وعشرون يوما " (* 2). (5) لاطلاق دلى نفوذ الحكم، ووجوب قبوله، وحرمة رده. وقد أشرنا سابقا إلى أن مقبولة ابن حنظلة - بقرينة ما في صدرها من التنازع،


(* 1) تقدم ذلك في أول الفصل، وعبر هناك بالموثق. فلاحظ. (* 2) الوسائل باب: 14 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث: 1.

[ 470 ]

{ مسألة 4): إذا ثبت رؤيته في بلد آخر ولم يثبت في بلده، فان كانا متقاربين كفى (1)، وإلا فلا. إلا إذا علم توافق أفقهما وإن كانا متباعدين. (مسألة 5): لا يجوز الاعتماد على البريد البرقي (2) } وما في ذيلها من الترجيح - ظاهرة في صورة كون المختلفين من المجتهدين (* 1) ومنه تعرف ظهور قوله (ره): " بل هو نافذ ". وقد تقدم الكلام فيما يتعلق بقوله: " إذا لم يثبت عنده خلافه ". (1) إجماعا قيل. واستدل له بصحيح هشام بن الحكم عن أبي عبد الله (ع) " أنه قال فيمن صام تسعة وعشرين، قال (ع): إن كانت له بينة عادلة على أهل مصر أنهم صاموا ثلاثين على رؤيته قضى يوما ". وإطلاق مادل على الاكتفاء بشهادة عدلين بالرؤية. بناء على انصراف الجميع إلى صورة تقارب البلدان. أقول: لاجل أنه لا ينبغي التأمل في اختلاف البلدان في الطول والعرض الموجب لاختلافها في الطلوع والغروب، ورؤية الهلال وعدمها، فمع العلم بتساوي البلدين في الطول لا إشكال في حجية البينة على الرؤية في أحدهما لاثباتها في الآخر. وكذا لو رئي في البلاد الشرقية، فانه يثبت رؤيته في الغربية بطريق أولى. أما لو رئي في الغربية فالاخذ باطلاق النص غير بعيد إلا أن يعلم بعدم الرؤية، إذ لا مجال حينئذ للحكم الظاهرى. ودعوى الانصراف إلى المتقاربين غير ظاهرة. نعم يحتمل عدم إطلاق النص بنحو يشمل المختلفين، لوروده من حيث تعميم الحكم لداخل البلد وخارجها، لا من حيث التعميم للمختلفين والمتفقين. لكن الاول أقوى. (2) حيث أن الخبر الحجة لا فرق فيه بين أن يكون بالقول، وبالكتابة


(* 1) راجع الامر السادس من هذا الفصل.

[ 471 ]

{ - المسمى بالتلغراف - في الاخبار عن الرؤية، إلا إذا حصل منه العلم، بأن كان البلدان متقاربين، وتحقق حكم الحاكم، أو شهادة العدلين برؤيته هناك. (مسألة 6): في يوم الشك في أنه من رمضان أو شوال يجب أن يصوم (1). وفي يوم الشك في أنه من شعبان أو رمضان يجوز الافطار، ويجوز أن يصوم، لكن لا بقصد أنه من رمضان كما مر سابقا تفصيل الكلام فيه. ولو تبين في الصورة الاولى كونه من شوال وجب الافطار، سواء كان قبل الزوال، أو } وبالفعل كتحريك الالات التلغرافية بقصد الاخبار عن الواقع - فصاحب التلغراف المحرك لآلاته إن كان عدلا، بحيث عرف أنه فلان العادل، كان إخباره بتوسط الآلات التلغرافية خبر عادل يلحقه حكمه، فإذا انضم إليه عادل آخر كان خبرهما حجة، فان شهدا برؤيته وجب الصوم أو الافطار. وكذا إذا شهدا بوجود الحجة، كحكم الحاكم، أو البينة، أو الشياع الموجب للعلم. نعم إذا كان مورد التلغراف غير البلدة التي هي مصدره جرى ما سبق من التفصيل في إلحاق أحد البلدين بالآخر في وجوب الصوم أو الافطار. وإن كان المحرم للآلات التلغرافية واحدا، أو ليس بثقة، أو غير معروف، لم يجز العمل بخبره. إلا أن تقوم القرائن القطعية على صدقه، سواء أخبر بالرؤية أم بالحجة على الرؤية. ومما ذكرنا يظهر عدم خلو عبارة المتن من الحزازة وإن علم المراد. فلاحظ. (1) بلا ريب، لما عرفت من النصوص الدالة على كون الصوم والافطار للرؤية، فانها صريحة في ذلك. وقد تقدم الوجه في بقية المسألة في أوائل كتاب الصوم. فراجع.

[ 472 ]

{ بعده. ولو تبين في الصورة الثانية كونه من رمضان وجب الامساك، وكان صحيحا إذا لم يفطر ونوى قبل الزوال، ويجب قضاؤه إذا كان بعد الزوال. (مسألة 7): لو غمت الشهور ولم ير الهلال في جملة منها أو في تمامها، حسب كل شهر ثلاثين (1) ما لم يعلم النقصان عادة. } (1) الاكثر - كما عن المسالك - أنه لو غمت الشهور كلها عد كل شهر ثلاثين. وكأنه لاصالة التمام، المطابقة لاصالة بقاء الشهر. وقيل: ينقض منها لقضاء العادة بالنقيصة. ولم يعرف قائله - كما قيل - ولا عرف مقدار النقيصة، ولا تعيين الشهر الناقص. اللهم إلا أن يكون المراد منهما ما جرت به العادة، المقتضية للعلم، الذي يختلف باختلاف الاشخاص والازمان. وحينئذ يكون مقتضى الاستصحاب بقاء الشهر إلى أن يعلم بانتهائه. وقد يشكل ذلك: بأن استصحاب بقاء الشهر إنما يجري لو كان الاثر لوجود الشهر وعدمه. أما إذا كان الاثر لكون الزمان المعين من شهر كذا، فلا يجدي استصحاب بقاء الشهر في اثبات كون الزمان المعين من الشهر الكذائي، الا على القول بالاصل المثبت. وظاهر قوله تعالى: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه...) (* 1) كون الاثر مجعولا على النحو الثاني لتعليق الفعل به، حيث جعل الضمير الراجع إلى الشهر مفعولا فيه للصوم، بلا إناطة لوجوبه بوجوده. ويندفع: بأنه على تقدير تسليم ما ذكر، فظاهر الاخبار المتضمنة لقولهم (ع): " صم للرؤية، وأفطر للرؤية " (* 2). لزوم العمل بما


(* 1) البقرة: 185. (* 2) لاحظ اكثرها في الوسائل باب: 3 من أبواب أحكام شهر رمضان. وقد تقدم ذكر الكثير منها من أول الفصل إلى هنا.

[ 473 ]

يطابق استصحاب بقاء الشهر، فلا بأس بالبناء على بقاء شعبان أو رمضان إلى أن يعلم بالخلاف. نعم لو فرض ثبوت أثر شرعي غير الصوم لكون الزمان المعين من شهر كذا جاء الاشكال، ووجب الرجوع إلى الاصول العملية الجارية في ذلك المورد. مع أنا قد أشرنا سابقا: إلى أن الخصوصيات الزمانية - من الليل والنهار، ورمضان، وغيرها - إنما أخذت في موضوعات الاحكام ملحوظة بنحو الوجود المقارن، لا على الظرفية الحقيقية، فمعنى قوله: " صم في النهار " صم في زمان فيه النهار - أعني: كون الشمس فوق الارض - فاستصحاب وجود النهار كاف في إحراز قيد الموضوع، وليس معناه صم في زمان هو نهار. إذ المراد من الزمان إن كان الامد الموهوم، فليس هو مصداقا للنهار، وإن كان نفس النهار، فلا ظرفية حقيقية بينه وبين الصوم، كما يظهر بأقل تأمل، فليس المراد به إلا ما ذكرنا، أعني: صم في زمان فيه حركة الشمس في القوس النهاري، وفي مثله يكفي في إحراز الموضوع استصحاب بقاء الحركة. فان قلت: يرجع ذلك إلى اعتبار المقارنة بين الصوم والنهار، والمقارنة لا يمكن إثباتها بالاستصحاب. قلت: المقارنة لازم التقييد على النحو المذكور، لاأنها معناه، كي يتوجه الاشكال المذكور. فان قلت: وجوب الصوم على النحو المذكور راجع الى اعتبار التقييد بينه وبين النهار على نحو خاص، والتقييد لا يمكن اثباته بالاستصحاب، لانه إن أريد إجراؤه فيه بنفسه، فليس له حالة وجود سابقة، بل هو مسبوق بالعدم. وان أريد إجراؤه في النهار، فلا يمكن إثباته به، إلا بناء على الاصل المثبت، لانه لازم بقاء النهار إلى زمان الصوم. قلت: التقييد - بالمعني المذكور - لم يلحظ بالمعنى الاسمى في قبال طرفيه، وإنما لوحظ بالمعنى الحرفي، والاضافات الملحوظة كذلك في القضايا الشرعية لا يحتاج في

[ 474 ]

إثباتها إلى أكثر من ثبوت طرفيها حقيقة، أو تعبدا، أو ثبوت أحدهما حقيقة والآخر تعبدا، لان اثباتها بنفسها يتوقف على ملاحظتها على نحو المعنى الاسمي، وهو خلف. مع أنه لو لوحظت كذلك فلابد من ثبوت إضافة بالمعنى الحرفي بينها وبين كل من الطرفين، فتحتاج أيضا إلى الاثبات وهكذا يلزم في إثباتها من ملاحظتها بالمعنى الاسمي، فتثبت إضافة جزئية فيلزم التسلسل. وبالجملة: الاضافات الجزئية لا تحتاج الى إثبات زائد على إثبات طرفيها والا أشكل جريان الاستصحاب في طهارة الماء، وعدالة الامام، لان الماء الطاهر مقيد بالطهارة، فلو كان استصحاب الطهارة لا يثبت تقييد الماء بها لم ينفع استصحاب الطهارة في ترتيب أحكام الماء الطاهر. وكذا الكلام في الامام العدال إذا شك في بقاء عدالة الامام. كيف والعمدة في دليل الاستصحاب صحيح زرارة الوارد في الشك في الحدث بعد الطهارة، وقد تضمن لزوم استصحاب الطهارة من الحدث، والطهارة لوحظت شرطا للصلاة فإذا كان استصحاب الطهارة كافيا في إثبات كون الصلاة على طهارة، فلم لا يكون استصحاب بقاء النهار كافيا في إثبات كون الصوم في حال النهار؟! وكذا الحال في غيره من الموارد. وأضعف من ذلك: المنع من جريان الاستصحاب لاثبات جزء المركب لان الجزء مقيد بالجزء الآخر، وإثبات الجزء بالاستصحاب لا يثبت التقييد. إذ فيه - مضافا الى ما عرفت -: أن الاجزاء لاتقيد فيما بينها، وإلا لزم تقدم الشئ على نفسه، لان تقييد الاول بالثاني يقتضي تقدم الثاني عليه رتبة، لان القيد مقدم على المقيد، وتقييد الثاني بالاول يقتضي كون الاول مقدما على الثاني رتبة، فيلزم أن يكون الشئ متقدما على الآخر ومتأخرا عنه. فالاجزاء لم يلحظ فيما بينها تقييد، وإنما لوحظت بينها نسبة أخرى

[ 475 ]

بين الاطلاق والتقييد، فالجزء الاول لوحظ حال الجزء الثاني، لا مطلقا، ولا مقيدا به، وكذا الجزء الثاني لوحظ حال الجزء الاول، لا مطلقا، ولا مقيدا به. وبذلك افترق الجزء عن الشرط، فانه لوحظ تقييد المشروط به، ولم يلاحظ ذلك في الجزء. ومثل الجزء في ذلك الموضوع بالنسبة إلى حكمه، فانه لم يلحظ مقيدا بحكمه، ولا مطلقا بالنسبة إليه، بل لوحظ لا مطلقا بالنسبة إليه ولا مقيدا به. وبالجملة: المحقق في محله: أنه يكفي في صحة جريان الاستصحاب كون مجراه مذكورا في القضية الشرعية، سواء أكان موضوعا للحكم، أم قيدا للموضوع، أم قيدا لقيده، فإذا قال: " أكرم عالما جالسا في دار موقوفة، وقفها عادل لم يتجاوز عمره خمسين سنة، في وقت بارد، بيده عصا يابسة " فمفردات القضية - وهي: الاكرام، والعلم، والجلوس، والدار، والوقف، وعدالة الواقف، وعدم تجاوز عمره خمسين سنة، وكون الوقت باردا، وكون بيده عصا، وكون العصا يابسة - إذا جرى فيها الاستصحاب ثبت الحكم والاضافات الحرفية لا يحتاج إلى إثباتها في مقابل المفردات. نعم يجب إثبات المفردات على النحو الذي أخذت عليه عند ذكرها في القضية، فإذا ذكرت على نحو مفاد كان التامة وجب إثباتها كذلك، وإذا كانت مأخوذة على نحو مفاد الناقصة يجب إثباتها كذلك، وإلا لم يترتب الحكم، فلابد من إثباتها على النحو المذكور في القضية. وعن الشيخ (ره) في المبسوط، والعلامة في جملة من كتبه، والشهيدين في الدروس والروضة، وجوب العمل برواية الخمسة، أعني: رواية عمران الزعفراني: " قلت لابي عبد الله (ع): إن السماء تطبق علينا بالعراق اليومين والثلاثة. فأي يوم نصوم؟ قال (ع): أنظر اليوم الذي صمت

[ 476 ]

{ مسألة 8): الاسير والمحبوس إذا لم يتمكنا من تحصيل العلم بالشهر عملا بالظن (1). ومع عدمه تخيرا في كل سنة بين الشهور (2)، فيعينان شهرا له. ويجب مراعاة المطابقة } فيه من السنة الماضية فعد منه خمسة أيام، وصم اليوم الخامس (* 1) ورواية الخدري المتقدمة (* 2) لكن الروايتين ضعيفتان مهجورتان. ولذا حكي عن المختلف في المقام: أن العمل على العادة، لا الرواية. لكن في ثبوت العادة إشكال، ولاسيما وقد قيل: إن ذلك في غير السنة الكبيسية. ويشهد له مكاتبة محمد بن فرج التي رواها السياري (* 3) ولو سلم فحجيتها غير ظاهرة. فالعمل على القواعد الاولية متيعن. (1) إجماعا، كما عن التذكرة، والمنتهى. ويشهد له مصحح عبد الرحمن ابن أبي عبد الله (ع): " رجل أسرته الروم، ولم يصح له شهر رمضان، ولم يدر أي شهر هو. قال (ع): يصوم شهرا يتوخى ويحسب. فان كان الشهر الذي صامه قبل شهر رمضان لم يجزئه، وإن كان بعد شهر رمضان أجزأه " (* 4) ونحوه مرسل المقنعة (* 5) وموردهما: الاسير فالتعدي عنه إلى المحبوس كأنه لفهم العرف المناط المشترك بينهما. (2) من غير خلاف فيه بينهم، كما في الجواهر، وفي المدارك: نسبته إلى قطع الاصحاب. وقد يستدل له بالصحيح المتقدم (* 6) وفيه: أن


(* 1) الوسائل باب: 10 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث: 3. (* 2) راجع أواخر الامر السادس من هذا الفصل. (* 3) الوسائل باب: 10 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث: 2. (* 4) الوسائل باب: 7 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث: 1. (* 5) الوسائل باب: 7 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث: 2. (* 6) المراد هو صحيح عبد الرحمان المتقدم في التعليقة السابقة.

[ 477 ]

{ بين الشهرين في سنتين (1)، بأن يكون بينهما أحد عشر شهرا ولو بان بعد ذلك أن ما ظنه أو اختاره لم يكن رمضان، فان } الظاهر من التوخي العمل بما هو أقرب الى الواقع، فيختص بالظن. وأضعف منه: الاستدلال له: بأن التعيين سقط اعتباره بالعجز، فيبقى أصل الصوم. وفيه: أن التعيين قيد في الواجب، فالعجز عنه عجز عن الواجب مسقط له. مع أن العجز إنما هو عن العلم بالتعيين، لانفسه فاللازم الاحتياط بالتكرار إلى أن يحصل العلم بأداء الواجب في وقته. ودعوى لزوم الحرج من الاحتياط التام ممنوعة بنحو الكلية. مع أن لزوم الحرج من الاحتياط يوجب أحد الامرين، إما التبعيض في الاحتياط بالاقتصار على المقدار الممكن، أو سقوط التكليف بالمرة، على الخلاف فيما لو تعذر الاحتياط في بعض أطراف الشبهة الوجوبية. وكيف كان فلا مصحح للقول بالاكتفاء بالامتثال الاحتمالي. وقياس المقام بما لو تعذرت الصلاة إلى إحدى الجهات الاربع قياس مع الفارق، لان الصلاة لا تترك بحال. ولخصوص النص الوارد في تلك المسألة. نعم هنا شئ، وهو أنه كما يعلم بوجوب صوم شهر رمضان يعلم بحرمة صوم العيدين - بناء على أن حرمته ذاتية - فمع تردد شهر رمضان بين الشهور يكون المقام من قبيل الدوران بين المحذورين، وحينئذ يتخير بين الصوم والافطار، كما هو مقتضى حكم العقل عند الدوران بين المحذورين لا التخيير في تعيين الشهر كما ذكر. نعم لو تردد شهر رمضان بين غير شوال وذي الحجة كان الحكم ما سبق من وجوب الاحتياط بالتكرار. إلا أن يلزم الحرج منه، فيسقط التكليف بالمرة، أو يحكم بتبعيض الاحتياط. على الخلاف المشار إليه آنفا فلاحظ. (1) لئلا يعلم أن أحد الشهرين ليس رمضان، فيجب القضاء. إلا

[ 478 ]

{ تبين سبقه كفاه (1)، لانه حينئذ يكون ما أتى به قضاء. وإن تبين لحوقه وقد مضى قضاه، وإن لم يمض أتى به. ويجوز له في ضورة عدم حصول الظن (2) أن لا يصوم حتى يتيقن أنه كان سابقا فيأتي به قضاء. والاحوط إجراء أحكام شهر رمضان على ما ظنه (3)، من الكفارة، والمتابعة، والفطرة، وصلاة العيد، وحرمة صومه، مادام الاشتباه باقيا. وإن بان الخلاف عمل بمقتضاه. } أن يعلم بسبق رمضان، فيكون المأتي به بعده قضاء. فالموجب للمطابقة الفرار عن تنجز وجوب القضاء. ومجرد احتمال تحقق القضاء - بأن يكون رمضان سابقا - غير كاف في نظر العقل. نعم لو كان مبنى التخيير سقوط خصوصية الزمان بالعجز، فيبقى وجوب نفس الصوم بلا قيد الزمان، كان لعدم اعتبار المطابقة وجه. (1) وقد يشكل: بأنه خلاف مانواه. وفيه: أن نية الاداء في مثل المقام من أجل الاشتباه في التطبيق، لا على نحو التقييد. ولعله يستفاد من ذيل النص. (2) هذا الجواز إما لعدم حجية العلم الاجمالي بين التدريجين. وإما من أجل كون المورد من قبيل الدوران بين محذورين. لكن كلا من المبنيين غير ظاهر. مع أنه خلاف ظاهر الاجماع على التخيير، الموجب للموافقة الاحتمالية. فالبناء على جواز ترك جميع المحتملات بعيد جدا. (3) كما عن غير واحد من الاصحاب. وكأنهم فهموا من النص حجية الظن بقول مطلق، فيثبت جميع اللوازم وملزوماتها بمالها من الاحكام. والنص غير ظاهر في ذلك، بل لعله ظاهر في وجوب البناء على كون

[ 479 ]

{ (مسألة 9): إذا اشتبه شهر رمضان بين شهرين أو ثلاثة أشهر - مثلا - فالاحوط صوم الجميع (1). وإن كان لا يبعد إجراء حكم الاسير والمحبوس (2). وأما إن اشتبه الشهر المنذور صومه بين شهرين أو ثلاثة فالظاهر وجوب الاحتياط ما لم يستلزم الحرج، ومعه يعمل بالظن، ومع عدمه يتخير (3). (مسألة 10): إذا فرض كون المكلف في المكان الذي نهاره ستة أشهر وليلة ستة أشهر، أو نهاره ثلاثة وليلة ستة، أو نحو ذلك، فلا يبعد كون المدار في صومه وصلاته على البلدان المتعارفة المتوسطة (4)، مخيرا بين أفراد المتوسط. وأما احتمال سقوط تكليفهما عنه فبعيد. كاحتمال سقوط الصوم، وكون الواجب صلاة يوم واحد وليلة واحدة. ويحتمل كون المدار بلده } المظنون أنه شهر رمضان شهر رمضان بماله من الاحكام الشرعية لاغير، ومنها وجوب: الكفارة، والمتابعة، وأما وجوب الفطرة، وصلاة العيد وحرمة صومه، ونحوها من أحكام اللوازم فغير ظاهر. فلاحظ. (1) كما عرفت أنه مقتضى القواعد الاولية. (2) إذ كما تعدوا عن الاسير الى المحبوس بمناط الاشتباه الناشئ من القهر والغلبة - يمكن التعدي الى المقام بمناط الجهل بالشهر. وأما التعدي الى مطلق الجاهل بالزمان الواجب صومه ولو بالنذر فغير ظاهر، فيتعين العمل فيه بالقواعد. (3) العمل بالظن محتاج إلى تقرير مقدمات الانسداد في المورد، وتماميتها ممنوعة. بل يدور الامر بين الاحتياط الناقص، وبين رفع اليد عن التكليف، على الخلاف المشار إليه آنفا. (4) لا يظهر لهذا وجه، كيف والصلوات اليومية لها مواقيت معينة

[ 480 ]

{ الذي كان متوطنا فيه سابقا إن كان له بلد سابق. فصل في أحكام القضاء يجب قضاء الصوم ممن فاته بشروط، وهي البلوغ، والعقل، والاسلام فلا يجب على البالغ ما فاته أيام صباه (1). } مفقودة في الفرض المذكور، فكيف تجب في غير مواقيتها؟. وأما الاحتمال الثاني فيمنع عنه: استبعاد سقوط الفرائض المذكورة بالمرة، وإن كان ثبوتها على نحو خاص لادليل عليه. وأما وجوب صلاة يوم وليلة فيمنع عنه - بالنسبة الى الظهرين -: أنه لادلوك في الفرض، كي تجبان عنده. نعم يمكن فرض الفجر، والمغرب، والعشاء في حقه، فتجب عندهما صلواتها. أو يحمل الدلوك على ما يعم الزوال الذي يكون آخر ذلك اليوم الذي يلحقه الغروب بعد ساعات. وأما الاحتمال الاخير فغريب. والاستصحاب لا مجال له بعدما عرفت من انتفاء شرائط الوجوب. مع أنه ينتقض باليقين عند وصوله إلى غيره من الامكنة قبل الوصول إلى المحل المفروض. وبالجملة: الفرض المذكور خارج عن موضوع الادلة، فلا مجال لاعمالها فيه. فانه لاشهر رمضان ولاغيره من الشهور، فكيف تجري فيه أحكام شهر رمضان أو غيره؟ فالاحتمال الثالث أوفق بالادلة. فصل في أحكام القضاء (1) إجماعا، بل ضرورة. وعن ابن أبي عقيل: الافضل القضاء، بل هو أحوط. ولا دليل له ظاهر. وأصل البراءة، بل الاستصحاب ينفيه

[ 481 ]

{ نعم يجب قضاء اليوم الذي بلغ فيه قبل طلوع فجره (1)، أو بلغ مقارنا لطلوعه إذا فاته صومه. وإما لو بلغ بعد الطلوع في أثناء النهار فلا يجب قضاؤه (2)، وإن كان أحوط. ولو شك في كون البلوغ قبل الفجر أو بعده، فمع الجهل بتاريخهما لم يجب القضاء (3)، وكذا مع الجهل بتاريخ البلوغ (4). وأما مع الجهل بتاريخ الطلوع - بأن علم أنه بلغ قبل ساعة مثلا ولم يعلم أنه كان قد طلع الفجر أم لا - فالاحوط القضاء، ولكن في وجوبه إشكال (5). } وإطلاق وجوب القضاء على من ترك الصوم - لو تم - فغير ظاهر بنحو يشمل مالو كان الترك لعدم الوجوب. (1) لتركه الصوم واجب عليه، الموجب للقضاء بلا خلاف ولا إشكال، كما يستفاد من النصوص المتفرقة في الموارد الكثيرة، مضافا إلى ما يأتي. (2) لعدم وجوب الاداء، فيجري فيه ما تقدم. نعم لو بلغ في الاثناء ولم يتناول المفطر، وقلنا بوجوب الصوم عليه، كان القول بالوجوب في محله، لتركه الصوم الوجب. (3) لاصالة البراءة، بعد الشك في توجه الخطاب بالاداء إليه، والاصل البراءة منه. (4) لاستصحاب الصبا الى ما بعد الفجر، فيدخل في موضوع نفي وجوب القضاء. (5) ينشأ: من أن أصالة عدم طلوع الفجر الى ما بعد البلوغ يثبت البلوغ قبل الفجر، فيقتضى وجوب الصوم عليه. ومن أن المستفاد من مجموع الادلة أن الصوم إنما يجب على البالغ في النهار، وهذا لازم لما يثبته الاصل من حدوث البلوغ قبل الفجر. ولاجل أن الاصل المثبت ليس بحجة يتعين القول بعدم الوجوب.

[ 482 ]

{ وكذا لا يجب على المجنون ما فات منه أيام جنونه (1)، من غير فرق بين ماكان من الله، أو من فعله على وجه الحرمة (2) أو على وجه الجواز. وكذا لا يجب على المغمى عليه (3)، } (1) بلا خلاف ظاهر، بل عن الروضة: الاجماع عليه. ويشهد له نصوص الاغماء الآتية. (2) كما هو المشهور. وعن الاسكافي: وجوب القضاء إذا كان الجنون بفعله على وجه الحرمة. ودليله غير ظاهر في قبال الاصل. وعموم القضاء لا يشمله. (3) على المشهور. للنصوص، كصحيح أيوب بن نوح: " كتبت الى أبي الحسن (ع) أسأله عن المغمى عليه يوما أو اكثر، هل يقضي ما فاته أم لا؟ فكتب (ع): لا يقضي الصوم، ولا يقضي الصلاة " (* 1) ومثلها مكاتبة علي بن محمد بن سليمان (* 2) وصحيحة علي بن مهزيار (* 3) وفي مكاتبة القاسانى: " لا يقضي الصوم " (* 4). وعن المفيد، والمرتضى، والشيخ في الخلاف: أنه يقضي إن لم تسبق منه النية، وإن سبقت منه لم يقض. وليس لهم دليل ظاهر. نعم عن المختلف: الاستدلال لهم بما دل على قضاء المريض (* 5) وبما دل على وجوب قضاء الصلاة (* 6) وفيه: أنه لو تم صدق المريض، وتمت الملازمة


(* 1) الوسائل باب: 24 من أبواب من يصح منه الصوم حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 24 من أبواب من يصح منه الصوم ملحق حديث: 1. (* 3) الوسائل باب: 24 من أبواب من يصح منه الصوم ملحق حديث: 2. (* 4) الوسائل باب: 24 من أبواب من يصح منه الصوم حديث: 2. (* 5) الوسائل باب: 22 من أبواب من يصح منه الصوم حديث: 1. (* 6) راجع أوائل فصل صلاة القضاء من الجزء السابع من هذا الشرح.

[ 483 ]

{ سواء نوى الصوم قبل الاغماء أم لا. وكذا لا يجب على من آسلم عن كفر (1). إلا إذا أسلم قبل الفجر ولم يصم ذلك اليوم فانه يجب عليه قضاؤه. ولو أسلم في أثناء النهار لم يجب عليه صومه وإن لم يأت بالمفطر (2)، } بين الصلاة والصيام، فالنصوص المتقدمة مقيدة، ونافية لوجوب قضاء الصلاة - كما هو المختار - عملا بما دل على نفي قضائها من النصوص الكثيرة. وكأن منشأ التخصيص بصورة عدم سبق النية بناؤهم على صحة صومه لو سبقت منه النية، لعدم منافاة الاغماء للصوم. و قد سبقت الاشارة الى ذلك. (1) إجماعا. لحديث الجب (* 1) ولصحيح الحلبي عن أبي عبد الله (ع): " أنه سئل عن رجل أسلم في النصف من رمضان، ما عليه من صيامه؟ قال (ع): ليس عليه إلا ما أسلم فيه " (* 2) وصحيح العيص بن القاسم قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن قوم أسلموا في شهر رمضان وقد مضى منه أيام، هل عليهم أن يقضوا ما مضى منه، أو يومهم الذي اسلموا فيه؟ قال (ع): ليس عليهم قضاء، ولا يومهم الذي أسلموا فيه. إلا أن يكونوا أسلموا قبل طلوع الفجر " (* 3). ونحوهما غيرهما. وأما ما رواه الحلبي قال: " سألت أبا عبد الله (ع) عن رجل أسلم بعدما دخل في شهر رمضان أيام. فقال (ع): ليقض ما فاته " (* 4) فلابد أن يكون محمولا على الاستحباب، جمعا عرفيا. (2) على المشهور. لعدم تبعض الصوم، وتأثير النية فيما مضى خلاف


(* 1) راجع الحديث في أوائل فصل صلاة القضاء من الجزء السابع من هذا الشرح. (* 2) الوسائل باب: 22 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث: 2. (* 3) الوسائل باب: 22 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث: 1. (* 4) الوسائل باب: 22 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث: 5.

[ 484 ]

{ ولا عليه قضاؤه (1). من غير فرق بين مالو أسلم قبل الزوال أو بعده. وإن كان الاحوط القضاء إذا كان قبل الزوال. (مسألة 1): يجب على المرتد قضاء ما فاته أيام ردته (2)، سواء كان عن ملة، أو فطرة. } القاعدة. فتأمل. وقد يشير إليه: مادل على نفي القضاء، كصحيح العيص المتقدم. وتقدم عن المبسوط وغيره: وجوب الصوم إذا أسلم قبل الزوال لبقاء وقت النية. وفيه: أن مصادرة - فتأمل - وخروج عن ظاهر الصحيح المتقدم من غير وجه ظاهر. وقد يستدل له بصحيح الحلبي المتقدم. وفيه: أن الظاهر من: " ما أسلم فيه " النصف الثاني من رمضان. ولما كان الصوم هو الامساك تمام النهار يكون حاصل المراد: ليس عليه الامساك تمام النهار بعد ما أسلم وليس فيه تعرض لامساك بعض النهار، بل هو داخل في عموم النفي المستثنى منه. وقد تقدم في فصل شرائط الوجوب بعض ماله نفع في المقام. فراجع. (1) قد عرفت وجهه. (2) بلا خلاف، كما عن الذخيرة وغيرها، وعن المدارك: أنه قطعي. واستدل له في الجواهر بعموم " من فاتته... " وغيره مما دل على وجوب القضاء لكل تارك للصوم. لكن عموم " من قاتته... " مرسل في بعض كتب الفقه، فليس بحجة. وما دل على وجوب القضاء لكل تارك للصوم غير متحصل. نعم ورد في غير واحد من النصوص: " من أفطر متعمدا فعليه القضاء " (* 1) لكن في شموله للمرتد حتى القاصر تأمل. وعن المدارك: أنه استدل على عموم القضاء لكل تارك للصوم بصحيح الحلبي عن أبي


(* 1) راجع اول فصل فيما يوجب الكفارة.

[ 485 ]

عبد الله (ع) قال: " إذا كان على الرجل شئ من صوم شهر رمضان فليقضه في أي الشهور شاء أياما متتابعة، فان لم يستطع فليقضه كيف شاء. وليحص الايام، فان فرق فحسن، وإن تابع فحسن ". (* 1) وبصحيح عبد الله بن المغيرة، عن ابن سنان، عن أبي عبد الله (ع): " قال: من أفطر شيئا من شهر رمضان في عذر، فان قضاه متتابعا فهو أفضل، وان قضاه متفرقا فهو حسن " (* 2) وهو كما ترى، إذ الاول وارد في جواز القضاء في أي شهر بعد الفراغ عن ثبوت القضاء في الذمة. والثاني وارد في استحباب التتابع بعد الفراغ عن أصل القضاء أيضا. نعم قد تستفاد الكلية من مجموع ما ورد في وجوب القضاء على من أفطر متعمدا، وعلى المريض، والحائض، والنفساء، والمسافر، وناسي الجنابة، وغيرهم من المعذورين في الافطار وغيرهم. اللهم إلا أن يعارض ذلك بما دل على نفي القضاء في بعض الموارد. مضافا الى أن الاستقراء المذكور لا يصلح للدلالة على وجوب القضاء على من يصم وإن لم يفطر. اللهم إلا أن يقال: نصوص القضاء ظاهرة في علية الفوت للقضاء وإن كان لمحض ترك الصوم وإن لم يصدق الافطار، فلا ينافي ثبوت التخصيص لها في بعض الموارد. وكيف كان فيدل على عموم القضاء: قوله تعالى: (ولتكملوا العدة...) (* 3) لظهوره في تعليل وجوب القضاء على المريض والمسافر فيؤخذ بعمومه في غير مورده. فلاحظ. والله سبحانه أعلم.


(* 1) الوسائل باب: 26 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث: 5. (* 2) الوسائل باب: 26 من ابواب أحكام شهر رمضان حديث: 4. (* 3) البقرة: 185.

[ 486 ]

{ (مسألة 2): يجب القضاء على من فاته لسكر (1)، من غير فرق بين ماكان للتداوي، أو على وجه الحرام. (مسألة 3): يجب على الحائض والنفساء قضاء ما فاتهما حال الحيض والنفاس (2). وأما المستحاضة فيجب عليها الاداء وإذا فات منها فالقضاء (3). (مسألة 4): المخالف إذا استبصر يجب عليه قضاء ما فاته (4). وأما ما أتى به على وفق مذهبه فلا قضاء عليه (5). } (1) على ما عرفت من عموم قضاء الصوم، بناء على منافاة السكر للصوم، وإلا فلو سبقت منه النية، وقلنا بعدم المنافاة كان صومه صحيحا فلا يدخل فيمن فاته الصوم. (2) إجماعا. للنصوص الكثيرة الدالة عليه (* 1). (3) للعموم المتقدم. ولخصوص مكاتبة ابن مهزيار، الواردة فيمن استحاضت في شهر رمضان من غير أن تعمل ما تعمله المستحاضة من الغسل لكل صلاتين، قال (ع): " تقضي صومها، ولا تقضي صلاتها " (* 2) (4) للعموم المتقدم. وقد تقدمت في قضاء الصلاة رواية سليمان بن خالد الظاهرة في عدم وجوب القضاء عليه إذا ترك (* 3) وتقدم الكلام فيها. (5) للنصوص الدالة عليه، المتقدمة في قضاء الصلاة (* 4) ومنصرفها ما يكون موافقا لمذهبه، فلو كان مخالفا له موافقا لمذهبنا فلا يبعد عدم


(* 1) الوسائل باب: 25، 26 من ابواب من يصح منه الصوم. (* 2) الوسائل باب: 18 من ابواب من يصح منه الصوم حديث: 1. (* 3) الوسائل باب: 31 من ابواب مقدمة العبادات حديث: 4. وتقدمت في الجزء السابع من هذا الشرح صفحة: 59. (* 4) راجع الجزء السابع من هذا الشرح صفحة: 59، 60.

[ 487 ]

{ (مسألة 5): يجب القضاء على من فاته الصوم للنوم (1) بأن كان نائما قبل الفجر إلى الغروب (2) من غير سبق نية، وكذا من فاته للغفلة كذلك. (مسألة 6): إذا علم أنه فاته أيام من شهر رمضان، ودار بين الاقل والاكثر يجوز له الاكتفاء بالاقل (3). ولكن الاحوط قضاء الاكثر خصوصا إذا كان الفوت لمانع - من } القضاء فيه، للاولوية إذا فرض الاتيان به بنية القربة ولو كان برجاء الواقع. وقد تقدم في قضاء الصلاة ماله نفع في المقام. فراجع. (1) عملا بعمومات القضاء المتقدمة. (2) بل يكفي النوم الى الزوال، لعدم الدليل على صحة تجديد النية بعده. وقد تقدم الكلام في ذلك في مبحث النية. (3) للاصل النافي لوجوب الاكثر. ولا مجال لاستصحاب وجوب الموقت بعد وقته، لانتفاء وجوب الصوم بدخول الليل، فيكون الشك في وجوب صوم النهار شكا في حدوث الوجوب، لافي بقائه. وبذلك افترق المقام عن سائر الموقتات، فانه يمكن إجراء استصحاب بقاء الوجوب بعد الوقت فيها، بناء على أنه خصوصية الوقت من قبيل الخصوصيات غير المقومة لموضوع الاستصحاب، كي يكون انتفاؤها موجبا لتبدل الموضوع المانع من جريان الاستصحاب. بل يفترق صوم رمضان عن غيره من أنواع الصيام، بأنه ينتهي وجوب صومه بدخول العيد الذي يحرم صومه، فلو بني على غض النظر عن الاشكال السابق فحرمة صوم العيد مانعة عن جريان الاستصحاب ليثبت به وجوب القضاء، فإذا شك يكون المرجع أصل البراءة. نعم عموم وجوب القضاء على من لم يصم يقتضي وجوب القضاء مع الشك في الاداء

[ 488 ]

{ مرض، أو سفر، أو نحو ذلك - وكان شكه في زمان زواله (1) كأن يشك في أنه حضر من سفره بعد أربعة أيام أو بعد خمسة أيام مثلا من شهر رمضان. } لاصالة عدم الصوم في الوقت. نعم يحكم على الاصل المذكور قاعدة الشك بعد خروج الوقت - بناء على عمومها للمقام، كما هو الظاهر - فيتعين الرجوع في وجوب القضاء إلى أصالة البراءة. (1) فانه قد يدعى: أن استصحاب بقاء المانع الى زمان الاكثر يقتضي فوات الاكثر. مثلا: لو تردد السفر بين ثلاثة أيام وأربعة، كان استصحاب بقاء السفر الى اليوم الرابع يقتضي عدم جواز صوم الرابع، فيكون فائتا. وفيه: أنه تارة: يعلم بأنه لم يصم أيام السفر وصام أيام الحضر، ويشك في أن أيام السفر كانت ثلاثة أو أربعة. فاستصحاب بقاء السفر الى اليوم الرابع لا يثبت أنه ما صام اليوم الرابع، إلا بناء على الاصل المثبت، للملازمة الخارجية بين السفر في الرابع وعدم صومه. وأخرى: يعلم بأنه صام أيام السفر صوما غير مشروع، فيشك في أن أيام السفر كانت أربعة ليقضيها، أو ثلاثة. فاستصحاب السفر في اليوم الرابع وإن كان يقتضي حرمة صومه، الموجبة لعدم مشروعيته، إلا أن اصالة الصحة مقدمة على الاستصحاب. مع أن ذلك لايتم في مثل المرض لان في ترتب عدم المشروعية على مجرد ثبوت الحرمة الواقعية إشكالا تقدم. فان قلت: مقتضى قوله تعالى: (فمن كان منكم مريضا..) (* 1) أن من أحكام المسافر والمريض وجوب القضاء، فيكون استصحاب السفر والمرض موجبا لاثبات الاثر المذكور. وكذا الحال في بقية الموانع، من


(* 1) البقرة: 184.

[ 489 ]

{ (مسألة 7): لا يجب الفور في القضاء (1) ولا التتابع (2). } الحيض والنفاس ونحوهما. قلت: وجوب القضاء من آثار عدم الصوم الصحيح في أيام الشهر، لا من آثار نفس وجود مثلا، فلابد في إثبات وجوب القضاء من إثباته موضوعه، إما لعدم الصوم ذاتا، أو لعدم كونه صحيحا. وقد عرفت أنه لا يمكن إثبات عدم الصوم أو عدم صحته باستصحاب بقاء المانع في الصورتين المذكورتين، بل يرجع في الاولى إلى قاعدة الشك بعد خروج الوقت، و في الثانية إلى أصالة الصحة. وليس مفاد الآية الشريفة ونحوها مفاد أدلة الاسباب الشرعية، كي يترتب ثبوت المسبب على مجرد ثبوت السبب بالاصل. هذا كله إذا كان الشك في زمان زوال المانع. وأما إذا كان في زمانه حدوثه فلا مجال لهذه التوهمات، لاصالة عدم حدوثه، كما هو واضح. (1) كما هو المعروف. ويشهد له صحيحتا الحلي وابن سنان المتقدمتان في حكم المرتد (* 1)، ومصححة حفص بن البختري عن أبي عبد الله (ع): " قال: كن نساء النبي صلى الله عليه وآله إذا كان عليهم صيام أخرن ذلك إلى شعبان، كراهة أن يمنعن رسول الله صلى الله عليه وآله. فإذا كان شعبان صام وصمن " (* 2) مضافا إلى إطلاقات أدلة القضاء. ومن ذلك يظهر ضعف ماعن ظاهر أبي الصلاح: من وجوب الفورية. (2) إجماعا، كما عن الناصريات، والخلاف، والمختلف، لاطلاق الادلة. وخصوص صحيحي الحلبي وابن سنان المتقدمين في المرتد (* 3). وفي رواية سليمان بن جعفر الجعفري عن أبي الحسن الرضا (ع): " لا بأس بتفريق


(* 1) لاحظ الروايتين في أوائل هذا الفصل. (* 2) الوسائل باب: 28 من أبواب الصوم المندوب حديث: 2. (* 3) لاحظ الروايتين في أوائل هذا الفصل.

[ 490 ]

{ نعم يستحب التتابع فيه (1) وإن كان أكثر من ستة، لا التفريق فيه مطلقا (2)، أو في الزائد على الستة (3). } قضاء شهر رمضان " (* 1)، وموثق سماعة: " سألته عمن يقضي شهر رمضان متقطعا؟ قال (ع): إذا حفظ أيامه فلا بأس " (* 2)، إلى غير ذلك. (1) كما هو المشهور. للتصريح بأفضليته في صحيح ابن سنان (* 3) - ونحوه خبر الاعمش (* 4) - وللامر به في صحيح الحلبي (* 5). وفي رواية غياث: " إن كان لا يقدر على سرده فرقه " (* 6). (2) كما نسب إلى ظاهر المفيد. وقال في محكي المقنعة: " أوجبت السنة الفصل بين الايام بالافطار، ليقع الفرق بين الامرين: الاداء والقضاء " وهو كما ترى مخالف للنصوص. (3) كما هو أحد الاقوال في المسألة - كما حكاه في الشرائع - وعن السرائر. واستدل له بموثق عمار عن أبي عبد الله (ع): قال: " سألته عن الرجل يكون عليه أيام من شهر رمضان، كيف يقضيها؟ فقال (ع): إن كان عليه يومان فليفطر بينهما يوما، وإن كان عليه خمسة أيام فليفطر بينهما أياما. وليس له أن يصوم أكثر من ستة أيام متوالية. وإن كان عليه ثمانية أيام أو عشرة أيام أفطر بينهما يوما " (* 7). وانطباقه على المدعى - من استحباب المتابعة في الستة والتفريق في الزائد عليه - غير ظاهر. ولاسيما وفي بعض


(* 1) الوسائل باب: 26 من ابواب أحكام شهر رمضان حديث: 8. (* 2) الوسائل باب: 26 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث: 2. (* 3) المراد به هو الصحيح الذي تقدمت الاشارة إليه آنفا. (* 4) الوسائل باب: 26 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث: 11. (* 5) المراد هو الصحيح المتقدم إليه الاشارة آنفا. (* 6) الوسائل باب: 27 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث: 3. (* 7) الوسائل باب: 26 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث: 6.

[ 491 ]

{ (مسألة 8): لا يجب تعيين الايام (1)، فلو كان عليه أيام فصام بعددها كفى وإن لم يعين الاول والثاني - وهكذا - بل لا يجب الترتيب أيضا، فلو نوى الوسط أو الاخير تعين، ويترتب عليه أثره. } النسخ - بدل (الستة) - (الثمانية) (* 1). فطرحه والعلم بغيره متعين. (1) قد أشرنا في بحث سجود السهو وغيره إلى أن التعيين فرع التعين والتعين تابع لاعتبار خصوصيات في المأمور به، بحيث يكون كل واحد من المتعدد مشتملا على خصوصية غير ما يشتمل عليه الآخر، مثل خصوصية الظهرية والعصرية، ونافلة الفجر وفريضته، فالصلاتان الاولتان - وكذا الاخيرتان - وإن اتحدت صورتهما متغايرتان بلحاظ الخصوصيات المذكورة. وليس في المقام ما يوجب ذلك، فان قضاء الصوم الفائت ماهية واحدة، قد يكون الواجب منها فردا واحدا إذا كان الفائت يوما واحدا، وقد يكون الواجب متعددا، كما إذا كان الفائت متعددا، فإذا وجب صوم يومين لم يكن مائز بين اليومين إلا بمقدار ما يكون به أحدهما مقابل الآخر المحصل ذلك لمفهوم الاثنينية، فإذا فات اليومان كان قضاؤهما - كنفسهما - لا تمايز بينهما ولا تعين لكل واحد إلا بالمعني المتقدم، فالتعين بعدما كان مفقودا لا يكون مجال للتعيين. فان قلت: اليوم الاول من شهر رمضان متعين في نفسه كاليوم الثاني فإذا كان التعين ثابتا في الزمان سرى إلى المقيد به، فله أن ينوي الصوم المقيد باليوم الاول في قبال الصوم المقيد باليوم الثاني، وكذا العكس. وحيث أن الواجب متعين وجب تعيينه، لاعتبار القصد إلى الواجب بماله من الخصوصيات المأخوذة فيه حين ماكان موضوعا للوجوب، ولولا ذلك


(* 1) رواها بالوجه الاول في التهذيب صفحة: 275 ج: 4. ورواها بالوجه الثاني في الاستبصار صفحة: 118 ج: 2.

[ 492 ]

{ (مسألة 9): لو كان عليه قضاء من رمضانين فصاعدا يجوز قضاء اللاحق قبل السابق (1). بل إذا تضيق اللاحق، بأن صار قريبا من رمضان آخر، كان الاحوط تقديم اللاحق ولو أطلق في نيته انصرف إلى السابق، وكذا في الايام. (مسألة 10): لا ترتيب بين صوم القضاء وغيره من } لم يكن الفعل عبادة وامتثالا لامره. قلت: الخصوصيات المذكورة لم تؤخذ في موضوع الوجوب، بل تمام موضوعه صوم يوم رمضان، فصوم اليوم الاول لم يجب بما أنه صوم اليوم الاول بخصوصياته التي يتميز بها عن اليوم الثاني، بل بما أنه صوم يوم من رمضان، وصوم اليوم من رمضان مفهوم واحد ينطبق على جميع الايام بنحو واحد، فالصوم الاول هو الصوم الثاني مفهوما وخصوصية إلا بالمقدار الذي يحصل منه التعدد. ومنه يظهر أنه لا معنى للترتيب، فضلا عن وجوبه. كما يظهر الاشكال فيما ذكره أخيرا. كما أنه لم يظهر المراد من قوله (ره): " ويترتب أثره " وأي أثر لواحد في قبال الآخر؟!. نعم ربما تكون بعض الخصوصيات الزمانية دخيلة في زيادة الفضل، مثل يوم القدر، أو أول خميس، أو آخر جمعة. لكن هذه الخصوصيات أجنبية عن الوجوب، ونيتها إنما تكون مؤثرة في ترتب الاثر الخاص لو قام دليل على مشروعية القضاء بنحو ذلك، وهو مفقود. (1) ما سبق يجري في قضاء رمضانين أيضا، وأنه لا مايز بينهما ولا تعين ليمكن التعيين. إلا أنه بناء على وجوب المبادرة إلى القضاء قبل مجئ رمضان الثاني، وعدم وجوب المبادرة بعد ذلك، يستكشف وجود المائز، لامتناع الاختلاف في الحكم مع عدمه. وسيجئ الكلام في وجوب المبادرة إن شاء الله.

[ 493 ]

{ أقسام الصوم الواجب (1)، كالكفارة، والنذر ونحوهما. نعم لا يجوز التطوع بشئ لمن عليه صوم واجب، كما مر (2). (مسألة 11): إذا اعتقد أن عليه قضاء فنواه، ثم تبين بعد الفراغ ذمته لم يقع لغيره (3). وأما لو ظهر له في الاثناء، فان كان بعد الزوال لا يجوز العدول إلى غيره (4) وإن كان قبله فالاقوى جواز تجديد النية لغيره (5). وإن كان الاحوط عدمه. (مسألة 12): إذا فاته شهر رمضان أو بعضه بمرض أو حيض أو نفاس ومات فيه لم يجب القضاء عنه (6)، ولكن } (1) بلا خلاف ظاهر. للاطلاق الموافق لاصالة البراءة من شرطية الترتيب. وعن ابن أبي عقيل: المنع من صوم النذر أو الكفارة لمن عليه قضاء عن شهر رمضان. وليس له دليل ظاهر. (2) في أواخر فصل شرائط صحة الصوم، ومر وجهه أيضا. (3) لفقد النية المعتبرة في صحة الصوم، على ما تقدم. نعم لو كانت نيته من باب الاشتباه في التطبيق صح لغيره، لتحققها حينئذ. (4) إلا إذا كان ذلك الغير مندوبا، فقد عرفت أن نيته تمتد اختيارا إلى ما قبل الغروب، فيجوز التجديد قبل الغروب بعد ظهور الخطأ في نية القضاء. (5) لما سبق في مبحث النية: من أنه يمتد وقتها اختيارا إلى الزوال في غير المعين. وكذا مع الجهل والنسيان في المعين. فراجع ما سبق هناك فانه مبنى هذه المسألة. (6) قطعا. للاصل. قيل: ولعدم وجوبه على الميت. فأولى أن

[ 494 ]

لا يجب على الحي، لانه إن وجب عليه كان عن ميته الذي لا يجب عليه. فتأمل . وللنصوص المستفيضة، كصحيح ابن مسلم عن أحدهما (ع): " سألته عن رجل أدركه رمضان وهو مريض، فتوفي قبل أن يبرأ. قال (ع): ليس عليه شئ، إنما يقضى عن الذي يبرأ ثم يموت قبل أن يقضي " (* 1) والآخر له: " سألته عن الحائض تفطر في شهر رمضان أيام حيضها، فإذا أفطر ماتت. قال (ع): ليس عليها شئ " (* 2)، والآخر له عن أبي عبد الله (ع): " في امرأة مرضت في شهر رمضان، أو طمثت، أو سافرت، فماتت قبل أن يخرج رمضان، هل يقضى عنها؟ قال (ع): أما الطمث والمرض فلا، وأما السفر فنعم " (* 3) وموثق سماعة: في امرأة نفساء دخل عليها شهر رمضان ولم تقدر على الصوم، فماتت في شهر رمضان أو في شوال. فقال (ع): لا يقضي عنها " (* 4) ونحوها غيرها. ثم إن مقتضى صحيح ابن مسلم الثالث وجوب القضاء لو ماتت في السفر. ونحوه صحيح أبي حمزة عن أبي جعفر (ع) (* 5) ورواية منصور ابن حازم عن أبي عبد الله (ع) (* 6) وهو المحكي عن التهذيب، والمقنع،


إن اريد عدم الوجوب فعلا فهو مسلم لكنه لا يكفي في امتناع التكليف بالقضاء، إذ يكفي فيه وجود الملاك. كما هو كذلك بالنسبة إلى الاداء. وان اريد عدم الملاك فممنوع، لانه خلاف إطلاق أدلة القضاء. منه قدس سره. (* 1) الوسائل باب: 23 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث: 2. (* 2) الوسائل باب: 23 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث: 14. (* 3) الوسائل باب: 23 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث: 16. (* 4) الوسائل باب: 23 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث: 10. (* 5) الوسائل باب: 23 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث: 4. (* 6) الوسائل باب: 23 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث: 15.

[ 495 ]

{ يستحب النيابة عنه (1) في أدائه. والاولى أن يكون بقصد إهداء الثواب. } والجامع، والمدارك، وغيرها. وقيل بالحاق السفر بما سبق. ويشير إليه صحيح أبي بصير الآتي، وما في رواية ابن بكير: من التعليل لوجوب القضاء على الولي بأن الميت صح ولم يقض وقد وجب عليه (* 1) ونسب القول بذلك الى جماعة من المتأخرين، رميا للنصوص الاول بالشذوذ، ولكنه غير ظاهر بنحو تسقط لاجله عن الحجية. وليست النصوص الثانية بنحو تصلح لصرف الاول إلى الاستحباب. فتأمل جيدا. (1) كما عن جماعة، بل عن المنتهى: نسبته الى أصحابنا. وعن جماعة: العدم. لعدم الدليل على مشروعيته. ولصحيح أبي بصير عن أبي عبد الله (ع) قال: " سألته عن امرأة مرضت في شهر رمضان وماتت في شوال، فأوصتني أن أقضي عنها. قال (ع): هل برأت من مرضها؟ قلت: لا، ماتت فيه. قال (ع): لا يقضى عنها، فان الله سبحانه لم يجعله عليها. قلت فاني أشتهي أن أقضي عنها وقد أوصتني بذلك. قال (ع): كيف تقضي عنها شيئا لم يجعله الله تعالى عليها؟، فان اشتهيت أن تصوم لنفسك فصم " (* 2). اللهم إلا أن تستفاد المشروعية من دليل مشروعية القضاء، بضميمة مادل على مشروعية النيابة فيه. ولا ينافيه النصوص المتقدمة الدالة على نفي القضاء، إذ هي مابين ما يدل على عدم الوجوب على الميت، وما يدل على عدم الوجوب على النائب، ولاتعرض فيها لنفي المشروعية. والصحيح يحتمل أن يكون المراد منه المنع من القضاء بعنوان كونه ثابتا عليها وتفريغا


(* 1) الوسائل باب: 23 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث: 13. (* 2) الوسائل باب: 23 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث: 12.

[ 496 ]

{ (مسألة 13): إذا فاته شهر رمضان أو بعضه لعذر واستمر الى رمضان آخر، فان كان العذر هو المرض سقط قضاؤه على الاصح (1)، وكفر عن كل يوم بمد. } لذمتها، حسبما يظهر من وصيتها بذلك، لا مجرد الفعل عنها. بل لعل قوله (ع): " فان اشتهيت... " يراد منه مشروعية ذلك، وأنه لا بأس بأن تصوم عنها لنفسك، لابداعي وصيتها. هذا ولكن الاحتمال المذكور خلاف الظاهر، فان فيه تقييد القضاء الذي أوصت به بكونه بعنوان أداء ما عليها من القضاء - وكذا ما بعده وحمل قوله (ع): " فان اشتهيت... " على أن المراد الصوم عنها بداعي نفسه لا بداعي الوصية، لا أن المراد الصوم عن نفسه، وكل ذلك خلاف الظاهر. فلاحظ. (1) ونسب إلى المشهور. ويشهد له كثير من النصوص، وفي الجواهر: " لا بأس بدعوى تواترها، والخروج بها عن ظاهر قوله تعالى: " فمن كان منكم مريضا أو على سفر... " (* 1) كصحيح ابن مسلم عن أبي جعفر (ع) وأبي عبد الله (ع): " سألتهما عن رجل مرض فلم يصم حتى أدركه رمضان آخر. فقالا (ع)، إن كان برئ ثم توانى قبل أن يدركه الرمضان الآخر صام الذي أدركه، وتصدق عن كل يوم بمد من طعام على مسكين وعليه قضاؤه. وإن كان لم يزل مريضا حتى أدركه رمضان آخر صام الذي أدركه، وتصدق عن الاول لكل يوم مد على مسكين، وليس عليه قضاؤه " (* 2) وصحيح زرارة عن أبي جعفر (ع): " في الرجل يمرض فيدركه شهر رمضان ويخرج عنه وهو مريض، ولا يصح حتى يدركه


(* 1) البقرة: 184. (* 2) الوسائل باب: 25 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث: 1.

[ 497 ]

شهر رمضان آخر. قال (ع): يتصدق عن الاول، ويصوم الثاني " (* 1) ونحوهما غيرهما. وعن ابن أبي عقيل، وابن بابويه، والخلاف، والغنية، والسرائر والحلبي، والتحرير: وجوب القضاء دون الكفارة. ويشهد له خبر الكناني قال: " سألت أبا عبد الله (ع) عن رجل عليه من شهر رمضان طائفة ثم أدركه شهر رمضان قابل. قال (ع): عليه أن يصوم، وأن يطعم كل يوم مسكينا. فان كان مريضا فيما بين ذلك حتى أدركه شهر رمضان قابل فليس عليه إلا الصيام إن صح. وان تتابع المرض عليه فلم يصح فعليه أن يطعم لكل يوم مسكينا " (* 2). لكنه لا يصلح لمعارضة ما سبق، لانه أصح سندا، واكثر عددا، ولموافقته لفتوى المشهور. وما عن الشيخ (ره): من دعوى الاجماع على القضاء - لو تمت - موهونة بمخالفة الاكثر، بل مخالفته في كتبه الاخر. وموافقة الخبر لظاهر الكتاب لا تجدي في قبال ما سبق. وأضعف منه ماعن ابن الجنيد: من وجوب القضاء والكفارة معا. إذ ليس له وجه ظاهر. واحتمال كونه مقتضى الجمع العرفي بين الطائفتين ساقط، لان الطائفتين كما تشتركان في إثبات كان من الامرين تشتركان أيضا في نفي كل منهما، فلو بني على الجمع بالاثبات كان الجمع بالنفي أولى. وأولى منهما الجمع بالتخيير. لكنه غير عرفي. بل الظاهر أن المقام من التعارض الذي هو موضوع الترجيح، الموجب لتقديم الطائفة الاولى لاغير. نعم قد يظهر من مضمر سماعة ثبوت الامرين، قال: " سألته عن رجل أدركه رمضان وعليه رمضان قبل ذلك لم يصمه. فقال (ع): يتصدق بدل كل يوم من الرمضان الذي كان عليه بمد من طعام، وليصم هذا الذي


(* 1) الوسائل باب: 25 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث: 2. (* 2) الوسائل باب: 25 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث: 3.

[ 498 ]

{ والاحوط مدان (1). ولا يجزئ القضاء عن التكفير (2). نعم الاحوط } أدرك. فان أفطر فليصم رمضان الذي كان عليه، فاني كنت مريضا فمر علي ثلاث رمضانات لم أصح فيهن، ثم أدركت رمضانا فتصدقت بدل كل يوم مما مضى بمد من طعام، ثم عافاني الله تعالى وصمتهن " (* 1) لكن - مع هجره، وعدم العمل به - يمكن حمله على استحباب القضاء، فانه مقتضى الجمع العرفي بينه وبين الطائفة الاولى. ويشير إليه صحيح ابن سنان عن أبي عبد الله (ع): " قال أفطر شيئا من رمضان في عذر، ثم أدرك رمضان آخر وهو مريض: فليتصدق بمد لكل يوم، وأما أنا فاني صمت وتصدقت " (* 2). أما خبر الكناني فقد عرفت سقوطه بالمعارضة فلاحظ. (1) فقد حكي تعينهما عن النهاية، والاقتصاد، والحلبيين. وليس له دليل ظاهر مع تصريح النصوص السابقة بالاكتفاء بالمد. نعم حكي ذلك عن بعض نسخ موثق سماعة المتقدم. لكنه - مع أنه لا يعارض ما سبق مما دل على الاكتفاء بالمد - معارض بما عن النسخ الصحيحة: من أنه مد من طعام (* 3) واستظهر في الجواهر أنه اشتباه من قلم النساخ في لفظة: (من) كما يشهد له الرسم في (طعام) - يعني: حيث رسم بالجر - ولو كان المد مثنى لرسم بالنصب على التمييز. لكن المحكي عن بعض النسخ: ذكر (من) مع المدين. فراجع. وربما يستشهد للمدين بما ورد في ذي العطاش. لكنه - مع أنه معارض بما دل على المد فيه الواجب تقديمه عليه - لا مجال للتعدي عن مورده الى المقام. (2) لظاهر الادلة. وقيل بالاجزاء - كما عن التحرير - حملا للفدية


(* 1) الوسائل باب: 25 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث: 5. (* 2) الوسائل باب: 25 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث: 4. (* 3) راجع التهذيب ج 4 صفحة 251 طبع النجف الاشرف، الاستبصار ج 2 صفحة 112 طبع النجف الاشرف.

[ 499 ]

{ الجمع بينهما (1). وإن كان العذر غير المرض - كالسفر ونحوه - فالاقوى وجوب القضاء (2). وإن كان الاحوط الجمع بينه وبين المد (3). وكذا إن كان سبب الفوت هو المرض، وكان العذر في التأخير غيره (4) مستمرا من حين برئه إلى رمضان } على الرخصة. وهو كما ترى. (1) لما عرفت من نسبته إلى ابن الجنيد. (2) كما عن المختلف، والشهيد الثاني، وسبطه، وغيرهم. لاطلاق أدلة القضاء، المقتصر في تقييدها على خصوص المرض، وربما قيل بالحاق السفر بالمرض في ثبوت الكفارة دون القضاء. ويشهد له مصحح الفضل ابن شاذان عن الرضا (ع) - في حديث - قال: " فلم إذا مرض الرجل أو سافر في شهر رمضان فلم يخرج من سفره، أو لم يقو من مرضه حتى يدخل عليه شهر رمضان آخر، وجب عليه الفداء للاول، وسقط القضاء وإذا أفاق بينهما، أو أقام ولم يقضه وجب عليه القضاء والفداء؟! قيل... " (* 1) لكن الحديث وإن جمع في نفسه شرائط الحجية، ساقط عنها بالهجر، إذ لم يعرف قائل به. وإلحاق السفر بالمرض وان نسب الى ابن أبي عقيل، والخلاف، فليس ذلك عملا منهما به أو بمضمونه، لما عرفت من أن المحكي عنهما في المرض وجوب القضاء دون الكفارة. مضافا الى قرب دعوى معارضته بما دل على وجوب القضاء عن المسافر إذا مات في سفره (* 2) فان وجوبه هنا بطريق أولى. فتأمل. (3) خروجا عن شبهة الخلاف، واحتياطا بالعمل بالدليلين. (4) الكلام فيه هو الكلام في سابقه، فانه أيضا يمكن أن يستفاد حكمه


(* 1) الوسائل باب: 25 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث: 8. (* 2) تقدم ذلك في المسألة: 12 من هذا الفصل.

[ 500 ]

{ آخر أو العكس (1)، فانه يجب القضاء أيضا في هاتين الصورتين على الاقوى. والاحوط الجمع، خصوصا في الثانية. (مسألة 14): إذا فاته شهر رمضان أو بعضه لا لعذر بل كان متعمدا في الترك، ولم يأت بالقضاء إلى رمضان آخر وجب عليه الجمع بين الكفارة والقضاء بعد الشهر (2). وكذا إن فاته لعذر ولم يستمر ذلك العذر، بل ارتفع في أثناء السنة ولم يأت به إلى رمضان آخر متعمدا وعازما على الترك، أو متسامحا واتفق العذر عند الضيق، فانه يجب حينئذ أيضا الجمع. } من مصحح الفضل. (1) يمكن أن يستفاد ثبوت الفدية فيه فقط من صحيح ابن سنان المتقدم في آخر مسألة سقوط القضاء عن مستمر المرض (* 1) كما عن ظاهر الخلاف وفي المدارك: أنه أوجه، وحمل العذر على المرض، بقرينة قوله (ع): " ثم أدركه آخر... " - كما عن المختلف - غير ظاهر، كدعواه: عدم صلاحيته لتقييد أدلة القضاء. ومن ذلك يظهر الوجه في أولوية الاحتياط فيه من الاحتياط فيما قبله. (2) كما هو المعروف فيه وفيما بعده مما لم يكن عازما على القضاء، بل لم يعرف فيه مخالف صريح إلا ابن إدريس، على ما حكي عن سرائره قال فيها: " والاجماع غير منعقد على وجوب هذه الكفارة، لان أكثر أصحابنا لا يذهبون إليها، ولا يوردونها في كتبهم، مثل الفقيه، وسلار، والسيد المرتضى، وغيرها. ولا يذهب الى الكفارة في هذه المسألة (يعني: مسألة التواني) إلا شيخنا المفيد محمد بن محمد بن النعمان - في الجزء الثاني من مقنعته


(* 1) راجع صفحة: 498.

[ 501 ]

{ وأما إن كان عازما على القضاء بعد ارتفاع العذر، فاتفق العذر عند الضيق، فلا يبعد كفاية القضاء (1). لكن لا يترك الاحتياط بالجمع أيضا. ولا فرق فيما ذكر بين كون العذر هو المرض أو غيره. فتحصل مما ذكر في هذه المسألة وسابقتها: أن تأخير القضاء إلى رمضان آخر إما يوجب الكفارة فقط، وهي الصورة الاولى المذكورة في المسألة السابقة، وإما يوجب القضاء فقط } ولم يذكرها في كتاب الصيام ولا في غيرها من كتبه - وشيخنا أبو جعفر ومن تابعهما، وقلد كتبهما، ويتعلق باخبار الآحاد التي ليست عند أهل البيت حجة على ما شرحناه ". ورد عليه جماعة ممن تأخر عنه: بأن رواة الفدية فضلاء السلف، كزرارة، ومحمد بن مسلم، وأبي الصباح الكناني، وأبي بصير، وعبد الله ابن سنان، وليس لروايتهم معارض إلا ما يحتمل رده الى ذلك. والقول بالفدية لا يختص بالشيخين، فقد ذهب إليها ابنا بابويه وابن أبي عقيل. وكيف كان فيظهر وجوب الكفارة في الفروض المذكورة مما سيأتي من النصوص في العازم على القضاء. وأما مرسل سعد بن سعد عن رجل عن أبي الحسن (ع): " عن رجل يكون مريضا في شهر رمضان ثم يصح بعد ذلك، فيؤخر القضاء سنة أو أقل من ذلك أو أكثر، ما عليه في ذلك؟ قال (ع): أحب له تعجيل الصيام، فان كان أخره فليس عليه شئ " (* 1) فساقط بالضعف، والهجر. (1) كما هو المشهور، ولاسيما بين المتأخرين كما قيل. لصحيح محمد


(* 1) الوسائل باب: 25 من ابواب أحكام شهر رمضان حديث: 7.

[ 502 ]

{ وهي بقية الصور المذكورة فيها، وإما يوجب الجمع بينهما، وهي الصور المذكورة في هذه المسألة. نعم الاحوط الجمع في الصور المذكورة في السابقة أيضا كما عرفت. } ابن مسلم عن أبي جعفر (ع) وأبي عبد الله (ع) قال: " سألتهما عن رجل مرض فلم يصم حتى أدركه رمضان آخر. فقالا (ع): إن كان برئ ثم توانى قبل أن يدركه الرمضان الآخر صام الذي أدركه، وتصدق عن كل يوم بمد من طعام على مسكين، وعليه قضاؤه. وان كان لم يزل مريضا... " (* 1) وخبر أبي بصير عن أبي عبد الله (ع): " قال (ع): إذا مرض الرجل من رمضان إلى رمضان ثم صح فانما عليه لكل يوم أفطره فدية طعام، هو مد لكل مسكين. قال: وكذلك أيضا في كفارة اليمين وكفارة الظهار مدا مدا. وإن صح بين الرمضانين فانما عليه أن يقضي الصيام، فان تهاون به وقد صح فعليه الصدقة والصيام جميعا، لكل يوم مد، إذا فرغ من ذلك الرمضان " (* 2) وخبره الآخر المروي عن تفسير العياشي، قال (ع) فيه: " فان صح فيما بين الرمضانين، فتوانى أن يقضيه حتى جاء الرمضان الآخر، فان عليه الصوم والصدقة جميعا، يقضي الصوم ويتصدق من أجل أنه ضيع ذلك الصيام " (* 3) ومصحح الفضل بن شاذان عن الرضا (ع) - في حديث طويل - قال (ع): " فان أفاق فيما بينهما ولم يصمه وجب عليه الفداء للتضييع، والصوم لاستطاعته " (* 4) فان التواني والتهاون والتضييع - التي جعلت دخيلة في وجوب الكفارة - غير صادقة مع العزم على القضاء.


(* 1) الوسائل باب: 25 من ابواب أحكام شهر رمضان حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 25 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث: 6. (* 3) الوسائل باب: 25 من ابواب أحكام شهر رمضان حديث: 11. (* 4) الوسائل باب: 25 من ابواب أحكام شهر رمضان حديث: 8.

[ 503 ]

ومقتضى مفهوم الشرط أو التعليل أو مفهومهما معا: انتفاء الكفارة بانتفائها الحاصل بالعزم على القضاء. وبه يقيد إطلاق مادل على وجوب الكفارة بمجرد ترك الصوم مع التمكن منه فيما بين الرمضانين، كصحيح زرارة عن أبي جعفر (ع) - في حديث - قال (ع): " فان كان صح فيما بينهما، ولم يصم حتى أدركه شهر رمضان آخر صامهما جميعا، ويتصدق عن الاول " (* 1). وفيه: أن الظاهر من العناوين المذكورة مجرد ترك القضاء وعدم المبادرة إليه في زمان يمكن فيه، كما يشهد له مقابلته في رواية ابن مسلم بقوله (ع): " وإن كان لم يزل مريضا "، وعدم التعرض للقسم الثاني المقابل للتواني من قسمي الصحة بين الرمضانين، مع كثرة التفصيل في النصوص المذكورة في الباب وعدم السؤال عنه مع كونه الغالب. وقوله في مصحح الفضل: " فان أفاق فيما بينهما ولم يصمه وجب على الفداء للتضييع " الظاهر في أن عدم الصوم حال الافاقة هو التضييع. ومن الغريب ماعن الكاشاني: من دعوى ظهور خبر أبي بصير المتقدم في الاقسام الثلاثة، بحمل قوله (ع): " فان صح بين الرمضانين فانما عليه أن يقضي الصيام " على معنى: فان صح بين الرمضانين فلم يقض في أيام صحته، مع عدم تهاونه فيه، فانما عليه أن يقضي الصيام بعد رمضان الثاني، فيكون متضمنا لحكم غير المتهاون من وجوب القضاء لاغير، وأن قوله (ع): " فان تهاون " متعرض لحكم المتهاون - من وجوب القضاء والكفارة - ويكون صدره متعرضا لحكم مستمر المرض من وجوب الكفارة لاغير فان ما ذكره أولا تكلف خلاف الظاهر، بل هو كالصريح في أن المراد منه أنه إن صح بين الرمضانين فانما عليه أن يقضي الصيام حينئذ،


(* 1) الوسائل باب: 25 من ابواب أحكام شهر رمضان حديث: 2.

[ 504 ]

{ (مسألة 15): إذا استمر المرض إلى ثلاث سنين (1) - يعني: الرمضان الثالث - وجبت كفارة للاولى، وكفارة أخرى للثانية (2)، ويجب عليه القضاء للثالثة إذا استمر إلى آخرها ثم برئ، وإذا استمر إلى أربع سنين وجبت للثالثة أيضا، ويقضي للرابعة إذا استمر إلى آخرها، أي: الرمضان } فان تهاون ولم يقض فعليه القضاء والكفارة. ويشهد به: الضمير المجرور بالباء في قوله (ع): " تهاون به "، فانه لا مجال للتأمل في رجوعه الى قضاء الصيام، فلو كان المراد القضاء بعد رمضان الثاني كان المراد: فان تهاون بالقضاء بعد رمضان الثاني، وهو كما ترى. ومثلها: دعواه تعرض خبر الكناني - المتقدم في المسألة السابقة - للاقسام الثلاثة أيضا، بأن يكون صدره متعرضا لصورة التهاون، وقوله (ع): " فان كان مريضا فيما بين... " متعرضا لصورة عدم التهاون، وقوله (ع): " وإن تتابع المرض " متعرضا لصورة استمرار المرض. فان قوله (ع): " فان كان مريضا فيما بين ذلك... " ظاهر جدا في استمرار المرض الى رمضان قابل، وصدره ظاهر فيمن صح بين الرمضانين. وقد عرفت أنه لابد من طرحه لمعارضته بما سبق. ومثل هذه التكلفات لا تصلح لتأسيس حكم شرعي. ومجرد الشهرة لا تصلح قرينة صارفة للكلام عن ظاهره الى غيره، وان كان ظاهر الجواهر ذلك. فإذا القول بوجوب القضاء والفدية على العازم على القضاء - كما عن ظاهر الصدوقين، وصريح المعتبر والشهيدين وغيرهم - متعين. فلاحظ. (1) كما يستفاد من مصحح الفضل (* 1). (2) لاطلاق الادلة. وخصوص موثق سماعة المتقدم في المسألة السابقة


(* 1) الوسائل باب: 25 من ابواب أحكام شهر رمضان حديث: 8.

[ 505 ]

{ الرابع وأما إذا أخر قضاء السنة الاولى إلى سنين عديدة فلا تتكرر الكفارة بتكررها (1)، بل تكفيه كفارة واحدة. (مسألة 16): يجوز إعطاء كفارة أيام عديدة - من رمضان واحد أو أزيد - لفقير واحد (2)، فلا يجب إعطاء كل فقير مدا واحدا ليوم واحد. (مسألة 17): لا تجب كفارة العبد على سيده (3)، من غير فرق بين كفارة التأخير، وكفارة الافطار. ففي الاولى إن كان له مال وأذن له السيد (4) أعطى من ماله، وإلا استغفر بدلا عنها. وفي كفارة الافطار يجب عليه اختيار صوم } ونحوه صدر خبر أبي بصير المتقدم المروي عن تفسير العياشي. وعن الصدوقين: أنه لو استمر المرض رمضانين وجب الفداء للاول والقضاء للثاني وليس له دليل ظاهر. وحمل كلامهما على ما إذا صح بعد الرمضان الثاني - كما هو مضمون رواية ابن جعفر (ع) (* 1) بل عن الحلي الجزم بذلك. والامر سهل. (1) بلا خلاف أجده فيه إلا من الفاضل في محكي التذكرة - كذا في الجواهر - وحكي أيضا عن المبسوط. ودليله غير ظاهر. وقياس السنة الثانية على الاولى مما يجل مقامهما الاقدس عن العمل به. (2) لاطلاق الادلة. (3) للاصل، وليست هي من النفقة الواجبة عليه، كما لعله ظاهر. (4) لاطلاق أدلة الحجر. إلا أن يقال: إنها مختصة بغير الواجب التعييني، ولذا ليس له المنع عن الصلاة.


(* 1) الوسائل باب: 25 من ابواب أحكام شهر رمضان حديث: 9.

[ 506 ]

{ شهرين مع عدم المال والاذن من السيد، وإن عجز فصوم ثمانية عشر يوما، وإن عجز فالاستغفار. (مسألة 18): الاحوط عدم تأخير القضاء إلى رمضان آخر مع التمكن عمدا (1)، وإن كان لادليل على حرمته. } (1) المصرح به في كلام جماعة: عدم جواز تأخير القضاء إلى ما بعد رمضان الثاني، منهم الفاضلان والشهيد، ويظهر من كلام غير واحد منهم: أنه من المسلمات، وفي محكي غنائم القمي (ره): الظاهر عدم الخلاف فيه ودليله غير ظاهر. نعم قد يستفاد مما دل على وجوب الفدية إذا صح بين الرمضانين فلم يقض. أو من التعبير عن تركه بالتهاون، والتواني، والتضييع، أو من قوله (ع) في رواية أبي بصير المتقدمة: " فان صح بين الرمضانين فانما عليه أن يقضي الصيام، فان تهاون... " (* 1) بناء على ظهوره في ارادة أن عليه أن يقضي الصيام بين الرمضانين، ومصحح الفضل المروي عن العيون والعلل " قال (ع): إن قال: فلم إذا مرض الرجل أو سافر في شهر رمضان، فلم يخرج من سفره، أو لم يقو من مرضه حتى يدخل عليه شهر رمضان آخر، وجب عليه الفداء للاول، وسقط القضاء، وإذا أفاق بينهما أو أقام ولم يقضه وجب القضاء والفداء؟ قيل: لان ذلك الصوم إنما وجب عليه في تلك السنة في هذا الشهر. فأما الذي لم يفق فانه لما مر عليه السنة كلها وقد غلب الله تعالى عليه. فلم يجعل له السبيل إلى أدائها سقط عنه. وكذلك كلما غلب الله تعالى عليه، مثل المغمى الذي يغمى


(* 1) قد يظهر من مرسل سعد بن سعد - المتقدم في المسألة الرابعة عشرة - جواز التأخير. منه قدس سره. (* 1) لاحظ المسألة: 14 من هذا الفصل.

[ 507 ]

{ (مسألة 19): يجب على ولي الميت قضاء ما فاته من الصوم لعذر (1) } عليه في يوم وليلة، فلا يجب عليه قضاء الصلاة، كما قال الصادق (ع): " كلما غلب الله تعالى عليه فهو أعذر له، لانه دخل الشهر وهو مريض، فلم يجب عليه الصوم في شهره، ولافي سنته، للمرض الذي كان فيه، ووجب عليه الفداء... " (* 1). لكن وجوب الفدية أعم من وجوب الفورية. والتعبير بالتواني، والتهاون، والتضييع لا يدل على أكثر من الرجحان. فتأمل. وما في خبر أبي بصير غير ظاهر إلا في أنه إذا صح كان عليه القضاء دون الفدية، فإذا أخره حينئذ كان عليه قضاء مع الفدية، ولا يدل على أنه إذا صح كان عليه القضاء زمان الصحة تعيينا. لاأقل من إجماله من هذه الجهة، الموجب لسقوطه عن الدليلية. وأما مصحح الفضل فدلالته قريبة. واحتمال كون الكلام واردا مورد الاقناع أو الالزام للخصم، لموافقته لمذهبه، ولا يدل على مطابقته لاعتقاده (ع) خلاف الظاهر جدا، كما يظهر بأقل تأمل في فقرات الجواب. فالبناء على وجوب المبادرة اعتمادا عليه في محله. ولاسيما مع تأيده بتطبيق مفهوم التضييع فيه وفي غيره، فان الجمود عليه يقتضي ذلك، بل وجوب الفدية فانه لا يناسب استحباب المفدى. بل استفادة التوقيت للقضاء بما بين الرمضانين من المصحح - كما عن المحقق (ره) - قريبة جدا. (1) كما هو المعروف، بل عن الخلاف والسرائر: الاجماع عليه، وعن المنتهى: نسبته إلى علمائنا. ولم يحك فيه خلاف إلا من ابن أبي عقيل فأوجب التصدق عنه، وادعى تواتر الاخبار به، ونسب القول بقضاء الصوم إلى الشذوذ.


(* 1) الوسائل باب: 25 من ابواب أحكام شهر رمضان حديث: 8.

[ 508 ]

{ - من مرض، أو سفر، أو نحوهما - لاماتركه عمدا، أو أتى به وكان باطلا من جهة التقصير في أخذ المسائل (1). } ودعواه تواتر الاخبار بالتصدق غير ظاهرة، إذ لم تعرف رواية به عدا صحيح ابن بزيع عن أبي جعفر الثاني (ع): " قلت له: رجل مات وعليه صوم، يصام عنه أو يتصدق؟ قال (ع): يتصدق عنه، فانه أفضل " (* 1)، وخبر أبي مريم عن أبي عبد الله (ع): " إذا صام الرجل شيئا من شهر رمضان، ثم لم يزل مريضا حتى مات، فليس عليه قضاء. وإن صح ثم مرض ثم مات، وكان له مال تصدق عنه مكان كل يوم بمد، وإن لم يكن له مال تصدق عنه وليه " (* 2). ولا مجال للعمل بهما بعد مخالفتهما للاجماع، والنصوص الكثيرة، التي هي قريبة من التواتر، كصحيح حفص عن أبي عبد الله (ع): " في الرجل يموت وعليه صلاة أو صيام. قال (ع): يقضي عنه أولى الناس بميراثه. قلت: فان كان أولى الناس به امرأة، قال (ع): لا، إلا الرجال " (* 3) ونحوه غيره مما يأتي. (1) كما عن جماعة، ونسب إلى المحقق في المسائل البغدادية. ولم


(* 1) الفقيه ج 3 صفحة 236 حديث: 1119 طبع النجف الاشرف، الوافي ج 2 باب: 55 من كتاب الصيام صفحة 51. (* 2) هكذا ورد الحديث في النسخة الخطية وقد اختلف كتب الحديث في نقل متن الحديث المذكور، فقد ورد بهذا المضمون في كل من التهذيب: ج: 4 صفحة: 248. طبع النجف: والاستبصار: ج: 2 صفحة: 109 طبع النجف الاشرف وورد هكذا: وإن لم يكن له مال صام عنه وليه: في كل من التهذيب والاستبصار بطريق آخر وكذا في الفقيه ج: 2 صفحة: 98. طبع النجف وفي الوسائل باب: 23 من ابواب أحكام شهر رمضان حديث: 5.

[ 509 ]

{ وإن كان الاحوط قضاء جميع ما عليه وإن كان من جهة الترك عمدا. نعم يشترط في وجوب قضاء ما فات بالمرض أن يكون قد تمكن في حال حياته من القضاء وأهمل (1)، وإلا فلا يجب، لسقوط القضاء حينئذ، كما عرفت سابقا. ولا فرق في الميت بين الاب والام على الاقوى (2) وكذا } يتضح وجهه مع إطلاق نصوص القضاء. واشتمال بعضها على ذكر العذر - من المرض، والسفر وغيرهما - لا يقتضي حمل المطلق عليه، لعدم التنافي بين المطلق والمقيد. كما لا يخفى. ومثله: دعوى انصراف الاطلاق إلى الغالب، فان الغالب كون الترك لعذر. إذ فيها: أن الغلبة ليست بحيث تصلح للانصراف المسقط للمطلق عن الحجية. (1) الظاهر أنه لاإشكال في اشتراط قدرة الميت على القضاء وإهماله في وجوب القضاء على الولي، فيما عدا السفر من الاعذار، من دون فرق بين المرض، والحيض، والنفاس، وفي الجواهر: " بلا خلاف أجده فيما عدا السفر ". ويشهد له النصوص المتقدمة في المسألة الثانية عشرة والثالثة عشرة. كما تقدم أيضا فيما ذكر - وفي قضاء الصلاة - الاشارة الى الخلاف في إلحاق السفر بغيره وعدمه، وأن الاقرب الثاني. فراجع. (2) كما نسب الى الاكثر تارة، والى المعظم أخرى. ويشهد له صحيح أبي حمزة عن أبي جعفر (ع) قال: " سألته عن امرأة مرضت في شهر رمضان أو طمثت، أو سافرت، فماتت قبل خروج شهر رمضان هل يقضى عنها؟ قال (ع): أما الطمث والمرض فلا، وأما السفر فنعم " (* 1) ونحوه صحيح ابن مسلم المتقدم (* 2) وما في صحيح أبي بصير


(* 1) الوسائل باب: 23 من ابواب أحكام شهر رمضان حديث: 4. (* 2) راجع المسألة: 12 من هذا الفصل.

[ 510 ]

{ لافرق بين ما إذا ترك الميت ما يمكن التصدق به عنه وعدمه (1) } المتقدم - الوارد فيمن مرضت في شهر رمضان فماتت في مرضها - قال (ع): " لا يقضى عنها، فان الله سبحانه لم يجعله عليها " (* 1). لكنها لاتدل على اكثر من مشروعية القضاء عنها في قبال نفي مشروعيته في الطمث والمرض. وعدم القول بالفصل بين المشروعية والوجوب غير ثابت. كما أن دعوى كون السؤال إنما هو عن الوجوب لا المشروعية، للاتفاق على الاستحباب، غير ظاهرة، فان اتفاق العلماء على الاستحباب لا يقتضي وضوحه عند السائل في النصوص المذكورة. نعم ربما يستفاد ذلك من قاعدة الاشتراك. وفيه: أن الثابت من القاعدة هو الحاق النساء بالرجال في الاحكام الموجهة إليهم المخاطبين بها مثل: يجب على الرجل كذا، ويحرم عليه كذا، فالرجل إذا كان موضوعا للخطاب بحكم كانت المرأة مثله، ولا يشمل مثل ما نحن فيه مما كان الرجل قيدا لموضوع الحكم. فلاحظ. وقد تقدمت الاشارة إليه في بعض مباحث الخلل وغيره. (1) كما عن المعظم، كما في الجواهر، وعن السرائر: الاجماع منعقد من أصحابنا على ذلك. وعن السيد (ره): اشتراط عدم تركه ما يمكن التصدق به. ويشهد له خبر أبي مريم السابق على ما رواه الصدوق والكليني هكذا: " وان لم يكن له مال صام عنه وليه " (* 2) وفي محكي المعتبر: نسبة الرواية الى الصراحة، والاشتهار، ومطابقة فتوى الفضلاء من الاصحاب وعن السيد. دعوى إجماع الامامية عليه. وفيه - مع أن الرواية رواها في التهذيب كما سبق: تصدق عنه


(* 1) راجع المسألة: 12 من هذا الفصل. (* 2) لاحظ الفقيه ج 2 صفحة 98 طبع النجف الاشرف، الكافي ج 4 صفحة 123 طبع ايران الحديثة.

[ 511 ]

{ وإن كان الاحوط في الاول الصدقة عنه برضاء الوارث مع القضاء. والمراد بالولي هو الولد الاكبر (1) وان كان طفلا أو مجنونا حين الموت، بل وإن كان حملا. (مسألة 20): لو لم يكن للميت ولد لم يجب القضاء على أحد من الورثة، وإن كان الاحوط قضاء أكبر الذكور من الاقارب عنه. (مسألة 21): لو تعدد الولي اشتركا (2)، وإن تحمل أحدهما كفى عن الآخر. كما أنه لو تبرع أجنبي سقط عن الولي (3). (مسألة 22): يجوز للولي أن يستأجر من يصوم } وليه " (* 1) -: أنه لا يمكن الجمع العرفي بينها وبين ما سبق بتقييد إطلاقه لانه خلاف الغالب. ولا الترجيح عليه، لكونه أصح سندا، وأشهر رواية، ومخالفا للعامة - كما قيل - فالعمل باطلاقه متعين. (1) كما نسب الى المعظم. وتخصيصه به غير ظاهر، كما أشرنا الى ذلك في مبحث قضاء الصلاة. فراجع. (2) تقدم: أن الاقرب في العمل بالدليل الوجوب الكفائي، ولاجل ذلك يسهل الخطب في جملة من الصور التي لا يمكن فيها التوزيع، كما لو لزم الكسر، لكون عدد الايام أقل من عدد الاولياء أو أكثر، أو عجز أحدهما عن الصوم، أو لم يقم عنده طريق على اشتغال ذمة الميت به، أو غير ذلك. (3) لانتفاء موضوع الوجوب عنه.


(* 1) التهذيب ج 4 صفحة 248 طبع النجف الاشرف، وهكذا الاستبصار ج 2 صفحة 109 طبع النجف الاشرف.

[ 512 ]

{ عن الميت (1). وأن يأتي به مباشرة. وإذا استأجر ولم يأت به المؤجر، أو أتى به باطلا لم يسقط عن الولي. (مسألة 23): إذا شك الولي في اشتغال ذمة الميت وعدمه لم يجب عليه شئ (2). ولو علم به اجمالا وتردد بين الاقل والاكثر جاز له الاقتصار على الاقل. (مسألة 24): إذا أوصى الميت باستئجار ما عليه من الصوم أو الصلاة سقط عن الولي، بشرط أداء الاجير صحيحا (3) وإلا وجب عليه. (مسألة 25): إنما يجب على الولي قضاء ما علم اشتغال ذمة الميت به، أو شهدت به البينة، أو أقر به عند موته (4) وأما لو علم أنه كان عليه القضاء، وشك في إتيانه حال حياته أو بقاء شغل ذمته، فالظاهر عدم الوجوب عليه باستصحاب بقائه (5) نعم لو شك هو في حال حياته، وأجرى الاستصحاب } (1) لظهور الدليل في أن المقصود تفريغ ذمة الميت، لا خصوص مباشرته لذلك. (2) لاصالة البراءة. إلا أن تجري أصالة عدم إتيان الميت بالواجب. نعم لو تمت قاعدة الشك بعد الوقت في الصوم - كما أشرنا إليه قريبا - كانت مقدمة على الاستصحاب المذكور. ومن ذلك يعلم الحال في جواز الاقتصار على الاقل مع تردد الواجب بين الاقل والاكثر. (3) قد تقدم القول بالسقوط بمجرد الوصية، بلا اعتبار الشرط المذكور. كما تقدم ضعفه أيضا. (4) قد تقدم الاشكال في اعتبار الاقرار هنا. فراجع. (5) كأن وجهه: أصالة البراءة، للشك في الفوت، ولا أصل يحرزه

[ 513 ]

{ أو قاعدة الشغل، ولم يأت به حتى مات، فالظاهر وجوبه على الولي (1). (مسألة 26): في اختصاص ما وجب على الولي بقضاء شهر رمضان، أو عمومه لكل صوم واجب قولان (2)، مقتضى إطلاق بعض الاخبار الثاني، وهو الاحوط. } لكن عرفت الاشكال فيه، وأن مادل على عدم الاجتزاء بالبينة في وفاء الدين الذي على الميت حتى ينضم إليها اليمين، معللا باحتمال الوفاء يدل على المقام بالاولوية. لكنه لا يخلو من تأمل. (1) لما كان ظاهر الادلة أن موضوع الوجوب على الولي هو الصوم الواقعي الثابت على الميت وإن لم يتنجز عليه، لغفلته وذهوله، أو اعتقاده بالاداء، فلابد في تنجز الوجوب على الولي من علمه بثبوت ذلك على الميت أو قيام طريق عليه، أو أصل محرز له. وحينئذ فعلم الميت وشكله لا أثر لهما في وجوب شئ على الولي، فلو علم الميت أن في ذمته شيئا والولي يعلم بعدمه لم يجب على الولي القضاء، ولو انعكس الفرض وجب، وكذا لو قام الطريق عند الولي على الثبوت ولم يكن طريق عليه عند الميت. وبالجملة: المدار على اعتقاد الولي، أو قيام منجز عنده، لاعلم الميت، أو قيام منجز عنده. نعم لو كان الموضوع الثبوت الواقعي، أو الظاهري عند الميت ولو كان عقليا، وجب في الفرض المذكور. لكنه غير ظاهر من الادلة. فلاحظ. (2) فعن ابن أبي عقيل وابني بابويه. الاختصاص. وعن الشيخين: العموم، واختاره في الشرائع. وصحيح حفص بن البختري عن أبي عبد الله (ع): " في الرجل يموت وعليه صلاة أو صيام. قال (ع):

[ 514 ]

{ (مسألة 27): لا يجوز للصائم قضاء شهر رمضان - إذا كان عن نفسه - الافطار بعد الزوال (1)، بل تجب } يقضي عنه أولى الناس بميراثه " (* 1) ورواية الحسن بن علي الوشا عن أبي الحسن الرضا (ع): " إذا مات رجل وعليه صيام شهرين متتابعين من علة، فعليه أن يتصدق عن الشهر الاول، ويقضي الشهر الثاني " (* 2). ومنع دلالة الجملة الخبرية على الوجوب ضعيف، كما حقق في محله. نعم لا إطلاق في رواية الوشا. فالعمدة في إثبات العموم: هو الصحيح وكون ما عداه من النصوص مختصا بصوم رمضان لا يقتضي تقييده به. (1) فانه مذهب الاصحاب لا أعلم فيه خلافا، كما عن المدارك. ونسب الخلاف فيه إلى ظاهر الشيخ (ره) في التهذيب، حيث حمل رواية عمار الآتية على نفي العقاب. ولكن المحتمل أن يكون مراده مجرد بيان وجه الجمع بين الاخبار، لا إبداء الاعتقاد. ويشهد للمشهور صحيحة جميل عن أبي عبد الله (ع): " أنه قال في الذي يقضي شهر رمضان: إنه بالخيار الى زوال الشمس. فان كان تطوعا فانه الى الليل بالخيار " (* 3)، ونحوه رواية إسحاق بن عمار عن أبي عبد الله (ع) (* 4). وفي رواية عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (ع): " قال: صوم النافلة لك أن تفطر ما بينك وبين الليل ومتى شئت، وصوم الفريضة لك أن تفطر إلى زوال الشمس. فإذا زالت الشمس فليس لك أن


(* 1) الوسائل باب: 23 من ابواب أحكام شهر رمضان حديث: 5. (* 2) الوسائل باب: 24 من ابواب أحكام شهر رمضان حديث: 1. (* 3) الوسائل باب: 4 من ابواب وجوب الصوم ونيته حديث: 4. (* 4) الوسائل باب: 4 من ابواب وجوب الصوم حديث: 10.

[ 515 ]

{ عليه الكفارة به (1). وهي - كما مر - (2) إطعام عشرة مساكين } تفطر " (* 1) وقريب منها رواية سماعة عن أبي عبد الله (ع) (* 2) مضافا الى نصوص الكفارة الظاهرة في الحرمة (* 3). نعم قد يعارضها موثقة عمار عن أبي عبد الله (ع) فيمن عليه أيام من شهر رمضان: " سئل فان نوى الصوم ثم أفطر بعد مازالت الشمس. قال (ع): قد أساء، وليس عليه شئ، إلا قضاء ذلك اليوم الذي أراد أن يقضيه " (* 4). وفي ظهورها في نفي الحرمة تأمل، بل لعلها ظاهرة فيها. نعم ظاهرها: نفي الكفارة، فهي معارضة بأدلتها لاغير. ونحوها: ما تضمن أنه لا ينبغي للزوج أن يكره زوجته على الجماع بعد الزوال، وهي تقضي شهر رمضان (* 5) فان قوله (ع): (لا ينبغي) لو سلم ظهوره في الكراهة، أمكن أن يكون ذلك بالنسبة الى الزوج لا الزوجة ومن الصحيح المتقدم وغيره يظهر الجواز قبل الزوال، خلافا للعماني لظاهر بعض النصوص (* 6)، وإطلاق آخر (* 7). والجميع لا يصلح لمعارضة ما سبق، بل هو محمول على الكراهة، أو على ما بعد الزوال جمعا. (1) من غير خلاف ظاهر، إلا من العماني فأنكره. ويشهد للمشهور: نصوص الكفارة. وللعماني: موثقة عمار السابقة، التي لا تصلح للحجية بعد هجرها. (2) مر الكلام فيه.


(* 1) الوسائل باب: 4 من أبواب وجوب الصوم ونيته حديث: 9. (* 2) الوسائل باب: 4 من ابواب وجوب الصوم ونيته حديث: 8. (* 3) الوسائل باب: 29 من ابواب أحكام شهر رمضان حديث: 1، 2، 3، 5. (* 4) الوسائل باب: 29 من ابواب أحكام شهر رمضان حديث: 4. (* 5) الوسائل باب: 4 من ابواب وجوب الصوم ونيته حديث: 2. (* 6) الوسائل باب: 4 من ابواب وجوب الصوم ونيته حديث: 6. (* 7) الوسائل باب: 29 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث: 3.

[ 516 ]

{ لكل مسكين مد، ومع العجز عنه صيام ثلاثة أيام. وأما إذا كان عن غيره - باجارة، أو تبرع - فالاقوى جوازه (1)، وإن كان الاحوط الترك. كما أن الاقوى الجواز في سائر أقسام الصوم الواجب الموسع (2)، وإن كان الاحوط الترك فيها أيضا وأما الافطار قبل الزوال فلا مانع منه حتى في قضاء شهر رمضان عن نفسه (3). إلا مع التعيين بالنذر، أو الاجارة (4) أو نحوهما. أو التضيق بمجئ رمضان آخر إن قلنا بعدم جواز التأخير إليه، كما هو المشهور. } (1) لانصراف الدليل السابق الى الصائم عن نفسه. والفرق بين هذا الحكم وسائر الاحكام التي استقر بناؤهم على تسريتها للفعل عن الغير، هو أن مرجعه الى وجوب البقاء على النيابة، فلا يكون من آثار الفعل الوضعية أو التكليفية، بل من آثار النيابة فيه، بخلاف سائر الاحكام. ومثله: حرمه قطع الفريضة، فانه لا يسرى إلى الفريضة التي يؤتى بها بقصد النيابة. (2) كما هو المشهور، الموافق للصأل. وعن الحلبي: الحرمة. وكأنه لقوله تعالى: (ولا تبطلوا أعمالكم...) (* 1). ولكنه قد تكرر مرارا الاشكال فيه. نعم قد يساعده رواية عبد الله بن سنان السابقة (* 2) ونحوها. ولكن لا يبعد أن يكون المراد من صوم الفريضة ما كان فريضة بعنوان كونه صوما لا بعنوان أمر آخر خارج عنه، كالنذر، والاجارة، وأمر الوالد، ونحوها. (3) كما سبق. (4) فان الحرمة حينئذ يقتضيها دليل نفوذ النذر والاجارة والله سبحانه أعلم.


(* 1) محمد: 33. (* 2) تقدم ذلك في أوائل المسألة.

[ 517 ]

{ فصل في صوم الكفارة وهو أقسام: منها: ما يجب فيه الصوم مع غيره، وهي كفارة قتل العمد (1)، وكفارة من أفطر على محرم في شهر رمضان (2) فانه تجب فيها الخصال الثلاث. منها: ما يجب فيه الصوم بعد العجز عن غيره، وهي كفارة الظهار (3)، } فصل في صوم الكفارة (1) إجماعا، كما عن جماعة. ويشهد له جملة من النصوص، كصحيح ابني سنان وبكير عن أبي عبد الله (ع): " سئل: المؤمن يقتل المؤمن متعمدا، هل له توبة؟ فقال (ع): إن كان قتله لايمانه فلا توبة له، وإن كان قتله لغضبه، أو بسبب من أمر الدنيا، فان توبته أن يقاد منه وإن لم يكن علم به أحد انطلق الى أولياء المقتول فأقر عندهم بقتل صاحبهم فان عفوا عنه فلم يقتلوه أعطاهم الدية، وأعتق نسمة، وصام شهرين متتابعين وأطعم ستين مسكينا " (* 1). (2) كما تقدم (* 2). (3) لقوله تعالى: " والذين يظاهرون... إلى قوله تعالى: فمن لم


(* 1) الوسائل باب: 9 من ابواب القصاص في النفس حديث: 1. (* 2) لاحظ المسألة: 1 من فصل ما يوجب الكفارة من هذا الجزء.

[ 518 ]

{ وكفارة قتل الخطأ (1)، فان وجوب الصوم فيهما بعد العجز عن العتق، وكفارة الفطار في قضاء رمضان (2)، فان الصوم فيها بعد العجز عن الاطعام، كما عرفت، وكفارة اليمين (3) وهي عتق رقبة، أو إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، وبعد العجز عنها فصيام ثلاثة أيام، وكفارة صيد النعامة، وكفارة صيد البقر الوحشي، وكفارة صيد الغزال، فان الاول تجب فيه بدنة (4)، ومع العجز عنها صيام ثمانية عشر يوما. والثاني يجب فيه ذبح بقرة، ومع العجز عنها صوم تسعة أيام. والثالث يجب فيه شاة، ومع العجز عنها صوم ثلاثة أيام، } يجد فصيام شهرين متتابعين " (* 1). (1) لقوله تعالى: " ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة... إلى قوله تعالى: فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين... " (* 2) وبمضمونها جملة من النصوص (* 3) وعن المفيد وسلار: أنها مخيرة. وما سبق حجة عليهما. (2) كما سبق (* 4). (3) للآية (* 5)، والنصوص (* 6). (4) الكلام في ذلك موكول إلى محله.


(* 1) المجادلة: 3 - 4. (* 2) النساء: 92. (* 3) الوسائل باب: 1 من ابواب بقية الصوم الواجب حديث: 1، وباب: 10 من ابواب القصاص في النفس حديث: 3. (* 4) لاحظ المسألة: 1 من فصل ما يوجب الكفارة من هذا الجزء. (* 5) المائدة: 89. (* 6) راجع الوسائل باب: 12 من ابواب الكفارات.

[ 519 ]

{ وكفارة الافاضة من عرفات قبل الغروب عامدا، وهي بدنة، وبعد العجز عنها صيام ثمانية عشر يوما، وكفارة خدش المرأة وجهها في المصاب حتى أدمته، ونتفها رأسها فيه، وكفارة شق الرجل ثوبه على زوجته أو ولده، فانهما ككفارة اليمين (1). ومنها: ما يجب فيه الصوم مخيرا بينه وبين غيره، وهي: كفارة الافطار في شهر رمضان، وكفارة الاعتكاف، وكفارة النذر والعهد، وكفارة جز المرأة شعرها في المصاب، فان كل هذه مخيرة بين الخصال الثلاث على الاقوى، وكفارة حلق الرأس في الاحرام، و هي دم شاة، أو صيام ثلاثة أيام أو التصدق على ستة مساكين (2). لكل واحد مدان. ومنها: ما يجب فيه الصوم مرتبا على غيره مخيرا بينه } (1) ففي رواية خالد بن سدير: " إذا شق زوج على امرأته، أو والد على والده، فكفارته كفارة حنث يمين. ولا صلاة لهما حتى يكفرا، أو يتوبا من ذلك. وإذا خدشت المرأة وجهها، أو جزت شعرها، أو نتفته ففي جزء الشعر عتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، أو اطعام ستين مسكينا. وفي خدش الوجه إذا أدمت، وفي النتف كفارة حنث يمين " (* 1) وعن السرائر والمدارك: الحمل على الاستحباب، لضعف الرواية. وتحقيق الحال في ذلك موكول إلى محله. (2) أما في إفطار شهر رمضان فقد تقدم (* 2) وأما في الاعتكاف فهو الاشهر، لرواية سماعة (* 3). وقيل: مرتبة، لصحيحي زرارة وأبي


(* 1) الوسائل باب: 31 من ابواب الكفارات حديث: 1. (* 2) لاحظ المسألة: 1 من فصل ما يوجب الكفارة من هذا الجزء. (* 3) الوسائل باب: 6 من ابواب الاعتكاف حديث: 5.

[ 520 ]

{ وبين غيره، وهي كفارة الواطئ أمته المحرمة باذنه (1)، فانها بدنة، أو بقرة. ومع العجز فشاة، أو صيام ثلاثة أيام. (مسألة 1): يجب التتابع في صوم شهرين من كفارة الجمع، أو كفارة التخيير (2). ويكفي في حصول التتابع فيهما صوم الشهر الاول ويوم من الشهر الثاني (3). وكذا } ولاد (* 1) المحمولين على الاستحباب جمعا. وأما كفارة النذر فقيل: مخيرة وقيل: كفارة يمين. وهو الاظهر، لتكثر النصوص بأن كفارته كفارة يمين (* 2) وأما كفارة العهد فلروايتي علي بن جعفر (ع) (* 3) وأبي بصير (* 4) بلا معارض. وأما كفارة جز المرأة فلما تقدم في رواية خالد بن سدير. وأما كفارة الحلق فيشهد للتخيير فيها قوله تعالى: " ولا تحلقوا رؤسكم حتى يبلغ الهدي محله فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك... " (* 5) المفسر في النصوص بما ذكر في المتن (* 6) (1) الكلام في ذلك موكول الى محله. (2) بلا خلاف ظاهر. للتقييد به في أدلتها، من الكتاب والسنة. فراجع. (3) يعني: فيجوز الافطار حينئذ عمدا، كما عن ظاهر ابني الجنيد وأبي عقيل، وصريح العلامة، والدروس. والعمدة فيه: صحيح الحلبي عن أبي عبد الله (ع): " عن قطع صوم كفارة اليمين، وكفارة الظهار


(* 1) الوسائل باب: 6 من ابواب الاعتكاف حديث: 1، 6. (* 2) لاحظ المسألة: 1 من فصل ما يوجب الكفارة من هذا الجزء. (* 3) الوسائل باب: 24 من أبواب الكفارات حديث: 1. (* 4) الوسائل باب: 24 من أبواب الكفارات حديث: 2. (* 5) البقرة: 196. (* 6) الوسائل باب: 14 من أبواب بقية كفارات الاحرام.

[ 521 ]

{ يجب التتابع في الثمانية عشر بدل الشهرين (1)، بل هو الاحوط في } وكفارة قتل. فقال (ع): إن كان على رجل صام شهرين متتابعين، والتتابع أن يصوم شهرا ويصوم من الآخر شيئا أو أياما منه، فان عرض له شئ يفطر منه أفطر، ثم قضى ما بقي عليه. وإن صام شهرا، ثم عرض له شئ فافطر قبل أن يصوم من الآخر شيئا فلم يتابع، أعاد الصوم كله وقال: صيام ثلاثة أيام في كفارة اليمين متتابعات، ولا تفصل بينهن " (* 1). فان قوله (ع): " والتتابع... " حاكم على جميع أدلة وجوبه. كما أن قوله (ع): " فان عرض... " يراد منه مالا يكون عذرا، بقرينة قوله (ع): " ثم عرض له شئ... " الذي جعل حكمه الاعادة، وهو مختص بغير العذر. ومنه يظهر ضعف ماعن الشيخين والسيدين والحلي: من الاثم بالعمد عملا بالادلة الاولية الدالة على وجوب التتابع في الشهرين، الظاهرة في التتابع في تمامهما، التي لا مجال للاخذ بها في قبال الصحيح المذكور. ولاسيما أن ظاهر الادلة الاولية الشرطية - التي لا يقولون بها - لا الوجوب التكليفي. وأما النصوص الاخر فتقصر عن إثبات الجواز. (1) كما هو المشهور. واستشكل فيه في محكي المدارك: بأن اعتبار التتابع خلاف إطلاق الدليل. وأجاب في الجواهر: " بأن الظاهر من دليلها أن المراد الاقتصار على هذا المقدار من الشهرين إرفاقا بالمكلف، فتكون متتابعة، لا مطلق الثمانية عشر. مضافا إلى ما أرسله المفيد في المقنعة - بعد تصريحه بالتتابع وغيره - من مجئ الآثار عنهم (ع) بذلك ". والاستظهار لا يخلو من إشكال. والمرسل غير جامع لشرائط الحجية.


(* 1) لاحظ صدر الرواية في الوسائل باب: 3 من ابواب بقية الصوم الواجب حديث: 9، وذيله في باب: 10 منها حديث: 4.

[ 522 ]

{ صيام سائر الكفارات (1)، وإن كان في وجوبه فيها تأمل وإشكال. (مسألة 2): إذا نذر صوم شهر أو أقل أو أزيد لم يجب التتابع (2)، إلا مع الانصراف، أو اشتراط التتابع فيه. } (1) كما هو المعروف. وفي الشرائع: لم يستثن من ذلك إلا كفارة الصيد حتى لو كان نعامة. وعن المفيد والمرتضى وسلار: وجوبه في جزائها بل عن المختلف: أن المشهور أن فيه شهرين متتابعين. والعمدة في وجوب التتابع هو دعوى انصراف الاطلاق إليه. لكن في محكي المدارك - في شرح قول مصنفه (ره): " كل الصوم يلزم فيه التتابع.. " -: " يمكن المناقشة في وجوب المتابعة في صوم كفارة قضاء رمضان، وحلق الرأس، وصوم ثمانية عشر في بدل البدنة، وبدل الشهرين عند العجز عنهما. لاطلاق الامر بالصوم فيها، فيحصل الامتثال مع التتابع وبدونه ". ودعوى انصراف الاطلاق إلى التتابع - كما في الجواهر - غير ظاهرة. والفتوى به لا تصلح قرينة. كما لا يصلح كونها كفارة، لاجل أن الغالب فيها التتابع. وتعليل التتابع في الشهرين: بأنه كي لا يهون عليه الاداء فيستخف به مختص بمورده. ويؤيده: تقييد الشهرين به في أدلة وجوبها وعدم التقييد به في غيرها مضافا الى أن المذكور في خبر عبد الله بن سنان أن الثمانية عشر بدل عن الاطعام (* 1) على أن يكون بدل إطعام كل عشرة مساكين ثلاثة أيام. فالكلية المذكورة غير ظاهرة. ولا سيما وأن في خبر الجعفري: " إنما الصيام الذي لا يفرق: كفارة الظهار، وكفارة الدم وكفارة اليمين " (* 2) وفي صحيح ابن سنان: " كل صوم يفرق إلا ثلاثة أيام في كفارة اليمين " (* 3). (2) كما هو المشهور. للاصل. وعن أبي الصلاح: أنه إن نذر


(* 1) الوسائل باب: 9 من ابواب بقية الصوم الواجب حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 10 من أبواب بقية الصوم الواجب حديث: 3. (* 3) الوسائل باب: 10 من أبواب بقية الصوم الواجب حديث: 1.

[ 523 ]

صوم شهر وأطلق، فان ابتدأ بشهر لزمه إكماله. وعن ابن زهرة: أنه إن نذر صوم شهر فان أفطر مضطرا بنى، وإن كان في النصف مختارا استأنف، وإن كان بعد أثم، وجاز له البناء، ونحوه حكي عن المفيد، وابن البراج. ودليلهم غير ظاهر. نعم روى الفضيل بن يسار عن أبي عبد الله (ع) - كما في بعض الطرق - أو عن أبي جعفر (ع) - كما في بعض آخر -: " في رجل جعل عليه صوم شهر، فصام منه خمسة عشر يوما، ثم عرض له أمر. فقال (ع): إن كان صام خمسة عشر يوما فله أن يقضي ما بقي. وإن كان أقل من خمسة عشر يوما لم يجزه حتى يصوم شهرا تاما " (* 1) وهو لا يوافق واحدا من الاقوال المذكورة. ولعدم ظهور القائل بمضمونه لا مجال للعمل به. فالبناء على عدم وجوب التتابع متعين. إلا أن يكون قيدا في المنذور تفصيلا أو إجمالا، كما لو نذر صوم شهر، بمعنى مابين الهلالين - كما لعله مورد رواية الفضيل - فان التتابع لازم فيه، كلزوم الابتداء به في أول الشهر الهلالي، وجواز الاكتفاء به وإن كان أقل من ثلاثين يوما، بخلاف مالو قصد مقدار الشهر - أعني: الثلاثين - فلا يجب فيه التتابع، كما لا يجب الابتداء به أول الشهر الهلالي، كما لا يكفي صوم مابين الهلالين إذا كان ناقصا. ودعوى: أن منصرف الاطلاق التتابع قد عرفت ما فيها. والاستشهاد عليها بفهم الاصحاب ذلك في أقل الحيض، وأكثره، ومدة الاعتكاف، وعشرة الاقامة وغيرها في غير محله، للفرق بأن المراد هناك التقدير لامر واحد مستمر، فلا يمكن فيه التفريق، وليس الصوم كذلك. نعم لو نذر أن يجلس في المسجد يومين، أو يسبح ساعتين، كان المنصرف إليه التتابع. ولكنه غير ما نحن فيه.


(* 1) الوسائل باب: 5 من أبواب بقية الصوم الواجب حديث: 1 وملحقه.

[ 524 ]

{ (مسألة 3): إذا فاته النذر المعين، أو المشروط فيه التتابع، فالاحوط في قضائه التتابع أيضا (1). (مسألة 4): من وجب عليه الصوم اللازم فيه التتابع لا يجوز أن يشرع فيه في زمان يعلم أنه لا يسلم له (2)، بتخلل العيد، أو تخلل يوم يجب فيه صوم آخر، من نذر، أو إجارة أو شهر رمضان. فمن وجب عليه شهران متتابعان لا يجوز له أن يبتدئ بشعبان، بل يجب أن يصوم قبله يوما أو أزيد من رجب. وكذا لا يجوز أن يقتصر على شوال مع يوم من } (1) المحكي عن الدروس: أنه استقرب وجوب التتابع في قضاء ما اشترط فيه ذلك، كنذر ثلاثة أيام متتابعة من رجب. وعن القواعد: التردد فيه للاصل. ومن أن القضاء عين الاداء، فإذا كان الاداء متتابعا فالقضاء كذلك. وقد يشكل ذلك: بأنه لادليل على وجوب قضاء المنذور بما له من القيود التي قيد بها الناذر، وإنما الذي قام عليه الدليل أن الصوم المنذور في وقت معين إذا فات وجب قضاؤه بماله من القيود المأخوذة في مفهومه لا القيود الخارجة عنه المأخوذة في موضوع النذر. والمرسل: " من فاتته فريضة فليقضها كما فاتته " غير ثابت. ولو سلم فالظاهر منه ماكان فريضة في نفسه، لا بما هو موضوع النذر، ولذا لانقول بوجوب قضاء الصوم المنذور لو لم يقم دليل بالخصوص عليه. وقد عرفت في الفصل السابق الاشكال في إثبات وجوب قضاء الصوم بالاستصحاب، وإن أمكن إثبات وجوب القضاء في غيره. (2) يعني: لا يكتفي به لو شرع كذلك، ولا يكفي في حصول الواجب البناء بعد الافطار على ما مضى قبل الافطار.

[ 525 ]

{ ذي القعدة، أو على ذي الحجة مع يوم من المحرم، لنقصان الشهرين بالعيدين. نعم لو لم يعلم من حين الشروع عدم السلامة فاتفق فلا بأس على الاصح (1). وإن كان الاحوط عدم الاجزاء. ويستثنى مما ذكرنا من عدم الجواز مورد واحد وهو صوم ثلاثة أيام بدل هدي التمتع إذا شرع فيه يوم التروية (2) } (1) كأنه لتعليل جواز البناء في طروء العذر بقوله (ع): " هذا مما غلب الله تعالى عليه، وليس على ما غلب الله عزوجل عليه شئ " (* 1) وقوله (ع): " الله تعالى حبسه " (* 2) لكن في صدق ذلك مع الالتفات والشك إشكال، أو منع. نعم يصدق مع الغفلة، أو اعتقاد عدم اتفاق العيد فاتفق خطأ الاعتقاد. (2) كما هو المشهور، بل عن الحلي: الاجماع عليه. ويشهد له جملة من النصوص، كخبر عبد الرحمن بن الحجاج: " فيمن صام يوم التروية وعرفة. قال (ع): يجزيه أن يصوم يوما آخر " (* 3) وخبر الازرق: " عن رجل قدم يوم التروية متمتعا، وليس له هدي، فصام يوم التروية ويوم عرفة. قال (ع): يصوم يوما آخر بعد أيام التشريق " (* 4) وبها يرفع اليد عن ظاهر مثل صحيح حماد قال " سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: قال علي (ع): صيام ثلاثة أيام في الحج، قبل التروية بيوم، ويوم التروية ويوم عرفة، فمن فاته ذلك فليتسحر ليلة الحصية يعني: ليلة النفر - ويصبح صائما، ويومين بعده، وسبعة إذا رجع " (* 5) ونحوه غيره.


(* 1) الوسائل باب: 3 من أبواب بقية الصوم الواجب حديث: 12. (* 2) الوسائل باب: 3 من أبواب بقية الصوم الواجب حديث: 10. (* 3) الوسائل باب: 52 من أبواب الذبح في الهدي حديث: 1. (* 4) الوسائل باب: 52 من أبواب الذبح في الهدي حديث: 2. (* 5) الوسائل باب: 53 من أبواب الذبح في الهدي حديث: 3.

[ 526 ]

{ فانه يصح وإن تخلل بينها العيد، فيأتي بالثالث بعد العيد بلا فصل (1)، أو بعد أيام التشريق بلا فصل لمن كان بمنى. وأما لو شرع فيه يوم عرفة، أو صام يوم السابع والتروية وتركه في عرفة، لم يصح ووجب الاستئناف (2)، كسائر موارد وجوب التتابع. (مسألة 5): كل صوم يشترط فيه التتابع إذا أفطر في أثنائه - لا لعذر اختيارا - يجب استئنافه (3). وكذا إذا شرع فيه في زمان يتخلل فيه صوم واجب آخر من نذر ونحوه وأما ما لم يشترط فيه التتابع وإن وجب فيه بنذر أو نحوه فلا يجب استئنافه، وإن أثم بالافطار (4)، كما إذا نذر التتابع في } (1) في محكي كشف اللثام: أنه الظاهر. وتنظر فيه في الجواهر، لاطلاق النص، والفتوى. وكذا الكلام فيمن كان بمنى فانه لادليل على وجوب الاتيان به بعد أيام التشريق بلا فصل. (2) لعدم الدليل على سقوط التتابع حينئذ، فيرجع الى عموم مادل على وجوبه. وعن الاقتصاد: أنه لو أفطر الثاني بعد صوم الاول لعذر - من مرض أو حيض أو غيرهما - بنى. وتمام الكلام في ذلك في محله. (3) لفوات شرط الواجب، الموجب لفواته. وتوهم كونه واجبا تعبديا لا شرطا للواجب، نظير المتابعة في صلاة الجماعة عند المشهور، خلاف ظاهر الادلة. وحصر مفسدات الصوم بغير ذلك لا يدل على عدم شرطية التتابع، وعلى كونه واجبا تعبديا، لان التتابع إنما يكون شرطا في الكفارة لافي أصل الصوم، نظير التعدد. (4) أما صحته في نفسه فلموافقته للمأمور به، لعدم كون التتابع شرطا

[ 527 ]

{ قضاء رمضان فانه لو خالف وأتى به متفرقا صح، وإن عصى من جهة خلف النذر. (مسألة 6): إذا أفطر في أثناء ما يشترط فيه التتابع لعذر من الاعذار - كالمرض، والحيض، والنفاس، والسفر الاضطراري دون الاختياري - لم يجب استئنافه، بل يبني على ما مضى (1). } فيه في نفسه. وأما حصول الاثم فلمخالفة النذر بترك التتابع فيه. أقول: قد تقدم في أوائل مباحث القراءة، وفي المسألة الاولى من فصل الجماعة: إن نذر قيد للواجب يوجب بطلان فعل الواجب خاليا عن ذلك القيد، لان نذر القيد يستوجب ثبوت حق لله تعالى على الناذر، وهو فعل المنذور، وفعل الواجب خاليا عن القيد المنذور إعدام لموضوع الحق المذكور وتفويت له فيحرم، فيبطل، لانه لا يصح وقوعه عبادة. لكن التقريب المذكور لا يتأتى في المقام، لان التفويت لا يستند إلى الصوم بل يستند الى ترك وصل اللاحق بالسابق، والترك ليس عبادة، ولاهو موضوع الكلام إذ الكلام في صحة الصوم وبطلانه، وقد عرفت أن الصوم ولو كان بنية عدم وصل ما بعده به مما لا ينافي وجود الحق، بل مما يدعو إليه الحق، فكيف يكون مفوتا للحق، ليكون حراما، فيبطل؟ فتأمل جيدا. (1) إجماعا ظاهرا في الشهرين، وعلى المشهور في غيرهما. ويدل عليه صحيح رفاعة عن أبي عبد الله (ع): " عن رجل عليه صيام شهرين متتابعين، فصام شهرا ومرض. قال (ع): الله حبسه. قلت: امرأة كان عليها صيام شهرين متتابعين، فصامت وأفطرت أيام حيضها. قال (ع): تقضيها. قلت: فانها قضتها ثم يئست من المحيض. قال (ع): لا تعيدها

[ 528 ]

أجزأها ذلك " (* 1) وصحيح سليمان بن خالد: " سألت أبا عبد الله (ع): عن رجل كان عليه صيام شهرين متتابعين، فصام خمسة عشر يوما، ثم مرض، فإذا برئ يبني على صومه، أم يعيد صومه كله؟ قال (ع): " بل يبني على ماكان صام. ثم قال (ع): هذا مما غلب الله تعالى عليه وليس على ما غلب الله عزوجل عليه شئ " (* 2) ونحوهما غيرهما. ومن التعليل فيهما يظهر عموم الحكم لكل صوم متتابع، ولكل عذر لا يكون من قبل المكلف. نعم في صحيح جميل ومحمد بن حمران عنه (ع): " في الرجل يلزمه صوم شهرين متتابعين في ظهار، فيصوم شهرا ثم يمرض. قال (ع): يستقبل. فان زاد على الشهر الاول يوما أو يومين بنى على ما بقي " (* 3) ونحوه خبر أبي بصير (* 4) لكنهما لا يصلحان لمعارضة ما سبق، بعد دعوى الاتفاق على جواز البناء في موردهما، ومخالفتهما لما هو صريح في جواز البناء، الموجب لحملهما على الاستحباب، جمعا عرفيا. وأما صحيح الحلبي - المتقدم في أول المسألة الاولى - فيمكن حمل العارض فيه على مالا يكون عذرا، كما سبق. ومن ذلك يظهر ضعف ماعن القواعد، والدروس، والمسالك، وغيرها: من وجوب الاستئناف في كل ثلاثة يجب تتابعها إذا أفطر بينها لعذر ولغيره إلا ثلاثة الهدي، على ما تقدم في آخر المسألة الرابعة. والاستدلال عليه بقاعدة عدم الاجزاء بالاتيان بالمأمور به على غير وجهه. وبما دل على وجوب التتابع في الثلاثة. وبصحيح الحلبي المتقدم ضعيف، إذ كل ذلك


(* 1) الوسائل باب: 3 من أبواب بقية الصوم الواجب حديث: 10. (* 2) الوسائل باب: 3 من ابواب بقية الصوم الواجب حديث: 12. (* 3) الوسائل باب: 3 من ابواب بقية الصوم الواجب حديث: 3. (* 4) الوسائل باب: 3 من ابواب بقية الصوم الواجب حديث: 6.

[ 529 ]

غير صالح لمعارضة ما سبق. ولاسيما وقد عرفت أن الصحيح لو حمل على العذر كان مخالفا للاجماع. وما ورد من نفي التفريق في خصوص الثلاثة محمول على نحو التفريق في الشهرين، بمعنى: جوازه اختيارا لو تجاوز النصف، وكون الحصر إضافيا، كما يظهر من ذيل صحيح الحلبي المتقدم. ومثله في الضعف: تخصيص البناء في الشهرين والاستئناف في غيرهما - كما في المدارك - لعدم الدليل على البناء في غيرهما. إذ قد عرفت اقتضاء عموم التعليل عدم الفرق بين الشهرين وغيرهما. وعدم إمكان العمل به غاية ما يقتضي البناء على تخصيصه، لاعلى إجماله والاقتصار به على مورده. وعن الشيخ (ره) في النهاية - فيمن نذر أن يصوم شهرا متتابعا، فصام خمسة عشر يوما، وعرض له ما يفطر فيه -: صام ما بقي وإن صام أقل من خمسة عشر استأنف. والتعليل أيضا حجة عليه. وكذا ما ورد في نذر الشهرين المتتابعين (* 1) أو أيام معلومة (* 2) المتضمن لجواز البناء في العذر، وعدم لزوم الاستئناف. نعم يوافقه خبر الفضيل، المتقدم في مسألة وجوب التتابع في المنذور. غير أن الخبر لم يصرح فيه بنذر التتابع. ولذا لم يحك القول بمضمونه من أحد. فالبناء على ما في المتن متعين. ثم إن المحكي عن الوسيلة، والسرائر، وظاهر الخلاف: أن السفر غير قاطع للتتابع، بل عن السرائر: التصريح بعدم الفرق بين الاضطراري والاختياري، وعن المستند: أنه استظهر منها الاجماع عليه، وجعله الاقوى، لان الظاهر مما (حبسه الله) و (غلب عليه) ما لم يكن فعل العبد. وفيه: منع الظهور المذكور، بل يصدق مع السفر الاضطراري صدقه مع المرض إذ المرض ليس بذاته مفطرا، وإنما يجب معه الافطار، وهذا المقدار من


(* 1) الوسائل باب: 3 من أبواب بقية الصوم الواجب حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 3 من أبواب بقية الصوم الواجب حديث: 2.

[ 530 ]

{ ومن العذر: ما إذا نسي النية حتى فات وقتها (1)، بأن تذكر بعد الزوال، ومنه أيضا: ما إذا نسي فنوى صوما آخر، ولم يتذكر إلا بعد الزوال. ومنه أيضا: ما إذا نذر قبل تعلق الكفارة صوم كل خميس، فان تخلله في أثناء التتابع لا يضر به (2)، ولا يجب عليه انتقال إلى غير الصوم من } الوجوب المستند الى ما لم يكن باختيار العبد إذا كان كافيا في صدق الحبس والغلبة، فلم لا يكون كذلك إذا حدث بغير الاختيار السبب الموجب للسفر الموجب للافطار؟! ومن هنا استحسن المحقق في المعتبر: الفرق بين السفر الاضطراري فلا يقطع التتابع، والاختياري فيقطعه، وعن العلامة (ره): القطع به، وكذا عن الدروس إذا حدث سببه بعد الشروع في الصوم. ولقد بالغ في الجواهر فقوى الصدق مطلقا، باعتبار كونه محبوسا عن الصوم معه. إذ هو كما ترى إذ مجرى الحبس التشريعي - مع عدم استناده الى حبس تكويني - غير كاف في تطبيق التعليل، وإلا جرى في سائر موارد الافطار الاختياري. فتأمل. فالتفصيل - كما في المتن - في محله. وعليه فلا يبعد التفصيل بين الاضطراري من المرض والحيض والاختياري أيضا. (1) كما في المدارك، حاكيا له عن المسالك، واختاره في الجواهر. لصدق حبس الله تعالى. وما عن الحدائق: من أن النسيان من الشيطان، لامن الله تعالى، كما يشير إليه قوله تعالى: (فأنساه الشيطان ذكر ربه...) (* 1). فيه: أنه لو تم في نفسه كلية، فالمراد من التعليل ما يقابل الافطار اختيارا ولو بتوسط المخلوق. فلاحظ. (2) لصدق الحبس. ولا يتوهم انصراف التعليل إلى مالا يعلم به


(* 1) يوسف: 42.

[ 531 ]

{ الخصال في صوم الشهرين لاجل هذا التعذر. نعم لو كان قد نذر صوم الدهر قبل تعلق الكفارة اتجه الانتقال إلى سائر الخصال (1). (مسألة 7): كل من وجب عليه شهران متتابعان - من كفارة معينة أو مخيرة - إذا صام شهرا ويوما متتابعا يجوز له التفريق في البقية، ولو اختيارا لا لعذر (2). وكذا لو } المكلف. فانه خلاف المتعارف في الحيض للمرأة، كما لا يخفى. (1) كما نص عليه في الجواهر. ضرورة عدم التمكن من الصوم حينئذ أصلا ولو غير متتابع. (2) بلا خلاف أجده فيه، بل الاجماع بقسميه عليه، بل المحكي منه متواتر أو مستفيض - كذا في الجواهر - ويشهد له جملة من النصوص، كصحيح منصور بن حازم عن أبي عبد الله (ع): " في رجل صام في ظهار شعبان ثم أدركه شهر رمضان. قال (ع): يصوم شهر رمضان، ويستأنف الصوم. فان هو صام في الظهار فزاد في النصف يوما قضى بقيته " (* 1) وموثق سماعة عنه (ع): " عن الرجل يكون عليه صوم شهرين متتابعين أيفرق بين الايام؟ فقال (ع): إذا صام أكثر من شهر فوصله، ثم عرض له أمر فأفطر، فلا بأس. فان كان أقل من شهر، أو شهر، فعليه أن يعيد الصيام " (* 2) ونحوها غيرها. ومنها يظهر ضعف ماعن محتمل النهاية: من اختصاص ذلك بحال العجز، ومع الافطار عمدا يجب الاستئناف. كما يظهر أيضا ضعف ماعن المفيد، والسيد، وابني زهرة وادريس: من الاثم في الافطار عمدا - بل حكي أيضا عن التبيان، وكفارات النهاية، وظهار المبسوط - إذ لادليل


(* 1) الوسائل باب: 4 من ابواب بقية الصوم الواجب حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 3 من ابواب بقية الصوم الواجب حديث: 5.

[ 532 ]

{ كان من نذر أو عهد لم يشترط فيه تتابع الايام جميعها (1)، ولم يكن المنساق منه ذلك. وألحق المشهور بالشهرين الشهر المنذور فيه التتابع (2)، فقالوا: إذا تابع في خمسة عشر يوما } على الاثم بعد سقوط التتابع بصيام أكثر من النصف، بل بعد ظهور النص في كون المراد من التتابع في المقام التتابع على النحو المذكور، لابين الايام جميعا، كما أشرنا إلى ذلك في أول المسألة الاولى. فراجع. (1) المشهور عدم اعتبار هذا الشرط في ثبوت الحكم السابق. واستشكل فيه غير واحد - فيما لو صرح الناذر بالتتابع في جميع الايام، أو كان منصرف ذهنه ذلك -: بأنه مخالف لقاعدة وجوب الوفاء بالنذر. ووجهه في الجواهر: بأن الشارع الاقدس قد كشف عن كون المراد واقعا بهذا الخطاب ذلك وإن زعم صاحبه خلافه. ولكنه كما ترى، إذ الادلة المتقدمة تقصر عن التعرض للنذر ونحوه، فالاشكال محكم. وعليه فالتقييد بما في المتن في محله. كما أنه على تقدير عدم التقييد لا موجب للتتابع فيما بين أيام الشهر الاول ولا فيما بينه وبين يوم من الشهر الثاني، كما تقدم. نعم لو كان مقصود الناذر نذر التتابع المقصود بأصل الشرع - بماله من الاحكام - تعين القول المشهور. (2) للصحيح عن موسى بن بكر عن الفضيل عن أبي عبد الله (ع): " في رجل جعل عليه صوم شهر، فصام منه خمسة عشر يوما، ثم عرض له أمر. فقال (ع): إن كان صام خمسة عشر يوما فله أن يقضي ما بقي وإن كان أقل من خمسة عشر يوما لم يجز حتى يصوم شهرا تاما " (* 1) ونحوه روايته عن الفضيل بن يسار عن أبي جعفر (ع) (* 2) بناء على ظهورهما في نذر التتابع.


(* 1)، (* 2) الوسائل باب: 5 من أبواب بقية الصوم الواجب حديث: 1، وملحقه.

[ 533 ]

{ منه يجوز له التفريق في البقية اختيارا. وهو مشكل (1)، فلا يترك الاحتياط فيه بالاستئناف مع تخلل الافطار عمدا وان بقي منه يوم. كما لا إشكال في عدم جواز التفريق اختيارا مع تجاوز النصف في سائر أقسام الصوم المتتابع (2). (مسألة 8): إذا بطل التتابع في الاثناء لا يكشف عن بطلان الايام السابقة، فهي صحيحة وإن لم تكن الامتثالا للامر الوجوبي ولا الندبي، لكونها محبوبة في حد نفسها (3) من حيث أنها صوم. وكذلك الحال في الصلاة إذا بطلت في الاثناء فان الاذكار والقراءة صحيحة في حد نفسها من حيث محبوبيتها لذاتها. } وعن ابن حمزة: اعتبار مجاوزة النصف ولو بيوم. وكأنه قياس على الشهرين، وهو غير ظاهر. وعن ابن زهرة: التفصيل مع اشتراط الموالاة بين الاختيار فيقضي مطلقا، والاضطرار فيبني كذلك. ومع عدم اشتراطها بنى مع الاضطرار مطلقا، ومع الاختيار يستأنف إن أفطر في النصف الاول وإن كان في النصف الثاني بنى وأثم. ودليله غير ظاهر. (1) لضعف سند الروايتين، فلا يخرج بهما عن القاعدة الموجبة للاستئناف، كما عن المدارك. وفيه: أن الضعف مجبور بالعمل. (2) لعدم الدليل على الجواز في غير ما سبق، فيرجع فيه الى مقتضى القواعد المقتضية للاستئناف، لفوات المشروط بفوات شرطه. (3) المحبوبية مسلمة، إلا أن قصدها دخيل في وقوع الفعل على وجه العبادية فلو لم تقصد لم يكن عبادة. نعم لو قلنا بثبوت العبادة الذاتية. وأن الصوم منها، كان الصوم حينئذ في نفسه صحيحا. لكن أشرنا في (حقائق

[ 534 ]

الاصول) - وفي بعض مباحث الطهارة من هذا الشرح - إلى الاشكال في ثبوت ما هو عبادة بالذات بلا ملاحظة كونه محبوبا، وإن كان واجدا لعنوان يكون علة تامة للمحبوبية، فضلا عما إذا لم يكن كذلك، بل كان فيه مقتضى المحبوبية، كما في مثل السجود، والركوع، والذكر، والدعاء، ونحوها من مشاعر التعظيم. ولو سلم فليس الصوم منها، فانه مما لا ينطبق عليه عنوان كذلك أصلا، وليس هو إلا كالنوم، واليقظة، والاكل، والمشي ونحوها مما لا يكون فيه مراسم العبودية، وإنما تكون عباديته لجهات خفية تعبدية. ومما يشهد بما ذكرنا: تحريم جملة مما يكون عندهم من العبادة بالذات، فان الحرمة تنافي ذلك ولو في بعض الاحوال وعلى بعض الكيفيات. نعم يمكن البناء على تصحيح الصوم في المقام، بأن الناذر في مقام الوفاء بنذه إنما يقصد امتثال الامر الندبي المتعلق بالصوم لولا النذر، وهو المقرب له، لا المأر الآتي من قبل النذر، إذ الامر بالوفاء بالنذر - كالامر بالوفاء بالعقود - ليس مقوما لعبادية موضوعه إذا كان عبادة، إذ عباديته أيضا موضوع للنذر، فلابد أن يكون المصحح لها أمرها الاولي، ويمتنع أن يكون المصحح لها أمر النذر. نعم الامر بالوفاء بالنذر من قبيل الداعي الى امتثال ذلك الامر، فصوم كل يوم إنما يؤتى به بقصد امتثال أمره في نفسه، فإذا بطل التتابع لم يرد خلل على الامتثال المذكور، فيكون الصوم عبادة على حاله لولا بطلان التتابع، فيكون صحيحا على كل حال. ولا مجال لهذا التقريب بالنسبة الى القراءة والاذكار، إذ عباديتها إنما كانت بقصد امتثال أمر الصلاة، فإذا بطلت الصلاة بطل الامتثال، ولا تكون عبادة. نعم يترتب الثواب على فعلها، بناء على ترتبه على مطلق الانقياد لحصوله على كل حال. لكن ترتب الثواب أمر آخر لا يرتبط بالصحة، بخلاف الصوم المأتي به بقصد التتابع، فانه صحيح وإن بطل التتابع.

[ 535 ]

اللهم إلا أن يقال: الوفاء بالنذر ليس من قبيل الداعي حتى لا يكون تخلفه موجبا للبطلان، بل من قبيل العنوان التقييدي، فمع بطلانه يبطل الامتثال حقيقة، إلا أن يكون قصد العنوان بنحو تعدد المطلوب. نعم يكون انقيادا، كما ذكرنا في القراءة ونحوها عند بطلان الصلاة، فهما من باب واحد. والحكم فيهما البطلان وإن كان يترتب عليهما الثواب من جهة الانقياد. فتأمل جيدا. والله سبحانه أعلم وله الحمد أولا وآخرا. إلى هنا انتهى المقصود من شرح كتاب الصوم وكان ذلك في أوائل الليلة الثانية من شهر محرم الحرام، من السنة الرابعة والخمسين بعد الالف والثلاثمائة، من الهجرة النبوية، على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، وأكمل التحية، على يد مؤلفه الفقير الى الله (محسن) خلف العلامة المرحوم السيد مهدي الطباطبائي الحكيم - قدس سره -.

[ 536 ]

{ بسم الله الرحمن الرحيم كتاب الاعتكاف وهو اللبث في المسجد بقصد العبادة (1). بل لا يبعد كفاية قصد التعبد بنفس اللبث (2)، وإن لم يضم إليه قصد عبادة أخرى خارجة عنه. لكن الاحوط الاول. ويصح في } بسم الله الرحمن الرحيم وله الحمد والمجد. والصلاة على رسوله وآله الطاهرين كتاب الاعتكاف (1) يعني: العبادة زائدة على اللبث، من ذكر، أو دعاء، أو قراءة أو غيرها. ويظهر من غير واحد: أنه لاكلام في اعتبار القيد الاخير، حيث عرفوه تارة: بأنه اللبث المتطاول للعبادة - كما في الشرائع - وأخرى: بأنه لبث مخصوص للعبادة - كما عن التذكرة، والمنتهى - وثالثة: بأنه اللبث في مسجد جامع ثلاثة أيام فصاعدا، صائما للعبادة - كما عن الدروس - ومع كثرة المناقشة في التعريفات المذكورة، من جهة عدم الطرد والعكس لم يناقشوا في اعتبار القيد المذكور، كما يظهر من مراجعة كلامهم. (2) قال في الجواهر: " المراد من قوله: (للعبادة) كون اللبث على وجه التعبد به نفسه، فلا يتوهم شموله اللبث لعبادة خارجية، كقراءة

[ 537 ]

{ كل وقت يصح فيه الصوم (1)، وأفضل أوقاته شهر رمضان (2)، } ونحوها. بل لا يتوهم أن المعتبر في الاعتكاف قصد كون اللبث لعبادة خارجة عنه، بحيث لا يجزي الاقتصار على قصد التعبد به خاصة. ضرورة ظهور النصوص والفتاوى في مشروعيته لنفسه، من غير اعتبار ضم قصد عبادة أخرى معه. ففي خبر السكوني باسناده الى الصادق (ع) عن آبائه عن رسول الله صلى الله عليه وآله: " اعتكاف عشر في شهر رمضان يعدل حجتين وعمرتين " (* 1). لكن ظاهر ما يأتي من التذكرة اعتبار ذلك، بل جزم به شيخنا الاكبر في رسالته وكشفه. أقول: قد عرفت ما هو ظاهر الفتاوى، وحملها على ما ذكر بعيد جدا. وأما ظاهر النصوص فلم يتضح أنه كما ذكر (قده). وخبر السكوني الذي ذكره إنما ورد في مقام تشريع الاعتكاف عشرا، فلا مجال للتمسك باطلاقه. بل ظاهر صحيح الحلبي عن أبي عبد الله (ع) - في حديث -: " كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا كان العشر الاواخر اعتكف في المسجد، وضربت له قبة من شعر، وشمر الميزر، وطوى فراشه... " (* 2) اعتبار ذلك. نعم في صحيح داود بن سرحان: " كنت في المدينة في شهر رمضان فقلت لابي عبد الله (ع): أنى أريد أن اعتكف، فماذا أقول، وماذا أفرض على نفسي؟ فقال (ع): لا تخرج من المسجد إلا لحاجة لابد منها ولا تقعد تحت ظلال حتى تعود الى مجلسك " (* 3) فانه ظاهر في بيان تمام ماهيته، وخال عن ذكر العبادة. فلاحظ. (1) بلا إشكال ظاهر، ولا خلاف. (2) كأنه لخبر السكوني المتقدم. ولخبر أبي العباس عن أبي عبد الله (ع)


(* 1) الوسائل باب: 1 من ابواب الاعتكاف حديث: 3. (* 2) الوسائل باب: 1 من أبواب الاعتكاف حديث: 1. (* 3) الوسائل باب: 7 من أبواب الاعتكاف حديث: 3.

[ 538 ]

{ وأفضله العشر الاواخر منه (1). وينقسم إلى واجب، ومندوب. والواجب منه ما وجب بنذر، أو عهد، أو يمين، أو شرط في ضمن عقد، أو إجارة، أو نحو ذلك، وإلا ففي أصل الشرع مستحب (2). ويجوز الاتيان به عن نفسه، وعن غيره الميت. وفي جوازه نيابة عن الحي قولان (3)، لا يبعد ذلك، بل هو الاقوى. ولا يضر اشتراط الصوم فيه فانه تبعي، فهو كالصلاة في الطواف الذي يجوز فيه النيابة عن الحي. ويشترط في صحته أمور: } قال: " اعتكف رسول الله صلى الله عليه وآله في شهر رمضان في العشر الاول، ثم اعتكف في الثانية في العشر الوسطى، ثم اعتكف في الثالثة في العشر الاواخر ثم لم يزل صلى الله عليه وآله يعتكف في العشر الاواخر " (* 1) فتأمل. (1) لما يظهر من مواضبة النبي صلى الله عليه وآله عليه، بل حكاية ذلك في كلام المعصوم دليل على الافضلية. (2) إجماعا، ادعاه جماعة كثيرة. بل في الجواهر: الاجماع من المسلمين عليه. (3) أحدهما: المنع، كما في رسالة كاشف الغطاء، حيث قال فيها: " تجوز نيته عن الميت والاموات، دون الاحياء ". وثانيهما: الجواز، كما قواه في الجواهر. قال: " ولا يقدح ما فيه من النيابة في الصوم، كالصلاة في الطواف، ونحوها ". أقول: إن كان عموم يقتضي جواز النيابة عن الاحياء فلا حاجة الى التعليل بالتبعية، إذ الصوم كالاعتكاف تجوز فيهما النيابة في عرض واحد


(* 1) الوسائل باب: 1 من أبواب الاعتكاف حديث: 4.

[ 539 ]

{ الاول: الايمان (1)، فلا يصح من غيره. الثاني: العقل (2)، فلا يصح من الجنون - ولو أدوارا في دوره - ولا من السكران وغيره من فاقدي العقل. الثالث: نية القربة (3)، كما في غيره من العبادات. والتعيين إذا تعدد (4) ولو إجمالا. ولا يعتبر فيه قصد الوجه، } وإن لم يكن عموم كذلك، فأصالة عدم مشروعية كافية في المنع ولو لم يكن فيه صوم. مع أن قياس صوم الاعتكاف بصلاة الطواف لا يخلو من إشكال، لان الصلاة لابد من الاتيان بها بعنوان كونها مضافة الى الطواف ولا كذلك صوم الاعتكاف، إذ يكفي فيه الصوم ولو بعنوان كونه صوم شهر رمضان. فتأمل. ولاجل أن الظاهر ثبوت العموم الدال على مشروعية النيابة عن الحي - كروايتي محمد بن مروان وعلي بن حمزة، المذكورتين في باب قضاء الصلوات عن الاموات من الوسائل (* 1) - كان البناء على مشروعية النيابة فيه قوي. (1) لان الاعتكاف من العبادات إجماعا، وهي لا تصح من غير المؤمن للاجماع والنصوص، كما سبق. مضافا إلى ما في الجواهر: من كون اللبث في المسجد حرام على الكافر، والحرمة مانعة من صحة التعبد، ولافرق في في ذلك بين الابتداء والاستدامة. فما عن المبسوط - من أنه لا يبطل الاعتكاف بالارتداد في الاثناء - في غير محله. (2) إذ لاقصد بدونه، والقصد من ضروريات العبادة. (3) للاجماع على كونه عبادة. (4) قد عرفت في مبحث قضاء الصوم: أن إمكان التعيين فرع التعين،


(* 1) الوسائل باب: 12 من أبواب قضاء الصلوات حديث: 1، 9.

[ 540 ]

{ كما في غيره من العبادات (1). وإن أراد أن ينوي الوجه، ففي الواجب منه ينوي الوجوب (2)، وفي المندوب الندب. ولا يقدح في ذلك كون اليوم الثالث - الذي هو جزء منه - } فالامور المتعددة إذا كانت متميزة بمميزات داخلة أو خارجة أمكن فيها التعيين، فيجب إذا كانت عبادة، كما سبق في كتب الصلاة. أما إذا لم لم تكن متميزة بمميزات كذلك، بل كانت من قبيل أفراد حقيقة واحدة، كما إذا وجب صوم أيام، فان كل واحد من الايام لما لم يكن متميزا عن الآخر بمميزات داخلية ولا خارجية لم يكن التعيين، فضلا عن أن يجب وأفراد الاعتكاف من هذا القبيل. نعم إذا كان واحد منها منذورا، والآخر مستأجرا عليه، فلابد من قصد الوفاء بالنذر، أو قصد النيابة، لان عنوان الوفاء بالنذر، وعنوان النيابة من العناوين القصدية، التي لا يمكن أن تتحقق بدون القصد. لكن ذلك أمر آخر ليس تعيينا في الاعتكاف. ولذا لو نذر: إن شفي مريضه اعتكف، وإن رزقه الله ولدا اعتكف، فشفي مريضه ورزق ولدا وجب عليه الاعتكافان، ويصح الاتيان بهما بلا تعيين، بل يكفي مجرد قصد الوفاء بالنذر لاغير. فلاحظ. (1) على ما تقدم في الوضوء. (2) قد تقدم في المتن: أن مشروعية الاعتكاف إنما هي على وجه الندب، وأن وجوبه إنما يكون بالعرض بنذر، أو عهد، أو يمين أو شرط أو اجارة أو نحوها. ولاجل أن موضوع هذه العناوين هو الاعتكاف العبادي المشروع عبادة في الشريعة المقدسة، وعباديته إنما هي بتوسط الامر الندبي وإلا فالامر الوجوبي ليس عباديا، أمكن حينئذ أن يتحقق الوفاء بأحد العناوين المذكورة بقصد ذلك الامر الندبي، بل لعل ذلك هو المتعين، لانه

[ 541 ]

{ واجبا، لانه من أحكامه (1). فهو نظير النافلة إذا قلنا بوجوبها بعد الشروع فيها. ولكن الاولى ملاحظة ذلك حين الشروع فيه، بل تجديد نية الوجوب في اليوم الثالث (2). ووقت النية قبل الفجر. وفي كفاية النية في أول الليل - كما في } بذلك يكون وفاء. اللهم إلا أن يكون المقصود للناذر ونحوه خصوص الحصة الملازمة للتقرب، نظير ما يذكر في مبحث أخذ نية القربة في موضوع الامر، فيمكن حينئذ أن يتقرب بالامر الوجوبي. كما يمكن بالامر الندبي الاولي فوجهه الندب، وإن تقرب بالامر الوجوبي الثانوي فوجهه الوجوب، وإن تقرب بهما - بناء على إمكان التقرب بنحو داعي الداعي، بحيث يتقرب بكل من الامر الداعي والمدعو إليه - قصد الوجهين معا. وإن كان المراد به الوجه الذي يكون عليه الفعل فعلا، فلابد من قصد الوجوب وإن تقرب بالامر الندبي. فتأمل جيدا. (1) كذا علله في الجواهر. أقول: الذي يستفاد من الادلة في المقام أن في الاعتكاف مصلحتين، إحداهما غير ملزمة قائمة بتمام الثلاثة أيام ومجموعها وثانيتهما ملزمة قائمة باليوم الثالث منوطة بتحقق اليومين الاولين، فاليوم الثالث واجد لمصلحتين، إحداهما ضمنية غير ملزمة، والثانية استقلالية ملزمة. فالوجه الذي يقصد إن كان هو الحال الذي يكون عليه الفعل فعلا بأي لحاظ كان، فوجه اليوم الثالث الوجوب لاغير. وان كان الحال الذي يكون عليه الامر الذي يتحرك من قبله فوجه الامر الندب في الجميع قبل تمام اليومين، وبعده يمكن أن يكون الندب ويمكن أن يكون الوجوب، ويمكن أن يكون مجموعهما. كل ذلك تابع لقصده في فعل اليوم الثالث. فلاحظ (2) لاجل تحصيل المقارنة بين الاخطار والفعل.

[ 542 ]

{ صوم شهر رمضان - إشكال (1). نعم لو كان الشروع فيه في أول الليل (2) أو في أثنائه نوى في ذلك الوقت. ولو نوى الوجوب في المندوب، أو الندب في الواجب اشتباها لم يضر إلا إذا كان على وجه التقييد (3)، لا الاشتباه في التطبيق. الرابع: الصوم، فلا يصح بدونه (4). وعلى هذا فلا } (1) لان الاصل اعتبار مقارنة النية للعبادة. وجواز التقديم في أول الليل في الصوم - للاجماع، أو النبوي، أو لكون عباديته على نحو خاص لا كسائر العبادات، كما سبق - لا يقتضي القول به هنا، لان المكث في المسجد يجب أن يقع على وجه العبادة، فلابد من مقارنته للنية. وفيه: أنه بناء على التحقيق من كون النية بمعنى الداعي لا مجال للاشكال في جواز التقديم، ضرورة أن التقديم لا ينافي وقوعه عن ذلك الداعي الارتكازي نعم الظاهر أن مفروض المتن مالو نام أو غفل بنحو ذهب الداعي بالمرة فطلع عليه الفجر وهو في المسجد. ووجه الاشكال حينئذ: ما ذكرنا من عدم كون حدوث اللبث عن داعي الاعتكاف العبادي، ومن أن النوم في الاثناء لا يضر، فكذا في الابتداء. والاقرب الصحة، لعدم ثبوت كونه عبادة بأكثر من ذلك. نعم قد يشكل الامر فيما لو نام في بيته ناويا المجئ إلى المسجد عند الفجر واللبث فيه معتكفا، ثم اتفق أنه جيئ به إلى المسجد وهو نائم حتى طلع الفجر. (2) يعني: نوى كون اللبث في أول الليل اعتكافا، فانه لا مجال للاشكال فيه، لتحقق المقارنة. (3) كما تقدم نظيره مرارا. (4) بلا خلاف أجده فيه بيننا، بل الاجماع بقسميه عليه، كذا في

[ 543 ]

{ يصح وقوعه من المسافر في غير المواضع التي يجوز له الصوم (1) ولا من الحائض والنفساء، ولا في العيدين، بل لو دخل فيه قبل العيد بيومين لم يصح وان كان غافلا حين الدخول. نعم لو نوى اعتكاف زمان يكون اليوم الرابع أو الخامس منه العيد فان كان على وجه التقييد بالتتابع لم يصح، وإن كان على وجه الاطلاق لا يبعد صحته، فيكون العيد فاصلا بين أيام الاعتكاف (2). } الجواهر. ويشهد له صحيح الحلبي عن أبي عبد الله (ع): " أنه قال لااعتكاف إلا بصوم " (* 1) وفي صحيحه الآخر عنه (ع): " وتصوم مادمت معتكفا " (* 2)، ونحوهما وغيرهما. (1) وعن ابن بابويه والشيخ وابن ادريس: جوازه. لاطلاق مادل على مشروعيته، المقتضي لمشروعية ما يتوقف عليه. وفيه: أن الاطلاق بعدما كان مقيدا بالصوم يكون مقيدا بكل ما يكون قيدا للصوم، لان المقيد للمقيد مقيد، فلا يصلح لمعارضة مادل على تقييد الصوم بالحضر، فضلا عن أن يقدم عليه، كما يظهر ملاحظة النظائر، مثل: " لاصلاة إلا بطهور " بالاضافة إلى مادل على عدم مشروعية الوضوء بماء الورد، أو بالماء المضاف بل لازم كلامهم صحة الاعتكاف يوم العيد إذا أراد أن يعتكف فيه بعين التقريب المتقدم في السفر. (2) بعد الفصل بالعيد لا يكون المجموع اعتكافا واحدا، لاعتبار التوالي فيه. فالمتعين البناء على كون ما بعد العيد اعتكافا آخر، فيعتبر فيه أن يكون ثلاثة أيام لاأقل، إذ لا يكون أقل من ثلاثة أيام، كما سيأتي.


(* 1) الوسائل باب: 2 من أبواب الاعتكاف حديث: 3. (* 2) الوسائل باب: 2 من ابواب الاعتكاف حديث: 1.

[ 544 ]

{ الخامس: أن لا يكون أقل من ثلاثة أيام (1)، فلو نواه كذلك بطل. وأما الازيد فلا بأس به وان كان الزائد يوما، أو بعض يوم، أو ليلة، أو بعضها (2). ولا حد لاكثره (3). نعم لو اعتكف خمسة أيام وجب السادس (4). } (1) بلا خلاف أجده فيه بيننا، بل الاجماع بقسميه عليه، كذا في الجواهر. ويشهد له موثق عمر بن يزيد: " لا يكون الاعتكاف أقل من ثلاثة أيام " (* 1) ونحوه خبر أبي بصير (* 2) وقريب منهما غيرهما. (2) قد يشهد له موثق أبي عبيدة عن أبي جعفر (ع) - في حديث - قال: " من اعتكف ثلاثة أيام فهو يوم الرابع بالخيار، إن شاء زاد ثلاثة أيام أخر، وإن شاء خرج من المسجد، فان أقام يومين بعد الثلاثة فلا يخرج من المسجد حتى يتم ثلاثة أيام أخر " (* 3). فان مفهوم ذيله يقتضي جواز الخروج وإن كان بعض يوم، أو بعض ليلة - بناء على ما يأتي من تبعية الليل لليوم - ومدلوله الالتزامي جواز زيادة البعض المذكور. فما عن بغية كاشف الغطاء: من الميل الى العدم ضعيف. (3) كأنه لا خلاف فيه، وقد أرسله غير واحد إرسال المسلمات من دون ذكر خلاف في ذلك. وقد يقتضي بعض النصوص المتعرضة للتحديد من طرف الاقل، من دون تعرض للاكثر. (4) كما لعله المشهور. ويشهد له موثق أبي عبيدة السابق. ويأتي في المسألة الخامسة ما له نفع في المقام.


(* 1) الوسائل باب: 4 من أبواب الاعتكاف حديث: 5. (* 2) الوسائل باب: 4 من أبواب الاعتكاف حديث: 2. (* 3) الوسائل باب: 4 من أبواب الاعتكاف حديث: 3.

[ 545 ]

{ بل ذكر بعضهم أنه كلما زاد يومين وجب الثالث (1)، فلو اعتكف ثمانية أيام وجب اليوم التاسع - وهكذا - وفيه تأمل. واليوم من طلوع الفجر (2) إلى غروب الحمرة المشرقية، فلا يشترط إدخال الليلة الاولى (3)، ولا الرابعة (4) وإن جاز ذلك، كما عرفت. ويدخل فيه الليلتان المتوسطتان (5). وفي } (1) بل عن المسالك والمدارك: عدم القول بالفصل بين السادس وكل ثالث، وفي الجواهر: قد يظهر من الموثق ذلك. ولكنه غير ظاهر، ولذلك تأمل فيه المصنف (ره). (2) كما هو الظاهر منه لغة وعرفا. (3) كما لعله المشهور. وعن العلامة والشهيد الثاني: دخولها. لان اليوم يستعمل في المركب منها ومن النهار. ولدخولها في اليومين الاخيرين. وفيه: أن الاستعمال أعم. ودخولها في الاخيرين، بقرينة ظهور الادلة في الاستمرار، يمنع من صحة القياس. (4) عن المدارك: أنه حكي عن بعض الاصحاب احتمال دخولها، وقال بعد نقله: " وهو بعيد جدا، بل مقطوع بفساده ". وفي خبر عمر ابن يزيد: " قلت لابي عبد الله (ع): إن المغيرية يحكمون أن هذا اليوم لليلة المستقبلة. فقال (ع): كذبوا هذا اليوم لليلة الماضية. إن أهل بطن نخلة إذا رأوا الهلال قالوا: قد دخل شهر الحرام " (* 1). وبطن نخلة بين مكة والطائف. (5) كما هو المشهور شهرة عظيمة. وعن الخلاف: عدم الدخول لخروجهما عن اليومين. ذكر ذلك فيمن نذر اعتكاف ثلاثة أيام. وفيه: أنه وان كان كذلك إلا أن المنصرف إلى الذهن في الامور القابلة للاستمرار


(* 1) الوسائل باب: 8 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث: 7.

[ 546 ]

{ كفاية الثلاثة التلفيقية إشكال (1). السادس: أن يكون في المسجد الجامع (2)، فلا يكفي } هو الدخول، كما في إقامة العشرة، وخروج الدم، كما تقدمت الاشارة إليه مرارا. (1) ينشأ: من البناء عليه في الامور المستمرة، لظهور الكلام فيه عرفا، مثل أقل الحيض، واكثره، وأكثر النفاس، وإقامة العشرة، ومدة الاستبراء، والعدة، ومدة الخيار، وغير ذلك. ومن أن مقتضى الجمود على ما تحت الكلام هو العدم. وثبوت ذلك في الموارد المذكورة - لظهور الكلام في إرادة التقدير - لا يقتضي الثبوت هنا، لاحتمال اعتبار خصوصية مابين المبدأ والمنتهى - أعني: مابين طلوع الفجر وغروب الشمس - من دون ثبوت ما يقتضي رفع اليد عن الظاهر. ولاسيما بملاحظة مادل على اعتبار الصوم، فان المناسب إرادة أيام الصوم. فتأمل. (2) كما عن المفيد، والمحقق في المعتبر، والشهيدين، وسيد المدارك وكثير من المتأخرين. ويشهد له صحيح الحلبي عن أبي عبد الله (ع): " قال: لا اعتكاف إلا بصوم في مسجد الجامع " (* 1)، وخبر علي بن غراب عن أبي عبد الله (ع) عن أبيه (ع): " قال: المعتكف يعتكف في المسجد الجامع " (* 2)، وخبر داود بن سرحان عنه (ع): " إن عليا (ع) كان يقول: لا أرى الاعتكاف إلا في المسجد الحرام، ومسجد الرسول أو مسجد جامع " (* 3) وموثق داود بن حصين - المروي في المعتبر، والمنتهى - عن أبي عبد الله (ع): " لااعتكاف إلا بصوم وفي المصر الذي أنت فيه " (* 4).


(* 1) الوسائل باب: 3 من أبواب الاعتكاف حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 3 من أبواب الاعتكاف حديث: 4. (* 3) الوسائل باب: 3 من أبواب الاعتكاف حديث: 10. (* 4) الوسائل باب: 3 من أبواب الاعتكاف حديث: 11.

[ 547 ]

وعن الشيخ، والمرتضى، والحلبي، والحلي، وغيرهم: التخصيص بأحد المساجد الاربعة: مسجد الحرام، ومسجد النبي صلى الله عليه وآله، ومسجد الكوفة، ومسجد البصرة، بل عن الخلاف، والتبيان، والانتصار، والغنية وغيرها: الاجماع عليه. وعن علي بن بابويه، إبدال مسجد البصرة بمسجد المدائن. وعن ولده: ضمه إلى الاربعة. واستدل له بخبر عمر بن يزيد: " قلت لابي عبد الله (ع): ما تقول في الاعتكاف ببغداد في بعض مساجدها؟ قال (ع): لا اعتكاف إلا في مسجد جماعة، قد صلى فيه إمام عدل بصلاة جماعة. ولا بأس أن يعتكف في مسجد الكوفة، والبصرة، ومسجد المدينة، ومسجد مكة " (* 1). بناء على أن المراد بامام عدل الامام الاصلي. ومرسلة المقنعة: " روي: أنه لا يكون إلا في مسجد جمع فيه نبي، أو وصي نبي، وهي أربعة مساجد: مسجد الحرام، ومسجد المدينة، جمع فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأمير المؤمنين (ع)، ومسجد الكوفة، ومسجد البصرة جمع فيهما أمير المؤمنين (ع) (* 2). لكن المرسل ضعيف، ولم يثبت انجباره، بل حكاية القول الاول عن مرسلة توهنه. وكون المراد بامام عدل الامام الاصلي غير ظاهر، ولا قرينة عليه. مع أنه لو كان المراد منه ذلك لم يحسن قوله (ع): " ولا بأس أن يعتكف... "، لان مورده من جملة الافراد، بل من أظهرها. فالمرسل المذكور لا مجال للعمل به لو صح سنده. فالاولى أن يقال في وجه الجمع بين النصوص: إنها طوائف: منها: ما تضمن اعتبار الجامع وإن لم تنعقد به جماعة، كما سبق. ومنها: ما تضمن اعتبار كونه مما تنعقد به الجماعة وإن لم يكن جامعا، كمصحح الحلبي عن


(* 1) الوسائل باب: 3 من أبواب الاعتكاف حديث: 8. (* 2) الوسائل باب: 3 من ابواب الاعتكاف حديث: 12.

[ 548 ]

أبي عبد الله (ع) قال: " سئل عن الاعتكاف. قال: لا يصلح الاعتكاف إلا في المسجد الحرام، أو مسجد الرسول صلى الله عليه وآله، أو مسجد الكوفة، أو مسجد جماعة " (* 1)، وموثق عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (ع): " قال: لا يصلح العكوف في غيرها (يعني: مكة) إلا أن يكون في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله، أو مسجد من مساجد الجماعة " (* 2) وخبر يحيى بن العلاء الرازي عن أبي عبد الله (ع): " لا يكون اعتكاف إلا في مسجد جماعة " (* 3). ومنها: ما جمع الامرين، كخبر أبي الصباح عن أبي عبد الله (ع) - في حديث -:... " إن عليا (ع) كان يقول: لاأرى الاعتكاف إلا في المسجد الحرام، أو في مسجد الرسول، أو في مسجد جامع جماعة " (* 4). فيحمل مادل على اعتبار الجامع على إرادة جامع الجماعة، جمعا بين الطوائف المذكورة، ويكون المراد من قوله (ع) في خبر ابن يزيد: " قد صلى فيه إمام عدل " تفسير الجماعة بالجماعة الصحيحة، لا مطلق الجماعة التي تنعقد في غالب مساجد بغداد في ذلك الزمان. ويكون المقصود من قوله (ع) فيه: " ولا بأس أن يعتكف " أن هذه المساجد لها خصوصية تقتضي صحة الاعتكاف فيها ولو لم تنعقد فيها الجماعة. ويكون المتحصل من جميعها: جواز الاعتكاف في المساجد الاربعة وإن لم تنعقد فيها جماعة، وكل مسجد تنعقد به الجماعة الصحيحة. نعم ربما يكون لخبر داود بن الحصين المتقدم ظهور في اعتبار كون المسجد مسجد البلد. الهم إلا أن يحمل على إرادة مسجد بعينه كانت


(* 1) الوسائل باب: 3 من ابواب الاعتكاف حديث: 7. (* 2) الوسائل باب: 3 من أبواب الاعتكاف حديث: 3. (* 3) الوسائل باب: 3 من أبواب الاعتكاف حديث: 6. (* 4) الوسائل باب: 3 من أبواب الاعتكاف حديث: 5.

[ 549 ]

{ في غير المسجد، ولا في مسجد القبيلة والسوق. ولو تعدد الجامع تخير بينها (1)، ولكن الاحوط مع الامكان كونه في أحد المساجد الاربعة (2): مسجد الحرام، ومسجد النبي صلى الله عليه وآله ومسجد الكوفة، ومسجد البصرة. السابع: إذن السيد بالنسبة إلى مملوكه (3)، سواء كان قنا، أو مدبرا، أو أم ولد، أو مكاتبا لم يتحرر منه شئ (4) ولم يكن اعتكافه اكتسابا. وأما إذا كان اكتسابا فلا مانع } تنعقد به الجماعة الصحيحة، أو خصوص مسجد الكوفة، بقرينة كونه كوفيا أسديا ولو لم يتم ذلك تعين تقييد غيره به، كتقييده بغيره، جمعا بين المطلق والمقيد. فيتعين اعتبار كونه مسجد البلد، وكونه مما تنعقد به الجماعة الصحيحة إذا لم يكن أحد المساجد الاربعة، وإلا جاز الاعتكاف به على كل حال. وإجماع الخلاف والتبيان، والانتصار، والغنية، وغيرها، المحكي على اعتبار كونه في أحد المساجد الاربعة لا مجال للاعتماد عليه، مع تحقق الخلاف ووضوحه. والله سبحانه أعلم (1) للاطلاق. (2) خروجا عن شبهة الخلاف المتقدم. أما مع عدم الامكان فالاحوط الاتيان به في غيرها برجاء المطلوبية. (3) بلا خلاف أجده فيه، كما في الجواهر. وعن المسالك والمدارك: نفي الاشكال فيه، وعن الحدائق: نفي الاشكال والخلاف فيه. وينبغي أن يكون كذلك، لان العبد مملوك لمولاه، فتصرفه في نفسه يتوقف على الاذن من المالك. (4) للاشتراك في الملكية.

[ 550 ]

{ منه (1). كما أنه إذا كان مبعضا فيجوز منه في نوبته إذا هاياه مولاه من دون إذن (2)، بل مع المنع منه أيضا. وكذا يعتبر إذن المستأجر بالنسبة إلى أجيره الخاص (3)، وإذن الزوج بالنسبة إلى الزوجة إذا كان منافيا لحقه (4)، وإذن الوالد، } (1) لتحقق الاذن بالكتابة. (2) عملا بالمهاياة. (3) كما عن الدروس. وهو ظاهر إذا كان قد استأجره بنحو ملك عليه منفعة الاعتكاف. أما إذا لم يكن كذلك فالمنع عنه بدون إذن المستأجر يتوقف على القول بأن الامر بالشئ يقتضي النهي عن ضده. وأوضح منه مالو لم يكن منافيا للعمل المستأجر عليه، كما إذا استؤجر على عمارة المسجد، أو حفر بئر فيه، أو خياطة فرشه في أيام معينة، فانه لا ينبغي التأمل في عدم الحاجة فيه إلى الاذن من المستأجر. (4) بل قد يشكل الحكم في المنافي أيضا، بناء على عدم. اقتضاء الامر بالشهئ النهي عن ضده. نعم ورد في النصوص: أنه لا يجوز للمرأة أن تخرج من بيت زوجها بغير إذنه (* 1). والمراد منه حرمة المكث في خارج البيت مع عدم الاذن، فإذا كان الاعتكاف كذلك حرم، فلا يصح عبادة فلو كان مقيما معها في المسجد، أو كان قد أذن لها في الخروج إلى المسجد لكن نهاها عن عنوان الاعتكاف، فالبطلان حينئذ غير ظاهر. إلا أن يرجع إلى تقييد الاذن بغير الاعتكاف. كما أنه لو كان صومها مندوبا، وقلنا بتوقفه على إذن الزوج - كما دل عليه الصحيح (* 2)، وادعي عليه الاجماع - بطل من دون إذن الزوج، فيبطل الاعتكاف الموقوف عليه.


(* 1) لاحظ الوسائل باب: 79، 80 وغيرهما من أبواب مقدمات النكاح. (* 2) الوسائل باب: 8 من أبواب الصوم المحرم والمكروه.

[ 551 ]

{ أو الوالدة بالنسبة إلى ولدهما، إذا كان مستلزما لايذائهما (1). وأما مع عدم المنافاة، وعدم الايذاء فلا يعتبر إذنهم، وإن كان أحوط، خصوصا بالنسبة إلى الزوج والوالد. الثامن: استدامة اللبث في المسجد، فلو خرج عمدا } أما لو كان صومها واجبا، أو أذن لها فيه ونهاها عن الاعتكاف، فالبطلان أيضا غير ظاهر. ثم إن هذا كله في حدوث الاعتكاف في اليومين الاولين منه، أما اليوم الثالث فلا يقدح نهي الزوج عن الاعتكاف فيه إذا كان قبل النهي مشروعا لها، لانه واجب ولا أثر لنهي الزوج عن فعل الواجب. لكن الفرض خارج عن مورد المتن. (1) لا إشكال ظاهرا في حرمة إيذائهما بالمخالفة للامر أو النهي الصادرين من أحدهما بداعي العطف والشفقة. وكأنه القدر المتيقن من وجوب إطاعة الوالدين. وحينئذ فإذا نهى أحدهما الولد عن الاعتكاف بداعي الشفقة، أو عن الصوم كذلك بطل، وإلا فالدليل على البطلان مع عدم الاذن غير ظاهر. ولو سلم حرمة إيذائهما مطلقا اختص بما لو كان الصوم أو الاعتكاف عن اطلاعهما، إذ لا أذى مع عدمه ضرورة. (2) باتفاق العلماء - كما عن المعتبر - وإجماعهم - كما عن التذكرة، والمدارك، والحدائق - وفي الجواهر: الاجماع بقسميه عليه. ويدل عليه. - مضافا إلى ذلك - جملة من النصوص، كصحيح داود بن سرحان: " كنت بالمدينة في شهر رمضان، فقلت لابي عبد الله (ع): إني أريد أن أعتكف فماذا أقول، وماذا أفرض على نفسي؟ فقال (ع) لا يخرج من المسجد إلا لحاجة لابد منها " (* 1)، وموثق ابن سنان: " ولا يخرج


(* 1) الوسائل باب: 7 من ابواب الاعتكاف حديث: 3.

[ 552 ]

{ اختيارا لغير الاسباب المبيحة بطل، من غير فرق بين العالم بالحكم والجاهل به (1). وأما لو خرج ناسيا أو مكرها فلا يبطل (2). } المعتكف من المسجد إلا في حاجة " (* 1). وقريب منهما غيرهما. (1) كما في الجواهر مرسلا له إرسال المسلمات. وكأنه لاطلاق الادلة. نعم قد يشكل في الجاهل القاصر، بناء على صلاحية حديث: (رفع مالا يعلمون) (* 2) لاثبات الصحة. لكن المبنى ضعيف، لان الحديث الشريف رافع، لامثبت، فلا يصلح لاثبات صحة الباقي. وأما ما قيل: من أن الجمع بينه وبين دليل وجوب الباقي يقتضي ذلك. ففيه: أن الحديث المذكور ليس في مرتبة الادلة الواقعية، كي تلحظ النسبة بينها، لان المفروض كونه حكما ظاهريا، وهو في غير مرتبة الواقع وإلا لزم انتفاء الشك بالواقع، وهو خلف. ولا تصح مقايسة المقام بما لو قام دليل على نفي جزئية المشكوك، فانه يدل على صحة الباقي، مع أنه كحديث الرفع رافع في مقام الشك، وذلك للفرق بين المقامين، لان الدليل مثبته حجة، فهو يصلح للاثبات، وهذا الاصل مثبته ليس بحجة. وإن شئت قلت: بعد ماكان المفروض أن الوجوب على تقديره ارتباطي، فهو كما يتلازم في مقام الثبوت والسقوط واقعا، كذلك يتلازم في مقام السقوط والثبوت ظاهرا، فرفعه في مقام الظاهر بالنسبة إلى المجهول رفع بالنسبة إلى غيره، وإلا كان خلفا. ومن ذلك يظهر أنه لا مجال للتمسك بحديث الرفع لنفي شرطية أو جزئية مشكوك الشرطية أو الجزئية في العقود والايقاعات. (2) أما الوأل فلاخلاف فيه - كما في الجواهر - مستدلا له بالاصل


(* 1) الوسائل باب: 7 من أبواب الاعتكاف حديث: 5. (* 2) أو سائل باب: 56 من أبواب جهاد النفس.

[ 553 ]

وحديث رفع التسعة، وانصراف مادل على الشرطية إلى غيره، ولو لاشتماله على النهي المتوجه إلى غيره. وفيه: أن الاصل لا مجال له مع إطلاق الادلة. وحديث الرفع قد عرفت أنه لا يصلح لاثبات صحة الناقص بعد ماكان التكليف إرتباطيا، وأن الحديث ناف لامثبت. والانصراف الذي ادعاه ممنوع. وعدم صحة توجيه الخطاب إليه لايمنع عن ثبوته في الجملة الكافي في تحقق البطلان. ولافرق في ذلك بين ناسي الحكم، وناسي الاعتكاف، وناسي كون حد المسجد ما تجاوز عنه. ودعوى: أنه لا يبعد شمول الحديث له بملاحظة صحيح البزنطي عن أبي الحسن (ع): " في الرجل يستكره على اليمين، فيحلف بالطلاق والعتاق وصدقة ما يملك، أيلزمه ذلك؟ فقال (ع): لا. قال رسول الله صلى الله عليه وآله: وضع عن أمتي ما أكرهوا عليه، وما لم يطيقوا، وما أخطأوا " (* 1). فان النسيان وإن لم يكن أحد الثلاثة، إلا أن الظاهر أن المراد بحديث رفع التسعة هو المراد بالحديث المذكور، وحينئذ يدل الصحيح على أن المراد بحديث رفع عموم الرفع للتكليف والوضع، فيدل على عدم سببية المنسي وعلى عدم شرطيته أو جزئيته إذا كان المنسي سببا أو شرطا أو جزءا، وعلى عدم مانعيته أو قاطعيته إذا كان مانعا أو قاطعا، فإذا دل على عدم قاطعية الخروج فقد دل على الصحة، لان البطلان إنما حصل من القاطعية وهي منتفية. مندفعة: بأن القاطعية إنما تكون منتزعة من الامر بالمقيد بعدم القاطع فرفعها إنما يكون برفع الامر بالمقيد، وذلك لا يقتضي ثبوت الامر بذات المقيد مطلقا، كي يصح حتى مع وجود القاطع. وكذا حال بقية الاحكام


(* 1) الوسائل باب: 12 من ابواب الايمان حديث: 8.

[ 554 ]

{ وكذا لو خرج لضرورة (1) عقلا، أو شرعا، أو عادة، كقضاء الحاجة - من بول أو غائط - أو للاغتسال من الجنابة } الوضعية، فان شرطية القبض لبيع الصرف منتزعة من جعل الاثر للعقد الواقع معه القبض، فإذا فات القبض عن إكراه فحديث الرفع إنما يقتضي رفع الاثر عن المقيد، لاأنه يقتضي ثبوته للمطلق. ولذا لم يكن بناء الاصحاب على صحة العقود أو الايقاعات عند فوات ما يعتبر فيها إذا كان فواته نسيانا أو إكراها أو اضطرارا. فلاحظ. وبالجملة: إنتفاء أثر الفعل الصادر نسيانا لا يقتضي ترتب الاثر على الاعتكاف الناقص، ومقتضى إطلاق الدليل القادحية العدم. وأما الثاني فجعله في الشرائع بحكم الطائع في قدح خروجه، لاطلاق الادلة. وعن التذكرة: العدم، إلا مع طول الزمان. واستدل له في الجواهر: بظهور أدلة المنع في غيره. خصوصا بملاحظة مادل على الرخصة في الخروج للحاجة ونحوهما مما هو أسهل بمراتب من الاكراه. لكن عرفت الاشكال في الاول. وأما الثاني فغير بعيد، بل قد يقال: بأن دفع الضرر المتوعد عليه المكره من أعظم الحوائج وأهمها، فيشمله مادل على جواز الخروج للحاجة. وعن المدارك: الاستدلال له بالاصل، وحديث رفع الاكراه، وعدم توجه النهي إلى هذ الفعل. لكن الاول لا يعارض الدليل. والحديث قد عرفت حاله. وعدم توجه النهي لا يقتضي الصحة، كما هو ظاهر. نعم ربما يستفاد مما يأتي في الخروج لضرورة أو حاجة. (1) المذكور في صحيح الحلبي وابن سرحان: " لا ينبغي للمعتكف أن يخرج من المسجد إلا لحاجة لابد منها " (* 1)، وقد تقدم ما في صحيح ابن


(* 1) الوسائل باب: 7 من ابواب الاعتكاف حديث: 2، 1.

[ 555 ]

{ أو الاستحاضة ونحو ذلك. ولا يجب الاغتسال في المسجد وإن أمكن من دون تلويث، وإن كان أحوط (1). والمدار على } سرحان الآخر (* 1) وفي موثق ابن سنان: " ولا يخرج المعتكلف من المسجد إلا في حاجة " (* 2) ومقتضى وجوب حمل المطلق على المقيد اعتبار لزوم الحاجة. نعم في صحيح الحلبي جواز الخروج للجنازة، وعيادة المرضى، ومثله في الاول صحيح ابن سنان (* 3) والتعدي عنهما الى كل راجح شرعا غير ظاهر، وان كان هو ظاهر بعض الاعاظم، بل لعله ظاهر الاكثر حيث جوزوا الخروج لتشييع المؤمن. وأما ما في خبر ابن ميمون، من خروج الحسن (ع) لقضاء حاجة المؤمن، فقال له: " يابن رسول الله صلى الله عليه وآله أنسيت اعتكافك؟ فقال (ع): له: لم أنس، ولكني سمعت أبي يحدث عن جدي رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: من سعى في حاجة أخيه المؤمن فكأنما عبد الله تعالى تسعة الآف سنة صائما نهاره قائما ليله " (* 4) فلا يدل على عدم منافاة ذلك الخروج للاعتكاف بل من الجائز أن يكون (ع) بنى على نقض اعتكافه. وبالجملة: لادليل ظاهر يدل على جواز الخروج للحاجة الراجحة دينا أو دنيا. (1) تخفظا باستدامة اللبث. لكن عن المدارك: أنه قد أطلق جماعة المنع، لما فيه من الامتهان المنافي للاحترام. ويحتمل الجواز، كما في الوضوء والغسل المندوب. واستشكل فيه في الجواهر: بأنه مستلزم لللبث المحرم، فيجب لاجله الخروج، وبه يفرق بين الوضوء والغسل المندوب. وهو في محله.


(* 1) تقدم ذلك قريبا في أوائل الامر الثامن. (* 2) تقدم ذلك قريبا في أوائل الامر الثامن. (* 3) الوسائل باب: 7 من ابواب الاعتكاف حديث: 6. (* 4) الوسائل باب: 7 من أبواب الاعتكاف حديث: 4.

[ 556 ]

{ صدق اللبث، فلا ينافيه خروج بعض أجزاء بدنه (1) من يده أو رأسه أو نحوهما. (مسألة 1): لو ارتد المعتكف في أثناء اعتكافه بطل (2) وإن تاب بعد ذلك، إذا كان ذلك في أثناء النهار، بل مطلقا على الاحوط (3). (مسألة 2): لا يجوز العدول بالنية من اعتكاف إلى غيره (4) وإن اتحدا في الوجوب والندب، ولا عن نيابة ميت إلى آخر أو إلى حي، أو عن نيابة غيره إلى نفسه، أو العكس. } نعم لو توقف الاغتسال في خارج المسجد على لبث في المسجد زائدا على ما يحصل بالاغتسال في المسجد وجب حينئذ الاغتسال في المسجد، فلو خالف أثم من جهة اللبث الزائد، وبطل اعتكافه. كما أنه لو أمكن الاغتسال في حال الخروج بلا لبث محرم جاز إيقاعه في المسجد، بل لعله يجب. (1) كما عن المعتبر والمنتهى. وعن المسالك: منافاة خروج الجزء له كالكل. ولكنه ممنوع. (2) لما قد عرفت: من أن الاعتكاف من العبادات حدوثا وبقاء، والكفر مانع عن صحة التعبد. وماعن الشيخ (ره) من عدم البطلان غير ظاهر، كما سبق. (3) كأنه لاجل خلاف الشيخ لم يثبت عند المصنف (ره) كونه عبادة مطلقا. وأما البطلان لو كان في أثناء النهار فمن جهة بطلان الصوم، فانه يبطل بالارتداد بلا خلاف. ولو أن الشيخ (ره) خص عدم البطلان بالارتداد في الليل لامكن ابتناؤه على مذهبه، من عدم دخول الليل في الاعتكاف. (4) إذ صحة المعدول إليه خلاف الاصل، لاعتبار النية في العبادة

[ 557 ]

{ مسألة 3): الظاهر عدم جواز النيابة عن أكثر من واحد في اعتكاف واحد (1). نعم يجوز ذلك بعنوان إهداء الثواب، فيصح إهداؤه إلى متعددين أحياء، أو أمواتا، أو مختلفين. (مسألة 4): لا يعتبر في صوم الاعتكاف أن يكون لاجله (2)، بل يعتبر فيه أن يكون صائما أي صوم كان، } حدوثا وبقاء، كما أشرنا إليه في مواقيت الصلاة. وفي الجواهر - بعدما حكى عن استاذه في بغية الطلب الجزم بعدم جواز العدول كما في المتن - قال (ره): " ولا يخلو عن إشكال ". ووجهه غير ظاهر. (1) لعدم الدليل على قبول الفعل للاشتراك، والاصل عدم المشروعية. اللهم إلا أن يستفاد من قوله الصادق (ع) - في بعض أخبار تشريع النيابة في العبادة: " يصلي عنهما، ويتصدق عنهما، ويحج عنهما، ويصوم عنهما فيكون الذي صنع لهما، وله مثل ذلك " (* 1) وحمله على إرادة أنه يصلي عن كل منهما بانفراده خلاف الظاهر. ومثله: رواية علي بن أبي حمزة: " قلت لابي ابراهيم (ع): أحج، وأصلي، وأتصدق عن الاحياء والاموات من قرابتي وأصحابي؟ قال (ع): نعم " (* 2). ونحوهما غيرهما. اللهم إلا أن يكون المقصود من السؤال السؤال عن أصل مشروعية النيابة، ولانظر فيه إلى ما هو محل الكلام، فيتعين الرجوع فيه الى الاصل لعدم مشروعية النيابة على نحو الاشتراك. بل لعل ذلك نفسه دليل على العدم لان مقتضى الاطلاق المقامي الرجوع إلى العرف في ذلك. فلاحظ. (2) بلا خلاف أجده فيه، بل عن المعتبر: أن عليه فتوى علمائنا


(* 1) الوسائل باب: 12 من ابواب قضاء الصلوات حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 12 من أبواب قضاء الصلوات حديث: 9.

[ 558 ]

{ فيجوز الاعتكاف مع كون الصوم استئجاريا، أو واجبا من جهة النذر ونحوه. بل لو نذر الاعتكاف يجوز له بعد ذلك أن يؤجر نفسه للصوم ويعتكف في ذلك الصوم (1). ولا يضره وجوب الصوم عليه بعد نذر الاعتكاف، فان الذي يجب لاجله هو الصوم الاعم من كونه له أو بعنوان آخر، } - كذا في الجواهر - لاطلاق الادلة. ولصريح النصوص الحاكية لاعتكاف النبي صلى الله عليه وآله في شهر رمضان (* 1). (1) لان النذر لا يغير المنذور عما هو عليه، ولا يصلح لتشريع ما لم يشرع، ولا يمنع عن تشريع ما هو مشرع. فإذا كانت قيدية الصوم للاعتكاف لا تمنع عن صحة الاتيان به بعنوان الاجارة عن الغير، فإذا تعلق النذر بالاعتكاف لم يخرج الصوم عما كان عليه، فيجوز أن يؤجر نفسه للصوم ويعتكف وفاء بالنذر، كما يجوز غير ذلك أيضا. وبالجملة: كلما كان جائزا لولا النذر فهو جائز بعده. ولافرق فيما ذكرنا بين أن يؤجر نفسه أولا ثم ينذر الاعتكاف صائما فيصوم للاجارة ويعتكف وفاء للنذر، وبين أن ينذر أولا ثم يؤجر نفسه للصوم فيصوم للاجارة معتكفا وفاء بنذره، كما لافرق بين أن يكون المنذور الاعتكاف في أيام معينة، وبين أن يكون مطلقا، فيجوز في كل منهما إيجار نفسه للصوم قبله وبعده. وما يقال: من أنه إذا نذر الاعتكاف في أيام معينة فقد وجب الصوم فيها من باب المقدمة، فيمتنع أن يؤجر نفسه للصوم فيها. مندفع: بما أشار إليه المصنف (ره): من أن الواجب للمقدمية ليس خصوص الصوم للاعتكاف، بل مطلق الصوم ولو للاجارة نيابة عن الغير، فيجب عليه


(* 1) راجع أول الفصل.

[ 559 ]

{ بل لا بأس بالاعتكاف المنذور مطلقا في الصوم المندوب (1) الذي يجوز له قطعه (2)، فان لم يقطعه تم اعتكافه، وإن قطعه انقطع (3) ووجب عليه الاستئناف. } في الايام المذكورة أن يصوم نيابة عن الغير للاجارة أو التبرع، أو عن النفس قضاء أو كفارة أو ندبا أو غير ذلك، ويكون الحال كما لو نذر أن يكون صائما في أيام رجب بأي عنوان كان - وفاء للاجارة، أو النذر المطلق، أو قضاء، أو كفارة، أو غير ذلك - فانه بالنذر يجب أن يوقع الصوم في رجب لاحد العناوين المذكورين. ولاتنافي بين كون الصوم مندوبا بعنوانه الاولي، وواجبا بعنوان النذر، فيدعو الامر الوجوبي الى إطاعة الامر الندبي. ومن ذلك كله يظهر ضعف ماعن التذكرة. من أنه لو نذر اعتكاف ثلاثة أيام وجب عليه الصوم بالنذر، لان مالا يتم الواجب إلا به يكون واجبا. اللهم إلا أن يريد به أنه يكون واجبا في الجملة، لا أنه يجب إتيانه للنذر لاغير. كما يظهر أيضا ضعف ماعن المسالك: من الجزم من جعل صوم الاعتكاف المنذور مندوبا، للتنافي بين وجوب المضي على الاعتكاف الواجب وجواز قطع الصوم المندوب. فان ندبية الصوم من قبيل الموضوع للنذر، فيكف تزول به؟! والوجوب ليس في عرض الندب، ليمتنع اجتماعهما للتضاد، بل في طوله. فتأمل جيدا. (1) الظرف متعلق بالاعتكاف. (2) يعني: قطع الصوم. (3) هذا في اليومين الاولين. أما في الثالث فلا يجوز، كما سيأتي.

[ 560 ]

{ (مسألة 5): يجوز قطع الاعتكاف المندوب في اليومين الاولين (1)، ومع تمامهما يجب الثالث. وأما المنذور فان كان معينا فلا يجوز قطعه مطلقا (2)، وإلا فكالمندوب (3). } (1) كما في الشرائع، وعن المدارك وجمع من المتأخرين، بل قيل: إنه الاشهر. ويشهد له صحيح محمد بن مسلم عن أبي جعفر (ع): " إذا اعتكف الرجل يوما ولم يكن اشترط، فله أن يخرج، وأن يفسخ الاعتكاف وان أقام يومين ولم يكن اشترط فليس له أن يفسخ اعتكافه حتى تمضي ثلاثة أيام " (* 1). وعن الشيخ والحلبي وابن زهرة: عدم الجواز مطلقا، وعن الاخير دعوى الاجماع عليه. لما دل على حرمة إبطال العمل. ولما دل على وجوب الكفارة بالوقاع قبل تمام ثلاثة أيام. وفيه: أن الاول - لو تم الاستدلال به على ما نحن فيه - لا يصلح لمعارضة الصحيح. والثاني ليس ظاهرا في المنع عن القطع إلا من جهة الملازمة بين وجوب الكفارة وحرمته، لكنها ممنوعة. ولذا قال في محكي التذكرة: " لا استبعاد في وجوب الكفارة في هتك الاعتكاف المستحب ". ولو سلمت الملازمة فالصحيح المتقدم مقيد لاطلاق دليل الكفارة، حملا للمطلق على المقيد. وعن السيد (ره) والحلي والمعتبر والمختلف والمنتهى و غيرها: جواز القطع مطلقا. للاصل. وعدم الفرق بين اليومين الاولين واليوم الثالث. ولاستصحاب عدم جواز المضي. والجميع - كما ترى - لا يصلح لمعارضة ما سبق. (2) لئلا تلزم مخالفة النذر. (3) لما عرفت: من أن النذر لا يغير المنذور عما هو عليه. وما يظهر من الشرائع - من وجوب المضي بمجرد الشروع فيه - غير ظاهر.


(* 1) الوسائل باب: 4 من ابواب الاعتكاف حديث: 1.

[ 561 ]

{ (مسألة 6): لو نذر الاعتكاف في أيام معينة، وكان عليه صوم منذور أو واجب لاجل الاجارة، يجوز له أن يصوم في تلك الايام وفاء عن النذر أو الاجارة (1). نعم لو نذر الاعتكاف في أيام مع قصد كون الصوم له ولاجله لم يجز عن النذر أو الاجارة. (مسألة 7): لو نذر اعتكاف يوم أو يومين، فان قيد بعدم الزيادة بطل نذره (2)، وان لم يقيده صح (3). ووجب ضم يوم أو يومين. (مسألة 8): لو نذر اعتكاف ثلاثة أيام معينة أو أزيد فاتفق كون الثالث عيدا بطل من أصله (4)، ولا يجب عليه قضاؤه، لعدم انعقاد نذره. لكنه أحوط (5). } (1) يظهر وجهه مما سبق. (2) لعدم مشروعية المنذور. (3) يعني: بأن أخذه مطلقا. أما لو أخذه مهملا فهو بمنزلة المقيد في عدم المشروعية. (4) لانكشاف عدم مشروعية متعلقه. (5) يمكن أن يكون وجهه: احتمال كون تعيين الايام الخاصة من باب تعدد المطلوب. لكن التعبير بالقضاء لا يساعد عليه. ويحتمل أن يكون باعتكاف اليومين قبل العيد قد حدثت مصلحة في ضم الثالث، وعدم إمكان الضم من جهة العيد لا يرفع الاقتضاء الذي يصدق معه الفوت، فيجب القضاء. لكنه مختص بما إذا اعتكف يومين قبل العيد، ولا يجري فيما لو اعتكلف يوما واحدا. مع أن أصل الاقتضاء غير ثبات، لاختصاص دليله

[ 562 ]

{ (مسألة 9): لو نذر اعتكاف يوم قدوم زيد بطل (1) إلا أن يعلم يوم قدومه قبل الفجر. ولو نذر اعتكاف ثاني يوم قدومه صح، ووجب عليه ضم يومين آخرين. (مسألة 10): لو نذر اعتكاف ثلاثة أيام من دون الليلتين المتوسطتين لم ينعقد (2). (مسألة 11): لو نذر اعتكاف ثلاثة أيام أو أزيد لم يجب إدخال الليلة الاولى فيه (3)، بخلاف ما إذا نذر اعتكاف شهر، فان الليلة الاولى جزء من الشهر (4). (مسألة 12): لو نذر اعتكاف شهر يجزئه مابين الهلالين (5) وإن كان ناقصا. ولو كان مراده مقدار شهر وجب ثلاثون يوما (6). } بغير صورة كون الثالث العيد. اللهم إلا أن يستفاد القضاء مما دل عليه في الحائض والمريض. فتأمل. (1) البطلان غير ظاهر مع إمكان الاحتياط، بل وجوبه عليه بالعلم الاجمالي بالمردد بين التدريجيين. (2) لما عرفت، من عدم مشروعية الاعتكاف كذلك. (3) لما عرفت من خروجها عن الثلاثة. اللهم إلا أن يقصد من اليوم ما يعم الليل. (4) وبذلك افترق عن اليوم. (5) لان الشهر حقيقة في ذلك لغة وعرفا. ومنه يظهر أنه يتعين عليه ذلك، لا مجرد إجزائه، فانه لا يجزيه الملفق وان كان ثلاثين أو أكثر. (6) فان الشهر - أعني: مابين الهلالين - وإن كان ينقص تارة، فيكون

[ 563 ]

{ مسألة 13): لو نذر اعتكاف شهر وجب التتابع (1) وأما لو نذر مقدار الشهر جاز له التفريق (2) ثلاثة ثلاثة إلى أن يكمل ثلاثون يوما. بل لا يبعد جواز التفريق يوما فيوما (3)، ويضم إلى كل واحد يومين آخرين، بل الامر كذلك في كل مورد لم يكن المنساق منه هو التتابع. (مسألة 14): لو نذر الاعتكاف شهرا أو زمانا على وجه التتابع - سواء شرطه لفظا، أو كان المنساق منه ذلك - فأخل بيوم أو أزيد بطل (4)، وإن كان ما مضى ثلاثة فصاعدا واستأنف آخر مع مراعاة التتابع فيه (5). وإن كان معينا وقد أخل بيوم أو أزيد وجب قضاؤه (6)، والاحوط التتابع فيه أيضا. وإن بقي شئ من ذلك الزمان المعين بعد الابطال } تسعة وعشرين، ويتم أخرى فيكون ثلاثين، إلا أنه إذا استعمل في مقام التقدير، وامتنع حمله على الجامع بينهما، إذ لا معنى للتقدير بالجامع بين الزائد والناقص، تعين حمله على أحداهما بعينه. ومقتضى الاطلاق حمله على خصوص الكامل، فان الحمل على غيره محتاج إلى عناية زائدة، كما لعله ظاهر بأدنى تأمل. (1) لتتابع أجزاء الشهر، التي يرجع نذر اعتكاف الشهر إلى نذر اعتكافها. (2) إذ لا تتابع في مفهوم المقدر، والاطلاق ينفيه. (3) في دخول ذلك في مقصود النذر تأمل، والمنصرف غيرذلك. (4) لانتفاء الشرط. (5) ليكون مصداقا للمنذور. (6) يحتمل رجوع الضمير إلى نفس المنذور، يعني: قضاء تمام المنذور

[ 564 ]

{ باخلال فالاحوط ابتداء القضاء منه (1). (مسألة 15): لو نذر اعتكاف أربعة أيام فأخل } - كما عن المبسوط والتذكرة - لبطلانه بفوات المتابعة المشروطة فيه، كما في المسألة السابقة. لكن عن المختلف والمسالك والمدارك: الاقتصار على قضاء ما أخل به، لان ما أتى به من الايام كان متتابعا، فتكون موافقة للمنذور، فلا وجه لوجوب قضائها. وأشكل عليه في الجواهر: بأن التتابع في البعض غير كاف في الامتثال بعد أن فرض اعتباره في الجميع. وعدم امكان استئنافها باعتبار تعينها لا ينافي وجوب القضاء، كما إذا لم يأت بها أجمع. هذا ومحصل الكلام: أن الناذر تارة: يلاحظ كل واحد من الايام المعينة لنفسه، من دون اعتبار انضمامه إلى ما اتصل به من الايام. وأخرى: يلاحظ انضمامه كذلك. فعلى الاول يصح ما أتى به، لمطابقته للمنذور، وليس عليه إلا قضاء ما أخل به، لفواته. وعلى الثاني عليه قضاء الجميع ما أتى به وما أخل به، إذ ما أتى به لم يأت به على وجهه الملحوظ فيه حال النذر، لفقده للانضمام الى ما اتصل به. وعليه يتعين قضاء الجميع متتابعا، لوجوب قضاء الفائت كما فات. فتوقف المصنف (ره) في وجوب التتابع في القضاء يناسب أن يكون المراد من الضمير خصوص ما أخل به. لكن قوله (ره): " فالاحوط ابتداء... " يعين كون المراد الاول إذ لو كان المراد خصوص ما أخل به لتعين قضاؤه خارج ذلك الزمان، لان ما بقي من ذلك الزمان يجب فعل الاداء فيه. وعلى فالتوقف في وجوب التتابع غير ظاهر. (1) كأنه لموافقته للاداء في الزمان في الجملة. ولكنه - كما ترى - لا يصلح للتوقف في الفتوى.

[ 565 ]

{ بالرابع، ولم يشترط التتابع، ولا كان منساقا من نذره، وجب قضاء ذلك اليوم، وضم يومين آخرين (1). والاولى جعل المقضي أول الثلاثة وإن كان مختارا في جعله أيا منها شاء (2). } (1) الحكم فيها ظاهر. (2) كما استظهره في الجواهر. وحكي عن جماعة من المتأخرين: أن الزائد على الواجب إن تأخر عن الواجب لم يقع إلا واجبا. وإن تقدم جاز أن ينوي به الوجوب من باب مقدمة الواجب، والندب لعدم تعين الزمان له. وحكي عن المدارك: الاشكال فيه - فيما إذا كان الواجب يوما واحدا - بأن اعتكاف اليومين بنية الندب يوجب الثالث، فلا يكون مجزيا عما في ذمته. وبأن الاعتكاف يتضمن الصوم، وهو لا يقع مندوبا ممن في ذمته واجب. وأجاب عن الاول: بأن وجوب اليوم الثالث لتتميم الاعتكاف ثلاثا لا ينافي وجوبه من جهة أخرى. وعن الثاني: بأن الممتنع إنما هو وقوع النافلة ممن في ذمته قضاء رمضان، لا مطلق الواجب. ولو أراد زوال الاشكال من أصله نوى بالاول الندب، وجعل ما في ذمته وسطا. على أنهما واجبان من باب المقدمة، فلا إشكال حينئذ من هذه الجهة. أقول: إذا فرض أنه لايشرع الاعتكاف أقل من ثلاثة، وأنه يجب قضاء اليوم الفائت، كان ذلك دالا على وجوب الضم، فيكون المنضم واجبا ولاوجه لكونه مندوبا، لاذاتا - لعدم مشروعية أقل من ثلاثة - ولا عرضا - كما هو واضح - ولا واجبا من باب المقدمة إذ لا مقدمية بين اليوم واليومين، فانها جميعا اعتكاف واحد، ولولا وجوب القضاء لكان مندوبا، لكن لوجوب القضاء صار الجميع واجبا واحدا نفسيا لا مقدميا. ومن ذلك تعرف الاشكال في كلمات الجماعة. فتأمل.

[ 566 ]

{ (مسألة 16): لو نذر اعتكاف خمسة أيام وجب أن يضم إليها سادسا (1)، سواء تابع، أو فرق بين الثلاثتين. (مسألة 17): لو نذر زمانا معينا شهرا أو غيره، وتركه نسيانا أو عصيانا أو اضطرارا، وجب قضاؤه (2). } (1) لما تقدم في الشرط الخامس. لكن عن الروضة: حكاية قول بعدم وجوب الضم فيما لو تابع بين الخمسة المنذورة، ونسب الى الشهيد في بعض تحقيقاته: الميل إليه. وعن المحقق القمي: تقريبه بأن الرواية الدالة على وجوب ضم السادس الى الرابع والخامس مختصة بالمندوب، فلا تشمل المنذور. وبأنه في المندوب قد تحقق الاعتكاف بالثلاثة الاول، ولم يثبت من الشرع ما يدل على اتصال اليومين به، فالرابع والخامس منفصلا عنه، فيكون اعتكافا آخر يجب بمضي اليومين، وأما في المنذور فالخمسة اعتكاف واحد، ولا انفصال بين الرابع والخامس، لان النذر جعلها فعلا واحدا متصلا. وفيه: أن الرواية وإن كانت مختصة بالمندوب - بقرينة الترخيص في الخروج - إلا أن المنذور ليس حقيقة أخرى غير المندوب، إذ النذر - كما عرفت - إنما تعلق بالمندوب، فحكم المنذور حكم المندوب لانه هو. ولو بني على الفرق بينهما أشكل حال المنذور في كثير من الاحكام ومنها: وجوب الثالث - لاختصاص دليله بالمندوب أيضا، فاللازم البناء على جواز نذر اعتكاف يومين لاأزيد، وهو كما ترى. ومن ذلك يظهر سقوط الفرق الذي ذكره ثانيا بين المنذور والمندوب، فان إطلاق الرواية ينفيه. فلاحظ. (2) قال في الشرائع: " إذا نذر اعتكاف شهر معين ولم يعلم به حتى خرج - كالمحبوس، والناسي - قضاه ". قال في الجواهر: بلا خلاف بل في المدارك: أنه مقطوع به في كلام الاصحاب ". واستدل له بعموم

[ 567 ]

{ ولو غمت الشهور فلم يتعين عنده ذلك المعين عمل بالظن، ومع عدمه يتخير بين موارد الاحتمال (1). (مسألة 18): يعتبر في الاعتكاف الواحد وحدة المسجد (2) فلا يجوز أن يجعله في مسجدين، سواء كانا متصلين (3) أو } قولهم (ع): " اقض ما فات كما فات " وقوله (ع): من فاتته فريضة فليقضها كما فاتته ". وبأنه مشتمل على الصوم الذي قد ثبت القضاء للواجب منه. وبأنه قد ثبت القضاء في الحائض والمريض وغيرهما مما اشتملت عليه النصوص والفتاوى، مع عدم القول بالفصل. لكن المرسلين غير ثابتين. ووجوب قضاء الصوم - لو سلم - لا يقتضي وجوب قضاء الاعتكاف. والنص الدال على القضاء في الحائض والمريض لا يدل على ما نحن فيه، وعدم القول بالفصل لا يدل على عدم الفصل. فالمسألة لا تخلو من إشكال لولا ظهور الاجماع، الذي تطمئن النفس بثبوت معقده. (1) كما عن الشهيد. لكنه غير ظاهر مع إمكان الاحتياط، لوجوبه عقلا حينئذ، ومع عدمه يسقط التكليف بالمرة، بناء على سقوط التكليف المعلوم بالاجمال بالاضطرار إلى مخالفته الاحتمالية. وبالجملة: ما ذكر مبني على تمامية مقدمات دليل الانسداد في خصوص المسألة، وإثباتها بنحو الكلية في نهاية المنع. (2) كما نص عليه في الجواهر. لان ظاهر قولهم (ع): " لااعتكاف إلا بصوم في مسجد الجامع أو مسجد جماعة " (* 1) ذلك، والحمل على الجنس خلاف الظاهر. (3) حكى في الجواهر عن بغية استاذه (ره): جواز التشريك بينهما.


(* 1) الظاهر أن هذا نقل بالمعنى للنصوص المتقدمة في الشرط السادس من شروط صحة الاعتكاف فراجع.

[ 568 ]

{ منفصلين. نعم لو كانا متصلين على وجه يعد مسجدا واحدا فلا مانع (1). (مسألة 19): لو اعتكف في مسجد، ثم اتفق مانع من اتمامه فيه - من خوف، أو هدم، أو نحو ذلك - بطل، ووجب استئنافه أو قضاؤه (2) إن كان واجبا في مسجد آخر (3) أو ذلك المسجد إذا ارتفع عنه المانع. وليس له البناء، سواء كان في مسجد آخر، أو في ذلك المسجد (4) بعد رفع المانع. (مسألة 20): سطح المسجد، وسردابه، ومحرابه منه (5)، } واستشكل فيه: بأن الاتصال غير مجد. بعد فرض ظهور الادلة في اعتبار الوحدة، المفروض عدم تحققها بذلك. وهو في محله. (1) لصدق الوحدة حينئذ، ويكون الحال كما لو وسع المسجد بوقف الارض المتصلة به، كما سيأتي. (2) قد عرفت الكلام في وجوب القضاء، ولاسيما مع انكشاف عدم الامر بالاداء. (3) احتمل في الجواهر: الاكتفاء بالاتمام بجامع آخر. وفيه: أنه مناف لاطلاق مادل على اعتبار الوحدة. (4) يمكن أن يستفاد مما تقدم - من جواز الخروج للحاجة - عدم قدح الخروج في صحة الاعتكاف، إذا لم يطل، ولم يك ماحيا للصورة. (5) مقتضى الاستصحاب عدم مسجدية ما يشك في كونه مسجدا. نعم قد يحكم على الاستصحاب المذكور ظاهر معتد به عند المتشرعة، فيكون بناؤهم على العمل به حجة على عدم حجيته، مثل بنائهم على مسجدية كل ما يكون داخلا في سور المسجد من فوقاني وتحتاني. وكما يحكم بمسجدية

[ 569 ]

{ ما لم يعلم خروجها. وكذا مضافاته إذا جعلت جزءا منه (1) كما لو وسع فيه. (مسألة 21): إذا عين موضعا خاصا من المسجد محلا لاعتكافه لم يتعين (2)، وكان قصده لغوا (3). (مسألة 22): قبر مسلم وهاني ليس جزءا من مسجد الكوفة على الظاهر (4). (مسألة 23): إذا شك في موضع من المسجد أنه جزء منه أو من مرافقه لم يجر عليه حكم المسجد (5). (مسألة 24): لابد من ثبوت كونه مسجدا أو جامعا بالعلم الوجداني، أو الشياع المفيد للعلم، أو البينة الشرعية. وفي كفاية خبر العدل الواحد إشكال (6). } ما ذكر يحكم بصحة الاعتكاف في مجموعه وإن انتقل المعتكف من موضع إلى آخر. وما عن الدروس: من تحقق الخروج من المسجد بالصعود على السطح، لعدم دخوله في مسماه واضح الضعف، كما في الجواهر. (1) لصدق الوحدة المعتبرة. (2) لعدم الدليل عليه، والاصل ينفيه. (3) ما لم يرجع إلى تقييد الامتثال. (4) لخروجهما عن سوره، والاصل عدم الالحاق. بل ظاهر اتخاذه قبرا عدمه. (5) لما تقدم: من الاستصحاب النافي لذلك. (6) لما تكرر: من عدم الدليل على حجيته في الموضوعات. وبناء العقلاء على حجية خبر الثقة مطلقا مردوع عنه بمثل رواية مسعدة بن صدقة

[ 570 ]

{ والظاهر كفاية حكم الحاكم الشرعي (1). (مسألة 25): لو اعتكف في مكان باعتقاد المسجدية أو الجامعية فبان الخلاف تبين البطلان. (مسألة 26): لا فرق في وجوب كون الاعتكاف في المسجد الجامع بين الرجل والمرأة (2)، فليس لها الاعتكاف في المكان الذي أعدته للصلاة في بيتها، بل ولا في مسجد القبيلة ونحوها. (مسألة 27): الاقوى صحة اعتكاف الصبي المميز، فلا يشترط فيه البلوغ (3). } بناء على تمامية عمومها في حجية البينة، كما أشرنا إليه في أوائل الكتاب (* 1). (1) إذا صح منه الحكم. لكن في كون جامعية المسجد، أو كونه مسجد الجماعة من موارد حكم الحاكم تأمل ظاهر. إلا أن يكون موردا للنزاع في الملكية والمسجدية بين المتخاصمين. (2) بلا خلاف أجده بيننا، بل يمكن تحصيل الاجماع عليه - كما ادعاه في الحدائق - كذا في الجواهر. لاطلاق أكثر النصوص. وللتصريح في بعضها: بأن المرأة مثل ذلك. مضافا إلى قاعدة الاشتراك. ومن ذلك يظهر صحة ما بعده. (3) قد أشرنا مكررا: إلى أن إطلاق أدلة المشروعية يقتضي عدم الفرق بين البالغ وغيره. وحديث: " رفع القلم عن الصبي " (* 2) لا يصلح لرفع المشروعية، بل يختص برفع الالزام، جمعا عرفيا بين دليل الرفع ودليل المرفوع.


(* 1) راجع المسألة: 6 من فصل ماء البئر من الجزء الاول من هذا الشرح. (* 2) الوسائل باب: 56 من أبواب جهاد النفس.

[ 571 ]

{ (مسألة 28): لو اعتكف العبد بدون إذن المولى بطل (1). ولو أعتق في أثنائه لم يجب عليه إتمامه (2). ولو شرع فيه باذن المولى ثم أعتق في الاثناء، فان كان في اليوم الاول أو الثاني لم يجب عليه الاتمام (3). إلا أن يكون من الاعتكاف الواجب. وإن كان بعد تمام اليومين وجب عليه الثالث. وإن كان بعد تمام الخمسة وجب السادس. (مسألة 29): إذا أذن المولى لعبده في الاعتكاف جاز له الرجوع (4) عن إذنه، ما لم يمض يومان. وليس له الرجوع بعدهما، لوجوب إتمامه حينئذ. وكذا لا يجوز له الرجوع إذا كان الاعتكاف واجبا بعد الشروع فيه من العبد (5). } (1) تقدم الكلام في ذلك. (2) لبطلانه من رأس. وما عن الشيخ (ره) من وجوب الاتمام غريب، كما في الجواهر. ولعل مراده الصورة الآتية. (3) الحكم في جميع الصور المذكورة مقتضى إطلاق الادلة، المحكمة بعد انتفاء المانع. وكذا الحال في الفرع الذي بعده. (4) لقاعدة السلطنة. نعم لو قلنا بوجوب الاتمام بمجرد الشروع - كما تقدم نقله عن جماعة - كان الحال فيه هو الحال في الرجوع بعد اليومين، من عدم وجوب إطاعة العبد لسيده في ترك الواجب أو فعل الحرام. كما أنه لو قلنا بعدم وجوب الاتمام مطلقا كان له الرجوع مطلقا، وتجب إطاعته على العبد مطلقا. وقد يقال: بأن اعتكافه تصرف في ملك المولى، فاتمامه بعد رجوع المولى تصرف حرام، فيبطل بنفسه وليس المقام من باب التزاحم بين إطاعة الله تعالى وإطاعة المولى. (5) كما لو نذر إتمامه. أما لو كان الاعتكاف واجبا بنذر أو شبهه،

[ 572 ]

{ مسألة 30): يجوز للمعتكف الخروج من المسجد لاقامة الشهادة، أو لحضور الجماعة، أو لتشييع الجنازة، وإن لم يتعين عليه هذه الامور (1). وكذا في سائر الضرورات العرفية، أو الشرعية، الواجبة، أو الراجحة. سواء كانت متعلقة بأمور الدنيا، أو الآخرة، مما يرجع مصلحته إلى نفسه أو غيره. ولايجوز الخروج اختيارا بدون أمثال هذه المذكورات. (مسألة 31): لو أجنب في المسجد، ولم يمكن الاغتسال فيه وجب عليه الخروج (2)، } ففى جواز الرجوع وعدمه وجهان، مبنيان على عدم وجوب إتمام الواجب بالشروع فيه، ووجوبه. وفي الشرائع جزم بعدم جواز الرجوع في الاذن بمجرد الشروع في الواجب. وكأنه لبنائه على وجوب إتمامه. لكنه غير ظاهر. وقوله تعالى: (ولا تبطلوا أعمالكم...) (* 1) غير ظاهر فيما نحن فيه. (1) قد تقدم في الشرط الثامن: الاشكال في ذلك، وأنه لادليل ظاهر على جواز الخروج لمطلق الحاجة، بل لابد من كونها لازمة له شرعا أو عقلا، أو عادة. نعم إطلاق صحيح الحلبي وغيره جواز الخروج للجنازة وعيادة المريض (* 2) يقتضي جوازهما ولو مع عدم التعين. (2) قد عرفت: أن حرمة لبث الجنب في المسجد يقتضي وجوب الخروج وإن أمكن الاغتسال في المسجد. نعم لو لم يستلزم الاغتسال اللبث المحرم فلا مانع من جوازه، بل يشكل جواز الخروج حينئذ، لعدم الحاجة اللازمة.


(* 1) محمد: 33. (* 2) تقدم ذلك في الشرط الثامن من شروط صحة الاعتكاف.

[ 573 ]

{ ولو لم يخرج بطل اعتكافه، لحرمة لبثه فيه (1). } (1) هذا يتم لو لم تكن الجنابة فيما قبل آخر اليوم الثالث بمقدار الخروج والاغتسال، إذ في هذه الصورة ينتهي الاعتكاف بحدوث الجنابة، ويكون اللبث بعدها خارجا عنه، لان وجوب الخروج حين الجنابة للاغتسال مانع من جزئية اللبث من الاعتكاف، فلا تقدح حرمته في صحة الاعتكاف. ومثله: مالو كان زمان اللبث بعد الجنابة والخروج بعده للاغتسال مساويا لزمان الخروج من حين الجنابة والاغتسال، كما لو كان الماء حين الجنابة بعيدا عن المسجد، بحيث يكون زمان الخروج والاغتسال مقدار ساعة، فلبث مقدار نصف ساعة، فجاء الماء إلى باب المسجد، فخرج واغتسل، وكان زمان اللبث والغسل مساويا لزمان الخروج من حين الجنابة والاغتسال، فان اللبث في الفرض المذكور حرام، لكنه لما لم يكن جزءا من الاعتكاف لم تقدح حرمته في صحته. نعم إذا كان اللبث جزءا من الاعتكاف وكان حراما بطل الاعتكاف. هذا ويمكن أن يستشكل في البطلان - حتى في غير الصورتين المذكورتين -: بأن وجوب الخروج للاغتسال إذا كان موجبا لعدم جزئية اللبث، فلذلك لا تقدح حرمته في صحة الاعتكاف، لم يفرق في ذلك بين الآن الاول بعد الجنابة ومابعده من الآنات، فكلما مكث كان مكثه حراما، وحرمته غير قادحة في صحة الاعتكاف، لخروجه عن الجزئية بتوسط وجوب الخروج، ولا تختص الصحة بالفرضين المذكورين. وفيه: أن الجنابة إنما تقتضي الخروج عن المسجد بمقدار الاغتسال، لا أزيد فالكون في المسجد المساوي لذلك المقدار لا يكون جزءا من الاعتكاف، أما ما زاد على ذلك المقدار فهو جزء منه. وحينئذ فإذا بقي لابثا في المسجد عامدا، فان خرج بعد ذلك للاغتسال

[ 574 ]

{ (مسألة 32): إذا غصب مكانا من المسجد سبق إليه غيره - بأن أزاله وجلس فيه - فالاقوى بطلان اعتكافه (1). } لزم فوات ذلك الجزء، وإن كان واجبا من جهة حرمة لبث الجنب في المسجد. وإن بقي لم يمكن أن يتقرب بلبثه، لانه حرام. فتأمل جيدا. (1) لانه غصب، كما يستفاد من مرسل محمد بن اسماعيل عن أبي عبد الله (ع): " قلت له: نكون بمكة، أو بالمدينة، أو الحيرة، أو المواضع التي يرجى فيها الفضل، فربما خرج الرجل يتوضأ، فيجئ آخر فيصير مكانه. قال (ع): من سبق إلى موضع فهو أحق به يومه وليلته " (* 1) وخبر طلحة بن زيد: " قال أمير المؤمنين (ع): سوق المسلمين كمسجدهم فمن سبق إلى مكان فهو أحق به إلى الليل " (* 2). ويمكن أن يستشكل فيه أولا: من جهة ضعف الاول بالارسال، والثاني بطلحة. وثانيا: بأن الظاهر من الاحقية في المقام - بقرينة صيغة التفضيل - مجرد الاولوية، لا خصوصية في المكان، كما في سائر موارد الحقوق، بحيث يكون السابق يملك التصرف فيما سبق إليه، والمزاحم له فيه غاصب له في ذلك. وثالثا: بأن الاعتكاف عبارة عن مجرد الكون في المسجد ولو بلا قرار، فلا يتحد مع القرار، كي يحرم بحرمته، وغصب المكان إنما يحرم القرار لاغير. اللهم إلا أن يدفع الاخير: بأن الاحقية على تقدير ثبوتها تقتضي لمنع عن التصرف في الفضاء الذي ينتفع فيه السابق، لانه موضوع للسبق، كالارض، فيكون الكون الخارجي من اللاحق حراما، ولا يختص بالارض. ويدفع ما قبله: بأن التفضيل يستعمل كثيرا مع عدم الاشتراك في المبدأ.


(* 1) الوسائل باب: 56 من ابواب أحكام المساجد حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 56 من ابواب أحكام المساجد حديث: 2.

[ 575 ]

مع أن التحريم لا يتوقف على القول بثبوت إضافة الملكية أو الحقية، بل يكفي فيه تخصيص الرخصة بالسابق دون اللاحق. ودلالة الكلام على هذا المقدار ظاهرة، ومنعها مكابرة، والحمل على الاولوية الاستحبابية محتاج الى قرينة صارفة. ويدفع الاول: بأن الارسال قد لايمنع من الحجية إذا كان المرسل من الاعيان، مثل محمد بن اسماعيل الظاهر في ابن بزيع، والراوي عنه أحمد بن محمد الظاهر في ابن عيسى، وكون الرواية في الكافي. وطلحة قيل: إن كتابه معتمد، والراوي عنه جماعة من الاعيان منهم ابن عيسى. ولعل هذا المقدار كاف في إدخال الروايتين تحت خبر الثقة، وإن كان لا يخلو من نظر. نعم قد يوهنهما: عدم العمل بالتحديد المذكور فيهما. وعدم ظهور القول باطلاقهما من حيث وجود الرحل وعدمه، بل إطلاق الثاني من حيث نية العود وعدمها. قال في الجواهر: " لا خلاف ولا إشكال في سقوط الحق لو قام مفارقا رافعا يده عنه ". وقال فيها أيضا: " لا خلاف في سقوط حقه مع عدم الرحل وإن نوى العود وكان قيامه لضرورة، من تجديد طهارة ونحوه ". نعم حكى بعد ذلك عن التذكرة القول بثبوته. أما إذا كان القيام لغير ضرورة فلا ريب ولا خلاف في سقوط حقه، كما في الجوهر. وبالجملة: مراجعة كلماتهم في كتاب إحياء الموات تقتضي البناء على وهن الحديثين لو جمعا شرائط الحجية في أنفسهما. فراجع. نعم لا خلاف ولا إشكال في أن من سبق إلى مكان من المسجد فهو أحق به مادام جالسا. إلا أن كون معنى الاحقية ثبوت حق له في المكان بحيث يكون التصرف فيه غصبا للمكان لو كان رفعه عنه ظلما غير ظاهر. فتأمل جيدا.

[ 576 ]

{ وكذا إذا جلس على فراش مغصوب (1). بل الاحوط الاجتناب عن الجلوس على أرض المسجد المفروش بتراب مغصوب أو آجر مغصوب (2) على وجه لا يمكن إزالته (3). وإن توقف على الخروج خرج على الاحوط. وأما إذا كان لابسا لثوب مغصوب أو حاملا له، فالظاهر عدم البطلان (4). (مسألة 33): إذا جلس على المغصوب ناسيا، أو جاهلا، أو مكرها، أو مضطرا لم يبطل اعتكافه (5). } (1) قد عرفت فيما سبق الاشكال في هذا أيضا، وأن التصرف بالفراش بمسه برجله وغيرها من أعضائه - لا يتحد مع الكون الاعتكافي، وليس ذلك إلا كالتصرف فيه بمسه بيده، مما لا مجال لتوهم قدحه في صحة الاعتكاف. (2) حكى في الجواهر عن بعض مشايخه: الجزم بالجواز في الفرض واختاره هو في النجاة. وعلل: بأن المنع تعطيل للمسجد، ومنع للمسلين عن حقهم، وهو ضرر منفي. وفيه - مع إمكان منع كون ذلك ضررا -: أن التصرف بغير إذن المالك ضرر أيضا، فعموم حرمة التصرف بغير إذن المالك محكم. نعم إذا كان معدودا تالفا عرفا كان مضمونا على الغاصب، وجاز التصرف فيه باذن الغاصب، بناء على كون الضمان بالتلف موجبا لانتقال الملك إلى الضامن - كما لعله ظاهر - كما قربناه في (نهج الفقاهة). (3) ولو كان بحيث تمكن إزالته لحقه حكم الفراش المغصوب. (4) لما عرفت من عدم اتحاده مع الكون الاعتكافي. لكن الفرق بينه وبين الجلوس على الفراش المغصوب خفي، لاتحادهما في كون المحرم شأنا من شؤون الكون. فلاحظ. (5) للعذر المانع من مبعدية النهي المانع من صحة التقرب. هذا بناء

[ 577 ]

{ (مسألة 34): إذا وجب عليه الخروج لاداء دين واجب الاداء عليه، أو الاتيان واجب آخر متوقف على الخروج ولم يخرج أثم، ولكن لا يبطل اعتكافه على الاقوى (1). (مسألة 35): إذا خرج عن المسجد لضرورة فالاحوط مراعاة أقرب الطرق (2). ويجب عدم المكث إلا بمقدار الحاجة والضرورة. ويجب أيضا أن لا يجلس تحت الظلال (3) } على البطلان إذا وقع عمدا وإلا فلا مجال لما ذكر. (1) من كون الامر بالشئ لا يقتضي النهي عن ضده الخاص. (2) بل عن الاصحاب: وجوب ذلك. وكأنه لوجوب الاقتصار على مقدار الضرورة، فان الضرورات تقدر بقدرها. لكن في النجاة جعله مما ينبغي. وكأنه لاطلاق مادل على جواز الخروج للحاجة. وفيه: أن إطلاقه ممنوع، لان الخروج عبارة عن الكون في خارج المسجد، ومع سلوك أبعد الطريقين يكون الخروج الزائد ليس للحاجة. نعم إذا كان التفاوت يسيرا، بحيث لا يلتفت إليه غالبا، فلا يعد سلوكه عبثا، لم يبعد جواز سلوكه، لعدم التنبيه في النصوص عليه، الظاهر في عدم قدحه. ومثله في الجواز: المشي العادي، فلا يجب الركض والاسراع لعين ما ذكر أيضا، وإن كان لا يجوز التواني في المشي جدا، بحيث يخرج عن المتعارف، لانه خارج عن مقتضى الضرورة. كما هو الوجه في قوله (ره): " ويجب عدم... ". (3) بلا خلاف أجده، بل يمكن تحصيل الاجماع عليه - كذا في الجواهر - ويشهد له ما في صحيح داود بن سرحان: " ولا تقعد تحت ضلال حتى تعود إلى مجلسك " (* 1)


(* 1) الوسائل باب: 7 من ابواب الاعتكاف حديث: 3.

[ 578 ]

{ مع الامكان (1). بل الاحوط أن لا يمشي تحته أيضا (2). بل الاحوط عدم الجلوس مطلقا (3) إلا مع الضرورة. (مسألة 36): لو خرج لضرورة وطال خروجه، بحيث انمحت صورة الاعتكاف بطل (4). (مسألة 37): لافرق في اللبث في المسجد بين أنواع الكون (5)، من القيام، والجلوس، والنوم، والمشي، ونحو ذلك، فاللازم الكون فيه بأي نحو ماكان. } (1) كأنه لانصراف دليل المنع إليه. (2) كما عن جماعة، منهم الشيخ. ودليله غير ظاهر. وما في الوسائل: من أنه قد تقدم ما يدل على عدم جواز الجلوس والمرور تحت الظلال للمعتكف لم نقف على المراد منه. ولعله أراد الصحيح المتقدم في الجلوس، بناء منه على إلغاء خصوصية الجلوس. وما عن الانتصار: من دعوى الاجماع على أن المعتكف لا يستظل بسقف، لا يمكن الاعتماد عليه. فالبناء على عدم المنع متعين. (3) كما عن كثير. لما في صحيحي الحلبي وداود من النهي عنه (* 1). لكن لا يبعد أن يكون المراد منه النهي عن الجلوس الزائد على مقدار الحاجة وهو غير ما نحن فيه. (4) كما نص عليه غير واحد. لفوات الشرط، أعني: الصورة. وما دل على الرخصة في الحاجة لا يقتضي الصحة، لانه أعم، ونظره ليس إلا إلى عدم قدح الخروج في الجملة من حيث كونه خروجا، لامن حيث فوات الصورة التي هي قوام العمل (5) للاطلاق.


(* 1) الوسائل باب: 7 من ابواب الاعتكاف حديث: 2، 1.

[ 579 ]

{ (مسألة 38): إذا طلقت المرأة المعتكفة في أثناء اعتكافها طلاقا رجعيا، وجب عليها الخروج إلى منزلها للاعتداد (1)، وبطل اعتكافها. ويجب استئنافه إن كان واجبا موسعا بعد الخروج من العدة. وأما إذا كان واجبا معينا فلا } (1) على المشهور، بل عن التذكرة: نسبته الى علمائنا أجمع. لحرمة الخروج عن البيت على المعتدة، وقد عرفت أن الخروج من المكان عبارة عن اللبث في غيره، فإذا حرم لبثها في المسجد - لانه خروج عن البيت - امتنع عليها التعبد به بعنوان الاعتكاف، كما سبق في الشرط السابع. لكن عن الدروس والمسالك: وجوب الاعتداد عليها في المسجد لو كان الاعتكاف واجبا معينا. وهو ظاهر بناء على أن عدم الخروج من البيت من حقوق الزوج - كما في غير المطلقة - كما هو مذهب جماعة من القدماء والمتأخرين. ويشهد له من النصوص: كما تضمن أنها لا تخرج إلا باذن زوجها (* 1) إذ عليه تكون المعتدة كالزوجة، وقد عرفت أن الزوجة إذا اعتكفت باذن زوجها لم يكن له المنع في اليوم الثالث، فلو منع لم تجب إطاعته، ووجب إتمام الاعتكاف في المسجد. أما إذا كان من أحكام الاعتداد فقد يشكل الحال، إذ كما أنه يجب على المطلقة الاعتداد في البيت ويجوز لها الخروج للواجب، كذلك يجب على المعتكف اللبث في المسجد ويجوز له الخروج للواجب، وتقديم أحدهما على الآخر محتاج إلى وجه ظاهر. اللهم إلا أن يقال، إن المقام ليس من باب خروج المعتكف للحاجة بل هو من رفع اليد عن الاعتكاف بالمرة. ولاجل أن رفع اليد عن الواجب لا يجوز إلا مع مزاحمته بواجب أهم أو مساو، وخروج المعتدة لاداء الواجب


(* 1) راجع الوسائل باب: 23 من ابواب العدد.

[ 580 ]

{ يبعد التخيير بين إتمامه ثم الخروج وإبطاله، والخروج فورا، لتزاحم الواجبين (1)، ولا أهمية معلومة في البين. وأما إذا طلقت بائنا فلا إشكال، لعدم وجوب كونها في منزلها في أيام العدة. (مسألة 39): قد عرفت أن الاعتكاف إما واجب } المعين ليس من باب التزاحم، بل من باب عدم المقتضي، فانه يجوز خروجها لمطلق الواجب المعين، وإن لم يكن أهم أو مساويا - كما ذكروا - فحينئذ يكون وجوب اللبث في المسجد رافعا لاقتضاء وجوب اللبث في المنزل، وهذا الوجوب - لو تم - كان مزاحما لوجوب اللبث في المسجد، لارافعا له. ومع تعارض المقتضي واللا مقتضي يكون الاول مقدما. نعم لو كان الاعتداد غير مناف لاصل الاعتكاف - كما لو كان قبل الآخر بقليل، فيكون من قبيل الحاجة التي يخرج إليها المعتكف وجواز خروجه لعدم المقتضي، نظير خروج المعتدة للواجب - يكون المقام من التعارض، وبعد تساقط الدليلين يرجع إلى استصحاب عدم جواز الخروج الثابت للمعتكفة قبل الطلاق. هذا كله مع غض النظر عن إجماع التذكرة، الذي يظهر من الجواهر وجوب الاعتماد عليه. لكنه غير ظاهر، لعدم تعرض الاكثر للفرض المذكور. فلاحظ. (1) قد تقدمت الاشارة: إلى أن خروج المعتدة للواجب ليس من باب التزاحم، حيث أطلقوا جوازه من دون تقييد بكونه أهم أو مساويا ومثله: خروج المعتكف للحاجة الواجبة. نعم رفع اليد عن الاعتكاف وقطعه بتاتا لاداء واجب من باب التزاحم. فلاحظ كلماتهم، وتأمل.

[ 581 ]

{ معين، أو واجب موسع، وإما مندوب (1). فالاول يجب بمجرد الشروع - بل قبله - ولايجوز الرجوع عنه. وأما الاخيران فالاقوى فيهما جواز الرجوع قبل إكمال اليومين. وأما بعده فيجب اليوم الثالث. لكن الاحوط فيهما أيضا وجوب الاتمام بالشروع. خصوصا الاول منهما. (مسألة 40): يجوز له أن يشترط حين النية الرجوع متى شاء (2)، } (1) قد تقدم الكلام في هذه المسألة في المسألة الخامسة. فراجع. (2) بلا خلاف فيه في الجملة، بل عن المنتهى: الاجماع عليه. ويشهد له جملة وافرة من النصوص، مثل ما رواه أبو بصير: " وينبغي للمعتكف إذا اعتكف أن يشترط كما يشترط الذي يحرم " (* 1)، وموثق عمر ابن يزيد: " واشترط على ربك في اعتكافك - كما تشترط في إحرامك - أن يحلك من اعتكافك عند عارض إن عرض لك، من علة تنزل بك من أمر الله تعالى " (* 2) وصحيح أبي ولاد: " عن امرأة كان زوجها غائبا، فقدم وهي معتكفة باذن زوجها، فخرجت حين بلغها قدومه من المسجد الى بيتها، فتهيأت لزوجها حتى واقعها. فقال (ع): إن كانت خرجت من المسجد قبل أن تنقضي ثلاثة أيام، ولم تكن اشترطت في اعتكافها، فان عليها ما على المظاهر " (* 3)، وصحيح محمد بن مسلم: " إذا اعتكف الرجل يوما ولم يكن اشترط فله أن يخرج ويفسخ الاعتكاف. وإن أقام يومين ولم يكن اشترط فليس له أن يفسخ اعتكافه حتى تمضي ثلاثة أيام " (* 4).


(* 1) الوسائل باب: 9 من ابواب الاعتكاف حديث: 11. (* 2) الوسائل باب: 9 من ابواب الاعتكاف حديث: 2. (* 3) الوسائل باب: 6 من أبواب الاعتكاف حديث: 6. (* 4) الوسائل باب: 4 من أبواب الاعتكاف حديث: 1.

[ 582 ]

{ حتى في اليوم الثالث (1)، سواء علق الرجوع على عروض عارض أولا. بل يشترط الرجوع متى شاء حتى بلا سبب عارض (2) ولايجوز له اشتراط جواز المنافيات (3) - كالجماع ونحوه - مع بقاء الاعتكاف على حاله. ولا يعتبر أن يكون الشرط المذكور حال النية (4)، فلا اعتبار بالشرط قبلها، أو بعد الشروع } (1) على المشهور، كما يقتضيه مفهوم صحيح ابن مسلم، وإطلاق غيره. وعن المبسوط: المنع عنه في الثالث. وكأنه لاطلاق مادل على المنع عن الخروج في الثالث. لكنه مقيد بما عرفت. (2) كما نسب إلى الظاهر الاكثر. لكن عن جماعة: التخصيص بالعذر لروايتي أبي بصير وعمر بن يزيد. وفيه - مع أنه مخالف لصحيح أبي ولاد فان حضور الزوج ليس عذرا قطعا، ولاسيما مع التصريح فيه بوجوب الكفارة للفسخ معه بلا شرط. وموجب لالغاء فائدة الشرط، وهو خلاف ظاهر النصوص -: أنه مخالف لاطلاق صحيح ابن مسلم. ولا مجال لحمل المطلق على المقيد في المقام، لعدم التنافي بينهما. بل لعل الصحيح المذكور كالنص في غير العارض، للمقابلة فيه بين اليومين الاولين والثالث، إذ لو كان المراد منه خصوص صورة العذر لم يكن فرق بينهما، فالتقابل بينهما إنما هو في جواز الفسخ في اليومين الاولين بلا عذر، وعدم جوازه في الثالث كذلك. ولاجل أن المفهوم تابع للمنطوق يختص مفهومه أيضا بصورة عدم العذر، كما لعله ظاهر بالتأمل. ومن ذلك يظهر ضعف احتمال التخصيص بالعارض ولو لم يكن عذرا شرعا. فلاحظ. (3) كما صرح به غير واحد. لاصالة عدم نفوذ الشرط، وعدم ترتب أثره عليه، والنصوص المتقدمة مختصة بما سبق. (4) كما نص عليه غير واحد. وهو الذي يقتضيه منصرف النصوص

[ 583 ]

{ فيه وإن كان قبل الدخول في اليوم الثالث. ولو شرط حين النية ثم بعد ذلك أسقط حكم شرطه فالظاهر عدم سقوطه (1). وإن كان الاحوط ترتيب آثار السقوط، من الاتمام بعد إكمال اليومين. (مسألة 41): كما يجوز اشتراط الرجوع في الاعتكاف حين عقد نيته كذلك يجوز اشتراطه في نذره (2)، كأن يقول: } وما دل على أن وقته النية في الاحرام، مثل خبر الكناني: " يقول حين يريد أن يحرم: أن حلني حيث حبستني " (* 1) - ونحوه غيره - بضميمة مادل في المقام على أنه كما يشترط في الاحرام. وما عن الاردبيلي (ره): من احتمال أن وقته عند نية اليوم الثالث غير ظاهر. (1) لعدم الدليل على أنه من الحقوق القابلة للاسقاط. ومنه يظهر ما في الجواهر: من السقوط به، وفي النجاة جعله وجها موافقا للاحتياط. (2) على المشهور، بل قيل: لا خلاف فيه ظاهر، وعن التنقيح والمستند: الاجماع عليه. ووجهه غير ظاهر، كما أشار إليه في محكي المدارك والحدائق. وعوى: أنه لا حاجة الى دليل خاص يدل على المشروعية في النذر بل يكفي فيها ثبوته في الاعتكاف. فيها: أنها تتم لو كان المراد من الشرط في النذر تقييد الاعتكاف المنذور بالمشروط، لانه إذا كان الاعتكاف المشروع على نحوين: مطلق، ومشروط، جاز نذر كل واحد منهما، فيصح نذر الاعتكاف المشروط، كما يصح نذر الاعتكاف المطلق، فإذا جاء الاعتكاف بقصد الوفاء بالنذر، فقد قصد الاعتكاف المشروط، ومرجع ذلك إلى الاشتراط في الاعتكاف أيضا. لكن الظاهر من كلماتهم إرادة إيقاع الشرط وإنشائه في ضمن النذر، كسائر الشروط التي تكون في ضمن العقد أو الايقاع. وحينئذ فالاشكال عليه ظاهر، إذ المنذور إن كان هو


(* 1) الوسائل باب: 22 من أبواب الاحرام حديث: 1.

[ 584 ]

{ " لله علي أن أعتكف، بشرط أن يكون لي الرجوع عند عروض كذا، أو مطلقا ". وحينئذ فيجوز له الرجوع وإن لم يشترط حين الشروع في الاعتكاف، فيكفي الاشتراط حال النذر في جواز الرجوع، لكن الاحوط ذكر الشرط حال الشروع أيضا. ولافرق في كون النذر اعتكاف أيام معينة، أوغير معينة متتابعة أو غير متتابعة، فيجوز الرجوع في الجميع مع الشرط المذكور في النذر. ولا يجب القضاء بعد الرجوع مع التعيين (1) } الاعتكاف غير المشروط - كما هو الظاهر - فهو مما يمتنع فسخه، فشرط أن له الفسخ شرط أمر ممتنع، وإن كان هو المشروط فالشرط المذكور لغو. وإن شئت قلت: الشرط في النذر لادليل على صحته، فهو لغو. إلا أن يرجع إلى تقييد الاعتكاف المنذور بالمشروط، فيكون حاله حال سائر القيود، كما لو قال: " لله علي أن أعتكف اعتكافا مشروطا ". وليست صحته حينئذ من حيث كونه إيقاعا في ضمن إيقاع، بل من حيث كونه تقييدا للمنذور. مضافا إلى أن دعوى الاكتفاء بالشرط في النذر عن الشرط في الاعتكاف غير ظاهرة، فانه لابد في جواز الرجوع عن الاعتكاف من الشرط فيه، غاية الامر أنه يكفي الشرط الاجمالي، ولو الحاصل بقصد الوفاء بنذر المشروط، كما سبق. (1) بلا خلاف ظاهر - كما قيل - وعن التنقيح: الاجماع عليه. إذ ليس في الرجوع مخالفة للنذر، ليتحقق صدق الفوت، الذي هو موضوع وجوب القضاء. ودعوى: أن الاعتكاف الناقص ليس براجح ولا مشروع فلا يتعلق به النذر. فيها: أن ذلك خلاف فرض صحة النذر، وخلاف مادل على مشروعية الاعتكاف المشروط، فانه ظاهر في أنه راجح ومشروع ولو فسخ بعد ذلك. مع أنه لو سلم بطلان النذر فلا موجب للقضاء.

[ 585 ]

{ ولا الاستئناف مع الاطلاق (1). (مسألة 42): لا يصح أن يشترط في اعتكاف أن يكون له الرجوع في اعتكاف آخر له غير الذي ذكر الشرط فيه (2). وكذا لا يصح أن يشترط في اعتكافه جواز فسخ اعتكاف شخص آخر من ولده، أو عبده، أو أجنبي. (مسألة 43): لا يجوز التعليق في الاعتكاف، فلو علقه بطل (3). إلا إذا علقه على شرط معلوم الحصول حين النية، فانه في الحقيقة لا يكون من التعليق. } (1) كما هو المشهور. لعين ما سبق من كونه وفاء بالنذر وإتيانا ببعض أفراد المنذور، فلا موجب للاستئناف. وما عن المعتبر والمنتهى والتذكرة وغيرها: من وجوب الاستئناف، غير ظاهر. (2) لعدم الدليل على ترتب الاثر عليه، والاصل عدمه. وعموم: " المسلمون عند شروطهم " (* 1) إنما يدل على نفوذ شرط المؤمن على نفسه لغيره، ولا يرتبط بما نحن فيه من الشرط على الله سبحانه. فاحتمال الصحة، للعموم المذكور - كما في الجواهر - ضعيف جدا. ومثله الكلام فيما بعده. (3) كما نص عليه في الجواهر، مرسلا له إرسال المسلمات. ودليله غير ظاهر. ودعوى: منافاته لحصول النية المعتبرة في العبادات ممنوعة، فان الامتثال الرجائي نوع من الامتثال، كالامتثال الجزمي. وقياس المقام على العقود والايقاعات التي يبطلها التعليق في غير محله، لانه مع الفارق، وهو الاجماع المنعقد هناك، الذي لاجله قيل ببطلان الانشاء المعلق إلا في بعض المورد، ولولاه كان القول بالصحة كليا صحيحا لا غبار عليه.


(* 1) الوسائل باب: 6 من ابواب الخيار.

[ 586 ]

{ فصل في أحكام الاعتكاف يحرم على المعتكف أمور: أحدها: مباشرة النساء، بالجماع في القبل أو الدبر (1) وباللمس والتقبيل (2) } فصل في أحكام الاعتكاف (1) كما نسب إلى الاصحاب، أو قطعهم، وظاهر غير واحد الاتفاق عليه، وفي الجواهر: الاجماع بقسميه عليه. ويشهد له كثير من النصوص كموثق سماعة: " عن معتكف واقع أهله. فقال (ع): هو بمنزلة من أفطر يوما من شهر رمضان " (* 1)، وموثق ابن الجهم: " عن المعتكف يأتي أهله. فقال (ع): لا يأتي امرأته ليلا ولا نهارا وهو معتكف " (* 2)، ونحوهما غيرهما. نعم في صحيح الحلبي عن أبي عبد الله (ع): " قال كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا كان العشر الاواخر اعتكف في المسجد، وضربت له قبة من شعر، وشمر المئزر، وطوى فراشه. وقال بعضهم: واعتزل النساء، فقال أبو عبد الله (ع): أما اعتزال النساء فلا " (* 3) لكن يجب حمله على ما لا ينافي ما سبق، بأن يراد اعتزال مجالستهن ومخالطتهن ونحو ذلك. (2) كما هو المشهور، وعن المدارك: أنه مما قطع به الاصحاب.


(* 1) الوسائل باب: 6 من ابواب الاعتكاف حديث: 2. (* 2) الوسائل باب: 5 من أبواب الاعتكاف حديث: 1. (* 3) الوسائل باب: 5 من أبواب الاعتكاف حديث: 2.

[ 587 ]

{ بشهوة (1). ولا فرق في ذلك بين الرجل والمرأة (2)، فيحرم على المعتكفة أيضا: الجماع، واللمس والتقبيل بشهوة. والاقوى عدم حرمة النظر بشهوة إلى من يجوز النظر إليه (3) وإن كان الاحوط اجتنابه أيضا. الثاني: الاستمناء على الاحوط (4)، وإن كان على الوجه الحلال، كالنظر إلى حليلته الموجب له. } ودليله غير ظاهر. وقوله تعالى: (ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد... " (* 1) لو سلم إرادة الاعتكاف الشرعي منه، فالظاهر من المباشرة فيه الجماع. مع أن الحمل على مطلق المباشرة بالمعنى اللغوي غير ممكن. والبناء على إطلاقه وتقييده بما ذكر بالاجماع ليس أولى من حمله على خصوص الجماع. وكأنه لذلك كان ظاهر التهذيب جواز ما عدا الجماع. (1) أما مع عدمها فعن المنتهى: أنه لا يعرف الخلاف في الجواز. (2) بلا خلاف ظاهر. والعمدة فيه: قاعدة الاشتراك. وأما صحيح أبي ولاد - المتقدم في المسألة الاربعين - (* 2) فالظاهر منه كون الكفارة للخروج السابق على الوطء. ومثله في قصور الدلالة: ما في صحيحي الحلبي وابن سرحان - الواردين في جواز الخروج للحاجة أو غيرها - من قوله (ع): " والمرأة مثل ذلك " (* 3)، فان الظاهر من اسم الاشارة خصوص الاحكام المذكورة. (3) للاصل. خلافا عن ابن الجنيد والمختلف، من القول بالحرمة. ودليله غير ظاهر. (4) لما عن الخلاف من الاجماع على حرمته فيه. لكن دليله غير


(* 1) البقرة: 187. (* 2) من كتاب الاعتكاف. (* 3) الوسائل باب: 7 من أبواب الاعتكاف حديث: 2، 1.

[ 588 ]

{ الثالث: شم الطيب مع التلذذ (1)، وكذا الريحان. وأما مع عدم التلذذ - كما إذا كان فاقدا لحاسة الشم مثلا - فلا بأس به (2). الرابع: البيع والشراء (3)، } ظاهر، إذ لانص عليه بالخصوص. وأولويته من اللمس والتقبيل بشهوة غير قطعية. مع أنك عرفت الاشكال فيهما. ومجرد خروجه بالجنابة عن قابلية اللبث في المسجد، لحرمة لبث الجنب فيه، غير كاف في حرمته من جهة الاعتكاف، فان ذلك من قبيل شرب المسهل أو المدر الموجب للخروج عن المسجد للبول والغائط. اللهم إلا أن يلتزم بحرمة مثل ذلك في الاعتكاف أيضا، فيلتزم ببطلان الاعتكاف بالتسبيب إلى ما يوجب الخروج عن المسجد. لكن يرده إطلاق مادل على جواز الخروج للحاجة التي لابد منها، فانه شامل للحاجة ولو بالاختيار والتسبيب. فلاحظ. (1) كما عن الاكثر، والاشهر، بل في الجواهر: أنه المشهور، بل عن الخلاف: الاجماع عليه. لصحيح أبي عبيدة: " المعتكف لا يشم الطيب، ولا يتلذذ بالريحان، ولا يماري، ولا يشتري، ولا يبيع " (* 1) فما عن المبسوط: من عدم حرمته غير ظاهر. (2) ووجهه في الجواهر: بأن المنساق من النص صورة التلذذ، وهو غير بعيد. وكأنه منشأ إطلاق النص فيه، وتقييد الريحان بالتلذذ: هو الاختلاف في تأثير التلذذ، فان الطيب أقوى فيه وأكثر تعارفا فيه من الريحان. فتأمل. وأما فاقد حاسة الشم فليس مما نحن فيه. (3) بلا خلاف، بل الاجماع بقسميه عليه، كما في الجواهر. ويشهد


(* 1) الوسائل باب: 10 من أبواب الاعتكاف حديث: 1.

[ 589 ]

{ بل مطلق التجارة (1)، مع عدم الضرورة على الاحوط. ولا بأس بالاشتغال بالامور الدنيوية من المباحات (2)، حتى الخياطة، والنساجة، ونحوهما، وإن كان الاحوط الترك إلا مع الاضطرار إليها. بل لا بأس بالبيع والشراء إذا مست الحاجة اليهما (3) للاكل والشرب، مع تعذر التوكيل، أو النقل بغير البيع. الخامس: المماراة (4)، أي: المجادلة على أمر دنيوي أو ديني، بقصد الغلبة وإظهار الفضيلة (5). وأما بقصد إظهار الحق ورد } له صيحيح أبي عبيدة المتقدم. (1) كما عن المنتهى، حاكيا له عن السيد المرتضى أيضا. ودليله غير ظاهر. وعلله في المنتهى: بأنه مقتضى مفهوم النهي عن البيع والشراء وهو قريب. لكنه ليس بحيث يجوز التعويل عليه. (2) للاصل. وعن المنتهى: " الوجه تحريم الصنائع المشغلة عن العبادة كالخياطة وشبهها. إلا مالابد منه ". وكأنه لاستفادته من النهي عن البيع والشراء التي قد عرفت حالها. (3) قد استظهر في الجواهر الجواز حينئذ. وكأنه لانصراف النص عن ذلك. ولا يخلو من تأمل. أما أدلة نفي الحرج والاضطرار (* 1) فانما تقتضي نفي الحرمة، وأما عدم القدح في الاعتكاف فيشكل إثباته بها، لان النفي لا يستلزم الاثبات، كما تقدم ذلك في حديث الرفع (* 2). (4) بلا خلاف أجده فيه - كما في الجواهر - لصحيح أبي عبيدة المتقدم. (5) كما عن المسالك تفسيرها بذلك. لكن قيل: إن المراء لا يكون


(* 1) راجع الجزء الاول من هذا الشرح المسألة: 10 من فصل ماء البئر. (* 2) راجع الصفحة: 214 من هذا الجزء.

[ 590 ]

{ الخصم من الخطاء فلا بأس به، بل هو من أفضل الطاعات (1). فالمدار على القصد والنية، فلكل امرئ ما نوى من خير أو شر. والاقوى عدم وجوب اجتناب ما يحرم على المحرم من الصيد، وإزالة الشعر، ولبس المخيط، ونحو ذلك، وإن كان أحوط (2). (مسألة 1): لافرق في حرمة المذكورات على المعتكف بين الليل والنهار. نعم المحرمات من حيث الصوم - كالاكل والشرب، والارتماس، ونحوها - مختصة بالنهار. (مسألة 2): يجوز للمعتكف الخوض في المباح، والنظر في معاشه، مع الحاجة وعدمها (3). } إلا اعتراضا، بخلاف الجدال فانه يكون ابتداء واعتراضا. (1) كما نص على ذلك كله في محكي المسالك. (2) فانه محكي عن الشيخ، وابني البراج وحمزة. وعن المبسوط: " روي: أنه يجتنب ما يجتنبه المحرم " (* 1) لكن في الشرائع وغيرها: أنه لم يثبت، بل عن التذكرة: أنه ليس المراد بذلك العموم، فانه لا يحرم عليه لبس المخيط، ولا إزالة الشعر، ولا أكل الصيد، ولا عقد النكاح. انتهى. وعليه فلا خلاف. وعلى تقديره فهو ضعيف، للاصل بعد عدم الدليل. (3) للاصل. وعن الحلي: المنع عن كل مباح لا يحتاج إليه. وكأنه لدعوى كون الاعتكاف اللبث للعبادة، فينافيه فعل المباح. لكن عرفت الاشكال فيها. ولو سلمت فالعبادة التي هي غاية الاعتكاف العبادة في الجملة، لافي تمام الزمان، ضرورة عدم منافاة النوم وما يحتاج إليه من المباح قطعا.


(* 1) راجع المبسوط الفصل الثالث كتاب الاعتكاف.

[ 591 ]

{ (مسألة 3): كلما يفسد الصوم يفسد الاعتكاف إذا وقع في النهار، من حيث اشتراط الصوم فيه، فبطلانه يوجب بطلانه. وكذا يفسده الجماع (1)، سواء كان في الليل أو النهار. وكذا اللمس والتقبيل بشهوة (2). بل الاحوط بطلانه بسائر ما ذكر من المحرمات من البيع والشراء، وشم الطيب، وغيرها مما ذكر، بل لا يخلو عن قوة (3) وإن كان لا يخلو من إشكال أيضا (4) وعلى هذا فلو أتمه واستأنفه أو قضاه بعد ذلك، إذا صدر منه أحد المذكورات في الاعتكاف الواجب كان أحسن وأولى (5). (مسألة 4): إذا صدر منه أحد المحرمات المذكورة } (1) كما عن جماعة التصريح به، وعن الغنية: الاجماع عليه. وهو المستفاد من النصوص المتقدمة وغيرها. (2) كما هو ظاهر من بنى على تحريمها في الاعتكاف، فان الظاهر من التحريم الفساد الوضعي لا المنع التكليفي، كما في نظائره. لكن عرفت الاشكال في أصل التحريم، فضلا عن الفساد. (3) فان الظاهر من النهي في أمثال المقام هو الارشاد إلى المانعية الوضعية، لا مجرد المنع التكليفي. ولاسيما إذا كان باداة النفي. وعليه فلو وقع واحد منها في اليومين الاولين بطل الاعتكاف، ولا إثم. بخلاف مالو قيل بالحرمة التكليفية، فانه لو وقع فيهما أو في اليوم الثالث كان معصية وصح الاعتكاف. (4) كأنه للجمود على ظاهر النهي. لكن عرفت إشكاله. ولو تم لم يكن فرق بين لسان دليلها ودليل الجماع. وإجماع الغنية لا يصلح للتعويل عليه. (5) عملا بالوجهين معا.

[ 592 ]

{ سهوا فالظاهر عدم بطلان اعتكافه. إلا الجماع (1) فانه لو جامع سهوا أيضا فالاحوط في الواجب الاستئناف، أو القضاء مع إتمام ما هو مشتغل به، وفي المستحب الاتمام. (مسألة 5): إذا فسد الاعتكاف بأحد المفسدات، فان كان واجبا معينا وجب قضاؤه (2)، وان كان واجبا غير معين وجب استئنافه (3). إلا إذا كان مشروطا فيه، أو في نذره الرجوع، فانه لا يجب قضاؤه أو استئنافه (4). وكذا يجب قضاؤه إذا كان مندوبا، وكان الافساد بعد اليومين (5) } (1) عن المنتهى: أنه صرح بأن الجماع - فضلا عن غيره - إنما يبطل مع العمد دون السهو. وكأنه لانصراف دليل المنع عنها الى صورة العمد. وفيه نظر. إلا أن ينعقد إجماع عليه - كما في الجواهر - إذ لاوجه للانصراف المذكور بنحو يعتد به في رفع اليد عن الاطلاق، كما يظهر من ملاحظة نظائره، إذ لولا حديث: " لا تعاد الصلاة... " ونحوه، لم يكن وجه للحكم بصحة الصلاة مع فقد الشرط، أو وجود المانع، ولو سهوا. وكأن وجه توقف المصنف (ره) في الجماع: كثرة النصوص فيه، من دون إشارة إلى التخصيص بالعمد. فتأمل. (2) بناء على ما سبق: من عموم وجوب قضاء ما فات من الاعتكاف. (3) لوجوب الامتثال، وهو غير حاصل بالفاسد. (4) هذا يتم إذا كان فعل المفسد بقصد الرجوع عن الاعتكاف. أما إذا لم يكن بقصده فيشكل، للفساد الموجب للفوت، الموجب للقضاء أو الاستئناف. اللهم إلا أن يكون قد رجع بعد ذلك. فتأمل جيدا. (5) لانه يكون واجبا حينئذ.

[ 593 ]

{ وأما إذا كان قبلهما فلا شئ عليه، بل في مشروعية قضائه حينئذ إشكال (1). (مسألة 6): لا يجب الفور في القضاء (2)، وإن كان أحوط. (مسألة 7): إذا مات في أثناء الاعتكاف الواجب بنذر أو نحوه لم يجب على وليه القضاء (3)، وإن كان أحوط. نعم لو كان المنذور الصوم معتكفا وجب على الولي قضاؤه، لان الواجب حينئذ عليه هو الصوم، ويكون الاعتكاف واجبا من باب المقدمة. بخلاف مالو نذر الاعتكاف، فان الصوم ليس واجبا فيه، وإنما هو شرط في صحته، والمفروض أن } (1) لعدم الدليل على مشروعية قضائه حينئذ. لكن في مرسل الفقيه: " قال أبو عبد الله (ع): كانت بدر في شهر رمضان، ولم يعتكف رسول الله صلى الله عليه وآله، فلما كان من قابل اعتكف عشرين، عشرا لعامه، وعشرا قضاء لما فاته " (* 1)، ونحوه مصحح الحلبي المروي عن الكافي (* 2). نعم موردهما خصوص ماكان للمندوب خصوصية زائدة من جهة الزمان. فلاحظ. (2) للاصل بعد عدم الدليل عليه، بل لاطلاق مادل من النصوص على القضاء، بناء على عدم دلالة الامر على الفور، كما حقق في محله. فما عن المبسوط والمنتهى: من وجوب الفورية ضعيف. (3) للاصل بعد عدم الدليل عليه. وعن الشيخ في المبسوط عن بعض الاصحاب: الوجوب، أو يخرج من ماله من ينوب به عنه. لعموم ماروي: " أن من مات وعليه صوم واجب وجب على وليه أن يقضي عنه، أو يتصدق


(* 1) الوسائل باب: 1 من أبواب الاعتكاف حديث: 2. (* 2) الوسائل باب: 1 من ابواب الاعتكاف ملحق حديث: 2.

[ 594 ]

{ الواجب على الولي قضاء الصلاة والصوم عن الميت، لاجميع ما فاته من العبادات. (مسألة 8): إذا باع أو اشترى في حال الاعتكاف لم يبطل بيعه وشراؤه (1) وإن قلنا ببطلان اعتكافه. (مسألة 9): إذا أفسد الاعتكاف الواجب بالجماع - ولو ليلا - وجبت الكفارة (2). وفي وجوبها في سائر } عنه " (* 1). وفيه: ما تقدمت إليه الاشارة، من أن الظاهر الرواية وجوب قضاء الواجب بالاصالة، كما أشار إليه في المتن. ولو سلم اختص ذلك بما لو استقر القضاء على الميت، فلو نذر الاعتكاف في أيام معينة، فمات في أثناء اعتكافه فيها، أو اعتكف مندوبا فمات في الثالث، لم يجب القضاء عنه. (1) كما اختاره في الجواهر، حاكيا القول بالبطلان أيضا عن بعض وكأنه مبني على اقتضاء النهي في المعاملة الفساد. لكنه ضعيف، كما حرر في محله. نعم إذا كان ظاهر النهي الارشاد الى المانعية اقتضى ذلك، والمقام ليس منه. (2) بلا إشكال ولا خلاف ظاهر. ويشهد له النصوص المصرحة بثبوت الكفارة، وفي بعضها التصريح بثبوتها ولو كان الجماع ليلا، كرواية عبد الاعلى: " عن رجل وطئ امرأته وهو معتكف ليلا في شهر رمضان قال (ع): عليه الكفارة. قال: قلت: فان وطئها نهارا. قال (ع): عليه كفارتان " (* 2).


(* 1) راجع المبسوط الفصل الثالث من كتاب الاعتكاف. وقد سبقت الاشارة إلى نصوص ذلك في المسألة: 26 من فصل أحكام القضاء في هذا الجزء. (* 2) الوسائل باب: 6 من أبواب الاعتكاف حديث: 4.

[ 595 ]

{ المحرمات إشكال. والاقوى عدمه (1)، وإن كان الاحوط ثبوتها. بل الاحوط ذلك حتى في المندوب منه قبل تمام اليومين (2) وكفارته ككفارة شهر رمضان على الاقوى (3)، وإن كان الاحوط كونها مرتبة ككفارة الظهار. } (1) كما في الشرائع، وعن المدارك ناسبا له الى الشيخ وأكثر المتأخرين لاختصاص نصوصها بالجماع، فالحاق غيره به قياس. والمناط غير محرز علما. وعن المفيد والسيدين والعلامة في التذكرة. وجوبها، إلحاقا لها بالجماع. وللاجماع المحكي عن الغنية. وقد عرفت ما فيه. والاجماع ممنوع. (2) كما يقتضيه إطلاق نصوص الكفارة، والندبية لا تنافي ثبوتها، كما سبق. قال في الجواهر: " اللهم إلا أن يقال: إن تعليق الكفارة على عدم الاشتراط في صحيح أبي ولاد المتقدم يومئ الى عدم وجوبها مع عدم تعين الاعتكاف حتى في اليوم الثالث، إذا فرض الاشتراط فيه عى وجه يرفع وجوبه. مضافا إلى أصل البراءة ونحوه، وهو قوي جدا. فيكون المدار حينئذ في وجوبها بالجماع وعدمه تزلزل الاعتكاف وعدمه، فتجب في الثاني، دون الاول ". أقول: قد أشرنا إلى أنه لا يظهر من صحيح أبي ولاد كون الكفارة من جهة الوطء (* 1)، بل لعل الظاهر منه كونها من جهة الخروج عن المسجد عمدا، فانه أسبق العلل في البطلان، فالبناء على إطلاق ثبوت الكفارة غير بعيد. (3) كما نسب الى الاكثر والاشهر، وعن المنتهى والتذكرة: نسبته إلى علمائنا، وعن الغنية: الاجماع عليه. ويشهد له موثق سماعة: " عن معتكف واقع أهله. قال (ع): عليه ما على الذي أفطر يوما من شهر رمضان


(* 1) سبقت الاشارة إلى الصحيح المذكور في المسألة: 40 من كتاب الاعتكاف.

[ 596 ]

{ (مسألة 10): إذا كان الاعتكاف واجبا، وكان في شهر رمضان، وأفسده بالجماع في النهار، فعليه كفارتان (1) إحداهما للاعتكاف، والثانية للافطار في نهار رمضان. وكذا إذا كان في صوم قضاء شهر رمضان، وأفطر بالجماع بعد الزوال، فانه يجب عليه كفارة الاعتكاف، وكفارة قضاء شهر رمضان. وإذا نذر الاعتكاف في شهر رمضان، وأفسده بالجماع في النهار وجب عليه ثلاث كفارات، إحداها للاعتكاف والثانية لخلف النذر والثالثة للافطار في شهر رمضان. وإذا جامع امرأته المعتكفة - وهو معتكف - في نهار رمضان، فالاحوط } متعمدا: عتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكينا " (* 1). وفي موثقه الآخر: " هو بمنزلة من أفطر يوما من شهر رمضان " (* 2). وعن المسالك والمدارك: أنها كفارة ظهار، وعن المبسوط: نسبته إلى بعض أصحابنا. ويشهد له صحيح زرارة: " عن المعتكف يجامع أهله قال (ع): إذا فعل فعليه ما على المظاهر " (* 3) ونحوه صحيح أبي ولاد. هذا والاخيران - وإن كان أصح سندا. وأكثر عددا - يجب حملهما على الاستحباب، جمعا عرفيا. (1) بلا خلاف ظاهر ولا إشكال، وعن الانتصار والخلاف والغنية: الاجماع عليه. كما يستفاد من رواية عبد الاعلى المتقدمة (* 4)، المطابقة لمقتضى أصالة عدم التداخل، التي هي الوجه فيما ذكره في المتن.


(* 1) الوسائل باب: 6 من ابواب الاعتكاف حديث: 5. (* 2) الوسائل باب: 6 من أبواب الاعتكاف حديث: 2. (* 3) الوسائل باب: 6 من أبواب الاعتكاف حديث: 1. (* 4) راجع المسألة: 9 من هذا الفصل.

[ 597 ]

{ أربع كفارات (1)، وان كان لا يبعد كفاية الثلاث، إحداها لاعتكافه، واثنتان للافطار في شهر رمضان، إحداهما عن نفسه، والاخرى تحملا عن امرأته (2). ولا دليل على تحمل كفارة الاعتكاف عنها (3). ولذا لو أكرهها على الجماع في الليل لم تجب عليه إلا كفارته، ولا يتحمل عنها. وهذا ولو كانت مطاوعة فعلى كل منهما كفارتان إن كان في النهار، وكفارة واحدة إن كان في الليل. (تم كتاب الاعتكاف، ويليه كتاب الزكاة) } (1) كما عن السيد والشيخ، بل قيل: إنه المشهور، وعن المختلف:، إنه قول مشهور لعلمائنا لم يظهر له مخالف. والوجه فيه: إلحاق الاعتكاف بالصوم في تحمل الكفارة مع الاكراه، فاكراه الزوجة على إفساد اعتكافها يوجب تحمل الكفارة، كاكراهها على إفساد الصوم. وقد أشار في المتن إلى ضعفه. (2) وفي الشرائع: جعل الاشبه لزوم كفارتين لاغير، نافيا لكفارة التحمل في الصوم هنا، لان الدليل عليه ضيعف جدا لكن عمل به جماعة من الاصحاب في الصائم غير المعتكف، فلا يتعدى عن موضع النص. وفيه: أن النص مطلق شامل للمعتكف وغيره، ولا يختص بالصائم غير المعتكف. فالبناء على التحمل من جهة الاكراه على إفساد الصوم في محله (3) لاختصاص دليله بالصوم، وإلحاق المقام به يتوقف على إلغاء خصوصيته عرفا، وهو غير ثابت، بل ممنوع. والله سبحانه أعلم. وله الحمد أولا وآخرا. والصلاة على رسوله الاكرم، وآله الطاهرين أولياء النعم. تم كتاب الاعتكاف على يد مؤلفه الفقير إلى الله (محسن الطباطبائي الحكيم) في النجف الاشرف، في صباح السابع عشر من ربيع الاول، من السنة الرابعة والخمسين بعد الالف والثلاثمائة هجرية. على مهاجرها أفضل الصلاة والسلام وأكمل التحية. والحمد لله رب العالمين. .

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية