الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




مستمسك العروة - السيد محسن الحكيم ج 1

مستمسك العروة

السيد محسن الحكيم ج 1


[ 1 ]

ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى قرآن الكريم مستمسك العروة الوثقى تأليف فقيه العصر آية الله العظمى السيد محسن الطباطبائي الحكيم قدس سره الجزء الاول

[ 2 ]

الطبعة الرابعة مطبعة الآداب - النجف الاشرف - تلفون 2898 1391 هجرية حقوق الطبع محفوظة للناشر منشوراة مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي قم - ايران 1404 ه‍ ق

[ 3 ]

مقدمة الطبعة الثالثة بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا خاتم المرسلين محمد وآله الطاهرين. وبعد فان جميع الاوساط العلمية لتعرف حقا ما يتمتع به الكتاب الشهير " مستمسك العروة الوثقى " تأليف آية الله العظمى والمرجع الديني الاعلى الذي انتهت إليه رئاسة الشيعة الامامية في هذا العصر السيد المحسن الطباطبائي الحكيم (مد الله ظله على رؤوس المسلمين) من سمو المعنى وحسن السمعة وبعد الصيت ذلك لانه أول كتاب من نوعه ظهر للملا العلمي وأول شرح للكتاب " العروة الوثقى " برز للاوساط العلمية وهو يحمل بين دفتيه من الدقة والتحقيق في المجالات الفقهية الشئ الكثير، ولهذه الناحية فقد كان محور الدراسات الفقهية من ذي قبل هو كتاب " شرايع الاسلام " للمحقق (قدس الله سره) ويتلوه كتاب تبصرة المتعلمين للعلامة أعلى الله مقامه. أما اليوم وبعد ظهور هذا الكتاب العظيم فقد أصبح محور الدراسة الفقهية هو " العروة الوثقى " وكثرت لذلك شروحه والتعليقات عليه، وكل ما جاء بعد هذا الشرح " المستمسك " من شروح " العروة الوثقى " فقد وجد طريقا معبدا فسار عليه بسهولة ويسر، وأصبحت مطالبه ونظرياته موضع عناية الدارسين والمدرسين ونقاشهم وقبولهم وردهم. وقد طبع للمرة الثانية بشكل امتازت به على الطبعة الاولى من نواح شتى أبرزها تيسر تطبيق الشرح مع الاصل بفضل الارقام الموضوعة على

[ 4 ]

كل منهما ولم يمض من الزمن إلا قليل نسبيا حتى نفدت نسخه وأصبح الطلب متكررا والحاجة إليه ملحة فلم يسع الناشر الا ان يتقدم للملا العلمي باخراج الجزء الاول منه في طبعة ثالثة تمتاز على سابقتها بمزيد العناية في تحقيقه وتدقيقه وتخريج أحاديثه والدلالة على مظانها من مصادرها ونحو ذلك من الجهود التي بذلها صاحب الفضيلة البحاثة العلامة الجليل السيد مرتضى الخلخالي النجفي دام فضله وعلى الله أجره والحمد لله رب العالمين. 5 / رمضان / 1384 الناشر: محمد كاظم الحكيم

[ 5 ]

[ بسم الله الرحمن الرحيم الحمد الله رب العالمين، وصلى الله على محمد خير خلقه وآله الطاهرين. وبعد فيقول المعترف بذنبه المفتقر إلى رحمة ربه محمد كاظم الطباطبائى: هذه جملة مسائل مما تعم به البلوى وعليها الفتوى، جمعت شتاتها وأحصيت متفرقاتها عسى أن ينتفع بها اخواننا المؤمنون، وتكون ذخرا ليوم لا ينفع فيه مال ولا بنون. والله ولي التوفيق. ] بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين. والصلاة والسلام على أشرف النبيين وخاتم المرسلين محمد وآله الطيبين الطاهرين. وبعد فيقول العبد الفقير إلى الله الغني " محسن " خلف العلامة المرحوم السيد " مهدي " الطباطبائي الحكيم: قد يكون من دواعي الخير وأسباب التوفيق أن يجتمع لدي فريق من أرباب العلم والفضل، ويرغبوا إلي رغبة ملحة في تدريس علم الفقه الشريف على أن يكون محور البحث والنظر كتاب (العروة الوثقى) تأليف سيدنا الاعظم فخر الفقهاء المحققين المرحوم المبرور السيد محمد كاظم الطباطبائى، أعلى الله مقامه، فنزلت عند رغبتهم متوكلا على الله تعالى ومستمدا منه المعونة والتسديد. وكنت في أثناء ذلك أدون ما ألقيه إليهم كشرح للكتاب المذكور بشكل موجز. آملا منه - جل شأنه - أن يكون وافيا بمداركه كافيا في تعرف أحكامه، فأكون قد أديت وظيفة جلى في خدمة هذا العلم الجليل.

[ 6 ]

[ (مسأله 1): يجب على كل مكلف (1) في عباداته ومعاملاته (2) أن يكون مجتهدا أو مقلدا أو محتاطا (3). (مسألة 2): الاقوى جواز العمل بالاحتياط (4) ] واني لارجو منه تعالى ببركة من أنا في جوار حرمه، وأستجير في كثير من الاحيان بذمته - صلوات الله عليه - أن يتقبله بقبول حسن، ويثبته في ديوان الحسنات، ليكون ذخرا لي يوم القاه (يوم لا ينفع مال ولا بنون الا من أتى الله بقلب سليم) إنه ولي التوفيق، وهو حسبنا ونعم الوكيل. (1) الوجوب التخييري المذكور من قبيل وجوب الاطاعة، فطري بمناط وجوب دفع الضرر المحتمل، حيث أن في ترك جميع الابدال احتمال الضرر. وعقلي بمناط وجوب شكر المنعم. ولاجل ذلك اختص بصورة احتمال التكليف المنجز، فمع الغفلة عن التكليف، أو احتمال التكليف غير الالزامي، أو الالزامي غير المنجز، لم يجب شئ من ذلك، لعدم احتمال الضرر في تركها، ولا هو مما ينافي الشكر الواجب. (2) بل في جميع أفعاله وتروكه - كما سيأتي ذلك منه رحمه الله - لوجود المناطين المذكورين في الجميع. (3) يعنى: يجب أن يعمل على طبق الاجتهاد أو التقليد أو الاحتياط. أما الاكتفاء بالاولين فلاقتضاء كل منهما العلم بأداء الوظيفة شرعية أو عقلية الموجب للامن من العقاب، أو من حصول ما ينافي الشكر، وان احتمل مخالفته للواقع. وأما الاكتفاء بالاخير فلانه يوجب القطع بأداء الواقع الموجب للامن مما ذكر أيضا. وأما عدم الاكتفاء بغيرها كالظن مثلا فلعدم اقتضاء العمل المطابق له للامن لاحتمال مخالفته للواقع. (4) خلافا لما عن المشهور، من بطلان عبادة تارك طريقي الاجتهاد

[ 7 ]

[ مجتهدا أو لا. لكن يجب أن يكون عارفا بكيفية الاحتياط بالاجتهاد أو بالتقليد (1). (مسألة 3): قد يكون الاحتياط في الفعل، كما إذا احتمل كون الفعل واجبا وكان قاطعا بعدم حرمته، وقد يكون في الترك، كما إذا احتمل حرمة فعل وكان قاطعا بعدم وجوبه، ] والتقليد معا، بل لعل ظاهر المحكي عن السيد المرتضى وأخيه الرضي - قدس سرهما - دعوى الاتفاق عليه. لكنه لا دليل عليه بعد ما عرفت من أن العمل الموافق للاحتياط موجب للعلم بمطابقة الواقع. وأما أدلة وجوب التعلم فتأبى الحمل على الوجوب النفسي، والوجوب الغيري ممتنع، لعدم المقدمية بين العلم والعمل، فالمراد منها الوجوب الارشادي، والمقصود منه عدم عذرية الجهل في مخالفة الواقع قبل التعلم، كما هو أيضا ظاهر وجوب التبين في آية النبأ (* 1). والاجماع المدعى على المنع غير واضح الحجية. كما أن اعتبار الاطاعة في صحة العبادة لا يقتضي ذلك، لتحقق الاطاعة عند العقلاء بنفس الفعل الصادر عن داعي الامر ولو كان محتملا، والتمييز مما لا يعتبر عندهم فيها قطعا. واحتمال دخله في حصول الغرض - مع أنه قد يندفع بالاطلاقات المقامية - لا يصلح علة لوجوب الاحتياط في نظر العقل، كاحتمال اعتبار شئ جزءا أو شرطا في المأمور به، كما هو موضح في محله من الاصول. (. 1) هذا شرط للاكتفاء بالاحتياط في نظر العقل، بل لعل عدم المعرفة مانع من حصول الاحتياط، فلا يحصل الامن.


(* 1) وهي قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين) الحجرات: 49

[ 8 ]

[ وقد يكون في الجمع بين أمرين مع التكرار (1) كما إذا لم يعلم أن وظيفته القصر أو التمام. (مسألة 4): الاقوى جواز الاحتياط ولو كان مستلزما للتكرار (2) وأمكن الاجتهاد أو التقليد. ] (1) الاولى إسقاط هذا القيد، إذ التكرار هنا عين الجمع بين الامرين كالقصر والتمام، فيغني ذكره عن ذكره. وتسميته تكرارا بلحاظ مفهوم الصلاة وإلا فمع الاختلاف في الكيفية لا تكرار حقيقة. والاحتياط بفعل محتمل الجزئية أو الشرطية وترك محتمل المانعية داخل في أحد الاولين. بل الجمع يمكن أن يكون داخلا في الاول. فتأمل. (2) وعن جماعة منعه، بل هو الذي أصر عليه بعض الاعاظم (دام ظله) (* 1). وقد يستدل له (أولا): بأن فيه فوات نية الامر، لان الفعل حينئذ يكون بداعي احتمال الامر، لا بداعي نفس الامر. (وثانيا): بأنه لعب أو عبث بأمر المولى. وكلا الامرين ممنوعان. أما الاول: فلان فعل كل واحد من الاطراف ناشئ عن داعي الامر بفعل الواجب. والاحتمال دخيل في داعوية الامر، لا أنه الداعي إليه، والا كان اللازم في فرض العلم التفصيلي البناء على كون الفعل ناشئا عن داعي العلم بالامر لا عن داعي نفس الامر، إذ الفرق بين المقامين غير ظاهر. (وبالجملة): العلم في فرض العلم التفصيلي والاحتمال في فرض عدمه دخيلان في داعوية الامر إلى الفعل، لا أنهما داعيان إليه. ومن ذلك تعرف أن مرجع الشك في المقام إلى الشك في اعتبار العلم بالامر في تحقق الاطاعة فيكون من قبيل الدوران بين الاقل والاكثر


(* 1) الشيخ ميرزا محمد حسين النائيني

[ 9 ]

[ (مسألة 5): في مسألة جواز الاحتياط يلزم أن يكون مجتهدا أو مقلدا (1)، لان المسألة خلافيه. ] لا من قبيل الدوران بين التعيين والتخيير. نعم يتم ذلك بناء على أن الباعث على العمل الاحتمال لتباين نحوي الامتثال، إذ في أحدهما يكون الباعث الامر، وفي الآخر الاحتمال، فالشك في اعتبار الامتثال التفصيلي يكون من التردد بين التعيين والتخيير. وأما الثاني: فلانه قد يكون في الفحص بالاجتهاد أو التقليد من العناء والمشقة ما لا يكون بالاحتياط - مع أنه لو سلم، فكونه عبثا بأمر المولى ممنوع، إذ الاتيان بالفعل المتكرر - بعد ما كان عن محض الامر - موجب لكونه أبلغ في الاطاعة، وأظهر في استشعار العبودية من الفعل بدون التكرار. غاية الامر أنه عبث في كيفية الاطاعة، وهو مما لا يقدح في حصولها، كيف وهو متأخر عنها رتبة؟. (1) لا ريب في أن الاكتفاء بالاحتياط في نظر العقل إنما هو لكونه موجبا للعلم بأداء الواقع المؤدي إلى الامن من تبعة مخالفته. فإذا أدرك عقل المكلف ذلك كان مجتهدا في مسألة جواز الاحتياط حينئذ ولزم الاكتفاء به، وإلا امتنع الاكتفاء به. إلا أن يدرك عقله حجية رأي الغير، فيفتي له بجواز الاحتياط، فيكتفي به أيضا. وكون المسألة وفاقية أو خلافية لا يصلح علة للاكتفاء به وعدمه. بل الاكتفاء به دائر مدار إدراك عقله لذلك، كما عرفت. مع أن كون المسألة خلافية لا يختص بجواز الاحتياط، فان مسألة جواز التقليد أيضا خلافية، إذ المحكي عن علماء حلب وغيرهم وجوب الاجتهاد عينا، فاختصاص الاحتياط بذلك غير ظاهر. وسيأتى أنه لابد للعامي من أن يكون مجتهدا في جواز التقليد.

[ 10 ]

[ (مسألة 6): في الضروريات لا حاجة إلى التقليد (1) كوجوب الصلاة والصوم ونحوهما. وكذا في اليقينيات إذا حصل له اليقين. وفي غيرهما يجب التقليد (2) إن لم يكن مجتهدا إذا لم يمكن الاحتياط، وإن أمكن تخير بينه وبين التقليد. (مسألة 7): عمل العامي بلا تقليد ولا احتياط باطل (2). ] (1) لوضوح أن وجوب العمل شرعا برأي الغير حكم ظاهري كوجوب العمل بسائر الحجج، ومن المعلوم أن الحكم الظاهري يختص جعله بحال الشك، فيمتنع جعل حجية رأي الغير مع العلم بالواقع، كما في الضروريات واليقينيات. (2) على المعروف. لما دل على حجية رأي المجتهد لغيره، من الكتاب والسنة وبناء العقلاء، والسيرة القطعية في زمان المعصومين (ع) كما هو محرر في محله من الاصول - من غير فرق في دلالتها عليه بين إمكان الاحتياط وتعذره. وخلاف بعضهم في ذلك ضعيف، وبذلك يظهر التخيير بينه وبين الاحتياط مع إمكانه. (3) بمعنى عدم الاكتفاء به في نظر العقل في حصول الامن من العقاب لاحتمال عدم مطابقته للواقع. فلو علم بعد العمل بصحته واقعا، أو ظاهرا لمطابقته لرأيه أو رأي من يجب عليه تقليده حال النظر، اكتفى به في نظر العقل حينئذ. أما في الاول فواضح. وأما في الثاني فلحصول الامن من تبعة مخالفته على تقديرها من جهة مطابقته للحجة. وسيأتي لذلك تتمة في كلام المصنف (ره). (* 1) ولو انكشف مطابقته لرأي من يجب عليه تقليده حال العمل مع مخالفته لرأي من يجب عليه تقليده حال النظر، ففي الاكتفاء به وعدمه وجهان، أقواهما الثاني. وليس الحكم فيه حكم ما لو قلد


(* 1) راجع المسألة: 16 من هذا الفصل

[ 11 ]

[ (مسألة 8): التقليد هو الالتزام بالعمل بقول مجتهد معين (1)، وان لم يعمل بعد، بل ولو لم يأخذ فتواه، فإذا أخذ رسالته والتزام بما فيها كفى في تحقق التقليد. ] مجتهدا ثم عدل عنه إلى غيره - لموت أو نحوه مما يسوغ العدول - فكان رأي من قلده ثانيا مخالفا لرأي من قلده أولا. للفرق بين المسألتين بحصول التقليد في الثانية دون الاولى، وربما كان فارقا في الحكم. وسيأتى التعرض لذلك إن شاء الله تعالى (* 1). (1) قد اختلفت كلماتهم في تعريف التقليد. ففي بعضها: أنه الاخذ بقول الغير من غير حجة، وفي آخر: أنه العمل بقول الغير.. وفي ثالث: أنه قبول قول الغير... لكن هذا الاختلاف وإن كان - لاول نظرة - ظاهرا في الاختلاف في معنى التقليد ومفهومه، إلا أن عدم تعرضهم للخلاف في ذلك مع تعرضهم لكثير من الجهات غير المهمة يدل على كون مراد الجميع واحدا، وأن اختلافهم بمحض التعبير. وظاهر القوانين أن مراد الجميع العمل، حيث نسب تعريفه بالعمل بقول الغير.. إلى العضدي وغيره، مع أن تعريف العضدي كان بالاخذ. وظاهر الفصول أن المراد الالتزام حيث قال: واعلم أنه لا يعتبر في ثبوت التقليد وقوع العمل بمقتضاه. لان العمل مسبوق بالعلم، فلا يكون سابقا عليه. ولئلا يلزم الدور في العبادات، من حيث أن وقوعها يتوقف على قصد القربة، وهو يتوقف على العلم بكونها عبادة، فلو توقف العلم بكونها عبادة على وقوعها كان دورا.. (إلى أن قال): وقول العلامة (ره) في النهاية: بأن التقليد هو العمل بقول الغير من غير حجة معلومة، بيان لمعناه اللغوى - كما يظهر من ذيل كلامه - وإطلاقه على هذا شائع في العرف العام.


(* 1) في المسألة: 53 من هذا الفصل

[ 12 ]

وظاهره تسليم كون التقليد لغة هو العمل إلا أنه يجب حمله اصطلاحا على مجرد الالتزام فرارا عن الاشكالين المذكورين في عبارته. لكن يدفعهما أن دليل حجية الفتوى يقتضي كونها بمنزلة العلم وهي سابقة على العمل، وكافية في حصول نية القربة. (ودعوى): أن حجية الفتوى مشروطة بالالتزام بالعمل، كما يظهر منه (قده) في شرح قولهم - في تعريف التقليد -: من غير حجة (يدفعها): أنها خلاف ظاهر أدلة الحجية، بل خلاف المقطوع به من بعضها، كما لا يخفى. هذا مضافا إلى النظر والاشكال في مقدمات الاشكالين المذكورين، كما يظهر ذلك بالتأمل. وأما التعبير بالاخذ في كلام الجماعة - كما سبق - فالظاهر أن المراد منه العمل، كما في كثير من المقامات، مثل الاخذ بما وافق الكتاب والاخذ بما خالف العامة، والاخذ بقول أعدلهما، ومن أخذ بالشبهات وقع في المحرمات.. إلى غير ذلك مما هو كثير. ولعله المراد أيضا من القبول المذكور في كلام بعضهم. مع أن عدم إرادته منه لا يهم بعد ما عرفت من كون مقتضى الادلة جواز العمل بالفتوى بلا توسيط الالتزام، فلا يكون دخيلا في حصول الامن من الضرر، ولا واجبا تخييريا بالوجوب الفطري والعقلي المتقدمين آنفا. فالمتحصل إذا: أن التقليد عبارة عن العمل اعتمادا على رأى الغير، وهو المناسب جدا لمعناه اللغوي - كما تقدم من الفصول - ويعبر عنه في العرفيات بقوله: إني أعمل كذا ويكون ذلك في رقبتك - مخاطبا من يشير عليه بالفعل - والالتزام أجنبي عنه. هذا كله مع اتحاد المجتهد، أما مع تعدده: فاما أن يتفقوا في الفتوى أو يختلفوا فيها. فان اتفقوا فالظاهر أنه لا دليل على تعيين واحد منهم، فيجوز تقليد جميعهم كما يجوز تقليد بعضهم وأدلة حجية الفتوى - كأدلة

[ 13 ]

حجية الخبر - إنما تدل على حجية الفتوى بنحو صرف الوجود الصادق على القليل والكثير، فكما أنه لو تعدد الخبر الدال على حكم معين يكون الجميع حجة على ذلك الحكم كما يكون البعض كذلك ولا تختص الحجية بواحد منها معين أو مردد، كذلك لو تعددت الفتوى. ويشير إلى ذلك آيتا النفر (* 1) والسؤال (* 2) - بناء على ظهورهما في التقليد - ورواية ابن مهزيار الواردة في حكم الاتمام بمكة (* 3)، ورواية صاحب السابري الواردة في من أوصى أن يحج عنه بمال لا يفي بالحج (* 4)، وخبر حمران بن أعين، ومرفوع ابراهيم بن هاشم الواردان في أكثر النفاس (* 5)، وغير ذلك. ومنه يظهر ضعف أخذ التعيين للمجتهد في مفهوم التقليد. إلا أن يكون المراد به ما يقابل الترديد، فانه حينئذ لا بأس به إذ الفرد المردد ليس له خارجية كي يصلح أن يكون موضوعا للحجية أو غيرها من الاحكام. وإن اختلف المجتهدون في الفتوى، فلما امتنع أن يكون الجميع حجة للتكاذب الموجب للتناقض، ولا واحد معين، لانه بلا مرجح، ولا التساقط والرجوع إلى غير الفتوى، لانه خلاف الاجماع والسيرة، تعين أن يكون الحجة هو ما يختاره، فيجب عليه الاختيار مقدمة لتحصيل الحجة، وليس


(* 1) وهي قوله تعالى: (وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون) التوبة: 122 (* 2) وهي قوله تعالى: (وما أرسلنا قبلك الا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر ان كنتم لا تعلمون) النحل: 43، الانبياء: 7 (* 3) الوسائل باب: 25 من ابواب صلاة المسافر حديث: 4 (* 4) الوسائل باب: 37 من كتاب الوصايا حديث: 2 وسيأتي ذكر الرواية مفصلا في الجزء العاشر في المسألة التاسعة من فصل الوصية بالحج (* 5) الوسائل باب: 3 من ابواب النفاس حديث: 11، 7

[ 14 ]

[ (مسألة 9): الاقوى جواز البقاء على تقليد الميت (1). ] الاختيار إلا الالتزام بالعمل على طبق إحدى الفتويين أو الفتاوى بعينها، وحينئذ يكون الالتزام مقدمة للتقليد لا أنه عينه، ومما ذكرنا يظهر أن دعوى أن التقليد هو الالتزام مما لم يتضح له مأخذ. والله سبحانه أعلم. (1) الكلام في هذه المسألة، (تارة): يكون في صورة موافقة رأي الميت لرأي الحي الذي يجب عليه تقليده على تقدير عدم جواز البقاء على تقليد الميت، (وأخرى): في صورة مخالفة رأيه لرأيه. أما الكلام في الصورة الاولى: فهو أنه - بناء على ما عرفت من أن التقليد هو العمل برأي الغير واحدا كان أو متعددا - لا تترتب صحة العمل واقعا وعدمها على الجواز وعدمه، لان العمل الموافق لرأي الميت مواقف لرأي الحي أيضا، فيكون صحيحا مطلقا، كان رأي الميت حجة أولا. غاية الامر أنه على تقدير حجيته تكون صحة العمل عقلا - بمعنى الاجتزاء به في نظر العقل - لموافقته لرأي الجميع، وعلى تقدير عدم حجيته يكون الاجتزاء به في نظر العقل لموافقته لرأي الحي، فالصحة والاجتزاء به عند العقل محرز على كل تقدير. نعم يثمر الكلام في حجية رأي الميت من حيث جواز البناء عليها لعدم كونه تشريعا، وعدمه لكونه كذلك. لكنه شئ آخر أجنبي عن صحة العمل. أما بناء على كونه الالتزام بالعمل فصحة العمل عقلا وعدمها يبتنيان على حجية رأي الميت وعدمها، فانه على تقدير الحجية يكون الالتزام بالعمل برأيه تقليدا صحيحا والعمل الموافق للالتزام المذكور عملا عن تقليد صحيح، وليس كذلك على تقدير عدم الحجية. وأما الكلام في الصورة الثانية: فهو بعينه الكلام في الصورة الاولى بناء على كون التقليد هو الالتزام بالعمل، لما عرفت من توقف الحجية حينئذ على الالتزام بواحد من الرأيين بعينه، فتبتني الصحة وعدمها على حجية

[ 15 ]

رأي الميت وعدمها. إذا عرفت ذلك نقول: بناء على ما عرفت من أن الادلة اللفظية الدالة على حجية الفتوى لو تمت في نفسها فانها تدل على حجيتها بنحو صرف الوجود الصادق على القليل الكثير. كأدلة حجية الخبر - فلا مجال للتمسك بها مع اختلاف الرأيين. لتكاذبهما المانع من شمول الدليل لهما ولا أحدهما. فلابد في إثبات الحجة من رأي الميت أو الحي من الرجوع إلى دليل آخر، من إجماع، أو بناء العقلاء، أو سيرة المتشرعة، أو الاصل. (والاول) لم يثبت بالنسبة إلى الميت، بل قد يدعى على عدم جواز الرجوع إليه، فضلا عن العلم بعدم انعقاده على الجواز. (وأما الثاني) فالظاهر أنه لا يشمل صورة الاختلاف أيضا كالادلة اللفظية. (وأما السيرة) فهي وإن ادعي استقرارها في عصر المعصومين (ع) على البقاء على تقليد الميت، كما هو المظنون قويا، لكن بلوغه حدا يصح التعويل عليه لا يخلو من: إشكال. فيتعين الاخير. وستأني وجوه تقريره. وأما بناء على أن مفاد أدلة التقليد هو الحجية على تقدير الالتزام بالعمل بقول مجتهد معين فلا مانع من الرجوع إلى إطلاق تلك الادلة لو كان. لكن عرفت أنا لا نعرف ذلك الدليل لنعرف إطلاقه. فالعمدة إذا هو الاصل. وتقريره (تارة): باجرائه في الحكم الوضعي الاصولي - أعني: الحجية - فيقال: كان رأي فلان حجة - يعني حال حياته - وهو على ما كان. (وأخرى): في نفس المؤدى الواقعي المحكي بالرأي، فيقال مثلا: كانت السورة واجبة واقعا حال حياة فلان فهي باقية على وجوبها. (وثالثة): في الحكم الظاهري، فيقال مثلا: كانت السورة واجبة ظاهرا حال حياة فلان فهي باقية على وجوبها الظاهري، فنقول: أما إجراؤه في الحكم الوضعي على النحو الاول - أعنى: الحجية -

[ 16 ]

فيتوقف أولا على كونها متأصلة في الجعل، بحيث يصح اعتبارها من مجرد جعلها، وتترتب عليها آثارها عقلا من صحة اعتذار كل من المولى والعبد بها. لكنه غير ظاهر، بل الظاهر أنها منتزعة من الحكم الظاهري الراجع إلى الامر بالعمل بالواقع على تقدير المصادفة - نظير الامر بالاحتياط في بعض موارد الشك - وإلى الترخيص على تقدير المخالفة، فان ذلك هو منشأ صحة الاعتذار والاحتجاج، فالحجية نظير الوجوب والحرمة المنتزعين من مقام الارادة والكراهة، ولا يصح اعتبارهما من مجرد جعلهما مع قطع النظر عن الارادة والكراهة. وعلى هذا لا مجال لجريان الاستصحاب فيها، لعدم كونها أثرا شرعيا ولا موضوعا لاثر شرعي. ويتوقف ثانيا على أن يكون موضوع الحجية مجرد حدوث الرأي، أما إذا كانت منوطة به حدوثا وبقاء، بحيث يكون موضوعها في الآن الثاني بقاء الرأي، فلا مجال لاستصحابها، لعدم بقاء موضوعها، لانتفاء الرأى بالموت. وقد يستظهر ذلك من بناء الاصحاب - بل ظهور الاجماع - على ارتفاع الحجية بتبدل رأي المجتهد، وبارتفاع الشرائط من العدالة والعقل والضبط وغيرها. ولان حجية الرأي بالاضافة إلى العامي ليست بأعظم منها بالاضافة إليه نفسه، ومن المعلوم أن حجية الرأي بالاضافة إلى نفسه على النحو الثاني، فان الحجية لرأي المجتهد بالاضافة إلى نفسه في كل زمان موضوعها الرأي في ذلك الزمان، لا مجرد الحدوث. فان قلت: سلمنا كونها كذلك بالاضافة إلى العامي، لكن لا دليل على ارتفاع الرأي بالموت فيجري فيه استصحاب بقائه، ويكون حجة. (قلت): لو سلمنا تقوم الرأي بالنفس عقلا لا بالبدن فليس كذلك عرفا، فانه يصدق عرفا أن هذا الميت لا رأي له. مع أن الموت ملازم لارتفاع الرأي - غالبا - قبله آنا ما فلا مجال لاستصحابه.

[ 17 ]

هذا ولكن الانصاف أن الاجماع على عدم حجية رأي المجتهد مع اختلال الشرائط - لو تم - لا يقتضي عدم الحجية مع ارتفاع الحياة إذا كان محلا للخلاف وارتفاع الحجية بتبدل الرأي إنما هو لكون الحجية مشروطة بعدم ظهور الخطأ له في المستند، لا لكونها منوطة بالرأي حدوثا وبقاء. ولذا ترى الشهادة تسقط عن مقام الحجية إذا ظهر للشاهد الخطأ في المستند، مع أنها حجة بحدوثها إلى الابد ولا ترتفع حجيتها بموت الشاهد أو نسيانه. وارتفاع الرأي قبل الموت غالبا إن قام إجماع على قدحه فهو خارج عن محل الكلام، والكلام في غيره من الفروض وإن لم يقم إجماع على ذلك لم يقدح في جريان الاستصحاب. وبالجملة: احتمال حجية الرأي بحدوثه إلى الابد لا رافع له، فلا مانع من الاستصحاب. فان قلت: رأى المجتهد حال حياته وإن دل على ثبوت الحكم في جميع الوقائع السابقة والمقارنة واللاحقة، إلا أن القدر المتيقن حجيته في غير الوقائع اللاحقة، فهو بالنسبة إليها غير معلوم الحجية حتى تستصحب بعد الموت، إذ الاستصحاب حينئذ يكون من قبيل القسم الثالث من استصحاب الكلي. قلت: إنما يتم الاشكال لو كانت الوقايع ملحوظة بخصوصها موضوعا للحجية في قبال غيرها، كأفراد الكلي الملحوظ بعضها في قبال آخر. أما إذا كانت جميع الوقايع ملحوظة بنحو القضية الحقيقية، والشك إنما هو في مجرد استمراد الحكم إلى الازمنة اللاحقة، فلا مانع من الاستصحاب، إذ الواقعة اللاحقة - على هذا المعنى - تكون موضوعا للحكم لو كانت واقعة في حياة المفتي وإنما الشك في خصوصية زمان الحياة، والاستصحاب شأنه إلغاء احتمال دخل خصوصية الزمان السابق في الحكم. نظير ما لو ثبت أن من ولد في يوم الجمعة يجب ختانه وشك في استمرار الحكم لمن ولد في يوم السبت، فمن ولد في يوم السبت يعلم بثبوت الحكم له لو كان ولد في يوم الجمعة

[ 18 ]

ويشك في بقائه على ما كان. فصورة القضية المستصحبة هكذا: هذا - يعنى: المولود في يوم السبت - كان لو ولد وجب ختانه فهو على ما كان. وكذلك نقول في المقام: هذه الواقعة كانت لو وجدت فيما مضى لكان الرأي فيها حجة فهي باقية على ما كانت، فالشك ليس لا حتمال دخل خصوصية أفراد الوقايع، بل لاحتمال دخل خصوصية الزمان السابق في الحكم، وشأن الاستصحاب إلغاء احتمال ذلك. فهذا الاستصحاب نظير استصحاب الشرائع السابقة عند الشك المحرر جوازه في مبحث الاستصحاب. نعم هو من قبيل الاستصحاب التعليقي المحقق في محله جريانه، إذ لا فرق بين الحكم التعليقي والتنجيزي في الدخول في عموم دليل الاستصحاب. لكنه ربما يكون معارضا بالاستصحاب التنجيزي لعدم الدليل على حكومته عليه، وحينئذ يسقط للمعارضة، وفي المقام يعارض بأصالة عدم الحجية الثابت قبل الوجود. لكنه مبني على جريان الاصل في العدم الازلي، وإلا كان الاصل التعليقي بلا معارض. وأما إجراؤه في الحكم الواقعي: فيشكل بأنه يتوقف على اليقين بالحدوث والشك في البقاء، وكلاهما غير حاصل. أما الاول فلعدم اليقين الوجداني حال الوفاة بثبوت الحكم الواقعي حال الحياة، إذ لا منشأ له. ومثله اليقين التنزيلي. وكون رأي المجتهد بمنزلة اليقين مسلم لو ثبتت حجيته حال الوفاة، وهي محل الكلام، وحجيته حال الحياة على ثبوت الحكم الواقعي حينئذ لا تجدي في ثبوت اليقين التنزيلي بعد الوفاة بأصل الثبوت، فلا يقين ولا ما هو بمنزلته بثبوت الحكم الواقعي من أول الامر. وأما الثاني فانتفاؤه أظهر، للعلم بثبوت الحكم الواقعي على تقدير حدوثه، وإنما الشك في أصل ثبوته لا غير. وأما إجراؤه في الحكم الظاهري: فلا ضير فيه، لاجتماع أركانه،

[ 19 ]

لليقين الوجداني حال الوفاة بثبوته حال الحياة الملازم لحجية الفتوى حال الحياة، والشك في بقائه، للشك في بقاء الحجية إلى زمان الوفاة. نعم يتوجه عليه الاشكال الاخير في استصحاب الحجية. ويندفع بما عرفت من الاستصحاب التعليقي. بل جريانه هنا أوضح، لان الحكم المستصحب إن لم يكن اقتضائيا - كما لو كانت فتوى الميت عدم الوجوب أو عدم الحرمة - فاستصحابهما التعليقي لا يعارضه الاستصحاب التنجيزي، لانه لو جرى كان مفاده نفي الوجوب أو الحرمة - لاصالة عدمهما - فالاستصحاب التنجيزي - لو جرى - فهو موافق لا مخالف كي يسقطا بالمعارضة. نعم لو كان اقتضائيا - كما لو كانت فتوى الميت الوجوب أو الحرمة - فالاصل التنجيزي وإن كان معارضا، لكن البقاء على التقليد في الاحكام الاقتضائية مما لا بأس به قطعا من حيث العمل، لموافقته للاحتياط. ولو كانت فتوى الميت الوجوب، وفتوى الحي الحرمة، فالفتوى الاولى لما كان مفادها نفي الحرمة كانت من هذه الجهة غير اقتضائية، فلا مانع من جريان الاستصحاب في مضمونها، ومن حيث نفس الوجوب اقتضائية فلا بأس بالبقاء عليها من حيث العمل، كما عرفت. هذا كله مضافا إلى ما أشرنا إليه آنفا من أن المظنون قويا استقرار السيرة على البقاء على تقليد الميت، بل دعوى الجزم بذلك قريبة جدا. وعليه فلا تنتهي النوبة إلى الاصول وإن كان مقتضاهما مختلفا، إذ القدر المتيقن من السيرة صورة العلم بالمسألة أو خصوص صورة العمل، لا مطلقا وإن لم يعمل، فضلا عما لو لم يعلم. أما الاصل فمقتضاه الجواز مطلقا عمل أولا، علم أولا. والتشكيك في ثبوته في الوقايع مع عدم العلم في غير محله، إذ اعتبار العلم بالفتوى في الحجية خلاف الاجماع كما لا يخفى. هذا كله مع تساوي المجتهدين الميت والحي في العلم. أما مع الاختلاف

[ 20 ]

فالظاهر أنه لا إشكال في بناء العقلاء على تعين الرجوع إلى الاعلم، فيجب العدول إلى الحي إن كان أعلم، كما يجب البقاء إن كان الميت أعلم. بلا فرق بين ما علم وعمل وبين غيره، لعدم الفرق في بناء العقلاء المذكور. ولا مجال حينئذ للرجوع إلى الاصول شرعية أو عقلية، نعم لو كان الرجوع إلى الاعلم من جهة الحكم العقلي بالتعيين عند الدوران بينه وبين التخيير كان الاصل الشرعي واردا عليه، فيتعين الرجوع إلى الاصل المتقدم. لكن الظاهر استقرار بناء العقلاء على تعين الرجوع إلى الاعلم، فيتعين العمل به. هذا ولو بني على جواز البقاء على تقليد الميت فهل يجوز العدول - كما هو ظاهر المتن والنسوب إلى بعضهم - أولا؟ - كما نسب إلى أكثر القائلين بجواز البقاء - وجهان. أما وجه الاول: فهو استصحاب التخيير الثابت قبل الرجوع إلى الميت. وفيه: أن مرجع التخيير الثابت سابقا إلى أنه لو اختار أي واحد منهما كان رأيه حجة عليه، فيقال: كان لو اختار الحي الذي يقع الكلام في جواز العدول إليه لكان رأيه حجة. وهو من الاستصحاب التعليقي المعارض باستصحاب عدم الحجية الثابت قبل الاختيار. وأما وجه الثاني: فهو إما الاجماع على عدم جواز العدول الثابت قبل الوفاة وبعد الوفاة أو الثابت قبل الوفاة فيستصحب المنع إلى ما بعد الوفاة. أو أصالة الاحتياط، لكون المورد من قبيل الدوران بين التعيين والتخيير. وفيه: أن عموم معقد الاجماع إلى ما بعد الوفاة ممنوع، بل ثبوت الاجماع على المنع حال الحياة عن العدول تعبدا غير ظاهر كي يجري استصحابه. وأما أصالة الاحتياط عند الدوران بين التعيين والتخيير فلا مجال لها، إذ كما يحتمل وجوب البقاء على تقليد الميت يحتمل وجوب العدول عنه إلى الحي، فاحتمال التعيين موجود في كل من الطرفين كما يحتمل التخيير أيضا،

[ 21 ]

وفي مثله يجب البناء على التخيير بعد قيام الاجماع على عدم وجوب الاحتياط على العامي، حتى أحوط القولين المتعين في نظر العقل - لولا الاجماع المذكور - للعلم الاجمالي بثبوت الحجة بينهما، المستوجب لوجوب موافقتهما عقلا، والعمل بأحوطهما موافقة لهما معا. لكن الاجماع على عدم وجوب الاحتياط مطلقا على العامي يستوجب الحكم بالتخيير. نعم البناء على ذلك موقوف على عدم جريان الاصول الشرعية، وإلا كان عليها المعول فنقول: أما من حيث العمل وصحته فقد عرفت أنه إذا كانت فتوى الميت الرخصة، كما لو أفتى بعدم وجوب الكفارة للوطئ في الحيض، وكانت فتوى الحي وجوبها لا مانع من جريان استصحاب الحكم الظاهري لعدم المعارض. فنقول هنا: أنه لا مانع من العدول إلى فتوى الحي من حيث العمل، لموافقتها للاحتياط. أما إذا كانت فتوى الميت حكما اقتضائيا - كالوجوب والحرمة - فلا مجال للاستصحاب التعليقي وان البقاء لا بأس به. أما جواز العدول فمقتضى الاجماع على التخيير في تعيين الحجة عند احتمال التعيين في كل واحد من محتملي الحجية، لما عرفت أنه كما يحتمل حجية رأى الميت يحتمل حجية رأى الحي كما يحتمل التخيير بينهما أيضا، فله اختيار البقاء وله اختيار العدول. هذا كله من حيث العمل. وأما من حيث جواز الالتزام والاعتقاد القلبي، ومن حيث جواز النقل والاخبار عن الحكم الواقعي، - اللذين هما من آثار العلم المترتبين على الطرق الشرعية بمقتضى دلالة أدلتها على تنزيلها بمنزلة العلم، فحيث أن هذا التنزيل أيضا من الاحكام الشرعية يجرى فيه ما تقدم في الاحكام الاقتضائية التى تتضمنها فتوى الميت، ويجري الاصل فيه على نحو جريانه في تلك الاحكام. ولاجل السقوط بالمعارضة يرجع إلى التخيير المستفاد من الاجماع عليه عند تردد الحجة تعيينا بين فردين حسبما

[ 22 ]

[ ولا يجوز تقليد الميت ابتداء (1). ] عرفت. وقد عرفت أن هذا الكلام كله مع تساوي الحي والميت في العلم لا مع الاختلاف، وإلا تعين الرجوع إلى الاعلم كان الحي أو الميت. فلاحظ وتأمل. (1) إجماعا إلا من جماعة من علمائنا الاخباريين، على ما نسب إليهم على تأمل في صحة النسبة، لظهور كلمات بعضهم في كون ذلك في التقليد بمعنى آخر غير ما هو محل الكلام. وكيف كان فالوجه في المنع: أنك عرفت قصور أدلة حجية الفتوى عن شمول الفتاوى المختلفة، فلا مجال للرجوع إلى الآيات والروايات لاثبات حجية فتوى الميت - على تقدير تمامية دلالتها في نفسها على الحجية، وكونها مطلقة - وكذلك بناء العقلاء عليها، وكذلك الاجماع. إذ لا إجماع على جواز الرجوع إلى الميت ابتداء، بل المنع مظنته، كما عرفت. وكذلك السيرة، فان دعواها على الرجوع ابتداء إلى الاموات مجازفة. وقد عرفت إشكال استصحاب الحجية، واستصحاب الاحكام الواقعية، في مسألة جواز البقاء على تقليد الميت، فضلا عن المقام لعدم ثبوت الحجية هنا حدوثا، ولا قام عند المقلد طريق على ثبوت الحكم الواقعي في وقت من الاوقات. ومن هنا كان الاشكال في جريانهما هنا أعظم. ولاجل ذلك يشكل جريان استصحاب الاحكام الظاهرية، إذ لا يقين بالثبوت لا وجداني ولا تعبدي. فيتعين الرجوع إلى الاصل العقلي عند الدوران بين التعيين والتخيير، حيث يعلم بجواز الرجوع إلى الحي ويشك في الميت، فان الحكم العقلي في مثله الاحتياط بالرجوع إلى معلوم الحجية. ومن ذلك تعرف الفرق بين تقليد الميت ابتداء واستمرارا، وأنه في الاول لا يقين بثبوت أمر شرعى سابقا كي يجري الاستصحاب فيه، بخلاف الثاني، لليقين بثبوت الحجية سابقا أو الحكم الظاهري، فيمكن جريان

[ 23 ]

الاستصحاب فيه. وأن الشك في الاول بين التعيين والتخيير، بخلاف الثاني فان احتمال التعيين موجود في كل من الميت والحي. ولاجل ذلك كان الاصل العقلي التعيين في الاول دون الثاني، بل المرجع فيه التخيير بعد الاجماع على عدم وجوب الاحتياط. هذا كله مع تساوي الميت والحي في الفضيلة. أما إذا كان الميت أعلم فمقتضى بناء العقلاة لزوم تقليده تعيينا. وليس ما يوجب الخروج عنه إلا حكاية الاجماع على المنع عنه، فقد حكاه غير واحد عليه، كما في الجواهر، وجعله فيها مفروغا عنه بين أصحابنا، وقد تعرض في تقريرات درس شيخنا الاعظم (ره) لكلماتهم في حكاية الاجماع على المنع. ولعل هذا المقدار كاف في رفع اليد عن بناء العقلاء على وجوب الرجوع إلى الافضل، فان الحاكين للاجماع وإن كانوا جماعة خاصة، لكن تلقي الاصحاب لنقلهم له بالقبول، من دون تشكيك أو توقف من أحد، وتسالمهم على العمل به، يوجب صحة الاعتماد عليه. ولا سيما مع كون نقلة الاجماع المذكور من أعاظم علمائنا وأكابر فقهائنا، ولهم المقام الرفيع في الضبط والاتقان والتثبت. قدس الله تعالى أرواحهم، ورفع منازل كرامتهم وجزاهم عنا أفضل الجزاء. ومن هذا الاجماع تعرف سقوط ما يتصور في المقام أيضا من الاستصحاب الجاري في الحكم الظاهري، نظير ما سبق في مسألة الاستدامة. وتقريبه: أن هذا المقلد وان لم يثبت في حقه حكم ظاهري إلى حين موت المجتهد، لعدم وجوده في حياته، أو لعدم تكليفه أصلا حينئذ. لكن كان بحيث لو كان موجودا في حياة المجتهد ورجع إليه لثبت الحكم الظاهري في حقه، فيستصحب ذلك إلى ما بعد موت المجتهد ووجود ذلك العامي، فيثبت حينئذ أنه لو رجع إليه لكان محكوما بالحكم الظاهري. فتكون هذه المسألة نظير

[ 24 ]

[ (مسألة 10): إذا عدل عن الميت إلى الحي لا يجوز له العدول إلى الميت (1). ] المسألة السابقة من هذه الجهة. غاية الامر أن الشك هنا من حيث الشخص المقلد، وهناك من حيث الواقعة المتجددة، وهذا غير فارق في جريان الاستصحاب بنحو استصحاب أحكام الشرايع السابقة. فالعمدة إذا في الخروج عن الاستصحاب المذكور في الفرض الاجماع المتقدم. على أنه لا يطرد في بعض الفروض كما لو كان مقلدا في حال حياته لغيره الاعلم ففقد بعض الشرائط المانعة من البقاء على تقليده، فانه لا مجال للاستصحاب بالنسبة إلى الميت، كما لا يخفى. وأما الاصل العقلي عند الدوران بين التعيين والتخيير في الحجية، فلا تنتهي النوبة إليه إلا بعد سقوط الاصل الشرعي. وقد عرفت أن هذا الاصل في الفرض المتقدم لو جري في الحكم الظاهري غير الاقتضائي فلا معارض له من حيث العمل. نعم هو من حيث الاخبار عن الواقع، أو الالتزام به، ومن حيث العمل أيضا - لو كان الحكم اقتضائيا - معارض في الجميع بالاستصحاب التنجيزي. فالمرجع في ذلك يكون هو الاصل العقلي. فالعمدة في الفرق المطرد بين المسألتين على هذا يكون في مقتضى الاصل العقلي لا غير، وإلا ففي الاصل الشرعي قد لا يكون فرق بينهما. وكيف كان ففي الاجماع المذكور كفاية. وبه يكون الفرق بين المسألتين أيضا، إذ القول بجواز تقليد الميت استدامة محكي عن جماعة من الاكابر؟، بل القول بوجوب ذلك محكي في الجواهر وغيرها، فكيف يمكن دعوى الاجماع على المنع أو يجب العمل بها؟! والله سبحانه أعلم، وهو حسبنا ونعم الوكيل. (1) لما يأتي في المسألة اللاحقة. مضافا إلى أنه من التقليد الابتدائي

[ 25 ]

[ (مسألة 11): لا يجوز العدول عن الحي إلى الحي، إلا إذا كان الثاني أعلم (1). ] الذي قد عرفت قيام الاجماع على المنع عنه. (1) إجماعا في الجملة حكاه غير واحد. ويقتضيه الاصل العقلي المتقدم، للشك في حجية فتوى من يريد العدول إليه والعلم بحجية فتوى من يريد العدول عنه، وفي مثله يبنى على عدم حجية مشكوك الحجية. وليس ما يوجب سقوط هذا الاصل العقلي من دليل أو أصل شرعي. إذ أدلة التقليد اللفظية قد عرفت عدم شمولها لصورة الاختلاف في الفتوى، بلا فرق بين إطلاق الآيات والروايات. وكذلك بناء العقلاء. ولا إجماع على جواز العدول ولا سيرة. وأما استصحاب التخيير فقد تقدم في مسألة جواز العدول عن الميت إلى الحي: أنه من الاستصحاب التعليقي المعارض بالاستصحاب التنجيزي، فلا مرجع الا الاصل العقلي، وهو أصالة التعيين عند التردد في الحجية بين التعيين والتخيير. نعم مع الاتفاق في الفتوى لا مانع من الاعتماد على فتوى كل من المجتهدين عملا باطلاق أدلة الحجية كما عرفت، لكن الظاهر أن هذه الصورة خارجة عن محل الكلام. هذا كله إذا لم يكن المعدول إليه أعلم. وإلا - فبناء على ما يأتي من وجوب الرجوع إلى الاعلم - يجب الرجوع إليه. لعدم الفرق في كون مقتضى أدلة وجوب الرجوع إلى الاعلم وجوب الرجوع إليه بين سبق تقليد غيره فيجب العدول إليه. وعدمه فيرجع إليه ابتداء. نعم لو كان الوجه في وجوب الرجوع إلى الاعلم الاصل العقلي - أعني: أصالة التعيين عند الدوران بين التعيين والتخيير - وكان الوجه في عدم جواز العدول استصحاب حجية فتوى من يريد العدول عنه ونحوه من الاصول الشرعية، لزم عدم جواز العدول ولو إلى الاعلم، لان الاصل الشرعي وارد على الاصل العقلي. فلاحظ.

[ 26 ]

[ (مسألة 12): يجب تقليد الاعلم مع الامكان (1) على الاحوط. ] هذا والمحكي عن جماعة التفصيل بين الوقايع التي التزم فيها بتقليد من قلده فلا يجوز العدول عنه إلى غيره، كما لو عقد على زوجته بالفارسية اعتمادا على فتوى مجتهد يجوز ذلك، فلا يجوز العدول إلى غيره فيه، بأن لا يرتب آثار الزوجية من النفقة والقسمة ونحوهما اعتمادا على فتوى مجتهد آخر لا يصح عنده العقد الفارسي، وبين غيرها من الوقائع، كالعقد على امرأة أخرى، فيجوز له العدول إليه فيه، فلو عقد على امرأة أخرى بالفارسية بعد العدول جاز له عدم ترتيب آثار الزوجية عليها. واختار هذا القول في الجواهر. وكأنه لاستصحاب التخيير الذي لا إجماع على خلافه هنا. وفيه ما عرفت. (1) كما هو المشهور بين الاصحاب، بل عن المحقق الثاني الاجماع عليه، وعن ظاهر السيد في الذريعة كونه من المسلمات عند الشيعة. وعن جماعة ممن تأخر عن الشهيد الثاني جواز الرجوع إلى غير الاعلم. لاطلاق الادلة كتابا وستة، بل حمل مثل آيتي النفر والسؤال (* 1) على صورة تساوى النافرين والمسؤولين في الفضيلة حمل على فرد نادر. ولاستقرار سيرة الشيعة في عصر المعصومين (ع) على الاخذ بفتاوى العلماء المعاصرين لهم مع العلم باختلاف مراتبهم في العلم والفضيلة. ولان في وجوب الرجوع إلى الاعلم عسرا، وهو منفي في الشريعة. ولانه لو وجب تقليد الاعلم لوجب الرجوع إلى الائمة (ع) لانهم أولى من الاعلم. وفيه: أن الاطلاقات لا تشمل صورة الاختلاف في الفتوي - كما هو محل الكلام - ولا فرق بين آيتي النفر والسؤال وغيرهما، كيف وقد عرفت


(* 1) تقدم ذكرهما في المسألة: 8 من هذا الفصل

[ 27 ]

أنه غير معقول. وندرة تساوي النافرين والمسؤولين مسلمة، لكنها غير كافية إلا مع ندرة الاتفاق في الفتوى، وهي ممنوعة، بل الاختلاف في مورد الآيتين أولى بالندرة. بل ما لم يحرز الاختلاف لا تصلح الآيتان الشريفتان دليلا على جواز الرجوع إلى غير الاعلم، لان الحمل على الحجية التخييرية خلاف ظاهر الادلة، ومنها الآيتان، فالحمل عليها محتاج إلى قرينة. نعم لو علم الاختلاف كان هو القرينة، وإلا فلا قرينة تستدعي الحمل على خلاف الظاهر. ومن ذلك يظهر الاشكال في الاستدلال بالسيرة، إذ مجرد قيام السيرة على الرجوع إلى المختلفين في الفضيلة لا يجدي في جواز الرجوع إليهم مع الاختلاف في الفتوى، ولم تثبت سيرة على ذلك. والعلم بوجود الخلاف بينهم وإن كان محققا، لكن ثبوت السيرة على الرجوع إلى المفضول غير معلوم، بل بعيد جدا فيما هو محل الكلام، أعني: صورة الاختلاف المعلوم وإمكان الرجوع إلى الاعلم. وأما لزوم العسر فممنوع كلية، كيف وقد عرفت أن المشهور المدعى عليه الاجماع وجوب إلى الرجوع إلى الاعلم في أكثر الاعصار، ولم يلزم من العمل بهذه الفتوى عسر على المقلدين. نعم لو بني على وجوب الرجوع إلى الاعلم على نحو يجب الفحص عنه مهما احتمل وجوده كان ذلك موجبا للعسر غالبا. لكنه ليس كذلك، لما يأتي. وبالجملة: محل الكلام ما إذا أمكن الرجوع إلى الاعلم بلا عسر ولا حرج. وأما الاستدلال الاخير: فانما يتم لو كان الرجوع إلى غير الاعلم ممنوعا عقلا ذاتا، وأما إذا كان من جهة عدم الدليل على حجية فتوى غير الاعلم فالمقايسة غير ظاهرة، لقيام الدليل على جواز الرجوع إلى غير المعصوم مع إمكان الرجوع إليه.

[ 28 ]

وربما يستدل على الجواز بما ورد في الرجوع إلى شخص معين، فان إطلاقه يقتضي جواز الرجوع إليه وإن كان غيره أعلم. وفيه: أن الارجاع على نحو الخصوص كالارجاع على نحو العموم إنما يقتضي الحجية في الجملة ولا يشمل صورة الاختلاف وإلا تعارض مع ما دل على الارجاع إلى غيره بالخصوص، بل مع ما دل على الارجاع على نحو العموم، فيكون كتعارض تطبيقي العام بالاضافة إلى الفردين المختلفين، كما لا يخفى. واحتمال التخصيص يتوقف على احتمال الخصوصية في الشخص المعين وهو منتف. ولو سلم اختص الحكم بذلك الشخص بعينه، ولا يطرد في غيره من الاشخاص. وبالجملة: فلا يتضح دليل على جواز تقليد المفضول مع تيسر الرجوع إلى الافضل، ومقتضى بناء العقلاء تعين الرجوع إلى الافضل، والتشكيك في ثبوت بناء العقلاء على ذلك يندفع بأقل تأمل. مضافا إلى الاصل العقلي عند دوران الامر في الحجية بين التعيين والتخيير الذي عرفته فيما سبق، فان رأي الافضل معلوم الحجية، ورأي المفضول مشكوك الحجية. لكنه لا يطرد العمل بهذا الاصل مع سبق تقليد المفضول، لعدم وجود الافضل ثم تجدد وجوده، فان استصحاب بقاء الاحكام الظاهرية وارد على الاصل المذكور إذا كانت الاحكام غير اقتضائية، وكذا إذا كانت اقتضائية من جهة الاشكال في جريان استصحابها، لانه من الاستصحاب التعليقي بالاضافة إلى الوقائع المتجددة، المعارض بالاستصحاب التنجيزي، وبعد التساقط يرجع إلى الاصل العقلي المقتضي للتخيير بين البقاء والعدول، كما عرفت ذلك في مسألة جواز البقاء على تقليد الميت فلاحظ. وأما مقبولة ابن حنظلة (* 1) الواردة في رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث قال فيها: " فان كان كل منهما اختار رجلا من أصحابنا


(* 1) الوسائل باب: 9 من ابواب صفات القاضي حديث: 1

[ 29 ]

[ ويجب الفحص عنه (1). ] فرضيا أن يكونا الناظرين في حقهما، فاختلفا فيما حكما، وكلاهما اختلفا في حديثنا؟ فقال (ع): الحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما وأصدقهما في الحديث وأورعهما، ولا يلتفت إلى ما يحكم به الآخر. فانها - بقرينة التنازع الذي لا يكون إلا مع العلم حقيقة أو تعبدا، وبقرينة ما في ذيلها من الرجوع إلى المرجحات الداخلية والخارجية - ظاهرة في الحكم الفاصل للخصومة، ولا تشمل الفتوى. وإلحاق الفتوى به لعدم القول بالفصل غير ظاهر. مع أن ظهورها في جواز فصل الخصومة بالحكم الصادر من الحكام المتعددين مما يظهر من الاصحاب عدم جواز العمل به، لا عتبار الوحدة في القاضي عندهم ظاهرا. فلاحظ وتأمل. (1) الكلام في وجوب الفحص (تارة): يكون في صورة العلم بالاختلاف في الفتوى وبالتفاضل، بأن يعلم بأن أحدهما أفضل من الآخر ولم يعرف الافضل بعينه. (وأخرى): في صورة الجهل بالاختلاف والعلم بالتفاضل. (وثالثة): في صورة العكس. (رابعة): في صورة الجهل بهما معا. (وخامسة): في صورة الشك في وجود مجتهد غير من يعرف. أما الكلام في الاولى: فهو أنه بعد ما عرفت من عدم شمول أدلة الحجية للفتويين المختلفتين، وأن العمدة في التخيير بين المجتهدين هو الاجماع، فلا مجال للرجوع إلى واحد بعينه، إذ لا إجماع عليه قبل الفحص، فيجب الفحص لاصالة عدم الحجية. بل مقتضى ما دل على وجوب الرجوع إلى الاعلم يكون الفرض من باب اشتباه الحجة باللاحجة، المستوجب للاخذ بأحوط القولين حتى بعد الفحص والعجز عن معرفة الافضل. لكن الظاهر الاتفاق على جواز الرجوع حينئذ إلى أيهما شاء، وعدم وجوب الاحتياط

[ 30 ]

المذكور عليه. وبالجملة: الرجوع إلى أحد المجتهدين قبل الفحص اعتماد على مشكوك الحجية، فلا يجوز في نظر العقل فلاحظ. وأما في الثانية: فهو أن مقتضى إطلاق أدلة الحجية حجية كل واحدة من الفتويين. واحتمال الاختلاف بين الفتويين الموجب لسقوط الاطلاق عن الحجية لا يعتنى به في رفع اليد عن الاطلاق كما في سائر موارد التخصيص اللبي، وإذا ثبتت حجية كل منهما جاز الاعتماد عليها قبل الفحص. (ودعوى): أن العمل المطابق لاحدى الفتويين وان جاز الاجتزاء به في نظر العقل لموافقته للحجة، لكن لما كان مقتضى إطلاق دليل الحجية حجية الفتوى الاخرى، ويحتمل مخالفة العمل لها لاحتمال الاختلاف بين الفتويين، كان العمل مما يحتمل مخالفته للحجة، والعمل المحتمل المخالفة للحجة مما لا يجوز الاجتزاء به في نظر العقل، لاحتمال الخطر. (مندفعة): بأنه يعلم بانتفاء الخطر من قبل الفتوى الاخرى، لان احتمال الخطر إنما جاء من قبل احتمال مخالفة العمل لها، لاحتمال مخالفتها للفتوى الاولى، واحتمال ذلك ملازم لاحتمال عدم حجيتها، لعدم شمول دليل الحجية للفتويين المختلفتين، فلا خطر في العمل بالاضافة إلى تطبيق الدليل على الفتوى الاخرى قطعا. مضافا إلى ما ربما قيل من أن إطلاق دليل الحجية الشامل لاحدى الفتويين يدل بالالتزام على نفي الاختلاف بينهما، وعلى موافقة العمل لهما معا. وان كان صلاحية العموم لاثبات مثل هذه اللوازم الخارجية محل تأمل واشكال. وأما الصورة الثالثة: فالكلام فيها هو الكلام في الصورة الاولى لاشتراكهما في العلم بالاختلاف المانع من العمل باطلاق أدلة الحجية، فتكون كل من الفتويين مشكوكة الحجية قبل الفحص. كما أن الكلام في الصورة الرابعة، هو الكلام في الصورة الثانية، لاشتراكهما في عدم المانع من الاخذ باطلاق دليل الحجية بالاضافة إلى إحدى الفتويين، وأن احتمال اختلافهما

[ 31 ]

[ (مسألة 13): إذا كان هناك مجتهدان متساويان في الفضيلة يتخير بينهما، إلا إذا كان أحدهما أورع، فيختار الاورع (1). ] الموجب لسقوط دليل الحجية بالاضافة إلى كل منهما لا يؤبه به، كما عرفت. ثم إنه قيل بعدم وجوب الفحص مع العلم بالاختلاف لوجهين. (الاول): أصل البراءة، للشك في وجوبه (والثاني): أنهما أمارتان تعارضتا لا يمكن الجمع بينهما، ولا طرحهما، ولا تعيين إحداهما، فلا بد من التخيير بينهما. ويشكل الاول: بأنه ليس الكلام في وجوب الفحص مولويا كي يرجع إلى أصل البراءة في نفيه، وإنما الكلام في وجوبه عقلا وجوبا إرشاديا إلى الخطر بدونه، إذ قد عرفت أنه لولا الفحص لا تحرز حجية إحدى الفتويين. ومن ذلك يظهر الاشكال في الثاني إذ لا حكم للعقل بالتخيير بين الفتويين المتعارضتين، وإنما التخيير بين الفتويين بتوسط الاجماع على حجية ما يختاره منهما، وقد عرفت أن معقد الاجماع إنما هو الحجية بعد الفحص لا قبله. وأما الصورة الخامسة: فاثبات حجية فتوى من يعرف باطلاق دليل الحجية أظهر مما سبق، للشك في وجود مفت آخر، فضلا عن كونه أفضل وكون فتواه مخالفة. ولا يبعد استقرار بناء العقلاء، وسيرة المتشرعة، على العمل بالفتوى مع الشك في وجود مجتهد آخر من دون فحص عنه. فعدم وجوب الفحص في هذه الصورة أظهر منه فيما سبق. فتأمل جيدا. (1) كما عن النهاية، والتهذيب، والذكرى، والدروس، والجعفرية والمقاصد العلية، والمسالك وغيرها، ويقتضيه أصالة التعيين الجارية عند الدوران بينه وبين التخيير. ولا يظهر على خلافها دليل، إذ الاطلاقات الدالة على الحجية - لو تمت - لا تشمل صورة الاختلاف. اللهم الا أن يكون بناء العقلاء على التخيير بين المتساويين في الفضل وان كان أحدهما

[ 32 ]

[ (مسألة 14): إذا لم يكن للاعم فتوى في مسألة من المسائل يجوز في تلك المسألة الاخذ من غير الاعلم (1) وإن أمكن الاحتياط (2). (مسألة 15): إذا قلد مجتهدا كان يجوز البقاء على تقليد الميت (3)، فمات ذلك المجتهد، لا يجوز البقاء على تقليده في هذه المسألة، بل يجب الرجوع إلى الحي الاعلم في جواز البقاء وعدمه. ] أورع فيتبع اتباعه في حجية رأي العالم. لكن هذا البناء غير ظاهر مع الاختلاف، كما عرفت آنفا. ولو كان أحد المجتهدين أفضل والآخر أورع قدم الافضل، لما عرفت من بناء العقلاء على تعينه. (1) سيجئ التقييد بالاعلم فالاعلم، كما هو مقتضى ما تقدم في وجوب تقليد الاعلم. (2) لعدم وجوبه على العامي. لما عرفت من الادلة القطعية على جراز رجوع الجاهل إلى العالم ولو مع إمكان الاحتياط. (3) الظاهر أن المراد تقليده في المسائل الفرعية، كما لو قلده حين البلوغ. ويحتمل أن يكون المراد أنه قلده في خصوص مسألة جواز البقاء على تقليد الميت. وكيف كان فقد عرفت أنه مع الشك في جواز البقاء على تقليد الميت يتعين عليه الرجوع إلى الحي في نظر العقل، فيعمل على مقتضى فتواه في جواز العدول وحرمته، ووجوبه. وهو ظاهر في الصورة الاولى التي هي ظاهر المتن. وأما في الفرض الثاني - الذي هو محتمل العبارة - فقد يشكل فيما لو أفتاه الحي بوجوب البقاء - مثلا - فهل يتعين عليه الرجوع إلى المجتهد الاول؟ أو بتخير بينه وبين الرجوع إلى الثاني؟

[ 33 ]

أو يفصل بين ما لو كان رأي الثاني جواز البقاء، فالثاني، ووجوبه فالاول؟ فيه وجوه. وأشكل منه مالو أفتاه الحي بوجوب البقاء، وكانت فتوى المجتهد الثاني وجوب العدول، لتناقض الفتويين عملا ولذلك بنى شيخنا الاعظم (ره) على عدم الاخذ بعموم فتوى الحي بالنسبة إلى مسألة البقاء والعدول، للزوم تخصيص الاكثر، ولاقتضائه وجوب العدول مع أن المفتي الحيى لا يقول به. والذي ينبغي أن يقال: إذا قلد زيدا في المسألة الفرعية، كوجوب صلاة الظهر يوم الجمعة - مثلا - فمات زيد، فقلد عمرا في جواز البقاء على تقليد زيد في وجوب صلاة الظهر، فإذا مات عمرو فقلد بكرا فأفتى له بوجوب البقاء على تقليد الميت، كان مقتضى ذلك وجوب العمل برأي زيد دون رأي عمرو. وذلك أن عمرا وإن كان ميتا قد قلده حال حياته في جواز البقاء على تقليد الميت، إلا أنه يمتنع الرجوع إليه في مسألة جواز تقليد الميت، لان هذه المسألة قد قلد فيها بكرا بعد موت عمرو، فلا مجال لتقليد عمرو فيها، لان المسألة الواحدة لا تحتمل تقليدين مترتبين. لانه لو بني على جواز اجتماع المثلين في رتبتين فلا أقل من لزوم اللغوية مع اتفاقهما عملا، أو التناقض مع اختلافهما، وبطلانه ظاهر. وتوهم: أن رأي بكر حجة في ميألة جواز البقاء على تقليد عمرو ورأي عمرو حجة في مسألة جواز البقاء على تقليد زيد، فيكون هناك مسألتان لاختلاف موضوعيهما يرجع في إحداهما إلى بكر، وفي الاخرى إلى عمرو، ولا يكون تقليد أحدهما فيما قلد فيه الآخر، كما لو أخبر بكر بحجية خبر عمرو، وأخبر عمرو بحجية خبر زيد، فيكون كل منهما حجة في مؤداه، ولا اشتراك بينهما في موضوع واحد. (مندفع): بأن خصوصية عمرو ليست مقومة للقضية الشرعية التي يرجع فيها العامي إلى بكر، ويكون رأيه حجة فيها، فان فتوى بكر جواز تقليد الميت بنحو الكلية، لا خصوص عمرو،

[ 34 ]

فإذا كان رأي بكر حجة فيها على عمومها امتنع في الرتبة اللاحقة جعل حجة أخرى عليها. ومن ذلك يظهر الفرق بين المقام وبين المثال المذكور. ومن ذلك أيضا يظهر أنه لو كان رأي بكر وجوب البقاء، وجب البقاء على تقليد زيد وإن كان رأي عمرو وجوب العدول أو جواز كل من البقاء والعدول. كما أنه لو كان رأي بكر جواز كل من البقاء والعدول، جاز البقاء على تقليد زيد والعدول عنه، وإن كان رأي عمرو وجوب البقاء أو وجوب العدول. ثم إن العدول هنا إنما يكون إلى الحي لا إلى الميت الثاني، لانه من التقليد الابتدائي للميت. فتأمل. ثم إنه يمكن أن يقرر المنع عن الرجوع إلى الميت في جواز البقاء وعدمه بوجه آخر، وهو أنه إذا رجع إلى الحي في مسألة جواز البقاء على تقليد الميت، فالتقليد المأخوذ موضوعا في هذه القضية لابد أن يكون في غير هذه المسألة، لامتناع أخذ الحكم في موضوع نفسه، فيمتنع أن يفتي الحي بجواز البقاء على تقليد الميت في جواز البقاء على تقليد الميت، أو بحجية رأي الميت في حجية رأي الميت، فلابد أن يكون موضوع الحجية غير هذه المسألة. وهذا الاشكال قد أورد نظيره في عموم حجية الخبر للخبر بالواسطة، ودفع بما لا يطرد في المقام لما عرفت من أن الخصوصيات الموجبة للاختلاف مثل خصوصية كون الميت زيدا أو عمرا ليست دخيلة في القضية الشرعية التي يرجع فيها إلى المجتهد، فيلزم المحذور المتقدم. ومن هنا يظهر امتناع حجية رأي الميت في حجية رأي الميت، فكما يمتنع أن يكون ذلك بتوسط الرجوع إلى الحي يمتنع في نفسه أيضا، وأن امتناع ذلك في نفسه مانع من احتماله، ليصح الرجوع فيه إلى الحي، وان كان يمنع من الرجوع فيه إلى الحي ما عرفت آنفا من اجتماع تقليدين مترتبين في مسألة واحدة. ومن ذلك يظهر الوجه في قول المصنف (ره): لا يجوز البقاء

[ 35 ]

[ (مسألة 16) عمل الجاهل المقصر الملتفت باطل وان كان مطابقا للواقع (1). ] على تقليده في هذه المسألة مع أنه (ره) قد تقدم منه جواز البقاء على تقليد الميت. للفرق بين هذه المسألة وغيرها من المسائل، بامتناع جعل حجية رأي الميت فيها وامكانه في غيرها، فإذا مات المجتهد الذى يفتي بجواز البقاء على تقليد الميت فمقلده لا يشك في عدم جواز البقاء على تقليده في هذه المسألة، وإنما الشك في جواز البقاء على تقليده في بقية المسائل. فلاحظ وتدبر. (1) قد تقدم هذا الحكم في المسألة السابعة، وحملناه على صورة عدم العلم بالمطابقة للواقع أو لرأي من رأيه حجة، لكون البطلان حينئذ عقليا. لكن هنا قد صرح بالبطلان ولو مع المطابقة للواقع. والوجه فيه - مضافا إلى نفي الاشكال والخلاف فيه ظاهرا، على ما ادعاه شيخنا الاعظم (ره) في مبحث العمل قبل الفحص من رسالة البراءة - ما ذكره (قده) في ذلك المقام من عدم تحقق نية القربة، لان الشاك في كون المأتي به موافقا للمأمور به كيف يتقرب به؟ وقال (ره) في مبحث الشبهة الوجوبية: " من قصد الاقتصار على أحد الفعلين ليس قاصدا لامتثال الامر الواقعي على كل تقدير. نعم هو قاصد لامتثاله على تقدير مصادفة هذا المحتمل له لا مطلقا، وهذا غير كاف في العبادات المعلوم وقوع التعبد بها.. " (* 1) إلى آخر ما ذكره في المقامين. ومحصله اعتبار الجزم بالنية في التعبد المعتبر في صحة العبادات. هذا ولكن التحقيق منع ذلك، لعدم ظهور بناء العقلاء عليه، وقد عرفت في أوائل الكتاب أن الاطاعة الاحتمالية كالاطاعة الجزمية في


(* 1) التنبيه الثاني من تنبيهات الوجوبية من مبحث اشتباه المكلف به مع العلم بأصل التكليف.

[ 36 ]

[ وأما الجاهل القاصر أو المقصر الذي كان غافلا حين العمل (1) وحصل منه قصد القربة، فان كان مطابقا لفتوى المجتهد الذي قلده بعد ذلك كان صحيحا (2). والاحوط مع ذلك مطابقته لفتوى المجتهد الذي كان يجب عليه تقليده حين العمل. (مسألة 17): المراد من الاعلم (3) من يكون أعرف ] كون صدور الفعل عن الارادة التكوينية الحاصلة للعبد بداعي إطاعة الارادة التشريعية المولوية، واحتمال الانطباق كالجزم به دخيلان في تأثير الارادة المتعلقة بمعلوم الفردية أو محتملها. ودعوى: أن الاقتصار على بعض المحتملات مع البناء على عدم فعل الباقي. يدل على أن الباعث ليس هو الارادة المولوية، وإلا لاثرت في غيره من المحتملات. (مندفعة): بامكان أن يكون قد منع من تأثيرها مانع من مشقة أو غيرها، ولذلك تختلف الواجبات في ترتب الاطاعة على العلم بوجوبها وعدمه. وأما دعوى نفي الاشكال والخلاف فلم يعتن بها شيخنا الاعظم (قده) في رسالته المعمولة في التقليد - على ما حكاه بعض الاكابر من تلامذته - فكيف الاعتماد عليها حينئذ؟. (1) المراد به الملتفت إلى الاحكام فلم يتعلم تهاونا حتى غفل حين العمل. ويقابله القاصر. (2) عملا بما دل على حجية رأيه ولو بعد العمل مع عدم ورود الشبهة المتقدمة. أما اعتبار مطابقته لرأي من يجب عليه تقليده حال العمل فلا دليل عليه فان أدلة الحجية لا تقتضي السببية، كما هو محقق في محله. (3) الظاهر أن المراد به الاعرف في تحصيل الوظيفة الفعلية، عقلية كانت أم شرعية. فلابد أن يكون أعرف في أخذ كل فرع من أصله.

[ 37 ]

[ بالقواعد والمدارك للمسألة، واكثر اطلاعا لنظائرها وللاخبار وأجود فهما للاخبار، والحاصل أن يكون أجود استنباطا. والمرجع في تعيينه أهل الخبرة والاستنباط. (مسألة 18): الاحوط عدم تقليد (1) المفضول حتى في المسألة التي توافق فتواه فتوى الافضل. (مسألة 19): لا يجوز تقليد غير المجتهد وان كان من أهل العلم (2). ] ولا يلزم فيه أن يكون أقرب إلى الواقع. كما لا يكفي ذلك إذا كان سالكا ما لا يجوز سلوكه من الطرق في مقام الاستنباط غفلة منه وقصورا، كما يوجد عند كثير من البسطاء ولو كان معذورا لقصوره. وأما حمل الاعلم على معنى أكثر علما وأوسع إحاطة بالمعلومات. فهو وان كان أقرب إلى معنى التفضيل المدلول لهيئة (أفعل) إلا أن الظاهر كونه غير مراد القائلين بوجوب تقليد الاعلم، ولا يقتضيه الدليل المتقدم عليه. فلاحظ. (1) قد تقدم (* 1) أنه مع اتفاق الآراء فالجميع حجة، والعمل المطابق لواحد منها مطابق للجميع، فكما بجوز العمل اعتمادا على رأي الافضل، يجوز اعتمادا على رأي المفضول أيضا، وكما يجوز الالتزام بالعمل بالاول، يجوز الالتزام بالعمل بالثاني أيضا. فاحتمال المنع عن الثاني غير ظاهر الوجه، الا إطلاق قولهم: لا يجوز تقليد المفضول. لكن لو تم الاطلاق، فليس معقدا لاجماع واجب العمل. (2) إجماعا. لعدم الدليل على حجية فتواه.


(* 1) في المسألة: 8 من هذا الفصل.

[ 38 ]

[ كما أنه يجب على غير المجتهد التقليد (1) وان كان من أهل العلم. (مسألة 20): يعرف اجتهاد المجتهد بالعلم الوجداني كما إذا كان المقلد من أهل الخبرة وعلم باجتهاد شخص. وكذا يعرف بشهادة عدلين (2) من أهل الخبرة إذا لم تكن معارضة بشهادة آخرين من أهل الخبرة ينفيان عنه الاجتهاد. وكذا يعرف باشياع المفيد للعلم (3). وكذا الاعلمية تعرف بالعلم أو البينة غير المعارضة، أو الشياع المفيد للعلم. ] (1) يعني: إذا لم يكن محتاطا، كما عرفت فيما سبق. (2) سيأتي (* 1) - إن شاء الله - في مبحث المياه تقريب العموم الدال على حجية البينة في المقام وغيره. (3) الفرق بينه وبين الاول من حيث السبب لا غير، وإلا فهما مشتركان في كون العلم هو الحجة وإن كانت عبارة المتن توهم غير ذلك. هذا وربما يقال بثبوته بخبر الثقة، لعموم ما دل على حجيته في الاحكام الكلية، إذ المراد منه ما يؤدي إلى الحكم الكلي، سواء كان بمدلوله المطابقي أم الالتزامي، والمقام من الثاني، فان مدلول الخبر المطابقي هو وجود الاجتهاد، وهو من هذه الجهة يكون إخبارا عن الموضوع، لكن مدلوله الالتزامي هو ثبوت الحكم الواقعي الكلي الذي يؤدي إليه نظر المجتهد. فان قلت: أدلة حجية خبر الثقة مختصة بالاخبار عن حس، ولا تشمل الاخبار عن حدس، ولذا لم تكن تلك الادلة دالة على حجية فتوى المجتهد مع أنها اخبار عن الحكم الكلي إلا أن مستنده الحدس. (قلت): الاخبار عن الا جتهاد من قبيل الاخبار عن الحس. نعم المدلول الالتزامي - وهو


(* 1) في المسألة: 6 من الفصل المتعرض لاحكام ماء البئر

[ 39 ]

[ (مسألة 21): إذا كان مجتهدان لا يمكن تحصيل العلم بأعلمية أحدهما ولا البينة (1)، فان حصل الظن بأعلمية أحدهما تعين تقليده، بل لو كان في أحدهما احتمال الاعلمية يقدم، كما إذا علم أنهما إما متساويان أو هذا المعين أعلم ولا يحتمل أعلمية الآخر، فالاحوط تقديم من يحتمل أعلميته. ] الحكم الكلي - إنما كان بتوسط الحدس. لكن هذا المقدار لا يقدح في الحجية، لان الحس إنما يعتبر في المدلول المطابقي، لا في الملازمة التي يتوقف عليها ثبوت المدلول الالتزامي، وإلا فاخبار زرارة - مثلا - عن قول الامام الذى هو إخبار عن موضوع يكون أيضا إخبارا عن الحكم الكلي ويكون حجة على المجتهد، وربما يكون بتوسط حدس المجتهد الذى هو حجة عليه أيضا. وبالجملة: الاخبار عن الاجتهاد كالاخبار عن قول الامام، ودلالتهما على الحكم الكلي بالالتزام إنما يكون بتوسط الحدس، غاية الامر أن الحدس في الثاني من المجتهد وحجة عليه، والحدس في الاول من المجتهد وحجة على العامي المقلد له. وعلى هذا المبنى يكفي توثيق رجال السند بخبر الثقة. وكذا في إثبات المعنى باخبار اللغوي الثقة، كما حررنا ذلك في مبحث حجية قول اللغوي. ولو قلنا بحجية خبر الثقة في الموضوعات - كما عليه بناء العقلاء - فالحكم أظهر. لكنه محل تأمل، لامكان دعوى تحقق الردع عنه. وسيأتي (* 1) - إن شاء الله - التعرض لذلك في بعض المباحث. (1) هذه المسألة، تارة: تكون ثلاثية الاحتمالات، وأخرى: ثنائية. فالاولى: أن يحتمل كونهما متساويين، ويحتمل أعلمية زيد من عمرو مثلا، ويحتمل العكس. والثانية صورتان: الاولى: أن يعلم أعلمية أحدهما ويحتمل


(* 1) في المسألة: 6 من الفصل المتعرض لاحكام البئر

[ 40 ]

[ (مسألة 22): يشترط في المجتهد أمور (1): البلوغ والعقل، والايمان والعدالة، والرجولية، والحرية - على قول - وكونه مجتهدا مطلقا، فلا يجوز تقليد المتجزئ، والحياة، فلا يجوز تقليد الميت ابتداء. نعم يجوز البقاء كما مر، وان يكون أعلم فلا يجوز - على الاحوط - تقليد المفضول مع التمكن من الافضل، وأن لا يكون متولدا من الزنا، وأن لا يكون ] كونه زيدا ويحتمل كونه عمرا أيضا. والثانية: أن يحتمل تساويهما ويحتمل أعلمية زيد لا غير. والحكم في الاولى التخيير مع تساوي الاحتمالات. وأن كان مقتضى القاعدة الاخذ بأحوط القولين، لان الاعتماد على كل واحد من القولين اعتماد على مشكوك الحجية، إلا أن الظاهر الاتفاق على عدم وجوب الاحتياط المذكور وعلى جواز الرجوع إلى أيهما شاء. ولو ظن أن أحدهما بعينه أعلم ففي الترجيح بالظن إشكال، لعدم الدليل عليه بعد ما لم يكن معتبرا في نفسه. اللهم إلا أن يكون احتمال الترجيح به موجبا لكون رأي مظنون الاعلمية معلوم الحجية، ورأي الآخر مشكوك الحجية، فيتعين الاول، كما في جميع موارد الدوران بين التعيين والتخيير في الحجية. ومنه يظهر الحكم في الصورة الثانية، فانه - لعدم المرجح، وعدم محتمل المرجحية - يتعين التخيير، بناء على ما عرفت آنفا من الاتفاق فتوى على جواز رجوع الجاهل إلى العالم وإن أمكن الاحتياط، حتى في مثل المقام. وأما الصورة الثالثة: فلا ينبغي التأمل في تعين محتمل الاعلمية للمرجعية للدوران بين التعيين والتخيير الذى يجب فيه عقلا الاخذ بمحتمل التعيين. (1) قد أشرنا سابقا إلى أن جواز التقليد في الجملة لابد أن يكون بغير التقليد، وإلا لزم الدور أو التسلسل. فإذا لابد أن يستند جواز التقليد

[ 41 ]

[ مقبلا على الدنيا وطالبا لها مكبا عليها مجدا في تحصيلها، ففي الخبر: " من كان من الفقهاء صائنا لنفسه حافظا لدينه مخالفا لهواه مطيعا لامر مولاه فللعوام أن يقلدوه ". ] - في الجملة - إلى الاجتهاد. ومستند هذا الاجتهاد بناء العقلاء عليه مع الغفلة عن احتمال الردع أو القطع بعدمه ولو بالاضافة إلى شخص معين بخصوصه، لاجتماع جميع ما يحتمل اعتباره شرعا فيه، مثل كونه بالغا، عاقلا، عادلا، حيا، أفضل.. إلى غير ذلك. فهذا البناء المرتكز في نفس العامي هو المسوغ له الرجوع إلى غيره في الخصوصيات المعتبرة في المفتي، فإذا رجع إلى غيره أفتى له بما يقتضيه نظره الحاصل له من مراجعة الادلة المستفاد منها شرائط التقليد، ويكون عمله حينئذ على ما تقتضيه فتواه عموما أو خصوصا. وهذا ولاجل أن من أدلة جواز التقليد بناء العقلاء عليه في الجملة، فهذا البناء محكم مهما تحقق في مورد من الموارد والعمل عليه متعين، إلا مع ثبوت الردع عنه. وحينئذ نقول: لا ينبغي التأمل في عدم الفرق في بناء العقلاء بين البالغ وغيره إذا كان غير البالغ قد حاز مراتب الفضل حتى صار كالبالغ، فاعتبار البلوغ في المفتي لابد أن يكون بدليل شرعي يكون رادعا عن إطلاق بناء العقلاء، وليس هو الا الاجماع إن تم. ومجرد كونه محجورا عن التصرف ومرفوعا عنه القلم، ومولى عليه وعمده خطأ، ونحو ذلك. لا يصلح رادعا لانه لا يوجب إلا الاستبعاد المحض كيف؟! وربما كان غير البالغ حائزا مرتبة النبوة أو الامامة فكيف لا يصلح أن يحوز منصب الفتوى؟! اللهم إلا أن يقوم الدليل على كون منصب الفتوى محتصا بالمعصوم وبمن يجعله له، فالشك في الجعل كاف في المنع. لكنه خلاف إطلاق الادلة، ولاسيما بناء العقلاء.

[ 42 ]

وأما اعتبار العقل: فأمره ظاهر عند العقلاء، فضلا عن المتشرعة، فقد قيل: إنه مما أجمع عليه الخلف والسلف. نعم المجنون الادواري في حال إفاقته لا مانع عند العقلاء من الرجوع إليه، وحكي القول به عن بعض متأخري المتأخرين كصاحبي المفاتيح والاشارات، ولا بأس به إن لم ينعقد الاجماع على خلافه. لعموم الادلة أيضا. وأما اعتبار الايمان: فغير ظاهر عند العقلاء. نعم حكي عليه إجماع السلف الصالح والخلف. وهو العمدة فيه، دون مثل قول أبي الحسن (ع) فيما كتبه لعلي بن سويد: " لا تأخذن معالم دينك عن غير شيعتنا، فانك إن تعديتهم أخذت دينك عن الخائنين الذين خانوا الله ورسوله صلى الله عليه وآله وخانوا أماناتهم، إنهم ائتمنوا على كتاب الله فحرفوه وبدلوه.. (. 1) وقول أبي الحسن الثالث (ع) فيما كتبه لاحمد بن حاتم بن ماهويه واخيه: فاصمدا في دينكما على كل مسن في حبنا، وكل كثير القدم في أمرنا، فانهما كافوكما إن شاء الله ". (* 2) إذ الظاهر من الاول كون المانع عدم الايتمان لا مجرد اعتقاد الخلاف. مع أن منصرفه القضاة الذين كانوا يعتمدون على القياس ونحوه من الحجج الظنية في مقابل فتوى المعصومين (ع) وليس مثلهم محل الكلام. والثاني محمول على الاستحباب للاجماع القطعي على خلاف ظاهره. وأما اعتبار العدالة: فهو كسابقه عند العقلاء. لكنه المعروف بين الاصحاب بل هو إجماع كما قيل. وهو العمدة - لو تم - دون مثل آية النبأ إذ هي في الخبر لا في الفتوى. مع أن مقتضى الجمع بينها وبين ما دل على اعتبار الوثوق وكفايته في حجية الخبر، حمل التبين فيها على الوثوق. وكذا


(* 1) الوسائل باب: 11 من ابواب صفات القاضي حديث: 43. (* 2) الوسائل باب: 11 من ابواب صفات القاضي حديث: 46.

[ 43 ]

خبر الاحتجاج المروي عن تفسير العسكري (ع) (* 1) الآتي ذكره (* 2) فانه - مع ضعفه في نفسه - ظاهر في اعتبار الامانة والوثوق، كما يظهر من ملاحظته بتمامه. مع أن مورده أصول الدين التي لا يجوز فيها التقليد ولا يقبل فيها الخبر تعبدا، فلابد من حمله على غير التقليد الذي هو محل الكلام. وكأنه لاجل ذلك ونحوه جوز بعض تقليد الفاسق المأمون عملا باطلاق الادلة وان كان هو مما لا ينبغي، لانه خلاف المتسالم عليه بين الاصحاب، ومخالف للمرتكز في أذهان المتشرعة، بل المرتكز عندهم قدح المعصية في هذا المنصب على نحو لا تجدي عندهم التوبة والندم، فالعدالة المعتبرة عندهم مرتبة عالية لا تزاحم ولا تغلب. والانصاف أنه يصعب جدا بقاء العدالة للمرجع العام في الفتوى - كما يتفق ذلك في كل عصر لواحد أو جماعة - إذا لم تكن بمرتبة قوية عالية ذات مراقبة ومحاسبة، فان ذلك مزلة الاقدام ومخطرة الرجال العظام. ومنه سبحانه نستمد الاعتصام. وأما اعتبار الرجولة: فهو أيضا كسابقه عند العقلاء. وليس عليه دليل ظاهر غير دعوى انصراف اطلاقات الادلة إلى الرجل واختصاص بعضها به. لكن لو سلم فليس بحيث يصلح رادعا عن بناء العقلاء. وكأنه لذلك أفتى بعض المحققين بجواز تقليد الانثى والخنثى. وأما اعتبار الحرية: فهو المحكي عن جماعة - منهم ثاني الشهيدين - بل قيل: انه مشهور. لكن مقتضى بناء العقلاء وغيره من المطلقات عدمه. وبعض الاستحسانات المقتضية لاعتبارها، مثل كونه مملوكا لا يقدر على شئ وكونه مولى عليه، لا تصلح للاعتماد عليها في الردع وتقييد المطلق. وأما كونه مجتهدا مطلقا: فاعتباره هو المعروف المدعى عليه الوفاق


(* 1) الوسائل باب: 10 من ابواب صفات القاضي حديث: 20 (* 2) في كلام الماتن في هذه المسألة

[ 44 ]

أو الاجماع فلا يصح تقليد المتجزئ. لكنه غير ظاهر الدليل. لعموم بناء العقلاء له. وكذا مشهورة أبي خديجة عن الصادق (ع): إياكم أن يحاكم بعضكم بعضا إلى أهل الجور، ولكن انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئا من قضائنا (قضايانا خ ل) فاجعلوه بينكم فاني قد جعلته قاضيا فتحاكموا إليه (* 1). وسندها لا يخلو من اعتبار. وكونها في القضاء لا يمنع من الاستدلال بها في المقام، لان منصب القضاء منصب للفتوى ولا عكس، فما دل على عدم اعتبار شئ في القاضي يدل على عدم اعتباره في المفتي. ودعوى: أن ما يعلم من المعصوم ليس من الاجتهاد، ولم يكونوا يحتاجون في تلك الازمنة إلى الاجتهاد. كما ترى! ولا سيما وان ذلك يمنع من التمسك بالنصوص على نفوذ القضاء، لاشتراك الجميع في الاشكال المذكور. ومثلها في الاشكال دعوى معارضتها بمقبولة عمر بن حنظلة: " سألت أبا عبد الله (ع) عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث.. (إلى أن قال): قال (ع) ينظران من كان منكم ممن قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا فليرضوا به حكما فاني قد جعلته عليكم حاكما.. " (* 2). لظهور قوله (ع): " حلالنا وحرامنا.. وأحكامنا " في العموم. وجه الاشكال: أن قوله (ع): " روى حديثنا " ليس المراد منه كل حديث لهم (ع) فان ذلك مقطوع بخلافه لتعذر ذلك، ولا سيما في زمان صدور الرواية، فيمتنع أخذه شرطا في القضاء، فيتعين أن يكون المراد أحاديثهم عليهم السلام في الجملة، فيكون المراد من قوله (ع): " ونظر في حلالنا وحرامنا " أنه نظر في الحلال والحرام اللذين تضمنتهما الاحاديث التي رواها، لا عموم الحلال والحرام، وكذلك المراد من احكامهم (ع)


(* 1) الوسائل باب: 1 من ابواب صفات القاضي حديث: 5 (* 2) الوسائل باب: 11 من ابواب صفات القاضي حديث: 1 وقد تقدم قسم منه في مسألة: 12.

[ 45 ]

يعني: الاحكام التي عرفها بعد النظر في الحلال والحرام اللذين تضمنتهما الاحاديث، فيتعين أن يكون المراد بعض الاحكام لا جميعها. مضافا إلى الاجماع على عدم اعتبار رواية جميع أحاديثهم ولا النظر في جميع حلالهم وحرامهم، حتى من القائلين باعتبار الاجتهاد المطلق لاجتزائهم بالنظر في الجملة. فيتعين حمل الحديث والحلال والحرام على الجنس الصادق على البعض وهكذا الحال في معرفة أحكامهم. وحمل المعرفة على الملكة - كما يدعيه القائلون باعتبار الاجتهاد المطلق - مع أنه خلاف ظاهر المعرفة - تفكيك بين فقرات الرواية، يأباه سياقها. فلاحظ وتأمل. ولو أغمضنا النظر عن ذلك كله فلا أقل من عدم صلاحية المقبولة لمعارضة رواية أبي خديجة، لامكان حملها على مالا ينافيها عرفا، فيتعين في مقام الجمع العرفي بينهما، ويكون العمل على ظاهر رواية أبي خديجة بلا مانع. نعم لو فرض ملازمة الافضلية للاجتهاد المطلق تعين تقليد المجتهد المطلق عند الدوران بينه وبين المتجزئ. لكن الفرض المذكور غير ظاهر مع أن الكلام في الشرطية مطلق ولو مع عدم وجود المجتهد المطلق. هذا كله بناء على إمكان التجزي في الاجتهاد - كما لعله المشهور والمنصور - لاختلاف مراتب الملكة قوة وضعفا، كاختلاف المسائل وضوحا وخفاء. أما بناء على امتناعه فلا ثمرة عملية للنزاع المذكور. وأما اعتبار الحياة: فقد تقدم الكلام فيه، وأن العمدة فيه الاجماع المفقود في الاستمراري منه على ما عرفت. وأما اعتبار الاعلمية: فقد تقدم الكلام فيه أيضا وأنه الذي يقتضيه الاصل وبناء العقلاء. وأما طهارة المولد: فهي داخلة في الايمان بناء على كفر المتولد من الزنا، أما بناء على خلافه فلا دليل على اعتبارها غير الاصل المحكوم ببناء

[ 46 ]

[ (مسألة 23): العدالة عبارة عن ملكة اتيان الواجبات وترك المحرمات (1). ] العقلاء. نعم عن الروضة دعوى الاجماع عليه. وعليه فهو المعتمد. وأما اعتبار أن لا يكون مقبلا على الدنيا: فان أريد من الاقبال على الدنيا ما ينافي العدالة أغنى عن اعتباره اعتبارها، وان أريد غير ذلك فدليله غير ظاهر. ولذا لم أقف على من ذكره بخصوصه. وأما الخبر الذي ذكره المصنف (* 1) فقد عرفت أنه المروي عن تفسير العسكري (ع)، وقد ذكره شيخنا الاعظم (ره) في أدلة حجية الخبر. وقد عرفت الاشكال في سنده، وفي كونه فيما نحن فيه من التقليد في الفروع. وفي دلالته على اكثر من اعتبار الامانة والوثوق، كما يظهر ذلك من ملاحظة مجموع الفقرات، وان كان الجمود على الفقرة الاخيرة يقتضي ظهوره في اعتبار العدالة. فلاحظ وتأمل. والله سبحانه هو الموفق. (1) كما نسب إلى المشهور بين المتأخرين، بل إلى المشهور مطلقا، بل إلى العلماء، أو الفقهاء، أو المخالف والمؤالف. وعن ظاهر الحلي وغيره: أنها مجرد ترك المعاصي، أو خصوص الكبائر. وعن ظاهر المقنعة وغيرها: أنها الاجتناب عن المعاصي عن ملكة. ومقتضى الجمود على عبارة الاول أنه بحسب المورد أعم من وجه من الثاني، وأعم مطلقا من الثالث. إلا أن الاتفاق ظاهرا على ثبوت الفسق بارتكاب الكبيرة يقتضي أن يكون المراد من الاول الملكة الباعثة فعلا على الطاعات وترك المعاصي، فيكون أخص موردا من الثاني ومساويا للثالث. وهناك أقوال أخر - على تقدير ثبوتها - نادرة تأتي الاشارة إلى بعضها. وكيف كان فقد استدل على الاول بصحيح عبد الله بن أبي يعفور:


(* 1) تقدمت الاشارة إلى مصدره قريبا.

[ 47 ]

" قلت لابي عبد الله (ع): بم تعرف عدالة الرجل بين المسلمين حتى تقبل شهادته لهم وعليهم؟ فقال (ع): أن تعرفوه بالستر والعفاف، وكف البطن والفرج واليد واللسان، ويعرف باجتناب الكبائر التي أوعد الله تعالى عليها النار من شرب الخمر والزنا والربا وعقوق الوالدين والفرار من الزحف وغير ذلك. والدلالة على ذلك كله أن يكون ساترا لجميع عيوبه حتى يحرم على المسلمين ما وراء ذلك من عثراته وعيوبه.. " (* 1). وتقريب الاستدلال به: أن ظاهر السؤال فيه وان كان السؤال عن الطريق إلى العدالة بعد معرفة مفهومها، لكن يتعين حمله على السؤال عن مفهومها بقرينة ما في الجواب، فان الستر والعفاف المذكورين فيه من سنخ الملكات، وكف البطن وما بعده من سنخ الافعال، فلو كان ذلك طريقا إلى العدالة لزم كونها أمرا آخر وراء ما ذكر، وهو مما لم يقل به أحد، ولا يمكن الالتزام به، فيتعين لذلك حمل السؤال على السؤال عن مفهومها، لجهل السائل به الموجب للجهل بوجودها. ويشهد لذلك أيضا قوله (ع): والدلالة على.. فانه كالصريح في كونه واردا لبيان الطريق. فان كان المراد منه بيان الطريق إلى العدالة، فحمل الاول على بيان الطريق أيضا يلزم منه أن يكون المقصود جعل طريقين إلى العدالة، ولاجل أن الاول أخص يكون لغوا. وان كان المراد منه الطريق إلى الاول فيكون طريقا إلى الطريق فهو - مع بعده في نفسه - ينافيه قوله (ع) بعده: ويجب عليهم تزكيته واظهار عدالته " فانه ظاهر في كونه طريقا إلى العدالة لا طريقا إلى الطريق إليها. ويناسب ما ذكرنا جدا اختلاف التعبير، فانه عبر في الصدر بالمعرفة المشاكلة للتعبير في السؤال وفي الذيل بالدلالة المخالفة له، فيدل ذلك كله على أن المعرفة في السؤال وفي الصدر بمعنى معرفة المفهوم، وان الدلالة في الذيل بمعنى معرفة وجود


(* 1) الوسائل باب: 41 من كتاب الشهادات حديث: 1.

[ 48 ]

المفهوم. وبذلك تعرف أن قوله (ع): " ويعرف باجتناب. " متمم للتعريف الاول، لا طريق إليه. ولاسيما بملاحظة ما بينهما من الاشتراك، فان كف البطن.. راجع إلى اجتناب جملة من الكبائر. ولاجل ذلك أيضا يمتنع أن يكون طريقا إلى العدالة لو حمل الاول على بيان المفهوم. والمتحصل مما ذكرنا: أن الرواية الشريفة صدر الجواب فيها ظاهر في بيان مفهوم العدالة، وما بعده ظاهر في بيان الطريق إلى المصداق، فان حمل السؤال على السؤال عن المفهوم - بقرينة صدر الجواب، لما بينه وبين السؤال من المشاكلة في التعبير - كان بيان الطريق في الذيل تفضلا من الامام (ع)، وإن حمل على السؤال عن الطريق إلى المصداق كان ما في الصدر من بيان المفهوم تفضلا أو تمهيدا للجواب. ومن ذلك يظهر ضعف ما تقدم عن الحلي وغيره، بل صريح الكفاية أنه الاشهر، قال (ره): " والاقرب الاشهر في معنى العدالة أن لا يكون مرتكبا للكبائر ولا مصرا على الصغائر، ونحوه في النسبة إلى الاشهر ما في البحار ومال إليه شيخنا الاعظم (ره) في صلاة الجماعة، عملا بظاهر السؤال في كونه سؤالا عن الطريق إلى العدالة، فيكون الستر والعفاف المذكوران في الجواب طريقا إليها لانفسها. ولا ينافيه قوله (ع) في الجواب: " ويعرف باجتناب.. " لان المراد به الاجتناب الظاهر للناس عند معاشرته، فيختص بالمعاصي الظاهرة مثل قتل المسلم، واهانة المؤمنين وشتمهم ونحو ذلك، فيكون المقصود جعل الاجتناب عن هذه المعاصي طريقا إلى الاجتناب عن جميع المعاصي حتى الخفية، مثل الافطار في الخلوات ونكاح الحائض والسرقة عند الفرصة وبغض المؤمنين. وتوضيح الاشكال عليه: أن كف البطن وما عطف عليه راجع إلى الاجتناب عن جملة من الكبائر، فإذا كان الستر والعفاف طريقا إلى العدالة

[ 49 ]

تعين أن يكون اجتناب المعاصي كذلك، فكيف يمكن أن تكون نفس الاجتناب؟! مضافا إلى أن حمل الاجتناب في قوله (ع): ويعرف باجتناب.. " على الاجتناب الظاهر للناس عند المعاشرة خلاف الظاهر، وخلاف ظاهر الكبائر في العموم للكبائر الخفية. مع أنه يلزم رجوعه إلى قوله (ع): " والدلالة على.. " لان المراد منه الاجتناب في الظاهر وظاهر الرواية مخالفة له، فان الدال غير المدلول عليه، وجعل المدلول عليه نفس العدالة لا الاجتناب - فيكون الطريق إلى العدالة كلا من الامرين - خلاف الظاهر جدا. مع أنه يلزم منه لغوية الثاني لكونه أخص. نعم يبقى الاشكال في الرواية من جهة الاقتصار فيها على الستر والعفاف وعدم التعرض فيها لبقية الملكات الباعثة على التقوى، ومن جهة عدم التعرض فيها لفعل الواجبات. لكن لا يبعد - ولو بقرينة النصوص الاخر التي تشير إلى بعضها - أن يكون المراد من الستر الاستحياء من فعل المعصية مطلقا، ومن العفاف التعفف عن عامة المعاصي. كما أنه لا يبعد أن يكون ترك ذكر الواجبات لان ترك الواجبات من الكبائر، كما في صحيح عبد العظيم (ره) (* 1) فيكون قد اكتفى عنه بذكر الكبائر. مع أن الاجماع على اعتبارها، وما يظهر من مثل رواية علقمة (* 2) الآتية، بل من ذيل الصحيح المذكور - فتأمل - كاف في إثبات اعتبارها فيها. ومثل الصحيح المذكور موثقة ابن أبي يعفور عن أخيه عن أبي جعفر (ع): تقبل شهادة المرأة والنسوة إذا كن مستورات من أهل البيوتات معروفات بالستر والعفاف مطيعات للازواج تاركات البذاء والتبرج


(* 1) الوسائل باب: 46 من ابواب جهاد النفس حديث: 2 (* 2) الوسائل باب: 41 من ابواب كتاب الشهادات حديث: 13.

[ 50 ]

إلى الرجال في أنديتهم " (* 1). ويعضدهما في الدلالة على اعتبار الملكة كثير من النصوص، مثل ما دل على قبول شهادة الرجل لولده أو والده أو امرأته إذا كان خيرا (* 2)، وما دل على قبول شهادة المكاري والجمال والملاح إذا كانوا صلحاء (* 3)، وما دل على قبول شهادة الضيف إذا كان عفيفا صائنا (* 4)، وما ورد في تفسير قوله تعالى: (ممن ترضون من الشهداء): أنه ممن ترضون دينه وأمانته وصلاحه وعفته (* 5).. إلى غير ذلك. وحمل هذه النصوص على كون الملكات المذكورة ملازمة لموضوع الحكم لانفسه، خلاف الظاهر ولا موجب له. ومن ذلك كله يظهر لك أيضا ضعف القول بكونها حسن الظاهر - كما نسب إلى جماعة - أو الاسلام مع عدم ظهور الفسق، كما عن ابن الجنيد وكتاب الاشراف للمفيد، وان استدل لذلك بصحيح حريز: " إذا كان أربعة من المسلمين ليس يعرفون بشهادة الزور أجيزت شهادتهم جميعا " (* 6) وما في صحيح ابن المغيرة: " كل من ولد على الفطرة وعرف بالصلاح في نفسه جازت شهادته " (* 7)، ونحوه ما في غيره، ومرسل يونس: " إذا كان ظاهره ظاهرا مأمونا جازت شهادته، ولا يسأل عن باطنه " (* 8)، وما في رواية علقمة: " فمن لم تره بعينك يرتكب ذنبا


(* 1) الوسائل باب: 41 من ابواب كتاب الشهادات حديث: 19 (* 2) الوسائل باب: 41 من ابواب كتاب الشهادات حديث: 9. (* 3) الوسائل باب: 34 من ابواب كتاب الشهادات حديث: 1 (* 4) الوسائل باب: 29 من ابواب كتاب الشهادات حديث: 3 (* 5) الوسائل باب: 41 من ابواب كتاب الشهادات حديث: 22 (* 6) الوسائل باب: 41 من ابواب كتاب الشهادات حديث: 17 (* 7) الوسائل باب: 41 من ابواب كتاب الشهادات حديث: 5 (* 8) الوسائل باب: 41 من ابواب كتاب الشهادات حديث: 3.

[ 51 ]

أو لم يشهد عليه بذلك شاهدان فهو من أهل العدالة والستر وشهادته مقبولة وان كان في نفسه مذنبا " (* 1).. إلى غير ذلك. فانه مع إمكان المناقشة في دلالة بعضها يتعين حملها - بعد تقييد بعضها ببعض - على كون حسن الظاهر طريقا إلى العدالة شرعيا، جمعا بينها وبين ما تقدم. كما يشهد به أيضا ما في رواية أحمد بن عامر الطائي قال رسول الله صلى الله عليه وآله " من عامل الناس فلم يظلمهم وحدثهم فلم يكذبهم ووعدهم فلم يخلفهم فهو ممن كملت مروته وظهرت عدالته " (* 2) ونحوها رواية ابن سنان (* 3)، فهذه النصوص واردة في مقام الاثبات لا في مقام الثبوت. فلاحظ وتأمل. والله سبحانه ولي التوفيق وهو حسبنا ونعم الوكيل. ثم إن ملكة العدالة من الستر والعفاف والصلاح ونحوها مما ذكر في النصوص ذات مراتب متفاوتة جدا تفاوت سائر الملكات بالقوة والضعف، يكفي في ثبوتها أدنى مراتبها، ولا ينافي وجودها ارتكاب المعصية ولو كانت كبيرة لجواز غلبة المزاحم من قوتي الشهوة والغضب عليها، كما لا ينافي وجود سائر الملكات - كملكتي الشجاعة والكرم - تخلف مقتضاها أحيانا، ولذا قيل: " إن الجواد قد يكبو والسيف فد ينبو ". وليس المراد منها خصوص المرتبة العالية التي لا يتخلف مقتضاها، ولا يغلبها المزاحم. فان ذلك خلاف اطلاق الادلة، ويستوجب ندرة وجودها جدا بل يمتنع إحراز وجود هذه المرتبة في اكثر الاعصار، فيلزم منه تعطيل الاحكام واختلال النظام، ولذا قال الصادق (ع) في رواية علقمة: " لو لم تقبل شهادة المقترفين للذنوب لما قبلت الا شهادة الانبياء والاوصياء (ع)


(* 1) الوسائل باب: 41 من ابواب كتاب الشهادات حديث: 13. (* 2) الوسائل باب: 41 من ابواب كتاب الشهادات حديث: 14 (* 3) الوسائل باب: 41 من ابواب كتاب الشهادات حديث: 15.

[ 52 ]

لانهم المعصومون دون سائر الخلق " (* 1). وقد ورد في جملة من النصوص قبول شهادة المحدود بعد توبته (* 2)، وجملة منها واردة في خصوص القاذف بعد التوبة (* 3). وبالجملة: عدم اعتبار المرتبة العالية في ترتب أحكام العدالة مما لا ريب فيه إجماعا ونصا وسيرة. نعم لا يكفي أقل مراتب وجودها إذا كان بنحو لا يصدق الستر والعفاف والصلاح، ونحو ذلك من العناوين المذكورة في النصوص التي تقدم بعضها. لظهور النصوص المذكورة في اعتبار الاوصاف المذكورة في العدالة مفهوما - كما عرفت - بحيث لا تصدق مع فقدها وان كان للمكلف حالة تبعثه على فعل الطاعة، كما هو الحال في كثير من الفساق، فان التدين بالدين الاسلامي. واعتقاد المعاد، والثواب، والعقاب، والجزاء على الاعمال - ان خيرا فخير وان شرا فشر - يستوجب حدوث حالة مقتضية لفعل الطاعات، والانزجار عن المعاصي، لكنها فيهم مغلوبة للقوى المزاحمة، فكلما عرضت لهم المعصية وقعوا فيها، لقوة الشهوة أو الغضب فيهم على نحو تغلب تلك الحال الخاصة المقتضية للطاعة، ومع سكون القوة المزاحمة من الشهوة والغضب يحصل لهم حالة الندم مع الالتفات إلى تقصيرهم. لكن لما كان ذلك غالبيا لهم لا يصدق في حقهم الستر والعفاف والصلاح ونحو ذلك، بل يصدق خلافها. نعم لو كان ذلك - أعني الوقوع في المعصية - نادرا لقلة الابتلاء، أو لقصور الفاعل عن الفعل الحرام، أو لضعف الشهوة المزاحمة - لمرض أو هرم أو تشويش بال أو نحو ذلك - كفى ذلك في صدق الستر ونحوه


(* 1) الوسائل باب: 41 من ابواب كتاب الشهادات حديث: 13 (* 2) الوسائل باب: 37 من كتاب الشهادات. (* 3) الوسائل باب: 36 من كتاب الشهادات.

[ 53 ]

عرفا، وتحققت العدالة، وجاز ترتيب أحكامها، كما يوجد في كثير من النساء والفقراء، فان سترهم وعفافهم لا يكون لقوة الملكة الباعثة على التقوى، بل لفقد المزاحم. ومن ذلك تعرف أن العدالة في الملوك ونحوهم من أهل الحول والطول إنما تكون - غالبا - لقوة الحال الباعثة، وفي غيرهم من الضعفاء فد تكون لذلك، وقد تكون لعدم المزاحم للحال الباعثة على التقوى مع كونها ضعيفة جدا. والمتحصل مما ذكرنا أمور: (الاول): اعتبار الملكة في العدالة. (الثاني): عدم اعتبار كونها بمرتية لا يغلبها المزاحم بنحو يستوجب العصمة. (الثالث): أنه لا يكفي أدنى مراتبها إذا كان بنحو لا يصدق الستر والصلاح. (الرابع): أن من لوازم الملكة المذكورة حصول الندم بعد فعل المعصية والالتفات إلى ذلك، وان كانت الملكة بمرتبة دانية ضعيفة جدا، فإذا لم يحصل الندم بعد الالتفات إلى فعل المعصية كشف ذلك عن عدم الملكة كما يتفق ذلك نادرا من بعض الفساق المتمردين. هذا والمراد باجتناب المعاصي المعتبر في العدالة نصا وإجماعا - كما عرفت - أن لا يكون مطالبا بالمعصية حال الابتلاء ببعض آثار العدالة وأحكامها - كالايتمام والشهادة والولاية وغيرها - اما بأن لا يكون عاصيا أصلا، أو يكون عاصيا فيتوب. للاجماع والنصوص على عدم جواز ترتيب آثار العدالة على العصاة قبل التوبة وجواز ترتيبها بعدها (* 1). ويشهد به أيضا قوله تعالى: (ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون الا الذين تابوا) (* 2) وبمضمونها جملة من النصوص أشرنا إلى بعضها آنفا،


(* 1) الوسائل باب: 11 من ابواب صلاة الجماعة، وباب من باب: 30 إلى: 37، وباب: 41 من كتاب الشهادات. (* 2) النور: 54.

[ 54 ]

[ وتعرف بحسن الظاهر الكاشف (1) عنها علما أو ظنا، وتثبت بشهادة العدلين وبالشياع المفيد للعلم. ] وهي مذكورة في بعض أبواب شهادات الوسائل فراجعها. مضافا إلى ما دل على قبول التوبة، وأنها ماحية للذنوب، من الآيات (* 1) والروايات (* 2). فلاحظ وتأمل. هذا وفي المقام مباحث شريفة، منها البحث عن اعتبار الاجتناب عن منافيات المروأة في العدالة، والبحث عن انقسام المعصية إلى كبيرة وصغيرة، والميزان الفارق بينهما، وطريق إثبات كون المعصية كبيرة، وغير ذلك. تركنا التعرض لها اعتمادا على التعرض لها عند تعرض المصنف (ره) في شرائط الامام من مباحث صلاة الجماعة. والله سبحانه ولي التوفيق. (1) إعلم أن الطريق إلى إثبات العدالة أمور: الاول: العلم الوجداني، سواء أحصل من حسن الظاهر، أم من الشياع، أم من غيرهما. ولا إشكال في كونه طريقا إليها، لكونه حجة بالذات في نظر العقل، كما هو محرر في محله. الثاني: البينة بلا إشكال ظاهر، وهو واضح بناء على عموم حجيتها، كما سيأتي تقريبه في مباحث المياه (* 3) إن شاء الله. أما بناء على عدمه فقد تستفاد حجيتها في المقام - مما في ذيل صحيح ابن أبي يعفور المتقدم (* 4) من قوله (ع): " فإذا سئل عنه في قبيلته ومحلته قالو ما رأينا منه إلا


(* 1) وهي كثيرة يسهل الاطلاع عليها بالاستعانة بمعاجم الآيات. (* 2) الوسائل باب: 47، 82، 83، 85، 86، 89، 92، من ابواب جهاد النفس ويوجد في أبواب أخر أيضا (* 5) في مسألة: 6 من الفصل المتعرض لاحكام البشر (* 4) راجع أوائل شرح المسألة السابقة.

[ 55 ]

خيرا " بضميمة الاجماع على عدم اعتبار اكثر من البينة، ومما في خبر جابر عن أبي جعفر (ع): " شهادة القابلة جائزة على أنه استهل أو برز ميتا إذا سئل عنها فعدلت (* 1)، وما في رواية علقمة: " فمن لم تره بعينك يرتكب ذنبا أو لم يشهد عليه بذلك شاهدان فهو من أهل العدالة والستر (* 2) - بالفحوى، أو بضميمة عدم الفصل بين الفسق والعدالة. هذا وفي اعتبار حصول الوثوق بصدقها، أو الظن به، أو عدم الظن بالخلاف، أو عدم اعتبار شئ من ذلك، وجوه مبنية على ثبوت إطلاق يعتمد عليه في اثبات الحجية وعدم انصرافه إلى شئ من ذلك، وعدمه. والظاهر عدم الفرق بين الشهادة الفعلية والقولية. الثالث: حسن الظاهر. ويشهد له كثير من النصوص المتقدم بعضها (* 3) مثل ما في صحيح ابن أبي يعفور من قوله (ع): " والدلالة على ذلك.. " وما في رواية علقمة، وما في رواية أحمد بن عامر الطائي وما في رواية ابن سنان، وغيرها. ومقتضى إطلاقها حجية حسن الظاهر وان لم يفد الظن بل وان كان الظن على خلافه. لكن يجب تقييدها بما في مرسل يونس من قول الصادق (ع): فإذا كان ظاهر الرجل ظاهرا مأمونا جازت شهادته ولا يسأل عن باطنه " (* 4). وارساله لا يقدح بعد كون المرسل من أصحاب الاجماع. ورواية المشايخ الثلاثة - قدس سرهم - له في كتبهم بأسانيد مختلفة، وفيهم جماعة من الاعاظم، كأحمد بن محمد ابن عيسى، وعلي بن ابراهيم وغيرهما، واعتماد المشهور عليه في بعض


(* 1) الوسائل باب: 24 من كتاب الشهادات حديث: 39. (* 2) الوسائل باب: 41 من كتاب الشهادات حديث: 13. (* 3) في شرح المسألة السابقة (* 4) الوسائل باب: 41 من كتاب الشهادات حديث: 3.

[ 56 ]

مضمونه، فان مجموع ذلك مما يستوجب الوثوق المدخل له تحت دليل الحجية. وأما التقييد بالظن - كما في المتن - فليس عليه دليل ظاهر. وأما خبر ابراهيم الكرخي " من صلى خمس صلوات في اليوم والليلة في جماعة فظنوا به خيرا وأجيزوا شهادته " (* 1). فالامر فيه بالظن وان كان ظاهرا في لزوم ترتيب أثر الظن، لكنه لا يقتضي تقييد حجية الظاهر بالظن، وإنما يدل على حجية الظاهر كالظن، فهو باطلاقه من أدلة حجية الظاهر مطلقا كالظن، ولا يصلح لتقييد حجيته بالظن. ولا يبعد أن يكون المراد من كونه مأمونا كونه موجبا للامن فعلا، والحمل على الامن النوعي محتاج إلى قرينة مفقودة. الرابع: الوثوق بها وان لم يكن مستندا إلى ظاهر حسن. وقد يشهد له رواية أبي علي بن راشد: " لا تصل إلى خلف من تثق بدينه " (* 2) ونحوها رواية يزيد بن حماد (* 3). لكن مع أن المنصرف إليه من الدين الاصول لا الفروع، محمول على ذلك بقرينة السؤال. نعم رواها الشيخ (قده) بزيادة " وأمانته " ولا يجري فيها الاشكال المذكور. لكن التعدي عن الايتمام إلى سائر الاحكام لا يخلو من تأمل. وان كان هو الاقرب، ولاسيما بملاحظة مرسل يونس المتقدم، فان الارتكاز العقلائي يناسب كون الوجه في الحجية هو الامن لا الخصوصية في حسن الظاهر. فلاحظ. وعن بعض: حجية مطلق الظن. وكأنه لرواية ابراهيم الكرخي. وقريب منه مرسل الفقيه: من صلى الصلوات الخمس في جماعة فظنوا به كل خير (* 4). وفيه: أنه لو تم حمل الظن على ما هو محل الكلام


(* 1) الوسائل باب: 41 من كتاب الشهادات حديث: 12. (* 2) الوسائل باب: 11 من ابواب صلاة الجماعة حديث: 8. (* 3) الوسائل باب: 12 من ابواب صلاة الجماعة حديث: 1. (* 4) الوسائل باب: 1 من ابواب صلاة الجماعة حديث: 6.

[ 57 ]

[ (مسألة 24): إذا عرض للمجتهد ما يوجب فقده للشرائط يجب على المقلد العدول إلى غيره (1). (مسألة 25): إذا قلد من لم يكن جامعا ومضى عليه برهة من الزمان كان كمن لم يقلد أصلا (2). ] يتعين تقييده بخبر ابن راشد بل ومرسل يونس بالاولوية، فيحمل على الظن الاطمئناني. وأما الشياع الموجب للعلم: فليس بحجة، وانما الحجة هو العلم لا غير كما تقدم في نظيره. والمتحصل مما ذكر: أن طرق العدالة ثلاثة: العلم، والبينة، والوثوق، سواء أحصل من حسن الظاهر أم من غيره. ومنه تعرف الاشكال فيما ذكره المصنف (قده) عبارة ومؤدى. والله سبحانه الهادي. (1) قال في الفصول: " ولو تسافل المجتهد عن الاجتهاد، أو صار مجنونا مطبقا، ففي الحاقه بالميت في الحكم السابق وجهان أظهرهما ذلك.. " ولكن الذي يظهر من بعض أدلة وجوب العدول عن الميت: أن وجوب العدول هنا من المسلمات. والذي تقتضيه القواعد ما ذكره في الفصول، وكذا في بقية موارد طرؤ فقد الشرائط، إذ أكثر ما قدم في جواز البقاء على تقليد الميت جار بعينه هنا. نعم لا يطرد بعضه في المقام، ولكن ذلك لا يهم بعد اطراد غيره. فما لم ينعقد إجماع معتبر على وجوب العدول ينبغي الرجوع إلى ما تقدم في مسألة جواز البقاء على تقليد الميت (* 1)، فان المسألتين من باب واحد. (2) لبطلان التقليد بفقد شرطه.


(* 1) راجع المسألة: 9.

[ 58 ]

[ فحاله حال الجاهل القاصر أو (1) المقصر. (مسألة 26): إذا قلد من يحرم البقاء على تقليد الميت فمات، وقلد من يجوز البقاء، له أن يبقى على تقليد الاول في جميع المسائل الا مسألة حرمة البقاء (2). (مسألة 27): يجب على المكلف العلم بأجزاء العبادات وشرائطهما وموانعها ومقدماتها (3)، ولو لم يعلمها لكن علم أجمالا ان عمله واجد لجميع الاجزاء والشرائط وفاقد للموانع صح (4) وان لم يعلمها تفصيلا. (مسألة 28): يجب تعلم مسائل الشك والسهو بالمقدار الذي هو محل الابتلاء غالبا (5). نعم لو اطمأن من نفسه أنه لا يبتلي بالشك والسهو صح عمله (6) وان لم يحصل العلم بأحكامهما. ] (1) حرف العطف للتقسيم لا للترديد. (2) كما تقدم في المسألة الخامسة عشرة. (3) هذا الوجوب عقلي أو فطري، لتوقف العلم بالفراغ عليه، وهو واجب عقلا أو فطرة، كما تقدم في أول الكتاب. (4) لحصول العلم بالفراغ ولو إجمالا، وهو كاف في نظر العقل. نعم بناء على اعتبار التمييز في حصول الامتثال في العبادات وجب العلم التفصيلي باجزاء العبادة وشرائطها وموانعها. لكن التحقيق عدم اعتبار ذلك في العبادية عند العقلاء. مع أن الشك كاف في عدم الاعتبار بناء على التحقيق من الرجوع إلى البراءة في مثله. (5) هذا الوجوب كسابقه. (6) وكذا لو لم يطمئن فاتفق عدم الابتلاء بها، أو ابتلي بها فعمل

[ 59 ]

[ (مسألة 29): كما يجب التقليد في الواجبات والمحرمات يجب في المستحبات، والمكروهات والمباحات (1). بل يجب تعلم حكم كل فعل يصدر منه سواء كان من العبادات أو المعاملات أو العاديات. ] على أحد الاحتمالات فاتفق كونه مطابقا للواقع أو للحجة. لما عرفت من الاجتزاء عقلا بالعمل المعلوم كونه مطابقا للواقع أو قامت الحجة على ذلك. وأما الاطمئنان بعدم الابتلاء فلا أثر له في الصحة، كما تقدم في المسألة السادسة عشرة. نعم له دخل في نفي العقاب، فلو احتمل الابتلاء فلما ابتلي بالواقعة احتمل التكليف بأحد الوجوه مثل حرمة قطع الفريضة، فانه لو قطعها حينئذ كان آثما في نظر العقل، لانه مقدم على مخالفة التكليف المحتمل المنجز على تقدير ثبوته. نعم مع الاطمئنان بعدم الابتلاء لو اتفق الابتلاء فعمل على أحد الوجوه في موارد الدوران بين المحذورين كان معذورا في نظر العقلاء، كما هو كذلك في سائر موارد الدوران بين المحذورين بعد الفحص واليأس. فحكم العمل قبل الفحص مع الاطمئنان بعدم الابتلاء حكم العمل بعد الفحص واليأس عن الدليل في عدم استحقاق العقاب. (1) لا يخفى أن الفتوى (تارة): تكون حجة للمكلف لا غير، كما لو كان مفادها حكما غير لزومي. كالاباحة أو الاستحباب أو الكراهة فانها حينئذ تكون حجة للعبد على نفي الحكم اللزومي كالحرمة والوجوب. (وأخرى): تكون حجة عليه لا غير، كما لو كان مفادها حكما لزوميا مع عدم احتمال حكم لزومي على خلافه، كما لو كان مفادها وجوب فعل مع عدم احتمال الحرمة أو بالعكس. (وثالثة): تكون حجة له وعليه كما لو كان مفادها حكما لزوميا مع احتمال حكم لزومي على خلافه، كما لو أفتي بالوجوب مع احتمال الحرمة، فان الفتوى تكون للمولى حجة على

[ 60 ]

[ (مسألة 30): إذا علم أن الفعل الفلاني ليس حراما ولم يعلم أنه واجب أو مباح أو مستحب أو مكروه، يجوز له أن يأتي به لاحتمال كونه مطلوبا وبرجاء الثواب (1). وإذا علم أنه ليس بواجب، ولم يعلم أنه حرام أو مكروه أو مباح، له أن يتركه لاحتمال كونه مبغوضا. ] الوجوب، وللعبد حجة على نفي الحرمة. ولو أفتي بالحرمة مع احتمال الوجوب كان الامر بالعكس. وربما لا تكون الفتوى حجة للمكلف ولا عليه، كما لو أفتي بالاباحة مع العلم بانتفاء الوجوب والحرمة، فان مثل هذه الفتوى لا يصح اعتبار الحجية لها لا للمولى ولا للعبد. هذا كله بلحاظ العمل، وأما بلحاظ التشريع فيصح اعتبار الحجية لها على أن تكون حجة للعبد في جواز اعتقاد الاباحة، إذ لولاها كان اعتقاد الاباحة تشريعا محرما. وحينئذ نقول: يجب التقليد في جميع الاحكام - الزامية كانت أم غيرها - من حيث جواز الالتزام بها ونفى التشريع. وأما من حيث العمل فان لم تكن الفتوى حجة على العبد ولا له لم يجب التقليد، وان كانت حجة له - سواء أكانت حجة عليه أم لا - يجب التقليد، سواء اكان هو الالتزام أم العمل، اعتمادا على الفتوى، لتوقف الامن من العقاب عليه. وان كانت الفتوى حجة عليه لا غير لم يجب التقليد، إذ لا أثر له في الامن من العقاب، لكون المفروض عدم كون الفتوى حجة له. وان شئت قلت: إذا كان مفاد الفتوى مطابقا للاحتياط المطلق لا يجب التقليد لانه لغو. وان كان مفادها مخالفا للاحتياط المطلق أو للاحتياط من وجه يجب التقليد. وان لم يكن المورد من موارد الاحتياط لا يجب التقليد، لانه لغو أيضا. فلاحظ وتأمل. (1) الحكم المذكور مبني على جواز الامتثال الاجمالي مع التمكن من

[ 61 ]

[ (مسألة 31): إذا تبدل رأي المجتهد لا يجوز للمقلد للبقاء على رأيه الاول (1). (مسألة 32): إذا عدل المجتهد عن الفتوى إلى التوقف والتردد يجب على المقلد الاحتياط أو العدل إلى الاعلم بعد ذلك المجتهد (2). (مسألة 33): إذا كان هناك مجتهدان متساويان في العلم كان للمقلد تقليد أيهما شاء (3). ويجوز التبعيض في المسائل (4). ] الامتثال التفصيلي، فلو بني على عدم جوازه تعين تقييد الجواز في العبارة بصورة عدم التمكن من الاجتهاد أو التقليد. هذا إذا كان المورد من العبادات - كما هو ظاهر العبارة - وإلا فلا حاجة إلى التقييد. (1) هذا ينبغي أن يكون من الواضحات، لاختصاص أدلة جواز رجوع الجاهل إلى العالم بصورة عدم اعترافه بخطأ الواقع. (2) هذا نظير ما سبق، لاعتراف المفتي بالخطأ في الاستناد وان لم يعترف بخطأ الواقع لجهله بذلك. (3) إجماعا من القائلين بجواز التقليد، من دون فرق بين صورة الاتفاق في الفتوى والاختلاف، وموافقة فتوى أحدهما للاحتياط المطلق دون الآخر وغيرها. نعم مع الاتفاق في الفتوى قد عرفت أنه يجوز تقليدهما معا كما يجوز تقليد أحدهما بعينه (* 1). (4) قد عرفت أنه مع اختلاف المجتهدين في الفتوى تسقط إطلاقات أدلة الحجية عن المرجعية، وينحصر المرجع بالاجماع، فمشروعية التبعيض تتوقف على عموم الاجماع على التخيير بينهما لصورة التبعيض. لكن لم


(* 1) راجع المسألة: 8.

[ 62 ]

[ وإذا كان أحدهما أرجح من الآخر في العدالة أو الورع أو نحو ذلك، فالاولى بل الاحوط اختياره (1). (مسألة 34): إذا قلد من يقول بحرمة العدول حتى إلى الاعلم، ثم وجد أعلم من ذلك المجتهد، فالاحوط العدول إلى ذلك الاعلم (2) وان قال الاول بعدم جوازه. ] يتضح عموم الاجماع ولم أقف عاجلا على من ادعاه، بل يظهر من بعض أدلة المانعين عن العدول في غير المسألة التي قد قلد فيها المنع عن التبعيض فراجع كلماتهم. ومثلها دعوى السيرة عليه في عصر المعصومين (ع). فالتبعيض إذا لا يخلو من إشكال. نعم بناء على كون التقليد هو الالتزام بالعمل بقول مجتهد معين لا مانع من التبعيض لاطلاق أدلة الحجية. إذ قد أشرنا في أوائل الشرح (* 1) إلى أن اختلاف المجتهدين في الفتوى لا يوجب سقوط أدلة الحجية على هذا المبنى. فلاحظ. (1) لما عرفت آنفا (* 2) من نسبة القول بوجوب تقديم الاورع إلى جماعة، وأنه الذي تقتضيه أصالة التعيين عند الدوران بينه وبين التخيير في الحجية من دون ظهور دليل على خلافها. وبناء العقلاء على التخيير وعدم الترجيح بالاورعية غير ثابت، بل الظاهر عدم ثبوت بنائهم مع اختلاف الفتوى، كسائر اطلاقات أدلة الحجية، فانها جميعا لا تشمل صورة التعارض. (2) أقول: المسألة لها صورتان: الاولى: أن يقلد أحد المجتهدين المتساوين في الفضل في المسائل الفرعية غير مسألة جواز العدول إلى الاعلم، ثم بعد مدة يصير غيره أعلم منه، فإذا


(* 1) راجع المسألة: 8. (* 2) راجع المسألة: 13.

[ 63 ]

التفت المقلد إلى ذلك شك في جواز البقاء وحرمته، وحينئذ يمتنع أن يرجع في جواز البقاء إلى المجتهد الذي قد قلده، للشك في حجية فتواه فلابد أن يرجع إلى غيره. نظير ما لو مات المجتهد، فان الشك في حجية فتواه بعد الموت لا يرتفع بفتواه بجواز البقاء على تقليد الميت، فيتعين على المقلد بمقتضى حكم عقله الرجوع إلى الحي. وكذا في مسألتنا يتعين عليه الرجوع إلى الاعلم، ولا يلتفت إلى فتوى من قلده مهما كانت ولو كانت حرمة العدول، لامتناع رجوعه إليه في ذلك بعد كون مناط الشك في الحجية موجودا في مسألة جواز البقاء كسائر المسائل الفرعية. هذا حال المقلد في نفسه بملاحظة شكه. وأما حكمه بعد الرجوع إلى الاعلم في مسألة جواز البقاء وعدمه فهو وجوب العدول، لان بناء العقلاء على وجوب الرجوع إلى الاعلم لا فرق فيه بين الابتداء والاستدامة، وكما يجب الرجوع إليه في الابتداء يجب العدول إليه في الاستدامة. الصورة الثانية: أن يقلده في هذه المسألة بالخصوص ثم يصير غيره أعلم فان الرجوع إليه في هذه المسألة ممتنع، لانه من اثبات حجية الفتوى بالفتوى نفسها، ولاجل ذلك كان عدم جواز رجوع المقلد إليه فيها أوضح من الصورة السابقة لاختلاف الموضوع فيها، لان الرجوع إليه في المسألة الاصولية بلحاظ البقاء في المسألة الفرعية، وفي هذه الصورة يكون الرجوع إليه في المسألة الاصولية بلحاظ البقاء فيها نفسها، فيتعين عليه الرجوع فيها إلى غيره، ولا يلتفت إلى فتوى مرجعه الاول أصلا، وحكمه بعد الرجوع إلى الاعلم أيضا وجوب العدول في المسائل الفرعية، وأما المسألة الاصولية - أعنى: مسألة جواز البقاء وعدمه - فلا يمكن فيها البقاء والعدول لكون المفروض الرجوع فيها إلى غيره، فلو كانت فتوى غيره الاعلم وجوب البقاء فالمراد البقاء في المسائل الفرعية لا المسألة الاصولية، كما هو

[ 64 ]

[ (مسألة 35): إذا قلد شخصا بتخيل أنه زيد فبان عمرا (1)، فان كانا متساويين في الفضيلة ولم يكن على وجه التقييد صح، والا فمشكل (2). ] واضح بالتأمل. هذا وكأن تعبير المصنف (ره) بقوله: " فالاحوط العدول "، مبني على عدم جزمه بوجوب تقليد الاعلم وأنه أحوط كما تقدم. لكن قد يشكل: بأن كونه أحوط يختص بالتقليد الابتدائي، وأما في مسألة العدول فليس العدول أحوط، لوجود القول بحرمة العدول، فالاحوط فيها الرجوع إلى أحوط القولين اللهم إلا أن يختص كلامه بصورة كون قول المعدول إليه أحوط، فيرجع إلى الاخذ بأحوط القولين. أو يختص بالصورة الاولى مع البناء على أن الرجوع في مسألة جواز العدول والبقاء من قبيل التقليد الابتدائي، لان تقليده الاول. كان في غيرها من المسائل الفرعية لكنهما معا خلاف ظاهر العبارة. (1) يشكل فرضه بناء على أن التقليد هو العمل وقد كان المجتهدان متفقين في الفتوى. نعم مع الاختلاف فيها، أو القول بأنه الالتزام، يكون الفرض ظاهرا. (2) بل الظاهر جريان حكم العمل بلا تقليد، لان فوات القيد يستلزم فوات المقيد. (ودعوى): أن الشخص الذي قلده جزئي حقيقي، والجزئي لا يقبل الاطلاق كي يقبل التقييد، فلابد أن يرجع القيد إلى الداعي، وحينئذ لا يقدح تخلفه لان الداعي إنما يؤثر بوجوده العلمي لا بوجوده الخارجي، والوجود العلمي غير منتف، بل المنتفى إنما هو الوجود الخارجي. (مندفعة): بأن ذلك يتم بالاضافة إلى العوارض الطارئة على نفس الوجود الخارجي، أما ما كان طارئا حقيقة على الصورة الذهنية - مثل الارادة والكراهة والايتمام والتقليد

[ 65 ]

[ (مسألة 36): فتوى المجتهد تعلم بأحد أمور (الاول) أن يسمع منه شفاها (1). (الثاني): أن يخبر بها عدلان (2) (الثالث): إخبار عدل واحد (3). بل يكفي إخبار شخص موثق (4) يوجب قوله الاطمينان وان لم يكن عادلا (الرابع) الوجدان في رسالته، ولابد أن تكون مأمونة من الغلط (5). ] والبيع والطلاق ونحوها - فلا مانع من تقييد تلك الصورة في مقام الموضوعية لهذه الطوارئ، فالموضوع الخارجي إذا كان فاقدا لقيد الصورة لا يصح أن يكون موضوعا للطارئ ولو بالعناية والمجاز، فالشخص الذي لم يكن زيدا في فرض المسألة غير مقلد، لان التقليد إنما طرأ على المقيد بزيد، وكذا الحال في غيره. فان كان من يقلده بعد الالتفات هو الذي قلده اولا - لكونه أعلم، أو مساويا وقد اختاره - صح العمل، وان كان قد قلد غيره - إما لكونه أعلم أو مساويا فاختاره - تعين العمل على طبق فتواه من حيث صحة العمل الاول وفساده. (1) فيأخذ ولو بظاهر كلامه، الذي هو حجة بلا إشكال. (2) بناء على ثبوت عموم يقتضي حجية البينة بنحو يشمل المقام، كما ادعاه شيخنا الاعظم (ره) في رسالة الجماعة ونسب إلى المشهور في كلام غير واحد. ويأتى - إن شاء الله - في مبحث المياه (* 1) تقريبه. (3) لا يخفى ما في المقابلة وبينه وبين البينة. (4) بناء على عموم حجية خبر الثقة في الاحكام الكلية لمثل المقام، من جهة دلالة الخبر عن الفتوى بالالتزام على ثبوت الحكم الكلي، كما أشرنا إلى ذلك في المسألة العشرين. (5) بل يكفي أن تكون موردا لاصالة عدم الخطأ المعول عليها عند


(* 1) في المسألة: 6 من الفصل المتعرض لاحكام البئر.

[ 66 ]

[ (مسألة 37): إذا قلد من ليس له أهلية الفتوى ثم التفت وجب عليه العدول (1). وحال الاعمال السابقة حال عمل الجاهل غير المقلد. وكذا إذا قلد غير الاعلم وجب على الاحوط (2) العدول إلى الاعلم. وإذا قلد الاعلم ثم صار بعد ذلك غيره أعلم وجب العدول إلى الثاني، على الاحوط. (مسألة 38): ان كان الاعلم منحصرا في شخصين ولم يمكن التعيين، فان أمكن الاحتياط بين القولين فهو الاحوط (3)، والا كان مخيرا بينهما. ] العقلاء والظاهر أنه يكفي في جريانها عدم الظن بالغلط الناشئ من كثرته. هذا إذا كانت الرسالة بخط المجتهد، أما لو كانت بغير خطه اعتبر أن يكون الكاتب ثقة لان الكتابة نوع من الخبر عن الفتوى. (1) بل هو في الحقيقة تقليد ابتدائي لا عدول. وكذا الحال فيما بعده. (2) قد عرفت سابقا أنه الاقوى. وكذا ما بعده. مضافا إلى ما عرفت في المسألة الرابعة والثلاثين من أن كون العدول في الفرض أحوط غير ظاهر، لوجود القول بحرمة العدول حتى إلى الاعلم. (3) تقدم التعرض لهذا في المسألة الحادية والعشرين، وذكرنا هناك أن ظاهر الاصحاب الاتفاق على عدم وجوب الاحتياط على العامي، من دون فرق بين أن يتردد الاعلم بين اثنين أو عشرة - مثلا - وبين غيره من الفروض. ولا تبعد دعوى السيرة أيضا على ذلك، لندرة تساوي المجتهدين، وغلبة حصول التفاوت بينهم ولو يسيرا، وشيوع الجهل بالافضل وفقد أهل الخبرة في اكثر البلاد. وكون بنائهم على الاحتياط في مثل ذلك بعيد جدا.

[ 67 ]

[ (مسألة 39): إذا شك في موت المجتهد، أو في تبدل رأيه، أو عروض ما يوجب عدم جواز تقليده، يجوز له البقاء (1) إلى أن يتبين الحال. (مسألة 40): إذا علم أنه كان في عباداته بلا تقليد مدة من الزمان، ولم يعلم مقداره، فان علم بكيفيتها وموافقتها للواقع، أو لفتوى المجتهد الذي يكون مكلفا بالرجوع إليه (2) فهو، والا فيقضي المقدار الذي يعلم معه بالبراءة على الاحوط وان كان لا يبعد جواز الاكتفاء بالقدر المتيقن (3). ] (1) للاستصحاب. (2) يعنى: بالرجوع إليه حين الالتفات إلى ذلك، لا حين العمل، كما تقدم في المسألة السادسة عشرة. لكن سيأتي في المسألة الثالثة والخمسين تفصيل في المسألة. فانتظر. (3) يعنى: المتيقن بطلانه، إما يقينا وجدانيا، لليقين بمخالفته للواقع، أو تنزيلا، لمخالفته لفتوى من يجب الرجوع إليه بذلك. ووجه عدم وجوب قضاء المشكوك أصالة الصحة، لاحتمال مصادفته للواقع، بناء على جريانها في مثل ذلك، وعدم اختصاصها بصورة عدم الشك على تقدير الالتفات، كما يشهد به خبر الحسين بن أبي العلاء (* 1). ولعله مورد لبناء العقلاء. وسيأتى التعرض لذلك في مباحث الوضوء (* 2) إن شاء الله. وان كان الظاهر من المصنف (ره) في جملة من الفروض الآتية هناك هو التأمل والاشكال في ذلك.


(* 1) الوسائل باب: 41 من ابواب الوضوء حديث: 1. (* 2) راجع المسألة: 51 من فصل شرائط الوضوء. ويأتي أيضا في المسألة: 11 من فصل الماء المشكوك من مباحث المياه.

[ 68 ]

[ (مسألة 41): إذا علم أن أعماله السابقة كانت مع التقليد، لكن لا يعلم أنها كانت عن تقليد صحيح (1) أم لا، بنى على الصحة. ] ويحتمل أن يكون الوجه في عدم وجوب القضاء: أنه بأمر جديد وموضوعه فوت الواجب، ولا يمكن إحرازه بالاصل. لكن يشكل: بأن مقتضى الجمع بين أدلة القضاء والاداء، أنه بالامر الاول، وأن وجوب الاداء في الوقت بنحو تعدد المطلوب، فيكفي في وجوب القضاء استصحاب التكليف. مع أن الظاهر من أدلة القضاء أن الفوت المأخوذ موضوعا مجرد ترك الواجب في وقته، وهو مما يمكن إثباته بالاصل. نعم مع العلم بالكيفية لو جهل انطباق الواجب على المأتي به، أشكل جريان أصالة عدم الواجب، لانه من قبيل الاصل الجاري في المفهوم المردد بين معلوم الوجود ومعلوم الانتفاء، المحقق في محله عدم جريانه. هذا لو كان الشك حادثا بعد العمل، أما إذا كان مقارنا، بأن كان المكلف ملتفتا حين العمل إلى عدم التقليد في عمله، فلا مجال لاصالة الصحة، لاختصاص أدلتها بصورة حدوث الشك بعد العمل. كما أنه لو كان الشك في القضاء ناشئا من الشك في التكليف بالاداء - كما لو كان عمره عشرين سنة، وشك في أن بلوغه كان في سن خمس عشرة أو أربع عشرة - فانه لا ريب في عدم وجوب القضاء، لاصالة البراءة. (1) صحة التقليد وفساده إنما يكونان مجرى للاصول الشرعية إذا كانا موردا لاثر عملي، ولا يتضح ذلك إلا في فروض عدول العامي عن المجتهد إلى غيره مع اختلافهما في الفتوى، بأن كان رأي الثاني بطلان العمل المطابق لفتوى الاول. فان قلنا بعدم لزوم التدارك بالقضاء إذا كان تقليده للاول صحيحا، كانت صحة التقليد موضوعا للاثر العملي، فيجرى الاصل لاثباتها

[ 69 ]

[ (مسألة 42): إذا قلد مجتهدا، ثم شك في أنه جامع للشرائط أم لا وجب عليه الفحص (1). (مسألة 43): من ليس أهلا للفتوى يحرم عليه الافتاء (2). ] كما في سائر موارد الشك في الصحة. غاية الامر أن الصحة هنا إنما صارت موضوعا للاثر العملي بلحاظ كونها قيد موضوع الاثر، وهو صحة العمل المستوجبة للاجزاء، نظير صحة الوضوة المأخوذة قيدا في موضوع صحة الصلاة. وكذا الحال لو شك في كون عمله عن تقليد صحيح مع شكه في أصل التقليد، فان أصل الصحة في عمله كاف في الاجتزا به، وعدم الاحتياج إلى الاعادة أو القضاء. هذا وسيأتي في المسألة الثالثة والخمسين ماله نفع في المقام فانتظر. (1) إذ لا فرق بين الابتداء والبقاء، فكما يجب الفحص في التقليد الابتدائي - لعدم حجية مشكوك الحجية - كذلك في البقاء على التقليد. نعم لو علم باجتماع الشرائط فيه سابقا بنى على بقائها، للاستصحاب، كما تقدم. (2) كما صرح به جماعة من الاعيان، مرسلين له إرسال المسلمات، وظاهر المسالك وغيرها: أنه إجماعي. إما لانها منصب للنبي صلى الله عليه وآله والامام علي (ع) من بعده، فلا تجوز بغير إذنهما، ولا إذن مع فقد بعض الشرائط. لكن دليله غير ظاهر، إذ ما تقدم من أدلة الشرائط إنما يدل على اعتبارها في حجية الفتوى لا في جوازها تكليفا، ولا على كونها من المناصب المختصة بالمعصوم. وأما ما دل على حرمة القول على الله سبحان بغير علم (* 1) فانما يقتضي حرمة الفتوى


(* 1) أما من الكتاب العزيز فكثير من الآيات. وأما من السنة فاحاديث كثيرة ارجع إلى بعضها في الوسائل باب: 4 من ابواب صفات القاضي.

[ 70 ]

[ وكذا من ليس أهلا للقضاء يحرم عليه القضاء بين الناس (1). ] من غير المجتهد لا من المجتهد الفاقد لبقية الشرائط. بل يشكل اقتضاؤه الحرمة في غير المجتهد إذا كانت فتواه تطابق فتوى مرجعه في العمل لان حجية فتواه كافية في صدق العلم بالحكم، فالفتوى - اعتمادا عليها - قول على الله بعلم. نعم لو اعتمد على رأيه الناقص، كان تشريعا منه في حجية رأيه، فيكون به آثما، لا أنه قول بغير علم. وإما لانها إغواء واضلال، لان تكليف المفتى له لزوم العمل بغيرها. ولكنه يشكل (أولا): بأنه لا يتم ذلك مع موافقتها لفتوي الجامع للشرائط. (وثانيا): بأن المفتي إذا كان عالما بالحكم ولو من جهة قيام الحجة عنده عليه تكون الفتوى موافقة لما دل على وجوب الاعلام، وعدم الحجية لا ينافي ذلك. نظير ما لو اخبر غير الثقة عند المخبر بثبوت الحكم الواقعي المعلوم لديه، فانه اخبار عن الحكم الواقعي ولا يكون إضلالا ولا اغواء أصلا. ولا سيما إذا قال المفتي - بعد أن أفتي بوجوب شئ -: أن فتواي ليست بحجة، وليس عليك العمل بها، وانما عليك العمل بفتوى فلان. فالمتحصل إذا: أنه لا دليل على حرمة الفتوي ممن فقد بعض الشرائط إلا إذا صدق عليها أنها فتوى بغير علم. وان كان الذي يظهر منهم - قدس سرهم - التسالم على إطلاق الحرمة. فراجع كلماتهم. (1) بلا إشكال فيه، ولا خلاف ظاهر. وفي المسالك: أنه موضع وفاق بين أصحابنا. وقد صرحوا بكونه إجماعيا انتهى. ويقتضيه ظهور النصوص والفتاوى في كونه من المناصب المختصة بالامام، على نحو لا يجوز لغيره التصدي له إلا باذنه. ففي رواية إسحاق بن عمار أنه قال أمير المؤمنين (ع) لشريح: " يا شريح قد جلست مجلسا لا يجلسه إلا نبي، أو وصي نبي،

[ 71 ]

[ وحكمه ليس بنافذ. ولا يجوز الترافع إليه (1). ولا الشهادة عنده (2). والمال الذي يؤخذ بحكمه حرام وان كان الآخذ محقا (3). ] أو شقي " (* 1). ورواية سليمان بن خالد عن أبي عبد الله (ع): " اتقوا الحكومة فان الحكومة إنما هي للامام العالم بالقضاء، العادل في المسلمين لنبي أو وصي نبي " (* 2). (1) وفي المسالك: " إن ذلك كبيرة عندنا ". ويقتضيه ما دل على حرمة الاعانة على الاثم (* 3)، وما دل على حرمة الامر بالمنكر (* 4) وفي مقبولة ابن حنظلة الواردة في التحاكم إلى السلطان وإلى القضاة قال (ع): " من تحاكم إليهم في حق أو باطل " فانما تحاكم إلى الطاغوت، وما يحكم له فانما يؤخذ سحتا وان كان حقا ثابتا له، لانه أخذه بحكم الطاغوت، وقد أمر الله تعالى أن يكفر به.. " (* 5)، ونحوها غيرها. (2) بلا إشكال ظاهر، لانها معاونة على الاثم إذا كانت بقصد فصل الخصومة، وإلا ففي صدق المعاونة على الاثم إشكال، بل لا يبعد عدم الصدق. وحينئذ يشكل تحريمها، إلا من باب الامر بالمعروف، على تقدير اجتماع شرائطه. (3) كما هو المعروف والمدعى عليه الاجماع. ويقتضيه صريح ما تقدم


(* 1) الوسائل باب: 3 من ابواب صفات القاضي حديث: 2. (* 2) الوسائل باب: 3 من ابواب صفات القاضي حديث: 3. (* 3) قال تعالى: (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان) - المائدة: 2 ووردت به أحاديث كثيرة ارجع إلى بعضها في الوسائل باب: 80 من ابواب جهاد النفس، وباب: 71، 72 من ابواب مقدمات التجارة (* 4) الوسائل باب: 1 من ابواب الامر بالمعروف حديث: 11، 12، 14 (* 5) الوسائل باب: 1 من ابواب صفات القاضي حديث: 4.

[ 72 ]

[ إلا إذا انحصر استنقاذ حقه بالترافع عنده (1). ] من مقبولة ابن حنظلة. واطلاقه يقتضي عدم الفرق بين الدين والعين، بل لعل ظاهر ما في صدرها من فرض التنازع في الدين أو الميراث ذلك، إذ حمل الميراث على ما كان دينا بعيد جدا. وعلى هذا فالتحريم المذكور من قبيل التحريم بالعنوان الثانوي، فيحرم التصرف فيه، كما يحرم التصرف في المغصوب. وحملها على مجرد العقاب في الاخذ - وان جاز التصرف في المأخوذ - خلاف الظاهر بلا موجب له. واستبعاد ذلك لا يجدي في رفع اليد عن ظاهر الدليل. نعم مورد الرواية المأخوذ بحكم السلطان والقضاة، فلا يعم المأخوذ بحكم غيرهم من فاقدي شرائط القضاء. اللهم إلال أن يستفاد العموم من التعليل بقوله (ع): " لانه أخذه بحكم الطاغوت.. " إذ الظاهر شمول الطاغوت لكل متصد للقضاء المحرم. فتأمل جيدا. هذا وقد يتوهم معارضة المقبولة بخبر ابن فضال في تفسير قوله تعالي: (ولا تأكلوا اموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام) (* 1) فكتب (ع) إليه بخطه: " الحكام القضاة " قال: ثم كتب تحته: هو أن يعلم الرجل أنه ظالم فيحكم له القاضي، فهو غير معذور في أخذ ذلك الذي حكم به إذا كان قد علم أنه ظالم " (* 2). ويدفعه - مع أن الخبر وارد في تفسير الآية الشريفة، لا في بيان موضوع الحرمة مطلقا، واعتبار الظلم في صدق الباطل لا ينافي عدم اعتباره في صدق الحرمة ولو بعنوان آخر: أنه لا يظهر منه أن المراد من القضاة قضاة الجور، فيمكن حمله على قضاة العدل ولو من جهة الجمع العرفي بينه وبين المقبولة. (1) فانه يجوز، كما عن جماعة منهم الشهيدان في الحواشي والمسالك.


(* 1) البقرة: 188. (* 2) الوسائل باب: 1 من ابواب صفات القاضي حديث: 9.

[ 73 ]

[ (مسألة 44): يجب في المفتي والقاضي العدالة (1). وتثبت العدالة (2) بشهادة عدلين، وبالمعاشرة المفيدة للعلم ] وعن الاكثر المنع، بل عن الروضة الاجماع عليه. وكأنه لاطلاق النصوص. ولكن لو سلم - ولم تتم دعوى الانصراف عن صورة الانحصار - فمحكوم بحديث نفي الضرر (* 1). ومنه يظهر الاشكال في الاستدلال على المنع بأن الترافع إعانة على الاثم، فانه مسلم، لكن حديث نفي الضرر حاكم عليه. وكذلك الاستدلال على المنع بأن الترافع إليه أمر بالمنكر، وهو حرام، فان دليل تحريمه محكوم أيضا لعموم نفي الضرر، لحكومته على جميع أدلة التكاليف مهما كانت. ويؤيد الجواز ما ورد من الحلف كاذبا بالله تعالى لدفع الضرر المالي (* 2). ثم إن مقتضى عموم نفي الضرر عدم الفرق بين صورة فقد وجود الجامع للشرائط، وصورة تعسر الوصول إليه، وصورة عدم نفوذ قضائه مطلقا أو على خصوص المدعى عليه، وصورة عدم إمكان إثبات الحق عنده، لفقد مقدمات الحكم لمن له الحق. نعم تختص بصورة العلم بالحق وجدانا، أو تعبدا، لقيام حجة عليه من اقرار أو بينة أو غيرهما، ولا تشمل صورة الجهل بالحق، لعدم ثبوت الضرر المالي كي ينفي بدليل نفيه. (1) أما في الاول قلما تقدم (* 3). وأما في القاضي فللاجماع. (2) قد تقدم الكلام في طرق ثبوتها (* 4). كما تقدم منه - قدس سره -


(* 1) راجع الوسائل باب: 16 من ابواب الخيار في كتاب البيع، وباب: 5 من كتاب الشفعة، وباب: 7، 12 من كتاب احياء الموات. (* 2) راجع الوسائل باب: 12، 42 من كتاب الايمان. (* 3) في المسألة: 22. (* 4) في المسألة: 23.

[ 74 ]

[ بالملكة، أو الاطمئنان بها، وبالشياع المفيد للعلم. (مسألة 45): إذا مضت مدة من بلوغه وشك بعد ذلك في أن أعماله كانت عن تقليد صحيح أم لا، يجوز له البناء على الصحة في أعماله السابقة (1) وفي اللاحقة يجب عليه التصحيح فعلا (2). (مسألة 46): يجب على العامي أن يقلد الاعلم في مسألة وجوب تقليد الاعلم أو عدم وجوبه (3)، ولا يجوز أن يقلد غير الاعلم إذا أفتى بعدم وجوب التقليد الاعلم. بل لو أفتى الاعلم بعدم وجوب تقليد الاعلم يشكل جواز الاعتماد عليه (4). فالقدر المتيقن للعامي تقليد الاعلم في الفرعيات. ] الاكتفاء بحسن الظاهر المفيد للظن. وتقدم وجهه واشكاله. فراجع. (1) كما سبق في المسألة الواحدة والاربعين. (2) بالرجوع إلى المجتهد الجامع للشرائط. ولا يجوز له البناء على صحة الاعمال اللاحقة المطابقة للاعمال الماضية من جهة تلازمهما في الصحة، لان أصل الصحة - سواء قلنا أنه من الامارات أم من الاصول - لا يثبت اللوازم العقلية لقصور دليله عن ذلك. فالمقام نظير ما لو شك في الطهارة بعد الفراغ من الصلاة فان قاعدة الفراغ الجارية في الصلاة لا تثبت جواز الدخول في الصلاة الثانية بلا طهارة. (3) فان جواز تقليد الاعلم وان كان متيقنا لا يحتاج إلى التقليد. لكن وجوبه وعدمه، بحيث يجوز تقليد غير الاعلم مشكوك، فلابد فيه من التقليد. (4) هذا الاشكال غير ظاهر، لاطلاق دليل التقليد الشامل المسألة

[ 75 ]

[ (مسألة 47): إذا كان مجتهدان أحدهما أعلم في احكام العبادات والآخر أعلم في المعاملات، فالاحوط تبعيض التقليد (1) كذا إذا كان أحدهما أعلم في بعض العبادات - مثلا - والآخر في البعض الآخر. (مسألة 48): إذا نقل شخص فتوى المجتهد خطأ يجب عليه إعلام من تعلم منه. وكذا إذا اخطأ المجتهد في بيان فتواه يجب عليه الاعلام (2). } المذكورة وعموم بناء العقلاء عليه. وإلا أشكل تقليد الحي في جواز البقاء على تقليد الميت - الذي قد سبق منه قدس سره الجزم به (* 1) مع أنه تقليد في حكم التقليد كمفروض المسألة. على أن وجوب تقليد الاعلم وعدمه، كجواز البقاء على تقليد الميت، من قبيل المسائل الفرعية، لعدم وقوعها في طريق استنباط الاحكام لتكون من المسائل الاصولية. (1) بل الاقوى، لما عرفت آنفا (* 2) من وجوب تقليد الاعلم ولو مع التبعيض، لعدم الفرق في بناء العقلاء عليه. (2) المستفاد من آية النفر الشريفة (* 3) وجوب الاعلام حيث يترتب عليه إحداث الداعي العقلي إلي العمل بالواقع الذي هو متعلق الاعلام لاختصاص الانذار بذلك، فإذا كان المكلف غافلا عن الحكم الكلي أو قاطعا بالخلاف، أو مترددا على نحو يكون جهله عذرا، وجب إعلامه، لما يترتب عليه من إحداث الداعي العقلي. وإذا كان جاهلا جهلا لا يعذر فيه لا يجب إعلامه. وكذا لو انحصر الاعلام بطريق الخبر الذي لا يكون


(* 1) في المسألة: 15. (* 2) في المسألة: 12. (* 3) تقدم ذكرها في شرح المسألة الثامنة.

[ 76 ]

حجة في نظر السامع فانه لا يجب لعدم ترتب الاثر المذكور. ولا تبعد استفادة ذلك أيضا مما تضمن أن الغرض من إرسال الرسل قطع اعذار المكلفين واقامة الحجة عليهم، مثل قوله تعالى: (أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير) (* 1) (لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل) (* 2) " فللله الحجة البالغة " (* 3) ونحوه. فتأمل. ثم إن الظاهر اختصاص هذا الصنف من الآيات بالحكم الالزامي، فإذا كان المجهول حكما غير الزامي لم يجب إعلامه. وأما آية الكتمان (* 4) فظاهرها وجوب الاظهار في مقام الاستعلام، سواء ترتب عليه الانذار أم لا، وسواء اكان الاستعلام بطريق السؤال - كما في المتردد إذا سأل عن الحكم - أم بمحض وجود الداعي إلى معرفة الحكم والعلم به وان كان غافلا عن ذلك، سواءا كان معتقدا لخلاف الواقع أم غافلا عنه، أم مترددا غافلا عن وجود من يجب سؤاله، أم غير ذلك من موارد وجود الرغبة النفسانية في معرفة الحكم، ولو لم تدفع إلى السؤال لوجود المانع. فيكون بين مفاد الآية الشريفة وما سبق العموم من وجه، ولعدم التنافي بين المفادين - لكونهما من قبيل المثبتين - يتعين العمل بهما معا. ولازم ذلك وجوب البيان مع السؤال وان لم يكن السائل معذورا في جهله. بل لعلها تقتضي وجوبه مع عدم اعتقاد السائل حجية الخبر، وقد عرفت عدم اقتضاء آية النفر وجوب الاعلام حينئذ.


(* 1) المائدة: 19. (* 2) النساء: 165. (* 3) الانعام: 149 (* 4) وهي قوله تعالى: (ان الذين يكتمون ما انزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب اولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون) البقرة: 159.

[ 77 ]

{ (مسألة 49): إذا اتفق في أثناء الصلاة مسألة لا يعلم حكمها يجوز له أن يبني على أحد الطرفين بقصد أن يسأل عن الحكم بعد الصلاة (1)، وانه إذا كان ما أتى به على خلاف الواقع يعيد صلاته، فلو فعل ذلك، وكان ما فعله مطابقا للواقع، لا يجب عليه الاعادة. ] وكيف كان ففي فرض المسألة، كما يجب على الناقل أو المفتي خطأ إخبار الجاهل، كذلك يجب على غيره من المكلفين، لعموم الادلة الدالة على وجوب الاعلام. نعم بناء على حرمة التسبيب إلى فعل الحرام يتأكد وجوب الاعلام بالنسبة إلى الناقل والمفتي خطأ، لاستناد عمل العامي إلي فعلهما. لكنه يختص بصورة الفتوى بإباحة الواجب، أو الحرام، ولا يطرد في غيرهما. مع أن الاستناد إلى الفتوى إنما يقتضى حرمتها لو كانت عمدا، والمفروض خلافه، وترك الاعلام الذى هو محل الكلام غير مستند إليه العمل. وأما ما دل على أن من أفتى الناس بغير علم لحقه وزر من عمل بفتواه (* 1)، فهو وان دل على وجوب الاعلام فطرة وعقلا على خصوص المفتي تخفيفا للوزر، لكنه مختص بالفتوى بخلاف الواقع عمدا، فلا يشمل ما نحن فيه. وسيأتي في بعض مباحث النجاسات (* 2) التعرض إلى قاعدة حرمة التسبيب فانتظر. (1) قد عرفت في المسألة السادسة عشرة صحة الصلاة مع المطابقة للواقع، ولو لم يكن المصلي قاصدا للسؤال وللامتثال على الوجه الصحيح على تقدير الخطأ، حتى مع قصد الاقتصار على بعض المحتملات. نعم لابد


(* 1) الوسائل باب: 4 من أبواب صفات القاضي حديث: 1 (* 2) في المسألة: 32 من فصل احكام النجاسات.

[ 78 ]

[ (مسألة 50): يجب على العامي في زمان الفحص عن المجتهد، أو عن الاعلم، أن يحتاط في أعماله (1). (مسألة 51): المأذون والوكيل، عن المجتهد في التصرف في الاوقاف أو في أموال القصر، ينعزل بموت المجتهد (2). بخلاف المنصوب من قبله، كما إذا نصبه متوليا للوقف أو قيما على القصر، فانه لا تبطل توليته وقيمومته على الاظهر (3). ] من الاتمام في الفرض برجاء الواقع، وإلا كان تشريعا محرما، فليحقه حكمه من البطلان في بعض صوره، حسبما حررناه في الاصول. (1) لعدم الامن من العقاب بدونه، ويكفي في الاحتياط الاخذ بأحوط القولين أو الاقوال. لكن في وجوب الاحتياط على العامي في صورة الفحص عن الاعلم تأمل، لاحتمال عموم دعوى الاتفاق على جواز التقليد للفرض، وان لم يحضرني عاجلا من ادعاه صريحا، فلابد من مراجعة كلماتهم. (2) لارتفاع الاذن بالموت، وبطلان الوكالة به إجماعا. (3) أقول: المجتهد الجاعل للولاية، (تارة): يجعلها عن نفسه للولي، بحيث تكون ولاية الولي من شؤون ولاية المجتهد الذي نصبه. (وأخرى): يجعلها عن الامام (ع) فتكون من شؤون ولاية الامام (ع) وان كان الجاعل لها المجتهد، بناء على أن له ولاية الجعل عنهم (ع). وما ذكره في المتن، يتم في الثانية لا في الاولى. وحينئذ فاللازم التفصيل بين الصورتين. إلا أن يقوم إجماع على خلافه، كما يظهر مما عن الايضاح من نفي الخلاف عن عدم انعزال الاولياء والقوام المجعولين من قبل المحتهدين

[ 79 ]

ولذلك قال في الجواهر في كتاب القضاء بعدما حكى ما عن الايضاح: " إن تم إجماعا فذلك، وإلا كان المتجه ما ذكرنا (يعنى: الانعزال) نعم لو كان النصب وكيلا أو وليا عن الامام، وكان ذلك جائزا له، لم ينعزل قطعا ". نعم قد يستشكل في صحة الصورة الاولى: بأن النيابة عن المجتهد إنما تصح لو كانت الولاية ثابتة للمجتهد بما هو في مقابل الامام، أما إذا كانت ثابتة له بما هو نائب عن الامام، فلا يصح منه جعلها لغيره بعنوان كونه نائبا عنه، إذ ليس لذاته موضوعية في الاثر المذكور، فلا معنى للنيابة عنه فيه، إذ لا معنى للاستخلاف عن شخص فيما ليس له. ولكن يدفعه: أن نيابة الولي عن المجتهد على الاول ليس في نفس الولاية بل في نيابته عن الامام في الولاية، فالمقام نظير ما لو كان في ذمة زيد واجب فاستناب فيه عمرا، فلما اشتغلت ذمة عمرو بالواجب المستناب فيه مات فاستناب وارثه بكرا عنه، فبكر ينوب عن عمرو في النيابة عن زيد بالواجب، لا أنه ينوب عن زيد بالواجب. وهكذا لو استناب بكر شخصا ثالثا - كخالد - فانه ينوب عن بكر في النيابة عن عمرو في النيابة عن زيد بالواجب. فإذا لا مانع ثبوتا من جعل المجتهد الولاية لشخص على كل من النحوين. نعم قد يشكل إثباتا جعلها على النحو الثاني، كما تقدمت الاشارة إليه في عبارة الجواهر المتقدمة، من جهة عدم ظهور دليل عليه، فان العمدة في ولاية الفقيه ما دل على كونه حاكما وقاضيا، وثبوت ذلك للحكام والقضاة الذين كانوا في عصر صدور النصوص المتضمنة لذلك غير ظاهر، والمتيقن ثبوتها على النحو الاول، فإذا جعلها المجتهد على النحو الثاني فالمرجع أصالة عدم ترتب الاثر. يدفع ذلك أن المرتكز في أذهان المتشرعة ويستفاد

[ 80 ]

[ (مسألة 52): إذا بقي على تقليد الميت من دون أن يقلد الحي في هذه المسألة كان كمن عمل من غير تقليد (1). ] من النصوص (* 1): أن منصب القضاء منصب نيابي، فجميع الوظائف التي يؤديها القاضي - من فصل خصومة ونصب قيم ونحو ذلك - يؤديه نيابة عن الامام، فمنصوبه منصوب الامام، ولا يقصد به كونه نائبا عن الامام أو عن المجتهد، ولازم ذلك البناء على عدم البطلان بالموت. مع أنه لو سلم كون منصوب المجتهد نائبا عنه فانعزاله بالموت غير ظاهر، لجواز كون نيابته من قبيل نيابة الوصي لا الوكيل الذي قام الاجماع على انعزاله بالموت. ثم لو بني على جواز الجعل لكل من النحوين، وأنه على التقدير الاول ينعزل بموت المجتهد، فشك في كيفية الجعل امتنع الاستصحاب، لتردد المجعول بين فردين معلوم الزوال ومعلوم البقاء، ولا أثر للجامع ليجري استصحابه. وأما استصحاب جواز التصرف فهو من الاستصحاب التعليقي المعارض بأصالة عدم ترتب الاثر، كما حقق في محله. (1) لان المراد من صحة التقليد كونه جاريا على الموازين العقلائية، وهذا المعنى مفقود في صورة الشك في جواز البقاء. وكذا في صورة الغفلة عن ذلك واعتقاده جواز البقاء، فانه وان كان معذورا في هذه الصورة عند العقل، لكنه لا يخرج عن كونه غير جار على الموازين العقلائية، لان جواز البقاء على تقليد الميت مشكوك، والغفلة عن ذلك لا تجعله صحيحا، كما لو غفل وقلد من لا يكون واجد للشرائط كالكافر والفاسق. كما أن كون رأي الحي جواز البقاء على تقليد الميت لا يجعله صحيحا، إذ لا يكون به جاريا على الموازين اللازمة في التقليد. نعم لو كان قد اجتهد في مسألة


(* 1) راجع الوسائل باب: 11 من ابواب صفات القاضي.

[ 81 ]

[ (مسألة 53): إذا قلد من يكتفي بالمرة مثلا في التسبيحات الاربع واكتفى بها، أو قلد من يكتفي في التيمم بضربة واحدة، ثم مات ذلك المجتهد فقلد من يقول بوجوب التعدد، لا يجب عليه اعادة الاعمال السابقة (1). ] جواز البقاء على تقليد الميت فأدى رأيه إلى ذلك كغيره من المجتهدين كان تقليده بذلك صحيحا. لان التقليد الصحيح لابد أن يكون من مباديه الاجتهاد لما عرفت آنفا من أن حجية التقليد لابد أن تنتهي إلى الاجتهاد، لئلا يلزم الدور أو التسلسل. وعلى هذا لا بأس باستثناء هذه الصورة من حكم المسألة لكن المنصرف من العبارة غيرها. (1) هذا إما مبني على اقتضاء موافقة الامر الظاهري للاجزاء. لكن المحقق في محله خلافه، لقصور أدلته عن إثبات ذلك، وإطلاق دليل الواقع محكم. أو على دعوى قيام الدليل عليه بالخصوص، وهو إما ظاهر الاجماع بل نسب إلى بعض دعوى صريح الاجماع بل الضرورة عليه. وفيه - مع أنه غير ثابت -: أن المحكي عن العلامة والعميدي (قدهما) دعوى الاجماع على خلافه. وإما لانه لولاه لم يبق وثوق بالفتوى. لكنه جار في كثير من موارد الاحكام الظاهرية التي يحتمل قيام أمارة في المستقبل على خلافها وإما لدعوى قيام السيرة عليه. نكنها؟ غير ثابتة أيضا. وإما لدعوى كونه مقتضى نفي العسر والحرج. لكنها غير مطردة في جميع فروض المسألة. وإما لان ما دل على جواز العدول أو وجوبه إنما دل عليه بالاضافة إلى الوقائع اللاحقة، إذ العمدة فيهما الاجماع أو أصالة التعيين في الحجية عند الدوران بينه وبين التخيير، وكلاهما لا يثبتان الحجية بالاضافة إلى الوقائع السابقة، لاهمال الاول فيقتصر فيه على القدر المتيقن، ولا سيما مع تصريح جماعة من الاعاظم بالرجوع في الوقائع السابقة إلى فتوى الاول وعدم وجوب

[ 82 ]

التدارك بالاعادة أو القضاء. ولورود استصحاب الاحكام الظاهرية الثابتة بمقتضى فتوى الاول في الوقائع السابقة على أصالة التعيين، لانها أصل عقلي لا يجرى مع جريان الاصل الشرعي. وبالجملة: استصحاب الحجية لفتوى الميت بالاضافة إلى الوقائع السابقة لا يظهر له دافع. نعم لو كان دليل حجية فتوي الحي بعينها دليلا لفظيا أمكن التمسك باطلاقه بالاضافة إلى جميع الوقائع لاحقة وسابقة. لكنه غير ظاهر، كما عرفت في مسألة جواز تقليد الميت. وكذا الحال في جميع الموارد التي يكون فيها العدول إلى مجتهد مخالف في الفتوي للمرجع في الزمان السابق إذا كان دليله لبيا لا يمكن التمسك باطلاقه بالاضافة إلى الوقائع السابقة، فان القدر المتيقن في حجية فتوى اللاحق لما كان خصوص الوقائع اللاحقة كان المرجع في الوقائع السابقة استصحاب الحجية لفتوى السابق بلا مانع. فإذا عرض للمجتهد ما يوجب فقده للشرائط فعدل المقلد إلى غيره المخالف له في الفتوي اقتصر في العدول على الوقائع اللاخقة لا غير. نعم لو كان العدول لاجل أعلمية المعدول إليه فوجوب العدول إليه يقتضى تدارك الاعمال السابقة، لاطلاق دليل حجية فتوى الاعلم حتى بناء العقلاء الشامل للاعمال السابقة كاللاحقة. أما في غير ذلك من موارد العدول فالحكم فيه كما تقدم. وكذلك الحكم لو عدل المجتهد عن الفتوى بالطهارة إلى الفتوي بالنجاسة مثلا، فان المقلد يجب عليه العمل بالفتوى اللاحقة في الوقائع المتجددة اللاحقة، ولا يجب عليه التدارك بالاعادة أو القضاء بالاضافة إلى الوقائع السابقة لعين الوجه المتقدم. اللهم إلا أن يقال: اعتراف المفتي بخطئه في فتواه الاولى مانع من صحة الاعتماد عليها من أول الامر، لان حجيتها مشروطة بعدم الاعتراف بالخطأ ولو بعد حين، فالفتوى التي يعلم بلحوق الاعتراف بالخطأ فيها ليست موضوعا لدليل الحجية ولا مشمولة لعمومه.

[ 83 ]

[ وكذا لو أوقع عقدا أو أيقاعا بتقليد مجتهد يحكم بالصحة ثم مات وقلد من يقول بالبطلان يجوز له البناء على الصحة (1). نعم فيما سيأتي يجب عليه العمل بمقتضى فتوى المجتهد الثاني. وأما إذا قلد من يقول بطهارة شئ - كالغسالة - ثم مات وقلد من يقول بنجاسته، فالصلوات والاعمال السابقة محكومة ] نعم لو كان العدول لنسيان المستند من دون اعتراف منه بخطئه واحتمل صحته كان استصحاب الحكم الظاهرى الثابت سابقا في محله. فتأمل جيدا. وأما حكم المجتهد نفسه بالاضافة إلى أعماله السابقة على العدول إلى خلاف ما أفتى به أولا، فالظاهر وجوب التدارك عليه، لان الدليل الدال في نظره على مضمون الفتوى اللاحقة لا فرق فيه بين الوقائع السابقة واللاحقة فمقتضى وجوب العمل به لزوم التدارك بالاعادة أو القضاء. ودليل الفتوى الاولى بعد نسيانه أو اعتقاده الخطأ فيه لا يصلح لاثبات صحة الاعمال السابقة كما هو ظاهر. هذا ومقتضى ما ذكرنا في وجه عدم لزوم التدارك في مفروض مسألة المتن: أنه لو كان عمل العامي في مدة من عمره بلا تقليد غفلة أو عمدا، فالمدار في صحة أعماله مطابقتها لفتوى من يجب الرجوع إليه حال العمل، لا حال الالتفات أو الندم، لحجية الفتوى السابقة في حقه دون اللاحقة. نعم لو فرض اختلاف الفتوى حال العمل، فلاجل عدم حجية إحدى الفتويين بعينها قبل الاختيار، يكون المدار في صحة العمل مطابقته لما يختاره من الفتويين ولو بعد العمل. أما مع فرض اتفاق الفتاوى حال العمل، أو انفراد المجتهد المفتي، فالمدار في صحة العمل مطابقته للفتوى حينه لا غير وان حدث الاختلاف في الفتوى بعد ذلك. (1) لا فرق في جميع ما ذكرنا بين العبادات والمعاملات. والتفصيل بينهما

[ 84 ]

[ بالصحة وان كانت مع استعمال ذلك الشئ. وأما نفس ذلك الشئ إذا كان باقيا فلا يحكم بعد ذلك بطهارته (1). وكذا في الحلية والحرمة، فإذا أفتى المجتهد الاول بجواز الذبح بغير الحديد مثلا، فذبح حيوانا كذلك فمات المجتهد وقلد من يقول بحرمته، فان باعه أو أكله حكم بصحته البيع واباحة الاكل، وأما إذا كان الحيوان المذبوح موجودا فلا يجوز بيعه ولا أكله، وهكذا. ] بوجوب التدارك في الثانية دون الاولى، بدعوى اختصاص الاجماع على عدم التدارك بها دون الثانية. ضعيف، لما عرفت من منع الاجماع، والمتعين العمل بما ذكرنا. والمتحصل منه أمور: (الاول): إذا عدل جوازا أو وجوبا لا يجب عليه تدارك الاعمال السابقة المخالفة لفتوى المعدول إليه إلا إذا كان أعلم. (الثاني): إذا عدل المجتهد عن فتواه إلى ما يخالفها عملا وجب على مقلديه تدارك الاعمال السابقة المخالفة للفتوى اللاحقة إذا كان يعترف بخطئه في الفتوى. (الثالث): ان حكم المجتهد نفسه لو عدل إلى ما يخالف فتواه وجب تدارك الاعمال السابقة المخالفة للمعدول إليها (الرابع) أن العامل بلا تقليد المدار في صحة عمله الموافقة للفتوى حين العمل، إلا إذا تعددت واختلفت فان المدار الموافقة للفتوى التى يختارها بعد ذلك (الخامس): أن الكلام في هذه الامور يطرد في العبادات والمعاملات على نسق واحد. (1) هذا غير ظاهر، فان طهارة الماء من آثار عدم انفعاله بملاقاة النجاسة في مقام التطهير، والملاقاة لما كانت سابقة كانت موردا لتقليد الاول لا الثاني. وكذا الحال في حلية لحم الحيوان المذبوح بغير الحديد،

[ 85 ]

فانها من آثار تذكيته بغير الحديد، وهي واقعة سابقة يكون المرجع فيها فتوى الاول وتترتب عليها أحكامها، فلا فرق بين الزوجة المعقود عليها بالفارسية التي تبقى على الحلية بعد العدول إلى الثاني، لان حليتها من آثار صحة العقد بالفارسي الواقع في حال تقليد الاول، وبين المثالين المذكورين. وكذا لو قلد الاول في تطهير الثوب والبدن بالماء مرة، ثم بعد وقوع التطهير قلد الثاني، فان الطهارة في حال تقليد الثاني من آثار التطهير السابق، فهو واقعة سابقة يرجع فيها إلى تقليد الاول، وهكذا الحال في أمثال ذلك من الموارد. والمعيار: أن الاثر الثابت حال تقليد الثاني ان كان من آثار السبب الواقع في حال تقليد الاول فالعمل فيه على تقليد الاول، وان كان من آثار أمر حاصل حين تقليد الثاني فالعمل فيه عليه لا على تقليد الاول. مثلا لو كان عنده مسكر فافتى له الاول بطهارته فرتب عليه أحكام الطهارة ثم مات فقلد من يقول بنجاسته وجب عليه اجتنابه، لان الحكم المذكور من آثار ذاته الحاضرة، بخلاف حلية الزوجة المعقود عليها بالفارسية سابقا، أو اللحم المذبوح حيوانه بغير الحديد، أو الثوب الذي طهره سابقا بالماء مرة، أو الماء الملاقي للنجس في مقام التطهير أو نحو ذلك، فان الجميع يرجع فيها إلى فتوى الاول، لاستنادها إلى أمر سابق صحيح في نظر الاول وقد قلده فيه، ولا فرق في الواقعة السابقة بين سببية شئ وعدمها، واشتغال ذمة وفراغها وحصول امتثال وعدمه. فلاحظ وتأمل. (تنبيه): قد تقدم في المسألة الاحدى والاربعين أنه إذا شك في صحة التقليد بنى على الصحة، وذكرنا هناك أن جريان أصل الصحة مبني على اعتبار صحة التقليد في الاجزاء ظاهرا بعد العدول. وهذا المبنى لا يتم بناء على ما ذكرنا، لان حجية الفتوى الاولى بالاضافة إلى الاعمال السابقة

[ 86 ]

[ (مسألة 54): الوكيل في عمل عن الغير - كاجراء عقد أو ايقاع أو إعطاء خمس أو زكاة أو كفارة أو نحو ذلك - يجب أن يعمل بمقتضى تقليد الموكل لا تقليد نفسه (1) إذا كانا مختلفين. وكذلك الوصي في مثل ما لو كان وصيا في استيجار الصلاة عنه يجب أن يكون وفق فتوى مجتهد الميت. ] حتى بعد العدول لم يشترط فيها التقليد. وحينئذ لو شك في صحة التقليد السابق، فان رجع إلى الشك في حجية الفتوى التي يطابقها العمل وجب عليه الفحص عن ذلك ليحرز الاجتزاء به ظاهرا. ولا مجال لاجراء أصالة الصحة، لعدم كونها موضوعا لاثر عملي. وان رجع إلى الشك في صحة المقدمات التي اعتمد عليها عند التقليد - مثل صحة البينة القائمة على عدالة المجتهد أو اجتهاده أو نحو ذلك - فلا أثر للشك المذكور بعد أن أحرز بعد العدول شرائط الحجية (بالجملة): المدار في عدم وجوب التدارك حجية الفتوى السابقة التي كان العمل على طبقها، سواء أكان اعتمادا عليها أم لا وسواء أكان اعتماده على حسب الموازين أم لا. فلاحظ. (1) لا ينبغي التأمل في أن إطلاق الوكالة يقتضي ايكال تطبيق العمل الموكل عليه إلى نظر الوكيل، فإذا وكله على شراء فرس بدرهم، وكان نظر الوكيل أن المطابق لمفهوم شراء الفرس بالدرهم هو كذا، كان موضوعا للتوكيل ونافذا في نظره. نعم إذا اتفق التفات الموكل إلى الاختلاف في التطبيق فقد يشكل ذلك من جهة أن نظر الموكل مانع من عموم التوكيل لمورد الاختلاف. ويدفعه: أنه وان كان يمنع من عمومه بنظر الموكل تفصيلا، لكن لا يمنع من عمومه إجمالا، وهو كاف في جواز العمل. مثلا إذا وكله في أن يعقد له على امرأة، وكان الموكل يعتقد فساد العقد بالفارسية والوكيل يعتقد صحته، فان موضوع الوكالة وهو العقد الصحيح باطلاقه الاجمالي ينطبق على

[ 87 ]

العقد بالفارسية وان كان لا ينطبق باطلاقه التفصيلي بنظر الموكل. نعم إذا كانت قرينة على تقييد الوكالة بالعمل بنظر الموكل، أو كان ما يصلح أن يكون قرينة على ذلك، لم يصح عمل الوكيل بنظره المخالف لنظر الموكل، وان لم يكن كذلك فاطلاق التوكيل يقتضي جواز عمل الوكيل بنظره، ومجرد التفات الموكل إلى الاختلاف غير كاف في تقييد إطلاق التوكل، ففي مقام الاثبات لا مانع من الاخذ بالاطلاق إذا تمت مقدمات الحكمة. وكذلك الكلام في الوصي إذ هو كالوكيل من هذه الجهة، فان الوصاية استنابة في التصرف بعد الممات، والوكالة استنابة في حال الحياة. وأما المتبرع عن الغير في عبادة - كصلاة وصوم - أو غير عبادة - كوفاء دين - فلا ينبغي التأمل في جواز عمله بنظره حتى مع التفات المتبرع عنه إلى خطأ المتبرع في التطبيق، ومنعه عن العمل، لان عمل المتبرع ليس منوطا بأمر المتبرع عنه، ولا باذنه، وإنما هو منوط بحصول الجهات المصححة للتبرع، فإذا علم بحصولها صح منه التبرع وان كان يخالفه المتبرع عنه ويحطؤه بنظره التفصيلي. وأما الاجير على عمل فيجوز أن يستأجر على العمل بنظره، كما يجوز؟ أن يستأجر على العمل بنظر المستأجر، وعلى العمل بنظر شخص ثالث وان كان نظرهما مخالفا لنظره، لانه يكفي في صحة الاجارة ترتب أثر عقلائي على العمل، وكل ذلك مما يترتب عليه أثر عقلائي ولو كان هو الفراغ الاحتياطي. نعم مع علم الاجير ببطلان العمل العبادي لا تصح الاجارة، لعدم القدرة على التقرب. أما إذا لم يكن العمل عبادة يكون الاجير قادرا على العمل حتى مع اعتقاد البطلان، وكذا لو كان عبادة مع احتمال كونه موضوعا للامر. حينئذ لا مانع من صحة الاجارة إذا كان يترتب عليه تفريغ ذمة المنوب عنه احتياطا ولو بنظر المستأجر. حتى لو كان الاجير

[ 88 ]

[ (مسألة 55): إذا كان البائع مقلدا لمن يقول بصحة المعاطاة مثلا، أو للعقد بالفارسي، والمشتري مقلدا لمن يقول بالبطلان، لا يصح البيع بالنسبة إلى البائع أيضا، لانه متقوم بطرفين (1) فاللازم أن يكون صحيحا من الطرفين. وكذا في كل عقد كان مذهب أحد الطرفين بطلانه، ومذهب الاخر صحته. ] يعتقد عدم ترتب الاثر المذكور عليه، فان أمان المستأجر من الخطر كاف في كونه أثرا مصححا للاجارة وأخذ الاجرة. هذا حال الاجارة في مقام الثبوت، أما في مقام الاثبات فان كانت فرينة على تقييد العمل بنظر شخص معين تعين العمل عليها، وإلا كان مقتضى اطلاق الاجارة العمل بنظر الاجير على نحو ما تقدم في الوكيل. ومن ذلك تعرف حكم الوصي عن الميت في الاستنابة عنه في صلاة أو صيام فانه إن كانت قرينة على تقييد الوصية بالعمل بنظر شخص معين فالعمل عليها، وإلا كان مقتضى اطلاقها الاستنابة في العمل المطابق لنظر الوصي. وكذلك الحال في الوكيل عن الحي في الاستنابة عنه في العبادات التي تجوز فيها النيابة عن الحي فان مقتضي اطلاق التوكيل أن يكون عمل الاجير صحيحا بنظره لا بنظر الاجير ولا بنظر الاصيل. ومن ذلك تعرف الاشكال في بعض الحواشي على المقام. (1) هذا غير ظاهر، فان وجود العقد وان كان متقوما بالطرفين، كما أن حكمه الواقعي في مقام الثبوت متقوم بهما أيضا، فلا يكون إلا صحيحا للمتعاقدين معا أو فاسدا كذلك، إلا أن حكمه الظاهري يمكن التفكيك فيه بين الطرفين فيكون صحيحا في حق أحدهما فاسدا في حق

[ 89 ]

[ (مسألة 56): في المرافعات اختيار (1) تعيين الحاكم بيد المدعي، إلا إذا كان مختار المدعى عليه أعلم. بل مع وجود الاعلم وامكان الترافع إليه الاحوط الرجوع إليه مطلقا. ] الآخر، كما أنه يمكن اختلافه بالنظر فيكون صحيحا بنظر أحدهما فاسدا بنظر الآخر وتختلف الآثار بالنسبة اليهما. ولا مانع من مثل هذا التفكيك فان الماء الواحد يمكن أن يكون طاهرا في حق أحد المكلفين ونجسا في حق الآخر. نعم ربما يؤدي ذلك إلى النزاع والمخاصمة فيتعين الرجوع إلى الحاكم في حسمهما. (1) الكلام (تارة): في صورة تساوي الحكام في الفضيلة، (وأخرى): في صورة اختلافهم، وكل منهما إما يكون الخصمان فيها مدعيا ومنكرا أو متداعيين. ففي الاول من الاولى لا اشكال عندهم في كون الاختيار بيد المدعي وفي المستند: دعوى الاجماع عليه. وهو العمدة فيه، المعتضد بالاجماع على أنه لو رفع أحد الخصمين أمره إلى الحاكم فطلب الحاكم الخصم الآخر وجب عليه الاجابة، وهذا لا يطرد في المنكر، لانه لو رفع امره إلى الحاكم لا يسمع منه انكاره، وان طلب تخليصه من دعوى المدعي لا تجب على الحاكم اجابته. هذا وقد استدل على الحكم المذكور بأن المدعي له الحق. فان كان المقصود منه الاشارة إلى الاجماع المذكور فهو، وإلا توجه عليه الاشكال: بأن المراد من الحق ان كان الحق المدعى فهو غير ثابت، وان كان حق الدعوى فهو لا يوجب كون اختيار الحاكم له. وفي الثاني من الاولى لا يكون الاختيار لواحد معين منهما، بل إذا سبق احدهما إلى رفع امره إلى الحاكم فحكم له نفذ حكمه. ولو رفعا امرهما إلى حاكمين ينفذ حكم من سبق بالحكم. لدخوله تحت أدلة النفوذ بلا مانع.

[ 90 ]

ولو اقترنا لم ينفذ أحدهما، لعدم المرجح، ونفوذهما معا ممتنع للتنافي. وفي كفاية سبق حضور أحدهما عند الحاكم في تعينه إشكال، والاظهر عدمه لعدم الدليل عليه. نعم وجوب طلب الحاكم لغير الحاضر ووجوب اجابته عليه يقتضي تقديم الحاكم الذي يسبق الحضور عنده بعد الطلب، لا تقديم الحاكم بمجرد الحضور عنده وان لم يطلب لعذر. وأما الصورة الثانية بقسميها: فالمشهور المدعى عليه الاجماع وجوب الرجوع إلى الاعلم، لما في مقبولة ابن حنظلة من قوله: " فان كان كل واحد اختار رجلا من أصحابنا فرضيا أن يكونا الناظرين في حقهما واختلفا فيما حكما وكلاهما اختلفا في حديثكم. فقال (ع): الحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما وأصدقهما في الحديث وأورعهما.. " (* 1). لكن موردها صورة اختلاف الحكمين، والتعدي عنه إلى غيرها محتاج إلى قرينة مفقودة. بل هو خلاف ظاهر اطلاق ما في صدر الرواية فالعمل عليه متعين. ولا سيما وأن البناء على الترجيح بذلك يستدعي الترجيح بغيره من المرجحات المذكورة في رتبة المرجح المذكور وفي غيرها من الرتب، وهو مما لم يلتزم به أحد. نعم إذا كانت الشبهة حكمية وكان الاعلم قد تعين تقليده على المتخاصمين وجب الترافع عنده، لما عرفت من وجوب تقليد الاعلم. أما إذا كانت الشبهة موضوعية، أو كان الخصمان مجتهدين، أو مقلدين لمن هو أعلم منه مع الاتفاق في الفتوي، جاز الترافع إلى غير الاعلم. وبالجملة: ما دام لم يلزم من رفع المدعي أمره إلى غير الاعلم مخالفة لفتوى الاعلم الحجة لا مانع من الرجوع إلى غير الاعلم ويجب على الخصم متابعته. بل بناء على ما يأتي - من حجية الحكم بنحو يجوز نقض الفتوى به، ومن وجوب سماع الدعوى غير الجازمة يجوز لمن يقلد الاعلم في عدم


(* 1) الوسائل باب: 9 من أبواب صفات القاضي حديث: 1.

[ 91 ]

[ (مسألة 57): حكم الحاكم الجامع للشرائط لا يجوز نقضه (1) ] استحقاق الحبوة أن يدعي الاستحقاق عند من يرى استحقاقها فإذا حكم له بها جاز له أخذها وان كان مذهب مقلده عدم جواز أخذها، لان حكم الحاكم مقدم في الحجية على الفتوى. فلاحظ. (1) كما لعله المشهور، وفى الجواهر: " لما هو المعلوم بل حكى عليه الاجماع بعضهم من عدم جواز نقض الحكم الناشئ عن اجتهاد صحيح باجتهاد كذلك، وانما يجوز نقضه بالقطعي من اجماع أو سنة متواترة أو نحوهما ". وكأنه لما في مقبولة ابن حنظلة من قوله (ع): " فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه فانما استخف بحكم الله وعلينا رد، والراد علينا الراد على الله تعالى، وهو على حد الشرك بالله " (* 1). لكن أطلق جماعة جواز النقض عند ظهور الخطأ، ففي الشرائع: " كل حكم قضى به الاول وبان للثاني فيه الخطأ فانه ينقضه، وكذا لو حكم به ثم تبين الخطأ، فانه يبطل الاول ويستأنف الحكم بما علمه "، ونحوها ما في القواعد والارشاد. فيحتمل أن يكون مرادهم صورة العلم بوقوع الخطأ فيه، سواء أعلم بخطأ للواقع أم بخطأه في طريق الواقع وان احتمل موافقته للواقع. ولعله مقتضى اطلاق العبارة. وحملها بعضهم على ما إذا كان الحكم ناشئا عن اجتهاد غير صحيح. واحتمل في الجواهر حملها على ما إذا تراضى الخصمان بتجديد الدعوى عند حاكم آخر. لكن كلا من الحملين مشكل، فان الثاني خلاف اطلاق ما دل على حرمة رد الحكم ووجوب تنفيذه، الشامل لصورة تراضي الخصمين برده، وليس هو من حقوق المحكوم له، كي يكون منوطا برضاه وعدمه. والاول مبني على


(* 1) الوسائل باب: 11 من ابواب صفات القاضي الحديث: 1.

[ 92 ]

أن الحكم الصادر عن اجتهاد صحيح حكم بحكمهم (ع) دون غيره، وهو غير ظاهر مع ثبوت الخطأ في الاستناد - كما إذا حكم اعتمادا على بينة غير عادلة مع اعتقاد عدالتها، أو على رواية اعتقد ظهورها في الحكم مع عدم ظهورها لدى الحاكم الآخر - أو ثبوت الخطأ في المستند - كما إذا اعتمد على ظاهر رواية لم يعثر على قرينة على خلافه وقد عثر عليها الحاكم الآخر، أو على بينة تزكي الشهود مع علم الحاكم الثاني بفسقهم ونحو ذلك - فان القضاء الصادر من الحاكم وان كان عن مبادئ مشروعة واجتهاد صحيح إلا أنه مخالف للواقع في نظر الحاكم الثاني، لقيام حجة عنده على الخلاف وحينئذ لا يكون حكما بحكمهم (ع). وبالجملة: الحكم الصادر من الحاكم الجامع لشرائط الحكم الصادر عن اجتهاد صحيح وان كان طريقا شرعا إلى الواقع لكل أحد، لكن كما يسقط عن الطريقية عند العلم بمخالفته للواقع، كذلك يسقط عن الطريقية عند العلم بوقوع الخطأ في طريقه وفي مباديه وقيام الحجة على خلافه، وان احتمل موافقته للواقع. وعلى هذا فاطلاق ما ذكره الجماعة من جواز نقض الحكم مع وقوع الخطأ فيه في محله. اللهم إلا أن يقال قوله (ع): " فإذا حكم بحكمنا " ولا يراد منه الحكم الواقعي الالهي، لان لازمه عدم وجوب تنفيذ الحكم مع الشك في كونه كذلك لعدم احراز قيد موضوعه. وكذا مع العلم، لان العلم حينئذ حجة، ولا معنى لجعل حجية الحجم حينئذ، بل المراد منه الحكم الواقعي بنظر الحاكم، فيكون النظر موضوعا لوجوب التنفيذ، فالمعنى أنه إذا حكم بما يراه حكمهم (ع) وجب قبوله وحرم رده. ومقتضى اطلاقه وجوب القبول ولو مع العلم بالخطأ في مباديه. نعم ينصرف عن الحكم الجاري على خلاف موازين الاستنباط عمدا أو سهوا أو نسيانا، ويبقى غيره داخلا في

[ 93 ]

عموم الدليل وان علم فيه الخطأ في بعض المبادئ الذي يكثر وقوعه من المجتهدين، ولذا وقع الاختلاف بينهم في كثير من المسائل. نعم قد يشكل ذلك: بأن الارتكاز العقلائي في باب الحجية يساعد على اعتبار عدم العلم بالخطأ فيها، فمعه تنتفي الحجية. ويدفعه: أن حجية الحكم ليست من قبيل حجية الخبر عن حس أو حدس، بل فيه نحو من الموضوعية وشبه بها لانه منصب وولاية، فحكم الحاكم نظير حكم الوالي والامير واجب الاتباع ولو مع العلم بالخطأ ما دام يحتمل موافقته للواقع. وبالجملة: فرق واضح - في نظر العرف - بين جعل قول المجتهد: " حكمت بأن هذا نجس " حجة، وجعل قوله: " هذا نجس " حجة، فانه مع العلم بالخطأ في طريق الاول لا يسقط عن الحجية، وفي الثاني يسقط وان شئت قلت: مقتضى إطلاق ما دل على نفوذ الحكم نفوذه مطلقا على نحو الموضوعية. لذا صرح المصنف (ره) في قضائه (* 1) - تبعا لما في الجواهر - بوجوب تنفيذ الحكم وان كان مخالفا لدليل قطعي نظري كاجماع استنباطي وخبر محفوف بقرائن وامارات قد توجب القطع مع احتمال عدم حصوله للحاكم الاول. انتهى. وهذا لا يتم إلا على السببية المحضة والموضوعية للصرفة وإلا فلا معنى لجعل الطريقية في ظرف العلم بالخلاف أو الوفاق، فكيف يكون الحكم حجة مع القطع بخلافه؟. وان كان الالتزام بذلك صعبا جدا، لانه حكم بخلاف ما أنزل الله تعالى فكيف يحتمل وجوب قبوله وحرمة دره، ويكون الراد عليه الراد على الله تعالى، وأنه على حد الشرك بالله تعالى؟!. وفي صحيح هشام بن الحكم: " قال رسول الله صلى الله عليه وآله. إنما أقتضي بينكم بالبينات والايمان، وبعضكم


(* 1) راجع المسألة: 32 من الفصل الاول من كتاب القضاء.

[ 94 ]

ألحن بحجته من بعض، فأيما اقتطعت له من مال أخيه شيئا فانما قطعت له به قطعة من النار " (* 1). فان هذا صريح في عدم موضوعية للحكم. ومورده وان كان الشبهات الموضوعية، لكن دليل وجوب القبول وحرمة الرد إذا حمل على الطريقية في الشبهات الموضوعية لابد أن يحمل عليها في الشبهات الحكمية، لعدم امكان التفكيك عرفا بين الموردين في الدليل الواحد، فيتعين حمل الدليل على الطريقية والحجية. ولاجل أنه يمتنع جعل الطريقية في ظرف العلم بالواقع يمتنع العمل بالدليل مع العلم بمخالفة الحكم للواقع. أما مع احتمال الموافقة للواقع فيجب العمل بدليل حجيته وان علم بوقوع الخطأ في طريقه، لما عرفت من أنه سنخ آخر في قبال سنخ الخبر والفتوى، ولم يثبت عند العقلاء قدح مثل هذا العلم بالخطأ في الحجية عندهم على نحو يكون كالقرينة المتصلة التي يسقط بها اطلاق المطلق، فالعمل بالاطلاق متعين. فان قلت: سلمنا عموم دليل الحجية لجميع صور احتمال الموافقة للواقع حتى مع العلم بالخطأ في الاستناد، أو المستند، أو قيام حجة على خلافه، لكن العموم المذكور المعارض بدليل حجية الحجة القائمة على الخلاف، فما الوجه في تقديم دليله على دليل تلك الحجة؟ قلت: مورد دليل حجيته - وهو مقبولة ابن حنظلة - صورة التنازع في الميراث، الظاهر في التنازع في الحكم الكلي على وجه الجزم، وهو إنما يكون مع الحجة، فلو بني على العمل بالحجة في مقابل الحكم لزم تخصيص المورد وهو غير جائز، فيتعين البناء على الاخذ بالحكم ورفع اليد عن الحجة. نعم مقتضى اطلاق مورد المقبولة العموم لصورة العلم بالخلاف. لكن يجب الخروج عن الاطلاق في الصورة المذكورة بقرينة امتناع جعل


(* 1) الوسائل باب: 2 من ابواب كيفية الحكم من كتاب القضاء حديث: 1.

[ 95 ]

[ ولو مجتهد آخر، إلا إذا تبين خطؤه (1). (مسألة 58): إذا نقل ناقل فتوى المجتهد لغيره، ثم تبدل رأي المجتهد في تلك المسألة، لا يجب على الناقل إعلام من سمع منه الفتوى الاولى، وان كان أحوط. بخلاف ما إذا تبين له خطؤه في النقل، فانه يجب عليه الاعلام (2) ] الحجية في صورة العلم بالخلاف. هذا والمتحصل مما ذكرنا: أن الحكم إذا كان معلوم المخالفة للواقع لا يجوز الاخذ به، ومتى كان محتمل الموافقة للواقع يجوز الاخذ به، بل يجب سواء أعلم بالخطأ في طريق ذلك الحكم في الاستناد أو المستند أم لا، وسواء أقامت حجة على خلافه أم لا. نعم إذا كان الخطأ ناشئا عن تقصير في الاجتهاد عمدا أو سهوا، بحيث كان جاريا على خلاف الموازين اللازمة في الاجتهاد، فلا يجوز العمل به، لانصراف دليل حجيته عن مثل ذلك. نعم يشكل ذلك بأن لازمه أن لو كان المختصمان عالمين بالواقع لا مجال لحكم الحاكم، مع قيام الاجماع على فصل الخصومة به. ويدفعه: أن الاجماع المذكور هو المستند لا المقبولة ونحوها، بل ما في ذيل المقبولة من الرجوع إلى المرجحات ظاهر في اختصاصها بصورة عدم العلم بالواقع. (1) بناء على ما عرفت منا لا يصح هذا الاستثناء، إلا إذا حمل على تبين خطأ المجتهد في مخالفة الواقع تبينا علميا. وبناء على ما ذكره المصنف (ره) - تبعا لصاحب الجواهر - لا يصح إلا إذا حمل على تبين الخطأ على نحو لا يكون الاجتهاد صحيحا. (2) الظاهر أن هذا التفصيل بين الفرضين مبني على حرمة التسبيب إلى الوقوع في الحرام، وكون الفرض الثاني منه دون الاول. وقد تقدم الكلام في ذلك في المسألة الثامنة والاربعين فراجع.

[ 96 ]

[ (مسألة 59): إذا تعارض الناقلان في نقل الفتوى تساقطا (1). وكذا البينتان. وإذا تعارض النقل مع السماع من المجتهد شفاها قدم السماع (2). وكذا إذا تعارض ما في الرسالة مع السماع (3). وفي تعارض النقل مع ما في الرسالة قدم ما في الرسالة (4) ] (1) لاصالة التساقط في المتعارضين. لكن عرفت فيما سبق تقريب عموم أدلة الترجيح والتخيير للمقام. فلاحظ المسألة العشرين. هذا مع العلم بعدم العدول، فلو احتمل وكان التاريخ مختلفا تعين العمل بالمتأخر. وكذا الكلام فيما يأتي من صور التعارض. (2) لان النقل طريق إلى السماع، فالعمل بالسماع يستوجب العلم بمخالفته للواقع. هذا مع وحدة التاريخ، وأما مع اختلافه وعدم احتمال العدول، فانه وان كان التعارض - بدوا - حاصلا بينهما. لكن العرف يقدم السماع على النقل. بل يمكن دعوى انصرف دليل الحجية عن مثله. (3) إذا لم تكن الرسالة بخط المجتهد كان الفرض راجعا إلى الفرض السابق، لان الكاتب للرسالة بمنزلة المخبر عن المجتهد، ولو بواسطة حكاية الكاتب عن خط المجتهد الحاكي عن قوله. وأما إذا كانت الرسالة بخط المجتهد فيشكل الترجيح، لان الخط حاك عن الفتوى، فيكون التعارض قائما بين خطه وقوله، وأصالة عدم الخطأ فيهما على حد واحد. نعم لو ثبت عند العقلاء ترجيح الاوثق منهما كان العمل عليه أيهما كان. وكذا في الفرض الآتي. (4) إن كانت الرسالة بخطه كان الفرض نظير تعارض السماع والنقل لان الخط بمنزلة القول. وان كانت بغير خطه كان من قبيل تعارض النقلين فيجري عليه حكمه.

[ 97 ]

[ مع الامن من الغلط (1). (مسألة 60): إذا عرضت مسألة لا يعلم حكمها، ولم يكن الاعلم حاضرا فان أمكن تأخير الواقعة إلى السؤال وجب ذلك (2)، وإلا فان أمكن الاحتياط تعين (3)، وان لم يمكن يجوز الرجوع إلى مجتهد آخر الاعلم فالاعلم، وان لم يكن هناك مجتهد آخر، ولا رسالته، يجوز العمل بقول المشهور بين العلماء (4)، إذا كان هناك من يقدر على تعيين ] (1) يعني: بالمقدار اللازم في جريان أصالة عدم الخطأ. ويحتمل أن يكون المراد الوثوق التام، ويكون هو الوجه في الترجيح على النقل، لعدم حصول ذلك فيه. (2) قد عرفت في اوائل المبحث أنه لا مانع من العمل بالاحتياط حتى مع التمكن من الامتثال التفصيلي، وعليه فلا يجب التأخير إلا حيث يتعذر الاحتياط. (3) هذا مبني على عدم عموم الاجماع على عدم لزوم الاحتياط على العامي مع امكان التقليد للمقام، وإلا جاز له الرجوع إلى غير الاعلم. وعلى عدم اطلاق يدل على حجية الفتوى، وإلا تعين العمل به بالنسبة إلى فتوى غير الاعلم مع عدم العلم بالمخالفة للاعلم تفصيلا أو اجمالا، كما أشرنا إلى ذلك في مبحث وجوب الفحص عن الاعلم. فراجع المسألة الثانية عشرة. فكأن موضوع كلام المصنف (ره) صورة العلم بالاختلاف، وأن الاجماع على جواز الرجوع إلى غير الاعلم مختص عنده بصورة تعذر الاحتياط. (4) كما تقتضيه مقدمات الانسداد الجارية في الواقعة الخاصة المقتضية للاخذ بالظن الاقوى فالاقوى، فلو بني على عدم تماميتها جاز عقلا الاخذ

[ 98 ]

[ قول المشهور. وإذا عمل بقول المشهور، ثم تبين له بعد ذلك مخالفته لفتوى مجتهده فعليه الاعادة أو القضاء (1)، وإذا لم يقدر على تعيين قول المشهور يرجع إلى أوثق الاموات، وان لم يمكن ذلك أيضا يعمل بظنه، وان لم يكن له ظن بأحد الطرفين يبني على أحدهما. وعلى التقادير بعد الاطلاع على فتوى المجتهد ان كان عمله مخالفا لفتواه فعليه الاعادة أو القضاء. (مسألة 61): إذا قلد مجتهدا ثم مات، فقلد غيره ثم مات، فقلد من يقول بوجوب البقاء على تقليد الميت أو جوازه، فهل يبقى على تقليد المجتهد الاول أو الثاني؟ الاظهر الثاني (2)، والاحوط مراعاة الاحتياط. ] بأحد المحتملات على التخيير. وكذا الحال في الرجوع إلى أوثق الاموات وما بعده. (1) بناء على أن مقدمات الانسداد الجارية في الواقعة إنما تقتضي حجية الظن بنحو الحكومة لا الكشف، وإلا جرى ما تقدم في المسألة الثالثة والخمسين، وكذا الحال في صورة الرجوع إلى غير الاعلم، فانه لو بني على حجية فتواه شرعا - ولو بتوسط مقدمات الانسداد بناء على الكشف - كان الحكم ما تقدم في مسألة المذكورة. أما بناء خلاف ذلك، فيتعين التدارك بالاعادة أو القضاء. (2) لان تقليد الاول قد انقطع بتقليد الثاني المفروض الصحة، فالرجوع إلى الاول بعد تقليد الثاني ليس من البقاء على التقليد، بل هو من التقليد الابتدائي، فان كان رأي الثالث وجوب البقاء تعين البقاء على تقليد الثاني وإذا كان رأيه جواز البقاء وجواز العدول تخير المكلف بين البقاء

[ 99 ]

[ (مسألة 62): يكفي في تحقق التقليد أخذ الرسالة والالتزام بالعمل بما فيها (1)، وان لم يعلم ما فيها ولم يعمل فلو مات مجتهده يجوز له البقاء. وان كان الاحوط مع عدم العلم، بل مع عدم العمل ولو كان بعد العلم، عدم البقاء ] على تقليد الثاني والعدول إلى الثالث. هذا بناء على ما تقدم في المسألة الثالة والخمسين من عدم انتقاض التقليد الصحيح الواقع في زمان بتقليد مجتهد آخر في زمان لاحق، لعدم حجية رأي المجتهد اللاحق بالاضافة إلى الوقائع السابقة المطابقة لرأي المجتهد في ذلك الزمان. أما بناء على الانتقاض، فان كان رأي المجتهد الثالث وجوب البقاء على تقليد الميت، تعين على المكلف البقاء على تقليد الاول لان عدوله السابق إلى الثاني - بعد موت الاول - في غير محله في نظر المجتهد الثالث. وان كان رأيه جواز العدول وجواز البقاء جاز للمكلف البقاء على تقليد الثاني، والعدول إلى الثالث. وان كان رأيه وجوب العدول تعين العدول من الثاني إليه. وعلى هذا ما استظهره المصنف (ره) مبني على ما تقدم منه في المسألة الثالثة والخمسين. (1) قد عرفت أن أخذ الرسالة والالتزام، ونحوهما، مما لا يرتبط بالتقليد، بل ليس هو إلا العمل اعتمادا على فتوى المجتهد. كما لا ينبغي التأمل في كفاية ثبوت حجية الرأي آناما في جواز الاستصحاب الذي هو الوجه في وجوب البقاء وجوازه، ولا يتوقف على العمل، ولا على الالتزام. نعم بناء على ما ذكرنا من كون التقليد هو العمل برأي الغير فمع عدم العمل حال الحياة يكون العمل بعد الوفاة برأي المجتهد من قبيل التقليد الابتدائي للميت الذي حكي الاجماع على المنع عنه، وان كان الاستصحاب، وبناء العقلاء، يقتضيان عدم الفرق بين العمل وعدمه. ولكن عموم الاجماع لمثل

[ 100 ]

[ والعدول إلى الحي. بل الاحوط استحبابا على وجه عدم البقاء مطلقا، ولو كان بعد العلم والعمل (1). (مسألة 63): في احتياطات الاعلم إذا لم يكن له فتوى يتخير المقلد بين العمل بها، وبين الرجوع إلى غيره (2) الاعلم فالاعلم. (مسألة 64): الاحتياط المذكور في الرسالة إما ] الفرض لا يخلو من تأمل. وأشكل منه ما لو تحقق الالتزام فقط بلا عمل فان وجود القول بجواز البقاء في مثله مانع عن انعقاد الاجماع على المنع عنه وان لم يتحقق التقليد. ومثله ما لو تحقق العمل بلا اعتماد على الفتوى، فانه وان لم يتحقق، لكن انعقاد الاجماع على المنع عن بقاء الحجية في مثله غير واضح، وان كان قريبا. فراجع وتأمل. كما أنك عرفت في المسألة الثالثة والخمسين: أن صحة الاعمال السابقة تتوقف على مطابقتها للفتوى الحجة حال العمل ولا تتوقف على الاعتماد على الفتوى حال العمل الذي هو من مقومات التقليد، فالصحة ليست موقوفة على تحقق التقليد، بل موقوفة على الحجية واقعا. فلاحظ. (1) كأن المراد بهذ الوجه احتمال عموم معاقد الاجماعات على عدم جواز تقليد الميت للحدوث والبقاء، وان كان يعارض هذا الاحتمال احتمال المنع، كما نسب إلى اكثر القائلين بجواز البقاء. فالعدول موافق للاحتياط في وجه مخالف له في وجه آخر. (2) هذا التخيير موقوف في العبادات على جواز الامتثال الاجمالي مع التمكن من الامتثال التفصيلي، فلو قيل بعدمه تعين التقليد لغير الاعلم، ولا يجوز له العمل بالاحتياط مع التمكن من تقليد غيره الاعلم.

[ 101 ]

[ استحبابي، وهو ما إذا كان مسبوقا أو ملحوقا بالفتوى، وإما وجوبي، وهو ما لم يكن معه فتوى، ويسمى بالاحتياط المطلق وفيه يتخير المقلد بين العمل به والرجوع إلى مجتهد آخر (1). وأما القسم الاول، فلا يجب العمل به، ولا يجوز الرجوع إلى الغير بل يتخير بين العمل بمقتضى الفتوى، وبين العمل به. (مسألة 65): في صورة تساوي المجتهدين يتخير بين تقليد أيهما شاء كما يجوز له التبعيض حتى في أحكام العمل الواحد (2)، حتى أنه لو كان - مثلا - فتوى أحدهما وجوب جلسة الاستراحة واستحباب التثليث في التسبيحات الاربع، وفتوى الاخر بالعكس، يجوز أن يقلد الاول في استحباب التثليث، والثاني في استحباب الجلسة. ] (1) قد عرفت أنه لا يتم على إطلاقه، بناء على عدم جواز الامتثال الاجمالي مع التمكن من الامتثال التفصيلي. (2) قد عرفت في المسألة الثالثة والثلاثين الاشكال في جوار التبعيض ولا سيما في العمل الواحد، فقد يشكل بالخصوص بأن الصلاة الفاقدة لجلسة الاستراحة المقتصر فيها علي تسبيحة واحدة باطلة في نظر كل واحد منهما، فالاقتصار عليها في مقام الامتثال مخالفة لهما معا. وفيه: أنه - بعد البناء على جواز التبعيض في التقليد - لا تقدح مخالفة كل واحد من المجتهدين مستقلا، لعدم تقليد كل واحد منهما كذلك، بل لما كان التقليد لهما معا على نحو الانضمام فالقادح مخالفتهما كذلك وهي منتفية، لان الصلاة المذكورة موافقة لهما معا. فان قلت: كما أنها موافقة لهما كذلك مخالفة لهما. (قلت): هذا

[ 102 ]

[ (مسألة 66): لا يخفى أن تشخيص موارد الاحتياط عسر على العامي إذ لابد فيه من الاطلاع التام. ومع ذلك قد يتعارض الاحتياطان، فلابد من الترجيح. وقد لا يلتفت إلى اشكال المسألة حتى يحتاط. وقد يكون الاحتياط في ترك الاحتياط. مثلا الاحوط ترك الوضوء بالماء المستعمل في رفع الحدث الاكبر، لكن إذا فرض انحصار الماء فيه الاحوط التوضؤ به، بل يجب ذلك بناء على كون الاحتياط الترك استحبابيا، والاحوط الجمع بين التوضؤ به التيمم. وأيضا الاحوط التثليث في التسبيحات الاربع، لكن إذا كان في ضيق الوقت ويلزم من التثليث وقوع بعض الصلاة خارج الوقت، فالاحوط ترك هذا الاحتياط، أو يلزم تركه. وكذا التيمم بالجص خلاف الاحتياط، لكن إذا لم يكن معه الا هذا فالاحوط التيمم به، وان كان عنده الطين - مثلا - فالاحوط الجمع، وهكذا. ] مسلم، لكن مخالفتهما في غير مورد التقليد لهما، أما في مورد التقليد لهما فهي موافقة لهما لا غير، كما يظهر من مقايسة المقام بالتبعيض في عملين كالصلاة والصيام. فان قلت: المجتهد المفتي بعدم وجوب جلسة الاستراحة إنما يفتي بذلك في الصلاة المشتملة على التسبيحات الثلاث، كما أن المفتي بالاقتصار على تسبيحة واحدة إنما يفتي بذلك فيما اشتمل على جلسة الاستراحة، فترك جلسة الاستراحة والاقتصار على تسبيحة واحدة ليس عملا بفتوي المجتهدين ولو على نحو الانضمام (قلت): الارتباط بين الاجزاء في الثبوت والسقوط لا يلازم الارتباط بينها في الفتوى، فان مرجع الفتويين إلى عدم جزئية الجلسة

[ 103 ]

[ (مسألة 67): محل التقليد ومورده هو الاحكام الفرعية العملية، فلا يجري في الاصول الدين (1). ] وعدم جزئية ما زاد على التسبيحة الواحدة، وليس هو ارتباطيا. فالعمدة في الاشكال على جواز التقليد للمجتهدين في العمل الواحد هو إشكال التبعيض الذي تقدمت الاشارة إليه. (1) إجماعا ادعاه جماعة، بل ادعي اجماع المسلمين عليه. ويقتضيه في معرفة الله جل شأنه، وفي معرفة نبيه الكريم صلى الله عليه وآله: أن الوجه في وجوب المعرفة عقلا من مناط وجوب شكر المنعم، وفي وجوبها فطرة من مناط وجوب دفع الضرر المحتمل لا يحصل بالتقليد، لاحتمال الخطأ في الرأي فلا يحصل الامن من الخطر ولا الامن مما ينافي الشكر. وحجية الرأي تعبدا إنما توجب الامن من ذلك على تقدير المعرفة، فيمتنع أن تثبت بها ولو تعبدا. وأما باقي الاصول فعدم جواز التقليد فيها للاجماع المتقدم. وأما ما دل على وجوب العلم والمعرفة من الآيات، والروايات، فلا يقتضى ذلك، لان دليل حجية الرأي - لو تم - يوجب حصول المعرفة بها تعبدا تنزيلا. ولا يتوجه الاشكال المتقدم هنا، لان المعرفة فيما عدا الاصلين الاولين ليست شرطا في الحجية، وانما الشرط المعرفة بهما لا غير والمفروض حصولها، فإذا العمدة في عدم جواز التقليد هو الاجماع. فان قلت: تكفي في عدم جواز التقليد أصالة عدم الحجية. (قلت): لا مجال للاصل المذكور مع الدليل، وهو ما دل على حجية الرأي في الفروع كبناء العقلاء، وقوله تعالى: (فاسألوا أهل الذكر) (* 1) وقوله تعالى: (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة) (* 2) ونحوهما من أدلة التقليد في


(* 1) النحل: 43. (* 2) التوبة: 122.

[ 104 ]

[ وفي مسائل أصول الفقه (1)، ولا في مبادئ الاستنباط من النحو والصرف ونحوهما (2). ] الفروع، فانها - لو تمت دلالتها على جوازه في الفروع - دلت على جوازه في الاصول بنحو واحد، فليس الموجب للخروج عن عموم الادلة إلا الاجماع المستفيض النقل. وتمام الكلام في هذا المقام موكول إلى محله، كالكلام في وجوب كون المعرفة عن النظر والدليل - كما هو المنسوب إلى جمع - وعدم وجوبه - كما نسب إلى آخرين - وحرمته - كما نسب إلى غيرهم - وان كان الاظهر الاول مع خوف الضلال بدون النظر، والاخير مع خوف الضلال به، والثاني مع الامن من الضلال على تقدير كل من النظر وعدمه فراجع وتأمل. (1) لخروجها عن محل الابتلاء للعوام المقلدين، فلو فرض كونها محلا للابتلاء - ولو بتوسط النذر ونحوه - لم يكن مانع من عموم أدلة التقليد لها. ولذا جزم المصنف - رحمه الله - في صدر المسألة السادسة والاربعين، بأنه يجب على العامي أن يقلد الاعلم في مسألة وجوب تقليد الاعلم وفى المسألة الخامسة عشرة بوجوب رجوع العامي إلى الحي الاعلم في جواز البقاء وعدمه، ويظهر منه - قدس سره - ومن غيره كونهما من المسائل الاصولية، وان كان التحقيق أنهما من المسائل الفرعية، لا من الاصولية، لعدم وقوعهما في طريق استنباط الاحكام كما أشرنا إلى ذلك آنفا. (2) هذا يتم في ما يقع في طريق استنباط الحكم الكلي، أما ما يقع في طريق تطبيق الحكم الكلي وتشخيص موضوع الامتثال - مثل كثير من مسائل النحو والصرف المحتاج إليها في تصحيح القراءة والذكر، والاذان، والاقامة وصيغ العقود، والايقاعات، مثل مسائل الادغام، والمد والوقف على الساكن والتحريك في الدرج، وغير ذلك من المسائل الموقوفة على نظر

[ 105 ]

[ ولا في الموضوعات المستنبطة العرفية أو اللغوية (1)، ولا في الموضوعات الصرفة. فلو شك المقلد في مائع أنه خمر أو خل - مثلا - وقال المجتهد إنه خمر لا يجوز له تقليده. نعم من حيث أنه مخبر عادل يقبل قوله كما في اخبار العامي العادل، وهكذا. وأما الموضوعات المستنبطة الشرعية - كالصلاة والصوم ونحوهما - فيجري التقليد فيها كالاحكام العملية. ] لا يتمكن منه العامي مما سيتعرض له المصنف (ره) في مباحث القراءة - فلابد فيها من التقليد لعموم أدلته. نعم المسائل التي لا يحتاج إليها إلا في مقام استنباط الحكم الكلي لا مجال للتقليد فيها، لخروجها عن محل الابتلاء بالنسبة إلى العامي. (1) موضوعات الاحكام الشرعية قسمان: (الاول): ما يكون مفهومه شرعيا مخترعا للشارع الاقدس، سواء قلنا بالحقيقة الشرعية أم لا كالصلاة والصيام ونحوهما. (الثاني): ما لا يكون كذلك بأن كان عرفيا أو لغويا. وكل منهما إما أن يكون المفهوم بذاته وحدوده واضحا لا يحتاج إلى نظر واجتهاد، وإما أن يكون محتاجا إلى ذلك. فالاول من كل منهما لا يحتاج إلى تقليد لوضوحه لدى العامي كالمجتهد، فلا معنى لحجية رأي المجتهد فيه، والثاني من كل منهما محتاج إلى التقليد، لعموم أدلته، كالصلاة والصيام والصعيد، والغناء والاناء، والجذع والثني، ونحوها. والبناء على عدم جواز التقليد فيها يقتضي البناء على وجوب الاجتهاد أو الاحتياط فيها ولا يظن الالتزام به من أحد، فضلا عن المصنف (ره) فقد ادرج - كغيره - بيان مفهوم مثل هذه الموضوعات في هذه الرسالة وغيرها من رسائله المعدة للفتوى والعمل بها. فلاحظ.

[ 106 ]

[ (مسألة 68): لا يعتبر الاعلمية في ما أمره راجع إلى المجتهد (1) إلا في التقليد. وأما الولاية على الايتام والمجانين والاوقاف التي لا متولي لها والوصايا التي لا وصي لها ونحو ذلك، فلا يعتبر فيها الاعلمية. نعم الاحوط في القاضي أن ] (1) الظاهر أن هذا مما لا إشكال فيه، لاطلاق مثل التوقيع الشريف: " وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا " (* 1). وما دل على أن العلماء ورثة الانبياء (* 2)، وانهم كانبياء بني اسرائيل (* 3)، وانهم خلفاء النبي صلى الله عليه وآله (* 4)، ونحو ذلك. لكن قد تعرضنا في (نهج الفقاهة) (* 5) للمناقشة في تمامية ما ذكر لاثبات الولاية للفقيه، لقصور سند بعضها، ودلالة الآخر. وذكرنا هناك أن العمدة في إثبات الولاية ما دل على كون المجتهد قاضيا وحاكما الظاهر في ثبوت جميع ما هو من مناصب القضاة والحكام له. فحينئذ يشكل الحكم فيما لم يثبت كونه من مناصب القضاة والحكام، فان ثبوت ولاية المجتهد فيه إنما يكون من جهة العلم باذن الشارع في التصرف، أو عدم رضاه بتركه واهمال الواقعة. لكن الدليل المذكور لما كان لبيا تعين الاقتصار فيه على القدر المتيقن، وهو ولاية الاعلم عند التمكن منه، كالاقتصار على المتيقن وهو ولاية المجتهد عند التمكن منه. فالعمدة إذا في عدم اعتبار الاعلمية ظهور الاجماع عليه.


(* 1) الوسائل باب: 11 من ابواب صفات القاضي حديث: 10. (* 2) الوسائل باب: 8 من ابواب صفات القاضي حديث: 2. (* 3) مستدرك الوسائل باب: 11 من ابواب صفات القاضي حديث: 30 (* 4) الوسائل باب: 11 من صفات القاضي حديث: 8. (* 5) راجع الصفحة: 299.

[ 107 ]

{ يكون أعلم (1) من في ذلك البلد أو في غيره مما لا حرج في الترافع إليه. (مسألة 69): إذا تبدل رأي المجتهد هل يجب عليه اعلام المقلدين أم لا؟ فيه تفصيل (2)، فان كانت الفتوى السابقة موافقة للاحتياط، فالظاهر عدم الوجوب، وان كانت مخالفة فالاحوط الاعلام، بل لا يخلو عن قوة. (مسألة 70): لا يجوز للمقلد اجراء (3) أصالة البراءة، أو الطهارة أو الاستصحاب في الشبهات الحكمية. وأما في الشبهات الموضوعية فيجوز بعد أن قلد مجتهده في حجيتها. مثلا إذا شك في أن عرق الجنب من الحرام نجس أم لا ليس له إجراء أصل الطهارة، لكم في أن هذا الماء أو غيره لاقته النجاسة أم لا، يجوز له اجراؤها بعد أن قلد المجتهد في جواز الاجراء. (مسألة 71): المجتهد غير العادل، أو مجهول الحال لا يجوز تقليده (4) وان كان موثوقا به في فتواه. ولكن فتاواه معتبرة لعمل نفسه. وكذا لا ينفذ حكمه ولا تصرفاته في الامور ] (1) تقدم الكلام في هذا في المسألة السادسة والخمسين. (2) تقدم الكلام في هذا في المسألة الثامنة والاربعين وغيرها. (3) لان إجراءها مشروط بالفحص، رهو عاجز عنه، فاجراؤها بدونه مخالفة لدليل الشرطية. وهذا بخلاف الشبهات الموضوعية، فان إجراءها ليس مشروطا بالفحص، ولو فرض اشتراطه به فليس هو بعاجز عنه، فلا مانع من رجوعه إليها عند اجتماع الشرائط كالمجتهد. (4) يعنى: لا يجوز تقليده واقعا في الاول، لفقد الشرط، وظاهرا

[ 108 ]

[ العامة، ولا ولاية في الاوقاف والوصايا وأموال القصر والغيب. (مسألة 72): الظن بكون فتوى المجتهد كذا لا يكفي في جواز العمل، الا إذا كان حاصلا من ظاهر لفظه شفاها، أو لفظ الناقل، أو من ألفاظه في رسالته. والحاصل: أن الظن ليس حجة (1) الا إذا كان حاصلا من ظواهر الالفاظ منه أو من الناقل. ] في الثاني، لعدم ثبوت حجية رأيه. وكذا الحال في باقي الاحكام. (1) لما دل على نفي حجيته من الادلة الشرعية والعقلية، من دون ثبوت مخصص. والله سبحانه ولي التوفيق، وهو حسبنا ونعم الوكيل، والحمد لله رب العالمين

[ 109 ]

{ فصل في المياه الماء إما مطلق (1) أو مضاف، كالمعتصر من الاجسام أو الممتزج بغيره مما يخرجه عن صدق اسم الماء. والمطلق أقسام (2): ] بسم الله الرحمن الرحيم كتاب الطهارة الحمد لله رب العالمين. والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد وآله الغر الميامين. واللعنة على أعدائهم أجمعين. (1) وعرف بما يصح إطلاق لفظ الماء عليه من غير إضافة. يعني: يصح بلا تجوز ولا عناية. وهذا بخلاف الماء المضاف كماء الرمان، وماء الورد، فان إطلاق لفظ الماء - مفردا بلا إضافة - عليه مجاز، والذي يكون إطلاقه عليه حقيقة، ماء الرمان، أو ماء الورد كما أن إطلاق ماء الورد على ماء الرمان مجاز، وكذا اطلاق ماء الرمان على ماء الورد. ومن هنا ظهر أن تقسيم الماء إلى المطلق والمضاف بلحاظ المسمى. كما ظهر أن مفهوم الماء جامع حقيقي بين أفراده، ومفهوم الماء المضاف جامع انتزاعي بين أفراده، فانها حقائق متباينة (2) الموجود في كلام جماعة تقسيمه إلى جار، ومحقون، وماء بئر وتقسيم المحقون إلى كثير وقليل. وكأن موضوع القسمة ماء الارض، ولذا

[ 110 ]

[ الجاري، والنابع غير الجاري والبئر، والمطر، والكر، والقليل وكل واحد منها مع عدم ملاقاة النجاسة طاهر مطهر من الحدث والخبث (1). ] لم يذكر في أقسامه ماء المطر. وعدم ذكر النابع في الاقسام إما لدخوله في الجاري - كما صرح به بعض، حيث عرفه بالنابع غير البئر - أو في البئر - كما هو ظاهر آخرين - بل عن المحقق البهبهاني: " أن النابع الراكد عند الفقهاء في حكم البئر " والامر سهل. (1) إجماعا مستفيض النقل، بل وضوحه أغنى عن الاستدلال عليه بالآيات الشريفة مثل قوله تعالى: (وأنزلنا من السماء ماء طهورا) (* 1) بناء على أن المراد من لفظ الطهور فيها إما المطهر بناء على أنه أحد معانيه - كما عن بعض - فيدل على طهارته في نفسه بالالتزام، أو الطاهر المطهر - كما عن جمع أنه أحد معانيه - أو ما يتطهر به كالسحور والفطور - كما هو أحد معانيه قطعا - فيدل أيضا بالالتزام على طهارته في نفسه. هذا ولكن من المحتمل ارادة المبالغة منه، فان (فعول) أيضا من صيغ المبالغة كالصبور والحسود، فان الطهارة ذات مراتب متفاوتة، ولذا صح التفضيل فيها بلفظ: (أطهر) ومع هذا الاحتمال يشكل الاستدلال. وأشكل منه الاستدلال به على المطهرية لغيره - حتى بناء على حمل الهيئة على المبالغة - بدعوى: أن المبالغة لا معنى لها إلا بلحاظ المطهرية لغيره. إذ فيه - - مضافا إلى ما عرفت -: أن هذا المعنى من المبالغة مجاز لا يجوز ارتكابه في الاستدلال. وإن كان الاقرب الحمل على المعنى الثالث، لعدم ثبوت المعنيين الاولين، ولكونه أقرب من الحمل على المبالغة، لخفاء وجهها. وأما قوله تعالى: (وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به) (* 2)


(* 1) الفرقان: 48. (* 2) الانفال: 11.

[ 111 ]

[ (مسألة 1): الماء المضاف مع عدم ملاقاة النجاسة طاهر (1)، لكنه غير مطهر، لا من الحدث (2). ] فدلالته على المطلوب سالمة عن الاشكال المتقدم، وإن كانت لا عموم فيها لوروده في واقعة خاصة، إلا أن يتمسك بالاجماع على عدم الفرق، كالاجماع على عدم الفرق بين ماء السماء وغيره. ثم إنه لا تخلو النصوص الشريفة من الدلالة على طهارته ومطهريته، ففي رواية السكوني عن النبي صلى الله عليه وآله: " الماء يطهر ولا يطهر " (. 1). وفي صحيح ابن فرقد عن أبي عبد الله (ع): " كان بنو اسرائيل إذا أصاب أحدهم قطرة بول قرضوا لحومهم بالمقاريض، وقد وسع الله تعالى عليكم باوسع ما بين السماء والارض، وجعل لكم الماء طهورا " (* 2)، وفي غيرهما: أنه تعالى جعل التراب طهورا كما جعل الماء طهورا (* 3). ومورد الاخير الحدث، كما أن مورد ما قبله الخبث، بل هو ظاهر رواية السكوني بقرينة المقابلة بالنفي. كما أنه لا عموم في الجميع بالاضافة إلى ما يتطهر به فلابد من تتميم الدلالة بالاجماع المحقق في الجملة. (1) يعنى: مع طهارة أصله. ويكفي في ذلك الاستصحاب، وأصالة الطهارة. (2) كما هو المشهور، ويقتضيه الكتاب المجيد، مثل قوله تعالى: (فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا) (* 4). والسنة التى هي بمضمونه وبغير مضمونه كما ستأتي في محلها إن شاء الله. وعن الصدوق: جواز


(* 1) الوسائل باب: 1 من ابواب الماء المطلق حديث: 6. (* 2) الوسائل باب: 1 من ابواب الماء المطلق حديث: 4. (* 3) الوسائل باب: 1 من ابواب الماء المطلق حديث: 1. (* 4) النساء: 43 والمائدة: 6.

[ 112 ]

[ ولا من الخبث (1). ] الوضوء وغسل الجنابة بماء الورد، لخبر يونس عن أبى الحسن (ع) قال: " قلت له: الرجل يغتسل بماء الورد ويتوضأ به للصلاة. قال (ع): لا بأس بذلك " (* 1). لكن عن الشيخ أنه خبر شاذ أجمعت العصابة على ترك العمل بظاهره. انتهى. وكفى بهذا موهنا له ومانعا عن الاعتماد عليه. وعن الحسن جواز استعمال مطلق المضاف عند عدم الماء. ولم يظهر له مستند. (1) كما هو المشهور أيضا. ويقتضيه ظاهر كثير من النصوص الواردة في الموارد المتفرقة مثل قوله (ع): " لا يجزئ من البول إلا الماء " (* 2) وقوله (ع) في تطهير الاناء من الولوغ: " اغسله بالتراب أول مرة ثم بالماء " (* 3) ونحوهما غيرهما وهو كثير. وقد تقدم صحيح ابن فرقد الظاهر - بقرينة الامتنان - في انحصار المطهر بالماء. وعن المفيد والسيد - قدهما - جواز رفع الخبث به. وعن الاول الاستدلال عليه بالرواية. وعن الثاني الاستدلال عليه بالاجماع. لكن الرواية مرسلة والاجماع معلوم العدم. وأما إطلاق الامر بالغسل والتطهير، فمقيد بالنصوص المشار إليها. مع قرب دعوى انصراف الاول إلى الغسل بالماء الارتكاز مطهريته عرفا وشرعا دون غيره من المايعات. كما لا تبعد دعوى اجمال الثاني، وحصوله بغير الماء يحتاح إلى دليل، ولو بني على اطلاقه كان مقتضاه الاكتفاء بزوال العين. وأما رواية غياث: " لا بأس أن يغسل الدم بالبصاق " (* 4) فلعلها المشار إليها في كلام المفيد. لكنها مع أنها


(* 1) الوسائل باب: 3 من ابواب الماء المضاف والمستعمل حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 30 من ابواب احكام الخلوة حديث: 2. (* 3) الوسائل باب: 1 من ابواب الاسئار حديث: 1. (* 4) الوسائل باب: 4 من ابواب الماء المضاف والمستعمل حديث: 2.

[ 113 ]

مهجورة - أخص من المدعى - لو كان البصاق من المضاف - وإلا كانت أجنبية عنه. مع أن ظاهر رواية غياث الاخرى: " لا يغسل بالبصاق شئ غير الدم " (* 1) مناف له فلا مجال لتتميمها بعدم القول بالفصل ونحوه. ثم إن المحكي عن السيد (ره) الاستدلال على ما ذكرنا: بأن الغرض ازالة عين النجاسة، وهو يحصل بالغسل بالمضاف. ومقتضى هذا الاستدلال عدم وجوب تطهير المتنجس بما لا تبقى عينه، وحصول الطهارة بمجرد زوال عين النجاسة بكل مزيل وان لم يكن مضافا، ولكنه - كما ترى - خلاف النصوص المتقدمة الآمرة بالغسل والتطهير، فضلا عن النصوص الظاهرة في تعيين الماء. وعن الكاشانى (ره) التفصيل بين الموارد التي ورد فيها ذلك فلابد من الماء وبين غيرها فيكفي زوال العين. وفيه: أن هذا خلاف استصحاب النجاسة من دون دليل عليه. مضافا إلى أنه خلاف ما ثبت إجماعا وارتكازا من عدم الفرق بين الموارد. وانكار سراية النجاسة إلى الجسم - ليسقط الاستصحاب - خلاف ظاهر النصوص الموافق للارتكاز العرفي من سراية أثر عين النجاسة إلى ملاقيها. فلاحظ ما ورد في المرق والعجين اللذين أصابهما قطرة من خمر أو نبيذ (* 2)، وقوله (ع): " ما يبل الميل ينجس حبا من الماء " (* 3). ويشير إلى ذلك ما في رواية عمر بن شمر الواردة في طعام ماتت فيه الفارة، قال (ع): " إنما استخففت بدينك حيث أن الله تعالى حرم الميتة من كل شئ " (* 4) وما ورد في التطهير من البول


(* 1) الوسائل باب: 4 من ابواب الماء المضاف والمستعمل حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 38 من ابواب النجاسات حديث: 8. (* 3) الوسائل باب: 38 من ابواب النجاسات حديث: 6. (* 4) الوسائل باب: 5 من ابواب الماء المضاف والمستعمل حديث: 2.

[ 114 ]

[ ولو في حال الاضطرار (1)، وان لاقى نجسا تنجس (2) وان كان كثيرا بل وان كان مقدار ألف كر (3) فانه ينجس بمجرد ] من أن الغسلة الثانية لازالة الاثر (* 1)، وغير ذلك. فلاحظ. (1) لعدم الفرق بين الحالين فيما ذكرنا. وعن ابن أبي عقيل مطهرية المضاف حينئذ. ودليله غير ظاهر، كما تقدم في رفع الحدث. (2) إجماعا محكيا عن كتب الفاضلين والشهيدين، وغيرها، وعن السرائر: نفي الخلاف فيه. وقد تدل عليه الاخبار الواردة في نجاسة الزيت والسمن والمرق ونحوها بملاقاة النجاسة (* 2)، لانها وان لم تكن من المضاف، إلا أنها مثله في الميعان، الموجب لسراية النجاسة حسب الارتكاز العرفي، فالتعدي عنها إلى المضاف نظير التعدي منها إلى المايعات التي ليست من المضاف. بل قد عرفت أنه يظهر من رواية عمر بن شمر المتقدمة أن ذلك من أحكام النجاسة. (3) كما يقتضيه إطلاق معاقد الاجماعات والكلمات. لكنه لا يخلو من تأمل، لعدم السراية عرفا في مثله، نظير ما يأتي من عدم السراية إلى العالي الجاري إلى السافل. والنصوص الواردة في السمن والمرق ونحوهما غير شاملة لمثله. وثبوت الاجماع على السراية في الكثرة المفرطة غير ظاهر ومن هنا يسهل الامر في عيون النفط المستخرج في عصرنا، المعلوم غالبا مباشرة الكافر له بالرطوبة المسرية.


(* 1) لم نعثر على ما تضمن ذلك في كتب الحديث. نعم روى في المعتبر صفحة: 121 عن الحسين بن أبي العلاء عن الصادق (ع) قال: " سألته.. عن الثوب يصيبه البول قال: إغسله مرتين الاول للازالة والثاني للانقاء " ورواه مرسلا في الذكرى صفحة: 15 (* 2) راجع الوسائل باب: 5 من ابواب الماء المضاف والمستعمل. وباب: 38 من ابواب النجاسات حديث: 8.

[ 115 ]

[ ملاقاة النجاسة ولو بمقدار رأش ابرة في أحد أطرافه فينجس كله. نعم إذا كان جاريا من العالي إلى السافل ولاقى سافله النجاسة لا ينجس العالي منه (1)، كما إذا صب الجلاب من ابريق على يد كافر، فلا ينجس ما في الابريق وان كان متصلا بما في يده. (مسألة 2): الماء المطلق لا يخرج بالتصعيد عن اطلاقه (2). نعم لو مزج معه غيره وصعد - كماء الورد - يصير مضافا. (مسألة 3): المضاف المصعد مضاف (3). (مسألة 4): المطلق أو المضاف النجس يطهر بالتصعيد، لاستحالته بخارا (4) ثم ماء. ] (1) كما هو المشهور، بل قيل: الظاهر أنه مذهب الكل عدا السيد في المناهل. لعدم ثبوت سراية النجاسة كلية في المايعات، وانما الثابت منها في غير مثل ذلك. والرجوع إلى العرف - الذي هو مقتضى الاطلاقات المقامية - يقتضي البناء على عدم السراية للنجاسة من السافل إلى العالي، فانه المطابق لمرتكزاتهم. ومثله الكلام في سراية النجاسة من العالي إلى السافل مع تدافع السافل عليه كما في الفوارة. أما مع عدم التدافع من أحدهما إلى الآخر فلا إشكال في السراية من كل منهما إلى الآخر. (2) لصدق الماء عليه عرفا، الذي هو المعيار في الاطلاق. (3) لما تقدم من الصدق العرفي. لكن في اطراده في جميع الموارد تأملا. (4) الموجبة لمغايرته له عرفا، على نحو لا يجري معه استصحاب الحكم لتعدد الموضوع. وهذا هو المدار في مطهرية الاستحالة، لجريان أصالة

[ 116 ]

[ (مسألة 5): إذا شك في مايع أنه مضاف أو مطلق فان علم حالته السابقة أخذ بها (1). وإلا فلا يحكم عليه بالاطلاق، ولا بالاضافة (2). لكن لا يرفع الحدث والخبث (3) وينجس بملاقاة النجاسة إن كان قليلا، وإن كان بقدر الكر لا ينجس، لاحتمال كونه مطلقا، والاصل الطهارة (4). ] الطهارة حينئذ بلا معارض، كما سيأتي في محله إن شاء الله. فإذا انقلب البخار ماء كان المرجع في حكمه أصالة الطهارة أيضا، لا استصحابها، لتعدد الموضوع عرفا، كما في البخار. (1) للاستصحاب. هذا إذا كان الشك بنحو الشبهة الموضوعية، أما لو كان بنحو الشبهة المفهومية - للشك في حدود المفهوم وقيوده، على نحو يستوجب الشك في صدقه على الموارد - أشكل جريان الاستصحاب، لانه من الاستصحاب الجاري في المفهوم المردد: كالجاري في الفرد المردد وأما استصحاب الحكم السابق فلا مانع منه، مثل استصحاب كونه مطهرا من الحدث والخبث، إذا علم انه كان مطلقا، أو استصحاب انفعاله بالملاقاة إذا علم كونه مضافا كثيرا. لكنه من الاستصحاب التعليقي المعارض بالاستصحاب التنجيزي غالبا. فلو لم يكن معارضا أو بنينا على حكومة الاستصحاب التعليقي على الاستصحاب التنجيزي، أو كان الحكم السابق تنجيزيا، فلا بأس بجريانه. (2) إذ لا موجب للحكم بذلك من دليل أو أصل. (3) لاستصحاب بقائهما. (4) يعني: استصحابها. نعم ربما يكون بعض الوجوه الموجبة للنجاسة في فرض الملاقاة مع الشك في الكرية مقتضيا للحكم بالنجاسة في المقام فانتظر.

[ 117 ]

[ (مسألة 6): المضاف النجس يطهر بالتصعيد - كما مر - وبالاستهلاك في الكر أو الجاري (1). ] (1) بتفرق أجرائه فيه على نحو لا يبقى له وجود محفوظ في نظر العرف يجري فيه الاستصحاب. نظير الاستحالة في الاعيان النجسة المطهرة للمستحيل بالمناط المذكور. وأما المطلق المستهلك فيه فالمرجع فيه دليل اعتصامه كرا كان أو جاريا، أو ماء بئر، بناء على اعتصامه. ويعضده بعض النصوص الواردة في طهارة الماء الذي وقع فيه بول أو دم أو خمر أو نحوها (* 1) بعد حملها على المعتصم. ولو انقلب المضاف مطلقا. بقي على نجاسته، للاستصحاب، إذ لا دليل على مطهرية الانقلاب كلية. وحينئذ يطهر بكل ما يطهر القليل النجس الآتي بيانه (* 2) إن شاء الله. وعن العلامة - رحمه الله - القول بطهر المضاف بمجرد الاتصال بالكثير لكن لا دليل عليه. وقول على (ع): " الماء يطهر ولا يطهر (* 3) لا عموم له لكل متنجس كما أشرنا إليه آنفا. مع أن العموم غير كاف في ذلك إذ لا إطلاق له في كيفية التطهير، وليس بناء العرف على كفاية مجرد الاتصال في مثل ذلك. وأما ما عن الشيخ (ره) من اعتبار عدم تغير المطلق المستهلك فيه المضاف بصفات المضاف، ومع التغير يتنجس المطلق. فغير ظاهر، إلا بناء على نجاسة المطلق المتغير بصفات المتنجس الملاقي له، وسيأتي الكلام فيه.


(* 1) الوسائل باب: 3 من ابواب الماء المطلق حديث: 3، 7 وباب: 5 حديث: 6، وباب: 9 حديث: 14. (* 2) راجع المسألة: 2 وما بعدها من مسائل الفصل المتعرض فيه لماء البئر (* 3) الوسائل باب: 1 من ابواب الماء المطلق حديث: 7.

[ 118 ]

[ (مسألة 7): إذا القي المضاف النجس في الكر، فخرج عن الاطلاق إلى الاضافة، تنجس إن صار مضافا قبل الاستهلاك. وان حصل الاستهلاك والاضافة دفعة لا يخلو الحكم بعدم تنجسه عن وجه (1) لكنه مشكل. (مسألة 8): إذا انحصر الماء في مضاف مخلوط بالطين، ففي سعة الوقت يجب عليه أن يصبر حتى يصفو ويصير الطين إلى الاسفل، ثم يتوضأ على الاحوط (2). وفي ضيق الوقت يتيمم، لصدق الوجدان مع السعة دون الضيق. } (1) إذ في حال وجود المضاف كان المطلق الملاقي له معتصما، وبعد انقلاب المطلق مضافا لا مضاف نجس كي ينجس بملاقاته. نعم قد تشكل صحة الفرض: بأن الاستهلاك يلازم صدق المطلق على الجميع، فكيف يكون الماء حينئذ مضافا، والاضافة والاطلاق ضدان يمتنع اجتماعهما في محل واحد؟! وفيه: ما عرفت من أن الاستهلاك عبارة اخرى عن ذهاب الموضوع بنحو يمتنع أن يجري استصحاب نجاسته، ولا ملازمة عقلا بين ذلك وبين صدق الماء المطلق على المستهلك فيه كي يلزم اجتماع الضدين. نعم في الغالب يكون انقلاب المطلق إلى المضاف ناشئا من علبة المضاف النجس عليه بنحو يمتنع صدق استهلاكه مع غلبته على المطلق. ولكن هذا المقدار لا يوجب امتناع الفرض. (2) بل الاقوى، بناء على أن المصحح للتيمم والمسقط لوجوب الطهارة المائية عدم القدرة عليها، لا مجرد عدم وجود الماء، كما سيأتي (* 1) إن شاء الله.


(* 1) يأتي توضيخ ان المراد عدم القدرة على المأمور به حتى في آخر الوقت (منه قدس سره)

[ 119 ]

[ (مسألة 9): الماء المطلق بأقسامه - حتى الجاري منه - ينجس إذا تغير بالنجاسة في أحد أوصافه الثلاثة من الطعم، والرائحة، واللون (1). بشرط أن يكون بملاقاة النجاسة، فلا يتنجس إذا كان بالمجاورة (2)، كما إذا وقعت ميتة قريبا من الماء فصار جائفا. وأن يكون التغير بأوصاف النجاسة (3) ] (1) إجماعا محصلا ومنقولا كاد يكون متواتر، كما في الجواهر. ويدل عليه الاخبار الكثيرة. منها النبوي المتفق على روايته - كما عن السرائر - المتواتر عن الصادق (ع) عن آبائه - كما عن ابن أبي عقيل - الذي عمل به الامة وقبلوه - كما عن الذخيرة -: " خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شئ، إلا ما غير لونه، أو طعمه، أو ريحه " (* 1) ونحوه غيره (* 2). ولا يقدح عدم ذكر اللون في جملة منها، فقد ذكر في بعضها الآخر، كمعتبر شهاب، وفيه: " قلت: وما التغير؟ قال: الصفرة " (* 3) ومعتبر العلاء بن الفضيل: " سألت أبا عبد الله (ع) عن الحياض يبال فيها. قال (ع): لا بأس إذا غلب لون الماء لون البول " (* 4) وقريب منهما غيرهما. (2) لعله لا خلاف فيه بل مجمع عليه، كذا في الجواهر. لانه خارج عن مورد اكثر النصوص ومنصرف الباقي. (3) سيأتي بيان المراد منه في المسألة الحادية عشرة.


(* 1) الوسائل باب: 1 من ابواب الماء المطلق حديث: 9. (* 2) الوسائل باب: 3 من ابواب الماء المطلق ففيها جملة أحاديث، ويوجد بعض الاحاديث في ابواب أخر متفرقة. (* 3) الوسائل باب: 9 من ابواب الماء المطلق حديث: 11. (* 4) الوسائل باب: 3 من ابواب الماء المطلق حديث: 7.

[ 120 ]

[ دون أوصاف المتنجس (1). فلو وقع فيه دبس نجس فصار أحمر، أو أصفر لا ينجس إلا إذا صيره (2) مضافا. نعم لا يعتبر أن يكون بوقوع عين النجس فيه (3)، بل لو وقع فيه متنجس حامل لاوصاف النجس فغيره بوصف النجس ] (1) كما صرح به جماعة كثيرة، بل في الجواهر: " يمكن استنباط الاجماع عند التأمل عليه ". إذ مورد اكثر النصوص نجس العين كالميتة، والدم، والبول. وأما النبوي ونحوه فهو وان كان لفظه عاما للمتنجس، إلا أن منصرفه خصوص وصف نجس العين، إذ هو الذي يساعده الارتكاز العرفي من اختصاص النفرة بذلك لا غير عندهم، للفرق بين ظهور أثر النجس بالذات في الماء، وبين ظهور أثر الطاهر بالذات فيه، وان كان نجسا بالعرض، فان الاول يناسب البناء على نجاسة الماء دون الثاني، لان النفرة الذاتية في الاول تستوجب النفرة عن الاثر، بخلاف الثاني، لعدم النفرة الذاتية فيه، والنفرة العرضية زائلة بزوال موضوعها، لفرض الاستهلاك. فتأمل جيدا. (2) يعنى: مع بقاء الدبس بنحو يصح استصحاب نجاسته. أما لو صيره مضافا بعد الاستهلاك أو مقارنا له فقد تقدم أن للطهارة وجها وجيها. (3) كما صرح بذلك جماعة. وقد يشكل: بأن المعيار في التنجس ان كان ظهور أثر النجاسة في الماء - ولو لم تكن ملاقاة لها فالازم الاكتفاء بذلك ولو مع المجاورة، وان كان بشرط الملاقاة فالتغير بالمتنجس الحامل لصفات عين النجاسة لا يوجب النجاسة لعدم الملاقاة. نعم إذا كان المتنجس حاملا لاجزاء النجاسة - ولو كانت متفرقة فيه - كانت الملاقاة للنجاسة، لكنه ليس من محل الكلام، أو أنه ليس كذلك دائما. فان قلت: المتنجس إذا كان حاملا لاوصاف النجاسة فلابد أن يكون حاملا لاجزائها لامتناع انتقال العرض من محل إلى محل آخر، وحينئذ فالملاقي

[ 121 ]

[ تنجس أيضا. وأن يكون التغير حسيا (1)، فالتقديري لا يضر، ] له ملاق لعين النجاسة حقيقة (قلت): هذا المقدار غير كاف في التنجس لان قوله صلى الله عليه وآله: " لا ينجسه شئ إلا ما غير.. ". قد عرفت أنه منصرف إلى المتغير بملاقاة النجاسة عرفا، وهو غير حاصل في جميع أفراد المتغير بالمتنجس وان كان حاصلا عقلا. اللهم إلا أن يبنى على عموم الموصول في النبوي ونحوه للنجس والمتنجس وعلى انصرافه إلى خصوص صورة الملاقاة وكون التغير بوصف النجس ذاتا لمساعدة الارتكاز العرفي عليه، كما أشرنا إلى ذلك آنفا. ويؤيده أن الغالب في التغير بالجيفة ونحوها سراية التغير مما حولها إلى ما يتصل به وهكذا. ومن هذا يظهر الاشكال فيها في الجواهر من اختصاص الحكم بالنجاسة بصورة استناد التغير إلى النجاسة التي تغير بها المتنجس دون غيرها من الصور وان كان التغير بصفة النجاسة. فانه مبني على اختصاص الموصول في النبوي ونحوه بالنجس دون المتنجس، ولكنه خلاف الاطلاق. فلاحظ. وقد يقرر الوجه في النجاسة: بأن المتغير بعين النجاسة إذا امتزج بالكثير فغيره، فاما أن يطهر المتنجس، وهو خلاف النص والاجماع على اعتبار زوال التغير في طهارة المتغير، أو يبقى كل على حكمه، وهو خلاف الاجماع على اتحاد الماء الواحد في الحكم، أو ينجس الطاهر، وهو المطلوب ويتم الحكم في غير الممتزج بالاجماع على عدم الفصل. (1) المراد بالحسي (تارة): ما يقابل الواقعي الذي لا يدركه الحس (وأخرى): الفعلي ما يقابل التقديري. واعتبار الحسي بالمعنى الاول مقتضى النصوص الدالة على الطهارة بملاقاة البول والدم وغيرهما إذا لم يتغير الماء، فانه لابد من وجود التغير واقعا لاختلاف اللونين. وأما اعتباره بالمعنى الثاني فهو المشهور بل لم ينسب الخلاف فيه إلا إلى العلامة في القواعد وغيرها

[ 122 ]

[ فلو كان لون الماء أحمر أو أصفر، فوقع فيه مقدار من الدم كان يغيره لو لم يكن كذلك لم ينجس، وكذا إذا صب فيه بول كثير لا لون له بحيث لو كان له لون غيره، وكذا لو كان ] وبعض من تأخر عنه. ويشكل: بأن التغير كغيره من العناوين المذكورة في القضايا الشرعية ظاهر في الوجود الفعلى، ولا سيما بملاحظة الارتكاز العرفي فلا يشمل التقدير الفرضي. ودعوى: كون التغير ملحوظا طريقا إلى كم النجاسة، لا موضوعا ليدور الحكم مداره. مندفعة أولا: بأنه خلاف الظاهر، كما عرفت. ثانيا: بأن لازمه عدم نجاسة المتغير إذا كان كم النجاسة قليلا ووصفها شديدا. وثالثا: بأن تحديد الكم المقتضى للتغير مجهول لا طريق إلى معرفته، ولازمه أنه مع الشك يرجع إلى استصحاب الطهارة ولو مع العلم بالتغير. اللهم إلا أن يدعى ان التغير طريق شرعي إلى حصول الكم المنجس، فتكون النصوص المتضمنة للنجاسة مع التغير واردة في مقام جعل الحكم الظاهري لا الواقعي ولكنه كما ترى. وعن البيان وجامع المقاصد الاكتفاء بالتقدير فيما لو كان عدم ظهور أثر النجاسة لوجود وصف في الماء، معللا: بأن التغير فيه حقيقي مستور، ووافقهما عليه جماعة من الاساطين، بل في الحدائق: نسبه إلى قطع المتأخرين من دون خلاف ظاهر معروف. وفيه ما لا يخفى، لا متناع اجتماع المثلين كالضدين، فإذا كان الماء متلونا بمثل لون النجاسة كيف يتلون بلونها؟ وأشكل من ذلك ما عن المحقق الخونساري من التفصيل في اعتبار التقدير بين الصفات العارضية، كما في المصبوغ بطاهر أحمر، فيعتبر فيه التقدير، وبين الصفات الاصلية، كما في المياه الكبريتية، فلا يعتبر فيه التقدير. فانه بلا فاصل ظاهر.

[ 123 ]

[ جائفا فوقع فيه ميتة كانت تغيره لو لم يكن جائفا، وهكذا. ففي هذه الصور ما لم يخرج عن صدق الاطلاق (1) محكوم بالطهارة، على الاقوى. (مسألة 10): لو تغير الماء بما عدا الاوصاف المذكورة من أوصاف النجاسة، مثل الحرارة والبرودة، والرقة والغلظة، والخفة والثقل، لم ينجس ما لم يصر مضافا (2). (مسألة 11): لا يعتبر في تنجسه أن يكون التغير بوصف النجس (3) بعينه، فلو حدث فيه لون أو طعم أو ريح غير ما بالنجس - كما لو اصفر الماء مثلا بوقوع الدم - تنجس. وكذا لو حدث فيه بوقوع البول أو العذرة رائحة أخرى غير رائحتهما. فالمناط تغير أحد الاوصاف المذكورة بسبب النجاسة وان كان من غير سنخ وصف النجس (4). ] (1) يعنى: مع عدم استهلاك النجاسة، أما لو كان الخروج عن ذلك بعد الاستهلاك فالحكم الطهارة أيضا. (2) إجماعا محكيا عن غير واحد. ويقتضيه الحصر المستفاد من النبوي وغيره (3) يعنى: قبل الملاقاة. (4) محتملات التغير بدوا أربعة: (الاول): التغير بمثل وصف النجاسة (الثاني): التغير بسنخ وصفها قبل الملاقاة، مثل التغير بالصفرة من وقوع الدم الاحمر. (الثالث): التغير بوصف النجاسة في الجملة ولو كان وصفا لها بعد ملاقاة الماء، نظير الحناء التى وصفها الخضرة، فإذا لاقت الماء صار وصفها الحمرة، والزاج الذي وصفه البياض، فإذا لاقى الماء الذي فيه شئ من الدباغ صار وصفه السواد. (الرابع): التغير

[ 124 ]

[ (مسألة 12): لا فرق بين زوال الوصف الاصلي للماء أو العرضي، فلو كان الماء أحمر أو أسود لعارض، فوقع فيه البول حتى صار أبيض، تنجس. وكذا إذا زال طعمه ] مطلقا ولو بوصف أجنبي عن وصف النجاسة مطلقا أو بزوال وصفه. هذا وقد يظهر من الجواهر أحد الاولين، للتبادر، أو لانه المتيقن ويرجع في غيره إلى استصحاب الطهارة. كما أن مقتضى الاطلاق في النبوي وغيره الاخير. اللهم إلا أن يناقش في الاطلاق: بأن الارتكاز العرفي يساعد على اعتبار ظهور وصف النجاسة في الماء لاختصاص الاستقذار العرفي بذلك وطروء وصف أجنبي أو زوال وصف الماء لا يوجب النفرة. ويعضده ظهور جملة من النصوص في ذلك، ففي صحيح شهاب الوارد في الجيفة تكون في الغير قال (ع): " إلا أن يغلب الماء الريح فينتن.. (إلى أن قال): قلت: فما التغير؟ قال (ع): الصفرة " (* 1). وفي موثق سماعة: " إذا كان النتن الغالب على الماء فلا يتوضأ ولا يشرب " (* 2). وفي خبر العلاء: " لا بأس إذا غلب لون الماء لون البول " (* 3). وفى صحيح ابن بزيع: " حتى يذهب الريح ويطيب طعمه " (* 4). فان ظاهر الجميع اعتبار التغير بوصف النجاسة في الجملة ولو كان ثبوته لها في حال الملاقاة للماء، كما عرفت في الاحتمال الثالث. وعلى هذا يكون هو المتعين. ومن ذلك يظهر الاشكال فيما ذكره المصنف - رحمه الله - في المسألة اللاحقة بقوله: " لا فرق بين ". فلاحظ وتأمل.


(* 1) الوسائل باب: 9 من أبواب الماء المطلق حديث: 11. (* 2) الوسائل باب: 3 من أبواب الماء المطلق حديث: 6. (* 3) الوسائل باب: 3 من أبواب الماء المطلق حديث: 7 (* 4) الوسائل باب: 3 من أبواب الماء المطلق حديث: 12.

[ 125 ]

[ العرضي، أو ريحه العرضي. (مسألة 13): لو تغير طرف من الحوض - مثلا - تنجس، فان كان الباقي أقل من الكر تنجس الجميع (1)، وان كان بقدر الكر بقي على الطهارة وإذا زال تغير ذلك البعض طهر الجميع ولو لم يحصل الامتزاج، على الاقوى (2) ] (1) لانفعال الباقي بملاقاة المتغير. (2) كما نسب إلى الاكثر، وعن المحقق والشهيد الثانيين واكثر من تأخر عنهما التصريح به. بل قيل: " لم يعرف القول بالامتزاج من قبل المحقق في المعتبر ". وان كان ذلك لا يخلو عن نظر. لصحيح ابن بزيع عن الرضا (ع): " ماء البئر واسع لا يفسده شئ، إلا أن يتغير ريحه أو طعمه، فينزح حتى يذهب الريح ويطيب طعمه، لان له مادة " (* 1) ومحصل ما ينبغي أن يقال في تقريب الاستدلال: أن قوله (ع): " واسع " وان كان يحتمل أن يراد منه الكثير، لكن لما كان ذلك أمرا خارجيا عرفيا كان خلاف ظاهر البيان الوارد من الشارع. فيتعين أن يكون المراد منه أنه واسع الحكم. ولا سيما بملاحظة عدم المناسبة في التعبير عن الكثرة بالسعة وعليه فيكون قوله (ع): " لا يفسده شئ ". من قبيل التفصيل بعد الاجمال، فترجع الجملتان إلى مضمون واحد، ورجوع التعليل إليه محتمل وأما الاستثناء فلا معنى لرجوع التعليل إليه. أما قوله: " فينزح " فرجوع التعليل إليه وان كان ممكنا عقلا إلا أنه بعيد جدا، لخلوه عن المناسبة العرفية وأما قوله (ع): " حتى يذهب الريح.. ". فلما كان المستفاد منه أمرين أحدهما عرفي خارجي، وهو ترتب ذهاب الريح وطيب الطعم على النزح والثاني حصول الطهارة بذلك، كما هو مفاد حرف الانتهاء، لم يكن مانع


(* 1) الوسائل باب: 3 من ابواب الماء المطلق حديث: 12.

[ 126 ]

عقلي من رجوعه إلى كل منهما. لكن رجوعه إلى الاول يبعده أمور: (الاول): أنه أمر عرفي واضح التحقق، فيكون تعليله في لسان الشارع تعليلا على خلاف وظيفته وبيانا للواضح، (الثاني): أن ذهاب الريح لا يترتب على مجرد وجود المادة، وانما يترتب على ذلك منضما إلى تزايد الماء النقي، ونقص المتغير وغلبة الاول على الثاني، فلو رجع التعليل إليه لزم الاقتصار على بعض العلة في التعليل وهو خلاف الظاهر. (الثالث): أن المفاد المذكور ليس مدلولا عليه بالكلام ولا مما سيق لاجله، وانما هو متصيد. وهذا بخلاف المفاد الثاني كما لا يخفى. ومن ذلك يظهر لك الاشكال فيما عن الشيخ البهائي (ره) في الحبل المتين من إجمال التعليل، لاحتمال رجوعه إلى ترتب ذهاب الريح وطيب الطعم على النزح، نظير قولك: لازم غريمك حتى يوفيك حقك فانه يكره ملازمتك. وعلى ما ذكرنا فالمتعين ارجاع التعليل إما إلى المفاد الثاني للفقرة الاخيرة وحده، أو مع الفقرة الاولى فيكون تعليلا لمجموع المفادين. والاول متيقن والاظهر الاخير. واحتمال ارجاعه إلى الفقرة الاولى فقط - فيكون تعليلا للدفع فقط - بعيد، لان الكلام السابق عليه مشتمل على الدفع والرفع معا وكون الرفع أقرب إليه، فيكون تعليل الدفع الذي هو أبعد إيهاما لخلاف المقصود، فهو خلاف الظاهر. بل عرفت أن رجوعه إلى الرفع الذي هو أقرب متيقن ورجوعه إليه والى الدفع الابعد أظهر، لان تخصيصه بأحدهما دون الآخر مع احتياج كل منهما إليه بلا مخصص، فهو خلاف الظاهر. وكون الثاني من متعلقات الاول - لو تم - فأولى أن يقتضي الرجوع اليهما معا لا إلى احدهما وحده. على أن تعلق الثاني بالاول من جهة عطفه عليه

[ 127 ]

[ (مسألة 14): إذا وقع النجس في الماء فلم يتغير، } بالفاء، والتعلق بالعطف لا يمنع من كون الثاني متيقنا في مرجعية التعليل. ثم إن مقتضى ظهور التعليل في العموم للمورد وغيره عدم الفرق بين ماء البئر وغيره، فيشمل المقام وان لم يصدق عرفا على مقدار الكر أنه مادة، لان الارتكاز العرفي يقتضي كون المراد من المادة مطلق المعتصم وان لم يسم بالمادة. ولو بني على الاقتصار في التعليل على خصوص ما يسمى بالمادة كان تعليلا تعبديا، وهو خلاف الظاهر. فان قلت: مورد التعليل صورة امتزاج ما في المادة بالماء المتغير على نحو يزول تغيره بتوسط النزح، لان الحكم المعلل مطهرية زوال التغير بتوسط النزح، وهو إنما يكون مع الامتزاج لا بدونه، فكيف يستفاد من التعليل مطهرية الاتصال مطلقا؟! قلت: خصوصية النزح ليست معتبرة. أولا: للاجماع على كفاية الامتزاج ولو لم يكن نزح. وثانيا: لاجل أن البناء على اعتبارها تعبدا يوجب حمل التعليل على التعبدي لعدم دخل النزح في الطهارة في مرتكز العرف، وانما الدخيل مجرد زوال التغير بأي سبب كان، فإذا بني لذلك على الغاء خصوصية النزح كان المدار على مجرد زوال التغير. وأما الامتزاج وغيره من الخصوصيات الموجودة في ماء البئر عند ذهاب تغيره فالغاؤها لازم، للاقتصار في التعليل على ذكر المادة فلو كانت خصوصية غيرها دخيلة في الطهارة عند زوال الريح كان اللازم ذكرها، فعدم التعرض لذلك دليل على عدم اعتباره. والمتحصل مما ذكرنا: أن ظاهر الصحيح الشريف رجوع التعليل إلى الدفع والرفع معا، فكما أن الاتصال بالمادة موجب لاعتصام للماء حدوثا كذلك يوجب ارتفاع النجاسة عند زوال التغير الموجب للنجاسة.

[ 128 ]

[ ثم تغير بعد مدة، فان علم استناده إلى ذلك النجس تنجس، وإلا فلا (1). (مسألة 15): إذا وقعت الميتة خارج الماء ووقع جزء منها في الماء (2) وتغير بسبب المجموع من الداخل والخارج، تنجس (3)، بخلاف ما إذا كان تمامها خارج الماء. (مسألة 16): إذا شك في التغير وعدمه، أو في كونه للمجاورة أو بالملاقاة، أو كونه بالنجاسة أو بطاهر، لم يحكم بالنجاسة (4). (مسألة 17): إذا وقع في الماء دم وشئ طاهر أحمر فاحمر بالمجموع لم يحكم بنجاسة (5). ] (1) للاصل. (2) يعنى: بعضها في الماء وبعضها في الارض. (3) كما استظهره شيخنا الاعظم (ره) (* 1) لاطلاق النصوص، مع أن الغالب الجيفة التي تكون في الماء بروز بعضها. والتفكيك بينه وبين فرض المسألة في الحكم بعيد عن المرتكز العرفي والبناء على الطهارة فيهما معا في صورة الاستناد إلى الداخل والخارج كما ترى. بل من المحتمل شمول الاطلاقات لصورة الاستناد إلى ما هو خارج فقط بلا مشاركة ما هو في الماء نعم لو كانت الجيفة في الخارج وبعضها اليسير في الماء كطرف رجلها وذنبها ونحوهما لم تبعد دعوى الانصراف عن مثله. (4) لاصالة عدم التغير، وعدم الملاقاة، وعدم التغير بالنجس. (5) بل ينبغى الحكم بها لو كان بعض مراتب الحمرة مستندا إلى الدم


(* 1) المحقق الشيخ الانصاري.

[ 129 ]

[ (مسألة 18): الماء المتغير إذا زال تغيره بنفسه من غير اتصاله بالكر أو الجاري لم يطهر (1). نعم الجاري والنابع ] وبعضها مستندا إلى الاحمر، لتحقق التغير بالنجاسة عرفا على سبيل الاستقلال نعم لو كان التغير بمرتبة ضعيفة، بحيث كان أثر الدم استقلالا غير محسوس لم يبعد ما في المتن، لظهور الادلة في الاستناد الاستقلالي. (1) إجماعا في القليل - كما قيل - وعلى المشهور في الكثير. وعن يحيى بن سعيد: القول بالطهارة فيه. لاصالة الطهارة. وللنصوص الدالة على إناطة النجاسة بالتغير وجودا وعدما. وللخبر: " إذا بلغ الماء قدر كر لم يحمل خبثا " (* 1). ولقول الرضا (ع) في صحيح ابن بزيع المتقدم: " حتى يذهب الريح ويطيب طعمه " (* 2) بناء على كون (حتى) تعليلية مع رجوع التعليل إلى الامر العرفي كما سبق احتماله في الحبل المتين. وفيه: أن أصل الطهارة محكوم باستصحاب النجاسة. والاشكال على الاستصحاب: بأن موضوع اليقين فيه المتغير وموضوع الشك غير المتغير، فيتعدد فيه الموضوع، ومع تعدد الموضوع لا يجري الاستصحاب. مندفع: بأن التغير وعدمه من قبيل الاحوال، التى لا يوجب اختلافها تعددا في الموضوع عرفا، كما حقق في محله. وأما النصوص: فظاهرها إناطة النجاسة حدوثا بالتغير وعدمه، لا ما يعم الحدوث والبقاء، كي تصلح حجة في المقام وأما الخبر: فسيأتي - إن شاء الله تعالى - في حكم المتمم كرا الاشكال فيه، لضعف سنده، وهجره عند المشهور، ومعارضته بما دل على انفعال


(* 1) السرائر صفحة: 8. (* 2) الوسائل باب: 3 من ابواب الماء المطلق حديث: 12.

[ 130 ]

[ إذا زال تغيره بنفسه طهر، لاتصاله بالمادة. وكذا البعض من الحوض إذا كان الباقي بقدر الكر كما مر (1). ] الماء القليل (* 1). نعم لو جاز العمل به هناك تعين العمل به هنا، لان خروج الماء عنه حال التغير إنما يقتضي تقييد اطلاقه الاحوالي، لا تخصيص عمومه الافرادي، فإذا وجب الخروج عنه في حال تعين الرجوع إليه في غيره من الاحوال، لوجوب الرجوع إلى المطلق مع الشك في التقييد، فإذا شك في طهارته في حال زوال التغير كان اطلاقه الدال على الطهارة مرجعا رافعا للشك، فلا مجال لاستصحاب النجاسة. وأما صحيح ابن بزيع: فكون (حتى) فيه تعليلية غير ظاهر، وانما تتعين (حتى) لذلك إذا لم يمكن استمرار ما قبلها بدون ما بعدها، مثل: أسلم حتى تسلم، أما إذا أمكن استمراره كذلك فهي فيه للغاية. نعم ربما يكون مدخولها علة غائية وربما لا يكون، والحمل على واحد منهما بعينه يحتاج إلى قرينة، وهي مفقودة في المقام. وقد عرفت ضعف احتمال رجوع التعليل إلى الامر العرفي. (1) ومر وجهه في شرح المسألة الثالثة عشرة.


(* 1) يأتي منه قدس سره في المسألة الرابعة عشرة من فصل الماء الراكد الاشكال بذلك تبعا لما هو المشهور بين الفقهاء. لكنه قدس سره دفع المعارضة واستشكل في الخبر بضعف الدلالة. فراجع.

[ 131 ]

[ فصل الماء الجاري - وهو النابع (1) السائل على وجه الارض (2) فوقها أو تحتها، كالقنوات - لا ينجس بملاقاة النجس ما لم يتغير، سواء كان كرا أو أقل (3). ] فصل في حكم الماء الجارى (1) بلا خلاف فيه، كما عن جماعة. وفي جامع المقاصد: إن الجاري لا عن نبع من أقسام الراكد، يعتبر فيه الكرية اتفاقا ممن عدا ابن أبى عقيل انتهى. ويساعده المتفاهم العرفي، فان الاستعداد للجريان مقوم لمفهوم الجاري وما لا يكون له نبع فاقد لذلك الاستعداد. نعم الجاري لغة أعم من ذلك. (2) كما نص عليه جماعة. لكن في المسالك: أنه النابع غير البئر سواء جرى أم لا. انتهى. فان أراد أنه كذلك لغة أو عرفا فممنوع. وان أراد أنه كذلك اصطلاحا فغير ظاهر، لما عرفت من تصريح جمع بخلافه. (3) أما نجاسته مع التغير فمتفق عليها نصا وفتوى. وأما عدم نجاسته بالملاقاة - وان كان قليلا - فظاهر محكي عبارات جماعة انه اجماعي، بل عن حواشي التحرير نقل الاجماع عليه صريحا، وفي الجواهر: " يمكن للمتروي في كلمات الاصحاب تحصيل الاجماع على عدم اشتراط الكرية ". ويشهد له التعليل في صحيح ابن بزيع المتقدم (* 1)، على ما عرفت


(* 1) راجع المسألة: 13 من الفصل الاول في المياه.

[ 132 ]

من عمومه للمقام. وصحيح داود بن سرحان: " قلت لابي عبد الله (ع): ما تقول في ماء الحمام؟ قال (ع): بمنزلة الماء الجاري (* 1). لكن يشكل باجمال الحكم الملحوظ في التنزيل، إذ يحتمل أن لا يكون هو الاعتصام ولا قرينة في الكلام على تعيينه. وأما الاشكال: بأنه على خلاف المطلوب أدل، بناء على اشتراط بلوغ المادة ولو مع ما في الحياض كرا، لان مقتضى التنزيل مساواة الشيئين في الحكم. (فيدفعه): أن التنزيل إنما يقتضى ثبوت حكم ذي المنزلة لما جعل بمنزلته، أعني: حكم الجاري لماء الحمام، لا حكم ماء الحمام للجاري ولو سلم فغاية ما يقتضي ذلك اعتبار الكرية في مادة الجاري - ولو بضميمة الخارج عنها - ولا مضايقة في ذلك. لكن حينئذ يدل على عدم اعتبار الكرية في الماء الجاري كما ذهب إليه العلامة (ره) ومن تبعه. نعم من هنا يظهر أنه لو فرض ظهور الرواية في كون التنزيل بلحاظ الاعتصام لا حكم آخر مجهول فلا يظهر منها التنزيل في الاعتصام مطلقا، بل من الجائز أن يكون التنزيل بلحاظ الاعتصام في حال كون المادة كرا، وعدمه عند كونها دون الكر، فاعتصام الجاري مطلقا مما لا يمكن اثباته من الرواية بوجه. نعم لا يتوجه هذا الاشكال على رواية ابن أبي يعفور (* 2) المتضمنة أن ماء الحمام كماء النهر يطهر بعضه بعضا، للتصريح فيها بكون الاعتصام هو الملحوظ في التنزيل. كما لا يتوجه عليها الاشكال بمنع عموم النهر للقليل إذ هو خلاف الاطلاق. كالاشكال بمنع اختصاص النهر بما له نبع، إذ هو لا يقدح في الاستدلال بها على حكم ذي النبع.


(* 1) الوسائل باب: 7 من ابواب الماء المطلق حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 7 من ابواب الماء المطلق حديث: 7.

[ 133 ]

نعم تشكل هذه الرواية: بأن ظاهر قوله (ع): " يطهر بعضه بعضا " أن الاعتصام يكون لماء النهر بنفسه، لا بالمادة، وحيث عرفت الاتفاق على أن مالا مادة له بحكم المحقون يتعين له حمل الرواية على النهر المشتمل على الكر وتكون أجنبية عما نحن فيه (ودعوى): أن حملها على الكر يستوجب الغاء خصوصية النهرية. (يدفعها): أن ارتكاب ذلك أولى من التصرف في ظاهر قوله (ع): " يطهر.. " بحمله على التطهير بالمادة وأما الاشكال عليها: بأن مقتضى المماثلة المساواة من الطرفين.. إلى آخر ما تقدم في صحيح ابن سرحان. فقد عرفت ما فيه، وأنه لا مضايقة في الالتزام باعتبار الكرية في المادة في الجاري وغير ولو بضميمة ما في الحياض. بل لا يبعد اعتبار الكرية فيها مستقلة - وإن قيل: انه لا قائل به ظاهرا - لانصراف اطلاق المادة في التعليل إلى ما كانت كرا، بقرينة الارتكاز العرفي المتعين حمل التعليل عليه، فان البناء على الاخذ بالاطلاق يوجب كون التعليل تعبديا، إذ لا ارتكاز عرفي يساعد على كون المادة مطلقا عاصمة لغيرها. فلاحظ. ثم إن اعتبار الكرية في المادة مستقلة أو بضميمة ما في الحياض، أجنبي عن مذهب العلامة (ره)، فدعوى: أنه عين مذهب العلامة في الجاري غير ظاهرة. ومن ذلك تعرف وجوه النظر في كلمات شيخنا الاعظم (ره) في طهارته. فراجع. وأما صحيحة ابن مسلم في الثوب يصيبه البول: " فان غسلته في ماء جار فمرة واحدة " (* 1) فالاستدلال بها يتوقف إما على اعتبار التعدد في غير المعتصم، أو على اعتبار ورود الماء في غير المعتصم مع ظهورها في ورود النجاسة على الماء: وكلا المبنيين غير ظاهر. نعم ورد في البول وجوب


(* 1) الوسائل باب: 2 من ابواب النجاسات حديث: 1.

[ 134 ]

[ وسواء كان بالفوران أو بنحو الرشح (1). ومثله كل نابع وان كان واقفا (2). (مسألة 1): الجاري على الارض من غير مادة نابعة ] التعدد. لكن لا مانع من تخصيصه بغير الجاري، عملا بالصحيح المذكور. ومن هذا كله يظهر لك: أن العمدة في اعتصام الجاري - وان كان قليلا - عموم التعليل في صحيح ابن بزيع وكفى به حجة على ذلك. وبه يظهر ضعف ما ذهب إليه العلامة (ره) في اكثر كتبه - وتبعه عليه الشهيد الثاني (ره) في المسالك، والروض، والروضة - من اعتبار الكرية فيه تمسكا بعموم ما دل على انفعال القليل، إذ هو مخصص بالتعليل المذكور حتما، لان ظهور التعليل في العموم أقوى من ظهور ذلك الدليل فيه. ولو سلم التساوي فلاجل أن بينهما عموم من وجه، يتعين الرجوع إلى عموم النبوي الدال على اعتصام الماء مطلقا ولو كان قليلا ما لم يتغير، أو إلى أصالة الطهارة. (1) لاطلاق المادة. وفي الحدائق عن والده (ره): عدم تطهير الآبار التي في بعض البلدان بالنزح بل بالقاء كر، لان ماءها يخرج رشحا. انتهى وفيه: أن ذلك لا يأبى شمول اطلاق المادة له. نعم بناء على ما عرفت من اتفاقهم على اعتبار النبع في الجاري قد يشكل صدقه إذا كانت المادة راشحة لخروج الرشح عن النبع. لكن الظاهر أن المراد من النبع ما هو أعلم من الرشح مقابل مالا مادة له. ولو سلم ذلك فلا يهم بعد ما عرفت من أن العمدة في دليل حكم الجاري مادل على عاصمية المادة، وهي أعم من الرشح بل قد قيل، إن الغالب في الآبار الرشح. (2) لما عرفت من عموم التعليل في صحيح ابن بزيع.

[ 135 ]

[ أو راشحة إذا لم يكن كرا ينجس بالملاقاة (1). نعم إذا كان جاريا من الاعلى إلى الاسفل لا ينجس أعلاه بملاقاة الاسفل للنجاسة (2)، وان كان قليلا. (مسألة 2): إذا شك في أن له مادة أم لا وكان قليلا، ينجس بالملاقاة (3). ] (1) لعدم شمول التعليل له. ونصوص الجاري، لو تمت دلالتها على اعتصامه فهي غير واضحة الشمول للفرض، كما عرفت. (2) كما تقدم في المسألة الاولى من الفصل السابق. نعم لو لم يكن الجريان بقوة ودفع تعين البناء على سراية النجاسة إلى العالي، لموافقته للمرتكز العرفي. (3) لان الجمع بين ما دل على انفعال القليل، وما دل على اعتصام ذي المادة يقتضي كون موضوع الانفعال القليل الذي ليس له مادة، فإذا أحرزت قلة الماء، وجرت أصالة عدم المادة، فقد أحرز موضوع الانفعال بعضه بالوجدان، وبعضه بالاصل، فيترتب حكمه. ثم إن الشك في وجود المادة (تارة): يكون في وجودها المقارن لوجود الماء. (وأخرى): في وجودها اللاحق بعد وجود الماء. وفي الصورة الثانية: إن علم بانتفائها قبل زمان الشك بني على استصحاب عدمها فيترتب الحكم بلا إشكال. وان علم بوجودها قبل زمان الشك بني على استصحاب وجودها، ويترتب حكمه وهو الاعتصام بلا إشكال أيضا. أما في الصورة الاولى: فأصالة العدم فيها من قبيل استصحاب العدم الازلي الثابت قبل وجود الموضوع، وهو محل كلام بين الاعلام، وإن كان الاظهر جريانه، لعموم الادلة بعد اجتماع أركانه من اليقين والشك (ودعوى): أن العدم الازلي مغاير للعدم اللاحق للوجود، لكون الاول

[ 136 ]

عدما لعدم الموضوع، الثاني عدما لعدم المقتضي أو لوجود المانع، وليس عدم الموضوع دخيلا فيه، لفرض وجوده. (مندفعة): بأن هذا الاختلاف لا يستوجب اختلافهما ذاتا، وانما يستوجب اختلافهما منشأ وعلة، وذلك لا يمنع من إجراء الاستصحاب، ولا يوجب التعدد عرفا، كما يظهر من ملاحظة النظائر، فانه يجوز استصحاب ترك الاكل والشرب للصائم بعد الغروب، مع أن الترك إلى الغروب كان بداعي الامر الشرعي - وهو منتف بعد الغروب - والترك بعده لابد أن يكون بداع آخر. فان قلت: عدم العارض لما كان نقيضا لوجود العارض، ولابد من وحدة الرتبة بين النقيضين، ومن المعلوم أن وجود العارض متأخر رتبة عن وجود المعروض، فعدم العارض المأخوذ قيدا في الحكم لابد أن يكون متأخرا رتبة عن وجود الموضوع، والعدم الازلي ليس كذلك، لانه سابق على وجود الموضوع. قلت: السبق الزماني على وجود الموضوع لا ينافي التأخر الرتبي عنه فانه وجود المعدوض وعدمه نقيضان، وهما في رتبة واحدة، ووجود العارض وعدمه نقيضان وهما في رتبة واحدة أيضا، فعدم العارض لما كان بمنزلة المعلول لعدم المعروض كان متأخرا عنه رتبة، وهو عين تأخره عن وجود المعروض المتأخر زمانا، لكون وجود المعروض في رتبة عدمه فالمتأخر عن أحدهما متأخر عن الآخر، وتأخر وجود المعروض زمانا لا ينافي ذلك. وبالجملة: ثبوت شئ لشئ فرع ثبوت المثبت له، ومقتضى الفرعية الانتفاء عند الانتفاء المعبر عنه بالسالبة بانتفاء الموضوع، فإذا وجد زيد بعد العدم صح أن يقال: لم يكن زيد موجودا - يعنى: قبل أن يوجد - كما يصح أن يقال: لم يكن زيد هاشميا، وبعد ما تبدل الاول بنقيضه وصح أن يقال: وجد زيد، فإذا شك في تبدل الثاني بنقيضه يبنى على بقائه،

[ 137 ]

[ (مسألة 3): يعتبر في عدم تنجس الجاري اتصاله بالمادة (1) فلو كانت المادة من فوق تترشح وتتقاطر، فان كان دون الكر ينجس. نعم إذا لاقى محل الترشح للنجاسة لا ينجس. ] فيقال بعد ما وجد زيد: لم يكن هاشميا. بالاستصحاب، وقد عرفت أن السلب بانتفاء الموضوع عين السلب بانتفاء المحمول لا غيره، فلا مانع من استصحابه عند الشك فيه. ودعوى: أن التقابل بين عدم المحمول ووجوده المأخوذين في موضوع الحكم الشرعي - مثل القرشية واللاقرشية - تقابل العدم والملكة، لا تقابل النقيضين، وعدم العارض عند عدم المعروض يقابل وجود العارض عند وجود المعروض تقابل النقيضين، فلا يكون أحدهما عين الآخر، كي تكون القضية المتيقنة عين القضية المشكوكة كي يصح الاستصحاب. (لا مأخذ) لها ظاهر، فان المذكور في كلامهم أن نقيض الجزاء يثبت مع نقيض الشرط ففي قوله (ع): " لان له مادة " يكون المفهوم: (إذا لم يكن له مادة) الذي هو نقيض: كان له مادة. وكذلك مثل قوله: " إن كانت المرأة قرشية تحيض إلى الستين " يكون المفهوم: " إذا لم تكن المرأة قرشية لا تحيض إلى الستين " فشرط المفهوم نقيض شرط المنطوق. (وبالجملة): الوحدة بين العدمين - عرفا - لا مجال لانكارها، وهي كافية في صحة الاستصحاب ومن ذلك كله يظهر أن استصحاب العدم الازلي لاثبات القيد السلبي في محله. وقد أطال بعض الاعاظم من مشايخنا (* 1) في تقريب المنع من جريان الاصل المذكور، بترتيب مقدمات غير واضحة في نفسها، ولا في صلاحيتها لنفي الاستصحاب المبني على صدق الشك في البقاء عرفا وإن لم يصدق عقلا. (1) هذا مما لا ريب فيه، فانه منصرف الدليل، لمطابقته للمرتكز العرفي


(* 1) الميرزا النائيني (قدس سره).

[ 138 ]

[ (مسألة 4): يعتبر في المادة الدوام (1)، فلو اجتمع الماء من المطر أو غيره تحت الارض ويترشح إذا حفرت لا يلحقه حكم الجاري. ] (1) قال الشهيد (ره) في الدروس: " ولا يشترط فيه - أي في الجاري - الكرية على الاصح. نعم يشترط دوام النبع ". وظاهر العبارة غير مراد قطعا. فيحتمل أن يكون المراد الاحتراز عن العيون التي لا يتصل نبعها لضعف الاستعداد فيه فتنبع آنا وتقف آنا، كما عن المحقق الكركي احتماله. أو الاحتراز به عن العيون التي يقف نبعها لسد المادة. أو الاحتراز عن العيون التي يقف نبعها لوصول الماء إلى حد مساو لسطح النبع، فإذا نقص من الماء شئ نبعت حينئذ. أو الاحتراز عن العيون التي تنبع في الشتاء وتجف في الصيف، فلا يدوم في فصول السنة، كما عن كثير احتماله بل عن المحقق الكركي: أن اكثر المتأخرين عن الشهيد - رحمه الله - ممن لا تحصيل لهم فهموا هذا المعنى من كلامه. انتهى. والاظهر منها الاول كما أن الحكم بعدم الاعتصام في الثانية ظاهر، لعدم الاتصال. وفي الاخيرتين مشكل، لانه خلاف الاطلاق. وأما الاولى فان كان الآن الذي يكون فيه النبع مما يعتد به عرفا في صدق أن له مادة، كان الماء معتصما في ذلك الآن لا غيره. وإن كان لا يعتد به فلا اعتصام للماء حينئذ دائما. وأما الدوام في عبارة المتن فالمراد منه غير ظاهر. نعم في الجواهر: ان الثمد - وهو ما يتحقق تحت الرمل من ماء المطر كما عن الاصمعي وغيره - الاقوى الحاقه بالمحقون مطلقا، جرى أو لم يجر، للاستصحاب مع الظن أو القطع بعدم شمول ذي المادة له، لا أقل من الشك فيبقى على حكم المحقون من القليل أو الكثير. اللهم إلا أن يفرض كونه على وجه يصدق ذو المادة عليه. أو يقال: إنه مطلقا من ذي المادة

[ 139 ]

{ (مسألة 5): لو انقطع الاتصال بالمادة - كما لو اجتمع الطين فمنع من النبع - كان حكمه حكم الراكد (1)، فان أزيل الطين لحقه حكم الجاري وان لم يخرج من المادة شئ، فاللازم مجرد الاتصال. (مسألة 6): الراكد المتصل بالجاري كالجاري (2)، فالحوض المتصل بالنهر بساقية يلحقه حكمه، وكذا أطراف النهر وان كان ماؤها واقفا. ] أو بحكمه ولو مع الشك، كما ستعرف. انتهى. وأشار بما ذكره أخيرا إلى ما ذكره بعد ذلك من أن عموم الادلة يقتضي اعتصام كل ماء، والخارج عنه القليل المعلوم عدم المادة له كالحياض والغدران ونحوهما. انتهى. وحاصل وجه الاشكال في اعتصام الثمد ونحوه التشكيك في شمول ذي المادة له. لكنه غير ظاهر، لصدق المادة فيه كغيره. وأما ما ذكره اخيرا من وجه الاعتصام، فهو على خلاف إطلاق أدلة انفعال القليل. واختصاصه بالمعلوم عدم المادة له غير ظاهر الوجه، بل إطلاقه شامل للمعلوم وجود المادة له. غاية الامر يجب الخروج عنه بما دل على الاعتصام بالمادة، فإذا شك في صدق المادة بنحو الشبهة الموضوعية يتعين الرجوع إلى الاصول، بناء على التحقيق من عدم جواز التمسك بالعام في الشبهة المصداقية. وكيف كان فالدوام في عبارة المصنف رحمه الله لا يخلو من إجمال. (1) لما عرفت من ظهور دليل الاعتصام بالمادة في اعتبار الاتصال بها، فإذا انقطع الاتصال لا يدخل المورد تحت ذلك الدليل، ويتعين الرجوع إلى عموم انفعال القليل. (2) لصدق أن له مادة.

[ 140 ]

[ (مسألة 7): العيون التي تنبع في الشتاء - مثلا - وتنقطع في الصيف يلحقها الحكم في زمان نبعها (1). (مسألة 8): إذا تغير بعض الجاري دون بعضه الآخر فالطرف المتصل بالمادة لا ينجس بالملاقاة (2) وان كان قليلا (3) والطرف الآخر حكمه حكم الراكد (4) إن تغير تمام قطر ذلك البعض المتغير، وإلا فالمتنجس هو المقدار المتغير فقط، لاتصال ما عداه بالمادة ] (1) قد تقدم أن المحكي عن جماعة ممن تأخر عن الشهيد - رحمه الله - أنهم فهموا من اعتبار الدوام في النبع في اعتصام الجاري المذكور في عبارة الدروس الاحتراز عن العيون التي تنبع في الشتاء وتجف في الصيف. وعن المحقق الثاني إنكاره، وأنه لا شاهد له من الاخبار ولا يساعد عليه الاعتبار وأنه تخصيص لعموم الدليل بمجرد التشهي. وجعل من فهم ذلك من عبارته ممن لا تحصيل له. وأنه منزه عن أن يذهب إلى مثله، فانه تقييد لاطلاق النص بمجرد الاستحسان، وهو أفحش أغلاط الفقهاء. (2) لاتصاله بالمادة. (3) لما عرفت من عدم اعتبار الكرية في اعتصام المتصل بالمادة. بل عن بعض الحكم بعدم الانفعال مع القلة وإن اعتبرنا الكرية في الجاري لان جهة المنع في الجاري أعلى سطحا فلا تسري النجاسة إليه من المتغير السائل عنه. وفيه: أن العلو الموجب للجريان لا يمنع من سراية النجاسة إلى العالي. (4) يعني يعتصم إن كان كرا، لعموم اعتصام الكر. وينفعل إن كان قليلا، لعموم انفعال القليل واحتمال طهارته - عملا باطلاق ما دل

[ 141 ]

[ فصل الراكد بلا مادة إن كان دون الكر ينجس بالملاقاة (1) من غير فرق بين النجاسات، حتى برأس إبرة. ] على اعتصام المتصل بالمادة - يندفع بانصراف الاطلاق إلى صورة اتصال الاثر، لا بنحو يكون منفصلا كالطفرة. فان ذلك خلاف المرتكز العرفي المنزل عليه التعليل. ومن ذلك يظهر لك الاشكال فيما ذكره في الجواهر، فانه - بعد ما جزم بأن الحكم بالطهارة في غاية الضعف - قال " والمسألة لا تخلو من تأمل، لانه يمكن أن يقال: إن تغير بعض الجاري لا يخرج البعض الآخر عن هذا الاطلاق. وأيضا احتمال الدخول تحت الجاري معارض باحتمال الخروج، فيبقى أصل الطهارة سالما، فيحكم عليه بالطهارة ". إذ فيه: أن الانصراف موجب للخروج عن الاطلاق. وأن معارضة احتمال الدخول باحتمال الخروج مرجعها إلى إجمال دليل اعتصام الجاري، والمتعين الرجوع حينئذ إلى عموم انفعال القليل، لا أصالة الطهارة. فصل في الراكد بلا مادة (1) إجماعا صريحا وظاهرا، حكاه جماعة كثيرة من القدماء والمتأخرين ومتأخريهم، وبعضهم استثنى ابن أبى عقيل، وكأن اطلاق غيرهم لعدم اعتنائهم بخلافه. وعن صاحب المعالم والعلامة المجلسي والمحقق البهبهاني: ان الاخبار بذلك متواترة، وفي الرياض: " جمع منها بعض الاصحاب

[ 142 ]

مائتي حديث " وعن العلامة الطباطبائي قدس سره - في أثناء تدريسه في الوافي - أنها تزيد على ثلاثمائة رواية. منها الطائفة المتضمنة قولهم (ع): " إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شئ " (* 1) الوارد بعضها ابتداء، وبعضها جوابا عن السؤال عن الماء الذي تبول فيه الدواب، وتلغ فيه الكلاب، ويغتسل فيه الجنب، وتدخله الدجاجة وقد وطئت العذرة. والمناقشة فيها بعدم عموم الشئ في المفهوم، لان نقيض السلب الكلي هو الايجاب الجزئي لو سلمت، فلا تقدح في الاستدلال فيما نحن فيه، لان المقصود هو الايجاب الجزئي في مقابل مذهب ابن أبى عقيل من السلب الكلي. وما ورد في سؤر الكلب والخنزير، مثل صحيح ابن مسلم عن أبي عبد الله (ع) قال: " سألته عن الكلب يشرب من الاناء. قال (ع): اغسل الاناء (* 2) وصحيح ابن جعفر (ع) عن أخيه موسى (ع) قال: " سألته عن خنزير شرب من إناء كيف يصنع به؟ قال (ع): يغسل سبع مرات " (* 3) وما ورد في الاناءين المشتبهين، كموثق سماعة عن أبي عبد الله (ع): " عن رجل معه إناءان فيهما ماء وقع في أحدهما قذر لا يدري أيهما هو وليس يقدر على ماء غيره. قال (ع): يهريقهما جميعا ويتيمم " (* 4) ونحوه موثق عمار (* 5)، وموثق أبي بصير عن أبي عبد الله (ع) قال (ع): " إذا أدخلت يدك في الاناء قبل أن تغسلها فلا بأس، إلا أن يكون أصابها. قذر بول أو جنابة، فان أدخلت يدك في الماء وفيها شئ من ذلك فاهرق


(* 1) راجع أحاديث باب: 9 من ابواب الماء المطلق من الوسائل. (* 2) الوسائل باب: 1 من ابواب الاسئار حديث: 3. (* 3) الوسائل باب: 1 من ابواب الاسئار حديث: 2. (* 4) الوسائل باب: 8 من ابواب الماء المطلق حديث: 2. (* 5) الوسائل باب: 8 من ابواب الماء المطلق حديث: 14.

[ 143 ]

ذلك الماء " (* 1) ونحوه غيره مما ورد في الجنب وغيره.. إلى غير ذلك من النصوص الواردة في أبواب الماء المحقون، والجاري، والحمام، والبئر، ومباحث النجاسات، وغير ذلك. هذا ولم يعرف الخلاف في ذلك إلا من ابن أبي عقيل وتبعه عليه الكاشاني والفتوني. واستدل لهم بروايات هي ما بين مطلق قابل للتقييد بما سبق كالنبوي (* 2) ونحوه. أو ظاهر في الكثير، كالروايات الواردة في الغدير الواقع فيه جيفة، وأنه لا بأس به إذ غلب الماء ريح الجيفة (* 3) أو مجمل، مثل صحيح زرارة عن أبي عبد الله (ع) قال: " سألته عن الحبل من شعر الخنزير يستقي به الماء من البئر أيتوضأ من ذلك الماء؟ قال (ع): لا بأس " (* 4) إذ لا يعلم أن السؤال كان لاجل تقاطر الماء من شعر الخنزير في ماء الدلو، أو من جهة الشك في التقاطر، أو من جهة انفعال ماء البئر، أو من جهة استعمال شعر الخنزير في الوضوء العبادي فعلى الاحتمالات الثلاثة الاخيرة يكون أجنبيا عما نحن فيه. وأما خبر محمد بن ميسر: " عن الرجل الجنب ينتهي إلى الماء القليل في الطريق، ويريد أن يغتسل منه، وليس معه إناء يغرف به، ويداه قذرتان. قال (ع): يضع يده ويتوضأ ثم يغتسل. هذا مما قال الله


(* 1) الوسائل باب: 8 من الماء المطلق حديث: 4. (* 2) الوسائل باب: 1 من ابواب الماء المطلق حديث: 9 وأكثر أحاديث هذا الباب يدل على اطلاق طهورية الماء (* 3) الوسائل باب: 3 من ابواب الماء المطلق حديث: 11، 13، وباب: 9 من ابواب الماء المطلق حديث: 1. (* 4) الوسائل باب: 14 من ابواب الماء المطلق حديث: 2.

[ 144 ]

عزوجل: (ما جعل عليكم في الدين من حرج) (* 1) " (* 2) فغير ظاهر في القليل بمعنى ما لم يكن كرا، بل من الجائز أن يكون المراد منه مالا يمكن الاغتسال بنحو الارتماس فيه. ولاسيما بملاحظة الاستدلال بآية نفي الحرج فان اقتضاءه لاعتصام ما دون الكر خفي، بخلاف اقتضائه اعتصام مراتب الكر، فان لزوم الحرج من عدم اعتصامها ظاهر، كما لا يخفى مع أن ذكر الوضوء مع الغسل خلاف المذهب. نعم خبر زرارة عن أبي جعفر (ع): " قلت له: رواية من ماء سقطت فيها فارة أو جرذ أو صعوة ميتة. قال (ع): إذا تفسخ فيها فلا تشرب من مائها ولا تتوضأ وصبها، وإذا كان غير متفسخ فاشرب منه توضأ واطرح الميتة إذا أخرجتها طرية. وكذلك الجرة وحب الماء والقربة وأشباه ذلك من أوعية الماء. وقال أبو جعفر (ع): إذا كان الماء اكثر من رواية لم ينجسه شئ تفسخ فيه أو لم يتفسخ. إلا أن يجيئ له ريح تغلب على ريح الماء " (* 3) لا مجال للاشكال في دلالته على الاعتصام لكن التفصيل فيه بين التفسخ وعدمه مما لم يقل به أحد. وكذلك التفصيل بين الرواية وما زاد عليها. وحمل التفسخ على التغير يأباه ما في ذيله. كما أن حمل ما زاد على الرواية على الكر غريب، لانه خلاف المعهود من مقدار الرواية، ولا يناسبه التعبير المذكور، كما يظهر بأقل تأمل. ومثله في الدلالة خبر أبي مريم الانصاري: " كنت مع أبي عبد الله (ع) في حائط له فحضرت الصلاة فنزح دلوا للوضوء من ركي له فخرجت عليه قطعة عذرة يابسة فاكفأ رأسه وتوضأ بالباقي " (* 4) بناء على أن المراد


(* 1) الحج: 78. (* 2) الوسائل باب: 8 من ابواب الماء المطلق حديث: 5. (* 3) الوسائل باب: 3 من ابواب الماء المطلق حديث: 9 8 (* 4) الوسائل باب: 8 من ابواب الماء المطلق حديث: 12.

[ 145 ]

بالعذرة عذرة الانسان، كما هو الظاهر. لكن قال شيخنا الاعظم (ره): " إن أحدا لا يرضى أن يتوضأ الامام (ع) من هذا ". بل لا يرضى أحد أن يستعمل الامام (ع) هذا الماء في مطلق الانتفاع فضلا عن الوضوء. بل قد ورد الامر بالاراقة لمثله في جملة من النصوص (* 1)، فلا بد من توجيه الرواية قلنا بالنجاسة أو الطهارة. فلا يبعد إذا حمل العذرة فيه على الروث الطاهر، أو الحمل على خطأ الراوي في اعتقاده أنها عذرة. وليس ذلك بأبعد من حمل الفعل على إرادة بيان الجواز على تقدير القول بالطهارة. ومثلهما في الدلالة خبر علي بن جعفر (ع): " عن جنب أصابت يده جنابة فمسحها بخرقه ثم ادخل يده في غسله هل يجزؤه ان يغتسل من ذلك الماء؟ قال (ع): إن وجد ماء غيره فلا يجزؤه ان يغتسل، وان لم يجد غيره أجزأه " (* 2). لكن التفصيل المذكور فيه مما لم يقل به أحد. مع أن مورده المتنجس. ولو أغمض النظر عن هذه المناقشات في الروايات المذكورة لم يجز الاعتماد عليها - بعد إعراض جماهير الاصحاب عنها، وصيرورة الحكم بالانفعال من الواضحات المتسالم عليها عند الامامية - فضلا عن معارضتها لما عرفت ليلتزم بالجمع العرفي، بحمل نصوص الانفعال على الكراهة، أو اختلاف مراتب النجاسة والطهارة، فانه تأباه نصوص الانفعال باختلاف مواردها وأحكامها وألسنتها، كما لعله ظاهر بالتأمل فيها. وليس ورود مثل هذه النصوص الا كورود غيرها في كثير من المسائل المعلوم حكمها نصا وفتوى مما علم وقوع الخطأ فيه، إما في أصالة الجهة، أو في أصالة صحة النقل،


(* 1) الوسائل باب: 8 من ابواب الماء المطلق حديث: 2، 4، 7، 10، 11، 14، وباب: 1 من ابواب الاسئار حديث: 4، 5. (* 2) لم نعشر عليه في الوسائل، راجع قرب الاسناد المطبوع في ايران سنة 1370 ه‍ صفحة: 48.

[ 146 ]

أو غير ذلك، ولو بني على إعمال قواعد التعارض في مثله لزم تأسيس فقه جديد. ومنه سبحانه نستمد التأييد وهو حسبنا ونعم الوكيل. هذا وقد فصل استاذنا الاعظم (قدس سره) (* 1) بين النجس والمتنجس فبنى على طهارة الماء بملاقاء الثاني. إذ لا إجماع على الانفعال بملاقاته، ولا خبر دل عليه، خصوصا أو عموما، منطوقا أو مفهوما، لاختصاص الاخبار الخاصة بعين النجاسة وانسباقها من الشئ في الاخبار العامة - كما ادعي في خبر: " خلق الله الماء.. " (* 2) - ولا أقل من أنه القدر المتيقن. ولو سلم شمول المنطوق له فلا عموم في المفهوم، فان الظاهر أن يكون مثل: " إذا كان قد كر.. " (* 3) لتعليق العموم لا لتعليق كل فرد من أفراد العام، فيكون مفهومه إيجابا جزئيا والمتيقن عين النجاسة. ولو سلم عدم ظهوره في تعليق العموم فلا ظهور له في تعليق أفراد العام، وعموم: " خلق الله.. " يكون مرجعا، مضافا إلى استصحاب الطهارة أو قاعدتها. أقول: أما نفي الاجماع، فهو خلاف إطلاق معاقد الاجماعات المدعاة على انفعال الماء القليل. وستأتي أيضا حكاية الاجماع على تنجيس المتنجس - مطلقا - من جماعة كثيرة. وفي المحكي في جملة من عباراتهم دعوى الضرورة عليه. وأما أنه لا خبر يدل عليه، ففيه: أنه ظاهر جملة من النصوص كصحيح شهاب عن أبي عبد الله (ع): " في الرجل الجنب يسهو فيغمس يده في


(* 1) المحقق الخراساني (ره). (* 2) الوسائل باب: 1 من ابواب الماء المطلق حديث: 9. (* 3) الوسائل باب: 9 من ابواب الماء المطلق حديث: 1، 2، 5، 6.

[ 147 ]

الاناء قبل أن يغسلها أنه لا بأس إذا لم يكن أصاب يده شئ " (* 1) وقوية أبي بصير عنه (ع): " سألته عن الجنب يحمل الركوة أو التور فيدخل إصبعه فيه قال (ع): إن كانت يده قذرة فاهرقه وان كان لم يصبها قذر فليغتسل منه. هذا مما قال الله تعالى: (ما جعل عليكم في الدين من حرج) " (* 2) ونحوهما حسنة زرارة (* 3) وموثقة سماعة (* 4) وخبر علي بن جعفر (ع) (* 5). وفي صحيح البزنطي: " سألت أبا الحسن (ع) عن الرجل يدخل يده في الاناء وهي قذرة. قال (ع): يكفئ الاناء " (* 6) نعم قد يعارضها موثق أبى بصير المتقدم في أخبار الانفعال، فان صدره وان كان موافقا لما سبق، إلا أن التقلييد في ذيله بقوله (ع): " وفيها شئ من ذلك " يقتضى اشتراط الانفعال بملاقاة عين النجاسة. وكذا خبر ابن جعفر المتقدم في أخبار الاعتصام. لكن لا يبعد أن يكون المراد من الاول: " وقد كان فيها " ولو بقرينة ظهور كون الذيل تصريحا بمفهوم الشرط السابق في الصدر، أو بقرينة ظهور الاجماع على الانفعال بالمتنجس وأما الثاني فلو لم يدل على النجاسة لم يدل على الطهارة أيضا، إذ التفصيل لا يقول به أحد كما عرفت. وأما أن الشرط في أخبار الكر لتعليق العموم. (ففيه): أنه لو سلم كونه مقتضى التركيب في نفسه، فالظاهر منه في المقام كونه لتعليق


(* 1) الوسائل باب: 8 من ابواب الماء المطلق حديث: 3. (* 2) الوسائل باب: 8 من ابواب الماء المطلق حديث: 11. (* 3) الوسائل باب: 26 من ابواب الجناية حديث: 2. (* 4) الوسائل باب: 8 من ابواب الماء المطلق حديث: 9. (* 5) الوسائل باب: 8 من ابواب الماء المطلق حديث: 13. (* 6) الوسائل باب: 8 من ابواب الماء المطلق حديث: 7.

[ 148 ]

[ من الدم الذي لا يدركه الطرف (1) ] الافراد، بقرينة وروده مورد بيان حكم النجاسات المختلفة من بول الدواب وولوغ الكلاب، واغتسال الجنب، ودخول الدجاجة، والحمامة، وقد وطئت العذرة، التي قصد السؤال عن انفعال الماء بها، وبأمثالها من النجاسات والمتنجسات التي من شأنها التنجيس وليس واردا في خصوص النفي في مقابل الاثبات في الجملة، ولا في خصوص الاعيان المذكورة، كما يظهر بالتأمل. وعلى هذا فلا مجال للرجوع إلى عموم: " خلق الله الماء.. "، ولا إلى استصحاب الطهارة، أو قاعدتها. (1) عن الشيخ في الاستبصار طهارة الماء القليل عند ملاقاة مالا يدركه الطرف من الدم، كرؤوس الابر، وعن غاية المراد نسبته إلى كثير من الناس. لصحيح ابن جعفر (ع) عن أخيه (ع): " عن رجل رعف فامتخط فصار ذلك الدم قطعا صغارا فأصاب إناءه هل يصلح له الوضوء منه؟ فقال (ع): إن لم يكن شيئا يستبين في الماء فلا بأس وان كان شيئا بينا فلا تتوضأ منه " (* 1). والطعن في سنده بأن فيه محمد بن أحمد العلوي المجهول غير ظاهر - لو سلم - فانه مروي في الكافي بطريق صحيح ليس فيه العلوي الموجود في طريق الشيخ. ومثله الطعن في دلالته بأن إصابة الاناء لا تقتضي إصابة الماء. فان الظاهر منه إصابة نفس الماء، كما قد يشهد به لسان الجواب. نعم مورده أخص من المدعى، ومعرض عنه عند المشهور، فيسقط بذلك عن الحجية. إلا أن يقال: إن ظاهره عدم الانفعال بما لا يكون مرئيا من أجزاء الدم، وهذا هو مقتضى الاصل إذ لا دليل على نجاسة الذرات الدموية التي لا يدركها الطرف، لعدم ثبوت كونها دما عرفا، نظير الاجزاء المائية


(* 1) الوسائل باب: 8 من ابواب الماء المطلق حديث: 1.

[ 149 ]

[ سواء كان مجتمعا أم متفرقا مع اتصالها بالسواقي (1). فلو كان هناك حفر متعددة فيها الماء واتصلت بالسواقي، ولم يكن المجموع كرا، إذا لاقى النجس واحدة منها تنجس الجميع، وان كان بقدر الكر لا ينجس، وان كان متفرقا على الوجه المذكور، فلو كان ما في كل حفرة دون الكر وكان المجموع كرا، ولاقى واحدة منها النجس، لم تنجس، لاتصالها بالبقية. (مسألة 1): لا فرق في تنجس القليل بين أن يكون واردا على النجاسة (2) أو موردا. ] المنتشرة في البخار. لا أقل من انصراف دليل النجاسة عنها، أو دليل انفعال الماء بملاقاة النجاسة. وعلى هذا فان كان هذا هو مراد الشيخ (ره) فلا بأس به. وفي المبسوط جزم بعدم انفعاله بما لا يمكن التحرز منه، مثل رؤوس الابر من الدم وغيره، لانه لا يمكن التحرز عنه. انتهى. فان أراد ما ذكرنا ففي محله أيضا. وان أراد غيره فهو خلاف إطلاقات الانفعال والتعليل الذي ذكره غير ظاهر صغري وكبري. (1) لا طلاق الادلة. خلافا للمحكي عن المعالم من اعتبار الاجتماع وكأنه لدعوى الانصراف. لكنه - على تقدير ثبوته - بدوي لا يرفع الاطلاق هذا مع تساوي السطوح، أما مع الاختلاف فسيأتي. (2) خلافا للسيد المرتضى (ره) في الناصريات، والحلي في السرائر بل جعله الصحيح المستمر على أصل المذهب وفتاوي الاصحاب. قال السيد (ره): " والوجه فيه: إنا لو حكمنا بنجاسة القليل الوارد على النجاسة لادى ذلك إلى أن الثوب لا يطهر إلا بايراد كر من الماء عليه، وذلك يشق، فدل على أن الماء الوارد على النجاسة لا يعتبر فيه القلة والكثرة

[ 150 ]

[ (مسألة 2): الكر بحسب الوزن ألف ومائتا رطل بالعراقي (1) ] كما يعتبر في ما يرد عليه النجاسة ". لكنه ليس في الحقيقة تفصيلا بين الوارد والمورود، بل هو قول بطهارة خصوص المستعمل في التطهير، ولو كان مورودا، بناء على عدم اعتبار الورود فيه. وسيأتي - إن شاء الله تعالى - في حكم ماء الغسالة التعرض للوجه الذي ذكره. (1) على المشهور. لمرسلة ابن أبي عمير بعض أصحابنا عن أبي عبد الله (ع): " الكر من الماء الذي لا ينجسه شئ الف ومائتا رطل " (* 1) بحمل الرطل فيها على العراقي، بقرينة صحيحة محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (ع): " قال: والكر ستمائة رطل " (* 2) بحمل الرطل فيها على المكي - الذي هو ضعف العراقي - بقرينة المرسلة الاولى، حيث يدور الامر بين الجمع بينهما بذلك وبين طرح إحداهما، والاول متعين عرفا، فان الاخذ بالتعيين حيث يدور الامر بينه وبين الطرح أولى من الاخذ بالتخصيص حيث يدور الامر بينه وبينه، إذ التخصيص لا يخلو من ارتكاب خلاف الظاهر، بخلاف تعيين المشترك في أحد معانيه. فان قلت: كل واحدة من الروايتين ليس لها ظاهر حجة، كي يدور الامر بين طرحه وبين التعيين. (قلت): بلى كل واحدة منهما نص في أحد المعاني على البدل، وانما لا يكون لها ظاهر في واحد بعينه، فلو حملت المرسلة على غير الرطل العراقي كانت الصحيحة منافية لها على أي معنى حمل الرطل فيها، فيتعين حمل الرطل فيها على العرافي وكذا القول في الصحيحة فانها لو حملت على غير المكي لنافتها المرسلة على أي معنى حمل الرطل فيها، فيتعين حمل الرطل فيها على المكي. فيكون تعيين أحد المحتملات في كل


(* 1) الوسائل باب: 11 من ابواب الماء المطلق حديث: 1 (* 2) الوسائل باب: 11 من ابواب الماء المطلق حديث: 3.

[ 151 ]

واحدة منهما لئلا يلزم طرح النص من الاخرى. هذا مضافا إلى ما قيل من دعوى الاجماع على عدم كون الكر ستمائة رطل بالعراقي والمدني، وهو قرينة على حمل رواية الستمائة على المكي، فتكون هي قرينة على حمل المرسلة على العراقي. بل لا حاجة إلى الحمل المذكور، لان الستمائة بعد حملها على المكي تكون ألفا ومائتين بالعراقي، وان بقيت المرسلة على اجمالها. نعم رواية ابن جعفر (ع) (10) الواردة في ألف رطل وقع فيها أوقية من بول، المتضمنة أنه لا يصلح شربه ولا الوضوء منه، بناء على ظهورها في الرطل المدني - بقرينة كونه مدنيا - تنافي حمل المرسلة على العراقي. وكأنه لذلك ذهب الصدوقان والمرتضى قدس سرهم - على ما حكي - إلى كون الكر ألفا ومائتين بالمدني. لكن هذه القرينة غير ظاهرة، إذ من المحتمل استعمال الرطل شائعا في المدينة في العراقي كما يستعمل في المدنى. بل قد يظهر من رواية الكلبي النسابة (* 2) أن الاستعمال في العراقي أشيع. فتأمل. وأشكل من ذلك دعوى تعين حمل المرسلة على الرطل العراقي، بقرينة أن ابن أبي عمير كوفي، ومشايخه من أهل الكوفة، وحمل الصحيحة على الرطل المكي، بقرينة أن ابن مسلم من أهل الطائف. وجه الاشكال (أولا): ما عرفت من احتمال استعمال الرطل شائعا في كل من المقادير الثلاثة (وثانيا): أنه لم يثبت وجوب حمل الكلام على عرف السامع في قبال عرف المتكلم. مع أن ابن مسلم من أهل الكوفة، كما يظهر بمراجعة ترجمته في كتب الرجال. وكون المراد من بعض أصحابنا في كلام ابن أبي عمير


(* 1) الوسائل باب: 8 من أبواب الماء المطلق حديث: 16. (* 2) الوسائل باب: 2 من أبواب الماء المضاف حديث: 2.

[ 152 ]

[ وبالمساحة ثلاثة واربعون شبرا إلا ثمن شبر (1) ] بعض الكوفيين غير واضح. (1) على الاشهر أو المشهور. لموثق أبى بصير أو صحيحه: " سألت أبا عبد الله (ع) عن الكر من الماء كم يكون قدره؟ قال (ع): إذا كان الماء ثلاثة أشبار ونصفا (ونصف خ ل)، في مثله ثلاثة أشبار ونصف في عمقه في الارض، فذلك الكر من الماء " (* 1). والمناقشة في السند لا تهم بعد كون الحديث موثقا ولاسيما بعد اعتماد المشهور عليه. نعم تشكل دلالته بعدم التعرض فيه للبعد الثالث. ودعوى: حذفه من العمق لدلالة ما قبله عليه، غير ظاهرة. كدعوى أن قوله (ع) ثانيا: " ثلاثة أشبار " ليس بدلا من قوله: " مثله " بل هو معطوف على: " مثله " والتقدير: " وفي ثلاثة أشبار.. " فيكون بيانا لتقدير العمق. بل في الجواهر: أنه عثر على نسخة مقروءة على المجلسي الكبير مصححة هكذا: " في ثلاثة أشبار ونصف في عمقه ". إذ تشكل: بأن تقدير العاطف خلاف الاصل. والنسخة التي عثر عليها في الجواهر لا يعتمد عليها في قبال النسخ المعروفة حتى أن المجلسي الكبير (ره) صار في مقام توجيه الدلالة بجعل: " ثلاثة أشبار " الثانية خبرا ثانيا ل‍ " كان " لا بدلا من: " مثله "، على ما حكاه عنه ولده الاعظم (قده) في مرآة العقول: ولو كانت هذه النسخة صحيحة لما احتاج إلى هذا التوجيه الذي هو خلاف الظاهر كغيره من التوجيهات التى اعترف في مرآة العقول: بأن ارتكابها إنما يسوغ بعد البناء على كون المراد بيان تحديد الجهات الثلاث، إذ تحديد البعض واهمال الباقي لا معنى له. والحمل على القطر - المبني على فرض نادر الوقوع وهو الحوض المدور - بعيد غاية العبد، وأنه لولا


(* 1) الوسائل باب: 10 من أبواب الماء المطلق حديث: 6.

[ 153 ]

ذلك لكان من الاستدلال المبني على الاحتمال. انتهى. (أقول): بل هو من الاستدلال بخلاف الظاهر. وأما ندرة الشكل المدور في الماء فغير ظاهرة. ولاسيما بملاحظة أن المدور مقتضى طبع الماء فتأمل. مع أن تساوي خطوط السطح لا تختص بالمربع بل تكون في المسدس، والثمن، وغيرهما من الاشكال. فالحمل على المربع بخصوصه غير ظاهر، ولا قرينة عليه. ومقتضى إطلاق الكلام الحمل على المدور، فانه الذي تستوي فيه الخطوط من جميع النقاط بخلاف غيره من المضلعات، فان الخطوط فيه لا تستوي إذ هي بين الزوايا أطول منها بين الاضلاع. فاطلاق الاقتصار على بيان بعد واحد يقتضي الحمل على الاول. مع أن المدور ليس له - عرفا - إلا بعد واحد، لان تمايز أبعاده، بمجرد الفرض العقلي بخلاف المضلع، فان تمايز اضلاعه يستوجب تمايز ابعاده، سواء اتساوت - كالمربع والمسدس ونحوهما - أم اختلفت كالمستطيل. وهذه جهة اخرى تستوجب حمل الكلام على المدور دون غيره من الاشكال. (وبالجملة): تساوي الخطوط في المدور من جميع النقاط مع كونه عرفا له بعد واحد يستوجبان حمل الكلام غير المتعرض إلا لبعد واحد عليه دون غيره لفقد كل من الامرين المذكورين فيه، كما لعله ظاهر بالتأمل. وأما ما ذكره في الجواهر، من أن الحمل على المدور حمل على مالا يعرفه إلا الخواص من علماء الهيئة، فيمتنع. ففيه: أنه إنما يتم لو كان المقصود بيان نتيجة ضرب الابعاد بعضها ببعض، لكنه غير ظاهر، بل المراد ذكر علامة على الكر، وهي أن يكون قطره ثلاثة ونصفا وعمقه كذلك، وهو شئ يعرفه أجهل العوام. ولو كان المراد بيان حاصل ضرب الابعاد كان المناسب - بل المتعين - أن يقول (ع): " ثلاثة وأربعون شبرا إلا ثمن شبر " فانه أصرح، وأخصر، وأفيد.

[ 154 ]

هذا وقد يستدل على المشهور أيضا برواية الحسن بن صالح الثوري عن أبي عبد الله (ع): " إذا كان الماء في الركي كرا لم ينحسه شئ. قلت: وكم الكر؟ قال (ع): ثلاثة أشبار ونصف عمقها، في ثلاثة أشبار ونصف عرضها " (* 1) بناء على ما تقدم في تقريب الاول من الاكتفاء بذكر أحد البعدين عن ذكر الآخر، الذي عرفت ما فيه من أنه خلاف الظاهر. أو لان الطول إما مساو أو اكثر، والمتيقن الاول. وفيه: أن هذا لا يقتضي الظهور في الاقل. مع أن الطول لا يكون مساويا للعرض، واستعماله فيه مبني على المسامحة، فالعرض في الرواية الشريفة بمعنى السعة، نظير قوله تعالى: (وجنة عرضها كعرض السماء والارض) وقد عرفت أن اطلاق كون سعة السطح ثلاثة ونصفا منزل على المدور، ولاسيما في الرواية التي موردها الركية التي هي غالبا من المدور، كما قيل، وان كان لا يخلو من تأمل.. وعلى هذا يكون ظاهر الروايتين حصول الكر في ثلاثة وثلاثين شبرا وخمسة أثمان الشبر ونصف ثمنه، بمقتضى ما ذكر في معرفة مقدار المدور من أنه ينقص عن المربع بسبع ونصف سبع، فان التفاوت بين ما ذكرناه وما هو المشهور سبع ونصفه. لا ما ذكر في الجواهر من أن تنزيلها على المدور يقتضي كون


(* 1) الوسائل باب: 9 من ابواب الماء المطلق حديث: 8 هكذا رواه في الوسائل القديمة، وهو كذلك في الكافي والتهذيب والوافي وزاد في الوسائل الحديثة ذكر الطول، فقال: " ثلاثة أشبار ونصف طولها في ثلاثة أشبار ونصف عمقها في ثلاثة أشبار ونصف عرضها ". ولعله تبع فيه الاستبصار المطبوع في النجف الاشرف أخيرا، فيكون دليلا صريحا للمشهور ولا يتم ما ذكره قدس سره في رد الاستدلال به. لكن في الوسائل في باب: 10 من ابواب الماء المطلق حديث: 5 قال بعد ذكر ذيل الحديث: " ذكر العرض يغني عن ذكر الطول لانه لابد أن يساويه أو يزيد عليه " وهو صريح في عدم اشتمال الحديث على بعد الطول.

[ 155 ]

الكر اثنين وثلاثين شبرا وثمنا وربع ثمن. وكأنه لتوهم كون قطر الدائرة ثلث محيطها، مع أن المذكور في محله أن المحيط ثلاثة أمثال القطر وسبع فيكون محيط الدائرة التي يكون قطرها (ثمانية) خمسة وعشرين وسبعا، لا أربعة وعشرين. فإذا كان قطر سطح الماء المدور الشكل ثلاثة أشبار ونصفا، فضرب نصفه في نصف المحيط الذي هو أحد عشر شبرا، ثم ضرب الحاصل في العمق الذي هو ثلاثة ونصف، كان الحاصل ما ذكرنا - الذي ذكره الوحيد (ره) لا ما في الجواهر. هذا وفي المدارك استوجه العمل بصحيحة اسماعيل بن جابر: " قلت لابي عبد الله (ع): الماء الذي لا ينجسه شئ؟ قال (ع): ذراعان عمقه في ذراع وشبر سعته " (* 1) مستظهرا من اعتبار الذراع والشبر في السعة اعتبارهما في كل من البعدين. ولم يتعرض لمقدار الذراع. فان كان شبرين - كما يظهر من بعض أخبار المواقيت (* 2)، ويساعده الاختبار - يكون الكر ستة وثلاثين شبرا حاصلة من ضرب ثلاثة في ثلاثة، والحاصل في أربعة العمق. وان كان الذراع قدمين - كما يظهر من جملة من أخبار ذلك الباب (* 3) - يكون الكر اثنين وخمسين شبرا تقريبا، لان القدم يزيد على الشبر بسدس تقريبا. هذا ولما عرفت ظهور مثل هذا التحديد في تحديد بعدين لا غير، وأنه منزل على الشكل المدور، تعرف أن مقتضاها كون الكر ثمانية وعشرين شبرا وسبعين بناع على أن الذراع شبران، وأربعين شبرا تقريبا، بناء على أنه قدمان.


(* 1) الوسائل باب: 10 من ابواب الماء المطلق حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 8 من ابواب مواقيت الصلاة حديث: 18. (* 3) الوسائل باب: 8 من ابواب مواقيت الصلاة حديث: 3 وقد يستفاد من غيره من اخبار الباب وغيرها.

[ 156 ]

والمحكي عن القميين وجماعة من المتأخرين - كالعلامة في المختلف، والشهيد الثاني في روض الجنان والروضة. والاردبيلي في مجمع البرهان، والسيد بحر العلوم في سياق أخبار القلتين في المصابيح (* 1) وغيرهم -: أنه سبعة وعشرون شبرا لرواية إسماعيل بن جابر: " سألت أبا عبد الله (ع) عن قدر الماء الذي لا ينحسه شئ. فقال (ع): كر. قلت: وكم الكر؟ قال (ع): ثلاثة أشبار في ثلاثة أشبار " (* 2). وقد وصفت هذه الرواية بالصحة في كلام جماعة، بل عن البهائي أنها موصوفة بالصحة من زمن العلامة - رحمه الله - إلى زماننا. انتهى. والظاهر أن الوجه في ذلك أن الشيخ (ره) رواها في الاستبصار وموضع من التهذيب. عن عبد الله بن سنان. لكن في الكافي رواها عن ابن سنان وقد استظهر غير واحد أنه محمد. وعن موضع من التهذيب، أنه رواها عن محمد بن سنان. ومن المستبعد كونهما معا روياها. ولاجل ذلك يشكل الحكم بصحة الرواية، كما يشكل انجبارها بعمل الجماعة بعد ظهور خطئهم في اعتقادهم صحة سندها. كما يشكل انجبارها بعمل القميين. لعدم ثبوته، فان مضمونها وان نسب إلى القميين في كلام جماعة - كالحلي والعلامة والشهيدين، وغيرهم - على ما حكي، لكنه في المنتهى خصه بابن بابويه، وفي الخلاف نسبة الاول إلى جميع القميين وأصحاب الحديث. فالعمدة: أن الظاهر جواز العمل باخبار محمد بن سنان لثبوت وثاقته. فلا ينبغى التوقف عن العمل بها من جهة السند. وأما الطعن في دلالتها، فيندفع بشيوع الاكتفاء بذكر البعدين عن


(* 1) لكن السيد في مفتاح الكرامة بعد أن قال: " وهو (يعني تحديد الكر بسبعة وعشرين شبرا) مختار الاستاذ الشريف أيده الله تعالى حيث قال: والانصاف ترك الانصاف " قال: " لكن عدل عنه في الهداية " فراجع (* 2) الوسائل باب: 9 من ابواب الماء المطلق حديث: 7.

[ 157 ]

ذكر البعد الثالث فيما لم ينص على بعد بعينه. وبذلك افترقت هذه الرواية عن السوابق للتنصيص فيها على العمق والعرض والسعة، بخلاف هذه الرواية. مع تأيدها أو اعتضادها بالمرسل عن المجالس والامالي: أنه ثلاثة طولا في ثلاثة عرضا في ثلاثة عمقا (* 1). وبالاجماع على عدم كون الكر أقل من سبعة وعشرين، فيمتنع حملها على المدور. واحتمال سقوط لفظ النصف منها، لا يعتد به. لانه خلاف الاصل كما أن إعراض المشهور عنها لا يصلح موهنا لها. لاحتمال أن يكون لبعض الوجوه المرجحة لغيرها عليها في نظرهم. نعم لو بني على إعمال قواعد التعارض بين النصوص لتعذر الجمع العرفي بينها، يتعين العمل بصحيحة اسماعيل بن جابر، المتضمنة للذراع والشبر - التي تقدم ظهورها في المستدير - لانها أصح الاخبار - كما قيل - لولا أن تسقط عن الحجية باعراض الاصحاب عنها، قال في المنتهى - بعد ذكر الصحيحة المذكورة -: " وتأولها الشيخ على احتمال بلوغ الارطال وهو حسن، لانه لم يعتبر أحد من أصحابنا هذا المقدار ". فيبقى التعارض بين خبر ابى بصير المتقدم في دليل المشهور، وبين رواية اسماعيل التي هي مستند ابن بابويه. ولا يبعد كون سند الاول أوثق فيترجح. وقد عرفت ظهوره في المدور. وأنه عليه يكون الكر أربعة وثلاثين شبرا إلا ثمنين ونصف ثمن. هذا بناء على تعذر الجمع العرفي بين النصوص، لورودها في مقام التقدير، الذي يمتنع فيه الاختلاف، للزوم وحدة القدر، فاختلافها فيه يستوجب التعارض. لكن هذا المبنى غير ظاهر في المقام، لتحقق الاختلاف بين نصوص الوزن ونصوص المساحة اختلافا واضحا. إذ المحكي عن الامين الاسترابادي:


(* 1) الوسائل باب: 10 من ابواب الماء المطلق حديث: 2.

[ 158 ]

أنه وزن ماء المدينة فكان يساوي ستة وثلاثين شبرا تقريبا، وظاهر مرآة العقول للمجلسي (ره): أن وزنه يساوي ثلاثة وثلاثين شبرا تقريبا، ووزن ماء النجف في هذه الازمنة جماعة فكان وزنه يساوي ثمانية وعشرين شبرا تقريبا، وبعض الافاضل منهم ذكر أنه يساوى سبعة وعشرين وشبرا. وهذا الاوزان لا توافق المشهور في المساحة. ومن العجيب أن المشهور ذهبوا إلى أن الرطل في التقدير بالوزن عراقي، وأن مساحة الكر ثلاثة واربعون إلا ثمنا، مع ما بينهما من التفاوت الظاهر. وأن الصدوقين ذهبا إلى أن الرطل مدني. وأن مساحة الكر سبعة وعشرون مع ما بينهما أيضا من التفاوت الظاهر. وقد كان الانسب للمشهور في المساحة الرطل المدني والانسب لمذهب القميين في المساحة الرطل العراقي، فجمع كل من المشهور وغيرهم بين المذهبين في تقديري الوزن والمساحة جمع بين المتنافيين. ولابد من علاج هذا التنافي كالتنافي بين نصوص التقديرين. والتنافي في الفتاوى أشكل وأبعد. والظاهر انحصار العلاج بجعل الاكثر عندهم علامة على وجود الاقل، نظير ما ذكرنا في تقدير حد الترخص بخفاء الجدران وخفاء الاذان، حيث اخترنا أن الحد خفاء الاذان، وأن خفاء الجدران علامة على تحقق الحد ولو قبله. فيكون مراد المشهور من تقدير الكر بالمساحة كونها علامة على وجود الكر، وان قدره الحقيقي هو الوزن لا غير، فيكونون قد تصرفوا باخبار المساحة بحملها على كونها علامة على وجود المقدر. كما أن مراد القائلين بالقول الآخر من تقديري الكر بالوزن كونه علامة على وجود الكر، وأن قدره الحقيقي ما كان بالمساحة فيكونون قد تصرفوا بأخبار الوزن بحملها على كونه علامة على وجود المقدر. فإذا كان بناء الاصحاب على التصرف في نصوص التقدير على كل

[ 159 ]

حال، لم تكن نصوص التقدير بالمساحة في نفسها متعارضة، لامكان أن يكون كل واحد من تلك التحديدات المشتملة عليها علامة. ولا يقدح في ذلك اختلافها بالقلة والكثرة، بدعوى لغوية جعل الاكثر علامة في ظرف جعل الاقل. لان ذلك الاختلاف في نتيجة ضرب الابعاد، لا في نفس الاشكال المختلفة، وإلا فهي متباينة، والمجعول علامة ليس هو النتيجة. ويؤيد ذلك أنك لا تجد رواية من روايات الباب تعرضت لذكر النتيجة. بل الجميع تضمن التقدير بخصوص المساحة الخاصة، ولو كان المقصود التقدير بالنتيجة كان ذكرها هو المتعين، فانه أصرح وأخصر وأفيد كما عرفت. لكن لما كان تطبيق النتيجة من الامور الصعبة على اكثر الناس أهمل التعرض لها، فلم تجعل بيانا للمقدار ولا علامة على وجود المقدر أصلا. وانما ذكر في البيان الشكل الخاص لسهولة معرفته وترتب الفائدة على بيانه، والاشكال كلها متباينات، فلا مانع من أن يكون كل واحد منها علامة على وجود الكر المقدر حقيقة بالوزن، لا أنه تقدير للكر. وعلى هذا لا مانع من العمل بجميع نصوص المساحة بعد ما كان كل واحد منها جامعا لشرائط الحجية. نعم قد يشكل الامر في رواية اسماعيل التي هي معتمد القميين، من جهة أن المساحة المذكورة فيها، ربما تكون أقل من الوزن، فلا تكون علامة عليه. وحينئذ لا يبعد الالتزام بأن الوزن المذكور أيضا علامة، فيكون مقدار الكر الاصلي ما يساوي سبعة وعشرين شبرا، والوزن علامة عليه. كما تقدم في مذهب الصدوقين في التقديرين. ويؤيد ذلك أن المرتكز عند العرف أن الوزن الخاص لا يكون عاصما، وانما العاصم كثرة الماء وسعة وجوده، بحيث تكون الجهة العاصمة عندهم فيما يساوي السبعة والعشرين شبرا هو الكم الخاص، سواء كان وزنه ألفا ومائتي رطل أم

[ 160 ]

ألفا وخمسائة رطل، وثقل الماء وخفته ليسا دخيلين في الاعتصام وعدمه. نعم لو ثبت أن بعض المياه الثقيلة وزنها المساوي لالف ومائتي رطل أقل من سبعة وعشرين شبرا، أشكل ما ذكرنا من كون الوزن علامة على بلوغ الاشبار المذكورة لتخلفه عنها. فلابد إما من الالتزام بكونها علامة عند الشك، فتكون امارة على قدر الاشبار المذكورة مع الجهل بوجوده لا مع العلم بعدم وجوده، بل العمل حينئذ يكون على العلم، لامتناع جعل الامارة بخلافه. وإما من الالتزام بأن الكرية العاصمة عبارة عن الجامع بين بلوغ الاشبار السبعة والعشرين، وبين بلوغ المقدار الخاص من الوزن. فالماء الواجد لاحدهما يكون كرا وان فقد الآخر. ولا يبعد البناء على الثاني، فان حمل الدليل عليه اولى من التصرف فيه بحمله على الحكم الظاهري، أو تقييد كل منهما بالآخر. والمتحصل مما ذكرنا أمور: (الاول): أن تقدير الاصحاب للكر بالوزن يغاير تقديره بالمساحة (الثاني): أن المقدار الواحد لا يقبل تقديرين فيتنافى الدليلان المشتملان على التقديرين (الثالث): أنه لابد من علاج هذا التنافي في الفتاوى، وأن الاظهر فيه حمل التقدير المساحتي المشهوري على العلامة والتقدير الوزني على الحد الحقيقي الاصلي والعكس يكون الحمل على مذهب الصدوقين. (الرابع): أن هذا التصرف بعينه جار في النصوص المتضمنة للمساحة التي هي اكثر من الوزن، وفي الوزن الذي هو اكثر من المساحة. لكن لو ثبت أن بين أقل المساحات وبين الوزن عموما من وجه. كمساحة السبعة والعشرين شبرا، فالمتعين كون القدر هو الجامع بين الوزن وبينه، فإذا حصل أحدهما حصل الكر، وان لم يحصل الآخر. ومما ذكرنا تعرف مواقع النظر في كثير من الكلمات في المقام. ومنه سبحانه نستمد الاعتصام، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

[ 161 ]

[ فبالمن الشاهي (1) - وهو ألف ومائتان وثمانون مثقالا (2) - يصير أربعة وستين منا إلا عشرين مثقالا (3). ] (1) المشهور أن الرطل العراقي مائة وثلاثون درهما. وتدل عليه رواية ابراهيم بن محمد الهمداني في مكاتبة أبي الحسن صاحب العسكر (ع) إليه في الفطرة، أنها ستة أرطال برطل المدينة قال: " والرطل مائة وخمسة وتسعون درهما " (* 1). بضميمة رواية جعفر بن ابراهيم المذكور في مكاتبته إلى أبي الحسن (ع) وفيها: " الصاع ستة أرطال بالمدني وتسعة أرطال بالعراقي " (* 2). ورواية علي بن بلال في مكاتبته إلى الرجل في الرجل في الفطرة: " فكتب (ع) ستة أرطال من تمر بالمدني وذلك تسعة أرطال بالبغدادي " (* 3) وعن النهاية وفي المنتهى: أنه مائة وثمانية وعشرون درهما وأربعة أسباع. ولم يعرف له مستند. نعم يظهر من رواية المروزي (* 4) - المتضمنة كون المد مائتين وثمانين درهما - أنه مائة وأربعة عشرون درهما وأربعة اتساع. لكنه لم يحك العمل بها إلا من المقنع. فالعمل على المشهور. وعليه يكون الكر مائة وستة وخمسين الف درهم. ومقتضى ما ذكروه من أن العشرة دراهم سبعة مثاقيل شرعية، يكون الكر مائة الف وتسعة آلاف ومائتين مثقالا شرعيا. ومقتضى أن المثقال الشرعي ثلاثة أرباع المثقال الصيرفي، يكون الكر واحدا وثمانين ألفا وتسعمائة مثقال صيرفي. (2) يعنى: صيرفيا. (3) لانه إذا ضرب عدد الامنان في عدد المثاقيل المذكورة، يكون


(* 1) الوسائل باب: 7 من ابواب زكاة الفطرة حديث: 4. (* 2) الوسائل باب: 7 من ابواب زكاة الفطرة حديث: 1. (* 3) الوسائل باب: 7 من ابواب زكاة الفطرة حديث: 2. (* 4) الوسائل باب: 50 من ابواب الوضوء حديث: 3.

[ 162 ]

[ (مسألة 3): الكر بحقة الاسلامبول - وهي مائتان وثمانون مثقالا - مائتا حقة واثنتان وتسعون حقة ونصف حقة. (مسألة 4): إذا كان الماء أقل من الكر ولو بنصف مثقال، يجري عليه حكم القليل (1). (مسألة 5): إذا لم يتساو سطوح القليل ينجس العالي بملاقاة السافل (2) كالعكس. نعم لو كان جاريا من الاعلى إلى الاسفل لا ينجس العالي بملاقاة السافل (3)، من غير فرق بين العلو التسنيمي والتسريحي. ] الحاصل زايد على مقدار الكر من المثاقيل الصيرفية بعشرين مثقالا. ومنه يعلم ما ذكر في المسألة الآتية. (1) إذ ظاهر أدلة التقدير بالوزن، أو المساحة، كونه تحقيقيا لا تقريبيا فلا مجال للمسامحة فيه حينئذ. (2) بلا إشكال. لاطلاق أدلة الانفعال، المنزل على المرتكز العرفي. (3) إجماعا، حكاه جماعة في روض الجنان، ومصابيح العلامة الطباطبائي (ره) ومقابيس المحقق التستري (ره)، والجواهر وغيرها - على ما حكي عن بعضهم - بل عن الاول: أن سراية النجاسة إلى العالي غير معقولة. وان كان فيه تأمل ظاهر ضرورة معقوليتها لو قام دليل عليها. ولعل المراد - كما قيل - انها غير مفهومة من الدليل الدال على انفعال القليل لعدم مساعدة الارتكاز العقلائي عليه في القذارات العرفية، كما أشرنا إليه آنفا. وهو واضح مع العلو التسنيمي والتسريحي الشبيه به، أما في غير ذلك فلا يخلو من تأمل. والرجوع إلى العموم مع الشك - كما استوضحه شيخنا الاعظم (ره) - غير واضح، لان دليل الانفعال إنما يدل على سراية

[ 163 ]

[ (مسألة 6): إذا جمد بعض ماء الحوض والباقي لا يبلغ كرا، ينجس بالملاقاة ولا يعصمه ما جمد (1). بل إذا ذاب شيئا فشيئا ينجس أيضا. وكذا إذا كان هناك ثلج كثير فذاب منه أقل من الكر فانه ينجس بالملاقاة، ولا يعتصم بما بقي من الثلج. (مسألة 7): الماء المشكوك كريته مع عدم العلم بحالته السابقة في حكم القليل (2) على الاحوط، ] النجاسة إلى جميع أجزاء الماء بتوسط الارتكاز العرفي، وإلا فنجاسة الماء بملاقاة النجاسة أعم من نجاسة الجزء الملاقي فقط - كما في الجامدات - ومن نجاسة الجميع بالسراية، وحمله على الثاني إنما كان بقرينة الارتكاز العرفي، فإذا كان الارتكاز مجملا كان الاحكم بالسراية بلا قرينة، فيرجع إلى عموم اعتصام الماء، أو استصحاب الطهارة. (1) لان السيلان معتبر في مفهوم الماء عرفا، فمع الجمود لا يصدق. لا أقل من انصراف مفهوم الماء عنه، فلا يدخل في اطلاق أدلة احكام الماء. ومنه يظهر ضعف ما عن المنتهى، من الحاق الجامد بالمائع، وعن حواشي الشهيد: أنه الاقوي، وما في القواعد وعن التحرير من التوقف فيه. (2) إما لانه يستفاد من النصوص أن الملاقاة مقتضية للانفعال والكرية مانعة عنه، فمع الشك في المانع يرجع إلى أصالة عدمه. وإما لان اناطة الرخصة - تكليفية كانت أو وضعية - بأمر وجودي، ويدل بالالتزام العرفي على اناطة الرخصة باحراز ذلك الامر، وانتفائها بعدم احرازه. وإما لان مقتضى العمومات انفعال الماء إلا الكر، فمع الشك في كرية الموجود يشك في مصداق الخاص، والعموم مرجع في الشبهات المصداقية. وإما لان

[ 164 ]

أصالة عدم وجود الكر في المكان المعين كافية: في إثبات عدم كرية الماء الموجود، فيترتب حكمه وهو عدم الاعتصام. وإما لاصالة عدم الكرية الازلي، نظير أصالة عدم القرشية، لان الكرية وصف زائد على صرف وجود الماء، كوصف القرشية، وقد عرفت فيما سبق صحة جريان الاصل في العدم الازلي. لكن الاول: مبني على تمامية قاعدة الاقتضاء، والمحقق في محله عدمها والثاني: إن كان المراد منه أن إناطة الرخصة بالامر الوجودي مرجعها إلى إناطة الرخصة الواقعية بذلك الامر، واناطة الرخصة الظاهرية بالعلم بوجوده فيكون المجعول حكمين: واقعيا منوطا بوجود ذلك الامر الواقعي وظاهريا منوطا بالشك فيه. فذلك مما لا يقتضيه ظاهر الدليل أصلا، وليست إناطة الرخصة بأمر إلا كاناطة المنع بأمر، ليس المقصود منها إلا جعل حكم واقعي لموضوعه الواقعي. وإن كان المراد أن هناك قاعدة عقلائية ظاهرية، نظير جواز الرجوع إلى العام عند الشك في وجود الخاص. فهو أيضا غير ثابت. نعم إذا كان الاصل يقتضي انتفاء الامر المنوط به الجواز كان الاصل النافي له نافيا لحكمه وهو الجواز. ولكن هذا وجه آخر يأتي ويتوقف على جريان الاصل النافي للكرية. والثالث: يتوقف على أن مقتضى العموم انفعال الماء والخارج منه الكر. وهذا ليس بأولى من القول: بأن مقتضى العموم الاعتصام والخارج عنه القليل، كما يشهد به النبوي المشهور (* 1)، وجملة من النصوص المتقدمة في انفعال الماء القليل. مضافا إلى أن التحقيق، عدم مرجعية العام في الشبهات المصداقية. والرابع: يتوقف على القول بالاصل المثبت، لان موضوع الانفعال


(* 1) وهو قوله صلى الله عليه وآله: " خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شئ.. " الوسائل باب: 1 من ابواب الماء المطلق حديث: 9.

[ 165 ]

[ وان كان الاقوى عدم تنجسه بالملاقاة. نعم لا يجري عليه حكم الكر، فلا يطهر ما يحتاج تطهيره إلى القاء الكر عليه (2)، ولا يحكم بطهارة متنجس غسل فيه (2). ] الماء الذي ليس بكر الذي هو مفاد ليس الناقصة - لاعدم وجود الكر - الذي هو مفاد ليس التامة - واثبات الاول بالاصل الجاري لاثبات الثاني من العمل بالاصل المثبت. والخامس: يتوقف على أن الكرية من عوارض وجود الماء عرفا بنحو تصدق في الازل السالبة بانتفاء الموضوع، وليس كذلك، فانها نحو سعة في مرتبة الطبيعة، فلا يصح أن تشير إلى كر من الماء وتقول: هذا قبل وجوده ليس بكر كما لا يصح أن تقول: هؤلاء العشرة من الرجال قبل وجودهم ليسوا بعشرة، وهذا المثقال من الدقيق قبل وجوده ليس بمثقال. وليست الكرية منتزعة من صفات عارضة على وجود الماء. مثل الحمرة والصفرة ونحوهما. فليس المقام من موارد جريان الاصل في العدم الازلي، الذي عرفت فيما سبق صحة جريانه. (1) لان التطهير من أحكام الكر، فلا يترتب مع الشك في موضوعه بل يرجع إلى استصحاب النجاسة. نعم لو قام اجماع على عدم اختلاف الماء الواحد في الحكم الظاهري، وقد كان الماءان ممتزجين على نحو يصدق أنهما ماء واحد. أمكن القول بحصول الطهارة للملقى عليه، لانه بعد تعارض استصحاب الطهارة في مشكوك الكرية، واستصحاب النجاسة فيما ألقي عليه، يرجع إلى قاعدة الطهارة فيهما. لكن الاجماع غير ثابت، كما يظهر من ملاحظة كلماتهم في المتمم كرا بطاهر. (2) يعنى: إذا بنينا على الفرق بين الكر وغيره في شرائط التطهير من علو المطهر. والتعدد، والعصر، ونحوها، وقد فقد بعض تلك الشرائط

[ 166 ]

[ وان علم حالته السابقة يجري عليه حكم تلك الحالة (1). (مسألة 8): الكر المسبوق بالقلة إذا علم ملاقاته للنجاسة ولم يعلم السابق من الملاقاة والكرية ان جهل تاريخهما أو علم تاريخ الكرية، حكم بطهارته (2) وان كان الاحوط ] عند التطهير بمشكوك الكرية. لا يحكم بالطهارة، للشك في حصولها، الموجب للرجوع إلى استصحاب النجاسة. (1) لاستصحابها. والاشكال في الاستصحاب بتعدد الموضوع، يندفع بأن الكثرة والقلة من قبيل الحالات المتبادلة على موضوع واحد عرفا، وهو كاف في صحة الاستصحاب. (2) أما في صورة الجهل بالتاريخين. فلاصالة الطهارة، التي هي المرجع بعد تعارض أصالة عدم الملاقاة إلى زمان الكرية - المقتضية للطهارة - مع أصالة عدم الكرية إلى زمان الملاقاة، المقتضية للنجاسة. هذا على المشهور، من جريان الاصل ذاتا في مجهول التاريخ، إذا كان الاثر مترتبا على عدمه في زمان الآخر، وان كان يسقط للمعارضة. أما بناء على التحقيق من عدم جريانه ذاتا، لان الشك فيه ليس في امتداد المستصحب وعدمه بل في اتصال المستصحب بوجود الحادث الآخر، من جهة الشك في التقدم والتأخر، ودليل الاستصحاب قاصر عن اثبات هذه الجهة - كما سيجيئ في أواخر مباحت الوضوء - فالمرجع أصالة الطهارة ابتداء، بناء على أنها المرجع في ملاقاة النجاسة لمشكوك الكرية، كما تقدم في المسألة السابقة. وبعض الوجوه المتقدمة للحكم بالنجاسة جار هنا أيضا. وأما في صورة العلم بتاريخ الكرية والجهل بتاريخ الملاقاة، فلاصالة عدم الملاقاة إلى زمان الكرية فانها تقتضي الطهارة.

[ 167 ]

[ التجنب. وان علم تاريخ الملاقاة حكم بنجاسته (1). وأما القليل المسبوق بالكرية الملاقي لها، فان جهل التاريخان أو علم تاريخ الملاقاة حكم فيه بالطهارة (2)، مع الاحتياط المذكور. وان علم تاريخ القلة حكم بنجاسته. (مسألة 9): إذا وجد نجاسة في الكر، ولم يعلم أنها وقعت فيه قبل الكرية أو بعدها، يحكم بطهارته، إلا إذا علم ] (1) لاستصحاب عدم الكرية إلى زمان الملاقاة، فيثبت موضوع النجاسة وهو ملاقاة ما ليس بكر. ولا يعارضه استصحاب عدم الملاقاة إلى زمان الكرية، لعدم الشك في الملاقاة بالنسبة إلى الازمنة التفصيلية، وبالنسبة إلى الزمان الاجمالي وان كانت الملاقاة مشكوكة، لكن الشك فيها ليس من الشك في البقاء، الذي هو قوام الاستصحاب، كما عرفت. (2) أما مع الجهل بتاريخهما فلما تقدم من أن المرجع أصالة الطهارة. وأما مع العلم بتاريخ الملاقاة، فلاستصحاب الكرية إلى زمان الملاقاء. وقد عرفت أنه لا مجال لمعارضته باصالة عدم الملاقاة إلى زمان القلة. مع أنه لو جرى لم يثبت الملاقاة في حال القلة، فلا يثبت النجاسة. ومنه يظهر أنه لو علم تاريخ القلة، فاصالة عدم الملاقاة إلى زمان القلة وان كان صحيحا في نفسه، لكنه لا يثبت النجاسة إلا إذا أثبت الملاقاة حال القلة، وذلك موقوف على القول بالاصل المثبت، لان ثبوت الملاقاة حال القلة من اللوازم العقلية لعدم الملاقاة إلى زمان القلة. وأصالة تأخر الحادث لا أصل لها، إلا بمعنى أصالة عدم وجود الحادث في زمان الشك في وجوده، لا بمعنى أصالة وجوده في الزمان اللاحق. ومنه يشكل ما في المتن من الحكم بالنجاسة في الفرض، فان مقتضى ما ذكرنا هو الطهارة.

[ 168 ]

[ تاريخ الوقوع (1). (مسألة 10): إذا حدثت الكرية والملاقاة في آن واحد حكم بطهارته (2)، وان كان الاحوط الاجتناب. ] (1) هذا مثل ما قبله في الحكم، بل هو هو بتفاوت يسير لا يوجب فرقا في الحكم. (2) لاطلاق قولهم (ع): " إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شئ " (* 1) الشامل للملاقاة المقارنة واللاحقة. والتخصيص بالثانية فيه - مع أنه خلاف الاطلاق المؤيد بالارتكاز العقلائي في المانع، فانه يكفي عندهم في مانعية المانع عن أثر المقتضي مقارنته للمقتضي حدوثا، وليس سبق حدوث المانع دخيلا في مانعيته، كما هو ظاهر -: أنه لو حمل الدليل المذكور على الكرية السابقة على الملاقاة حدوثا لزم اعتبار (* 2) اللحوق في الملاقاة - يعني لم ينجسه شئ لو لاقاه بعد صيرورته كرا - وتقييد الجزاء بالملاقاة اللاحقة يستلزم تقييد المفهوم بها، لان حكم المفهوم نقيض حكم المنطوق، فإذا قيد الحكم في المنطوق بقيد تعين تقييد الحكم في المفهوم به، فيكون مفهوم القضية المذكورة: إذا لم يكن الماء قدر كر في زمان ينجسه الشئ الملاقي له بعد ذلك. فتكون صورة المقارنة خارجة عن كل من المنطوق والمفهوم، والمرجع فيها إما عموم طهارة الماء أو استصحاب الطهارة. فتأمل


(* 1) الوسائل باب: 9 من ابواب الماء المطلق تضمن ذلك عدة اخبار منها. (* 2) فان الملاقاة غير مصرح بها في الدليل، فضلا عن وصف كونها لاحقة للكرية، وانما تستفاد الملاقاة من انصراف الشئ في (الجزاء) إلى الملاقى، فاللحوق ان تمت استفادته من الدليل فهو ايضا للانصراف إلى الملاقي ملاقاة لاحقة، فيكون مفاد الشرطية: إذا كان الماء قدر كر في زمان لا ينجسه شئ لاقاه بعد ذلك. ومفهومها: إذا لم يكن قدر كر في زمان ينجسه شئ يلاقيه بعد ذلك. فتكون صورة التقارن خارجة عن المنطوق والمفهوم (منه قدس سره)

[ 169 ]

[ (مسألة 11): إذا كان هناك ماءان أحدهما كر والآخر قليل، ولم يعلم أن أيهما كر، فوقعت نجاسة في أحدهما معينا أو غير معين لم يحكم بالنجاسة (1)، وان كان الاحوط في صورة التعين الاجتناب (2). (مسألة 12): إذا كان ماءان أحدهما المعين نجس، فوقعت نجاسة لم يعلم وقوعها في النجس أو الطاهر، لم يحكم بنجاسة الطاهر (3). (مسألة 13): إذا كان كر لم يعلم أنه مطلق أو مضاف، فوقعت فيه نجاسة لم يحكم بنجاسته (4). وإذا كان ] جيدا. نعم لو كان لسان الدليل هكذا: كل ماء ينفعل بملاقاة النجاسة إلا ما كان كرا قبل الملاقاة. كانت صورة المقارنة داخلة في المستثنى منه لكنه ليس كذلك. (1) للشك في ملاقاتها للقليل، والمرجع استصحاب الطهارة سواء أكانت الملاقاة لمعين أم لغير معين. هذا إذا كانت الحالة السابقة مجهولة. أما إذا كانا معلومي الكرية سابقا، فاستصحاب الكرية المقتضي للطهارة هو المرجع. كما أنه لو كانا معلومي القلة، فاستصحابها كاف في الحكم بالنجاسة. (2) تخصيص الاحتياط بهذه الصورة غير ظاهر الوجه، لان اكثر الوجوه المقتضية للحكم بالنجاسة، المتقدمة في المسألة السابعة - من قاعدة المقضى المانع، والتمسك بالعام في الشبهة المصداقية، وغيرهما - جار في صورتي تعين الملاقي وعدمه. (3) لانحلال العلم الاجمالي بنجاسة أحدهما المردد، بالعلم التفصيلي بنجاسة أحدهما المعين، فلا مانع من الرجوع إلى استصحاب الطهارة. (4) للشك فيها، من جهة احتمال الاطلاق، والمرجع استصحاب

[ 170 ]

[ كران أحدهما مطلق والآخر مضاف، وعلم وقوع النجاسة في أحدهما، ولم يعلم على التعيين، يحكم بطهارتهما (1). (مسألة 14): القليل النجس المتمم كرا بطاهر أو نجس نجس على الاقوى (2). ] الطهارة. نعم بعض الوجوه المتقدمة في المسألة السابعة للقول بالنجاسة مقتض له هنا أيضا. (1) أما مطلق فطهارته معلومة، لانه كر بالفرض. وأما المضاف فيحكم بطهارته ظاهرا، للشك في ملاقاته للنجاسة، فيرجع إلى استصحاب الطهارة. (2) كما هو المشهور، كما عن جماعة. وعن الوسيلة: الطهارة إن تمم بطاهر. ونسبه في المبسوط إلى بعض الاصحاب وقال: إنه قوي. أما إذا تمم بنجس ففي المبسوط: " لا شك أنه ينجس الكل ". لكن عن رسيات السيد والمراسم وجواهر القاضي وغيرها: الطهارة أيضا. وهو صريح السرائر. والعمدة من أدلتهم المرسل في المبسوط من قولهم (ع): " إذا بلغ الماء كرا لم يحمل نجاسة " (* 1)، وفي السرائر: " قول الرسول صلى الله عليه وآله المجمع عليه عند المخالف والمؤالف: إذا بلغ الماء كرا لم يحمل خبثا " (* 2)، وأرسله السيد (ره) فيما عن المسائل الرسية، واستدل - مضافا إليه - بالاجماع على أن الماء المعلوم وقوع النجاسة فيه المشكوك سبقه على الكرية ولحوقه لها طاهر، فلولا بناؤهم على طهارة المتنجس ببلوغ الكرية لم يكن لذلك وجه. لكن الاجماع المذكور - على تقدير ثبوته وحجيته - إنما يثبت الطهارة فيما نحن فيه لو كان إجماعا على الطهارة واقعا في مورده، أما لو كان على


(* 1) آخر صفحة 3 من المبسوط المطبوع في ايران. (* 2) صفحة: 8 سطر 14 من كتاب السرائر المطبوع في ايران.

[ 171 ]

الطهارة ظاهرا فهو أجنبي عن المقام، لامكان أن يكون الوجه في مورده أصالة الطهارة، كما عرفته في المسألة الثامنة. أما المقام فلا مجال فيه لاصل الطهارة. أما في المتمم بنجس فواضح، لحكومة استصحاب النجاسة عليها وأما في المتمم بطاهر، فلان مقتضى عموم انفعال القليل نجاسة المقدار الطاهر المتمم للنجس كرا، لملاقاته لذلك النجس. وأدلة اعتصام الكر مختصة بالكر الملحوظ موضوعا للملاقاة، فلابد من ثبوت كريته في رتبة سابقة على الملاقاة، فلا يشمل ما نحن فيه. ومن ذلك يظهر أنه لا مجال في المقام للرجوع إلى عموم: " خلق الله الماء طهورا.. " (* 1). لانه مخصص بأدلة انفعال القليل. كما لا مجال لمعارضة استصحاب الطهارة في المقدار الطاهر لاستصحاب النجاسة في المقدار النجس - بناء على عدم اختلاف الماء الواحد في الحكم واقعا وظاهرا - والرجوع إلى قاعدة الطهارة. وذلك لان الرجوع إلى الاصل إنما يكون مع عدم الدليل، وقد عرفت الدليل على النجاسة. مع أن ذلك إنما يتم بعد امتزاج الماءين، لا قبله بمحض الاتصال، لعدم ثبوت وحدة حكم الماءين حينئذ، كما يظهر مما ذكروه في الجاري والكثير إذا تغير بعضهما حيث ذكروا اختصاص النجاسة بالمتغير لا غير، كما تضمن ذلك النص في الكثير أيضا. مع أن الاجماع على الوحدة في الحكم ظاهرا غير ثابت، والمتيقن الوحدة في الحكم واقعا. وأما المرسل فضعف سنده بالارسال، واعراض المشهور عنه، يمنعان عن العمل به. وعمل ابن ادريس به مبني على اعتقاده رواية المؤالف والمخالف له، وقد قال المحقق: " والذي رواه مرسلا السيد والشيخ وآحاد ممن جاء بعده والمرسل لا يعمل به، وكتب الحديث عن الائمة (ع) خالية عنه أصلا. وأما المخالفون فلم أعرف به عاملا سوى ما يحكى عن


(* 1) الوسائل باب: 1 من ابواب الماء المطلق حديث: 9.

[ 172 ]

ابن حي، وهو زيدي منقطع المذهب. وما رأيت أعجب ممن يدعي إجماع المخالف والمؤالف فيما لا يوجد إلا نادرا ". وأما السيد (ره) فلم يظهر منه الاعتماد عليه لولا الاجماع الذي ادعاه. بل من المحتمل أن يكون ذلك الاجماع قرينة عنده على صحته وثبوته. وكذلك القاضي في جواهره، فانه وان رواه عنهم (ع)، لكنه استدل على الطهارة في المتمم بطاهر - الذي هو موضوع كلامه - بأن الطاهر لا ينجس بالملاقاة للنجس، لصيرورته كرا، وبضميمة الاجماع على عدم اختلاف الماء الواحد في الحكم يحكم بطهارة النجس. وأطال في النقض والابرام في اثبات ذلك. ومن الجائز أن يكون اعتماده عليه لذلك. مع أن اعتماد مثله غير كاف في حجية الخبر وأما الشيخ فانه وان ظهر من كلامه في المبسوط الميل إلى الطهارة، لكن ظاهر عبارة المبسوط أن النجاسة أقوى. فلاحظ كلامه. وبالجملة: وجود هذه الضمائم في كلمات الجماعة مانعة من الوثوق باعتمادهم على الخبر بحيث يخرج به عن القواعد. هذا مضافا إلى تأتي المناقشة في دلالته، لان قوله (ع): " لم يحمل خبثا " يحتمل - بدوا - أن يراد منه تشريع اعتصام الكر عن حدوث النجاسة، وانفعال ما دونه، فيكون مفاده منطوقا ومفهوما مفاد الرواية المشهورة: " إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شئ " (* 1). ويحتمل أن يراد منه الرفع، يعني: إذا بلغ الماء النجس كرا ارتفعت عنه النجاسة الثابتة له قبل البلوغ. ومفهومه - على هذا - دال على انحصار مطهرية الماء النجس بالبلوغ كرا، وبقاء النجاسة للماء بدون أن يبلغ كرا، فيكون حجة على بقاء نجاسته مهما شك في ارتفاعها لطروء أمر ما غير الكرية ولا مجال للرجوع إلى استصحابها إذ لا مجال للاستصحاب مع الدليل. وعلى هذا


(* 1) الوسائل باب: 9 من ابواب الماء المطلق تضمن ذلك عدة احاديث منها.

[ 173 ]

المعنى تكون الرواية واردة في مقام تشريع البقاء والارتفاع، المترتب على تشريع الحدوث والعدم الذي هو مفاد الرواية المشهورة. وبالجملة: على هذا المعنى يكون قد صدر من الشارع المقدس تشريعان (أحدهما): تشريع الانفعال وعدمه منوطين بالقلة والكثرة، وهو مفاد الرواية المشهورة. (وثانيهما) تشريع بقاء الانفعال وارتفاعه منوطين بطروء الكرية وعدمه، وهذان التشريعان مترتبان، لترتب البقاء والارتفاع على الحدوث وتفرعهما عليه، فيكون كل من منطوق القضية الشرطية ومفهومها على المعنى الثاني متفرعا على مفهومها بالمعنى الاول. ولاجل ذلك يمتنع عرفا أن تكون الجملة المذكورة في مقام انشاء الحكمين المذكورين، بأن يراد من قوله (ع): " لم يحمل خبثا " أنه ان كان كرا لم ينفعل وإلا انفعل، وأنه إن كان كرا لم يبق فيه الانفعال، وإلا بقي. فحمل الرواية على إنشاء الحكمين معا متعذر. وحينئذ يدور الامر بين حملها على الاول - وهو الدفع - فتتحد مع الرواية المشهورة في المفاد، وبين حملها على الرفع فتخالفها فيه، وتكون متضمنة للتشريع الثاني. والاظهر الحمل على الاول، لان الحمل على الثاني يتوقف على تقييد الماء بالماء النجس قبل البلوغ كرا، والعبارة المناسبة له أن يقال: إذا بلغ الماء النجس كرا طهر، لامثل العبارة المذكورة. نعم لو كانت الجملة الشرطية المذكورة في الحديث خبرية، أمكن أن يراد منها المفادان معا. لكنه خلاف الظاهر. ومن ذلك يظهر عدم صلاحية الحديث المذكور لاثبات طهارة المتمم كرا بطاهر، فضلا عن المتمم بالنجس. كما يظهر أن التفصيل بينهما - كما عن الجماعة - اعتمادا على الحديث المذكور ضعيف، فانه لو تمت دلالته لم يكن فرق بين الفرضين، كما اختاره الحلي. اللهم إلا أن يكون الوجه في الفرق بينهما الاجماع على عدم

[ 174 ]

الطهارة في النجس المتمم بنجس، كما يظهر من المبسوط، حيث نفى الشك في النجاسة فيه. لكن خلاف ابن ادريس قادح في جواز الاعتماد عليه. فتأمل. وأما معارضته - على تقدير تمامية دلالته - بما دل على انفعال القليل المقتضي للحكم بنجاسة الطاهر المتمم، المنافي للحكم بطهارته حين الملاقاة المقتضية للكرية، لامتناع الحكم بالطهارة والنجاسة لموضوع واحد في زمان واحد. ومجرد اختلاف مفاد الدليلين، من أجل أن أحدهما في مقام الدفع، والآخر في مقام الرفع، لا يجدي في رفع المنافاة المذكورة. (فيدفعها): أنه يمكن الجمع بين الدليلين بحمل الثاني على مجرد لاقتضاء دون الفعلية، فلا ينافي فعلية الطهارة، ويكون نظير الجمع بين دليلي العنوان الاولي والثانوي كما يظهر بالتأمل. والجمع بينهما بذلك أقرب من غيره من وجوه الجمع. وأشكل من ذلك معارضته بما تضمن النهي عن غسالة الحمام، كموثق ابن أبي يعفور عن الصادق (ع): " واياك أن تغتسل من غسالة الحمام، فقيها يجتمع غسالة اليهودي، والنصراني، والمجوسي، والناصب لنا أهل البيت، وهو شرهم، فان الله تبارك وتعالى لم يخلق خلقا أنجس من الكلب وإن الناصب لنا - أهل البيت - لانجس منه " (* 1). إذ يدفعها قصور الدلالة على النجاسة مع بلوغ الكرية، لاجمال المراد من الغسالة، لان موردها من قبيل قضايا الاحوال، بقرينة ذكر اليهودي واخوته - ومن الجائز أن يكون مورد السؤال مالا يبلغ الكر. مع أن العمل بهذه الاخبار لا يخلو من اشكال، كما يأتي فلاحظ.


(* 1) الوسائل باب: 11 من ابواب الماء المضاف حديث: 5.

[ 175 ]

[ فصل ماء المطر حال تقاطره من السماء كالجاري (1)، فلا ينجس ما لم يتغير وان كان قليلا، سواء جرى من الميزاب، أو على وجه الارض، أم لا (2). ] فصل في الماء المطر (1) بذلك طفحت عباراتهم. بل استفاض نقل الاجماع عليه في الجملة صريحا وظاهرا. (2) كما هو المشهور. ويشهد له مرسلة الكاهلي عن أبي عبد الله (ع) في حديث: " قلت: يسيل علي من ماء المطر أرى فيه التغير وأرى فيه آثار القذر فتقطر القطرات علي وينتضح علي منه. والبيت يتوضأ على سطحه فيكف على ثيابنا، قال (ع): مابذا بأس لا تغسله. كل شئ يراه ماء المطر فقد طهر " (* 1) وصحيح هشام بن سالم: " أنه سأل أبا عبد الله (ع) عن السطح يبال عليه فتصيبه السماء فيكف فيصيب الثوب فقال (ع): لا بأس به، ما أصابه من الماء أكثر منه " (* 2) فان الوكوف في الثاني وان كان ملازما للجريان غالبا، فلا يكون له اطلاق يشمل صورة عدم الجريان، إلا أن التعليل بقوله (ع): " ما أصابه.. " ظاهر في الاكتفاء بالمسمى إذا كان غالبا على النجاسة، والاخذ به لازم. وكذلك


(* 1) الوسائل باب: 6 من ابواب الماء المطلق حديث: 5. (* 2) الوسائل باب: 6 من ابواب الماء المطلق حديث: 1.

[ 176 ]

السيلان في الاول، وان كان لا يعم صورة عدم الجريان. وقوله (ع): " كل شئ يراه.. " غير ظاهر في الاعتصام، لان المطهرية أعم منه ولذا يقال بنجاسة ماء الغسالة ولو طهر المحل بها ولذلك قد تشكل دلالته على المشهور. إلا أن قوله (ع): " كل شئ يراه.. " لما كان مسوقا مساق الكبرى الكلية للجواب بنفي البأس، دل على عموم نفي البأس لكل ما يسمى ماء المطر، وان لم يكن جاريا. هذا وقد ينسب إلى ابن حمزة اعتبار الجريان. والى التهذيب والمبسوط والجامع اشتراط الجريان من الميزاب. ولعل ذكر الميزاب في كلامهم من باب المثال، فيرجع إلى القول الاول. ويشهد له حينئذ صحيح ابن جعفر (ع) عن أخيه موسى (ع): سألته عن البيت يبال على ظهره، ويغتسل من الجنابة ثم يصيبه المطر، أيؤخذ من مائه فيتوضأ به للصلاة؟ فقال: إذا جرى فلا بأس به " (* 1) وخبره المروي عن قرب الاسناد: " سألته عن الكنيف يكون فوق البيت فيصيبه المطر فيكف فيصيب الثياب، أيصلى فيها قبل أن تغسل؟ قال (ع): إذا جرى من ماء المطر فلا بأس " (* 2) ونحوه خبره - المروي عن كتابه - في المطر يجري في المكان فيه العذرة (* 3). وظاهرها اعتبار الجريان الفعلي: فيشكل الامر في المطر الواقع على الارض الرملية، وفي البحر، ونحوهما مما يمتنع فيه الجريان. وحملها على الجريان بالقوة - كما عن المحقق الاردبيلي - قدس سره - لا قرينة عليه. وأشكل منه ما تقدم عن ظاهر الشيخ وغيره من اعتبار الجريان من ميزاب، فانه تقييد للنصوص المذكورة بلا مقيد، ويلزمه القول بعدم اعتصام


(* 1) الوسائل باب: 6 من ابواب الماء المطلق حديث: 2 (* 2) الوسائل باب: 6 من ابواب الماء المطلق حديث: 3 (* 3) الوسائل باب: 6 من ابواب الماء المطلق حديث: 9

[ 177 ]

[ بل وان كان قطرات، بشرط صدق المطر عليه (1)، وإذا ] المطر الواقع في الصحاري والبحار، وهو كما ترى. ومن هنا يظهر الاشكال في هذه الفتاوى، كالاشكال في النصوص. ولا يبعد ما ذكره بعض مشايخنا (قده) من كون مراد الجماعة الحاق ماء المطر الجاري على وجه الارض، بماء المطر النازل من السماء، لدفع توهم اختصاص الحكم بماء المطر حال نزوله، وأنه بعد نزوله واستقراره في الارض يكون بحكم المحقون. وعبارة بعضهم لا تأبى ذلك. ففي الوسيلة - بعد أن ذكر أن الماء الجاري طاهر ومطهر - قال (ره): " وما يكون في حكم الجاري هو ماء الحمام.. (إلى أن قال): وحكم الماء الجاري من الشعب من ماء المطر كذلك ". وعن التهذيب والاستبصار: " ماء المطر إذا جرى من الميزاب فحكمه حكم الجاري ". وكيف كان فالنصوص المتقدمة المستدل بها على اعتبار الجريان في اعتصام ماء المطر يعارضها التعليل في صحيح هشام المتقدم، الظاهر في الاكتفاء باكثرية ماء المطر على المتنجس، الظاهر في غلبته عليه، كما هو اللازم في مطهرية الماء. لان المراد من البول الذي يكون المطر اكثر منه هو الاثر الموجود في السطح، ولعدم السنخية بينه وبين الماء يتعين حمل الاكثرية على الاغلبية، ولاجل ذلك يجب أن تحمل نصوص الجريان على أن اعتباره في موارد السؤال فيها، للمحافظة على الغلبة المذكورة، كما يساعده مواردها. (1) بأن يكون له نحو كثرة بها يتحقق صدق الاسم، وان كان الملاقي للنجس قطرات منه، فلو كان مجموع ما نزل من السماء قطرات يسيرة فلم يصدق عليها ماء المطر لم يترتب الحكم. وفي روض الجنان: " كان بعض من عاصرناه من السادة الفضلاء يكتفي في تطهير الماء النجس بوقوع قطرة واحدة عليه. وليس ببعيد، وان كان العمل على خلافه ". واشكاله

[ 178 ]

[ اجتمع في مكان وغسل فيه النجس طهر وان كان قليلا (1). لكن مادام يتقاطر عليه من السماء (2). ] ظاهر، لمنع الصدق، أو عدم ثبوته. ولعل مراده الاكتفاء في التطهير بالقطرة من المطر النازل، لا الاكتفاء بها في صدق المطر. وعليه فهو في محله. والفرق بين المقامين واضح - كما في الجواهر - فلاحظ. (1) ولا يحتاج إلى وروده على النجس في حصول طهارته به، لاختصاص اعتبار الورود في التطهير بغير المعتصم، أما المعتصم فلا يعتبر فيه ذلك. هذا بناء على اعتبار الورود في التطهير بغير المعتصم، أما بناء على عدم اعتباره فلا فرق بين ماء المطر وغيره في الحكم المذكور في المتن. (2) أما اعتبار التقاطر من السماء - في الجملة - في الاعتصام فالظاهر أنه لا إشكال فيه، وفي كشف اللثام وظاهر غيره الاتفاق عليه. واما اعتبار كون التقاطر عليه، فهو ظاهر محكي مصابيح العلامة الطباطبائي (قده) بل في الجواهر أنه صريحه، وأنه لم يتعرض لذلك سوى العلامة المزبور، في الكتاب المذكور، وأما غيره فاطلق، بل هو نفسه في منظومته كذلك أيضا. ومال في الجواهر إلى الاكتفاء في اعتصام المجتمع في الارض بوجود التقاطر من السماء وان لم يكن عليه. وجعله ظاهر صحيح ابن الحكم (* 1) وصحيح ابن سالم (* 2)، ومرسل الكاهلي (* 3)، وغيرها. بل جعله ظاهر جميع ما ورد في ماء المطر، وأن ماء المطر كما يصدق على النازل حال نزوله، يصدق على المستقر في الارض، وان اعتصام الثاني لانه ماء مطر، لا لانه متصل بالنازل. نعم يشترط في ثبوت الحكم له - مضافا إلى وجود التقاطر -


(* 1) الوسائل باب: 6 من ابواب الماء المطلق حديث: 4. (* 2) الوسائل باب: 6 من ابواب الماء المطلق حديث: 1. (* 3) الوسائل باب: 6 من ابواب الماء المطلق حديث: 5.

[ 179 ]

أن يكون متهيئا للتقاطر عليه فلو وضع في خابية وترك في بيت مثلا لم يجر الحكم المذكور عليه. وفيه: أن ماء المطر (تارة): يراد منه النازل من السماء (وأخرى): يراد منه ما كان أصله كذلك وان كان فعلا في خابية أو مصنع أو نحوهما ولا ريب أن موضوع النصوص والفتاوى هو الاول، لا الثاني، فان جملة من نصوص انفعال القليل موردها الحياض والغدران التي أصلها من المطر، ولا يتوهم المعارضة بينها وبين نصوص الباب، لما عرفت أن موردها المعنى الاول، وكونه جاريا على السطح أو من ميزاب، أو نحو ذلك لا ينافي هذا المعنى، لان اتصاله بالنازل بتوالي القطرات عليه يوجب الوحدة العرفية بينهما، فالنازل من السماء قبل الجريان وبعده مع توالي القطرات عليه، إطلاق المطر، أو ماء المطر عليه في الحالين بمعنى واحد. وكذلك الكلام في أمثال المقام مثل ماء النهر وماء البئر، فانه أيضا يطلق (تارة): على ما كان في النهر أو في البئر، (وأخرى): على ما كان أصله منهما، فإذا قيل ماء النهر يطهر بعضه بعضا، وماء البئر واسع لا يفسده شئ، يكون ظاهرا في المعنى الاول، فإذا سئل عن ماء البئر الجاري على جوانبها، أو ماء النهر كذلك لا يحمل على المعنى الثاني، بل هو ظاهر في الاول، كما لا يخفى. هذا مضافا إلى أن الحمل على الثاني في المقام يقتضي عموم الحكم لصورة انقطاع التقاطر بالمرة، وصورة وضعه في خابية ونحوها، فاخراج الصورتين المذكورتين لا وجه له. اللهم إلا أن يكون من جهة الاجماع. ولكن الاجماع تعبدا على خروجهما غير واضح. وأما التمسك باستصحاب حكم الجاري، فيدفعه: أن عموم انفعال القليل حاكم عليه. مع أنه من الاستصحاب التعليقي، وهو وان كان معتضدا - بالنسبة إلى اعتصامه - باستصحاب الطهارة، لكنه معارض - بالنسبة إلى

[ 180 ]

[ (مسألة 1): الثوب أو الفراش النجس إذا تقاطر عليه المطر، ونفذ في جميعه طهر، ولا يحتاج إلى العصر أو التعدد (1)، وإذا وصل إلى بعضه دون بعض طهر ما وصل إليه. هذا إذا لم يكن فيه عين النجاسة، والا فلا يطهر إلا إذا تقاطر عليه بعد زوال عينها (2). ] مطهريته لغيره - باستصحاب النجاسة، وان كان المرجع بعد التعارض قاعدة الطهارة، فتتحد النتيجة. فالعمدة في البناء على انفعاله بانقطاع التقاطر، عموم أدلة انفعال القليل التي مورد بعضها ماء المطر بعد انقطاع تقاطره، وبها يخرج عن نصوص الباب. (1) لاطلاق مرسلة الكاهلي المتقدمة (* 1). ومعارضتها بما دل على اعتبار العصر أو التعدد بالعموم من وجه، المقتضية للرجوع إلى استصحاب النجاسة. مندفعة: بأنه لو تم إطلاق دليلهما بنحو يشمل المقام، فرفع اليد عن اطلاق المرسلة وتقييدها بدليلهما يوجب الغاء خصوصية المطر، وذلك خلاف ظاهر الرواية جدا فيتعين العكس، أعني: تقييد دليلي العصر والتعدد والاخذ باطلاقها. مع أن العمدة في دليل اعتبار العصر هو ارتكاز العرف من جهة انفعال الماء المغسول به، ومع اعتصام الماء - كما في المقام - لا مجال له. وكذا في كل ماء معتصم. (2) لعل مقتضى صحيح ابن سالم المتقدم (* 2) الاكتفاء بغلبة المطر على عين النجاسة حتى يزيلها. بل لعل إطلاق رواية الكاهلي (* 3) دال على ذلك، فلا يحتاج إلى التقاطر بعد زوال عين النجاسة.


(* 1) في اول هذا الفصل. (* 2) في اول هذا الفصل. (* 3) وهي مرسلة الكاهلي المتقدمة في اول هذا الفصل.

[ 181 ]

[ (مسألة 2): الاناء المتروس بماء نجس - كالحب والشربة ونحوهما - إذا تقاطر عليه طهر ماؤه واناؤه (1) بالمقدار الذي فيه ماء. وكذا ظهره وأطرافه إن وصل إليه المطر حال التقاطر، ولا يعتبر فيه الامتزاج، بل ولا وصوله إلى تمام ] (1) ليس في نصوص الباب ما هو ظاهر في ذلك. ودعوى: صدق الرؤية الواردة في المرسلة بمجرد التقاطر، غير ظاهرة إلا بالاضافة إلى السطح الملاقي للقطرات لا غير. مع أنه لو تم ذلك هنا اقتضى طهارة المضاف بذلك أيضا، والظاهر عدم القول به من أحد، وان كان مقتضى ما عن العلامة (ره) في طهر المضاف باتصاله بالجاري، قوله به هنا أيضا، للاجماع على أنه بحكم الجاري، لكنه لم ينقل ذلك عنه هنا. اللهم إلا أن يدعى خروج المضاف عن القاعدة من جهة الاجماع. فالعمدة الاشكال الاول، وهو عدم ثبوت صدق الرؤية لتمام أجزاء الماء بمجرد التقاطر على سطحه. وما في الجواهر من أنه لا ينبغي الاصغاء إلى هذه الدعوى غير واضح. بل يشكل الحكم بالطهارة حتى مع الامتزاج، لان انفصال القطرات بعضها عن بعض موجب لانفعال كل قطرة بعد الاستقرار. ولا ينافي هذا ما تقدم من أن ماء المطر الجاري على الارض معتصم بنفسه ما دام التقاطر عليه، لاختصاص النصوص الدالة على ذلك (* 1) بغير الممتزج، ورواية الميزابين (* 2) محمولة - جزما - على صورة استهلاك البول في ماء المطر. (وبالجملة): لا دليل على أن القطرات الممتزجة بالماء النجس معتصمة ما دام التقاطر، ولا سيما مع استهلاكها فيه. فالعمدة إذا في طهارة الماء المتنجس بتقاطر المطر عليه الاجماعات


(* 1) المتقدمة في اول هذا الفصل. (* 2) الوسائل باب: 6 من ابواب الماء المطلق حديث: 4.

[ 182 ]

[ سطحه الظاهر، وان كان الاحوط ذلك (1). (مسألة 3): الارض النجسة تطهر بوصول المطر إليها بشرط أن يكون من السماء، ولو باعانة الريح. وأما لو وصل إليها بعد الوقوع على محل آخر، كما إذا ترشح بعد الوقوع ] المستفيضة على أنه بحكم الجاري، وقد عرفت آنفا طهارة الماء النجس بمجرد اتصاله بالجاري. هذا مضافا إلى الاجماع المحكي على طهارته بوقوع المطر عليه كما عن المفاتيح والروضة. ويمكن الاستدلال له بما في مرسلة الكاهلي، على ما في بعض نسخ الكافي. وفي نسخة الوافي (* 1) عن بعض المتبحرين (* 2) من مشايخنا المعاصرين (قده) تصحيحها هكذا: " يسيل على الماء المطر " بجر الماء ورفع المطر، على أن يكون الضمير في قول السائل: " أرى فيه " راجعا إلى الماء لا إلى المطر. وكأنه بقرينة قوله (ع) في الجواب: " كل شئ يراه.. " إذ لو كان راجعا إلى المطر كان المراد من الجواب أنه مطهر لنفس القذر، وهو ممتنع. والذي يشهد لهذا التصحيح أن مجرور: (على) لو كان ياء المتكلم لكان فرض السيلان عليه منافيا لفرض ورود القطرات عليه، كما لا يخفى. ثم إن الظاهر أنه لا كلام عندهم في طهارة الاناء بطهارة الماء، لان ملاقاته للماء المعتصم مطهرة له، ولو لاستفادته من عموم مرسلة الكاهلي الدالة بعمومها على أن ملاقاة المطر للاناء مطهرة له، فيتعدى منه إلى كل ماء معتصم. كما يأتي ذلك في محله إن شاء الله تعالى. ومنه يظهر الحكم في طهارة ظهره واطرافه. (1) لانه المتيقن من معافد الاجماع على مطهريته للماء واختاره في المستند.


(* 1) الباب الرابع من ابواب أحكام المياه حديث: 3. (* 2) شيخ الشريعة الاصفهاني (ره)

[ 183 ]

[ على مكان فوصل مكانا آخر، لا يطهر (1). نعم لو جرى على وجه الارض فوصل إلى مكان مسقف بالجريان إليه طهر (2) (مسألة 4): الحوض النجس تحت السماء يطهر بالمطر (3)، وكذا إذا كان تحت السقف وكان هناك ثقبة ينزل منها على الحوض، بل وكذا لو أطارته الريح حال تقاطره فوقع في الحوض، وكذا إذا جرى من ميزاب فوقع فيه. (مسألة 5): إذا تقاطر من السقف لا يكون مطهرا (4) بل وكذا إذا وقع على ورق الشجر ثم وقع على الارض. نعم لو لاقى في الهواء شيئا - كورق الشجر أو نحوه - حال نزوله لا يضر، إذا لم يقع عليه ثم منه على الارض، فبمجرد المرور على الشئ لا يضر (5). ] (1) للشك في ذلك من دون دليل عليه. بل عموم انفعال القليل يقتضي انفعال الماء الواصل إليه. وقد عرفت أن هذا العموم مقدم على استصحاب الاعتصام الثابت له حال النزول. (2) لاطلاق نصوص الباب الواردة في ماء المطر الجاري. فلاحظ ما سبق (* 1). (3) يعلم الحكم المذكور مما سبق في المسألة الثانية. (4) لما تقدم في المسألة الثانية. ولا فرق بين السقف وورق الشجر وغيرهما من الوسائط. نعم لو كان يجزي من الواسطة إلى غيرها مع توالي التقاطر عليه كان معتصما ومطهرا. (5) لاطلاق الادلة.


(* 1) في اول هذا الفصل.

[ 184 ]

[ (مسألة 6): إذا تقاطر على عين النجس، فترشح منها على شئ آخر، لم ينجس (1)، إذا لم يكن معه عين النجاسة، ولم يكن متغيرا (2). (مسألة 7): إذا كان السطح نجسا فوقع عليه المطر ونفذ وتقاطر من السقف، لا تكون تلك القطرات نجسة وان كان عين النجاسة موجودة على السطح ووقع عليها. لكن بشرط أن يكون ذلك حال تقاطره من السماء. وأما إذا انقطع ثم تقاطر من السقف مع فرض مروره على عين النجس فيكون نجسا. وكذا الحال إذا جرى من الميزاب بعد وقوعه على السطح النجس. (مسألة 8): إذا تقاطر من السقف النجس يكون طاهرا إذا كان التقاطر حال نزوله من السماء، سواء كان السطح أيضا نجسا أم طاهرا. (مسألة 9): التراب النجس يطهر بنزول المطر عليه إذا وصل إلى أعماقه حتى صار طينا (3). ] (1) يعني: مادام متصلا بماء السماء بتوالي تقاطره عليه، كما هو مورد النصوص المتقدمة، فانه معتصم حينئذ. ولا يضر أن يكون معه عين النجاسة فانه لا ينجس بها، كما هو مورد مرسلة الكاهلي. (* 1) (2) إذ لا إشكال في نجاسته بذلك، كما يستفاد من صحيح ابن سالم (* 2) ومما ذكرنا هنا تعرف وجه الحكم في المسألة السابعة والثامنة. (3) يدل على ذلك اطلاق مادل على مطهريته. مضافا إلى المرسل


(* 1) و (* 2) تقدم ذكرهما في أول هذا الفصل.

[ 185 ]

[ (مسألة 10): الحصير النجس يطهر بالمطر، وكذا الفراش المفروش على الارض وإذا كانت الارض التي تحتها أيضا نجسة تطهر إذا وصل إليها (1). نعم إذا كان الحصير منفصلا عن الارض، يشكل طهارتها بنزول المطر عليه إذا تقاطر منه عليها، نظير ما مر من الاشكال (2) فيما وقع على ورق الشجر وتقاطر منه على الارض. (مسألة 11): الاناء النجس يطهر إذا أصاب المطر جميع مواضع النجس منه. نعم إذا كان نجسا بولوغ الكلب يشكل طهارته بدون التعفير (3) لكن بعده إذا نزل عليه يطهر من غير حاجة إلى التعدد. ] عن أبي الحسن (ع) في طين المطر: " انه لا بأس به أن يصيب الثوب ثلاثة أيام، إلا أن يعلم أنه قد نجسه شئ بعد المطر " (* 1). فتأمل. (1) يستفاد ذلك كله من مرسلة الكاهلي (* 2) وغيرها. (2) تقدم منه (قده) الجزم بالعدم. (3) لان قوله (ع): كل شئ يراه ماء المطر فقد طهر " (* 3) ليس بأقوى مما دل على اعتبار التعفير، لقرب دعوى ظهوره في تميز ماء المطر عن سائر أفراد الماء، فلا يعتبر في مطهريته ما يعتبر في مطهرية غيره لا جعله مطهرا لما لا يطهره الماء، كالتراب، فاطلاق ما دل على اعتبار التعفير محكم. لا أقل من تساويهما في الظهور، فيرجع بعد المعارضة إلى استصحاب النجاسة.


(* 1) الوسائل باب: 6 من ابواب الماء المطلق حديث: 6. (* 2) و (* 3) تقدم في أول هذا الفصل.

[ 186 ]

[ فصل ماء الحمام بمنزلة الجاري (1)، بشرط اتصاله بالخزانة (2) فالحياض الصغار فيه إذا اتصلت بالخزانة لا تنجس بالملاقاة ] فصل في ماء الحمام (1) في الجواهر الاجماع محصلا ومنقولا عليه. ويشهد له صحيح داود ابن سرحان: " قلت لابي عبد الله (ع): ما تقول في ماء الحمام؟ قال (ع): هو بمنزلة الجاري " (* 1). وخبر ابن أبي يعفور عن أبي عبد الله (ع): " إن ماء الحمام كماء النهر يطهر بعضه بعضا " (* 2). وقريب منهما غيرهما. (2) إجماعا كما في الجواهر. ويقتضيه الجمع بين ما تقدم وبين رواية بكر بن حبيب عن أبي جعفر (ع): " ماء الحمام لا بأس به إذا كانت له مادة " (* 3). وضعفها بجهالة بكر منجبر بعمل المشهور. بل في الحبل المتين: ان جمهور الاصحاب تلقوا روايته هذه بالقبول. انتهى. هذا مضافا إلى رواية صفوان عنه الذي هو من أصحاب الاجماع، وممن لا يروي إلا عن ثقة، كما عن الشيخ (ره) في العدة وأما ما في طهارة شيخنا الاعظم (ره) من أن الظاهر أنه بكر بن محمد بن حبيب - الذي ظاهر المحكي عن النجاشي وصريح الخلاصة: أنه من علماء الامامية، وحكى ابن داود عن الكشي


(* 1) الوسائل باب: 7 من ابواب الماء المطلق حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 7 من ابواب الماء المطلق حديث: 7. (* 3) الوسائل باب: 7 من ابواب الماء المطلق حديث: 4.

[ 187 ]

[ إذا كان ما في الخزانة وحده، أو مع ما في الحياض بقدر الكر (1)، من غير فرق بين تساوي سطحها مع الخزانة، ] أنه ثقة - فغير ظاهر، فان ذلك أبو عثمان المازني، المتوفي سنة ثمان واربعين ومائتين، وتمتنع روايته عن أبي جعفر (ع) الذي هو الباقر (ع)، بقرينة وقوع منصور في السند. فلاحظ. ثم إن الظاهر من الحمام في النصوص ما في الحياض الصغار، كما هو الظاهر من الاصحاب والمصرح به في كلام جماعة، ويكون تشبيهه بالجاري في النص والفتوى بملاحظة كونه ذا مادة جارية عليه. فيدل على اعتصامه ما تقدم من عموم اعتصام كل ماله مادة. وكأن الوجه في اهمال تقييد الماء بكونه دون الكر أن القضية لوحظ فيها الافراد الخارجية، وهي في عصر صدور النصوص كلها قليلة لا تبلغ الكر، لا قضية حقيقية ليلزم تقييد موضوعها بما دون الكر، لوضوح أن الماء البالغ كرا لا بأس به وان لم يكن له مادة إجماعا نصا وفتوى. (1) المنسوب إلى الاكثر، أو المشهور. اعتبار بلوغ المادة كرا. وعن جماعة: الاكتفاء ببلوغ المجموع كرا. وفي الحدائق: عدم اعتبار الكرية في المادة ولا في مجموع ما فيها وما في الحياض. ونسبه إلى جملة من المتأخرين ومتأخريهم، واختار أيضا في الكفاية، ونسبه إلى ظاهر كلام المحقق. وعن بعض التفصيل بين تساوي السطوح فيكفي بلوغ المجموع كرا، وبين اختلافها فلابد من بلوغ المادة كرا. وعن بعض التفصيل بين الرفع فالاول، وبين الدفع فالثاني. ومختصر الكلام في تحقيق هذه الاقوال: أنه (إن كانت) نصوص الباب من قبيل القضية الحقيقية، فمفادهما أن عنوان ماء الحمام كعنوان ماء المطر، دخيل في ثبوت الحكم المذكور فيهما، فمهما تحقق ماء الحمام كان بمنزلة

[ 188 ]

الجاري إذا كانت له مادة. ومقتضى إطلاقها عدم الفرق بين كون ما في المادة وذي المادة بالغا كرا وعدمه. ومقتضى وجوب العمل بهذا الاطلاق البناء على ما ذكره في الكفاية والحدائق وغيرهما من عدم اعتبار الكرية أصلا، لا في المادة، ولا في مجموع ما في المادة وذي المادة. (وإن كانت) من قبيل القضية الخارجية التي حكم فيها على الافراد الخارجية لا غير، لم يكن لها اطلاق يصلح أن يتمسك به لعدم اعتبار الكرية في المادة - فضلا عن مجموع ما في المادة والحياض - لان القضية الشرعية على هذا - من قبيل قضايا الاحوال المكتسبة ثوب الاجمال، ولا يجوز الخروج بها عن القواعد العامة إلا فيما يكون متيقن الدخول في مواردها، مثل الحوض الصغير الذي تجري عليه المادة، فانه لو لم يكن دليل على اعتصامه أمكن أن تكون هذه الروايات دليلا عليه، لانه متيقن دخوله في موردها. وعلى هذا الاحتمال تبتني بقية الاقوال. وحينئذ نقول: إن بني على تقوي السافل بالعالي اكتفي بكون المجموع كرا ولو مع اختلاف السطوح. وان بني على عدمه تعين التفصيل بين صورة تساوي السطوح، فيكفي كون المجموع كرا، وبين صورة اختلافها فلابد من كون المادة وحدها كرا. ولعل اطلاق المشهور اعتبار بلوغ المادة كرا مبني على كون محل كلامهم صورة اختلاف السطوح. ثم على القول بتقوي السافل بالعالي إن قلنا بأن المتمم كرا بطاهر طاهر، لم يفرق بين الدفع والرفع في كفاية كون المجموع كرا. وان لم نقل بطهارة المتمم بطاهر تعين التفصيل بين الدفع فيكفي فيه كون المجموع كرا، وبين الرفع فلا يكفي فيه ذلك، بل لابد من كون المادة وحدها كرا، كما اختاره المصنف (ره) في المتن. هذا ولا ينبغي التأمل في لزوم حمل القضية الشرعية في الروايات

[ 189 ]

المذكورة على القضية الخارجية (أولا): من جهة أن خصوصية الحمام من قبيل خصوصية الدار والخان ونحوهما من الامكنة، مما لا يساعد العرف على دخلها في الحكم المذكور، والمنسبق إلى الذهن ملاحظتها مرآة للافراد الخارجية. (وثانيا): أن لازم أخذ العنوان المذكور موضوعا للحكم، هو انفعال ماء الحمام إذا لم يكن له مادة ولو كان كثيرا، وعدم انفعاله لو أخذ منه مقدار وجعل مادة، وذلك - مع أنه خلاف المرتكز العقلائي - مما لم يقل به أحد فإذا دار الامر بين حمل القضية على الحقيقية والتصرف فيها باخراج ذلك، وبين حملها على الخارجية، فالثاني أولى. (وثالثا): أنه يظهر منهم الاتفاق على أن المراد من ماء الحمام في النصوص هو ما في الحياض الصغار، ولا يظهر وجه لذلك إلا حمل القضية على الخارجية. فإذا حمل ماء الحمام على الحياض الصغار التي كانت متعارفة في زمن صدور الروايات، فلم لا تحمل المادة على المادة المتعارفة في ذلك الزمان أيضا؟!. وحينئذ لا يسوغ الاخذ باطلاق المادة الشامل لما دون الكر، لان الحمل على ذلك من قبيل الحمل على الفرد الخارجي الذي لا يقبل الاطلاق والتقييد بل عمومها لما دون الكر موقوف على وجود ذلك الفرد في ذلك الزمان وهو غير معلوم. وبالجملة: لا وجه للتفكيك بين ماء الحمام وبين المادة، بحمل الاول على الفرد الخارجي، وحمل الثاني على الكلي ثم يتمسك باطلاقه فاما أن يحملا معا على الفرد الخارجي أو معا على الكلي، كما لعله ظاهر بالتأمل. فما في الحدائق من الجمع بين تمسكه باطلاق المادة، وبين استظهاره أن المراد من ماء الحمام ما في الحياض الصغار بعد نسبة ذلك إلى الاصحاب كما تري. وأما تقوي السافل بالعالي، وعكسه، وعدمهما فقد اختلفت فيها كلمات الجماعة. ولعل أول من تعرض لذلك العلامة (ره) في التذكرة،

[ 190 ]

قال: " لو وصل بين الغديرين بساقية اتحدا إن اعتدل الماء، وإلا في حق السافل، فلو نقص الاعلى عن كر انفعل بالملاقاة " وظاهره تقوي السافل بالعالي دون العكس، ومثله محكي كلام غيره. ومقتضى ما ذكره في القواعد وغيرها من اعتبار الكرية في مادة الحمام عدم تقوي السافل بالعالى. وظاهر محكي جامع المقاصد عدم تقوي كل منهما بالآخر. وصريح جماعة من المتأخرين التقوي من الطرفين. لاطلاق أدلة اعتصام الكر الشامل لمختلف السطوح ومتساويها. وقد يستشكل فيه (تارة): باختصاصها بالماء الواحد، ومع اختلاف السطوح يتعدد وجود الماء. وفيه: أن التعدد يتوقف على الانفصال وتخلل العدم وهو خلاف المفروض. (واخرى): باختصاص مورد تلك الادلة بالحياض والغدران ونحوهما مما يتساوى فيه السطوح. وفيه - مع أن بعضها لا مورد له معين -: أن المورد لا يخصص الوارد ولا يقيده. (وثالثة): بأن ما دل على اعتبار المادة في ماء الحمام - المنصرف اطلاقها بحكم الغلبة إلى الكر، يكون مقيدا لذلك الاطلاق حتى في غير الحمام، لالغاء خصوصية مورده عرفا. وفيه: أن الغلبة لا تصلح للانصراف المعتد به، وقد عرفت أن أدلة ماء الحمام مجملة لان مضمونها من قبيل القضية الخارجية. (ورابعة): من جهة انصرافه إلى خصوص متساوي السطوح، وفيه: أن الانصراف المذكور بدوي، لان منشأه أنس الذهن بذلك. (وخامسة): بأن الاعلى لا ينجس بنجاسة الاسفل اتفاقا فلا يطهر بطهارته. وفيه: أنه لا ملازمة بين الامرين ولذا لا إشكال في سراية النجاسة من الاعلى إلى الاسفل، مع أن المستشكل ممن لا يقول بتقوي الاعلى بالاسفل. وعمدة الفرق بين المقامين: أن أدلة السراية قاصرة عن شمول الاعلى عند نجاسة الاسفل، بخلاف أدلة اعتصام الكر فانها شاملة لمختلفي السطحين، ومتساويهما كما عرفت.

[ 191 ]

نعم الذي ينبغي أن يقال: إنه لا ريب في أن المرتكز العرفي عدم تقوي كل من العالي والسافل بالآخر. وهذا الارتكاز موجب لانصراف المطلقات الدالة على اعتصام الكر إلى مستوي السطوح، فيكون موضوع الاعتصام مقيدا بذلك، ومقتضاه انتفاؤه بانتفائه. وليس هذا الانصراف ناشئا من أنس الذهن بالمقيد لسبب من الاسباب الخارجية، من غلبة أو محبة أو نحوهما - ليكون من الانصرافات البدوية التي لا يعول عليها في رفع اليد عن الاطلاق. بل هو ناشئ من المناسبات الارتكازية العرفية التي يعول عليها في تقييد المطلق، كما يظهر من ملاحظة النظاير التي يطول الكلام بذكرها فلاحظ. ولا فرق بين العلو التسنيمي والتسريحي الذي لا يلحق بالمساوي عرفا. هذا كله مع اختلاف السطوح وجريان الماء، فلو كان الماء ساكنا - كما لو عمل ظرف من نحاس على هيئة المنبر - فالظاهر أنه لا إشكال في تقوي كل من الاعلى والاسفل بالآخر. كما أنه مع تساوي السطوح، وضعف الاتصال كما لو وصل بين الغديرين بساقية ضعيفة جدا، فالتقوي حينئذ لا يخلو من إشكال، لانه خلاف الارتكاز العرفي. وكذا لو كان الماء في انبوب ضيق طوله فرسخ أو فرسخان، لعين ما ذكر من الاشكال. وأما ما عن المعالم من الاشكال في اعتصام الكر مع تساوي السطوح إذا لم يكن مجتمعا متقارب الاجزاء، فان رجع إلى ما ذكرنا ففي محله، وإلا فهو خلاف الاطلاق كما عرفت. هذا ولو كان العالي وحده كرا، فالمعروف تقوي السافل به، بل عن شارح الدروس الاتفاق عليه. لكن قد يظهر من بعض العبارات الاشكال فيه. نعم لا إشكال فيه في ماء الحمام، لانه المتيقن من النصوص، وقد عرفت أن احتمال الخصوصية فيه خلاف المرتكز العرفي، فالتعدي منه إلى

[ 192 ]

[ أو عدمه، وإذا تنجس ما فيها يطهر بالاتصال بالخزانة (1)، بشرط كونها كرا، وان كانت أعلى وكان الاتصال بمثل (المزملة). ويجري هذا الحكم في غير الحمام أيضا، فإذا كان في المنبع الاعلى مقدار الكر أو أزيد، وكان تحته حوض صغير نجس، واتصل بالمنبع بمثل (المزملة) يطهر، وكذا لو غسل فيه شئ نجس، فانه يطهر مع الاتصال المذكور. ] غيره في محله. ويدل عليه صحيح ابن بزيع عن الرضا (ع) (* 1)، سواء أرجع التعليل إلى قوله (ع): " لا يفسده شئ " فيدل على ما نحن فيه بالصراحة، أم إلى قوله (ع): حتى يذهب الريح ويطيب.. " فيدل على ما نحن فيه بالفحوي، لان الدفع أهون من الرفع. (1) كما يستفاد من صحيح ابن بزيع (* 2) بناء على ما تقدم في مبحث الماء الجاري من رجوع التعليل فيه إلى الغاية، فيعم الحكم كل ماله مادة. ويستفاد أيضا من نصوص نفي البأس في ماء الحمام إذا كان له مادة، فان اطلاقها يشمل ما إذا تنجس الماء ثم وصل بالمادة. اللهم إلا أن يحتمل ان الحمامات في عصر صدور هذه النصوص ما كانت المادة تنقطع فيها عن الحياض وقد عرفت أن النصوص محمولة على الافراد الخارجية لا غير، ومع هذا الاحتمال - وان بعد - تكون النصوص مجملة. فالعمدة صحيح ابن بزيع. ومنه يستفاد حكم غير الحمام، لعموم التعليل وان كان مورده البئر. فلاحظ وتأمل.


(* 1) و (* 2) الوسائل باب: 14 من ابواب الماء المطلق حديث: 6، 7.

[ 193 ]

[ فصل ماء البئر النابع بمنزلة الجاري، لا ينجس إلا بالتغير (1)، ] فصل في ماء البئر (1) على المشهور بين المتأخرين، ونسب إلى العماني، والحسين بن الغضائري ومحمد بن جهم. للنصوص الدالة عليه، كصحيح ابن بزيع عن الرضا (ع): " ماء البئر واسع لا يفسده شئ، إلا أن يتغير ريحه أو طعمه فينزح حتى يذهب الريح ويطيب طعمه لان له مادة " (* 1). وصحيح ابن جعفر (ع) عن أخيه (ع) قال: " سألته عن بئر ماء وقع فيها زنبيل من عذرة رطبة أو يابسة، أو زنبيل من سرقين أيصلح الوضوء منها؟ قال (ع): لا بأس " (* 2). وصحيح معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (ع): " قال سمعته يقول: لا يغسل الثوب ولا تعاد الصلاة مما وقع في البئر، إلا أن ينتن، فان أنتن غسل الثوب واعاد الصلاة، ونزحت البئر " (* 3) إلى غير ذلك من النصوص الكثيرة وقد عقد لها في الوسائل بابا طويلا (* 4) وان كان بعضه لا يخلو من خدش في الدلالة، أو السند. والمشهور بين القدماء النجاسة بمجرد الملاقاة، بل عن الاقتصاد والغنية وغيرهما: الاجماع صريحا أو ظاهرا عليه وتبعهم عليه جماعة من المتأخرين


(* 1) الوسائل باب: 14 من ابواب الماء المطلق حديث: 6، 7. (* 2) الوسائل باب: 14 من ابواب الماء المطلق حديث: 8. (* 3) الوسائل باب: 14 من ابواب الماء المطلق حديث: 10. (* 4) وهو الباب: 14 من ابواب الماء المطلق.

[ 194 ]

لما دل على وجوب النزح بملاقاة النجاسة، الظاهر في كونه مطهرا لها، بل هو المصرح به في بعضها، كصحيح ابن يقطين عن أبي الحسن (ع): " سألته عن البئر تقع فيها الحمامة، والدجاجة، والفارة، أو الكلب أو الهرة فقال (ع): يجزؤك أن تنزح منها دلاء، فان ذلك يطهرها إن شاء الله تعالى " (* 1) وصحيح ابن بزيع: " عن البئر تكون في المنزل للوضوء فتقطر فيها قطرات من بول أو دم، أو يسقط فيها شئ من عذرة - كالعبرة ونحوها - ما الذي يطهرها حتي يحل الوضوء منها للصلاة؟ فوقع (ع) بخطه في كتابي: ينزح منها دلاء " (* 2). وفيه: أنها لا تصلح لمعارضة ما عرفت، مما هو أقوى دلالة، فيجمع بينها بالحمل على الاستحباب. ولا سيما بملاحظة ما فيها من الاختلاف الكثير، وورود بعضها فيما ميتته طاهرة - كالوزغ والعقرب - الموجب ذلك لحمل كثير منها على الاستصحاب. ومما يؤيد ذلك أنها لو انفعلت مع كثرة مائها لزم دوران النجاسة مدار المادة وهو غريب كما قيل. نعم قد تشكل نصوص الطهارة من جهة إعراض القدماء عنها، وعدم اعتمادهم عليها. لكنه يندفع: بأنه لم يثبت كونه إعراضا موهنا لها، بل من الجائز أن يكون لبنائهم على عدم الجمع العرفي بينها وبين نصوص النجاسة، مع ترجح الثانية بموافقتها للاحتياط وكونها اكثر عددا. ومجرد احتمال كونه لاجل اطلاعهم على قرينة تنافي أصالة الظهور فيها، أو أصالة الجهة، لا يكفي في رفع اليد عنها - كما لا يخفى - فانه خلاف الاصل العقلائي المقتضي لنفي ذلك الاحتمال. هذا وأما صحيح ابن أبى يعفور عن أبى عبد الله (ع): " قال:


(* 1) الوسائل باب: 17 من ابواب الماء المطلق حديث: 2. (* 2) الوسائل باب: 14 من ابواب الماء المطلق حديث: 21.

[ 195 ]

إذا أتيت البئر وأنت جنب فلم تجد دلوا ولا شيئا تغرف فيه فتيمم بالصعيد فان رب الماء الصعيد، ولا تقع في البئر ولا تفسد على القوم ماءهم " (* 1) فغير ظاهر في النجاسة، لعدم التعرض فيه لنجاسة بدن الجنب، فلعل المراد من الافساد فيه القذارة العرفية. بل لو كان المراد به النجاسة، كان اللازم التعبير بأن لا يفسد الماء فلا يمكن الاغتسال به ويتنجس البدن به، لا بافساد الماء على أهله. فلاحظ. وأما ما ورد في تقارب البئر والبالوعة فلا يأبى الحمل على صورة التغير بالنجاسة، فلا يقوى على صرف ما تقدم فلاحظ. هذا ونسب إلى الشيخ (قده) القول بالطهارة ووجوب النزح تعبدا. وتبعه عليه في المنتهى والموجز وغيرهما. وكأنه للاخذ بظاهر الدليلين، فان الاصل في الامر أن يكون مولويا فيحمل الامر بالنزح عليه. أو لان المقام وان كان مقام الارشاد إلى النجاسة، فيكون الامر بالنزح ارشاديا إليها، لكنه حيث لا يمنع عنه مانع، واخبار الطهارة مانعة عنه. وفيه أن قرينية المقام على الارشاد إلى النجاسة إذا لم يمكن الاخذ بها من جهة نصوص الطهارة، يتعين حمل الامر بالنزح على الارشاد إلى مرتبة ضعيفة من النجاسة، لا تثبت لها أحكام النجاسة لاختصاص تلك الاحكام بالمرتبة القوية، فانه هو الذي يساعده الجمع العرفي، كما استقر عليه ديدنهم في أمثال المقام. فان الامر بحملة من المستحبات في الصلاة - مثل الاقامة والتكبير وغيرهما - ظاهر في الارشاد إلى الجزئية أو الشرطية لكن لما لم يمكن الاخذ به - لما دل على الصحة بدونه - حمل على الارشاد إلى خصوصية راجحة في الصلاة ولم تحمل على الوجوب المولوي. وعن البصروي: التفصيل في الانفعال بين الكر وغيره. وكأنه لموثق عمار قال: " سئل أبو عبد الله (ع) عن البئر يقع فيها زنبيل عذرة يابسة


(* 1) الوسائل باب: 14 من ابواب الماء المطلق حديث: 22.

[ 196 ]

أو رطبة. فقال (ع): لا بأس إذا كان فيها ماء كثير " (* 1) وخبر الحسن بن صالح المتقدم في تحديد الكر (* 2). ولقوله (ع) في صحيح ابن بزيع: " ماء البئر واسع " (* 3) بناء على ظهوره في أنه كثير. ولغلبة الكرية في البئر، الموجب ذلك لحمل نصوص الطهارة عليه عند الجمع بينها وبين عموم انفعال القليل، فيكون عموم انفعال القليل بلا معارض. أو لانه لا يمكن الاخذ بنصوص الانفعال إذا كان الماء كرا، لما تقدم من امتناع أن تكون المادة سببا للانفعال. وفيه: أنه لم يثبت للشارع الاقدس اصطلاح في الكثرة بمعنى الكرية كي يحمل في الموثق عليها، بل الظاهر من الكثرة الكثرة العرفية، واعتبارها في الموثق لاجل المنع من حصول التغير في الماء من وقوع الزنبيل من العذرة فيه فالكثرة معتبرة في مورد السؤال شرطا في عدم التغير الخارجي، لا شرطا مطلقا في عدم الانفعال شرعا والمراد بها كثرة خاصة تزيد على الكر بكثير وأما خبر الحسن - فمع ضعفه في نفسه - مهجور. وحمل السعة في الصحيح على الكثرة - مع أنه لا يجدي، كما عرفت - خلاف ظاهر. لا أقل من الاجمال ولو بملاحظة التعليل، المحتمل رجوعه إلى السعة أو إلى عدم الافساد إذ على كلا التقديرين لا يناسب حمل السعة على الكثرة، إذ لا دخل للمادة في الحكمين المذكورين، كما لعله ظاهر. وغلبة الكرية في ماء البئر ممنوع ولو سلم، فالجمع بين نصوص اعتصام البئر وانفعال الماء القليل يكون بحمل الثانية على غير ماء البئر، لظهور الاولى في خصوصية لماء البئر امتاز بها عن غيره، وإذا بني على التقيد بالكثير فلا خصوصية لماء البئر، وذلك


(* 1) الوسائل باب: 14 من ابواب الماء المطلق حديث: 15. (* 2) الوسائل باب: 9 من أبواب الماء المطلق حديث: 8 وتقدم في تحديد الكر بالمساحة. (* 3) الوسائل باب: 14 من أبواب الماء المطلق حديث: 1، 6، 7.

[ 197 ]

[ سواء كان بقدر الكر أو أقل، وإذا تغير ثم زال تغيره من قبل نفسه طهر، لان له مادة (1). ونزح المقدرات في صورة عدم التغير مستحب (2). وأما إذا لم يكن له مادة نابعة فيعتبر في عدم تنجسه الكرية (3). وإن سمي بئرا، كالآبار التي يجتمع فيها ماء المطر ولا نبع لها. (مسألة 1): ماء البئر المتصل بالمادة إذا تنجس بالتغير فطهره بزواله ولو من قبل نفسه (4)، فضلا عن نزول المطر ] خلاف الظاهر. وصحيح ابن بزيع كالصريح في ذلك، بناء على أن المراد من قوله (ع) " واسع " أنه واسع الحكم - كما هو الظاهر - وأن التعليل بالمادة راجع إليه، كما تقدم في مبحث الماء الجاري. هذا وعن الجعفي اعتبار ذراعين في الابعاد الثلاثة في الاعتصام. وليس له دليل ظاهر. ويمكن أن يكون راجعا إلى ما قبله. ففيه حينئذ ما فيه. (1) اشارة إلى التعليل في صحيح ابن بزيع (* 1)، الظاهر رجوعه إلى جميع الاحكام السابقة عليه المناسبة له، كما تقدم الكلام في ذلك مفصلا في مبحث الماء الجاري فراجع. (2) حملا لنصوص النزح على ذلك، لما عرفت. (3) لما تقدم من عموم انفعال القليل. ومجرد التسمية مجازا أو اصطلاحا لا يجدي بعد ما لم يكن مصداقا حقيقيا لموضوع الاحكام الخاصة. مع أنه لو فرض كون إطلاق البئر عليه حقيقيا، فالتعليل حاكم على اطلاقه ومانع من الاخذ به. (4) لما تقدم من أن الارتكاز العرفي مانع من اعتبار خصوصية النزح في الطهارة.


(* 1) الوسائل باب: 14 من ابواب الماء المطلق حديث: 6، 7.

[ 198 ]

[ عليه أو نزحه حتى يزول. ولا يعتبر خروح ماء من المادة في ذلك (1). (مسألة 2): الماء الراكد النجس كرا كان أو قليلا يطهر بالاتصال بكر طاهر (2)، أو بالجاري، أو النابع غير ] (1) لاطلاق التعليل. (2) للتعليل في الصحيح الذي يجب التعدي عن مورده إلى المقام. وتعضده أخبار ماء الحمام، بناء على أن نفي البأس فيها يعم حالتي الدفع والرفع، لكثرة الابتلاء بالحالين، وبعد الغاء خصوصية موردها عرفا يتعدى منه إلى كل ماله مادة فتأمل. وهذا هو العمدة في كفاية الاتصال بالمادة في التطهير. وما عن بعض الافاضل من الاستدلال له بالاصل غير ظاهر إذ الاصل يقتضي النجاسة. وكذا في الاشكال ما عن آخر من الاستدلال له بعموم مطهرية الماء، أو خصوص الماء المعتصم، من قوله صلى الله عليه وآله: " خلق الله الماء طهورا " (* 1)، وقوله (ع): " الماء يطهر ولا يطهر " (* 2)، وقوله (ع): " كل شئ يراه ماء المطر فقد طهر " (* 3) وقوله (ع): " ماء الحمام كماء النهر يطهر بعضه بعضا " (* 4)، وقوله (ع) مشيرا إلى غدير ماء: " إن هذا لا يصيب شيئا إلا طهره " (* 5). فان إطلاق الاول لو تم فلا إطلاق له في كيفية التطهير، وليس مجرد الاتصال كافيا عند العرف في حصول الطهارة لينزل الاطلاق عليه. ومن ذلك يظهر


(* 1) الوسائل باب: 1 من ابواب الماء المطلق حديث: 9. (* 2) الوسائل باب: 1 من ابواب الماء المطلق حديث: 7. (* 3) الوسائل باب: 6 من ابواب الماء المطلق حديث: 5. (* 4) الوسائل باب: 7 من ابواب الماء المطلق حديث: 7. (* 5) مستدرك الوسائل باب: 9 من ابواب الماء المطلق حديث: 8.

[ 199 ]

الاشكال في الثاني. مضافا إلى اهماله من حيث المتعلق. وحصول الرؤية لجميع أجزاء الماء بمجرد إصابته للسطح الظاهر ممنوع، كما يظهر ذلك من ملاحظة الجامدات التي يصيبها المطر، ضرورة عدم اصابته لجميع الاجزاء بمجرد اصابة بعضها، ولذا لا يطهر الجميع بمجرد إصابة المطر لبعضها. ومن ذلك يظهر الاشكال في الاخير. وروايات ماء الحمام ليست بذلك الوضوح في الدلالة على ذلك فالعمدة إذا في كفاية الاتصال بالمادة في التطهير ما ذكرنا. والمتحصل من النصوص: أن المعتصم نوعان: معتصم بنفسه، وهو الكر وماء المطر. ومعتصم بغيره، وهو المتصل بأحدهما. والمتصل بالاول هو ذو المادة الذي هو محل الكلام. فان كانت المادة أعلى فلابد أن يكون ما في المادة زايدا على الكر بالمقدار الخارج منها إلى القليل النازل إليه، بناء على ما عرفت آنفا من عدم تقوي العالي بالسافل. ولا فرق في المادة العاصمة بين الكر، ومادة الجاري ومادة البئر، والعيون الراكدة، والثمد، وغيرها مما يسمى مادة. فالاتصال بالمادة في جميع ذلك دافع للنجاسة ورافع لها. ولولا الصحيح واخبار ماء الحمام لوجب اعتبار الامتزاج في حصول التطهير للشك فيه بدونه، الموجب للرجوع إلى استصحاب النجاسة. ومع الامتزاج لا شك في الطهارة، للاجماع القطعي - كما قيل - وللقاعدة المجمع عليها، من أن الماء الواحد لا يختلف حكم أبعاضه، فانه لو بني على نجاسة المعتصم مع الامتزاج لزم مخالفة دليل اعتصامه فيتعين البناء على طهارة المتنجس. ومخالفة استصحاب النجاسة لاتهم، بعد دلالة دليل اعتصام المعتصم على طهارة المتنجس بالدلالة الالتزامية، كما لا يخفى. والمراد من الواحد في القاعدة ما يكون واحدا في الاشارة، فلا تمكن الاشارة إلى بعض منه دون بعض، ولا يحصل ذلك إلا بالامتزاج، فان الاتصال وان كان يحصل الوحدة

[ 200 ]

[ الجاري، وان لم يحصل الامتزاج على الاقوى. وكذا بنزول المطر (1). (مسألة 3): لا فرق بين أنحاء الاتصال في حصول التطهير (2)، فيطهر بمجرده وان كان الكر المطهر - مثلا - أعلى والنجس أسفل. وعلى هذا فإذا ألقى الكر لا يلزم نزول ] في الوجود والفردية، لكنه لا يحصل الوحدة في الاشارة. هذا، ولاجل ما ذكرنا في وجه كفاية الاتصال في التطهير، يظهر خفاء الوجه في اعتبار علو المطهر، كما يستفاد من قولهم: " يطهر الماء النجس بالقاء كر عليه دفعة ". وأما اعتبار الدفعة، فيمكن أن يكون لاجل تحقيق الامتزاج المعتبر عندهم. ويحتمل أن يكون من جهة أن عدم الالقاء دفعة يوجب انقسام الماء إلى قسمين: عال وسافل، ولا يتقوى أحدهما بالآخر. ويحتمل أن يكون تعبديا للنص كما عن المحقق الثاني (ره) تعليله بذلك، وان لم يعثر على هذا النص، كما اعترف به جماعة. وكيفما كان فقد عرفت أن الماء إذا زاد على الكر بمقدار ما به يتحقق الاتصال بين الماء النجس والكر طهر النجس، ولو لم يلق تمام الكر، فضلا عن أن يكون دفعة. (1) العمدة في دليل هذا الاجماع على أن ماء المطر بمنزلة الجاري. بضميمة ما دل على أن الاتصال بالجاري مطر، لصدق ذي المادة على المتصل به. وأما الاستدلال بمثل: " كل شئ يراه ماء المطر فقد طهر " فقد عرفت الاشكال فيه (* 1). (2) لصدق المادة في الجميع. نعم تقدم أنه بناء على عدم تقوي


(* 1) في أول الكلام في هذه المسألة.

[ 201 ]

[ جميعه، فلو اتصل ثم انقطع كفى. نعم إذا كان الكر الطاهر أسفل، والماء النجس يجري عليه من فوق لا يطهر الفوقاني بهذا الاتصال (1). (مسألة 4): الكوز المملوء من الماء النجس إذا غمس في الحوض يطهر (2)، ولا يلزم صب مائه وغسله. (مسألة 5): الماء المتغير إذا ألقي عليه الكر فزال تغيره به يطهر، ولا حاجة إلى القاء كر آخر بعد زواله (3)، لكن بشرط أن يبقى الكر الملقى على حاله (4) من اتصال أجزائه، وعدم تغيره، فلو تغير بعضه قبل زوال تغير النجس أو تفرق بحيث لم يبق مقدار الكر متصلا باقيا على حاله، تنجس ولم يكف في التطهير. والاولى ازالة التغير أولا ثم القاء الكر أو وصله به. ] العالي بالسافل إذا كان المطهر أعلى لابد من زيادته على الكر بمقدار النازل منه إلى المتنجس، لئلا ينقص عن الكر بنزول شئ منه فيخرج عن العاصمية. (1) لعدم صدق المادة، وعدم تحقق الامتزاج، وقد عرفت انحصار المطهر بهما. (2) يعنى: نفس الكوز، لتحقق انغساله بالكثير، وسيأتى أنه كاف في التطهير للاواني، وان قلنا باحتياجها إلى التعدد في القليل. (3) لتحقق الاتصال بالمادة، ولا وجه لاعتبار كون الاتصال بها بعد زوال التغير، فان مورد صحيح ابن بزيع (* 1) - الذي هو العمدة في دليل كفاية الاتصال في التطهير - صورة حصول الاتصال قبل زوال التغير. (4) تحقق هذا الشرط - غالبا - موقوف إما على زيادة الماء على


(* 1) الوسائل باب: 14 من ابواب الماء المطلق حديث: 6، 7.

[ 202 ]

[ (مسألة 6): تثبت نجاسة الماء - كغيره - بالعلم، وبالبينة (1)، ] الكر لتحصل الغلبة منه على المتغير، أو على كون التغير بمرتبة ضعيفة تذهب بمجرد اتصال الكر، وإلا فالاتصال يوجب تغير بعض أجزاء الكر الطاهر، فينجس الجميع، بعضه بالتغير، والباقي بالاتصال به، لانه قليل. (1) على المشهور. وفي الجواهر: " ينبغي القطع به، بل لا أجد فيه خلافا إلا ما يحكى عن القاضي وظاهر عبارة الكاتب والشيخ، ولا ريب في ضعفه ". لعموم مادل على حجية البينة. وخصوص خبر عبد الله ابن سليمان المروي عن الكافي والتهذيب عن الصادق (ع) في الجبن: " كل شئ لك حلال حتى يجيئك شاهدان يشهدان أن فيه ميتة " (* 1). لكن قد يستشكل في الرواية بضعف السند، واختصاصها بما فيه الميتة وأنها لا تدل على ثبوت النجاسة، وإنما تدل على ارتفاع الحل وثبوت الحرمة. وأما العموم فهو وان ادعاه جمع من الاعاظم، وفيهم شيخنا الاعظم (رحمه الله) في رسالة الجماعة، لكنه غير ظاهر. إذ دليله إن كان هو الاجماع المحكي عن النراقي والسيد الاصبهاني (قدهما) فهو ينافيه الخلاف في المقام ممن عرفت وغيرهم من متأخري المتأخرين، وكذا الخلاف في مقام آخر. وان كان قوله (ع): " فإذا شهد عندك المؤمنون فصدقهم " (* 2) فالمراد من التصديق فيه التصديق النفسي ولو ببعض مراتبه، لا التعبدي بترتب آثار الواقع شرعا الذي هو محل الكلام. ويشهد بذلك ملاحظة مورده، فان العمل فيه ليس موضوعا لاثر شرعي. هذا مضافا إلى أنه لو تم اقتضى حجية خبر المسلم مطلقا من دون اعتبار العدد والعدالة فيه.


(* 1) الوسائل باب: 60 من ابواب الاطعمة المباحة حديث: 2. (* 2) الوسائل باب: 6 من كتاب الوديعة حديث: 1.

[ 203 ]

ومثله قوله تعالى: (يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين) (* 1) إذ المراد منه الايمان الصوري. وان كان آية النبأ (* 2)، فيتوقف الاستدلال بها على ثبوت المفهوم لها، وهو محل الاشكال. مع عدم اعتبار العدد فيها. وان كان ما ورد في جواز شهادة العبد، والمكاتب، والصبي، بعد البلوغ، والاعمى، والاصم ونحوهم. ففيه: أنه لا إطلاق له من حيث المورد، ولا تعرض فيه لاعتبار العدد والعدالة. وان كان بناء العقلاء على حجية خبر الثقة. ففيه: أن بين خبر الثقة وبين البينة عموما من وجه. وان كان الاستقراء. فثبوته وحجيته معا ممنوعان. وان كان رواية مسعدة بن صدقة: " كل شئ هو لك حلال حتى تعلم أنه حرام بعينه، فتدعه من قبل نفسك. وذلك مثل الثوب يكون عليك قد اشتريته وهو سرقة والمملوك عندك ولعله حر قد باع نفسه، أو خدع فبيع قهرا، أو امرأة تحتك وهي أختك أو رضيعتك. والاشياء كلها على هذا حتي يستبين لك غير ذلك أو تقوم به البينة " (* 3). فالبينة فيها إنما جعلت غاية للحل الذي هو المراد من اسم الاشارة، وكونها حجة على الحرمة لا يقتضي حجيتها على الموضوع، فضلا عن عموم الحجية لما لم يكن موردا للحل والحرمة من موضوعات سائر الاحكام. اللهم إلا أن يقال: المراد من قيام البينة بالحرمة أعم من كونها مدلولا مطابقيا وتضمنيا والتزاميا، فإذا شهدت بكون الثوب سرقة فقد


(* 1) التوبة: 61. (* 2) الحجرات: 6. (* 3) الوسائل باب: 4 من ابواب ما يكتسب به حديث: 4.

[ 204 ]

قامت بحرمته، وكذا إذا شهدت بكون المرأة رضيعة فقد قامت بحرمتها. فليس المراد من قيام البينة بالحرمة شهادتها بها فحسب، بل أعم من ذلك. ومن شهادتها بموضوع خارجي تلزمه الحرمة، أو لازم لها، أو ملازم، مثل كون المائع خمرا أو بولا أو دما أو نحوها، وكذا أعم من شهادتها بعنوان اعتباري مثل اخوة امرأة، أو نجاسة مائع، أو حرية رجل، إذا كان بينه وبين الحرمة ملازمة، فان البينة في جميع ذلك قائمة بالحرمة، فلا يختص موردها بما إذا شهدت البينة بالحرمة لا غير. ثم إن البينة لما كانت من سنخ الامارات العرفية، كان الظاهر من ثبوت الحرمة عند قيامها بها كونها طريقا إلى مؤداها، لا تعبدا كما في موارد الاصول، فإذا شهدت البينة بكون الثوب سرقة، فثبوت الحرمة ظاهرا لثبوت موضوعها وقيام الامارة عليه. وعليه لا فرق بين الحرمة وغيرها من الاحكام المترتبة على السرقة، فكما تثبت الحرمة تثبت تلك الاحكام، لان طريقيتها بنظر العرف لا تختص بجهة دون جهة، فيحمل الدليل على اطلاق الحجية، ومقتضى ذلك حجية البينة مطلقا عند قيامها بالحرمة، فيترتب عليها جميع الاحكام والآثار. فلم يبق مورد خارج عن الرواية إلا مالا يترتب عليه أثر الحرمة أصلا، بحيث لا تدل عليه البينة أصلا ولو بالالتزام لكنه نادر. ولا يبعد التعدي إليه بعدم القول بالفصل أو لعدم التفكيك عرفا بينه وبين مورد الرواية بحيث تكون البينة حجة حيث يكون في موردها حكم الحرمة، ولا تكون حجة في غير ذلك. فلاحظ. والمتحصل: أن الرواية المذكورة صالحة لاثبات عموم الحجية بتوسط أمور: (الاول): أن المراد من قيام البينة بالحرمة كونها مدلولا للكلام ولو بالالتزام (الثاني): أن طريقية البينة عرفا تقتضي كون المفهوم من الدليل عموم الحجية (الثالث): امتناع التفكيك بين الموارد التى تكون

[ 205 ]

[ وبالعدل الواحد (1)، ] الحرمة فيها مدلولا للكلام - ولو التزاميا ولو باللزوم غير البين - وبين غيرها من الموارد مما هو نادر إما لعدم القول بالفصل، أو لالغاء الخصوصية عرفا. ويعضد العموم المذكور الاجماع المدعى ممن عرفت على عموم الحجية. ولا ينافيه الخلاف في بعض الموارد، لانه لشبهة، كما يظهر ذلك من استدلال المخالف في المقام: بأن البينة ليست من العلم الذي جعل غاية للحل في قولهم (ع): " الماء كله طاهر حتى تعلم أنه قذر " (* 1) ونحوه. وكذا المخالف في حجية البينة في الاجتهاد استدل: بأن الاجتهاد من الامور الحدسية التى لا تكون موردا للشهادة مع تيسر العلم. ولو كان الوجه في الخلاف عدم ثبوت العموم الدال على الحجية كان المناسب الاستدلال به أيضا، ولكان اللازم الخلاف في كل مورد لم يقم دليل بالخصوص على الحجية، وهو مما لا يحصى كثرة، مع أن الخلاف لم ينقل إلا في موارد خاصة هذا وبعين هذا التقريب يمكن إثبات عموم الحجية في إثبات النجاسة من رواية عبد الله بن سليمان المتقدمة في صدر المسألة، بناء على ظهورها في كون ذكر الميتة فيها من باب المثال. (1) كما عن ظاهر التذكرة، وقواه في الحدائق. لما دل على جواز الصلاة بأذان الثقة (* 2) وثبوت عزل الوكيل باخباره (* 3)، وكذا ثبوت الوصية بقوله (* 4)، وثبوت استبراء الامة إذا كان بائعا (* 5)، وغير ذلك


(* 1) الوسائل باب: 1 من ابواب الماء المطلق حديث: 5. (* 2) راجع باب: 3 من ابواب الاذان والاقامة. (* 3) الوسائل باب: 2 من كتاب الوكالة حديث: 1. (* 4) الوسائل باب: 97 من كتاب الوصايا حديث: 1. (* 5) راجع باب: 6 من ابواب نكاح العبيد والاماء.

[ 206 ]

[ على إشكال لا يترك فيه الاحتياط، وبقول ذي اليد (1)، ] بل قيل: إن ثبوت حكم النجاسة به دون المتنجس متنافيان. (وفيه): أن الموارد المذكورة موضوعها خبر الثقة، وبينه وبين خبر العادل عموم من وجه. مع أن استفادة الكلية من الموارد المذكورة غير ظاهرة، ولا سيما عند الاخباريين. وأنه خلاف ظاهر الحصر في رواية مسعدة. وأما التنافي بين الحجية في اثبات الحكم دون موضوعه، فأوضح اشكالا كما لا يخفى. وأما آية النبأ فدلالتها على حجية خبر العادل محل إشكال مشهور ولو سلمت فيتعارض مفهومها مع الحصر في رواية مسعدة ورفع اليد عن المفهوم فيها أولى من تخصيص الرواية، لان عطف خبر العدل على البينة مستهجن، لان العدل جزء البينة، ولو كان خبره حجة تعين الاقتصار عليه دون البينة، كما لا يخفى. ومن ذلك يظهر أن عموم حجية خبر الثقة في الاحكام والموضوعات، لو تم - من بناء العقلاء وغيره - فتخصيصه أولى من تخصيص الرواية. على أنها بالنسبة إلى بناء العقلاء رادعة واردة لا معارضة وكذا الكلام في خصوص رواية عبد الله بن سليمان في اثبات النجاسة، بناء على ما عرفت من استفادة عموم حجية البينة فيها فلاحظ وتأمل. ومن ذلك تعرف الوجه في قول المصنف: " على اشكال "، وان المتعين المنع من القبول. (1) على المشهور بين المتأخرين، وعن الحدائق: أن ظاهر الاصحاب الاتفاق عليه. ويشهد له السيرة. وهي العمدة فيه. وأما الاستدلال عليه بما في خبر اسماعيل بن عيسى عن أبي الحسن (ع) إذ سأله عن جلود الفراء يشتريها الرجل في سوق من أسواق الجبل.. (إلى أن قال) (ع): " عليكم أنتم أن تسألوا عنه إذا رأيتم المشركين يبيعون ذلك " (* 1). فلا يخلو من اشكال، لعدم ظهور الامر بالسؤال في وجوب القبول،


(* 1) الوسائل باب: 50 من ابواب النجاسات حديث: 7.

[ 207 ]

مع أنه خال عن التقييد بذي اليد. ومثله الاشكال في الاستدلال بالنهي عن السؤال في صحيح البزنطي الوارد في شراء الفراء من السوق (* 1)، وفي رواية عمار الواردة في شراء الجبن من المسلم (* 2). وأضعف من ذلك الاستدلال بالنهي عن الاعلام في رواية ابن بكير الواردة فيمن أعار ثوبا لا يصلى فيه، حيث قال (ع): " لا يعلمه قلت: فان أعلمه قال (ع): يعيد " (* 3) إذ لا يظهر منه أن المراد من الاعلام مجرد الخبر ولو لم يعلم بمضمونه، ولا كون عدم الصلاة من جهة النجاسة. مع أنه مبني على وجوب إعادة الجاهل بالنجاسة، وهو خلاف التحقيق، كما يأتي إن شاء الله (* 4) وكأنه لذلك كان ما عن الذخيرة وشرح الدروس من عدم الوقوف له على دليل. نعم في صحيح معاوية بن عمار " سألت أبا عبد الله (ع) عن الرجل من أهل المعرفة بالحق يأتيني بالبختج (* 5) ويقول: قد طبخ على الثلث وأنا أعرفه أنه يشربه على النصف فاشربه بقوله وهو يشربه على النصف؟ فقال (ع): لا تشربه. قلت: فرجل من غير أهل المعرفة ممن لا نعرفه أنه يشربه على الثلث ولا يستحله على النصف، يخبر أن عنده بختجا على الثلث قد ذهب ثلثاه وبقي ثلثه يشرب منه قال (ع): نعم (* 6) وظاهره حجية الخبر مع عدم ما يوجب اتهام المخبر. ولعله محمل صحيح


(* 1) الوسائل باب: 50 من ابواب النجاسات حديث: 3. (* 2) لم نعثر على رواية: عمار المشتملة على النهي: نعم اشتمل على ذلك رواية الثمالي (الوسائل باب: 33 من الاطعمة المحرمة) ورواية بكر بن حبيب (الوسائل باب: 60 من الاطعمة المباحة) (* 3) الوسائل باب: 47 من ابواب النجاسات حديث: 3. (* 4) في اول فصل الصلاة في النجس. (* 5) البختج: العصير المطبوخ (مجمع البحرين). (* 6) الوسائل باب: 7 من ابواب الاشربة المحرمة حديث: 4.

[ 208 ]

[ وان لم يكن عادلا ولا تثبت بالظن المطلق (1) على الاقوى. ] معاوية بن وهب: " عن البختج، فقال: إذا كان حلوا يخضب الاناء وقال صاحبه: قد ذهب ثلثاه وبقي الثلث، فاشربه " (* 1)، فان عدم كونه يخضب الاناء أمارة على عدم ذهاب الثلثين. لكن في موثق عمار فيمن يأتي بالشراب ويقول: هو مطبوخ على الثلث " فقال (ع): إن كان مسلما ورعا مؤمنا فلا بأس أن يشرب " (* 2). وفي صحيح ابن جعفر (ع): " لا يصدق إلا أن يكون مسلما عارفا " (* 3). والمتعين حملهما على الاستحباب، لصراحة الصحيح الاول بعدم اعتبار الورع والايمان، والتفكيك بينهما وبين الاسلام بعيد. فلا يبعد كون المستفاد من هذه النصوص حجية قول ذي اليد إذا لم يكن ما يوجب اتهامه. ولكن موردها خصوص الاخبار بالتطهير. ومثلها في الدلالة على الحجية ما دل من المستفيضة على أن من أقر بعين في يده لغيره فهي له (* 4). وليس ذلك من باب حجية الاقرار، لاختصاص ذلك بما كان إقرارا على نفسه وهو نفي الملكية عن نفسه، لا ثبوت الملكية لغيره فان ذلك من باب حجية الخبر، كما لا يخفى. لكن موردها أيضا خصوص الاخبار بالملك. (1) كما هو المشهور المعروف، بل لا ينقل فيه خلاف إلا عن ظاهر النهاية وصريح الحلبي. لابتناء اكثر الاحكام على الظنون. وامتناع ترجيح المرجوح. ولما في بعض النصوص من الامر بغسل الثوب المأخوذ من يد


(* 1) الوسائل باب: 7 من ابواب الاشربة المحرمة حديث: 3. (* 2) الوسائل باب: 7 من ابواب الاشربه المحرمة حديث: 6. (* 3) الوسائل باب: 7 من ابواب الاشربة المحرمة حديث: 7. (* 4) راجع باب: 16، 25، 26 من الوصايا.

[ 209 ]

[ (مسألة 7): إذا أخبر ذو اليد بنجاسة، وقامت البينة على الطهارة، قدمت البينة (1). وإذا تعارض البينتان تساقطتا (2)، ] الكافر (* 1). ولما تضمن القاء السجاد (ع) الفراء إذا اراد الصلاة، لان أهل العراق يستحلون الميتة بالدباغ (* 2). والجميع كما تري. لمنع الاول إن أريد مطلق الظن - كما هو محل الكلام - كمنع الثاني إذا كان لحجة شرعية من أصل الطهارة أو استصحابها. ومعارضة الثالث بما دل على جواز الصلاة فيما يعمله الكافر (* 3)، وعدم وجوب غسله. والقاء السجاد الفراء أعلم من الوجوب. مع أن في لبسه دلالة على خلاف المطلوب. مع أنه لو بني على حجية الظن بالنجاسة لزم الهرج والمرج، إذ قل ما ينفك مورد عن الظن بالنجاسة ولو للسراية. (1) لقصور دليل حجية قول المالك عن صورة التعارض المذكور. مضافا إلى ما يستفاد مما دل على القضاء بالبينة في مقابل دعوى ذي اليد الملكية لنفسه أو لغيره. نعم إذا كان مستند البينة الاصل - بناء على جواز ذلك - قدم اخبار ذي اليد، لانه مقدم على الاصل، وإذا بطل مستند الشهادة امتنع قبولها. (2) لاصالة في المتعارضين. ودليل الترجيح مع وجود المرجح والتخيير مع عدمه، يختص بتعارض الاخبار الحاكية عن الحكم الكلي، ولا يعم البينات الحاكية عن الموضوع أو الحكم الجزئي.


(* 1) الوسائل باب: 50 من ابواب النجاسات حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 61 من ابواب النجاسات حديث: 3. (* 3) الوسائل باب: 73 من ابواب النجاسات حديث: 1.

[ 210 ]

[ إذا كانت بينة الطهارة مستندة إلى العلم (1)، وان كانت مستندة إلى الاصل (2) تقدم بينة النجاسة. ] (1) يعنى: وكانت بينة النجاسة كذلك. أما لو كانت هذه مستندة إلى الاصل قدمت بينة الطهارة، لانها تقدم على الاصل الذي هو مستند بينة النجاسة فتسقط لبطلان مستندها. كما هو كذلك في عكس ذلك المفروض في المتن: بأن كانت بينة الطهارة مستندة إلى الاصل، وبينة النجاسة إلى العلم، فانه تقدم فيه بينة النجاسة، لانها تقدم على الاصل الذي هو مستند بينة الطهارة، فتبطل هي لبطلان مستندها. فالتساقط يختص بصورة لا تكون فيه إحدي البينتين رافعة لمستند الاخرى، فانه تبطل الاخرى لبطلان مستندها، فتبقى الاولى بلا معارض فتكون واردة على الاخرى لا معارضة بها إذ مع الخطأ في المستند تنتفي الحجية لقصور أدلة الحجية عن شمول ذلك من دون فرق بين حجية الخبر والفتوى والبينة وغيرها من الحجج، سواء أكانت حجة على الحكم الكلي أم الجزئي. نعم في حكم الحاكم نوع تفصيل أشرنا إليه آنفا في مسائل التقليد. (2) لا ينبغى التأمل في أن جواز الشهادة بشئ ليس من آثار ثبوته واقعا كي يكون الشك في ثبوته مستلزما للشك في جواز الشهادة به، فيبني على جوازها لاصالة البراءة. بل هو من آثار العلم بالثبوت، والظاهر أنه مما لا خلاف فيه في الجملة. ويشهد به جملة من النصوص مثل ما رواه المحقق في الشرائع عن النبي صلى الله عليه وآله من قوله - وقد سئل عن الشهادة -: " هل ترى الشمس؟ على مثلها فاشهد أودع " (* 1) وفى خبر علي بن غياث: " لا تشهد بشهادة حتى تعرفها كما تعرف كفك " (* 2)، ونحوهما غيرهما


(* 1) الوسائل باب: 20 من كتاب الشهادات حديث: 3. (* 2) الوسائل باب 20 من كتاب الشهادات حديث؟: 1.

[ 211 ]

والظاهر منها - ولو بقرينة مناسبة الحكم والموضوع - اعتبار العلم موضوعا على نحو الطريقية، لا الصفة الخاصة، لان الحمل عليه في أمثال المقام يحتاج إلى عناية خال عنها الكلام، بخلاف الحمل على الاول. مع أن البناء على الصفتية يوجب الاشكال في كثير من الموارد التي استقرت السيرة فيها على الشهادة اعتمادا على أمارة أو قاعدة أو اقرار أو نحو ذلك، مثل الشهادة بالنسب اعتمادا على قاعدة الفراش، والشهادة بالزوجية وبالملك اعتمادا على قاعدة الصحة في عقد النكاح وعقد البيع، وكذا الشهادة بالطلاق اعتمادا على قاعدة صحة الطلاق، وبالحرية اعتمادا على قاعدة العتق، والشهادة بالدين اعتمادا على الاقرار، أو قاعدة الصحة في عقد الضمان، وكذا الحال في أمثال ذلك مما هو كثير لا يحصى. ودعوى: أن الشهادة إنما هي بالسبب، وهو معلوم، والقاعدة إنما يجريها المشهود عنده. مندفعة: بأنها خلاف قوله (ع): " إنما اقضي بينكم بالبينات والايمان " (* 1) ويشير إلى ذلك الصحيح الآتي، فانه يدل على أن القاضي لا يستصحب، وإنما الذي يعمل بالاستصحاب هو الشاهد والقاضي إنما يعمل بشهادته. وبالجملة فالتأمل قاض: بأن سيرة المتشرعة على الشهادة اعتمادا على الامارة أو القاعدة التي هي بمنزلتها ولو بالاضافة إلى حيثية الشهادة - مثل قاعدة الصحة - مما لا مجال لانكارها. فلابد من التصرف في الحديثين المذكورين - لو تم ظهورهما في اعتبار العلم على نحو الصفتية - بحملهما على مالا ينافي ذلك، بأن يكون المراد منهما الردع عن الشهادة اعتمادا على الظن والحدس والتخمين. ويشهد بذلك ما ورد من جواز الشهادة بالملك اعتمادا على اليد، وهي


(* 1) الوسائل باب: 2 من ابواب كيفية الحكم من كتاب القضاء حديث: 1.

[ 212 ]

رواية حفص بن غياث عن أبي عبد الله (ع) قال له: " إذا رأيت شيئا في يد رجل يجوز لي أن أشهد أنه له؟ قال (ع): نعم. قال الرجل: أشهد أنه في يده، ولا أشهد أنه له، فلعله لغيره. فقال أبو عبد الله (ع): افيحل الشراء منه؟ قال: نعم. فقال أبو عبد الله (ع): فلعله لغيره فمن أين جاز لك أن تشتريه ويصير ملكا لك، ثم تقول بعد الملك: هو لي. وتحلف عليه، ولا يجوز أن تنسبه إلى من صار ملكه من قبله اليك. ثم قال أبو عبد الله (ع): لو لم يجز هذا لم يقم للمسلمين سوق " (* 1)، فانها تدل على أن اليد لما كانت أمارة على الملك كانت بمنزلة العلم به فيترتب عليها أحكامه ومن تلك الاحكام جواز الشهادة به. وما رواه معاوية بن وهب قال: " قلت لابي عبد الله (ع): الرجل يكون في داره، ثم يغيب عنها ثلاثين سنة، ويدع فيها عياله، ثم يأتينا هلاكه، ونحن لا ندري ما أحدث في داره. ولا ما أحدث له من الولد، إلا أنا لا نعلم أنه أحدث في داره شيئا، ولا حدث له ولد، ولا تقسم هذه الدار على ورثته الذين ترك في الدار حتى يشهد شاهدا عدل أن هذه الدار دار فلان ابن فلان، مات وتركها ميراثا بين فلان وفلان، أو نشهد على هذا؟ قال (ع): نعم. قلت: الرجل يكون له العبد، والامة، فيقول أبق غلامي أو أبقت أمتي، فيؤخذ بالبلد فيكلفه القاضي البينة ان هذا غلام فلان، لم يبعه ولم يهبه، أفنشهد على هذا إذا كلفناه؟ ونحن لم نعلم أنه أحدث شيئا. فقال (ع): كلما غاب من يد المرء المسلم غلامه أو أمته أو غاب عنك لم تشهد به " (* 2) وروي في الصحيح أيضا قال: " قلت له: إن ابن أبي ليلى يسألني الشهادة عن هذه الدار مات فلان وتركها


(* 1) الوسائل باب: 25 من ابواب كيفية الحكم من كتاب القضاء حديث: 2. (* 2) الوسائل باب: 17 من كتاب الشهادات حديث: 2.

[ 213 ]

ميراثا، وأنه ليس له وارث غير الذي شهدنا له. فقال: إشهد بما هو علمك. قلت: إن ابن أبي ليلى يحلفنا اليمين الغموس. فقال (ع): إحلف إنما هو على علمك " (* 1). وروي أيضا في الموثق: " قلت لابي عبد الله (ع): الرجل يكون له العبد والامة قد عرف ذلك فيقول: أبق غلامي أو أمتي، فيكلفونه القضاة شاهدين بأن هذا غلامه أو أمته لم يبع ولم يهب أنشهد على هذا إذا كلفنا؟ قال (ع): نعم (* 2). وما في ذيل الاول محمول على بعض المحامل أو مطروح، لترجح غيره عليه. كما أن ما في الصحيح من جعله علما مبني على الادعاء، كما هو ظاهر دليل الاستصحاب. وكيف كان فالمراد من الاصل في عبارة المتن الاستصحاب، لا أصالة الطهارة، فانها لا تكون مستندا للشهادة بالطهارة الواقعية، لعدم كونها علما بها لا حقيقة ولا تنزيلا، والطهارة الظاهرية في حق الشاهد ليست موضوعا للحكم في حق المشهود عنده، بل هو إن كان شاكا كان موضوعا لها، لقيام الدليل الدال عليها عنده إن كان مجتهدا، أو لفتوي مجتهده إن كان مقلدا بلا توسط شهادة الشاهد. ثم إنه مما يتفرع على ذلك جواز الشهادة بالواقع اعتمادا على البينة إذا شهدت به، كما حكي عن الشيخ (ره). لكن المعروف بين الاصحاب عدم القبول ولعله لما ورد من عدم قبول شهادة الفرع إلا في موارد خاصة (* 3). لكن عدم القبول لا يقتضى عدم جواز الشهادة نفسها. فلاحظ.


(* 1) الوسائل باب: 17 من كتاب الشهادات حديث: 1. (2) الوسائل باب: 17 من كتاب الشهادات حديث: 3. (* 3) الوسائل باب: 44، 45 من كتاب الشهادات.

[ 214 ]

[ (مسألة 8): إذا شهد اثنان بأحد الامرين، وشهد أربعة بالآخر، يمكن - بل لا يبعد - تساقط الاثنين بالاثنين، وبقاء الآخرين (1). (مسألة 9): الكرية تثبت بالعلم، والبينة (2). وفي ثبوتها بقول صاحب اليد وجه، وان كان لا يخلو عن إشكال (3). ] (1) هذا غير ظاهر، فان دليل حجية البينة كدليل حجية الخبر نسبته إلى الواحد والكثير نسبة واحدة، وانطباقه على الجميع في رتبة واحدة فإذا امتنع انطباق الدليل على المتعارضين كان مقتضاه سقوط الطرفين عن الحجية، وما في المتن من التبعيض في أحد الطرفين يحتاج إلى معين مفقود. نعم لو كانت أبعاض أحد الطرفين مترتبة في انطباق الدليل، سقط ما يكون في الرتبة الاولى للمعارضة وانفرد المتأخر بالحجية، كما هو كذلك في الاصول المترتبة. لكن المقام ليس كذلك. نعم لو بني على الترجيح في البينات المتعارضة، كالترجيح في الاخبار المتعارضة، كان اللازم في الفرض ترجيح شهادة الاربعة على شهادة الاثنين، لا ما ذكر في المتن. وكذا ترجيح شهادة الثلاثة على شهادة الاثنين، لو فرض شهادة ثلاثة بأحد الامرين، وشهادة اثنين بالآخر. لكن الترجيح غير واضح، لعدم الدليل عليه. والترجيح بالاشهرية مختص بالخبرين المتعارضين، والترجيح بالاكثرية مختص ببعض صور تعارض البينتين عند القاضي في مقام المرافعة إليه، والتعدي إلى المقام محتاج إلى دليل مفقود. (2) لما تقدم من عموم حجية البينة. (3) كأنه لندرة الابتلاء بالسؤالا عن الكرية في عصر المعصومين (ع) فلم تحرز سيرة على قبول خبر ذي اليد فيه، أو لعدم دليل بالخصوص فيه. بخلاف السؤال عن النجاسة. فقد ورد فيه بعض النصوص، وادعي

[ 215 ]

[ كما أن في إخبار العدل الواحد أيضا اشكالا (1). (مسألة 10): يحرم شرب الماء النجس (2)، إلا في الضرورة. ويجوز سقيه للحيوانات (3)، ] الاتفاق عليه. وفيه: أن العمدة في الدليل على القبول في النجاسة هو السيرة - لما عرفت من الاشكال في دلالة النصوص عليه، ولم يثبت إجماع معتبر على القبول - والسيرة العملية في المقام وان كانت غير ثابتة لندرة الابتلاء، لكن السيرة الارتكازية محققة، فانه لاريب عند المتشرعة في جواز الاعتماد على خبر ذي اليد في الكرية والنجاسة وغيرهما مما يتعلق بما في اليد، من دون فرق بين الجميع، والسيرة الارتكازية حجة كالعملية فلاحظ. (1) تقدم أن الاشكال قوي جدا. (2) إجماعا، نصا وفتوى، بل لعله من ضروريات الدين. نعم في حال الضرورة يجوز شربه بلا إشكال، لادلة نفي الضرر (* 1) والحرج (* 2) وغيرها. (3) يكفي فيه الاصل. وفي خبر أبي بصير عن الصادق (ع): " عن البهيمة البقرة وغيرها تسقى أو تطعم ما لا يحل للمسلم أكله أو شربه أيكره ذلك؟ قال (ع) نعم يكره ذلك (* 3). وظاهره الجواز على كراهية.


(* 1) راجع الوسائل باب: 17 من أبواب الخيار من كتاب البيع وباب: 5 من كتاب الشفعة وباب: 7 و 12 من كتاب احياء الموات. (* 2) مثل قوله تعالى: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) البقرة: 185 وقوله تعالى: (ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج) المائدة: 6. وقوله تعالى: (ما جعل عليكم في الدين من حرج) الحج: 78. وقد يدل عليه خبر عبد الاعلى مولى آل سام (الوسائل باب: 39 من ابواب الوضوء حديث: 5). (* 3) الوسائل باب: 10 من ابواب الاشربة المحرمة حديث: 5.

[ 216 ]

[ بل وللاطفال أيضا (1). ويجوز بيعه (2). ] (1) للاصل. وما ورد من تحريم سقي المسكر لهم (* 1) لا يمكن استفادة حكم المقام منه، لاحتمال خصوصية للمسكر. وما تضمن الامر باراقة الماء المتنجس (* 2)، الظاهر في عدم الانتفاع به، لا يقتضي المنع في المقام أيضا، بتوهم أنه لو جاز سقيه للاطفال لكان له منفعة معتد بها لكثرة الابتلاء بهم، بل ربما كانوا اكثر العيال. وذلك لان جواز سقيه لا يوجب كونه ذا منفعة معتد بها عرفا إذا كان يؤدي إلى نجاسة الطفل وثيابه غالبا، السارية إلى غيره، فان ذلك أمر مرغوب عنه. ولعله لذلك لم يذكر في بعض الروايا ت الآمرة باراقة المرق المتنجس، أو اطعامه اهل الكتاب، أو الكلب. وما يقال: من أن أدلة المنع عن شرب النجس لما كانت عامة للصبي كانت دالة على وجود المفسدة في شربه، وأدلة رفع القلم عن الصبي ليست مخصصة لها، بل نافية لمحض الاستحقاق برفع الالزام، - ولذا بنينا على شرعية عبادات الصبي لعموم أدلة الاحكام - فإذا كان شرب الصبي مشتملا على المفسدة كان سقيه إيقاعا له في المفسدة، فيحرم. (مندفع): بأن المفسدة التي يحرم إيقاع الصبي فيها من الولي وغيره لا تشمل مثل ذلك. (2) إذا كان له منفعة معتد بها. لعموم دليل صحة البيع (* 3)، ووجوب الوفاء بالعقود (* 4). وأما النبوي: " إذا حرم الله شيئا حرم


(* 1) راجع الوسائل باب: 10 من ابواب الاشربة المحرمة. (* 2) راجع الوسائل باب: 8 من ابواب الماء المطلق. (* 3) مثل قوله تعالى: (واحل الله البيع وحرم الربا) - البقرة: 275 وقوله تعالى: (الآ أن تكون تجارة عن تراض) - النساء: 29. (* 4) مثل قوله تعالى: (اوفوا بالعقود) - المائدة: 1.

[ 217 ]

[ مع الاعلام (1). ] ثمنه " (* 1) فظاهره التحريم المؤدي إلى سلب المنفعة المعتد بها لا مطلقا، وإلا لزم تخصيص الاكثر. (1) العمدة فيه قول الصادق (ع) في صحيح معاوية الوارد في بيع الزيت المتنجس: " ويبينه لمن اشتراه ليستصبح به " (* 2)، فانه لما لم يكن ترتب بين الاعلام والاستصباح، وإنما الترتب بين الاعلام وعدم اكل الزيت، بلحاظ أن الاعلام يستوجب حدوث الداعي إلى ترك الاكل لكن لاجل انحصار الفائدة بهما غالبا كان ترك الاكل ملازما للاستصباح، فالتعليل بالاستصباح يكون عرضيا والعلة الاصلية ترك الاكل. ويشير إلى ذلك أن الاستصباح ليس مأمورا به كي يمكن أن يترشح الامر الغيري إلى مقدمته، وهو الاعلام والتنبيه. هذا ولاجل حمل التعليل على التنبيه على أمر عرفي، لزم التعدي عن مورده إلى غيره وإلا كان تعبديا، وهو خلاف الاصل في التعليلات الشرعية فتكون العلة في وجوب الاعلام الفرار من الوقوع في الحرام، وهي حاصلة فيما نحن فيه وغيره. وعلى هذا فوجوب الاعلام مولوي، لا إرشادي إلى شرطيته للبيع. كما أنه لو علم عدم شربه للنجس لم يجب الاعلام. وكذا لو علم عدم تأثير الاعلام في احداث الداعي، بأن كان مقدما على شربه على كل حال. وقد يستدل على وجوب الاعلام: بأن تركه تسبيب إلى فعل الحرام، كمن قدم إلى غيره محرما، فانه فاعل للحرام، لان استناد الفعل إلى السبب أقوى، فنسبة الفعل إليه أولى. وفيه: (أولا): أن مجرد ترك الاعلام لا يكون من قبيل السبب إلا كان شرب النجس اعتمادا على فعل البائع


(* 1) كتاب البيوع من كتاب الخلاف المسألة: 308، 310. (* 2) الوسائل باب. 43 من أبواب الاطعمة المحرمة ملحق حديث: 1.

[ 218 ]

ليكون من قبيل من قدم إلى غيره محرما. أما لو كان اعتمادا على أصل الطهارة فلا تسبيب فيه أصلا، كما لو رأى نجسا في يد غيره يريد أكله، فان ترك إعلامه من قبيل ترك إحدات الداعي إلى ترك الحرام، لا من قبيل فعل السبب إلى الحرام. (وثانيا): أنه لا دليل على تحريم التسبيب كلية. ونسبة الفعل إلى السبب حقيقة ممنوعة، ومجازا غير مجدية، ولذا كان التحقيق ضمان المباشر للاكل فيما لو قدم إلى غيره طعاما، وأن رجوع الآكل عند الخسارة على من قدم الطعام له ليتدارك خسارته، لقاعدة الغرور لا لقاعدة: " من أتلف.. ". ولذا لم يعرف قائل منا برجوع المالك على من قدم الطعام لا غير، ولو كان هو أولى بنسبة الاتلاف كان هو المتعين في الرجوع عليه بالبدل. (وثالثا): أنه لو سلمت صحة النسبة في باب الضمان بالاتلاف أمكن الاشكال في صحة مقايسة المقام عليه، لان الاتلاف المأخوذ موضوعا للضمان مطلق الاتلاف الحاصل ولو بواسطة غير المتلف، بأن يكون غيره كالآلة في الاتلاف، بخلاف شرب النجس المأخوذ موضوعا للحرمة، فانه خصوص شرب المكلف نفسه، وادخاله إلى جوفه، وهو غير حاصل في الفرض. وكذا لو أدخل الماء النجس إلى جوف غيره قهرا. نعم يحرم ذلك من جهة التعدي على نفسه وبدنه، لا من جهة تحقق شرب النجس. (وبالجملة) التارك للاعلام لا يصدق عليه أنه شارب للنجس. نعم لو قام دليل على تحريم شرب النجس مطلقا ولو كان من غير من يقوم به الشرب، كان التحريم في المقام في محله. ثم إنه لو بني على وجوب الاعلام من هذا الوجه الاخير فهو مولوي أيضا، لا ارشادي إلى شرطية الاعلام للبيع، فلو باع بلا إعلام صح البيع وان أثم البائع بترك الاعلام المؤدي إلى الوقوع في النجس. لكن الذي يتراءى من عبارة المتن كون الاعلام شرطا في البيع، فلا يصح بدونه.

[ 219 ]

[ فصل الماء المستعمل في الوضوء طاهر، مطهر من الحدث، والخبث (1). وكذا المستعمل في الاغسال المندوبة (2). وأما المستعمل في الحدث الاكبر فمع طهارة البدن لا إشكال في طهارته (3) ] ولعله لانه لولا الاعلام لكان قصد المشتري الانتفاع المحرم، فيكون أكل الثمن بازائه أكلا للمال بالباطل. وفيه - مع أن الجهل مانع من التحريم لحصول الرخصة معه -: أن قصد المشتري نفسه لا يكفي في صدق الاكل بالباطل بالنسبة إلى البائع مع عدم قصده ذلك، كما يخفى. فصل في الماء المستعمل (1) إجماعا، بل ادعي على الاول ضرورة المذهب. ويكفي فيه الاصل، وفي الثاني إطلاقات مطهرية الماء (* 1)، وبعض النصوص، كما سيأتي. نعم في المستدرك عن أبى حنيفة: " إنه نجس نجاسة مغلظة ". (2) إجماعا، كما في القواعد، وعن التذكرة، وظاهر غيرهما، وفي الحدائق: " نفي جملة من المتأخرين الخلاف فيها ". لاشتراكه مع ما قبله فيما ذكر دليلا على حكميه. (3) اتفاقا نصا (* 2) وفتوى، بل لعله ضروري. ويكفي فيه الاصل نعم ظاهر عبارة الوسيلة عدم رفع الخبث به، قد يستظهر منها القول


(* 1) راجع الوسائل باب: 1 من ابواب الماء المطلق. (* 2) راجع الوسائل باب: 9 من ابواب الماء المضاف.

[ 220 ]

[ ورفعه للخبث (1). والاقوى جواز استعماله في رفع الحدث أيضا (2). ] بنجاسته. وهو غريب. (1) إجماعا، كما عن غير واحد. للعمومات (* 1) ويقتضيه الاصل لكنه تعليقي. (2) كما هو الاشهر، بل نسب إلى مشهور المتأخرين، وحكي عن السيدين والعلامة والشهيدين وغيرهم. خلافا للمقنعة والمبسوط والصدوقين وابني حمزة والبراج، على ما حكي عنهم. لخبر ابن سنان عن أبي عبد الله (ع): قال: لا بأس بأن تتوضأ بالماء المستعمل. فقال (وقال خ ل): الماء الذي يغسل به الثوب، أو يغتسل به الرجل من الجنابة، لا يجوز أن يتوضأ منه وأشباهه. وأما الذي يتوضأ الرجل به، فيغسل به وجهه ويده في شئ نظيف، فلا بأس أن يأخذه غيره ويتوضأ به " (* 2). لظهوره في عطف: " وأشباهه " على الضمير المجرور، فيدل على المنع من الوضوء بكل مستعمل في رفع الاكبر، جنابة كان أو غيرها. والطعن في السند باشتماله على أحمد بن هلال العبرتائي، الذى رجع عن التشيع إلى نصب - كما عن سعد بن عبد الله الاشعري - والملعون المذموم - كما عن الكشي - والغالي المتهم في دينه - كما عن الفهرست - والذي لا يعمل بما يختص بروايته - كما عن التهذيب - وروايته غير مقبولة - كما عن الخلاصة - (مدفوع): بأن اعتماد المشايخ الثلاثة وغيرهم على روايته كاف في جبر ضعفه ولا سيما بملاحظة أن الراوي عنه بواسطة الحسن ابن علي سعد بن عبد الله، وهو أحد الطاعنين عليه. وأن رواية أحمد للخبر


(* 1) يعني. عمومات مطهرية الماء. (* 2) الوسائل باب: 9 من ابواب الماء المضاف حديث: 13.

[ 221 ]

كانت عن الحسن بن محبوب، والظاهر أنها عن كتابه. وعن ابن الغضائري: أنه لم يتوقف في روايته عن ابن أبى عمير والحسن بن محبوب، لانه قد سمع كتابهما جل أصحاب الحديث واعتمدوه فيهما. وأما رواية الحسن بن علي فانما تصلح جابرا - كما قيل - لو كان هو ابن فضال كي تدخل في قول العسكري (ع): " خذوا مارووا " (* 1). ولكنه بعيد، بل قيل: " يكاد يقطع بخلافه "، لان ابن فضال أعلى طبقة من العبرتائي، ولانه لم تعرف رواية سعد عن ابن فضال بلا واسطة، بل يروي عنه بواسطتين. على أن الظاهر من قوله (ع): " خذوا مارووا " صحة رواياتهم، لا صحة رواية من يروون عنه. ومثل ذلك الطعن في الدلالة، الاحتمال كون المنع من جهة نجاسة بدن الجنب، كما هو الغالب، كما يظهر مما ورد في كيفية غسل الجنابة (* 2) وغيره. إذ فيه: أن ذلك خلاف ظاهر العبارة المذكورة في الخبر. ولا سيما بملاحظة العطف على ما يغسل به الثوب. ومثله المناقشة باحتمال ارادة إزالة الوسخ من غسل الثوب لا النجاسة، فيتعين حمل النهي على مطلق المرجوحية المجامعة للكراهة. إذ فيها: أنه إن بني على الجمود على ما تحت العبارة فالمراد مجرد غسل الثوب وان لم يكن عن وسخ، وان أريد الغسل المشروع فليس الا الغسل لازالة النجاسة. وقد يستدل على المنع بصحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (ع): " سألته عن ماء الحمام، فقال (ع): ادخله بازار، ولا تغتسل من ماء آخر، الا أن يكون فيه جنب أو يكثر أهله فلا يدري فيهم جنب أم لا " (* 3)


(* 1) الوسائل باب: 11 من ابواب صفات القاضي حديث: 14. (* 2) راجع الوسائل باب: 26 من ابواب الجنابة. (* 3) الوسائل باب: 7 من ابواب الماء المطلق حديث: 5.

[ 222 ]

وفيه: (أولا): ما عرفت آنفا (* 1) من إجمال المورد، للجهل بكيفية تمايز ماء الحمام عن الماء الآخر، والجهل بما يكون وجها للمنع عن الاغتسال بماء الحمام عند ما يوجد الجنب فيه، وأنه من جهة اختلاط ماء غسله بماء الحمام أو غير ذلك. ولاسيما بملاحظة كثرة وجود الجنب فيه، وندرة حصول العلم بعدمه، فلو منع من الاغتسال مع احتمال الجنب لزم الهرج. ولعله لذلك يتعين حملها على ماء الخزانة المتعارف في زماننا، وحينئذ يتعين حملها على الكراهة، لعدم الخلاف في الجواز في الكثير إلا من شاذ، كما سيأتي (وثانيا): أنها معارضة بصحيحته الاخرى " قلت لابي عبد الله (ع): الحمام يغتسل فيه الجنب وغيره اغتسل من مائه؟ قال (ع): نعم لا بأس أن يغتسل منه الجنب، ولقد اغتسلت فيه وجئت فغسلت رجلي، وما غسلتهما الا مما لزق بهما من التراب " (* 2). ومثله في الاشكال الاستدلال بصحيح ابن مسكان: " حدثني صاحب لى ثقة أنه سأل أبا عبد الله (ع) عن الرجل ينتهي إلى الماء القليل في الطريق فيريد أن يغتسل، وليس معه إناء، والماء في وهدة، فان هو اغتسل رجع غسله في الماء كيف يصنع؟ قال (ع): ينزح بكف بين يديه، وكفا من خلفه وكفا عن يمينه، وكفا عن شماله، ثم يغتسل " (* 3) بناء على ظهوره في كون محذور رجوع الغسل في الماء عدم صحة الغسل به. ولكنه غير ظاهر. مع أن نضح الاكف لا يمنع من رجوع الماء، فاطلاق الامر بالغسل بعد النضح يدل على جواز الغسل بالماء وان رجع إليه ماء الغسل، فيكون رادعا عما في ذهن السائل. فالرواية على الجواز أدل. ويؤيد ذلك


(* 1) في اول فصل ماء الحمام. (* 2) الوسائل باب: 7 من ابواب الماء المطلق حديث: 2. (* 3) الوسائل باب: 10 من ابواب الماء المضاف حديث: 2.

[ 223 ]

أنه ورد مثل هذا النضح في الوضوء من الماء القليل، لا من جهة منع رجوع الماء، بل تعبدا. ولعله من آداب الوضوء والغسل من الماء القليل. وأشكل من ذلك الاستدلال بصحيحة محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (ع): " وسئل عن الماء تبول فيه الدواب وتلغ فيه الكلاب، ويغسل فيه الجنب قال (ع): إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شئ " (* 1). إذ ظاهرها نجاسة الماء باغتسال الجنب، ولا يقول به الخصم. فلتحمل على صورة تلوث بدنه بالمني. فالعمدة في المنع الخبر الاول. ويؤيده ما ورد من النهي عن الاغتسال بغسالة الحمام (* 2)، معللا: بأن فيها غسالة الجنب، وان كان قد يظهر من تلك الروايات أن المنع من جهة النجاسة لا من جهة الجنابة. نعم يظهر الجواز من صحيح ابن جعفر عن أخيه (ع) الوارد في الرجل يصيب الماء في ساقية أو مستنقع أيغتسل منه للجنابة أو يتوضأ منه للصلاء؟ قال (ع) في ذيله -: " وان كان في مكان واحد " وهو قليل لا يكفيه لغسله، فلا عليه أن يغتسل ويرجع الماء فيه فان ذلك يجزؤه " (* 3) وهو في بدو النظر وان كان مختصا بصورة عدم وجدان غيره، لكن الظاهر منه بعد التأمل عموم الحكم، لان الماء الذي يغسل فيه بعض الاعضاء ويرجع إلى الساقية أو المستنقع، مما يكفي في تحصيل مسمى الغسل لجميع البدن، بأن يؤخذ قليلا قليلا، ويمسح به البدن بنحو يتحقق مسمى الغسل. ويؤيد ذلك قوله (ع) في صدره -: " فان خشي ان لا يكفيه غسل رأسه ثلاث مرات " فالمراد من عدم كفايته عدم كفايته إذا اغتسل


(* 1) الوسائل باب: 9 من ابواب الماء المطلق حديث: 1. (* 2) راجع الوسائل باب: 11 من ابواب الماء المضاف (* 3) الوسائل باب: 10 من ابواب الماء المضاف حديث: 1.

[ 224 ]

[ وان كان الاحوط مع وجود غيره (1) التجنب عنه. وأما المستعمل في الاستنجاء، ولو من البول (2)، فمع الشروط ] به على نحو الصب على الاعضاء على ما هو المتعارف. وعلى هذا يكون قرينة على ارادة جواز الاغتسال به، ولو بعد رجوعه إلى الموضع في صحيح ابن مسكان السابق، كما عرفت. وبهما يرفع اليد عن ظاهر خبر ابن سنان المتقدم. فيحمل على ارادة صورة نجاسة بدن الجنب، كما هو الغالب. ويشير إليه ما ورد في كيفية غسل الجنابة (* 1)، وما ورد في اعتصام الكر (* 2) وغير ذلك. وهذا الجمع أقرب من الجمع بالحمل على الكراهة، أو على المنع عن اغتسال غير المغتسل لا عن اغتسال نفسه ثانيا، أو عن غير ذلك الغسل، أو إذا لم يقصد ذلك حين الاغتسال به اولا. فان هذه الخصوصيات وان اشتمل عليها صحيحا الرخصة، لكنها عرفا ملغية فلا يخص بها الدليل ويتعين في الجمع العرفي ما عرفت. ولذا يكون ما في المتن هو الاقوى. (1) لان فرض عدم وجود غيره متيقن من صحيح ابن جعفر (ع) وان كان هذا المقدار لا ينافي الاحتياط أيضا فيه، خروجا عن شبهة خلاف القائلين بالمنع مطلقا. نعم الاحتياط فيه بالجمع بين استعماله والتيمم. (2) كما صرح به جماعة، بل لا يعرف فيه خلاف، وفي جامع المقاصد نسبته إلى الاصحاب، وفي المدارك وعن الذخيرة: أنه مقتضى النص وكلام الاصحاب، ولعل هذا المقدار كاف في الحجية عليه. وأما اطلاق النص فلا يخلو من تأمل، لان الاستنجاء في الاصل غسل موضع النجو، وهو الغائط، كما قيل. اللهم إلا أن يكون تعميمهم الحكم شهادة بعموم معناه، ويساعده العرف اليوم. أو لان الدليل لما كان واردا في جواب السؤال عن


(* 1) راجع الوسائل باب: 26 من ابواب الجنابة. (* 2) راجع الوسائل باب: 9 من ابواب الماء المطلق.

[ 225 ]

[ الآتية طاهر (1)، ويرفع الخبث أيضا لكن لا يجوز استعماله في ] القضية الخارجية، وكان لا ينفك ماء الاستنجاء من الغائط عن ماء الاستنجاء من البول إلا نادرا جدا، فالدليل يكون ظاهرا في طهارتهما معا، كما لا يخفى. (1) كما نص عليه جماعة كثيرة، وفي بعض العبارات: أنه لا بأس به، وفي آخر: أنه لا ينجس الثوب، وفي ثالث: أنه معفو عنه. ولعل مراد الجميع الطهارة، كما قد يشهد به نقل الاجماع على كل واحد من التعبيرات الثلاثة الاول، فيكون الوجه في اختلاف التعبير اختلاف عبارات النصوص. وان كان الظاهر من النصوص المفاد الاول والثاني لا غير. فالمشتمل على المفاد الاول رواية العلل عن يونس عن رجل العنزار عن الاحول أنه قال لابي عبد الله (ع) في حديث: " الرجل يستنجي فيقع ثوبه في الماء الذي استنجى به. فقال (ع): لا بأس. أو تدري لم صار لا بأس به؟ قال: قلت: لا والله. فقال (ع): إن الماء اكثر من القذر " (* 1). فان الظاهر من التعليل طهارة الماء. والمشتمل على المفاد الثاني بقية النصوص مثل صحيح عبد الكريم بن عتبة الهاشمي: " سألت أبا عبد الله (ع) عن الرجل يقع ثوبه على الماء الذي استنجى به أينجس ذلك ثوبه؟ فقال (ع): لا " (* 2) ومصححة الاحول: " قلت لابي عبد الله (ع): أخرج من الخلا فاستنجى بالماء، فيقع ثوبي في ذلك الماء الذي استنجيت به، فقال (ع). لا بأس به " (* 3) ونحوه مصححته الاخرى (* 4)، فان الظاهر رجوع الضمير إلى الثوب لا إلى الماء.


(* 1) الوسائل باب: 13 من ابواب الماء المضاف حديث: 2. (* 2) الوسائل باب: 13 من ابواب الماء المضاف حديث: 5. (* 3) الوسائل باب: 13 من أبواب الماء المضاف حديث: 1. (* 4) الوسائل باب: 13 من ابواب الماء المضاف حديث: 4.

[ 226 ]

نعم قد يشكل الاعتماد على المرسل وان كان المرسل يونس الذي هو من أصحاب الاجماع، لعدم تحقق الاجماع على قبول روايتهم ولو مع الارسال ولذا كان الخلاف في قبول مراسيل ابن أبي عمير معروفا، مع أنه ممن لا يرسل إلا عن ثقة - كما قيل - فكيف بمراسيل يونس؟!. مع أن العنزار مجهول. مضافا إلى أن البناء على عدم التعدي عن مورد التعليل يستوجب البناء على إجماله، وعدم ارادة ظاهره. وأما بقية النصوص فدلالتها على طهارة الماء أو نفي البأس به غير ظاهرة، لعدم الملازمة، فعموم انفعال القليل - كعموم ما دل على تعدي نجاسة كل متنجس - المقتضي لنجاسة الماء محكم. اللهم إلا أن تستفاد الطهارة بالملازمة العرفية بين طهارة ملاقي الشئ وطهارته، كالملازمة بين نجاسة الملاقي ونجاسته. ولذا بني على نجاسة بعض الاعيان لدلالة الدليل على نجاسة ملاقيه، وعلى طهارة بعض الاعيان لدلالة الدليل على طهارة ملاقيه. ولهذه الدلالة الالتزامية اللفظية يخصص ما دل على انفعال القليل، كما يخصص ما دل على تنجيس النجيس. ومن ذلك تعرف الاشكال في كلام شيخنا الاعظم (ره) حيث ذكر أولا: أن البناء على نجاسة الماء يقتضي تخصيص قاعدة نجاسة ملاقي المتنجس والبناء على طهارته يقتضي تخصيص عموم انفعال الماء القليل، ولاجل أن الثاني أولى تعين البناء على الطهارة. ثم استشكل فيه: بأن قاعدة نجاسة ملاقي المتنجس ساقطة على كل حال، للعلم الاجمالي بتخصيصها إما بالنسبة إلى ملاقي الماء - بناء على نجاسته - أو بالنسبة إلى نفس الماء الملاقي البول أو الغائط، وبعد سقوطها عن الحجية للعلم الاجمالي المذكور، يبقي عموم انفعال الماء القليل بلا معارض، فيتعين الحكم بنجاسة الماء. ووجه الاشكال فيه (اولا): ما أشرنا إليه، من أن تخصيص عموم الانفعال ليس لتقديم قاعدة نجاسة ملاقي النجس عليه، بل للدلالة الالتزامية

[ 227 ]

العرفية. (وثانيا): أن عموم انفعال الماء القليل في رتبة قاعدة نجاسة ملاقي النجس، فإذا فرض معارضة أصالة العموم في القاعدة بالنسبة إلى ملاقي ماء الاستنجاء مع أصالة العموم فيها بالنسبة إلى ماء الاستنجاء، فهذه المعارضة بعينها حاصلة بين أصالة العموم في القاعدة في الاول، وأصالة العموم في عموم انفعال الماء القليل في الثاني، فالعلم الاجمالي يوجب سقوط العمومين معا عن الحجية. (وثالثا): أن المعارضة بين أصالة العموم في القاعدة بالنسبة إلى الفردين غير ظاهرة، لسقوط أصالة العموم في القاعدة بالنسبة إلى ملاقي ماء الاستنجاء جزما، للعلم الاجمالي بالتخصيص أو التخصص فتبقي أصالة العموم في القاعدة بالنسبة إلى ماء الاستنجاء الملاقي للبول والغائط بلا معارض. وكذا عموم انفعال الماء القليل. بل لو فرض ملاقاة ماء الاستنجاء لماء آخر فلا معارضة في عموم انفعال الماء القليل بالنسبة إلى تطبيقه لان تطبيقه بالنسبة إلى الماء الثاني معلوم البطلان، أما للتخصيص أو للتخصص، على نحو ما عرفت في عموم نجاسة ملاقي النجس. ومثله في الاشكال ما ذكره الفقيه المقدس الهمداني (قده) في مصباحه من أن البناء على طهارة ماء الاستنجاء، وتخصيص عموم انفعال الماء القليل أهون من البناء على نجاسته، وتخصيص ما دل على عدم جواز استعمال الماء النجس في المأكول والمشروب والوضوء والصلاة وغيرها. انتهى. وجه الاشكال: أن العموم الثاني ساقط عن الحجية، إما بالتخصيص أو التخصص، فيبقى العموم الاول بحاله بلا معارض. ومن هنا يظهر أن المتعين إما القول بالطهارة، وإما القول بالنجاسة مع طهارة الملاقي. فان أريد من العفو في كلام بعض هذا المعنى فله وجه، ولو أريد منه كونه نجسا بحكم الطاهر مطلقا، أو في خصوص عدم وجوب الاجتناب عنه، مع ترتب بقية أحكام النجس عليه فغير ظاهر الوجه.

[ 228 ]

[ رفع الحدث ولا في الوضوء والغسل المندوبين (1). وأما المستعمل في رفع الخبث غير الاستنجاء فلا يجوز استعماله في الوضوء والغسل (2). وفي طهارته ونجاسته خلاف (3). ] ثم إنه حيث كان الاظهر الطهارة فمقتضى الاطلاقات جواز رفع الحدث والخبث به. لكن يجب الخروج عنها بالاجماع المحكي عن المعتبر والمنتهى على عدم جواز رفع الحدث بما تزال به النجاسة مطلقا. وفي مفتاح الكرامة: " اعترف بهذا الاجماع جماعة كصاحب المدارك والمعالم والذخيرة وغيرهم " بل عن المعالم دعواه في خصوص المقام. ويقتضيه خبر ابن سنان المتقدم في المستعمل في رفع الحدث الاكبر، بناء على جواز التعدي من مورده إلى المقام، ولو بناء على نجاسة ماء الغسالة. فيبقى رفع الخبث به على مقتضى الاطلاقات السليمة عن المعارض. ومما ذكرنا يظهر ضعف ما في الحدائق، من جواز رفع الحدث به لعدم حجية الاجماع المنقول على المنع. فان الاجماع الذي يحكيه الفاضلان ويتلقاه الاعاظم بعدهما بالقبول، ليس من الاجماع المنقول. نعم ذكر في المدارك - في مبحث الغسالة - وجود القائل بكون ماء الغسالة باقيا على ما هو عليه من الطهورية. لكن هذا القائل غير معروف، كما في مفتاح الكرامة. نعم في الحدائق حكى ذلك عن المحقق الادبيلى (قده) فليلحظ كلامه. (1) للاجماع والخبر إذا كانا رافعين للحدث، وللخبر وحده إذا لم يكونا كذلك. فان اطلاق الخبر شامل للواجب والمندوب. فتأمل. (2) لما تقدم من الاجماع والخبر أيضا. فتأمل. (3) هذا الخلاف بعد البناء على نجاسة القليل بملاقاة النجاسة. أما بناء على الطهارة فلا مجال للقول بالنجاسة هنا. ومنه يظهر أن نسبة القول

[ 229 ]

[ والاقوى أن ماء الغسلة المزيلة للعين نجس (1)، وفي الغسلة غير المزيلة الاحوط الاجتناب. ] بالطهارة في المقام إلى مثل العماني في غير محلها. وكذا نسبته إلى مثل السيد والحلي (قدهما)، فانهما قائلان بطهارة الوارد ولو على النجاسة العينية اللهم إلا أن يكون مفاد دليلهما الطهارة في المقام بالخصوص، كما تقدم. (1) كما هو المنسوب إلى المشهور بين المتأخرين، وأشهر الاقوال ولاسيما بين المتأخرين، بل لعله إجماع في خصوص المورد. لاطلاق ما دل على انفعال القليل بملاقاة النجاسة، مثل قولهم (ع): " إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شئ " (1). والمناقشة فيه: بأنه من تعليق العموم - لو سلمت - لم تقدح في الاستدلال به على المقام، لان الكلام فيه بعد الفراغ عن انفعال الماء بتلك النجاسة. ويكفي في اثبات الانفعال حينئذ الاطلاق الاحوالي. على أنك عرفت في مبحث انفعال القليل ضعف المناقشة المذكورة، لوجود القرائن في نصوص المفهوم المذكور على ثبوت العموم الافرادي له. أما ما ذكره شيخنا الاعظم (ره) في طهارته، من تقريب العموم: بأن السلب الكلي لما كان منحلا إلى السلب عن كل واحد من الافراد، فإذا كان مفاد الشرطية كون الشرط علة منحصرة، رجع ذلك إلى علية الشرط بالاضافة إلى كل واحد من الافراد، ولازمه انتفاء الحكم عن كل واحد منها عند انتفاء الشرط. نعم لو استفيد من المنطوق كون الشرط علة للحكم العام بوصف العموم. - وبعبارة أخرى: علة لعموم الحكم - كان المنفي في المفهوم هو ذلك الحكم بوصف العموم، فيكفي ثبوته لبعض الافراد. لكن العموم في السالبة الكلية ليس من قيود السلب ولا من قيود المسلوب


(* 1) راجع الوسائل باب: 9 من أبواب الماء المطلق.

[ 230 ]

انتهى. (فيشكل): بأن ذلك خلاف ما ذكروه في محله من أن نقيض السالبة الكلية موجبة جزئية، وأن مفهوم القضية الشرطية قضية شرطية شرطها نقيض الشرط وجزاؤها نقيض الجزاء. إذ - على هذا - يكون مفهوم قولنا: " إذا بلغ الماء كرا لم ينجسه شئ " إذا لم يبلغ كرا ينجسه بعض الشئ. وما ذكره (قده) يبتني على تحليل القضية إلى قضايا شرطية متعددة بتعدد أفراد الشئ، وهو غير واضح. ومثله في الاشكال ما ذكره - ثانيا - بعد تسليم عدم دلالة المفهوم بمقتضى نفس التركيب على العموم، وحاصله: أن المراد من الشئ في الجزاء ليس كل شئ بل خصوص ما كان مقتضيا للتنجيس، فإذ فرض أن الشئ مقتضيا للتنجيس وأن الكرية مانعة، لزم عند انتفاء الكرية المانعة ثبوت الحكم المنفي لكل فرد من الشئ باقتضائه السليم من منع المانع. (وجه الاشكال): أنه إذا سلمنا كون الجزاء سالبة كلية، فمفاد القضية الشرطية ليس إلا انحصار علية السلب الكلي بالكرية فإذا انتفت انتفى، وقد عرفت أنه لا ملازمة بين انتفاء السلب الكلي والايجاب الكلي، بل اللازم له هو الايجاب الجزئي لا غير. فإذا العمدة في اثبات العموم الافرادي القرائن الخاصة التي اشتملت عليها النصوص كما أشرنا إليه آنفا (* 1). وقد عرفت أن استفادة نجاسة ماء الغسالة لا يتوقف عليه، بل على العموم الاحوالي، ولما لم يتعرض الشارع لكيفية التنجيس فلابد أن يكون ذلك اتكالا منه على ما عند العرف، ولا ريب أنهم لا يفرقون في تنجيس النجاسات بين الوارد والمورود، وبين ما يكون مستعملا في مقام التطهير وبشرايطه وبين غيره، فيكون مقتضى الاطلاق ذلك أيضا. ومما يدل على النجاسة رواية العيص بن القاسم المروية في الخلاف والمعتبر والمنتهى والذكرى: " سألته عن رجل أصابته قطرة من طشت


(* 1) في اوائل فصل الماء الراكد.

[ 231 ]

فيه وضوء. فقال (ع): إن كان من بول أو قذر فيغسل ما أصابه، وان كان من وضوء الصلاة فلا بأس " (* 1). وحملها على الطشت الذي يكون فيه عين البول والقذر خلاف الاطلاق. كما أن الطعن في السند من جهة عدم كونها مروية في كتب الحديث، وانما رويت في كتب الفقهاء المذكورة مرسلة عن العيص من دون ذكر طريقهم إليه بل قيل: " من المقطوع به أن رواية المنتهى إنما كانت تبعا للخلاف " مع أن الرواية مضمرة. مندفع: بأن الظاهر من نسبة الرواية إلى العيص وجدانها في كتابه - كما ذكره شيخنا الاعظم (ره) وغيره - وطريق الشيخ إليه حسن، كما يظهر من الفهرست. وأما الاضمار فغير قادح، فانه ناشئ من تقطيع الاخبار وتبويبها، وإلا فليس من شأن العيص أن يودع في كتابه الموضوع للرواية عن المعصوم (ع) رواية عن غيره، ولا من شأن الشيخ (ره) ذلك أيضا. نعم ظهور رواية الشيخ وغيره في وجدانها في كتابه ليس على نحو يحصل الوثوق به، لتدخل الرواية في موضوع الحجية. وكأنه لذلك رماها في المعتبر بالضعف، وفي الذكرى بالقطع، لاحتمال أن يكون الشيخ رواها من غير كتابه. وقد يستدل أيضا بموثق عمار (* 2) الوارد في الكوز والاناء يكون قذرا كيف يغسل؟ وكم مرة يغسل؟ وأنه يغسل ثلاث مرات في كل مرة يصب فيه الماء، فيحرك فيه، ثم يفرغ منه. ويشكل: بأن من الجائز أن يكون افراغه لاعتبار انفصال ماء الغسالة في التطهير في جميع الغسلات لا لاجل النجاسة. ومن الغريب استدلال المحقق في المعتبر على النجاسة


(* 1) الوسائل باب: 9 من ابواب الماء المضاف حديث: 14. ولم يذكرها بتمامها، وكذا في المعتبر والذكرى. نعم رواها بتمامها في الخلاف مع اختلاف في الالفاظ في مسألة: 135. (* 2) الوسائل باب: 53 من ابواب النجاسات حديث: 1.

[ 232 ]

بخبر ابن سنان المتقدم في المستعمل في رفع الاكبر، فان عدم جواز الوضوء به لا يدل على النجاسة بوجه. ومما ذكرنا تعرف أن العمدة في القول بالنجاسة الاطلاق الاحوالي لعموم انفعال الماء القليل. والظاهر أنه لا إشكال في وجوب العمل به في الغسلة المزيلة بل في السرائر والمنتهى دعوى الاجماع عليه، ولعله ظاهر المعتبر أيضا. أما في غيرها من الغسلات فقد يشكل العمل به فيها، بدعوى انصرافه إلى النجاسات العينية، كما تقدم في مبحث انفعال القليل. وما تقدم من النصوص الدالة على تنجسه بالمتنجس فانما هو في موارد خاصة ليس منها المقام. فيكون المتعين الرجوع إلى الاصل المقتضي للطهارة. وكأنه لاحتمال هذا الانصراف قال المصنف (ره): " وفي الغسلة غير المزيلة الاحوط الاجتناب ". بل قد يستدل على الطهارة فيها: بأن البناء على النجاسة يستلزم تخصيص ما دل على عدم مطهرية النجس، وليس هو أولى من تخصيص ما دل على انفعال القليل وحيث لا مرجح يسقطان معا ويرجع إلى استصحاب الطهارة. وقد يرد بمنع هذه القاعدة، والمتيقن منها عدم مطهرية النجس قبل الاستعمال، لا ما صار نجسا به، لان النجاسة بالاستعمال من اللوازم التي يكون اشتراط عدمها موجبا لتعذر التطهير بالقليل. بل يمكن منع كون المتيقن ذلك، لان الماء يرد على بعض الموضع النجس ثم يسري منه إلى الباقي منه، فيكون تطهيره للباقي بعد انفعاله بملاقاة الاول، فيلزم مطهرية النجس قبل الاستعمال. بل يمكن أن يقال: إنه يلزم من القول بالنجاسة تخصيص ما دل على تنجيس المتنجس، فان الماء يسري من المحل النجس إلى المحل الطاهر المتصل به، فاما أن ينجسه فيلزم سراية النجاسة إلى تمام الجسم المتنجس بعضه، أولا فيلزم لمحذور من تخصيص قاعدة تنجيس المتنجس. بل يلزم من القول بالنجاسة في الغسلة الاخيرة تخصيص قاعدة ثالثة،

[ 233 ]

وهي (إما) اختلاف حكم الماء الواحد لو كان المختلف طاهرا قبل انفصال ما ينفصل، لان الماء الوارد على المحل واحد بعضه نجس وهو المنفصل، وبعضه طاهر وهو المتخلف. (وإما) طهارة الماء بدون مطهر لو كان المتخلف يطهر بعد انفصال المنفصل. (ودعوى): أنه يطهر بالتبعية (فيها) - مع أن التبعية ليست من المطهرات - أنها ممنوعة، لان المحل يطهر بمجرد انفصال الماء عنه. والمتخلف يطهر بعد انفصال الماء عن العضو وان تأخر عن الانفصال عن المحل. مثلا إذا تنجس أعلى الكف فصب عليه الماء، وجرى عليه حتى انفصل من أطراف الاصابع، فهذا الانفصال من أعلى الكف متقدم على الانفصال من اطراف الاصابع، وطهارة المحل مقارنة للاول وطهارة المتخلف مقارنة للثاني. وعلى هذا نقول: يلزم في المقام إما تخصيص قاعدة انفعال القليل، أو تخصيص هذه القواعد الثلاث كلها، ولا ريب أن تخصيص واحدة أولى من تخصيص جملة. ولاسيما مع ورود التخصيص على الواحدة بمثل ماء الاستنجاء، وماء المطر، وذي المادة، ولم يثبت تخصيص غيرها. لا أقل من التساقط والرجوع إلى استصحاب الطهارة. ولكن قد عرفت الاشكال في هذه المعارضة، من جهة أن القواعد المذكورة - غير قاعدة انفعال القليل - مما يعلم إجمالا بسقوطها عن الحجية، إما للتخصيص أو للتخصص، بخلاف قاعدة انفعال القليل، فانها يشك في تخصيصها فيرجع فيها إلى أصالة عدم التخصيص بلا معارض. واستبعاد تخصيص هذه القواعد غير ظاهر، إذ هو الموافق للمرتكزات العرفية في القذارات العرفية، فان بناءهم على استقذار الماء وان لزم فيه المحاذير المذكورة. ثم إن هذه المعارضة على تقدير تماميتها، فانما تقتضي الطهارة في غير الغسلة المزيلة، أما هي فيمكن الالتزام بالعمل بجميع القواعد فيها بلا تخصيص.

[ 234 ]

هذا وربما يستدل للطهارة بالتعليل المتقدم في ماء الاستنجاء (* 1). وفيه - مع ما عرفت من ضعف سند الرواية: أن الاخذ بظاهر التعليل يستوجب البناء على عدم انفعال الماء القليل. والكلام في المقام بعد البناء على انفعاله اللازم للبناء على اجمال التعليل، والاقتصار به على مورده. وقد يستدل أيضا بخبر عمر بن يزيد: قلت لابي عبد الله (ع): أغتسل في مغتسل يبال فيه ويغتسل من الجنابة، فيقع في الاناء ما ينزو من الارض، فقال (ع): لا بأس به " (* 2). وفيه - مع ضعف السند، واحتمال كون السؤال من جهة احتمال إصابة القطرة الموضع الذي أصابه البول، لا صورة العلم بذلك. وظهور السؤال في نجاسة ماء الغسل من الجنابة، وحمله على ما يستعمل في تطهير القبل من المني يستوجب البناء على نجاسة ماء الغسالة -: أنه مختص بالقطرة غير المستقرة مع النجاسة، وكونها مما نحن فيه غير معلوم. مع أن التعدي إلى غيرها غير ظاهر. وقد يستدل بما ورد من تطهير النبي صلى الله عليه وآله المسجد من بول الاعرابي بالقاء ذنوب من الماء (* 3). وفيه: أنها رواية أبى هريرة لا يعول عليها. مع أنها في واقعة مجملة. وبما ورد في صحيح ابن مسلم (* 4) من غسل الثوب في المركن مرتين. وفيه: أنه لا تعرض فيه للطهارة. نعم بناء على نجاسة الغسالة لابد من الالتزام بعدم نجاسة الثوب بالماء المغسول به، وقد عرفت أنه لا ضير في الالتزام به.


(* 1) تقدم في رواية العلل هناك، وهو التعليل بأن الماء اكثر من القذر. (* 2) الوسائل باب: 9 من ابواب الماء المضاف حديث: 7. (* 3) مستدرك الوسائل باب: 52 من ابواب النجاسات حديث: 4. (* 4) الوسائل باب: 2 من ابواب النجاسات حديث: 1.

[ 235 ]

وبما ورد في صحيح الاحول: " قلت له: أستنجي ثم يقع ثوبي فيه وأنا جنب. فقال (ع): لا بأس به " (* 1) بناء على ظهوره في الاستنجاء من المني، أو أنه محتمل لذلك، فيكون ترك الاستفصال دليلا على العموم. وفيه: أن ظاهر الرواية الاستنجاء من البول والغائط في حال الحدث، ومن المحتمل أن يكون السائل توهم دخل خصوصية الحدث الخاص في اختلاف حكم الاستنجاء. مع أنه لو سلم ما ذكر فغاية ما تدل عليه الحاق الاستنجاء من المني بالاستنجاء من البول، لا طهارة ماء الغسالة كلية. وبمنع شمول الاطلاق الاحوالي للغسلة المطهرة، لان الماء فيها مزيل للنجاسة وغالب عليها، فلا يكون مغلوبا. وفيه: أن ذلك خلاف الارتكاز العرفي، فان المرتكز عند العرف أن الماء المزيل للقذارة كأنه يحمل القذارة وينقلها إلى نفسه فلاحظ. ومما ذكرنا تعرف الاشكال في استدلال السيد (ره) على عدم انفعال الماء الوارد: بأن البناء على نجاسة يؤدي إلى انحصار التطهير بالكر، الراجع إلى اعتبار طهارة ماء التطهير حتى بعد التطهير. إذ فيه: أنه لا دليل على ذلك عقلا ولا عرفا، وعموم انفعال الماء القليل قاض بخلافه. والمحصل: من جميع ما ذكرنا: أن الادلة المستدل بها على النجاسة مخدوشة، عدا عموم انفعال القليل. والادلة المستدل بها على الطهارة التي يخرج بها عن عموم الانفعال أيضا غير سالمة عن الاشكال. والمناقشة في العموم الافرادي قد عرفت ضعفها، كالمناقشة في العموم الاحوالي. نعم احتمال انصراف الشئ في روايات الكر إلى نجس العين قريب. لكنه خلاف إطلاق الشئ. فالعمل على الاطلاق متعين. ومن هنا يظهر أن القول بالنجاسة في جميع الغسلات أقرب إلى ظاهر الادلة الشرعية والاذواق


(* 1) الوسائل باب: 13 من ابواب الماء المضاف حديث: 4.

[ 236 ]

[ (مسألة 1): لا إشكال في القطرات التي تقع في الاناء عند الغسل (1) ولو قلنا بعدم جواز استعمال غسالة الحدث الاكبر. ] العرفية. وهو سبحانه ولي التوفيق. (1) كما نص عليه جماعة. وعن ظاهر المنتهى جريان الخلاف فيها. ولكنه غير واضح، للنصوص للكثيرة النافية للبأس فيه، مثل صحيح الفضيل عن أبي عبد الله (ع): " في الرجل الجنب يغتسل فينتضح من الماء في الاناء. فقال (ع): لا بأس، ما جعل عليكم في الدين من حرج " (* 1) ونحوه غيره (* 2) والظاهر منه السؤال عن جواز الاغتسال مما في الاناء لا خصوص الطهارة. ولاسيما مع وضوح طهارة ماء الغسل، ومع عدم التنبيه على عدم جواز الاغتسال به مع كون الغالب في التقاطر كونه في أول الامر. ومن ذلك يظهر ضعف المناقشة في دلالة النصوص، من جهة احتمال كون الجهة المسؤول عنها الطهارة. نعم لا يبعد هذا الاحتمال في بعض نصوص الباب، كرواية عمر بن يزيد المتقدمة في ماء الغسالة. ثم إن مقتضى الجمود على مورد النصوص عدم التعدي إلى غير القطرات من إجزاء ماء الغسل. اللهم إلا أن يدعى قصور الاطلاق المانع عن شموله فان الاجزاء اليسيرة المنبثة في الماء لا يصدق الوضوء بها، كما ذكره شيخنا الاعظم (ره). بل احتمل (قده) الجواز مع تساويهما في المقدار. بدعوى ظهور دليل المنع في انحصار الغسل به. ولكنه يشكل بمنع ذلك، كما يظهر من ملاحظة نظائره من الاحكام، فانها شاملة لصورة الامتزاج جزما، بل لا فرق فيها بين اليسير والكثير، إذ لا اضمحلال للجزء اليسير، ولا استهلاك مع وحدة الجنس فكيف لا يشمله الاطلاق؟!. ولا سيما بملاحظة ما في


(* 1) الوسائل باب: 9 من أبواب الماء المضاف والمستعمل حديث: 5. (* 2) راجع الوسائل باب: 9 من ابواب الماء المضاف والمستعمل

[ 237 ]

[ (مسألة 2): يشترط في طهارة ماء الاستنجاء أمور: الاول: عدم تغيره في أحد الاوصاف الثلاثة (1). الثاني: عدم وصول نجاسة إليه من خارج (2). الثالث: عدم التعدي الفاحش على وجه لا يصدق معه الاستنجاء (3). الرابع: أن لا يخرج مع البول أو الغائط نجاسة أخرى مثل الدم (4). نعم الدم الذي يعد جزءا من البول أو الغائط لا بأس به (5). ] الصحيح السابق من تمسك الامام (ع) بآية نفي الحرج، الظاهر في وجود مقتضي المنع في القطرات كغيرها. (1) بلا خلاف ظاهر، بل عن غير واحد دعوى الاجماع عليه، ومنهم شيخنا الاعظم. ويقتضيه مادل على نجاسة المتغير، ولا تصلح لمعارضته نصوص المقام، لقرب انصرافها إلى حيثية الملاقاة لا مطلقا. ولو سلم إطلاقها فلا أقل من كون التصرف فيها بالحمل على ذلك أسهل من التصرف في عموم نجاسة المتغير. بل التعليل كالتصريح في الاختصاص بغير المتغير. لكن عرفت الاشكال في سنده. (2) لاهمال نصوص الطهارة بالاضافة إلى ذلك، فيتعين الرجوع إلى عموم الانفعال. (3) فلا يدخل في نصوص الباب، بل في عموم الانفعال. (4) كدم البواسير. لما سبق من إهمال نصوص الباب بالاضافة إلى هذه الجهة، فيتعين الرجوع إلى عموم الانفعال. (5) في خارجية الفرض اشكال، إذ البول والغائط مغايران مفهوما

[ 238 ]

[ الخامس: أن لا يكون فيه الاجزاء من الغائط بحيث يتميز (1). أما إذا كان معه دود أو جزء غير منهضم من الغذاء، أو شئ آخر لا يصدق عليه الغائط فلا بأس به (2). (مسألة 3): لا يشترط في طهارة ماء الاستنجاء سبق الماء على اليد (3) وان كان أحوط. (مسألة 4): إذا سبق بيده بقصد الاستنجاء، ثم أعرض، ثم عاد لا بأس، إلا إذا عاد بعد مدة ينتفي معها ] للدم، فإذا خرج مع أحدهما، فان كان مستهلكا فلا موضوع له، وان لم يكن مستهلكا امتنع أن يكون جزءا، بل يكون ممازجا لاحدهما، وملاقاته موجبة لنجاسة ماء الاستنجاء، على ما عرفت (1) إذ لو كانت فيه فهي بمنزلة النجاسة الخارجية في إهمال النصوص بالاضافة إليها، لكونها متعرضة لحكم الماء من حيث الملاقاة في المحل لا غير، فلا تشمل الملاقاة في خارجه، والمرجع حينئذ عموم الانفعال. (2) كما نص عليه بعض. وفي الجواهر قوى النجاسة بعد أن ذكر أن فيه وجهين، وجزم بها شيخنا الاعظم، لان المتنجس كالنجس الاجنبي الذي عرفت نجاسة الماء به، لقصور أدلة الطهارة عن شموله. لكنه يشكل: بأن غلبة وجود ذلك مع كونه مغفولا عنه، لكون نجاسته بالتبع، وعدم التنبيه على حكمه في النصوص، يوجب ظهورها في عموم الحكم. نعم لو لاقاه بعد الانفصال عن المحل لم يبعد الحكم بالنجاسة، لقصور النصوص عن شمول ذلك. (3) لجريان العادة بسبق كل منهما، فترك الاستفصال يقتضي المساواة في الحكم.

[ 239 ]

[ صدق التنجس بالاستنجاء (1)، فينتفي حينئذ حكمه. (مسألة 5): لا فرق في ماء الاستنجاء بين الغسلة الاولى والثانية في البول الذي يعتبر فيه التعدد (2). (مسألة 6): إذا خرج الغائط من غير المخرج الطبيعي فمع الاعتياد كالطبيعي، ومع عدمه حكمه حكم سائر النجاسات (3) في وجوب الاحتياط من غسالته (4). (مسألة 7): إذا شك في ماء أنه غسالة الاستنجاء أو غسالة ساير النجاسات يحكم عليه بالطهارة (5)، وان كان الاحوط الاجتناب. ] (1) فانه موضوع نصوص الطهارة، فإذا انتفى انتفى حكمه. (2) للاطلاق. (3) لانصراف الادلة عنه، فيرجع فيه إلى عموم الانفعال. إلا أن يقال إن كان الموجب للانصراف الغلبة، فمع أن المحقق في محله أن الانصراف للغلبة بدوي لا يعتد به، أن لازمه النجاسة في غير الطبيعي ولو مع الاعتياد، وإن كان مجرد عدم الاعتياد مع قطع النظر عن الغلبة فغير ظاهر. فالاولى أن يقال: إن الاستنجاء يختص بغسل الموضع المعد لخروج النجو كان الاعداد أصليا أو عرضيا، فلو كان الموضع معدا لذلك كان غسله استنجاء سواء اكان متكررا خروجه ليكون عاديا أم لا، وإذا كان خروجه بلا اعداد بل بمحض الاتفاق، لم يكن غسله استنجاء. (4) يعنى: غير المزيلة. (5) لاستصحاب الطهارة. اللهم إلا ان يبنى على الرجوع إلى العام في الشبهة المصداقية. فيرجع حينئذ إلى عموم الانفعال. لكنه خلاف

[ 240 ]

[ (مسألة 8): إذا اغتسل في الكر - كخزانة الحمام - أو استنجى فيه لا يصدق عليه غسالة الحدث الاكبر (1). ] التحقيق. أو على أن مقتضى الجمع بين العام والخاص كون موضوع حكم العام الفرد الذي ليس بخاص، فيكون موضوع الانفعال في المقام الماء الملاقي للنجاسة وليس ماء الاستنجاء، ولما كان مقتضى الاصل عدم كون الماء مستعملا في الاستنجاء مع العلم بملاقاته للنجاسة، فقد أحرز موضوع الانفعال بعضه بالوجدان وبعضه بالاصل. وليس هذا الاصل من قبيل الاصل الجاري في العدم الازلي، لان عدم الاستعمال في الاستنجاء عدم في حال وجود الماء - كما لا يخفى - فلا إشكال في صحة استصحابه. أو يبنى على أن إناطة الرخصة بالامر الوجودي يقتضي البناء على عدمها عند الشك في ثبوته. لكن عرفت الاشكال في هذه القاعدة. (1) قال في الحدائق: " يظهر الاختصاص بالقليل من كلمات جمع " وفي الجواهر: " الظاهر أن النزاع مخصوص في المستعمل إذا كان قليلا، أما لو كان كثيرا فلا ". وفي طهارة شيخنا الاعظم (ره): " لا ينبغي الاشكال في الجواز في الماء الكثير وان قلنا بالمنع في غيره، لاختصاص دليل المنع بما يغتسل به لا فيه. قال في المعتبر: ولو منع هنا لمنع ولو اغتسل في البحر ". اقول: الباء في قوله (ع) في رواية ابن سنان: " يغتسل به الرجل من الجنابة " (* 1) باء الاستعانة، وهي كما تصدق في القليل تصدق في الكثير ولو بني على انصرافها إلى ما يصب على المحل لزم دخول الكثير إذا كان الاغتسال به بنحو الصب، وخروج القليل الذي يرتمس فيه الجنب، ولم يقل به أحد وان اختلفوا في صدق الاستعمال بمجرد النية مطلقا، أو يتوقف على الخروج من الماء كذلك، أو يفصل بين نفسه وغيره على


(* 1) الوسائل باب: 9 من ابواب الماء المضاف حديث: 13.

[ 241 ]

[ أو غسالة الاستنجاء (1) أو الخبث. (مسألة 9): إذا شك في وصول نجاسة من الخارج أو مع الغائط يبني على العدم (2). ] أقوال. فراجع. فالعمدة إذا في خروج الكثير - مضافا إلى الاجماع - صحيح صفوان الجمال: " سألت أبا عبد الله (ع) عن الحياض التي ما بين مكة والمدينة تردها السباع، وتلغ فيها الكلاب، وتشرب منها الحمير، ويغتسل فيها الجنب، ويتوضأ منه. قال (ع): وكم قدر الماء؟ قال: إلى نصف الساق وإلى الركبة. فقال: توضأ منه " (* 1). وصحيح محمد ابن اسماعيل الوارد في الغدير الذي يستنجى فيه، أو يغتسل فيه الجنب. فقال (ع): " لا تتوضأ من مثل هذا إلا من ضرورة " (* 2)، بناء على الاجماع على عدم التفصيل في المنع بين الضرورة وغيرها. فيكون ذلك قرينة على الكراهة. وقد يستفاد أيضا مما ورد في الاغتسال في ماء الحمام. (1) لان العمدة في المنع عن طهوريته الاجماع وهو مفقود في الكثير وأما خبر ابن سنان، فقد تقدمت الاشارة إلى الاشكال في الاستدلال به على ذلك، بناء على طهارة ماء الاستنجاء ونجاسة الغسالة. ولو فرض ظهوره في مطلق ما يلاقي النجاسة وجب الخروج عنه بما ورد من جواز الوضوء من الماء الكثير الذي تكون فيه العذرة، أو البول. أو الجيفة، أو تلغ فيه الكلاب، أو نحو ذلك (* 3). ومنه يظهر أيضا عدم جريان حكم الغسالة على الكثير المغسول به الخبث. فلاحظ. (2) لاستصحاب العدم.


(* 1) الوسائل باب: 9 من أبواب الماء المطلق حديث: 12. (* 2) الوسائل باب: 9 من ابواب الماء المطلق حديث: 15. (* 3) راجع الوسائل باب: 9 من ابواب الماء المطلق.

[ 242 ]

[ (مسألة 10): سلب الطهارة والطهورية عن الماء المستعمل في رفع الحدث الاكبر أو الخبث استنجاء أو غيره، إنما يجري في الماء القليل دون الكر فما زاد، كخزانة الحمام ونحوها (1). (مسألة 11): المتخلف في الثوب بعد العصر من الماء طاهر (2)، فلو أخرج بعد ذلك لا يلحقه حكم الغسالة. وكذا ما يبقى في الاناء بعد إهراق ماء غسالته. (مسألة 12): تطهر اليد تبعا بعد التطهير، فلا حاجة إلى غسلها. وكذا الظرف الذي يغسل فيه الثوب ونحوه. (مسألة 13): لو أجرى الماء على المحل النجس زائدا على مقدار يكفي في طهارته، فالمقدار الزائد بعد حصول الطهارة طاهر (3)، وان عد تمامه غسلة واحدة ولو كان بمقدار ساعة. ولكن مراعاة الاحتياط أولى. (مسألة 14): غسالة ما يحتاج إلى تعدد الغسل كالبول - مثلا - إذا لاقت شيئا لا يعتبر فيها التعدد (4)، وان كان أحوط. ] (1) مضمون هذه المسألة متحد مع مضمون المسألة الثامنة. (2) يأتي الكلام في هذه المسألة ولا حقتها في مبحث الطهارة بالتبعية في مبحث المطهرات. (3) لان ظاهر الدليل كون الغسل المطهر بنحو صرف الوجود الصادق على الحدوث، فإذا تحقق طهر المحل، فما يلاقيه من الماء المنصب طاهر، لعدم ملاقاته للنجس. (4) قد اختلفوا في ملاقي الغسالة بناء على نجاستها، وأنه كالمحل بعدها

[ 243 ]

[ (مسألة 15): غسالة الغسلة الاحتياطية استحبابا يستحب الاجتناب عنها (1). ] أو كالمحل قبلها، أو كالمحل قبل الغسل. وقد ذكروا وجوها لا تخلو من تأمل، لكونها مبنية على ظن وتخمين. وينبغي أن يكون مبنى هذا الخلاف وجود إطلاق يرجع إليه وعدمه، فعلى الاول يكتفى في تطهير الملاقي بالمرة ولو كانت من الغسلة الاولى فيما يجب فيه التعدد. وعلى الثاني يجب التعدد للاستصحاب حتى إذا كانت مما لا يجب فيه العدد، أو كانت من الغسلة الاخيرة. هذا ولا يحضرني إطلاق في خصوص ملاقي الغسالة يرجع إليه عدا رواية العيص المتقدمة (* 1)، وقد عرفت الاشكال في سندها. نعم يأتي في مبحث المطهرات - إن شاء الله تعالى - تقريب إطلاق مطهرية الماء من مثل النبوي: " خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شئ " وأنه كما يرجع إلى العرف في كيفية التنجيس يرجع إليهم في كيفية التطهير. ومن المعلوم أن الكيفية عند العرف هي الغسل مرة، ومقتضى ذلك الاكتفاء بالمرة في التطهير ما لم يقم دليل على التعدد، كما في البول والاواني بناء على وجوب التعدد فيها. وسيأتي - إن شاء الله - ماله نفع في المقام. (1) لاشتراك المناط وهو احتمال النجاسة مع كون الحجة على خلافه.


(* 1) تقدمت في حكم ماء الغسالة.

[ 244 ]

[ فصل الماء المشكوك نجاسته طاهر (1) إلا مع العلم بنجاسته سابقا (2). والمشكوك إطلاقه لا يجري عليه حكم المطلق (3)، إلا مع سبق إطلاقه (4). والمشكوك إباحته محكوم بالاباحة (5) ] فصل في الماء المشكوك (1) لقاعدة الطهارة الجارية في كل ما يحتمل أنه طاهر، المستفادة من موثق عمار عن أبي عبد الله (ع) - في حديث قال (ع): " كل شئ نظيف حتى تعلم أنه قذر، فإذا علمت فقد قذر، وما لم تعلم فليس عليك " (* 1). وللقاعدة الجارية في خصوص الماء المشكوك التي يدل عليها ما رواه حماد بن عثمان عنه (ع): " الماء كله طاهر حتى تعلم أنه قذر " (* 2). (2) لاستصحاب النجاسة المقدم على قاعدة الطهارة، كما حقق في الاصول. (3) إذ لا قاعدة تقتضي ذلك. فلابد من الرجوع إلى الاصول الجارية في أحكامهما والعمل بما يقتضيه الاصل في كل منهما. (4) فحينئذ يستصحب إطلاقه كسائر العوارض المشكوكة الارتفاع فيجري عليه حكم المطلق. (5) لقاعدة الاباحة المستفادة من خبري مسعدة بن صدقة، و عبد الله


(* 1) الوسائل باب: 37 من ابواب النجاسات حديث: 4. (* 2) الوسائل باب: 4 من ابواب الماء المطلق حديث: 2.

[ 245 ]

ابن سنان (* 1). نعم روى في الوسائل - في باب وجوب إيصاله حصة الامام من الخمس إليه - عن الكافي عن محمد بن الحسن، وعلي بن محمد جميعا عن سهل بن زياد، عن أحمد بن المثنى، عن محمد بن زيد الطبري، " كتب رجل من تجار فارس من بعض موالي أبى الحسن الرضا (ع) يسأله الاذن في الخمس. فكتب (ع): بسم الله الرحمن الرحيم إن الله واسع كريم، ضمن على العمل الثواب، وعلى الضيق الهم. لا يحل مال إلا من وجه أحله الله.. " (* 2) ومقتضاه أصالة الحرمة في الاموال إلا مع العلم بوجود السبب المحلل، لانه مع الشك في السبب المحلل يرجع إلى أصالة عدمه. والامر في سهل سهل. لكن أحمد بن المثنى مهمل ومحمد بن زيد الطبري مجهول. ولاجل ذلك يشكل الاعتماد على الخبر، والخروج به عن قاعدة الحل وما اشتهر من أصالة الحرمة في الاموال لا يصلح جابرا له، لعدم ثبوته بنحو الكلية الشاملة لما لم يكن أصل موضوعي يقتضي الحرمة، من استصحاب ملكية الغير أو عدم إذن المالك في التصرف، أو نحو ذلك، كما لو شك في ثمر أنه شجرة أو ثمر شجر غيره، أو في ماء: أنه ماؤه المتولد في بئره، أو المتولد في بئر غيره، أو في حيوان: أنه متولد من حيوانه، أو من حيوان غيره، فان مقتضى أصالة الحل الحل في مثل ذلك، ولم يثبت ما يوجب الخروج عنها. ثم إنه بني على العمل بالخبر المذكور فذلك إذا لم يكن سابقا من المباحات الاصلية وقد احتمل بقاؤه عليها، وإلا جرى استصحاب عدم ملك غيره له، المقتضي لحليته بالحيازة. وكذا لو كان مملوكا سابقا لغير محترم المال واحتمل بقاؤه على ذلك، فانه يجري فيه استصحاب ملكيته،


(* 1) الوسائل باب: 4 من ابواب ما يكتسب به حديث: 4، 1. (* 2) الوسائل باب: 3 من ابواب الانفال وما يختص بالامام حديث: 2.

[ 246 ]

[ الا مع سبق ملكية الغير (1)، أو كونه في يد الغير المحتمل كونه له (2). (مسألة 1): إذا اشتبه نجس أو مغصوب في محصور - كاناء في عشرة - يجب الاجتناب عن الجميع (3)، وان اشتبه في غير المحصور - كواحد في ألف مثلا (4) - لا يجب الاجتناب عن شئ منه. ] السابقة، فيجوز تملكه والتصرف فيه بأي نحو. (1) فتستصحب الملكية، ولا يحل إلا بطيب نفس المالك، ولو شك فالاصل عدمه، كما عرفت. (2) فتكون اليد حجة على الملكية، فيجري عليه حكم معلوم ملكية الغير. (3) للعلم الاجمالي الذي تحقق في محله أنه حجة كالعلم التفصيلي. (4) الضابط في الفرق بين المحصور وغير المحصور يختلف باختلاف الوجه في عدم حجية العلم الاجمالي إذا كانت أطرافه غير محصورة. (ولاجل) أن المحقق في محله عدم الفرق في حجية العلم المردد متعلقه بين الكثير والقليل من حيث هما، وأن العبرة في سقوط العلم عن الحجية في الكثير وجود بعض الموانع عن تأثيره، ولو كان بين أفراد قليلة، من لزوم الحرج أو الضرر من الاحتياط، أو خروج بعض الاطراف عن محل الابتلاء (يكون) المدار في كون الشبهة غير محصورة كونها بالغة في الكثرة حدا يكون فيه أحد الموانع المذكورة. وان كان الاظهر اختصاصها عند الاصحاب بالكثرة مع خروج بعض الاطراف عن محل الابتلاء، وان اشتركت بقية الموانع معه في الحكم. فراجع كلماتهم. وبعض الاعاظم جعل ضابط غير المحصور أن تبلغ الاطراف حدا من

[ 247 ]

[ (مسألة 2): لو اشتبه مضاف في محصور يجوز أن يكرر الوضوء أو الغسل إلى عدد يعلم استعمال مطلق في ضمنه فإذا كانا اثنين يتوضأ بهما، وان كانت ثلاثة أو أزيد يكفي التوضؤ باثنين إذا كان المضاف واحدا، وان كان المضاف اثنين في الثلاثة يجب استعمال الكل، وان كان اثنين في أربعة تكفي الثلاثة. والمعيار أن يزاد على عدد المضاف المعلوم بواحد. وان اشتبه في غير المحصور جاز استعمال كل منها، كما إذا كان المضاف واحدا في ألف. والمعيار أن لا يعد العلم الاجمالي علما، ويجعل المضاف المشتبه بحكم العدم (1) فلا يجري عليه حكم الشبهة البدوية أيضا. ولكن الاحتياط أولى. ] الكثرة لا يتمكن المكلف عادة من جميعها وان تمكن من كل واحد على البدل. وفيه - مع أنه خلاف المصطلح عليه ظاهرا -: أن الترخيص في مثل ذلك لا يخلو من خفاء، فان العجز عن المخالفة القطعية لا يوجب سقوط العلم بالتكليف عن المنجزية عند العقلاء. كيف؟! والاضطرار إلى المخالفة الاحتمالية - مع كونه منافيا لمقتضى العلم - لا يوجب سقوط العلم عن المنجزية كما لو اضطر إلى ارتكاب أحد اطراف الشبهة، فأولى أن لا يوجب العجز عن المخالفة القطعية ذلك، لعدم منافاته لمقتضى العلم. فمن علم بغصبية أحد المكانين في زمان قصير يجب عليه اجتنابهما معا، وان لم يمكنه التصرف فيهما معا في ذلك الزمان. (وبالجملة): العجز عن المخالفة القطعية لا ينافي مقتضى العلم، فلا يمنع من منجزيته. (1) كأنه لدعوى: أن كثرة الاطراف موجبة لبناء العقلاء على عدم الاعتناء باحتمال انطباق المعلوم بالاجمال على كل واحد من الاطراف،

[ 248 ]

[ (مسألة 3): إذا لم يكن عنده الا ماء مشكوك اطلاقه واضافته، ولم يتيقن أنه كان في السابق مطلقا، يتيمم للصلاة (1) ونحوها. والاولى الجمع بين التيمم والوضوء به. ] فكل طرف وان كان يحتمل كونه مضافا ومطلقا، إلا أن العقلاء لا يعتنون باحتمال كونه مضافا فيجوز استعماله في كل ما يجوز استعمال المطلق فيه، ومرجع ذلك إلى حجية الغلبة. إلا أنه شئ لا أصل له، ولا دليل عليه فالاحتياط في الفرض - عملا بقاعدة الاحتياط - متعين. فلو فرض إجماع على عدم وجوب الاحتياط في الشبهة غير المحصورة، فانما هو بالنظر إلى العلم الاجمالي بالتكليف المتعلق بالمشتبه بين الاطراف، لا بالنظر إلى علم آخر، كالعلم بوجوب الوضوء بالماء، فان مقتضاه عقلا وجوب العلم بتحقق الوضوة بالماء، ولا يكفي الشك في ذلك، لانه شك في الفراغ يجب فيه الاحتياط كما لو كانت الشبهة بدوية ليست مقرونة بعلم إجمالي. (1) يعنى: ولا يحتاج إلى الوضوء، فان التردد في المائع بين كونه ماء مطلقا ومضافا وان كان يستلزم العلم الاجمالي بوجوب الوضوء أو التيمم إلا أن أصالة عدم وجدان الماء كافية في اثبات وجوب التيمم، فينحل بذلك العلم الاجمالي. فان قلت: إذا كان وجدان الماء شرطا في وجوب الوضوء، كما أن عدم الوجدان شرط في وجوب التيمم، يتم ما ذكر، لان الاصل المذكور كما يثبت وجوب التيمم، ينفي وجوب الوضوء. أما إذا كان وجوب الوضوء مطلقا غير مشروط بالوجدان - كما هو الظاهر حسبما يأتي في محله تحقيقه - فأصالة عدم الوجدان وان اقتضت مشروعية التيمم وسقوط العلم الاجمالي، الا أنه لما كان ملاك وجوب الوضوء مطلقا، فالشك في الوجدان يوجب الشك في القدرة على امتثال وجوب الوضوء فيحب، بناء على التحقيق من

[ 249 ]

[ (مسألة 4): إذا علم إجمالا أن هذا الماء إما نجس أو مضاف، يجوز شربه (1)، ولكن لا يجوز التوضؤ به (2). وكذا إذا علم أنه إما مضاف أو مغصوب (3). وإذا علم أنه إما نجس أو مغصوب، فلا يجوز شربه أيضا (4) كما لا يجوز التوضؤء به (5). ] وجوب الاحتياط عند الشك في القدرة. قلت: أصالة عدم الوجدان إذا جرت وثبتت مشروعية التيمم لا موجب للاحتياط، لحصول الامن من جهة العلم بمشروعية البدل ظاهرا، فلا خوف كي يجب - عقلا وفطرة - تحصيل المؤمن، وهو احتياط. نعم قد يشكل اطلاق الاكتفاء بالتيمم: بأن أصالة عدم الوجدان إنما تجري مع اليقين بفقد الماء قبل الابتلاء بالمشكوك، فلو كان مسبوقا بوجود الماء المعلوم، ثم فقد ذلك، لا مجال لجريانها. بل قد يقال بجريان استصحاب وجود الماء. وان كان ذلك خلاف التحقيق، فانه من القسم الثالث من أقسام استصحاب الكلي، والاصل الجاري فيه استصحاب العدم. (1) لاصالة الطهارة. (2) للعلم التفصيلي بفساده، الناشئ من العلم الاجمالي بفوات الشرط اما الطهارة أو الاطلاق. (3) يعنى: يجوز شربه، لاصالة الاباحة، ولا يجوز الوضوء به، إذ لا أصل يقتضي الاطلاق، والشك فيه كاف في وجوب الاحتياط، لقاعدة الاشتغال. (4) للعلم بحرمته إما للنجاسة أو للغصبية. (5) للعلم إجمالا إما بفساد الوضوء به على تقدير النجاسة، أو بحرمة

[ 250 ]

[ والقول بأنه يجوز التوضؤ به ضعيف (1) جدا. ] التصرف فيه على تقدير الغصبية، وكل منهما أثر شرعي. وجواز الوضوء بالماء النجس تكليفا - بمعنى: عدم ترتب العقاب عليه - لا ينافي كون الفساد أثرا شرعيا، لان مرجعه إلى بقاء الامر بالوضوء، فمرجع العلم الاجمالي المذكور إلى العلم بالامر بالوضوء بغيره، أو بالنهي عن التصرف فيه، وكلاهما شرعي، فيكون العلم منجزا للمعلوم، ولا مجال للرجوع إلى الاصل في الاطراف كاصالة الطهارة. ولذا نقول لا يجوز رفع الخبث به أيضا - بمعنى: عدم الحكم بطهارة ما يغسل به، بل مقتضى استصحاب النجاسة البناء على بقاء نجاسته. نعم لا يبعد جواز التصرف فيه، لان فساد الوضوء به مقتضى الاصل كاستصحاب بقاء الامر أو بقاء الحدث، فينحل بذلك العلم الاجمالي - بناء على التحقيق من أن الاصل المثبت للتكليف في أحد الاطراف مانع من تنجيز العلم لمتعلقه - فيرجع في الطرف الآخر إلى أصالة البراءة، بعد سقوط أصالة الحل وأصالة الطهارة بالمعارضة. نعم لو كان مقتضى الاصل الحرمة - كما لو كان الشك في إذن المالك أو في بقائه على ملك المالك - لم يجز التصرف به لا بالوضوء، ولا بالشرب ولا بغيرهما من أنواع التصرف. ولكن لو غسل به المتنجس يطهر، لعدم المانع من جريان أصالة الطهارة فيه بعد انحلال العلم الاجمالي بالاصل المانع من التصرف، لكونه مثبتا للتكليف. ومن هنا تعرف اختلاف الحكم باختلاف الفرض فلاحظ. (1) لضعف وجهه، وهو (إما) عدم منجزية العلم الاجمالي مع عدم اتحاد سنخ التكليف. لكن المحقق في محله خلافه. (واما) لان فساد الوضوء لا يوجب حكما تكليفيا. وقد عرفت إشكاله. (واما) لان عدم

[ 251 ]

{ (مسألة 5): لو أريق أحد الاناءين المشتبهين من حيث النجاسة أو الغصبية لا يجوز التوضؤ بالآخر (1) وان ] الغصبية ليست من الشرائط الواقعية لصحة الوضوء، وإنما هو شرط علمي فالعلم الاجمالي به لا أثر له. (وفيه): أنه كذلك، إلا أنه بالنسبة إلى حرمة التصرف شرط واقعي، كما يقتضيه قولهم (ع): " لا يحل مال امرئ مسلم الا بطيبة نفسه " (* 1) وقولهم (ع): " لا يجوز لاحد أن يتصرف في مال غيره إلا باذنه " (* 2) فيكون طرف المعلوم بالاجمال. (1) لانه لا يخرج عن كونه طرفا للمعلوم بالاجمال المنجز بالعلم الاجمالي الحاصل بين التدريجيين وهما الباقي بعد الاراقة، - والمراق قبل الاراقة. نظير وجوب صوم أحد اليومين. فانه بعد انتهاء اليوم الاول لا مجال للرجوع إلى الاصل في اليوم الثاني، لان العلم الاجمالي حين حدوثه لما كان متعلقا بالتكليف نجزه، وهذا التنجز باق ببقاء العلم، فإذا انقلب شكا - كما في موارد الشك الساري - بطل التنجز، وإذا بقي على حاله بقي التنجز بحاله، وبعد إراقة أحد الاطراف فاطراف الآخر وان لم يعلم بتعلق التكليف به، لكن يحتمل كونه موضوعا للتكليف المنجز، فيجب الاحتياط فيه، كما يجب الاحتياط فيه قبل اراقة صاحبه، لاطراد المناط في الحالين. هذا على التحقيق من أن العلم الاجمالي مانع من جريان الاصول في


(* 1) هذا النص لم نعثر عليه في كتب الحديث وان اشتهر في كتب الفقهاء. نعم في الوسائل باب: 3 من ابواب مكان المصلي حديث: 1 " لا يحل دم امرء مسلم ولا ماله الا بطيبة نفسه " وحديث: 4: " ولا يحل لمؤمن مال أخيه إلا عن طيب نفس منه " (* 2) هذا النص - كسابقه لم نعثر عليه في كتب الحديث. نعم في الوسائل في التوقيع المروي عن الحجة (ع) باب: 3 من أبواب الانفال وما يختص بالامام من كتاب الخمس حديث: 6 -: ".. فلا يحل لاحد أن يتصرف في مال غيره بغير اذنه "

[ 252 ]

[ زال العلم الاجمالي (1). ولو أريق أحد المشتبهين من حيث الاضافة لا يكفي الوضوء بالآخر (2)، ] كل واحد من الاطراف مع قطع النظر عن معارضتها بحيث لو فرض عدم المعارضة لم تجر أيضا، للزوم التناقض ونقض الغرض. أما بناء على أن المانع هو المعارضة فيشكل وجوب الاجتناب عن الباقي، لعدم المعارضة بعد الاراقة، والمعارضة قبلها لا توجب سقوط الاصل في الفرد الباقي إلى الابد إذ لا دليل عليه، بل هو خلاف اطلاق أدلتها. ولعل ملاحظة المرتكز العقلائي في مثل هذا المورد من وجوب الاحتياط، وعدم جواز الرجوع إلى الاصل، مما يدل على ضعف المبنى المذكور. وتحقق المقام في الاصول. (1) لا يخفى أن العلم لم يزل باقيا، ولو زال لم يجب الاحتياط في الباقي لارتفاع المنجز للمعلوم بالاجمال المحتمل الانطباق على الباقي، فلا يحتمل كون الباقي موردا للتكليف المنجز، كى يجب فيه الاحتياط. فالمراد زوال العلم بالتكليف فعلا، لامتناع حصول هذا العلم مع احتمال كون المراق هو النجس، وزوال هذا العلم لا يقدح في وجوب الاحتياط، للوجه المتقدم. ولذا لو علم تفصيلا بوجوب الصلاة، فإذا شك بعد ذلك في الوجوب، فان كان من قبيل الشك الساري لا يجب الاحتياط، لعدم احتمال التكليف المنجز، لما عرفت من أن التنجز منوط بالعلم حدوثا وبقاء فإذا زال زال التنجز، وان كان من جهة الشك في الفراغ - بأن يكون الزائل العلم بالتكليف فعلا مع بقاء العلم بالتكليف سابقا - وجب الاحتياط، لقاعدة الاشتغال. (2) لان احتمال الاضافة كاف في المنع عن الوضوء به، والعلم الاجمالي باضافة أحدهما لا أثر له. نعم لو كان كل من الطرفين مستصحب الاطلاق كان وجوب الاحتياط في الباقي من أجل العلم الاجمالي، كما في الفرض الاول.

[ 253 ]

[ بل الاحوط الجمع بينه وبين التيمم (1). (مسألة 6): ملاقي الشبهة المحصورة لا يحكم عليه بالنجاسة (2). لكن الاحوط الاجتناب. ] (1) يعنى: حيث لا يجد ماء سواه. للعلم الاجمالي بوجوب الوضوء بالباقي أو وجوب التيمم، وأصالة وجدان الماء وان كانت في نفسها صحيحة، لانها من قبيل الاستصحاب في القسم الثاني من أقسام استصحاب الكلي، إلا أنها لا تثبت كون الباقي ماء، فالوضوء به لا تحرز به الطهارة المعتبرة كما قبل اراقة صاحبه. وكذا الاشكال في احتمال الاقتصار على التيمم، بدعوى: صدق عدم الوجدان في هذه الحال، لان المراد منه عدم العلم، ولذا قيل: عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود. إذ فيها: أن المراد من عدم الوجدان ما يساوق الفقدان، وهو مع احتمال كونه ماء غير محرز، فلا دليل على مشروعية التيمم. ومن ذلك يظهر أن الاقوى الجمع، وان احتمال كفاية الاقتصار على التيمم ضعيف، وأضعف منه احتمال كفاية الاقتصار على الوضوء. (2) هذا مما لا ينبغى الاشكال فيه. إذ لا وجه له مع احتمال طهارة ما لاقاه، ومجرد وجوب الاجتناب عنه من باب المقدمة العلمية لا يوجب نجاسته ولا نجاسة ملاقيه. نعم قيل بوجوب الاجتناب عنه كالاصل الذي لاقاه. والعمدة فيه: أنه طرف للمعلوم بالاجمال، فانه يعلم إما بنجاسته أو نجاسة الطرف الآخر، فيكون الحال كما لو قسم أحد الاناءين إلى قسمين فانه كما يعلم اجمالا بنجاسة القسمين أو الطرف الآخر، يعلم اجمالا إما بنجاسة المتلاقيين أو الطرف الآخر، فيجب الاجتناب عن الملاقي - بالكسر - كالملاقي - بالفتح -. وقد يدفع - كما في كلام شيخنا الاعظم (ره) -: بأن نجاسة الملاقي

[ 254 ]

لما كانت متفرعة على نجاسة الملاقى - بالفتح - الذي هو طرف العلم الاجمالي فالاصل الجاري فيه مسببي، والاصل الجاري في الملاقى - بالفتح - سببي والاصل السببي مقدم رتبة على الاصل المسببي، ففي رتبة الاصل المسببي لا معارض له، لان ما يتوهم معارضته له هو الاصل الجاري في طرف الملاقى - بالفتح - وهو الاناء الثالث، والمفروض سقوطه بالمعارضة في الرتبة السابقة مع الاصل الجاري في الملاقى - بالفتح - واذ لا معارض له لا مانع من جريانه ومقتضاه الطهارة وجواز الارتكاب. لكن فيه: أن هذا مبني على أن المانع من جريان الاصل المرخص في طرف العلم الاجمالي هو المعارضة، وقد عرفت أنه خلاف التحقيق، بل المانع نفس العلم من جهة اقتضائه تنجيز متعلقه المردد بين الاطراف، فالترخيص في ارتكاب طرف منها مخالفة لمقتضى العلم، وذلك يؤدي إلى احتمال التناقض. وقد يدفع أيضا - كما في كلام غير واحد من الاعيان -: بأن العلم الاجمالي القائم بين الملاقي - بالكسر - وطرف الملاقى - بالفتح - ناشئ من العلم الاجمالي القائم بين الاصلين، ففي الرتبة السابقة يكون ذلك العلم منجزا للطرفين، فيكون العلم الثاني قائما بين طرفين أحدهما منجز بالعلم الاول، فينحل بذلك العلم الثاني، ويمتنع أن ينجز متعلقه لاحتمال انطباقه على ما هو متنجز بالعلم الاول، وإذا سقط العلم الثاني عن المنجزية كان الفرد الملاقي - بالكسر - بلا منجز، فلا مانع من الرجوع إلى الاصل فيه. لكن فيه: أن العلم بنجاسة الملاقي - بالكسر - وطرف الملاقى - بالفتح - ليس منجزا، لعدم تعلقه بالحكم، بل بالموضوع، وكذلك العلم بنجاسة أحد الاصلين فانه أيضا غير منجز لتعلقه بالموضوع، وانما المنجز العلم بوجوب الاجتناب عن أحد الاصلين المتولد من العلم بالنجاسة

[ 255 ]

في أحدهما، والعلم بوجوب الاجتناب عن أحد الامرين من الملاقي - بالكسر - وطرف الملاقى - بالفتح - المتولد من العلم بنجاسة أحدهما، والعلم بالوجوب في المورد الثاني ليس متولدا من العلم به في المورد الاول، فلا ترتب بينهما، وانما الترتب بين علتيهما وهما العلمان بالموضوع لكنهما لا أثر لهما، ترتبا أو لم يترتبا. وقد يدفع أيضا - كما في كلام الاستاذ (قده) في كفايته -: بأن العلم الذي أحد طرفيه الملاقي - بالكسر - متأخر عن العلم الذي أحد طرفيه الملاقى - بالفتح - فيكون حادثا بعد تنجز طرفي العلم السابق، فيكون أحد طرفيه متنجزا قبل حدوثه، فينحل بذلك ويسقط عن التأثير. وقد يشكل: بأنه إنما يتم لو بني على أن العلم بحدوثه يوجب تنجز المعلوم إلى الابد، لكنه خلاف التحقيق، والا لزم بقاء التنجز ولو ارتفع العلم، كما لو طرأ الشك الساري، أو علم بالخطأ، ولكنه خلاف المقطوع به، فلا بد أن يكون التنجز منوطا بالعلم حدوثا وبقاء، فبحدوث العلم يتنجز المعلوم، وببقائه يبقى التنجز - كما أشرنا إلى ذلك كله آنفا - وحينئذ فلا أثر لسبق أحد العلمين، فان السابق إنما ينجز في الزمان السابق " فإذا حدث العلم الثاني يكون استناد التنجز في الاصلين - اللذين يكون أحدهما طرفا للعلم الثاني - إلى خصوص الاول ترجيحا بلا مرجح، فلابد أن ينجزا معا، وتكون الحال كما لو علم بنجاسة إناءين أو نجاسة إناء ثالث، فكما يجب الاجتناب عن الجميع هنا، كذلك يجب الاجتناب عن المتلاقيين والطرف الثالث جميعا فيما نحن فيه. هذا ويمكن دفع هذا الاشكال: بأن إناطة التنجز بالعلم حدوثا وبقاء غاية ما تقتضيه أن التنجز في حال حدوث العلم الثاني مستند إلى وجود العلم في ذلك الآن، لكن هذا المقدار لا يوجب الحاق الفرض بما لو علم بنجاسة

[ 256 ]

اناءين أو إناء ثالث، إذ في هذا الفرض لما كان أحد العلمين سابقا والآخر لاحقا، كان السابق موجبا لانحلال اللاحق به، وسقوطه عن التأثير، بخلاف فرض اقتران العلمين، فانه يمتنع أن ينحل أحدهما بالآخر، لانه ترجيح بلا مرجح، فان انحلال أحد العلمين بالعلم الآخر بحيث يسقط العلم المنحل عن التأثير ليس حقيقيا، بل هو حكمي - كما أشرنا إليه في بعض المباحث السابقة - وليس عقليا، بل هو عقلائي لان البرهان المذكور في الاستدلال على كونه عقليا مدخول فيه، إذ لا مانع من كون كل من العلمين منجزا لمتعلقه. واحتمال انطباقهما على فرد واحد لا يقدح في ذلك، بل يكون من باب اجتماع علتين على معلول واحد، فيستند الاثر اليهما معا. كما لو اقترن العلمان. ودعوى: أن التنجز في صورة الاقتران مستند إلى علم ثالث وهو القائم بين طرفين وطرف ثالث. (فيها): أن هذا العلم عين العلمين لانحلاله اليهما، فيكون حاله بالنسبة اليهما حال الكل بالنسبة إلى أجزائه، كما يظهر بالتأمل. فالانحلال في جميع موارده ليس عقليا، بل هو عقلائي بمعنى أن العقلاء لا يرون اللاحق حجة على مؤداه، بل يرون السابق هو الحجة لا غير. ولا مانع من الالتزام به في المقام، فانه الذي بنى عليه العقلاء. فإذا كان العلم السابق هو المنجز للاصلين اللذين أحدهما طرف الملاقى - بالفتح - يكون العلم اللاحق حادثا، وأحد طرفيه منجزا سابقا، فينحل، ولا يجب الاحتياط في الطرف الآخر، وهو الملافي - بالكسر - بل يرجع فيه إلى أصل الطهارة. ولو بني على الاشكال في الانحلال فيما نحن فيه أشكل الامر في موارد الانحلال الذي لا يكون بين العلم السابق واللاحق ترتب عقلي. وبالجملة: بعد ما كان الاناء الثالث الذي هو طرف الملاقى - بالفتح - متنجزا بالعلم الاجمالي بالتكليف بينهما، وكان باقيا على تنجزه إلى زمان

[ 257 ]

حصول العلم الثاني القائم بينه وبين الملاقي - بالكسر - لا يكون العلم الثاني منجزا له عند العقلاء، لاضمنا ولا استقلالا، بل يستند بقاء تنجزه إلى العلم الاول المنجز له سابقا، فيكون الملاقي - بالكسر - بلا منجز. وعلى هذا يتعين الفرق بين صورة حدوث العلم الذي أحد طرفيه الملاقي - بالكسر - بعد العلم الذي أحد طرفيه الملاقي - بالفتح - وبين صورة تقدمه عليه وبين صورة اقترانهما. ففي الاولى: لا يجب الاجتناب عن الملاقي - بالكسر - لما ذكر. وفي الثانية: لا يجب الاجتناب عن الملاقى - بالفتح - لان طرفه قد تنجز بالعلم السابق، فالعلم القائم به لا ينجز. وفي الثالثة: يجب الاجتناب عنهما، لان استناد تنجز الطرف الثالث إلى أحد العلمين دون الآخر بلا مرجح فيستند اليهما معا. ويكون الحال كما لو قسم أحد الاناءين قسمين. ودعوى: الفرق بينهما بعدم الترتب بين العلمين في مثال القسمة. بخلاف ما نحن فيه. فان العلمين فيه مترتبان، لان نجاسة الملاقي - بالكسر - ناشئة من نجاسة الملاقي - بالفتح - (قد عرفت) اندفاعها، فانه لا ترتب بين العلمين المتعلقين بوجوب الاجتناب عن المعلوم، إذ ليس وجوب الاجتناب عن الملاقي - بالكسر - مترتبا على وجوب الاجتناب عن الملاقى - بالفتح - ولما لم يكن بينهما ترتب لم يكن أحدهما موجبا لانحلال الآخر مع الاقتران، والا كان بلا مرجح. نعم العلم بنجاسة أحد الاصلين متقدم رتبة على العلم بنجاسة الملاقي - بالكسر - أو طرف الملاقى - بالفتح - إلا أن كلا منهما لما كان علما بالموضوع لم يكن منجزا على كل حال. فان قلت: إذا كان العلم الاجمالي الذي طرفه الملاقي - بالكسر - متقدما زمانا على العلم الذي طرفه الملاقى - بالفتح - فهذا العلم المتأخر وان

[ 258 ]

كان بوجوده متأخرا. إلا أن الميزان في منجزية العلم كونه طريقا وكاشفا ومقتضى ذلك ملاحظة زمان المعلوم، فإذا كان سابقا لزم ترتيب الاثر من ذلك الزمان. دون زمان حدوثه. فلو علم بنجاسة أحد الاناءين يوم السبت، ثم يوم الاحد علم اجمالا بوقوع نجاسة يوم الجمعة في واحد معين من ذينك الاثنين، أو في إناء ثالث يكون التنجز في يوم السبت مستندا إلى العلم الحاصل فيه، فإذا جاء يوم الاحد يستند التنجز إلى العلم الحاصل فيه. ويجب الاحتياط في أطرافه لا غير. إذ به يخرج العلم الاول عن كونه علما بالتكليف الفعلي. قلت: سبق المعلوم إنما يقتضي سبق أثره، فيجب حين العلم ترتيب آثار وجوده سابقا. لا أنه يقتضي ترتيب آثار نفس العلم سابقا. لان فرض تأخره يوجب تأخره أثره إلى زمان حدوثه، والتنجز من آثار نفس العلم. فلا وجه لان يترتب سابقا في زمان ثبوت المعلوم، وإلا لزم ثبوت الحكم بلا موضوع. ودعوى كون العلم اللاحق يخرج به العلم السابق عن كونه علما بالتكليف الفعلي، ليست بأولى من دعوى العكس، بل هي المتعينة. لما عرفت من استناد التنجز إلى أسبق العلمين. وقد عرفت أن انحلال اللاحق بالسابق ليس حقيقيا - بمعنى: أنه يخرج عن كونه علما بالتكليف الفعلي - بل هو حكمي عقلائي - بمعنى: أنه لا يكون حجة عند العقلاء - وإلا فالانحلال قد يكون بحجة غير العلم. من أمارة، أو أصل، فكيف ترفع العلم بالتكليف الفعلي؟! وكيف يكون العلم السابق رافعا للاحق دون العكس؟! ولم لا ينحل أحدهما بالآخر مع اقترانهما؟ كما لو علم بنجاسة إناءين معينين أو إناء ثالث. فانه ينحل إلى علمين اجماليين مشتركين في طرف. ومفترقين في طرف. (وبالجملة): العلم إنما يتعلق بالصور الذهنية. ولا يسري إلى الخارج. فكيف يرفع أحد العلمين الآخر مع

[ 259 ]

اختلاف الصورتين؟!. ومن ذلك تعرف تمامية ما ذكره الاستاذ (قده) وضعف المناقشات فيه. ثم إن مقتضى الوجه الثاني الذي ذكره غير واحد من الاعيان في تقريب جواز الرجوع إلى الاصل في الملاقي: أنه لو كان العلم الاجمالي الذي أحد طرفيه الملاقى - بالفتح - ناشئا من العلم الاجمالي الذي أحد طرفيه الملاقي - بالكسر - لوجب الاجتناب عن الملاقي - بالكسر - دون الملاقى - بالفتح - كما لو علم بنجاسة أحد اناءين، ثم علم أن نجاسة أحدهما المعين إن كانت فهى ناشئة من ملاقاته لاناء ثالث، فانه حينئذ يحصل علم إجمالي بنجاسة ذلك الاناء الثالث، أو طرف الاناء الملاقي. لكنه لا ينجز، لتأخره رتبة عن العلم الاول، وان كان المعلوم متقدما رتبة على المعلوم بالعلم الاول لان العلم بالعلة، كما قد يكون علة للعلم بالمعلول، كذلك قد يحصل من العلم بالمعلول كالعلم بوجود النار الحاصل من العلم بوجود الدخان. كما أنه لو فرض عدم حصول أحد العلمين من الآخر، بأن حصلا من سبب آخر وجب الاجتناب عن المتلاقيين معا، لعدم انحلال أحدهما بالآخر، كما لو علم بنجاسة إناءين أو إناء ثالث، ثم علم بأن الاناءين على تقدير نجاستهما فهي من ملاقاة أحدهما للآخر. فهذا التفصيل يكون نظير التفصيل الذي ذكره الاستاذ (قده) في كفايته، غايته أن هذا تفصيل بين صور تقدم أحد العلمين رتبة على الآخر وتأخره عنه، وكونهما في رتبة واحدة، وذلك تفصيل من حيث تقدم أحدهما على الآخر زمانا وتأخره واقترانهما. هذا وشيخنا الاعظم (ره) في رسائله فصل بين صورة حصول العلم بالملاقاة بعد فقد الملاقى - بالفتح - وبين صورة حصوله في حال وجوده ففي الثانية لا يجب الاجتناب عن الملاقي - بالكسر - لما تقدم من عدم معارضة أصل الطهارة الجاري فيه بأصل أخر، وفي الاولى بجب الاجتناب

[ 260 ]

عنه لمعارضة الاصل الجاري فيه بالاصل الجاري في الطرف الآخر. ولكنه يشكل: بأن فقد الملاقى - بالفتح - لا يوجب عدم جريان أصل الطهارة فيه لاثبات طهارة الملافي - بالكسر - بل يجري فيه، ويتعارض مع الاصل الجاري في الطرف الآخر، وبعد التعارض والتساقط يرجع إلى الاصل في الملاقي - بالكسر - بلا معارض، والفقدان لا يمنع من جريان الاصل في المفقود إذا كان الاثر المقصود منه ثابتا لموضوع موجود، فلو غسل ثوبه النجس بماء يعتقد نجاسته ثم شك بعد الغسل في طهارة الماء المغسول به، جرى استصحاب الطهارة في الماء لاثبات طهارة الثوب وان كان الماء معدوما حين إجراء الاستصحاب فيه. وكذا الحال في اجراء استصحاب الطهارة أو أصالة الطهارة في الاناء المفقود، بلحاظ أثره في الاناء الملاقي له فلا فرق بين صورة فقد الملاقى - بالفتح - حال العلم بالملاقاة، وبين صورة وجوده في كون الاصل الجاري في الملاقي - بالكسر - بلا معارض فلو بني على جواز العمل بالاصل المرخص في أحد أطراف العلم الاجمالي كان اللازم البناء على طهارة الملاقي - بالكسر - مطلقا. هذا والذي تحصل مما ذكرنا أمور: (الاول): أن العلم الاجمالي كما هو حاصل بين الملاقي - بالفتح - وطرفه كذلك هو قائم بين الملاقي - بالكسر - وطرف الملاقى (الثاني): أنه لا يجوز إجراء الاصل المرخص في الملاقي ولو لم يكن له معارض، لان العلم الاجمالي مانع من اجرائه في كل واحد من الاطراف مع قطع النظر عن المعارض، لانه علة لوجوب الموافقة القطعية (الثالث): أنه لو بني على جواز اجراء الاصل المرخص في كل واحد من الاطراف لم يكن فرق بين صورة فقد الملاقى - بالفتح - قبل العلم بالملاقاة وعدمه، لجواز إجراء الاصل في الفرد المفقود إذا كان يترتب عليه الاثر في ملاقيه الموجود (الرابع): أن ترتب أفراد العلم المتعلق بالموضوعات لا أثر

[ 261 ]

[ (مسألة 7): إذا انحصر الماء في المشتبهين تعين التيمم (1) ] له في باب الانحلال ما لم يكن ترتب بين أفراد العلم المتعلق بالاحكام، وأن التنجز إنما يستند عقلا إليه لا إلى العلم بالموضوع، فانه علم بالصغرى وهو لا ينجز، كما أن العلم بالكبرى كذلك، وانما المنجز العلم بالنتيجة. (الخامس): أن سبق زمان المعلوم على زمان العلم إنما يقتضي سبق أثر المعلوم لا سبق أثر العلم، فان أثر العلم مقارن له زمانا وان كان بينهما ترتب طبعي كما هو الحال في الموضوع وحكمه (السادس): أن الانحلال في جميع موارده حكمي، لا حقيقي (السابع): أن هذا الانحلال الحكمي عقلائي ولا يساعده برهان عقلي (الثامن): أن المدار في انحلال أحد العلمين بالآخر السبق واللحوق الرتبيان، فان لم يكونا فالزمانيان، وأن السابق يوجب انحلال اللاحق، وأن مسألة الملاقاة لاحد أطراف العلم الاجمالي من موارد الثاني لا الاول. هذا وظاهر عبارة المتن التوقف في المسألة، لان الاحتياط الذي ذكره لم يكن مسبوقا بالفتوى بالجواز، لان عدم الحكم بالنجاسة لا يقتضي الطهارة. نعم لو كانت العبارة: أنه محكوم بالطهارة، كان الاحتياط استحبابيا. وقد خرجنا في هذا الباب عن وضع الكتاب، لما رأيناه من رغبة بعض إخواننا الحاضرين في مجلس الدرس في ذلك. ومنه سبحانه نستمد العناية والعصمة وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت واليه أنيب. (1) لموثق سماعة عن أبي عبد الله (ع): " في رجل معه إناءان فيهما ماء وقع في أحدهما قذر ولا يدري أيهما هو؟ وليس يقدر على ماء غيرهما. قال (ع): يهريقهما جميعا ويتيمم " (* 1). ونحوه رواية عمار عنه (ع) (* 2). المعمول بهما عند الاصحاب - كما عن المعتبر - المقبولان


(* 1) الوسائل باب: 8 من ابواب الماء المطلق حديث: 2. (* 2) الوسائل باب: 8 من ابواب الماء المطلق حديث: 14.

[ 262 ]

[ وهل يجب إراقتهما (1) أولا؟ الاحوط ذلك، وان كان الاقوى العدم (2). (مسألة 8): إذا كان إناءان أحدهما المعين نجس، والآخر طاهر، فأريق أحدهما، ولم يعلم أنه أيهما، فالباقي محكوم بالطهارة. وهذا بخلاف مالو كانا مشتبهين وأريق أحدهما، فانه يجب الاجتناب عن الباقي. والفرق: أن الشبهة في هذه الصورة بالنسبة إلى الباقي بدوية (3)، بخلاف الصورة الثانية. فان الماء الباقي كان طرفا للشبهة من الاول، وقد حكم عليه بوجوب الاجتناب (4). ] عندهم - كما عن المنتهى - بل ظاهر جماعة الاجماع على العمل بهما. قال شيخنا الاعظم (ره) في طهارته: " لا إشكال في وجوب التيمم مع انحصار الماء في المشتبهين، لاجل النص والاجماع المتقدمين ". (1) كما عن القواعد. (2) لان الظاهر من الامر بالاراقة الارشاد إلى عدم الانتفاع بهما، كما هو كذلك في أمثاله من الموارد. (3) لان العلم الاجمالي حدث بعد الاراقة وانعدام أحد الطرفين، فالشك في الطرف الباقي شبهة بدوية، والمرجع في الشبهة البدوية أصالة الطهارة. (4) فانه طرف للعلم الاجمالي القائم بين التدريجيين، وهما الباقي بالاضافة إلى كل واحد من الازمنة اللاحقة، والمراق قبل زمان اراقته، فيكون الحال كما لو علم بوجوب صوم أحد اليومين، فانه بجب الاحتياط بالصوم في اليوم الثاني ولو بعد انتهاء اليوم الاول وخروجه عن محل الابتلاء، كما أشرنا إليه آنفا.

[ 263 ]

[ (مسألة 9): إذا كان هناك إناء لا يعلم أنه لزيد أو لعمرو، والمفروض أنه ماذون من قبل زيد فقط في التصرف في ماله، لا يجوز له استعماله (1). وكذا إذا علم أنه لزيد - مثلا - لكن لا يعلم أنه مأذون من قبله أو من قبل عمرو. (مسألة 10): في الماءين المشتبهين إذا توضأ باحدهما أو اغتسل، وغسل بدنه من الآخر، ثم توضأ به أو اغتسل صح وضوؤه أو غسله على الاقوى (2) لكن الاحوط ترك هذا النحو مع وجدان ماء معلوم الطهارة، ومع الانحصار الاحوط ضم التيمم أيضا. ] (1) لاستصحاب حرمة التصرف فيه. وأما أصالة عدم إذن المالك فهو من الاصل الجاري في الفرد المردد الذي هو محل الاشكال، كما أوضحناه في " حقائق الاصول "، وليس كذلك في الفرع الآتي، فان المرجع فيه أصالة عدم إذن زيد. (2) قد عرفت النص والاجماع على خلافه. مع أنه خلاف ما تقدم منه في المسألة السابعة. نعم يقع الاشكال في أن النص على طبق القواعد فيتعدى من مورده إلى غيره، أولا، فيقتصر عليه ويرجع في غيره إليها. ربما قبل بالاول: إما لانه لو بني على العمل بما في المتن ابتلي باستصحاب النجاسة، للعلم بنجاسة أعضائه والشك في ارتفاعها، ولاجل ذلك أمر بالتيمم، لان الطهارة من النجاسة الخبثية - ولو ظاهرية - أهم من الطهارة المائية. ولا يعارضه استصحاب الطهارة، لان الطهارة المستصحبة إن كان المراد بها الطهارة قبل الاستعمال. فهي زائلة قطعا، وان كان غيرها، فهي مشكوكة الثبوت لاحتمال كون الاناء النجس هو المستعمل ثانيا. ولذا كان

[ 264 ]

المشهور بين المتأخرين الاخذ بضد الحالة السابقة فيمن تيقن الطهارة والحدث وشك في المتقدم منهما، وفيه: أن الطهارة المستصحبة هي الطهارة الثابتة حال استعمال الطاهر المرددة بين بقاء الاولى وحدوث غيرها، وهي معلومة الثبوت مشكوكة البقاء. مضافا إلى أن جريان الاستصحاب ذاتا مع الجهل بالتقدم والتأخر محل إشكال محرر في محله. ولعله يأتي في أواخر مبحث الوضوء، فكيف يكون مثل ذلك مانعا من الطهارة المائية؟. وإما لانه بعد تطهير بعض الاعضاء يعلم اجمالا بنجاسة أحد العضوين، إما العضو المطهر لنجاسة الاناء الثاني، أو العضو الذي لم يطهر لنجاسة الاناء الاول، فتستصحب النجاسة إلى ما بعد تطهير الباقي. وفيه: أنه يتوقف على كون المانعية من آثار الكلي ليجري استصحابه، أما لو كانت من آثار الفرد، فقد عرفت أن استصحاب الفرد المردد محل إشكال. وإما لان ملاقاة الثاني للاعضاء عند تطهيرها به قبل حصول شرائط التطهير من الغلبة، والانفصال، والتعدد. توجب العلم بالنجاسة حينئذ إما لملاقاتها للماء الاول، أو للماء الثاني قبل أن تحصل شرائط التطهير، فتستصحب النجاسة إلى ما بعد حصول الشرائط. ولا يعارضه استصحاب الطهارة. للجهل بتاريخها بخلاف النجاسة، فان تاريخها معلوم، وهو أول أزمنة مماسة الماء الثاني للاعضاء. ولا فرق في صحة الاستصحاب المذكور بين كون الاثر للفرد والكلي، لصحة جريان استصحاب كل منهما. نعم يشكل هذا التوجيه وما قبله أيضا - مع الغض عما تقدم -: بأن غاية مقتضاهما ثبوت النجاسة ظاهرا بعد التطهير بالثاني، وهو إنما يمنع من الاجتزاء بالصلاة بعد ذلك، لكن لو كرر الصلاة عقيب كل من الوضوءين فقد أحرز الصلاة الصحيحة الواجدة لشرط الطهارة من الحدث والخبث، فيكون الامر بالاراقة والتيمم خلاف مقتضى القواعد.

[ 265 ]

هذا ولعل الوجه فيه أن تطهير الاعضاء وتطهير ما يترشح عليه ماء الوضوء من مواضع بدنه وثيابه مما يتعسر غالبا. وتكرار الصلاة عقيب كل من الوضوءين وان كان يوجب العلم بصحة الصلاة اجمالا، إلا أنه يبتلي بالنجاسة الظاهرية لاعضائه، ولكل ما يترشح عليه ماء الوضوء، المؤدي ذلك إلى نجاسة ما يلاقيها، والى عدم جواز الدخول فيما يعتبر فيه الطهارة من الخبث، وذلك ضيق ومشقة غالبا. فلا يبعد إذا حمل الامر على الرخصة، ولاسيما وكون المورد مظنة الحظر، والا فمن المستبعد جدا أن يكون مثل هذا الاشتباه مانعا من صحة الوضوء، أو من صحة التقرب به تعبدا، بحيث لو توضأ بأحدهما يرجاء كونه طاهرا ثم انكشف طهارة ما توضأ به كان وضوؤه باطلا. وعليه يكون المقام من قبيل الموارد التي يكون الوضوء فيها حرجيا، فان التحقيق - كما سيأتي في محله إن شاء الله - جواز التيمم فيها. لكن لو توضأ صح وضوؤه واجتزأ به، وكذا في المقام يجوز التيمم. ولو توضأ على النحو المذكور في المتن، وكرر الصلاة عقيب كل من الوضوءين صحت صلاته، وان كان محكوما عليه بالخبث ظاهرا، عملا بالاستصحاب. وكذا الحال لو كان كل من الماءين كرا، وان كان التوجيه الاخير لا يتأتى فيه، لان الطهارة من الاول تحصل بمجرد ملاقاة الثاني بلا شرط فلا تكون النجاسة معلومة التاريخ كي يصح استصحابها. ومن هنا يشكل التعدي إلى هذا الفرض. فان لفظ الاناء في الموثقين لو سلم عمومه لمثل الكر فقول السائل: " معه اناءان " غير واضح الشمول له. ولاسيما بملاحظة قوله: " وقع في أحدهما قذر " الذي هو كناية عن النجاسة بملاقاة القذر، فان ذلك لا يشمل الكر. ولو سلم فلا يشمل النص ماء الغدير ونحوه مما لا يسمى إناء قطعا، فالبناء في مثله على وجوب تكرار

[ 266 ]

[ (مسألة 11): إذا كان هناك ماءان توضأ باحدهما أو اغتسل. وبعد الفراغ حصل له العلم بأن أحدهما كان نجسا ولا يدري أنه هو الذي توضأ به أو غيره، ففي صحة وضوئه أو غسله اشكال، إذ جريان قاعدة الفراغ هنا محل اشكال (1) وأما إذا علم بنجاسة أحدهما المعين، وطهارة الاخر فتوضأ، وبعد الفراغ شك في أنه توضأ من الطاهر أو من النجس، فالظاهر صحة وضوئه لقاعدة الفراغ. نعم لو علم أنه كان حين التوضؤ غافلا عن نجاسة أحدهما يشكل جريانها. ] الصلاة بعد كل من الوضوءين مع تطهير جميع ما أصابه بالثاني متعين إذا لم يكن حرجيا، واطلاق معاقد الاجماع على لزوم التيمم على نحو يشمل ذلك كله غير ثابت. (1) ينشأ من ظهور بعض نصوص القاعدة في اعتبار الالتفات حال العمل مثل ما في موثق بكير: " قلت له: الرجل يشك بعد ما يتوضأ. قال (ع): هو حين يتوضأ أذكر منه حين يشك " (* 1). ومن أن النصوص الباقية (* 2) مطلقة والارتكازيات العقلائية تساعد اطلاقها، فان الظاهر بناؤهم على عدم الاعتناء مطلقا، بل ظاهر حسن الحسين بن أبي العلاء جواز المضي ولو مع النسيان قال: " سألت أبا عبد الله (ع) عن الخاتم إذا اغتسلت. قال (ع): حوله من مكانه. وقال في الوضوء: تدره، فان نسيت حتى تقوم في الصلاة فلا آمرك أن تعيد الصلاة " (* 3)


(* 1) الوسائل باب: 42 من ابواب الوضوء حديث: 7 وبقية النصوص في الباب نفسه. (* 2) ذكرها في الوسائل باب: 42 من أبواب الوضوء، وباب: 23 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة. (* 3) الوسائل باب: 41 من ابواب الوضوء حديث: 2.

[ 267 ]

[ (مسألة 12): إذا استعمل أحد المشتبهين بالغصبية لا يحكم عليه بالضمان إلا بعد تبين أن المستعمل هو المغصوب (1). ] ولاجل ذلك يتعين حمل ما في الموثق على الحكمة، لا العلة التي بطرد معها الحكم وجودا وعدما. نعم يتم ما ذكر لو فقد الطرف الآخر. أما لو كان موجودا فالعلم الاجمالي بنجاسته أو وجوب الوضوء ثانيا يقتضي الاحتياط باعادة الوضوء بالماء الطاهر، فان الوضوء بمنزلة الملاقي - بالكسر - الذي يمتنع جريان الاصل المرخص فيه إذا كان العلم الاجمالي القائم بينه وبين طرف الملاقى - بالفتح - حاصلا بعد العلم بالملاقاة. ومن هنا يظهر أنه لا فرق بين أن يكون الماء المتوضأ به قد جمع في إناء. وبين أن يكون مفقودا. نعم - بناء على تفصيل شيخنا الاعظم (ره) المتقدم بيانه في المسألة السادسة - يجوز الرجوع إلى قاعدة الفراغ في صورة جمع الماء، دون صورة فقده. كما أنه - بناء على أن ترتب العلمين القائمين بالموضوع، دون الحكم كاف في انحلال اللاحق بالسابق المتقدم بيانه في تلك المسألة - يكون التفصيل المذكور بين الصورتين أيضا في محله. وأما التفصيل بين وجود بقية من الاناء المتوضأ منه، وعدمها، فلا وجه له، إذ لا سببية بين نجاسة تلك البقية وبطلان الوضوء، وإنما السببية بين نجاسة المقدار المتوضأ به وبطلان الوضوء. ولذلك أمكن التفصيلان المذكوران آنفا. لكن عرفت الاشكال في جميع ذلك فراجع. ثم إنه كما لا مجال لجريان قاعدة الفراع في الوضوء في صورة وجدان الطرف الآخر. لا مجال أيضا لجريان أصالة الطهارة الخبثية في أعضاء الوضوء وجميع ما يترشح عليه ماؤه، لعين الوجه المتقدم. (1) هذا إذا كان العلم قبل التصرف، أما لو كان بعده حكم عليه

[ 268 ]

[ فصل سؤر نجس العين كالكلب والخنزير. ] بالضمان للعلم الاجمالي إما بالضمان أو بعدم جواز التصرف في الآخر. فهذه المسألة من قبيل مسألة الملاقاة، والضمان بالتصرف حكمه حكم الملاقي في وجوب الاحتياط فيه إذا لم ينحل العلم الاجمالي القائم به، وعدمه إذا كان منحلا بعلم سابق عليه زمانا - أعني: العلم بالغصبية - فلاحظ. والله سبحانه الهادي إلى سواء السبيل وهو حسبنا ونعم الوكيل. فصل في الاسئار جمع السؤر، وهو بقية الماء التي يبقيها الشارب في الاناء أو الحوض - كما عن (المغرب) وغيره - أو البقية بعد الشرب - كما عن الجوهري - أو البقية من كل شئ - كما عن القاموس - بل عن الازهري: اتفاق أهل اللغة على أن سائر الشئ باقيه قليلا كان أو كثيرا. انتهى. وعن الشهيد ومن تأخر عنه: أنه ماء قليل لاقى جسم حيوان. ونسب في كلام غير واحد إلى ظاهر الفقهاء. وكأن الوجه في ذلك ذكرهم له في باب المياه وحكمهم بنجاسة السؤر مع نجاسة ذي السؤر. لكنه لا يصلح قرينة على عموم الحكم لمطلق الملاقي لجسم الحيوان. وان كان يشهد به بعض النصوص، كروابة العيص عن الصادق (ع) عن سؤر الحائض: " قال (ع): لا تتوضأ منه. وتوضأ من سؤر الجنب. إذا كانت مأمونة، وتغسل يديها. قبل

[ 269 ]

[ والكافر نجس (1)، وسؤر طاهر العين طاهر، وان كان حرام اللحم (2)، ] أن تدخلهما الاناء " (* 1). كما يشهد بعضها بعمومه للطعام، مثل ما في صحيح زرارة عن أبي عبد الله (ع): " قال (ع): في كتاب علي (ع): إن الهر سبع، ولا بأس بسؤره، واني لاستحي من الله أن أدع طعاما لان الهر أكل منه " (* 2). وفي حديث المناهي (* 3): النهي عن أكل سؤر الفارة. (1) لما يأتي مما دل على نجاسة المذكورات، بضميمة عدم الخلاف في سراية النجاسة إلى الملاقي إلا في الماء القليل، وتقدم ضعفه، وأن الاقوى انفعاله بملاقاة النجاسة. وفي رواية معاوية بن شريح: " سأل عذافر أبا عبد الله (ع) - وأنا عنده - عن سؤر السنور، والشاة، والبقرة والبعير، والحمار والفرس، والبغل، والسباع، يشرب منه أو يتوضأ منه؟ فقال (ع): نعم إشرب منه وتوضأ منه. قلت له: الكلب. (ع): لا. قلت: أليس هو سبع؟ قال (ع): لا والله، إنه نجس. لا والله إنه نجس " (* 4)، ونحوه صحيح أبي العباس الآتي (* 5). (2) كما هو المشهور. ويقتضيه الاصل، والنصوص في جملة من الموارد وكذا رواية معاوية المتقدمة بناء على ظهورها - كما هو غير بعيد -


(* 1) الوسائل باب: 7 من ابواب الاسئار حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 2 من ابواب الاسئار حديث: 2. (* 3) الوسائل باب: 9 من ابواب الاسئار حديث: 7 ولم يذكر منه الا مورد الاستشهاد. (* 4) الوسائل باب: 1 من ابواب الاسئار حديث: 6 وباب: 12 من ابواب النجاسات حديث: 6. (* 5) يأتي قريبا في سؤر طاهر العين.

[ 270 ]

في دوران نجاسة السؤر مدار نجاسة ذي السؤر، ونحوها صحيح البقباق (* 1) فيدلان على الكلية المذكورة. وعن السرائر، نجاسة سؤر ما يمكن التحرز عنه من حيوان الحضر غير المأكول اللحم والطير. وعن المبسوط: المنع من الاستعمال. ولا وجه له ظاهر عدا ما في موثق عمار عن الصادق (ع): " سئل عما تشرب منه الحمامة، فقال (ع): كل ما أكل لحمه فتوضأ من سؤره واشرب. وعن ماء شرب منه باز أو صقر أو عقاب، فقال (ع): كل شئ من الطير يتوضأ مما يشرب منه.. " (* 2) ومرسل الوشا عنه (ع): " أنه كان يكره سؤر كل شئ لا يؤكل لحمه " (* 3) وموثق سماعة: " هل يشرب سؤر شئ من الدواب ويتوضأ منه؟ قال (ع): أما الابل والبقر والغنم فلا بأس " (* 4). لكن الجميع معارض بمثل خبر معاوية المتقدم. وصحيح أبي العباس: " سألت أبا عبد الله (ع) عن فضل الهرة والشاة والبقرة، والابل، والحمار، والخيل، والبغال، والوحش، والسباع فلم أترك شيئا إلا سألته عنه، فقال (ع): لا بأس به. حتى انتهيت إلى الكلب، فقال: رجس نجس، لا يتوضأ بفضله، واصبب ذلك الماء، واغسله بالتراب أول مرة ثم بالماء " (* 5). مضافا إلى قصور دلالته. إذ الاول جملة خبرية ليس لها مفهوم. واشتمال الخبر على الفاء لا يلحقها بالشرطية، فان الظاهر أن الفاء في الجملة الخبرية إنما تدل على ترتب الخبر


(* 1) وهو صحيح ابي العباس المتقدمة إليه الاشارة، وسيأتي قريبا. (* 2) الوسائل باب: 4 من ابواب الاسئار حديث: 2. (* 3) الوسائل باب: 5 من ابواب الاسئار حديث: 2. (* 4) الوسائل باب: 5 من ابواب الاسئار حديث: 3. (* 5) الوسائل باب: 1 من ابواب الاسئار حديث: 4، وباب: 11 من ابواب النجاسات حديث: 1.

[ 271 ]

[ أو كان من المسوخ (1)، أو كان جلالا (2). نعم يكره سؤر حرام اللحم (3) ما عدا المؤمن (4)، والهرة على قول (5). ] على المبتدأ نحو ترتب المعلول على علته، في مقابل مفاد جميع الجمل الحملية الخالية عن الفاء، فانها تدل على ترتب الخبر على المبتدأ ترتب العارض على معروضه، ولا تدل الفاء على انحصار العلة بالمبتدأ ليدل على المفهوم كالجملة الشرطية، ولفظ: " يكره " في الثاني أعم من الحرمة. والحصر في الاخير لما لم يمكن الاخذ به، لوجوب تخصيصه بكثير من الافراد، كان الاولى عرفا حمله على الحصر الاضافي، أو حمل البأس المنفي فيه على ما يعم الكراهة. (1) بلا إشكال ظاهر، بناء على طهارتها كما يأتي إن شاء الله. وإنما تعرض له المصنف (ره) لاجل الخلاف في طهارته ونجاسته، وإلا فعلى القول بالطهارة لا خلاف في طهارة سؤره. (2) على المشهور. لاطلاق نصوص الطهارة المتقدمة ونحوها، الشامل لحال الجلل وغيره. وعن السيد والشيخ وابن الجنيد المنع من سؤره. واستدل لهم بعدم خلو لعابه عن النجاسة. وهو - كما ترى - ممنوع. مع أنه بختص بملاقي الفم ولا يطرد فيما يلاقي بقية أجزاء الجسم. (3) لما تقدم دليلا لما في السرائر. (4) فقد ورد في النصوص (* 1): أن سؤره شفاء، وفي بعضها: أنه شفاء من سبعين داء، وفي آخر استحباب التبرك به. (5) اختاره في الوسائل ويشهد له جملة من النصوص كصحيح زرارة عن أبي عبد الله (ع): " قال في كتاب علي (ع): إن الهر سبع، ولا بأس بسؤره واني لاستحي من الله تعالى أن أدع طعاما لان الهر اكل


(* 1) راجع الوسائل باب: 18 من ابواب الاشربة المباحة.

[ 272 ]

[ وكذا يكره سؤر مكروه اللحم (1)، كالخيل، والبغال، والحمير. وكذا سؤر الحائض المتهمة (2)، بل مطلق المتهم. ] منه " (* 1). وبه ترفع اليد عن إطلاق ما دل على كراهة سؤر ما لا يؤكل لحمه، (* 2) الموافق له إطلاق الفتاوى. (1) على المشهور. وليس عليه دليل ظاهر. نعم تقدم ما في موثق سماعة. لكنه على تقدير حمله على الكراهة شامل لغير مكروه الاكل. ولذا أنكر هذا الحكم غير واحد. اللهم إلا أن يبنى على قاعدة التسامح في أمثال المقام. (2) وهي غير المأمونة، لموثق ابن يقطين عن أبي الحسن (ع): " في الرجل يتوضأ بفضل الحائض؟ قال (ع): إذا كانت مأمونة فلا بأس " (* 3) ونحوه غيره. وبها يقيد اطلاق ما دل على المنع من سؤرها (* 4) نعم في صحيح العيص: " سألت أبا عبد الله (ع) عن سؤر الحائض، فقال (ع): لا تتوضأ منه وتوضأ من سؤر الجنب إذا كانت مأمونة " (* 5) ومقتضاه عموم الكراهة. نعم عن التهذيب روايته باسقاط كلمة: " لا " من صدر الجواب، فيكون قيد الامانة راجعا إلى الحائظ والجنب معا.


(* 1) الوسائل باب: 2 من ابواب الاسئار حديث: 2. (* 2) تقدم هنا قريبا عند الكلام في طهارة سؤر طاهر العين وان حرم لحمه. (* 3) الوسائل باب: 8 من ابواب الاسئار حديث: 5. وقد اشتمل الباب على احاديث أخر قد تدل على ذلك (* 4) راجع الوسائل باب: 8 من ابواب الاسئار. فان فيه جملة من الروايات التي أطلق فيها النهي عن الوضوء بسؤر الحائض. لكنها مصرحة بالترخيص في الشرب منه. وسيأتي منه قدس سره الاشارة إلى ذلك. (* 5) الوسائل باب: 7 من ابواب الاسئار حديث: 1.

[ 273 ]

[ فصل النجاسات اثنتا عشرة: (الاول والثاني): البول، والغائط، من الحيوان الذي لا يؤكل لحمه (1)، إنسانا أو ] لكن - مع أن الكليني أضبط - لا يناسب أفراد قيد المأمونة. فلاحظ. وعليه يتعين الجمع بخفة الكراهة مع الامانة. ثم إن في خبر عنبسة عن أبي عبد الله (ع): اشرب من سؤر الحائض، ولا تتوضأ منه " (* 1) ونحوه غيره. فتعميم الكراهة لغير الوضوء لابد أن يكون مبنيا على قاعدة التسامح، أو على الاجماع - كما قيل - وإلا فلا دليل عليه ظاهرا. اللهم إلا أن يستفاد من تعليق الحكم على الامانة عمومه لغير الوضوء، بل عمومه لكل متهم. ولعل من ذلك يستفاد أن في الحائض كراهتين. إحداهما خاصة بالوضوة ناشئة من حدث الحيض، والاخرى عامة له وللشرب، مختصة بالاتهام والله سبحانه العالم. فصل في النجاسات (1) إجماعا في الجملة حكاه جماعة كثيرة، وفي بعض الكلمات: أنه إجماع علماء الاسلام. ويدل عليه جملة وافرة من النصوص، كصحيح ابن مسلم عن أحدهما (ع): " سألته عن البول يصيب الثوب قال (ع): اغسله مرتين " (* 2)، ونحوه صحاح كثيرة (* 1)، وصحيح عبد الله بن سنان:


(* 1) الوسائل باب: 8 من ابواب الاسئار حديث: 1. وقد اشتمل الباب على جملة أحاديث تتضمن ذلك. (* 2) الوسائل باب: 1 من ابواب النجاسات حديث: 1. (* 3) راجع الوسائل باب: 26 من أبواب احكام الخلوة، وباب: 1 من ابواب النجاسات وغيرهما من الابواب المتفرقة.

[ 274 ]

" قال أبو عبد الله (ع): اغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل لحمه " (* 1)، وفي خبره: " اغسل ثوبك من بول كل ما لا يؤكل لحمه " (* 2). ويتم الحكم في الغائط بالاجماع على عدم الفصل بينه وبين البول، كما عن الناصريات وروض الجنان، والمدارك، والذخيرة. مضافا إلى الاجماع عليه بالخصوص. والى النصوص الواردة في الموارد الخاصة، مثل ما ورد في الاستنجاء من الغائط (* 3)، وفي العذرة يطؤها الرجل، من الامر بمسحها حتى يذهب أثرها (* 4)، أو بغسل ما أصابه (* 5)، وفي خرء الفأر يصيب الدقيق، من الامر بالقائه (* 6)، وغير ذلك من الموارد مما هو كثير. والمنع: من دلالة الامر بالغسل على النجاسة - كما ترى - خلاف المنصرف إليه عرفا. هذا ومقتضى إطلاق النصوص، ومعاقد الاجماع، عدم الفرق بين أنواع ما لا يؤكل لحمه مما ذكر في المتن وغيره. نعم عن الاسكافي القول بطهارة بول الرضيع أو الصبي الذكر قبل اكله اللحم أو الطعام - على اختلاف النقل عنه - لما في رواية السكوني عن أبي عبد الله (ع): " ولبن الغلام لا يغسل منه الثوب ولا من بوله قبل أن يطعم " (* 7). وفيه - مع إمكان الجمع بينها وبين غيرها، بالحمل على عدم احتياج تطهيره إلى الغسل المعتبر فيه


(* 1) الوسائل باب: 8 من ابواب النجاسات حديث: 2. (* 2) الوسائل باب: 8 من ابواب النجاسات حديث: 3. (* 3) راجع الوسائل باب: 9، 24، 28، 29، 30 من ابواب احكام الخلوة (* 4) الوسائل باب: 10 من ابواب نواقض الوضوء حديث: 1، وباب: 32 من ابواب النجاسات حديث: 7 وباب: 26 من أبواب النجاسات حديث: 15. (* 5) الوسائل باب: 10 من ابواب نواقض الوضوء حديث: 2. (* 6) الوسائل باب: 8 من ابواب النجاسات حديث: 6. (* 7) الوسائل باب: 3 من ابواب النجاسات حديث: 4.

[ 275 ]

[ غيره، بريا أو بحريا، صغيرا أو كبيرا. بشرط أن يكون له دم سائل حين الذبح (1). نعم في الطيور المحرمة الاقوى عدم النجاسة (2). لكن الاحوط فيها أيضا الاجتناب، ] العصر أو نحوه، كما تضمنه غيرها من النصوص (* 1) -: أنها مهجورة عند الاصحاب، فلا مجال للاعتماد عليها، ولاسيما مع اشتمالها على نجاسة لبن الجارية. (1) سيأتي - إن شاء الله تعالى - وجهه. (2) كما هو المحكي عن الجعفي. والعماني، والصدوق في الفقيه، والشيخ في المبسوط، مستثنيا بول الخشاف، وعليه جماعة من المتأخرين. ومستندهم مصحح أبي بصير عن أبي عبد الله (ع): " كل شئ يطير فلا بأس ببوله وخرئه " (* 2). وعن خط محمد بن علي الجبعي نقلا عن جامع البزنطي عن أبي بصير عنه (ع): " قال: خرء كل شئ يطير وبوله لا بأس به " (* 3). وعن المقنع - مرسلا -: أنه لا بأس بخرء ما طار وبوله (* 4). ودعوى: كون التعارض بينها وبين روايتي ابن سنان بالعموم من وجه، اللازم في مثله الرجوع في مورد المعارضة إلى حجة أخرى، وهي في المقام الاخبار الآمرة بغسل الثوب من البول مرتين، الدالة على نجاسته مطلقا مضافا إلى ما عن المختلف عن كتاب عمار من قول الصادق (ع): " خرء الخطاف لا بأس به، هو مما يؤكل لحمه، ولكنه كره أكله.. " (* 5).


(* 1) راجع الوسائل باب: 1، 2، 3 من ابواب النجاسات (* 2) الوسائل باب: 10 من ابواب النجاسات حديث: 1. (* 3) مستدرك الوسائل باب: 6 من ابواب النجاسات حديث: 2. (* 4) مستدرك الوسائل باب: 6 من ابواب النجاسات حديث: 4. (* 5) الوسائل باب: 9 من ابواب النجاسات حديث: 20، وباب: 39 من ابواب الصيد حديث: 5.

[ 276 ]

بناء على ظهوره في كون العلة في نفي البأس في خرء الخطاف كونه مما يؤكل لحمه، لا الطيران، إذ لو كان الطيران دخيلا في الطهارة كان اللازم التعليل به. مندفعة: بأن الرجوع في مورد تعارض العامين من وجه إلى حجة أخرى موقوف على عدم إمكان الجمع العرفي بينهما، بأن لا يكون أحدهما أقوى دلالة من الآخر في مورد المعارضة، وليس كذلك في المقام، فان رواية أبي بصير أقوى فيه، لندرة الابتلاء ببول الطير المأكول اللحم لو فرض وجوده، ولا شعارها بكون وصف الطيران دخيلا في الحكم، فيكون حملها على الطير المأكول حملا على فرد نادر، أو غير معلوم التحقق، وموجبا لالغاء خصوصية الطيران عن الدخل في الحكم بالمرة. بل ادعى السيد المحقق البغدادي (قده) العلم بعدم البول لغير الخفاش. وعليه فالرواية نص في الطير غير المأكول اللحم، وروايتا ابن سنان ظاهرتان فيه، فلا مجال لاعمال المعارضة بينهما فيه، بل لابد من تخصيص الثانية بالاولى. وأما رواية الخطاف - فمع أنها معارضة برواية الشيخ (ره) لها باسقاط لفظ الخرء (* 1) انها لم يظهر منها التعليل بمأكولية اللحم بنحو يصح الاعتماد عليه. ولو سلم فيمكن أن يكون تحريم الاكل مقتضيا للنجاسة، والطيران مانعا عنها، والتعليل بعدم المقتضي في ظرف وجود المانع شائع في لسان العرف. بل ادعى بعض الاعاظم من مشايخنا، أن اعتبار المانعية إنما يكون في ظرف وجود المقتضي، فعدم المعلول يستند عقلا إلى عدم المقتضي لا إلى وجود المانع. فتأمل. وقد يخدش في رواية أبي بصير بما يوجب خروجها عن موضوع الحجية، فعن السرائر: " رويت رواية شاذة لا يعول عليها. أن ذرق الطائر


(* 1) الوسائل باب: 39 من ابواب الصيد حديث: 5.

[ 277 ]

[ خصوصا الخفاش (1)، ] طاهر، سواء كان مأكول اللحم أو غير مأكوله. والمعول عند محققي أصحابنا والمحصلين منهم خلاف هذه الرواية، لانه هو الذى تقتضيه أخبارهم المجمع عليها "، وفي التذكرة: " وقول الشيخ (ره) في المبسوط بطهارة ذرق ما لا يؤكل لحمه من الطيور لرواية أبي بصير ضعيف، لان أحدا لم يعمل بها ". لكن صحة الرواية في نفسها واعتماد الصدوق والشيخ عليها، يمنع من وهنها بمثل ذلك. وما ذكره في التذكرة يناقيه ما ذكره في المنتهى من نسبة القول بالطهارة إلى الشيخ والصدوق، اعتمادا منهما على مصححة أبي بصير، وأنها حسنة، ومال إلى العمل بها، لانها وان كانت معارضة برواية ابن سنان، إلا أنها أظهر، لان دلالتها على الطهارة بالمنطوق، ودلالة رواية ابن سنان على النجاسة بالمفهوم، ودلالة المنطوق أقوى. وما في المعتبر: " إن الرواية حسنة والعامل بها قليل ". نعم مخالفة الرواية للمشهور محققة، ولكنه لا يقدح في حجيتها، لاحتمال كون الوجه في عدم اعتمادهم عليها ترجيح غيرها عليها سندا أو دلالة أو نحو ذلك. فلاحظ كلماتهم. قال في روض الجنان: " أخرج جماعة من الاصحاب الطير، وابن الجنيد بول الرضيع قبل اكله اللحم، استنادا إلى روايات، معارضة بأشهر منها، أو قابلة للجمع ". (وبالجملة): لا يظهر من المشهور أن الرواية المذكورة قامت القرينة القطعية عندهم على خلافها فوجب طرحها والاعراض عنها، كي تسقط بذلك عن موضوع الحجية. (1) فانه قال بنجاسة بوله من لا يقول بنجاسة غير المأكول من الطير وقد ورد فيه بالخصوص رواية داود الرقي: " سألت أبا عبد الله (ع) عن بول الخشاشيف يصيب ثوبي فاطلبه ولا أجده. قال (ع): اغسل

[ 278 ]

ثوبك " (* 1). ويظهر من المختلف الاجماع على نجاسته، فانه أجاب عن رواية أبي بصير المتقدمة، بأنها مخصصة بالخفاش إجماعا، فتخصص بما يشاركه في العلة. نعم يعارضها رواية غياث: " لا بأس بدم البراغيث والبق وبول الخشاشيف " (* 2)، وقريب منها ما عن الجعفريات ونوادر الراوندي عن موسى (ع) (* 3). لكن رماها الشيخ بالشذوذ، وكأنه لمخالفتها لما دل على نجاسة بول ما لا يؤكل لحمه. ولاجل ذلك حملها على التقية. نعم هي معتضدة بمصححة أبي بصير المتقدمة، بل لو ثبتت دعوى عدم البول للطير غير الخفاش كان التعارض محكما بين رواية أبي بصير ورواية الرقي، والجمع العرفي يقتضي حمل الثانية على الكراهة، ورواية الرقي في نفسها ضعيفة السند فلا تصلح لاثبات المنع لو سلمت عن المعارض. وجبرها بالعمل غير ظاهر، إذ بناء المشهور على نجاسة فضلة الخشاشيف كان عملا منهم بروايات نجاسة ما لا يؤكل لحمه، التي عرفت معارضتها في الطير، والاجماع في المختلف على تخصيص رواية الطير بالخفاش لا يبعد أن يكون المراد منه الاجماع من الشيخ وخصمه، بقرينة أنه كان في مقام رد استدلال الشيخ على ما ذهب إليه في المبسوط، وليس المراد اجماع العلماء على نجاسته بالخصوص، وإلا فلم يعرف مأخذ هذا الاجماع، إذ أن المشهور إنما ذهبوا إلى النجاسة في الخشاف، لكونهم يرون النجاسة في كل ما لا يؤكل لحمه ولو كان طيرا، وأما غيرهم فلم ينص على النجاسة فيه إلا الشيخ، فالاجماع على خصوصية الخشاف غير ظاهر. هذا كله مضافا إلى ما يأتي من الاجماع على طهارة الفضلتين مما لا نفس له سائلة، فان منه الخشاف حسب ما اختبرناه واختبره جماعة.


(* 1) الوسائل باب: 10 من أبواب النجاسات حديث: 4. (* 2) الوسائل باب: 10 من ابواب النجاسات حديث: 5. (* 3) مستدرك الوسائل باب: 6 من ابواب النجاسات حديث: 1.

[ 279 ]

[ وخصوصا بوله (1). ولا فرق في غير المأكول بين أن يكون أصليا كالسباع ونحوها أو عارضيا (2) ] (1) فانه مورد نص النجاسة، وان عرفت حكاية الاجماع عن جماعة على عدم الفرق بينه وبين الخرء. (2) إجماعا، كما عن جماعة، على اختلاف منهم في معقده، فمنهم من حكاه على النجاسة في الجلال، وآخر: في الموطوء، وثالث: فيهما، ورابع: في الدجاج الجلال، وخامس: فيما هو حرام بالعارض. وذلك كله مما يقتضيه إطلاق مصححة ابن سنان المتقدمة، إذ ما لا يؤكل لحمه أعم مما كان بالعارض قطعا. ودعوى: معارضته بما دل على طهارة بول الغنم والبقر ونحوهما (* 1)، لشموله لحال الجلل أو الموطوئية، والمرجع في مورد المعارضة أصالة الطهارة. مندفعة أولا: بأن موضوع دليل النجاسة من قبيل العنوان الثانوي، وموضوع دليل الطهارة من قبيل العنوان الاولي، وفي مثل ذلك يكون دليل الاول - عرفا - مقدما على دليل الثاني، فيحمل الثاني في المقام على كون الطهارة لعدم المقتضي في العنوان الاولي، فلا ينافيه ثبوت النجاسة لوجود المقتضي في العنوان الثانوي، فيكون التصرف في دليل حكم العنوان الاولي في الحكم. ويحتمل أن لا يكون التصرف في الموضوع، لان منافاته لدليل حكم العنوان الثانوي إنما هو بالاطلاق الاحوالي، أعني: إطلاق الغنم - مثلا - الشامل للمحلل والمحرم، فيحمل على خصوص المحلل والتصرف في هذا الاطلاق بالحمل على خصوص المحلل أهون من التصرف في الاطلاق الافرادي لما لا يؤكل لحمه، بالحمل على ما كان محرم الاكل بالعنوان الاولي لان نسبة الحكم إلى افراد الاطلاق الثاني نسبة واحدة في مرتكز العرف،


(* 1) الوسائل باب: 9 من ابواب النجاسات حديث: 5 ويستفاد من كثير من اخبار الباب المذكور.

[ 280 ]

[ كالجلال (1). ] بخلاف نسبة الحكم إلى الاحوال التي يشملها الاطلاق الاحوالي، فانها مختلفة في ارتكاز العرف، فان النجاسة للغنم الحلال ليست كالنجاسة للغنم الحرام، فان الاولى على خلاف الارتكاز والثانية على طبقه، كما يظهر بأقل تأمل، ولاجل ذلك يكون التصرف في الاطلاق الاحوالي عند العرف أقرب من التصرف في الاطلاق الافرادي عندهم. وثانيا: بأنه لو بني على تحقق التعارض بين الدليلين فالمرجع عموم ما دل على نجاسة البول مطلقا، المقدم على أصل الطهارة. فان قلت: لو بني على العمل باطلاق ما يحرم أكله ولو للعنوان الطارئ لاشكل الامر فيما حرم للضرر أو الغصب أو النذر أو نحو ذلك من العناوين الثانوية، إذ لا مجال لتوهم النجاسة في أمثال ذلك. ولو ادعي أن الظاهر من حرمة الاكل النوعية اختص الاشكال بما كان حراما كذلك كالمضر نوعا، وغير المأذون فيه كذلك (قلت): الظاهر مما لا يؤكل ما يحرم اكله بما هو حيوان، على أن تكون الحيوانية دخيلة في الموضوعية للحكم، كالموطوء والجلال، فلا يشمل ما يحرم لانه مغصوب، أو مضر، أو منذور ترك أكله، لا من حيث كونه حيوانا، فلا مجال لهذا الاشكال. (1) فان المشهور حرمة لحمه. وعن الاسكافي والشيخ الكراهة، بل ظاهر عبارة الثاني نسبته إلى أصحابنا، إلا أن مورد كلامه ما كان اكثر علفه العذرة، والظاهر أنه غير مورد كلام الاصحاب من الجلال الذي يكون تمام علفه العذرة. ومن ذلك تشكل نسبة الخلاف إليه. نعم الظاهر تحقق الخلاف من الاول. وان كان ظاهر النصوص الحرمة، من دون ظهور معارض بوجب حملها على الكراهة. ففي صحيح هشام عن أبي عبد الله (ع):

[ 281 ]

[ وموطوء الانسان (1)، والغنم الذي شرب لبن خنزيرة (2). وأما البول والغائط من حلال اللحم فطاهر (3) حتى الحمار ] " لا تأكلوا لحوم الجلالة، وان أصابك من عرقها فاغسله " (* 1)، ونحوه غيره. (1) فان المعروف حرمة لحمه. ويقتضيه ظاهر النصوص، ففي خبر مسمع عن أبي عبد الله (ع): " إن أمير المؤمنين (ع) سئل عن البهيمة التي تنكح فقال (ع): حرام لحمها، وكذلك لبنها " (* 2). (2) بلا خلاف ظاهر. ويقتضيه جملة من النصوص، وفيها الموثق عن أبي عبد الله (ع): " عن جدي رضع من لبن خنزيرة، حتى شب وكبر واشتد عظمه، ثم إن رجلا استفحله في غنمه فخرج له نسل. فقال (ع): أما ما عرفت من نسله بعينه فلا تقربه، وأما ما لم تعرفه فكله " (* 3). ومورده أخص من فتوى الاصحاب، وغيره (* 4) أعم منها. فكأن العمدة الاجماع على اعتبار الاشتداد وكفايته. (3) عن الخلاف والناصريات والغنية والتذكرة والبيان: الاجماع على طهارة فضلة المأكول. ويقتضيه جملة من النصوص كمصحح زرارة: إنهما (ع) قالا: لا تغسل ثوبك من بول شئ يؤكل لحمه " (* 5). وفي موثق عمار عن أبي عبد الله (ع): " كل ما أكل لحمه فلا بأس بما


(* 1) الوسائل باب: 6 من ابواب الاسئار حديث: 1، وباب: 37 من ابواب الاطعمة المحرمة حديث: 1 وقد اشتمل الباب على بعض الاخبار الدالة على المطلوب. (* 2) الوسائل باب: 30 من ابواب الاطعمة المحرمة حديث: 3. (* 3) الوسائل باب: 25 من ابواب الاطعمة المحرمة حديث: 1. (* 4) راجع الوسائل باب: 25 من أبواب الاطعمة المحرمة. (* 5) الوسائل باب: 9 من ابواب النجاسات حديث: 4.

[ 282 ]

[ والبغل والخيل (1). ] يخرج منه " (* 1). (1) فان المشهور حلية لحمها وكراهته، وعن المفيد (ره) تحريم الاولين والهجن من الثالث، وعن الحلبي تحريم الثاني. ويشهد لهما بعض النصوص (* 2). لكن حمله على الكراهة للنصوص الظاهرة في الحل، والمصرحة بالكراهة - جمعا عرفيا - متعين. والمشهور أيضا طهارة فضلة المذكورات. لعموم ما دل على طهارة فضلة ما يؤكل لحمه. ويشهد له جملة وافرة من النصوص بالخصوص، كرواية أبي الاغر النخاس: " قلت لابي عبد الله (ع): إني أعالج الدواب فربما خرجت بالليل وقد بالت وراثت، فيضرب أحدها برجله أو يده فينضح على ثيابي فاصبح فأرى أثره فيه. فقال (ع): ليس عليك شئ " (* 3). ورواية المعلى وابن أبي يعفور: " كنا خرجنا في جنازة وقدامنا حمار، فبال، فجاءت الريح ببوله حتى صكت وجوهنا وثيابنا، فدخلنا على أبي عبد الله (ع) فاخبرناه فقال (ع): ليس عليكم بأس " (* 4). وصحيح الحلبي عن أبي عبد الله (ع): " لا بأس بروث الحمر، واغسل أبوالها " (* 5). وقريب منه رواية أبي مريم في الدواب (* 6) ورواية عبد الاعلى بن أعين في الحمير والبغال (* 7)..


(* 1) الوسائل باب: 9 من ابواب النجاسات حديث: 12. (* 2) راجع الوسائل باب: 5 من ابواب الاطعمة المحرمة. (* 3) الوسائل باب: 9 من ابواب النجاسات حديث: 2. (* 4) الوسائل باب: 9 من ابواب النجاسات حديث: 14. (* 5) الوسائل باب: 9 من ابواب النجاسات حديث: 1. (* 6) الوسائل باب: 9 من ابواب النجاسات حديث: 8 (* 7) الوسائل باب: 9 من ابواب النجاسات حديث: 13.

[ 283 ]

[ وكذا من حرام اللحم الذي ليس له دم سائل (1)، كالمسك المحرم ونحوه. ] إلى غير ذلك. وضعف السند لو كان في جميعها فهو منجبر بعمل الاصحاب. وعن الاسكافي والشيخ وجماعة من متأخري المتأخرين كالاردبيلي وتلميذيه: القول بالنجاسة. ويشهد لهم كثير من النصوص - كمصحح محمد ابن مسلم: " وسألته عن أبوال الدواب والبغال والحمير. فقال: اغسله، فان لم تعلم مكانه فاغسل الثوب كله، فان شككت فانضحه " (* 1). وفي رواية الحلبي: " سألت أبا عبد الله (ع) عن أبوال الخيل والبغال. فقال (ع): اغسل ما أصابك منه " (* 2) ونحوهما غيرهما. لكن يجب حمله على الكراهة جمعا عرفيا. وأما ما ظاهره التفصيل بين البول والروث فمحمول على اختلاف مراتب الكراهة بقرينة غيره. (1) بلا خلاف، كما عن الحدائق وشرح الدروس. للاصل. وقصور أدلة النجاسة عن شموله، لانصرافها إلى غيره. ولطهارة ميتته ودمه، فصارت فضلاته كعصارة النبات. لكن الجميع كما ترى. وكأنه لذلك تردد في الشرائع - وكذا في المعتبر - في رجيع الذباب والخنافس. لكن قال بعد ذلك: " والاشبه الطهارة ". بل عدم تقييد موضوع النجاسة بذي النفس السائلة في كلام جماعة ظاهر في عموم النجاسة له ولغيره. ومن هنا يشكل الاعتماد على ظهور الاجماع المدعى. نعم يختص الاشكال بالبول مما له لحم، أما الخرء فقد عرفت أنه لا عموم يدل على نجاسته، وأن العمدة فيه الاجماع وهو منتف في غير ذي النفس، فالمرجع فيه أصل الطهارة ولذلك قال في المدارك: " أما الرجيع فلا أعرف للتردد في طهارته وجها ".


(* 1) الوسائل باب: 9 من ابواب النجاسات حديث: 6. (* 2) الوسائل باب من ابواب النجاسات حديث: 11.

[ 284 ]

[ (مسألة 1): ملاقاة الغائط في الباطن لا توجب النجاسة (1) كالنوى الخارج من الانسان، أو الدود الخارج منه، إذا لم يكن معه شئ من الغائط، وان كان ملاقيا له في الباطن. نعم لو أدخل من الخارج شيئا فلاقى الغائط في الباطن كشيشة الاحتقان. إن علم ملاقاتها له فالاحوط الاجتناب عنه. وأما إذا شك في ملاقاته فلا يحكم عليه بالنجاسة، فلو خرج ماء الاحتقان ولم يعلم خلطه بالغائط ولا ملاقاته له لا يحكم بنجاسته. ] لان الطهارة مقتضى الاصل، ولا معارض له. وكذا الحال في بول ما لا لحم له، فانه لا يشمله عموم النجاسة، والاصل فيه الطهارة. (1) ملاقاة النجاسة في الداخل (تارة): يكون المتلاقيان من الداخل كالدم الخارج من بين الاسنان الملاقي لها وللريق، وللثة (وأخرى): يكون أحدهما من الخارج فيدخل إلى الداخل، سواء اكان الداخل النجاسة، كالماء النجس يتمضمض به، أم الملاقي لها. كالماء الطاهر يتمضمض به مع وجود أجزاء الدم في الفم. ففي الصورة الاولى: لا إشكال عندنا في عدم الانفعال، وعن أبي حنيفة نجاسة جميع ما يخرج من القبل والدبر، لانه خرج من مجرى النجاسة قال في المعتبر: " وليس بشئ، لان النجاسات لا يظهر حكمها إلا بعد خروجها عن المجرى ". وظاهره أن ذلك من المسلمات. وعن ظاهر شرح الروضة: نفي الخلاف فيه. ويشهد له ما ورد في طهارة المذي والودي وبلل الفرج. (* 1)


(* 1) راجع الوسائل باب: 12 من أبواب نواقض الوضوء، وباب: 17، 55 من ابواب النجاسات.

[ 285 ]

والظاهر أن الحكم في الصورة الثانية كذلك، وعن ظاهر شرح الروضة أيضا نفي الخلاف فيه. ويشهد له ما ورد في طهارة بصاق شارب الخمر مثل خبر عبد الحميد: " قلت لابي عبد الله (ع): رجل يشرب الخمر فيبصق، فاصاب ثوبي من بصاقه. فقال (ع): ليس بشئ " (* 1)، وفي طهارة بلل الفرج مع كون المرأة جنبا، كرواية ابراهيم بن أبي محمود: " سألت أبا الحسن الرضا (ع) عن المرأة عليها قميصها أو ازارها يصيبه من بلل الفرح وهي جنب أتصلي فيه؟ قال (ع) إذا اغتسلت صلت فيهما " (* 2)، فانه شامل لصورة كون جنابتها بالوطئ، وانزال الرجل في فرجها، بل هو الغالب. نعم يمكن الاشكال في الدلالة على عدم الانفعال لاحتمال كون زوال العين مطهرا. فالعمدة في إثبات عدم الانفعال ما يأتي من قصور الادلة. وأما الصورة الثالثة: فهي وان كانت داخلة في كلام المعتبر المتقدم لكن لم أعثر على نص فيها. وكأنه لذلك كانت محلا للاشكال، من جهة قاعدة سراية النجاسة إلى الملاقي، ومن أن القاعدة المذكورة ليس عليها دليل لفظي له إطلاق أحوالي يشمل صورة الملاقاة في الداخل، وإنما هي مستفادة من الحكم بالنجاسة في الموارد المتفرقة، التي كلها تكون الملاقاة فيها في الخارج، فالتعدي منها إلى الملاقاة في الداخل لا دليل عليه ظاهر إد لا إجماع عليه. والارتكاز العرفي وان كان يقتضي التعدي، لعدم الفرق عند العرف بين الداخل والخارج. لكنه معارض بالارتكاز الموجب للتعدي من المتكون في الجوف إلى الداخل إليه، ومن الصورة الاولى والثانية. إلى الثالثة، فان التفكيك بينهما خلاف الارتكاز، وبعد تعارض الارتكازين


(* 1) الوسائل باب: 39 من ابواب النجاسات حديث: 1 (* 2) الوسائل باب: 55 من ابواب النجاسات حديث: 1.

[ 286 ]

[ (مسألة 2): لا مانع من بيع البول، والغائط، من مأكول اللحم (1). ] يبنى على الاقتصار على موارد الادلة، ويرجع في غيره إلى أصالة الطهارة. ومقتضى ذلك البناء على عدم نجاسة باطن الانسان وما يتكون فيه من الرطوبات كما سيأتي التعرض له من المصنف في المطهرات. بل لولا ظهور التسالم على الحكم بنجاسة الاعيان النجسة في الداخل، لامكن القول بطهارتها ما لم تخرج، لان أدلة نجاستها لا إطلاق فيها يشمل حال كونها في الداخل. ومن ذلك يظهر الحكم بطهارة السن الصناعي الذي يوضع في الفم بدل السن الطبيعي، عند ملاقاته للدم الذي يخرح من اللثة أو اللهاة. بل لا يبعد الحكم بعدم سراية النجاسة في المتلاقيين إذا كانا معا من الخارج، وكانت الملاقاة في الداخل، كما في السن الصناعي عند المضمضة بالماء المتنجس. وان كان الحكم في هذه الصورة الرابعة أخفى، وحسن الاحتياط فيها وفي الثالثة واضح. (1) أما البول: فلعدم دليل على المنع فيه، فعمومات صحة البيع بلا مخصص. نعم لابد أن يكون مالا عرفا، بحيث يكون مما يتنافس عليه العقلاء، لئلا يكون أكل المال بازائه اكلا للمال بالباطل. ومجرد الطهارة لا يوجب ذلك، بل يتوقف على وجود منفعة معتد بها عند العقلاء، مع عزة الوجود، فلو لم يكن له منفعة أو كان مبذولا - كالماء في شاطئ النهر - لم يجز بيعه. والبول الطاهر بعد كونه مستقذرا عند العرف، لا يكون له منفعة، ولا فيه غرض يوجب التنافس عليه، فلا يكون مالا ولاجل ذلك يشكل جواز بيع بول الابل أيضا وان حكي الاجماع عليه. لكنه غير ظاهر مطلقا. وجواز شربه للاستشفاء لا يوجب ماليته ما لم يكن الداعي إلى شربه عاما. وكذا بول البقر والغنم الذي ورد جواز شربه للتداوي به.

[ 287 ]

[ وأما بيعهما من غير المأكول فلا يجوز (1). نعم يجوز الانتفاع بهما في التسميد ونحوه (2). ] وأما الغائط: فالظاهر كونه مالا عرفا - غالبا - لكثرة الحاجة إليه في الاشعال، والتسميد، ونحوهما من الانتفاعات العامة، فهو من الاموال ولذا جرت السيرة على بذل الاموال الطائلة بازائه، فلا مانع من بيعه من هذه الجهة، والعمومات الدالة على صحة البيع دالة على صحة بيعه. (1) أما البول: فالظاهر أنه لا إشكال في عدم جواز بيعه، وقد نفي الخلاف فيه. ويقتضيه النهي عنه في رواية تحف العقول (* 1). مضافا إلى ما عرفت من عدم كونه مالا عرفا. وأما الغائط: فنقل الاجماع عليه مستفيض. وتقتضيه رواية تحف العقول، وخبر يعقوب بن شعيب: " ثمن العذرة سحت " (* 2). نعم في رواية محمد بن مضارب عن الصادق (ع): لا بأس ببيع العذرة " (* 3) لكنها مهجورة، مخالفة للاجماع، فيتعين طرحها، أو تأويلها. وجمع بينهما بحملها على عذرة غير الانسان، أو على بلاد ينتفع بها فيها. لكنه جمع بلا شاهد. وأما الجمع يحمل الاول على الكراهة، فبعيد جدا عن لفظ السحت. مع أنه موقوف على اجتماع شرائط الحجية في الثانية، وقد عرفت خلافه. (2) ظاهر جماعة كونه من المسلمات، وفي محكي المبسوط: " سرجين ما لا يؤكل لحمه وعذرة الانسان وخرء الكلب لا يجوز بيعها، ويجوز الانتفاع بها في الزروع والكروم وأصول الشجر، بلا خلاف "، وقريب منه ما عن


(* 1) الوسائل باب: 2 من ابواب ما يكتسب به حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 40 من ابواب ما يكتسب به حديث: 1. (* 3) الوسائل باب: 40 من ابواب ما يكتسب به حديث: 3.

[ 288 ]

[ (مسألة 3): إذا لم يعلم كون حيوان معين أنه ماكول اللحم أولا، لا يحكم بنجاسة بوله وروثه (1)، وان كان لا يجوز أكل لحمه بمقتضى الاصل (2). ] غيره. وفي رواية وهب بن وهب عن علي (ع): " انه كان لا يرى بأسا أن تطرح في المزارع العذرة " (* 1). نعم في رواية تحف العقول: (* 2) المنع من جميع التقلبات في النجس. ولعل المراد الانتفاع المحرم، أو ما يدل على عدم المبالاة في الدين كما عن الشيخ الاكبر (ره). والامر سهل بعد عدم ثبوت الجابر لها. وان حكي عن فخر الدين والمقداد دعوى الاجماع على أصالة حرمة الانتفاع بالنجس مطلقا. لكنه غير ظاهر، بل ظاهر كلمات جماعة خلافه. والاستدلال له ببعض الآيات الكريمة والروايات الشريفة أشكل، لقصور الدلالة أو السند. فراحع كلمات شيخنا الاعظم (ره) في مكاسبه. جزاه الله تعالى عن العلم وأهله خير جزاء المحسنين. (1) لاصالة الطهارة. (2) تردد الحيوان بين محلل الاكل ومحرمه (تارة): يكون من جهة الشبهة الحكمية، كأن لا يعلم أن الارنب محرم لاكل أو محلل الاكل (وأخرى): من جهة الشبهة الموضوعية، كأن لا يعلم أن الحيوان الخارجي شاة أو ذئب. وكل منهما (تارة): يعلم بقبوله للتذكية وطهارته على تقدير وقوعها عليه. (وأخرى): لا يعلم ذلك. فهنا مسائل: الاولى: في حكم الحيوان المعلوم عنوانه، كالارنب غير المعلوم كونه محلل الاكل أو محرمه، مع العلم بقبوله للتذكية، فنقول: مقتضى استصحاب الحرمة الثابتة قبل وقوع التذكية عليه إلى ما بعدها هي حرمة أكله. وهو


(* 1) الوسائل باب: 29 من ابواب الاطعمة المحرمة حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 2 من ابواب ما يكتسب به حديث: 1.

[ 289 ]

حاكم أو وارد على أصالة الاباحة. والاشكال على الاستصحاب المذكور من جهة عدم بقاء الموضوع، تارة: لان موضوع الحرمة المعلومة الحيوان، وموضوع الحرمة المشكوكة اللحم، وهما متغايران عرفا. وأخرى: من جهة أن الحرمة الثابتة قبل التذكية موضوعها غير المذكى، والمشكوك ثبوتها بعد التذكية موضوعها المذكى. (مندفع): بأن المعيار في وحدة الموضوع المعتبرة في جريان الاستصحاب الوحدة في نظر العرف، بحيث يصدق الشك في البقاء عرفا، والاختلاف بين الحيوان واللحم لا يوجب التعدد في نظر العرف، ولا ينتفي لاجله صدق الشك في بقاء الحرمة. ولاجل ذلك نقول: لا مانع من جريان استصحاب نجاسة الكلب بعد موته: ولا من استصحاب جملة من أحكام الزوجية بعد موت الزوج أو الزوجة. وبذلك يندفع الاشكال من الجهة الثانية أيضا، ولذا بني على استصحاب نجاسة الماء المتغير بالنجاسة بعد زوال تغيره، واستصحاب حكم الحاضر بعد سفره، وحكم المسافر بعد حضره، وأمثال ذلك. ومثله في الاندفاع الاشكال أيضا: بأن الحرمة الثابته قبل التذكية معلولة لعدم التذكية، والمشكوك ثبوتها بعد التذكية ناشئة من خصوصية في الحيوان، وتعدد العلة يوجب تعدد المعلول عرفا. إذ فيه: المنع من ذلك أيضا، فان البقاء عين الحدوث وجودا. مع أنه قد يختلف معه في العلة، كما في الامور القارة التي يستند بقاؤها إلى استعداد ذاتها، وحدوثها إلى علة أخرى، كالجدار المبني، فان حدوثه بفعل البناء، وبقاؤه باستعداد ذاته، وصدق البقاء فيه من ضروريات العرف. نعم يمكن أن يقال: إن الحرمة الناشئة من الخصوصية الذاتية لما لم تكن في رتبة الحرمة الناشئة من الجهة العرضية - أعني عدم التذكية - لترتب

[ 290 ]

موضوعيهما امتنع أن تكون إحداهما مؤكدة للاخرى، ولا وجود إحداهما بقاء للاخرى، لان البقاء عين الحدوث وجودا، فلا يكون بينهما اختلاف رتبة. وحينئذ فالمعلوم وجودها حال الحياة الحرمة التي موضوعها اللامذكى وهي زائلة قطعا بعد التذكية والمحتمل وجودها بعد التذكية هي الحرمة الثابتة للذات نفسها، وهو وجود آخر يحتمل مقارنته لوجود الحرمة الزائلة وبقاؤه بعد زوالها. فيكون الاستصحاب من قبيل القسم الثالث من أقسام استصحاب الكلي، الذي ليس بحجة على التحقيق. هذا وهذا التقريب يبتني على كون وصف اللامذكى مأخوذا في موضوع الحرمة على نحو الجهة التقييدية عرفا، ووصف التغير في مسألة نجاسة المتغير مأخوذا في موضوع النجاسة على نحو الجهة التعليلية عرفا. ولكنه غير واضح فالبناء على عدم جريان الاستصحاب لاجله غير ظاهر. نعم لا بأس بالرجوع في اثبات الحل إلى عمومات الحل، مثل قوله تعالى: (قل لا أجد فيما أوحي الي محرما..) (* 1) وقوله تعالى: (اليوم أحل لكم الطيبات) (* 2) وقوله تعالى: (يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات) (* 3) ونحوها، الحاكم على الاستصحاب لو سلم جريانه. واستصحاب حكم المخصص في مثله غير جار، لكون التخصيص من أول الامر. كما لا يخفى. المسألة الثانية: في حكم الحيوان المعلوم العنوان مع الشك في حله وحرمته وفي قبوله للتذكية وعدمه، فنقول: لا ينبغي التأمل في أن المستفاد من ملاحظة موارد استعمال لفظ التذكية أنها عبارة عن صفة خاصة تحدث


(* 1) الانعام: 145. (* 2) المائدة: 5. (* 3) المائدة: 4.

[ 291 ]

في الحيوان من أسباب معينة، مثل الذبح الخاص، والنحر كذلك، وغيرهما من الاسباب. وما في القاموس وعن كاشف اللثام: من أنها الذبح. في غير محله، أو ليس على ظاهره. وحينئذ إذا شك في قبول الحيوان للتذكية كان مقتضى الاصل عدمها. وربما يتوهم أنها الطهارة فإذا شك في ثبوتها بعد الموت كان المرجع استصحاب الطهارة الثابتة حال الحياة. إذ فيه: أن التذكية وان كانت هي الطهارة، لكنها طهارة خاصة، ولذا يحكم بطهارة ميتة ما لا نفس له سائلة مع أنها غير ذكية، ويحكم بطهارة الحيوان حال الحياة، وهو غير ذكي، فالمراد من التذكية طهارة خاصة، لا الطهارة مقابل النجاسة التي هي مفاد قاعدة الطهارة. نعم ادعى غير واحد: أن الاصل قابلية كل حيوان للتذكية، بل في " الحدائق: لا خلاف بين الاصحاب (رض) فيما أعلم أن ما عدا الكلب والخنزير والانسان من الحيوانات الطاهرة يقع عليه الذكاة ". وقد استدلوا على ذلك بالآيات والنصوص المتضمنة لحلية ما أمسك الكلاب (* 1)، وما ذكر اسم الله تعالى عليه (* 2) ولحلية ما يصطاد بالسيف أو الرمح أو نحوهما (* 3) وبما دل على حلية كل حيوان إلا ما خرج (* 4). مثل قوله تعالى: (قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما..) (* 5) وما في موثق ابن بكير من قوله (ع): " ذكاه الذابح أو لم يذكه " (* 6).


(* 1) المائدة: 4. وراجع الوسائل باب: 1، 2 من ابواب الصيد (* 2) الانعام: 118، 121، وراجع الوسائل باب: 15 من ابواب الذبائح (* 3) راجع الوسائل باب: 16 من ابواب الصيد. (* 4) راجع الوسائل باب: 1 من ابواب الاطعمة المباحة. (* 5) الانعام: 145. (* 6) الوسائل باب: 2 من ابواب لباس المصلي حديث: 1.

[ 292 ]

لكن الجميع كما ترى. إذ الاول في مقام بيان السبب الذي تكون به التذكية بعد المفروغية عن قابلية الحيوان لها. والثاني مقيد بما دل على اعتبار التذكية في حل الحيوان. مع أن الآية الشريفة قد استثني فيها الميتة وهي غير المذكى، كما يفهم من جملة من النصوص (* 1). وما في الموثق غير ظاهر الدلالة على ذلك، لان عدم تذكية الذابح أعم من عدم القابلية للتذكية، ولا سيما بناء على ما في بعض السنخ من قوله (ع): " ذكاه الذبح " بدل: " ذكاه الذابح "، فان الجمود على العبارة يقتضي أن يكون الذبح موجبا للذكاة تارة، وغير موجب لها أخرى. ومثل ذلك في الاشكال الاستدلال - كما في الجواهر - بصحيح علي ابن يقطين: " سألت أبا الحسن (ع) عن لباس الفراء، والسمور، والفنك والثعالب وجميع الجلود. قال (ع): لا بأس بذلك " (* 2) إذ لو لم تقبل الجلود التذكية كانت ميتة لا يجوز لبسها، ونحوه صحيح الريان بن الصلت (* 3)، إذ فيه: أنه إن ثبت عدم جواز لبس الميتة كان ذلك مخصصا للصحيح المذكور ونحوه بالمذكى، والعام المخصص بمخصص منفصل لا يدل على انتفاء الخاص، واللازم الرجوع إلى الاصل. اللهم إلا أن يقال: إنما لا يجوز التمسك بالعام في الشبهة المصداقية إذا لم يكن بيان المصداق من وظيفة الشارع، وإلا كان العام حجة في الفرد المشكوك، لان دليل التخصيص إنما يعارض العام إذا كان عنوان الخاص منطبقا على عنوان العام، ومقتضى العام عدم الانطباق، لانه يدل بالمطابقة


(* 1) وهي النصوص المقابلة للمذكى بالميتة، كما تعرض - قدس سره - إلى ذلك في التنبيه الاول من تنبيهات البراءة من كتاب حقائق الاصول. (* 2) الوسائل باب: 5 من ابواب لباس المصلي حديث: 1. (* 3) الوسائل باب: 5 من ابواب لباس المصلي حديث: 2.

[ 293 ]

على ثبوت حكم العام في كل فرد، ويدل بالالتزام على نفي عنوان الخاص عن كل فرد. وهذه الدلالة الالتزامية وان لم تكن حجة في إثبات ذلك إذا كان خارجا من وظيفة الشارع، لكنها حجة إذا كان النفي من وظائفه، فان كان الشك في التذكية من جهة الشك في وجود السبب الشرعي يكون المرجع أصالة عدم التذكية، وان كان من جهة وجود القابلية التي من وظائف الشارع بيانها، فالتمسك بعموم الصحيح ونحوه لاثباتها في محله. نعم يختص الصحيح ونحوه بالحيوانات ذوات الجلود، فيبقى غيرها على مقتضى الاصل. نعم يمكن أن يقال: إن الذكاة من المفاهيم العرفية، وهي في الحيوان من الافعال التوليدية التي لها أسباب خاصة عندهم، فاطلاق أدلة أحكام التذكية من الطهارة وحل الاكل وجواز الانتفاع وغيرها ينزل - بمقتضى الاطلاق المقامي - على ما هو عند العرف. فإذا دل دليل على قيد أخذ به، ومع الشك فيه يرجع إلى ما عند العرف، عملا بالاطلاق المقامي، وعلى هذا ما يكون قابلا عند العرف للتذكية محكوم بذلك شرعا، وما علم بعدم قابليته لها عندهم، أو شك فيها، يرجع فيه إلى أصالة عدم التذكية. وهذا نظير ما يقال في مثل: (أحل الله البيع) (* 1) ونحوه من أدلة العقود والايقاعات، من وجوب الحمل على المفاهيم العرفية وأسبابها وشرائطها - ومنها قابلية المحل - فيكون تطبيق العرف حجة ما لم يرد عنه رادع. ويشير إلى ما ذكرنا خبر علي بن أبي حمزة قال: " سألت أبا عبد الله أو أبا الحسن (ع) عن لبس الفراء والصلاة فيها. فقال: لا تصل فيها إلا فيما كان منه ذكيا. قال: قلت: أو ليس الذكي ما ذكي بالحديد؟ قال: بلى، إذا كان مما يؤكل لحمه.. " (* 2). فان ظاهره السؤال


(* 1) البقرة: 275. (* 2) الوسائل باب: 3 من ابواب لباس المصلي حديث: 3.

[ 294 ]

عن صحة حمل المراد على المعنى العرفي، ولزوم العمل على تطبيقهم، وقوله (ع): إذا كان مما.. " ليس لبيان اعتبار المأكولية في مفهوم التذكية، بل لبيان اعتبارها في جواز الصلاة بالمذكى كما يشهد به ما في ذيله. مضافا إلى النصوص. والاجماع على وقوع التذكية على غير مأكول اللحم. هذا ولو بني على أن التذكية عبارة عن الافعال الخاصة من فري الاوداج وغيرها مع القابلية - على أن تكون القابلية جزءا لمفهومها - فلا مجال لجريان أصالة عدمها إذا شك فيها للشك في القابلية، إذ القابلية لم يحرز لعدمها حالة سابقة لانها من لوازم الماهية، فلا يجري فيها أصل العدم، حتى لو بني على جريانه في اثبات العدم الازلي، لاختصاص القول بجريانه بعوارض الوجود، ولا يجري في عوارض الماهية. وكذا الكلام لو قيل: بأن التذكية عبارة عن نفس الافعال الخاصة بشرط القابلية، فانه لو شك في التذكية للشك في القابلية - مع تحقق الافعال الخاصة - لا مجال لجريان أصالة عدم الوجود الخاص، إذ لا شك في الوجود وإنما الشك في الخصوصية، وهي ليست مجرى لاصل العدم. المسألة الثالثة: في حكم الحيوان المشكوك كونه محلل الاكل من جهة الشبهة الموضوعية، لتردده بين عنوانين، أحدهما محلل والآخر محرم. مع العلم بقبوله للتذكية على كل حال. والكلام فيها هو الكلام في المسألة الاولى بعينها. وليس الفرق إلا من جهة عدم جواز التمسك هنا بعموم الحل، لعدم جواز التمسك بالعام في الشبهة المصداقية. ولاجل أنك عرفت عدم وضوح المناقشات في استصحاب الحرمة، فالرجوع إليه في محله. فتأمل. المسألة الرابعة: في حكم الحيوان المردد بين المحلل الاكل كالشاة، والمحرم - كالخنزير - الذي لا يقبل التذكية. والكلام فيها هو الكلام في

[ 295 ]

[ وكذا إذا لم يعلم أن له دما سائلا أم لا (1)، كما أنه إذا شك في شئ أنه من فضلة حلال اللحم أو حرامه (2)، أو شك في أنه من الحيوان الفلاني حتى يكون نجسا، أو من الفلاني ] المسألة الثانية، فيرجع فيه إلى أصالة عدم التذكية المقتضية للحرمة والنجاسة. وكيف كان فالحرمة الثابتة للحيوان بالاستصحاب لا تقتضي نجاسة البول والغائط، لان حرمة الاكل المأخوذة موضوعا للنجاسة، هي ما كانت لخصوصية في الحيوان، والاستصحاب لا يثبتها. وكذا لو ثبتت الحرمة بأصالة عدم التذكية، فان الحرمة لعدم التذكية غير الحرمة المذكورة، كما هو ظاهر. (1) لاصالة الطهارة من دون معارض. نعم في الجواهز: هل يحكم بطهارة فضلته حتى يعلم أنه من ذي النفس، للاصل واستصحاب طهارة الملاقي. أو يتوقف الحكم بالطهارة على الاختبار. لتوقف امتثال الامر بالاجتناب عليه، ولانه كسائر الموضوعات التي علق الشارع عليها احكاما كالصلاة للوقت والقبلة. أو يفرق بين الحكم بطهارته وبين عدم تنجيسه للغير، فلا يحكم بالاول إلا بعد الاختبار، بخلاف الثاني؟ وجوه لم أعثر على تنقيح شئ منها في كلمات الاصحاب. انتهى ملخصا. وفيه: أن وجوب الاجتناب عن النجس لا يقتضى الاحتياط في موارد الشك، كما حرر في محله. والقياس على مثل القبلة الوقت غير ظاهر، لكون الشك فيها شكا في الفراغ، وما نحن فيه شك في التكليف. (2) لما تقدم من جريان أصالة الطهارة فيها. نعم يفترق هذا الفرض عن الفرض الاول، أنه في هذا الفرض لا مجال للرجوع إلى استصحاب الحرمة، أو أصالة الحل، أو غيرهما في نفس الحيوان لانه من الفرد المردد بين معلوم الحل ومعلوم الحرمة، والمردد ليس مجرى للاصول.

[ 296 ]

[ حتى يكون طاهرا، كما إذا رأى شيئا لا يدري أنه بعرة فار أو بعرة خنفساء. ففي جميع هذه الصور يبني على طهارته. (مسألة 4): لا يحكم بنجاسة فضلة الحية، لعدم العلم بأن دمها سائل. نعم حكي عن بعض السادة (1): أن دمها سائل. ويمكن اختلاف الحيات في ذلك. وكذا لا يحكم بنجاسة فضلة التمساح، للشك المذكور، وان حكي عن الشهيد: أن جميع الحيوانات البحرية ليس لها دم سائل إلا التمساح. لكنه غير معلوم. والكلية المذكورة أيضا غير معلومة. الثالث: المني من كل حيوان (2) له دم سائل، ] (1) قد صرح في المعتبر في أحكام البئر: أن الحية دمها سائل، وأن ميتتها نجسة. انتهى. ونسب ذلك إلى المعروف بين الاصحاب، وعن المبسوط دعوى الاجماع على نجاستها بالقتل. وفي المدارك: " إن المتأخرين استبعدوا وجود النفس لها ". (2) إجماعا، حكاه جماعة كثيرة من القدماء والمتأخرين ومتأخريهم، وفي جملة من كلماتهم تقييد معقده بكونه من ذي النفس السائلة، وكأنه لقصور النصوص عن شمول غيره، لانصرافها إلى مني الانسان - كما عن جماعة من الاعيان - بل عن بعض: أنها ظاهرة كالعيان. وإن منعها بعض من تأخر. ولكنه محل نظر، كما يظهر من ملاحظة سياقها، وكون مورد جميعها المني يصيب الثوب، فان عدم الابتلاء بغير مني الانسان يوجب انصرافه إلى مني الانسان. ولا سيما بملاحظة ما في القاموس: من أنه ماء الرجل والمرأة. وما عن الصحاح: من أنه ماء الرجل، فلا يكون ترك الاستفصال فيه مقتضيا للعموم. وأما ما في صحيح محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (ع):

[ 297 ]

[ حراما كان أو حلالا بريا أو بحريا. وأما المذي، والوذي، والودي، فطاهر (1) ] " قال: ذكر المني وشدده وجعله أشد من البول، ثم قال: إن رأيت المني قبل.. " (* 1). فالظاهر منه شدة النجاسة وتأكدها، لاعمومها. ومن ذلك يظهر أن التعدي إلى مطلق ذي النفس مأكولا أو غيره لاجل الاجماع. كما أن الظاهر انعقاده على طهارته من غير ذي النفس، وتردد المحقق في الشرائع والمعتبر غير قادح، لانه اختار فيهما الطهارة بعد ذلك. ولاجل ذلك لا يكون للاهتمام في إثبات عموم النصوص مزيد فائدة. ولاجله أيضا يخرج عن إطلاق موثق عمار عن أبي عبد الله (ع): " كل ما اكل لحمه فلا بأس بما يخرج منه " (* 2)، واطلاق موثق ابن بكير الوارد في جواز الصلاة في كل ما يكون مما يؤكل لحمه أو يخرج منه. (* 3) كما يجب الخروج عما قد يدل على طهارته، كصحيح زرارة: " عن الرجل يجنب في ثوبه أيتجفف فيه من غسله؟ فقال: نعم لا بأس به، إلا أن تكون النطفة فيه رطبة، فان كانت جافة فلا بأس " (* 4). (1) كما هو المعروف، بل لا يعرف الخلاف في ذلك منا، وإنما حكي عن بعض العامة. نعم عن ابن الجنيد القول بنجاسة المذي الذي يخرج عقيب الشهوة. ويشهد له حسن الحسين بن أبي العلاء: " سألت أبا عبد الله (ع) عن المذي يصيب الثوب. قال (ع): ان عرفت مكانه فاغسله، وان خفي عليك مكانه فاغسل الثوب كله " (* 5)، وفي خبره


(* 1) الوسائل باب: 16 من ابواب النجاسات حديث: 2. (* 2) الوسائل باب: 9 من ابواب النجاسات حديث: 12. (* 3) الوسائل باب: 9 من ابواب النجاسات ملحق حديث: 6 (* 4) الوسائل باب: 27 من ابواب النجاسات حديث: 7. (* 5) الوسائل باب: 17 من ابواب النجاسات حديث: 3.

[ 298 ]

[ من كل حيوان إلا نجس العين (1). ] الآخر: " يغسله ولا يتوضأ " (* 1). لكن - مع عدم اختصاصهما بالشهوة واعراض الاصحاب عنهما - يعارضهما كثير من النصوص، كمصحح زرارة عن أبي عبد الله (ع): إن سال من ذكرك شئ من مذي أو وذي، وأنت في الصلاة فلا تغسله، ولا تقطع له الصلاة، ولا تنقض له الوضوء وان بلغ عقبك، فانما ذلك بمنزلة النخامة (* 2)، ونحوه غيره. فيتعين لذلك حملهما على الاستحباب. ويشهد به صحيح محمد عن أحدهما: " سألته عن المذي يصيب الثوب. فقال (ع): بنضحه بالماء إن شاء " (* 3) وحسن الحسين بن أبي العلاء الآخر: " سألت أبا عبد الله (ع) عن المذي يصيب الثوب. قال (ع): لا بأس به. فلما رددنا عليه قال (ع): ينضحه بالماء " (* 4). هذا ويكفي في طهارة الوذي والودي - مضافا إلى الاصل - ظهور الاجماع والاخبار الواردة في البلل المشتبه بالبول (* 5)، ومرسل ابن رباط: وأما الودي فهو الذي يخرج بعد البول، وأما الوذي فهو الذي يخرج من الادواء ولا شئ فيه (* 6). (1) لما دل على نجاسته الظاهر في نجاسة جميع ما يخرج منه.


(* 1) الوسائل باب: 17 من ابواب النجاسات حديث: 4. (* 2) الوسائل باب: 12 من ابواب نواقض الوضوء حديث: 2 ويتضمن ذلك غيره من احاديث الباب. (* 3) الوسائل باب: 17 من ابواب النجاسات حديث: 1. (* 4) الوسائل باب: 17 من ابواب النجاسات حديث: 2. (* 5) راجع الوسائل باب: 13 من ابواب نواقض الوضوء. (* 6) الوسائل باب: 12 من ابواب نواقض الوضوء حديث: 6.

[ 299 ]

[ وكذا رطوبات (1) الفرج، والدبر (2)، ما عدا البول والغائط. الرابع: الميتة من كل ماله دم سائل (3)، حلالا كان أو حراما. ] (1) بلا خلاف ظاهر. ويدل عليه صحيح ابراهيم بن أبي محمود: " سألت أبا الحسن الرضا (ع) عن المرأة عليها قميصها أو ازارها بصيبه من بلل الفرج وهي جنب أتصلي فيه؟ قال (ع): إذا اغتسلت صلت فيهما " (* 1). (2) بلا خلاف ظاهر. ويقتضيه ما في مصحح زرارة المتقدم من قوله (ع): " وكل شئ خرج منك بعد الوضوء فانه من الحبائل، أو من البواسير، وليس بشئ فلا تغسله من ثوبك، إلا أن تقذره " (* 2) (3) إجماعا محصلا ومنقولا في الغنية، والمعتبر، والمنتهى، والذكرى وكشف اللثام، وعن نهاية الاحكام، والتذكرة، وكشف الالتباس وغيرها بل في المعتبر والمنتهى: انه اجماع علماء الاسلام. كذا في الجواهر. ويشهد له طوائف من النصوص (منها): ما ورد في نزح البئر لموت الدابة والفأرة، والطير والحمامة، والحمار، والثور، والجمل والسنور والدجاجة، والشاة ومطلق الميتة (* 3) كصحيح ابن مسلم عن أبي جعفر (ع): " عن البئر تقع فيها الميتة. فقال: إن كان لها ريح نزح منها عشرون دلوا " (* 4) وغيره. نعم قد يشكل ذلك من جهة مادل على عدم انفعال ماء البئر. لكنه يندفع: بأن الروايات المذكورة تدل على انفعاله وعلى نجاسة الميتة، فإذا


(* 1) الوسائل باب: 55 من ابواب النجاسات حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 12 من ابواب نواقض الوضوء حديث: 2. (* 3) راجع الوسائل باب: 14، 15، 17، 18، 19، 21، 22، 23 من أبواب الماء المطلق. (* 4) الوسائل باب: 22 من ابواب الماء المطلق حديث: 1.

[ 300 ]

قام دليل على عدم الانفعال تعين رفع اليد عن إحدى الدلالتين، فتبقى الاخرى على حجيتها، والتلازم بين الدلالتين وجودا لا يوجب التلازم بينهما في الحجية، فان الخبرين المتعارضين مع سقوطهما عن الحجية في المدلول المطابقي باقيان على الحجية في نفي الدليل الثالث. فان قلت إذا قام دليل على وجوب غسل الثوب عند ملاقاة البول - مثلا - وقام دليل آخر على عدم وجوب غسله عند ملاقاة البول، لا يحكم بنجاسة البول لو بني على الاخذ بظاهر الدليل الثاني، فما الفرق بينه وبين المقام؟! (قلت): الفرق أن التفكيك بين نجاسة البول ونجاسة الثوب ممتنع عرفا فانتفاء أحد المدلولين يلازمه انتفاء الآخر، فيكون التعارض في الدلالتين الالتزاميتين، وليس كذلك في مثل ماء البئر، فان دليل طهارته عند ملاقاة النجاسة إنما يدل على اعتصامه في نفسه من تأثير النجاسة فيه، فلا يدل بالالتزام على طهارة الشئ الواقع في البئر، كي يقع التعارض بين الدلالتين. نعم قد يشكل الاستدلال المذكور بعدم ظهور أوامر النزح في كونه مطهرا، لان مطهرية النزح ليست موافقة للارتكاز العرفي، فدلالة النصوص على نجاسة الماء من هذه الجهة لا تكون ظاهرة كي تلازمها الدلالة على نجاسة الميتة. فتأمل جيدا. ومنها: ما ورد في السمن، أو العسل، أو الطعام، أو الشراب، تموت فيه الفأرة، أو الجرذ، أو الدابة، أو تقع فيه الميتة، من الامر بالقائها وما يليها ان كان جامدا، والاستصباح به ان كان ذائبا. وفي المرق: من الامر باهراقه وغسل اللحم. فلاحظ صحاح معاوية بن وهب، وزرارة ابن أعين، والحلبي، وسعيد الاعرج، وموثق سماعة، وغيرها (* 1).


(* 1) راجع الوسائل باب: 43 من ابواب الاطعمة المحرمة. وقد ذكر بعضها في باب: 5 من ابواب الماء المضاف، وبعضها في باب: 35 من ابواب النجاسات. وباب: 6 من ابواب ما يكتسب به. -

[ 301 ]

ومنها: ما ورد في الماء القليل تكون فيه الفأرة الميتة، من الامر بغسل الثوب منه واعادة الوضوء (* 1). وفي الجرذ يموت في الاناء، من الامر بغسله (* 2)، وما ورد في الماء تكون فيه الجيفة، من الامر بالوضوء من الجانب الآخر (* 3)، والنهي عن الشرب والوضوء إذا غلب ريحها على ريح الماء (* 4). اللهم إلا أن يقال: إن كان المراد مطلق الجيفة كان موضوع الحكم الجيفة لا الميتة، وبينهما عموم من وجه، وان أريد جيفة مخصوصة امتنع الاستدلال بذلك على ما نحن فيه، لامكان اختصاصه بجيفة نجس العين. وفيه: أن الحمل على نجس العين بعيد، فانه خلاف إطلاق النصوص، ولا سيما مع ندرة جيفة نجس العين. والجمود على معنى الجيفة وان كان يقتضي العموم للمذكى، لكن الداعي إلى تذكية الحيوان داع إلى الانتفاع به، وعدم وضعه في الماء كي يصير جيفة، كما لا يخفى. فالجيفة منصرفة في النصوص إلى الميت من الحيوان. ومنها: ما ورد في أهل الكتاب، من النهي عن الاكل في آنيتهم إذا كانوا يأكلون فيها الميتة والدم ولحم الخنزير، كما في صحيح ابن مسلم (* 5) ومنها: ما ورد في الثوب تصيبه أغماد السيوف المعمولة من جلود


= وتعثر على أمثالها في نفس الابواب. (* 1) الوسائل باب: 4 من ابواب الماء المطلق حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 53 من ابواب النجاسات حديث: 1. (* 3) الوسائل باب: 9 من ابواب الماء المطلق حديث: 11، 13. (* 4) الوسائل باب: 3 من ابواب الماء المطلق حديث: 1 وربما تضمن ذلك بعض الاخبار الاخر في الباب وغيره. (* 5) الوسائل باب: 54 من ابواب الاطعمة المحرمة حديث: 6.

[ 302 ]

الحمر الميتة، من الامر باتخاذ غيره للصلاة (* 1). وما ورد فيما لا نفس له سائلة، من قول الصادق (ع) في موثق عمار لما سأله عن الخنفساء والذباب والجراد والنملة وما أشبه ذلك يموت في البئر والسمن وشبهه. قال (ع): " كل ما ليس له دم فلا بأس " (* 2). فتأمل. وقول أبي جعفر (ع): " لا يفسد الماء إلا ما كانت له نفس سائلة " (* 3). ومنها: ما ورد في الاستصباح باليات الغنم المقطوعة، من قول أبي الحسن (ع): " أما علمت أنه يصيب اليد والثوب وهو حرام " (* 4). ومنها: ما ورد فيما لا تحله الحياة المأخوذ من الميتة، من قول أبي عبد الله (ع): لزرارة ومحمد: " وإن أخذته منه بعد أن يموت فاغسله وصل فيه " (* 5). وحمل الغسل على أنه لازالة الاجزاء الملتصقة خلاف الظاهر من الامر بالغسل تعيينا. وما في رواية تحف العقول: من قول الصادق (ع): " والبيع للميتة، أو الدم، أو لحم الخنزير، أو لحوم السباع من صنوف سباع الوحش والطير، أو جلودها، أو الخمر، أو شئ من وجوه النجس " (* 6). وما في رواية جابر في فارة وقعت في خابية فيها سمن أو زيت. قال أبو جعفر (ع): " لا تأكله. فقال له الرجل: الفأرة أهون علي من أن أترك طعامي من أجلها. فقال له أبو جعفر (ع) إنك لم تستخف بالفأرة إنما استخففت بدينك، إن الله تعالى حرم الميتة


(* 1) الوسائل باب: 34 من ابواب النجاسات حديث: 4. (* 2) الوسائل باب: 35 من ابواب النجاسات حديث: 1. (* 3) الوسائل باب: 35 من ابواب النجاسات حديث: 2. (* 4) الوسائل باب: 30 من ابواب الذبائح حديث: 2. (* 5) الوسائل باب: 33 من ابواب الاطعمة المحرمة حديث: 3. (* 6) الوسائل باب: 2 من ابواب ما يكتسب به حديث: 1.

[ 303 ]

من كل شئ " (* 1). والمناقشة في جميع ذلك في غير محلها. ولاسيما وقد عد الحكم بالنجاسة عداد الضروريات الدينية، فضلا عن الضروريات المذهبية، وضروريات الفقه. ومن هنا أنكر جماعة من الاساطين على السيد في المدارك لما استشكل في النجاسة. إذ لم يجد عليها نصا يعتد به ولا اجماعا محققا عليها. ولان الصدوق (ره) روى مرسلا في الفقيه عن الصادق (ع): " سئل عن جلود الميتة يجعل فيها اللبن والماء والسمن ما ترى فيه. فقال (ع): لا بأس بأن تجعل فيها ما شئت من ماء أو لبن أو سمن وتتوضأ منه وتشرب، ولكن لا تصل فيها " (* 2). ومقتضى ما ذكره في صدر كتابه من أنه لا يورد فيه إلا ما يفتي به ويكون حجة بينه وبين ربه، أنه يفتي بطهارة جلد الميتة. إذ فيه (أولا): عدم تأتي المناقشات في جميع ما عرفت من النصوص التي فيها الصحيح والموثق ومعتبر الاسناد في نفسه، المعول عليه عند الاصحاب. (وثانيا): أنك عرفت حكاية الاجماعات الكثيرة على النجاسة المقبولة عند جميع الاصحاب، فان الاجماع المنقول إذا كان مقبولا عند الاصحاب يخرج عن كونه منقولا ويكون متواترا، فكيف بالاجماعات الكثيرة إذا كانت مقبولة عند الطائفة؟! بل عرفت دعوى الضرورة على النجاسة من بعضهم وايراد الصدوق (ره) للمرسل في كتابه لا يدل على اعتقاده بمضمونه، لانه عدل عما ذكر في صدر كتابه، كما عن المجلسي (ره). وان كان يشكل ذلك: بأن الواجب التنبيه منه على ذلك، لئلا يكون تدليسا وهو بعيد عن مقامه الاقدس. مع أن حصول البداء له في ذلك مستبعد جدا، ولا سيما بالنسبة إلى هذه الرواية المذكورة في أوائل الكتاب. فالاولى حمل المرسل


(* 1) الوسائل باب: 5 من ابواب الماء المطلق حديث: 2. (* 2) الوسائل باب: 34 من ابواب النجاسات حديث: 5.

[ 304 ]

المذكور على ميتة ما لا نفس له سائلة لقرينة على ذلك اعتقدها الصدوق، فاورده في سلك الاخبار التي يجوز التعويل عليها. فلاحظ، وتأمل. هذا كله في ميتة غير الآدمي من ذي النفس السائلة. أما ميتة الآدمي فالاجماعات المتقدمة محكية على نجاستها أيضا. ويشهد لها صحيح ابن مبمون: " سألت أبا عبد الله (ع): عن رجل يقع ثوبه على جسد الميت. قال (ع): إن كان غسل الميت فلا تغسل ما أصاب ثوبك منه، وان كان لم يغسل فاغسل ما أصاب ثوبك منه. يعنى: إذا برد الميت " (* 1). وصحيح الحلي عنه (ع): " عن الرجل يصيب ثوبه جسد الميت. قال (ع): يغسل ما أصاب الثوب " (* 2) والتوقيع في إمام حدثت عليه حادثة، قال: " ليس على من مسه إلا غسل اليد " (* 3)، ونحوه الآخر بتفاوت لا يضر في المقصود (* 4). وما في موثقة عمار، من الامر بنزح سبعين دلوا لموت الانسان في البئر (* 5). هذا والظاهر من الامر بغسل الثوب واليد في التوقيع هو النجاسة بالمعنى المعروف. وظاهر محكي المفاتيح أن النجاسة هنا بمعنى الخبائة، فلا تسري إلى الملاقي. وأن المراد من غسل الثوب غسل ما لصق به من رطوبة الميت وقذارته. ولكنه - كما ترى - خلاف الظاهر. واستدلاله: بأن الميت لو كان نجس العين لم يطهر بالتغسيل اجتهاد في مقابلة النص، كما في الجواهر.


(* 1) الوسائل باب: 34 من ابواب النجاسات حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 34 من ابواب النجاسات حديث: 2. (* 3) الوسائل باب: 3 من ابواب غسل المس حديث: 4. (* 4) الوسائل باب: 3 من ابواب غسل المس حديث: 5. (* 5) الوسائل باب: 21 من ابواب الماء المطلق حديث: 2.

[ 305 ]

[ وكذا أجزاؤها المبانة منها (1)، وان كانت صغارا (2) عدا ما لا تحله الحياة منها (3) كالصوف، والشعر، والوبر، ] (1) بلا خلاف يعرف، وعن المدارك: أنه مقطوع به في كلام الاصحاب، وقريب منه ما عن غيره. لظهور الادلة في ثبوت النجاسة للاجزاء بلا دخل للاتصال فيها، ومن ذلك يظهر ضعف ما في المدارك، من أن الادلة دلت على نجاسة الميتة، وهي لا تصدق على الاجزاء قطعا. نعم يمكن القول بنجاسة القطعة المبانة من الميت استصحابا لحكمها حال الاتصال. ولا يخفى ما فيه. انتهى والاشكال على الاستصحاب غير ظاهر، لوحدة الموضوع عرفا. ولذا لم يوافقه في ذلك أحد إلا بعض تلامذته. مع أنه لم يلتزم به في غير المقام، فان المحكي عنه القول بنجاسة أجزاء الكلب المنفصلة، لنفس أدلة نجاسة الكلب. مضافا إلى تعليل جواز الصلاة في صوف الميتة: بأنه ليس فيه روح، كما في صحيح الحلبي (* 1). وتعليل طهارة الانفحة: بأنها ليس لها عرق ولا فيها دم ولا لها عظم، كما في خبر الثمالي (* 2). بل نصوص استثناء ما لا تحله الحياة ظاهرة في خصوصية له يمتاز بها عن بقية الاجزاء، كما لا يخفى. (2) لعدم الفرق في استفادة الحكم من الادلة بين الصغير والكبير. (3) بلا خلاف فيه، بل حكي الاتفاق عليه. وفي صحيح صفوان عن الحسين بن زرارة: " قال أبو عبد الله (ع): العظم والشعر والصوف والريش، كل ذلك نابت لا يكون ميتا " (* 3). وفي صحيح حريز: " قال أبو عبد الله (ع) لزرارة ومحمد: اللبن واللبا والبيضة والشعر والصوف والقرن


(* 1) الوسائل باب: 68 من ابواب النجاسات حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 33 من ابواب الاطعمة المحرمة حديث: 1. (* 3) الوسائل باب: 33 من ابواب الاطعمة المحرمة حديث: 12.

[ 306 ]

[ والعظم، والقرن، والمنقار، والظفر والمخلب والريش، والظلف، والسن، والبيضة إذا اكتست القشر الاعلى (1) ] والناب والحافر وكل شئ يفصل من الشاة والدابة فهو ذكي. وان أخذته منه بعد أن يموت فاغسله وصل فيه " (. 1). وصحيح زرارة، وفيه: " قلت: والصوف والشعر وعظام الفيل والجلد والبيض يخرج من الدجاجة فقال (ع): كل هذا لا بأس به " (* 2). ومرسل الفقيه: " قال الصادق (ع): عشرة أشياء من الميتة ذكية: القرن والحافر والعظم والسن والانفحة واللبن والشعر والصوف والريش والبيض " (* 3) وفي رواية الفتح بن يزيد (* 4)، أيضا ذكر القرن فيها. وفي رواية محمد بن جمهور ذكر الظفر والمخلب فيها (* 5). ولم أعثر على ذكر المنقار بالخصوص. لكن يستفاد حكمه من العموم في صحيح حريز، ومن التعليل في صحيح الحلبي وخبر الثمالي المتقدمة. (1) باتفاق كما قيل وان اختلف في التعبير عنه بما في المتن، وبالقشر الصلب وبالجلد الفوقاني، وبالجلد الغليظ، وهو المذكور في رواية غياث عن أبي عبد الله (ع): " في بيضة خرجت من أست دجاجة ميتة. قال (ع): إن كانت اكتست البيضة الجلد الغليظ فلا بأس بها " (* 6). وبها يقيد اطلاق غيرها. وضعف السند منجبر بالعمل. وعليه فلا وجه لاعتبار الصلابة. إلا أن يكون المراد بها الغلظ.


(* 1) الوسائل باب: 33 من ابواب الاطعمة المحرمة حديث: 3. (* 2) الوسائل باب: 33 من ابواب الاطعمة المحرمة ملحق حديث: 9. (* 3) الوسائل باب: 33 من ابواب الاطعمة المحرمة حديث: 8. (* 4) الوسائل باب: 33 من ابواب الاطعمة المحرمة حديث: 6. (* 5) الوسائل باب: 31 من ابواب الاطعمة المحرمة حديث: 17. (* 6) الوسائل باب: 33 من ابواب الاطعمة المحرمة حديث: 5.

[ 307 ]

[ سواء كانت من الحيوان الحلال أو الحرام (1)، وسواء أخذ ذلك بجز أو نتف أو غيرهما (2). نعم يجب غسل المنتوف من ] (1) خلافا للعلامة (ره) في المنتهى ومحكي النهاية، فقد أفتى بنجاسة بيض ما لا يؤكل لحمه. وفي المدارك: " هو مطالب بدليله "، وفي الجواهر: لم نعرف له دليلا ولا موافقا، كما اعترف بذلك بعض من تأخر عنه. " أقول: كأن وجهه ما في جملة من النصوص من التنصيص على جواز الاكل، المختص بمأكول اللحم، فيحمل غيره عليه. ولكنه غير واضح، لعدم التنافي الموجب لحمل المطلق على المقيد. (2) خلافا للشيخ في محكي النهاية، فخص الطهارة بالجز. وكأنه لان أصولها المتصلة باللحم من جملة أجزاء الميتة، ولا دليل على استثنائها. لعدم كونها شعرا أو صوفا أو غيرهما. ولما في رواية الفتح بن يزيد الجرجاني: " وكل ما كان من السخال الصوف إن جز، والشعر، والوبر، والانفحة، والقرن، ولا يتعدى إلى غيرها " (* 1). وفيه: أنه لو سلم عدم صدق الشعر - مثلا - كفى في استثنائه ما في صحيح حريز من قوله (ع) " وكل شئ يفصل.. "، لصدق ذلك عليه. وكذا التعليل في صحيح الحلبي وخبر الثمالي المتقدمين. وأما رواية الجرجاني فمع أنها ضعيفة السند، وأنها لا تخلو من اضطراب، لعدم ظهور خبر قوله (ع): " كل ما كان.. " مختصة بالصوف، ولا يخلو ما فيها من التخصيص بالسخال، ومن عدم التعدي عن الامور المذكورة فيها من الاشكال. ولعل مراد الشيخ (ره) عدم الانتفاع بالمنتوف إلا بعد غسله، كما تقدم في صحيح حريز. ولا بأس به حينئذ. عملا بالدليل، كما ذكر في المتن.


(* 1) الوسائل باب: 33 من ابواب الاطعمة المحرمة حديث: 6.

[ 308 ]

[ رطوبات الميتة. ويلحق بالمذكورات الانفخة (1)، ] (1) بكسر الهمزة وتشديد الحاء وقد تخفف، وبكسر الفاء وقد تفتح. حكى جماعة الاجماع على طهارتها. ونفى الخلاف فيها آخرون، وانما نقلوا الخلاف عن الشافعي وأحمد، كما عن الذخيرة. ويشهد لذلك جملة من النصوص، كصحيح زرارة عن أبي عبد الله (ع): " سألته عن الانفحة تخرج من الجدي الميت. قال (ع): لا بأس به. قلت: اللبن يكون في ضرع الشاة وقد ماتت قال (ع): لا بأس به " (* 1)، ونحوه فيما تضمنه من طهارة الانفحة خبر أبي حمزة (* 2) - معللا: بأن الانفحة ليس لها عروق ولا فيها دم ولا لها عظم - وخبر يونس عنهم (ع) (* 3)، وخبر الفتح بن يزيد (* 4)، وموثق ابن بكير عن الحسين بن زرارة (* 5)، ومرسل الصدوق (* 6)، وقد تقدم بعضها. هذا والمصرح به في كلام جماعة - منهم العلامة (ره) في القواعد -: أن الانفحة لبن مستحيل في جوف السخلة، كما لعله ظاهر رواية الثمالي، وفي كشف اللثام: أنه المعروف. وعن السرائر وغيرها: أنها كرش الحمل أو الجدي ما لم يأكل فإذا اكل فهي كرش. وظاهره أنها اسم للظرف لا للمظروف. وكلمات اللغويين لا تخلو من اضطراب، فعن الصحاح عن أبي زيد وعن غيره: انها كرش الحمل. وفي القاموس: والانفحة..


(* 1) الوسائل باب: 33 من ابواب الاطعمة المحرمة حديث: 9. (* 2) الوسائل باب: 33 من ابواب الاطعمة المحرمة حديث: 1. (* 3) الوسائل باب: 33 من ابواب الاطعمة المحرمة حديث: 2. (* 4) الوسائل باب: 33 من أبواب الاطعمة المحرمة حديث: 6. (* 5) الوسائل باب: 33 من ابواب الاطعمة المحرمة حديث: 4. (* 6) الوسائل باب: 33 من ابواب الاطعمة المحرمة حديث: 8.

[ 309 ]

شئ يستخرج من بطن الراضع أصفر، فيعصر في صوفة مبتلة، فيغلظ كالجبن. فإذا اكل الجدي فهو كرش. وتفسير الجوهري الانفحة بالكرش سهو " وقال في مادة (كرش): " واستكرشت الانفحة صارت كرشا، وذلك إذا رعى الجدي النبات ". وصريحه - كظاهر محكي المغرب - وقوع الخلاف في معناه، وأنه الكرش أو ما يكون فيه. وقوى في الجواهر اتحاد التفسيرين: بأن يراد بالشئ الاصفر في التفسير الاول هو ما يصير كرشا للجدي بعد أن يأكل فهو قبل اكله أنفحة، وبعده كرش. واستشهد على ما ذكر بما تقدم عن المغرب. لكنه يشكل: بأن ما عن المغرب ظاهر في وقوع الخلاف في معناه، كما عرفت. مع أن ظاهر التفسير الاول أنه المظروف، وليس هو ما يكون كرشا، فان الكرش - كما عرفت - نفس الظرف. ولذا قال في المدارك: " إن الاول أولى، إقتصارا على موضع الوفاق وان كان طهارة نفس الكرش غير بعيدة، تمسكا بمقتضى الاصل ". والظاهر أن مراده من كون الاول موضع الوفاق أن طهارته موضع وفاق، لانه على تقدير كون الانفحة هي الكرش، فالمراد من طهارتها طهارتها بما فيها، لا أنه موضع وفاق من المفسرين، كي يتوجه عليه أنه لا وفاق بعد تباين التفسيرين. وعلى هذا فما ذكره (قده) في محله، لان إجمال الادلة الناشئ من اختلاف الفقهاء واللغويين في معنى الكلمة يوجب الاقتصار على المتيقن في الخروج عن عموم نجاسة الميتة، ضرورة أن الكرش جزء منها. ومن ذلك يشكل ما ذكره أخيرا - في المدارك - في المدارك - من طهارة الكرش عملا بالاصل. فانه لا مجال للاصل مع الدليل. هذا ولو كانت هي اللبن المائع فهي طاهرة ذاتا وعرضا، كما يقتضيه ظاهر النصوص. أما لو كانت هي الظرف فظاهر النصوص طهارتها ذاتا

[ 310 ]

[ وكذا اللبن في الضرع (1)، ولا ينجس بملاقاة الضرع النجس، لكن الاحوط في اللبن الاجتناب، خصوصا إذا كان ] في قبال أجزاء الميتة، فلا ينافي ذلك نجاسة بعض سطوحها بملاقاة رطوبة الميتة، كما هو ظاهر ما تقدم في الصوف والشعر. ثم إن صريح ما تقدم عن الفقهاء واللغويين في معنى الانفحة اختصاصها بما قبل الاكل. لكن في الذكرى: " والانفحة طاهرة من الميتة والمذبوحة وان اكلت السخلة ". وهو مشكل. إلا أن يرجع القيد إلى المذبوحة، أو يريد الاكل اليسير الذي يعتد به، كما في الجواهر. وعليه فلو شك في مقداره بنحو الشبهة المفهومية كان اللازم البناء على النجاسة، لعموم نجاسة الميتة، واستصحاب الطهارة لا يدافع العموم، إذ ليس هذا من موارد العمل باستصحاب حكم الخاص، لكون التخصيص من أول الامر. وأما استصحاب كونها أنفحة فهو من الاستصحاب الجاري في المفهوم المردد، وليس هو بحجة. ولو كان الشك بنحو الشبهة الموضوعية فاستصحاب الموضوع - أعني كونها أنفحة - في محله، فيترتب عليها حكمها وهو الطهارة. (1) على المشهور، كما عن البيان واللمعة، بل عن الخلاف نقل الاجماع عليه. وهو المحكي عن الصدوق، والشيخين، والقاضي، وابن زهرة. والطوسي والشهيدين في الدروس. والمسالك، والروضة، وغيرهم. ويشهد له مصحح حريز المتقدم فيما لا تحله الحياة، وصحيح زرارة المتقدم في الانفحة، وموثق ابن بكير عن الحسين بن زرارة، ومرسل الصدوق المتقدمان، ونحوه مسنده في الخصال إلى ابن أبي عمير مرفوعا إلى الصادق (ع) (* 1).


(* 1) الخصال ابواب العشرة صفحة: 53 جزء 2 الطبعة القديمة. ويشير إليه في الوسائل باب: 33 من ابواب الاطعمة المحرمة ملحق حديث: 8.

[ 311 ]

[ من غير مأكول اللحم. ولابد من غسل ظاهر الانفحة الملاقي للميتة (1) ] وعن جماعة: القول بالنجاسة، بل عن السرائر نسبته إلى المحصلين، وان ناقشه الآبي في كشف الرموز - على ما حكي -: بأن الشيخين مخالفان، والمرتضى واتباعه غير ناطقين، فما أعرف من بقي معه من المحصلين. انتهى. نعم في المنتهى وعن جامع المقاصد: أنه المشهور. وعن غايه المرام: أنه مذهب المتأخرين. وليس له وجه ظاهر غير قاعدة نجاسة ملاقي النجس. وخبر وهب: " إن عليا (ع) سئل عن شاة ماتت فحلب منها لبن. فقال (ع): ذلك الحرام محضا " (* 1). ومكاتبة الجرجاني المتقدمة في حكم النتف. والجميع محل تأمل. إذ لا مجال للقواعد العامة مع وجود المخصص. ولا سيما مع ملاحظة كون الملاقاة في الداخل. فتأمل. ولضعف الخبر سندا. ولما عرفت سابقا من وجوه الاشكال في المكاتبة. فإذا لا مانع من تخصيص القاعدة بما عرفت من النصوص، كتخصيصها في غير اللبن قطعا. ثم إن نصوص الطهارة بعضها خاص بالمأكول، وبعضها مطلق، والعمل بالاخير متعين، إذ لا تنافي بينهما لكونهما مثبتين. إلا أن يدعى الانصراف إلى المأكول. ولكنه بدوي، وان كان لازم تخصيص البيض بالمأكول تخصيصه هنا. نعم قد يتأمل في إطلاق الميتة على ميت الانسان، فانه يقال له: ميت وميتة - بالتشديد - وعليه فيشكل عموم النصوص له. ولكنه خلاف المتسالم عليه، فلا يبعد إذا العموم، ولو لاجل بعض التعليلات والمناسبات العرفية الموجبة لالغاء خصوصية المورد. فتأمل جيدا. (1) هذا بناء على أنها الجلد، إذ لو كانت هي اللبن فقد عرفت أن ظاهر كلماتهم أنه مائع، وظاهر الادلة طهارته عرضا كطهارته ذاتا. نعم


(* 1) الوسائل باب: 33 من ابواب الاطعمة المحرمة حديث: 10.

[ 312 ]

[ هذا في ميتة غير نجس العين، وأما فيها فلا يستثنى شئ (1). (مسألة 1): الاجزاء المبانة من الحي مما تحله الحياة كالمبانة من الميتة (2) ] لو كان جامدا - كما يتفق كثيرا - فلا يبعد طهارته أيضا بلا حاجة إلى تطهيره، لاتحاد ظاهر النصوص في الجميع، وهو الطهارة العرضية. (1) لان ظاهر النصوص الاستثناء من نجاسة الميتة، لا من النجاسة الذاتية. (2) بلا خلاف ظاهر، وفي المدارك: " انه مقطوع به في كلام الاصحاب " ويشهد له النصوص الواردة في باب الصيد، المتضمنة أن ما قطعت الحبالة فهو ميتة، كصحيح محمد بن قيس عن أبي جعفر (ع): " قال أمير المؤمنين (ع): ما أخذت الحبالة من صيد فقطعت منه يدا أو رجلا فذروه، فانه ميت، وكلوا مما أدركتم حيا وذكرتم اسم الله عليه " (* 1)، ونحوه غيره. والمناقشة في دلالتها: بأنه إن كان المراد أنها ميتة حكما فالمتبادر من التشبيه إرادة حرمة الاكل، وان كان المراد أنها ميتة حقيقة فدلالتها على النجاسة تتوقف على وجود دليل عام يعم المورد، وهو غير ثابت. مندفعة: بأن حمل التنزيل على ملاحظة خصوص الحرمة دون النجاسة خلاف إطلاق دليله، كما لا يخفى، فان النجاسة ليست من الاحكام الخفية، كي يدعى انصراف لسان التنزيل عنها. ومن ذلك يظهر أنه لو بني على ارادة بيان الفرد الحقيقي يتعين البناء على عموم الحكم له ولو كان دليل الحكم قاصر الشمول له، لان بيان الافراد الحقيقية ليس من وظيفة الشارع، فتعرضه لذلك إنما يكون لاجل تعميم الحكم وليس الحال كما لو علم بفردية فرد له لا من قبل الشارع، فانه لا يعمه


(* 1) الوسائل باب: 24 من أبواب الصيد حديث: 1 وفي الباب أحاديث أخر تتضمن ذلك.

[ 313 ]

الحكم إلا إذا كان الدليل في نفسه عاما له، فبيان الشارع للفرد الحقيقي كبيانه الفرد التنزيلي يقتضي عموم الحكم له ولو كان الدليل قاصرا عن اثباته ذلك. ومن ذلك تعرف ما في كلمات المقدس الفقيه الهمداني (قده) في مصباحه من النظر. وأشكل من ذلك ما ذكره من الفرق بين النصوص المذكورة والنصوص الواردة في باب الاطعمة في أليات الغنم (* 1)، وأن هذه النصوص لا قصور في دلالتها على النجاسة بخلاف النصوص الاول، لما تقدم فانه لم يتضح الفرق المذكور مع وحدة لسان الجميع، ففي رواية أبي بصير عن أبي عبد الله (ع): " أنه قال (ع): في أليات الضأن تقطع وهي أحياء: إنها ميتة (* 2) ونحوها غيرها فلاحظ. هذا في العضو المقطوع من غير الآدمي. وأما المقطوع منه: فيدل على نجاسته - مضافا إلى الاتفاق ونفي الخلاف المحكيين - مرسلة أيوب بن نوح عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله (ع): " إذا قطع من الرجل قطعة فهي ميتة، فإذا مسها إنسان فكل ما كان فيه عظم فقد وجب على من يمسه الغسل، فان لم يكن فيه عظم فلا غسل عليه " (* 3). وضعف السند منجبر بالعمل. والظاهر عدم الفرق بين ما خرجت منه الروح قبل القطع وبعده. ودعوى: الانصراف إلى الثاني ممنوعة. فعضو المشلول إذا مات قبل الانفصال ثم انفصل نجس. ثم إنه قد يستدل على الحكم المذكور بصدق الميتة على العضو المقطوع، كما في المنتهى. وفيه: أنه غير واضح فان الميتة - عرفا - نفس الحيوان ذي الاعضاء فلا تصدق على كل عضو في نفسه.


(* 1) راجع الوسائل باب: 30 من ابواب الذبائح. (* 2) الوسائل باب: 62 من أبواب النجاسات حديث: 1. (* 3) الوسائل باب: 2 من ابواب غسل المس حديث: 1.

[ 314 ]

[ إلا الاجزاء الصغار (1)، كالثالول والبثور، وكالجلدة التي تنفصل من الشفة، أو من بدن الاجرب عند الحك، ونحو ذلك. ] (1) فقد حكي الاجماع على طهارتها، وعن الحدائق: " الظاهر أنه لا خلاف فيها ". والعمدة فيه انصراف النصوص إلى ما يعد جزءا من البدن عرفا وليست هي كذلك، فانها بمنزلة الاوساخ المتولدة فيه. مضافا إلى دعوى السيرة على معاملتها معاملة الطاهر، وإلى لزوم الحرج لولا ذلك. وقد يستدل له تارة: بانصراف النصوص إلى الجزء الكبير، ولكنه - كما ترى - انصراف بدوي لا يعول عليه في رفع اليد عن الاطلاق ولذا كان بناء الاصحاب على عدم الفرق بين الجزء الكبير من اللحم والصغير. وأخرى: بصحيح ابن جعفر (ع): " عن الرجل يكون به الثالول والجرح، هل يصلح له أن يقطع الثالول وهو في صلاته، أو ينتف بعض لحمه من ذلك الجرح ويطرحه؟ قال (ع): ان لم يتخوف أن يسيل الدم فلا بأس، وان تخوف أن يسيل الدم فلا يفعل " (* 1). ويشكل: بأن قطع الثالول لا يستلزم حمله آناما في الصلاة ولا مسه برطوبة، وليس فيه إطلاق يشمل ذلك، لوروده لبيان قادحية الفعل المذكور في الصلاة لا غير. اللهم إلا أن يكون تعرض الامام (ع) لسيلان الدم قرينة على كونه (ع) في مقام بيان الجواز من جميع الجهات التى هي في معرض الابتلاء، ومنها نجاسة الجزء الموجبة لنجاسة اليد المماسة له مع الرطوبة. ولذلك استحسن شيخنا الاعظم (ره) الاستدلال به على المقام، كما عن نهاية الاحكام والمعالم ولاجل ذلك يظهر وجه طهارة الثالول وإلا فالوجوه المتقدمة غير جارية فيه لعدم الانصراف عن مثله من الاجزاء الصغيرة اللحمية ولم تثبت سيرة وفيه، ولا حرج يقتضي طهارته فلاحظ.


(* 1) الوسائل باب: 63 من ابواب النجاسات حديث: 1.

[ 315 ]

[ (مسألة 2): فأرة المسك المبانة من الحي طاهرة على الاقوى (1)، ] (1) مسك الفارة - على ما ذكر جماعة - دم يجتمع في أطراف سرة الضبي ثم يعرض للموضع حكة يسقط بسبها الدم مع جلدة هي وعاء له. وهذه الجلدة هي فارة المسك. فان كان الظبي مذكى فلا إشكال ولا خلاف في طهارتها. أما إذا لم يكن مذكى، حيا كان حين سقطت منه أو ميتا فقد اختلف الاصحاب في طهارتها ونجاستها، فالمعروف المشهور الطهارة مطلقا، وفي كشف اللثام: أنها نجسة مطلقا. وفي المنتهى: الطهارة إذا انفصلت عن الحي والاقرب النجاسة إذا انفصلت من الميت. وكأن الوجه في الطهارة - على ما يظهر من كلماتهم - أحد الوجوه: إما عدم كونها جزءا من الظبي، أو عدم كونها مما تحله الحياة، أو الاجماع والنص (* 1) على طهارة المسك الدال على طهارة الجلدة بالالتزام، أو الاجماع المدعى على طهارتها - كما عن ظاهر التذكرة والذكرى - أو صحيح علي ابن جعفر (ع) عن أخيه (ع): " سألته عن فأرة المسك تكون مع من يصلي وهي في جيبه أو ثيابه. فقال (ع): لا بأس بذلك (* 2). والجميع لا يخلو من إشكال. إذ الاول ينافيه اتصالها بالبدن. وكذلك الثاني، فان الجلد مما تحله الحياة، غاية الامر أنها طرأ عليها الموت، فكيف تكون مما لا تحله الحياة؟!. وكذلك الثالث، لامكان عدم سراية نجاستها إلى المسك، لعدم الرطوبة المسرية، من جهة انجماد الدم حين صيرورته مسكا. واما الاجماع على طهارتها فلا مجال للاعتماد عليه بعد مخالفة حاكيه في المنتهى وذهابه إلى التفصيل المتقدم، وحكي أيضا عن غيره. وأما الصحيح فمع قصور دلالته على الطهارة، لان جواز الحمل


(* 1) راجع الوسائل باب: 95، 97 من ابواب آداب الحمام. (* 2) الوسائل باب: 41 من ابواب لباس المصلي حديث: 1.

[ 316 ]

في الصلاة أعم منها. معارض بمكاتبة عبد الله بن جعفر إلى أبي محمد (ع): " هل يجوز للرجل ان يصلي ومعه فأرة مسك؟ قال (ع): لا بأس إذا كان ذكيا " (* 1). والجمع يقتضي تقييد الصحيح بها. ولاجل ذلك اختار في كشف اللثام النجاسة مع أخذها من غير المذكى. اللهم إلا أن يقال: كما يحتمل في المكاتبة رجوع الضمير المذكور إلى الظبي المفهوم من الكلام، أو إلى الفأرة بتقدير كونها مما مع المصلي، فيترتب على ذلك اعتبار الذكاة فيها، يحتمل أيضا رجوع الضمير إلى المسك وهذا الاحتمال إن لم يكن أقرب - كما هو الظاهر - لان التقدير اللازم للاحتمالين السابقين خلاف الاصل، فلا أقل من الاحتمال الموجب للاجمال المانع من الاستدلال بهما على التقييد، فاطلاق طهارة الفارة المستفاد من الصحيح بلا مقيد. نعم دلالته على الطهارة تتوقف على عدم جواز حمل النجس في الصلاة كما عرفت، وهو وان كان محل إشكال لكن كفى بالمكاتبة دليلا عليه، بناء على ما هو الظاهر من رجوع الضمير إلى المسك وعلى أن المراد من كونه ذكيا أنه طاهر. والظاهر أن المراد طهارته الذاتية في قبال ما لا يكون كذلك، وهو المسك المعمول من دم الظبي على ما ذكره بعض، كما سيأتي، لا الطهارة العرضية. إذ لو كان المراد الطهارة العرضية لم يكن وجه لتخصيصه بالقيد المذكور، بل كان اللازم اعتبار الذكاة فيه وفي الفأرة معا. ومن ذلك يظهر لك وجه ما عن الذكرى من أن المراد طهارة المسك والاشكال فيما ذكره بقوله: " ويحتمل أمرين أحدهما: التحرز من نجاسة عارضة له، والثاني: التحرز مما يؤخذ من الظبي في حال الحياة بجلده، لان السؤال عن فارة المسك ". فان الاحتمالين المذكورين كلاهما خلاف


(* 1) الوسائل باب: 41 من ابواب لباس المصلي حديث: 2.

[ 317 ]

[ وان كان الاحوط الاجتناب عنها. نعم لا إشكال في طهارة ما فيها من المسك (1). ] ظاهر ارجاع القيد إلى المسك قفط. هذا والمتحصل مما ذكرنا: أن العمدة في البناء على طهارة الفارة مطلقا صحيح ابن جعفر الذي لم يثبت تقييده، وأنه لو بني على الغض عنه فالوجوه المذكورة للطهارة مطلقا غير ظاهرة، بل اللازم العمل بالقواعد العامة. ولا يبعد أن مقتضاها التفصيل بين المأخوذة من الحي فطاهرة - للاصل. وليس ما يتوهم عليه إلا مادل على نجاسة القطعة المبانة من الحي لكن شموله للمقام غير ظاهر لانصرافه إلى ما هو مستعد للاتصال، فلا يشمل ما هو مستعد للانفصال حتى انفصل ولعله ظاهر - وبين المأخوذة من الميت فنجسة، لعموم ما دل على نجاسة الميتة الشامل لجميع أجزائها. وقد عرفت الاشكال في نفي الجزئية عرفا، أو كونها مما لا تحله الحياة. هذا كله مبني على ما نسب إلى المشهور من كون الفارة ملتحمة بالظبي ومتصلة به. قال الدميري: " المشهور انها ليست مودعة في الظبية، بل هي خارجة ملتحمة ". أما بناء على غير المشهور من كونها مودعة فيها - كما عن كاشف الغطاء في شرح القواعد، من أنها تتكون في جوف الظبى فيلقيها كالبيضة، وحكي أيضا ذلك عن ابن فهد الطبري، بل عن بعضهم: أن هذا القسم هو الشائع الغالب من المسك، وإطلاقه ينصرف إليه. انتهى - فلا إشكال في طهارتها، سواء أخذت من الحي أم من الميت. لعدم كونها جزءا من الحيوان، فلا تشملها أدلة نجاسة القطعة المبانة من الحي، ولا أدلة نجاسة أجزاء الميتة، والاصل فيها الطهارة. وكذا الحال لو شك في ذلك بنحو الشبهة الموضوعية. (1) إجماعا حكاه غير واحد بل لعله ضروري. وتقتضيه سيرة

[ 318 ]

[ وأما المبانة من الميت ففيها إشكال (1) وكذا في مسكها (2). ] النبي صلى الله عليه وآله والمسلمين (* 1)، وفي صحيح ابن سنان عن أبي عبد الله (ع): " كانت لرسول الله صلى الله عليه وآله ممسكة إذا هو توضأ اخذها بيده وهي رطبة فكان إذا خرج عرفوا أنه رسول الله (* 2). وذلك إما لخروجه بالاستحالة عن مفهوم الدم عرفا أو لتخصيص ما دل على نجاسة الدم. ولو بني على كون الفارة تتكون في جوف الظبي فالطهارة أوضح، لاحتمال خروج الدم المتكون فيها عن كونه دم ذي النفس، والمرجع أصل الطهارة وقد عرفت أن المكاتبة محمولة على الذكاة الذاتية في مقابل النجاسة كذلك الناشئة عن كون المسك مغشوشا بالمعمول النجس كما سيأتي. (1) قد عرفت وجهه وضعفه. (2) كأنه لانه دم ذي نفس، ولم تثبت استحالته. ولا إطلاق يدل على طهارة المسك، كي يتمسك به، ولذا قيل: " لا إشكال في نجاسة بعض أقسامه كالتركي والهندي ". نعم يظهر من كلماتهم الاجماع على طهارة المسك مطلقا. قال في التذكرة: " المسك طاهر إجماعا، لان رسول الله صلى الله عليه وآله كان يتطيب به. وكذا فأرته عندنا، سواء أخذت من حي أو ميت ". وقال في نهاية الاحكام: " إن المسك طاهر وإن قلنا بنجاسة فارته المأخوذة من الميتة " وقال في كشف اللثام: " وعندي أن فارته نجسة إذا لم تؤخذ من المذكى، وكذا ما فيها من المسك مع رطوبته عند الانفصال ". ولذا قال في الجواهر: " أطلق غير واحد حكاية الاجماع على طهارة المسك ثم أعقبه بذكر حكم الفارة وظاهره أيضا بل كاد يكون صريحة طهارة المسك مطلقا وان قلنا بنجاسة الفأرة ".


(* 1) كما تدل عليه الاخبار الواردة في الوسائل باب: 95، 97 من ابواب آداب الحمام. (* 2) الوسائل باب: 58 من ابواب النجاسات حديث: 1.

[ 319 ]

[ نعم إذا أخذت من يد المسلم يحكم بطهارتها (1)، ولو لم يعلم أنها مبانة من الحي أو الميت. ] وبالجملة: السيرة والاجماع يقتضيان طهارة المسك في نفسه مطلقا. نعم المتيقن من موردهما مسك الفارة، وأما غيره فمشكوك، فعموم نجاسة الدم فيه محكم، إلا إذا ثبت كونه مستحيلا. هذا ولكن الذي حكاه بعض عن محققي الفن في هذه الاعصار: ان المسك مفهوم مباين للدم، كالمني، والبول، ونحوهما من فضلات الحيوان وان كانت المواد المسكية يحملها دم الظبي، فإذا وصلت إلى الفأرة أفرزت عن الاجزاء الدموية لاشتمال الفأرة على آلة الافراز، وهذا الافراز يكون تدريجيا إلى أن تمتلئ الفارة من المسك. فالمسك ليس دما فعلا ولا كان أصله دما فاستحال مسكا، وقد حلل وجزئ فكانت أجزاؤه أجنبية عن أجزاء الدم. وما تقدم في كلماتهم من أن المسك دم حتى نظم في الشعر: " فان المسك بعض دم الغزال " مما لا أصل له كما يشهد بذلك العرف أيضا. هذا هو المسك الاصلي " وهو معقد الاجماع والسيرة على الطهارة. وأما غيره - كالمعجون من دم الظبي وروثه وكبده، أو الدم الذي يخزج من الظبي كدم البواسير، أو غير ذلك، فليس مسكا حقيقة. وانما فيه أجزاء مسكية، ولاجلها كانت رائحته رائحة المسك - فليس موضوعا للاجماع على الطهارة، ولا للسيرة، وطهارته غير ظاهرة، لانه دم فيه أجزاء مسكية، فعموم نجاسة الدم يكون فيه محكما. واستحالته - بنحو تمنع من استصحاب النجاسة - ممنوعة جدا. وهذا هو المشار إليه في مكاتبة الحميري المتقدمة (* 1). والمتحصل مما ذكرنا: طهارة الفأرة مطلقا، وطهارة مسكها كذلك. (1) كأنه لاجل أن يد المسلم أمارة على الطهارة للنصوص الآتية في


(* 1) وهي مكاتبة عبد الله بن جعفر إلى أبي محمد (ع) المتقدمة في أول المسألة.

[ 320 ]

[ (مسألة 3): ميتة ما لا نفس له طاهرة (1)، كالوزغ ] مسألة الجلود المبيعة في أسواق المسلمين. لكن مورد تلك النصوص ما يعتبر في طهارته التذكية، بحيث لولا يد المسلم كان المرجع فيه أصالة عدم التذكية المقتضية لنجاسته، وما نحن فيه ليس من ذلك القبيل، فان الفأرة المأخوذة من الحي طاهرة مع العلم بعدم التذكية، فلو بني على نجاسة المأخوذة من الميتة، فالمرددة بين المأخوذة من الحي الطاهرة. وبين المأخوذة من الميتة النجسة يكون المرجع فيها أصالة الطهارة، إذ لا أصل موضوعي يمكن إثبات أحد العنوانين فيه. وأصالة عدم الاخذ إلى حين الموت معارض بأصالة عدم الموت إلى حين الاخذ. مع أن الجهل بالتاريخ يستوجب الاشكال في جريان الاصل ذاتا. نعم لو علم تاريخ الاخذ وشك في تاريخ الموت، فاصالة عدم الموت إلى حين الاخذ يثبت موضوع الطهارة. ومن هذه الجهة لا فرق بين المأخوذة من يد المسلم والكافر، لعدم الفرق في جريان الاصول المذكورة وعدمه. كما لا فرق بين الامرين في جريان أصالة الطهارة. نعم لو بني على نجاسة الفأرة المأخوذة من غير المذكى - كما تقدم عن كشف اللثام - كان البناء على طهارة ما تؤخذ من المسلم دون الكافر في محله لان يد المسلم أمارة على التذكية دون يد الكافر، بل يرجع فيما في يده إلى أصالة عدم التذكية. (1) إجماعا، كما عن جماعة، وفي الذخيرة: " قد تكرر في كلام الاصحاب نقل الاجماع على طهارته ". ويشهد له موثق حفص عن جعفر ابن محمد عن أبيه عليهما السلام: " قال (ع): لا يفسد الماء إلا ما كانت له نفس سائلة " (* 1). وموثق عمار عنه (ع): " قال: سئل عن الخنفساء والذباب والجراد والنملة وما أشبه ذلك يموت في البئر، والزيت


(* 1) الوسائل باب: 10 من ابواب الاسئار حديث: 2.

[ 321 ]

والسمن، وشبهه. قال (ع): كل ما ليس له دم فلا بأس به " (* 1). (والاشكال) في دلالة الاول بعدم التصريح فيه بالميتة واختصاصه بالماء (يندفع) بانصرافه إلى الميتة وبعدم القول بالفصل بين الماء وغيره. كالاشكال على الثاني باختصاصه بماله ليس له دم. وبمعارضة مفهومه بمنطوق الاول بالعموم من وجه، الموجب للرجوع في مورد المعارضة - وهو ميتة ماله دم غير سائل - إلى عموم نجاسة الميتة. فانه أيضا يندفع بعدم الفصل بين مالا دم له وماله دم غير سائل. والمعارضة بالعموم من وجه إنما توجب الرجوع إلى دليل آخر، حيث لا يكون أحد الدليلين أقوى، والمنطوق في المقام أقوى، لان تخصيصه بما لا دم له أصلا بعيد جدا. مضافا إلى ما عرفت سابقا من أن (الفاء) ظاهرة في مجرد ترتب الخبر على المبتدأ ترتب العلية ولا تدل على الانحصار فلا مفهوم للقضية الحملية المذكورة كي يكون معارضا لغيره من الادلة. كما أن ما في موثق سماعة " سألت أبا عبد الله (ع) عن جرة وجد فيها خنفساء قد ماتت. قال (ع): ألقه وتوضأ منه، وان كان عقربا فارق الماء وتوضأ من ماء غيره ". (* 2). محمول على التنزه من السم أو نحوه بشهادة خبر ابن جعفر (ع) عن أخيه (ع): " عن العقرب والخنفساء وأشباههن تموت في الجرة أو الدن يتوضأ منه للصلاة. قال (ع): لا بأس به " (* 3). ومنه يظهر ضعف ما عن المهذب من استثنائه العقرب من الحكم المذكور كالوزغ أيضا. لكن عن بعض عباراته نجاسة الثاني حيا، كما عن القواعد والنهاية ذلك فيه وفي العقرب. وكأنه لظاهره - كما ذكر في العقرب -


(* 1) الوسائل باب: 10 من ابواب الاسئار حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 9 من ابواب الاسئار حديث: 6. (* 3) الوسائل باب: 10 من ابواب الاسئار حديث: 5.

[ 322 ]

[ والعقرب والخنفساء، والسمك، وكذا الحية، والتمساح، وان قيل بكونهما ذا نفس (1)، لعدم معلومية ذلك. مع أنه إذا كان بعض الحياة كذلك لا يلزم الاجتناب عن المشكوك كونه كذلك (2). (مسألة 4): إذا شك في شئ أنه من أجزاء الحيوان أم لا فهو محكوم بالطهارة (3). وكذا إذا علم أنه من الحيوان لكن شك في أنه مما له دم سائل أم لا. (مسألة 5): المراد من الميتة أعم مما مات حتف أنفه أو قتل أو ذبح على غير الوجه الشرعي (4). ] ولرواية الغنوي في الوزغ (* 1)، فلا يكون مما نحن فيه من نجاسة الميتة. (1) تقدمت حكايته عن المعتبر وغيره في الحية، وعن الشهيد في التمساح في المسألة الرابعة. (2) لكون الشبهة موضوعية، والاصل فيها الطهارة. بل لا يبعد جريان الاصل الموضوعي، وهو أصالة عدم كونها ذات نفس سائلة، ويثبت به موضوع الطهارة. (3) لاصالة الطهارة، ولا أصل موضوعي على خلافها، ولا حكمي وكذا الحال في الفرض الآتي. والشبهة موضوعية في الفرضين. (4) الميتة (تارة): تستعمل صفة من الموت المقابل للحياة (وأخرى): بمعنى ما مات حتف أنفه في مقابل المقتول بالاسباب الموجبة للتذكية وغيرها كما في قوله تعالى: (حرمة عليكم الميتة والدم..) (* 2). وقوله


(* 1) الوسائل باب: 9 من ابواب الاسئار حديث: 4. (* 2) المائدة: 3.

[ 323 ]

[ (مسألة 6): ما يؤخذ من يد المسلم من اللحم أو الشحم أو الجلد محكوم بالطهارة وان لم يعلم تذكيته (1). ] تعالى: (أفان مات أو قتل انقلبتم..) (* 1) (وثالثة): بمعنى ما لم يذك ذكاة شرعية، كما ذكر شيخنا الاعظم (ره) وغيره مستشهدا عليه بجملة من النصوص، كموثق سماعة: " إذا رميت وسميت فانتفع بجلده. وأما الميتة فلا " (* 2). وما في رواية على بن أبي حمزة " قال (ع): وما الكيمخت؟ قال: جلود دواب منه ما يكون ذكيا ومنه ما يكون ميتة فقال (ع): ما علمت أنه ميتة فلا تصل فيه (* 3). وما في رواية الصيقل: " إني أعمل أغماد السيوف من جلود الحمر الميتة.. (إلى أن قال): فصرت أعملها من جلود الحمر الوحشية الذكية " (* 4).. إلى غير ذلك. وبهذا المعنى صارت موضوعا للنجاسة والحرمة وسائر الاحكام ولا يهم تحقيق ذلك، فان ما ليس بمذكى بحكم الميتة شرعا، إجماعا ونصوصا سواء أكان من معاني الميتة أم لا. (1) النصوص الواردة في هذا الباب طوائف. منها: ما يدل على جواز ترتيب آثار التذكية مطلقا ما لم يعلم بعدمها كموثق سماعة: " سأل أبا عبد الله (ع): عن تقليد السيف في الصلاة وفيه الغراء (* 5) والكيمخت، فقال (ع): لا بأس ما لم تعلم انه ميتة " (* 6).


(* 1) آل عمران: 144. (* 2) الوسائل باب: 49 من ابواب النجاسات حديث: 2. (* 3) الوسائل باب: 50 من ابواب النجاسات حديث: 4. (* 4) الوسائل باب: 49 من ابواب النجاسات حديث: 1. (* 5) الغراء - بكسر الغين المعجمة - الذي يلصق به الشئ. نهاية ابن الاثير. (* 6) الوسائل باب: 50 من ابواب النجاسات حديث: 12.

[ 324 ]

ورواية علي بن أبي حمزة المتقدمة في المسألة السابقة، ونحوهما غيرهما. ومنها: ما يدل على المنع من ترتيب الاثر مطلقا حتى يعلم أنه مذكي كموثق ابن بكير الوارد في المنع عن الصلاة فيما لا يؤكل لحمه، قال (ع) فيه: فان كان مما يؤكل لحمه. فالصلاد في وبره، وبوله وشعره، وروثه وألبانه وكل شئ منه جائز إذا عملت أنه ذكي قد ذكاة الذبح " (* 1). ومنها: ما يدل على جواز ترتيب الاثر في موارد خاصة، مثل أن يباع في السوق: كصحيح الحلبي: " سألت أبا عبد الله (ع): عن الخفاف التي تباع في السوق، فقال (ع): اشتر وصل فيها حتى تعلم أنه ميتة بعينه " (* 2) وصحيح البزنطي: " سألته عن الرجل يأتي السوق فيشتري جبة فراء لا يدري أذكية هي أم غير ذكية، أيصلي فيها؟ قال (ع): نعم ليس عليكم المسألة، إن أبا جعفر (ع) كان يقول: إن الخوارج ضيقوا على أنفسهم بجهالتهم إن الدين أوسع من ذلك " (* 3) ونحوه صحيحه الآخر (* 4)، وصحيح سليمان بن جعفر الجعفري (* 5)، وخبر الحسن بن الجهم (* 6). أو يكون مما صنعه المسلمون، كمصحح اسحاق بن عمار عن العبد الصالح (ع): " لا بأس بالصلاة في الفراء اليماني وفيما صنع في أرض الاسلام. قلت: فان كان فيها غير أهل الاسلام قال (ع): إذا كان الغالب عليها المسلمين فلا بأس (* 7). أو يبيعه المسلمون، أو يصلون


(* 1) الوسائل باب: 2 من ابواب لباس المصلي حديث: 1، وباب: 9 من ابواب النجاسات حديث: 6. (* 2) الوسائل باب: 50 من ابواب النجاسات حديث: 2. (* 3) الوسائل باب: 50 من ابواب النجاسات حديث: 3. (* 4) الوسائل باب: 50 من أبواب النجاسات حديث: 6. (* 5) الوسائل باب: 50 من ابواب النجاسات ملحق حديث: 3. (* 6) الوسائل باب: 50 من ابواب النجاسات حديث: 9. (* 7) الوسائل باب: 50 من ابواب النجاسات حديث: 5.

[ 325 ]

فيه، كخبر اسماعيل بن عيسى: " سألت أبا الحسن (ع) عن الجلود الفراء يشتريها الرجل في سوق من أسواق الجبل، ايسأل عن ذكاته إذا كان البائع مسلما غير عارف؟ قال (ع): عليكم أنتم أن تسألوا عنه إذا رأيتم المشركين يبيعون ذلك، وإذا رأيتم يصلون فيه فلا تسألوا عنه (* 1). أو ما كان مضمونا، كخبر محمد بن الحسين الاشعري: " كتب بعض أصحابنا إلى أبي جعفر الثاني (ع): ما تقول في الفرو يشتري من السوق؟ فقال (ع): إذا كان مضمونا فلا بأس " (* 2). والجمع العرفي يقتضى حمل الطائفة الاولى على موارد الاخيرة، وحمل الثانية على غيرها. والمتحصل من ذلك: الحكم بعدم التذكية مع الشك فيها إلا مع قيام أمارة عليها، كبيع المسلم، أو صنعه، أو صلاته فيه، ونحوها من التصرفات الدالة على كونه مذكى، أو إخباره بالتذكية، كما هو الظاهر من الضمان في مكاتبة الاشعري. والظاهر ان هذا هو المشهور. نعم في التذكرة وعن المنتهى: المنع فيما يكون في يد المستحل للميتة بل نسب اليهما ذلك حتى لو اخبر ذو اليد بالتذكية، وعن الشيخ في النهاية. " ولا يجوز شراؤها ممن يستحل ذلك أو كان متهما ". علله في التذكرة بعدم حصول الظن بالتذكية، بخلاف من لا يستبيح الميتة، فان اسلامه مانع عن الاقدام على الحرام غالبا. واستدل لهم أيضا بخبر أبي بصير: " سألت أبا عبد الله (ع) عن الصلاة في الفراء. فقال (ع): كان علي بن الحسين (ع) رجلا صردا لا يدفؤه فراء الحجاز، لان دباغها بالقرظ فكان يبعث إلى العراق فيؤتى مما قبلكم بالفرو فيلبسه، فإذا حضرت الصلاة ألقاه والقي القميص الذي يليه. فكان يسأل عن ذلك، فقال: إن اهل العراق يستحلون لباس


(* 1) الوسائل باب: 50 من ابواب النجاسات حديث: 7. (* 2) الوسائل باب: 50 من ابواب النجاسات حديث: 10.

[ 326 ]

الجلود الميتة، ويزعمون أن دباغه ذكاته " (* 1). وخبر عبد الرحمن الحجاج: " قلت لابي عبد الله (ع): إنى أدخل سوق المسلمين - أعني: هذا الخلق الذي يدعون الاسلام - فاشتري منهم الفراء للتجارة فاقول لصاحبها: أليس هي ذكية؟ فيقول: بلى. فهل يصلح لي أن أبيعها على أنها ذكية؟ فقال (ع): لا، ولكن لا بأس أن تبيعها وتقول: قد شرط لي الذي اشتريتها منه أنها ذكية. قلت: وما أفسد ذلك؟ قال (ع): استحلال أهل العراق للميتة وزعموا أن دباغ جلد الميتة ذكاته.. " (* 2). ويشكل الاول: بأنه إن بني على ملاحظة نصوص الباب المتقدمة فاطلاقها يقتضي الجواز مطلقا، وان بني على غض النظر عنها فالظن المستند إلى الغلبة لا دليل على حجيته. وأما الروايتان فمع ضعف سندهما قاصرا الدلالة. إذ الاولى واردة في مقام بيان جواز الصلاة في الفراء من حيث الشبهة الحكمية - كما يقتضيه ظاهر السؤال - وعليه فحكاية القاء الامام (ع) الفرو حال الصلاة لا يدل على المنع، لجواز أن يكون للاحتياط الاستحبابي أو للكراهة، كما يشير إليه مصحح الحلبي: " تكره الصلاة في الفراء إلا ما صنع في أرض الحجاز أو ما علمت منه ذكاة " (* 3). نعم لو كان السؤال من حيث الشبهة الموضوعية فحكاية الالقاء عن الامام (ع) تدل على المنع لكنه خلاف الظاهر. وأما الثانية فلس فيها تعرض لما نحن فيه وإنما هي في مقام بيان عدم جواز الاخبار بالتذكية اعتمادا على اخبار البايع بها وذلك أجنبي عما نحن فيه. مضافا إلى أن تضمنهما للبيع والشراء دليل على الجواز لما يأتي من عدم جواز بيع الميتة إجماعا ونصوصا، وان من البعيد جدا ان


(* 1) الوسائل باب: 61 من ابواب لباس المصلي حديث: 2. (* 2) الوسائل باب: 61 من ابواب النجاسات حديث: 4. (* 3) الوسائل باب: 61 من ابواب لباس المصلي حديث: 1.

[ 327 ]

الامام (ع) كان يلبس الفراء وهو متحرز عن مساورته فلاحظ. هذا وعن الذكرى والبيان: الجواز فيما في يد المستحل إذا أخبر بالتذكية، ويظهر من الدروس الميل إليه. وكأنه لرواية محمد بن الحسين الاشعري المتقدمة. لكن - مع عدم اختصاصها بالمستحل - ينافيها صحيحا البزنطى المتقدمان وغيرهما لقوله (ع) فيهما: " ليس عليكم المسألة ". فيتعين حمل الرواية على الاستحباب أو على ما إذا لم يكن البائع مسلما، كما يشهد للاخير رواية اسماعيل بن عيسى المتقدمة، لكن سندها لا يخلو من ضعف. ويحتمل أن يكون وجه القول المذكور أن الاعتماد على خبر الكافر مقتضى قاعدة حجية خبر ذي اليد من دون معارض لها في خصوص الباب إذ لا تعرض فيها لنفي حجية أخبار الكافر بالتذكية. نعم في رواية عيسى ابن عبد الله: " سألت أبا عبد الله عن صيد المجوس. فقال (ع): لا بأس إذا أعطوكه حيا والسمك أيضا، والا فلا تجوز شهادتهم إلا أن تشهده " (* 1). لكن سندها لا يخلو من اشكال، لاشتراك عيسى. ولاجل ذلك يشكل الخروج عن قاعدة حجية اخبار ذي اليد. لكن لو تم ذلك فليس هو عملا برواية الاشعري، بل هو عمل بالقاعدة، والرواية في موردها محمولة على الاستحباب. هذا ومقتضى الجمود على لفظ السوق المذكور في النصوص البناء على تذكية ما يباغ في السوق مطلقا ولو كان سوقا للكافرين. لكن المنصرف منه من فيه من المسلمين. وأوضح منه ما في صحيح الفضيل وزرارة ومحمد ابن مسلم: " أنهم سألوا أبا جعفر (ع): عن شراء اللحوم من الاسواق ولا يدري ما صنع القصابون. فقال (ع): كل إذا كان ذلك في سوق المسلمين ولا تسأل عنه " (* 2)، فقد قيد فيه السوق بسوق المسلمين


(* 1) الوسائل باب: 34 من ابواب الصيد حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 29 من ابواب الذبائح حديث: 1.

[ 328 ]

بعناية كون البيع تصرفا من المسلم. ويشهد به ما تقدم من مصحح اسحاق المتضمن للحكم بتذكية ما صنعه المسلمون أو صنع في بلاد الاسلام، وأنه مع وجود غير المسلم يبنى على ذلك إذا كان الغالب المسلمين، فالمراد من السوق في هذه النصوص الاشارة إلى تصرف المسلم، ولو لم يكن في السوق. ومن ذلك يشكل القول بجواز البناء على تذكية ما في سوق المسلمين ولو كان مأخوذا من يد الكافر، كما يظهر من الجواهر وجود القائل به وان كان ظاهر المستند عدمه كما يأتي. وعلى ما ذكرنا يترتب أنه إذا كان البائع في السوق كافرا فالنصوص المذكورة قاصرة عن شموله، والمرجع فيه أصالة عدم التذكية. وكذا الحال في مجهول الحال إذا لم تقم أمارة على إسلامه. ومن ذلك تعرف ضعف ما في المستند من الحكم بتذكية ما أخذ من مجهول الحال إذا كان في سوق المسلمين، عملا منه باطلاق نصوص السوق المقتصر في الخروج عنه بالاجماع. على ما أخذ من يد الكافر في سوق المسلمين فيبقى المجهول داخلا في الاطلاق. وأشكل من ذلك ما في الحدائق حيث حكى عن المشهور نجاسة الجلد المطروح، لاصالة عدم التذكية. ورده: بأنه خلاف القاعدة المتفق عليها نصا وفتوى، من أن كل شئ فيه حلال وحرام فهو لك حلال، وكل شئ طاهر حتى تعلم أنه قذر. وقد ذكروا أنه يجب رفع اليد عن الاصل بالدليل فترجيحهم العمل بالاصل المذكور على هذه القاعدة المنصوصة خروج عن القواعد. ويعضد هذه القاعدة جملة من النصوص، ثم ذكر النصوص الواردة في الجلد المشتري من السوق. ثم ذكر وجوها أخرى من الاشكال فيما حكاه، عن المشهور. إذ فيه: أن قاعدتي الحل والطهارة محكومتان لاصالة عدم التذكية.

[ 329 ]

والدليل الذي يجب الخروج عن الاصل لاجله لايراد به مثل القاعدتين المذكورتين. والنصوص التى ذكرها ليس موردها الجلد المطروح. وكان الاولى له أن يذكر مثل موثق سماعة وخبر علي بن أبي حمزة الدالين على الغاء أصالة عدم التذكية. لكن عرفت أنهما معارضتان أيضا بغيرهما، وأن الجمع العرفي يقتضي حملها على خصوص ما كان فيه أمارة التذكية، وهو غير الجلد المطروح. وأما وجوه الاشكال الباقية في كلامه فيعلم حالها بمراجعة الحدائق والتأمل فيها فراجع. ومنه يظهر ما فيما في المدارك حيث بنى على طهارة الجلد المطروح واستشكل في أصالة عدم التذكية بعدم حجية الاستصحاب، وأنه يتعين الرجوع إلى أصالة الطهارة. واستشهد له بصحيح الحلبي، وخبر على بن أبي حمزة المتقدمين. إذ فيه - مع أن المحقق في محله حجية الاستصحاب -: أن صحيح الحلبي مختص بالسوق، ورواية ابن أبى حمزة معارضة بغيرها، كموثق ابن بكير المتقدم، والجمع العرفي يقتضي البناء على نجاسة الجلد المطروح، كما عرفت. هذا وفي الجواهر مال إلى كون يد الكافر أمارة على عدم التذكية مستظهرا له من روايتي اسحاق واسماعيل بن عيسى. لكن دلالتهما لا تخلو من خفاء. لان مجرد الحكم بكون ما في يد الكافر، أو المصنوع في أرض لا يكون الغالب عليها المسلمين، ميتة، أعم من ذلك ومن كونه لاجل اصالة عدم التذكية. دعوى: أن أصالة عدم التذكية غير جارية في مورد الروايتين، لان كون الجلد في أرض المسليمن أمارة على التذكية، فالحكم بعدم كون الجلد مذكى لابد أن يكون من جهة يد الكافر لا غير. مندفعة: بأن مجرد كون الجلد في أرض المسلمين لم يثبت كونه أمارة على التذكية ولا دليل عليه، بل لعل الامر بالسؤال في رواية ابن عيسى

[ 330 ]

ظاهر في خلاف ذلك، لان السؤال إنما يناسب الجهل، لا العلم ولو تنزيلا. وأما رواية السكوني الواردة في السفرة المطروحة في الطريق كثير لحمها وخبزها وجبنها وبيضها، وفيها سكين، حيث قيل له: يا أمير المؤمنين لا يدرى سفرة مسلم أو سفرة مجوسي. فقال (ع): " هم في سعة حتى يعلموا " (* 1). فالمحتمل - لو لم يكن ظاهرا - أن السؤال فيها من جهة النجاسة العرضية للامور المذكورة من جهة مساورة المجوسي، لا من جهة الشك في التذكية، فلا تكون مما نحن فيه. والمتحصل مما ذكرنا: لزوم الحكم بعدم التذكية، إلا في الموارد الخاصة، كبيع المسلم، وصنعه، وصلاته فيه ونحو ذلك من التصرفات التي كان بناء المسلمين على عدم إيقاعها في الميتة. وعليه يلزم تقييد عبارة المتن بما إذا كانت يد المسلم عليه بما أنه معد لتصرفه الذي يكون أمارة نوعا - على التذكية لا مجرد كونه تحت يده ولو بقصد الالقاء في المزبلة، أو التصرف الذي لا يرتبط - بوجه - بالتذكية، كالقرب المعدة لنقل القذارات، فان ذلك لا يكون أمارة على التذكية شرعا. هذا ولو كانت يد المسلم مسبوقة بيد الكافر - كما في الجلود المجلوبة في هذه الازمنة من بلاد الكفار - فالظاهر كونها أمارة أيضا، كما يقتضيه اطلاق كلماتهم، وصرح به غير واحد. قال في كشف الغطاء: " وما يؤتى به من بلاد الكفار كالبرغال والقضاعي ونحوه لا بأس به إذا أخذ من أيدي المسلمين ". وقال قبل ذلك: " وكل ما يوجد في أيدى المسلمين من الجلود مما لو يعلم حاله يبنى على تذكيته، علم بسبق يد الكفار عليه أو لا " وفي الجواهر بعد أن ذكر النصوص المتقدمة: " يستفاد منها طهارة ما يؤخذ من يد المسلم وان علم سبقها بيد كافر ". وما ذكره - قدس سره -


(* 1) الوسائل باب: 50 من ابواب النجاسات حديث: 11.

[ 331 ]

[ وكذا ما يوجد في أرض المسلمين مطروحا إذا كان عليه أثر الاستعمال (1). لكن الاحوط الاجتناب. (مسألة 7): ما يؤخذ من يد الكافر أو يوجد في ] من الاستفادة في محله. ودعوى: احتمال كون أيدي المسلمين في عصر صدور النصوص الشريفة مما لا يعلم بكونها مسبوقة بيد الكافر، وترك الاستفصال إنما يفيد العموم حيث يمكن وقوع الواقعة المسؤول عنها على نحوين، أما إذا قامت القرينة على وقوعها على حال واحدة معينة فلا يكون ترك الاستفصال دليلا على العموم، لاحتمال كونه لوضوح الحال وعدم الحاجة إلى الاستفصال. مندفعة: أولا: بأن ما ذكر لا يجري في النصوص الدالة على العموم بالاطلاق لا بترك الاستفصال، مثل موثق اسحاق، فان ما صنع في أرض الاسلام أعم مما كان مجلوبا من بلاد الكفر أو مأخوذا من الكافر. وثانيا: بأنه لا مجال للاحتمال المذكور، للعلم بوجود الكفار في بلاد المسلمين، وتداول ذبحهم للحيوانات، وأكلهم لها، وبيع جلودها، ولاسيما مع البناء على كفر الخوارج والنواصب والغلاة، مع بناء المخالفين على استحلال ذبائح الكافرين وبنائهم على طهارة الميتة بالدبغ، فضلا عن استحلالهم شراء الجلود منهم مع احتمال كونها مذكاة، إذ بعد ذلك لا مجال لاحتمال عدم وجود صورة يعلم فيها بسبق يد الكافر على يد المسلم، بحيث لا يحسن التقييد بغير تلك الصورة، كما لعله ظاهر (1) يعنى: الاثر الظاهر في تحقق التذكية، كما عرفت آنفا. ويشهد له مصحح إسحاق المتقدم. وأما رواية السكوني الواردة في السفرة المطروحة فقد عرفت قصور دلالتها على ذلك، لعدم مناسبة السؤال والجواب له، كما يظهر بالتأمل.

[ 332 ]

{ أرضهم محكوم بالنجاسة (1) الا إذا علم سبق يد المسلم عليه (3). (مسألة 8): جلد الميتة لا يطهر بالدبغ (3)، ولا يقبل الطهارة شئ من الميتات (4) سوى ميت المسلم، فانه يطهر بالغسل (5). } (1) لاصالة عدم التذكية، لا لان يد الكافر أمارة على عدمها. (2) فتكون يد المسلم أمارة على التذكية من دون معارض. (3) على المشهور شهرة عظيمة كادت تكون إجماعا، بل قيل: تواتر نقل الاجماع عليه. بل عد من ضروريات المذهب، كما عن شرح المفاتيح نعم حكي القول بالطهارة عن ابن الجنيد، وعن المحدث الكاشاني الميل إليه. ويشهد للاول روايتا أبي بصير وابن الحجاج المتقدمتان في المسألة السادسة، ولا دليل بالخصوص على النجاسة غيرهما. مع ما هما عليه من ضعف السند. ولكن حكي عن التذكرة دعوى تواتر الاخبار بذلك. وكأنه أراد النصوص المتضمنة عدم الانتفاع بالميتة، فان إطلاقها شامل لما بعد الدبغ. ويشهد لابن الجنيد رواية الحسين بن زرارة: " جلد شاة ميتة يدبغ فيصب فيه اللبن والماء أفأشرب منه وأتوضأ؟ قال (ع): نعم وقال: يدبغ فينتفع به، ولا يصلى فيه " (* 1). ومرسلة الصدوق (* 2) المتقدمة في طهارة الميتة، بناء على حملها على ما بعد الدبغ. لكن لا ينبغي التأمل في طرحهما بعد حكاية الاجماع على خلافهما. وكفى بالاصل دليلا على المشهور. (4) للاطلاق أو الاصل بعد عدم الدليل على الطهارة. (5) للروايات المتقدمة المفصلة في لزوم غسل الثوب الذي يلاقي جسد


(* 1) الوسائل باب: 34 من ابواب الاطعمة المحرمة حديث: 6. (* 2) الوسائل باب: 34 من أبواب النجاسات حديث: 5.

[ 333 ]

{ (مسألة 9): السقط قبل ولوج الروح نجس، وكذا الفرخ في البيض (1). } الميت بين ما قبل الغسل وبعده. (1) اتفاقا كما عن شرح المفاتيح، وبلا خلاف، كما عن لوامع النراقي. لكن الدليل عليه غير ظاهر، إذ هو إما لانه ميتة، لان الموت يقابل الحياة تقابل العدم والملكة، ولا يعتبر في صدقه سبق الحياة. أو لانه من قبيل القطعة المبانة من الحي، فيشمله دليل نجاستها. أو لان قوله (ع): " ذكاة الجنين ذكاة أمه " (* 1) يقتضي كونه ميتة بموت أمه، فإذا ثبت نجاسة من الميتة ثبت نجاسته من الحية، لعدم القول بالفصل. أو لانه قبل ولوج الروح فيه حي بحياة أمه لا بحياة مستقلة. فإذا انفصل عنها صار ميتة، فيلحقه حكمها. والجميع لا يخلو من نظر. إذ لو سلم كونه ميتة فلا إطلاق لادلة نجاستها يشمله. والقطعة المبانة مختصة بالجزء، وليس هو منه. وقوله (ع) " ذكاة الجنين.. " لا إطلاق له في موضوع الذكاة، لوروده في مقام بيان الاكتفاء بذكاة الام في تحقق ذكاة الجنين، فيمكن اختصاصه بما ولجته الروح. ولانه لا يصح تطبيق الحي والميت على كل جزء من أجزاء البدن ولا على مثل الحمل، ولذا لا نقول بنجاسة العضو الميت في حال اتصاله بالبدن، والحكم بنجاسته بعد الانفصال إنما كان للاخبار الخاصة المتضمتة أنه ميتة. ودعوى: الاتفاق وعدم الخلاف المتقدمة من شرح المفاتيح واللوامع. غير ظاهرة، لعدم تعرض الاكثر للحكم المذكور. اللهم إلا أن يستفاد من مذاق الاصحاب. وهو غير بعيد، ويساعده ارتكاز المتشرعة. وبذلك


(* 1) الوسائل باب: 18 من أبواب الذبائح حديث: 12.

[ 334 ]

{ (مسألة 10): ملاقاة الميتة بلا رطوبة مسرية لا توجب النجاسة، على الاقوى (1)، وان كان الاحوط غسل الملاقي، } يكون الخروج عن مقتضى قاعدة الطهارة. (1) كما هو المشهور. وعن العلامة والشهيدين وغيرهما (رض) سراية نجاستها إلى الملاقي ولو مع اليبوسة. لاطلاق ما دل على نجاسة ملاقيها الوارد بعضه في ميتة الانسان، وبعضه في ميتة غيره. مثل التوقيع الوارد في إمام حدثت عليه حادثة، قال (ع): " ليس على من مسه إلا غسل اليد " (* 1). وموثق عمار: " اغسل الاناء الذي تصيب فيه الجرذ ميتا سبع مرات " (* 2). لكنه يشكل ذلك: بأن اعتبار الرطوبة في سراية النجاسة عند العرف مما يصلح أن يكون قرينة على صرف الاطلاق، فلا مجال للاعتماد عليه. مضافا إلى موثق ابن بكير " كل شئ يابس ذكي " (* 3) الظاهر في الحكومة على اطلاق ما دل على سراية النجاسة مع الجفاف. ولو بنى على عدم ظهوره في الحكومة فبينه وبين اطلاقات المقام عموم من وجه، والمرجع في مورد المعارضة - وهو صورة الجفاف - إلى أصالة الطهارة. ويشير إلى ذلك ما في الصحيح الوارد في الثوب الذي يقع على جسد الميت: " فاغسل ما أصاب ثوبك منه " (* 4)، وفي الآخر: " يغسل ما أصاب الثوب " (* 5). فان الظاهر من التعبير المذكور لزوم غسل الاثر الحاصل من ملاقاة الثوب للميت، الذي لا يكون إلا مع الرطوبة.


(* 1) الوسائل باب: 3 من ابواب غسل المس حديث: 4. (* 2) الوسائل باب: 53 من ابواب النجاسات حديث: 1. (* 3) الوسائل باب: 31 من ابواب احكام الخلوة حديث: 5. (* 4) الوسائل باب: 34 من ابواب النجاسات حديث: 1. (* 5) الوسائل باب: 34 من ابواب النجاسات حديث: 2.

[ 335 ]

{ خصوصا في ميتة الانسان قبل الغسل (1). (مسألة 11): يشترط في نجاسة الميتة خروج الروح من جميع جسده، فلو مات بعض الجسد ولم تخرج الروح من تمامه لم ينجس (2). } هذا وفي صحيح على بن جعفر (ع): عن أخيه موسى (ع): " سألته عن الرجل يقع ثوبه على حمار ميت هل تصلح الصلاة فيه قبل أن يغسله؟ قال (ع): ليس عليه غسله ويصلي فيه ولا بأس " (* 1). ولاجله قيل بتعين حمل الاطلاقات في ميت غير الانسان على صورة الرطوبة، وحمله على صورة اليبوسة لكن الجمع بذلك ليس عرفيا ولا شاهد له، فلو بني على العمل بالصحيح يتعين حمل أدلة لزوم الغسل على الاستصحاب مطلقا. وما أبعد ما بين هذا القول وبين القول الحكي عن الحلي (ره) من عدم نجاسة ملاقي الميت مطلقا. وضعفه ظاهر، لما عرفت من النصوص الآمرة بغسل الملاقي له. ولو بني على غض النظر عنها أو عن ظاهرها لم يبق دليل على نجاسة الميت كما لا يخفى. (1) لان الخلاف فيها أظهر. (2) كما هو المعروف. وعن شرح الدروس: التردد فيه، لاحتمال صدق الميتة عليه. لكنه ضعيف، لان موضوع الموت والحياة المأخوذ موضوعا للطهارة والنجاسة هو البدن بلحاظ اتصاله بالروح على نحو خاص وانفصاله عنها، فاتصاف الاجزاء بها بعين اتصاف البدن، لانها عينه، ولا تتصف الاجزاء بهما مستقلا فلا يمكن تطبيق الميتة على الجزء مستقلا، وتطبيقها على الجزء المبان في النصوص مجاز بلحاظ الاحكام.


(* 1) الوسائل باب: 26 من ابواب النجاسات حديث: 5.

[ 336 ]

{ (مسألة 12): مجرد خروج الروح يوجب النجاسة وإن كان قبل البرد (1)، من غير فرق بين الانسان وغيره. نعم وجوب غسل المس الميت الانساني مخصوص بما بعد برده (2). } (1) كما عن صريح المبسوط، والتذكرة، والذخيرة، وظاهر غيرها. لاطلاق صحيح الحلبي، وخصوص التوقيعين، وقد تقدمت في مبحث نجاسة الميت. ولا معارض لها غير ما في صحيح ابن ميمون من قوله: " يعنى: إذا برد الميت " (* 1)، لكنه لم يثبت كونه من المعصوم فلا يصلح للمعارضة وعن الجامع، ونهاية الاحكام، والدروس، والذكرى، وجامع المقاصد، والمدارك، وغيرها: الطهارة حينئذ، بل نسب إلى الاكثر، بل عن الشيخ الاجماع عليه. للاستصحاب. وللمنع من تحقق الموت قبل البرد. وللتلازم بين الغسل - بالضم - والغسل - بالفتح - والاول لا يكون قبل البرد فكذا الثاني. ولما دل على أنه لا بأس بالمس مع الحرارة، كصحيح ابن مسلم عن أبي جعفر (ع): " مس الميت عند موته وبعد غسله والقبلة ليس بها بأس " (* 2)، وحمله على بيان الحكم التكليفي خلاف الظاهر. لكن الاشكال فيما عدا الاخير ظاهر، والاخير محمول على نفي الغسل - بالضم - جمعا بينه وبين التوقيعين، حملا للمطلق على المقيد. اللهم إلا أن يشكل الاحتجاج بهما لعدم روايتهما إلا في كتاب الاحتجاج، ولا يخلو سندهما عن إرسال. (2) كما سيأتي في محله.


(* 1) الوسائل باب: 34 من ابواب النجاسات حديث: 1، وقد تقدم بتمامه في نجاسة ميت الانسان. (* 2) الوسائل باب: 3 من ابواب غسل المس حديث: 1.

[ 337 ]

{ (مسألة 13): المضغة نجسة (1)، وكذا المشيمة، وقطعة اللحم التي تخرج حين الوضع مع الطفل. (مسألة 14): إذا قطع عضو من الحي وبقي معلقا متصلا به فهو طاهر ما دام الاتصال (2)، وينجس بعد الانفصال (3). نعم لو قطعت يده - مثلا - وكانت معلقة بجلدة رقيقة فالاحوط الاجتناب (4). (مسألة 15): الجند المعروف كونه خصية كلب الماء إن لم يعلم ذلك، واحتمل عدم كونه من أجزاء الحيوان فطاهر وحلال (5)، وان علم كونه كذلك فلا إشكال في حرمته (6). لكنه محكوم بالطهارة، لعدم العلم بأن ذلك الحيوان مما له نفس. (مسألة 16): إذا قلع سنه أو قص ظفره، فانقطع } (1) الوجه في نجاستها ونجاسة المشيمة، وقطعة اللحم، هو بعض ما أشرنا إليه في نجاسة السقط، والفرخ قبل ولوج الروح فيه بل المضغة داخلة في إطلاق السقط الذي لم تلجه الروح. وفي المنتهى: " المشيمة التي فيها الولد نجسة لانها جزء حيوان أبين منه "، وفي كشف الغطاء: " وما يخرج من بطن المرأة أو الحيوان حين الولادة من لمم ونحوه محكوم بنجاسة ". (2) للاصل. بل لما على طهارة الحيوان إذا فرض صدق الجزء عليه. (3) لما تقدم في القطعة المبانة من الحي. (4) لاحتمال دخولها في القطعة المبانة من الحي، وان كان الشك كافيا في الرجوع إلى أصل الطهارة. (5) لاصالة الطهارة والحل. (6) لحرمة حيوانه.

[ 338 ]

{ معه شئ من اللحم فان كان قليلا جدا فهو طاهر (1)، وإلا فنجس. (مسألة 17): إذا وجد عظما مجردا وشك في أنه من نجس العين أو من غيره يحكم عليه بالطهارة (2) حتى لو علم أنه من الانسان ولم يعلم أنه من كافر أو مسلم (3). (مسألة 18): الجلد المطروح إن لم يعلم أنه من الحيوان الذي له نفس أو من غيره - كالمسك مثلا - محكوم بالطهارة (4). (مسألة 19): يحرم بيع الميتة (5). } (1) إما لدعوى انصراف أدلة نجاسة القطعة المبانة من الحي عن الجزء الصغير، أو لدعوى سيرة المتشرعة عليه. ولكن كلتيهما محل إشكال. (2) لاصالة الطهارة. (3) إذا كان التقابل بين الكفر والاسلام تقابل العدم والملكة، فأصل عدم الاسلام الجاري في الانسان يثبت الكفر، فيحكم بنجاسة العظم وهو - لكونه أصلا موضوعيا - حاكم على أصل الطهارة الذي هو أصل حكمي. نعم لو تردد العظم بين كونه لمعلوم الاسلام (كزيد) وكونه لمعلوم الكفر (كعمرو) فأصالة عدم إسلام الانسان المردد بين معلوم الوجدان ومعلوم الفقدان غير جارية، كما عرفت ذلك غير مرة. (4) إما لاصالة عدم كون حيوانه ذا نفس سائلة، بناء على جريان أصالة العدم الازلي في مثله مما كان من عوارض الوجود. أو لاصالة الطهارة بناء على عدم جريان أصل العدم الازلي فيه. (5) على المعروف من مذهب الاصحاب، بل عن التذكرة والمنتهى

[ 339 ]

والتنقيح نقل الاجماع عليه، وعن الخلاف نقل الاجماع على عدم ملكيتها وفي رواية السكوني عن أبي عبد الله (ع): " السحت ثمن الميتة " (* 1) وعن جامع البرنطى عن الرضا (ع): " في الغنم يقطع من الياتها وهي أحياء أيصلح له أن ينتفع بما قطع؟ قال (ع): نعم يذيبها ويسرج بها، ولا يأكلها ولا يبيعها " (* 2)، ونحوه رواية علي بن جعفر (ع) عن أخيه (ع) (* 3)، وفي روايته الاخرى " عن الماشية تكون للرجل فيموت بعضها، يصلح له بيع جلودها ودباغها ولبسها قال (ع): لا، ولو لبسها فلا يصل فيها " (* 4)، وفي رواية تحف العقول (* 5): النهى عن بيع الميتة. مضافا إلى ما ذكر في محله من اعتبار المالية في كل من العوضين في البيع، وكون الميتة مالا موقوف على تحقق المنفعة لها المعتد بها، وهو غير حاصل، إما لحرمة الانتفاع بها كلية، أو لان جواز الانتفاع بها في بعض الموارد ليس بنحو يعتد به في صدق المال لندرته. نعم في رواية أبي القاسم الصيقل وولده: " كتبوا إلى الرجل: جعلنا الله تعالى فداك إنا قوم نعمل السيوف ليست لنا معيشة ولا تجارة غيرها، ونحن مضطرون إليها وانما علاجنا (غلافها. ظ) جلود الميتة والبغال والحمير الاهلية لا يجوز في أعمالنا غيرها، فيحل لنا عملها وشراؤها وبيعها ومسها بأيدينا وثيابنا ونحن نصلي في ثيابنا؟ ونحن محتاجون إلى جوابك في هذه المسألة يا سيدنا لضرورتنا. فكتب (ع): اجعل ثوبا للصلاة.. (* 6)


(* 1) الوسائل باب: 5 من ابواب ما يكتسب به حديث: 5. (* 2) الوسائل باب: 6 من ابواب ما يكتسب به حديث: 6. (* 3) الوسائل باب: 6 من ابواب ما يكتسب به ملحق حديث: 6. (* 4) الوسائل باب: 5 من ابواب ما يكتسب به حديث: 16. (* 5) الوسائل باب: 2 من ابواب ما يكتسب به حديث: 1. (* 6) الوسائل باب: 38 من ابواب ما يكتسب به حديث: 4.

[ 340 ]

{ لكن الاقوى جواز الانتفاع بها فيما لا يشترط فيه الطهارة (1). } لكن - مع احتمال كون المبيع هو السيف والغلاف تابع له بنحو الشرط - لا تصلح للخروج بها عن تلك النصوص، التي لا يبعد تواترها معنى، ومجمع على العمل بها، المعتضدة بقاعدة لزوم كون العوضين مالا في البيع فلاحظ. فيما عن المجلسي من الجواز ضعيف، بل في الجواهر: انه غريب. (1) كما يظهر من محكي عبارات منهم العلامة والشهيدان. لعموم الحل الموافق لاصالة الحل. ولخبري البزنطي وعلي بن جعفر (ع) المتقدمين ورواية زرارة في جلد الخنزير يجعل دلوا يستقى به (* 1)، وروايته الاخرى في شعر الخنزير يجعل حبلا يستقى به من البئر (* 2) - بناء على عدم الفرق بين انواع نجس العين في الحكم - ورواية الصيقل المتقدمة، ورواية الوشا المتقدم إليها الاشارة في نجاسة الميتة عن أبي الحسن (ع) في أليات الغنم المقطوعة: " فقلت: جعلت فداك فيستصبح به؟ فقال (ع): أما علمت أنه يصيب اليد الثوب وهو حرام " (* 3) لظهورها في جواز الانتفاع بالميتة من حيث هو، وانما يمنع عنه إصابة الثوب واليد وقوله (ع): " وهو حرام " إما أن يراد به أنه نجس. فيكون المقصود الارشاد إلى ما يترتب على الاستصباح من نجاسة اليد والثوب المؤدي إلى لزوم التطهير، أو بطلان الصلاة، أو أنه حرام تكليفا مع تعاطيه تعاطي الطاهر، وعلى كل حال فالرواية دالة على جواز الانتفاع من حيث هو، وإلا فمن الضروري جواز مماسة النجس بنحو يؤدي إلى نجاسة الجسم المماس له. وأما رواية ابن جعفر (ع) الثانية المتقدمة فالظاهر من قول السائل:


(* 1) الوسائل باب: 14 من ابواب الماء المطلق حديث: 16. (* 2) الوسائل باب: 14 من ابواب الماء المطلق حديث: 2. (* 3) الوسائل باب: 30 من ابواب الذبائح حديث: 2.

[ 341 ]

" ودباغها ولبسها " السؤال عن مطهرية الدبغ فالمراد من لبسها اللبس على أنها طاهرة، فقول الامام (ع): " لا " ظاهر في عدم مطهرية الدبغ، لا النهي عن اللبس. وأما ما في صحيح الكاهلي في قطع أليات الغنم: " قال أبو عبد الله (ع)، إن في كتاب علي (ع): أن ما قطع منها ميت لا ينتفع به " (* 1)، وما في رواية علي بن المغيرة: " قلت لابي عبد الله (ع) الميتة ينتفع منها بشئ فقال: لا " (* 2) ونحوهما ما في غيرهما. فالظاهر أن المقصود منها الارشاد إلى النجاسة، كالامر باراقة الماء، أو المرق، عند ملاقاة النجاسة، وليس المقصود منه بيان حكمه من عدم الانتفاع مطلقا، والمصحح للكناية بمثل هذا التعبير عنها - ولو مع جواز الانتفاع بالنجس في الجملة - أن النجس مما يرغب عن الانتفاع به حتى الانتفاع الجائز، لما يترتب على الانتفاع به من الابتلاء بالنجاسة. وليراجع الانسان نفسه إذا أهدي إليه لباس نجس أو فراش، أو غطاء، أو سرج دابة، أو نحو ذلك، فانه لا يرى من نفسه الاقدام على اللبس أو الافتراش أو التغطي أو الركوب، كما تقدم في رواية الوشا. ولو سلم ثبوت عمومه لمطلق الانتفاع تعين حمله على نوع خاص جمعا بين النصوص. ورواية تحف العقول قد تقدم في مبحث الانتفاع بالعذرة محملها فراجع. نعم قد يشكل ما ذكر: بأن النصوص المتقدمة الدالة على جواز الانتفاع بالميتة - مع عدم صحة أسانيدها - مهجورة عند قدماء الاصحاب. بل قد حكى الاجماع على عدم جواز الانتفاع بالميتة جماعة، حتى أن الحلي - بعد ما روى في مستطرفات السرائر رواية البزنطي المتقدمة - ذكر: " أنها من


(* 1) الوسائل باب: 30 من أبواب الذبائح حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 61 من ابواب النجاسات حديث: 2.

[ 342 ]

نوادر الاخبار والاجماع منعقد على تحريم الميتة والتصرف فيها على كل حال إلا اكلها للمضطر، مضافا إلى مخالفتها لقاعدة عدم جواز الانتفاع بالاعيان النجسة المستدل عليها بالآيات والروايات والاجماع، فكيف يصح لاجلها التصرف في غيرها؟! بناء على ظهوره في المنع عن مطلق الانتفاع. ويمكن أن يدفع: بأن النصوص المذكورة لا يخلو بعضها من الاعتبار وان لم تكن صحيحة. وأما الهجر فلم يثبت على نحو يقدح في جواز العمل بها، لجواز أن يكون لبنائهم على قاعدة عدم جواز الانتفاع بالاعيان النجسة التي استفادوها من ظاهر بعض الآيات مثل قوله تعالى: (والرجز فاهجر) (* 1) وقوله تعالى: (رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه) (* 2) وقوله تعالى: (حرمت عليكم الميتة والدم) (* 3) وبعض الروايات مثل ما في رواية تحف العقول، من تعليل حرمة بيع وجوه النجس، بحرمة الاكل والشرب والامساك وجميع التقلبات (* 4). لكن دلالتها على ذلك لا تخلو من إشكال - كما أوضح ذلك شيخنا الاعظم (ره) في مكاسبه - فلم يثبت الهجر الموجب للخروج عن الحجية. وعليه لو سلمت الدلالة لامكن الخروج عنها بالنصوص المذكورة، إذ يجوز تخصيص العلم ولو كان من الكتاب بالخاص ولو كان من السنة. وأما الاجماع المدعى على القاعدة فهو - وان حكى عن جماعة من الاكابر - لا مجال للاعتماد عليه، بعد مخالفة جملة من أعيان المتأخرين فيها. مع تأتي المناقشة في كون مراد بعض الحاكين له ذلك. فراجع كلمات شيخنا الاعظم (قده).


(* 1) المدثر: 5. (* 2) المائدة: 90. (* 3) المائدة: 3. (* 4) الوسائل باب: 2 من ابواب ما يكتسب به حديث: 1.

[ 343 ]

{ الخامس: الدم من كل ماله نفس سائلة (1)، انسانا } وبالجملة: بعد عدم ثبوت قاعدة عدم جواز الانتفاع بالنجاسات - لقصور الادلة المستدل بها عليها - ينحصر الاستدلال على عدم جواز الانتفاع بالميتة بالخصوص بمثل صحيح الكاهلي المتقدم، وتقدم الاشكال في دلالته، إذ من البعيد أن يكون المراد منه النهي عن كل انتفاع، ولو كان مثل اطعام جوارح الطير، أو تسميد الزرع، ونحوهما مما لا يعتبر فيه الطهارة بوجه، فان بيان هذا المعنى يحتاج إلى مزيد عناية، ولا يكفي فيه مثل هذا الكلام. بل هذا المعنى مقطوع بخلافه في مثل رواية علي بن المغيرة، فان السائل إنما عنى بقوله: " الميتة ينتفع بها " انها كما ينتفع بالمذكى، وليس المراد ما يعم إطعام الجوارح. ولو سلم إطلاق في عدم الانتفاع، فهو مقيد بالنصوص المتقدمة، فيحمل على الانتفاع المؤدي إلى الوقوع في الحرام، كما أشير إليه في رواية الوشا المتقدمة، على ما عرفت. (1) إجماعا، صريحا وظاهرا، محكيا عن جماعة كثيرة، وان اختلفت عباراتهم في معقده. ففي بعضها: مطلق دم ذي النفس. وفي بعضها: دم ذي العرق وهو راجع إلى الاول، وفي بعضها: الدم المسفوح، والمسفوح هو المصبوب، وعليه يكون بين هذا العنوان وما قبله عموم من وجه، لعمومه لمثل دم السمك وعدم شموله للمتخلف في اللحم ونحوه من أجزاء الحيوان. ويجب تفسيره - كما في كلام بعضهم - بما ينصب من العرق فيكون أخص مطلقا من الاول، ولا يشمل مثل دم السمك. وفي المنتهى: " الدم المسفوح من كل حيوان ذي نفس سائلة يكون خارجا بدفع من عرق نجس. وهو مذهب علماء الاسلام "، ونحوه كلام غيره من الاعاظم. لكن ادعى غير واحد من الاجلاء أن المراد مطلق دم ذي النفس، بقرينة تعرضهم لطهارة دم غير ذي النفس، والمتخلف في الذبيحة دون

[ 344 ]

ما عداهما من دم ذي النفس غير المسفوح، ولورود النصوص الكثيرة الظاهرة في نجاسة غير المسفوح من دم ذي النفس، كدم الرعاف (* 1)، أو ما يوجد في الانف (* 2)، وعند قطع الثالول، ونتف لحم الجرح (* 3)، وحك الجلد (* 4)، وقلع السن (* 5) ودم الجروح، والقروح (* 6) والحيض، والنفاس، والاستحاضة (* 7) وغير ذلك، مع عدم تعرضهم لرد هذه النصوص، وبيان الوجه فيه، من ضعف دلالة أو سند أو غير ذلك، بل لا ريب في بنائهم على قبولها، فان ذلك كله شاهد بارادة العموم، كما ادعاه جماعة. لكنه لا يخلو من اشكال، لاباء كلماتهم عن الحمل على ذلك. ولاسيما بملاحظة تعليلهم طهارة المتخلف: بأنه ليس بمسفوح، وان طهارته لعدم المقتضي، للنجاسة، والبناء على نجاسة الدم في الموارد المذكورة المنصوصة يمكن أن يكون لبنائهم على أنه من المسفوح، لخروجه من العروق الدقاق أو لكون المراد منه مطلق الخارج من البدن، أو غير ذلك وبالجملة: ثبوت كلية نجاسة دم ذي النفس بالاجماع غير واضح، وإن كان يساعدها ارتكاز المتشرعة من غير فرق بين الانسان الذي هو


(* 1) الوسائل باب: 82 من ابواب النجاسات حديث: 1 ويوجد أيضا من كثير من أبواب النجاسات والماء المطلق. (* 2) الوسائل باب: 24 من ابواب النجاسات حديث: 2. (* 3) الوسائل باب: 63 من ابواب النجاسات حديث: 1. (* 4) الوسائل باب: 20 من ابواب النجاسات حديث: 5. (* 5) الوسائل باب: 27 من ابواب قواطع الصلاة حديث: 1. (* 6) الوسائل باب: 24 من ابواب النجاسات حديث: 3. (* 7) راجع الوسائل في ابواب اغسال الحيض والنفاس والاستحاضة والنجاسات والمياه.

[ 345 ]

مورد النصوص المتقدمة وغيره. لكن الرجوع إلى هذا الارتكاز في موارد الخلاف والاشكال محل تأمل ونظر. وأما النصوص فدلالتها على عموم النجاسة لا تخلو من اشكال، لورودها في موارد خاصة، والغاء خصوصية موردها عرفا - لو تم - معارض بمثله بالاضافة إلى ما تضمن نفي البأس عن دم البق والبراغيث والسمك. بل الالغاء على نحو الكلية غير واضح. نعم قد ذكر لفظ الدم في بعض النصوص غير مقيد. لكن ذلك غير كاف في اطلاقه، لعدم كونه واردا لبيان نجاسة الدم، وانما ورد في مقام بيان حكم آخر بعد الفراغ عن نجاسته كموثق عمار: " كل شئ من الطير يتوضأ مما يشرب منه إلا أن ترى في منقاره دما، فان رأيت في منقاره دما فلا تتوضأ ولا تشرب منه " (* 1) فانه وارد في مقام جعل الحكم الظاهري عند الشك في وجود الدم المفروغ عن نجاسته، لا في مقام تشريع نجاسة الدم. ومثله في الاشكال الروايات الواردة في نزح البئر، لوقوع الدم فيها كصحيح ابن بزيع: " عن البئر تكون في المنزل للوضوء فيقطر فيها قطرات من بول أو دم.. " (* 2). فان الامر بالنزح فيه وفي أمثاله وان دل على النجاسة - كما تقدم في مبحث نجاسة الميتة - لكن الظاهر من السؤال في جميع هذه النصوص علم السائل بالنجاسة، والسؤال إنما كان عن تأثيرها في البئر، فترك الاستفصال فيه لا يقتضي العموم. وكذا الاشكال فيما لو ورد الامر بالنزح ابتداء من المعصوم فانه أيضا وارد في مقام بيان حكم آخر. وأما النبوي المروي في الذكرى وغيرها من كتب الفروع: " إنما


(* 1) الوسائل باب: 4 من ابواب الاسئار حديث: 2، وباب: 82 من ابواب النجاسات حديث: 2. (* 2) الوسائل باب: 14 من ابواب الماء المطلق حديث: 21.

[ 346 ]

{ أو غيره كبيرا أو صغيرا، قليلا كان الدم، أو كثيرا (1). } يغسل الثوب من البول والدم والمني " (* 1) فالحصر فيه - على اشكاله - يحتمل قريبا وروده لبيان عقد النفي، لا مع عقد الاثبات، فلا إطلاق له. مضافا إلى ضعف الخبر، وعدم ثبوت الجابر له، لعدم ثبوت الاعتماد عليه. وكذا خبر زكريا بن آدم: " سألت أبا الحسن (ع) عن قطرة خمر أو نبيذ مسكر قطرت في قدر.. (إلى أن قال): قلت: فان قطر فيه الدم؟ قال (ع): الدم تأكله النار. قلت: فخمر أو نبيذ قطر في عجين أو دم قال (ع): فسد.. " (* 2). فان الظاهر وروده في مقام السؤال عن التأثير في القدر التي فيها اللحم الكثير، والمرق الكثير، ولذا سأل عن وقوع الدم في العجين، فالسؤال فيه ليس عن النجاسة بل عن حال الملاقي. هذا ويمكن أن يقرب عموم النجاسة: بأن الذي يظهر من النصوص الواردة في دم الانسان وفي دم الحيوان - على اختلاف مواردها - المفروغية عن نجاسته على وجه العموم. ولذا ورد نفي البأس عن دم البق والبراغيث والسمك، الظاهر كونه من قبيل الاستثناء من عموم النجاسة. لكن هذا المقدار من الاشعار لم يبلغ حد الحجية، الرافع لاصالة الطهارة مع الشك. (1) فيه إشارة إلى احتمال خلاف الشيخ (ره) فيما لا يدركه الطرف من الدم، حسب ما تقدم في مبحث المياه مع دليله (* 3). والى خلاف الصدوق (ره) فيما دون الحمصة الذي يشهد له خبر المثنى بن عبد السلام عن الصادق (ع): " إني حككت جلدي فخرج منه دم. فقال (ع):


(* 1) ذكره في الذكرى في الثالث والرابع من النجاسات صفحة: 13 سطر: 13. (* 2) الوسائل باب: 38 من ابواب النجاسات حديث: 8. (* 3) في أوائل فصل الراكد بلا مادة.

[ 347 ]

{ وأما دم ما لا نفس له فطاهر (1) كبيرا كان أو صغيرا كالسمك } إذا اجتمع قدر حمصة فاغسله وإلا فلا " (* 1). والى خلاف ابن الجنيد فيما دون سعة الدرهم من الدم وغيره من النجاسات. وكأنه اعتمد في الدم على ما سيأتي من النصوص المتضمنة للعفو عما دون الدرهم، وفي غيره على القياس عليه. ويحتمل أن يكون مرادهما مجرد العفو كظاهر دليل الثاني ومحمل دليل الاول، فلا يكون خلاف في المسألة. (1) إجماعا محكيا في كلام السيدين، والحلي، والمحقق، والعلامة في جملة من كتبه، والشهيدين، والسيد في المدارك - على ما حكي عنهم وكفى به دليلا على الطهارة. مع أنك عرفت أنها مقتضى الاصل، لفقد العموم الدال على نجاسة الدم الشامل لما نحن فيه. أما خبر السكوني عن أبي عبد الله (ع): " إن عليا (ع) كان لا يرى بأسا بدم ما لم يذك يكون في الثوب فيصلي فيه الرجل. يعني دم السمك " (* 2) ومكاتبة محمد بن ريان: " قال كتبت إلى الرجل: هل يجري دم البق مجرى دم البراغيث؟ وهل يجوز لاحد أن يقيس بدم البق على البراغيث فيصلى فيه؟ وأن يقيس على نحو هذا فيعمل به؟ فوقع (ع) يجوز الصلاة والطهر منه أفضل " (* 3). فالمستفاد منهما مجرد العفو في الصلاة. نعم ظاهر خبر غياث عن جعفر (ع) عن أبيه -: لا بأس بدم البراغيث والبق وبول الخشاشيف " (* 4) - الطهارة. لكن لا عموم فيه. ومثله صحيح ابن أبي يعفور في دم البراغيث (* 5).


(* 1) الوسائل باب: 20 من ابواب النجاسات حديث: 5. (* 2) الوسائل باب: 23 من ابواب النجاسات حديث: 2. (* 3) الوسائل باب: 23 من ابواب النجاسات حديث: 3. (* 4) الوسائل باب: 23 من ابواب النجاسات حديث: 5. (* 5) الوسائل باب: 23 من ابواب النجاسات حديث: 1.

[ 348 ]

{ والبق، والبرغوث، وكذا ما كان من غير الحيوان (1) كالموجود تحت الاحجار عند قتل سيد الشهداء (2)، ارواحنا فداه. ويستثنى من دم الحيوان المتخلف في الذبيحة بعد خروج المتعارف (3) سواء كان في العروق، أو في اللحم. أو في القلب، أو الكبد، فانه طاهر (4)، نعم إذا رجع دم المذبح إلى الجوف، لرد } هذا وقد يوهم المحكي في مفتاح الكرامة من عبارات الجمل والمبسوط والمراسم نجاسة الدم المذكور والعفو عنه. ولعله محمول على الطهارة، ولا سيما ما في الاولين بقرينة ما في الخلاف من النص على طهارة دم السمك فلاحظ. (1) كما نص عليه في الجواهر وغيرها. ويقتضيه أصالة الطهارة بعد ما عرفت من عدم عموم يقتضي نجاسة الدم. (2) ومثله ما خلق آية لموسى بن عمران (ع). (3) إجماعا كما عن المختلف، وآيات الجواد، وكنز العرفان، والحدائق، وبلا خلاف، كما عن البحار، والذخيرة، والكفاية، وغيرها. وقد يستدل عليه بما دل على نفي الحرج (* 1). وبالسيرة، وبما دل على حل الذبيحة وبعدم المقتضي للنجاسة، لانه ليس من المسفوح، وغير ذلك مما لا يخلو بعضه من المناقشة. (4) المذكور في بعض معاقد الاجماع على طهارة المتخلف خصوص العروق، وفي بعض آخر: خصوص اللحم وفي ثالث: هما معا. وكأن ذكر ذلك من باب المثال، إذ لا ينبغي التأمل في عموم الحكم لجميع ما في المتن وغيره من الشحم والعظم، والمخ. وعن شرح الدروس: إجماع الاصحاب ظاهرا على طهارة ذلك كله. وما عن أطعمة المدارك من قوله (ره): " وفي الحاق ما يتخلف في


(* 1) تقدم التعرض له في المسألة العاشرة من فصل ماء البئر.

[ 349 ]

{ النفس، أو لكون رأس الذبيحة في علو، كان نجسا (1). ويشترط في طهارة المختلف أن يكون مما يؤكل لحمه على } القلب والكبد وجهان " مما ظاهره التردد، في غير محله. ولذا جزم في الروضة بطهارته فيهما. ويشهد بذلك - مضافا إلى ظهور الاجماع عليه، لعدم تعرضهم للخلاف فيه والى اطراد الوجوه المذكورة آنفا فيه من السيرة ودليل نفي الحرج وغيرهما: أنه مقتضى أصالة الطهارة بعد عدم وضوح دخوله في معقد الاجماع على النجاسة. (1) كما نص عليه جماعة، منهم المحقق والشهيد الثانيان، والمقداد والصميرى على ما حكي عنهم. والوجه فيه: أما في صورة الرجوع من الخارج بالنفس ونحوه - كما هو ظاهر المفروض في المتن - فلان الدم الخارج نجس قطعا، فإذا رجع ألى الجوف بقي على نجاسته، بل ينجس به كل ما يلاقيه من دم وغيره. وحينئذ فان علم المتخلف بعينه، ولم تعلم ملاقاته للخارج الداخل إليه فهو طاهر، ولو علم بملاقاته له فهو نجس. ولو لم يعلم بعينه - فتردد بين كونه من المتخلف وكونه من الداخل إليه - فان كان طرفا لعلم إجمالي جرى عليه حكم الشبهة المحصورة، وإلا جرى عليه حكم الشبهة البدوية الآتي في المسألة السابعة. وأما في صورة الرجوع من الداخل فالمظنون أنه لا كلام في نجاسة الراجع. نعم عن شرح الدروس: أنه قد يقال: إنه إذا خرج منه دم يحكم بنجاسته، وإذا لم يخرج ولم يظهر فهو طاهر وإن كان في اللحم. انتهى. ولكنه بعيد جدا، وان كان مقتضى ما عرفت من الاشكال في ثبوت عموم نجاسة الدم الرجوع فيه إلى أصالة الطهارة. نعم في صحيح

[ 350 ]

{ الاحوط. فالمختلف من غير المأكول نجس، على الاحوط (1). (مسألة 1): العلقة المستحيلة من المني نجسة (2)، من } الشحام: " إذا قطع الحقلوم وخرج الدم فلا بأس به " (* 1). ومقتضى ظهوره في خروج الدم على النحو المتعارف حرمة الذبيحة في الفرض، وكونها ميتة (1) بل عن الذخيرة، والكفاية، والبحار، وشرح المفاتيح: الظاهر اتفاق الاصحاب على النجاسة. وكأن وجه ذلك ما في محكي المعالم من إطلاقهم نجاسة الدم سوى المتخلف في الذبيحة، وان المتبادر من الذبيحة خصوص المأكولة. لكن التبادر غير ظاهر، إلا أن يكون من جهة استدلال بعضهم على طهارة المتخلف بالسيرة، وأدلة نفي الحرج وحل الذبيحة. لعدم اطراد الوجوه المذكورة في غير المأكول، بل عدم اطرادها في الجزء غير المأكول كالطحال من الذبيحة المأكولة. لكنه معارض باستدلال بعضهم على طهارته بعدم كونه مسفوحا. لعدم الفرق في ذلك بين المأكول وغيره مطلقا. ولذا نسب شيخنا الاعظم (ره) الطهارة في الجزء غير المأكول إلى ظاهر الاصحاب، فلا يبعد الحكم بالطهارة في المقام، كما عن كشف اللثام، والعلامة الطباطبائي (ره) في منظومته، بل فيها نسبة الطهارة فيه إلى المعظم. لما عرفت من عدم ثبوت عموم نجاسة الدم، والاصل الطهارة. المعتضد بخلو النصوص من التعرض للنجاسة مع أنها مما يغفل عنها، لكون المرتكز عرفا أن تذكية غير المأكول بحكم تذكية المأكول في طهارة المتخلف، وأنهما سواء في ذلك. (2) إجماعا محكيا عن الخلاف، وتبعه عليه كثير ممن تأخر عنه، بل في الجواهر: " لم يعرف من جزم بالطهارة إلا صاحب الحدائق ".


(* 1) الوسائل باب: 2 من ابواب الذبائح حديث: 3.

[ 351 ]

نعم تأمل فيه جماعة، كالشهيد في الذكرى، والاردبيلي، وكاشف اللثام. وفي المعتبر استدل على النجاسة بأنها - يعني: العلقة - دم حيوان له نفس ورده جماعة: بأن تكونه في الحيوان لا يستلزم كونه جزءا منه، بل في كشف اللثام: " منع بعضهم الدخول في اسم الدم عرفا، خصوصا التي في البيضة ". لكنه - كما ترى - خلاف النظر العرفي، غاية الامر أنها عندهم دم غليظ وأما ما ذكره الجماعة فمبني على كون المراد من دم الحيوان ذي النفس ما يكون جزأه، فالاضافة من قبيل اضافة الجزء إلى الكل. أما لو أريد ما يعم المتكون فيه فلا تتجه والمعنى الاول وان كان أظهر من العبارة المذكورة، لكن اجماع الخلاف على النجاسة، وقبول من تأخر عنه له، يدل على أن المراد منه المعنى الثاني. ويشهد لذلك ما عن الخلاف من الاستدلال على النجاسة - مضافا إلى اجماع الفرقة -: بأن مادل على نجاسة الدم دل على نجاسة العلقة. فانه لولا أن يكون المراد ما ذكرنا من المعنى لم يكن الاستدلال متجها، كما لا يخفى. لكن يشكل الحكم بالنجاسة بعدم ثبوت عموم النجاسة لدم ذي النفس فضلا عن الدم المتكون فيه، واجماع الخلاف لا يبعد أن يكون مستنده دعوى عموم النجاسة له، كما يظهر من استدلاله عليه به. وأشكل من ذلك ما في المعتبر، والتذكرة، والقواعد وعن النافع، والجامع، وكشف الرموز، وغيرها، من الحكم بنجاسة علقة البيضة. فانه يتوقف على عموم النجاسة لما يكون مبدأ نش ء حيوان ذي نفس وان لم يكن جزءا منه، ولا متكونا فيه، فان علقة البيضة تتكون فيها غالبا بعد خروج البيضة من الحيوان، فان ثبوت مثل هذا العموم كما ترى، وان كان ظاهر استدلال المعتبر على النجاسة فيها بأنها من الدم النجس ظاهر في ذلك. ولكنه غير واضح.

[ 352 ]

{ إنسان كان أو من غيره، حتى العلقة في البيض. والاحوط الاجتناب عن النقطة من الدم الذي يوجد في البيض (1). لكن إذا كانت في الصفار وعليه جلدة رقيقة لا ينجس معه البياض إلا إذا تمزقت الجلدة (2). } وبالجملة: الظاهر من دم الحيوان ذي النفس الذي هو موضوع النجاسة - بناء عليه - هو ما يعد جزءا منه، والبناء على نجاسة العلقة المستحيلة من المني يتوقف على ارادة مطلق ما يتكون في الحيوان، والبناء على نجاسة علقة البيضة أيضا يتوقف على إرادة الاعم منه ومما يكون مبدأ نش ء الحيوان وفتوى الشيخ بحل علقة البيضة الملزومة للقول بالطهارة فيها تنافي المعنى الاخير، وفتوى الجماعة بنجاستها تقتضي ارادته، فالقرائن على كل من المعيين متدافعة، وأدلة النجاسة في نفسها قاصرة عن شمول ذلك كله، كما عرفت آنفا. وعليه يشكل التمسك بها في كل من العلقتين. وأما اجماع الخلاف فيشكل الاعتماد عليه، لما عرفت من الظن بمستنده الذي لم يثبت. وعلى هذا فالبناء على النجاسة في كل من العلقتين غير ظاهر وان كان هو الموافق لمذاق المتشرعة. (1) فانه وان لم يتضح دليل على النجاسة من إجماع أو غيره، لقصور أدلة النجاسة؟ من شمولها، فان دم الحيوان ذي النفس - على أي معنى من المعاني الثلاثة المتقدمة حمل - لا يشملها، ولو أريد منه ما يكون منسوبا إلى الحيوان ولو بلحاظ كون أصله متكونا في جوف الحيوان ولو لم يكن جزءا منه - كان شاملا لها، إلا أنه مما لا يمكن الالتزام به. غير أن الطهارة خلاف ذوق المتشرعة وإلا فاصل الطهارة محكم بلا شبهة. (2) فينجس البياض من ملاقاة الصفار المتنجس بملاقاة الدم. لكن في المستند. استشكل في تنجس الصفار. وكأنه لان الغلظ والكثافة الموجودين

[ 353 ]

{ (مسألة 2): المتخلف في الذبيحة وان كان طاهرا، لكنه حرام (1) } فيه يمنعان من سراية النجاسة إلى تمام أجزائه. وسيأتي تحقيق ذلك في شرائط التنجيس. نعم من المحتمل أن يكون على النقطة غشاء يمنع من سراية نجاستها إلى الصفار فيتعين الرجوع إلى أصالة الطهارة. (1) في الحدائق: انه طاهر حلال من غير خلاف يعرف، واستدل له - مضافا إلى اتفاق الاصحاب من غير خلاف ينقل - بما دل على حصر المحرمات في الآيات المستلزم للطهارة. لانه متى كان حلالا كان طاهرا. وبالروايات الدالة على عد محرمات الذبيحة (* 1) ولم تذكره منها، وان كانت الدلالة لا تخلو من ضعف مع اعتضاد ذلك بأصالة الطهارة انتهى. أقول: المراد من آية الحصر قوله تعالى: (قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا..) (* 2). فان مقتضى الحصر حلية غير المسفوح، ومنه المتخلف. وفيه: أنه لو تم ذلك لحل كل دم غير مسفوح، ولا يختص بالمتخلف، وهو مما لم يقل به أحد. والوجه فيه عموم تحريم الدم في الآيات (* 3) والروايات (* 4)، والحصر المذكور لابد من توجيهه ضرورة كثرة المحرمات المطعومة من الحيوانات فضلا عن غيرها، فلو بني على عمومه لزم التخصيص المستهجن. فاما أن يحمل على الاضافي، أو على زمان نزول الآية - كما قيل - أو غير ذلك من وجوه الجمع.


(* 1) راجع الوسائل باب: 31 من ابواب الاطعمة المحرمة (* 2) الانعام: 145. (* 3) البقرة: 173، والمائدة: 3، والنحل: 115 (* 4) راجع الوسائل باب: 1، 48، 49، 59 من ابواب الاطعمة المحرمة.

[ 354 ]

{ إلا ما كان في اللحم مما يعد جزءا منه (1). (مسألة 3): الدم الابيض إذا فرض العلم بكونه دما نجس (2)، كما في خبر فصد العسكري (3) صلوات الله عليه وكذا إذا صب عليه دواء غير لونه إلى البياض. } ومن ذلك يظهر الاشكال في التمسك بمفهوم الوصف. مع أن التحقيق عدم حجية مفهوم الوصف. ولعل النكتة في التقييد بالمسفوح كثرة الابتلاء به في الجاهلية. مضافا إلى النصوص الكثيرة المتضمنة لذكر محرمات الذبيحة وقد عد فيها الدم، وعقد لها في الوسائل بابا طويلا. فراجع. وحمل الدم فيها على ما يخرج بالذبح خلاف إطلاقها. وأشكل من ذلك ما ذكره في الفرع الاول من فروع المسألة من حلية العلقة حتى التي في البيضة، لعدم كونها من المسفوح. (1) بأن يكون مستهلكا عرفا في اللحم. والاظهر حلية ما جرت السيرة على أكله مع اللحم تبعا، مما يحتاج في تخليصه من اللحم إلى عمل وعناية، من غسل وعصر ونحوهما، وإن لم يكن مستهلكا في اللحم. (2) كأنه لاطلاق بعض النصوص الواردة في بعض الموارد الخاصة، وترك الاستفصال في بعض آخر، وبضميمة عدم القول بالفصل تثبت النجاسة على وجه العموم. مضافا إلى إطلاق معاقد الاجماع على نجاسة الدم الشامل للابيض والاصفر وغيرهما. (3) روى في الوسائل (* 1) حديثا في ذلك عن الكافي، وفي البحار (* 2) حديثا آخر عن الخرائج والجرائح، روى في الوسائل (* 3) بعضه، وفي


(* 1) باب: 10 من أبواب ما يكتسب به حديث: 1. (* 2) المجلد الثاني عشر في باب معجزات العسكري (ع). (* 3) باب: 10 من ابواب ما يكتسب به حديث: 2.

[ 355 ]

{ (مسألة 4): الدم الذي قد يوجد في اللبن عند الحلب نجس (1) ومنجس للبن. (مسألة 5): الجنين الذي يخرج من بطن المذبوح ويكون ذكاته بذكاة أمه تمام دمه طاهر (2). ولكنه لا يخلو عن إشكال. (مسألة 6): الصيد الذي ذكاته بآلة الصيد في طهارة ما تخلف فيه بعد خروج روحه إشكال، وان كان لا يخلو عن وجه (3). وأما ما خرج منه فلا إشكال في نجاسته. } الاول: " خرج دم أبيض كأنه الملح " وفي الثاني: " مثل اللبن الحليب " فراجع. (1) لانه دم مسفوح من حيوان ذي نفس، غاية الامر أنه لضعف آلة الافراز يحصل الاختلاط. وعليه ينجس اللبن بملاقاته له في الخارج. (2) كما لم يستبعده في الجواهر، وجزم به في كشف الغطاء. ولكنه غير ظاهر - كما قيل - فان دم الجنين لا يدخل في المتخلف في الذبيحة المستثنى من الدم النجس. وكون المراد من الذبيحة مطلق المذكى، ولذا يشمل المذكى بالنحر مسلم، ولا يجدي في المقام، لان طهارة المتخلف موضوعها المتخلف بعد خروج الدم من المذكى، وهو مفقود في الجنين إلا بعد ذبحه وخروج دمه. ولذا قال المصنف (ره). " ولكنه لا يخلو عن إشكال ". إلا أن يدفع بفقد العموم الدال على نجاسته. والاجماع عليها غير ثابت بنحو يشمل المقام، الذي نص بعضهم على طهارته. والاصل يقتضي الطهارة. ولانه لو بني على نجاسة دمه المتخلف بطل الانتفاع به غالبا، وهو خلاف ظاهر الادلة، بل خلاف المقطوع به منها. (3) الكلام فيه هو الكلام في دم الجنين.

[ 356 ]

{ (مسألة 7): الدم المشكوك في كونه من الحيوان أو لا محكوم بالطهارة (1) كما أن الشئ الاحمر الذي يشك في أنه دم أم لا كذلك. وكذا إذا علم أنه من الحيوان الفلاني، ولكن لا يعلم أنه مما له نفس أم لا، كدم الحية والتمساح، وكذا إذا لم يعلم أنه دم شاة أو سمك. فإذا رأى في ثوبه دما لا يدري أنه منه أو من البق أو البرغوث يحكم بالطهارة. وأما الدم } (1) قد عرفت أنه لا عموم لفظي يدل على عموم نجاسة الدم، وأن العمدة فيه الاجماعات المدعاة على عموم نجاسة دم الحيوان من ذي النفس السائلة في الجملة، فإذا شك في الدم أنه دم حيوان أو غيره، أو علم أنه دم حيوان وشك في أنه دم ذي نفس سائلة أو غيره، فلما لم يحرز عنوان العام الذي هو شرط في التمسك به - إجماعا - كان المرجع فيه أصالة الطهارة. وأولى منه بذلك ما شك في كونه دما أو صبغا. وقد يدعى كون الاصل النجاسة فيما أحرز أنه دم وان لم يعلم أنه من حيوان أو من ذي النفس، لما في موثقة عمار المتقدمة من قوله (ع): " فان رأيت في منقاره دما فلا تشرب ولا تتوضأ " (* 1). لكن عرفت في أول المبحث أن الرواية في مقام جعل الحكم الظاهري للسؤر عند الشك في نجاسته وطهارته للشك في وجود الدم على منقار الطائر وعدمه، بعد المفروغية عن نجاسة الدم. كما يشهد به كون السؤال فيها عن سؤر السباع من الطير التي تأكل الميتة، وليست في مقام جعل الحكم الظاهري بنجاسة الدم الذي يكون على منقار الطير مع الشك في كونه من الدم الطاهر أو النجس.


(* 1) الوسائل باب: 4 من ابواب الاسئار حديث: 2 وقد تقدمت في أول مبحث نجاسة الدم.

[ 357 ]

{ المتخلف في الذبيحة إذا شك في أنه من القسم الطاهر أو النجس فالظاهر الحكم بنجاسته، عملا بالاستصحاب (1)، وإن كان لا يخلو عن إشكال (2). ويحتمل التفصيل بين ما إذا كان } هذا مضافا إلى معارضتها بذيلها المروي في الاستبصار، بل وفي الفقيه - كما قيل - في ماء شربت منه دجاجة: " إن كان في منقارها قذر لم يتوضأ منه ولم يشرب، وان لم يعلم أن في منقارها قذرا توضأ منه واشرب " وكما يمكن تخصيص الثانية بغير الدم، يمكن تقييد الاولى بصورة العم بنجاسة الدم، وحيث لا مرجح يكون الصدر بمنزلة المجمل، والمرجع عموم قاعدة الطهارة. بل لعل تقييد إطلاق الصدر لكونه أحواليا أولى من تقييد إطلاق الذيل، لكونه افراديا. (1) كأنه يريد استصحاب النجاسة الثابتة قبل التذكية، إذ الشك يكون في ارتفاع النجاسة بصيرورة الدم من المتخلف. (2) لعدم وضوح الدليل على نجاسة الدم الموجود في الجسد قبل التذكية، وكذا نجاسة بقية الاعيان من البول والمني والغائط، كما أشرنا إلى ذلك في المسألة الاولى من مبحث نجاسة البول. نعم قد يظهر من كلماتهم الاجماع عليها. ولكن الاعتماد عليه مشكل، لاحتمال كون مستنده عدم الفرق في مرتكز العرف بين الخارج والداخل، فيتعدى من مورد الادلة - وهو الخارج - إلى الآخر. لكنه غير ظاهر، ولاسيما في مثل الدم الذي هو ما دام في الباطن له نحو من الحياة، وبه قوام الحياة البشرية، وأنه غذاء الجنين في بطن أمه، ولان البناء على ذلك يستلزم البناء على مطهرية التخلف، وهو مما لا يوافق الارتكاز العرفي، وكذا لا يوافق الارتكاز بناؤهم على عدم نجاسة ما يلاقيه من الداخل. فالارتكاز متدافع، فلا مجال للعمل به. بل ما في كشف الغطاء: - من قوله (ره): " والاقوى

[ 358 ]

{ الشك من جهة احتمال رد النفس، فيحكم بالطهارة، لاصالة عدم الرد (1) وبين ما كان لاجل احتمال كون رأسه على علو فيحكم بالنجاسة، عملا بأصالة عدم خروج المقدار المتعارف. (مسألة 8): إذا خرج من الجرح أو الدمل شئ } أن المني، والدم، والبول، والغائط، محكوم بنجاستها مع استمرارها في الباطن انتقلت عن محالها أولا، لكنها لا تؤثر تنجيسا في الباطن.. يشعر بوجود الخلاف في نجاستها في الداخل. اللهم إلا أن يكون نظره في قوله: " الاقوى " إلى الحكم الاخير. ويحتمل أن يكون وجه الاشكال في المتن احتمال تبدل الموضوع المانع من جريان الاستصحاب. ويحتمل أن يكون وجه الاشكال لزوم الرجوع إلى الاصول الموضوعية، كما سيذكره (ره). وهذا الاحتمال هو الاظهر في العبارة. (1) لا يخفى أن اشتراط خروج الدم في طهارة الدم المتخلف ليس على حد اشتراط عدم رد النفس. فان الاول إذا انتفى انتفت طهارة المتخلف بالمرة، بخلاف الثاني، فانه لو انتفى بقي المتخلف على طهارته، ويكون النجس الدم الراجع لا غير. وعليه إذا شك في نجاسة الدم للشك في تحقق الخروج فالشبهة بدوية، للشك في تحقق شرط الطهارة، فأصالة عدم الخروج محكمة، لانها أصل سببي موضوعي فيقدم على قاعدة الطهارة، أو استصحاب النجاسة المتقدم، لانه أصل حكمي مسببي. وإذا شك في نجاسة الدم للشك في تحقق الرد، فقد علم بوجود الدم الطاهر، واحتمل وجود الدم النجس، فالشك في نجاسة دم معين ناشئ من الشك في أنه الدم الطاهر المعلوم، أو النجس المشكوك، وأصالة عدم الرد لا تصلح لتعيين حال الدم المعين إلا بناء على الاصل المثبت، فيتعين الرجوع إلى

[ 359 ]

{ أصفر يشك في أنه دم أم لا محكوم بالطهارة (1). وكذا إذا شك من جهة الظلمة أنه دم أم قيح ولا يجب عليه الاستعلام (2). } (مسألة 9): إذا حك جسده فخرجت رطوبة يشك في أنها دم أو ماء أصفر يحكم عليها بالطهارة (3). (مسألة 10): الماء الاصفر الذي ينجمد على الجرح عند البرء طاهر الا إذا علم كونه دما، أو مخلوطا به (4)، فانه نجس الا إذا استحال جلدا. } الاصل الحكمي، وهو إما استصحاب النجاسة المتقدم، أو أصالة الطهارة. ثم إنه قد يشكل جريان أصالة عدم الخروج في الفرض الاول: بأن الخروج لم يذكر في القضية الشرعية شرطا للطهارة، كي يكون مجرى للاصل الشرعي. بل القدر الثابت من الاجماع والسيرة، وغيرهما، طهارة المتخلف بعد خروج الدم على النحو المتعارف، أما كون الخروج شرطا شرعيا، أو أنه ملازم للشرط فغير معلوم. ومن ذلك يظهر أنه إن تم استصحاب النجاسة، فهو المرجع في الفرضين، ويتعين البناء على النجاسة فيهما، وان أشكل بما سبق، فالمتعين البناء على الطهارة، لقاعدة الطهارة. (1) لقاعدة الطهارة، كما تقدم. (2) كما في سائر الشبهات الموضوعية، لاطلاق أدلة الاصول الجارية فيها. نعم قيل بوجوبه في موارد خاصة، لقيام دليل عليه بالخصوص. (3) لما سبق. (4) يعني: بنحو يكون ماء ودما، لا بنحو يكون الدم مستهلكا عرفا فيصدق عليه أنه ماء أصفر، وان كان حدوث الصفرة فيه لملاقاته للدم، فان الملاقاة في الداخل لا توجب النجاسة، وفي الخارج لا ملاقاة للدم

[ 360 ]

{ (مسألة 11): الدم المراق في الامراق حال غليانها نجس، منجس (1) وان كان قليلا مستهلكا، والقول بطهارته (2) بالنار - لرواية ضعيفة - (3) ضعيف. } - عرفا - كما هو المفروض ومجرد تغير المائع بلون الدم لا دليل على أنه يوجب النجاسة في أمثال المقام مما كانت الملاقاة في الباطن. وكذا تغيره بريحه أو طعمه أو بغيره من النجاسات الداخلية مع كون الملاقاة في الداخل. (1) لقاعدة سراية النجاسة إلى الملاقي للنجس. مع شهادة بعض النصوص (* 1) بها في خصوص الدم في الجملة. (2) كما عن المفيد، والشيخ في النهاية، والقاضي، والديلمي. مع التقييد بالقليل في كلام النهاية، والقاضي. (3) رواها الشيخ (ره) عن محمد بن أحمد بن يحيى، عن يعقوب بن يزيد عن الحسن بن المبارك، عن زكريا بن آدم قال: " سألت أبا الحسن (ع): عن قطرة خمر أو نبيذ مسكر قطرت في قدر فيه لحم كثير ومرق كثير. قال (ع): يهراق المرق أو يطعمه أهل الذمة، أو الكلب، واللحم اغسله وكله. قلت: فان قطر فيه الدم؟ قال (ع): الدم تأكله النار إن شاء الله " (* 2) ورواها الكليني عن محمد بن يحيى، عن محمد بن موسى، عن الحسين بن المبارك، عن زكريا بن آدم (* 3). وضعف الطريقين كان بابن المبارك سواء أكان الحسن - كما في بعض نسخ التهذيب - أم الحسين - كما في بعض آخر وفي الكافي - فان الاول مهمل، والثاني لم يتعرض له بمدح أو قدح، غير أن له كتابا رواه البرقي عن


(* 1) راجع الوسائل باب: 82 من أبواب النجاسات (. 2) الوسائل باب: 38 من ابواب النجاسات حديث: 8 (* 3) الوسائل باب: 26 من ابواب الاشربة المحرمة حديث: 1.

[ 361 ]

أبيه عنه. وفي المختلف طعن في سند الرواية: بأن محمد بن موسى، إن كان ابن عيسى السمان فقد طعن فيه القميون، وتكلموا فأكثروا فيه قاله ابن الغضائري. انتهى. لكن طريق الشيخ (ره) ليس فيه محمد بن موسى. وروى الكليني عن أبي علي الاشعري، عن محمد بن عبد الجبار، عن محمد بن اسماعيل، عن علي بن النعمان، عن سعيد الاعرج قال: " سألت أبا عبد الله (ع): عن قدر فيها جزور وقع فيها قدر أوقية من دم أيؤكل؟ قال (ع): نعم، فان النار تأكل الدم " ورواه الصدوق باسناده عن سعيد الاعرج (* 1). وفي المختلف: " إن سعيد الاعرج لا أعرف حاله، والاحتجاج يتوقف على معرفة عدالته ". وكأنه إلى ذاك أشار في الدروس قال: " ولو وقع دم نجس في قدر تغلي على النار غسل الجامد وحرم المائع عند الحليين. وقال الشيخان بحل المائع إذا علم زوال عينه بالنار، وشرط الشيخ قلة الدم. وبذلك روايتان لم يثبت صحة سندهما مع مخالفتهما للاصل ". أقول: قد نص النجاشي والروضة على وثاقة سعيد بن عبد الرحمن الاعرج، والذي يظهر من جملة من القرائن أنهما واحد، فان الفهرست اقتصر على ذكر سعيد الاعرج، ورجال الشيخ على ذكر سعيد بن عبد الرحمن ولو كانا متغايرين لزم ذكرهما معا في كل من الكتابين. مضافا إلى وحدة الراوي عنهما، وهو صفوان، والمروي عنه، وهو أبو عبد الله (ع) وإلى أن الصدوق روى هذه الرواية عن سعيد الاعرج، ولم يذكر طريقه إليه وإنما ذكر طريقه إلى سعيد بن عبد الله الاعرج، وهو ابن عبد الرحمن، كما ذكره النجاشي والعلامة وابن داود وغيرهم. ولاجل ذلك صحح الرواية المذكورة جمع كثير من الاعاظم، بل من ذلك تظهر صحة حديث سعيد


(* 1) الوسائل باب: 44 من ابواب الاطعمة المحرمة حديث: 2.

[ 362 ]

{ (مسألة 12): إذا غرز ابرة أو أدخل سكينا، في بدنه أو بدن حيوان فان لم يعلم ملاقاته للدم في الباطن فطاهر وان علم ملاقاته لكنه خرج نظيفا فالاحوط الاجتناب عنه (1). (مسألة 13): إذا استهلك الدم الخارج من بين } الاعرج. وفي كتاب علي بن جعفر (ع) عن أخيه (ع) قال: " سألته عن قدر فيها ألف رطل ماء يطبخ فيها لحم وقع فيها أوقية دم. هل يصلح أكله؟ فقال (ع): إذا طبخ فكل فلا بأس " (* 1). فالرواية الدالة على هذا القول ليست ضعيفة. نعم يمكن المناقشة في دلالة الصحيح المذكور بعدم ظهوره في كون السؤال عن الدم النجس، وأنه ينجس ما في القدر إذا كان يغلي، بل من الجائر أن يكون السؤال من حيث حرمة اكل الدم الطاهر، ومثلها رواية ابن جعفر. نعم لا مجال لهذه المناقشة في رواية زكريا بن آدم، لان قرينة السياق فيها تأبى ذلك. كما أن الظاهر أنها هي المعتمد للشيخ والقاضي، لا الصحيح، بقرينة تقييد الحكم بالدم القليل المفهوم من قول السائل: " قطرة فيه الدم " الذي لا يصدق على الاوقية. وكيف كان فالروايات المذكورة - لو صح سندها وتمت دلالتها - لا مجال للعمل بها، لان مضمونها من المستنكرات الواضحة عند المتشرعة وهذا هو العمدة في سقوطها عن الحجية، لا إعراض المتأخرين عنها، لان عمل القدماء أولى بالعناية من إعراض المتأخرين، ولاسيما مع بيان وجه الاعراض من ضعف السند، وظهور الخطأ فيه، كما عرفت. (1) تقدم الكلام فيه في المسألة الاولى من نجاسة البول. وكذا الكلام في المسألة الآتية. ولو قلنا بعدم نجاسة الدم في الداخل فلا إشكال.


(* 1) الوسائل باب: 44 من ابواب الاطعمة المحرمة حديث: 3.

[ 363 ]

{ الاسنان في ماء الفم فالظاهر طهارته، بل جواز بلعه. نعم لو دخل من الخارج دم في الفم فاستهلك فالاحوط الاجتناب عنه. والاولى غسل الفم بالمضمضة أو نحوها. (مسألة 14): الدم المنجمد تحت الاظفار أو تحت الجلد من البدن ان لم يستحل وصدق عليه الدم، نجس، فلو انخرق الجلد ووصل الماء إليه تنجس. ويشكل معه الوضوء أو الغسل (1)، فيجب إخراجه إن لم يكن حرج، ومعه يجب أن يجعل عليه شيئا مثل الجبيرة (2) فيتوضا أو يغتسل. هذا إذا علم أنه دم منجمد، وان احتمل كونه لحما صار كالدم من جهة الرض - كما يكون كذلك غالبا - فهو طاهر (3). (السادس، والسابع): الكلب والخنزير البريان (4)، } (1) لاحتمال وجوب غسل ما تحته وهو حائل. (2) يأتي - إن شاء الله - في وضوء الجبائر الاشكال في الاجتزاء بذلك إذا كانت الخرقة الموضوعة لا تعد جزءا من الحاجب الذي لا تمكن إزالته. (3) لكن إذا بني على ما تقدم من وجوب وضع شي ء عليه إذا كان دما يجب عليه الجمع بين غسله في الوضوء أو الغسل، وبين وضع شئ عليه والمسح على الجبيرة، للعلم الاجمالي بوجوب أحد الامرين. (4) إجماعا، كما عن الغنية، والمعتبر، والمنتهى، والتذكرة، والذكرى والدلائل، وكشف اللثام، وغيرها. والنصوص به مستفيضة، بل لعلها في الاول متواترة، ففي بعضها: الامر بغسل الثوب الملاقي له برطوبة. وفي آخر: أنه رجس نجس. وفي ثالث: " هو نجس " يقولها ثلاثا - وفي رابع: الامر بغسل الاناء الذي يشرب منه. وفي خامس: " لا والله

[ 364 ]

{ دون البحري منهما (1). وكذا رطوباتهما، وأجزاؤهما (2)، } إنه نجس لا والله إنه نجس ". وفي سادس: النهي عن الشرب من سؤره وفي سابع: الامر بغسل اليد عند مسه.. إلى غير ذلك (* 1). وفي الثاني ورد الامر بغسل الاناء الذي يشرب منه سبع مرات. والامر بغسل الثوب الذي يصيبه فيكون فيه أثر. والامر بغسل اليد عند مس شعره.. إلى غير ذلك (* 2). وما يظهر من بعض النصوص (* 3) من طهارتهما مؤل أو مطروح، لمخالفته للاجماعات السابقة. وما عن الصدوق (ره): من التفصيل بين كلب الصيد وغيره، فيجب غسل الملاقي للثاني برطوبة، ويجب رشه بالماء في الاول. ضعيف، فانه - مع كونه خلاف إطلاق الادلة - خلاف حسنة ابن مسلم: " عن الكلب السلوقي. قال (ع): إذا مسسته فاغسل يدك " (* 4). (1) عن المشهور. إما لكونهما حقيقة في خصوص البري منهما - كما عن جماعة - وهو الاظهر، فيجب حمل النصوص عليه. وإما للانصراف إليه دون البحري وان كان حقيقة فيهما على الاشتراك اللفظي - كما في المنتهى في الكلب - أو على الاشتراك المعنوي، كما هو المنسوب إلى المشهور فيهما وما عن الحلي من عموم النجاسة للبحري ضعيف. (2) لدخولهما في معاقد الاجماعات، وظاهر النصوص.


(* 1) راجع الوسائل باب: 12 من ابواب النجاسات تجد جميع ذلك. (* 2) راجع الوسائل باب: 13 من ابواب النجاسات تجد جميع ذلك. (* 3) الوسائل باب: 14 من ابواب الماء المطلق حديث: 2، 3، 16. وفي باب: 2 من ابواب الاسئار حديث: 6. (* 4) الوسائل باب: 12 من ابواب الماء المطلق حديث: 9.

[ 365 ]

{ وان كانت مما لا تحله الحياة (1) كالشعر، والعظم، ونحوهما. ولو اجتمع أحدهما مع الآخر، فتولد منهما ولد، فان صدق عليه اسم أحدهما تبعه (2)، وان صدق عليه اسم أحد الحيوانات الاخر، أو كان مما ليس له مثل في الخارج كان طاهرا (3)، وان كان الاحوط الاجتناب عن المتولد منهما، إذا لم يصدق عليه اسم أحد الحيوانات الطاهرة (4). } (1) على المشهور. بل لم يعرف الخلاف فيه إلا عن السيد. وجده الناصر فذهبا إلى طهارتهما، وعن البحار متابعتهما في ذلك. لصحيح زرارة: " عن الحبل يكون من شعر الخنزير يستقى به الماء من البئر أيتوضأ من ذلك الماء؟ قال (ع): لا بأس " (* 1)، وقريب منه موثق ابنه (* 2) ولعمومات طهارتها من الميتة الشاملة لها منهما. ولما عن الاول من حكاية الاجماع على الطهارة. ومن دعوى نفي الجزئية (وفيه): أن الصحيح والموثق - مع أنهما غير ظاهرين في المدعى - أخص منه. وعمومات طهارتها من الميتة ظاهرة في نفي نجاسة الموت لا مطلقا. ونفي الجزئية والاجماع ممنوعان. (2) لاطلاق دليل نجاسة المتبوع منهما. (3) لاطلاق دليل طهارة المتبوع لو كان، ولاصالة الطهارة لو لم يكن أو لم يكن له مثل أصلا. (4) لامكان دعوى كون المرجع فيه استصحاب النجاسة الثابتة له قبل ولوج الروح فيه، باعتبار كونه جزءا من الام وهو مقدم على أصالة الطهارة، ومجرد ولوج الروح فيه لا يوجب تعدد الموضوع - عرفا - كما تقدم نظيره. ومنه يظهر الاكتفاء في نجاسة الولد بنجاسة الام. كما يظهر


(* 1) الوسائل باب: 14 من ابواب الماء المطلق حديث: 2. (* 2) الوسائل باب: 14 من ابواب الماء المطلق حديث: 3.

[ 366 ]

{ بل الاحوط الاجتناب عن المتولد من أحدهما مع طاهر إذا لم يصدق عليه اسم ذلك الطاهر (1)، فلو نزى كلب على شاة، } أيضا اطراد الحكم فيما لو صدق عليه أحد الحيوانات الطاهرة، إذا لم يكن لدليل طهارته إطلاق يشمل الولد المذكور. هذا ولكن عرفت الاشكال في جزئية الجنين للام، فدليل نجاستها لا يقتضي نجاسته، فلا مجال للاستصحاب ليحكم على أصالة الطهارة. وعن جماعة - منهم الشهيدان والمحقق الثاني - نجاسة المتولد منهما معا مطلقا، ومال إليه شيخنا الاعظم (ره)، لعدم خروجه عن حقيقتهما وإن كان مبائنا لهما في الصورة، أو للعلم بوجود مناط النجاسة فيه. وفيه: أن الاول - لو سلم - لا يقتضي ثبوت النجاسة، لانها ليست تابعة للحقيقة في نظر العقل، ولذا بني على الفرق بين البول والبخار المتصاعد منه مع اتحادهما في الحقيقة، كما لا يظن أيضا الالتزام بطهارة الكلب المتولد من طاهرين. والعلم بوجود مناط النجاسة ممنوع جدا. (1) وجه الاحتياط ظاهر لو كان أحدهما الام، لاحتمال الجزئية منها كما تقدم، بل بالنسبة إلى السطح الظاهر قد يجري استصحاب النجاسة - بناء على نجاسة بدن الحيوان - لانه يخرج متلوثا برطوبة الام، ويشك في طهارته بزوال عين النجاسة، فيرجع إلى استصحاب النجاسة. لكنه بناء على ثبوت النجاسة العرضية للنجس بالذات يكون من استصحاب الكلي من القسم الثالث، وبناء على عدمها، يكون من القسم الثاني، ويتوقف جريانه على ثبوت الحكم للكلي لا للفرد، وإلا كان من استصحاب الفرد المردد. فتأمل جيدا. أما لو كان الاب فالاحتياط غير ظاهر، إلا من جهة احتمال جريان استصحاب النجاسة الثابتة له حين كان علقة. لكنه لو تم لم يفرق بين أن يصدق عليه الطاهر وعدمه.

[ 367 ]

{ أو خروف على كلبة، ولم يصدق على المتولد منهما اسم الشاة، فالاحوط الاجتناب عنه، وان لم يصدق عليه اسم الكلب. الثامن: الكافر باقسامه (1)، } نعم يمكن الفرق بين أن يكون الطاهر الصادق عليه مما ثبتت طهارته بدليل مطلق وغيره. ففي الاول يرجع إلى اطلاق الطهارة، وفي الثاني إلى استصحاب النجاسة. وكيف كان يشكل الاستصحاب المذكور بتعدد الموضوع عرفا، للاستحالة. (1) إجماعا محكيا في جملة من كتب الاعيان، كالناصريات، والانتصار والغنية، والسرائر، والمعتبر، والمنتهى، والبحار، والدلائل، وكشف اللثام وظاهر التذكرة، ونهاية الاحكام - على ما حكي عنها - بل عن التهذيب إجماع المسلمين. لكن القول بالطهارة هو المعروف عند المخالفين. وكيف كان فاستدل للنجاسة بقوله تعالى: (إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام..) (* 1). لكن استشكل فيه (تارة): بأن النجس مصدر، ولا يصح حمله على العين إلا بتقدير (ذو) ويكفي في الاضافة التي تحكيها (ذو) أدنى ملابسة، ولو من جهة النجاسة العرضية الحاصلة لهم من مباشرتهم للاعيان النجسة. فلا تدل على النجاسة الذاتية. وفيه - كما في المعتبر وغيره -: أنه يصح حمل المصدر على العين للمبالغة نحو: " زيد عدل " وهو وان كان مجازا، لكنه أقرب من التقدير مضافا إلى أن المحكي عن جماعة من أهل اللغة - كما صرح به في القاموس - أن النجس - بالفتح - وصف كالنجس - بالكسر - وهو ضد الطاهر، فيصح حمله على العين على الحقيقة، بدون شائبة تجوز، ولو سلم أن المراد " ذو نجاسة " أمكن الاستدلال باطلاقه على النجاسة الذاتية، إذ النجاسة


(* 1) التوبة: 28.

[ 368 ]

العرضية إنما تكون بملاقاة الاعيان النجسة مع عدم استعمال المطهر، فاطلاق كونهم ذانجاسة - حتى مع عدم ملاقاة الاعيان النجسة، ومع استعمال المطهر - يدل على كون النجاسة ذاتية بالالتزام. وأخرى: بأن لفظ النجس - بالفتح - لم يثبت كون المراد منه النجس بالمعنى الذي هو محل الكلام، لعدم ثبوت الحقيقة الشرعية، فمن الجائز أن يكون المراد منه معنى آخر غيره، بل ذكر بعض أهل اللغة: أن النجس المستقذر، وبعضهم: أنه ضد الطاهر، ومرادهم من الطهارة المعنى اللغوي، وهو غير الطهارة الشرعية. وهذا الاشكال ذكره جماعة منهم الاردبيلي في شرح الارشاد، وتلميذه في المدارك، وتلميذه في الذخيرة، وغيرهم. وأجيب عنه: بأن الحمل على النجس العرفي - مع أنه خلاف وظيفة الشارع، وأنه مخالف للواقع في كثير من المشركين، وأنه لا يختص بهم بل يشاركهم فيه غيرهم من المسلمين. لا يناسب الحكم المفرع عليه. ومثله حمله على الخباثة النفسانية - كالحدث - فانها وان صح التعبير عنها بالقذارة وعبر عن ضدها بالطهارة، لكنها قائمة بالنفس، فانها منقصة في النفس، وظاهر الآية الشريفة نجاسة البدن - أعني: الهيكل الخاص - فيتعين حملها على ثبوت القذارة في البدن على نحو ما ورد في الكلب وغيره من النجاسات العينية الجعلية. واحتمال إرادة معنى آخر غير ما ذكر، فيراد منه نوع خاص من الخبائة قائم بالبدن غير النجاسة، وغير الخباثة المرادة من قوله تعالى: (ويحرم عليهم الخبائث) (* 1) - مع أنه خلاف أصالة وجوب حمل اللفظ على أقرب المعاني المجازية بعد تعذر الحقيقة - (بعيد جدا) لعدم معهودية ذلك، ولو جاز التشكيك المذكور في الآية لجاز مثله فيما ورد في الكلب


(* 1) الاعراف: 157.

[ 369 ]

من أنه نجس، لعين ما ذكر في تقريب الاشكال، ولم يحتمله أحد، بل عد التعبير المذكور من أصرح التعبيرات عن النجاسة. والعمدة في ذلك: أن الحقيقة الشرعية وان لم تثبت، لكن الاستعمال الشرعي في تلك المفاهيم ثابت، ولاجله جرت الاستعمالات عند المتشرعة عليه حتى صارت حقيقة عند المتشرعة، فيكون المفهوم عند المتشرعة هو المراد من الفظ. وكذا الكلام في أمثال المقام من الالفاظ المستعملة في لسان الشارع، إذا تعذر حملها على المعنى العرفي، فانها تحمل على المفهوم عند المتشرعة، وان كان في الازمنة المتأخرة. ولولا ذلك كان الحمل على الخباثة النفسانية أقرب. واستشكل فيه ثالثا: بأن مفاد الآية أخص من المدعى، لاختصاصه بالمشرك. وأجيب: بأن الدليل يتم بضميمة عدم القول بالفصل. لكنه خروج عن التمسك بالآية. أو بضميمة ما دل على كون اليهود والنصارى مشركين، من قوله تعالى: (وقالت اليهود عزير.. (إلى قوله تعالى): سبحانه عما يشركون) (* 1). ويشكل: بأن نسبة الاشراك إليهم ليست على الحقيقة، فان ذلك خلاف الآيات، والروايات، وخلاف المفهوم منها عند المتشرعة والعرف فيتعين حمله على التجوز في الاسناد، وليس الكلام واردا في مقام جعل الحكم، ليؤخذ باطلاق التنزيل كي يثبت حكم المشركين لهم. مع أنه لا يطرد في من لا يقول منهم بذلك. ولا في المجوس، ولا في غيرهم من الكفار غير المشركين. واستدل أيضا على النجاسة بالنصوص الظاهرة في ذلك، وهي جملة وافرة. منها مصحح سعيد الاعرج: " سألت أبا عبد الله (ع) عن سؤر


(* 1) التوبة: 30، 31.

[ 370 ]

اليهودي والنصراني، فقال (ع): لا " (* 1). وخبر أبي بصير عن أحدهما (ع): في مصافحة المسلم اليهودي والنصراني. فقال (ع): " من وراء الثوب، فان صافحك بيده فاغسل يدك " (* 2). وصحيح ابن جعفر (ع) عن أخيه (ع): " عن مؤاكلة المجوسي في قصعة واحدة وأرقد معه على فراش واحد واصافحه. قال (ع): لا " (* 3). ورواية هارون بن خارجة: " قلت لابي عبد الله (ع): إني أخالط المجوس فآكل من طعامهم؟ قال (ع): لا " (* 4).. إلى غير ذلك. وهي وإن كانت واردة في المجوسي واليهودي والنصراني، لكن يمكن إثبات الحكم في غيرهم بعدم القول بالفصل. أو بالاولوية. وإن كانت قد تشكل في المحكوم بكفره من فرق المسلمين. هذا ولكن يعارض النصوص المذكورة نصوص أخرى (منها): ما ورد في جواز الصلاة في الثياب التي يعملها المجوس، وأهل الكتاب، كصحيح معاوية " سألت أبا عبد الله (ع) عن الثياب السابرية يعملها المجوس وهم أخباث يشربون الخمر ونساؤهم على تلك الحال. ألبسها ولا أغسلها وأصلي فيها؟ قال (ع): نعم. قال معاوية: فقطعت له قميصا وخطته وفتلت له أزرارا ورداء من السابري، ثم بعثت بها إليه في يوم الجمعة حين ارتفع النهار، فكأنه عرف ما أريد فخرج بها إلى الجمعة " ونحوه غيره. وقد عقد لها في الوسائل بابا في كتاب الطهارة (* 5) لكن حملها (قده)


(* 1) الوسائل باب: 3 من ابواب الاسئار حديث: 1، وباب: 14 من ابواب النجاسات حديث: 8. (* 2) الوسائل باب: 14 من ابواب النجاسات حديث: 5. (* 3) الوسائل باب: 14 من ابواب النجاسات حديث: 6. (* 4) الوسائل باب: 14 من ابواب النجاسات حديث: 7. (* 5) وهي الباب: 73 من ابواب النجاسات.

[ 371 ]

على صورة عدم العلم بتنجيسهم لها. وهو غير بعيد، كما يشهد به ما ذكر في جملة منها من أنهم يشربون الخمر، ويأكلون الميتة ولا اشكال في نجاستهما فلو كانت شاملة لصورة العلم بالملاقاة برطوبة كانت دالة على طهارة الميتة والخمر أيضا. ويشير إلى ذلك ما في صحيح ابن سنان: " سأل أبي أبا عبد الله (ع) وأنا حاضر: إني أعير الذمي ثوبا، وأنا أعلم أنه يشرب الخمر ويأكل لحم الخنزير، فيرده علي فاغسله قبل أن أصلي فيه؟ فقال أبو عبد الله (ع) صل فيه ولا تغسله من أجل ذلك، فإنك أعرته إباه وهو طاهر، ولم تستيقن أنه نجسه. فلا بأس أن تصلي فيه حتى تستيقن أنه نجسه (* 1). ومن ذلك يظهر عدم دلالة ما تضمن جواز الصلاة في الثوب الذي يشترى من اليهود والنصارى والمجوس قبل أن يغسل (* 2) على طهارتهم. ومنها: ما تضمن جواز مؤاكلتهم مثل صحيح العيص: " سألت أبا عبد الله (ع) عن مواكلة اليهود والنصارى والمجوس. فقال (ع): إذا كان من طعامك وتوضأ فلا بأس " (* 3)، ونحوه غيره. ودلالتها على الطهارة أيضا غير ظاهرة، لقرب احتمال كون الملحوظ في جهة السؤال مجرد المؤاكلة، لا المساورة. ولا ينافيه ما ذكر من غسل اليد، لاحتمال كونه دخيلا في ذلك بما أنه من آداب الجلوس على المائدة، لا من حيث كونه دخيلا في طهارة السؤر. ومنها: ما دل على جواز الاكل من طعام أهل الكتاب، وآنيتهم والوضوء من سؤرهم. كصحيح اسماعيل بن جابر: " قلت لابي عبد الله (ع): ما تقول في طعام أهل الكتاب؟ فقال (ع): لا تأكله. ثم سكت هنيئة،


(* 1) الوسائل باب: 74 من ابواب النجاسات حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 74 من ابواب النجاسات حديث: 3. (* 3) الوسائل باب: 54 من ابواب النجاسات حديث: 1.

[ 372 ]

ثم قال: لا تأكله. ثم سكت هنيئة، ثم قال: لا تأكله ولا تتركه تقول إنه حرام، ولكن تتركه تنزها عنه، إن في آنيتهم الخمر ولحم الخنزير " (* 1) وخبر زكريا بن ابراهيم: " دخلت على أبي عبد الله (ع) فقلت: إني رجل من أهل الكتاب، واني أسلمت وبقي أهلي كلهم على النصرانية، وأنا معهم في بيت واحد لم أفارقهم بعد، فآكل من طعامهم؟ فقال (ع) لي يأكلون الخنزير؟ فقلت: لا ولكنهم يشربون الخمر. فقال (ع) لي: كل معهم واشرب " (* 2). وصحيح ابن مسلم عن أحدهما (ع): " سألته عن آنية أهل الكتاب فقال (ع): لا تأكل في آنيتهم إذا كانوا يأكلون فيه الميتة والدم ولحم الخنزير " (* 3). وموثق عمار عن أبي عبد الله (ع): " عن الرجل هل يتوضأ من كوز أو اناء غيره إذا شرب منه على أنه يهودي؟ فقال (ع): نعم. فقلت: من ذلك الماء الذي شرب منه؟ قال (ع): نعم " (* 4). وصحيحة ابراهيم بن أبي محمود: " قلت للرضا (ع): الجارية النصرانية تخدمك وأنت تعلم أنها نصرانية، لا تتوضأ ولا تغتسل من جنابة. قال (ع): لا بأس تغسل يديها " (* 5). وصحيحته الاخرى: " قلت للرضا (ع): الخياط أو القصار يكون يهوديا أو نصرانيا وأنت تعلم أنه يبول ولا يتوضأ، ما تقول في عمله؟ قال (ع): لا بأس " (* 6). وصحيحة


(* 1) الوسائل باب: 54 من ابواب الاطعمة المحرمة حديث: 4. (* 2) الوسائل باب: 54 من أبواب الاطعمة المحرمة حديث: 5. (* 3) الوسائل باب: 54 من ابواب الاطعمة المحرمة حديث: 6. (* 4) الوسائل باب: 3 من ابواب الاسئار حديث: 3. (* 5) الوسائل باب: 14 من ابواب النجاسات حديث: 11. (* 6) الوافي باب التطهير من مس الحيوانات حديث: 21 من كتاب الطهارة، والتهذيب باب المكاسب الجزء: 6 حديث: 263.

[ 373 ]

علي بن جعفر (ع) عن أخيه موسى (ع) وفيها: " وسألته عن اليهودي والنصراني يدخل يده في الماء، أيتوضأ منه للصلاة؟ قال (ع): لا إلا أن يضطر إليه " (* 1). ولكن يمكن أن يناقش في صحيح اسماعيل: بأن تكرار النهي عن الاكل الدال على مزيد الاهتمام به، لا يناسبه كونه تنزيهيا، فبيانه (ع) أن النهي تنزيهي مما يوجب الارتياب في وجه الحكم، ومعه يشكل العمل به. وفي خبر زكريا بضعف السند وعدم الجابر. وفي صحيح ابن مسلم: بأن الشرطية فيه ليست لها مفهوم. وفي موثق عمار: بأن الحكم فيه يمكن أن يكون مبنيا على عدم انفعال الماء القليل، فيكون كغيره مما ورد في سائر النجاسات - كما تقدم في ذلك المبحث - فتأمل. وفي صحيحة ابراهيم الاولى: بأن الظاهر أن مورد السؤال فيها قضية خارجية، لان الظاهر من قول السائل " الجارية النصرانية تخدمك "، خصوص الجارية المعينة التي كانت تخدم الرضا (ع) ولم يعلم أن هذا الاستخدام كان باختياره، أو باختيار سلطان الجور بأن كان - سلام الله عليه - مجبورا على ذلك، فيكون السؤال عن حاله مع هذه الجارية في ظرف اضطراره إلى خدمتها، ولو كان المراد السؤال عن القضية الكلية لكان المناسب التعبير بقوله: الجارية تخدم الانسان، أو تخدمني كما لعله ظاهر. وحينئذ يشكل الاستدلال بها على ما نحن فيه، لاجمال الواقعة التي هي موضوع السؤال. وفي الصحيحة الثانية: أنه لا يظهر منها أن السؤال من حيث النجاسة أو من حيث جواز العمل. وصحيح ابن جعفر (ع) قد تقدم نظيره منه في مبحث انفعال القليل، ومورده اليد المتنجسة بالجنابة، ولعل المراد من الضرورة فيهما خصوص التقية التي ترفع الوضع كما ترفع التكليف، فيكون اليهودي والنصراني طاهرين في حال التقية، ولا بأس بالالتزام به.


(* 1) الوسائل باب: 14 من ابواب النجاسات حديث: 9.

[ 374 ]

نعم تشكل موثقة عمار المتضمنة تغسيل النصراني للمسلم إذا لم يوجد مسلم أو مسلمة ذات رحم، وتغسيل النصرانية للمسلمة كذلك، فان البناء على وجوب التغسيل بالماء النجس بعيد جدا، لانه يزيد الميت نجاسة، وحمله على التغسيل بالكثير أبعد. ولاجل ذلك رد الموثقة المذكورة بعضهم لمخالفتها للقواعد. لكن المشهور بين القدماء والمتأخرين العمل بها، وان كان الاشكال فيها لا يختص بهذه الجهة، لان عبادة الكافر أيضا باطلة بالاجماع. وكيف كان نقول: إن أمكن البناء على المناقشات المذكورة في هذه النصوص - ولو للجمع بينها وبين ما دل على النجاسة - فهو المتعين، وإن لم يمكن ذلك - لبعد المحامل المذكورة، وإباء اكثر النصوص عنها - فالعمل بنصوص الطهارة غير ممكن، لمخالفتها للاجماعات المستفيضة النقل - كما عرفت - بل للاجماع المحقق - كما قيل - فان مخالفة ابن الجنيد - لو تمت - لا تقدح في الاجماع، فكم لها منه (ره) من نظير محكي عنه؟! وما عن ابن أبي عقيل من طهارة سؤر الذمي لعله مبني على مذهبه من عدم انفعال الماء القليل وما عن المفيد (ره) من التعبير بكراهة سؤري اليهودي والنصراني لعل مراده منه الحرمة، كما يشهد به - كما قيل - عدم نسبة الخلاف إليه من أحد أتباعه الذين هم أعرف بمذهبه من غيرهم. وما عن الشيخ (ره) في النهاية من أنه يكره للانسان أن يدعو أحدا من الكفار إلى طعامه فيأكل معه فان دعاه فليأمره بغسل يده، لعل المراد منه مجرد المؤاكلة، لا مع المساورة، كما تقدم احتماله في النصوص. ويشهد لذلك - مضافا إلى ما هو المعروف من أن النهاية مؤلفة من متون الاخبار لا كتاب فتوى - أنه حكي عنه أنه ذكر قبل ذلك بقليل: أنه لا تجوز مؤاكلة الكفار.. إلى أن قال: " لانهم أنجاس ينجسون الطعام بمباشرتهم إياه ". وعوى: أن مخالفة الاجماع إنما تقدح في نصوص الطهارة إذا كانت

[ 375 ]

كاشفة عن خلل فيها، من جهة السند، أو جهة الصدور، وهو غير ظاهر في المقام، فان المذكور في كلام غير واحد أن الوجه في إعراضهم عنها ترجيح نصوص النجاسة عليها، لموافقتها للاحتياط وللكتاب ومخالفتها العامة فإذا تبين الخطا في ذلك لان الرجوع إلى المرجحات يكون مع تعذر الجمع العرفي مع أنه ممكن هنا، يحمل نصوص النجاسة على الكراهة، كما تقدم في صحيح اسماعيل بن جابر. مندفعة: بأن ذلك الخطأ لو جاز على بعضهم فلا يجوز على جميعهم كيف؟ ولم يزل بناؤهم على الجمع العرفي في أمثال المقام، كما يظهر بأدنى تتبع في المسائل الفقهية. فالاشبه أن يكون التعليل بما ذكر من قبيل التعليل بعد الورود. والعمدة في الحكم عندهم الاجماع. واحتمال ان هذا الاجماع حدث في العصر المتأخر عن عصر المعصومين (ع)، فلا يقدح بالعمل بنصوص الطهارة. بعيد جدا، فان كثرة الابتلاء بموضوع الحكم مما يمنع لتفكيك بين الازمنة في وضوحه وخفائه، بحيث يكون بناء أصحاب الائمة (ع) على الطهارة، وخفي ذلل على من تأخر عنهم فتوهموا بناءهم على النجاسة فبنوا عليها تبعا لهم. (وبالجملة): الوثوق النوعي المعتبر في حجية الخبر لا يحصل في أخبار الطهارة بعد هذا الاجماع. وأما آية حل طعام أهل الكتاب (* 1) فلا مجال للاستدلال بها على الطهارة، بعد ورود النصوص الصحيحة المفسرة له بالحبوب (* 2). مع أن ظهورها في الطهارة غير ظاهر، لان الظاهر من الحل فيها الحل التكليفي بقرينة السياق مع قوله تعالى (وطعامكم حل لهم) وهذا الحل كما لا يعارض ما دل على حرمة المغصوب لا يعارض ما دل على حرمة النجس. والظاهر


(* 1) وهي قوله تعالى: (وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم) المائدة: 5. (* 2) راجع الوسائل باب: 51 من ابواب الاطعمة المحرمة.

[ 376 ]

من الاضافة إضافة الملك لا اضافة العمل والمباشرة المؤدية إلى سراية النجاسة ولعل الوجه في انشاء التحليل المذكور دفع توهم الحرمة من جهة عدم حجية أيديهم على الملكية، لانهم يستحلون الاموال بالمعاملات الفاسدة التي لم يشرعها الاسلام، أو لعدم مبالاتهم في الاسباب المملكة فالتحليل المذكور ظاهري، لحجية اليد، لا واقعي، فمع العلم بالبطلان وعدم صحة اليد لا تحليل بل يجب العمل على العلم. اللهم الا أن يقال: إن الحل وان كان تكليفا الا أن إطلاق الحل الظاهر في الفعلية يقتضي الطهارة، بل الظاهر منه كون النظر فيه إلى ذلك. إذ لا فرق في حجية اليد بين الكتابيين وغيرهم. فتخصيص الحل بهم لابد أن يكون من هذه الجهة. وأما الرواية المفسرة للطعام بالحبوب فالظاهر من الحبوب فيها ما يقابل اللحوم لا خصوص الحبوب الجافة. فان ذلك بعيد جدا، إذ لا خصوصية لاهل الكتاب في ذلك وملاحظة التبيان ومجمع البيان في تفسير الآية شاهد بما ذكرنا. فلاحظ. هذا وقد يستشكل في القول بالنجاسة: بأن كثرة اختلاط الكتابيين مع المخالفين مع اعتقاد اكثرهم طهارتهم، الموجب ذلك لمساورتهم، يوجب سراية النجاسة، وذلك حرج عظيم. وفيه: أن حال الكتابيين حال سائر الاعيان النجسة التي كان بناؤهم على طهارتها، ولا حرج يلزم من البناء على نجاستها. ولا سيما مع البناء على مطهرية غيبة المسلم ظاهرا - مطلقا - كما سيأتي. ومن ذلك تعرف أن الاقوى ما عليه الاصحاب من النجاسة، لولا ما يقتضيه النظر في روايات نكاح الكتابية متعة أو مطلقا (* 1)، فانها على كثرتها واشتهارها وعمل الاصحاب بها لم تتعرض للتنبيه على نجاستها، فان


(* 1) الوسائل باب: 2 إلى 8 من ابواب ما يحرم بالكفر من كتاب النكاح وباب: 13 من أبواب المتعة

[ 377 ]

{ حتى المرتد (1) بقسميه، واليهود، والنصارى، والمجوس. وكذا رطوباته وأجزاؤه، سواء كانت مما تحله الحياة أولا (2). } الملابسات والملامسات التي تكون بين الزوج والزوجة لا تمكن مع نجاسة الزوجة ولم يتعرض في تلك النصوص للاشارة إلى ذلك فلاحظها وتدبر: بل الذي يظهر من مجمع البيان المفروغية عن حل طعام الكتابي إذا لم يكن محتاجا إلى التذكية، وأن الخلاف في طهارة ما هو محتاج إلى التذكية من اللحوم والشحوم فراجح. والله سبحانه ولي التوفيق. (1) قال شيخنا الاعظم (ره) في طهارته: " ربما يتأمل في تحقق الاجماع على نجاسة كل كافر، بناء على انصراف معاقد الاجماع إلى غير المرتد، فتقوى لذلك طهارته. وهو ضعيف ". لكن الادلة اللفظية التي قد عرفت دلالتها على النجاسة شاملة له أيضا كغيره. (2) كما هو المعروف، بل لم يعرف الخلاف من أحد فيه صريحا. نعم لازم خلاف السيد (ره) المتقدم فيما لا تحله الحياة من أجزاء الكلب والخنزير الخلاف هنا أيضا، لاطراد دليله في المقامين. لكن عرفت ضعفه نعم عن المعالم الاستشكال في تعميم الحكم لها في المقام، للاستشكال في دلالة الآية، وقصور النصوص عن إثباته في مثل الشعر، لان موردها السؤر، والمؤاكلة والمصافحة ونحو ذلك مما لا يشمل المقام. لكن يكفي في عموم الحكم إطلاق معاقد الاجماع. مضافا إلى أن التفكيك في النجاسة الذاتية بين أجزاء الانسان خلاف المرتكز العرفي، ولذا تعرضت نصوص طهارة الاجزاء المذكورة من الميتة (* 1) لبيان وجه التفكيك بينها وبين غيرها من الاجزاء في النجاسة. فلاحظ.


(* 1) راجع الوسائل باب: 33 من ابواب الاطعمة المحرمة.

[ 378 ]

{ والمراد بالكافر من كان منكرا للالوهية، أو التوحيد، أو الرسالة (1)، أو ضروريا من ضروريات الدين (2) مع الالتفات إلى كونه ضروريا، بحيث يرجع انكاره إلى انكار } (1) بلا خلاف ولا إشكال، فان الجميع داخل في معاقد الاجماعات ولكون الثاني هو المشرك، والاول أسوأ منه، واكثر أفراد الثالث موضوع نصوص النجاسة. (2) بلا خلاف ظاهر فيه - في الجملة - بل ظاهر جماعة من الاعيان كونه من المسلمات، وظاهر مفتاح الكرامة حكاية الاجماع عليه في كثير من كتب القدماء والمتأخرين، بل عن التحرير: " الكافر كل من جحد ما يعلمه من الدين ضرورة، سواء كانوا حربيين أو أهل كتاب أو مرتدين وكذا النواصب والغلاة والخوارج ". نعم الاشكال في أنه سبب مستقل للكفر تعبدا، أو أنه راجح إلى إنكار النبوة في الجملة. ظاهر الاصحاب - كما في مفتاح الكرامة - الاول، وتبعه في الجواهر، لعطفه في كلامهم على من خرج عن الاسلام، وظاهر العطف المغايرة ولعدم تقييده بالعلم. ولتقييدهم إباه بالضروري، إذ لو كان راجعا إلى انكار الرسالة لجرى في كل ما علم أنه من الدين وان لم يكن ضروريا. ولتمثيلهم له بالخوارج والنواصب مع عدم علم اكثرهم بمخالفتهم في ذلك للدين، بل يعتقدون أنه من الدين، فيتقربون به إلى الله سبحانه. واستشهد له بجملة من النصوص كمكاتبة عبد الرحيم القصير: " قال (ع): ولا يخرجه إلى الكفر إلا الجحود والاستحلال، بأن يقول للحلال: هذا حرام، وللحرام: هذا حلال " (* 1). ونحوها صحيح الكناني عن أبي


(* 1) الوسائل باب: 10 من ابواب حد المرتد حديث: 50، وباب: 2 من ابواب مقدمة العبادات حديث: 18 لكن مع اختلاف المتن.

[ 379 ]

جعفر (ع) قال (ع) فيه: " فما بال من جحد الفرائض كان كافرا؟ " (* 1). وصحيح عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (ع) " قال (ع): من ارتكب كبيرة من الكبائر فزعم أنها حلال أخرجه ذلك عن الاسلام " (* 2). وصحيحة بريد العجلي عن أبي جعفر (ع): " سألته عن أدنى ما يكون به العبد مشركا. قال (ع): من قال للنواة انها حصاة، وللحصاة إنها نواة، ثم دان به " (* 3) ونحوها غيرها. ويمكن أن يخدش في جميع ذلك: بأن الظاهر من الخارج عن الاسلام في كلامهم الخارج عنه بالكلية، وبذلك تحصل المغايرة التي يقتضيها العطف وعدم التقييد بالعلم في كلامهم، لعله للاكتفاء منهم بتقييده بالضروري، لان المراد به المعلوم. ومنه يظهر احتمال أن ذكر الضرورة باعتبار كونها سببا للعلم، لا لخصوصية فيها. والتمثيل والاستدلال إنما كانا من بعض، فيجوز أن يكون ناشئا عن اعتقاده السببية المستقلة، أو بالاضافة إلى بعض كل من الفرقتين، لا جميعهم. وأما النصوص فهي ما بين مشتمل على الجحود المحتمل الاختصاص بصورة العلم، ومطلق لا يمكن الاخذ باطلاقه، لعمومه للضروري وغيره. وتخصيصه بالضروري ليس بأولى من تخصيصه بصورة العلم، بل لعل الثاني أولى بقرينة ما اشتمل منها على التعبير بالجحود المختص بالعلم. ولو فرض التساوي فالمتيقن الثاني. هذا مع إمكان معارضة ذلك كله - على تقدير تماميته - بالتعبير بالجحود في كلام كثير أو الاكثر، المختص بصورة العلم. ومثله التعبير بالانكار، بناء على ارادة الجحود منه، كما استظهره في الجواهر.


(* 1) الوسائل باب: 2 من ابواب مقدمة العبادات حديث: 13. (* 2) الوسائل باب: 2 من ابواب مقدمة العبادات حديث: 10. (* 3) الكافي باب الشرك من كتاب الايمان والكفر حديث: 1.

[ 380 ]

{ الرسالة، والاحوط الاجتناب عن منكر الضروري مطلقا، وان لم يكن ملتفتا إلى كونه ضروريا. وولد الكافر يتبعه في } وربما اشتهر - كما قيل - من اشتثناء صورة الشبهة. وبعدم التعرض له من كثير من القدماء الظاهر في اكتفائهم عن بذكر الكفر. وكأنه لذلك قال المحقق الاردبيلي (قده): " الضروري الذي يكفر منكره الذي ثبت عنده يقينا كونه من الدين ولو بالبرهان، ولو لم يكن مجمعا عليه، إذ الظاهر أن دليل كفره هو إنكار الشريعة. وانكار ضدق النبي صلى الله عليه وآله في ذلك.. "، ونحوه ما عن جماعة ممن تأخر عنه. هذا وشيخنا الاعظم (قده) فصل بين المقصر والقاصر، فبنى على الكفر في المقصر إذا أنكر بعض الاحكام الضرورية، عملا باطلاق النصوص والفتاوى في كفر منكر الضرورى، وعلى عدمه في القاصر، لعدم الدليل على سببيته للكفر، مع فرض عدم التكليف بالتدين بذلك الحكم ولا بالعمل بمقتضاه - كما هو المفروض - ويبعد أن لا يحرم على الشخص شرب الخمر ويكفر بترك التدين بحرمته. لكن عرفت الاشكال في إطلاق النصوص والفتاوى في ذلك. ولو سلم فعدم التكليف به - عقلا - لا يمنع من سببية ترك التدين به للكفر، ولو لم يكن فرق ظاهر بين الامور الاعتقادية والعملية من حيث التكليف. هذا كله في الاحكام العملية التى يجب فيها العمل ولا يجب فيها الاعتقاد. وأما الامور الاعتقادية التى يجب فيها الاعتقاد لا غير فالحكم بكفر منكرها - ضرورية كانت أو نظرية - يتوقف على قيام دليل على وجوب الاعتقاد بها تفصيلا على نحو يكون تركه كفرا. ومجرد كونه ضروريا لا يوجب كفر منكره، إلا بناء على كون انكار الضرورى سببا مستقلا للكفر وقد عرفت عدم ثبوته، فالمتبع الدليل فيه بالخصوص.

[ 381 ]

{ النجاسة (1)، إلا إذا أسلم بعد البلوغ، أو قبله مع فرض كونه } (1) على المشهور - كما عن الكفاية - بل لم يعرف مخالف صريح فيه. نعم قد يشعر قول العلامة (ره) في النهاية: " الاقرب تبعية أولاد الكفار لهم " بوجود الخلاف فيه، أو بعدم انعقاد الاجماع عليه. لكن عن جملة من الكتب دعواه صريحا على تبعية الولد المسبي مع أبويه لهما في الكفر والنجاسة، وفي الجواهر في كتاب الجهاد: " وحكم الطفل ذكرا وانثى تابع لابويه في الاسلام والكفر، وما يتبعهما من الاحكام. كالطهارة والنجاسة وغيرهما، بلا خلاف أجده فيه، بل الاجماع بقسميه عليه "، وفي وسائل المحقق الكاظمي (ره): " لا كلام في جريان أحكام آبائهم في الدنيا من نجاسة وغيرها عليهم وهو اجماع ". وقد يستدل لذلك (تارة): باستصحاب نجاسة الولد الثابتة قبل ولوج الروح فيه، بناء على كونه جزءا من الام (واخرى): بتنقيح المناط عند المتشرعة، فانهم يتعدون من نجاسة الابوين إلى نجاسة الولد، نظير ما تقدم في المتولد بين الكلب والخنزير. وقد تقدم الاشكال فيهما (وثالثة): بصحيحة ابن سنان: " سألت أبا عبد الله (ع): عن أولاد المشركين يموتون قبل أن يبلغوا الحنث. قال (ع): كفار. والله أعلم بما كانوا عاملين. يدخلون مداخل آبائهم (* 1)، ونحوه غيره. لكن الظاهر منها حكمهم في الآخرة، ومضمونها مخالف لقواعد العدلية، فلابد من حملها على بعض المحامل الموافقة للقواعد. ويمكن الاستدلال له بخبر حفص بن غياث " سألت أبا عبد الله (ع): عن الرجل من أهل الحرب إذا أسلم في دار الحرب فظهر عليه المسلمون بعد ذلك. فقال (ع): إسلامه إسلام لنفسه ولولده الصغار وهم أحرار


(* 1) الفقيه باب: 151 جزء: 3 صفحة: 317 الطبعة الحديثة.

[ 382 ]

{ عاقلا مميزا، وكان إسلامه عن بصيرة، على الاقوى (1). } وولده ومتاعه ورقيقه له. فاما الولد الكبار فهم فئ للمسلمين إلا أن يكونوا أسلموا قبل ذلك " (* 1). مضافا إلى أن تقابل الكفر والاسلام تقابل العدم والملكة، فعدم الاسلام يكفي في صدق الكفر. لكن هذا الوجه يختص بالولد المميز الذي لم يسلم، لان غير المميز لا شأنية فيه للاسلام، فلا يصدق عليه الكافر ولا المسلم، فالتبعية للوالد فيه تحتاج إلى دليل بالخصوص وكفى بالاجماع المحقق والخبر دليلا عليها. مضافا إلى السيرة القطعية على معاملتهم معاملة آبائهم. وبذلك كله يخرج عن أصالة الطهارة المقتضية للحكم بطهارة الولد مطلقا ولو لم يكن مميزا. (1) لاطلاق الادلة الشارحة لمفهوم الاسلام، الشامل للبالغ والصبى بنحو واحد. ومقتضاه ثبوت أحكام الاسلام لاسلام الصبى - كثبوتها لاسلام البالغ - وان لم يكن عن بصيرة. بل قيل بوجوبه عليه كوجوبه على البالغ. وحديث رفع القلم (* 2) لا مجال له، لان وجوب الاسلام عقلي أو فطرى بمناط وجوب دفع الضرر المحتمل، ومثله لا يرتفع بحديث رفع القلم، لاختصاصه بما يكون رفعه ووضعه بيد الشارع. (وفيه): أن احتمال الضرر الذي هو موضوع الحكم العقلي أو الفطري يرتفع بالحديث المذكور. وكذا الحال في بقية المعارف الدينية، سواء أكان وجوبه عقليا أم شرعيا، فانه يمكن رفع وجوبه بحديث رفع القلم. إلا أن الرفع بحديث رفع القلم لا يمنع من صحة وقوعه من الصبى، لانه يرفع الالزام لا الصحة كما لا يخفى. ومن ذلك يظهر لك أنه حاجة في إثبات نجاسة ولد الكافر - وإذا


(* 1) الوسائل باب: 43 من ابواب جهاد العدو حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 4 من ابواب مقدمة العبادات حديث: 11.

[ 383 ]

{ ولا فرق في نجاسته بين كونه من حلال أو من الزنا (1)، ولو في مذهبه. ولو كان أحد الابوين مسلما فالولد تابع له (2) } كان متدينا بدين والده - إلى دليل على النجاسة بالخصوص. بل تكفى فيها الادلة العامة لنجاسة الكافر، التى لا فرق فيها بين الصبى والبالغ. وحديث رفع القلم عن الصبى لا يرفع النجاسة، لوضوح اختصاصه برفع المؤاخذة. وليس هو مثل حديث رفع التسعة (* 1)، كي يتوهم عمومه لرفع النجاسة حتى ادعى بعضهم عمومه لرفع التكليف والوضع. وذلك لاختلاف لساني الحديثين، فان حديث رفع القلم إنما رفع فيه القلم، والمراد قلم السيئات بخلاف حديث رفع التسعة، فان المرفوع فيه نفس الفعل، ويمكن توهم رفع جميع أحكامه كما لا يخفى بأقل تأمل. (1) كما قواه في كشف الغطاء. ويقتضيه إطلاق معاقد الاجماعات. وفي الجواهر: " قد يمنع الاجماع فيه، وان كان لا يخلو من إشكال ". وكأن وجه الاشكال: عدم تعرضهم لاستثناء ولد الزنا. واحتمال الاجتزاء بما ذكروه في محل آخر، من نفي ولد الزنا. بعيد، ولا سيما مع عدم وضوح دليل على نفي ولديته مطلقا، والثابت إنما هو في موارد خاصة كالتوارث وغيره، والمرجع في غيرها إطلاق أدلة حكم الولد، وان كان هذا المقدار غير كاف في وضوح الاجماع على الالحاق في المقام. وعليه يشكل الحكم بالنجاسة. إلا ان يتمسك لها بالسيرة والخبر المتقدم. هذا لو لم يكن مميزا، أما المميز غير المتدين بالاسلام، فلا إشكال في نجاسته كما عرفت. (2) كما هو المعروف. لاصاله الطهارة بعد عدم دليل على النجاسة من إجماع أو غيره لو لم يكن إجماع على الطهارة، كما قد يظهر من


(* 1) الوسائل باب: 56 من ابواب جهاد النفس حديث: 1.

[ 384 ]

{ إذا لم يكن عن زنا، بل مطلقا على وجه مطابق لاصل الطهارة (1). } نسبته إلى الاصحاب في محكي شرح المفاتيح. مع أنه مقتضى خبر حفص المتقدم في خصوص إسلام الاب. لكن الخروج في غير مورد الخبر عن عموم ما دل على نجاسة الكافر، الصادق على الولد المميز غير ظاهر. (1) لكن جزم في كشف الغطاء وغيره بالكفر لو كان الزنا من طرف المسلم والحل من طرف الكافر، لالحاقه بالكافر دون المسلم، لنفي ولديته له. لكن عرفت الاشكال في ذلك، لا أقل من عدم ثبوت الاجماع على النجاسة في غير مورد الكفر من الطرفين، والاصل الطهارة. نعم يتم ما ذكره في الولد المميز لما عرفت من العموم. هذا ولو بلغ ولد الكافر مجنونا كان مقتضى الاستصحاب النجاسة، وكذا لو بلغ عاقلا، وكان في فسحة النطر. (والاشكال) فيه بتعدد الموضوع، لتبدل الصبا بالبلوغ، والتبعية بالاستقلال (مندفع): بعدم قدح مثل ذلك في وحدة الموضوع عرفا. مع أن الظاهر صدق الكافر عليه حقيقة، فتشمله معاقد الاجماعات على النجاسة، فلو جن بعد ذلك بقي على النجاسة، للاستصحاب. ولو سبى ولد الكافر، فان كان مع أبويه أو أحدهما فهو على النجاسة إجماعا محكيا عن جملة من كتب الاصحاب. ويقتضيها الاصل المتقدم. ولو سبى منفردا فالمعروف الطهارة، بل عن المعالم وشرح المفاتيح: أنها ظاهر الاصحاب. نعم قد يظهر من الشهيد في محكي الذكرى وجود الخلاف بل عن التلخيص وشرح الروضة: الجزم ببقاء التبعية لابويه، ومال إليه في المسالك. لعدم الدليل القاطع، للاصل الحاكم على أصالة الطهارة، وقد عرفت أن الاشكال في الاصل بتعدد الموضوع في غير محله، وان صدر عن جماعة من الاعيان.

[ 385 ]

{ (مسألة 1): الاقوى طهارة ولد الزنا من المسلمين (1) سواء كان من طرف أو طرفين. بل وان كان أحد الابوين مسلما، كما مر. } نعم تمسك للطهارة شيخنا الاعظم (ره) - تبعا لكاشف الغطاء - بالسيرة القطعية على معاملتهم معاملة المسلمين من حيث الطهارة. لكن في ثبوتها - بنحو يعتمد عليها - إشكالا. والتمسك بأدلة الحرج (* 1) أشكل وسيأتي - إن شاء الله - في مبحث الطهارة بالتبعية بعض الكلام في المقام. (1) كما هو المشهور شهرة عظيمة، بل لم يعرف الخلاف فيها إلا من الصدوق والسيد والحلي - بناء منهم على كفره - بل عن الاخير نفي الخلاف فيه. وكأنه للنصوص المتضمنة للنهي عن الاغتسال من البئر التي يجتمع فيها ماء الحمام (* 2). معللا: بأنه يسيل منها ما يغتسل به الجنب، وولد الزنا، والناصب لنا أهل البيت، وهو شرهم. وفي بعضها: أنه لا يطهر إلى سبعة آباء (* 3). ولمرسلة الوشا: " أنه (ع): كره سؤر ولد الزنا، واليهودي، والنصراني، والمشرك، وكل من خالف الاسلام (* 4) ولما تضمن: أنه رجس (* 5)، وأنه شر (* 6) وأنه لا خير فيه، ولا في بشره، ولا في شعره، ولا في لحمه، ولا في دمه (* 7)، وأن لبن اليهودية والنصرانية والمجوسية أحب الي من لبن الزنا (* 8). لكن الجميع قاصر


(* 1) تقدمت الاشارة إليها في تعاليق المسألة: 10 من الفصل المتعرض فيه لاحكام ماء البئر. (* 2) راجع الوسائل باب: 11 من أبواب الماء المضاف والمستعمل. (* 3) الوسائل باب: 11 من ابواب الماء المضاف والمستعمل حديث: 4. (* 4) الوسائل باب: 3 من ابواب الاسئار حديث: 2. (* 5) و (* 6) البحار جزء: 5 صفحة: 285 الطبع الجديد. (* 7) الوسائل باب: 14 من ابواب ما يحرم بالمصاهرة حديث: 7. (* 8) الوسائل باب: 26 من ابواب احكام الاولاد من كتاب النكاح حديث: 2.

[ 386 ]

{ (مسألة 2): لا إشكال في نجاسة الغلاة (1). } عن إثبات النجاسة، فضلا عن الكفر. فان نصوص النهي غير ظاهرة فيها بقرينة اشتمالها على الجنب، وعلى التعبير بقوله (ع): " وهو شرهم "، وأنه لا يطهر إلى سبعة آباء، فان الشرية تناسب الخباثة النفسية، وكذلك عدم طهر أبنائه، للاجماع على عدم تعدي نجاسة - على تقدير ثبوتها - إليهم، فيتعين حملها على نفي الطهارة النفسية. الكراهة أعم من الحرمة. والسياق غير كاف في إثبات الحرمة، لجواز ثبوت الخباثة النفسية في الجميع ويكون السياق بلحاظها. وقصور الباقي ظاهر. فأصالة الاسلام والطهارة محكمة. (1) بلا كلام - عن جامع المقاصد - وعن ظاهر جماعة، وصريح روض الجنان والدلائل الاجماع عليه. وهو واضح جدا لو أريد منهم من يعتقد الربوبية لامير المؤمنين (ع) أو أحد الائمة (ع) - كما في كشف الغطاء - لانه انكار لله تعالى، وإثبات لغيره، فيكون كفرا بالذات فيلحقه حكمه من النجاسة. اما لو أريد منهم من يعتقد حلوله تعالى فيهم، أو في أحدهم - كما هو الاظهر عند شيخنا الاعظم (ره) - فالنجاسة مبنية على أن إنكار الضرورى كفر تعبدي، فان لم يثبت أشكل الحكم بها. ودعوى الاجماع لعلها مبنية على ذلك المبنى، فيشكل الاعتماد عليها. وكذا الحال لو أريد من الغلو تجاوز الحد في صفات الانبياء والائمة (ع) مثل اعتقاد أنهم خالقون. أو رازقون أو لا يغفلون، أولا يشغلهم شأن عن شأن، أو نحو ذلك من الصفات. ولذا حكي عن ابن الوليد أن نفي السهو عن النبي صلى الله عليه وآله أول درجة الغلو. فالنجاسة في مثل ذلك أيضا مبنية على الكفر بانكار الضروري. ودعوى القطع بعدم الكفر بمثل ذلك غير واضحة. وكأن وجهها انكار كون مثل ذلك انكارا للضروري. ولكنها

[ 387 ]

{ والخوارج (1)، والنواصب (2). وأما المجسمة، والمجبرة، } كما ترى لوضوح كون اختصاص الصفات المذكورة به جل شأنه ضروريا في الدين. نعم ما لم يبلغ اختصاصه حد الضرورة فالدعوى المذكورة فيه في محلها. وقد يستدل للنجاسة في الغلاة بما ورد في فارس بن حاتم (* 1) الغالي عن الهادى (ع): من الامر بتوقي مساورته. لكن فيه - مع اجمال غلوه لعنه الله - أن النسخة الصحيحة: " مشاورته " بالشين المعجمة، لا بالسين المهملة، فلا يكون مما نحن فيه. (1) بلا كلام - كما عن جامع المقاصد - وعن ظاهر جماعة، وصريح روض الجنان والدلائل: الاجماع عليه. والمراد بهم من يعتقد ما تعتقده الطائفة الملعونة التى خرجت على أمير المؤمنين (ع) في صفين، فاعتقدت كفره واستحلت قتاله. واستدل له برواية الفضيل: " دخلت على أبي جعفر (ع) وعنده رجل فلما قعدت قام الرجل فخرج. فقال (ع) لي يا فضيل ماهذا عندك. قلت: كافر قال (ع): أي والله مشرك " (* 2) لاطلاق التنزيل الشامل للنجاسة. ولانهم من النواصب فيدل على نجاستهم ما دل على نجاستهم. (2) بلا كلام - كما عن جامع المقاصد والدلائل - ولا خلاف - على الظاهر فيه. كما عن شرح المفاتيح. وعن الحدائق والانوار للجزائري: الاجماع صريحا عليه. ويشهد له ما رواه الفضيل عن الباقر (ع): " عن المرأة العارفة هل أزوجها الناصب؟ قال (ع): لا، لان الناصب كافر " (* 3)


(* 1) راجع ترجمته في تنقيح المقال جزء: 2 صفحة: 1 (* 2) الوسائل باب: 10 من ابواب حد المرتد حديث: 55. (* 3) الوسائل باب: 10 من ابواب ما يحرم من النكاح بالكفر حديث: 15.

[ 388 ]

{ والقائلون بوحدة الوجود من الصوفية إذا التزموا بأحكام الاسلام، فالاقوى عدم نجاستهم (1) } وما في رواية ابن أبي يعفور " إن الله تعالى لم يخلق خلقا انجس من الكلب وان الناصب لنا - أهل البيت - لانجس منه " (* 1). والخدشة في الدلالة: بأن النجاسة القابلة للزيادة والنقيصة هي الباطنية. مندفعة: بمنع ذلك ضرورة كالخدشة بأنه مسوق مساق ولد الزنا والجنب ممن كانت الخباثة فيه باطنية وجه الاندفاع: أنه لا مانع من كون النجاسة الخارجية العينية أيضا موجبة للخباثة المعنوية، فيكون الجميع بنحو واحد وان اختلفت الموارد، فالسياق المذكور لا يوجب رفع اليد عن ظاهر الفقرة في النجاسة العينية الخارجية. فتأمل. هذا وسيجيئ الكلام في المراد من الناصب. فانتظر. (1) لعدم الدليل عليها، فيرجع إلى أصالة الطهارة، وإن حكي القول بالنجاسة مطلقا عن المبسوط، والمنتهى، والدروس، وظاهر القواعد وغيرها. بل عن جامع المقاصد: لا كلام فيها. أو في خصوص المجسمة بالحقيقة، كما عن البيان والمسالك وغيرهما، وعن روض الجنان: لا ريب في نجاستهم. إذ المستند إن كان هو الاجماع فهو ممنوع جدا، فقد حكي عن ظاهر المعتبر، والتذكرة وصريح النهاية، والذكرى: الطهارة. وان كان انكارهم للضروري، ففيه - مع أنه مختص بالمجسمة بالحقيقة، ومبني على الاكتفاء في تحقق انكار اللازم بانكار الملزوم، إذ عدم التجسيم ليس ضروريا من الدين، لايهام كثير من الآيات والاخبار له، وإنما الضرورى القدم وعدم الحاجة، اللذان يكون انكارهما لازما لاعتقاد الجسمية -: أنك قد عرفت عدم ثبوت الاجماع على كون الانكار سببا مطلقا، ولو مع عدم العلم بكون المنكر من الدين.


(* 1) الوسائل باب: 11 من ابواب الماء المضاف والمستعمل حديث: 5.

[ 389 ]

نعم استدل على نجاستهم بخبر ياسر الخادم عن الرضا (ع): " من شبه الله بخلقه فهو مشرك، ومن نسب إليه ما نهى عنه فهو كافر " (* 1) وخبر الحسين بن خالد عنه (ع): " من قال بالتشبيه والجبر فهو كافر مشرك " (* 2) وخبر داود بن القاسم عنه (ع): " من شبه الله بخلقه فهو مشرك، ومن وصفه بالمكان فهو كافر، ومن نسب إليه ما نهى عنه فهو كاذب " (* 3) وخبر محمد بن أبي عمير عن غير واحد عن الصادق (ع): " من شبه الله بخلقه فهو مشرك، ومن أنكر قدرته فهو كافر " (* 4)، بناء على أن التجسيم نوع من التشبيه. لكن دلالتها لا تخلو من خدش، لان الظأهر من التنزيل فيها - بقرينة التفصيل بين المشرك والكافر - كونه بلحاظ الاحكام الخاصة، لا المشتركة كما لعله ظاهر. نعم في رواية الهروي عن الرضا (ع): " من وصف الله بوجه كالوجوه فقد كفر " (* 5) دلالة على ذلك، لاطلاق التنزيل. لكن التجسيم غير التشبيه، إذ بينهما عموم من وجه. وأما المجبرة فالنجاسة فيهم محكية عن المبسوط، وكاشف اللثام، واختاره في كشف الغطاء وإذ لا إجماع مدعى هنا ولا انكار لضروري - إلا بناء على تحقق انكار اللازم بانكار الملزوم، فيكون انكار الاختيار انكارا للثواب والعقاب، وهو ممنوع - فالبناء على النجاسة ضعيف. نعم استدل عليها ببعض النصوص المتقدمة في المجسمة، ومثلها خبر يزيد بن عمر الشامي عن الرضا (ع): " القائل بالجبر كافر، والقائل بالتفويض مشرك " (* 6)


(* 1) الوسائل باب: 10 من ابواب حد المرتد حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 10 من ابواب حد المرتد حديث: 5. (* 3) الوسائل باب: 10 من ابواب حد المرتد حديث: 16. (* 4) الوسائل باب: 10 من أبواب حد المرتد حديث: 17. (* 5) الوسائل باب: 10 من ابواب حد المرتد حديث: 3. (* 6) الوسائل باب: 10 من ابواب حد المرتد حديث: 4.

[ 390 ]

وقد عرفت الاشكال في دلالتها على النجاسة. نعم في رواية حريز عن أبي عبد الله (ع): " الناس في القدر على ثلاثه أوجه: رجل زعم أن الله أجبر الناس على المعاصي فهذا قد ظلم الله تعالى في حكمه، فهو كافر. ورجل يزعم أن الامر مفوض إليهم، فهذا قد وهن الله تعالى في سلطانه، فهو كافر " (* 1). ودلالتها على النجاسة باطلاق التنزيل ظاهرة، فالبناء على النجاسة في المشبهة، والمجبرة، قوي. وكذا في المفوضة - كما في كشف الغطاء - للرواية المذكورة. نعم قد يشكل ذلك بما عن شرح المفاتيح، من أن ظاهر الفقهاء طهارتهم فتكون الرواية مخالفة للمشهور. لكنه لم يثبت بنحو تسقط به الرواية عن الحجية. ولا سيما بناء على اندفاع المناقشة في نصوص التفصيل لكثرة الروايات الدالة على نجاسة المفوضة (* 2) حينئذ. (ودعو): أن ذلك خلاف سيرة الائمة (ع): وأصحابهم من معاشرة المخالفين، واكثرهم في جملة من العصور مجبرة أو مفوضة (يدفعها) مع ورود ذلك في النواصب في زمان الامويين المعلنين بسب أمير المؤمنين (ع): على منابرهم في جميع الآفاق الاسلامية -: أن وضوح بطلان الجبر والتفويض مما يوجب بناء العامة على خلافهما، إذ من البعيد اعتقاد متعارف الناس عدم الاختيار في العبد، ضرورة ثبوت القدرة له، كضرورة ثبوت الارادة، ولا نعني من الاختيار إلا هذا المقدار، فالاختيار في العبد ضروري وكذا بطلان التفويض، بمعنى استقلال العبد في القدرة في قبال قدرته سبحانه، فان كل شئ تحت قدرته تعالى، ومنه قدرة العبد، وإذا كان الامر بين الامرين ضروريا وجدانيا يبعد بناء عامة الناس على خلافه. إلا على نحو التقليد


(* 1) الوسائل باب: 10 من ابواب حد المرتد حديث: 10. (* 2) تراجع الوسائل باب: 10 من ابواب حد المرتد.

[ 391 ]

{ إلا مع العلم بالتزامهم بلوازم مذاهبهم من المفاسد (1). (مسألة 3): غير الاثنا عشرية من فرق الشيعة، إذا لم يكونوا ناصبين ومعادين لسائر الائمة، ولا سابين لهم، طاهرون (2) }. الاعمى، والانتساب إلى مثل هذه المذاهب الفاسدة بمجرد اللسان لا بالجنان وإن كان الظاهر أن النصوص واردة بالاضافة إليهم، فيشكل دفع الدعوى المذكورة. وكذا الاشكال في النواصب والخوارج. أما القائلون بوحدة الوجود من الصوفية فقد ذكرهم جماعة، ومنهم السبزواري في تعليقة على الاسفار، قال: " والقائل بالتوحيد إما أن يقول بكثرة الوجود والموجود جميعا مع التكلم بكلمة التوحيد لسانا، واعتقادا بها إجمالا، واكثر الناس في هذا المقام. وإما أن يقول بوحدة الوجود والموجود جميعا، وهو مذهب بعض الصوفية. وإما أن يقول بوحدة الوجود وكثرة الموجود، وهو المنسوب إلى أذواق المتألهين. وعكسه باطل. وإما أن يقول بوحدة الوجود والموجود في عين كثرتهما، وهو مذهب المصنف والعرفاء الشامخين. والاول: توحيد عامي، والثالث: توحيد خاصي، والثاني: توحيد خاص الخاص، والرابع: توحيد أخص الخواص ". أقول: حسن الظن بهؤلاء القائلين بالتوحيد الخاص والحمل على الصحة المأمور به شرعا، يوجبان حمل هذه الاقوال على خلاف ظاهرها، وإلا فكيف يصح على هذه الاقوال وجود الخالق والمخلوق، والآمر والمأمور والراحم والمرحوم؟! وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت واليه أنيب. (1) مطلقا أو مع العلم بكون خلافها من الدين، على ما تقدم من القولين من كون انكار الضروري مكفرا تعبدا،، أو لرجوعه إلى إنكار الرسالة فلاحظ. (2) أما الفرق المخالفة للشيعة فالمشهور طهارتهم. ويحكى عن السيد

[ 392 ]

القول بنجاستهم، وعليه بعض متأخري المتأخرين، كصاحب الحدائق، وحكاه عن المشهور في كلمات أصحابنا المتقدمين. وستشهد لذلك بما في كتاب فص الياقوت للشيخ الجليل ابن نوبخت (ره) من قوله: " دافعوا النص كفرة عند جمهور أصحابنا، ومن أصحابنا من يفسقهم ". وبما في المقنعة من أنه لا يجوز تغسل المخالف للحق في الولاية، ولا الصلاة عليه، ونحوه ما عن ابن البراج. وبما في التهذيب - بعد نقل ما في المقنعة -: " الوجه فيه أن المخالف لاهل الحق كافر فيجب أن يكون حكمه حكم الكفار، إلا ما خرج بالدليل ". وبما في السرائر من الاستدلال على ذلك: بأن المخالف لاهل الحق كافر بلا خلاف بيننا. انتهى. ثم حكى عن الصالح المازندراني (ره) في شرح أصول الكافي التصريح بكفرهم. وكذا عن الشريف القاضي في إحقاق الحق وأبي الحسن الشريف في شرح الكفاية. لكن جميع العبارات المذكورة إنما تضمنت التصريح بكفرهم من دون تعرض فيها لنجاستهم. فلاحظ. نعم في بعضها الاستدلال على ذلك بانكار الضروري الموجب للكفر والنجاسة. وكيف كان فالاستدلال على النجاسة (تارة): بالاجماع المحكي عن الحلي على كفرهم، المؤيد بنسبته إلى جمهور أصحابنا في كتاب فص الياقوت للشيخ الجليل ابن نوبخت - كما عرفت - والى اكثر أصحابنا في شرحه للعلامة (ره) وبارساله في التهذيب إرسال المسلمات، كما تقدم. (واخرى) بالنصوص المتجاوز حد الاستفاضة، بل قيل: إنها متواترة، المتضمنة كفرهم، كرواية أبي حمزة: " سمعت أبا جعفر (ع) يقول: إن عليا (ع) باب فتحه الله تعالى من دخله كان مؤمنا، ومن خرج عنه كان كافرا "، ونحوها روايات مروان بن مسلم، وسدير ويحيى بن القاسم، وأبي خالد

[ 393 ]

الكابلي، وأبي سلمة. والفضيل بن يسار، وغيرها فلاحظ حدود الوسائل (* 1) (وثالثة): بأنهم ممن انكر ضروري الدين كما في محكي المنتهى في مسألة اعتبار الايمان في مستحق الزكاة، وفي شرح كتاب فص الياقوت وغيرهما، فيعمهم مادل على كفر منكر الضروري (ورابعة): بما دل على نجاسة الناصب من الاجماع المتقدم وغيره، بضميمة ما دل على أنهم نواصب، كخبر معلى بن خنيس: " سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: ليس الناصب من نصب لنا أهل البيت، لانك لا تجد أحدا يقول: إني أبغض آل محمد صلى الله عليه وآله ولكن الناصب من نصب لكم وهو يعلم أنكن تتولوننا وتبرؤون من أعدائنا " (* 2)، ونحوه خبر عبد الله بن سنان (* 3) مع تفاوت يسير. ومكاتبة محمد بن علي بن عيسى إلى الهادي (ع) يسأله عن الناصب هل يحتاج في امتحانه إلى اكثر من تقديمه الجبت والطاغوت واعتقاد امامتهما؟ فرجع الجواب: " من كان على هذا فهو ناصب " (* 4) وهذه الروايات مذكورة في الوسائل في كتابي الخمس والحدود. وخبر عبد الله بن المغيرة المحكي عن الروضة - كما في طهارة شيخنا الاعظم (ره) - " قلت لابي الحسن (ع): إني ابتليت برجلين، أحدهما ناصب، والآخر زيدي ولابد لي من معاشرتهما، فمن أعاشر؟ فقال (ع): هما سيان.. (إلى أن قال): هذا نصب لك، وهذا الزيدي نصب لنا " (* 5).


(* 1) راجع الوسائل باب: 10 من ابواب حد المرتد، لكن بعض ما اشير إليه مشتمل على البغض، فيكون أخص. (* 2) الوسائل باب: 2 من ابواب ما يجب فيه الخمس ملحق الحديث الثالث. (* 3) الوسائل باب: 2 من ابواب ما يجب فيه الخمس حديث: 3. (* 4) الوافي باب: 23 من ابواب وجوب الحجة حديث: 4. (* 5) الوافي باب: 23 من ابواب وجوب الحجة حديث: 3.

[ 394 ]

وفي الجميع خدش ظاهر، إذ الكفر المدعى عليه الاجماع في كلام الحلي وغيره، إن كان المراد منه ما يقابل الاسلام فهو معلوم الانتفاء، فان المعروف بين أصحابنا إسلام المخالفين، وان كان المراد به ما يقابل الايمان - كما هو الظاهر، بقرينة نسبة القول بفسق المخالفين إلى بعض أصحابنا في كتاب فص الياقوت في قبال نسبة الكفر إلى جمهورهم - لم يجد في إثبات النجاسة، لان الكافر الذي انعقد الاجماع، ودلت الادلة على نجاسته ما كان بالمعنى الاول، كما تشهد به الفتوى بالطهارة هنا من كثير من نقله الاجماع على نجاسة الكافر. وأما النصوص فالذي يظهر منها أنها في مقام إثبات الكفر للمخالفين بالمعنى المقابل للايمان، كما يظهر من المقابلة فيها بين الكافر والمؤمن. فراجعها. وقد ذكر في الحدائق كثيرا منها. ويشهد لذلك النصوص الكثيرة الشارحة لحقيقة الاسلام، كموثق سماعة: " قلت لابي عبد الله (ع): أخبرني عن الاسلام والايمان أهما مختلفان؟ فقال (ع): إن الايمان يشارك الاسلام، والاسلام لا يشارك الايمان. فقلت: فصفهما لي. فقال (ع): الاسلام شهادة أن لا إله إلا الله والتصديق برسول الله صلى الله عليه وآله، به حقنت الدماء، وعليه جرت المناكح والمواريث وعلى ظاهره جماعة الناس. والايمان الهدى، وما يثبت في القلوب من صفة الاسلام وما ظهر من العمل به " (* 1). وصحيح حمران عن أبي جعفر (ع): " سمعته يقول: الايمان ما استقر في القلب وأفضي به إلى الله تعالى، وصدقه العمل بالطاعة والتسليم لامره والاسلام ما ظهر من قول أو فعل، وهو الذي عليه جماعة الناس من الفرق كلها، وبه حقنت الدماء وعليه جرت المواريث وجاز النكاح.. " (* 2).


(* 1) و (* 2) الوافي باب: 1 من ابواب تفسير الايمان والكفر من الفصل الثاني من كتاب الايمان والكفر.

[ 395 ]

وخبر سفيان بن السمط: " سأل رجل أبا عبد الله (ع) عن الاسلام والايمان ما الفرق بينهما؟.. (إلى أن قال): فقال (ع): الاسلام هو الظاهر الذي عليه الناس، شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة، وإيتاه الزكاة وحج البيت، وصيام شهر رمضان فهذا الاسلام وقال (ع): الايمان معرفة هذا الامر مع هذا، فان أقر بها ولم يعرف هذا الامر كان مسلما، وكان ضالا " (* 1). ويشهد لذلك أيضا النصوص الكثيرة الواردة في طهارة ما يؤخذ من أيديهم من المائعات والجامدات التي يعلم مباشرتهم لها كالادهان والالبان، والعصير الذي قد ذهب ثلثاه، والجبن، والجلود، واللحوم وغير ذلك مما يتجاوز حد التواتر (وبالجملة): فالقرائن الداخلية والخارجية قاضية بكون المراد من الكفر في النصوص السابقة مالا يكون موضوعا للنجاسة. والظاهر أنه هو المراد من الكفر في كلمات أصحابنا (رض). وحينئذ لا وجه لنسبة القول بالنجاسة إليها. نعم يأبى ذلك التعليل بانكار الضروري في كلام بعضهم، كالعلامة في شرح فص الياقوت والمنتهى، وغيره. لكن لابد من توجيه ذلك إذ من البعيد جدا بناء مثل العلامة (ره) على النجاسة. ولا سيما مع وضوح منعه. نعم هو من انكار ضروري المذهب. لكن انكار مثل ذلك لا يقتضي النجاسة. ومن ذلك يظهر لك الاشكال في الاستدلال به على النجاسة، ولا سيما بناء على ما عرفت من عدم كون إنكار الضروري مكفرا مطلقا. وأما النصوص الدالة على نصبهم - فمع عدم صحة أسانيدها، ومخالفتها للمشهور بين الاصحاب. وتعارضها فيما بينها، لدلالة المكاتبة على كون النصب مجرد الاعتقاد بامامة الجبت والطاغوت، ودلالة غيرها على كونه


(* 1) الوافي باب: 1 من ابواب تفسير الايمان والكفر من الفصل الثاني من كتاب الايمان والكفر.

[ 396 ]

معاداة الشيعة. ولاشكال مضامينها في نفسها فان قوله (ع) في الخبرين " لانك لا تجد.. " مخالف للواقع، لكثرة المبغضين لهم والمستحلين لقتلهم وقتالهم، ومخالف للنصوص المشتملة على حكم الناصب لهم أهل البيت فلاحظ ما ورد في غسالة الحمام (* 1) وغيرها - أن قوله (ع): في رواية ابن المغيرة: هذا نصب لك.. " غير ظاهر، إذ لا فرق بين الزيدي وغيره، فان الزيدي قد ينصب لهم (ع): لاعتقاده تقصيرهم (ع) في أداء ما يجب عليهم من الامر بالمعروف، وقد لا ينصب لهم لاعتقاده عذرهم وانما ينصب للشيعة لاعتقاده خطأهم في اعتقاد امامتهم (ع)، وكذلك الحال في المخالف، فقد يكون ناصبا لهم (ع): لادعائهم الامامة الخاصة التي يعتقد بطلانها، وقد لا يكون ناصبا لهم، لاعتقاده عدم ادعائهم ذلك، وإنما ينصب لشيعتهم لاعتقاده بطلان مذهبهم. (وبالجملة): لا يظهر وجه الفرق بين الزيدي والناصب. وأما المكاتبة فيحتمل قريبا فيها - لو لم يكن هو الظاهر - أنها واردة في مقام الشك في تحقق النصب وعدمه، فهي في مقام جعل الحكم الظاهري لا في مقام بيان معنى للناصب غير ما هو المعروف. ثم لو سلم ذلك كله فغاية مدلولها أن المخالف ناصب، ولكن هذا المقدار لا يقتضي ثبوت النجاسة إذ لا دليل على نجاسة كل ناصب، إذ الادلة المتقدمة على نجاسة الناصب منحصرة بالاجماع والنص، والموضوع فيهما لا يشمل المخالف، ضرورة اختصاص النص المتضمن لنجاسة الناصب بالناصب لهم (ع) لا مطلق الناصب. فراجعه. ورواية الفضيل الدالة على أنه كافر موردها التزويج، ولابد أن تحمل على غير المخالف للنصوص الدالة على جواز تزويج المخالف. وكلمات


(* 1) راجع الوسائل باب: 11 من ابواب الماء المضاف والمستعمل. وقد تقدم بعضها في نجاسة النواصب.

[ 397 ]

الاصحاب المدعين للاجماع وغيرهم في تفسير الناصب مختلفة، ومع ذلك ليس فيها ما يشمل المخالف، فان المنسوب إلى اكثر الاصحاب: أنه من نصب العداوة لاهل البيت (ع)، بل ظاهر الحدائق: أنه لا خلاف فيه. وعن المعتبر والمنتهى: أنه الذي يقدح في علي (ع)، وعن القاموس: أنه المتدين ببغض علي (ع). وعن شرح المقداد: " الناصب يطلق على خمسة وجوه: (الاول): القادح في علي (ع) (الثاني): من ينسب إلى أحدهم (ع) ما يسقط العدالة. (الثالث): من ينكر فضيلتهم لو سمعها (الرابع): من يعتقد فضيلة غير علي (ع) (الخامس): من أنكر النص على علي (ع) بعد سماعه، أو وصوله إليه بوجه يصدقه " فلو بني في نجاسة الناصب على الاعتماد على الاجماع كان اللازم الاقتصار على المتيقن. وهو المعادي لعلي (ع) متدينا به. ولو بني على الاعتماد على النص فالموضوع مطلق المعادي لهم (ع). هذا ولاجل أن دلالة النص لا تخلو من شبهة واشكال - كما سبق - وأن العمدة الاجماع، يسهل الخطب في حال كثير من المعادين لهم (ع) الذين علم بمساورة النبي صلى الله عليه وآله لهم ومساورة من بعده من الائمة (ع) وشيعتهم لهم. (ودعوى): أن ذكر علي (ع) في كلام القاموس والمعتبر والمنتهى لانه (ع) سيد الائمة (ع)، لا لخصوصية لبعضه في صدق مفهوم الناصب عرفا (غير ظاهرة). اللهم إلا أن يقال: بعد البناء على نجاسة الناصب - ولو للاجماع - يكون الاختلاف في مفهومه من قبيل اختلاف اللغويين في مفهوم اللفظ، ويتعين الرجوع فيه إلى الاوثق، وهو ما عن المشهور، من أنه المعادي لهم (ع) فيكون هو موضوع النجاسة، ولاسيما وكونه الموافق لموثقة ابن أبي يعفور - لو تمت دلالتها على النجاسة - ولروايتي ابن خنيس وسنان المتقدمتين بعد حملهما على ما عليه المشهور: بأن يراد منهما بيان الفرد الخفي للناصب

[ 398 ]

{ وأما مع النصب، أو السب للائمة الذين لا يعتقدون بامامتهم فهم مثل سائر النواصب (1). (مسألة 4): من شك في إسلامه وكفره طاهر (2)، } لهم (ع) وهو الناصب لشيعتهم (ع) من حيث كونهم شيعة لهم من باب: صديق العدو عدو. وهذا هو المتعين. فلاحظ وتأمل. ومما ذكرنا يظهر حكم فرق الشيعة غير الاثنا عشرية كالكيسانية، والزيدية والفطحية، والاسماعيلية، والواقفية وغيرهم، وأن مقتضى الاصل طهارتهم ولا دليل يقتضي الخروج عنه، إلا أن ينطبق عليه أحد العناوين النجسة المتقدمة، وما عن الجواد (ع)، من أن الزيدية والواقفة والنصاب بمنزلة واحدة (* 1). محمول على وحدة المنزلة في الآخرة ومثله ما عن الكشي عن عمر بن يزيد من قول الصادق (ع): " إن من شيعتنا بعدنا من هم شر من النصاب.. (إلى أن قال) (ع): إنهم قوم يفتنون بزيد ويفتنون بموسى (ع) " (* 2). وما في الخرائج عمن كتب إلى أبي محمد (ع): يسأله عن الواقفة، من قوله (ع): " من جحد إماما من الله تعالى، أو زاد إماما ليست إمامته من الله تعالى، كان كمن قال: إن الله ثالث ثلاثة.. " (* 3). (1) كما في كشف الغطاء. وكأنه لكون السب طريقا إلى تحقق النصب - بناء على ما عرفت من عموم نجاسة الناصب للناصب لهم (ع) - وإلا فليس في الادلة ما يدل على نجاسة الساب من حيث صدور السب منه. (2) لقاعدة الطهارة. ولا مجال لاستصحاب عدم الاسلام الثابت حال الصغر، لان ذلك العدم ليس كفرا، سواء اكان الكفر وصفا وجوديا


(* 1) كتاب الكشي ج: 6 في الواقفة صفحة: 287. (* 2) كتاب الكشي ج: 6 في الواقفة صفحة: 286. (* 3) الوسائل باب: 10 من ابواب حد المرتد حديث: 40.

[ 399 ]

{ وإن لم يجر عليه سائر أحكام الاسلام (1). التاسع: الخمر، بل كل مسكر مائع بالاصالة (2) } أم عدميا، إذ على الثاني يكون من قبيل عدم الملكة - أعني: العدم عما من شأنه أن يكون مسلما - وهذا المعنى من العدم ليس له حالة سابقة حال الصغر. (1) للشك في موضوعها، ولا طريق إلى احرازه من أمارة أو أصل. نعم تقدم في مبحث الجلد المشكوك الحكم باسلام المشكوك إذ كان في بلد يكون الغالب عليها المسلمين. لكن التعدي عن مورده إلى غيره لا يخلو من اشكال. (2) على المشهور شهرة عظمية، بل عن جماعة الاجماع عليه صريحا أو ظاهرا منهم السيدان، والشيخ. والمحقق. بل الظاهر أنه إجماع في جملة من الطبقات، إذ لم ينقل الخلاف إلا عن جماعة من القدماء، كالصدوق وأبيه في الرسالة، والجعفي، والعماني، وجماعة من متأخري المتأخرين، أولهم المقدس الاردبيلي، وتبعه عليه جماعة ممن تأخر عنه. وعن الحبل المتين أنه قال: " أطبق علماء الخاصة والعامة على نجاسة الخمر، إلا شرذمة منا ومنهم لم يعتد الفريقان بمخالفتهم ". وتدل على النجاسة جملة وافرة من النصوص، قيل: تقرب من عشرين حديثا. منها صحيح ابن سنان: " سأل أبي أبا عبد الله (ع): - وأنا حاضر - إني أعير الذمي ثوبي، وأنا أعلم أنه يشرب الخمر، ويأكل لحم الخنزير، فيرده علي فاغسله قبل أن أصلي فيه؟ فقال أبو عبد الله (ع): صل فيه ولا تغسله من أجل ذلك، فانك أعرته إياه وهو طاهر ولم تستيقن أنه نجسه، فلا بأس أن تصلي فيه حتى تستيقن أنه نجسه " (* 1). وصحيحه


(* 1) الوسائل باب: 74 من ابواب النجاسات حديث: 1.

[ 400 ]

الآخر: " سألت أبا عبد الله (ع): عن الذي يعير ثوبه لمن يعلم أنه يأكل الجري أو يشرب الخمر فيرده، أيصلي فيه قبل أن يغسله؟ قال (ع): لا يصلي فيه حتى يغسله " (* 1). فان الامر فيه وان كان محمولا على الاستحباب لكنه يدل بالتقرير على نجاسة الخمر. وصحيح ابن حنظلة: " قلت لابي عبد الله (ع): ما ترى في قدح من مسكر يصب عليه الماء حتى تذهب عادتيه ويذهب سكره؟ فقال (ع): لا والله ولا قطرة قطرت في حب إلا أهريق ذلك الحب " (* 2). وما ورد في نزح البئر من وقوعه فيها (* 3). وما ورد في النهي عن استعمال أواني الكافرين لو كانوا يشربون فيها الخمر (* 4). وما في موثق عمار عن أبي عبد الله (ع) من قوله: " ولا تصل في ثوب قد أصابه خمر أو مسكر حتى يغسل " (* 5). وموثقه الآخر عنه (ع) من الامر بغسل القدح، أو الاناء الذي يشرب فيه الخمر ثلاث مرات، وأنه لا يجزؤه حتى يدلكه بيده (* 6). وخبر أبي بصير عن أبي عبد الله (ع) في النبيذ: " ما يبل الميل ينجس حبا من ماء. يقولها ثلاثا " (* 7). وخبر زكريا بن آدم: " سألت أبا الحسن (ع) عن قطرة خمر أو نبيذ مسكر قطرات في قدر فيه لحم كثير ومرق كثير. قال (ع): يهراق المرق، أو يطعمه أهل الذمة، أو الكلب واللحم اغسله وكله " (* 8)..


(* 1) الوسائل باب: 74 من ابواب النجاسات حديث: 1، وباب: 38 منها حديث: 1 (* 2) الوسائل باب: 18 من ابواب الاشربة المحرمة حديث: 1. (* 3) راجع الوسائل باب: 15 من ابواب الماء المطلق. (* 4) راجع الوسائل باب: 72 من ابواب النجاسات. (* 5) الوسائل باب: 35 من ابواب الاشربة المحرمد حديث: 2. (* 6) الوسائل باب: 51 من ابواب النجاسات حديث: 1. (* 7) الوسائل باب: 38 من ابواب النجاسات حديث: 6. (* 8) الوسائل باب: 38 من ابواب النجاسات حديث: 8.

[ 401 ]

إلى غير ذلك نعم يدل على الطهارة جملة أخرى قبل: تزيد على عشرين حديثا. كصحيح علي بن رئاب: " سألت أبا عبد الله (ع) عن الخمر والنبيذ المسكر يصيب ثوبي أغسله أو أصلي فيه؟ قال (ع): صل فيه، إلا أن تقذره فتغسل منه موضع الاثر إن الله تعالى إنما حرم شربها " (* 1)، ونحوه مرسل الصدوق في الفقيه، ومسنده في العلل - بطريق صحيح - عن بكير عن أبي جعفر (ع)، وعن أبي الصباح وأبي سعيد، والحسن النبال، عن أبي عبد الله (ع) (* 2). وكذا مصحح الحسن بن أبي سارة معللا: بأن الثوب لا يسكر (* 3). وصحيح الحسن بن موسى الحناط. " عن الرجل يشرب الخمر، ثم يمجه من فيه، فيصيب ثوبي. قال (ع): لا بأس " (* 4) وموثق الحسن بن أبي سارة: " قلت لابي عبد الله (ع): إنا نخالط اليهود والنصارى والمجوس وهم يأكلون ويشربون فيمر ساقيهم فينصب على ثيابي الخمر. فقال (ع): لا بأس به، إلا أن تشتهي أن تغسله لاثره " (* 5).. إلى غير ذلك. والجمع العرفي يقتضي حمل الاولى على الاستحباب. ولو فرض تعذره فالترجيح مع نصوص الطهارة، لمخالفتها للمشهور بين العامة، كما قيل، وقد تقدم عن البهائي (ره). وأما معارضة ذلك بموافقة نصوص النجاسة للكتاب العزيز لقوله تعالى فيه " إنما الخمر والميسر والانصاب والازلام رجس من عمل الشيطان " (* 6)


(* 1) الوسائل باب: 38 من أبواب النجاسات حديث: 14. (* 2) الوسائل باب: 38 من ابواب النجاسات حديث: 13. (* 3) الوسائل باب: 38 من ابواب النجاسات حديث: 10. (* 4) الوسائل باب: 39 من ابواب النجاسات حديث: 2. (* 5) الوسائل باب: 38 من ابواب النجاسات حديث: 12. (* 6) المائدة: 90.

[ 402 ]

فمندفعة. بأنه لو تم كون الرجس بمعنى النجاسة العينية، فلا يناسبه السياق ولا قوله تعالى: (من عمل الشيطان). والشهرة الفتوائية وإن كانت مع نصوص النجاسة لكنها ليست من المرجحات. وحمل نصوص الطهارة على التقية من سلاطين ذلك الوقت غير ظاهر إذا كان القول بالنجاسة مشهورا عند المخالفين، لان مخالفة العامة - التي هي من المرجحات - يراد منها المخالفة للمذهب، لا للعمل - ولو كان عمل السلطان - بل للمذهب العام لا الخاص، وإن كان الخاص يسوغ التقية في القول والعمل، لكنه لا يكفي في كون المخالفة له مرجحا تعبدا. ومن ذلك يظهر وهن ترجيح أخبار الطهارة بمخالفتها لمذهب ربيعة الرأى، كما قيل. نعم تشكل نصوص الطهارة باشتمال مصحح ابن أبي سارة على التعليل: بأن الثوب لا يسكر، الظاهر في نجاسة الخمر المسكر وحينئذ يكون دالا على نجاسة الخمر لا على طهارته. نعم يدل على طهارة الثوب الملاقي له وهو مما لم يقل به أحد، وليس محلا لكلام هنا، فان الكلام هنا في نجاسة الخمر لا في سراية نجاسته إلى الملاقي. ويكون مورد موثقه الخمر الواقع على الثوب من الكأس الذي شرب منه اليهودي والنصراني والمجوسي، فيدل على طهارة الخمر وطهارة الاصناف المذكورة من الكفار. وباشتمال مرسل الفقيه ومسنده في العلل على طهارة ودك الخنزير، وجواز الصلاة فيه، مع الاتفاق على نجاسته وعلى عدم جواز الصلاة فيه وإن قلنا بطهارته، لانه غير مأكول اللحم. وبأن الكليني روى في الصحيح عن علي ابن مهزيار: " قال: قرأت في كتاب عبد الله به محمد إلى أبي الحسن (ع): جعلت فداك روى زرارة عن أبي جعفر (ع) وأبي عبد الله (ع) في الخمر يصيب ثوب الرجل أنهما

[ 403 ]

قالا: لا بأس بأن يصلي فيه إنما حرم شربها. وروى (غير. خ ل) زرارة عن أبي عبد الله (ع) أنه قال: إذا أصاب ثوبك خمر أو نبيذ - يعني المسكر - فاغسله إن عرفت موضعه، وان لم تعرف موضعه فاغسله كله وان صليت فيه فاعد صلاتك. فاعلمني ما آخذ به. فوقع (ع): بخطه وقرأته: خذ بقول أبي عبد الله (ع) " (* 1). وروى أيضا عن خيران الخادم: " قال كتبت إلى الرجل أسأله عن الثوب يصيبه الخمر ولحم الخنزير أيصلى فيه أم لا؟ فان أصحابنا قد اختلفو فيه. فقال بعضهم: صل فيه فان الله تعالى إنما حرم شربها، وقال بعضهم: لا تصل فيه. فكتب (ع): لا تصل فيه، فانه رجس " (* 2). ولا ريب في دلالة الروايتين المذكورتين على أن التعارض بين روايتي الطهارة والنجاسة مستحكم على نحو لا مجال للجمع العرفي بينهما، وان الترجيح لرواية النجاسة، فلو اقتضت عمومات الترجيح ترجيح رواية الطهارة كانت الروايتان المذكورتان إما مخصصتين لها أو حاكمتين عليها. ومن ذلك يظهر وهن الجمع العرفي المتقدم، كوهن الترجيح لاخبار الطهارة (ومعارضة) ذلك باحتمال كون ترجيح رواية النجاسة في هاتين الروايتين لاجل التقية (مندفعة): بأن ذلك خلاف الاصل. مضافا إلى ما قيل من اشتهار العفو عن قليلها عندهم، الذي هو مورد اكثر نصوص النجاسة. فلاحظ. هذا ومورد نصوص النجاسة وان كان هو الخمر والنبيذ، لكن يتعدى منهما إلى كل مسكر، للتنصيص على العموم في معاقد الاجماعات الصريحة والظاهرة. فعن الناصريات: " كل من قال: بأنه محرم الشرب ذهب إلى أنه نجس كالخمر.. (إلى أن قال): لا خلاف في نجاسته تابعة لتحريم


(* 1) الوسائل باب: 38 من ابواب النجاسات حديث: 2. (* 2) الوسائل باب: 38 من ابواب النجاسات حديث: 4.

[ 404 ]

{ وان صار جامدا بالعرض (1) لا الجامد كالبنج (2) وان صار مايعا بالعرض. } شربه ". ونحوه كلام غيره مضافا إلى بعض النصوص الواردة في مطلق. المسكر، كموثق عمار، وصحيحة ابن حنظلة المتقدمين، أو في خصوص النبيذ (* 1) الذي قيل: انه يعمل من عامة الاشربة. وما ورد من أن الخمر كل مسكر من الشراب. وان كل مسكر خمر (* 2). ويساعده كلام جماعة من اللغويين. وصحيح ابن الحجاج قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " الخمر من خمسة: العصير من الكرم، والنقيع من الزبيب، والبتع من العسل، والمرز من الشعير، والنبيذ من التمر " (* 3) ونحوه غيره. فإذا لا فرق بين الخمر وسائر المسكرات في الحكم ولا في الخلاف والوفاق. والله سبحانه العالم (1) كما نص عليه العلامة والشهيد وغيرهما. بل الظاهر التسالم عليه كما يظهر من عدم عد الجمود من المطهرات. ويقتضيه اطلاق أدلة النجاسة ولو فرض الشك في صدق الموضوع مع الجمود، أو انصراف الادلة عنه فالاستصحاب كاف في إثبات النجاسة. (2) إجماعا صريحا وظاهرا عن جماعة. قيل: للاصل بعد اختصاص أدلة النجاسة بالمائع. ولكن يشكل: بأن بعض تلك الادلة شامل للجامد كموثق عمار وخبر ابن حنظلة المشتملين على التعبير بالمسكر. مضافا إلى مثل قوله (ع): " كل مسكر خمر ". (ودعوى): انصراف مثل الاولين إلى غير الجامد، والاخير إلى التنزيل بلحاظ حرمة الشرب. (غير ظاهرة) فالعمدة في الطهارة الاجماع، كما اعترف به في محكي شرح الدروس.


(* 1) الوسائل باب: 38 من ابواب النجاسات حديث: 2، 3، 5، 6، 8، 15. (* 2) راجع الوسائل باب: 1، 19، من ابواب الاشربة المحرمة. (* 3) الوسائل باب: 15 من ابواب الاشربة المحرمة حديث: 5.

[ 405 ]

{ مسألة 1): ألحق المشهور بالخمر العصير العنبي (1) } (1) حكى الشهرة المذكورة جماعة. بل عن كنز العرفان دعوى الاجماع وفي مجمع البحرين: " هو نجس حرام. نقل عليه الاجماع ". عن أطعمة التنقيح الاتفاق على أنه بحكم المسكر، وكيف كان فمستند النجاسة. إما الاجماعات المذكورة. أو ما دل على نجاسة المسكر (* 1) بناء على أنه منه - كما عن العلامة الطباطبائى وغيره. أو الاخبار الدالة على أن الخمر من خمسة أو ستة (* 2) - وعد منها العصير من الكرم - بضميمة ما دل على نجاسة الخمر. أو الاخبار المتضمنة لنزاع آدم ونوح عليهما السلام: مع ابليس لعنه الله تعالى (* 3) كما عن التنقيح الاستدلال بها على النجاسة - وقد تضمنت هذه أن الثلث لآدم ونوح عليهما السلام: والثلثين لابليس لعنه الله أو مصححة معاوية بن عمار المروية في التهذيب. قال: سألت أبا عبد الله (ع): عن الرجل من أهل المعرفة بالحق يأتيني بالبختج ويقول: قد طبخ على الثلث. وأنا أعرف أنه يشربه على النصف أفاشربه بقوله وهو يشربه على النصف؟ فقال (ع): خمر لا تشربه.. " (* 4). لكن الجميع لا يخلو من اشكال. أما الاجماعات، فهي معارضة بما عن الذكرى، فانه - بعد ما حكى القول بالنجاسة عن ابن حمزة والمحقق، وحكى توقف العلامة في النهاية - قال (ره): " ولم نقف لغيرهم على قول بالنجاسة " وفي مفتاح الكرامة فانه - بعد ما حكى عن المختلف نسبة


(* 1) راجع الوسائل باب: 38 من ابواب النجاسات فان اكثر احاديثها دالة على نجاسته. (* 2) راجع الوسائل باب: 1 من ابواب الاشربة المحرمة. (* 3) راجع الوسائل باب: 2 من ابواب الاشربة المحرمة. (* 4) الوسائل باب: 7 من ابواب الاشربة المحرمة حديث: 4 فقد رواه عن الكافي خال عن كلمة: " خمر " وعن التهذيب مشتملا عليها، كما سيصرح به الشارح قدس سره.

[ 406 ]

النجاسة إلى اكثر علمائنا، كالمفيد، والشيخ، والسيد، وأبي الصلاح، وسلار، وابن ادريس - قال (ره): " ولعله ظفر به في كتبهم ولم نظفر به " وفي المستند قال: " الذي يظهر لي أن المشهور بين الطبقة الثالثة - يعني: طبقة متأخري المتأخرين - الطهارة، وبين الثانية - أي: المتأخرين - النجاسة. وأما الاولى - يعني: القدماء - فالمصرح منهم بالنجاسة إما قليل أو معدوم. وكيف كان فلا مجال للاعتماد على دعوى الاجماع مع شهرة الخلاف. ولا سيما وأن المحكي عن كنز العرفان: دعوى الاجماع على النجاسة بعد غليانه واشتداده، وأما بعد غليانه وقبل اشتداده فحرام، اجماعا منا. وأما النجاسة فعند بعضنا: أنه نجس، وعند آخرين: أنه طاهر. انتهى. ومن المحتمل أن المراد بالاشتداد ما يساوق الاسكار، كما يظهر من محكي كلامه في تفسير الخمر قال (ره): " الخمر في الاصل مصدر خمره إذا ستره، سمي به عصير العنب والتمر إذا غلى واشتد، لانه يخمر العقل - أي يستره - كما سمي مسكرا، لانه يسكره أي يحجزه ". فحينئذ لا يكون مدعيا للاجماع فيما نحن فيه. وأما كونه مسكرا، فهو خلاف ظاهر القائلين بالطهارة والنجاسة حيث جعلوه مقابلا للخمر وسائر المسكرات، ومع الشك في الاسكار به لا مجال للرجوع إلى عموم نجاسة المسكر. وأما عد العصير من أنواع الخمر فلا يجدى، لاجمال المراد به، وليس المراد به مطلق المفهوم اللغوى، ولذا لا يتوهم التمسك باطلاقه من حيث الغليان وعدمه، فالمقصود بهذه الروايات الاشارة إلى أصول الانواع في الجملة. وأما الاخبار المتضمنة لنزاع أدم ونوح عليهما السلام مع ابليس، فهي أجنبية عن الدلالة على النجاسة، وليس فيها أقل اشارة إلى ذلك، وإنما

[ 407 ]

تدل على الحرمة التكليفية - في الجملة - وليست في مقام بيان حدود الموضوع وقيوده فلاحظها. وأما مصححة معاوية فهي مروية في الكافي خالية عن ذكر الخمر، وهو أضبط كما اشتهر، والتحقيق لزوم إجراء حكم تعارض الخبرين في أمثال المقام فيؤخذ برواية الاوثق. وليس المقام من باب معارضة أصالة عدم الزيادة بأصالة عدم النقيصة، ليبنى على ترجيح الاولى على الثانية - كما هو كذلك عند العقلاء حيث يتعين الترجيح - ولا من باب اشتباه الحجة بغير الحجة - كي يسقط الخبران معا عن الحجية - وان كان البناء عليه في المقام أيضا يكفي في البناء على الطهارة، للاصل. لكنه خلاف التحقيق، فيتعين البناء على ثبوت رواية الكليني وسقوط لفظ الخمر. ولا سيما بملاحظة ما في الوسائل والوافي عن التهذيب حيث روايا عنه سقوط لفظ الخمر، الدال على أن بعض نسخ التهذيب يوافق نسخة الكافي، وحينئذ كيف يجوز الاستدلال ببعض نسخ التهذيب في مقابل بعضها الآخر، ونسخة الكافي؟ ولاسيما بملاحظة كون المناسب للسؤال تركه في الجواب، كما يظهر بأدنى ملاحظة. هذا مضافا إلى أنه لو سلم وجود لفظ الخمر في الرواية فلا مجال للتمسك باطلاق التنزيل فيه لانه ليس واردا في مقام بيان الحكم الواقعي بل في مقام بيان الحكم الظاهري بعد فراغ السائل عن معرفة حكمه لو كان بحيث لم يذهب ثلثاه فقوله (ع): " خمر " ليس المراد أنه بمنزلة الخمر - كي يكون اطلاقه مقتضيا لثبوت النجاسة - بل المراد أنه لما كان قبل أن يذهب ثلثاه بمنزلة الخمر، فإذا شك في ذهاب ثلثيه كان مقتضى الاستصحاب بقاءه على حكمه قبل ذهاب ثلثيه من أنه خمر تنزيلا فهو خمر تعبدا ظاهرا وكونه كذلك أعم من النجاسة، لان الكلام ليس في مقام البيان من هذه والجهة - كى يؤخذ باطلاقه - بل في مقام إثبات الخمرية التنزيلية الواقعية له

[ 408 ]

{ إذا غلى (1) قبل أن يذهب ثلثاه، وهو الاحوط، وان كان } ظاهرا تعبدا. وثبوت الخمرية التنزيلية الواقعية لم يعلم انه كان على أي نحو هل كان على نحو عموم الاحكام، أو على نحو خصوصها؟ فلاحظ وتأمل، فانه دقيق. مضافا إلى ان إطلاق التنزيل منزلة الخمر وإن كان يقتضي النجاسة إلا أنه كذلك لو لم يكن مقرونا بما يصلح للقرينية، وقوله (ع): " لا تشربه " صالح للقرينية، فيكون المتيقن هو الحرمة لا غير فتأمل وأيضا فان لفظ " البختج " لم يعلم أنه مطلق العصير المطبوخ، فمن الجائز أن يكون نوعا خاصا منه بحيث يسكر بمجرد غليانه. وقول بعضهم: أنه العصير المطبوخ. غير ظاهر في التعريف المساوي. وأما مرسل محمد بن الهيثم عن رجل عن أبي عبد الله (ع) قال: " سألته عن العصير يطبخ بالنار حتى يغلي من ساعته، أيشربه صاحبه؟ فقال: إذا تغير عن حاله وغلى فلا خير فيه، حتى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه " (* 1). وموثق أبي بصير قال: " سمعت أبا عبد الله (ع) وسئل عن الطلا - فقال (ع): إن طبخ حتى يذهب منه اثنان ويبقى واحد فهو حلال، وما كان دون ذلك فليس فيه خير " (* 2). فلا دلالة فيه على النجاسة. والمتحصل من جميع ذلك: عدم ثبوت ما يوجب الخروج عن استصحاب الطهارة. (1) كما عن التحرير، والمختلف، والنزهة وغيرها أو إذا غلى أو اشتد، كما في القواعد والارشاد، وغيرهما. ويرجع أحدهما إلى الآخر، بناء على كون المراد من الاشتداد الغليان - كما في محكي شرح الارشاد للفخر - بل ظاهر قوله: " وعندنا أن يصير أسفله أعلاه بالغليان " الاجماع


(* 1) الوسائل باب: 2 من ابواب الاشربة المحرمة حديث: 7. (* 2) الوسائل باب: 2 من ابواب الاشربة المحرمة حديث: 6.

[ 409 ]

{ الاقوى طهارته. نعم لا إشكال في حرمته، سواء غلى بالنار أو بالشمس، أو بنفسه (1). وإذا ذهب ثلثاه صار حلالا. } عليه. لكن عن روض الجنان وغيره: تفسيره بالقوام: أو الثخانة. وكيف كان فاعتبار أمر زائد على الغليان في النجاسة تابع لدليلها، فان كان هو الاجماع، أو مثل مصححة معاوية، اعتبر ذلك، لاجمالها من هذه الجهة. وان كان مثل خبري ابن الهيثم وأبي بصير لم يعتبر لاطلاقهما. وان كان دليل نجاسة المسكر، توقف اعتباره على دخله في الاسكار. هذا وأما الاكتفاء بمجرد الغليان في التحريم فالظاهر أنه لا إشكال فيه، بل عن غير واحد دعوى الاجماع عليه. والنصوص به مستفيضة، كمصحح حماد عن أبي عبد الله (ع): " لا يحرم العصير حتى يغلي " (* 1) وفي خبره عنه (ع): " تشرب ما لم يغل فإذا غلى فلا تشربه " (* 2) إلى غير ذلك. (1) لاطلاق النص والفتوى - كما قيل - بل لم يحك الخلاف فيه صريحا، واختلاف بعض العبارات في ذلك غير ظاهر في الخلاف. نعم عن ابن حمزة في الوسيلة: تخصيص النجاسة بالغليان بنفسه لا بالنار - وكأن الوجه فيه بناؤه على صيرورته خمرا في الاول كما يشهد به قوله (ره): " إلا أن يصير خلا ". لكن عهدة ذلك عليه، وان كان يشهد له الرضوي: " فان نش من غير أن تصيبه النار فدعه حتى يصير خلا " (* 3). لكنه لم تثبت حجيته. ويشير إليه موثق عمار الوارد في العصير المطبوخ (* 4)


(* 1) الوسائل باب: 3 من ابواب الاشربة المحرمة حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 3 من ابواب الاشربة المحرمة حديث: 3. (* 3) مستدرك الوسائل باب: 3 من ابواب الاشربة المحرمة حديث: 5. (* 4) الوسائل باب: 5 من ابواب الاشربة المحرمة حديث: 2.

[ 410 ]

{ سواء كان بالنار، أو بالشمس، أو بالهواء (1)، بل الاقوى حرمته بمجرد النشيش (2) وان لم يصل إلى حد الغليان. } الظاهر في قدح نشيش عصير الزبيب ولو كان من جهة أنه يقتضي الحرمة - فقط - لم يضر في المقصود للامر باذهاب ثلثيه بعد ذلك، فلابد أن يكون من جهة النجاسة، التي لا يجدي في رفعها ذهاب الثلثين، كما سيأتي. نعم يحتمل أن يكون الوجه في الخشية من النشيش عدم حصول المقصود منه - أعني العلاج به - وقوله في السؤال: " كيف يطبخ حتى يصير حلالا؟ " وان كان ظاهرا في السؤال عما يعتبر في الحل لا غير، لكن الخصوصيات المذكورة في الجواب لما لم يمكن البناء على اعتبار اكثرها في الحل، يتعين البناء على كون الامام (ع) في مقام بيان ما يعتبر في الحل وما يعتبر في حصول المقصود. فتأمل جيدا. (1) للاطلاق أيضا. (2) كما تقتضيه موثقة ذريح: " سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: إذا نش العصير أو غلى حرم " (* 1). والظاهر من النشيش الاثر الحاصل قبل الغليان - كما يقتضيه العطف ب‍ (أو) - وكأنه المراد لمن فسره بصوت الغليان كما يظهر من القاموس وغيره، يعني: الصوت الذي يكون قبل الغليان. نعم تشكل الرواية: بأن التحريم بالنشيش قبل الغليان يوجب استدراك عطف الغليان عليه لحصول التحريم قبله دائما، بل يكون تعليق التحريم على الغليان في سائر الاخبار في غير محله، فالازم حمل النشيش على ما يكون بغير مورد الغليان، ولا يبعد حمله على النشيش بغير النار بقرينة مرسل محمد بن الهيثم المتقدم في الحاشية الاولى، لاختصاصه بالغليان بالنار. ولعله الظاهر أيضا من خبر حماد عن أبي عبد الله (ع): " سألته عن شرب العصير. قال (ع): تشرب ما لم يغل فإذا غلى فلا تشربه


(* 1) الوسائل باب: 3 من ابواب الاشربة المحرمة حديث: 4.

[ 411 ]

{ ولا فرق بين العصير ونفس العنب، فإذا غلى نفس العنب من غير أن يعصر كان حراما (1). وأما التمر والزبيب وعصيرهما، } قلت: أي شئ الغليان؟ قال (ع): القلب " (* 1) فان الظاهر ادارة الغليان بالنار، لعدم حصول القلب بغيرها - غالبا - فالروايتان المذكورتان تدلان على الحل قبل الغليان بالنار، ولو مع النشيش فتحمل رواية الحرمة بالنشيش على النشيش بغيرها. ويشهد بذلك الرضوي والموثق المتقدمان في كلام ابن حمزة. لكن عرفت أن مقتضاهما النجاسة، لا مجرد الحرمة. (1) قال المحقق الاردبيلي (ره) في محكي شرح الارشاد: " وظاهر النصوص اشتراط كونه معصورا، فلو غلى ماء العنب في حبه لم يصدق عليه أنه عصير غلى، ففي تحريمه تأمل. ولكن صرحوا به فتأمل. والاصل والعمومات وحصر المحرمات دليل الحل حتى يعلم الناقل ". وأشكل عليه جماعة ممن تأخر عنه - منهم شيخنا الاعظم (ره): بأن التعبير بالعصير من باب التعبير بالغالب، وإلا فلابد أن لا يحكم بالحرمة إذا استخرج ماء العنب لا بالعصر، بل بالغليان وهو واضح الفساد. انتهى. وفيه: أن التعدي من الخارج بالعصر إلى الخارج بغيره لا يقتضي التعدي في المقام، للفرق بينهما بالوضوح والخفاء، فما لم تكن قرينة على العموم لا مجال للتعميم، والارتكاز العرفي لا يساعد على الالحاق لاختلاف الخارج والداخل في طروء الفساد وعدمه اختلافا واضحا. وهذا بخلاف التعدي من الخارج بالعصر إلى الخارج بغيره. فان العرف يأبى عن دخل العصر فالتعدي يكون في محله. ثم الظاهر أن محل الكلام فيما إذا كان داخل حبة العنب ماء، أما إذا كان رطوبة كرطوبة الخيار والبطيخ، فغليان مثلها لا إشكال فيه لعدم كونها ماء عنب فتأمل جيدا


(* 1) الوسائل باب: 3 من ابواب الاشربة المحرمة حديث: 3.

[ 412 ]

{ فالاقوى عدم حرمتها أيضا بالغليان (1). } (1) على المشهور شهرة عظيمة في الاول، وفي الحدائق: " كاد أن يكون إجماعا، بل هو إجماع في الحقيقة "، وعن غير واحد حكاية نفي الخلاف فيه عن بعضهم. نعم في حدود الشرائع: " وأما التمر إذا غلى ولم يبلغ حد الاسكار ففي تحريمه تردد، والاشبه بقاؤه على التحليل حتى يبلغ "، ونحوه عن القواعد، وهذا قد يشعر بوجود الخلاف. وفي الدروس " أما عصير التمر فقد أحله بعض الاصحاب ما لم يسكر، وفي رواية عمار.. " ثم ذكر رواية عمار الآتية، وظاهرة الميل إلى الحرمة. وفي الحدائق: أنه حدث القول بالحرمة في الاعصار المتأخرة. انتهى. وهو ظاهر الوسائل وحكي عن ظاهر التهذيب والشيخ سليمان البحراني، والسيد الجزائري، والشيخ أبي الحسن، والاستاذ الاكبر، فانهم اعتبروا في حله ذهاب الثلثين. وقد يستدل له بمثل صحيح ابن سنان عن الصادق (ع): " كل عصير أصابته النار فهو حرام، حتى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه " (* 1). وموثقة عمار عن أبي عبد الله (ع): " أنه سئل عن النضوح المعتق كيف يصنع به حتى يحل؟ قال (ع): خذ ماء التمر فاغله حتى يذهب ثلثا ماء التمر " (* 2). وموثقته الاخرى المروية عن الدروس عن أبي عبد الله (ع): " سألته عن النضوح. قال (ع): يطبخ التمر حتى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه، ثم يمتشطن " (* 3). ولكنه يشكل: بأن الصحيح لم يثبت عمومه لما نحن فيه، لاختصاص العصير بماء العنب، كما يظهر من النصوص، وكلمات أهل اللغة، وأوضحه


(* 1) الوسائل باب: 2 من ابواب الاشربة المحرمة حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 32 من ابواب الاشربة المحرمة حديث: 2. (* 3) الوسائل باب: 37 من ابواب الاشربة المحرمة حديث: 1.

[ 413 ]

في الحدائق - شكر الله سعيه - فراجعه. مع أنه لو فرض عمومه في نفسه فليس بمراد في المقام، للزوم تخصيص الاكثر المستهجن، فلا بد من حمله على عصير العنب. ويكون المقصود من كلمة: " كل " التعميم بلحاظ الافراد أو الاحوال. وأما موثقة عمار الاولى فهي مجملة باجمال النضوح إذ من المحتمل أن يكون فيه من الاجزاء ما يوجب صيرورة النبيذ مسكر ا لو لم يذهب ثلثاه، كما قد يشهد به خبر عيثمة قال: " دخلت على أبي عبد الله (ع)، وعنده نساؤه، فشم رائحة النضوح فقال (ع): ما هذا؟ قالوا: نضوح يجعل فيه الضياح. قال: فامر به فاهريق في البالوعة " (* 1) مع أن وصفه بالمعتق كاف في اجماله، إذ من المحتمل أن يصير خمرا بمرور مدة طويلة عليه لو لم يذهب ثلثاه. ومن هنا يشكل الاستدلال أيضا بما ورد في حرمة النبيذ الذي فيه القعوة (* 2) أو العكر (* 3). ولاسيما وفي بعضها (* 4) الاستدلال بقول النبي صلى الله عليه وآله: " كل مسكر حرام ". مضافا إلى أن ظاهرها اعتبار الغليان في حل ماء التمر، وأنه لا يحل بدونه، وهذا خلاف الضرورة، فضلا عن أنه خلاف الاجماع والنصوص. فتعين توجيهها بالحمل على ما يصير مسكرا لو لم يغل حتى يذهب ثلثاه وليس هو محل الكلام. ومن ذلك يظهر الاشكال في الاستدلال بالموثقة الثانية، وان خلت عن التوصيف بالمعتق، وسلمت من الاشكال اللازم من التوصيف به، كما تقدم. نعم قد تشكل أيضا: بأن الاخذ بحاق العبارة يقتضي كون السؤال


(* 1) الوسائل باب: 32 من ابواب الاشربة المحرمة حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 24 من ابواب الاشربة المحرمة حديث: 3. (* 3) الوسائل باب: 24 من ابواب الاشربة المحرمة حديث: 5. (* 4) الوسائل باب: 24 من ابواب الاشربة المحرمة حديث: 6.

[ 414 ]

فيها عن مفهوم النضوح، فلا تكون في مقام بيان الحكم. وان شئت قلت: إن كان السؤال فيها عن الموضوع، فهي أجنبية عما نحن فيه. وإن كان عن الحكم - كما هو الظاهر منها وصريحة الموثقة الاولى - فالموضوع فيها مجمل والحكم المذكور فيها من لزوم بقاء الثلث، لا أقل مما لم يقل به أحد، إلا أن يكون اعتبار بقاء الثلث للتبعية لذهاب الثلثين، فالمدار يكون على ذهاب الثلثين مطلقا. لكن لو تم ذلك فاجمال الموضوع كاف في سقوط الحجية. هذا مضافا إلى أن المسؤول عنه في الرواية حل التمشط بالنضوح وحرمته، فان دلت الروايات على حرمته قبل ذهاب الثلثين فذلك مما لم يقل به أحد، سواء أكانت حرمة التمشط تعبدية أم من جهة النجاسة، للاجماع على الطهارة، وعلى جواز الانتفاع به بالتمشط ونحوه، والمدعى إنما هو حرمة شربه، وهو مما لا تدل عليه ولا تشعر به. فالمدعى لا تدل عليه الرواية، وما تدل عليه الرواية لم يقل به أحد، كما لا يخفى. ويشهد للحل روايات. منها صحيح صفوان: " كنت مبتلى بالنبيذ معجبا به فقلت لابي عبد الله (ع): أصف لك النبيذ. فقال (ع): بل أنا أصفه لك قال رسول الله صلى الله عليه وآله: كل مسكر حرام " (* 1). ونحوه صحيح معاوية بن وهب (* 2). ودلالتهما على كون المدار في الحل والحرمة الاسكار وعدمه ظاهرة. وفي خبر محمد بن جعفر الوارد في وفد من اليمن: " سألوا النبي صلى الله عليه وآله عن النبيذ فقال صلى الله عليه وآله لهم: وما النبيذ؟ صفوه لي. قال: يؤخذ التمر فينبذ في الماء.. (إلى أن قال:) فقال رسول لله صلى الله عليه وآله: يا هذا قد اكثرت علي أفيسكر؟ قال: نعم. فقال: كل مسكر حرام " (* 3). ودلالته على حلية النبيذ مع عدم الاسكار واضحة


(* 1) الوسائل باب: 17 من ابواب الاشربة المحرمة حديث: 3. (* 2) الوسائل باب: 17 من ابواب الاشربة المحرمة حديث: 1. (* 3) الوسائل باب: 24 من ابواب الاشربة المحرمة حديث: 6.

[ 415 ]

ونحوها في ذلك غيرها، فلاحظ غيرها فلاحظ باب ما أسكر كثيره فقليله حرام (* 1)، وباب تحريم النبيذ (* 2) من الوسائل. وأما عصير الزبيب فالمعروف فيه الحل، وفي الحدائق: " الظاهر أنه لا خلاف فيه، وعن جماعة حكاية الشهرة على ذلك، بل قيل: لم نعثر على قائل بالتحريم. وإن نسبه الشهيد إلى بعض مشايخه، وإلى بعض فضلائنا المتقدمين. لكنه غير معروف. وعن جماعة من المتأخرين الحرمة قبل ذهاب الثلثين، واختاره العلامة الطباطبائي (قده) في مصابيحه، ناسبا ذلك إلى الشهرة بين الاصحاب، وأنها بين القدماء كشهرة الحل بين المتأخرين. ولكن في الجواهر: " فيه نظر وتأمل ". واستدل له بالاستصحاب، لانه - حين كان عنبا - كان يحرم على تقدير الغليان، فهو - حين صار زبيبا - باق على ما كان. واستشكل فيه (تارة): بأن موضوع الحرمة - حال العنبية - الماء المتكون فيه، وهو معدوم حال صيرورته زبيبا، وانما يقصد إثبات الحرمة للماء المختلط باجزائه ومع تعدد الموضوع لا يجري الاستصحاب (وأخرى): بأنه من الاستصحاب التعليقي وليس هو بحجة. ولا بأس بالاشارة إلى بعض الجهات الموجبة لصحة جريان الاستصحاب المذكور وعدمها، (فنقول) إذا ورد في لسان الشارع الاقدس: " العنب إذا غلى ينجس " - مثلا - فهناك أمور: (أحدها): سببية الغليان للنجاسة ولزوال الطهارة الثابتة للعنب قبل الغليان (وثانيها): الملازمة بين الغليان والنجاسة. (وثالثها): نفس النجاسة المعلقة على الغليان. فان كان مرجع الاستصحاب التعليقي في المقام - مثلا - إلى استصحاب


(* 1) وهو الباب: 17 من ابواب الاشربة المحرمة. (* 2) وهو الباب: 24 من ابواب الاشربة المحرمة.

[ 416 ]

نفس سببية الغليان للنجاسة، فهو من الاستصحاب التنجيزي. وتوقفت صحته على كون السببية من المجعولات الشرعية المتأصلة ذوات الآثار، مثل الطهارة، والنجاسة، والملكية، ونحوها. ولكنه خلاف التحقيق، كما حرر في محله. وكذا الكلام لو كان مرجعه إلى استصحاب الملازمة، فانه من الاستصحاب التنجيزي أيضا، كما أن الملازمة غير مجعولة شرعا، وإنما هي منتزعة من جعل الحكم الشرعي على تقدير وجود الشرط. وان كان مرجعه إلى استصحاب نفس الحكم الشرعي، المعلق على الغليان - كما هو الظاهر - فان قلنا بأن المنوط به الحكم وجود الشرط خارجا، فلا حكم قبل وجوده، فلا مجال للاستصحاب، لعدم اليقين بالمستصحب، بل المتيقن عدمه. أما إذا كان الحكم منوطا بوجود الشرط اللحاظي - كما هو التحقيق - لئلا يلزم التفكيك بين الجعل والمجعول، الذي هو أوضح فسادا من التفكيك بين العلة والمعلول، لان الجعل عين المجعول حقيقة، وانما يختلف معه اعتبارا فيلزم من وجود الجعل بدون المجعول التناقض، واجتماع الوجود والعدم فعليه لا مانع من الاستصحاب، لليقين بثبوت الحكم، والشك في ارتفاعه، وكون المجعول حكما منوطا بشئ لا يقدح في جواز استصحابه بعد ما كان حكما شرعيا ومجعولا مولويا، وان كان منوطا. نعم استشكل فيه بعض الاعاظم من مشايخنا: بأن الشرط المنوط به الحكم - كالغليان في المثال المذكور - راجع في الحقيقة إلى قيد الموضوع، ومرجع قولنا: " العنب إذا غلى ينجس " إلى قولنا: " العنب الغالي ينجس " فإذا وجد العنب، ولم يغل فلا وجود للحكم لانتفاء موضوعه بانتفاء قيده فلا مجال لاستصحابه. نعم يمكن فرض قضية تعليقية - حينئذ - فيقال: " العنب لو انضم إليه قيده - وهو الغليان - تنجس " لكن ذلك - مع أنه لازم عقلي - مقطوع البقاء، في كل مركب وجد أحد جزئية، لا أنه مشكوك

[ 417 ]

كى يجرى فيه الاستصحاب. وقد يشكل ما ذكره. بأن إرجاع القضايا الشرطية إلى القضايا الحملية، للبرهان القائم على أن موضوعات الاحكام علل تامة لها - لو تم في نفسه - لا يتضح ارتباطه بما نحن فيه، ضرورة أن المدار في صحة جريان الاستصحاب على المفاهيم التي هي مفاد القضايا الشرعية، سواء أكانت نفس الامر الواقعي، أم لازمه، أم ملازمه، أم ملزومه، ولذلك يختلف الحال في جريان الاستصحاب وعدمه، باختلاف ذلك الامر المتحصل. مثلا: لو كان الدليل قد تضمن أنه إذا وجد شهر رمضان وجب الصوم، جرى استصحاب رمضان عند الشك في هلال شوال، وكفى في وجوب الصوم يوم الشك. ولو كان الدليل تضمن وجوب الصوم في رمضان، لم يجد استصحاب شهر رمضان في وجوب صوم يوم الشك، لانه لا يثبت كون الزمان المعين من شهر رمضان، فهذا المقدار من الاختلاف في مفهوم الدليل كاف في تحقق الفرق في حريان الاستصحاب وعدمه، مع أنه - في لب الواقع ونفس الامر - لابد أن يرجع المفاد الاول إلى الثاني لانه مع وجود شهر رمضان لا يكون الصوم في غيره ولابد أن يكون فيه. وكذلك مثل: " إذا وجد كر في الحوض " و: " إذا كان ما في الحوض كرا " فان الاول راجع إلى الثاني، ومع ذلك يختلف الحكم في جريان الاستصحاب باختلاف كون أحدهما مفاد الدليل دون الآخر. فالمدار في صحة الاستصحاب على ما هو مفاد القضية الشرعية سواء اكان هو الموافق للقضية النفس الامرية أم اللازم لها أم الملازم. نعم لو كان المراد من الارجاع إلى القضية الحملية، كون المراد من القضية الشرطية هو القضية الحملية - مجازا أو كناية - على نحو لا يكون المراد من الكلام إلا مفاد القضية الحملية، كان لما ذكر وجه. لكن هذا خلاف

[ 418 ]

الظاهر. وكيف تمكن دعوى أن معنى قولنا: " العنب إذا غلى ينجس " هو معنى قولنا: " العنب الغالي ينجس "؟! مع وضوح الفرق بين العبارتين مفهوما. وبالجملة: إن كان المدعى أن معنى القضية الشرطية هو معنى القضية الحملية فذلك خلاف الظاهر. وان كان المدعى أن مفاد القضية اللبية هو المطابق لمفاد القضية الحملية، وان مفاد القضية الشرطية لازم له - كما يظهر من بعض عبارات تقرير الاشكال - فالمدار في جريان الاستصحاب على مفاد القضية الشرعية، وان كان لازما للقضية اللبية، أو ملازما له. ولو كان المدار على ما في لب الواقع لاشكل الامر في جريان الاصول في موضوعات الاحكام، وقيودها - غالبا - للعلم بأنها ليست موضوعا للقضية اللبية. مثلا: المذكور في لسان الادلة الشرعية أن النجاسة منوطة بالغليان، ولكن إذا تدبرنا قليلا علمنا أن الغليان ليس هو المنوط به النجاسة، بل الاسكار - ولو الاستعدادي ثم إذا تدبرنا قليلا علمنا أن مناط النجاسة شئ وراء الاسكار الاستعدادي، مثل الخباثة النفسانية، وربما نتدبر قليلا فنعلم أن المناط شئ وراء ذلك، ومع ذلك لا يصح رفع اليد عن ظاهر الدليل في قضية جريان الاصل بل يكون هو المدار في جريانه، لان أدلة الاستصحاب ناظرة إلى تنقيح مفاد الادلة الشرعية لا غير. وبذلك افترق الاصل المثبت عن غيره، فان الاصل المثبت هو الذي يتعرض لغير مفاد الدليل الشرعي، وغير المثبت ما يتعرض لمفاد الدليل الشرعي، من حكمه، وموضوعه، وقيودهما، وقيود قيودهما، وسائر ما يتعلق بهما، مما كان مذكورا في الدليل. وأما عدم جريان الاصل التعليقي فيما لو حدث في أثناء المركب ما يحتمل قطعة، أو رفعه، أو منعه، فيقال: كان المقدار المأتي به من الاجزاء بحيث لو انضم إليه الباقي لاجأا. فلان القضية التعليقية المذكورة، وان

[ 419 ]

كانت مستفادة من الدليل بنحو الدلالة الالتزامية، فهي قضية شرعية، إلا أن الملازمة لما كانت عقلية، والعقل لا يحكم بها مطلقا، وإنما يحكم بها بشرط أن لا يحدث ما يحتمل قدحه، فان أريد استصحاب هذا المعنى، فلا مجال له، للعلم ببقائه، وان أريد استصحاب مضمون القضية التعليقية من دون الشرط المذكور، فلا حالة له سابقة إذ لا يحكم به العقل، ولا طريق إليه غيره. هذا كله مضافا إلى أن إرجاع شرط الحكم إلى شرط الموضوع غير ظاهر، فان شرط الحكم دخله في الحكم من قبيل دخل المقتضي في الاثر ودخل شرط الموضوع فيه من قبيل دخل المعروض في العارض، والفرق بينهما نظير الفرق في باب الحكم التكليفى بين شرط الوجوب، وشرط الواجب فان شرط الوجوب دخيل في كون الواجب مصلحة، وشرط الواجب دخيل في وجود تلك المصلحة خارجا. نظير الفرق بين المرض وشرب المنضج، بالاضافة إلى شرب المسهل، فان المرض دخيل في كون شرب المسهل مصلحة - بمعنى أنه لولا المرض كان شرب المسهل بلا مصلحة - بخلاف شرب المنضج قبل المسهل، فانه دخيل في ترتب المصلحة المقصودة من شرب المسهل. فما ذكره بعض الاعاظم من مشايخنا في درسه: من رجوع شرط الحكم إلى شرط الموضوع غير واضح. وهو نظير ما صدر من شيخنا الاعظم (قده) حيث التزم برجوع الواجب المشروط إلى الواجب المعلق، وان قيد الهيئة راجع إلى قيد المادة. وتحقيق ذلك يطلب من مباحث الواجب المشروط من الاصول فراجع. هذا وقد يشكل الاستصحاب التعليقي بمعارضته بالاستصحاب التنجيزي، فانه كما يجري استصحاب النجاسة للزبيب على تقدير الغليان، لثبوتها حال العنبية كذلك يجري استصحاب الطهارة الثابتة قبل الغليان فيقال: الزبيب

[ 420 ]

قبل أن يغلى كان حلالا طاهرا، فهو كذلك بعد أن يغلي. وبعد ابتلائه بالمعارض دائما يسقط عن الحجية. وأجاب عنه شيخنا الاعظم (ره) في رسائله، بحكومته على الاستصحاب التنجيزي. ولم يتضح وجه الحكومة المذكورة، فان الشك في الحرمة على تقدير الغليان عين الشك في الحلية على تقدير الغليان، لان الشك يتقوم بطرفين هما الحرمة والحل، فالشك في الحرمة معناه الشك في الحل، كما أن الشك في الحركة عين الشك في السكون، فيمتنع أن يكون الاستصحاب الجارى لاثبات أحد طرفي الشك حاكما على الاستصحاب الجاري لاثبات الطرف الآخر. وهذا معنى التعارض بين استصحاب الحل التنجيزي، واستصحاب الحرمة التعليقية. فان قلت: إن من القطعيات أصالة عدم النسخ، الذي لا فرق فيه بين الحكم التنجيرى والتعليقي، ولو تمت المعارضة المذكورة، كان استصحاب عدم النسخ في الاحكام التعليقية معارضا باستصحاب الحكم التنجيزي، الذي هو خلاف الحكم التعليقي، ويسقط حينئذ عن الحجية. قلت: أصالة عدم النسخ ليست من قبيل الاستصحاب، بل هي أصل لنفسه حجيته لبناء العقلاء عليه. ولو كان من باب الاستصحاب لم يجر لو شك في نسخ الاستصحاب، ولجاء فيه الخلاف الجاري في حجية الاستصحاب كما لا يخفى. وربما يظهر من بعض عبارات شيخنا الاعظم (ره) في رسائله: أن الوجه في الحكومة هو أن الشك في الحل والحرمة ناشئ من الشك في بقاء الملازمة بين الغليان والنجاسة والحرمة، فالاستصحاب المثبت لبقاء الملازمة حاكم على استصحاب الحل. وفيه: ما عرفت من أن الملازمة ليست مجعولا شرعيا، وإنما هي متفرعة من الحكم بالحرمة والنجاسة - على تقدير الغليان -

[ 421 ]

فلا يجري الاستصحاب فيها. مضافا إلى أن الكلام في الاستصحاب التعليقي والاستصحاب الجاري في الملازمة تنجيزي ولو جرى كان حاكما على استصحاب الحكم التعليقي والتنجيزي معا. وقد ذكر بعض الاعاظم في درسه في توجيه الحكومة ما لا يخلو من إشكال ونظر، وحاصل ما ذكر: أن الشك في الحل الطهارة بعد الغليان وان كان عين الشك في الحرمة والنجاسة على تقدير الغليان، لكن الشك المذكور ناشئ من الشك في كيفية جعل النجاسة والحرمة، وأنه هل يختص بحال العنبية، أو يعمها وسائر الاحوال الطارئة عليها كالزبيبية - مثلا - ولما كان الاستصحاب التعليقي يقتضي كون الجعل على النحو الثاني كان حاكما على استصحاب الحل والطهارة، لانه معه لا يبقى مجال للشك في الحل والطهارة (فان قلت): كيف يكون حاكما على استصحاب المذكور مع أن الشرط في الاصل الحاكم أن يكون مجراه موضوعا لمجرى الاصل المحكوم، كما في استصحاب طهارة الماء، الحاكم على استصحاب نجاسة الثوب المغسول به، وليس الحل والطهارة التنجيزيان في المقام من أحكام الحرمة والنجاسة التعليقيتين (قلت): هذا يختص بالاصول الجارية في الشبهات الموضوعية، وأما الشبهات الحكمية فيكفي فيها أن يكون التعبد بالاصل السببي مقتضيا لرفع الشك المسبب، إذ لا معنى للتعبد بالحرمة والنجاسة التعليقيتين إلا الغاء احتمال الحلية والطهارة، فاستصحاب الحرمة والنجاسة يكون حاكما على استصحاب الحلية والطهارة. هذا ولكن يشكل: بأنه لم يتضح الوجه في كون الاستصحاب التعليقي مقتضيا لكون جعل الشارع للحرمة والنجاسة في العنب إذا غلى شاملا لحال الزبيبية، ولا يكون استصحاب الحل والطهارة التنجيزي مقتضيا لكون الجعل على نحو يختص بالعنب، ولا يشمل الزبيب. كما لم يتضح الوجه في كون

[ 422 ]

الشك في الحل والحرمة، ناشئا من الشك في عموم الجعل وشموله لحال الزبيبية وعدمه، ولم لا يكون العكس؟ بأن يكون الشك في العموم ناشئا من الشك في ثبوت الحرمة على تقدير الغليان. وأيضا فهذا النش ء عقلي، فكيف يكون الاصل الجاري في الناشئ مثبتا للمنشأ؟!. مع أن المنشأ ليس موضوعا لاثر عملي وانما الاثر للناشئ لا غير. كما لم يتضح الوجه في الفرق بين الشبهات الحكمية والموضوعية في شرط الحكومة، ولا في كون الاصل التعليقي رافعا للشك في الطهارة والحلية، ولا يكون الاستصحاب الجاري فيهما رافعا للشك في الحرمة والنجاسة التعليقيتين، مع كون مجريي الاصلين في رتبة واحدة ومقومين لشك واحد، وكيف يكون الاصل مثبتا لحكم ليس هو مجرى له ولا أثرا لمجراه؟! وهل الاصل المثبت إلا هذا؟!. مع أنه لو سلم فهو مطرد في كل من الاصلين. فما الوجه المميز لاحدهما عن الآخر؟! بحيث يكون الاصل التعليقي موجبا للتعبد بخلاف الاصل التنجيزي، ولا يكون الاصل التنجيزي موجبا للتعبد بخلاف الاصل التعليقي، مع أن دليلها واحد، ومورديهما طرفا شك واحد، متقوم بهما على نحو واحد. فما ذكره مما لم يتضح وجهه، على نحو يصح الخروج به عن القواعد المقررة بينهم، المبرهن عليها عندهم. هذا والاستاذ (قده) في الكفاية أجاب عن إشكال المعارضة: بأن الحلية الثابتة قبل الغليان، كانت مغياة بالغليان، لان الغليان في حال العنبية كما كان سببا للحرمة كان رافعا للحلية، فبعد حدوث وصف الزبيبية يشك في بقاء الحرمة المعلقة على الغليان، وفي بقاء الحلية المغياة بالغليان، وبقاء الحلية المغياة بالغليان لا ينافي الحرمة المعلقة عليه، بل هما متلازمان، فلا يكون الاصلان الجاريان فيهما متعارضين، فان قوام المعارضة في الاصول أن يعلم بكذب أحدهما إجمالا، وهو غير حاصل في المتلازمين.

[ 423 ]

ولكنه يشكل: بأن ذلك يتم بالاضافة إلى حلية العنب التي كانت قبل صيرورته زبيبا، لا بالاضافة إلى الحلية الشخصية الموجودة في عصير الزبيب قبل غليانه فانها معلومة التحقق حينئذ، فإذا غلى يشك في ارتفاعها، ومقتضى الاستصحاب بقاؤها، فيتعارض هو واستصحاب الحرمة التعليقية وكذا مع استصحاب الحلية المغياة، إذ هو لا يثبت كون هذه الحلية مغياة كما أن استصحاب بقاء الكر في الحوض لا يثبت أن ماء الحوض كر، فان استصحاب مفاد كان التامة لا يثبت مفاد كان الناقصة، كما لا يخفى. وقد يستشكل في الاصل التعليقي: بأن غاية مفاده إثبات الحرمة على تقدير الغليان، وهذا لا يثبت الحرمة الفعلية إلا بناء على القول بالاصل المثبت. وفيه: أن فعلية الحرمة لازمة لثبوت الخطاب التعليقي عند ثبوت المعلق عليه، أعم من أن يكون ثبوته بالوجدان أو بالاصل فهي من اللوازم العقلية التي تترتب على الاعلم من الواقع والظاهر، كوجوب الاطاعة وحرمة المعصية، فلا يحتاج في إثباته بالاصل إلى إثبات كونه من اللوازم الشرعية لمجرى الاصل. هذا وقد يستدل على الحرمة بجملة من النصوص. كصحيح ابن سنان - المتقدم - (* 1): " كل عصير أصابته النار فهو حرام حتى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه " لكن عرفت الاشكال في شموله للمقام. وكرواية ابن جعفر (ع): " عن الزبيب هل يصلح أن يطبخ حتى يخرج طعمه، ثم يؤخذ الماء فيطبخ حتى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه، ثم يرفع فيشرب منه السنة؟ فقال (ع): لا بأس به " (* 2). لكن لو دلت على ثبوت البأس لو لم يذهب ثلثاه فهى في ظرف بقائه سنة ومن المحتمل قريبا أنه يختمر في أثناء السنة.


(* 1) عند الكلام في العصير التمري. (* 2) الوسائل باب: 8 من ابواب الاشربة المحرمة حديث: 2.

[ 424 ]

وكموثقي عمار الواردين في الزبيب كيف يحل طبخه حتى يشرب حلالا؟ وقد ذكرهما في الوسائل في باب حكم ماء الزبيب وغيره وكيفية طبخه من ابواب الاشربة المحرمة (* 1). ولكن يشكل مضافا إلى أن الخصوصيات المذكورة فيهما مما لا يحتمل دخلها في الحل -: بأنه لم يظهر من السؤال إرادة الحل في قبال التحريم الحاصل بالغليان - كما هو المدعى - أو في قبال التحريم الحاصل بالنشيش والتغير، الملازم للبقاء غالبا، الذي هو موردهما، بقرينة المقادير المذكورة فيهما، وما في ذيل أحدهما من قوله (ع): " فإذا أردت أن يطول مكثه عندك فروقه ". بل الثاني أقرب، بقرينة ما في رواية اسماعيل بن الفضل من قوله الصادق (ع): " وهو شراب طيب لا يتغير إذا بقي إن شاء الله تعالى " (* 2). وبرواية زيد النرسي في أصله: " سئل أبو عبد الله (ع) عن الزبيب يدق ويلقى في القدر ثم يصب عليه الماء ويوقد تحته. فقال (ع): لا تأكله حتى يذهب الثلثان ويبقى الثلث فان النار قد اصابته. قلت: فالزبيب كما هو يلقى في القدر ويصب عليه الماء، ثم يطبخ ويصفى عنه الماء. فقال (ع): كذلك هو سواء، إذ أدت الحلاوة إلى الماء وصار حلوا بمنزلة العصير، ثم نش من غير أن تصيبه النار فقد حرم، وكذلك إذا أصابته النار فاغلاه فقد فسد " (* 3). لكن استشكل فيها (أولا): بعدم ثبوت وثاقة زيد النرسي. ورواية محمد بن أبي عمير عنه لا توجب ذلك، وإن قيل: انه لا يروي إلا


(* 1) وهي باب: 5 وقد ذكر الحديثان برقم: 2، 3. (* 2) الوسائل باب: 5 من ابواب الاشربة المحرمة حديث: 4. (* 3) مستدرك الوسائل باب: 2 من ابواب الاشربة المحرمة حديث: 1.

[ 425 ]

عن ثقة. إذ لا يبعد كون المراد منه الوثاقة في خصوص الخبر الذي رواه - ولو من جهة القرائن الخارجية - لا كون الراوي ثقة في نفسه. وإلا لاشكل الامر في كثير من الموارد التي روى فيها محمد بن أبي عمير عن المضعفين. مضافا إلى بنائهم على عدم كفاية روايته في توثيق المروي عنه، كما يظهر من ملاحظة الموارد التي لا تحصى، ومنها المقام، فانهم لم ينصوا على وثاقة زيد بمجرد رواية محمد بن أبي عمير عنه. وأيضا فان الظاهر أن عدم الرواية إلا عن الثقة ليس مختصا بمحمد والبزنطي وصفوان، الذين قيل فيهم ذلك بالخصوص، فقد قال الشيخ (ره) في عدته في مبحث الخبر المرسل: " سوت الطائفة بين ما يرويه محمد بن أبي عمير وصفوان بن يحيى، وأحمد بن محمد بن أبي نصر، وغيرهم من الثقات الذين عرفوا بأنهم لا يروون ولا يرسلون إلا عمن يوثق به، وبين ما أسنده غيرهم، ولذلك عملوا بمرسيلهم ". بل الظاهر أن كثيرا من رواة الحديث كذلك، لاختصاص الحجية عندهم بخبر الثقة، وليس نقلهم للروايات من قبيل نقل القضايا التاريخية، وانما كان للعمل والفتوى، فما لم يحصل لهم الوثوق بالرواية لا ينقلونها، بل يطعنون على من ينقلها. فلاحظ ما حكي عن أحمد بن محمد بن عيسى من اخراجه البرقي من قم، لانه يروي عن الضعفاء ويعتمد المراسيل، فلو كان هذا المقدار كافيا في البناء على وثاقة الراوي لم يبق لنا راو إلا وهو ثقة إلا نادرا. نعم الرواية عن شخص تدل على الوثوق بروايته لكن ذلك قد لا يوجب الوثوق لغيره. وبذلك اتضح الفرق بين الشهادة بوثاقة الراوي والرواية عنه، فتكفي الاولى في قبول خبره، ولا تكفي الثانية في قبوله، فضلا عن إثبات وثاقة الراوي في نفسه، لان الظاهر في الاولى الاستناد إلى الحس أو ما يقرب منه، فيكون حجة ولا يظهر من الثانية ذلك. ولذلك نجد اكثر الروايات

[ 426 ]

الضعيفة غير مقبولة عند الاصحاب وفي سندها الثقات والاجلاء، لعدم حصول الوثوق لهم من مجرد ذلك، لاحتمال كون وثوق رجال السند حاصلا من مقدمات بعيدة يكثر فيها الخطأ. ومن ذلك يظهر الاشكال في إثبات وثاقة زيد النرسي برواية جماعة من الاجلاء لكتابه، كما قيل. ومثله في الاشكال ما قيل من أن محمد بن أبي عمير من أصحاب الاجماع، والمعروف بينهم أن المراد به الاجماع على قبول الرواية، إذا كان أجدهم في سندها، وان رواها بواسطة المجهول، كما يدل على ذلك عبارة العدة المتقدمة، فان المراد من غيرهم من الثقات ما يشمل أصحاب الاجماع قطعا. ولاجلها يضعف احتمال أن المراد من الاجماع المتقدم صحة روايتهم فقط. وعلى هذا فرواية النرسي يجب العمل بها، لرواية محمد بن أبي عمير إياها وان لم تثبت وثاقة النرسي. وجه الاشكال: أن الاجماع المذكور وإن حكاه الكشي (ره) وتلقاه من بعده بالقبول، لكن ثبوته وحجيته بهذا المقدار محل تأمل. كيف وجماعة من الاكابر توقفوا عن العمل بمراسيل ابن أبي عمير؟! وأما غيره من أصحاب الاجماع فلم يعرف القول بالاعتماد على مراسيله، حتى استشكل بعضهم في وجه الفرق بينه وبين غيره في ذلك. وما ذكره الشيخ (ره) في عبارته المتقدمة غير ظاهر عندهم. وأيضا فان الظاهر أن الوجه في الاجماع المذكور ما علم من حال الجماعة من مزيد التثبت، والاتقان، والضبط، بنحو لا ينقلون إلا عن الثقات - ولو في خصوص الخبر الذي ينقلونه - فيجئ فيه الكلام السابق من أن الوثوق الحاصل من جهة القرائن الاتفاقية غير كاف في حصول الوثوق لنا على نحو يدخل الخبر في موضوع الحجية كلية (وبالجملة): لو كان الاجماع المدعى ظاهرا في ذلك، فكفايته في وجوب العمل بالخبر الذي يرويه أصحاب الاجماع، مع عدم

[ 427 ]

ثبوت وثاقة المروي عنه، أو ثبوت ضعفه، لا يخلو من إشكال. فلاحظ وتأمل. ومثل ذلك دعوى ثبوت وثاقة النرسي بعد كتابه من الاصول، كما في الفهرست وغيره. إذ فيه عدم وضوح كون المراد بالاصل الكتاب. الذي يجوز الاعتماد عليه والعمل بما فيه، لاحتمال كون المراد معنى آخر. فلاحظ كلماتهم في الفرق بين الكتاب والاصل، فقد ذكروا فيه وجوها واحتمالات ليس على واحد منها شاهد واضح. وأيضا فان المحكي عن الصدوق في فهرسته - تبعا لشيخه محمد بن الحسن بن الوليد - أن أصل زيد النرسي، وأصل زيد الزراد، وكتاب خالد بن عبد الله بن سدير، موضوعات، وضعها محمد بن موسى الهمداني. وهذه الدعوى وان غلطهما فيها ابن الغضائري وغيره بأن الاصلين الاولين قد رواهما محمد بن أبي عمير لكنها توجب الارتياب، إذ من البعيد أن يكون الصدوق وشيخه مما خفي عليهما ذلك، فجزما بالوضع. ومما يزيد الارتياب أن الشيخ (ره) في الفهرست - مع اعترافه بأن زيدا النرسي له أصل، وأنه رواه محمد بن أبي عمير عنه - لم يرو عن زيد النرسي في كتابي الاخبار - على ما قيل - إلا حديثا واحدا في باب وصية الانسان لعبده، رواه عن علي بن الحسن بن فضال عن معاوية بن حكيم، ويعقوب الكاتب عن أبي عمير عنه والظاهر من عادته أنه أخذ الحديث المذكور من كتاب ابن فضال لا من الاصل المذكور. وكذلك الكليني (ره) فانه لم يرو عنه إلا حديثين أحدهما في باب التقبيل عن علي بن ابراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير، عن زيد النرسي عن على بن مزيد صاحب السابري. قال: " دخلت على أبي عبد الله (ع).. " والثاني في كتاب الصوم في صوم يوم عاشوراء عن الحسن بن علي الهاشمي عن محمد بن عيسى، قال: حدثنا محمد ابن أبي عمير عن زيد النرسي. قال: " سمعت عبيد بن زرارة يسأل أبا عبد الله

[ 428 ]

عليه السلام.. ". ولا يظهر منه أنه أخذ الحديثين المذكورين من أصل النرسي أو من أصل غيره ممن روى عنه. فلو كان كتاب النرسي من الاصول المعول والمعتمد عليها عنده لما كان وجه للاعراض عن الرواية عنه، كما لا يخفى. واستشكل فيها (ثانيا): بعدم صحتها عن أصل النرسي، لان العلامة المجلسي (قده) - وهو الذي رواها في باب العصير من اواخر كتاب السماء والعالم - ذكر في مقدمة البحار أن كتاب زيد النرسي أخذه من نسخة عتيقة مصححة بخط الشيخ منصور بن الحسن الآبي وهو نقله من خط الشيخ الجليل محمد بن الحسن القمي، وكان تاريخ كتابتها سنة أربع وسبعين وثلاثمائة، ومنصور بن الحسن الآبي غير معلوم الحال. نعم ذكر المامقاني (قده) في كتابه تنقيح المقال منصور بن الحسين الآبي وحكى عن منتجب الدين أنه فاضل عالم فقيه، وله نظم حسن، قرأ على شيخنا المحقق أبي جعفر الطوسي. واحتمال أنه صاحب النسخة ينفيه أن تاريخها لا يناسب ذلك، فان المذكور في ترجمة الشيخ الطوسي (قده) أن ولادته كانت في خمس وثمانين وثلاثمائه، وذلك لا يناسب تاريخ كتابة النسخة المتقدم. وكأنه لذلك توقف في الوسائل عن النقل عنه، وإلا فالمعلوم من طريقته - كغيره من المحدثين - جواز النقل عنه لو صحت النسخة، وان كان المحكي عن السيد صدر الدين العاملي في تعليقته على منتهى المقال في ترجمة زيد النرسي: أنه وجد بخط الحر العاملي ما صورته: " زيد النرسي روى عن أبي عبد الله (ع) وأبي الحسن (ع): له كتاب يرويه جماعة. أخبرنا علي بن أحمد بن علي بن نوح، قال: حدثنا محمد بن أحمد الصفواني. قال: حدثنا علي بن ابراهيم بن هاشم، عن أبيه، عن محمد بن أبي عمير عن زيد النرسي بكتابه. قاله النجاشي ". اللهم إلا أن يكون المانع عن

[ 429 ]

{ وان كان الاحوط الاجتناب عنهما اكلا، بل من حيث النجاسة أيضا (1). (مسألة 2): إذا صار العصير دبسا بعد الغليان، قبل أن يذهب ثلثاه فالاحوط حرمته، وإن كان لحليته وجه (2). وعلى هذا فإذا استلزم ذهاب ثلثيه احتراقه، فالاولى أن يصب عليه مقدار من الماء، فإذا ذهب ثلثاه، حل بلا إشكال. } النقل عدم العثور على الاصل المذكور. هذا ولو فرض الغض عما ذكرنا كله كفى في وهن الرواية، وعدم صلاحيتها للحجية، إعراض المشهور عنها، وما تقدم عن العلامة الطباطبائي (قده) من دعوى شهرة الحرمة عند القدماء مبني - كما قيل - على أن رواية القدماء لاخبار التحريم تدل على اعتقادهم بمضمونها. وهو كما ترى لما عرفت من منع دلالة الاخبار على التحريم. ولو سلمت فمجرد الرواية أعم من اعتقاد مضمونها، لجواز عدم وضوح دلالتها على ذلك في نظر الراوي، كما لا يخفى. ومن ذلك كله يظهر لك أن القول بحرمة عصير الزبيب إذا غلى ضعيف، لمخالفته لاستصحاب الحل أو قاعدته، أو عموم ما دل على حل ما ليس بمسكر وعموم الحل المطلق، بلا موجب ظاهر. والله سبحانه أعلم. (1) فان ظاهر من ألحقه بالعصير العنبي إلحاقه حتى في النجاسة، بناء عليها فيه. كما أن مقتضى الاستدلال على الحرمة بالاستصحاب ذلك أيضا، بناء على نجاسة العصير العنيي. (2) قال في المسالك: " لا فرق مع عدم ذهاب ثلثيه في تحريمه بين أن يصير دبسا وعدمه، لاطلاق النصوص باشتراط ذهاب الثلثين..

[ 430 ]

{ (مسألة 3): يجوز أكل الزبيب، والكشمش والتمر، في الامراق والطبيخ، وان غلت (1)، فيجوز أكلها بأي كيفية كانت على الاقوى. العاشر: الفقاع (2). } (إلى أن قال) ويحتمل الاكتفاء بصيروريه دبسا قبل ذلك - على تقدير إمكانه - لانتقاله عن اسم العصير كما يطهر بصيرورته خلا لذلك ". وفيه: أن الطهارة بالانقلاب خلاف الاطلاق، وثبوتها بالانقلاب خلا كان بالاجماع، وهو غير حاصل هنا. ويحتمل أن يكون الوجه دعوى كون المقصود من ذهاب الثلثين حاصلا بصيرورته دبسا. وضعفها ظاهر، لعدم وضوح ذلك، واطلاق الادلة ينفيه. وأما دعوى انصراف مطهرية ذهاب الثلثين إلى ما لم يصر دبسا، فلا تجدي في اثبات الطهارة بصيرورته دبسا، لان الانصراف المذكور وان أوجب سقوط الاطلاق الدال على النجاسة عن الحجية، لكن الاستصحاب كاف في إثبات النجاسة. (1) هذا ظاهر بناء على القول بحل عصير الزبيب والتمر إذا غلى. بل وكذا بناء على حرمته، لعدم صدق العصير على المرق والطبيخ والدهن الذي يغلي فيه المذكورات. نعم لو كان غليانها يؤدي إلى صدق العصير على قليل مما حولها من المرق أو الدهن تنجس، وسرت نجاسته إلى جميع المائع. وحينئذ لا يطهر بذهاب ثلثيه، لعدم الدليل عليه، بل تبقى نجاسته إلى أن يستهلك كما في سائر المائعات المتنجسة. (2) إجماعا، كما عن جماعة، كالسيدين، والشيخ والعلامة، والمقداد وغيرهم (قدهم). ويدل على ذلك موثق ابن فضال: " كتبت إلى أبي الحسن (ع) أسأله عن الفقاع. فقال: هو الخمر وفيه حد شارب

[ 431 ]

الخمر (* 1). وموثق عمار: " سألت أبا عبد الله (ع): عن الفقاع. فقال (ع): هو خمر " (* 2) ونحوه روايات الوشا وحسين القلانسي، ومحمد بن سنان، وهشام بن الحكم وغيرهم (* 3). وفي خبر الحسن بن الجهم وابن فضال: أنه خمر مجهول. وظاهره أنه خمر حقيقي، فالتنزيل حقيقي، وثبوت النجاسة عليه ظاهر. وكذا لو كان التنزيل ادعائيا فانها مقتضى اطلاقه. بل في خبر هشام: " وإذا أصاب ثوبك فاغسله " (* 4). ولا ينافيه ما في خبر زكريا بن آدم: " قلت: والفقاع هو بتلك المنزلة إذا قطر في شئ من ذلك؟ قال (ع): أكره أن آكله إذا قطر في شئ من طعامي " (* 5). لامكان حمل الكراهة على الحرمة، وان كان اختلاف التعبير فيه مع التعبير في الخمر والنبيذ والذم بالفساد ربما يوجب الظهور في الكراهة الاصطلاحية، ولكن لا مجال للاخذ به في قبال ما عرفت من النصوص والاجماعات، مع ما هو عليه من ضعف السند. هذا والمحكي عن غير واحد اعتبار النشيش في التحريم والنجاسة، وفي محكي كلام بعضهم اعتبار الغليان بل عن حاشية المدارك: " صرحوا - يعني: الاصحاب - بأن الحرمة والنجاسة يدوران مع الاسم والغليان دون الاسكار ". ويشهد له مصحح ابن أبي عمير عن مرازم " قال: كان يعمل لابي الحسن (ع): الفقاع في منزلة. قال ابن أبي عمير: ولم يعمل فقاع يغلي (* 6). فان قول مرازم " كان يعمل.. ". ظاهر في


(* 1) الوسائل باب: 27 من ابواب الاشربة المحرمة حديث: 2. (* 2) الوسائل باب: 27 من ابواب الاشربة المحرمة حديث: 4. (* 3) راجع الوسائل باب: 27 من ابواب الاشربة المحرمة. (* 4) الوسائل باب: 27 من ابواب الاشربة المحرمة حديث: 9. (* 5) الوسائل باب: 26 من ابواب الاشربة المحرمة حديث: 1. (* 6) الوسائل باب: 39 من ابواب النجاسات حديث: 1.

[ 432 ]

{ وهو شراب متخذ من الشعير على وجه مخصوص (1)، } الاستمرار، فيدل على الحل، لبعد الضرورة المقتضية للجواز لو كانت ممكنة في حقه (ع). ويشهد له اعتذار ابن أبي عمير الذي هو حجة. وما رواه عثمان بن عيسى قال: " كتب عبد الله بن محمد الرازي إلى أبي جعفر الثاني (ع): إن رايت أن تفسر لي الفقاع، فانه قد اشتبه علينا، أمكروه هو بعد غليانه أم قبله؟ فكتب (ع): لا تقرب الفقاع إلا ما لم تضر آنيته، أو كان جديدا. فاعاد الكتاب إليه: كتبت أسأل عن الفقاع ما لم يغل. فأتاني أن أشربه ما كان في إناء جديد أو غير ضار، ولم أعرف حد الضراوة والجديد، وسأل أن يفسر ذلك له، وهل يجوز شرب ما يعمل في الغضارة والزجاج والخشب ونحوه من الاواني؟ فكتب (ع) يفعل الفقاع في الزجاج وفي الفخار الجديد إلى قدر ثلاث عملات، ثم لا يعد منه بعد ثلاث عملات إلا في إناء جديد، والخشب مثل ذلك " (* 1). وفي مصحح علي بن يقطين عن أبي الحسن الماضي (ع): " سألته عن شرب الفقاع الذي يعمل في السوق ويباع ولا أدري كيف عمل، أيحل أن أشربه؟ قال (ع): لا أحبه " (* 2). (1) كما صرح به جماعة، منهم السيد في الانتصار، وحكاه عن أبي هاشم الواسطي، وفي مجمع البحرين: " الفقاع كرمان شئ يشرب يتخذ من ماء الشعير فقط "، ونحوه ما عن غيرهم. نعم في سؤال المهنا بن سنان: أن أهل بلاد الشام يعملون من الشعير، ومن الزبيب، ومن الرمان ومن الدبس، ويسمون الجميع فقاعا. وظاهره كونه حقيقة في الجميع. إلا أن يحكم يحدوث هذا الاصطلاح جمعا بينه وبين ما سبق. بل لعل ظاهر


(* 1) الوسائل باب: 39 من ابواب الاشربة المحرمة حديث: 2. (* 2) الوسائل باب: 39 من ابواب الاشربة المحرمة حديث: 3.

[ 433 ]

{ ويقال: إن فيه سكرا خفيا (1). وإذا كان متخذا من غير الشعير فلا حرمة، ولا نجاسة، إلا إذا كان مسكرا. (مسألة 4): ماء الشعير الذي يستعمله الاطباء في } العبارة حدوث الاصطلاح في خصوص بلاد الشام، فلا إشكال حينئذ، لكن في كشف الغطاء: " الفقاع كرمان وهو شراب مخصوص غير مسكر يتخذ من الشعير غالبا، وأدنى منه في الغلبة ما يكون من الحنطة، ودونهما ما يكون من الزبيب، ودونهما ما يكون من غيرها "، وفي روض الجنان: " والاصل في الفقاع ما يتخذ من ماء الشعير كما ذكره المرتضى في الانتصار لكن لما ورد النهي عنه معلقا على التسمية ثبت له ذلك سواء عمل منه أم من غيره، إذا حصل فيه خاصيته، وهى النشيش "، ونحوه عن الروضة والمسالك. ويشكل: بأنه يتم لو كان المسمى لوحظ فيه معنى وصفي - وهو النشيش - وهو غير ظاهر، بل ممنوع، لا أقل من الشك الموجب للرجوع إلى أصالة الحل والطهارة. ونقل العموم ضعيف في مقابل نقل الخصوص لانه أشهر. وقد يشهد لذلك ما في الانتصار: " روى أصحاب الحديث بطرق معروفة إن قوما من العرب سألوا رسول الله صلى الله عليه وآله عن الشراب المتخذ من القمح. فقال رسول رسول الله صلى الله عليه وآله: يسكر؟ قالوا: نعم فقال صلى الله عليه وآله: لا تقربوه، ولم يسأل صلى الله عليه وآله في الشراب المتخذ من الشعير عن الاسكار، بل حرم ذلك على الاطلاق ". (1) كما قد يظهر من بعض النصوص المتضمنة أنه خمر، أو خمر مجهول، أو خمرة استصغرها الناس. لكن عن جماعة: أنه ليس بمسكر بل لعله ظاهر من عطفه على الخمر والمسكرات في النجاسة. ولعل ذلك لخفاء إسكاره، وعدم ظهوره كغيره.

[ 434 ]

{ معالجاتهم ليس من الفقاع، فهو طاهر حلال (1). الحادي عشر: عرق الجنب من الحرام (2)، } (1) كما صرح به جماعة، منهم كاشف الغطاء معللا له: بأن الظاهر أنه يحصل منه فتور لا يبلغ حد السكر، وليس ذلك في ماء الشعير. انتهى. والعمدة أن الفقاع متخذ على نحو خاص من العمل، لا مجرد غليان الشعير كما في ماء الشعير. (2) على المشهور بين المتقدمين - كما قيل - وحكي عن الصدوقين المفيد في المقنعة والشيخ في الخلاف والنهاية والقاضي وغيرهم، بل عن الامالي: " من دين الامامية الاقرار بأنه إذا عرق الجنب في ثوبه وكانت من حلال حلت الصلاة فيه، ومن حرام حرمت " وعن الخلاف نقل الاجماع على النجاسة. ويدل عليه مرسل المبسوط حيث قال فيه: " وان كانت الجنابة من حرام وجب غسل ما عرق فيه، على ما رواه بعض أصحابنا " (* 1). وما في الذكرى من رواية محمد بن همام باسناده إلى ادريس ابن زياد الكفرثوثي: أنه كان يقول بالوقف، فدخل سر من رأى في عهد أبي الحسن (ع) وأراد أن يسأله عن الثوب الذي يعرق فيه الجنب أيصلى فيه؟ فبينما هو قائم في طاق باب لانتظاره (ع) إذ حركه أبو الحسن (ع): بمقرعة وقال مبتدئا: " إن كان من حلال فصل فيه. وان كان من حرام فلا تصل فيه " (* 2) ونحوه ما في مناقب ابن


(* 1) ذكر في المبسوط في الفصل السابع من كتاب الصلاة في التطهير، قبيل فصل الاذان والاقامة، صفحة: 27 ما نصه: " فان عرق فيه وكانت الجنابة عن حرام روى اصحابنا انه لا تجوز الصلاة فيه ". ولم نعثر على العبارة التي نقلها الشارح قدس سره. ولعله اخذها من بعض المصادر التي نقلتها بالمعنى (* 2) ذكره في الذكرى في ملحقات النجاسات صفحة: 14 وفي الوسائل باب: 27 من ابواب النجاسات حديث: 12.

[ 435 ]

شهراشوب عن كتاب المعتمد في الاصول للشيخ المفيد عن علي بن مهزيار (* 1) وما في البحار عن كتاب يظنه مجمع الدعوات لمحمد بن موسى بن هارون التلعكبرى عن أبي الفتح غازي بن محمد الطرائفي، عن علي بن عبد الله الميموني، عن محمد بن علي بن معمر، عن علي بن يقطين بن موسى الاهوازي عنه (ع) (* 2). وضعف السند منجبر بالعمل. لكن المنسوب إلى اكثر المتأخرين - بل المشهور بينهم - الطهارة بل عن الحلي دعوى الاجماع عليها، وأن من قال بالنجاسة في كتاب رجع عنه في كتاب آخر. انتهى. وكأنه لقصور سند الروايات المذكورة عن الحجية بنحو يجوز لاجلها رفع اليد عن عموم ما دل على طهارة عرق الجنب. (وفيه): ما عرفت من انجبار الضعف بالعمل. نعم هي قاصرة الدلالة على النجاسة إذ هي إنما تضمنت المنع من الصلاة في الثوب الذي أصابه عرق الجنب من الحرام، وهو أعم من النجاسة بل ذلك ظاهر عبارة الامالي المتقدمة، وعبارة الفقيه، ورسالة ابن بابويه، على ما حكي وحينئذ تشكل نسبة القول بالنجاسة إليهم. نعم عبارة المبسوط المتقدمة ظاهرة في النجاسة، ونحوها عبارة النهاية، ومختصر ابن الجنيد. اللهم إلا أن يقال: ظاهر الروايات المتقدمة المنع من الصلاة في الثوب الذي أصابه عرق الجنب من الحرام وان جف وذهبت عينه، ومقتضى الجمود على ذلك المنع من الصلاة في الثوب المذكور دائما وإن غسل، لعدم الدليل على زوال الحكم المذكور بالغسل، ولاجل عدم امكان الالتزام بذلك تعين إما الحمل على صورة وجود العرق حال الصلاة، أو الحمل على عدم الغسل بالماء. والثاني أقرب، بقرينة أن الظاهر من السؤال - بمناسبة الارتكاز


(* 1) مستدرك الوسائل باب: 20 من ابواب النجاسات حديث: 5. (* 2) مستدرك الوسائل باب: 20 من ابواب النجاسات ملحق حديث: 5.

[ 436 ]

{ سواء خرج حين الجماع أو بعده من الرجل أو المرأة، سواء كان من زنا، أو غيره، كوطئ البهيمة، أو الاستمناء، أو نحوهما مما حرمته ذاتية (1). بل الاقوى ذلك في وطئ الحائظ والجماع في يوم الصوم الواجب المعين، أو في الظهار قبل التكفير (2). } العرفي - السؤال عن النجاسة والطهارة لعرق الجنب، كما يظهر ذلك من الروايات الواردة في نفي البأس عن عرق الجنب (* 1). وعلى هذا فالروايات تكون دالة على النجاسة. وكأنه لذلك لم يفرقوا في نسبة القول بالنجاسة بين التعبيرين المتقدمين. هذا وأما ما ورد في النهي عن غسالة الحمام، معللا بأنه يغتسل فيه من الزنا وولد الزنا والناصب (* 2). فهي أجنبية عن المقام، لانها ان دلت على النجاسة فهي نجاسة بدن الزاني، لا عرقه، وليست هي محل كلام. (1) كل ذلك للاطلاق. نعم لو كان خارجا قبل الجماع فهو طاهر، لخروجه عن الاطلاق. (2) في المنتهى: " أما الوطئ في الحيض والصوم فالاقرب الطهارة وفي المظاهرة إشكال "، وفي طهارة شيخنا الاعظم (ره): " لعل وجه الحكم بالطهارة في الوطئ في الصوم والحيض: أن المتبادر من الجنابة من الحرام كون الحرمة من جهة الفاعل، أو القابل، لا من جهة نفسن الفعل ". ويشكل: بأن الحرمة في الحيض من جهة القابل، وفي الصوم من جهة الفاعل، والحرمة من جهة الفعل تختص بصورة نذر الوطئ، أو كونه مضرا أو نحوهما. ولعل منه وطئ المظاهرة، لان الظهار نحو من العهد أمضاه الشارع على نحو خاص. ومن ذلك يظهر أن وطئ المظاهرة


(* 1) راجع الوسائل باب: 27 من أبواب النجاسات. (* 2) راجع الوسائل باب: 11 من ابواب الماء المضاف والمستعمل.

[ 437 ]

{ (مسألة 1): العرق الخارج منه حلال الاغتسال قبل تمامه نجس (1). وعلى هذا فليغتسل في الماء البارد، وان لم يتمكن فليرتمس في الماء الحار، وينوي الغسل حال الخروج، (2)، أو يحرك بدنه تحت الماء بقصد الغسل. (مسألة 2): إذا أجنب من حرام ثم من حلال، أو من حلال ثم من حرام، فالظاهر نجاسة عرقه (3) أيضا، خصوصا في الصورة الاولى. (مسألة 3): المجنب من حرام إذا تيمم لعدم التمكن من الغسل فالظاهر عدم نجاسة عرقه (4)، وإن كان الاحوط } أظهر في الطهارة من الوطئ في الحيض والصوم، لا العكس، كما تقدم في المنتهى. وكيف كان فمقتضى إطلاق الروايات عدم الفرق بين الحرمة من جهة الفاعل والقابل ونفس الفعل، وإن كانت دعوى الانصراف إلى خصوص الزنا لا تخلو من وجه. فتأمل. (1) لكونه جنبا حينئذ، وإنما ترتفع جنابة بتمام الغسل. (2) سيأتي في مبحث الغسل أن الغسل الارتماسي إنما يكون في حال التغطية تحت الماء، ولا يكون حال الخروج. (3) لا يخلو من إشكال في الصورة الثانية، لعدم الدليل على تحقق الجنابة من الحرام بالوطئ الحرام، وظاهر أدلة تحقق الجنابة بالوطئ أو الانزال كونهما ملحوظين بنحو صرف الوجود، لا الطبيعة السارية، ولذا لا يظن الالتزام بتحقق جنابتين من حلال أو من حرام. اللهم إلا أن يتمسك باطلاق أدلة السببية مع الاختلاف في الآثار والاحكام كما في المقام: (4) لاطلاق دليل بدلية التيمم.

[ 438 ]

{ الاجتناب عنه ما لم يغتسل. وإذا وجد الماء ولم يغتسل بعد فعرقه نجس، لبطلان تيممه بالوجدان. (مسألة 4): الصبي غير البالغ إذا أجنب من حرام ففي نجاسة عرقه إشكال (1) والاحوط أمره بالغسل، إذ يصح منه قبل البلوغ، على الاقوى (2). الثاني عشر: عرق الابل الجلالة (3)، بل مطلق، الحيوان الجلال على الاحوط. } (1) كما في الجواهر وعن المنتهى. ينشأ من عدم الحرمة في حقه، لحديث رفع القلم عن الصبي، ومن ثبوت الحرمة في حد ذاته. لكن الاقوى الطهارة، وارادة الحرمة في حد ذاته ممنوعة جدا. ولذا لا يظن الالتزام في مثل وطئ الشبهة. بل لازمه النجاسة في وطئ الزوجة، لانه حرام في حد ذاته، وإنما صار حلالا بالعرض بطروء عنوان الزوجية. فتأمل. (2) لان مقتضى أدلة التكاليف ثبوت المناطات في فعل الصبي كفعل البالغ وحديث رفع القلم إنما يقتضي رفع الالزام، فيبقى المناط الموجب للمشروعية بحاله كما تقدم غير مرة. (3) كما عن الشيخين والقاضي والمنتهى، وعن الاردبيلي، وتلميذه في المدارك، وتلميذه في الذخيرة: الميل إليه، بل نسب إلى مشهور القدماء. لمصحح حفص بن البختري عن أبي عبد الله (ع): " لا تشرب من ألبان الابل الجلالة وان أصابك شئ من عرقها فاغسله " (* 1). وصحيح هشام بن سالم عن أبي عبد الله (ع): " لا تأكلوا لحوم الجلالة، وأن أصابك من عرقها شئ فاغسله " (* 2) والمحكي عن المتأخرين الكراهة


(* 1) الوسائل باب: 15 من ابواب النجاسات حديث: 2. (* 2) الوسائل باب: 15 من ابواب النجاسات حديث: 1.

[ 439 ]

لما دل على طهارتها وطهارة سؤرها، الملازم لطهارة عرقها. المؤيد باستبعاد الفرق بينها وبين سائر ما لا يؤكل لحمه، بل بين سائر الحيوانات الجلالة، لعدم الخلاف في طهارة عرقها، إلا ما حكي عن نزهة ابن سعيد. بل بين باقي فضلات نفسه عدا البول والغائط. هذا ولكن العموم مخصص، والاستبعاد لا يدخل في أدلة الاحكام الشرعية. نعم الاجماع على طهارة غير الابل من الجلال ربما يوجب حمل الامر في الصحيح على الاستصحاب، حتى في الابل، لوحدة السياق، فيحمل الامر في المصحح عليه. لكنه ليس بلازم، إذ من الممكن حمل الامر في الصحيح على الاعم من الوجوب والاستحباب، فلا ينافى الاخذ بظاهر الامر في المصحح. مضافا إلى امكان حمل الجلالة في الصحيح على العهد، ويكون المعهود خصوص الابل الجلالة أو أن الجلالة كما تستعمل وصفا مؤنث الجلال، تستعمل اسما بمعنى الابل الجلالة أيضا. وهذا وان كان خلاف الظاهر، لكن احتماله كاف في عدم جواز رفع اليد عن ظاهر المصحح فالعمل به متعين. هذا مضافا إلى أن الاجماع المذكور مما لم يتضح جواز رفع اليد به عن ظاهر الصحيح المقتضي لنجاسة عرق الجلال مطلقا، فان القائلين بالطهارة مطلقا. كأكثر المتأخرين - قد عرفنا خطأهم، كما سبق. والقائلون بالنجاسة في الابل لم يتضح لنا وجه تخصيصهم الحكم بالابل، والخطأ جائز عليهم فلا يكون تخصيصهم حجة. نعم لو ثبت اجماع تقديري - بأن كان القائلون بالطهارة مطلقا يقولون بتخصيص النجاسة بالابل على تقدير عدولهم عن الطهارة - أمكن حينئذ لزوم رفع اليد عن ظاهر الصحيح. لكنه غير ثابت. اللهم إلا أن يقال: يكفي في وهن الصحيح اعراض القدماء عن ظاهره، لانه يوجب ارتفاع الوثوق المعتبر في حجيته. وكأنه لعدم وضوح ذلك لم يجزم المصنف (ره) بالطهارة في غير الابل.

[ 440 ]

{ (مسألة 1): الاحوط الاجتناب عن الثعلب، والارنب والوزغ والعقرب، والفأر (1) } (1) ظاهر المحكي عن المقنعة في باب لباس المصلي ومكانه: نجاسة الثعلب والارنب، وفي موضع آخر منها: نجاسة الفأرة والوزعة. وكذا عن النهاية والوسيلة في الاربعة كلها. وعن مصباح السيد: النجاسة في الارنب. وعن الحلبيين ذلك فيه وفي الثعلب. وعن القاضى ذلك فيهما وفي الوزغ. وعن موضع من الفقيه والمقنع ذلك في الفأرة. ويشهد للنجاسة في الاولين وعامة السباع مرسل يونس عن بعض أصحابه عن أبي عبد الله (ع): سألته هل يحل أن يمس الثعلب والارنب أو شيئا من السباع حيا أو ميتا؟ قال (ع): لا يضره ولكن يغسل يده " (* 1). وللنجاسة في الفأرة صحيح ابن جعفر في الفأرة تقع في الماء وتمشي على الثياب وقال (ع): " إغسل ما رأيت من أثرها " (* 2). وفي صحيحه الآخر في الفارة والكلب إذا أكلا من الخبز أو شماه، قال (ع): " يطرح ما شماه " (* 3)، وفي خبره فيما إذا أكلا من الخبز، قال (ع): " يطرح منه ما أكل " (* 4)، ونحوه حديث عمار (* 5). وللنجاسة في الوزغ خبر هارون بن حمزة الغنوي، قال (ع) فيه: " لا ينتفع بما يقع فيه " (* 6). وصحيح معاوية بن عمار في الفارة الوزعة تقع في البئر، قال (ع): " ينزح منها ثلاث دلاء " (* 7).


(* 1) الوسائل باب: 34 من ابواب النجاسات حديث: 3. (* 2) الوسائل باب: 33 من ابواب النجاسات حديث: 2. (* 3) الوسائل باب: 36 من ابواب النجاسات حديث: 1. (* 4) الوسائل باب: 45 من ابواب الاطعمة المحرمة حديث: 2. (* 5) الوسائل باب: 36 من ابواب النجاسات حديث: 2. (* 6) الوسائل باب: 9 من ابواب الاسئار حديث: 4. (* 7) الوسائل باب: 19 من ابواب الماء المطلق حديث: 2.

[ 441 ]

{ بل مطلق المسوخات (1). وان كان الاقوى طهارة الجميع (2) } وللنجاسة في العقرب موثق سماعة الوارد في الخنفساء تقع في الماء. قال (ع): " وان كان عقربا فارق الماء وتوضأ من ماء غيره " (* 1). (1) فعن أطعمة الخلاف نجاستها كلها، وكذا عن بيعه، وبيع المبسوط وفي الجواهر: " لم نعرف له دليلا على النجاسة بالمعنى المعروف ". (2) كما هو المشهور بل الظاهر إجماع المتأخرين عليه. ويشهد له صحيح أبي العباس البقباق عن الصادق (ع): " سألت أبا عبد الله (ع) عن فضل الهرة والشاة، والبقر، والابل، والحمار، والخيل، والبغال والوحش والسباع فلم أترك شيئا إلا سألته عنه. فقال (ع): لا بأس. حتى انتهيت إلى الكلب فقال (ع): رجس نجس.. " (* 2). وغيره من النصوص، المتقدم بعضها في الاسئار وخصوص ما ورد في الفأرة التي تقع في السمن الزيت، أو الدهن أو الماء (* 3)، مما دل على طهارة ما تقع فيه، ما ورد في الوزغ يقع في الماء، كصحيح ابن جعفر، والعقرب، كخبر هارون بن حمزة الغنوي، وغيرهما مما ورد في كثير من المسوخات. نعم لم أعثر عاجلا على ما يدل على طهارة الاولين صريحا. وعموم صحيح البقباق المتقدم قابل للتخصيص بغيرهما قبوله للتخصيص بغير الخنزير. نعم يمكن استفادة طهارتهما مما دل على قبولهما للتذكية من النصوص الواردة في الصلاة في جلدهما منعا وجوازا، لعدم وقوع التذكية على نجس العين قطعا. إلا أن الذي يهون الخطب عدم حجية مرسل يونس، لضعفه في نفسه، واعراض الاصحاب عن العمل به. فالمرجع فيهما أصل الطهارة.


(* 1) الوسائل باب: 9 من ابواب الاسئار حديث: 6. (* 2) الوسائل باب: 1 من ابواب الاسئار حديث: 4. (* 3) راجع الوسائل باب: 9 من ابواب الاسئار.

[ 442 ]

{ (مسألة 2): كل مشكوك طاهر (1)، سواء كانت الشبهة لاحتمال كونه من الاعيان النجسة، أو لاحتمال تنجسه } وكذا في عامة المسوخات. مع ورود النص بطهارة كثير منها، وكون الطهارة في بعضها ضرورية. وقد وردت جملة من النصوص في تعدادها. فلاحظ أول أطعمة الوسائل. (1) بلا خلاف ظاهر. لموثق عمار المروي في أبواب النجاسات من الوسائل عن التهذيب عن أبي عبد الله (ع): " كل شي نظيف حتى تعلم أنه قذر، فإذا علمت فقد قذر، وما لم تعلم فليس عليك (* 1). وفي خبر حفص بن غياث عن جعفر (ع): عن أبيه (ع): عن علي (ع): " ما أبالي أبول أصابني أو ماء إذا لم أعلم " (* 2). وفي موثق عمار فيمن رأى في إنائه فأرة، وقد توضأ منه مرارا أو اغتسل أو غسل ثيابه، فقال (ع): " إن كان رآها في الاناء قبل أن يغتسل أو يتوضأ أو يغسل ثيابه، ثم فعل ذلك بعد ما رآها في الاناء فعليه أن يغسل ثيابه، ويغسل كل ما أصابه ذلك الماء، ويعيد الوضوء والصلاة. وإن كان إنما رآها بعد ما فرغ من ذلك وفعله، فلا يمس من الماء شيئا، وليس عليه شئ، لانه لا يعلم متى سقط فيه. ثم قال (ع): لعله أن يكون إنما سقطت فيه تلك الساعة التي رآها " (* 3). فان المورد وان كان مورد قاعدة الفراغ، لكن التعليل يشهد بأن احتمال الطهارة كاف في البناء عليها مع قطع النظر عن القاعدة. هذا ومقتضى إطلاق الاول عدم الفرق بين الشبهة الموضوعية والحكمية، وبين النجاسة الذاتية والعرضية، كما أشار إليه في المتن.


(* 1) الوسائل باب: 37 من ابواب النجاسات حديث: 4. (* 2) الوسائل باب: 37 من ابواب النجاسات حديث: 5. (* 3) الوسائل باب: 4 من ابواب الماء المطلق حديث: 1.

[ 443 ]

{ مع كونه من الاعيان الطاهرة. والقول: بأن الدم المشكوك كونه من القسم الطاهر أو النجس محكوم بالنجاسة، ضعيف (1) نعم يستثنى مما ذكرنا الرطوبة الخارجة بعد البول قبل الاستبراء بالخرطات، أو بعد خروج المني قبل الاستبراء بالبول، فانها - مع الشك - محكومة بالنجاسة (2). (مسألة 3): الاقوى طهارة غسالة الحمام، وإن ظن نجاستها (3). لكن الاحوط الاجتناب عنها. } (1) كما تقدم هو ووجهه وضعفه في المسألة السابعة من بحث الدم. (2) لظهور النصوص الآتي ذكرها في محله في كونه بولا، أو منيا تعبدا فيترتب عليه جميع آثاره، وان كان مقتضى الاصل فيه الطهارة. (3) كما عن المنتهى، وجامع المقاصد، ومجمع البرهان، والمعالم والدلائل، بل عن روض الجنان ذلك، إلا أنه قال: " إن لم يثبت إجماع على خلافه ". وعن الارشاد النجاسة وعن حاشيته للكركي: أنه المشهور وكذا عن روض الجنان، وفي الكفاية، وعن الصدوقين: المنع من جواز التطهير بها، وعن النهاية والسرائر: " لا يجوز استعمالها على حال "، بل عن السرائر: أنه اجماع، وقد وردت به عن الائمة آثار معتمدة، قد أجمع الاصحاب عليها لا أجد من خالف فيها انتهى. وقد استظهر من عبارتي النهاية والسرائر الطهارة. كما أن عبارات المعتبر لا تخلو من اضطراب فبعضها ظاهر في النجاسة، إلا أن يعلم بخلوها عن النجاسة، وبعضها ظاهر في الطهارة إلا أن يعلم بملاقاة النجاسة. وكيف كان فلا ينبغي التأمل في النجاسة إذا علم بملاقاتها للنجاسة، كما لا ينبغي التأمل في الطهارة مع العلم بعدم ملاقاتها لها. وما في عبارة النهاية والسرائر من قولهما: " لا يجوز

[ 444 ]

استعمالها على حال " غير ظاهر في المنع، حتى مع العلم بعدم الملاقاة للنجاسة وان كان ظاهر المعتبر أنه فهم ذلك، لكنه ينافيه تمسك السرائر بالرواية وليس في الروايات ما يدل على ذلك. فكأن المراد من قولهما: " على حال " يعني: حال الاختيار والضرورة، أو نحو ذلك. وكيف كان فالروايات الواردة في الباب - كرواية حمزة بن أحمد عن أبي الحسن الاول (ع) وفيها: " ولا تغتسل من البئر التي يجتمع فيها ماء الحمام فانه يسيل فيها ما يغتسل به الجنب، وولد الزنا، والناصب لنا - أهل البيت - وهو شرهم " ونحوها رواية محمد بن علي بن جعفر ورواية علي بن الحكم عن رجل عن أبي الحسن (ع): ومرسلة الكافي عن ابن جمهور عن محمد بن القاسم عن ابن أبي يعفور عن أبي عبد الله (ع): وموثقة ابن أبي يعفور عنه (ع) (* 1) - مع اشتمال بعضها على الجنب من الحرام أو من الزنا، وبعضها على غسالة اليهودي والنصراني والمجوسي - غير صالحة لاثبات النجاسة، للاقتصار فيها على النهي عن الاغتسال. وهو أعم من النجاسة. ولا سيما بملاحظة أن ماء غسل الجنب - حتى من الحرام - طاهر. ولا سيما أيضا بملاحظة اشتمالها على التعليل: بأن ولد الزنا لا يطهر إلى سبعة آباء، فان ذلك كله شاهد على الخبث المعنوي لا النجاسة. ولا ينافي ذلك ذكر الناصب واليهودي والنصراني والمجوسي فيها لامكان طهارة الماء المجتمع، لاتصاله بما يجري عليه من أرض الحمام المتصل بما في الحياض المتصل بالمادة. ولو بني على الغض عن ذلك، كانت الروايات مختصة بصورة الملاقاة للنجاسة، فالاستدلال بها على النجاسة في صورة الشك في ملاقاة النجاسة غير ظاهر، فضلا عن صورة العلم بعدم الملاقاة لها. ولو فرض كون


(* 1) راجع الوسائل باب: 11 من ابواب الماء المضاف والمستعمل، تجدها باجمعها هناك.

[ 445 ]

موردها صورة مظنة الملاقاة - كما لا يبعد - اختصت الدلالة على النجاسة بالصورة المذكورة، فلا تشمل صورة الاحتمال البعيد، فضلا عن صورة العلم بالعدم. هذا كله مضافا إلى معارضتها بمرسلة أبي يحيى الواسطي، عن بعض أصحابنا، عن أبي الحسن الماضي (ع): " سئل عن مجتمع الماء في الحمام من غسالة الناس يصيب الثوب قال (ع) لا بأس " (* 1) اللهم إلا أن يشكل بضعف السند بالارسال، وعدم ثبوت الجابر. فالعمدة حينئذ مفاد النصوص المتقدمة. والمتحصل مما ذكرنا: أن مقتضى الجمود على ما تحت عبارة النصوص أنها في مقام جعل حكم واقعي للماء الذي يغتسل به الجنب من الحرام وغيره من الموارد المذكورة فيها، وهو النهي عن الاغتسال به، ولو مزج بغيره واتصل بالمادة. لخباثته المعنوية. ونجاسة بعض الموارد المذكورة فيها لا تقدح لاحتمال طهارة الماء المجتمع منها، لاتصاله بالمادة فان الاحتمال كاف في ذلك، لاجمال حال الحمامات الكائنة في زمان صدور النصوص الشريفة المذكورة، التي هي الملحوظة ظاهرا في هذه النصوص - كما تقدم ذلك في مباحث ماء الحمام - ولا سيما مع جريان العادة بذلك، فانها قاضية باتصال ماء الغسالة بالمادة غالبا. وقد يظهر ذلك من بعض النصوص أيضا. ويشهد بذلك أنه قد تقدم عدم جواز الاغتسال بما يغتسل به الجنب مطلقا، ولو كان من الاولياء الصالحين، فتعليل النهى عن الاغتسال بما ذكر من الجهة العرضية، يقتضي عدم وجود الجهة الذاتية لخلو مورد النصوص عنها. وبالجملة: لو كان المانع هو النجاسة لم يكن وجه لذكر الجنب ولو من الحرام، فان غسالته طاهرة إجماعا، ولو كان من جهة أنه ماء غسل


(* 1) الوسائل باب: 9 من ابواب الماء المضاف والمستعمل حديث: 9.

[ 446 ]

{ (مسألة 4): يستحب رش الماء (1) إذا أراد أن } الجنابة، لم يكن وجه للتعليل بكونه غسالة الناصب واليهودي ونحوهما، فلابد أن يكون المنع لجهة أخرى، ولا يكون ذلك إلا لخروجها عن مورد الحكمين المذكورين - أعنى: عدم جواز الاغتسال بالنجس، وعدم جواز الاغتسال بغسالة الجنب - بأن تكون الغسالة متصلة بالمادة معتصمة، فلا تكون موردا للحكمين المذكورين. ولو بني على ملاحظة المناسبات الخارجية العرفية المقتضية لصرف الكلام عن صورة العلم، وأن موردها صورة المعرضية لذلك، فمفادها حكم ظاهري، وهو أيضا مجرد المنع عن الاغتسال ظاهرا فالاستدلال بها على النجاسة غير واضح. ويحتمل - قويا - أن يكون المراد من الاغتسال مجرد غسل البدن ويكون المقصود من النهي الردع عما كان عليه بناء المخالفين من الاستشفاء بذلك الماء المجتمع، كما ذكر في بعض الروايات (* 1). ويؤيد ذلك أن من البعيد جدا أن يحصل داع إلى الاغتسال العبادي بذلك الماء المجتمع، مع ما هو عليه من الاستقذار والاستنفار مع تهيؤ الماء النزيه كما هو الغالب، لو لم يكن دائما، فليس الغسل بهذا الماء إلا لدواع أخرى من العلاج، أو الاستشفاء. وقد شاهدنا كثيرا من الناس في الايام القريبة يعتقدون أن في ماء خزانة الحمام علاج القروح والجروح فالمظنون - قويا - أن النصوص المذكورة واردة للزجر عن هذا التوهم، وليست في مقام جعل حكم شرعي. فلاحظ. (1) في صحيح ابن سنان عن الصادق (ع): " سألته عن الصلاة في البيع، والكنائس، وبيوت المجوس. فقال (ع): رش وصل " (* 2)


(* 1) الوسائل باب: 11 من ابواب الماء المضاف والمستعمل حديث: 2. (* 2) الوسائل باب: 13 من ابواب مكان المصلي حديث: 4.

[ 447 ]

{ يصلي في معابد اليهود والنصارى (1) مع الشك في نجاستها، وان كانت محكومة بالطهارة. (مسألة 5): في الشك في الطهارة والنجاسة لا يجب الفحص (2)، بل يبنى على الطهارة إذا لم يكن مسبوقا بالنجاسة ولو أمكن حصول العلم بالحال في الحال فصل طريق ثبوت النجاسة أو التنجس العلم الوجداني، أو البينة العادلة (3) وفي كفاية العدل الواحد إشكال (4). فلا } ونحوه غيره. والظاهر التسالم على استحباب الرش، كاختصاصه بصورة توهم النجاسة. (1) وبيوت المجوس، كما في النص المتقدم. (2) الظاهر أنه اجماع لاطلاق موثق عمار المتقدم (* 1)، ونحوه مما دل على قاعدة الطهارة، من دون ما يوجب تخصيصه بما بعد الفحص كما ثبت في بعض الموارد. فصل (3) بناء على عموم حجيتها للمقام، كما تقدم تقريبه في مباحث المياه (* 2). (4) تقدم وجهه هناك أيضا.


(* 1) تقدم في المسألة الثانية من مبحث نجاسة عرق الابل الجلالة. (* 2) تقدم الكلام في جميع الطرق في مسألة: 6 من الفصل المتعرض فيه لاحكام البئر.

[ 448 ]

{ يترك مراعاة الاحتياط. وتثبت أيضا بقول صاحب اليد (1)، بملك، أو إجارة، أو إعارة، أو أمانة، بل أو غصب، ولا اعتبار بمطلق الظن (2)، وان كان قويا، فالدهن، واللبن والجبن المأخوذ من أهل البوادي، محكوم بالطهارة (3)، وان حصل الظن بنجاستها. بل قد يقال بعدم رجحان الاحتياط بالاجتناب عنها (4)، } (1) تقدم في مباحث المياه الكلام في وجهه. وان العمدة فيه السيرة. مضافا في بعض الموارد إلى بعض لنصوص الواردة فيه، كالنصوص الواردة في البختج، والواردة في إقرار ذي اليد، بأن ما في يده لغيره فراجع. (2) لاصالة عدم الحجية. وقد تقدم في مباحث المياه نقل القول باعتباره عن النهاية والحلبي. وتقدم وجه ذلك وضعفه. (3) لاستصحاب الطهارة. (4) لا إشكال في رجحان الاحتياط عقلا، لانه انقياد إلى المولى سبحانه. نعم قد يزاحم الاحتياط من جهة الاحتياط من جهة أخرى، مساو له، فلا يكون الاحتياط راجحا عقلا، أو أهم فيكون الاول مرجوحا عقلا. وقد يطبق عليه عنوان مكروه أو يؤدى الاحتياط إليه فيكون مكروها شرعا. أو ينطبق عليه عنوان محرم، أو يؤدى إليه، فيكون حراما شرعا. ومنه أن يؤدى إلى الوسواس المؤدي إلى العمل على طبقه، فان الظاهر أنه لا إشكال في حرمة العمل على طبق الوسواس، فيحرم الوسواس نفسه إذا كان يؤدي إلى العمل على طبقه كما هو القاعدة في كل فعل يعلم بترتب الحرام عليه ولو بالاختيار. مثل ما إذا علم أنه إذا دخل مجلس الشراب يختار شرب المسكر، فانه يحرم الدخول إلى المجلس حينئذ. وكذلك في المقام إذا علم أنه إذا حصل له الواسواس عمل

[ 449 ]

{ بل قد يكره، أو يحرم إذا كان في معرض حصول الوسواس (1). (مسألة 1): لا اعتبار بعلم الوسواسي في الطهارة والنجاسة (2). } على طبقه فيحرم عليه حصول الوسواس فيحرم ما يودي إليه. (1) مجرد المعرضية للمقدمية للحرام لا توجب حرمة المقدمة إلا أن يكون الحرام بالغا في الاهتمام حدا يستوجب الحذر من الوقوع فيه، ومنه الضرر في النفس، فان الظاهر التسالم على حرمة ما يظن ترتب الضرر عليه فلاحظ كلماتهم في كتاب الصوم. بل ظاهر صحيحة حريز: " الصائم إذا خاف على عينه من الرمد أفطر " (* 1) وجوب الافطار بمجرد احتمال الضرر، احتمالا معتدا به، بنحو يصدق معه الخوف. اللهم إلا أن يكون الامر بالافطار للرخصة، لكون المورد من موارد توهم الحرمة، فلا تدل الصحيحة على الوجوب. هذا وثبوت الاهمية لحرمة الوسواس على نحو يستوجب الحذر غير ظاهر. كما أن كون السواس من قبيل الضرر على النفس الذي يحرم الوقوع فيه لا يخلو من تأمل. (2) الوسواس من الحالات النفسانية ذات المراتب المختلفة. والظاهر أن أول مراتبه يمنع من اذعان النفس بالمعلومات مع حصول العلم بها، وأعلى منه أن يمنع من حصول العلم من أسبابه الحاصل له في المتعارف، وأعلى منه أن يوجب حصول العلم بالخلاف من أسباب خيالية غير حاصلة في الخارج مثل ما يحكى عن بعض أهل الوسواس من أنه يطهر يده من فوق السطح إلى أرض الدار، فيعلم أن الماء النازل من يده إلى الارض قد نزى فاصاب بعض جسده. ومثل هذا العلم هو محل الكلام في هذه المسألة فنقول: قد تحقق في محله أن العلم بذاته حجة - عقلا - تستوجب مخالفته


(* 1) الوسائل باب: 19 من ابواب ما يصح منه الصوم حديث: 1.

[ 450 ]

{ (مسألة 2): العلم الاجمالي كالتفصيلي (1)، فإذا علم } استحقاق العقاب في نظر العقل، ويمتنع الردع عنه في نظر العالم، وان كان مخالفا للواقع في نظر الرادع، فالردع عن العمل بعلم الوسواسي بالنسبة إلى عمل نفسه لابد أن يكون من جهة طروء عنوان يستوجب تبدل الواقع عن حكمه إلى حكم آخر، فيكون الواقع موضوعا للحكم إلا في حال الوسواس، فيكون له حكم آخر، نظير العناوين المأخوذة موضوعات للاحكام الثانوية. فشرب النجس - مثلا - في نفسه حرام، لكن كما أنه إذا اضطرا إليه يجب، كذلك إذا كان المكلف وسواسيا، فانه يجب عليه أن يشرب النجس، وان علم أنه نجس. وأما بالنسبة إلى عمل غيره فمرجع عدم اعتبار علمه إلى عدم اعتبار شهادته، فإذا شهد بالنجاسة - مثلا - لم تكن شهادته حجة. والعمدة في الاول - مضافا إلى ظهور الاجماع - ما ورد من النصوص المتضمنة لقولهم (ع): " لا تعودوا الخبيث من انفسكم نقض الصلاة " وهي مذكورة في حكم كثير الشك من مباحث الخلل (* 1) وفي صحيح ابن سنان: " ذكرت لابي عبد الله (ع): رجلا مبتلى بالوضوء والصلاة، وقلت: هو رجل عاقل. فقال أبو عبد الله (ع): وأي عقل له وهو يطيع الشيطان؟! فقلت له: وكيف يطيع الشيطان؟! فقال (ع): سله هذا الذي يأتيه من أي شئ هو؟ فانه يقول لك: من عمل الشيطان " (* 2) والوجه في الثاني انصراف دليل حجية الشهادة عن مثل ذلك. (1) يعني: في كونه طريقا عند العقلاء لاثبات متعلقه، بنحو تكون مخالفته معصية موجبة لاستحقاق العقاب عندهم، والترخيص فيها ترخيصا في المخالفة للواقع المنجز فيمتنع للزوم التناقض، ونقض الغرض. بل الظاهر


(* 1) راجع الوسائل باب: 16 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة. (* 2) الوسائل باب: 10 من ابواب مقدمة العبادات حديث: 1.

[ 451 ]

{ بنجاسة أحد الشيئين يجب الاجتناب عنهما، إلا إذا لم يكن أحدهما محلا لابتلائه، فلا يجب الاجتناب عما هو محل الابتلاء أيضا (1). } كونه علة تامة في وجوب الموافقة القطعية، والتفكيك بينه وبين حرمة المخالفة القطعية في غير محله، لان الترخيص في أحد الاطراف ترخيص في محتمل الواقع المنجز وهو ممتنع، كالترخيص في معلوم الواقع كذلك. غاية الامر أن الثاني مناف لذات الخطاب، والاول مناف لاطلاق الخطاب المعلوم كذات الخطاب، كما هو موضح في محله من كتابنا حقائق الاصول فراجع. (1) قد ذكر في محله أن من شرائط تنجيز العلم الاجمالي للتكليف أن يكون كل من الاطراف في محل الابتلاء، فإذا كان أحدهما خارجا عن محل الابتلاء، لا يكون المعلوم بالاجمال متنجزا، ولا يجب الاحتياط في الطرف الذي هو محل الابتلاء. والوجه فيه: أن الموضوع الخارج عن محل الابتلاء مما لا يصح اعتبار التكليف والتحميل من الخطاب بالاجتناب عنه، ولاجل ذلك لا يحسن أن يخاطب به لان الغرض من الخطاب إحداث الداعي العقلي في نفس العبد، على نحو يرى نفسه لاجل الخطاب بالاجتناب مكلفا ومثقلا به، ومشغول الذمة والعهدة، وهذه الاعتبارات غير حاصلة بالنسبة إلى ما هو خارج عن الابتلاء. فهذا الشرط في الحقيقة راجع إلى كونه شرطا في اشتغال الذمة لا شرطا للتكليف. وتوضيح ذلك: أن انتفاء التكليف (تارة): لعدم المقتضي، كما في المباحات الخالية عن المفسدة. (واخرى): لوجود المانع كما إذا كان الشئ فيه مفسدة، ولكن فيه مصلحة مزاحمة لها وتشترك الجهتان في أن انتفاء التكليف لقصور فيه وفي ملاكه، ولا فرق في المصلحة

[ 452 ]

المزاحمة بين أن تكون نفسية، بأن كان ينطبق على الحرم عنوان واجب وأن تكون غيرية، بأن كان الحرام مقدمة لواجب، كما في موارد الاضطرار إلى الحرام. أما إذا كانت المصلحة ليست موجودة في نفس الحرام، بل كانت في ضده، كان المورد من موارد التزاحم ودخل في حكم مسألة الضد التي لا قصور في حصول الملاك في كل من الطرفين فيها. (وثالثة): لقصور في المكلف كما في موارد انتفاء القدرة، فان الموضوع وان كان مشتملا على مفسدة بلا مزاحم، إلا أن العجز عنه مانع عن حدوث التكليف به وان كان التكليف واجدا لملاكه. (ورابعة): يكون لقصور في المكلف به لخروجه عن محل الابتلاء. وتشترك هاتان الجهتان الاخيرتان في أن دخلهما في الخقيقة في باعثية التكليف لا في ذاته، وبخلافهما الجهتان الاولتان، فان دخلهما في ذاته. فالدخول في محل الابتلاء والقدرة ليس لهما دخل في ذات التكليف، وانما دخلهما في الاشتغال والثبوت في العهدة فينتفي ذلك عند انتفاء أحدهما، وان كان التكليف بحاله. نظير وجود الحجة على التكليف، فكما أنه لا يتوقف عليه التكليف نفسه، وانما يتوقف عليه اشتغال الذمة به، كذلك الدخول في محل الابتلاء والقدرة، فالخطاب بالاجتناب عن النجس نسبته إلى الداخل في الابتلاء وغيره والمقدور وغيره، نسبة واحدة، وكما أنه حاك عن الكراهة في الاول منهما حاك عنها في الثاني أيضا، فهما لا يختلفان من حيث تعلق التكليف، وانما يختلفان من حيث أن العلم بالتكليف موجب في الاول منهما للاشتغال بحيث يرى المكلف نفسه في كلفة وعهدة مشغولة، وليس كذلك في الثاني بل يكون حاله بعد العلم حاله قبل العلم. فان قلت: الخارج عن الابتلاء خارج عن القدرة، فشرطية عدم الخروج عن الابتلاء في تنجيز العلم الاجمالي راجع إلى شرطية القدرة على كل

[ 453 ]

من الطرفين، فما الوجه في جعله مقابلا له؟ (قلت): ما ذكر ممنوع فان البعد الموجب لخروج الشئ عن محل الابتلاء للمكلف لا يوجب سلب قدرته عليه، لان المقدور بالواسطة مقدور. ولذا صح التكليف بالحج لاهل الصين، ولا يصح نهيهم عن استعمال الاناء الذي في مكة، إذا لم يكونوا في مقام السفر إلى الحج. أما إذا كانوا في مقام السفر إلى الحج كان الاناء الذي في مكة محل ابتلائهم، فيصح نهيهم عنه. هذا وإذا عرفت أن خروج بعض أطراف المعلوم بالاجمال عن محل الابتلاء مانع من تنجيز العلم لذلك المعلوم بالاجمال، يكون الطرف الآخر المعلوم بالاجمال من قبيل الشبهة البدوية، فيتعين الرجوع فيه إلى الاصل الموضوعي أو الحكمي. ثم إنه إذا شك في حصول شرط القدرة أو كونه محل الابتلاء، فاطلاق الخطاب لا يصلح لنفي الشك المذكور، لان منع العجز والخروج عن محل الابتلاء عن التكليف ليس شرعيا بل هو عقلي، فالخطاب الشرعي لا ينفيه ولا يتعرض له بوجه، فمع الشك في المانعين المذكورين ونحوهما، لا مجال للرجوع إلى إطلاق الخطاب. نعم الاصل العقلائي يقتضي الاحتياط حينئذ. فان قلت: إذا خرج بعض أطراف الشبهة عن محل الابتلاء فقد شك في خروج المعلوم بالاجمال عن محل الابتلاء، ويجب الاحتياط حينئذ في الفرد الذي هو محل الابتلاء (قلت): الشك في مثل الفرض ليس موضوعا لاصالة الاحتياط العقلائية المتقدمة، لاختصاصها بصورة الشك البدوي في الخروج عن محل الابتلاء، فلا تشمل مثل الفرض فلاحظ. نعم بناء على أن المرجع الاطلاق يشكل الفرق بين الفرضين. ومثله الكلام مع خروج بعض الاطراف عن القدرة. اللهم إلا أن يقال: الاطلاق حجة عند الشك في أصل التخصيص بنحو الشبهة البدوية، لا في مثل الفرض

[ 454 ]

{ (مسألة 3): لا يعتبر في البينة حصول الظن بصدقها (1). نعم يعتبر عدم معارضتها بمثلها (2). (مسألة 4): لا يعتبر في البينة ذكر مستند الشهادة (3). } مما علم فيه بوجود الخاص وشك في انطباقه على المورد. (1) لاطلاق دليل الحجية. (2) لامتناع عموم الدليل للمتعارضين لتكاذبهما، فيكون جعل الحجية لهما موجبا للتعبد بالنقيضين، وهو ممتنع. ولاجل ذلك كان الاصل في المتعارضين التساقط، إلا أن يقوم دليل على خلافه كما ورد في الخبرين المتعارضين، حيث دلت الادلة الخاصة على الترجيح مع وجود المرجح وعلى التخيير مع عدمه. (3) كما هو ظاهر كل من أطلق اعتبار البينة. وفي التذكرة " لا تقبل إلا بالسبب لجواز أن يعتقد أن سؤر المسوخ نجس " وعن أبي العباس والصيمري ذلك أيضا. (وفيه): أن احتمال الخطأ في المستند ملغى بأصالة عدم الخطأ المعول عليها عند العقلاء في مقام العمل بالخبر، كما يشهد به استقرار سيرة العقلاء والمتشرعة على عدم الفحص والسؤال عن مستند الخبر، بينة كان أو خبر واحد، وموضوعا كان المخبر به أو حكما. فان قلت: أصالة عدم الخطأ في الحدسيات لا يعول عليها عندهم إلا في موارد خاصة، كباب رجوع العامي إلى المجتهد في الاحكام الكلية، وباب الرجوع إلى أهل الخبرة في التقويم. ونحو ذلك، وليس منه المقام. (قلت): أصالة عدم الخطأ في الحدس (تارة): يرجع إليها لاثبات الواقع المجهول، فتكون طريقا إليه. (وأخرى): يرجع إليها لاثبات أن ما يعتقده المخبر هو الواقع مع العم بالواقع. (فتارة): تكون طريقا إلى معرفة المجهول مع العلم بالمعتقد. (وأخرى): تكون طريقا

[ 455 ]

{ نعم لو ذكرا مستندها، وعلم عدم صحته، لم يحكم بالنجاسة (1). (مسألة 5): إذا لم يشهدا بالنجاسة، بل بموجبها كفى، وان لم يكن موجبا عندهما أو عند أحدهما. فلو قالا: إن هذا الثوب لاقى عرق المجنب من حرام أو ماء الغسالة، كفى عند من يقول بنجاستهما (2) وان لم يكن مذهبهما النجاسة. (مسألة 6): إذا شهدا بالنجاسة واختلف مستندهما كفى في ثبوتها (3)، وان لم تثبت الخصوصية، كما إذا قال } إلى معرفة المعتقد المجهول مع العلم بالواقع. والتي لا تكون حجة إلا في الموارد المخصوصة هي الاولى، أما الثانية فهي حجة مطلقا، كما عرفت من سيرة العقلاء والمتشرعة. (1) لان العلم بالخطأ مانع من الرجوع إلى أصالة عدم الخطأ، كما أنه مانع من عموم دليل الحجية لو كان متكفلا لالغاء احتمال الخطأ. كما هو متكفل لا لغاء احتمال تعمد الكذب. (2) لانه يكفي في وجوب العمل بالحجية كون مؤداها ذا أثر شرعي في نظر من قامت عنده الحجة. بل في الامارات يكفي ثبوت مدلول التزامي يترتب عليه الاثر الشرعي وان كانت الدلالة الالتزامية بنظر من قامت عنده لا غير، فعدم الاثر الشرعي للمشهود به في نظر الشاهد، وعدم الدلالة الالتزامية في نظره لا يقدح في وجوب العمل بالشهادة، إذا كان المشهود عنده يرى ذلك. (3) المراد من البينة التي هي موضوع الحجية شهادتا العدلين، ويعتبر فيها أن تكون كل منهما حاكية عن الواقع الذي تحكيه الشهادة الاخرى، فلابد أن تكون قضية واقعية محكية بكل من الشهادتين، فإذا تحقق ذلك

[ 456 ]

وجب العمل بالشهادة. سواء اكان هناك اختلاف بين الشاهدين في بعض الخصوصيات الخارجية الزائدة على ما به الاتفاق بينهما أم لا. فإذا اتفقا على وقوع قطرة من الدم في الاناء، واختلفا في كون ذلك الدم أسود أو أصفر أو أنه كان من الرعاف أو من الاسنان. أو في ي الليل كان وقوعه أو في النهار، أو في غير ذلك من الخصوصيات. لم يضر هذا الاختلاف في وجوب العمل على ما به الاتفاق، لكون القضية الخارجية الواقعية - أعنى ملاقاة الماء للدم - تحكيها كل من شهادة الشاهدين، فتكون مؤدى البينة التي هي حجة. وأما إذا كان الوقع الذي يحكيه أحدهما ويشهد به غير ما كان يحكيه الآخر ويشهد به، فلم يكن الواقع محكيا بالبينة، بل كان واقعان، أحدهما يشهد به أحد الشاهدين، وثانيهما ويشهد به الشاهد الآخر، فلا يجوز العمل بالشهادتين حينئذ، لعدم قيام البينة على شئ. ومجرد جواز انتزاع أمر واحد من ذينك الواقعين المحكيين غير كاف في تحقق البينة على شئ، لان ذلك الامر الانتزاعي ليس مشهودا به، ولا مخبرا عنه. فلو شهد أحدهما بوقوع قطرة من رعافه في إناء، وشهد الآخر بوقوع قطرة من رعاف نفسه أيضا في ذلك الاناء لا يحكم بنجاسة الاناء، لعدم حكاية الشهادتين عن أمر واحد، إذ شخص النجاسة الذي يشهد به أحدهما غير الشخص الذي يشهد به الآخر، والقضية الواقعية التي تحكيها إحدى الشهادتين غير القضية التي تحكيها الشهادة الاخرى، والامر الانتزاعي من القضيتين الخارجيتين غير مشهود به. فالشهادات المختلفة (تارة): تنحل إلى قضيتين إحداهما متفق عليها بين الشهود، وتحكيها الشهادتان جميعا، وثانيتهما مختلف فيها (واخرى) لا تنحل إلى ذلك، بل ليس المحكي بها إلا قضية واحدة وقع الاختلاف فيها فاحد الشاهدين يشهد بواقع لها، والآخر يشهد بواقع آخر، وكل واحد

[ 457 ]

{ أحدهما: إن هذا الشئ لاقى البول، وقال الآخر: إنه لاقى الدم، فيحكم بنجاسته. لكن لا تثبت النجاسة البولية ولا الدمية، بل القدر المشترك بينهما. لكن هذا إذا لم ينف كل منهما قول الآخر (1) بأن اتفقا على أصل النجاسة. وأما إذا نفاه - كما إذا قال أحدهما انه لاقى البول، وقال الآخر: لا بل لاقى الدم - ففي الحكم بالنجاسة إشكال. } من الواقعين ليس موردا لشهادتين، بل هو مورد لشهادة واحدة لا غير. ومن ذلك تعرف تعين التفصيل في الفرض المذكور، وانه إن كان الاختلاف على النحو الاول حكم بالنجاسة، وإن كان على النحو الثاني لا يحكم بها. (1) قد عرفت المعيار في القبول وعدمه، ولا دخل للنفي وعدمه فيه نعم إذا كان الاختلاف على النحو الاول فلابد أن يكون كل من الشاهدين نافيا لما يشهد به الآخر، لان الواقعة واحدة لا تقبل اجتماع الخصوصيتين المتنافيتين فإذا شهدا بوقوع قطرة من دم زيد في الاناء واختلفا في انها غليظة أو رفيقة فالشهادة بالاول شهادة بنفي الثاني بالالتزام، كما أن الشهادة بالثاني كذلك. فنفي الاول (تارة): يكون مصرحا به، بأن يقول أحدهما: القطرة ليست غليظة بل رقيقة (وأخرى): يكون مدلولا عليه بالالتزام لا غير، فان لازم كونها غليظة أنها ليست رقيقة. وأما إذا كان الاختلاف على النحو الثاني، فقد يكون أحدهما نافيا لقول الآخر بأن يحصل لاحد الشاهدين من باب الاتفاق العلم بخطأ صاحبه وقد لا يحصل بأن يحتمل صدقه وكذبه. ومن ذلك يظهر أن قول المصنف (ره): " هذا إذا لم ينف.. " قرينة على كون الاختلاف المفروض في هذه المسألة ما هو من النحو الثاني

[ 458 ]

{ (مسألة 7): الشهادة بالاجمال كافية أيضا (1)، كما إذا قالا: أحد هذين نجس، فيجب الاجتناب عنهما. وأما لو شهد أحدهما بالاجمال والآخر بالتعيين - كما إذا قال أحدهما: أحد هذين نجس، وقال الآخر هذا معينا نجس - ففي المسألة وجوه: وجوب الاجتناب عنهما، ووجوبه عن المعين فقط، وعدم الوجوب أصلا (2). } الذي لا تقبل فيه شهادة الشاهدين. (1) مع اتحاد الواقعة، كما إذا كانا حاضرين في مكان - مثلا - ووقعت قطرة بول في إناء مردد عندهما بين اناءين. أما مع تعدد الواقعة، كما إذا كان أحد الشاهدين في مكان وعلم بوقوع قطرة من البول في أحدهما المردد ثم حضر الآخر في ذلك المكان، واعتقد وقوع قطرة من البول في أحدهما المردد أيضا، فالظاهر عدم قبول الشهادتين، لعدم تصادقهما كما عرفت. وكذا لو علم أحدهما بنجاسة إناء زيد، وعلم الآخر بنجاسة إناء عمرو، واشتبه كل من الاناءين بالآخر في نظر كل منهما، فشهادة كل منهما بأن أحد الاناءين نجس لا أثر لها لعدم الاتفاق بينهما. (2) كأن وجه الاول: أن خصوصية المعين لما لم تثبت بخبر الواحد اقتصر على غير المعين، فيجب الاحتياط. ووجه الثاني: أن الطرف الآخر لم يقم ما يوجب تنجزه، لان الشهادة بالمعين لا تقتضيه، والشهادة بالمردد واحدة، لا بينة. ووجه الثالث: عدم قيام الحجة لا على المعين ولا على المردد، وما تقدم من أن عدم ثبوت التعيين يقتضي الاقتصار على غير المعين غير ظاهر. لكن هذه الوجوه كلها ضعيفة، والمتعين التفصيل بين أن تكون الشهادتان حاكيتين عن واقعة واحدة - بأن يكون الشاهدان في مكان واحد مثلا، فتقع قطرة من الدم في أحد الاناءين، ويكون أحد الشاهدين

[ 459 ]

{ (مسألة 8): لو شهد أحدهما بنجاسة الشئ فعلا، والآخر بنجاسته سابقا مع الجهل بحاله فعلا، فالظاهر وجوب الاجتناب (1). } جاهلا بالتعيين والآخر عالما به - فيجب الاحتياط حينئذ، والاجتناب عن جميع الاطراف، لرجوع شهادة الثاني إلى تعيين ما يشهد به الاول مع موافقته في الشهادة به، فقد تحقق قيام البينة على الواحد المردد ولم يثبت تعيينه. وان كانتا حاكيتين عن واقعتين - بأن شهد أحدهما بأنه وقع من دم رعافه قطرة في إناء معين من دون علم الشاهد الآخر بذلك، بل هو يشهد بأنه وقع من دم رعاف نفسه قطرة في أحد الاناءين المردد عنده بينهما، والشاهد الاول لا يعلم بهذه الواقعة - فلا يجب الاحتياط، لعدم قيام حجة على واقعة من إحدى الواقعتين. (1) كأن وجهه: أن لازم شهادة الثاني نجاسته فعلا بالاستصحاب ومؤدى شهادة الاول نجاسته واقعا فعلا، فيكون مجموع الشهادتين حاكيا عن أحد الامرين من النجاسة الفعلية الواقعية والظاهرية، واللازم المشترك بينهما وجوب الاجتناب. هذا إذا لم يعلم ببقاء نجاسته فعلا على تقدير ثبوت نجاسته سابقا، وإلا كان لازم شهادة الثاني نجاسته فعلا، فتكون النجاسة في الحال مشهودا بها لهما، لاحدهما بالمطابقة، وللآخر بالالتزام. وفيه: أن شهادة كل من الشاهدين لما كانت حاكية عن واقعة لا تحكيها شهادة الآخر لم تكن كل من الواقعتين محكية بالبينة، بل كانت محكية بخبر الواحد، فلم تقم عليها حجة. نعم لو كانت كل من الشهادتين منحلة إلى الشهادة بأمرين، بأن اتفقا على نجاسة الاناء واختلفا في تعيين الزمان، فأحدهما يشهد بأنها في الزمان السابق، والآخر بأنها في الزمان الحالي، فقد علم تعبدا بنجاسة الاناء سابقا أو فعلا، وحينئذ يجري الاستصحاب في إثباته فعلا. وإن كان

[ 460 ]

{ وكذا إذا شهدا معا بالنجاسة السابقة، لجريان الاستصحاب (1) } يشكل ذلك بعدم اليقين بالثبوت سابقا، كي يستصحب. إلا أن يقال: يكفي اليقين الاجمالي به وفيه تأمل ظاهر، لان اليقين الاجمالي إنما يصحح الاستصحاب في الامر الاجمالي إذا كان مشكوك البقاء على كل من احتمالاته ولا يصحح الاستصحاب بالنسبة إلى أحد الاحتمالات بعينه، لعدم اليقين بالاضافة إليه. أما لو كان الشاهد بالنجاسة فعلا يشهد بالنجاسة سابقا أيضا كان المورد من قبيل الفرض الآتي. كما أنه في صورة العلم بالبقاء على تقدير الثبوت سابقا التي ذكرناها آنفا، لا يبعد القبول من جهة انضمام الشهادة الالتزامية إلى الشهادة من الآخر بالمطابقة، كما عرفت. وان كان لا يخلو من إشكال، لاحتمال اختصاص الحجية في المدلول الالتزامي بصورة تحقق الحجية وهي مفقودة في شهادة الواحد. (1) لان البينة بمنزلة اليقين، فيتحقق ركنا الاستصحاب، أعني: اليقين بالثبوت، والشك في البقاء. وكذا لو بني على أن مفاد أدلة الاستصحاب إثبات الملازمة بين الحدوث والبقاء، وان لم يحصل اليقين بالحدوث - كما ذكره الاستاذ (قده) في الكفاية - فإذا قامت البينة على النجاسة سابقا فقد دلت بالالتزام على النجاسة ظاهرا فعلا، فتكون حجة في إثبات النجاسة الظاهرية فعلا. لكنه خلاف ظاهر أدلة الاستصحاب المستفاد منها اعتبار اليقين بالثبوت في جريانه، فما لم يحصل اليقين لا تكون ملازمة بين الحدوث والبقاء كما أنه لا إشكال في جريانه لو قيل: بأن مفاد أدلة الحجية ثبوت أحكام ظاهرية هي عين الواقع على تقدير المصادفة للواقع، فان قيام البينة على النجاسة السابقة يستدعي ثبوت نجاسة ظاهرية هي عين الواقع على تقدير المصادفة وغيره على تقدير المخالفة، فان كانت غيره فهي مرتفعة، لعدم قيام الحجة في الزمان اللاحق، وإن كانت عينه فهي باقية قطعا، أو محتملة البقاء

[ 461 ]

والارتفاع، وحينئذ يجري الاستصحاب الجاري في القسم الثاني من أقسام الاستصحاب الكلي. لكن في كون الاثر للكلي إشكالا، لان التنزيل يقتضي كون الاثر لخصوص ذي المنزلة ولخصوص المنزل منزلته، إذ لا معنى للتنزيل فيما إذا كان الاثر للجامع بين ذي المنزلة والمنزل منزلته، فيكون المقام من استصحاب الفرد المرد بين فردين أحدهما معلوم الزوال، والآخر معلوم البقاء أو محتمله، وقد تحقق في محله عدم جريانه. هذا ولو قيل: بأن الاحكام الظاهرية مجعولة في قبال الاحكام الواقعية على تقدير المخالفة والمصادفة. امتنع جريان الاستصاب، لان استصحاب الحكم الواقعي ممتنع، لعدم اليقين بالثبوت، واستصحاب الحكم الظاهري ممتنع، للعلم بالارتفاع، لما عرفت من أن المجعول الظاهري موافق لمفاد الحجة والمفروض أن الحجة - أعني البينة - إنما تضمنت الثبوت سابقا لا أكثر، فالمجعول ظاهرا هو الثبوت سابقا لا أكثر، ففي الحال لا جعل فلا مجعول فالحكم الظاهري معلوم الارتفاع، فاجراء الاستصحاب يكون من قبيل إجرائه في القسم الثالث من أقسام استصحاب الكلي: المحقق في محله عدم جريانه. مضافا إلى الاشكال المتقدم في كون الاثر للكلي. والمتحصل مما ذكر: أن جريان الاستصحاب فيما لو قامت البينة على الحدوث سابقا يتوقف إما على القول يكون دليل حجية البينة يدل على كونها بمنزلة العلم، أو على القول بكون مفاد دليل الاستصحاب محض الملازمة بين الحدوث والبقاء وإن لم يعلم الحدوث. أو على جريان الاستصحاب في الفرد المردد. أو على جريان الاستصحاب في القسم الثالث من أقسام استصحاب الكلي، بناء على أن الاثر في المقام للكلي، على اختلاف المباني في ثبوت الاحكام الظاهرية وكيفية جعلها. هذا والمحقق في محله أن أدلة حجية الامارات تدل على كونها بمنزلة العلم. ويشهد به قول العسكري (ع)

[ 462 ]

{ (مسألة 9): لو قال أحدهما: إنه نجس، وقال الآخر: إنه كان نجسا والآن طاهر، فالظاهر عدم الكفاية (1)، وعدم الحكم بالنجاسة. } حينما سئل عن العمري وابنه (قدهما): " ما أديا اليك عني فعني يؤديان، وما قالا لك عني فعني يقولان " (* 1)، فانه ظاهر في تنزيل نفس الاداء والقول، زائدا على تنزيل المؤدى والمقول. مضافا إلى كونه الموافق للمرتكزات العقلائية المنزل عليها الخطاب، فان الطرق عندهم بمنزلة العلم. فيتعين الوجه الاول في تصحيح جريان الاستصحاب، والوجوه الاخر كلها محل نظر واشكال. والله سبحانه ولي التوفيق. (1) لازم ما ذكره سابقا هو الحكم بالنجاسة، ومجرد إخبار أحدهما بالطهارة فعلا لا أثر له في الفرق، لانه ليس بحجة لانه خبر واحد، فيكون كما لو كان الشاهد جاهلا بحاله فعلا الذي تقدم منه (قده) الحكم بنجاسته. نعم يفترق الفرضان: بأن الجاهل يجري في حقه الاستصحاب، والعالم لا يجري في حقه لانتفاء الشك. لكنه ليس بفارق، لان الاستصحاب جار في حق المشهود عنده في الفرضين، وهو المدار في قبول الشهادة بالتقريب المتقدم في المسألة الماضية فالفرق بين المسألتين غير ظاهر. فإذا التحقيق ما عرفت، من أنه إن كانا حاكيين عن واقعة واحدة، وقد اختلفا في زمانها، فاحدهما يقول: أمس وهو اليوم طاهر، والآخر يقول: اليوم، كانت شهادتهما حجة على ثبوت النجاسة في أحد الزمانين، كما لو شهدا بأنه نجس إما اليوم أو أمس. وقد تقدم الاشكال فيه في المسألة السابقة. ولو كان مرجع شهادة الشاهد بنجاسة فعلا إلى الشهادة بنجاسته سابقا وبقائها فعلا، فهما معا يشهدان بالنجاسة سابقا، ويختلفان في بقائها


(* 1) الوسائل باب: 11 من ابواب صفات القاضي حديث: 5.

[ 463 ]

{ (مسألة 10): إذا أخبرت الزوجة أو الخادمة أو المملوكة بنجاسة ما في يدها من ثياب الزوج أو ظروف البيت كفى في الحكم بالنجاسة (1). وكذا إذا أخبرت المربية للطفل أو المجنون بنجاسة أو نجاسة ثيابه. بل وكذا لو أخبر المولى بنجاسة بدن العبد أو الجارية أو ثوبهما مع كونهما عنده أو في بيته (2). (مسألة 11): إذا كان الشئ بيد شخصين كالشريكين } فعلا وارتفاعها، فالحكم فيه النجاسة، كما لو شهدا بها سابقا وجهلا معا ببقائها، كما تقدم أيضا في المسألة السابقة، والاختلاف في البقاء والارتفاع لا أثر له في الفرق لعدم الحجية فيما به الاختلاف. ولو كانا حاكيين عن واقعتين فقد عرفت أنه لا ينبغي التأمل في عدم الكفاية، وعدم الحجية على النجاسة. (1) لما عرفت في مبحث المياه من الدليل على حجية إخبار ذي اليد بما في يده. ومنه تعرف الحكم في ما بعده الذي نص عليه في الجواهر. والظاهر أنه لا فرق بين المربية وغيرها من أمه وأبيه وسائر من في البيت الذي هو فيه. (2) لا يخلو من إشكال، إذ مجرد الملكية لا يكفي في صدق اليد التي هي موضوع حجية الخبر، لاعتبار التابعية والمتبوعية، وهو غير حاصل في مثل العبد والجارية العاقلين، ولو كانا في بيته، فهما نظير زوجته وسائر عياله. نعم لا يبعد ذلك بالنسبة إلى ثوبهما ونحوه إذا كان في بيته، كثوب زوجته وسائر عياله، فان الظاهر أنه في يده، كما أنه أيضا في يد غيره من ذوي الايدي في البيت، من غير فرق بين ما أعده للبسه وغيره. نعم لو كان الثوب ملبوسا فهو في يد لابسه لا غير، لاستقلال يده عليه حين لبسه إباه، كما تقدم في الطفل.

[ 464 ]

{ يسمع قول كل منهما في نجاسته (1). نعم لو قال أحدهما: إنه طاهر. وقال الآخر: إنه نجس، تساقطا (2). كما أن البينة تسقط مع التعارض، ومع معارضتها بقول صاحب اليد تقدم عليه (3). (مسألة 12): لا فرق في اعتبار قول ذي اليد بالنجاسة بين أن يكون فاسقا أو عادلا، بل مسلما أو كافرا (4). (مسألة 13): في اعتبار قول صاحب اليد إذا كان } (1) لان اليد المأخودة موضوعا لحجية خبر صاحبها أعم من الضمنية والاستقلالية، ومع الاشتراك تكون اليد لكل من الشريكين ضمنية، بمعنى أن مجموع المال يكون تحت مجموع اليدين اللتين هما بمنزلة اليد الواحدة. (2) لاصالة التساقط في المتعارضين، التي عرفا الاشارة إلى وجهها آنفا. (3) كما تقدم في مبحث المياه، وتقدم فيه لزوم التفصيل بين الصور فراجع (4) لعموم دليل الاعتبار. نعم قد يشكل ذلك في الكافر، لما في بعض نصوص البختج من اعتبار الاسلام. وكأنه لذلك جعل في الجواهر حجية قول الكافر أحد الوجهين. وإن كان يشهد له خبر اسماعيل: " عليكم أن تسألوا عنه إذا رأيتم المشركين يبيعون ذلك "، بناء على ظهوره في قبول خبر البائع تعبدا وقد تقدم ما يعارضه، مما دل على عدم قبول خبر الكافر بالتذكية في السمك. كما قد يشكل الحكم أيضا فيما لو كان الخبر محفوفا بما يوجب اتهام المخبر، وقد تقدم الكلام في ذلك كله في مبحث المياه (* 1) فراجع ما تقدم هناك.


(* 1) تقدم في مسألة: 4 من الفصل المتعرض فيه لاحكام ماء البئر.

[ 465 ]

{ صبيا اشكال (1)، وان كان لا يبعد إذا كان مراهقا. (مسألة 14): لا يعتبر في قبول قول صاحب اليد أن يكون قبل الاستعمال - كما قد يقال (2) - فلو توضأ شخص بماء مثلا، وبعده أخبر ذو اليد بنجاسته يحكم ببطلان وضوئه. وكذا لا يعتبر أن يكون ذلك حين كونه في يده (3) فلو أخبر } (1) لا يبعد القبول إذا كان مميزا كاملا، لعموم السيرة التي بها يخرج عن أصالة عدم الحجية. (2) نسبه في الجواهر إلى التذكرة، ومال إليه. وفي وسائل المقدس البغدادي إلى جماعة. وكأنه لخروجه بالاستعمال عن اليد. أو لانه خارج عن المتيقن من مورد السيرة. أو لصحيحة العيص: " سئل الصادق (ع) عن رجل صلى في ثوب رجل أياما، ثم إن صاحب الثوب أخبره أنه لا يصلي فيه. فقال (ع): لا يعيد شيئا من صلاته " (* 1) لكن الاول - مع أنه يختص بمثل الماء ونحوه مما تذهب عينه بالاستعمال، ولا يشمل مثل الثوب ونحوه - يشكل: بأن المراد من ذي اليد ذو اليد حال النسبة المحكية، لاحال الحكاية. والثاني غير ظاهر، لعدم الفرق في السيرة بينه وبين غيره وأما الصحيحة فنفي الاعادة فيها أعم من عدم الحجية، لاحتمال كون عدم الاعادة لسقوط الشرطية في حال الجهل. مع أنها معارضة بموثقة ابن بكير الآمرة بالاعادة في فرض السؤال، وقد تقدم الاشكال في الاستدلال بها على الحجية في مبحث المياه (* 2). فراجع. (3) الكلام فيه هو الكلام في ما قبله. غير أن قيام السيرة العملية على الحجية فيه غير واضح، لندرة الابتلاء بمثل ذلك. نعم السيرة الارتكازية


(* 1) الوسائل باب: 40 من ابواب النجاسات حديث: 6. (* 2) تقدم في مسألة: 6 من الفصل المتعرض فيه لاحكام ماء البئر.

[ 466 ]

{ بعد خروجه عن يده بنجاسته حين كان في يده، يحكم عليه بالنجاسة في ذلك الزمان، ومع الشك في زوالها تستصحب (1). فصل في كيفية تنجس المتنجسات يشترط في تنجس الملاقي للنجس أو المتنجس أن يكون فيهما، أو في أحدهما، رطوبة مسرية. فإذا كان جافين لم ينجس (2)، } غير بعيدة، ولاسيما في اليد القريبة، كما لو دفع المبيع إلى المشتري ثم أخبره بنجاسته، ونحوه. (1) الاستصحاب هنا كاستصحاب ما قامت عليه البينة في الزمان السابق الذي عرفت وجهه في المسألة الثامنة. فصل في كيفية تنجس المتنجسات (2) إجماعا محكيا عن المختلف، وكشف اللثام، والذخيرة، والدلائل وفي الجواهر. بل قد يدعى تحصيله. ويشهد به جملة من النصوص، كموثق عبد الله بن بكير: " قلت لابي عبد الله (ع): الرجل يبول ولا يكون عنده الماء فيمسح ذكره بالحائط. قال (ع): كل شئ يابس ذكي " (* 1) وصحيح البقباق " قال أبو عبد الله (ع): إذا أصاب ثوبك من الكلب رطوبة فاغسله، وان مسه جافا فاصبب عليه الماء ". ومصحح ابن مسلم: " إن أبا جعفر (ع) وطئ على عذرة يابسة فاصاب ثوبه، فلما أخبره قال (ع):


(* 1) الوسائل باب: 31 من ابواب احكام الخلوة حديث: 5.

[ 467 ]

{ وإن كان ملاقيا للميتة (1). لكن الاحوط غسل ملاقي ميت الانسان قبل الغسل وإن كانا جافين. وكذا لا ينجس إذا كان فيهما أو في أحدهما رطوبة غير مسرية (2). ثم إن كان الملاقي } أليس هي يابسة؟ قال: بلى. فقال: لا بأس ". ونحوها غيرها مما ورد في الخنزير، والكلب، والعذرة، والمني والبول. فلاحظ الباب المعقود له في الوسائل (* 1). مضافا إلى الارتكاز العرفي المنزل عليه الخطابات والاطلاقات المقامية. (1) كما تقدم الكلام فيه في نجاسة الميتة (* 2). فراجع. (2) قال في الجواهر: " والمراد باليابس في المتن وغيره ما يشمل الندي الذي لا تنتقل منه رطوبة بملاقاته، لعدم حصول وصف التنجيس به - كما صرح به العلامة الطباطبائي (ره) في منظومته - للاصل، وصدق الجاف عليه - يعني المذكور في بعض النصوص - ومفهوم صحيح البقباق السابق والعمدة: أن الارتكاز العرفي قرينة على ذلك، فلا يمكن الاخذ باطلاق اليابس والرطب. ومن ذلك يظهر أن الرطوبة قسمان مسرية وسارية (فالاولى): هي التي يحصل بها التنجيس بالملاقاة، وهي التي يكون لها وجود ممتاز ينتقل من أحد المتلاقيين إلى الآخر بمجرد الملاقاة. ويقابلها الجفاف (والثانية): ما لا تكون كذلك وان انتقلت من أحد المتلاقيين إلى الآخر، كالرطوبة التي تكون في الارض الندية التي تنتقل إلى الفراش الموضوع عليه، ولا يكون لها وجود ممتاز يظهر للعيان بل تكون منبثة في الجسم، فمثل هذه لا تكون منجسة. ومن ذلك يظهر أن جدران المساجد التي تكون مجاورة لمثل الكنيف


(* 1) وهي باب: 26 من ابواب النجاسات وصحيح البقباق هو الحديث الثاني، ومصحح ابن مسلم هو الحديث الرابع عشر، من الباب المذكور (* 2) تقدم الكلام فيه في المسألة: 10 من فصل النجاسات.

[ 468 ]

{ للنجس أو المتنجس مائعا تنجس كله (1)، كالماء القليل المطلق والمضاف مطلقا (2)، والدهن المائع، ونحوه من المائعات. نعم لا ينجس العالي بملاقاة السافل إذا كان جاريا من العالي (3)، بل لا ينجس السافل بملاقاة العالي إذا كان جاريا من السافل، } والبالوعة ليست نجسة وان سرت رطوبة الكنيف إليها، وكذا الحال في أمثال ذلك، ويقابل هذه الرطوبة اليبوسة. فلاحظ. (1) بلا خلاف ولا إشكال. للنصوص الواردة في الماء القليل الملاقي للنجاسة (* 1)، وفي المرق الذي وقعت فيه قطرة خمر أو نبيذ مسكر (* 2). وصحيح زرارة عن أبي جعفر (ع): " إذا وقعت الفأرة في السمن فماتت فيه، فان كان جامدا فالقها وما يليها، وكل ما بقي، وإن كان ذائبا فلا تأكله، واستصبح به. والزيت مثل ذلك " (* 3)، ونحوه صحيح الحلبي (* 4) وموثق سماعة (* 5)، وغيرهما، الموافق ذلك للارتكاز العرفي. (2) يعني: ولو كان كثيرا. وقد تقدم التأمل في عموم الحكم للكثير البالغ في الكثرة حدا يمنع من تحقق الاستقذار، مثل البحيرات النفطية التي تكون تحت الارض. لقصور الادلة اللفظية عن شمولها. وفي عموم الاجماع على الانفعال لمثله تأمل. (3) كما تقدم وجهه في المياه.


(* 1) تقدم التعرض لها في شرح اوائل فصل الماء الراكد. (* 2) الوسائل باب: 38 من ابواب النجاسات حديث: 8. (* 3) الوسائل باب: 5 من ابواب المضاف والمستعمل حديث: 1. (* 4) الوسائل باب: 43 من ابواب الاطعمة المحرمة حديث: 3. (* 5) الوسائل باب: 43 من ابواب الاطعمة المحرمة حديث: 5 وقد اشتملت الباب المذكورة على أحاديث أخر.

[ 469 ]

{ كالفوارة، من غير فرق في ذلك بين الماء وغيره من المائعات. وان كان الملاقي جامدا اختصت النجاسة بموضع الملاقاة (1) سواء كان يابسا، كالثوب اليابس إذا لاقت النجاسة جزءا منه، أو رطبا كما في الثوب المرطوب، أو الارض المرطوبة فانه إذا وصلت النجاسة إلى جزء من الارض أو الثوب لا يتنجس ما يتصل به (2)، وان كان فيه رطوبة مسرية، بل النجاسة مختصة بموضع الملاقاة. ومن هذا القبيل الدهن والدبس الجامدان. نعم لو انفصل ذلك الجزء المجاور ثم اتصل تنجس موضع الملاقاة منه (3)، فالاتصال قبل الملاقاة } (1) بلا إشكال كما تقدم في صحيح زرارة وغيره. (2) لعدم ملاقاته للنجاسة. والرطوبة - لضعفها - لا تصلح في نظر العرف سراية النجاسة. والادلة اللفظية في نفسها قاصرة عن اثباتها. ولم يقم دليل عقلي على السراية في المائعات، كي يعتمد عليه في المقام، إذ لا طريق عقلي إلى سراية النجاسة من السطح الملاقي إلى السطح الآخر غير الملاقي. وبالجملة: لا مخرج عن أصالة الطهارة من عقل أو شرع أو عرف، فالعمل بها متعين مضافا إلى أنه لو بني على سراية النجاسة إلى جميع أجزاء الجسم بتوسط الرطوبة لزم نجاسة جميع الارض المبتلة بنزول المطر بمجرد ملاقاة جزء منها للنجس، فتنجس أرض جزيرة العرب - مثلا - بمجرد وقوع قطرة من البول في موصع منها. وهو كما ترى. مضافا إلى النصوص الواردة في السمن والزيت والعسل إذا كانت جامدة، الدالة على اختصاص النجاسة بموضع الملاقاة منها لا غير. (3) يعني: بتوسط تلاقي الرطوبتين، فان الرطوبة التي على الجزء

[ 470 ]

{ لا يؤثر في النجاسة والسراية بخلاف الاتصال بعد الملاقاة. وعلى ما ذكر فالبطيخ والخيار ونحوهما مما فيه رطوبة مسرية، إذا لاقت النجاسة جزءا منها، لا تتنجس البقية، بل يكفي غسل موضع الملاقاة، إلا إذا انفصل بعد الملاقاة ثم اتصل. (مسألة 1): إذا شك في رطوبة أحد المتلاقيين، أو علم وجودها وشك في سرايتها، لم يحكم بالنجاسة. وأما إذا علم سبق وجود المسرية وشك في بقائها فالاحوط الاجتناب (1)، } الطاهر الطاهرة قبل الاتصال تنجس بملاقاة الرطوبة التي على الجزء النجس فينجس محلها من الجسم، وليس ذلك بتوسط تلاقي الجسمين، إذ السطح الطاهر لم يلاق السطح النجس أصلا، إذ التلاقي إنما كان بين السطحين الحادثين بالانفصال، وهما معا طاهران. والوجه في هذه النجاسة عموم ما دل على نجاسة الجزء الملاقي للنجس. ومما ذكرنا يندفع الاشكال في الفرق بين الاتصال بين الرطوبتين قبل ملاقاة النجاسة، وبينه بعد ملاقاة النجاسة، في عدم اقتضاء الاول سراية النجاسة واقتضاء الثاني سرايتها. وحاصل وجه الفرق: أن سراية النجاسة من الرطوبة النجسة إلى الطاهرة لا دليل عليها في الاول، بل الدليل على خلافها - كما عرفت - بخلاف السراية في الثاني، إذ يدل عليها ما دل على النجاسة بملاقاة النجس، والعمدة اختلاف نظر العرف في الصورتين. لكن قد يشكل الحكم فيما لو كانت الرطوبة التي على الجسم قليلة، فان صدق التلاقي عرفا بينها وبين رطوبة الجزء الموصول بعد الانفصال غير ظاهر، لكونها في نظر العرف بمنزلة العرض. (1) لاستصحاب بقاء الرطوبة التي هي شرط التنجيس، كاستصحاب

[ 471 ]

{ وان كان الحكم بعدم النجاسة لا يخلو عن وجه (1). (مسألة 2): الذباب الواقع على النجس الرطب إذا وقع على ثوب أو بدن شخص، وان كان فيهما رطوبة مسرية لا يحكم بنجاسته إذا لم يعلم مصاحبته لعين النجس (2). ومجرد وقوعه لا يستلزم نجاسة رجله، لاحتمال كونها مما لا تقبلها، وعلى فرضه فزوال العين يكفي في طهارة الحيوانات (3). } طهارة الماء التي هي شرط التطهير به، فكما أن أثر الثاني طهارة المغسول به تعبدا، كذلك أثر الاول نجاسة الملاقي له تعبدا. (1) مبني على أن الشرط ليس وجود الرطوبة، بل سرايتها من أحد المتلاقيين إلى الآخر، واستصحاب بقاء الرطوبة لا يصلح لاثبات سرايتها إلى الملاقي إلا بناء على الاصل المثبت. وقد يحتمل التفصيل بين كون المشكوك الرطوبة في النجس فالثاني، لما ذكر، والرطوبة في الطاهر الملاقي له فالاول، لعدم اعتبار سرايتها من الطاهر إلى النجس في تنجيس الطاهر به، لعدم الدليل على ذلك. نعم لابد فيها أن تكون قابلة للانتقال إلى الملاقي بمجرد الملاقاة، ولا يعتبر الانتقال الفعلي، فإذا شك في بقاء الرطوبة القابلة للانتقال يبنى على بقائها بالاستصحاب، ويترتب عليه أثره وهو الانفعال. (وفيه): أنه خلاف ما دل على اعتبار الرطوبة المسرية - بمعنى المنتقلة - بمجرد الملاقاة. ولذا لا نقول بالنجاسة إذا كانت عين النجاسة لا تقبل التلوث بالرطوبة التي على العين الطاهرة. (2) للاستصحاب. (3) لما سيأتي - إن شاء الله تعالى - في المطهر العاشر من الطهرات نعم لو شك في زوال عين النجاسة فقد شك في طهارة عضو الحيوان،

[ 472 ]

{ (مسألة 3): إذا وقع بعر الفأر في الدهن أو الدبس الجامدين يكفي إلقاؤه والقاء ما حوله (1)، ولا يجب الاجتناب عن البقية. وكذا إذا مشى الكلب على الطين، فانه لا يحكم بنجاسة غير موضع رجله، الا إذا كان وحلا والمناط في الجمود والميعان أنه لو أخذ منه شئ فان بقى مكانه خاليا حين الاخذ - وان امتلا بعد ذلك - فهو جامد، وان لم يبق خاليا أصلا فهو مائع (2). } واستصحابها لاثبات نجاسته، ليترتب عليها نجاسة ملاقيه، محكم. إلا أن يقال: لا أثر لنجاسة عضو الحيوان في الفرض، لاستناد نجاسة الملاقي له إلى ملاقاة عين النجاسة التي عليه، لانها أسبق زمانا من الملاقاة لنفس العضو، ومع تعدد العلل واختلافها في الزمان يكون الاثر للسابق مستقلا، فلا أثر لنجاسة العضو نفسه كي يجري الاستصحاب لاثباتها. (1) كما عرفت. (2) قد ذكر الجمود والذوبان موضوعين لسراية النجاسة إلى جميع أجزاء الجسم في صحيح زرارة المتقدم (* 1). ولكن في صحيح معاوية بن وهب عن أبي عبد الله (ع): " قلت: جرذ مات في زيت أو سمن أو عسل فقال: أما السمن والعسل فيؤخذ الجرذ وما حوله، والزيت يستصبح به " ونحوه صحيح سعيد الاعرج، موثق سماعة. وفي صحيح الحلبي في الفأرة والدابة تموت في الطعام والشراب. قال (ع): " إن كان سمنا أو عسلا أو زيتا - فانه ربما يكون بعض هذا - فان كان الشتاء فانزع ما حوله وكله، وإن كان الصيف فارفعه حتى تسرج به. وإن كان بردا فاطرح الذي


(* 1) تقدم فاوائل هذا الفصل.

[ 473 ]

{ (مسألة 4): إذا لاقت النجاسة جزءا من البدن المتعرق لا يسري إلى سائر أجزائه، الا مع جريان العرق (1). (مسألة 5): إذا وضع ابريق مملوء ماء على الارض النجسة، وكان في أسفله ثقب يخرج منه الماء، فان كان لا يقف تحته، بل ينفذ في الارض أو يجري عليه فلا يتنجس ما في الابريق من الماء (2)، وان وقف الماء بحيث يصدق } كان عليه ولا تترك طعامك من أجل دابة ماتت عليه " (* 1). ويمكن ارجاع الاخير إلى الاول. لغلبة الجمود في أيام الشتاء والذوبان في أيام الصيف. كما لعل الوجه في مثل صحيح معاوية: أن السمن والعسل يغلب فيهما الغلظة والثخانة، بخلاف الزيت. فان الغالب فيه الرقة. وعلى هذا يكون هو المعيار في السراية وعدمها لا الجمود والذوبان. والظاهر أن ذلك هو المرتكز العرفي في سراية القذارة وعدمها، وحينئذ يتعين حمل الاول عليه. ويشير إليه ما في صحيح الحلبي من ذكر الشتاء والبرد، فانهما لا يوجبان مطلقا الجمود في العسل، بل ولا في السمن، وإنما يوجبان الغلظة والكثافة (وبالجملة): اختلاف النصوص يستوجب حملها - بقرينة الارتكاز العرفي - على كون المعيار مرتبة خاصة من الغلظة والكثافة، فان حصلت انتفت السراية وان انتفت حصلت السراية. هذا وتفسير الميعان والجمود بما ذكر المصنف لا يخلو من إشكال، بل الظاهر من المائع لغة وعرفا ما اقتضى بطبعه استواء سطحه، وان لم يحصل إلا بعد حين، والجامد بخلافه. فلاحظ. (1) يعني: العرق المتنجس، فينجس ما جرى عليه العرق لا غير. (2) لان التدافع الحاصل من الجريان من العلو إلى السفل مانع من


(* 1) تراجع هذه الاحاديث في باب: 43 من ابواب الاطعمة المحرمة حديث: 1.

[ 474 ]

{ اتحاده مع ما في الابريق بسبب الثقب تنجس (1)، وهكذا الكوز والكأس والحب ونحوها. (مسألة 6): إذا خرج من أنفه نخاعة غليظة، وكان عليها نقطة من الدم لم يحكم بنجاسة ما عدا محله من سائر أجزائها (2). فإذا شك في ملاقاة تلك النقطة لظاهر الانف } سراية النجاسة، كما تقدم في المياه. وهذا مما لا ينبغي الاشكال فيه هنا، إذا كان سمك الابريق ضخما بحيث يكون الماء المتدافع في فضاء نفس الثقب حائلا بين الارض النجسة، وبين الماء الواقف الواقع في فضاء الابريق. أما إذا كان السمك رقيقا بنحو يكون الماء الواقف في فضاء الابريق متصلا بالارض النجسة، وان كان الخارج منه متدافعا في عمق الارض أو جاريا عليها، فيشكل الحكم بالطهارة، لاتصال الماء الواقف بالارض النجسة فتنجسه، ومجرد كون الجزء المتصل بالارض متدافعا غير كاف - عرفا - في عدم سراية النجاسة. ولكنه يندفع: بأن الاجزاء المتصلة بالارض هي الاجزاء الخارجة من الثقب، فإذا كانت متدافعة لم تسر نجاستها إلى ما في الابريق، وان كانت متصلة به. (1) لا يخلو من اشكال إذا كان الخروج بقوة بواسطة الضغط الدافع، فانه مانع من سراية النجاسة إلى ما في الابريق، نظير ما في الفوارة المندفع على النجاسة. نعم لو تقارب سطح ما في الابريق مع سطح الواقف يضعف الاندفاع، فحينئذ تسري النجاسة مع صدق الاتصال بين الماءين عرفا لسعة الثقب، أما مع ضيقه المانع من صدق الاتصال عرفا، وإن كان حاصلا عقلا فلا سراية. وليس المدار على اتحاد الماءين وتعددهما، بل على ما ذكرنا. فلاحظ. (2) لما عرفت.

[ 475 ]

{ لا يجب غسله. وكذا الحال في البلغم الخارج من الحلق. (مسألة 7): الثوب أو الفراش الملطخ بالتراب النجس يكفيه نفضه (1) ولا يجب غسله، ولا يضر احتمال بقاء شئ منه (2). بعد العلم بزوال القدر المتيقن. (مسألة 8): لا يكفي مجرد الميعان في التنجس، بل يعتبر أن يكون مما يقبل التأثر. بعبارة أخرى: يعتبر وجود الرطوبة في أحد المتلاقيين (3). فالزيبق إذا وضع في ظرف نجس لا رطوبة له لا ينجس، وان كان مائعا. وكذا إذا } (1) يعني: في معاملته معاملة الطاهر. ويدل عليه - مضافا إلى ما دل على عدم سراية النجاسة مع الجفاف (* 1) - ما رواه علي بن جعفر (ع): في كتابه عن أخيه (ع) " عن الرجل يمر بالمكان فيه العذرة، فتهب الريح فتسفي عليه من العذرة، فيصيب ثوبه ورأسه، أيصلي قبل أن يغسله؟ قال (ع): نعم ينفضه ويصلي فلا بأس " (* 2). (2) هذا إذا كان ما علم وجوده في الثوب قد علم زواله بالنفض، والزائد عليه مشكوك الوجود، فيرجع إلى أصالة عدمه. وأما إذا شك في زوال ما علم وجوده في الثوب، بأن رأي في الثوب أجزاء النجاسة. وشك في زوالها بالنفض فالمرجع استصحاب وجودها. (3) والمراد بها مطلق ما ينتقل من أحد المتلاقيين إلى الآخر، بحيث يتلوث به، كما في مثل السمن والعسل، والزيت، والنفط، ونحوها من المائعات والجامدات. وقد عرفت أن الوجه في اعتبار ذلك الارتكاز العرفي المنزل عليه الخطابات الشرعية.


(* 1) تقدم التعرض لذلك في اوائل هذا الفصل. (* 2) الوسائل باب: 26 من ابواب النجاسات حديث: 12.

[ 476 ]

{ أذيب الذهب أو غيره من الفلزات في بوتقة نجسة، أو صب بعد الذوب في ظرف نجس، لا ينجس، إلا مع رطوبة الظرف، أو وصول رطوبة نجسة إليه من الخارج (1). (مسألة 9): المتنجس لا يتنجس ثانيا ولو بنجاسة أخرى (2)، لكن إذا اختلف حكمهما يرتب كلاهما، فلو } (1) وحينئذ يتنجس السطح الملاقي للرطوبة لا غير. (2) يعني: ولو بنجاسة أخرى من غير نوع النجاسة الاولى. وهذا الحكم على خلاف أصالة عدم التداخل المعول عليها عند اكثر المحققين، إذ مقتضاها أن تكون ملاقاة كل فرد من النجاسة موجبة لتنجس الملاقي بنجاسة غير ما تقتضيها ملاقاة الفرد الآخر. كما أن مقتضاها أيضا وجوب تعدد المطهر في حصول الطهارة له من جميعها. وليس الوجه فيه امتناع اجتماع نجاستين لمحل واحد، فان ذلك في النجاستين المحدودتين بحدين، لا في المرتبتين المحدودتين بحد واحد، على نحو تتأكد إحداهما بالاخرى، وتكون فردا واحدا شديدا اكيدا. بل العمدة فيه ظهور الاتفاق عليه، ففي المدارك: أنه قطع به الاصحاب، ولا أعلم في ذلك مخالفا. وفي الذخيرة: " لا أعلم مصرحا بخلافه "، وعن اللوامع: " الظاهر أنه وفاقي " وظاهر كلام شيخنا في الجواهر في أحكام البئر، وفي مبحث الولوغ، وشيخنا الاعطم (ره) في أحكام البئر: المفروغية عنه، بل في المستند: أنه اجماع. نعم معقد الاجماعات المذكورة هو التداخل في الاثر المشترك، لا في الخصوصية الممتاز بها بعض النجاسات عن بعض. قال في المنتهى - في الفرع الحادي عشر من مبحث الولوغ -: " وبالجملة: إذا تعددت النجاسة فان تساوت في الحكم تداخلت، وان اختلفت فالحكم لاغلظها " ونحوه محكي كلام غيره. وظاهر عبارة المتن عدم ترتب النجاسة التي هي

[ 477 ]

{ كان لملاقي البول حكم، ولملاقي العذرة حكم آخر، يجب ترتيبهما معا. ولذا لو لاقى الثوب دم، ثم لاقاه البول، يجب غسله مرتين، وان لم يتنجس بالبول بعد تنجسه بالدم، وقلنا بكفاية المرة في الدم. وكذا إذا كان في إناء ماء نجس، ثم ولغ فيه الكلب، يجب تعفيره وان لم يتنجس بالولوغ. ويحتمل أن يكون للنجاسة مراتب في الشدة والضعف (1). وعليه فيكون كل منهما مؤثرا ولا إشكال (2). } أشد، وحينئذ فترتب حكمها غير ظاهر، لانه يكون بلا موضوع. (1) كلمات الاصحاب في المقام مختلفة المفاد. فظاهر بعضها - كالمدارك والذخيرة وغيرهما - أن التداخل في الحكم، لاستدلالهم عليه بصدق الامتثال وأصالة البراءة. وظاهر الجواهر - في مبحث الولوغ - وغيرها أن التداخل في نفس النجاسة، فلا تأكد ولا اشتداد، لاستدلالهم عليه بظهور الدليل في الجنسية، بلا تفاوت بين القليل والكثير. وعلى هذا ينبغي البناء على التداخل في خصوص الحكم، لان البناء على التداخل في كل من النجاسة والحكم، وان كان خلاف الاصل، لكن حيث يتردد الامر بينهما يتعين البناء على الثاني، للعلم بسقوط القاعدة فيه، إما للتخصيص أو للتخصص، فتبقى أصالة عدم التداخل في النجاسة بلا معارض، كما هو الحكم في أمثاله من موارد الدوران بين التخصيص في الموضوع، والتخصيص في الحكم. ولازم ذلك أنه لو اضطر إلى ارتكاب النجس ودار الامر بين ارتكاب ما هو مورد السبب الواحد وما هو مورد السببين تعين - بحكم العقل - ارتكاب الاول لانه أقل المحذورين. (2) بل الاشكال بحاله، فان التداخل في النجاسة ليس بأشكل من

[ 478 ]

{ (مسألة 10): إذا تنجس الثوب مثلا بالدم مما يكفي فيه غسله مرة، وشك في ملاقاته للبول أيضا مما يحتاج إلى التعدد، يكتفى فيه بالمرة، ويبني على عدم ملاقاته للبول (1). وكذا إذا علم نجاسة إناء وشك في أنه ولغ فيه الكلب أيضا أم لا، لا يجب فيه التعفير، ويبنى على عدم تحقق الولوغ. نعم لو علم تنجسه إما بالبول أو الدم، أو إما بالولوغ أو بغيره } التداخل في المطهر، بل هما سواء في مخالفة أصالة عدم التداخل الجارية في المقامين. ولعل مراده نفي الاشكال اللازم مما ذكره سابقا، وهو ما أشرنا إليه من ثبوت الحكم بلا موضوع، فانه على هذا الاحتمال يثبت حكم الاشد بتبع ثبوت الاشد، وان كان يدخل حكم أحدهما في حكم الآخر إذا اختلفا بالشدة والضعف. (1) لاصالة عدمها. ولا مجال لاستصحاب النجاسة الثابتة قبل الغسل مرة، لانه من الاستصحاب الجاري في القسم الثالث من أقسام استصحاب الكلي، للعلم بارتفاع النجاسة المعلومة الثبوت - وهي المستندة إلى ملاقاة الدم - والشك في مقارنة نجاسة أخرى لها، والمحقق في محله عدم جريانه. فان قلت: إذا غسل مرة لا يعلم بزوال النجاسة المستندة إلى ملاقاة الدم، إذ مع احتمال طروء نجاسة البول يحتمل أن يكون الغسل مرة مزيلا للشدة الآتية من ملاقاة البول لا لنجاسة الدم، وأصالة عدم ملاقاة البول لا تصلح لاثبات ذلك، فيكون الاستصحاب من قبيل الجاري في القسم الاول من أقسام استصحاب الكلي (قلت): بعد ما كان المستفاد من الادلة أن نجاسة الدم تزول بالغسل مرة، لابد من البناء على زوالها في المقام بالغسل مرة، فيكون الشك في ثبوت غيرها والاصل يقتضي عدمه.

[ 479 ]

{ يجب إجراء حكم الاشد (1) من التعدد في البول، والتعفير في الولوغ. (مسألة 11): الاقوى أن المتنجس منجس (2) } (1) لاستصحاب بقاء النجاسة حتى يعلم بارتفاعها باجراء حكم الاشد. نعم لو كان الاثر في المقام للفرد امتنع جريان الاستصحاب، بناء على التحقيق من عدم جريانه في الفرد المردد بين فردين أحدهما معلوم الارتفاع والآخر معلوم البقاء. وسيأتي إن شاء الله تحقيق المبنى المذكور في أحكام النجاسة. (2) على المشهور شهرة عظيمة، بل لا خلاف يعرف فيه إلا من الكاشاني وان كان قد يظهر أيضا من محكي السرائر. بل عن جماعة نقل الاجماع عليه، منهم القاضي في الجواهر، والمحقق في المعتبر، والفاضل الهندي في كشف اللثام والوحيد البهبهاني، والعلامة بحر العلوم. والسيد المقدس الكاظمي والمحدث البحراني، والمحقق القمي، والشيخ الاكبر؟، ونجله الحسن في أنوار الفقاهة، والشيخ محسن الاعسم في كشف الظلام، وشيخنا المعظم في الجواهر والسيد المتبحر القزويني في البصائر، وشيخنا الاعظم في طهارته - قدس الله تعالى أرواحهم - على ما حكي عن جملة منهم. بل صريح المحكي من كلام جماعة منهم دعوى الضرورة عليه كما سيأتي إن شاء الله. ويشهد به - مضافا إلى استفادته مما دل على سراية نجاسة الاعيان النجسة إلى ملاقيها، فان المرتكز في ذهن العرف أن السراية عرفا من أحكام مطلق النجاسة لا النجاسة الذاتية خاصة، وكما لا نحتاج إلى دليل على السراية في كل واحدة من النجاسات بالخصوص، بل يكتفي بما دل على السراية في بعضها، الغاء لخصوصية المورد عرفا، كذلك في المقام - جملة من النصوص. منها: النصوص المتقدمة (* 1) في رفع التفصيل في انفعال القليل بين


(* 1) تقدمت في اوائل فصل الماء الراكد.

[ 480 ]

ملاقاة النجس والمتنجس، الظاهرة في نجاسة الاناء إذا أدخل يده في الاناء وقد أصابها القذر. ومثلها الروايات المانعة من إدخال الجنب أو المحدث يده في الاناء إلا أن تكون نظيفة (* 1). ومنها: رواية العيص المتقدمة في مبحث الغسالة المتضمنة للامر بغسل ما أصابه قطرة من طشت فيه وضوء من بول أو غائط (* 2). ومنها: موثقة عمار: " أنه سأل أبا عبد الله (ع): عن رجل يجد في إنائه فأرة، وقد توضأ من ذلك الماء مرارا أو اغتسل أو غسل ثيابه، وقد كانت الفأرة متسلخة. فقال (ع): إن كان رآها في الاناء قبل أن يغتسل أو يتوضأ أو يغسل ثيابه ثم فعل ذلك بعد ما رآها في الاناء فعليه أن يغسل ثيابه ويغسل كل ما أصابه ذلك الماء ويعيد الوضوء والصلاة.. (* 3). وموثقتة الاخرى عنه (ع): " في البارية يبل قصبها بماء قذر هل تجوز الصلاة عليها قال (ع): إذا جفت فلا بأس بالصلاة عليها " (* 4). ونحوها غيرها. ومنها: رواية المعلى عنه (ع): " في الخنزير يخرج من الماء فيمر على الطريق فيسيل منه الماء أمر عليه حافيا. قال (ع): أليس وراءه شئ جاف؟ قلت بلى. قال (ع): لا بأس إن الارض يطهر بعضها بعضا " (* 5). ومنها: ما تضمن الامر بتطهير الاناء الذي ولغ فيه كلب (* 6)، فانه يدل على سراية النجاسة من الماء المتنجس إلى الاناء. ولاسيما بملاحظة


* (* 1) راجع الوسائل باب: 8 من ابواب الماء المطلق، وباب: 27 من ابواب الوضوء. (* 2) الوسائل باب: 9 من ابواب الماء المضاف والمستعمل حديث: 14. (* 3) الوسائل باب: 4 من ابواب الماء المطلق حديث: 1. (* 4) الوسائل باب: 30 من ابواب النجاسات حديث: 5. (* 5) الوسائل باب: 32 من ابواب النجاسات حديث: 3. (* 6) الوسائل باب: 1 من ابواب الاسئار حديث: 4.

[ 481 ]

التعليل بأنه نجس، الظاهر في سراية نجاسة النجس مطلقا إلى الملاقي وان تكثرت الوسائط. ومنها: ما تضمن كيفية تطهير الاواني والفرش مما لا يستعمل في شئ يعتبر فيه الطهارة (* 1)، إذ لا موجب لتطهيرها ارتكازا إلا الفرار عن سراية نجاستها إلى ما يلاقيها.. وغير ذلك مما لا يسع استقصاؤه في هذا المختصر، وفيما ذكرنا كفاية في الدلالة على ما عليه الاصحاب. نعم قد يشتشهد لمذهب الكاشاني بروايات منها: موثقة حنان بن سدير " وسمعت رجلا يسأل أبا عبد الله (ع) فقال: إني ربما بلت فلا أقدر على الماء ويشتد ذلك علي. فقال (ع): إذا بلت وتمسحت فامسح ذكرك بريقك فان وجدت شيئا فقل هذا من ذاك " (* 2). وفيه: أن قول السائل: " ويشتد ذلك علي " إن كان من جهة خروج البول منه، فلا دخل لعدم القدرة على الماء المذكور في السؤال في ذلك، وان كان من جهة خروج بلل آخر فليس الوجه في الاشتداد إلا أنه إذا خرج يتنجس بمخرج البول، وحينئذ تكون الرواية دالة على تنجيس المتنجس. وأيضا فان قوله (ع): " امسح ذكرك بريقك " ليس ظاهرا في مسح خصوص مخرج البول لا غير. مع أن الرواية لا تخلو من اشكال، إذ الريق الذي يمسح به الذكر لقلته ليس بنحو يوحب دفع العلم بخروج الخارج، فان الخروج قد يكون محسوسا وجدانا مهما كان الريق الموضوع على الذكر ولو كثيرا، كما لا يخفى. ومنها: صحيحة العيص: سألت أبا عبد الله (ع): عن رجل بال في موضع ليس فيه ماء، فمسح ذكره بحجر، وقد عرق ذكره وفخذاه قال (ع): يغسل ذكره وفخذيه. وسألته عمن مسح ذكره بيده ثم عرقت


(* 1) راجع الوسائل باب: 5، 51، 52، 53، 70، 72 من ابواب النجاسات. (* 2) الوسائل باب: 13 من ابواب نواقض الوضوء حديث: 7.

[ 482 ]

يده، فأصاب ثوبه يغسل ثوبه؟ قال (ع): لا " (* 1) وفيه: أنه لو سلم ظهور ذيلها في مسح البول الذي على ذكره بيده، وان العرق كان في موضع المسح من اليد، فصدرها ظاهر في تنجيس المتنجس، والتنافي بين الصدر والذبل مانع من الاخذ بالذيل، لان التنافي يدل على وجود قرينة صارفة عن ظاهر أحدهما إلى ما يوافق ظاهر الآخر، ومع هذا العلم الاجمالي يسقط ظهور كل منهما عن الحجية. ومنها: صحيحة حكم بن حكيم: " قلت لابي عبد الله (ع): أبول فلا أصيب الماء، وقد أصاب يدي شئ من البول فامسحه بالحائط وبالتراب ثم تعرق يدي فامسح وجهي أو بعض جسدي، أو يصيب ثوبي. فقال (ع): لا بأس به " (* 2) بناء على أن المسح بالموضع الذي فيه العرق الذي أصابه البول من اليد وأن نفي البأس بمعنى نفي نجاسة الممسوح، لا مجرد الجواز التكليفي. ومنها: رواية سماعة: " قلت لابي الحسن موسى (ع): إني أبول فاتمسح بالاحجار فيجئ مني البلل ما يفسد سراويلي. قال (ع): ليس به بأس " (* 3) بناء على أن المراد نفي النجاسة لا نفي انتقاض الوضوء به، وعلى أن خروج البلل الطاهر من الذكر يستوجب ملاقاته لحافة الذكر النجسة لكن لو سلم ذلك فظاهرها الاجتزاء بالاحجار في الاستنجاء من البول، من دون ضرورة. كما هو المنسوب إلى جمهور المخالفين، فلابد أن تحمل على التقية. وحينئذ يكون عدم تنجس البلل الخارج لعدم نجاسة مخرج البول، فلا تدل على عدم تنجيس المتنجس. مع أن سند الرواية لا يخلو


(* 1) ذكر في الوسائل صدر الحديث: في باب: 31 من ابواب النجاسات حديث: 1، وذيله في باب: 6 من ابواب النجاسات حديث: 2. (* 2) الوسائل باب: 6 من ابواب النجاسات حديث: 1. (* 3) الوسائل باب: 13 من ابواب نواقض الوضوء حديث: 4.

[ 483 ]

من إشكال، لان فيه الحكم بن مسكين، ولم ينص أحد على توثيقه. فلاحظ. ومنها: رواية حفص الاعور: " قلت لابي عبد الله (ع): الدن يكون فيه الخمر، ثم يجفف فيجعل عليه الخل؟ قال (ع): نعم (* 1) بناء على أن المراد أنه يجفف على نحو تذهب منه الاجزاء الخمرية. ولكنه بعيد. فالرواية ظاهرة في طهارة الاجزاء الخمرية المتخلفة في الدن. ولذا حملها الشيخ - كما في الوسائل - على التجفيف بعد أن تغسل ثلاثا. ومنها: رواية علي بن جعفر (ع): عن أخيه (ع) " سألته عن الكنيف يصب فيه الماء فينتضح على الثياب ما حاله؟ قال (ع): إذا كان جافا فلا بأس (* 2). وفيه: أن من المحتمل أن يكون المراد من الكنيف الجاف ما لا يجتمع ما يقع فيه من قذر، في مقابل ما يجتمع فيه القذر - كما هو الغالب في بلادنا - والاول مورد توارد الحالتين من الطهارة والنجاسة، لانه كما ينجس بملاقاة القذر، كذلك يطهر بالماء المستعمل في الاستنجاء ونحوه من المياه الطاهرة. ولاجل ذلك يحكم على ملاقيه بالطهارة للاصل، ومع هذا الاحتمال لا مجال للاستدلال بها على المدعى. مع أن الاستدلال بها موقوف على القول بانفعال الماء الوارد على النجاسة غير المستقر معها، والبناء على عدمه أولى من البناء على عدم تنجيس المتنجس. وهناك روايات استدل بها على مذهب الكاشاني (ره) لم نذكرها، لوضوح المناقشة في دلالتها. وعلى هذا فالعمدة صحيحة حكم، بناء على عدم تمامية المناقشات المتقدمة إليها الاشارة، كما هو الظاهر. إلا أن الخروج بها عن ظاهر تلك النصوص الكثيرة القريبة من التواتر، بل المدعى تواترها، الواردة في موارد متفرقة مع احتمال ورودها في مقام الاجتزاء بازالة العين في الطهارة - كما هو المنسوب


(* 1) الوسائل باب: 51 من ابواب النجاسات حديث: 2. (* 2) الوسائل باب: 60 من ابواب النجاسات حديث: 2.

[ 484 ]

إلى السيد المرتضى (قده) - فلا تكون منافية لقاعدة تنجيس المتنجس - بعيد عرفا. بل لا يمكن بعد دعوى الاجماع صريحا أو ظاهرا، بل والضرورة من كثير من الاجلاء على خلافها، منهم الوحيد (ره) في شرح المفاتيح، ومنهم المقدس الكاظمي في وسائله، حيث قال: " إن استباح بسوء رأيه (يعني: صاحب المفاتيح) مخالفة الاجماع، فما الذي أباح له الاقدام على مخالفة الضرورة وهو قاض بالخروج عن المذهب؟! بل ان كان إجماعا في المسلمين وضرورة - كما هو الظاهر - خرج عن الدين.. ". ومنهم الشيخ الاكبر في محكي شرح القواعد قال - بعد دعوى الاجماع والضرورة على تنجيس المتنجس -: " وقال في المفاتيح، واستعيذ بالله من هذه المقالة " ثم حكى كلام الكاشاني ورواياته التي تشبث بها.. (إلى أن قال): " ثم على تقدير ظهورهن فيما قال، كيف يمكن الاستناد اليهن في مقابلة إجماع الشيعة، بل المسلمين، بل الضرورة.. (إلى أن قال): فسلام على الفقه وعلى الفقهاء بعد ظهور مثل هذه الاقوال، ولا قوة إلا بالله). وقال في الجواهر في مسألة الاستنجاء من البول بالماء: " وقد تفرد الكاشاني بشئ خالف به اجماع الفرقة الناجية. بل اجماع المسلمين، بل الضرورة من الدين مستندا إلى هاتين الرواتين (يعني روايتي حنان وسماعة المتقدمتين) ونحوهما.. (إلى أن قال): وهو بالاعراض عنه حقيق، ولا يليق بالفقيه التصدي لرد مثل ذلك بعدما عرفت أنه مخالف لاجماع المسلمين وضرورة الدين " ونحو ذلك كلام غيرهم. ومن ذلك تعرف الاشكال فيما ادعاه بعض الاكابر من مشايخنا (قدهم) في كتاب مصباح الفقيه، من استقرار سيرة المتشرعة خلفا عن سلف على المسامحة في الاجتناب عن ملاقيات المتنجس في مقام العمل. بحيث لو

[ 485 ]

تعدى أحد عن الطريقة المألوفة عندهم في اجتناب النجاسات، بأن اجتنب مثلا عن أبنية البلاد معللا: بأن من عمرها استعمل في تعميرها الآلات والادوات التي لا زال يستعملها في تعمير الكنيف من غير أن يطهرها، يطعنه جميع المتشرعة بالوسواس ويرونه منحرفا عن الطريقة المعروفة عندهم في اجتناب النجاسات.. الخ كلامه (قده). وجه الاشكال: أن الاجتناب في أمثال المقام ليس عن علم بالنجاسة وانما هو عن الظن والتخمين، وترتيب مقدمات عقيمة عن الانتاج، لكثرة الاسباب الموجبة لقيام الاحتمال، وانتفاء العلم بالسراية. ولذا لو سئل (قده) عن طهارة طعامه، وشرابه وفراشه، لم يشهد بالنجاسة، ولم يدع العلم بملاقاته للمتنجس، وكذا اكثر الناس. ومنه يظهر الاشكال فيما ذكره (قده) أيضا، من أنه لو كان المتنجس منجسا لزم نجاسة جميع ما في أيدي المسلمين وأسواقهم، لانا نعلم أن أغلب الناس لا يتحرزون عن النجاسات. ويخالطون غيرهم، فيستوي حال الجميع إذ لا يخفى أنه كما نعلم ذلك نعلم أيضا بطروء الاسباب الموجبة للطهارة. ولو من باب الاتفاق وذلك يوجب ارتفاع العلم بنجاسة ما يكون محل الابتلاء لكل مكلف، والمرجع حينئذ أصالة الطهارة. نعم يعلم إجمالا بكذب أصالة الطهارة في كثير من الموارد المتعلقة بالمكلف وغيره، أو المتعلقة به في وقائع بعضها صار خارجا عن محل الابتلاء. لكن مثل هذا العلم الاجمالي غير قادح في الرجوع إلى الاصل. ونظير هذا الاشكال وارد في النقود التي يأخذها السلطان الجائر ثم يعطيها في كل سنة مرات متعددة، أو تؤخذ بالمعاملات الفاسدة أو بالسرقة أو الغيلة أو بدون دفع الخمس أو الزكاة، ويجري عليها الاخذ والاعطاء في كل سنة أو في كل شهر مرة أو مرات، واختلاط بعضها بالمملوك بوجب قصور سلطنة المالك عن القسمة، وعدم جواز النصرف في الجميع إلا بمراجعة

[ 486 ]

{ كالنجس، لكن لا يجري عليه جميع أحكام النجس (1)، فإذا تنجس الاناء بالولوغ يجب تعفيره، لكن إذا تنجس إناء آخر بملاقاة هذا الاناء، أو صب ماء الولوغ في إناء آخر لا يجب } المالك أو الحاكم الشرعي عند جهل المالك، فالصراف الذي يأخذ هذه النقود في كل يوم يخلطها مع أمواله ولا يزال بختلط بعضها ببعض. وهكذا الحال في الاملاك القديمة الثابتة من الدور والبساتين، فان تهاون الناس في أموال القاصرين والضعفاء والغائبين وغيرهم والعمل بحكم قضاة الجور أمر معلوم، وذلك يستوجب العلم - في الجملة - بتحريم تلك الاموال بعد مضي مدة طويلة قد توارد فيها هذه الطوارئ وامثالها مما يستوجب حرمة المال فلو استوجب مثل ذلك رفع اليد عن القواعد الشرعية لاستوجب رفع اليد عن جملة من القواعد المسلمة في باب تحليل المال. والوجه في دفع الاشكال في ذلك ما عرفت، من أن ذلك لا يوجب خروج مورد الابتلاء عن مجرى أصالة الحل أو اليد أو نحوهما. فلاحظ وتأمل. هذا وقد كتب بعض الاجلاء المعاصرين قدس سره (* 1) رسالة في هذه المسألة رد فيها على بعض الاجلة من المعاصرين قدس سره (* 2) حيث ذهب إلى عدم تنجيس المتنجس الجاف. وقد اشتملت الرسالة المذكورة على مطالب مهمة وفوائد جمة. جزاه الله تعالى خير جزاء المحسنين، كما نسأله الهداية والتوفيق إنه حسبنا ونعم الوكيل. (1) يعني: النجس الذي تنجس به، لان أدلة تلك الاحكام جعلت موضوعها النجس الخاص، فلا موجب لثبوتها لما تنجس به، لعدم ثبوت انطباقه عليه.


(* 1) المتبحر الشيخ محمد جواد البلاغي. (* 2) الشيخ محمد مهدي الخالصي.

[ 487 ]

{ فيه التعفير (1) وان كان الاحوط، خصوصا في الفرض الثاني (2). وكذا إذا تنجس الثوب بالبول وجب تعدد الغسل (3)، لكن إذا تنجس ثوب آخر بملاقاة هذا الثوب لا يجب فيه التعدد (4). وكذا إذا تنجس شئ بغسالة البول - بناء على نجاسة الغسالة - لا يجب فيه التعدد. (مسألة 12): قد مر أنه يشترط في تنجس الشئ بالملاقاة تأثره (5)، فعلى هذا لو فرض جسم لا يتاثر بالرطوبة أصلا، كما إذا دهن على نحو إذا غمس في الاناء لا يتبلل أصلا، يمكن أن يقال: أنه لا يتنجس بالملاقاة ولو مع الرطوبة المسرية. ويحتمل أن تكون رجل الزنبور، والذباب، والبق من هذا القبيل. (مسألة 13): الملاقاة في الباطن لا توجب التنجيس. فالنخامة الخارجة من الانف طاهرة وإن لاقت الدم في باطن } (1) لانه حكم للاناء الذي تنجس بالولوغ، ولا ينطبق ذلك على الاناء الذي تنجس باناء الولوغ، وهو واضح. (2) بل لعله الاقوى كما عن العلامة في النهاية، والمحقق الثاني. لظهور دليل وجوب التعفير في كون موضوعه الاناء الذي هو ظرف لماء الولوغ وخصوصية كونه ظرفا لنفس الولوغ أيضا ملغاة عرفا. فلاحظ صحيح الفضل، وتأمل. (3) كما سيأتي إن شاء الله تعالى. (4) لما سيأتي - إن شاء الله تعالى - من عدم لزومه في تطهير المتنجس بغير البول. (5) مر ذلك في أول الفصل فراجع.

[ 488 ]

{ الانف. نعم لو أدخل فيه شئ من الخارج، ولاقى الدم في الباطن، فالاحوط فيه الاجتناب (1). فصل يشترط في صحة الصلاة (2) واجبة كانت أو مندوبة (3) ازالة النجاسة عن البدن حتى الظفر، والشعر (4)، واللباس (5). } (1) تقدم الكلام في هاتين الصورتين وغيرهما في أول مسألة من مبحث نجاسة البول والغائط. قصل (2) إجماعا محققا، والنصوص به متجاوزة حد التواتر (* 1). وسيذكر بعضها في شرح المسائل الآتية إن شاء الله تعالى. (3) لاطلاق الادلة. (4) بلا إشكال ظاهر. ويستفاد مما دل على مانعية نجاسة الثوب لو فرض قصور أدلة مانعية نجاسة البدن عن إفادته. وكأنه المراد من الثوب المذكور في كثير من الفتاوى، إما لانه مرادف اللباس - كما يظهر من القاموس - أو لان ذكر الثوب بالخصوص من باب المثال، لانه الغالب. ويشير إلى ذلك استثناء مالا تتم به الصلاة


(* 1) راجع الوسائل في الابواب الآتية من: 18 إلى 22، و 30، 31 ومن 40 إلى 47 و 61 من ابواب النجاسات ويوجد في كثير من الابواب الاخر وفي ابواب لباس المصلي ومكانه وغيرها ما يدل عليه ولو بالالتزام.

[ 489 ]

{ ساترا كان أو غير ساتر (1) عدا ما سيجئ (2) من مثل الجورب ونحوه مما لا تتم الصلاة فيه. وكذا يشترط في توابعها من صلاة الاحتياط (3) وقضاء التشهد والسجدة المنسيين (4). وكذا في سجدتي السهو على الاحوط (5). ولا يشترط في ما يتقدمها من الاذن والاقامة، والادعية التي قبل تكبيرة } فانه ليس من الثياب عرفا. ويشهد لذلك من النصوص ما ورد في المنع عن الصلاة في جلد الميتة والصلاة في النجس، كما سيأتي في مبحث المحمول النجس. فلا فرق بين الثوب وبين الفرو والدرع وغيرهما من أصناف الملبوس. (1) إجماعا. لاطلاق النص والفتوى. (2) وسيجئ دليله. (3) إجماعا. لاطلاق النص والفتوى. (4) إجماعا، فان القضاء متحد مع المقضي في جميع الخصوصيات، جزءا كانت، أو شرطا، وجوديا، أو عدميا. وانما الاختلاف في الزمان لا غير، وكون الطهارة شرطا للصلاة ليس معناه إلا كونها شرطا لاجزائها ومنها التشهد والسجدة. (5) بل عن السرائر والنهاية والالفية وغيرها: أنه الاقوى، للاحتياط وانصراف دليلهما إلى ذلك، وأنها جابرة لما يعتبر فيه الطهارة، ولغير ذلك مما لا يخفى ضعفه. ولذا حكي عن التحرير وجواهر القاضي العدم، بل لعله ظاهر كل من لم يتعرض لذكرها في شرائطها، كالمحقق وغيره. نعم قد يستفاد مما دل على أنهما قبل الكلام قدح جميع منافيات الصلاة فيهما، ومنها الحدث. وان كان لا يخلو من تأمل واشكال. وتمام الكلام في مباحث خلل الصلاة فراجع.

[ 490 ]

{ الاحرام (1)، ولا في ما يتأخرها من التعقيب. ويلحق باللباس - على الاحوط - اللحاف الذي يتغطى به المصلي مضطجعا إيماء، سواء كان متسترا به اولا، وإن كان الاقوى في صورة عدم التستر به - بأن كان ساتره غيره - عدم الاشتراط (2). ويشترط في صحة الصلاة أيضا ازالتها عن موضع السجود (3). } (1) لاطلاق أدلتها، وكذا ما يتأخر. نعم يشكل ذلك في الاقامة، كما سيأتي في محله. (2) حيثية التستر ليس لها دخل في اشتراط الطهارة، لما سبق من عدم الفرق بين الساتر وغيره. وحينئذ فإذا لم يكن في صورة عدم التستر به داخلا في اللباس الواجب فيه الطهارة، لم يكن داخلا فيه في صورة التستر به أيضا، كما هو الظاهر. نعم إذا كان ملتفا فيه بنحو يصدق أنه صلى فيه وجبت طهارته وإلا فلا، للاصل. (3) إجماعا، كما عن ابن زهرة، والفاضلين، والشهيد، والمحقق الثاني والاردبيلي، وغيرهم. ولا يقدح فيه ما عن الوسيلة والراوندي من الخلاف فيه فان نسخ الوسيلة مختلفة. ففي بعضها ما هو ظاهر في موافقة الاصحاب. كما حكاه في مفتاح الكرامة، وفي الجواهر في مبحث مطهرية الشمس، وحكياه عن نسخة الذخيرة. والنسخة التي يظهر منها المخالفة ظاهرة في اعتبار تجفيف الشمس، ولعله لكون التجفيف بمنزلة التيمم بدلا عن الطهارة. ومن هذا يظهر لك حال المحكي عن الراوندي. ويشهد للمشهور من النصوص صحيح زرارة: " سألت أبا جعفر (ع): عن البول يكون على السطح أو في المكان الذي يصلى فيه. فقال (ع): إذا جففته الشمس فصل عليه فهو طاهر " (* 1). لكن في كون المسجد مما يصلى فيه إشكال


(* 1) الوسائل باب: 29 من ابواب النجاسات حديث: 1.

[ 491 ]

{ دون المواضع الاخر (1)، فلا بأس بنجاستها إلا إذا كانت } ظاهر. وصحيح ابن محبوب عن الرضا (ع): " أنه كتب إليه بسأله عن الجص يوقد عليه بالعذرة وعظام الموتى يجصص به المسجد أيسجد عليه؟ فكتب (ع) إليه: إن الماء والنار قد طهراه " (* 1). لكن العمل بظاهره متعذر. وسيأتي - إن شاء الله تعالى - في مبحث مطهرية الشمس، ومبحث السجود، ماله نفع في المقام. (1) على المشهور، كما عن جماعة. وعن السيد (ره) اعتبار طهارة ما يلاقيه بدن المصلي. وعن الحلبي اعتبار طهارة مساقط الاعضاء السبعة. ويشهد للاول موثق ابن بكير: " عن الشاذ كونه (* 2) يصيبها الاحتلام أيصلى عليها؟ قال (ع): لا " (* 3). وموثق عمار: " عن الموضع القذر يكون في البيت أو غيره، فلا تصيبه الشمس، ولكنه قد يبس الموضع القذر. قال (ع): لا يصلى عليه " (* 4). لكن الاول معارض بصحيح زرارة عن أبي جعفر (ع)، وبخبر محمد بن أبي عمير عن أبي عبد الله (ع) (* 5) المتضمنين نفي البأس في الصلاة على (الشاذ كونه) تصيبها الجنابة. والثاني معارض بصحيح ابن جعفر (ع): " عن البيت والدار لا يصيبهما الشمس ويصيبهما البول ويغتسل فيهما من الجنابه أيصلى فيهما إذا جفا؟ قال (ع): نعم " (* 6). فيتعين إما الحمل على الكراهة. أو على خصوص موضع السجود بقرينة الاجماع.


(* 1) الوسائل باب: 81 من ابواب النجاسات حديث: 1. (* 2) بفتح الذال ثياب غلاظ مضربة تعمل في اليمن. القاموس. (* 3) الوسائل باب: 30 من أبواب النجاسات حديث: 6. (* 4) الوسائل باب: 29 من ابواب النجاسات حديث: 4. (* 5) الوسائل باب: 30 من ابواب النجاسات حديث: 3، 4. (* 6) الوسائل باب: 30 من ابواب النجاسات حديث: 1.

[ 492 ]

{ مسرية إلى بدنه (1). أو لباسه (2). (مسألة 1): إذا وضع جبهته على محل بعضه طاهر وبعضه نجس صح إذا كان الطاهر بمقدار الواجب، فلا يضر كون البعض الآخر نجسا، وان كان الاحوط طهارة جميع ما يقع عليه (3). ويكفي كون السطح الظاهر من المسجد طاهرا، وان كان باطنه أو سطحه الآخر أو ما تحته نجسا، فلو وضع التربة على محل نجس، وكانت طاهرة ولو سطحها الظاهر، صحت صلاته (4). } وأما القول الثاني فلم نجد له شاهدا سوى ما يتوهم من كون المراد من طهارة المسجد في معاقد الاجماعات ما يعم مواضع سائر المساجد. ولكنه كما ترى بعد كون العدم فيها هو المعروف. (1) إجماعا مستفيض النقل. والظاهر - كما اعترف به جماعة - كون المورد من صغريات قاعدة وجوب ازالة النجاسة عن الثوب والبدن، فلا بأس بالنجاسة المتعدية إذا كانت معفوا عنها. نعم عن الايضاح حكاية الاجماع عن والده (ره) على المنع حتى في المعفو عنها، وأن ذلك شرط في مكان المصلي. لكن ظاهر المحكي عن النهاية والتذكرة من أنه بشترط طهارة المكان من النجاسات المتعدية ما لم يعف عنها إجماعا، خلاف ذلك. (2) إذا كان مما تتم به الصلاة، حسب ما عرفت. (3) لاطلاق معاقد الاجماعات على اشتراط طهارة محل الجبهة، وان كان الظاهر منها المقدار المعتبر، إذ المقام نظير وضع الجبهة على ما يصح السجود عليه. (4) كما في الجواهر، وعن كشف الغطاء. والظاهر أنه من المسلمات

[ 493 ]

{ (مسألة 2): تجب ازالة النجاسة عن المساجد (1) } لاختصاص دليل الطهارة بالسطح الماس للجبهة. (1) عن جماعة نقل الاجماع عليه، كالشيخ، والحلي، والفاضلين، والشهيد وغيرهم. ويشهد له قوله تعالى: (إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام) (* 1) بضميمة عدم الفصل بين المسجد الحرام وغيره من المساجد. والمناقشة في دلالة الآية الشريفة على النجاسة تقدم دفعها في مبحث نجاسة الكافر. وقد يستدل أيضا بما رواه في السرائر، عن نوادر البزنطي، عن محمد الحلبي عن أبي عبد الله (ع): " قلت له (ع): إن طريقي إلى المسجد في زقاق يبال فيه، فربما مررت فيه وليس علي حذاء فيلصق برجلي من نداوته. فقال (ع): أليس تمشي بعد ذلك في أرض يابسة؟ قلت بلى. قال (ع): فلا بأس إن الارض يطهر بعضها بعضا " (* 2). لكنه يشكل باحتمال كون المقصود نفي البأس من حيث الصلاة كما قد يظهر ذلك من ذيل الرواية. وكذا الكلام في موثقته الاخرى (* 3). وأما النبوي المروي في كتب أصحابنا - كما في الوسائل -: " جنبوا مساجدكم النجاسة " (* 4). فيشكل: بأن من المحتمل أن يكون المراد منه مسجد الجبهة، كما قد يشهد به إضافته إلى ضمير الجمع. مع ضعف سنده وانجباره بالعمل غير معلوم. هذا ومقتضى اطلاق الآية عدم الفرق بين الدفع والرفع. كما أن مقتضاه عدم الفرق بين أرض المسجد وسقفه، وجدرانه، وغيرها مما يعد جزءا منه.


(* 1) التوبة: 28. (* 2) الوسائل باب: 32 من ابواب النجاسات حديث: 9. (* 3) الوسائل باب: 32 من ابواب النجاسات حديث: 4. (* 4) الوسائل باب: 24 من ابواب احكام المساجد حديث: 2.

[ 494 ]

{ داخلها، وسقفها وسطحها، وطرف الداخل من جدرانها، بل والطرف الخارج على الاحوط (1). إلا أن لا يجعلها الواقف جزءا من المسجد. بل لو لم يجعل مكانا مخصوصا منها جزءا لا يلحقه الحكم (2). ووجوب الازالة فوري (3) فلا يجوز التأخير بمقدار ينافي الفور العرفي. ويحرم تنجيسها أيضا (4). بل لا يجوز ادخال عين النجاسة فيها، وان لم تكن منجسة، إذا كانت موجبة لهتك حرمتها (5)، بل مطلقا على الاحوط (6). } (1) كأنه لدعوى الانصراف عنه. لكنه بدوي لا يجوز لاجله رفع اليد عن الاطلاق. (2) للاصل. (3) كما نص عليه غير واحد، بل عن المدارك والذخيرة نسبته إلى الاصحاب. ويقتضيه ظاهر النهي. بل وظاهر معاقد الاجماعات على وجوب الازالة، إذ ليس المقصود وجوب الازالة ولو بعد حين، وفي وقت من الاوقات بل الازالة على الفور، ولو بقرينة مناسبة الاحترام والتعظيم، كما لا يخفى، نعم ظاهر النهي في الآية الفور الحقيقي. إلا أن يكون اجماع على خلافه. (4) لما عرفت من ظهور الادلة فيما هو أعم من الرفع والدفع. (5) لحرمة هتكها إجماعا ولو بغير التنجيس. (6) بل عند جماعة أنه الاقوى، وعن اللوامع نسبته إلى الحلبيين، وعن الكفاية نسبته إلى المشهور. لظاهر الآية الشريفة. وعن الشهيدين والمحقق الثاني وغيرهم - بل عن روض الجنان نسبته إلى الاكثر - الاختصاص

[ 495 ]

{ وأما إدخال المتنجس فلا بأس به (1) ما لم يستلزم الهتك. } بالمتعدية للاجماع على جواز دخول الصبيان والحائض مع عدم انفكاكهم عن النجاسة - غالبا وقد ذكر الاصحاب (قدهم) جواز دخول المسلوس والمستحاضة مع أمن التلويث، وجواز القصاص في المسجد للمصلحة مع فرش ما يمنع التلوبث بل دخول الحائض والمستحاضة مورد النصوص (* 1)، بل السيرة على دخول المجروح والمقروح ونحوهما ممن تلوث بدنه أو لباسه بشئ من عين النجاسة. لكن إن تم دليل على ذلك أمكن الاقتصار عليه، والرجوع في مورد الشك إلى عموم الآية الشريفة المانع عن المتعدية وغيرها، لا تخصيص النجاسة بالمتعدية، لانه من غير مخصص. ومجرد ثبوت الجواز في الموارد المذكورة ونحوهما مما كانت النجاسة من توابع الداخل، وكونها قليلة غير ملتفت إليها، لا يقتضي التخصيص المذكور ولا يقتضي حمل النهي في الآية على العرضي، لاجل ما يترتب على دخول المشرك من تلويث المسجد، فان ذلك خلاف الظاهر. (1) عند جماعة. لاختصاص الدليل بعين النجاسة، والاصل في غيره الجواز. (فان قلت): مورد الآية الشريفة وان كان المشرك، وهو نجس ذاتا لا متنجس لكن قوله تعالى: (نجس فلا يقربوا) ظاهر في كون موضوع الحكم النجس، وهو أعم من النجس بالعرض وهو المتنجس. (قلت): االنجس لما كان مصدرا وحمله على العين لا يصح إلا على وجه المبالغة، فالموضوع للحكم هو النجس على نحو المبالغة، وصدقه على المتنجس غير واضح. بل لو أمكن الفرق بين النجاسات أشكل الاستدلال بالآية الشريفة على المنع من كل نجاسة. نعم ظاهر السرائر الاجماع على عموم الحكم


(* 1) الوسائل باب: 15، 17 من ابواب الجنابة، وباب: 35 من ابواب الحيض وباب: 91 من ابواب الطواف

[ 496 ]

{ (مسألة 3): وجوب ازالة النجاسة عن المساجد كفائي (1). ولا اختصاص له بمن نجسها (2) أو صار سببا، فيجب على كل أحد. } (مسألة 4): إذا رأى نجاسة في المسجد وقد دخل وقت الصلاة تجب المبادرة إلى ازالتها مقدما على الصلاة مع سعة وقتها، ومع الضيق قدمها. ولو ترك الازالة مع السعة، واشتغل بالصلاة، عصى لترك الازالة. لكن في بطلان صلاته اشكال (3)، } للمتنجس حيث قال (ره): " لا خلاف بين الامة كافة في أن المساجد يجب أن تنزه وتجنب النجاسات العينية، وقد أجمعنا بلا خلاف في ذلك بيننا على أن من غسل ميتا له أن يدخل المسجد ويجلس فيه، فضلا عن دخوله ومروره، فلو كان نجس العين لم يجز له ذلك، وكذلك ظاهر المعتبر فانه بعدما حكى ذلك - أقره على الاجماع الاول وانكر عليه الاجماع الثاني. فقال: " فانا لا نوافقك على ذلك، بل نمنع الاستيطان كما نمنع من على جسده نجاسة " لكن العمل بمثل هذا الاجماع بعد ما تقدم عن روض الجنان من مخالفة الاكثر غير ظاهر. لكن بناء على الاشكال في دلالة الآية على عموم الحكم للمتنجس يشكل الامر في دلالتها على حرمة تلويث المسجد بالمتنجس فلابد أن يكون الوجه فيه الاجماع. وأما الرواية فقد عرفت الاشكال في دلالتها. (1) فان ظاهر الآية الشريفة عموم الخطاب للجميع، ولما لم يمكن فيه التكرار تعين كونه كفائيا. (2) وعن الذكرى الاختصاص به. وهو غير ظاهر، ولا سيما مع عجزه عن الامتثال، فانه يلزم سقوط الخطاب رأسا. (3) الكلام في هذه المسألة يقع في أمور: (الاول): وجوب المبادرة

[ 497 ]

إلى الازالة على نحو لو تركها واشتغل بالصلاة عصى في ترك المبادرة إلى الازالة. (الثاني): أن الامر بالازالة فورا هل يقتضي النهي عن الصلاة أو لا؟ (الثالث) أنه على تقدير اقتضائه النهي هل يقتضي مثل هذا النهي الفساد أو لا؟ (الرابع): أنه على تقدير عدم اقتضائه النهي فهل يمنع من الامر بالصلاة على نحو الترتب أو لا؟ (الخامس): أنه على تقدير المنع من ذلك فهل تصح الصلاة بفعلها بداعي الملاك أم لا؟. أما الكلام في الاول: فالظاهر أنه لا إشكال عندهم في حصول العصيان بترك الازالة ولو مع الاشتغال بالصلاة، لان ذلك مخالفة لدليل الفورية. لكن يظهر من كلام المستند: العدم حيث قال: ولا يبطل واجب موسع أو مضيق لو فعله قبل الازالة، ولو قلنا باقتضاء الامر بالشئ للنهي عن ضده. بل لم يثبت الاجماع على الوجوب الفوري حين دخول واجب موسع أو مستحب كذلك فلا يحكم ببطلانه إذا فعله على القول بالاقتضاء المذكور أيضا. ولا يختص ذلك بما إذا كان دليل وجوب الازالة الاجماع، بل وكذا لو كان دليله الآية والاخبار لاستناد الفورية معهما إلى الاجماع، لعدم دلالة الامر بنفسه على الفور. بل وكذا لو قلنا بدلالته على الفور أيضا، لحصول التعارض بين دليل وجوب الازالة المستلزم للنهي عن غيرها، وبين تلك العبادة بالعموم من وجه، ولو فقد المرجح يحكم بالتخيير المستلزم للصحة.. ". وفيه: أنك عرفت ظهور الاجماع في الوجوب الفوري، وأن دلالة الآية على الفورية من باب دلالة النهي على الفور التي لا خلاف فيها، لا من باب دلالة الامر على الفور التي هي محل الخلاف. بل الامر بالازالة الذي هو مفاد النبوي المتقدم مما لا ريب في أن المراد به الفور - وان قلنا بأن الامر لا يدل على الفور لان الدلالة في المقام بقرينة مناسبة الحكم والموضوع. وعلى تقدير الدلالة فالمقام من باب تزاحم الواجبين، لاحراز

[ 498 ]

مناط الوجوب فيهما معا، فلابد من إعمال قواعد التزاحم، المقتضية لترجيح المقتضي التعييني على المقتضي التخييري كما في جميع موارد تزاحم الواجبين إذا كان أحدهما مضيقا والآخر موسعا. لا من باب التعارض الذي لا يحرز فيه المناط في الطرفين، كي يرجع إلى المرجح أو التخيير مع عدمه. مع أنه لو سلم ذلك فالظاهر تعين الجمع العرفي بينهما بتقديم دليل الفورية على دليل التوسعة، نظير موارد تعارض دليل الاقتضاء واللا اقتضاء فان العرف في مثل ذلك يقدم الاول على الثاني. مع أن المرجع في مورد المعارضة بين العامين من وجه الاصل، وهو يقتضي البطلان وعدم المشروعية مع أنه لو بني على الرجوع إلى التخيير فالتخيير المذكور تخيير في المسألة الاصولية، فلا يحكم بصحة العبادة إلا إذا اختير دليل التوسعة، لا تخيير في المسألة الفرعية كي تصح العبادة مطلقا. وكيف كان فلا ينبغي التأمل في وجوب المبادرة إلى الازالة في الفرض وفي حصول العصيان بتركها، بناء على ما عرفت من كون المقام من باب التزاحم لان مقتضي الازالة في الزمان الاول تعييني، ومقتضي الصلاة في الزمان الاول تخييري والمقتضي التخييري لا يصلح لمعارضة المقتضي التعييني، لانه لا اقتضاء له في التعيين، وما لا اقتضاء له لا يصلح لمزاحمة ماله الاقتضاء. وأما الكلام في الامر الثاني: فهو أنه لا موجب لاقتضاء الامر بالشئ النهي عن ضده، إذ ليس فعل الضدذ مانعا عن ضده، ولا عدمه شرطا لضده لان الضدين في رتبة واحدة، فيمتنع أن يكون كل منهما مانعا عن الآخر، لان المانع يكون في رتبة سابقة على الممنوع، لانه نقيض عدمه، الذي هو شرط وجود الممنوع، المقدم رتبة على المشروط والنقيضان في رتبة واحدة، فلو كان الضد مانعا عن وجود الضد الآخر كان متقدما عليه رتبة ومتأخرا عنه، وهو ممتنع.

[ 499 ]

وأما الكلام في الامر الثالث: فهو أنه لا فرق بين النهي النفسي والغيري في كون مخالفته مبعدة عن المولى، فمن سل سيفه ليقتل مولاه كان سل سيفه بقصد قتل المولى مبعدا عنه، لانه تمرد عليه، كما لا يخفى. وحينئذ يمتنع أن يكون عبادة، لان العبادية متقومة بصلاحية الفعل للمقربية، والمبعد لا يصلح لذلك. وأما الكلام في الامر الرابع: فهو أن الامر بالضدين إنما يمتنع إذا كان الامر باحدهما مدافعا ومطاردا للامر بالاخر وذلك يختص بما إذا كان الامران في عرض واحد. لانهما لما لم تسعهما قدرة المكلف وانما تسع واحدا منهما، فالامر المتعلق بأحدهما يستوجب صرف قدرة المكلف إلى متعلقه، والامر المعلق بالآخر يستوجب صرف قدرته إليه، المفروض أن القدرة لا تسعهما معا، فيلزم محذور المدافعة بينهما. أما لو كانا على نحو الترتب: بأن كان الامر بأحدهما مطلقا والآخر مشروطا بعدم امتثال الاول فلا يلزم المحذور، لان الثاني لا يستوجب صرف القدرة من متعلق الاول إلى متعلقه، لان الامر المشروط لا يقتضي حفظ شرطه، وانما يقتضي صرف القدرة إلى متعلقه على تقدير حصول شرطه، فلا يكون منافيا للاول كما أن الاول وإن كان يقتضي صرف القدرة من متعلق الثاني إلى متعلقه لكن صرفها على النحو المذكور ليس ابطالا لمقتضي الثاني بل هو رفع لشرط وجوده، وقد عرفت أنه لا يقتضي حفظ شرطه، فلا يكون أحد الامرين منافيا لمقتضي الآخر ولا مدافعا له. ولاجل ذلك لا يبنى على سقوط الامر بالمهم بالمرة إذا زاحمه الامر بالاهم، لان ذاته لا تزاحم ذلك الامر، وانما المزاحم اطلاقه، فيسقط وتبقى ذات الامر بالمهم مقيدة. وبذلك يجمع العقل بين الامرين. ومثله ما لو كان الضدان في مرتبة واحدة في الاهتمام فان تزاحمهما

[ 500 ]

لا يوجب سقوط أمريهما معا، لعدم التدافع بين ذاتي الامرين، وانما التدافع بين اطلاقيهما فيسقطان معا، وتبقى ذاتا الامرين مقيدتين، فيجمع العقل بينهما بتقييد كل من الامرين بعدم امتثال الآخر، ولازم ذلك سقوط الامرين عند فعل أحد الضدين. أما سقوط أمر الضد المأتي به فبالامتثال وأما سقوط أمر الآخر فبانتفاء شرطه، وثبوت الامرين معا بترك الضدين معا، لحصول شرط كل من الامرين، ولازم ذلك استحقاق عقابين عليهما معا. وأما الكلام في الامر الخامس: فهو أن الملاك (تارة): يراد به المصلحة الموجبة لترجح الوجود على العدم، أو المفسدة الموجبة لترجح العدم على الوجود. (وأخرى): يراد به نفس الترجح النفساني الموجب للميل إلى الوجود أو النفرة عنه، وان لم يكن هناك ارادة ولا كراهة، إما لعدم الالتفات إلى الشئ، أو لوجود المانع عن تعلقهما به. فان كان المراد به الاول فالظاهر أنه لا يوجب عبادية العبادة فلو جئ بالعبادة لاجل المصلحة، لم تكن عبادة للمولى، ولا إطاعة له ولا منشأ لاستحقاق الثواب، كما سيجئ - إن شاء الله تعالى - في مباحث نية الوضوء وان كان المراد به الثاني، فالظاهر صحة العبادة لو كان هو الداعي إلى فعلها. بل الظاهر أن عبادية العبادات كليه إنما تكون لذلك، وقصد الامر إنما يصحح العبادة بلحاظ طريقيته إلى الملاك المذكور، لا من حيث هو هو. ولذا لو علم بخلو الامر عن الملاك لم يكن أمرا حقيقيا، بل كان صوريا، ولم تجب موافقته. ولو علم بوجود الملاك بالمعنى المذكور وجب الفعل وان علم بعدم الامر لمانع منه. فلو علم العبد أن ولد المولى قد غرق وجب انقاذه وان لم يعلم المولى بذلك، أو علم ولم يأمره بانقاذه لجهله بوجود من يقدر على انقاذه. فهذا الدوران دليل على كون المعيار في صحة العبادات هو الملاك - بالمعنى المذكور - من دون دخل فيها للامر. وتحقيق هذه المباحث موكول إلى مبحث الضد. وقد

[ 501 ]

{ والاقوى الصحة. هذا إذا أمكنه الازالة وأما مع عدم قدرته مطلقا أو في ذلك الوقت فلا اشكال في صحة صلاته (1). ولا فرق في الاشكال في الصورة الاولى بين أن يصلي في ذلك المسجد أو في مسجد آخر (2). وإذا اشتغل غيره بالازالة لا مانع من مبادرته إلى الصلاة قبل تحقق الازالة (3). (مسألة 5): إذا صلى ثم تبين له كون المسجد نجسا كانت صلاته صحيحة (4). وكذا إذا كان عالما بالنجاسة، ثم غفل، وصلى. وأما إذا علمها أو التفت إليها في أثناء } أوضحناها في تعليقتنا حقائق الاصول. فراجع. (1) لان العجز مانع عن الامر بالمبادرة إلى الازالة، فلا مجال لتوهم المنع عن الصلاة. (2) لتحقق التضاد، الموجب لورود الاشكال السابق. (3) لتحقق امتثال الواجب الكفائي بفعل غيره فلا مزاحمة. نعم لو كان ترك المعاونة له مفوتا للفورية العرفية جاء الاشكال السابق لتحقق التزاحم حينئذ بين وجوب المعاونة ووجوب الصلاة. (4) لا اشكال فيه ظاهرا. إذ لا قصور في صلاته لتماميتها في نفسها ووقوعها على وجه العبادة. ومجرد وجود المفسدة فيها - بناء على كونها منهيا عنها - لا يمنع من صحة التعبد بها، واستحقاق الثواب على فعلها، بعد جهله بالنهي المانع من حصول البعد بمخالفته (وبالجملة): بعد ما كانت الصلاة تامة الاجزاء والشرائط ومأتيا بها على وجه العبادة، وصلاحية الفعل للمقربية، وصلاحية الفاعل للتقرب، لا موجب للبطلان. فان قلت: إذا كان مبنى القول بالبطلان على تقدير الالتفات

[ 502 ]

{ الصلاة، فهل يجب اتمامها ثم الازالة، أو ابطالها والمبادرة إلى الازالة؟! وجهان، أو وجوه، والاقوى وجوب الاتمام (1). } هو تقديم جانب النهي، فلازم ذلك ترك الصلاة أرجح من فعلها، وعدمها أولى من وجودها، فكيف يمكن التقرب بفعلها؟ وهل يمكن التقرب بالمرجوح؟ (قلت): لا ريب في بناء العقلاء على استحقاق الثواب بمجرد الانقياد إلى المولى بفعل ما يعتقد محبوبيته، وان كان مبغوضا، فالبغض الواقعي لا يكون مانعا من الانقياد، الذي هو سبب القرب إلى المولى، واستحقاق ثوابه. وإنما يكون مانعا إذا كان معلوما للعبد، على نحو يكون الفعل مبعدا عن المولى، لكونه تمردا عليه. ولذا أفتوا بصحة الصلاة مع الجهل بالغصب، حتى بناء على القول بالامتناع وتقديم جانب النهي. وكذا مع النسيان وسائر الاعذار المانعة من صحة العقاب على الفعل المبغوص. وتحقيق ذلك في مبحث جواز اجتماع الامر والنهي وامتناعه. فراجع. (1) علله المصنف (ره) في مبحث عدم جواز قطع الفريضة: بأن دليل الفورية قاصر الشمول عن مثل المقام، فدليل حرمة القطع بلا مزاحم ويشكل: بأن دليل الفورية عين دليل وجوب الازالة، لان دليل وجوب الازالة مرجعه إلى النهي عن وجود النجاسة في المسجد بنحو الطبيعة السارية التى لا فرق فيها بين زمان وآخر. نظير ما دل على وجوب الاجتناب عن النجس وغيره من المحرمات فإذا كان دليل الازالة شاملا للمقام، كان دليلا على الفورية أيضا. وقد يعلل ما في المتن: بأنه مقتضى استصحاب وجوب الاتمام وحرمة القطع. وفيه: أن الشك في المقام ليس في وجوب الاتمام، للعلم بتحقق مناطه، وانما الشك في تقديمه في نظر العقل على وجوب الازلة لاهمية ملاكه أو تأخيره عنه لضعف ملاكه، أو التخيير بينهما لتساويهما في الملاك، فالشك

[ 503 ]

{ (مسألة 6): إذا كان موضع من المسجد نجسا، لا يجوز تنجيسه ثانيا بما يوجب تلويثه (1). بل وكذا مع } في الحكم العقلي للشك في مناطه. نعم كان الاتمام واجبا تعيينيا في نظر العقل قبل الالتفات إلى النجاسة. لكن مثل هذا الحكم العقلي ليس مجرى للاستصحاب. ولا فرق في ذلك بين صورة وقوعها في الاثناء والالتفات إليها، وصورة وقوعها قبل الصلاة والالتفات إليها قيل الصلاة ثم الغفلة والشروع في الصلاة ثم الالتفات إليها في الاثناء، وصورة وقوعها قبل الصلاة وعدم الالتفات إليها إلا في الاثناء، فان الجميع مشتركة في توقف العقل عن الحكم بوجوب القطع والازالة أو وجوب الاتمام، أو التخيير بينهما حين الالتفات إليها في الاثناء والابتلاء بالمزاحم. ومثلها صورة الالتفات إليها قبل الصلاة والشروع فيها عمدا، فانه بعد البناء على صحة الصلاة يقع الاشكال في وظيفة المكلف أيضا عقلا من حيث وجوب الاتمام وترك الازالة، أو القطع والازالة، أو التخيير بينهما لعدم علمه بالمناط. وقد يعلل أيضا: بأن مناط حرمة القطع أقوى من مناط وجوب الفورية في الازالة. وفيه: أنه غير ظاهر. هذا والمتعين وجوب الازالة وترك الاتمام، لان العمدة في الدليل على حرمة قطع الفريضة هو الاجماع، والقدر المتيقن منه غير مثل المقام، مما كان القطع فيه بداعي فعل واجب. (1) قد تقدم - في مسألة أن المتنجس لا يتنجس ثانيا - احتمال كون المتنجس يتنجس ثانيا، وأن التداخل في المزيل لا في المزال. وعليه فحرمت التلويث في محلها. أما بناء على ما هو ظاهرهم من كون التداخل في المزال، فلا يظهر وجه لحرمة التلويث، إلا بناء على حرمة إدخال النجاسة

[ 504 ]

{ عدم التلويث إذا كانت الثانية أشد وأغلظ من الاولى (1). وإلا ففي تحريمه تأمل، بل منع (2)، إذا لم يستلزم تنجيسه ما يجاوره من الموضع الطاهر. لكنه أحوط (مسألة 7): لو توقف تطهير المسجد على حفر أرضه جاز، بل وجب (3). وكذا لو توقف على تخريب شئ } غير المتعدية إلى المسجد إذا كانت ملوثة، كما يقتضيه اطلاق الآية الشريفة مع عدم مخرج عنها من سيرة أو نحوها، وان يحصل الهتك من مجرد التلويث. لكنه على اطلاقه ممنوع. (1) لان التنجيس المحرم ملحوظ بنحو الطبيعة السارية في الافراد والمراتب بقرينة الارتكاز العرفي. (2) هذا إذا بنينا على ما هو ظاهرهم من كون التداخل في الاثر لا في المزيل، وإلا - كما تقدم احتماله - فالبناء على التحريم في الفرض في محله. (3) كأنه لاطلاق دليل وجوب ازالة النجاسة عن المسجد. لكن يزاحمه ما دل على حرمة تخريب المسجد. اللهم إلا أن يقال: حرمة تخريب المسجد تختص بما إذا لم يكن لمصلحة المسجد كالتوسعة، واحداث باب ونحوهما مما يترتب عليه مصلحة عامة، وفي الجواهر: أنه لا ريب في جواز ذلك. وتطهير المسجد من هذا القبيل، فلا مزاحم لما دل على وجوب إزالة النجاسة عنه. (وفيه): أن المراد بالمصلحة المسوغة للتخريب الفائدة العائدة إلى المترددين والطهارة ليست منها، ومجرد الوجوب لا يقتضي ذلك فالتزاحم بحاله. وحينئذ فالبناء على وجوب التخريب - بحفر الارض وهدم العمارة، ونحوهما - يتوقف على إحراز أهمية الازالة بالنسبة إليه، أو احتمال أهميتها من دون احتمال أهمية مفسدة التخريب، وهو غير ظاهر كلية ومقتضى ذلك جواز كل من الامرين. نعم تمكن دعوى أهمية الازالة

[ 505 ]

{ منه. ولا يجب طم الحفر وتعمير الخراب (1). نعم لو كان مثل الآجر مما يمكن رده (2) بعد التطهير وجب (3) }. في الحفر والهدم إذا كانا يسيرين. هذا مع الغض عن المناقشة في إطلاق دليل وجوب الازالة الشامل للنجس والمتنجس، وإلا فقد عرفت المناقشة في ذلك، وأن العمدة الاجماع وعليه إذا شك يرجع إلى أصالة البراءة، ويكون دليل حرمة التخريب بلا مزاحم ولا معارض. هذا كله إذا لم يوجد باذل لتعميره. وأما لو وجد الباذل فلا ينبغى التأمل في وجوب الازالة والتخريب، لاهمية وجوب الازالة. واحتمال عدم وجوب الازالة في الفرض، وانتفاء ملاكه، بعيد جدا، لا يعتد به في قبال إطلاق معاقد الاجماع. (1) لاصالة البراءة. وقاعدة الضمان بالاتلاف غير جارية في المقام، لا من جهة أن الوجوب ينافي الضمان، لمنع ذلك، ولذا يجب أكل طعام غيره عند المخمصة مع الضمان، بل لاختصاص الضمان بصورة الاتلاف لا لمصلحة ذي المال، وفي المقام إنما يكون الاتلاف لمصلحة المسجد. (2) يعنى: إلى المسجد. (3) كأنه لما ورد في وجوب رد ما أخذ من الحصى والتراب من البيت. ففى رواية معاوية: " أخذت سكا من سكاك المقام، وترابا من تراب البيت وسبع حصيات. فقال (ع): بئس ما صنعت أما التراب والحصى فرده " (* 1) وقريب منها غيرها. لكن استفادة المقام منها غير ظاهرة، فان موردها الاخذ المحرم، بخلاف المقام، فاحتمال عدم وجوب رده إذا لم يستلزم تضييعا للوقف أنسب بالقواعد. إلا أن يكون إجماع.


(* 1) الوسائل باب: 26 من ابواب احكام المساجد حديث: 2.

[ 506 ]

{ (مسألة 8): إذا تنجس حصير المسجد وجب تطهيره (1)، أو قطع موضع النجس منه، إذا كان ذلك أصلح من إخراجه وتطهيره (2)، كما هو الغالب. (مسألة 9): إذا توقف تطهير المسجد على تخريبه أجمع - كما إذا كان الجص الذي عمر به نجسا، أو كان المباشر للبناء كافرا - فان وجد متبرع بالتعمير بعد الخراب جاز، وإلا فمشكل (3). (مسألة 10): لا يجوز تنجيس المسجد الذي صار خرابا (4) وان لم يصل فيه أحد، ويجب تطهيره إذا تنجس. } (1) وكذا آلاته. ذكره كثير، ولم ينقل فيه خلاف، بل عن مجمع البرهان والمدارك ما يشعر بالاتفاق عليه. وكأنه للبناء على المنع من إدخال النجاسة غير المتعدية إذا كانت من هذا القبيل، كما يقتضيه إطلاق الآية الشريفة من دون مخرج عنه، من سيرة أو غيرها، لاختصاصهما - على تقدير ثبوتهما - بغير ذلك. لكن يشكل ذلك هنا بما عرفت من اختصاص الآية بالنجاسة العينية فلا تشمل المتنجس. مضافا إلى أن غاية ما تقتضيه الآية حرمة التنجيس مادام في المسجد فإذا أخرج من المسجد لا يجب تطهيره. نعم لو ثبت وجوب رده وجب تطهيره حينئذ، فرارا من لزوم إدخال النجاسة إلى المسجد. (2) وحينئذ يتعين. (3) قد عرفت أن المنع أظهر. (4) فان المعروف عدم بطلان مسجديته بالخراب، بل الظاهر أنه لا خلاف فيه بيننا. نعم عن بعض العامة: أنه يرجع ملكا للواقف، قياسا

[ 507 ]

على ما لو أخذ السيل ميتا. فانه يرجع كفنه إلى ملك الوارث. لكنه قياس مع الفارق، فان الثاني تكليف يسقط بذهاب موضوعه، والثاني وضع باق ببقاء موضوعه، وهو الارض وان خربت. وقد ذكرنا في كتابنا نهج الفقاهة أقسام الوقف، واختلاف أحكامها، وأن وقف المساجد قسم برأسه ليس الوقف فيه على غاية معينة من صلاة أو عبادة، حتى يبطل بالخراب، لفوات الجهة المقصودة، وانما الوقف فيه لحفط عنوان خاص، وهو عنوان المسجدية، والخراب لا يستوجب فواته، لعدم الدليل عليه، والاصل يقتضي بقاءه. لكن في المسالك: " هذا في غير المبني في الارض المفتوحة عنوة، حيث يجوز وقفها تبعا لآثار التصرف، فانه ينبغي حينئذ بطلان الوقف بزوال الآثار، لزوال المقتضي للاختصاص، وخروجه عن حكم الاصل.. " وفيه: أن الملك آنا ما - ولو تبعا للآثار - يكفي في صحة الوقف، وإذا صح كان مؤبدا ولو للاستصحاب. نعم يقع الاشكال في ثبوت الملكية. ولو تبعا للآثار، فانه لا دليل عليه، كما أشرنا إلى ذلك في نهج الفقاهة. وحينئذ يشكل أصل وقفها مسجدا، لعدم الدليل على صحة التصرف فيها بذلك، وان ادعى شيخنا في الجواهر في كتاب الوقف السيرة القطعية على اتخاذ المساجد فيها. بل المعلوم من الشرع جريان أحكام المساجد على مساجد العراق ونحوه من البلاد المفتوحة عنوة، وان كان (قده) في كتاب البيع حكى عن المبسوط وغيره المنع من التصرف فيها، حتى ببنائها مساجد وسقايات، وأنه لو تصرف بذلك أو غيره كان باطلا، وهو الذي تقتضيه القواعد الاولية. والسيرة لم تثبت في مورد علم بأن أرض المسجد مما كان عامرا حين الفتح، وأنه لم يخرج عن ملك المسلمين ولو ببيع السلطان، وأنه لم يكن ذلك التصرف باذنه، وليس التصرف فيها بجعلها مسجدا إلا

[ 508 ]

{ (مسألة 11): إذا توقف تطهيره على تنجيس بعض المواضع الطاهرة لا مانع منه إن أمكن ازالته بعد ذلك (1)، كما إذا أراد تطهيره بصب الماء واستلزم ما ذكر. (مسألة 12): إذا توقف التطهير على بذل مال وجب (2). هل يضمن من صار سببا للتنجس؟ وجهان، لا يخلو ثانيهما من قوة (3). } كسائر التصرفات التي ذكروا أنها لا تجوز في أرض المسلمين إلا بالاذن من وليهم، كبنائها دورا ومنازل وسقايات ونحو ذلك، والسيرة في جميع ذلك لم تثبت بنحو يخرج بها عن القواعد. (1) لوجوب ارتكاب أقل المحذورين عند التزاحم. (2) لاطلاق الدليل. إلا أن يكون ضررا أو حرجا، فيرتفع بما دل على نفي الضرر، أو الحرج (* 1). (3) لان التسبيب الموجب للضمان يختص بما يكون الاتلاف فيه مستندا - عرفا - إلى السبب، لا إلى المباشر، بأن كان المباشر غير مختار في الاتلاف. كما لو وضع كأس غيره إلى جنب نائم فانقلب عليه فكسره، فان الضمان على واضع الكأس لا على النائم المباشر، وليس المقام من هذا القبيل، بل من باب احداث الداعي إلى بذل المال بازاء عمل مقصود، وان كان قصده بتوسط السبب، وفي مثله لا مجال للضمان، كما يظهر من ملاحظة النظائر. فإذا وجد الشخص الزاد والراحلة وكان مديونا بدين مانع من الاستطاعة، فإذا أبرأه الدائن من الدين لا يكون ضامنا لما يصرفه في طريق الحج.


(* 1) تقدمت الاشارة إليه في تعاليق مسألة: 43 من مباحث الاجتهاد والتقليد، ومسألة:. 10 من الفصل المتعرض فيه لاحكام ماء البئر.

[ 509 ]

{ (مسألة 13): إذا تغير عنوان المسجد، بأن غصب وجعل دارا أو صار خرابا، بحيث لا يمكن تعميره ولا الصلاة فيه، وقلنا بجواز جعله مكانا للزرع (1)، ففي جواز } (1) حكى شيخنا الاعظم (ره) في مكاسبه عن بعض الاساطين (* 1): أنه مع اليأس من الانتفاع به يؤجره الحاكم، ويصرف منفعته فيما يماثله من الاوقات، مقدما للاقرب والاحوج والافضل احتياطا.. الخ وذكر (ره) في كشف الغطاء: " أن جميع الاوقاف العامة - من مساجد ومدارس ومقابر وربط - إذا خربت وتعطلت جاز للحاكم ايجارها لوضع آخر ". وفيه: أنه يتم في مثل المدارس ونحوها مما يكون الخراب فيه موجبا لبطلان الوقف، فانه إذا بطل بقي أصل التصدق بها على حاله، فتكون تحت ولاية الولي العام ذاتا ومنفعة، وتكون منفعتها معنونة بعنوان الصدقة تبعا لها، فيصح للحاكم الشرعي ايجارها كما يصح له بيعها. أما مثل المساجد مما لا يكون الخراب موجبا لبطلان وقفها فيشكل: بأن منافعها قد أهملها الواقف، ولم يجعلها معنونة بعنوان الصدقة تبعا لها كي تكون تحت ولاية الحاكم. ولذا لا يصح له اجارتها في حال عمرانها، إذا لم تكن الاجارة مزاحمة للوقف كأن يؤجرها في الليل أو في غيره من الاوقات التي لا ينتفع بها في الجهة المقصودة، إذ لو كانت المنفعة مقصودة للواقف وجب على الحاكم الشرعي استيفاؤها، والاحتفاظ بها، كغيرها مما يكون تحت ولايته. ومن ذلك يظهر أنه لا تجوز إجارة مثل المدارس العامرة المسغولة بأهل العلم في الاوقات التي لا ينتفع بها، مثل أيام التعطيل أو في أيام الاشتغال بنحو لا يزاحم الطلبة. كما أن من ذلك يظهر أنه لو غصب المسجد أو بعض المدارس العامرة


(* 1) كاشف الغطاء (قدس سره).

[ 510 ]

{ تنجيسه وعدم وجوب تطهيره - كما قيل - إشكال (1)، والاظهر عدم جواز الاول (2)، بل وجوب الثاني أيضا (3). } أو خانات الزوار غاصب لا يكون ضامنا، لان الضمان يتوقف على اعتبار مضمون له، والمنافع المستوفاة للغاصب لم تكن ذات عنوان، مثل كونها ملكا لمالك، أو صدقة، أو نحو ذلك، كي يقوم البدل مقامها في ذلك ويصح اعتبار الضمان لها. وقد أشرنا في نهج الفقاهة إلى أقسام الوقف، واختلافها في الاحكام من حيث إرث الوارث، وجواز المعاوضة عليها، وثبوت الضمان باستيفائها على غير وجهها وغير ذلك. فراجع. هذا كله في إجارة الحاكم الشرعي. وأما جواز نفس التصرف فيه بجعله مزرعة أو نحو ذلك مما لا يعلم منافاته للمسجدية فالظاهر أنه لا بأس به لاصالة البراءة. اللهم إلا أن يبني على أصالة حرمة التصرف في الاموال إلا أن تعلم الاذن فيه، كما تدل عليه بعض الروايات (* 1). الضعيفة السند غير المجبورة بعمل. بل لولا ذلك لم يبعد القول بذلك في المساجد العامرة مع عدم المزاحمة للمترددين. فلاحظ. (1) كأنه ينشأ من أن تعذر الصلاة فيه مانع من صدق المسجدية، فان المسجدية وإن كانت من الملكات، إلا أن صدقها يتوقف على الاعداد وهو لا يكون مع تعذر الفعلية. (2) لما عرفت من أن المسجدية من الاعتبارات القائمة بالمكان، التي يكفي فيها مجرد الصلاحية، ولا تتوقف على الاعداد بوجه. فهي كالزوجية التي لا يتوقف اعتبارها على اعداد الاستمتاع. (3) لما عرفت من اتحاد الدليل على الحكمين، فاطلاقه يقتضي ثبوتهما معا. اللهم إلا أن يدعى الانصراف عن مثل المقام، فيتعين الرجوع إلى


(* 1) الوسائل باب: 3 من ابواب الانفال حديث: 2.

[ 511 ]

{ (مسألة 14): إذا رأى الجنب نجاسة في المسجد، فان أمكنه ازالتها بدون المكث في حال المرور وجب المبادرة إليها (1)، وإلا فالظاهر وجوب التأخير إلى ما بعد الغسل (2). } الاصول، ومقتضى الاستصحاب حرمة التنجيس. وأما وجوب التطهير فلما كان استصحابه من الاستصحاب التعليقي، وحجيته محل إشكال - كما عرفت في مبحث حرمة العصير الزبيبى - فالمرجع فيه أصالة البراءة. لكنه لا يتم فيما لو كانت النجاسة موجودة فيه قبل طروء الخراب، فان استصحاب وجوب التطهير منها تنجيزي. ولا فيما لو كان الخراب قبل البلوغ، فان استصحاب عدم حرمة التنجيس فيه محكم، والانصاف يقتضي تعين الرجوع إلى الاصول، إذ لا إطلاق واضح الشمول للمورد، لاختصاص الآية الشريفة بالمسجد الحرام، والعموم لغيره كان بالاجماع والمتيقن من معقده غير المقام. (1) بلا اشكال فيه في غير المسجدين. أما فيهما فالحكم كما لو توقف التطهير على المكث في غيرهما. (2) فان المقام من باب تزاحم حرمة المكث ووجوب الازالة، والحكم في باب التزاحم لزوم العمل على الاهم لو كان، والتخيير مع التساوي. والظاهر أهمية حرمة المكث بملاحظة أدلة حرمته، لا أقل من احتمال الاهمية الذي هو كالعلم بالاهمية في لزوم الترجيح عقلا للدوران بين التعيين والتخيير الموجب للاحتياط عقلا، فلا يجوز التطهير وهو جنب. بل تجب عقلا المبادرة إلى الغسل لغاية من غاياته. ثم التطهير. ولا يجب شرعا، لان التطهير لا يتوقف على الغسل، لامكان تحقق التطهير من الجنب، وإنما يجب الغسل عقلا من باب لزوم الجمع بين الغرضين. ونظيره وجوب استيجار الراحلة للمستطيع، فان وجوبه ليس غيريا، لعدم كونه مقدمة للحج، فان

[ 512 ]

{ لكن يجب المبادرة إليه حفظا للفورية بقدر الامكان. وان لم يمكن التطهير إلا بالمكث جنبا فلا يبعد جوازه، بل وجوبه (1). وكذا إذا استلزم التأخير إلى أن يغتسل هتك حرمته. (مسألة 15): في جواز تنجيس مساجد اليهود والنصارى اشكال (2) } الحج يصح من قاطع المسافة ولو بنحو الغصب، وانما يجب عقلا من باب لزوم الجمع بين غرضي الشارع الاقدس في تحريم الغصب ووجوب الحج. ولو فقد الماء وجبت المبادرة إلى التيمم لغاية يشرع لها، ثم التطهير. هذا وربما يقال: إن الكون في المسجد لما كان مستحبا في كل آن فإذا لم يمكن الغسل في الآن الاول، لاحتياج ايقاعه إلى زمان اكثر من زمان التيمم، يشرع التيمم لغاية الكون في الآن الاول، وإن كان واجدا للماء فإذا تيمم وجب عليه الدخول في المسجد وتطهيره، فلا يتوقف جواز التطهير على الغسل بل يجب فيه التيمم إذا كان زمانه أقصر (وفيه): أن مشروعية التيمم في مثل ذلك غير ثابتة، بل معلومة الانتفاء، وإلا لجاز التيمم للجنب، ودخول المساجد مع وجود الماء في خارج المساجد والتمكن من استعماله. (1) كأنه لاهمية ازالة النجاسة الباقية لو لم تزل بالنسبة إلى المكث. ومثله؟ ما بعده. (2) ينشأ من كونها مساجد حقيقة وان سميت عندهم باسم آخر. ومن عدم إطلاق لدليل الحكم، كي يتمسك به لتعميم الحكم لها، لاختصاص الآية الشريفة بالمسجد الحرام، والاجماع على التعدي منه غير ثابت فيما نحن فيه. اللهم إلا أن يقال: إن المسجد الحرام، والمسجد الاقصى، ومسجد الكوفة، ليست من المساجد الحادثة في زمان شريعتنا المقدسة، بل هي قديمة، ولا مجال للتفكيك بينها وبين غيرها من المساجد القديمة المستحدثة

[ 513 ]

{ وأما مساجد المسلمين فلا فرق فيها بين فرقهم (1)، (مسألة 16): إذا علم عدم جعل الواقف صحن المسجد أو سقفه أو جدرانه جزءا من المسجد لا يلحقه الحكم، من وجوب التطهير، وحرمة التنجيس (2). بل وكذا لو شك } في شريعة موسى وعيسى عليهما السلام فيلزم تعميم الحكم لجميع (وفيه): أنه لا يراد التفكيك بين الافراد وانما يراد التفكيك بين الاحوال، يعني حال كونها مساجد وكونها بيعا أو كنائس أو نحو ذلك، فانه لا اطلاق في الدليل يشمل الحالين، فالرجوع في الثانية إلى الاصل النافي متعين. وأوضح في ذلك المساجد المستحدثة لليهود في زمان شريعة عيسى عليه السلام وللنصارى في أيام شريعتنا، لامكان كون وقفها باطلا، لانها موقوفة على العبادة الباطلة. لكن عرفت أن وقف مثل ذلك ليس على العبادة بل لمجرد حفظ عنوان خاص، وملاحظة العبادة - صحيحة كانت أو باطلة - أمر خارج عنه. اللهم إلا أن يقال إثبات هذا المعنى في وقف البيع والكنائس كلية غير واضح، لامكان كونها من قبيل وقف الحسينيات في هذا العصر أو وقف المصلى. ولو كانت موقوفة بقصد المسجدية لكان اللازم على المسلمين ترتيب أحكام المساجد عليها في جميع البلاد المفتوحة. والظاهر خلاف ذلك إلا فأ موارد خاصة معدودة لا غيرها. (1) بلا إشكال. (2) لعدم المقتضي، وعدم الدليل، بل الظاهر أنه اجماع. والفرق بين المقام وفراش المسجد: أن تنجيس الفراش ادخال للنجاسة إلى المسجد لان الفضاء الذي يشغله الفراش جزء من المسجد، وليس كذلك المقام، لان خرجها عن المسجدية بمعنى خروج الفضاء الذي تشغله عن المسجدية.

[ 514 ]

{ في ذلك (1)، وان كان الاحوط اللحوق. (مسألة 17): إذا علم اجمالا بنجاسة أحد المسجدين، أو أحد المكانين من مسجد، وجب تطهيرهما (2). (مسألة 18): لا فرق بين كون المسجد عاما أو خاصا. وأما المكان الذي أعده للصلاة في داره فلا يلحقه الحكم (3). (مسألة 19): هل يجب اعلام الغير إذا لم يتمكن من الازالة؟ الظاهر العدم (4) إذا كان مما لا يوجب الهتك، وإلا فهو الاحوط. } (1) للاصل. إلا إذا علم أو احتمل منع المالك عن التنجيس على تقدير كونه ملكا. لكن يبقى وجوب التطهير بلا مقتض إذ الاصل البراءة. هذا إذا لم تكن أمارة على المسجدية، وإلا تعين العمل عليها. (2) لقاعدة الاحتياط اللازم، من جهة العلم الاجمالي بالتكليف. (3) لعدم كونه مسجدا، ولا خارجا عن الملكية. وفي خبر على ابن جعفر (ع) عن أخيه (ع): " عن رجل كان له مسجد في بعض بيوته أو داره هل يصلح له أن يجعله كنيفا؟ قال (ع): لا بأس " (* 1) ونحوه صحيح البزنطي (* 2) المروي في مستطرفات السرائر. (4) كأنه للاصل. لكن مقتضى اطلاق النهي في الآية الشريفة وجوب الازالة ولو بنحو التسبيب، فإذا علم بترتب الازالة على الاعلام وجب مقدمة لها، وقد سبق منه (قده) وجوب بذل المال إذا توقف عليه تطهير المسجد، ولو كان من قبيل الاجرة على التطهير، فكيف لا يجب الاعلام إذا علم بالازالة على تقدير الاعلام؟ (وبالجملة): بعد ما كان تطهير


(* 1) الوسائل باب: 10 من ابواب احكام المساجد حديث: 6. (* 2) الوسائل باب: 10 من ابواب احكام المساجد حديث: 4.

[ 515 ]

{ (مسألة 20): المشاهد المشرفة كالمساجد في حرمة التنجيس (1)، بل وجوب الازالة إذا كان تركها هتكا، بل مطلقا على الاحوط. لكن الاقوى عدم وجوبها مع عدمه (2). } المسجد لا تجب فيه المباشرة، وأنه يجب فيه الاستنابة، لا مجال للتشكيك في وجوب الاعلام إذا علم بترتب الازالة عليه. وكذا الحكم لو احتمل ذلك لان الشك في القدرة على الامتثال موجب للاحتياط عقلا. نعم لو علم بعدم ازالة غيره للنجاسة على تقدير اعلامه، فلا موجب للاعلام، للاصل. وكذا الحكم فيما يوجب الهتك. (1) كذا ذكر جماعة، بل لعله لا خلاف فيه ظاهرا، لوجوب تعظيمها وعدم وجوب جمع افراد التعظيم لا ينافي ذلك، إذ التنجيس مناف للتعظيم بجميع افراده. إلا أن يمنع وجوب التعظيم - ولو في الجملة - لعدم وضوح دليل عليه. بل السيرة القطعية على خلافه في الجملة. فالعمدة إذا ما دل على حرمة المهانة لها، كما تقتضيه مرتكزات المتشرعة التي هي نظير السيرة العملية لهم، يصح الاعتماد عليها في اثبات الحكم الشرعي. لكن عليه يدور الحكم في حرمة التنجيس، ووجوب التطهير مدار صدق المهانة وعدمها، ومن ذلك يشكل الفرق بين حرمة التنجيس ووجوب التطهير، لان ما يكون احداثه مهانة يكون بقاؤه كذلك، لعدم الفارق بين الحدوث والبقاء. إلا أن يكون التشكيك في حرمة مهانتها ومبغوضيتها مطلقا، والمتيقن خصوص الاحداث دون البقاء، فانه الذي يساعده مرتكزات المتشرعة، وهذا هو الاقرب. ثم إن حصول المهانة في النجاسة اليسيرة لا يخلو من اشكال، فعموم الحكم حينئذ مشكل. (2) أما معه فلا اشكال، للعلم بمبغوضيته، ولزوم صيانتها عنه، من غير فرق بين الحدوث والبقاء.

[ 516 ]

{ ولا فرق فيها بين الضرائح وما عليها من الثياب، وسائر مواضعها (1)، إلا في التأكد وعدمه (2). (مسألة 21): تجب الازالة عن ورق المصحف الشريف، وخطه بل عن جلده وغلافه، مع الهتك (3). كما أنه معه يحرم مس خطه أو ورقه بالعضو المتنجس، وان كان } (1) لاطراد الدليل في الجميع على نهج واحد. (2) فان الحكم فيما هو أقرب آكد منه في الابعد. (3) بلا اشكال، إذ من المعلوم ضرورة لدى المتشرعة وجوب صيانته عن ذلك، وفي خبر إسحاق بن غالب في القرآن " فيقول الجبار عزوجل: وعزتي وجلالي وارتفاع مكاني لاكرمن اليوم من اكرمك، ولاهينن من أهانك " (* 1) وفي رواية أبي الجارود: " قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أنا أول وافد على العزيز الجبار يوم القيامة، وكتابه، وأهل بيتي ثم أمتي ثم أسألهم ما فعلتم بكتاب الله تعالى وأهل بيتي " (* 2). فتأمل. وأما إذا لم يحصل الهتك ففي وجوب ذلك إشكال. إلا أن يستفاد من قوله تعالى: (لا يمسه إلا المطهرون) (* 3) فانه وان كان مورده الطهارة من الحدث - بقرينة نسبتها إلى الماس، لا العضو الممسوس به - إلا أنه يمكن استفادة المقام بالاولوية (وتوهم): اختصاص الآية بفعل الانسان نفسه، ولا تقتضي المنع من تحقق المس من غيره، فلا تدل على وجوب الازالة لو تحققت النجاسة (مندفع): بأن الظاهر من إطلاق الآية عموم المنع، لعدم تقييد موضوع الخطاب بفعل المخاطب نفسه. لكن ذلك


(* 1) الوسائل باب: 2 من ابواب قراءة القرآن حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 2 من ابواب قراءة القرآن حديث: 2. (* 3) الواقعة: 79.

[ 517 ]

{ متطهرا من الحدث. وأما إذا كان أحد هذه بقصد الاهانة فلا إشكال في حرمته (1). (مسألة 22): يحرم كتابة القرآن بالمركب النجس (2)، ولو كتب جهلا أو عمدا وجب محوه. كما أنه إذا تنجس خطه، ولم يمكن تطهيره، يجب محوه. (مسألة 23): لا يجوز إعطاؤه بيد الكافر (3)، وإن كان في يده يجب أخذه منه. (مسألة 24): يحرم وضع القرآن على العين النجسة (4)، } يجري بالنسبة إلى خطه. ومنه يظهر الوجه في حرمة مس خطه بالعضو المتنجس. وأما مس ورقه فغير ظاهر، إذ لا يستفاد من الآية، ولا فيه هتك ولا فيه مهانة. هذا ولكن في ثبوت الاولوية بالنسبة إلى الخبث إشكال، ومقتضى الاصل العدم. والحال في الورق أوضح. (1) بل قد يؤدى إلى الارتداد إذا كان عن استهانة بالدين. أما إذا كان بقصد الاهانة لخصوص الشخص المعين من القرآن لا غير، فليس إلا الحرمة. (2) لما تقدم من امكان استفادته من الاية الشريفة، فانه وان لم يكن فيه ماس وممسوس، لكن المناط موجود فيه بنحو آكد، وان كان لا يخلو من إشكال، كما عرفت. وكذا الحكم في الفرع الآتي. (3) لا يخلو من اشكال إذا لم يستلزم هتكا ولا مهانة. وكذا وجوب أخذه منه. نعم إذا كان وضع يده عليه يقتضي مس خطه بعضو منه، كان تحريم إعطائه ووجوب أخذه مبنيا على ما عرفت من حرمة مماسة النجس له. (4) الكلام فيه هو الكلام في المسألة السابقة.

[ 518 ]

{ كما أنه يجب رفعها عنه إذا وضعت عليه وإن كانت يابسة. (مسألة 25): يجب إزالة النجاسة عن التربة الحسينية (1)، بل عن تربة الرسول وسائر الائمة - صلوات الله عليهم - المأخوذة من قبورهم، ويحرم تنجيسها. ولا فرق في التربة الحسينية بين المأخوذة من القبر الشريف أو من الخارج إذا وضعت عليه بقصد التبرك، والاستشفاء (2). وكذا السبحة والتربة المأخوذة بقصد التبرك لاجل الصلاة. (مسألة 26): إذا وقع ورق القرآن أو غيره من المحترمات في بيت الخلاء أو بالوعته وجب اخراجه ولو باجرة (3). وان لم يمكن فالاحوط والاولى سد بابه. وترك التخلي فيه } (1) لما عن التنقيح من أنه ورد متواترا وجوب تعظيمها وترك الازالة مناف للتعظيم. هذا ولكن الذي عثرنا عليه من النصوص (* 1) مما تضمن الامر بتعظيمها والنهي عن الاستخفاف بها، ظاهر - بقرينة السياق والمقام - في اعتبار ذلك في الانتفاع بها في الاستشفاء وغيره، من فوائدها الجليلة، وليس فيها دلالة على أن ذلك من أحكامها مطلقا. نعم لا مجال للاشكال في حرمة إهانتها ومبغوضية هتكها فيكون حكمها حكم المشاهد الشريفة، لا المصحف. (2) لاطراد الدليل في الجميع. نعم يختص ذلك بما أخذ على وجه التبرك. أما ما أخذ على وجه آخر - مثل أن يصنع آجرا، أو خزفا، أو نحوهما - فليس موردا للكلام، ولا تجري عليه تلك الاحكام. (3) لعدم الفرق في صيانته عن الهتك بين التوقف عن الاجرة وعدمه


(* 1) راجع الوسائل باب: 72 من أبواب المزار، وباب: 59 من ابواب الاطعمة المحرمة.

[ 519 ]

{ إلى أن يضمحل (1). (مسألة 27): تنجيس مصحف الغير موجب لضمان نقصه الحاصل بتطهيره (2). (مسألة 28): وجوب تطهير المصحف كفائي، لا يختص بمن نجسه (3) ولو استلزم صرف المال وجب، ولا يضمنه من نجسه إذا لم يكن لغيره (4) وان صار هو السبب } (1) بل الاقوى، لوجوب دفع الاهانة الزائدة على المقدار الحاصل أولا. (2) لم يظهر الفرق بينه وبين ما مضى ويأتي في كون النقص إنما يكون بفعل المباشر بداعي امتثال التكليف، والاتلاف إنما ينسب إليه لا إلى السبب. نعم بينهما فرق من جهة أخرى. وهي أن تنجس المصحف يوجب نقصان ماليته غالبا، بلحاظ وجوب تطهيره، فالمضمون ينبغي أن يكون ذلك المقدار من المالية، وان لم يحصل التطهير، والضمان يكون على المسبب. هذا وقد عرفت في المسألة السابعة أن التطهير وان كان موجبا لنقص المسجد، لا يكون مضمونا على المطهر وإن كان هو المباشر، لانه كان لمصلحة المسجد، وكذا في المقام. فالضمان الذي يكون على المنجس ضمان التفاوت بين قيمته طاهرا وقيمته نجسا يجب تطهيره، بلا ضمان النقص الحاصل به، لا ما بين قيمته طاهرا وقيمته نجسا يجب تطهيره على نحو يضمن النقص الحاصل به. فلاحظ. (3) لاطلاق النهي في الآية، ولان وجوب صيانته عن الهتك لا يختص بمكلف دون أخر، وقد عرفت أن مقتضاهما لا يختص بصورة عدم الحاجة إلى المال. (4) يعنى: إذا لم يكن المصحف لغير من نجسه بل كان له. لكن

[ 520 ]

{ للتكليف بصرف المال (1). وكذا لو ألقاه في البالوعة فان مؤونة الاخراج الواجب على كل أحد ليس عليه، لان الضرر إنما جاء من قبل التكليف الشرعي (2). ويحتمل ضمان المسبب، كما قيل، بل قيل باختصاص الوجوب به، ويجبره الحاكم عليه لو امتنع، أو يستأجر آخر ولكن يأخذ الاجرة منه. (مسألة 29): إذا كان المصحف للغير ففي جواز تطهيره بغير إذنه إشكال (3)، } التخصيص بهذه الصورة غير ظاهر، فان المصحف لو كان لغير من نجسه أمكن أيضا أن يكون ضامنا للمال المبذول من غيره، مقدمة للتطهير، بناء على الضمان بالتسبيب. وكذا الاشكال لو كان أصل العبارة: " إذا كان لغيره " فانه - بناء على الضمان بالتسبيب - يكون المنجس ضامنا للمال المذكور وان كان المصحف لنفس المنجس. اللهم إلا أن يكون الضمير في " كان " راجعا إلى المال لا المصحف. (1) لان ذلك لا يوجب صحة نسبة الاتلاف إليه. (2) قد يقال: إن الضرر وإن جاء من قبل التكليف، لكن التكليف إنما جاء من قبل المسبب، فيكون الضرر ناشئا منه بالواسطة. فالعمدة في عدم الضمان: أن موجب الضمان صحة نسبة الاتلاف، وهو غير حاصل بالنسبه إلى المسبب بعد كون الباذل باذلا باختياره، الموجب لصحة نسبة الاتلاف إليه عرفا، لا إلى المسبب، كما عرفت. (3) ينشأ من الاشكال في أهمية وجوب التطهير من حرمة التصرف في مال الغير بغير إذنه. بل مقتضى كثرة الاهتمام في بيان الحرمة المستفادة من كثرة الادلة عليها أنها أهم، فلا يجوز التطهير حينئذ بلا إذن. اللهم إلا أن يقال: إذا كان الاذن واجبا على المالك مقدمة للتطهير، لا دليل

[ 521 ]

{ إلا إذا كان تركه هتكا (1)، ولم يمكن الاستيذان منه، فانه حينئذ لا يبعد وجوبه. (مسألة 30) يجب إزالة النجاسة عن المأكول (2)، وعن ظروف الاكل والشرب، إذا استلزم استعمالها تنجس } على توقف جواز التصرف عليه، لانصراف أدلة الحرمة عن مثل ذلك. ولا سيما وكون التطهير لمصلحة المصحف. وفيه أن الانصراف ممنوع، فالاطلاق محكم. ثم إن الاشكال يختص بما إذا لم يكن المالك في مقام التطهير، ولا الاذن لمن هو مقدم عليه ولا كان يأذن لو استؤذن، والا فلا تزاحم حينئذ بين وجوب التطهير وحرمة التصرف بلا إذن، فلا مقتضي لرفع اليد عن الحرمة المذكورة، فلا يجوز التطهير بلا إذن. ثم إن الكلام المذكور بعينه جار فيما توقف التطهير على استعمال الماء المغصوب أو الآلة المغصوبة فان التزاحم والترجيح جار هنا أيضا. (1) فلا ريب حينئذ في أهمية التطهير. فيجب ولو بلا إذن المالك. لكن ذلك حيث لا يمكن الاستيذان، وكان ممتنعا عن التطهير وعن الاذن فيه. أما لو كان مقدما على التطهير، أو على الاذن فيه، وامكن الاستيذان منه، فلابد من الاستيذان منه. (2) وكذا المشروب: يعنى: لا يجوز اكله أو شربه مع النجاسة. ولعل هذا الحكم من الضروريات. ويستفاد من النصوص المتقدمة في الماء القليل والمضاف، وفي الزيت والسمن والعسل إذا مات فيها جرذ أو فأرة (* 1) وغير ذلك.


(* 1) تقدمت الاشارة إلى بعضها في اوائل فصل كيفية تنجس المتنجسات، واشرنا هناك إلى مصادرها.

[ 522 ]

{ المأكول والمشروب. (مسألة 31): الاحوط ترك الانتفاع بالاعيان النجسة (1)، خصوصا الميتة، بل والمتنجسة إذا لم تقبل التطهير، إلا ما جرت السيرة عليه من الانتفاع بالعذرات وغيرها، للتسميد والاستصباح بالدهن المتنجس. لكن الاقوى جواز الانتفاع بالجميع، حتى الميتة، مطلقا في غير ما يشترط فيه الطهارة. نعم لا يجوز بيعها للاستعمال المحرم، وفي بعضها لا يجوز بيعه مطلقا كالميتة والعذرات. (مسألة 32): كما يحرم الاكل والشرب للشئ النجس كذا يحرم التسبيب لاكل الغير أو شربه (2). وكذا التسبب } (1) خروجا عن شبهة الخلاف، كما تقدم الاشارة إلى ذلك في مبحث نجاسة الميتة، فراجعه يتضح لك وجه الاحكام المذكورة في هذه المسألة. وتفصيل الكلام في ذلك موكول إلى محله من المكاسب المحرمة. (2) التسبب إلى الشئ عبارة عن فعل الشئ بواسطة السبب، فيعتبر فيه القصد إلى المسبب، بخلاف التسبيب، فانه مجرد فعل السبب، ولو مع الغفلة عن ترتب المسبب عليه. وكيف كان فدليل الحرام ان كان ظاهرا في توجه الخطاب بتركه إلى خصوص من قام به الفعل، لم يحرم التسبب إليه من غيره، فضلا عن التسبيب. وان كان ظاهرا في توجه الخطاب بتركه إلى كل أحد حرم التسبب إليه، والتسبيب مع الالتفات إلى ترتبه على السبب، بل يجب على كل أحد دفع وقوعه وان لم يكن على وجه التسبيب ولو لم يكن ظاهرا في أحد الوجهين كان مقتضى الاصل جواز التسبب إليه والتسبيب. وعلى هذا فحرمة التسبب إلى أكل النجس وشربه من غير

[ 523 ]

المتسبب تتوقف على ظهور الدليل في كون الخطاب بالحرمة على النحو الثاني، وهو غير ظاهر. نعم قد يستفاد من صحيح معاوية الواردة في بيع الزيت المتنجس لقوله (ع) فيه: " ويبينه لمن اشتراه ليستصبح به " (* 1) من جهة أن الاستصباح ليس محبوبا ومأمورا به، ولا مما يترتب على التنبيه والاعلام فلابد أن يكون التعليل به عرضيا، والعلة في الحقيقة هي ترك الاكل، فيكون ترك أكل المشتري واجبا على البائع، كما تقدم بيان ذلك في مبحث الماء المتنجس. وتقدم أيضا الاستدلال على حرمة التسبب إلى فعل غيره للحرام: بأن استناد الفعل إلى السبب أقوى، فنسبة الفعل إليه أولى، كما تقدم الاشكال فيه فراجع. ثم إن الصحيح المتقدم وان كان مورده الزيت المتنجس، لكن يجب التعدي عنه إلى مطلق المأكول والمشروب، بقرينة التعليل. المحمول على الارتكاز العرفي، فان مقتضاه عدم الفرق بين الزيت وغيره. نعم يشكل التعدي عن المأكول والمشروب إلى غيرهما من المحرمات. لعدم مساعدة الارتكاز عليه. فالاقتصار عليها متعين. ويشير إلى ذلك موثق ابن بكير (* 2) المتضمن للنهي عن اعلام المستعير إذا أعاره ثوبا لا يصلي فيه. وعليه فلا يجب الاعلام إذا كان يتوقف ترك استعمال النجس في غير الاكل والشرب عليه، وكذا في سائر المحرمات غير النجس إذا كان يتوقف تركها عليه. ومن ذلك يظهر لك الفرق بين مقتضى الصحيح المذكور ومقتضى الاستدلال المتقدم على حرمة التسبيب، فان بينهما عموما من وجه، إذ مقتضى الصحيح وجوب الاعلام وان لم يكن هناك تسبيب. ولكنه يختص بالنجس من حيث استعماله في الاكل والشرب. فلا يشمل غير النجس،


(* 1) الوسائل باب: 43 من ابواب الاطعمة المحرمة ملحق حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 47 من ابواب النجاسات حديث: 3.

[ 524 ]

{ لاستعماله فيما يشترط فيه الطهارة، فلو باع أو أعار شيئا نجسا قابلا للتطهير يجب الاعلام بنجاسته (1) وأما إذا لم يكن هو السبب في استعماله بأن رأى أن ما يأكله شخص أو يشربه أو يصلي فيه نجس، فلا يجب إعلامه (2)، (مسألة 33): لا يجوز سقي المسكرات للاطفال (3). } ولا النجس بلحاظ استعماله فيما يعتبر فيه الطهارة غير الاكل والشرب. ومقتضى الاستدلال حرمة التسبيب مطلقا إلى فعل الحرام، سواء أكان مورده النجس أم غيره، وسواء أكان الحرام الاكل والشرب أم غيرهما، لكنه يختص بصورة التسبيب الموجب لقوة اسناد الفعل إلى السبب، ولا يشمل غيرها. هذا وقد يستدل على حرمة التسبيب: بأن فيه تفويتا لغرض الشارع وايقاعا في المفسدة. وفيه - مع أن لازم ذلك عدم الفرق بين التسبيب وغيره -: أن تفويت الغرض إنما يكون حراما على من توجه إليه الخطاب بحفظه، لا على من لم يتوجه إليه الخطاب به، كما هو محل الكلام. (1) تفريع وجوب الاعلام على حرمة التسبب باعتبار أن تمكين البائع أو المعير من العين للمشتري أو المستعير فعل وجودي يترتب عليه استعمال النجس، وإن كان الاعتماد في طهارة المأخوذ من البائع أو المعير لم يكن على فعله، وإنما كان اعتمادا على أصالة الطهارة. هذا ولكن في كون هذا المقدار من فعل الفاعل كافيا في صدق التسبب اشكالا. نعم يتضح ذلك في مثل الجلد ونحوه مما كان الاصل فيه النجاسة لولا أخذه من المسلم. فتأمل جيدا. (2) قد عرفت أن مقتضى الصحيح وجوب الاعلام فيما يؤكل ويشرب (3) الظاهر أنه مما لا إشكال فيه، كما استفاضت به النصوص. ففي

[ 525 ]

{ بل يجب ردعهم وكذا سائر الاعيان النجسة إذا كانت مضرة لهم (1)، بل مطلقا (2). وأما المتنجسات فان كان التنجس من جهة كون أيديهم نجسة فالظاهر عدم البأس به (3) وان كان من جهة تنجس سابق فالاقوى جواز التسبب لاكلهم (4)، وان كان الاحوط تركه. وأما ردعهم عن الاكل أو الشرب } خبر أبي الربيع الشامي: " سئل أبو عبد الله (ع) عن الخمر.. (إلى أن قال) (ع): ولا يسقيها عبد لي صبيا صغيرا أو مملوكا إلا سقيته مثل ما سقاه من الحميم يوم القيامة " (* 1) ونحوه خبر العجلان، وغيرهما. (1) وجوب الردع على الولي عن مثل ذلك ظاهر، فانه مقتضى ولايته. أما وجوبه على غيره فغير ظاهر، لعدم الدليل على وجوب دفع الضرر عن كل أحد ولو كان صبيا. وكأنه لذلك خص الوجوب بالولي في مبحث قضاء الصلاة. نعم يجوز لغيره ردعهم، لانه إحسان محض. وأما حرمة التسبب إلى أكلهم وشربهم فأولى من وجوب الردع، من غير فرق بين الولي وغيره، لحرمة الاضرار بهم. (2) دليله غير ظاهر. بل النصوص الدالة على جواز استرضاع اليهودية والنصرانية والمجوسية والمشركة والناصبية (* 2) تأباه. وان كان ظاهر المحكي عن الاردبيلي (ره) من قوله: " والناس مكلفون باجراء أحكام المكلفين عليهم " يقتضي المفروغية عنه، بل عدم الفرق بين النجس والمتنجس. (3) للاصل، بل السيرة. (4) للاصل، كما تقدم في المياه.


(* 1) الوسائل باب: 10 من ابواب الاشربة المحرمة حديث: 1. (* 2) راجع الوسائل باب: 76، 77 من ابواب احكام الاولاد.

[ 526 ]

{ مع عدم التسبب فلا يجب من غير إشكال (1). (مسألة 34): إذا كان موضع من بيته أو فرشه نجسا فورد عليه ضيف وباشره بالرطوبة المسرية، ففي وجوب إعلامه اشكال، وان كان أحوط، بل لا يخلو عن قوة (2). وكذا إذا أحضر عنده طعاما ثم علم بنجاسته. بل وكذا إذا كان الطعام للغير وجماعة مشغولون بالاكل فرأى واحد منهم فيه نجاسة، وان كان عدم الوجوب في هذه الصورة لا يخلو عن قوة، لعدم كونه سببا لاكل الغير (4)، بخلاف الصورة السابقة. (مسألة 35): إذا استعار ظرفا أو فرشا أو غيرهما من جاره فتنجس عنده هل يجب عليه اعلامه عند الرد؟ فيه اشكال، والاحوط الاعلام، بل لا يخلو عن قوة إذا كان مما يستعمله المالك فيما يشترط فيه الطهارة (4). } (1) لعدم الدليل على الوجوب، بل السيرة تنفيه. لكن كلام الاردبيلي المتقدم يقتضي ثبوت الاشكال. (2) لكونه من التسبيب باعتبار أن إذن المالك للضعيف مقدمة لحصول الحرام. وان كان لا يخلو من اشكال، ولا سيما في فرض نجاسة موضع من بيته بخلاف الفرض الذي بعده، فانه من فروض التسبيب باعتبار أن إحضار الطعام طلب منه للاكل منه، وإن كان معذورا فيه قبل العلم، لكنه لا يعذر فيه بعده. (3) لكن عرفت أن صحيح معاوية (* 1) ظاهر في وجوب الاعلام في الفرض. (4) لانه من التسبيب. ومجرد الفرق بكونه معيرا أو مرجعا للعارية


(* 1) تقدم في مسألة: 22 واشرنا إلى مصدره.

[ 527 ]

{ فصل إذا صلى في النجس فان كان عن علم وعمد بطلت صلاته (1). وكذا إذا كان عن جهل بالنجاسة من حيث الحكم (2) } لا يوجب الفرق في تحقق التسبيب. لكن عرفت الاشكال في وجوب الاعلام إذا لم يتعلق بالاكل أو الشرب. فصل إذا صلى في النجس (1) إجماعا محكيا نقله عن جماعة، منهم الشيخ، والفاضلان، والشهيدان وغيرهم. وتقتضيه نصوص المانعية البالغة حد التواتر الآمرة بغسل الثياب والبدن من النجاسة للصلاة، والمانعة عن الصلاة فيها (* 1). وقد تقدم بعضها في أدلة النجاسة. مضافا إلى النصوص الخاصة بالعلم، كصحيح ابن سنان: " سألت أبا عبد الله (ع) عن رجل أصاب ثوبه جنابة أو دم قال (ع): إن كان علم أنه أصاب ثوبه جنابة قبل أن يصلي، ثم صلى فيه ولم يغسله فعليه أن يعيد ما صلى " (* 2)، ونحوه غيره ويأتي بعضه. (2) على المشهور. لاطلاق الادلة المتقدمة من معقد الاجماع والنصوص والتشكيك فيهما في غير محله، بل لعل الجاهل هو المتيقن، إذ من البعيد كون العالم موضوعا للسؤال، لوضوح وجوب الاعادة عليه. ودعوى: انتفاء التكليف بالطهارة في حقه، لقبح تكليف الغافل


(* 1) تقدم في اول الفصل السابق الاشارة إليها والى مصادرها (* 2) الوسائل باب: 40 من ابواب النجاسات حديث: 3.

[ 528 ]

عقلا، وأن المأتي به مع النجاسة لابد أن يكون مجزيا، لانه مأمور به شرعا، بشهادة استحقاق العقاب على تركه اختيارا. مدفوعة - وان حكيت عن المحقق الاردبيلى (قده) وبعض من تأخر عنه -: بأن الغفلة إنما تمنع عقلا عن باعثية التكليف تنجزه، لا عن ملاكه. ولذا ذهب المشهور إلى تكليف الكفار بالفروع مع غفلتهم عنها. فالمأتي به مع النجاسة ليس مأمورا به، ولا فردا للواجب الشرعي. ولا ينافي ذلك استحقاق العقاب على تركه، لان تركه ترك للواجب الواقعي اختيارا مع الالتفات إلى وجوبه - ولو في جملة - فإذا التفت في اثناء الوقت إلى الوجوب الواقعي وجب عقلا امتثاله بالاعادة، كما أنه لو التفت بعد خروج الوقت وجب القضاء لصدق الفوت. مع أنه لو سلم منع الغفلة عن ملاك التكليف، فاقتضاء ذلك لنفي الاعادة والقضاء إنما يكون لو استمرت في تمام الوقت، أما لو التفت في أثنائه فاللازم الحكم بوجوب الاعادة أو القضاء لتحقق شرط التكليف. وبمنع أجزاء المأتي به الناقص ومنع كونه مأمورا به، إما لمنع العقاب على تركه من أصله، أو للبناء على كونه للتجرؤ. مع أن البناء على صحة المأمور به الناقص وكونه مأمورا به لا يقتضي الاجزاء، ولا ينافي وجوب الاعادة، لجواز كون الوجوب على نحو تعدد المطلوب ولا دليل فيه على الاجزاء، بل اطلاق دليل الوجوب الاولي ينفي الاجزاء، ويقتضي الاعادة، كما لعله ظاهر بالتأمل. نعم يمكن أن يقال: مقتضى اطلاق حديث: " لا تعاد الصلاه.. (* 1) عدم وجوب الاعادة، وهو حاكم على أدلة الجزئية والشرطية (وفيه): أنه يتوقف على كون المراد من الطهور فيه الذي هو ي حد الخمسة، خصوص


(* 1) الوسائل باب: 3 من ابواب الوضوء حديث: 8 وينقله بتمامه في باب: 1 من ابواب افعال الصلاة، وباب: 29 من ابواب القراءة باسانيد متعددة.

[ 529 ]

{ بأن لم يعلم أن الشئ الفلاني مثل عرق الجنب من الحرام - نجس، أو عن جهل بشرطية الطهارة للصلاة. وأما إذا كان جاهلا بالموضوع - بأن لم يعلم أن ثوبه أو بدنه لاقى البول مثلا - فان لم يلتفت أصلا، أو التفت بعد الفراغ من الصلاة. } الطهارة من الحدث، لا ما يعم الطهارة من الخبث، والا كان مقتضاه الاعادة، بل ويتوقف على عموم للجاهل بالحكم، وإلا فلا مجال له في المقام مضافا إلى أن حكومته إنما هي بالاضافة إلى أدلة تشريع الجزئية والشرطية لا بالاضافة إلى ما دل على وجوب الاعادة في المقام كصحيح ابن سنان المتقدم ونحوه، لوحدة اللسان فيهما بل تكون نسبة مثل الصحيح إليه نسبة العام إلى الخاص، فيختص به. اللهم إلا أن يقال: حديث: " لا تعاد.. " لما لم يشمل العالم بالحكم يكون بينه وبين الصحيح عموم من وجه، لعموم الحديث لغير الطهارة من الخبث وعموم الصحيح للعالم بالحكم. لكن عليه يكون المرجع في الجاهل بالحكم اطلاقات الشرطية المقتضية للاعادة. مع أن خروج العالم عن حديث: " لا تعاد.. " لا يوجب انقلاب النسبة، إذ المدار في تعيينها على ما هو ظاهر الكلامين مع قطع النظر عن دليل آخر، كما حقق في محله. إلا أن يقال: خروج العالم بالحكم عن حديث: " لا تعاد.. " ليس لدليل آخر، وانما هو لقصوره عن شموله لان قوله (ع): " لا تعاد.. " يراد منه نفي الاعادة في مقابل حدوث الداعي إليها، وهذا لا يصدق في حق العالم، لتحقق الداعي إلى الاعادة فيه من أول الامر. لكن هذا جار بعينه في الصحيح، فيكون غير شامل للعالم، ويكون أخص من الحديث. ثم إنه لا فرق ذكرنا كله بين صورتي الجهل عن قصور أو تقصير.

[ 530 ]

{ صحت صلاته، ولا يجب عليه القضاء (1)، بل ولا الاعادة في الوقت (2)، وان كان أحوط (3). } (1) إجماعا محكيا صريحا وظاهرا عن جماعة كثيرة. ويدل عليه خبر على بن جعفر (ع): عن أخيه (ع): " عن الرجل احتجم فاصاب ثوبه دم فلم يعلم به حتى إذا كان من الغد كيف يصنع؟ فقال (ع): إن كان رآه فلم يغسله فليقض جميع ما فاته على قدر ما كان يصلي ولا ينقص منه شئ، وان كان رآه وقد صلى فليعتد بتلك الصلاة، ثم ليغسله " (* 1). وصحيح العيص: " سالت أبا عبد الله (ع) عن رجل صلى في ثوب رجل أياما، ثم إن صاحب الثوب أخبره أنه لا يصلي فيه. قال (ع): لا يعيد شيئا من صلاته (* 2). فتأمل. مضافا إلى نصوص نفي الاعادة الآتية، فانها دالة على نفي القضاء، إما باطلاقها، أو بضميمة عدم القول بالفصل أو بالاولوية. (2) على المشهور للنصوص الكثيرة، كصحيح عبد الرحمن: سألت أبا عبد الله (ع) عن الرجل يصلي وفي ثوبه عذرة من انسان أو سنور أو كلب أيعيد صلاته؟ قال (ع) إن كان لم يعلم فلا يعيد " (* 3)، ونحوه غيره ويأتي بعضه. (3) لذهاب جماعة كثيرة إليه، كالشيخ في مياه النهاية، وابن زهرة في الغنية، والمحقق في النافع. والعلامة في القواعد وغيرهم في غيرها على ما حكي. لصحيح وهب بن عبد ربه عن أبي عبد الله (ع): في الجنابة تصيب الثوب ولا يعلم بها صاحبه، فيصلي فيه ثم يعلم بعد. قال (ع): يعيد إذا لم يكن علم " (* 4). وخبر أبي بصير عنه (ع):


(* 1) الوسائل باب: 40 من ابواب النجاسات حديث: 10. (* 2) الوسائل باب: 40 من ابواب النجاسات حديث: 6. (* 3) الوسائل باب: 40 من ابواب النجاسات حديث: 5. (* 4) الوسائل باب: 40 من ابواب النجاسات حديث: 8.

[ 531 ]

" عن رجل صلى وفي ثوبه بول أو جنابة. فقال (ع): علم به أو لم يعلم فعليه الاعادة اعادة الصلاة إذا علم " (* 1). ولاجلهما حملوا الاخبار المتقدمة على نفي القضاء. وما قيل من أنه جمع بلا شاهد. مدفوع: بأنه بعد تقييدهما بالاجماع، والروايتين المتقدمتين في نفي القضاء يدور الامر بين طرحهما وتقييد الاخبار السابقة بهما، بحملها على خصوص نفي القضاء، والتقييد أولى من الطرح - كما هو محقق في محله - ولا يتوقف شاهد الجمع على كونه موجبا للتصرف في الدليلين معا، كما في الجواهر. نعم يشكل ذلك لاباء نصوص نفي الاعادة مطلقا عن حملها على خصوص نفي القضاء. فلاحظ صحيح محمد بن مسلم: في الرجل يرى في ثوب أخيه دما وهو يصلي. قال (ع): لا يؤذنه حتى ينصرف " (* 2). ورواية أبي بصير: " في رجل صلى في ثوب فيه جنابة ركعتين ثم علم. قال (ع): عليه أن يبتدئ الصلاة. قال: وسألته عن رجل صلى وفي ثوبه جنابة أو دم حتى فرغ من صلاته ثم علم. قال (ع): مضت صلاته (* 3) وصحيح زرارة المعلل عدم الاعادة: بأنه كان على يقين فشك.. (* 4) فانك تجد أن حمل نصوص الاعادة على الاستحباب أولى من حمل هذه النصوص وغيرها على خصوص نفي القضاء. بل من التعليل في الصحيح الاخير، وما فيه أيضا من قوله (ع)؟ " قلت: فهل على إن شككت أنه أصابه شئ أن أنظر فيه؟ قال (ع): لا، ولكنك إنما تريد أن تذهب بالشك الذي وقع من نفسك " يظهر


(* 1) الوسائل باب: 40 من ابواب النجاسات حديث: 9. (* 2) الوسائل باب: 40 من ابواب النجاسات حديث: 1. (* 3) الوسائل باب: 40 من ابواب النجاسات حديث: 2. (* 4) الوسائل باب: 37 من ابواب النجاسات حديث: 1.

[ 532 ]

{ وان التفت في أثناء الصلاة، فان علم سبقها وأن بعض صلاته وقع مع النجاسة، بطلت مع سعة الوقت للاعادة (1)، } ضعف ما عن الذكرى احتماله من التفصيل بين من اجتهد في البحث عن طهارة ثوبه فلا يعيد وغيره فيعيد. وعن الحدائق تقويته وحكايته عن ظاهر الشيخين في المقتعة والتهذيب، وظاهر الصدوق في الفقيه. للمرسل في الاخير: " روي في المني أنه إن كان الرجل حين قام فنظر وطلب لم يجد شيئا فلا شئ عليه، وإن كان لم ينظر ولم يطلب فعليه أن يغسله ويعيد الصلاة " (* 1)، ونحوه خبر منصور (ميمون. خ ل) الصيقل (* 2). ولعله هو المرسل بعينه. وقد يظهر أيضا من صحيح ابن مسلم عن الصادق (ع): " إن رأيت المني قبل أو بعد ما تدخل في الصلاة فعليك الاعادة اعادة الصلاة وان أنت نظرت في ثوبك فلم تصبه ثم صليت فيه ثم رأيته بعد فلا اعادة عليك. وكذلك البول " (* 3) فان التعليل المذكور يستوجب التصرف فيها بالحمل على الاستحباب. مضافا إلى اباء بعض نصوص نفي الاعادة عن التقييد بذلك. مع ضعف الاولين واعراض الاصحاب عن الجميع. فالعمل باطلاق نفي الاعادة متعين. (1) كما عن جماعة. لصحيح ابن مسلم، ولرواية أبي بصير، المتقدمين في الجاهل إلى ما بعد الفراغ. ولصحيح زرارة الطويل وفيه: " قلت: ان رأيته في ثوبي وأنا في الصلاة. قال (ع): تنقض الصلاة وتعيد إذا شككت في موضع منه، ثم رأيته، وان لم تشك ثم رأيته رطبا قطعت الصلاة وغسلته ثم بنيت على الصلاة لانك لا تدري لعله شي أوقع


(* 1) الوسائل باب: 41 من أبواب النجاسات حديث: 4. (* 2) الوسائل باب: 41 من ابواب النجاسات حديث: 3. (* 3) الوسائل باب: 41 من ابواب النجاسات حديث: 2.

[ 533 ]

عليك.. " (* 1). وبها يخرج عما دل على نفي الاعادة في الجاهل، سواء اكان دالا على حكم المقام بالاطلاق أم بالاولوية. نعم يعارضها ما عن مستطرفات السرائر من رواية عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (ع): " إن رأيت في ثوبك دما وأنت نصلي ولم تكن رأيته قبل ذلك، فاتم صلاتك، فإذا انصرفت فاغسله. قال (ع): وان كنت رأيته قبل أن تصلي فلم تغسله ثم رأيته بعد وانت في صلاتك فانصرف فاغسله وأعد صلاتك " (* 2). وموثقة ابن سرحان عنه (ع): " في الرجل يصلى فابصر في ثوبه دما. قال (ع): " يتم (* 3). لكن الجمع العرفي بينها يقتضي حمل الاخيرتين على صورة ما لو احتمل وقوع النجاسة في الاثناء حين الرؤية، كما تشير إليه الفقرة الثانية من صحيح زرارة المتقدم. مضافا إلى أن ظاهرهما جواز الاتمام بلا تبديل ولا تطهير وهو مما لم يقل به أحد. هذا والمشهور تخصيص وجوب الاعادة بما إذا لم يكن نزع الثوب أو تطهيرة أو تبديله، وإلا فعل ذلك وأتم صلاته، حملا للنصوص الاول على الال، والاخيرة على الاخير بشهادة حسن بن مسلم: قلت له: الدم يكون في الثوب علي وأنا في الصلاة. قال (ع): إن رأيته وعليك ثوب غيره فاطرحه وصل في غيره، وان لم يكن عليك ثوب غيره فامض في صلاتك ولا اعادة عليك ما لم يزد على مقدار الدرهم، وما كان أقل من ذلك فليس بشئ رأيته قبل أو لم تره.. " (* 4)، فيقيد بمنطوق الشرطية الاولى - الدالة على صحة الصلاة مع امكان الطرح - الروايات الاول وبمفهومها -


(* 1) الوسائل باب: 44 من ابواب النجاسات حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 44 من ابواب النجاسات حديث: 3. (* 3) الوسائل باب: 44 من ابواب النجاسات حديث: 2. (* 4) الوسائل باب: 20 من ابواب النجاسات حديث: 6.

[ 534 ]

{ وان كان الاحوط الاتمام ثم الاعادة (1). ومع ضيق الوقت } الدال على البطلان مع عدم امكان الطرح - الروايتان الاخيرتان. بل يكفي في ثبوت الجمع العرفي تقييد الروايات الاول، لانه بعد حملها على صورة عدم مكان الطرح تكون أخص مطلقا من الروايتين الاخيرتين، فيجب تقييدهما بها لئلا يلزم الطرح، كما عرفت. هذا ولكنه يتوقف على كون مورد الشرطية الاولى الدم الكثير، وكون مورد الثانية مطلق الدم، الاعم من القليل والكثير وجعل قوله (ع): ما لم يزد.. قيدا للثانية لا غير ويكون (ع) قد اكتفى عن بيان مفهوم الشرطية بالمفهوم المستفاد من القيد، حيث يدل التقييد على وجوب الاعادة إذا لم يكن عليه غيره، وقد زاد الدم على مقدار الدرهم. وذلك كله خلاف الظاهر، فان الظاهر كون الشرطية الثانية تصريحا بمفهوم الاولى والقيد راجع إليها معا، فيتعين حمل الامر بالطرح في الشرطية على الاستحباب بقرينة قوله (ع): وما كان أقل.. "، فتكون الرواية أجنبية عما نحن فيه، لان موردها الدم المعفو عنه. مضافا إلى رواية الشيخ (ره) لها عن الكليني (ره) بزيادة الواو فيها قبل القيد، واسقاط قوله (ع): وما كان أقل من ذلك " (* 1) فيكون قوله (ع): " وما لم يزد.. " كلاما مستقلا، وما قبله من الشرطيتين اللتين ثانيتهما تصريح بمفهوم أولاهما موضوعهما الدم الكثير. وعليه فمحمل الشرطية الاولى محمل روايتي ابني سنان وسرحان. وأما الشرطية الثانية فقد حكي الاتفاق على خلافها وسيأتي إن شاء الله. (1) لاحتمال صحة الصلاة وحرمة قطعها واحتمال بطلانها، وبالاتمام


(* 1) كما ذكره في الوافي في ذيل الحديث الاول من باب التطهير من الدم من ابواب الطهارة من الخبث

[ 535 ]

{ إن أمكن التطهير أو التبديل - وهو في الصلاة من غير لزوم المنافي - فليفعل ذلك ويتم، وكانت صحيحة (1)، وان لم يمكن أتمها وكانت صحيحة. وان علم حدوثها في الاثناء مع } والاعادة يحصل العمل بكل المحتملات. (1) لانصراف نصوص وجوب الاعادة في الجاهل إذا التفت في الاثناء المتقدمة، عن المورد، والاصل يقتصي عذرية الجهل. أو لما دل على أهمية الوقت من الطهارة الخبثية، فيسقط اعتبار الطهارة إذا أدى إلى فوات الصلاة في الوقت. لكن دعوى انصراف نصوص الاعادة بنحو يعتد به ممنوعة، ولذا لا يظن الالتزام به في غير الفرض من موارد الجزئية والشرطية. ولاجل ذلك لا مجال للرجوع إلى أصالة عذرية الجهل. على أن مجرد عذرية الجهل لا تقتضي الصحة. والتزاحم في أول الصلاة غير ثابت، لامكان الصلاة حينئذ بالثوب الطاهر، والتزاحم حين الالتفات وان كان حاصلا بالاضافة إلى ما وقع من الاجزاء، لكنه إنما يقتضى الاجتزاء بالبدل الاضطراري لا تصحيح الجزء الباطل والاجتزاء به. فان قلت: الجهل بالنجاسة موجب لانتفاء القدرة على الطهارة من الخبث، فلا مانع من اعمال التزاحم من أول الامر (قلت): موضوع التزاحم الذي يقدم فيه الوقت العجز لا من جهة الجهل، كمرض أو برد أو غيرهما، فيبقى العجز من جهة الجهل باقيا تحت القاعدة المقتضية للبطلان معه عملا بعموم الشرطية. اللهم إلا أن يقال: التعدي عن الاعذار المذكورة إلى المقام مما يساعده المذاق العرفي فالبناء على اجراء حكم التزاحم من اول الامر أظهر. ومن ذلك تعرف الوجه أيضا في قول المصنف (ره): " أتمها وكانت صحيحة ". نعم بناء على وجوب الصلاة عاريا إذا لم يتمكن من التستر إلا بالنجس

[ 536 ]

{ عدم إتيان شئ من أجزائها مع النجاسة، أو علم بها وشك في أنها كانت سابقا أو حدثت فعلا، فمع سعة الوقت وامكان التطهير أو التبديل يتمها بعدهما (1)، ومع عدم الامكان يستأنف (2) } ينبغي تقييد الحكم في المقام بما إذا يمكن النزع والصلاة عاريا، وإلا تعين عليه ذلك إذا لم يمكن التبديل أو التطهير. (1) إذا الطهارة من الخبث ليست شرطا في المصلي، بحيث يقدح انتفاؤها في أثناء الصلاة ولو مع عدم الاشتغال بفعل من أفعالها، إذ لا دليل على ذلك بل الدليل على خلافه، كالنصوص الواردة في الرعاف في أثناء الصلاة (* 1). مضافا إلى صحيح زرارة المتقدم (* 2) الآمر بغسل الثوب والبناء على ما مضى من الصلاة. (2) كما يستفاد من الامر بتطهير الثوب في صحيح زرارة (* 3)، والتطهير من الرعاف في النصوص الكثيرة (* 4)، فان ظاهر الأمر الارشاد إلى اعتبار التطهير في صحة الاجزاء اللاحقة. بل هو مقتضى اطلاق أدلة مانعية النجاسة. مضافا إلى ما دل على وجوب الاستيناف مع عدم التمكن من التطهير من الرعاف. ففي مصحح الحلبي: " وان لم يقدر على ماء حتى ينصرف بوجهه أو بتكلم فقد قطع صلاته (* 5). وفي صحيح ابن أذينة: " فان لم يجد الماء حتى يلتفت فليعد الصلاة " (* 6) ونحوهما غيرهما.


(* 1) راجع الوسائل باب: 2 من ابواب قواطع الصلاة. (* 2) تقدم قريبا في أول الكلام فيمن رآى النجاسة في اثناء الصلاة. (* 3) تقدم قريبا في أول الكلام فيمن رأى النجاسة في اثناء الصلاة. (* 4) راجع الوسائل باب: 2 من ابواب قواطع الصلاة. (* 5) الوسائل باب: 2 من ابواب قواطع الصلاة حديث: 6. (* 6) الوسائل باب: 2 من ابواب قواطع الصلاة حديث: 1.

[ 537 ]

{ ومع ضيق الوقت يتمها مع النجاسة ولا شئ عليه (1). وأما إذا كان ناسيا فالاقوى وجوب الاعادة (2)، } (1) هذا بناء على صحة الصلاة في الثوب النجس مع عدم التمكن من غيره، أما بناء على وجوب الصلاة عاريا يتعين إلقاء النجس والصلاة عاريا إن أمكن. (2) على المشهور، بل حكي عليه الاجماع عن الغنية، وشرح الجمل للقاضي. وعن السرائر: نفي الخلاف فيه ممن عدا الشيخ في الاستبصار خاصة والنصوص به مستفيضة. كصحيح زرارة الطويل عن أبي جعفر (ع): " أصاب ثوبي دم رعاف أو غيره أو شئ من المني فعلمت أثره إلى أن أصيب له الماء، فاصبت وحضرت الصلاة، ونسيت أن بثوبي شيئا وصليت ثم إني ذكرت بعد ذلك. قال (ع): تعيد الصلاة وتغسله.. (* 1). وخبر أبي بصير عن أبي عبد الله (ع): " إن أصاب ثوب الرجل الدم فصلى فيه وهو لا يعلم فلا إعادة عليه وان هو علم قبل أن يصلي فنسي وصلى فيه فعليه الاعادة " (* 2). وموثق سماعة عنه (ع): " عن الرجل يرى بثوبه الدم فينسى أن يغسله حتى يصلي. قال (ع): يعيد صلاته كي يهتم بالشئ إذا كان في ثوبه، عقوبة لنسيانه " (* 3) ونحوها صحيح ابن سنان (* 4)، وخبر الحسن بن زياد وابن مسكان (* 5). ومنه ما ورد في ناسي الاستنجاء حتى صلى، المتضمن للامر بالاعادة.


(* 1) الوسائل باب: 42 من ابواب النجاسات حديث: 2. (* 2) الوسائل باب: 40 من ابواب النجاسات حديث: 7. (* 3) الوسائل باب: 42 من ابواب النجاسات حديث: 5. (* 4) الوسائل باب: 40 من ابواب النجاسات حديث: 3. (* 5) الوسائل باب: 42 من ابواب النجاسات حديث: 6، 4.

[ 538 ]

{ أو القضاء (1) مطلقا، } هذا وربما نسب إلى الشيخ القول بالصحة ونفي الاعادة، وظاهر المعتبر الميل إليه، وفي المدارك الجزم به، وواقفه عليه غيره. لصحيح العلاء عن أبي عبد الله (ع): " سألته عن الرجل يصيب ثوبه الشئ ينجسه، فينسى أن يغسله فيصلي فيه، ثم يذكر أنه لم يكن غسله، أيعيد الصلاة؟ قال (ع): لا يعيد. قد مضت الصلاة وكتبت له " (* 1)، ونحوه جملة واردة في ناسي الاستنجاء (* 2)، فان مقتضى الجمع العرفي حمل النصوص السابقة على الاستحباب، كما تقدم نظيره. ويشكل باباء تلك النصوص عن الحمل على ذلك، كما يظهر من ملاحظة التعليل في الموثق، إذ العقوبة لا تكون بالامر الاستحبابي. وكذا التفصيل بين الجاهل والناسي، فانه لا يناسب الاستحباب أيضا، إذ الجاهل أيضا تستحب له الاعادة كما تقدم. واعمال قواعد التعارض بينها يوجب الاخذ بالنصوص السابقة، لانها أصح سندا وأشهر مضمونا. وكأنه لذلك قال في محكي التهذيب: " إن رواية العلاء شاذة لا تعارض الاخبار التي ذكرناها ". (1) وعن الشيخ في الاستبصار، والفاضل في بعض كتبه نفيه. حملا لنصوص نفي الاعادة عليه بشهادة صحيح ابن مهزيار: كتب إليه سليمان بن رشيد يخبره أنه بال في ظلمة الليل وأنه أصاب كفه برد نقطة من البول، لم يشك أنه أصابه ولم يره، وأنه مسحه بخرقة، ثم نسي أن يغسله، وتمسح بدهن فمسح به كفيه ووجهه ورأسه، ثم توضأ وضوء الصلاة فصلى. فأجاب بجواب قرأته بخطه: أما ما توهمت مما أصاب يدك


(* 1) الوسائل باب: 42 من ابواب النجاسات حديث: 3. (* 2) راجع الوسائل باب: 18 من ابواب نواقض الوضوء، وباب: 10 من ابواب احكام الخلوة.

[ 539 ]

{ سواء تذكر بعد الصلاة أو في أثنائها (1) } فليس بشئ إلا ما تحقق، فان حققت ذلك كنت حقيقا أن تعيد الصلوات اللواتي كنت صليتهن بذلك الوضوء بعينه ما كان منهن في وقتها، وما فات وقتها فلا اعادة عليك لها من قبل، إن الرجل إذا كان ثوبه نجسا لم يعد الصلاة إلا ما كان في وقت، وإذ كان جنبا أو صلى على غير وضوء فعليه إعادة الصلوات المكتوبات اللواتى فاتته، لان الثوب خلاف الجسد. فاعمل على ذلك إن شاء الله " (* 1). لكن يشكل: بأن ذيله وإن كان صريحا في التفصيل بين الوقت وخارجه، لكنه غير ظاهر في الناسي، ومورده وان كان هو الناسي، لكنه لا يظهر منه كون الذيل حكما له، لما فيه من الاضطراب في المتن، فان ظاهر صدره أن الخلل كان من الوضوء، لا من مجرد النجاسة، وذيله ظاهر في كون الخلل من جهة النجاسة، ومع هذا الاضطراب لا يحصل الوثوق النوعي بعدم طروء الخلل من جهة الزيادة أو النقيصة. بل قيل: إنه يشبه أن يكون وقع فيه غلط من النساخ. وحينئذ يشكل الاعتماد عليه في الشهادة على التفصيل المذكور. (1) ففي صحيح ابن سنان في الدم: " وان كنت رأيته قبل أن تصلي فلم تغسله، ثم رأيته بعد وأنت في صلاتك فانصرف فاغسله وأعد صلاتك " (* 2). ومثله في ذلك صحيح ابن جعفر (ع) (* 3)، وخبره (* 4) الواردان في ناسي الاستنجاء. ويمكن أيضا استفادته مما دل على الاعادة في


(* 1) الوسائل باب: 42 من أبواب النجاسات حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 44 من ابواب النجاسات حديث: 3. (* 3) الوسائل باب: 9 من ابواب احكام الخلوة حديث: 2. (* 4) الوسائل باب: 10 من ابواب احكام الخلوة حديث: 4.

[ 540 ]

{ أمكن التطهير أو التبديل أم لا (1). (مسألة 1): ناسي الحكم تكليفا أو وضعا كجاهله في وجوب الاعادة والقضاء (2). (مسألة 2): لو غسل ثوبه النجس وعلم بطهارته، ثم صلى فيه، وبعد ذلك تبين له بقاء نجاسته، فالظاهر أنه من باب الجهل بالموضوع (3)، فلا يجب عليه الاعادة أو القضاء. وكذا لو شك في نجاسته ثم تبين بعد الصلاة أنه كان نجسا (4). وكذا لو علم بنجاسته فاخبره الوكيل في تطهيره بطهارته (5) } الجاهل إذا علم في الاثناء. (1) للاطلاق. (2) لاطلاق دليل الاعادة على العالم. وقد تقدم الكلام في عموم حديث: " لا تعاد.. " للجاهل بالحكم. ومثله الكلام في ناسي الحكم. (3) لصدق كونه لا يعلم بالنجاسة، الذي أخذ موضوعا لنفي وجوب الاعادة في النصوص. ومجرد العلم بها قبل الغسل لا يجدي في دخوله تحت قوله (ع): " إن كان علم. " لان المراد به العلم حين الصلاة. ولا ينافيه وجوب الاعادة على الناسي، لانه من أفراد العالم أو لقيام الدليل عليه بالخصوص. ومثل الفرض من علم بالنجاسة، ثم تردد بنحو الشك الساري فصلى، فانكشف ثبوت النجاسة. (4) فان صدق عدم العلم فيه واضح. نعم لو علم نجاسته سابقا كان استصحابها بمنزلة العلم، ولذا يقوم مقام العلم المأخوذ موضوعا في الحكم على نحو الطريقية. (5) فان حجية خبر الوكيل وكونه بمنزلة العلم يستوجب كون الفرض

[ 541 ]

{ أو شهدت البينة بتطهيره، ثم تبين الخلاف. وكذا لو وقعت قطرة بول أو دم - مثلا - وشك في أنها وقعت على ثوبه أو على الارض، ثم تبين أنها وقعت على ثوبه (1). وكذا لو رأى في بدنه أو ثوبه دما، وقطع بأنه دم البق أو دم القروح المعفو، أو أنه أقل من الدرهم، أو نحو ذلك، ثم تبين أنه مما لا يجوز الصلاة فيه. وكذا لو شك في شئ من ذلك ثم } من قبيل الفرض الاول. وكذا الكلام في البينة. نعم في حسنة ميسر: " قلت لابي عبد الله (ع): آمر الجارية فتغسل ثوبي من المني فلا تبالغ في غسله، فاصلي فيه فإذا هو يابس. قال (ع): أعد صلاتك. أما انك لو كنت غسلت أنت لم يكن عليك شئ " (* 1). وموردها صورة العلم بوقوع الغسل، وكون الحكم بالطهارة اعتمادا على أصالة الصحة، فكأن الرواية واردة للردع عن العمل بها فلا تنافي شيئا مما في المتن (1) العلم المأخوذ في النصوص وجودا وعدما موضوعا للاعادة وعدمها (تارة): يراد به العلم التفصيلي (واخرى): الاعم من الاجمالي مطلقا (وثالثة): بشرط كونه منجزا. ولازم الاول صحة الصلاة مع العلم بنجاسة أحد الثياب التي عليه. ولازم الثاني البطلان إذا صلى في أحد أطراف الشبهة غير المحصورة أو كان بعض الاطراف خارجا عن محل الابتلاء. وذلك كله - مع أنه خلاف ظاهر النصوص - مما لا يظن إمكان الالتزام به. ولاجل ذلك يتعين المصير إلى الثالث، ولازمه التفصيل في الفرض المذكور بين كون الارض موردا لابتلاء المكلف وعدمه، واختصاص الصحة بالثاني دون الاول. إلا أن يدعى انصراف النصوص إلى خصوص العلم بنجاسة الثوب أو البدن ولو اجمالا لا غير. ولكنه غير ظاهر.


(* 1) الوسائل باب: 18 من ابواب النجاسات حديث: 1.

[ 542 ]

{ تبين أنه مما لا يجوز، فجميع هذه من الجهل بالنجاسة (1) لا يجب فيها الاعادة أو القضاء. (مسألة 3): لو علم بنجاسة شئ، فنسى ولاقاه بالرطوبة، وصلى، ثم تذكر أنه كان نجسا، وأن يده تنجست بملاقاته، فالظاهر أنه أيضا من باب الجهل بالموضوع، لا النسيان، لانه لم يعلم نجاسة يده سابقا، والنسيان إنما هو في نجاسة شئ آخر غير ما صلى فيه. نعم لو توضأ أو اغتسل قبل تطهير يده وصلى، كانت باطلة من جهة بطلان وضوئه أو غسله (2). (مسألة 4): إذا انحصر ثوبه في نجس فان لم يمكن نزعه حال الصلاة لبرد أو نحوه صلى فيه (3)، } (1) لان موضوع النصوص النجاسة التي يجب إزالتها على تقدير العلم وهي مما لم تعلم في الامثلة المذكورة. لكن قال في كشف الغطاء: " وفي إلحاق الجهل بموضوع العفو - لزعم القلة فيما يعفى عن قليله، أو زعم أنه مما يعفى عن قليله، أو مما يعفى عن أصله، أو يعفى عن محله، أو عن أهله " كالمربية، أو لزعم اضطراره، أو لزعم أنه من بول الطفل مع الاتيان بالصب عليه، أو في تغذيته كذلك - أو الجهل بالمحصورية - بزعم أنه من غير المحصور، أو أنه من المشتبه الخارج بعد أحد الاستبراءين - إشكال. ويقوى الافساد عملا بأصل بقاء شغل الذمة ". ويظهر ضعفه مما عرفت من عموم أدلة العفو، فلا مجال لقاعدة الاشتغال. (2) بناء على اشتراط طهارة محال الوضوء والغسل في صحتهما، وسيأتي إن شاء الله تعالى. (3) بلا خلاف ولا إشكال. بل قولا واحدا، كما في الجواهر.

[ 543 ]

{ ولا يجب عليه الاعادة أو القضاء (1)، وان تمكن من نزعه } لاطلاق جملة من النصوص الآتية. وخصوص ما رواه محمد الحلبي: " سألت أبا عبد الله (ع) عن الرجل يجنب في الثوب أو يصيبه بول وليس معه ثوب غيره. قال (ع): يصلى فيه إذا اضطر إليه " (* 1)، بناء على حمل الضرورة فيه على ما نحن فيه. (1) على المشهور شهرة عظيمة. وعن الشيخ وابن الجنيد وجوب الاعادة وربما حكي عن جمع. لموثق عمار عن أبي عبد الله (ع): " أنه سئل عن رجل ليس عليه إلا ثوب، ولا تحل الصلاة فيه، وليس يجد ماء يغسله كيف يصنع؟ قال (ع): يتيمم ويصلي، فإذا أصاب ماء غسله وأعاد الصلاة " (* 2). وخلو النصوص الآمرة بالصلاة فيه (* 3) عن الامر بالاعادة لا يصلح قرينة على حمله على الاستحباب. كما أن إعراض المشهور عنه لا يوجب سقوطه عن الحجية، لامكان كونه لبنائهم على تعارض النصوص في الباب، ووجوب ترجيح غيره عليه. نعم لا يظهر منه كون الاعادة لاجل الصلاة في النجاسة، أو لاجل التيمم الذي قد أمر في جملة من النصوص (* 4) بالاعادة من أجله، المحمولة على الاستحباب، حسب ما يأتي في محله، فلعل ذلك موجب لحمله على الاستحباب لذلك، بقرينة خلو النصوص عن الامر بالاعادة. فتأمل. ثم إن عدم وجوب الاعادة مبنى على مشروعية البدار لذوي الاعذار كما يقتضيه إطلاق دليل البدلية، لصدق عدم القدرة على الطبيعة المطلقة مع


(* 1) الوسائل باب: 45 من ابواب النجاسات حديث: 7. (* 2) الوسائل باب: 45 من ابواب النجاسات حديث: 8. (* 3) راجع الوسائل باب: 45 من ابواب النجاسات. (* 4) راجع الوسائل باب: 14 من ابواب التيمم.

[ 544 ]

{ ففي وجوب الصلاة فيه، أو عاريا، أو التخيير وجوه الاقوى الاول، والاحوط تكرار الصلاة. } عدم القدرة عليها في أول الوقت، وان علم بالقدرة على بعض الافراد في أثناء الوقت أو آخره، إذ القدرة في الاثناء لا تنافي العجز أول الوقت. نعم في ثبوت الاطلاق لنصوص المقام تأمل، لظهور كونها مسوقة مساق جعل البدل في ظرف عدم القدرة في قبال سقوطه، لا في مقام جعل البدلية بلحاظ جميع الازمنة، وحينئذ يجوز البدار منوطا بعدم القدرة في تمام الوقت واقعا فإذا انكشف ثبوت القدرة في أثناء الوقت انكشف فساد البدل من أول الامر. ولعله يأتي توضيح ذلك إن شاء الله. (1) كما عن البيان والمدارك ترجيحه، وعن المعالم وكشف اللثام تقويته للاخبار الآمرة بذلك، كصحيح الحلبي: سألت أبا عبد الله (ع) عن رجل أجنب في ثوبه وليس معه ثوب غيره. قال (ع): يصلي فيه، فإذا وجد الماء غسله " (* 1)، ونحوه صحيحه الآخر في الثوب الواحد الذي فيه البول (* 2)، وصحيح عبد الرحمن بن أبي عبد الله في الثوب الذي يجنب فيه (* 3). وفي صحيح ابن جعفر (ع): " عن رجل عريان وحضرت الصلاة، فاصاب ثوبا نصفه دم أو كله دم يصلى فيه أو يصلي عريانا؟ قال (ع): إن وجد ماء غسله، وان لم يجد ماء صلى فيه، ولم يصل عريانا (* 4). التى يجب ترجيحها على معارضها - كرواية محمد الحلبي عن أبي عبد الله (ع): في رجل أصابته جنابة، وهو في الفلاة، وليس


(* 1) الوسائل باب: 45 من ابواب النجاسات حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 45 من ابواب النجاسات حديث: 3. (* 3) الوسائل باب: 45 من ابواب النجاسات حديث: 4. (* 4) الوسائل باب: 45 من ابواب النجاسات حديث: 5.

[ 545 ]

عليه إلا ثوب واحد وأصاب ثوبه مني. قال (ع): يتيمم ويطرح ثوبه، فيجلس مجتمعا فيصلي، ويومئ ايماء " (* 1)، ونحوها موثق سماعة، وموثقه الآخر (* 2)، لكن فيه أنه يصلي عريانا قائما يومئ إيماء - لانها أصح سندا، واكثر عددا. مع أن تفويت شرط الساتر أولى من تفويت نفسه. ولاسيما ويلزم من الصلاة عاريا الاخلال بالاركان، لابدال الركوع والسجود فيها بالايماء. ولكنه يشكل ذلك: بأن الترجيح يتوقف على عدم إمكان الجمع بحمل الاول على صورة الاضطرار والاخيرة على غيرها، بشهادة رواية الحلبي المتقدمة في المسألة السابقة. وحمل " إذا اضطر " فيها على معنى عدم التمكن من ثوب آخر طاهر، خلاف الظاهر، لان ذلك مفروض في السؤال، فذكره في الجواب يكون تأكيدا لا تأسيسا، وهو خلاف الاصل. مع أن النجاسة مانعة عن الصلاة ولو كانت في غير الساتر أو في البدن، فالدوران يكون بين شرطية الساتر ومانعية النجاسة، والانتقال إلى البدل لا بأس به إذ دل على بدليته الدليل. ولاجل ذلك حكي عن المشهور وجوب الصلاة عاريا في مفروض المسألة، أعني: صورة عدم الاضطرار إلى لبس الثوب (ودعوى): إباء النصوص عنه ولا سيما صحيح ابن جعفر (ع)، لان قول السائل فيه: " أو يصلى عريانا؟ " ظاهر في امكان الصلاة عريانا (ممنوعة) إذ المراد من الاضطرار هو العرفي، الذي لا ينافي الامكان العقلي. بل قيل: ربما يومئ إلى التفصيل المذكور كون مورد النصوص الثانية الفلاة التي لا تكون من موارد الاضطرار إلى لبس الثوب.


(* 1) الوسائل باب: 46 من ابواب النجاسات حديث: 4. (* 2) الوسائل باب: 46 من ابواب النجاسات حديث: 1.

[ 546 ]

{ (مسألة 5): إذا كان عنده ثوبان يعلم بنجاسة أحدهما يكرر الصلاة (1) وان لم يتمكن إلا من صلاة واحدة، } ومن هذا كله يظهر لك ضعف القول بالتخيير - كما هو المحكي عن المعتبر، والمنتهى، والمختلف، والدروس، والذكرى، وجامع المقاصد، وغيرها - جمعا بين النصوص بالحمل عليه. فانه بلا شاهد، ولا مما يساعده العرف في مثلها مما ظاهره السؤال عن كيفية الصلاة في ظرف المفروغية عن وجوبها، إذ - على هذا - لا معنى للوجوب التخييري، لامتناعه بين الضدين اللذين لا ثالث لهما. نعم لو كان السؤال عن أصل وجوب الصلاة أمكن الوجوب التخييري لوجود الواسطة وهي ترك الصلاة. لكنه خلاف ظاهر النصوص، ولا سيما مثل صحيح ابن جعفر (ع)، فان الجواب كالصريح في نفي الوجوب التخييري. مع أن ارتكابه فرع عدم إمكان الجمع بالتفصيل المتقدم، وقد عرفت امكانه وقيام الشاهد عليه. هذا ولكن يشكل التفصيل: بأن الاضطرار في رواية الحلبي غير ظاهر في كونه من جهة البرد ونحوه، بل من الجائز أن يكون من جهة الصلاة، ومع اجماله من هذه الجهة لا يصلح للشهادة على الجمع. ولا سيما وأن نصوص الصلاة فيه لو كان موردها الاضطرار بالمعنى المذكور كان المتعين ذكره في السؤال، فانه مما له مزيد دخل في الحكم، فاهماله يدل على خلاف ذلك. ولا سيما مثل صحيح ابن جعفر، فان قول السائل: " أو يصلي عريانا " كالصريح في عدم الاضطرار إلى ذلك، لا عرفا ولا شرعا. وأيضا فان أحد موثقي سماعة المتضمن للايماء قاعدا لابد أن يكون مورده عدم الامن من الناظر، وهو من موارد الاضطرار، فكيف يمكن حملها على غير الاضطرار؟!. فالاقوى إذا ما في المتن، ترجيحا لنصوصه على معارضها، كما سبق. (1) كما هو المشهور. وهو الذي تقتضيه قاعدة الاحتياط فيما علم

[ 547 ]

{ يصلي في أحدهما (1) لا عاريا. والاحوط القضاء خارج الوقت في الآخر أيضا إن أمكن، والا عاريا. } التكليف به اجمالا. ويدل عليه صحيح صفوان: " أنه كتب إلى أبي الحسن (ع) يسأله عن الرجل معه ثوبان، فاصاب أحدهما بول ولم يدر أيهما هو، وحضرت الصلاة وخاف فوتها، وليس عنده ماء، كيف يصنع؟ قال (ع): يصلي فيهما جميعا " (* 1). وعن ابني إدريس وسعيد: وجوب الصلاة عاريا، لان اعتبار الساتر الطاهر يوجب تعذر الجزم بالنية المعتبر في الاطاعة الواجبة في العبادات، فيجب إما رفع اليد عن اعتبار الطهارة فيكتفى بالصلاة في واحد منهما، أو رفع اليد عن اعتبار الساتر مع البناء على اعتبار الطهارة، والثاني هو المتعين، لان مانعية النجاسة أهم من شرطية الساتر، بشهادة وجوب الصلاة عاريا لو دار الامر بينهما وبين الصلاة في النجس. ولمرسلة المبسوط " روى أنه يتركهما ويصلي عاريا " (* 2). وفيه: أنه لا دليل على اعتبار الجزم بالنية عند عدم التمكن منه، بل مطلقا. مع أنه اجتهاد في مقابلة النص الصحيح. ومرسلة المبسوط ضعيفة ومهجورة. (1) أما بناء على وجوب الصلاة في النجس لو انحصر الساتر فيه - كما تقدم من المصنف - فالحكم المذكور واضح، لانه إذا بني على تقديم الموافقة القطعية لوجوب التستر وان لزم المخالفة القطعية لمانعية النجاسة، فاولى أن يبني على تقديمها إذا لزم المخالفة الاحتمالية. وأما بناء على وجوب الصلاة عاريا مع الانحصار فمشكل، لاحتمال أهمية مانعية النجاسة على نحو تحريم المخالفة الاحتمالية لها وان حصلت الموافقة القطعية لشرطية التستر، كما يحتمل أهمية حرمة المخالفة القطعية لشرطية التستر وان حصلت الموافقة القطعية لمانعية


(* 1) الوسائل باب: 64 من ابواب النجاسات حديث: 1. (* 2) ذكر ذلك في آخر فصل تطهير الثياب والابدان من النجاسات، آخر صفحة: 12.

[ 548 ]

النجاسة، ومع احتمال الاهمية من الطرفين يتخير بينهما عقلا. ومن ذلك يظهر أن القائل بوجوب الصلاة في النجس مع الانحصار يتعين عليه بوجوب الصلاة فيه هنا، والقائل بوجوب الصلاة عاريا هناك يتعين عليه القول هنا بالتخيير بين الصلاة فيه والصلاة عاريا. وكون لازم القول بوجوب الصلاة عاريا أهمية مانعية النجاسة من شرطية التستر، لا يجدى في تعين الصلاة عاريا، لما عرفت من أنه مع الانحصار فيه تكون الصلاة فيه مخالفة قطعية لمانعية النجاسة، وموافقة قطعية لشرطية التستر، ومن الجائز أن تكون أهمية المانعية من الشرطية إنما تقتضي رعايتها في ظرف لزوم المخالفة القطعية لها، لا في ظرف لزوم المخالفة الاحتمالية لها - كما في الفرض - أذ يحتمل أن لا يكون لها من شدة الاهتمام ما يستوجب رعايتها في ظرف الاحتمال، بل تكون الاهمية لشرطية التستر، ومع احتمال الاهمية لكل من الطرفين يتخير في نظر العقل. فالقائل بوجوب الصلاة عاريا مع الانحصار، يلزمه القول بالتخيير هنا بين ذلك وبين الصلاة فيه. هذا كله بالنظر إلى وظيفة المكلف في الوقت، وأما بالنظر إلى الاجزاء وعدم وجوب الاعادة، فمقتضى القاعدة عدم الاجزاء، لعدم الدليل عليه وقيام الدليل على الاجزاء في صورة الانحصار لو صلى فيه أو عاريا، لا يقتضى البناء على الاجزاء هنا، للفرق بينهما بالعجز عن امتثال الواجب الاولي هناك، ولا كذلك هنا، لوجود الثوب الطاهر عنده، فالعجز إنما هو عن العلم بالامتثال لا غير.

[ 549 ]

تنبيه إجراء قواعد التزاحم في المقام - من الترجيح بالاهمية، أو احتمال الاهمية، والتخيير مع التساوي في الاهتمام، أو لكون احتمال الاهمية موجودا في الطرفين - إنما يتم مع تعذر الجمع بين الامرين، لضيق الوقت أو نحوه أما مع إمكان الجمع فاجراؤه كلية غير ظاهر، لاختصاص ذلك بما إذا كانت الملاكات موجودة في الطرفين، بأن كان هناك واجبان تعذر الجمع بينهما، مثل أن يدور الامر بين انقاذ الغريق، وتطهير المسجد، أو فعل الصلاة، أو ترك التصرف في المغصوب، أو نحو ذلك من موارد الدوران فانه لا قصور في وجود الملاك في انقاذ الغريق، كما لا قصور في وجوده أيضا في فعل الصلاة، وفي تطهير المسجد وفي ترك التصرف في المغصوب، ولما لم يمكن العمل بهما معا، يرجع إلى القواعد العقلية الموجبة للتخيير أو الترجيح في الموافقة والمخالفة. أما إذا علم كون التكليف واحدا وكون الملاك موجودا في أحد الطرفين لا غير، وكان الشك في موضوعه، فاللازم الجمع بين المحتملين، عملا بالعلم الاجمالي. نعم العلم بأهمية أحد الامرين يكون موجبا للعلم بوجود الملاك فيه لا غير فلا يجب الآخر. كما أنه مع التساوي في الاهتمام يعلم بوجود الملاك في كل منهما تخييرا، فيجب أحدهما على التخيير دون الآخر. كما أنه مع احتمال الاهمية في أحد الطرفين بعينه يعلم بوجود الملاك في محتمل الاهمية إما تعيينا أو تخييرا بينه وبين الآخر، فيجب بعينه عقلا دون الآخر. أما إذا كان احتمال الاهمية موجودا في كل من الطرفين فلم يحرز وجود الملاك في كل منهما تخييرا، فلا طريق للحكم بوجوب أحدهما تخييرا مع إمكان

[ 550 ]

{ (مسألة 6): إذا كان عنده مع الثوبين المشتبهين ثوب طاهر، لا يجوز أن يصلي فيهما بالتكرار (1)، بل يصلي فيه. نعم لو كان له غرض عقلائي في عدم الصلاة فيه لا بأس بها فيهما مكررا. (مسألة 7): إذا كان أطراف الشبهة ثلاثة يكفي تكرار الصلاة في اثنين، سواء علم بنجاسة واحد وبطهارة الاثنين، أو علم بنجاسة واحد وشك في نجاسة الآخرين، أو في نجاسة أحدهما، لان الزائد على المعلوم محكوم بالطهارة وان } الجمع، بل يجب الجمع بينهما عقلا، للعلم الاجمالي بوجوب أحدهما المردد بينهما. وما ذكرناه مطرد في جميع موارد الدوران بين ترك شرط وشرط آخر، وبين ترك جزء وجزء آخر، وبين ترك شرط وترك جزء، مع العلم بوجوب الواجب وعدم سقوط وجوبه بتعذر جزئه أو شرطه. مثل أن يدور الامر بين ترك الطمأنينة في الصلاة وترك القيام، وبين ترك القيام في الصلاة وترك الركوع، وبين ترك القيام وترك الاستقبال.. إلى غير ذلك من موارد الدوران. والحكم فيه ما ذكرناه، من أنه إن علم بتساوي الامرين في نظر الشارع فقد علم بوجود ذلك الملاك في كل منهما تخييرا، فيتخير المكلف بينهما، وان علم بأهمية أحدهما بعينه فقد علم بوجود الملاك فيه لا غير، وأن علم بأهمية أحدهما بعينه أو مساواته للاخر فقد علم بوجود الملاك في محتمل الاهمية وشك في وجوده في الآخر، وان احتمل الاهمية في كل من الطرفين فلا طريق إلى إحراز الملاك في احدهما تعيينا، ومع تردده بينهما يجب الاحتياط بالجمع مع إمكانه ومع عدم امكانه يتخير بينهما. لكن في الحكم بالاجزاء وسقوط القضاء إشكال. لعدم الدليل عليه. (1) قد تقدم في صدر مسائل التقليد تقريب المنع عن الامتثال الاجمالي

[ 551 ]

{ لم يكن مميزا (1)، وإن علم في الفرض بنجاسة الاثنين يجب التكرار باتيان الثلاث، وان علم بنجاسة الاثنين في أربع يكفي الثلاث، والمعيار - كما تقدم سابقا - التكرار إلى حد يعلم وقوع أحدهما في الطاهر. (مسألة 8): إذا كان كل من بدنه وثوبه نجسا، ولم يكن له من الماء إلا ما يكفي أحدهما فلا يبعد التخيير. والاحوط تطهير البدن (2). وان كانت نجاسة أحدهما اكثر أو أشد } مع التمكن من الامتثال التفصيلي، وتقدم الاشكال عليه. فراجع. (1) قد يشكل: بأن غير المميز لا يجرى فيه الاصل، كما أشرنا إليه في بعض المباحث السابقة، وحقق في محله، من عدم جريان الاصل في الفرد المردد (وفيه): أن الفرد المردد الذي لا يجري فيه الاصل ليس مطلق غير المتميز، بل خصوص المردد بين المعلوم ثبوت الحكم له والمعلوم انتفاؤه عنه. أما المردد بين فردين إذا كان حاكيا عن فرد معين في الواقع، وهو مشكوك، مثل الثوب الذي لم يلاق النجاسة المعلومة - كما في الفرض - فلا مانع من جريان الاصل فيه. (2) إن قلنا بوجوب الصلاة عاريا مع الانحصار، فلا ينبغي الاشكال في وجوب تطهير البدن - عملا بمانعية النجاسة - لانه إذا طهر بدنه وصلى عاريا لم يصل في النجاسة، بخلاف ما لو طهر الثوب وصلى فيه لانه صلى وبدنه نجس قطعا. أما بناء على وجوب الصلاة في الثوب رعاية لشرطية التستر وان لزمت المخالفة لمانعية النجاسة، فلاجل أن النجاسة المأخوذة موضوعا للمانعية ملحوظة بنحو الطبيعة السارية، فكما أن نجاسة البدن مانعة كذلك نجاسة الثوب، فيجب عليه رفع إحداهما مع الامكان، فيتخير بينهما. إلا أن يقال: نجاسة البدن مما يحتمل أولويتها في المانعية، فيدور

[ 552 ]

{ لا يبعد ترجيحه (1). (مسألة 9): إذا تنجس موضعان من بدنه أو لباسه، ولم يمكن إزالتهما فلا يسقط الوجوب (2)، ويتخير إلا مع الدوران بين الاقل والاكثر أو بين الاخف والاشد، أو بين متحد العنوان ومتعدده، فيتعين الثاني في الجميع (3). بل إذا كان موضع النجس واحدا وأمكن تطهير بعضه لا يسقط الميسور. بل إذا يمكن التطهير، لكن أمكن ازالة العين } الامر بين التعيين والتخيير، والاصل يقتضي التعيين هنا، وان قلنا بالتخيير إذا دار الواجب بين التعيين والتخيير، لان الشك في المقام في السقوط، للعلم بمانعية نجاسة البدن، والشك في كون العجز المفروض مسقطا، بخلاف ذلك المقام، فان الشك فيه في الثبوت. ومن هذا يظهر وجوب تطهير البدن على كل من القولين. (1) إذا كان الاكثر أو الاشد في البدن فلا إشكال. أما إذا كان في الثوب فالاكثرية أو الاشدية، وان كانت توجب الاهمية، أو احتمال الاهمية، لكن عرفت أن كون النجاسة في البدن أيضا من المرجحات، فيكون احتمال الاهمية في كل من الطرفين، ومقتضاء التخيير. اللهم إلا أن يكون احتمال الاهمية فيها أقرب فيتعين عقلا. ثم إن المصنف (ره) لم يتعرض لاحتمال وجوب القضاء هنا، لانه على تقدير صرف الماء في التطهير يتحقق العجز، الموجب للاجزاء جزما. (2) لان الظاهر من دليل مانعية النجاسة كونها ملحوظة بنحو الطبيعة السارية، فكل ما يفرض من وجود النجاسة مانع مستقل، فإذا أمكن رفع البعض تعين. (3) للاهمية في غير الاخير واحتمالها فيه.

[ 553 ]

{ وجبت (1). بل إذا كانت محتاجة إلى تعدد الغسل، وتمكن من غسلة واحدة، فالاحوط عدم تركها، لانها توجب خفة النجاسة (2)، إلا أن يستلزم خلاف الاحتياط من جهة أخرى، بأن استلزم وصول الغسالة إلى المحل الطاهر (3). (مسألة 10): إذا كان عنده مقدار من الماء لا يكفي إلا لرفع الحدث أو لرفع الخبث من الثوب أو البدن، تعين رفع الخبث (4)، ويتيمم بدلا عن الوضوء أو الغسل. والاولى أن يستعمل في إزالة الخبث أولا ثم التيمم ليتحقق عدم الوجدان حينه. (مسألة 11): إذا صلى مع النجاسة اضطرارا لا يجب عليه الاعادة بعد التمكن من التطهير (5). نعم لو حصل } (1) كما يستفاد مما ورد من الامر بنفض الثوب إذا هبت الريح فسفت عليه العذرة (* 1) مع أن احتمال الاهمية كاف في الوجوب. (2) إن كان الامر كذلك تعين الغسل مرة. لكن يحتمل أن تكون الغسلة الاولى من قبيل شرط تأثير الغسلة الثانية في الرفع. (3) إن كان وصول ماء الغسالة إلى المحل الطاهر بنحو ينجسه، وإلا - بأن كان يمر عليه ويتساقط عنه - فلا يضر، ولا يلزم خلاف الاحتياط، لان ماء الغسالة لا ينجس ملاقيه الا بعد الانفصال. (4) هذا مما لا إشكال فيه عندهم، والعمدة فيه أنه يستفاد من الادلة الدالة على بدلية التيمم عن الوضوء أو الغسل مشروعية البدلية في كل مورد يلزم محذور من الطهارة المائية، وسيأتي أن الله شاء في مبحث التيمم توضيح ذلك (5) قد عرفت أن هذا يتوقف على جواز البدار لذوي الاعذار.


(* 1) الوسائل باب: 26 من ابواب النجاسات حديث: 12.

[ 554 ]

{ التمكن في أثناء الصلاة استأنف في سعة الوقت. والاحوط الاتمام والاعادة. (مسألة 12): إذا اضطر إلى السجود على محل نجس لا يجب اعادتها بعد التمكن من الطاهر (1). (مسألة 13): إذا سجد على الموضع النجس جهلا أو نسيانا لا يجب عليه الاعادة (2)، وان كانت أحوط }. ولكنه خلاف التحقيق. فراجع ما تقدم في المسألة الرابعة. ولا فرق بين ارتفاع العذر في الاثناء وبعد الفراغ. (1) لان العمدة في دليل اعتبار طهارة المسجد الاجماع، والمتيقن منه حال الاختيار، فالمرجع في حال الاضطرار أصل البراءة. وعليه فلا مانع من جواز البدار. (2) لما تقدم في المسألة السابقة من عدم إطلاق لدليل الشرطية، والمرجع أصل البراءة. نعم لو بني على ثبوت الاطلاق أشكل وجه الصحة لان الطهارة إذا كانت من شرائط السجود لزم من فواتها فواته، وحينئذ تكون الصلاة المفروضة فاقدة للركن فتبطل. نعم لو قيل إن الطهارة ليست شرطا في السجود بل هي واجب صلاتي في حال السجود، أمكنت دعوى الصحة، لعموم حديث " لا تعاد الصلاة.. " بناء على كون المراد من الطهور في المستثنى الطهارة من الحدث، لا ما يعم الطهارة من الخبث حتى طهارة المسجد. ولازم ذلك أن لو سجد على النجس والتفت بعد رفع رأسه من السجدة لا يجب عليه تدارك السجدة لفوات المحل الموجب للمضي بحديث: " لا تعاد الصلاة.. " وتحقيق ذلك في مباحث الخلل.

[ 555 ]

{ فصل فيما يعفى عنه في الصلاة وهو أمور: (الاول): دم الجروح والقروح، ما لم تبرأ (1)، في الثوب أو البدن قليلا كان أو كثيرا (2)، أمكن الازالة أو التبديل بلا مشقة أم لا (3). } فصل فيما يعفى عنه في الصلاة (1) كما في مصححة أبي بصير: " دخلت على أبي جعفر (ع): وهو يصلي فقال لي قائدي: إن في ثوبه دما، فلما انصرف (ع) قلت له: إن قائدي أخبرني أن بثوبك دما. فقال (ع): إن بي دماميل، ولست أغسل ثوبي حتى تبرأ " (* 1). ومرسل سماعة عن أبي عبد الله (ع): " إذا كان بالرجل جرح سائل فاصاب ثوبه من دمه، فلا يغسله حتى يبرأ وينقطع الدم " (* 2). ومن الاخير يظهر أن المراد بالبرء انقطاع الدم انقطاع برء. (2) لاطلاق بعض النصوص، وصريح بعضها، كصحيح ليث (* 3) وغيره كما يأتي. (3) المذكور في عبارات جماعة تقييد القروح والجروح بالدامية، أو


(* 1) الوسائل باب: 22 من ابواب النجاسات حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 22 من ابواب النجاسات حديث: 7. (* 3) الوسائل باب: 22 من ابواب النجاسات حديث: 5. وسيأتي في اواخر هذا البحث من كلام الشارح قدس سره.

[ 556 ]

التي لا ترقأ، أو اللازمة، أو السائلة، أو نحو ذلك، وتقييد الحكم بالعفو بمشقة الازالة، بل المنسوب إلى الاكثر أو المشهور اعتبار قيدين في العفو (أحدهما): استمرار الدم بنحو لا تكون له فترة تسع الصلاة (وثانيهما): المشقة في التطهير. وكأن الوجه في اعتبار القيد الاول ما في مرسل سماعة المتقدم من وصف الجرح باسائل. وصحيح ابن مسلم عن أحدهما (ع): " عن الرجل تخرج به القروح فلا تزال تدمي كيف يصلي؟ فقال (ع): يصلي وان كانت الدماء تسيل " (* 1)، ونحوه ما في مستطرفات السرائر، عن نوادر اليزنطي، عن عبد الله بن عجلان، عن أبي جعفر (* 2). ويشكل: بأن الظاهر من التوصيف بالسيلان التوطئة، لان يترتب عليه إصابة الدم للثوب الذي هو موضوع الشرطية، فالشرطية مسوقة لتحقيق الموضوع. مع أنه غير ظاهر في الاستمرار بحيث لا تكون له فترة تسع الصلاة، لصدق كون الجرح سائلا، ولو مع الفترة المذكورة، وإلا لكان ظاهرا فيما لا فترة له أصلا، إذ لا موجب للفرق في الظهور بين الفترة التي تسع والتي لا تسع. ويشير إلى ما ذكرنا قوله (ع): حتى تبرأ وينقطع الدم "، فانه لو كان المراد من السائل المستمر بلا فترة كان المناسب جعل الغاية الفترة. وأما صحيح ابن مسلم ونحوه فالقيد فيه مذكور في كلام السائل، وغاية ما يقتضيه قصور الرواية عن شمول صورة الفترة. نعم لو كان مذكورا في كلام الامام (ع) أمكن أن يكون له مفهوم يدل على انتفائه الحكم بانتفائه، بناء على حجية مفهوم القيد. مع أنه خلاف التحقيق. وأما وجه القيد الثاني، فالظاهر أنه موثق سماعة: " سألته عن الرجل


(* 1) الوسائل باب: 22 من ابواب النجاسات حديث: 4. (* 2) الوسائل باب: 22 من ابواب النجاسات ملحق حديث: 4.

[ 557 ]

به القرح والحرج ولا يستطيع أن يربطه ولا يغسل دمه. قال (ع): يصلي ولا يغسل ثوبه كل يوم إلا مرة، فانه لا يستطيع أن يغسل ثوبه كل ساعة " (* 1) ورواية ابن مسلم المروية عن مستطرفات السرائر: إن صاحب القرحة التي لا يستطيع ربطها، ولا حبس دمها، يصلي ولا يغسل ثوبه في اليوم اكثر من مرة " (* 2). وفيه: أن الظاهر من قوله في الموثق: " ولا يغسل دمه " أنه معطوف على قوله: " يربطه " ويكون التقدير: " ولا يستطيع أن يغسل دمه ". ولكنه ينافيه الامر بغسل الثوب في كل يوم مرة، لامتناع التكليف بغير المستطاع، فلابد أن تحمل على ارادة نفي الاستطاعة على غسل الدم في تمام المدة، على نحو العموم المجموعي، فلا ينافي الاستطاعة على الغسل في كل يوم مرة. ويشهد به التعليل بقوله (ع): " فانه لا يستطيع.. "، فتدل الرواية على العفو عن الدم إذا كان التطهير في مجموع المدة غير مستطاع، وهذا أجنبي عن اعتبار المشقة في كلامهم، حتى لو حمل نفي الاستطاعة على المشقة، لان المشقة في تمام المدة غير ما يظهر من المشقة في كلامهم، التي هي المشقة في كل وقت من أوقات الابتلاء مع قطع النظر عن غيره. وأما رواية ابن مسلم فلا دلالة لها على اعتبار المشقة بوجه. نعم لو قيل بثبوت مفهوم الوصف دلت على اختصاص العفو بصورة عدم إمكان ربط الجرح وحبس دمه، من دون فرق بين صورة المشقة في التطهير وغيرها، وهذا شي لا يقول به أحد. وكأنه لذلك كان المحكي عن جامع المقاصد، وحاشية الشرائع والمسالك والروضة والمدارك. وغيرها: عدم اعتبار المشقة وعن غيرهم عدم اعتبار الاستمرار وانتفاء الفترة أيضا. بل من المحتمل


(* 1) الوسائل باب: 22 من ابواب النجاسات حديث: 2. (* 2) فيما استطرفه من نوادر البزنطي.

[ 558 ]

{ نعم يعتبر أن يكون مما فيه مشقة نوعية (1)، فان كان مما } قريبا أن يكون المراد من السيلان في كلام جماعة ما يقابل الانقطاع للبرء، عملا باطلاق غير واحد من النصوص، كرواية أبي بصير المتقدمة، وصحيح ليث المرادي: " قلت لابي عبد الله (ع): الرجل تكون به الدماميل والقروح فجلده وثيابه مملوءة دما وقيحا، وثيابه بمنزلة جلده. فقال (ع): يصلي في ثيابه ولا يغسلها ولا شئ عليه " (* 1). وصحيح عبد الرحمن بن أبي عبد الله: " قلت لابي عبد الله (ع): الجرح يكون في مكان لا يقدر على ربطه فيسيل منه الدم والقيح فيصيب ثوبي. فقال (ع): دعه فلا يضرك أن لا تغسله " (* 2). وموثق عمار عن أبي عبد الله (ع): " سألته عن الدمل يكون بالرجل فينفجر وهو في الصلاة. قال (ع): يمسحه ويمسح يده بالحائط أو بالارض ولا يقطع الصلاة " (* 3). (1) كأنه للتعليل المتقدم في موثق سماعة. لكن ظاهره كون المحذور الموجب للعفو تكرار الغسل في كل ساعة، فان أريد من المشقة النوعية هذا المعنى فهو، ويكون المدار في العفو وعدمه لزوم التكرار وعدمه، وإلا فلا دليل عليه. ثم إن وجه توقف المصنف (ره) عن الجزم باعتبار المشقة بالمعنى المذكور احتمال أن يكون التعليل المذكور من قبيل الحكمة. لكنة خلاف الظاهر. أو احتمال كونه تعليلا لخصوص الحكم في مورد السؤال، فلا ينافي ثبوته في غيره لوجه آخر. وهذا غير بعيد في أمثاله مما كان ظاهرا في تطبيق الكبرى على المورد، لا تعليل حكمه. وقد ذكرنا في مبحث قضاء المغمى عليه


(* 1) الوسائل باب: 22 من ابواب النجاسات حديث: 5. (* 2) الوسائل باب: 22 من ابواب النجاسات حديث: 6. (* 3) الوسائل باب: 22 من ابواب النجاسات حديث: 8.

[ 559 ]

{ لا مشقة في تطهيره أو تبديله على نوع الناس، فالاحوط ازالته أو تبديل الثوب. وكذا يعتبر أن يكون الجرح مما يعتد به (1) وله ثبات واستقرار، فالجروح الجزئية يجب تطهير دمها. ولا يجب فيما يعفى عنه منعه عن التنجيس (2). نعم يجب شده إذا كان في موضع يتعارف شده (3). ولا يختص العفو بما في محل الجرح، فلو تعدى عن البدن إلى اللباس أو إلى أطراف المحل كان معفوا. لكن بالمقدار في مثل } فرقا بين العليل بمثل: " لانه كذا " وبين قوله: " فانه كذا " وان الاول ظاهر في انتفاء الحكم بانتفائه، دون الثاني. فتأمل جيدا. (1) لقصور الاطلاقات عن شمول غيره. لكن التعليل في الموثق لا قصور فيه فاجراء الحكم فيه في محله. (2) لاطلاق الادلة. (3) كما عن بعض، اقتصار على المتيقن من النصوص. وللانصراف إلى المتعارف. ولمفهوم رواية ابن مسلم المروية في المستطرفات. وللتعليل في موثق سماعة. ويشكل: بأن الاول إنما يجوز إذا لم يكن إطلاق يقتضي العموم، وإلا تعين العمل عليه. والانصراف المعتد به ممنوع، ولو بني عليه لوجب الاقتصار على المتعارف في الرحج، وفي سببه، وفي علاجه وفي منعه عن التنجيس، وغير ذلك من الجهات المتعارفة، ولم يلتزم به المصنف (ره) ولا غيره في بعضها. ومفهوم الوصف غير ثابت، ولاسيما في مثل المقام مما أمكن أن يكون مسوقا لتنقيح الموضوع. والتعليل لو دل فانما يدل على انتفاء العفو إذا لم يلزم تكرار الغسل من عدم العفو في مورده، وهو فرض الاضطرار إلى سراية الدم، ولا يقتضي المنع عن السراية، ولذا لم يجب المنع عن التنجيس فلو قال: " الخمر حرام لانها مسكرة "

[ 560 ]

{ ذلك الجرح (1)، ويختلف ذلك باختلافها من حيث الكبر والصغر، ومن حيث المحل، فقد يكون في محل لازمه بحسب المتعارف التعدي إلى الاطراف كثيرا، أو في محل لا يمكن شده، فالمناط المتعارف بحسب ذلك الجرح. (مسألة 1): كما يعفى عن دم الجروح، كذا يعفى عن القيح المتنجس الخارج معه (2)، والدواء المتنجس الموضوع عليه (3)، والعرق المتصل به في المتعارف. أما الرطوبة الخارجية إذا وصلت إليه وتعدت إلى الاطراف فالعفو عنها مشكل (4)، فيجب غسلها إذا لم يكن فيه حرج. } دل على حلية الخمر غير المسكرة، لا حلية كل ما ليس بمسكر. (1) قد عرفت أن التعارف لا يوجب الانصراف المعتد به في رفع اليد عن الاطلاق، بل العموم ظاهر موثق عمار المتقدم. (2) كما هو صريح صحيحي ليث و عبد الرحمن المتقدمين، وظاهر غيرهما. (3) لتعارف الابتلاء به. مع إهمال النصوص لبيان حكمه الدال على العفو. اللهم إلا أن يقال: يمكن أن يكون عدم التعرض لحكمه للاتكال على القواعد المانعة عنه. اللهم إلا أن يقال: لما لم تنفك عنه غالب الجروح التي لا ترقأ ويستمر سيلان الدم منها - كما هو مورد النصوص - فلو لم يعف عنه لزم أن يكون العفو عن الدم اقتضائيا، أو محمولا على غير الغالب وكلاهما خلاف الظاهر. وكذا الكلام في الدواء الموضوع على القروح. وفي العرق الذي لا ينفك عنه المقروح والمجروح غالبا في كثير من البلاد الذي هو مورد النصوص. وحملها على الشتاء دون الصيف بعيد في الغاية. (4) بل مقتضى عموم المنع عن النجاسة عدم العفو.

[ 561 ]

{ (مسألة 2): إذا تلوثت يده في مقام العلاج يجب غسلها، ولا عفو. كما أنه كذلك إذا كان الجرح مما لا يتعدى، فتلوثت أطرافه بالمسح عليها بيده أو بالخرقة الملوثتين، على خلاف المتعارف. (مسألة 3): يعفى عن دم البواسير (1) خارجة كانت أو داخلة. وكذا كل قرح أو جرح باطني خرج دمه إلى الظاهر. (مسألة 4): لا يعفى عن دم الرعاف (2)، ولا يكون من الجروح. (مسألة 5): يستحب لصاحب القروح والجروح أن يغسل ثوبه من دمهما كل يوم مرة (3). } (1) عموم الحكم للجروح الباطنة غير ظاهر، فان اطلاق لفظ الجرح ظاهر في الجرح الظاهر، والجرح الباطن يحتاج إلى التقييد بالباطن، ولا يفهم من قول القائل: " زيد فيه جرح أو قرح " إلا الجرح القرح الظاهران، ولا يتوهم عموم الادلة للدم الخارج من الصدر، أو المعدة، أو دم الاستحاضة، أو نحوها مما يكون من الجروح أو القروح الباطنية. مع أن في دخول البواسير في القرح اشكالا، فانها منابع للدم. فتأمل. (2) للاخبار الكثيرة الآمرة بالتطهير منه إذا حدث في أثناء الصلاة، وبقطعها ان لم يمكن (* 1)، ولصحيح زرارة الطويل (* 2) وغيره. مضافا إلى قصور نصوص العفو عن شموله. (3) على المشهور بين من تعرض له، بل لم يحك الخلاف فيه. لموثق


(* 1) راجع الوسائل باب: 2 من ابواب قواطع الصلاة. (* 2) الوسائل باب: 42 من ابواب النجاسات حديث: 2. وقد تقدم ذكر ما يناسب المقام منه فيمن صلى في النجاسة نسيانا.

[ 562 ]

{ (مسألة 6): إذا شك في دم أنه من الجروح أو القروح أم لا، فالاحوط عدم العفو عنه (1)، (مسألة 7): إذا كانت القروح أو الجروح المتعددة متقاربة، بحيث تعد جرحا واحدا عرفا، جرى عليه حكم الواحد، فلو برئ بعضها لم يجب غسله، بل معفو عنه حتى يبرأ الجميع. وان كانت متباعدة لا يصدق عليها الواحدة } سماعة ورواية ابن مسلم المتقدمين (* 1)، المحمولين على الاستحباب، بقرينة غيرهما من النصوص التي هي ما بين ناف له مطلقا، أو إلى أن يبرأ، فانها - ولا سيما الثاني منها - مما يأبى التصرف فيه بالتقييد بالغسل اكثر من مرة في اليوم، كما لا يخفى. ومن ذلك يظهر ضعف ما في الحدائق من الميل إلى الوجوب، أخذا بظاهر الروايتين. (1) وجزم به بعضهم. لاصالة عدم كون الدم من الجروح أو القروح بناء على ما هو الظاهر من أن نفي عنوان الخاص بالاصل يكفي في ثبوت حكم العام له. وجزم بعضهم بالعفو. وكأنه لان الاصل المذكور من قبيل الاصل الجاري في العدم الازلي، الممنوع حجيته عند جماعة من المحققين، كما تقدم التعرض لذلك في الشك في وجود المادة. ولما كانت الشبهة مصداقية لا يجوز الرجوع فيها إلى العام، كان المرجع أصل البراءة من المانعية. وفيه: أن كون الدم من جرح أو قرح ليس من عوارض الوجود حال حدوثه، بل من عوارضه حال بقائه، فان الدم الموجود في بدن الانسان إن خرج من الجرح أو القرح كان دم الجرح أو القرح المعفو عنه وإلا فلا، فاصالة عدم الخروج من الجرح أو القرح بلا مانع، وكأنه لعدم


(* 1) تقدم ذكرهما في اوائل هذا الفصل.

[ 563 ]

{ العرفية، فلكل حكم نفسه، فلو برئ البعض وجب غسله، ولا يعفى عنه إلى أن يبرأ الجميع (1). الثاني مما يعفى عنه في الصلاة: الدم الاقل من الدرهم (2)، } وضوح ما ذكرنا في نظر المصنف توقف عن الجزم. (1) لكن مقتضى مصححة أبي بصير (* 1) العفو عن الجميع حتى يبرأ الجميع (2) دون ما يساويه، على المشهور، وعن الخلاف الاجماع عليه، وعن كشف الحق نسبته إلى الامامية (رض). ويدل عليه صحيح ابن أبي يعفور: قلت لابي عبد الله (ع): الرجل يكون في ثوبه فقط الدم لا يعلم به ثم يعلم فينسى أن يغسله فيصلي، ثم يذكر بعد ما صلى، أيعيد صلاته؟ قال (ع): يغسله ولا يعيد صلاته، إلا أن يكون مقدار الدرهم مجتمعا فيغسله ويعيد الصلاة (* 2) ونحو مرسل جميل (* 3). وفي صحيح اسماعيل الجعفي عن أبي جعفر (ع): " قال في الدم يكون في الثوب: إن كان أقل من قدر الدرهم فلا يعيد الصلاة، وان اكثر من قدر الدرهم، وكان رآه فلم يغسله حتى صلى فليعد صلاته (* 4). وتقرسب الاستدلال به أن عدم ذكر المساوي إما أن يكون إهمالا لبيان حكمه، إو لاستفادته من مفهوم الشرطية الاولى، أو لاستفادته من مفهوم الشرطية الثانية. والاول خلاف ظاهر الجواب عن السؤال وإذا دار الامر بين الثاني - بحمل الشرطية الثانية على كونها تصريحا بمفهوم الاولى وبين الثالث - بحمل الشرطية الاولى على كونها تصريحا بمفهوم الثانية - يتعين


(* 1) تقدمت في اول هذا الفصل (* 2) الوسائل باب: 20 من ابواب النجاسات حديث: 1. (* 3) الوسائل باب: 20 من ابواب النجاسات حديث: 4. (* 4) الوسائل باب: 20 من ابواب النجاسات حديث: 2

[ 564 ]

{ سواء كان في البدن أو اللباس (1)، } الثاني لانه أقرب من الثالث، لان ترتيب البيان على حسب ترتيب الذكر أولى من عكسه. ثم إنه لو لم يتم هذا التقريب فالرواية تكون مجملة، والعمل على غيرها متعين. وعن المراسم العفو عن المساوي، ونسب إلى الانتصار أيضا. لكن عبارته توافق المشهور. ويشهد للعفو صحيح ابن مسلم: قلت له: الدم يكون في الثوب علي وأنا في الصلاة. قال (ع): إن رأيته وعليك ثوب غيره فاطرحه وصل في غيره، وان لم يكن عليك ثوب غيره فامض في صلاتك ولا اعادة عليك ما لم يزد على مقدار الدرهم، وما كان أقل من ذلك فليس بشئ رأيته قبل أو لم تره. وإذا كنت قد رأيته وهو اكثر من مقدار الدرهم فضيعت غسله وصليت فيه صلاة كثيرة فاعد ما صليت فيه " (* 1). فانه يدل عليه بالمفهوم أو المنطوق في الفقرات الثلاث. والجمع بينها بالتخصيص، بحمل ما لم يزد على ما دون الدرهم، أو كون المراد منه درهما فما زاد، نظير قوله تعالى: (فان كن نساء فوق اثنتين..) (* 2) أو بغير ذلك. بعيد. عن مقام الجمع العرفي بين الاخبار الواردة في مقام التحديد جوازا أو منعا. فلابد من المصير إلى أحكام التعارض، والترجيح يقتضي الاخذ بأخبار المنع، لتعددها، وموافقتها لعموم المنع. (1) اللباس مورد النصوص. لكن يجب الحاق البدن به، للاجماع المحكي عليه عن الانتصار والتحرير، والتذكرة، وكشف الالتباس، وبعض نسخ الخلاف، بل واطلاق معقد الاجماع على العفو المحكي عن المعتبر والمختلف والمنتهى والدروس، والمدارك، والدلائل، والذخيرة. لعل


(* 1) الوسائل باب: 20 من ابواب النجاسات حديث: 6. (* 2) النساء: 11.

[ 565 ]

{ من نفسه أو غيره (1). عدا الدماء الثلاثة من الحيض والنفاس والاستحاضة (2)، } الاقتصار على الثوب في جملة من كتب الصدوق والشيخ وغيرهما كان تبعا للنصوص، أو من باب المثال. وأما الاستدلال عليه برواية المثنى بن عبد السلام عن أبي عبد الله (ع): " إني حككت جلدي فخرج منه دم. قال (ع): ان اجتمع قدر حمصة فاغسله، والا فلا " (* 1). فضعيف لقصور دلالتها على ذلك، على أن سندها لا يخلو عن اشكال. (1) لاطلاق النصوص. (2) للاجماع المحكي نقله عن جماعة - صريحا وظاهرا - في الاول. ولرواية أبي بصير: " لا تعاد الصلاة من دم لا (لم. خ ل) تبصره، غير دم الحيض، فان قليله وكثيره في الثوب إن رآه أو لم يره سواء " (* 2) بناء على ظهور القليل فيما دون الدرهم، كما هو الظاهر، بملاحظة ظهوره في خصوصية لدم الحيض، لا أنه مطلق كى يمكن تقييده بالدرهم فما زاد. ثم إنه لو منع الظهور المذكور كان بينه وبين اطلاق العفو عما دون الدرهم عموم من وجه، وبعد التعارض يرجع إلى عموم المنع عن الدم. (ودعوى): أن الرواية موقوفة (* 3) لم يروها أبو بصير عن المعصوم (ع). (مدفوعة): بأن ذكرها في الكافي والتهذيب مما يأبى ذلك، كما تقدم في نظيره. على أنها مروية في النسخ الموجودة بين أيدينا من الكافي والتهذيب عن المعصوم (ع) وأما وجه الحكم في الاخيرين، فاستدل عليه بما دل على أن النفاس حيض وبما دل على لزوم تبديل القطنة. لكن الاول لم يثبت كونه رواية


(* 1) الوسائل باب: 20 من ابواب النجاسات حديث: 5. (* 2) الوسائل باب: 21 من ابواب النجاسات حديث: 1. (* 3) هذه الدعوى مذكورة في المعتبر والمدارك وحكيت عن المعالم. منه قدس سره.

[ 566 ]

{ أو من نجس العين (1)، أو الميتة (2). بل أو غير المأكول (3)، مما عدا الانسان (4) على الاحوط بل لا يخلو من قوة. وإذا كان متفرقا في البدن أو اللباس أو فيهما، وكان المجموع بقدر } معتبرة. مع أنه ظاهر في وروده مورد التنزيل الموجب لثبوت الاحكام والثاني لم يكن بناؤهم على التعدي من مورده إلى موضع القطنة، فيكف يتعدى عن مورده إلى المقام؟. فتأمل. وأضعف من ذلك الاستدلال عليه في الذكرى: بأن أصل النفاس حيض، والاستحاضة مشتقة منه، وبتساويهما في ايجاب الغسل، وهو يشعر بالتغليظ. فالعمدة فيه ظاهر الاجماع المحكي عن جماعة. (1) كما ذكره جماعة. لان أدلة العفو إنما دلت على العفو عن النجاسة الدموية، لا عن النجاسة من حيث كونه من نجس العين، فيرجع من هذه الجهة إلى عموم المنع، وقد عرفت في مبحث نجاسة المتنجس أن مقتضى القاعدة الالتزام باجتماع نجاستين في محل واحد، ولا دليل على امتناعه. مضافا إلى كونه مما لا يؤكل لحمه، فيدخل تحت ما دل على مانعية ما لا يؤكل لحمه، ولو لم يكن نجسا ولا دما. هذا وعن الحلي: أنه أنكر هذا الاستثناء كل الانكار، وادعى أنه خلاف مذهب الامامية (رض). وكأنه أخذه من عدم تعرض القدماء له. لكن الظاهر أن كلامهم كالنصوص مسوق للعفو عن الدم من حيث هو لا غير. فراجع. (2) لما تقدم في نجس العين. (3) لما تقدم أيضا في نجس العين. (4) لاستثناء الانسان عن حكم ما لا يؤكل لحمه. كما سيأتي في محله إن شاء الله.

[ 567 ]

{ الدرهم، فالاحوط عدم العفو (1). والمناط سعة الدرهم (2) لا وزنه. وحده سعة أخمص الراحة (3). } (1) وجزم بالعدم جماعة، وعن كشف الالتباس نسبته إلى المشهور لان الظاهر من قوله (ع): " مجتمعا " في صحيح ابن أبي يعفور ومرسل جميل المتقدمين، كونه حالا من الضمير في: " كان " والمعنى: الا أن يكون الدم في حال كونه مجتمعا مقدار الدرهم. ولو بني على إجماله كفى إطلاق صحيح ابن مسلم واسماعيل الجعفي المتقدمين، أو عموم المنع عن الصلاة في الدم. وعن جماعة العفو عنه، بل في الذكرى نسبته إلى المشهور، بدعوى ظهور قوله (ع): " مجتمعا " في الصحيح والمرسل في كونه خبرا ثانيا في الصحيح، وأولا في المرسل، والمعنى: إلا أن يكون مقدار الدرهم ومجتمعا، فالشرط في عدم العفو أمران: الاجتماع وكونه مقدار الدرهم. وفيه: أن الظاهر وان كان ذلك في نفسه، إلا أن استثناءه مما كان في الثوب متفرقا شبه النضح في الصحيح وتقييدا لما كان نقطا في الثوب يقتضي كون الاستثناء منقطعا. أو يكون تقييدا بأمر أجنبي، وهو خلاف الظاهر جدا، فيتعين حمله على كونه حالا لا خبرا. ولا أقل من الاجمال الموجب للرجوع إلى إطلاق صحيح ابن مسلم، أو عموم المنع من الدم كما عرفت. (2) بلا خلاف كما عن لوامع النراقى، لان الظاهر من التقدير ذلك. (3) المحكي عن المتقدمين تفسير الدرهم المعفو عما دونه بالوافي، وعن الانتصار والخلاف والغنية: الاجماع عليه. وعن كثير تفسيره بالبغلي، وعن كشف الحق: نسبته إلى الامامية، وعن بعض الاساطين في شرحه أن كون الدرهم هو البغلي من العلميات، والاجماعات عليه لا تحصر. وهو إما بفتح الباء والغين المعجمة وتشديد اللام، كما نسب إلى المتأخرين وأنه الذي سمع

[ 568 ]

من الشيوخ - كما عن المهذب البارع - وإما باسكان الغين وتخفيف اللام، كما عن جماعة التصريح به. والظاهر رجوع التفسيرين إلى أمر واحد. ويشهد به - مضافا إلى دعوى الاجماع من كل من الطرفين على ما فسره به - عدم تعرضهم للخلاف في التفسير، بل عن بعض دعوى الاتفاق على الاتحاد. ولذا قال في المعتبر: " والدرهم هو الوافى الذي وزنه درهم وثلث، وسمي البغلي نسبة إلى قرية بالجامعين ". وفي الذكرى: " عفي عن الدم في الثوب والبدن عما نقص عن سعة الدرهم الوافي وهو البغلي باسكان الغين، وهو منسوب إلى رأس البغل، ضربه للثاني في ولايته بسكة كسروية، وزنه ثمانية دوانيق. (والبغلية) كانت تسمى قبل الاسلام (الكسروية) فحدث لها هذا الاسم في الاسلام.. ". نعم في السرائر - بعد أن فسر الدرهم بالوافي المضروب من درهم وثلث - قال: " وبعضهم يقولون دون الدرهم البغلي.. " لكن حكاية ذلك يعد كلامه المتقدم يدل على تضعيفه. ويحتمل أن يكون مقصوده ذكر اختلاف العبارة لا اختلاف المراد، يعني أن المعفو عنه بعضهم يعبر عنه بما دون الدرهم الوافي، وبعضهم يعبر بما دون الدرهم البغلي. وبالجملة: رجوع التفسيرين إلى أمر واحد مما لا ينبغي الاشكال فيه. وإنما الاشكال في وجه حمل الدرهم المذكور في النصوص على ذلك مع اختلاف الدراهم. بل مقتضى ما ذكروه من هجر الدرهم المذكور في زمن عبدالمللك - حيث اتخذ الدرهم المتوسط بين الوافي والطبري الذي هو أربعة دوانيق فجعل وزنه ستة دوانيق، واستقر أمر الاسلام عليه - وجوب حمل الدرهم المذكور في الروايات عن الصادقين (ع) - المتأخر زمنهما عن زمن عبد الملك - على ما كان وزنه ستة دوانيق، لانه شائع، والشياع قرينة الحمل عليه، إذ الدرهم المذكور ليس من قبيل المطلق الصالح للانطباق

[ 569 ]

على كل فرد، لان وروده مورد التحديد ينافي ذلك، لامتناع التحديد بما كان صالحا للانطباق على القليل والكثير كما لا يخفى. ومن الغريب ما استوضحه في مصباح الفقيه، من أن موضوع المانعية إن كان ما زاد على الدرهم - كما في صحيح ابن مسلم - فالعبرة في عدم العفو بالزيادة عن جنسها على الاطلاق، فلا تضر زيادته عن بعض المصاديق دون بعض. وان كان الدرهم فما زاد، فالعبرة بالعفو عما نقص عن جميع الافراد، فلا يجدى نقصانه عن بعض مصاديقه. انتهى. وبالجملة: لا ينبغي التأمل في إرادة التقدير بدرهم معين، والشياع قرينة على التقدير بالشائع. فإذا العمدة في تعيين الوافي المسمى بالبغلي هو الاجماع. ثم إن في سعة الدرهم - المحمول عليه التقدير - خلافا، فالمحكي عن اكثر عبارات الاصحاب تحديدها بأخمص الراحة، وعن المناهج السوية: أنه الاشهر، بل لا يعرف قول بخلافه، لان التحديد الآتي المحكي عن الاسكافي ليس تحديدا للدرهم البغلي الوافي، وانما هو تحديد للدرهم المعفو عن مقداره. وكذلك التحديدان الآخران كما يظهر ذلك من محكي عباراتهم جميعا. فراجعها. فلم يعرف تحديد للدرهم الوافي الا بذلك لكن الاشكال في مأخذ هذا التحديد، ولم أجد له أثرا في كلام أحد ممن تتبعت كلماتهم نعم في السرائر: " إن الدرهم البغلي منسوب إلى مدينة قديمة من (بابل) يقال لها: (بغل) متصله ببلد الجامعين، يجد فيها الحفرة دراهم واسعة وأنه شاهد واحدا منها، فوجده يقرب من سعة أخمص الراحة ". والذي يظهر من كلمات جماعة أن التقدير المشهور كان اعتمادا على شهادته (ره) لكن كان المناسب أن يجعل التقدير المشهور قريبا من أخمص الراحة لا مساويا لها. مع أن الاعتماد على شهاته لا يخلو من إشكال، لاختلافهم في وجه نسبة البغلي - كما تقدم عن الذكرى - وحكي في السرائر قولا:

[ 570 ]

بأنه منسوب إلى رجل من كبار أهل الكوفة يسمى: (ابن أبي البغل) ضربه للثاني في أيام خلافته، ورده: بأن الدرهم البغلي موجود قبل الاسلام وقبل الكوفة. لكن تقدم في الذكرى: أن التسمية إسلامية، وأنها قبل الاسلام كانت تسمى (كسروية)، وفي مجمع البحرين: أنه منسوب إلى ملك يسمى (رأس البغل). ومع هذا الاختلاف كيف يحصل الوثوق بشهادته؟! ولا سيما بعد ملاحظة ما في المعتبر، فانه بعد كلامه السابق قال: " وقال ابن أبي عقيل: ما كان سعة الدينار. وقال ابن الجنيد: ما كان سعته سعة العقد الاعلى من الابهام والكل متقارب " فان أخمص الراحة يبعد عن العقد الاعلى من الابهام كثيرا، فلابد أن يكون الدرهم الوافي أقل من سعة أخمص الراحة. وان كان هذا الاشكال وارد أيضا في تقدير الدينار، فان الدينار الذي شاهدته أقل من ذلك كثيرا، لانه بقدر الفلس العراقي المسكوك في هذا العصر، الذي يساوي نصف عقد الابهام تقريبا، فكيف يكون مقاربا لعقد الابهام؟! فكان المراد من التقارب ما يشمل مثل هذا التفاوت. وقد أطلعني بعض من يقتنى الآثار القديمة القيمة - مع خبرة كاملة، واطلاع وافر على خمسة دراهم قديمة اسلامية. ودرهمين غير اسلاميين، قد كتب في واحد من الدراهم الاسلامية في دائرة أحد وجهيه: " بسم الله ضرب هذا الدرهم بالبصرة في سنة ثمانين " وفي وسطه: " لا إله إلا الله وحده لا شريك له " وفي دائرة وجهه الآخر: " محمد رسول الله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون " وفي وسطه: " الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ". وكتب في آخر منها: " بسم الله ضرب هذا الدرهم بدمشق سنة تسع وثمانين " وتمام ما كتب في الدرهم السابق. وكتب في ثالث منها في دائرة أحد وجهيه: " بسم الله

[ 571 ]

ضرب هذا الدرهم بالبصرة سنة مائة " وتمام ما كتب على وجهي الدرهمين السابقين. وكتب في رابع منها في دائرة أحد وجهيه: " بسم الله ضرب هذا الدرهم بالكوفة سنة إحدى وأربعين ومائة " وعلى وسطه: " لا إله إلا الله وحده لا شريك له " وعلى دائرة وجهه الآخر: " محمد رسول الله ". وكتب في الخامس منها في دائرة أحد وجهيه: " بسم الله ضرب هذا الدرهم بمدينة السلام سنة أربع وسبعين ومائة "، وتمام ما كتب على الدرهم الرابع. كل ذلك بالخط الكوفي. كما أطلعني على دينارين اسلاميين قد كتب بالكوفي أيضا في أحدهما في دائرة أحد وجهيه: " بسم الله ضرب هذا الدينار سنة تسع وسبعين " وعلى وسطه: " الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد " وعلى دائرة وجهه الآخر: " محمد رسول الله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله " وعلى وسطه: " لا إله إلا الله وحده لا شريك له ". وكتب في الآخر في دائرة أحد وجهيه ": " بسم الله ضرب هذا الدينار سنة ثلاثين ومائة " وتمام ما كتب على الدينار السابق. ثم إن الدراهم الاربعة - وهي عدا ما ضرب في البصرة بتاريح سنة مائة - لا يظهر تفاوتها بحسب المساحة إلا بالمداقة بمقدار يسير، كما ترى صورها في الصفحة المقابلة. وما ضرب في سنة مائة يزيد عليها مساحة بقليل، كما ترى صورته (* 1) وقد كان وزن الاول ومثله الاخير أربع عشرة حبة، التي يساوى الاربع والعشرون منها مثقالا صيرفيا، والثلاثة الاخرى وزن كل


(* 1) هذا ما ذكره - قدس سره - اعتمادا على ما شاهده من الدراهم وعليه جرى أخذ مساحة الدراهم في الطبعة الاولى. ولكن الذي عثرنا عليه في المتحف العراقي أن الدرهم المضروب في ذمشق سنة: 89 هو اكبر الدراهم الخمسة التي أشار إليها قدس سره، كما اثبتت صورها ومساحاتها في الورقة الملحقة هنا.

[ 572 ]

{ ولما حده بعضهم بسعة عقد الابهام من اليد (1) وآخر بعقد الوسطى وآخر بعقد السبابة، فالاحوط الاقتصار على الاقل (2) وهو الاخير. (مسألة 1): إذا تفشى من أحد طرفي الثوب إلى } واحد منها خمس عشرة حبة. أما الدرهمان غير الاسلاميين فوزن أحدهما ثلاث عشرة حبة ونصف حبة تقريبا، وهو يساوي الدرهم المضروب سنة مائة مساحة أو يزيد عليه يسيرا. وقد ذكر الخبير المذكور - وفقه الله تعالى - أنه المسمى بالطبري. لكن ينافيه ما ذكره الجماعة - قدس سرهم - من أن الطبري وزنه ثلثا المضروب في سنة ثمانين. ووزن الآخر منهما تسع عشرة حبة ومساحته تزيد على مساحة هذين الدرهمين الاخيرين بمقدار العشر أو اكثر، وهو المسمى بالوافي والبغلي على ما ادعاه الخبير المذكور، وهو قريب لزيادته على الدراهم المتقدمة أجمع مساحة ووزنا. ولا يقدح فيه عدم المطابقة لما ذكروه في الوزن بحسب المداقة، لامكان أن يكون هذا التفاوت طارئا من كثرة الاستعمال، أو عدم الاتقان في الموازين. والله سبحانه العالم. (1) قد تقدمت حكاية هذا التحديد عن الاسكافي، كما تقدم أنه ليس غرضه تحديد الدرهم البغلي أو الوافي، وانما غرضه تحديد الدرهم المعفو عنه. وكذلك التحديدان الآخران، والقائل بهما غير معروف - كما اعترف بذلك جماعة - والتفاوت بينهما يسير جدا. (2) لا ريب أنه مع إجمال التقدير يقتصر على القدر المتيقن في الخروج عن عموم مانعية الدم. كما هو الشأن في العام المخصص بالمخصص المجمل. لكن عرفت ما يمكن الركون إليه في تقريب القول المشهور.

[ 573 ]

{ الآخر فدم واحد (1) والمناط في ملاحظة الدرهم أوسع الطرفين (2). نعم لو كان الثوب طبقات فتفشى من طبقة إلى أخرى، فالظاهر التعدد (3)، وان كانتا من قبيل الظهارة والبطانة. كما أنه لو وصل إلى الطرف الآخر دم آخر لا بالتفشي، يحكم عليه بالتعدد (4) وان لم يكن طبقتين. } (1) كما هو الاشهر. وعن الذكرى والبيان: أنه اثنان. وربما يفصل بين الصفيق فالثاني، والرقيق فالاول، والمراد من الوحدة في كلامهم ليس وحده الوجود، إذ لا مجال لتوهم كون الدم المتفشي إلى الجانب الآخر وجودين بل المراد أن ظاهر نصوص التقدير ملاحظة السطح الظاهر، فإذا تفشى كان له سطحان ظاهران، فيكون مجموعهما ملحوظا للتقدير المعفو عنه، فإذا زاد عن ذلك لم يكن موضوعا للعفو. ولكنه مشكل، إذ الدم لابد أن يكون له سطوح متعددة، غاية الامر قد يظهر السطح على ظاهر الثوب، وقد لا يظهر فيكون في عمقه، وهذا المقدار من الفرق لا يوجب الفرق في الحكم فإذا الاول اقوى. (2) للاطلاق. وتأمل فيه في الجواهر. وكأنه لاحتمال الانصراف إلى الوجه الملاقي له أولا. ولكنه ممنوع. (3) هذا يتم مع انفصال الطبقات بعضها عن بعض الموجب لتعددها عرفا، إذ لا أقل من الشك في شمول أدلة العفو له الموجب للرجوع إلى عموم المنع. أما مع الاتصال - كالملبد - فلا يبعد عدم الضم للاطلاق. (4) لظهور النص في وجوب ملاحظة المجموع في مثله، لصدق أن فيه نقط الدم المذكور في صحة ابن أبي يعفور (* 1) لا أقل من الشك الموجب للرجوع إلى عموم المنع. نعم يشكل ذلك لو تفشى إلى الجانب


(* 1) تقدم في اول الكلام في العفو عن الدم دون الدرهم.

[ 574 ]

{ (مسألة 2): الدم الاقل إذا وصل إليه رطوبة من الخارج، فصار المجموع بقدر الدرهم أو أزيد، لا إشكال في عدم العفو عنه (1)، وان لم يبلغ الدرهم، فان لم يتنجس بها شئ من المحل - بأن لم تتعد عن محل الدم - فالظاهر بقاء العفو (2)، وان تعدى عنه ولكن لم يكن المجموع بقدر الدرهم، ففيه إشكال، والاحوط عدم العفو. } الآخر، ثم وقع عليه من الجانب الآخر دم آخر فان المتفشي بعد ما كان محكوما بأنه دم واحد، فإذا وقع عليه دم آخر يكون من قبيل وقوع الدم على الدم، الذي لا يوجب التعدد. فتأمل. (1) لانه إما غير معفو عن الرطوبة وان كانت دون الدرهم، لاختصاص أدلة العفو بالدم، وأما لانها بحكم الدم لا يعفى عنها مع مساواة المجموع للدرهم. لكن استظهر من قول الشهيد في الذكرى: - " وان أصابه مائع طاهر فالعفو قوي " - عدم اعتبار النصاب في المتنجس بالدم. اللهم الا أن يكون نظره إلى الحكم في الجملة. (2) يشكل العفو، من جهة أن الرطوبة النجسة لما لم تكن بحكم الدم في العفو فالصلاة معها صلاة في النجس، وان لم يتنجس بها الثوب. نعم لو قلنا بالعفو عما تنجس بالدم - كما عن الذكرى، وروض الجنان، والمعالم، والمدارك - لان الفرع لا يزيد على أصله كان العفو عنها في الفرض في محله. لكن القاعدة المذكورة لا دليل عليها، فعدم العفو - كما عن المنتهى والبيان والذخيرة وغيرها - في محله. ومن ذلك تعرف الوجه في قوله (ره) - في صورة التعدي -: " والاحوط عدم العفو " فانه الاقوى لتنجس الثوب بها، فصدق الصلاة في النجس حينئذ ظاهر.

[ 575 ]

{ (مسألة 3): إذا علم كون الدم أقل من الدرهم، وشك في أنه من المستثنيات أم لا، يبنى على العفو، (1). وأما } (1) كما عن الدروس، والموجز، وشرحه، وغيرها، بل قيل: إن على بناء الفقهاء. لا لعموم العفو عما دون الدرهم، لانه تمسك بالعام في الشبهة المصداقية، والتحقيق عدم جوازه. بل إما لاصالة عدم كون الدم من غير المعفو عنه - دم حيض أو نفاس أو غيرهما - بناء على صحة جريان الاصل في العدم الازلي، كما تقدم في المياه، فإذا ثبت أنه ليس بحيض مثلا ثبت العفو عنه، لان موضوعه الدم الذي ليس بحيض، فيثبت الموضوع - وهو الدم - بالوجدان ووصفه بالاصل، وقد عرفت أن الجمع بين الخاص والعام يقتضي - عرفا - كون موضوع حكم العام عنوان العام الذي ليس بخاص وإما لاصالة البراءة عن مانعية الدم المشكوك المانعية (ودعوى): أن المرجع في مشكوك الحيضية أو النفاسية - مثلا - عموم مانعية الدم الحاكم على أصالة البراءة، أو الواردة عليها (مندفعة): بأن عموم المنع مخصص بعموم العفو عما دون الدرهم، مما لم يكن حيضا أو نفاسا - مثلا - فان بني على جواز التمسك بالعام في الشبهة المصداقية، كان المرجع عموم العفو لانه أخص من عموم المنع عن الدم، وان لم يبن على ذلك، لا يجوز الرجوع إلى كل واحد منها، بل يرجع إلى الاصل المقتضي للبراءة. ثم إنه يختص الدم المشكوك كونه من نجس العين، أو من محرم الاكل بأصل موضوعي غير ما ذكر، وهو أصالة الطهارة أو الحل في حيوانه فيثبت أنه دم حيوان طاهر أو محال الاكل. لكنه يختص ذلك بما إذا لم يكن الحيوان مرددا بين فردين أحدهما معلوم النجاسة أو الحرمة، والثاني معلوم الطهارة أو الحل، والا امتنع جريان الاصل، لما ذكرنا غير مرة

[ 576 ]

{ إذا شك في أنه بقدر الدرهم، أو اقل فالاحوط عدم العفو (1) } من عدم جريان الاصل في الفرد المردد. بل قد يستشكل في جريان أصالة الحل المذكورة: بأن حلية الحيوان المأخوذة شرطا في صحة الصلاة في بعض أجزائه هي الحلية الواقعية، ولا يجدي في إحرازها أصالة الحل الثابتة حال الشك، فان مفادها مجرد الترخيص الظاهري بلا نظر إلى اثبات آثار الحلية الواقعية، كما ذكره استاذنا الاعظم (ره) لكنه يندفع: بأنه خلاف ظاهر دليل أصالة الحل. فان ظاهره اثبات الحلية المشكوكة حال الشك، وليس الحلية المشكوكة إلا الحلية الواقعية (وان شئت قلت): ظاهر قوله (ع): " كل شئ فيه حلال وحرام فهو لك حلال " (* 1) وقوله (ع): " كل شئ هو لك حلال حتى تعلم أنه حرام " (* 2) هو جعل الحلية المقابلة للحرمة المحتملة، وليس المقابل للحرمة المحتملة إلا الحلية الواقعية. نعم هنا اشكال آخر وهو أن جواز الصلاة وعدمه ليس من آثار الحلية الواقعية وعدمها بل من آثار الاصناف الخاصة التي لوحظت موضوعا للحلية والحرمة، فالمراد من قوله (ع): " لا تجوز الصلاة في شعر ووبر ما لا يؤكل لحمه " (* 3) الاصناف الخاصة من الحيوان وحرمة الاكل لوحظت مرآة إلى تلك الاصناف، لا موضوعا للمانعية، فاصالة الحل لا تجدي في اثبات جواز الصلاة في اجزائه. ولكنه يندفع - أيضا -: بأنه خلاف الظاهر ولعله يأتي التعرض لذلك في لباس المصلي إن شاء الله. (1) لا يظهر الفرق بين هذا الفرض وما قبله، في جريان أصالة


(* 1) الوسائل باب: 4 من ابواب ما يكتسب به حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 4 من ابواب ما يكتسب به حديث: 4. (* 3) الوسائل باب: 2 من ابواب لباس المصلي حديث: 7.

[ 577 ]

{ إلا أن يكون مسبوقا بالاقلية، وشك في زيادته (1). (مسألة 4): المتنجس بالدم ليس كالدم، في العفو عنه إذا كان أقل من الدرهم (2). } البراءة من مانعية المشكوك، المقتضية للعفو ظاهرا. نعم يفترق عنه في جريان الاصل الموضوعي، وهو أصالة عدم كون الدم درهما، نظير أصالة عدم كون الدم من دم الحيض فانه لو قلنا بجريان الاصل في الفرض السابق - بناء على جريانه في العدم الازلي - لا يجري في المقام، لان زيادة الدم ليست من قبيل عوارض الوجود المسبوقة بالعدم الازلي، بل هي منتزعة من نفس تكثر حصص الماهية، فهذه الكثرة كثرة قبل وجودها وبعده، لا أنها قبل الوجود لا كثرة، وبعد الوجود صارت كثرة. وقد أشرنا إلى ذلك في مسألة الشك في كرية الماء. فراجع. كما أنه يفترق هذا الفرض عما قبله بعدم امكان التمسك بعموم العفو فيه، وان قلنا بجوازه في الفرض السابق، لان موضوع العام هنا قد أخذ معنونا بما دون الدرهم، ومع الشك في عنوان العام لا يجوز الرجوع إليه اجماعا. وفي صحيح ابن أبي يعفور (* 1) وان لم يؤخذ معنونا بعنوان إلا أن الاستثناء فيه مانع عن التمسك بالعام في الشبهة المصداقية بلا كلام، وكذا كل مخصص متصل. وكيف كان يكفي في الحكم بالعفو أصالة البراءة من المانعية. (1) لاستصحاب عدم الزيادة. (2) كما عن المنتهى، والبيان، والذخيرة وغيرها. خلافا لما عن الذكرى وروض الجنان، والمعالم، والمدارك. لان الفرع لا يزيد على أصله. وقد تقدم أنه لا دليل على هذه القاعدة.


(* 1) تقدم في أول الكلام في العفو عن الدم دون الدرهم.

[ 578 ]

{ (مسألة 5): الدم الاقل إذا أزيل عينه فالظاهر بقاء حكمه (1). (مسألة 6): الدم الاقل إذا وقع عليه دم آخر أقل، ولم يتعد عنه، أو تعدى وكان المجموع أقل، لم يزل حكم العفو عنه (2). (مسألة 7): الدم الغليظ الذي سعته أقل عفو (3)، وإن كان بحيث لو كان رقيقا صار بقدره أو اكثر. (مسألة 8): إذا وقعت نجاسة أخرى كقطرة من البول - مثلا - على الدم الاقل، بحيث لم تتعد عنه إلى المحل الطاهر، ولم يصل إلى الثوب أيضا، هل يبقى العفو أم لا؟ إشكال (4) فلا يترك الاحتياط. } (1) كما عن شرح الموجز، النهاية، والمدارك. لاستصحاب العفو عنه الثابت له حال وجود الدم. لكنه - مع أنه من الاستصحاب التعليقي - مبني على جواز الرجوع إلى الاستصحاب في مثله لا عموم العام - أعني: عموم المنع عن الصلاة في النجس - والتحقيق الرجوع إلى العام مع كون التخصيص من أول الامر - كما في المقام - بل ولو كان في الاثناء، على تفصيل ذكرناه في محله من تعليقتنا (حقائق الاصول). وأما دعوى العفو في المقام للاولوية فغير ظاهرة. (2) لاطلاق الادلة. (3) للاطلاق، وقد عرفت أن منصرف النص التحديد بالسعة. (4) ينشأ أولا من الاشكال في تنجس الدم بالنجاسة الطارئة عليه، وثانيا من جهة صدق الصلاة في النجس. وقد عرفت في مسألة تنجس

[ 579 ]

{ الثالث مما يعفى عنه: مالا تتم فيه الصلاة (1) من الملابس كالقلنسوة والعرقجين، والتكة والجورب، والنعل، والخاتم، والخلخال (2) ونحوها بشرط أن لا يكون من الميتة (3)، } المتنجس أن الاول مقتضى القاعدة. كما أن الثاني غير بعيد. فعدم العفو أقرب. (1) إجماعا صريحا، وظاهرا، محكيا عن الانتصار، والخلاف، والسرائر والتذكرة، والكفاية، والذخيرة، وغيرها. وبه استفاضت النصوص. مثل ما رواه زرارة عن أحدهما (ع): كل ما كان لا تجوز فيه الصلاة وحده فلا بأس بأن يكون عليه الشئ. مثل القلنسوة، والتكة، والجورب (* 1) ونحوه مرسل إبراهيم بن أبي البلاد (* 2). وفي مرسل حماد بن عثمان عن أبي عبد الله (ع): " في الرجل يصلي في الخف الذي قد أصابه القذر. فقال (ع): إذا كان مما لا تتم فيه الصلاة فلا بأس " (* 3). ومرسل عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (ع): " أنه قال: كل ما كان على الانسان أو معه مما لا تجوز الصلاة فيه وحده فلا بأس أن يصلي فيه وان كان فيه قذر. مثل القلنسوة والتكة والكمرة والنعل والخفين وما أشبه ذلك " (* 4). وقريب منها غيرها. (2) ونحوهما، وان لم يكن من جنس الساتر، لان العفو عنه مقتضى إطلاق النصوص. ولا ينافيه التمثيل بما ذكر، فانه لا يصلح للتقييد. ولذا نص عليه جماعة. بل عن الحلي الاجماع عليه. (3) لان مورد النصوص المتقدمة المتنجس، والتعدي إلى النجس محتاج


(* 1) الوسائل باب: 31 من ابواب النجاسات حديث: 1. (* 2) الوسائل باب: 31 من ابواب النجاسات حديث: 4. (* 3) الوسائل باب: 31 من ابواب النجاسات حديث: 3. (* 4) الوسائل باب: 31 من ابواب النجاسات حديث: 5.

[ 580 ]

إلى دليل مفقود، فعموم المنع من الصلاة في النجس محكم. مضافا إلى النصوص الواردة في المنع عن الصلاة في الخف إذا كان من الميتة، وفي السيف إذا كان فيه الميتة (* 1). وفي صحيح ابن أبي عمير عن غير واحد عن أبي عبد (ع): في الميتة قال (ع): لا تصل في شئ منه ولا شسع " (* 2). نعم يعارضها خبر الحلبي عن أبي عبد الله (ع): " كل ما لا تجوز الصلاة فيه وحده فلا بأس بالصلاة فيه مثل التكة الابريسم، والقلنسوة، والخف، والزنار، يكون في السراويل ويصلى فيه " (* 3). وموثقة اسماعيل بن الفضل: " سألت أبا عبد الله (ع) عن لباس الجلود والخفاف والنعال والصلاة فيها إذا لم تكن من أرض المصلين. فقال (ع): أما النعال والخفاف فلا بأس بهما (* 4). لكن الاول مطلق شامل للنجس والمتنجس، والجمع بينه وبين النصوص المتقدمة يقتضي تقييده بها، فيحمل على خصوص المتنجس. ولا يبعد جريان ذلك في الموثقة، فان قول السائل: " إذا لم تكن من أرض المصلين " يعني المسلمين - كما هو الظاهر - محتمل للسؤال من حيث النجاسة الذاتية، لعدم التذكية، وللنجاسة العرضية من جهة أن عملها في أرض الكفار يلازم غالبا نجاستها عرضا، وترك الاستفصال وان كان يقتضي العموم، لكنه مقيد بما تقدم من النصوص، فيحمل على النجاسة العرضية. وهذا الجمع وان كان خلاف الظاهر، لكن ارتكابة أهون من حمل نصوص المنع على الكراهة مع كثرتها، وتأكد دلالتها. فلاحظ صحيح


(* 1) راجع الوسائل باب: 50 من ابواب النجاسات. (* 2) الوسائل باب: 1 من ابواب لباس المصلي حديث: 2. (* 3) الوسائل باب: 14 من ابواب لباس المصلي حديث: 2. (* 4) الوسائل باب: 38 من ابواب لباس المصلي حديث: 3.

[ 581 ]

{ ولا من أجزاء نجس العين كالكلب وأخويه. والمناط عدم أمكان (1) الستر (2) بلا علاج، فان تعمم أو تحزم بمثل الدستمال مما لا يستر العورة بلا علاج، لكن يمكن الستر به بشده بحبل أو بجعله خرقا، لا مانع من الصلاة فيه. وأما مثل العمامة الملفوفة التي تستر العورة إذا فلت فلا يكون معفوا } ابن أبي عمير السابق. وصحيح البزنطي عن الرضا (ع): سألته عن الخفاف يأتي السوق فيشتري الخف لا يدري اذكي هو أم لا؟ ما تقول في الصلاة فيه وهو لا يدري؟ أيصلي فيه؟ قال (ع): نعم. أنا اشتري الخف من السوق ويصنع لي وأصلي فيه، وليس عليكم المسألة " (* 1) فان حمل مثل هذه الرواية على الكراهة بعيد جدا، ونحوها غيرها، فراجع. ولو أبيت عن إمكان الجمع العرفي بين هذه النصوص والموثقة. فطرح الموثقة متعين. ومن هذا يظهر لك وضوح استثناء ما كان من نجس العين، فانه - مع أنه ميتة. لعدم قبول نجس العين للتذكية - نجس أيضا قبل الموت فأولى بالمانعية. (1) فانه ظاهر النصوص، بل قيل إنه ظاهر إطلاق الفقهاء. (2) يعني: لصغره، لا لانه يحكي ما تحته، كما نص عليه بعض الاعلام (3) خلافا للمحكي عن الصدوقين، ويوافقهما الرضوي: إن أصاب قلنسوتك أو عمامتك أو التكة أو الجورب أو الخف مني أو بول أو دم أو غائط فلا بأس بالصلاة فيه، وذلك ان الصلاة لا تتم في شئ من هذه وحد " (* 2). لكن الرضوي لا يصلح للخروج به عن أدلة المنع. ولذا حكي عن الراوندي وغيره، حملها على العمامة الصغيرة التي لا تستر العورتين، كالعصابة.


(* 1) الوسائل باب: 38 من ابواب لباس المصلي حديث: 6. (* 2) مستدرك الوسائل باب: 23 من ابواب النجاسات حديث: 1.

[ 582 ]

{ إلا إذا خيطت بعد اللف بحيث تصير مثل القلنسوة (1). الرابع: المحمول المتنجس الذي لا تتم فيه الصلاة (2)، مثل السكين والدرهم والدينار ونحوها. وأما إذا كان مما تتم فيه } ولعل ذيل الرضوي شاهد بذلك، وإلا فالعمامة المتعارفة معدودة من الثياب قطعا - كما في الجوهر - ومجرد اللف لا يخرجها عن كونها مما تتم بها الصلاة. ومن ذلك يظهر ما في المدارك من احتمال العفو عن العمامة، لاختصاص الدليل بالثوب، وليس منه العمامة إذا كانت على الكيفية المخصوصة. (1) في ارتفاع استعدادها العرفي للتستر بها، ولا يكفي مجرد الخياطة في الجملة إذا لم تكن رافعة للاستعداد المذكور. (2) كما عن الذكرى، والدروس وجامع المقاصد، والمسالك، والمدارك والذخيرة وغيرها. ونسبه في المدارك وغيرها إلى المعتبر، وظاهر الشرائع. إما لعدم ثبوت المنع عن المحمول الذي تتم فيه الصلاة، فضلا عما لا تتم فيه والاصل البراءة. وإما لاستفادة العفو عنه من النصوص المتقدمة، لاطلاقها الشامل للحمل واللبس. وعن السرائر والنهاية والمنتهى والبيان والموجز: عدم العفو. ونسب إلى ظاهر الاكثر. لعموم ما دل على المنع عن الصلاة في النجس الشامل للمحمول، كرواية خيران الخادم: " كتبت إلى الرجل (ع) أسأله عن الثوب يصيبه الخمر ولحم الخنزير أيصلى فيه أم لا؟ فان أصحابنا قد اختلفوا فيه، فقال بعضهم: صل فيه فان الله تعالى إنما حرم شربها. وقال بعضهم: لا تصل فيه. فكتب (ع): لا تصل فيه فانه رجس " (* 1) وخبر موسى بن اكيل عن أبي عبد الله (ع): " لا تجوز الصلاة في شئ من الحديد فانه نجس ممسوخ " (* 2). فان مقتضى التعليل فيها عموم الحكم


(* 1) الوسائل باب: 38 من ابواب النجاسات حديث: 4. (* 2) الوسائل باب: 32 من ابواب لباس المصلي حديث: 6.

[ 583 ]

{ الصلاة - كما إذا جعل ثوبه المتنجس في جيبه مثلا - ففيه إشكال (1)، والاحوط الاجتناب. وكذا إذا كان من الاعيان النجسة، كالميتة والدم وشعر الكلب والخنزير، فان الاحوط } للمحمول. ولانصراف النصوص المتقدمة في العفو إلى خصوص الملبوس بل خصوص ما كان في محله، كما عن التذكرة والتحرير والمنتهى والبيان وغيرها هذا ولكن استفادة عموم المنع للمحمول المحض من مثل الروايتين محل إشكال، فان الظرفية في قول القائل: " الصلاة في الشئ " بعد امتناع حملها على الظرفية المكانية يتعين جعلها حالا للمصلي، وظرفية المتنجس للمصلي لابد أن تكون من جهة اشتمال الشئ عليه، ولو لاشتماله على بعضه مثل الخاتم والقلادة، وكذا الخرقة المشدودة على العضو المجروح أو المكسور أو على عين الارمد، ونحوها مما لا يكون ملبوسا، ولا يشمل ما لو كان المتنجس معه بأن يكون في جيبه أو في قبضته أو مغروزا في عمامته أو نحو ذلك مما لا يكون مشتملا على بعض المصلي، أو معدودا جزءا مما اشتمل عليه. وقوله (ع) في موثق ابن بكير الوارد في ما لا يؤكل لحمه: " وبوله وروثه وكل شئ منه " (* 1) باعتبار تلوث اللباس بها الموجب عدها جزءا منه. وما في كلام بعض الاعاظم من وجوب حمل: (في) على معنى (مع) غير ظاهر بعد إمكان الحمل على الظرفية بلحاظ المصلي. هذا ولو سلم العموم فدعوى انصراف نصوص استثناء ما لا تتم به الصلاة إلى خصوص الملبوس ممنوعة، كدعوى انصرافها إلى خصوص ما كان في محله. (1) بل المنع ظاهر من عرفت. ووجهه عموم المنع من الصلاة في النجس. لكن عرفت الاشكال فيه، ومقتضى أصالة البراءة عن مانعيته العفو عنه.


(* 1) الوسائل باب: 2 من ابواب لباس المصلي حديث: 1.

[ 584 ]

{ اجتناب حملها في الصلاة (1) } وعن المبسوط، والاصباح، والجواهر، والسرائر، والجامع وجملة من كتب العلامة (ره) وغيره: المنع. لما عن كتاب علي بن جعفر (ع): " عن الرجل يمر بالمكان فيه العذرة، فتهب الريح فتسفي عليه من العذرة فيصيب ثوبه ورأسه أيصلي فيه قبل أن يغسله؟ قال (ع): نعم ينفضه ويصلي فلا بأس " (* 1) وصحيح عبد الله بن جعفر الحميري: " كتبت إليه - يعني أبا محمد (ع) -: يجوز للرجل أن يصلي ومعه فارة المسك؟ فكتب (ع): لا بأس به إذا كان ذكيا " (* 2). وصحيح علي بن جعفر (ع): " عن الرجل يصلي ومعه دابة من جلد حمار أو بغل. قال (ع): لا يصلح أن يصلي وهي معه إلا أن يتخوف ذهابها فلا بأس أن يصلي وهي معه " (* 3) بناء على حمله على الميت. لكن تشكل النصوص المذكورة - مضافا إلى اختصاص الاول بالاعيان الملتصقة ببدن المصلي ولباسه على نحو تعد كجزء منه، فلا يشمل المحمول المحض. وأن الاخير غير ظاهر في الميتة، ولا في المنع عنها -: بأنها معارضة بما اشتمل من نصوص العفو عما لا تتم به الصلاة على مثل قوله (ع): " عليه الشئ " أو: " فيه القذر ". مما هو ظاهر في وجود عين النجاسة والاختلاف في المورد لا يقدح في تحقق المعارضة، لالغاء خصوصية المورد عرفا، فان الجمود في كل على مورده بعيد عن الاذواق العرفية، ولو سلم فغاية ما يقتضي الصحيح البناء على المنع عن حمل فأرة المسك إذا لم يكن ذكيا، لا المنع عن حمل نجس العين مطلقا. وقد عرفت في مبحث الميتة


(* 1) الوسائل باب: 26 من ابواب النجاسات حديث: 12. (* 2) الوسائل باب 41 من ابواب لباس المصلي حديث: 2. (* 3) الوسائل باب: 60 من ابواب لباس المصلي حديث: 3.

[ 585 ]

أن ظاهر الصحيح اعتبار ذكاة المسك، لا ذكاة الفارة، في مقابل المأخوذة من الظبي الميت، وان كان صريح بعض وظاهر آخر حمله على ذكاة الفارة ولذا منعوا من حمل الميتة في الصلاة دون غيرها من النجاسات، لكنه خلاف الظاهر. والمتحصل: أنه إن بني على الغاء خصوصية مورد الصحيح ومورد روايات العفو عما لا تتم به الصلاة كانت متعارضة في جواز حمل النجاسة وعدمه، والجمع العرفي يقتضى الحمل على الكراهة. وان لم يبن على ذلك وجب الاخذ بالصحيح في مورده والرجوع في غيره من موارد الحمل إلى أصالة البراءة من المانعية بعدما عرفت، من منع العموم الدال على المنع عن حمل النجس. هذا كله بالنسبة إلى حمل نجس العين. وأما بالنسبة إلى لبسه إذا كان مما لا تتم فيه الصلاة فالظاهر أنه لا إشكال في عدم جوازه، لعموم ما دل على عدم جواز لبس النجس في الصلاة، وأدلة العفو فيما لا تتم فيه الصلاة مختصة بالمتنجس فلا تشمله. ثم انه لو قلنا بمانعية غير مأكول اللحم بالنسبة إلى ما لا تتم به الصلاة - كما هو أحد القولين في المسألة - ففي جواز كون النجاسة فيما لا تتم به الصلاة من فضلات غير مأكول اللحم إشكال، ينشأ من إطلاق الشئ في رواية زرارة: " كل ما لا تجوز الصلاة فيه وحده فلا بأس بأن يكون عليه الشئ " (* 1) الشامل لفضلة المأكول وغيره، فيعارض ما دل على المنع عن الصلاة في غير مأكول اللحم الشامل للمقام وغيره بالعموم من وجه، فيرجع في مورد المعارضة إلى أصالة البراءة من المانعية. ومن انصرافه إلى حيثية النجاسة، كما يشهد به التصريح في غيرها من النصوص بالقذر، فان الظاهر كون النصوص جارية بمساق واحد. فتأمل.


(* 1) تقدم في أول الكلام في العفو عما لا تتم به الصلاة من الملابس.

[ 586 ]

{ (مسألة): الخيط المتنجس الذي خيط به الجرح يعد من المحمول (1)، بخلاف ما خيط به الثوب والقياطين والزور والسفائف، فانها تعد من أجزاء اللباس، لا عفو عن نجاستها (2). الخامس: ثوب المربية للصبي (3)، } (1) قد جزم في الجواهر بعدم كونه من المحمول، ولا مما تجب ازالته في الصلاة، وكذا الدم الذي أدخله تحت جلده، والخمر الذي شربه، والميتة التي أكلها. ثم استشكل في الفرق بينها وبين العظم النجس إذا جبر به مع عدم ظهور الخلاف في عدم العفو عنه. وحكي عن المبسوط نفي الخلاف فيه، وعن الذكرى والدروس الاجماع عليه، وما جزم به (ره) اولا في محله بالنسبة إلى الخمر والميتة أو الدم، لصيرورتها من البواطن، لكنه غير ظاهر في الخيط، فانه وان كان من المحمول، لكن المنع عن مثله مستفاد من رواية ابن جعفر المتقدمة. ومن هنا كان الظاهر الحاقه بالعظم النجس الذي جبر به، كما عن الذكرى وجامع المقاصد التصريح بذلك. ولو اكتسى العظم المذكور اللحم فهو معفو عنه - كما استوجهه في الجواهر، حاكيا عن المدارك والذخيرة - لالتحاقه بالبواطن. (2) إلا أن تكون جزءا مما لا تتم به الصلاة. (3) بلا خلاف يعرف كما في الحدائق، وعن الدلائل، ونسبه إلى المشهور جماعة. لرواية أبي حفص عن أبي عبد الله (ع): " سئل عن امرأة ليس لها إلا قميص واحد ولها مولود فيبول عليها، كيف تصنع؟ قال (ع): تغسل القميص في اليوم مرة " (* 1). وضعف سندها بمحمد بن يحيى المغاذي - الذي ضعفه العلامة (ره)، واستثناه القميون من كتاب نوادر


(* 1) الوسائل باب: 4 من ابواب النجاسات حديث: 1.

[ 587 ]

{ أما كانت أو غيرها (1)، متبرعة أو مستأجرة، ذكرا كان الصبي أو أنثى (2). وان كان الاحوط الاقتصار على الذكر (3). فنجاسته معفوة بشرط غسله في كل يوم مرة (4)، مخيرة بين ساعاته (5)، وان كان الاولى غسله آخر النهار (6)، } الحكمة - لا يقدح بعد جبره بعمل الاصحاب. فتوقف الاردبيلي والمدارك والمعالم والذخيرة - كما حكي - كأنه في غير محله. (1) كما هو ظاهر الفتوى، للتعبير فيها بالمربية. لكن الظاهر من قوله: " لها مولود " أنها أمه، وليست اللام للاختصاص بلحاظ التربية كي تشمل غير الام. والقطع بعدم الفرق - كما حكاه في الجواهر عن جماعة - غير ظاهر. (2) كما عن المعالم والذخيرة نسبته إلى اكثر المتأخرين. لشمول المولود للذكر والانثى، وعن الذكرى والمسالك التصريح به. (3) كما عن الشيخ والاكثر، بل نسب إلى فهم الاصحاب، للشك في الشمول للانثى أو منعه. وللفرق بين بول الذكر والانثى. والجميع كما ترى. (4) لظاهر النص المتقدم. (5) كما عن غير واحد. للاطلاق. (6) كما صرح به جماعة، منهم المحقق في الشرائع، لما ذكر في المتن وعن التذكرة احتمال الوجوب لذلك. لكنه تقييد للاطلاق من دون مقيد ظاهر. وعن جامع المقاصد: " الظاهر اعتبار كونه في وقت الصلاة، لان الامر بالغسل للوجوب، ولا وجوب في غير وقت الصلاة ". وفيه: منع كونه للوجوب، ولذا يجوز ترك الغسل والصلاة في ثوب آخر، باجارة أو عارية أو غيرهما، فالامر بالغسل في المقام إرشادي إلى الشرطية، كالامر به في أمثال المقام من موارد الامر بغسل الثوب أو البدن.

[ 588 ]

هذا والذي ينبغي أن يقال: إن الكلام في المسألة يقع في أمور: الاول: أنه يجب إيقاع الغسل في النهار (إما) لان اليوم ظاهر فيه ولا ينافيه الاكتفاء بالغسل الواحد له، ولليل، لان ذلك كان بقرينة عدم التعرض لليل، لا لظهور اليوم فيما يعمه والليل، كما في المنتهى. (وإما) لاجمال اليوم الموجب لحمله على النهار، لانه القدر المتيقن في جواز الخروج عن القواعد العامة المقتضية لتكرار الغسل. ومن ذلك يظهر ضعف ما جزم به في الجواهر في أول كلامه، من أن المراد باليوم ما يشمل الليل، وان تأمل فيه بعد ذلك. الثاني: ان ظاهر الرواية أن الغسل المذكور شرطا في الرواية ملحوظ من حيث كونه يترتب عليه الطهارة في الجملة، سواء أبقيت إلى حال الصلاة أم لا، وليس المراد منه شرطية الطهارة حال الصلاة، وان كان هو الظاهر منه في غيره من الموارد، فان الظاهر من قول القائل: " اغسل ثوبك وصل " اعتبار الطهارة حال الصلاة، ولا يكفي في امتثاله مجرد الغسل، وان تنجس قبل الصلاة، وهذا بخلاف المقام، فان الظاهر أن المراد منه مجرد حصول طهارة الثوب في الجملة. والظاهر أن ما ذكرنا مما لا إشكال فيه عندهم. نعم في المدارك وجوب المبادرة إلى الصلاة بعد الغسل مع الامكان. لكنه غير محل الكلام، لظهوره في صحة الصلاة ولو مع نجاسة الثوب إذا بادرت إلى الصلاة فيه. وكيف كان فظاهره الاجتزاء بالغسل وان تنجس قبل الصلاة. وكأن الوجه في الفرق بين المقام وغيره مما كان ظاهر الامر بالغسل فيه اعتبار الطهارة حال الصلاة: أن المقام مقام تخفيف ورفع اليد عن اعتبار الطهارة. الثالث: ان الغسل المذكور هل هو شرط في جميع صلوات اليوم أو شرط لواحدة منها على التخيير؟ يتعين البناء على الاول. إما لانه الظاهر أو لان الرواية مجملة فيقتصر في الخروج عن القواعد الاولية المقتضية لشرطية

[ 589 ]

الطهارة للجميع على القدر المتيقن. ومقتضى ذلك وجوب تقديم الغسل على صلاة الصبح، لان اطلاق الشرطية يقتضي الحمل على كونها بنحو الشرط المتقدم، فيجب تقديمه على جميع صلوات اليوم. لكن لا أعرف قائلا بذلك. نعم في الجواهر مال إلى أنه شرط على نحو الشرط المتقدم بالنسبة إلى صلوات اليوم في الجملة. إما بأن يراد من اليوم نفس الزمان، فإذا أوقعته في زمان من اليوم يكون شرطا في جميع الصلوات المشروعة من ذلك الزمان إلى مثله من اليوم الثاني. أو يراد من اليوم الصلوات الخمس، فإذا أوقعته قبل الصبح كان شرطا للخمس التي آخرها العشاء، وإذا أوقعته بعد الصبح، كان شرطا للخمس التي آخرها الصبح، وإذا أوقعته بعد الظهر كان شرطا للخمس التي آخرها الظهر.. وهكذا. فهو مع التزامه بأنه على نحو الشرط المتقدم بالنسبة إلى تمام الخمس اللاحقة التزم بالتخيير، بناء منه على أن المراد بالخمس كلي الخمس المنطبقة على الخمس في الصور المذكورة وغيرها ولكنه فيه أنه خلاف ظاهر اليوم، فانه ظاهر في غير الملفق. وبالجملة: إطلاق الشرطية يقتضي كونها بنحو الشرط المتقدم، فالبناء عليها بالنسبة إلى جميع صلوات اليوم مع البناء على التخيير بين أنات اليوم غير ظاهر، وحمل اليوم على الملفق بعيد جدا. فلابد إما من رفع اليد عن الاطلاق المقتضي للتخيير بين أنات اليوم، أو رفع اليد عن ظهور الشرطية في كونها على نحو الشرط المتقدم، أو رفع اليد عن ظهور اليوم في غير الملفق، أو رفع اليد عن الظهور في الشرطية بالنسبة إلى جميع الصلوات. ولا يبعد كون الاخير أهون. ولذا اختار في المدارك كون الشرطية على نحو التخيير بين الصلوات على نحو الشرط المتقدم، وتبعه عليه في الذخيرة. لقوة الاطلاق المقتضي للتخيير بين أنات الزمان، إذ لو كان المراد الشرطية بالنسبة إلى جميع صلوات اليوم كان المناسب أن يقال: " تغسل القميص عند الصبح " فاهمال القيد المذكور

[ 590 ]

{ لتصلي الظهرين والعشاءين مع الطهارة، أو مع خفة النجاسة. وان لم يغسل كل يوم مرة، فالصلوات الواقعة فيه مع النجاسة باطلة (1). ويشترط انحصار ثوبها في واحد (2) أو احتياجها إلى لبس جميع ما عندها وان كان متعددا (3) ولا فرق في العفو بين أن تكون متمكنة من تحصيل الثوب الطاهر بشراء أو استيجار أو استعارة أم لا (4). وان كان الاحوط الاقتصار على صورة عدم التمكن (5). (مسألة 1): الحاق بدنها بالثوب في العفو عن نجاسته } يقوي التخيير بين آنات الزمان، الموجب للشرطية التخييرية على نحو الشرط المتقدم، بل هو قريب جدا. وان كان ايقاع الغسل عند الصبح أحوط. (1) هذا يتوقف على كون الغسل الواحد شرطا لجميع الصلوات، إذ لو كان شرطا لواحدة منها على التخيير كان اللازم قضاء ما تختارها منها دون غيرها. اللهم إلا أن يكون اختيارها عملا شرطا في صحة غيرها. فإذا لم تختر واحدة منها أو اختارت واحدة، ولم تغسل ثوبها لها، لم تصح بقية صلواتها. وهذا هو الذي يقتضيه الاقتصار على القدر المتيقن دلالة الدليل عليه في الخروج عن عموم شرطية الطهارة، المقتضي لوجوب القضاء إذا لم تغسل ثوبها. (2) كما هو المتيقن من النص. (3) كما هو الظاهر من النص، فان ظاهره عدم وجود ما يكون به التيديل، ولاسيما وكون الغالب احتياج المرأة في صلواتها إلى اكثر من ثوب واحد. (4) لاطلاق النص، المؤيد بغلبة إمكان الاستيجار والاستعارة ونحوهما. (5) لاحتمال انصراف النص إليه.

[ 591 ]

{ محل إشكال (1) وان كان لا يخلو عن وجه (2). (مسألة 2): في الحاق المربي بالمربية إشكال (3)، وكذا من تواتر بوله (4). السادس: يعفى عن كل نجاسة في البدن أو الثوب في حال الاضطرار. } (1) لاختصاص النص بالثوب. وحكي عن بعض المتأخرين التعميم للبدن (2) لغبة التعدي إلى البدن مع خلو النص عن الامر بتطهيرة لكل صلاة. كذا في الجواهر. ولعل لازمه عدم وجوب تطهيره أصلا حتى مرة لخلو النص عن ذلك، والاتكال فيه على الامر بغسل الثوب ليس بأولى من الاتكال فيه على أدلة مانعية النجاسة مطلقا، ومع الاحتمال لا مجال للاستدلال فالرجوع إلى مقتضى تلك الادلة متعين. (3) بل المنع منسوب إلى ظاهر الاكثر، اقتصارا على مورد النص. وعن العلامة والشهيدين الالحاق، للقطع بعدم الفرق. لكنه لنا غير حاصل أو لقاعدة الاشتراك. ولكنها غير ثابتة إذا كان الخطاب متوجها إلى الاناث وكذا لو كان موجها إلى صنف خاص من الذكور. مثلا إذا ثبت للاب حكم لا يتعدى إلى الام، والقدر الثابت من القاعدة ما لو كان الخطاب موجها إلى مطلق الذكور، فانه يتعدى منهم إلى الاناث، وفي غير ذلك لا دليل على القاعدة. (4) وان الحقه به جماعة. لمكاتبة عبد الرحيم القصير المحكية روايتها عن التهذيب مسندة، وعن الفقيه مرسلة أبي الحسن (ع): " يسأله عن خصي يبول، فيلقى من ذلك شدة ويرى البلل، بعد البلل. فقال (ع): يتوضأ وينضح ثيابه في النهار مرة واحدة " (* 1) لكنها ضعيفة السند،


(* 1) الوسائل باب: 13 من ابواب نواقض الوضوء حديث: 8.

[ 592 ]

لعدم توثيق عبد الرحيم، ولا سعدان بن مسلم الراوي عنه، كما اعترف بذلك جماعة ممن نسب إليهم القول المذكور، فاعتمدوا على قاعدة الحرج دونها، منهم العلامة، والشهيد في المنتهى، والذكرى والدروس، وان أمكنت مناقشتهم. أولا: من جهة أن الحرج لا يطرد في جميع فروع المسألة. وثانيا: من جهة إمكان استفادة وثوق الرجلين المذكورين من القرائن كاعتماد جماعة من أصحاب الاجماع - ومنهم صفوان ومحمد بن أبي عمير - على الاول منهما، وكثير من الاجلاء والاعيان عليهما جميعا. نعم هي قاصرة الدلالة، لعدم التصريح بكون البلل بولا، وعدم اشتمالها على الامر بغسل الثوب، ولا على التقييد بوحدة الثوب كما يدعيه مدعي الالحاق. والحمد لله رب العالمين. .

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية