الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




حصر الاجتهاد - آقا بزرگ الطهراني

حصر الاجتهاد

آقا بزرگ الطهراني


[ 2 ]

تأليف العلامة المغفور له الشيخ آغا بزرگ الطهراني تاريخ حصر الاجتهاد تحقيق محمد علي الانصاري

[ 3 ]

مطبعة الخيام - قم (1401 ه‍)

[ 4 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أفضل النبيين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، الهداة المعصومين.

[ 5 ]

تقديم حدد العلماء للاجتهاد علوما أدبية وغير أدبية، بها يتمكن الفقيه من استخراج الاحكام الشرعية واستنباطها من الكتاب والسنة وباقي الادلة التى تعود في الحقيقة اليهما. فالمجتهد إذا اتقن هذه العلوم ومارس الكتاب والسنة حصلت له ملكة يقتدر بها على استنباط الفروع الفقهية وما يحتاج إليه من المسائل والاحكام، وإذا حصلت له هذه الملكة وجب عليه العمل بما يستنبطه ولا يجوز له الرجوع إلى غيره. اما العامي الذي لم تتوفر له اسباب الاجتهاد اصلا، أو توفر له طرف منها ولكن لم يبلغ مرتبة الاستنباط، فيجب عليه الرجوع إلى المجتهد العادل الجامع للشرائط لاخذ

[ 6 ]

ما يجتاج إليه من الاحكام الفقهية. هذا ما ذهب إليه الشيعة في المجتهد والمقلد، واما اهل السنة فقد حصروا الاجتهاد في اربعة من الائمة زعموا ان التقليد لا يصح الا من هؤلاء ولا يجوز العمل الا برأيهم، وهم: الامام ابو حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي (ت 150) والامام مالك بن أنس الاصبحي (ت 179) والامام محمد ابن ادريس الشافعي (ت 204) والامام أحمد بن حنبل الشيباني (ت 241). سد أهل السنة باب الاجتهاد على انفسهم وأصبحوا يقلدون هؤلاء الائمة منذ قرون، بالرغم من وجود مجتهدين آخرين قبلهم ومعاصرين لهم وبعدهم. فما هي الاسباب والدواعي التي أوجبت حصر الاجتهاد فيهم، ومتى تم هذا الموضوع، وعلى يد من تم؟ فهذه أسئلة تدور على كثير من الالسن ويطلب لها الجواب. لقد أجاب على هذه الاسئلة العلامة الراحل المتتبع المؤرخ الشيخ آغابزرك الطهراني - عطر الله مرقده - في رسالته القيمة " توضيح الرشاد في تاريخ حصر الاجتهاد "، فانه درس هذا الموضوع من جوانبه المختلفة باختصار واستيعاب، واعطى صورة واضحة اغنى الباحث عن الفحص في الموسوعات واشتات الكتب. وقد استحصلت " مدرسة الامام المهدي عليه السلام "

[ 7 ]

بخونسار على صورة من هذه الرسالة بخط المؤلف من العلامة الحجة السيد محمد حسين الجلالى، وقد احسنت الاختيار إذ جعلته ضمن الرسائل والكتب التى سعت في تحقيقها ونشرها فانها بهذا العمل المشكور وفرت كثيرا من الجهد على العلماء والمعنيين بالبحوث التاريخية الدينية. واننى أبارك فضيلة الاستاذ المحقق الشيخ محمد على الانصاري على توفيقه في تحقيق هذا الاثر لقيم وعلى دراسته المختصرة الممتازة التى قدم بها الرسالة حول الاجتهاد والادوار التى مر بها، وأسأل الله تعالى له اطراد التوفيق في احياء آثار اخرى من تراثنا الاسلامي، وهو عزوجل ولى التوفيق التسديد. قم: 12 ذق 1401 ه‍ السيد أحمد الحسيني

[ 9 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على صفوة خلقه الرسول الامين، وآله الغر الميامين. بين يدي رسالة في " تاريخ حصر الاجتهاد " عند اخواننا السنة، حررت بيد العلامة الكبير آية الله الشيخ آغا بزرك الطهراني تغمده الله برحمته. وقد استعرض فيها تاريخ حصر الاجتهاد، ووجوب تقليد أحد المذاهب الاربعة لا غير، والاسباب التى دعت إلى ذلك وقد ساعدني التوفيق في صيف سنة 1398 هجرية، حيث سنحت لي فرصة قصيرة في مؤسسة ولي العصر عجل الله تعالى فرجه بمدينة خوانسار، فقمت فيها بتحقيق هذه الرسالة وتقديمها. ورأيت من المناسب أن اكتب باختصار حول الادوار التى مر بها الاجتهاد في كل من مدرستي الشيعة والسنة. وما توفيقي الا بالله، عليه توكلت واليه أنيب. العبد الراجي عفو ربه محمد على الانصاري الشوشتري

[ 11 ]

الاجتهاد لغة واصطلاحا قبل الدخول في البحث عن الادوار التي مر بها الاجتهاد، من اللازم أن نبين ما هو المراد من الاجتهاد الذي نريد أن نستعرض أدواره، فنقول: الاجتهاد في اللغة مأخوذ من " الجهد " بالضم بمعنى الطاقة، أو بالفتح بمعنى المشقة ويأتي بمعنى الطاقة أيضا. فالاجتهاد لغة هو: " بذل الوسع والطاقة " (1). وأما في مصطلح الفقهاء والاصوليين فيطلق على معنيين: عام، وخاص.


(1) راجع كلا من: لسان العرب والصحاح والنهاية ومجمع البحرين وغيرها من كتب اللغة.

[ 12 ]

المعنى الخاص للاجتهاد: أما المعنى الخاص فهو المرادف للقياس عند الشافعي، حيث يقول: " فما القياس؟ أهو الاجتهاد أم هما مفترقان؟ قلت: هما اسمان بمعنى واحد " (1) ونفى أن يكون الاستحسان من الاجتهاد (2) ويقول السيد المرتضى (قده): " وفي الفقهاء من فصل بين القياس والاجتهاد، وجعل القياس ما تعين أصله الذي يقاس عليه، والاجتهاد ما لم يتعين.. وفيهم من أدخل القياس في الاجتهاد وجعل الاجتهاد أعم منه " (3). وربما جعلوا الاجتهاد مرادفا للاستحسان، والرأي، والاستنباط والقياس، بجعلها أسماء لمعنى واحد. يقول مصطفى عبد الرزاق: " فالرأي الذي نتحدث عنه هو الاعتماد على الفكر في استباط الاحكام الشرعية، وهو مرادنا بالاجتهاد والقياس، هو أيضا مرادف للاستحسان والاستنباط " (4). هذا، ولا يمكن تحديد مفهوم الاجتهاد بمعناه الخاص تحديدا


(1) الرسالة للشافعي: 477. (2) نفس المصدر: 504. (3) الذريعة إلى اصول الشريعة: 2 / 188. (4) تمهيد لتاريخ الفلسفة الاسلامية: 138 كما عن مقدمة النص والاجتهاد.

[ 13 ]

دقيقا، ولعل ذلك من جهة اختلاط بعض المفاهيم العامة بمصاديقها. والذي يظهر من تتبع كلماتهم أن الاجتهاد بمعناه الخاص مرادف للرأي، وان القياس والاستحسان والمصالح المرسلة ونظائرها انما هي من قبيل المصاديق لهذا المفهوم (1). ومهما يكن من أمر فان الاجتهاد بهذا المعنى استمر من القرن الاول حتى القرن الخامس - تقريبا - فحينما كان يطلق الاجتهاد، كان يراد منه هذا المعنى الخاص. وفي حوالي القرن الخامس أخذ الاجتهاد مفهوما أوسع من ذلك. والذي لابد أن نشير إليه هو أن أئمة الشيعة عليهم السلام كانوا يعارضون الاجتهاد بهذا المعنى، وذلك لبطلان القياس والاستحسان وغيرها عندهم. واستمرت هذه المعارضة من عصر الائمة - عليهم السلام - حتى القرن السابع الهجري حيث تغير مفهوم الاجتهاد الخاص إلى مفهوم أوسع منه فتقبله الشيعة برحابة صدر، مع حذف ما يخالف مبادئهم الفقهية كالقياس والاستحسان وأمثالها عنه، فالنصوص الكثيرة الواردة عن العلماء في هذه القرون تدلنا على المعارضة الشديدة من قبل مدرسة أهل البيت - عليهم السلام - ضد الاجتهاد بمفهومه الخاص، حتى صنف العلماء والكتاب كتبا على رد الاجتهاد بهذا المعنى، فقد صنف عبد الله بن عبد الرحمن الزبيري كتابا سماه " الاستفادة في الطعون على الاوائل والرد على أصحاب الاجتهاد


(1) مقدمة النص والاجتهاد: 5 بقلم العلامة السيد محمد تقى الحكيم.

[ 14 ]

والقياس " (1) وصنف أبو القاسم على بن أحمد الكوفي كتابا سماه " الرد على أصحاب الاجتهاد في الاحكام " (2). وأخذت المعارضة تستمر حتى أواخر القرن الرابع، حيث ألف الشيخ المفيد " قده " كتابا سماه " النقض على ابن الجنيد في اجتهاد الرأي " (3). وقد كان ابن الجنيد متهما بالعمل بالقياس والاجتهاد في الرأي، كما سينبه عليه المؤلف " قده " وسوف نتعرض لذكره هناك. ومما يدل على ذلك ما نقله المحقق الشيخ محمد حسن النجفي صاحب الجواهر في جواز قضاء الحاكم بعلمه عن السيد المرتضى في الانتصار بقوله: " فان قيل: كيف تستجيزون ادعاء الاجماع وأبو علي ابن الجنيد يصرح بالخلاف ويذهب إلى أنه لا يجوز للحاكم أن يحكم بعلمه في شئ‌من الحقوق والحدود؟ قلنا: لا خلاف بين الامامية في هذة المسألة، وقد تقدم اجماعهم ابن الجنيد وتأخره وانما عول ابن الجنيد على ضرب من الرأي والاجتهاد، وخطاؤه ظاهر.. " (4). وهكذا نرى السيد المرتضى أيضا يهجم على الاجتهاد بهذا


(1) رجال النجاشي في ترجمة عبد الله بن عبد الرحمن: 152. (2) نفس المصدر في ترجمة على بن أحمد: 189. (3) رجال النجاشي في ترجمة الشيخ المفيد: 287. (4) جواهر الكلام: 40 / 89.

[ 15 ]

المعنى وان كان يميل إلى قبوله في الموضوعات الخارجية - لا الاحكام - مثل الاجتهاد في تعيين القبلة وأمثالها (1). وكذلك نرى الشيخ الطوسي " قده " في أواسط القرن الخامس يقول عندما يذكر صفات المفتي: " وقد عد من خالفنا في هذه الاقسام أنه لابد أن يكون عالما بالقياس والاجتهاد.. وقد بينا نحن فساد ذلك وأنها ليست من أدلة الشرع " (2). وكذا في أواخر القرن السادس يستعرض ابن ادريس في مسألة تعارض البينتين من كتابه " السرائر " عددا من المرجحات لاحدى البينتين على الاخرى ثم يعقب ذلك قائلا: " ولا ترجيح بغير ذلك عند أصحابنا، والقياس والاستحسان والاجتهاد باطل عندنا " (3). وهكذا استمر هذا الرفض العنيف للاجتهاد بمفهومه الخاص إلى أوائل القرن السابع لانه كان يعطي مفهوم القياس والاستحسان والرأي - أو كانا من مصاديقه الممقوتين لدى أئمة الشيعة عليهم السلام - حتى تطور الاجتهاد من مفهومه الخاص إلى مفهوم أوسع منه. المعنى العام للاجتهاد: وبعد أن كان الاجتهاد عند السنة منحصرا في الرأي والقياس


(1) الذريعة إلى اصول الشريعة 2 / 308. (2) عدة الاصول 293. (3) السرائر لابن ادريس، كما عن المعالم الجديدة للسيد الصدر.

[ 16 ]

والاستحسان - على اختلاف في قبول بعضها - تطور مفهومه وأخذ يعطي معنى أوسع من معناه الاول الخاص. فهذا الغزالي المتوفى سنة 505 يعرف الاجتهاد بأنه: " عبارة عن بذل المجهود واستفراغ الوسع في فعل من الافعال.. ولكن صار اللفظ في عرف العلماء مخصوصا ببذل المجتهد وسعه في طلب العلم بأحكام الشريعة " (1). وعرفه الامدي بأنه: " استفراغ الوسع في طلب الظن بشئ من الاحكام الشرعية على وجه يحس من النفس العجز عن المزيد فيه " (2) وعرفه من المتأخرين محمد الخضري بك بأنه: " بذل الجهد في استنباط الحكم الشرعي مما اعتبره الشارع دليلا " (3). ومن خلال هذه النصوص نرى كيف تحول مفهوم الاجتهاد من معناه الخاص إلى معنى أوسع منه عندما لبس ثوبه الجديد، وذلك حوالي القرنين الخامس والسادس تقبله الشيعة. وأقدم نص يدل على قبول الاجتهاد بمفهومه الجديد لدى علماء الشيعة هو النص الوارد عن المحقق الحلي " قده " المتوفى سنة 676 في كتابه المعارج حيث كتب تحت عنوان الاجتهاد يقول: ".. وهو في عرف الفقهاء بذل الجهد في استخراج الاحكام الشرعية. وبهذا الاعتبار يكون استخراج الاحكام من أدلة الشرع


(1) المستصفى 2 / 350. (2) الاحكام من اصول الاحكام 4 / 141. (3) تاريخ التشريع الاسلامي 87.

[ 17 ]

اجتهادا، لانها تبتني على اعتبارات نظرية ليست مستفادة من ظواهر النصوص في الاكثر، سواء كان ذلك الدليل قياسا أو غيره، فيكون القياس على هذا التقرير أحد أقسام الاجتهاد. فان قيل: - يلزم - على هذا - أن يكون الامامية من أهل الاجتهاد؟ قلنا: الامر كذلك، لكن فيه ايهام من حيث أن القياس من جملة الاجتهاد، فإذا استثني القياس كنا من أهل الاجتهاد في تحصيل الاحكام بالطرق النظرية التي ليس أحدها القياس " (1). ومن خلال هذا النص نلاحظ أن كلمة " الاجتهاد " لم تزل مثقلة بتبعة مفهومها الخاص، ولذلك يحاول هذا المحقق أن يفصل بين المفهومين بفصل القياس وأمثاله من مفهوم الاجتهاد. ولم يقف الاجتهاد - بمفهومه الجديد لدى الشيعة - عند هذا الحد، وهو استخراج الاحكام الشرعية من غير ظواهر النصوص، بل شمل عملية استنباط الحكم من ظاهر النص أيضا، لان عملية استنباط الحكم لا تخلو من الجهد العلمي في سبيل معرفة الظهور، وتحديده، واثبات حجيته، وأمثال هذه الامور. ثم أخذ الاجتهاد يتطور أيضا، فشمل كل عملية يمارسها الفقيه لتحديد الموقف العملي تجاه الشريعة على طريق اقامة الدليل على الحكم الشرعي، أو تعيين الموقف العملي مباشرة، ولذلك عرفه من المتأخرين السيد الخوئي - دام ظله - بأنه:


(1) معارج الاصول، الطبعة الحجرية: 117.

[ 18 ]

" بذل الوسع لتحصيل الحجة على الواقع أو على الوظيفة الفعلية الظاهرية " (1). وهناك تعاريف أخرى للاجتهاد لا تخلو من مناقشات لا نتعرض لها لخروجها عن غرضنا المهم في هذه المقدمة. الان وبعد أن اتضح لدينا مفهوم الاجتهاد بمعنييه: العام والخاص، حان لنا أن نستعرض المراحل والادوار التي مر بها الاجتهاد في المدرستين: مدرسة أهل البيت - عليهم السلام - ومدرسة السنة. والمقصود - طبعا - من الاجتهاد الذي نريد أن نستعرض مراحله هو الاجتهاد بمعناه العام، الذي يشمل كل عملية يمارسها الفقيه لتحديد الموقف العلمي تجاه الشريعة، سواء كان في صدر الاسلام أم في يومنا هذا، لان عملية تحديد الموقف العملي تجاه الشريعة لم تكن شيئا مستحدثا، بل يمتد إلى تاريخ صدر الاسلام.


(1) الرأي السديد في الاجتهاد والتقليد: 9

[ 19 ]

الاجتهاد وتطوراته في التاريخ مرت على الاجتهاد مراحل مختلفة، من الصعب تحديدها تحديدا دقيقا، ولكن يمكن حصرها في كل من المدرستين - السنية والشيعية - على وجه التقريب حسب ما تقتضيه المقدمة. أولا - المدرسة السنية ومراحلها التأريخية: مرت المدرسة السنية بمراحل كثيرة يمكن حصرها تقريبا في أربعة أدوار: 1 - دور الصحابة والتابعين. 2 - دور الائمة الاربعة، حتى انسداد باب الاجتهاد. 3 - دور انسداد باب الاجتهاد (عصر التقليد). 4 - دور الدعوة إلى فتح باب الاجتهاد من جديد.

[ 20 ]

الدور الاول: دور الصحابة والتابعين كان بعض الصحابة إذا عرضت لهم مسألة يحاولون أن يجدوا حلها من الكتاب أو السنة، فان وجدوا حلها فيها والا كانوا يعملون بما وصل إليه رأيهم في المسألة - وان كان هناك من يتوقف من الافتاء بالرأي - كما تدل على ذلك نصوص كثيرة. ففي حديث ميمون بن مهران: " كان أبو بكر إذا ورد عليه الخصم نظر في كتاب الله، فان وجد فيه ما يقضي بينهم قضى به، وان لم يكن في الكتاب وعلم عن رسول الله صلى الله عليه وآله في ذلك الامر سنة قضى بها، فان أعياه خرج فسأل المسلمين فقال: أتاني كذا وكذا، فهل علمتم أن رسول الله صلى الله عليه وآله قضى في ذلك بقضاء؟ فربما اجتمع إليه النفر كلهم يذكر عن رسول الله صلى الله عليه وآله فيه قضايا، فيقول أبو بكر: الحمد لله الذي جعل فينا من يحفظ علينا علم نبينا، فان أعياه أن يجد فيه سنة عن رسول الله صلى الله عليه وآله جمع رؤوس الناس وخيارهم فاستشارهم، فإذا اجتمع رأيهم على أمر قضى به " (1). وفي تعاليم عمر لشريح كما يؤثر عنه: " فان جاءك ما ليس في كتاب الله ولم يكن فيه سنة رسول الله صلى الله عليه وآله ولم يتكلم فيه أحد قبلك، فاختر أي الامرين شئت، وان شئت ان تجتهد برأيك لتقدم فتقدم، وان شئت أن تتأخر فتأخر، ولا أرى التأخر الا خيرا لك " (2).


(1) الانصاف في بيان سبب الاختلاف كما عن دائرة المعارف لفريد وجدى: 3 / 212. (2) نفس المصدر.

[ 21 ]

وعن ابن مسعود أنه قال: " من عرض له منكم قضاء فليقض بما في كتاب الله، فان لم يكن في كتاب الله فليقض بما قضى فيه نبيه صلى الله عليه وآله، فان جاء أمر ليس في كتاب الله ولم يقض فيه نبيه ولم يقض به الصالحون فليجتهد برأيه، فان لم يحسن فليقم ولا يستحي " (1). هذا، وكان في الصحابة من يفتي في المسألة بالرأي مع وجود النص الصريح فيها، ونحيل من أراد التوسع في ذلك إلى كتاب " النص والاجتهاد " للعلامة السيد عبد الحسين شرف الدين (قده) فانه تناول البحث فيه بصورة مفصلة. نعم كان الاجتهاد في هذا الدور يتمثل في استنباط الحكم من الكتاب، فان لم يوجد فيه فمن السنة، وان لم يوجد في السنة فمن قول صحابي له فتوى في تلك المسألة - وبالطبع هذا يتصور بالنسبة إلى التابعين أو صغار الصحابة - فان لم يكن هناك فتوى لصحابي في المسألة، كان المفتي يرى رأيه في اعطاء جواب المسألة. ومن خصائص هذا الدور تدوين السنة بأمر عمر بن عبد العزيز (2) وظهور الاختلاف بين الفقهاء في أواخر هذا الدور، الذي انتهى إلى انقسامهم إلى مدرستين: مدرسة الرأي، ومدرسة الحديث.


(1) تمهيد لتاريخ الفلسفة الاسلامية: 177 كما عن مقدمة النص والاجتهاد. (2) تاريخ التشريع الاسلامي: 111.

[ 22 ]

الدور الثاني: دور الائمة الاربعة ويمتد هذا الدور من اوائل القرن الثاني إلى منتصف القرن الرابع، وكان من ظواهر هذا الدور: اتساع الحضارة ونمو الحركة العلمية في الامصار الاسلامية، وازدياد حفاظ القرآن والعناية بادائه وتدوين السنة واصول الفقة، وظهور المصطلحات الفقهية، وظهور المذاهب الاربعة وغيرها من المذاهب المنقرضة، والنزاع في مادة الفقه - السنة والاجماع والقياس وغيرها - وانشقاق المدرسة إلى مدرستي الرأي والحديث. ونحن نشير إلى الظاهرة الاخيرة، وهى انشقاق المدرسة فقط لان التوسع في ذلك يخرجنا عن الغرض من هذه المقدمة. (ظهور مدرستي الرأي والحديث): ان من أهم مظاهر هذا الدور: اتساع الشقة بين مدرستي الرأي والحديث اللتين ظهرتا في أواخر الدور الاول، فتميزت المدرستان بكل وضوح. 1 - مدرسة الرأي: وكان مركز هذه المدرسة الكوفة، وأعظم روادها ابو حنيفة. ولبعد الكوفة عن المدينة - مركز الحديث والسنة - أثر كبير في ظهور هذه المدرسة، حيث كان الطابع العام لهذه المدرسة

[ 23 ]

التشدد في قبول السنة ورفض كثير منها، والاعتماد على القياس والاستحسان وامثالهما. وصار لهذه المدرسة صدى كبير يومذاك في العالم الاسلامي، فكان علماء المسلمين بين مؤيدين لها ومخالفين. وممن وقف أمام هذه المدرسة وزيفها أئمة أهل البيت - عليهم السلام - إذ انهم كانوا يرفضون العلم بالرأي والقياس كما سنبينه انشاء الله تعالى. 2 - مدرسة الحديث: ومن مظاهر هذه المدرسة الاعتماد على القرآن والسنة فقط ورفض القياس والاستحسان، ولذلك وقف بعض رواد هذه المدرسة موقفا عنيفا أمام مدرسة الرأي، فرفضوها رفضا شديدا. ومن الصعب تحديد موقف هذه المدرسة أمام مدرسة الرأي، ولكن يبدو أن الامام، مالك بن أنس أحد أئمة المذاهب الاربعة كان من المسارعين والدعاة إلى هذه المدرسة (أي مدرسة الحديث) ثم تم تشييدها بيد داود بن علي الظاهري - امام المذهب الظاهري - فكان مالك يهتم بالحديث ولم يعمل بالقياس الا قليلا، حتى أنه بكى حين موته وود أنه ضرب في مقابل كل مسألة أفتى فيها برأيه سوطا! كما ذكر ذلك ابن خلكان في تاريخه (2). وكان داود بن علي الظاهري يرى العمل بظاهر الكتاب والسنة ويرفض


(1) تاريخ ابن خلكان: 4 / 137.

[ 24 ]

القياس رفضا باتا، لان في عموم الكتاب والسنة - بحسب رأيه - ما يفي بجواب كل مشكلة. وأما باقي الائمة الاربعة - أي الشافعي وأحمد بن حنبل - فكانوا حدا وسطا بين هاتين المدرستين، فالشافعى بينما كان يعمل بالقياس كان يرفض الاستحسان رفضا باتا (1). وبعد الصراع العنيف الذي كان بين المدرستين كان الفوز لمدرسة الرأي. وعلى أي حال كان الاجتهاد في هذا الدور يعتمد على الكتاب والسنة والقياس والاستحسان والاجماع. وقد اختلفوا في كيفية الاجماع ومدى حجيته، فان الشافعي كان يرى ان الاجماع المعتبر هو اجماع جميع العلماء في البلدان كلها، وأنكر على المالكية قولهم ان المعتبر هو اجماع أهل المدينة كلهم، والزمهم بالمخالفات الكثيرة التى خالفوا فيها الصحابة كأبي بكر وعمر (2). (المذاهب المنقرضة): وظهرت في هذا الدور أيضا مذاهب متعددة أخرى قد انقرضت ولم يبق منها الا الاسم، وكانت كثيرة، مثل مذهب سفيان الثوري والحسن البصري والاوزاعي وابن جرير الطبري وغيرهم، ولم


(1) تاريخ التشريع الاسلامي: 148. (2) تاريخ الفقه الاسلامي: 240، 248 كما عن المبادئ العامة للفقة الجعفري 265.

[ 25 ]

يبق منها بعد القرن الرابع الا مذهب داود بن علي الظاهري حيث بقى حتى القرن الثامن (1). الدور الثالث: دور التقليد وهو دور حصر الاجتهاد والدعوة إلى التقليد، ولا يمكننا تعيين بداية هذا الدور على التحديد، وذلك أن المحاولات لتحديد دائرة الاجتهاد كانت كثيرة وفي أزمنة مختلفة، فكانت هذه المحاولات في فترة بين الرابع والسابع الهجري، حتى تم ذلك - كما عن خطط المقريزي - في سنة 665 على يد " بيبرس البندقداري " حيث ولى مصر أربعة قضاة: شافعي، ومالكي، وحنفي، وحنبلي. فاستمر ذلك حتى لم يبق في مجموع أمصار الاسلام مذهب يعرف من مذاهب الاسلام سوى هذه الاربعة، وعودي من تمذهب بغيرها (2). وفيما بين القرنين الخامس والسادس لم يدع احد الاجتهاد بمعناه الكامل، وانما وجد فقهاء ذوو اقتدار على الاستباط في حدود مذاهبهم، ومن أواخر القرن السابع لم يوجد غير فقهاء ذوي فتاوى وترجيحات، وبذلك ضاقت مجالات الاجتهاد حتى ذهب الظن ببعض الناس إلى أن باب الاجتهاد قد أغلق (3).


(1) ادوار فقه للاستاذ محمود شهابي 3 / 654 (فارسي). (2) الخطط المقريزية 2 / 3 44. (3) الاجتهاد والتجديد في التشريع الاسلامي: 258، بتصرف.

[ 26 ]

وتوقف الفقهاء في هذا الدور عن كل حركة علمية، واعرضوا عن النظر في الكتاب والسنة، ولبثوا يجترون بعض الكتب الفقهية القديمة، ولم يجدوا في شئ منها واغرموا بجدل لا يجدي نفعا، وخلافات سطحية حول هذه الجملة أو تلك، وانكبوا يعلقون على هذا الرأي أو ذاك، أو يشرحون هذا المتن أو يحشون هذا الشرح أو يعلقون على هذه الحاشية أو يذيلون هذا التعليق، وهكذا أفرغوا جهدهم في مماحكات لفظية وأفنوا كثيرا من وقتهم في خصومات صاخبة لم تعد على الاسلام والمسلمين بأية فائدة (1). الدور الرابع: فتح باب الاجتهاد من جديد وهو دور الدعوة إلى انفتاح باب الاجتهاد من جديد، وفي الواقع لا ينبغي أن نجعل هذا الدور دورا خاصا، لان هناك من كان يدعو إلى فتح باب الاجتهاد والاعتراض على سده منذ القرون التي أعلن فيها انسداد بابه حتى يومنا هذا، أمثال أبي الفتح الشهرستاني المتوفى سنة 548 (2)، وأبي إسحاق الشاطبي المتوفى سنة 790 (3) والسيوطي المتوفى سنة 911، وقد ألف السيوطي رسالة سماها " الرد على من أخلد إلى الارض، وجهل أن الاجتهاد في كل عصر فرض "، وقدم لهذه الرسالة بقوله: " ان الناس قد غلب عليهم


(1) الاجتهاد والتجديد في التشريع الاسلامي: 259. (2 - 3) المصدر السابق: 74.

[ 27 ]

الجهل، وأعماهم حب العناد وأصمهم، فاستعظموا دعوى الاجتهاد وعدوه منكرا بين العباد، ولم يشعر هؤلاء الجهلة أنه فرض من فروض الكفايات في كل عصر، وواجب على أهل كل زمان، أن يقوم به طائفة في كل قطر " (1). وقال الشوكاني: " ومن حصر فضل الله على بعض خلقه وقصر فهم هذه الشريعة على من تقدم عصره، فقد تجرأ على الله عزوجل ثم على شريعته الموضوعة لكل عباده، ثم على عباده الذين تعبدهم الله بالكتاب والسنة " (2). وقال أبو محمد البغوي: " وفرض الكفاية هو: أن يتعلم ما يبلغ رتبة الاجتهاد ومحل الفتوى والقضاء ويخرج من عداد المقلدين، فعلى كافة الناس القيام بتعلمه، غير أنه إذا قام من كل ناحية واحد أو اثنان سقط الفرض عن الباقين، فإذا قعد الكل عن تعلمه عصوا جميعا، لما فيه من تعطيل أحكام الشرع، قال الله تعالى: " فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون " (3). إلى غير هؤلاء من العلماء الكبار الذين كانوا يدعون إلى فتح باب الاجتهاد، ويقفون أمام غلقه. واستمر هذا الصمود أمام غلق باب الاجتهاد إلى القرون المتأخرة


(1 - 2) الاجتهاد والتجديد في التشريع الاسلامي: 94. (3) المصدر السابق: 95، والاية في سورة التوبة: 122.

[ 28 ]

حيث ظهر في العلماء من يدعو إلى فتح بابه من جديد، امثال السيد جمال الدين الاسد آبادي (المشهور بالافغاني) الذي كان يقول: " ما معنى باب الاجتهاد مسدود؟ وبأي نص سد؟ وأي امام قال: لا يصح لمن جاء بعدي أن يجتهد ليتفقه في الدين ويهتدي بهدى القرآن وصحيح الحديث والاستنتاج بالقياس على ما ينطبق على العلوم العصرية وحاجات الزمن وأحكامه " (1). ومثل الشيخ محمد عبده حيث يقول: " ان الحياة الانسانية للمجتمع الانساني حياة متطورة، ويجد فيها من الاحداث والمعاملات اليوم ما لم تعرفه أمس هذه الجماعة، والاجتهاد هو الوسيلة المشروعة الملائمة بين أحداث الحياة المتجددة وتعاليم الاسلام، ولو وقف الامر بتعاليم الاسلام عند تقفه الائمة السابقين لسارت الحياة الانسانية في الجماعة الاسلامية في عزلة عن التوجيه الاسلامي، وبقيت أحداث هذه الحياة في بعد عن تجديد الاسلام اياها. وهذا الوضع يحرج المسلمين في اسلامهم " (2). ومثلهما محمد رشيد رضا حيث يقول: " لا اصلاح الا بدعوة، ولا دعوة الا بحجة، ولا حجة مع بقاء التقليد. فاغلاق باب التقليد الاعمى وفتح باب النظر والاستدلال هو مبدأ كل اصلاح، والتقليد هو الحجاب الاعظم دون العلم والفهم " (3).


(1) الاجتهاد والتجديد في التشريع الاسلامي: 356. (2) المصدر السابق: 377. (3) المصدر السابق: 390.

[ 29 ]

وهكذا سارت النهضة ضد اغلاق باب الاجتهاد والدعوة إلى فتحه من جديد، بيد الاعلام والمفكرين من علماء اخواننا السنة، فنرجو أن تصل هذه النهضة إلى هدفها المنشود.

[ 30 ]

الاجتهاد في مدرسة اهل البيت (عليهم السلام) وبعد ان استعرضنا الاجتهاد في المدرسة السنية، حان لنا أن نستعرض الاجتهاد في مدرسة أهل البيت عليهم السلام، فنقول: كان المسلمون في راحة في حياة الرسول صلى الله عليه وآله من جهة التمكن من الوصول إلى الاحكام الشرعية، وذلك لعاملين أساسيين وهما: 1 - وجود الرسول صلى الله عليه وآله بينهم، وهو مصدر التشريع بعد الله تعالى فكلما واجهتهم مشكلة سارعوا إليه لحلها. 2 - عدم اتساع الدولة الاسلامية وعدم مواجهة المسلمين للمشكلات الكثيرة كما حدث بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وآله. ولذلك منذ أن ارتحل الرسول صلى الله عليه وآله وواجه المسلمون مشاكل

[ 31 ]

كثيرة لاتساع الدولة الاسلامية، احتاجوا إلى الفحص عن أحكام المشاكل الجديدة وحلها. القرآن والعترة: ولكن الرسول صلى الله عليه وآله العالم بما ستواجه به الامة من بعده جعل مصدرين مهمين يلجأ اليهما المسلمون لحل مشاكلهم، وقد صرح بذلك في طول حياته أكثر من مرة، حيث قال: " اني مخلف فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي لن تضلوا ما تمسكتم بهما وانهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض " (1) فحرض المسلمين باتباع هذين الثقلين وجعلهما في عرض واحد. وبذلك أشار إلى ان القرآن - وان كان هو المصدر الوحيد والاصيل للشريع - لكنه يحتاج إلى مفسر، فجعل عترته الطاهرة وهم الذين تربوا في حجره وفي بيته الذي نزل فيه القرآن، مفسرين له. وبعد أن واجه المسلمون قضية الخلافة حصل الانشقاق بينهم، فصاروا فريقين: فريق اتبعوا قول الرسول صلى الله عليه وآله فتمسكوا بالكتاب والعترة، وفريق رفضوا العترة وقالوا " حسبنا كتاب الله " (2) وسمي


(1) حديث الثقلين حديث مستفيض بل متواتر المعنى عن الرسول صلى الله عليه وآله تناقله المحدثون وأصحاب الصحاح والمسانيد والمعاجم والتواريخ والسير وسنأتي على ذكر بعض مصادره عند ذكر صاحب الكتاب له. (2) هذا ما قاله عمر بن الخطاب عند مرض الرسول صلى الله عليه وآله الذي توفى فيه حينما قال " هلم اكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده ". وهذه قضية مشهورة *

[ 32 ]

الفريق الاول بالشيعة لانهم شايعوا أهل البيت، والثاني بالسنة، وكان لهذا الانشقاق أثر كبير في كيفية التفكير، وحل المشكلات. ونحن حينما نبحث عن الاجتهاد وأدواره عند الشيعة نقصد


* تناقلها المؤرخون وأصحاب الصحاح والمسانيد. فراجع على سبيل المثال: صحيح البخاري، باب قول المريض " قوموا عني " من كتاب المرضى أو الطب، وباب مرض النبي صلى الله عليه وآله، وباب العلم، وراجع صحيح مسلم في آخر الوصايا، ومسند أحمد بن حنبل من حديث ابن عباس. واليك بعض ما اخرجه البخاري بسنده إلى عبيد الله بن عبد الله بن مسعود عن ابن عباس قال: لما حضر رسول الله صلى الله عليه وآله وفى البيت رجال فيهم عمر ابن الخطاب قال النبي صلى الله عليه وآله: هلم اكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده. فقال عمر: ان النبي قد غلب عليه الوجع، وعندكم القرآن، حسبنا كتاب الله فاختلف أهل البيت فاختصموا، منهم من يقول قربوا يكتب لكم النبي كتابا لن تضلوا بعده، ومنهم من يقول ما قال عمر، فلما اكثروا اللغو والاختلاف عند النبي قال لهم صلى الله عليه وآله: قوموا - قال عبيد الله - فكان ابن عباس يقول: ان الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله وبين ان يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم ". وفى بعض الروايات توجد عبارة " ان الرجل ليهجر " بدل عبارة " قد غلب عليه الوجع ". ونص هذا الحديث - كما قلنا - في كتاب الطب أو المرضى باب قول المريض " قوموا عنى ".

[ 33 ]

الاجتهاد عند الشيعة لا أئمتهم، لانهم عليهم السلام كانوا امتدادا للنبوة، فكانت الاحكام الشرعية كلها مكشوفة لديهم وهم عالمون بها من دون اجتهاد، وهذا ما تقتضيه الامامة، والبحث عن ذلك موكول إلى محله في بحث علم الامام. الادوار التي مر بها الاجتهاد في مدرسة أهل البيت " ع ": والادوار التي مر بها الاجتهاد الشيعي حتى عصر الغيبة يمكن تحديدها على نحو التقريب في ثلاثة أدوار هي: 1 - من بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وآله إلى بداية حياة الصادقين عليهما السلام. 2 - من بداية حياة الامامين الصادقين (ع) حتى نهاية الغيبة الصغرى. 3 - من بداية الغيبة الكبرى حتى يومنا هذا. وتركنا الادوار التي مر بها الاجتهاد بعد الغيبة الكبرى على التفصيل لعدم سعة المقدمة لذلك. الدور الاول: ويبتدئ هذا الدور من زمن وفاة الرسول صلى الله عليه وآله حتى انتهاء القرن الاول. وتشمل هذه الفترة حياة أئمة أربعة من أئمتنا، وهم علي بن أبي طالب والحسن والحسين وعلي بن الحسين عليهم السلام

[ 34 ]

(مصادر الشريع): وكان مصدر التشريع عند الشيعة آنذاك الكتاب والسنة، ويعنون بالسنة قول النبي صلى الله عليه وآله أو الامام (ع) أو فعلهما أو تقريرهما. أما القياس والرأي فقد رفضه الشيعة رفضا باتا، وقد روي عن علي (ع) أنه قال: " لو كان الدين يؤخذ قياسا لكان باطن الخف أولى بالمسح من ظاهره " (1). وأما الاجماع - مهما فسرناه - لم يكن مصدرا للتشريع لدى الشيعة، لانه لا يفيد الا الظن " وان الظن لا يغني عن الحق شيئا ". نعم صار مصدرا عندهم حينما اعتبر كاشفا عن رأي المعصوم (ع)، بمعنى أنه لو اتفق العلماء على رأي وانكشف منه أن ذلك الرأي مطابق لرأي الامام (ع) فهو صواب يجب الاخذ به. وللعلماء مناقشات كثيرة حول الاجماع، فمن أراد المزيد من الاطلاع عليها فليرجع إلى مضانها. وعلى أي حال كان الاجتهاد عند الشيعة آنذاك هو الاخذ بظواهر الكتاب والسنة، ولم يتسع ذلك الاتساع بحيث تدون قوانين وأصول يعتمد عليها في استنباط الحكم، بل كانوا يرجعون فيما يحدث لهم من المشاكل إلى الائمة عليهم السلام. هذا، وقد كان للائمة عليهم السلام دور هام في بيان الاحكام في هذه المرحلة، ولا سيما الامام علي بن ابي طالب عليه السلام، حيث


(1) عدة الاصول: 274.

[ 35 ]

كان الصحابة يرجعون إليه في كل مشكلة تواجههم ولم يصلوا إلى حل لها. ومن وقف على قضاياه يرى أنه عليه السلام لم يعمل بالقياس ولم ير للاجماع - بالمعنى المشهور في عصره - أية قيمة، بل كانت أقواله تستند إلى الكتاب الذي تفقههه في حجر النبي صلى الله عليه وآله والسنة التي اقتبسها هو منه. الدور الثاني: ويبتدئ هذا الدور من أوائل القرن الثاني حتى أواخر القرن الثالث، أي من بداية أمامة الامام محمد بن علي الباقر (ع) حتى نهاية الغيبة الصغرى. الوضع السياسي: ومن خصائص هذا الدور فسح المجال - في بدايته - لائمة الشيعة كي يمارسوا أعمالهم العلمية، وذلك لان الفترة التي عاش فيها الامامان محمد بن علي الباقر وولده جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام كانت فترة انتقال الحكم من الامويين إلى العباسيين، ولذلك كان الخلفاء مشغولين عن أهل البيت عليهم السلام بالحروب الداخلية، فانصرفوا عنهم نوعا ما، فاغتنم الامامان الصادقان عليهما

[ 36 ]

السلام هذه الفرصة وبدأوا في ايجاد حلقات للدرس انضم إليها الكثيرون. ولكن سرعان ما واجهت هذه المدرسة الضغط السياسي الشديد بعد انتقال الحكم إلى العباسيين، فزجوا أئمة الشيعة في السجون والمعتقلات، وفقدوا بذلك الفرصة المناسبة لبث علومهم. مصادر التشريع في هذا الدور: ومصادر التشريع في هذا الدور تتمثل أيضا في الكتاب والسنة بالمعنى الذي ذكرناه مسبقا. وأما الاجماع فلم تكن له قيمة علمية لدى الشيعة - كما ذكرناه. وأما القياس والاستحسان فكذلك، وكانت للائمة مواقف حاسمة ضد القياس والاستحسان. موقف الامام الصادق عليه السلام من القياس: وكان الامام الصادق عليه السلام من المنكرين على القياس والناهين عن العمل به. يحدثنا أبو نعيم ان أبا حنيفة وعبد الله بن شبرمة وابن ابى ليلى، دخلوا على جعفر بن محمد الصادق (ع) فقال لابن أبي ليلى: من هذا الذي معك؟ قال: هذا رجل له بصر ونفاذ في أمر الدين.

[ 37 ]

قال: لعله يقيس أمر الدين برأيه؟. قال: نعم. فقال [ الامام ] جعفر لابي حنيفة: ما اسمك؟: قال: نعمان. قال: يا نعمان هل قست رأسك؟ قال: كيف أقيس رأسي؟ قال: ما أراك تحسن شيئا. ثم جعل يوجه إليه أسئلة، فكان جواب أبي حنيفة عدم الجواب عنها! فأجابه الامام (ع) عنها.. ثم قال: يا نعمان حدثني أبي عن جدي أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: " أول من قاس أمر الدين برأيه ابليس، قال الله تعالى له: " اسجد لادم، فقال: أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين " فمن قاس الدين برأيه قرنه الله تعالى يوم القيامة بابليس لانه اتبعه بالقياس "! قال ابن شبرمة: ثم قال جعفر: أيهما أعظم قتل النفس أو الزنا؟ قال أبو حنيفة: قتل النفس. قال الصادق (ع): فان الله عزوجل قبل في قتل النفس شاهدين ولم يقبل في الزنا الاأربعة. ثم قال: أيهما أعظم الصلاة أم الصوم؟ قال أبو حنيفة: الصلاة. قال الصادق (ع): فما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي

[ 38 ]

الصلاة؟! فكيف ويحك يقوم لك قياسك؟! اتق الله ولا تقس الدين برأيك " (1). وقال عليه السلام لابي حنيفة مرة أخرى: " اتق الله ولا تقس، فانا نقف غدا بين يدي الله تعالى فنقول: قال الله، وقال رسوله، وتقول أنت وأصحابك: سمعنا ورأينا " (2). وعن أبان بن تغلب (3) قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: ما تقول في رجل قطع اصبعا من أصابع المرأة كم فيها؟ قال: عشرة من الابل. قلت قطع اثنين؟ قال عشرون. قلت: قطع ثلاثا؟ قال: ثلاثون. قلت قطع أربعا؟ قال عشرون. قلت: سبحان الله يقطع ثلاثا فيكون عليه ثلاثون، ويقطع أربعا ويكون عليه عشرون؟! ان هذا كان يبلغنا ونحن بالعراق فنبرأ ممن قال ونقول: الذي جاء به شيطان. فقال: مهلا يا أبان، هذا


(1) حلية الاولياء 3 / 196. (2) ابطال القياس لابن حزم: 71. (3) أبان بن تغلب من كبار أصحاب الائمة عليهم السلام، قال عنه

[ 39 ]

حكم رسول الله صلى الله عليه وآله، ان المرأة تعاقل الرجل إلى ثلث الدية، فإذا بلغت الثلث رجعت إلى النصف، يا أبان انك أخذتني بالقياس، وان السنة إذا قيست محق الدين " (1). إلى غير ذلك من القضايا الكثيرة التي تدل على رفض القياس لدى أئمة الشيعة. وهكذا استمرت معارضة القياس حتى أصبح


النجاشي في ترجمته اياه: " ابان بن تغلب بن رياح ابو سعيد البكري.. عظيم المنزلة في أصحابنا، لقى علي بن الحسين وابا جعفر وابا عبد الله عليهم السلام، روى عنهم وكانت له عندهم منزلة وقدم، وذكره البلاذرى قال: روى أبان عن عطية العوفى، وقال له أبو جعفر عليه السلام: اجلس في مسجد المدينة وافت الناس، فانى أحب أن يرى في شيعتي مثلك. وقال أبو عبد الله عليه السلام لما أتاه نعيه: أم والله لقد أوجع قلبى موت أبان. وكان قارئا من وجوه القراء، فقيها لغويا، سمع من العرب وحكى عنهم.. " (رجال النجاشي بترجمة ابان بن تغلب). وترجمه الذهبي في ميزانه فقال: أبان بن تغلب الكوفي جلد لكنه صدوق، فلنا صدقه وعليه بدعته. (قال): وثقه أحمد وابن معين وابو حاتم. وعده الذهبي ممن احتج بهم مسلم وأصحاب السنن الاربعة أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة. توفى رحمه الله سنة احدى واربعين ومائة (141 ه‍). راجع المراجعات: 70. (1) وسائل الشيعة: 19 / 268 باب 44 من أبواب الديات.

[ 40 ]

انكاره من ضروريات مذهب أهل البيت - عليهم السلام - ولهم أدلتهم على ذلك ليس هنا محل ذكرها. وعلى أي حال لو قطعنا النظر عن القياس والاستحسان وأمثالهما كانت عملية استنباط الاحكام الشرعية من الكتاب والسنة - بالمعنى الذي ذكرناه - أمرا رائجا بين الشيعة، خاصة الذين تربوا في مدرسة الامامين الصادقين عليهما السلام أمثال زرارة بن أعين. ومحمد بن مسلم، وأبان بن تغلب، وغيرهم من خريجي هذه المدرسة. حتى أن الائمة عليهم السلام كانوا يأمرون بعض أصحابهم باستنباط الاحكام وافتاء الناس، كما أمر الامام الباقر عليه السلام أبان ابن تغلب أن يجلس في مسجد الرسول صلى الله عليه وآله ويفتي الناس حيث قال له: " اجلس في مسجد المدينة وافت الناس فاني أحب أن يرى في شيعتي مثلك " (1). أو كما قال الامام الصادق عليه السلام لسائل سأله عن المسح على مرارة وضعها على ظفره المقطوع: " يعرف هذا وأشباهه من كتاب الله عزوجل، قال الله تعالى: " ما جعل عليكم في الدين من حرج " أمسح عليه " (2).


(1) رجال النجاشي في ترجمة أبان بن تغلب: 7. (2) وسائل الشيعة: 1 / 327.

[ 41 ]

وهكذا نرى كيف يعلم الامام عليه السلام هذا السائل كيفية استنباط الحكم الشرعي من الكتاب. والموارد من هذا القبيل كثيرة حيث كان علماء الشيعة يستندون في استنباط الاحكام الشرعية على كتاب الله وسنة نبيه التي تصل إليهم بواسطة الائمة عليهم السلام. هذا، وقد ضمت مدرسة الامام الصادق عليه السلام حوالي أربعة آلاف من حملة العلم، وقد ألف أربعمائة منهم أصولا يعتمد عليها في الفقه الجعفري تسمى ب‍ " الاصول الاربعمائة " جمعت في أربع موسوعات روائية هي " الكافي " للشيخ أبي جعفر محمد ابن يعقوب الكليني المتوفى سنة 329 و " من لا يحضره الفقيه " للشيخ الصدوق أبى جعفر محمد بن علي القمي المتوفى سنة 381، وكتابا " التهذيب " و " الاستبصار " لشيخ الطائفة أبي جعفر محمد ابن الحسن الطوسي المتوفى سنة 460. وضع القواعد العامة للفقه: وفي هذا الدور وضعت نواة القواعد العامة للفقه الجعفري، ونقلت الينا بشكل روايات، ثم وضعت على طاولة البحث العلمي، فكانت نتيجة ذلك بروز القواعد الاصولية والفقهية التي يعتمد عليها الاجتهاد حتى اليوم من: الاستصحاب، والبراءة الشرعية، وقاعدة اليد، وترجيح الروايات المتعارضة، والعمل بالخبر الواحد، وأمثال ذلك. وهذه كلها لها أهميتها الخاصة التي تميز المذهب عن

[ 42 ]

غيره، وتجعله غنيا يماشي احتياجات كل عصر من دون تحريف. ولو قارنا مذهب أهل البيت عليهم السلام مع غيره من المذاهب لرأينا فرقا كبيرا من جهة توفر القواعد الفقهية والاصولية فيه وعدم توفرها في غيره. الدور الثالث: ويبتدئ هذا الدور من انتهاء الغيبة الصغرى، ولا يمكننا تحديد نهاية هذا الدور الان، إذ لسنا في صدد التوسع فيه، لان ذلك يستلزم ذكر الادوار الاخرى التي مر بها الاجتهاد. خصائص هذا الدور: ومن خصائص هذا الدور انتقال الزعامة من الائمة إلى العلماء والفقهاء بأمر من الامام المنتظر (عج) عند بداية الغيبة الكبرى، كما يدل على ذلك التوقيع المشهور: " وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فانهم حجتي عليكم وأنا حجة الله " (1). فكان العلماء هم المرجع الوحيد لحل المشاكل التي كانت تواجه الشيعة منذ ذلك الحين إلى يومنا هذا.


(1) وسائل الشيعة: 18 / 101.

[ 43 ]

أصول الاجتهاد: وكان الاجتهاد في هذا الدور يعتمد على الكتاب أولا والسنة - بالمعنى الذي ذكرناه - ثانيا. أما القياس فقد قلنا انه كان مرفوضا لدى الشيعة وحتى اليوم، وأما الاجماع فقد كان مقبولا بالمعنى الذي ذكرناه. ومما كان دخيلا في عملية الاستنباط هي القواعد التي مهدها الائمة عليهم السلام في الدور الثاني، فكانت هذه القواعد مبثوثة في الكتب الفقهية أو الروائية وتذكر حسب الحاجة إليها، ولكن سرعان ما التفت إلى ضرورة استخراجها بشكل منفصل، فقد ألف السيد المرتضى (قده) المتوفى سنة 436 كتابه " الذريعة إلى أصول الشريعة " حيث بحث فيه عن أمهات القواعد الاصولية. ومما تجدر الاشارة إليه هو: أن الكتب الفقهية كانت على شكل كتب روائية، ثم أخذت تتسع شيئا فشيئا فظهرت بشكل كتب فقهية مبوبة واستدلالية مبتنية على القواعد العامة، وممن كان لهم الاثر الكبير في هذه المحاولة: الشيخ محمد بن محمد بن النعمان المفيد المتوفى سنة 413 وتلميذه الشريف " السيد المرتضى علم الهدى " المتوفى سنة 436، وكان اكثرهم جهدا في هذه العملية شيخ الطائفة " محمد بن الحسن الطوسي " المتوفى سنة 460، فقد ألف عدة كتب فقهية وروائية وأصولية منها " الخلاف " و " النهاية " و " المبسوط "

[ 44 ]

في الفقه، و " التهذيب " و " الاستبصار " في الحديث، و " العدة " في الاصول. ويشير هو إلى هذا التحول العظيم في الفقه في مقدمة كتابه المبسوط فيقول: " أما بعد فاني لا أزال أسمع معاشر مخالفينا من المتفقهة والمنتسبين إلى علم الفروع يستحقرون فقه أصحابنا الامامية ويستنزرونه، وينسبونهم إلى قلة الفروع وقلة المسائل، ويقولون: انهم أهل حشو ومناقضة، وان من ينفي " القياس " و " الاجتهاد " (1) لا طريق له إلى كثرة المسائل، ولا التفريع على " الاصول "، لان جل ذلك وجمهوره مأخوذ من هذين الطريقين، وهذا جهل منهم بمذاهبنا وقلة تأمل " لاصولنا "، ولو نظروا في أخبارنا وفقهنا لعلموا أن جل ما ذكروه من المسائل موجود في أخبارنا.. ". ثم يقول بعد ذلك: " وأما ما كثروا به كتبهم من مسائل الفروع فلا فرع من ذلك الا وله مدخل في أصولنا ومخرج على مذاهبنا، لا على وجه القياس بل على طريقة توجب علما يجب العمل عليها ويسوغ الوصول إليها، من البناء على الاصل، وبراءة الذمة، وغير ذلك.. ". ثم يقول بعد ذلك: " وكنت على قديم الوقت وحديثه متشوق النفس إلى عمل كتاب يشتمل على ذلك، تتوق إليه نفسي فتقطعني عن ذلك القواطع وتشغلني الشواغل، وتضعف نيتي أيضا فيه قلة


(1) مقصوده من الاجتهاد هنا هو معناه الخاص الذي يرادف الرأي.

[ 45 ]

رغبة هذه الطائفة فيه، وترك عنايتهم به، لانهم ألفوا الاخبار وما رووه من صريح الالفاظ، حتى أن مسألة لو غير لفظها وعبر عن معناها بغير اللفظ المعتاد لهم لعجبوا منها وقصر فهمهم عنها.. " (1). ومن خلال هذا النص نرى كيف تحول الفقه والاجتهاد - في هذا الدور - من الاقتصار على الروايات إلى تفريع الفروع على الاصول بصورة موسعة. موقف الاجتهاد من العقل: قلنا: ان الشيعة رفضوا القياس والرأي، ولكن لابد أن نرى هل أنهم رفضوا تدخل العقل، ومدركاته كليا في عملية الاستنباط أو تقبلوه في حدود معينة؟! ولاجل توضيح ذلك نقول: ان المدركات العقلية على نحوين: الاول - المدركات العقلية الكاملة: وهي التي لا تحتمل الخطأ، كحكمنا بأن اجتماع النقيضين محال وان المعدن يتمدد بالحرارة وأمثال ذلك، سواء كانت هذه المدركات بديهية أم ثابتة بالتجربة. الثاني - المدركات العقلية الناقصة: وهي التي يحتمل فيها الخطأ، كحكمنا بأن الشئ الفلاني الذي يشبه الشئ المحرم في بعض الخصائص حرام أيضا. فهذا وأمثاله أحكام عقلية غير قطعية بل يحتمل فيها الخطأ.


(1) المبسوط 1 / 1.

[ 46 ]

إذا علمنا ذلك فنقول: ان المذهب الامامي (الجعفري) لم يرفض الاحكام العقلية كليا بل يرفض الاحكام العقلية الناقصة فقط التي لم يقم عليها دليل قطعي، ولذلك أنكروا القياس والاستحسان، والشاهد على ذلك: أنهم حينما خاضوا المعركة التي أثيرت بين المعتزلة والاشاعرة في التحسين والتقبيح العقليين صاروا بجنب المعتزلة، وأكدوا على وجود الحسن والقبح العقليين، وان هناك حقائق يعتبرها العقل حسنة وحقائق أخرى يعتبرها قبيحة. وهذا الجانب هو الجانب المهم في الاجتهاد الشيعي، حيث جعله مرنا يساير الزمن من دون تحريف أو تشريع أحكام جدد لا تستند إلى أساس شرعي، ولذلك اعتبر العقل لدى الشيعة أحد أسس الاجتهاد. الموجة الاخبارية: وفي أبان القرن الحادي عشر للهجرة ظهرت محاولة جديدة لمنع تدخل العقل في استنباط الاحكام الشرعية، وكان الداعي لهذه المحاولة " الميرزا محمد أمين الاسترابادي " الذي كان يعيش برهة من الزمن في مدينة الرسول صلى الله عليه وآله، فألف فيها كتابه " الفوائد المدنية " وفيها حمل حملة شعواء على من استعمل العقل في استنباط الاحكام الشرعية، فهو وان كان يصر على أن الوسيلة الوحيدة لفهم الاحكام الشرعية هي السنة فقط، لان الكتاب الكريم لم يفهمه الا من خوطب

[ 47 ]

به، وهم الائمة عليهم السلام فلا مجال لان ندرك منه شيئا، والاجماع باطل لانه من مبتدعات العامة، لكنه بذل جهده في الحد عن تدخل العقل اكثر من غيره. وكانت نظريته تعتمد على أن الفقهاء اتبعوا أهل القياس والاجتهاد والمتكلمين والفلاسفة والمنطقيين في الاستناد على القعل، فلو ثبت أن العقل يخطئ فيما عدا المسائل التي تعمتد على الحس أو الشبيهة بالحس كالرياضيات، لما اعتمد الفقهاء على الاجتهاد والعقل بعد ذلك. ومن العلماء الذين نهجوا هذا المنهج تقريبا: المحدث الجليل " السيد نعمة الله الجزائري " صاحب المؤلفات الكثيرة، " والشيخ يوسف البحراني " صاحب الموسوعة الفقهية الكبيرة " الحدائق الناضرة " فكانت له طريقة معتدلة ولم يكن بتلك الحدة التي كان عليها الاسترابادي، ومع ذلك كان من الفقهاء المبرزين الذين تفتخر بهم الشيعة مع ما كان يتصف به من الورع والتقوى، ومثلهما المحدث المتبحر " ملا محسن الفيض الكاشاني " ذلك العالم الفاضل، ومثلهم المحدث الكبير " الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي " صاحب الموسوعة الروائية الكبيرة " وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة " حيث جمع الموسوعات الروائية المتقدم ذكرها وهي: " التهذيب " و " الاستبصار " و " الكافي " و " من لا يحضره الفقيه " وغيرها في هذه الموسوعة. وكل هؤلاء من علماء الشيعة ومفاخرهم لكنهم نهجوا في الفقه

[ 48 ]

ذلك المنهج، وطبعا ان هؤلاء كما قلنا لم يكونوا في تلك الشدة التي كان عليها " المحدث الاسترابادي " بل كانوا أقل وطأة منه. وعلى أي حال استمرت هذه الفكرة حتى القرن الثالث عشر فوصلت إلى ذروتها، ولكنها أخذت تنهار بعد أن وقف أمامها العالم الكبير " المولى محمد باقر البهباني " المتوفى سنة 1208، ومن بعده " الشيخ مرتضى الانصاري " باني الاصول الجديدة المتوفى سنة 1281. وأما لما ذا وجدت هذه الموجة، فذلك أمر يحتاج إلى الدقة، فالذي يدعيه هؤلاء هو: أن الروايات الواردة عن الائمة بكثرة بحيث يستغني معها الفقيه عن العقل، كما كان الفقهاء يكتفون بها في ابان الغيبة الكبرى. ويرى بعض المفكرين أن للموجه الاخبارية ارتباطا طبيعيا مع الموجة الحسية التي ظهرت في أوروبا في ذلك الحين. يقول الاستاذ الشهيد الشيخ مرتضى المطهري (قده): (1)


(1) الشهيد المطهري هو من الكتاب والمفكرين الاسلاميين المبرزين، أغتيل بيد أحد أعضاء، فرقة " فرقان " الضالة التي مزجت الماركسية بالاسلام وفسرت الاسلام تفسيرا ماركسيا، وقد سبق أن انتقد هذا الاستاذ الشهيد هذه الفكرة في عدد من كتاباته خاصة في مقدمة الطبعة الثامنة لكتابه " علل گرايش به ماديگري " وكان لاستشهاده أثر بالغ في المجتمع الاسلامي خاصة في المجتمعات العلمية، له كتب كثيرة وأبرزها شرحه على كتاب *

[ 49 ]

" حضرت في صيف عام 1322 هجرية شمسية لدى المرجع الديني الفقيه آية الله " السيد البروجردي " عندما كان في " بروجرد " فبينما كان ينتقد يوما الموجه الاخبارية قال: ان هذه الفكرة كانت من آثار الموجة الحسية التي ظهرت في أوربا. ثم أضاف السيد يقول: " ان الاخبار يين لم يفكروا بأن الذين اتبعوا الموجة الحسية في أوربا كانوا ينكرون ما وراء المحسوسات فكيف يمكن للاخباريين - الذين يعتقدون بما وراء الحس - أن ينكروا بذلك؟! يقول الاستاذ: كنت أنتظر أن يذكر السيد - عندما وصل بحثنا في الاصول إلى مبحث حجية القطع والعلم - مصدرا لهذه النظرية ولكنه لم يتعرض لها آنذاك ولا أعلم ان ما قاله هل كان مستندا لى مصدر أم كان حدسا لا غير، واني الان آسف على عدم سؤالي منه عن مصدر ما قاله " (1). وممن مال إلى قبول هذا الرأي هو الشهيد " السيد محمد باقر


* روش رئاليسم " في الفلسفة للاستاذ آية الله الطباطبائي صاحب تفسير " الميزان ". وقد اغتيل في ابان نجاح الثورة الاسلامية في ايران عام 1358 هجرية شمسية. وأما " السيد البروجردي " فهو من كبار علماء الشيعة ومراجعهم، كان في مدينة قم المقدسة وتوفى بها. (1) مكتب تشيع، السنة الثالثة 377 مجلة فارسية تصدر من قم.

[ 50 ]

الصدر " (1) طاب ثراه في كتابه المعالم الجديدة. هذا، ولكن لا يمكن الاطمئنان إلى هذه الفكرة، وذلك لان الموجة الحسية ظهرت بشكل مدرسة على يد " جون لوك " المتوفى سنة 1704 م و " دافيد هيوم " المتوفى سنة 1776 م وقد توفى " المحدث الاسترابادي " عام " 1023 هجرية المصادف حدود سنة 1616 م، فكيف يكون قد تأثر الاسترابادي بهذه المدرسة نعم يعتبر معاصرا ل‍ " فرنسيس بيكون " المتوفى سنة 1626 م الذي مهد للمدرسة الحسية طريقها، ولكن من البعيد جدا أن تنتقل هذه الفكرة من " اوربا " إلى الشرق وخاصة إلى " الجزيرة العربية " و " المدينة المنورة " ويتاثر بها هذا الشخص، في فترة قليلة. والذي يبدو لي هو: ان كلمة " الاجتهاد " لما كانت تحمل معنيين معنى خاصا ومعنى عاما، فالخاص " هو العمل بالقياس والرأي " والعام هو " مطلق عملية استنباط الاحكام الشرعية " ولم يتميز هذان المعنيان إلى مدة من الزمن، كانت هذه الكلمة تحمل في طياتها المعنى الخاص، ولذلك اتهم " الاسترابادي " الفقهاء بانهم اتبعوا أهل القياس والرأي، فدعى إلى رفضه والعمل بالاحاديث، فكان


(1) وهو من علماء الشيعة وفقائهم ومفكريهم درس ودرس في النجف الاشرف حتى استشهد في سجن " صدام التكريتي البعثي " تحت التعذيب وقد شاركته في التعذيب والاستشهاد أخته السيدة " بنت الهدى " تغمدها الله برحمته الواسعة.

[ 51 ]

يعتقد أن سيرته امتداد لسيرة الفقهاء في زمن الغيبة الصغرى وما قبلها حيث كان الفقهاء يعتمدون على الاحاديث ويرفضون الاجتهاد، ولكن - على حسب زعمه - بعض الفقهاء أمثال " ابن الجنبد " و " الشيخ المفيد " و " الشيخ الطوسي " و " السيد المرتضى " انحرفوا عن تلك الطريقة وابتدعوا طريقة الاجتهاد. فهذه الخواطر الذهنية - في رأيي - اثرت في نفسية الاسترابادي كي يبدي نظريته، (1)، لا أنه تأثر بالموجة الحسية، أو كان بين الموجتين ارتباط طبيعي.


(1) والشاهد على ذلك ان صاحب الوسائل - وهو من متأخري المحدثين - حينما ينقل رواية عن الامام الحسن العسكري عليه السلام يفرق فيها بين تقليد عوام اليهود لعلمائهم وتقليد عوام الشيعة لعلمائهم، وان اليهود كانوا يقلدون الفساق من علمائهم ولذلك ذمهم الله تعالى، ولكن الشيعة يقلدون العدول من علمائهم، فان قلدوا فساقهم فهم مذمومون أيضا ولذلك قال عليه السلام: " فاما من كان من الفقهاء صائنا لنفسه، حافظا لدينه، مخالفا على هواه، مطيعا لامر مولاه، فللعوام ان يقلدوه... " يقول بعد ذلك كله: " التقليد المرخص فيه هنا انما هو قبول الرواية، لا قبول الرأي والاجتهاد والظن وهذا واضح " الوسائل: 18 / 95. فنرى كيف علل رفض التقليد المطلق بانه يستند على الرأي والاجتهاد والظن، وان هذه الثلاثة كلها شى واحد، فخلط بين الاجتهاد بمعناه العام والاجتهاد بمعناه الخاص.

[ 52 ]

ومهما يكن من أمر، لم يدم رفض العقل كليا الا في مدة قصيرة من الزمن، واما الذين نهجوا الاخبارية من بعده لم يرفضوا حكم العقل كما رفضه الاسترابادي، بل كانوا يعترفون به إلى حد ما، ولذلك تبدلت المعارضة بين الاخباريين والاصوليين كمدرستين، إلى معارضة في مسائل اصولية لا غير. مصادر التشريع: واما مصادر التشريع - أو بالاحرى عملية الاستنباط - لدى علماء الشيعة في اليوم الحاضر فتتمثل في أربعة أمور، هي: 1 - الكتاب الكريم: وهو القرآن الذى بين أيدينا المنزل على محمد رسول الله صلى الله عليه وآله، حيث ورد فيه حوالى خمسمائة آية تبين الاحكام الكلية الالهية تكون المرجع الاول للفقهاء ولكن أكثرها تكون على نحو الاطلاق أو العموم، فتكون السنة مقيدة أو مخصصة لها. - السنة: وهى البيان الصادر من الرسول صلى الله عليه وآله أو أحد المعصومين عليهم السلام، وهو على ثلاثة أقسام: الاول - البيان القولي، وهو الكلام الذى يتكلم به الرسول " ص " أو أحد المعصومين " ع " في مقام بيان الحكم الشرعي، سواء تضمن حكما ايجابيا أو سلبيا، ولا بد من التنبيه على أن الائمة عليهم السلام على مبنى الشيعة الامامية لم يقولوا شيئا من عندهم بل كل ما يقولونه

[ 53 ]

في هذا المجال فهو واصل إليهم من جدهم رسول الله " ص "، ويعتقد الشيعة بانهم سبل يتوصل بهم إلى الاحكام الالهية التى جاء بها الرسول " ص " استنادا إلى قوله: " أنا مدينة العلم وعلى بابها " (1). وقد بلغت الروايات الواردة في الاحكام عن الائمة " ع " من الكثرة بحيث جعلت الفقه الشيعي غنيا يماشى الزمن. الثاني - البيان الفعلى، وهو فعل الرسول " ص " أو الامام " ع " الكاشف عن حكم شرعى، كما إذا جمع النبي أو الامام بين صلاتي الظهر والعصر أو المغرب والعشاء، فان ذلك يكشف عن جواز الجمع بينهما. الثالث - تقرير النبي " ص " أو الامام " ع "، بمعنى سكوته عن وضع يكشف عن جواز الفعل، كما إذا التزم العقلاء بالعمل على طبق أخبار الثقة (أي الشخص الموثق في الحديث) ولم يمنع عن ذلك، فسكوته عن ذلك يكشف عن صحة الاعتماد على أخبار الشخص الموثق، وهذا ما يسمى في عرف الفقاء والاصوليين بعدم الردع. 3 - حكم العقل القطعي: وهو كل ما حكم به العقل حكما قطعيا (الادراك الكامل) كحكمه بامتناع اجتماع الوجوب والحرمة (الامر والنهي) في محل واحد من دون مندوحة ومع اتحاد العنوان.


(1) حديث متواتر عن النبي " ص " نقله العامة والخاصة سنأتي على ذكر بعض اسناده عند ذكر المصنف له.

[ 54 ]

4 - الاجماع: وقد تقدم انه حجة بما هو كاشف عن قول المعصوم عليه السلام. فهذه الامور الاربعة يعتمد عليها الاجتهاد في الفقه الشيعي، وقد ساير الزمن واحتياجاته من دون لزوم تشريع في الاسلام. هدانا الله تعالى لتطبيق شريعة الله نظاما ومنهاجا في الحياة، فانه خير وسيلة للسعادة في الدارين، انه ولي التوفيق. محمد على الانصاري الشوشترى

[ 55 ]

حياة المؤلف أما حياة شيخنا المؤلف " قده " فلا يمكن استيفاؤها بهذه العجالة استيفاءا، كاملا ولكنا نتعرض لها في حدود ما تقتضيه المقدمة: اسمه وولادته: فهو: الشيخ محمد محسن المعروف ب‍ " الشيخ آغا بزرك الطهراني " بمعنى السيد الكبير، واسم أبيه الحاج علي المتوفى سنة 1324 ه‍، الذى كان من خيرة تجار طهران المتدينين، وأمه كانت من العلويات المعروفات بالصلاح في وقتها، وكان مولده في طهران ليلة الخميس 11 ربيع الاول سنة 1293. كانت البيئة التي كان يعيش فيها معروفة بالتدين والفضل، فبينما كان والده الحاج على من تجار طهران، كان له يد في مجال التأليف

[ 56 ]

حيث ألف كتابا في موضوع تحريم التنباك، وفتوى المرجع الديني الكبير في وقته (الميرزا محمد حسن الشيرازي) " قده " بتحريم التنباك، أيام ناصر الدين شاه، حينما عقد معاهدة مع احدى الشركات الاجنبية حول التنباك، وكانت تضر بالامة الايرانية. مراحله الدراسية: وبعد ان تعلم قراءة القرآن ودرس شيئا من اللغة الفارسية وشيئا من العلوم الدينية والحساب، ابتدأ بدراسة العلوم العربية من سنة 1303 واستمر بدراستها حتى سنة 1315، فدرس خلالها النحو والصرف والخط والتجويد والمنطق والفقه واصول الفقه والرياضيات وعاد في السنة الثانية إلى طهران، ثم عزم في سنة 1315 على الانتقال إلى جوار أمير المؤمنين عليه السلام في النجف الاشرف لاكمال دراساته العالية في جامعتها الكبيرة، وبعد ان استقر به المقام في النجف في السابع عشر من تلك السنة، بدأ دراسته عند جماعة من كبار علماؤها، واستمر في دراسته حتى حاز رتبة الاجتهاد في الفقه والاصول والحديث، وكانت له اليد الطولى في معرفة الكتب والاجازات وتراجم الرجال. استاتذته وشيوخه: أما اساتذته الذين تتلمذ لديهم في النجف الاشرف فهم:

[ 57 ]

1 - السيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي - صاحب كتاب " العروة الوثقى " المتوفى عام 1336. 2 - المولى محمد كاظم الخراساني - صاحب كتاب " كفاية الاصول " المتوفى عام 1339. وهذان العلمان كانا من كبار علماء الشيعة المتأخرين وكتاباهما " العروة الوثقى " في الفقه و " كفاية الاصول " في اصول الفقه مما تدور عليهما الابحاث العالية في الحوزات العلمية الشيعية. 3 - الحاج ميرزا حسين الحاج ميرزا خليل المتوفى عام 1326. 4 - المحدث الكبير الميرزا حسين النوري المتوفى عام 1320. 5 - الشيخ محمد طه نجف المتوفى عام 1323. 6 - السيد مرتضى الكشميري المتوفى عام 1323. 7 - الميرزا محمد تقي الشيرزاي - صاحب الفتوى الشهيرة في ثورة العشرين في العراق. 8 - المولى فتح الله المعروف ب‍ (شيخ الشريعة الاصبهاني) المتوفى عام 1339. وكلهم كانوا من كبار العلماء الاجلاء، قدس الله اسرارهم. مشايخه في الرواية: واما مشايخه في رواية الحديث فكثيرون من الشيعة والسنة، فمشايخه من الشيعة هم:

[ 58 ]

1 - المحدث ميرزا حسين النوري " قده ". 2 - الشيخ محمد طه نجف " قده ". 3 - السيد مرتضى الكشميري " قده ". 4 - الشيخ ميرزا على جهاردهى " قده ". 5 - الشيخ علي الخاقانى " قده ". 6 - الميرزا فتح الله (شيخ الشريعة) الاصبهاني " قده ". 7 - السيد محمد حسن الصدر " قده ". وهؤلاء كلهم من العلماء الكبار والاعاظم الذين تفتخر الشيعة وتعتز بهم. واما مشايخه من السنة فمنهم: 1 - الشيخ محمد علي بن الشيخ حسين بن ابراهيم الازهرى المعروف ب‍ (الشيخ علي) وكان مالكي المذهب ولد بمكة عام 1280. 2 - الشيخ عبد الوهاب بن عبد الله المكي الشافعي المولود عام 1287 وكان اماما للمسجد الحرام. 3 - الشيخ ابراهيم بن الشيخ أحمد حمدي المولود بالمدينة عام 1288 وكان من علماء المدينة المنورة. 4 - الشيخ عبد القادر الخطيب الطرابلسي المدرس في الحرم النبوى الشريف.

[ 59 ]

5 - الشيخ عبد الرحمن عليش الحنفي المدرس بالجامع الازهر والامام بمشهد رأس الحسين عليه السلام. رحلاته وأسفاره: وبعد ان استقر الشيخ في النجف، استمر في ممارساته العلمية حتى توفى استاذه الكبير " المولى محمد كاظم الخراساني " عام 1329، فانتقل إذ ذاك إلى مدينة سامراء لحضور درس " الميرزا محمد تقي الشيرازي " صاحب الفتوى المشهورة في ثورة العشرين ضد الاحتلال الانجليزي في العراق، فاعتزل الناس واشتغل بتأليف كتابه " الذريعة " وبقى هناك حتى سنة 1335، أي قبل انتهاء الحرب العالمية الاولى بسنة واحدة، فانتقل إلى مدينة " الكاظمية " وبقى فيها سنتين، وعاد بعدها إلى مدينة سامراء وبقى فيها حتى سنة 1354 وفى هذه السنة غادر سامراء وأتجه نحو النجف الاشرف، وبمجرد وصوله إلى النجف أسس مطبعة باسم " مطبعة السعادة " لاجل ان يطبع فيها كتابه الكبير " الذريعة "، ولكنه اضطر إلى بيعها بعد ان منعته الحكومة العراقية من ممارسة عمله بحجة انه اجنبي (ايراني)، فباعها وشرع بطبع " الذريعة " بثمنها. وكانت للشيخ أسفار مكررة في أعوام 1372 و 1379 و 1383 إلى ايران، وفي عام 1364 تشرف بزيارة بيت الله الحرام، فاتصل بالعلماء في مصر وسوريا والحجاز وحصل على اجازات في

[ 60 ]

رواية الحديث، وتشرف مرة أخرى بزيارة بيت الله الحرام في عام 1377 بدعوة من أحدى رجالات الشيعة الهنود. اثاره العلمية: وكان شيخنا المترجم له من اكثر علماء الشيعة نشاطا وعملا في القرن الرابع عشر الهجري، وذلك لتوفر عاملين مهمين فيه: أحدهما طول عمره الشريف، وثانيهما مثابرته في العمل. وترك من المؤلفات ما يقرب من خمسة وعشرين كتابا يربو على مائة مجلد نكتفي بذكر بعض منها: 1 - الذريعة إلى تصانيف الشيعة: وهو فهرست كبير لما ألفه علماء الشيعة طوال اربعة عشر قرنا من الزمان، ويقع في ثمان وعشرين مجلدا. " وكان الباعث على تأليف الذريعة هو ما ذكره (جرجي زيدان) في كتابه " تاريخ آداب اللغة العربية " حينما تحدث عن الشيعة فقال ما خلاصته: " الشيعة طائفة صغيرة لم تترك أثرا يذكر، وليس لها وجود في الوقت الحاضر ". فدفع هذا القول بالشيخ آغا بزرك ورفيقه في العلم " السيد حسن الصدر " المتوفى عام 1354 و " الشيخ محمد حسين كاشف

[ 61 ]

الغطاء " المتوفى عام 1373 ان يتعاهدوا وياخذ كل واحد منهم على عاتقه بيان جانب من جوانب الثقافة الشيعية الفنية والتعرف بها ". " وقد تقرر ان يبحث العلامة السيد حسن الصدر حول الاثار العلمية الشيعية، وبيان فضل الشيعة، وسهمهم في تأسيس علوم الاسلام، وظهرت ثمرة بحثه في كتابه " تأسيس الشيعة لعلوم الاسلام " الذي طبع بمساعدة الشيخ نفسه عام 1370. اما العلامة الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء فقد تقرر ان يكتب نقدا لكتاب جرجي زيدان " تاريخ آداب اللغة العربية " ويكشف عن كل اخطائه فيه، وقد نفذ هذه المهمة، وكتب نقدا علميا جامعا للكتاب بمجلداته الاربع " (1) " واما الشيخ اقا بزرك فقد تعهد ان يكتب فهرسا يجمع فيه اسماء كل مؤلفات الشيعة " (2). - طبقات اعلام الشيعة: " وحينما كان الشيخ يتتبع خلال عشرات السنين في المكتبات العامة والخاصة، ويبحث في آلاف من مجموعات الكتب الخطية للعثور على اسماء كتب ومؤلفات الشيعة واوصافها ومميزاتها ليدون


(1) واسم الكتاب هو " المطالعات والمراجعات ". (2) مجلة الهادي العدد الخامس من السنة الرابعة ص 91 - 93 مقال الاستاذ محمد رضا حكيمى.

[ 62 ]

ذلك كله في كتابه " الذريعة " كان في نفس الوقت يدون اسماء مؤلفي الشيعة وشعرائهم وأحوالهم في أوراق خاصة ثم جمعها في كتاب سماه " طبقات أعلام الشيعة " (1) وقد خص الكتاب بترجمة أعلام القرن الرابع إلى القرن الرابع عشر فطبع منه أعلام القرن الرابع والخامس والسادس والسابع والثامن في خمس مجلدات والتاسع في حالة الطبع والقرن الثالث عشر في أربع مجلدات طبع منه اثنان والقرن الرابع عشر في ستة مجلدات طبع منه أربع مجلدات واما القرن العاشر والحادي عشر والثاني عشر فهي غير مطبوعة. 3 - مصفى المقال في مصنفي علم الرجال: وقد استعرض فيه الشيخ اسماء خمسمائة شخص من رجال الشيعة الذين كتبوا وألفوا في علم الرجال (2). 4 - هدية الرازي إلى المجدد الشيرزاى: وهو كتاب يضم ترجمة المرجع الدينى الكبير في عصره " الميرزا محمد حسن الشيرازي " (3) صاحب الفتوى الشهيرة في حرمة التنباك التي صارت بانحصار الشركات الانجليزية في ايران


(1) المصدر السابق ص 92 - 93. (2) حياة المؤلف بقلم الشيخ محمد علي الغروى الاوردبادى في مقدمة كتاب الذريعة. (3) نفس المصدر.

[ 63 ]

في عصر " ناصر الدين شاه القاجاري "، وفي ضمنه يستعرض ترجمة 360 شخصا من تلامذته الذين فيهم كبار العلماء. 5 - النقد اللطيف في نفي التحريف عن القرآن الشريف: وفي هذا الكتاب يدافع المؤ لف عن استاذه الشيخ النوري ويبرئه من التهمه التي وجهت إليه من انه يقول بتحريف القرآن. 6 - توضيح الرشاد في تاريخ حصر الاجتهاد: وهو هذا الكتاب الذي قدمنا له، وهو يبحث - كما سيتضح للقارئ - عن تاريخ حصر الاجتهاد في المذاهب الاربعة عند أهل السنة والاسباب التى دعت إلى ذلك. وقد ألفه باستدعاء أحد علماء الموصل كما يذكر ذلك في المقدمة، وفرغ من تأليفه في ربيع الاول من عام 1359. 7 - تفنيد قول العوام بقدم الكلام: وفي هذا الكتاب يبحث عن النزاع المشهور بين الاشاعرة والمعتزلة حول قدم القرآن وحدوثه. وقد وضعه أيضا باستدعاء ذلك العالم الموصلي عام 1359. هذا، وللشيخ " قده " رسائل وكتب أخرى لا يسعنا التعرض لها. وله مكتبة تضم حوالي خمسة آلاف كتابا مطبوعا ومئتي كتاب

[ 64 ]

مخطوط، وقد أوقفها مع قسم من داره، وهى الان من المكتبات التي يأوى إليها طلاب العلم، للاستفادة منها. وفاته: وفي يوم الجمعة 13 ذي الحجة 1389 لبى شيخنا نداء ربه عن عمر يناهز 96 عاما، وقد أذاعت بعض الاذاعات العالمية نبأ وفاته، وبذلك خسر العالم الاسلامي محققا كبيرا قد أفنى عمره في خدمة العلم والدين إلى آخر لحظة من حياته. فالسلام عليه يوم ولد ويوم مات ويوم يبعث حيا.

[ 65 ]

(الصفحة الاولى من مخطوطة المؤلف)

[ 66 ]

(الصفحة الاخيرة من مخطوطة المؤلف)

[ 67 ]

توضيح الرشاد في تاريخ حصر الاجتهاد للعلامة المحقق الشيخ محمد محسن آغا بزرك الطهراني (قده)

[ 69 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله المعصومين حجج الله على خلق الله، إلى يوم لقاء الله. وبعد: فقد سألتنى - أيها الفاضل (1) السعيد الزكي الافخر، السيد جعفر بن السيد حسن الاعرجي الموصلي، أطال الله بقاك في احياء شرع جدك الاطهر - ان اكتب شيئا في بيان سبب اختلاف مذاهب العامة في فروع أحكام الدين، وبيان بدء المذاهب الاربعة، وبيان وجه التمذهب بها، والانحصار فيها، وذكر بدء تاريخ الانحصار،


(1) لم نعثر - مع الاسف - على ترجمة وافية لهذا السيد الفاضل.

[ 70 ]

وبيان وجه اختلاف علماء الشيعة في كثير من الاحكام الفرعية، وذكر تاريخ بدء مذهب الشيعة، فاقول: انه قد كتب أعلام الامة في الاعصار الغابرة لتحقق هاتيك المباحث التى سألتم عنها - كتبا ورسائل اثبتوا فيها ما بلغهم من تواريخها، وبينوا أسباب وقوع الاختلافات على ما يكشف عنها صحاح النقل، الموافقة للوجدان والعقل، ببيانات وافية، بحيث كاد يرتفع بها جميع الشكوك والاوهام، ويتبين الحق الواضح لكل أحد كالنا ر على علم. لكن لاشتمال تلك الكتب على ما يوهم التعصب القومي الذي كان يعتمد عليه كثيرا في تلك الاعصار، لم تؤثر هاتيك البيانات الواضحة ما كان يرجى منها من قطع عروق الخلاف. وايجاد روح الوفاق والائتلاف. وأما نحن وأصحابنا في العصر الحاضر عصر التنوير والنبوغ، والاستضاءة بنور العلم، والخروج عن ربقة التقليدات التي كانت تنشأ من الجهالات، فنرجو أن يوفقنا الله تعالى لرفض التعصبات العقيمة، والتقاليد الذميمة، ويتبين لنا الحق الواضح كالنور على الطور، فيما نمليه على الاخوان من " توضيح الرشاد في تاريخ حصر الاجتهاد " ويوفقهم الله لالفات النظر إلى هذه الكلمات، التي فيها تذكار العباد برفع حصر الاجتهاد، ولم تكتب الا لمحض الاصحار

[ 71 ]

بالحقيقة " ان أريد الا الاصلاح وما توفيقي الا بالله " (1). [ بدء اختلاف المسلمين ] لا شبهة لاحد في أن خلاف المسلمين في فروع الدين انما حدث بعد رحلة نبي الاسلام صلى الله عليه وآله لا في حال حياته، فان جميع الامة في عصره كانوا مقتبسين من أنوار علومه ومعارفه في جميع الابواب، ولا يتجاسرون عليه بابداء رأي في قباله، لمناقضة ابداء الرأي للتصديق بأنه " ما ينطق عن الهوى " (2). فما ذكره المقريزي لاثبات قدم الاجتهاد والفتيا: من أن العشرة المبشرة بالجنة كانوا يفتون في عصر النبي صلى الله عليه وآله (3). فيه حط لشأنه وشأنهم، بل مجرد اسلامهم لا يساعد وقوعه منهم، الا إذا كان عن أمره، ولا يكون في قباله. كما ولا شبهة أيضا لاحد من أن الاختلاف في الفروع لم يكن أول خلاف وقع في الاسلام، بل أول خلاف وقع بين الامة المسلمة بعد رحلة نبيها وقبل تجهيزه باتفاق جميع التواريخ هو الاختلاف في الخلافة والولاية. ولم يكن هذا الخلاف في حال حياته أيضا البتة، حيث أنه لم


(1) هود: 88. (2) النجم: 3. (3) الخطط المقريزية: 2 / 332.

[ 72 ]

يذكر في أي تاريخ ابدا، بل كان المسلمون كافة في تمام مدة حياته متوافقين متسالمين على ما ألزمهم نبيهم من أخذ البيعة منهم لابن عمه في يوم الغدير، بتفصيل مذكور في كتب التواريخ والسير كافة (1). فكانوا في حياته مذعنين لابن عمه بالولاية والوزارة والوصاية والخلافة والامامة، على موجب تصريحات نبيهم بجميع ذلك له في أوقات كثيرة وأماكن عديدة، من أول بعثته في مكة المعظمة إلى رحلته في المدينة المنورة، ولم يظهر طول تلك المدة من أحد من الاصحاب نكير لذلك أبدا (2). كما ولا شبهة أيضا لاحد أنه لم يجتمع جميع الامة دفعة واحدة، ولم تتفق آراؤهم جميعا في وقت واحد، بعد رحلة نبيها وقبل تجهيزه، على خلافة واحد معين من القوم، بل انما بادر بعض القوم بمجرد ارتحاله إلى نقض بيعة الغدير وانكار الولاية ابتداءا، ثم سرى منه النقض والانكار إلى غيره شيئا فشيئا، ثم بسبب اشتغال بعض وجوه الامة المسملة بتدبير أمر الخلافة، وترشيح شخص آخر له (3) وترتيب مقدمات لتحصيل اكثرية الاراء في عدة أيام ومحافل كثيرة، قوي أمر الخلافة.


(1) راجع موسوعة الغدير للعلامة الاميني (قده) حيث ترى فيها ما يغنيك عن المصادر العديدة التي تثبت ذلك. (2) تاريخ اليعقوبي 2 / 102 طبع النجف. (3) هكذا في الاصل والصحيح هو " لها ".

[ 73 ]

وبعد وقوع المشاجرات بين وجوه المهاجرين والانصار وغيرهم، آل أمر الامة إلى التفرق فرقتين: خاصة وعامة، فالخاصة: هم فرقة كانوا مع الوصي وثبتوا على ولايته، والعامة: هم فرقة بانوا عنه. فهذا أول حدوث الخلاف. ثم ان الفرقة الباقية على بيعة الوصي، والمعترفة بحق امامته، والمعتقدة بعصمته، وفرض طاعته من الله تعالى - وهم الاقلون عددا - التزموا بمتابعة الوصي في الاحكام الدينية التي قررها الله تعالى لنبيه، وأودعها النبي صلى الله عليه وآله عند وصيه ولقنه جميعها، ونادى في الناس: بأنه مدينة العلم الالهي وعلي بابها (1). فهؤلاء كانوا يلجأون إليه في الاحكام الالهية بحذافيرها ويأخذون. ويكتبون الاحكام وسائر المعارف عن امامهم المنصوص عليه من الله تعالى، والمعصوم من جميع الزلات، وهكذا كانوا يأخذون عن الامام المنصوص عليه المعصوم، واحدا بعد واحد إلى الامام


(1) حديث متواتر عن النبي صلى الله عليه وآله نقله العامة والخاصة، فراجع على سبيل المثال: تاريخ بغداد ج 2 ص 337، كفاية الطالب ص 220 (الباب الثامن والخمسون)، تذكرة الخواص ص 47 حديث (مدينة العلم) ذخائر العقبى ص 77، أسد الغابة ج 4 ص 22 في ترجمة علي عليه السلام تهذيب التهذيب ج 6 ص 330 في ترجمة عبد السلام (ابي الصلت الهروي).

[ 74 ]

الغائب عن الابصار صاحب العصر والزمان صلوات الله عليهم أجمعين. ان هؤلاء قوم من المسلمين، تمسكوا بعد نبيهم (بالثقلين) اللذين خلفهما من قبل الله تعالى لامته، وهما: كتاب الله وعترته، اللذين " لن يفترقا حتى يردا عليه الحوض " كما في الاحاديث الكثيرة من الطرفين (1)، وليس لهم شعار الا التشيع، لانهم شايعوا


(1) حديث متواتر ومسلم بين الطرفين وقد تناقله أكثر من 200 عالم عن أكثر من ثلاثين صحابي وصحابية، فراجع على سبيل المثال: صحيح مسلم ج 4 فضائل علي عليه السلام حديث 36 و 37، سنن الترمذي ج 5 باب 32، سنن الدارمي ج 2 فضائل القرآن، خصائص النسائي ص 93 طبع النجف، كفاية الطالب، الباب الاول في بيان صحة خطبته بماء يدعى خما ص 50 طبع النجف، ذخائر العقبى باب فضل أهل البيت ص 16، تذكرة الخواص الباب الثاني عشر ص 322 طبع النجف، ينابيع المودة ص 30، أسد الغابة ج 2 ص 12 في ترجمة الحسن بن علي عليهما السلام، تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 102 طبع النجف، المستدرك على الصحيحين كتاب معرفة الصحابة، فضائل علي ج 3 ص 109، مسند أحمد في حديث أبي سعيد الخدري ج 3 ص 17، وحديث زيد بن أرقم ج 5 ص 371 وحديث زيد بن ثابت ج 5 ص 181. وراجع أيضا رسالة حديث الثقلين للشيخ قوام الدين القمى الوشنوى المطبوع بدار التقريب للمذاهب الاسلامية بمصر، وراجع تفصيل ذلك الجزئين الاولين من موسوعة عبقات الانوار.

[ 75 ]

عليا عليه السلام والائمة من ولده، ولا ينتمون الا إلى أهل البيت عليهم السلام ولا ينتسبون إلى أحد المذاهب. وانما يعرفون بالجعفرية لالكون جعفر بن محمد عليه السلام امام هذا المذهب فقط، بل لاجل أن في عصره اتفق فتور الدولتين: بني أمية، وبني العباس، واشتغالهما بأنفسهما، وكانت الشيعة، وامامهم يومئذ في سعة وراحة، فأكثروا في أخذ الاحكام الفرعية وغيرها عنه، فكان نشر مذهب أهل البيت، وتوسعة دائرته في عصر الامام " ابى عبد الله جعفر بن محمد الصادق " - عليه السلام - ولذا ينسب الشيعة إليه. نعم قد يكون التقييد بالجعفرية في قبال الشيعة الزيدية. وبالجملة الشيعة لا يخضعون لاي شئ كان الا لكتاب الله تعالى وسنة نبيه المأخوذة من عترته المعصومين من الخطأ والزلات. وهذه سيرتهم من لدن ارتحال نبي الاسلام صلى الله عليه وآله حتى اليوم، فهم يعملون بظواهر الكتاب ومحكماته، ويردون علم متشابهاته إلى أهله، ويعملون بنسة نبيهم التي أخذوها عن عترته المعصومين بأسانيدهم المعتبرة، ودونوها في كتبهم وأصولهم التي هي باقية حتى اليوم، اما بصورتها الاولية، أو بمادتها المبوبة المرتبة، كما فصلناه في مقدمة كتابنا الذريعة (1).


(1) الذريعة 1 / 13. وراجع تفاصيل مانوه به في الجزء الثاني من نفس الكتاب ص 134 *

[ 76 ]

1 - انفتاح باب الاجتهاد عند الشيعة الامامية. 2 - ومعنى اجتهادهم. 3 - وحكمه الشرعي. ان علماء الشيعة - في جميع الاعصار - كانوا يجتهدون في فهم ظواهر الكتاب والسنة، بمعنى أنهم كانوا يستنبطون الاحكام الالهية منهما بالقواعد المقررة عندهم للاستنباط، غاية الامر ان مقدمات الاجتهاد كانت في الاعصار الاولى قليلة، وكانت طرقه سهلة يسيرة، يتمكن من الاجتهاد في تلك الاعصار، ويقدر على الوصول إلى معرفة الاحكام الالهية عامة الناس فضلا عن أصحاب الفضل والخواص. ولكن بعد تلك الاعصار ومرور الازمنة وبعد العهد عن الائمة، وعروض الغيبة، وطرو الاحوال على الكتب والاصول وعلى أصحابها المؤلفين لها، وانتشار النسخ في أقطار الارض، مع ما كان يقع


* عندما يبحث عن الاصول في مادة (أصل)، حيث تجد فيه تعريف (الاصل) وفرقة مع الكتاب وعدد الاصول، وأسماء مصنفيها والموجود منها.. وللمزيد من التعرف على ذلك راجع كتاب ضياء الدراية ص 70 لمؤلفه " السيد ضياء الدين العلامة " وسلسلة " احياء تراث أهل البيت " العدد الاول باسم " دراسة حول الاصول الاربعمائة " بقلم السيد محمد حسين الحسينى الجلالى وقد طبعت أيضا في دائرة المعارف الشيعية الجزء الخامس طبع بيروت.

[ 77 ]

فيها على موجب العادة من بعض الاختلافات، لاجل الخلل والزلل المستندين إلى السهو والنسيان الطارئين لنساخ الكتب والمصححين لها - ولو كانوا في غاية الثقة والضبط - بعد ذلك كله، زيدت في مقدمات الاجتهاد زيادات، وتوقف تمام الاجتهاد على تحصيل جملة من العلوم والمعارف التي لها مدخلية في معرفة مداليل الالفاظ، وفهم ظواهر الكتاب والسنة، والعلم بأحوال الرواة وأسانيد الروايات، وتمييز الصحيح من السقيم، والممدوح عن المجروح، وغير ذلك. والاجتهاد كذلك في معرفة الاحكام الشرعية بمعنى: الجد والجهد في تشخيص مداليل الادلة، وتعيين أحوال أسانيدها واجب عيني - عند جميع الشيعة - على كل مكلف يتمكن منه، ان لم يقم به من فيه الكفاية، لعمل سائر المكلفين، وان قام به مقدار الكفاية فيسقط الوجوب عن الاخرين. [ الاخباريون ] ان ما ذكرناه من اتفاق علماء الشيعة على وجوب الاجتهاد في الاحكام انما هو في مقام عملهم، وان أنكر الاجتهاد قولا بعض المتأخرين منهم بدعوى أنه يعمل بالاخبار، فعرف ب‍ " الاخباري "، لكنا بينا في محله أنه نزاع لفظي، لان العمل بالخبر ليس إلا العمل بمعناه وما يفهم ويستفاد منه، فالعمل بالخبر موقوف على فهم المعنى

[ 78 ]

واستفادته منه، ولا نعني بالاجتهاد الا استخراج معنى الخبر واستنباطه منه (1)، وهو مشترك بين جميع علماء الشيعة. [ الاجتهاد الباطل ] نعم كافة علماء الشيعة يمنعون عن الاجتهاد بمعنى آخر (2)، وهو: العمل والافتاء بالرأي والاستحسان والقياس، على ما هو المعمول المجوز عند أهل السنة، وذلك لما وصلهم عن أئمتهم - عليهم السلام - من بطلان القياس، وعدم الوثوق والاطمئنان بالرأي والاستحسان، فالاجتهاد بهذا المعنى باطل عندهم البتة، حتى أن ابن الجنيد - وهو أقدم فقهائهم ويعرف بأحد القديمين - تركت تصانيفه لاجل نسبة العمل بالقياس إليه (3). [ وجه اختلاف العلماء في الفتوى ] وبما ذكرنا ظهر وجه اختلاف بعض علماء الشيعة مع بعض


(1) طبعا ان الاجتهاد لم يقتصر على ذلك بل هو جزء منه، ولتوضيح لك راجع المقدمة. (2) وهو الاجتهاد بمعناه الخاص، فانه مرفوض لدى الشيعة كما مر في المقدمة أيضا. (3) هو محمد بن أحمد بن الجنيد الكاتب الاسكافي، من قدماء فقهاء الامامية، قال عنه النجاشي في رجاله:

[ 79 ]


" محمد بن أحمد بن الجنيد، أبو على الكاتب الاسكافي وجه في أصحابنا ثقة جليل القدر صنف فأكثر ". ثم يذكر له كتبا كثيرة من بينها كتاب يجمع مسائل مختلفة تبلغ ألفا مسألة في الفي وخمسمائة ورقة ثم يقول عنه بعد ذلك: " وله مسائل كثيرة، وسمعت شيوخنا الثقات يقولون عنه أنه كان يقول بالقياس " (رجال النجاشي / 276). ويقول الشيخ الطوسي عنه في الفهرست: " محمد بن أحمد بن الجنيد، يكنى أبا على، وكان جيد التصنيف حسنه الا أنه كان يرى القول بالقياس، فترك لذلك كتبه، ولم يعول عليها، وله كتب كثيرة.. " ثم يذكر كتبه (الفهرست / 267). وقال العلامة السيد مهدي بحر العلوم (قده): " محمد بن أحمد بن الجنيد، أبو على الاسكافي من أعيان الطائفة، وأعاظم الفرقة، وأفاضل قد ماء الامامية.. " إلى أن يقول: " وهذا الشيخ على جلالته في الطائفة ورياسته وعظم محله قد حكى عنه القول بالقياس، ونقل ذلك عنه جماعة من أعاظم الاصحاب " (رجال السيد بحر العلوم 3 / 205 - 207). ولكن مع ذلك لم يترك الاصحاب قوله بتاتا لاجل العمل بالقياس، كما يظهر من العلامة السيد بحر العلوم حيث يقول: " ومما ذكرنا يعلم أن الصواب اعتبار أقوال ابن الجنيد في تحقيق *

[ 80 ]

آخر في الاحكام الفرعية، وان منشأه الاختلاف في دليلية الدليل شرعا عند واحد دون غيره، أو الاختلاف في حصول الجزم والتصديق لبعض دون آخر، أو الاختلاف في الاذهان في الحدة والذكاء وسرعة الانتقال إلى المطالب وبطؤه من الادلة الثابتة الحجية المقررة. [ الاجتهاد عند السنة ] أما سائر المسلمين المعرضين عن بيعة أمير المؤمنين - عليه السلام - قالوا: ان النبي - صلى الله عليه وآله - لم يعين خليفة لنفسه، ولم يوص إلى أحد بالولاية على المسلمين بعد وفاته. وقالوا: انما ترك الوصية بها القاءا لعنان الامة على عاتقها في تعيين الخليفة والوالي على المسلمين، فهم يختارون من بين أفراد الامة من أرادوه واتفقت آراؤهم عليه! وكذلك لم يعين لمرجعية أحكام الدين والفروع الاسلامية شخصا معينا ومرجعا واحدا، بل أحال أحكام شرع الاسلام بعده


* الوفاق والخلاف كما عليه معظم الاصحاب، وان ما ذهب إليه من أمر القياس ونحوه لا يقتضى اسقاط كتبه، ولا عدم التعويل عليها على ما قاله الشيخ رحمه الله فان اختلاف الفقهاء في مباني الاحكام لا يوجب عدم الاعتداد باقوالهم لانهم قديما وحديثا كانوا مختلفين في الاصول التى تبنى عليها الفروع كاختلافهم في خبر الواحد والاستصحاب.. " (رجال السيد بحر العلوم ج 3 / 221).

[ 81 ]

إلى جميع أصحابه، لكونهم جميعا موصوفين بالعدالة (1) بالغين حد


(1) ان موضوع عدالة الصحابة من المواضيع الحساسة التي شغلت جانبا مهما من أبحاث علم الحديث والرجال، وقد ذهب جمهور أبناء العامة إلى أن جميع الصحابة عدول ولا ينبغي أن تنالهم يد الجرح والتعديل كما تنال غيرهم من المسلمين. قال الغزالي في المستصفى: " والذي عليه السلف وجماهير الخلف أن عدالتهم معلومة بتعديل الله عزوجل اياهم وثنائه عليهم في كتابه وهو معتقدنا فيهم، الا أن يثبت بطريق قاطع ارتكاب واحد لفسق مع علمه به وذلك مما لم يثبت! فلا حاجة لهم إلى التعديل.. " (المستصفى ص 204). ومن السنة من يرى جواز جرحهم وتعديلهم كغيرهم من المسلمين ولا تؤثر الصحبة من ذلك مطلقا، ولكنهم لا يمثلون الا أنفسهم في هذه العقيدة. هذا وقد ذهب بعض المعتزلة إلى أن الصحبة كانت مؤثرة حتى وقوع الفتنة والخلاف بينهم واراقة الدماء. ومهما يكن من أمر فان جمهور السنة يرون عدالة الصحابة بصورة مطلقة فهم لا يحتاجون إلى الجرح والتعديل. هذا، ولكن من كان له أقل المام وتأمل في تاريخ حياة الرسول صلى الله عليه وآله والصحابة والايات التي نزلت في بعضهم تؤكد نفاقهم أو ايذاءهم للرسول صلى الله عليه وآله أو تخلفهم عن أوامر الله تعالى، لا يبقى له أدنى شك في أنه كان في الصحابة من لا يشك في فسقه، كيف لا وقد صرح الذكر الحكيم بتفسيقه إذ قال تعالى: " ان جاءكم فاسق بنبأ *

[ 82 ]


* فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين " (6 الحجرات). وقد صرح أيضا بأن منهم " الكاذبون " حيث قال تعالى: " لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا لاتبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة، وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم يهلكون أنفسهم والله يعلم أنهم لكاذبون، عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين " (41 - 42 التوبة). وقال أيضا حول بعضهم: " ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني الا في الفتنة سقطوا وان جهنم لمحيطة بالكافرين، ان تصبك حسنة تسؤهم وان تصبك سيئة يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل، ويتولوا وهم فرحون " (49 - 50 التوبة). وقال مخاطبا لبعضهم: " قل انفقوا طوعا أو كرها لن يقبل منكم انكم كنتم قوما فاسقين، وما منعهم ان تقبل نفقاتهم الا أنهم كفروا بالله ورسوله ولا يأتون الصلاة الا وهم كسالى، ولا ينفقون الا وهم كارهون.. " (53 - 54 التوبة). هذا قليل من كثير من الايات التي نزلت حول بعض الصحابة فقلما تجد سورة لم يذكرهم الله تعالى بآية أو آيات، فهل من الانصاف أن نترك هذه التصريحات القرآنية ونلتزم بعدالة جميع الصحابة؟! وقد يقال: ان هذه الايات نزلت في المنافقين! عجبا فهل ميزتم المنافقين عن سائر الصحابة وأفردتموهم وعرفتموهم *

[ 83 ]


* للناس كى لا يشتبه عليهم الامر؟ فلماذا يقولون اذن: لا ينبغي أن تنالهم يد الجرح والتعديل؟ ولله در الاستاذ محمود أبو رية في كتابه " أضواء على السنة المحمدية " ص 318 حيث قال: ".. ولو نفعت الصحبة نحود بشر بن مروان على فرض الثبوت أو الوليد لتبين لنا أن الصحبة لا يضر معها عمل غير الكفر فتكون الصحبة أعظم من الايمان، ويكون هذا أخص من مذهب مقاتل وأتباعه من المرجئة، ثم أين أحاديث " لا تدرى ما ذا أحدثوا بعدك " وهى متواترة المعنى بل لو ادعى في بعضها تواتر اللفظ لساغ ذلك، والمدعون للسنة ادعوا الصحبة أو ثبوتها لمن لم يقض له بها دليل، وفرعوا عليها ما ترى ثم بنوا الدين على ذلك، ألم يقل الله " ان جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا " في رجل متيقن صحبته ولم تزل حاله مكشوفة مع الصحبة، ومنهم من شرب الخمر وما لا يحصى مما سكت عنه رعاية لحق النبي صلى الله عليه وآله ما لم يلجئ إليه ملجئ دينى فيجب ذكره. ومن أعظم الملجآت ترتيب شئ من الدين على رواية مروان والوليد وغيرهما فأيهما أعظم خيانة لدين الله ومخالفة لصريح الاية الكريمة والتقمة بذلك لا يعود على جملة الصحابة بالنقص، بل هو تزكية لهم فاياك والاغترار ". وللتوسع في ذلك راجع كلا من: أضواء على السنة المحمدية للاستاذ محمود أبو رية 310، دراسات في الحديث والمحدثين للاستاذ هاشم معروف الحسيني 71.

[ 84 ]

الاجتهاد حيث قالوا: " أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم " (1). فصار بناء هؤلاء المسلمين في العمل بالاحكام الفرعية على الرجوع إلى الاصحاب، والعمل بفتاواهم، سواء كانت مستندة إلى


(1) حديث " أصحابي كالنجوم " هو حديث موضوع كما صرح بذلك عديد من الاعلام، فقد ضعفه ابن القيم في الجزء الثاني من أعلام الموقعين ص 223 ونص على أنه من الاحاديث الموضوعة. وقد قال الغزالي في المستصفى: " وزعم قوم أن حالهم كحال غيرهم في لزوم البحث، وقال قوم: حالهم العدالة في بداية الامر إلى ظهور الحرب والخصومات ثم تغيرت الحال وسفكت الدماء، فلابد من البحث ومما يتكئ عليه من يعتقدون عدالة جمع الصحابة قولهم ان رسول الله قال: " أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم " وفي رواية " فأيهم أخذتم بقوله.. " ولكن هذا الحديث غير صحيح بل قالوا: انه موضوع ". وقد أجاد علامة الهند - كما سينبه عليه المصنف " قده " - السيد حامد حسين للكهنوي (1246 - 1306) في تحقيق الحديث في موسوعته الكبيرة " عبقات الانوار في امامة الائمة الاطهار " الذى كتبه ردا على باب الامامة من كتاب " التحفة الاثنى عشرية " للشاه عبد العزيز الدهلوى حيث أنكر جملة من الاحاديث المثبتة لامامة أمير المؤمنين علي عليه السلام فأثبت تواتر كل واحد من تلك الاحاديث في عدة مجلدات كبار. وقد تم ترجمة الكتاب إلى العربية وطبع منه إلى الان أربعة أجزاء الاولان منها في تحقيق (حديث الثقلين).

[ 85 ]

الرواية عن النبي صلى الله عليه وآله فيما سمعه الصحابي منه أو مسندة إلى رأيه واجتهاده فيما لم يسمعه منه لانهم مجتهدون مصيبون في اجتهادهم كما فصلوه في كتب أصولهم. وللبحث معهم في صحة هذه الدعاوي، واقامة البرهان على أن هذا الحديث موضوع على النبي صلى الله عليه وآله مقام آخر لسنا بصدده. وقد أورد علامة الهند في ثاني مجلدي حديث الثقلين من كتابه العبقات سبعين وجها في ابطال هذا الحديث، وأورد شهادات كثير من أعاظم علماء العامة على كون الحديث موضوعا في مائتين وخمسين صفحة كبيرة، فليراجع إليه، فانه خارج عن مبحثنا في انحصار المذاهب وعدمه، الذي هو المسؤل عنه. [ مصادر تبين بدء تعدد المذاهب ] فنقول: يظهر الجواب عن جملة ما وقع في السؤال بالرجوع إلى كثير من كتب العامة، ونحن نشير إلى بعضها، دلالة للسائل إلى محل ذكر الاجوبة اجمالا، وذكرا لمأخذ ما سنذكره من الكلمات. من تلك الكتب كتاب " المواعظ والاعتبار في الخطط والاثار " وهو في تاريخ مصر. ألفه " الشيخ تقي الدين أبو العباس احمد بن علي بن عبد القادر بن محمد البعلي القاهري " المعروف بالمقريزي نسبة إلى حارة في بعلبك تعرف بحارة المقارزة، ولد بها سنة 766

[ 86 ]

وتوفي بالقاهرة سنة 845، تاريخ مبسوط متداول طبع تمامه مرات، وطبع بعض أجزائه ايضا مستقلا، وترجم إلى اللغة الافرنجية وهو معتمد عليه، تلقاه بالقبول كل من تأخر عنه، وأرسلوا ما ذكره ارسال المسلمات، وقد بسطفيه الكلام في اختلاف المذاهب في المجلد الرابع من صفحة 141 إلى عدة صحائف تحت عنوان (ذكر مذاهب أهل مصر ونحلهم منذ افتتح عمرو بن العاص إلى أن صاروا إلى اعتقاد المذاهب الاربعة) (1). ومنها تاريخ اليعقوبي أحمد بن أبي يعقوب البغدادي المتوفى بعد سنة 296، وقد طبع في النجف سنة 1358. ومنها " الحوادث الجامعة في المائة السابعة " لكمال الدين عبد الرزاق بن المروزي الفوطي البغدادي المتوفى سنة 723، طبع في بغداد بمطبعة الفرات 1351، ذكر فيها بعض ما نشير إليه في موضعه. ومنها " الانصاف في بيان سبب الاختلاف " ومنها " عقد الجيد في أحكام الاجتهاد والتقليد " وهما تأليفا شاه ولي الله أحمد بن عبد الرحيم العمري الدهلوي المولود سنة 1114، والمتوفى سنة 1180 أو سنة 1176. وكلاهما مطبوعان مع " المقابسات " لابي حيان


(1) للكتاب عدة طبعات والذي عولنا عليه في التحقيق هي طبعة بولاق وتقع في مجلدين وقد طبعت بالافست ببغداد.

[ 87 ]

التوحيدي، وطبعا أيضا مع " كشف الزور والبهتان " (1). ومنها " الاقليد لادلة الاجتهاد والتقليد " ومنها " الطريقة المثلى في الاشارة إلى ترك التقليد " وهما من تأليفات صديق حسن خان القنوجي البخاري المتوفى سنة 1307، وكلاهما مطبوعان أيضا بالاستانة سنة 1295 وسنة 1296. ومنها " حصول المأمول من علم الاصول " له أيضا، طبع في " الجوائب " سنة 1296. والمقصد الثالث (2) منه في الاجتهاد والتقليد، وهو آخر الكتب الثلاثة المطبوعة منضمة في مجلد واحد: أولها " لقطة العجلان فيما تمس إلى معرفته حاجة الانسان "، وثانيهما " خبيئة الاكوان في افتراق الامم على المذاهب والاديان ". ومنها " مقالة " صاحب السعادة أحمد تيمور باشا بن اسماعيل ابن محمد المولود بالقاهرة سنة 1288. وهي تحت عنوان " نظرة تاريخية في حدوث المذاهب الاربعة " وهذه المقالة نشرت في مجلة الزهراء أوائل سنتها الثانية، ثم طبعت مستقلة باهتمام " محب الدين الخطيب " في القاهرة في 15 رجب سنة 1344. وقد شرح في هذه المقالة مبادئ حدوث المذاهب الاربعة، والبلد الذي حدث


(1) وطبعا - أيضا - في دائرة المعارف للقرن العشرين ل‍ " محمد فريد وجدى " الجزء الثالث في مادة (جهد) ولكن الرسالة الثانية غير مطبوعة بكاملها. (2) والصحيح هو المقصد السادس لا الثالث.

[ 88 ]

فيه المذهب وكيفية ارتقائه ونشره إلى سائر الامصار، وشيئا من تواريخ سائر المذاهب المندرسة، من زمان حدوثها وانتشارها شيئا فشيئا، ومقدار استقرارها إلى وقت انقراضها واندراسها. وأبسط ما كتب منها ما كتبه الفاضل محمد فريد وجدي بيك المولود سنة 1293، في المجلد الثالث من " دائرة المعارف للقرن الرابع عشر الهجري " (1) المطبوع سنة 1330. بسط القول في هذا الباب في مقدار ستين صحيفة في مادة " جهد " وأورد تمام كتاب " الانصاف في بيان سبب الاختلاف " وكذا " عقد الجيد " المذكورين آنفا، وكذلك بسط القول في مادة " ذهب " وأحال بعض الكلام ها هنا إلى ما ذكره قبلا في " جهد ". هذا ما وصلني من الكتب في هذا الموضوع، وقد ذكر " صديق حسن خان " في المقصد الثالث (2) من كتابه " حصول المأمول " عدة كتب أخرى في هذا الباب وأمر بالرجوع إليها. منها كتاب " أدب الطلب ومنتهى الارب " للشوكاني، ومنها " ارشاد النقاد إلى تيسير الاجتهاد "، للسيد محمد بن اسماعيل الامير ومنها " اعلام الموقعين عن رب العالمين " للحافظ ابن القيم،


(1) والصحيح هو " دائرة المعارف للقرن العشرين " ولعله من سهو القلم. (2) حصول المأمول في علم الاصول ص 198 في المقصد السادس كما سبق.

[ 89 ]

ومنها " ايقاظ همم أولى الابصار " للفلاتى صالح بن محمد وهو مطبوع، ومنها " الجنة في الاسوة الحسنة بالسنة " وذكر أنه من تأليفات نفسه. ومنها " دراسات اللبيب في الاسوة الحسنة بالحبيب " تأليف العلامة محمد معين السندي، ومنها " حديث الاذكياء " للسيد أحمد حسن القنوجي، ومنها " القول المفيد في حكم التقليد " إلى غير ذلك من الكتب المؤلفة في باب الاجتهاد والتقليد. وبما أن ما ذكرناه من الكتب قد لا تصل يد سيدنا المذكور (1) إلى نسخها أو لا تحصل له الفرصة للرجوع إليها واستخراج مقصده منها، فنحن نذكر خلاصة ما فيها تفي بجواب السؤال اجمالا، ونحيل التفصيل إلى فرصة الرجوع إلى نفس تلك الكتب ونقول: [ مبدأ الافتاء ] مما اتفقت عليه عامة الكتب والتواريخ ما ذكرناه آنفا من أن سائر المسلمين كانوا يلجأون في الاحكام الشرعية بعد ارتحال النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - إلى القراء والعلماء من أصحابه، يأخذون فروع الدين عنهم ويعملون بفتاواهم على ما سمعوه عن النبي - صلى الله عليه وآله - أو عن اجتهاد منهم فيما لم


(1) وهو السيد جعفر بن السيد حسن الاعرجي الموصلي المذكور في المقدمة.

[ 90 ]

يسمعوا عنه شيئا (1). بل ذكر في بعض التواريخ، وجزم به المقريزي: ان العشرة المبشرة كانوا يجتهدون ويفتون في حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وفيه ما فيه، كما أشرنا إليه. وعلى كل فلا شبهة في أن الاصحاب صاروا مرجعا للاحكام الدينية بعد وفاته - صلى الله عليه وآله وسلم - ونفروا إلى أطراف البلاد الاسلامية ونزلوا بها لتعليم القرآن والاحكام. قال المقريزي: " ان الاصحاب تفرقوا بعد رحلة النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى البلاد، وبقي بعضهم في المدينة مع أبي بكر، فكان أبو بكر يقضي بما كان عنده من الكتاب والسنة، فان لم يكن عنده شئ سأل من بحضرته من الاصحاب، فان لم يكن عندهم شئ اجتهد في الحكم " (2). وهكذا كل صحابي نزل بلدة، كان يجتهد فيما لم يكن عنده من الكتاب والسنة. قال: " ثم لما مات أبو بكر وفتح سائر البلاد في عصر عمر وبعده،


(1) راجع مقدمتنا لهذا الكتاب حيث ذكرنا ذلك بشئ من التفصيل. (2) الخطط المقريزية 2 / 332 بتصرف.

[ 91 ]

تزايد تفرق الصحابة في البلاد، فكان أمير كل بلد يجتهد لو لم يكن فيها صحابي " (1). أقول: كلامه صريح في أن أمير البلد كان يرجع إليه، وان لم يكن هو صحابيا. [ سبب الاختلاف في الفتاوى ] وأما سبب اختلاف هؤلاء الاصحاب في الفتاوى، فهو على ما فصله المقريزي وملخصه: أنه لم يكن كل واحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم متمكنا من دوام الحضور عنده " ص " لاخذ الاحكام عنه، بل كان في مدة حياته يحضره بعضهم دون بعض، وفي وقت دون وقت، وكان يسمع جواب النبي صلى الله عليه وآله عن كل مسألة يسأل عنها بعض الاصحاب ويفوت عن الاخرين، فلما تفرق الاصحاب بعد وفاته صلى الله عليه وآله في البلدان، تفرقت الاحكام المروية عنه صلى الله عليه وآله فيها، فيروي عنه في كل بلدة منها جملة، ويروي عنه في غير تلك البلدة جملة أخرى حيث أنه قد حضر المدني من الاحكام ما لم يحضره المصري، وحضر المصري ما لم يحضره الشامي، وحضر الشامي ما لم يحضره البصري، وحضر البصري ما لم يحضره الكوفي، إلى غير ذلك. وكان كل منهم يجتهد فيما لم يحضره من الاحكام.


(1) نفس المصدر بتصرف.

[ 92 ]

ولعدم تساوي هؤلاء المجتهدين في العلوم والادراكات وسائر القوى والملكات تختلف طبعا الاراء والاجتهادات، فمجرد تفاوت أشخاص الصحابة تسببت (1) اختلاف فتاواهم، ثم تزايدت تلك الاختلافات بعد عصر الصحابة " (2). قال المقريزي: " ثم بعد الصحابة تبع التابعون فتاوى الصحابة وكانوا لا يتعدون عنها غالبا " (3). وتقييده بالغالب صريح في أن التابعين أيضا قد كانوا يجتهدون مع وجود قول الصحابي ثم تبع التابعون أيضا كانوا تبعا للتابعين. قال المولوي شاه ولي الله في " عقد الجيد في أحكام الاجتهاد والتقليد " ما لفظه: " اجتمعت الامة على أن يعتمدوا على السلف في معرفة الشريعة فالتابعون اعتمدوا على الصحابة، وتبع التابعين اعتمدوا على التابعين.. وهكذا فالرجوع إلى السلف مع أنه اجماعي يدل العقل على حسنه " (4). أقول: مراده حسن رجوع الجاهل بشئ إلى العالم به.


(1) هكذا في الاصل والظاهر ان الصحيح هو تسبب. (2) الخطط المقريزية 2 / 332 بتصرف. (3) المصدر السابق بتصرف. (4) دائرة المعارف لفريد وجدي 3 / 245.

[ 93 ]

فتلخص مما قررناه: ان المسلمين في عصر الخلفاء وبعده كانوا يتلقون أحكام الدين عن علماء الاصحاب وقرائهم النازلين في بلدانهم، وهم يفتون الناس بما رووه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو رأوه باجتهادهم. وبعد الاصحاب كانوا يأخذون عن التابعين وعن الامراء المبعوثين إلى بلادهم فتاواهم المختلفة كذلك، وكانت تنتشر تلك الفتاوى أولا في بلدهم ثم يتدرج الانتشار منها إلى سائر الامصار شيئا فشيئا على حسب الاقتضاءات الوقتية والمساعدات الاتفاقية، وهذه كانت سيرة المسلمين طول عدة سنين. قال المولوي شاه ولي الله في رسالة الانصاف: " ان الناس في المائة الاولى والثانية كانوا غير مجمعين على التقليد لمذهب واحد بعينه، بل كان العوام يأخذون الاحكام عن آبائهم أو عن علماء بلدتهم الذين حصلت لهم قوة الاستنباط كلا أو بعضا عن الكتاب والسنة " إلى آخر كلامه (1). وفيه تصريح بأنه قد مضى على ظهور دين الاسلام قرنان قد نشأ فيهما آلاف الالوف من المسلمين وكلهم ماتوا على دين الاسلام، ولم يخطر ببال أحد منهم اسم مذهب من المذاهب التي حدثت في القرن الثاني والثالث وولدت (2) مؤسسوها فيهما، فضلا عن أن يتمذهب أو أن يعرف نفسه بالنسبة إلى مذهب معين منها.


(1) دائرة المعارف لفريد وجدي 3 / 221 بتصرف. (2) هكذا في الاصل والظاهر أن الصحيح هو " ولد ".

[ 94 ]

فظهر أنه لم يقرر في دين الاسلام ولم يجعل من لوازمه التمذهب بمذهب خاص منسوب إلى شخص معين واحد أو إلى احدى المذاهب الاربعة مخير بينها. وأما بعد عصر الصحابة والتابعين وبعد القرنين تقريبا، فقد قال المقريزي ما لفظه: " ولما مضى عصر الصحابة والتابعين صار الامر إلى فقهاء الامصار أبي حنيفة وسفيان وابن أبي ليلى بالكوفة، وابن جريح بمكة، ومالك وابن الماجشون بالمدينة، وعثمان التيمي (1) وسوار بالبصرة، والاوزاعي بالشام، والليث بن سعد بمصر. فكان هؤلاء الفقهاء يأخذون عن التابعين وتابعيهم أو يجتهدون " (2). أقول: أكثر هؤلاء الفقهاء القاطنين في الامصار المذكورة، قد ترقى أمرهم تدريجيا حتى صاروا أئمة المذهب (3) وينتسب إليهم اتباعهم المنتحلون لمذهبهم، ولم يكن عنوان للمذهب قبل انتشار صيتهم في البلاد، ولم يكن ينتسب إليهم أحد من المسلمين أبدا.


(1) في الخطط: البتى، وهو الصحيح ظاهرا قال في ترجمته صاحب خلاصة التهذيب: " عثمان بن مسلم البتى.. أبو عمرو البصري الفقيه " وهذا غير عثمان بن عمر بن موسى التيمي القاضي الاتى ذكره. (2) الخطط المقريزية 3 / 332 وفيه: " ثم أتى من بعد التابعين (رض) فقهاء الامصار.. ". (3) هكذا في الاصل: والظاهر ان الصحيح هو " المذاهب ".

[ 95 ]

فظهر مما ذكرنا أن بدء حدوث المذاهب مطلقا كان بعد عصر التابعين وبعد وجود أئمتها في الدنيا وارتقاء أمرهم وانتشار صيتهم في البلدان، وكان ذلك في أواخر القرن الثاني، ثم تدرج حدوث المذاهب إلى رأس المائة الرابعة بل أثناءها، ولم تكن منحصرة في الاربعة. [ المذاهب الباقية ] قال أحمد تيمور باشا في مقالته السابق ذكرها ما لفظه: " ان المذاهب كانت كثيرة، منها الاربعة المعول عليها عند جمهور المسلمين حتى اليوم: - " الحنفية " المنسوبة إلى الامام ابي حنيفة نعمان بن ثابت الكوفي المولود سنة 80 والمتوفى سنة 150. - " المالكية " نسبة إلى الامام مالك بن أنس المولود سنة 93 والمتوفى سنة 179. - " الشافعية " المنتسبة إلى الامام محمد بن ادريس الشافعي المولود سنة 150 والمتوفى سنة 204. - " الحنبلية " نسبة إلى الامام أحمد بن حنبل المولود سنة 164 والمتوفى سنة 241. هذه الاربعة الباقية حتى اليوم.

[ 96 ]

[ المذاهب المنقرضة ] وأما المذاهب المتروكة فمنها: - " مذهب " سفيان بن سعيد الثوري " المولود سنة 97 والمتوفى سنة 161. - ومذهب " الحسن بن يسار البصري " المولود سنة 21 والمتوفى سنة 110. - ومذهب الاوزاعي " عبد الرحمن بن عمرو " المولود سنة 88 والمتوفى سنة 157. - ومذهب ابن ثور " ابراهيم بن خالد الكلبي " المتوفى سنة 246. - ومذهب الظاهري " داود بن علي الاصفهاني " الظاهري المولود سنة 201 والمتوفى سنة 270. - ومذهب الجريري هو " محمد بن جرير الطبري " المولود سنة 224 والمتوفى سنة 310. وروج مذهب الجريري " أبو بكر بن أبي الثلج " المتوفى سنة 325، وبعده تلميذه " القاضي المعافى بن زكريا النهرواني " المتوفى سنة 390. أقول: ومن أئمة [ المذهب ] (1) من ذكرهم المقريزي بعنوان


(1) هكذا في الاصل والظاهر أن الصحيح هو " المذاهب ".

[ 97 ]

فقهاء الامصار الذين كانوا يأخذون عن [ التابعي ] (1) وتابعيهم أو يجتهدون: - منهم " أبو الحرث (الحارث) ليث بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي " الخراساني المولود سنة 94 والمتوفى بالقاهرة سنة 175 كان امام أهل مصر - في عصره - حديثا وفقها. - ومنهم " ابن جريح عبد الملك بن عبد العزيز " المولود سنة 80 والمتوفى سنة 150، كان أمام أهل الحجاز في عصره. - ومنهم " الماجشون عبد العزيز بن عبد الله بن ابي سلمة المدني الاصفهاني " الفقيه الحافظ الثقة المتوفى ببغداد سنة 164. - ومنهم " عثمان بن عمر بن موسى التيمي " (2) المتوفى حدود سنة 145، وكان قاضيا في عصر المنصور. إلى غير ذلك من المذاهب التي طار صيتها في البلاد، ونالت أئمتها رتبة المرجعية للفتيا والاحكام في الحياة وبعد الوفاة، وقد تبع كل واحد منهم جماعات من المسلمين كثيرة أو قليلة، وكانت فتاواهم معمولا عليها في برهة من السنين والاعوام طويلة أو قصيرة إلى أن هجر ذلك المذهب وترك بذهاب أهله.


(1) هكذا في الاصل والظاهر أن الصحيح هو " التابعين ". (2) وهذا - كما قلنا سابقا - هو غير عثمان بن مسلم البتى. وقد قال عنه صاحب خلاصة التهذيب: " عثمان بن عمر بن موسى بن عبد الله بن معمر التيمي المعمري قاضي المدينة.. ".

[ 98 ]

وأما المذاهب التي لم يطل عهدها بل انما تقلدها قوم من المسلمين في أئمتها فهي فوق حد الاحصاء، وقد انقرضت بموت المقلدين لها. ان هؤلاء الائمة المذكورين مع اختلافهم في الفتاوى والاقوال كانوا متفاوتين فيما كان هو الحظ والنصيب لهم من درجات التقدم ومراتب التعالي، ومن حصول رفع الذكر، وانتشار الصيت في أطراف البلاد وعدمه. كل ذلك، لاجل مساعدة بعض الامور، ومصادفة جملة من الاحوال لواحد منهم دون غيره، أو لموافقة الظروف والاوقات لامام مذهب وعدم الموافقة لامام مذهب آخر. [ عوامل انتشار بعض المذاهب دون بعضها ] من تلك الامور المؤثرة في التقدم على سبيل الاتفاق، كثرة الاصحاب والتلاميذ، وازدحام الاعوان، والمروجين، ووفور الحماة والمتعصبين، وعظمة شوكتهم، وشدة سطوتهم، واقتدارهم على نشر المذهب. كما أن نقائض هذه الامور [ يؤثر ] (1) ما يضاد التعالي والتقدم والنشر، وينتج (2) اخماد ذكر امام المذهب، والاعراض عنه قليلا


(1) هكذا في الاصل والظاهران الصحيح هو " تؤثر ". (2) هكذا في الاصل والظاهر ان الصحيح هو " تنتج ".

[ 99 ]

قليلا، وتدرجه في الاندراس شيئا فشيئا، حتى ينتهي إلى انقراض مذهبه رأسا، وانسائه في الوجود كأن لم يكن شيئا مذكورا. وقد أثرت موجات الانقراض، بالنسبة إلى أكثر المذاهب التي حدثت في أواخر القرن الثاني وما بعده. كما أنه أثرت عوامل الارتقاء والانتشار، ودوام السير والبقاء إلى يومنا هذا في خصوص المذاهب الاربعة من تلك المذاهب بما نراه اليوم. وتدلنا صفحات التواريخ على تأثيرات تلك العوامل في البقاء وأنه مسبب عن قوة الاتباع والتلاميذ، وسلطة الملوك والخلفاء وغيرها. ولا بأس بالاشارة إلى بعضها: ذكر المقريزي في الجزء الرابع من الخطط ما ملخصه: انه تولى القاضي أبو يوسف القضاء من قبل هارون الرشيد، بعد سنة 170 إلى أن صار قاضي القضاة، فكان لا يولي القضاء الا من أراده، ولما كان هو من أخص تلاميذ الامام أبي حنيفة، فكان لم ينصب للقضاء ببلاد خراسان، والعراق، والشام، وغيرها - الا من كان مقلدا لابي حنيفة، فهو الذي تسبب نشر مذهب الحنفية في البلاد. وفي أوان انتشار مذهب الحنفية في المشرق، نشر مذهب مالك في افريقية المغرب، بسبب " زياد بن عبد الرحمن "، فانه أول من حمل مذهب مالك إليها. وأول من حمل مذهب مالك إلى مصر سنة 163 هو " عبد الرحمن بن القاسم ".

[ 100 ]

قال: ونشر مذهب " محمد بن ادريس " الشافعي في مصر بعد قدومه إليها سنة 198. قال: وكان المذهب في مصر لمالك والشافعي إلى أن أتى القائد " جوهر " بجيوش مولاه " المعز لدين الله أبي تميم معد " الخليفة الفاطمي إلى مصر سنة 358، فشاع بها مذهب الشيعة حتى لم يبق بها مذهب سواه، أي سوى مذهب الشيعة (1). فيظهر منه أنه لم يدخل مذهب أبي حنيفة في مصر، أو لم يجعل مذهبا رسميافيها وفي نواحيها (2) - هذا القطر الكبير - الا قرب المائة السابعة، مع أنه كانت الحنفية أقدم المذاهب في سائر البلاد الشرقية، ولم يكن ذلك كله الا من تأثيرات العوامل والاقتضاءات الوقتية التي كانت تحدث في بعض البلاد دون بعض، وكذلك مذهب الحنبلية شاع في نواحي مصر قريبا من الحنفية. قال في شذرات الذهب في ترجمة " شمس الدين محمد بن عبد الوهاب الحراني " الحنبلي المتوفى سنة 675: " انه ولي القضاء ببعض البلاد المصرية، وهو أول حنبلي حكم بالديار المصرية " (3). ويظهر ذلك من المقريزي - أيضا - حيث ساق كلامه السابق


(1) الخطط المقريزية 2 / 334. (2) هكذا في الاصل. (3) شذرات الذهب 5 / 348.

[ 101 ]

إلى قوله: " ثم في عصر " بيبرس البندقداري " ولي مصر أربعة قضاة: شافعي ومالكي وحنفي وحنبلي " (1). [ بدء انحصار المذاهب في الاربعة ] فظهر من نصب القاضي لكل مذهب يومئذ: أن بدء رسمية مجموع المذاهب الاربعة في مصر كان في عصر " البندقداري " وهو الذي ولي السلطنة في سابع عشر ذي القعدة سنة ثمان وخمسين وستمائة إلى أن مات سنة 676، وقبل عصره لم يكن للحنفية والحنبلية رسمية كذلك. ثم قال المقريزي: " فاستمر ذلك - ولاية القضاة الاربعة - من سنة 665 حتى لم يبق في مجموع أمصار الاسلام مذهب يعرف من مذاهب الاسلام سوى هذه الاربعة، وعودي من تمذهب بغيرها، وأنكر عليه، ولم يول قاض، ولا قبلت شهادة أحد، ما لم يكن مقلدا لاحد هذه المذاهب. وأفتى فقهاؤهم في هذه الامصار في طول هذه المدة بوجوب اتباع هذه المذاهب وتحريم ما عداها والعمل على هذا إلى اليوم " (2). انتهى ما أردنا نقله من مضمون كلام المقريزي الذي يستفاد منه أمور:


(1) الخطط المقريزية 2 / 344. (2) الخطط المقريزية 2 / 344 بتصرف.

[ 102 ]

[ ما يستفاد من كلام المقريزي ] منها: ما أشرنا إليه من أن تأثير العلل والاسباب في نشر هذه المذاهب الاربعة كان أتم، حتى أنها بعد انقراضها رأسا من مصر سنة 358 في عدة سنين متطاولة من عصر الخلفاء [ الفاطمية ] (1) عادت إليها ثانية بعد انقراضهم في سنة 567 حتى صارت جميعها معروفة رسمية في سنة 665 إلى زمن تأليف الخطط حدود سنة 804. فالعوامل المؤثرة في سير هذه الاربعة واستمرارها كانت أقوى ولذا كانت تترقى وتتقدم، ويتقهقر ما سواها حتى انقرض ما عداها بعد سنة 665 تدريجيا. ومنها: أن في حدود سنة 665 ألصقت بدين الاسلام فضائع وشنائع، وأحدثت منكرات في الدين بعنوان أنها من الدين، وذلك حيث أن الشارع أسس نواميس الاسلام على الائتلاف بين افراد المسلمين، وقرر الاجتماعات وعين المجاميع رعاية لمصلحة الائتلاف وأوجب الموادة والمحبة بين الافراد، وأمرهم بالتعاون في كل خير وربط أفراد المسلمين بالعروة الوثقى، الاخوة التي جعلها بينهم حتى لا يتفرقوا، ويكونوا يدا واحدة على من سواهم. ومما يؤسف عليه، أن في هذا التاريخ، جعل من الدين، معاداة افراد المسلمين بعضهم مع بعض، فشرع أصحاب المذاهب الاربعة


(1) هكذا في الاصل والظاهر أن الصحيح هو " الفاطميين ".

[ 103 ]

في التظاهر بمعاداة من سواهم من أفراد المسلمين، المقرين بالشهادتين والمصلين إلى الكعبة والحجاج لها، والمزكين، والعاملين بجيمع الفرائض والسنن التي بلغهم (1) عن نبي الاسلام بالطرق الصحيحة. وكأني أراك تقول: ليس هذا أول قارورة [ كسرت في الاسلام ] (2) أنسيت ما يكشف عنه صفحات التاريخ؟ ولا سيما مثل كامل ابن الاثير وغيره من الحروب والمشاغبات التي كانت تقع في القرون السابقة على هذا التاريخ بين أفراد المسلمين، ولاسيما ما وقع في جانبي بغداد وغيرها من البلاد بين أصحاب المذاهب الاربعة بعضهم مع بعض - كما نشير إلى بعضها قريبا - وما وقع بينهم وبين غيرهم من المسلمين من التباغض واللداد. قلت: هيهات بين ذي وذاك بون الارض والسماء، حيث أنه لم يكن منشأ جميع تلك الحروب السابقة إلا التعصبات الجاهلية التي تحرك العوام، وتبعث الجهال على الاقدام ببعض القبائح، حتى أن مصادر الامور لو سئلوا عنها ينكرونها أشد نكير - ولو في ظاهر الحال - ويدافعونها عن أنفسهم، ويلقونها على رقبة الجهلة [.. ] (3).


(1) هكذا في الاصل والظاهر أن الصحيح هو " بلغتهم ". (2) لم تكن هذه العبارة موجودة في الاصل وانما أضفناها لتصح العبارة. (3) كلمة لا تقرأ والظاهر أنها " القاصرة ".

[ 104 ]

وأما في هذا التاريخ فقد أعلن مصادر الامور: بأن تمذهب الرجل المسلم بغير المذاهب الاربعة من أعظم الكبائر والمنكرات التي يجب على كل قادر أن يمنعه عنه، بل هو مما يخرجه عن حدود الاسلام، فيعزل عن القضاء ويرد شهادته، إذ لو لم يكن خارجا عن حد الاسلام، فمجرد اقتراف اعظم الكبائر لا يخرجه عندهم عن لياقة القضاء وقبول الشهادة. وهذا الاعلان من رؤساء العامة قد كسر ظهر الاسلام، وألقى بين أفراد المسلمين العداوة والبغضاء، وشتت شمهلم، وفرق كلمتهم ومزقهم تمزيقا، فانا لله وانا إليه راجعون. ومنها: ان في حدود سنة 665 قد حكم الفقهاء بوجوب اتباع المذاهب الاربعة وحرمة المتذهب بما عداها من سائر المذاهب، وهذا أيضا من أعظم المصائب على الاسلام، حيث أنه قد مضى على الاسلام الشريف قرب سبعة قرون، ومات فيها على دين الاسلام مالا يحصى عدتهم الا خالقهم، ولم يسمع أحد من أهل القرنين الاولين منها اسم المذاهب أبدا. ثم فيما بعد القرنين كان أفراد المسلمين بالنسبة إلى الاحكام الفرعية في غاية من السعة والاطلاق والحرية، كان يقلد عاميهم من اعتمد عليه من المجتهدين، وكان المجتهدون يستنبطون الاحكام عن الكتاب والسنة، على موازينهم المقررة عندهم في العمل بالسنة النبوية، فأي شئ أوجب في هذا التاريخ على عامة المسلمين: العامي المقلد، والفقيه المجتهد أن

[ 105 ]

لا يخرج أحد في الاحكام الشرعية عن حدتقليد الائمة الاربعة، وبأي دليل شرعي صار اتباع أحد المذاهب الاربعة واجبا مخيرا، والرجوع إلى ما ورائها حراما معينا، مع سابقتنا بأحوال جميع المذاهب من بدئها، وكيفية نشرها، وتدرجها في الارتقاء، وتأثير العوامل في تقدم بعضها على غيرها بالقهر والغلبة من الدولة والحكومة، كما أفصح عن بعض ذلك نابغة العراق المؤرخ " ابن الفوطي " في " الحوادث الجامعة " في صفحة 216 في وقائع سنة 645، يعني قبل انقراض بني العباس باحدى عشر سنة في أيام " المستعصم " الذي قتله " هلاكو " سنة 656. [ بدء انحصار المذاهب في بغداد ] وقد ذكر قبل ذلك في وقائع سنة 631 كيفية افتتاح المدرسة " المستنصرية " في بغداد في جمادى الثانية من هذه السنة، قال: " وكان الشروع في بنائها بأمر المستنصر بالله في سنة 625، وقد تولى عمارتها أستاد الدار " مؤيد الدين أبو طالب محمد بن العلقمي " وقسمت يوم افتتاحها على أربعة أقسام. فسلم الربع القبلي الايمن إلى الشافعية، والربع الايسر إلى الحنفية، والربع الثالث يمنة الداخل للحنابلة، والميسرة للمالكية، وتخير لكل مذهب اثنان وستون نفسا من الفقهاء - الذين يقرأون الفقه والاحكام - فيكون مجموع الطلبة المتفقهة في المدرسة مائتين وثمانية وأربعين نفسا،

[ 106 ]

ورتب لهم مدرسان (1) أحدهما من الشافعية، والثاني من الحنفية ونائبا (2) مدرس أحدهما حنبلي والاخر مالكي، ولكل واحد من هؤلاء مشاهرات وجرايات ورواتب مطبوخة وغير مطبوخة، وكذلك عين عدة القراء (3) وعدة لتعليم الحديث، وعدة لتعلم الطب، وكانت المدرسة تحت النظارة والتغيير والتبديل للاشخاص الداخلين أو الخارجين إلى سنة 645، وفي هذه السنة أحضروا المدرسين الاربعة الموظفين لتدريس الفقه على المذاهب الاربعة، وألزموهم أن لا يذكروا شيئا من تصانيف أنفسهم للطلبة المتفقهين عندهم، وأن لا يلزموهم بحفظ شئ من تلك التصانيف بل يقتصرون على ذكر كلام المشايخ القدماء، تأدبا معهم، وتبركا بهم، فأجاب " جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن محيى الدين يوسف بن الجوزي " بالسمع والطاعة، وهو الذي كان محتسبا في بغداد أولا ثم قام مقام والده " محيى الدين يوسف بن الجوزي " في تدريس الحنابلة في المدرسة المذكورة، وهو متأخر عن " أبي الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد بن الجوزي " الواعظ المتوفى سنة 597. ثم أجاب مدرس المالكية وهو " سراج الدين عبد الله الشرماحي " (4) وأظهر القبول


(1) هكذا في الاصل والظاهر أن الصحيح هو " مدرسين ". (2) هكذا في الاصل والظاهر أن الصحيح هو " نائبي ". (3) ويحتمل أن يكون " عدة للقراء " أي لقراءة القرآن. (4) الشرماح: بلدة من نواحي دمياط قرب البحر الملح. منه " قده ".

[ 107 ]

أيضا، وأما " شهاب الدين الزنجاني " مدرس الشافعية، وأقضى القضاة " عبد الرحمن اللمغاني " مدرس الحنفية فامتنعا عن ذلك، وأجابا بما معناه ان المشايخ كانوا رجالا ونحن رجال، ونحو ذلك من الكلام الموهم للمساواة بينهم وبين المشايخ القدماء، وكان احضار المدرسين في دار الوزير " مؤيد الدين محمد بن العلقمي " الذي تولى عمارة المدرسة في أيام كونه استاد الدار، فأنهى الوزير صورة الحال إلى حضرة الخليفة المستعصم، فتقدم الخليفة بأن يلزموا المدرسون (1) بذكر كلام المشائخ واحترامهم، فألزموا بذلك، فأجابوه جميعا بالسمع والطاعة " انتهى المحصل من كلام ابن الفوطي مع التوضيح مني والبيان. [ ما يستفاد من كلام ابن الفوطي ] ويستفاد منه أيضا: جميع ما استفدناه من كلام المقريزي، غير أن بحثه كان في خصوص مصر، ولذا ذكر أن بلوغ المذاهب الاربعة رتبة الرسمية في مصر وصيرورة جميعها في عرض واحد من الحكم بوجوب الرجوع إليها دون غيرها، كان في عصر " البندقداري " من لدن نصب القضاة الاربعة في سنة 665، وقبل ذلك لم يكن لها رسيمة كذلك، وأما ابن الفوطي فذكر أن رسمية مجموع المذاهب الاربعة في دار الخلافة وقبة الاسلام بغداد كانت من سنة 631 التي


(1) هكذا في الاصل والظاهر أن الصحيح هو " المدرسين ".

[ 108 ]

افتتحت فيها المدرسة المستنصرية، وقسمت أربعة أقسام لاهل المذاهب الاربعة إلى سنة 645 التي التزم فيها المدرسون بأن لا يتجاوزوا عن قول المشائخ القدماء وآرائهم حفظا لحرمتهم وتبركا بسابقتهم في العلم والدين، وقبل ذلك لم يكونوا ملتزمين به. نعم أبان المؤرخ " ابن الفوطي " عذرا للفقهاء في ايجابهم العمل بأحد المذاهب الاربعة وتحريم ما سواها: بأن ذلك كان بأمر الخليفة والزامه، والا فهم كانوا مكرهين لذلك، كما صرح به مدرسا الشافعية والحنفية، و " المقريزي " لم يكن في بغداد ولم يكن مطلعا على الزام الخليفة فلم يذكره، ونسب الحكم إلى الفقهاء. ولو لم يكن هذا العذر القابل للقبول للفقهاء لكانوا في حصرهم المذاهب في الاربعة مخطئين كما يأتي. وأما الخلفاء فليس مستند أحكامهم الا اقتضاء السياسة الدنيوية والسياسة المقتضية لحكمهم وان كانوا في الظاهر يسندون حكمهم إلى موافقة الفقهاء المساعدين لهم في مقاصدهم، مثل " ابن الصلاح عثمان بن عبد الرحمن بن عثمان الشهروزي " شارح الوسيط في فقه الشافعي، المدرس بدار الحديث بنصب " الملك الاشرف " والمتوفى بها 643، فانه أفتى بحرمة الخروج عن تقليد الاربعة مستدلا له باجماع المحققين كما ذكره " محمد مصطفى المراغي " شيخ الازهر صفحة 17 من " البحث في التشريع الاسلامي [.. ] (1)


(1) كلمة لم تقرأ ولم أعثر على هذه الرسالة بعدما فحصت عنها كى يتبين اسمها الكامل.

[ 109 ]

الزواج والطلاق " (1). [ عوامل انحصار المذاهب ] فما يحصر له المذاهب كما ذكره " ابن الفوطي " على ما يستظهر من التواريخ لا يخلو عن أحد أمرين: أولهما - ما ذكره في " رياض العلماء " في ذيل ترجمة " السيد الشريف المرتضى علم الهدى " بعد حكايته عن كتاب " تهذيب الانساب ونهاية الاعقاب " تأليف السيد النسابة " ابي الحسن محمد ابن محمد بن علي بن الحسن الحسيني الموسوي " قال فيه: " اشتهر على ألسنة العلماء أن العامة في زمن الخلفاء، لما رأوا تشتت المذاهب [ في الفروع ] واختلاف الاراء، وتفرق الاهواء بحيث لم يمكن ضبطها، فقد كان لكل واحد من الصحابة والتابعين ومن تبعهم إلى عصر هؤلاء الخلفاء مذهب برأسه ومعقتد بنفسه في المسائل الشرعية الفرعية والاحكام الدينية العملية، التجأوا إلى تقليلها واضطروا في تحليلها، فأجمعوا على أن يجتمعوا على بعض المذاهب " (2).


(1) هناك عبارة في الحاشية سقطت من الفوتوغراف نود أن نعثر عليها في الطبعات الاتية. (2) رياض العلماء مخطوط ص 530 وقد راجعنا هنا بعض هذا الكتاب في مكتبة آية الله السيد شهاب الدين المرعشي دام ظله في قم.

[ 110 ]

فعينوا هذه الاربعة لكثرة أصحابها، ووفور ثروتهم. وثانيهما - ان كثرة اختلاف الاراء والاجتهادات التي لا نهاية لها، اضطر الخلفاء إلى تقليلها، وعجزهم عن رفع اليد عن بعض المذاهب الاربعة وتركه لكثرة وقوع الفتن، وشدة التعصبات التي بين أهلها، ألجأ الخلفاء إلى الحكم بالانحصار في خصوص هذه الاربعة. ويشهد للعجز عن ترك أحد الاربعة ما ذكره " المقريزي " في الخطط: من أن " أبا حامد الاسفرائيني " كتب إلى السلطان " محمود سبكتكين " في سنة 393 أن الخليفة نقل القضاء عن الحنفية إلى الشافعية، فثارت الفتن العظيمة بين أصحابيهما حتى انجر الامر إلى رجوع الخليفة عن رأيه، وسخطه على أبي حامد، وحمله الحنفيين على ما كانوا عليه (1). ومن أراد الاطلاع على شدة التعصبات التي كانت بين أصحاب تلك المذاهب فلينظر في وقائع أغلب السنين في كامل ابن الاثير (2). وقال في الجزء الاول من " معجم البلدان " في مادة " أصفهان " صفحة 373 ما لفظه: " انه قد فشا الخراب في أصفهان في هذا الوقت وقبله لكثرة التعصب بين الشافعية والحنفية والحروب المتصلة بين الحزبين،


(1) الخطط المقريزية 2 / 333. (2) له موارد كثيرة راجع على سبيل المثال الكامل لابن الاثير 10 / 124.

[ 111 ]

فكلما ظهرت طائفة نهبت محلة الاخرى وأحرقتها وخربتها، لا يأخذهم في ذلك الا ولا ذمة " (1). فهذه الحروب الداخلية والمشاغبات والفتن والتعصبات اقتضت في سياسة الخلفاء الزامهم الفقهاء على عدم الخروج عن أقوال المشائخ بعنوان احترامهم والتبرك بهم. وتلقى الفقهاء ذلك منهم بالقبول، ولفقوا لصحة حكمهم بالانحصار في الاربعة وجوها، منها: انسداد باب الاجتهاد بعد المشائخ القدماء كما يأتي، وذلك منهم قد جرى على ميزان " الناس على دين ملوكهم "، وقد أفصح عنه الغزالي في كلامه الذي نقله عنه المولوي شاه ولي الله في كتابه " الانصاف " ولفظه: " قال الغزالي: ان بعد عصر الخلفاء الراشدين استولى على الخلافة قوم بغير اسحقاق ولا علم بالاحكام، فاحتاجوا إلى استصحاب الفقهاء، فبعضهم كانوا على الطراز الاول إذا طلبوا هربوا، وبعضهم تقربوا إلى الخلفاء وصنفوا في علم الكلام والجدل والاختلافات في المذاهب كل على قدر ما ساعده الامور المؤقته والاسباب المهيئة " (2). وقد ذكرنا منهم ابن الصلاح المتوفى 643.


(1) معجم البلدان 1 / 209. (2) الانصاف في سبب الاختلاف كما في دائرة المعارف لفريد وجدي 3 / 229 والعبارة منقولة هنا بتصرف.

[ 112 ]

[ الاستنتاج مما سبق ] قد ظهر من مطاوي ما ذكرنا من كلمات المؤرخين المعتمدين: " ابن الفوطي " في " الحوادث " و " المقريزي " في " الخطط " ان بدء الحكم بانحصار المذاهب في الاربعة، ووجوب الاخذ بخصوصها وحرمة التمذهب بغيرها، انما كان في أواسط القرن السابع، من دون استناد فيه إلى دليل شرعي، بل انما صدر على وفق سياسة بعض الخلفاء، ولذا لم يخضع له الا من كان من حواشي الملوك والخلفاء والمتقربين إليهم، ومن الساعين في تحصيل المناصب ونيل الوظائف للقضاء والامامة والكتابة والانشاء، وغير ذلك. [ المجتهدون بعد انحصار المذاهب ] وأما البالغون مبالغ الاعلام من العلماء العظماء الاحرار المستخلصين نفوسهم عن ذل التقاليد فهم كانوا يظهرون استقلالهم في كل عصر، ويبدون مذاهبهم وفتياهم كالامام " جار الله محمود ابن عمر الزمخشري " المتوفى سنة 538، والامام " محيى الدين محمد بن علي بن العربي " المتوفى سنة 638، وان كانوا ينتسبون إلى بعض المذاهب حسب مقتضيات الاوقات، كما أن " أحمد بن تيمية " الحنبلي المتوفى سنة 728 قد أشهد على نفسه بأنه شافعي، وكثير من أتباعه أظهروا أنهم من الشوافع، لكن فتاواه الخارجة

[ 113 ]

عن المذاهب الاربعة المعمولة عند الوهابيين تشهد باستقلاله، وقال " الذهبي " في وصفه: " انه يحق له الاجتهاد لاجتماع شروطه فيه " وكذلك كثير من أعلامهم الذين نشؤا بعد تلك القرون إلى يومنا هذا لم يخضعوا لانحصار المذاهب، ولم يؤمنوا بأن احدى نواميس الاسلام وجوب تقليد كافة المسلمين عن واحد من الائمة الاربعة، وحرمة الخروج عن قولهم في الاحكام الفرعية التي لا طريق إلى الوصول إليها الا الاستنباط عن الكتاب والسنة، إذ الانحصار كذلك مما لا يدل عليه احدى الادلة الشرعية لا الكتاب ولا السنة ولا الاجماع ولا العقل. فان التمذهب بأي مذهب كان، لم يكن معهودا للمسلمين من بدء ظهور الاسلام إلى زمان شيوع مذاهب الائمة الاربعة وبعد القرنين تقريبا، وان بدئ عنوان المذهب بين المسلمين، لكن الحكم بالانحصار وايجاب متابعة الاربعة وتحريم غيرها من حوادث القرن السابع - كما ذكرنا - قد أجراه الخليفة سياسة للملك، والا فالقدرة على الاستنباط عن الكتاب والسنة لا تختص بمصر دون مصر ولا بأشخاص دون غيرهم. قال " أبو الطيب الصديق حسن خان " في حصول المأمول من علم الاصول صفحة 186 في مقام انكار انحصار المذاهب في الاربعة وانفتاح باب الاجتهاد ما لفظه: " من حصر فضل الله على بعض خلقه، وقصر فهم هذه الشريعة

[ 114 ]

المطهرة على من تقدم عصره. فقد تجرأ على الله عزوجل، ثم على شريعته الموضوعة لكل عباده (1) الذين تعبدهم بالكتاب والسنة. فان كان التعبد بهما (2) مختصا بأهل (3) العصور السابقة ولم يبق لهؤلاء المتأخرين الا التقليد لمن تقدمهم ولا يتمكنون من معرفة كتاب الله (4) وسنة رسوله، فما الدليل على هذه التفرقة الباطلة والمقالة الزائفة، وهل النسخ الا هذا؟! سبحانك هذا بهتان عظيم! " (5). وقال المعاصر محمد فريد وجدي في أول كلامه في الاجتهاد في الجزء الثالث من دائرة المعارف في " جهد " ما لفظه: " لما طرأ على المسلمين الجمود الاجتماعي وتولاهم القصور عن فهم أسرار الشريعة، ستروا ذلك القصور بدعوى انسداد باب الاجتهاد والاستنباط، والحقيقة أنه مفتوح بنص الكتاب والسنة إلى يوم القيامة " (6).


(1) وفي حصول المأمول بعد " لكل عبادة " توجد هذه العبارة " ثم على عباده ". (2) " بهما " غير موجودة في حصول المأمول، ويوجد بدلها " بالكتاب والسنة ". (3) " بأهل " غير موجودة أيضا في حصول المأمول ويوجد بدلها " بمن كانوا في ". (4) وفي حصول المأمول توجد قبل " كتاب الله " عبارة " احكام الله في ". (5) حصول المأمول من علم الاصول ص 187. (6) دائرة المعارف لفريد وجدي 3 / 197 بتصرف.

[ 115 ]

ثم كتب مقدار ستين صفحة في تحقيق الاجتهاد وشرح أحواله وتواريخه وثبوته. وبالجملة اباحة الاجتهاد للقدماء وحظره على المتأخرين تفريق بلا دليل، لا يذهب إليه الا أسراء التقليد الذين قال في حقهم " أبو الطيب الصديق حسن خان " بعنوان أسراء التقليد ولفظه: " ليس اسراء التقليد كمن فتح الله عليه أبواب المعارف، ورزقه من العلم ما يخرج به عن تقليد الرجال " (1). إلى غير ذلك من الاعلام المتأخرين والمعاصرين، ومنهم الشيخ محمد عبده وصاحبه أو تلميذه صاحب المنار، وغيرهما من نوابغ العصر الحاضر والاحرار الذين افتكوا (2) رقابهم عن قيود التقاليد الذميمة، وأعلنوا بمخالفة القائلين بانسداد باب الاجتهاد. [ المشيدون لاركان الانسداد ] وممن شيد أركان الانسداد، وأقام البرهان عليه " المولوي شاه ولي الله أحمد بن عبد الرحيم الدهلوي " في كتابيه السابق ذكرهما ومما يؤسف عليه أن برهانه عين دعواه، وان تحقيقاته فيهما ليست


(1) حصول المأمول 186 وعبارته فيه هكذا: " وليس ما يقوله من كان من اسراء التقليد بلازم لمن فتح الله عليه أبواب المعارف ورزقه من العلم مايخرج به عن تقليد الرجال ". (2) هكذا في الاصل: والظاهر ان الصحيح هو " فكوا ".

[ 116 ]

الا دعاوي لم يقم عليها دليل نقلي أو عقلي، فان محصل تحقيقاته تثليث طبقات المسلمين من لدن رحلة النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى عصره وجعل وظائف مختلفة لاهل كل طبقة: فالاولى منهم - المسلمون الذين نشأوا في المائة الاولى والثانية فجعل وظيفة العامي منهم الجاهل بالحكم الشرعي الرجوع في كل مسألة إلى أحد العلماء الذين حصلت لهم قوة الاستنباط كائنا من كان، ولم يوجب عليه تقليد شخص واحد معين، فقال ما لفظه: " ان الناس في المائة الاولى والثانية، كانوا غير مجتمعين على التقليد لمذهب واحد بعينه، بل كان العوام يأخذون الاحكام عن آبائهم أو علماء بلدتهم الذين حصلت لهم قوة الاستنباط كلا أو بعضا " (1). والطبقة الثانية - هم الذين نشأوا بعد المائتين إلى رأس المائة الرابعة، فجعل أهل هذه الطبقة على ثلاثة أصناف: صنف منهم المجتهد المطلق المستقل، وهو الذي جمع فيه الاقتدار على ثلاثة أمور: الاول - التصرف في الاصول والقواعد. والثاني - الجمع بين الاحاديث. والثالث - تفريع التفاريع (2).


(1) الانصاف في بيان سبب الاختلاف كما عن دائرة المعارف لفريد وجدي 3 / 221 نقله بتصرف. (2) المصدر السابق ص 227.

[ 117 ]

فمن لم يقدر على أحد هذه الامور الثلاثة فيجب عليه تقليد هذا المجتهد المستقل، سواء كان من الصنف الثاني، وهو العامي الجاهل المقلد أو كان من الصنف الثالث الموسوم بالمجتهد المنتسب، أي الذي ينتسب فتواه إلى واحد من المجتهدين المستقلين ولا يتجاوز عن رأيهم [.. ] (1) الطبقة الاولى فقال ما لفظه: " وبعد المائتين كان الواجب على كل من المقلدين والمجتهدين المنتسبين أن ينتموا لمذهب واحد معين من المجتهدين المستقلين " (2). والطبقة الثالثة - من نشأ من المسلمين من رأس المائة الرابعة إلى عصره، فجعلهم على صنفين فقط: العامي والجاهل، والمجتهد المنتسب، فقال: " ويجب على العامي تقليد المجتهد المنتسب لا غير، لامتناع وجود المستقل من هذا التاريخ حتى اليوم ". قال ذلك بعد تقسيمه المجتهد إلى المستقل والمنتسب، ودعواه أن المجتهد المستقل فقد من رأس المائة الرابعة ولا يمكن وجوده لعدم تحقق شرائطه المذكورة، والممكن الباقي هو القسم الثاني المجتهد المنتسب والعوام يجب عليهم تقليد هؤلاء. وبالجملة يجب الرجوع في الطبقة الاولى إلى أي عالم كان، وفي الثانية إلى المجتهد المستقل بالخصوص، وفي الثالثة إلى


(1) كلمة لا تقرأ والظاهر أنها " من علماء ". (2) المصدر السابق ص 227.

[ 118 ]

المجتهد المنتسب لعدم وجود غيره. ثم أورد على نفسه وأجاب بهذه الصورة: " ان قلت: كيف صار - بعد مائتي سنة - التمذهب بمذهب معين واجبا مع أنه لم يكن واجبا أولا؟!. قلت: الواجب الاصلي أن يكون في الامة من يعرف جميع الاحكام عن أدائها، ومقدمة الواجب واجب (1)، فان تعددت الطرق إلى الواجب تخير في أيها، وإذا انسدت الطرق الا واحدة فتعين هو (2). [ حاصل كلام الدهلوى ] أقول: ان حاصل كلامه المبسوط اقامة دعويين: احداهما - أن في المائة الاولى والثانية، كان يكفي الرجوع إلى أي مجتهد كان، ولكن بعد المائتين ووجود أئمة المذاهب المجتهدين المستقلين، يجب الرجوع إلى واحد منهم معينا. فسئل عن وجه الفرق، وسبب وجوب ما لم يكن واجبا قبل، فأجاب عنه بما لا يشفي الغليل كما مر بلفظه بعنوان [.. ] (3) الا أن يكون مراده ما يأتي مع جوابه في صفحة (122). وأما دعواه الثانية: وهي انسداد طريق الاجتهاد من رأس المائة


(1) كذا في الاصل والصحيح هو " واجبة ". (2) المصدر السابق ص 226. (3) كلمة لم تقرأ.

[ 119 ]

الرابعة، وهي وجوب رجوع المسلمين إلى المجتهد المنتسب إلى اليوم، فاكتفى فيه بمجرد ادعاء فقد شرائط الاجتهاد المستقل. وبمجرد الدعوى لا يثبت المدعى، لاسيما هذه الدعوى المشتملة على الازراء بالاعلام الاجلاء الذين نشؤا في تلك السنين، وتدل آثارهم العلمية وتصانيفهم على أعلى مراتب الاجتهاد. وعلى كل لم يذكر في كتابه " الانصاف " حكم انحصار المذاهب في الاربعة، ووجوب الرجوع إليها خاصة، وحرمة الرجوع إلى غيرها. نعم ذكر مسألة الانحصار في كتابه " عقد الجيد في احكام الاجتهاد والتقليد "، ولكنه لم يصرح فيه أيضا بوجوب الرجوع إلى المذاهب الاربعة بل يظهر منه أولوية الرجوع إليها قال في عنوان كلامه (باب تأكيد الاخذ بالمذاهب الاربعة وترك الخروج عنها) (1): اعلم أن في الاخذ بهذه المذاهب الاربعة مصحلة عظيمة وفي الاعراض عنها كلها مفسدة كبيرة نحن نبين ذلك بوجوه ". ثم ذكر الوجوه الذي لا ينتج (2) ما ادعاه، ونحن نذكر بعضها مع ما فيه، فمما استدل به من تلك الوجوه: انه لما طال العهد وضيعت الامانات لم يجز الاعتماد على أقوال


(1) المصدر السابق ص 245 والصحيح: (باب تأكيد الاخذ بهذه الاربعة والتشديد في تركها والخروج عنها). (2) هكذا في الاصل والظاهر ان الصحيح هو " التي لا تنتج ".

[ 120 ]

علماء السوء، وقضاة الجور والمفتين بالاصول بالاهواء. أقول: فلا مانع من الاعتماد على العلماء الذين لم يكونوا بتلك الصفات من غير الائمة الاربعة، اذ دعوى: ان من عدا الائمة الاربعة كلهم موصوفون بالسوء مما لا يتجرأ عليه المسلم. ومنها: انه لما اندرست سائر المذاهب تدريجا مال السواد الاعظم إلى هذه الاربعة، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " اتبعوا السواد الاعظم ". أقول: كيف يكون قوله صلى الله عليه وآله وسلم كذلك، وكيف يتصور أمره بوجو ب اتباع من نطق كتاب الله تعالى بفسقه. " وان كثيرا من الناس لفاسقون " [ 5: 55 ] " ولا تجد أكثرهم شاكرين " [ 7: 17 ] وأمثال ذلك إلى ما يشاء الله في القرآن والحديث والمشهور في لفظ هذا الحديث: " عليكم بالسواد الاعظم " (1) وفيه أمر بالنزول في البلاد المعظمة لاجتماع أنواع المعارف والخيرات فيها دون الرساتيق. ومنها: وهو العمدة من تلك الادلة أنه اجتمعت الامة على أن يعتمدوا على السلف في معرفة الشريعة، فلا بد لنا من الرجوع إليهم


(1) سنن ابن ماجة: الفتن باب 8، ونص الحديث هو: " ان أمتى لا تجتمع على ضلالة، فإذا رأيتم اختلافا فعلكيم بالسواد الاعظم ". قال في الزوائد: في اسناده أبو خلف الاعمى واسمه حازم بن عطاء وهو ضعيف.

[ 121 ]

ولا يرجع الا إلى المروي عن السلف بسند صحيح مدون في الكتب المشهورة مع بيان الارجح من دلالتها، وتخصيص عمومها، أو تقييدها، والجمع بين مختلفاتها، ولا توجد هذه الخصوصيات الا في المذاهب الاربعة، وليس مذهب آخر بهذه الصفة الا الامامية والزيدية، وهم أهل بدعة لا يجوز الاعتماد على أقاويلهم، فتعين الاخذ بأحد المذاهب الاربعة. [ الدفاع عن مذهب الامامية ] أقول: لعل هذا مراده من قوله: " فان تعددت الطرق إلى الواجب تخير وإذا انسدت الا واحدا فتعين، وحاصله الاعتراف منه بالمذاهب الاربعة ومذهب الامامية والزيدية، وان كانت كلها واجدة للشروط المذكورة للقبول وصالحة للاعتماد، لكن الاخيرين خرجا عن الطرقية للاشتمال على البدع، فتعين المذاهب الاربعة فقط. وعليه فالجواب عنه: ان دعوى الاشتمال على البدع في مذهب الامامية افتراء وبهتان عظيم أعاذنا الله منه. نعم قد أقدم على نشر تلك المفتريات المولوي عبد العزيز شاه ولي الله المذكور في الباب التاسع من كتابه " التحفة الاثني عشرية " الذي هو في بيان الفقهيات والشرعيات، لكن قد أقام برد كل واحدة من جملات كلامه وابطالها واثبات خلو مذهب الامامية عن البدع

[ 122 ]

والحكم بغير ما أنزل الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وآله العلامة الدهلوي في مجلد ضخم كبير، وهو المجلد التاسع من كتابة " النزهة الاثني عشرية " في رد الباب التاسع من التحفة المذكورة. وبعد ثبوت خلو مذهب الامامية عن البدع يكون هو والمذاهب الاربع في عرض واحد باعتراف المولوي شاه ولي الله، ولا مرجح للمذاهب الاربعة على مذهب الامامية، بل الترجيح لمذهب الامامية لكونه المأخوذ بالاسانيد الصحيحة المعتمدة والطرق المعتبرة من الائمة المعصومين الذين كانوا علماء ربانيين، والذين ورثوا العلم عن جدهم رسول الله صلى الله عليه وآله وأوقفهم الله تعالى على جميع ما أودعه عند نبيه صلى الله عليه وآله من أنواع العلوم الالهية، فلا يقولون الا ما أوحي إلى جدهم الذي لا ينطق عن الهوى، وقد ذكرنا أولا اتصال سندهم إلى باب علم النبي صلى الله عليه وآله (1). * * * والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ولا أقول ذلك من باب العصبية، فوالله الذي من علي بالوجود ما وجدت في كلمات القوم، وما رأيناه من تصانيفهم وكتبهم التي


(1) راجع ص 73 من هذا الكتاب عند ذكره قول النبي صلى الله عليه وآله " أنا مدينة العلم وعلي بابها ".

[ 123 ]

ذكرت بعضها، ولم أظفر حتى اليوم بدليل واحد يدل على وجوب اتباع أحد المذاهب الاربعة وحرمة الاخذ بغيرها، ولا دليل على ترجيح الاربعة على غيرها. والله تعالى على ما أقول وكيل. والحمد لله أولا وآخرا. حرره الجاني المسمى بمحمد محسن المدعو ب‍ " آغا بزرك الطهراني " في ربيع المولود 1359.

[ 124 ]

* * * مصادر التحقيق القرآن الكريم الامام الصادق والمذاهب الاربعة: الاستاذ أسد حيدر ابطال القياس: ابن حزم اجازة للمصنف للشيخ نجم الدين العسكري في الرواية المطبوعة في مقدمة كتاب " الوضوء في الكتاب والسنة " الاجتهاد والتجديد في التشريع الاسلامي: وزارة التربية التونسية. الاحكام في اصول الاحكام: الامدي. الاحتجاج: الشيخ أحمد بن علي بن أبي طالب الطبرسي أدوارفقه: الاستاذ محمود شهابي. اسد الغابة: عز الدين ابن الحسن (ابن الاثير).

[ 125 ]

أضواء على السنة المحمدية: الاستاذ محمود أبو رية الانصاف في بيان سبب الاختلاف: الشاه ولي الله الدهلوي تاريخ التشريع الاسلامي: الاستاذ محمد خضري بك تاريخ الفقه الاسلامي: الدكتور محمد يوسف. تاريخ المذهب الجعفري: الاستاذ هاشم معروف الحسني تاريخ اليعقوبي: أحمد بن أبي يعقوب الاخباري. تاريخ بغداد: أبي بكر أحمد بن علي الخطيب البغدادي تاريخ الكامل: ابن الاثير تمهيد لتاريخ الفلسفة الاسلامية: الاستاذ مصطفى عبد الرزاق تهذيب التهذيب: ابن حجر العسقلاني تنقيح المقال: العلامة المامقاني حصول المأمول من علم الاصول: السيد محمد صديق حسن خان خصائص النسائي: الحافظ جلال الدين السيوطي خطط الشام: المقريزي حلية الاولياء: أبو نعيم الاصبهاني دائرة المعارف للقرن العشرين: الاستاذ فريد وجدي دراسات في الحديث والمحدثين: الاستاذ هاشم معروف الحسني الذريعة: المصنف الذريعة إلى اصول الشريعة: السيد المرتضى

[ 126 ]

الرأي السديد في الاجتهاد والتقليد: تقريرات بحوث آية الله السيد الخوئي رجال النجاشي: أبو العباس أحمد بن علي النجاشي الرسالة: الامام الشافعي رياض العلماء: الميرزا عبد الله بن عيسى الافندي الاصبهاني سنن الترمذي: أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي سنن الدارمي: الامام عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي شذرات الذهب: المؤرخ عبد الحي الحنبلي صحيح مسلم: الامام مسلم بن الحجاج النيسابوري صحيح البخاري: محمد بن اسماعيل البخاري العدة: شيخ الطائفة محمد بن الحسن الطوسي عقد الجيد في أحكام الاجتهاد والتقليد: الشاه ولي الله الدهلوي الفهرست: شيخ الطائفة محمد بن الحسن الطوسي كراس حول حياة المؤلف كفاية الطالب: الحافظ محمد بن يوسف بن محمد القرشي الكنجي الشافعي المبادئ العامة للفقه الجعفري: للاستاذ هاشم معروف الحسني المبسوط: شيخ الطائفة محمد بن الحسن الطوسي المستصفى: الغزالي المعارج: المحقق الحلي

[ 127 ]

المعالم الجديدة: الشهيد آية الله السيد محمد باقر الصدر معجم البلدان: ياقوت الحموي مقدمة كتاب النص والاجتهاد: العلامة السيد محمد تقي الحكيم مقال حول الاجتهاد في مجلة " مكتب تشيع " للشهيد العلامة الشيخ مرتضى المطهري مقال حول حياة المؤلف في مجلة " الهادي " السنة (4) العدد (4 و 5) للاستاذ محمد رضا الحكيمي ميزان الاعتدال: الذهبي النص والاجتهاد: العلامة السيد عبد الحسين شرف الدين وسائل الشيعة: الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي وفيات الاعيان: ابن خلكان ينابيع المودة: الحافظ الشيخ سلمان بن ابراهيم القندوزي الحنفي

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية