الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




مستمسك العروة - السيد محسن الحكيم ج 3

مستمسك العروة

السيد محسن الحكيم ج 3


[ 1 ]

ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى قرآن كريم مستمسك العروة الوثقى تأليف فقيه العصر آية الله العظمى السيد محسن الطباطبائي الحكيم الجزء الثالث

[ 2 ]

الطبعة الثالثة مطبعة الاداب في النجف الاشرف 1388 هج‍ 1968 م منشورات مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي قم ايران 1404 ه‍ ق

[ 3 ]

[ بسم الله الرحمن الرحيم (فصل في الاغسال والواجب منها سبعة (1): غسل الجنابة، والحيض والنفاس، والاستحاضة، ومس الميت، وغسل الاموات، والغسل الذي وجب بنذر ونحوه، كأن نذر غسل الجمعة أو غسل زيارة أو الزيارة مع الغسل. والفرق بينهما (2) ان في الاول إذا أراد الزيارة يجب أن يكون مع الغسل ولكن يجوز أن لا يزور أصلا، وفي الثاني يجب الزيارة فلا يجوز تركها. وكذا إذا نذر الغسل لسائر الاعمال التي يستحب الغسل لها ]. بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد سيد المرسلين، وآله الغر الميامين، واللعنة على أعدائهم أجمعين. (فصل في الاغسال) (1) سيجئ الدليل على وجوب كل واحد منها في محله، عدا المنذور فان دليل وجوبه من الكتاب والسنة والاجماع مذكور في محله من كتاب النذر، (2) سيجئ تفصيل الحال في المسألة الاولى.

[ 4 ]

[ (مسألة 1): النذر المتعلق بغسل الزيارة ونحوها يتصور على وجوه: " الاول ": أن ينذر الزيارة مع الغسل (1) ]. (1) يعني: المنذور الزيارة، والغسل لو حظ قيدا لها. وبذلك افترق هذا الوجه عن الوجه الرابع، فان المنذور فيه كل منهما. وحاصل الصور المتصورة في نذر غسل الزيارة أنه (تارة): يكون المنذور الغسل بلا ضم شئ إليه (وأخرى): يكون مع ضم شئ إليه، وفي الصورة الاولى (تارة): يكون نذره معلقا على الزيارة بنحو الشرط المتأخر عن المنذور (وأخرى): يكون منجزا ويكون الغسل مقيدا بالزيارة بوجودها المطلق (وثالثة): يكون مقيدا بوجودها من باب الاتفاق، نظير ما قيل في إرجاع شرائط الوجوب إلى شرائط الواجب. ففي الصورة الاولى والاخيرة لا يجب فعل الزيارة، لكن لو اتفق أنه زار بداع من الدواعي لزمه الغسل، فإذا تركه لزمته كفارة، وإذا لم يزر لم يلزمه شئ. وفي الثانية تجب الزيارة لانها شرط المنذور، فإذا تركها أو ترك الغسل أو تركهما معا لزمته كفارة واحدة. وإذا ضم إلى نذر الغسل نذر الزيارة (فتاره): ينذرها مقيدة بالغسل، وهو الوجه الخامس، (وأخرى): ينذرها مطلقة، وهو الوجه الرابع، وفي كل من الصورتين (تاره) يكون نذرهما على نحو وحدة المطلوب، (وأخرى): على نحو تعدده: فان كان على النحو الاول لزمه كفارة واحدة في مخالفة النذر، سواء تركهما أم ترك أحدهما فقط، وان كان على النحو الثاني، ففي الصورة الاولى الراجعة إلى الوجه الخامس بلزمه في مخالفة النذر كفارتان، سواء تركهما معا أم ترك أحدهما، وفي الصورة الثانية تلزمه كفارتان إن تركهما معا أو ترك الزيارة فقط، لان تركها ترك للغسل بلحاظ ترك قيده، لان الغسل

[ 5 ]

[ فيجب عليه الغسل والزيارة، وإذا ترك أحدهما وجبت الكفارة " الثاني ": أن ينذر الغسل للزيارة بمعنى أنه إذا أراد أن يزور لا يزور إلا مع الغسل (1)، فإذا ترك الزيارة لا كفارة عليه (2) وإذا زار بلا غسل وجبت عليه. " الثالث ": أن ينذر غسل الزيارة منجزا (3) وحينئذ يجب عليه الزيارة أيضا وإن لم يكن منذورا مستقلا بل وجوبها من باب المقدمة، فلو تركهما وجبت كفارة واحدة (4) وكذا لو ترك أحدهما (5) ولا يكفي في ] الذي أتى به لا يصدق عليه انه غسل الزيارة حتى تحصل الزيارة معه، وإذا ترك الغسل وجاء بالزيارة كان عليه كفارة واحدة. ثم إن جعل الوجه الاول من وجوه نذر غسل الزيارة إنما كان بلحاظ كون الغسل قيدا للمنذور فهو منذور تبعا. (1) قد عرفت أن المراد من هذا الوجه إما الصورة الاولى أو الاخيرة من صور نذر الغسل منفردا. وقد يتوهم أن المراد من هذا الوجه نذر أن لا يزور إلا مع الغسل. لكن عرفت في مبحث الوضوء بطلان مثل هذا النذر، لعدم رجحان متعلقه. (2) إما لا نتفاء النذر لانتفاء شرطه، أو لتعذر شرط المنذور الموجب لانحلال النذر. (3) بان يؤخذ النذر مطلقا لا مشروطا بالزيارة، والمنذور مقيدا بالزيارة مطلقا، فتجب الزيارة كما تجب سائر قيود الواجب المطلق. وهذا الوجه هو الصورة الثانية من صور نذر الغسل منفردا. (4) لوحدة النذر المعلق بالغسل المقيد بالزيارة. (5) لان فوات المقيد يكون بفوات ذاته ويكون بفوات قيده.

[ 6 ]

[ سقوطها الغسل فقط (1) وان كان من عزمه حينه أن يزور، فلو تركها وجبت، لانه إذا لم تقع الزيارة بعده لم يكن غسل الزيارة. (الرابع): أن ينذر الغسل والزيارة (2) فلو تركهما وجب عليه كفارتان، ولو ترك أحدهما فعليه كفارة واحدة (3) (الخامس): أن ينذر الغسل الذي بعده الزيارة، والزيارة ] (1) نعم لو كان المراد من المنذور الغسل المشروع للزيارة أمكن القول بسقوط الكفارة بفعل الغسل فقط مطلقا، بناء على المشهور من وجوب مطلق المقدمة، أو في خصوص صورة ما إذا أراد ذا المقدمة، بناء على اختصاص وجوب المقدمة بتلك الحال. ولا يكفي في سقوطها مطلقا بناء على المقدمة الموصلة، كما هو التحقيق. فيدور القول بالسقوط مدار القول بوجوب المقدمة. كما أنه لو كان المراد من المنذور الغسل المنوي به الزيارة كفى في سقوطها فعل الغسل بنية الزيارة وإن لم يزر. (2) يعنى: بنحو تعدد المطلوب، فيكون قد أنشأ بانشاء واحد نذرين أحدهما تعلق بالغسل والآخر بالزيارة، ولذا تجب كفارتان لو تركهما معا، لان في تركهما معا مخالفة لنذرين. (3) هذا ظاهر إذا ترك الغسل وفعل الزيارة، لانه وفى بنذر الزيارة ولم يف بنذر الغسل، أما إذا فعل الغسل وترك الزيارة فغير ظاهر، لان نذر الغسل المنضم إلى نذر الزيارة، إن كان بنحو الوجه الثاني من الوجوه الخمسة فهو وإن كان يلزمه كفارة في الفرض لحنث نذر الزيارة إلا أنه لا وجه لثبوت كفارتين في صورة تركهما معا، وان كان بنحو الوجه الثالث ففعل الغسل بلا زيارة لا يوجب سقوط كفارة نذره كما سبق في الوجه المذكور، فيكون حينئذ عليه كفارتان إحداهما لمخالفة نذر الزيارة، والاخرى

[ 7 ]

[ مع الغسل، وعليه لو تركهما وجبت كفارتان، ولو ترك أحدهما فكذلك، لان المفروض تقييد كل بالآخر (1): وكذا الحال في نذر الغسل لسائر الاعمال (2). (فصل في غسل الجنابة) وهي تحصل بامرين: الاول: خروج المني (3) ولو في حال النوم (4) أو الاضطرار (5) وإن كان بمقدار رأس إبرة (6)، سواء كان ] لمخالفة نذر غسل الزيارة المنجز. نعم يتم ذلك لو كان المنذور الغسل المشروع للزيارة، بناء على المشهور من وجوب مطلق المقدمة، أو الغسل المنوي به الزيارة إذا كان قد نوى به الزيارة، على ما ذكرنا في شرح ذيل الوجه الثالث. (1) فترك أحدهما يوجب مخالفة نذره ونذر المقيد به. (2) فانه يجرى فيه الوجوه المذكورة على النحو المزبور. (فصل في غسل الجنابة) (3) إجماعا، كما عن الخلاف، والغنية، والمعتبر، والتذكرة، والذكرى، وغيرها، بل عن بعضها إجماع المسلمين، والنصوص به متواترة (* 1). (4) أجماعا، حكاه جماعة، والنصوص به مستفيضة أو متواترة (* 2). (5) بلا إشكال ظاهر، ويقتضيه إطلاق النصوص. (6) بلا إشكال ظاهر، للاطلاق. وقد يظهر العدم من صحيح معاوية


(* 1) الوسائل باب: 2 و 7 من أبواب الجنابة. (* 2) الوسائل باب: 7 من أبواب الجنابة.

[ 8 ]

[ بالوطئ أو بغيره (1) مع الشهوة أو بدونها (2) جامعا للصفات أو فاقدا لها (3) مع العلم بكونه منيا. وفي حكمه الرطوبة ] ابن عمار: " سألت أبا عبد الله (ع) عن الرجل احتلم فلما انتبه وجد بللا قليلا. قال (ع): ليس بشئ، إلا أن يكون مريضا فإنه يضعف فعليه الغسل " (* 1) فتأمل. ويتعين حمله على المشتبه. فلاحظ. (1) بلا خلاف، وفي مصحح الحلبي عن أبي عبد الله (ع): " عن المفخذ عليه غسل؟ قال (ع): نعم إذا أنزل " (* 2) (2) إجماعا، حكاه جماعة، بل عن المعتبر والذكرى: إجماع المسلمين. نعم عن مالك وأبى حنيفة وأحمد: اعتبار الشهوة، ويظهر ذلك من بعض النصوص، ففي صحيح ابن جعفر (ع) عن أخيه (ع): " عن الرجل يلعب مع المرأة ويقبلها فيخرج منه المني، فما عليه؟ قال (ع): إذا جاءت الشهوة ودفع وفتر لخروجه فعليه الغسل، وإن كان إنما هو شئ لم يجد له فترة ولا شهوة فلا باس " (* 3). لكن يجب حمله على التقية، وعن الشيخ حمله على صورة الاشتباه، ولا ينافيه فرض المني في السؤال، لا مكان الاعتماد على الظن في ذلك، كما عن المنتقى ولا سيما وكون المذكور في الوسائل عن كتاب علي بن جعفر (ع) ذكر " الشئ " بدل " المني " (* 4)، وكذا عن قرب الاسناد (* 5)، ويناسبه التعبير بلفظ " الشئ " في الجواب فلا إشكال. (3) المراد من الصفات: الشهوة والدفق والفتور. وظاهر بعض


(* 1) الوسائل باب: 8 من ابواب الجنابة حديث: 2. (* 2) الوسائل باب: 7 من أبواب الجنابة حديث: 1. (* 3) الوسائل باب: 8 من أبواب الجنابة حديث: 1. (* 4) الوسائل باب: 8 من أبواب الجنابة ملحق حديث: 1. (* 5) ص 85.

[ 9 ]

وصريح آخر: الاجماع على عموم الحكم، وفي الحدائق: " الظاهر أنه لا خلاف بين الاصحاب (رض) - كما نقله جملة منهم - في وجوب الغسل مع تيقن كون الخارج منيا وإن لم يكن على الصفات الآتية، وان الرجوع إليها كلا أو بعضا إنما هو مع الاشتباه "، وقد توهم عبارة المفيد والمرتضى والمبسوط وسلار وأبى الصلاح وغيرهم: اعتبار الدفق، حيث فسروا الماء الدافق بالمني. لكن الظاهر أن التقييد بذلك للغلبة. فعن السرائر: " وما يوجد في بعض كتب أصحابنا من تقييده بالدفق فغير واضح، إلا أنه لما كان الاغلب في أحواله الدفق قيد به "، لكن عبارة الوسيلة تأبى هذا الحمل كما قيل. ولا يخلو من تأمل. ثم إن المحكي عن جماعة الاجماع على عدم الفرق بين الرجل والمرأة في ذلك. وفي محكي المعتبر والمدارك دعوى إجماع المسلمين عليه. نعم عن المقنع: " إن احتملت المرأة فأنزلت فليس عليها غسل. وروي ان عليها الغسل إن أنزلت فان لم تنزل، فليس عليها شئ ". وكأنه كان اعتمادا منه على جملة من النصوص النافية للغسل عن المراة إذا أنزلت المني، كصحيح عمر بن أذينة: " قلت لابي عبد الله (ع): المرأة تحتلم في المنام فتهريق الماء الاعظم؟ قال (ع): ليس عليها غسل " (* 1). وفي صحيح عمر بن يزيد: " فان أمنت هي ولم يدخله؟ قال (ع): ليس عليها الغسل " (* 2)، ونحوه صحيحه الآخر (* 3) ورواية عبيد (* 4) وصحيح ابن مسلم (* 5) بل ظاهر الاخير المفروغية عند


(1) الوسائل باب: 7 من أبواب الجنابة حديث: 21 (* 2) الوسائل باب: 7 من أبواب الجنابة حديث: 18 (* 3) الوسائل باب: 7 من أبواب الجنابة حديث: 20 (* 4) الوسائل باب: 7 من أبواب الجنابة حديث: 22 (5 *) الوسائل باب: 7 من أبواب الجنابة حديث: 19

[ 10 ]

[ المشتبهة الخارجة بعد الغسل مع عدم الاستبراء بالبول (1). ولا فرق بين خروجه من المخرج المعتاد أو غيره (2)، ] السائل. لكنها - كما ترى - لا تختص بنفي الغسل في صورة الاحتلام. وكيف كان فهي محمولة - كما في الوسائل وغيرها - إما على الاشتباه وعدم تحقق كون الخارج منيا، أو على مجرد الرؤية في النوم بلا إنزال، أو على صورة انتقال المني من محله بلا خروج، أو على التقية لموافقتها لبعض العامة، أو حرمة الاعلام بالحكم المذكور، أو كراهته، أو غير ذلك، لما عرفت من الاجماع. وللنصوص الدالة على وجوب الغسل عليها كالرجل، ففي صحيح ابن بزيع عن الرضا (ع): " عن الرجل يجامع المرأة فيما دون الفرج وتنزل المرأة، هل عليها غسل؟ قال (ع): نعم " (* 1)، وفي صحيح الحلبي: " إن أنزلت فعليها الغسل " (* 2)، وفي صحيح إسماعيل بن سعد: " إذا أنزلت من شهوة فعليها الغسل " (* 3) وفي خبر محمد بن الفضيل: " إذا جاءتها الشهوة فانزلت الماء وجب عليها الغسل " (* 4) إلى غير ذلك من النصوص المدعى تواترها. (1) كما سيأتي. (2) كما هو ظاهر جماعة حيث أطلقوا ولم يقيدوا بالاعتياد نوعا أو شخصا، ويقتضيه إطلاق النصوص المتقدمة وغيرها. وظاهر القواعد: اعتبار الاعتياد في غير المخرج النوعي. وظاهر محكي جامع المقاصد: اعتبار الاعتياد في غير ثقبة الاحليل والخصية والصلب. وظاهر آخر: اعتبار


(* 1) الوسائل باب: 7 من أبواب الجنابة حديث: 3 (* 2) الوسائل باب: 7 من أبواب الجنابة حديث: 5 (* 3) الوسائل باب: 7 من أبواب الجنابة حديث: 2 (* 4) الوسائل باب: 7 من أبواب الجنابة حديث: 4

[ 11 ]

[ والمعتبر خروجه إلى خارج البدن (1)، فلو تحرك من محله ولم يخرج لم يوجب الجنابة، وأن يكون منه (2) فلو خرج من المرأة مني الرجل لا يوجب جنابتها إلا مع العلم باختلاطه بمنيها (3). ] انسداد الطبيعي عند الخروج من غيره. لكن الجميع طرح للاطلاق، وقد تكرر أن الغلبة والاعتياد لا يعول عليهما في ذلك. وقد تقدم بعض الكلام في ذلك في نواقض الوضوء فراجع. (1) كما حكي التصريح به عن الاكثر، بل الظاهر أنه لا إشكال فيه وهو الذي يقتضيه ظاهر النصوص. (2) بلا خلاف ظاهر، بل عن كشف اللثام وظاهر التذكرة الاجماع عليه، خلافا للحسن فأوجب الغسل على المرأة إذا خرج منها مني الرجل قياسا منه على منيها. وهو - مع أنه مع الفارق - خلاف مصحح عبد الرحمن: " سألت أبا عبد الله (ع) عن المراة تغتسل من الجنابة ثم ترى نطفة الرجل بعد ذلك، هل عليها غسل؟ فقال (ع): لا " (* 1) ونحوه صحيح سليمان بن خالد (* 2)، وقريب منهما صحيح عمر بن يزيد (* 3) وحينئذ فلو شكت في الخارج كانت كما لو شكت في أصل الخروج، عملا بالاصل. وعن الدروس والبيان وجوب الغسل مع الشك. وعن نهاية الاحكام ذلك مع الظن، كما إذا كانت ذات شهوة. لا كالصغيرة والنائمة والمكرهة. ولا وجه له ظاهر. (3) وحينئذ يكون الغسل لخروج منيها، فالاستثناء منقطع.


(* 1) الوسائل باب: 13 من أبواب الجنابة حديث: 3 (* 2) الوسائل باب: 13 من أبواب الجنابة الحديث: 1 (* 3) الوسائل باب: 13 من أبواب الجنابة حديث: 4

[ 12 ]

[ وإذا شك في خارج أنه مني أم لا اختبر بالصفات (1) من الدفق والفتور والشهوة (2) فمع اجتماع هذه الصفات يحكم بكونه منيا وإن لم يعلم بذلك (3)، ومع عدم اجتماعها ولو بفقد واحد ] (1) بلا خلاف ظاهر. نعم قد يستظهر من السرائر الخلاف فيه وأن المدار على العلم. لكنه ضعيف. إنما الاشكال فيما يظهر من المتن من وجوب الاختبار، ولا دليل عليه ظاهر، لعدم وجوب الفحص في الشبهة الموضوعية. نعم وجب في بعض الموارد للدليل الخاص به، أو للزوم المخالفة القطعية الكثيرة لولاه، وكلاهما في المقام مفقود. (2) كما هو المذكور في كلام جماعة، واقتصر في النافع على الاولين، وفي القواعد على الاول والاخير، وعن جماعة كثيرة من القدماء: الاقتصار على الاول، وعن الجامع: الاقتصار على اللون والثخانة والرائحة. والموجود في النصوص: الثلاثة الاول، وفي صحيح معاوية المتقدم (* 1) ذكر الكمية. (3) لا ينبغي التأمل في وجوب الحكم بكون الخارج منيا عند اجتماع الصفات المذكورة، كما يستفاد من قول الكاظم (ع) في صحيح ابن جعفر عليه السلام المتقدم: ".. إذا جاءت الشهوة ودفع وفتر لخروجه فعليه الغسل " (* 2) وإنما الاشكال في اعتبار الاجتماع في الحكم المذكور بحيث يكون مجموع الصفات الثلاث طريقا إلى كونه منيا، كما قد يظهر من الجماعة، أو تكفي كل واحدة منها، كما في جامع المقاصد، بل نفى الخلاف في


(* 1) تقدم في أول الفصل (* 2) الوسائل باب: 8 من أبواب الجنابة حديث: 1

[ 13 ]

وجوب الغسل مع وجود الرائحة فقط، معللا له بتلازم الصفات إلا لعارض فوجود بعضها كاف. انتهى. والتحقيق أن ظاهر صدر الصحيح وإن كان هو الاول ولكن ينافيه صحيح ابن أبى يعفور عن أبى عبد الله (ع): " قلت له: الرجل يرى في المنام ويجد الشهوة، فيستيقظ فينظر فلا يجد شيئا، ثم يمكث الهوين بعد فيخرج، قال (ع): إن كان مريضا فليغتسل، وان لم يكن مريضا فلا شئ عليه. قلت: فما فرق بينهما؟ قال (ع): لان الرجل إذا كان صحيحا جاء الماء بدفقة قوية، وان كان مريضا لم يجئ إلا بعد " (* 1) لظهوره في أن الفرق بين الصحيح والمريض ليس هو قصور شهوة الاول عن الطريقية وعدم قصور شهوة الثاني، بل هو أن عدم الدفق في الصحيح أمارة العدم دون المريض مع تساوي شهوتيهما في الطريقية إلى كون الخارج منيا، فيكون الوجه في عدم الحكم بكون الخارج منيا - إذا خرج من الصحيح مع الشهوة بلا دفق - هو تعارض الامارتين، ولا كذلك في الخارج من المريض مع الشهوة بلا دفق، لان الشهوة فيه أمارة وعدم الدفق ليس بامارة على العدم، فيحكم بكونه منيا عملا بطريقية الشهوة. ومثله مصحح زرارة: " إذا كنت مريضا فاصابتك شهوة فانه ربما كان هو الدافق، لكنه يجئ مجيئا ضعيفا - ليست له قوة لمكان مرضك - ساعة بعد ساعة قليلا قليلا، فاغتسل منه " (* 2). فالمتحصل من هذين الصحيحين: أن الشهوة وحدها طريق إلى كون الخارج منيا بلا حاجة إلى انضمام الدفق أو الفتور، وأن عدم الدفق في


(* 1) الوسائل باب: 8 من أبواب الجنابة حديث: 3 (* 2) الوسائل باب: 8 من أبواب الجنابة حديث: 5

[ 14 ]

الصحيح أمارة كونه ليس منيا. كما ان المستفاد مما في مرسل ابن رباط - من قول الصادق (ع): " فأما المني فهو الذي تسترخي له العظام ويفتر منه الجسد " (* 1). ومما ورد في المني " من أنه الماء الدافق " (* 2) - هو طريقية كل من الفتور والدفق إلى وجوده. ولا ينافيه ورودهما في الشبهة المفهومية لا المصداقية التي هي محل الكلام، لان مميز المفهوم مميز للمصداق أيضا. نعم لو ثبت تحقق الفتور والدفق لغير المني أيضا وجب حملهما على الغالب، وحينئذ فلا مجال للتمييز بهما في الشبهة المصداقية، لكنه غير ثابت، فظهور الدليلين في كون كل منهما خاصه محكم. إلا أن هذا المقدار من التمييز لعله خارج عن محل الكلام. لانه ليس من باب جعل الطريقية والحجية، بل من باب الارشاد إلى الملازمة بين وجود الصفة ووجود المني، فيكون العلم بوجود الصفة موجبا للعلم حقيقة بوجود المني حقيقة، لا أنه موجب للحكم بوجود المني تعبدا، كما هو المقصود من كون الصفات المذكورة أمارة. ولعل مراد الاصحاب من كونها أمارة هذا المعنى بل هو ظاهر جامع المقاصد فلاحظ. وأشكل من ذلك دعوى طريقية عدم الفتور إلى عدم كون الخارج منيا نظير عدم الدفق، فقد تستفاد من مرسل ابن رباط بناء على ظهوره في كونه خاصة لازمة. لكنه غير ظاهر، ولا سيما بملاحظة ترك الاستفصال عن وجوده وعدمه في صحيحي ابن أبى يعفور وزرارة المتقدمين في المريض. مضافا إلى ما عرفت من أنه لو ثبت كونه خاصة كان العلم بعدمه موجبا


(* 1) الوسائل باب: 12 من أبواب نواقض الوضوء حديث 6 وباب: 7 من أبواب الجنابة حديث: 17 (* 2) الوسائل باب: 8 من أبواب الجنابة حديث: 5

[ 15 ]

[ منها لا يحكم به إلا إذا حصل العلم. وفي المرأة والمريض يكفي اجتماع صفتين وهما الشهوة والفتور (1). ] للعلم بالعدم، لا أنه موجب للعلم تعبدا بعدمه كذلك، كما هو معنى الطريقية، وكذا الاشكال في طريقية عدم الشهوة إلى العدم. نعم يستفاد من ذيل صحيح ابن جعفر (ع) المتقدم (* 1) أن عدمهما معا طريق إلى العدم. فلو بني على تلازمهما - كما في الجواهر - كان ظهوره في طريقية عدم كل منهما إلى العدم محكما. وعليه يكون المتحصل من مجموع النصوص طريقية الشهوة إلى وجود المني، وكذا طريقية فتور الجسد بناء على ملازمته للشهوة، وطريقية عدم الدفق إلى العدم في الصحيح، وطريقية عدم الشهوة وعدم الفتور معا إلى العدم، وطريقية كل من العدمين إلى العدم بناء على تلازمهما، لكن التلازم غير ثابت، وان كان الذي تطمئن به النفس: هو طريقية كل واحدة من الصفات إلى الوجود، وعدم كل إلى العدم، فلو اجتمعت حكم بكون الخارج منيا، ولو وجد بعضها وفقد الآخر تعارض الطريقان، ولو وجدت واحدة وشك في الاخرى أخذ بالموجودة، إذ لا اعتبار بالشك في وجود المعارض. لكن المتيقن من صور التعارض صورة وجود الشهوة في الصحيح وعدم الدفق المستفاد من صحيحي المريض، وصورة انتفاء الشهوة والفتور ووجود الدفق المستفاد من ذيل صحيح ابن جعفر (ع) وغيرهما محل تأمل. (1) بل ظاهر الصحيحين المتقدمين في المريض الاكتفاء بالشهوة فقط وأما المرأة فلم تتعرض لها نصوص الباب. لكن عن بعض متأخري المتأخرين الاكتفاء بالشهوة، لصحيح إسماعيل بن سعد وخبر ابن الفضيل المتقدمين


(* 1) تقدم في أول الفصل.

[ 16 ]

[ الثاني: الجماع وإن لم ينزل (1) ولو بادخال الحشفة ] في مني المرأة ونحوهما، وموردهما وان لم يكن الشبهة المصداقية إلا أنه لا يبعد ظهورهما في كون الشهوة أيضا من خواص مني المرأة، وأما الفتور فالنصوص المتعرضة له ظاهر موردها الرجل. فلاحظ. (1) " إجماعا محصلا ومنقولا مستفيضا كاد يكون متواترا بل هو كذلك ". كذا في الجواهر. ويدل عليه كثير من النصوص، كصحيح ابن بزيع: " سألت الرضا (ع) عن الرجل يجامع المرأة قريبا من الفرج فلا ينزلان، متى يجب الغسل؟. فقال (ع): إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل. فقلت: التقاء الختانين هو غيبوبة الحشفة؟ قال (ع): نعم " (* 1). وأما خبر ابن عذافر -: " سألت أبا عبد الله (ع): متى يجب على الرجل والمرأة الغسل؟ فقال (ع): يجب عليهما الغسل حين يدخله، وإذا التقى الختانان فيغسلان فرجهما " (* 2) - فلا يبعد أن يكون قوله (ع): " وإذا التقى... " تفسيرا لقوله (ع): " حين يدخله " لا أنه جملة مستأنفة، وإلا فلا وجه لدخول الفاء في الجزاء، لانه ليس من موارد دخول الفاء، لا أقل من وجوب حمله على ذلك لما عرفت من الاجماع. وأما ما عن علي (ع): " إنما الغسل من الماء الاكبر " (* 3)، فالحصر فيه إضافي بالنسبة إلى مجرد الاحتلام من دون خروج المني، أو بالنسبة إلى المذي ونحوه،


(* 1) الوسائل باب: 6 من أبواب الجنابة حديث: 2 (* 2) الوسائل باب: 6 من أبواب الجنابة حديث: 9 (* 3) الوسائل باب: 7 من أبواب الجنابة حديث: 11

[ 17 ]

[ أو مقدارها من مقطوعها (1) ] (1) وفي مفتاح الكرامة: " أنه المعروف من مذهب الاصحاب ". وعن شرح الدروس: الظاهر الاتفاق عليه، لدعوى ظهور النصوص المتضمنة لذكر التقاء الختانين وغيبوبة الحشفة في التقدير بذلك (لا يقال): عليه يلزم حمل الحشفة على المتعارفة المتوسطة، كما في سائر موارد التقدير. ولا يظن التزامهم به (لانا نقول) المراد التقدير بالنسبة إلى كل بحشفته. وكيف كان فالحمل على التقدير خلاف الظاهر، والقرينة عليه مفقودة، ومن هنا احتمل الاكتفاء بمجرد صدق الادخال، أخذا باطلاق صحيح ابن مسلم: " إذا أدخله فقد وجب الغسل " (* 1)، مع الاقتصار في تقييده بغيبوبة الحشفة على واجدها، كما عن المدارك، وكشف اللثام. كما احتمل أيضا اعتبار إدخال تمام الباقي لظهور الادخال في صحيح ابن مسلم في إدخال الجميع. ويحتمل سقوط الغسل بالمرة، لانتفاء الشرط وهو التقاء الختانين وغيبوبة الحشفة، مع عدم الاقتصار في التقييد على خصوص الواجد. والاخير أوفق بقواعد الجمع بين الادلة، إذ لا وجه للاقتصار في التقييد على خصوص الواجد للحشفة فإنه خلاف إطلاق المقيد، فبعد حمل المطلق على المقيد يكون موضوع الحكم خصوص المقيد فمع انتفائه ينتفي، فالعمدة في الحكم المذكور كونه مظنة الاجماع. وأما مقطوع بعض الحشفة فحيث لا مانع من تحكيم إطلاق المقيد فيه، يكون مقتضاه وجوب الغسل بغيبوبة المقدار الباقي منها كما عن التذكرة والموجز الحاوي، وجامع المقاصد، وكشف اللثام. وعن جامع المقاصد: اشتراط ما يصدق معه الادخال عرفا. ولعله مراد الجميع. ولا إجماع هنا على التقدير.


(* 1) الوسائل باب: 6 من أبواب الجنابة حديث: 1

[ 18 ]

[ في القبل أو الدبر (1) من غير فرق ] (1) كما هو المشهور - كما عن جماعة - ومذهب المعظم - كما عن المدارك - بل إجماع - كما عن المرتضى - بل عن الحلي: إجماع بين المسلمين. ويشهد به صحيح ابن أبي عمير عن حفص بن سوقة عمن أخبره: قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن الرجل يأتي أهله من خلفها؟ قال عليه السلام: هو أحد المأتيين فيه الغسل " (* 1)، لكن قد يناقش في الاجماع بظهور الخلاف من الصدوق في الفقيه، والكليني، والشيخ في التهذيبين، وتردده في طهارة المبسوط والخلاف كتردد المنتهى وكشف الرموز وبعض متأخري المتأخرين، بل عن السيد نسبة الخلاف إلى بعض معاصريه. وفي الخبر بالارسال، وعدم ثبوت الجابر، لعدم ثبوت اعتماد المشهور عليه، لاحتمال اعتمادهم على إطلاق سببية الادخال في الفرج، بناء على عمومه للدبر، بل ذلك صريح غير واحد منهم. ومجرد موافقته للمشهور غير جابرة له كما حقق في محله. مع معارضته بمرفوع البرقي عن أبى عبد الله (ع): " إذا أتى الرجل المرأة في دبرها فلم ينزلا فلا غسل عليهما، وإن أنزل فعليه الغسل ولا غسل عليها " (* 2)، ومرفوع بعض الكوفيين، ومرسل ابن الحكم عنه (ع): " في الرجل يأتي المرأة في دبرها وهي صائمة؟ قال (ع): لا ينقض صومها، وليس عليها غسل " (* 3). والانصاف أن هجر النصوص المذكورة مع ضعف سندها يسقطها عن الحجية. وقد يستدل بصحيح الحلبي قال: " سئل أبو عبد الله (ع) عن


(* 1) الوسائل باب: 12 من أبواب الجنابة حديث: 1 (* 2) الوسائل باب: 12 من أبواب الجنابة حديث: 2 (* 3) الوسائل باب: 12 من أبواب الجنابة حديث: 3 وملحقه

[ 19 ]

[ بين الواطئ والموطوء (1) والرجل والامرأة (2) ] الرجل يصيب المرأة فيما دون الفرج. أعليها غسل إن هو أنزل ولم تنزل هي؟. قال (ع): ليس عليها غسل، وإن لم ينزل هو فليس عليه غسل " (* 1)، بناء على إرادة خصوص القبل من الفرج. لكن المبنى المذكور غير ظاهر. فتأمل. والارسال في الخبر المتقدم قد لا يقدح فيه كسائر مراسيل ابن أبي عمير. فتأمل. والمناقشة المذكورة في الاجماع لا تمنع من حصول الاطمئنان بمطابقته للواقع ولا سيما ولم يعرف فيه مخالف على البت، كما في الجواهر، فلا معدل عن المشهور. وأما ما في صحيح زرارة - من قول علي (ع): " أتوجبون عليه الحد والرجم ولا توجبون عليه صاعا من ماء؟!، إذا التقى الختانان فقد وجب عليه الغسل " (* 2) - فوروده مورد الاحتجاج والالزام وإن كان يدل على تسليم الخصم للملازمة بين الوجوبين ثبوتا أو إثباتا لاتحاد لسان دليلهما، إلا أنه لا إطلاق له يشمل المقام ونحوه مما هو خارج عن مورده، ولا سيما بملاحظة عدم إمكان الالتزام بالملازمة بين الوجوبين في كثير من الموارد. (1) أما في القبل فلتصريح النصوص به، وأما في الدبر فالكلام في الموطوء هو الكلام في الواطئ بعينه من حيث الاجماع والنص. (2) كما هو المشهور شهرة عظيمة، وقد صرح السيد (ره) في محكي كلامه بعدم الفرق في الاجماع المتقدم بين الذكر والانثى، وكذا عن السرائر، بل عن العلامة وولده والشهيد والمقداد والاحسائي والقطيفي


(* 1) الوسائل باب: 11 من أبواب الجنابة حديث: 1 (* 2) الوسائل باب: 6 من أبواب الجنابة حديث: 5

[ 20 ]

[ والصغير والكبير (1) والحي والميت (2) والاختيار والاضطرار، ] وغيرهم: أن كل من أوجب الغسل بالوطئ في دبر المرأة أوجبه بالوطئ في دبر الغلام. وربما يستدل له أيضا بحسن الحضرمي أو صحيحه عن الصادق (ع): " قال رسول الله (ص): من جامع غلاما جاء يوم القيامة جنبا لا ينقيه ماء الدنيا " (* 1)، بحمل ذيله على إرادة التغليظ، وهو أولى من حمله على ثبوت جنابة له غير الجنابة الموجبة للغسل. ولعل هذا المقدار كاف في الحكم بالوجوب، وان اختار العدم في المعتبر، وحكي عن الجامع وفي ظاهر الشرائع، وعن غيرها: التردد. والكلام في الموطوء بعينه الكلام في الواطئ، إذ يصعب جدا التفكيك بينهما، وإن كان ظاهر بعض إمكانه. (1) وكذا العاقل والمجنون، للاطلاق. ولا ينافيه حديث رفع القلم عن الصبي والمجنون (* 2) لظهوره في رفع قلم المؤاخذة، فيختص برفع الالزام ولا يقتضي رفع عامة الاحكام حتى الوضعية كما في المقام. ويترتب على ذلك ثبوت أحكام الجنب له، سواء أكانت متعلقة به كبطلان عبادته بدون الغسل لو قيل بمشروعيتها، أم بغيره مثل عدم جواز إدخاله المسجد لو قيل بعدم جواز إدخال جنب المسجد. (2) إجماعا منا، كما في الرياض، وعن ظاهر الخلاف، والمنتهى، والتذكرة، حيث نسب الخلاف فيها إلى الحنفية. واستدل له في الجواهر - مضافا إلى إطلاق النص والفتوى والاجماع المنقول - بالاستصحاب، وفحوى قوله (ع): " أتوجبون عليه...؟! "


(* 1) الوسائل باب 17 من أبواب النكاح المحرم حديث: 1 (* 2) الوسائل باب: 4 من ابواب مقدمة العباداب حديث: 11

[ 21 ]

[ في النوم أو اليقظة (1)، حتى لو أدخلت حشفة طفل رضيع فانهما يجنبان. وكذا لو أدخلت ذكر ميت أو أدخل في ميت، والاحوط في وطئ البهائم من غير إنزال الجمع بين الغسل والوضوء (2) ] ولكن إطلاق النص والفتوى غير ظاهر، لانصرافهما أو ظهورهما في خصوص الاحياء، والاستصحاب تعليقي والاشكال فيه معروف. والفحوى لا يمكن الاعتماد عليها كما عرفت. فالعمدة الاجماع المنقول المؤيد بارسال الحكم في لسان جماعة إرسال المسلمات. وعليه فلا إشكال في ثبوت الجنابة للحي وثبوت أحكامها المتعلقة به أو بغيره من الاحياء. إنما الاشكال في ثبوت الجنابة للميت، لعدم قيام إجماع عليه. وكذا في ثبوت أحكامها مثل حرمة إدخاله للمسجد. اللهم الا أن يعتمد على الاستصحاب التعليقي في جميع ذلك. (1) هذا - مع انه مما لا إشكال فيه ظاهرا - يقتضيه إطلاق الادلة: وحديث رفع الاضطرار (* 1)، ورفع القلم عن النائم (* 2) لا يقيده كما عرفت. (2) للاشكال في إيجابه الجنابة الناشئ من الاصل النافي له، ومن أنه يلوح من كلام السيد المرتضى دعوى الاجماع عليه، حيث قال (ره) - في ضمن كلام له -: " على أنهم يوجبون الغسل بالايلاج في فرج البهيمة ". وربما يستفاد من قول علي (ع): " أتوجبون...؟! " (* 3) ومن المرسل عن علي (ع): " ما أوجب الحد أوجب الغسل " (* 4)،


(* 1) الوسائل باب: 30 من أبواب الخلل في الصلاة ملحق حديث: 2 وباب: 56 من ابواب جهاد النفس حديث: 1 (* 2) الوسائل باب: 4 من أبواب مقدمة العبادات حديث: 11 (* 3) الوسائل باب: 6 من أبواب الجنابة حديث: 5 (* 4) كنز العمال ج: 5 ص: 132 رقم 2714

[ 22 ]

[ إن كان سابقا محدثا بالاصغر (1) والوطئ في دبر الخنثى موجب للجنابة (2) دون قبلها (3) إلا مع الانزال فيجب الغسل عليه دونها إلا أن تنزل هي أيضا. ولو أدخلت الخنثى في الرجل أو الانثى مع عدم الانزال لا يجب الغسل على الواطئ ولا على الموطوء (4)، وإذا أدخل الرجل بالخنثى والخنثى بالانثى ] لكن دعوى الاجماع يمتنع التعويل عليها مع مخالفة الكثير، بل نسب العدم إلى الاكثر، واستظهر في الحدائق انه المشهور، وقد عرفت الاشكال في استفادته من قول علي (ع). والمرسل غير ثابت وإنما حكي عن بعض كتب الفقهاء، والظاهر أنه مصطاد من الخبر الذي عرفت إشكاله. فلا معدل عن العمل بالاصل. نعم يمكن أن يتوهم أن مقتضى الاصول وجوب الجمع بين الغسل والوضوء إذا كان محدثا بالاصغر قبل وطئ البهيمة. وقد تقدم الكلام في نظيره في آخر مسائل فصل الاستبراء. (1) وكذا لو كان شاكا في حاله السابقة. (2) بلا إشكال - كما في الجواهر - لانه دبر حقيقة فيجري عليه حكمه المتقدم. (3) كما صرح به جماعة - كما في الجواهر - لاحتمال كونه ثقبا وليس بفرج، والاصل يقتضي الطهارة. وفي محكي التذكرة جعل وجوب الغسل فيه وجها، لقوله (ع): " إذا التقي الختانان... " (* 1). وفيه: أن منصرفه العضو الاصلي فلا يشمل الزائد وإن كان مشابها له. (4) لاحتمال كون ما أدخلته زائدا. واحتمل في محكي التذكرة أيضا وجوب الغسل، للعموم. وعرفت ما فيه.


(* 1) الوسائل باب: 6 من أبواب الجنابة حديث: 2

[ 23 ]

[ وجب الغسل على الخنثى (1) دون الرجل والانثى (2). (مسألة 1): إذا رأي في ثوبه منيا وعلم أنه منه ولم يغتسل بعده وجب عليه الغسل (3) وقضاء ما تيقن من الصلوات التي صلاها بعد خروجه، وأما الصلوات التي يحتمل سبق الخروج عليها فلا يجب قضاؤها (4)، وإذا شك في أن هذا المني منه أو من غيره لا يجب عليه الغسل (5) وإن كان أحوط خصوصا إذا كان الثوب مختصا به (6)، وإذا علم أنه منه ولكن ] (1) للعلم بجنابتها، لانها إما واطئة وإما موطوءة. (2) لاحتمال كون كل منهما لا واطئا للعضو الاصلي ولا موطوءا به. نعم يجري عليهما ما يجري على واجدي المني في الثوب المشترك، للعلم الاجمالي بجنابة أحدهما. (3) ضرورة حجية العلم. (4) كما هو المشهور. لقاعدة الفراغ، ولاستصحاب الطهارة. وعن المبسوط: وجوب قضاء كل صلاة صلاها بعد آخر غسل واقع. وعلل بالاحتياط. وهو كما ترى. (5) لاستصحاب الطهارة. (6) فان ظاهر جماعة وصريح آخر: وجوب الغسل حينئذ، عملا بظاهر الحال المستفاد حجيته من موثق سماعة: " عن الرجل يرى في ثوبه المني بعد ما يصبح، ولم يكن رأي في منامه أنه قد احتلم؟ قال (ع): فليغتسل وليغسل ثوبه ويعيد صلاته " (* 1)، وموثقه الآخر: " عن الرجل


(* 1) الوسائل باب: 10 من أبواب الجنابة حديث: 2

[ 24 ]

ينام ولم ير في نومه أنه احتلم، فوجد في ثوبه وعلى فخذه الماء، هل عليه غسل؟ قال (ع): نعم " (* 1). لكن كما يحتمل فيهما السؤال عن الحكم الظاهري للمني المشكوك كونه من المكلف، أو المعلوم كونه منه المشكوك كونه من جنابة جديدة، يحتمل أيضا أن يكون السؤال عن الحكم الواقعي للمني المعلوم الخروج من المكلف إذا لم يكن خروجه عن احتلام بل عن أسباب اقتضاها المزاج، وحيث أن يمتنع أن يكون السؤال عنهما معا - لعدم الجامع بينهما - ولا قرينة على تعيين أحدهما بعينه لا مجال للخروج بهما عن القاعدة المسلمة: من عدم نقض اليقين بالشك. هذا مضافا إلى معارضتهما بموثق أبي بصير عن أبي عبد الله (ع): " عن الرجل يصيب ثوبه منيا ولم يعلم أنه احتلم؟ قال (ع): ليغسل ما وجد بثوبه وليتوضأ " (* 2)، وكما يمكن الجمع بينهما بحمل الاولين على الثوب المختص - بقرينة ذكر الفخذ في أحدهما - وحمل الاخير على المشترك، يمكن أيضا حمل الاولين على صورة العلم بكون المني من جنابة لم يغتسل منها وحمل الاخير على صورة العلم بكونه منه مع احتمال كونه من جنابة قد اغتسل منها، بقرينة اختلاف المتنين في الخصوصيات المناسبة لذلك، فان قول السائل في موثق سماعة: " ولم يكن رأي في منامه... " ظاهر في السؤال عن خروج المني بدون احتلام في النوم السابق على الرؤية فيكون السؤال فيه عن الحكم الواقعي. وأما قول السائل في موثق أبي بصير " ولم يعلم أنه احتلم " فظاهر في السؤال عن رؤية المني مع عدم العلم بسببه،


(* 1) الوسائل باب: 10 من أبواب الجنابة حديث: 1 (* 2) الوسائل باب: 10 من أبواب الجنابة حديث: 3

[ 25 ]

[ لم يعلم أنه من جنابة سابقة اغتسل منها أو جنابة أخرى لم يغتسل لها لا يجب عليه الغسل (1) أيضا. لكنه أحوط. ] فان كان غرض السائل السؤال عن صورة احتمال كونه عن جنابة سابقة قد اغتسل منها لم يكن منافيا لما سبق، وإن كان غرضه السؤال عن صورة العلم بخروج المني مع عدم العلم بالاحتلام - فيكون سؤالا عن الحكم الواقعي - كان ظاهره غير معمول به. وعلى كل حال فالطائفة الاولى بعد ما كانت ظاهرة في الحكم الواقعي لا مجال للتمسك بها في الحكم الظاهري، فلا مجال لرفع اليد بها عن عموم دليل الاستصحاب والله سبحانه اعلم. (1) لاستصحاب الطهارة. ولا يجري فيه ما تقدم ويأتي في مسألة من تيقن الطهارة والحدث وشك في المتقدم منهما، لما ذكره في الجواهر من الفرق الواضح بين ما نحن فيه وبين تلك المسألة، لانه في المقام لا يعلم حدوث جنابة غير الاولى فكان الاصل عدمها، كما هو الحال في كل ما شك في تعدده واتحاده، بخلاف تلك المسألة فان من المعلوم وقوع الحدث والطهارة معا لكنه جهل صفة السبق واللحوق، وهنا لم يعلم أصل الوجود فضلا عن السبق واللحوق. انتهى. ويمكن أن يقال: بعدم الفرق بينهما من هذه الجهة، إذ في المقام أيضا يعلم بوجود الجنابة حال خروج المني الذي وجده، وإنما يشك في انطباقها على الجنابة التي اغتسل منها وعدم انطباقها عليها بأن تكون جنابة جديدة بعد الغسل، فكما يمكن أن تستصحب الطهارة يمكن أن تستصحب تلك الجنابة العلومة الاجمال، فيتعارض الاستصحابان ويرجع إلى قاعدة الاشتغال الموجبة للغسل، نظير ما قيل في تلك المسالة. نعم تفترق المسألتان من جهة أخرى، وهي: أن في تلك المسالة

[ 26 ]

[ (مسألة 2): إذا علم بجنابة وغسل ولم يعلم السابق منهما وجب عليه الغسل (1)، إلا إذا علم زمان الغسل دون الجنابة فيمكن استصحاب الطهارة حينئذ. (مسألة 3): في الجنابة الدائرة بين شخصين لا يجب الغسل على واحد منهما (2)، ] يعلم بتكرر السبب وإنما الشك في أن السبب الثاني وقع بعد السبب الاول بلا فصل بالحالة المضادة أو مفصولا بها، وهنا لا يعلم بتكرر السبب لاحتمال كون المني الذي وجده هو المني الذي أوجب الجنابة الاولى. ولاجل الفرق المذكور لا يمكن تصور صورة الجهل بتاريخ الغسل والعلم بتاريخ الجنابة، ولا الجهل بتاريخهما معا، للعلم بتاريخ الغسل والجنابة الاولى، فيتعين فيه فرض صورة واحدة وهي العلم بتاريخ الغسل والجهل بتاريخ الجنابة. وقد عرفت أن التحقيق فيها هو استصحاب الغسل وعدم معارضته باستصحاب الجنابة لعدم جريان الاستصحاب في مجهول التاريخ. نعم بناء على المشهور من جريان الاستصحاب في مجهول التاريخ ينبغي أن يحكم في المقام بتعارض الاستصحابين والرجوع إلى قاعدة الاشتغال الموجبة لتجديد الغسل كما ذكرنا. فتأمل جيدا. ومنه تعرف الوجه في كون الاحوط الغسل. مضافا إلى احتمال كون مفاد موثقي سماعة وجوب الغسل في المقام، وهو ما إذا علم أن المني منه وكان يحتمل انه قد اغتسل منه، كما احتمله بعض. وبه جمع بينهما وبين موثق أبي بصير فحمله على ما إذا لم يعلم أن المني منه. (1) تقدم الكلام في تمام هذه المسألة في المسألة السابعة والثلاثين من فصل شرائط الوضوء، فراجع. (2) إتفاقا كما في الحدائق، وفي الجواهر: " لم أعثر على خلاف

[ 27 ]

[ والظن كالشك (1)، وإن كان الاحوط فيه مراعاة الاحتياط، فلو ظن أحدهما أنه الجنب دون الآخر اغتسل وتوضأ إن كان مسبوقا بالاصغر (2). (مسألة 4): إذا دارت الجنابة بين شخصين لا يجوز لاحدهما الاقتداء بالآخر (3). للعلم الاجمالي ] فيه بين أصحابنا، بل لعله إجماعي كما عساه يظهر من المنقول في السرائر من خلاف المرتضى، وبه صرح بعض المتأخرين كصاحب المدارك وغيره " وكأن الوجه فيه أنه عمل كل واحد منهما باستصحاب طهارة نفسه. ولا يمنع عنه العلم الاجمالي المذكور، لخروج أحد طرفيه وهو جنابة الآخر عن محل الابتلاء. وقد تحقق في محله ان مثل ذلك مانع من منجزية العلم ومن منعه عن إعمال الاصل في الطرف الذي هو محل الابتلاء. نعم إذا كان الشخص الآخر محل الابتلاء - وإن لم يكن من جهة الاقتداء به بل كان من جهة أخرى، مثل عدم جواز استئجاره لكنس المسجد بنفسه أو نحو ذلك - وجب الغسل، للعلم الاجمالي بوجوب الغسل أو بحرمة الاجارة مثلا، فالرجوع إلى الاصل وعدم وجوب الغسل إنما هو إذا كان الآخر خارجا عن محل الابتلاء أصلا لا من جهة الاقتداء ولا من جهة أخرى. (1) لاصالة عدم الحجية، فلا يقدح في جريان الاستصحاب المتقدم. وقد تحقق في مبحث الاستصحاب ان الشك الذي لا يجوز به رفع اليد عن اليقين يراد به ما يقابل اليقين، كما لعله معناه لغة، ويساعده بعض القرائن المشتمل عليها أدلة الاستصحاب. (2) وكذا لو كان شاكا في ذلك. (3) كما عن المعتبر، والايضاح، والبيان وجامع المقاصد، وحاشية

[ 28 ]

[ بجنابته أو جنابة إمامه (1)، ولو دارت بين ثلاثة يجوز لواحد أو الاثنين منهم الاقتداء بالثالث، ] الشرائع، والمسالك، والروض، وكشف اللثام، وكثير ممن عاصرناه أو قارب عصرنا. (1) الموجب للعلم الاجمالي بفساد إحدي الصلاتين الموجب للعلم التفصيلي ببطلان الاقتداء، إذ الاقتداء إنما يكون في الصلاة الصحيحة بالصلاة كذلك. وعن المنتهى، والتذكرة، والتحرير، ونهاية الاحكام، والمدارك والحدائق، واللوامع، وغيرها: الجواز، بل نسب إلى معظم الطبقة الثالثة لصحة الصلاتين، لحصول الطهارة لكل من الامام والمأموم، ولذا لم يجب عليهما الغسل كما تقدم، ولسقوط حكم هذه الجنابة في نظر الشارع، ولذا يجوز لكل منهما الدخول في المساجد وقراءة العزائم. ولانا نمنع حصول الحدث الا مع تحقق الانزال من شخص بعينه، ولذا ارتفع لازمه وهو وجوب الطهارة. وهذه الوجوه متقاربة راجعة إلى إثبات صحة الصلاة ظاهرا بالاضافة إلى المصلي نفسه، وهو غير محل الكلام الذي هو صحة تمام الصلاتين بالاضافة إلى كل منهما مع العلم الاجمالي بخلاف ذلك الموجب للعلم التفصيلي ببطلان الائتمام، ولذا لو كان الامام مستصحب الطهارة من الحدث فانه تصح صلاته ظاهرا في حقه ولا يجب عليه الغسل، ويجوز له قراءة العزائم ودخول المساجد، ولكن لا يجوز لمن علم تفصيلا بجنابته الائتمام به، فثبوت الاحكام المذكورة ظاهرا في حق المكلف نفسه لا يسوغ لغيره الائتمام به إذا كان عالما تفصيلا بجنابته. نعم قد يظهر من الوجه الاخير

[ 29 ]

أن العلم بالانزال من شخص بعينه شرط في تحقق الحدث واقعا بالاضافة إليه. ولكنه مما لا ينبغي أن يتوهم، فانه خلاف المتفاهم القطعي من النصوص. كما أنه لو ثبت كون الاحكام الظاهرية المذكورة في حق مكلف موضوعا لجواز الائتمام به واقعا، كان الحكم بجواز الائتمام في المقام وفي الفرض المذكور في محله. إلا أن الوجوه المذكورة أجنبية عن ذلك، بل لا يظن من أحد الالتزام بجواز الائتمام في الفرض المذكور. وأما ما في الجواهر - من أن أقصى ما ثبت من الادلة اشتراطه في الائتمام هو عدم علم المأموم بفساد صلاة الامام، فوجود الجنابة واقعا للامام لا يمنع من جواز الائتمام به. ولذا لا خلاف ظاهرا في جواز ائتمام ثالث بأحد واجدي المني في فرض وبالآخر في فرض آخر مع العلم بوقوع الائتمام بالجنب في أحد الفرضين. انتهى - فغير ظاهر. والاجماع على جواز الائتمام من ثالث بواجدي المني في فرضين غير ثابت بنحو يصح الاعتماد عليه. نعم قد يمكن الاستدلال عليه بما ورد في الاخبار الكثيرة: من عدم وجوب الاعادة على المأمومين إذا تبين كون الامام على غير طهارة (* 1) أو كافرا (* 2)، أو غير مستقبل للقبلة (* 3)، أو غير ناو للصلاة (* 4) أو عرض له في أثناء الصلاة ما يمنعه من البقاء على الامامة من موت أو حدث أو نحوهما (* 5). لكن - مع ان مورد بعضها صورة علم الامام بالفساد في الجميع - إنما يدل جميعها على صحة صلاة المأمومين ولا يدل


(* 1) الوسائل باب: 36 من أبواب صلاة الجماعة (* 2) الوسائل باب: 37 من أبواب صلاة الجماعة (* 3) الوسائل باب: 38 من أبواب صلاة الجماعة (* 4) الوسائل باب: 39 من أبواب صلاة الجماعة (* 5) الوسائل باب: 43 و 72 من أبواب صلاة الجماعة

[ 30 ]

على صحة الائتمام. ولذا أفتى المصنف وغيره بفساد الجماعة لو تبين بعد الصلاة فساد صلاة الامام. فان قلت: إطلاق النصوص - صحة صلاة المأمومين الشامل لصورة مخالفتها لصلاة المنفرد - يدل على صحة الائتمام بالالتزام. قلت: صحة صلاة المأموم حال مخالفتها لصلاة المنفرد -: بترك القراءة أو الجهر بها في بعض المواضع أو نحوهما مما لا يقدح سهوا - لا يلازم صحة الائتمام بوجه، لجواز الاخلال سهوا بمثل ذلك في صلاة المنفرد. والمخالفة بغير ذلك - مثل زيادة الركوع، والرجوع إلى الامام في الشك في الاوليين، ونحوهما مما يقدح بصلاة المنفرد عمدا وسهوا، لو سلم إطلاق النصوص بنحو يشملها ولم يمنع، لقرب دعوى كون السؤال في تلك النصوص عن صحة صلاة المأموم من حيث كونه مقتديا بغير المصلي، لا من حيث وقوع الخلل المبطل لصلاة المنفرد - لا تدل على صحة الائتمام أيضا، إذ من الجائز عذر الشارع للمأموم في وقوع مثل هذا الخلل وإن لم يصح له الائتمام. مضافا إلى معارضة الاطلاق المذكور لاطلاق ما دل على قدح الخلل المزبور، والاخذ بهذا الاطلاق أولى من الاخذ باطلاق النصوص المذكورة، لندرة وقوع الخلل في صلاة المأموم بالنحو المسطور ولا سيما مع ما عرفت من ضعف إطلاقها لو سلم. ولاجل ذلك أفتى غير واحد ببطلان صلاة المأموم إذا اختلت بما يبطل صلاة المنفرد فيما لو تبين فساد صلاة الامام. نعم يشكل ما ذكرنا بأن ظاهر النص والفتوى عدم الفرق في صحة الصلاة بين ما يعتبر فيها الائتمام كالجمعة وبين غيرها، ويصعب الالتزام بصحة الاولى مع عدم صحة الائتمام. لكن على تقديره يجب الاقتصار على

[ 31 ]

[ لعدم العلم حينئذ (1)، ولا يجوز لثالث علم إجمالا بجنابة أحد الاثنين أو أحد الثلاثة الاقتداء بواحد منهما أو منهم (2)، ] مورد النصوص، وهو خصوص صورة تبين الفساد بعد الفراغ، أو في الاثناء مع قيام الحجة عند المأموم على صحة صلاة الامام، ولا يجوز التعدي عنه إلى صورة عدم قيام الحجة على صحتها، فضلا عن صورة قيامها على فسادها، ولو كانت هي العلم الاجمالي كما في المقام، بل المرجع في الصورتين المذكورتين إلى عموم البطلان المستفاد من نصوص أبواب الجماعة الظاهرة في أن الائتمام إنما يكون في الصلاة الصحيحة المطابق لمرتكزات المتشرعة، أو إلى أصالة البطلان لو لم يتم العموم المذكور، لما ذكرنا في مبحث الجماعة من هذا الشرح من عدم الاطلاق الصالح للمرجعية في نفي الشك في اعتبار شرطية شئ للجماعة والائتمام. وكأنه لذلك لم يجر على لسان أحد ممن قال بجواز الاقتداء في المقام الاستدلال عليه بعدم اعتبار صحة صلاة الامام في جواز الائتمام، بل إنما استدلوا عليه بما تقدم من الوجوه الراجعة إلى تصحيح صلاة الامام فالقول بعدم جواز الائتمام في المقام هو المتعين، والله سبحانه أعلم. (1) العلم المتقدم وأن لم يكن حاصلا لكنه يعلم إجمالا بجنابة أحدهم وقد عرفت أنه مع العلم الاجمالي بالجنابة لا يجوز الاقتداء، للعلم إجمالا بفساد الاقتداء باحد صاحبيه، فيلحقه حكم الصورة الآتية (2) لما عرفت من العلم الاجمالي بالجنابة الموجب للعلم الاجمالي بفساد الاقتداء. وقد تقدم ما في الجواهر من عدم الخلاف ظاهرا في جواز الاقتداء في الفرض. كما تقدم أنه خلاف القاعدة المشار إليها، ولم يثبت إجماع يصح الاعتماد عليه في الخروج عنها.

[ 32 ]

[ إذا كانا أو كانوا محل الابتلاء له (1) وكانوا عدو لا عنده (2)، وإلا فلا مانع. والمناط علم المقتدي بجنابة أحدهما لا علمهما، فلو اعتقد كل منهما عدم جنابته وكون الجنب هو الآخر أولا جنابة لواحد منهما وكان المقتدي عالما كفي في عدم الجواز (3). كما أنه لو لم يعلم المقتدي إجمالا بجنابة أحدهما وكانا عالمين بذلك لا يضر باقتدائه (4). (مسألة 5): إذا خرج المني بصورة الدم وجب الغسل أيضا (5) بعد العلم بكونه منيا. ] (1) لما قد تقرر في محله: من أن العلم الاجمالي إنما يكون منجزا إذا لم يخرج بعض أطرافه عن محل الابتلاء. وإلا فلا مانع من جريان الاصل فيما هو محل الابتلاء، فيرجع كل من الامام والمأموم إلى استصحاب الطهارة فيه وفي صاحبه. هذا إذا كان الخروج عن محل الابتلاء قبل العلم أو حاله. أما لو كان بعد العلم فكما لو لم يخرج عن محل الابتلاء، وقد أشرنا إلى ذلك كله في أحكام النجاسات. (2) أما لو كان أحدهما فاسقا، أو مشكوك الفسق، فالعلم التفصيلي بعدم جواز الائتمام به موجب لانحلال العلم الاجمالي المتقدم، فلا مانع من جريان الاصل فيما هو معلوم العدالة. وكذا الحال لو علم كون أحدهما فاقدا لبقية شرائط الامامة، أو مشكوكا كونه كذلك مع عدم الاصل المحرز لها، لعين الوجه المتقدم. (3) لان علمه حجة عليه، وعلم غيره لا يكون حجة إلا على العالم. (4) لعدم حجية علميهما عليه، فلا مانع له من إجراء أصل الطهارة في كل منهما. نعم إخبار الشخص عن جنابة نفسه يكون حجة. (5) وعن الذكرى، والمدارك: أنه الاقرب. وعن جامع المقاصد

[ 33 ]

[ (مسألة 6): المرأة تحتلم كالرجل، ولو خرج منها المني حينئذ وجب عليها الغسل، والقول بعدم احتلامهن (1) ضعيف (مسألة 7): إذا تحرك المني في النوم عن محله بالاحتلام ولم يخرج إلى خارج لا يجب الغسل كما مر (2)، فإذا كان بعد دخول الوقت ولم يكن عنده ماء للغسل هل يجب عليه حبسه عن الخروج أولا؟ الاقوى عدم الوجوب (3)، وإن لم يتضرر به، بل مع التضرر يحرم ذلك (4)، فبعد خروجه يتيمم للصلاة (5)، نعم لو توقف إتيان الصلاة في الوقت على حبسه - بأن لم يتمكن ] والذخيرة: التردد فيه، وعن نهاية الاحكام: احتمال العدم لان المني دم في الاصل فلما لم يستحل ألحق بالدماء. إنتهى. وقد يظهر من كلامه التشكيك في كونه منيا، وحينئذ فعدم الوجوب في محله. لكن التشكيك لا وجه له فان اللون كسائر الصفات غالب الثبوت للمني و قد تتخلف، فاطلاق أدلة وجوب الغسل لخروجه محكم. (1) تقدمت حكايته عن المقنع في أول الفصل، وتقدم وجه ضعفه. (2) ومر وجهه. (3) فانه من صغريات ما في المسألة الآتية فيشمله دليله. واحتمال الفرق بين الجماع وغيره موهون جدا. (4) لما دل على حرمة الضرر. (5) يعني: ولا إعادة عليه كما هو المشهور. وعن المقنعة، والهداية والخلاف: أن من تعمد الجنابة وجب عليه الغسل وان خاف التلف. وعن المبسوط، والنهاية، والتهذيب، والاستبصار، وغيرها: يتيمم وعليه الاعادة. وسيأتي الكلام في هذه المسألة في مبحث التيمم إن شاء الله تعالى.

[ 34 ]

[ من الغسل، ولم يكن عنده ما يتيمم به، وكان على وضوء بأن كان تحرك المني في حال اليقظة، ولم يكن في حبسه ضرر عليه - لا يبعد وجوبه (1) فانه على التقادير المفروضة لو لم يحبسه لم يتمكن من الصلاة في الوقت ولو حبسه يكون متمكنا. (مسألة 8): يجوز للشخص إجناب نفسه (2) ] (1) لوجوب الصلاة بالطهارة المتوقفة عليه، ولا موجب للخروج عن ذلك من إجماع أو سيرة أو غيرهما. (2) إجماعا كما في المستند، وفي الجواهر عن المعتبر. ويدل عليه مصحح إسحاق بن عمار عن الصادق (ع): " عن الرجل يكون معه أهله في السفر لا يجد الماء، أيأتي أهله؟ قال: (ع): ما أحب أن يفعل، إلا أن يخاف على نفسه. قال قلت: طلب بذلك اللذة، أو يكون شبقا إلى النساء؟ قال (ع): إن الشبق يخاف على نفسه. قال قلت: طلب بذلك اللذة قال (ع): هو حلال... " (* 1). ونحوه ما عن مستطرفات السرائر (* 2). وعن ظاهر عبارتي المفيد وابن الجنيد: انه غير جائز. ولو ثبت فلا وجه له الا بعض النصوص الدالة على وجوب الغسل على من أجنب نفسه وان تضرر (* 3)، ولكن - مع أنه لا ملازمة بين وجوب الغسل وحرمة الجنابة، بل بعض تلك النصوص مورده جنابة الامام (ع) نفسه (* 4) الذي يمتنع عليه فعل الحرام، فيكون دليلا على الحل - لا مجال لتقديمها على المصحح المتقدم، مع ما هو عليه من الصراحة في الجواز،


(* 1) الوسائل باب: 50 من أبواب مقدمات النكاح حديث: 1 (* 2) راجع الوسائل باب: 27 من أبواب التيمم (* 3) راجع الوسائل باب: 17 من أبواب التيمم (* 4) الوسائل باب: 17 من أبواب التيمم حديث: 3

[ 35 ]

[ ولو لم يقدر على الغسل وكان بعد دخول الوقت (1). نعم إذا لم يتمكن من التيمم أيضا لا يجوز ذلك (2)، وأما في الوضوء فلا يجوز لمن كان متوضئا - ولم يتمكن من الوضوء لو أحدث - أن يبطل وضوءه إذا كان بعد دخول الوقت (3)، ففرق في ذلك بين الجنابة والحدث الاصغر، والفارق النص (4)، (مسألة 9): إذا شك في أنه هل حصل الدخول أم لا؟ لم يجب عليه الغسل (5)، وكذا لو شك في أن المدخول فيه فرج أو دبر أو غيرهما فانه لا يجب عليه الغسل، (مسألة 10): لا فرق في كون إدخال تمام الذكر أو الحشفة موجبا للجنابة بين أن يكون مجردا أو ملفوفا بوصلة أو غيرها (6)، إلا أن يكون بمقدار لا يصدق عليه الجماع. ] وموافقته للاجماع المدعى. (1) لاطلاق نص الجواز. (2) لانه غير مورد النصوص، وقد عرفت أن المنع مقتضى القاعدة لانه تفويت للصلاة. (3) لما عرفت الاشارة إليه من أن الجمع العرفي بين أدلة الوضوء والتيمم هو كون التيمم واجبا في ظرف سقوط وجوب الوضوء مع بقاء ملاكه، فيكون وجوب الوضوء مطلقا غير مشروط ملاكه بوجدان الماء وحينئذ فتفويته اختيارا تفويت للواجب المطلق، فيكون حراما. (4) يعني: المسوغ في الجنابة لا غير، وأما عدم الجواز في الوضوء فليس مستندا إلى النص، بل إلى القاعدة التي أشرنا إليها. (5) لاصالة عدم السبب، وكذا الوجه فيما بعده. (6) كما صرح به جماعة كالعلامة، وولده، والشهيد، والمحقق الثاني

[ 36 ]

[ (مسألة 11): في الموارد التي يكون الاحتياط في الجمع بين الغسل والوضوء الاولى أن ينقض الغسل بناقض من مثل البول ونحوه ثم يتوضأ، لان الوضوء مع غسل الجنابة غير جائز (1)، والمفروض احتمال كون غسله غسل الجنابة. ] وعن شرح المفاتيح: نسبته إلى الفقهاء، لكن تنظر فيه في القواعد. وعن النهاية: احتمال العدم، لعدم استكمال اللذة. كما احتمل فيها أيضا التفصيل بين اللينة التي لا تمنع وصول البلل ولا الحرارة وبين غيرها. هذا ويحتمل التفصيل بين صورة كون الخرقة ونحوها ملحوظة عرفا تابعة لاحد العضوين بحيث يصدق إدخال الذكر ملفوفا، أو الادخال في الفرج الموصول بالخرقة وبين غيرها التي لا يصدق معها الادخال فيه، بل الادخال في غيره، وكأن هذا هو مراد المصنف (ره) من الاستثناء، وإلا فالمذكور في النصوص لا يختص بالجماع، بل كما ذكر الجماع ذكر الادخال والايلاج، والتقاء الختانين، وغيبوبة الحشفة، ونحوها، وإطلاقها اللفظي وان كان شاملا لجميع الصور، الا أن المنصرف إليه من الجميع ما لا يشمل صورة كون الخرقة ملحوظة في قبال كل من العضوين. والله سبحانه أعلم. (1) الظاهر من عدم جوازه عدم جوازه بعنوان المشروعية لا حرمته ذاتا، وحينئذ فالاتيان به برجاء المطلوبية لا يصدق معه التشريع، لكنه مشابه له صورة ولذا كان الاولى تركه.

[ 37 ]

[ (فصل فيما يتوقف على الغسل من الجنابة) وهي أمور: الاول: الصلوة واجبة أو مستحبة (1)، أداء وقضاء لها ولا جزائها المنسية (2)، وصلاة الاحتياط، بل وكذا سجدتا السهو على الاحوط. نعم لا يجب في صلاة الاموات (3)، ولا في سجدة الشكر والتلاوة (4). ] (فصل فيما يتوقف على الغسل من الجنابة) (1) إجماعا، بل ضرورة، وتقتضيه النصوص الكثيرة المتفرقة في أبواب العبادات، مثل قوله (ع): " لا صلاة إلا بطهور " (* 1)، وحديث: " لا تعاد... " (* 2)، وما ورد في قضاء من صلى بغير طهور (* 3)، وفيمن نسي غسل الجنابة في شهر رمضان وأنه يقضي صومه وصلاته (* 4) إلى غير ذلك. (2) كما تقدم في غايات الوضوء، وتقدم أيضا وجه اعتباره في سجدتي السهو وضعفه. نعم قد ذكرنا في مبحث الخلل من هذا الشرح: قرب دعوى استفادته مما دل على أنهما قبل الكلام. (3) لما يأتي - إن شاء الله تعالى - من النصوص الكثيرة الدالة على جواز إيقاعها على غير طهور وعلى غير وضوء. (4) لاطلاق أدلتهما من غير مقيد.


(* 1) الوسائل باب: 14 من أبواب الجنابة حديث: 2 (* 2) الوسائل باب: 3 من ابواب الوضوء حديث: 8 (* 3) الوسائل باب: 39 من أبواب الجنابة حديث: 2 (* 4) الوسائل باب: 39 من أبواب الجنابة حديث: 1

[ 38 ]

[ الثاني: الطواف الواجب (1) دون المندوب (2) لكن يحرم على الجنب دخول المسجد الحرام (3)، فتظهر الثمرة فيما لو دخله سهوا وطاف، فان طوافه محكوم بالصحة (4). نعم يشترط في صلاة الطواف الغسل (5) ولو كان الطواف مندوبا. الثالث: صوم شهر رمضان وقضاؤه، بمعني أنه لا يصح إذا أصبح جنبا متعمدا أو ناسيا للجنابة (6). ] (1) كما تقدمت الاشارة إلى ذلك في غايات الوضوء. (2) للاصل. والنص المتقدم في الوضوء لا يدل عليه، وإنما يدل على صحته مع الحدث الاصغر لا غير. وقاعدة حمل المندوب على الواجب تختص بالماهيات المخترعة، فلا تشمل مثل الطواف. وصحيح ابن جعفر (عليه السلام) - " عن رجل طاف بالبيت وهو جنب فذكر وهو في الطواف؟ قال (ع): يقطع طوافه لا يعتد بشئ مما طاف، وسألته عن رجل طاف ثم ذكر أنه على غير وضوء؟ فقال (ع): يقطع طوافه ولا يعتد به " (* 1) - ظاهر في الطواف الواجب بقرينة ذيله. فلاحظ. (3) كما سيأتي. (4) كما نص على ذلك في الجواهر، نظير صحة الصلاة في الدار المغصوبة مع العذر في حرمة الغصب. (5) لعموم أدلة اعتباره في الصلاة. مضافا إلى ما ورد فيها بالخصوص. (6) أما مع العمد في شهر رمضان فهو المشهور، بل عليه الاجماع عن جماعة، وفي الجواهر: " يمكن دعوى تواتر نقله وأن الحكم فيه من القطعيات ".


(* 1) الوسائل باب: 38 من أبواب الطواف حديث: 4

[ 39 ]

ويدل عليه جملة من النصوص كصحيح الحلبي عن أبي عبد الله (ع): " في رجل احتلم أول الليل، أو أصاب من أهله، ثم نام متعمدا في شهر رمضان حتى أصبح؟ قال (ع): يتم صومه ذلك ثم يقضيه إذا أفطر من شهر رمضان ويستغفر ربه " (* 1). ويعارضها جملة أخرى، كالصحيح عن حبيب الخثعمي عن أبي عبد الله (ع): " كان رسول الله (ص) يصلي صلاة الليل في شهر رمضان ثم يجنب، ثم يؤخر الغسل متعمدا حتى يطلع الفجر " (* 2). ولكنها مطروحة، أو محمولة على التقية، كما يظهر من ملاحظة بعضها، وبعضها محمول على غير العمد جمعا. وأما في قضاء شهر رمضان فهو المنسوب إلى ظاهر المشهور، ويقتضيه بعض النصوص كصحيح ابن سنان: " سأل أبا عبد الله (ع) عن الرجل يقضي شهر رمضان فيجنب من أول الليل ولا يغتسل حتى يجئ آخر الليل وهو يرى أن الفجر قد طلع؟ قال (ع): لا يصوم ذلك اليوم ويصوم غيره " (* 3)، لكن في المعتبر: " لقائل أن يخص هذا الحكم برمضان دون غير من الصيام ". ولا وجه له ظاهر بعد ورود الصحيح المذكور وغيره. وأما مع النسيان في شهر رمضان فهو المحكي عن الاكثر لجملة من النصوص كصحيح الحلبي عن الصادق (ع): " عن رجل أجنب في شهر رمضان فنسي أن يغتسل حتى خرج رمضان؟ قال (ع): عليه أن يقضي الصلاة والصيام " (* 4) ونحو روايته الاخرى (* 5)، وقريب منه


(* 1) الوسائل باب: 16 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 1 (* 2) الوسائل باب: 16 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 5 (* 3) الوسائل باب: 19 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 1 (* 4) الوسائل باب: 30 من ابواب من يصح منه الصوم حديث: 3 (* 5) الوسائل باب: 30 من ابواب من يصح منه الصوم ملحق حديث: 3

[ 40 ]

[ وأما سائر الصيام ما عدا رمضان وقضائه فلا يبطل بالاصباح جنبا (1) وان كانت واجبة. ] رواية إبراهيم بن ميمون (* 1). وعن الحلي وجماعة الصحة، وفي الشرائع " انه الاشبه " وكأنه لحديث رفع النسيان (* 2)، ولما دل على الصحة مع غلبة النوم، ولكنه كما ترى، وأما في قضاء شهر رمضان فلا دليل عليه بالخصوص. اللهم إلا أن يستفاد مما دل على مساواة القضاء للاداء كما تقدمت الاشارة إليه، أو من إطلاق صحيح ابن سنان المتقدم ونحوه، بل مقتضى إطلاقه البطلان مع الجهل وغيره من سائر الاعذار. (1) لعدم الدليل، عليه والاصل ينفيه. ودعوى أن مقتضى القاعدة إلحاق المندوب بصوم رمضان فضلا عن إلحاق سائر أفراد الصوم الواجب به، وعلى ذلك استقر بناء الاصحاب في غير المقام، وقد أشرنا إلى وجهه في المباحث السابقة. مندفعة بأن ذلك يتم لو لم يرد بيان من الشارع، فان ترك البيان قرينة على الاعتماد على بيانه للواجب، لكن قد ورد في بعض النصوص جواز الصوم المندوب مع الاصباح جنبا عمدا ففي خبر الخثعمي: " قلت لابي عبد الله (ع): أخبرني عن التطوع وعن هذه الثلاثة أيام إذا أجنبت من أو الليل فأعلم أنه قد أجنبت فأنام متعمدا حتى ينفجر الفجر، أصوم أو لا أصوم؟ قال (ع): صم " (* 3) وقريب منه موثق ابن بكير (* 4) وحينئذ فكما يمكن إلحاق الواجب عدا صوم رمضان وقضائه


(* 1) الوسائل باب: 30 من أبواب من يصح منه الصوم حديث: 1 (* 2) الوسائل باب: 30 من أبواب الخلل في الصلاة حديث: 2. وباب: 56 من أبواب جهاد النفس (* 3) الوسائل باب: 20 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 1 (* 4) الوسائل باب، 20 من أبواب ما يمسك عنه الصائم حديث: 2

[ 41 ]

[ نعم الاحوط في الواجبة منها ترك تعمد الاصباح جنبا (1). نعم الجنابة العمدية في أثناء النهار تبطل جميع الصيام (2) حتى المندوبة منها. وأما الاحتلام فلا يضر بشئ منها (3) حتى صوم رمضان. ] بهما، يمكن أيضا إلحاقه بالمندوب، وإذا لا معين فالمرجع أصالة البراءة الموجبة لمساواته للمندوب. فان قلت: لم يرد في الناسي بيان في المندوب على خلاف البيان في صوم رمضان، فاللازم إلحاق مطلق الصوم حتى المندوب به. قلت: ما دل على جواز الصوم ندبا مع تعمد البقاء جنبا يصلح أن يكون بيانا لصحة المندوب مع نسيان الجنابة، وحينئذ يجري فيه ما تقدم في العمد بعينه. وتمام الكلام في ذلك موكول إلى محله من كتاب الصوم. (1) كما لعله المشهور. إلحاقا لمطلق الصوم برمضان وقضائه، واقتصارا في خبر الخثعمي، ونحوه على خصوص مورده. (2) إجماعا بين المسلمين، بل لعله من ضروريات الدين، ويقتضيه الكتاب والسنة. نعم قد يظهر الخلاف أو التردد من بعض في البطلان بالوطئ في دبر الغلام والمرأة، ولعله - كبعض النصوص - راجع إلى المنع عن حصول الجنابة به. وتمام الكلام فيه في محله. (3) بلا خلاف، بل الاجماع بقسميه عليه كما في الجواهر، والنصوص فيه صريحة كما يأتي في محله.

[ 42 ]

[ (فصل فيما يحرم على الجنب) وهي أيضا أمور: الاول: مس خط المصحف (1) على التفصيل الذي مر في الوضوء. ] (فصل فيما يحرم على الجنب) (1) إجماعا محكيا عن جماعة. وقد تقدم في فصل غايات الوضوء المناقشة في الاستدلال عليه بقوله تعالى: (لا يسمه إلا المطهرون) (* 1) لظهوره - بقرينة السياق - في الاخبار لا الانشاء. وأن الظاهر من المطهر - بالفتح - المعصوم من الخبث والحدث، فلا يشمل المتطهر بالوضوء والغسل فراجع. فاذن العمدة في إثبات هذا الحكم هو الاجماع المدعى. مضافا إلى ما دل على حرمة المس للمحدث بالاصغر. وقد تقدمت المناقشة في أدلته عدا مرسل حريز (* 2) ومعتبر أبي بصير (* 3) الواردين في خصوص المحدث بالاصغر، ويلزم التعدي عنه إلى المقام بالاولوية القطعية. فتأمل. مضافا إلى إمكان كشفهما عن تمامية غيرهما من الادلة الشاملة للمقام كالآية الشريفة أو الصريحة فيه كخبر إبراهيم بن عبد الحميد (* 4). فراجع. هذا وقال الشهيد في الذكرى (* 5): " ولا يمنع - يعنى: الجنب -


(* 1) الواقعة: 79 (* 2) الوسائل باب: 12 من أبواب الوضوء حديث: 2 (* 3) الوسائل باب: 12 من أبواب الوضوة حديث: 1 (* 4) الوسائل باب: 12 من أبواب الوضوء حديث: 3 (* 5) ص: 34

[ 43 ]

[ وكذا مس اسم الله (تعالى) وسائر أسمائه وصفاته (1) ] من مس كتب الحديث ولا الدراهم الخالية من القرآن والمكتوب عليها القرآن ففي خبر محمد بن مسلم عن الباقر (ع): " إني لاوتى بالدرهم فاخذه وإني لجنب " . ثم ذكر أن عليه سورة من القرآن وفي خبر آخر عن الصادق (ع): " في الجنب يمس... " إلى آخر ما يأتي من خبر أبي الربيع (* 2). ثم استدل بعدم صدق المصحف، وبلزوم الحرج. أقول: أما الخبر فيظهر من الاصحاب عدم العمل به، وأما الخبر الثاني فليس مما نحن فيه، وأما الحرج فغير ظاهر اللزوم. نعم الدراهم المسكوكة في عصر الائمة (ع) كانت مكتوبا عليها القرآن، ولو حرم المس للزم الحرج المؤدي إلى الهرج والمرج، ولو كان ذلك لكثر السؤال وانتفاء ذلك يدل على انتفاء الحرمة. (1) بلا خلاف كما عن نهاية الاحكام، وعن الغنية، وظاهر المنتهى: الاجماع عليه لموثق عمار عن أبي عبد الله (ع): " لا يمس الجنب درهما ولا دينارا عليه اسم الله " (* 3). نعم قد يعارضه ما عن المحقق (ره) عن كتاب الحسن بن محبوب عن خالد بن جرير عن أبي الربيع عن أبي عبد الله (ع): " في الجنب يمس الدراهم وفيها اسم الله واسم رسوله؟ قال (ع): لا بأس ربما فعلت ذلك " (* 4) وحمله على الضرورة - كما ذكره بعض، أو على مس غير الكتابة من الدرهم، وحمل الاول على مس الكتابة، كما في طهارة شيخنا


(* 1) الوسائل باب: 18 من أبواب الجنابة حديث: 3 (* 2) الوسائل باب: 18 من أبواب الجنابة حديث: 4 (* 3) الوسائل باب: 18 من أبواب الجنابة حديث: 1 (* 4) الوسائل باب: 18 من أبواب الجنابة حديث: 4

[ 44 ]

الاعظم (ره) وغيره، بقرينة الحكم فيهما - خلاف الظاهر، بل الجمع العرفي يقتضي حمل الاول على الكراهة. والطعن في سند الثاني بعدم ثبوت وثاقة خالد ولا أبي الربيع مندفع - كما قيل - برواية الحسن الذي هو - مع أنه من أصحاب الاجماع - لا يروي إلا عن ثقة، ولا سيما مع تأيده بمصحح إسحاق: " عن الجنب والطامث يمسان بأيدهما الدراهم البيض؟ قال (ع): لا بأس " (* 1) وبمضمونه ما رواه المحقق عن جامع البزنطي عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (ع) المتقدم في كلام الشهيد في الذكرى (* 2)، وكأنه لاجل ذلك لم يتعرض لهذا الحكم في الهداية، ولا غيره ممن تقدم على الشيخين كما قيل، بل ربما نسب إليهم العدم، ومال إليه بعض المتأخرين. والانصاف أنه لو تمت حجية رواية أبي الربيع في نفسها أمكن وهنها باعراض الشيخين ومن تأخر عنهما عنها. ولم ينقل خلاف صريح ممن تقدم عليهما ليكون جابرا لضعفها، وخلاف بعض المتأخرين لا يصلح لذلك، لابتنائه على عدم حجية الموثق. وهو مضعف. وأما مصحح إسحاق ورواية البزنطي فظاهر ذيل ثانيهما كون المكتوب على الدرهم الابيض سورة من القرآن، وحينئذ يكونان معارضين لما دل على مس القرآن، ولا يمكن العمل بهما في موردهما من جهة إعراض الاصحاب عنهما فضلا عن المقام. نعم قد تحقق أن الدراهم المسكوكة في عصر الائمة (ع) كان مكتوبا عليها القرآن الشريف والشهادتان، فلو حرم مس اسم الله (تعالى) لزم الحرج والهرج والمرج، وذلك منتف، فيدل انتفاؤه على انتفاء الحرمة كليا أو في خصوص الدراهم، كما أشرنا إلى ذلك آنفا.


(* 1) الوسائل باب: 18 من أبواب الجنابة حديث: 2 (* 2) تقدم في التعليقة السابقة

[ 45 ]

[ المختصة (1) وكذا مس أسماء الانبياء والائمة (عليهم السلام) (2) على الاحوط. الثاني: دخول المسجد الحرام ومسجد النبي (صلى الله عليه وآله) وإن كان بنحو المرور (3). ] (1) لان الظاهر من اسمه - تعالى - الاسم المختص بالذات المقدسة لا مطلق ما يستعمل فيها. (2) كما عن المشهور والمحكي عن كثير من كتب القدماء والمتأخرين وعن شرح الجعفرية نسبته إلى الاصحاب، بل عن الغنية: الاجماع عليه وليس عليه دليل غير الاجماع المدعى، وما دل على وجوب تعظيم شعائر الله، وكلاهما غير ظاهر. (3) إجماعا، كما عن الغنية، والمعتبر، والمدارك، وظاهر التذكرة، وعن الحدائق نفي الخلاف فيه، ويدل عليه النصوص الكثيرة كمصحح جميل عن الصادق (ع): " عن الجنب يجلس في المساجد؟ قال (ع): لا ولكن يمر فيها كلها إلا المسجد الحرام ومسجد الرسول (ص) " (* 1) ونحوه خبره الآخر (* 2) وخبر محمد بن حمران (* 3) وصحيح أبي حمزة: " قال أبو جعفر (ع): إذا كان الرجل نائما في المسجد الحرام ومسجد الرسول الاعظم فاحتلم فاصابته جنابة فليتيمم، ولا يمر في المسجد إلا متيمما ولا بأس أن يمر في سائر المساجد. ولا يجلس في شئ من المساجد " (* 4) ونحوه غيره. بل مقتضى حسن محمد بن مسلم عن أبي جعفر


(* 1) الوسائل باب: 15 من أبواب الجنابة حديث: 2 (* 2) الوسائل باب: 15 من أبواب الجنابة حديث: 4 (* 3) الوسائل باب: 15 من أبواب الجنابة حديث: 5 (* 4) الوسائل باب: 15 من أبواب الجنابة حديث: 6

[ 46 ]

[ الثالث: المكث في سائر المساجد (1)، بل مطلق الدخول (2) ] عليه السلام - في حديث الجنب والحائض -: " ويدخلان المسجد مجتازين ولا يقعدان فيه ولا يقربان المسجدين الحرمين " (* 1) حرمة مطلق الكون فيه وإن لم يصدق عليه المرور ولا الاجتياز. ومنه يظهر أن التعبير بالاجتياز والجواز في المقام يراد منه مطلق الدخول فيه، كما عبر به جماعة، وإن كان قد يقتضي الاقتصار على ظاهره اختصاص التحريم بما يسمى اجتيازا لا غير، لكنه ليس بمراد. ولذلك لم يتوهم أحد الاختلاف بين الاصحاب في ذلك، ولم يحرر بينهم النزاع فيه. مع أن ذلك لا يهم بعد ظهور الحسن في حرمة مطلق الدخول فيه بأي نحو كان فلا حظ. (1) هذا هو الموافق للتعبير باللبث في لسان جماعة. (2) كما عبر به جماعة أخرى، وعن التذكرة، والمتخلف، والمهذب وغيرها التعبير بالاستيطان، وفي كلام بعض التعبير بالجلوس، ومراد الجميع واحد لما عرفت من عدم تحريرهم للنزاع في ذلك. والظاهر أن المراد هو اللبث كما تقتضيه الآية الشريفة بعد تفسيرها في صحيح ابن مسلم عن أبي جعفر (ع): " قلنا له الحائض والجنب يدخلان المسجد أم لا؟ قال (ع): الحائض والجنب لا يدخلان المسجد إلا مجتازين، إن الله - تبارك وتعالى - يقول: (ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا) (* 2)... " (* 3) وربما يستفاد أيضا من الاستدراك في مصحح جميل السابق ونحوه، فان الاستدراك بمنزلة الاستثناء. وعليه فيحرم ما يسمى مرورا أو اجتيازا فيه، كالتردد فيه وكالدخول في أوله ثم الخروج بلا فصل وان لم يصدق


(* 1) الوسائل باب: 15 من أبواب الجنابة حديث: 17 (* 2) النساء: 43 (* 3) الوسائل باب: 15 من أبواب الجنابة حديث: 10

[ 47 ]

[ فيها على غير وجه المرور. وأما المرور فيها بأن يدخل من باب ويخرج من آخر (1) فلا بأس به. وكذا الدخول بقصد أخذ شئ منها فانه لا بأس به (2) ] عليه القعود والجلوس. وبه يقيد إطلاق خبر جميل: " للجنب أن يمشي في المساجد كلها " (* 1) الشامل للمرور وغيره، فانه وإن كان بينهما عموم من وجه إلا أن الاولى أقوى، لاشتماله على الاستثناء مع أنه لو فرض تساويهما فالمرجع عموم النهي عن إتيان المساجد للجنب. (1) لا يبعد صدق المرور بالدخول والخروج من باب واحد، لكنه يقيد بما في المتن، لظاهر الآية الشريفة، فان عبور السبيل يختص به، بل يتوقف مع ذلك على كون الباب الذي يخرج منه في طريق غير طريق الباب الذي دخل منه، فلو كانا متصلين في طريق واحد لم يصدق عبور السبيل بل هو نظير الدخول من أحد جانبي الباب والخروج من جانب آخر. (2) أما أصل الاخذ في الجملة فلا خلاف في جوازه ظاهرا، بل حكي عليه الاجماع، وعن المنتهى: أنه مذهب علماء الاسلام. ويدل عليه صحيح ابن سنان: " سألت أبا عبد الله (ع) عن الجنب والحائض يتناولان من المسجد المتاع يكون فيه؟ قال (ع): نعم ولكن لا يضعان في المسجد شيئا " (* 2) وصحيح زرارة ومحمد عن أبى جعفر (ع) - في الحائض والجنب -: " ويأخذان من المسجد ولا يضعان فيه شيئا قال زرارة: قلت له: فما بالهما يأخذان منه ولا يضعان فيه؟ قال (ع): لانهما لا يقدران على أخذ ما فيه إلا منه ويقدران على وضع ما بيدهما


(* 1) الوسائل باب: 15 من أبواب الجنابة حديث: 4 (* 2) الوسائل باب: 17 من أبواب الجنابة حديث: 1

[ 48 ]

[ والمشاهد كالمساجد في حرمة المكث فيها (1). ] في غيره " (* 1). هذا ومقتضى الجمود على عبارة النص والفتوى وإن كان هو تحليل الاخذ من حيث هو في قبال تحريم كذلك، إلا أن التأمل في النص، يقتضي كون المراد منه تحليل الاخذ منه بلحاظ توقفه على الدخول المحرم، كما يظهر من ملاحظة سؤال زرارة في ذيل الصحيح الثاني، فان الفرق المذكور في الجواب إنما يصلح فارقا بينهما بملاحظة تحقق الدخول المحرم في كل منهما كما يظهر بأدنى تأمل. وحينئذ فما صرح به بعض من حرمة الدخول بقصد أخذ شئ منها وأن الجائز مجرد الاخذ غير ظاهر. ثم إن مقتضى إطلاق النص عدم الفرق بين المسجدين الحرمين، وحينئذ يكون بينه وبين حسن بن مسلم الناهي عن قرب المسجدين (* 2) عموم من وجه، فيرجع في مورد التعارض إلى أصالة البراءة المقتضية للحل. اللهم إلا أن يدعى كون الحسن أظهر في مورد الاجتماع فيجب العمل به. لكنه محل تأمل. أو يدعى كون المرجع إطلاق بعض النصوص المانعة عن إتيان المساجد المذكورة في الباب المعقود لها في الوسائل (* 3). ثم إن القمي (ره) في تفسيره أرسل عن الصادق (ع): ما يدل على جواز الوضع وحرمة الاخذ، معللا بأنهما يقدران على وضع الشئ فيه من غير دخول، ولا يقدران على أخذ ما فيه حتى يدخلا (* 4). لكنه لا يصلح لمعارضة ما تقدم من وجوه غير خفية. (1) كما عن المفيد في الغرية والشهيدين وبعض المتأخرين، لتحقق


(* 1) الوسائل باب: 17 من أبواب الجنابة حديث: 2 (* 2) تقدم قريبا (* 3) الوسائل باب: 15 من أبواب الجنابة حديث، 7 و 9 و 16 (* 4) الوسائل باب: 17 من أبواب الجنابة حديث: 3

[ 49 ]

[ الرابع: الدخول في المساجد بقصد وضع شئ فيها (1)، بل مطلق الوضع فيها (2) وإن كان من الخارج أو في حال العبور. ] معنى المسجدية فيها وزيادة. وللتعظيم. وللاخبار الدالة على المنع من دخول الجنب بيوت الانبياء والائمة (ع) أحياء، بضميمة ما دل على أن حرمتهم أمواتا كحرمتهم أحياء، بل هم أحياء عند ربهم يرزقون. وقد عقد لها في الوسائل بابا (* 1)، ورواها عن بصائر الدرجات للصفار، وقرب الاسناد للحميري، والارشاد للمفيد، وكشف الغمة لعلي بن عيسى الاربلي والخرائج والجرائح للراوندي وكتاب الرجال للكشي. ومقتضاها المنع من أصل الدخول فيكون حكمها حكم المسجدين. لكن في دلالة جملة منها على المنع تأمل أو منع، ولا سيما بملاحظة عدم مبادرة أبي بصير الداخل وهو جنب إلى الخروج، مع صراحة بعضها في تعمده إلى الدخول ليطمئن قلبه، ومن البعيد جدا تعمده إلى ذلك. وأيضا من البعيد أن لايدخل في بيوتهم (ع) من يعولون به من أزواجهم وأولادهم وجواريهم وخدامهم إذا كانوا جنبا. فتأمل. وكأنه لاجل ذلك - مع عدم ثبوت معني المسجدية فيها، وعدم الدليل على وجوب التعظيم بمثل ذلك - توقف في الحكم جماعة وإن كان هو الاحوط. (1) كما تقدم وجهه. (2) قد عرفت الاشكال فيه، وأن ما دل على حرمة الوضع لا يدل على حكم تأسيسي، فلا يضر إذا كان من الخارج أو في حال العبور. والمصنف (ره) فرق بين الاخذ والوضع، فجعل تحليل الاخذ بلحاظ الدخول لا من حيث هو وتحريم الوضع من حيث هو، وهذا التفكيك غير ظاهر.


(* 1) وهو باب: 16 من أبواب الجنابة

[ 50 ]

[ الخامس: قراءة سور العزائم (1) وهي: سورة إقرأ، والنجم، وآلم تنزيل، وحم السجدة، وإن كان بعض واحدة منها، بل البسملة أو بعضها بقصد إحداها على الاحوط، لكن الاقوى اختصاص الحرمة بقراءة آيات السجدة منها، ] (1) إجماعا، كما عن صلاة الخلاف، والسائر، والتذكرة، وظاهر المنتهى، والمعتبر، والروض، والمدارك، وغيرها. ولعله ظاهر من أطلق المنع عن العزائم، كما يقتضيه ظاهر جملة من النصوص المفسرة للعزائم بالسور الاربع، وإن كان ظاهر جملة أخرى أنها نفس الآيات، فلاحظ أبواب قراءة العزيمة في الصلاة وغيرها (* 1). نعم ظاهر ما عن الفقيه، والهداية، والغنيمة، والانتصار - إلا العزائم التي يسجد فيها وهي: سجدة لقمان، وحم السجدة، والنجم، وسورة إقرأ. انتهى - إرادة آية السجدة لا غير، بل هو الظاهر من صحيح زرارة المحكي عن العلل عن أبي جعفر (ع): " الحائض والجنب هل يقرءان من القرآن شيئا؟ قال (ع): نعم ما شاءا إلا السجدة " (* 2) وما في حسن محمد بن مسلم: " ويقرآن من القرآن ما شاءا إلا السجدة " (* 3) فإن الظاهر من السجدة فيهما آية السجدة، لا واحدة السجود، كي يجب تقدير مضاف، وكما يحتمل كونه آية يحتمل كونه سورة، فتكون الروايتان مجملتين، كما ادعاه في الجواهر.


(* 1) الوسائل باب: 19 من أبواب الجنابة، وباب: 36 من أبواب الحيض، وباب: 37 إلى 40 من أبواب القراءة في الصلاة. وباب: 42 إلى 46 من أبواب قراءة القرآن (* 2) الوسائل باب: 19 من أبواب الجنابة حديث: 4 (2 *) الوسائل باب: 19 من أبواب الجنابة حديث: 7

[ 51 ]

ويشهد بما ذكرنا صحيح الحذاء عن أبي جعفر (ع): " عن الطامث تسمع السجدة؟ قال (ع): إن كانت من العزائم فلتسجد إذا سمعتها " (* 1) وفي موثق أبي بصير عن الصادق (ع): " والحائض تسجد إذا سمعت السجدة " (* 2)، وفي مصحح عبد الرحمن عنه (ع): " عن الحائض هل تقرأ القرآن وتسجد سجدة إذا سمعت السجدة؟ قال (ع): تقرأ ولا تسجد " (* 3)، وفي موثق عمار: " في الرجل يسمع السجدة في الساعة... إلى أن قال: وعن الرجل يقرأ في المكتوبة سورة فيها سجدة من العزائم؟ فقال (ع): إذا بلغ موضع السجدة فلا يقرأها " (* 4) وفي صحيح ابن جعفر (ع): " في إمام يقرأ السجدة فأحدث قبل أن يسجد " (* 5)... إلى غير ذلك من النصوص الظاهرة في أن السجدة إسم للآية. وبالجملة: ظهور الروايتين المذكورتين في جواز قراءة ما عدا آية السجدة مما لا ينبغي المناقشة فيه. نعم يعارضهما ما عن المعتبر: " يجوز للجنب والحائض أن يقرءا ما شاءا من القرآن إلا سور العزائم الاربع وهي: إقرأ باسم ربك، والنجم، وتنزيل السجدة، وحم السجدة، روى ذلك البزنطي في جامعه عن المثنى عن الحسن الصيقل عن أبي عبد الله (ع) " (* 6) ودعوى: كون ما ذكره أولا فتوى بمضمون الرواية لا نفسها، خلاف الظاهر جدا. كما أن القدح في السند بالمثنى والحسن بن زياد هين بعد كون الراوي عنهما البزنطي الذي هو من أصحاب الاجماع، ومن الثلاثة


(* 1) الوسائل باب: 36 من أبواب الحيض حديث: 1 (* 2) الوسائل باب: 36 من أبواب الحيض حديث: 3 (* 3) الوسائل باب: 36 من أبواب الحيض حديث: 4 (* 4) الوسائل باب: 40 من أبواب القراءة في الصلاة حديث: 3 (* 5) الوسائل باب: 40 من أبواب القراءة في الصلاة حديث: 5 (* 6) الوسائل باب: 19 من أبواب الجنابة حديث: 11

[ 52 ]

[ (مسألة 1): من نام في أحد المسجدين واحتلم أو أجنب فيهما أو في الخارج ودخل فيهما عمدا أو سهوا أو جهلا وجب عليه التيمم للخروج (1) إلا أن يكون زمان الخروج أقصر ] الذين قيل إنهم لا يروون إلا عن ثقة. نعم كما يمكن الجمع بينها وبين الروايتين السابقتين: بحمل السجدة فيهما على السورة، يمكن أيضا بحمل المنع فيها على المنع من مجموع السورة، ويكون المنع بلحاظ آية السجدة منها. والثاني إن لم يكن أظهر فلا أقل من مساواته للاول. وحينئذ فالترجيح مع الاولتين، لانهما أصح سندا وأكثر عددا مع مطابقتهما للاصل. (1) بلا خلاف فيه في الجملة يعرف إلا من الوسيلة فجعله مستحبا وعن المنتهى: أنه مذهب علمائنا. ويدل عليه صحيح أبي حمزة المتقدم (* 1): " قال أبو جعفر (ع): إذا كان الرجل نائما في المسجد الحرام أو مسجد الرسول (ص) فاحتلم فأصابته جنابة فليتيمم، ولا يمر في المسجد إلا متيمما، ولا بأس أن يمر في سائر المساجد. ولا يجلس في شئ من المساجد ". هذا ومقتضى الجمود على ما تحت عبارة النص اختصاص الحكم بالمحتلم كما هو ظاهر المحكي عن جماعة: منهم: الشيخ في المبسوط، وبنو زهرة، وإدريس، وسعيد وغيرهم، فلا يتعدى إلى من حدثت له الجنابة في المسجد وإن كانت عدا كما هو ظاهر الشرائع والقواعد وغيرهما فضلا عن مطلق الجنب وإن كانت جنابته خارج المسجد فدخل كما عن الالفية، وشرحها والدروس، والمسالك، وغيرها. وعدم الفرق بين التمكن من الغسل وعدمه، كما عن المحقق الثاني في حاشيته وعن المدارك، والدلائل، فلا يختص بصورة عدم التمكن من الغسل المساوي زمانه لزمان التيمم أو


(* 1) في الامر الثاني مما يحرم على الجنب.

[ 53 ]

الناقص عنه، كما عن الدروس، وشرح الالفية، والروض، والمسالك، والذخيرة، وغيرها. حيث أوجبوا الغسل حينئذ، وعدم الفرق أيضا بين أن يكون زمان التيمم أطول من زمان الخروج، ومساويا، وأنقض، كما عن الذكرى، وغيرها. لكن عن شرح المفاتيح للوحيد: القطع بسقوط التيمم في الاول. والانصاف ظهور النص في كونه في مقام بيان حرمة كون الجنب في المسجدين ولو بنحو الاجتياز، وحينئذ فذكر الاحتلام لكونه السبب المتعارف للابتلاء بالجنابة لا لخصوصية فيه، بل تمام الموضوع للحكم كونه جنبا. ولذا جعل الصحيح المذكور من أدلة حرمة كون الجنب في المسجدين ولو بنحو الاجتياز، وحلية اجتياز الجنب في غيرهما. كما أن إطلاق الامر بالتيمم فيه لتعذر الغسل في المسجدين غالبا بنحو يساوي زمانه زمان التيمم، فضلا عن أن يكون أنقص، لعدم وجود الماء فيهما غالبا فضلا عن الحياض الكبيرة حول النائم، بحيث لا يلزم من الغسل فيها تلويث المسجد، ويكون زمانه مساويا لزمان التيمم أو أنقص. ولابد أيضا من حمل إطلاق الامر بالتيمم على خصوص صوره كون زمانه أقصر من زمان الخروج، ليكون مقدمة لخروجه وهو بحكم الطاهر، فتجب المبادرة إلى الخروج بلا تيمم لو كان زمان التيمم أطول من زمان الخروج. بل لا يبعد التخيير بين التيمم والخروج بلا تيمم لو كان زمانه مساويا له بل لا يبعد. جواز التيمم في حال الخروج لو كان زمان الخروج أطول، لان اللبث بمقدار التيمم جائز قطعا للاضطرار إليه، فيجوز الشروع في الخروج حاله ولا ملزم بالتيمم أولا ثم الخروج. والعمدة في ذلك كله ما عرفت من ظهور النص في كونه في مقام حرمة كون الجنب في المسجد ولو بنحو

[ 54 ]

[ من المكث للتيمم (1) فيخرج من غير تيمم أو كان زمان الغسل فيهما مساويا أو أقل من زمان التيمم فيغتسل حينئذ، وكذا حال الحائض (2) والنفساء. ] الاجتياز، وأنه عند الابتلاء بذلك لابد من التيمم ليكون الجنب بحكم الطاهر، فيكون تيممه بدلا عن الغسل، لا أنه شئ في قباله وجب في حال القرار فيهما مقدمة للاجتياز. وحينئذ يطرد الحكم المذكور في الكون في غير المسجدين مما لا يكون اجتيازا والله سبحانه أعلم. (1) ولو كان مساويا تخير، كما عرفت، (2) كما عن المنتهى، والتحرير، والدروس، والذكرى، والبيان، والالفية، وغيرها، لما في ذيل الصحيح المتقدم (* 1) المروي مرسلا في الكافي: " وكذلك الحائض إذ أصابها الحيض تفعل كذلك " (* 2) لكن إرساله يمنع من الاعتماد عليه، ولا سيما مع عدم حكاية التعرض له من أحد إلى زمان العلامة عدا أبي علي، والمعتبر، فاستحباه. ولا بأس به تسامحا في أدلة السنن. وعمل العلامة وغيره به لا يوجب انجباره لكون الوجه فيه أنه مناسب للمذهب، كما عن المنتهى، التصريح بذلك. والمناسبة غير ظاهرة لعدم ارتفاع حدث الحائض بالتيمم قطعا. وخفته وإن كانت محتملة إلا أن ثبوتها ووجوبها محتاج إلى الدليل. وأما النفساء فالحكم فيها أشكل، لعدم التعرض لها في المرسل، لكن لو ثبت الحكم في الحائض أمكن التعدي إليها بناء على مساواتهما في الاحكام كما سيأتي التعرض له إن شاء الله تعالى. هذا في حال الحيض والنفاس، أما لو انقطع دمهما فالحاقهما بالجنب في


(* 1) وهو صحيح أبي حمزة المتقدم في الامر الثاني مما يحرم على الجنب. ورواه في الوسائل مع ذيله في باب: 15 من أبواب الجنابة حديث: 3. (* 2) الوسائل باب: 15 من أبواب الجنابة حديث: 3.

[ 55 ]

[ (مسألة 2): لا فرق في حرمة دخول الجنب في المساجد بين المعمور منها والخراب (1) وان لم يصل فيه أحد ولم يبق آثار مسجديته. نعم في مساجد الاراضي المفتوحة عنوة إذا ذهب آثار المسجدية بالمرة يمكن القول بخروجها عنها (2)، لانها تابعة لآثارها وبنائها. (مسألة 3): إذا عين الشخص في بيته مكانا للصلاة وجعله مصلى له لا يجري عليه حكم المسجد (3). (مسألة 4): كل ما شك في كونه جزءا من المسجد من صحنه والحجرات التي فيه ومنارته وحيطانه ونحو ذلك لا يجري عليه الحكم (4) وإن كان الاحوط الاجراء إلا إذا علم خروجه منه. (مسألة 5): الجنب إذا قرأ دعاء (كميل) الاولى والاحوط أن لا يقرأ منها: (أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون) ] محله - بناء على المختار في حكمه - لموافقته للقاعدة، أما بناء على غيره فالالحاق أيضا مشكل. (1) لاطلاق الادلة. نعم لو كان الخراب موجبا للخروج عن المسجدية - كما عن بعض العامة - كان الفرق في محله، لكنه ضعيف لمخالفته للاستصحاب. وقد تقدم في أحكام النجاسات بعض الكلام في ذلك. فراجع. (2) لكنه ضعيف كما أشرنا إليه في أحكام النجاسات فراجع. (3) لظهور الادلة في غيره. (4) لاصالة البراءة الجارية في الشبهة الموضوعية. نعم لو كانت أمارة على الجزئية عمل عليها.

[ 56 ]

[ لانه جزء من سورة حم السجدة (1). وكذا الحائض: والاقوى جوازه، لما مر من أن المحرم قراءة آيات السجدة لا بقية السورة. (مسألة 6): الاحوط عدم إدخال الجنب في المسجد (2) وإن كان صبيا، أو مجنونا، أو جاهلا بجنابة نفسه. (مسألة 7): لا يجوز أن يستأجر الجنب لكنس المسجد في حال جنابته (3). ] (1) ولا ينافي ذلك نسبة الدعاء إلى الخضر (ع) لجواز أن يكون قد دعا به بعد نزول الآية المذكورة. ثم إن الآية الشريفة جزء من آلم السجدة لا حم السجدة، كما في المتن. ولعله سهو من الناسخ. (2) ولعله يقتضيه إطلاق النهي عن الجلوس في المساجد من دون توجيهه إلى خصوص الجنب، فان ذلك يقتضي كراهة مكث الجنب فيه من كل أحد، فيكون المقام نظير قوله تعالي: (إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام...) (* 1) وحينئذ فكما لا يجوز إدخاله، يجب إخراجه لو دخل، ومنعه عن الدخول له أراده، وان كان معذورا في نفسه. لكن يوهن الاطلاق المذكور تعارف التعبير عن نهي خصوص الفاعل بمثل ذلك. ويحتمل أن يكون الوجه في توقف المصنف احتماله أن يكون الفرض من قبيل التسبيب إلى الحرام. وقد تقدم الكلام فيه في أحكام النجاسات فراجع. (3) يعني: يحرم تكليفا، لانه أمر بالمنكر وترغيب في فعله، وحرمة ذلك مما لا ينبغي الريب فيها. نعم تختص بصورة علم الاجير بجنابته، أما مع جهله بها فلا يصدق ذلك، وحينئذ يتوقف تحريمه على ما تقدم في المسألة السادسة.


(* 1) التوبة: 28

[ 57 ]

[ بل الاجارة فاسدة (1). ولا يستحق أجرة (2). نعم لو استأجره مطلقا (3) ولكنه كنس في حال جنابته وكان جاهلا بانه جنب أو ناسيا استحق الاجرة (4) بخلاف ما إذا كنس عالما فانه ] (1) إذ الكنس وان كان في نفسه مباحا، إلا أن تحريم كون الجنب في المسجد يوجب سلب القدرة عليه شرعا، ولابد في صحة الاجارة من القدرة على العمل المستأجر عليه عقلا وشرعا، من دون فرق بين كون انتفاء القدرة الشرعية ناشئا من تحريم نفس العمل المستأجر عليه، وبين كونه ناشئا من تحريم مقدمته، أو لازمه، أو ملازمه. والعمدة في هذا التعميم هو الاجماع، كما يظهر من كلماتهم في كتاب الاجارة، (2) أما عدم استحقاق الاجرة المسماة فلانه مقتضى بطلان الاجارة، وأما عدم استحقاق أجرة المثل فغير ظاهر، إذ هو خلاف قاعدة: " ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده ". نعم لو كان الفساد ناشئا من تحريم نفس العمل لم يستحق شيئا، إذ العمل المحرم غير مضمون إجماعا. ولقوله عليه السلام: " إذا حرم الله شيئا حرم ثمنه " (* 1)، مضافا إلى بعض النصوص الواردة في حرمة أجر المغنية، والنائحة بالباطل، ونحوهما (* 2)، (3) يعني: غير مقيد بحال الجنابة. (4) لانه جاء بفرد العمل المستأجر عليه بالاجارة الصحيحة.


(* 1) لم يرد هذا المضمون في أحاديث الخاصة وإنما ورد من طريق العامة في حديث عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله كما في مسند أحمد ج 1 ص 322 وغيره، وأورده الشيخ الطوسي (قدس سره) في الخلاف ج 1 ص 225 وأورده سائر فقهاء الشيعة في كتبهم. إلا ان الوارد في معظم كتب العامة للحديث في رواية نفس الحديث - كما في سنن البيهقي ج 5 ص 13 وسنن أبي داود ج 3 ص 380 ومسند أحمد ج 14 ص 247 و 293 وغيرها - اللفظ الآتي: " إن الله إذا حرم على قوم أكل شئ حرم عليهم ثمنه " وهو يوافق ما أورده الشيخ الطوسي (قدس سره) في الخلاف ج 2 ص 212 في احدى النسختين. (* 2) الوسائل باب: 15 و 17 من أبواب ما يكتسب به

[ 58 ]

[ لا يستحق لكونه حراما (1) ولا يجوز أخذ الاجرة على العمل المحرم. وكذا الكلام في الحائض والنفساء. ولو كان الاجير جاهلا أو كلاهما جاهلين في الصورة الاولى (2) أيضا يستحق الاجرة لان متعلق الاجارة وهو الكنس لا يكون حراما وإنما الحرام ] (1) سيجئ الاعتراف منه بأن الكنس في نفسه ليس حراما، وإنما الحرام هو المكث. وربما يقال: الوجه في عدم استحقاق الاجرة المسماة أن الكنس المأتي به ليس من أفراد العمل المستأجر عليه: لان بطلان إجارته للكنس حال جنابته مانع من صحة الاجارة على الكنس المطلق، الشامل للكنس حال الجنابة المعلومة، فيكون الكنس حال العلم غير مستأجر عليه، فلا موجب لاستحقاقه الاجرة المسماة. نعم لا يبعد الحكم باستحقاقه لاجرة المثل، لما عرفت في الفرض السابق. وفيه: أنه يكفي في حصول القدرة على الطبيعة المطلقة القدرة على بعض الافراد، فلا مانع من صحة الاجارة على الكنس الشامل للكنس حال الجنابة، فإذا جاء به استحق المسمى، مع أنه لو سلم عدم صحة نسبة القدرة إلى الطبيعة المطلقة بمجرد القدرة على الفرد، فالقدرة المعتبرة في صحة الاجارة يكفي فيها ذلك، فتجوز الاجارة على الطبيعة بالقدرة على فرد منها. نعم لو استؤجر على الكنس في حال الطهارة لم يستحق الاجرة المسماة ولا أجرة المثل لو جاء بالكنس في حال الجناية، لانه غير مستأجر عليه. وكذا الحكم في الصورة السابقة بناء على عدم استحقاق الاجرة المسماة ومن ذلك تعرف الاشكال في قول القائل المذكور: " نعم لا يبعد... ". (2) يعني: ما لو كانت الاجارة مقيدة بحال الجنابة.

[ 59 ]

[ الدخول والمكث 1) فلا يكون من باب أخذ الاجرة على المحرم نعم لو استأجره على الدخول أو المكث كانت الاجارة فاسدة ولا يستحق الاجرة ولو كانا جاهلين، لانهما محرمان ولا يستحق الاجرة على الحرام (2) ومن ذلك ظهر أنه لو استأجر الجنب أو الحائض أو النفساء للطواف المستحب كانت الاجارة فاسدة ولو مع الجهل، وكذا لو استأجره لقراءة العزائم، فان المتعلق فيهما هو نفس الفعل المحرم، بخلاف الاجارة للكنس فانه ليس حراما وإنما المحرم شئ آخر وهو الدخول والمكث فليس نفس المتعلق حراما. (مسألة 8): إذا كان جنبا وكان الماء في المسجد يجب عليه أن يتيمم ويدخل المسجد لاخذ الماء (3) ] (1) وتحريم ذلك غير مانع من صحة الاجارة، لعدم الدليل عليه. وقد عرفت أن العمدة في دليل منع حرمة مقدمة العمل، أو لازمه، أو ملازمه هو الاجماع، والقدر المتيقن من معقده ما إذا كانت الحرمة منجزة فيرجع في صورة الجهل بها الذي يكون عذرا في مخالفتها إلى أصالة صحة العقود. (2) لا الاجرة المسماة، ولا أجرة المثل، لان العمل المحرم لا يضمن مطلقا كما عرفت. لكن إلحاق الجاهل بالعالم غير ظاهر، لان الجاهل مرخص في الفعل. ومجرد الحرمة الواقعية مع الرخصة الظاهرية غير قادحة في استحقاق الاجرة. والكلام في ذلك موكول إلى محله. (3) قد تقدم جواز دخول الجنب في المساجد لاخذ شئ منها. نعم لو قيل بحرمة الاخذ من الحرمين اختص وجوب التيمم لاخذ الماء بهما فقط.

[ 60 ]

[ أو الاغتسال فيه (1) ولا يبطل تيممه لوجدان هذا الماء (2) ] (1) ووجه وجوب التيمم: أنه يتوقف عليه جواز الكون في المسجد الموقوف عليه الغسل. (2) إشارة إلى إشكال يورد، وهو أنه إذا تيمم الجنب لم يكن له مانع من الوصول إلى الماء، فيكون واجدا له، فينتقض تيممه، فيلزم من صحة التيمم عدمها، وما يلزم من وجوده عدمه محال. والجواب: أنه إن أريد من الوجدان ما هو بالاضافة إلى الكون في المسجد الموقوف عليه الغسل، فهو غير حاصل بالتيمم، وإن أريد ما هو بالاضافة إلى سائر الغايات، فهو حاصل قبل التيمم لقدرته عليه بالقدرة على التيمم، ولا مانع من اختلاف الغايات في الوجدان وعدمه، نظير من ضاق وقته عن الغسل، فإنه غير واجد للماء بالاضافة إلى الصلاة، وواجد له بالاضافة إلى غيرها، فيستبيح بتيممه الصلاة ولا يستبيح سائر الغايات، لعدم الدليل على استباحة جميع الغايات بمجرد عدم الوجدان بالاضافة إلى غاية معينة فقط. فإن قلت: التيمم مهما شرع في المقام كان بدلا عن الغسل، فالالتزام بوجوبه غيريا فرع الالتزام بوجوب الغسل غيريا، مع أن ذلك ممتنع، لان الغسل لا يكون مقدمة لغسل آخر، إذ المغتسل يستبيح به كل غاية، ولا يتوقف على غسل آخر، وحينئذ فيمتنع أن يكون التيمم خارج المسجد مقدمة للغسل في المسجد، بل يتعين وجوبه مقدمة للصلاة فيستبيح الصلاة بمجرد فعله. قلت: وجوب التيمم خارج المسجد ليس مقدمة للغسل في المسجد ليلزم وجوب الغسل مقدمة له وهو ممتنع، بل إنما يجب في نظر العقل من

[ 61 ]

[ إلا بعد الخروج (1) أو بعد الاغتسال، ولكن لا يباح بهذا التيمم إلا دخول المسجد، واللبث فيه بمقدار الحاجة (2). ] جهة وجوب الجمع بين غرضي الشارع من تحريم كون الجنب في المسجد ووجوب الصلاة بالطهارة المائية، نظير شراء الدواء لعلاج المرض، فإن وجوب الشراء ليس مقدميا للعلاج، إذ العلاج كما يكون بالدواء المباح يكون بالمغصوب، بل لحكم العقد بوجوب الجمع بين غرضي الشارع من حرمة الغصب، ووجوب علاج المريض، ونظيره أيضا ما لو غرق طفل في حوض المسجد بحيث توقف إنقاذه على دخول المسجد مع كون المنقذ جنبا، فانه يجب عليه التيمم لدخول المسجد من باب وجوب الجمع بين الغرضين لا لمقدمية التيمم للانقاذ. نعم يتوقف ذلك على كون دخول المسجد من الغايات التي يشرع لها التيمم، كما هو الظاهر من مصحح مرازم المتقدم في غايات الوضوء (* 1)، أما لو لم نقل بذلك فلا مصحح للتيمم لعدم الامر به، لا من قبل الصلاة لعدم المقدمية، ولا من قبل الكون في المسجد لعدم الامر به كما هو المفروض. اللهم إلا أن نقول باستحباب التيمم للكون على الطهارة كما هو غير بعيد. وسيأتي الكلام فيه إن شاء الله. ثم إن الظاهر عدم وجوب المبادرة إلى الغسل، لعدم المقتضي له بعد كونه بالتيمم بحكم الطاهر. (1) راجع إلى أخذ الماء. وقوله: " أو بعد الاغتسال " راجع لقوله: " أو الاغتسال فيه ". (2) لما أشرنا إليه. وستأتي الاشارة إليه في محله.


(* 1) الوسائل باب: 10 من أبواب الوضوء حديث: 2

[ 62 ]

[ فلا يجوز له مس كتابة القرآن ولا قراءة العزائم، إلا إذا كانا واجبين فورا (1). (مسألة 9): إذا علم إجمالا جنابة أحد الشخصين لا يجوز له استئجارهما (2) ولا استئجار أحدهما لقراءة العزائم أو دخول المساجد أو نحو ذلك مما يحرم على الجنب. (مسألة 10): مع الشك في الجنابة لا يحرم شئ من المحرمات المذكورة (3) إلا إذا كانت حالته السابقة هي الجنابة (4). ] (1) إذ حينئذ يصدق عدم الوجدان بالنسبة اليهما أيضا، (2) للعلم الاجمالي بحرمة إجارة أحدهما وفسادها. هذا إذا فرض علم الجنب بجنابة نفسه، أما مع جهله بها فلا دليل على حرمة الاجارة تكليفا لان كلا منهما معذور في مخالفة حرمة الفعل. وإحداث الداعي إليه مع جهل الفاعل به لا دليل على حرمته. وأما فساد الاجارة فمبني على فساد الاجارة على فعل الحرام مع جهل الاجير، من جهة عدم مضمونية فعل الحرام الواقعي، كما قد يستفاد من بعض النصوص المشار إليها آنفا. لكن عرفت أن الترخيص حال الجهل مانع من صدق الحرام الفعلي، فلا بأس بالاجارة عليه. (3) لاستصحاب الطهارة، أو لاصالة البراءة. (4) فيبنى عليها للاستصحاب، وإذا جهلت الحالة السابقة فالحكم كما في الوضوء. فراجع.

[ 63 ]

[ فصل فيما يكره على الجنب وهي أمور: (الاول): الاكل والشرب (1) ويرتفع كراهتهما بالوضوء (2) أو غسل اليدين والمضمضة والاستنشاق (3) ] فصل فيما يكره على الجنب (1) إجماعا صريحا وظاهرا عن جماعة. وما عن الفقيه، والهداية - من التعبير ب‍ " لا يجوز "، وعن المقنع من النهي - محمول على الكراهة، بقرينة ما حكي عنهما من التعليل بمخافة البرص، كالنهي في خبر السكوني المعلل بخوف الوضح (* 1)، وفي حديث المناهي المعلل بأنه يورث الفقر (* 2) وعلى الارشاد إلى ما يدفع الكراهة يحمل ما في مصحح زرارة عن أبي جعفر عليه السلام: " الجنب إذا أراد أن يأكل ويشرب غسل يده وتمضمض وغسل وجهه وأكل وشرب " (* 3)، وما في صحيح عبد الرحمن عن الصادق (ع): " أيأكل الجنب قبل أن يتوضأ؟ قال: (ع): إنا لنكسل ولكن ليغسل يده والوضوء أفضل " (* 4). (2) كما في صحيح الحلبي: " إذا كان الرجل جنبا لم يأكل ولم يشرب حتى يتوضأ " (* 5)، وقد تقدم في صحيح عبد الرحمن " أنه الأفضل ". (3) كما في خبر السكوني (* 6)، لكن ترك فيه الاستنشاق. وكذا


(* 1) الوسائل باب: 20 من ابواب الجنابة حديث: 2 (* 2) الوسائل باب: 20 من أبواب الجنابة حديث: 5 (* 3) الوسائل باب: 20 من أبواب الجنابة حديث: 1 (* 4) الوسائل باب: 20 من أبواب الجنابة حديث: 7 (* 5) الوسائل باب: 20 من أبواب الجنابة حديث: 4 (* 6) الوسائل باب: 20 من أبواب الجنابة حديث: 2

[ 64 ]

[ أو غسل اليدين فقط (1)، (الثاني): قراءة ما زاد على سبع آيات من القرآن (2) ما عدا العزائم وقراءة ما زاد على السبعين ] في مصحح زرارة (* 1) بناء على حمل اليد فيه على اليدين معا، لكن ترك فيه الاستنشاق أيضا، وذكر فيه غسل الوجه. نعم يطابقه ما في الرضوي: " إذا أردت أن تأكل على جنابتك فاغسل يديك وتمضمض واستنشق ثم كل... " (* 2). (1) كما في مصحح عبد الرحمن (* 3)، بناء على ظهوره في مجموع اليدين كما هو غير بعيد. وحينئذ فيكون اختلاف النصوص محمولا على اختلاف مراتب الفضل فأدناها غسل اليدين فقط، وفوقها ذلك مع المضمضة، وفوقها ذلك مع غسل الوجه، وفوقها الوضوء. فتأمل. ولو بني على العمل برواية السكوني قام الاستنشاق مقام غسل الوجه. وكلمات الاصحاب في ذلك مضطربة جدا فراجعها. والامر سهل. (2) أما جواز القراءة في الجملة فعن جماعة الاجماع عليه، ويدل عليه النصوص المتقدمة في حرمة قراءة العزائم على الجنب وغيرها. وعن سلار التحريم، وكأنه لرواية السكوني: " سبعة لا يقرأون القرآن " (* 4) وعد منهم الجنب، وفي رواية الخدري: " من كان جنبا في الفراش مع امرأته فلا يقرأ القرآن فإني أخشى أن تنزل عليهما نار من السماء فتحرقهما " (* 5)، لكنهما لا يصلحان لمعارضة ما عرفت.


(* 1) الوسائل باب: 20 من أبواب الجنابة حديث: 1 (* 2) مستدرك الوسائل باب: 12 من أبواب الجنابة حديث: 2 (* 3) الوسائل باب: 20 من ابواب الجنابة حديث: 7 (* 4) الوسائل باب: 47 من أبواب قراءة القرآن حديث: 1 (* 5) الوسائل باب: 19 من أبواب الجنابة حديث: 3

[ 65 ]

[ أشد كراهة (1). (الثالث): مس ما عدا خط المصحف من الجلد، والاوراق، والحواشي، وما بين السطور (2). ] وأما عدم الكراهة في السبعة فهو ظاهر الاصحاب، بل عن تخليص التلخيص الاجماع على انتفاء الكراهة فيما نقص عن السبع، ولعله أراد السبع فما نقص. لكن عن ابن سعيد في الجامع إطلاق الكراهة. ولعله في محله جمعا بين الروايتين السابقتين وغيرهما، بل عن الشيخ في مجالسة: " كان رسول الله صلى الله عليه وآله لا يحجزه عن قراءة القرآن إلا الجنابة " (* 1). وأما جواز ما زاد على السبعة فهو المشهور شهرة عظيمة، وعن بعض المتقدمين التحريم وكذا عن ظاهر المهذب. وكأن مستنده دليل الكراهة عند المشهور من رواية سماعة: " عن الجنب هل يقرأ القرآن؟ قال (ع): ما بينه وبين سبع آيات " (* 2)، لكنه أيضا لا يصلح لمعارضة ما دل بظاهره على الجواز من النصوص المتقدمة، لا سيما مع قول الشيخ (ره): وفي رواية زرعة عن سماعة قال: " سبعين آية " (* 3)، لقرب دعوى كونها رواية واحدة مضطربة. لكن سيأتي أن اللازم حينئذ أيضا إجراء حكم المتعارضين الموجب للرجوع إلى الترجيح الذي هو مع الاولى، لكون راويها عثمان بن عيسى الذي هو أوثق من زرعة، ولا سيما مع احتمال كون الثانية مرسلة. ومن ذلك تعرف وجه المشهور من الكراهة. (1) بناء على أنه وجه الجمع بين روايتي سماعة، لكن عرفت قرب دعوى كونهما رواية واحدة. (2) كما هو المشهور شهرة عظيمة. نعم عن المرتضى المنع عن مس


(1) مستدرك الوسائل باب: 11 من أبواب الجنابة حديث: 2 (* 2) الوسائل باب: 19 من أبواب الجنابة حديث: 9 (* 3) الوسائل باب: 19 من أبواب الجنابة حديث: 10

[ 66 ]

[ (الرابع): النوم إلا أن يتوضأ (1) أو يتيمم - إن لم يكن له الماء - ] المصحف لقوله تعالى: (لا يمسه إلا المطهرون) (* 1) ولرواية ابراهيم ابن عبد الحميد المتقدمة (* 2)، لكن عرفت الاشكال في دلالة الآية. مضافا إلى ظهورها في رجوع الضمير إلى القرآن لا المصحف. وأما الرواية فمع ضعفها في نفسها، ووهنها بالاعراض، قاصرة الدلالة كما سبق. نعم في صحيح ابن مسلم: " الجنب والحائض " يفتحان المصحف من وراء الثياب " (* 3)، إلا أن إعراض المشهور عنه يمنع عن الاعتماد عليه، فليحمل على كونه أدبيا. (1) إجماعا صريحا وظاهرا عن جماعة، للنصوص الدالة عليه كموثق سماعة: " عن الرجل يجنب ثم يريد النوم؟ قال (ع): إن أحب أن يتوضأ فليفعل، والغسل أحب إلى وأفضل من ذلك، فإن هو نام ولم يغتسل فليس عليه شئ " وبمضمونه غيره. فما عن المهذب من التحريم ضعيف، إلا أن يكون المراد منه الكراهة. نعم قد يعطي الموثق المذكور - كصحيح البصري: " عن الرجل يواقع أهل أينام على ذلك؟ قال (ع): إن الله يتوفى الانفس في منامها، ولا يدري ما يطرقه من البلية، إذا فرغ فليغتسل " - خفة الكراهة. بالوضوء كما عن كشف اللثام، والرياض. نعم ظاهر الاصحاب - كصحيح الحلبي: " عن الرجل أينبغي له أن ينام وهو جنب؟ فقال (ع): يكره ذلك حتى يتوضأ " (6) -


(1) الواقعة: 79 (* 2) تقدم الاستدلال بها في أول هذا الفصل (* 3) الوسائل باب: 19 من أبواب الجنابة حديث: 7 (* 4) الوسائل باب: 25 من أبواب الجنابة حديث: 6 (* 5) الوسائل باب: 25 من أبواب الجنابة حديث: 4 (* 6) الوسائل باب: 25 من أبواب الجنابة حديث: 1

[ 67 ]

[ بدلا عن الغسل (1). (الخامس): الخضاب (2) رجلا كان أو امرأة وكذا يكره للمختضب (3) قبل أن يأخذ اللون (4) ] ارتفاعها بالوضوء. اللهم إلا أن يحمل على الاول جمعا. (1) ففي خبر أبي بصير: " لا ينام المسلم وهو جنب، ولا ينام إلا على طهور، فإن لم يجد الماء فليتيمم بالصعيد " (* 1) وحيث أن الظاهر من الطهور الغسل فالتيمم فيه بدل عنه. نعم لو لم يجد الماء للوضوء، أمكن القول بجواز التيمم بدلا عنه، لعموم بدليته عنه. (2) كما هو المشهور، ففي خبر عامر بن جذاعة: " لا تختضب الحائض ولا الجنب، ولا تجنب وعليها خضاب، ولا يجنب هو وعليه خضاب، ولا يختضب وهو جنب " (* 2)، وبمضمونه غيره المحمول على الكراهة جمعا بينه وبين ما دل على نفي البأس، كخبر أبي جميلة: " لا بأس بأن يختضب الجنب ويجنب المختضب " (* 3) ونحوه غيره. فما عن المهذب من التحريم ضعيف، أو محمول على الكراهة، كتعليل الكراهة في محكي المقنعة: من أنه يمنع من وصول الماء إلى ظاهر الجوارح التي عليها الخضاب، فإنه - مضافا إلى مخالفة النصوص - ممنوع، ولو تم اقتضى المنع وإجراء حكم الجبيرة حينئذ. (3) كما عن غير واحد، ودلت عليه النصوص. (4) ففي خبر أبي سعيد: " قلت: فيجنب وهو مختضب؟ قال عليه السلام: لا. ثم مكث قليلا ثم قال: يا أبا سعيد ألا أدلك على شئ تفعله؟ قلت: بلى. قال (ع): إذا اختضب بالحناء وأخذ الحناء مأخذ


(* 1) الوسائل باب: 25 من أبواب الجنابة حديث: 3 (* 2) الوسائل باب: 22 من أبواب الجنابة حديث: 9 (* 3) الوسائل باب: 22 من أبواب الجنابة حديث: 1

[ 68 ]

[ إجناب نفسه. (السادس): التدهين (1). (السابع): الجماع إذا كانت جنابته بالاحتلام (2). (الثامن): حمل المصحف (3) (التاسع): تعليق المصحف: فصل غسل الجنابة مستحب نفسي (4) وواجب غيري للغايات الواجبة، ] وبلغ فحينئذ فجامع " (* 1) وبمضمونه مرسل الكليني (* 2)، ولعل مقتضى الحديث الاول خفة الكراهة بذلك. فتأمل. (1) لخبر حريز. " قلت لابي عبد الله (ع): الجنب يدهن ثم يغتسل؟ قال: (ع): لا " (* 3). فتأمل. (2) للمروي عن مجالس الصدوق وخصاله: " وكره أن يغشى الرجل المرأة وقد احتلم، حتى يغتسل من احتلامه الذي رأى، فان فعل وخرج الولد مجنونا فلا يلومن إلا نفسه " (* 4). (3) وليس له مستند ظاهر إلا فتوى جماعه، كما عن المعتبر. نعم قد يستفاد من النهي عن تعليقه في خبر إبراهيم (* 5) الذي هو مستند كراهة تعليقه. فصل (4) لا إشكال ظاهر في رجحان الغسل للكون على الطهارة، لعموم


(* 1) الوسائل باب: 22 من أبواب الجنابة حديث: 4 (* 2) الوسائل باب: 22 من أبواب الجنابة حديث: 2 (* 3) الوسائل باب: 21 من أبواب الجنابة حديث: 1 (* 4) الوسائل باب: 70 من أبواب مقدمات النكاح حديث: 3 (* 5) الوسائل باب: 12 من أبواب الوضوء حديث: 3

[ 69 ]

[ ومستحب غيري للغايات المستحبة. والقول بوجوبه النفسي (1). ] قوله تعالى: " ويحب المتطهرين " (* 1) والنبوى: " أكثر من الطهر يزد الله - تعالى - في عمرك، وإن استطعت أن تكون بالليل والنهار على طهارة فافعل، فانك تكون - إذا مت على طهارة - شهيدا " (* 2). وما ورد في تغسيل الملائكة لحنظلة الانصاري حين استشهد (* 3). بل لا يبعد استحبابه لنفسه مع غض النظر عن الكون على الطهارة. لموثق سماعة، وصحيح البصري المتقدمين في نوم الجنب، بناء على استفادة الكلية منهما، ولكن الاستفادة محل تأمل، وإن كانت في الثاني غير بعيدة. وما في المروى في الاحتجاج في حديث الزنديق من قول الصادق (ع): " كانت المجوس لا تغتسل من الجنابة، والعرب كانت تغتسل، والاغتسال من خالص شرائع الحنفية " (* 4) وغير ذلك مما يتضمن الامر به. لكن لا يبعد أن يكون منصرف جميع ذالك الامر الغيري من جهة الكون على الطهارة، ولا سيما بملاحظة بعض النصوص، مثل خبر ابن سنان: " علة غسل الجنابة النظافة، لتطهير الانسان مما أصابه من أذاه... " (* 5)، ونحوه غيره. وقد تقدم في مبحث الوضوء عدم ظهور الثمرة العملية بين المفادين، فراجع. (1) حكي ذلك عن جماعة من الاساطين، كابن حمزة، والعلامة في المنتهي، والمختلف والتحرير، ووالده وولده، والاردبيلي، وغيرهم. لقوله


(* 1) البقرة: 222 (2) الوسائل باب: 11 من أبواب الوضوء حديث: 3 (* 3) الوسائل باب: 14 من ابواب غسل الميت حديث: 2 ومستدرك الوسائل باب نوادر غسل الميت حديث: 2 و 3 (* 4) الوسائل باب: 1 من أبواب الجنابة حديث: 14 (* 5) الوسائل باب: 2 من أبواب الجنابة حديث: 1

[ 70 ]

تعالى: " وان كنتم جنبا فاطهروا " (* 1) وقولهم (ع): " إذا التقى الختانان وجب الغسل " (* 2)، و: " أتوجبون عليه الحد والرجم ولا يوجبون عليه صاعا من ماء؟! " (* 3) و: " إنما الماء من الماء " (* 4) ونحوها. ولانه لو لم يجب لنفسه لم يجب قبل وقت المشروط به، والتالي باطل، لوجوب الغسل قبل الفجر في الصوم، فالمقدم مثله. ولخبر معاذ المروي عن محاسن البرقي عن الصادق (ع) " أنه سئل عن الدين الذي لا يقبل الله تعالى من العباد غيره ولا يعذرهم على جهله. فقال (ع): شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول صلى الله عليه وآله والصلوات الخمس، وصيام شهر رمضان، والغسل من الجنابة، وحج البيت، والاقرار بما جاء من عند الله جملة، والائتمام بأئمة الحق من آل محمد صلى الله عليه وآله " (* 5) ولبعض ما تقدم دليلا على الاستحباب النفسي. هذا والمنسوب إلى ظاهر الاصحاب - كما عن التذكرة - وإلى إجماع المحققين من أصحابنا ومصنفي كتب الاصول - كما عن السرائر - وإلى فتوى الاصحاب - كما عن المحقق - وإلى الاكثر والشهرة - كما عن غيرهم - انتفاء الوجوب النفسي، وأنه إنما يجب شرطا في غيره، استضعافا لتلك الادلة. إذ الآية لو لم تكن ظاهرة في الوجوب الغيري - كما يشهد به سياقها، بل ينبغي أن يكون من المقطوع به، ولا سيما بملاحظة العلم بشرطيته للصلاة، فان حملها على الوجوب النفسي يوجب إهمال بيان وجوبه الغيري في مقام البيان -


(* 1) المائدة: 6 (* 2) الوسائل باب: 6 من أبواب الجنابة حديث: 2 (* 3) الوسائل باب: 6 من أبواب الجنابة: 5 (* 4) كنز العمال ج 5 ص: 90 رقم: 1917. وهو قول الانصار في الحديث المتقدم (* 5) الوسائل باب: 1 من أبواب مقدمة العباداب حديث: 38

[ 71 ]

فلا أقل من إجمالها وعدم صلاحيتها للدلالة على الوجوب النفسي. وأما ما تضمن وجوبه عند تحقق سببه فالظاهر منه الارشاد إلى السببية كما يظهر من ملاحظة نظائره مما ورد في الحدث والخبث مما لا يحصى. فلا حظ أبواب منزوحات البئر، وأبواب النجاسات، وأبواب سائر الاغسال فانه لم يعرف القول بوجوبها النفسي، بل ظاهر بعض وصريح آخر نفي الخلاف في عدمه مع أنه ورد فيها التعبير بالوجوب، كما ورد في غسل الجنابة. ولذا حكي عن المحقق: أن إخراج غسل الجنابة من دون ذلك كله تحكم بارد. وعن البيان: أنه تحكم ظاهر. ووجوبه قبل وقت المشروط به لا يدل على الوجوب النفسي ونفي الوجوب الغيري، كما هو موضح في محله من الاصول والفقه. مع أن لازم وجوبه النفسي حينئذ حصول العصيان بالاضافة إلى وجوبه النفسي دون وجوب غيره المشروط به، ولا يظن التزام القائل به بذلك. وأن القائل بوجوبه النفسي لا يلتزم به مضيقا، ولا دليل له عليه. وأن ذلك جار بعينه في غسل الحيض مع عدم الالتزام بوجوبه النفسي. بل هو جار في كثير من المقدمات التي يتعين فعلها قبل وقت ذيها. وخبر معاذ ضعيف لا يمكن الاعتماد عليه في ذلك، ولا سيما بملاحظة إهماله لكثير من الواجبات المهمة. مع أنه وارد في مقام الاهمال فلا يظهر منه الوجوب النفسي ولا ينافي الوجوب الغيري. نعم ذكره في عرض الواجبات النفسية يشعر بالوجوب النفسي، لكنه لا يبلغ حد الظهور. وموثق سماعة صريح في الاستحباب. وصحيح عبد الرحمن يتعين حمله عليه للاجماع على عدم وجوب الغسل حين الفراغ، وإن كان المراد منه الغسل قبل النوم. إلا أن يكون محل الاستشهاد به على الوجوب استدلال الامام (ع) بالآية، فان الظاهر أن

[ 72 ]

[ ضعيف. ولا يجب فيه قصد الوجوب والندب (1) بل لو قصد الخلاف لا يبطل إذا كان مع الجهل، بل مع العلم إذا لم يكن بقصد التشريع (2) وتحقق منه قصد القربة، فلو كان قبل الوقت واعتقد دخوله فقصد الوجوب لا يكون باطلا (3)، وكذا العكس ومع الشك في دخوله يكفي الاتيان به بقصد القربة للاستحباب النفسي، أو بقصد إحدي غاياته المندوبة، أو بقصد ما في الواقع من الامر الوجوبي أو الندبي. والواجب فيه بعد النية (4) ] المراد من الاستدلال بها تضيق الواجب عند خوف الموت. لكنه يشكل أيضا بأن التضيق المذكور كما يكون للواجب يكون للمندوب فلا يدل على أحدهما. هذا مضافا إلى صحيح الكاهلي أو حسنه: " عن المرأة يجامعها الرجل فتحيض وهي في المغتسل فتغتسل أم لا؟ قال (ع): قد جاءها ما يفسد الصلاة فلا تغتسل " (* 1) فان ظاهره أن غسل الجنابة إنما يكون للصلاة فلا يجب إذا لم تجب. هذا وقد أتعب نفسه الزكية شيخنا في الجواهر في تزييف أدلة القول بالوجوب النفسي، فراجعه. (1) كما تقدم في شرائط الوضوء. (2) قد تقدم في شرائط الوضوء أن مجرد التشريع في مقام الامتثال لا يقدح في التقرب ما لم يرجع إلى التشريع في ذات الامر الباعث له على الفعل، الموجب لفوات قصد القربة. (3) ما ذكره واضح، ولا سيما بملاحظة ما تقدم في شرائط الوضوء. (4) يعني: المعتبرة في العبادات، لانه عبادة إجماعا، فلابد من


(* 1) الوسائل باب: 14 من أبواب الجنابة حديث: 1

[ 73 ]

[ غسل ظاهر تمام البدن (1) ] وقوعه على وجه قربي. وقد تقدم في ذلك المقام بيان ماله دخل في ذلك. فراجع. (1) إجماعا صريحا، كما في الخلاف، والتذكرة، والذكرى، والمدارك وظاهرا، كما عن غيرها. ويدل عليه ما ورد في تحريك السوار، والدملج أو نزعهما ليدخل الماء تحتهما (* 1) وما ورد في وجوب إعادة الماء على ما تركه من بعض ذراعه أو جسده واللمعة في ظهره (* 2)، وأن من ترك شعرة من الجنابة متعمدا فهو في النار (* 3)، بناء على أن المراد مقدار شعرة من بدنه. وما في صحيح زرارة: " ثم تغسل جسدك من لدن قرنك إلى قدميك " (* 4) وما في صحيح البزنطي: " ثم أفض على رأسك وسائر جسدك " (* 5) إلى غير ذلك مما هو ظاهر أو صريح في وجوب الاستيعاب. نعم عن المحقق الخونساري: أنه لا يبعد القول بعدم الاعتداد ببقاء شئ يسير لا يخل عرفا بغسل جميع البدن إما مطلقا أو مع النسيان، لصحيح ابراهيم بن أبي محمود: " قلت للرضا (ع): الرجل يجنب فيصيب جسده ورأسه الخلوق والطيب والشئ اللكد والظرب (* 6) وما أشبهه فيغتسل، فإذا فرغ وجد شيئا قد بقي في جسده من أثر الخلوق والطيب وغيره؟ قال (ع): لا بأس به " (* 7). لو لم يكن إجماع على خلافه.


(1) الوسائل باب: 41 من أبواب الوضوء (* 2) الوسائل باب: 41 من أبواب الجنابة (* 3) الوسائل باب: 1 من أبواب الجنابة حديث: 5 (* 4) الوسائل باب: 26 من أبواب الجنابة حديث: 5 (* 5) الوسائل باب: 26 من أبواب الجنابة حديث: 16 (* 6) ظرف به كفرح لصق به - قاموس - (* 7) الوسائل باب: 30 من أبواب الجنابة: حديث 1

[ 74 ]

[ دون البواطن منه (1)، فلا يجب غسل باطن العين، والانف والاذن، والفم، ونحوها، ولا يجب غسل الشعر (2) ] لكن الاولى أن لا يجتزئ عليه. انتهى. لكن الصحيح المذكور غير صريح في الحائل فيمكن حمله على صورة الشك، كحسن الحسين بن أبي العلاء المتقدم في الشك في الوضوء بعد الفراغ (* 1). وأضعف دلالة من الصحيح خبر السكوني: " كن نساء النبي صلى الله عليه وآله إذا اغتسلن من الجنابة يبقين صفرة الطيب على أجسادهن " (* 2) لقرب حمله على اللون الذي لا يذهب بالدلك. ومثل ذلك يقال في موثق عمار (* 3) أيضا الذي هو نحوه. بلا خلاف، كما في الحدائق، وحكاه عن المنتهى أيضا. ويشهد به ما تضمن الاجتزاء بالارتماس (* 4)، وفي مرسل الواسطي: " قلت لابي عبد الله (ع): الجنب يتمضمض ويستنشق؟ قال (ع): لا إنما يجنب الظاهر " (* 5) وفي رواية العلل زيادة: " ولا يجنب الباطن والفم من الباطل " (* 6) وفي مرسل العلل: " لان الغسل على ما ظهر لا على ما بطن " (* 7) وقد تقدم في الوضوء ماله نفع في المقام. (2) بلا خلاف، كما عن المنتهى وكشف اللثام، وعن المعتبر والذكرى نسبته إلى الاصحاب. ويشهد له ما في روايتي غياث ومحمد الحلبي: " لا تنقض


(* 1) الوسائل باب: 41 من أبواب الوضوء حديث: 2 (* 2) الوسائل باب: 30 من أبواب الجنابة حديث: 2 (* 3) الوسائل باب: 31 من أبواب الجنابة حديث: 3 (* 4) الوسائل باب: 26 من أبواب الجنابة حديث: 5 و 12 و 13 و 15 (* 5) الوسائل باب: 24 من أبواب الجنابة حديث: 6 (* 6) الوسائل باب: 24 من أبواب الجنابة حديث: 7 * (7) الوسائل باب: 24 من أبواب الجنابة حديث: 8

[ 75 ]

المرأة شعرها إذا اغتسلت من الجنابة " (* 1). اللهم إلا أن يقال: عدم نقض الشعر أعم من عدم وجوب غسله لامكان غسله مع عدم نقضه، كما يشهد به موثق عمار: " عن المرأة تغتسل وقد امتشطت بقرامل ولم تنقض شعرها كم يجزئها من الماء؟ قال عليه السلام: مثل الذي يشرب شعرها " (* 2) بل وحسن الكاهلي: " قلت لابي عبد الله (ع): إن النساء اليوم أحدثن مشطا: تعمد إحداهن إلى القرامل من الصوف تفعله الماشطة تصنعه مع الشعر ثم تحشوه بالرياحين ثم تجعل عليه خرقة رقيقة ثم تخيطه بمسلة ثم تجعلها في رأسها، ثم تصيبها الجنابة؟ فقال (ع): كان النساء الاول إنما يمتشطن المقاديم فإذا أصابهن الغسل تعذر. مرها أن تروي رأسها من الماء تعصره حتى يروى فإذا روي فلا بأس عليها... " (* 3). وحينئذ فما دل على وجوب غسله تبعا مما تضمن وجوب غسل الرأس محكم، ولا سيما بملاحظة صحيح حجر بن زائدة عن الصادق (ع): " من ترك شعرة من الجنابة متعمدا فهو في النار " (* 4) وحمله على مقدار شعرة من البشرة خلاف الظاهر. ولاجل ذلك مال إلى الحكم بوجوب غسله في الحدائق، حاكيا له عن الحبل المتين وبعض مشايخه. ولكن الانصاف أن ظاهر ذيل حسن الكاهلي الاكتفاء بري الرأس فقط، وأن وجوب عصر الرأس بما عليه من الشعر مقدمة لري الرأس، بقرينة ما فرض في صدره من إحكام إبرام الشعر، فانه يمتنع عادة نفوذ الماء فيه على نحو يستوعب سطوح كل شعرة شعرة، لعدم نفوذ الماء في


(* 1) الوسائل باب: 38 من أبواب الجنابة حديث: 3 و 4 (* 2) الوسائل باب: 38 من أبواب الجنابة حديث: 6 (* 3) الوسائل باب: 38 من أبواب الجنابة حديث: 5 (* 4) الوسائل باب: 38 من أبواب الجنابة حديث: 7

[ 76 ]

[ مثل اللحية (1) بل يجب غسل ما تحته من البشرة (2). ] الشعر كما ينفذ في اللبد. ومن هذا يظهر وجه الاستدلال على العدم بما دل على عدم وجوب نقض الشعر. وحينئذ يمكن الخروج بذلك عما دل على وجوب غسله بالتبعية لو تم في نفسه. وأما موثق عمار فيمكن حمله على كون شرب الشعر مقدمة لري الرأس، بأن يكون مجموعا على الرأس. وحينئذ يتعين حمل صحيح حجر على ما عرفت، ولا سيما مع تعارف التعبير بذلك عنه، ومن ذلك يظهر وجه الامر بالمبالغة في الماء في صحيحي محمد وجميل، قال الباقر (ع) في أولهما: " حدثتني سلمى خادم رسول الله صلى الله عليه وآله قالت: كانت أشعار نساء رسول الله صلى الله عليه وآله قرون رؤوسهن مقدم رؤوسهن، فكان يكفيهن من الماء شئ قليل، فاما النساء الآن فقد ينبغي لهن أن يبالغن في الماء " (* 1) وقريب منه ما في الثاني (* 2). وبالجملة: التأمل في مجموع النصوص يعطي الجزم بصحة ما تسالم عليه الاصحاب من عدم وجوب غسل الشعر. وما عن المقنعة من وجوب نقض الشعر مخالف لصريح النصوص فلا مجال له، ولا يؤبه به في منع الاجماع. ولذلك حمله الشيخ في محكي التهذيب على ما إذا لم يصل الماء إلى أصوله إلا بعد حله. (1) النصوص تقصر عن الدلالة على نفي غسلها، فالعمدة في الخروج عما دل على وجوب غسلها تبعا - لو تم - منحصر بالاجماع. (2) بلا خلاف كما في الحدائق، وعن المدارك: أنه مذهب الاصحاب بل إجماعا، كما عن الغنية، ومجمع الفائدة، وكشف اللثام، وغيرها،


(* 1) الوسائل باب: 38 من أبواب الجنابة حديث: 1 (* 2) الوسائل باب: 38 من أبواب الجنابة حديث: 2

[ 77 ]

[ ولا يجزئ غسله عن غسلها. نعم يجب غسل الشعور الدقاق الصغار المحسوبة جزءا من البدن مع البشرة (1) والثقبة التي في الاذن أو الانف للحلقة ان كانت ضيقة لا يرى باطنها لا يجب غسلها (2)، وإن كانت واسعة بحيث تعد من الظاهر وجب غسلها. وله كيفيتان: الاولى: الترتيب، وهو أن يغسل الرأس والرقبة أولا ثم الطرف الايمن من البدن، ثم الطرف الايسر (3)، ] لحسن الكاهلي المتقدم (* 1) مع أنه مقتضى ما دل على وجوب غسل الرأس والجسد كله. نعم تأمل في مجمع الفائدة، لما دل على إجزاء الغرفتين أو الثلاث، للظن بأن هذا المقدار لا يصل إلى ما تحت الشعر، ولا سيما إذا كان كثيفا أو كثيرا. انتهى. لكن الظن لا يغني بعد ما عرفت. وأما الصحيح: " كل ما أحاط به الشعر... " (* 2) فقد عرفت في مبحث غسل اليد من الوضوء اختصاصه بشعر الوجه. فراجع. (1) لقصور النص والاجماع عن شمولها، فيكون ما دل على وجوب غسلها بالتبعية محكما. (2) لكونها من الباطن. وما عن المحقق الثاني من وجوبه غير ظاهر الوجه، إلا أن يكون مراده خصوص الفرض الآتي. (3) هذا تضمن حكمين: أحدهما: وجوب استيعاب البدن وتقدم وجهه، وثانيهما: وجوب الترتيب بين الاعضاء الثلاثة، وسيأتي الكلام فيه.


(* 1) ص: 75 (* 2) الوسائل باب: 46 من أبواب الوضوء حديث: 2 و 3

[ 78 ]

[ والاحوط أن يغسل النصف (1) الايمن من الرقبة ثانيا مع الايمن والنصف الايسر مع الايسر، والسرة والعورة يغسل نصفهما ] (1) فان المشهور وان كان هو غسل الرقبة مع الرأس، لتصريح جماعة كثيرة به، وظاهر آخرين، حيث جعلوا الاعضاء الثلاثة الرأس والجانبين الايمن والايسر، فان الظاهر منهم إلحاق الرقبة بالرأس، بل لم يعرف الخلاف في ذلك بين القدماء والمتأخرين وأكثر متأخريهم، وهو الذي يقتضيه ظاهر ما في صحيح زرارة: " ثم بدأ بفرجه فأنقاه بثلاث غرف، ثم صب على رأسه ثلاث أكف، ثم صب على منكبه الايمن مرتين، وعلى منكبه الايسر مرتين " (* 1). إلا أنه استشكل فيه جماعة - كالخراساني في الذخيرة، وصاحب رياض المسائل، والشيخ عبد الله البحراني - لفقد صريح النص في ذلك. وعدم دخول الرقبة في مفهوم الرأس. وإشعار خبر أبي بصير: " وتصب الماء على رأسك ثلاث مرات، وتغسل وجهك وتفيض الماء على جسدك " (* 2) بعدم دخول الوجه في الرأس، فضلا عن دخول الرقبة فيه، وحينئذ تلحق بالجانبين. ولاجل ذلك كان الاحوط الجمع بينهما خروجا عن شبهة الخلاف. لكنها ضعيفة، لكفاية ظهور الصحيح المتقدم في وجوب غسلها مع الرأس، ولا يتوقف على وجود صريح النص به، ولا على دخولها في مفهوم الرأس عرفا. وخبر أبي بصير لا يصلح حجة على شئ، لان وجوب غسل الوجه مع الرأس مما لا كلام فيه من بالرقبة فقط.


(* 1) الوسائل باب: 26 من أبواب الجنابة حديث: 2 (* 2) الوسائل باب: 26 من أبواب الجنابة حديث: 9

[ 79 ]

[ الايمن مع الايمن، ونصفهما الايسر مع الايسر (1)، والاولى أن يغسل تمامهما مع كل من الطرفين (2). والترتيب المذكور شرط واقعي (3)، فلو عكس - ولو جهلا أو سهوا - بطل ] (1) كما لعله ظاهر الاصحاب وصرح به بعض، ويقتضيه إطلاق النصوص. (2) أخذ باحتمال التنصيف، وكونهما عضوا مستقلا، وكونهما من الايمن، وكونهما من الايسر. (3) أما بين الرأس والجانبين فهو إجماع صريحا أو ظاهرا، حكاه جماعة كثيرة من القدماء والمتأخرين ومتأخريهم، ويقتضيه عطف المنكبين على الرأس ب‍ " ثم " في صحيح زرارة السابق (* 1)، ونحوه صحيح محمد ابن مسلم (* 2)، وموثق سماعة (* 3)، وبها يقيد إطلاق جملة أخرى، كما في صحيح زرارة: " ثم تغسل جسدك من لدن قرنك إلى قدمك (* 4) " ونحوه غيره. اللهم إلا أن يقال: المطلقات آبية عن التقييد، فان مثل صحيح زرارة: " سألت أبا عبد الله (ع) عن غسل الجنابة فقال (ع): تبدأ فتغسل كفيك، ثم تفرغ بيمينك على شمالك فتغسل فرجك ومرافقك، ثم تمضمض واستنشق، ثم تغسل جسدك من لدن قرنك إلى قدميك. ليس قبله وضوء. وكل شئ أمسسته الماء فقد أنقيته. ولو أن رجلا جنبا ارتمس في الماء ارتماسة واحدة أجزأه ذلك وان لم يدلك جسده " (* 5) -


(* 1) ص: 78 (* 2) الوسائل باب: 26 من أبواب الجنابة حديث: 1 (* 3) الوسائل باب: 26 من أبواب الجنابة حديث: 8 (* 4) الوسائل باب: 26 من أبواب الجنابة حديث: 5 (* 5) الوسائل باب: 26 من أبواب الجنابة حديث: 5

[ 80 ]

مع كون السؤال فيه عن غسل الجنابة - قد تعرض فيه لذكر أمور كثيرة خارجة عنه، وبعضها مستحب، ولم يتعرض فيه للترتيب بين الاعضاء، فيأبى جدا عن التقييد به، ولا سيما مع اشتمال المقيدات على ما لا يقول بوجوبه المشهور، مثل الترتيب بين غسل الكفين، والفرج، وغسل الرأس وصب الماء على الرأس ثلاثا، وغير ذلك، فلاحظها، فان ذلك مما يوهن حملها على الوجوب جدا، فيكون حمل النصوص المتقدمة على الاستحباب أو غيره أولى من تقييد المطلقات. اللهم إلا أن يقال: الترتيب بين الرأس والجانبين إن لم يكن واجبا فهو مستحب فاهماله في الصحيح المذكور لابد أن يكون لنكتة، ولعلها من جهة أن السؤال لم يكن عن كيفية غسل الجنابة وإنما كان عما يتعلق به، وحينئذ لا يكون الاهمال دالا على عدم الوجوب. وقد استدل على الترتيب في المقام بمصحح زرارة عن أبي عبد الله (ع): " من اغتسل من جنابة فلم يغسل رأسه ثم بدا له أن يغسل رأسه لم يجد بدا من إعادة الغسل " (* 1) بضميمة عدم الفصل بين عدم جواز تقديم الجانبين ووجوب تأخيرهما. وفيه أن ظاهر قوله (ع): " ثم بدا له " أن ترك غسل الرأس أولا كان عمدا، ولعل البطلان من جهة التشريع المنافي لقصد الامتثال المعتبر في الغسل لا لفوات الترتيب. اللهم إلا أن يقال: إن الحمل على العمد بعيد جدا، لبعد وقوع العمد من المسلم الذي هو في مقام التقرب. وأما أمر الصادق (ع) الجارية التي أصاب منها في طريق مكة بغسل الرأس أولا - كما في صحيح ابن مسلم (* 2) - فلا يدل على الوجوب، لانه


(* 1) الوسائل باب: 28 من أبواب الجنابة حديث: 1 (* 2) الوسائل باب: 29 من أبواب الجنابة حديث: 1

[ 81 ]

ليس في مقام التشريع. مع أنه معارض بصحيح هشام بن سالم المتضمن لامرها بغسل الجسد قبل الرأس (* 1). اللهم إلا أن يقال: المظنون قويا أن الثاني وهم، كما جزم به الشيخ (ره)، كما يظهر من ملاحظة الواقعة المحكية، وكون راوي المضمون الاول هشام عن محمد بن مسلم. نعم في رواية حريز. " وابدأ بالرأس ثم أفض الماء على سائر جسدك " (* 2)، لكنها غير مسندة إلى المعصوم (ع). نعم عن الذكرى أنه رواها الصدوق في مدينة العلم مسندة عن الصادق (ع) ولا يحضرني السند، فلاحظ. اللهم إلا أن يقال: رواية الشيخ (ره) للرواية، ورواية رجال السند - وفيهم الاجلاء وبعضهم من أصحاب الاجماع - شهادة منهم بأنها عن المعصوم. وكيف كان فالعمدة في الترتيب المذكور هو الاجماع، إذ لم ينسب الخلاف فيه إلا إلى الصدوقين وابن الجنيد، والنسبة إلى الاولين محل تأمل أو منع، وخلاف الاخير غير قادح. وأما الترتيب بين الجانبين فعليه الاجماعات السابقة، وعن جماعة دعوى الاجماع على عدم الفصل في الترتيب بين الرأس والجانبين وفيما بينهما وعن الانتصار والذكرى: الاجماع على عدم الفصل بين الترتيب في الوضوء وبينه في أعضاء الغسل. وهو العمدة فيه إن تم، والا فالنصوص خالية عن الاشارة إليه، فضلا عن الدلالة عليه، لان ما تقدم مما دل على الترتيب بين الرأس والجانبين خال عنه. ظاهر في نفيه، فضلا عن ظهور المطلقات في نفيه، بل في موثق سماعة: " ثم ليصب على رأسه ثلاث مرات مل ء


(* 1) الوسائل باب: 28 من أبواب الجنابة حديث: 4 (* 2) الوسائل باب: 29 من أبواب الجنابة حديث: 2

[ 82 ]

[ ولا يجب البدأ بالاعلى (1) ] كفيه، ثم يضرب بكف من ماء على صدره، وكف بين كتفيه، ثم يفيض الماء على جسده كله " (* 1). نعم قد يستدل عليه بما دل على الترتيب بين الجانبين في غسل الاموات بضميمة ما دل على أن غسل الاموات غسل الجنابة. وفيه أن ما دل على أنه غسل جنابة، إن كان المراد منه أنه غسل جنابة تنزيلا فمقتضاه ترتيب أحكام غسل الجنابة عليه لا ترتيب أحكامه على غسل الجنابة، وإن كان المراد انه غسل جنابة حقيقة فوجوب الترتيب فيه لا يوجب التعدي منه إلى المقام، لامكان الفرق بين جنابة الحي والميت، ولذا لا يتوهم التعدي في غير الترتيب من الاحكام المختصة به كالسدر والكافور وغيرهما. وأضعف من ذلك ما يقال: من أنه لو كان غسل الميت كيفيته مخالفة لغسل الجنابة لوجب في كل مقام أمر فيه بالغسل الاستفصال عن أنه كغسل الجنابة أو غسل الاموات. إذ فيه أن غسل الاموات ليس من سنخ سائر الاغسال، لانه غسل الانسان غيره، فلا موجب لتوهم حملها عليه دون غسل الجنابة. ولاجل ذلك مال إلى النفي جماعة كالبهائي، والمجلسي، وأصحاب المدارك، والذخيرة، والوافي، وغيرهم، بل نسب إلى ظاهر جماعة من القدماء: منهم الصدوقان. والاحتياط سبيل النجاة. (1) كما هو المشهور، بل ظاهر محكي المهذب البارع الاجماع عليه، فانه - بعد ما حكى عن الحلبي الوجوب - قال: " وهو متروك ". لكن حكي أيضا عن ظاهر الغنية والاشارة والسرائر، وكأنه للامر بالصب على


(* 1) الوسائل باب: 26 من أبواب الجنابة حديث: 8

[ 83 ]

[ في كل عضو، ولا الاعلى فالاعلى (1) ولا الموالاة العرفية بمعني التتابع، ولا بمعنى عدم الجفاف، فلو غسل رأسه ورقبته في أول النهار، والايمن في وسطه، والايسر في آخره صح (2) ] المنكب الايمن مرتين، وعلى المنكب الايسر مرتين في مصحح زرارة (* 1) ولما في صحيحه من قول الصادق (ع): " ثم تغسل جسدك من لدن قرنك إلى قدميك " (* 2) لكن الاول - مع أن الامر فيه للاستحباب، بقرينة قوله (ع): " مرتين " إذ لا ريب في كون التعدد المذكور من الآداب، وأنه لا يدل على ذلك في الرأس، لاطلاق الامر بالصب عليه، فيه وفي بقية النصوص - لا يصلح لتقييد المطلق، لقرب احتمال إرادة تمام الجانب من المنكب فيه، بل لعله أولى من حمله على معناه، والالتزام بالطي في العبارة. مضافا إلى أن المنكب ليس هو أعلى الجانب بل بعض أعلاه. فتأمل جيدا. وقد عرفت الاشكال في صلاحية مثل هذا المصحح لتقييد المطلقات بالترتيب بين الاعضاء فضلا عن اعتبار الاعلى. وأما الصحيح فالظاهر من الظرف فيه كونه مستقرا قيدا للجسد، لكون التعبير المذكور جاريا مجرى الامثال لبيان الاستيعاب، وإلا فالقرن ليس هو أعلى الرأس بل جانبه. (1) يظهر وجهه مما سبق. مضافا إلى ما يأتي في الجزء المنسي. لكنه مختص بالنسيان. (2) بلا خلاف ظاهر، بل عن صريح جماعة وظاهر آخرين: الاجماع عليه، للاطلاقات. ولما ورد في قصة أم اسماعيل (* 3)، ولرواية


(* 1) الوسائل باب: 26 من أبواب الجنابة حديث: 2 (* 2) الوسائل باب: 26 من أبواب الجنابة حديث: 5 (* 3) الوسائل باب: 29 من ابواب الجنابة حديث: 1

[ 84 ]

[ وكذا لا يجب الموالاة في أجزاء عضو واحد (1): ولو تذكر بعد الغسل ترك جزء من أحد الاعضاء رجع وغسل ذلك الجزء (2)، فان كان في الايسر كفاه ذلك، وإن كان في الرأس أو الايمن وجب غسل الباقي على الترتيب (3). ] إبراهيم اليماني عن أبي عبد الله (ع): " ان عليا (ع) لم ير بأسا أن يغسل الجنب رأسه غدوة ويغسل سائر جسده عند الصلاة " (* 1) ونحوها ما عن المدارك عن عرض المجالس للصدوق عن الصادق (ع) (* 2)، ولرواية حريز (* 3) فانها بعد الحكم فيها بجواز غسل اللاحق وإن جف السابق: " قلت: وان كان بعض يوم؟ قال (ع): نعم ". (1) للاطلاق. (2) كما تقتضيه الادلة الاولية. مضافا إلى مصحح زرارة: " قلت له: رجل ترك بعض ذراعه أو بعض جسده من غسل الجنابة؟ فقال (ع): إذا شك وكانت به بلة وهو في صلاته مسح بها عليه، وإن كان استيقن رجع فاعاد عليهما ما لم يصب بلة... " (4). (3) وظاهر الاصحاب التسالم عليه، كما تقتضيه أدلة الترتيب. ولا ينافيها ترك الاستفصال في مصحح زرارة السابق، لان السؤال كان فيه من حيث وجوب الاعادة على المتروك وعدمه، لا من هذه الحيثية، فلا مجال لرفع اليد به عن أدلة الترتيب على تقدير تماميتها.


(* 1) الوسائل باب: 29 من أبواب الجنابة حديث: 3 (* 2) الوسائل باب: 29 من أبواب الجنابة حديث: 4 (* 3) الوسائل باب: 29 من ابواب الجنابة حديث: 2 (* 4) الوسائل باب: 41 من ابواب الجنابة حديث: 2

[ 85 ]

[ ولو اشتبه ذلك الجزء وجب غسل تمام المحتملات (1) مع مراعاة الترتيب. الثانية: الارتماس (2) وهو غمس تمام البدن في الماء دفعة واحدة عرفية (3)، ] (1) عملا بالعلم الاجمالي. (2) إجماعا، كما عن جماعة كثيرة، للنصوص، كما في صحيح زرارة عن الصادق (ع): " ولو أن رجلا جنبا ارتمس في الماء ارتماسة واحدة أجزأه ذلك وان لم يدلك جسده " (* 1) وفي رواية الحلبي: " إذا اغتمس الرجل في الماء اغتماسة واحدة أجزأه ذلك من غسله " (* 2) ونحوهما غيرهما وعدم ذكر الارتماس في الغنية لا يدل على الخلاف فيه. مع أنه لا يهم بعد ما عرفت. (3) كما هو المشهور، وفي الحدائق نسبته إلى كلام الاصحاب، وكأن لوجه فيه وصف الارتماس في النصوص بالوحدة، وبقرينة ذكر الارتماس في قبال الترتيب تحمل الوحدة على الارتماسة غير المجزأة على أعضاء الغسل على النحو المتعارف، فيكون المراد من الواحدة غير المجزأة، وإذ أن الوحدة الحقيقية غير معقولة، فلا بد أن تحمل على العرفية بحيث يكون الارتماس غير مجزء في نظر العرف. وفي الحدائق اختار جواز التأني بنحو ينافي الدفعة العرفية، واحتمله في محكي كشف اللثام، وعن كشف الغطاء الميل إليه، وعلله في الاول بأن التأمل في الاخبار يقضي بان المراد بالارتماسة الواحدة ما يقابل الارتماسات المتعددة، لاجل رمس كل عضو على حدة


(* 1) الوسائل باب: 26 من أبواب الجنابة حديث: 5 (* 2) الوسائل باب: 26 من أبواب الجنابة حديث: 15

[ 86 ]

[ واللازم أن يكون تمام البدن تحت الماء في آن واحد (1) وإن كان غمسه على التدريج (2)، فلو خرج بعض بدنه قبل أن ينغمس البعض الآخر لم يكف (3) كما إذا خرجت رجله، أو دخلت في الطين (4) قبل أن يدخل رأسه في الماء، أو بالعكس، بأن خرج رأسه من الماء قبل أن تدخل رجله. ولا يلزم أن يكون تمام بدنه أو معظمه خارج الماء بل لو كان بعضه خارجا فارتمس كفى (5) ] أو لاجل رمس المجموع ارتماسات متعددة. أقول: من الواضح أن معنى الواحدة ما يقابل المتعددة لا ما يرادف الدفعة، وبقرينة المقابلة تحمل الوحدة على ما يقابل التعدد الوارد على الاعضاء الثلاثة، المعتبر في الغسل الترتيبي، فمفاد النصوص حينئذ نفي اعتبار ذلك التعدد وأين هو من اعتبار الدفعة؟!، وسيأتي في المسألة الرابعة ماله تعلق بالمقام. فانتظر. (1) كما يقتضيه ظاهر الارتماس والانغماس المذكورين في النصوص والفتاوى. (2) يعني: لافي آن واحد، فلا ينافي ما تقدم في المتن من اعتبار الدفعة العرفية. (3) بلا خلاف ظاهر. نعم قد يوهم الخلاف الآتي - فيما لو خرج وفي بدنه لمعة - الخلاف في المقام، لكنه ليس في محله، إذ الخلاف هناك مبني على صدق الارتماس، وإلا فلا إشكال في البطلان. فلاحظ. (4) دخول الرجل في الطين لا ينافي صدق الارتماس وكونه تحت الماء وإنما ينافي صدق استيلاء الماء على تمام بدنه في آن واحد، فحينئذ يجري الكلام الآتي في اللمعة فيها. فانتظر. (5) كما نسب إلى المعروف. وعن الكفاية وغيرها العدم. وهو في

[ 87 ]

[ بل لو كان تمام بدنه تحت الماء فنوى الغسل وحرك بدنه (1) كفى على الاقوى (2). ] محله، بناء على ما يظهر مما نسب إلى المشهور من انحصار الغسل الترتيبي في الوجه الاول من الوجهين الآتيين في المسألة الرابعة، إذ لو لم يخرج لم يقع أول الارتماس بعنوان العبادة فلا يصح. أما بناء على جواز وقوعه على الوجه الثاني فلا موجب للخروج. فانتظر لما سيأتي في المسألة المذكورة. (1) في وجوب التحريك تأمل، لما عرفت سابقا من عدم دخول الجريان في مفهوم الغسل، بل تمام مفهومه استيلاء الماء على المحل بنحو يوجب النظافة ودعوى اعتباره في المقام - لاجل النصوص الخاصة به، مثل: " ما جرى عليه الماء فقد طهر " (* 1) أو: " فقد أجزأه " (* 2) - خلاف ظاهرهم من الاكتفاء بمجرد تحقق الغسل كما لا يخفى، ولا سيما وقد ورد أيضا: " كل شئ أمسسته الماء فقد انقيته " (* 3). ويعضده ظاهر نصوص الارتماس، لخلوها عن ذكر التحريك. ومثلها دعوى أن ظاهر اوامر الغسل كون المأمور به فعلا وجوديا، فإذا كان في داخل الماء ونوى الغسل ولم يتحرك لم يتحقق منه فعل وجودي غير النية، فلزوم التحرك لاجل تحقيق هذا المعنى. وجه الاندفاع: أن المكث في داخل الماء حال النية أيضا فعل وجودي صادر منه باختياره. (2) ولعله المشهور، بل عن مقتصر ابن فهد ومعتمد النراقي الاجماع عليه، وفي المستند: " الظاهر اعتبار خروج الرأس والرقبة، بل الاحوط خروج بعض آخر حتى يصدق عرفا أنه ارتمس بعد ما لم يكن كذلك،


(* 1) الوسائل باب: 26 من أبواب الجنابة حديث: 1 (* 2) الوسائل باب: 26 من أبواب الجنابة حديث: 2 (* 3) الوسائل باب: 26 من أبواب الجنابة حديث: 5

[ 88 ]

[ ولو تيقن بعد الغسل عدم انغسال جزء من بدنه وجبت الاعادة (1) ] فانه هو الظاهر المتبادر من الحديث "، وفيه منع الظهور المذكور، والتبادر بدائي لا يعول عليه في رفع اليد عن الاطلاق. مع أنه لو سلم ظهور الدليل في خصوص الحدوث فلا وجه لاعتبار خروج خصوص الرأس والرقبة، بل يكفي خروج أي جزء كان. وكيف كان فما عن الكفاية والغنائم وغيرهما من التأمل في ذلك ضعيف. (1) كما في المنتهى، وحكاه عن والده، ونسب إلى الدروس، والذكرى، والبيان، لظهور النصوص في اعتبار غسل تمام البدن في حال الارتماس. وفي القواعد اجتزأ بغسل الجزء مطلقا، واختاره في المستند معللا له بترك الاستفصال المفيد للعموم في صحيح زرارة المتقدم في من ترك بعض ذراعه أو جسده (* 1)، وعلله في محكي المنتهى بسقوط الترتيب في حقه بالارتماس فيجزئه الغسل، لقول الصادق (ع): " فما جرى عليه الماء فقد أجزاه " (* 2) وفي الاول: أن ظاهر قول السائل في الصحيح: " ترك بعض ذراعه أو بعض جسده " الغسل الترتيبي، ولا سيما وكونه الشائع المتعارف في تلك الازمنة، فلا يصلح للتصرف في ظهور نصوص الارتماسي الذي عرفته. وفي الثاني: بأن سقوط الترتيب إنما يكون في الارتماسي الحاصل معه غسل تمام البدن لا مطلقا. وقيل إنه يجري عليه حكم الغسل الترتيبي، فيغسله فقط إن كان في الايسر، ويغسله ويعيد على الايسر إن كان في الايمن. وهذا القول مبني على كون الارتماسي بحكم الترتيبي، كما عن بعض أصحابنا، ورتبوا عليه


(* 1) الوسائل باب: 41 من أبواب الجنابة حديث: 2 (* 2) الوسائل باب: 26 من أبواب الجنابة حديث: 2

[ 89 ]

[ ولا يكفي غسل ذلك الجزء فقط ويجب تخليل الشعر إذا شك في وصول الماء إلى البشرة التي تحته (1)، ولا فرق في كيفية الغسل بأحد النحوين بين غسل الجنابة وغيره من سائر الاغسال الواجبة والمندوبة (2) نعم في غسل الجنابة لا يجب الوضوء، بل لا يشرع، بخلاف سائر الاغسال ] الثمرة في المقام وفيما لو نذر الغسل الترتيبي أو حلف عليه وأنه يجزئه الارتماس. وفيه أنه لم يتضح له معنى محصل، فضلا عن دلالة النصوص عليه، كيف؟ وقد عرفت أن ظاهر نصوص الارتماس لزوم استيلاء الماء على تمام البدن فكيف يكون مفادها صحة الغسل مع بقاء لمعة وجواز غسلها بعد الارتماس؟ وقيل بالاكتفاء بغسله مع قصر الزمان ووجوب الاعادة مع طوله، نسب إلى ظاهر المحقق الثاني وغيره، وكأنه لصدق الارتماس في الاول وعدمه في الثاني، وفيه ما عرفت. وربما بترائى من الجواهر ابتناؤه على عدم اعتبار الدفعة. ولكنه كما ترى. فلاحظ. (1) لقاعدة الاحتياط. (2) وعن الحدائق: أنه ظاهر الاصحاب، بل عن الذكرى: " أنه لم يفرق أحد في ذلك بين غسل الجنابة وغيره ". ويشهد به ظهور كلماتهم في كون الارتماسي أحد نوعي الغسل من الجنابة، وأن غسل غير الجنابة كغسل الجنابة في الكيفية. كما أن ظاهر قول الصادق (ع) في مصحح الحلبي: " أجزأه ذلك من غسله " (* 1) أنه أحد فردي الغسل، لا أنه شئ آخر يكفي عن الغسل. وإطلاق الامر بالغسل في سائر المقامات يقتضي حمله على ما ذكر في الجنابة من مشروعية كل من فرديه. فالتوقف


(* 1) الوسائل باب: 26 من أبواب الجنابة حديث: 15

[ 90 ]

[ كما سيأتي إن شاء الله (1). (مسألة 1): الغسل الترتيبي أفضل من الارتماسي (2). (مسألة 2): قد يتعين الارتماسي كما إذا ضاق الوقت عن الترتيبي (3)، وقد يتعين الترتيبي كما في يوم الصوم الواجب (4) وحال الاحرام، وكذا إذا كان الماء للغير ولم يرض بالارتماس فيه. (مسألة 3): يجوز في الترتيبي أن يغسل كل عضو من ] في ذلك - كما ربما يترائى من محكي عبارة المنتهى - ضعيف. (1) ويأتي وجهه. (2) نسبه في الحدائق إلى بعض محدثي متأخري المتأخرين، وتبعه كثير ممن عاصرناه أو قارب عصرنا. ويدل عليه الامر به في نصوص الكيفية، المحمول على الاستحباب جمعا بينه وبين مادل على إجزاء الارتماسي. (3) فان الترتيبي حينئذ وإن لم يخرج عن المقدمية لرفع الجنابة لكنه يخرج عن المقدمية الفعلية للموقت، وتنحصر المقدمة الفعلية بالارتماسي، فيجب وجوبا غيريا تعيينيا عند العقل. (4) فان الارتماسي وإن لم يخرج عن المقدمية لرفع الحدث، ولا للغايات الموقوفة عليه، لكنه لاجل وجوب الجمع بين غرضي الشارع الاقدس، من تحريم الافطار بالارتماس ووجوب الغايات الموقوفة على الغسل، ينحصر الوجوب الغيري بالترتيبي، بل يكون الارتماسي حراما يمتنع التقرب به، فيبطل لوجئ به. وكذا الحال في الغسل حال الاحرام، فانه يحرم على المحرم تغطية الرأس ولو بالماء فيجري فيه ما ذكرناه. ومنه يظهر الوجه أيضا في الفرض الاخير.

[ 91 ]

[ أعضائه الثلاثة بنحو الارتماس (1)، بل لو ارتمس في الماء ثلاث مرات - مرة بقصد غسل الرأس، ومرة بقصد غسل الايمن، ومرة بقصد الايسر - كفى. وكذا لو حرك بدنه تحت الماء (2) ] (1) كما هو ظاهر كل من عبر بالغسل، بل لعل ظاهرهم الاتفاق عليه، فان المحكي عن عبارة جماعة من القدماء وإن كان قد اشتمل على الامر بالصب ونحوه لكن عبارة كثير خالية عنه، ومع ذلك لم يتوهم الخلاف منهم في ذلك، فدل على أن مراد الجميع واحد وهو مطلق الغسل، ويكون التعبير بالصب ونحوه في كلمات الجماعة جريا على عبارة النصوص كما هو عادتهم. وكيف كان ففي المستند: انه لا ينبغي الريب في اعتبار الصب في الترتيبي، اعتمادا منه على النصوص البيانية المشتملة على الامر بالصب ونحوه وفيه: أن الظاهر أن الوجه في التعبير بذلك كونه الطريق المتعارف في الغسل، لا أقل من حمله على ذلك بقرينة قولهم (ع): " ما جرى عليه الماء فقد طهر " (* 1) أو. " فقد أجزأه " (* 2) أو: " كل شئ أمسسته الماء فقد أنقيته " (* 3) فان ظاهر الجميع كون المعيار هو غسل البشرة. ويؤيد ذلك ورود الامر بالصب في النصوص البيانية للوضوء (* 4) مع ما عرفت من إطلاق الغسل في الكتاب والسنة، ودعوى ظهور الاجماع على كفاية الارتماس فيه. فتأمل جيدا. (2) قد عرفت الاشكال في وجوب التحريك. ثم إن المصحح للفروض


(* 1) الوسائل باب: 26 من ابواب الجنابة حديث: 1 (* 2) الوسائل باب: 26 من أبواب الجنابة حديث: 2 (* 3) الوسائل باب: 26 من أبواب الجنابة حديث: 5 (* 4) الوسائل باب: 15 من أبواب الوضوء

[ 92 ]

[ ثلاث مرات، أو قصد بالارتماس غسل الرأس وحرك بدنه تحت الماء بقصد الايمن وخرج بقصد الايسر. ويجوز غسل واحد من الاعضاء بالارتماس والبقية بالترتيب، بل يجوز غسل بعض كل عضو بالارتماس وبعضه الآخر بامرار اليد. (مسألة 4): الغسل الارتماسي يتصور على وجهين (1) (أحدهما): أن يقصد الغسل بأول جزء دخل في الماء وهكذا إلى الآخر فيكون حاصلا على وجه التدريج (والثاني): أن يقصد الغسل حين استيعاب الماء تمام بدنه، وحينئذ يكون آنيا. وكلاهما صحيح، ويختلف باعتبار القصد، ولو لم يقصد أحد ] المذكورة باجمعها تحقق الغسل الذي عرفت أنه موضوع الحكم. (1) قد ذكر في الجواهر وغيرهما أن في المراد من الارتماس الذي يترتب عليه رفع الحدث والطهارة ويجب وقوعه على نحو العبادة وجوها بل أقوالا: أحدها: أنه استيلاء الماء على جميع أجزاء البدن في آن واحد حقيقة، وعن المحقق الثاني نسبته إلى بعض الطلبة، وفي مفتاح الكرامة: انه يتوهم من عبارة الشهيد في الالفية. ثانيها أنه غمس الاعضاء متواليا بحيث يتحد عرفا، فيكون أوله غمس أول جزء من البدن، وآخره غمس آخر الاجزاء، وهو المنسوب إلى المشهور. ثالثها: أنه نفس غمس الاعضاء المتدرج ولو في آنات متعددة بحيث لا تصدق معه الدفعة، وهو الذي احتمله كاشف اللثام، واختاره في الحدائق. رابعها: أنه التغطية والكتمان المقارن لانغماس آخر أجزاء البدن، فيكون أوله أول التغطية المذكورة وآخره انغسال آخر جزء في تلك التغطية فيكون

[ 93 ]

تدريجا لا آنيا، وهذا هو الذي اختاره في الجواهر. فعلى الاول يمتنع فرض وقوع الحدث في أثنائه، كما يمتنع أيضا وقوعه من ذي الشعر الكثيف ونحوه مما يمنع من وصول الماء إلى البشرة بغير التخليل لانه ينافي كونه آني الحصول. وكأنه لاجل ذلك جعله المحقق الثاني في شرح الالفية مخالفا لاجماع المسلمين، وفي محكي جامع المقاصد: " أهون من أن يتصدى لرده، لانه لا يعلم قولا لاحد من معتبري الاصحاب، ولا يتوهم دلالة شئ من أصول المذهب عليه "، وقريب منه كلام غيره نعم إنما يتوجه الاشكال على هذا القائل لو كان غرضه انحصار الغسل الارتماسي بالآني، أما لو كان مراده صدقه عليه في الجملة - وحينئذ تجب مقارنة النية له، بناء على اعتبار مقارنتها للعمل - فلا يتوجه الاشكال عليه بوجه وليس حاله إلا حال أول كل عمل تدريجي فانه آني، ولابد من مقارنة النية له عندهم. وأما الثاني المنسوب إلى المشهور فان أريد ظاهره من انحصار الارتماسي به، فيتوجه عليه أنه مناف لما ذكروه من إمكان تحقق الغسل الارتماسي ممن كان تمام بدنه تحت الماء، كما تقدم نقل الاجماع عليه عن المقتصر والمعتمد، وممن كان بعضه في الماء من دون أن يخرج منه، كما نسب إلى المعروف، فان الغسل على الحالين المذكورين مخالف له على هذا الوجه، كما هو ظاهر. ومن هنا يظهر أن مقتضى الجمع بين كلماتهم هو أن مرادهم أن الغسل الارتماسي يتحقق باحد الانحاء الثلاثة المذكورة ولا يختص بهذا الوجه. كما أن معنى الدفعة العرفية على هذا الوجه واضح، وهو توالي غمس الاعضاء بنحو يكون غمس مجموعها في زمان واحد عرفا، كما أنه على النحو الاول من النحوين الآخرين عبارة عن توالي غمس المقدار الخارج من الماء، أما على النحو الثاني منهما

[ 94 ]

فلابد أن يكون معنى الدفعة توالي غمس الاعضاء تحت الماء. لكن إقامة الدليل على اعتبار الدفعة بهذا المعنى في النحو المذكور صعب جدا، إذ الجنب ما دام تحت الماء يصدق أنه مرتمس ارتماسة واحدة ولو طال زمان تخليل شعره الكثيف وإزالة الحواجب. هذا وفي صدق الارتماس الغسلي على غمس الاجزاء المتدرج إشكال لان الظاهر من الارتماس كون تمام البدن تحت الماء في زمان واحد حقيقة ولاجل ذلك امتنع تحققه برمس بعض البدن ثم إخراجه ورمس الباقي كما تقدم، مع أنه يصدق رمس تمام البدن ولو تدريجا. فرمس البدن ليس من قبيل غسل البدن ليكون من الوجود التدريجي يحصل برمس أول جزء وينتهي برمس آخر جزء، كما يحصل غسل البدن بغسل أول جزء وينتهي بغسل آخر جزء، بل المراد منه معنى لا يحصل إلا برمس تمام الاجزاء المعبر عنه بالارتماس تارة، والانغماس أخرى، فحينئذ يمتنع صدقه على رمس أول جزء، فإذا رمس أعضاءه تدريجا كان ذلك الرمس خارجا عن الغسل إلى أن يرتمس بتمامه، فيكون رمس ما قبل الجزء الاخير في حال رمس الاخير هو الغسل لا ما قبله، فلابد أن ينوي التقرب ببقاء ما قبل الاخير مرموسا لا بحدوث رمسه. فيتعين الوجه الاخير الذي اختاره في الجواهر، وحينئذ قد يكون آنيا كما إذا تحقق استيلاء الماء على البشرة بمجرد الارتماس، وقد يكون تدريجيا كما إذا توقف الاستيلاء المذكور على التخليل ونحوه كرفع القدم عن الارض ليستولي الماء على باطنها، فيكون أوله أول الارتماس وآخره مقارنا لانغسال تمام الاجزاء بالتخليل وغيره، إذ بعد خروج ارتماس ما قبل الجزء الاخير عن الغسل لا مجال لاعتبار الدفعة فيه، إذ لا يقتضيه النص. نعم يمكن اعتبار الدفعة بمعنى آخر ذكرناه آنفا

[ 95 ]

[ الوجهين صح أيضا وانصرف إلى التدريجي (1). (مسألة 5): يشترط في كل عضو أن يكون طاهرا حين غسله (2) فلو كان نجسا طهره أولا، ولا يكفي غسل واحد لرفع الخبث والحدث، كما مر في الوضوء ولا يلزم طهارة ] كما ذكرنا أيضا أن إقامة الدليل عليه صعب جدا. ومما ذكرنا يظهر أن المرتمس لا يجب عليه رفع الحواجب في آن واحد، بل لو اتفق أنه حين رفع الحاجب عن عضو حدث حاجب في عضو آخر كفى في صحة ارتماسه، لان العضو الذي حدث فيه الحاجب كان قد وصل إليه الماء فلا يضر حدوث الحاجب عليه. (1) لانه أسبق وجودا فينطبق عليه المأمور به. (2) هذا أحد الاقوال في المسألة، وقد تقدم في شرائط الوضوء الاشارة إليها. والعمدة في دليل القول المذكور وجهان: الاول: أصالة عدم التداخل المبرهن عليها في الاصول. وثانيهما: أن الماء ينفعل بملاقاة العضو النجس فيمتنع رفع الحدث به، كما تقدم في المياه، وستأتي الاشارة إليه. لكن كلا الوجهين لا يصلحان لاثباته، أما الاول فلان مقتضاه عدم الاكتفاء بغسل واحد للحدث والخبث لا شرطية رفع الخبث في صحة الغسل لرفع الحدث. فان قلت: يعلم من مذاق الشارع أن رفع الخبث يكون بمجرد الغسل مطلقا، فمقتضى أصالة عدم التداخل وجوب غسل آخر لرفع الحدث. قلت: لا دليل على أصالة عدم التداخل حينئذ، لان الموجب لعدم التداخل ظهور تعدد الشرط في تعدد الجزاء، فإذا بني على رفع اليد عن

[ 96 ]

[ جميع الاعضاء قبل الشروع في الغسل وإن كان أحوط (1). ] هذا الظهور بالنسبة إلى الخبث - وأنه يتحقق ولو بالغسل لرفع الحدث - فلا مانع من الاخذ باطلاق الاجزاء بالنسبة إلى الحدث، فيكتفى في رفعه بمجرد الغسل وإن ترتب عليه رفع الخبث. وأما الثاني فلا يقتضي اعتبار طهارة العضو في صحة غسله زائدا على اعتبار طهارة الماء. مع أنه مبني على نجاسة الغسالة أو عدم جواز رفع الحدث بالماء المستعمل في رفع الخبث وإن كان طاهرأ. وأنه لا يطرد في الغسل بالكثير المعتصم ولا في الجزء الاخير الذي ينفصل عنه الماء إلى خارج البدن، ولاجل ذلك فصل بعض بين الغسل في الكثير والجزء الاخير وبين غيرهما، ولاجل ما ذكرنا ذكر في محكي المبسوط: أنه إن كان على بدنه نجاسة أزالها ثم اغتسل فان خالف واغتسل أولا فقد ارتفع حدث الجنابة، وعليه أن يزيل النجاسة إن كانت لم تزل بالغسل، وإن زالت بالاغتسال فقد أجزأ عن غسلها " انتهى. نعم ظاهر صدر كلامه وجوب الازالة تعبدا قبل الشروع في الغسل. ولا وجه له ظاهر إلا النصوص المتضمنة للامر بغسل الاذى، كصحيح حكم بن حكيم: " ثم اغسل ما أصاب جسدك من أذى ثم اغسل فرجك وأفض على رأسك... " (* 1) ورواية يعقوب بن يقطين: " ثم يغسل ما أصابه من أذى، ثم يصب على رأسه... " (* 2)، وصحيح البزنطى، " ثم اغسل ما أصابك منه، ثم أفض... " (* 3) لكن لو تمت دلالتها على الوجوب تعين حملها على الوجوب الغيري - وإلا كان الاقرب حملها على الاستحباب، كما عليه سيرة الفقهاء في أمثال المقام - لا الوجوب التعبدي. (1) بل ظاهر القواعد وجوبه، وكذا عن الحلبي، وابني حمزة،


(* 1) الوسائل باب: 26 من أبواب الجنابة حديث: 7 (* 2) الوسائل باب 34 من أبواب الجنابة حديث: 1 (* 3) الوسائل باب: 34 من أبواب الجنابة حديث: 3

[ 97 ]

[ (مسألة 6): يجب اليقين بوصول الماء إلى جميع الاعضاء (1) فلو كان حائل وجب رفعه، ويجب اليقين بزواله مع سبق وجوده، ومع عدم سبق وجوده يكفي الاطمئنان بعدمه بعد الفحص (2)، (مسألة 7): إذا شك في شئ أنه من الظاهر أو الباطن يجب غسله، على خلاف ما مر في غسل النجاسات (3) حيث ] وزهرة، وسلار والهداية، بل عن الثاني دعوى الاجماع عليه، وعن الا خبر: أنه من دين الامامية وعن شرح المفاتيح: أنه الظاهر من فتاوى الاصحاب. للاخبار المتقدمة وغيرها مما تضمن الامر بغسل الفرج، بناء على ظهورها في غسله من النجاسة. لكن عن الحلي عد ذلك من الآداب والسنن بغير خلاف، وعن كشف اللثام أنه من باب الاولى قطعا، ونحوه ما عن جامع المقاصد. وحينئذ فالنصوص المذكورة لا تقوى على إثبات الوجوب لذلك، ولاشتمالها على كثير من السنن والآداب، وقرب دعوى كون الامر بالغسل إرشاديا إلى إيجاد الغسل بنحو أسهل. مضافا إلى ما في صحيح حكم بن حكيم: " فان كنت في مكان نظيف فلا يضرك أن لا تغسل رجليك، وإن كنت في مكان ليس بنظيف فاغسل رجليك... " (* 1)، فانه ظاهر في صحة الغسل في حال نجاسة الرجلين لملاقاتهما للموضع. والتفكيك بين النجاسة السابقة فيشترط التطهير منها، والطارئة في الاثناء فلا يشترط ذلك بعيد جدا. (1) لقاعدة الاشتغال فيه وفيما يأتي. (2) تقدم الكلام فيه في غسل الوجه فراجع. (3) قد مر في العاشر من المطهرات ذكر وجهين في المسألة: تنجس


(* 1) الوسائل باب: 27 من أبواب الجنابة حديث: 1

[ 98 ]

[ قلنا بعدم وجوب غسله. والفرق أن هناك الشك يرجع إلى الشك في تنجسه بخلافه هنا، حبث أن التكليف بالغسل معلوم فيجب تحصيل اليقين بالفراغ (1). نعم لو كان ذلك الشئ باطنا سابقا وشك في أنه صار ظاهرا أم لا فلسبقه بعدم الوجوب لا يجب غسله عملا بالاستصحاب (2). ] الباطن بملاقاة النجاسة وعدمه. ومال في المتن إلى الثاني. فمع الشك يرجع إلى أصالة الطهارة. وذكرنا هناك بعض الكلام في ذلك فراجع. (1) مجرد العلم بالتكليف بالغسل غير كاف في وجوب الاحتياط، لتردده بين الاقل والاكثر، والتحقيق فيه الرجوع إلى البراءة، بل الموجب له هو العلم بالتكليف بالطهارة التي هي الاثر الحاصل من الغسل، كما يقتضيه قوله تعالى: (وان كنتم جنبا فاطهروا) (* 1) فيرجع الشك في المقام إلى الشك في المحصل الذي هو مجرى قاعدة الاشتغال. وقد ذكرنا في أوائل الوضوء بعض الكلام في ذلك. فراجع. (2) لكن استصحاب عدم الوجوب لا يثبت حصول الطهارة بغسل ما عداه إلابناء على القول بالاصل المثبت، وإنما الذي يصلح لذلك هو استصحاب حصول الطهارة على تقدير غسل ما عداه، لكنه من الاستصحاب التعليقي، وحجيته محل إشكال ذكرناه في محله. وأما استصحاب كونه باطنا فلا يجري إذا كان الشك بنحو الشبهة المفهومية، كما أشرنا إلى ذلك مرارا. وإذا كان بنحو الشبهة الموضوعية فحاله حال استصحاب عدم الوجوب لا يجدي في إثبات الطهارة إلا على القول بالاصل المثبت. وقد تقدم في المسألة الخامسة عشرة من أوائل مباحث الوضوء الكلام في ذلك أيضا.


(* 1) المائدة: 6

[ 99 ]

[ (مسألة 8): ما مر من أنه لا يعتبر الموالاة في الغسل الترتيبي إنما هو فيما عدا غسل المستحاضة، والمسلوس، والمبطون فانه يجب فيه المبادرة إليه وإلى الصلاة بعده من جهة خوف خروج الحدث (1). (مسألة 9): يجوز الغسل تحت المطر وتحت الميزاب ترتيبا لا ارتماسا (2). نعم إذا كان نهر كبير جاريا من فوق على نحو الميزاب لا يبعد جواز الارتماس تحته أيضا إذا استوعب الماء جميع بدنه على نحو كونه تحت الماء. ] (1) يظهر من هذا التعليل أن محل الكلام في هذه المسألة صورة وجود الفترة التي يمكن إيقاع الصلاة فيها على طهارة، أما إذا لم تكن فترة كذلك فلا موجب للمبادرة، لطرو الحدث على كل حال ولو مع المبادرة. اللهم إلا أن يستفاد وجوب المبادرة في المستحاضة مما دل على لزوم الجمع بين الصلاتين فيها. (2) أما جوازه ترتيبا فلا خلاف فيه، كما في المستند وغيره، وتقتضيه النصوص البيانية، إذ قد عرفت خصوصية الصب على البدن مما لا دخل لها. مضافا إلى النصوص الآتية، إذ الترتيبي هو القدر المتيقن منها وأما المنع عن الارتماس فهو المحكي عن الحلي والمحقق في المعتبر وغيرهما، لعدم الدليل عليه، وضعف ما يستدل به لقول بجوازه - كما عن الشيخ والعلامة والشهيدين وغيرهم - من الاصل وصدق الارتماس. وإطلاق مثل: " ثم تغسل جسدك من لدن قرنك إلى قدمك " (* 1) ونحوه. وما في صحيح ابن جعفر (ع): " عن الرجل تصيبه الجنابة ولا يقدر على


(* 1) الوسائل باب: 26 من أبواب الجنابة حديث: 5

[ 100 ]

الماء فيصيبه المطر، أيجزئه ذلك أو عليه التيمم؟ فقال (ع): إن غسله أجزأه وإلا تيمم " (* 1) وخبره الآخر: " عن الرجل يجنب هل يجزئه من غسل الجنابة أن يقوم المطر حتى يغسل رأسه وجسده وهو يقدر على ما سوى ذلك؟ فقال (ع): إن كان يغسله اغتساله بالماء أجزأه ذلك " (* 2) ومرسل ابن أبي حمزة: " في رجل أصابته جنابة فقام في المطر حتى سال على جسده، أيجزئه ذلك من الغسل؟ قال (ع): نعم " (* 3) إذ الاصل لا مجال له مع الدليل على الترتيب. وصدق الارتماس ممتنع. والاطلاق مقيد بما دل على الترتيب كما في غير المطر. والنصوص المذكورة لا إطلاق لها، لورودها في مقام إلحاق المطر بسائر المياه ورفع توهم المنع عنه. ولو سلم فهو مقيد بما في خبر ابن جعفر (ع): " إن كان يغسله اغتساله... " (* 4). فتأمل. بل وبأدلة الترتيب أيضا. ولا ينافي ذلك أن بينهما عموما من وجه، لان ظهورها في اعتبار الترتيب أقوى من ظهور هذه النصوص في نفيه. نعم لو سلم التساوي في الظهور يكون المرجع إطلاق النصوص الخالية عن التعرض للترتيب. ثم إنه لو سلم وفاء النصوص بسقوط الترتيب في المطر فلا وجه للتعدي منه إلى غيره كالميزاب والاناء والمجرى ونحوها، كما عن الشيخ والعلامة. وإلغاء خصوصية المطر عرفا غير ثابتة. نعم لا يبعد إلحاق النهر الكبير - كما ذكر في المتن - لصدق الارتماس فيه، فيستفاد حكمه من نصوص الارتماس. وانصراف غيره منها بدائي لا يمنع من العمل باطلاقها.


(* 1) الوسائل باب: 26 من أبواب الجنابة حديث: 11 (* 2) الوسائل باب: 26 من أبواب الجنابة حديث: 10 (* 3) الوسائل باب: 26 من أبواب الجنابة حديث: 14 (* 4) الوسائل باب: 26 من أبواب الجنابة حديث: 10

[ 101 ]

[ (مسألة 10): يجوز العدول عن الترتيب إلى الارتماس في الاثناء (1)، وبالعكس، لكن بمعني رفع اليد عنه والاستئناف على النحو الآخر. (مسألة 11): إذا كان حوض أقل من الكر يجوز الاغتسال فيه بالارتماس (2) مع طهارة البدن، لكن بعده يكون من المستعمل في رفع الحدث الاكبر (3) ] هذا كله بناء على استفادة الترتيب من الادلة اللفظية، أما لو انحصر الدليل بالاجماع فالحكم بسقوط الترتيب في المطر وما أشبهه في محله، لخروجه عن متيقن معقد الاجماع، فيرجع فيه إلى الاطلاق المتضمن لغسل تمام البدن من دون تعرض للترتيب. اللهم إلا أن يكون الخلاف ناشئا عن شبهة بحيث لا ينافي الاجماع على الترتيب فيه على تقدير بطلانها. فتأمل جيدا. (1) لاطلاق الادلة. (2) لاطلاق الادلة أيضا. (3) قد يشكل ذلك بأن العمدة في وجه الحكم في نفسه رواية ابن سنان المتقدمة في المياه المشتملة على عنوان ما يغتسل به الجنب (* 1)، ولعل ظاهرها المجتمع من غسالة البدن لا ما يرتمس فيه. نعم ظاهر كلمات الاصحاب عدم الفرق بينهما. ولعلهم فهموا منها العموم. وأما حديث محمد بن علي ابن جعفر: " من اغتسل من الماء الذي قد اغتسل فيه فأصابه الجذام فلا يلومن إلا نفسه " (* 2) فظاهره الكراهة، وعدم الفرق بين القليل والكثير وعدم اختصاص الحكم بالجنب، فلعله محمول على الكثير جمعا.


(* 1) الوسائل باب: 9 من أبواب الماء المضاف حديث: 13 (* 2) الوسائل باب: 11 من أبواب الماء المضاف حديث: 2

[ 102 ]

[ فبناء على الاشكال فيه (1) يشكل الوضوء والغسل منه بعد ذلك، وكذا إذا قام فيه واغتسل بنحو الترتيب بحيث رجع ماء الغسل فيه (2) وأما إذا كان كرا أو أزيد فليس كذلك (3)، نعم لا يبعد صدق المستعمل عليه إذا كان بقدر الكر لا أزيد واغتسل فيه مرارا عديدة (4). ] وكيف كان فالظاهر صدق كونه من المستعمل ولو بارتماس البعض ولا يتوقف على تمام الغسل. نعم لو تمم الغسل فيه بلا انفصال للعضو أمكن القول بجوازه، إذ لا يقصر الماء المذكور عن الماء المصبوب على الرأس دفعة، حيث يجوز غسل الرأس والرقبة به أولا ثم دلك الجنب الايمن والايسر بتمامهما من دون حاجة إلى صب الماء لكل جزء. فتأمل. (1) كما تقدم في المياه. (2) إلا أن يكون المقدار الراجع من البدن إليه مستهلكا عرفا فيه، نظير القطرات التي تسقط في الاناء التي تقدم أنها لا بأس بها. (3) للاجماع. ولقصور دليل المنع عن شموله. ولاولوية اعتصامه عن المنع المذكور من اعتصامه من النجاسة، ولان إهمال التحديد مع وضوح خروج بعض مراتب الكثير يوجب الرجوع إلى التحديد المذكور. ولاشتمال بعض نصوص اعتصام الكر على غسالة الجنب، وقد تقدم في المياه بعض الكلام فيه. (4) مما سبق تعرف ضعفه. وكثرة الاستعمال وعدمها لا أثر لهما فيما نحن فيه، لان موضوع الدليل صرف الاستعمال، فان تم عمومه للكثير اكتفي بالاستعمال مرة، وإن لم يتم لم تجد كثرة الاستعمال. نعم إذا كان بمقدار الكر لا أزيد دقة - وكان الاستعمال موجبا لنقصه - جرى عليه بعد الاستعمال

[ 103 ]

[ لكن الاقوى كما مر (1) جواز الاغتسال والوضوء من المستعمل، (مسألة 12): يشترط في صحة الغسل ما مر من الشرائط في الوضوء من النية (2)، واستدامتها إلى الفراغ، وإطلاق الماء وطهارته (3)، وعدم كونه ماء الغسالة، وعدم الضرر في استعماله واباحته، وإباحة ظرفه، وعدم كونه من الذهب والفضة، وإباحة مكان الغسل، ومصب مائه، وطهارة البدن، وعدم ضيق الوقت، والترتيب في الترتيبي، وعدم حرمة الارتماس في الارتماسي منه - كيوم الصوم، وفي حال الاحرام - والمباشرة في حال الاختيار. وما عدا الاباحة (4)، وعدم كون الظرف من الذهب والفضة، وعدم حرمة الارتماس من الشرائط واقعي لا فرق فيها بين العمد، والعلم، والجهل، والنسيان، بخلاف المذكورات فان شرطيتها مقصورة على حال العمد والعلم (5). ] حكم الماء المستعمل، لكنه حينئذ ليس من الكثير. (1) مر الكلام فيه في المياه. (2) كما تقدم في أوائل الفصل. (3) تقدم الكلام في هذه المسألة في الوضوة، والمياه، والاواني، وغير ذلك. فراجع. (4) قد تقدم في الشرط السابع من شرائط الوضوء صحته مع الجهل با لضرر، وإن كان موجودا في الواقع، والحكم في المقام كذلك. وسيأتي منه في المسألة التاسعة عشرة من فصل التيمم ذلك أيضا. فراجع. (5) لانها شرط للتقرب، ومع الجهل يحصل التقرب ولو مع انتفائها.

[ 104 ]

[ (مسألة 13): إذا خرج من بيته بقصد الحمام والغسل فيه فاغتسل بالداعي الاول، لكن كان بحيث لو قيل له حين الغمس في الماء: ما تفعل؟ يقول: أغتسل. فغسله صحيح (1) وأما إذا كان غافلا بالمرة بحيث لو قيل له: ما تفعل؟ يبقي متحيرا فغسله ليس بصحيح (2). (مسألة 14): إذا ذهب إلى الحمام ليغتسل وبعد ما خرج شك في أنه اغتسل أم لا يبني على العدم (3)، ولو علم أنه اغتسل لكن شك في أنه على الوجه الصحيح أم لا يبني على الصحة (4). (مسألة 15): إذا اغتسل باعتقاد سعة الوقت فتبين ضيقه وأن وظيفته كانت هو التيمم، فان كان على وجه الداعي (5) ] (1) لما عرفت في الوضوء من أن النية المعتبرة في العبادة ما به يتقوم كون الفعل اختياريا، ويكفي في كون الفعل اختياريا صدوره عن الداعي المذكور، ولو مع عدم إخطار صورة الفعل بالبال، (2) لان التحير أمارة انتفاء الداعي، وإلا لم يتحير، لكونه من الامور الوجدانية التي تعرف بمجرد الالتفات إليها. نعم إذا كان منشأ التحير قسر النفس عن الوجه إليه - كما قد يتفق - أمكن أن يكون موجودا ويكون الغسل صادرا عنه، لكن عدم العلم بذلك كاف في الحكم بالبطلان ظاهرا. (3) لاستصحاب العدم. (4) لقاعدة الفراغ. (5) يعني: فان كان غسله بقصد الامر الفعلي المتوجه إليه - لاعتقاده أنه الامر الوجوبي الغيري الناشئ من الامر بالموقت - كان الغسل صحيحا

[ 105 ]

[ يكون صحيحا، وإن كان على وجه التقييد يكون باطلا. ولو تيمم باعتقاد الضيق فتبين سعته ففي صحته وصحة صلاته إشكال (1). (مسألة 16): إذا كان من قصده عدم إعطاء الاجرة للحمامي فغسله باطل (2)، وكذا إذا كان بناؤه على النسيئة من غير ] إذ لا خلل فيه لا من حيث ذاته، ولا من حيث التقرب به، لصدوره عن داعي امتثال أمره، ومجرد خطأه في اعتقاده أن أمره الفعلي هو الوجوبي الغيري للموقت لا يوجب خللا فيه أصلا. وإن كان غسله بقصد امتثال الامر الغيري - لاعتقاد توجهه إليه فعلا، لاعتقاده سعة الوقت - كان الغسل فاسدا، لفقد التقرب به، لانتفاء الامر الذي قصد التعبد به. وقد تقدم مثل ذلك في فصل الوضوءات المستحبة فراجع. (1) ينشأ من الاشكال في أن موضوع مشروعية التيمم هو ضيق الوقت واقعا أو اعتقاد الضيق. هذا ولكن الظاهر الاول، لعدم الدليل على الثاني، كما سيأتي في محله - إن شاء الله - فيكون الاظهر بطلان التيمم والصلاة. (2) هذا يتم إذا كان الالتزام باعطاء الاجرة من مقومات المعاملة مع الحمامي، كما إذا كان مضمونها إباحة التصرف في الماء بشرط الالتزام بالاعطاء، فان البناء على عدم الاعطاء مناف للمعاملة فلا يجوز التصرف. وكذا لو كانت الاباحة معلقة على عدم الاعطاء الخارجي، فانه مع البناء على عدم الاعطاء لم يحرز الاباحة فيحرم عليه التصرف. أما لو كان الاعطاء خارجا عن قوام المعاملة كما إذا كانت إباحة بشرط الضمان أو إجارة بما في الذمة - فالبناء على عدم الاعطاء لا ينافي تحقق المعاملة المصححة

[ 106 ]

[ إحراز رضي الحمامي بذلك وان استرضاه بعد الغسل (1)، ولو كان بناؤهما على النسيئة ولكن كان بانيا على عدم إعطاء الاجرة أو على إعطاء الفلوس الحرام ففي صحته إشكال. (مسألة 17): إذا كان ماء الحمام مباحا لكن سخن بالحطب المغصوب لا مانع من الغسل فيه، لان صاحب الحطب ] للتصرف. نعم ذلك ينافي الالتزام بالوفاء بها، لكن الالتزام المذكور لا يتوقف عليه جواز التصرف، فلا موجب للبطلان. ومن ذلك تعرف وجه البطلان في الفرض الثاني، فانه لم يتحقق فيه المعاملة المجوزة للتصرف. كما منه يظهر أن الاقوى الصحة في الفرض الثالث، لتمامية المعاملة بينهما المجوزة للتصرف. (1) فان الرضا اللاحق لا يوجب انقلاب حكم الفعل حين وقوعه بحيث يخرج من الحرمة إلى الاباحة، لامتناع جعل الحكم التكليفي في الازمنة الماضية بالنسبة إلى زمان الجعل، للخروج عن محل الابتلاء. مع أنه لو صح لا يجدي في كون الفعل حال وقوعه حلالا يصح التعبد به. نعم قد يقال بأن الرضا اللاحق يكشف عن ثبوت الحل للفعل من حين وقوعه، لكون الرضا ملحوظا بنحو يعم ما لو كان بنحو الشرط المتأخر. لكنه - مع أنه خلاف ظاهر قوله (ع): " لا يحل مال امرئ... " (* 1)، ونحوه لظهوره في مقارنة الطيب للحل - إنما يوجب صحة الغسل حين وقوعه على تقدير العلم بالرضا اللاحق لا مع الشك، لاصالة عدم الرضا فيكون تجرؤا مانعا من صحة الغسل، على ما هو التحقيق من إيجابه العقاب وان تعقبه الرضا واقعا فتأمل.


(* 1) الوسائل باب: 3 من أبواب مكان المصلي حديث: 1

[ 107 ]

[ يستحق عوض حطبه (1)، ولا يصير شريكا في الماء (2)، ولا صاحب حق فيه. (مسألة 18): الغسل في حوض المدرسة لغير أهله مشكل بل غير صحيح (3)، بل وكذا لاهله، إلا إذا علم عموم الوقفية (4) أو الاباحة. (مسألة 19): الماء الذي يسبلونه يشكل الوضوء والغسل منه (5) إلا مع العلم بعموم الاذن. (مسألة 20): الغسل بالمئزر الغصبي باطل (6). (مسألة 21): ماء غسل المرأة من الجنابة والحيض والنفاس - وكذا أجرة تسخينه إذا احتاج إليه - على زوجها على الاظهر (7) لانه يعد جزءا من نفقتها. ] (1) لانه تالف فيستحق عوضه على متلفه. (2) لعدم الدليل على ذلك، ومجرد تحقق الحرارة في الماء غير كاف في ذلك. ولا مجال لقياسه على صبغ الثوب بصبغ مغصوب - بناء على عدم جواز الصلاة فيه - لان اللون أثر للصبغ عرفا، والحرارة ليست أثر للحطب. (3) لما تقدم في المياه من عدم ثبوت إذن المالك، والاصل عدمها. (4) سواء علم حقيقة أم تعبدا بقيام حجة عليه، مثل إطلاق عبارة الوقف، أو الاباحة، أو ظهور يعول عليه عند العقلاء. (5) بل المنع متعين، لما عرفت. (6) هذا إذا كان وصول الماء إلى البشرة موجبا للتصرف في المئزر أو متحدا معه، وإلا فلا موجب للبطلان. وفرض الاول غير واضح. (7) كما قربه الشهيد في الذكرى، وحكاه العلامة في المنتهى عن

[ 108 ]

[ (مسألة 22): إذا اغتسل المجنب في شهر رمضان أو صوم غيره أو في حال الاحرام ارتماسا نسيانا لا يبطل صومه ولا غسله (1)، وإن كان متعمدا بطلا معا، ولكن لا يبطل إحرامه (2) وإن كان آثما. وربما يقال: لو نوي الغسل حال الخروج من الماء صح غسله. وهو في صوم رمضان مشكل، لحرمة إتيان المفطر فيه بعد البطلان أيضا، فخروجه من الماء أيضا حرام (3) كمكثه تحت الماء، بل يمكن أن يقال: إن الارتماس فعل واحد مركب من الغمس والخروج (4) فكله حرام، ] جماعة، ونسب فيه إلى بعض التفصيل بين فقر الزوجة فعلى الزوج وغنائها فعليها، واختاره. وتوقف في الحدائق، لعدم النص. أقول: المنصوص بالخصوص من النفقة هو الاطعام والكسوة والسكنى والتعدي منها إلى غيرها - لاطلاق الامر بالنفقة في الكتاب المجيد وغيره وللاجماع - إنما يكون بالاضافة إلى ما يتعلق بالمعاش دون المعاد، والمقام من الثاني. وكذا الكفارة للافطار وغيره، والضمان للاتلاف، ونحوهما. (1) أما الاول فلاختصاص مفطريته بحال العمد، ومنه يتضح وجه الثاني. مضافا إلى أنه لو فرض كونه مفطرا واقعا كان معذورا فيه لاجل النسيان، فلا مانع من إمكان التقرب به، كما أشرنا إليه مرارا. ومنه يظهر وجه بطلانهما معا في حال العمد. هذا كله مبني على كون الارتماس من المفطرات، وإلا فلا إشكال في عدم بطلان الغسل به عمدا. (2) لان تحريم تغطية الرأس في الاحرام نفسي، كغيره من محرمات الاحرام، فلا يلزم من فعله الفساد. (3) فلا يمكن التقرب به. (4) بأن يكون المفطر ليس صرف طبيعة الارتماس الصادق على أول

[ 109 ]

[ وعليه يشكل في غير شهر رمضان أيضا. نعم لو تاب ثم خرج بقصد الغسل صح (1). (فصل في مستحبات غسل الجنابة) وهي أمور: (أحدها): الاستبراء من المني (2)، ] الارتماس الخارجي لا غير، بل هو الوجود الخاص، فيكون تمامه مفطرا واحدا. لكن فيه أن ذلك خلاف الاطلاق. وقد يقال: إن لازمه أن لو ارتمس في الجزء الاخير من النهار وبقي تحت الماء حتى دخل الليل فخرج لم يفطر، إذ لم يقع منه الوجود الواحد في النهار. وهو كما ترى. وفيه: أنه إذا وقع بعض هذا الوجود في النهار فقد وقع المفطر فيه، غاية الامر أن تمامه يكون في الليل، لا أن الوجود لم يقع في النهار ليتوجه الاشكال. (1) حيث لا يقع الخروج منه مبعدا، لمسبوقيته بالتوبة، فكما أن التوبة اللاحقة توجب خروجه عن المبعدية كذلك السابقة، وإن كان لا يخلو من إشكال يأتي في مبحث مكان المصلي. (فصل في مستحبات غسل الجنابة) (2) كما هو مذهب اكثر علمائنا - كما عن التذكرة - والمشهور بين المتأخرين كما عن المدارك، وفي الحدائق. للامر به في مصحح البزنطي: " سألت أبا الحسن الرضا (ع) عن غسل الجنابة. فقال (ع): تغسل يدلك اليمنى من المرفق إلى أصابعك، وتبول إن قدرت على البول، ثم تدخل... " (* 1) ومضمر أحمد بن هلال: " سألته عن رجل اغتسل قبل


(* 1) الوسائل باب: 26 من أبواب الجنابة حديث: 6 وباب: 34 من ابواب الجنابة حديث: 3

[ 110 ]

[ بالبول قبل الغسل (1). ] أن يبول، فكتب: إن الغسل بعد البول، إلا أن يكون ناسيا " (* 1) المحمول على الاستحباب بعد امتناع حمله على الوجوب الغيري، لظاهر الاجماع المحكى على صحة الغسل بدونه. والنصوص الدالة عليها كما سيأتي. وحمله على الوجوب التعبدي خلاف الظاهر جدا كما في أمثاله. ومنه يظهر صعف ما عن جماعة من القدماء من القول بالوجوب، واختاره في الحدائق اعتمادا على ظاهر الامر المذكور الذي عرفت ما فيه، ولا سيما مع تقييده بالقدرة وعدم النسيان الذي هو خلاف إطلاق كلمات القائلين بالوجوب. فتأمل. ثم إن المصرح به في كلام جماعة - بل نسب إلى المشهور - اختصاص استحباب الاستبراء بالبول من المني، كما قيده في المتن، لانه منصرف النصوص المتقدمة. ولاختصاص فائدته من إخراج أجزاء المني به. فلا يستحب لمن أجنب بالايلاج، وأورد عليه في محكي الذخيرة: بعموم الروايات وثبوت الفائدة لاحتمال أن ينزل ولم يطلع واحتبس شئ في المجاري، لكون الجماع مظنة الانزال. وهو كما ترى، لما عرفت من الانصراف، ولا سيما مع اشتمال الصحيح على قوله (ع): " ثم اغسل ما أصابك منه... " (* 2) واحتمال الانزال خلاف المفروض. فتأمل. (1) قد تقدم في آداب التخلي استحباب الاستبراء من البول. وأما استحبابه لاجل الغسل فلا دليل عليه، وإن ذكره جماعة، ما بين مقتصر عليه، وذاكر له مع الاستبراء من المني، ومقيد لاستحبابه بما إذا لم يتيسر الآخر. ولعل هذا المقدار كاف في الحكم باستحبابه، ولا سيما بملاحظة


(* 1) الوسائل باب: 36 من أبواب الجنابة حديث: 12 (* 2) الوسائل باب: 26 من أبواب الجنابة حديث: 6 وباب: 34 من أبواب الجنابة حديث: 3

[ 111 ]

[ (الثاني): غسل اليدين ثلاثا (1) إلى المرفقين (2) أو إلى نصف الذراع (3)، أو إلى الزندين (4) ] ما عن الجعفي من إيجابه كالاستبراء من المني. (1) لصحيح الحلبي عن الصادق (ع): " كم يفرغ الرجل على يده اليمني قبل أن يدخلها في الاناء؟ قال (ع): واحدة من حدث البول واثنتان من حدث الغائط وثلاث من الجنابة " (* 1) ونحوه مرسل الفقيه (* 2). ورواية حريز (* 3). (2) ففي صحيح يعقوب بن يقطين عن أبي الحسن (ع): " يبدأ بغسل يديه إلى المرفقين " (* 4) وفي صحيح البزنطي المروي عن قرب الاسناد: " تغسل يدك اليمنى من المرفق إلى أصابعك " (* 5). وفي صحيحه الآخر الذي رواه الشيخ: " تغسل يدك اليمنى من المرفقين إلى أصابعك " (* 6) والظاهر أن تثنية المرفقين سهو، وقد ضرب عليها في النسخة المصححة من الوسائل. لكن عن الوافي: " في بعد النسح: تغسل يديك إلى المرفقين. وهو الصواب ". (3) ففي رواية يونس المتضمنة لغسل الميت: " إغسل يديه ثلاث مرات - كما يغتسل الانسان من الجنابة - إلى نصف الذراع. " (* 7). (4) ففي صحيح ابن مسلم: " تبدأ بكفيك فتغسلهما " (* 8) ونحوه


(* 1) الوسائل باب: 27 من أبواب الوضوء حديث: 1 (* 2) الوسائل باب: 27 من أبواب الوضوء حديث: 4 (* 3) الوسائل باب: 27 من أبواب الوضوء حديث: 2 (* 4) الوسائل باب: 34 من أبواب الجنابة حديث: 1 (* 5) الوسائل باب: 26 من أبواب الجنابة حديث: 16 (* 6) الوسائل باب: 26 من أبواب الجنابة حديث: 6 وباب: 34 من أبواب الجنابة حديث: 3 (* 7) الوسائل باب: 44 من أبواب الجنابة حديث: 1 (* 8) الوسائل باب: 26 من أبواب الجنابة حديث: 1

[ 112 ]

[ من غير فرق بين الارتماس والترتيب (1) ] موثق أبي بصير (* 1). والجمع بين النصوص المذكورة يقتضي حملها على اختلاف مراتب الفضل. الجواهر: " لولا مخافة الخروج عن كلام الاصحاب لامكن دعوى: أنه يتحصل من النصوص أن استحباب غسل الكفين إنما هو من حيث مباشرة ماء الغسل، لمكان توهم النجاسة، ولذا كان في بعضها أنه إن لم يكن أصاب كفه شئ غمسها في الماء... (* 2) وأما الغسل من المرفق فهو مستحب من حيث الغسل فيكون كالمضمضة مثلا... ". لكن لا يظهر وجه للفرق بين نصوص الكفين وغيرهما في ذلك، لوحدة سياق الجميع. وما ذكر في بعضها ظاهر في سقوط غسل اليد مع العلم بالطهارة مطلقا لا خصوص الكف، فلا يصلح فارقا بين النصوص. فالعمل بظاهر الجميع من استحباب غسل اليدين لاجل الغسل متعين. نعم لا يبعد أن تكون الحكمة في هذا الاستحباب هو الاحتياط من جهة النجاسة. فلا حظ. (1) كما عن العلامة (ره) لاطلاق بعض النصوص، كصحاح زرارة ومحمد بن مسلم وحكم بن حكيم (* 3). وظاهر الشرائع الاختصاص بصورة الاغتسال بالاغتراف. وكأنه جمود منه على النصوص المتضمنة للامر بغسلهما قبل غمسهما في الاناء، أو إدخالهما فيه (* 4)، مما لا إطلاق لها. لكنه غير ظاهر. ثم إن الموجب لرفع اليد عن ظاهر الامر بالغسل وحمله على الاستحباب هو الاجماع. مضافا إلى صحيح زرارة المشار إليه في عبارة الجواهر المتقدمة.


(* 1) الوسائل باب: 26 من أبواب الجنابة حديث: 9 (* 2) الوسائل باب: 26 من أبواب الجنابة حديث: 2 (* 3) الوسائل باب: 26 من أبواب الجنابة (* 4) الوسائل باب: 26 من ابواب الجنابة

[ 113 ]

[ (الثالث): المضمضة والاستنشاق (1) بعد غسل اليدين (3) ثلاث مرات (3) ويكفي مرة أيضا (الرابع): أن يكون ماؤه في الترتيبي بمقدار صاع (4) ] (1) إجماعا، كما عن جماعة. للامر بهما في صحيح زرارة (* 1)، وموثق أبي بصير (* 2) وغيرهما، المحمول على الاستحباب، جمعا بينها وبين ما دل على نفي الوجوب صريحا، معللا في بعضها بأنه لا يجنب الباطن (* 3). (2) كما يقتضيه عطفهما ب‍ " ثم " الدالة على الترتيب. (3) كما عن جماعة، وليس لهم دليل ظاهر عدا ما عن الرضوي: " ويروى: أن يتمضمض ويستنشق ثلاثا. وروي: مرة تجزئه " (* 4). (4) إجماعا صريحا وظاهرا، حكاه جماعة، للنصوص الدالة عليه، كصحيح زرارة الحاكي لاغتسال النبي صلى الله عليه وآله مع زوجته بخمسة أمداد: ثلاثة له ومدين لها المتضمن لقوله (ع): " ومن انفرد بالغسل وحده فلا بد له من صاع " (* 5)، المحمول على الاستحباب، للاجماع. ولما دل على الاكتفاء بمجرد جريان الماء على البدن وإمساسه به (* 6)، وأنه يكفي مثل الدهن (* 7)، كما أن مقتضى صدره - بل وغيره أيضا - اختصاص ذلك بحال الانفراد، وفي حال الاشتراك المستحب بثلاثة أمداد للرجل ومدين للمرأة. ولكنه خلاف إطلاق كلماتهم. اللهم إلا أن تكون محمولة على صورة الانفراد لا غير.


(* 1) الوسائل باب: 26 من أبواب الجنابة حديث: 5 (* 2) الوسائل باب: 26 من أبواب الجنابة حديث: 9 (* 3) الوسائل باب: 24 من أبواب الجنابة (* 4) مستدرك الوسائل باب: 15 من أبواب الجنابة حديث: 1 (* 5) الوسائل باب: 32 من أبواب الجنابة حديث: 4 (* 6) الوسائل باب: 26 من أبواب الجنابة حديث: 1 و 2 و 5 (* 7) الوسائل باب: 31 من أبواب الجنابة حديث: 6

[ 114 ]

[ وهو ستمائة وأربعة عشر مثقالا وربع مثقال (1) (الخامس): إمرار اليد على الاعضاء (2) لزيادة الاستظهار (3) (السادس): تخليل الحاجب غير المانع (4) لزيادة الاستظهار ] (1) كما تقدم في الوضوء. (2) أما عدم وجوبه إذا لم يتوقف عليه وصول الماء إلى البشرة فعليه الاجماع عن جماعة، كالشيخ والحلي والشهيد قدس سرهم. مضافا إلى ما دل على الاكتفاء بامساس البدن للماء وإجرائه عليه (* 1)، وما ورد من أن نساء النبي صلى الله عليه وآله إذا اغتسلن من الجنابة يبقين صفرة الطيب على أجسادهن، وذلك أن النبي صلى الله عليه وآله أمرهن أن يصببن الماء صبا على أجسادهن (* 2). وأما رجحانه فيدل عليه - مضافا إلى الاجماع - ما في خبر ابن جعفر (ع) الوارد في الغسل بالمطر من قوله (ع): " إلا أنه ينبغي له أن يتمضمض ويستنشق ويمر يده على ما نالت من جسده " (* 3) وخبر عمار: " ثم تمر يدها على جسدها كله " (* 4). ومنه يظهر الاختصاص بالترتيبي كما صرح به بعض. (3) بذا علله جماعة. لكنه - مع أنه لا دليل على استحباب زيادة الاستظهار شرعا - غير مطرد في جميع الاعضاء، كما هو ظاهر. (4) ذكره جماعة. وليس له دليل ظاهر إلا زيادة الاستظهار التي عرفت حالها. وما في صحيح ابن مسلم الوارد في حكم الشعر من قوله (ع): " فاما النساء الآن فقد ينبغي لهن أن يبالغن في الماء " (* 5)، وما في


(* 1) الوسائل باب: 26 من أبواب الجنابة حديث: 1 و 2 و 5 (* 2) الوسائل باب: 30 من أبواب الجنابة حديث: 2 (* 3) الوسائل باب: 26 من أبواب الجنابة حديث: 11 (* 4) الوسائل باب: 38 من أبواب الجنابة حديث: 6 (* 5) الوسائل باب: 38 من أبواب الجنابة حديث: 1

[ 115 ]

[ (السابع): غسل كل من الاعضاء الثلاثة ثلاثا (1) (الثامن): التسمية (2)، بأن يقول: بسم الله والاولى أن يقول: بسم الله الرحمن الرحيم (التاسع) الدعاء المأثور في حال الاشتغال، وهو: اللهم طهر قلبي وتقبل سعيي واجعل ما عندك خيرا لي، اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين (3)، ] مصحح جميل الوارد في ذلك أيضا من قوله (ع): " يبالغن في الغسل " (* 1). وفي استفادة ذلك منه تأمل ظاهر. (1) لفتوى جماعة به. وأما الامر بالصب على الرأس ثلاثا - أو ثلاث مرات مل ء كفيه، أو ثلاث أكف، أو نحو ذلك (* 2) - فلا يدل على تثليث الغسل. مضافا إلى خلو تلك النصوص عن التعرض للجانبين، أو التصريح بالمرتين فيهما. (2) كما عن جماعة. ولم يعرف لهم دليل. نعم عن الرضوي: " وتذكر الله فانه من ذكر الله على غسله وعند وضوئه فقد طهر جسده كله " (* 3) وعن لب الالباب عن النبي صلى الله عليه وآله:: " إذا اغتسلتم فقولوا: بسم الله اللهم استرنا بسترك " (* 4)، وأما صحيح زرارة: " إذا وضعت يدك في الماء فقل: بسم الله وبالله، اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين " (* 5) فغير ظاهر في المقام. وإطلاقه بنحو يشمله مشكل. (3) هذا الدعاء مذكور في موثق عمار: " قال أبو عبد الله (ع):


(* 1) الوسائل باب: 38 من أبواب الجنابة حديث: 2 (* 2) الوسائل باب: 26 و 40 من أبواب الجنابة (* 3) مستدرك الوسائل باب: 26 من أبواب الجنابة حديث: 1 (* 4) مستدرك الوسائل باب: 26 من أبواب أحكام الجنابة حديث: 4 (* 5) الوسائل باب: 26 من أبواب الوضوء حديث: 2

[ 116 ]

[ أو يقول: اللهم طهر قلبي واشرح صدري، وأجر على لساني مدحتك والثناء عليك، اللهم اجعله لي طهورا وشفاء ونورا، إنك على كل شئ قدير (1). ولو قرأ هذا الدعاء بعد الفراغ أيضا كان أولى (2) (العاشر): الموالاة (3) والابتداء بالاعلى في كل من الاعضاء في الترتيبي (4). (مسألة 1): يكره الاستعانة بالغير في المقدمات القريبة، على ما مر في الوضوء (5). ] إذا اغتسلت من الجنابة فقل: اللهم... " (* 1) وظاهره استحبابه بعد الغسل لا في أثنائه. نعم في مرسل ابن الحكم: " تقول في غسل الجنابة: اللهم طهر قلبي وزك عملي، وتقبل سعيي، واجعل ما عندك خيرا لي " (* 2) وظاهره حال الاشتغال. (1) هذا محكي عن الشهيد في النفلية (* 3)، لكن بزيادة " لي " بين " اشرح " و " صدري "، وجعله مستحبا في أثناء كل غسل. (2) في محكي النفلية جعل المستحب بعد الفراغ ما في مرسل ابن الحكم لكن بزيادة " اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين " (* 4). (3) كما عن جمع. وكأنه لعموم الامر بالمسارعة والاستباق، والكون على الطهارة، فانه يقتضي استحباب الموالاة فيه بعين اقتضائه المبادرة إليه. (4) كما يقتضيه الامر بالصب على الرأس والمنكبين. فتأمل. (6) ومروجهه.


(* 1) الوسائل باب: 37 من أبواب الجنابة حديث: 3 (* 2) الوسائل باب: 37 من أبواب الجنابة حديث: 1 (* 3) مستدرك الوسائل باب: 26 من أبواب الجنابة حديث: 2 (* 4) مستدرك الوسائل باب: 26 من أبواب الجنابة حديث: 2

[ 117 ]

[ (مسألة 2): الاستبراء بالبول قبل الغسل ليس شرطا في صحته (1)، وإنما فائدته عدم وجوب الغسل إذا خرج منه رطوبة مشتبهة بالمني، فلو لم يستبرئ واغتسل وصلي ثم خرج منه المني أو الرطوبة المشتبهة لا تبطل صلاته، ويجب عليه الغسل لما سيأتي. ] (1) قطعا، كما في المستند، وفي الجواهر: " بلا خلاف أجده بين أصحابنا "، بل قد يظهر من بعضهم الاجماع عليه، ويدل عليه النصوص الواردة في البلل الخارج بعد الغسل، فانها ما بين ناف للغسل ومثبت له لحدوث جنابة جديدة بالبلل، كصحيح محمد بن مسلم: " قال أبو جعفر (ع): من اغتسل وهو جنب قبل أن يبول، ثم وجد بللا فقد انتقض غسله، وان كان بال ثم اغتسل ثم وجد بللا فليس ينقض غسله، ولكن عليه الوضوء، لان البول لم يدع شيئا " (* 1)، فان التعبير فيه بالانتقاض والتعليل في ذيله صريحان فيما ذكرنا. نعم عن الحلي والمنتهى حكاية القول بوجوب إعادة الصلاة التي صلاها بالغسل قبل خروج البلل عن بعض أصحابنا، لكنه غير معروف القائل. وربما يستدل له بما في صحيح ابن مسلم عن أبي عبد الله (ع): " عن الرجل يخرج من إحليله بعد ما اغتسل شئ. قال (ع): يغتسل ويعيد الصلاة، إلا أن يكون قد بال قبل أن يغتسل فانه لا يعيد غسله " (* 2) وفيه عدم ظهوره في الصلاة قبل خروج البلل، فمن المحتمل قريبا إرادة ما صلاها بعد خروجه، فيجب حمله على ذلك جمعا.


(* 1) الوسائل باب: 36 من أبواب الجنابة حديث: 7 (* 2) الوسائل باب: 36 من أبواب الجنابة حديث: 6

[ 118 ]

[ (مسألة 3): إذا اغتسل بعد الجنابة بالانزال ثم خرج منه رطوبة مشتبهة بين البول والمني، فمع عدم الاستبراء قبل الغسل بالبول يحكم عليها بأنها مني (1) فيجب الغسل، ] (1) إجماعا في الجملة عن الشيخ والحلي والعلامة والشهيد والمحقق الثاني. ويدل عليه جملة من النصوص، كصحيح محمد بن مسلم المتقدم، وصحيح الحلبي: " سئل أبو عبد الله (ع) عن الرجل يغتسل ثم يجد بعد ذلك بللا وقد كان بال قبل أن يغتسل. قال (ع): ليتوضأ، وان لم يكن بال قبل الغسل فليعد الغسل " (* 1)، ونحوهما موثق سماعة (* 2)، وخبر معاوية ابن ميسرة (* 3)، ومصحح الحلبي (* 4)، إلا أنه لم يتعرض في الاخير إلا لنفي الغسل على تقدير البول. وفي صحيح سليمان بن خالد: " عن رجل أجنب فاغتسل قبل أن يبول فخرج منه شئ؟ قال (ع): يعيد الغسل " (* 5). نعم يعارضها خبر زيد الشحام عن أبي عبد الله (ع): " عن رجل أجنب ثم اغتسل قبل أن يبول، ثم رأى شيئا؟ قال (ع): ليس ذلك الذي رأى شيئا " (* 6)، ونحوه خبرا عبد الله بن هلال وجميل (* 7) إلا أن مورد الاخير صورة نسيان البول، قال: " سألت أبا عبد الله (ع) عن الرجل تصيبه الجنابة فينسى أن يبول حتى يغتسل، ثم يرى بعد الغسل شيئا أيغتسل أيضا؟ قال (ع): لا، قد تعصرت ونزل من الحبائل ".


(* 1) الوسائل باب: 36 من أبواب الجنابة حديث: 1 (* 2) الوسائل باب: 36 من أبواب الجنابة حديث: 8 (* 3) الوسائل باب: 36 من أبواب الجنابة حديث: 9 (* 4) الوسائل باب: 36 من أبواب الجنابة حديث: 5 (* 5) الوسائل باب: 36 من أبواب الجنابة حديث: 10 (* 6) الوسائل باب: 36 من أبواب الجنابة حديث: 14 (* 7) الوسائل باب: 36 من أبواب الجنابة حديث: 13 و 11

[ 119 ]

وقد تقدم في نسيان الاستبراء ما في مضمر أحمد بن هلال من قوله (ع) مكاتبة: " إن الغسل بعد البول، إلا أن يكون ناسيا فلا يعيد منه الغسل " (* 1) إلا أن إعراض الاصحاب عنها مانع عن الاعتماد عليها. مع أن ظاهر الاخير شرطية البول للغسل فيجب تجديده إذا لم يبل، وان لم يخرج منه شئ. نعم عن الصدوق انه - بعد روايته صحيح الحلبي المتقدم - قال: " وروي في حديث آخر: إن كان قد رأى بللا ولم يكن بال فليتوضأ ولا يغتسل، إنما ذلك من الحبائل (* 2). قال مصنف هذا الكتاب: إعادة الغسل أصل، والخبر الثاني رخصة " (* 3)، وظاهره نفي وجوب الغسل. لكن المرسل أيضا غير ثابت الحجية. واحتمال - أن يكون أراد به خبر جميل المتقدم الذي لا يخلو من اعتبار - يدفعه خلو خبر جميل من الامر بالوضوء، واشتمال المرسل عليه، الذي ينافي الحكم فيه بأن البلل من الحبائل. وعن ظاهر الاستبصار التفصيل بين ترك البول عمدا وتركه نسيانا، فيعيد في الاول دون الثاني، حملا للنصوص الاولى على العمد وللثانية على النسيان، بشهادة خبري جميل وابن هلال. وفيه - مضافا إلى ما عرفت فيها - ان التعليل في صحيح ابن مسلم يأبي الحمل على العمد. كما ان التعليل في خبر جميل المستفاد من قوله (ع): " قد تعصرت ونزل من الحبائل "، يأبى الحمل على النسيان. وخبر أحمد بن هلال قد عرفت انه ظاهر في بطلان الغسل بدون البول من دون تعرض فيه للبلل. ثم إنه لا ينبغي التأمل في أن مورد النصوص المتقدمة هو البلل المشتبه لا المعلوم من بول أو غيره مع احتمال خروج المني معه، بل يظهر


(* 1) الوسائل باب: 36 من أبواب الجنابة حديث: 12 (* 2) الوسائل باب: 36 من أبواب الجنابة حديث: 2 (* 3) الفقيه ج: 1 باب صفة غسل الجنابة

[ 120 ]

[ ومع الاستبراء بالبول وعدم الاستبراء بالخرطات بعده يحكم بأنه بول فيوجب الوضوء (1) ومع عدم الامرين (2) ] - من نفي غير واحد الاشكال في وجوب الوضوء لو علم كون الخارج بولا - الاتفاق عليه، ويساعده التعبير في النصوص عن الخارج ب‍ " البلل " و " الشئ " ونحو ذلك، الظاهر في أنه مشتبه غير معلوم، وحينئذ فلو بال بعد الغسل واحتمل خروج شئ معه لم يجب الغسل. ولا ينافي ذلك ما في صحيح ابن مسلم من قوله (ع): " لان البول لم يدع شيئا " (* 1) لانه في مقام بيان عدم الاعتناء باحتمال كون الخارج من المني المتخلف، ولا يدل على أنه مهما احتمل خروج شئ من المني مع البول وجب الغسل كما لعله ظاهر. كما أن مقتضى إطلاق النصوص عدم الفرق بين المشتبه من كل وجه وبين المردد بين البول والمني. وتخصيصها بالاول - كما قد يظهر من تمهيد القواعد، حيث أطلق فيه الحكم بوجوب الغسل والوضوء لخروج المردد بين البول والمني - غير ظاهر. نعم لابد من احتمال كونه منيا، كما يظهر من صحيحي سليمان ومنصور الآتيين في المسألة السادسة، وتوهم أن العلم الاجمالي بالتكليف لا يجوز الترخيص في بعض أطرافه، مندفع بأن الحكم الظاهري بكون الخارج منيا موجب لانحلال العلم الاجمالي، وخروجه عن الحجية. (1) كما تقتضيه نصوص المقام الآمرة بالوضوء إذا كان الغسل بعد البول، مضافا إلى النصوص المتقدمة في فصل الاستبراء من البول. (2) الظاهر زيادة لفظ " عدم " لانه إذا لم يستبرئ بالبول يجب


(* 1) الوسائل باب: 36 من أبواب الوضوء حديث: 7

[ 121 ]

[ يجب الاحتياط بالجمع بين الغسل والوضوء (1) إن لم يحتمل غيرهما، وان احتمل كونها مذيا مثلا - بأن يدور الامر بين البول والمني والمذي - فلا يجب عليه شئ (2). وكذا حال الرطوبة الخارجة بدوا من غير سبق جنابة، فانها مع دورانها ] الغسل للمشتبه، سواء استبرأ بالخرطات أم لم يستبرئ، كما تقدم في المتن. (1) إذا لا دليل على الاكتفاء باحدهما، فان ما دل على أن الرطوبة المشتبهة بالمني مني، وما دل على أن الرطوبة المشتبهة بالبول بول، قاصران عن شمول المقام، لاختصاص الاول بصورة عدم البول والمفروض حصوله ولاختصاص الثاني بصورة عدم الاستبراء بالخرطات والمفروض حصوله أيضا. فالمتعين الرجوع إلى القواعد، وهي مقتضية للاحتياط بالجمع بين الوضوء والغسل، للعلم الاجمالي بوجوب أحدهما، هذا لو كانت الحالة السابقة على خروج البلل المشتبه الطهارة، كما في مفروض المتن، أما لو كانت الحدث اكتفي بالوضوء، كما تقدم في آخر فصل الاستبراء من البول. فان قلت: مقتضى إطلاق النصوص - الآمرة بالوضوء من البلل الخارج بعد الغسل إذا كان قد بال - الاكتفاء بالوضوء في المقام مطلقا. قلت: هي محمولة على صورة عدم الاستبراء بالخرطات، جمعا بينها وبين ما دل على عدم الاعتناء بالبلل الخارج بعد البول إذا كان قد استبرأ بالخرطات، فانه وان كان بينهما عموم من وجه إلا أن الثانية في مورد الاجتماع أظهر من الاولى، ولو سلم تساويهما في الظهور فاللازم الرجوع إلى القواعد المقتضية للجمع. فلا حظ. (2) إذ لا علم إجمالي بالحدث، فاستصحاب الطهارة السابقة محكم، ولو كانت الحال السابقة الحدث الاصغر فالعمل عليها، كما عرفت.

[ 122 ]

[ بين المني والبول يجب الاحتياط بالوضوء والغسل (1) ومع دورانها بين الثلاثة، أو بين كونها منيا أو مذيا، أو بولا أو مذيا، لا شئ عليه. (مسألة 4): إذا خرجت منه رطوبة مشتبهة بعد الغسل وشك في أنه استبرأ بالبول أم لا بني على عدمه، فيجب عليه الغسل (2) والاحوط ضم الوضوء أيضا. (مسألة 5): لا فرق في جريان حكم للرطوبة المشتبهة بين أن يكون الاشتباه بعد الفحص والاختبار أو لاجل عدم إمكان الاختبار (3) من جهة العمي أو الظلمة أو نحو ذلك. (مسألة 6): الرطوبة المشتبهة الخارجة من المرأة لا حكم لها (4) ] (1) مما تقدم تعرف الوجه فيه وفيما بعده. (2) لاصالة عدمه فيترتب عليه أثره وهو وجوب الغسل. فان قلت: وجوب الغسل واقعا من آثار كون الخارج منيا، لا من آثار عدم الاستبراء بالبول، فكيف يترتب على أصالة عدمه؟! قلت: المقصود إثباته بالاصل وجوب الغسل ظاهرا، وهو من آثار عدم الاستبراء، كما يستفاد من النصوص، فيمكن إثباته بالاصل الجاري لاثبات العدم المذكور. (3) لاطلاق الادلة، بل مقتضاه ثبوت حكمها بمجرد الشبهة ولو لعدم الفحص مع إمكانه. (4) كما هو المشهور، كما في المستند. لاختصاص النصوص بالرجل. ولصحيح سليمان عن أبي عبد الله (ع): " عن رجل أجنب فاغتسل قبل أن يبول فخرج منه شئ؟ قال (ع): يعيد الغسل. قلت: فالمرأة يخرج منها

[ 123 ]

[ وإن كانت قبل استبرائها فيحكم عليها بعدم الناقضية وعدم النجاسة (1)، إلا إذا علم انها إما بول أو مني (2). (مسألة 7): لا فرق في ناقضية الرطوبة المشتبهة الخارجة قبل البول بين أن يكون مستبرئا بالخرطات أم لا (3). وربما ] شئ بعد الغسل؟ قال (ع): لا تعيد. قلت: فما الفرق بينهما؟ قال (ع): لان ما يخرج من المرأة إنما هو من ماء الرجل " (* 1)، ونحوه خبر منصور (* 2)، فترجع فيه إلى الاصول. وقد لا يجب الغسل عليها وإن علمت أنه مني إذا احتملت كونه من مني الرجل وقد خرج من الرحم لا من مخرج منيها. ثم إنه لم أقف على من نسب إليه الخلاف في الحكم المذكور عاجلا كما لم أقف على مستنده. ولعله قاعدة الاشتراك المقتضية لالحاق المرأة بالرجل التي لا مجال لها بعد ورود النص على خلافها. نعم يختص النص بما إذا كان الخارج من الرحم الذي هو موضع مني الرجل، أما إذا كان خارجا من مخرج منيها فاللازم الالحاق إذا علم كون كيفية خلقتها مثل كيفية خلقة الرجل. لكن العلم غير حاصل، لا سيما وأن ظاهر الصحيح أنه لا يحصل الشك في منيها وأن ما يخرج منها هو ماء الرجل. (1) للاصل في المقامين. (2) وحينئذ يجب عليها الجمع بين الغسل والوضوء. هذا كله إذا كانت حالتها السابقة الطهارة، ولو كانت الحدث فالعمل عليها، كما عرفت. (3) لاطلاق النصوص المتقدمة الآمرة بالغسل على تقدير ترك البول.


(* 1) الوسائل باب: 13 من أبواب الجنابة حديث: 1 وباب: 36 من أبواب الجنابة حديث: 10 (* 2) الوسائل باب: 13 من أبواب ملحق حديث: 1.

[ 124 ]

[ يقال: إذا لم يمكنه البول تقوم الخرطات مقامه (1). وهو ضعيف (2). (مسألة 8): إذا أحدث بالاصغر في أثناء غسل الجنابة ] (1) حكي هذا القول عن المقنعة، والمراسم، والسرائر، والجامع والتذكرة والبيان والدروس والذكرى وجامع المقاصد، وعن الاخيرين نسبته إلى الاصحاب. (2) لعدم الدليل عليه. ومثله ما في الشرائع، وعن ظاهر المبسوط والنافع من قيام الاستبراء بالخرطات اختيارا مقام البول. فلا يجب الغسل للرطوبة المشتبهة الا مع انتفائهما معا. والوجه في الاول ما ذكره في الذكرى - ناسبا له إلى الاصحاب - من كونه وجها للجمع بين ما تقدم من النصوص الدالة على وجوب الغسل مع عدم البول، والنصوص الدالة على نفيه حينئذ. وفيه أنه جمع لا شاهد عليه. ومثله ما ربما يقال في وجه القول الثاني من أنه أيضا وجه جمع بين النصوص المذكورة. وأضعف من ذلك ما عن التهذيب من نفي الغسل مع عدم البول في صورة عدم القدرة عليه، ولعله لتقييد نصوص وجوبه بصحيح البزنطي: " وتبول إن قدرت على البول " (* 1) لكنه غير ظاهر، لانه إنما تضمن تقييد الامر به بصورة القدرة عليه لا تقييد فائدته بذلك فتأمل. نعم مقتضى التعليل في صحيح ابن مسلم (* 2) ثبوت حكم البول لكل ما لا يدع شيئا في المحل، سواء كان الاستبراء بالخرطات أم خروج المذي الكثير أم غير ذلك، فلا فرق بين البول وغيره مما لا يدع شيئا في المحل.


(* 1) الوسائل باب: 26 من أبواب الجنابة حديث: 6 (* 2) راجع ص: 117

[ 125 ]

[ الاقوى عدم بطلانه. نعم يجب عليه الوضوء بعده (1). ] (1) كما عن المرتضى والمحقق في كتبه الثلاثة وتلميذه اليوسفي والشهيد الثاني وسبطه والبهائي ووالده وكاشف اللثام والعلامة الطباطبائي وغيرهم. أما عدم البطلان فالعدم الدليل عليه، وإطلاق الادلة البيانية ينفيه. وحملها على كونها في مقام بيان الاجزاء والشرائط دون الموانع غير ظاهر إلا أن يقال: الادلة البيانية إنما تنفي احتمال المانعية، لكن الظاهر التسالم على كون الحدث الاصغر ليس من قبيل الموانع المعتبر عدمها في الصحة، وإنما الكلام في كونه ناقضا للغسل في الاثناء كالحدث الاكبر الواقع في الاثناء أو بعد الفراغ، وحينئذ مع الشك في ذلك لا مجال للرجوع إلى الادلة المذكورة لعدم تعرضها لهذه الجهة. نعم لا بأس بالرجوع إلى أصالة عدم الانتقاض، كما في سائر موارد الشك في الانتقاض بنحو الشبهة الكلية أو الجزئية. وبالجملة: إن كان المدعى أن الحدث الاصغر في أثناء الغسل من موانع الغسل فالاخبار البيانية تنفيه، وإن كان المدعى أنه ناقض لاثر الاجزاء المأتي بها كالجنابة في أثناء الغسل فالاستصحاب ينفيه. وأما وجوب الوضوء فلعموم ما دل على وجوبه لاسبابه، ولا ينافيه ما دل على أن غسل الجنابة لا وضوء معه وأنه بدعة، لوروده بلحاظ رفع الحدث السابق على الشروع في الغسل، ولا يدل على رفع ما يكون في أثنائه، كما لا يدل على رفع ما يكون بعده. فان قلت: قد تقدم في مبحث تداخل الوضوء أنه لا دليل على وجوب الوضوء لكل فرد من السبب، وإنما المستفاد من الادلة كون الاسباب المذكورة نواقض للوضوء، والنقض لما لم يقبل التكرر والتأكد امتنع أن يكون لكل واحد منها أثر، بل الاثر إنما يكون للسابق فيكون

[ 126 ]

هو الناقض لا غير. وحينئذ فلا دليل على وجوب الوضوء في المقام، لامتناع كون البول مثلا ناقضا مادام حدث الجنابة، لاستناد الانتقاض إليه حال حدوثه فقط، ولا سيما إذا كان قد بال قبل الغسل، فان البول في الاثناء يكون من البول بعد البول الذي لا أثر له جزما. قلت: نعم، لكن هذا الاشكال بعينه جار في البول في أثناء الوضوء ومقتضاه عدم وجوب الاستئناف، وكما يندفع هناك بأن ما دل على ناقضية البول للوضوء يدل على نقضه لكل جزء جزء منه، ولا يختص نقضه بالجزء الاخير فقط - ولذلك اقتضى وجوب تمام أفعال الوضوء لو وقع بعد تمامه فإذا وقع في أثناء الوضوء اقتضى نقض الاجزاء السابقة كما يقتضي نقضها لو وقع بعد تمامها، إذ احتمال اختصاص انتقاض كل جزء به بصورة الاجتماع لا الانفراد خلاف المقطوع به من الادلة - نقول هنا أيضا: إذا وقع في أثناء الغسل اقتضى انتقاض الاجزاء السابقة بعين اقتضائه لانتقاضها إذا وقع بعد تمام الغسل، فكما يقتضي الوضوء هناك يقتضي الوضوء هنا أيضا، فلا يتوقف القول بوجوب الوضوء هنا على عموم سبية كل فرد من الاسباب للوضوء، كي يتوجه الاشكال عليه بمنع العموم المذكور إجماعا، بل يتوقف على عموم السببية لكل فرد ناقض ولو للجزء، ولا مانع عقلا من البناء على هذا العموم بعد دلالة الادلة عليه. ومن ذلك يظهر ضعف ما عن الحلي، والمحقق الثاني في كتبه الثلاثة والمحقق الداماد والفاضل الخراساني من القول بصحة الغسل وعدم وجوب الوضوء، اعتمادا منهم في الصحة على ما سبق. وفي عدم وجوب الوضوء على أنه لا أثر للحدث الاصغر مع الجنابة، ولما دل من النصوص أن غسل الجنابة لا وضوء معه.

[ 127 ]

هذا وعن الصدوق، والشيخ، والعلامة، والشهيد: وجوب استئناف الغسل لا غير، ووافقهم عليه جماعة ممن تأخر، كالوحيد في حاشية المدارك بل فيها نسبه إلى المشهور. لاستصحاب الحدث. ولانه لو تأخر عن تمام الطهارة لابطل إباحتها للصلاة، فللبعض بطريق أولى. ولما عن الرضوي: " فان أحدثت حدثا من بول أو غائط أو ريح بعد ما غسلت رأسك من قبل أن تغسل جسدك، فأعد الغسل من أوله " (* 1). ولما في المدارك عن كتاب عرض المجالس للصدوق عن الصادق (ع) قال (ع): " فان أحدثت حدثا من بول أو غائط أو ريح أو مني بعدما غسلت رأسك من قبل أن تغسل جسدك فأعد الغسل من أول " (* 2) ونحوهما ما عن الهداية له أيضا التي قيل إنها متون أخبار (* 3). لكن الجميع كما ترى. فان استصحاب الحدث محكوم لادلة رافعية الغسل للحدث. ونقضه لاباحة الصلاة مسلم، لكنه أعم من بطلان الغسل، إذ يمكن التفكيك بين النقض بلحاظ الجنابة والنقض بلحاظ الحدث الاصغر، فيلتزم بالثاني دون الاول جمعا بين الادلة. والرضوي غير ثابت الحجية. ومثله ما عن عرض المجالس، لعدم الوقوف على سنده، بل عن جماعة عدم العثور عليه فيه. ومثلهما ما عن الهداية لو تم كونه متن رواية. ودعوى انجبار الجميع بالشهرة ممتنع، إذ لو سلم ثبوت الشهرة في نفسها لم يثبت صلاحيتها للجبر، لعدم ثبوت الاعتماد عليها، بل الموثوق به عدمه، كما لعله ظاهر بأدني مراجعة لكلماتهم.


(* 1) مستدرك الوسائل باب: 20 من أبواب الجنابة حديث: 1 (* 2) الوسائل باب: 29 من أبواب الجنابة حديث: 4 (* 3) باب غسل الجنابة ص: 3

[ 128 ]

[ لكن الاحوط إعادة الغسل بعد إتمامه (1)، والوضوء بعده أو الاستئناف (2) والوضوء بعده. وكذا إذا أحدث في سائر الاغسال (3). ولا فرق بين أن يكون الغسل ترتيبيا أو ارتماسيا إذا كان على وجه التدريج (4)، وأما إذا كان على وجه الآنية ] (1) يعني: فيأتي بكل منهما برجاء المطلوبية. (2) وحينئذ فيأتي بالافعال التي جاء بها أولا برجاء المطلوبية. وبالباقي بالجزم بالمطلوبية مرددا بين كونه إتماما للال أو للثاني. (3) فانه بناء على عدم احتياجها إلى الوضوء يجري فيها الخلاف السابق، كما صرح به في المدارك وغيرها، وبناء على احتياجها إليه يكفي إتمامها مع الوضوء بغير إشكال، كما عن المسالك والروضة. واستوجه بعض لزوم الوضوء ثانيا للمتخلل، وكأنه لعدم الدليل على رفع الوضوء المكمل للحدث المتخلل لاصالة عدم التداخل. لكن عرفت أن المستفاد من النصوص كون الوضوء الصحيح رافعا للاصغر مطلقا فلا يحتاج إلى فعله ثانيا، نعم لو قدم الوضوء فأحدث في أثنائه أو فيما بينه وبين الغسل أو في أثناء الغسل وجب فعل الوضوء ثانيا، لما عرفت وهل يشرع إتمام الوضوء لو أحدث في أثنائه ثم تجديده ثانيا أولا؟ وجهان مبنيان على أن الوضوء له دخل في رفع الاكبر أو لا دخل له إلا في رفع الاصغر، فعلى الاول لا مانع من إتمامه بقصد رفع الاكبر ثم تجديده بعد ذلك لرفع المتخلل، وعلى الثاني لا مجال له كما لو أحدث في أثناء الوضوء للاصغر. (4) إما للقول بوقوعه على الوجه الاول من الوجهين المتقدمين، أو للبناء على إمكان امتداده لو قلنا بأنه عبارة عن كون تمام البدن تحت الماء، بأن يكون أوله أول التغطية وآخره انغسال آخر جزء من تلك التغطية

[ 129 ]

[ فلا يتصور فيه حدوث الحدث في أثنائه (1). (مسألة 9): إذا أحدث بالاكبر في أثناء الغسل، فان كان مماثلا للحدث السابق - كالجنابة في أثناء غسلها أو المس في أثناء غسله - فلا إشكال في وجوب الاستئناف (2)، وإن كان مخالفا له فالاقوى عدم بطلانه (3) فيتمه ويأتي بالآخر. ] فلو أحدث فيما بين ذلك جرى الخلاف المذكور فيه. (1) نعم يتصور فيه المقارنة، وحينئذ فان قلنا هناك بالصحة ووجوب الوضوء كان القول بذلك هنا أظهر، أما لو قلنا بالبطلان ففي القول به هنا إشكال، لقصور بعض أدلة القول المذكور عن شمول الفرض إلا بالغاء خصوصية المورد. وكذا الاشكال في الاكتفاء بالاتمام لو قيل به هناك، إذ لم يثبت كون البول حينئذ - مثلا - من قبيل البول على الجنابة، لاحتمال حصول الطهارة من الجنابة مقارنة للحدث الاصغر فيكون له أثر. فتأمل جيدا. وكذا الكلام فيما لو فرض مقارنة الحدث لآخر جزء من الغسل. (2) وعن كشف اللثام الاتفاق عليه. لما عرفت من أنه من قبيل البول في أثناء الوضوء للاصغر. (3) لما عرفت من عدم الدليل عليه، وإطلاق الادلة ينفيه، فيحكم بصحة الغسل لرفع الحدث السابق، ووجوب استئنافه لرفع المتخلل. ولا مجال هنا للقول بالاكتفاء بالاتمام، بدعوى: أنه لا أثر للمتخلل. لما يظهر من نصوص تداخل الاغسال وغيرها من كون الاسباب المختلفة لا تتداخل في مقام التأثير، بل يكون لكل منها أثر مستقل، وحينئذ فلا مانع من التفكيك بينها في الارتفاع وعدمه. وما عن بعض - من دعوى الاجماع على بطلان غسل الجنابة لو تخلله الحدث الاكبر - غير ثابت، أو محمول

[ 130 ]

[ ويجوز الاستئناف (1) بغسل واحد لهما. ويجب الوضوء بعده (2) ] على تخلل خصوص الجنابة. نعم لو بني على حجية رواية عرض المجالس كان اللازم الحكم ببطلان الغسل بتخلل الحدث الاكبر مطلقا، للتصريح فيها بذكر المني، ولزوم التعدي منه إلى سائر أقسام الحدث الاكبر، كالتعدي من البول وأخويه إلى غيرها. وسيأتي في أحكام المستحاضة بعض الكلام في تخلل بعضها في غسل بعض. فانتظر. (1) لاطلاق أدلة تداخل الاغسال الآتية في المسألة الخامسة عشرة. بل لو قلنا بكون التداخل عزيمة تعين الاستئناف لا غير. (2) للاحتياج إليه في رفع المتخلل على كل حال، فيجب كما يجب الغسل. ومنه يظهر الوجه في وجوب الوضوء لو كان السابق هو الجنابة فاتم غسلها ثم استأنف غسلا للمتخلل. أما لو استأنف غسلا واحدا لهما فلا موجب للوضوء، لان الغسل المنوي به رفع الجنابة وغيرها لا يجب معه الوضوء، كما سيأتي. ومنه يظهر أن ما في المتن من الجزم بجواز الاستئناف بغسل واحد لهما لا يلائم التوقف في سقوط الوضوء لو كان السابق هو الجنابة بل الملائم له الجزم بسقوطه. كما أنه لا يظهر وجه للفرق بين كون الجنابة سابقا أو لاحقة، حيث جزم بسقوط الوضوء في الثاني في صورة استئناف الغسل لهما، وتوقف فيه في الاول حينئذ. اللهم إلا أن يكون المراد من استئناف الغسل لهما، أن يأتي بالغسل ناويا بغسل الاعضاء التي غسلها أولا قبل الحدث المتخلل رفع ذالك المتخلل، وبغسل الاعضاء الباقية رفع المتخلل والسابق، فيكون تداخل في بعض الغسل لا في تمامه. لكن في صحة مثل ذلك إشكال مع أن الظاهر في مثله وجوب الوضوء لعدم الدليل على ما يجزئ عنه.

[ 131 ]

[ إن كانا غير الجنابة، أو كان السابق هو الجنابة حتى لو استأنف وجمعهما بنية واحدة على الاحوط، وإن كان اللاحق جنابة فلا حاجة إلى الوضوء، سواء أتمه وأتى للجنابة بعده (1) أو استأنف وجمعهما بنية واحدة. (مسألة 10): الحدث الاصغر في أثناء الاغسال المستحبة أيضا لا يكون مبطلا لها (2). نعم في الاغسال المستحبة لاتيان ] وبالجملة: يظهر من المتن إجراء حكم الحدث الاصغر الواقع في أثناء غسل الجنابة على الحدث الاكبر الواقع فيه، وإجراء حكم الجنابة الواقعة في أثناء الوضوء على الجنابة الواقعة في أثناء الغسل من غيرها. وهو في محله في غير صورة الاستئناف لهما بناء على جزمه بصحته. (1) سقوط الوضوء حينئذ للغسل المستأنف للجنابة ظاهر. أما سقوطه للاول المتخلل في غسل الحدث فهو مبني على ثبوت إطلاق ما دل على أن غسل الجنابة لا وضوء معه، حتى بلحاظ حال غيره من الاحداث، فيكون غسل الجنابة رافعا لكل حدث محتاج إلى الوضوء. وسيأتي إن شاء الله الكلام فيه. (2) لعدم الدليل عليه، فانه لا يكون ناقضا لو وقع بعده. وفي الجواهر عن المصابيح: " الاجماع على عدم إعادة شئ منها بالحدث... " ففي أثنائه بطريق أولى. مضافا إلى خبر ابن بكير: " سأل الصادق (ع) عن الغسل في رمضان... إلى أن قال: والغسل أول الليل. قلت: فان نام بعد الغسل؟ قال: هو مثل غسل الجمعة إذا اغتسلت بعد الفجر أجزأك " (* 1). لكن لا يخفى أن الاجماع المدعى لو سلم فانما يدل على


(* 1) الوسائل باب: 11 من أبواب الاغسال المسنونة حديث: 2

[ 132 ]

[ فعل - كغسل الزيارة والاحرام - لا يبعد البطلان (1). كما أن حدوثه بعده وقبل الاتيان بذلك الفعل كذلك (2) كما سيأتي. ] عدم لزوم الاعادة، وهو أعم من عدم الانتقاض، لجواز أن يكون المأمور به صرف الوجود الصادق على مجرد حدوثه وان انتقض بعد ذلك. ومنه تظهر المناقشة في دلالة الخبر أيضا. فلم يبق إلا استصحاب عدم الانتقاض الذي لا فرق في صحة جريانه بين ما بعد الفراغ وما في الاثناء. وحينئذ فيمكن أن يكون محكوما بالاخبار الآتية الظاهرة في انتقاض الغسل لدخول مكة أو للاحرام أو للزيارة بالحدث. وحملها على خصوص الغسل للمكان أو الفعل غير ظاهر، ولا سيما في صحيح ابن الحجاج لظهورها في المفروغية عن انتقاض الغسل في نفسه بالحدث الاصغر، وأن وجوب الاعادة لاعتبار وقوع الفعل على حالة الغسل. وعليه فلا فرق بين جميع أفراد الغسل في انتقاضها بالحدث الاصغر، غاية الامر أنه إن كان المطلوب صرف الكون على حالة الغسل آناما - كما في الاغسال الزمانية - لم يقدح الانتقاض بالحدث الاصغر الواقع بعدها، وإن كان المطلوب كونه على حالة الغسل في حال الفعل ولو كان هو الدخول في مكان فلابد من الاعادة. وعلى هذا فلو تخلله الحدث الاصغر انتقض مطلقا. وسيأتي - إن شاء الله تعالى - في الاغسال المسنونة بقية الكلام فيما يتعلق بالمقام فانتظر. (1) لما عرفت من أن الانتقاض بالمتخلل من لوازم الانتقاض بالمتأخر عرفا. (2) كما لعله المشهور، بل لم يعرف الخلاف فيه في الجملة إلا من الحلي لدلالة النصوص عليه، كصحيح ابن الحجاج: سألت أبا إبراهيم (ع) عن الرجل يغتسل لدخول مكة ثم ينام فيتوضأ قبل أن يدخل، أيجزئه ذلك

[ 133 ]

[ (مسألة 11): إذا شك في غسل عضو من الاعضاء الثلاثة، أو في شرطه قبل الدخول في العضو الآخر رجع وأتى به (1)، ] أو يعيده؟ قال (ع): لا يجزئه، لانه إنما دخل بوضوء " (* 1) ونحوه صحيحه الآخر في غسل الزيارة (* 2)، وصحيح النضر بن سويد عن أبي الحسن (ع): " عن رجل يغتسل للاحرام ثم ينام قبل أن يحرم. قال (ع): عليه إعادة الغسل " (* 3). وموثق إسحاق عن غسل الزيارة: " يغتسل الرجل بالليل ويزور بالليل بغسل واحد، أيجزئه ذلك؟ قال (ع): يجزئه ما لم يحدث ما يوجب وضوءا، فان أحدث فليعد غسله بالليل " (* 4) وقريب منه خبره الآخر (* 5). وموردها وإن كان خاصا، لكن الظاهر عدم الفرق بين الاغسال المعتبر مقارنتها لفعل، كما يشهد به التعليل في صحيحي ابن الحجاج، وعن بعض المحققين نسبته إلى الاصحاب. وأما صحيح العيص: " سألت أبا عبد الله (ع): عن الرجل يغتسل للاحرام بالمدينة، ويلبس ثوبين ثم ينام قبل أن يحرم، قال (ع): ليس عليه غسل " (* 6) فمع أنه مهجور عند الاصحاب غير ظاهر في عدم النقض، وإنما هو ظاهر في نفي الوجوب. وسيأتي - إن شاء الله تعالى - تمام الكلام في الاغسال المسنونة. (1) لاستصحاب العدم، أو لقاعدة الاشتغال. نعم هذا في الشك في الجزء ظاهر، أما في الشك في الشرط بأن جاء بالجزء وشك في شرطه


(* 1) الوسائل باب: 6 من أبواب مقدمات الطواف حديث: 1 (* 2) الوسائل باب: 3 من أبواب زيارة البيت حديث: 4 (* 3) الوسائل باب: 10 من أبواب الاحرام حديث: 1 (* 4) الوسائل باب: 3 من أبواب زيارة البيت حديث: 3 (* 5) الوسائل باب: 3 من أبواب زيارة البيت حديث: 2 (* 6 الوسائل باب: 10 من أبواب الاحرام حديث: 3

[ 134 ]

[ وإن كان بعد الدخول فيه لم يعتن به ويبني على الاتيان على الاقوى (1)، وإن كان الاحوط الاعتناء ما دام في الاثناء ولم يفرغ من الغسل، كما في الوضوء. نعم لو شك في غسل الايسر أتى به وإن طال الزمان، لعدم تحقق الفراغ حينئذ، لعدم اعتبار الموالاة فيه (2)، وإن كان يحتمل عدم الاعتناء إذا كان معتاد الموالاة. (مسألة 12): إذا ارتمس في الماء بعنوان الغسل، ثم شك في أنه كان ناويا للغسل الارتماسي حتى يكون فارغا، أو لغسل الرأس والرقبة في الترتيبي حتى يكون في الاثناء، ] فيمكن الرجوع إلى قاعدة الفراغ، فانه لا فرق في جريانها بين الجزء المشكوك شرطه والكل، والتخصيص بالثاني بلا مخصص، بعد عموم النص الموافق لارتكاز العقلاء. (1) لعموم قاعدة التجاوز، كما تقدمت الاشارة إليه في الوضوء. والخروج عنه في الوضوء لا يقتضي الخروج عنه في الغسل أو التيمم. ودعوى، ان الشارع قد اعتبر الطهارات الثلاث كعمل واحد بسيط، غير ثابتة. والقياس على الوضوء لوحدة المناط في غير محله، لعدم العلم بذلك. فراجع ما تقدم في الوضوء. (2) قد عرفت في مبحث الوضوء أن الفراغ الذي هو موضوع عدم الاعتناء بالشك بعده هو الفراغ البنائي، فلا يعتنى بالشك في غسل الايسر بعد بنائه على الفراغ من الغسل. وأما احتمال عدم الاعتناء بالشك فيه لمعتاد الموالاة فمبني على جريان قاعدة التجاوز بلحاظ التجاوز عن المحل العادي، وقد تقدم الاشكال فيه أيضا. ولو سلم فاعتياد الموالاة غير كاف،

[ 135 ]

[ ويجب عليه الاتيان بالطرفين، يجب عليه الاستئناف (1). نعم يكفيه غسل الطرفين بقصد الترتيبي، لانه إن كان بارتماسه قاصدا للغسل الارتماسي فقد فرغ، وإن كان قاصدا للرأس والرقبة فبإتيان غسل الطرفين يتم الغسل الترتيبي. (مسألة 13): إذا انغمس في الماء بقصد الغسل الارتماسي ثم تبين له بقاء جزء من بدنه غير منغسل يجب عليه الاعادة ترتيبا أو ارتماسا، ولا يكفيه جعل ذلك الارتماس للرأس والرقبة إن كان الجزء غير المنغسل في الطرفين فيأتي بالطرفين الآخرين لانه قصد به تمام الغسل ارتماسا لا خصوص الرأس والرقبة. ولا تكفي نيتهما في ضمن المجموع (2). ] بل لابد من الدخول في عمل مرتب على المشكوك عادة. فان قلت: قاعدة الشك بعد الفراغ وإن كانت جارية، إلا أن قاعدة الشك في المحل أيضا جارية، فيتعارضان ويرجع إلى قاعدة الاشتغال. قلت: قاعدة الفراغ مقدمة على قاعدة الشك في المحل، كتقدمها على أصالة عدم الاتيان، لان نسبة دليلها إلى دليلهما نسبة الخاص إلى العام، ودليل المقتضي بالنسبة إلى دليل اللامقتضي. (1) لقاعدة الاشتغال، لكن الظاهر عدم جواز استئناف الغسل الترتيبي، لسقوط الامر بغسل الرأس والرقبة على كل تقدير، فلا مجال للتقرب به. نعم يجوز استئناف الغسل الارتماسي رجاء أن يكون قد نوى الرأس والرقبة. إذ بذلك لم يخرج عن كونه جنبا، فيشمله عموم ما دل على إجزاء الارتماسي للجنب، وقد تقدم جواز العدول من الترتيبي إلى الارتماسي. (2) في إطلاقه نظر، لان الرأس والرقبة مأمور بغسلهما بأمر ضمني

[ 136 ]

[ (مسألة 14): إذا صلي ثم شك في أنه اغتسل للجنابة أم لا يبني على صحة صلاته (1) ولكن يجب عليه الغسل للاعمال للآتية (2). ولو كان الشك في أثناء الصلاة بطلت، لكن الاحوط إتمامها ثم الاعادة. ] على كل تقدير، فإذا نوى امتثاله في ضمن المجموع لا بنحو التقييد صح وإن لم يتم له فعل المجموع. نعم إذا كان بنحو التقييد في الامتثال، بحيث يكون الغرض قائما بامتثال المجموع بطل على تقدير عدم حصول المجموع لعدم القصد. (1) لقاعدة الفراغ. (2) فان قاعدة الفراغ الجارية لاثبات الغسل بالنسبة إلى الصلاة الماضية لا تصلح لاثبات وجوده بالاضافة إلى بقية الصلوات، لقصور أدلتها عن إفادة ذلك. وبذلك افترقت قاعدة الفراغ عن قاعدة التجاوز بناء على كونهما قاعدتين، كما هو التحقيق، فان مجرى الاولى الشك في صحة الموجود المعلوم الوجود، ومجرى الثانية الشك في أصل الوجود، وشرط الاولى حصول الفراغ البنائي وشرط الثانية الدخول في أمر مرتب على المشكوك شرعا. ووجه الفرق بينهما فيما نحن فيه: أن الاولى إنما تضمن دليلها صحة الموجود لا غير، والثانية تضمن دليلها ثبوت المشكوك بلحاظ جميع الآثار المترتبة عليه، كما يأتي توضيحه في أوائل مباحث الخلل إن شاء الله تعالى. هذا وقد تقدم منا في مبحث الاستنجاء نظير هذا المسألة، وقلنا هناك: ان قاعدة الفراغ تثبت الجزء بلحاظ سائر الآثار، وكأنه مبني على رجوع القاعدتين إلى قاعدة واحدة، على خلاف التحقيق، وإن كان هو مذهب شيخنا الاعظم (ره) وغيره ممن تبعه.

[ 137 ]

[ (مسألة 15): إذا اجتمع عليه أغسال متعددة فاما أن يكون جميعها واجبا أو يكون جميعها مستحبا أو يكون بعضها واجبا وبعضها مستحبا، ثم إما أن ينوي الجميع أو البعض، فإن نوي الجميع بغسل واحد صح في الجميع (1). ] ومنه يظهر حال الشك في الاثناء، فان حال الاجزاء اللاحقة حال الصلوات الآتية، ولا مجال لتجديد الطهارة في الاثناء، لا لانها منافية للصلاة بل لاعتبار استمرارها لادلة قاطعية الحدث. ثم إن ما ذكر المصنف (ره) في وجوب الغسل مقتصرا عليه يختص بما إذا لم يحدث بالاصغر بعد الصلاة وإلا كان عليه الوضوء مع الغسل وإعادة الصلاة الاولى، لانه لو اغتسل وصلى بلا وضوء يعلم ببطلان إحدى الصلاتين، لانه إن كان قد اغتسل أولا احتاج في صلاته الثانية بعد الحدث الاصغر إلى الوضوء، فلو صلى بدونه بطلت، وإن كان لم يغتسل فصلاته الاولى باطلة، وإن شئت قلت: إذا أحدث بالاصغر يعلم بأنه إما يجب عليه إعادة الصلاة السابقة أو الوضوء للصلاة اللاحقة، فيجب الجمع بينهما. (1) إن كانت كلها واجبة وكان واحد منها غسل الجنابة بلا خلاف ظاهر، بل الظاهر دخوله في معقد الاجماعات المحكية على الصحة إذا نوى الجنابة فقط، بل لعله أولى بالصحة من ذلك. نعم قد يوهم ما عن النهاية من كون الوجه الاجزاء، وما عن الذخيرة من أنه أظهر، وجود الخلاف فيه. لكنه إن تم ففي غير محله، كيف؟! وقد قيل: انه القدر المتيقن من النصوص، كصحيح زرارة: " إذا اغتسلت بعد طلوع الفجر أجزأك غسلك ذلك للجنابة والجمعة وعرفة والنحر والحلق والذبح والزيارة، فإذا اجتمعت لله - تعالى - عليك حقوق أجزأك عنها غسل واحد. وكذلك

[ 138 ]

المرأة يجزئها غسل واحد لجنابتها وإحرامها وجمعتها وغسلها من حيضها وعيدها " (* 1) وموثق عمار: " سألته عن المرأة يواقعها زوجها ثم تحيض قبل أن تغتسل. قال (ع): إن شاءت أن تغتسل فعلت وإن لم تفعل فلا شئ عليها، فإذا طهرت اغتسلت غسلا واحدا للحيض والجنابة " (* 2) ومرسل جميل: " إذا اغتسل الجنب بعد طلوع الفجر أجزأه عنه ذلك الغسل من كل غسل يلزمه في ذلك اليوم " (* 3) وخبر شهاب: " فيمن غسل ميتا ثم أتى أهله. قال (ع): ويجزئه غسل واحد لهما " (* 4) وجملة مما ورد في كفاية غسل واحد للحيض والجنابة (* 5) وبها يرفع اليد عن أصالة عدم التداخل التي هي مقتضى ظهور أدلة السببية في كون كل سبب مستقلا في تأثيره، مقتضيا لمسبب غير ما يقتضيه السبب الآخر، كما هو محرر في محله. وكذا لو لم يكن واحد منها الجنابة بلا خلاف ظاهر أيضا لاطلاق قوله (ع): " فإذا اجتمع لله عليك... ". وأما إذا كانت كلها مستحبة فهو المشهور ظاهرا، كما قيل. وعن التحرير والقواعد والارشاد: العدم، وعن جامع المقاصد: أنه أرجح، وعن ظاهر الدروس: الميل إليه. وكأنه لاصالة عدم التداخل، لعدم ما يوجب الخروج عنها، إذ ليس ما يوهم ذلك سوى قوله (ع): " فإذا اجتمع لله عليك... "، لكنه لا يصلح لذلك، لان الظاهر من الحقوق هي الواجبة، لا أقل من عدم ظهوره في المستحبة. وفيه: أنه


(* 1) الوسائل باب: 43 من أبواب الجنابة حديث: 1 (* 2) الوسائل باب: 43 من أبواب الجنابة حديث: 7 (* 3) الوسائل باب: 43 من أبواب الجنابة حديث: 2 (* 4) الوسائل باب: 43 من أبواب الجنابة حديث: 3 (* 5) الوسائل باب: 23 من أبواب الحيض، وباب: 43 من أبواب الجنابة

[ 139 ]

لو سلم ذلك فبقرينة الصدر والذيل يراد منه ما يعم المستحبة. وربما يستدل له أيضا برواية عثمان بن يزيد - الذي استظهر أنه عمرو بن يزيد فتكون صحيحة - عن الصادق (ع): " من اغتسل بعد الفجر كفاه غسله إلى الليل في كل موضع يجب فيه الغسل، ومن اغتسل ليلا كفاه غسله إلى طلوع الفجر " (* 1) وناقش فيه شيخنا الاعظم (ره) بأنها ظاهرة في أن من اغتسل لغاية في ليل أو نهار لم تلزم المبادرة إليها، بل جاز إيقاعها ولو في آخر الليل أو النهار. لكن الاستظهار المذكور غير ظاهر. فلا حظها. نعم التعبير فيها بالوجوب يمنع من التمسك بها. وحمله على مجرد الثبوت غير ظاهر. فتأمل. وأما إذا كان بعضها واجبا وبعضها مستحبا فعن ظاهر المشهور الصحة عن الجميع، بل عن الخلاف الاجماع على الاجتزاء بغسل واحد للجنابة والجمعة ويقتضيه إطلاق ما تقدم أيضا. وعن ظاهر القواعد والارشاد وصريح جامع المقاصد والتذكرة: البطلان. والمتحصل من كلماتهم في وجهه: امتناع اجتماع الوجوب والندب في شئ فيمتنع نيتهما معا. لكن عرفت في فصل غايات الوضوء اندفاع الاشكال المذكور هناك، فاندفاعه هنا أولى، إذ يمكن الالتزام في المقام بأن الغسل الواحد مجمع عناوين متكثرة، يكون بعضها واجبا وبعضها مندوبا، بناء على جواز اجتماع الامر والنهي، ولا يمكن الالتزام بذلك هناك، لان جهة المقدمية للواجب أو المستحب من الجهات التعليلية، فلا يمكن أن تكون منشأ لاجتماع الحكمين المتضادين في شئ واحد إجماعا، لاختصاص الخلاف في مسألة جواز الاجتماع وامتناعه بصورة اجتماع الجهات التقييدية لا غير، وإن كان التحقيق الامتناع مطلقا. وبالجملة:


(* 1) الوسائل باب: 9 من أبواب الاحرام حديث: 4

[ 140 ]

[ وحصل امتثال أمر الجميع (1) وكذا إن نوي رفع الحدث (2) أو الاستباحة إذا كان جميعها أو بعضها لرفع الحدث والاستباحة، وكذا لو نوي القربة (3) وحينئذ فإن كان فيها غسل الجنابة لا حاجة إلى الوضوء بعده أو قبله (4)، ] الاشكال المذكور لا يهم ولا يوجب رفع اليد عن ظاهر أدلة المقام. لامكان الاعتماد عليها في رفع اليد عن القواعد المقتضية للبطلان، فضلا عما إذا لم تكن تقتضيه، كما عرفت في الوضوء. فراجع. (1) على ما عرفت في الضمائم الراجحة في شرائط الوضوء. (2) بلا خلاف ظاهر - كما قيل - لرجوعه إلى نية الجميع. وكذا نية الاستباحة. هذا إذا كان الجميع لرفع الحدث، أما إذا كان بعضها كذلك فنية ذلك راجعة إلى نية البعض لا غير، فيترتب عليها حكمها الآتي. فانتظر. (3) فان نية القربة مطلقا راجعة إلى نية الجميع مطلقا. ثم إن مورد كلام المصنف وغيره في نية الرفع وغيره هو نيتها مطلقا، أما إذا نواها لا مطلقا بل من جهة دون جهة رجعت إلى نية البعض. فيجري عليها حكمها الآتي. (4) كما هو ظاهرهم، كما في الغنائم والمستند. ويستدل له بأن غسل الجنابة يكفي عن الوضوء المسبب عن أي سبب، كما يشهد به قوله تعالى: (وإن كنتم جنبا فاطهروا) (* 1). ولا سيما بملاحظة رواية ابن مسلم المتضمنة تكذيب الباقر (ع) نسبة القول بوجوب الوضوء إلى علي (ع) مستشهدا بالآية الشريفة على نفيه (* 2). ولما دل على أن غسل الجنابة لا وضوء معه


(* 1) المائدة: 6 (* 2) الوسائل باب: 34 من أبواب الجنابة حديث: 5

[ 141 ]

[ وإلا وجب الوضوء (1) وإن نوي واحدا منها وكان واجبا كفي عن الجميع أيضا على الاقوى (2) وإن كان ذلك الواجب غير غسل الجنابة وكان من جملتها، لكن على هذا يكون امتثالا ] لا قبله ولا بعده (* 1). لكن لا يخفي أن الامر بالتطهر في الآية لا يدل إلا على أن حدث الجنابة لا يحتاج إلى الوضوء، ومثله حال الروايات، وليس هو محل الكلام. نعم لو تم أن الفارق بين غسل الجنابة وغيره أن الحدث الاصغر لا يجتمع مع حدث الجنابة، أو أن غسل الجنابة كما يرفع الجنابة يرفع الاصغر، بخلاف غسل غير الجنابة فانه لا يرفع الاصغر، فيكون الوضوء في الاحداث الكبيرة غير الجنابة رافعا للاصغر، كان سقوط الوضوء هنا في محله، لانتفاء الاصغر أو لارتفاعه بالغسل المنوي به الجنابة. أما لو كان الحدث الاكبر غير الجنابة لا يرفعه الغسل وحده بخلاف حدث الجنابة فيحتاج إلى الوضوء. أو أن حدث الجنابة لا يوجب الاصغر بخلاف غيره من الاحداث الكبيرة، كان اللازم فعل الوضوء في المقام. ولعله يأتي في المسألة السادسة والعشرين من فصل أحكام الحائض بعض ماله دخل في المقام. وكأن ما ذكرنا من الاشكال هو الوجه فيما عن المحقق الخونساري والمحقق القمي من التأمل في سقوط الوضوء في المقام لولا الاجماع فتأمل جيدا. (1) لاطلاق ما دل على وجوبه مع كل غسل غير غسل الجنابة. هذا وظاهرهم التسالم على الاكتفاء بوضوء واحد. (2) أما إذا كان المنوي هو الجنابة وكان الجميع واجبا فلا خلاف في ذلك، كما عن شرحي الجعفرية والموجز، بل عن السرائر وجامع المقاصد


(* 1) الوسائل باب: 34 من أبواب الجنابة حديث: 2

[ 142 ]

الاجماع عليه. ويقتضيه - مضافا إلى ذلك - اطلاق النصوص. ودعوى كون الظاهر منها خصوص صورة نية الجميع، غير ظاهرة، بل تمكن دعوى ظهورها في نية واحد منها، فان صدر صحيح زرارة ظاهر في تشريع التداخل في ظرف الاتيان بالفعل جريا على مقتضى الجعل الاولي، أعني عدم التداخل، وهو إنما يكون بنية واحد منها لا غير، بل مرسل جميل كالصريح في كون غسل الجنب للجنابة لا غير. ولا ينافي ما ذكرنا من ظهور صدر الصحيح في ذلك إطلاق قوله (ع) في ذيله: إذا اجتمعت... " وقوله (ع): " وكذلك المرأة... " الشامل لصورة نية الجميع ونية واحد بعينه، وذلك لان الذيل يكون من قبيل الكبرى الشاملة لما في الصدر ولغيره نعم لو كان ما في الذيل ظاهرا في خصوص نية الجميع لزم التنافي بين الصدر والذيل، ووجب صرف أحدهما إلى الآخر، لكن على هذا يكون اللازم صرف الذيل إلى ما في الصدر، وحينئذ يشكل الاستدلال بالرواية على الاجزاء في صورة نية الجميع التي قيل: انها المتيقن من النصوص. نعم موثق عمار المتقدم ظاهر في نية الجميع، لكنه لا يعارض الاطلاق المذكور ولا ما دل على الاجزاء بالغسل لواحد منهما. اما إذا كان بعضها مستحبا ففي الاجتزاء بالغسل المنوي به الجنابة عنها وعدمه قولان: المشهور الاول، والمحكي عن جماعة من الاساطين الثاني، وينبغي ابتناؤهما على ثبوت إطلاق النصوص وعدمه، وقد عرفت أن الظاهر ثبوت الاطلاق، وأنه ظاهر مرسل جميل، فيكون الاول هو الاقوى وأما إذا كان المنوي به واجبا غير الجنابة، فالكلام فيه (تارة) من حيث صحته في نفسه، (وأخرى) في الاجتزاء به عن غسل الجنابة، لو كان عليه جنابة، (وثالثة) في الاجتزاء عن غير غسل الجنابة من الاغسال

[ 143 ]

الواجبة والمندوبة. أما الصحة في نفسه ففي محكي التذكرة الاستشكال فيها، قال: " فان نوت الجنابة أجزأ عنهما، وان نوت الحيض فاشكال، ينشأ من عدم ارتفاع الحيض مع بقاء الجنابة لعدم نيتها "، بل عن بعض الجزم بالعدم. لكن الموجود في الذكرى في أواخر مباحث الجنابة ما ظاهره الجزم بالصحة، وأن الاشكال إنما كان في ارتفاع حدث الجنابة به. فراجع. وكيف كان فعدم الاجزاء خلاف اطلاق الامر به المقتضي للاجزاء كما صرح به غير واحد. واحتمال اعتبار عدم الجنابة في صحة غسل الحيض خلاف إطلاق الادلة البيانية. مضافا إلى موثق عمار المتقدم. وأما الاجتزاء به عن غسل الجنابة - لو كان عليه جنابة - فهو الذي اختاره في الشرائع، وعن المعتبر، ونسب إلى الشهيدين والمحقق الثاني، بل إلى المشهور، والعمدة فيه ما عرفت من إطلاق النصوص. وعن الشيخ والحلي وجماعة: العدم، لمنع الاطلاق، والمتيقن من النصوص خصوص صورة نية الجميع. ولو سلم فهو معارض بموثق سماعة، " في الرجل يجامع المرأة فتحيض قبل أن تغتسل من الجنابة؟ قال (ع): غسل الجنابة عليها واجب " (* 1)، لكن عرفت ثبوت الاطلاق. والموثق وارد في وجوب غسل الجنابة من حيث هو لرفع احتمال ارتفاع الجنابة بحدوث حدث الحيض، فلا ينافي الاجتزاء بغسل الحيض عنه، كما ذكر ذلك المحقق الخونساري فيما حكي عنه. وأما الاجتزاء به عن غير الجنابة من الاحداث فالكلام فيه هو الكلام في إغنائه عن الجنابة، لكن الظاهر ضعف الخلاف هنا لما عن الخونساري


(* 1) الوسائل باب: 43 من أبواب الجنابة حديث: 8

[ 144 ]

[ بالنسبة إلى ما نوي وأداء بالنسبة إلى البقية (1) ] من استظهار الاتفاق عليه، الا أن العمدة الاطلاق. وأما ألاغناء عن الاغسال المستحبة فالظاهر أن الكلام فيه هو الكلام في إغناء غسل الجنابة عنها، فان تم الاطلاق - كما عرفت - كفى، وإلا فالاصل عدم التداخل. وربما يحكى عن ظاهر بعض التفصيل، باغناء غسل الجنابة عن المندوب وعدم إغناء غيره عنه. لكنه غير ظاهر الوجه غير احتمال اختصاص نصوص التداخل بالجنابة لذكرها فيها. لكن عرفت الاشكال في ذلك، وأن الظاهر من ذكرها أنها أحد الافراد، ولا سيما بعد قوله (ع): " إذا اجتمعت لله عليك... ". (1) المحتمل بدوا في نصوص التداخل أمور: (الاول): أن يكون من التداخل في الاسباب نظير الداخل في أسباب الوضوء، بأن تكون حقائق الاسباب واحدة وليس لها إلا أثر واحد يستند إلى أسبقها وجودا ولا أثر لللاحق، ويكون الغسل الواحد رافعا لذلك الاثر. (الثاني): أن يكون لكل واحد من الاسباب أثر في قبال أثر الآخر مع وحدة الحقيقة، على نحو يتأكد وجود السابق بوجود اللاحق، ويكونان وجودا واحدا متأكدا ويكون الغسل الواحد رافعا لذلك الوجود المتأكد. (الثالث): أن تكون الآثار متباينة ذاتا ووجودا، لكن الغسل الواحد رافعا للجميع لاجل كونه رافعا للجهة المشتركة، فترتفع جميعها، لتقوم كل واحد بالجهة المشتركة، فإذا زالت زال. (الرابع): أن تكون الاسباب مختلفة الحقيقة كآثارها، وتكون الاغسال كذلك، إلا أنها تنطبق على غسل واحد لكونه مجمع جهات متكثرة متباينة. (الخامس): أن يكون الغسل الواحد رافعا لواحد منها دون غيره، إلا أنه لا يمكن ارتفاع غيره فيكون

[ 145 ]

إجزاؤه عن غيره بهذا المعنى. لكن يدفع الاخير. أنه خلاف ظاهر التعبير بالاجزاء في الصحيح وغيره (* 1). ويدفع الثلاث الاول أنها خلاف ظاهر قوله (ع) في الصحيح: " إذا اجتمعت لله عليك حقوق... "، فإن الظاهر من الحقوق الاغسال لا الاحداث، بقرينة قوله (ع): " عليك... " إذ الاحداث لا تكون حقوقا عليه بل هي نقص فيه. وكذا قوله (ع) في المرسل: " أجزأه عنه ذلك الغسل من كل غسل... ". وما ورد في الحائض والجنب من قوله (ع): " تجعلهما غسلا واحدا " فان ذلك كله ظاهر في تعدد الغسل. وكذا اتفاقهم على جواز نية الجميع، فيتعين الوجه الرابع. نعم ظهور النصوص في كون الاتيان بالغسل بنية واحد منها ينافيه إذ عليه يلزم سقوط أمر غير المنوي بدون قصد امتثاله، وهو خلاف ما دل على عباديته. اللهم إلا أن يقال: الالتزام بذلك أولى من الخروج عن ظاهر النصوص الدالة على التعدد كما عرفت. وهذا هو الاقرب، لان حمل التعدد المستفاد من النصوص على تعدد السبب بعيد. ثم إنه يدفع الاحتمالين الاولين - مضافا إلى ما ذكر - ما دل على اختلاف أحكام تلك الاحداث، فانه يدل على اختلاف حقيقتها. كما أنه يدفع الاول - مضافا - إلى ذلك كله - أنه خلاف ظاهر أدلة السببية. فلاحظ. ومما ذكرنا تعرف أنه لو نوى بعضها كان امتثالا بالنسبة إلى ما نواه، وأداء للمأمور به بلا امتثال لامره بالنسبة إلى ما لم ينوه. نعم لو بني على الثالث لم يكن بالنسبة إلى ما لم ينوه امتثالا ولا أداء، بل كان سقوطا فقط.


(* 1) ارجع إلى الصفحة: 137

[ 146 ]

[ ولا حاجة إلى الوضوء إذا كان فيها الجنابة (1)، وإن كان الاحوط مع كون أحدها الجنابة أن ينوي غسل الجنابة (2). وإن نوي بعض المستحبات كفى أيضا عن غيره من المستحبات (3) ] (1) أما إذا كان قد نوى الجنابة فلما عرفت، وأما إذا نوى غيرها فلانه مقتضى إطلاق إجزائه عن غسل الجنابة. اللهم إلا أن يحمل الاجزاء على خصوصية رفع حدث الجنابة لا غير، لكنه غير ظاهر. (2) لما عرفت من الاتفاق على الصحة فيه. (3) الغسل المأتي به بقصد الامر الاستحبابي (تارة) يكون معه غسل مستحب آخر، (وأخرى) معه غسل واجب آخر، (وثالثة) معه واجب ومستحب. فعلى الاول لا إشكال ظاهرا في صحته في نفسه، كما يقتضيه إطلاق الامر به. وفي الاجتزاء به عن غيره الذي لم ينوه - كما هو محل الكلام - خلاف، فعن المعتبر العدم، وعن ظاهر المنتهى الاجتزاء وتبعه عليه غيره. وقد عرفت أنه مقتضى إطلاق النصوص الواجب العمل به، المقدم على أصالة عدم التداخل. وعلى الثاني قيل: لا يجزئ عن الواجب لاصالة عدم التداخل، ولا عن نفسه لان المقصود منه التنظيف، وهو لا يحصل مع بقاء الحدث وفي الاول ما عرفت من الاطلاق فيندفع الثاني. مضافا إلى أن التنظيف المقصود من الغسل المستحب لا ينافي بقاء الحدث لعدم الدليل على ذلك، بل هو خلاف إطلاق الامر. ولاجل ذلك قيل بأنه يصح ويجزئ عن الواجب. وفي الجواهر قوى إجزاءه عن نفسه، أخذا باطلاق الامر به المقتضي للاجزاء، وعدم إجزائه عن الواجب، لاصالة عدم التداخل.

[ 147 ]

[ وأما كفايته عن الواجب ففيه إشكال (1) وإن كان غير بعيد، لكن لا يترك الاحتياط. (مسألة 16): الاقوى صحة غسل الجمعة من الجنب والحائض (2)، بل لا يبعد إجزاؤه عن غسل الجنابة، بل عن غسل الحيض إذا كان بعد انقطاع الدم. ] لكن عرفت أنها خلاف الاطلاق. ويؤيده مرسل الفقيه، قال (ره): " وروي في خبر آخر: من جامع في شهر رمضان ثم نسي الغسل حتى خرج شهر رمضان أن عليه أن يغتسل ويقضي صلاته وصومه، إلا أن يكون قد اغتسل للجمعة فانه يقضي صلاته وصيامه إلى ذلك اليوم ولا يقضي ما بعد ذلك " (* 1)، ومن ذلك تعرف الحكم في الصورة الثالثة، وان مقتضى إطلاق النصوص هو الاجزاء عن الجميع. ثم إن الظاهر أن الكلام في الاحتياج إلى الوضوء وعدمه إذا كان معه جنابة هو الكلام فيما سبق بعينه. والله سبحانه أعلم. (1) كأن الوجه في تخصيص المقام بالاشكال دون ما سواه - مع أن العمدة في وجه الاجتزاء فيه وفي غيره هو الاطلاق المشترك بين الجميع - ورود بعض الوجوه المقتضية للاجزاء في غيره، مثل كون الاحداث حقيقة واحدة فرافع واحد منها رافع لغيره، ومثل كون المقصود من الاغسال المستحبة التنظيف، وهو يترتب على الغسل المقصود به رفع الحدث أو غيره قهرا، وعدم ورود مثل ذلك في المقام، ولذا لم يقل بالاجزاء فيه من قال به في غيره. فتأمل جيدا. والله سبحانه أعلم. (2) كما عرفت في الغسل المنوي به المستحب، وعرفت فيه أيضا أن


(* 1) الوسائل باب: 30 من أبواب من يصح منه الصوم حديث: 2

[ 148 ]

[ (مسألة 17): إذا كان يعلم إجمالا أن عليه أغسالا، لكن لا يعلم بعضها بعينه، يكفيه أن يقصد جميع ما عليه، كما يكفيه أن يقصد (1) البعض المعين ويكفي عن غير المعين (2) بل إذا نوي غسلا معينا ولا يعلم - ولو إجمالا - غيره وكان عليه في الواقع كفى عنه أيضا وإن لم يحصل امتثال أمره. نعم إذا نوي بعض الاغسال ونوي عدم تحقق الآخر ففي كفايته عنه إشكال (3)، بل صحته أيضا لا تخلو عن إشكال بعد كون (4) ] الاقوى إجزاؤه عن غيره. وهذه المسألة من صغريات ما سبق، ولم يتضح وجه لذكرها بالخصوص. (1) لانه على تقدير وجود أي غسل في الواقع يكون منويا بالغسل فيجزئ عنه. (2) لما عرفت من الاجتزاء بالغسل المنوي به البعض المعين عن غيره مطلقا معلوما كان الغير تفصيلا أو إجمالا، أم غير معلوم. (3) لقرب دعوى قصور النصوص عن شمول الفرض. لكن الانصاف أن إطلاقها محكم لكون الانصراف بدائيا. (4) الظاهر أن المراد الوجه الاول من الوجوه الخمسة المتقدمة، وهو المذكور في ظاهر كلام غير واحد منهم المحقق في المعتبر، فانه قال في مقام الاستدلال على إجزاء غسل الحيض عن غسل الجنابة: " إن الغسل بنية خصوص الحيض صحيح نوي به الاستباحة فيجزئ ". وفي جامع المقاصد استدل على عكس المسألة بأن الحدث الذي هو عبارة عن النجاسة الحكمية متحد وإن تعددت أسبابه، فإذا نوي ارتفاعه بالسبب الاقوى ارتفع بالاضافة إلى غيره. وربما نسب هذا المعنى إلى صريح الاكثر. لكن عرفت

[ 149 ]

[ حقيقة الاغسال واحدة ومن هذا يشكل البناء على عدم التداخل (1) بأن يأتي باغسال متعددة كل واحد بنية واحد منها، ] آنفا أنه خلاف ظاهر الادلة أو المقطوع به منها. وكيف كان فالاشكال المذكور مبني على أن نية عدم رفع غيره راجعة إلى تقييد الغسل المنوي بكونه غير رافع للحدث المقصود رفعه، فإذا ثبت كونه رافعا له فقد انتفي القيد، وانتفاؤه يوجب انتفاء المقيد، فيكون ما قصد لم يقع، وما وقع لم يقصد، فيبطل. لكن ذلك يتوقف على كونه ملحوظا بنحو وحدة المطلوب لا بنحو تعدد المطلوب، وإلا فهو مقصود بالقصد التحليلي وهو كاف في الصحة. وقد تقدم نظير ذلك في فصل غايات الوضوء. فراجع. (1) لا يبعد أن يكون منصرف تعبير الفقهاء بالاجزاء في المقام كون التداخل رخصة، وكأنه لذلك نسب ذلك إلى ظاهر الاصحاب. إلا أن التأمل في كلماتهم يعطي خلاف ذلك، وأنه عندهم عزيمة، كما أوضحه شيخنا الاعظم (ره). والمتحصل من الادلة - سواء أكان مفادها الوجه الرابع أم هذا الوجه الذي أشار إليه المصنف (ره) المنسوب إلى صريح الاكثر أو غيرهما من الوجوه - هو عدم مشروعية الغسل الثاني، لان إجزاء الغسل المأتي به عن غيره ظاهر في وفائه بالغرض المقصود منه، وبعد حصول الغرض يسقط الامر، فلا مجال للامتثال بالغسل ثانيا. نعم قبل فعل المجزئ يجوز فعل المبدل منه. ومنه يظهر أن البناء على التداخل لا يتوقف على كون حقيقة الاغسال واحدة. نعم البناء على كون حقيقة الاغسال واحدة يقتضي القول بالتداخل إذا كان المراد الوجه الاول، أما إذا كان المراد الوجه الثاني فالبناء على وحدة حقيقة الاغسال كوحدة حقيقة الحدث لا يقتضي

[ 150 ]

[ لكن لا إشكال إذا أتى (1) فيما عدا الاول برجاء الصحة والمطلوبية. (فصل في الحيض) وهو دم خلقه الله - تعالى - في الرحم (2) لمصالح، ] التداخل، لجواز كون الحدث المتأكد محتاجا في رفعه إلى الغسل المتعدد فيكون كل غسل رافعا لرتبة من الحدث. ومن ذلك تعرف أن الاشكال على المصنف (ره) من جهتين: إحداهما: دعوى وحدة حقيقة الاغسال وثانيتهما: دعوى اقتضاء ذلك للتداخل. (1) فانه لاساد لباب احتمال المطلوبية فيصح لاجله الاحتياط. والله سبحانه الموفق المعين. والحمد لله رب العالمين. إلى هنا انتهى الكلام - فيما يتعلق بغسل الجنابة -. في التاسع عشر من جمادى الاولى سنة الالف والثلثمائة والتاسعة والاربعين. (فصل في الحيض) (2) بذا عرفه جماعة، بل صريح غير واحد أنه في الشرع اسم للدم بل قيل: إنه اسم للدم لغة و شرعا. وادعي أنه ظاهر كلام جماعة من أهل اللغة كاصحاب الصحاح، والقاموس، والمجمل، والمغرب، ومجمع البحرين لكن في الاستظهار تأمل يظهر وجهه من مراجعة كلماتهم، ففي القاموس: " حاضت المرأة تحيض... إلى أن قال: سال دمها " ونحوه كلام غيره ولو كان المراد أنه اسم للدم كان المناسب أن يقال في تفسيره: إذا سال حيضها لادمها. بل في مجمع البحرين: " الحيض اجتماع الدم، وبه سمي الحوض لاجتماع الماء فيه "، وقريب منه ما في القاموس، فانه كالصريح

[ 151 ]

[ وهو في الغالب (1) أسود أو أحمر (2) غليظ (3) ] في أنه من أسماء المعنى لا العين. بل يمكن أن يكون كذلك شرعا، بشهادة إضافة الدم إليه في كثير من النصوص، فيقال: دم الحيض. وجعل الاضافة بيانية خلاف الظاهر. والامر في أمثال هذا سهل. (1) إذ قد لا يكون واجدا للصفات كالمرئي في أيام العادة، كما سيأتي. (2) كما في النافع وشرحه وغيرهما ويقتضيه الجمع بين النصوص، ففي مصحح حفص عن أبي عبد الله (ع): " إن دم الحيض حار عبيط أسود له دفع وحرارة، ودم الاستحاضة أصفر بارد " (* 1) وفي مرسل يونس عن أبي عبد الله (ع): " إن دم الحيض أسود يعرف " (* 2) ونحوهما غيرهما. وفي مرسل ابن أبي عمير عن أبي عبد الله (ع): " إذا بلغت المرأة خمسين سنة لم تر حمرة الا أن تكون امرأة من قريش " (* 3) وفي المرسل عن ابن مسلم: " إن كان دما أحمر كثيرا فلا تصل، وإن كان قليلا أصفر فليس عليها إلا الوضوء " (* 4) فيكون المراد من كل منهما ما يعم الآخر، لان المراد من السواد في المقام شديد الحمرة، وأما السواد الحالك فالظاهر أنه ليس من صفات دم الحيض. ويشهد بأن المراد من السواد ما ذكرنا مقابلته بالاصفر في النصوص. وكأن ذلك هو مراد من اقتصر على الاسود كالشرائع والقواعد وغيرهما، أو على الاحمر كما عن المقنعة والغنية. (3) كما عن جماعة توصيفه به، والنصوص خالية عنه سوى ما عن


الوسائل باب: 3 من أبواب الحيض حديث: 2 (* 2) الوسائل باب: 3 من أبواب الحيض حديث: 4 (* 3) الوسائل باب: 31 من أبواب الحيض حديث: 2 * (* 4) الوسائل باب: 30 من أبواب الحيض حديث: 16

[ 152 ]

[ طري (1) حار يخرج بقوة وحرقة (2) كما أن دم الاستحاضة بعكس ذلك (3)، ويشترط أن يكون بعد البلوغ وقبل اليأس، فما كان قبل البلوغ أو بعد اليأس ليس بحيض (4) ] الدعائم: " دم الحيض كدر غليظ منتن " (* 1) وكأن وجهه كونه الغالب. (1) هذا هو المراد من العبيط في النصوص، كما فسره به في القاموس. (2) كما في عبارات كثير، بل نسب إلى الاكثر. ويدل عليه مصحح حفص المتقدم، وفي صحيح معاوية: " إن دم الحيض حار " (* 2) وفي موثق اسحاق بن جرير عن أبي عبد الله (ع): " دم الحيض ليس به خفاء هو دم حار تجد له حرقة " (* 3). (3) تقدم في مصحح حفص: " دم الاستحاضة أصفر بارد " وفي صحيح معاوية عن أبي عبد الله (ع): " إن دم الاستحاضة بارد " (* 4) وفي موثق اسحاق بن جرير عن أبي عبد الله (ع) " ودم الاستحاضة دم فاسد بارد " (* 5) وستأتي بقية الكلام فيه. (4) إجماعا في الاول، حكاه جماعة، بل عن المعتبر: انه إجماعي منا ومن أهل العلم كافة. وقريب منه ما عن المنتهى وشرح المفاتيح. وعن المعتبر ومجمع البرهان والمدارك وشرح المفاتيح: الاتفاق عليه في الثاني ويدل عليه فيهما صحيح ابن الحجاج: " قال الصادق (ع): ثلاث يتزوجن على كل حال. وعد منها التي لم تحض ومثلها لا تحيض - قال:


(* 1) مستدرك الوسائل باب: 3 من ابواب الحيض حديث: 2 (* 2) الوسائل باب: 3: من أبواب الحيض حديث: 1 (* 3) الوسائل باب: 3 من أبواب الحيض حديث: 3 (* 4) الوسائل باب: 3: من أبواب الحيض حديث: 1 الوسائل باب: 3: من أبواب الحيض حديث: 3

[ 153 ]

[ وإن كان بصفاته والبلوغ يحصل باكمال تسع سنين (1) واليأس ببلوغ ستين سنة في القرشية (2) وخمسين في غيرها. ] قلت: وما حدها؟ قال (ع): إذا أتى لها أقل من تسع سنين - والتي لم يدخل بها، والتي قد يئست من المحيض ومثلها لا تحيض. قال: قلت: وما حدها؟ قال (ع): إذا كان لها خمسون سنة " (* 1). ثم إن مقتضى النص والفتوي أنه لو رأت الدم مقارنا لتمام التسع كان حيضا. وحينئذ فما قد يظهر من صدر عبارة المتن من عدم حيضية المقارن غير مراد بقرينة ذيل العبارة. فلاحظ. (1) إجماعا هنا، ويدل عليه الصحيح المتقدم. نعم عن صوم المبسوط وخمس الوسيلة: توقف البلوغ الذي هو شرط التكليف ونفوذ التصرف على العشر. لكنه - مع ضعفه في نفسه - ليس خلافا فيما هنا. (2) كما عن الفقيه والمقنعة والوسيلة والمبسوط والجامع والمعتبر والتذكرة وكتب الشهيدين وجامع المقاصد، بل عن جماعة نسبته إلى المشهور، بل عن التبيان ومجمع البيان نسبته إلى الاصحاب. لمرسل ابن أبي عمير السابق (* 2) ونحو مرسل الفقيه (* 3)، بل الظاهر أنه هو. ولا يقدح فيهما عدم الصراحة في الحيض، لكفاية الظهور في الحجية. كما لا يقدح عدم تعرضهما للتحديد بالستين، لكفاية رواية الستين الآتية في ذلك. مضافا إلى عدم القول بالفصل. بل في مرسل المبسوط التصريح بأنها ترى الدم إلى ستين سنة (* 4) كما لا يقدح إرسال الجميع، للجبر بالعمل، بل مرسل ابن أبي عمير حجة


(* 1) الوسائل باب: 2 من أبواب العدد حديث: 4 (* 2) تقدم في أول الفصل (* 3) الوسائل باب: 31 من أبواب الحيض حديث: 7 (* 4) الوسائل باب: 31 من أبواب الحيض حديث: 5

[ 154 ]

- على المشهور - كمسنده. وبذلك ترفع اليد عن إطلاق مصحح ابن الحجاج السابق، ونحوه خبره الآخر (* 1)، ومرسل البزنطي (* 2). بل به أيضا يجمع بين ما ذكر مما دل على أن سن اليأس الخمسون مطلقا وبين ما دل على أنه الستون، كموثق ابن الحجاج عن أبي عبد الله (ع): " إذا بلغت ستين سنة فقد يئست من المحيض ومثلها لا تحيض " (* 3) ونحوه مرسل الكليني (* 4) وبذلك يظهر ضعف القول بأن حده الخمسون مطلقا، كما عن النهاية، والجمل، والسرائر، والمهذب، وطلاق الشرائع، وكشف الرموز، والبيان وعن مجمع البرهان: الميل إليه. وكذا القول بأن حده الستون، كما هو ظاهر طهارة الشرائع والمنتهى، ومال إليه في المختلف، إذ في كل منهما طرح لبعض الادلة من غير وجه ظاهر. هذا وعن المفيد وجماعة: إلحاق النبطية بالقرشية، بل عن جماعة نسبته إلى المشهور. وليس له دليل ظاهر غير ما أرسله المفيد في محكي طلاق المقنعة من قوله: " روي أن القرشية من النساء والنبطية يريان الدم إلى ستين سنة. فان ثبت ذلك فعليها العدة حتى تجاوز الستين " (* 5)، معتضدا باطلاق رواية الستين المتقدمة، منجبرا بحكاية الشهرة عليه من جماعة. لكن ثبوت الشهرة الجابرة محل إشكال حيث لم يتعرض له الصدوق والشيخ وأضرابهما، بل ظاهر محكي المقنعة التوقف فيه، وحينئذ لا مجال لرفع اليد عن مرسل ابن أبي عمير، المحقق الحجية المقيد به إطلاق رواية الستين.


(* 1) الوسائل باب: 31 من أبواب الحيض حديث: 1 (* 2) الوسائل باب: 31 من أبواب الحيض حديث: 3 (* 3) الوسائل باب: 31 من أبواب الحيض حديث: 8 (* 4) الوسائل باب: 31 من أبواب الحيض حديث: 4 (* 5) الوسائل باب: 31 من أبواب الحيض حديث: 9

[ 155 ]

[ والقرشية من انتسب إلى نضر بن كنانة (1)، ومن شك في كونها ] (1) ذكر ذلك جماعة من الاعاظم مرسلين له إرسال المسلمات من غير إشارة منهم للخلاف فيه، كالمحدث البحراني في الحدائق، وشيخنا في الجواهر والنراقي في المستند، وشيخنا الاعظم في طهارته، وغيرهم، وهو المنقول عن الصحاح، وفي النفحة العنبرية لابن أبي الفتوح: " ومن ولد كنانة (النضر) وهو الملقب بقريش " وبعد ذكر أجداد النبي صلى الله عليه وآله إلى النضر قال: " وهو قريش ". لكن في مجمع البحرين - بعد أن ذكر ذلك - قال: " وقيل: قريش هو فهر بن مالك "، وعن سبائك الذهب: أنه النضر على المذهب الراجح وفي العقد الفريد: " جد قريش كلها فهر بن مالك، فما دونه قريش وما فوقه عرب... إلى أن قال: وأما قبائل قريش فانما تنتهي إلى فهر بن مالك لا تتجاوزه "، وفي سبك الذهب: " كل من ولده (فهر) فهو قرشي ومن لم يلده فليس بقرشي "، ونحوه ما في المختصر من أخبار البشر لابي الفداء، وذكر ذلك أيضا في الشجرة المحمدية لابي علي الجواني النسابة، وكذا في السيرة النبوية لابن دحلان، وفي السيرة الحلبية: " فهر اسمه قريش، قال الزبير بن بكار: أجمع النسابون من قريش وغيرهم أن قريشا إنما تفرقت عن فهر ". ويظهر من غير واحد احتمال أنه قصي. لكنه ضعيف جدا، لان أكثر قبائل قريش من غيره. إنما الاشكال في تعيين أحد الاولين، لتعارض النقل وعدم ثبوت الترجيح، فاجراء الاحكام على من انتسب لغير (فهر) ممن ينتمي إلى النضر في غاية الاشكال. لكن يهون الامر خروج الفرض عن محل الابتلاء.

[ 156 ]

[ قرشية يلحقها حكم غيرها (1) والمشكوك البلوغ ] (1) إجماعا محققا، كما في المستند. وهو الذي تقتضيه أصالة عدم الانتساب المعول عليها عند الفقهاء في جميع المقامات - كما في طهارة شيخنا الاعظم (ره) - التي يقتضيها دليل الاستصحاب، فان التحيض بالدم بعد الخمسين إذا كان من أحكام القرشية كان الاصل الجاري لنفي القرشية نافيا له، على ما هو القاعدة في الاصول الجارية في نفي الموضوعات المقتضية لنفي أحكامها ودعوى أن العدم المذكور لاحالة له سابقة - إذ العدم قبل الوجود كان لعدم الموضوع، وهو غير العدم المقصود إثباته بالاستصحاب لانه العدم لعدم المقتضي - مندفعة بأن هذا المقدار لا يوجب تعددا في ذات العدم لا دقة ولا عرفا، فلا مانع من استصحابه، كدعوى أن وصف القرشية لما كان من عوارض الوجود كان متأخرا رتبة عنه، فنقيضه الذي يكون موضوعا لعدم التحيض لا بد أن يكون متأخرا رتبة عن وجود الموضوع أيضا، لاتحاد النقيضين رتبة، والعدم المذكور مما لا حالة له سابقة معلومة، فالمرأة الموجودة على تقدير وجودها مما لا يعلم أنها قرشية أو غير قرشية من الازل، وعدم القرشية المعلوم سابقا حال عدم المرأة ليس هو العدم المنوط، بل هو العدم المطلق، وإلا فالعدم المنوط غير معلوم لا سابقا ولا لاحقا. وتوضيح الاندفاع: أن الوصف وإن كان بحسب الوجود الخارجي منوطا بوجود الموضوع ومتأخرا عنه، إلا أنه يمكن أن يلحظ في القضية منوطا بالماهية ووصفا لها كما يمكن أن يلحظ منوطا بالوجود، ولذا تجد الفرق بين مفهوم قول القائل: وجد الرجل الابيض، ومفهوم قوله: وجد الرجل فصار أبيض. فان الابيض في القضية الاولى لوحظ وصفا

[ 157 ]

[ محكوم بعدمه (1)، والمشكوك يأسها كذلك. (مسألة 1): إذا خرج ممن شك في بلوغها (2) دم وكان بصفات الحيض يحكم بكونه حيضا، ويجعل علامة على البلوغ، بخلاف ما إذا كان بصفات الحيض وخرج ممن علم عدم بلوغها فإنه لا يحكم بحيضيته. ] لنفس الماهية التي هي موضوع الوجود، وفي الثانية لوحظ منوطا بوجودها ومترتبا عليه، ولو كان لحاظ الوصف في القضية يجب أن يكون على النحو الذي يجب أن يكون عليه وجوده كان مفهوم القضية الاولى عين مفهوم الثانية، وهو باطل ضرورة. وقد تقدم في مباحث المياه الكلام في هذا الاصل. فراجع. (1) للاستصحاب، فيحكم بكون الدم مرئيا بلوغ المرأة تسعا، إذا الجزء الاول معلوم وجدانا والثاني محرز بالاستصحاب، فلا يكون حيضا وكذا يجري استصحاب عدم اليأس لو شك فيه، فيحكم بكون الدم المرئي كائنا قبل بلوغ الخمسين أو الستين، فيكون حيضا. (2) لا ينبغي التأمل في أن لفظ الحيض من الالفاظ العرفية التي لها معني متميز عند أهل العرف كسائر الالفاظ العرفية، مثل لفظ التمر، والخمر، والماء، والبول، والمني، وغيرها، ويشهد به قوله تعالى: " ويسألونك عن المحيض قل هو أذى... " (* 1) قيل: له أحكام خاصة في الجاهلية وبعض الامم السالفة قبل الشرع الاقدس. فالتحديدات الشرعية له - مثل كونه لا يرى قبل التسع، أو بعد اليأس، أو دون ثلاثة، أيام، أو أكثر من عشرة، أو غير ذلك مما لم يؤخذ


(* 1) البقرة: 222

[ 158 ]

حدا عند أهل العرف - إما أن يراد بها بيان اصطلاح للشارع فيه بأن يكون قد وضعه للمعنى المحدود بالحدود المذكورة كما عن بعض احتماله، أو بيان اشتباه العرف في تطبيقه على ما ليس مصداقا له واقعا، كما في الجواهر وطهارة شيخنا الاعظم وغيرهما، أو مجرد نفي الاحكام الخاصة واقعا عما يفقد بعض الحدود الشرعية وإن كان من أفراده واقعا، أو مجرد نفي الاحكام الخاصة ظاهرا عند الشك لا واقعا حتى مع العلم، فلو علم بكون الدم المرئي قبل البلوغ - أو بعد اليأس، أو دون الثلاثة، أو أكثر من عشرة - حيضا جرت عليه أحكام الحيض جميعها، وإنما يحكم شرعا بنفي حيضية الفاقد لبعض الحدود إذا كان مشكوكا لا غير: وجوه. اختار الاستاذ الاعظم (ره) - في رسالة الدماء - الاخير، لبعد عدم ترتب أحكام الحيض على ما علم أنه حيض، بل لم يظن أن يلتزم به أحد، مستظهرا ذلك من المنتهى حيث قال فيه: " لو قيل في الدم الذي تراه المرأة بعد الخمسين في زمن عادتها على ما كانت تراه قبل ذلك فالموجود هنا دليل الحيض كما كان قبل الخمسين دليلا، ولو قيل ليس بحيض مع وجوده وكونه على صفة الحيض كان تحكما لا يقبل "، مؤيدا له بما عن الذكرى من: " أنه إذا اشتبه الدم بالاستحاضة اعتبر بالسواد والغلظة والحرارة وأضدادها... إلى أن قال: وبالثلاثة والعشرة اللذين هما أقل الحيض وأكثره باتفاق "، حيث جعل الرجوع إلى الحدين في حال الاشتباه كالصفات. ولان فيه جمعا بين نصوص التحديد (* 1) ورواية سماعة الدالة على التحيض برؤية الدم اليومين والثلاثة إلى العشرة (* 2)، ورواية إسحاق


(* 1) الوسائل باب: 10 من أبواب الحيض (* 2) الوسائل باب: 14 من أبواب الحيض: 1

[ 159 ]

الدالة على التحيض برؤية الدم اليوم واليومين (* 1)، والمرسلة الدالة على التحيض مدة أيام الحيض عشرة أو أكثر (* 2) مضافا إلى أن ظاهر نصوص التحديد بيان كون الحيض كذلك واقعا، فيجب حملها على الغالب للقطع بالتخلف أحيانا. هذا ولكن ما ذكره (قده) لا يخلو من خدش، فان مجرد البعد - لو سلم - لا يجدي في رفع اليد عن ظاهر الادلة. وعدم الظن بالتزام أحد به غير ظاهر الوجه، كيف؟ وهو خلاف المتسالم عليه بينهم ظاهرا كما يقتضيه ظاهر كلماتهم بل صريح بعضها. فلاحظ كلماتهم في التحديدات ونقل مذاهب العامة وخلافاتهم فيها. وأما ما في المنتهى فظاهره منع التحديد بالخمسين واختيار التحديد بالستين، كما يظهر من مراجعة المنتهي، بل العبارة المذكورة ظاهرة في ذلك، وكذا ما بعدها فراجع. وأما ما عن الذكرى فلا ينافي بناءه على كون التحديد واقعيا، بل ظاهر ذيل كلامه ذلك. نعم سوق التحديد بالثلاثة والعشرة مساق الصفات يشعر بذلك. لكن ذيل العبارة مانع عن العمل به. وأما الجمع بين النصوص بذلك فلا شاهد له، لاتحاد سوقها وألسنتها نفيا وإثباتا. وأما الحمل على الغالب فموهون بمنع مطابقة التحديدات للغلبة جدا، كما بظهر من ملاحظة أحوال النساء، وكيف يصح دعوى كون الغالب، ذلك؟! مع أن الفرق بين المشتمل على الحد وغيره بمحض الآنات اليسيرة كما يظهر بأدنى تأمل. مع أن حمل النصوص على ذلك يوجب كونها واردة في مقام الاخبار عن القضية الواقعية، فكيف يستفاد منها قضية شرعية ظاهرية كما هو بصدده؟! فالمتعين إذا حمل النصوص


(* 1) الوسائل باب: 10 من أبواب الحيض حديث: 13 (* 2) الوسائل باب: 8 من أبواب الحيض حديث: 3

[ 160 ]

على ظاهرها من نفي المصداق حقيقة إن أمكن، وإلا - كما لو علم بتحقق المصداق بدون التحديد - فاللازم حملها على نفي الاحكام بلسان الحكومة وطرح الاخبار المخالفة لذلك. هذا والمصرح به في كلام جماعة - بل عن المسالك: نفي الخلاف فيه، وعن الذكرى: " لا نعلم فيه خلافا "، بل عن صوم الروضة: الاجماع عليه -: أن الحيض دليل على البلوغ. لكن المحكي عن حجر المبسوط وصومه ووصايا النهاية، وخمس الوسيلة ونكاحها، وحجر الغنية وصوم السرائر ووصاياها ونوادر قضائها، وصوم الجامع، وحجر التحرير: أن الحيض بنفسه بلوغ، بل عن الغنية الاجماع عليه. وهذا هو مدلول النصوص، ففي موثق عمار عن أبي عبد الله (ع): " سألته عن الغلام متى تجب عليه الصلاة؟ قال (ع): إذا أتى عليه ثلاث عشرة سنة، فان احتلم قبل ذلك فقد وجبت عليه الصلاة وجرى عليه القلم. والجارية مثل ذلك إذا أتى لها ثلاث عشرة سنة أو حاضت قبل ذلك فقد وجبت عليها الصلاة وجرى عليها القلم " (* 1)، وفي مرسل الفقيه: " على الصبي إذا احتلم الصيام، وعلى المرأة إذا حاضت الصيام " (* 2)، وفي خبر يونس ابن يعقوب: " لا يصلح للحرة إذا حاضت الا الخمار " (* 3)، وفي موثق ابن سنان: " إذا بلغ الغلام ثلاث عشرة سنة كتبت له الحسنة وكتبت عليه السيئة وعوقب. وإذا بلغت الجارية تسع سنين فكذلك، وذلك أنها تحيض لتسع سنين " (* 4).


(* 1) الوسائل باب: 4 من ابواب مقدمة العباداب حديث: 12 (* 2) الوسائل باب: 4 من أبواب مقدمة العبادات حديث: 10 (* 3) الوسائل باب: 28 من أبواب لباس المصلي حديث: 4 (* 4) الوسائل باب: 44 من أبواب الوصايا حديث: 12

[ 161 ]

لكن لو قلنا بامتناع تحقق الحيض قبل تمام التسع - كما هو ظاهر الاصحاب - امتنع أن يكون سببا للبلوغ، لانه لا يوجد إلا بعد تحقق شرطه وهو بلوغ التسع، فيستند البلوغ إليه لانه أسبق. ولو قلنا بامكانه فمقتضى إطلاق النصوص المذكورة وإن كان سببية ما يعلم بتحققه قبل إكمال التسع لكن نصوص التحديد حاكمة عليها، فيختص موضوعها بما يكون بعد تمام التسع، وحينئذ يمتنع أيضا جعله سببا للبلوغ، للاشكال السابق بعينه. فيتعين أن يكون طريقا على كلا الوجهين. وإن كان يشكل على الثاني جعله طريقا أيضا بأن العلم بما هو موضوع الاحكام يوقف على العلم باكمال التسع، فلو كان طريقا إلى تحقق التسع لزم الدور. ولا مجال للاشكال المذكور على الاول الذي هو ظاهر الاصحاب لامكان العلم به بقيام القرائن القطعية الدالة على كونه الدم الذي هو طبيعي للمرأة، فيكون دليلا على تحقق التسع دلالة وجود المعلول على وجود علته، ولا مجال لتقرير ذلك على القول الثاني، لان القرائن المذكورة وان كانت تدل على أنه الدم الطبيعي للمرأة لكن لا تدل على أنه موضوع الاحكام الشرعية إلا بتوسط العلم باجتماع الحدود فيه، ومن جملة تلك الحدود كونه بعد إكمال التسع، فيمتنع حينئذ أن يكون دالا على اكمال التسع للزوم الدور. وأجاب جماعة عنه بأن اثبات كونه حيضا يكون بالصفات، فإذا دلت على أنه حيض دل هو على البلوغ. وفيه: أن الاشكال المذكور في العلم جار في الدلالة بعينه لان الدلالة على المحدود فرع الدلالة على الحدود فيمتنع استفادة الدلالة عليها من الدلالة عليه. مضافا إلى ما قد يقال من أن أدلة الصفات إنما تدل على حجيتها على الحيض في ظرف تحقق البلوغ إذ لا إطلاق لها يشمل صورة عدمه، فمع الشك فيه لا مجال للرجوع إليها،

[ 162 ]

[ وهذا هو المراد من شرطية البلوغ (1). (مسألة 2): لا فرق بين في كون اليأس (2) بالستين والخمسين بين الحرة والامة، وحار المزاج وبارده، وأهل مكان ومكان. (مسألة 3): لا إشكال في أن الحيض يجتمع مع الارضاع (3) ] بل استصحاب عدمه موجب لخروج المورد عن موضوع أدلة الصفات. لكن يشكل ذلك بأنه خلاف إطلاق النصوص. نعم إذا علم عدم البلوغ فقد علم أن الدم ليس موضوعا للاثر فلا مجال لجعل الحكم الظاهري. فيصح اعتبار الحجية للصفات. ومن ذلك كله يظهر أنه لابد من الاخذ باطلاق النصوص المذكورة من دون تحكيم أدلة الحدود عليها لئلا يلزم الغاؤها. وحينئذ فان أمكن الاخذ بظاهرها من السببية حكم بسببيته للبلوغ مطلقا ولو كان قبل الستع، وإلا فلا بد من حملها على الطريقية للبلوغ تعبدا عند الشك فيه، إما لاجل وجوده بعد التسع أو لغير ذلك، فإذا علم بوجوده حكم شرعا بتحقق البلوغ تسعا ولو في زمان سابق على الدم، ولا يلزم اشكال الدور ولا غيره. لكن الحمل على السببية على هذا المبنى ممتنع، لان وجود الحيض قبل التسع على هذا المبنى نادر، فالحمل على السببية يستلزم الحمل على النادر. (1) يعني: لا أن المراد منه أنه إذا كان الدم بصفات الحيض لا يحكم بكونه حيضا حتى يعلم بكونه بعد البلوغ. لكن عرفت تحقيق الحال. (2) لاطلاق الادلة. مع أني لم أقف على مخالف في ذلك. (3) بلا خلاف ظاهر، بل لعله من الضروريات.

[ 163 ]

[ وفي اجتماعه مع الحمل قولان (1)، الاقوى أنه يجتمع معه (2) ] (1) يعني: بلحاظ النفي والاثبات في الجملة، وإلا فالاقوال أربعة أو خمسة كما سنشير إليها. (2) كما عن الفقيه والمقنع والناصريات وكثير من كتب العلامة والشهيدين والمحقق الثاني، بل عن المدارك: أنه مذهب الاكثر، وعن جامع المقاصد: انه المشهور، ويدل عليه كثير من الصحاح وغيرها، كصحيح ابن سنان عن أبي عبد الله (ع): " عن الحبلى ترى الدم أتترك الصلاة؟ فقال (ع): نعم إن الحبلى ربما قذفت بالدم " (* 1)، وصحيح ابن الحجاج: " سألت أبا الحسن (ع) عن الحبلى ترى الدم وهي حامل كما كانت ترى قبل ذلك في كل شهر، هل تترك الصلاة؟ قال (ع): تترك الصلاة إذا دام " (* 2) وصحيح صفوان: " سألت أبا الحسن الرضا (ع) عن الحبلى ترى الدم ثلاثة أيام أو أربعة أيام، تصلي؟ قال (ع): تمسك عن الصلاة " (* 3) ونحوها غيرها. وعن الكاتب والمفيد (ره) والشرائع والوحيد في شرح المفاتيح: المنع، وربما نسب إلى السرائر، وفي محكي النافع: الميل إليه. لخبر السكوني عن جعفر (ع) عن أبيه (ع): انه قال: " قال النبي صلى الله عليه وآله ما كان الله ليجعل حيضا مع حبل. يعني إذا رأت الدم وهي حامل لا تدع الصلاة إلا أن ترى على رأس الولد إذا ضربها الطلق ورأت الدم تركت الصلاة " (* 4)، وصحيح حميد بن المثنى: " سألت أبا الحسن الاول (ع)


(* 1) الوسائل باب: 30 من أبواب الحيض حديث: 1 (* 2) الوسائل باب: 30 من أبواب الحيض حديث: 2 (* 3) الوسائل باب: 30 من أبواب الحيض حديث: 4 (* 4) الوسائل باب: 30 من أبواب الحيض حديث: 12

[ 164 ]

عن الحبلى ترى الدفقة والدفقتين من الدم في الايام وفي الشهر والشهرين فقال (ع): تلك الهراقة ليس تمسك هذه عن الصلاة " (* 1). وعن شرح المفاتيح: دعوى تواتر الاخبار في ذلك، كالاخبار الواردة في أن السبايا تستبرأ أرحامهن بحيضة (* 2)، وكذا الجواري (* 3). وللاجماع على صحة طلاقها ولو في حال الدم، بضميمة ما دل على بطلان طلاق الحائض (* 4). هذا ولكن الخبرين لا يصلحان لمعارضة ما سبق من وجوه كثيرة، لكثرة العدد، وأصحية السند، ومخالفة العامة، وموافقة المشهور. ولا سيما بملاحظة قرب دعوى كون المراد من النبوي الاول القضية الغالبية الامتنانية وكون التفسير من الراوي، وكون الدفقة والدفقتين في الثاني ليس مما يحصل بهما أقل الحيض، كما يظهر ذلك من صحيحة الراوي المذكور عن أبي عبد الله (ع): " في الحبلى قد استبان ذلك منها ترى كما ترى الحائض من الدم؟ قال (ع): تلك الهراقة، إن كان دما كثيرا فلا تصلين، وإن كان قليلا فلتغتسل عند كل صلاتين " (* 5) وقريب منه المرسل عن محمد بن مسلم عن أحدهما (ع) (* 6). مع أنه لو سلم ظهوره فيما جمع شرائط الحيض فهو مطلق يمكن تقييده بهذا الصحيح ونحوه. وأما ما ورد في السبايا والجواري فلا يدل على ما نحن فيه، لان مفاده حكم، ظاهري، ويجوز أن يكون الوجه فيه الغلبة. وأما ما دل على بطلان طلاق الحائض فيجب الخروج عنه بالاجماع المذكور إذا بني على العمل


(* 1) الوسائل باب: 30 من أبواب الحيض حديث: 8 (* 2) الوسائل باب: 17 من أبواب نكاح العبيد والاماء (* 3) الوسائل باب: 10 من أبواب نكاح العبيد والاماء (* 4) الوسائل باب: 8 من أبواب مقدمات الطلاق وشرائطه (* 5) الوسائل باب: 30 من أبواب الحيض حديث: 5 (* 6) الوسائل باب: 30 من أبواب الحيض حديث: 16

[ 165 ]

[ سواء كان قبل الاستبانة أو بعدها (1) وسواء كان في العادة أو قبلها أو بعدها (2) نعم فيما كان بعد العادة بعشرين يوما الاحوط الجمع بين تروك الحائض واعمال المستحاضة (3). (مسألة 4): إذا انصب الدم من الرحم إلى فضاء الفرج ] بنصوص المقام. وأصالة العموم لا تصلح لاثبات الموضوع أو نفيه، لان العام لا يصلح لان يكون حجة في عكس نقيضه. (1) خلافا لما عن طهارة الخلاف وعن السرائر والاصباح حيث منعوا من حيض المستبينة الحمل، وعن الاول: الاجماع عليه، وعن الثاني: نسبته إلى الاكثرين المحصلين. وهذا القول على ظاهره غير ظاهر الوجه، بل مخالف لاطلاق النصوص المتقدمة، وصريح صحيح حميد بن المثنى الثاني وخبر ابن مسلم الواردين في خصوص المستبينة الحمل ولو أريد من الاستبانة مضي عشرين يوما من العادة رجع إلى القول الآتي، ودليله دليله. (2) لاطلاق جملة من النصوص، وظهور بعضها في الاول. كصحيح ابن الحجاج المتقدم وغيره. (3) لما عن النهاية والاستبصار والمدارك من الحكم بكون الدم المرئي بعد العادة بعشرين يوما استحاضة، وعن المعتبر: الميل إليه. ويشهد له مصحح الحسين بن نعيم الصحاف: " قلت لابي عبد الله (ع): أن أم ولدي ترى الدم وهي حامل، كيف تصنع بالصلاة؟ فقال (ع): لي: إذا رأت الحامل الدم بعد ما يمضي عشرون يوما من الوقت الذي كانت ترى فيه الدم من الشهر الذي كانت تقعد فيه فان ذلك ليس من الرحم ولا من الطمث، فلتتوضأ وتحتشي بكرسف وتصلي، وإذا رأت الحامل الدم قبل الوقت الذي كانت ترى فيه الدم بقليل أو في الوقت من ذلك الشهر فانه

[ 166 ]

من المحيض، فلتمسك عن الصلاة عدد أيامها التي كانت تقعد في حيضها فان انقطع عنها الدم قبل ذلك فلتغتسل ولتصل " (* 1) فترفع به اليد عن إطلاق الاخبار المتقدمة في خصوص المرئي بعد العادة بعشرين يوما، ويرجع في المرئي فيما بعد العادة إلى العشرين إلى اطلاق غيره، لقصوره عن التعرض لحكمه، إذ كما يحتمل الحاقه بالمرئي بعد العشرين يحتمل الحاقه بالمرئي في العادة، فلا معدل عن الاخذ بالاطلاق. وكأن منشأ توقف المصنف (ره) في الحكم المذكور توقفه في صلاحية تقييد الاطلاقات بالمصحح المذكور، بل استوضح شيخنا الاعظم (ره) في طهارته: منع ذلك، وكأنه لكثرة النصوص المطلقة، واشتمال بعضها على بعض التعليلات بنحو تأبى عن التقييد. لكن الانصاف ان ذلك لم يبلغ حدا يوجب تعذر الجمع العرفي بالتقييد، فالبناء عليه غير بعيد. نعم قد يعارض المصحح المذكور الاخبار المتضمنة للتفصيل بين الواجد للصفات فيكون حيضا والفاقد فيكون استحاضة، كمصحح حميد وخبر ابن مسلم المتقدمين، ومصحح حميد عن إسحاق ابن عمار: " قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن المرأة الحبلى ترى الدم اليوم واليومين؟ قال (ع): إن كان دما عبيطا فلا تصل ذينك اليومين، وإن كان صفرة فلتغسل عند كل صلاتين " (* 2). وقد يظهر من محكي الفقيه الاعتماد عليها في التفصيل بين الواجد والفاقد. وحيث أن التعارض بينهما بالعموم من وجه فالمرجع في مورد التعارض - وهو المرئي في العادة بدون الصفات والمرئي بعد العشرين منها واجدا للصفات - إطلاقات الباب المقتضية للحيضية. بل يمكن الرجوع في الاول إلى إطلاق ما دل على أن الصفرة في أيام الحيض حيض،


(* 1) الوسائل باب: 30 من أبواب الحيض حديث: 3 (* 2) الوسائل باب: 30 من أبواب الحيض حديث: 6

[ 167 ]

[ وخرج منه شئ في الخارج ولو بمقدار رأس إبرة لا إشكال في جريان أحكام الحيض (1)، وأما إذا انصب ولم يخرج بعد - وإن كان يمكن إخراجه بادخال قطنة أو اصبع - ففي جريان أحكام الحيض إشكال (2) ] فيبقى الفاقد المرئي بعد العادة بعشرين يوما تحت الطائفتين معا محكوما بعدم الحيضية. اللهم إلا أن تحمل نصوص الصفات على عدم جواز التحيض بمجرد الرؤية في الفاقد لا امتناع كونه حيضا كما هو محل الكلام، كما يشهد به مصحح إسحاق الوارد في الدم المرئي يوما أو يومين، لامتناع كون دم الحيض كذلك. وحينئذ فلا تصلح لمعارضة مصحح الصحاف. لكن الانصاف أن حمل المصحح على ما ذكر بعيد عن ظاهره، بقرينة ما في الجواب من قوله (ع): " ذينك اليومين... " فطرحه لمعارضة نصوص التحديد أولى من حمله على ما ذكر ثم الاستشهاد به على ذلك. وأما غيره من النصوص فالجمع بينها حسب ما ذكرنا أولى. وعدم القائل بذلك لا يوجب وهنها لامكان استظهارهم منها خلافه. (1) لانه القدر المتيقن من الادلة. (2) ينشأ مما ذكر الجماعة في مبحث الاستبراء من الاكتفاء في بقاء الحيض بكونه في الفرج وإن لم ينصب عنه - كما هو صريح نصوص الاستبراء، وادعوا عليه الاجماع، لقرب دعوى عدم الفرق بين حدوث الحيض وبقائه - ومن احتمال اختصاص ذلك بالبقاء لاختصاص النصوص والاجماع به، فيرجع في الحدوث إلى أصالة عدم الحيض. ولاجل ذلك استشكل في الحكم أيضا في (نجاة العباد) وفيما وقفت عليه من حواشيها

[ 168 ]

[ فلا يترك الاحتياط بالجمع بين أحكام الطاهر والحائض (1). ولا فرق بين أن يخرج من المخرج الاصلي أو العارضي (2). (مسألة 5): إذا شكت في أن الخارج دم أو غير دم - أو رأت دما في ثوبها وشكت في أنه من الرحم أو من غيره - لا تجري أحكام الحيض (3). وإن علمت بكونه دما واشتبه عليها فاما أن يشتبه بدم الاستحاضة أو بدم البكارة أو بدم القرحة، فان اشتبه بدم الاستحاضة يرجع إلى الصفات (4) ] وحواشي المتن عدا شيخنا الجواهري (قده) فانه قوى الحكم بالحيض. وكأنه لما عرفت من ظهور نصوص الاستبراء في عدم خصوصية للبقاء. والخروج عن الاصل بمجرد ذلك غير واضح، وإن لم أقف على كلام لاحد في تحرير ذلك. (1) وفي بعض حواشي النجاة: لزوم الاحتياط باحكام الاستحاضة. وهو غير ظاهر، إذ المفروض العلم بكون الدم دم الحيض الخلقي في المرأة الذي لا ريب في عدم كونه موضوعا لاحكام الاستحاضة. (2) للاطلاق. لكن ينبغي ملاحظة ما تقدم في التخلي وفي الجنابة، فإذا أمكن التفصيل فيهما بين العارض المعتاد وغيره مطلقا أو مع انسداد الطبيعي أمكن في المقام أيضا، لعدم الفرق. (3) لاصالة عدم خروج دم الحيض في الفرضين، لكنها لا تجدي في إثبات عدم كونه الخارج حيضا إلا بناء على الاصل المثبت. (4) بلا خلاف فيه في الجملة ولا إشكال، للاخبار المميزة بين الحيض والاستحاضة بالصفات. ولغيرها مما يأتي التعرض له - إن شاء الله تعالى - في أحكام أقسام ذات الدم. إنما الاشكال في أنه يستفاد

[ 169 ]

من أخبار الصفات قاعدة كلية - وهي وجوب البناء على حيضية الواجد لصفات الحيض، واستحاضية الواجد لصفات الاستحاضة - يجب العمل عليها، إلا أن يقوم دليل على خلافها. كما في الصفرة في أيام العادة والدم الاسود بعد العادة عند تجاوز العشرة، أو لا يستفاد منها ذلك؟؟ المشهور الثاني، بل هو المنسوب إلى الاصحاب، وعن المدارك وجماعة الاول. والعمدة في أخبار الصفات: صحيح معاوية " قال أبو عبد الله (ع): إن دم الاستحاضة والحيض ليس يخرجان من مكان واحد، إن دم الاستحاضة بارد وإن دم الحيض حار " (* 1): ومصحح حفص: " دخلت امرأة على أبي عبد الله (ع): فسألته عن المرأة يستمر بها الدم فلا تدري أحيض هو أو غيره؟، فقال (ع) لها: إن دم الحيض حار عبيط أسود له دفع وحرارة، ودم الاستحاضة أصفر بارد، فإذا كان للدم حرارة ودفع وسواد فالتدع الصلاة. قال: فخرجت وهي تقول: والله ان لو كان امرأة ما زاد على هذا " (* 2)، وموثق اسحاق بن جرير عن أبي عبد الله (ع): " قال: سألتني امرأة منا أن أدخلها على أبي عبد الله (ع): فاستأذنت لها فدخلت... إلى أن قال: قالت: فان الدم يستمر بها الشهر والشهرين والثلاثة كيف تصنع بالصلاة؟ قال: تجلس أيام حيضها ثم تغتسل لكل صلاتين. قالت له: إن أيام حيضها تختلف عليها وكان يتقدم الحيض اليوم واليومين والثلاثة ويتأخر مثل ذلك، فما علمها به؟ قال (ع): دم الحيض ليس به خفاء هو دم حار تجد له حرقة، ودم الاستحاضة دم فاسد بارد. قال: فالتفتت إلى مولاتها فقالت: أتراه كان أمرأة؟ " (* 3)


(* 1) الوسائل باب: 3 من أبواب الحيض حديث: 1 (* 2) الوسائل باب: 3 من أبواب الحيض حديث: 2 (* 3) الوسائل باب: 3 من أبواب الحيض حديث: 3

[ 170 ]

وأما مصحح اسحاق بن عمار المتقدم في الحبلى (* 1) فلا يظهر منه الكلية، وكذلك صحيح ابن الحجاج: " سألت أبا ابراهيم (ع) عن امرأة نفست فمكثت ثلاثين يوما أو أكثر ثم طهرت وصلت ثم رأت دما أو صفرة؟ قال (ع): إن كانت صفرة فلتغتسل ولتصل ولا تمسك عن الصلاة " (* 2). مضافا إلى وجوب حملها على التحيض بالرؤية وعدمه لا بعد استقرار الدم ثلاثة أيام لجريان قاعدة الامكان في الفاقد كالواجد حينئذ. لكن قد يناقش في الصحيح: بأنه لم يظهر منه أنه في مقام حجية الصفات، بل من الممكن أن يكون في مقام بيان الصفات الخارجية الغالبية ليترتب عليها العلم أحيانا ولو بضميمة بعض القرائن غير المنضبطة. وفيه: ان حمل الكلام على غير مقام التشريع مع الحاجة إليه خلاف الاصل في الكلام الصادر من الشارع. ودعوى: أنه ليس في مقام التشريع ولو بضميمة بعض القرائن - كما ذكر في الاشكال - خلاف الظاهر. هذا وقد يناقش أيضا في المصحح: بأن الاستدلال به إن كان من حيث اشتماله على قوله (ع): " فإذا كان للدم... "، ففيه: أن الظاهر من الدم الدم المستمر لا مطلقا. وإن كان من حيث اشتماله على قوله (ع): " إن دم الحيض... " - بدعوى ظهوره في التمييز بين الحيض والاستحاضة مطلقا بحسب ما هما عليه في الغالب - ففيه: أن التمييز الغالبي بينهما قطعي لا كلام فيه، لكنه لا يلازم التمييز بينهما مطلقا تعبدا، كما تقدم في الاشكال على الصحيح. وإن كان من جهة اشتماله عليهما معا - بدعوى أن قوله (ع): " إن دم الحيض... " مسوق مساق التعليل والتمهيد لما بعده فيجب


(* 1) تقدم في أول المسألة (* 2) الوسائل باب: 5 من أبواب النفاس حديث: 2

[ 171 ]

التعدي عن مورده إلى غيره - ففيه: ان ذلك يختص بما إذا كان تعليلا لاصل الحكم لا لخصوصيته، والظاهر منه الثاني وهو خصوص الحكم في الدم المستمر. وفيه، أيضا ما عرفت، من أن الاصل في الكلام الصادر من الشارع مع الحاجة إلى التشريع أنه في مقام التشريع. مضافا إلى أن حمل الدم على خصوص المستمر مما لا قرينة عليه، إلا أنه مورد السؤال، لكن قرينة المناسبة للتعليل والتمهيد المقتضية للعموم أقوى من ذلك. ثم إنه قد يستدل بالنصوص المذكورة بعد تسليم اختصاصها بمستمرة الدم، بتقريب: ان خصوصية الاستمرار من الخصوصيات الملغاة في نظر العرف، كما هو كثير في الاخبار وكلمات العرف. وفيه: ان ذلك خلاف الاصل في القيود فما دام يحتمل دخل القيد في الحكم لا مجال للتعدي منه إلى غيره، ومن القريب أن تكون الصفات طريقا إلى التمييز عند الاختلاط حيث لا طريق كالعادة، ولا أصل كقاعدة الامكان. ومثله توهم أن الرواية وإن ذكر فيها الاستمرار، إلا أن قول المرأة: " فلا تدري أحيض هو أو غيره؟ " ظاهر في احتمال أن يكون بتمامه حيضا فيعم ما لم يتجاوز العشرة. إذ فيه: أن ظاهر السؤال ان الاستمرار هو الذي صار سببا للجهل والتردد، وذلك لا يكون إلا فيما خرج عن المتعارف كلية، وما لم يتجاوز العشرة ليس منه وإن اتفق أنه خارج عن متعارف المرأة المعينة. ومن ذلك تعرف أن تقريب الاستدلال بالموثق بما ذكر على الكلية في غير محله. نعم تقريب الاستدلال به عليها بعين تقريب الاستدلال بالمصحح، فان قوله (ع) في الجواب: " ليس به خفاء... " وقولها: " أتراه كان امرأة؟ " كالصريح في عموم الدم للمستمر وغيره.

[ 172 ]

ثم إنه لا مجال للمناقشة في الموثق المذكور بأن ذكر الصفات لاجل التنبيه على الصفات الغالبية الموجبة للعلم ولو بضميمة بعض القرائن كما تقدم فان ذلك لو سلم هناك لا مجال لتسليمه هنا، لانه ذكر الارجاع إلى الصفات فيه في الرتبة الثانية للعادة، فلو كان المراد العلم الحقيقي تعين تقديمه على العادة. ومن ذلك تعرف الاشكال فيما ذكره الاستاذ (قده) في رسالة الدماء، حيث ناقش في جميع نصوص الصفات بأنها واردة في مقام التنبيه على ما يوجب العلم، عدا مرسلة يونس (* 1) فانها في مقام جعل الطريق إلا أن موضوعها الاقبال والادبار وهو تغير الدم من الاقوى إلى الاضعف أو بالعكس، وهو غير التمييز بالصفات. نعم ما ذكره في المرسلة في محله، لكن سيأتي - إن شاء الله - ما فيه في آخر المبحث. مع أن المرسلة أيضا قد اشتملت على مثل ما اشتملت عليه النصوص الاخرى، مثل قوله (ع) " إن دم الحيض أسود يعرف "، ولم يتضح التفكيك بين هذه الجملة فتكون ظاهرة في المعرفة التعبدية، وقوله (ع) في موثق اسحاق: " دم الحيض ليس به خفاء... " فيدعى ظهوره في المعرفة الحقيقة. ثم إن شيخنا الاعظم (ره) في طهارته أورد على استفادة الكلية من النصوص المذكورة وما ماثلها - مما تضمن أن دم الاستحضاة (كذا) مثل كونه أصفر أو بارد -: " بأن الظاهر من الاستحاضة في هذه النصوص - على ما يساعده تتبع الاخبار سؤالا وجوابا، بل تصريح أهل اللغة - هو الدم المتصل بدم الحيض بل الكثير من أقسامها كما في شرح المفاتيح... " وحينئذ فهذه النصوص قاصرة عن التعرض لغير المستمر المختلط بالحيض لانه لا يصدق عليه الاستحاضة.


(* 1) الوسائل باب: 3 من أبواب الحريض حديث: 4

[ 173 ]

وفيه: أنه وان سلم ذلك - كما تساعده أيضا هيئة الاستفعال - إلا أن الظاهر ان عنوان الاستحاضة ملحوظ في هذه النصوص مرآتا لذات الدم الخاص المقابل لدم الحيض لا عنوانا له، كما هو الظاهر في اكثر أحكام الاستحاضة باقسامها. ووجه الظهور في ذلك أن المميزات المذكورة في النصوص - مثل: " انهما لا يخرجان من مكان واحد " و " إن دم الحيض غالبا أسود حار ودم الاستحاضة غالبا أصفر بارد " (* 1)، ونحو ذلك - لا تختص بالدم المستمر بل تكون في غيره أيضا. وأيضا فان مقابلة الاستحاضة بالحيض وعدم التعرض لقسم آخر تقتضي ان المراد بالاستحاضة ما يقابل الحيض سواء أكان مختلطا به ومتصلا به أم لا. اللهم إلا أن يقال: المميزات الخارجية وإن كانت لا تختص بالدم المستمر لكن من الممكن أن تكون حجيتها مختصة به، فلا تكون حجة على غيره من أنواع الدم الذي لم يستمر. وأما المقابلة بالحيض فلا تكون قرينة على العموم، بل من الجائز أن يكون المراد من الحيض خصوص الحيض المختلط بالاستحاضة لا مطلق الحيض. وبالجملة: بعد اختصاص الاستحاضة بالدم المختلط بالحيض تقصر النصوص المتقدمة عن إثبات طريقية الصفات إلى الحيض والاستحاضة معا. هذا كله الكلام في النصوص المتقدمة التي هي العمدة في استفادة الكلية لو تمت، وهناك نصوص تتضمن أن الصفرة في غير أيام الحيض ليس من الحيض، سيأتي - إن شاء الله - التعرض لها في المسائل الآتية. نعم الظاهر انه لا إشكال عندهم في أن الاصل في الدم الجامع لصفات الحيض حيض كالمرئي في العادة. والله سبحانه أعلم.


(* 1) تقدمت في أول المسألة.

[ 174 ]

[ فان كان بصفة الحيض يحكم بأنه حيض (1) وإلا فان كان في أيام العادة فكذلك (2) وإلا فيحكم بأنه استحاضة (3) وإن اشتبه بدم البكارة يختبر (4) ] (1) بناء على ما عرفت - من قصور نصوص الصفات عن إثبات طريقيتها للحيض والاستحاضة في غير مستمرة الدم - يكون العمدة في الحكم المذكور قاعدة الامكان التي سيجئ - إن شاء الله - قريبا الاستدلال عليها كلية، وفي بعض الموارد ولذا يختص الحكم المذكور بموردها لا غير. (2) بلا خلاف ولا إشكال، بل عن الناصريات، والخلاف: الاجماع عليه، للمستفيضة الدالة على أن الصفرة في أيام الحيض حيض. منها: مصحح ابن مسلم: " سألت أبا عبد الله (ع): عن المرأة ترى الصفرة في أيامها؟ قال؟ (ع): لا تصلي حتى تنقضي أيامها، وإن رأت الصفرة في غير أيامها توضأت وصلت " (* 1). (3) هذا باطلاقه يتوقف على ثبوت كلية طريقية صفات الاستحاضة وقد عرفت الاشكال فيه. وسيأتي في المسائل الآتية تفصيل الكلام في ذلك وأنه لا يحسن من المصنف (ره) هذا الاطلاق. (4) بلا خلاف ظاهر في الحكم في الجملة، ويدل عليه ما في الصحيح عن خلف بن حماد الكوفي قال: " دخلت على أبي الحسن موسى بن جعفر (ع) بمنى فقلت له: إن رجلا من مواليك تزوج جارية معصرا لم تطمث، فلما افتضها سال الدم، فمكث سائلا لا ينقطع نحوا من عشرة أيام، وان القوابل اختلفن في ذلك، فقال بعضهن: دم الحيض، وقال بعضهن: دم العذرة... إلى أن قال: فما تصنع؟ قال (ع): فلتتق الله (تعالى)،


(* 1) الوسائل باب: 4 من أبواب الحيض حديث: 1

[ 175 ]

[ بادخال قطنة في الفرج والصبر قليلا (1) ] فان كان من دم الحيض فلتمسك عن الصلاة حتى ترى الطهر وليمسك عنها بعلها. وإن كان من العذرة فلتتق الله ولتتوضأ ولتصل ويأتيها بعلها إن أحب ذلك... إلى أن قال (ع): تستدخل القطنة ثم تدعها مليا ثم تخرجها اخراجا رفيقا، فان كان الدم مطوقا في القطنة فهو من العذرة، وإن كان مستنقعا في القطنة فهو من الحيض " (* 1)، ورواه الشيخ بأدنى اختلاف (* 2) وما في الصحيح الآخر عن زياد بن سوقة قال: " سئل أبو جعفر (ع) عن رجل افتض امرأته أو أمته فرأت دما كثيرا لا ينقطع عنها يومها (يوما) كيف تصنع بالصلاة؟ قال (ع): تمسك الكرسف فان خرجت القطنة مطوقة بالدم فانه من العذرة، تغتسل وتمسك فان خرج الكرسف منغمسا بالدم فهو من الطمث، تقعد عن الصلاة أيام الحيض " (* 3). (1) وفي الصحيح الاول: " ثم تدعها مليا "، ومعناه: تركها طويلا. لكن الظاهر إرادة لزوم تركها مقدار ما ينزل على القطنة مما يغمسها أو يطوقها ثم إن ظاهر النص والفتوى الاكتفاء بمطلق إدخال القطنة، لكن في الروض: أن إدخالها بعد أن تستلقي على ظهرها وترفع رجليها، وأنها مخيرة بين الاصبع والكرسف. وجعله مقتضى النصوص الآمر بعضها بادخال القطنة من غير تقييد بالاستلقاء. وفي بعضها إدخال الاصبع مع الاستلقاء، التي يكون طريق الجمع بينها بحمل المطلق على المقيد، والتخيير بين الاصبع والكرسف. لكن عرفت خلو نصوص المقام عن ذلك كله. مع أن الجمع بينهما لا يكون


(* 1) الوسائل باب: 2 من أبواب الحيض حديث: 1 (* 2) الوسائل باب: 2 من أبواب الحيض حديث: 3 (* 3) الوسائل باب: 2 من أبواب الحيض حديث: 2

[ 176 ]

[ ثم إخراجها (1) فان كانت مطوقة بالدم فهو بكارة (2) وإن كانت منغمسة به فهو حيض (3) ] بذلك، بل بالتخيير بين وضع القطنة مطلقا وبين الاستلقاء ووضع الاصبع. وقد استظهر جماعة أن ذلك سهو من قلمه الشريف، إذا الاستلقاء ورفع الرجلين ووضع الاصبع إنما ذكر في رواية اشتباه الحيض بالقرحة - كما سيأتي - لا في نصوص المقام. (1) لابد أن يكون برفق، لما تقدم في الصحيح. (2) بلا خلاف ولا إشكال عدا ما عن الاردبيلي (ره) من الرجوع إلى الصفات. وهو في غير محله. بعد ما عرفت من النصوص المعول عليها بل الظاهر الاجماع على مضمونها. (3) كما هو المحكي عن الاكثر. لكن في الشرائع والنافع والقواعد وعن البيان والموجز: الاقتصار على الحكم بالعذرة مع التطوق، الظاهر في التوقف في الحكم بالحيض للانغماس لاحتمال غيره، بل في المعتبر: " لا ريب أنها إذا خرجت متطوقة كان من العذرة، أما إذا خرجت مستنقعة فهو محتمل ". وهو غير ظاهر، سواء أكان مفروض كلامهم صورة دوران الامر بينهما - كما هو ظاهر ما يحضرني من الشرائع والنافع والقواعد - أم صورة ما لو احتمل ثالث غيرهما. أما على الاول فواضح، لانه القدر المتيقن من النص. وأما على الثاني فلانه مقتضى إطلاق الصحيح الثاني، بل لعله مقتضى إطلاق الاول. إذ مجرد اختلاف القوابل في أنه دم حيض أو عذرة لا يدل على تردد الامر بينهما، لعدم حجية قول القوابل في ذلك، ولم يظهر من السؤال أن الرجوع إلى القوابل من جهة حجية قولهن حتى يكون سكوت الامام (ع) عن الردع عنه إمضاء لها، بل من الجائز أن يكون

[ 177 ]

[ والاختبار المذكور واجب (1) فلو صلت بدونه بطلت وإن تبين بعد ذلك عدم كونه حيضا (2)، إلا إذا حصل منها قصد القربة بأن كانت جاهلة، أو عالمة أيضا ] ذلك لاجل تحصيل العلم ورفع الشك. بل لو كان قول القوابل حجة لم يكن وجه لتكرار العرض، إذ من الظاهر أن العرض على القوابل لم يكن في زمان واحد بل في زمانين مرة بعد أخرى. اللهم إلا أن يقال: مقتضى جواب الفقهاء لهم بلزوم الوضوء والصلاة - معللين بأنه إن كان الدم حيضا لم تضرها الصلاة، وإن كان دم العذرة فقد أدت الفريضة - هو الانحصار والتردد بين الامرين لاغير، ويكون قول الامام (ع): " إن كان مستنقعا فهو من الحيض، وإن كان مطوقا فهو من العذرة " مبنيا عليه. لكن إطلاق الصحيح الثاني كاف في إطلاق الحكم بالحيض مع الانغماس، ويكون دليلا على تمامية قاعدة الامكان في المقام أو ما هو أوسع منها. ومما ذكرنا يظهر أن ما ذكره شيخنا الاعظم (ره) انتصارا للحق، والمحقق (ره) - من حمل كلامه على صورة احتمال ثالث غير الحيض والعذرة، وأن ظاهر الروايات دوران الامر بينهما. غير ظاهر في الصحيح الثاني. فتأمل. (1) نسبه في الجواهر وغيرها إلى ظاهر النص والفتوى وهو كذلك. (2) كما صرح به جماعة. لكن الظاهر من الامر بالاختبار المستفاد من النص في المقام كونه - من قبيل الامر بالسؤال والتعلم - إرشاديا إلى تنجز التكليف المحتمل، وعدم صحة الرجوع إلى الاصول فيه لو فرضت، لا أنه إرشادي إلى شرطية الاختبار للعبادة ليترتب عليه بطلان العبادة بدونه لانتفاء لمشروط بفقد شرطه، فان ذلك خلاف الظاهر. وعليه يكون حكم

[ 178 ]

العمل قبل الاختبار حكم العمل قبل الفحص في الشبهة الحكمية من الصحة على تقدير الموافقة للواقع، فلو توضأت المرأة وصلت قبل الاختبار برجاء كون الدم للعذرة كان العمل صحيحا على تقدير كون الدم كذلك واقعا، إذ لا خلل في الفعل، لا من حيث نفسه لفرض موافقته للمأمور به، ولا من حيث نية القربة للاكتفاء في تحقق التقرب بصدور الفعل برجاء المطلوبية، كما هو المفروض. وعلى هذا فلا وجه لتخصيص الصحة بصورة الغفلة عن وجوب الاختبار، كما في طهارة شيخنا الاعظم (ره) ولا بصورة المعذورية فيه، كما في الجواهر. نعم لو قيل بعدم جواز الامتثال الاحتمالي عقلا عند التمكن من الامتثال العلمي كان لما ذكر وجه. لكن عرفت ضعفه في أوائل التقليد. هذا كله بناء على كون حرمة العبادة على الحائض تشريعية، أما لو كانت ذاتية فالقول بالبطلان عند عدم العذر في مخالفة الواقع في محله، لان العبادة قبل الاختبار محتملة للتحريم المنجز، فالاقدام عليها إقدام على محتمل المعصية موجب لاستحقاق العقاب، على ما هو التحقيق من استحقاق المتجرئ للعقاب، وحينئذ يمتنع التقرب بالعبادة، لامتناع التقرب بما هو مبعد، فتبطل وإن كانت طاهرا واقعا. نعم لو قيل بعدم ثبوت الحرمة الذاتية مع الاتيان بالفعل رجاء كما سيأتي - أو بعدم استحقاق المتجرئ للعقاب - لم يكن مانع من تحقق التقرب بالفعل، وكان القول بصحته في في محله. اللهم إلا أن يقال: عدم تعرض الامام (ع) لما ذكره الفقهاء من الامر بالاحتياط، وأمره بالاختبار يدل على عدم مشروعية الاحتياط. وفيه: أن ما ذكره الفقهاء لم يذكر في السؤال، فيدل أمر بالاختبار على عدم الاجتزاء به، وإنما ذكره الراوي لغير الامام، فلا يكون جواب

[ 179 ]

[ إذا فرض حصول قصد القربة مع العلم أيضا (1). وإذا تعذر الاختبار يرجع إلى الحالة السابقة (2) من طهر أو حيض، ] الامام (ع) مبنيا عليه. وبالجملة: قول الامام (ع) في الجواب: " فلتتق الله سبحانه... " ظاهر في تنجز الاحكام الواقعية ومؤاخذتها بمخالفتها، فمع إمكان الاحتياط لا مجال للاشكال بتحقق الموافقة بلا شبهة إلا من جهة ترك الاختبار. لكن ظاهر قوله (ع): " فلتتق الله... " عدم دخله. فلا حظ. (1) قد عرفت سهولة الفرض المذكور. (2) للاستصحاب. نعم يتوقف ذلك على قصور أدلة وجوب الاختبار عن شمول صورة العجز عنه، أما إذا تم إطلاقها الشامل لذلك - كما هو غير بعيد - امتنع الرجوع إلى الاصول حينئذ كما امتنع الرجوع إليها عند التمكن منه، لتخصيص عموم أدلتها أو إطلاقها بأدلة الاختبار، وتعين الرجوع إلى أصالة الاحتياط. نعم إذا كانت الحالة السابقة الحيض فعموم الدليل لهذه الصورة لا يخلو عن إشكال، بل في طهارة شيخنا الاعظم (ره): " ان العمل بالاستصحاب من غير اختبار - يعني: مع التمكن منه - قوي، وأقوى منه عدم وجوبه مع الشك في الافتضاض "، وذلك لان مورد النصوص صورة رؤية الدم بعد الافتضاض، فيتعين الرجوع إلى الاصل في غيرها. ثم ذكر: " ان وجوب الاختبار مع عدم الشك في الافتضاض لا يخلو من وجه ". لكن الوجه ضعيف. ومنه يظهر ضعف ما في الجواهر: من التفصيل بين صورة سبق الحيض فيجب الاختبار، وبين صورة الشك في الافتضاض فالاقوى عدم وجوبه. ثم لو فرض جواز الرجوع إلى الاصول فإنما يجوز الرجوع إلى

[ 180 ]

[ وإلا فتبني على الطهارة (1). لكن مراعاة الاحتياط أولى. ] استصحاب الطهر، حيث لا تجري قاعدة الامكان المقتضية للحكم بالحيضية وإلا فهي المرجع دون الاستصحاب، وإطلاق بعض معاقد الاجماع يقتضي حجيتها في المقام، وسيأتي. (1) كأن الوجه في ذلك إطلاق أدلة أحكام الطاهرة، فان موضوعها مطلق المرأة الشامل للطاهرة والحائض، فبعد تخصيصها بأدلة أحكام الحائض إذا شك في الحيض وعدمه يرجع إلى عموم أدلة أحكام الطاهر لاحراز موضوعها والشك في موضوع الحائض. لكنه مبني على جواز الرجوع إلى العام في الشبهة المصداقية، والتحقيق خلافه. ومن هنا كان المتعين في المقام - بعد البناء على عدم مرجعية قاعدة الامكان، لاختصاصها بما يعلم خروجه من الرحم - هو قاعدة الاحتياط من جهة العلم الاجمالي بثبوت أحكام الطاهرة أو الحائض، على ما سيأتي. اللهم إلا أن يقال: العلم الاجمالي المذكور ينحل بأصالة عدم خروج الدم من الرحم - بناء على أن موضوع أحكام الحائض من يخرج دمها من الرحم - فيثبت لها أحكام الطاهر، لعموم أدلة الاحكام، فانه يجوز الرجوع إلى العام إذا جرى أصالة عدم الخاص، وإذا ثبتت أحكام الطاهر بالاصل المذكور انحل العلم الاجمالي، كما أشرنا إلى ذلك في مباحث المياه وغيرها. وكأنه لذلك ذكر في نجاة العباد أن الاولى لها الاحتياط، وأمضاه جماعة من أهل الحواشي. ولكنه يشكل: بأن أصالة عدم خروج هذا الدم من الرحم لا يصلح لاثبات عدم خروج دم الحيض من الرحم بنحو مفاد ليس التامة إلا بناء على حجية الاصل المثبت، لان مفاد كان التامة يغاير مفاد كان الناقصة والاصل الجاري لاثبات أحدهما لا يصلح لاثبات الآخر. وبالجملة: أصالة

[ 181 ]

[ ولا يلحق بالبكارة في الحكم المذكور غيرها (1) كالقرحة المحيطة بأطراف الفرج. وإن اشتبه بدم القرحة فالمشهور (2) أن الدم إن كان يخرج من الطرف الايسر فحيض وإلا فمن القرحة (3) ] عدم خروج هذا الدم من الرحم إنما يقتضي نفي أحكام الدم الخارج من الرحم، مثل عدم العفو عن قليله ونحوه، لا إثبات أحكام الطاهر، لان تلك الاحكام موضوعها عدم خروج مطلق الدم من الرحم، وهذا يلازم عدم خروج هذا الدم من الرحم. ومثل الاصل المذكور - في عدم صلاحيته لاثبات أحكام الطاهر - أصالة عدم كون هذا الدم حيضا، فانه لا يثبت عدم كون المرأة حائضا، لما ذكرنا. مضافا إلى أنه من أصالة العدم الازلي الذي لا يقول به بعض من أفتى بالطهارة في المقام. بل ربما كان الاشكال فيه أظهر. لعدم ثبوت كون الحيضية من لوازم الوجود، ويحتمل كونها ذاتية عرفا للدم نظير دم الانسان عرفا في مقابل دم الحيوان، فلا يصح أن يقال: الاصل عدم كونه دم إنسان لنفي أحكام دم الانسان. فتأمل. (1) لعدم الدليل على ذلك بعد اختصاص الادلة بالبكارة، وكون الحكم على خلاف القاعدة، وإلغاء خصوصية المورد، غير ظاهر. (2) كما عن جامع المقاصد وفوائد الشرائع والمسالك وشرح المفاتيح، بل عن الاول: نسبته إلى فتوى الاصحاب. (3) لما رواه الشيخ في التهذيب باسناده عن محمد بن يحيى - مرفوعا - عن أبان: " قلت لابي عبد الله (ع): فتاة منا، بها قرحة في جوفها والدم سائل لا تدري من دم الحيض أو من دم القرحة؟ فقال (ع): مرها فلتستلق على ظهرها، ثم ترفع رجليها وتستدخل إصبعها الوسطى،

[ 182 ]

فان خرج الدم من الجانب الايسر فهو من الحيض وإن خرج من الجانب الايمن فهو من القرحة " (* 1). وعن الدروس والذكرى: عكس ذلك، بل في ثانيهما: حكايته عن الكتاب، وعن كشف الرموز: حكايته عن ابن طاووس، لهذه الرواية أيضا على رواية الكافي، حيث قال (ع) فيها: " فان خرج الدم من الجانب الايمن فهو من الحيض، وان خرج من الجانب الايسر فهو من القرحة " (* 2)، بل عن الذكرى: انه وجد كثيرا من نسخ التهذيب موافقا لما في الكافي، وفي الذكرى عن ابن طاووس: إن الحيض من الايسر في بعض نسخ التهذيب الجديدة، وانه قطع بأنه تدليس. وعن المحقق وظاهر المسالك والاردبيلي وتلميذه: عدم اعتبار الجانب أصلا، لارسال الخبر واضطرابه، ولجواز كون القرحة في الجانبين، ولان الحيض من الرحم وليس في جانب معين، ولا يقتضي الاستلقاء ورفع الرجلين ذلك، كما نقتضيه شهادة النساء بذلك، فعن النراقي ان كل امرأة رأيناها وسألناها اعترفت بعدم ادراك الجانب للخروج. مع أن اللازم عدم الحكم بحيضية ما يخرج من غير جانب الحيض ولا باستحاضيته، لاتحاد هما في المخرج، وإلا لميز بينهما بذلك. هذا ولكن الانصاف أن الارسال منجبر بشهرة الرواية بين أهل الرواية والفتوى. والاضطراب إنما يقدح لو كان مستقرا، أما إذا ارتفع بالقرائن أو القواعد فلا أثر له في سقوط الرواية عن الجحية. وجواز كون القرحة في كل من الجانبين لا يمنع من جعل الحجية لمصلحة ما،


(* 1) الوسائل باب: 16 من أبواب الحيض حديث: 2 (* 2) الوسائل باب: 16 من أبواب الحيض حديث: 1

[ 183 ]

ولا سيما مع كون الجعل مطابقا للغلبة، ومن الجائز أن تكون الغلبة في القرحة أن تكون في جانب معين وان دم الحيض يخرج من الجانب المقابل لجانب القرحة ولو لذات القرحة، وإنما يمنع ذلك من الطريقية الذاتية. ومنه يظهر اندفاع ما بعده. وأما الاخير فيدفعه أنه خلاف مقتضى لزوم الاقتصار على مورد النص الجاري على خلاف القواعد المجعولة في الحيض. فالعمدة إذا: النظر في القرائن الموجبة لارتفاع الاضطراب، فنقول: إن أمكنت دعوى كون ما في الكافي والتهذيب روايتين - كما لم يستبعده في الوسائل، بأن تكون واقعتان في الخارج - فلا ينبغي التأمل في وجوب العمل برواية التهذيب إما لهجر رواية الكافي الموجب لسقوطها عن الحجية وإما لترجيحها عليها بالشهرة بناء على صحة الترجيح بها، لما عن حاشية المدارك من اتفاق المتقدمين والمتأخرين من المحدثين على موافقة المشهور. ويشهد به ما حكي من موافقتها لما ذكره المفيد، والصدوق في المقنع والفقيه ووالده في رسالته. ولما ورد في الاستبراء من أنها ترفع رجلها اليسرى. فتأمل. ولا يعارض ذلك ما عن البشرى من أن النسخ القديمة للتهذيب توافق الكافي، وكذا ما تقدم عن الذكرى. فان ذلك موهون بمخالفته لفتوى الشيخ نفسه في الكتب الفتوائية. وإطباق المحققين على اتفاق نسخ التهذيب على خلاف ما في الكافي. وعدم تعرض أحد من شراح التهذيب لغير ذلك، مع أن ديدنهم على نقل النسخ النادرة. وباتفاق جميع النسخ التي وجدناها على ذلك، وقد سألنا غيرنا فوجد كما وجدنا. انتهى ملخصا ما عن حاشية المدارك. وإن قطع بكونها رواية واحدة عن واقعة واحدة - كما هو الظاهر وادعاه غير واحد - فان كان ما تقدم موجبا للقطع بتعين أنها رواية التهذيب

[ 184 ]

دون الكافي - كما ادعاه الاستاذ (قده) في رسالة الدماء - فهو، وإلا أشكل الرجوع إلى إعمال قواعد التعارض من الترجيح أو التخيير، لانهما حكمان لتعارض الدليلين المفروغ عن دليليتهما لا لاشتباه الحجة باللاحجة كما في المقام، حسب ما هو ظاهر شيخنا الاعظم (ره) حيث قال: " إن المقام ليس من مقام الانجبار ولا من قبيل تعارض الاخبار "، وهو صريح الاستاذ (قده) في رسالة الدماء. اللهم إلا أن يقال: إن ذلك يتم لو علم إجمالا بسهو القلم من الكافي أو التهذيب، لان قصد الحكاية من مقومات الخبر فإذا انتفى القصد انتفت الخبرية، أما إذا احتمل كون السهو من أحدهما في مبادئ الخبر الكتبي مع تحقق القصد من كل منهما إليه فاصالة القصد وعدم الخطأ في نفس الخبر محكمة، ومقتضاها كون كل ما في الكافي والتهذيب خبرا حقيقة. ولا يعارضها أصالة عدم الخطأ في مبادئ الخبرين، لانها لا أثر لها في نفي أحكام التعارض عنهما، لان موضوع تلك الاحكام مطلق الخبرين، وان علم إجمالا بالخطأ في مبادئ أحدهما، ولا يختص موضوعها بالخبرين اللذين لاخطأ في مباديهما أصلا، إذ لو بني على الاختصاص بما ذكر لزم اختصاص تلك الاحكام بالخبرين المتنافيين المعلوم تعمد الكذب في أحدهما. وهو كما ترى. نعم قد يقال باختصاص تلك الاحكام بخصوص الروايتين عنهم (ع) لاختصاص بعض أدلة تلك الاحكام بذلك، وانصراف البعض الآخر إليه وفيه: أن الظاهر كون المراد من الرواية عنهم (ع) ما يعم الرواية بالواسطة ولذا ترجح إحدى الروايتين على الاخرى بملاحظة الوسائط، ولا يختص الترجيح بملاحظة حال الراوي عن الامام (ع) لا غير. وكأنه لاجل

[ 185 ]

[ إلا أن يعلم أن القرحة في الطرف الايسر (1). لكن الحكم المذكور مشكل فلا يترك الاحتياط بالجمع بين أعمال الطاهرة والحائض (2). ولو اشتبه بدم آخر حكم عليه بعدم الحيضية (3)، ] ذلك استقر بناء الاصحاب على ترجيح رواية الكليني (ره) على رواية الشيخ عند اختلافهما، لما اشتهر من أضبطية الكليني (ره). فالمتحصل من جميع ما ذكرناه: أن الرجوع إلى قواعد التعارض في المقام - بناء على انجبار سنديهما - معا متعين. لكن في حجية رواية الكافي إشكال. هذا كله ملخص ما ذكرناه في شرح التبصرة. فراجع. والله سبحانه أعلم. (1) هذا الاستثناء وإن لم يذكر في النص ولا في كلام الاكثر إلا أنه مفهوم منهما بملاحظة امتناع التمييز في هذا الفرض بما ذكر، ولذا نسبه في المتن إلى المشهور. لكن لم يتعرض لحكمه، واللازم الرجوع فيه إلى القواعد، إذ لا يفهم من النص التعاكس بنحو الكلية بنحو يكون أمارة الحيض أن يخرج من الجانب المقابل للقرحة حتى في المورد، فالعمل بالقواعد فيه متعين، وهي إما الاستصحاب إذا علمت الحالة السابقة، أو الاحتياط إذا لم تعلم. وأما قاعدة الامكان ففي عمومها للمقام - مما لم يعلم فيه خروج الدم من داخل الرحم - إشكال تقدم في المسألة السابقة. كما عرفت أيضا في المسألة السابقة احتمال اثبات أحكام الطاهر بأصالة عدم خروج الدم من الرحم، أو أصالة عدم كونه دم حيض، وتقدم الاشكال في ذلك. فراجع. (2) لكن لو بني على عدم العمل بالنص كان اللازم العمل بالاستصحاب مع العلم بالحالة السابقة. (3) هذا مقتضى الاستصحاب لو كانت الحالة السابقة الطهارة، أما

[ 186 ]

[ إلا أن يكون الحالة السابقة هي الحيضية (1). (مسألة 6): أقل الحيض ثلاثة أيام، وأكثره عشرة (2)، ] لو كانت مجهولة فلا وجه له ظاهر إلا عموم أدلة أحكام الطاهرة، أو أصالة عدم خروج الدم من الرحم، أو أصالة عدم حيضية هذا الدم. لكن عرفت في المسألة السابقة الاشكال في جميع ذلك. (1) يعني: فتستصحب. (2) بلا خلاف، كما عن السرائر، بل إجماعا، كما عن الخلاف والغنية والمنتهى والذكرى والتنقيح وجامع المقاصد والمدارك وغيرها، وعن المعتبر: أنه مذهب فقهاء أهل البيت (ع)، وعن الامالي: نسبته إلى دين الامامية. وتدل عليه النصوص الكثيرة، كمصحح معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (ع): " أقل ما يكون الحيض ثلاثة أيام وأكثر ما يكون عشرة أيام " (* 1). ومصحح صفوان: " سألت أبا الحسن الرضا (ع) عن أدنى ما يكون الحيض؟ فقال (ع): أدناه ثلاثة وأبعده عشرة " (* 2) ونحوهما غيرهما. نعم قد يظهر من مصحح حميد عن إسحاق بن عمار - قال: " سألت أبا عبد الله (ع) عن المرأة الحبلى ترى الدم اليوم واليومين؟ قال (ع): إن كان الدم عبيطا فلا تصل ذينك اليومين، وإن كان صفرة فلتغتسل عند كل صلاتين " (* 3)، وموثق سماعة: " عن الجارية البكر أول ما تحيض فتقعد في الشهر يومين وفي الشهر ثلاثة، يختلف عليها لا يكون طمثها في الشهر عدة أيام سواء؟ قال (ع: فلها أن تجلس وتدع الصلاة


(* 1) الوسائل باب: 10 من أبواب الحيض حديث: 1 (* 2) الوسائل باب: 10 من أبواب الحيض حديث: 2 (* 3) الوسائل باب: 10 من أبواب الحيض حديث: 13

[ 187 ]

[ فإذا رأت يوما أو يومين أو ثلاثة إلا ساعة - مثلا - لا يكون حيضا (1) ] ما دامت ترى الدم ما لم يجز العشرة " (* 1)، ومرسلة يونس الطويلة، وفيها: " وكذلك لو كان حيضها أكثر من سبع وكانت أيامها عشرا أو أكثر " (* 2)، وصحيح ابن سنان عن أبي عبد الله (ع) قال (ع): " إن أكثر ما يكون من الحيض ثمان وأدنى ما يكون منه ثلاثة " (* 3) المنافاة لما ذكر، لكنها محمولة على غير ظاهرها، أو مطروحة، لما عرفت. (1) كما عن الاسكافي، والكافي والغنية والسرائر وجامع المقاصد وفوائد الشرائع، والمحرر لابن فهد، والمنتهى والتذكرة وغيرها، بل ظاهر محكي الاخيرين: الاجماع عليه، ففي أولهما: " أقل أيامه ثلاثة بلياليها وأكثره عشرة، وهو مذهب علمائنا أجمع "، ونسبه إلى أبي يوسف وغيره، ثم نسب أيضا إلى أبي يوسف في رواية أخرى: كفاية يومين وأكثر الثالث انتهى. وفي ثانيهما: " أقل الحيض ثلاثة أيام بلياليها، بلا خلاف بين فقهاء أهل البيت... إلى أن قال: وقال أبو يوسف: يومان وأكثر الثالث "، وعن الجامع: " لو رأت يومين ونصفا لم يكن حيضا لانه لم يستمر ثلاثة أيام، بلا خلاف ". وقد استوضح الحكم المذكور جماعة من الاعاظم، منهم: شيخنا في الجواهر، وشيخنا الاعظم في طهارته، وغيرهما، بناء على استفادة اعتبار التوالي من ظهور ما تضمن كون أقله ثلاثة أيام في الاستمرار. واستشكل فيه بعضهم بناء على عدم ظهوره في ذلك، بل قال شيخنا الاعظم (ره): " مجرد اشتراط التوالي من دليل خارج لا يستلزم الاستمرار في جميع آنات


(* 1) الوسائل باب: 14 من أبواب الحيض حديث: 1 (* 2) الوسائل باب: 8 من أبواب الحيض حديث: 3 (* 3) الوسائل باب: 10 من أبواب الحيض ديث: 14

[ 188 ]

أيامها بل يكفي فيه وجوده في كل يوم ". لكن ما ذكروه لا يخلو من إشكال، إذ الاستمرار إنما يقتضي اعتبار التوالي ودخول الليالي المتوسطة ولا يقتضي اعتبار الرؤية في تمام اليوم الاول والاخير، فالعمدة في ذلك ظهور أدلة التحديد في التقدير، فانه يقتضي اعتبار الرؤية في الايام الثلاثة كاملة، لان التقدير بالظرف ظاهر في المساواة في المقدار مع قطع النظر عن الاستمرار. ومن هنا كان ظاهر غير واحد عدم الفرق بين القول باعتبار التوالي والقول بعدمه في اعتبار وجوده في مقدار ثلاثة أيام كاملة، فعن المعتبر، والتذكرة: " لو رأت بعد العاشر من النفاس ساعة دما وساعة طهرا واجتمع ثلاثة أيام في عشرة كاملة كان الدم حيضا على الرواية، وما تخلله، وعلى القول الآخر استحاضة "، ونحوهما كلام غيرهما. وبالجملة: لا ملازمة بين الاستمرار والاستيعاب، ولا يكون الدليل على أحدهما دليلا على الآخر. ولعل وجه ما ذكره شيخنا الاعظم (ره) هو أن الاستمرار إنما استفيد من الادلة المذكورة لورودها مورد التقدير، وهو كما يقتضي الاستمرار يقتضي الاستيعاب فإذا لم تدل على الاستمرار فلابد أن لا تدل على الاستيعاب. وفيه: أنه لا تتوقف الدلالة على الاستمرار على ظهورها في التقدير بل استفادة الاستمرار إنما تكون من فهم وحدة المظروف، فان الواحد الموجود في الثلاثة أيام لا يكون واحدا إلا إذا كان مستمرا، إذ مع تخلل العدم لا يكون واحدا بل يكون متعددا، وهذه الوحدة مفهومة في جميع الموارد التي تصلح للاستمرار، فإذا قلت: " جلست في المسجد ثلاثة أيام "، كان الظاهر منه وحدة الجلوس فيكون مستمرا، وإن كان لا يظهر منه الاستيعاب، لظهور الكلام في الظرفية لا التقدير.

[ 189 ]

[ كما أن أقل الطهر عشرة أيام (1). ] ومن ذلك يظهر ضعف ما عن جماعة - بل عن المدارك وشرح المفاتيح والذخيرة والحدائق: اختياره ونسبته إلى الاكثر - من الاكتفاء بوجوده في ثلاثة أيام في الجملة، بدعوى ظهور أدلة التحديد في الظرفية ولا تجب المطابقة بين الظرف والمظروف. إذ فيه: منع ذلك، بل من الواضح ظهورها في التقدير كوضوح لزوم المساواة بين المقدار والمقدر. وقيل باعتبار وجوده في أول الاول وآخر الآخر وجزء من الثاني، نسب في بعض الحواشي إلى السيد حسن بن السيد جعفر، ولم يستبعده شيخنا البهائي في محكي حاشية الاستبصار، وقواه في المستند. وكأنه لاستظهار أن تكون ثلاثة كاملة من أول رؤيته إلى حين انقطاعه. قال شيخنا البهائي في محكي حاشيته: " إذ لو لم يعتبر وجوده في الطرفين المذكورين لم يكن الاقل ما جعله الشارع أقل فلا تغفل ". وهو - كما ترى - لا يرجع إلى محصل واضح، لماعرفت من دوران الامر بين التقدير والظرفية، وكلاهما لا يقتضي القول المذكور. واستدل له في المستند بأن المتبادر من قولهم (ع): " أقل ما يكون الحيض ثلاثة أيام " عدم تحقق الحائضية في أقل من ثلاثة أيام تامة، ومرجعه ما ذكره البهائي (ره) والاشكال فيه ظاهر. وبموثق ابن بكير في المبتدئة التي استمر بها الدم: " ثم تترك الصلاة في المرة الثانية أقل ما تترك امرأة الصلاة، وتجلس أقل ما يكون من الطمث وهو ثلاثة أيام " (* 1) وهو كسابقه في الاشكال المتقدم. فراجع. (1) إجماعا، حكاه جماعة من القدماء والمتأخرين ومتأخريهم، وعن الامالي:


(* 1) الوسائل باب: 8 من أبواب الحيض حديث: 5

[ 190 ]

[ وليس لاكثره حد (1). ويكفي الثلاثة الملفقة (2)، فإذا رأت في وسط اليوم الاول واستمر إلى وسط اليوم الرابع يكفي ] انه من دين الامامية، وتدل عليه النصوص، ففي صحيح ابن مسلم عن أبي جعفر (ع): " لا يكون القرء أقل من عشرة أيام فما زاد، أقل ما يكون عشرة من حين تطهر إلى أن ترى الدم " (* 1) وفي مصححه عنه (ع): " إذا رأت المرأة الدم قبل عشرة أيام فهو من الحيضة الاولى وإن كان بعد العشرة فهو من الحيضة المستقبلة " (* 2)، فتأمل. ونحوهما رواية ابن الحجاج (* 3)، وفي مرسل يونس: " أدنى الطهر عشرة أيام... إلى أن قال (ع): ولا يكون الطهر أقل من عشرة أيام (* 4). (1) بلا خلاف، كما عن الغنية، بل إجماعا، كما عن الخلاف والتذكرة لكن عن أبي الصلاح: حده بثلاثة أشهر. وهو شاذ كما عن المنتهى، وحمل على الغالب. (2) بلا خلاف ظاهر، كما في المستند، والوجه فيه: أن المحتمل بدوا في نصوص تحديد الاقل بثلاثة أيام معان خمسة: (الاول): محض المقدار، أعني: ستا وثلاثين ساعة، ولازمه الاكتفاء بليلة ونهارين ونهار وليلتين. (الثاني): ذلك أيضا لكن بملاحظة ما يتبعها من الليلتين المتوسطتين فيرجع التقدير بها إلى التقدير بستين ساعة، وعليه يكتفى بثلاث ليال ونهارين. (الثالث): النهار التام على نحو الموضوعية من دون تبعية الليالي، فتكون


(* 1) الوسائل باب: 11 من أبواب الحيض حديث: 1 (* 2) الوسائل باب: 11 من أبواب الحيض حديث: 3 (* 3) الوسائل باب: 17 من أبواب العدد حديث: 1. والراوي هو عبد الرحمان بن أبي عبد الله البصري كما سيأتي التصريح بذلك في المسألة السابقة من هذا الفصل (* 4) الوسائل باب: 11 من أبواب الحيض حديث: 2

[ 191 ]

[ في الحكم بكونه حيضا. والمشهور (1) اعتبروا التوالي في الايام الثلاثة (2)، نعم بعد توالي الثلاثة في الاول لا يلزم ] مثل أيام الصوم، ولازمه عدم لزوم الاستمرار، وهو خلاف ما يأتي. (الرابع): النهار التام على نحو الموضوعية مع تبعية الليالي، فتكون كايام الاعتكاف، ولا بد من أن يرى في ثلاثة نهارات تامة، فلا يجتزأ بالليل ولا بالنهار الملفق منهما. (الخامس): النهار التام على نحو الطريقية إلى الساعات النهارية لا مطلق الساعات، فيراد ست وثلاثون ساعة نهارية، فيجزي ثلاث نهارات تامة وملفقة، ولا يجتزأ بالليل. والاخير أقرب. إذ الاولان - مع أنهما خلاف الاجماع - بعيدان جدا عن ظاهر العبارة المذكورة، والثالث قد عرفت أنه خلاف ما دل على اعتبار التوالي كما يأتي، والرابع وإن كان يناسبه الجمود على نفس التعبير، لكنه لا يناسب وروده مورد التحديد والتقدير، أما الاخير فهو وسط بين الطريقية المحضة والموضوعية كذلك فيناسب تلك الجهتين، فهو المتعين. وعليه جرى الفقهاء في المقام وأمثاله من موارد التقدير، مثل: إقامة العشرة، ومدة الاستبراء والعدد، ومدة الخيار، ونحوها. (1) كما عن الذكرى والمسالك وشرح المفاتيح، بل في محكي الجامع دعوى اتفاق الكل. (2) يعني: توالي الدم ثلاثة أيام في مبدأ الحيض، لا اعتبار التوالي في خصوص الاقل، فلا يعتبر فيما زاد عليه فتكون الاربعة المتفرقة حيضا كما قد يتراءى من ظاهر العبارة، ولا توالي ثلاثة أيام من أيام الدم مطلقا ولو كانت في أثنائه ليكون تمام الدم المرئي يوما ثم ينقطع ثم يرى ثلاثة متوالية حيضا، كما قد يترائى من بعض العبارات. والعمدة في وجه القول

[ 192 ]

المشهور نصوص تحديد الاقل بالثلاثة أيام، بدعوى ظهورها في الوجود المستمر، إما لان ورودها مورد التقدير يقتضي ذلك، لان المقصود تقدير الامر الواحد، وإما لان الزمان المتعدد إذا أخذ ظرفا لما هو صالح للاستمرار فالظاهر منه وحدة المظروف، كما تظهر من ملاحظة موارد ذكر الزمان قيدا لما من شأنه الاستمرار، مثل: " جلس زيد في المسجد ثلاثة أيام "، فانه ظاهر في استمرار الجلوس ثلاثة أيام، كما أشرنا إليه آنفا. كما أن ظهور الاقل والاكثر في التوالي وإن كان يقتضي اعتباره فيما بينهما من المراتب - ولازمه عدم الحكم بحيضية الدم المنفصل، كما لو رأت خمسة دما ثم يوما نقاء ثم يوما دما - إلا أن الاجماع والنصوص اقتضيا كونه حيضا أيضا تنزيلا للنقاء المتخلل منزلة الدم، فان ذلك لا ينافي كون أكثره عشرة متوالية، لان الاجماع المذكور لا يدل على أن الحيض قد يكون أكثر من عشرة متوالية ليكون منافيا له. ثم إنه قد استدل شيخنا الاعظم (ره) على اعتبار التوالي - مضافا إلى ذلك - بأصالة عدم الحيض. ويشكل بأن الاصل المذكور من قبيل الاصل الجاري في المفهوم المردد، لانه على تقدير اعتبار التوالي فالحيض منتف قطعا، وعلى تقدير عدمه فالحيض موجود قطعا، فالشك إنما يكون في المردد بين الامرين، وليس هو موضوع الاثر ليجري في نفيه الاصل كما أشرنا إلى ذلك مرارا في مطاوي هذا الشرح. ثم إنه (ره) قال: " ولا يعارضها - يعني: أصالة عدم الحيض - أصالة عدم الاستحاضة، لانه إن قلنا بثبوت الواسطة بين الحيض والاستحاضة فلا تنافي، إذ لا يعلم إجمالا بكذب أحدهما كي يكونا متعارضين، وإن لم نقل بثبوت الواسطة فأصالة عدم الحيض حاكمة على أصالة عدم الاستحاضة

[ 193 ]

لان المستفاد من الفتاوى بل النصوص: أن كل دم لم يحكم عليه بالحيضية ولم يعلم أنه لقرحة أو عذرة أو نفاس فهو استحاضة، وحينئذ فإذا انتفى كونه حيضا بحكم الاصل تعين كونه استحاضة "، ثم أمر (ره) بالتأمل وأشار في الحاشية إلى وجهه بأن أصالة عدم الحيض لا يثبت أن هذا الدم ليس بحيض، لان الاول مفاد كان التامة والثاني مفاد كان الناقصة، والاصل المثبت للاول لا يصلح لاثبات الثاني. ثم قال (ره) في الحاشية: " فافهم " ولعله يشير بذلك إلى إمكان إرجاع المضمون المذكور إلى أن كل امرأة ليست بحائض فهي مستحاضة، وحينئذ يكون الاصل المذكور مثبتا له، أو إلى أن أصالة عدم كون هذا الدم حيضا لا تجري، إما لانها من قبيل الاصل في العدم الازلي - لكنه (ره) يقول به - أو لان حقيقة الحيضية عرفا من الصفات المقومة للماهية لا من صفات الوجود، كما أشرنا إلى ذلك آنفا. ثم إنه (قده) ذكر وجها آخر لنفي المعارضة بين الاصلين المذكورين فقال: " ولو أغمضنا عن استفادة ذلك من النصوص والفتاوى فلنا أن نثبت أحكام الاستحاضة - يعني: فينحل العلم الاجمالي - بأن نحكم بوجوب الصلاة بمقتضى أصالة عدم الحيض السليمة عن المعارض في خصوص الصلاة (لان أصالة عدم الاستحاضة لا تنفي وجوب الصلاة، لان الصلاة واجبة على المستحاضة) فيجب الاغتسال مع غمس القطنة، للقطع ببطلان الصلاة واقعا بدونه، لانها إما حائض أو مستحاضة، ويجب تجديد الوضوء لكل صلاة مع عدم الغمس، لان الوضوء الواحد لا يرفع حدثها قطعا، لانه مردد بين الحيض والاستحاضة ". فكأن المقام نظير ما لو توضأ بمائع مردد بين البول والماء، فانه لابد له من تطهير أعضائه ثم الوضوء ثانيا، ولا مجال لجريان أصالة طهارة الاعضاء لانها بلا فائدة. وإذا وجب الغسل

[ 194 ]

والوضوء عقلا بمقتضى أصالة عدم الحيض أنحل العلم الاجمالي بثبوت أحكام المستحاضة أو أحكام الحائض، فلا مانع من الرجوع إلى أصالة عدم الحيض بلحاظ بقية أحكام الحائض، من دخول المساجد، وقراءة العزائم، ونحو ذلك. فان قلت: أصالة عدم الاستحاضة حاكمة على قاعدة الاشتغال الموجبة للغسل، فلا مجال للرجوع إليها إلا بعد سقوطها عن الحجية، ولا موجب لسقوطها عن الحجية تعيينا، لان ترجيحها على أصالة عدم الحيض من دون مرجح، وأعمالهما معا يوجب القطع ببطلان الصلاة كما ذكر، فلا بد من تساقطهما والرجوع إلى قاعدة الاحتياط من جهة العلم الاجمالي. قلت: أصالة عدم الاستحاضة غير معارضة بأصالة عدم الحيض ليحكم بتساقطهما، وإنما المانع عن العمل بها منافاتها لقاعدة الاشتغال بالتكليف الثابت بمقتضى أصالة عدم الحيض، ولذا لو فرض تساقط استصحاب طهارة الاعضاء من الخبث، واستصحاب بقاء الحدث في المثال المتقدم يكون المرجع قاعدة الطهارة في الاعضاء بلا معارض، ومع ذلك لا تجري، لمنافاتها لقاعدة الاشتغال بالتكليف المعلوم، ولا فرق بين المعلوم بالوجدان والمعلوم بالاصل. فان قلت: أصالة عدم الحيض لا تدل على أن الصلاة مع غسل الاستحاضة صلاة مع الطهارة كي تجب بوجوبها بالاصل، فمع الشك في القدرة لا مجال للرجوع إلى الاصل، لانه لا يصلح لاثبات القدرة على الاطاعة. قلت: - مع أن الشك في القدرة كاف في وجوب الاحتياط - ان القدرة على الاطاعة في المقام معلومة على تقدير ثبوت التكليف واقعا، وإنما الشك فيها للشك في ثبوته، فلا مجال لرفع اليد عن إطلاق دليل الاصل. نظير ما لو شك في خروج دم الحيض، فان أصالة عدم الحيض محكمة مع

[ 195 ]

الشك في القدرة على الاطاعة أيضا. هذا ولكن يشكل ما ذكره (قده) بأن قاعدة الاشتغال إذا كانت متفرعة على أصالة عدم الحيض كانت المنافاة لها منافاة لها، ومع تنافيهما لا وجه لترجيح إحداهما على الاخرى. وإن شئت قلت: وجوب الصلاة الثابت بمقتضى أصالة عدم الحيض إن كان له إطلاق يقتضي الشمول لصورة كونها مستحاضة كان مقتضيا لوجوب الغسل أو تكرار الوضوء، فالاصل المثبت للوجوب المذكور يكون موجبا للغسل أو تكرار الوضوء، فيكون منافيا لاصالة عدم الاستحاضة ومعارضا له، فلا يصح ترجيح أحدهما على الآخر. والذي تحصل مما ذكرنا: أن أصالة عدم الحيض غير جارية في المقام في نفسها. ومعارضة بأصالة عدم الاستحاضة بناء على عدم الواسطة بين الحيض والاستحاضة. وأن العلم الاجمالي بثبوت أحكام الحيض والاستحاضة على هذا المبني لا موجب لانحلاله، فيجب لاجله الاحتياط. هذا كله بناء على عدم تمامية قاعدة الامكان عند الشك في الشرط بنحو الشبهة الحكمية، وإلا كانت محكمة على أصالة عدم الحيض لو جرت. وربما يستدل أيضا بالرضوي قال: " وإن رأت يوما أو يومين فليس ذلك من الحيض ما لم تر ثلاثة أيام متواليات " (* 1) لكنه لا جابر له لعدم اعتماد المشهور عليه. وعن الشيخ في التهذيبين والنهاية والقاضي في المهذب: عدم اعتبار التوالي، وعن المبسوط حكايته عن بعض أصحابنا، وعليه جماعة من متأخري المتأخرين كالاردبيلي وكاشف اللثام والحر في رسالته، على ما حكي عنهم واستظهره في الحدائق وحكاه عن بعض علماء البحرين. وتشهد لهم مرسلة


(* 1) المستدرك الوسائل باب: 10 من ابواب الحيض حديث: 1

[ 196 ]

يونس القصيرة: " وإن انقطع الدم بعد ما رأته يوما أو يومين اغتسلت وصلت، وانتظرت من يوم رأت الدم إلى عشرة أيام، فان رأت في تلك العشرة أيام من يوم رأت الدم يوما أو يومين حتى يتم لها ثلاثة أيام، فذلك الدم الذي رأته في أول الامر مع هذا الذي رأته بعد ذلك في العشرة هو من الحيض، وإن مربها من يوم رأت الدم عشرة أيام ولم تر الدم فذلك اليوم أو اليومان الذي رأته لم يكن من الحيض إنما كان من علة... " (* 1) لكنها ضعيفة السند بالارسال، وبإسماعيل بن مرار المجهول الحال. ومعرض عنها عند المشهور. نعم قد يدفع الاول بأن يونس ممن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه، كما نقله الكشي وتلقاه من بعده بالقبول. والثاني بعدم استثناء القميين ممن يروي عن يونس غير محمد بن عيسى العبيدي، وقد روى اسماعيل عن يونس في كتاب النوادر. فلا حظ حديث وجوب القصر على المكاري إذا أقام في بلده عشرة أيام (* 2)، وبكون الراوي عن إسماعيل ابراهيم بن هاشم الجليل القدر الذي قيل في حقه: انه أول من نشر حديث الكوفيين في قم، والثالث: باعتماد الشيخ (ره) في كتبه الثلاثة والقاضي ومن تأخر، كما ذكره الاستاذ (قده) في رسالة الدماء. وفيه: أنه لم يثبت كون المراد من إجماع العصابة عدم التأمل في من يروون عنه، كيف؟! وقد اشتهر الخلاف في قبول مراسيل ابن أبي عمير مع كونه من أصحاب الاجماع أيضا، وقد نقل الشيخ (ره) أنه لا يرسل بل ولا يروي إلا عن ثقة، فكيف بمثل يونس؟! وقد تقدم في


(* 1) الوسائل باب: 12 من أبواب الحيض حديث: 2 (* 2) الوسائل باب: 12 من أبواب صلاة المسافر حديث: 1

[ 197 ]

مبحث العصير الزبيبي ماله نفع في المقام. واستثناء القميين إنما كان بالاضافة إلى نوادر الحكمة، فلا يدل على صحة كل حديث رواه إسماعيل عن يونس وإن لم يكن الحديث مرويا في كتاب نوادر الحكمة. فتأمل. وأن اعتماد الشيخ (ره) عليها في الكتب المذكورة معارض باعراضه عنها في غيرها من الكتب الفتوائية. مع أنه لم يظهر من كلامه في التهذيب أقل اعتماد عليها في ذلك، بل ظاهر قوله (ره) فيه: " ويؤيد ذلك ما أخبرني به الشيخ... " (* 1) عدم الاعتماد عليها، ولا يحضرني الاستبصار، لكن حاله معلوم. والظاهر من النهاية كونها مضمون روايات لا فتاوى، والاردبيلي غير معتمد عليها قطعا، لما هو معلوم من مذهبه. مع أنه قال في شرح الارشاد: " وأما الحكم بأن الخارج أقل من الثلاثة المتوالية ليس بحيض - كما هو مذهب الاكثر - فلا يخلو عن إشكال، لان الروايات خالية عن التوالي وعدمه، مع وجود خبر دال على عدم التوالي، فهي ظاهرة في العدم. كما إذا نذر صوم ثلاثة أيام فانه لا يجب التوالي. فرد مذهب من هو قائل بعدم اشتراط التوالي بمجرد عدم صحة خبره - وبأن الصلاة في الذمة يقينا فلا تسقط إلا باليقين - محل التأمل، فان ظاهر الاخبار دليل مسقط للصلاة وعدم اشتراط التوالي. والاحتياط لا يترك "، وهو - كما ترى - صريح في أن اعتماده كان على إطلاق الادلة. ومراده من الخبر ليس المرسلة بل موثق ابن مسلم (* 2)، كما يظهر من حاشيته على الكتاب. واستدل في كشف اللثام على العدم بأصالة عدم الاشتراط، وإطلاق النصوص، وأصل البراءة من العبادات وبالمرسلة المذكورة. وكأن ذكر


(* 1) التهذيب ج 1: ص 44 (* 2) الوسائل باب: 12 من أبواب الحيض حديث: 1

[ 198 ]

المرسلة من قبيل المؤيد، كذكر الاصل، فانه لا مجال للاصل مع العلم الاجمالي، كما عرفت. واعتماد الحر والبحراني وأمثالهما من المحدثين لا يوجب جبرا، لما علم من مذهبهم من قطعية صدور ما في الكتب الاربعة. فحيث لا جابر للرواية لا مجال للعمل بها في قبال ما عرفت. وعن الراوندي في الاحكام: التفصيل بين الحائل فيعتبر التوالي والحامل فلا يعتبر. واستدل له بمصحح اسحاق قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن المرأة الحبلى ترى الدم اليوم واليومين. قال (ع): إن كان دما عبيطا فلا تصل ذينك اليومين، وإن كان صفرة فلتغتسل عند كل صلاتين " (* 1). وبه يجمع بين ما دل على اعتبار التوالي مطلقا وبين المرسلة لكن ظاهره مناف لنصوص التحديد. وحمله على صورة رؤية الدم بعد ذلك ليتم لها ثلاثة متفرقة ليس بأولى من حمله على صورة ما لم ينقطع، بل لعل الثاني أقرب، لان السكوت عن التعرض لذكر اليوم المنفصل مع كونه مما له الدخل في الحكم بعيد جدا. (تنبيهاهه) الاول: استقرب الاستاذ (ره) - في رسالة الدماء - كون مراد الاكثر من قولهم: " أقل الحيض ثلاثة أيام متوالية "، أقل حدث الحيض وقعود المرأة لا أقل الدم، ويكون المراد التنبيه على أن النقاء المتخلل بين الدمين حيض لا طهر، كما ذهب إليه في الحدائق، لان حمله على ارادة أقل الدم يوجب عدم التعرض لزمان القعود لو حمل قولهم: " وأكثره عشرة " على أيام الدم، أو عدم المقابلة بين الكلامين لو حمل على ارادة


(* 1) الوسائل باب: 30 من أبواب الحيض حديث: 6

[ 199 ]

بيان أقل القعود وكلا اللازمين بعيد. وحينئذ لا تكون الرواية مخالفه للمشهور. وفيه: أولا: أن الظاهر من الحيض في قول الاكثر: " أقل الحيض ثلاثة "، الدم الذي جعلوه عنوانا للباب، أعني: الدم الذي يكون في الاغلب أسود أو أحمر... الخ. وثانيا: ان حمله على أقل القعود يوجب عدم تعرضهم لاقل أيام الدم بالمرة. وأما ما ذكره من لزوم إهمال بين أكثر القعود فغير ظاهر، لتعرضهم له في مقام آخر، كما يظهر من ملاحظة كلماتهم وسيأتي إن شاء الله. ومن ذلك يظهر الاشكال عليه في حمل ما في النصوص وبعض الفتاوى من أن أقل الحيض ثلاثة من دون تقييد بالتوالي على ذلك - يعني: أيام القعود - فانه خلاف الظاهر، ولا سيما في النصوص. الثاني: انه بناء على كون النقاء المتخلل بين دمي الحيض الواحد حيضا لابد أن يكون أكثر الحيض متواليا، لان النقاء إذا كان بحكم الدم كان العشرة الملفقة من الدم الحقيقي والتنزيلي متوالية ضرورة. نعم لو فرض انها بحكم الدم من غير حيثية تحقق أكثر الحيض أمكن النزاع في اعتبار التوالي وعدمه. وكذا بناء على أن النقاء المتخلل طهر، كما اختاره في الحدائق. إلا أن الظاهر انه لا نزاع في عدم اعتبار التوالي في الاكثر، إذ لازم القول باعتباره فيه عدم تحقق أكثر الحيض بالعشرة غير المتوالية، فتكون المرأة التي ترى الدم ثلاثه أيام وينقطع عنها تسعة ثم تراه يوما ثم ينقطع تسعة أيضا ثم تراه يوما... وهكذا، باقية في الحيض الاول ما لم تطهر عشرة أيام. وهذا مما لا يمكن الالتزام به، بل تأباه النصوص والفتاوى، بل ادعى شيخنا الاعظم (ره) - في الجواب عن بعض أدلة طهر النقاء المتخلل - البداهة على بطلانه. لكن مع ذلك قال في (مسألة) أن أكثر الحيض عشرة: " والمراد بالايام إما خصوص أيام الدم أو الاعم

[ 200 ]

منها ومن أيام النقاء... (إلى أن قال): وعلى كل تقدير فهل المراد منها الايام المتوالية نظير ما ذكرناه في الاقل، أو الاعم؟ الظاهر الاول... (إلى أن قال): لكن الاقوى اعتبار التوالي، وإن قلنا في مسألة أقل الطهر بأن المراد خصوص ما بين الحيضتين، لما عرفت من ظهور الادلة في العشرة المتوالية ولم أجد فيما ذكرنا مخالفا، بل الظاهر من نهاية المصنف (قده) عدم القائل به، حيث قال في أحكام التلفيق: وإذا جاوز الدم بصفة التلفيق الاكثر فقد صارت مستحاضة كغير ذات التلفيق. ولا قائل بالالتقاط من جميع الشهر وإن لم يزيد مبلغ الدم عن الاكثر ". والاستاذ (ره) في رسالة الدماء - لما استظهر من شيخنا الاعظم في المقام الالتزام به - أورد عليه بما ذكر. لكن التأمل في عبارته يقضي بارادته من التوالي معنى آخر، وهو أن يكون مرئيا بتمامه في عشرة متوالية سواء أقلنا بأن النقاء المتخلل بين الدمين طهر أو حيض، خلافا للحدائق، فانه لما بنى على أن المتخلل بين الدمين طهر إذا كان دون العشرة، ألحق الدم الثاني بالاول وإن كان مرئيا بعد تمام العشرة من حين رؤية الدم الاول. فلو رأت خمسة دما ثم خمسة نقاء ثم خمسة دما، كان النقاء طهرا والدم الثاني ملحقا بالاول، فيكون مجموع عشرة الدم حيضا واحدا عند الحدائق ولا يكون ملحقا به عند شيخنا الاعظم (ره) لعدم توالي الايام، بخلاف ما لو رأت خمسة دما وثلاثة نقاء ويومين دما، فان مجموع الدمين حيض واحد لتحقق التوالي، ويكون الحيض حينئذ سبعة بناء على طهر المتخلل. فلا مجال للاشكال عليه بما ذكر. نعم تحريره للنزاع يوهم خلاف ذلك مما يرد عليه إشكال الاستاذ (ره). لكن بقرينة نسبة الخلاف إلى الحدائق، واستظهاره عدم الخلاف من محكي نهاية الاحكام، وسوقه لادلة الحدائق

[ 201 ]

[ التوالي في البقية. فلو رأت ثلاثة متفرقة في ضمن العشرة لا يكفي. وهو محل إشكال، فلا يترك الاحتياط بالجمع بين أعمال المستحاضة وتروك الحائض فيها. وكذا اعتبروا استمرار الدم في الثلاثة ولو في فضاء الفرج. والاقوى كفاية الاستمرار العرفي (1)، ] وجوابه عنها، وغير ذلك، يتضح حمله على ما ذكرنا. نعم استدل شيخنا (ره) على اعتبار التوالي بالمعنى المذكور - بناء على كون النقاء المتخلل طهرا - بظهور الادلة في العشرة المتوالية. ولكنه غير ظاهر الوجه، إذ التوالي المستفاد من الادلة المذكورة إنما هو بالمعنى المستفاد من قولهم (ع): " أقل الحيض ثلاثة "، ولابد من رفع اليد عنه، لامتناع الالتزام به كما عرفت. مضافا إلى أن ذلك خلاف البناء على طهرية النقاء المتخلل. ومن الغريب أن الاستاذ (ره) - مع أنه تنبه للاشكال على شيخنا الاعظم (ره) بما سبق - قال في رسالة الدماء: " ثم إنه لا إشكال في أن العشرة لابد أن تكون متوالية، بناء على ما هو المشهور من كون النقاء المتخلل بين العشرة حيضا، وأما على ما ذهب إليه صاحب الحدائق من كون النقاء المتخلل ليس بحيض ففي كونها كذلك أيضا أو ليس كذلك خلاف وإشكال: من دعوى انسباق التوالي من إطلاق قوله (ع): " أكثره عشرة "، ولو منع فلا أقل من كونه المتيقن منه، ومن دعوى الاطلاق... ". وقد عرفت أن لا خلاف في التوالي بالمعنى المعتبر في الاقل، وبالمعنى الآخر لا مجال للاستدلال عليه بالانسباق كما عرفت. وأما ما استدل به في الحدائق على عدم اعتبار التوالي بالمعنى المذكور فسيأتي الكلام فيه عند التعرض لمذهبه في أيام النقاء. فانتظر وتأمل جيدا. (1) يعني: ما يكون استمرارا بحسب النظر العرفي المبني على المسامحة.

[ 202 ]

[ وعدم مضرية للفترات اليسيرة في البين، بشرط أن لا ينقص من ثلاثة، بأن كان بين أول الدم وآخره ثلاثة أيام ولو ملفقة، فلو لم تر في الاول مقدار نصف ساعة من أول النهار ومقدار نصف ساعة في آخر اليوم الثالث لا يحكم بحيضيته، لانه يصير ثلاثة إلا ساعة مثلا. والليالي المتوسطة داخلة فيعتبر الاستمرار العرفي فيها أيضا، بخلاف ليلة اليوم الاول وليلة اليوم الرابع، فلو رأت من أول نهار اليوم الاول إلى آخر نهار اليوم الثالث كفى. (مسألة 7): قد عرفت ان أقل الطهر عشرة فلو رأت الدم يوم التاسع أو العاشر بعد الحيض السابق لا يحكم عليه بالحيضية (1)، وأما إذا رأت يوم الحادي عشر بعد الحيض السابق فيحكم بحيضيته (2) إذا لم يكن مانع آخر. والمشهور على اعتبار هذا الشرط - أي مضي عشرة من الحيض السابق في حيضية الدم اللاحق مطلقا (3) - ولذا قالوا: لو رأت ثلاثة - مثلا - ثم انقطع يوما ] لكنه غير ظاهر الوجه، بل هو خلاف ظاهر الدليل. نعم لا بأس بالحمل على الاستمرار العادي، لان حمل الكلام على غيره بعيد جدا. ولعله هو المراد، لكن في كون المعتاد تحقق الفترات اشكال. (1) أما عدم الحكم بكونه حيضة ثانية فلعدم الفصل بأقل الطهر الذي لا إشكال نصا وفتوى في اعتباره بين الحيضتين، وأما عدم الحكم بكونه من الحيضة الاولى فمبني على اعتبار التوالي بالمعنى الذي سيجئ فيه الكلام. (2) لقاعدة الامكان التي سيأتي الكلام فيها إن شاء الله. (3) أي: سواء أكان بين حيضتين أم بين أيام حيضة واحدة. لكن

[ 203 ]

[ أو أزيد ثم رأت وانقطع على العشرة أن الطهر المتوسط أيضا حيض، وإلا لزم كون الطهر أقل من عشرة. وما ذكروه محل إشكال (1)، بل المسلم أنه لا يكون بين الحيضين أقل من عشرة، وأما بين أيام الحيض الواحد فلا. فالاحوط مراعاة الاحتياط بالجمع في الطهر بين أيام الحيض الواحد، كما في الفرض المذكور. (مسألة 8): الحائض إما ذات العادة أو غيرها، والاولى إما وقتية وعددية أو وقتية فقط، أو عددية فقط، والثانية إما مبتدئة وهي التي لم تر الدم سابقا وهذا الدم أول ما رأت، وإما مضطربة وهي التي رأت الدم مكررا لكن لم تستقر لها عادة، وإما ناسية وهي التي نسيت عادتها، ويطلق عليها المتحيرة أيضا وقد يطلق عليها المضطربة، ويطلق المبتدئة على الاعم ممن لم تر الدم سابقا ومن لم تستقر لها عادة أي المضطربة بالمعني الاول. ] العبارة لا تخلو من تشويش، لانه في فرض مضي عشرة طهرا لا يتصور إلا صورة واحدة، وهي أن يكون الدم الثاني حيضا ثانيا، وإنما يصح الاطلاق لو كانت العبارة هكذا: لا يكون الطهر أقل من عشرة. والامر سهل. (1) بل منعه في الحدائق - كما تقدمت الاشارة إليه - فالتزم بأن النقاء إذا كان لا يبلغ العشرة طهر ويكون الدمان حيضا واحدا، ومن دون فرق بين ما يتخلل بين الثلاثة - بناء على عدم اعتبار التوالي فيها - وبين ما يتخلل بينها وبين دم آخر.

[ 204 ]

وقد يشهد له جملة من النصوص: منها: مرسلة يونس القصيرة (* 1) وموضع الاستدلال منها فقرتان: إحداهما: الفقرة المتقدمة دليلا على عدم اعتبار التوالي في الثلاثة الاقل، فان ظاهر قوله (ع): " فذلك الذي رأته مع هذا الذي رأته بعد ذلك في العشرة فهو من الحيض " قصر الحكم بالحيضية على خصوص أيام الدم. وثانيتهما: قوله (ع) بعد ذلك: " ولا يكون الطهر أقل من عشرة أيام، وإذا حاضت المرأة وكان حيضها خمسه أيام ثم انقطع الدم اغتسلت وصلت، فان رأت بعد ذلك الدم ولم يتم لها من يوم طهرت عشرة أيام فذلك من الحيض، تدع الصلاة " فان قوله (ع): " من يوم طهرت " إما قيد لقوله: " عشرة أيام " فيكون المراد: لم يتم لها عشرة أيام كائنة من يوم طهرت، فتكون العشرة كلها طهرا. أو متعلق بقوله: " يتم " فيكون المعنى: لم يتم لها عشرة أيام دم حين طهرت، وعلى كل حال يتم الاستدلال، لانها تدل على الحاق هذا الدم اللاحق بالدم السابق دون النقاء. لكن المتعين الاحتمال الاول، إذ على الثاني يكون القيد المذكور لغوا، لاغناء قوله (ع): " وكان حيضها خمسة " عنه. وأما ما ذكره شيخنا الاعظم (ره) - من أن المراد أنه لم يتم لها من يوم طهرت إلى أن رأت الدم الثاني عشرة أيام من أول رؤية الدم الاول - فمخالف للظاهر لا مجال لارتكابه إلا عند الضرورة، من باب أن الجمع مهما أمكن أولى من الطرح. نعم يقربه قوله (ع) بعد ذلك: " وإن رأت الدم من أول ما رأت الثاني الذي رأته تمام العشرة، ودام عليها عدت من أول ما رأت الدم الاول والثاني عشرة أيام، ثم هي مستحاضة... " إذ الظاهر من العشرة فيه العشرة من أول الدم لا من


(* 1) الوسائل باب: 12 من أبواب الحيض حديث: 2

[ 205 ]

حين النقاء. وأن في بعض النسخ المعتبرة " من يوم طمثت " بدل من يوم طهرت ". ومنها: موثق محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (ع): " أقل ما يكون الحيض ثلاثة أيام، وإذا رأت الدم قبل العشرة فهو من الحيضة الاولى وإذا رأته بعد عشرة أيام فهو من حيضة أخرى مستقلة " (* 1)، فان حمل العشرة في الشرطية الثانية على عشرة النقاء إجماعا، يوجب حمل العشرة في الاولى عليها أيضا، ومقتضى إطلاقه الحاق الدم الثاني بالاول، وان كان ما بينهما من النقاء تسعة فيمتنع جعل النقاء حيضا، لانه يلزم أن يكون مجموع الدمين والنقاء حيضا واحدا، وهو اكثر من عشرة أيام. وفيه: أنه على هذا يجب تقييده بصورة عدم تجاوز الدمين للعشرة، وتقييد قولهم (ع): " أدنى الطهر عشرة "، بخلاف ما لو حمل العشرة على عشرة الدم فانه لا يلزم التقييد المذكور. نعم يلزم تقييدها بأن يكون ما بعد العشرة بينه وبين الدم الاول عشرة نقاء. ولعله أولى من التقييدين الاولين ولا سيما بملاحظة ان قوله (ع): " أقل ما يكون الحيض ثلاثة " يصلح قرينة على كون العشرة عشرة تلك الثلاثة لا غيرها. وأما احتمال أن تكون " من " في قوله (ع): " فهو من الحيضة الاولى " " ابتدائية " - يعني: ان هذا الدم ناشئ من الحيضة الاولى - لا " تبعيضية " - والمراد أنه استحاضة ناشئة من الحيضة الاولى - فبعيد جدا مخالف للسياق. ومما ذكرنا يظهر الحال في مصحح ابن مسلم عن أبي جعفر (ع): " إذا رأت المرأة الدم قبل عشرة أيام فهو من الحيضة الاولى. وإن كان بعد العشرة فهو من الحيضة المستقبلة " (* 2)، ولا أقل من الاجمال الموجب لسقوط الرواية عن الحجية.


(* 1) الوسائل باب: 10 من أبواب الحيض حديث: 11 (* 2) الوسائل باب: 11 من أبواب الحيض حديث: 3

[ 206 ]

ومنها: رواية عبد الرحمن بن أبي عبد الله البصري: " سألت أبا عبد الله (ع) عن المرأة إذا طلقها زوجها متى تكون أملك بنفسها؟ فقال: إذا رأت الدم من الحيضة الثالثة فهي أملك بنفسها. قلت: فان عجل الدم عليها قبل أيام قرئها؟ فقال: إذا كان الدم قبل العشرة أيام فهو أملك بها، وهو من الحيضة التي طهرت منها، وإن كان الدم بعد العشرة فهو من الحيضة الثالثة فهي أملك بنفسها " (* 1) فانها كالصريحة في كون العشرة عشرة الطهر، إذا لا يصدق التعجيل المذكور في السؤال لو كان المراد عشرة الدم. لكنها - مع أنها ضعيفة بالمعلى بن محمد البصري - قيل فيها: إن ارتكاب التقييد فيها بالحمل على ما كان مجموع الدمين والنقاء لا يزيد على العشرة أولى من ارتكاب التقييد فيما دل على أن أدنى الطهر عشرة، لانها واردة مورد حكم آخر، فليس لها إطلاق معتد به. لكنه لا يخلو من تأمل. ومنها: رواية يونس بن يعقوب: " قلت لابي عبد الله (ع): المرأة ترى الدم ثلاثة أيام أو أربعة؟ قال (ع): تدع الصلاة. قلت: فانها ترى الطهر ثلاثة أو أربعة؟ قال (ع): تصلي. قلت: فانها ترى الدم ثلاثة أيام أو أربعة؟ قال (ع): تدع الصلاة. قلت: فانها ترى الطهر ثلاثة أيام أو اربعة قال (ع) تصلي. قلت: فانها ترى الدم ثلاثة أيام أو أربعة؟ قال (ع): تدع الصلاة، تصنع ما بينها وبين شهر، فان انقطع الدم عنها، وإلا فهي بمنزلة المستحاضة " (* 2) ونحوها رواية أبي بصير (* 3). وفيه أنه يمتنع أن يكون جميع الدم المتفرق حيضا، لزيادته على العشرة،


(* 1) الوسائل باب: 17 من أبواب العدد حديث: 1 (* 2) الوسائل باب: 6 من أبواب الحيض حديث: 2 (* 3) الوسائل باب: 6 من أبواب الحيض حديث: 3

[ 207 ]

فلا بد من حملها على الحكم الظاهري، كما عن المحقق، وعليه أيضا يحمل كلام من أفتى بمضمونها، كما عن المقنع والفقيه والنهاية والاستبصار والمبسوط بل هو ظاهر محكي الاستبصار. ومنها: رواية داود مولى أبي المعزا عمن أخبره عن أبي عبد الله (ع): " قلت له: فالمرأة يكون حيضها سبعة أيام أو ثمانية أيام حيضها دائم مستقيم، ثم تحيض ثلاثة أيام ثم ينقطع عنها الدم وترى البياض لا صفرة ولا دما؟ قال (ع): تغتسل وتصلي. قلت: تغتسل وتصلي وتصوم ثم يعود الدم؟ قال (ع): إذا رأت الدم أمسكت عن الصلاة والصيام. قلت: فانها ترى الدم يوما وتطهر يوما؟ قال: فقال (ع): إذا رأت الدم أمسكت، وإذا رأت الطهر صلت، فإذا مضت أيام حيضها واستمر بها الطهر صلت، فإذا رأت الدم فهي مستحاضة " (* 1). لكنها ضعيفة السند بالارسال، قاصرة الدلالة، لقرب دعوى كون الامر بالعبادة في أيام النقاء ظاهريا لا واقعيا، ويكون المراد من رؤية الدم والطهر يوما بعد ما رأته ثلاثة أيام. هذا كله بملاحظة النصوص المذكورة أنفسها، وأما بملاحظة الاجماعات المدعاة على كون أدنى الطهر عشرة فلا مجال للاخذ بها. ومن ذلك يعلم أن ما عن غير واحد من تقييد معقد الاجماع بما كان بين الحيضتين، لا يراد منه جواز كون الطهر دون عشرة أيام بين أيام حيض واحد، بل لان الطهر عندهم لا يكون إلا بين حيضتين، فان العلامة في المنتهى - مع أنه قيد معقد الاجماع بما كان بين الحيضتين - قال في التذكرة: " فان رأت ثلاثة أيام متوالية فهو حيض قطعا، فإذا انقطع وعاد قبل العاشر


(* 1) الوسائل باب: 6 من أبواب الحيض حديث: 1

[ 208 ]

[ (مسألة 9): تتحقق العادة برؤية الدم مرتين متماثلتين (1) ] كان الدمان وما بينهما حيضا، ذهب إليه علماؤنا أجمع ". بل ظاهر بعض الفروع التي ذكرها في المنتهى ذلك أيضا. فلاحظ. نعم ظاهر بعض العبارات وقوع الخلاف في ذلك. لكن لو تم فليس مما ينافي انعقاد الشهرة العظيمة على خلاف هذه الروايات الموهنة لها جدا. هذا مضافا إلى ما يلزم الحدائق من اللوازم، مثل: أن يستمر حيض المرأة مدة طويلة، بل بناء على جواز التلفيق بالساعات يمكن فرض حيض واحد مدة العمر، فيشكل أمر طلاقها وعدتها. ومثل: أن لا يسقط عنها صوم ولا صلاة، بأن تراه في الليل ساعة ثم تنقى بقية الليل والنهار ونحو ذلك، فانه على تقدير تمامية دلالة النصوص المذكورة على طهر النقاء المتخلل، فهي أيضا دالة على جواز التلفيق ولو بعد عشرة الدم، فعلى تقدير جواز العمل بها في الاول يجوز العمل بها في الثاني. اللهم إلا أن يكون إجماع على المنع عنه ولو على تقدير طهر النقاء، كما قد يظهر من محكي نهاية الاحكام، حيث قال: " ولا قائل بالالتقاط من جميع الشهر وإن لم يزد مبلغ الدم عن الاكثر... ". (1) إجماعا، كما عن الخلاف والتذكرة وجامع المقاصد والمدارك، ويدل عليه موثق سماعة: " سألته عن الجارية البكر أول ما تحيض... إلى أن قال: فإذا اتفق الشهران عدة أيام سواء فتلك أيامها " (* 1). وما في مرسلة يونس الطويلة: "... فان انقطع الدم لوقته في الشهر الاول سواء، حتى توالى عليها حيضتان أو ثلاث فقد علم الآن ان ذلك قد صار لها وقتا وخلقا معروفا، تعمل عليه وتدع ما سواه، وتكون سنتها فيما يستقبل


(* 1) الوسائل باب: 7 من أبواب الحيض حديث: 1

[ 209 ]

[ فان كانتا متماثلتين في الوقت والعدد فهي ذات العادة الوقتية والعددية (1)، كأن رأت في أول شهر خمسة أيام وفي أول الشهر الآخر أيضا خمسة أيام، وإن كانتا متماثلتين في الوقت دون العدد فهي ذات العادة الوقتية (2)، كما إذا رأت في أول شهر خمسة وفي أول الشهر الآخر ستة أو سبعة مثلا، ] إن استحاضت... إلى أن قال: وإنما جعل الوقت أن توالى عليها حيضتان أو ثلاث لقول رسول الله صلى الله عليه وآله للتي تعرف أيامها: دعي الصلاة أيام أقرائك فعلمنا انه لم يجعل القرء الواحد سنة لها فيقول: دعي الصلاة أيام قرئك ولكن سن لها الاقراء، وأدناه حيضتان فصاعدا... " (* 1). ومنه يظهر أن ما عن بعض أصحابنا من الاكتفاء بالمرة ضعيف جدا. (1) كما هو ظاهر المرسلة. (2) هذا غير ظاهر من الروايتين. إلا أن يكون إجماعا، كما حكاه في المستند. أو يستفاد من إطلاق ما دل على التحيض برؤية الدم في أيامها، فانه وإن كان لا يصدق بتكرر الدم في وقت معين مرتين، بل يتوقف على تكرره مرات، لكن يمكن تطبيقه بالتكرر مرتين بتوسط مرسلة يونس المتقدمة، أو بعدم القول بالفصل بين المرتين والزائد عليهما. لكنه يتم لو لم يكن ظاهر الموثق المتقدم عدمه، وإلا وجب تقييده به. (ودعوى): عدم دلالة الموثق على النفي لعدم تعرضه إلا لاثبات كون العدة المتساوية أيامها، أما انحصار أيامها بذلك فلا دلالة فيه عليه. (ممنوعة) لانها خلاف ظاهر أداة الشرط. وقياس المقام على ما ورد في ضابط كثرة السهو - من قوله (ع): " إذا كان الرجل ممن يسهو


(* 1) الوسائل باب: 7 من أبواب الحيض حديث: 2

[ 210 ]

[ وإن كانتا متماثلتين في العدد فقط فهي ذات العادة العددية (1)، كما إذا رأت في أول شهر خمسة وبعد عشرة أيام أو أزيد رأت خمسة أخرى (2). ] في كل ثلاث فهو ممن كثر عليه السهو " (* 1) - غير ظاهر، لان قوله (ع): " ممن كثر عليه السهو " غير ظاهر في الانحصار، لوجود كلمة " من " فيه، بخلاف المقام، كما يظهر بالتأمل. فالعمدة إذن الاجماع المتقدم عن المستند المؤيد بما عن جامع المقاصد من نسبته إلى كلمات الاصحاب، إذ ما يستفاد من المرسلة - من أن التعدد مرتين كاف في صدق العادة، مستدلا عليه بقول النبي صلى الله عليه وآله - لا يصلح الموثق للحكومة عليه بل هو محكوم له، لان ظاهر الاستدلال بقول النبي صلى الله عليه وآله أنه لا تعبد في هذا الضابط إلا من حيث الاكتفاء بالتكرار مرتين، كما يظهر بالتأمل. وهل يعتبر في الوقتية تساوي الطهرين الواقعين بعد الدمين أولا؟ خلاف، والاظهر الثاني لصدق " أيامها " بدونه كما لا يخفى. (1) كما هو ظاهر الموثق. (2) حكي عن بعض: اشتراط الشهرين الهلالين في تحقق العادة العددية لظاهر الخبرين المتقدمين. قال في الجواهر: " وهو ضعيف، لصدق اسم العادة. ولتصريح كثير من الاصحاب به ". قلت: قد عرفت الاشكال في ذلك بناء على ظهور الموثق في المفهوم. والحمل على الغالب - كما في كلام غير واحد من الاعاظم - غير ظاهر. ومثله ما في المنتهى: " إذا عرفت المراة شهرها صارت ذات عادة، وهو إجماع أهل العلم. والمراد بشهر المرأة المدة التي دمها حيض وطهر وأقله ثلاثة عشر يوما عندنا ".


(* 1) الوسائل باب: 16 من أبواب الخلل في الصلاة حديث: 7

[ 211 ]

نعم يتم ما ذكر بناء على ما عرفت من حكومة المرسلة على الموثق. ثم إنه يظهر من قول المصنف (ره): - إن العادة في المثال المذكور عددية فقط - أنه يعتبر في الوقتية تعدد الشهر، كما اختاره في الجواهر تبعا للمحقق الثاني، إذ لا يمكن اتحاد الوقت في الشهر الواحد، ولا يمكن تماثل زماني الدم إلا بالشهرين الهلاليين، خلافا للشهيد الثاني في الروض، لان تكرر الطهر يحصل الوقت. واستحسنه شيخنا الاعظم (ره) قال: " وتوضيحه انه إذا تكرر طهران متساويان - كأن رأت ثلاثة حيضا، ثم عشرة طهرا، ثم ثلاثة حيضا، ثم عشرة طهرا، ثم ثلاثة حيضا - يصدق على الدم المرئي بعد مضي مقدار ذلك الطهر من الحيض الثالث أنها رأت الدم في أيام حيضها، لانها اعتادت بالحيض عقيب عشرة الطهر... " وما ذكره في محله، لو قلنا بأن التماثل بين الحيضتين يكفي فيه التماثل بالجهات الزائدة، كما هو مبنى القول بالعادة المركبة كما يأتي، أما لو قلنا باعتبار التماثل بحسب الزمان فقط فما ذكره غير ظاهر، لان التماثل بين الحيضتين في الفرض المذكور ليس إلا من جهة الطهر المتعقب به. وبالجملة: فهذه المسألة ومسألة العادة المركبة تبتنيان على مبني واحد، فالقائل بالعادة المركبة لابد له من القول بعدم اعتبار تعدد الشهر الهلالي في العادة الوقتية، وبالعكس. وأيضا لازم القول بالاجتزاء بتماثل زماني الدمين بلحاظ الطهر في تحقق العادة الوقتية الاجتزاء بتماثلها بلحاظ حال أخرى من الحر والبرد والخوف والامن، وكون القمر أو الشمس في البرج الفلاني... إلى غير ذلك من الاقترانات التي لا تحصى الموجبة لتماثل زماني الدمين. ثم إنه لو بني على تحقق العادة الوقتية بتساوي زماني الطهر، فالرجوع إليها مع استمرار الدم لا يخلو من إشكال، لعدم مساواة حالتي استمرار

[ 212 ]

[ (مسألة 10): صاحبة العادة إذا رأت الدم مرتين متماثلتين على خلاف العادة الاولى تنقلب عادتها (1) إلى الثانية وإن رأت مرتين على خلاف الاولى لكن غير متماثلتين يبقي حكم الاولى (2). نعم لو رأت على خلاف العادة الاولى مرات ] الدم والنقاء، إذ النقاء الذي كانت ترى معه الدم من الخصوصيات المفقودة وأيضا يشكل البناء عليها مع اتفاق الدمين في الشهرين إذا كانا مختلفين في الخصوصيات المذكورة، مثلا: إذا رأته في أول الشهر الاول خمسة، وفي أول الثاني ثلاثة، وفي أول الثالث أربعة، فالطهران بعد الدمين الاولين لما لم يتساويا أوجب ذلك اختلافا بين الدمين الاولين، فلم تستقر لها عادة وقتية حينئذ. (1) اتفاقا، كما في المنتهى، بل ظاهره الاتفاق حتى من العامة، لانه اقتصر على نقل الخلاف عن بعض العامة بدعواه الانقلاب بالمرة. ويساعده أدلة أحكام العادة، ولا سيما ما تقدم في مرسلة يونس الطويلة (* 1) فان الظاهر منها الفعلية وهي الثانية دون العادة السابقة الزائلة. فلا مجال للاشكال بأن تطبيق الدليل على العادة الثانية ليس بأولى من تطبيقه على الاولى. (2) للاطلاق، لصدق العادة والخلق على الاولى. وأما استصحاب بقاء العادة أو حكمها فلا مجال لهما، إذ الاول من قبيل استصحاب المفهوم المردد، لان منشأ الشك في العادة الشك فيما به قوام العادة، وان طروء الاختلاف المذكور رافع لها أولا؟ والثاني من الاستصحاب التعليقي. وما يظهر من الاستاذ (ره) في رسالة الدماء - من عدم الارتياب في زوال العادة بذلك - غير ظاهر. اللهم إلا أن يريد الفرض الآتي.


(* 1) تقدم ذكرها في أول المسألة التاسعة

[ 213 ]

[ عديدة مختلفة تبطل عادتها (1) وتلحق بالمضطربة. (مسألة 11): لا يبعد تحقق العادة المركبة (2) كما إذا رأت في الشهر الاول ثلاثة وفي الثاني أربعة وفي الثالث ثلاثة وفي الرابع أربعة، أو رأت شهرين متواليين ثلاثة وشهرين متواليين أربعة، ثم شهرين متواليين ثلاثة وشهرين متواليين أربعة، فتكون ذات عادة على النحو المزبور. لكن لا يخلو عن إشكال (3) خصوصا في مثل الفرض الثاني، حيث يمكن أن يقال: إن الشهرين المتواليين على خلاف السابقين يكونان ناسخين للعادة الاولى. فالعمل بالاحتياط أولى. نعم إذا تكررت الكيفية المذكورة مرارا عديدة بحيث يصدق في العرف أن هذه الكيفية عادتها وايامها ] (1) لانصراف الدليل عن ذلك. (2) كما عن المعتبر والمنتهى والتذكرة ونهاية الاحكام والتحرير وحواشي الشهيد والبيان، وفي القواعد وغيرها، لصدق " أيامها " على ما تقدم في تقريب العادة الوقتية. واليه مال شيخنا الاعظم (ره) لذلك. وفي الجواهر اختار العدم، إلا إذا تكرر ذلك مرارا متعددة بحيث يثبت بها الاعتياد العرفي فانه يمكن أن يدعى ذلك. (3) كما عن الذكرى حيث احتمل نسخ كل عدد لما قبله، ومنشؤه دعوى قصور الروايتين المتقدمتين (* 1) عن إثبات العادة بذلك. ودعوى صدق العادة العرفية حينئذ قد عرفت أن لازمها البناء على تحقق العادة مع الاختلاف الناشئ عن اختلاف المأكل والمشرب والصحة والمرض والحر والبرد والخوف والامن ونحو ذلك من الاحوال، التي يختلف الدم


(* 1) وهما موثقة سماعة ومرسلة يونس المتقدمتين في أول المسألة التاسعة.

[ 214 ]

باختلافها وقتا أو عددا أو وقتا وعددا، فلو رأت في حال الصحة في أول شهرين خمسة، ثم رأت في حال المرض في وسط شهرين ثلاثة لم تكن الثانية ناسخة للاولى، بل اختصت العادة الاولى بالصحة، والثانية بالمرض فلو استمر بها الدم في الشهر الخامس فان كانت صحيحة تحيضت في أوله بخمسة، وإن كانت مريضة تحيضت في وسطه بثلاثة. ولازم ذلك أيضا أن لو رأت الدم في شهرين مستويين وقتا وعددا في حال معين من الاحوال التي يحتمل اختلاف الدم باختلافها، لم تحكم بثبوت العادة لها إلا بلحاظ تلك الحال لا غير، فلو استحاضت في الثالث وتغيرت حالها إلى حال أخرى لم ترجع إلى العادة المذكورة إلا بعد تنقيح كونها عادة لها، وعدم دخل الحالة السابقة في كيفية رؤية الدم، وإلا فاحتمال كونها عادة بلحاظ الحالة التي كانت عليها مانع من جواز الرجوع إليها في حالة أخرى، فإذا كان أول الدور خمسة وثانيه أربعة وثالثه ثلاثة، فالاولية إذا كانت دخيلة في كون العادة خمسة والثانوية دخيلة في كونها أربعة والثالثية دخيلة في كونها ثلاثة فلم لا تكون سائر الجهات دخيلة في كون الخمسة في الشهرين المتواليين عادة؟ فلا يجوز الحكم بكونها عادة مطلقا. وهذا ونحوه من اللوازم مما يصعب الالتزام بها جدا، ويأباه إطلاق الروايتين السابقتين (* 1) وغيرهما من نصوص أحكام العادة، حيث لم تقيد ببقاء الحال الاولى، والاختلاف غالبا إنما يكون ناشئا عن اختلاف الاحوال، وليس لنصوص الرجوع إلى العادة أو " أيامها " أو " أيام اقرائها " أو نحو ذلك الاطلاق الشامل لذلك وإلا لم يبق له مورد إلا نادرا، بل هو منصرف إلى الوقت من حيث الشهر لا غير.


(* 1) تقدمتا في أول المسألة التاسعة.

[ 215 ]

[ لا إشكال في اعتبارها (1) فالاشكال إنما هو في ثبوت العادة الشرعية بذلك، وهي الرؤية كذلك مرتين. (مسألة 12): قد تحصل العادة بالتمييز (1) كما في المرأة المستمرة الدم إذا رأت خمسة أيام - مثلا - بصفات الحيض في أول الشهر الاول ثم رأت بصفات الاستحاضة، وكذلك رأت في أول الشهر الثاني خمسة أيام بصفات الحيض ثم رأت بصفات الاستحاضة، فحينئذ تصير ذات عادة عددية وقتية، وإذا رأت في أول الشهر الاول خمسة بصفات الحيض وفي أول الشهر الثاني ستة أول سبعة - مثلا - فتصير حينئذ ذات عادة وقتية، وإذا رأت في أول الشهر الاول خمسة - مثلا - وفي العاشر من الشهر الثاني - مثلا - خمسة بصفات الحيض فتصير ذات عادة عددية. ] هذا والاستاذ (ره) في رسالة الدماء استظهر جريان بعض أحكام العادة، كالتحيض برؤية الدم وإن لم نقل به في المبتدئة لصدق " أيام أقرائها "، ومنع من الرجوع إليها عند تجاوز الدم لصدق أنها ممن لا أيام لها أو أيامها متعددة. وهو كما ترى. (1) لصدق " أيامها " عرفا فيجري عليها أحكامها. لكن عرفت الاشكال في ذلك. (2) بلا خلاف يعرف، كما في طهارة شيخنا الاعظم (ره)، وفي المنتهى: " لا نعرف فيه خلافا "، ويقتضيه إطلاق أدلة التمييز الدالة على طريقيته إلى الحيض، نظير طريقية العلم إليه، فكما تثبت العادة بالعلم تثبت

[ 216 ]

به. لكن استشكل شيخنا الاعظم (ره) فيما لو اختلف التميز، كما لو رأته في المرة الاولى أسود وفي الثانية أحمر، ونقل عن الذكرى: التردد فيه، وعن التحرير أنه قرب العدم. وليس له وجه ظاهر، لان طريقية المختلف كطريقية المتفق. وفي الجواهر قال: " نقل عن العلامة في المنتهى: نفي الخلاف عن ثبوت العادة بالتمييز، فان تم إجماعا وإلا فللنظر فيه مجال "، وذكر قبل ذلك وجه النظر في ذلك، وهو عدم تناول الخبرين السابقين له، كالاخبار الآمرة بالرجوع إلى الاوصاف، فان إطلاقها يقتضي الرجوع إلى الاوصاف ولو مع التكرر مرتين. أقول: إذا بنينا على تقييد أخبار الرجوع إلى الاوصاف بصورة فقد العادة، فإذا فرض أن تكرر الجامع للصفات طريق إلى العادة كان الاطلاق مقيدا بعدمه. نعم يمكن أن يقال: أدلة حجية الصفات إنما تقتضي ثبوت الحيض بلحاظ أحكام الحائض - من ترك الصلاة ونحوه - بلا نظر فيها إلى حجيتها لاثبات الحيض بلحاظ اثبات العادة. وفيه: أن ذلك خلاف إطلاق دليل الحجية. وكذا يمكن أن يقال: إذا كانت حجية التمييز مشروطة بعدم العادة كانت العادة مانعة عن حجيته، فكيف تكون حجيته علة لثبوت العادة؟! لان الشئ لا يكون علة لمانعه. وهذا نظير الاشكال على آية النبأ في شمولها للاخبار بالواسطة. وفيه: ان حجية التمييز لما كانت منحلة إلى حجيات متعددة بتعدد أفراد التمييز - كسائر الاحكام الثابتة للعمومات الافرادية - فحجية التمييز في الشهرين الاولين علة لثبوت العادة فيهما، والعادة المذكورة إنما تمنع عن حجيته في الشهور اللاحقة لا عن حجيته في الشهرين الاولين. فالاولى في تقرير الاشكال دعوى ظهور نصوص

[ 217 ]

[ مسألة 13): إذا رأت حيضين متواليين متماثلين مشتملين على النقاء (1) في البين، فهل العادة أيام الدم فقط أو مع أيام النقاء أو خصوص ما قبل النقاء؟؟؟ الاظهر الاول (2). مثلا: إذا رأت أربعة ثم طهرت في اليوم الخامس، ثم رأت في السادس كذلك في الشهر الاول والثاني، فعادتها خمسة أيام لا ستة ولا أربعة، فإذا تجاوز دمها رجعت إلى خمسة متوالية وتجعلها حيضا لا ستة، ولا بأن تجعل اليوم الخامس يوم النقاء والسادس أيضا حيضا ولا إلى الاربعة. ] الرجوع إلى التمييز في خصوص من لم تكن لها عادة في حال الاستقامة، لان العادة في حال الاستقامة مقدمة على التمييز لا مطلقا ولو في حال الاستحاضة ولعل ذلك مراد الجواهر. وربما يجئ في مستمرة الدم بعض الكلام في المقام. فانتظر. ثم الظاهر انه لا إشكال في ثبوت العادة بقاعدة الامكان، كما يظهر من تنصيص غير واحد عليه، من غير تعرض للخلاف فيه، لاطلاق الادلة بل لعله ظاهر الروايتين المتقدمتين بلحاظ غلبة ثبوت الحيض بالقاعدة المذكورة. (1) سواء كان النقاء فيهما على نهج واحد أم مختلف. (2) هذا لا يخلو من تأمل، إذ الظاهر من أيام القعود في موثق سماعة المتقدم (* 1) أيام القعود عن الصلاة الشامل لمدة النقاء، كما هو المراد مما في موثق سماعة في الحبلي: " فإذا زاد الدم على الايام التي كانت تقعد " (* 2) وما في رواية الصحاف: " فلتمسك عن الصلاة عدد أيامها التي كانت


(* 1) تقدم في أول المسألة السادسة (* 2) الوسائل باب: 30 من أبواب الحيض حديث: 11

[ 218 ]

تقعد في حيضها " (* 1)، والنبوي: " تدع الصلاة قدر أقرائها " (* 2) فان النقاء قرء، إذ المراد منه ما يقابل الطهر، ولا يكون الطهر أقل من عشرة. ومن هنا قال شيخنا الاعظم (ره): " ان ظاهر أكثر النصوص العموم للنقاء. وجعله أيضا ظاهر أكثر العبارات "، نعم جعل ما في مرسلة يونس القصيرة: " كلما كبرت نقصت " (* 3). ظاهرا في خصوص الدم، وادعى انصراف أيامها التي كانت تقعد فيها. ونحو ذلك إلى أيام الدم. ثم أمر بالتأمل، وكأنه أشار به إلى منع الانصراف المذكور بنحو يعتمد عليه في رفع اليد عن الاطلاق. نعم أيام الحيض في المرسلة الطويلة (* 4) ظاهرة في أيام الدم. وكذلك النبوي: " تدع الصلاة قدر حيضها " (* 5) لكن دليل تنزيل النقاء منزلة الدم قرينة على ارجاع هذا اللسان إلى الاول، وهو أولى من حمل الاول عليه بحمله على الدم. والاستاذ (ره) في رسالة الدماء فصل بين العددية فالعبرة بأيام الدم والوقتية فالعبرة بالاخذ والانقطاع، لان الظاهر من المضمرة والمرسلة اعتبار تساوي أيام الدم في العددية، وان الملاك في الوقتية صدق مثل أيامها، والظاهر صدقه مع تخلل النقاء. وفيه أولا: انك عرفت ظهور المضمرة فيما يعم النقاء. وثانيا: أنه إذا صدق مثل أيامها على ما يعم النقاء صدق ما في ذيل المرسلة عليه، وهو حاكم على صدرها. وثالثا: أن صدق ذلك موجب لدلالة المطلقات على ما يعم النقاء الشاملة للوقتية وللعددية.


(* 1) الوسائل باب: 30 من أبواب الحيض حديث: 3 (* 2) الوسائل باب: 5 من أبواب الحيض حديث: 1 (* 3) الوسائل باب: 10 من أبواب الحيض حديث: 4 (* 4) الوسائل باب: 3 و 5 و 7 و 8 من أبواب الحيض (* 5) الوسائل باب: 5 من أبواب الحيض حديث: 1

[ 219 ]

[ (مسألة 14): يعتبر في تحقق العادة العددية تساوي الحيضين (1)، وعدم زيادة إحداهما على الاخرى ولو بنصف يوم أو أقل فلو رأت خمسة في الشهر الاول وخمسة وثلث أو ربع يوم في الشهر الثاني لا تتحقق العادة من حيث العدد. نعم لو كانت الزيادة يسيرة لا تضر. وكذا في العادة الوقتية تفاوت الوقت ولو بثلث أو ربع يوم يضر، وأما التفاوت اليسير فلا يضر. لكن المسألة لا تخلو عن إشكال (2) فالاولى مراعاة الاحتياط. (مسألة 15): صاحبة العادة الوقتية - سواء كانت عددية أيضا أم لا -، تترك العبادة بمجرد رؤية الدم في العادة (3) ] هذا وعن بعض: الجزم بأن العبرة بالدم المتصل، ولا ينظر إلى المنفصل بعد النقاء، مدعيا انه المستفاد من الفتاوى والنصوص بعد إمعان النظر، وهو أعلم بما قال. (1) للتصريح به في الموثق والمرسل. (2) لامكان دعوى ظهورها في اعتبار المساواة في الايام لا في الساعات فلا يقدح الاختلاف فيها. ولا سيما وكونه غالبيا. وكأنه لذلك صرح في محكي كشف الغطاء بعدم قدح الاختلاف ببعض يوم. لكن ذلك على إطلاقه مشكل، كما اعترف به شيخنا الاعظم (ره)، بل يختص بما إذا كان البعض غير مانع من صدق القعود في أيام متساوية كما هو الغالب. (3) بلا خلاف، بل الاجماع عليه، كما عن المعتبر والمنتهى والتذكرة وغيرها. ففي مصحح ابن مسلم: " سألت أبا عبد الله (ع) عن المرأة

[ 220 ]

[ أو مع تقدمه (1) ] ترى الصفرة في أيامها. فقال (): لا تصل حتى تنقضي أيامها " (* 1) وفي خبر ابن جعفر (ع) عن أخيه (ع): " عن المرأة ترى الصفرة أيام طمثها كيف تصنع؟ قال (ع): تترك لذلك الصلاة بعدد أيامها التي كانت تقعد في طمثها " (* 2)، وفي مرسلة يونس الطويلة: " لان السنة في الحيض أن تكون الصفرة والكدرة فما فوقها في أيام الحيض إذا عرفت حيضا " (* 3) ونحوه ما في مرسلته القصيرة (* 4)، ومرسلة المبسوط (* 5). بل عن جامع المقاصد: دعوى تواتر الاخبار عن النبي صلى الله عليه وآله والائمة (ع) بوجوب الجلوس برؤية الدم أيام الاقراء. وأما عمومات الامر بالقعود عن الصلاة أيام الحيض فلا تصلح للاستدلال بها على المقام لظهورها في الحكم الواقعي للحيض لا في التحيض بالرؤية. (1) اتفاقا في الجملة، كما عن المنتهى. ويدل عليه ما في مصحح الحسين بن نعيم الصحاف عن أبي عبد الله (ع) - في حديث -: " وإذا رأت الحامل الدم قبل الوقت الذي كانت ترى فيه الدم بقليل، أو في الوقت من ذلك الشهر فانه من الحيضة " (* 6) وموثق سماعة: عن المرأة ترى الدم قبل وقت حيضها، قال (ع): فلتدع الصلاة، فانه ربما تعجل بها الوقت " (* 7)، ومصحح اسحاق عن أبي بصير عن أبي عبد الله (ع):


(* 1) الوسائل باب: 4 من أبواب الحيض حديث: 1 (* 2) الوسائل باب: 4 من أبواب الحيض حديث: 7 (* 3) الوسائل باب: 3 من ابواب الحيض حديث: 4 (* 4) الوسائل باب: 4 من ابواب الحيض حديث: 3 (* 5) الوسائل باب: 4 من أبواب الحيض حديث: 9 (* 6) الوسائل باب: 15 من أبواب الحيض حديث: 1 (* 7) الوسائل باب: 15 من أبواب الحيض حديث: 2

[ 221 ]

" في المرأة ترى الصفرة. فقال (ع): إن كان قبل الحيض يومين فهو من الحيض، وإن كان بعد الحيض بيومين فليس من الحيض " (* 1)، ونحوه رواية معاوية بن حكيم (* 2)، وخبر علي ابن أبي حمزة: " عن المرأة ترى الصفرة. فقال (ع): ما كان قبل الحيض فهو من الحيض، وما كان بعد الحيض فليس منه " (* 3). وظاهر الجميع صورة التقدم قليلا بحيث يصدق التعجيل، وتقدم دم العادة، للتقييد بالقليل في الاول، والتعليل بالتعجيل في الثاني، والاقتصار على اليومين في الثالث، وللمقابلة بين ما قبل الحيض وما بعده في الرابع، إذ لو لم يكن المراد التقدم قليلا لم يكن وجه للمقابلة بينهما، إذ كل ما قبل الحيض اللاحق يصدق عليه انه بعد الحيض السابق، وبالعكس، بخلاف ما لو حمل على التقدم قليلا، كما لا يخفى. مع أنه لو سلم الاطلاق في الرابع فالتعليل بالتعجيل في الثاني حاكم عليه. فتأمل. فلا وجه لاطلاق الحكم - كما عن جماعة - كما لا وجه لتخصيصه بصورة الوجدان للصفات - كما عن المدارك - لعموم أدلة نفي حيضية فاقد الصفات. إذ قد عرفت في أول الفصل منع العموم فيها. مضافا إلى وجوب تخصيصها بهذه النصوص، لصراحة بعضها في الفاقد. مع أن المطلق منها أولى بالتقديم على تلك الادلة - وان كان بينه وبينها عموم من وجه - لاظهريته، ولا سيما مثل الموثق المشتمل على التعليل. وأما ذيل مصحح محمد بن مسلم المتقدم -: " وإن رأت الصفرة في غير أيامها توضأت وصلت " (* 4) فتقييده بهذه النصوص


(* 1) الوسائل باب: 4 من أبواب الحيض حديث: 2 (* 2) الوسائل باب: 4 من أبواب الحيض حديث: 6 (* 3) الوسائل باب: 4 من أبواب الحيض حديث: 5 (* 4) الوسائل باب: 4 من أبواب الحيض حديث: 1

[ 222 ]

[ أو تأخره (1) يوما أو يومين أو أزيد على وجه يصدق عليه تقدم العادة أو تأخرها ولو لم يكن الدم بالصفات، وترتب عليه جميع أحكام الحيض، فان علمت بعد ذلك عدم كونه حيضا لانقطاعه قبل تمام ثلاثة أيام تقضي ما تركته من العبادات وأما غير ذات العادة المذكورة - كذات العادة العددية فقط، ] متعين، فانه مقتضى الجمع العرفي لانها أخص منه. وأما في جامع المقاصد والمسالك - من إلحاقها بالمبتدئة والمضطربة - فغير ظاهر الوجه. وحمل النصوص المذكورة على صورة العلم بالحيض أو مضي ثلاثة أيام تصرف فيها بلا قرينة. هذا والظاهر أن تقدم الدم بمقدار العادة من موضع النصوص، وعن كشف اللثام: الاتفاق على الحكم فيه. وتخصيص الحكم باليومين دون الزائد عليهما - للتقييد بهما في مصحح اسحاق وغيره الواجب حمل غيره عليه جمعا بين المطلق والمقيد - غير ظاهر الوجه، إذ لا مفهوم للشرط في الجملة المذكورة فيه لانها مسوقة في قبال التأخر بيومين. ولو سلم ظهوره في المفهوم فالتعليل في الموثق أظهر منه، ومقتضاه - كما عرفت - عدم الفرق بين اليومين والازيد ما دام يصدق التعجيل. (1) بأن لم تره في العادة ورأته متأخرا. والظاهر أنه لا خلاف في التحيض برؤيته إذا كان واجدا للصفات، بل في المستند دعوى الاجماع القطعي عليه. واستدل له باخبار الصفات - كما في المستند - وبأن تأخره يزيده انبعاثا - كما عن فوائد الشرائع وغيره - أو لقوة احتمال أن يستفاد من تعليل الحكم بالتعجيل في الموثق إناطة الحكم بمطلق التخلف، كما في طهارة شيخنا الاعظم (ره). لكن الجميع لا يخلو عن نظر. إذ الاول مبني على

[ 223 ]

[ والمبتدئة والمضطربة والناسية (1) - فإنها تترك العبادة، ] ثبوت عموم التمييز بالصفات، وقد عرفت انه محل إشكال. والثاني لا يصلح مستندا لحكم شرعي. والثالث ممنوع جدا إلا أن يرجع إلى قاعدة الامكان وحينئذ لا خصوصية للمقام. وأما إذا كان فاقدا للصفات فالمشهور فيه ذلك أيضا، بل عن بعض الاجلة. الاجماع عليه، لما تقدم مما عرفت ضعفه، ولا سيما بملاحظة ما تقدم من النصوص المتضمنة ان الصفرة بعد الحيض ليس من الحيض. وحملها على صورة رؤية الدم في العادة، واستمراره إلى ما بعدها - بحمل الحيض فيها على الحيض المفروض الوجود - خلاف الظاهر. مع أن لازمه عدم جواز الاستدلال بها على التحيض برؤية المتقدم، لانه يتوقف على العلم ببقائه إلى زمان العادة. مضافا إلى ما في مصحح ابن مسلم المتقدم: " وإن رأت الصفرة في غير أيامها توضأت وصلت ". ومن هنا كان ما عن المدارك - من عدم التحيض بالفاقد - في محله إن لم يتم إجماع على خلافه. وكأنه لهذا الاجماع جزم بالتحيض هنا من لم يحكم به في المتقدم - كالمحقق الثاني - مع وضوح كون المستفاد من النصوص الواردة في المقامين كون الحكم بالعكس. وفي المسالك احتمل هنا إجراء حكم المبتدئة - كما في المتقدم على العادة - استظهارا، أو للاختلاف وإلحاقه برؤيته في العادة، لان تأخره يزيده انبعاثا. والظاهر - كما في طهارة شيخنا الاعظم (ره) وغيرها - أنه لا فرق في التأخر بين القليل والكثير، لانه كلما طال الزمان ازداد الدم انبعاثا. فتأمل. (1) وكذا ذات العادة الوقتية إذا رأته قبلها بكثير وكانت قد رأته في العادة السابقة، أما لو لم تره فيها فهو من المرئي متأخرا عن العادة كما تقدم.

[ 224 ]

[ وترتب أحكام الحيض بمجرد رؤيته إذا كان بالصفات (1) ] (1) كما لعله المشهور، لاخبار الصفات. لكن تقدم الاشكال في عمومها للمقام. ومصحح إسحاق المتقدم: " عن الحبلى ترى الدم اليوم واليومين قال (ع): إن كان دما عبيطا فلا تصل ذينك اليومين، وإن كان صفرة فلتغتسل عند كل صلاتين " (* 1)، ولا يقدح فيه البناء على ظهورها في كون الحيض أقل من ثلاثة، لامكان التفكيك بين دلالات الدليل في الحجية. وصحيح ابن الحجاج: " سألت أبا ابراهيم (ع): عن امرأة نفست فمكثت ثلاثين يوما أو أكثر، ثم طهرت وصلت، ثم رأت دما أو صفرة. قال (ع): إن كان صفرة فلتغتسل ولتصل ولا تمسك عن الصلاة " (* 2)، فان مفهومه يدل على أنه إن كان ليس بصفرة تمسك عن الصلاة. ويعضد المفهوم المذكور عدم التعرض في الجواب لحكم الدم، مع أنه مذكور في السؤال مع الصفرة، فان ذلك قرينة على الاجتزاء بالشرطية المذكورة عن بيان حكمه. بل في رواية الشيخ (ره) قد صرح بالمفهوم، حيث زاد في آخره " فان كان دما ليس بصفرة فلتمسك عن الصلاة أيام أقرائها، ثم لتغتسل ولتصل " (* 3). وصحيح عبد الله بن المغيرة عنه (ع): " في امرأة نفست فتركت الصلاة ثلاثين يوما، ثم طهرت، ثم رأت الدم بعد ذلك. قال (ع): تدع الصلاة، لان أيامها أيام الطهر قد جازت مع أيام النفاس " (* 4)، ولا يقدح فيهما دلالتهما على أن النفاس يبلغ الثلاثين والاكثر وهو خلاف ما يأتي، لما عرفت من إمكان التفكيك في الحجية، بل لعل في التعليل في


(* 1) الوسائل باب: 30 من أبواب الحيض حديث: 6 (* 2) الوسائل باب: 5 من أبواب النفاس حديث: 2 (* 3) الوسائل باب: 5 من أبواب النفاس حديث: 3 (* 4) الوسائل باب: 5 من أبواب النفاس حديث: 1

[ 225 ]

[ وأما مع عدمها فتحتاط بالجمع (1) بين تروك الحائض وأعمال المستحاضة إلى ثلاثة أيام، ] الاخير الايماء إلى أن النفاس ليس تمام الثلاثين بل بعض الثلاثين طهر. ومقتضى ترك الاستفصال فيها عدم الفرق بين الاقسام المذكورة في العنوان كما أن اختصاص موردها بالحبلى والنفساء لا يوجب الاقتصار عليه، لقرب دعوى الغاء الخصوصية المذكورة عرفا. مع أن الظاهر الاجماع على عدم الفصل. بل ظاهر قوله (ع) في الصحيح الاخير: " لان أيامها... " ان الموجب للحكم بالحيضية عدم المانع عنه، وهذا المعنى مطرد في غير مورد النص. ومن ذلك يظهر عدم وجه للتفصيل في المضطربة - كما عن البيان والدروس - بين الظن به فيحكم به، وعدمه فيرجع إلى أصالة عدم الحيض اللهم إلا أن يكون مبنيا على حمل النصوص المذكورة على خصوص صورة الظن. لكنه ممنوع. أو على إجراء مقدمات الانسداد. لكن بطلانها واضح لعدم الانسداد بعد وجود الدليل، وإمكان الاحتياط بالجمع. ومثله التفصيل في المبتدئة - كما عن جماعة من القدماء والمتأخرين منهم: الكليني في الكافي والحلي في السرائر، والمحقق في المعتبر، والعلامة في التذكرة، وغيرهم - بين ما قبل الثلاثة وما بعدها، فانه طرح لظاهر النصوص المذكورة من غير وجه ظاهر. (1) لتصادم أدلة القولين بالتحيض وعدمه، أما الاول فهو المنسوب إلى الاشهر، وأما الثاني فمحكي عن جماعة من المتأخرين. منهم: السيد في المدارك، واختاره شيخنا في الجواهر، وشيخنا الاعظم. واستدل للاول بقاعدة الامكان وبأخبار الصفات - بناء على عدم الفصل بين الواجد والفاقد، كما عن الوحيد (ره) وبه جزم سيدنا في

[ 226 ]

الرياض - وباطلاق صحيح ابن المغيرة المتقدم في حكم الواجد للصفات، ومضمرة سماعة: " سألته عن الجارية البكر أول ما تحيض فتقعد في الشهر يومين وفي الشهر ثلاثة أيام يختلف عليها، لا يكون طمثها في الشهر عدة أيام سواء؟ قال (ع): فلها أن تجلس وتدع الصلاة ما دامت ترى الدم ما لم يجز العشرة " (* 1)، وموثق ابن بكير: " إذا رأت المرأة الدم في أول حيضها، واستمر الدم تركت الصلاة عشرة أيام " (* 2)، وموثقه الآخر: " في الجارية أول ما تحيض يدفع عليها الدم فتكون مستحاضة. انها تنظر بالصلاة فلا تصلي حتى يمضي اكثر ما يكون من الحيض، فإذا مضى ذلك وهو عشرة أيام فعلت ما تفعله المستحاضة " (* 3). لكن الجميع لا يخلو من نظر: أما القاعدة فانها إن كانت مستفادة من الاجماع فلا مجال للاخذ بها في المقام مع وضوح الخلاف. اللهم إلا أن يقال: الخلاف في المقام لشبهة عدم انطباقها في المقام، وسيجئ في محله الاشكال فيه. وإن كانت مستفادة من النصوص كان حالها حال النصوص المذكورة - على تقدير تمامية دلالتها - في وجوب تقييدها بصحيح ابن الحجاج، ومصحح إسحاق المتقدمين، المعتضدين بما دل على أن الصفرة في غير أيام الحيض ليست بحيض (* 4)، بناء على عدم الفصل بين ما تراه المعتادة في غير عادتها أو ما يقرب منها، وما تراه غيرها. هذا وقد استدل أيضا بالنصوص الدالة على أن الصائمة تفطر بمجرد رؤية الدم (* 5). وفيه: أنها واردة في مقام بيان مفطرية الحيض، لا فيما


(* 1) الوسائل باب: 14 من أبواب الحيض حديث: 1 (* 2) الوسائل باب: 8 من أبواب الحيض حديث: 6 (* 3) الوسائل باب: 8 من أبواب الحيض حديث: 5 (* 4) الوسائل باب: 4 من أبواب الحيض (* 5) الوسائل باب: 50 من أبواب الحيض

[ 227 ]

نحن فيه من الحكم الظاهري بمفطرية مشكوك الحيضية. فلاحظها. وأما الاشكال على القاعدة بأن مجراها الامكان المستقر، ولا يكون إلا بعد ثلاثة أيام - ففيه: انه يمكن إثبات بقائه إلى الثلاثة بالاصل: وأما ما ذكره شيخنا الاعظم (ره) - من منع جريان أصالة البقاء في مثل ما نحن فيه، بل الاصل عدم حدوث الزائد على ما حدث، - كيف ولو ثبت بحكم الاصل بقاؤه إلى الثلاثة، لم يحتج إلى قاعدة الامكان للاتفاق من الطرفين على أن الدم المستمر ثلاثة أيام حيض - فمشكل أولا: بأن الذي حقق في محله جريان الاستصحاب في الامور التدريجية، وان الوجود المتصل بلا تخلل العدم وجود واحد حقيقة وعرفا، والتغاير بين الوجودين في الزمانين من قبيل التغاير بين مراتب الوجود الواحد. وثانيا: بانه لم يظهر الوجه في عدم الحاجة إلى القاعدة على تقدير جريان الاصل المذكور، كيف والاجماع؟ المذكور عين الاجماع على القاعدة، وليس هو إجماعا على الحكم الواقعي كي يغاير الاجماع على القاعدة. ومثل ذلك في الاشكال دعواه أن المراد من الاستقرار الواقعي المتيقن وبعبارة أخرى: الدم الموجود في ثلاثة أيام، وليس لفظ الامكان واردا في نص شرعي كي يترتب على المستصحب ما يترتب على المستقر الواقعي. إذ وجه الاشكال: أن كون الموضوع هو الاستقرار الواقعي المتيقن لا يمنع من جريان الاصل، لما حقق في محله من قيام الاستصحاب مقام العلم الموضوعي على نحو الطريقية. وكذا بناء على ما تضمنته العبارة الاخرى، فان الاستصحاب يثبت الوجود في ثلاثة أيام. مع ما بين العبارتين من تغاير المراد. وعدم ورود الامكان في نص شرعي لا يمنع من جريان الاصل، إذ يكفي في جريانه وقوعه في معقد اجماع هو حجة شرعا.

[ 228 ]

وفي الجواهر لم يتعرض لهذا الاستصحاب وإنما اقتصر على الاشكال على القاعدة بعدم استقرار الامكان. ثم قال في آخر كلامه: " والحاصل ان التوالي شرط، فلا يحكم بالحيضية بدونه، والتجاوز مانع يمكن نفيه بالاصل "، وهو مضمون ما ذكره المحقق في الاشكال على القاعدة. والاشكال عليه ظاهر مما ذكرنا، فان الاصل يثبت التوالي، كما أنه يثبت التجاوز عن العشرة فلا مجال لاصالة عدمه. اللهم إلا أن يكون المراد من الامكان الصفة الوجودية في الدم، وهذه الصفة لا يمكن اثباتها بالاصل الجاري لاثبات الاستمرار إلى الثلاثة، إلا بناء على القول بالاصل المثبت، للملازمة بين الصفة وبين الاستمرار المذكور، إذ ليس مرجع الامكان إلى وجود الشرط وعدم المانع، ليكون الاصل الجاري لاثبات الشرط ونفي المانع مثبتا له. نعم لو كان الامكان المذكور موضوعا للقاعدة من أحكام ثبوت الشرط، وعدم المانع شرعا، كان الاصل المثبت للشرط والنافي للمانع مثبتا له. لكنه غير ظاهر. ولعل ذلك هو مراد شيخنا الاعظم (ره) بقوله: " وليس لفظ الامكان واردا... ". نعم يشكل ذلك فيما لو علم باستمراره ثلاثة أيام فانه لا يحرز بذلك إمكان كونه حيضا، لاحتمال العبور عن العشرة. لكن الاجماع على جريان القاعدة في الفرض كاشف عن أن الامكان المعتبر في القاعدة يراد منه الامكان من غير هذه الجهة، أعني: جهة الامتناع من جهة التضاد بين التطبيقين على الدمين في الحكم بالحيضية. هذا ولكن الظاهر من الامكان ليس هو العقلي بل القياسي. وهو الحاصل من اجتماع الشرائط وفقد الموانع، فهو أثر شرعي لذلك فالاصل الجاري لاثبات الشرط كاف في إثباته. فلاحظ. وسيأتي - إن شاء الله تعالى في مبحث قاعدة الامكان - ان الروايات المستدل بها عليها موردها التحيض بالرؤية، إما لصحة

[ 229 ]

[ فان رأت ثلاثة أو أزيد تجعلها حيضا (1). نعم لو علمت أنه يستمر إلى ثلاثة أيام تركت العبادة بمجرد الرؤية، وإن تبين الخلاف تقضي ما تركته. ] الاستصحاب المذكور، أو لعدم اعتبار استقرار الامكان من جهة استمرار الدم ثلاثة أيام، وانه لا مجال للتوقف في جريان القاعدة في أول الرؤية. ثم انه قد يستشكل في الاصل المذكور من جهة عدم جريان الاصل في الازمنة المتأخرة. كما صدر من بعض. وفيه: انه خلاف إطلاق دليله بل ظاهر شيخنا الاعظم (ره) في غير المقام، وعن غيره في بعض المقامات - مثل الشك في الوقت - المفروغية عن صحة جريانه فيها. فراجع. وأما أخبار الصفات، فقد عرفت في أول المبحث الاشكال في عمومها لغير المستمرة الدم، مع أن مقتضاها نفي حيضية الفاقد، كما هو محل الكلام وعدم القول بالفصل - لو تم - لا يصلح وجها لالحاق الفاقد بالواجد في الحكم بالحيضية، بل من الممكن إلحاق الواجد بالفاقد في الحكم بنفيها، ولا موجب للترجيح، ومع التعارض يرجع إلى قواعد أخرى. مع أن في تمامية عدم الفصل إشكالا أو منعا، كما في الجواهر وطهارة شيخنا الاعظم (ره) بل استظهر فيهما - تبعا للمدارك - أن ظاهر المنتهى والمختلف ان النزاع إنما هو في الجامع، وأما الفاقد فلا نزاع فيه. وأما النصوص فلو تمت دلالتها فهي مقيدة بصحيح ابن الحجاج، ومصحح اسحاق المتقدمين كما عرفت. فتأمل. مع أنه يقرب الاشكال في دلالتها بلحاظ ظهورها في ورودها لبيان منتهى مدة التحيض بعد الفراغ عن أصل التحيض لا لبيان التحيض بمجرد الرؤية. فإذا القول بعدم التحيض أنسب بالادلة. (1) لان الاصل في الثلاثة المتوالية أن تكون حيضا بلا إشكال، كما

[ 230 ]

في الجواهر، وعن التذكرة: " إذا رأت ثلاثة أيام متواليات فهو حيض قطعا "، والاجماع عليه صريحا وظاهرا من غير واحد، فيما لو رأت الدم ثلاثة ثم انقطع ثم رأته قبل العشرة. وفي محكى المنتهى وطهارة شيخنا الاعظم (ره): دعوى الاتفاق عليه صريحا في المبتدئة، بل هو ظاهر كل من تعرض لنقل الاقوال، حيث لم ينقل أحد منهم القول بعدم التحيض فيها، والظاهر بناؤهم على عدم الفرق بينها وبين غيرها من أقسام ذات الدم المشار إليها في المتن، كما صرح به غير واحد. ويقتضيه - مضافا إلى قاعدة الامكان - جملة من النصوص، كصحيح يونس بن يعقوب: " المرأة ترى الدم ثلاثة أيام أو أربعة. قال (ع): تدع الصلاة " (* 1) وصحيح ابن سنان: " عن الحبلى ترى الدم أتترك الصلاة؟ قال (ع): نعم، إن الحبلى ربما قذفت بالدم " (* 2). ونحوه صحيح صفوان (* 3)، ولاجل ذلك كله ترفع اليد عن إطلاق ما تقدم من عدم التحيض بالفاقد للصفة، فيحمل على عدم التحيض به قبل الثلاثة لا بعدها. ومن ذلك يظهر الوجه في قوله (ره): " نعم لو علمت انه يستمر إلى... ". تنبيه قال العلامة (ره) في القواعد: " وكل دم يمكن أن يكون حيضا فهو حيض وإن كان أصفر أو غيره ". ومثله كلام غيره، وفي جامع المقاصد: " هذا الحكم ذكره الاصحاب كذلك، وتكرر في كلامهم، ويظهر منهم انه مما أجمعوا عليه ". وعن شرح الروضة: " ذكره الاصحاب


(* 1) الوسائل باب: 6 من أبواب الحيض حديث: 2 (* 2) الوسائل باب: 30 من أبواب الحيض حديث: 1 (* 3) الوسائل باب: 30 من أبواب الحيض حديث: 4

[ 231 ]

قاطعين به على وجه يظهر منهم اتفاقهم عليه " وفي الذخيرة: " لا أعرف في ذلك خلافا بين الاصحاب، بل في كلام المحقق والعلامة انه إجماعي " وعن شرح المفاتيح: أنه المعروف من مذهب الاصحاب، وعن حاشية المدارك: " انهم لم يعولوا على الامكان وإنما عولوا على الاجماع " وفي الرياض: نسبته إلى الاصحاب من غير خلاف، بل عن الخلاف: " الصفرة والكدرة في أيام الحيض حيض، وفي أيام الطهر طهر، سواء كانت أيام العادة أو الايام التي يمكن أن يكون الدم فيها حيضا "، ثم حكى عن بعض العامة تخصيص ذلك بأيام العادة، ثم قال: " دليلنا على ذلك إجماع الفرقة "، وعن نهاية الاحكام: " كل دم يمكن أن يكون حيضا وينقطع على العشرة فانه حيض، سواء اتفق لونه أو اختلف، ضعيف أو قوي إجماعا " وفي المعتبر: " وما تراه المرأة بين الثلاثة إلى العشرة حيض إذا انقطع، ولا عبرة بلونه، ما لم يعلم انه لقرح أو لعذرة، وهو إجماع. ولانه في زمان يمكن أن يكون حيضا فيجب أن يكون حيضا " ونحوه ما في المنتهى غير انه قال: " وهو مذهب علمائنا أجمع ". فان ما ادعياه من الاجماع وان كان في بعض موارد القاعدة، إلا أن استدلالهما عليه بالقاعدة يقتضي كونها بعمومها أوضح من معقد الاجماع، بحيث يستدل بها عليه. إذا عرفت ذلك نقول: إن الكلام في القاعدة (تارة) يكون في معناها (واخرى) في دليها (وثالثة) في موردها. (أما الاول) فهو أنه ليس المراد بالامكان الامكان الذاتي - أعني ما يكون الحكم به بالنظر إلى الذات - وذلك لان خصوصيه الحيضية إن كانت خارجة عن قوام الذات يلزم بطلان عموم القضية في جميع الموارد التي يحكم فيها بعدم الحيض، لتحقق الامكان الذاتي، مع أن المفروض ان الدم

[ 232 ]

فيها ليس بحيض، ولا فرق في ذلك بين الامكان العام والخاص، وإن كانت داخلة في قوام الذات، فان كان المقصود الامكان الخاص - وهو ما يصح سلب الضرورة فيه عن الطرفين - بطلت القضية، لان الدم إما حيض بالضرورة أو لا حيض كذلك، فيمتنع سلب الضرورة فيه عن الطرفين وان كان المقصود العام منه - كما اختاره في المسالك وتبعه عليه في الذخيرة - وهو ما يصح سلب الضرورة فيه عن الطرف المخالف، فالقضية وإن كانت صحيحة إلا أنها تكون حقيقة واقعية، لان كل دم لا يكون سلب الحيض عنه ضروريا فهو حيض واقعا، ولا تكون قضية تعبدية ظاهرية كما هو المقصود. وكذا الحال لو أريد منه الامكان القياسي بلحاظ حدوده الواقعية لان ما جمع حدود الحيض واقعا كان حيضا ضرورة. وكذا ليس المراد منه الامكان الوقوعي - أعني: مالا يلزم من الوقوع المحال - لعدم إمكان الاحاطة بذلك، فيتعذر العمل بالقاعدة. وحينئذ يدور الامر بين أن يراد منه الامكان الاحتمالي، والامكان القياسي بلحاظ ما علم اعتباره شرعا، والامكان القياسي بلحاظ ما احتمل اعتباره فيه شرعا واقعا وان لم يعلم. ويفترق الاول عن الاخيرين في أول الرؤية إذا لم يمكن احراز استمراره إلى الثلاثة، ويفترقان عنه فيما لو علم بكونه ليس بحيض مع اجتماع جميع ما يعتبر قطعا أو احتمالا فيه، ويفترق الثاني عن الثالث فيما لو احرز جميع ما ثبت اعتباره فيه وفقد بعض ما يحتمل فيه اعتباره كالتوالي. هذا وحيث أن مورد افتراق الاخيرين عن الاول مما لا يحتمل دخوله في محل الكلام - لان القاعدة المذكورة كسائر القواعد الظاهرية تختص بصورة عدم العلم - كانت المعاني الثلاثة مترتبة في العموم المطلق، فالاول أعم من الاخيرين، والثاني أعم من الثالث، ومن ذلك يظهر الاشكال فيما ذكره الاستاذ (ره)

[ 233 ]

في رسالة الدماء من أن المعنى الثاني اعم من الاول، بملاحظة مورد الافتراق المذكور، وبملاحظة خروجه عن محل الكلام يكون مساوقا له، ولا ينفك أحدهما عن الآخر. ثم إنه قد يستظهر من كل من تمسك لتحيض المبتدئة وغيرها بمجرد الرؤية بقاعدة الامكان اختياره للمعنى الاول، لكن عرفت الاشكال في ذلك. فراجع. نعم هو ظاهر المنتهى في ذلك المقام، وغيره في المقام. كما أن المختار لشيخنا الاعظم (ره) هو الاخير، ولعله هو الظاهر من لفظ الامكان بعد امتناع حمله على الذاتي والوقوعي كما سبق. نعم مقتضى بعض معاقد الاجماعات، وجملة من الادلة الآتية من النصوص، وغيرها - على تقدير تمامية الاستدلال بها عليها - هو الاول. وسيجئ تمام الكلام في ذلك. (وأما الثاني) فهو أمور. الاول: الاصل. ذكره جماعة. وفيه: أنه إن كان بمعنى الغلبة فلا دليل على حجيته، وان كان بمعنى الظاهر ففيه: - مع ذلك - ان ثبوته مطلقا ولو مع فقد الصفات محل تأمل. وان كان بمعنى استصحاب عدم كونه من قرح أو عرق العاذل أو نحوهما - كما عن شرح المفاتيح - ففيه: - مع أنه يتوقف على جريان الاستصحاب في العدم الازلي. فتأمل. ومعارضته باستصحاب عدم الحيض - لا يصلح لا ثبات كونه حيضا، إلا بناء على القول بالاصل المثبت. وان كان بمعنى أصالة الصحة - لان دم الاستحاضة إنما يكون من علة كما في النص (* 1)، كما قد يظهر من الرياض - فهو لا يصلح لاثبات كون الدم حيضا، لانه من اللوازم التي لا يصلح أصل الصحة لاثباتها، والقدر المتيقن من دليله اعتباره


(* 1) الوسائل باب: 12 من أبواب الحيض حديث: 2

[ 234 ]

بلحاظ الآثار الشرعية للصحة لا غير. الثاني: بناء العرف، فان المتعارف ان المرأة التي من شأنها أن تحيض متى ما رأت ما يمكن أن يكون حيضا تبني على كونه حيضا، كما في محكي شرح المفاتيح. وفيه: أن ذلك مسلم فيما يخرج من الرحم، لكن الظاهر انه تطبيق حقيقي - كما يساعده مادة اشتقاق الاستحاضة - لا بنحو يكون قاعدة ظاهرية - كما هو محل الكلام - بل يكون خطئيا. والنصوص المتضمنة للفرق بين دم الحيض والاستحاضة بمثل: " إن دم الاستحاضة يخرج من عرق العاذل "، (* 1) أو: " أنه من علة " (* 2) رادعة عنه، ولو سلم ذلك فالنصوص النافية للتحيض بالفاقد (* 3) رادعة عنه. فتأمل. الثالث: سيرة المتشرعة. وفيه: أنها وإن كانت مسلمة، لكنها في الجملة والموارد المتيقنة منها لعله مما قام الدليل على التحيض فيه. الرابع: ما في كشف اللثام من انه لو لم يعتبر الامكان لم يحكم بحيض إذ لا يقين. وفيه: أنه يتم لو لم يكن طريق إلى الحيض أصلا، لكن عرفت سابقا الاتفاق من النص والفتوى على أصالة الحيض في كل ما يرى في العادة، أو ما يقرب منها وإن لم يكن بالصفة (* 4)، وكل ما يرى بالصفة وإن لم يكن في العادة أو ما يقرب منها (* 5)، وكل ما استمر


(* 1) لم نقف عليه بعد الفحص عنه في مظانه من كتب الحديث. نعم في نهاية ابن الاثير في مادة (عذل) هكذا: " في حديث ابن عباس: وسئل عن الاستحاضة فقال: ذلك العاذل يغذو. ثم قال: العاذل اسم العرق الذي يسيل منه دم الاستحاضة، ويغذو اي يسيل " ونحوه في الصحاح. وسيأتي قبل المسألة الاولى من فصل الاستحاضة ما يدل على نفي ورود الحديث في ذلك. (* 2) الوسائل باب: 12 من أبواب الحيض حديث: 2 (* 3) الوسائل باب: 3 و 4 من أبواب الحيض (* 4) الوسائل باب: 4 و 15 من أبواب الحيض (* 5) الوسائل باب: 3 من أبواب الحيض

[ 235 ]

ثلاثة أيام وإن لم يكن واجدا للصفات (* 1)، فكيف يتوقف الحكم بالحيض على قاعدة الامكان؟! الخامس: جملة من النصوص قد أشار إلى أكثرها شيخنا الاعظم (ره) في طهارته، وغيره، مثل روايتي يونس بن يعقوب وأبي بصير فيمن ترى الدم ثلاثة أو أربعة (* 2) المتضمنتين: " انها تدع الصلاة كلما رأت الدم وتصلي كلما رأت الطهر ما بينها وبين شهر "، وروايتي ابن مسلم (* 3) والبصري (* 4) المتضمنتين: " إن ما تراه قبل العشرة فهو من الحيضة الاولى وما تراه بعدها فهو من حيضة مستقبلة ". المتقدمة كلها في مبحث التوالي ورواية سماعة الواردة فيمن ترى الدم قبل العادة، الآمرة بالتحيض به، معللة بأنه ربما تعجل بها الوقت. وقد تقدمت في التحيض بالدم المتقدم على العادة، وصحيحة ابن المغيرة الواردة فيمن رأت الدم بعد ما نفست ثلاثين يوما وتركت الصلاة، الآمرة بالتحيض معللة بأن أيام الطهر قد جازت مع أيام النفاس. وقد تقدمت في تحيض المبتدئة برؤية الدم الواجد للصفات، ورواية ابن سنان الواردة في الحبلى ترى الدم، الآمرة بالتحيض معللة بأن الحبلى ربما قذفت بالدم، المتقدمة في التحيض بالمستمر ثلاثة أيام، ونحوها موثقة أبي بصير (* 5)، وكذا مرسلة حريز (* 6). إلا انها معللة بأنه ربما يبقى في الرحم الدم ولم يخرج وتلك الهراقة. فان


(* 1) الوسائل باب: 14 من أبواب الحيض (* 2) الوسائل باب: 6 من أبواب الحيض حديث: 2 و 3 (* 3) الوسائل باب: 11 من أبواب الحيض حديث: 3 (* 4) الوسائل باب: 17 من أبواب العدد حديث: 1 (* 5) الوسائل باب: 30 من أبواب الحيض حديث: 10 (* 6) الوسائل باب: 30 من أبواب الحيض حديث: 9

[ 236 ]

ظاهر التعليلات المذكورة مجرد ابداء الاحتمال ليكون المورد من صغريات القاعدة. وما ورد في أن الصائمة تفطر بمجرد رؤية الدم (* 1)، وما ورد في المشتبه بدم العذرة أو القرحة من الحكم بالحيض بمجرد انتفاء علامة العذرة أو القرحة (* 2)، ورواية صفوان: " في الحبلى ترى الدم ثلاثة أيام أو أربعة أيام. قال (ع): تمسك عن الصلاة " (* 3)، وما ورد في الاستظهار عند تجاوز الدم عن العادة (* 4)، ورواية العيص: " عن امرأة ذهب طمثها سنين ثم عاد إليها شئ. قال (ع): تترك الصلاة حتى تطهر " (* 5). وفيه: أن الروايات المذكورة على تقدير تمامية دلالتها مقيده بما دل على عدم التحيض بالصفرة (* 6) كما تقدم في تحيض المبتدئة بالرؤية. مع أن دلالتها على القاعدة لا تخلو من اشكال، إذ الاولتان لا يمكن حملهما على قاعدة الامكان، لامتناع الحيض في تمام الشهر، فتكون متعارضة التطبيق بالاضافة إلى كل واحد من الدماء. وخروج الدم السابق عن محل الابتلاء - بالاضافة إلى بعض الاحكام - لا يقدح في التعارض ولو بالاضافة إلى بعض الاحكام الاخر، مثل قضاء الصلاة، مضافا إلى أن المفروض في السؤال كون الدم يستمر ثلاثة أو أربعة، وقد تقدم الاجماع على الحكم بالتحيض فيه. فتأمل. والثانيتان إنما هما في مقام إلحاق الدم المفروض الحيضية بالحيض الاول والثاني. ورواية سماعة إنما تدل على أن ما يقرب


(* 1) الوسائل باب: 50 من أبواب الحيض (* 2) الوسائل باب: 2 و 16 من أبواب الحيض (* 3) الوسائل باب: 30 من أبواب الحيض حديث: 4 (* 4) الوسائل باب: 13 من أبواب الحيض (* 5) الوسائل باب: 32 من أبواب الحيض حديث: 1 (* 6) الوسائل باب: 3 من أبواب الحيض

[ 237 ]

من أيام العادة أمارة على الحيض كأيام العادة، لا في مقام جعل أصل في الدم، وإلا كان المناسب التعليل بأنه قد يجئ الدم في غير العادة. وصحيحة ابن المغيرة في مقام بيان عدم مانعية الدم الاول عن حيضية الدم الاخير التي قد توهمها السائل. وأما روايات التعليل فقد قيل: إنها واردة لدفع توهم مانعية الحمل عن الحيض. وأخبار إفطار الصائمة برؤية الدم واردة لبيان مفطرية الدم مطلقا، لا في مقام جعل الحيضية للمحتمل انه حيض، كما أشرنا إليه آنفا. وأخبار الاشتباه بالعذرة أو القرحة لا عموم فيها لغير موردها. مع أن ما ورد في الاشتباه بالقرحة مختص بصورة الدوران بين الحيض والقرحة، لعل الخروج من جانب القرحة لازم مساو لها، فانتفاؤه يقتضي انتفاءها وتعين الحيض. ومثله جار في بعض أخبار الاشتباه بالعذرة المختص بصورة الدوران بين الحيض والعذرة، فيكون الانغماس أو عدم التطوق أمارة على الحيض، فلا يكون مما نحن فيه. نعم بعض أخباره شامل لصورة احتمال دم الاستحاضة، فيكون مفاده قاعدة الامكان كما عرفت في ذلك المقام. ورواية صفوان موردها صورة بقاء الدم ثلاثة أو أربعة كما سبق في روايتي يونس وأبي بصير. وأما أخبار الاستظهار فمن المحتمل أن يكون الوجه فيها الاستصحاب الجاري في المرأة أو في الدم، لا ثبوت قاعدة في الدم. مع أنها مختصة بموردها. وأما رواية العيص فالتعبير بالعود فيها يصلح قرينة على اختصاصها بصورة إحراز الحيض بالعلم أو العلمي، وكأن الوجه في السؤال احتمال كون انقطاعه مدة طويلة مانعا عنه شرعا. هذا والانصاف ان بعض المناقشات المذكورة لا تخلو من ضعف ولا سيما المناقشة في التعليلات، فان دلالتها على الكلية لا تقبل المناقشة،

[ 238 ]

وما ذكره شيخنا الاعظم (ره)، من أن الظاهر ان لفظ " ربما " للتكثير جئ به لرفع الاستبعاد، ولم يقصد تعليل الحكم بالاحتمال. مع أن أخبار التعجيل مختصة بما تراه المعتادة قريبا من وقتها. - خلاف الظاهر في لفظ " رب "، وخلاف الظاهر من سوقه مساق التعليل، والتعجيل وإن كان يختص بالوقت القريب، لكن الاستدلال كان بالتعليل به لا بمادته، فان التعليل بالتعجيل ظاهر في أن المناط في احتمال الحيض وعدم المانع. ويظهر من محكي المبسوط والروض: الاستدلال على ذلك بما دل على أن الصفرة والكدرة في أيام الحيض حيض، بحمل أيام الحيض على الايام التي يمكن أن يكون الدم فيها حيضا، وعن السرائر والنهاية: تفسيره بذلك أيضا. ولكنه - كما ترى - خلاف الظاهر جدا، بل الظاهر منه أيام العادة لا غير. السادس: الاجماعات المتقدمة المتلقاة بالقبول من حاكيها، وكفى بها دليلا عليها، ولا سيما مع تأيدها أو اعتضادها بما سبق. نعم تأمل فيه الاردبيلي لما ذكروه في تعريف الحيض، وخصه بما إذا لا يمكن كونه غير حيض. وفي المدارك استظهر اختصاص ذلك بما إذا كان الدم بصفة الحيض، لكن على مختار الاول تكون القضية ضرورية عقلية لا شرعية، والثاني وإن كان يقتضيه ما عرفت من النصوص الدالة على أن الصفرة في غير أيام الحيض ليست بحيض، لكنه لو لم ينعقد الاجماع على خلافها. وكأنه لم يثبت عنده الاجماع المذكور، كما قد يقتضي ذلك الخلاف في تحيض المبتدئة بالفاقد، كما تقدمت الاشارة إلى ذلك، وإن كان الذي يظهر من كلماتهم هناك ان الموجب للخلاف عدم انطباقها لا عدم حجيتها. فراجع. (وأما الثالث) فلا ينبغي التأمل في أن القاعدة المذكورة من قبيل الاصل، يجري عليها ما يجري على عامة الاصول، من عدم جواز الرجوع

[ 239 ]

إليها في ظرف وجود الامارة موافقة كانت أم مخالفة، ومن وقوع التعارض بين أفرادها في موضوعين أو أكثر إذا علم إجمالا بكذب أحدهما، كما لو رأت الدم وعلمت أنه يستمر إلى ما فوق العشرة، فان جريانها فيما قبل العشرة معارض بجريانها فيما بعدها، وعليه فلو فرض جريان الاستصحاب لاثبات التجاوز عن العشرة يشكل التحيض بالدم بعد الثلاثة اعتمادا على قاعدة الامكان، لانه إذا جرى استصحاب بقائه إلى ما بعد العشرة تتعارض القاعدة بالاضافة إلى ما قبل العشرة وما بعدها، فالوجه في التحيض حينئذ ينحصر بالاجماع، أو يكون نفس الاجماع مانعا عن العمل بالاستصحاب المذكور. لكن ظاهرهم هو الثاني، لتمسكهم في وجوب التحيض في الفرض بالقاعدة. وأما التحيض بمجرد الرؤية فيتوقف التمسك بها فيه إما على حمل الامكان على الامكان الاحتمالي، أو حمله على الامكان القياسي بأحد معنييه، مع البناء على جريان الاستصحاب لاثبات استمراره إلى الثلاثة وإلا أشكل التمسك بها لعدم إحرازه. هذا وقد يقال: إن مقتضى الادلة حمل الامكان على الاحتمالي، أما اقتضاء الادلة الاربعة الاول فظاهر. وأما الاخبار فالعمدة فيها نصوص التعليل، ومقتضاها الاكتفاء بمجرد الاحتمال، وكذا مقتضى غيرها مما هو وارد في التحيض بالرؤية. وأما الاجماعات فالعمدة منها إجماع الخلاف والمعتبر والمنتهى، وظاهر محكي معقد الاول سوق القاعدة مساق أيام العادة التي لا ريب في الاكتفاء في التحيض فيها بمجرد الاحتمال، وأما إجماع المنتهى فحاله أظهر، لانه ذهب فيه إلى تحيض المبتدئة بمجرد الرؤية متمسكا بالقاعدة وحدها بلا نظر إلى الاستصحاب، وأما إجماع المعتبر فيمكن أن يكون محمولا على ذلك، ولا ينافيه بناؤه على عدم تحيض المبتدئة بمجرد

[ 240 ]

الرؤية لتمسكه على ذلك بأصالة عدم الاستمرار، بناء منه على انها بحكم اليقين بعدم الاستمرار في المنع عن القاعدة. فلاحظ كلامه. وبالجملة: العمدة في دليل القاعدة النص والاجماع، والعمدة في النص التعليلات، وهي وأكثر معاقد الاجماعات ظاهرة في الامكان الاحتمالي. لكن الانصاف أن هذا المقدار لا يوجب سكون النفس، ولا سيما مع بعد توجيه كلام المحقق، وتصريح غير واحد من الاعاظم باعتبار الامكان القياسي، قال في شرح الروضة " إن أمكن كونه حيضا بالاستجماع لشرائطه والخلو عن موانعه حكم بكونه حيضا، كان بصفات الحيض أم لا. كذا ذكره الاصحاب قاطعين به على وجه يظهر اتفاقهم عليه ". بل تمكن المناقشة في دلالة التعليلات على الامكان الاحتمالي، لان الاحتمال المستفاد من كلمة: " رب " هو احتمال الحيض من جهة الموانع الخارجية التكوينية لا الموانع الشرعية، وإلا فهي واردة في مقام نفي المانع الشرعي عن الحيض من الحبل وغيره، والحكم بالحيضيه كان مبنيا على ذلك، فلا تصلح للجريان مع الشك فيه. وبالجملة: مفاد التعليلات التعليل بعدم المانع الشرعي، واحتمال عدم المانع التكويني، فلا بد من إحراز عدم المانع الشرعي فيها. نعم الحكم في موردها بالتحيض بالرؤية يقتضي عدم الاعتناء باحتمال عدم استمرار الدم ثلاثة أيام. وأما معاقد الاجماع فالحال فيها كما في النصوص، إذ إجماع الخلاف كان على إلحاق أيام الامكان بأيام العادة، وأيام العادة إنما تكون حجة مع الاحتمال فكذا أيام الامكان، لكن كون الامكان هو الاحتمالي غير ظاهر. وكذا إجماع المنتهى. نعم ظاهرهما التحيض بالرؤية - كنصوص التعليل - وإن لم يحرز الاستمرار، إما لا مكان إثبات الاستمرار بالاصل، أو لعدم اعتبار إحراز الامكان من هذه الجهة.

[ 241 ]

والمتحصل: انه لا دليل على كفاية الامكان الاحتمالي فالاقتصار على الامكان القياسي متعين، كما اختاره شيخنا الاعظم (ره) تبعا لجماعة من الاعاظم، مع نسبته من بعضهم إلى الاصحاب. ومن ذلك يظهر أنه لو شك في الحيض للشك في البلوغ أو اليأس لا مجال للقاعدة. كما يظهر أيضا اختصاص القاعدة بالشبهة الموضوعية، فلو شك في الحيض للشك في اعتبار التوالي، أو نحو ذلك مما لم يدل الدليل على شرطيته أو مانعيته، فلا مجال للرجوع إلى القاعدة المذكورة لاثباته أو نفيه، لما عرفت من اختصاصها بالشك في الشروط التكوينية. واستشهد له شيخنا الاعظم (ره) برجوع المعظم في اعتبار التوالي إلى أصالة عدم الحيض، بعد منع الاطلاق ولم يتمسكوا بالقاعدة لنفي اعتباره. انتهى. وحينئذ فما عن جماعة من المتأخرين من إجرائها في الشبهة الحكمية ضعيف. ومن ذلك يظهر أن المراد من الامكان الامكان القياسي بالمعنى الثاني لا الاول، لانه مع الشك في مانعية الموجود تكون الشبهة حكمية، ولا يرجع فيها إلى القاعدة. والذي تحصل مما ذكرنا في القاعدة أمور (الاول): أن المراد بالامكان فيها الامكان القياسي، بالاضافة إلى ما علم اعتباره شرعا، وما احتمل اعتباره شرعا، مما لم يقم دليل على نفي اعتباره (الثاني): أن العمدة في دليل القاعدة النصوص المعتبرة الاسناد، المشتملة على التعليل باحتمال الحيض مع عدم المانع الشرعي. (الثالث): أنها تجري في أول الرؤية، وان لم يعلم استمرار الدم إلى ثلاثة أيام إذا كان الدم واجدا للصفات أما إذا كان فاقدا فالتحيض به للقاعدة لا يخلو من إشكال، لما أشرنا إليه آنفا من النصوص الدالة على عدم التحيض برؤية الدم الفاقد، فان الجمع بينها وبين نصوص التعليلات يقتضي التفصيل في التحيض بالرؤية بينهما.

[ 242 ]

[ (مسألة 16): صاحبة العادة المستقرة في الوقت والعدد إذا رأت العدد في غير وقتها ولم تره في الوقت تجعله حيضا (1) سواء كان قبل الوقت أو بعده. (مسألة 17): إذا رأت قبل العادة وفيها ولم يتجاوز المجموع عن العشرة جعلت المجموع حيضا (2) ] نعم إذا استمر ثلاثة أيام جرت القاعدة فيه للاجماع، ولا إجماع على التحيض برؤية الفاقد. (الرابع): أن القاعدة المذكورة من قبيل الاصل لا يرجع إليها مع الدليل، كما أنه يجري عليها ما يجري على الاصول، من التعارض بين تطبيقها بلحاظ الدمين اللذين لا يمكن الجمع بينهما في الحكم بالحيضية فيهما فتسقط فيهما معا، ويرجع إلى دليل آخر. (الخامس): أنها لا تجري في الشبهة الحكمية، وتختص بالشبهات الموضوعية لا غير. (السادس): أنه يكفي في إحراز الامكان الاصل الجاري لاثبات الشرط أو عدم المانع. كما إذا شكت في اليأس ورأت الدم فان أصالة عدم اليأس كافية في إحراز الامكان بلحاظ شرطية عدم اليأس، فتجري قاعدة الامكان في الدم المرئي حينئذ. والله سبحانه أعلم. (1) اتفاقا كما هو الظاهر. كذا في كشف اللثام وتقتضيه قاعدة الامكان المتقدمة، وبعض النصوص المتقدمة دليلا عليها. نعم الاشكال في التحيض بمجرد الرؤية في الفاقد للصفة أو انتظار الثلاثة، والكلام فيه تقدم في المسألة السابقة. ولعل ما في ظاهر محكي المبسوط - من أنه لو تأخر عن العادة بأكثر من عشرة أيام لم يحكم بحيضيته - محمول على ذلك أعني: عدم التحيض بالرؤية، أو على ما إذا كان مجموع الدم أكثر من عشرة، كما في كشف اللثام، وإلا فضعفه ظاهر. (2) بلا خلاف معتد به أجده. كذا في الجواهر. وفي المنتهي:

[ 243 ]

[ وكذا إذا رأت في العادة (1) وبعدها ولم يتجاوز عن العشرة، ] " الجميع حيض اتفاقا "، وفي كشف اللثام: " الجميع عندنا حيض ". وتقتضيه النصوص الدالة على التحيض في أيام الحيض وما قبلها ولو بالصفرة كما تقدمت في المسألة الخامسة عشرة. (1) أما ما رأته في العادة فلما عرفت من كونها طريقا إلى الحيض باجماع النص والفتوى. وأما ما رأته بعدها إلى العشرة فللاجماع المحكي عن الخلاف والمعتبر والمنتهى والنهاية على حيضية ما تراه بين الثلاثة والعشرة إذا انقطع عليها وهو المتيقن من موارد قاعدة الامكان. والاستدلال عليه - بما دل على أن ما تراه قبل العشرة فهو من الحيضة الاولى - قد عرفت ضعفه، لعدم إطلاقه، وأن الظاهر كونه واردا لبيان إلحاق الدم المفروغ عن حيضيته بالحيض الاول أو الثاني. نعم قد يشكل ذلك لما دل على أن الصفرة بعد الحيض ليست من الحيض. بل يزيد الحكم إشكالا، ما دل على أن ما بعد أيام الاستظهار استحاضة، بناء على انتهاء مدة الاستظهار قبل العشرة. ولاجل ذلك حكي عن المدارك والمفاتيح الاستشكال في الحكم المذكور، وفي الحدائق - بعد ما استدل على إلحاق ما يرى قبل انتهاء العشرة بالحيض الاول، بمرسلة يونس الدالة على عدم اعتبار التوالي في الثلاثة (* 1)، وبموثقة ابن مسلم (* 2) وصحيحته (* 3) الدالتين على أنه إذا رأت الدم قبل تمام العشرة فهو من الحيضة الاولى، ونحوهما الفقه الرضوي (* 4) - قال: " نعم يبقى الاشكال في أنه قد دلت الاخبار المتقدمة على أن


(* 1) الوسائل باب: 12 من أبواب الحيض حديث: 2 (* 2) الوسائل باب: 10 من أبواب الحيض حديث: 11 (* 3) الوسائل باب: 11 من أبواب الحيض حديث: 3 (* 4) مستدرك الوسائل باب: 9 من أبواب الحيض حديث: 1

[ 244 ]

[ أو رأت قبلها وفيها (1) وبعدها، وإن تجاوز العشرة في الصور المذكورة فالحيض أيام العادة فقط والبقية استحاضة (2). (مسألة 18): إذا رأت ثلاثة أيام متواليات وانقطع ثم رأت ثلاثة أيام أو أزيد فان كان مجموع الدمين والنقاء المتخلل ] ما تراه المرأة بعد أيام العادة والاستظهار، أو العادة خاصة - كما في الاخبار الاخر - فهو استحاضة، أعم من أن ينقطع على العشرة أو يتجاوز. ويمكن الجمع بتخصيص عموم الاخبار المشار إليها بهذه الاخبار، بأن يستثنى منها حكم ذات العادة ". اللهم إلا أن يحمل ما دل على أن الصفرة بعد الحيض ليست من الحيض - بقرينة ما سبق، ولا سيما ما هو صريح في الصفرة من أخبار الاستظهار - على خصوص الصفرة غير المسبوقة بالحيض، فيكون دليلا على عدم التحيض بالرؤية، أو على ما بعد العشرة، ويكون وجه التخصيص بالصفرة مع اشتراكها مع السواد والحمرة في ذلك وقوعها في السؤال، أو كونها الغالب فيما يتجاوز عن العشرة في غير مستمرة الدم، ويحمل ما دل على الاستحاضة بعد أيام الاستظهار على كونها حكما ظاهريا لاجل ظهور حال الدم في التجاوز عن العشرة، لا حكما واقعيا وإن انقطع على العشرة، كما يقتضيه الجمع العرفي بين النصوص، فان ما ورد في الاستظهار إلى العشرة كالصريح في التحاق ما قبل العشرة بالعادة. بل الظاهر من مادة الاستظهار ذلك، كما سيأتي في محله. وكيف كان فلا مجال لرفع اليد عما تسالم عليه الاصحاب، وتومئ إليه النصوص. (1) يعلم وجهه مما سبق فيما قبله. (2) يأتي في الفصل اللاحق الاستدلال له.

[ 245 ]

[ لا يزيد عن عشرة كان الطرفان حيضا (1) وفي النقاء المتخلل تحتاط (2) بالجمع بين تروك الحايض وأعمال المستحاضة وإن تجاوز المجموع (3) عن العشرة فان كان أحدهما في أيام العادة دون الآخر جعلت ما في العادة حيضا (4) وإن لم يكن واحد ] (1) قال في التذكرة: " ثم إذا رأت ثلاثة أيام متوالية فهو حيض قطعا، فإذا انقطع وعاد قبل العاشر وانقطع فالدمان وما بينهما حيض، ذهب إليه علماؤنا وبه قال أبو حنيفة "، وبه أفتى في التحرير، وفي الجواهر: " لا خلاف فيه أجده، وعن ظاهر بعض وصريح آخر: الاجماع عليه " واستدل له فيها بما دل على أن ما تراه قبل العشرة فهو من الحيضة الاولى. لكن عرفت الاشكال في إطلاقه. فالعمدة في عموم الحكم فيه قاعدة الامكان. (2) تقدم في المسألة السابعة أن مقتضى الادلة التحيض بالنقاء، خلافا للحدائق فراجع. لكن لو بني على الاحتياط كان بالجمع بين أحكام الحائض والطاهر لا المستحاضة، لعدم رؤية الدم. (3) يعني: بضميمة النقاء المتخلل بينهما. (4) يعني: والآخر استحاضة، كما عن جماعة من المتأخرين، منهم جامع المقاصد والروض وهو في محله، إذا كان ما في غير العادة فاقدا لصفات الحيض فان مقتضى ما دل على طريقية العادة للحيض مثل: - ما دل على أن الدم في أيام الحيض ولو صفرة حيض - حيضية ما في العادة، ولا يعارضه في الدم الآخر إلا قاعدة الامكان، وهي كالاصل لا تصلح لمعارضة الامارة، أعني: العادة. بل الظاهر أنه كذلك أيضا إذا كان ما في غير العادة واجدا لصفات الحيض. بل في المستند: " لو رأت في العادة وانقطع عليها، ثم رأت قبل مضي أقل الطهر لم تتحيض به إجماعا "

[ 246 ]

لما عرفت في أول المبحث من عدم العموم الدال على طريقية الصفات مطلقا والقدر المتيقن من النصوص خصوص المستمرة الدم، فالمرجع في حيضية الواجد ليس إلا قاعدة الامكان، وقد عرفت انها لا تصلح لمعارضة العادة. بل لو سلم أن نصوص طريقية الصفات شاملة للمقام فهي أيضا لا تصلح لمعارضة العادة، لان هذه النصوص مقيدة بما دل على أن الرجوع إلى التمييز فيها إنما يكون مع عدم العادة. وأما ما تقدم في تحيض المبتدئة وأخواتها بالرؤية مما دل على ترك الصلاة برؤية الدم الواجد للصفة - كمصحح إسحاق (* 1)، وصحيح عبد الرحمن ابن الحجاج (* 2)، فلو تم عمومه للمقام كان معارضا لما دل على طريقية العادة بالعموم من وجه، والجمع بينهما بحمله على غير المعتادة أقرب عرفا من حمل دليل طريقية العادة على غير صورة المعارضة مع التمييز، لاقوائية العادة، ولا سيما بملاحظة ما دل على تقدم العادة على التمييز في مستمرة الدم وما تضمن أن الصفرة في أيام الحيض حيض. مع أنك عرفت - في مبحث طريقية الصفات - أن دلالة الروايتين على الطريقية - لو تمت - فهي بلحاظ التحيض بالرؤية وعدمه، لا بعد استقرار العدم ثلاثة أيام، إذ لاريب في جريان قاعدة الامكان حينئذ حتى في الفاقد، والمقام من هذا القبيل، فلا مجال للرجوع للنصوص المذكورة. ومن ذلك يظهر ضعف ما عن الشيخ في النهاية والمبسوط والاصباح، من أن الصفة مقدمة على العادة، وما عن الوسيلة من التخيير بين الاخذ بالصفات وبالعادة. ولعله خلافهم هذا في مستمرة الدم لا فيما نحن فيه. نعم ظاهر القواعد الحكم بحيضية الاول،


(* 1) الوسائل باب: 30 من أبواب الحيض حديث: 6 (* 2) الوسائل باب: 5 من أبواب النفاس حديث: 2 و 3

[ 247 ]

[ منهما في العادة فتجعل الحيض ما كان منهما واجدا (1) للصفات ] واستحاضية الثاني مطلقا ولو كان الثاني في العادة وبالصفة. وظاهر نجاة العباد والجواهر: اختياره، لما سيأتي. ويأتي ما فيه. هذا ولا يبعد اجراء حكم العادة على ما يقرب منها، مما يصدق عليه عرفا التعجيل، لظهور النصوص المتقدمة في كونه - كالعادة - طريقا إلى الحيض شرعا وعرفا. (1) يعني: والفاقد استحاضة. وفي كشف اللثام: " انه ربما لم يكن الاول حيضا إذا لم يصادف العادة أو التمييز "، يعني إذا كان الثاني مصادفا للعادة أو التمييز، كان الثاني حيضا، والاول استحاضة. وكأنه لما تقدم من الصحيح والمصحح المتقدمين في تحيض المبتدئة بالرؤية بناء على دلالتهما على طريقية الصفات إلى الحيض، التي لا تصلح لمعارضتها قاعدة الامكان في الفاقد، لما عرفت من أنها بمنزلة الاصل لا تصلح لمعارضة الامارة. نعم اختار في نجاة العباد كون الثاني استحاضة وإن كان واجدا والاول حيضا وإن كان فاقدا. وهو الظاهر من القواعد، لما عرفت، وحكي أيضا عن النهاية، وفي الجواهر جعله الظاهر من إطلاق الاصحاب هنا، بل إجماعهم المدعى عليه، واستشهد له بمصحح صفوان عن أبي الحسن (ع): " إذا مكثت المرأة عشرة أيام ترى الدم، ثم طهرت فمكثت ثلاثة أيام طاهرا ثم رأت الدم بعد ذلك، أتمسك عن الصلاة؟ قال (ع): لا، هذه مستحاضة " (* 1). لكن استظهار ذلك من الاصحاب غير ظاهر. وأما دعوى الاجماع فلا مجال للتعويل عليها، ولا سيما مع وهنها بندرة التعرض لذلك في كلماتهم.


(* 1) الوسائل باب: 1 من أبواب الاستحاضة حديث: 3

[ 248 ]

[ وإن كانا متسايين في الصفات فالاحوط جعل أولهما حيضا (1) ] وأما المصحح فمن المحتمل أن يكون السؤال فيه عن جواز التحيض بالثاني في ظرف المفروغية عن حيضية الاول، لا في مقام السؤال عن تعيين ما هو الحيض من الدمين. هذا ولاجل ما عرفت - من عدم الدليل على طريقية الصفات كلية وقصور الصحيح والمصحح عن إثبات ذلك فيما نحن فيه - يتعين إلحاق هذا الفرض بالفرض اللاحق في الحكم. (1) يمكن أن يقال: إنه لا دليل في المقام على ثبوث أصل الحيض أما إذا كان كل الدمين فاقدا للصفات فظاهر، إذ لا مقتضي للحيضية في كل منهما حينئذ إلا قاعدة الامكان، فإذا سقطت للمعارضة كانت حيضية كل منهما مشكوكة بدوا، وإن كان كل منهما واجدا للصفات، فالصفات وإن كانت طريقا إلى حيضية كل منهما، إلا أن العلم بعدم حيضية أحدهما يوجب تكاذب الطريقين إذ صفات كل دم كما تدل على حيضيته تدل على عدم حيضية الآخر، فيكون كل من الدمين قد قام الطريق على حيضيته وعدمها، وحيث لا مرجح يسقط كل منهما عن الحجية، كما أو ضحنا ذلك في حقائق الاصول في مبحث أصالة التساقط في الدليلين المتعارضين، فالمرجع في كل من الدمين الاصل الجاري في الدم المردد بين الحيض والاستحاضة، من الاحتياط أو غيره، كما أشرنا إليه في مبحث التوالي مع أنه لو فرض العلم إجمالا بحيضية أحد الدمين، فالواجب الاحتياط في كل منهما عملا بالعلم الاجمالي، المحقق في محله كونه منجزا وإن كان مرددا بين التدريجات، ولا وجه حينئذ للتخيير في التحيض بينهما فضلا عن تعين التحيض بالاول منهما. فان قلت: إذا رأت الدم جرت قاعدة الامكان، فاقتضت

[ 249 ]

التحيض به، فإذا رأت الثاني امتنع جريان القاعدة فيه، لامتناع كونه حيضا، بعد كون الاول محكوما بالحيضية بالقاعدة، فتكون القاعدة في الاول حاكمة على القاعدة في الثاني، فيتعين التحيض بالاول دون الثاني. قلت: نسبة القاعدة إلى الدمين نسبة واحدة، فلا موجب لترجيح تطبيقها في الاول ليكون مانعا من تطبيقها في الثاني على تطبيقها في الثاني ليكون مانعا عن تطبيقها في الاول، وكون الثاني ليس مورد الابتلاء حين الابتلاء بالاول مسلم، إلا أن هذا المقدار لا يمنع من جريان القاعدة في الثاني كما هو موضح في مبحث منجزية العلم الاجمالي بين التدريجيات. فان قلت: هذا يتم لو علم بوجود الدم الثاني حين رؤية الاول، أما إذا شك فيه كان مقتضى أصالة عدم رؤية الثاني جريان القاعدة في الاول جزما فإذا علم بجريان القاعدة في الاول لا مجال لجريانها في الثاني، لانه مانع من جريانها في الاول، وهو خلف، لكون المفروض جريانها فيه جزما. قلت: لا إشكال في جريانها في الاول مع الشك في وجود الثاني، لكنه جريان ظاهري عملا بأصالة عدم المعارض، فإذا علم بعد ذلك بالدم فقد علم بوجود المعارض، وارتفع الحكم الظاهري بالجريان للمعارضة، فالجريان في الاول عند رؤيته كان جريانا للحكم الظاهري ظاهريا لا واقعيا فإذا انكشف وجود المعارض انكشف عدم الجريان من أول الامر. مضافا إلى أن جريانها في زمان لعدم المعارض لا ينافي عدم جريانها في زمان آخر لوجود المعارض، فإذا انكشف وجود دم آخر في آن رؤية الثاني تعارض في ذلك الآن جريانها في الدم الاول مع جريانها في الدم الثاني، ومقتضى ذلك ترتيب آثار الاصل الجاري من أول الامر لو لا القاعدة. ومن هنا يظهر أنه لو علم بعدم وجود دم آخر غير الدم الاول،

[ 250 ]

فتحيضت بمقتضى القاعدة، ثم انكشف خطأ العلم، رتبت من حين العلم آثار الاصل الجاري من أول الامر. ثم إنه يمكن أن يوجه القول بالتخيير بأن مقتضى قاعدة الامكان حيضية الدمين معا، فإذا تعذر الاخذ بمقتضاها فيهما تعين الاخذ بمقتضاها في أحدهما، لان إعمال المقتضي لازم مهما أمكن. وفيه: أنه مبني على القول بالسببية في الاحكام الظاهرية، لكن المحقق في محله خلافه. فالعمدة في المسألة ظهور الاجماع على وجوب التحيض بأحد الدمين، الموجب للخروج عن قاعدة الاحتياط في كل منهما، وإنما خلافهم في التخيير والتعيين، وإذ أن الاصل في مثله يقتضي حيضية الاول يتعين البناء على حيضيته. وبالجملة: القدر المتيقن في جواز الخروج عن قاعدة الاحتياط هو التحيض بالاول، ولا فرق في ذلك بين أن تعلم بالدمين حين رؤية الاول وان لا تعلم، فتحيضت بالاول، فانه إذا رأت الثاني رتبت أحكام المستحاضة، ولا شئ عليها إذا رتبت أحكام الحيض على الدم الاول إذا كان له أثر استقبالي، كقضاء الصوم ونحوه. والمتحصل مما ذكرنا: أنه إذا كان أحد الدمين في العادة دون الآخر تحيضت بما في العادة دون الآخر، وإن كانا معا في غير العادة تحيضت بالاول، من غير فرق بين الاختلاف في الصفة وعدمه. ويؤيد ذلك مصحح صفوان (* 1) بناء على أنه وارد في صورة تردد الحيض بين الدمين، كما ادعاه في الجواهر. وخروج صورة كون أحدهما في العادة عنه إما لانصرافه إلى غيرها - كما يقتضيه سوق السؤال - أو محمول على ذلك، جمعا بينه وبين ما دل على طريقية العادة، فان تقييده بغير العادة أولى من تقييد دليل العادة.


(* 1) الوسائل باب: 1 من أبواب الاستحاضة حديث: 3

[ 251 ]

[ وإن كان الاقوى التخيير، وإن كان بعض أحدهما في العادة دون الآخر (1) جعلت ما بعضه في العادة حيضا (2) وإن كان بعض كل واحد منهما في العادة فان كان ما في الطرف الاول من العادة ثلاثة أيام أو أزيد جعلت الطرفين من العادة حيضا (3) ] وهذا التفصيل الذي اخترناه ظاهر جامع المقاصد. لكن عرفت سابقا إمكان استفادة حكم المقام مما ورد في مستمرة الدم بالغاء خصوصية الاستمرار أو الفترة. (1) كما لو كانت عادتها العشرة المتوسطة من الشهر، فرأت الدم في الخمسة الاولى من الشهر، ثم نقت ثلاثة، ورأت الدم بعدها خمسة، أو رأت الخمسة الاخيرة وقد رأت قبلها بثلاثة خمسة أخرى. (2) وهو الخمسة الثانية في الفرض الاول، والخمسة الاولى في الفرض الثاني، والوجه فيه طريقية العادة إلى الحيض بنحو لا تصلح لمعارضتها الصفات أو قاعدة الامكان في الدم الآخر، وأما الدم المتصل بالعادة فتجري فيه القاعدة بلا معارض أيضا. نعم لو كان المرئي في العادة دون أقل الحيض فقد يشكل الحكم بحيضيته، لان العادة لا تصلح لاثبات حيضيته وحده لنقصانه، فيتوقف إثبات حيضيته على جريان قاعدة الامكان معها في الدم المتصل به، وهي معارضة بجريانها في الدم الآخر. اللهم إلا أن تجعل العادة طريقا أيضا إلى حيضية المتصل بها بالدلالة الالتزامية، لامتناع حيضية ما فيها بدونه، لانها أمارة يجري فيها ما يجري على غالب الامارات من حجيتها في المدلول الالتزامي كالمطابقي. وهذا الاشكال لا يجري فيما لو كان الزائد على ما دون الاقل مما يصدق معه التعجيل، وإلا فقد عرفت ان ذلك طريق أيضا كالعادة. (3) لطريقية العادة إليه.

[ 252 ]

[ وتحتاط في النقاء (1) المتخلل، وما قبل الطرف الاول وما بعد الطرف الثاني استحاضة (2) وإن كان ما في العادة في ] (1) قد عرفت ان الاقوى التحيض به أيضا. فراجع. (2) فانه لا مجال للتحيض بما قبل الطرف الاول أو بمقدار منه، حيث تكون العادة أقل من عشرة، فيكون ما قبلها معها متمما العشرة، وذلك لان المرأة حينئذ تكون ممن تجاوز دمها العشرة، وحكمها الاقتصار على عادتها فقط كما سيأتي. ولاجل ذلك يحكم باستحاضية ما بعد الطرف الثاني مطلقا، ولا يضم إلى العادة منه ما يتممها عشرة، فإذا كانت عادتها ثمانية من أول الشهر، فرأت ثلاثه من أول الشهر ويومين قبلها، ثم رأت النقاء ثلاثة ثم رأت خمسة دما، اقتصرت في التحيض على الثمانية الاولى، وجعلت اليومين السابقين على الشهر والثلاثة الاخيرة من الدم استحاضة. وهذا الاشكال لا يجري في الفرض السابق، وهو ما إذا رأت بعض أحدهما في العادة دون الآخر، لان من تجاوز دمها العشرة إنما تقتصر على العادة إذا كان الدم العابر عن العشرة مرئيا في العادة، وليس كذلك في الفرض السابق. هذا والاشكال المذكور لا يخلو من خدش، لاختصاص ذلك بالدم الواحد، والمفروض ان المرئي دميان، فإذا لا يبعد إلحاق ما قبل العادة بما فيها في الحكم بالحيضية، لصدق التعجيل أو لقاعدة الامكان. أما ما بعد الطرف الثاني فالظاهر انه لابد من البناء على كونه استحاضة، لان الدم المتجاوز عن العادة إذا لم يمكن جعله بتمامه حيضا فهو استحاضة، ولا يفرق بين أبعاضه. وقد يستفاد ذلك مما ورد في الاستظهار بعد انقضاء أيام العادة التي مورد كثير منها المستحاضة. فلاحظ. هذا وفي الشرائع: " لو رأت الدم ثلاثة أيام وانقطع، ورأت قبل

[ 253 ]

[ الطرف الاول أقل من ثلاثة تحتاط (1) في جميع أيام الدمين والنقاء بالجمع بين الوظيفتين. ] العاشر، كان الكل حيضا، ولو تجاوز العشرة رجعت إلى التفصيل الذي نذكره ". والظاهر أن مراده من التفصيل ما ذكره في مستمرة الدم في مبحث الاستحاضة، من رجوع ذات العادة إلى عادتها فقط. ومقتضاه جريان الحكم المذكور في جميع صور المسألة. وفي القواعد قال: " لو استمر ثلاثة وانقطع. ورأته قبل العاشر، فالدميان وما بينهما حيض، ولو لم ينقطع عليه فالحيض الاول خاصة، ولو تجاوز الدم العشرة فان كانت ذلك... "، وظاهره أن حكم الدميين ليس حكم الدم المستمر، وان التحيض بالاول جار في جميع صور المسألة، وان حكم تجاوز الدم يختص بالمستمر، ولذا في كشف اللثام وصف الدم المذكور في قوله: " ولو تجاوز الدم "، بالمستمر. وبالجملة: كلمات الجماعة في اجراء أحكام تجاوز الدم العشرة على الدمين المتخلل بينهما النقاء مختلفة، والتحقيق ما ذكرنا من البناء على حيضية ما قبل العادة دون ما بعدها. (1) لا يبعد جريان حكم سابقه عليه أيضا، لما عرفت من إمكان دعوى دلالة العادة على حيضية ما قبلها المتمم للثلاثة بالدلالة الالتزامية، فيكون تمام ما في طرفي العادة من الدم وما قبله المتمم لاوله ثلاثة حيضا، وكذا النقاء بناء على ما عرفت من كونه حيضا. نعم ما يكون قبل العادة مما لا يكون متمما للثلاثة خارج عن الحيض وإن صدق عليه التعجيل، لما سيأتي من وجوب الاقتصار على العادة في من تجاوز دمها العشرة. اللهم إلا أن يقال: إن ذلك أيضا مانع عن التحيض بالمقدار المتمم للثلاثة. وكأن هذا هو الوجه في توقف المصنف (ره) في التحيض بما في الطرف

[ 254 ]

[ مسألة 19): إذا تعارض الوقت والعدد في ذات العادة الوقتية العددية يقدم الوقت (1) كما إذا رأت في أيام العادة أقل أو أكثر من عدد العادة ودما آخر في غير أيام العادة بعددها، فتجعل ما في أيام العادة حيضا وإن كان متأخرا، وربما يرجح الاسبق (2)، فالاولى فيما إذا كان الاسبق العدد في غير أيام العادة الاحتياط في الدمين بالجمع بين الوظيفتين. (مسألة 20): ذات العادة العددية إذا رأت أزيد من العدد ولم يتجاوز العشرة فالمجموع حيض (3)، ] الاول وما قبله. اللهم إلا أن يقال: ما دل على الاقتصار على العادة ظاهر في حيضية ما تدل العادة على حيضيته وإن كان بالدلالة الالتزامية. لكنه كما ترى. ثم إنه لا وجه ظاهر للتوقف عن التحيض بما في الطرف الآخر من العادة إذا كان ثلاثة فصاعدا، لان إطلاق ما دل على طريقية العادة دال على التحيض به من دون معارض. (1) لظهور أيام العادة التي يكون الدم فيها - ولو كان صفرة - حيضا، في خصوص الوقتية - عددية كانت أم لا - فلا يشمل العددية، فينحصر وجه التحيض في الدم المرئي. موافقا للعددية بقاعدة الامكان التي لا مجال للعمل بها في قبال العادة، كما عرفت. (2) كما يظهر من الجواهر هنا وفي الفرع السابق، وكذا من نجاة العباد لمصحح صفوان المتقدم (* 1) الذي عرفت الاشكال في دلالته. (3) لقاعدة الامكان وكذا ما بعده. وقد تقدم.


(* 1) تقدم في أوائل المسألة الثامنة عشرة

[ 255 ]

[ وكذا ذات الوقت إذا رأت أزيد من الوقت (1). (مسألة 21): إذا كانت عادتها في كل شهر مرة فرأت في شهر مرتين مع فصل أقل الطهر وكانا بصفة الحيض فكلاهما (2) حيض، سواء كانت (3) ذات عادة وقتا أو عددا أو لا، وسواء كانا موافقين للعدد والوقت (4) أو يكون أحدهما مخالفا. (مسألة 22): إذا كانت عادتها في كل شهر مرة فرأت في شهر مرتين مع فصل أقل الطهر فان كانت إحداهما في العادة والاخرى في غير وقت العادة ولم تكن الثانية بصفة الحيض تجعل ما في الوقت (5) - وإن لم يكن بصفة الحيض - حيضا، وتحتاط في الاخرى (6) وإن كانتا معا في غير الوقت ] (1) الظاهر من ذات الوقت الوقتية فقط ففرض الزيادة عليه غير ظاهر إلا أن يكون المراد الزيادة على أكثر العددين. (2) من غير ريب، لقاعدة الامكان. ولقوله (ع) في رواية محمد ابن مسلم: " وإن كان بعد العشرة فهو من الحيضة المستقبلة " (* 1) كذا في الجواهر لكن تقدم الاشكال في إطلاق الخبر. (3) لجريان القاعدة في الجميع. (4) فرض موافقتهما للوقت غير ظاهر. (5) لطريقية العادة إلى الحيض مطلقا. (6) أما في أول الامر فلما عرفت من عدم الدليل على التحيض


(* 1) الوسائل باب: 12 من أبواب الحيض حديث: 1

[ 256 ]

[ فمع كونهما واجدتين كلتاهما حيض (1)، ومع كون إحداهما واجدة تجعلها حيضا وتحتاط في الاخرى (2)، ومع كونهما فاقدتين تجعل إحداهما حيضا (3) - والاحوط كونها الاولى - وتحتاط في الاخرى. (مسألة 23): إذا انقطع الدم قبل العشرة فان علمت بالنقاء وعدم وجود الدم في الباطن اغتسلت وصلت (4) ولا حاجة إلى الاستبراء (5) وإن احتملت بقاءه (6) ] بالروية، وأما بعد الثلاثة فمبني على الاشكال في تمامية قاعدة الامكان في الفاقد ولكنه في غير محله بعد ما عرفت من الاجماعات المنقولة المقبولة من حاكيها. (1) كما تقدم في المسألة السابقة. (2) تقدم وجهه وإشكاله. (3) يعني: مخيرة بينهما. لكن عرفت الاشكال في ذلك. فاللازم - على تقدير تمامية قاعدة الامكان كما عرفت - البناء على حيضيتهما معا، وعلى تقدير عدمها الرجوع إلى الاصل الجاري في الدم المردد بين الحيض والاستحاضة. (4) إجماعا. بل الظاهر أن دلالة النقاء على انتهاء الحيض - بحيث لا مجال للرجوع إلى استصحابه - من ضروريات مدلول النصوص الآتية وغيرها فتعمل حينئذ عمل الطاهر بعد غسلها من حدث الحيض. (5) كما نص عليه جماعة، بل ينبغي عده من المسلمات، إذ الظاهر من النصوص كون الغرض منه العلم بنقاء المحل، فإذا حصل كان الاستبراء تحصيلا للحاصل. (6) وكذا لو ظنت، لاطلاق النصوص وعدم الدليل على حجية الظن.

[ 257 ]

[ في الباطن وجب عليها الاستبراء (1) واستعلام الحال ] (1) كما هو المشهور، وعن الذخيرة: نسبته إلى الاصحاب. بل عن غير واحد: عدم معرفة الخلاف فيه. نعم عن الاقتصار: التعبير ب‍ " ينبغي " وهو مشعر بالاستحباب. وكيف كان، فالعمدة في إثبات الوجوب صحيح ابن مسلم عن أبي جعفر (ع): " إذا أرادت الحائض أن تغتسل فلتستدخل قطنة، فان خرج فيها شئ من الدم فلا تغتسل، وإن لم تر شيئا فلتغتسل، وإن رأت بعد صفرة فلتتوضأ ولتصل " (* 1) وأما موثق سماعة عن أبي عبد الله (ع): - " قلت له: المرأة ترى الطهر وترى الصفرة أو الشئ فلا تري أطهرت أم لا؟ قال (ع): فإذا كان كذلك فلتقم فالتلصق... " (* 2) - فالظاهر أنه في مقام بيان طريق العلم بانتفاء الحيض من دون دلالة له على وجوب شئ عليها. وأظهر منه في ذلك خبر شر حبيل الكندي عن أبي عبد الله (ع): " قلت: كيف تعرف الطامث طهرها؟ قال (ع): تعمد... " (* 3)، ومرسل يونس عمن حدثه عن أبي عبد الله (ع): " قال: سئل عن امرأة انقطع عنها الدم فلا تدري أطهرت أم لا؟ قال (ع) تقوم... " (* 4). ثم إنه لا مجال لاحتمال حمل الصحيح على الوجوب النفسي التعبدي، بل ولا على الوجوب الغيري للغسل والصلاة ونحوهما من العبادات بحيث لا تصح بدونه، فان ذلك خلاف الظاهر جدا، فيتعين حمله على الارشادي


(* 1) الوسائل باب: 17 من أبواب الحيض حديث: 1 (* 2) الوسائل باب: 17 من أبواب الحيض حديث: 4 (* 3) الوسائل باب: 17 من أبواب الحيض حديث: 3 (* 4) الوسائل باب: 17 من أبواب الحيض حديث: 2

[ 258 ]

إما إرشادا إلى عدم حجية الانقطاع على النقاء الواقعي وان الحجة خصوص الطريق المذكور - فيكون المعنى: أنه لا يجوز للحائض أن تعتمد على انقطاع الدم ظاهرا فتغتسل وترتب أحكام الطاهر، بل الطريق إلى النقاء هو ما ذكر - أو إرشادا إلى عدم جواز الاعتماد على الاصل والانقطاع، فلا يجوز البناء على الحيض ولا على عدمه، فيكون وجوب الاستبراء نظير وجوب الفحص في الشبهات الحكمية. والظاهر أن مراد الاصحاب من الوجوب هو الثاني، وإن كان الانسب بتعليق الامر بالاغتسال في الصحيح على إرادة الاغتسال هو الاول، إذ لو كان المراد الثاني كان المناسب أن يقال: إذا نقت فلتستدخل القطنة. اللهم إلا أن يكون النقاء الظاهري طريقا عرفا بالاضافة إلى الغاء الاستصحاب، ويكون قوله (ع): " إذا أرادت أن تغتسل " إمضاء له في الجهة المذكورة، لا بالاضافة إلى ثبوت النقاء الباطني. ثم إنه بناء على الاول يجوز لها ترك الغسل اعتمادا على أصالة بقاء الحيض إلى عشرة أيام. كما أنه على كل منهما يجوز لها الاحتياط بترتيب أحكام الطاهر والحائض معا، كما يجوز الاحتياط في سائر موارد وجوب الفحص. نعم لو قلنا بحرمة العبادة على الحائض ذاتا بنحو يوجب تعذر الاحتياط - كما سيأتي الكلام فيه - وجب الفحص فرارا عن الوقوع في المخالفة الواقعية من دون عذر، لامكان الفحص، فلو اغتسلت وصلت قبل الفحص، بطلت صلاتها، لفوات التقرب المعتبر فيها، لوقوعها على نحو التجري والاقدام على محتمل الحرمة المنجزة. وكذا يبطل غسلها بناء على حرمته على الحائض ذاتا كالصلاة، إلا أنه غير ثابت. ولا فرق في بطلان العبادة حينئذ بين البناء على جريان أصالة بقاء الحيض وعدمه، لعدم

[ 259 ]

الفرق بينهما في صدق التجري من جهة العلم بالتكليف وإمكان الموافقة القطعية بالفحص. نعم لو فرض الرجوع إلى أصل موضوعي أو حكمي مرخص في العبادة - كاصالة عدم الحيض - كان القول بالصحة في محله، لكن الاصل المذكور لا أصل له. ثم إنه حيث كان ظاهر النصوص ترتب وجوب الغسل والعبادة على النقاء الواقعي الذي جعل الاستبراء طريقا إليه، فلو بني على عدم وجوب الاستبراء المذكور يكون الاصل الجاري أصالة عدم النقاء وبقاء نبع الدم من الرحم، وحجية مثله موقوفة على جواز إجراء الاستصحاب في التدريجيات، كما حقق في محله. ثم إن مقتضى إطلاق النص عدم الفرق بين صورتي القدرة على الاستبراء وعدمها، فإذا تعذر عليها الاستبراء لم يجز الرجوع إلى الاصل ولا إلى الانقطاع في إثبات النقاء وعدمه. وتخصيص النص بحال القدرة غير ظاهر كما تقدم في الاشتباه بالعذرة وغيرها. ومن جميع ما ذكرنا يظهر لك ما في كلمات شيخنا الاعظم (ره) في طهارته، حيث قال: " والانصاف أنه لو لا فتوى الاصحاب بالوجوب كانت استفادته من هذه الاخبار مشكلة، لان بعضها مسوق لبيان وجوب ذلك عند إرادة الاغتسال، فيحتمل الارشاد لئلا يظهر الدم فيلغو الاغتسال ويحتمل الاشتراط شرعا، إما لان الاصل بقاء الحيض، وإما لتحصيل الجزم ببراءة الرحم تعبدا وإن قلنا بأصالة عدم حدوث الدم في الرحم "، وظاهره أن الوجوب الذي أفتى به الاصحاب نفسي، وقد عرفت الاشكال فيه. كما أن صريحه احتمال الارشاد إلى أمر عرفي، وأن أصالة بقاء الحيض تقتضي بطلان الغسل بدون الاستبراء، وأنه يحتمل اعتبار الجزم

[ 260 ]

[ بادخال قطنة (1) وإخراجها بعد الصبر هنيئة، فان خرجت نقية اغتسلت وصلت وإن خرجت ملطخة - ولو بصفرة - (2) ] ببراءة الرحم تعبدا شرطا في صحة الغسل. وكل ما ذكره فيه منع ظاهر. وفي بقية كلامه نوع تأمل يظهر بالتأمل فيما ذكرنا. فراجع. (1) مقتصرة على ذلك، كما يقتضيه إطلاق الصحيح (* 1)، ونسب إلى المشهور، لكن الموجود في الموثق: " فلتقم فلتلصق بطنها إلى حائط وترفع رجلها على حائط " (* 2)، وفي خبر الكندي: " تعمد برجلها اليسرى على الحائط وتستدخل الكرسف بيدها اليمنى " (* 3) وفي مرسل يونس: " تقوم قائمة وتلزق بطنها بحائط وتستدخل قطنة بيضاء وترفع رجلها اليمنى " (* 4). ولا تنافي بينها لامكان تقييد بعضها بالآخر. نعم ظاهر قوله (ع): " تعمد برجلها " - في خبر الكندي - رفع الرجل اليسرى، وصريح مرسل يونس: رفع اليمنى، وحمل الاول على غير الرفع بعيد جدا، والجمع بالتخيير بينهما أقرب منه. لكن كلا الخبرين ضعيف، فان بني على التقييد تعين التقييد بالموثق لا غير. (2) كما عن جماعة التصريح به، منهم: المراسم والروض. وهو واضح لو كان في العادة لما عرفت، أما لو كان في غيرها فالعمدة فيه قاعدة الامكان. مضافا إلى إطلاق أخبار الاستظهار التي منها: خصوص صحيح سعيد بن يسار عن أبي عبد الله (ع): " عن المرأة تحيض ثم تطهر وربما رأت بعد ذلك الشئ من الدم الرقيق بعد اغتسالها من طهرها.


(* 1) وهو صحيح ابن مسلم عن أبي جعفر (ع) وقد تقدم قريبا في الاستدلال لوجوب الاستبراء (* 2) الوسائل باب: 17 من أبواب الحيض حديث: 4 (* 3) الوسائل باب: 17 من أبواب الحيض حديث 3 (* 4) الوسائل باب: 17 من أبواب الحيض حديث 2

[ 261 ]

[ صبرت حتى تنقي أو تنقضي (1) عشرة أيام إن لم تكن ذات عادة أو كانت عادتها عشرة (2)، وإن كانت ذات عادة أقل ] فقال (ع): تستظهر بعد أيامها بيومين أو ثلاثة ثم تصلي " (* 1) وحينئذ لابد من حمل ما في صحيح ابن مسلم المتقدم على ما يكون بعد مدة الاستظهار أو بعد العشرة، كإطلاق ما دل على أن الصفرة بعد الحيض ليست بحيض كما أشرنا إليه في المسألة السابعة عشرة. وأما ما في المرسل - من قوله (ع): " فان خرج على رأس القطنة مثل رأس الذباب دم عبيط... " (* 2) - فغير جامع لشرائط الحجية، كما عرفت. (1) بلا خلاف ظاهر، لقاعدة الامكان. مضافا في المبتدئة إلى النصوص كموثق ابن بكير: " المرأة إذا رأت الدم في أول حيضها فاستمر بها الدم تركت الصلاة عشرة أيام " (* 3) وقريب منه موثقه الآخر (* 4) وفي مضمر سماعة: " فلها أن تجلس وتدع الصلاة ما دامت ترى الدم ما لم يجز العشرة " (* 5) وهو يقتضي ثبوت الحكم المذكور لكل من لم تستقر لها عادة. (2) إجماعا. لوضوح طريقية العادة. ولا استظهار حينئذ، وفي مرسل ابن المغيرة: " إذا كانت أيام المرأة عشرة لم تستظهر، فإذا كانت أقل استظهرت " (* 6) ونحوه غيره.


(* 1) الوسائل باب: 13 من أبواب الحيض حديث: 8 (* 2) الوسائل باب: 17 من أبواب الحيض حديث: 2 (* 3) الوسائل باب: 8 من أبواب الحيض حديث: 6 (* 4) الوسائل باب: 8 من أبواب الحيض حديث: 5 (* 5) الوسائل باب: 14 من أبواب الحيض حديث: 1 (* 6) الوسائل باب: 13 من أبواب الحيض حديث: 2

[ 262 ]

[ من عشرة فكذلك، مع علمها بعدم التجاوز (1) عن العشرة، أما إذا احتملت التجاوز فعليها الاستظهار (2) بترك العبادة ] (1) للحكم بحيضية الجميع بمقتضى القاعدة. بل الاجماع عليه بالخصوص، لما سبق. (2) الظاهر أنه لا خلاف في ثبوته في الجملة ومشروعيته، قال في جامع المقاصد: " لا خلاف في ثبوته إنما الخلاف في وجوبه "، بل عليه الاتفاق، كما عن المعتبر والتذكرة والمدارك والمفاتيح وشرحها. والنصوص الدالة عليه متواترة أو متجاوزة حد التواتر على اختلاف مضامينها، إذ في بعضها: الامر بالاستظهار من دون تعرض لمقداره، كمرسل ابن المغيرة المتقدم، وموثق يونس بن يعقوب: " سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: تجلس النفساء أيام حيضها التي كانت تحيض، ثم تستظهر وتغتسل وتصلي " (* 1). وفي آخر: أنها تستظهر بيوم واحد، كموثق إسحاق بن جرير عن أبي عبد الله (ع) - في حديث: - " في المرأة تحيض فتجوز أيام حيضها. قال (ع) " إن كان أيام حيضها دون عشرة أيام استظهرت بيوم واحد ثم هي مستحاضة " (* 2). ونحوه مرسل داود مولى أبي المعزى (* 3)، ورواية زرارة، ومحمد بن مسلم (* 4)، وموثقة مالك بن أعين عن أبي جعفر (ع) في النفساء (* 5). وفي ثالث: أنها تستظهر بيومين كصحيح زرارة عن أبي جعفر (ع): " قلت له:


(* 1) الوسائل باب: 3 من أبواب النفاس حديث: 8 (* 2) الوسائل باب: 13 من أبواب الحيض حديث: 3 (3) الوسائل باب: 13 من أبواب الحيض حديث: 4 (* 4) الوسائل باب: 13 من أبواب الحيض حديث: 5 (* 5) الوسائل باب: 3 من أبواب النفاس حديث: 4

[ 263 ]

النفساء متى تصلي؟ قال (ع): تقعد بقدر حيضها وتستظهر بيومين " (* 1) ونحوه موثقه (* 2). وفي رابع: أنها تستظهر بثلاثة أيام، كموثق سماعة: " فان كان أكثر من أيامها التي كانت تحيض فيهن فلتتربص ثلاثة أيام بعد ما تمضي أيامها " (* 3)، ونحوه موثقه الآخر (* 4)، ورواية محمد بن عمر ابن سعيد (* 5). وفي خامس: أنها تستظهر بيوم أو يومين كصحيح زرارة: " المستحاضة تكف عن الصلاة أيام أقرائها وتحتاط بيوم أو اثنين ثم تغتسل كل يوم وليلة ثلاث مرات " (* 6) ونحوه موثقاه (* 7)، وصحيح ابن مسلم (* 8) وموثق البصري (* 9)، ورواية اسماعيل الجعفي (* 10). وفي سادس: أنها تستظهر يومين أو ثلاثة، كصحيح سعيد بن يسار المتقدم (* 11) ورواية حمران بن أعين (* 12). وفي سابع: أنها تستظهر بيوم أو يومين أو ثلاثة، كصحيح البزنطي عن أبى الحسن الرضا (ع): " سألته عن الطامث كم تستظهر؟ قال (ع): تستظهر بيوم أو يومين أو ثلاثة " (* 13)، وفي ثامن: أنها تستظهر إلى تمام العشرة، كموثق يونس بن يعقوب: " قلت لابي


(* 1) الوسائل باب: 3 من أبواب النفاس حديث: 2 (* 2) الوسائل باب: 3 من أبواب النفاس حديث: 5 (* 3) الوسائل باب: 13 من أبواب الحيض حديث: 1 (* 4) الوسائل باب: 13 من أبواب الحيض حديث: 6 (* 5) الوسائل باب: 13 من أبواب الحيض حديث: 10 (* 6) الوسائل باب: 1 من أبواب الاستحاضة حديث: 12 (* 7) الوسائل باب: 13 من ابواب الحيض حديث: 14 و 13 (* 8) الوسائل باب: 13 من أبواب الحيض حديث: 15 (* 9) الوسائل باب: 1 من أبواب الاستحاضة حديث: 8 (* 10) الوسائل باب: 13 من أبواب الحيض حديث: 7 (* 11) الوسائل باب: 13 من أبواب الحيض حديث: 8 (* 12) الوسائل باب: 3 من أبواب النفاس حديث: 11 (* 13) الوسائل باب: 13 من أبواب الحيض حديث: 9

[ 264 ]

عبد الله (ع): امرأة رأت الدم في حيضها حتى تجاوز وقتها متى ينبغي لها أن تصلي؟ قال (ع): تنتظر عدتها التى كانت تجلس ثم تستظهر بعشرة أيام (* 1) ونحوه خبره الآخر (* 2)، وفي مرسل ابن المغيرة عن رجل عن أبي عبد الله (ع): " في المرأة التي ترى الدم. فقال: إن كان قرؤها دون العشرة انتظرت العشرة، وإن كانت أيامها عشرة لم تستظهر " (* 3). وفي تاسع: أنها تستظهر بمثل ثلثي أيامها كموثق أبي بصير عن أبي عبد الله (ع): " قال: النفساء إذا ابتليت بأيام كثيرة مكثت مثل أيامها التي كانت تجلس قبل ذلك واستظهرت بمثل ثلثي أيامها... إلى أن قال (ع): وإن كانت لا تعرف أيام نفاسها فابتليت جلست مثل أيام أمها أو أختها أو خالتها واستظهرت بثلثي ذلك " (* 4) نعم قد يستظهر من جملة أخرى من النصوص عدم ثبوت الاستظهار أصلا. ففي مرسلة يونس الطويلة: "... ألا ترى أن أيامها لو كانت أقل من سبع وكانت خمسا أو أقل من ذلك ما قال لها تحيضي سبعا. فيكون قد أمرها بترك الصلاة أياما وهي مستحاضة " (* 5) وصحيح معاوية ابن عمار عن أبي عبد الله (ع): " المستحاضة تنظر أيامها فلا تصلي فيها ولا يقربها بعلها، فإذا جازت أيامها ورأت الدم يثقب الكرسف اغتسلت وصلت " (* 6) وموثق مالك بن أعين: " سألت أبا جعفر (ع) عن المستحاضة كيف يغشاها زوجها؟ قال (ع): ينظر الايام التي كانت


(* 1) الوسائل باب: 13 من أبواب الحيض حديث: 12 (* 2) الوسائل باب: 3 من أبواب النفاس حديث: 3 (* 3) الوسائل باب: 13 من أبواب الحيض حديث: 11 (* 4) الوسائل باب: 3 من ابواب النفاس حديث: 20 (* 5) الوسائل باب: 8 من أبواب الحيض حديث: 3 (* 6) الوسائل باب: 1 من أبواب الاستحاضة حديث: 1

[ 265 ]

تحيض فيها وحيضتها مستقيمة فلا يقربها في عدة تلك الايام من الشهر ويغشاها فيما سوى ذلك... " (* 1). وموثق عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (ع): " المرأة المستحاضة التي لا تطهر. قال (ع): تغتسل عند صلاة الظهر... (إلى أن قال): ولا بأس بأن يأتيها بعلها متى شاء إلا أيام قرئها " (* 2) وموثق سماعة: " سألت أبا عبد الله (ع) عن المستحاضة. قال فقال (ع): تصوم شهر رمضان إلا الايام التي كانت تحيض فيها " (* 3)، ونحوها غيرها. وقد اختلفت الانظار في الجمع بينها. فالمشهور بين المتأخرين حمل أخبار الاستظهار على الاستحباب بقرينة أخبار الاقتصار على العادة. وفيه: أنه ليس أول من العكس، فيحمل الامر بالاقتصار على العادة على الاستحباب ويحمل الامر بالاستظهار على الترخيص في الاستظهار. ولا ينافيه التعبير عن الاستظهار بالاحتياط في صحيح زرارة وموثق البصري ورواية الجعفي، لامكان كونه علة في الترخيص في ترك العبادة الواجبة. وظاهر المعتبر: حمل أخبار الاستظهار على الاباحة. وكأنه لورودها مورد توهم الحضر. وفيه: ما في سابقه من إمكان العكس، لكون المقام مظنة وجوب التحيض، للاستصحاب. وقاعدة الامكان. وفي الذخيرة اختار ذلك، لانه بعد لزوم رفع اليد عن ظهور الامر في الاستحباب - لاخبار الاقتصار على العادة - لا يمكن حمله على الاستحباب، لان استحباب ترك العبادة لا وجه له. وفيه: أنه لا مانع من استحباب ترك العبادة كما في العبادات المكروهة.


(* 1) الوسائل باب: 3 من أبواب الاستحاضة حديث: 1 (* 2) الوسائل باب: 1 من أبواب الاستحاضة حديث: 4 (* 3) الوسائل باب: 2 من أبواب الاستحاضة حديث: 1

[ 266 ]

وعن الوحيد وغيره: حمل أخبار الاستظهار على الدور الاول، وحمل أخبار الاقتصار على الدامية في الدور الثاني. ومال إليه في الجواهر. وفيه: أنه لا شاهد عليه، لان بعض أخبار الاستظهار وإن كان مورده الدور الاول، إلا أن مثله يوجد في أخبار الاقتصار. كذيل مرسل داود مولى أبي المعزا: " فإذا مضت أيام حيضها واستمر بها الطهر صلت، فإذا رأت الدم فهى مستحاضة " (* 1)، وصحيح زرارة عن أحدهما (ع): " النفساء تكف عن الصلاة أيامها التي كانت تمكث فيها، ثم تغتسل وتعمل كما تعمل المستحاضة " (* 2)، وبعض أخبار الاقتصار وإن كان مورده المستحاضة الظاهرة في الدامية، إلا أن مثله موجود في أخبار الاستظهار، مثل روايات زرارة وابن مسلم والجعفي وغيرهم، فالاخبار المذكورة متعارضة في كل من الموردين. ودعوى: أن الشاهد عليه موثق إسحاق بن جرير عن أبي عبد الله عليه السلام - في حديث -: " في المرأة تحيض فتجوز أيام حيضها. قال (ع): إن كان أيام حيضها دون عشرة أيام استظهرت بيوم واحد، ثم هي مستحاضة. قالت: فان الدم يستمر بها الشهر والشهرين والثلاثة، كيف تصنع بالصلاة؟ قال (ع): تجلس أيام حيضها ثم تغتسل لكل صلاتين " (* 3). مندفعة، بأن بعض أخبار الاقتصار آبية عن الحمل على الدور الثاني. وبأن الظاهر من الذيل كونه (ع) في مقام بيان الحكم الواقعي للمستمرة الدم. وربما يجمع بينهما بتخصيص اخبار الاقتصار على العادة بغير أيام


(* 1) الوسائل باب: 6 من أبواب الحيض حديث: 1 (* 2) الوسائل باب: 3 من أبواب النفاس حديث: 1 (* 3) الوسائل باب: 3 من أبواب الحيض حديث: 3

[ 267 ]

الاستظهار، كما ذكره في الجواهر، حيث قال: " على أنه قد يقال: بأنها مخصصة بغير أيام الاستظهار قطعا، لكونه لازما للقائلين بالوجوب والاستحباب ". وفيه: أنه بعيد، بل في طهارة شيخنا الاعظم (ره) " ضعفه غني عن البيان "، وفي المدارك: " ويمكن الجمع بينهما: بحمل أخبار الاستظهار على الواجد للصفة، وأخبار الاقتصار على الفاقد ". وكأنه لما دل على أن الصفرة بعد الحيض ليست من الحيض. وفيه: أنه مما يأباه صحيح سعد ابن يسار المتقدم في الاستبراء، بل تأباه عامة نصوص الاقتصار، فان حمل جميعها على خصوص الصفرة بعيد جدا - ولا سيما في مرسل داود - لظهور الدم فيه فيما يقابل الصفرة. بقرينة صدره. وفي الحدائق جمع بينهما بحمل أخبار الاستظهار على من تتخلف عادتها أحيانا، وحمل أخبار الاقتصار على مستقيمة العادة، بقرينة موثق عبد الرحمن البصري قال: سالت أبا عبد الله (ع) عن المستحاضة أيطؤها زوجها؟ وهل تطوف بالبيت؟؟ قال (ع): تقعد أيام قرئها التي كانت تحيض فيه، فان كان قرؤها مستقيما فلتأخذ به، وإن كان فيه خلاف فلتحتط بيوم أو يومين ولتغتسل... " (* 1) مضافا إلى تقييد الحيض بالاستقامة في موثق مالك بن أعين (* 2) وهو من أخبار الاقتصار. والاشكال عليه بمنع ظهور الموثق في تقسيم المعتادة إلى قسمين. وبظهور قوله (ع): " وإن كان خلاف... " في كونها غير ذات عادة - كما صدر من الاستاذ (ره) في الرسالة - لعله في غير محله. أولا:


(* 1) الوسائل باب: 1 من أبواب الاستحاضة حديث: 8 (* 2) الوسائل باب: 3 من أبواب الاستحاضة حديث: 1

[ 268 ]

من جهة أن قوله (ع): " فان كان... " ظاهر في كونه تقسيما لايام القرء المفروضة لها، التي أمرت بالقعود فيها. وثانيا: من جهة أن الاحتياط بيوم أو يومين لا يمكن إلا إذا كانت ذات قرء معلوم محدود. ليمكن فرض الزيادة عليه. واستشكل فيه شيخنا الاعظم (ره) أولا بأن حمل أخبار الاستظهار على غير المستقيمة بعيد جدا. لكن لم يتضح وجه البعد بناء على تمامية ما في الحدائق من أن الاغلب وقوع الاختلاف في الحيض. وثانيا بأن مورد الموثق الدامية، وقد اعترف في الحدائق بخروجها عن مورد الاستظهار انتهى. لكن هذا الاشكال على الحدائق لا على الجمع المذكور. نعم يمكن أن يقال: إن الموثق المذكور لما كان مورده الدامية إنما يصلح شاهدا على الجمع بين أخبار الاستظهار، واخبار الاقتصار الواردة في الدامية، أما ما ورد منهما في أول الرؤية فلا يصلح شاهدا للجمع بينهما، إلا أن يتمم بعدم القول بالفصل. وقرب شيخنا الاعظم (ره) الجمع بينهما بحمل أخبار الاستظهار على راجية الانقطاع، وأخبار الاقتصار على غيرها. والوجه فيه: اختصاص اخبار الاستظهار بصورة رجاء الانقطاع، كما تقتضيه مادة الاستظهار الذي هو بمعنى طلب ظهور الحال، وأن الدم ينقطع على العشرة أو ما دونها أو يتجاوزها. مضافا إلى التعبير بالانتظار والاحتياط المختصين بصورة الاحتمال. وإلى التعبير في صحيح زرارة بقوله (ع): " فان انقطع الدم وإلا اغتسلت " (* 1)، ونحوه مرسل داود (* 2)، وموثق سماعة (* 3)،


(* 1) الوسائل باب: 3 من أبواب النفاس حديث: 2 (* 2) الوسائل باب: 13 من أبواب الحيض حديث: 4 (* 3) الوسائل باب: 13 من أبواب الحيض حديث: 1

[ 269 ]

ورواية الجعفي (* 1)، ورواية حمران (* 2). وأما أخبار الاقتصار، فهي وإن كانت شاملة لصورة الرجاء واليأس، لكن يجب حملها على الثاني جمعا بين المطلق والمقيد، بل اليأس بنفسه استظهار لتجاوز الدم فلا يكون معه استظهار. ومن ذلك يظهر الوجه في نفي الاستظهار على المستقيمة الحيض - كما في موثق البصري (* 3)، ورواية مالك (* 4) - لان استقامة الحيض امارة تجاوز الدم أيضا. ويحتمل أن يكون الحكم المذكور في أخبار الاقتصار حكما واقعيا للمستحاضة، لا حكما ظاهريا على الدم بأنه استحاضة مع احتمال انقطاعه على العشرة، كي يكون معارضا لاخبار الاستظهار، ويتكلف الجمع بينهما على أحد الانحاء السابقة. بل هو المقطوع به في موثق ابن سنان المتقدم، ومرسلة يونس الطويلة. بل هو الظاهر من غيرهما. ولو فرض ظهور بعضها في الحكم الظاهري تعين حمله على الحكم الواقعي جمعا. وهذا الجمع أقرب مما ذكره شيخنا الاعظم (ره) في وجه الجمع، وإن كان هو أقرب مما سواه. والمتحصل مما ذكرناه: أن النصوص المعدودة معارضة لنصوص الاستظهار، منها ما هو صريح أو ظاهر في وروده لبيان الحكم الواقعي للمستحاضة الواقعية، ومنها ما هو محتمل لذلك، ومنها ما هو ظاهر في الحكم الظاهري بالاقتصار على أيام العادة مع امارة التجاوز، والاقسام الثلاثة كلها لا مجال لتوهم المعارضة بينها وبين أخبار الاستظهار، ولو فرض


(* 1) الوسائل باب: 13 من أبواب الحيض حديث: 7 (* 2) الوسائل باب: 3 من أبواب النفاس حديث: 11 (* 3) الوسائل باب: 1 من أبواب الاستحاضة حديث 8 (* 4) الوسائل باب: 3 من أبواب النفاس حديث: 4

[ 270 ]

[ استحبابا (1) بيوم أو يومين (2) أو إلى العشرة مخيرة بينها، ] وجود قسم منها ظاهر في الحكم الظاهري أمكن حمله على الحكم الواقعي، أو على صورة اليأس من الانقطاع، حملا للمطلق على المقيد. ومن ذلك يظهر أنه لا تنتهي النوبة إلى طرح أخبار الاقتصار لموافقتها لمذهب أكثر العامة، حيث نقل الاقتصار عن الجمهور عدا مالك، فأوجب الاستظهار إلى ثلاثة أيام. مضافا إلى كون أخبار الاستظهار أكثر وأشهر، فان ذلك إنما يكون بعد تعذر الجمع العرفي، وقد عرفت سهولته. فتأمل جيدا. (1) كما نسب إلى عامة المتأخرين، وقد عرفت وجهه وضعفه. وفي مجمع الفائدة وظاهر المعتبر وفي الذخيرة: الاباحة، كما تقدم. وقد عرفت ضعفه أيضا. وعن صريح الاستبصار والسرائر وظاهر النهاية والجمل ومصباح السيد والوسيلة والشرائع والتحرير والمختلف والارشاد وغيرها: الوجوب. وهو الاقوى. وهناك أقوال أخر تعرف مما سبق في وجه الجمع. فراجع. (2) كما نسب إلى المشهور أو مشهور المتأخرين، وحكي عن كثير من كتب الفاضلين والمحقق الثاني وغيرهم. وقيل: ثلاثة، حكي عن السرائر والمنتهى والمدارك، وعن ظاهر المفاتيح: انه الاشهر. وعن جماعة: التخيير بين اليوم واليومين والثلاثة. وعن ظاهر المقنعة وصريح الدروس ومجمع البرهان: انه إلى العشرة. ومبنى كل من الاول والثاني والثالث الاقتصار على بعض النصوص المشار إليها سابقا، ومبنى الرابع حمل اختلافها على اختلاف العادات، فذات التسعة تستظهر بيوم، وذات الثمانية بيومين وذات السبعة بثلاثة، وهكذا. ولكنه خلاف الظاهر جدا، إذ اللازم حينئذ التعبير بالعشرة في الجميع. فيتردد الامر بين حمل اختلاف النصوص على التخيير في مدة الاستظهار فتتخير بين جميع المراتب المنصوصة، وبين حمله

[ 271 ]

[ فان انقطع الدم على العشرة أو أقل فالمجموع حيض (1) في الجميع، وإن تجاوز فسيجئ حكمه. (مسألة 24): إذا تجاوز الدم عن مقدار العادة وعلمت أنه يتجاوز عن العشرة تعمل عمل الاستحاضة فيما زاد ولا حاجة إلى الاستظهار (2). (مسألة 25): إذا انقطع الدم بالمرة وجب الغسل والصلاة (3) وإن احتملت العود (4) قبل العشرة بل وإن ظنت بل وإن كانت معتادة بذلك على إشكال. نعم لو علمت العود ] على الترديد في الزمان الذى يحصل به الظهور، فقد يكون يوما وقد يكون أكثر إلى العشرة. والثاني أظهر، فالمعنى: أنه يجب عليها أن تستظهر سواء حصل الظهور بيوم أم أكثر إلى العشرة. (1) ذكره الاصحاب قاطعين به. كذا في مفتاح الكرامة، وقد تقدم الكلام في نظيره. (2) لاختصاص أخباره بصورة احتمال الانقطاع. مع أن العلم أقوى مراتب الظهور. (3) إجماعا، كما عن صريح المدارك وظاهر غيره، وتقتضيه النصوص الآمرة بالغسل والصلاة، ومنها نصوص الاستبراء. والمعروف عدم مشروعية الاستظهار لها حينئذ، ويظهر من محكي السرائر: وجود القائل بها بل ووجود خبر بذلك، لكن ضعفه هو بأنه من أخبار الآحاد. وكيف كان لا مجال لرفع اليد عن إطلاق تلك النصوص، بل صريح جملة من نصوص الاستظهار عدمه عند الانقطاع مطلقا. (4) يقتضيه إطلاق النصوص المشار إليها. وكذا لو ظنت بالعود،

[ 272 ]

[ فالاحوط مراعاة الاحتياط في أيام النقاء، لما مر (1) من أن في النقاء المتخلل يجب الاحتياط. (مسألة 26): إذا تركت الاستبراء وصلت بطلت وإن تبين بعد ذلك كونها طاهرة (2) إلا إذا حصلت منها نية القربة. (مسألة 27): إذا لم يمكن الاستبراء لظلمة أو عمى فالاحوط الغسل والصلاة إلى زمان حصول العلم بالنقاء (3) ] وإن حكي عن الشهيد ثبوت الاستظهار حينئذ، ولا وجه له ظاهر. ومثله ما عن المدارك والذخيرة والمفاتيح من أن الظاهر ثبوته مع اعتياد العود، لا طراد العادة. واستلزام وجوب الغسل الحرج والضرر. واختاره بعض مشايخنا. إذ هو كما ترى، لان اطراد العادة إنما يقتضي الظن بالعود لا ترك العبادة. وما دل على وجوب ترك العبادة في العادة فالمراد منه التحيض بالدم المرئي فيها، لا التحيض بالنقاء كما هو ظاهر. وأما الحرج والضرر - فمع أنهما ممنوعان - لا يقتضيان ترك الصلاة وإنما يقتضيان ترك الغسل فتجب الصلاة بالتيمم. وفي الجواهر وغيرها خص ذلك بصورة الاعتياد الموجب للاطمئنان، للشك في شمول الادلة لمثله. وفيه: أن الشك المذكور لا يسوغ رفع اليد عن أصالة الاطلاق في النصوص الآمرة بالاغتسال عند الانقطاع. نعم لو فرض تمامية حجية الاطمئنان تعين القول بالانتظار اعتمادا عليه. وعليه فلا يفرق بين حصوله من الاعتياد وغيره. (1) لكن مر الاشكال فيه. (2) قد تقدم الكلام في ذلك عند الكلام في أدلة الاستبراء. (3) هذا يتم بناء على حرمة العبادة على الحائض تشريعا، أما بناء على حرمتها ذاتا فيشكل كون ذلك أحوط، لان استصحاب بقاء الحيض موجب

[ 273 ]

[ فتعيد الغسل حينئذ وعليها قضاء ما صامت والاولى تجديد الغسل في كل وقت تحتمل النقاء (1). (فصل في حكم تجاوز الدم عن العشرة) (مسألة 1): من تجاوز دمها عن العشرة - سواء استمر إلى شهر أو أقل أو أزيد (2) - إما أن تكون ذات عادة أو ] للحرمة. نعم لو بني على سقوط الاستصحاب المذكور بأدلة وجوب الاستبراء فالحكم التخيير عقلا بين فعل العبادة وتركها - كما في سائر موارد الدوران بين المحذورين - لتعذر الموافقة القطعية، وحينئذ لا يكون أحدهما بعينه أحوط ولو بني على وجوب الاستبراء شرطا فوجوب الغسل مع تعذره مبني على تمامية قاعدة الميسور، وهي غير ظاهرة، لعدم إحراز التكليف بالصلاة والغسل. هذا ولاجل أن القدر المتيقن من أدلة الاستبراء الردع عن طريقية الانقطاع إلى النقاء الواقعي، فالاقوى جواز العمل بالاستصحاب المذكور، وحينئذ يتعذر عليها الاحتياط بناء على حرمة العبادة ذاتا، بل مقتضى الاستصحاب ثبوت أحكام الحيض وعدم وجوب الغسل ولا الصلاة. فلاحظ وسيجئ في حرمة العبادة ماله دخل في المقام. (1) هذا ينبغي أن يكون أحوط بعين الوجه في الاحتياط السابق. فتأمل جيدا. والله سبحانه أعلم. (فصل في حكم تجاوز الدم عن العشرة) (2) بلا خلاف ظاهر، بل ظاهر كلماتهم كونه من الواضحات. وهو الذي يقتضيه إطلاق كثير من النصوص الآتية في أحكام الاقسام اللاحقة.

[ 274 ]

[ مبتدئه أو مضطربة أو ناسية، أما ذات العادة فتجعل عادتها حيضا (1) وإن لم تكن بصفات الحيض (2) والبقية استحاضة (3) ] (1) بلا خلاف فيه في الجملة، بل عن غير واحد: دعوى الاجماع عليه صريحا وظاهرا، بل عن المعتبر: انه إجماع العلماء عدا مالك، وعن المنتهى: انه إجماع أهل العلم. وتدل عليه النصوص الدالة على حيضية الدم في العادة. وما تقدم في مبحث الاستظهار من نصوص الاستظهار، ونصوص الاقتصار على العادة، وكثير من فقرات مرسلة يونس الطويلة، منها: قوله (ع): " فهذه سنة التي تعرف أيام أقرائها لا وقت لها إلا أيامها قلت أو كثرت " (* 1). (2) كما يقتضيه إطلاق جملة من النصوص المشار إليها آنفا. مع أنه لاإشكال فيه إذا كان ما في خارج العادة فاقدا أيضا، أما إذا كان واجدا فسيأتي الكلام فيه. (3) بلا خلاف فيه فيما عدا أيام الاستظهار، لصريح النصوص الدالة عليه المشار إليها آنفا. وأما أيام الاستظهار فالمعروف فيها ذلك أيضا. وعن المنتهى والبيان والدروس والموجز وجامع المقاصد وغيرها: التصريح بوجوب قضاء ما تركته في أيام الاستظهار، بل عن المعتبر والذكرى: الاجماع عليه وتقتضيه النصوص الآمرة بالاقتصار على العادة. التي أشرنا إلى بعضها آنفا بناء على ما عرفت من وجه الجمع بينها وبين نصوص الاقتصار على العادة لكن استشكل في نهاية الاحكام في ذلك، وعن المدارك والمفاتيح والكفاية: التوقف فيه، بل في الرياض: الاقرب إلحاقها بالحيض، حاكيا له عن مصباح المرتضى وظاهر القواعد، لظهور نصوص الاستظهار في ذلك.


(* 1) الوسائل باب: 5 من أبواب الحيض حديث: 1

[ 275 ]

[ وإن كانت بصفاته (1) إذا لم تكن العادة حاصلة من التمييز ] وفيه: ما عرفت من ظهورها في كون التحيض في أيامه من باب الحكم الظاهري - كما أشرنا إليه في مبحث الاستظهار - لا الحكم الواقعي. ومنه يظهر ضعف ما عن النهاية من أن عدم وجوب الاداء أو حرمته مانع من وجوب القضاء، فان المنع عن وجوب القضاء إنما يسلم بالنسبة إلى عدم وجوب الاداء أو حرمته الواقعيين لا الظاهريين. (1) كما عن المفيد والسيد، والشيخ في الجمل وموضع من المبسوط والحلي وابن سعيد والفاضلين والشهيدين والمحقق الثاني وغيرهم، بل هو المنسوب إلى المشهور، لعموم ما دل على رجوع المستحاضة إلى عادتها. مع صراحة بعضه أو ظهوره في تقدمها على التمييز، ففي المرسلة الطويلة: " لو كانت تعرف أيامها ما احتاجت إلى معرفة لون الدم... (إلى أن قال): فإذا جهلت الايام وعددها احتاجت حينئذ إلى النظر إلى إقبال الدم وادباره... " (* 1)، ونحوها غيرها من فقراتها. وفي موثق اسحاق بن جرير " قالت: فان الدم يستمر بها الشهر والشهرين والثلاثة كيف تصنع بالصلاة؟ قال (ع): تجلس أيام حيضها ثم تغتسل لكل صلاتين. قالت له: إن أيام حيضها تختلف عليها، وكان يتقدم الحيض اليوم واليومين والثلاثة، ويتأخر مثل ذلك، فما علمها به؟ قال (ع): دم الحيض ليس به خفاء... " (* 2). ومنه يظهر ضعف ما عن الشيخ في النهاية والاصباح وموضع من المبسوط من تقديم التمييز - بل عن الخلاف: دعوى إجماع الفرقة عليه - لاخبار الصفات، لما عرفت من عدم صلاحيتها لمعارضة


(* 1) الوسائل باب: 3 من أبواب الحيض حديث: 4 (* 2) الوسائل باب: 3 من أبواب الحيض حديث: 3

[ 276 ]

[ بأن يكون من العادة المتعارفة، وإلا فلا يبعد ترجيح الصفات على العادة (1) بجعل ما بالصفة حيضا دون ما في العادة الفاقدة ] أخبار العادة فضلا عن وجوب تقديمها عليها. ونحوه في الضعف ما عن الوسيلة من التخيير جمعا بين الدليلين. ثم إن ظاهر النصوص المتقدمة عدم الفرق في وجوب تقديم العادة بين إمكان الجمع بينها، وبين التمييز - بجعل المجموع حيضا واحدا بأن لم يتجاوز المجموع العشرة، أو حيضين مستقلين بأن فصل بينهما أقل الطهر - وبين ما لم يمكن الجمع بينهما أصلا، وهو المحكي عن ظاهر جماعة وصريح آخرين لكن في المستند: نسب إلى الاكثر في الصورة الثانية التحيض بهما معا، وفي الجواهر: انه نقل عن ظاهر المنتهى الاتفاق عليه، وكأنه لعدم التنافي بين الدليلين فيجب العمل بهما. وفيه: انه خلاف ظاهر النصوص المتقدمة. ومثله وجها ومنعا ما قيل من التحيض بهما في الصورة الاولى، بل في الرياض: حكي نقل الاجماع عليه، وفي الجواهر عن ظاهر التنقيح: نفي الخلاف فيه. لكن شيخنا الاعظم (ره) نفى القول به من أحد من الاصحاب، وأنهم بين مقدم للعادة ومقدم للتمييز ومخير بينهما، كصورة عدم إمكان الجمع، وتشهد له كثير من العبارات المحكية في طهارته، فلاحظ المبسوط والوسيلة وغيرهما. وكيف كان فلم يثبت ما يجب لاجله الخروج عن ظاهر النصوص المتقدمة الدالة على اعتبار العادة لا غير. (1) كما عن المحقق الثاني الميل إليه، معللا له بأن الفرع لا يزيد على أصله، مع احتمال الترجيح لصدق الاقراء. وفيه بعد لانه خلاف المتعارف انتهى. وفيه: أن القاعدة الاولى ليست مما يصح الاعتماد عليها لعدم الدليل عليها من عقل أو نقل. وأما دعوى انصراف الاقراء إلى غير

[ 277 ]

[ وأما المبتدئة والمضطربة - بمعني من لم تستقر لها عادة - فترجع إلى التمييز (1) فتجعل ما كان بصفة الحيض حيضا وما كان ] ما ثبت بالتمييز، فمع أنها ممنوعة - لما تكرر من عدم قدح الغلبة في حجية الاطلاق - أن مرجعها إلى عدم ثبوت العادة بالتمييز أصلا، فلا تترتب عليها أحكام العادة مطلقا حتى إذا لم يعارضها التمييز. لكنه على تقدير تماميته مناف لما ذكره أولا، المبني على ثبوت العادة بالتمييز كما لا يخفى. فالاولى: دعوى ظهور أدلة التمييز في خصوص من لم تكن لها عادة بغيره، أما إذا كانت لها عادة به فعمومها محكم. لكنها لا تخلو من إشكال أو منع، ولعله لذلك استشكل في الحكم في الروض وكشف اللثام، كما حكي. وقد تقدم في بيان ما تتحقق به العادة بعض ماله دخل في المقام. فراجع. (1) وهو مذهب فقهاء أهل البيت (ع) - كما في محكي المعتبر - ومذهب علمائنا، كما في محكي المنتهى، وعن الخلاف والتذكرة: الاجماع عليه في المبتدئة، بل استظهر من الاول ذلك في المضطربة أيضا. ويدل عليه فيهما إطلاق حسن حفص: " دخلت على أبي عبد الله (ع) امرأة فسألته، عن المرأة يستمر بها الدم فلا تدرى أحيض هو أو غيره؟ فقال (ع) لها: إن دم الحيض حار عبيط أسود له دفع وحرارة، ودم الاستحاضة أصفر بارد، فإذا كان للدم حرارة ودفع وسواد فلتدع الصلاة " (* 1)، ويدل عليه في الثانية مصحح إسحاق بن جرير المتقدم: " فقالت له: إن أيام حيضها تختلف عليها، وكان يتقدم الحيض اليوم واليومين والثلاثة، ويتأخر مثل ذلك، فما علمها به؟ قال (ع): دم الحيض ليس به خفاء، هو دم حار له حرقة، ودم الاستحاضة دم


(* 1) الوسائل باب: 3 من أبواب الحيض حديث: 2

[ 278 ]

فاسد بارد... " (* 1). نعم قد يظهر من ذيل مرسلة يونس الطويلة - وهو قوله (ع): " وأما السنة الثالثة فهي للتي ليس لها أيام متقدمة، ولم تر الدم قط، ورأت أول ما أدركت واستمر بها، فان سنة هذه غير سنة الاولى والثانية... (إلى أن قال) (ع): فقال - يعني رسول الله صلى الله عليه وآله -: تلجمي وتحيضي في كل شهر في علم الله ستة أيام أو سبعة أيام، ثم اغتسلي غسلا وصومي ثلاثة وعشرين... " (* 2) - أن حكم المبتدئة الرجوع إلى الروايات. وبساعده اطلاق جملة من النصوص، كموثق ابن بكير: " إذا رأت الدم في أول حيضها فاستمر بها الدم تركت الصلاة عشرة أيام، ثم تصلي عشرين يوما، فان استمر بها الدم بعد ذلك تركت الصلاة ثلاثة أيام وصلت سبعة وعشرين يوما " (* 3)، ونحوه موثقه الآخر (* 4)، وموثق سماعة: " سألته عن جارية حاضت أول حيضها فدام دمها ثلاثة أشهر وهي لا تعرف أيام قرئها. قال (ع): أقراؤها مثل أقراء نسائها، فان كانت نساؤها مختلفات فاكثر جلوسها عشرة وأقله ثلاثة أيام " (* 5). وعليه يشكل الحكم برجوع المبتدئة إلى التمييز، بل لعل مقتضى الجمع العرفي بين مرسلة يونس والنصوص السابقة تقييدها بها، لظهورها في الفرق بين المبتدئة والناسية، وأن الاولى ترجع إلى العدد والثانية إلى التمييز. اللهم إلا أن يقال: إن التأمل في المرسلة يقضي بأن السنة الثالثة مجعولة لمن لا تمييز لها


(* 1) الوسائل باب: 3 من أبواب الحيض حديث: 3 (* 2) الوسائل باب: 8 من أبواب الحيض حديث: 3 (* 3) الوسائل باب: 8 من أبواب الحيض حديث: 6 (* 4) الوسائل باب: 8 من أبواب الحيض حديث: 5 (* 5) الوسائل باب: 8 من أبواب الحيض حديث: 2

[ 279 ]

بل هو كالصريح، لقوله (ع) في ذيلها: " فان لم يكن الامر كذلك، ولكن الدم أطبق عليها، فلم تزل الاستحاضة دارة، وكان الدم على لون واحد، فسنتها السبع والثلاث " (* 1) المعتضد بظاهر الصدر في حصر السنن في ثلاث، لا حصر المستحاضة فيها، مع قوله (ع) في صدرها: " بين فيها كل مشكل... ". ولا ينافيه ما تقدم من الفقرة، لامكان الحمل على الغالب - كما قيل - أو لصيرورتها اتفاقا موردا لتلك السنة، من جهة وقوعها جوابا عن حال فاقدة التمييز، كما يظهر من قولها: " أثجه ثجا ". ويومئ إليه أنه لو بني على تقييد السنن الثلاث بمواردها بقيت من لم تستقر لها عادة خارجة عن أحكام الرواية، وهو خلاف ظاهر قوله (ع): " بين فيها كل مشكل... " وحينئذ فكما يكون ذكر الناسية في السنة الثانية - لانها مورد السؤال - من باب الاتفاق بلا خصوصية لها، كما يشير إلى ذلك - مضافا إلى ما سبق - تعليل الرجوع إلى العادة وعدم الاعتناء بالتمييز بقوله (ع): " لان السنة في الحيض " الظاهر في وجود مقتضى الحجية في التمييز، لولا المعارضة بالعادة الساري ذلك في جميع الاقسام، كذلك يكون ذكر المبتدئة في السنة الثالثة. مضافا إلى أن ظاهر قوله صلى الله عليه وآله: تحيضي في كل شهر في علم الله... " وقول الصادق (ع): " ثم مما يزيد هذا بيانا قوله صلى الله عليه وآله: تحيضي... " كون الحكم المذكور من قبيل الاصل، يرجع إليه حيث لا إمارة توجب العلم بالحيض. وحينئذ فاطلاق دليلية الصفات المتقدمة يكون حاكما على المرسلة والموثقات، لعدم الفرق في مفاد الجميع. بل موثق سماعة محكوم لها - مع قطع النظر عن ذلك - لفرض السائل فيه أنها لا تعرف أيامها، إذ ليس المراد منه أنها


(* 1) الوسائل باب: 8 من أبواب الحيض حديث: 3

[ 280 ]

لا تعرف عادتها - لكون المفروض أنها مبتدئة - بل المراد أنها لا تعرف حيضها، فإذا كانت ذات تمييز كانت أدلة التمييز موجبة لكونها ممن تعرف أيامها. ولو أغمض عما ذكرنا كله فلا أقل من ترجيح تقييد النصوص المذكورة على تقييد أدلة الصفات، لغلبة تساوي الدم في المبتدئة - كما سبق -، ولكن إباء مثل قوله (ع): " إن دم الحيض حار... "، عن التقييد ليس كاباء المعارض له، فيحمل على صورة فقد التمييز. فتأمل جيدا، ومن ذلك كله يظهر ضعف ما في الحدائق من الاشكال على المشهور في حكمها برجوع المبتدئة إلى التمييز ومع فقده فالى العدد. وأما الاشكال عليه - كما في طهارة شيخنا الاعظم (ره) - بأن غاية التعارض في المقام الرجوع إلى المرجحات السندية، وهي مع أخبار التمييز، لموافقتها المشهور، ومخالفتها لابي حنيفة من الجمهور، ولو أغمض فالمرجع إطلاقات الحيض الصادقة عرفا على الواجد المسلوب عن الفاقد لها. ولو أغمض فالمرجع الظن، لانسداد باب العلم والامارات، وعدم إمكان الرجوع إلى الاصل، لان الخصم لا يقول به، بل لم يقل به أحد عدا ما عن الغنية، من الرجوع إلى أكثر الحيض وأقل الطهر... انتهى ملخصا. ففيه: أن الرجوع إلى المرجحات السندية لا يكون في المتعارضين بالعموم من وجه، كما حقق في محله، وكون موافقة المشهور من المرجحات محل إشكال أو منع. مع معارضة ذلك بكون الرجوع إلى العدد في المبتدئة موافق للشهرة في الرواية، لكثرة الروايات الدالة عليه، بخلاف الرجوع إلى التمييز. والمخالفة لابي حنيفة غير كافية في الترجيح مع الموافقة لغيره، ولا سيما في الاخبار الصادقية. وصدق الاطلاق على الواجد إنما يتم مع حجية الصفات عرفا، وهو غير ثابت، بل قد ينافيه الشك والسؤال كما

[ 281 ]

[ بصفة الاستحاضة استحاضة بشرط أن لا يكون أقل من ثلاثة ولا أزيد من العشرة (1) ] أشرنا إلى ذلك في صدر المبحث. ومجرد عدم قول الخصم بالرجوع إلى الاصل - لاستظهاره من الادلة الرجوع إلى العدد - لا يكفي دليلا على بطلان الاصل. وكأنه (قده) لذلك أشار بقوله: " فتأمل ". (1) على المشهور، بل عن جامع المقاصد: نفي الخلاف فيه، وعن التذكرة وظاهر المعتبر: الاجماع عليه، لما دل على تحديد الحيض بذلك كما سبق. واستشكله في الحدائق، بأنه لا تساعده الروايات الواردة في هذه المسألة، فانها مطلقة في التحيض بما شابه دم الحيض، قليلا كان أم كثيرا وفيه: المنع من إطلاقها، لانها واردة في مقام جعل الطريق إلى الحيض فتختص بصورة احتمال المطابقة، وأدلة التحديد تنفي احتمال المطابقة في الفاقد لبعضها كما لا يخفى. نعم عن المبسوط القطع بتنقيص الزائد على العشرة فتتحيض بالعشرة الاولى منه. وفي كشف اللثام: " ولا يبعد عندي ما ذكره الشيخ، ولا التحيض بالناقص مع إكماله " وتبعه في الرياض، لعموم أدلة التمييز. وفيه: أنه لا يتم في الفرض الثاني، للمعارضة بين وجدان الصفات الذي هو طريق إلى الحيض والفقدان الذي هو طريق إلى الاستحاضة، وحيث لا مرجح لاحدهما يتعين التساقط - كما هو الاصل في المتعارضين - للتكاذب بين مدلوليهما. وتكميل الناقص راجع إلى إسقاط الفقدان عن الحجية بلا مرجح. وفي طهارة شيخنا الاعظم (ره) أورد عليه: " بأن مراعاة عموم الحكم على الضعيف بالاستحاضة يوجب خروج المورد عن أدلة التمييز، إذ المفروض اختلاط الحيض بالاستحاضة، فلا يمكن تمييزها بجعل المجموع

[ 282 ]

استحاضة، فيلزم من الرجوع إلى أدلة التمييز طرحها، بخلاف ما لو حكمنا على الناقص بالحيضية وعلى الضعيف بالاستحاضة إلا ما يحتاج إليه في تكميل الناقص، فانه قد حصل التمييز من دون تقييد زائد على ما هو المعلوم في كل من الضعيف والقوي من تقييده بصورة القابلية شرعا ". ويشكل: بأن قابلية الدم الناقص للحيضية محرزة لاحتمال تكملته من الفاقد، وإنما الشك في فعلية حيضيته، وإثبات حيضية المقدار المكمل له من الفاقد - لكونه مدلولا التزاميا للوجدان في الواجد - ليس أولى من إثبات استحاضيته لكونها مطابقيا للفقدان، ومع عدم المرجح يسقطان معا عن الحجية. ومثله في الاشكال ما في رسالة الدماء للاستاذ (قده) من أنه ليس الادبار الذي يوجب البناء على الاستحاضة كالاقبال كي يعارض به، ضرورة أنه تبع الاقبال كما لا يخفى على المتأمل. إذ المراد من التبعية إن كان بمعنى أن الادبار حجة حيث لا يكون الاقبال حجة على خلافه - كما هو ظاهر - فهو ممنوع، فان لسان دليل الجعل في صفاتي الحيض والاستحاضة واحد. وإن كان بمعنى أن حجية الادبار على الاستحاضة في الفاقد من جهة عدم الاقبال. فهو - لو تم - لا يجدي فيما نحن فيه أيضا، لكون المفروض تحقق الادبار في الفاقد، فيكون أمارة على كونه استحاضة، فيتعارض مع الاقبال في الواجد ويرجع الاشكال. نعم يجدي في رفع التعارض دعوى كون حجية صفات الاستحاضة في إثباتها من باب الاصل - نظير قاعدة الامكان - فلا يرجع إليها مع الدليل. لكنه خلاف ظاهر الادلة. مع أن لازمه البناء على التحيض إلى العشرة ولو مع الادبار، للاستصحاب. ولا يظن الالتزام به من أحد. نعم لا تعارض في الفرض الاول - وهو ما لو كان الواجد أكثر من

[ 283 ]

أكثر الحيض - بين الدليلين، إذ في الاقتصار على المقدار الممكن في الحيضية والبناء على استحاضية الزائد عليه ليس إلا طرح لادلة حجية الصفات في ذلك المقدار الزائد، ولابد منه لاعتبار القابلية في حجيتها كما تقدم. وكأنه لذلك بنى الشيخ (ره) في المبسوط لزوم التنقيص هنا، ولم ينقل عنه القول بالتكميل في الفرض السابق. نعم عليه يقع التعارض بين التنقيص من الاول ومن الآخر، فتسقط حجية الصفات في الطرفين معا، لعدم المرجح. بل المرجع فيهما الاصل، وهو يقتضي في الاول البناء على الطهر لو كان مسبوقا بالضعيف الذي هو استحاضة، أو ولو كان مسبوقا بالنقاء بناء على الرجوع إلى استصحاب الطهر - في المردد بين الحيض والاستحاضة - لا إلى الاحتياط، كما تقدم الكلام فيه، وفي الآخر البناء على الحيض للاستصحاب. لكنه خلاف ما عن المبسوط من البناء على حيضية العشرة الاولى. وكأنه مبني على أن التقدم الزماني يوجب ترجح تطبيقها على المتقدم بالنسبة إلى تطبيقها على المتأخر. وهو غير ظاهر. وليس هو أيضا مقتضى قاعدة الامكان، لمعارضتها بمثلها في الآخر أيضا. ولا هو مقتضى المرسلة بدعوى ظهورها في أن حدوث الاقبال يوجب التحيض - كما ذكر الاستاذ (ره) في رسالته - لمنع ذلك، بل هي ظاهرة في أن نفس الاقبال أمارة على الحيض حدوثا وبقاء، وإلا لاشكل الامر في البقاء إلا أن يجعل الحدوث حجة على التحيض في الحدوث والبقاء. وهو كما ترى. أو يجعل التحيض في البقاء اعتمادا على الاستصحاب. وكيف كان فالتنقيص - لو بني على كونه موافقا للقواعد - لا مجال للبناء عليه، فانه خلاف ظاهر المرسلة، الحاصرة للسنن في ثلاث، المانعة من الرجوع إلى غيرها من أصل أو نحوه، الظاهرة في خصوص التمييز

[ 284 ]

[ وأن لا يعارضه دم آخر واجد للصفات (1) كما إذا رأت خمسة أيام - مثلا - دما أسود وخمسة أيام أصفر ثم خمسة أيام أسود. ومع فقد الشرطين أو كون الدم لونا واحدا ] الجامع للشرطين المذكورين. فالبناء على كون المستحاضة فاقدة للتمييز عند فقدهما متعين كما هو المشهور. (1) كما هو المشهور، بل في كشف اللثام: " لا خلاف فيه " والوجه فيه ظاهر، لان البناء على حيضية الدمين معا متعذر لفرض التعارض، والبناء على حيضية أحدهما بعينة دون الآخر ترجيح من غير مرجح، لاتحاد نسبتهما إلى الدليل. هذا والمشهور التعبير عن هذا الشرط، بأن لا ينقص الضعيف عن أقل الطهر، وهو المتعين بناء على المشهور من امتناع كون الطهر أقل من عشرة، حتى ما كان بين أجزاء الحيضة الواحدة، لشموله لصورة عدم تجاوز القويين وما بينهما من الضعيف أكثر الحيض، كما لو رأت الاسود ثلاثة أيام، وبعده الاصفر ثلاثة، وبعده الاسود ثلاثة، ثم الاصفر بعدها فانه لا تعارض بين حيضية القويين، لامكان كونهما مع الضعيف حيضا واحدا، كما عن الشيخ (ره) في المبسوط الجزم به. فعلى التعبير عن الشرط المذكور بما في المتن لا مانع من الرجوع إلى التمييز في الفرض. لعدم المعارضة بين الدمين، وعلى التعبير الثاني يمتنع الرجوع إلى التمييز فيه، لكون الضعيف أقل من عشرة، فعلى المشهور من أن الطهر لا يكون أقل من عشرة يمتنع الرجوع إلى التمييز فيه، لتعارض طريقية الوجدان في القويين مع الفقدان في الضعيف. نعم يمكن الرجوع إلى التمييز فيه بناء على احتمال تبعية الادبار للاقبال. بمعنى أنه حجة على الاستحاضة، حيث

[ 285 ]

[ ترجع إلى أقاربها في عدد الايام (1) ] لا يكون إقبال يدل على الحيض ولو في غير ذلك الدم، فانه عليه يحكم بحيضية الجميع في الفرض المذكور ويسقط الادبار عن الحجية على الاستحاضة لكن عرفت ضعف المبنى المذكور. وكيف كان فقد استشكل في الحدائق في الشرط المذكور زاعما عدم الدليل عليه، بل ظاهر الاخبار يرده، ويؤيده موثقتا أبي بصير ويونس ابن يعقوب المتقدمتان في اعتبار التوالي (* 1). وفيه: المنع من ظهور الاخبار في خلافه كما عرفت. وأما الموثقتان فظاهر موردهما النقاء بين الدمين، وقد عرفت فيما سبق وجوب حملهما على التحيض ظاهرا بالدم، لا أنه حيض حقيقة، والنقاء طهر كذلك لتكونا مخالفتين للقواعد المتسالم عليها بين الاصحاب المستفادة من النصوص. ثم إنه لو بني على إعمال أدلة التمييز في المقام فاللازم الحكم بحيضية أحد القويين واستحاضية الضعيف مع القوي الآخر، ولا وجه لالحاق الضعيف بأحد القويين، فانه طرح لطريقية الادبار من غير وجه ظاهر. (1) على المشهور في المبتدئة، وعن التذكرة: نسبته إلى علمائنا، وعن التنقيح وظاهر السرائر: نفي الخلاف فيه. ويدل عليه مضمر سماعة المجمع على العمل به كما عن الخلاف: " سألته عن جارية حاضت أول حيضها فدام دمها ثلاثة أشهر، وهي لا تعرف أيام أقرائها. فقال (ع): أقراؤها مثل أقراء نسائها، فان كن نساؤها مختلفات فاكثر جلوسها عشرة وأقله ثلاثة " (* 2). وهي وإن لم يصرح فيها بتأخر هذه المرتبة عن التمييز


(* 1) ص: 206 (* 2) الوسائل باب: 8 من أبواب الحيض حديث: 2

[ 286 ]

إلا أن قوله: " لا تعرف أيامها " لما كان المراد منه أيام حيضها المختلطة بالاستحاضة، كانت أدلة التمييز موجبة لخروجها عن مورد السؤال، لاقتضائها العلم بايامها، كما أشرنا إلى ذلك سابقا، فيكون الرجوع إلى الاقارب مشروطا بفقد التمييز. كما أن الرواية المذكورة وإن كانت معارضة بالمرسلة الطويلة الحاصرة للسنن في ثلاث، والدالة على الرجوع إلى العدد بمجرد فقد التمييز، إلا أنه يجب تقييدها بها حملا للمطلق على المقيد. بل يمكن أن تكون حاكمة عليها، لظهور المرسلة في كون الرجوع إلى العدد لفقد الامارة نظير الاصل، فإذا ثبتت طريقية أقراء الاقارب كانت مقدمة عليه، ويكون الحصر في الثلاث إضافيا، إما بلحاظ الغالب لغلبة اختلاف الاقارب، وإما لغير ذلك. ثم المحكي عن الشيخ وابن حمزة والحلي والمحقق - في غير المعتبر - والعلامة - في غير المنتهى - والشهيدين والمحقق الثاني وغيرهم: ثبوت الحكم المذكور أيضا لمن لم تستقر لها عادة. واستفادته من المضمر المذكور لا يخلو من إشكال، لاختصاصه بالمبتدئة بالمعنى الاخص. وكون ذكر المبتدئة في السؤال لا لخصوصية لها - لظهور قول السائل: " وهي لا تعرف أيامها " في كون المناط في السؤال ذلك - ممنوع. مع أن البناء عليه يوجب الحاق الناسية بهما، ولم يلتزم به الجماعة. وأما رواية زرارة ومحمد عن أبي جعفر (ع): " يجب للمستحاضة أن تنظر بعض نسائها، فتقتدي باقرائها، ثم تستظهر على ذلك بيوم " (* 1) ورواية أبي بصير عن أبي عبد الله (ع): " النفساء إذا كانت لا تعرف أيام نفاسها فابتليت جلست مثل أيام أمها أو أختها أو خالتها، واستظهرت


(* 1) الوسائل باب: 8 من أبواب الحيض حديث: 1

[ 287 ]

[ بشرط اتفاقها (1) ] بثلثي ذلك " (* 1) فقد استشكل في كونهما مما نحن فيه، لاحتمال كون التحيض بعادة الاقارب فيهما كالتحيض في أيام الاستظهار، فيكون حكما ظاهريا بلحاظ انقطاعه على العشرة لا حكما واقعيا بلحاظ عبوره عنها، كما هو محل الكلام. مع أنهما غير ظاهرتين في تأخر ذلك عن التمييز أو تقدمه ولا يعمان الناسية، فكيف يعتمد عليهما فيما نحن فيه؟؟ وكأنه لذلك كان ظاهر جماعة - منهم: الفاضلان في المعتبر والمنتهى - اختصاص الحكم المذكور بالمبتدئة بالمعنى الاخص. لكن يدفع الاول أنه خلاف الظاهر، لانه جعل في مقابل الاستظهار ويدفع الثاني الاجماع على تقدير التمييز عليه. مع أن مقتضى قوله (ع) في رواية أبي بصير: " إذا كانت لا تعرف أيام نفسها " أن الرجوع إلى النساء مشروط بالجهل بأيام نفاسها، وأدلة التمييز حاكمة عليه، والمراد بايام النفاس أيام عادة الحيض لاما يقابل الحيض، إذ لا اعتبار بأيامه بالمعنى المقابل للحيض. فلاحظ. (1) كما هو ظاهر الشرائع، وعن ظاهر المعتبر وغيره، حملا للجمع على مجموع الافراد. وعن الذكرى: الاكتفاء باتفاق الاغلب، وكأنه لتعذر الرجوع إلى الجميع أو تعسره غالبا. ويحتمل الاكتفاء بالواحد بحمل الجمع على صرف الطبيعة الصادقة على القليل، كقوله تعالى: (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) (* 2)، ولعله الاظهر، كما يظهر من ملاحظة نظائره الواردة في مقام الارجاع إلى الحجج، مثل: " سل العلماء ما جهلت "


(* 1) الوسائل باب: 3 من أبواب النفاس حديث: 20 (* 2) النحل: 43

[ 288 ]

[ أو كون النادر كالمعدوم (1). ولا يعتبر اتحاد البلد (2). ومع عدم الاقارب (3) أو اختلافها ترجع إلى الروايات، مخيرة بين اختيار الثلاثة في كل شهر أو ستة أو سبعة (4) ] وتقتضيه الروايتان المذكورتان. وحينئذ فالرجوع إلى العدد مع الاختلاف ناشئ من تساقط الحجتين للتعارض، لا لعدم المقتضي للحجية. (1) الالحاق بالمعدوم لا بد أن يكون بالعناية، فلا مجال للبناء عليه. فتأمل. (2) لاطلاق الدليل. وما عن ظاهر الذكرى من اعتباره، لاختلاف الامزجة باختلاف البلدان، ضعيف، إذ لا يمكن الخروج عن إطلاق الدليل بمجرد الاعتبار على تقدير تماميته مطلقا. ودعوى انصراف الاطلاق إليه ممنوعة. (3) يعني: التي يمكن الرجوع إليها، وإلا فعدمها مطلقا ممتنع. إذ لا أقل من الامهات. (4) كما يقتضيه الجمع بين موثقتي ابن بكير (إحداهما): " في المرأة إذا رأت الدم في أول حيضها. فاستمر بها الدم بعد ذلك تركت الصلاة عشرة أيام ثم تصلي عشرين يوما (* 1)، فان استمر بها الدم بعد ذلك تركت الصلاة ثلاثة أيام وصلت سبعة وعشرين يوما، و (ثانيتهما): " في الجارية أول ما تحيض يدفع عليها الدم فتكون مستحاضة: انها تنتظر بالصلاة فلا تصلي حتى يمضي أكثر ما يكون من الحيض، فإذا مضى ذلك - وهو عشرة أيام - فعلت ما تفعله المستحاضة، ثم صلت فمكثت تصلي بقية شهرها، ثم تترك الصلاة في المرة الثانية أقل ما تترك إمرأة الصلاة، وتجلس أقل ما يكون من المطث، وهو ثلاثة أيام، فان دام عليها الحيض صلت في وقت الصلاة التي صلت، وجعلت وقت طهرها أكثر ما يكون


(* 1) الوسائل باب: 8 من أبواب الحيض حديث: 6

[ 289 ]

من الطهر، وتركها للصلاة أقل ما يكون من الحيض " (* 1) وبين ما في المرسلة الطويلة من حكاية قول النبي صلى الله عليه وآله لحمنة بنت جحش: " تحيضي في كل شهر في علم الله ستة أيام أو سبعة أيام، ثم اغتسلي غسلا وصومي ثلاثة وعشرين يوما أو أربعة وعشرين " (* 2) بناء على أن المستفاد من الاولتين التحيض بالثلاثة لا غير، ويكون ما في صدرهما من التحيض بالعشرة أول الدم من قبيل التحيض أيام الاستظهار، لاحتمال انقطاع الدم على العشرة - ولذلك بنى المشهور على تحيض المبتدئة في أول رؤية الدم إلى العشرة، مستدلين بالموثقتين المذكورتين - لا مما نحن فيه من التحيض بعد العلم باختلاط الحيض والاستحاضة وعدم التمييز بينهما، والمستفاد من المرسلة التخيير بين الستة والسبعة لا غير، فيجمع بينهما برفع اليد عن تعين خصوصية كل منهما وتكون الوظيفة هي التخيير بين الاعداد الثلاثة. اللهم إلا أن يقال: التخيير بين الستة والسبعة وان ذكر في الفقرة المتقدمة إلا أن بقية الفقرات اللاحقة دالة على تعيين السبعة، مثل قول الصادق (ع): " أقصى وقتها سبع، وأقصى طهرها ثلاث وعشرون " وقوله (ع): " فوقتها سبع وطهرها ثلاث وعشرون "، وقوله (ع): " فسنتها السبع والثلاث والعشرون، لان قصتها كقصة حمنة... " وغيرها، وذلك مما يوجب اضطراب رواية الست جدا، إذ احتمال اعتماد الامام (ع) في ترك ذكر الست على ما حكاه عن النبي صلى الله عليه وآله بعيد. وأصالة عدم الزيادة في الفقرة الاولى معارضة بأصالة عدم النقيصة في بقية الفقرات. وكأنه لذلك اختار في الجامع - على ما حكي عنه - التخيير بين السبعة والثلاثة.


(* 1) الوسائل باب: 8 من أبواب الحيض حديث: 5 (* 2) الوسائل باب: 8 من أبواب الحيض حديث: 3

[ 290 ]

لكن يعارض الروايات المذكورة موثق سماعة المتقدم في الرجوع إلى الاقارب (* 1)، وظاهره التخيير بين الثلاثة والعشرة في كل شهر، كما اعترف به غير واحد من الاساطين. ولو سلم إهماله من هذه الجهة فلا أقل من الدلالة على التحيض بالعشرة في الجملة، فلا يتجه التخيير بين خصوص الثلاثة والسبعة أو مع اضافة الستة، ولا سيما بملاحظة رواية الحسن الخزاز عن أبي الحسن (ع): " عن المستحاضة كيف تصنع إذا رأت الدم وإذا رأت الصفرة، وكم تدع الصلاة؟ فقال (ع): أقل الحيض ثلاثة وأكثره عشرة " (* 2). ودعوى: أخصية المرسلة منهما فيقيدان بها، مندفعة بظهور المرسلة في جميع الاقسام، كما أشرنا إليه سابقا. ودعوى: سقوط الروايتين عن الحجية، لضعف السند، ممنوعة، أما في الاولى فلانها وإن كانت مرفوعة في طريق الكليني وأحد طريقي الشيخ، لكنها موثقة في الطريق الآخر له، لانه رواها - كما في الوسائل - (* 3) عن زرعة عن سماعة، وطريقه إلى زرعة صحيح وهو وسماعة ثقتان. وأما الثانية فطريقها ما بين موثق الحديث وحسنه، أو صحيحه، وهذا المقدار كاف في الاعتبار. وحينئذ فالمتعين الرجوع إلى مقتضى الجمع العرفي بين الجميع من الاخذ بظاهر موثق سماعة من التخيير بين المراتب التي بين الثلاثة والعشرة، وحمل ذكر السبعة في المرسلة، والثلاثة في الموثقتين على بيان أفضل الافراد، كما هو الحال في نظائره. اللهم إلا أن يقال: التخيير بين المراتب التي بين الثلاثة والعشرة، إنما استفيد من إطلاق موثق سماعة، وحينئذ تكون المرسلة الدالة على تعين


(* 1) الوسائل باب: 8 من أبواب الحيض حديث: 2 (* 2) الوسائل باب: 8 من أبواب الحيض حديث: 4 (* 3) الوسائل باب: 8 من أبواب الحيض ملحق حديث: 2

[ 291 ]

[ وأما الناسية فترجع إلى التمييز (1)، ] السبعة مقيدة له، فيكون الحكم التخيير بين الثلاثة والسبعة والعشرة في كل شهر. وفيه: انه بعد حمل المقيد على أحد الافراد من جهة صراحة النصوص في جواز التحيض بالعشرة والثلاثة، لا يقوى على تقييد المطلق بالاضافة إلى ما بينهما من المراتب، فيتعين التخيير بين الثلاثة إلى العشرة في كل شهر، كما عن الصدوق والسيد. هذا كله في المبتدئة بالمعنى الاخص، أما من لم تستقر لها عادة، فقد يشكل الحكم فيها من جهة خلو النصوص عن التعرض لها. إلا أن يقال: ظهور المرسلة في حصر السنن في ثلاث، يقتضي أن يكون حكمها التحيض بالسبعة، وحينئذ فالجمع بينها وبين رواية الخزاز يقتضي التخيير بين الثلاثة إلى العشرة كالمبتدئة. ويؤيده ما تقدم في المبتدئة، لبعد التفكيك في السبعة التي في المرسلة، بحملها على التعيين في المضطربة، والتخيير في المبتدئة، ولا سيما وكون المشهور تساويهما في الحكم. فلاحظ. ومنه يظهر ضعف بقية الاقوال التي أنهاها في كشف اللثام - في كل من المبتدئة والمضطربة - إلى أربعة عشر قولا، بل أنهاها في خصوص المبتدئة شيخنا الاعظم (ره) في طهارته إلى عشرين قولا، المبتنية على طرح جميع الروايات - للمعارضة مع الرجوع إلى الاصل، أو قاعدة الامكان، أو غيرها من القواعد - أو الاخذ ببعضها - للترجيح، أو التخيير، أو لضعف سند غيره، أو لدعوى الاجمال في دلالته - أو استظهار غير ما ذكرنا. أو غير ذلك. فلاحظ. (1) إجماعا، بل نقل الاجماع عليه متكررا، كذا في المستند. وفي الجواهر: نفى وجدان الخلاف فيه إلا ما عن أبي الصلاح من رجوعها إلى

[ 292 ]

[ ومع عدمه إلى الروايات (1)، ولا ترجع إلى أقاربها (2). والاحوط أن تختار السبع (3). ] النساء ثم إلى التمييز، وما عن ابن زهرة، من التحيض بعشرة بعد فصل أقل الطهر. ويدل عليه مرسلة يونس الطويلة، بل هي القدر المتيقن منها. مضافا إلى نصوص الصفات المتقدمة في حكم المبتدئة. فانها مقدمة على نصوص العدد، لان نسبتها إلى نصوص العدد نسبة دليل الامارة إلى دليل الاصل كما عرفت، ومقدمة على نصوص الرجوع إلى النساء، وان كان الرجوع إلى النساء من قبيل الامارة أيضا، لان النسبة بينها نظير تلك النسبة لما في رواية ابي بصير السابقة في الرجوع إلى النساء فيمن لم تستقر لها عادة من قوله (ع): " إذا كانت لا تعرف... " كما أشرنا إلى ذلك سابقا، ومنه يظهر ضعف القولين المذكورين. (1) قد كثر الاختلاف في العدد الذي ترجع إليه الناسية، كالاختلاف فيما سبق، وربما تزيد الاقوال هنا على خمسة عشر قولا، والظاهر أنها كالمضطربة من حيث النصوص، لخروجهما معا عن مورد المرسلة، وموثقات سماعة، وابن بكير، ودخولهما معا في رواية الخزاز، وحيث عرفت ظهور المرسلة في العموم للمضطربة فهي أيضا عامة لها كعموم رواية الخزاز لهما، فيكون الحكم فيهما واحدا وهو التخيير بين الثلاثة إلى العشرة. (2) بلا خلاف ظاهر، إلا ما تقدم من أبي الصلاح، وقد عرفت ضعفه. نعم مقتضى إطلاق روايتي زرارة ومحمد وأبي بصير رجوعها إلى الاقارب بعد فقد التمييز، لكن العمل بهما بعد ظهور الاجماع على خلافهما غير ممكن. (3) لما عرفت من الاشكال في الست، ونصوص الثلاث غير شاملة

[ 293 ]

[ (مسألة 2): المراد من الشهر ابتداء رؤية الدم إلى ثلاثين يوما (1) وإن كان في أواسط الشهر الهلالي أو أواخره. (مسألة 3): الاحوط أن تختار العدد (2) في أول رؤية الدم إلا إذا كان مرجح لغير الاول. ] لها بذاتها، لاختصاصها بالمبتدئة، وإنما بني على شمولها بالغاء خصوصية موردها، ولا ريب في أنه خلاف الاحتياط. وأما على المختار فلا يبعد أن يكون الاحوط ذلك أيضا، لجريان بعض المناقشات في رواية الخزاز وغيرها من روايات العدد، التي موردها خصوص المبتدئة فلا تشملها. ويحتمل رجوع الاحتياط إلى أصل التخيير، لا في خصوص الست، للاشكال في رواية الست، واحتمال المعارضة بين المرسلة والموثقات، فيكون المرجع الترجيح وهو مع المرسلة كما قيل. (1) الظاهر أنه لا خلاف فيه. ويدل عليه المرسلة وموثقتا ابن بكير. (2) كما في التذكرة: انه الاقرب، وفي كشف اللثام: انه الاقوى واستدل له في الاول بقول الصادق (ع): " تركت الصلاة عشرة أيام ثم تصلي عشرين " (* 1)، واستدل له في الثاني - مضافا إلى ذلك - بقول الصادق (ع) في مرسل يونس: " عدت من أول ما رأت الدم الاول والثاني عشرة أيام، ثم هي مستحاضة " (* 2) وبقوله (ع) في المرسلة الطويلة: " تحيضي في كل شهر في علم الله ستة أيام أو سبعة أيام، ثم اغتسلي وصومي ثلاثة وعشرين يوما أو أربعة وعشرين " (* 3)، ولان عليها أول ما ترى الدم - ويجوز أن يكون حيضا - أن تتحيض، لقاعدة الامكان


(* 1) الوسائل باب: 8 من أبواب الحيض حديث: 6 (* 2) الوسائل باب: 12 من أبواب الحيض حديث: 2 (* 3) الوسائل باب: 8 من أبواب الحيض، حديث: 3

[ 294 ]

[ (مسألة 4): يجب الموافقة بين الشهور (1) فلو اختارت في الشهر الاول أوله ففي الشهر الثاني أيضا كذلك، وهكذا. (مسألة 5): إذا تبين بعد ذلك أن زمان الحيض غير ما اختارته وجب عليها قضاء ما فات منها من الصلوات (2). وكذا إذا تبينت الزيادة والنقيصة. ] ثم لا وجه لرجوعها عن ذلك وتركها العبادة وقضاء ما تركته سابقا من الصلاة. لكن يشكل الآخر أنه مختص بالدور الاول، مع أنه قد لا تتحيض بالدور الاول عمدا أو لعذر. وأنه لا مانع من جواز رجوعها عن ذلك عملا باطلاق التخيير. فالعمدة ظهور النصوص، والمناقشة في بعضها لو تمت ففي الباقي كفاية. ومن ذلك يظهر ضعف ما عن الاصحاب - كما في الحدائق، وعن الفاضلين، والمحقق والشهيد الثانيين، وغيرهم التصريح به - من أن لها وضع العدد كيف شاءت. بل لو أريد منه جواز وضعه في أثناء مدة الطهر كان خلافه كالصريح من النصوص. (1) فان النصوص كما تضمنت مدة التحيض تضمنت مدة التطهر، ومع اختلاف أزمنة الوصع يلزم اختلاف مدة الطهر. (2) لصدق الفوت واقعا، إذ لا يمنع منه الحكم الظاهري على خلافه كما حقق في محله. هذا إذا كان التبين بالعلم، أما لو كان بالعادة - كما لو كانت ناسية للعادة فذ كرتها - أو بالتمييز، فالحكم كذلك، أما في الثاني فظاهر، لانه ينكشف أنه المرجع دون العدد، وأما في الاول فلانها وإن لم تخرج عن كونها ناسية للعادة سابقا، إلا أنه لا يبعد أن يستفاد من النصوص كون العادة الواقعية حجة واقعا حتى حال النسيان، ويكون النسيان عذرا في الرجوع إلى العدد. مضافا إلى أنها بتذكر العادة صارت هي

[ 295 ]

[ (مسألة 6): صاحبة العادة الوقتية (1) إذا تجاوز دمها العشرة في العدد حالها حال المبتدئة (2) في الرجوع إلى الاقارب والرجوع إلى التخيير المذكور مع فقدهم أو اختلافهم. ] حجة لها حتى فيما مضى، لكونه من مداليلها. وكذا الحال في تبين الزيادة والنقصان. فتأمل. (1) يعني: العادة الوقتية فقط دون العددية، سواء أكانت مضطربة العدد أم ناسيته، وعموم المتن للناسية، بقرينة قوله (ره): " وإذا علمت كونه... " فان ذلك يختص بالناسية، فكلام المصنف (ره) شامل للمضطربة بالمعنى الاخص وللناسية، (2) كما صرح به غير واحد لما عرفت الاشارة إليه فيما سبق، من أن جملة من الفقرات في المرسلة - مثل حصر السنن في ثلاث، وأنه بين فيها كل مشكل، ولم يدع لاحد فيها مقالا بالرأي، ونحو ذلك - دالة على تعين رجوع المستحاضة إلى إحدى السنن الثلاث، وحيث أنها معتادة في الوقت وجب رجوعها إليها فيه، لما أشرنا إليه من إطلاق ما دل على الرجوع إلى أيام الاقراء، ومنه ما في المرسلة من قوله (ع): " ولو كانت تعرف أيامها ما احتاجت إلى معرفة لون الدم لان السنة في الحيض أن تكون الصفرة والكدرة فما فوقها في أيام الحيض - إذا عرفت - حيضا " (* 1) ولاجل هذا ونحوه مما دل على طريقية الصفات للحيض عند فقد العادة، يحكم برجوعها في تعيين العدد إلى التمييز. وأما الرجوع إلى الاقارب عند فقده فلم يستبعده في الجواهر، وهو في محله بناء على ما عرفت من ثبوته للمضطربة، كما أشرنا إليه آنفا. وأما الرجوع إلى العدد فحالها فيه حال


(* 1) الوسائل باب: 3 من أبواب الحيض حديث: 4

[ 296 ]

المضطربة والناسية، لاشتراكها معهما في عموم الادلة وخصوصها، فليراجع ما تقدم فيهما. ولا وجه للرجوع إلى قواعد أخر، كقاعدة الامكان أو الاستصحاب لمكان تيقن حيضيتها بالنسبة إلى أول الوقت، المقتضيين للتحيض بالعشرة، كما احتمله في الجواهر. أو الاحتياط فيما زاد على الثلاثة إلى العشرة، كما عن المبسوط والجامع، وفي الشرائع والعلامة في جملة من كتبه، ذكروا ذلك في ناسية العدد - كما هي إحدى صور المسألة - عملا بالعلم الاجمالي. أو الاقتصار على المتيقن والرجوع في غيره إلى عدم الحيض - ولا تجري أصالة بقائه، لعدم جريانها في التدريجيات - كما عن الوسيلة والمعتبر والبيان، وعن المدارك: أنه استحسنه، وقربه شيخنا الاعظم (ره). فان ذلك مناف لما في المرسلة من حصر السنن في الثلاث. ومنه يظهر أن إهمال المصنف (ره) للتمييز - كما في الجواهر أيضا - غير ظاهر، لظهوره في عدم الرجوع إليه في المقام، وهو خلاف ما عرفت اللهم إلا أن يكون الوجه فيه الاعتماد على ذكره له سابقا فيكون مقصوده في هذه المسألة التنبيه على إلحاقها بالمبتدئة في الرجوع إلى الاقارب قبل التخيير لا غير. كما أن بناءه على الرجوع إلى الاقارب فيها مبني على ما تقدم منه من رجوع المضطربة إليها كما عرفت. لكنه يشكل فيما لو كانت ناسية العدد - كما عرفت أنها إحدى صور المسألة - إذ قد تقدم منه أن الناسية لا ترجع إلى الاقارب. اللهم إلا أن يختص بالناسية للوقت والعدد معا، لانه المتيقن من الاجماع، فالمرجع في غيره عموم الدليل المتقدم. فتأمل.

[ 297 ]

[ وإذا علمت كونه أزيد من الثلاثة (1) ليس لها أن تختارها. كما أنها لو علمت أنه أقل من السبعة ليس لها اختيارها. (مسألة 7): صاحبة العادة العددية ترجع في العدد إلى عادتها (2). ] (1) بأن كانت حافظة لوقت العادة ناسية لعددها، فليس لها أن تختار الثلاث إذا علمت اجمالا كون العدد المنسي زائدا عليها، لوجوب العمل على العادة. وكذا لا يجوز لها اختيار الزائد على العدد المعلوم إجمالا لمنافاته للعادة، وفي المرسلة الطويلة: " ألا ترى أن أيامها لو كانت أقل من سبع. وكانت خمسا أو أقل من ذلك ما قال لها: تحيضي سبعا، فيكون قد أمرها بترك الصلاة أيامها وهي مستحاضة غير حائض. وكذلك لو كان حيضها اكثر من سبع، وكانت أيامها عشرة أو أكثر ما كان له أن يأمرها بالصلاة وهي حائض " (* 1). وهكذا الكلام في الرجوع إلى التمييز والاقارب فلا يجوز الاخذ بأحدهما إذا كان منافيا للوقت أو للعدد المعلوم إجمالا لو كان اضطراب العدد لنسيانه. واحتمال الرجوع إلى التمييز - لاطلاق المرسلة الدالة على حجيته، مع نسيان العادة، مع كون الغالب كونه معلوما بالاجمال - ضعيف، إذ لا يصلح الاطلاق لمعارضة التعليل المتقدم. نعم لو كان اضطراب العدد لعدم استقرار، أو للاختلاف الموجب لزوال العادة، جاز اختيار الزائد على الوقت، لعدم المنافاة للعادة الواجبة العمل، بلا فرق بين كون الزيادة حافة بالوقت من الطرفين أو من طرف واحد. (2) لما دل على تحيض المستحاضة بعدد حيضها أو بقدره أو نحو ذلك مما يشمل العدد فقط. ومنه ما في المرسلة من قوله (ع): " ألا ترى... " المتقدم فانه وإن كان مورده العدد دون التمييز لكنه عام له ولغيره كما لا يخفى


(* 1) الوسائل باب: 8 من أبواب الحيض حديث: 3

[ 298 ]

[ وأما في الزمان فتأخذ بما فيه الصفة (1)، ومع فقد التمييز تجعل العدد في الاول (2) على الاحوط، وإن كان الاقوى التخيير (3)، ] فلا ترجع في العدد إلى غير العادة. (1) لما عرفت في المسألة السابقة. (2) ولا مجال للرجوع إلى الاقارب هنا، إذ أقراؤهن طريق إلى العدد لا غير، والمفروض أن لها عددا معتادا، فلا تكون أقراؤهن طريق إليه. (3) وعن المدارك: نسبته إلى الاكثر، وحكي عن جملة من كتب العلامة والشهيدين والمحقق الثاني وغيرهم، إذ ليس في النصوص ما يدل على كون تمام طهرها في كل دور بعد حيضها، كما كان في التحيض بعدد الروايات، على ما عرفت من بعض فقرات المرسلة، فاطلاق ما دل على التحيض بقدر العادة محكم. وعن كشف اللثام: تعين الاول، كما في عدد الروايات لما تقدم منه من الوجه. وتقدم إشكاله. نعم في جملة من النصوص الدالة على التحيض بعدد العادة ما يدل على أنه قبل الاستحاضة، حيث يؤمر فيها بعد التحيض بالغسل وعمل الاستحاضة. لكنه غير ظاهر في تأخر تمام الطهر في كل دور، بل في التطهر في الجملة، وهو مما لا ريب فيه. لكن لا يبعد كون سياقها ظاهرا في الترتيب المذكور في جميع الادوار. مضافا إلى عدم ثبوت إطلاق يقتضي التخيير المذكور. فيدور الامر مع الشك بين التعيين والتخيير، والاصل يقتضي الاول، لانه القدر المتيقن في الخروج عن قاعدة الاحتياط من جهة العلم الاجمالي، كما تقدم ذلك في نظيره في المسألة الثامنة عشرة من الفصل السابق. فتأمل. ومما ذكرنا يظهر الاشكال فيما عن المبسوط والمعتبر والارشاد من وجوب الاحتياط على ناسية الوقت خاصة في جميع أيام الدم، وتغتسل

[ 299 ]

[ وإن كان هناك تميز لكن لم يكن موافقا للعدد فتأخذه وتزيد مع النقصان (1) وتنقص مع الزيادة (2). (مسألة 8): لا فرق في الوصف بين الاسود والاحمر (3)، لو رأت ثلاثة أيام أسود وثلاثة أحمر ثم بصفة الاستحاضة تتحيض بستة. ] لانقطاع الحيض في كل وقت تحتمل الانقطاع. فانه - كما عرفت - خروج عن السنن الثلاث المنحصر أمر المستحاضة فيها من غير وجه ظاهر، مع وفاء النصوص برجوع ذات العادة العددية إليها، ومن هذا يظهر الاشكال فيما عن الخلاف، من أن الناسية للوقت ولا تمييز لها تترك الصوم والصلاة في كل شهر سبعة أيام، وتغتسل وتصلي وتصوم فيما بعد، ولا قضاء عليها في صوم ولا صلاة إجماعا. ومن الغريب دعواه الاجماع على نفي قضاء الصوم كمحتمل كلامه من دعوى الاجماع على الرجوع إلى السبعة، مع أنه لم يحك القول به عن غيره، وأنه حكى في الرياض الاتفاق على رجوع المضطربة الوقت إلى العادة العددية. والفرق بينها وبين الناسية للوقت بعيد جدا. فلاحظ وتأمل. (1) جمعا بين دليلي التمييز والعادة. (2) جمعا بين دليلي التمييز والاقتصار على العادة. (3) المحكي عن غير واحد: منهم: العلامة والشهيدان والمحقق الثاني: أن القوة والضعف اللذين يحصل بهما التمييز تحصلان بصفات ثلاث: الاولى: اللون، فالاسود قوي الاحمر، وهو قوي الاشقر، وهو قوي الاصفر، وهو قوي الاكدر - كما في المسالك - أو الاشقر قوي الاصفر والاكدر كما عن النهاية. الثانية: الرائحة، فذو الرائحة الكريهة قوي قليلها، وهو

[ 300 ]

قوي عديمها، وفي المسالك: " فذو الرائحة الكريهة أشبه به مما لا رائحة له ومما نقص فيها عنه " الثالثة: الثخانة، فالثخين قوي الرقيق. وفي المسالك: " ولا يشترط في الالحاق به اجتماع الثلاث، بل إن اجتمعت في واحد فهو أشبه به من ذي الاثنتين، كما أن ذا الاثنتين أشبه به من ذي الواحدة ". وكأن الوجه فيه التعبير في المرسلة بالاقبال والادبار، الحاصلين بمطلق القوة والضعف، ولازم ذلك حصول التمييز بمجرد الاختلاف في مراتب الصفات، كشدة السواد وضعفه، وشدة الحمرة وضعفها، وشدة الثخانة وضعفها، وشدة الحرارة وضعفها، وشدة البرودة وضعفها، لتحقق القوة والضعف بذلك. لكن لم يظهر الوجه في إهمال ذكر الحرارة مع ذكرها في النصوص، وفي ذكر الرائحة مع عدم التعرض لها في النصوص إلا في خبر الدعائم (* 1). مضافا إلى أن ذكر الاقبال والادبار في المرسلة (* 2) لا يجدي في إثباته مع اقترانه بقوله صلى الله عليه وآله: " وتغيير لونه من السواد إلى غيره، وذلك أن دم الحيض أسود يعرف " وقوله (ع): " إذا رأيت الدم البحراني فدعي الصلاة "، فان ذلك أن لم يوجب تخصيصا بالصفات المنصوصة للحيض والاستحاضة فلا أقل من اقتضائه الاجمال فيه، وعدم الاطلاق. ولو لوحظت بقية نصوص الصفات كان الحال أظهر، لان حمل تلك النصوص على إرادة الاقبال من كونه أسود حارا، والادبار من كونه أصفر باردا، مما لا يمكن ارتكابه منها، لانه على هذا يكون دم الحيض ودم الاستحاضة كلاهما أصفر، لكن أحدهما أشد صفرة، وكلاهما أسود لكن أحدهما أشد سوادا وكلاهما بارد ولكن أحدهما أشد برودة، وكلاهما حار ولكن


(* 1) مستدرك الوسائل باب: 3 من أبواب الحيض حديث: 2 (* 2) الوسائل باب: 3 من أبواب الحيض حديث: 4

[ 301 ]

[ مسألة 9): لو رأت بصفة الحيض ثلاثة أيام، ثم ثلاثة أيام بصفة الاستحاضة، ثم بصفة الحيض خمسة أيام أو أزيد، تجعل الحيض الثلاثة الاولى (1)، وأما لو رأت بعد الستة الاولى ثلاثة أيام أو أربعة بصفة الحيض، ] أحدهما أشد حرارة، مع أن صريح النصوص المذكورة المقابلة بين الدمين في السواد والصفرة والحرارة والبرودة، فكيف يمكن التصرف فيها برفع اليد عن صريحها؟؟ بخلاف حمل الاقبال والادبار في المرسلة على السواد والصفرة والحرارة والبرودة. فالاقتصار على الصفات المنصوصة متعين، فلو كان الدم بعضه أسود وبعضه أحمر لم يكن تمييز كما سيأتي من المصنف في المسألة الثانية عشرة. ومنه يظهر وجه ما ذكره المصنف من التحيض بالستة في الفرض - كما عن نهاية الاحكام وموضع من التذكرة - وضعف ما عن المعتبر والمنتهى وموضع آخر من التذكرة من أن الاسود فقط حيض. بل لو بني على التمييز بمطلق القوة والضعف لم يكن وجه للجزم بالحاق الحمرة بالصفرة إذ كما هي ضعف بالنسبة إلى السواد هي قوة بالنسبة إلى الصفرة أيضا، ولا مرجح، ومجرد الحكم بطريقية الحمرة إلى الاستحاضة مع انفرادها مع السواد عن الصفرة لا يقتضي ذلك في حال الانضمام إليها كما لا يخفى. (1) هذا ينافي ما تقدم منه من اشتراط الرجوع إلى التمييز، بأن لا يعارض الدم دم آخر، لحصول المعارضة في المقام بين الدمين على النحو الذي كان يلزم في المثال الذي ذكر سابقا، فإذا البناء على التساقط، إذ أنه لا مرجح للاول وإن حكي ذلك عن الذكرى والمدارك وظاهر المنتهى، ولا للاخير وان حكي ذلك عن المبسوط، ثم الرجوع إلى الروايات فيه متعين.

[ 302 ]

[ تجعل الدمين الاول والاخير (1)، وتحتاط في البين مما هو بصفة الاستحاضة، لانه كالنقاء المتخلل بين الدمين (2). (مسألة 10): إذا تخلل بين المتصفين بصفة الحيض عشرة أيام بصفة الاستحاضة، جعلتهما حيضين إذا لم يكن كل واحد منهما أقل من ثلاثة (3). (مسألة 11): إذا كان ما بصفة الحيض ثلاثة متفرقة في ضمن عشرة تحتاط في جميع العشرة (4). ] (1) قد عرفت أنه إنما يتم بناء على إمكان أن يتخلل في أثناء الحيض الواحد طهر أقل من العشرة، إذ حينئذ لا تنافي بين الحكم على الطرفين بالحيضية، والوسط بالاستحاضة، أما بناء على امتناعه يقع التعارض في أدلة التمييز، فكما يكون الوجدان في الطرفين طريقا إلى الحيض يكون الفقدان في الوسط طريقا إلى الاستحاضة، وحينئذ يمتنع صدقهما معا، فيتكاذبان ويسقطان معا عن الحجية، وتكون فاقدة للتمييز، كما جزم به في نجاة العباد، وحكي عن المعتبر والتذكرة. اللهم إلا أن يكون الفقدان طريقا إلى الاستحاضة إلا حيث لا يكون الوجدان طريقا إلى الحيض، كما قواه شيخنا الاعظم (ره) في طهارته، وتبعه الاستاذ (ره) في رسالة الدماء، وظاهر اختيار المصنف (ره) هنا، فلا يكون تكاذب بينهما. لكن عرفت في المسألة الاولى في شرائط التمييز أنه محل تأمل. (2) الذي تقدم من المصنف الاشكال في حكمه. (3) قد تقدم في شرائط التمييز احتمال الحكم بالحيضية على ما هو أقل من ثلاثة إذا كان بصفة الحيض. فراجع. (4) لما تقدم منه من الاشكال في اعتبار التوالي، فتجمع بين

[ 303 ]

[ (مسألة 12): لابد في التمييز أن يكون بعضها بصفة الاستحاضة، وبعضها بصفة الحيض، فإذا كانت مختلفة في صفات الحيض فلا تمييز بالشدة والضعف أو غيرهما (1)، كما إذا كان في أحدهما وصفان وفي الآخر وصف واحد (2)، بل مثل هذا فاقد التمييز. ولا يعتبر اجتماع صفات الحيض بل تكفي واحدة منها (3). ] وظيفتي الحائض والمستحاضة. وحيث أنها تحتمل أن وظيفتها الرجوع إلى عدد الروايات - لاحتمال عدم حجية التمييز - يتعين عليها نية التحيض بالعدد احتياطا. (1) لما تقدم في المسألة الثامنة. (2) فان واجد الوصفين وإن لم يكن أشد من الواجد للواحد، لكنه أشبه بدم الحيض من الثاني، إلا أنك عرفت أنه لا دليل على التمييز بمثل ذلك. (3) لظهور الادلة في طريقية كل صفة في نفسها بلا اعتبار الاجتماع كما يشهد به اختلاف النصوص في التعريف بالصفات. وحينئذ فإذا كان بعض الدم واجدا لصفة والآخر فاقدا للجميع كانت الصفة طريقا إلى حيضية الواجد. وفقدان الجميع طريقا إلى استحاضية الباقي. نعم قد يشكل بأن الواجد لصفة، الفاقد لغيرها، إذا كانت الصفة طريقا إلى حيضيته كان فقدانه للباقي طريقا إلى كونه استحاضة. اللهم إلا أن يدعى - كما أشرنا إليه سابقا -: أن طريقية الفقدان إلى الاستحاضة مترتبة على عدم طريقية الوجدان إلى الحيض، فإذا كان في الدم صفة دالة على حيضيته لا يكون فقدان غيرها طريقا إلى استحاضيته، فطريق الاستحاضة فقدان الجميع، وطريق الحيض وجدان واحدة.

[ 304 ]

[ (مسألة 13): ذكر بعض العلماء (1) الرجوع إلى الاقران مع فقد الاقارب، ثم الرجوع إلى التخيير بين الاعداد، ولا دليل عليه (2)، فترجع إلى التخيير بعد فقد الاقارب. ] وبالجملة: محتملات النصوص بدوا أربعة: الاكتفاء بواحدة في كل من الحيض والاستحاضة، واعتبار الجميع في كل منهما، واعتبار الجميع في الاول والاكتفاء بواحدة في الثاني، وعكس ذلك. فلو رأت عشرة فاقدا لبعض وواجدا لآخر، وعشرة فاقدا للجميع، تكون فاقدة للتمييز على الاول لتعارض الحجتين في الاول، وكذا على الثاني والثالث لعدم تحقق الطريق، وعلى الرابع تكون واجدة للتمييز فتجعل ما بالصفة حيضا والآخر استحاضة. ومقتضى الجمود على عبارة النصوص هو الثاني. ولا نبعد دعوى دلالتها - بقرينة الارتكاز العرفي، واختلاف النصوص في بيان الصفات - على الاول. وظاهر عبارة المصنف (ره) اختيار الرابع. والثمرة بين الاول والرابع في الفرض المذكور في المتن علمية، إذ على الاول يكون فقد التمييز فيه لتعارض الحجتين، وعلى الرابع يكون من جهة عدم الحجة من الصفات على الاستحاضة. (1) نسب إلى الاكثر، وإلى المشهور، وإلى ظاهر المتأخرين، وعن ظاهر السرائر: الاجماع عليه. (2) كما اعترف به غير واحد. نعم استدل له بموافقته للاعتبار، لغلبة لحوق المرأة في الطبع بأقرانها. وبعموم نسائها - المذكور في موثق سماعة (* 1) - للاقران. وبقراءة " أقرائها " في رواية زرارة (* 2)


(* 1) الوسائل باب: 8 من أبواب الحيض حديث: 2 (* 2) الوسائل باب: 8 من أبواب الحيض حديث: 1

[ 305 ]

[ (مسألة 14): المراد من الاقارب أعم من الابويني والابي والامي فقط (1). ولا يلزم في الرجوع إليهم حياتهم (2). (مسألة 15): في الموارد التي تتخير بين جعل الحيض أول الشهر أو غيره، إذا عارضها زوجها وكان مختارها منافيا لحقه وجب عليها مراعاة حقه (3). وكذا في الامة مع السيد. وإذا أرادت الاحتياط الاستحبابي فمنعها زوجها أو سيدها يجب تقديم حقهما. نعم ليس لهما منعها عن الاحتياط الوجوبي (4). (مسألة 16): في كل مورد تحيضت من أخذ عادة، أو تمييز، أو رجوع إلى الاقارب، أو إلى التخيير بين الاعداد المذكورة، فتبين بعد ذلك كونه خلاف الواقع يلزم عليها التدارك (5) بالقضاء أو الاعادة. ] " أقرانها " بالنون. والجميع كما ترى. مع أنه لا يصلح لاثبات الترتيب المذكور. فتأمل جيدا. (1) كما عن المعتبر والمنتهى والمسالك، بل قيل: مما لا خلاف فيه. لصدق نسائها على الجميع. (2) كما عن المسالك، لما سبق. (3) لعموم وجوب إطاعته. لكن لو اختارت عمدا عصيانا أو سهوا تعين كونها حائضا، ووجب عليه ترتيب أحكام الحائض عليها. ولا تنافي بين حرمة الاختيار وصحته كالبيع وقت النداء. ومنه يظهر الحال فيما بعده. (4) لعدم وجوب الاطاعة فيما هو معصية أو بحكمها. (5) كما سبق في المسألة الخامسة. وله الحمد.

[ 306 ]

[ (فصل في أحكام الحائض) وهي أمور: (أحدها): يحرم عليها العبادات المشروطة بالطهارة (1)، كالصلاة والصوم والطواف والاعتكاف. ] (فصل في أحكام الحائض) (1) إجماعا، حكاه جماعة كثيرة، بل في المنتهى: " يحرم على الحائض الصلاة والصوم، وهو مذهب عامة أهل الاسلام "، وعن شرح المفاتيح: انه ضروري. ويدل عليه النصوص الكثيرة المتفرقة في أبواب الحيض والعبادات المذكورة. وهذا في الجملة مما لا إشكال فيه، إنما الاشكال في أن الحرمة المذكورة ذاتية - كما قد يقتضيه ظاهر جملة من معاقد الاجماع المشتملة على التعبير بالحرمة ونحوها - أو تشريعية، كما يقتضيه ظاهر معقد إجماع محكي المعتبر فانه قال: " لا ينعقد للحائض صلاة ولا صوم. وعليه الاجماع "، فان إهمال التعرض للحرمة الذاتية شاهد بعدمها. نعم في التحرير جمع بين العبارتين فانه قال: " يحرم على الحائض الصلاة والصوم، ولا ينعقدان لو فعلتهما ". هذا ولا ينبغي التأمل في أن موضوع الحرمة الذاتية - على تقدير القول بها - ليس نفس الفعل الذي هو موضوع الامر الموجه إلى الطاهر إذ لا يظن الالتزام من أحد بحرمته على الحائض، مع أنه مما لا تساعده الادلة المساقة لاثبات الحرمة الذاتية كما سيأتي. بل موضوعها الفعل المأتي به بنحو عبادي. وحينئذ فثمرة الخلاف المذكور أمران: أحدهما: حرمة الاتيان

[ 307 ]

بالصلاة بداعي أنها عبادة بالذات بناء على الحرمة الذاتية، وعدم حرمته بناء على الحرمة التشريعية، لاختصاص التشريع بصورة قصد الامر التشريعي غير الحاصل في الفرض. وثانيهما: حصول الاحتياط المطلق عند تردد الدم بين الحيض وغيره، باتيان الصلاة بداعي الامر الاحتمالي، بناء على الحرمة التشريعية، لعدم التشريع حينئذ، لمباينته للاحتياط، وعدم حصوله بناء على الحرمة الذاتية، لدوران الفعل بين الوجوب والحرمة، فلا يكون كل من الفعل والترك موجبا للاحتياط المطلق، بل موجب للاحتياط من جهة دون جهة. لكن ترتب الثمرة الاولى موقوف على القول بالعبادة الذاتية في قبال ما يكون عبادة بالامر، كما لعله المشهور. ولكن المحقق في محله عدمها، وأن الموجب لكون الفعل عبادة كونه واجد لملاك المحبوبية، الذي ينكشف بالامر تارة، وبغيره أخرى، فالفاعل إذا فعل تلك العبادة بما أنها واجدة لملاك المحبوبية للمولى، الراجع ذلك إلى الفعل لاجل المولى ومراعاة جانبه كان متعبدا وآتيا بما هو من مظاهر عبوديته، وإلا فلا، ولا دخل للامر في هذه الجهة. نعم قد يلحظ بما أنه طريق وعبرة إلى ذلك الملاك. وعليه فلا فرق في قبح التشريع عقلا وحرمته شرعا بين القسمين، فكما أنه لو فعل بقصد الامر التشريعي يكون مشرعا وآثما كذلك لو فعل بقصد الملاك التشريعي لما عرفت من رجوع التعبد بالاول إلى التعبد بالثاني. وعليه فلا فرق بين القولين في حرمة إتيان الحائض بالعبادة على أي النحوين المذكورين. نعم بناء على الحرمة الذاتية يكون الفعل على أي النحوين جئ به مخالفة من جهتين للحرمتين معا، وعلى الحرمة التشريعية يكون مخالفة من جهة واحدة أعني جهة حرمة التشريع لا غير. هذا ثم أنه لو قلنا بتحقق العبادة الذاتية

[ 308 ]

امتنع النهي عنها، لان حسنها الذاتي مانع عن ذلك. فتنتفي الثمرة المذكورة. وأيضا فان القائلين بالحرمة التشريعية لا يظن منهم الالتزام بصحة العبادة الذاتية الصادرة من الحائض، فكيف يصح جعل ذلك ثمرة للخلاف المذكور؟؟ وهل يحتمل في كلام المحقق - الظاهر في الحرمة التشريعية - أن يكون مقصوده أن لا ينعقد للحائض صلاة ولا صيام، إذا كان مقصودها امتثال الامر التشريعي، وأنه إذا جاءت بالصلاة بقصد عباديتها الذاتية تصح منها وتنعقد؟؟. وأما الثمرة الثانية فيمكن منعها من جهة أنه مع تردد الدم بين الحيض وغيره، إذا صلت برجاء الامر الشرعي كان قصد الصلاة عن الامر الشرعي منوطا بوجود الامر واقعا، فمع عدمه واقعا - لكونها حائضا - لا تكون قاصدة للصلاة عن أمرها، ولا متقربة إلى الله سبحانه بامتثال أمره، فلا وجه لاحتمال المخالفة للحرمة كي لا تتمكن من الاحتياط المطلق. وإن شئت قلت: الفعل بقصد امتثال أمر الله سبحانه برجاء وجوده طاعة وانقياد له تعالى، فيمتنع أن يكون حراما منهيا عنه، فان الانقياد له تعالى حسن عقلا لا يمكن أن يكون منهيا عنه، فلا بد أن يكون تحريم العبادات على الحائض ذاتا مختصا بالعبادات المأتي بها بداعي امتثال أمر تشريعي، فيتحد موضوع الحرمة الذاتية مع موضوع الحرمة التشريعية. وكيف كان: يمكن أن يستدل للحرمة الذاتية - مضافا إلى ظهور أكثر معاقد الاجماعات - كما عرفت - بظاهر الاخبار المشتملة على التعبير ب‍ " تحرم " (* 1)


(* 1) الوسائل باب: 27 من أبواب الحيض حديث: 7 وهو في كلام السائل، وفي باب: 30 من أبواب الحيض حديث: 14، وفي باب: 51 من أبواب الحيض حديث: 2

[ 309 ]

و " لا يجوز " (* 1) و " لا تحل " (* 2)، بل هو ظاهر النهي بمثل: " دعي الصلاة أيام أقرائك " (* 3) ونحوه. وبظاهر جملة من النصوص الخاصة مثل ما ورد في أخبار الاستظهار من الامر بالاحتياط بترك العبادة (* 4)، إذ على الحرمة التشريعية يكون الاحتياط بفعلها لا بتركها. فان قلت: تقدم أنه بناء على الحرمة الذاتية يكون كل من الفعل والترك موافقا للاحتياط من جهة، ومخالفا له من أخرى، فكيف يكون الاحتياط بالترك؟!. قلت: قد تقرر في محله أنه مع احتمال أهمية الحرمة المحتملة في الدوران بين الوجوب والحرمة يكون الاحتياط بالترك، بل يتعين ذلك عقلا. ومثل رواية الفضل المروية عن الرضا (ع)، المعللة نهي الحائض عن الصلاة والصيام بقوله (ع): " لانها في حد نجاسة، فأحب الله أن لا يعبد إلا طاهرا " (* 5)، فانه ظاهر في وجوب ترك العبادة في حال النجاسة. وما في رواية خلف بن حماد المتقدمة في اشتباه الحيض بالعذرة: " فلتتق الله إن كان من دم الحيض، فلتمسك عن الصلاة... إلى أن قال (ع): وإن كان من العذرة فلتتق الله ولتتوضأ... " (* 6). وما في رواية مسعدة ابن صدقة: " إني أمر بقوم ناصبة وقد أقيمت لهم الصلاة، وأنا على غير وضوء، فان لم أدخل معهم في الصلاة قالوا ما شاءوا أن يقولوا، أفأصلي معهم ثم أتوضأ إذا انصرفت وأصلي؟ فقال جعفر بن محمد (ع): أفما


(* 1) لم نقف على هذا التعبير في النصوص (* 2) الوسائل باب: 39 من أبواب الحيض حديث: 1 (* 3) الوسائل باب: 7 من أبواب الحيض حديث: 2 (4) الوسائل باب: 1 من أبواب الاستحاضة حديث: 8 و 10 و 12 (* 5) الوسائل باب: 39 من أبواب الحيض حديث: 2 (* 6) الوسائل باب: 2 من أبواب الحيض حديث: 1

[ 310 ]

يخاف من يصلي من غير وضوء أن تأخذه الارض خسفا " (* 1) وبأن موضوع الحرمة التشريعية التشريع القلبي لا العمل الجوارحي، وظاهر النصوص كون موضوع الحرمة هو الثاني. ويمكن الخدش فيما ذكر فان التعبير في أكثر معاقد الاجماع لا يأبي الحمل على الحرمة التشريعية، كما هو كذلك في بيانهم لسائر المحرمات البدعية مثل صوم الوصال ونحوه. فلاحظ. مع ما عرفت من أنه معارض بظاهر بعض معاقد الاجماع، للعلم باتحاد مراد الجميع، وحمل الاول على الثاني أسهل من العكس. ومنه يظهر حال ظاهر النصوص. ودعوى: أن ظاهرها كون موضوع الحرمة الصلاة مثلا بعنوانها الخاص لا بعنوان البدعة. مندفعة بعدم بلوغ الظهور المذكور حد الاعتناء به، بحيث يكون حجة على الحرمة الذاتية، فان النهي عن الصلاة للحائض وإن كان بمقتضى الجمود عليه دالا على حرمة الصلاة من حيث كونها صلاة لا من حيث كونها بدعة، لكن إذا ثبت من الخارج تحريم الصلاة لكونها بدعة كان صالحا لصرف النهي إلى كونه من حيث البدعة، نظير ما لو ورد النهي عن الخمر، والنهي عن شرب المسكر، فانه لا يلتزم بتحريم الخمر لذاتها ولكونها مسكرا، أو ورد النهي عن السم وعن شرب المضر، فانه لا يلتزم بحرمة شرب السم من وجهين فلاحظ. وأما ما اشتمل على التعبير بالاحتياط، فلاجل أنه لا يمكن الاخذ بظاهره - من الاحتياط المطلق -، دار الامر بين الحمل على الاحتياط من جهة - كما تقدم في الاستدلال - وبين حمله على الاحتياط بلحاظ بعض الاحكام، مثل الوطئ ودخول المساجد وقراءة العزائم، وليس الاول أولى


(* 1) الوسائل باب: 2 من أبواب الوضوء حديث: 1

[ 311 ]

من الثاني، بل الذي يظهر من موثقة البصري: " عن المستحاضة أيطؤها زوجها، وهل تطوف بالبيت؟ قال (ع): تقعد أيام أقرائها التي كانت تحيض فيه، فان كان قرؤها مستقيما فلتأخذ به، وإن كان فيه خلاف فلتحتط بيوم أو يومين " (* 1) هو الثاني. مع أن دعوى، كون الحرمة المحتملة أهم، غريبة، لان الظاهر أن ترك الصلاة من أعظم الكبائر. ويحتمل كون وجه التعبير بالاحتياط أنه الموافق للاستصحاب، وقاعدة الامكان. فتأمل. ولعل الظاهر من رواية العلل (* 2) كون المراد: أحب الله أن يعبد في حال الطهارة، لا أنه كره أن يعبد في غير حال الطهارة وإلا لدل على عدم فائدة وخصوصية للطهارة وهو بعيد. ولمثل هذا النحو من التعبير نظائر كثيرة. وأما رواية خلف (* 3) فالظاهر أن الامر بالاتقاء إنما هو بمعنى وجوب الفحص، ولذا قدمه على الشرطية الاولى، ويشهد به تأخير الامر به عن الشرطية الثانية. وأما رواية مسعدة، فلا يظن إمكان الالتزام بها في موردها، فان أدلة التقية مقدمة على غيرها من الادلة، مهما كان لموردها من الاهمية. والتشريع وإن كان جنانيا إلا أن الجري عليه محرم أيضا شرعا، كما يفهم مما ورد في البدعيات بل لعله محرم عقلا. بل لعله أقبح في نظر العقل من التشريع القلبي. ومما ذكرنا في منع الثمرة الثانية تعرف الاشكال في دفع الحرمة الذاتية بدعوى: الاتفاق على إمكان الاحتياط المطلق للمضطربة، كما في كلام شيخنا الاعظم (ره) وغيره. إذ قد عرفت أن إمكان الاحتياط التام لا ينافي احتمال الحرمة الذاتية. اللهم إلا أن يكون القائل بالحرمة الذاتية يلتزم بها


(* 1) الوسائل باب: 1 من أبواب الاستحاضة حديث: 8 (* 2) الوسائل باب: 39 من أبواب الحيض حديث: 2 (* 3) الوسائل باب: 2 من أبواب الحيض حديث: 1

[ 312 ]

[ (الثاني): يحرم عليها مس اسم الله (1) وصفاته الخاصة، بل غيرها أيضا إذا كان المراد بها هو الله، وكذا مس أسماء الانبياء والائمة (2) على الاحوط. وكذا مس كتابة القرآن (3) ] وإن أنيط التعبد بالامر الواقعي الشرعي. ولكنه لا يظن منه ذلك، ولا مما تساعده عليه الادلة. فتأمل جيدا. والله سبحانه أعلم. (1) كما عن جماعة، منهم: العلامة والشهيدان والمحقق الثاني في جملة من كتبهم. ولو يتعرض له كثير، وكأنه لعدم الدليل عليه، إذ لا دليل على وجوب التعظيم بنحو ينافي المس، ولا على مشاركة الحيض للجنابة في أحكامها ليتعدى منها إليه. وظهور الاتفاق عليه لو سلم لا يصلح لاثباته. وخبر سعيد بن يسار الوارد في المرأة ترى الدم وهي جنب، من قوله (ع): " وقد أتاها ما هو أعظم من ذلك " (* 1) - مع أنه ضعيف السند - غير ظاهر فيما نحن فيه. وما في صحيح ابن فرقد في التعويذ: " تقرؤه وتكتبه ولا تصيبه يدها " (* 2) مما لا يمكن الالتزام بعمومه الناشئ من ترك الاستفصال، فيجب حمله على تعويذ بعينه، وإجماله حينئذ ظاهر. والتعدي من مس المصحف إلى المقام للفحوى لا يخلو من تأمل فالحكم إذا لا يخلو من إشكال، لولا موافقته لمرتكزات المتشرعة وكونه مظنة الاجماع. فتأمل. (2) الدليل عليه غير ظاهر، كما تقدم في الجنابة. بل هنا أخفى، لقلة المتعرضين له. (3) إجماعا صريحا وظاهرا، حكاه جماعة كثيرة، ولم ينسب الخلاف


(* 1) الوسائل باب: 22 من أبواب الحيض حديث: 2 (* 2) الوسائل باب: 37 من أبواب الحيض حديث: 1

[ 313 ]

[ على التفصيل الذي مر في الوضوء (الثالث): قراءة آيات السجدة (1)، بل سورها على الاحوط (الرابع): اللبث في المساجد (2) (الخامس): وضع شئ فيها إذا استلزم الدخول (3) (السادس): الاجتياز من المسجدين (4). والمشاهد المشرفة كسائر المساجد (5) ] فيه إلا إلى ظاهر الكاتب، وهذا هو العمدة في إثباته. مضافا إلى ما تقدم في الوضوء على نحو ما سبق في الجنابة. (1) إجماعا محكيا متجاوزا حد الاستفاضة. مضافا إلى النصوص المتقدمة في الجنابة. كما تقدم الكلام أيضا في اختصاص التحريم بها وعمومه للسورة. (2) لما تقدم في الجنابة، لاتحاد الدليل في البابين. وكذا الحال في وضع شئ فيها. (3) قد عرفت وجهه فيما تقدم في الجنابة، وعرفت التأمل فيما في المتن هناك من حرمته مطلقا. مع أنه لا يظهر وجه للفرق بين الحائض والجنب، لاتحاد الدليل في البابين. (4) كما نسب إلى الاصحاب، بل عن بعض: دعوى الاجماع عليه. ويشهد به ما في حسن محمد بن مسلم: " ولا يقربان المسجدين الحرمين " (* 1) وقد يشير إليه أيضا ما في ذيل المرفوع عن أبي حمزة المروي عن الكافي (* 2) وبه يظهر ضعف ما عن جماعة من القدماء والمتأخرين من إطلاق جواز الجواز في المساجد. (5) تقدم الاشكال فيه في الجنابة. وعلى تقدير ثبوته هناك فالتعدي


(* 1) الوسائل باب: 15 من أبواب الجنابة حديث: 17 (* 2) الوسائل باب: 15 من أبواب الجنابة حديث: 3

[ 314 ]

[ دون الرواق (1) منها، وإن كان الاحوط إلحاقه بها. هذا مع عدم لزوم الهتك وإلا حرم (2). وإذا حاضت في المسجدين تتيمم وتخرج (3) إلا إذا كان زمان الخروج أقل من زمان التيمم أو مساويا. (مسألة 1): إذا حاضت في أثناء الصلاة ولو قبل السلام بطلت (4)، وإن شكت في ذلك صحت (5)، فان تبين بعد ذلك ينكشف بطلانها. ولا يجب عليها الفحص (6) وكذا الكلام في سائر مبطلات الصلاة. (مسألة 2): يجوز للحائض سجدة الشكر (7)، ] منه إلى المقام موقوف على مشاركة الحيض للجنابة في الاحكام، من إجماع أو غيره، كما تقدم في حرمة مس اسم الله تعالى. (1) إذ لا يصدق على الدخول فيه أنه دخول بيت النبي (ص) أو الامام (ع) الذي هو موضوع نصوص التحريم، على تقدير القول به في الجنابة. (2) لحرمة هتكها قطعا، بل هو في مرتكزات المتشرعة من أعظم المنكرات. (3) كما تقدم التعرض له بالخصوص في مبحث الجنابة. (4) لما سيأتي إن شاء الله في محله من قاطعية الحدث. (5) لاستصحاب الطهارة، أو لقاعدة الفراغ. (6) لما حرر في محله من عدم وجوب الفحص في الشبهات الموضوعية كما يقتضيه إطلاق أدلة الاصول. (7) بلا خلاف ظاهر، وإن كان مقتضى ما عن الشيخ - من الاستدلال

[ 315 ]

[ ويجب عليها سجدة التلاوة إذا استمعت (1). بل أو سمعت (2) ] على حرمة سجود التلاوة بعدم جواز السجود لغير الطاهر اتفاقا - لحرمة هنا أيضا، إلا أني لم أعثر على قائل بها، وذلك مما يوهن الاستدلال المذكور. مضافا إلى وهنه في نفسه. وكيف كان فيدل على الجواز إطلاق أدلة المشروعية. (1) كما عن السرائر والمختلف وجامع المقاصد وفوائد الشرائع والمسالك وغيرها، لمصحح ابن سنان: " سألت أبا عبد الله (ع) عن رجل سمع السجدة تقرأ. قال (ع): لا يسجد إلا أن يكون منصتا لقراءته مستمعا لها... " (* 1)، وبضميمة قاعدة الاشتراك يثبت الحكم في المرأة وإن كانت حائضا، مع عدم المعارض له، لاختصاص ما يتوهم معارضته له من مصحح البصري وخبر غياث الآتيين بصورة السماع الذي هو غير محل الكلام، وقد عرفت حال دعوى عدم جواز السجود لغير الطاهر. ومن هذا يظهر لك ضعف ما عن المقنعة والانتصار والتهذيب والوسيلة من الحرمة. ومثله ما عن الاستبصار والجامع من القول بالاستحباب. (2) كما عن السرائر وغيرها مما تقدم آنفا، لاطلاق أدلة وجوبها على السامع. مضافا إلى صحيح الحذاء: " سألت أبا جعفر (ع) عن الطامث تسمع السجدة. فقال (ع): إن كانت من العزائم فلتسجد إذا سمعتها " (* 2) وخبر أبي بصير عن أبي عبد الله (ع): " إذا قرئ بشئ من العزائم الاربع وسمعتها فاسجد، وإن كنت على غير وضوء، وإن كنت جنبا، وإن كانت المرأة لا تصلي، وسائر القرآن أنت بالخيار، إن شئت


(* 1) الوسائل باب: 43 من أبواب قراءة القرآن حديث: 1 (* 2) الوسائل باب: 36 من أبواب الحيض حديث: 1

[ 316 ]

[ آيتها ويجوز لها اجتياز غير المسجدين (1)، ] سجدت، وإن شئت لم تسجد " (* 1)، وموثقه عنه (ع): " والحائض تسجد إذا سمعت السجدة " (* 2). نعم يعارضها مصحح البصري: " عن الحائض هل تقرأ القرآن وتسجد سجدة إذا سمعت السجدة؟ قال (ع): لا تقرأ ولا تسجد " (* 3)، وموثق غياث عن جعفر عن أبيه (ع) عن علي (ع): " لا تقضي الحائض الصلاة ولا تسجد إذا سمعت السجدة " (* 4) ولاجلهما قال بالتحريم هنا من لم يقل به في الاستماع. لكن فيه: انه يتوقف على عدم إمكان الجمع بينهما وبين ما سبق، مع رجحانهما عليه، وكلاهما غير ظاهر، لامكان الجمع بحملهما على غير العزائم، لاختصاص الاولين بها، فيتعين القول بالوجوب، أو بحملهما على نفي الوجوب ويحمل الاولان على الاستحباب، فيتعين القول به. ولو سلم التعارض فالترجيح مع الاول لانها أصح سندا، وأكثر عددا، وموافقة لعموم ما دل على وجوب السجود مع السماع مطلقا، ومخالفة لابي حنيفة والشافعي وأحمد وأكثر الجمهور على ما حكي، فالقول بالتحريم ضعيف جدا، بل يدور الامر بين القول بالوجوب والقول بالاستحباب المبنيين على الجمعين المذكورين، والاول أوفق بقواعد الجمع فهو المتعين. فتأمل. هذا كله بناء على وجوب السجود عند السماع - كما هو المشهور - وإلا فلا مجال للقول به هنا بل يتعين الجمع الثاني. والكلام في ذلك موكول إلى محله في مباحث سجود الصلاة. (1) على المشهور، وعن المعتبر: دعوى الاتفاق عليه. وفي صحيح


(* 1) الوسائل باب: 36 من أبواب الحيض حديث: 2 (* 2) الوسائل باب: 36 من أبواب الحيض حديث: 3 (* 3) الوسائل باب: 36 من أبواب الحيض حديث: 4 (* 4) الوسائل باب: 36 من أبواب الحيض حديث: 5 *

[ 317 ]

[ لكن يكره (1) وكذا يجوز لها اجتياز سائر المشاهد المشرفة (2). (مسألة 3): لا يجوز لها دخول المساجد بغير الاجتياز (3)، بل معه أيضا في صورة استلزامه تلويثها (4) (السابع): وطؤها في القبل (5) حتى بادخال الحشفة (6) ] زرارة ومحمد: " الحائض والجنب لا يدخلان المسجد إلا مجتازين " (* 1) ومنه يظهر ضعف ما عن المقنع والفقيه والجمل وغيرها من إطلاق المنع عن الدخول. (1) كما عن جماعة من الاجلاء، بل عن بعض: دعوى الاجماع عليه، وفي خبر الدعائم: " ولا يقربن مسجدا ولا يقرأن قرآنا " (* 2)، وهذا كاف بناء على التسامح. (2) لما تقدم من أنها بحكم سائر المساجد. لكن أشرنا في مبحث الجنابة إلى أنه على تقدير تمامية دليلية النصوص على إلحاق المشاهد بالمساجد فالمستفاد منها إلحاقها بالمسجدين، لظهورها في المنع من الدخول. (3) لما تقدم في الجنب، لاتحاد الدليل في البابين. (4) فيحرم لحرمة ما يترتب عليه. (5) إجماعا من العلماء، أو من علماء الاسلام، حكاه جماعة كثيرة، بل في كلام جماعة: انه من ضروريات الاسلام، ويدل عليه الكتاب المجيد والسنة المتجاوزة حد التواتر. (6) كما يقتضيه إطلاق الادلة.


(* 1) الوسائل باب: 15 من أبواب الجنابة حديث: 10 (* 2) مستدرك الوسائل باب: 29 من أبواب الحيض حديث: 3 *

[ 318 ]

[ من غير انزال، بل بعضها (1) على الاحوط. ويحرم عليها أيضا (2). ويجوز الاستمتاع بغير الوطئ من التقبيل والتفخيذ والضم (3). ] (1) كما عن ظاهر كشف الغطاء، لما في بعض النصوص من النهي عن الايقاب (* 1)، والامر باتقاء موضع الدم (* 2)، واجتنابه (* 3)، ونحو ذلك مما يقتضي إطلاقه المنع من إدخال بعض الحشفة أيضا، واعتبار التقاء الختانين في وجوب الغسل للجنابة لا يوجب تقييد ما ذكر. (2) كما صرح به في الجواهر وغيرها، وعن الغنية: الاجماع عليه. واستدل له بحرمة المعاونة على الاثم، ومقتضاه جواز تمكينه مع العذر لجهل أو غفلة أو نوم أو نحوها، كما احتمله بعض. ولكن يدل عليه خبر محمد ابن مسلم عن أبي جعفر (ع): " سألته عن الرجل يطلق امرأته متى تبين منه؟ قال (ع): حين يطلع الدم من الحيضة الثالثة تملك نفسها. قلت: فلها أن تتزوج في تلك الحال؟ قال (ع): نعم، ولكن لا تمكن من نفسها حتى تطهر من الدم " (* 4). وربما يستفاد من غيره بعد سبر النصوص ولا سيما بملاحظة مرتكزات المتشرعة، فان بناءهم على حرمته عليها ذاتا لا من باب المعاونة. (3) أما التقبيل والضم ونحوهما من الاستمتاع بما فوق السرة ودون الركبة فلا إشكال فيه، بل عليه الاجماع المستفيض النقل، وعن جماعة دعواه من علماء المسلمين. ويدل عليه ما سيأتي من النصوص. وأما التفخيذ ونحوه


(* 1) الوسائل باب: 25 من أبواب الحيض حديث: 8 (* 2) الوسائل باب: 25 من أبواب الحيض حديث: 5 (* 3) الوسائل باب: 25 من أبواب الحيض حديث: 6 (* 4) الوسائل باب: 16 من أبواب العدد حديث: 1

[ 319 ]

من الاستمتاع بما بين السرة والركبة حتى الوطئ في الدبر فالمشهور فيها ذلك أيضا، بل عن ظاهر مجمع البيان والتبيان الاجماع عليه. ويدل عليه ما في حسن عبد الملك بن عمرو. " سألت أبا عبد الله (ع): ما لصحاب المرأة الحائض منها؟ فقال (ع): كل شئ ما عدا القبل منها بعينه " (* 1)، وفي روايته الاخرى: " كل شئ غير الفرج " (* 2)، وفي موثق معاوية ابن عمار عن أبي عبد الله (ع): " ما دون الفرج " (* 3)، ونحوه ما في خبر عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (ع) (* 4)، وفي مرسل ابن بكير عن أبي عبد الله (ع): " حيث شاء ما اتقى موضع الدم " (* 5) وفي موثق هشام بن سالم عن أبي عبد الله (ع): " في الرجل يأتي المرأة فيما دون االفرج وهي حائض. قال (ع): لا بأس إذا اجتنب ذلك الموضع " (* 6) وفي خبر عمر بن حنظلة عنه (ع): " ما بين الفخذين " (* 7) وفي حسن عمر بن يزيد عنه (ع): " ما بين إليتيها ولا يوقب " (* 8). ومن ذلك يظهر ضعف ما عن السيد (ره) في شرح الرسالة من تحريم الاستمتاع بما بين السرة والركبة، وعن الاردبيلي الميل إليه لصحيح الحلبي " انه سأل أبا عبد الله (ع) عن الحائض وما يحل لزوجها منها. قال (ع): تتزر بإزار إلى الركبتين وتخرج سرتها ثم له ما فوق الازار " (* 9)


(* 1) الوسائل باب: 25 من أبواب الحيض حديث: 1 (* 2) الوسائل باب: 25 من أبواب الحيض حديث: 4 (* 3) الوسائل باب: 25 من أبواب الحيض حديث: 2 (* 4) الوسائل باب: 25 من أبواب الحيض حديث: 3 (* 5) الوسائل باب: 25 من أبواب الحيض حديث: 5 (* 6) الوسائل باب: 25 من أبواب الحيض حديث: 6 (* 7) الوسائل باب: 25 من أبواب الحيض حديث: 7 (* 8) الوسائل باب: 25 من أبواب الحيض حديث: 8 (* 9) الوسائل باب: 26 من أبواب الحيض حديث: 1 *

[ 320 ]

[ نعم يكره الاستمتاع بما بين السرة والركبة منها بالمباشرة (1)، وأما فوق اللباس فلا بأس (2). وأما الوطئ في دبرها فجوازه محل إشكال (3)، وإذا خرج دمها من غير الفرج فوجوب الاجتناب عنه (4) غير معلوم، بل الاقوى عدمه (5) إذا كان من غير الدبر. نعم لا يجوز الوطئ في فرجها (6) الخالي عن الدم حينئذ. ] ونحوه خبر أبي بصير (* 1)، فان الجمع العرفي بين النصوص بالحمل على الكراهة ممكن فيتعين. (1) تقدم وجهه. (2) كما يظهر من نصوص الكراهة. (3) لاحتمال دخول الدبر في الفرج المستثنى في النصوص المتقدمة، بل لعل المنع عنه ظاهر حسن عمر بن يزيد. لكنه ضعيف، للتنصيص على تحليل ما عدا القبل، وموضع الدم، وذلك الموضع، وهو مقدم على إطلاق الفرج لو سلم وهكذا إطلاق قوله (ع): " لا يوقب " في الحسن لو تم فالمتعين الجواز بناء على جوازه في الطاهر كما هو المشهور. (4) يعني عن مخرج الدم. (5) لما عرفت من النصوص الدالة على حلية ما عدا القبل، فاطلاقها محكم. وموضع الدم في المرسل ابن بكير يراد به الفرج، فهو مرآة إليه لا عنوان لموضوع الحكم. فالتوقف فيه - كما في نجاة العباد - تورع عن الفتوى، وإلا فهو ضعيف. (6) لاطلاق الادلة. والتوقف فيه - كما في نجاة العباد - أضعف مما سبق.


(* 1) الوسائل باب: 26 من أبواب الحيض حديث: 2

[ 321 ]

[ (مسألة 4): إذا أخبرت بأنها حائض يسمع منها (1) ] (1) بلا خلاف ولا إشكال، كما استظهره في الحدائق وجزم به في غيرها، بل قيل: إنه مجمع عليه مع عدم التهمة. ويدل عليه صحيح زرارة: " العدة والحيض إلى النساء " (* 1)، وفي رواية الكليني زيادة " إذا ادعت صدقت " (* 2) مؤيدا أو معتضدا بقوله تعالى: (ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن) (* 3) وبأنه. مما لا يعلم إلا من قبلها وأنه مما يتعسر إقامة البينة عليه غالبا. والعمدة الصحيح، مضافا إلى ما يستفاد من النص والسيرة من قبول إخبار ذي اليد عما في يده، إذ قبول اخباره عما في نفسه بطريق أولى، بل السيرة دالة عليه بنفسها. ومقتضى إطلاق الصحيح عدم الرفق بين الاتهام لها وعدمه، وعن التذكرة وجامع المقاصد والروض: تقييد القبول بعدم الاتهام، وكأنه لرواية السكوني: " ان أمير المؤمنين (ع) قال في امرأة ادعت أنها حاضت في شهر ثلاث حيض، فقال (ع): كلفوا نسوة من بطانتها أن حيضها كان فيما مضى على ما ادعت، فان شهدن صدقت وإلا فهي كاذبة " (* 4) وقريب منها مرسل الصدوق (* 5). لكن موردهما الدعوى البعيدة عن المتعارف جدا وبينهما وبين الدعوى مع الاتهام عموم من وجه. اللهم إلا أن يكون الحكم فيهما بذلك من جهة الاتهام. وكيف كان فهما من حيث السند يصلحان لتقييد ما سبق جمعا بين المطلق والمقيد. وقد تقدم أيضا في


(* 1) الوسائل باب: 47 من أبواب الحيض حديث: 2 (* 2) الوسائل باب: 47 من أبواب الحيض حديث: 1 (* 3) البقرة: 228 (* 4) الوسائل باب: 47 من أبواب الحيض حديث: 3 (* 5) الوسائل باب: 47 من أبواب الحيض حديث: 3

[ 322 ]

[ كما لو أخبرت بأنها طاهر (1). (مسألة 5): لا فرق في حرمة وطئ الحائض بين الزوجة الدائمة والمتعة والحرة والامة والاجنبية والمملوكة (2) كما لا فرق بين أن يكون الحيض قطعيا وجدانيا أو كان بالرجوع إلى التمييز أو نحوه (3). بل يحرم أيضا في زمان الاستظهار إذا تحيضت. ] مباحث النجاسات أن حجية قول ذي اليد تختص بما إذا لم يكن شئ يوجب اتهامه، وإلا فقوله أيضا حينئذ ليس بحجة. فراجع. (1) والظاهر أنه لا خلاف فيه أيضا. للروايتين السابقتين، لان الظاهر من الرجوع اليهن في الحيض الرجوع في الوجود والعدم، لا خصوص الوجود. وكذلك ما دل على حجية إخبار ذي اليد. ومنه يظهر ضعف ما عن بعض من التوقف في صورة التهمة مع سبق الحيض، للاستصحاب مع عدم القطع بالمزيل. انتهى. فان الدليل المذكور إذا دل على حجية قولها في الطهر حصل القطع بالمزيل تعبدا، وهو كالمزيل حقيقة. (2) بلا خلاف ظاهر. ويدل عليه إطلاق أدلة المنع من الكتاب والسنة والاجماع. (3) لان التمييز والعادة وغيرهما مما كان طريقا إليه شرعا يوجب تنجز الحرمة الواقعية على تقدير ثبوتها، فيجب الاجتناب عقلا حينئذ، كسائر الطرق القائمة على ثبوت موضوع محرم في اقتضائها المنع عنه. وأما التحيض بالعدد المروي في المضطربة فهو كذلك، لان الظاهر من أدلته أنه باختيارها العدد المعين تكون حائضا تعبدا، فيكون اختيارها بمنزلة أصل يثبت الحيضية. وكذا الحال في التحيض بقاعدة الامكان، وفي أيام الاستظهار فيجري عليه جميع أحكام الحيض الالزامية وغيرها، متعلقة بها أم بغيرها

[ 323 ]

[ وإذا حاضت في حال المقاربة تجب المبادرة بالاخراج (1) (الثامن): وجوب الكفارة بوطئها (2) ] وفي بعض نصوص الاستظهار تصريح بما نحن فيه. فلاحظ. (1) كما نص عليه شيخنا الاعظم (ره). لاطلاق الادلة. (2) كما عن الصدوقين والشيخين وعلم الهدى وبني حمزة وزهرة وادريس وسعيد وغيرهم، ونسب إلى المشهور بين المتقدمين، وعن الخلاف والانتصار والغنية والفوائد: الاجماع عليه، للنصوص كرواية داود بن فرقد عن أبي عبد الله (ع): " في كفارة الطمث أنه يتصدق إذا كان في أوله بدينار وفي وسطه نصف دينار وفي آخره ربع دينار. قلت: فان لم يكن عنده ما يكفر؟ قال (ع): فليتصدق على مسكين واحد وإلا استغفر الله تعالى ولا يعود، فان الاستغفار توبة وكفارة لكل من لم يجد السبيل إلى شئ من الكفارة " (* 1)، ومصحح ابن مسلم: " سألته عمن أتى امرأته وهي طامث. قال (ع): يتصدق بدينار ويستغفر الله تعالى " (* 2) وما في خبره الآخر: " عن الرجل يأتي المرأة وهي حائض قال (ع): " يجب عليه في استقبال الحيض دينار وفي استدباره نصف دينار " (* 3) وموثق أبي بصير عن أبي عبد الله (ع): " من أتى حائضا فعليه نصف دينار يتصدق به " (* 4) وصحيح عبد الله الحلبي عن أبي عبد الله (ع): " في الرجل يقع على امرأته وهي حائض، ما عليه؟ قال (ع): يتصدق على مسكين بقدر شبعه " (* 5)، ومرسل القمي في تفسيره قال الصادق (ع):


(* 1) الوسائل باب: 28 من أبواب الحيض حديث: 1 (* 2) الوسائل باب: 28 من أبواب الحيض حديث: 3 (* 3) الوسائل باب: 13 من أبواب بقية الحدود حديث: 1 (* 4) الوسائل باب: 28 من أبواب الحيض حديث: 4 الوسائل باب: 28 من أبواب الحيض حديث: 5 *

[ 324 ]

" من أتى امرأته في الفرج في أول أيام حيضها فعليه أن يتصدق بدينار، وعليه ربع حد الزاني خمس وعشرون جلدة، وإن أتاها في آخر أيام حيضها فعليه أن يتصدق بنصف دينار، ويضرب اثنتي عشرة جلدة ونصفا " (* 1). لكنها مع قصور دلالة بعضها - كرواية داود - فان الكفارة أعم من الواجبة، وليس الكلام واردا لبيان وجوبها. ومع اختلافها بنحو يصعب الجمع بينهما معارضة بصحيح العيص " سألت أبا عبد الله (ع) عن رجل واقع امرأته وهي طامث. قال (ع): لا يلتمس فعل ذلك، قد نهى الله تعالى أن يقربها. قلت: فان فعل ذلك أعليه كفارة؟ قال (ع): لا أعلم فيه شيئا يستغفر الله " (* 2). وموثق زرارة عن أحدهما (ع): " عن الحائض يأتيها زوجها. قال (ع): ليس عليه شئ يستغفر الله ولا يعود " (* 3) وموثق ليث: " سألت أبا عبد الله (ع) عن وقوع الرجل على امرأته وهي طامث خطأ. قال (ع): ليس عليه شئ وقد عصى ربه " (* 4) فان المراد من الخطأ - بقرينة قوله (ع): " وقد عصى... " - الخطيئة، واستبعاد ذلك في الجواهر ضعيف. ومثله طعنه في الصحيح والموثق الآخرين بمخالفتهما للاجماعات التي هي بمنزلة الاخبار الصحيحة، وللاخبار، وموافقتهما لفتوى الشفافعي في الجديد، ومالك وأبي حنيفة وأصحابه وغيرهم. وجه الضعف: أن الاجماعات ليست حجة فضلا عن أن تكون بمنزلة الاخبار الصحيحة. والموافقة للعامة على تقدير تماميتها في المقام لا أثر لها مع إمكان الجمع العرفي ولذا كان خيرة النهاية ونكاح المبسوط وجملة من كتب الفاضلين والشهيدين


(* 1) الوسائل باب: 28 من أبواب الحيض حديث: 6 (* 2) الوسائل باب: 29 من أبواب الحيض حديث: 1 (* 3) الوسائل باب: 29 من أبواب الحيض حديث: 2 (* 4) الوسائل باب: 29 من أبواب الحيض حديث: 3

[ 325 ]

[ وهي دينار في أول الحيض (1)، ونصفه في وسطه، وربعه في آخره، إذا كانت زوجة (2)، من غير فرق بين الحرة ] والمحقق الثاني وغيرهم - على ما حكي عنهم - الاستحباب، واختاره في الوسائل، وجعله شيخنا الاعظم (ره) الاقوى، جمعا بين النصوص بالحمل على ذلك وهو في محله. وحمل نصوص النفي على نفي غير الكفارة لا يقبله المتفاهم العرفي. (1) كما هو المشهور - كما عن جماعة - بل عليه الاجماع عن الانتصار والخلاف والغنية والمعتبر والمنتهى. ويدل عليه رواية داود بن فرقد، ومرسل المقنع (* 1)، وكذا مصحح ابن مسلم بعد حمله على أول الحيض، وموثق أبي بصير بعد حمله على وسطه. ولا يعارضها صحيح الحلبي المتقدم، لحمله على صورة تعذر الدينار أو تعسره، بقرينة ما في رواية ابن فرقد. لكن ظاهر المقنع (* 2) الاعتماد عليه، لانه ذكر مضمونه لا غير. وكأنه لترجيحه على غيره، بناء منه على تعذر الجمع العرفي. نعم يعارضها حسن الحلبي: " سئل أبو عبد الله (ع) عن رجل واقع امرأته وهي حائض. فقال (ع): إن كان واقعها في استقبال الدم فليستغفر الله، ويتصدق على سبعة نفر من المؤمنين بقدر قوت كل نفر منهم ليومه ولا يعد... " (* 3). كما يعارضها أيضا مرسل القمي. لكن لم يعرف القائل بهما. وفي كشف اللثام: حمل الاول على كون قوت السبعة قيمة الدينار. وهو بعيد. (2) هذا هو المتيقن من النصوص. وإطلاقها يقتضي عدم الفرق بين


(* 1) الوسائل باب: 28 من أبواب الحيض: 7 (* 2) مستدرك الوسائل باب: 23 من أبواب الحيض حديث: 2 (* 3) الوسائل باب: 22 من أبواب الكفارات حديث: 2

[ 326 ]

[ والامة والدائمة والمنقطعة. وإذا كانت مملوكة للواطئ فكفارته ثلاثة أمداد من طعام (1)، يتصدق بها على ثلاثة مساكين ] الاقسام المذكورة في المتن. (1) كما عن الفقيه والمقنعة والانتصار والنهاية والسرائر وغيرها، وعن السرائر: نفي الخلاف فيه، وعن الانتصار: الاجماع عليه. وظاهرهم الوجوب ودليله غير ظاهر، وفي الروض قال: " والمستند رواية لا تنهض بصحة المدعى ". نعم في الرضوي: " وإن جامعت أمتك وهي حائض فعليك أن تتصدق بثلاثة أمداد من طعام " (* 1). لكن مجرد الموافقة لفتواهم غير كافية في جبره. ولذلك اختار في المعتبر والمنتهى وجامع المقاصد الاستحباب. وهو في محله - بناء على قاعدة التسامح - بعد قيام الاجماع على انتفاء الكفارة بالدينار ونصفه وربعه. ولحسن عبد الملك بن عمرو: " سألت أبا عبد الله (ع) عن رجل أتى جاريته وهي طامث. قال (ع): يستغفر الله تعالى ربه. قال عبد الملك: فان الناس يقولون: عليه نصف دينار أو دينار، فقال أبو عبد الله (ع): فليتصدق على عشرة مساكين " (* 2) ودلالته على انتفاء وجوب الكفارة في الامة ظاهرة. وما في ذيله محمول على أفضل الفردين جمعا بينه وبين ما سبق. قال في كشف اللثام: " ومن الغريب استدلال السيد عليه مع الاجماع بأن الصدقة بر وقربة وطاعة لله تعالى فهي داخلة تحت قوله تعالى: (إفعلوا الخير) (* 3) وأمره بالطاعة فيما لا يحصى من الكتاب وظاهر الامر والايجاب، فيقتضي وجوب هذه الصدقة وإنما خرج ما خرج عن هذه الظواهر بدليل، ولا دليل على الخروج هنا.


(* 1) مستدرك الوسائل باب: 23 من أبواب أحكام الحيض حديث: 1 (* 2) الوسائل باب: 28 من أبواب الحيض حديث: 2 (* 3) الحج: 77

[ 327 ]

[ لكل مسكين مد (1) من غير فرق بين كونها قنة أو مدبرة أو مكاتبة أو أم ولد (2)، نعم في المبعضة والمشتركة والمزوجة والمحللة إذا وطئها مالكها إشكال (3)، ولا يبعد إلحاقها بالزوجة في لزوم الدينار أو نصفه أو ربعه. والاحوط الجمع بين الدينار والامداد. ولا كفارة على المرأة (4) وإن كانت مطاوعة. ويشترط في وجوبها العلم والعمد والبلوغ والعقل، ] وهو صريح في الوجوب كظاهر الاكثر ". وجه الاستغراب: أن العمومات المذكورة لا ريب أنها للاستحباب. ولو سلم أنها للوجوب فلا تدل على التخصيص بما ذكر. (1) للاجماع المحكي، وإن كان الرضوي خاليا عن هذا التقييد. وأما حسن عبد الملك فالظاهر منه كون الصدقة بعشرة أمداد. (2) لاطلاق الفتوى والدليل. (3) وجه الاشكال: عدم الدليل فيها بالخصوص، فيكون المرجع فيها الاصل، وإمكان استفادة حكمها من عموم ما دل على أن كفارة الطمث الدينار ونصفه وربعه، خرج منه الامة الموطوءة لمالكها حلالا، فيبقى غيرها داخلا في العموم. هذا ولا يبعد إلحاق الاخيرتين بالامة، لاطلاق دليلها الشامل للامة، وانصرافه عنها بدوي. وإلحاق الاولتين بالزوجة، لما عرفت وسيأتى. (4) بلا خلاف ظاهر. لاختصاص النصوص بالرجل الواطئ، والاصل في المرأة يقتضي العدم، وظاهر المنتهى: الاجماع عليه منا، وفي الروض، الاجماع عليه.

[ 328 ]

[ فلا كفارة على الصبي ولا المجنون (1) ولا الناسي ولا الجاهل بكونها في الحيض (2)، بل إذا كان جاهلا بالحكم أيضا (3) وهو الحرمة وإن كان أحوط. نعم مع الجهل بوجوب الكفارة بعد العلم بالحرمة لا إشكال في الثبوت (4). (مسألة 6): المراد بأول الحيض ثلثه الاول، وبوسطه ثلثه الثاني (5)، وبآخره الثلث الاخير، فان كان أيام حيضها ستة فكل ثلث يومان، وان كانت سبعة فكل ثلث يومان وثلث يوم، وهكذا. ] (1) لاختصاص الادلة بصورة المعصية المنتفية بالنسبة اليهما، لانتفاء التكليف، لحديث رفع القلم (* 1) وغيره. (2) لان النسيان والجهل عذران في مخالفة التكليف، فيمنعان عن تحقق المعصية. (3) كما هو ظاهر جماعة، حيث اشترطوا في وجوب الكفارة العمد والعلم، منهم: الشيخ في الخلاف، والمحقق في الشرائع، والعلامة في جملة من كتبه، والشهيد في الذكرى، وعن ظاهر الاول: نفي الخلاف فيه. وهو في محله إذا كان مع العذر، أما مع عدمه لكونه عن تقصير فاطلاق الادلة يقتضي ثبوت الكفارة معه، لتحقق المعصية حينئذ. (4) لاطلاق الادلة. (5) كما هو المصرح به في كلام جماعة، وظاهر المشهور. وعن المراسم: " ان الوسط ما بين الخمسة إلى السبعة " ولازمه أنه إذا كان دمها أربعة أيام فليس هناك وسط ولا آخر، وأنه إذا كان سبعة فليس له آخر


(* 1) الوسائل باب: 4 من أبواب مقدمة العباداب حديث: 11

[ 329 ]

[ (مسألة 7): وجوب الكفارة في الوطئ في دبر الحائض غير معلوم (1) لكنه أحوط. (مسألة 8): إذا زنى بحائض أو وطئها شبهة فالاحوط التكفير، بل لا يخلو عن قوة (2). (مسألة 9): إذا خرج حيضها من غير الفرج فوطئها في الفرج الخالي من الدم فالظاهر وجوب الكفارة، ] وعن الراوندي: " ان التثليت بلحاظ أكثر الحيض، فذات الثلاثة ليس لحيضها وسط ولا آخر، وذات الستة ليس لحيضها آخر " ولكنهما ضعيفان لمخالفتهما لظاهر النصوص. (1) لابتنائه على حرمة وطئها في الدبر، وقد تقدم منه الاشكال فيه. لكن عرفت أن الحيض لا يمنع من وطئها فيه إذا كان يجوز ذلك حال الطهر فلا كفارة عليه. (2) كما اختاره في الذكرى والمنتهى، قال في الاول: " لا فرق بين الزوجة والاجنبية، لاطلاق بعض النصوص "، ونحوه في الثاني. وفي جامع المقاصد: " لو وطئ الاجنبية في الحيض زانيا أو لشبهة، فهل تترتب عليه الكفارة وجوبا أو استحبابا أم لا؟ وجهان، منشؤهما عدم النص، وكونه أفحش فيناسبه التغليظ بطريق أولى. وبه صرح في الذكرى، والمصنف (ره) في المنتهى. واحتج له برواية أبي بصير عن أبي عبد الله (ع): " من أتي حائضا " (* 1) حيث علق الحكم على المطلق من غير تقييد فكان كالعام. انتهى. وظاهره الميل إلى الالحاق، وهو في محله. للنص لا للاولوية فانها ممنوعة. ودعوى انصراف النص إلى الزوجة ممنوعة. بل يمكن دعوى ظهور غير ما ذكر في العموم، وان كان مورده الزوجة، لكن الخصوصية ملغاة بقرينة


(* 1) الوسائل باب: 28 من أبواب الحيض حديث: 4 *

[ 330 ]

[ بخلاف وطئها في محل الخروج (1). (مسألة 10): لا فرق في وجوب الكفارة بين كون المرأة حية أو ميتة (2). (مسألة 11): إدخال بعض الحشفة كاف في ثبوت الكفارة على الاحوط (3). (مسألة 12): إذا وطئها بتخيل أنها أمته فبانت زوجته، عليه كفارة دينار، وبالعكس كفارة الامداد. كما أنه إذا اعتقد كونها في أول الحيض فبان الوسط أو الآخر أو العكس فالمناط الواقع (4). ] مناسبة الحكم والموضوع. ومن ذلك يظهر ضعف التردد في الالحاق - كما في الروض - فضلا عن الجزم بعدمه. (1) لما تقدم من حرمة الوطئ في الاول دون الثاني، والكفارة تابعة للحرمة وجودا وعدما. (2) لاستصحاب حرمة الوطئ إلى حال الموت، لبقاء الموضوع عرفا فإذا ثبتت الحرمة ثبتت الكفارة لانها تابعة لها. اللهم إلا أن يقال: ان التبعية لها في حال الحياة لا تقتضي التبعية لها في حال الممات، إلا بناء على الاستصحاب التعليقي، وهو محل إشكال أشرنا إليه في مبحث العصير من مباحث النجاسات وكون حرمة المؤمن ميتا كحرمته حيا غير ظاهر فيما نحن فيه. (3) لما سبق من الاشكال فيه. (4) لكونه ظاهر الدليل كسائر موضوعات الاحكام، وبه صرح في كشف الغطاء والجواهر.

[ 331 ]

[ (مسألة 13): إذا وطئها بتخيل أنها في الحيض فبان الخلاف لا شئ عليه (1). (مسألة 14): لا تسقط الكفارة بالعجز عنها (2)، فمتي تيسرت وجبت. والاحوط الاستغفار (3) مع العجز بدلا عنها ما دام العجز. (مسألة 15): إذا اتفق حيضها حال المقاربة وتعمد في عدم الاخراج وجبت الكفارة (4). (مسألة 16): إذا أخبرت بالحيض أو عدمه يسمع قولها، فإذا وطئها بعد إخبارها بالحيض وجبت الكفارة (5) ] (1) لانتفاء موضوع الكفارة. ولا دليل على اقتضاء التجري ثبوتها. (2) كما هو ظاهر كلماتهم حيث اطلقوا وجوبها بالوطئ، لكن في ذيل رواية داود (* 1): أنها يكفي عنها الصدقة على مسكين، ومع العجز عنه يسقط، ويكفي حينئذ الاستغفار. إلا أنه لضعفه وعدم الجابر له لا مجال للاعتماد عليه. (3) الظاهر أنه لا إشكال في وجوب الاستغفار كما في كل معصية. وأما من حيث البدلية عن الكفارة فالاحوط العمل بما في رواية داود من التصدق على مسكين. (4) لاطلاق الدليل، قال في الروض: " ولو اتفق الحيض في أثناء الوطئ وجب التخلص في الحال، فان استدام فكالمبتدئ ". (5) يعني: وجوبا ظاهريا بمقتضى حجية قولها. نعم مع العلم بالكذب لا مجال لحجيته.


(* 1) تقدمت في المسألة الخامسة *

[ 332 ]

[ إلا إذا علم كذبها، بل لا يبعد سماع قولها في كونه أوله أو وسطه أو آخره (1). (مسألة 17): يجوز إعطاء قيمة الدينار (2)، ] (1) فان الجمود على عبارة النص وإن كان يقتضي الاقتصار في الحجية على أصل الحيض لا خصوصيته، لكن دعوى كون المفهوم عرفا منها عموم الحجية لذلك أيضا قريبة. مضافا إلى ما عرفت من حجية أخبار ذي اليد. (2) كما حكاه في كشف اللثام عن الجامع، واستظهره من المقنعة والنهاية والمراسم والمهذب والغنية. لتعذره غالبا، ولسوقه مساق النصف والربع المراد بهما القيمة، لظهور عدم كونهما مضروبين في زمن صدور النصوص، لان الدينار اسم للمسكوك من الذهب وإن كان صغيرا لو فرض وجوده. وفيه: أن التعذر في زمن الصدور ممنوع ضرورة، والتعذر اليوم لا يصلح قرينة كما هو ظاهر. وأن عدم ضرب النصف والربع لا يوجب فهم القيمة، لامكان الصدقة بالكسر المشاع. فالجمود على ظاهر النص - كما في سائر موارد الكفارات - متعين، كما عن كتب العلامة والشهيدين والمحقق الثاني وغيرهم من المحققين المتأخرين، قال في جامع المقاصد: " يعتبر في الدينار كونه خالصا من الغش مضروبا، لانه المتبادر من الاطلاق، فلا يجزي التبر ولا القيمة، لعدم تناول النص لهما، وكما في جميع الكفارات إلا مع التعذر ". اللهم إلا أن يقال: إن الظاهر من نصف الدينار وربعه - بناء على عدم ضربهما كما هو الظاهر - هو المالية الموجودة في مطلق المسكوك - كما عليه بناء المعاملات اليوم - لا الكسر المشاع، فيكون المراد من الدينار ذلك أيضا لبعد التفكيك بين المقامين في المراد. اللهم إلا أن يقال: إذا كانت قرينة السياق مانعة من حمل الدينار على خصوص المسكوك، يدور

[ 333 ]

[ والمناط قيمة وقت الاداء (1). ] الامر بين حمله على القيمة وحمله على المقدار من الذهب، والثاني أولى، لانه أقرب إلى الحقيقة وإلى الاحتفاظ بخصوصية الذهب، فيكون هو المتعين ولذا قال في المنتهى: " لا فرق بين المضروب والتبر، لتناول الاسم لهما... (إلى أن قال): وفي إخراج القيمة نظر، أقربه عدم الاجزاء لانه كفارة فاختص ببعض أنواع المال كسائر الكفارات ". وهو في محله، وإن كان تعليله بما ذكر موضع نظر، كما عرفت. ثم إن الدينار وإن كان ينطبق على الصغير والكبير لكن المراد منه في المقام خصوص المثقال الشرعي، لانه الموجود في زمان الصدور، بل الظاهر أنه لا خلاف في أن المراد من الدينار ما يكون وزنه مثقالا شرعيا في جميع الموارد التي ذكر فيها الدينار موضوعا للاحكام الشرعية، كما في باب الزكاة والديات وغيرها. ثم إنه لو تعذر الدينار فلا كلام في الاجتزاء بالقيمة، والعمدة فيه الاجماع المذكور، ولو لاه أشكل الحكم، لان قاعدة الميسور على تقدير تماميتها كلية، فاقتضاؤها وجوب القيمة غير واضح لعدم صدق الميسور على القيمة. كما أنه بناء على الاجتزاء بالقيمة اختيارا، فظاهر كلماتهم الاجتزاء بكل قيمة ولو من غير النقدين ولا يختص بالنقد، فان كان إجماعا فهو، وإلا فالاصل يقتضي الاختصاص به، للدوران بين التعيين والتخيير الموجب للاحتياط. (1) لا وقت تشريع الحكم - كما عن جماعة - ولا وقت الوطئ - كما صرح به بعض، معللا بأنه وقت الشغل - لان الظاهر من الدينار بعد حمله على ماليته كون ماليته ملحوظة عنوانا له إلى حين الامتثال، فلا يجوز

[ 334 ]

[ (مسألة 18): الاحوط إعطاء كفارة الامداد لثلاثة مساكين (1)، وأما كفارة الدينار فيجوز إعطاؤها لمسكين واحد (2)، والاحوط صرفها على ستة أو سبعة مساكين (3) ] أن تنقص عنه، وإن ساوت ماليته بلحاظ وقت آخر. وحمله على أنه ملحوظ مرآة للقيمة المحدودة وقت التشريع أو الوطئ خلاف الظاهر. نعم إذا قلنا بأن الواجب بالاصل الدينار، والانتقال إلى القيمة مشروط بالتعذر فان قلنا بأن القيمة واجبة بنفسها في الذمة، وتردد الامر بين الوجوه الثلاثة المذكورة، فلاجل إجمال الدليل على وجوب القيمة لانحصاره بالاجماع، فمع التردد بين الاقل والاكثر يكون مقتضي الاصل البناء على الاقل، وهو أقل القيم الثلاث. وإن قلنا بأن القيمة مسقطة للواجب وهو الدينار، يكون مقتضى الاصل البناء على الاكثر، لاصالة عدم السقوط إلا بالاكثر. (1) لما عرفت من الاجماع المدعى، وإن كان الرضوي (* 1) خاليا عنه. (2) بلا خلاف أجده كما في الجواهر، وعن جماعة: التصريح به - تبعا للروض - لاطلاق الدليل. (3) أما الاحتياط في السبعة فلحسن الحلبي المتقدم. لكن ينبغي حينئذ أن يكون مقدار ما يكفي لكل منهم قوت يومه، كما قيد به فيه. وأما الاحتياط بالستة فلم أقف على وجهه، ولذا لم يتعرض له في النجاة، وإنما ذكر فيها العشرة مضافا إلى السبعة، لحسن عبد الملك المتقدم (* 2). هذا ولا يخفى ضعف الاحتياط المذكور، لاختصاص النصوص بالامة، ولم يقل أحد بالتعدي منها إلى الزوجة.


(* 1) تقدم ذكره عند الكلام في مقدار الكفارة. (* 2) ص: 326

[ 335 ]

[ (مسألة 19): إذا وطئها في الثلث الاول والثاني والثالث فعليه الدينار ونصفه وربعه (1)، وإذا كرر الوطئ في كل ثلث فان كان بعد التكفير وجب التكرار (2)، وإلا فكذلك أيضا على الاحوط. ] (1) بلا خلاف ظاهر، أخذا باطلاق الدليل في الجميع (2) على المشهور، بل استبعد شيخنا الاعظم (ره) وجود الخلاف فيه بعد أن حكى عن ظاهر الوحيد وجوده. لكن لو قيل فيما يأتي بالتداخل لاجل التداخل في السبب كان اللازم القول به هنا، وعدم وجوب التكرار. نعم لو قيل بالتداخل لاجل التداخل في الامتثال لم يمكن القول به هنا، لامتناع امتثال التكليف اللاحق بالفعل السابق، فتأمل. فالعمدة في وجوب التكرار - هنا وفيما يأتي - أصالة عدم التداخل، الراجعة إلى ظهور أدلة السببية في كون كل فرد سببا للجزاء، فتدل على تعدد الجزاء بتعدد أفراد السبب. والبناء على الاكتفاء بالمسبب الواحد، إن كان راجعا إلى الاكتفاء عن المسببات المتعددة بوجود واحد، المعبر عنه بالتداخل في المسبب أو في الامتثال، فهو وإن كان مقتضى إطلاق الجزاء، لكنه خلاف ظاهر الشرطية في كون كل فرد يقتضي جزاء مستقلا، وإن كان راجعا إلى إنكار سببية الوجود الثاني للسبب فهو خلاف الاطلاق. وما في طهارة شيخنا الاعظم (ره) من أن مقتضى الاطلاق كون السببية ثابتة لنفس الطبيعة من غير نظر إلى الافراد، والطبيعة كما تتحقق بالفرد الواحد تتحقق بالافراد المتعددة. فكأنه قال: من وطئ حائضا مرة أو مرتين أو أزيد فعليه كذا، فكما يكون الفرد سببا لانه طبيعة تكون الافراد المتعددة كذلك، إذ لا فرق بين الفرد والافراد بلحاظ نفس الطبيعة.

[ 336 ]

[ (مسألة 20): ألحق بعضهم النفساء بالحائض في وجوب الكفارة (1)، ولا دليل عليه (2). ] فيه: أنه إنما يتم لو كان مقتضى الاطلاق كون الوطئ ملحوظا بنحو صرف الوجود بمعنى خرق العدم، إذ هو إنما ينطبق على الوجود الاول، إذ الوجود الثاني وجود بعد الوجود لا وجود بعد العدم، فإذا لم ينطبق على الوجود الثاني لم تدل القضية على سببيته. لكن الظاهر في كلية أدلة السببية كون الموضوع فيها ملحوظا بنحو الطبيعة السارية، بقرينة كون المرتكز في الذهن أن السببية من لوازم الماهية التي لا تختص بوجود دون وجود، كما هو كذلك في كلية الاسباب الحقيقة الخارجية، فيجب العمل عليه إلا أن تكون قرينة على خلافه. مضافا - في خصوص المقام - إلى أن الكفارة من تبعات المعصية التي لا فرق في تحققها بين الوطئ الاول والثاني. وتمام الكلام في المقام موكول إلى محله في الاصول. (1) بل نسب إلى ظاهر الاصحاب، وفي التذكرة: " لا نعلم في ذلك خلافا ". (2) قيل: " إن دليله عموم النص والفتوى: أن النفساء كالحائض ". وعموم الفتوى وإن كان محققا إلا أن عموم النص لا يخلو من إشكال، إذ لم نقف على هذا العموم غير قوله (ع) في صحيح زرارة في الحائض: " تصنع مثل النفساء سواء " (* 1). وهو - مع أن مورده خصوص أحكام الاستحاضة - إنما يدل على إلحاق الحائض بالنفساء لا العكس. وأما خبر مقرن عن أبي عبد الله (ع): " سأل سلمان (رض) عليا (ع) عن رزق الولد في بطن أمه فقال (ع): إن الله - تبارك وتعالى - حبس عليها


(* 1) الوسائل باب: 1 من أبواب الاستحاضة حديث: 5

[ 337 ]

[ نعم لا إشكال في حرمة وطئها. (التاسع): بطلان طلاقها (1) وظهارها (2) إذا كانت مدخولا بها (3) ] الحيضية فجعلها رزقه في بطن أمه " (* 1) فظاهره بيان قضية خارجية لا تشريعية، فلا مجال للاستدلال به فيما نحن فيه، وإن كان هو ظاهر التذكرة وغيرها. فالعمدة عموم الفتوى. لكن في بلوغه حد الاجماع تأمل وسيأتي إن شاء الله في النفاس بعض ماله دخل في المقام. فانتظر. (1) إجماعا. للنصوص الكثيرة الدالة عليه، كموثق اليسع عن أبي جعفر (ع): " لاطلاق إلا على طهر " (* 2)، ونحوه غيره. (2) إجماعا. ففي صحيح زرارة عنه (ع): " كيف الظهار؟ فقال (ع): يقول الرجل لامرأته وهي طاهر من غير جماع... " (* 3) ونحوه غيره. (3) إجماعا. لان غير المدخول بها معدودة في الخمس اللاتي يطلقن على كل حال حسب ما استفاضت به النصوص، ففي صحيح إسماعيل الجعفي عن أبي جعفر (ع): " خمس يطلقن على كل حال: المستبين حملها، والتي لم يدخل بها زوجها، والغائب عنها زوجها، والتي لم تحض، والتي قد جلست من الحيض " (* 4) ونحوه غيره، وبينها وبين ما دل على اشتراط الطهر وإن كان عموم من وجه، لكنها مقدمة عليه، لسوقها مساق الحاكم. ومنه يظهر وجه اعتبار حضور زوجها، وأن لا تكون حاملا، فان الحامل والغائب عنها زوجها معدودتان في الخمس في النصوص المذكورة. نعم


(* 1) الوسائل باب: 30 من أبواب الحيض حديث: 13 (* 2) الوسائل باب: 9 من أبواب شرائط الطلاق حديث: 3 (* 3) الوسائل باب: 2 من أبواب الظهار حديث: 2 (* 4) الوسائل باب: 25 من أبواب شرائط الطلاق حديث: 1

[ 338 ]

[ ولو دبرا (1) وكان زوجها حاضرا أو في حكم الحاضر (2) ولم تكن حاملا، فلو لم تكن مدخولا بها أو كان زوجها غائبا أو في حكم الغائب بأن لم يكن متمكنا من استعلام حالها (3) أو كانت حاملا يصح طلاقها. والمراد بكونه في حكم الحاضر أن يكون مع غيبته متمكنا من استعلام حالها. (مسالة 21): إذا كان الزوج غائبا ووكل حاضرا متمكنا من استعلام حالها لا يجوز له طلاقها في حال الحيض (4). ] لا بد في جواز طلاق الغائب من مضي مدة شهر أو ثلاثة أشهر على اختلاف النصوص والفتوى، أو بمقدار ما يعلم انتقالها من طهر المواقعة إلى غيره. والكلام في ذلك موكول إلى محله. (1) لانه أحد المأتيين فتشمله أدلة الدخول. (2) فانه لا يصح طلاقها حينئذ، لاختصاص أدلة استثناء الغائب بمن لا يتمكن من العلم - ولو بملاحظة صحيح ابن الحجاج الآتي - فيرجع في المتمكن منه إلى عموم ما دل على اعتبار الطهر. (3) في صحيح عبد الرحمن بن الحجاج قال: " سألت أبا الحسن (ع) عن رجل تزوج امرأة سرا من أهلها وهي في منزل أهلها، وقد أراد أن يطلقها، وليس يصل إليها فيعلم طمثها إذا طمثت، ولا يعلم طهرها إذا طهرت. قال: فقال (ع): هذا مثل الغائب عن أهله يطلق بالاهلة والشهور... ". (* 1) (4) لاختصاص نصوص الجواز بغير هذه الصورة، فالمرجع فيها عموم


(* 1) الوسائل باب: 27 من أبواب شرائط الطلاق حديث: 1

[ 339 ]

[ (مسألة 22): لو طلقها باعتقاد أنها طاهرة فبانت حائضا بطل، وبالعكس صح (1). (مسألة 23): لا فرق في بطلان طلاق الحائض بين أن يكون حيضها وجدانيا أو بالرجوع إلى التمييز أو التخيير بين الاعداد المذكورة سابقا (2) ولو طلقها في صورة تخييرها قبل اختيارها فاختارت التحيض بطل (3)، ولو اختارت عدمه صح، ولو ماتت قبل الاختيار بطل أيضا (4). ] (1) لظهور الادلة في كون الطهر شرطا واقعيا تدور الصحة مداره وجودا وعدما، ولا أثر للاعتقاد الخطئي. (2) لان ذلك مقتضى دليل الحجية، غاية الامر أنه في الحيض الوجداني يكون البطلان وجدانيا، وفي الحيض التعبدي يكون تعبديا ظاهريا. (3) لان مقتضى صحة اختيارها المتأخر ونفوذه أن يحكم من حين الاختيار بكون الزمان المختار زمان حيض فيحكم بالبطلان. ولا مانع من تأخر زمان الحكم عن زمان المحكوم به، نظير الكشف المشهوري في باب الاجازة. وكون لازمان الماضي خارجا عن محل الابتلاء إنما يقدح لو كان الحكم المتأخر تكليفيا محضا، أما إذا كان وضعيا، أو تكليفيا مشوبا بالوضع - بحيث يترتب على الحكم المتأخر به أثر عملي - فانه لا مانع منه حينئذ. ومنه يظهر وجه الحكم بالصحة لو اختارت عدمه، بأن اختارت زمانا للحيض غير زمان الطلاق (4) لعدم إحراز الشرط لا واقعا ولا ظاهرا تعبدا، لانحصار الحجة بالاختيار، وهو منتف.

[ 340 ]

[ (مسألة 24): بطلان الطلاق والظهار وحرمة الوطئ ووجوب الكفارة مختصة بحال الحيض (1)، فلو طهرت ولم تغتسل لا تترتب هذه الاحكام، فيصح طلاقها وظهارها ويجوز وطؤها ولا كفارة فيه. وأما الاحكام الاخر (2) المذكورة فهي ثابتة ما لم تغتسل (3). ] (1) ظاهر الروض والمسالك: الاجماع عليه، لان الحائض حقيقة في ذلك، وحمل الحائض على ذات حدث الحيض خلاف الظاهر. مضافا في الاخيرين إلى نصوص الجواز، ونفي الكفارة. (2) يعني الستة الاولى. (3) كما عن المشهور، وظاهر الروض والمسالك: الاجماع عليه. لان ظاهر أدلة الاحكام المذكورة عدا الاولين كونها أحكاما للحدث الخاص، ولو مع انقطاع الدم، كما يشهد به جمع الحائض والجنب في كل منها، فان وحدة السياق تقتضي أن يكون المراد من الحائض ذات الحدث. ومنه يظهر ضعف ما عن بعض من تقوية عدم وجوب الغسل لها، والاكتفاء في جوازها بانقطاع الدم، لعدم التسمية بعده عرفا ولغة. وعن المدارك: انه غير بعيد، غير أن المشهور أقرب. وأما الاول - أعنى: حرمة العبادة - فان قلنا بكونها ذاتية فلا ينبغي التأمل في اختصاصها بحال الحيض كالاربعة، وإن كان مقتضى بعض أدلتها المنع مع بقاء الحدث، وإن قلنا بكونها تشريعية فعموم المنع ظاهر جدا. وصريح الروض والمسالك: اختصاص الخلاف بالصوم، وأن المشهور إلحاقه بالصلاة في عدم صحته مع الحدث، وأن العلامة في النهاية - تبعا لابن أبي عقيل - اختار صحته مع الحدث. وسيأتي في كتاب الصوم الكلام في ذلك. وأما الثاني - أعني حرمة المس - فقد

[ 341 ]

[ (العاشر): وجوب الغسل (1) بعد انقطاع الحيض للاعمال الواجبة المشروطة بالطهارة، كالصلاة والطواف والصوم، واستحبابه للاعمال التي يستحب لها الطهارة، وشرطيته للاعمال غير الواجبة التي يشترط فيها الطهارة. (مسألة 25): غسل الحيض كغسل الجنابة مستحب نفسي (2) ] عرفت الاشكال في ثبوته، لكن على تقدير تمامية أدلته فالظاهر منها كونه حكما للحدث كالجنابة. (1) لانه مقتضى شرطية الطهارة. وكذا ما بعده. (2) أما عدم وجوبه النفسي فهو المعروف، بل عن ظاهر جماعة: الاجماع عليه، قال في جامع المقاصد: " لا خلاف في أن غير الجنابة لا يجب لنفسه "، وقال في الروض: " للاجماع على وجوب هذا الغسل لغيره، وإنما علق الوجوب على الانقطاع لانه وقت تمام السبب، فاطلق الوجوب عند حصوله، وان كان وجوب المسبب معلقا على الشرط، كما تقول: يجب على الحائض القضاء، وإن كان لا يتحقق إلا مع الطهر ". لكن قال في المنتهى: " للنظر فيه مجال، إذ الامر ورد مطلقا بالوجوب ". وعن المدارك: الميل إليه. وقد تقدم في الجنابة ما به يظهر ضعف ذلك فراجع. ثم إن المراد من الاستحباب النفسي ما يقابل الاستحباب للغايات الاختيارية، والظاهر أنه لا مجال للاشكال فيه، لانه طهارة، فيدل على استحبابه ما يدل على استحبابها من الكتاب والسنة، كما أشرنا إلى ذلك في الجنابة. وإن كان المراد منه الاستحباب مع قطع النظر عن كل غاية حتى التوليدية كالكون على الطهارة ففي غاية الاشكال، لعدم الدليل عليه، وقد عرفت أن الامر به محمول على الوجوب الغيري أو الارشاد إلى السببية.

[ 342 ]

[ وكيفيته مثل غسل الجنابة (1) في الترتيب والارتماس (2) وغيرهما مما مر (3). ] (1) بلا خلاف، وعن كثير: دعوى الاجماع عليه صريحا وظاهرا وعن المدارك: " انه مذهب العلماء كافة "، ويدل عليه موثق الحلبي عن أبي عبد الله (ع): " غسل الجنابة والحيض واحد " (* 1) ونحوه مرسلا الفقيه والمقنع (* 2). وفي خبر أبي بصير عن أبي عبد الله (ع): " أن الحائض هل عليها غسل مئل غسل الجنابة؟ قال (ع): نعم " (* 3)، مضافا إلى أن ترك بيانه أمارة الاتحاد، كما أشرنا إلى ذلك في بعض المباحث السابقة. (2) لما سبق، لكن في المنتهى: " يجب في الغسل الترتيب وهو مذهب علمائنا أجمع ". ثم استدل عليه بموثق الحلبي المتقدم وغيره، وحكى عليه الاجماع. ولعل مراده الوجوب التخييري، بقرينة دعواه الاجماع، وقوله بعد ذلك: " إن جميع الاحكام المذكورة في غسل الجنابة آتية هنا، لتحقق الوحدة، إلا شيئا واحدا وهو الاكتفاء عن الوضوء فان فيه خلافا ". (3) قد روى محمد بن الفضيل: " سألت أبا الحسن (ع) عن الحائض: كم يكفيها من الماء؟ قال (ع): فرق " (* 4)، وعن أبي عبيدة: الاتفاق على انه - أي: الفرق - ثلاثة أصوع. وحمل على كثرة الشعر والنجاسة، إذ في رواية الصيقل: انها تغتسل بتسعة أرطال (* 5).


(* 1) الوسائل باب: 23 من أبواب الحيض حديث: 1 (* 2) الوسائل باب: 23 من أبواب الحيض حديث: 3 وملحقه (* 3) الوسائل باب: 23 من أبواب الحيض حديث: 6 (* 4) الوسائل باب: 20 من أبواب الحيض حديث: 3 (* 5) الوسائل باب: 20 من أبواب الحيض حديث: 1

[ 343 ]

[ والفرق أن غسل الجنابة لا يحتاج إلى الوضوء (1) بخلافه فانه يجب معه الوضوء (2) ] ثم إنه بناء على انتقاض غسل الجنابة بالحدث الاصغر - لمرسل حريز (* 1) الظاهر في المانعية - يجب البناء عليه هنا، لما تقدم من اتفاق النص والفتوى على الاتحاد، وإن كان البناء على انتقاضه من جهة كونه رافعا للاصغر، بالبناء عليه هنا غير ظاهر - بناء على وجوب الوضوء - لعدم ثبوت كونه رافعا للاصغر، بل قد يكون الثابت خلافه. وأدلة الاتحاد لا مجال لها هنا، إذ الفرق إنما هو في وجوب الوضوء معه وعدمه، ولا بد من الخروج عنها بالاضافة إليه، بل يمكن المنع عن تعرضها لذلك لظهورها في الاتحاد في الكيفية لا غير، ولذا لا تصلح أدلة الاتحاد لنفي اعتبار الوضوء هنا، (1) كما تقدم. (2) وفي المعتبر والذكرى: نسبته إلى الاكثر، بل هو المشهور شهرة عظيمة، وعن أمالي الصدوق: " من دين الامامية الاقرار بأن في كل غسل وضوء في أوله ". ويدل عليه صحيح ابن أبي عمير عن رجل عن أبي عبد الله (ع) قال: " كل غسل قبله وضوء إلا غسل الجنابة " (* 2). وارساله لا يقدح في العمل به بعد انجباره بالعمل، وكون المرسل له من أصحاب الاجماع ولا يرسل ولا يروي إلا عن ثقة، كما عن الشيخ. ومنه صحيحه الآخر عن حماد بن عثمان أو غيره عن أبي عبد الله (ع) قال: " في كل


(* 1) لم نقف على حديث لحريز بهذا المضمون كما يظهر ذلك بمراجعة المسألة المذكورة (* 2) الوسائل باب: 35 من أبواب الجنابة حديث: 1

[ 344 ]

غسل وضوء إلا الجنابة " (* 1)، بل عن المختلف (* 2) وفي الذكرى (* 3): روايته عن حماد بعينه، فيدخل في قسم الصحيح. وخبر علي بن يقطين عن أبي الحسن الاول (ع): " إذا أردت أن تغتسل للجمعة فتوضأ ثم (و. خ ل) اغتسل " (* 4). لكن الاولين - مع أن أولهما متروك الظاهر، كما سيأتي - غير ظاهرين في الوجوب ظهورا يعتد به، فلا يبعد حملهما على مجرد المشروعية في قبال الجنابة. وحال الثالث في ذلك أظهر. لكن مورده من المستحبات التي يحمل فيها الامر بالمقيد على الاستحباب. مضافا إلى أنه مقتضى الجمع بينهما وبين ما دل على نفي الوجوب، كصحيح ابن مسلم عن أبي جعفر (ع) قال: " الغسل يجزئ عن الوضوء، وأي وضوء أطهر من الغسل؟ " (* 5). وأجاب عنه المحقق في المعتبر بأن الخبر الاول مفصل، والعمل بالمفصل أولى. وكأنه يريد أن الاول مقيد فيحمل عليه الثاني لانه مطلق. وفيه: أن التعليل في الثاني يجعله آبيا عن التقييد. مع أن الحمل على خصوص الجنابة يلزم منه تخصيص الاكثر. مع أن ذلك لا يتم في موثق عمار. " سئل أبو عبد الله (ع) عن الرجل اغتسل من جنابة أو يوم جمعة أو يوم عيد، هل عليه الوضوء قبل ذلك أو بعده؟ فقال (ع): لا، ليس عليه قبل ولا بعد، قد أجزأه الغسل والمرأة مثل ذلك إذا اغتسلت من حيض أو غير ذلك، فليس عليها الوضوء


(* 1) الوسائل باب: 35 من أبواب الجنابة حديث: 2 (* 2) ج: 1 ص: 40 (* 3) ص: 24 و 26 (* 4) الوسائل باب: 35 من أبواب الجنابة حديث: 3 (* 5) الوسائل باب: 33 من أبواب الجنابة حديث: 1

[ 345 ]

لا قبل ولا بعد، قد أجزأ الغسل " (* 1)، وفي مكاتبة محمد بن عبد الرحمن الهمداني إلى أبي الحسن الثالث (ع): " لا وضوء للصلاة في غسل يوم الجمعة ولا غيره " (* 2)، وفي مرسل حماد عن رجل عن أبي عبد الله (ع): " في الرجل يغتسل للجمعة أو غير ذلك، أيجزيه من الوضوء؟ فقال أبو عبد الله (ع): وأي وضوء أطهر من الغسل؟ " (* 3) معتضدا ذلك كله أو مؤيدا بخلو الاخبار الآمرة بالغسل والصلاة على كثرتها، في الحيض وغيره حتى المندوب - كما قيل - عن التعرض للوضوء بوجه. ومثلها ما ورد في التيمم عند فقد الماء، حيث لم يتعرض فيه للتعدد. وقد تشهد له أيضا نصوص التداخل، حيث دلت على إجزاء بعضها عن بعض مطلقا، بلا إشارة إلى الوضوء فيها. ولاجل ذلك اختار قوم أخرون - منهم: السيد المرتضى (ره) - إجزاء الغسل ولو كان مندوبا عن الوضوء، كما حكاه في المعتبر، وتبعهم عليه جماعة من متأخري المتأخرين، كالاردبيلي وأصحاب المدارك والذخيرة والمفاتيح والحدائق والوسائل، على ما حكي عن بعضهم. ولا بأس به لولا مخالفة المشهور، وإن كان بعض عباراتهم - كعبارة الامالي المتقدمة - لا تأبى الحمل على مجرد المشروعية، بل لعله المتعين بناء على ما يأتي. وبالجملة: الجمع العرفي يقتضي حمل الاخبار الاول على مجرد ثبوت المشروعية، ومخالفة المشهور لا تقدح بعد ما لم تقدح في حجية الاخبار الثانية ولا سيما بعد تأيدها بما عرفت من خلو الاخبار الكثيرة في الابواب المتفرقة عن التعرض للوضوء على نحو يحصل الاطمئنان بعدم وجوبه، وأن الشارع


(* 1) الوسائل باب: 33 من أبواب الجنابة حديث: 3 (* 2) الوسائل باب: 33 من أبواب الجنابة حديث: 2 (* 3) الوسائل باب: 33 من أبواب الجنابة حديث: 4

[ 346 ]

[ قبله أو بعده (1) ] شرع طهارتين - وضوءا وغسلا - يجزئ كل منهما في كل موضع يشرع فيه من دون حاجة إلى ضم الآخر. بل يعضدها النصوص المتضمنة انتقاض الاغسال المستحبة للفعل - كالاحرام، ودخول مكة، والزيارة - بالنوم أو مطلق الحدث (* 1) فانها لو لم تكن رافعة للحدث لم تنتقض به. (1) كما هو المشهور، بل عن ظاهر محكى السرائر: نفي الخلاف في عدم وجوب التقديم، فضلا عن اشتراط صحة الغسل به، وفي الرياض عن بعض مشايخه: نفي الخلاف في عدم الشرطية. لكن ظاهر الصدوقين والمفيد والحلبيين وغيرهم: وجوب التقديم وشرطيته، كما هو ظاهر الصحيح الاول المعتضد باطلاق روايتي عبد الله بن سليمان عن أبي عبد الله (ع) (* 2) وصحيح سليمان بن خالد عن أبي جعفر (ع): " الوضوء بعد الغسل بدعة " (* 3). وفي المعتبر: أن ذلك مروي بعدة طرق (* 4)، فيجب لاجله رفع اليد عن إطلاق الصحيح الثاني، لولا ما عرفت من نفي الخلاف في عدمه، إلا أن يعارض بما في الذكرى من أن إيجاب التقديم أشهر. ويساعده محكى الامالي المتقدم، وما عن الغنية من الاجماع عليه، وحينئذ فرفع اليد عن ظاهر ما دل على شرطية التقديم مشكل جدا. اللهم إلا أن يقال: إن الصحيح الاول مع الصحيح الثاني واحد، وحينئذ لم يثبت وجود القيد فيه لاختلاف النقل، فالمرجع أصل البراءة من وجوب التقديم. وخبر


(* 1) تقدم التعرض لذلك في المسألة العاشرة من فصل مستحبات غسل الجنابة. من هذا المجلد ويأتي تفصيله في الاغسال المسنونة في المجلد الرابع. (* 2) الوسائل باب: 33 من أبواب الجنابة حديث: 6 (* 3) الوسائل باب: 33 من أبواب الجنابة حديث: 9 (* 4) الوسائل باب: 33 من أبواب الجنابة حديث: 10

[ 347 ]

[ أو بينه (1) إذا كان ترتيبيا، والافضل في جميع الاغسال (2) جعل الوضوء قبلها. (مسألة 26) إذا اغتسل جاز لها كل ما حرم عليها بسبب الحيض (3) وإن لم تتوضأ، فالوضوء ليس شرطا في صحة الغسل، بل يجب لما يشترط به كالصلاة ونحوها. ] ابن يقطين قد اختلفت النسخ فيه. وفيه: أن دعوى الاتحاد غير ظاهرة، لاختلاف المتنين من غير هذه الجهة، فيجب البناء على التعدد والتقييد. اللهم إلا أن يكون الاختلاف من باب النقل بالمعنى. نعم البناء على وحدة الصحيحين خلاف الاصل، وحينئذ يتعين التقييد. (1) كما عن غير واحد: التنصيص عليه، منهم: جامع المقاصد، بل قال: " ما يفهم من القواعد من عدم جواز تخلل الوضوء ليس بمراد ". ولا بأس به بناء على العمل بالاطلاق، بل لعله أولى من التأخير، لسلامته من شبهة البدعة. بل لعله أولى من التقديم أيضا لمخالفته لمرسل نوادر الحكمة " ان الوضوء قبل الغسل وبعده بدعة " (* 1). (2) كما عن جمع. منهم: الشيخ في المبسوط والنهاية. حملا للصحيح الاول على الندب. (3) وفي الجواهر: " بلا إشكال في ذلك بحسب الظاهر " وعلله: بظهور الادلة في استباحة ذلك كله بمجرد الغسل، فهي به تكون كغير الحائض غير المتوضئة. ولكنه غير خال عن الاشكال، فان نصوص وجوب الوضوء ظاهرة في شرطيته للغسل بنحو لا يترتب عليه أثر بدونه. فدعوى انه ليس شرطا في حصول الطهارة من الاكبر، وإنما يكون شرطا في حصول


(* 1) الوسائل باب: 33 من أبواب الجنابة حديث: 5

[ 348 ]

[ (مسألة 27): إذا تعذر الغسل تتيمم بدلا عنه (1)، ] الطهارة من الاكبر والاصغر، مخالفة لذلك الظهور. كما أن نفيه للاشكال في ذلك مناف لما حكاه عن المدارك والذكرى من مدخلية الوضوء في تحقق غايات الغسل. اللهم إلا أن يكون مراده نفي الاشكال عنده. وكذا ما في جامع المقاصد، حيث أنه - بعد ما نقل عن الذكرى: استبعاد كون كل من الطهارتين تستقل برفع أحد الحدثين - قال: " لا ريب في ضعف القول بالتشريك ". هذا ولكن الانصاف أن ما تقدم وإن كان مقتضى الجمود على ظاهر النصوص، إلا أن مقتضى ملاحظة مرتكزات المتشرعة - وما يظهر بعد التأمل في نصوص الطهارة المائية - كون كل من الوضوء والغسل طهارة في نفسه، يترتب عليه أثره بمجرد وجوده، فلا يكون حال الحائض بعد الغسل أو الوضوء قبل فعل الآخر كحالها قبل فعلهما معا، بل إذا فعلت أحدهما كانت على مرتبة من الطهارة وإذا فعلت الآخر كانت على مرتبة أخرى، وحينئذ فإذا اغتسلت أمكن لها ارتكاب الغايات غير الموقوفة على الوضوء. وما ذكره العلمان المذكوران (قدهما) من نفي الريب والاشكال - مضافا إلى ظهور الاتفاق على عدم الحاجة إلى الوضوء أصلا، فيما لو كان على المكلف أغسال متعددة ونوى الجنابة، وعلى الاكتفاء بوضوء واحد لو بني على عدم التداخل، كما في بعض الفروض المذكورة في تلك المسألة - مما يوجب زيادة الاطمئنان بما ذكرنا. فلاحظ. (1) كما عن الذكرى والموجز وغيرهما، بل في الجواهر: " لا أجد فيه خلافا ولا ترددا مما عدا الاستاذ في كشف الغطاء، فلم يجوز الوضوء بل يمكن تحصيل الاجماع عليه بملاحظة كلامهم في باب التيمم "، قال في

[ 349 ]

[ وإن تعذر الوضوء أيضا تتيمم، وإن كان الماء بقدر أحدهما تقدم الغسل (1). ] كشف الغطاء: " لو وجد من الماء ما يكفي الوضوء فقط تيمم عنهما تيممين وبطل حكم الماء على الاصح، وإن وجد من الماء ما يكفي الغسل اغتسل وتيمم للوضوء دون العكس " وتبعه في وجوب التيممين في الفرض الاول ولده في شرح البغية، على ما حكي عنه. وكأنه لم يعهد ارتفاع الاصغر وبقاء الاكبر، والتيمم عن الغسل لا يرفع الاكبر فلا يكون الوضوء رافعا للاصغر، فلما امتنع أن يكون رافعا للاصغر بطل ويتعين التيمم بدلا عنه، وليس كذلك الحال لو أمكن الغسل - كما في الفرض - فانه يمكن ارتفاع الاكبر وبقاء الاصغر، فيمكن الغسل والتيمم بدلا عن الوضوء. هذا ولكن عدم المعهودية لا يوجب تقييد إطلاق الامر بالوضوء كما لا يخفى. نعم لو قلنا بالاشتراك في التأثير تعين البناء على لزوم التيمم في الفرضين معا، لامتناع الرفع في أحد الامرين من الوضوء والغسل المنضم إلى التيمم بدلا عن الآخر. إلا أن يقال: إن هذا أيضا مناف لاطلاق الامر بالوضوء والغسل، إذ لا مانع عقلا من التبعيض في الرافعية. بل لو قلنا بأن التيمم رافع أيضا رفعا ناقصا - كما هو التحقيق - فالحكم أوضح وأسهل. (1) لاهميته، ولذا يتوقف عليه كل ما يتوقف على الوضوء ولا عكس. لا أقل من احتمال الاهمية الموجب للتقديم في نظر العقل. وتقدم الوضوء زمانا لا يقتضي ترجيحه على الغسل، كما تحقق في محله. وسيأتي إن شاء الله تعالى التعرض لذلك في مبحث القيام من كتاب الصلاة.

[ 350 ]

[ (مسألة 28): جواز وطئها لا يتوقف على الغسل (1). ] (1) إجماعا في الجملة، كما عن الانتصار والخلاف والغنية وظاهر التبيان ومجمع البيان وأحكام الراوندي والسرائر وشرح المفاتيح. ويدل عليه - مضافا إلى عموم ما دل على جواز وطئ الزوجة والمملوكة المانع من جريان استصحاب الحرمة الثابتة قبل النقاء - موثق ابن بكير عن أبي عبد الله (ع) قال: " إذا انقطع الدم ولم تغتسل فليأتها زوجها إن شاء " (* 1) ونحوه مرسل ابن المغيرة عن علي بن يقطين عنه (ع) (* 2)، وموثق علي بن بقطين عن أبي الحسن (ع) قال: " سألته عن الحائض ترى الطهر، أيقع بها زوجها قبل أن تغتسل؟ قال (ع): لا بأس وبعد الغسل أحب إلي " (* 3). نعم يعارضها موثق سعيد بن يسار عن أبي عبد الله (ع) قال: " قلت له: المرأة تحرم عليها الصلاة ثم تطهر فتتوضأ من غير أن تغتسل، أفلزوجها أن يأتيها قبل أن تغتسل؟ قال (ع): لا، حتى تغتسل). ونحوه موثق أبي بصير عن أبي عبد الله (ع) (* 5)، لكنهما محمولان على الكراهة جمعا عرفيا، كما يشير إليه ذيل موثق ابن يقطين، والتعبير ب‍ " لا يصلح " في بعض فقرات موثق أبي بصير. وعن الصدوق في الفقيه والهداية والمقنع: المنع قبل الغسل. لكن ذكر فيها بعد ذلك أنه إن كان زوجها شبقا أو مستعجلا وأراد وطأها قبل الغسل أمرها أن تغسل فرجها ثم يجامعها. انتهى. وظاهره الكراهة.


(* 1) الوسائل باب: 27 من أبواب الحيض حديث: 3 (* 2) الوسائل باب: 27 من أبواب الحيض حديث: 4 (* 3) الوسائل باب: 27 من أبواب الحيض حديث: 5 (* 4) الوسائل باب: 27 من أبواب الحيض حديث: 7 (* 5) الوسائل باب: 27 من أبواب الحيض حديث: 6

[ 351 ]

لكن حكى عنه الاكثر القول بالمنع مطلقا، وفي المختلف عنه القول بالمنع، إلا أن يكون قد غلبته الشهوة فيأمرها بغسل فرجها ويطؤها، كما يشير إلى ذلك صحيح ابن مسلم عن أبي جعفر (ع): " في المرأة ينقطع عنها الدم - دم الحيض - في آخر أيامها. قال (ع): إذا أصاب زوجها شبق فليأمرها فلتغسل فرجها ثم يمسها إن شاء قبل أن تغتسل " (* 1). وموثق إسحاق بن عمار قال: " سألت أبا ابراهيم (ع) عن رجل يكون معه أهله في السفر فلا يجد الماء، يأتي أهله؟ فقال (ع): ما أحب أن يفعل ذلك إلا أن يكون شبقا أؤ يخاف على نفسه " (* 2). لكنهما لا يصلحان للجمع بين النصوص المتقدمة، بان تحمل الاولى منها على صورة الشبق والخوف على النفس، والاخيرة على غير ذلك، لبعد تقييد الاول بالشبق والخوف المذكورين، ولا سيما بملاحظة قوله (ع) في الموثق الاول: " إن شاء " فيتعين الحمل على خفة الكراهة أو انتفائها معهما، كما يشير إليه قوله (ع) في الموثق: " ما أحب... ". مع أن موثق اسحاق غير ظاهر فيما نحن فيه. وأما قوله تعالى: (ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فاتوهن...) (* 3) فعلى قراءة " يطهرن " بالتشديد يكون دليلا على المنع، لظهور التطهر في الغسل، وحينئذ يجب الخروج عن ظاهره بما عرفت، وعلى قرأءة التخفيف يتعارض الصدر والذيل، لظهور الطهارة في النقاء، وكما يمكن التصرف في الاول بحمل الطهارة على الغسل يمكن في الثاني بحمل التطهر على النقاء


(* 1) الوسائل باب: 27 من أبواب الحيض حديث: 1 (* 2) الوسائل باب: 27 من أبواب الحيض حديث: 2 (* 3) البقرة: 222

[ 352 ]

[ لكن يكره قبله ولا يجب غسل فرجها (1) أيضا قبل الوطئ وإن كان أحوط، بل الاحوط ترك الوطئ قبل الغسل. ] أو حمل الامر على الاباحة بالمعنى الاخص المقابل للحرمة والكراهة. والاخير أقرب لما فيه من المحافظة على التعليل بالاذى المختص بالدم وعلى اختلاف معنيي الفعل المجعول غاية والمجعول شرطا في الجملة الثانية الذي يشهد به اختلافهما في الهيئة. نعم الاقرب من ذلك كله تقييد إطلاق الغاية بمفهوم الشرطية، ويتعين حينئذ الخروج عن ظاهرها بما عرفت من النصوص، فيتعين حمل الامر على الاباحة بالمعنى الاخص. (1) كما عن الفاضلين والشهيدين، وفي الروض: نسبته إلى اكثر المجوزين، وعن شرح المفاتيح: نسبته إلى المشهور، للاصل مع عدم الدليل عليه. وما في صحيح ابن مسلم المتقدم - من الامر بأمرها بغسل الفرج - قيل: محمول على الاستحباب بقرينة خلو غيره من النصوص عنه. وفيه: أن مجرد ذلك غير كاف في رفع اليد عن ظاهره من الوجوب، ولذا قيل به، كما هو ظاهر أكثر كتب القدماء والمتأخرين - كما في مفتاح الكرامة - بل نسب إلى ظاهر الاكثر. اللهم إلا أن يقال: قوله (ع): " فليأمرها... "، إنما يكون ظاهرا في الوجوب لو كان من قبيل الامر بالتبليغ كي يكون الامر شرعيا لكنه غير ظاهر، نظير أمر الولي الصبي بالعبادات. نعم يدل على الرجحان وهو أعم من الوجوب، مضافا إلى أن الحكم المشروط في الصحيح بغسل الفرج هو المشروط بشبق الزوج، وقد عرفت أنه الجواز. بلا كراهة، أو مع خفتها. وحينئذ فلا يصلح من هذه الجهة لتقييد المطلقات. ومنه يظهر الاشكال في الاستدلال على ذلك برواية أبي عبيدة قال:

[ 353 ]

[ (مسألة 29): ماء غسل الزوجة والامة على الزوج والسيد على الاقوى (1). (مسألة 30): إذا تيممت بدل الغسل ثم أحدثت بالاصغر لا يبطل تيممها (2) بل هو باق إلى أن تتمكن من الغسل (الحادي عشر): وجوب قضاء ما فات في حال الحيض من صوم شهر رمضان وغيره (3) ] " سألت أبا عبد الله (ع) عن المرأة الحائض ترى الطهر في السفر وليس معها من الماء ما يكفيها لغسلها، وقد حضرت الصلاة. قال (ع) إذا كان معها بقدر ما تغسل به فرجها فلتغسله ثم تتيمم وتصلي. قلت: فيأتيها زوجها في تلك الحال؟ قال (ع): نعم إذا غسلت فرجها وتيممت فلا بأس " (* 1). وأما ما عن الجامع - من اشتراط الجواز به وبالوضوء معا. وما عن التبيان ومجمع البيان وأحكام الراوندي من اشتراطه بأحدهما تخييرا - فليس له دليل ظاهر. والله سبحانه أعلم. (1) تقدم الكلام فيه في غسل الجنابة. (2) لانه مقتضى البدلية، فكما لا يبطل غسلها به لا يبطل ما هو بدل عنه، وسيأتي - إن شاء الله - الكلام فيه في مبحث التيمم. (3) أما الاول فالاجماع عليه مستفيض النقل، بل في المعتبر: انه مذهب فقهاء الاسلام، ونحوه في السرائر. ويدل عليه النصوص الخاصة به، مثل مصحح زرارة قال: " سألت أبا جعفر (ع) عن قضاء الحائض الصلاة ثم تقضي الصيام. قال (ع): ليس عليها أن تقضي الصلاة وعليها أن تقضي صوم شهر رمضان " (* 2)، والنصوص المطلقة، فانه القدر المتيقن منها.


(* 1) الوسائل باب: 21 من أبواب الحيض حديث: 1 (* 2) الوسائل باب: 41 من أبواب الحيض حديث: 2

[ 354 ]

وأما غيره ففي وجوب قضاءه وعدمه قولان، والتحقيق: أنه إن ثبت عموم يقتضي وجوب قضاء ما فات من الصوم فلا إشكال في اقتضائه القضاء عليها وإلا ففي صلاحية ما دل على أنها تقضي الصوم لاثبات وجوب قضائه عليها إشكال، لقرب دعوى انصرافه إلى خصوص صوم رمضان، كما هو مقتضى التعليل في بعضه. كرواية أبي بصير " ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الطلاة؟ قال (ع): لان الصوم إنما هو في السنة شهر والصلاة في كل يوم... " (* 1)، ونحوها حسن الفضل بن شاذان عن الرضا (ع) (* 2) ولو بني على الخدش في ذلك بدعوى: أن التأمل في التعليل يقتضي كونه من قبيل الحكمة لا العلة التي يدور الحكم مدارها. وبأن الانصراف بنحو يعتد به في رفع اليد عن الاطلاق ممنوع، ولذا لم يدعه أحد في مثل المقام من نصوص منع الحائض عن الصلاة والصيام، مع أن سوقها سوق نصوص المقام، بل بعض النصوص تعرض للحكمين معا، كرواية الفضل عن الرضا (ع) في كتابه إلى المأمون: " والحائض تترك الصلاة ولا تقضي، وتترك الصوم وتقضي " (* 3) - فلا أقل من دعوى كون النصوص المذكورة ليست واردة في مقام تشريع قضاء الصوم على الحائض كي يصح التمسك باطلاقها، بل واردة في مقام بيان أن الفوات بالحيض كالفوات بغيره مما يوجب القضاء فلا إطلاق فيها يقتضي الوجوب مطلقا، وإن لم يجب قضاء ذلك الصوم لو فات بغير الحيض، فلابد من إحراز. وجوب القضاء لو فات بغير الحيض من دليل آخر. ويأتي - إن شاء الله - في كتاب الصوم التعرض لذلك. هذا كله في الصوم الموقت، أما غيره فلا إشكال في وجوب فعله،


(* 1) الوسائل باب: 41 من أبواب الحيض حديث: 12 (* 2) الوسائل باب: 41 من أبواب الحيض حديث: 8 (* 3) الوسائل باب: 41 من أبواب الحيض حديث: 9

[ 355 ]

[ من الصيام الواجب (1) وأما الصلوات اليومية فليس عليها قضاؤها (2)، بخلاف غير اليومية مثل الطواف والنذر المعين وصلاة الآيات فانه يجب قضاؤها على الاحوط، بل الاقوى (3). ] لدليل وجوبه الاولى. (1) سواء كان موقتا بالاصل كصوم الكفارة لمن نام عن صلاة العشاء بناء على القول بوجوبه، أم بالعارض كما لو نذرت الصوم في ثلاثة أيام في شهر فأخرت الوفاء إلى آخر الشهر فحاضت، أما لو نذرت الصوم يوم الخميس فحاضت فيه أو الصوم في كل خميس فحاضت في بعضها انكشف فساد النذر، لعدم مشروعية المنذور، فلا فوت ولا قضاء. وما في كلام شيخنا الاعظم (ره) - من أنه إذا لم يكن النذر تعلق بذلك الشخصي بل تعلق بنوعه، كما لو نذرت صوم كل خميس فان اتفاق الحيض في بعض الخميسات لا يكشف عن فساد النذر. انتهى - غير ظاهر. نعم إذا كان النذر على نحو تعدد المطلوب يصح في غير ذلك الخميس ويبطل فيه. (2) إجماعا حكاه جماعة، بل عن المعتبر والسرائر: إجماع المسلمين عليه. وتدل عليه النصوص المتواترة مضمونا: كمصحح الحسن بن راشد: " قلت لابي عبد الله (ع): الحائض تقضي الصلاة؟ قال (ع): لا. قلت: تقضي الصوم: قال (ع): نعم. قلت: من أين جاء هذا؟ قال (ع): إن أول من قاس إبليس " وصحيح الحلبي عنه (ع): " كن نساء النبي صلى الله عليه وآله لا يقضين الصلاة إذا حضن " (* 2). (3) أما في صلاة الطواف فلان الظاهر أنها ليست من الموقت الذي


(* 1) الوسائل باب: 41 من أبواب الحيض حديث: 3 (* 2) الوسائل باب: 41 من أبواب الحيض حديث: 6

[ 356 ]

[ (مسألة 31): إذا حاضت بعد دخول الوقت فان كان مضى منه مقدار أداء أقل الواجب من صلاتها بحسب حالها من السرعة والبطء والصحة والمرض والسفر والحضر وتحصيل الشرائط بحسب تكليفها الفعلي من الوضوء أو الغسل أو التيمم وغيرها من سائر الشرائط غير الحاصلة ولم تصل وجب عليها قضاء تلك الصلاة (1) ] يفوت بفوات وقته، فلا تشملها أدلة نفي القضاء، بل يجب فعلها عملا بأدلة وجوبها. وأما النذر المعين في وقت صادف الحيض فقد عرفت أن ذلك كاشف عن فساده. وأما المعين في وقت موسع قد أخرت فيه الفعل حتى حاضت فعن جامع المقاصد وجوب القضاء فيه. وهو مبني على تمامية دعوى الانصراف في نصوص نفي القضاء عن الحائض ولو بملاحظة التعليل. لكن عرفت الاشكال فيها، فالبناء على عدم القضاء فيه متعين. اللهم إلا أن يدعى الانصراف إلى صورة انحصار سبب الفوت بالحيض. ومنه يظهر الحال في الموقت من صلاة الآيات، كالكسوفين على ما هو ظاهر المشهور وكذا الزلزلة، ولذا قال في جامع المقاصد: " والظاهر أن الزلزلة لا يجب تداركها كغيرها لانها موقتة ". هذا مضافا إلى ما ذكر فيه من دعوى الاتفاق على عدم وجوب قضاء الصلاة الموقتة، قال (ره): " عدم وجوب قضاء الصلاة الموقتة موضع وفاق بين العلماء، وبه تواترت الاخبار " اللهم إلا أن يقال: دعواه الاجماع مستندة إلى فهم إطلاق كلام الاصحاب، بقرينة دعواه تواتر الاخبار، فان دعوى تواتر الاخبار، بذلك مبنية على فهم عموم منها، أما بناء على عدم التوقيت فيها فاللازم وجوب القضاء، لعدم شمول أدلة نفي القضاء، كما عرفت. (1) إجماعا حكاه غير واحد، ويدل عليه - مضافا إلى عموم قضاء

[ 357 ]

[ كما أنها لو علمت بمفاجأة الحيض وجب عليها المبادرة إلى الصلاة (1). وفي مواطن التخيير يكفي سعة مقدار القصر (2). ولو أدركت من الوقت أقل مما ذكرنا لا يجب عليها القضاء. ] الفائت - موثق يونس بن يعقوب عن ابي عبد الله (ع): " في امرأة دخل عليها وقت الصلاة وهي طاهر فأخرت الصلات حتى حاضت. قال (ع): تقضي إذا طهرت " (* 1)، وحسن ابن الحجاج قال: " سألته عن المرأة تطمث بعد ما تزول الشمس ولم تصل الظهر، هل عليها قضاء تلك الصلاة؟ قال (ع): نعم ": (* 2). والنصوص الدالة على عدم قضاء الصلاة عليها لو فرض شمولها للفرض فهي مقيدة بما ذكر. وأما ما قد يظهر من موثق الفضل بن يونس عن أبي الحسن الاول (ع) - في حديث قال: "... وإذا رأت المرأة الدم بعد ما يمضي من زوال الشمس أربعة اقدام فلتمسك عن الصلاة، فإذا طهرت من الدم فلتقض صلاة الظهر، لان وقت الظهر دخل عليها وهي طاهر وخرج عنها وقت الظهر وهي طاهر، فضيعت صلاة الظهر فوجب عليها قضاؤها " (* 3)، وقريب منه رواية أبي عبيدة عن أبي عبد الله (ع) (* 4). فمحمول على ما سبق، أو مطروح لعدم العثور على قائل به، بل في كشف اللثام وعن غيره شدة وضوح وجوب القضاء في فرض المتن. (1) خروجا عن عهدة التكليف. (2) كما عن التذكرة، ونهاية الاحكام، والذكرى، وجامع المقاصد:


(* 1) الوسائل باب: 48 من أبواب الحيض حديث: 4 (* 2) الوسائل باب: 48 من أبواب الحيض حديث: 5 (* 3) الوسائل باب: 48 من أبواب الحيض حديث: 1 (* 4) الوسائل باب: 48 من أبواب الحيض حديث: 2

[ 358 ]

[ وإن كان الاحوط القضاء إذا أدركت الصلاة مع الطهارة وإن لم تدرك سائر الشرائط (1) ] التصريح به. لعموم قضاء الفائت. وقصور نصوص السقوط عن الحائض عن شموله. (1) بل ظاهر الشرائع والقواعد وغيرهما وجوب القضاء حينئذ، فانهم ذكروا: أنه إذا دخل وقت الصلاة فحاضت وقد مضى من الوقت مقدار أدائها والطهارة وجب عليها القضاء. ولم يتعرضوا لغير الطهارة من الشرائط. بل في كشف اللثام نسبته إلى الاكثر. وكأنه لان ما عدا الطهارة من الشرائط يختص اعتباره بصورة التمكن منها، فإذا فرض عدم التمكن منها كانت الصلاة مع الطهارة بدونها واجبة، فإذا تركتها فقد فاتت ووجب قضاؤها. بل عن الفاضل الهندي في شرح الروضة: أنه إن أوجبنا الطهارة الترابية لضيق الوقت عن الطهارة المائية أمكن اعتبار مقدار التيمم والصلاة. إنتهى بل الظاهر صدق الفوت إذا مضى مقدار أداء نفس الفعل، وإن لم يمكن فعل الطهارة ونحوها من الشرائط المعتبرة في حالي الاختيار والاضطرار لو كانت، لان الاكتفاء بفعلها قبل الوقت كاف في صدق الفوت لا من جهة الحيض فيجب لاجله القضاء. وكأنه لذلك لم يحك عن أحد قبل الفاضلين التعرض في أول الوقت للطهارة، كما اعترف به الفاضل الهندي في شرح الروضة على ما حكي عنه. ومنه ومن خلو كلام من تعرض لاعتبار مقدار الطهارة عن التقييد بالمائية يظهر وهن استظهار الاجماع على اعتبار الطهارة المائية، كما في الجواهر وطهارة شيخنا الاعظم (ره). ودعوى أن ذلك كله يتم بالنظر إلى عموم وجوب قضاء ما فات من الصلاة، لكن يجب الخروج عنه بالنصوص الدالة على عدم قضاء الحائض

[ 359 ]

ما فاتها من الصلاة بسبب الحيض، الظاهرة في الصلاة بشروطها الاختيارية بعد الوقت. مدفوعة بمنع ذلك، بل الظاهر منها خصوص ما ترك لعدم المشروعية لاجل الحيض، والمفروض أنه لا مانع من مشروعية الصلاة في الفرض، لامكان فعل شرائطها قبل الوقت، فاطلاق ما دل على وجوب قضاء ما فات محكم. بل لعل وجوب القضاء مقتضى إطلاق روايتي ابني يعقوب والحجاج المتقدمتين، لشمولهما لما إذا كان التأخير للاشتغال بالمقدمات. اللهم إلا أن يستفاد سقوط القضاء في ذلك من رواية أبي الورد -: " عن المرأة التي تكون في صلاة الظهر وقد صلت ركعتين ثم ترى الدم. قال (ع): تقوم من مسجدها ولا تقضي الركعتين، وإن كانت رأت الدم وهي في صلاة المغرب وقد صلت ركعتين، فلتقم من مسجدها فإذا تطهرت فلتقض الركعة التي فاتتها من المغرب " (* 1)، وموثق سماعة: " عن امرأة صلت من الظهر ركعتين ثم انها طمثت وهي جالسة. فقال (ع): تقوم من مكانها فلا تقضي الركعتين " (* 2). بناء على أن مقدار الركعتين الاختياريتين يساوي مقدار الصلاة الاضطرارية - أو من التعليل بالتضييع والتفريط في روايتي الفضل وأبي عبيدة المتقدمتين. لكن الاول - مع أنه مشتمل على ما لا يمكن القول به - قاصر السند، وهو والموثق قاصرا الدلالة. والتعليل في الخبرين لا مجال للاخذ به، لان مورده صورة خروج الوقت، ولم يقل به أحد كما عرفت. نعم المقدمات التي لا تمكن قبل الوقت ولا تشرع يعتبر في صدق


(* 1) الوسائل باب: 48 من أبواب الحيض حديث: 3 (* 4) الوسائل باب: 48 من أبواب الحيض حديث: 6

[ 360 ]

[ بل ولو أدركت أكثر الصلاة (1)، بل الاحوط قضاء الصلاة ] الفوت لا من قبل الحيض مضي زمان يسعها مع الصلاة، ولا يعتبر ذلك في غيرها مما يمكن فعله قبل الوقت. كما أن الابدال الاضطرارية لم تثبت بدليتها إلا في ظرف مشروعية المبدل منه الاختياري، فإذا فرض عدم مشروعيته لاجل الحيض المانع من وجوده لم تصلح أدلة الابدال الاضطرارية لتشريعها. فالمدار في القضاء لابد أن يكون على إمكان الصلاة الاختيارية فإذا لم تمكن لا قضاء. نعم لما كان تقديم المقدمات قبل الوقت لا ينافي مشروعية الصلاة الاختيارية في الوقت مع ترك التقديم، لا يكون فوات الصلاة الاختيارية مستندا إلى الحيض، بل مستند إلى المكلف، وحينئذ لا وجه لسقوط القضاء. والمتحصل: أنه إذا أمكنت الصلاة الاختيارية ولو من جهة تقديم مقدماتها التي يمكن تقديمها قبل الوقت وجب القضاء، وإلا فلا، وان أمكنت الصلاة الاضطرارية بالتيمم وغيره من الابدال. وما ذكرناه احتمله في محكي نهاية الاحكام، وظاهر من تقدم على الفاضلين ممن اقتصر في وجوب القضاء على التمكن من أداء الصلاة نفسها. ثم إنها لو علمت قبل الوقت بأنها تحيض بعد دخول الوقت بمقدار أداء الصلاة نفسها، وجب عليها المبادرة إلى فعل المقدمات قبل الوقت، فلو تركت أثمت للتفويت اختيارا، ووجب عليها القضاء لما ذكرنا. وإذا ضاق الوقت عن الطهارة المائية لم يشرع لها التيمم لما عرفت، وكذا سائر الابدال الاضطرارية، بل الظاهر ذلك حتى لو كان الماء مفقودا إذا كان الوقت يضيق عن استعماله، لا طراد وجه المنع، وهو عدم الدليل على مشروعيته. (1) فقد حكي عن الفقيه والمقنع وجمل السيد: وجوب القضاء حينئذ

[ 361 ]

[ إذا حاضت بعد الوقت مطلقا وإن لم تدرك شيئا من الصلاة (1) (مسألة 32): إذا طهرت من الحيض قبل خروج الوقت، فان أدركت من الوقت ركعة مع إحراز الشرائط وجب عليها الاداء، وان تركت وجب قضاؤها (2)، وإلا فلا، ] ونسب إلى الاسكافي، وكأن مأخذه خبر أبي الورد المتقدم. لكنه - مع أنه غير ظاهر الدلالة، إذ لم يتعرض فيه لكون شروعها في الصلاة كان أول الوقت - قاصر السند، مخالف لاجماع الخلاف. (1) فقد حكي عن النهاية والوسيلة: القضاء حينئذ، ولم يتضح مأخذه، مع مخالفته لما دل على سقوط القضاء عن الحائض الشامل لما نحن فيه. نعم قد يتوهم أنه مقتضى إطلاق رواية ابن الحجاج المتقدمة، لكنه غير ظاهر. (2) على المشهور، بل عن غير واحد: دعوى الاجماع عليه. لما يأتي في المواقيت - إن شاء الله - من أن من أدرك ركعة من الوقت فقد أدرك الوقت (* 1)، فإذا ثبتت مشروعية الصلاة لها حينئذ وجب القضاء، لما عرفت. وفي مصحح عبيد بن زرارة عن أبي عبد الله (ع) قال: " أيما امرأة رأت الطهر وهي قادرة على أن تغتسل في وقت صلاة، ففرطت فيها حتى يدخل وقت صلاة أخرى، كان عليها قضاء تلك الصلاة التي فرطت فيها، وان رأت الطهر في وقت صلاة فقامت في تهيئة ذلك، فجاز وقت صلاة ودخل وقت صلاة أخرى، فليس عليها قضاء وتصلي الصلاة التي دخل وقتها " (* 2)، وموثق عبيد الله الحلبي عن أبي عبد الله (ع): " في المرأة


(* 1) يأتي التعرض إلى ذلك في آخر فصل أوقات صلاة اليومية ونوافلها (* 2) الوسائل باب: 49 من أبواب الحيض حديث: 1

[ 362 ]

[ وإن كان الاحوط القضاء إذا أدركت ركعة مع الطهارة (1) ] تقوم في وقت الصلاة فلا تقضي طهرها. حتى تفوتها الصلاة ويخرج الوقت، أتقضي الصلاة التي فاتتها؟ قال (ع): إن كانت توانت قضتها وإن كانت دائبة في غسلها فلا تقضي " (* 1)، وعن أبيه (ع) قال: " كانت المرأة من أهلي تطهر من حيضها... " (* 2)، وفي مفتاح الكرامة عن السرائر قال: " إذا طهرت الحائض قبل غروب الشمس في وقت متسع لفعل فرض الظهر والعصر معا والطهارة لهما وجب عليها أداء الصلاتين أو قضاؤهما " وظاهره - كما في مفتاح الكرامة - إعتبار إدراك تمام الفعل في وجوب الاداء والقضاء. وهو في محله بناء على أن إدراك الركعة بدل اضطراري لما عرفت. اللهم إلا أن يقوم إجماع على خلافه كما عرفت. (1) فان ظاهر الشرائع والنافع والقواعد وغيرها: وجوب الاداء، لما دل على أنها تسقط بحال، فيكون حالها حال غيرها ممن لم يدرك من سائر الشرائط عدا الطهارة الذي لا إشكال في وجوب الاداء عليه، فإذا فرض وجوبه وجب القضاء، لما عرفت من عموم قضاء ما فات، واختصاص ما دل على سقوط القضاء عن الحائض بما إذا لم يشرع لها، بل لو توقفنا عن القول بوجوب فعل المقدمات قبل الوقت فلا مجال للتوقف هنا في وجوبها قبل النقاء، إذ بمجرد دخول الوقت يجب عليها الصلاة بعد النقاء بجميع مقدماتها، حتى الاختيارية، فتجب المقدمات قبل النقاء مقدمة للصلاة بعده، فالحيض حينئذ لا يكون مفوتا للصلاة الاختيارية أصلا


(* 1) الوسائل باب: 49 من أبواب الحيض حديث: 8 (* 2) الوسائل باب: 49 من أبواب الحيض حديث: 9

[ 363 ]

[ وإن لم تدرك سائر الشرائط، بل الاحوط القضاء إذا طهرت قبل خروج الوقت مطلقا (1)، وإذا أدركت ركعة مع التيمم ] واحتمال كون الطهر من الحيض كالوقت شرطا للوجوب بعيد جدا. لكن حكي عن الدروس والموجز وجامع المقاصد والروض والروضة والمسالك: العدم، وكأنه لما في رواية عبيد من قوله (ع): " فقامت في تهيئة ذلك " ولعدم صدق التفريط فيها والتواني في موثق الحلبي المنوط بهما القضاء مع الاشتغال بالشرائط الاختيارية. وفيه: أن الظاهر أو المحتمل ارادة الغسل لا غير، فعموم القضاء محكم. نعم إذا لم تتمكن من الطهارة المائية وتمكنت من الطهارة الترابية لم يجب الاداء ولا القضاء كما يأتي. وكذا إذا لم تتمكن من بقية الشرائط الاختيارية قبل الوقت ولا في الوقت. كل ذلك لما عرفت من أن الابدال الاضطرارية إنما تشرع في ظرف مشروعية المبدل منه الاختياري، فإذا كان الحيض مانعا من مشروعيته لم تشرع، فلا يجب الاداء ولا القضاء. وقد أشرنا إلى ما ذكرنا في مبحث الجبائر وغيره من هذا الشرح، فراجع. (1) فقد يقتضي الوجوب حينئذ جملة من النصوص، كخبر منصور ابن حازم عن أبي عبد الله (ع): " قال: إذا طهرت الحائض قبل العصر صلت الظهر والعصر، فان طهرت في آخر وقت العصر صلت العصر " (* 1) وخبر الكناني عن أبي عبد الله (ع): قال " إذا طهرت المرأة قبل طلوع الفجر صلت المغرب والعشاء، وإن طهرت قبل أن تغيب الشمس صلت الظهر والعصر " (* 2)، ونحوهما غيرهما، قال في المعتبر: " ثم


(* 1) الوسائل باب: 49 من أبواب الحيض حديث: 6 (* 2) الوسائل باب: 49 من أبواب الحيض حديث: 7

[ 364 ]

[ لا يكفي في الوجوب (1) إلا إذا كان وظيفتها التيمم (2) مع قطع النظر عن ضيق الوقت، وإن كان الاحوط الاتيان مع التيمم. وتمامية الركعة بتمامية الذكر من السجدة الثانية (3) ] الذي يتبين من هذه الاحاديث أن المرأة إذا أدرك من وقت الصلاة قدر الغسل والشروع في الصلاة فأخرته حتى دخل وقت أخرى لزمها القضاء. ولو قيل بذلك كان مطابقا لمدلولها ". أقول: مدلولها أعم من ذلك. نعم يطابق مدلولها ما عن النهاية من أنه يلزمها قضاء الفجر إذا طهرت قبل طلوع الشمس على كل حال. لكن عن الخلاف، والمختلف وجامع المقاصد وكشف اللثام، وغيرها: ما هو ظاهر في الاجماع على العدم، ولاجله لا مجال للاخذ بالنصوص لو تمت دلالتها في نفسها ولم يصلح غيرها - مما أنيط فيه القضاء بالتفريط - للحكومة عليها. (1) لما عرفت. ولظهور نصوص المقام في ذلك. فلاحظ. ولاجل ذلك كان الاحتياط الآتي ضعيفا. (2) بناء على ما عرفت - من أن البدل الاضطراري لا يشرع إلا في مقام يكون المبدل منه الاختياري مشروعا لو لا العذر - لا يجدي كون وظيفتها التيمم لو لا الضيق، لان الحيض مانع عن المشروعية مطلقا. نعم يجدي ذلك فيما لو طرأ الحيض بعد دخول الوقت، لان الاضطرار المفروض يسوغ التيمم قبل الوقت ولو لغير غاية الصلاة، فتكون الطهارة ممكنة قبل الوقت كغيرها من المقدمات. (3) كما ذكره الشهيد الثاني في الروضة وغيرها في باب الشك في الركعات. بل لا ينبغي التأمل في دخوله في معنى الركعة، لبعض الادلة غير الجاري هنا، كما يظهر من ملاحظة ذلك المقام من هذا الشرح. نعم

[ 365 ]

[ لا برفع الرأس منها (1). (مسألة 33): إذا كانت جميع الشرائط حاصلة قبل دخول الوقت يكفي في وجوب المبادرة ووجوب القضاء مضي مقدار أداء الصلاة قبل حدوث الحيض (2)، فاعتبار مضي مقدار تحصيل الشرائط إنما هو على تقدير عدم حصولها. (مسألة 34): إذا ظلنت ضيق الوقت عن إدراك ] ما عن المحقق في الفتاوى البغدادية، وابن طاووس من أنها عبارة عن الركوع - كما هي ذلك لغة، واستعملت فيه في بعض النصوص، مثل ما ورد في صلاة الآيات: أنها عشر ركعات - جار هنا. إلا أنه مندفع في المقامين بشيوع استعمالها في النصوص فيما يشمل السجدتين، بنحو يستكشف منه أنها مراد شرعي من الركعة حقيقة فيه، شرعية أو متشرعية فيجب العمل عليه، ولا سيما في مثل قوله (ع): " فان صلى ركعة من الغداة... " (* 1)، فانه كالصريح في إرادة هذا المعنى. ولا أقل من الشك هنا الموجب للرجوع إلى عموم سقوط القضاء عن الحائض. (1) لان السجود وإن كان جزءا من الركعة إلا أنه ملحوظ بنحو صرف الوجود، فينطبق على أول الوجود ويكون الزائد مستحبا خارجا عن الركعة. مع أنه لو علم كون الفرد الطويل بتمامه واجبا لكون الوجوب تخييريا بين الاقل والاكثر - ولاجل بناء المشهور عليه بنوا على أن الركعة إنما تتم بالرفع لا بالذكر - فلا مجال للبناء عليه هنا، لصدق إدراك الركعة أو صلاة ركعة بمجرد تمام الذكر. (2) لاطلاق أدلة التكليف بالاداء والقضاء.


(* 1) الوسائل باب: 30 من أبواب المواقيت حديث: 1 و 3

[ 366 ]

[ الركعة فتركت ثم بأن السعة وجب عليها القضاء (1). (مسألة 35): إذا شكت في سعة الوقت وعدمها وجبت المبادرة (2). (مسألة 36): إذا علمت أول الوقت بمفاجأة الحيض وجبت المبادرة. بل وإن شكت على الاحوط (3)، وإن لم تبادر وجب عليها القضاء إلا إذا تبين عدم السعة. (مسألة 37): إذا طهرت ولها وقت لاحدى الصلاتين صلت الثانية (4) ] (1) لصدق الفوت واقعا، والظن المنكشف خطأه غير مانع عنه. (2) كأنه لاستصحاب بقاء الوقت. ولا فرق في ذلك بين ما إذا دخل الوقت وهي طاهر وعلمت بطروء الحيض في الاثناء وشكت في تقدمه وتأخره، وبين ما لو طهرت قبل خروج الوقت وشكت في سعة المقدار الباقي. لكن يشكل ذلك فيما إذا علم بمقدار الوقت وكان الشك في مدة العمل، كأن علمت أن الوقت عشر دقائق ولم تدر مقدار الصلاة، وأنه تكفيه العشر دقائق أولا تكفيه، فانه لا مجال لاستصحاب بقاء الوقت، لعدم الشك في مقداره. والشك في بقائه إلى آخر الصلاة ليس شكا في الامتداد كي يجري فيه الاستصحاب. ودعوى لزوم الاحتياط من جهة الشك في القدرة، فيها: أن ذلك إذا علم ثبوت الملاك، وهو في المقام مشكوك. (3) لان الشك يوجب خوف الفوت، ومن القريب كونه طريقا عقلائيا إلى الفوت فيعمل عليه، وإن كان محل تأمل. نعم لا يبعد ذلك مع ظهور امارات الفوت. (4) لكونها صاحبة الوقت، سيأتي - إن شاء الله - في محله.

[ 367 ]

[ وإذا كان بقدر خمس ركعات صلتهما (1). (مسألة 38): في العشائين إذا أدركت أربع ركعات صلت العشاء فقط (2)، إلا إذا كانت مسافرة ولو في مواطن التخيير فليس لها أن تختار التمام (3) وتترك المغرب. ] (1) كما عن الفاضلين والشهيدين وغيرهم، بل عن الخلاف: الاجماع عليه، بناء على ما تقدم من الاكتفاء في وجوب الاداء بادراك ركعة، وهو حاصل بالنسبة إلى كل من الظهر والعصر، ولا مانع من تأخير العصر عن أول وقتها إذا كان عن عذر وهو أداء الظهر الواجب. وفي المبسوط: " ويستحب لها قضاؤهما إذا طهرت قبل مغيب الشمس بمقدار ما تصلي خمس ركعات "، ونحوه ذكر في العشائين إذا أدركت قبل الفجر مقدار خمس ركعات. وتبعه عليه في المهذب على ما حكي. وعن الفقيه: الوجوب إذا أدرك ستا. وكلاهما غير ظاهر. (2) لخروج وقت المغرب. (3) لئلا يلزم تفويت المغرب. الا أن يقال: باختيارها للتمام يلزم فوات المغرب بخروج وقتها. وفيه: أن الوجوب التخييري المتعلق بصلاة العشاء لما كان له عدلان - قصير وطويل - تعين أن يكون الوقت المنوط بحضوره خروج وقت المغرب وهو وقت القصير، كما في اختلاف العشاء من حيث السور الطويلة والقصيرة. ومنه يظهر أنه لو اختارت التمام بطلت لفوات شرط الترتيب بعد فرض اتساع الوقت للفرضين معا. نعم لو كان اختيار التمام شرطا في تعينها، فبالاختيار يخرج الوجوب التخييري عن كونه كذلك ويكون تعيينيا، ويحصل به خروج وقت الظهر، لكنه ليس كذلك - وان قلنا بأن التخيير ابتدائي - لان المقصود من ذلك تعين التمام بالشروع

[ 368 ]

[ (مسألة 39): إذا اعتقدت السعة للصلاتين فتبين عدمها وأن وظيفتها إتيان الثانية وجب عيها قضاؤها. وإذا قدمت الثانية باعتقاد الضيق فبانت السعة صحت (1) ووجب عليها إتيان الاولى بعدها، وإن كان التبين بعد خروج الوقت وجب قضاؤها. ] (مسألة 40): إذا طهرت ولها من الوقت مقدار أداء صلاة واحدة والمفروض أن القبلة مشتبهة تأتي بها مخيرة بين الجهات (2)، وإذا كان مقدار صلاتين تأتي بهما كذلك (3) (مسألة 41): يستحب للحائض أن تتنظف وتبدل القطنة والخرقة (4)، ] فيها لا بمجرد الاختيار النفسي. فالفرق بين التخييري الابتدائي وتعين التمام بالاختيار النفسي ظاهر، والانقلاب إنما يكون بالثاني لا بالاول، لان الشروع في الصلاة بقصد التمام فاقد للترتيب، فيبطل كما عرفت. (1) لسقوط شرط الترتيب، لحديث: " لا تعاد... " (* 1) وغيره. (2) كأنه لسقوط اعتبار الاستقبال. لكنه خلاف إطلاق ما دل على وجوب الصلاة إلى أربع جهات. أو لسقوط الاحتياط الواجب عقلا في الشبهة الوجوبية المقرونة بالعلم الاجمالي. لكن لا يدل ذلك على إجزاء المأتي به. وسيأتي - إن شاء الله - في مبحث القبلة تمام الكلام في ذلك. (3) بناء على وجوب المقدار الممكن من الاحتياط عند تعذر التام، للاضطرار إلى مخالفة العلم الاجمالي في بعض الاطراف. وفيه كلام كما ذكرناه في محله من التعليقة. ويأتي الاشكال السابق في إجزاء المأتي به. (4) لم أقف فيما يحضرني على من ذكرهما ولا على مستندهما. نعم


(* 1) الوسائل باب: 3 من أبواب الوضوء حديث: 8

[ 369 ]

[ وتتوضأ في أوقات الصلاة اليومية (1)، بل كل صلاة موقتة (2)، وتقعد في مصلاها (3) ] أصل الاحتشاء محكي عن النهاية، وفي صحيح الحلبي عن أبي عبد الله (ع): " وكن نساء النبي صلى الله عليه وآله لا يقضين الصلاة إذا حضن، ولكن يتحشين حين يدخل وقت الصلاة ويتوضأن، ثم يجلسن قريبا من المسجد فيذكرن الله عزوجل " (* 1). (1) على المشهور، بل عن الخلاف: الاجماع عليه. ويدل عليه صحيح الحلبي المتقدم وغيره. وعن علي بن بابويه، الوجوب. ويشهد له ما في مصحح زرارة: " وعليها أن تتوضأ وضوء الصلاة عند كل وقت صلاة، ثم تقعد في موضع طاهر فتذكر الله - عزوجل - وتسبحه وتهلله وتحمده كمقدار صلاتها، ثم تفرغ لحاجتها " (* 2)، ومصحح معاوية عنه (ع): " تتوضأ المرأة الحائض إذا أرادت أن تأكل، وإذا كان وقت الصلاة توضأت واستقبلت القبلة وهللت وكبرت وتلت القرآن وذكرت الله عزوجل " (* 3) إلا أنه لا مجال للعمل بهما لاعراض الاصحاب عنهما، ودعوى الاجماع والسيرة على خلافهما، ويشير إليه التعبير ب‍ " ينبغي " في مصحح الشحام (* 4). (2) فانه مقتضى العموم في مصحح زرارة والاطلاق في غيره. (3) كما عن الشيخ والفاضلين والشهيدين وغيرهم. وليس له وجه ظاهر. نعم ذكر في معقد إجماع الخلاف، وهو خلاف إطلاق النصوص ولذا قال في المنتهى - بعد ما نسب ذلك إلى الشيخ -: " وقال المفيد:


(* 1) الوسائل باب: 40 من أبواب الحيض حديث: 1 (* 2) الوسائل باب: 40 من أبواب الحيض حديث: 2 (* 3) الوسائل باب: 40 من أبواب الحيض حديث: 5 (* 4) الوسائل باب: 40 من أبواب الحيض حديث: 3

[ 370 ]

[ مستقبلة (1) مشغولة بالتسبيح (2) والتهليل (3) والتحميد (4) والصلاة على النبي وآله صلى الله عليه وآله (5) وقراءة القرآن (6) وإن كانت مكروهة في غير هذا الوقت (7). والاولى اختيار التسبيحات الاربع (8) وإن لم تتمكن من الوضوء تتيمم بدلا عنه (9) ] تجلس ناحية من مصلاها. وأطلق باقي الاصحاب. وهو الاقوى ". ولعل ما ذكره المفيد هو المراد مما تقدم في صحيح الحلبي، فيراد من المسجد مسجد الصلاة. (1) كما عن الاصباح والنفلية والمسالك، ويدل عليه مصحح معاوية المتقدم، ومثله مصححا الشحام ومحمد بن مسلم (* 1). (2) كما في مصحح زرارة. (3) كما في مصحح معاوية وزرارة. (4) كما في مصحح زرارة. (5) كما عن النفلية، لدخولها في مطلق الذكر. (6) كما في مصحح معاوية. (7) كما سيأتي. لكن الجمع بين النصوص يقتضي تقييد إطلاق نهي الحائض عن قراءة القرآن بغير المقام، إذ الكراهة ولو كانت عبادية لا تناسب الامر بالقراءة. (8) لاشتمالها على ما ذكر مع التكبير المذكور في مصحح معاوية، مع خصوصية الترتيب الخاص المشروع. (9) لعموم ما دل على البدلية، وإن لم يعثر على قائل به في المقام، كما في الجواهر. وفي المنتهى وعن المعتبر وجامع المقاصد والمدارك: العدم


(* 1) الوسائل باب: 40 من أبواب الحيض حديث: 3 و 4

[ 371 ]

[ والاولى عدم الفصل بين الوضوء أو التيمم وبين الاشتغال بالمذكورات (1) ولا يبعد بدلية القيام (2) وإن كانت تتمكن من الجلوس. والظاهر انتقاض هذا الوضوء بالنواقض المعهودة (3). (مسألة 42): يكره للحائض الخضاب (4) ] لان التيمم طهارة اضطرارية ولا اضطرار هنا. لعدم تناول النص له. انتهى. ولكنه كما ترى، إذ لو أريد الاضطرار إلى أصل الطهارة فالاول ممنوع، ولو أريد الاضطرار لفقد الماء فالثاني ممنوع. ويكفي في إثباته عموم دليل البدلية وإن لم يكن النص متناولا له. ودعوى اختصاص البدلية بما لو كان الوضوء رافعا ممنوعة، إذ يكفي في البدلية كونه موجبا للطهارة في الجملة، وهو حاصل. مع أن بعض أدلة البدلية خال عن هذا التقييد. (1) احتياطا في احتمال اعتبار الوصل، وإلا فمقتضى الاطلاق عدمه. وأما عطف الجلوس ب‍ " ثم " فليس مما يحتمل كونه لاعتبار الفصل. (2) لاطلاق مصحح معاوية وابن مسلم (* 1). لكن الامر بالجلوس في غيرهما يوجب كونه من المستحب في المستحب، لا بدلية القيام عنه. (3) لعموم أدلة النواقض. وعن التذكرة: أنه استشكله، لاحتمال انصراف أدلة النقض إلى الوضوء الرافع. لكنه غير ظاهر. (4) على المشهور، بل في المنتهى: " هو مذهب علمائنا أجمع " للنهي عنه في رواية عامر بن جذاعة عن أبي عبد الله (ع): " سمعته يقول: لا تختضب الحائض ولا الجنب " (* 2)، ونحوها غيرها، المحمول على الكراهة بقرينة نفي البأس في جملة من النصوص، كرواية سماعة: " سألت


(* 1) تقدما في أول المسألة. (* 2) الوسائل باب: 42 من أبواب الحيض حديث: 7

[ 372 ]

[ بالحناء أو غيرها (1) وقراءة القرآن (2) ولو أقل من سبع آيات (3) وحمله (4) ولمس هامشه وما بين سطوره إن لم تمس الخط، وإلا حرم. ] العبد الصالح (ع) عن الجنب والحائض يختضبان؟ قال (ع): لا بأس " (* 1) ونحوها روايتا اليسع (* 2) وعلي ابن أبي حمزة (* 3). ويشير إلى الكراهة تعليل المنع في بعض نصوصه بمخافة الشيطان (* 4). ومنه يظهر ضعف ما عن ظاهر الفقيه من الحرمة. ولعله يريد الكراهة، بقرينة ما عن المنتهى من نسبة الكراهة إلى علمائنا أجمع، ونحوه ما عن غيره. وعن المفيد تعليل الكراهة بأن ذلك يمنع من وصول الماء إلى البشرة. وهو - كما ترى - ممنوع في نفسه. ولو تم اقتضى المنع ولم يكن من أحكام الحيض. ولكان اللازم الحكم بوجوب إزالة اللون في الغسل والوضوء والتطهير من الخبث. (1) لاطلاق النص والفتوى، وعن المراسم: التخصيص بالحناء، وكأنه للانصراف. لكنه ممنوع. (2) لعد الحائض من السبعة الذين لا يقرؤن القرآن في خبر الهداية عن علي (ع) (* 5)، وفي خبر الدعائم: " لا تقرأ الحائض قرآنا " (* 6)، ونحوهما غيرهما. (3) لاطلاق النصوص، والتحديد بالسبع إنما كان في بعض روايات الجنب (4) بعلاقة، إجماعا من الاصحاب كما في المعتبر. ويشهد له خبر


(* 1) الوسائل باب: 42 من أبواب الحيض حديث: 6 (* 2) الوسائل باب: 42 من أبواب الحيض حديث: 1 (* 3) الوسائل باب: 42 من أبواب الحيض حديث: 2 (* 4) الوسائل باب: 42 من أبواب الحيض حديث: 3 (* 5) مستدرك الوسائل باب: 27 من أبواب الحيض حديث: 4 (* 6) مستدرك الوسائل باب: 27 من أبواب الحيض حديث: 1

[ 373 ]

[ (مسألة 43): يستحب لها الاغسال المندوبة (1) كغسل الجمعة (2) والاحرام والتوبة ونحوها. ] إبراهيم بن عبد الحميد عن أبي الحسن (ع): " المصحف لا تمسه على غير طهر ولا جنبا ولا تمس خطه ولا تعلقه، إن الله - تعالى - يقول: (لا يمسه إلا المطهرون) " (* 1). ومنه يظهر وجه كراهة ما يأتي، للاجماع على طرح ظاهره، وإن حكي عن المرتضى (ره) الحرمة. (1) كان عن جماعة التصريح به، وفي المعتبر: " يجوز لها أن تتوضأ لتذكر الله (سبحانه وتعالى)، وأن تغتسل لا لرفع الحدث كغسل الاحرام ودخول مكة " وفي المنتهى: " يستحب لها الغسل للاحرام والجمعة ودخول الحرم وغيرها من الاغسال المستحبة "، وفي الجواهر: " لا ينبغي الاشكال فيه، لاطلاق أدلة مشروعيتها "، وفي طهارة شيخنا الاعظم: " وهو حسن، لعموم الادلة ". وعن الخلاف والمبسوط العدم. وكأنه لدعوى عدم ترتب الاثر عليها. لكنها خلاف الاطلاق المتقدم، ولا سيما بملاحظة ما ورد من النص على استحباب غسل الاحرام لها، ففي صحيح العيص: " أتحرم المرأة وهي طامث؟ قال (ع): نعم تغتسل وتلبي " (* 2)، ونحوه صحيح معاوية (* 3) وموثق يونس (* 4): ورواية الشحام (* 5). (2) لكن ظاهر خبر ابن مسلم -: " عن الحائض تطهر يوم الجمعة وتذكر الله تعالى؟ فقال (ع): أما الطهر فلا، ولكنها تتوضأ في وقت


(* 1) الوسائل باب: 12 من أبواب الوضوء حديث: 3 (* 2) الوسائل باب: 48 من أبواب الاحرام حديث: 5 (* 3) الوسائل باب: 48 من أبواب الاحرام حديث: 4 (* 4) الوسائل باب: 48 من أبواب الاحرام حديث: 2 (* 5) الوسائل باب: 48 من أبواب الاحرام حديث: 3

[ 374 ]

[ وأما الاغسال الواجبة فذكروا عدم صحتها منها (1)، وعدم ارتفاع الحدث مع الحيض (2)، وكذا الوضوءات المندوبة (3) وبعضهم قال بصحة غسل الجنابة دون غيرها (4)، والاقوى صحة الجميع (5) وارتفاع حدثها وإن كان حدث الحيض باقيا، بل صحة الوضوءات المندوبة لا لرفع الحدث. ] الصلاة " (* 1) - عدم مشروعية غسل الجمعة لها. ويحتمل أن يكون المقصود أن الوضوء لا يوجب الطهارة. (1) قال في المعتبر: ولا يرتفع لها حدث، وعليه الاجماع. ولان الطهارة ضد الحيض فلا تتحقق مع وجوده "، وكذا ظاهر المنتهى بالنسبة إلى غسل الجنابة، وإن قال بعد ذلك: " يلوح من كلام الشيخ في التهذيب جواز الاغتسال من الجنابة، لموثق عمار ". (2) في الجواهر: " إنه ظاهر المبسوط والسرائر والجامع والمنتهى والقواعد وغيرها ظهورا كاد أن يكون كالصريح في أكثرها ". (3) هذا لم أقف على من نسبه إلى الاصحاب، بل المنسوب لجماعة والمصرح به في كلام غير واحد: جواز الوضوء غير الرافع كالغسل المستحب. (4) وكأنه لموثق الساباطي عن أبي عبد الله (ع): " عن المرأة يواقعها زوجها ثم تحيض قبل أن تغتسل. قال (ع): إن شاءت أن تغتسل فعلت، وإن لم تفعل فليس عليها شئ، فإذا طهرت اغتسلت غسلا واحدا للحيض والجنابة " (* 2). (5) لا طلاق أدلتها المعتضد بالموثق المتقدم. والطعن فيه بالضعف


(* 1) الوسائل باب: 40 من أبواب الحيض حديث: 4 (* 2) الوسائل باب: 22 من أبواب الحيض حديث: 4

[ 375 ]

- كما في المنتهى وغيره - ضعيف. وببنائهم على إمكان التفكيك بين الاحداث الكبيرة في الارتفاع والبقاء، كما يظهر من ملاحظة كلماتهم في مبحث تداخل الاغسال حيث بنوا على عدم التداخل في بعض الصور. وأما النصوص المستدل بها على المنع - كمصحح الكاهلي عن أبي عبد الله (ع) قال: " سألته عن المرأة يجامعها زوجها فتحيض وهي في المغتسل، تغتسل أو لا تغتسل؟ قال (ع): لا تغتسل، قد جاءها ما يفسد الصلاة " (* 1)، وموثق أبي بصير عن أبي عبد الله (ع): " سئل عن رجل أصاب من امرأته ثم حاضت قبل أن تغتسل. قال (ع): تجعله غسلا واحدا " (* 2) - فقاصرة الدلالة فضلا عن صلاحية المعارضة للموثق. وأما ما ذكره المحقق (ره) - من أن الطهارة ضد الحيض فلا تتحقق مع وجوده - فان أراد منه أن الطهارة من الحيض ضد الحيض فهو مسلم، لكنه لا يثبت المنع من حصول الطهارة من الجنابة مثلا. وإن أراد الطهارة من الجنابة فهو ممنوع. ونحوه ما ذكره في المنتهى من أن الحدث ملازم لها، ولاجل ذلك يكون الاجماع الذي ادعياه موهونا، لاحتمال استنادهم إلى الدليل المذكور. وحينئذ فالخروج عن الاطلاقات المعتضدة بالموثق غير ظاهر. ومما ذكرنا تعرف الوجه في البناء على صحة الوضوءات المندوبة لها. والله - سبحانه - أعلم.


(* 1) الوسائل باب: 14 من أبواب الجنابة حديث: 1 وباب: 22 من أبواب الحيض حديث: 1 (* 2) الوسائل باب: 43 من أبواب الجنابة حديث: 5

[ 376 ]

[ (فصل في الاستحاضة) دم الاستحاضة من الاحداث الموجبة للوضوء والغسل (1) إذا خرج إلى خارج الفرج ولو بمقدار رأس إبرة، ويستمر حدثها ما دام في الباطن باقيا، بل الاحوط إجراء أحكامها إن خرج من العرق المسمى بالعاذل إلى فضاء الفرج (2) وإن لم يخرج إلى خارجه. وهو في الاغلب أصفر بارد (3) رقيق (4) ] (فصل في الاستحاضة) (1) على تفصيل يأتي. (2) تقدم في الحيض وجه الاشكال في إجراء أحكامه إذا خرج إلى فضاء الفرج، ولم يخرج إلى الخارج، والكلام فيه جار في المقام بعينه. (3) كما هو المشهور، لمصحح حفص: " دم الاستحاضة أصفر بارد " (* 1)، وقد وصف بالبرودة في صحيح معاوية (* 2)، وموثق اسحاق ابن جرير (* 3). وعن المقنعة (* 4) عدم التعرض للصفرة. (4) ذكره مع الاولين جماعة كثيرة، منهم: الفاضلان والشهيدان والمحقق الثاني فيما حكي عنهم. وقد يظهر من محكي المعتبر والذكرى: التردد فيه، بل ظاهر ما عن المبسوط وغيره من الاقتصار على الاولين عدمه، وكأنه لعدم ظهور دليل عليه غير ما عن دعائم الاسلام: " دم الاستحاضة


(* 1) الوسائل باب: 3 من أبواب الحيض حديث: 2 (* 2) الوسائل باب: 3 من أبواب الحيض حديث: 1 (* 3) الوسائل باب: 3 من أبواب الحيض حديث: 3 (* 4) صفحة: 7

[ 377 ]

[ يخرج بغير قوة (1) ولذع وحرقة (2)، بعكس الحيض، وقد يكون بصفة الحيض (3). وليس لقليله ولا لكثيره حد (4) وكل دم ليس من القرح أو الجرح ولم يحكم بحيضيته فهو محكوم بالاستحاضة (5)، بل لو شك فيه ] دم رقيق " (* 1)، وعن الرضوي: " إن دمها يكون رقيقا ". (* 2) نعم في صحيح علي بن يقطين: " في النفساء تدع الصلاة ما دامت ترى الدم عبيطا إلى ثلاثين يوما، فإذا رق وكان صفرة اغتسلت وصلت " (* 3). لكن لم يظهر منه كون الدم حينئذ استحاضة. مع أن الصحيح مهجور. ولعل الوجه في ثبوته كونه الغالب، أو ملازمته للفساد المنصوص عليه في بعض النصوص. (1) يعني بفتور. وعن بعض: الظاهر نفي الخلاف فيه. ويدل عليه توصيف الحيض بالدفع في مقام التمييز بينه وبين الاستحاضة. (2) هذان راجعان إلى وصف البرودة. (3) إتفاقا، كما إذا كان فاقدا لحدود الحيض. (4) بلا خلاف، لاطلاق الادلة. (5) كما في الشرائع والقواعد، وعن جملة من كتب العلامة، والبيان وجامع المقاصد والمدارك والكفاية وكشف اللثام، بل عن شرح المفاتيح: نسبته إلى الفقهاء. نعم موضوع كلامهم ما ليس بحيض، لكنه راجع إلى ما في المتن. وكأن عدم التعرض لدم النفاس لكون مورد كلامهم غير النفساء، أو لاكتفائهم بذكر الحيض عن ذكره، كما في كشف اللثام.


(* 1) مستدرك الوسائل باب: 3 من أبواب الحيض حديث: 2 (* 2) مستدرك الوسائل باب: 3 من أبواب الحيض حديث: 3 (* 4) الوسائل باب: 3 من أبواب النفاس حديث: 16

[ 378 ]

وهذا الحكم واضح جدا بناء على انحصار دم المرأة في الدماء المذكورة لان انتفاء ما عدا الاستحاضة يلازم كونه استحاضة. وحينئذ تكون القاعدة المذكورة قاعدة واقعية، وقصد التنبيه فيها على انحصار الدم في الاقسام المذكورة. وحينئذ لا يحكم بكونه استحاضة حتي يعلم بانتفاء ما عداها ولو بقيام حجة على انتفائه، أما مع الشك فيه فلا مجال للحكم بها، لان أصالة عدمه لو تمت - بناء على حجية الاصل في العدم الازلي - لا تصلح لا ثبات كونه استحاضة إلا بناء على القول بالاصل المثبت. مع أنها معارضة بأصالة عدمها. أما بناء على عدم الانحصار في الاقسام المذكورة فيشكل الحكم بالاستحاضة بنحو القاعدة الكلية، وإن علم أنه ليس بحيض ولا من جرح أو قرح. وأغلبيته في النساء بعد الحيض لا دليل على اعتبارها في المقام. وأصالة عدم وجود سبب غيرها قد عرفت أنها - لو تمت - فهي من الاصل المثبت ومعارضة. وأخبار الاستظهار والمستمرة الدم - لو سلم إطلاق الحكم فيها بالاستحاضة بمجرد انتفاء الحيض، بنحو يشمل صورة احتمال وجود دم آخر غير ما ذكر - فلا عموم فيها يشمل جميع أقسام ذات الدم. وإلغاء خصوصية موردها غير ظاهر. ومنه يظهر الاشكال فيما قواه في الجواهر من الحكم بالاستحاضة عند انتفاء الحيض ما لم يعلم أنه من قرح أو جرح. وأضعف منه ما عن المدارك من الحكم بالاستحاضة للواجد لصفاتها لادلة الصفات، دون ما عداه لعدم الدليل عليه. ووجه الضعف: ما عرفت في مبحث الحيض من عدم صلاحية تلك الادلة لاثبات حجيتها مطلقا عند التردد بينها وبين الحيض، فضلا عن صورة التردد بينهما وبين غيرهما. ومثله ما عن بعض من التفصيل بين صورة العلم بوجود القرح أو الجرح فلا يحكم بالاستحاضة، وبين صورة

[ 379 ]

الشك فيحكم بها، اعتمادا في الثاني على أصالة عدم غيرها، غير المعارضة بأصالة عدمها لمخالفتها للغلبة، وفي الاول على عدم جريان أصالة عدم غيرها للعلم بوجوده. إذ فيه: ما عرفت من أن أصالة عدم غيرها لا تصلح لاثباتها وأن الغلبة ليست بحجة. وأن العلم بوجود الجرح لا ينافي أصالة عدم كون الدم منه. ومثله أيضا التفصيل بين ما كان دون الثلاثة - فلا يحكم بها، لما في مرسل يونس -: فيمن رأت يوما أو يومين وانقطع - من قوله (ع) " ليس من الحيض، إنما كان من علة: إما قرحة في جوفها وإما من الجوف " (* 1)، حيث لم يحكم (ع) بأنه استحاضة - وبين غيره للغلبة. وفيه: ما عرفت من عدم حجية الغلبة. وعدم حجية المرسل. وعدم دلالته على نفي الاستحاضة لوروده في مقام نفي الحيض لا غير. هذا كله بناء على أن مراد الجماعة من القاعدة المذكورة بيان قاعدة خارجية، أما بناء على أن مرادهم قاعدة شرعية، فيكفي في ثبوت الاستحاضة جريان أصالة عدم كون الدم حيضا، أو من جرح أو من قرح، لان ذلك العدم بمنزلة الموضوع للاستحاضة، فالاصل الجاري فيه يكفي في ثبوت حكمه. ولا يعارضه أصالة عدم كونه استحاضة، لانه أصل مسببي لا يصلح لمعارضة الاصل السببي. وأما ما ذكره المصنف (ره) فهو في بدو النظر يخالف ما ذكره الجماعة فان ما لم يحكم بحيضيته أعم مما حكم بعدم حيضيته، لكن الظاهر رجوعه إليه، لانه بناء على قاعدة الامكان لا يوجد دم لم يحكم بحيضيته إلا لوجود مانع عن الحكم بحيضيته، فهذا المانع موجب للحكم بعدم حيضيته، فكل ما لم يحكم بحيضيته محكوم بعدم حيضيته، وفي المورد الذي تتعارض فيه قاعدة


(* 1) الوسائل باب: 12 من أبواب الحيض حديث: 2

[ 380 ]

الامكان - كما تقدم في مبحث قاعدة الامكان - لما قام الاجماع على لزوم الاختيار فما تختاره يكون حيضا، وغيره يمتنع أن يكون حيضا، فيكون استحاضة. نعم الموارد التي لا يحرز فيها الامكان - بناء على أن المراد منه الامكان القياسي - لا يدخل الدم فيها في القاعدة، بناء على عبارة الاصحاب ويدخل فيها بناء على عبارة المصنف (ره)، ومقتضاه الحكم بالاستحاضة حينئذ ووجهه غير ظاهر. ثم إن حمل كلام الجماعة على كون مرادهم بيان انحصار الدم واقعا في الاقسام المذكورة غير بعيد، وحمله على إرادة بيان أن موضوع الاستحاضة هو الدم الذي ليس بحيض ولا من جرح ولا من قرح - على أن يكون العدم المذكور قيدا شرعيا في موضوع الاستحاضة - بعيد، إذ لم يتضمن ذلك دليل كى يبنى عليه. نعم إن مقتضى الاطلاقات المقامية لادلة أحكام الاستحاضة - كاخبار مستمرة الدم. وأخبار الاستظهار، وغيرها، وعدم التعرض فيها لتحديد الاستحاضة بالحدود الذاتية أو العرضية إلا في ظرف كون الدم غير دم الحيض المتكون في الرحم، جريا على مقتضى الخلقة الاصلية - هو أن دم الاستحاضة مطلق الدم الخارج من الرحم مقابل الحيض، ففي مصحح ابن مسلم عن أبي جعفر (ع): " إذا أرادت الحائض أن تغتسل فلتستدخل قطنة، فان خرج فيها شئ من الدم فلا تغتسل، وإن لم تر شيئأ فلتغتسل، وان رأت بعد ذلك صفرة فلتتوضأ ولتصل " (* 1)، وفي مرسل يونس عن أبي عبد الله (ع) في حديث -: "... فإذا رأت المرأة الدم في أيام حيضها تركت الصلاة، فان استمر بها الدم ثلاثة أيام فهي حائض، وإن


(* 1) الوسائل باب: 17 من أبواب الحيض حديث: 1

[ 381 ]

انقطع الدم بعدما رأته يوما أو يومين اغتسلت وصلت. ثم قال: فعليها أن تعيد الصلاة تلك (كذا) اليومين التي تركتها، لانها لم تكن حائضا " (* 1) وفي مصحح الحسين بن نعيم الصحاف الوارد في الحامل: " إذا رأت الحامل الدم بعدما يمضي عشرون يوما من الوقت... إلى أن قال (ع): فإن ذلك ليس من الرحم ولا من الطمث، فلتتوضأ وتحتش بكرسف وتصل " (* 2) وفي رواية إسحاق بن عمار في الحبلى ترى الدم اليوم واليومين: " وإن كان صفرة فلتغتسل عند كل صلاتين " (* 3)، ونحوه مرسل ابراهيم عن محمد ابن مسلم الوارد في الحامل (* 4)، وصحيح صفوان عن أبي الحسن (ع): " فيمن رأت الدم عشرة أيام ثم رأت الطهر ثم رأت الدم بعد ذلك، أتمسك عن الصلاة؟ قال (ع): لا، هذه مستحاضة، تغتسل وتستدخل قطنة بعد قطنة وتجمع بين صلاتين بغسل " (* 5)، وفي خبر يونس عن أبي عبد الله (ع): " المرأة ترى الدم ثلاثة أيام أو أربعة أيام، قال (ع) تدع الصلاة تصنع ما بينها وبين شهر، فان انقطع عنها الدم وإلا فهي بمنزلة المستحاضة " (* 6)، ونحوه خبر أبي بصير عن أبي عبد الله (ع): " في المرأة ترى الدم خمسة أيام، والطهر خمسة أيام، وترى الدم أربعة أيام وترى الطهر ستة أيام، قال (ع): فإذا تمت ثلاثون يوما فرأت دما صبيبا اغتسلت واستثفرت واحتشت بالكرسف في وقت كل صلاة، فان رأت صفرة توضأت " (* 7)، ونحوها غيرها. والمستفاد منها هو الحكم بأن الدم


(* 1) الوسائل باب: 14 من أبواب الحيض حديث: 3 (* 2) الوسائل باب: 30 من أبواب الحيض حديث: 3 (* 3) الوسائل باب: 30 من أبواب الحيض حديث: 6 (* 4) الوسائل باب: 30 من أبواب الحيض حديث: 16 (* 5) الوسائل باب: 1 من أبواب الاستحاضة حديث: 3 (* 6) الوسائل باب: 6 من أبواب الحيض حديث: 2 (* 7) الوسائل باب: 6 من أبواب الحيض حديث 3

[ 382 ]

الخارج من الرحم استحاضة بمجرد تعذر كونه دم حيض، من غير فرق بين كونه من جرح أو قرح داخل أو من غير ذلك. ويشير إليه ما في مرسلة يونس الطويلة من قول الصادق (ع): " وسئل عن المستحاضة فقال: إنما ذلك عرق عابر أو ركضة من الشيطان " (* 1)، وفي رواية زريق: " فانما ذلك من فتق في الرحم " (* 2). ولا يبعد أن يكون مراد الجماعة من قولهم: " وليس بجرح ولا قرح " أنه ليس بجرح ولا قرح كائنين في فضاء الفرج - كما تقدم فرضهما في أول الحيض - لا ما يشمل الجرح والقرح الكائنين في داخل الرحم، وإلا فهو شئ لا دليل عليه، وإطلاق النصوص ينفيه. وما عن الصحاح وفي القاموس - من أن دم الاستحاضة يخرج من عرق العاذل - غير ثابت. وحينئذ فإذا علم بكون الدم خارجا من الرحم ولم يكن حيضا لفقد بعض حدوده حكم بأنه استحاضة، وإن علم أنه من جرح فيه أو قرح فيه. وإن تردد الدم بين كونه خارجا من الرحم أو من الفرج لم يكن وجه للحكم بكونه استحاضة. وأخبار الاستظهار والمستمرة الدم وغيرها موردها خصوص الاول فلا تشمل الثاني. وقد عرفت حال الغلبة والاصول. نعم النصوص جميعها موردها البالغة غير اليائسة، فتعميم الحكم لدم غيرها غير ظاهر. هذا والظاهر أن الصفرة المذكورة في بعض النصوص ليست ملحوظة قيدا للموضوع وإنما لو حظت طريقا إليه والى نفي الحيض، فإذا علم بانتفاء الحيض اعتبار بها.


(* 1) الوسائل باب: 5 من أبواب الحيض حديث: 1 (* 2) الوسائل باب: 30 من أبواب الحيض حديث: 17

[ 383 ]

[ ولم يعلم بالامارات كونه من غيرها (1) يحكم عليه بها على الاحوط. ] (1) صورة ما إذا لم يعلم كونه من الحيض داخلة فيما سبق، الذي جزم بالاستحاضة فيه. وأما صورة ما إذا لم يعلم أنه من جرح أو قرح، فان كان الجرح والقرح داخلين فقد عرفت الحكم بالاستحاضة، وإن علم أن الدم منهما، وإن كان في فضاء الفرج فلا دليل على الحكم بالاستحاضة مع الاحتمال. لقصور النصوص عن شمول ذلك كما عرفت، وإن كان الاحوط إجراء حكم الاستحاضة عليه كما نبه عليه المصنف (ره). والذي يتحصل مما ذكرنا أمور: (الاول): أن عبارة المصنف لا توافق عبارة الاصحاب. (الثاني): أن الجرح والقرح المذكورين في موضوع القاعدة لابد أن يكون المراد منهما الخارجين الواقعين في فضاء الفرج، لا ما يعم الواقعين في داخل الرحم، فان ذلك خلاف إطلاق النصوص. (الثالث): أن هذه القاعدة ليست شرعية مستفادة من الدليل كى يمكن إثبات الاستحاضة بأصالة عدم الحيض أو الجرح أو القرح - بناء على صحة جريان الاصل المذكور - بل هي واقعية لازمة للمستفاد من الادلة من انحصار الدم الداخل في الحيض والاستحاضة فلا يصلح الاصل لاثبات موضوعها. (الرابع): أنه مع الشك في كون الدم خارجا من الداخل أو من الخارج جرحا أو قرحا لا يرجع إلى قاعدة الامكان، ولا إلى هذه القاعدة، للشك في موضوعهما وهو الدم الداخل، بل يرجع إلى قواعد أخر مثل: استصحاب الطهارة، أو قاعدة الاشتغال، أو نحوهما من الاصول الموضوعية أو الحكمية كما تقدمت الاشارة إليه في مسألة اشتباه الحيض بدم القرحة أو العذرة.

[ 384 ]

[ (مسألة 1): الاستحاضة ثلاثة أقسام: قليلة، ومتوسطة وكثيرة، فالاولى: أن تتلوث القطنة بالدم من غير غمس فيها (1)، وحكمها وجوب الوضوء لكل صلاة (2) ] (1) كما عن جملة من كتب العلامة والشهيد وغيرهما، وعن الخلاف والشرائع والدروس والذكرى وغيرها: التعبير بعدم الثقب، وعن المصباح ومختصره: التعبير بعدم الظهور على القطنة، وعن المقنعة والمبسوط والمراسم وغيرها: التعبير بعدم الرشح، والظاهر أن مراد الجميع واحد، كما يشهد به عدم تحريرهم الخلاف المذكور. وفي جامع المقاصد وعن تلميذه شارح الجعفرية: الغمس والثقب والظهور واحد قطعا. (2) في المعتبر: نسبته إلى الخمسة، ولم ينقل الخلاف فيه إلا عن بعض المخالفين، وعن جماعة: نسبته إلى المشهور، وعن الناصريات والخلاف وظاهر الغنية والتذكرة: الاجماع عليه، وفي جامع المقاصد: نسبة الخلاف في وجوب الوضوء إلى ابن أبي عقيل وفي نفي الغسل إلى ابن الجنيد، وادعى اجماع الاصحاب بعدهما على خلافهما. ويشهد له ما في مصحح معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (ع): " وان كان الدم لا يثقب الكرسف توضأت ودخلت المسجد وصلت كل صلاة بوضوء " (* 1)، وموثق زرارة عن أبي جعفر (ع): " عن الطامث تقعد بعدد أيامها كيف تصنع؟ قال (ع): تستظهر بيوم أو يومين ثم هي مستحاضة، فلتغتسل وتستوثق من نفسها وتصلي كل صلاة بوضوء ما لم ينفذ الدم، فإذا نفذ اغتسلت وصلت " (* 2)، وبهما يقيد ما دل على وجوب


(* 1) الوسائل باب: 1 من أبواب الاستحاضة حديث: 1 (* 2) الوسائل باب: 1 من أبواب الاستحاضة حديث: 9

[ 385 ]

الاغتسال مرة كصحيح زرارة عن أبي جعفر (ع): " وان لم يجز الدم الكرسف صلت بغسل واحد " (* 1)، أو ثلاث مرات، كمصحح ابن سنان: " المستحاضة التي لا تطهر تغتسل عند صلاة الظهر وتصلي الظهر والعصر، ثم تغتسل عند المغرب فتصلي المغرب والعشاء، ثم تغتسل عند الصبح فتصلي الفجر " (* 2)، وعليهما يحمل ما في مصحح الصحاف عن أبي عبد الله (ع): " قان كان الدم فيما بينها وبين المغرب لا يسيل من خلف الكرسف فلتوضأ ولتصل في وقت كل صلاة " (* 3)، وما في رواية ابن أبي يعفور عن أبي عبد الله (ع): " فان ظهر على الكرسف زادت كرسفها وتوضأت وصلت "، (* 4) فيحملان على ما إذا لم يثقب الدم الكرسف نعم قد يعارضها موثق سماعة: " المستحاضة إذا ثقب الدم الكرسف اغتسلت لكل صلاتين وللفجر غسلا، وإن لم يجز الدم الدم الكرسف فعليها الغسل لكل يوم مرة والوضوء لكل صلاة، وإن أراد زوجها أن يأتيها فحين تغتسل، هذا إن كان الدم عبيطا وان كان صفرة فعليها الوضوء " (* 5)، ومقتضى ذيله وجوب الوضوء فقط للصفرة مطلقا، وإن كان مع الانغماس أو السيلان. ومثله في ذلك صحيح محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (ع): " وإن رأت الصفرة في غير أيامها توضأت وصلت " (* 6)، وخبر ابن جعفر (ع) عن أخيه (ع): " ما دامت ترى الصفرة فلتتوضأ من الصفرة وتصل، ولا غسل عليها من صفرة تراها إلا في أيام طمثها " (* 7)، وخبره


(* 1) الوسائل باب: 1 من أبواب الاستحاضة حديث: 5 (* 2) الوسائل باب: 1 من أبواب الاستحاضة حديث: 4 (* 3) الوسائل باب: 1 من أبواب الاستحاضة حديث: 7 (* 4) الوسائل باب: 1 من أبواب الاستحاضة حديث: 13 (* 5) الوسائل باب: 1 من أبواب الاستحاضة حديث: 6 (* 6) الوسائل باب: 4 من أبواب الحيض حديث: 1 (* 7) الوسائل باب: 8 من أبواب الحيض حديث: 8

[ 386 ]

الآخر: فان رأت صفرة بعد غسلها فلا غسل عليها يجزئها الوضوء عند كل صلاة " (* 1). نعم يعارضها في ذلك خبر اسحاق بن عمار عن أبي عبد الله (ع) المتقدم في الحبلى: " وإن كان صفرة فلتغتسل عند كل صلاتين " (* 2)، ونحوه صحيح ابن الحجاج في النفساء (* 3). لكن يتعين الجمع بينها بحمل الاخيرة على الصفرة الكثيرة، والاولى على القليلة بشهادة خبر محمد بن مسلم عن أحدهما (ع) في الحبلي: " وإن كان قليلا أصفر فليس عليها الا الوضوء " (* 4). وعليه فيكون مقتضى الجمع العرفي بين جميع النصوص: أن الدم إن كان حمرة ثاقبة فعليها أغسال ثلاثة وان لم يجز الدم الكرسف، وإن كانت غير ثاقبة فعليها غسل واحد، والصفرة إن كانت قليلة عرفا فعليها الوضوء لكل صلاة وإن كانت كثيرة عرفا فعليها الاغسال الثلاثة، كما ذكره الاستاذ (ره) في رسالة الدماء معترضا به على المشهور. ويمكن الخدش فيه (أولا): بأن مقتضى التقابل بين الشرطيتين في موثق سماعة كون إحداهما مفهوما للاخرى، وحينئذ كما يمكن حمل الشرط في الثانية على معنى عدم ثقب الدم للكرسف يمكن حمل الشرط في الاولى على معنى الدم من الكرسف أيضا، بل الثاني أظهر، وحينئذ يكون إطلاق الشرطية الثانية مقيدا بما سبق حملا للمطلق على المقيد. (وثانيا): بأن ظاهر التعبير بالصفرة في ذيل الموثق إرادة القليلة بالمعنى المشهور، لظهوره في كون الدم لقلته لا يرى إلا لونا محضا بلا جوهرية له، فلا إطلاق له


(* 1) الوسائل باب: 4 من أبواب الحيض حديث: 7 (* 2) الوسائل باب: 30 من أبواب الحيض حديث: 6 (* 3) الوسائل باب: 5 من أبواب النفاس حديث: 2 (* 4) الوسائل باب: 30 من أبواب الحيض حديث: 16

[ 387 ]

[ فريضة كانت أو نافلة (1) ] يشمل النافذ فضلا عن السائل حتى يتكلف للجمع بينه وبين غيره بالحمل على القليل العرفي. مضافا إلى أن خبر ابن مسلم لضعفه لا يصلح للشهادة على الجمع المذكور. (وثالثا): بأن النصوص المتقدمة الدالة على وجوب الوضوء فقط كالصريحة في أن موضوعها هو موضوع وجوب الغسل، وأن الاختلاف في الحكم إنما جاء من جهة النفوذ وعدمه، فيمتنع حملها على خصوص الصفرة فلاحظ. نعم يبقى الاشكال فيما دل على وجوب الغسل للصفرة فان حمله على المتوسطة والكثيرة خلاف الظاهر كما عرفت، لكن لا مجال للاخذ به بعد مخالفته المشهور، ولا سيما بعد دعوى الاجماع عليه ممن تقدم فان ذلك موجب لوهن ما دل من النصوص على خلافه لو كان. ومما ذكرنا يظهر ضعف ما عن العماني من نفي حدثية هذا القسم أصلا استصحابا للطهارة. وتمسكا باطلاق حصر نواقض الوضوء بغيرها. ومثله ما عن الاسكافي من وجوب الغسل مرة اعتمادا على إطلاق مثل صحيح زرارة السابق، إذ قد عرفت أنه يجب حمله على ما سبق حملا للمطلق على المقيد. (1) كما صرح به غير واحد، في كشف اللثام: " ولا فرق بين الفرائض والنوافل، فلا تجمع بين فريضة ونافلة بوضوء، وفاقا للتذكرة والمنتهى ونهاية الاحكام والمعتبر ". وفي المنتهى: نسبته إلى الاشهر عندنا. ويدل عليه العموم في صحيح معاوية وموثق زرارة. نعم قد يظهر من مصحح الصحاف الاكتفاء بالوضوء في كل وقت صلاة، وقد يشير إلى ذلك غيره أيضا، وعليه عول في المبسوط، قال: وإذا توضأت لفريضة صلت معها من النوافل ما شاءت "، وتبعه في المهذب. لكنه لا يصلح لمعارضة ما سبق، لامكان حمله على ما سبق جمعا بينهما، ولا سيما وكون التجديد لكل صلاة

[ 388 ]

[ وتبديل القطنة (1) أو تطهيرها. والثانية: أن يغمس الدم في القطنة ولا يسيل إلى خارجها من الخرقة، ويكفي الغمس في بعض أطرافها (2)، وحكمها - مضافا إلى ما ذكر (3) ] مقتضى الاصل للشك في حصول الطهارة الحكمية بدونه، فان الظاهر من النص والفتوى كون دم الاستحاضة حدثا مطلقا. (1) كما هو المشهور، بل عن ظاهر الناصريات والغنية والتذكرة وجامع المقاصد: أنه إجماع، وفي المنتهى: " لا خلاف عندنا في وجوب الابدال "، وليس عليه دليل ظاهر كما اعترف به غير واحد، قال في كشف اللثام: " لم يذكره الصدوقان والقاضي ولا ظفرت بخبر يدل عليه ". نعم قد يستفاء مما ورد في المتوسطة (* 1) - لكنه موقوف على عدم الفصل - أو مما دل على المنع من حمل النجاسة في الصلاة وقد عرفت أنه محل تأمل، ولا سيما في مثل المقام مما لا تتم به الصلاة ويكون من الباطن فالعمدة الاجماع لو تم. (2) يعني: ينفذ إلى بعض الاطراف من الجانب الآخر. ودليل الاكتفاء إطلاق النفوذ والثقب المذكورين في النصوص (3) يعني: الوضوء لكل صلاة وتبديل القطنة. أما الاول فلا إشكال ولا خلاف في وجوبه لما عدا صلاة الغداة، وأما لها فعن المبسوط والخلاف وغيرهما عدم وجوبه. وصريح جماعة وجوبه. ويقتضيه ما في موثق سماعة من قوله (ع): " وإن لم يجز الدم الكرسف فعليها الغسل لكل يوم مرة والوضوء لكل صلاة " (* 2). وأما الثاني ففي مفتاح الكرامة: " كأنه


(* 1) الوسائل باب: 1 من أبواب الاستحاضة حديث: 8 (* 2) تقدم في أحكام الاستحاضة القليلة

[ 389 ]

[ غسل قبل صلاة الغداة (1). والثالثة: أن يسيل الدم من القطنة ] مما لا خلاف فيه عندهم، وعن شرح الدروس لفخر الاسلام: إجماع المسلمين عليه ". ويشهد له ما في رواية عبد الرحمن بن أبي عبد الله قال: " سألت أبا عبد الله (ع) عن المستحاضة... إلى أن قال (ع): فان ظهر عن الكرسف فلتغتسل، ثم تضع كرسفا آخر، ثم تصلي، فان كان دما سائلا فلتؤخر الصلاة إلى الصلاة، ثم تصلي صلاتين بغسل واحد " (* 1) بناء على ظهور الفقرة الاولى فيما نحن فيه، بقرينة المقابلة بينها وبين الفقرة الثانية الصحريحة في الكثيرة، وهي وإن لم تكن ظاهرة في التغيير لكل صلاة لكن يمكن استفادة ذلك منها لظهورها في مانعية مثل هذا الدم عن الصلاة مطلقا بلا خصوصية لصلاة دون أخرى. فلاحظ. (1) بلا خلاف، وعن جماعة الاجماع عليه. إنما الخلاف في الاكتفاء به والاحتياج إلى غسلين آخرين فتكون المتوسطة كالكثيرة. المشهور الاول وعن العماني والاسكافي، وفي المعتبر والمنتهى: الثاني. قال في المعتبر: " والذي ظهر لي أنه إن ظهر الدم على الكرسف وجب ثلاثة أغسال، وإن لم يظهر لم يكن عليها غسل، وكان عليها الوضوء لكل صلاة "، وفي المنتهى - بعد ما روى صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (ع) في المستحاضة: " فإذا جازت أيامها ورأت الدم يثقب الكرسف اغتسلت للظهر والعصر، تؤخر هذه وتعجل هذه، وللمغرب والعشاء غسلا تؤخر هذه وتعجل هذه، وتغتسل للصبح... " (* 2) - قال: " وهذه رواية صحيحة وعليها أعمل "، وتبعهم جماعة من متأخري المتأخرين كالاردبيلي


(* 1) الوسائل باب: 1 من أبواب الاستحاضة حديث: 8 (* 2) الوسائل باب: 1 من أبواب الاستحاضة حديث: 1

[ 390 ]

وتلميذيه والبهائي في الحبل المتين وغيرهم. ويدل على الاول - مضافا إلى ما تقدم من رواية عبد الرحمن المتقدمة - ما في صحيح زرارة عن أبي جعفر (ع) من قوله (ع): " فان جاز الدم الكرسف تعصبت واغتسلت، ثم صلت الغداة بغسل، والظهر والعصر بغسل والمغرب والعشاء بغسل، وان لم يجز الدم الكرسف صلت بغسل واحد. قلت: والحائض؟ قال (ع): مثل ذلك سواء " (* 1)، فان إطلاق الفقرة الثانية وإن كان يشمل القليلة لكن عرفت أنه يجب تقييده بما دل على وجوب الوضوء فقط إذا لم يثقب الكرسف، فتبقى صورة الثقب محكومة بوجوب الغسل الواحد. ومثله الشرطية الثانية في موثق سماعة (* 2)، بناء على ما عرفت من أن المراد عدم تعدي الدم من الكرسف إلى ما وراءه لا عدم الثقب. وبها يقيد إطلاق ما دل على أن المستحاضة تغتسل ثلاث مرات، كمصحح ابن سنان المتقدم (* 3) وغيره، وكذا مثل صحيح معاوية المتقدم الموجب للاغسال الثلاثة عند ثقب الكرسف، فلا وجه لاعتماد الجماعة عليه في دعوى عدم الفرق بين المتوسطة والكثيرة في تثليث الاغسال. وأما ما في المنتهى - من الطعن في نصوص المشهور بالضعف، لان في طريق بعضها واقفي وفي بعضها فطحي، وفي طريق بعضها مما لم يحضره حاله عدالة وجرحا وبعضها مجهول المروي عنه، ومن الممكن أن لا يكون هو الامام - فضعيف كما يظهر بالتأمل، وإن سبقه في بعضه في المعتبر. ثم إن النصوص المتقدمة وإن لم يصرح فيها بكون الغسل لصلاة الصبح إلا أنها ظاهرة في ذلك، لظهورها في كون وجوب الغسل غيريا للصلاة


(* 1) الوسائل باب: 1 من أبواب الاستحاضة حديث: 5 (* 2) تقدم ذيله في حكم الاستحاضة القليلة، وتقدم بيان مصدره هناك. (* 3) تقدم في حكم الاستحاضة القليلة

[ 391 ]

[ إلى الخرقة ويجب فيها - مضافا إلى ما ذكر (1) ] لا نفسيا، وفي كونه شرطا في جميع صلوات اليوم لا في واحدة من صلواته وفي كونه ملحوظا بنحو الشرط المتقدم، فإذا كانت دالة على وجوب فعله قبل صلوات اليوم بأجمعها تعين فعله قبل الصبح، لانها أول صلوات اليوم بمقتضى الاطلاق، إذ لو أتى به بعد الصبح قبل الظهر أو بعدها كان مأتيا به قبل صلوات خمس من يومين لا من يوم واحد. مضافا إلى أن وجوب فعله للغداة بخصوصها مما انعقد عليه الاجماع، بل الضرورة، كما في طهارة شيخنا الاعظم (ره). والله سبحانه أعلم. (1) يعني: من الوضوء لكل صلاة وتبديل القطنة، والغسل لصلاة الغداة. أما الاول فنسب إلى المشهور وأكثر المتأخرين وعامتهم وجمهورهم، وعن الخلاف: الاجماع عليه، واستدل له بعموم قوله تعالى: (إذا قتم إلى الصلاة...) (* 1)، وبأولوية وجوبه هنا من وجوبه في السابقتين. وبأن الاصل عدم إغناء الغسل عنه. والجميع لا يخلو من خدش، إذ العموم - لو سلم - يمكن الخروج عنه بالنصوص الدالة على الاكتفاء بالغسل هنا كما في آية الجنابة (* 2)، والاولوية بعدم قيام الادلة على الغسل ممنوعة. والاصل لا مجال له مع الدليل. وعن المفيد والسيد في الجمل والمحقق في المعتبر وأحمد بن طاووس: وجوب الوضوء مع كل غسل، واختاره جماعة من متأخري المتأخرين، وجعله شيخنا الاعظم خير الاقوال. اعتمادا على ما دل على وجوب الوضوء مع كل غسل. وقد تقدم الاشكال فيه فراجع. مضافا إلى خلو نصوص


(* 1) المائدة: 6 (* 2) النساء: 43

[ 392 ]

الباب عن التعرض له مع تعرضها له في المتوسطة والقليلة، بنحو تكون كالصريحة في نفيه، وتخصيص ما دل على وجوب الوضوء مع كل غسل لو تم. وكأنه لذلك كان ما حكي عن ظاهر الصدوقين والشيخ والسيد في الناصرية والحلبي وبني زهرة وحمزة والبراج من عدم وجوبه أصلا، واختاره جماعة من أعاظم المتأخرين. اللهم إلا أن يستفاد من مرسلة يونس الطويلة، لقوله (ع) في سنة التي تعرف أيامها: " فلتدع الصلاة أيام أقرائها، ثم تغتسل وتتوضأ لكل صلاة. قيل: وإن سال؟ قال (ع): وإن سال مثل المثقب " (* 1)، فان إطلاقها وإن اقتضى عدم الاحتياج إلى الغسل في جميع أفراد المستحاضة الا أنه مقيد بغيره مما دل عليه. ودعوى: أن الظاهر من الاغتسال غسل الاستحاضة لا الحيض، والا لزم إهماله، مع أن بيانه أهم من بيان الوضوء، وحينئذ فمقتضى ظهوره في تعلق الظرف بالفعلين وجوب الغسل والوضوء معا لكل صلاة، فلا بد أن يحمل على الاستحباب لعدم القول بوجوبه. مندفعة: بأن الظاهر من الغسل غسل الحيض، كما يظهر من ملاحظة نظائره من النصوص. لو سلم فالاجماع على عدم وجوب الغسل لكل صلاة لا يصلح قرينة على صرف ظهوره في وجوب الوضوء لكل صلاة، كما تكرر بيانه في نظائره. مضافا إلى إمكان كون الاجماع قرينة على حمله على غسل الحيض، أو تعلق الظرف بالفعل الثاني لا غير. فتأمل جيدا. وأما الثاني: فالظاهر أنه لا خلاف فيه، بل الظاهر دخوله في معقد الاجماع في السابقتين، ويدل عليه ما سبق في المتوسطة بضميمة الاولوية.


(* 1) الوسائل باب: 5 من أبواب الحيض حديث: 1

[ 393 ]

[ وإلى تبديل الخرقة (1) أو تطهيرها - غسل آخر للظهرين (2) تجمع بينهما (3)، وغسل للعشائين تجمع بينهما. والاولى كونه في آخر وقت (4) فضيلة الاولى حتى يكون كل من الصلاتين ] ويمكن أن يستفاد من مصحح صفوان: " هذه مستحاضة، تغتسل وتستدخل قطنة بعد قطنة، وتجمع بين صلاتين بغسل " (* 1). وأما الثالث: فيدل عليه ما يأتي مما دل على وجوب الاغسال الثلاثة. (1) من غير خلاف ظاهر، بل عن بعض دخوله في معقد إجماع الفخر. ويدل عليه ما دل على وجوب تبديل القطنة، فانه أولى منه. (2) إجماعا كما عن الخلاف والمعتبر والمنتهى والتذكرة والمدارك، وعن جامع المقاصد وشرح المفاتيح: نفي الخلاف فيه، قال في المعتبر: " وإن سال لزمها ثلاثة أغسال. هذا متفق عليه عند علمائنا " وتدل عليه النصوص المستفيضة التي تقدم بعضها. (3) كما صرح به جماعة، بل يظهر من غير واحد أنه مما لا كلام فيه. ويدل عليه الامر به في صحيح ابن مسلم: " فلتجمع بين كل صلاتين بغسل " (* 2)، ونحوه موثق زرارة وصحيح صفوان (* 3). نعم بناء على عدم وجوب معاقبة الصلاة للغسل يشكل وجوب الجمع، بل لا بد من جواز التفريق، لصعوبة التفكيك بين الصلاة الاولى والثانية. ولذا كان صريح بعض كون المسألتين من باب واحد، لكن ظاهر غيره خلافه كما عرفت. (4) بل هو الافضل، لما فيه من إدراك وقت فضيلتهما كما ذكر. مضافا إلى الامر به في صحيح معاوية، حيث قال (ع): " تؤخر هذه وتعجل


(* 1) الوسائل باب: 1 من أبواب الاستحاضة حديث: 3 (* 2) الوسائل باب: 1 من أبواب الاستحاضة حديث: 14 (* 3) الوسائل باب: 1 من أبواب الاستحاضة حديث: 5

[ 394 ]

[ في وقت الفضيلة. ويجوز تفريق الصلوات والاتيان بخمسة أغسال (1). ولا يجوز الجمع بين أزيد من صلاتين بغسل واحد (2). نعم يكفي للنوافل أغسال الفرائض (3). ] هذه " (* 1)، وفي صحيح البصري: " فلتؤخر الصلاة إلى الصلاة، ثم تصلي صلاتين بغسل واحد " (* 2)، وفي خبر إسماعيل بن عبد الخالق: " فلتؤخر الظهر إلى آخر وقتها، ثم تغتسل ثم تصلي الظهر والعصر، فان كان المغرب فلتؤخرها إلى آخر وقتها، ثم تغتسل ثم تصلي المغرب والعشاء " (* 3) فان الظاهر من آخر وقتها آخر وقت فضيلتها المحمول على غير الوجوب إجماعا. (1) كما عن المنتهى والشهيد والمحقق الثانيين، وعن المدارك: القطع بالجواز، وعن جماعة من متأخري المتأخرين متابعتهم في ذلك. لان المنساق من الامر بالجمع كونه للرخصة في الاكتفاء بالغسل الواحد للصلاتين لا وجوبه تعبدا. ويشير إليه ما في رواية يونس: " فان رأت دما صبيبا فلتغتسل في وقت كل صلاة " (* 4)، ونحوها غيرها. خلافا لظاهر كثير من العبارات وصريح بعضها من وجوب الجمع جمودا على ظاهر الامر نفسه. ثم إنه بناء على جواز التفريق يكون الغسل الثاني كالاول مبيحا، لعدم جواز إيقاع الصلاة الثانية إلا به، حيث أن الاكتفاء بالاول إنما هو مع الجمع لا مع التفريق، فيكون الغسل الثاني شرطا في صحتها. (2) لان فيه مخالفة لمقتضى النصوص. (3) للاجماع المدعى - في محكي الغنية والمعتبر والمنتهى والتذكرة وشرح


(* 1) الوسائل باب: 1 من أبواب الاستحاضة حديث: 1 (* 2) الوسائل باب: 1 من أبواب الاستحاضة حديث: 8 (* 3) الوسائل باب: 1 من أبواب الاستحاضة حديث: 15 (* 4) الوسائل باب: 1 من أبواب الاستحاضة حديث: 11

[ 395 ]

[ لكن يجب لكل ركعتين منها وضوء (1). (مسألة 2): إذا حدثت المتوسطة بعد صلاة الفجر ] الجعفرية وكشف الالتباس - على أنه إذا فعلت المستحاضة ما يلزمها من الوضوء والغسل وغيرهما كانت بحكم الطاهرة، وعن المدارك وغيرها: نفي الخلاف فيه. والمصرح به في كلامهم أنها تستبيح كل غاية تتوقف على الطهارة من صلاة وطواف وغيرهما. وهذه الاجماعات هي العمدة، والا فالنصوص قاصرة عن إثبات ذلك. نعم قد يشير إليه بعضها، ففي رواية إسماعيل ابن عبد الخالق عن أبي عبد الله (ع) - في حديث -: "... فإذا كان صلاة الفجر فلتغتسل بعد طلوع الفجر، ثم تصلي ركعتين قبل الغداة، ثم تصلي الغداة "، فانها ظاهرة في الاكتفاء بغسل واحد للنافلة والفريضة. (1) بناء على ما عرفت من وجوب الوضوء لكل صلاة. ولا ينافيه وقولهم: انها إذا فعلت وظيفتها كانت بحكم الطاهر، عن أي معنى حمل، لان من جملة الوظيفة الوضوء لكل صلاة، وهي أعم ملى الفريضة والنافلة كما عرفت، ولذا حكي عن الموجز وشرحه: الجزم بلزوم تعدد الوضوء للطواف وصلاته. وعن الروض: " ليس للمستحاضة أن تجمع بين صلاتين بوضوء واحد، سواء في ذلك الفرض والنفل، بل لا بد لكل صلاة من وضوء، أما غسلها فللوقت تصلي به ما شاءت من الفرض والنفل أداء وقضاء مع الوضوء لكل صلاة... " ونحوه كلام غيره. لكن في الجواهر - في حكم المستحاضة بالنسبة إلى صلاة النوافل والقضاء والتحمل ونحو ذلك - قال: " ولعل قضية قولهم -: انها مع الافعال تكون بحكم الطاهرة - جواز ذلك كله من دون تجديد لغسل أو وضوء


(* 1) الوسائل باب: 1 من أبواب الاستحاضة حديث: 15

[ 396 ]

[ لا يجب الغسل لها (1)، وهل يجب الغسل للظهرين أم لا؟ (2) الاقوى وجوبه (3). وإذا حدثت بعدهما فللعشائين، فالمتوسطة توجب غسلا واحدا، فان كانت قبل صلاة الفجر وجب لها وإن حدثت بعدها فللظهرين، وإن حدثت بعدهما فللعشائين ] اللهم إلا أن يفرق بين الصلاة وغيرها من الغايات، لما تقدم من الاخبار الآمرة بالوضوء - مثلا - عند كل صلاة. وفي شمولها لمثل المقام نظر ". ووجه النظر: أن الاخبار المذكورة إنما وردت في غير الكثيرة. لكن الدليل الذي استند إليه هو فيها في إيجاب الوضوء لكل صلاة يقتضي عدم الفرق بين النفل والفرض، ولا سيما مع تصريح غير واحد، ودعوى الاجماع على وجوب تجديد الوضوء للفرض والنفل كما نقله هو (ره). فراجع. هذا مضافا إلى ما أشرنا إليه سابقا من قاعدة إلحاق النافلة بالفريضة. فتأمل. (1) قطعا كما في الجواهر، ووجهه ظاهر. (2) قال في الجواهر: " ظاهر كلام الاصحاب العدم، كما صرح به في جامع المقاصد في مبحث الغايات، والشهيد في الروضة، بل لعل المتأمل يمكنه تحصيل الاجماع على ذلك، لتخصيصهم الغسل بكونه للغداة "، وقريب منه ما عن مصابيح الطباطبائي. (3) كما جزم به في الرياض، لما عرفت من ظهور الادلة في كون الغسل الواحد شرطا لجميع الصلوات، وأن وجوبه لصلاة الغداة ليس لخصوصية فيها. بل لظهور الادلة في كونه ملحوظا بنحو الشرط المتقدم، ولازمه وجوبه لو حدثت المتوسطة بعد الغداة. ومنه يظهر أن تعجب الجواهر من المولى في الرياض - حتى أنه لم يستبعد كونه لبعض تلامذته، واشتبه النساخ فيها لخلو بعض نسخ الرياض عنه - ليس كما ينبغي، ودعوى:

[ 397 ]

[ كما أنه لو حدثت قبل صلاة الفجر ولم تغتسل لها عصيانا أو نسيانا وجب للظهرين (1) وإن انقطعت قبل وقتهما بل قبل الفجر (2) ] اختصاص النصوص بصورة الرؤية قبل الغداة، فلا تشمل ما نحن فيه، لا يساعدها المذاق الفقهي. وكذا الحال فيما لو حدثت بعد الظهرين. (1) كما اعترف به في الجواهر على إشكال فيه، لعدم ثبوت مشروعيته بعد فوات المحل الموظف شرعا. وفيه: ما عرفت. مضافا إلى إمكان مشروعيته بالاستصحاب. (2) لان الظاهر من النصوص كون وجود الدم وقتا ما حدثا موجبا للوظيفة المقررة له في وقت الصلاة، ولا يعتبر وجوده في الوقت، وإن حكي عن جماعة منهم: الشهيد في الدروس والذكرى: أن العبرة بالكثرة والقله أوقات الصلاة، لكنه خلاف ظاهر النصوص. وأما ما في مصحح الحسين بن نعيم الصحاف من قوله (ع): " فلتغتسل ولتصل الظهرين، ثم لتنظر، فان كان الدم فيما بينها وبين المغرب لا يسيل من خلف الكرسف فلتتوضأ ولتصل ولا غسل عليها " (* 1)، فلا يظهر منه ذلك، وإن قال في الذكرى: " هذا مشعر بأن الاعتبار بوقت الصلاة فلا أثر لما قبله ". ولم يتضح وجه الاشعار به، بل هو ظاهر في خلاف ذلك، لان المفروض فيها أنها صلت الظهرين فيكون المراد نفي الغسل لصلاة المغرب إذا لم يسل الدم قبل الغروب، ومفهومه أنه إذا سال قبل الغروب وجب الغسل للمغرب. ولذا كان المشهور - المنسوب إلى العلامة والشهيدين في البيان والروضة والمحقق الثاني وجماعة من متأخري المتأخرين - ما ذكرنا، بل عن شرح الروضة: نسبته إلى ظاهر النصوص والفتاوى.


(* 1) الوسائل باب: 1 من أبواب الاستحاضة حديث: 7

[ 398 ]

[ أيضا، وإذا حدثت الكثيرة بعد صلاة الفجر يجب في ذلك اليوم غسلان (1)، وإن حدثت بعد الظهرين يجب غسل واحد للعشائين. (مسألة 3): إذا حدثت الكثيرة أو المتوسطة قبل الفجر يجب أن يكون غسلهما لصلاة الفجر بعده (2)، ] (1) بلا خلاف ظاهر، لما عرفت من ظهور الادلة في شرطية الغسل لها حينئذ كما لو حدث قبل الفجر. ثم إنه لا إشكال في عدم وجوب الغسل للصبح، في الفرض، وفي الجواهر: القطع به. (2) لعدم الدليل على مشروعيته قبله، إذ ليس هو طهارة في نفسه ليستحب. ولعدم الامر به غيريا للموقت قبل وقته، لعدم الامر بالموقت حينئذ لكون الوقت شرطا لوجوبه. نعم لو فرض الانقطاع أيضا قبل الوقت أمكن الاتيان به بقصد الاستحباب لكونه طهارة حينئذ. كما أنه لو قيل بجواز التعبد بمقدمات الموقت قبل وقته، إما للالتزام بكون الواجبات المشروطة راجعة إلى الوجوبات المعلقة، أو لملازمتها لها عقلا، أو لامكان داعوية الوجوب المشروط بشئ إلى فعل ما يتوقف عليه الواجب قبل وجود الشرط فان الترجح النفسي التقديري الذي هو المصحح لعبادية العبادات - كما أشرنا إلى ذلك في ذيل البحث عن الترتب المتقدم في مباحث النجاسات - لا فرق في اقتضائه الداعوية بين الحالي والاستقبالي، فيصح التعبد بالفعل بلحاظه ولو كان استقباليا. والرجوع إلى طريقة العقلاء أقوى شاهد على ذلك، فان العبد يتقرب إلى مولاه بفعل المقدمات قبل وقت الفعل وقبل حدوث الملاك بملاحظة حدوثه في الاستقبال. وكيف يصح التفكيك بين البناء على حرمة تفويت المقدمات قبل الوقت عقلا، والبناء على عدم جواز التعبد بها بلحاظ الامر

[ 399 ]

[ فلا يجوز قبله إلا إذا أرادت صلاة الليل فيجوز لها أن تغتسل قبلها (1). (مسألة 4): يجب على المستحاضة اختبار حالها (2) ] الاستقبالي؟! وهل كان حكم العقل بحرمة التفويت إلا من جهة الامر الاستقبالي، فلم لا يكون الامر الاستقبالي مصححا للتعبد كما صح أن يكون منشأ لحكم العقل؟!! وهذا مما لا ينبغي أن يكون محلا للاشكال. ولا حاجة حينئذ إلى الالتزام بكون التعبد بالمقدمات العبادية - مثل غسل الجنابة قبل الفجر للصائم - بلحاظ الامر النفسي الاستحبابي، كما ذكرنا ذلك في كتاب الصوم وإن كان هذا لا يتأتى في المقام، لعدم مشروعية غسل الاستحاضة في نفسه. فتأمل. وربما ذكرنا في كتاب الصوم بعض وجوه أخرى في التخلص عن الاشكال فراجع. وعلى هذا لا بأس بالاتيان بالغسل قبل الوقت متصلا به، بناء على وجوب معاقبة الصلاة له أو ولو منفصلا عنه، بناء على عدم وجوبه. نعم قد يستفاد من مثل رواية إسماعيل بن عبد الخالق المتقدمة (* 1)، ومرسلة يونس وجوب فعله في الوقت ويمكن حملهما بشهادة إطلاق غيرهما على ما يحصل به المعاقبة. وكأنه لاجل ذلك ذهب جماعة - على ما حكي - إلى جواز فعله قبل الوقت. فتأمل. (1) كما عن الصدوقين والسيد والشيخين وجماعة من المتأخرين، بل عن الذخيرة: " لا أعلم فيه خلافا "، وفي محكي الخلاف: الاجماع عليه وهو العمدة فيه، ولولاه لاشكل جوازه، لعدم الدليل على جواز الاكتفاء به بناء على وجوب معاقبة الصلاة له، نعم لا بأس به بناء على عدمه. (2) كما في المنتهى والذكرى، وعن جامع المقاصد. للزوم المخالفة


(* 1) تقدمت في بيان وظيفة الاستحاضة الكثيرة

[ 400 ]

القطعية الكثيرة لولاه. وللاشارة إليه في بعض النصوص، ففي صحيح ابن مسلم المروي في المعتبر عن مشيخة ابن محبوب عن أبي جعفر (ع): " في الحائض إذا رأت دما بعد أيامها التي كانت ترى الدم فيها. فلتقعد عن الصلاة يوما أو يومين، ثم تمسك قطنة، فان صبغ القطنة دم لا ينقطع فلتجمع... " (* 1)، وفي رواية عبد الرحمن عن أبي عبد الله (ع) في المستحاضة: " ولتستدخل كرسفا، فان ظهر عن الكرسف فلتغتسل ثم تضع كرسفا آخر ثم تصلي، فإذا كان دما... " (* 2)، ونحوهما غيرهما. والمحتمل بدوا في النصوص المذكورة، إما الوجوب النفسي، فلو تركته أثمت لا غير، أو الوجوب الغيري على معنى كونه شرطا في صحة العبادة فلو تركته بطلت، أو الارشادي إلى طريق معرفة حال الدم بلا زيادة على ذلك، أو بزيادة المنع من الرجوع إلى أصل البراءة، ونحوه من الاصول المفرغة، بناء على أن المرجع عند الشك في المقام أصل البراءة من الغسل المحتمل، أو بزيادة المنع من الرجوع إلى استصحاب الحكم أو الموضوع، أو ذلك مع المنع من العمل بالاحتياط. وظاهر الجواهر: الميل إلى الرابع قال (ره): " لكن ينبغي القطع بعدم إرادتهم أنها إن لم تعتبر حالها بطلت صلاتها، ولو كان ما فعلته موافقا للواقع مشتملا على نية التقرب، لعدم وضوح دليل عليه. كما أنه تشكل دعوى وجوب التعرف عليها حتى لو أرادت العمل بأسوأ الاحتمالات. ويشكل أيضا دعوى الوجوب عليها لو كان معها استصحاب يشخص حالها ". واختار شيخنا الاعظم (ره) عدم جواز العمل بالاحتياط ولا بالاستصحاب، وجواز العمل المطابق لهما معا. وكأنه


(* 1) الوسائل باب: 1 من أبواب الاستحاضة حديث: 14 (* 2) الوسائل باب: 1 من أبواب الاستحاضة حديث: 8

[ 401 ]

[ وأنها من أي قسم من الاقسام الثلاثة بادخال قطنة والصبر قليلا ثم إخراجها وملاحظتها لتعمل بمقتضي وظيفتها، وإذا صلت من غير اختبار بطلت إلا مع مطابقة الواقع (1) وحصول قصد القربة كما في حال الغفلة. وإذا لم تتمكن من الاختبار يجب عليها الاخذ (2) بالقدر المتيقن (3). ] مبني على عدم جواز الامتثال الاجمالي مع إمكان الامتثال التفصيلي، لا لاستظهار الاحتمال الثاني من النصوص، قال (ره): " فلو لم تعتبره مع الامكان فسدت عبادتها لعدم علمها بما يجب عليها من الطهارة ". لكن المبنى ضعيف. نعم مقتضى إطلاق النصوص المنع من جريان الاستصحاب. وأما المنع عنه من جهة الوجه الاول فضعيف، فان مجرد لزوم المخالفة القطعية الكثيرة لا يقتضي وجوب الفحص ما لم يكن بنحو يعلم بايجاب الاحتياط، وهو غير حاصل. وأما الاحتياط فالنصوص لا تقتضي المنع عنه، لعدم تعرضها للواقع على نحو تكون مقيدة له. وقد عرفت أن المنع عنه من جهة العبادية ضعيف. (1) الوجه في المستثنى والمستثنى منه ظاهر. واحتمال البطلان مطلقا - لكون الاختبار شرطا في الصحة - في غاية السقوط، لظهور ما دل على وجوبه في كونه من قبيل وجوب الفحص في الشبهات الحكمية إرشاديا إلى تنجز الواقع، وعدم عذرية الجهل، فإذا فرض الاتيان بالواقع كان موجبا لسقوط الامر به عقلا. (2) لا إشكال في سقوط وجوب الاختبار حينئذ للتعذر، كما لا إشكال في وجوب الصلاة، لانها لا تسقط بحال. (3) لحصول الموافقة للواقع.

[ 402 ]

[ إلا أن يكون لها حالة سابقة من القلة أو التوسط فتأخذ بها (1). ولا يكفي الاختبار قبل الوقت (2) إلا إذا علمت بعدم تغير حالها إلى ما بعد الوقت. (مسألة 5): يجب على المستحاضة تجديد الوضوء لكل صلاة (3) ولو نافلة وكذا تبديل القطنة (4) أو تطهيرها، وكذا الخرقة إذا تلوثت، وغسل ظاهر الفرج إذا أصابه الدم، لكن لا يجب تجديد هذه الاعمال للاجزاء المنسية (5) ] (1) عملا بدليل الاستصحاب. اللهم إلا أن يقال: إطلاق دليل وجوب الاختبار موجب لسقوط الاستصحاب عن الحجية. وانصرافه إلى صورة القدرة عليه ممنوع، كما هو الحال في نظائره. (2) لانصراف دليل وجوبه إلى ما بعد الوقت. نعم مقتضى الانصراف يكون الاختبار حال العمل، فلا مانع من أن يكون قبل الوقت إذا كان أداء الوظيفة في الوقت مقارنا له، كما لا يكفي أن يكون في الوقت مع كون أدائها في آخر الوقت. فكان المناسب التعبير بأنه لا يكفي الاختبار منفصلا عن أداء الوظيفة. فلاحظ. (3) تقدم الوجه فيه. (4) أما تبديل القطنة لكل صلاة ولو نافلة فغير ظاهر في القليلة، لما عرفت من قصور الدليل عليه في الفريضة فضلا عن النافلة. وأما في المتوسطة فيمكن دعوى إطلاق النص المتقدم بنحو يشمل النافلة أو يستفاد حكم النافلة من الفريضة. فتأمل. ومنه يظهر الكلام في الخرقة. (5) إذ لا تخرج عن كونها أجزاء صلاتية لا يجب التجديد لها.

[ 403 ]

[ ولا لسجود السهود إذا أتي به متصلا بالصلاة (1)، بل ولا لركعات الاحتياط (2) للشكوك، بل يكفيها اعمالها لاصل الصلاة. نعم لو أرادت إعادتها احتياطا أو جماعة وجب تجديدها (3) (مسألة 6): إنما يجب تجديد الوضوء والاعمال المذكورة إذا استمر الدم، فلو فرض انقطاع الدم قبل صلاة الظهر يجب الاعمال المذكورة لها فقط، ولا تجب للعصر ولا للمغرب والعشاء (4)، وإن انقطع بعد الظهر وجبت للعصر فقط وهكذا. بل إذا بقي وضوؤها للظهر إلى المغرب لا يجب تجديده أيضا مع فرض انقطاع الدم قبل الوضوء للظهر. ] (1) لانه من توابع الصلاة، وكذا لو جئ به منفصلا عن الصلاه للاصل. نعم لو أمكن تحصيل الطهارة أو تخفيفها وجب التجديد حينئذ بناء على وجوب ذلك فيه. (2) هذا غير ظاهر، سواء كانت مرددة بين الجزئية والنافلة أم كانت صلاة مستقلة مجزئة على تقدير النقص، أما على الثاني فلان اللازم إجراء أحكام الصلاة المستقلة عليها، وأما على الاول فلانها على تقدير الجزئية وإن كان لا يلزم فيها التجديد لكن على تقدير النافلة يلزم ذلك لها. اللهم الا أن يدعى ظهور النص في غير مثل صلاة الاحتياط مما هو من توابع الصلاة، نظير الاجزاء المنسية. (3) يمكن منع التجديد بناء على عدم لزوم معاقبة الصلاة لاعمالها. (4) لان الظاهر من النصوص كون دم الاستحاضة كسائر الاحداث يرفعه ما يتعاقبه من الوظيفة الخاصة، فإذا وجد بعد الوظيفة أو بعد الشروع

[ 404 ]

[ (مسألة 7): في كل مورد يجب عليها الغسل والوضوء يجوز لها تقديم كل منهما (1)، لكن الاولى تقديم الوضوء. ] فيها احتاج في رفعه إلى تجديد الوظيفة، ولا يكفي وجوده آناما في وجوب وظائف اليوم جميعها، وإن قال في الجواهر: " لو لا مخافة خرق ما عساه يظهر من الاجماع، وتشعر به بعض الاخبار، لامكن القول بايجابه الاغسال الثلاثة وان لم يستمر لحظة بعد الغسل، للاطلاق، فيكون حينئذ هذا الدم حدثا يوجب الاغسال الثلاثة وان لم يستمر "، إذا الاطلاق الذي ادعاه ممنوع، لظهور النصوص فيما ذكرنا. كما أنه قد عرفت انه لا يعتبر وجوده في أوقات الصلاة بحيث لا يحتاج في وجوب الوظيفة لرفعه إذا وجد قبل الوقت، فلو رأته قبل الصبح فاغتسلت وتوضأت للصلاة ثم استمر وانقطع قبل الزوال لم يحتج إلى تجديد الغسل والوضوء للظهرين، وان كان ظاهر المحكي عن جماعة - منهم: الشهيد - ذلك، كما عرفت، إذ لا شاهد له من النصوص، لما عرفت من ظهورها فيما ذكرنا، وأن استظهار الذكرى له من مصحح الصحاف - لقوله (ع) فيه: " فان كان الدم فيما بينها وبين المغرب لا يسيل من خلف الكرسف فلتتوضأ ولتصل عند وقت كل صلاة... " (* 1) - غير ظاهر، كما عن جماعة الاعتراف به، كيف والفقرة المذكورة مسبوقة بفرض صلاة الظهرين؟! فالمتعين جعله دليلا على الاعتبار بما قبل الوقت، كما أشرنا إليه آنفا. وكيف كان فلا ينبغي التأمل في كون ظاهر النصوص ما ذكرناه. (1) لاطلاق نصوص الباب. وقد تقدم في المسألة الخامسة والعشرين من فصل أحكام الحائض بعض الكلام فيه وفي أفضلية تقديم الوضوء.


(* 1) تقدم في آخر المسألة الثانية من هذا الفصل

[ 405 ]

[ مسألة 8): قد عرفت أنه يجب (1) بعد الوضوء والغسل المبادرة إلى الصلاة (2)، لكن لا ينافي ذلك إتيان الاذان ] (1) هذا مما لم يتقدم منه، وإنما تقدم منه وجوب الجمع بين الصلاتين. (2) على المشهور. والعمدة فيه ما في روايتي اسحاق وأبي المعزا من قوله (ع): " فلتغتسل عند كل صلاتين " (* 1)، وما في مصحح ابن سنان " المستحاضة التي لا تطهر تغتسل عند صلاة الظهر " (* 2)، لظهور " عند " في المقاربة، وبذلك ترفع اليد عن إطلاق غيرها. وحمل الكلام على إرادة " عند " وقت الصلاة، بتقدير مضاف - عملا باطلاق غيرهما - لا يساعده الجمع العرفي، وإن جعله شيخنا الاعظم (ره) هو الذي يقتضيه الانصاف ولا سيما بملاحظة ما عرفت مما دل على وجوب الجمع بين الصلاتين، إذ التفكيك بين المسألتين بعد كما أشرنا إليه آنفا. ومن ذلك يظهر ضعف ما في كشف اللثام وعن العلامة الطباطبائي من نفي الوجوب، قال في الاول: " وهل يجوز الفصل بين الغسل والصلاة؟ الاقرب الجواز، للاصل والعمومات وقول الصادق (ع) لاسماعيل بن عبد الخالق: " فإذا كان صلاة الفجر فلتغتسل بعد الفجر، ثم تصلي ركعتين قبل الغداة، ثم تصلي الغداة " (* 2) رواه الحميري في قرب الاسناد. نعم إطلاق القول بوجوب المبادرة لا يخلو من إشكال، لانها أخص من المقاربة المدلول عليها ب‍ " عند "، ولاجل ذلك لم يكن بأس بالفصل بمثل الاذان والاقامة ولبس الساتر الموجود والاجتهاد في القبلة ونحو ذلك مما لا ينافي المقاربة، ومنه انتظار الجماعة - كما عن الدروس - والذهاب إلى مكان الصلاة إذا كانا غير منافيين للمقاربة. فلاحظ.


(* 1) الوسائل باب: 30 من أبواب الحيض حديث: 5 و 6 (* 2) الوسائل باب: 1 من أبواب الاستحاضة حديث: 4 (* 3) الوسائل باب: 1 من أبواب الاستحاضة حديث: 15

[ 406 ]

[ والاقامة والادعية المأثورة، وكذا يجوز لها إتيان المستحبات في الصلاة (1)، ولا يجب الاقتصار على الواجبات، فإذا توضأت واغتسلت أول الوقت وأخرت الصلاة لا تصح صلاتها (2) إلا إذا علمت بعدم خروج الدم وعدم كونه في فضاء الفرج أيضا من حين الوضوء إلى ذلك الوقت بمعني انقطاعه (3) ولو كان انقطاع فترة (4). (مسألة 9): يجب عليها بعد الوضوء والغسل التحفظ من خروج الدم (5) بحشو الفرج بقطنة أو غيرها وشدها بخرقة، فان احتبس الدم، وإلا فبالاستثفار - أي شد وسطها (6) بتكة (مثلا) وتأخذ خرقة أخرى مشقوقة الرأسين تجعل ] بل لا يبعد أن يكون فعل النافلة من ذلك أيضا، كما تقدم في رواية إسماعيل ابن عبد الخالق. (1) للاطلاق. (2) لعدم فعل الطهارة عندها. (3) هذا مما لا ينبغي الاشكال فيه لحصول الطهارة. (4) هذا لدفع احتمال كون الانقطاع لفترة بمنزلة رؤية الدم، كما يظهر من الذكرى، قال: " فان كان انقطاع فترة فلا أثر له، لانه بعوده كالموجود دائما ". (5) نسبه إلى ظاهر الاصحاب جماعة، بل قيل: إن الاجماع عليه ما بين ظاهر وصريح مستفيض. ويكفي فيه الاخبار الآمرة بالاحتشاء والاستثفار وتبديل الكرسف. (6) هذا التفسير ذكره في الذكرى بتفاوت يسير، وكأنه من قبيل

[ 407 ]

[ إحداهما قدامها والاخرى خلفها وتشدهما بالتكة - أو غير ذلك مما يحبس الدم، فلو قصرت وخرج الدم أعادت الصلاة (1) بل الاحوط إعادة الغسل (2) أيضا، والاحوط كون ذلك بعد الغسل والمحافظة عليه بقدر الامكان تمام النهار إذا كانت صائمة (3). ] ذكر المعنى ولازمه، إذ الاستثفار إما مأخوذ من: " استثفر الكلب بذنبه " أي جعله بين فخذيه، أو من ثفر الدابة الذي يجعل تحت ذنبها. (1) لظهور النصوص في شرطيته لها. (2) بل هو الذي جزم به في الذكرى، قال: " ولو خرج دم المستحاضة بعد الطهارة أعيدت بعد الغسل والاستظهار إن كان لتقصير فيه وإن كان لغلبة الدم فلا، للحرج "، وعن نهاية الاحكام موافقته. وكأنه لحدثية الدم المذكور ولا دليل على العفو عنه حينئذ. لكن قال في الجواهر " وفي استفادة ذلك من الادلة نظر، بل مقتضاها العفو عن حدثيته بعد الطهارة. نعم يستفاد منها شرطيته بالنسبة للصلاة خاصة، فلعل الاقوى حينئد عدمها " وهو في محله، لان سوق الامر به مساق الامر بالوضوء والغسل يقتضي كونه شرطا للصلاة لا غير. مع أن إجمال النصوص في ذلك موجب للرجوع إلى استصحاب عدم الانتقاض. (3) وعن نهاية العلامة والذكرى والروض: وجوب ذلك على الصائمة لبنائهم على قدحه في الغسل المعتبر في صحة صومها. قال في الذكرى: " وهذا الاستظهار يمتد إلى فراغ الصلاة، ولو كانت صائمة فالظاهر وجوبه جميع النهار، لان توقف الصوم على الغسل يشعر بتأثره بالدم، وبه قطع الفاضل (ره) ". لكن إذا منع قدحه في الغسل - لعدم الدليل على حدثية الخارج مع عدم الاستظهار - لم يكن وجه لوجوب التحفظ عليها كذلك.

[ 408 ]

[ (مسألة 10): إذا قدمت غسل الفجر عليه لصلاة الليل فالاحوط تأخيرها إلى قريب الفجر (1) فتصلي بلا فاصلة. (مسألة 11): إذا اغتسلت قبل الفجر (2) لغاية أخرى ثم دخل الوقت من غير فصل يجوز لها الاكتفاء به للصلاة. ] مع أنه لو سلم قدحه في الغسل فلا دليل على اعتبار الطهارة تمام النهار في صومها، وإنما الذي يمكن الالتزام به هو اعتبار الغسل للصلاة لا غير فيه، بحيث لو صحت صلاتها صح صومها، وذلك لا يقتضي الاستظهار تمام النهار. (1) احتياطا في حصول المعاقبة، لعدم الدليل على سقوطها مطلقا، ولا إطلاق في معقد الاجماع على جواز تقديم غسل الفجر للصلاة الليل، بل المصرح به في محكي الخلاف انها تؤخر صلاة الليل إلى قرب الفجر، بل هو الاقرب، لانه المتيقن في جواز الخروج عما دل على وجوب المعاقبة. (2) أما جواز الاغتسال قبل وقت الفريضة لغاية مشروطة بالطهارة فهو المصرح به في كلام جماعة، منهم الشهيد في الروض، قال: " لو أرادت الصلاة في غير الوقت اغتسلت لاول الورد، وعملت باقي الافعال لكل صلاة "، وفي كشف الغطاء قال: " وفي غير الرواتب تجمع بين كل نافلتين بغسل، ولا يبعد الاكتفاء في الورد بالغسل الواحد، ولكل واحدة وضوء " وقال شيخنا الاعظم (ره): " الاقوى مشروعية العبادة لها قبل دخول الوقت، فتغتسل ويرتفع به حكم حدثها "، وذلك لان نصوص الباب كما تتكفل لحدثية الدم المذكور تتكفل ببيان رافعه وهو الغسل والوضوء. واحتمال الاقتصار على خصوص مواردها من الفريضة والرجوع في غيرها إلى أصالة عدم المشروعية مما لا مجال له، لانه خلاف المتفاهم العرفي منها، إذ المفهوم منها عرفا أن حدثية الدم ترتفع بالغسل والوضوء من دون خصوصية للفريضة اليومية.

[ 409 ]

[ (مسألة 12): يشترط في صحة صوم المستحاضة (1) ] نعم يمكن الاشكال في الغايات الموسعة، لان ظاهر أدلة الرافعية أنها رافعية اضطرارية، ولذا لو انقطع الدم بعد فعل الوظائف وجب تجديد الطهارة، والرافعية الاضطرارية تختص بحال الاضطرار، وهو منتف في الغايات الموسعة، بناء على التحقيق من عدم جواز البدار لذوي الاعذار. اللهم إلا أن يستفاد عموم الحكم للغايات الموسعة من بنائهم على مشروعية الغايات المشروطة بالطهارة بمجرد فعل الوظائف المذكورة للصلاة وإن كانت تلك الغايات موسعة. واحتمال اختصاص الرافعية بصورة الاتيان بها بقصد الفرائض اليومية لا مجال له في كلامهم. لكن في عموم كلامهم للغايات الموسعة إشكال، وإن كان ظاهر كلامهم هو العموم كما سيأتي. ومن ذلك يظهر ضعف التأمل فيه كما في الجواهر، قال (ره): " قد يشعر تصفح عباراتهم في المقام وفي توقف الصوم على ذلك بأن طهارتها واستباحتها لتلك الغايات تابع للافعال الصلاتية... (إلى أن قال): فلو استحاضت المرأة في غير وقت الصلاة لم يكن لها استباحة شئ من الغايات التي تتوقف على رفعه قبل أن يدخل وقت الصلاة، فتعمل ما عليها من الاعمال، ثم تستبيح بذلك غيرها، ولا يجزئها الاغتسال والوضوء قبل ذلك لتلك الغاية مثلا... ". وأما الاكتفاء به للصلاة مع عدم منافاته لوجوب معاقبتها له فكذلك أيضا على تقدير صحته، للاطلاق. نعم لو فرض عدم صحته لعدم فعل الغاية بعده الموجب لبطلانه - بناء على وجوب خصوص المقدمة الموصلة - لم يكن وجه للاكتفاء به، وجب تجديده للصلاة. (1) بلا خلاف كما استظهره في الحدائق، وعن المدارك والذخيرة

[ 410 ]

وشرح المفاتيح: انه مذهب الاصحاب، وعن جامع المقاصد والروض وحواشي التحرير ومنهج السداد والطالبية: الاجماع عليه. وعن المبسوط، إسناده إلى رواية أصحابنا، ولعلها صحيح ابن مهزيار: " كتبت إليه: امرأة طهرت من حيضها أو دم نفاسها في أول يوم من شهر رمضان، ثم استحاضت فصلت وصامت شهر رمضان من غير أن تعمل ما تعمله المستحاضة من الغسل لكل صلاتين، فهل يجوز صومها وصلاتها أم لا؟ فكتب (ع): تقضي صومها ولا تقضي صلاتها، لان رسول الله صلى الله عليه وآله كان يأمر فاطمة والمؤمنات من نسائه بذلك " (* 1). ولا يقدح فيه الاضمار كما تكرر غير مرة. ولا ظهوره في أن فاطمة (ع) كانت تستحاض مع تكاثر الاخبار بانها (ع) لم تر حمرة أصلا لا حيضا ولا استحاضة. لا مكان حمله على فاطمة بنت أبي حبيش، أو كون الامر لها (ع) بذلك لتعلم المؤمنات. ولا باشتماله على مالا يقول به الاصحاب من عدم قضاء الصلاة، لامكان التفكيك في الحجية بين فقرات الحديث الواحد. ومن ذلك يظهر أن توقف المصنف (ره) في الحكم غير ظاهر الوجه. ثم الظاهر أنه لا خلاف في توقف الصوم على الاغسال النهارية. نعم عن النهاية وفي كشف اللثام: احتمال اختصاص التوقف بغسل الفجر، قال فيه: " فهل يتوقف صوم كل يوم على أفعال نهاره خاصة أو فجره خاصة أو الليلة اللاحقة خاصة أو السابقة خاصة أو الليلتين؟؟ أوجه، أجودها الاول ". وكأن وجه الاحتمال المذكور أنه يكفي في صحة الصوم الدخول فيه مع الطهارة، ولا يعتبر بقاؤها إلى آخر النهار. لكن مقتضاه وجوب تقديم الغسل على الفجر، وهو اجتهاد غير ظاهر. مع أنه لم يوجد قائل به. كما


(* 1) الوسائل باب: 41 من أبواب الحيض ملحق حديث: 7

[ 411 ]

قيل. وهل يتوقف مع ذلك على أغسال الليلة اللاحقة - كما هو ظاهر من أطلق القول بتوقفه على الاغسال - أو على أغسال الليلة الماضية مطلقا، أو بشرط عدم تقدم غسل الفجر قبله - كما عن الذكرى وفي الروض - أو غسل الليلتين معا؟؟ وجوه. هذا ومقتضى الجمود على عبارة النص من البطلان عند ترك الغسل للصلاتين عدم استفادة التوقف على غسل الفجر، لعدم التعرض له. لكن الظاهر بل المعلوم إرادة تركها للغسل أصلا حتى غسل الفجر، وحينئذ فالبطلان عند ترك الاغسال كلية أعم من توقفه على فعل جميعها وبعضها، فالرواية الشريفة لا تدل على شئ من ذلك بعينه. نعم يعلم إجمالا بالتوقف إما على جميعها أو على بعضها المردد بين اثنين منها وواحد مردد بين الثلاثة، وحيث أنه لا مجال لاحتمال التوقف على غسل العشاءين فقط يكون التوقف عليه مشكوكا بدوا، فينحل العلم الاجمالي الشامل له بالعلم الاجمالي بالتوقف على ما عداه، فالمرجع فيه الاصل. أما التوقف على غسلي النهار معا فيقتضيه العلم الاجمالي أيضا، لانه يعلم بتوقفه إما على غسل الظهر أو على غسل الفجر أو عليهما، ومقتضاه الاحتياط بفعلهما معا. نعم بالنظر إلى الفتاوى يكون التوقف على غسل الفجر متيقنا، إذ لم يقل أحد بعدم توقفه عليه، بخلاف التوقف على غسل الظهرين، فقد تقدم عن نهاية الاحكام وكشف اللثام احتمال عدم اعتباره فيكون المرجع في غسل الظهرين أصل البراءة. لانحلال العلم الاجمالي الشامل له بالعلم التفصيلي بالتوقف على غسل الفجر. لكن هذا المقدار من الاتفاق لا يوجوب العلم التفصيلي بملاحظة كثرة الوجوه والاقوال المستندة إليها، فلا ينحل العلم الاجمالي المذكور. وإن شئت قلت: لا يمكن الرجوع إلى الاصل في غسل الفجر للاتفاق عليه، ولا إلى الاصل في غسل الظهرين

[ 412 ]

[ على الاحوط إتيانها للاغسال النهارية، فلو تركتها فكما تبطل صلاتها يبطل صومها أيضا على الاحوط. وأما غسل العشائين فلا يكون شرطا في الصوم وإن كان الاحوط مراعاته أيضا وأما الوضوءات فلا دخل لها بالصوم (1). (مسألة 13): إذا علمت المستحاضة انقطاع دمها بعد ذلك إلى آخر الوقت انقطاع برء أو انقطاع فترة تسع الصلاة وجب عليها تأخيرها إلى ذلك الوقت (2) فلو بادرت إلى الصلاة ] لانه المتيقن من الرواية. فتأمل جيدا. ثم إنه لا فرق فيما ذكرنا بين كون المنع للحدث وللتعبد. ودعوى: أنه على الاول لا بد من اعتبار غسل الليلة السابقة أو من تقديم غسل الفجر عليه. غير ظاهرة، وإن صدرت من شيخنا الاعظم (ره) إذ لم يعلم كيفية منع حدث الاستحاضة عن الصوم كي يعتبر أحد الامرين المذكورين كيف لا؟! وهي لا ريب في كونها محدثة عند الفجر، ولو كانت قد اغتسلت لعشائي الليلة السابقة، فإذا أمكن القول بصحة صومها على تقدير غسلها لعشائي الليلة السابقة مع كونها محدثة عند الفجر قطعا - ولذا احتاجت إلى تجديد الغسل لصلاته - أمكن القول بصحته ولو مع عدم الغسل في الليلة السابقة، وعدم تقديم غسل الفجر. (1) لعدم الدليل عليه، والرواية قاصرة عنه. فما عن بعض العبارات الموهمة لذلك ضعيف. وكأن وجهه دعوى ظهور ما دل على أن كل غسل معه وضوء في دخل الوضوء في أثر الغسل رفعا وإباحة. لكن عرفت ضعفه مع أنه لا يقتضي إلا الوضوء مع كل غسل لا لكل صلاة. فتأمل جيدا. (2) كما عن العلامة في النهاية والشهيد والمحقق الثاني، وقال في المنتهى:

[ 413 ]

" إن اتسع وقت الانقطاع للطهارة والصلاة انتظرته ". وذلك لانه لا إشكال نصا وفتوى في حدثية دم الاستحاضة، ولا إطلاق في نصوص الاكتفاء بالغسل والوضوء يشمل صورة وجود الفترة كسائر أدلة الابدال الاضطرارية فيكون مقتضى قوله (ع): " لا صلاة إلا بطهور " (* 1) وجوب انتظار تلك الفترة، كما ذكرنا ذلك في سائر موارد الاعذار. نعم قد يشكل ذلك (أولا): لعدم العموم الدال على حدثية الدم المذكور - حتى ما يخرج بعد الغسل قبل انتهاء الصلاة - غير نصوص الباب وهي لا تدل على عموم حدثيته. ولذا قال في محكي المعتبر: " إن خروج دمها بعد الطهارة معفو عنه، فلم يكن مؤثرا في نقض الطهارة ". لكن الانصاف ظهورها عرفا في كون وجوده مطلقا حدثا كسائر الاحداث. مع أنه لو سلم قصورها عن الدلالة على ذلك، فالمرجع في صورة وجود الفترة إلى استصحاب حكم الحدث وعدم ارتفاعه بالغسل والوضوء، بعد فرض عدم الاطلاق الدال على الاباحة في صورة الفترة (وثانيا): بأن وجود الفترة غالبي، فعدم تعرض النصوص لوجوب انتظارها وإطلاق الحكم فيها بالصلاة مع الوظائف المخصوصة يدل على عدمه. وفيه: أن الغلبة ممنوعة ولو سلم ثبوتها فثبوت الاطلاق المقامي بنحو يعتمد عليه في رفع اليد عن القواعد ممنوع، لان مصب النصوص بيان حكم الاستمرار، ولذا عبر بالوضوء لكل صلاة، وبالاغسال الثلاثة، ولذا لا نقول بجواز البدار في المقام وإن قلنا به في غيره من موارد الاعذار. (وثالثا): بأن وجود الفترة بمنزلة العدم، لان حدثية الدم المذكور قائمة بوجوده بالقوة كما قد يظهر من بعض، فعن الشهيدين: الانقطاع للفترة لا يؤثر في الطهارة، لانه بعوده


(* 1) الوسائل باب: 14 من أبواب الجنابة حديث: 2

[ 414 ]

[ بطلت، إلا إذا حصل منها قصد القربة، وانكشف عدم الانقطاع، بل يجب التأخير مع رجاء الانقطاع بأحد الوجهين (1) حتى لو كان حصول الرجاء في أثناء الصلاة، لكن الاحوط إتمامها ثم الصبر إلى الانقطاع. (مسألة 14): إذا انقطع دمها فاما أن يكون انقطاع برء أو فترة تعلم عوده أو تشك في كونه لبرء أو فترة، وعلى التقادير إما أن يكون قبل الشروع في الاعمال أو بعده أو بعد الصلاة، فان كان انقطاع برء وقبل الاعمال يجب عليها الوضوء فقط أو مع الغسل (2) والاتيان بالصلاة، وإن كان بعد الشروع ] بعد ذلك كالموجود دائما. انتهى. وفيه: أنه خلاف ظاهر الادلة. وهذان الاشكالان على تقدير تماميتهما يختصان بالفترة ولا يعمان الانقطاع للبرء. هذا ولو كانت الفترة لا تسع الطهارة والصلاة فلا إشكال في عدم اعتبارها، كما في طهارة شيخنا الا عظم (ره) وفي الجواهر: " إنه لا يلتفت إليها قطعا ". فكأنه إجماع، وإلا لامكن القول بالانتظار كما في المسلوس لما ذكر فيه. اللهم إلا أن يقال: إن غلبة وجود الفترات اليسيرة تقتضي ذلك، لئلا يلزم حمل الكلام على النادر. هذا ولكن الغلبة غير ظاهرة. (1) حيث عرفت أنه لا دليل على صحة الفعل في حال وجود الدم مع وجود الفترة - لعدم الاطلاق في النصوص - كان الحكم بالصحة منوطا في الواقع بعدم وجود الفترة واقعا، فمعها يبطل، وبدونها يصح، ولا فرق بين صورتي الرجاء واليأس، والعلم بعدمها والعلم بها، فان فعلت في حال الدم وانكشف وجودها بطل الفعل مطلقا، وإلاصح بلا فرق بين الصور. (2) كما عن الشهيدين والمحقق الثاني وجماعة، لان وجوده إذا كان

[ 415 ]

يقتضي الوضوء فقط أو مع الغسل لا يكون انقطاعه موجبا لتبدل مقتضاه، لانه يكفي في لزوم مقتضاه وجوده قبل الانقطاع. نعم بناء على التفصيل بين وجوده في الوقت وعدمه يختلف وجوب مقتضاه باختلاف كون الانقطاع في الوقت أو قبله، فان انقطع في الوقت ترتب مقتضاه، وإن انقطع قبله لم يترتب عليه شئ. لكن عرفت ضعف التفصيل المذكور، وأن ظاهر الادلة كون وجوده مطلقا حدثا بلا خصوصية لوجوده في الوقت. ومن ذلك تعرف ضعف ما عن الشيخ والعلامة في جملة من كتبه وغيرهما من إطلاق القول بأن الانقطاع للبرء موجب للوضوء فقط، قال في القواعد: " وانقطاع دمها للبرء يوجب الوضوء ". وعن نهاية الاحكام النص على عدم لزوم الغسل. كيف؟! ولا يظهر أيضا وجه للفرق بين الوضوء والغسل فما يوجب الاول يوجب الثاني. وتوجيهه بحمله على الانقطاع قبل الوقت - بناء على ان العبرة بوجوده في الوقت لا في خارجه - فيه - مع أنه خلاف ظاهر عباراتهم أو صريحها -: أنه لا وجه لا يجاب الوضوء على هذا المبنى. ومثله توجيهه بما في كشف اللثام من منع وجوب الغسل للدم مطلقا بل مع الاستمرار. انتهى. فان هذا المنع لو تم في الغسل تم في الوضوء أيضا. ومما ذكرناه أولا تعرف الوجه في وجوب الاستئناف إذا كان الانقطاع بعد الشروع في الاعمال، حيث لا دليل على صحة الاعمال على تقدير الانقطاع. وكذا الوجه في وجوب الاعادة إذا كان الانقطاع بعد الصلاة، حيث لا دليل على صحة الصلاة حينئذ. لكن قوى في الجواهر وشيخنا الاعظم (ره) في طهارة عدم وجوب الاعادة إذا كان الانقطاع بعد الصلاة. وعلله في الاول بحصول الامتثال، واقتضاء الامر الاجزاء. وإطلاق الادلة. كما أنه حكي عن المعتبر والجامع عدم الاستئناف لو كان بعد الطهارة قبل الصلاة،

[ 416 ]

[ استأنفت، وإن كان بعد الصلاة أعادت إلا إذا تبين كون الانقطاع قبل الشروع في الوضوء والغسل (1)، وإن كان انقطاع فترة واسعة فكذلك (2) على الاحوط، وإن كانت شاكة في سعتها أو في كون الانقطاع لبرء أو فترة لا يجب ] خلافا لما نسب إلى المشهور. وعن الخلاف والمبسوط والمنتهى والبيان: الصحة لو كان الانقطاع في أثناء الصلاة. إلا أن الجميع مبني على إطلاق دليل العفو، والاجزاء الشامل لصورة وجود الفترة، وقد عرفت أنه محل منع، ولذا قال في كشف اللثام: " أبطل في نهاية الاحكام صلاتها بالانقطاع في الاثناء، وهو ظاهر إطلاق الكتاب والتحرير ومقرب الدروس، لان الوضوء السابق طهارة اضطرارية وقد زالت الضرورة ". وأما ما تقدم من الجواهر من حصول الامتثال، واقتضاء الامر الاجزاء، فمنعه ظاهر، إذ بعد انتفاء الاطلاق لا امتثال ولا مجال للاجزاء. (1) هذا الاستثناء منقطع، مع أنه تقدم مضمونه. (2) يعني: فيجب الوضوء أو الغسل مع الانقطاع قبل الاعمال، والاستئناف إذا كان بعد الشروع، والاعادة إذا كان بعد الصلاة. ووجه ذلك كله ما عرفت في الانقطاع للبرء من عدم الاطلاق المقتضي للصحة حتى مع الفترة، وكونها للبرء أو لغيره لا يوجب اختلاف الحكم. وكأن الوجه في توقف المصنف (ره) عن الجزم ما تقدم من كون وجود الفترة غالبيا مع عدم التعرض في النصوص لوجوب انتظارها فيكون مقتضى ذلك الصحة ولو مع وجودها. أو أن وجود الفترة بمنزلة العدم، لان حدثية الدم المذكور تابعة لوجوده قوة، كما عرفت القول بذلك من جماعة. لكن عرفت ضعف ذلك.

[ 417 ]

[ عليها الاستئناف أو الاعادة (1) إلا إذا تبين بعد ذلك سعتها أو كونه لبرء. (مسألة 15): إذا انتقلت الاستحاضة من الادنى إلى الاعلى - كما إذا انقلبت القليلة متوسطة أو كثيرة، أو المتوسطة كثيرة - فان كان قبل الشروع في الاعمال فلا إشكال. فتعمل عمل الاعلى (2). وكذا إن كان بعد الصلاة فلا يجب. إعادتها (3)، وأما إن كان بعد الشروع قبل تمامها فعليها الاستئناف (4) والعمل على الاعلى، حتى إذا كان الانتقال ] (1) أما إذا لم تعلم سعة الفترة فقد قواه في الجواهر وشيخنا الاعظم (ره) لاطلاق الاخبار. ولزوم الحرج. لكن الاول لا مجال له، لانه في مقام الحكم الواقعي، والمقام مقام الحكمى الظاهري. والثاني لا يطرد في جميع الموارد فقاعدة وجوب الاحتياط عند الشك في القدرة الموجبة الاستئناف والاعادة محكمة. بل مقتضى الاستصحاب سعة الفترة، فيجب من أجله الاستئناف نعم إذا كان أمد الفترة معلوما وكان الشك في أمد الطهارة والصلاة لم يجر الاستصحاب. وأما إذا لم تعلم أنه لبرء أو فترة، فان كانت الفترة على تقديرها تسع الطهارة والصلاة فاللازم وجوب الاستئناف والاعادة، لما عرفت من عدم الفرق بينهما في ذلك، وإن كانت لا تسعهما - كما هو المراد ظاهرا - أو قلنا بأنه لا اعتبار بالفترة، لكفاية الاستمرار بالقوة، فالحكم كما إذا لم تعلم سعة الفترة من وجوب الاحتياط. (2) عملا بمقتضاه الذي يدخل فيه مقتضى الادنى. (3) لان الحدث الحادث شرط في الاعمال اللاحقة لا السابقة. (4) لقدح الحادث فيها بمقتضي إطلاق دليله، فلا بد من إعمال مقتضاه.

[ 418 ]

[ من المتوسطة إلى الكثيرة فيما كانت المتوسطة محتاجة إلى الغسل وأتت به (1) أيضا، فيكون أعمالها حينئذ مثل أعمال الكثيرة. لكن مع ذلك يجب الاستئناف. وإن ضاق الوقت عن الغسل والوضوء أو أحدهما تتيمم بدله (2)، وإن ضاق عن التيمم أيضا استمرت على عملها (3). لكن عليها القضاء على الاحوط. وإن انتقلت من الاعلى إلى الادنى استمرت على عملها لصلاة واحدة (4)، ثم تعمل عمل الادنى (5)، فلو تبدلت الكثيرة متوسطة قبل الزوال أو بعده قبل صلاة الظهر تعمل للظهر عمل الكثيرة، فتتوضأ وتغتسل وتصلي، لكن للعصر والعشائين يكفي ] (1) لان إتيانها به قبل حدوث الكثيرة لا يجدى في رفع أثرها، فلابد من رفعه باعمال مقتضاها وهو الغسل ثانيا. (2) لعموم دليل بدليته الذي لا فرق بين ما يكون المبدل منه رافعا ومبيحا كوضوء المسلوس. (3) كذا في نجاة العباد أيضا. مع أن الظاهر إجراء حكم فاقد الطهورين عليها، ومختار المتن والنجاة سقوط الاداء عنه ووجوب القضاء عليه. (4) لان وجود الاعلى قبل الانقطاع يقتضي ذلك، والتبدل إلى الادنى لا يكون مطهرا عنه. ثم إن إطلاق كلام المصنف (ره) يقتضي أنه لو تبدل الاعلى إلى الادنى بعد عمل الاعلى قبل الصلاة وجب عليها الاستئناف كما يجب مع الانقطاع، للزوم تخفيف الحدث. وكذا لو تبدلت في أثناء الصلاة إلى الادنى وجب استئناف الاعمال والصلاة. (5) إعمالا لمقتضاه، ولا حاجة حينئذ إلى إعمال مقتضى الاعلى، لحصول الطهارة عنه بالعمل السابق.

[ 419 ]

[ الوضوء. وإن أخرت العصر عن الظهر أو العشاء عن المغرب (1) نعم لو لم تغتسل للظهر عصيانا أو نسيانا يجب عليها للعصر (2) إذا لم يبق إلا وقتها، وإلا فيجب إعادة الظهر بعد الغسل (4) وإن لم تغتسل لها فللمغرب وإن لم تغتسل لها فللعشاء إذا ضاق الوقت وبقي مقدار العشاء. (مسألة 16): يجب على المستحاضة المتوسطة والكثيرة إذا انقطع عنها بالمرة الغسل للانقطاع (4)، إلا إذا فرض (5) عدم خروج الدم منها من حين الشروع في غسلها السابق للصلاة السابقة. ] (1) يعني: وإن فصلت بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء ولم تجمع بينهما، لان الجمع في الكبرى إنما كان لاجل الاجتزاء بالغسل الواحد. (2) لانه يعتبر فيها الطهارة عنه، المفروض عدم حصولها. (3) لبطلانها بترك الغسل. ومنه يظهر الوجه فيما بعده. (4) لما عرفت من إطلاق دليل حدثيته، فيجب إعمال مقتضاه. كما عرفت أنه حكي عن الشيخ والعلامة وغيرهما: الاكتفاء بالوضوء، وأنه غير ظاهر إلا بدعوى عدم الدليل على حدثية الدم مطلقا، ووجوب الوضوء من جهة الاجماع عليه، والاصل البراءة عن الغسل. وفيه: ان ظاهر الادلة حدثيته مطلقا. مع قيام الاجماع عليها حتى ممن اكتفى بالوضوء، فانه ادعي العفو عنه كما تقدم عن المحقق. ودعوى العفو مع الانقطاع محتاجة إلى دليل مفقود. (5) هذا الاستثناء غير متحصل، لان مرجعه إلى عدم الاحتياج إلى غسل ثان بعد الواقع بعد الانقطاع.

[ 420 ]

[ (مسألة 17): المستحاضة القليلة كما يجب عليها تجديد الوضوء لكل صلاة ما دامت مستمرة كذلك يجب عليها تجديده لكل مشروط بالطهارة (1). كالطواف الواجب ومس كتابة القرآن إن وجب، وليس لها الاكتفاء بوضوء واحد للجميع على الاحوط، وإن كان ذلك الوضوء للصلاة فيجب عليها تكراره ] (1) كما عن التحرير والموجز وشرحه والروض وغيرها. لما عرفت من النص والاجماع على عموم حدثية دم الاستحاضة، فيجب تجديد الوضوء لرفعه، للاجماع على الاكتفاء به. ولاجل ذلك لا مجال للرجوع إلى استصحاب الطهارة الحكمية المتيقنة حال الفراغ من الوضوء أو الغسل، حيث يعلم حينئذ بجواز الدخول في كل غاية، إذ المقام مما يرجع فيه إلى عموم العام لا استصحاب حكم المخصص. وقولهم: إنها إذا فعلت ذلك كانت بحكم الطاهر، وإن كان بعد التأمل ظاهرا في عدم الحاجة إلى التجديد لان الظاهر من اسم الاشارة هو الوظائف المأتي بها للصلوات، يعني: إذا فعلت الوضوء لكل صلاة، والغسل الواحد لصلاة الغداة، أو الاغسال الثلاثة للصلوات اليومية كانت بحكم الطاهر بالنسبة إلى سائر الغايات. وحمله على أنها بحكم الطاهر بالنسبة إلى الصلاة خلاف الظاهر جدا، كيف؟! وهو على هذا المعنى يكون تأكيدا، لانه مفهوم من بيان الوظائف التي هي معتبرة في الصلاة. فهو نظير ما ذكروه في التيمم من أنه إذا تيمم لغاية استباح به كل غاية. ولذا قال في الجواهر: " لا ينبغي الاشكال في ظهور عبارات الاصحاب في عدم وجوب تجديد شئ من ذلك عليها بعد فرض محافظتها على ما وجب عليها من الافعال للصلاة، لانها تكون حينئذ بحكم الطاهر من هذا الدم،

[ 421 ]

[ بتكرارها حتى في المس يجب عليها ذلك لكل مس (1) ] ولا يؤثر استمراره أثرا. نعم تحتاج إلى الوضوء والغسل مع عروض أسباب أخر موجبة لهما من الجنابة والبول ونحوهما "، ونحوه ما حكاه عن السيد الطباطبائي (قدس سره). ويؤيده عدم القول من أحد بوجوب تجديد الغسل للغايات الاخر، بل ادعي تحقق الاجماع على نفيه. ولم يعرف مأخذ لهذا الاجماع إلا كلامهم هذا - إلا أنه لا مجال للاعتماد على ظاهره بعد مخالفة من تقدم. اللهم إلا أن يكون خلافهم لشبهة عدم تحقق الاجماع، لكنه بعيد جدا. ولاجل ذلك توقف في المتن عن الحكم بالوجوب. بل قال شيخنا الاعظم (ره) في طهارته: " فالمتحصل من مجموع كلماتهم: أن الكافي من الافعال التي تفعل للصلاة اليومية للدخول في غيرها المشروط بالطهارة هو الغسل فقط ". واستشهد على ذلك بتصريحهم في القليلة بوجوب الوضوء بل جميع ما عدا الغسل لكل صلاة فرضا ونفلا. لكن هذا الاستشهاد ضعيف، لان الوضوء لكل صلاة على هذا يكون من جملة الوظائف التي تكون بفعلها بمنزلة الطاهرة بالنسبة إلى غير الصلاة، فلا يدل على وجوب الوضوء للطواف أو المس أو غيرهما مما يعتبر فيه الطهارة. فالعمدة ما ذكرنا من أن خلاف الجماعة المذكورين يمنع من الاعتماد على ظاهر الكلام المذكور في الخروج عن القواعد المقتضية لعدم مشروعيتها بدون الوضوء. بل تقتضي عدم مشروعيتها أصلا إذا لم تكن مضيقة. (1) كما صرح به في كشف الغطاء، وتردد في وجوب تكرار الوضوء مع استمرار المس. وهذا التردد منه غريب، لتعذر التفكيك بين الحدوث والبقاء، إلا أن يريد استمرارا خاصا. فتأمل. مع أن في جعل المس

[ 422 ]

[ على الاحوط. نعم لا يجب عليها الوضوء لدخول المساجد والمكث فيها (1)، بل ولو تركت الوضوء للصلاة أيضا. (مسألة 18): المستحاضة الكثيرة والمتوسطة إذا عملت بما عليها جاز لها جميع ما يشترط (2) فيه الطهارة، حتى دخول المساجد والمكث فيها وقراءة العزائم ومس كتابة القرآن ويجوز وطؤها، وإذا أخلت بشئ من الاعمال حتى تغيير القطنة بطلت صلاتها (3). وأما المذكورات سوى المس فتتوقف على الغسل فقط، فلو أخلت بالاغسال الصلاتية لا يجوز لها الدخول والمكث (4) ] من غايات الوضوء إشكالا تقدم في مبحث الوضوء. (1) بلا خلاف يعرف، كما في الجواهر. لعدم منع الحدث الاصغر عنهما، والاصل البراءة. (2) لما عرفت من الاجماع المتكرر في كلامهم على أنها إذا عملت وظيفتها كانت بحكم الطاهر. وظاهر كلامهم هذا عدم الفرق بين الغايات الموسعة والمضيقة، ولاجله يخرج عن القواعد المقتضية للاقتصار على الغايات المضيقة - كما في سائر موارد الاضطرار - لان الضرورة تقدر بقدرها. وحينئذ كما تستباح الغايات المضيقة تستباح الغايات الموسعة. (3) كما سبق. (4) كما عن موضع من المصابيح نسبته إلى ظاهر الاصحاب، بل استظهر فيه من حواشي التحرير وشرح النجاة: الاجماع على ذلك، وأنه يستفاد ذلك من الغنية والمعتبر والتذكرة. وعن طهارة نهاية الشيخ وحج القواعد والمراسم والوسيلة والروض ومجمع البرهان والمدارك والذخيرة وشرح المفاتيح:

[ 423 ]

الجواز. للاصل، مع عدم دليل ظاهر غير ما عرفت من ظهور الاجماع المدعى في محكي المصابيح. ولكنه ضعيف المأخذ، إذ الظاهر أن مأخذه دعواهم الاجماع على أنها إذا فعلت وظيفتها كانت بحكم الطاهر، وتذييله في كلام جماعة بقولهم: " فيجوز لها الدخول في المساجد وقراءة العزائم والوطئ "، وانها إن لم تفعلها لا يجوز لها شئ من ذلك. وينبغي القطع بأن مرادهم دعوى الاجماع على أنها بحكم الطاهر، لا دعواه على عدم جواز الامور المذكورة مع عدمه، كما يشهد به ذكر الوطئ في المعتبر والتذكرة مع بنائه على جوازه بدون الغسل، قال في المعتبر: " مسألة: وإذا فعلت ذلك كانت طاهرا، مذهب علمائنا أجمع أن الاستحاضة حدث تبطل الطهارة بوجوده، فمع الاتيان بما ذكر من الوضوء إن كان قليلا، والاغتسال إن كان كثيرا يخرج عن حكم الحدث لا محالة، ويجوز لها استباحة كل ما تستبيحه الطاهر من الصلاة والطواف ودخول المساجد وحل وطئها، ولو لم تفعل ذلك كان حدثها باقيا ولم يجز أن تستبيح شيئا مما يشترط فيه الطهارة "، بل قوله (ره) في ذيل الكلام: " ولو لم تفعل... " صريح في أن المراد عدم استباحة ما يشترط فيه الطهارة بتركها الوظائف، لا الاجماع على اعتبار الطهارة من الاستحاضة في جواز دخول المساجد. ونحوه في التذكرة. هذا مضافا إلى أنه لا يعتبر فعل الوضوء في القليلة في جواز الدخول في المساجد بلا خلاف كما سبق. ولو تم ظهور الاجماع فليس بنحو يصح أن يعتمد عليه في رفع اليد عن الاصل المقتضي للجواز، ولا سيما بعد مخالفة الجماعة صريحا. نعم قد يقال بأنها إذا كانت مسبوقة بالحيض يكون المنع مقتضى الاستصحاب وفيه: أنه على تقدير عدم الغسل للحيض يكون المنع معلوما، وعلى تقدير الغسل له لا إشكال في الجواز بعد الغسل - بناء على التداخل - للاكتفاء.

[ 424 ]

[ والوطئ (1) ] بغسل الحيض حينئذ، فيكون الجواز مقتضى الاستصحاب لا المنع. (1) كما عن ظاهر الصدوقين في الرسالة والهداية، بل في الرياض: نسبة توقفه على سائر أفعال المستحاضة - قليلة أو كثيرة، أغسالا كانت أو غيرها - إلى الشهرة العظيمة. والعمدة فيه: ما في موثق سماعة: " وان أراد زوجها أن يأتيها فحين تغتسل " (* 1)، وما في خبر قرب الاسناد: " قلت: يواقعها زوجها: قال (ع): إذ طال بها ذلك فلتغتسل ولتتوضأ ثم يواقعها إن أراد " (* 2)، وما في خبر عبد الرحمن بن أبي عبد الله قال: " سألت أبا عبد الله (ع) عن المستحاضة، أيطؤها زوجها؟ وهل تطوف بالبيت؟ قال (ع): تقعد قرأها... إلى أن قال (ع): وكل شئ استحلت به الصلاة فليأتها زوجها ولتطف بالبيت " (* 3)، وما في موثق الفضيل وزرارة عن أحدهما (ع): " فإذا حلت لها الصلاة حل لزوجها أن يغشاها " (* 4). لكن الظاهر من الحل في الاخير - بقرينة سوقه مساق حل الصلاة - الجواز مقابل الحرمة، لا الصحة مقابل الفساد، فتدل على جواز الوطئ متى جازت لها الصلاة. والظاهر أنه هو المراد مما في خبر البصري، بقرينة السؤال في صدره عن أصل جواز الوطئ والطواف لا عن شرطهما، فيكون إطلاقهما دالا على الجواز كمصحح ابن سنان الآتي. وأما ما في خبر قرب الاسناد فتعليق الجواز فيه على الطول يشهد بأن المراد تعليق جواز خاص


(* 1) الوسائل باب: 1 من أبواب الاستحاضة حديث: 6 (* 2) الوسائل باب: 1 من أبواب الاستحاضة حديث: 15 (* 3) الوسائل باب: 1 من أبواب الاستحاضة حديث: 8 (* 4) الوسائل باب: 1 من أبواب الاستحاضة حديث: 12

[ 425 ]

[ وقراءة العزئم (1) على الاحوط. ولا يجب لها الغسل مستقلا بعد الاغسال الصلاتية (2) وإن كان أحوط. ] لا مطلق الجواز مقابل الحرمة، فلا يكون مما نحن فيه. ومن ذلك تسهل المناقشة في الموثق، فان حمل الامر فيه على الاستحباب والارشاد إلى رفع الكراهة لعله أولى من التصرف في إطلاق مثل مصحح ابن سنان: " ولا بأس أن يأتيها بعلها إذا شاء إلا أيام حيضها " (* 1) ونحوه غيره. وأما بقية النصوص المستدل بها على اعتبار الغسل أو مطلق الافعال فقاصرة الدلالة على ذلك جدا. فالقول بعدم الاعتبار مطلقا - كما في المعتبر والتذكرة والتحرير والبيان والدروس والمهذب وغيرها - لا يخلو من قوة. وإن كانت صناعة الاستدلال تقتضي الاول، لان تقييد المطلق أولى عندهم من حمل المقيد على الاستحباب. بل لا يبعد حمل مثل المصحح على إرادة الحل الذاتي، وإن كان مشروطا بالغسل فلا ينافي الموثق. نعم قد يخدش في الموثق بأنه ظاهر في اعتبار معاقبة الوطئ للغسل، لم يقل به أحد. والتصرف فيه بحمله على اعتبار الغسل للصلاة في جواز الوطئ ليس بأولى من حمله على الاستحباب، ولا سيما بملاحظة جواز وطئ الحائض قبل الغسل بعد انقطاع الدم، وليس حدث الاستحاضة بأعظم من حدث الحيض. لكن الانصاف أن الخدش المذكور ضعيف، لتعارف التعبير عن الشرطية المطلقة من دون معاقبة بمثل ذلك، فالمراد: " من حين تغتسل ". (1) الكلام فيها هو الكلام في المكث في المساجد من حيث الاصل وظهور الاجماع، لعدم تعرض النصوص لها. (2) لكفاية الاغسال الصلاتية في استباحتها إجماعا، استظهره شيخنا


(* 1) الوسائل باب: 1 من أبواب الاستحاضة حديث: 4

[ 426 ]

[ نعم إذا أرادت شيئا من ذلك قبل الوقت وجب عليها الغسل مستقلا (1) على الاحوط. وأما المس فيتوقف على الوضوء ] الاعظم (ره) وغيره، وقد عرفت أنه المتيقن من معقد الاجماع، على أنها إذا فعلت وظيفتها فهي بحكم الطاهر. نعم المصرح به في كلام غير واحد الاختصاص بالوقت، فلا يجتزأ بغسل الصلاة بعد خروج وقتها في غاية أخرى. وعليه يكون المرجع في غير الوقت عموم اعتبار الطهارة في فعل تلك الغاية المقتضي لوجوب الغسل. اللهم إلا أن يقال: بعد أن لم يكن الغسل طهارة حقيقية بل تخفيف للحدث، فوجوبه لا بد أن يكون بدليل، إذ الاصل فيه البراءة. مع أن العدم مقتضى الاستصحاب. ثم إن الذي دعا إلى تقييد إطلاق كلامهم في الاجتزاء بالغسل بخصوص الوقت ما ذكروه من أنه إذا أرادت المستحاضة صلاة الليل قدمت غسل الفجر وصلت به صلاة الليل، ولو كان غسل العشائين يكفي للغايات ولو بعد الوقت لم تكن حاجة إلى التقديم. هذا والجمع بين الكلامين يقتضي حمل كلامهم الاخير على ما لو لم تغتسل للعشائين لحدوث الاستحاضة بعدهما أو لغير ذلك، وإلا فكلامهم آب عن هذا التقييد جدا. فلاحظ. (1) يعني: الغسل لاجلها، أما مشروعية الغسل فلما عرفت الاشارة إليه، من أن ظاهر نصوص الاستحاضة كونها حدثا، وأن رافعه الغسل والوضوء، فإذا بني على عدم جواز فعل الغايات المذكورة مع الحدث الاكبر لا بد من إيجاب الغسل عليها لاجلها، وحينئذ يجوز لها فعل الغاية. نعم قد يشكل التعبد بالغسل إذا لم يكن فعل الغاية راجحا، إذ لا أمر غيري به يصح لاجله التعبد، والامر به بما أنه طهارة مقطوع بعدمه. لكنه إشكال من جهة أخرى غير الاشكال فيه من جهة عدم مشروعية الغاية العبادية قبل

[ 427 ]

[ والغسل، ويكفيه الغسل للصلاة. نعم إذا أرادت التكرار يجب تكرار الوضوء والغسل (1) على الاحوط، بل الاحوط ترك المس لها مطلقا (2). (مسألة 19): يجوز للمستحاضة قضاء الفوائت مع الوضوء والغسل وسائر الاعمال لكل صلاة. ويحتمل جواز اكتفائها بالغسل للصلوات الادائية. لكنه مشكل (3) ] الوقت، الذي مال إليه في الجواهر. كما أشرنا إليه آنفا. (1) أما تكرار الوضوء فلما عرفت من عدم ثبوت الاجماع على عدم تجديده، وأما تكرار الغسل فغير ظاهر لعدم وجوب تجديده إجماعا. اللهم إلا أن يختص ذلك بالغسل المأتي به لصلاة الفريضة لا مطلقا، لعدم ثبوت الاجماع على عدم وجوب التجديد في غيره. لكن الاصل يقتضي عدم لزوم التكرار، كما عرفت في مسألة الاجتزاء بغسل الصلاة لفعل الغايات الاخرى خارج الوقت، لكون الشك في المقام كالشك في تلك المسألة. (2) لما عرفت الاشارة إليه، من أن مقتضى كون الغسل على النحو المذكور طهارة اضطرارية عدم جواز فعل الغايات الوسعة معه. لكن الظاهر منهم التسالم على الجواز، والنصوص صريحة في جواز الطواف والوطئ، والتأمل في قولهم: " انها إذا فعلت ذلك كانت بحكم الطاهر " يقتضي أن يكون الجواز عندهم من الواضحات. ومن ذلك يظهر الوجه في قوله (ره): " يجوز للمستحاضة قضاء الفوائت "، كما أشار إلى ذلك في الجواهر. (3) لم يظهر الفرق بين القضاء وغيره، الذي قد تقدم احتياجه إلى تجديد الغسل للاجماع عليه، قال في الروض: " ليس للمستحاضة أن تجمع بين صلاتين بوضوء واحد، سواء في ذلك الفرض والنفل، أما غسلها فللوقت

[ 428 ]

[ والاحوط ترك القضاء إلى النقاء (1). (مسألة 20): المستحاضة تجب عليها صلاة الآيات (2) وتفعل لها كما تفعل لليومية (3)، ولا تجمع بينهما بغسل وإن اتفقت في وقتها (4). (مسألة 21): إذا أحدثت بالاصغر في أثناء الغسل لا يضر بغسلها على الاقوى (5) لكن يجب عليها الوضوء بعده (6) وإن توضأت قبله. (مسألة 22): إذا أجنبت في أثناء الغسل أو مست ميتا استأنفت غسلا واحدا لهما (7) ويجوز لها إتمام غسلها واستئنافه ] تصلي به ما شاءت من النفل والفرض، أداء وقضاء ". (1) لما عرفت من الاشكال في عموم الحكم للغايات الموسعة. (2) لاطلاق أدلة وجوبها. (3) لان ذلك طهارتها من حدثها، التي لا يفرق في اعتبارها بين اليومية وغيرها كما عرفت. (4) هذا لا يخلو من إشكال، للاجماع على عدم الاحتياج إلى التجديد في الوقت، كما تقدمت الاشارة إليه في كلام شيخنا الاعظم (ره). وقال في البرهان القاطع: " لم أجد من أفتى بوجوب تجديده بعد وقوعه لفريضة الوقت لغاية أخرى في وقتها، وهو المتيقن من معقد الاجماع... ". نعم خارج الوقت محل الاشكال في عدم وجوب التجديد، كما تقدم في كلام الروض، ونحوه غيره، كما أشرنا إليه آنفا. (5) كما تقدم في غسل الجنابة. (6) لرفع أثر الحدث الاصغر. (7) تقدم الكلام في ذلك في مسألة تداخل الاغسال.

[ 429 ]

[ لاحد الحدثين إذا لم يناف المبادرة إلى الصلاة بعد غسل الاستحاضة، وإذا حدثت الكبرى في اثناء غسل المتوسطة استأنفت للكبرى (1). (مسألة 23): قد يجب على صاحبة الكثيرة، بل المتوسطة أيضا خمسة أغسال، كما إذا رأت أحد الدمين قبل صلاة الفجر، ثم انقطع (2)، ثم رأته قبل صلاة الظهر ثم انقطع، ثم رأته عند العصر ثم انقطع. وهكذا بالنسبة إلى المغرب والعشاء. ] (1) بلا إشكال ظاهر. لاطلاق دليل اقتضاء الكبرى فيجب إعماله، ولا مجال لاتمام الغسل الاول ثم الاستئناف للكبرى، لان الكبرى تنقض رافع ما دونها، لكونها مع مما دونها من قبيل الاكثر والاقل، فيكون المقام من قبيل الجنابة في أثناء الغسل، والبول أثناء الوضوء، لا من قبيل الجنابة أو المس في أثناء غسل الاستحاضة. (2) يعني: انقطع قبل الغسل والصلاة. وهكذا في الباقي. ووجه وجوب الغسل: أن الدم في جميع الموارد المذكورة حدث يوجب الغسل، كما تقدم في المسألة الرابعة عشرة. ومثله ما لو كان الانقطاع بعد الغسل والصلاة، وكانت الفترة تسع الصلاة في الوقت، فانه يجب عليها تجديد الغسل واعادة الصلاة، لانكشاف فسادهما. لكن هذا الفرض خارج عن مورد الكلام، وإن كان الواجب فيه خمسة أغسال، والاغسال الخمسة المأتي بها باطلة، وإذا كانت الفترة في غير الوقت كما لو رأت الدم بعد الفجر فاغتسلت وصلت وبعد طلوع الشمس انقطع إلى الزوال، ثم رأته وكانت الاستحاضة متوسطة ففي وجوب الغسل للظهر إشكال، لان الفترة لا تزيد على الاستمرار، والاصل يقتضي البراءة، كما عرفت.

[ 430 ]

[ ويقوم التيمم مقامه إذا لم تتمكن منه (1)، ففي الفرض المزبور عليها خمسة تيممات، وإن لم تتمكن من الوضوء أيضا فعشرة (2) كما أن في غير هذه إذا كانت وظيفتها التيمم ففي القليلة خمسة تيممات وفي المتوسطه ستة (3) وفي الكثيرة ثمانية (4) إذا جمعت بين الصلاتين، وإلا فعشرة (5). (فصل في النفاس) وهو دم يخرج مع ظهور أول جزء من الولد (6) ] (1) لما تقدم من إطلاق دليل البدلية. (2) يعني: خمسة بدل الاغسال، وخمسة بدل الوضوءات. (3) يعني: واحد بدل الغسل الواجب للفجر، وخمسة بدل الوضوءات الخمسة (4) ثلاثة منها بدل الاغسال الثلاثة، وخمسة بدل الوضوءات. (5) لانها مع عدم الجمع يجب عليها خمسة أغسال وبدلها خمسة تيممات وبدل الوضوءات خمسة أخرى. والله سبحانه أعلم. والحمد لله رب العالمين. تم بتأريخ 18 صفر سنة 1350. (فصل في النفاس) (6) كما نسبه إلى المشهور جماعة، وعن الخلاف: أنه إجماع. ويدل عليه ما في رواية زريق عن أبي عبد الله (ع): في الحامل ترى الدم، قال (ع): " تصلي حتى يخرج رأس الصبي فإذا خرج رأسه لم تجب عليها الصلاة... إلى أن قال (ع): وهذه قذفت بدم المخاض إلى أن يخرج

[ 431 ]

[ أو بعده (1) قبل انقضاء عشرة أيام من حين الولادة (2)، سواء كان تام الخلقة أولا (3) كالسقط وإن لم تلج فيه الروح، ] بعض الولد، فعند ذلك يصير دم النفاس... " (* 1) ورواية السكوني عن جعفر (ع) عن أبيه (ع) " قال النبي صلى الله عليه وآله: ما كان الله ليجعل حيضا مع حبل. يعني: إذا رأت الدم وهي حامل لا تدع الصلاة، إلا أن ترى على رأس الولد إذا ضربها الطلق ورأت الدم تركت الصلاة " (* 2)، بناء على أن التفسير من الامام (ع) - كما لعله الظاهر - لا من الراوي. وعن الوسيلة والغنية وغيرهما: أنه الدم عقيب الولادة، وظاهره عدم نفاسية المقارن، ونسب ذلك في المعتبر إلى علم الهدى وأبي حنيفة. وقد يشهد له موثق عمار عن أبي عبد الله (ع): " في المرأة يصيبها الطلق أياما أو يومين فتري الصفرة أو دما. قال (ع): تصلي ما لم تلد " (* 3). لكن يجب حمله على إرادة نفي نفاسية ما قبل الولادة، جمعا بينه وبين ما سبق. وفي كشف اللثام احتمل أن يكون مراد السيد والوسيلة وغيرهما من قوله: " عقيب الولادة " ابتداءها، أي ظهور شئ من الولد، فلا خلاف. ويؤيده ظهور كلام الشيخ في الخلاف في دعوى الاجماع على نفاسية ما يرى مع الولادة. فتأمل. (1) بلا خلاف، فانه القدر المتيقن. (2) على ما سيأتي - إن شاء الله تعالى - من أن أكثره عشرة أيام من حين الولادة. (3) استظهر في مفتاح الكرامة: أنه لا كلام لاحد فيه، لصدق


(* 1) الوسائل باب: 30 من أبواب الحيض حديث: 17 (* 2) الوسائل باب: 30 من أبواب الحيض حديث: 12 (* 3) الوسائل باب: 4 من أبواب النفاس حديث: 1

[ 432 ]

[ بل ولو كان مضغة أو علقة (1) بشرط العلم بكونها مبدأ نشوء الانسان، ولو شهدت أربع قوابل بكونها مبدأ نشوء إنسان كفى (2). ] الولادة فيهما بلا إشكال، كما في الجواهر وطهارة شيخنا الاعظم (ره)، وحينئذ يشمله الاطلاق. (1) كما هو المعروف، وعن المدارك: أنه مما قطع به الاصحاب، وفي الجواهر وعن التذكرة وشرح الجعفرية: الاجماع عليه. وهو العمدة فيه. ولو لاه لاشكل، لعدم ثبوت صدق النفاس معهما، ولذا توقف الكركي في إلحاق العلقة، بل عن الاردبيلي: الجزم بعدم إلحاق المضغة والعلقة معا. لكن لا يبعد الصدق، وإن كان لا يخلو من خفاء. والكلام في النطفة ينبغي أن يكون هو الكلام في العلقة، والتفكيك بينهما غير ظاهر، ولكن لم يتعرض لها في كلام الاكثر. نعم عن الشهيد: احتمال الالحاق بالعلقة والمضغة. وكأن وجه التوقف فيها عدم وضوح صدق الولد فيها من جهة عدم التطور والتبدل عرفا. (2) لا إشكال في حجية شهادة القوابل الاربع في الجملة في إثبات الولادة والنفاس، وإنما الاشكال في حجية شهادة الاثنتين والواحدة، فعن المفيد وغيره: ذلك، ويشهد به بعض النصوص (* 1) الواجب حمله على الحجية بالنسبة إلى النصف أو الربع جمعا بين النصوص (* 2)، وعن ابن إدريس وغيره: عدم حجية شهادة الاربع مع وجود الرجال. لكن ذلك مخالف لاطلاق النصوص الدالة على حجية شهادتهن. والكلام في ذلك موكول إلى محله من كتاب الشهادات.


(* 1) الوسائل باب: 24 من أبواب الشهادات حديث: 2 و 42 و 52 (* 2) الوسائل باب: 24 من أبواب الشهادات حديث: 6 و 46 و 49

[ 433 ]

[ ولو شك في الولادة أو في كون الساقط مبدأ نشوء الانسان لم يحكم بالنفاس (1) ولا يلزم الفحص (2) أيضا. وأما الدم الخارج قبل ظهور أول جزء من الولد فليس بنفاس (3). نعم لو كان فيه شرائط الحيض كأن يكون مستمرا من ثلاثة أيام فهو حيض (4) وإن لم يفصل بينه وبين دم النفاس أقل الطهر على الاقوى (5) ] (1) بل تكون حاله حال الدم المشكوك الخارج من المرأة من الحكم عليه بأنه حيض إن أمكن، لقاعدة الامكان، وإن لم يمكن، فان جرت فيه أصالة الاستحاضة - كما تقدم بيانها في مبحث الاستحاضة - فهو، وإلا كان المرجع فيه الاصل المختلف اقتضاؤه باختلاف كون الحالة السابقة المتيقنة هي الطهر أو غيره. أما لو علم بالولادة واحتمل كون الدم غير نفاس فالظاهر أنه لا إشكال في الحكم بنفاسيته، لاصالة النفاس في كل دم يخرج بعد الولادة، كما صرح به بعض الاعاظم (ره). والعمدة في هذا الاصل - مضافا إلى ظهور الاجماع - بناء العرف عليه. (2) كما هو الحال في جميع الشبهات الموضوعية، عدا الشاذ النادر الذي قام الدليل فيه بالخصوص على وجوب الفحص فيه. والوجه في عدم وجوبه إطلاق أدلة الاصول المتقدمة، من قاعدة الامكان في الحيض، أو الاستحاضة، أو استصحاب الطهر، أو غيره. فلاحظ. (3) إجماعا، ادعاه غير واحد من الاعاظم. مضافا إلى النصوص المتقدمة من موثق عمار وغيره. (4) لقاعدة الامكان بناء على إمكان حيض الحامل. (5) كما عن التذكرة والمدارك والذخيرة وحواشي الشهيد وغيرها، وفي المنتهى: الميل إليه، وعن النهاية: احتماله. واستدل له باطلاقات

[ 434 ]

أحكام الحيض. وبقاعدة الامكان. وبما دل على حيضية المرئي في العادة أو بالصفة. لكن الاطلاق مقيد بما يأتي. وقاعدة الامكان وما بعدها إنما يصح التمسك بهما في الشبهة الموضوعية لا الحكمية كما فيما نحن فيه. ومن هنا كان المشهور - كما قيل - هو اعتبار الفصل بأقل الطهر، والعمدة فيه إطلاق ما دل على أن الطهر لا يكون أقل من عشرة أيام. ودعوى: انصرافه أو اختصاصه بما بين الحيضتين فلا يشمل ما بين الحيض والنفاس، ممنوعة، كما تقدم في الحيض. كدعوى: أن بينه وبين إطلاقات أحكام الحيض عموما من وجه، وليس هو باظهر منها. إذ لو سلم ذلك يكون المرجع الاصل المقتضي لنفي الحيضية. ثم إن شيخنا الاعظم (ره) - بعدما استشكل في التمسك باخبار أقل الطهر بأن الظاهر منها الطهر بين الحيضتين - قال: " مع أنها إنما تنفي كون الاقل طهرا فلعله حيض أو نفاس أو حالة حدث بين الحدثين ". وهو - كما ترى - غير واضح، لان الكلام في صورة الدم المنقطع قبل النفاس بأقل من عشرة أيام، وهذا النقاء الاقل من عشرة ليس بنفاس، لما سبق من أن الناس الدم حال الولادة أو بعدها، فلا يشمل ما قبلها من الدم فضلا عن النقاء، وليس بحيض، لان النقاء لا يكون حيضا إلا إذا تخلل بين دمين محكومين بأنهما حيض واحد، وليس هناك حدث ثالث إجماعا. وبالجملة: ما ذكره من الاحتمالات كلها خلاف الاجماع ولا تساعدها الادلة. نعم إذا كان الدم والنقاء مجموعهما لا يتجاوز العشرة، فان الاخبار المتضمنة أن أقل الطهر عشرة تقتضي الحاقه بالحيض، نظير ما يقال في تقريب حيضية النقاء المتخلل بين أجزاء الحيضة الواحدة. لكن الاخذ بالادلة في هذه الصورة خلاف الاجماع ظاهرا على كون النقاء طهرا.

[ 435 ]

[ خصوصا إذا كان في عادة الحيض (1) أو متصلا بالنفاس، ولم يزد مجموعهما عن عشرة أيام (2) كأن ترى قبل الولادة ثلاثة أيام وبعدها سبعة مثلا. لكن الاحوط مع عدم الفصل بأقل الطهر مراعاة الاحتياط خصوصا في غير الصورتين من كونه في العادة أو متصلا بدم النفاس. ] وقد يستدل له (تارة) بما دل على اعتبار الفصل بذلك فيما بين النفاس والحيض اللاحق بضميمة عدم القول بالفصل بين اللاحق والسابق. وفيه: عدم ثبوت عدم القول بالفصل، لتحقق الخلاف. ولو سلم لم يجد ما لم يكن قولا بعدم الفصل. و (أخرى) بما دل على أن النفساء كالحائض. وفيه: أنه لو سلم ثبوته فظاهره خصوص أحكام الحيض والحائض، لا أحكام الطهر وان كانت راجعة إلى الحيض بوجه. و (ثالثة) بروايتي عمار وزريق (* 1). وفيه: أنهما مختصان بدم المخاض ولا تعرض فيهما لما نحن فيه. وما في كلام شيخنا الاعظم (ره) - من أن العمدة الروايتان - غير ظاهر. (1) قد عرفت أن ما دل على حيضية ما في العادة لا يصلح لرفع الشك بنحو الشبهة الحكمية. (2) الحكم بحيضية الدم المرئي قبل الولادة في الفرض المذكور لا ينافيه ما دل على كون أقل الطهر عشرة بوجه، وإنما ينافيه ما يدل على أن النفاس بحكم الحيض من جميع الجهات، فكما يعتبر الفصل بأقل الطهر بين الحيضتين يعتبر الفصل به بين الحيض والنفاس، إلا أن ثبوت الدليل على ذلك محل إشكال أو منع. وعلى تقدير عدمه، فالدم المذكور إما أن يعلم بأنه من دم


(* 1) تقدمتا في أول الفصل

[ 436 ]

[ (مسألة 1): ليس لاقل النفاس حد (1) بل يمكن أن يكون مقدار لحظة بين العشرة (2) ] الحيض المتكون خلقة في المرأة وإما أن يشك، ففي الاول يجري عليه حكم الحيض. لاطلاق أدلته النافي للتقييد الشرعي زائدا على الموضوع العرفي، كما هو الحكم في جميع موارد الشك في تقييد الموضوع الشرعي زائدا على ما عند العرف، فان مقتضى الاطلاقات المقامية العمل بما عند العرف. ودعوى: تقييدها بروايتي زريق وعمار. مندفعة بظهورهما بدم المخاض، بل الاولى صريحة فيه، فلا تعرض فيهما لمعلوم الحيضية. ولا فرق في ذلك بين أن يزيد مجموعهما على عشرة أيام وبين أن لا يزيد، لاطلاق ما ذكرنا. وما دل أن الحيض لا يكون أكثر من عشرة والنفاس لا يكون أكثر من عشرة لا يقتضي أن يكون مجموع الحيض والنفاس المتصلين لا يزيد على العشرة. إلا أن يستفاد من الادلة. أن الجامع لا يجوز أن يزيد على عشرة لكنه غير ظاهر. وفي الثاني يرجع إلى أصالة الطهارة، إذ لا مجال لقاعدة الامكان أو غيرها من أمارات الحيض، لما عرفت من اختصاصها بالشبهة الموضوعية. فتأمل. (1) إجماعا، كما عن الخلاف والغنية والمعتبر والمنتهى والتذكرة والذكرى وكشف الالتباس والروض وظاهر المدارك وشرح المفاتيح. (2) كما قاله الاصحاب، ويقتضيه - مضافا إلى إطلاق الادلة - رواية ليث المرادي عن أبي عبد الله (ع) قال: " سألته عن النفساء كم حد نفاسها حتى يجب عليها الصلاة وكيف تصنع؟ قال (ع): ليس لها حد " (* 1)، فانها وإن كانت ظاهرة في نفي التحديد من طرف الكثرة،


(* 1) الوسائل باب: 2 من أبواب النفاس حديث: 1

[ 437 ]

[ ولو لم تردما فليس لها نفاس أصلا (1)، وكذا لو رأته بعد العشرة من الولادة (2)، وأكثر عشرة أيام (3) ] لكن يجب حملها على طرف القلة بقرينة الاجماع والنصوص على تحديد الكثرة. فتأمل. (1) إجماعا، حكاه جماعة كثيرة. (2) هذا بناء على أن أكثره عشرة، وأما بناء على أن أكثره أكثر من ذلك فهو نفاس على ما ذكره في المنتهى. نعم لو رأته بعد الولادة ثم انقطع ورأته بعد العشرة ففيه احتمالان ذكرهما في المنتهى: احتمال الحكم بالحيض، واحتمال الحكم بالنفاس. (3) كما هو المشهور، كما عن جماعة. واستدل له بأمور: الاول: أصالة عدم النفاس، أو أصالة عدم أحكامه. ولا يعارضه استصحاب موضوعه - لمنع جريانه في التدريجيات - ولا استصحاب أحكامه لانه فرع بقاء موضوعها، أعني: النفساء شرعا. مع أن الاستصحاب المذكور لا يجري في بعض الصور، كما لو حدث الدم بعد العشرة. كذا ذكره شيخنا الاعظم في طهارته. وفيه: أولا: أن أصالة عدم النفاس إن كان المراد بها أصالة عدم النفاس الشرعي العرفي فلا مجال لها، لان الشك إن كان فهو من جهة الشك في المفهوم، ومعه لا مجال للاستصحاب كما عرفت مكررا. وثانيا: أن التحقيق صحة جريان الاستصحاب في التدريجيات، كما حققه المستدل (ره) في محله. وثالثا: أنه يكفي في بقاء الموضوع في الاستصحاب صدق البقاء عرفا، وهو حاصل فلا مانع من استصحاب الاحكام. نعم لو كان المرجع في تشخيص الموضوع الاستصحابي هو الدليل، فالشك في دلالة الدليل على تقييد النفساء بالعشرة يوجب الشك.

[ 438 ]

في بقاء الموضوع الشرعي، لكن ذلك خلاف ما حققه المستدل نفسه (ره) ورابعا: إمكان جريان الاستصحاب التعليقي في صورة حدوث الدم بعد العشرة، فيقال: كان الدم بحيث لو رئي قبل العشرة لكان نفاسا وهو على ما كان. وقد حقق المستدل (ره) نفسه صحة الاستصحاب التعليقي في محله. إلا أن يقال: القضية الشرطية المذكورة ليست مذكورة في الدليل الشرعي، وإنما هي مستنبطة منه، لكونها من لوازم. مضمونه، وذلك غير كاف في صحة الاستصحاب التعليقي، كما أشرنا إلى ذلك في مبحث نجاسة العصير. هذا وأما استصحاب الحدث فهو وإن كان لا يتوقف على القول بصحة الاستصحاب في الامور التدريجية، لكون الظاهر أن الحدث من الامور القارة المستند حدوثه إلى وجود الدم، وبقاؤه إلى استعداد ذاته، الا أنه لا يجدي في ترتيب أحكام النفساء، بل إنما يجدي في ترتيب أحكام الحدث والفرق بينهما ظاهر. الثاني: ما ورد من أن النفاس حيض محتبس (* 1). وفيه - كما تقدم - أنه وارد لبيان قضية واقعية خارجية لا تشريعية تنزيلية، ولا سيما بملاحظة توصيفة بالاحتباس، إذ لا أثر للحيض المحتبس ليصح التنزيل منزلته، فلا مجال للتمسك به في أمثال المقام. الثالث: مرسلة المفيد المحكية في السرائر عنه: " أنه سئل كم قدر ما تقعد النفساء عن الصلاة وكم مبلغ أيام ذلك؟ فقد رأيت في كتاب أحكام النساء: أحد عشر يوما، وفي رسالة المقنعة: كتاب الاعلام: أحد وعشرين يوما. فعلى أيها العمل؟ فأجاب: الواجب على النفساء أن تقعد عشرة أيام... (إلى أن قال): وعملي في


(* 1) تقدم التعرض لذلك في المسألة العشرين من فصل أحكام الحيض. ويأتي الكلام فيه في المسألة العاشرة من هذا الفصل

[ 439 ]

ذلك على عشرة أيام، لقول الصادق (ع). لا يكون النفاس لزمان اكثر من زمان الحيض " وفي المقنعة قال: " وقد جاءت أخبار معتمدة في أن أقصى مدة النفاس هو عشرة أيام (* 1)، وعليها أعمل لوضوحها عندي " بناء على أنه من عبارة المقنعة كما هو الظاهر، وعليه العلامة وكاشف اللثام والوسائل (* 2) وغيرهما، خلافا لما في الذكرى من نسبة الكلام المذكور إلى التهذيب، قال: " وفي التهذيب قال: جاءت أخبار... "، ونحوه في جامع المقاصد وعن الروض وظاهر السرائر. وإن كان لا يهم تحقيق ذلك، لان إرسال الشيخ لا يقصر عن إرسال المفيد. وفيه: وهن المرسلتين المذكورتين بعدم ذكرهما مسندتين في المجاميع فيقرب جدا كون المراد بهما الاخبار التي ذكرها في التهذيب دليلا على كون الاكثر عشرة أيام، التي قد روي أكثرها عن المفيد، المتضمنة أنها تقعد بقدر أيامها ثم تغتسل وتصلي ويغشهاها زوجها إن أحب. وكأن وجه الاستدلال بها: أن غاية أيام العادة عشرة. ولا ينافيها ما تضمن منها الامر بالاستظهار بيوم أو أكثر من جهة ظهوره في تجاوز النفاس عن العادة ولو كانت عشرة، لاختصاص الاستظهار بصورة كون العادة دون العشرة، كما تقتضيه مرسلة ابن المغيرة: " إذا كانت أيام المرأة عشرة لم تستظهر، فان كانت أقل استظهرت " (* 3). وفيه: - مع اختصاص تلك النصوص بالمعتادة - أنها إنما تدل على أن أكثر النفاس العادة التي تختلف باختلاف النساء مع أنها واردة في مقام بيان الحكم الظاهري عند اشتباه النفاس بالاستحاضة لا في مقام تحديد النفاس واقعا بذلك، فهي كاخبار رجوع المستحاضة إلى


(* 1) الوسائل باب: 3 من أبواب النفاس حديث: 10 (* 2) الوسائل باب: 3 من أبواب النفاس حديث: 10 (* 3) الوسائل باب: 13 من أبواب الحيض حديث: 2

[ 440 ]

عادتها في الحيض الاجنبية عن مقام تحديد الحيض. ولاجل ذلك يظهر أن نفي الاستظهار بعد العشرة - كما في المرسلة - لا يدل على أنها أكثر النفاس نظير الاستظهار بيوم واحد بعد العادة. ومن ذلك يظهر الاشكال فيما ذكره الشيخ في التهذيب، فانه بعد ما روى رواية مالك بن أعين عن أبي جعفر (ع): " عن النفساء يغشاها زوجها وهي في نفاسها من الدم قال (ع): نعم، إذا مضى لها منذ يوم وضعت بقدر أيام عدة حيضها، ثم تستظهر بيوم، فلا بأس بعد أن يغشاها زوجها، يأمرها فتغتسل ثم يغشاها إن أحب " (* 1) قال: " وهذا الحديث يدل على أن اكثر أيام النفساء مثل أكثر أيام الحيض، لانه لو كان زائدا على ذلك لما وسع لزوجها وطؤها، كما قدمناه من أن النفساء لا يجوز وطؤها أيام نفاسها ". فانه كما ترى، فان جواز الوطئ اعتمادا على الاماره لا يدل على انتهاء مدة النفاس واقعا، ولو سلم لكانت الرواية دالة على أن اكثر النفاس العادة، ويوم الاستظهار وإن لم يبلغ العشرة، ولو كان المنع يوم الاستظهار من جهة الاحتياط كان أكثر النفاس العادة لا غير، كما عرفت في أخبار الرجوع إلى العادة. الرابع: ما رواه يونس بن يعقوب عن أبي عبد الله (ع): " عن امرأة ولدت فرأت الدم اكثر مما كانت ترى. قال (ع): فلتقعد أيام قرئها التي كانت تجلس، ثم تستظهر بعشرة أيام... " (* 2). بناء على أن المراد أنها تستظهر إلى عشرة أيام - كما في التهذيب - لان حروف الصفات يقوم بعضها مقام بعض. انتهى. ويشهد له روايته بهذا السند وبهذا المتن


(* 1) الوسائل باب: 3 من أبواب النفاس حديث: 4 (* 2) الوسائل باب: 3 من أبواب النفاس حديث: 3

[ 441 ]

في الحائض (* 1). وفيه: ما أشرنا إليه من أنها واردة في بيان الحكم الظاهري فلا يدل الامر بالاستظهار إلى العشرة فيها على كونها أكثر النفاس، نظير الاستظهار بيوم أو يومين. مع أن جعل (الباء) بمعنى (إلى) خلاف الظاهر. والالتزام به في روايته الاخرى بقرينة الاجماع والنصوص لا يقتضي الالتزام به في المقام. هذا والمنسوب إلى المفيد في المقنعة والسيد والصدوق والاسكافي - وفي الخلاف وعن المبسوط: نسبته إلى قوم من أصحابنا - أن أكثر النفاس ثمانية عشر يوما. ويشهد له جملة من النصوص كرواية حنان بن سدير: " لاي علة أعطيت النفساء ثمانية عشر يوما ولم تعط أقل ولا أكثر؟ قال (ع): لان الحيض أقله ثلاثة، وأوسطه خمسة، وأكثره عشرة، فأعطيت أقله وأوسطه وأكثره " (* 2)، ونحوه مرسلة الفقيه (* 3). وفي كتاب الرضا (ع) إلى المأمون: " والنفساء لا تقعد عن الصلاة أكثر من ثمانية عشر يوما، فان طهرت قبل ذلك صلت، وان لم تطهر حتى تجاوز ثمانية عشر يوما اغتسلت... " (* 4)، ومرسلة المقنع: " روي: أنها تقعد ثمانية عشر يوما " (* 5)، وفي مرسلة الصدوق الواردة في قصة أسماء: " فأمرها رسول الله صلى الله عليه وآله أن تقعد ثمانية عشر يوما " (* 6). وفيه: أنه يشكل العمل بالجميع، إذ هي ما بين ضعيف الاسناد وضعيف بالارسال، أو مما يشكل العمل فيه باصالة الجهة، لكون المكتوب


(* 1) الوسائل باب: 13 من أبواب الحيض حديث: 12 (* 2) الوسائل باب: 3 من أبواب النفاس حديث: 23 (* 3) الوسائل باب: 3 من أبواب النفاس حديث: 22 (* 4) الوسائل باب: 3 من أبواب النفاس حديث: 24 (* 5) الوسائل باب: 3 من أبواب النفاس حديث: 26 (* 6) الوسائل باب: 3 من أبواب النفاس حديث: 21

[ 442 ]

إليه مما يخاف منه لسلطته وجوره. وانجبار الضعف بدعوى السيد أنه مما انفردت به الامامية، وبعمل مثله ممن لا يعمل إلا بالقطعيات، غير ثابت، إذ دعواه غير ظاهرة المأخذ، وعمله متفرع عليها، فكيف يكون صالحا للجبر؟!. هذا مضافا إلى معارضة هذه النصوص بمرفوع إبراهيم بن هاشم " سألت امرأة أبا عبد الله (ع) فقالت: إني كنت أقعد في نفاسي عشرين يوما حتى أفتوني بثمانية عشر يوما. فقال أبو عبد الله (ع): ولم أفتوك بثمانية عشر يوما؟ فقال رجل: للحديث الذي روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال لاسماء بنت عميس حين نفست بمحمد بن أبي بكر. فقال أبو عبد الله عليه السلام: إن أسماء سألت رسول الله صلى الله عليه وآله وقد أتي لها ثمانية عشر يوما، ولو سألته قبل ذلك لامرها أن تغتسل وتفعل كما تفعل المستحاضة " (* 1) ونحوه ما عن المنتقي نقلا عن كتاب الاغسال لاحمد بن محمد بن عياش الجوهري (* 2). اللهم إلا أن يضعف الاول بالرفع، والثاني بما عن النجاشي من قوله: " رأيت شيوخنا يضعفونه فلم أرو عنه وتجنبته ". ثم إنه قد يستدل على هذا القول بصحيح محمد وفضيل وزرارة (* 3) وموثق زرارة (* 4) المتضمنين أن أسماء نفست بمحمد بن أبي بكر حين أرادت الاحرام من ذي الحليفة، وأنها لما قدمت مكة بعد ثمانية عشر يوما بعد أن نسكت مناسك الحج أمرها رسول الله صلى الله عليه وآله أن تغتسل وتطوف وتعمل عمل المستحاضة. ودلالتها - كما ترى - قاصرة، كما أشير إلى ذلك في الخبرين المتقدمين. وبصحيح محمد بن مسلم: " عن النفساء كم تقعد؟


(* 1) الوسائل باب: 3 من أبواب النفاس حديث: 7 (* 2) الوسائل باب: 3 من أبواب النفاس حديث: 11 (* 3) الوسائل باب: 3 من أبواب النفاس حديث: 19 (* 4) الوسائل باب: 3 من أبواب النفاس ملحق حديث: 19

[ 443 ]

فقال (ع): إن أسماء بنت عميس أمرها رسول الله صلى الله عليه وآله أن تغتسل لثمان عشرة، ولا بأس بأن تستظهر بيوم أو يومين " (* 1). وفيه: أن الاستظهار بيوم أو يومين يقتضي جواز تجاوزه الثمانية عشر، بل تجاوزه العشرين لانه لا يظهر منه أن أيام الاستظهار غاية أيام النفاس. وأيضا يدل بمقتضى تأنيث العدد على أن المراد الليالي لا الايام. وأيضا فان صريح صدره السؤال عن الحد وفي الجواب لم يتعرض لذلك، وحينئذ يشكل العمل بأصالة الجهة أو أصالة عدم النقصان، للعلم بوجود الخلل في إحداهما. بصحيحه الآخر: " كم تقعد النفساء حتى تصلي؟ قال (ع): ثمان عشرة أو سبع عشرة، ثم تغتسل وتحتشي وتصلي " (* 2). وفيه: أن الترديد مانع من حمله على التحديد الشرعي، فلا يبعد أن يكون من الراوي، فيسقط عن الحجية على الثمانية عشر. بل تأنيث العدد يدل على أن المراد الليالي. وبالجملة: النصوص المتضمنة لقصة أسماء لا دلالة فيها على التحديد بالثمانية عشر، حتى صحيح محمد بن مسلم، فانه - وإن تضمن صدره السؤال عن الحد - قد عرفت جهات الاشكال فيه المانعة من صحة الاستدلال به على هذا القول. وأما غيرها من النصوص فالدال منها ضعيف السند أو ضعيف الجهة، وغيره لا يصلح للحجية. فالقول المذكور لا دليل عليه. وعن المختلف: " أن ذات العادة ترجع إلى عادتها في الحيض، والمبتدئة تصبر ثمانية عشر يوما "، وعن التنقيح: أنه استحسنه، وعن بعض متأخري المتأخرين: اختياره. ووجهه الجمع بين ما دل على الرجوع إلى العادة وما دل على الثمانية عشر، لاختصاص مورد الاول بالمعتادة


(* 1) الوسائل باب: 3 من أبواب النفاس حديث: 15 (* 2) الوسائل باب: 3 من أبواب النفاس حديث: 12

[ 444 ]

فيكون مختصا بها فيقيد به إطلاق الثاني. وفيه: ما عرفت من أن ما دل على الرجوع إلى العادة - ولا سيما بملاحظة اشتمال جملة منه على الاستظهار - وارد في مقام الحكم الظاهري، ولا تعرض فيه لتحديد أكثر النفاس واقعا. مضافا إلى ما عرفت من الاشكال في الاعتماد على ما دل على الثمانية عشر. وأشكل منه ما ذكره في المنتهى من أن أكثر النفاس للمعتادة عشرة وللمبتدئة والمضطربة والناسية لعادتها ثمانية عشر يوما، جمعا بين النصوص، إذ الحكم في كل من الشقين لا دليل عليه ظاهر. ومن هنا يظهر أن تحديد أكثر النفاس من المشكلات بملاحظة صناعة الاستدلال، ولذلك قال في الذكرى: " الاخبار الصحيحة المشهورة تشهد برجوعها إلى عادتها في الحيض، والاصحاب يفتون بالعشرة، وبينهما تناف ظاهر... (إلى أن قال): وحينئذ فالرجوع إلى عادتها - كقول الجعفي في الفاخر وابن طاووس والفاضل رحمهم الله تعالى - أولى. وكذا الاستظهار كما هو هناك. نعم قال الشيخ (ره): لا خلاف بين المسلمين أن عشرة أيام إذا رأت المرأة الدم من النفاس، والذمة مرتهنة بالعبادة قبل نفاسها فلا يخرج عنها إلا بدلالة، والزائد على العشرة مختلف فيه. فان صح الاجماع فهو الحجة. ولكن فيه طرح للاخبار الصحيحة ". وفيه: أن الاخبار لا تنافي الاجماع - إن تم - لما عرفت من أنها واردة في مقام الحكم الظاهري لا غير، ولذا لا ينافي ذلك ما ذكروه من أنه إذا تجاوز الدم العشرة اقتصرت على العادة. كما لا ينافي قولهم: أكثر الحيض عشرة، لما ذكروه من أن المستحاضة تقتصر على عادتها. وكيف كان فالذي تطمئن به النفس مذهب المشهور. ويشير إليه أن أخبار الرجوع إلى العادة وما اشتمل على الاستظهار منها كلها مساقة مساق

[ 445 ]

[ وإن كان الاولى مراعاة الاحتياط بعدها أو بعد العادة (1) إلى ثمانية عشر يوما من الولادة. والليلة الاخيرة خارجة (2) ] أخبار الحائض. وكأن الوجه في إهمال التعرض له في النصوص ما علم من أن النفساء بمنزلة الحائض في جميع الاحكام إلا ما خرج، وما تعرضت له النصوص كان مبنيا على التقية أو نحوها. ومن هنا تعرف أن ما دل على غير المشهور مطروح مثل ما دل على السبعة، عشر، أو الثمانية عشر، أو على العشرين، أو على الثلاثين، أو على ما بين الثلاثين والاربعين، أو على ما بين الاربعين إلى الخمسين، أو على ثلاثين يوما أو أربعين إلى الخمسين، أو على نفي الحد بالمرة، وأنها تقعد حتى تطهر، أو غير ذلك من المضامين. ثم إنه حكي في المعتبر والتذكرة عن العماني: القول بأن أكثر النفاس أحد وعشرون يوما، قال في الاول - بعد نقل ذلك -: " وقد روى ذلك البزنطي في كتابه عن جميل عن زرارة ومحمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام... ثم قال (ره) - بعد ذلك -: وأما ما ذكره ابن أبي عقيل فانه متروك والرواية به نادرة ". وتقدم عن السرائر عن المفيد: القول بذلك أيضا في كتاب الاعلام. كما تقدم القول بانه أحد عشر يوما في كتاب أحكام النساء. ولم يعرف له مستند. والله سبحانه أعلم. (1) يعني: بعد العشرة لغير ذات العادة، أو بعد العادة لذات العادة لما سيأتي من أنه إذا تجاوز الدم العشرة رجعت ذات العادة إليها وكان الباقي بعدها استحاضة. (2) لخروج الليل عن اليوم لغة وعرفا.

[ 446 ]

[ وأما الليلة الاولى إن ولدت في الليل فهي جزء من النفاس (1) وإن لم تكن محسوبة من العشرة (2). ولو اتفقت الولادة في وسط النهار يلفق من اليوم الحادي عشر لا من ليلته (3). وابتداء الحساب بعد تمامية الولادة (4) وإن طالت لا من ] (1) إذ الدم فيها من أظهر مصاديق النفاس، وليس ما يوجب خروجه عنه. (2) لما عرفت من خروج الليل عن اليوم من غير فرق بين الليل السابق واللاحق. هذا ولا منافاة بين عدم احتسابها من العشرة وترتيب آثار النفاس على ما فيها كما هو ظاهر. (3) تقدم في الحيض الوجه في لزوم التلفيق من النهار دون الليل. (4) كما عن شرح البغية التصريح به، وان لم يعثر على مصرح به ممن تقدم، إلا أنه يفهم من كلامهم في مسألة التوأمين الآتية. مع أنه مما لا ينبغي الاشكال فيه، إذ لو كان الحساب من حين خروج أول جزء من الولد يلزم البناء على الطهر مع عدم تحقق الولادة فيما لو خرج جزء من الولد وبقي غير منفصل حتى مضى أحد عشر يوما، وهو مقطوع بفساده، فقولهم: " أكثر النفاس عشرة "، لا يراد منه أنه لا تكون مدة النفاس اكثر من عشرة، بل المراد أنه لا يزيد النفاس استمرارا وبقاء اكثر من عشرة من حين الولادة. وهذا وان كان خلاف مقتضى الجمود على ظاهر العبارة بل خلاف مقتضى ما ذكروه من مساواة النفاس للحيض، إلا أنه لا بد من الالتزام به لما عرفت. ويشير إلى ذلك ما في رواية مالك بن أعين عن أبي جعفر (ع): " إذا مضى لها منذ يوم وضعت بقدر أيام عدة حيضها ثم تستظهر بيوم فلا بأس بعد أن يغشاها زوجها... " (* 1)، ونحوه غير. والظاهر أن


(* 1) الوسائل باب: 3 من أبواب النفاس حديث: 4

[ 447 ]

[ حين الشروع، وإن كان إجراء الاحكام من حين الشروع (1) إذا رأت الدم إلى تمام العشرة من حين تمام الولادة. (مسألة 2): إذا انقطع دمها على العشرة أو قبلها فكل ما رأته نفاس، سواء رأت تمام العشرة أو البعض الاول (2) أو البعض الاخير (3) أو الوسط أو الطرفين (4) ] وجه الفرق بين المقامين أن حال الحيض هو حال الدم فلا ينطبق إلا مع رؤية الدم، بخلاف حال النفاس فانه الزمان المتصل بالولادة فينطبق حتى مع عدم الدم، فنصوص التحديد راجعة إلى ذلك الحال وان لم ير فيها الدم. (1) كما سبق. (2) بلا خلاف ولا إشكال، لعموم الادلة لو علم كونه نفاسا، ولقاعدة الامكان التي لا اشكال فيها هنا لو شك فيه. (3) ولو كان هو اليوم العاشر، كما عن السرائر والجامع والمعتبر والمنتهى والتحرير وغيرها، وعن المدارك: انه مقطوع به في كلام الاصحاب، لكن استشكل فيه بعدم استناد هذا الدم إلى الولادة فيشك في كونه نفاسا. وهو في محله لولا ظهور الاجماع على جريان قاعدة الامكان فيه، كما يظهر من ملاحظة كلماتهم فيما لو رأته في الطرفين. فتأمل جيدا. ومما ذكرنا يظهر وجه الحكم بنفاسية الدم في الفروض الآتية. (4) إجماعا، كما عن ظاهر الاردبيلي، واجماعا على الظاهر المستظهر من بعض العبائر، كما في طهارة شيخنا الاعظم (ره) وصريح غير واحد: نفي الخلاف فيه، وفي جامع المقاصد: " لا بحث فيه ". وهذا هو العمدة فيه. وصدق النفاس عليهما - كما في طهارة شيخنا الاعظم (ره) - غير ظاهر عرفا في بعض الاحوال.

[ 448 ]

[ أو يوما ويوما لا، وفي الطهر المتخلل بين الدم تحتاط بالجمع بين أعمال النفساء والطاهر (1). ولا فرق في ذلك بين ذات العادة العشرة أو أقل وغير ذات العادة (2). ] (1) كما تقدم في الحيض. لكن تقدم هناك أن الاقوى الحكم بحيضيته اعتمادا على إطلاق ما دل على أن أقل الطهر عشرة، وينبغي أن يكون الحكم هنا كذلك، لذلك. ولما عرفت من نفي الخلاف ودعوى ظهور الاجماع من غير واحد. وما عن الذخيرة - من التوقف فيه لعدم ثبوت الاجماع على الكلية وفقد النص الدال عليه - ضعيف. كما أن البناء على ثبوت أقل الطهر دون العشرة في مسألة التوأمين لا ينافي ما ذكرناه، لامكان تخصيص القاعدة المذكورة كما هو ظاهر. (2) بلا خلاف فيه ظاهر، لا طراد ما تقدم من الادلة في جميع الصور المذكورة. نعم قال في الذكرى: " ولو رأت العاشر لا غير فهو النفاس، لانه في طرفه. وعلى اعتبار العادة ينبغي أن يكون ما صادفها نفاسا دون ما زاد عليها. ويحتمل اعتبار العشرة هنا ". وفي الرياض: استشكل فيه للشك في صدق دم الولادة. مضافا إلى أمرها بالرجوع إلى العادة التي لم تر فيها شيئا بالمرة. وفي الاول: ما عرفت من ضعف المبني، وفي الثاني: أنه غير ظاهر، لاختصاص الامر بالرجوع إلى العادة بصورة الرؤية فيها مع التجاوز. نعم الشك في صدق دم الولادة في محله، وذلك يوجب الشك في جريان الاحكام. اللهم إلا أن يدعى الاجماع عليه مع إمكان النفاس وعدم الصارف عنه، كما يظهر من غير واحد، وقد ذكر في الرياض: أن بعض العبارات تشعر بالاجماع عليه. انتهى. ولعل وجهه ما عرفت من أن نصوص التحديد راجعة إلى تحديد الزمان المتصل بالولادة، فالدم المرئي فيه

[ 449 ]

[ وإن لم تر دما في العشرة فلا نفاس لها (1) وإن رأت في العشرة (2) وتجاوزها فان كانت ذات عادة في الحيض أخذت بعادتها سواء كانت عشرة أو أقل (3) وعملت بعدها عمل المستحاضة، ] يكون موضوعا للاحكام قل أو كثر ما لم يخرج عن الحد. (1) للاجماع على أن مبدأ العشرة من حين الولادة، كما في طهارة شيخنا الاعظم (ره) وغيرها. وقد يشهد له ما في رواية مالك بن أعين المتقدمة (* 1) وغيرها، مثل ما ورد من قول النبي صلى الله عليه وآله لاسماء: " منذ كم ولدت؟ " (* 2). لكن شيخنا في الجواهر استشكل في ذلك، لظهور الروايتين في واجدة الدم، فلا تشملان ما لو رأته في العاشر أو فيما بعده. نعم قام الاجماع على نفي نفاسية ما بعده فيبقي العاشر، وحينئذ يحكم بتكملته في المعتادة بما بعد العشرة، لما دل على أنها تأخذ بعادتها، بناء على ما يأتي من ظهورها في العادة العددية التي مبدؤها الرؤية كالحائض، كما هو قضية مساواتها للحائض في الاحكام. وفيه: أنه لا مجال لذلك كله بعد كون الحكم المذكور من المسلمات. وغلبة رؤية الدم حين الولادة لا توجب الانصراف المعتد به، وإن ذكر شيخنا الاعظم في طهارته أنه غير بعيد. (2) مورده الرؤية في تمام العشرة. أما إذا رأت بعض العشرة فسيأتي بيان صوره في المسألة الآتية. (3) على المشهور كما في الرياض، سواء رأته متصلا بالولادة أم منفصلا عنها، لاطلاق ما دل على رجوع النفساء إلى عادتها وجعل الباقي استحاضة. واحتمال انصرافه عن صورة الانفصال بعيد، كما في طهارة شيخنا الاعظم.


(* 1) الوسائل باب: 3 من أبواب النفاس حديث: 4 (* 2) الوسائل باب: 3 من أبواب النفاس حديث: 19

[ 450 ]

[ وإن كان الاحوط الجمع إلى الثمانية عشر كما مر، وإن لم تكن ذات عادة كالمبتدئة والمضطربة فنفاسها عشرة أيام (1) وتعمل بعدها عمل المستحاضة مع استحباب الاحتياط المذكور. ] هذا وفي المعتبر قال: " وتعتبر حالها عند انقطاعه قبل العشرة، فان خرجت القطنة نقية اغتسلت، وإلا توقعت النقاء أو انقضاء العشرة "، ونحوه ما في النافع، ومقتضاه التحيض بالعشرة مع تجاوز الدم ولو كانت معتادة، بل صرح في الاول بأن النفساء لا ترجع مع تجاوز الدم إلى عادتها في النفاس ولا إلى عادتها في الحيض ولا إلى عادة نسائها، بل تجعل عشرة نفاسا وما زاد استحاضة. انتهى. واستدل له بأن أكثر النفاس عشرة. وبرواية يونس المتقدمة (* 1) المتضمنة للاستظهار بعشرة. وفيه: أن كون أكثر النفاس عشرة لا يقتضي البناء عليه مع الشك، فضلا عن صلاحية معارضة ما تضمن الرجوع إلى العادة، كما هو كذلك في الحيض. والرواية - لو تم كون المراد منها الاستظهار إلى العشرة - لا تقتضي ذلك إلا بناء على أن أيام الاستظهار من أيام النفاس، وهو ممنوع، لانه خلاف ظاهر نصوصه، كما عرفت في مبحث الحيض. ولو كان المراد التنفس إلى العشرة لم يكن وجه لذكر عنوانين في النص: عنوان التنفس في العادة وعنوان الاستظهار، بل كان اللازم الامر بالتنفس بعنوان واحد، كما لعله ظاهر.. (1) بلا خلاف ولا إشكال، لقاعدة الامكان المتسالم عليها في المقام كما عرفت. وعن البيان وظاهر الذكرى: رجوع المبتدئة إلى التمييز ثم إلى عادة أهلها، والمضطربة إلى التمييز ثم إلى الروايات. وقد يشير إليه في الجملة خبر أبي بصير عن أبي عبد الله (ع) قال: " النفساء إذا ما ابتليت


(* 1) الوسائل باب: 3 من أبواب النفاس حديث: 3

[ 451 ]

[ (مسألة 3): صاحبة العادة إذا لم تر في العادة أصلا ورأت بعدها وتجاوز العشرة لا نفاس لها على الاقوى (1) وإن كان الاحوط الجمع إلى العشرة، بل إلى الثمانية عشر مع الاستمرار إليها. وإن رأت بعض العادة ولم تر البعض من الطرف الاول وتجاوز العشرة اتمتها بما بعدها إلى العشرة (2) دون ما بعدها، فلو كان عادتها سبعة ولم تر إلى اليوم الثامن ] بأيام كثيرة مكثت مثل أيامها التي كانت تجلس قبل ذلك، استظهرت بمثل ثلثي أيامها... إلى أن قال (ع): وإن كانت لا تعرف أيام نفاسها فابتليت، جلست بمثل أيام أمها أو اختها أو خالتها، واستظهرت بثلثي ذلك ثم صنعت كما تصنع المستحاضة " لكن في المعتبر: " إن الرواية ضعيفة السند شاذة ". مع أن ظاهرها الرجوع، إلى عادتها في النفاس. وقد حكى الاتفاق جماعة - منهم جامع المقاصد - على أن العادة في النفاس ليست مرجعا للنفساء. (1) كما في جامع المقاصد، وعن المدارك، قال شيخنا الاعظم (ره): " ولعله لما تقرر عندهم في الحيض من أن الدم المتجاوز عن العادة إذا لم ينقطع على العشرة ليس بحيض فليس بنفاس. لكن كان الاولى التمسك بما دل على رجوع النفساء إلى عادتها إذا تجاوز الدم العشرة لا التمسك بما ورد في الحيض ثم إلحاق المقام به، لان النصوص في المقامين على نهج واحد ". وفيه: أن النصوص المذكورة مختصة بما إذا رأته في العادة وتجاوزها وعبر العشرة، لا فيما إذا لم تره إلا بعد العادة فالبناء على نفاسيته - كما يقتضيه ظاهر كلمات الاكثر - أوفق بقاعدة الامكان التي عليها المعول في هذه المسائل. (2) لاطلاق الاخبار الآمرة بالرجوع إلى عادتها أو أيامها، لان

[ 452 ]

[ فلا نفاس، وإن لم تر اليوم الاول جعلت الثامن أيضا نفاسا وإن لم تر اليوم الثاني أيضا فنفاسها إلى التاسع، وإن لم تر إلى الرابع أو الخامس أو السادس فنفاسها إلى العشرة، ولا تأخذ التتمة من الحادي عشر فصاعدا (1). لكن الاحوط الجمع فيما بعد العادة إلى العشرة بل إلى الثمانية عشر مع الاستمرار إليها. ] الظاهر من ذلك العادة العددية، والظاهر من الرجوع إليها جعل مبدئها من حين رؤية الدم لا من حين الولادة، وعليه لو كانت عادتها ثلاثة فرأته في رابع الولادة كان نفاسها إلى السابع والباقي استحاضة، ولو كانت عادتها أربعة فرأته في خامس الولادة فنفاسها إلى الثامن والباقي استحاضة، وهكذا. وحينئذ فلا وجه لاطلاق الحكم السابق بأن ما يحدث بعد العادة ليس بنفاس لان إطلاق الاخبار المذكورة محكم في الجميع على وجه واحد، وتخصيصه بما إذا رأت بعض العادة لا وجه له ظاهر. هذا وفي الروضة والرياض: الاقتصار على العادة في الحكم بالنفاسية، حملا للعادة العددية على العددية من حين الولادة. ولكنه خلاف الظاهر. نعم إذا لم تمكن التكملة على وجه التمام - كما إذا كانت عادتها سبعة فرأت السابع من الولادة وعبر العشرة - فلا يمكن الاخذ بما دل على الاخذ بالعادة، وحينئذ يدور الامر بين تقييده بما إذا كانت العادة في العشرة فيخرج الفرض عن الدليل المذكور، وبين تخصيص العادة بخصوص الايام التي في العشرة دون ما زاد عليها، فان كان الثاني أظهر فهو، وإن كان الاول أظهر فالفرض وان لم يمكن فيه إثبات نفاسية ما زاد على العادة إلى العشرة بالدليل المذكور لكن يمكن إثبات نفاسيته بقاعدة الامكان التي قد عرفت الاشارة إليها. (1) أما عدم الاخذ فظاهر، حيث عرفت الاجماع على كون العشرة

[ 453 ]

[ (مسألة 4): اعتبر مشهور العلماء أقل الطهر بين الحيض المتقدم والنفاس، وكذا بين النفاس والحيض المتأخر فلا يحكم بحيضية الدم السابق على الولادة وإن كان بصفة الحيض أو في أيام العادة إذا لم يفصل بينه وبين النفاس عشرة أيام وكذا في الدم المتأخر، والاقوى عدم اعتباره في الحيض المتقدم كما مر (1). نعم لا يبعد ذلك في الحيض المتأخر (2) لكن الاحوط مراعاة الاحتياط. ] التي هي أكثر النفاس مبدؤها الولادة. وأما إتمامها إلى العاشر فإما أن يكون اعتمادا على إطلاق ما دل على الرجوع إلى أيامها بعد تخصيص الايام بما لا يزيد على العشرة، أو اعتمادا على قاعدة الامكان بعد سقوط الاطلاق وعلى كلا الوجهين يتعين الحكم بنفاسيته لو لم تره إلا في الثامن في الفرض السابق، ولا يظهر وجه لقوله: " ولا نفاس لها ". (1) ومر الكلام فيه. (2) أما عدم جواز اتصاله بالنفاس فيقتضيه - مضافا إلى الاجماع المدعى - إطلاق ما دل على استحاضية الدم المتجاوز عن أكثر النفاس من النصوص الكثيرة، وأما وجوب كون الفصل بعشرة فيقتضيه - مضافا إلى الاجماع - إطلاق ما دل على كون أقل الطهر عشرة، المقتصر في تخصيصه على ما كان بين نفاسين لا غير، لما يأتي من الاجماع عليه. ويشير إلى الحكمين - بل هو كالصريح في أولهما - ما في صحيحة ابن المغيرة فيمن نفست فتركت الصلاة ثلاثين يوما ثم رأت الدم من قوله (ع): " تدع الصلاة لان أيامها أيام الطهر قد جازت مع أيام النفاس " (* 1) فلاحظ.


(* 1) الوسائل باب: 5 من أبواب النفاس حديث: 1

[ 454 ]

[ (مسألة 5): إذا خرج بعض الطفل وطالت المدة إلى أن خرج تمامه فالنفاس من حين خروج ذلك البعض إذا كان معه دم وإن كان مبدأ العشرة من حين التمام كما مر (1). بل وكذا لو خرج قطعة قطعة (2) وإن طال إلى شهر أو أزيد، فمجموع الشهر نفاس إذا استمر الدم، وإن تخلل نقاء فان ] (1) يعني: في آخر السمألة الاولى. ثم إن لازم الحكم بوحدة النفاس أن يكون النقاء المتخلل في الاثناء دون العشرة نفاسا، لعموم كون أقل الطهر عشرة، والثابت من تخصيصه ما كان بين نفاسين، لا ما كان بين أيام نفاس واحد، فيرجع فيه إلى العموم المذكور. (2) إذ الدم المقارن لسقوط الجزء الاول معدود عرفا من الدم المقارن للولادة، فيجري عليه حكمه، وقد عرفت أن مبدأ حساب العشرة التي هي أكثر النفاس هو تمام الولادة، وحينئذ يكون مجموع ما بين رؤية الدم عند سقوط الجزء الاول، ومنتهى انقطاع الدم على العشرة أو قبلها من حين سقوط الجزء الاخير نفاسا واحدا يجري عليه حكم النفاس الواحد، فإذا تخلله نقاء أقل الطهر كان نفاسا أيضا حسب ما عرفت، واحتمله في الذكرى وحكي عن الدروس. وعن نهاية العلامة: تعدد النفاس بتعدد القطع، وكانه لما تقدم من الاكتفاء في الولادة المعتبرة في النفاس بولادة الناقص. وفيه: أنه لو سلم ذلك يراد به الاكتفاء بها في تحقق النفاس في الجملة، لا في قبال ولادة الجزء الآخر حتى تكون ولادة الاجزاء المتعددة ولادات متعددة، ولها نفاسات كذلك. نعم لا تبعد دعوى كون مبدأ العشرة سقوط معظم الاجزاء التي تصدق معها الولادة وإن بقي بعض الاجزاء كما لو وضعت الحمل وبقي منه بعض أصابعه أو نحوه، مما لا تناط الولادة بوضعه بل تصدق بدونه.

[ 455 ]

[ كان عشرة فطهر وإن كان أقل تحتاط بالجمع بين أحكام الطاهر والنفساء (1). (مسألة 6): إذا ولدت اثنين أو أزيد فلكل واحد منهما نفاس مستقل (2)، فان فصل بينهما عشرة أيام واستمر الدم ] (1) لما عرفت في النقاء المتخلل بين أيام الحيض أو النفاس الواحد. (2) بلا خلاف فيه ظاهر. وما قد يظهر من عبارة الشرائع والقواعد وغيرهما - حيث عبر فيها بأن عدد أيامها من الثاني وابتداؤه من الاول، من أنه نفاس واحد - غير مراد، لوضوح أن تعدد الولادة يوجب تعدد الاثر. وما عن المعتبر من التردد في نفاسية الاول - نظرا إلى بقاء الحمل ولا نفاس معه كما لا حيض معه - كما ترى، لمنعه في الحيض. مع أن العمدة في المساواة بينه وبين النفاس هو الاجماع، وهو غير ثابت في المقام بل الاجماع على عدمها. ولا ينافيه ما عن الانتصار من أنه لم يجد نصا صريحا في هذه المسألة، ونحوه ما عن السرائر. إذ يمكن استفادة الاجماع من ظهور كلماتهم، بل المقطوع به منها. فلاحظ. قال في المنتهى: " لو ولدت توأمين فما بعد الثاني نفاس قطعا، ولكنهم اختلفوا، فذهب علماؤنا إلى أن أوله من الاول وآخره من الثاني ". هذا ولا ينبغي التأمل أيضا في وجوب إجراء أحكام النفاسين لا النفاس الواحد، فالنقاء المتخلل بينهما طهر وإن لم يبلغ عشرة أيام. نعم حكى في المنتهى عن أبي حنيفة ومالك وأحمد في إحدى الروايتين أن النفاس كله من الاول. فإذا ولدت الثاني بعد أكثر النفاس من الاول لم يكن نفاسا، وعن زفر أن ابتداء النفاس من الثاني. وضعفهما ظاهر.

[ 456 ]

[ فنفاسها عشرون يوما لكل واحد عشرة أيام (1) وإن كان الفصل أقل من عشرة مع استمرار الدم يتداخلان في بعض المدة (2) وإن فصل بينهما نقاء عشرة أيام كان طهرا، بل وكذا لو كان أقل من عشرة على الاقوى من عدم اعتبار العشرة بين النفاسين (3)، ] (1) إجماعا فيتصل النفاسان وإن منع من اتصال الحيضين. وبه يخرج عن عموم المساواة بين الحيض والنفاس لو تم في نفسه. (2) وعليه فلو ولدت في أول الشهر فرأت دما إلى نهاية الخامس فولدت في السادس ولم تر دما ثم رأته في السابع فالنقاء في السادس نفاس بلحاظ الولادة الاولى، لانه واقع بين دمها في الخمسة الاولى وفي السابع. وكذا لو رأت دما يوما واحدا من ولادة الاول ثم لم تر الدم حتى ولدت الثاني فرأت الدم فيه، فان النقاء المتخلل بين الدم وولادة الثاني واقع بين العشرة من ولادة الاول التي هي مدة نفاسه. ولا وجه لدعوى انقطاع النفاس الاول بولادة الثاني، ليحكم على النقاء بأنه طهر لانه كان قبل النفاس الثاني، كما لو لم تكن ولدت الاول. وإن حكي ذلك عن الروض والذخيرة وحاشية الروضة وغيرها بناء على تعدد النفاس، فانه لا دليل على هذا الانقطاع. بل إطلاق الادلة يقتضي بقاء أثر الاول إلى نهاية العشرة وإن لزم التداخل في بعض المدة. نعم قد يشكل ثبوت إطلاق لما دل على أن أكثر النفاس عشرة بنحو يشمل ما نحن فيه - بحيث يدل على التداخل، وإلحاق الدم المرئي بعد ولادة الثاني بالدم السابق - ليكون النقاء متخللا بين أجزاء نفاس واحد ويكون طهرا. واستصحاب بقاء الحدث لا يصلح لمعارضة ما دل على أن النفساء تصلي إذا رأت النقاء. (3) في كلام شيخنا الاعظم (ره) وغيره: الاجماع عليه. وبه يخرج

[ 457 ]

[ وإن كان الاحوط مراعاة الاحتياط في النقاء الاقل كما في قطعات الولد الواحد. ] عن عموم ما دل على أن الطهر لا يكون أقل من عشرة أيام. ولا سيما مع معارضة العموم المذكور في بعض الصور بعموم ما دل على أن أكثر النفاس عشرة، أو عموم ما دل على التحيض للنفساء بعادتها لو كانت معتادة، أو عموم ما دل على التنفس بدم الولادة، كما لو ولدت ورأت الدم تسعة أيام ثم نقت تسعة ثم ولدت ثانيا ورأت الدم. فانه لو لم يبن على تخصيص عموم: أقل الطهر عشرة، يجب إما رفع اليد عن عموم أكثر النفاس عشرة، أو عن عموم: تنفس النفساء بمقدار عادتها، أو عن عموم التنفس بدم الولادة في الثاني، ولا ريب أن تخصيص الاول أولى، لان تخصيص أحد الثلاثة الاخرى من قبيل تخصيص القطعي، كما أفاد ذلك شيخنا الاعظم (ره). وفيه: أنه يمكن رفع اليد عن التنفس بتمام الاول فيحكم بطهر المقدار المتمم للنقاء عشرا، بل هذا هو المتعين في مقام الجمع بين الادلة، إذ الموجب لنفاسية تمام الدم ليس إلا العادة أو قاعدة الامكان، وهما من قبيل الطريق في الشبهة الموضوعية، وهو لا يصلح لمعارضة التحديدات الواقعية، لان دليلها يوجب العلم بعدم مطابقة الطريق للواقع. بل لاجل ذلك يمكن رفع اليد عن نفاسية المقدار المتمم من الدم الثاني. وبالجملة: العامان الاولان يتضمنان حكمين واقعيين، والاخيران يتضمنان حكمين ظاهريين في مقام الشبهة الموضوعية فلا مجال لجعلها جميعا متعارضة، لاختلاف المرتبة. وقد تقدم نظير ذلك في تحديد أكثر النفاس. مضافا إلى أن التقرير المذكور لا يتم لو كان مجموع الدم الاول والنقاء لا يزيد على عشرة. لكن لا يظن من أحد التفصيل بين الفرضين بناء على تعدد النفاس، كما عرفت.

[ 458 ]

[ (مسألة 7): إذا استمر الدم إلى شهر أو أزيد فبعد مضي أيام العادة في ذات العادة والعشرة في غيرها محكوم بالاستحاضة (1) وإن كان في أيام العادة (2) إلا مع فصل أقل الطهر عشرة أيام بين دم النفاس وذلك الدم، وحينئذ فان كان في العادة يحكم عليه بالحيضية (3) وإن لم يكن فيها فترجع إلى التمييز (4) بناء عى ما عرفت من اعتبار أقل الطهر بين النفاس والحيض المتأخر، وعدم الحكم بالحيض مع عدمه وإن صادف أيام العادة. لكن قد عرفت أن مراعاة الاحتياط في هذه الصورة أولى. ] (1) لما سيشير إليه من اعتبار الفصل بأقل الطهر بين النفاس والحيض المتأخر. (2) يعني: العادة الوقتية. وأما العادة السابقة فهي عددية، فلا منافاة. (3) لاطلاق ما دل على طريقية العادة، الذي لا يفرق فيه بين المقام وغيره. (4) لما دل على الرجوع إليه عند استمرار الدم وفقد العادة، كما تقدم في الحيض. واحتمال اختصاصه بما لو علم الحيض والاستحاضة واشتبه أحدهما بالآخر - فلا يشمل ما لو لم يعلم الحيض أصلا كما في المقام - مندفع بمنع ذلك. بل الظاهر أن مورده صورة اشتباه الاستحاضة بالحيض الامكاني - أعني: ما يكون حيضا بقاعدة الامكان - لا الحيض الواقعي الحقيقي، وهو حاصل في المقام. نعم مورد تلك النصوص غير النفساء في أول رؤية الدم. لكن هذه الخصوصية غير ملحوظة في نظر العرف، ولا سيما بملاحظة قوله (ع) في المرسلة: " أنه صلى الله عليه وآله سن في الحائض ثلاث سنن لم يدع لاحد مقالا فيه بالرأى " (* 1) كما تقدم ذلك في نظير المقام في مباحث


(* 1) الوسائل باب: 5 من أبواب الحيض حديث: 1

[ 459 ]

الحيض. فراجع. ومثله في السقوط احتمال كونها مستحاضة إلى أن ينقطع الدم، لاطلاق ما ورد من أنها تعمل عمل المستحاضة بعد العادة إلى أن ينقطع الدم. إذ فيه أن هذا الاطلاق ممنوع، بل الظاهر من النصوص المذكورة إثبات الاستحاضة في مقابل نفي النفاس السابق، لا إثبات كونه إستحاضة دائما ولو استمر الدم شهورا، كما يظهر من ملاحظة نظائره مما ورد في الحائض. فيكون ما دل على طريقية العادة أو الصفات لمستمرة الدم المقتضي للرجوع إليهما بعد عشرة الاستحاضة المعلومة الفاصلة بين النفاس والحيض بلا معارض وكذا الكلام فيما دل على الرجوع إلى الروايات، كما أشار إلى ذلك شيخنا الاعظم (ره). نعم لو ثبت ظهور تلك النصوص في دوام كونها مستحاضة كان محكما ولا يعارضه إطلاق ما تضمن رجوع المستحاضة إلى عادتها أو إلى الصفات أو إلى الروايات، وإن كان بينهما عموم من وجه، لان الاطلاق المذكور ظاهر في أن لموضوعه وهو النفساء خصوصية تستوجب إطلاق الحكم المذكور فيكون الجمع العرفي مقتضيا لتخصيص النصوص الاخرى به. فالمقام نظير التعارض البدوي بين إطلاق عموم اعتصام الجاري وإن لم يكن كرا، وإطلاق انفعال ما دون الكر وإن كان جاريا، فان الاول مقدم عرفا على الثاني، ولا يرجع فيهما إلى أحكام تعارض العامين من وجه من التساقط في مورد المعارضة والرجوع إلى دليل آخر. بل يمكن أن يقال: إن الاطلاق المذكور لو ثبت فهو متضمن لحكم واقعي، فيكون مقدما على أدلة العادة وغيرها، لانها في مقام الحكم الظاهري في الشبهة الموضوعية. وبالجملة: الحكم بالاستحاضة بعد النفاس حكم واقعي فلا يعارض دليله دليل الطريق والامارة. فتأمل جيدا. ثم إن ما ذكرنا من رجوعها إلى أحكام مستمرة الدم من التحيض

[ 460 ]

[ (مسألة 8): يجب على النفساء إذا انقطع دمها في الظاهر الاستظهار (1) بادخال قطنة أو نحوها والصبر قليلا وإخراجها وملاحظتها على نحو ما مر في الحيض. (مسألة 9): إذا استمر الدم إلى ما بعد العادة في الحيض يستحب لها الاستظهار (2) بترك العبادة يوما أو يومين أو إلى العشرة، على نحو ما مر في الحيض. ] بالعادة وغيرها بمجرد مضي أقل الطهر هو المنسوب إلى المعتبر ولم أجده فيه واحتمل في الجواهر: أن رجوعها إليها إنما يكون بعد مضي شهر. وكأنه لما دل على أن الحيض في كل شهر مرة. وفيه: أنه ليس بناء الفقهاء على العمل به إلا في عدد المستحاضة الفاقدة للعادة والتمييز اقتصارا على مورده أما العادة والتمييز فبناؤهم على الاخذ بهما ولو تكرر في الشهر مرات أو كان في كل شهرين أو أكثر مرة، كما هو مقتضى إطلاق النصوص المتضمنة للرجوع اليهما. مع أنه لا يقتضي إلا امتناع اجتماع الحيضتين في شهر واحد لا امتناع اجتماع الحيض والنفاس فيه. ومنه يظهر ضعف ما عن الروض من التفصيل بين المعتادة فترجع إلى عادتها بعد عشرة الطهر مطلقا، وبين المبتدئة والمضطربة فتنتظران الشهر. وربما ينسب ذلك إلى غيره أيضا. (1) كما صرح به جماعة مرسلين له إرسال المسلمات، ويدل عليه ما يأتي في المسألة العاشرة. مضافا إلى نصوص الاستبراء الشامل لها وللحائض لكن في دلالته على الوجوب إشكال تقدم في الحيض. (2) للنصوص الدالة عليه هنا دلالتها عليه في الحيض. مضافا إلى قاعدة المساواة الآتية.

[ 461 ]

[ (مسألة 10): النفساء كالحائض (1) ] (1) إجماعا، كما عن الغنية وشرح المفاتيح واللوامع، وفي المسالك وعن المدارك والكفاية: إنه قول الاصحاب. أو مذهبهم، وفي المعتبر: " هو مذهب أهل العلم لا نعرف فيه خلافا "، وفي المنتهى " لا نعلم فيه خلافا بين أهل العلم "، ونحوه عن التذكرة، وعن السرائر: نفي الخلاف فيه، بل الظاهر إنه إجماع عند الكل، إذ لم نقف على من تعرض لرده أو التوقف فيه. وهذا هو العمدة. وأما ما اشتهر من أن النفاس حيض محتبس، فقد عرفت أنه مستفاد من رواية سلمان (رض) (* 1)، لكن المقطوع به - كما تقدم - أن المراد منه بيان قضية خارجية لا شرعية تنزيلية، ويشهد به - مضافا إلى ملاحظة مورده - توصيفه بالاحتباس، فلا يدل على ثبوت الاحكام الثابتة للحيض المقابل للنفاس، وإنما يدل على وحدتهما سنخا، نظير ما لو قال الشارع: البخار ماء متفرق الاجزاء. وأما ما ورد في صحيحة زرارة - بعد إرجاع النفساء إلى العادة، وإيجاب الاستظهار عليها، والعمل بوظيفة المستحاضة من قوله (ع): " والحائض مثل ذلك سواء، فان انقطع عنها الدم وإلا فهي مستحاضة. تصنع مثل النفساء سواء... " (* 2) - فانما يدل على تنزيل الحائض منزلة النفساء في خصوص الاحكام المذكورة في الصحيح لا مطلقا، فضلا عن تنزيل النفساء منزلة الحائض ليجدي فيما نحن فيه. فان قلت: إذا نزلت الحائض منزلة النفساء وثبت حكم للحائض وجب


(* 1) الوسائل باب: 30 من أبواب الحيض حديث: 13 (* 2) الوسائل باب: 1 من أبواب الاستحاضة حديث: 5

[ 462 ]

أن يثبت للنفساء، إذ لو ثبت خلافه كان التنزيل بلحاظ ما عدا ذلك، لئلا يلزم الخلف، وحينئذ إذا ثبت حكم للحائض وشك في ثبوته للنفساء أو ثبوت خلافه فاطلاق التنزيل يقتضي ثبوته للنفساء وعدم ثبوت خلافه، لاصالة عدم التخصيص. قلت: أصالة عدم التخصيص في مثل المقام لا تصلح لا ثبات الحكم لذي المنزلة، وإنما تصلح لاثبات الحكم للمنزل منزلته عند الشك في ثبوته له أما مع العلم بثبوت الحكم له والشك في ثبوته لذي المنزلة فلا تصلح أصالة عدم التخصيص لاثباته له، لعدم تعرض خطاب التنزيل لذلك، وحيث أن العمدة في المساواة المذكورة هو الاجماع فالقدر المتيقن منه هو المساواة في أحكام الحائض كحرمة الصلاة والصوم ووجوب الغسل، وحرمة قراءة العزائم ونحو ذلك، لا أحكام الحيض مثل كون أقله كذا وأكثره كذا ودلالته على البلوغ ونحو ذلك، بل ولا أحكام غيرها مما يصح أن يرجع إليها بنحو من العناية، مثل حرمة وطئها وكراهة سؤرها ونحوهما. لكن وقوع الاستثناء من بعض نقلة الاجماع لما يكون من قبيل القسمين الاخيرين يكشف عن أن المراد نقل الاجماع على المساواة مطلقا، لكن الاعتماد عليه لا يخلو من إشكال، ولا سيما بعد عدول المحقق في المعتبر والشرائع عن التعبير بذلك إلى التعبير بقوله: " يحرم على النفساء ما يحرم على الحائض "، أو بزيادة: " ويكره " كما في المعتبر. وعلله في المسالك بعدم صحة إطلاق ما ذكروه، لمخالفة النفاس للحيض في أمور كثيرة، وذكر ستة ثم قال: " وغير ذلك "، وفي المنتهى ذكر المساواة في أمور مخصوصة فقال: " وحكم النفساء حكم الحائض في جميع ما يحرم عليها، ويكره، ويباح، ويسقط عنها من الواجبات، ويستحب وتحريم وطئها، وجواز الاستمتاع بما دون الفرج، لا نعلم فيه خلافا... "،

[ 463 ]

[ في وجوب الغسل بعد الانقطاع أو بعد العادة أو العشرة في غير ذات العادة (1) ووجوب قضاء الصوم دون الصلاة (2) وعدم جواز وطئها (3) وطلاقها (4) ومس كتابة القرآن واسم الله (5) وقراءة آيات السجدة (6) ودخول المساجد والمكث فيها (7)، وكذا في كراهة الوطئ بعد الانقطاع وقبل الغسل (8)، وكذا في كراهة الخضاب (9) ] فإذا يلزم الاقتصار على المتيقن وهو ما ذكره في الشرائع، والرجوع في غيره إلى دليل آخر. (1) هذا منصوص عليه في جملة من النصوص (* 1). (2) منصوص عليه، في صحيح ابن الحجاج (* 2) ومكاتبة ابن مهزيار (* 3) (3) منصوص عليه في جملة من النصوص (* 4). (4) كما في جملة من النصوص (* 5). (5) هذا وإن لم يكن منصوصا عليه بالخصوص، إلا أنه يستفاد مما تقدم في الوضوء، نظير الحائض. وكذا مس اسم الله تعالى. (6) لا نص عليه، وإنما يستفاد من قاعدة المساواة. (7) قد يستفاد من بعض النصوص. (8) يستفاد من النصوص، كما في الحائض. (9) لكن عن مكارم الاخلاق عن كتاب اللباس للعياشي: " لا تختضب


(* 1) الوسائل باب: 1 و 3 من أبواب النفاس (* 2) الوسائل باب: 6 من أبواب النفاس حديث: 1 (* 3) الوسائل باب: 41 من أبواب الحيض حديث: 7 (* 4) الوسائل باب: 3 من أبواب النفاس حديث: 4 و 17 وباب: 7 من أبواب النفاس (* 5) الوسائل باب: 8 من أبواب شرائط الطلاق

[ 464 ]

[ وقراءة القرآن (1) ونحو ذلك، وكذا في استحباب الوضوء في أوقات الصلوات والجلوس في المصلى والاشتغال بذكر الله بقدر الصلاة (2). وألحقها بعضهم بالحائض في وجوب الكفارة إذا وطئها (3). وهو أحوط. لكن الاقوى عدمه. (مسألة 11): كيفية غسلها كغسل الجنابة (4) إلا أنه ] وأنت جنب، ولا تجنب وأنت مختضب، ولا الطامث فان الشيطان يحضرها عند ذلك. ولا بأس به للنفساء " (* 1)، ومرسله الآخر عن أبي عبد الله (ع) قال: " تختضب النفساء " (* 2). وليس في النصوص ما يدل على النهي عنه. (1) ورد في صحيح الحلبي (* 3) وغيره (* 4) الترخيص فيها لها، ولم أقف على النهى عنها. (2) وجهه أصالة المساواة. (3) قد عرفت نسبته إلى ظاهر الاصحاب، وعن التذكرة: " لا نعلم فيه خلافا ". ويظهر من ذكر غير واحد له مرسلا له إرسال المسلمات والتعرض لفروعه أنه كذلك. فالخروج إذا عن أصالة المساواة غير ظاهر. (4) إجماعا. لما عرفت غير مرة من أنه مقتضى الاطلاق المقامي لامرها بالاغسال، بل هو مقتضى ما ورد في كيفية غسل الجنابة، بناء على حمله على بيان كيفية ماهية الغسل مطلقا واجبة كانت - عن جنابة أو غيرها - أو مستحبة كما لعله الظاهر.


(* 1) الوسائل باب: 22 من أبواب الجنابة حديث: 11 (* 2) الوسائل باب: 22 من أبواب الجنابة حديث: 13 (* 3) الوسائل باب: 19 من أبواب الجنابة حديث: 6 (* 4) الوسائل باب: 19 من أبواب الجنابة حديث: 1

[ 465 ]

[ لا يغني عن الوضوء، بل يجب قبله أو بعده كسائر الاغسال (1) (فصل في غسل مس الميت) يجب بمس ميت الانسان (2) بعد برده وقبل غسله، ] (1) على ما عرفت في الحيض. والله سبحانه أعلم. والحمد لله رب العالمين. انتهى في الرابع عشر من شهر ربيع الاول ستة الف وثلاثمائة وخمسين للهجرة. (فصل في غسل مس الميت) (2) كما هو المشهور - كما عن جماعة - وعن الخلاف وظاهر الغنية: الاجماع عليه، للنصوص المستفيضة بل المتواترة، منها: صحيح ابن مسلم عن أحدهما (ع): " قلت: الرجل يغمض الميت أعليه غسل؟ قال (ع): إذا مسه بحرارته فلا، ولكن إذا مسه بعد ما برد فليغتسل... " (* 1)، ونحوه غيره. وعن السيد في المصباح وشرح الرسالة وظاهر الجمل: الاستحباب، ولم نجد رواية مصرحة بمذهبه. نعم قد يستدل له بخبر زيد عن علي (ع): " الغسل من سبعة: من الجنابة وهو واجب، ومن غسل الميت، وإن تطهرت أجزأك " (* 2). وبالتوقيع المروي عن الاحتجاج، قال: " مما خرج عن صاحب الزمان (ع) إلى محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري حيث كتب إليه: روي لنا عن العالم (ع) أنه سئل عن إمام قوم يصلي


(* 1) الوسائل باب: 1 من أبواب غسل المس حديث: 1 (* 2) الوسائل باب: 1 من أبواب غسل المس حديث: 8

[ 466 ]

[ دون ميت غير الانسان (1) ] بهم بعض صلاتهم وحدثت عليه حادثة، كيف يعمل من خلفه؟ قال (ع): يؤخر ويتقدم بعضهم ويتم صلاتهم ويغتسل من مسه. التوقيع: ليس على من مسه إلا غسل اليد " (* 1). وبذكره في سياق المندوبات في جملة من النصوص (* 2). وبجعله من السنة في قبال غسل الجنابة المجعول من الفرض (* 3). لكن الجميع كما ترى، إذ الاول - مع ضعف سنده وإجماله - لا ينافي الوجوب وإنما يدل على ثبوت بدل له. والثاني - مع أن مورده حال الحرارة - لا يصلح لمعارضة ما سبق، لامكان حمله على ذلك، بل هو المتعين، كما يظهر من التوقيع الآخر: قال: " وكتب إليه: وروي عن العالم إن من مس ميتا بحرارته غسل يده، ومن مسه وقد برد فعليه الغسل، وهذا الميت في هذه الحال لا يكون إلا بحرارته، فالعمل في ذلك على ما هو؟... (إلى أن قال): التوقيع: إذا مسه على هذه الحال لم يكن عليه إلا غسل يده " (* 4). وأما قرينة السياق فلا تجدي شيئا في قبال ما سبق. والفرض قد يراد به ما فرض في الكتاب في قبال ما شرعه النبي صلى الله عليه وآله. مع أنه يجب حمله على ذلك جمعا. (1) بلا خلاف يعرف كما في المنتهى، بل إجماع كما في كشف اللثام. وفي صحيح محمد عن أحدهما (ع): " في رجل مس ميتة، هل عليه الغسل: قال (ع): لا، إنما ذلك من الانسان " (* 5)، ونحوه صحيحا


(* 1) الوسائل باب: 3 من أبواب غسل المس حديث: 4 (* 2) الوسائل باب: 1 من أبواب الاغسال المسنونة (* 3) الوسائل باب: 1 من أبواب الجنابة حديث: 11 (* 4) الوسائل باب: 3 من أبواب غسل المس حديث: 5 (* 5) الوسائل باب: 6 من أبواب غسل المس حديث: 1

[ 467 ]

[ أو هو قبل برده (1) أو بعد غسله (2). والمناط برد تمام جسده (3) فلا يوجب برد بعضه ولو كان هو الممسوس. والمعتبر في الغسل تمام الاغسال الثلاثة فلو بقي من الغسل الثالث ] الحلبي (* 1) ومعاوية (* 2)، وقريب منهما غيرهما. (1) وفي المنتهى: إنه مذهب علماء الامصار، وفي كشف اللثام: انه إجماع، وفي الجواهر: الاجماع بقسميه عليه. ويدل عليه صحيح ابن مسلم المتقدم وغيره مما هو مستفيض. (2) إجماعا بقسميه كما في الجواهر، وفي المنتهى: إنه مذهب علماء الامصار، لصحيح ابن مسلم عن أبي جعفر (ع): " مس الميت عند موته وبعد غسله والقبلة ليس بها بأس " (* 3)، وفي خبر ابن سنان عن أبي عبد الله (ع): " ولا بأس أن يمسه بعد الغسل ويقبله " (* 4). نعم قد يوهم تعليل عدم وجوب الغسل على من أدخل الميت في قبره بأنه إنما يمس الثياب (* 5) الوجوب، بل هو ظاهر موثق عمار عن أبي عبد الله (ع): " وكل من مس ميتا فعليه الغسل، وان كان الميت قد غسل " (* 6) لكن لا مجال للعمل به بعدما عرفت، فيحمل على الاستحباب - كما عن الشيخ (ره) - أو على بعض المحامل ولو كانت بعيدة. (3) لظهور البرد المضاف إلى الميت في برد تمام بدنه، فيرجع في برد بعض


(* 1) الوسائل باب: 6 من أبواب غسل المس حديث: 2 (* 2) الوسائل باب: 1 من أبواب غسل المس حديث: 4 (* 3) الوسائل باب: 3 من أبواب غسل المس حديث: 1 (* 4) الوسائل باب: 3 من أبواب غسل المس حديث: 2 (* 5) الوسائل باب: 1 من أبواب غسل المس حديث: 1 و 10 و 14 وباب: 4 من أبواب غسل المس حديث: 4 (* 6) الوسائل باب: 3 من أبواب غسل المس حديث: 3

[ 468 ]

[ شئ لا يسقط الغسل بمسه وإن كان الممسوس العضو المغسول منه (1). ويفكي في سقوط الغسل إذا كانت الاغسال الثلاثة كلها بالماء القراح لفقد السدر والكافور (2) بل الاقوى كفاية التيمم (3) ] البدن إلى إطلاق نفي الغسل إذا لم يبرد - كما في خبر ابن جعفر (ع) (* 1) - أو استصحاب طهارة الماس، أو أصالة البراءة من الوجوب. ثم إنه لا مجال للتمسك بمثل صحيح ابن مسلم (* 2)، لان البرد فيه وإن كان ظاهرا في برد تمامه، لكن الحرارة المأخوذة شرطا لنفي الغسل أيضا ظاهرة في حرارة تمامه، وكلاهما لا يشملان البعض. (1) كما في المسالك وعن المدارك والذخيرة، لصدق المس قبل الغسل إذ الظاهر من الغسل تمامه، وفي القواعد والذكرى وعن التذكرة والتحرير والنهاية والدروس والبيان وغيرها: عدم الوجوب، بناء منهم على تبعيض أثر الغسل بتبعيضه. ولكنه غير ظاهر، بل هو خلاف إطلاق أدلة المقام. ومنه يظهر ضعف التردد في الوجوب كما في جامع المقاصد وكشف اللثام. (2) لان الظاهر من غسل الميت الموجب لسقوط أثر المس مطلق الغسل الصحيح ولو كان ناقصا. وانصرافه إلى التام بدوي لا يعول عليه في رفع اليد عن الاطلاق. ومنه يظهر ضعف ما في جامع المقاصد والمسالك من وجوب الغسل بمس من نقصت أغساله الثلاثة ولو في بعض الاوصاف كالخليط. (3) كما عن كشف الغطاء، ولم أجده فيه في هذا المقام. وكأنه لان دليل بدليته ظاهر في قيامه مقام الغسل مطلقا حتى في رفع أثر المس. اللهم إلا أن يقال: إن كان المراد من ذلك الدليل هو النص الوارد في المجدور (* 3)


(* 1) الوسائل باب: 1 من أبواب غسل المس حديث: 18 (* 2) تقدم في أول الفصل (* 3) الوسائل باب: 16 من أبواب غسل المس حديث: 3

[ 469 ]

فمع ضعفه في نفسه لا عموم فيه لغير مورده، وإن كان إطلاق أدلة بدلية التراب عن الماء، فالظاهر منها البدلية في آثار رفع الحدث، ولم يثبت كون الاثر في المقام مستندا إلى الحدث أو إلى الخبث أو اليهما، فكيف يبنى على ترتيبه بمجرد التيمم؟! كما أشار إلى ذلك شيخنا الاعظم (ره) بل. قد يدعى قصور النص الوارد في المجدور عن إثبات البدلية المطلقة. لكنه خلاف ظاهره. ولذلك يتجه ما اختاره في القواعد والمنتهى والدروس وجامع المقاصد وكشف اللثام وغيرها من وجوب الغسل بمس المتيمم، واستدل له في المنتهى وغيره باطلاق الاخبار. وباستصحاب عدم السقوط. وفيه: أن عموم البدلية - لو تم - مقدم عليهما. مع أن الاستصحاب من الاستصحاب التعليقي وإشكاله معروف. وقد يناقش في عموم البدلية باختصاصه بما لا يكون لغير الماء دخل فيه. وفيه: أنه مبني على اعتبار خروج الماء في الغسل بالسدر والكافور عن الاطلاق، أما بناء على اعتبار بقائه على الاطلاق فالاثر للماء والخليط من قبيل الشرط كسائر شرائط الوضوء والغسل. مع أن هذا الاشكال - لو تم - كانت أدلة البدلية قاصرة عن الشمول لغسل الميت ولا تصلح لاثبات مشروعيته. مضافا إلى أن الاشكال المذكور - على تقدير تماميته - يختص بما كان لسانه إثبات البدلية، مثل: ما دل على أنه أحد الطهورين (* 1) وأن الله جعل التراب طهورا كما جعل الماء طهورا (* 2)، ولا يجري في مثل قوله صلى الله عليه وآله: " جعلت لي الارض مسجدا وطهورا " (* 3). اللهم إلا أن يقال بعد عدم إمكان الاخذ باطلاقه يتعين أن يكون المراد منه ما هو المراد من


(* 1) الوسائل باب: 23 من أبواب التيمم حديث: 6 (* 2) الوسائل باب: 23 من أبواب التيمم حديث: 1 (* 3) الوسائل باب: 7 من أبواب التيمم حديث: 2 و 3 و 4

[ 470 ]

[ أو كون الغاسل هو الكافر بأمر المسلم لفقد المماثل (1)، لكن الاحوط عدم الاكتفاء بهما (2). ولا فرق في الميت بين المسلم والكافر (3) والكبير والصغير (4) حتى السقط إذا تم له أربعة أشهر (5) ] غيره فيرجع الاشكال. وأما الاشكال الاول فهو مبني على عدم رفع التيمم الخبث، كما يظهر من كلماتهم التسالم عليه. لكنه خلاف إطلاق طهورية التيمم. والخروج عنه في الخبث غير الملازم للحدث لا يقتضي الخروج عنه في الملازم له كما فيما نحن فيه. (1) الكلام فيه هو الكلام في الغسل الفاقد للخليط، إذ هما معا من قبيل الغسل الناقص الذي عرفت أن إطلاق الدليل شامل له إذا كان صحيحا وأن الانصراف إلى الغسل الكامل بدوي لا يعتد به. ومنه يظهر ما في الدروس وغيرها من وجوب الغسل فيه. (2) قد عرفت وجهه. (3) كما في القواعد وعن التذكرة والدروس والبيان وغيرها، وفي جامع المقاصد والمنتهى: أنه أقرب. لاطلاق النص والفتوى، وفي المنتهى وعن نهاية الاحكام والتحرير وفي جامع المقاصد: يحتمل العدم، لان قولهم: " قبل تطهيره بالغسل "، إنما يتحقق في ميت يقبل التطهير. ولانه لا يزيد على مس البهيمة والكلب. وفيه: أنه لو سلم قصور الفتوى فلا قصور في النص، لاطلاق ما دل على سببية المس بعد البرد، والمقتصر في تقييده على خصوص صورة التغسيل. وأما ما ذكر أخيرا فهو تخرص لا يثبت حكما شرعيا. (4) للاطلاق. (5) قطعا، لتناول الادلة له ولو لو لوجها بعد تمام أربعة أشهر.

[ 471 ]

[ بل الاحوط الغسل بمسه ولو قبل تمام أربعة أشهر أيضا (1) وإن كان الاقوي عدمه (2). (مسألة 1): في الماس والممسوس لا فرق بين أن يكون مما تحله الحياة أولا (3) كالعظم والظفر، ] كذا في الجواهر. (1) لاحتمال كون المراد من الميت مطلق من قام به الموت في مقابل الحي لا خصوص الميت بعد الحياة، وقد يشهد به ظهور الاجماع، بل دعواه صريحا على نجاسته. (2) لظهور النصوص في الميت بعد الحياة، كما يشهد به اشتراط البرودة الظاهرة فيما بعد الحرارة، كما هو المصرح به في جملة من النصوص (* 1). وما عن العلل عن الفضل بن شاذان عن الرضا (ع): " إنما أمر من يغسل الميت بالغسل لعلة الطهارة مما أصابه من نضح الميت، لان الميت إذا خرج منه الروح بقي منه أكثر آفته " (* 2)، ونحوه خبر ابن سنان (* 3) ولا ينافي ذلك البناء على نجاسته، للاجماع، أو دعوى الظهور في مطلق الميت مقابل الحي. فتأمل. (3) لاطلاق المس الصادق على الجميع، كما تقدم في مس المحدث. وفي الروض: اعتبار المس مما تحله الحياة لما تحله الحياة. وفي جامع المقاصد: التردد في المس بالسن، وجزم بالوجوب في المس بالظفر والعظم، ثم قال: " ولو مس الحي شيئا من هذه من الميت ففي وجوب الغسل تردد، والظاهر الوجوب في العظم والظفر بخلاف الشعر، وفي السن تردد ". وفي


(* 1) الوسائل باب: 3 من أبواب غسل المس (* 2) الوسائل باب: 1 من أبواب غسل المس حديث: 11 (* 3) الوسائل باب: 1 من أبواب غسل المس حديث: 12

[ 472 ]

[ وكذا لا فرق فيهما بين الباطن والظاهر (1). نعم المس بالشعر لا يوجبه وكذا مس الشعر (2). (مسألة 2): مس القطعة المبانة من الميت أو الحي إذا اشتملت على العظم يوجب الغسل دون المجرد عنه (3)، ] الذكرى تردد في السن إذا كان ممسوسا، وفي الدروس جزم بالعدم. وكأن الوجه في الاول طهارة ما لا تحله الحياة من الميت، فإذا لم يتأثر بالموت فاولى أن لا يتأثر بمس الميت. بل في رواية الفضل عن الرضا (ع)، الواردة في نفي الغسل بمس غير الانسان قال (ع): " لان هذه الاشياء كلها ملبسة ريشا وصوفا وشعر ووبرا، وهذا كله ذكي لا يموت وإنما يماس منه الشئ الذي هو ذكي من الحي والميت " (* 1). وفيه: أن مجرد ذلك لا يوجب رفع اليد عن إطلاق الادلة، لا مكان كون الوجه في وجوب الغسل بالمس هو الحدث، كما قد يشهد به وجوب غسلها في التغسيل. بل يمكن أن يكون هو الخبث ولو في غير الجزء الممسوس. والتعليل لما لم يمكن الاخذ بظاهره - لعدم وجوب الغسل بمس ميت غير الانسان ولو مع مباشرة الجلد واللحم - لا بد أن يحمل على غير ظاهره، فلا مجال للعمل به. فتأمل. (1) للاطلاق. (2) لعدم صدق مس الميت، ولا سيما بملاحظة تعليق الحكم على مس الجسد في روايتي عاصم والصفار (* 2). نعم لا يبعد الصدق فيما لو كان المس باصول الشعر عند جزه. فتأمل. (3) على المشهور شهرة عظيمة، بل عن الخلاف: الاجماع عليه صريحا


(* 1) الوسائل باب: 6 من أبواب غسل المس حديث: 5 (* 2) الوسائل باب: 1 من أبواب غسل المس حديث: 3 و 5

[ 473 ]

[ وأما مس العظم المجرد ففي إيجابه للغسل إشكال (1) ] وعن ظاهر غير واحد: ظاهرا، ويشهد له مرسل أيوب بن نوح عن أبي عبد الله (ع): " إذا قطع من الرجل قطعة فهي ميتة، فإذا مسه إنسان فكل ما كان فيه عظم فقد وجب على من يمسه الغسل، فان لم يكن فيه عظم فلا غسل عليه " (* 1) المنجبر ضعفه بما سبق. وهو وإن كان في المبانة من الحي إلا أنه يمكن إثبات الحكم في المبانة من الميت، إما بنفس الرواية بقرينة قوله (ع): " فهي ميتة " الظاهر في كون الحكم الذي بعده من أحكام كونها ميتة، الحاصل في المبانة من الميت، أو بالاولوية، أو بالاستصحاب التعليقي بناء على حجيته. وفي المعتبر قال: " والذي أراه التوقف في ذلك، فان الرواية مقطوعة، والعمل بها قليل. ودعوى الشيخ (ره) في الخلاف الاجماع لم يثبت "، وعن المدارك: متابعته. وفيه: ما لا يخفى، فان ضعف الرواية تجبره الشهرة كما في جامع المقاصد وغيره. هذا لو كان موضوع كلامهما ما يسمى قطعة، أما ما يسمى الميت - كالبدن المقطوع الرأس واليدين والرجلين - فلا ينبغي التأمل في ثبوت الحكم فيه، لصدق مس الميت وجسده على مسه فيدخل حكمه في مفاد النصوص المتقدمة. بل يصعب جدا التفكيك بينه وبين ما لو قد الحي أو الميت نصفين. فلاحظ. (1) فعن الذكرى والدروس والموجز وفوائد الشرائع والمسالك: وجوب الغسل فيه، لدوران الحكم مداره وجودا وعدما. وعن التذكرة والمنتهى ونهاية الاحكام والتحرير وغيرها: عدمه، للاصل. وخروجه عن موضوع المرسل. ودوران الحكم مداره في القطعة المبانة لا يوجب جريان


(* 1) الوسائل باب: 2 من أبواب غسل المس حديث: 1

[ 474 ]

[ والاحوط الغسل بمسه خصوصا إذا لم يمض عليه سنة (1)، كما أن الاحوط في السن المنفصل من الميت أيضا الغسل (2). بخلاف المنفصل من الحي إذا لم يكن معه لحم معتد به (3) نعم اللحم الجزئي لا اعتناء به (4). (مسألة 3): إذا شك في تحقق المس وعدمه أو شك في أن الممسوس كان إنسانا أو غيره أو كان ميتا أو حيا، أو ] الحكم فيه. نعم لو كان العظم بحيث يصدق على مسه مس الميت تعين وجوب الغسل بمسه، كما سبق. (1) ففي خبر إسماعيل الجعفي عن أبي عبد الله (ع): " سألته عن مس عظم الميت. قال (ع): إذا جاز سنة فليس به بأس " (* 1)، وبمضمونه أفتى في محكي الفقيه والمقنع. إلا أن ضعف الخبر سندا وإعراض المشهور عنه مانع عن العمل به. (2) لانه كان قبل الانفصال لو مس وجب الغسل فهو على ما كان. ومنشأ توقف المصنف (ره) إما استشكاله في صحة الاستصحاب التعليقي، وإما لدعوى الجواهر: أنه ينبغي القطع بعدم الوجوب في مثل السن والظفر ونحوهما، سواء كانا من حي أم ميت، للسيرة القطعية. انتهى. لكن دعوى السيرة في الميت غير ظاهرة، فيبتني القول بالوجوب فيه على الاستصحاب التعليقي. ومن ذلك يظهر عدم وجوب الغسل بمس السن المنفصل من الحي، لعدم مجئ الاصل فيه لو جاء في الميت. (3) يعني: بنحو يصدق معه قطعة فيها عظم. (4) كما عن كشف الغطاء. لعدم صدق قطعة فيها عظم.


(* 1) الوسائل باب: 2 من أبواب غسل المس حديث: 2

[ 475 ]

[ كان قبل برده أو بعده أو في أنه كان شهيدا أم غيره، أو كان الممسوس بدنه أو لباسه أو كان شعره أو بدنه لا يجب الغسل في شئ من هذه الصور (1). ] (1) أما في الاولى فلاصالة عدم المس. وأما في الثانية فلانه وإن لم يكن أصل يشخص به كون الممسوس إنسانا أو غيره، لان الانسانية من الذاتيات التي لا يجري فيها أصل العدم، إلا أنه يمكن جريان أصالة عدم تحقق مس الانسان بنحو مفاد كان التامة. ولو فرض الاشكال فيه كفى استصحاب الطهارة. وأما في الثالثة والرابعة فلاستصحاب الحياة والحرارة إلى حين المس. هذا لو علم تأريخ المس وجهل تاريخ الحياة والحرارة، أما لو جهل التاريخ في الطرفين أو في المس، فالمرجع استصحاب الطهارة. وأما في الرابعة فلان الاصل وإن كان يقتضي كونه ليس شهيدا. لان الشهادة صفة وجودية حادثة حال الموت، إلا أنه لما كان سقوط الغسل عن الشهيد ليس مستفادا من دليل بالخصوص وإنما كان من أجل أن أدلة وجوب الغسل بمس الميت مختصة بالميت المحدث النجس غير المنطبق على الشهيد، وحينئذ إذا شك في الميت أنه محدث نجس يستصحب عدم كونه كذلك فلا يوجب مسه شيئا، أو يرجع إلى أصالة عدم الحدث بمسه. اللهم إلا أن يقال: عموم وجوب تغسيل كل ميت إلا الشهيد يقتضي عموم نجاسة كل ميت وحدثه إلا الشهيد، فإذا جرت أصالة عدم كونه شهيدا ثبتت نجاسة الميت وحدثه، ولا مجال للرجوع إلى استصحاب الطهارة لحكومة الاستصحاب الموضوعي على الاصل الحكمي. وبالجملة: كما أنه إذا وجد ميت ولم يعلم أنه شهيد فلا يجب تغسيله أو غير شهيد فيجب تغسيله فيجري

[ 476 ]

أصالة عدم كونه شهيدا فيجب تغسيله ظاهرا، كذلك يجب غسل المس بمسه للاصل المذكور بعينه. وسيأتي من المصنف (ره) القول بعدم وجوب تغسيله في الفرض كما التزم في المقام بعدم وجوب الغسل بمسه، وكأنه لعدم جريان أصالة عدم كونه شهيدا، لانه من قبيل الاصل الجاري في العدم الازلي، لان مرجعها إلى أصالة عدم استناد موته إلى السبب الخاص. لكن التحقيق جريان الاصل في العدم الازلي كما عرفت في مبحث المياه. ونظير المقام ما لو شك في التذكية، فانه لا مجال للرجوع إلى أصالة طهارة اللحم الثابتة حال الحياة، لانه لما ثبت عموم نجاسة كل لحم إلا المذكى كانت أصالة عدم التذكية موجبة لنجاسة اللحم وارتفاع طهارته. وأصالة عدم التذكية وإن لم تكن من الاصل الجاري في العدم الازلي بالنسبة إلى الذبح والنحر، لعدم اعتبار استناد الموت فيهما إلى التذكية، لكن في الصيد هي من الاصل الجاري في العدم الازلي، لاعتبار استناد الموت فيه إلى التذكية، فتأمل جيدا. ثم إن المصنف (ره) لم يتعرض لعدم وجوب غسل المس في مس الشهيد، ويظهر من عبارته المفروغية عنه. وفي مفتاح الكرامة حكى سقوط الغسل بمسه عن كتب الفاضلين والشهيدين والمحقق الثاني واستدل له في جامع المقاصد بأن بعض الاخبار مختص بمن من شأنه أن يغسل فلا يشمل الشهيد والاخبار المطلقة محمولة على المقيد. وهو كما ترى، لعدم لزوم حمل المطلق على المقيد في مثل المقام. والعمدة ظهور نصوص الغسل بالمس في وجود أثر في الممسوس من الحدث والخبث، كما يشير إلى ذلك رواية الفضل عن الرضا (ع): " إنما أمر من يغسل الميت بالغسل لعلة الطهارة مما أصابه من نضح الميت، لان الميت إذا خرج منه الروح بقي منه أكثر آفته " (* 1). (* 1) الوسائل باب: 1 من أبواب غسل المس حديث: 11

[ 477 ]

[ نعم إذا علم المس وشك في أنه كان بعد الغسل أو قبله (1) ] ونحوها رواية محمد بن سنان عنه (ع) (* 1)، وهو مفقود في الشهيد، فان عدم وجوب تغسيله لطهارته وعدم وجود أثر الموت فيه فلا يدخل في تلك النصوص. ولاجل ذلك لم يعرف الخلاف في ذلك. نعم في كشف اللثام: احتمل عدم السقوط. أو مال إليه، عملا باطلاق النصوص. مع احتمال المنع عن الطهارة. لكن المنع عن الطهارة خلاف ظاهر أدلة سقوط غسل الشهيد، والمطلقات حينئذ لا مجال لها. وأشكل منه ما ذكره بقوله: " أما المعصوم فلا امتراء في طهارته، ولذا قيل بسقوط الغسل عمن مسه. لكن (لي. خ) فيه نظر. للعمومات. وخصوص نحو خبر الحسين ابن عبيد: كتبت إلى الصادق (ع): هل اغتسل أمير المؤمنين (ع) حين غسل رسول الله صلى الله عليه وآله عند موته؟ فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله طاهرا مطهرا، ولكن فعل أمير المؤمنين (ع)، وجرت به السنة ". أقول: بمضمون الخبر المذكور خبر الصيقل (* 2). لكن العمومات قد عرفت إشكالها. والخبر ضعيف السند لاهمال الحسين، وضعيف الدلالة لان السنة أعم من الوجوب. مع أنه غير ظاهر في غسل المس. بل من المحتمل أن يكون المراد أن تغسيله للنبي صلى الله عليه وآله لم يكن عن حدث. بل كان من السنة فجرت السنة في تغسيل المعصوم. فتأمل جيدا. وأما في الخامسة والسادسة فلاصالة عدم مس البدن بنحو مفاد كان التامة كما تقدم. (1) يعني: مع الشك في أصل الغسل، فانه يجب الغسل، لاصالة


(* 1) الوسائل باب: 1 من أبواب غسل المس حديث: 12 (* 2) الوسائل باب: 1 من أبواب غسل المس ملحق حديث: 7

[ 478 ]

[ وجب الغسل. وعلى هذا يشكل مس العظام المجردة المعلوم كونها من الانسان (1) في المقابر أو غيرها. نعم لو كانت المقبرة للمسلمين يمكن الحمل على أنها مغسلة (2). (مسألة 4): إذا كان هناك قطعتان يعلم إجمالا أن إحداهما من ميت الانسان، فان مسهما معا وجب عليه الغسل، ] عدم غسل الممسوس. وأما لو علم بتحقق الغسل والمس وشك في المتقدم والمتأخر، فان علم تاريخ المس جرت أصالة عدم الغسل فيجب على الماس الغسل، أما مع العلم بتاريخ الغسل أو الجهل بتاريخهما فلا يجب الغسل على الماس، لجريان أصالة عدم المس إلى حين الغسل في الاول، واستصحاب طهارة الماس في الثاني، أو استصحاب عدم تحقق السبب، يعني: مس من لم يغسل، بنحو مفاد كان التامة. (1) للشك في الغسل الموجب لجريان أصالة عدمه الموجبة للغسل على الماس. ومنشأ الاشكال احتمال كون العلم بالدفن موجبا للبناء على تحقق الغسل من جهة الترتب بينهما. ولكنه كما ترى. (2) كما جزم به في الدروس، وفي الجواهر، وحكاه عن الموجز. والحدائق، معللا له بأنه عمل بالظاهر المعتضد بالسيرة وقاعدة اليقين. انتهى. لكن الظاهر لا دليل على حجيته. وقاعدة اليقين - بمعنى استصحاب طهارة الماس - محكومة لاستصحاب عدم غسل الممسوس، وبمعنى آخر لا دليل على حجيتها. وأما السيرة فلا تخلو من تأمل وإن كانت غير بعيدة. نعم لو أحرز دفن المكلف لها بعنوان الامتثال أمكن إحراز تغسيلها بقاعدة التجاوز لكنها جارية في فعل الغير لا في فعل الشاك. والظاهر عدم الفرق في مرتكز العقلاء بين كون الشاك هو الفاعل أو غيره. ولعل ذلك هو مبنى السيرة.

[ 479 ]

[ وإن مس إحداهما ففي وجوبه إشكال (1) والاحوط الغسل. (مسألة 5): لا فرق بين كون المس (2) اختياريا أو اضطراريا، في اليقظة أو في النوم، كان الماس صغيرا أو مجنونا أو كبيرا عاقلا، فيجب على الصغير الغسل بعد البلوغ والاقوى صحته قبله أيضا إذا كان مميزا (3)، وعلى المجنون بعد الافاقة. (مسألة 6): في وجوب الغسل بمس القطعة المبانة من الحي لا فرق بين أن يكون (4) الماس نفسه أو غيره. ] (1) بل الظاهر أنها راجعة إلى الصورة الثانية من صور المسألة السابقة فيجري فيها أصالة عدم تحقق مس الانسان. ومجرد العلم الاجمالي لا يوجب الفرق بعد عدم معارضة الاصل المذكور بأصل آخر في الطرف الآخر، لفرض عدم تحقق مسه. وبالجملة: حال المقام حال ملاقي أحد أطراف الشبهة المحصورة. (2) لاطلاق الادلة. (3) لما أشرنا إليه سابقا من شرعية عبادات الصبي، لاطلاق أدلتها. وحديث رفع القلم (* 1) إنما يقتضي رفع الالزام بقرينة وروده مورد الامتنان كما أشرنا إلى ذلك في المباحث السابقة. (4) لا طلاق المرسل المتقدم (* 2)، ولا سيما بملاحظة قوله (ع): " فهي ميتة ". واحتمال اختصاص الحكم بغيره، لانصراف النص إليه، ضعيف، لان الانصراف المذكور بدائي، والارتكاز العرفي على خلافه.


(* 1) الوسائل باب: 4 من أبواب مقدمة العبادات حديث: 11 (* 2) تقدم في أول المسألة الثانية من هذا الفصل

[ 480 ]

[ (مسألة 7): ذكر بعضهم أن في إيجاب مس القطعة المبانة من الحي للغسل لا فرق بين أن يكون قبل بردها أو بعده (1). وهو أحوط. (مسألة 8): في وجوب الغسل إذا خرج من المرأة طفل ميت بمجرد مماسته لفرجها إشكال (2). وكذا في العكس بأن تولد الطفل من المرأة الميتة؟ فالاحوط غسلها في الاول وغسله بعد البلوغ في الثاني. ] (1) جعله في الجواهر مما يقوى في النظر وكأنه لاطلاق النص. لكن قوله (ع): " فهي ميتة " يصلح أن يكون قرينة على أن الحكم اللاحق له بما أنه ميتة، فإذا كان حكم الميتة مقيدا بحال البرودة يجب أن يكون الحكم المذكور كذلك. ولا ينافيه عدم الغسل مع عدم العظم، إما لانه من قبيل الاستثناء من حكم الميتة أو لان التنزيل إنما كان منزلة ميتة الانسان التي لا تخلو من عظم، وبالجملة: لا إطلاق في النص يشمل صورة المس حال الحرارة، فالمرجع فيه استصحاب طهارة الماس أو أصالة البراءة من وجوب الغسل. (2) أما المماسة في الرحم فالظاهر أنه لا إشكال في عدم تأثيرها شيئا لقصور النصوص عن شمولها. مع أن لازمه استمرار الحدث لو مات في بطنها إلى أن يخرج، وهو مقطوع بخلافه. وأما المماسة للفرج حين الخروج فمقتضى الاستصحاب أنها كذلك، ومقتضى العموم إيجابها الغسل. لكن الظاهر وجوب الرجوع إلى العام لا الاستصحاب. وأما الفرض اللاحق فمقتضى العموم تأثير المماسة حين موت الحامل قبل خروج الحمل. ولا يلزم منه المحذور المتقدم في الفرض السابق. لكن في عموم النصوص إشكال،

[ 481 ]

[ (مسألة 9): مس فضلات الميت من الوسخ والعرق والدم ونحوها لا يوجب الغسل (1) وإن كان أحوط. (مسألة 10): الجماع مع الميتة بعد البرد يوجب الغسل (2) ويتداخل مع الجنابة (3). (مسألة 11): مس المقتول بقصاص أو حد إذا اغتسل قبل القتل غسل الميت لا يوجب الغسل (4). ] لاختصاصها بالمس بالخارج، فلا تشمل الداخل. (1) للاصل، وعدم اقتضاء أدلة السببية له، لعدم مس الميت ولا القطعة منه. (2) للعموم. (3) كما سبق. (4) كما عن التذكرة والتحرير والنهاية والدروس والبيان وجامع المقاصد والمسالك والمدارك وغيرها، بناء منهم على أن غسله المقدم قبل القتل هو غسل الميت، فيكون مسه بعد القتل مسا بعد الغسل أيضا غير موجب للغسل. وعن السرائر أنه يوجبه وتبعه في الحدائق، لانصراف ما دل على سقوط أثر المس بالغسل إلى الغسل بعد الموت، لانه المتعارف. وفيه - مضافا إلى ما عرفت مكررا من أن التعارف لا يوجب الانصراف المعتد به - أن مقتضى ما دل على مشروعية تقديم غسل الميت على القتل عدم تأثير القتل فيه ذلك الاثر الحاصل بالموت في غيره بحيث يكون كما لو غسل بعد الموت فيكون طاهرا فلا يترتب على مسه أثر، لاختصاص أدلة تأثيره بغيره مما يتأثر بالموت ويحتاج في رفع أثره إلى الغسل، كما عرفت ذلك في الشهيد.

[ 482 ]

[ (مسألة 12): مس سرة الطفل بعد قطعها لا يوجب الغسل (1). (مسألة 13): إذا يبس عضو من أعضاء الحي وخرج منه الروح بالمرة مسه ما دام متصلا ببدنه لا يوجب الغسل، وكذا إذا قطع عضو منه واتصل ببدنه بجلدة مثلا. نعم بعد الانفصال إذا مسه وجب الغسل بشرط أن يكون مشتملا على العظم. (مسألة 14): مس الميت ينقض الوضوء (2) فيجب الوضوء مع غسله. (مسألة 15): كيفية غسل المس مثل غسل الجنابة (3) إلا أنه يفتقر إلى الوضوء أيضا. (مسألة 16): يجب هذا الغسل لكل واجب مشروط بالطهارة من الحدث الاصغر (4)، ويشترط فيما يشترط فيه الطهارة. ] (1) لعدم كون مسها مسا للميت ولا للقطعة المبانة. وكذا في الفرض اللاحق. (2) لا دليل عليه إلا مادل على أن كل غسل معه وضوء. وقد تقدم الكلام فيه في الحيض. (3) لقاعدة الالحاق المتكررة إليها الاشارة في هذا الشرح. مضافا إلى مصحح ابن مسلم عن أبي عبد الله (ع): " من غسل ميتا أو كفنه اغتسل غسل الجنابة " (* 1). فتأمل جيدا. (4) كما هو المشهور شهرة عظيمة، بل قيل: إنه اتفاق من القائلين


(* 1) الوسائل باب: 7 من أبواب غسل المس حديث: 1

[ 483 ]

[ (مسألة 17): يجوز للماس قبل الغسل دخول المساجد والمشاهد (1). والمكث فيها وقراءة العزائم، ووطؤها إن كانت امرأة، فحال المس حال الحدث الاصغر إلا في إيجاب الغسل للصلاة ونحوها. ] بوجوبه. وعن المدارك أنه توقف فيه، لانه لم يقف على ما يقتضي اشتراطه في شئ من العبادات، ولا مانع من أن يكون واجبا لنفسه كغسل الجمعة والاحرام عند من أوجبهما. وفيه: أن الادلة وإن لم يصرح فيها بالاشتراط المذكور لكنها ظاهرة في كون المس حدثا ينحصر رافعه بالغسل، ظهور ما دل على وجوب غسل الثوب والبدن من ملاقاة البول وغيره في نجاستهما وظهور ما دل على وجوب الوضوء بالنوم في كون النوم حدثا ينحصر رافعه بالوضوء. والفرق - بين ألسنة أدلة المقام وبين ما تضمن الامر بالغسل يوم الجمعة أو للاحرام - ظاهر، إذ لا مجال لتوهم حصول الحدث فيهما كما لا يخفى. وقد تقدم في غسل الجنابة بعض ماله دخل في المقام فراجع. وعليه فكل ما كان صرف الحدث مانعا عنه كان الغسل المذكور شرطا فيه وكل ما لم يكن صرف الحدث مانعا عنه أو لم يثبت ذلك فيه لم يكن شرطا فيه. والى هذا أشار في المتن، فان ما يكون مشروطا بالطهارة من الحدث الاصغر يكون مشروطا بالطهارة من الاكبر مطلقا كالصلاة والطواف ومس القرآن واسم الله تعالى. (1) كما عن الروض والموجز وغاية المرام وجامع المقاصد وغيرها، لعدم الدليل على حرمة ذلك له. وثبوتها في الجملة للجنب والحائض لا يقتضي ثبوتها في المقام، لامكان التفكيك بين أنواع الحدث في الاحكام. ومنه يظهر ضعف ما يظهر من عبارتي الشرائع والقواعد ونحوهما - بل نسب

[ 484 ]

[ (مسألة 18): الحدث الاصغر والاكبر في أثناء هذا الغسل لا يضر بصحته (1). نعم لو مس في أثنائه ميتا وجب استئنافه (2). (مسألة 19): تكرار المس لا يوجب تكرار الغسل ولو كان الميت متعددا كسائر الاحداث (3). (مسألة 20): لا فرق في إيجاب المس للغسل بين أن يكون مع الرطوبة أولا (4). نعم في إيجابه للنجاسة يشترط أن يكون مع الرطوبة على الاقوى (5) وإن كان الاحوط الاجتناب إذا مس مع اليبوسة، خصوصا في ميت الانسان. ولا فرق في النجاسة مع الرطوبة بين أن يكون بعد البرد أو قبله (6). وظهر من هذا أن مس الميت قد يوجب الغسل والغسل كما إذا كان بعد البرد وقبل الغسل مع الرطوبة، وقد ] إلى الاشهر - من وجوب الغسل مطلقا لما يجب له الوضوء ولدخول المساجد وقراءة العزائم. (1) كما تقدم في الجنابة (2) (2) لما أشرنا إليه في مبحث الجنابة من أن كل مرفوع ناقض لرافعه لو وقع في أثنائه. (3) لعدم تكرر الحدث. (4) لاطلاق النصوص والفتاوى. (5) كما سبق في مبحث النجاسات. (6) كما سبق في النجاسات.

[ 485 ]

[ لا يوجب شيئا كما إذا كان بعد الغسل أو قبل البرد بلا رطوبة وقد يوجب الغسل دون الغسل كما إذا كان بعد البرد وقبل الغسل بلا رطوبة، وقد يكون بالعكس كما إذا كان قبل البرد مع الرطوبة ] والحمد لله كما هو أهله، والصلاة على خير خلقه محمد وآله الطاهرين. (2) لما أشرنا إليه في مبحث الجنابة من أن كل مرفوع ناقض لرافعه لو وقع في أثنائه. (3) لعدم تكرر الحدث. (4) لاطلاق النصوص والفتاوى. (5) كما سبق في مبحث النجاسات. (6) كما سبق في النجاسات.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية