الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




منية الطالب - تقرير بحث النائيني للخوانساري ج 3

منية الطالب

تقرير بحث النائيني للخوانساري ج 3


[ 1 ]

منية الطالب في شرح المكاسب تأليف الشيخ موسى بن محمد النجفي الخوانساري (قدس سره) المتوفى سنة 1363 ه‍ تقريرات المحقق الميرزا محمد حسين النائيينى (قدس سره) المتوفى سنة 1355 ه‍ الجزء الثالث موسسة النشر الاسلامي التابعة لجماعة المدرسين قم المشرفة

[ 2 ]

شابك 4 - 007 - 470 - 964 4 - 007 - 470 - 964 ISBN منية الطالب (ج 3) تقرير: المحقق الميرزا محمد حسين النائيني (قدس سره) المقرر: الشيخ موسى بن محمد النجفي الخوانساري (قدس سره) تحقيق ونشر: مؤسسة النشر الاسلامي عدد الصفحات: 433 الطبعة: الاولى المطبوع: 1000 نسخة التاريخ: 1418 ه‍. مؤسسة النشر الاسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف أنبيائه محمد وآله الأئمة الطيبين الطاهرين ولعنة الله على أعدائهم أجمعين أبد الآبدين. قوله (قدس سره): (الخيار لغة اسم مصدر من الاختيار.... إلى آخره). أقول: الخيار بمعناه اللغوي يشمل كل مورد كان لأحد المتعاقدين أو لغيرهما اختيار في أمر، فالأول كملك الزوجين الفسخ بالعيوب، والثاني كملك العمة والخالة فسخ العقد على بنت الأخ والاخت، وغير ذلك مما كان الشخص مختارا في الفعل والترك. وبمعناه الاصطلاحي لا عموم له كذلك، بل هو حق ثابت لشخص في خصوص نقض العقد والعهد وإبرامه. وعرفه المصنف (قدس سره) بأنه ملك فسخ العقد، وعرفه المحققون من القدماء بأنه ملك إقرار العقد وإزالته. والحاصل من تعريف المصنف أن أحد طرفي الاختيار وجودي والآخر عدمي، ومن تعريف القدماء أن طرفيه وجودي. والحق ما اختاره القدماء، وقبل تحقيقه ينبغي تمهيد مقدمة قد أشرنا إليها في كتاب البيع، وهي أن العقود بحسب الثبوت على أقسام ثلاثة: منها: ما يقتضي اللزوم ذاتا. ومنها: ما يقتضي الجواز كذلك. ومنها: ما لا يقتضي شيئا منهما. فما كان من الأول فشرط الخيار فيه ينافي مقتضاه ولا يقبل الفسخ

[ 4 ]

ولا الإقالة، وما كان من الثاني فشرط اللزوم ينافي مقتضاه، وما كان من الثالث فلا ينافي كل واحد من الشرطين فيه. وأما بحسب الإثبات فقد استكشفنا من الأدلة أن عقد النكاح والضمان من الأول، ولذا لا يصح فيهما جعل خيار الفسخ ولا يقبلان الإقالة. ولا ينافي ذلك جواز فسخ النكاح بالعيوب الخاصة وبتخلف بعض الشروط، وجواز فسخ الضمان إذا تبين إعسار الضامن مع عدم علم الدائن به، لقيام الدليل عليه بالخصوص. واستكشفنا منها أن الهبة من الثاني والبيع من الثالث. ثم إذا كان العقد مقتضيا للزوم أو الجواز بذاته فاللزوم أو الجواز حكمي ولا يقبلان الاسقاط، كما هو الشأن في جميع الأحكام الشرعية، سواء كانت ثابتة في العقود أم في غيرها. فلو التزم العاقد في انشائه بضد ما اقتضاه العقد كان منافيا لمقتضاه، ومخالفا للكتاب والسنة. ولو التزم بما اقتضاه لما أفاد إلا التأكيد. وأما ما لا اقتضاء له فاللزوم أو الجواز حقي قابل لجعل الخيار فيه وإسقاطه. ثم إن الالتزام بما اقتضاه ذات العقد من اللزوم أو الجواز أو الالتزام بمضمون المعاوضة - في العقد الذي لا يقتضي أحدهما - إنما هو بالدلالة الالتزامية. وتوضيح ذلك: أن ما ينشأ بالعقود إما مدلول مطابقي، وإما التزامي. أما المطابقي فهو في البيع نفس تبديل المال بالمال، الذي يحصل بالمعاطاة أيضا. وأما الالتزامي فهو التعهد بما أنشأ والالتزام به، وهذا هو العقد والعهد الموثق، لا المعنى المطابقي الحاصل بالفعل أيضا. ولذا قلنا في باب المعاطاة بأنها بيع لا عقد، وقلنا بأنها تفيد الجواز، لعدم تحقق ما يوجوب اللزوم فيها. ثم إن هذه الدلالة الالتزامية ناشئة من بناء العرف والعادة على أن من أوجد معنى بالعقد يلزم عليه أن يكون ثابتا على ما أوجده وبانيا على إنفاذ ما أنشأه، وإلا لم يقدم أحد على المعاملات الخطيرة والمعاوضة في الأشياء النفيسة،

[ 5 ]

وسيجئ زيادة توضيح لذلك. فإذا كان هذا بناؤهم في العقود المعاوضية وما يشبهها، فكل عقد كان اللزوم من مقتضيات ذاته يصير هذا الالتزام مؤكدا له - كالنكاح والضمان - وكل عقد كان الجواز من مقتضياته - كالهبة - يخرج عن عموم أوفوا بالعقود بالتخصيص، وكل عقد لا اقتضاء له يصير بهذه الدلالة ذا اقتضاء، كالبيع. وقوله عز اسمه * (أوفوا بالعقود) * (1) ناظر إلى هذه الدلالة لا الدلالة المطابقية، لأن وجوب الوفاء في البيع بلحاظ معناه المطابقي إنما هو لحرمة التصرف في مال الغير، لا لأنه عقد وعهد موثق. وبعبارة اخرى في المعاوضات العقدية مدلولان: المطابقي وهو بيع، والالتزامي وهو عقد. ووجوب الوفاء يناسب لحاظ العقدية كما هو صريح الآية. فإذا كان اقتضاؤه اللزوم - من جهة إنشاء العاقد المدلول الالتزامي والتزامه به - فلو ثبت الخيار في عقد بأحد الوجوه الثلاثة الآتية يوجب تخصيص الآية الشريفة، ويكون حقا مالكيا قابلا للإسقاط، كما أنه يقبل الإقالة للتلازم بينهما إذا كان حقيا. وكان بمعناه المصطلح لا بمعناه اللغوي الشامل للحكمي أيضا، ولا شبهة أن الخيار في المقام إنما هو بمعناه المصطلح، لأنه لو ثبت الخيار في العقد لأحد إما بالشرط كبيع الشرط، أو بجعل شرعي كخيار الحيوان والمجلس، أو لتخلف شرط ضمني كالغبن والعيب ونحوهما. فمعنى ثبوته أن التعهد بمدلول العقد الذي تعهد به العاقد على نفسه - وقلنا: إنه من باب بناء العرف والعادة على أن كل من عقد عقدا يلزم أن يكون على عقده ويبقى على عهده - زمام أمره بيد العاقد، أي لثبوت الخيار، ليس هذا الالتزام ملكا للطرف وليس كنفس المدلول المطابقي الذي هو ملك للطرف ولو مع الخيار. فإذا كان مالكا لالتزام نفسه فله إقراره وإبرامه وله حله ونقضه. وبعبارة اخرى ثبوت الخيار لأحد معناه أن اختيار المدلول الالتزامي المنشأ


(1) المائدة: 1.

[ 6 ]

من المتعاقدين وضعا ورفعا بيد ذي الخيار، فله رد ما ألزمه على نفسه من إنفاذ العقد فينحل العقد، وله إبقاء ما التزم به طرفه له فيستقر العقد. إذا عرفت هذه المقدمة ظهر أن كلا من طرفي الخيار أمر وجودي وقوامه بملك كلا الالتزامين، والعقد الغير الخياري قوامه بملك التزام الطرف وخروج التزام نفسه عن قدرته، وبالإقالة يرد ما خرج ويخرج ما دخل. ولذا لو أقالا يرد كل منهما الالتزام الذي ملكه إلى طرفه، ومن هنا ذكروا أن الخيار يدخل في كل ما يدخل فيه الإقالة. قوله (قدس سره): (وإن اريد منه إلزام العقد وجعله غير قابل لأن يفسخ ففيه: أن مرجعه إلى اسقاط حق الخيار فلا يؤخذ في تعريف نفس الخيار.... إلى آخره). بعد ما ظهر أن أجود التعريفين تعريف القدماء - بأن الخيار ملك إقرار العقد وإزالته - ظهر أن مرجع إلزام العقد ليس إلى إسقاط حق الخيار، لأن معنى إلزامه إعمال أحد طرفي الخيار. وأما إسقاط الحق فهو أمر فوق الخيار، فإن الإسقاط إذهاب موضوع الحق لا إعماله، كما أن الإعراض عن الملك فوق السلطنة وبه يذهب موضوع المال وليس الإعراض من أنحاء السلطنة على المال. وبالجملة ليس إسقاط الحق في قبال حل العقد، بل المقابل له الالتزام بالعقد وإن كان أثره الإسقاط. هذا مضافا إلى ما سيجئ من المصنف في أحكام الخيار أن الخيار ليس عبارة عن ملك فسخ العقد وعدمه، لأن نفس عدم الفسخ ليس إعمالا لأحد طرفيه، بل يحتاج إلى أمر وجودي وهو الرضا بمضمون العقد. * * * قوله (قدس سره): (ذكر غير واحد تبعا للعلامة في كتبه ان الأصل في البيع اللزوم.... إلى آخره).

[ 7 ]

لا يخفى أن الأصل بمعنى الرجحان المستند إلى الغلبة لا يرجع إلى محصل، فإنه ممنوع صغرى وكبرى. فالمراد منه إما القاعدة المستفادة من العمومات، أو الاستصحاب، أو معناه اللغوي بمعنى أن وضع البيع وأساسه على اللزوم، وذلك لما ذكرنا من أن بناء العرف والعادة على التزام كل عاقد بما ينشئه. ويشعر بذلك عبارة التذكرة من قوله: والغرض تمكن كل من المتعاقدين من التصرف فيما صار إليه، وإنما يتم ذلك باللزوم ليأمن من نقض صاحبه عليه انتهى. وبالجملة العقد هو العهد الموثق، فهو كالبيعة المتعارفة بين الرؤساء والتابعين لهم، وكالتعهد الحاصل بتصفيق كل منهما يده على يد الآخر. فإذا كان هذا بناء العرف والعادة في المعاملات مع عدم ردع الشارع عنه فيصير كل عقد معاوضي وما يشبهه - كالنكاح - متضمنا لهذا البناء، ودالا عليه بالدلالة الالتزامية. نعم لو جعل أحدهما زمام هذا الالتزام لنفسه أو جعله الشارع له فيصير ذا خيار حقي قابل للإسقاط، ولذا عبرنا عن الخيار بملك الالتزام، لأنه حق لا حكم. قوله (قدس سره): (بقي الكلام في معنى قول العلامة.... إلى آخره). الأولى أن يقال في توجيه كلام العلامة: إن الخروج عن أصالة اللزوم يتحقق بأمرين: الأول: ملك الالتزامين، أي الخيار. والثاني: ملك أخذ ضميمة مع مال الطرف عوضا عن ماله. وبعبارة اخرى كما أن العقد يقتضي اللزوم، كذلك يقتضي أن يكون أحد العوضين فقط عوضا عن الآخر. فإذا ثبت الخيار فيه يخرج عن اقتضائه اللزوم، وإذا ظهر العيب فيه يخرج عن اقتضائه كون أحد العوضين وحده عوضا عن الآخر، لاقتضاء ظهور العيب الأرش مع العوض. وبالجملة ثبوت العيب أو ظهوره وإن كان سببا للخيار إلا أن الخيار الحاصل به مختلف في السنخ مع سائر الخيارات، لأن أخذ الأرش ليس من باب فسخ العقد في جزء من مدلوله حتى يكون من سنخها، وحتى يورد عليه بأنه لا يعتبر في

[ 8 ]

الأرش كونه جزء من الثمن، بل هو ملازم لإبقاء العقد على حاله بالنسبة إلى أصل التزامه بالتبديل وإنما يتصرف فيه بأخذ ضميمة مع المعيب، مع أن المنشأ كان معوضية نفس المبيع للثمن لا معوضيته مع شئ آخر. ثم إنه ظهر مما ذكرنا ان الأصل بمعناه اللغوي بل بمعنى الاستصحاب وبمعنى القاعدة المستفادة من العمومات لا يختص بالبيع، بل يطرد في كل عقد معاوضي مبناه على اللزوم. قوله (قدس سره): (فمنها قوله تعالى * (أوفوا بالعقود) *.... إلى آخره). لا يخفى أنه لو كان المجعول بالأصالة هو الحكم التكليفي وكان المجعول المنتزع هو الوضعي - كاللزوم في المقام - يجب أن يكون الحكم التكليفي المستتبع للحكم الوضعي مناسبا له ومجعولا على نحو ينتزع المطلوب منه. فعلى هذا يكون مفاد الآية وجوب الوفاء بالعقد والعمل بما اقتضاه مطلقا أي في جميع الأزمنة وبالنسبة إلى كل زماني، لأن ببركة مقدمات الحكمة يتم إطلاق وجوب الوفاء بالنسبة إلى كلتا الجهتين، لأنه لو كان وجوب الوفاء في وقت دون وقت وبالنسبة إلى عدم الفسخ لا مع الفسخ يلزم لغوية تشريعه. فمفاد هذا الحكم التكليفي هو وجوب الوفاء به في جميع الأزمنة ومع طرو كل طار، كما أن المناسب للفظ الوفاء أن يكون متعلقه المعنى المصدري - أي الإيجادي من العاقد والإصداري منه - لا اسم المصدري، وهو الحاصل من التزامه الذي هو العقد. وبعبارة واضحة المناسب لوجوب الوفاء أن يكون متعلقه نفس تعهده لا ما تعهد به، فيندفع عن المصنف ما أورد عليه المحقق الخراساني (قدس سره) في حاشيته على المتن: من أن مع الشك في تأثير الفسخ يكون التمسك بالإطلاق من باب التمسك فيما لا يعلم انطباق المطلق عليه (1) وذلك، لأنه لو كان متعلق الوفاء هو العقد بمعنى اسم المصدر فمع الشك في تأثير الفسخ يكون تمسكا بالإطلاق فيما لا يعلم أنه عقد، سيما إذا قلنا إن الفسخ حل العقد من حين العقد.


(1) حاشية المحقق الخراساني: 146.

[ 9 ]

وأما لو كان متعلقه فعل المكلف، فإذا كان الوفاء به واجبا وبقاؤه على قوله وإبرامه ما تعهد به لازما فلازمه بقاء ما تعهد به وعدم تأثير فسخه، ونستكشف منه بقاء عقده، كالاستكشاف من عموم " أكرم العلماء " أن زيدا الذي يحرم إكرامه ليس زيدا العالم. وبعبارة اخرى لو كان الفسخ رافعا لموضوع الوفاء وموجبا لذهاب التعهد بالمعنى المصدري عن صفحة الوجود وعن ظرفه، لكان وجوبه مع تحقق الفسخ تمسكا بالإطلاق في مورد الشك في المصداق. وأما لو كان الفسخ رافعا للعقد، فمع الشك في تأثيره يمكن وجوب الالتزام بما التزم به. وبهذا البيان يمكن أن يقال بعدم الاحتياج إلى الإطلاق بالنسبة إلى الزماني بل يكفي إطلاقه في الزمان، لأنه إذا كان الوفاء بالتعهد لازما في جميع الأزمان فلازمه عدم تأثير الفسخ. ثم إنه لا إشكال في أن اللزوم المستفاد من الحكم التكليفي ليس تعبديا صرفا، بل لمناسبة الحكم والموضوع يعلم أنه حق مالكي. بل يمكن استفادة كونه حقا من مقابلة الجمع بالجمع في الآية الشريفة أيضا، فإن كل مكلف إذا كان مكلفا بالوفاء بعقده يستلزم أن لا يكون الوفاء بوصف الاجتماع مطلوبا على المتعاقدين. فعلى هذا يجب على كل واحد الوفاء بما تعهد به مع وفاء الآخر به، فإذا استقال أحدهما الآخر فله الإقالة، ولا نحتاج إلى إطلاق أدلة الإقالة حتى يقال: إن موردها منحصر في استقالة الزلات والعثرات لا العقود والمعاهدات. بل لو كان موردها العقود أيضا لم يعلم جريانها في كل عقد وذلك، لأن وجوب الوفاء لو كان حقا مالكيا فمقتضى القاعدة جريان الإقالة في كل عقد مبناه على اللزوم لولا الخيار ويشهد به المعاهدات بين الدول، والبيعة التي كانت بين الأئمة (عليهم السلام) وأصحابهم، فإن الحسين (عليه السلام) قال لأصحابه مرارا: رفعت بيعتي التي كانت في رقابكم وأنتم في حل مني. وبهذه المضامين قال الحسن (عليه السلام) لقيس بن سعد بن

[ 10 ]

عبادة لما امتنع عن البيعة مع معاوية لبيعته مع الحسن (عليه السلام). وهذه البيعة وإن لم تكن قابلة للحل وليست كبيعة العشائر مع شيوخهم ورؤسائهم إلا أن الناس حيث كانوا قريب عهد بالجاهلية فعاملوهم (عليهم السلام) بما ارتكز في أذهانهم. وكيف كان فالعهد والعقد يجب البقاء عليه ما دام الآخر باقيا على عهده، لأن كونه حقا مالكيا يقتضي جواز الإقالة لكل منهما. فليس وجوب الوفاء من قبيل حرمة بيع العبد المسلم من الكافر تعبديا غير قابلة للرفع ولو مع رضا العبد المسلم، وليس وجوبه أيضا كوجوب الصلاة بحيث لا يترتب على عصيانه غير العقاب، بمعنى أنه يحرم عليه الفسخ ولكن لا ينافي تأثيره، لأن مقتضى كونه حقا مالكيا أن يكون بمنزلة وجوب أداء الدين. فمعناه ان الفسخ لا يؤثر والعقد لا ينفسخ به. هذا كله لو كان المجعول الأصلي هو الحكم التكليفي. وأما لو كان هو الوضعي كما هو الحق في أمثال اللزوم - فإن الملكية والرقية والولاية واللزوم ونحو ذ لك بنفسها قابلة للجعل، وليست كالشرطية والجزئية والمانعية التي لا تقبل الجعل بالأصالة - فدلالة الآية على المطلوب أظهر، لأنها على هذا إمضاء لما عليه العرف والعادة من بنائهم على لزوم الالتزام بما التزموا به. فمقتضى هذه الدلالة أن يكون العقد بنفسه بحسب الدلالة اللفظية موجبا للزوم ترتيب آثار ما التزم العاقد على نفسه، فإذا أمضى الشارع هذا البناء، إما بالأمر الإرشادي - نظير الأوامر في باب الأجزاء والشرائط - أو بأمر مولوي لحق مالكي، لا للتعبد الصرف يصير اللزوم مجعولا كمجعولية الولاية والملكية. والحق أن المجعول الأصلي هو الوضعي الذي هو منشأ لترتب آثار الملك من جواز التصرف والتقلب، لأن المجعول الشرعي في المعاملات بأجمعها هو امضاء ما عليه الناس فيها. وبناؤهم على جعل الوضعي أولا لا العكس، أي لا يجوز البائع للمشتري أولا جواز التصرف فينتزع منه الملكية، بل بناؤهم على أن جواز التصرف من آثار الملكية. وكيف كان فسواء كان اللزوم منتزعا أو مجعولا بالأصالة، فهو ليس من

[ 11 ]

مقتضيات العقد في نفسه ومن مفاد لفظ المتعاقدين مدلولا مطابقيا أو التزاميا، مع قطع النظر عن حكم الشارع حتى يقال: إن العمل بالعقد ووجوب الوفاء به هو العمل بما يقتضيه من لزوم أو جواز، لأن مقتضاه في نفسه ليس إلا التبديل مطابقة والالتزام بترتيب آثار الملكية على البيع التزاما - الذي أمضاه الشارع بقوله: أوفوا بالعقود، إما انتزاعا أو أصالة - لا لزوم هذا الالتزام أو جوازه. وبالجملة لزوم الالتزام أو كونه باختيار العاقد ليس إلا مستفادا من أدلة لزوم العقد أو من أدلة الخيارات، فكل منهما من المجعولات الشرعية الخارجة عن مقتضيات العقد في نفسه. قوله (قدس سره): (ومن ذلك يظهر الوجه في دلالة قوله تعالى * (أحل الله البيع) *.... إلى آخره). لا يخفى أن حرمة الربا التي في هذه الآية جعلت قبالا لحلية البيع إما بمعنى حرمتها التكليفية والوضعية كليهما، وإما خصوص أحدهما. والاستدلال بهذه الآية يتم لو كان المراد منها الأعم أو خصوص التكليفية، وإلا لو كان المراد منها فساد الربا فبقرينة المقابلة يصير المراد من الحلية الصحة لا اللزوم. ثم على فرض أن يكون المراد من الحلية حلية جميع التصرفات إلا أن مع الشك في ثبوت الحلية بعد الفسخ لا يمكن التمسك بإطلاقها، لأنه من قبيل التمسك بالإطلاق مع الشك في المصداق، لأن الفسخ لو كان مؤثرا لكان هنا رافعا ومزاحما مع أصل الحلية، وهذا بخلاف نحو أوفوا بالعقود، فإن الفسخ ثمة لا يرفع موضوع وجوب الوفاء الذي هو الالتزام بالمعنى المصدري وإنما يرفع العقد الذي هو اسم المصدر. وتوضيح ذلك أن القيود الراجعة إلى الموضوع - أي حالاته - يمكن أن يكون الحكم بالنسبة إليها مطلقا ومقيدا، وأما حالات نفس الحكم فلا يمكن أن يكون الحكم بالنسبة إليها مطلقا أو مقيدا، فضلا عن أن يكون مطلقا أو مقيدا بالنسبة إلى رافعه وطارده. ونظير ذلك ملاحظة الأحكام الثابتة للأشياء بعناوينها الأولية مع

[ 12 ]

الأحكام الثابتة لها بعناوينها الثانوية، فإن إباحة الماء لها إطلاق بالنسبة إلى اشتراط ترك شربه في ضمن عقد لازم من حيث ذات الاشتراط - أي من حيث إنه فعل من أفعال المكلف كإطلاقها بالنسبة إلى سائر أفعاله - وأما من حيث أثره فلا يمكن أن يكون لها إطلاق، لأن أثر الاشتراط رافعية الإباحة، والإباحة لا إطلاق لها بالنسبة إلى وجودها وعدمها. والسر في ذلك أن المحكوم ليس ناظرا إلى نفسه فضلا عن أن يكون مطلقا بالنسبة إلى حاكمه، وفي مقامنا هذا الفسخ لو كان مؤثرا لكان رافعا لأصل الحلية ولا إطلاق لها بالنسبة إلى رافعها، بخلاف تأثير الفسخ في حل العقد، فإنه لا يزاحم وجوب الوفاء ولا موضوعه الذي هو التعقيد، وإنما يرفع العقدة الحاصلة من فعل العاقد، فيمكن التمسك بإطلاق أوفوا في رفع هذا الشك. وهذا هو السر في تخصيص المصنف هذا الإشكال بأحل الله البيع وأمثاله دون أوفوا بالعقود. وبالجملة بعد الفسخ نشك في حلية التصرف كالشك في حلية أكل المال بالتجارة عن تراض، فالتمسك بعقد المستثنى في هذه الآية لا يفيد أيضا لرفع الشك عن تأثير الفسخ. قوله (قدس سره): (ومنها قوله تعالى * (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل) *.... إلى آخره). تقريب الاستدلال بعقد المستثنى منه يتوقف - بعد الفراغ عن كون المراد من الأكل فيه هو التملك لا الازدراد - على أن يكون المراد بالباطل هو ما يسمى باطلا عرفا، وأن يكون العرف مع الشك في أن بالفسخ يمكن التملك أم لا حاكما بالبطلان. وبعبارة اخرى يتوقف الاستدلال على أمرين: الأول: أن يكون نظر العرف متبعا في تعيين المصداق. الثاني: أن يكون حاكما بأن ما لم يعلم كون الفسخ سببا للتملك أن يكون التملك باطلا.

[ 13 ]

وكلاهما ممنوعان، أما الأول: فلأن نظرهم متبع في تعيين المفاهيم لا المصاديق، إلا أن يكون تعيين المصداق راجعا إلى تعيين المفهوم. وأما الثاني: فلعدم حكمهم في مورد الشك في كون شئ سببا مملكا بعدم كونه مملكا وباطلا، لشكهم في السبب فكيف يحكمون بعدم المسبب. ونظير هذا التقريب للاستدلال استدلال المصنف في أول باب البيع بأدلة العقود في مورد الشك في الأسباب، مع إقراره بأن الأسماء وعناوين العقود - كالبيع، والصلح، والهبة - إنما هي موضوعة للمسببات دون الأسباب، فقال: وأما وجه تمسك العلماء بإطلاق أدلة البيع ونحوه، فلأن الخطابات لما وردت على طبق العرف حمل لفظ البيع وشبهه في الخطابات الشرعية على ما هو الصحيح المؤثر عند العرف... إلى آخره. ونحن قد استوفينا الكلام في هذا المرام وقلنا: إنه لو كان باب العقود وآثارها من قبيل الأسباب والمسببات لا باب الإيجاديات بالآلة لما كان وجه للتمسك بإطلاق ما يرجع إلى إمضاء المسببات لرفع الشك في تأثير سبب من الأسباب، لأن كلا منهما يحتاج إلى إمضاء على حده، ولا يرجع إمضاء تبديل المال بالمال إلى إمضاء ما كان القبول فيه مقدما على الإيجاب لعده العرف سببا. فراجع واغتنم. وبالجملة لا يفيد التمسك بعقد المستثنى ولا المستثنى منه بوصف الانفراد. نعم، مجموع العقدين يفيد المطلوب وذلك، لأن المستثنى هنا مستثنى منقطع، فإن التجارة عن تراض ليس من الباطل ومحكوما بخلافه، بل خارج عنه موضوعا وحكما. وإخراجه عنه موضوعا ليس كخروج الحمار عن القوم تكوينا، بل نفس الدليل هنا ناظر إلى خروجه. فمفاد العقدين أن كل تملك ما عدا التجارة عن تراض هو داخل في أكل المال بالباطل، فأخذ المال من المنتقل إليه والتملك عنه بدون رضاه - أي التملك بالفسخ - هو التملك بالباطل. قوله (قدس سره): (ومما ذكرنا يظهر وجه الاستدلال بقوله (عليه السلام) لا يحل.... إلى آخره). لا يخفى أن تقريب الاستدلال به كتقريبه في الآية المتقدمة بالنسبة إلى

[ 14 ]

مجموع العقدين وذلك، لأن كون المستثنى مفرغا لا يصح إلا فيما كان المستثنى منه المقدر عاما فعدم حلية جميع أنحاء التقلبات من الأكل الازدرادي والتملكي إلا مع طيب نفس المالك لا يصح إلا أن لا يؤثر الفسخ. نعم، هذا الحكم كالحكم المستفاد من الآية المتقدمة قابل للتخصيص بأدلة الخيار وغيرها، فما لم يعلم التخصيص بالفسخ ونحوه يكون العام متبعا. وبالجملة لا يمكن منع الإطلاق أو العموم بالنسبة إلى " أوفوا بالعقود " " ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض " والخبر الشريف " لا يحل " لدلالتها على أن الفسخ لا يؤثر. وليس التمسك بها من قبيل التمسك بالعام أو المطلق فيما لا يعلم الانطباق عليه، وذلك لما عرفت أن الفسخ لا يرجع إلى ما تعلق به الوفاء في الآية الاولى. وليس أيضا تجارة عن تراض، لأن الملك قبل الفسخ داخل في ملك من انتقل إليه، فالتملك عنه به والتكسب به تكسب لا عن تراض. وليس أيضا بطيب نفس المالك فلا يحل التملك به. فعلى هذا لا وجه للإيراد على جميع الأدلة بنهج واحد. قوله (قدس سره): (ومنها قوله الناس مسلطون.... إلى آخره). لا إشكال في أن السلطنة التامة على الأموال تقتضي أمرين: الأول: عدم قصر سلطنة المالك على ماله بأن لا يقدر على البيع والصلح وأمثالهما، كما إذا كان ماله مرهونا أو كان هو مفلسا أو سفيها. الثاني: عدم تسلط غيره على إخراج ماله عن ملكه، كما إذا كان لغيره حق الخيار أو دين يحكم الحاكم بجواز المقاصة منه. فإذا اقتضى السلطنة عدم تسلط الغير إلا لحق أو حكم فيقتضي عدم تأثير الفسخ من غيره بلا حق، ولذا لا يجوز للمقرض إرجاع العين من ملك المقترض، لمنافاته للسلطنة التامة للمقترض على ماله. فعلى هذا لو قلنا بأن ملك الفسخ والإقرار متعلق بالعين فمع الشك فيه يصح التمسك بإطلاق " الناس مسلطون " على عدم تأثير الفسخ، لأن الفسخ ينافي عدم تسلط غير المالك على مال المالك.

[ 15 ]

وأما لو قلنا بأن الفسخ يتعلق بالعقد، بمعنى أن الخيار يبطل التبديل الواقع من العاقدين من دون إرجاعه العين ورجوع العين إنما هو أمر قهري يحصل بحل العقد، ففي مورد الشك لا يمكن التمسك بالإطلاق، لأن الفسخ لا يرجع إلى تصرف غير مالك العين فيها. وبالجملة لو قلنا بأن الخيار متعلق بالعين فلازمه أن من عليه الخيار لا يتمكن من التصرف فيها، لمنافاته لتعلق حق الغير بها، ولازمه أيضا عدم نفوذ الفسخ ممن لم يعلم ثبوت الخيار له. وأما لو قلنا بأنه متعلق بالعقد فلازمه جواز تصرف من عليه الخيار، وعدم صحة التمسك بإطلاق " الناس مسلطون ". قوله (قدس سره): (ومنها الأخبار المستفيضة.... إلى آخره). لا يخفى أن المناقشة في هذه الأدلة، بأن دلالتها على وجوب البيع وأنه لا خيار لهما بعد الرضاء إنما هو بلحاظ ما يقتضيه نفس البيع، لا للامور العارضة أحيانا من غبن وعيب، ولأجل هذا لا يكون أدلة سائر الخيارات مخصصة لها كما في حاشية المحقق الخراساني (قدس سره) (1)، غير صحيحة، فإن نفس أدلة سائر الخيارات تدل على التخصيص، وأن وجوب البيع الحاصل بالافتراق - مثلا - إنما هو في غير الحيوان، كصحيحة الفضيل بن يسار عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت له ما الشرط في الحيوان؟ قال: ثلاثة أيام للمشتري. قلت: وما الشرط في غير الحيوان؟ قال البيعان بالخيار ما لم يفترقا، فإذا افترقا فلا خيار بعد الرضا (2). وهكذا الصحيحة المحكية عن قرب الإسناد (3). وبالجملة: فالمناقشة في الأدلة من دأب المصنفين، وهم بصدد بيان الاحتمال ولو كان على خلاف الظاهر لتوسعة أذهان المحصلين، وإلا فدلالة هذه الأخبار


(1) حاشية المحقق الخراساني: 149. (2) الوسائل 12: 349، الباب 3 من أبواب الخيار ح 5 وأورد ذيله في الباب 1 من أبواب الخيار ص 346 ح 3. (3) قرب الإسناد: 78.

[ 16 ]

على اللزوم في خصوص البيع مما لا تنكر. كما أن دلالة غير آية " أوفوا بالعقود " على أصالة اللزوم في العقود المعاوضية كذلك، ودلالة " أوفوا " على أصالة اللزوم في مطلق العقود ولو كان العهد الذي بين الله تعالى وعباده أيضا كذلك. قوله (قدس سره): (وقد عرفت أن ذلك مقتضى الاستصحاب أيضا.... إلى آخره). لا يخفى أن العقود على ثلاثة أقسام: الأول: العقود الإذنية - كالعارية والوديعة والوكالة والمضاربة التي قوامها بالإذن من المالك التي يكفي فيها كل لفظ أو فعل كاشف عن الرضا منه - ولا إشكال في أن مقتضاها أن مع فسخ المالك ينتفي رضاه بالتصرف فيرتفع ما هو قوامها، فلا يجري فيها الاستصحاب، بل في الحقيقة هذه الأقسام خارجة من باب العقود بالتخصص، وإنما تسمى عقدا لاعتبار رضا الطرفين، وإلا فهي ليست إلا تسليطا على التصرف. نعم لو اشترط عدم الفسخ في ضمن عقد آخر فهي تابعة لذلك العقد. وأما لو اشترط عدمه في نفس هذا العقد، كما لو وكله وشرط عدم عزله فلا يفيد هذا الشرط، لأن كل ما بالغير لابد أن ينتهي إلى ما بالذات، ونفس الوكالة لو كانت جائزة فالشرط في ضمنها مثلها. والثاني: العقود التنجيزية كالبيع والصلح وأمثالهما، ولا إشكال أن مقتضى الاستصحاب بقاء أثر ما انشئ بالعقد فينتج نتيجة اللزوم. والمناقشة فيه بمعارضته باستصحاب بقاء علاقة المالك الأول - المقتضي لتأثير فسخه في استرجاع المال إلى ملكه، وحكومته على استصحاب ما ينتج اللزوم، لأن الشك في اللزوم والجواز ناش عن الشك في بقاء علاقة المالك الأول - ممنوعة جدا، لأن علاقة المالك إن اريد بها العلاقة التي بها يقدر على فسخ العقد وحله بناء على ان الخيار راجع إلى ذلك ففيه عدم تحقق المستصحب قبل العقد، وعدم تيقنه، بل نقطع بعدمه، لأنه قبل البيع لا عقد حتى يمكن لبائعه - مثلا - حله وأما حين البيع فيتحقق هذا الحق له أول الكلام.

[ 17 ]

وإن اريد بها علاقة بها يقدر على إرجاع العين في ملكه فهي مستحيلة الاجتماع مع الملك، أي قبل البيع ليست هذه العلاقة له، لأن كون الإنسان مالكا لإرجاع العين التي في ملكه إلى ملكه ليس له معنى محصل. فقبل البيع نقطع بعدم المستصحب أيضا، وأما بعده فإنه وإن أمكن ثبوت هذا الحق - أي إرجاع العين إلى ملكه بجعل شرعي أو مالكي له - إلا أن المفروض ان الشك فيه والأصل عدم حدوثه. وإن اريد بها العلاقة التي كانت في مجلس البيع ففيه: أن الشك في بقائها بعد التفرق، حيث إنه إما لاحتمال ثبوت خيار آخر له مع خيار المجلس، وإما لتبدل هذا الخيار إلى خيار آخر، فهو من الاستصحاب المقارني أو التبدلي من القسم الثالث الذي لا نقول بجريانه، إلا أن يكون نحو وجود المستصحب وجودا تبدليا - كالحركة - وذلك لأن الحصة التي كانت في المجلس مقطوع الارتفاع، والحصة الاخرى مشكوك الحدث من أول الأمر. ونفس مفهوم الكلي لا وجود له إلا في ضمن أحد الفردين، وليس من قبيل القسم الثاني. وبالجملة: مع عموم الأخبار بأن مع الافتراق ينقطع الخيار لا معنى لاستصحاب بقاء خيار المجلس، والخيار الآخر مشكوك الحدوث. ثم من هذا البيان ظهر أنه يمكن أن يكون وجه التأمل في قوله " فتأمل " هذا الذي ذكرنا، يعني أن التمسك بالأخبار إنما هو لبيان ارتفاع خيار المجلس، لا لإثبات اللزوم بالأخبار حتى يقال: إن الكلام في استصحاب اللزوم إنما هو مع الإغماض عن العموم، إذ مع فرض وجوده لا وجه للتمسك باستصحاب الملكية. وبالجملة: التمسك بالأخبار إنما هو لبيان ان علاقة المالك الحاصلة له في المجلس ارتفعت بالتفرق عنه، فيبقى استصحاب ما ينتج اللزوم سليما عن الحاكم. قوله (قدس سره): (نعم هو حسن في خصوص المسابقة.... إلى آخره). هذا هو القسم الثالث من العقود، وهي العقود التعليقية - كالمسابقة، والمراماة، والمساقاة، والجعالة وأمثالها - ولا إشكال في جريان الاستصحاب في هذه العقود

[ 18 ]

أيضا، لأنها وإن لم تتضمن تمليكا أو تسليطا فعلا إلا أنها بعد حصول المعلق عليه فيها يحصل الملكية. فإنشاء التمليك على تقدير السبق مقتض لاختصاص السبق بالسابق، فإذا شك في ارتفاع هذا الأثر عن العقد لفسخ أحد المتعاقدين فالأصل بقاؤه بل المسلم من حجية الاستصحاب التعليقي هذا القسم منه وما يشبهه من استصحاب عدم النسخ. وبالجملة: التكليف المنشأ على الموضوع المقدر وجوده - كالحج على المستطيع - لو شك في ارتفاعه عن موضوعه فالأصل بقاؤه، كما أن الملكية المنشأة على تقدير - كالرمي والسبق - لو شك في ارتفاعها بالفسخ فالأصل بقاؤه. والعجب من المصنف (قدس سره) أنه مع تحقق أحد جزئي موضوع الحكم - كالعصير العنبي - كيف أجرى الاستصحاب حكمه مع عدم تحقق جزئه الآخر. وفي المقام مع أنه إنشاء تكليف أو وضع على موضوع مقدر وجوده لم يجر فيه الاستصحاب، مع أن حقيقة الملازمة بين تحقق الموضوع والحكم ثابتة في المقام، فهي قابلة للاستصحاب لا مثل حكم العصير العنبي. وقد استوفينا الكلام فيه في الاستصحاب التعليقي. قوله (قدس سره): (بل يرجع في أثر كل عقد إلى ما يقتضيه الأصل.... إلى آخره). لا يخفى أن منشأ الشك في اللزوم والجواز تارة لشبهة حكمية، واخرى لشبهة خارجية فإن كان للأول فحيث إنه لا أصل يثبت السبب فيجري الأصل في المسبب، ويقال: الأصل بقاء أثر العقد ملكا كان - كالبيع - أو حقا، كالرهن. ولو كان للثاني فقد يكون هنا أصل موضوعي يثبت اللزوم والجواز، وقد لا يكون. فالأول كما إذا علم بأن العقد الصادر بيع وشك في جعل الخيار، فالأصل عدم جعله فيثبت اللزوم، أو علم بأن الصادر هبة وشك في جعل الثواب أو قصد القربة. فالأصل عدمها، فيثبت الجواز. والثاني كما لو اشتبه العقد الصادر بين البيع والهبة، أو الإجارة والعارية، أو القرض والوديعة.

[ 19 ]

ثم الاشتباه تارة مع بقاء العين، واخرى مع فساده. وعلى التقادير فقد يكون الاشتباه في مورد الترافع - كما لو كان النزاع بين المتعاقدين - واخرى في غير مورده، كما لو كان بين وارثهما، أو بين أحدهما ووارث الآخر، بمعنى أن يدعي أحدهما عدم العلم. فلو كان العقد صحيحا وكان الاشتباه في مورد الترافع - أي كان أحد المتعاقدين - وهو من انتقل عنه العين يدعي الهبة، والآخر البيع، والعين باقية في يد من ادعى البيع، فلو قلنا بالتحالف فيرجع العين إلى مالكه الأصلي. ولو لم نقل وفسخ مدعى الهبة فحيث إنه يشك في تأثير الفسخ فمقتضى الأصل بقاء أثر العقد، إلا أنه يعلم إجمالا إما بخروج العين عن ملك من انتقلت إليه، وإما بثبوت العوض عليه. وحيث إن مدعي الهبة يدعي عدم استحقاقه العوض فيجب الصلح بينهما. ولو كان النزاع بالعكس أي المالك الأصلي يدعي البيع والآخر الهبة - أي كان نزاعهما في ثبوت اشتغال ذمة من انتقل إليه العين بالعوض وعدمه مع اعتراف المالك الأصلي بعدم استحقاقه الفسخ - فالأصل براءة ذمة مدعي الهبة عن العوض. ولو كان الاشتباه في غير مورد الترافع - أي لا يدعي أحدهما أو كلاهما العلم بالواقع - فمقتضى استصحاب أثر العقد هو اللزوم. ومقتضى أصالة البراءة هو عدم اشتغال ذمة من بيده العين عن العوض، إلا أنه يعلم إجمالا بأنه لو فسخ طرفه فإما يجب عليه رد العين أو العوض، فلا يفيده أصل البراءة ويجب الصلح بينهما، لأن الطرف أيضا يعلم بعدم استحقاقه إما العين وإما العوض. ولو لم يكن العين باقية في هاتين الصورتين، ففي الصورة الاولى لو ادعى المالك الأصلي البيع حتى يستحق العوض فالأصل براءة ذمة من تلف عنده العين، ولو ادعى الهبة وثبت الفسخ في حال بقاء العين وادعى مماطلة الآخر في رد العين فالحكم كما في مورد بقاء العين، إلا أن هنا يعلم تفصيلا ببقاء العوض في ذمة من تلف عنده العين، أما المسمى على ما ادعاه من البيع، وأما المثل أو القيمة لعدم رده عين مال الغير مع تسليمه المماطلة.

[ 20 ]

وفي الصورة الثانية الأصل براءة ذمته عن العوض إلا أن يقال في جميع الأقسام إن مقتضى أصالة الاحترام في الأموال أن مدعي براءة الذمة يجب أن يثبت مدعاه، وإلا نفس المال بطبعه يقتضي أن لا يخرج عن ملك مالكه بلا عوض. ولا يبعد أن يكون منشأ اختيار المشهور الضمان في مورد اشتباه العقد الصحيح - بين القرض والوديعة وبين الإجارة والعارية بالنسبة إلى المنافع وبين البيع والهبة - هو أصالة الاحترام فتدبر. هذا، مع أنه دل نص خاص على الضمان في مثل هذه الموارد، وهو ما عن أبي الحسن (عليه السلام): عن رجل استودع رجلا ألف درهم فضاعت، فقال الرجل: كانت عندي وديعة، وقال الآخر: إنما كانت لي عليك قرضا، فقال (عليه السلام): المال لازم له إلا أن يقيم البينة إنها كانت وديعة (1). وأما لو كان العقد فاسدا ففي صورة بقاء العين يجب ردها إلى مالكها أو إلى ورثته وفي صورة التلف يجب رد عوضها إلى مالكها أو ورثته، لأن موجب الضمان - وهو اليد - قد تحقق ورافعه وهو إقدام المالك على المجانية غير معلوم، فيستصحب ويحكم بالضمان، لأن الموضوع للضمان وهو المركب من اليد وعدم تحقق رافعه محرز بالوجدان والأصل. وليس إقدام المالك على المجانية من مفاد كان الناقصة لليد حتى يقال: إن عدم إقدامه من مفاد ليس الناقصة، فليس له حالة سابقة، لأنه لم تتحقق في زمان يد تتصف بعدم إقدام صاحبها على المجانية، وذلك لأن رافع الضمان ليس من نعت اليد، بل هو من صفات ذي اليد. كما هو الشأن في كل عرض بالنسبة إلى محله، وأما بالنسبة إلى عرض آخر أو جوهر فهما متباينان. ولذا يكفي في تحققه تحققه قبل تسليط المالك على ماله أو بعده كما يكفي تحققه معه، فإذا تحقق يد في الأمس وإقدام على المجانية في اليوم يكفي لرفع الضمان. وعلى هذا ففي مورد الشك في الإقدام على المجانية يحرز عدمه بالعدم المحمولي.


(1) الوسائل 13: 232، الباب 7 من أبواب الوديعة ح 1.

[ 21 ]

ثم لا يخفى أنه بناء على ما ذكرنا في تحقيق قاعدة ما يضمن وما لا يضمن: من أن الإقدام على الضمان ليس دليلا مستقلا للضمان، ظهر ما في كلام المصنف في قوله (قدس سره): (وإن كان المستند دخوله في ضمان العين.... إلى آخره) كما أنه لا يخفى ما في قوله: (أو قلنا بأن خروج الهبة من ذلك العموم مانع عن الرجوع إليه) لأن الهبة خارجة عن عموم أوفوا بالعقود ومثله، لا عن عموم على اليد ما أخذت، لأن عمومه غير ناظر إلى العقود. ثم إنه لا إشكال في أن الرجوع في أثر كل عقد إلى ما يقتضيه الأصل بالنسبة، إنما يتم فيما لو كان العقد المختلف فيه له أثر غير أثر ما يدعيه الآخر من العوض ونحوه. وأما لو كان المالك الأصلي يدعي الهبة والآخر الصلح المجاني وقلنا بأن الصلح عقد لازم مستقل، فمقتضى استصحاب اللزوم عدم تأثير فسخ مدعي الهبة. * * * [ خيار المجلس ] قوله (قدس سره): (والأولى أن يقال: إن الوكيل إن كان وكيلا في مجرد إجراء العقد فالظاهر عدم ثبوت الخيار لهما.... إلى آخره). لا يخفى أن الوجوه التي ذكرها المصنف (رحمه الله) تبعا للمحققين تامة لا إشكال فيها، أما الانصراف فمنشؤه أن الوكيل في إجراء الصيغة بمنزلة الآلة وكأنه لسان الموكل، فنسبة البيع إليه في الحقيقة نسبة مجازية، وذلك لأنه وإن كان مختارا في إنشاء عنوان البيع إلا أن مبادئ اختيار اسم المصدر غير قائم به. وأما كون مفاد أدلة الخيار عدم ثبوته لمجري الصيغة، فوجهه ما يستفاد من مناسبة الحكم والموضوع من أن المحمول الذي رتب على البيع هو المحمول في الرتبة الثانية من الحمل. وتوضيح ذلك أن محمولات الموضوعات مختلفة بعد اتفاقها في تجرد عقد

[ 22 ]

وضع موضوعاتها عنها، فمثل حمل " الموجود " على ماهية يكون الموضوع فيه الماهية المعراة عن الوجود والعدم، ومثل حمل " كاتب " على زيد الموضوع فيه ما يكون مفروغ الموجودية، ومثل حمل " تحرك الأصابع " عليه الموضوع هو الموجود الكاتب. وبهذه المناسبة يختلف الموضوع في باب الاستصحاب، لفرق العرف بين موارده. فلابد أن يلاحظ أن العناوين المأخوذة في الموضوعات هل هي من قبيل العلل كالتغير لعروض النجاسة على الماء، أو من قبيل الوسائط في العروض؟ أي الموضوع هذا المعنون بالعنوان، كالمجتهد الذي هو موضوع لجواز التقليد، وتمييز هذين الأمرين بنظر العرف، ولذا بعد زوال التغير يقولون بأن الموضوع باق بخلاف زوال الاجتهاد. ففي المقام، الذي اخذ موضوعا للخيار اخذ بعد مفروغية مالكيته لالتزام الطرف المقابل، أي بعد كونه قادرا على الإقالة ورد التزام طرف المقابل قادر على إعمال التزام نفسه بإبقائه أو إعدامه. وبعبارة واضحة مفاد أدلة الخيار إثبات حق وسلطنة لكل من المتعاقدين في نقض ما التزم به وإبرامه بعد الفراغ عن سلطنته على الإقالة ورد ما التزم الآخر به، ولا شبهة أن مجرى الصيغة لا يملك التزام الآخر وليس له الإقالة، حتى يثبت له بأدلة الخيار ملك كلا الالتزامين. ويجب أن يحمل مراد المصنف من المنتقل عنه وإليه على الالتزام لا العين حتى يقال: إن حق الخيار لا تعلق له بما انتقل عنه، أو على ما سيجئ توضيحه. وأما الدليل الثالث: أي اتحاد السياق فأمره أظهر من أن يخفى على أحد، فإن قوله (عليه السلام) في صحيحة محمد بن مسلم: المتبايعان بالخيار ثلاثة أيام في الحيوان، وفيما سوى ذلك من بيع حتى يفترقا (1). يدل على أن من له الخيار في الحيوان ومن له خيار المجلس واحد. وخيار الحيوان لا يمكن الالتزام بثبوته للوكيل في اجراء الصيغة فكذلك خيار المجلس. والأخبار المطلقة كقوله: البيعان بالخيار


(1) الوسائل 12: 345، الباب 1 من أبواب الخيار ح 1.

[ 23 ]

حتى يفترقا (1) متحد في الموضوع مع الأخبار المقرونة بخيار الحيوان، لا من باب حمل المطلق على المقيد، فإنه لا يجري في الأحكام الانحلالية كقوله: " أكرم العالم وأكرم زيدا " بل من باب أنه لا إطلاق في الأسماء المطلقة، فإن الموضوع فيها من كان له خيار الحيوان في بيع الحيوان. وأما الدليل الرابع: وهو أن حكمة جعل الخيار إرفاق للمالك ليتروى فيختار ما هو الأصلح له، فهو وإن كان دليلا اعتباريا ولا يقتضي الحكمة الاطراد في كل مورد، إلا أنه نعلم بأن جعل هذا الخيار شرعا لمن ليس له اختيار البيع بلا موجب. ولا ينتقض بجعل المتعاقدين الخيار لثالث، فإنه كمال السلطنة لهما في ذلك، وحق جعلي مالكي منهما له. ثم إن هذه الوجوه الثلاثة الأخيرة إنما هو بعد الغض عن الوجه الأول، وأما بلحاظه فلا نحتاج إلى تطويل وذلك لما عرفت من أن عقد الوضع - وهو البيع - لا يصدق على مجرى الصيغة، لأن مبادئ اختيار البيع ليس بيده. نعم يفيد هذه الوجوه لإثبات عدم ثبوت الخيار للوكيل الذي تنتهي وكالته بإجراء عقد البيع وإن لم يكن كمجري الصيغة بل كان مستقلا في التصرف في الشراء أو البيع. وحاصل الكلام أن الوكلاء على أقسام ثلاثة: الأول: الوكيل المفوض المستقل في التصرف على أي نحو شاء، كالعامل في القراض، وأولياء القاصرين. والثاني: الوكيل في إجراء الصيغة فقط. والثالث: المتوسط بينهما، بأن كان وكيلا مستقلا في المعاوضة إلا أن نفس دليل وكالته لا يشمل فسخ المعاوضة بعد تحققها. ولو أذن له الموكل في الفسخ بعد العقد أيضا فهو وكالة مستقلة، فتنقطع وكالته الاولى بعد المعاوضة وإن كان مستقلا ومختارا في الشراء مثلا بأي مقدار من الثمن ومن أي بائع.


(1) الوسائل 12: 345، الباب 1 من أبواب الخيار ح 1 و 2.

[ 24 ]

فالقسم الأول له الخيار لعموم النص، لأنه بيع حقيقة بل جميع الوجوه الدالة على ثبوت الخيار للمالك لو كان بنفسه عاقدا تجري في حقه أيضا. والقسم الثاني ظهر حاله. والثالث كالثاني وإن صدق عليه عقد الوضع، إلا أن عقد الحمل وهو قوله (عليه السلام) " بالخيار " لا يشمله، لما عرفت من أن الخيار سلطنة ثابتة بأدلته للعاقد بعد الفراغ عن سلطنته على التزام الطرف المقابل، والوكيل الذي تنتهي وكالته ليس مالكا لالتزام الطرف المقابل، لأنه ليس له الإقالة ولا الفسخ بغير خيار المجلس من سائر الخيارات حتى يثبت له خيار المجلس بأدلته، بل هو بعد المعاوضة أجنبي صرف. وبتقرير آخر أدلة الخيارات مخصصة لعموم " أوفوا بالعقود " فكل من يجب عليه الوفاء بالعقد مختار في الفسخ بدليل الخيار، وهو ليس إلا من كان مسلطا على ما انتقل إليه. فالتسلط على ما انتقل إليه ملازم لثبوت الخيار. ولو كان الخيار راجعا إلى العقد لا العين فمن ليس مسلطا على ما انتقل إليه ليس وجوب الوفاء موجها عليه، ومن لا يجب عليه الوفاء لولا الخيار ليس له الخيار. فعلى هذا لقد أجاد المصنف (قدس سره) في تعبيره بأن مفاد أدلة الخيار إثبات حق وسلطنة لكل من المتعاقدين على ما انتقل إلى الآخر بعد الفراغ عن تسلطه على ما انتقل إليه. وهكذا الوجهان الأخيران لا يجريان في حق هذا الوكيل أيضا، فإن خيار الحيوان المقرون في الأدلة مع خيار المجلس ليس له، لأنه أجنبي عن الحيوان حتى ينظر ويتروى. وهكذا الإرفاق للمالك وإن كان حكمة إلا أن الحكمة لا يجب أن يطرد في مورد الحكم المعلل بها لا في غير مورده، مثلا اختلاط المياه الذي حكمة لجعل العدة لا يجب أن يطرد إلا أنه في مورد ذات العدة لا في البائن الذي ليس موردا لجعل العدة. فالمقام وإن كان جعل الخيار حكمة وإرفاقا للمالك إلا أنه جعل له، فهو الذي له الخيار، ولو لم يكن في مورد خاص جعله له إرفاقا له ولم يجعل لغير المالك فلا وجه لثبوته له.

[ 25 ]

قوله (قدس سره): (وعلى المختار فهل يثبت للموكلين فيه إشكال.... إلى آخره). بعد ما ظهر أن الخيار ثابت للوكيل المطلق المفوض إليه أمر المعاملة بيعا وشراء فسخا وإمضاء دون غيره، فهل يثبت للموكلين مطلقا أو لا يثبت لهما مطلقا أو تفصيل بين الموكلين في إجراء الصيغة فلهما ذلك وغيرهما من القسمين الآخرين فليس لهما؟ وجوه: أقواها ثبوته لهما مطلقا. أما لو كان وكيلهما وكيلا في إجراء الصيغة فقط، لأن البيع في الحقيقة نفس الموكلين والوكيلان بمنزلة لسانهما ويصدق في حقهما حقيقة إنهما باعا واشتريا. وأما لو كان وكيلهما وكيلا في المعاوضة الخاصة أو مطلقا، فلصحة انتساب البيع إلى نفس الموكلين أيضا، كما يصح انتساب الفعل إلى المباشر والسبب في كل فعل. ولذا ورد تارة * (الله يتوفى الأنفس حين موتها) * (1). واخرى * (قل يتوفكم ملك الموت الذي وكل بكم) * (2). وثالثة * (ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة) * (3) فنسب الفعل تارة إلى الله تعالى. واخرى إلى عزرائيل (عليه السلام). وثالثة إلى أعوانه من الملائكة سلام الله عليهم. نعم قد يناقش فيما ذكرنا بوجوه: الأول: أنه وإن صح استناد الفعل إلى السبب والمباشر إلا أنه في استعمال واحد لابد أن يراد أحدهما، فالمراد من قوله (عليه السلام) " البيعان " إما الموكلان أو الوكيلان، والمفروض ثبوته للوكيل المفوض، فلا يمكن ثبوته للموكل أيضا. الثاني: أنهم ذكروا أنه لو حلف المالك على عدم البيع لم يحنث ببيع وكيله فمنه يظهر أن بيع الوكيل ليس بيعا له.


(1) الزمر: 42. (2) السجدة: 11. (3) الأنفال: 50.

[ 26 ]

الثالث: أنه لا شبهة في تأثير فسخ الوكيل المفوض وإمضائه، فكيف! يؤثر فسخ المالك وإمضائه مع أن الملك الواحد والحق كذلك لا يمكن ثبوته لملاك متعددة وذوي حقوق مختلفة. ولكنه بأجمعها فاسدة: أما الأول: فلأن إرادة معنى واحد في استعمال واحد إنما يلزم لو كان اللفظ مختصا بأحد من الآمر والمأمور أو السبب والمباشر كالآيات الشريفة، فكما لا يمكن أن يراد من ملك الموت هو الله تعالى، فكذلك لابد أن يراد من يتوفاكم في هذه الآية الفعل بالمباشرة. وأما لو كان اللفظ من قبيل البيع أو المميت - مثلا - فلا يجب أن يراد منه أحد من المباشر والسبب، لإمكان إرادتهما منه ولو على نحو عموم المجاز. وبالجملة: يراد من البيع معنى عاما له مصاديق مختلفة في كيفية صدور الفعل منهم على نحو التسبيب والمباشرة. وأما الثاني: فعدم حنث المالك ببيع وكيله - مضافا إلى اختصاصه بغير مورد الوكيل في إجراء الصيغة لحنثه ببيعه - إن عدم الحنث إنما هو لاعتبار الالتفات والاختيار في متعلق النذر. وأما البيع فلم يعتبر الاختيار ولا الالتفات فيه، فيصدق في حق الموكل أنه بائع وإن لم يلتفت إلى بيع وكيله (1). وأما الثالث ففيه: أن تعدد الملاك في ملك واحد في آن واحد إنما يمتنع لو كان كل مالك في عرض الآخر.


(1) لا يخفى ما في هذين الجوابين. أما الثاني: فلأن صدق البائع عليه إنما هو بلحاظ خروج العين عن ملكه، فيقال: فلان باع داره، أي انتقلت داره إلى الغير، وأما بلحاظ تصديه له وصدور البيع عنه فلا يصدق عليه البائع ما لم يصدر عنه بالاختيار والالتفات. وأما الأول: فلأن هذا الباب خارج عن باب التسبيب، لأن باب السبب هو الذي لم يكن بينه وبين الأثر المترتب عليه واسطة ومريد صدر عنه الفعل بالاختيار. (منه مد ظله). (

[ 27 ]

وأما في المقام فملك الوكيل في طول ملك المالك ومن شؤون ملكه، ومن باب أنه هو الوكيل والوكيل هو الموكل. هذا مضافا إلى أن حكمة جعل الخيار تقتضي ثبوته للموكل أيضا. وبالجملة: إذا كان الموكلان حاضرين في المجلس فالأقوى ثبوته لهما وإن لم يجتمعا للبيع ولم يعلما به. أما اعتبار حضورهما فلظاهر قوله " ما لم يفترقا " أما عدم اعتبار اجتماعهما للبيع والتفاتهما به فلإطلاق الدليل وعدم اعتبار شئ سوى الاجتماع. ثم بناء على ثبوت الخيار للموكلين والوكيلين طوليا فكل من سبق من الوكيل أو الموكل على إعمال الخيار نفذ وذهب موضوع حق الآخر، وذلك ظاهر كما يظهر توضيحه في خيار الشرط المجعول للأجنبي. قوله (قدس سره): (ثم على المختار من ثبوته للموكلين فهل العبرة فيه بتفرقهما عن مجلسهما حال العقد أو عن مجلس العقد أو بتفرق المتعاقدين أو بتفرق الكل فيكفي بقاء أصيل مع وكيل آخر في مجلس العقد؟ وجوه: أقواها الأخير.... إلى آخره). لا يخفى أن كفاية بقاء أصيل مع وكيل آخر في مجلس العقد مع اعتباره (قدس سره) حضور الموكلين في المجلس متنافيان، وذلك لأنه لو لم يعتبر استدامة الحضور ممن له الخيار لم يعتبر في الابتداء أيضا، لأن استفادة الاجتماع في المجلس إنما هو من قوله (عليه السلام): " ما لم يفترقا " فلو صدق عدم تفرق الموكل ببقاء وكيله في المجلس صدق اجتماعه أيضا ابتداء وإن لم يكن نفس الموكل حاضرا في المجلس رأسا، لأن عدم صدق تفرقه ليس إلا أن الوكيل هو الموكل تنزيلا، فإذا كان كذلك فلا يعتبر حضوره أصلا. فالأولى أن يقال: لو كان الموكلان حاضرين في المجلس ولو لم يجتمعا للبيع فيثبت الخيار لهما مطلقا. وأما لو لم يحضرا، فلو كان الوكيلان وكيلين في إجراء الصيغة فقط أو في خصوص معاملة خاصة، بحيث تنتهي وكالتهما بالعقد، فلا خيار أصلا لا للموكلين ولا للوكيلين.

[ 28 ]

أما للوكيلين فلما ظهر سابقا. وأما للموكلين فلعدم حضورهما. وحضور الوكيلين لا يفيد لاجتماع البيعين اللذين هما الموكلان حقيقة، فإن بعد انقطاع الوكالة ليس اجتماع لأحد أصلا. ولابد في إعمال الخيار من اجتماع من له الخيار، فلا يفيد حضور الموكلين بعد العقد قبل تفرق الوكيلين أيضا، لأن حال البيع لا اجتماع، وحال الاجتماع لا خيار. وبعبارة اخرى، يظهر من قوله (عليه السلام): " ما لم يفترقا " اعتبار اجتماع من له الخيار من حين البيع إلى حين إعمال الخيار، فلو لم يحصل لا خيار. فعلى هذا لو وكلهما الموكلان بالفسخ بعد العقد مع عدم حضور أنفسهما لا يصح، لأن نفس وكالتهما في إجراء الصيغة أو في المعاملة لا يثبت لهما حقا في الفسخ والإمضاء. وإذنهما في الفسخ والإمضاء بعد عدم ثبوت الخيار لأنفسهما - لعدم حضورهما - لا يؤثر في ثبوت حق للوكيل، لأن ثبوت حق له إنما هو فرع ثبوته لموكله. وأما لو كان الوكيلان وكيلين مفوضين مستقلين فيكفي عدم تفرقهما لثبوت الخيار للموكلين ولو لم يجتمعا أصلا، وذلك لما عرفت من أن الحق الثابت للوكيلين إنما هو لأنهما بدنا تنزيلين للموكلين، ولأن البائع في الحقيقة هو الموكلين لأن البيع كسائر المشتقات كقوله " باع فلان داره " موضوع لمن انتقل عنه المال، والمنتقل عنه المال هو المالك لا الوكيل. فليس للوكيل حق في عرض حق الموكل، وإنما حقه من شؤون حق المالك. ومن حيث إنه نازل منزلته، فإذا كان المالك هو البيع وكان اجتماع الوكيل بمنزلة اجتماع المالك فلا يعتبر حضور المالك أصلا. وبالجملة: حيث إن الحق الثابت للوكيل إنما هو لكونه مالكا تنزيلا، ولذا نختار في المسألة الآتية عدم انتقال حق الخيار الثابت له إلى وارثه، لكونه ذا حق من حيث وكالته لا من حيث ذاته، فيكفي عدم تفرقه لثبوت حق للمالك ولو مع عدم حضوره. وهذا مراد العلامة (قدس سره): من أنه لو مات الوكيل في المجلس والموكل غائب انتقل حق الخيار إليه، لأن ملكه أقوى، أي خيار الموكل باق وبموت الوكيل

[ 29 ]

لا ينتقل إلى وارثه، لأن ملكه من شؤون ملك الموكل ومن تبعات وكالته، ولم يكن له حق في عرض حق الموكل حتى ينتقل إلى وارثه. وبالجملة: لو كان حق الوكيل حقا مستقلا وكان الخيار ثابتا له ولموكله بما هما شخصان - كثبوت حق الخيار للورثة على أحد الأقوال فيه - لكان الانتقال إلى الوارث في محله، وكان المقام من تقديم الفاسخ على المجيز، ولازمه عدم ثبوت الخيار للموكل مع عدم حضوره، وسقوط حقه مع افتراقه. وأما لو كان حقه طوليا ومن باب أنه هو الموكل تنزيلا فلا وجه لانتقاله إلى وارثه، ولا لثبوت حق الموكل بعد فسخ الوكيل أو إمضائه ولا لاعتبار حضور الموكل أو سقوط حقه بتفرقه. بل لو قلنا باعتبار حضوره أيضا لا يسقط حق الخيار بتفرقه ما دام الوكيل باقيا، لأن التفرق ك‍ " الانفصال " وسائر الأفعال الموجبة التي هي بمعنى النافية لا يصدق إلا مع تفرق الجميع، وليس ك‍ " الإيجاب " الذي يصدق بأول وجوده. قوله (قدس سره): (ومما ذكرنا اتضح عدم ثبوت الخيار للفضوليين.... إلى آخره). لا إشكال في هذا أصلا: لأنه وإن صدق " البيع " على الفضولي إلا أن الوجوه التي ذكرناها في عدم ثبوته لمجري الصيغة جارية هنا، بل بطريق أولى. إنما الكلام في ثبوته للمالكين لو كانا حاضرين في مجلس عقد الفضوليين وأجازا في المجلس، ولا يبعد ثبوته لهما، لأن بالإجازة ينتسب العقد إليهما والمفروض حضورهما في المجلس، فيصدق عليهما البيعان الغير المفترقين. ولو لم يكونا حاضرين معا في المجلس فلو لم يجتمعا في مجلس الإجازة أيضا - بأن أجازا متفرقين - فلا إشكال في عدم ثبوت الخيار لهما. وأما لو حضرا في مجلس الاجازة فيظهر منه (قدس سره) أنه على النقل، لا سيما على القول بأن الإجازة عقد مستأنف. أن لثبوته لهما وجها. ولكن الحق عدم ثبوته لهما أيضا، لأن النقل أو الكشف لا مدخلية له في صدق البيع المجتمع حال البيع عليهما، لأن الانتقال وإن حصل حال الإجازة،

[ 30 ]

إلا أنه لو احتمل خصوصية الاجتماع حال العقد فلا دافع لهذا الاحتمال. وإطلاق " البيعان بالخيار " ليس بصدد البيان من هذه الجهة. وأما القول بأن الإجازة عقد مستأنف فمردود جدا. ومما ذكرنا أولا يظهر ما إذا كان أحد المالكين مباشرا للعقد والآخر مجيزا وجمع العقد من الأصيل والفضولي مع الإجازة مجلس واحد عرفا، فإنه لا يبعد ثبوت الخيار هنا فقط، لأن حين الإجازة يصدق عليهما البيع المجتمع. نعم، لو كان مجلس الإجازة غير مجلس العقد فلا خيار لهما وإن اجتمعا معا حين الإجازة، لعدم تأثير هذا الاجتماع أصلا لصيرورة العقد في بدو الأمر عقدا للأصيل والآن للمالك فلا وجه لثبوته. قوله (قدس سره): (مسألة: لو كان العاقد واحدا لنفسه أو غيره.... إلى آخره). لا يخفى أن ثبوت الخيار للعاقد الواحد المتولي طرفي العقد يتوقف على أن يكون قوله (عليه السلام) " ما لم يفترقا " أو " حتى يفترقا " بيانا للمسقط بحيث يكون قوله (عليه السلام) " البيعان بالخيار " كلاما مستقلا لا يرتبط بقوله (عليه السلام) " ما لم يفترقا " أي كان مفاد الكلام أن الخيار للبيعين ما داما في المجلس وأما إذا افترقا فيسقط حقهما، وأما لو كان ظاهرا في القيدية للموضوع - أي البيعان الغير المفترقين - يثبت لهما الخيار، فيختص الخيار بمورد يمكن فيه الاجتماع والافتراق. فلو فقد هذا الوصف ابتداء، كما في المقام، أو طرأ ثانيا - كما إذا مات الوكيل المفوض في المجلس ولم نقل بانتقال حق الخيار إلى غيره ولم يكن المالك في المجلس - فلا خيار أصلا - والظاهر أن قوله (عليه السلام) " ما لم يفترقا " قيد للموضوع، فيعتبر ثبوته للبيعين اللذين من شأنهما الاجتماع والافتراق، ولا أقل من الشك. نعم، لو قيل بإجمال الأدلة فمقتضى الاستصحاب الفرق بين ما إذا طرأ فقد هذا العنوان، وما إذا فقد ابتداء، فيقال بثبوت خيار المجلس في الأول وعدم قابليته للسقوط إلا بمسقط آخر لعدم إمكان الافتراق، وعدم ثبوته في الثاني للشك في ثبوته ابتداء.

[ 31 ]

قوله (قدس سره): (منها: من ينعتق على أحد المتبايعين.... إلى آخره). لا يخفى أن صحة هذا العنوان بناء على المشهور - من عدم توقف الملك على انقضاء الخيار - تتوقف على أن يكون البيع معاوضة حقيقية بأن ينتقل من ينعتق إلى ملك من ينعتق عليه. وأما لو قيل بأنه استنقاذ محض - كاشتراء المسلم الأسير من الكفار - فلا يشمله أدلة الخيار. ثم بناء على كونه بيعا، معناه دخول المبيع في ملك المشتري حقيقة وإن لم يستقر على ملكه لانعتاقه عليه قهرا. وهذا هو المقصود من الملك التقديري في باب " أعتق عبدك عني " أي الملك الحقيقي الغير المستقر الثابت آنا ما، لا الملك الفرضي كأنياب الأغوال. وعلى هذا ينزل التقديري في قول المصنف لا الفرضي. والحاصل أنا إذا قلنا: إن الملك فيمن ينعتق عليه تقديري لا تحقيقي - ولكن على نحو البيع الاستنقاذي، لا على نحو التقديري في باب أعتق عبدك عني، فإنه تحقيقي - فالأولى الاستدلال لعدم ثبوت الخيار بما ذكرنا من أن أدلة الخيار لا تشمله، فإنه لا يصدق على المتعاقدين البيعان وإن أنشئا الملكية، فإن الإنشاء مقدمة للانعتاق لا بما ذكره المصنف. وحاصله: أن بيعه ممن ينعتق عليه إقدام على إتلافه فلا خيار للبائع، وشراء المشتري من ينعتق عليه إتلاف له في الحقيقة فلا خيار له، فإن مع قصور أدلة الخيار لا تصل النوبة إلى هذا الاستدلال. نعم، ما ذكره (قدس سره) أيضا متين جدا ولا يختص بمورد العلم، وذلك لأن المعاملة التي أوجدها المتبايعان إذا كانت سببا لإتلاف المبيع لا يبقى موضوع لتعلق الخيار به وإن قلنا بتعلقه بالعقد لا بالعين، فإن التفصيل بين تعلقه بالعقد أو بالعين يؤثر فيما لو استقر الملك ثم تلف، وأما لو كان نفس البيع سببا للتلف فلا فرق بينهما، كما لا فرق بين العلم والجهل لو كان البيع من باب إيجاد السبب. نعم، لو قلنا بأن الانعتاق حكم شرعي مترتب على الملك فمجرد علم

[ 32 ]

المتبايعين به لا يؤثر في سقوط الخيار، لأنهما لم يقدما إلا على بيع العبد. والانعتاق والخيار حكمان مجعولان واردان على هذا الموضوع، فلا وجه لترجيح أحدهما على الآخر بلا مرجح. وعلى هذا، فيمكن أن يكون قوله " فتأمل " راجعا إلى عدم الفرق بين مورد العلم والجهل في كلا طرفي النفي والإثبات، أي يمكن أن يقال بثبوت الخيار حتى في مورد العلم، لأن الإقدام على موضوع ذي حكم ليس إقداما على الحكم. ويمكن أن يقال بسقوط الخيار حتى في مورد الجهل، لأن إنشاء البيع إذا كان سببا للإتلاف فالجهل به لا يقتضي عدم تأثير السبب، كما في كل ما كان من قبيل الأسباب والمسببات. نعم، قد يتوهم هنا إشكال آخر على أصل ثبوت الخيار أو سقوطه، فإن النزاع فيه إنما هو بعد تحقق القبض من المشتري ثم دعوى الرجوع إلى القيمة لثبوت الخيار، وامتناع تعلقه بالعين أو سقوطه، لعدم إمكان تلقي الفاسخ الملك من المفسوخ عليه، وإذا فرض أن البيع إتلاف للمبيع فلم يتحقق القبض من المشتري. ولكنك خبير باندفاع هذا التوهم، لأن نفس انعتاقه عليه إقباض، وإلا يلزم أن يكون تلفه على البائع ولا يستحق شيئا من الثمن والقيمة. قوله (قدس سره): (وقد يقال: إن ثبوت الخيار لمن انتقل عنه مبني.... إلى آخره). هذا القول لصاحب المقابس (قدس سره) (1) ومحصل مرامه: أنه لو قلنا بأن الانعتاق معلول للملك الذي هو مترتب على العقد والخيار في عرض الملك فله الخيار بالنسبة إلى القيمة - كما هو مفروض كلامه - لأن الملك والخيار كليهما معلولان للعقد عرضا، والانعتاق معلول لأحد المعلولين، فهو متأخر رتبة عن علته التي هي في عرض المعلول الآخر، إلا أن يقال: نسبة الخيار والملك إلى العقد ليست نسبة المعلولين إلى العلة، حتى يقال: إن الانعتاق متأخر رتبة عن الخيار حيث إنه مترتب على الملك الذي هو في عرض الخيار، وذلك لأن الخيار من أحكام العقد


(1) مقابس الأنوار: 240.

[ 33 ]

لا من معلولاته. والملك أيضا ليس معلولا له بل هو المنشأ به، فإذا كان الخيار من أحكامه وكان له جهة الحرفية لا الموضوعية والاسمية - بمعنى أنه حل له من حيث المنشأ وإرجاع للإضافة المالكية - فيمتنع إعماله في المقام الذي لا يمكن فرض مالكية المفسوخ عليه. وأما لو قلنا بأن الانعتاق والخيار كليهما معلولان للعقد، أو معلولان للملك، أو الخيار معلول للملك، والانعتاق للعقد، ففيه وجهان: أحدهما السقوط أما على الأخير فلسبق الانعتاق على الخيار. وأما على الأولين فلأنصية أخبار العتق، ولا يقال: يمكن الجمع بينهما بتأثير العتق ورجوع ذي الخيار إلى القيمة، لأن القيمة بدل العين فيمتنع استحقاقها من دون المبدل. وثانيهما الثبوت للجمع بين الحقين، ولا يقال: لا يمكن الجمع بينهما لتعارض النصين، فإن التعارض إنما هو بالنسبة إلى نفس العين، وأما بالنسبة إلى القيمة فلا منافاة أصلا، بل هو عمل بالنصين. ومقتضى ثبوت حق الخيار الرجوع إلى القيمة للإجماع على عدم إمكان زوال يد البائع عن الثمن وعن قيمة المبيع، وتنزيلا للفسخ منزلة الأرش من عدم سقوطه لو ظهر عيب في المبيع مع إنعتاقه على المشتري، أي كما أن الإنعتاق لا يوجب سقوط حق المشتري من الأرش لو ظهر المبيع معيبا، فكذا لا يوجب سقوط حق البائع بالنسبة إلى القيمة، لعدم التنافي بينهما. ومما ذكرنا ظهر أن جميع ما وجه به الثبوت راجع إلى وجه واحد، وهو ثبوت القيمة. نعم، يرد على وجه السقوط أن الأنصية لا توجب الترجيح في المقام، لأن تعارض أخبار الانعتاق والخيار ليس من باب تعارض الدليلين، بل نظير تزاحم الحقين، فأنصية أخبار العتق لا تفيد تقديمه على الخيار. قوله (قدس سره): (أقول: إن قلنا: إنه يعتبر في فسخ العقد بالخيار أو بالتقايل.... إلى آخره).

[ 34 ]

محصله: أنه لو قلنا بأن الفسخ يوجب خروج الملك عن ملك من انتقل إليه إلى ملك من انتقل عنه يمتنع الخيار في مقامين: الأول: في مسألتنا هذه، لأن رجوع العمودين إلى ملك البائع يقتضي كون المشتري مالكا للعمودين وذلك ممتنع، لأنه لا يترتب على ملكيته لهما سوى الانعتاق. الثاني: في ما لو انتقل بالملك اللازم إلى الثالث، فإنه يمتنع أن يرجع المبيع إلى البائع الأول، مع أن المشتري الثاني اشتراه من المشتري الأول. والسر في ذلك ما ذكرناه، من أن تقدير الملك ليس مجرد الفرض بل له واقع، غاية الأمر أنه ملك غير مستقر، والملك الحقيقي الآني يمتنع في هذين المقامين. نعم، في مورد التلف الحقيقي يمكن تقدير الملك قبل التلف آنا ما للبائع. وأما لو قلنا بأن الفسخ لا يقتضي أزيد من رد العين إن كانت موجودة، وبدلها إن كانت تالفة أو بحكم التلف، فلا مانع من إعمال الخيار في جميع المقامات. والحق ذلك، إذ لا موجب لتقدير الملك، بل لا موجب لضمان من عليه الخيار، فإن مجرد تلف المبيع في يد المشتري من مال البائع لا يوجب ضمان المشتري لماله لو لم يكن يده يد ضمان، ولو كانت فلا موجب للتقدير. والمفروض أن نفس المعاملة اقتضت التضمين، بمعنى أن درك التالف على من تلف عنده، لأن حقيقة البيع تقتضي تضمين كل منهما لمال الآخر. ومعنى ضمانه أنه لو تلف عنده يصير عوضه المسمى ملكا مستقرا للآخر، فالعين قبل الفسخ مضمونة بثمنها، وأما بعد الفسخ فمضمونة بقيمتها لو كانت تالفة، لأن عدم إقدام المتبايعين مع قبض العوضين يقتضي ضمان كل منهما لمال الآخر. فما دامت العين موجودة لو فسخ أحدهما ردت العين، ولو كانت تالفة ردت قيمتها، لأن بالفسخ ينحل المعاملة فيرد الثمن ويأخذ القيمة. إلا أن يقال: إن التضمين الذي يتصور في هذا القسم من المعاملة إنما هو التضمين من حيث أصل المعاملة، وهو جعل العوض للمبيع وجعل المعوض للثمن، بمعنى تبديل المال بالمال.

[ 35 ]

وأما التضمين المطلق - الذي يقتضي الضمان بالمسمى قبل القبض بحيث إذا تلف المبيع أو الثمن انفسخت المعاملة ورد الباقي منهما إلى مالكه الأصلي ويقتضي الضمان بالمثل أو القيمة بعد القبض بحيث إذا تلف المقبوض وطرأ فسخ أو انفساخ أو إقالة يرد مثله أو قيمته إلى الطرف - فلا يعقل هنا، لأنه لا يمكن للبائع - مثلا - أن يلتزم بضمان المبيع وكون دركه عليه بالضمان المطلق حتى في مورد التلف، لأن معنى ضمانه كذلك أن يكون تلفه من ماله، ولازمه أن يقدر العبد ملكا له آنا ما قبل التلف، ولازمه عدم انعتاقه على المشتري، وهذا ينافي حكم الشارع. وعلى هذا، فلا يمكن أن تجري القاعدة الاخرى في المقام، وهي أن بالقبض ينتقل الضمان، لأن معنى هذه القاعدة: أن القبض يقتضي أن يكون تلف المقبوض على مالكه الفعلي عكس تلفه قبل القبض لأنه على مالكه الأصلي، ويقتضي أيضا انتقال الضمان بالمسمى إلى الضمان الواقعي. وهذه القاعدة فرع القاعدة الاولى، فإذا لم يكن للبائع - مثلا - الالتزام بالمسمى بالضمان المطلق قبل القبض لم يكن له الالتزام بالضمان المطلق بعد القبض بالضمان الواقعي، فلا يقدر على حل العقد بالفسخ ولا بالإقالة، وليس هذا العقد بعد صحته قابلا لأن يطرأ عليه انفساخ فتدبر. قوله (قدس سره): (إلا مع اقدام المتبايعين على المعاملة مع العلم.... إلى آخره). ذكرنا سابقا أن شراء من ينعتق لو كان من باب الاستنقاذ لا البيع الحقيقي فسقوط الخيار في كمال الوضوح، لإيجاد البائع ما هو سبب للإتلاف. وأما لو كان من قبيل البيع الحقيقي - كما هو ظاهر أكثر الأخبار من أنه يملك فينعتق عليه - فسقوطه مشكل، حتى في مورد العلم، إلا على ما ذكرنا من: أن المعاملة الكذائية بنفسها سبب للإتلاف. ولا يقاس على ما إذا باع عبدا وشرط عتقه على المشتري، لأن مجرد الشرط ليس سببا للعتق، فإن للشارط إسقاط شرطه، فالبيع بشرط العتق ليس سببا للإتلاف، وهذا بخلاف بيع من ينعتق على المشتري قهرا. وهكذا لا يقاس على ما إذا شرط البائع على المشتري تصرفا ناقلا أو أذن له في التصرف

[ 36 ]

الناقل أو التالف، فإن مجرد الشرط والإذن مع إمكان إسقاط الشرط أو الرجوع عن الإذن ليس موجبا لسقوط حق الخيار، لأنه ليس سببا لإتلاف المبيع. وبالجملة: التصرف بلا إذن، والإذن بلا تصرف من المأذون، ليس موجبا لسقوط حق الخيار، بخلاف المقام، فإنه كالإتلاف الخارجي. والسر فيه أن الخيار يثبت بالنسبة إلى القيمة في مورد لا يكون من أحد المتبايعين إقدام على المجانية، وفي المقام مع علم البائع بأن المبيع ينعتق على المشتري لا يمكن تضمينه إياه، وإذا امتنع التضمين امتنع الفسخ فامتنع الخيار. قوله (قدس سره): (ومنها شراء العبد نفسه.... إلى آخره). مفروض المسألة: هو ما لو اشترى نفسه من مولاه بماله لنفسه، وبعد فرض كون العبد مالكا للمال - كما يظهر في باب المكاتبة وفاضل الضريبة - يرد إشكالان في المقام: الأول: أنه وإن كان العبد مالكا إلا أنه وملكه ملك للمولى، وفي البيع يشترط أن يكون الثمن والمثمن مختلفين مالكا، لأنه تبديل طرف إضافة بطرف إضافة لشخص آخر، وليس تبديلا مكانيا، فلا يعقل أن يبدل الإنسان أحد ماليه بالآخر. وفي المقام نفس العبد ملك للمولى، والثمن الذي هو ملك للعبد ملك للمولى أيضا، فكيف! يبيع عبده بمال عبده الذي هو ماله. الثاني: أن العبد كيف يملك نفسه مع أنه لا يعقل أن يتحد الملك والمالك. فصحة هذه المعاملة تتوقف على دفع الإشكالين، فنقول: أما الأول: فمدفوع بكفاية التعدد اعتبارا، وذلك لأن الثمن وإن كان ملكا للمولى، إلا أنه ملكه طولا لا في عرض ملكه للعبد، فإن الملك الواحد لا يجتمع عليه مالكان عرضا، وأما طولا فلم يقم على امتناعه دليل. فالثمن الذي يملكه العبد وإن كان ملكا للمولى إلا أنه ملك له طولا، والمثمن - وهو العبد - ملك للمولى بلا واسطة، فيجوز تبديل ملك له بلا واسطة بملك له بواسطة ملكه لصاحب المال، فاختلف المالكان اعتبارا.

[ 37 ]

ودفع الثاني: بأنه لا مانع من تملك الإنسان لنفسه بمعنى أنه كان أولا رقا ومنافعه ملكا للغير: فإذا اشترى نفسه صار حرا - أي لا يملك منافعه أحد - ولا ينافي ملكيته لنفسه عدم تسلطه على بيع نفسه، فإن الملكية لا تلازم السلطنة المطلقة. وكيف كان فموضوع البحث في المقام انه بعد الفراغ عن صحة شراء نفسه لنفسه فهل فيه خيار له، أو لمولاه، أو لكليهما، أو لا مطلقا؟ وجوه: الظاهر عدم الخيار، أما بالنسبة إلى العين فلأن الحر لا يعود رقا، وأما بالنسبة إلى القيمة فلما عرفت في المسألة السابقة من ان الخيار يتعلق بما فيه تضمين، ومع علم المولى بأنه عبده وعلم العبد بأن اشتراء نفسه موجب لمالكيته لنفسه المساوق للحرية لا يعقل تضمين معاملي حتى ينتقل الضمان إلى القيمة. وبالجملة: في بيع من ينعتق على المشتري، لما امتنع تضمين البائع المشتري - لعلمه بتلفه عليه قهرا - امتنع الخيار بالنسبة إلى الطرفين. وفي مسألتنا هذه امتنع التضمين من كليهما، لعلم المولى بحرية العبد بمجرد شرائه نفسه فيمتنع تضمينه بالنسبة إلى المبيع، وعلم العبد بأن الثمن ملك لمولاه لأنه وما في يده لمولاه فيمتنع تضمينه للثمن، فسقوط الخيار فيها أولى من مسألة شراء من ينعتق على المشتري. قوله (قدس سره): (وفيها أيضا أنه لو اشترى جمدا في شدة الحر ففي الخيار إشكال.... إلى آخره). لا يخفى أن المحقق الثاني وجه الإشكال: بأن كون المبيع تالفا شيئا فشيئا مانع عن إعمال الخيار فيه، ثم أورد عليه بأن الخيار لا يسقط بالتلف (1). ووجهه المصنف (قدس سره) بأنه يحتمل اعتبار قابلية العين للبقاء بعد العقد في تعلق الخيار بها، ثم تأمل فيه. ولعل منشأ تأمله أن مجرد احتمال اعتبار البقاء ما لم يقم عليه دليل لا يوجب


(1) جامع المقاصد 4: 287.

[ 38 ]

تقييد إطلاق أدلة الخيار. ولا يخفى أن إيراد جامع المقاصد على ما أفاده في منشأ الإشكال وتأمل المصنف على ما ذكره في منشائه واردان على البيان الذي ذكراه، فإن كون المبيع تالفا صغرى لا تندرج تحت كبرى مسلمة. واحتمال اعتبار قابلية العين للبقاء دعوى بلا دليل. وأما لو قرر الإشكال بما مر نظيره في بيع من ينعتق على المشتري وشراء العبد نفسه فلا يندفع بما أفاداه، وبيان ذلك: أن مورد تعلق الخيار إنما هو فيما إذا ضمن كل من المتبايعين الآخر بماله، ومع علمهما بتلف المال خارجا أو شرعا أو عادة فلا تضمين، وإذا امتنع التضمين امتنع الفسخ فامتنع الخيار. وبعبارة اخرى: مورد خيار المجلس هو البيع الذي لم يكن بناء المتعاقدين على الإعراض عن العوضين، ومع علمهما بأن المال بمجرد البيع يخرج عن المالية إما شرعا أو عادة فقد أقدما على ذهاب مالهما. وفي بيع من ينعتق على المشتري نفس البيع سبب للاتلاف شرعا. وهكذا شراء العبد نفسه سبب للإتلاف شرعا، للملازمة بين ملكية النفس والحرية. وأما بيع الجمد فليس سببا للإتلاف، بل شدة الحر سبب له. ولذا اتفقوا على سقوط الخيار بالنسبة إلى الأولين، واختلفوا بالنسبة إلى الأخير. قوله (قدس سره): (لا يثبت خيار المجلس في شئ من العقود سوى البيع.... إلى آخره). لا إشكال في عدم ثبوت خيار المجلس في شئ من العقود الجائزة - سواء كانت جائزة حقا كالعقود الإذنية، أو حكما كالهبة الغير المعوضة - لأن جعل الخيار فيها لغو. بل ظاهر دليل خيار المجلس أن مورده العقد الذي من شأنه اللزوم لولا الخيار والهبة وإن أمكن طرو اللزوم عليها - كما لو تلفت العين الموهوبة - إلا أن لزومها ليس لسقوط الخيار، بل لو طرأ الملزم في المجلس أيضا يلزم الهبة. وعلى هذا فينبغي توجيه كلام الشيخ في دخول الخيار في مثل الوكالة،

[ 39 ]

بأن مراده من دخول الخيار في هذه العقود تعلقه بها إذا وقعت في ضمن عقد البيع بنحو النتيجة فتنفسخ الوكالة بفسخ البيع تبعا. وهذا وإن لم يكن من الخيار في الوكالة بل هو في البيع، إلا أنه بملاحظة سائر كلمات الشيخ من عدم تعلق الخيار بالوكالة وأمثالها لا محيص عن هذا التوجيه. وبالجملة: لا معنى لثبوت خيار المجلس في العقود الجائزة، إنما الكلام في ثبوتها في العقود المعاوضية اللازمة، كالصلح والإجارة، وسائر العقود من الرهن والقرض مما يلحق بالعقود المعاوضية. والحق عدم ثبوته فيها أصلا، لاختصاص أدلته بالبيع. ولا يقاس على سائر أحكام البيع، مثل كون تلف المبيع قبل قبضه من مال البائع، وخيار العيب ونحو ذلك على ما هو الظاهر من الفقهاء من إجرائها في سائر العقود المعاوضية، وذلك لما يظهر في محله من أن سائر أحكامه التي أجروها في سائر العقود إنما هو لدلالة أدلتها على أن منشأ ثبوتها في البيع إنما هو لكونه معاوضة لا من جهة خصوص البيعية. وبعبارة اخرى: كون تلف المبيع قبل القبض من مال البائع - مثلا - إنما هو لاقتضاء الضمان المعاوضي ذلك لا لتعبد شرعي صرف، وهكذا خيار العيب إنما هو للاشتراط الضمني الذي بناء كل عاقد عليه لا للتعبد المحض وإن اعمل فيه التعبد أيضا من جهة الخيار بين الرد والأرش إلا أن أصل جعله ليس تعبديا صرفا. وهذا بخلاف خيار المجلس، فإن وجه ثبوته ليس إلا التعبد الصرف فلا يتعدى من البيع إلى غيره. قوله (قدس سره): (مسألة مبدأ هذا الخيار من حين العقد.... إلى آخره). لا إشكال في ثبوت خيار المجلس في الصرف والسلم لو تحقق القبض في المجلس، إنما الإشكال في ثبوته فيهما قبل القبض. ومنشأ الإشكال أن الخيار ملك فسخ العقد، والفسخ إنما يتعلق بالعقد الصحيح، والمفروض أن الصحة تتوقف على القبض. وتنقيح ذلك يتوقف على بيان امور: الأول: أن المجلس الذي يعتبر القبض فيه في الصرف والسلم لا يشترط أن

[ 40 ]

يكون مجلس العقد، بل يكفي القبض فيهما ما لم يفترق المتبايعان وإن خرجا عن مجلس العقد. ويدل عليه قوله (عليه السلام): " وإن نزى حائطا فانز معه " (1) فيستفاد منه كفاية القبض قبل التفرق وإن فارقا مجلس العقد مصطحبين. الثاني: إذا صار أمران سببا لانفساخ العقد ينسب الفسخ إلى أسبق السببين لو كان. الثالث: ذكر العلامة (2) وجهين لوجوب القبض شرعا: أحدهما: مختص بالصرف. وثانيهما: مشترك بينه وبين السلم. أما المختص فهو لزوم الربا ويجب أن يحمل كلامه على لزومه في الجملة، وهو لو كان الثمنان من جنس واحد كالذهب بالذهب - مثلا - فإنه لو أقبض أحدهما مثقالا من الذهب ولم يقبضه الآخر إلى مدة يلزم الربا، لأن للأجل قسطا من الثمن. والمثقال النقدي أزيد قيمة من النسيئة فيلزم الربا. وهذا الكلام وإن لم يخلو عن إشكال، إذ لا نقيصة إلا إذا شرط التأجيل لا إذا كانت المعاملة نقدية ولم يسلم أحدهما العوض فإنه لا رباء فيه، إلا أنه لا يرد عليه المناقشات التي ذكرها بعض المحشين. وأما المشترك فهو وجوب الوفاء بالعقود. ولا يقال بعد شرطية القبض في صحة العقد لا عقد حتى يجب الوفاء به. لأنا نقول: التخصيص الوارد على العقود اللازمة قد يرد على جميع آثارها وقد يرد على بعضها. فمن الأول الخيار، فإن العقد المشتمل على إنشاء التبديل مطابقة وعلى التعهد بما أنشأه التزاما وعلى الشروط الضمنية - كنقد البلد والتسليم والتسلم والسلامة


(1) الوسائل 12: 459، الباب 2 من أبواب الصرف ح 8. (2) التذكرة 1: 511، 518، 556.

[ 41 ]

من العيب وعدم الغبن - إذا خصص مدلوله بدليل الخيار الموجب لملك فسخ العقد وإقراره يكون جميع مراتبه خياريا، ولذا لا يجب التسليم والتسلم فيه، كما أن له فسخ العقد، أي عدم الوفاء بما تعهده التزاما. ومن الثاني القبض في الصرف والسلم، فإنه معتبر في الملكية لا في أصل العقد، ولا في وجوب الالتزام بما التزم به. ويؤيد ذلك بل يدل عليه الخبر المذكور وهو " إذا نزى حائطا فانز معه " فإنه لو كان أصل العقد وصحة المنشأ به موقوفا على القبض لم يكن وجه لتعقيب أحد المتبايعين الآخر في تحصيل القبض. وبالجملة: دليل الخيار ناظر إلى أوفوا بالعقود، والعقد المتضمن للشرائط الضمنية - التي منها التسليم والتسلم - إذا خصص بدليل الخيار لا يجب الوفاء به في زمان الخيار بالنسبة إلى التسليم والتسلم أيضا، لحكومة دليل الخيار على مثل " الناس مسلطون " (1) فلا يرد إشكال المحقق الأردبيلي بأن منع أحد المتبايعين عن الإقباض لا يسوغ ظلم الآخر (2). وذلك لأن وجوب الإقباض لو كان من باب تسليم مال الغير لكان إشكاله في محله، وأما لو كان من جهة الشرط الضمني الذي خصص بدليل الخيار فلا يرد إشكاله. وأما دليل اعتبار القبض في الصرف والسلم فليس ناظرا إلى العقد، بل القبض شرط للملك فلا ينافيه وجوب التسليم والتسلم، ولا مانع من تعلق خيار المجلس بهما فيكون مبدؤه العقد. ثم إنه لا تنافي بين كون القبض شرطا للملكية وكون الإقباض واجبا شرعا لحق مالكي، لأنه لو كان استفادة الشرطية والوجوب التكليفي كلاهما من الأخبار الآمرة بالقبض لكان من باب استعمال المشترك في معنييه، وأما لو كانت الشرطية مستفادة من " الأخبار " والوجوب التكليفي من " أوفوا بالعقود " فلا إشكال أصلا. فتحصل مما ذكرنا: أنه لو قلنا بوجوب القبض في الصرف والسلم لحق شرعي


(1) عوالي اللآلي 1: 222 ح 99. (2) مجمع الفائدة 8: 504.

[ 42 ]

مالكي ولذا يصح الإقالة فيهما فمبدأ الخيار من حين العقد وثمرته ظاهرة، وأما لو لم نقل بوجوبه فمبدؤه بعد القبض إذا كان المجلس باقيا، وذلك لأنه لو لم نقل بوجوبه، إما لما ذكره الأردبيلي من أن وجوب القبض من باب وجوب رد المال إلى مالكه فلو لم يكن كل عوض ملكا للآخر فلا معنى لرده، وإما لاعتبار القبض في أصل العقد لا في الملك، فالعقد قبله غير تام. وعلى أي حال لا وجه لتعلق الخيار بالعقد قبل القبض، لأن الخيار يتعلق بالعقد الذي لولاه لكان العقد لازما، فإذا لم يكن كذلك فلا معنى لتعلق الخيار به. ولا يقاس على الخيارين العرضيين اللذين يردان على العقد، لأن كلا منهما لو لم يكن لكان العقد لازما من هذه الحيثية ولو لم يكن لازما مطلقا. وهذا بخلاف عقد الصرف - مثلا - فإنه ولو لم يكن خياريا أيضا لم يكن لازما. وبعبارة اخرى: الخيار هنا في طول القبض ومترتب عليه، وليس من قبيل الخيارين العرضيين اللذين يؤثر كل منهما أثرا خاصا. فمجرد إمكان الأثر للخيار - كما يظهر من المصنف (قدس سره) - لا يفيد في ثبوته لو دل الدليل على تعلقه بما لولاه لكان لازما ولو من هذه الحيثية فتأمل جيدا. ثم إنه يمكن أن يكون قول صاحب الدروس (قدس سره) ناظرا إلى هذا القول بأن يكون مراده من " اللزوم " في قوله: فإن للقبض مدخلا في اللزوم (1) اللزوم المستفاد من أوفوا بالعقود لا اللزوم مقابل الصحة، أي بدون القبض لا يجب الوفاء بالعقد، لأن للقبض دخلا في وجوب الوفاء به. قوله (قدس سره): (ومما ذكرنا يظهر الوجه في كون مبدأ الخيار للمالكين الحاضرين في مجلس عقد الفضوليين على القول بثبوت الخيار لهما من زمان إجازتهما.... إلى آخره). أي مما ذكرنا - من أنه لو قلنا بعدم وجود التقابض ففي أثر الخيار خفاء -


(1) الدروس 3: 267.

[ 43 ]

ظهر أن الخيار الثابت للمالكين في باب الفضولي مبدؤه حين الإجازة، وذلك لأن الخيار الثابت هنا إنما ثبت للبيع، والبيع هو المالك بعد الإجازة، لأنه ليس قبلها بيعا من غير فرق بين الكشف والنقل، لأن الإجازة وإن كانت إنفاذ العقد الفضولي والعقد سابق عليها إلا أن أثر كونها إنفاذا لمنشئه إنما هو ترتيب آثار الملكية من حين العقد، لا إثبات البايعية للمجيز، لأن البايعية إنما يثبت بالوجود التكويني للإجازة. وبعبارة اخرى: بعد العلم بأن صحة عقد الفضولي تتوقف على أن لا يكون فعل الفضولي علة تامة لترتب أثره عليه - كترتب الإيلام على الضرب فإنه بالإجازة لا يستند إلى المجيز - وبعد العلم بأن النزاع في الكشف والنقل إنما هو فيما يرجع إلى فعل غير المالك بحيث كانت الإجازة ونحوها إنفاذا لأمر سابق عليها كإجازة المرتهن والعمة والخالة وكأداء الزكاة ممن باع المال الزكوي يظهر أن الإجازة من المالك في المقام تؤثر في استناد المسبب والتمليك إلى نفسه ولو من حين عقد الفضولي، ولا يمكن أن تؤثر في صدق البايعية عليه من ذلك الحين. وكما لو عقد فضولي وأجازه فضولي آخر ثم أجاز المالك تلك الإجازة لا تؤثر إجازته في الإجازة السابقة بل بنفسها إجازة من المالك، لأن حيثية الإجازة مترتبة على وجودها التكويني، فكذلك صدق البايعية في المقام مترتب على وجودها التكويني. ونزاع الكشف والنقل جار في ما هو القابل لتعلق الإجازة به، ولذلك لم يجر هذا النزاع في القبض المعتبر في الصرف والسلم وفي قبول المشتري وأمثالهما مما هو بنفسه أحد أركان العقد. قوله (قدس سره): (لا خلاف ظاهرا في سقوط هذا الخيار باشتراط سقوطه في ضمن العقد.... إلى آخره). لا يخفى أن عمدة الإشكال المتصور في هذا المسقط أحد الإشكالين على سبيل المنفصلة الحقيقية، فإن اشتراط سقوطه في متن العقد إما يرجع إلى إسقاط الخيار فيرد عليه أنه إسقاط لما لم يجب، أو يرجع إلى عدم كون هذا العقد خياريا

[ 44 ]

فيرد عليه أن هذا الشرط مخالف للكتاب والسنة، مضافا إلى لزوم الدور، لأن عدم كون العقد خياريا يتوقف على لزوم الشرط ولزومه يتوقف على عدم كونه خياريا، لأنه لو كان جائزا لكان الشرط في ضمنه كذلك أيضا. وأما سائر الإشكالات فلا يرد أصلا، أما تعارض دليل الشرط مع دليل الخيار ففيه: أنه لو كان الشرط راجعا إلى الإسقاط لا ينافيه الخيار حتى يرجح دليل الشرط بعمل الأصحاب أو بالحكومة، لأنه مع ثبوت الخيار فقد اسقطاه، ولو رجع إلى عدم كون العقد خياريا فليس المعارض إلا مخالفة الشرط للسنة الدالة بالإطلاق على ثبوت الخيار في كل عقد. وأما مخالفة الشرط لمقتضى العقد ففيه: أن الخيار ليس مقتضاه، بل من الأحكام الشرعية الثابتة له، فليس شرط سقوطه مخالفا لمقتضاه كما لا يخفى. فالعمدة أحد الإشكالين، ولا يمكن أن يردا في عرض واحد على موضوع واحد، لأن الشرط لو رجع إلى الإسقاط فليس مخالفا للكتاب فهو كإسقاطه بعد العقد، ولو لم يرجع إليه فليس إسقاطا لما لم يجب. إذا عرفت ذلك فنقول: ذكر المصنف (قدس سره) ضابطا لامتياز الشرط المخالف عن غيره، وهو أنه لو كان ملاك الحكم بنحو العلية فالشرط المخالف له مخالف للكتاب، ولو كان بنحو الاقتضاء فلا يكون مخالفا له. وهذا وإن تم ثبوتا، إلا أنه لا يتم إلا بالوحي أو الإلهام إثباتا، لأن معرفة أن ملاك الحكم بنحو العلية أو الاقتضاء لا تحصل إلا للأولياء. فالأولى أن يقال: إن الحكم إما تكليفي أو وضعي، والتكليفي إما اقتضائي أو تخييري. فلو كان تكليفيا اقتضائيا فالشرط المخالف له مخالف للكتاب، لأن وجوب الصلاة أو حرمة الخمر يشمل بإطلاقه مورد شرط الترك والشرب، إلا أن يدل دليل على خلافه فيستكشف به أن الوجوب أو الحرمة مشروط بعدم الشرط أو النذر، كما دل الدليل على صحة نذر الإحرام قبل الميقات. ولو كان تخييريا فالشرط المخالف له ليس مخالفا للكتاب، فإن شرط عدم شرب الماء لا ينافي إباحته، إلا أن يدل دليل على

[ 45 ]

خلافه، كما ورد أن شرط ترك التسري والتزويج لا ينفذ، فإن به يستكشف أن الشارع أراد إباحة التسري مطلقا. وبالجملة: مقتضى الأصل في طرف الاقتضاء والتخيير متعاكس. ولو كان وضعيا، فإما من الحقوق، أو من الأحكام. فلو كان حقا فشرط سقوطه لا ينافي الكتاب. ولو كان حكما - كميراث الزوجة الدائمة، وعدم الأرث للمتمتع بها - فالشرط المخالف له مخالف للكتاب إلا إذا ثبت خلافه. إذا عرفت ذلك ظهر أنه لو كان الشرط راجعا إلى عدم كون هذا العقد خياريا فهو شرط مخالف للكتاب. ولا يقال: إن الأحكام الثابتة للأشياء بعنوانها الأولي ثابتة لها اقتضاء لو خليت وطبعها، فلا ينافي طرو عنوان ثانوي لها رافع لحكمها. لأنا نقول: لو كان دليل الشرط مثل دليل لا ضرر ولا حرج لكان كذلك، وأما لو اعتبر في نفس دليل الشرط عدم كونه مخالفا للكتاب فعمومه حيث خصص لا يرفع حكم الواجب أو الحرام. نعم، لو دل دليل خاص على صحة هذا الشرط نستكشف أن ملاك الحكم الوجوبي أو التحريمي تام في غير مورد الشرط. وأما الأدلة العامة فلا يمكن حكومتها على أدلة الأحكام الوجوبية أو التحريمية، بل إطلاق دليل الحكم أو عمومه يدخل الشرط في المستثنى. نعم، لو أغمضنا عن هذا الإشكال وأجبنا عنه بما أجاب به المصنف (قدس سره) لا يرد إشكال الدور، لأن الشرط في العقد الجائز وإن لم يكن لازم الوفاء إلا أن لزوم هذا الشرط لا يتوقف على لزوم العقد ولا لزوم العقد على لزوم هذا الشرط، لأن اشتراط عدم كون البيع خياريا يرجع إلى أنه ليس في هذا العقد ما يوجب الفسخ. وبعبارة اخرى: ولو لم يكن في البين مثل المؤمنون عند شروطهم إلا أن وجوب الوفاء بالعقد كاف في لزوم الشرط، لأنه لو لم يكن هذا البيع خياريا يبقى عموم أوفوا بالعقود على حاله. ويمكن أن يكون هذا مقصود المصنف (قدس سره): من أن

[ 46 ]

عموم وجوب الوفاء بالشرط عين لزوم العقد، لا ما هو ظاهره من: أنه استفاد لزوم الشرط من قوله " المؤمنون عند شروطهم " فإن الإشكال بحاله، لأن لزوم الوفاء بالشرط يتوقف على كون العقد لازما، والمفروض أن لزومه متوقف على عدم كونه خياريا. وبالجملة: فالأولى أن يقال إذا لم يكن في البين خيار فالعقد لازم يجب الوفاء به، وهذا الشرط راجع إلى كون العقد لازما غير خياري فلا توقف أصلا. ثم إن هذا كله لو كان الشرط راجعا إلى عدم كون هذا العقد خياريا، وأما لو رجع إلى عدم كون المشروط عليه ذا خيار - أي إلى إسقاط حقه - فالإشكال بأنه إسقاط لما لم يجب غير وارد، لأن إسقاط ما لم يجب الراجع إلى هبة ما لا يملكه الواهب هو إسقاط حق لم ينشأ سببه أصلا كالإسقاط قبل العقد. وأما لو وجد سببه ولو لم يحصل فعلا فلا مانع عن إسقاطه. قال في التذكرة: لو وكله في شراء عبد وعتقه وفي تزويج امرأة وطلاقها واستدانة دين وقضائه صح (1) انتهى. ففي كلامه إشارة إلى أن ما اشترط في الوكالة من كون المتعلق مملوكا للموكل لا يجب أن يكون ملكا فعليا، بل إذا حصل المقتضي للملكية صح الوكالة فيه، بخلاف ما إذا لم يحصل سببها أصلا، كما لو وكله في طلاق زوجة سينكحها، أو أسقط الموكل خيار المجلس حين توكيله للبيع، أو شرط في ضمن عقد لازم سقوط الخيار في العقد الذي سيوجده. وبالجملة: لا إشكال في صحة الرهن الواقع بعد إنشاء البيع، كما لو قال البائع: بعته وارتهنته أو قال المشتري اشتريته ورهنته، وأمثال ذلك، ففي المقام يصح إسقاط الخيار بعد إنشاء البيع واشتراط سقوطه في ضمنه. ويدل عليه المكاتبة المذكورة في الكتاب، فإن الزوجة إذا صارت حرة بأداء مال الكتابة فهي مختارة في إقامتها مع زوجها العبد ومفارقتها إياه، مع أنه (عليه السلام)


(1) التذكرة 2: 117 س 25.

[ 47 ]

أجاز شرط عدم الخيار لها قبل الحرية وليس إلا لأن التشبث بالحرية يكفي لإسقاط الخيار. ولكن الأولى أن يقال: إن اشتراط سقوطه في متن العقد وإن لم يكن إسقاطا لما لم يجب، إلا أنه لا لما هو ظاهر كلام المصنف من تحقق المقتضي فإن وجوده من دون وجود الجزء الآخر من العلة لا يوجب إمكان الإسقاط الفعلي، بل لأن معنى الخيار هو ملك الالتزام ومحله في متن العقد، والإسقاط يرجع إلى تفويض ملك الالتزام - الذي ملكه بالعقد أو يملكه بعد - إلى صاحبه، فيرجع الإسقاط إلى دفع الحق لو كان الخيار متوقفا على أمر غير حاصل، كخيار الغبن بناء على كون ظهوره شرطا شرعيا له. وببيان آخر: أن مرجع سقوط الخيار إلى سقوطه في مرتبة وجوده لا إلى إسقاطه فعلا، وحيث إن رتبة وجوده متأخرة عن رتبة الملكية ففي عالم الإنشاء أيضا إذا كان متأخرا عن إنشاء الملك يصح إنشاؤه، ويكون من قبيل إنشاء الحكم على الموضوع المقدر وجوده. قوله (قدس سره): (ثم إن هذا الشرط يتصور على وجوه.... إلى آخره). الوجه الأول راجع إلى شرط النتيجة، ولا شبهة أن النتيجة تحصل بالشرط لو لم يجعل الشارع حصولها من سبب خاص - كالطلاق والعتق والنكاح وأمثالها - فإن الشرط كالنذر يتحقق به ما يتحقق بالنذر. وفي المقام لم يجعل الشارع لسقوط الخيار سببا خاصا فيسقط بمجرد الشرط. وأما الوجه الثاني والثالث فيرجعان إلى شرط الفعل، فالثاني كما لو شرط أن لا يبيع من زيد، والثالث كما لو شرط أن يبيع منه. فلو باع منه على الثاني يبطل البيع، لفساد المعاملة إذا تعلق النهي بها من حيث المسبب، وذلك لأن الشرط يوجب سلب قدرة المالك على البيع من زيد. كما أنه يبطل لو باع من غير زيد على الثالث، لعدم قدرته على البيع من غير زيد بالشرط. فتصير المعاملة من جهة تخصيص " الناس مسلطون " بأدلة الشرط منهيا عنها بالنهي النفسي، لا من جهة أن

[ 48 ]

وجوب البيع من زيد يوجب النهي عن ضده حتى يقال: إن الأمر بالشئ لا يقتضي النهي عن الضد، وعلى فرض الاقتضاء النهي الغيري لا يوجب الفساد، وذلك لأن المعاملة مضافا إلى اعتبار صحتها من حيث شرائط العقد والعوضين والمتعاقدين يعتبر أن يكون إيجادها مقدورا لمالكها، فتفسد إذا لم تكن مقدورة شرعا بالشرط. قوله (قدس سره): (وكيف كان فالأقوى أن الشرط الغير المذكور في متن العقد غير مؤثر.... إلى آخره). والسر فيه ما ذكرناه مرارا من أن القصود والدواعي غير معتبرة في العقود ما لم ينشأ لفظ على طبقها، فمجرد وقوع العقد مبنيا على شرط مع عدم ذكره في متن العقد لا يؤثر في سقوط الخيار، وذلك لأن الشرط إلزام مستقل لا يرتبط بالعقد، فارتباطه به يتوقف على الالتزام به في العقد، ومجرد البناء عليه ليس التزاما به. ولا يقاس على أوصاف العوضين - كالحنطة الحمراء - ولا على الشروط التي جرت العادة والعرف على الالتزام بها في العقد. أما الأوصاف فلأنها لو ذكرت قبل العقد فذلك يوجب انصراف العوض إليها في العقد، فلا يحتاج إلى إنشاء على حدة. وأما الشروط فسواء كانت من شروط العوضين كالسلامة من العيوب التي هي من قيود العوضين أم كانت من الشروط التي كان بناء العرف والعادة عليها - كالتسليم والتسلم - فإنشاء العقد إنشاء لها، لأنها من لوازم ألفاظ العقود، فكما أنه ينشأ بها معانيها المطابقية فكذا مداليلها الالتزامية. وهذا بخلاف الشرط الخاص للعاقد الخاص، فإنه ليس من المداليل الالتزامية وليس كالشروط النوعية وكالأوصاف، فليس هو المنشأ في العقد إلا مع ارتباط العقد به صريحا أو إشارة كأن يقول: بعت على ما ذكر. وبالجملة: بعد ما عرفت من أن المراد من اشتراط الإسقاط في متن العقد هو عدم فسخ العقد لا عدم كون العقد خياريا، فليكن المراد من اشتراط سقوطه قبله هو هذا المعنى.

[ 49 ]

وذلك لو اشير في العقد إليه يرتبط العقد به ولم يكن إسقاطا لما لم يجب. وأما لو لم يذكر في العقد فهو من الشروط الابتدائية التي لا يجب الوفاء بها وإن وقع العقد مبنيا عليها، لأن مجرد البناء لا يفيد شيئا. وحاصل الفرق: أن ذكر الأوصاف قبل العقد يوجب اعتبارها في العوض، وعدم مقابلة شئ من الثمن مع الوصف لا يوجب أن يتعلق الإنشاء بالموصوف دون الوصف. وأما الشرط كالخياطة - مثلا - فلا يمكن أن ينشأ بالإنشاء المتعلق بالمشروط فيه، لأنه أمر خارج، فيحتاج إلى إنشاء مستقل، إما مطابقة أو التزاما كالشروط النوعية المنشأة بالالتزام. قوله (قدس سره): (فرع ذكر العلامة.... إلى آخره). لا يخفى صحة هذا النذر، لأن العبد وإن خرج عن ملكه بالبيع إلا أنه حيث يمكن إرجاعه إلى ملكه الخيار فيصح النذر. ولا يجوز له شرط عدم الخيار، لأن إسقاط الخيار مناف للنذر، والتصرفات المنافية له خارجة عن سلطنة الناذر بسبب نذره. وقول بعض المحشين: إن إسقاط الخيار إنما لا يصح فيما لا يمكن فيه الإقالة أو الشراء وأما لو أمكن فلا مانع من إسقاطه غير وجيه، لأن الإقالة أو الشراء أو الاستيهاب ليس تحت قدرة الناذر - لأن تحقق هذه العناوين يتوقف على إرادة شخص آخر وقد لا يريدها - وما هو تحت قدرته إعمال الفسخ، فيجب على الناذر إعماله، ومقتضاه عدم صحة شرط سقوط الخيار. قوله (قدس سره): (ومن المسقطات إسقاط هذا الخيار بعد العقد.... إلى آخره). لا إشكال في سقوطه بالإسقاط، إنما الكلام في مدركه، والاستدلال بفحوى " الناس مسلطون " غير تام، لأنه لو فرض دلالته بالصراحة على تسلط الناس على حقوقهم لا يفيد ذلك، لأن السلطنة على المال والحق هي أن يتصرف فيهما بالتصرفات التي تحت سلطنته، لا التصرفات التي فوق سلطنته.

[ 50 ]

وبعبارة واضحة ذكرنا في أول الخيارات أن مثل " الناس مسلطون " لا يدل على صحة الإعراض على الملك الذي هو إذهاب موضوع الملك فلا يدل على التسلط على إسقاط الخيار الذي هو إذهاب موضوع الحق، لأن التسلط على الحق معناه نفوذ تصرفه فيه بالنقل وأمثاله - كإعمال الخيار بالفسخ أو الإمضاء - لا إعدامه وإسقاطه. اللهم إلا أن يقال: أن الإعراض عن الملكية وإن لم يكن من أنحاء السلطنة على الملك لأن السلطنة عبارة عن الاقتدار والاقتدار على سلب الاقتدار ليس تحت الاقتدار، إلا أنه ليس الحق مثل الملكية، لأن المملوك له وجود عيني غير الإضافة الحاصلة بينه وبين المالك، ووجوده العيني غير قابل للإعدام إلا بنحو الشرب والأكل الذي هو تحت السلطنة، لا إعدامه بنحو الإتلاف الغير المرخص فيه شرعا. وبعبارة واضحة: إعدام المملوك ليس من أنحاء السلطنة على الملك، لأنه لا يمكن إعدامه تشريعا وفي عالم الإنشاء، بل ما هو قابل للتصرف هو الإضافة الحاصلة بينه وبين المالك. وهذا بخلاف الحق، فإنه ليس إلا الإضافة الخاصة، وقد لا يكون لمتعلق الحق وجود عيني، والإضافة الخاصة قابلة للتصرف ولو بنحو الإعدام، ولا ينتقض هذا بمثل حق التحجير وحق الرهانة ونحو ذلك من الحقوق المتعلقة بالعين، فإن تعلقها بها ليس كتعلق الإضافة المالكية بالملك، فإن الملك وجوده العيني ملك للمالك. وهذا بخلاف الحق المتعلق بالعين، فإن العين إما تكون ملكا لغير ذي الحق أو تكون من المباحات، فنفوذ تصرف ذي الحق ليس إلا بمعنى السلطنة على الإسقاط، بل أظهر آثار السلطنة على الحق إعدامه إنشاء، فبنفس قوله: " أسقطت حقي " ينعدم الحق، وليست السلطنة عليه إلا عبارة عن إعدامه، أو نقله إلى الغير لو كان قابلا للنقل. وبالجملة: الفرق بين الحق والحكم هو أن الحق قابل للإسقاط دون الحكم، فإن الحقوق بأسرها قابلة للإسقاط وإن لم يقبل بعضها للانتقال أصلا أو إلى غير

[ 51 ]

من عليه الحق، كحق الخيار في المقام فإنه لا يقبل الانتقال إلى غير من عليه الخيار، ولكنه قابل للانتقال إلى من عليه الخيار، كما سيجئ شرحه. قوله (قدس سره): (لو قال أحدهما لصاحبه اختر.... إلى آخره). لا يخفى أن هذه الكلمة يحتمل أن يراد بها تمليك الخيار ممن عليه الخيار، فإن هذا الحق قابل لأن ينتقل إليه، وإن لم يقبل الانتقال إلى غيره - لأنه شرع لإرجاع العين إلى ملك مالكها الأصلي - فهو تابع للمال وينتقل إلى من كان أحد العوضين ملكا له، ولذا ينتقل إلى وارثه ولا ينتقل إلى وارث الأجنبي - الذي جعل الخيار له في العقد - فإن الأجنبي بمنزلة الوكيل ليس مالكا للمال حتى يكون مالكا لحق الخيار. ويحتمل أن يراد بها تفويض الأمر إليه بحيث إنه لو تصرف فيما فوض إليه ينفذ في حق الآمر، وأما لو لم يتصرف فيبقى حقه على حاله، كما لو أذن المرتهن في بيع العين المرهونة، فإنه لا يسقط الرهانة إلا بالبيع لا بالإذن. وهذا بخلاف الأول، فإن التمليك يوجب انتقال الحق من الآمر إلى المأمور. هذا مضافا إلى أنه وإن لم يقبل الانتقال أصلا ولو إلى الطرف الآخر إلا أن التمليك غير التفويض، فإن التمليك بنفسه إسقاط لأن مرجع الخيار إلى مالكية الالتزام، فإذا نقل هذا الالتزام إلى طرفه فلا يملك التزام نفسه، فيصير العقد كالعقد اللازم ابتداء، وهذا عين معنى الإسقاط. ويحتمل أن يراد بها استكشاف حال المأمور لا التمليك ولا التفويض، وليست هذه الكلمة ظاهرة في إحدى المحتملات إلا بقرائن حالية أو مقالية. قوله (قدس سره): (مسألة: من جملة مسقطات الخيار افتراق المتبايعين.... إلى آخره). لا إشكال في سقوط الخيار بالافتراق ولو لم يكشف عن الرضاء بالعقد، لأنه بنفسه من المسقطات. وعلى هذا فلو حصل في حال الغفلة والنسيان سقط به الخيار كما في حال الالتفات والذكر، وهذا لا ينافي اعتبار الاختيار بمعنى آخر في الافتراق، وعدم كفاية الافتراق الحاصل عن كره إذا منع من التخاير أيضا للفرق بين المكره وغيره بالنص الخاص.

[ 52 ]

وبالجملة: لو حصل الافتراق عن النسيان أو الغفلة أو إطارة الريح والهواء يسقط به الخيار، وذلك لظهور أدلته بأن أمد الخيار عدم التفرق وبقاء الهيئة الاجتماعية الحاصلة لهما حال العقد فإذا ارتفعت الهيئة فلا خيار بعده. وإطلاق المسقط عليه مسامحة، لأن التفرق بناء عليه غاية للخيار، وهو بنفسه ليس موضوعا للحكم، بل الموضوع له هو نقيضه، وهو عدم التفرق. فما قيل: من أنه لا اعتبار بالافتراق عن إكراه لتبادر الاختيار من الفعل المسند إلى الفاعل مضافا إلى حديث رفع ما استكرهوا عليه، ممنوع جدا. أما التبادر فلما ظهر تحقيقه في محله من عدم اعتبار الاختيار في مواد الأفعال ولا في هيئاتها، لاشتراكها بين أفعال السجايا وغيرها من الأعراض التسعة. نعم، الفعل في مقابل الانفعال اختياري. وأما حديث الرفع ففيه: أولا: أن النسيان مرفوع فيه أيضا، مع أن القائل باعتبار الاختيار مقابل الإكراه يلتزم بسقوط الخيار مع النسيان والغفلة، فيستكشف من السقوط في مورد النسيان أن ذات الافتراق بما أنه فعل لا بما هو صادر عن اختيار جعل من المسقطات. وحديث الرفع يجري فيما كان الفعل منوطا بالقصد - كالعقود والإيقاعات - ولم يؤخذ فيه عنوان العمد والالتفات ولا الخطأ والنسيان ولا الأعم، وإلا لم يرتفع بحديث الرفع كما بين في محله. وثانيا: بعد تسليم عدم الاعتبار بذات الفعل وبعد تسليم أن المرفوع لا ينحصر في الحكم التكليفي، إلا أن مورد بعض المرفوعات منحصر في متعلق التكليف، كالحسد والوسوسة والطيرة، فتعميم الرفع لموضوعات التكاليف - كالسفر والحضر والتفرق - مع عدم الجامع بين المتعلق وموضوع التكليف لا وجه له، فيجب أن يراد منه أنه لو شرب المكلف نسيانا أو كرها أو أفطر كذلك فشربه كالعدم، لا أنه لو تحقق السفر أو الإقامة أو التفرق عن كره فوجوده كالعدم، ولذا لا يلتزم أحد بأنه لو أقام مثلا عن كره يجب عليه القصر.

[ 53 ]

وثالثا: أنه لو كان التفرق بنفسه من المسقطات لكان وجوده كالعدم لو تحقق كرها. وأما لو كان ضده وهو الهيئة الاجتماعية موجبا للخيار، فرفع التفرق تشريعا لا يثبت بقاء الهيئة الاجتماعية. نعم، لو وقع التفرق عن إكراه أو قهر مع المنع عن التخاير أيضا بأن اجبر على السكوت لكان الحق عدم السقوط، لكن لا لحديث رفع الإكراه، بل لصحيحة الفضيل الدالة على اعتبار الرضا. والرضا فيها وإن لم يكن بمعنى طيب النفس بل بمعنى الاختيار، إلا أنه لو اكره على التفرق ومنع من التخاير أيضا لا يكشف هذا التفرق عن اختيار العقد وإمضائه. وبالجملة: لو لم يمنع من إعمال الخيار ولكنه بنفسه اختار العقد وإن اكره على التفرق يسقط خياره، كما أنه لو منع من إعمال الخيار ولكنه بنفسه اختار التفرق يسقط خياره أيضا. وأما لو اكره على كليهما فلا يسقط خياره، لإمكان عدم اختياره بقاء العقد فلم يحرز الإمضاء فيستصحب الخيار (1). ثم لا يخفى أن قول المصنف (قدس سره): (ولا ريب أن الرضا المعتبر ليس إلا المتصل بالتفرق.... إلى آخره) غير صحيح، لأنه لو كان المدار على التفرق الصادر عن الرضا - أي التفرق الناشئ عن الطيب بالعقد - لكان اللازم القول بعدم السقوط في التفرق الناشئ عن الغفلة أو النسيان، مع أنه لا يلتزم به. ولا يبعد أن يكون وجه العدول عن هذا التفسير إلى تفسير آخر - بقوله: " أو يقال " إلى آخره -. ورود الإشكال عليه، مع أنه يقع في محذور آخر على التفسير الثاني، فإن التفرق ليس كاشفا نوعيا حتى يسقط به الخيار مطلقا. قوله (قدس سره): (مسألة: لو اكره أحدهما على التفرق.... إلى آخره). لو تحقق الإكراه الموجب لعدم سقوط الخيار بالنسبة إلى أحد المتعاقدين دون الآخر، لكونه مختارا إما بالبقاء لو كان المكره مكرها على الافتراق،


(1) وفيه: أن ذلك يقتضي عدم سقوطه في مورد حصول التفرق نسيانا وغفلة لا لحديث الرفع بل لهذه الصحيحة. منه مد ظله.

[ 54 ]

أو بالافتراق لو كان مكرها على البقاء، ففيه احتمالات: سقوط خيارهما مطلقا، وثبوته لهما مطلقا، وسقوط خيار خصوص المختار دون المكره إما مطلقا أو في خصوص ما إذا كان المختار مختارا في التفرق دون البقاء. ومبنى الاحتمالات أنه لو كان الافتراق ولو من واحد غاية لكلا الخيارين فيسقط من الطرفين، لحصوله من أحدهما بالاختيار بناء على حصوله من سكون أحدهما مختارا وحركة الآخر مكرها. وأما إذا قلنا بعدم حصوله إلا بحركة المختار وعدم العبرة بالسكون الاختياري فيسقط من الطرفين في خصوص هذه الصورة. ولو كان الافتراق من الطرفين اختيارا غاية لمجموع الخيارين فلا يسقط من واحد منهما، لحصول افتراق أحدهما كرها. ولو جعل افتراق كل غاية لخيار نفسه فيسقط في حق المختار مطلقا أو فيما إذا كان متحركا، وأما لو كان ساكنا فلا يسقط، ومنشأ المبنى استظهاره من الأخبار. ولكن الظاهر من مقابلة الجمع بالجمع والتثنية بالتثنية أن يكون افتراق كل غاية لخيار نفسه دون غيره، وهذا الظهور ارتكازي عرفي وبناء العرف عليه إلا أن يقوم قرينة على خلافه. ولذا قيل: إن العام أظهر في الاستغراقية من المجموعية فاعتبار اختيار كل واحد لمجموع الخيارين لا وجه له، وكذا كفاية اختيارية أحدهما لسقوط خيارهما. نعم، قد يستفاد من قوله (عليه السلام): فمشيت خطأ ليجب البيع (1) أن افتراق أحدهما اختيارا يكفي في سقوط كلا الخيارين، لأن إطلاق كلامه يشمل ما إذا كان الآخر مكرها أو نائما أو ناسيا أو غافلا. ولكن لا يخفى أنه لا يمكن استفادة الإطلاق من فعله (عليه السلام)، لأن القضايا الشخصية ليس لها إطلاق حتى يصح الاعتماد عليها، ولم يصدر الفعل في مقام بيان الحكم ولا في جواب السؤال حتى بترك الاستفصال يستفاد العموم منه. ثم إن ما ذكرناه إنما هو بحسب النظر البدوي، وأما بعد التعمق فالحق بقاء خيارهما، وتنقيحه يتوقف على رسم امور:


(1) الوسائل 12: 348، الباب 2 من أبواب الخيار ح 3.

[ 55 ]

الأول: ان التفرق كما يحصل بحركة كل منهما إلى جانب غير جانب الآخر، كذلك يحصل بحركة أحدهما وسكون الآخر. والقول بأن الافتراق ثبوتي والسكون عدمي - على فرض تسليمه - لا أثر له، لأن المدار في الخيار إذا كان على الهيئة الاجتماعية فبحركة أحدهما تنفصل الهيئة. ولم يعتبر في انفصال الهيئة الطيب والرضا، حتى يقال: إن الساكن لم يفعل شيئا. الثاني: أن بقاء الأكوان وعدمه وافتقار الباقي إلى المؤثر وعدمه لا يرتبط بالمقام، فإنه لو قيل ببقاء الأكوان لا بتجددها آنا فآنا وعدم احتياج الباقي في بقائه إلى المؤثر - يعني أن العلة المحدثة هي المبقية - فغايته أن استمرار السكون ليس مستندا إلى الساكن، بل بقاؤه إنما يكون بنفس علته المحدثة. وهذا لا يفيد بعد ما ظهر أن الهيئة الاجتماعية ترتفع ولو بإطارة الهواء، وأن مجرد انفصالها ولو عن إكراه يوجب سقوط الخيار. الثالث: أن اقتضاء مقابلة الجمع بالجمع والتثنية بالتثنية التوزيع إنما هو لظهور جعل عنوان فعل كل مكلف متعلقا لتكليف نفسه، ولذا يحتاج اعتبار الاجتماع إلى مؤنة زائدة على ظهور أدلة التكاليف، وأما لو لم يتوقف اعتبار الاجتماع إلى مؤنة زائدة فلا يصير الشمولي أظهر من المجموعي، وفي مقامنا حيث جعل الهيئة الاجتماعية مدارا للخيار فلا يقتضي ملاحظة وصف الاجتماع إلى مؤنة زائدة، لأن الهيئة من الإضافات القائمة بالطرفين وقوامها باجتماع كليهما على هذا الوصف، بل في مثل المقام اعتبار إضافة كل بالنسبة إلى نفسه يحتاج إلى مؤنة زائدة. إذا عرفت ذلك ظهر من الأمرين الأولين أن التفصيل بين بقاء المختار في المجلس فالثبوت لهما وبين مفارقته فالسقوط عنهما لا وجه له، وظهر من الأمر الثالث أن التفصيل بين المختار مطلقا والمكره فالسقوط عن المختار والثبوت للمكره لا وجه له، لأن الإضافة تنقطع باختيار أحدهما. فيبقى في المقام قولان آخران الثبوت لهما والسقوط عنهما. ولولا صحيحة الفضيل لكان مقتضى

[ 56 ]

الإطلاقات السقوط عنهما، لأن فيها جعل مدار الخيار على عدم التفرق الساقط بتفرق أحدهما ولو عن كره، إلا أن مقتضى تقييدها بصحيحة الفضيل أن المدار في السقوط على اختيار كليهما، فإذا اجبر أحدهما على التخاير ومنع منه واجبر على التفرق أيضا لم يعلم بقاء المجبور على حاله الذي كان قبل الجبر فلم يحرز الاختيار إذ لعله كان يفسخ فيستصحب الخيار. وبالجملة: الظاهر من الصحيحة تقييد السقوط بالرضا منهما المنتفي بانتفاء رضاء أحدهما أو كليهما، فيبقى الخيار حتى بالنسبة إلى المختار، ولا وجه لمعارضتها بفعل الإمام (عليه السلام) بعد ما ظهر أن القضية الشخصية لا يستفاد منها الحكم الكلي فتأمل جيدا. قوله (قدس سره): (فالنص ساكت.... إلى آخره). وذلك لأنه بعد أن جعل مدار الخيار بضم الصحيحة إلى الإطلاقات على الهيئة الاجتماعية الحاصلة لهما بمقتضى طبعهما فإذا فقد هذه الهيئة بلا اقتضاء طبعهما بل بالكره والجبر مع عدم دلالة الصحيحة على ثبوت الخيار لهما - بفقد الرضا والاختيار - لعدم ثبوت المفهوم لها فيجب الرجوع إلى الاستصحاب فيما لو زال الإكراه، حتى في أول زمان زواله فضلا عما بعده. نعم، بعد أول الزمان يجري النزاع في أنه من مورد الرجوع إلى الاستصحاب أو عموم العام أو التفصيل بين ما لو كان الخيار متصلا بالعقد - كخيار المجلس - وما لو كان منفصلا. وسيجئ إن شاء الله تفصيله في محله. قوله (قدس سره): (ومن مسقطات هذا الخيار التصرف.... إلى آخره). سيجئ في محله أن سقوط الخيار بالتصرف ليس لحكم تعبدي ولا لكشفه عن الرضا، بل التصرفات المالكية هي بنفسها بمقتضى القواعد من المسقطات، لأنها إجازة فعلية، وعلى هذا لا فرق بين خيار الحيوان وغيره. بل لو كان سقوطه لدليل تعبدي أيضا لم يكن فرق بين جميع الأقسام، فإن قوله (عليه السلام): " فذلك رضا منه " بمنزلة عموم العلة. * * *

[ 57 ]

قوله (قدس سره): (الثاني: خيار الحيوان.... إلى آخره). لا يخفى أن ظاهر النص والفتوى وإن شمل كل ذي حياة ولكن مقتضى مناسبة الحكم والموضوع اختصاص هذا الخيار بالحيوان المقصود منه حياته لا لحمه. فالصيد المشرف على الموت، والسمك والجراد - اللذان يقصد منهما اللحم نوعا وإن قصد نادرا حياتهما - خارجة عن هذا العموم. بل يمكن استفادة التخصيص من بعض الأخبار المعلل فيه الخيار بنظرة المشتري. وبناء عليه يختص أيضا بالحيوان الشخصي، لعدم جريان النظرة في الكلي، فإنه لا يصح بيعه إلا بعد تعيينه بالأوصاف وبما يوجب اختلاف القيمة. هذا، مضافا إلى أن المشتري لا يملك مطالبة الكلي في باب السلم قبل موسم قبضه، فلا يمكن جعل مبدأ الخيار قبل حلول الأجل. وأما بعد القبض فلا دليل على أن مبدأ الثلاثة من حين القبض، فهذا القسم لو لم يمكن الالتزام بثبوت الخيار فيه لا يمكن الالتزام بثبوته في الكلي الحالي، لعدم الفرق بينهما. نعم، الكلي في المعين لو صح بيعه - كما إذا كان جميع أفراده متساوية في القيمة - لا يبعد ثبوت الخيار فيه لجريان التعليل. قوله (قدس سره): (مسألة: المشهور اختصاص هذا الخيار بالمشتري.... إلى آخره). الأقوال في المسألة ثلاثة: اختصاصه بالمشتري مطلقا كان الثمن كالمبيع حيوانا أم لا، وثبوته لهما مطلقا، واختصاصه بمن انتقل إليه الحيوان مطلقا. ومنشأ الأقوال اختلاف الأخبار فبعضها ظاهر في اختصاصه بالمشتري، كقوله (عليه السلام): الخيار في الحيوان ثلاثة أيام للمشتري (1). وبعضها ظاهر في ثبوته لهما، كقوله (عليه السلام): في صحيحة محمد بن مسلم المتبايعان بالخيار ثلاثة أيام في الحيوان (2). وبعضها ظاهر في ثبوته لمن انتقل إليه الحيوان، كقوله (عليه السلام): وصاحب


(1) الوسائل 12: 346، الباب 1 من أبواب الخيار ح 5. (2) الوسائل 12: 349، الباب 3 من أبواب الخيار ح 3.

[ 58 ]

الحيوان بالخيار ثلاثة أيام (1). بناء على أن المراد من " الصاحب " هو الصاحب الفعلي لا الأصلي، لأنه لا يمكن أن يكون الخيار لمن انتقل عنه لا للمنتقل إليه، لكونه خلاف الإجماع مع منافاته لحكمة النظر والاختبار. وأظهر الأقوال أدلة هو الأخير، وهو ثبوته لمن انتقل إليه - بائعا كان أو مشتريا أو كليهما لو كان العوضان حيوانين - دون من انتقل عنه. أما ثبوته لمن انتقل إليه مطلقا فلقوله (عليه السلام): " صاحب الحيوان بالخيار " ولا ينافيه ظهور قوله (عليه السلام) للمشتري، ولا ظهور موثقة ابن فضال " صاحب الحيوان المشتري بالخيار ثلاثة أيام " أما أولا: فلعدم حمل المطلق على المقيد في الأحكام الانحلالية، كما إذا قيل: أكرم العلماء وأكرم زيدا، فلا ينافي ثبوت الخيار للمشتري ثبوته لغيره إذا صار صاحب الحيوان، أو ثبوته لكليهما إذا انتقل إليهما. وأما ثانيا: فلإمكان ورود القيد مورد الغالب، كما في قوله عز من قائل: * (وربائبكم اللآتي في حجوركم) * (2) فلا ظهور له في الاختصاص. ولا يقال: يمكن حمل المطلق مثل قوله (عليه السلام) " صاحب الحيوان " على الغالب فيراد منه المشتري، لأن الغالب كونه كذلك، كما صرح به الإمام (عليه السلام) في الموثقة. لأنا نقول: الغلبة قد توجب حمل القيد على موردها ولا توجب تقييد المطلق أو الانصراف إلى موردها، كما إذا لم توجب ضعف صدق المطلق على غير الغالب بأن لم يكن المطلق مشككا بل متواطئا من حيث الماهية أو الوجود، هذا مضافا إلى أن في موثقة ابن فضال يمكن أن يكونه المشتري وصفا للحيوان، بأن يقرأ بفتح الراء، مع أنه لو قرأ بكسر الراء فيمكن أن يكون التقييد لدفع توهم ثبوت الخيار لصاحبه الأصلي وهو البائع، فلا تعرض له إلى مورد كان البائع صاحبه الفعلي. وأما ثالثا: فلإمكان أن يكون النكتة في التقييد دفع توهم: أن خيار الحيوان كخيار المجلس في ثبوته للبائع والمشتري، أي ليس للبائع خيار إذا انتقل عنه


(1) الوسائل 12: 345، الباب 1 من أبواب الخيار ح 1. (2) النساء: 23.

[ 59 ]

الحيوان وليس كخيار المجلس في ثبوته لهما. فليس بصدد إخراج البائع إذا كان الثمن حيوانا. وبالجملة: فلا مانع من الأخذ بعموم " الصاحب " وثبوته لكل من انتقل إليه الحيوان، هذا حال المنتقل إليه. وأما عدم ثبوته للمنتقل عنه فلأنه لا دليل على ثبوته له إلا قوله (عليه السلام): " في صحيحة محمد بن مسلم، المتبايعان بالخيار ثلاثة أيام في الحيوان " وفيما سوى ذلك من بيع حتى يفترقا، فإن " المتبايعان " بإطلاقه يشمل ما إذا كان الثمن أو المثمن أو كلاهما حيوانا. ولكن يمكن تقييده بصحيحته الاخرى " المتبايعان بالخيار ما لم يفترقا. وصاحب الحيوان بالخيار ثلاثة أيام (1) فيصير المراد من المتبايعين بعد التقييد من انتقل إليه الحيوان، أي يحمل على مورد يكون الثمنان حيوانين. نعم يرد على التقييد إشكالات ثلاثة: الأول: أن حمل قوله (عليه السلام): " المتبايعان بالخيار " على ما إذا كان الثمنان حيوانين حمل على فرد نادر، فإن الغالب كون المبيع حيوانا. الثاني: أن اتحاد السياق يقتضي أن يكون ثبوت الخيار في بيع الحيوان وغيره - الذي ثبت فيه خيار المجلس - على نهج واحد، وخيار المجلس أمر قائم بالمتبايعين بالنسبة إلى الثمن والمثمن. فخيار الحيوان لو لم يكن إلا للمنتقل إليه يلزم أن يرتكب شبه استخدام في لفظ " المتبايعان بالخيار " أي يراد منه تعلق الخيار بالنسبة إلى غير الحيوان بالثمن والمثمن، وبالنسبة إلى الحيوان بأحدهما. الثالث: أنه لو حمل المتبايعان على مورد كان العوضان حيوانين للزم أن يناقض صدره ذيله، لأن ذيله صريح في أن فيما سوى ذلك ليس إلا خيار المجلس، وما سوى كون الثمنين حيوانين يشمل ما كان المبيع حيوانا، فيلزم أن لا يكون للمشتري خيار، مع أنه لا يقول به أحد، وليس الواقع كذلك أيضا.


(1) الوسائل 12: 345، الباب 1 من أبواب الخيار ح 1 و 2.

[ 60 ]

ولكنه لا يخفى أن جميع هذه الإشكالات لا يصادم ظهور قوله (عليه السلام): " صاحب الحيوان بالخيار " في اختصاص الخيار بمن انتقل إليه. أما أولا: فلأن حمل قوله " المتبايعان " على ما إذا كان الثمنان حيوانين وإن كان حملا على الفرد النادر، إلا أن قوله (عليه السلام): " صاحب الحيوان " أظهر في الاختصاص بمن انتقل إليه من إطلاق " المتبايعان " خصوصا مع عدول الإمام (عليه السلام) عن قوله " المتبايعان بالخيار ما لم يفترقا " إلى قوله: وصاحب الحيوان، لأنه لو كان خيار الحيوان كخيار المجلس ثابتا لكليهما لكان اللازم أن يقال: المتبايعان بالخيار ما لم يفترقا، وهما بالخيار في الحيوان ثلاثة أيام. فعدوله (عليه السلام) في صحيحة محمد بن مسلم وفي صحيحة زرارة ليس إلا لبيان الاختصاص. وأما ثانيا: فلمعارضة هذه الصحيحة الدالة بإطلاقها على ثبوت الخيار لهما مع رواية قرب الإسناد الصريحة في عدم ثبوت الخيار للبائع إذا كان المبيع حيوانا، ولا سيما التعليل الوارد فيه بقوله (عليه السلام): الخيار لمن اشترى نظرة ثلاثة أيام، فإن العلة وإن كانت حكمة التشريع وهي لا تقتضي الاطراد، إلا أن بمناسبة الحكم والموضوع يستكشف مناط جعل الخيار، وأنه للمنتقل إليه دون المنتقل عنه. وأما الإشكال الثاني فغير وارد أصلا، لأنه لو كان قوله (عليه السلام): المتبايعان بالخيار، منزلا على ما إذا كان الثمنان حيوانين فيتحد حكمه مع غير الحيوان في ثبوت الخيار لهما، كان حق الرد متعلقا بما في يدهما أو حق الأخذ متعلقا بما انتقل عنهما لأن حل العقد وإبقاءه بيدهما على أي تقدير. والفرق الاعتباري الخارجي لا يوجب استعمال قوله (عليه السلام) " المتبايعان بالخيار " في معنيين. وأما الإشكال الثالث فلا يخفى ما فيه، لأن ذيل الرواية لا ينفي صدره من حيث النصوصية والظهور، فإنه لو حمل صدره على ما إذا كان الثمنان حيوانين يصير مفاده اللفظي أنه لو كان الثمن والمثمن كلاهما حيوانا فالخيار لكليهما، ولو لم يكن كذلك بأن كان أحدهما حيوانا فلا خيار لأحدهما إلا خيار المجلس، وعدم إمكان العمل بذيله لا يوجب مناقضة ذيله لصدره.

[ 61 ]

فغاية الأمر يقيد ذيله ويقال: إن مقتضى الأدلة الاخرى هو أن لمن انتقل إليه الحيوان خيار ثلاثة أيام. وبالجملة: لا إشكال في ترجيح صحيحتي محمد بن مسلم، وزرارة - الدالتين على ثبوت الخيار لخصوص من انتقل إليه - من حيث الدلالة على الرواية الدالة على ثبوته لمن انتقل عنه أيضا، فلا مجال حينئذ لملاحظة السند، مع أن إعراض القدماء عنها وعدم العمل بها إلى زمان السيد المرتضى (قدس سره) يكفي وهنا لدلالتها وسندها، إذ لعلها كانت منقولة بالمعنى، لأن شخص محمد بن مسلم هو الراوي للصحيحة الاخرى الدالة على الاختصاص بمن انتقل إليه فالمسألة واضحة. نعم، يمكن أن يقال بعد ظهور موثقة ابن فضال في اختصاص الخيار بالمشتري - لركاكة " قراءة المشترى " بالفتح وبعدها عن سياق اللغة العربية - فيحمل المطلق على المقيد، مع ظهور عدة من الروايات في الاختصاص بالمشتري. واحتمال ورود القيد مورد الغالب ضعيف، فإن الأصل في القيد الاحترازية إلا إذا ثبت كونه واردا مورد الغالب، كما في * (ربائبكم اللاتي في حجوركم) * فالأقوى ما عليه المشهور، فتدبر. قوله (قدس سره): (مسألة: لا فرق بين الأمة وغيرها.... إلى آخره). لا يخفى أنه لو قام الدليل على أن ضمان الأمة في مدة الاستبراء على البائع لم يكن ملازما لثبوت الخيار للمشتري في هذه المدة، لأنه لم يثبت الملازمة بين ضمان شخص وثبوت الخيار لطرفه، بل الملازمة بالعكس، فإنه ثبت أن من له الخيار ضمان ماله على من لا خيار له، هذا مضافا إلى أنه لم يثبت ضمان البائع في مدة الاستبراء. فالتفصيل بين الحيوانات في مدة الخيار لا وجه له أصلا (1). قوله (قدس سره): (مسألة: مبدأ هذا الخيار من حين العقد.... إلى آخره).


(1) ولا يخفى أن التلازم بين الخيار وثبوت الضمان على من لا خيار له موجب لاستكشاف التلازم من عكسه فإن ثبوت الضمان في مدة الاستبراء على البائع بلا موجب فلابد أن يكون منشؤه ثبوت الخيار للمشتري. منه عفي عنه.

[ 62 ]

قد يتخيل أن النزاع لا وجه له، لأنه ليس خيار الحيوان إلا خيار المجلس - الذي هو في غير الحيوان إلى التفرق وفيه إلى ثلاثة أيام - فيكون مبدؤه من حين العقد. وفيه إنا لو اخترنا ما عليه السيد المرتضى من ثبوت خيار الحيوان للبائع والمشتري، لكان لهذا الكلام وجه. وأما لو قلنا بعدم ثبوته للمنتقل عنه فلا شبهة في أن خيار الحيوان مغاير لخيار المجلس موضوعا ومحمولا، فإن خيار المجلس ثابت لكليهما ما دام المجلس باقيا سواء طال أم قصر، وخيار الحيوان يختص بمن انتقل إليه في ثلاثة أيام فأين هذا من ذاك. ثم إنه استدل على أن مبدءه بعد التفرق بامور: الأول: الاستصحاب ويمكن تقريبه بوجهين: الأول: أصالة عدم ارتفاعه بانقضاء ثلاثة أيام من حين العقد، أي بعد مضي ثلاثة أيام من حين العقد يستصحب بقاء خيار الحيوان بمقدار زمان المجلس. والثاني: أصالة عدم حدوثه قبل انقضاء المجلس. والأول لا إشكال فيه لو آل الأمر إلى الاصول ولم يستظهر الحكم من الأدلة، لأن أثره تأثير الفسخ، فإنه من الآثار الشرعية المترتبة على نفس بقاء الخيار من دون واسطة. والثاني مثبت، لأن نفس عدم حدوثه لا أثر له، ولا يثبت به أن مبدءه بعد التفرق. ولا يقال: إن من آثار عدم حدوثه عدم تأثير إسقاطه. لأنا نقول: عدم تأثير إسقاطه لم يرتب على عدم حدوثه، بل من باب أن إسقاطه إسقاط لما لم يجب، إلا أن يقال إن كونه إسقاطا لما لم يجب مترتب على أمرين: أحدهما: محرز بالوجدان وهو نفس الاسقاط. وثانيهما: بالتعبد وهو عدم حدوث الخيار، فلا محذور في استصحاب عدم الحدوث.

[ 63 ]

فالصواب في الجواب عن هذا الأصل: أنه بمعناه المحمولي وهو عدم تحقق الخيار قبل بيع الحيوان لا أثر له، وبمعناه النعتي وهو حين بيع الحيوان ليس له حالة سابقة، واستصحاب العدم المحمولي لإثبات العدم النعتي مثبت. الثاني: انه لو لم يكن مبدؤه التفرق لزم اجتماع السببين على مسبب واحد. وقد يرد بأن الأسباب الشرعية معرفات لا علل. ولا يخفى أن النزاع في أن الأسباب معرفات أو علل بالمعنى المتصور الصحيح لا ربط له بالمقام، فإنه لو كان المراد من المعرف أنه حكمة لا علة فكون مناطات الأحكام من قبيل الحكم لا العلل لا ربط له بالمقام، لأن الخيارين تابعان لمقتضى دليلهما قبل التفرق كان مناطهما حكمة للجعل أو علة له. ولو كان المراد من المعرف أن موضوع الحكم الذي اخذ في القضية الحقيقية ليس علة لثبوت الحكم عند تحققه فهذا بديهي البطلان، لأنه لو جعل حكم على تقدير فبتحققه يتحقق الحكم وبعدمه لا يتحقق، ولا يعقل تحقق الموضوع وعدم تحقق الحكم. فلا يمكن أن يقال: إن الأسباب الشرعية معرفات لا علل، لأنها بهذا المعنى علل. فإذا كانت كذلك فالأصل عدم التداخل، لأن كل موضوع سبب لتحقق الحكم الذي انشئ على فرض وجوده، فلو أمكن تعدد الحكم نلتزم به، ولو لم يمكن فلو أمكن تعدد مرتبته كالشدة والقوة - كما في الاستحباب والوجوب - فهو، ولو لم يمكن - كالخيار في المقام الذي هو من قبيل سائر الأحكام الوضعية الغير القابلة للتأكد والتعدد - فمقتضى توارد العلتين على معلول واحد أن يكون المعلول مستندا إلى مجموع العلتين، فإن كلا منهما مستقل في العلية لو لم يقارنه الآخر، فمع المقارنة يستند إلى كليهما. هذا، مع أن الخيار قابل للتعدد من حيث الإضافة، أي وإن لم يمكن تعدد نفس الخيار ولكن يمكن تقييده من جهة السبب. وأثر ذلك أنه يمكن إسقاطه من جهة وإبقاؤه من اخرى، لأنه ليس معنى الخيار إلا ملك الالتزام الذي التزم العاقد به، فلو ملك التزام نفسه من جهتين فله إسقاط إحداهما وإبقاء الاخرى.

[ 64 ]

وبالجملة: لا يلزم من إسقاط الخيار سقوطه رأسا، فإنه تابع لنظر المسقط. وهذا لا ينافي وحدة الخيار، فإن الملكية التي هي من الامور الاعتبارية يمكن رفع اليد من أحد أسباب اعتبارها، فحال الخيار بالنسبة إلى السببين كحال القتل بالنسبة إلى أسبابه، فإنه مع كونه غير قابل للتعدد والتأكد يمكن تقييده بأسبابه. فإذا اجتمع سببان فيه - أحدهما إلهيا والآخر خلقيا، كالارتداد والقصاص، أو حقان خلفيان - يمكن سقوطه من جهة وثبوته من اخرى. نعم، إذا كان كل منهما إلهيا فغير قابل لإضافته إلى سبب دون آخر، لأن مرجع الحد الشرعي إلى الحكم الشرعي، والحكم غير قابل للإسقاط. الثالث: الأخبار الدالة على أن تلف الحيوان في الثلاثة ممن انتقل عنه - أي ممن ليس له الخيار - وبضميمة ما دل على أن التلف في الخيار المشترك ممن انتقل إليه يستكشف أن مبدأ خيار الحيوان بعد التفرق، لأنه لو كان مبدؤه أول زمان العقد الذي يشترك فيه البائع والمشتري في الخيار لما كان التلف على البائع. وفيه ما لا يخفى، لأن أدلة خيار الحيوان لو كانت ظاهرة في أن مبدؤه من حين العقد لم يمكن رفع اليد من ظهورها بمجرد أنه لا يمكن الجمع بين الأدلة الدالة على أن تلف الحيوان في زمان الخيار المشترك من المشتري والأدلة الدالة على أن تلف الحيوان في الثلاثة التي هي زمان خيار الحيوان للمشتري على البائع إلا على أن يكون مبدأ الثلاثة بعد التفرق، لأن غايته تعارض القاعدتين. فيمكن حمل ما دل على أن التلف من البائع على الغالب من كونه بعد المجلس، فلا إطلاق له حتى ينافي ما دل على أن التلف في المجلس ممن انتقل إليه. ويمكن تقييد ما دل على أن تلف المال في زمان الخيار المشترك من المنتقل إليه بغير مورد الحيوان فيقال: إن التلف في زمان الخيار المشترك ممن انتقل إليه، إلا أن يكون له خيار مختص فيكون التلف من المنتقل عنه. قوله (قدس سره): (ثم إن المراد بزمان العقد هل زمان مجرد الصيغة.... إلى آخره). لا إشكال في أن مبدأ الثلاثة في عقد الفضولي بناء على النقل من حين

[ 65 ]

الاجازة، وكذا بناء على الكشف الحكمي، لأن الدليل الدال على ترتيب الآثار من حين العقد يدل على ترتيب آثار الملكية، ولا يدل على أن الاستناد إلى المالك الذي يتحقق بحسب الخارج بالإجازة أيضا من حين العقد. وبعبارة اخرى: كما أن الاصول لا يترتب عليها إلا الآثار الشرعية، فكذلك الأدلة التي وردت في بيان اثبات حكم تعبدي لا يترتب عليها إلا المقدار الذي ورد التعبد به دون لوازمه العادية. وأما على الكشف الحقيقي فبناء على كون الشرط هو وصف التعقب، أو التزمنا على ما هو المحال والخلف وهو أن الإجازة بوجودها العيني شرط ومع هذا تحقق الملك قبلها - كما يقوله القائل بصحة الشرط المتأخر - فمبدأ الثلاثة من حين العقد. وأما بناء على الانقلاب فمن حين الإجازة، لأن القائل به يقول بانقلاب آثار الملك. وأما نفس الإجازة الواقعة فعلا فلا يدعى وقوعها حين العقد، فمبدأ الخيار لا محالة من حينها. وأدلة الجميع واضحة. ثم إن مبدءها في السلم من حين العقد، لا حين حصول الملك - أي حين القبض كما عرفته في خيار المجلس - لأن الخيار مخصص لوجوب الوفاء بالعقد، فلا يقال: لا أثر له قبل القبض. قوله (قدس سره): (مسألة: لا إشكال في دخول الليلتين.... إلى آخره). لا يخفى أن اليوم بحسب العرف واللغة هو الزمان الممتد بين طلوع الشمس وغروبها، بحيث لو اطلق على مجموع الليل والنهار فهو بقرينة خارجية، كما أن إطلاقه على اليوم الصومي - وهو من أول الفجر إلى زوال الحمرة - بدليل خارجي، وإلا فبحسب معناه العرفي كاللغوي هو اليوم الإجاري، وهو من أول الشمس إلى الغروب. نعم، في خصوص المقام لما استفيد الاستمرار من الأخبار يدخل الليلتان

[ 66 ]

المتوسطتان في الأيام، كما أنه لو وقع العقد في أول الغروب يستمر هذا الخيار من حين العقد إلى منتهى اليوم الثالث، فدخول الليلتين أو الليالي في بعض الموارد ليس لدخولها في مفهوم الأيام، وذلك واضح. إنما الكلام في أن الحكم المترتب على الأيام مترتب على خصوص اليوم التام، أو يكفي التلفيق؟ وهو تارة يحصل من تلفيق نصف من اليوم بنصف من الليل واخرى من تلفيق نصف يوم بنصف يوم آخر. فنقول: الحكم بحسب الثبوت لا يخلو عن أحد الوجوه الثلاثة. فتارة لا يكون لليوم خصوصية أصلا، بل المخصوص هو المقدار الخاص من الحركة الفلكية. واخرى له خصوصية، والخصوصية إما من حيث هذا المقدار من البياض، أو لخصوصيته بتماميته. أما بحسب الإثبات فلابد من قيام قرينة على أحد الأقسام الثلاثة. ولا يبعد دعوى قيام القرينة النوعية على كفاية التلفيق من يومين، لأن ظاهر ما يوجب اعتبار اليوم أو الأيام في موضوعات الأحكام هو اعتبار هذا المقدار من البياض لا من حركة الفلك ولا تمام البياض من يوم واحد. وعدم كفاية التلفيق في الاعتكاف إنما هو لاعتبار الصوم فيه، والصوم ثبت أن يومه من أول الفجر إلى زوال الحمرة. قوله (قدس سره): (الثالث التصرف ولا خلاف في إسقاطه في الجملة لهذا الخيار.... إلى آخره). تنقيح البحث فيه يستدعي رسم أمرين تقدم تنقيحهما في بحث المعاطاة: الأول: أن مقتضى القواعد الأولية وقوع كل عنوان من عناوين العقود والإيقاعات بالفعل كوقوعه بالقول إذا كان الفعل في طبعه بحسب العرف والعادة مصداقا لذلك العنوان، بحيث يحمل عليه بالحمل الشائع الصناعي أنه هو، أي كان بطبعه آلة لإيجاده، فلا يقع العنوان بالفعل الذي ليس آلة لإيجاده ولو نوى وقوعه به.

[ 67 ]

الثاني: أن خروج بعض الإيقاعات ليس لإجماع تعبدي، بل لانتفاء ما يكون آلة لإيجاده من الأفعال. فعدم وقوع العتق أو الطلاق بالفعل إنما هو لأن الفعل ليس آلة لإيجادهما، ولهذه الجهة لا تجري المعاطاة أيضا في كثير من العقود، كالصلح والضمان والحوالة والنكاح. وبالجملة: لا يختص الإيقاع بخصوصية موجبة لعدم جريان المعاطاة فيه من حيث إنه إيقاع، فعلى هذا كل إيقاعي كان الفعل آلة لإيجاده - كالرجوع في الهبة والعدة والفسخ والإجازة - يقع به. إذا عرفت ذلك فحيث إن الإجازة من الإيقاعات ولابد في تحققها خارجا من إنشاء لفظي أو فعلي، فكل فعل كان مصداقا لتحققها خارجا وفي عالم الاعتبار تقع به. ومن أوضح مصاديق الأفعال - التي تقع هذه بها - التصرف، فإنه إجازة فعلية. نعم، يشترط أن يكون التصرف مالكيا بأن يكون نحو تصرف الملاك في أملاكهم. فالتصرف الاختباري والذي جرت العادة بصدوره من غير المالك - كسقي الدابة وركوبها حال الذهاب والإياب وقوله: للجارية ناوليني الماء - مثلا - والتصرف الصادر من حيث الاشتباه الموضوعي - كتخيل أن هذه الدابة غير المشتراة - خارج عن التصرف المالكي. وبالجملة: مقتضى القاعدة تحقق الإجازة والفسخ بالفعل كتحققها بالقول. وليس التصرف مسقطا تعبديا، وإلا لوجب الاقتصار على مورده، وهو التصرف فيما انتقل إليه وفي خصوص الحيوان. فالتعدي عنه والقول بأن تصرف المالك في كل معاملة فيما انتقل عنه فسخ وفيما انتقل إليه إجازة، ليس إلا لأن التصرف بنفسه إجازة وإنشاء فعلي فيما انتقل إليه. نعم، التصرف قبل العلم بالعيب في خيار الحيوان مسقط تعبدي، وأما بعد العلم كالتصرف في المقام فهو على وفق القاعدة. والأخبار الواردة في هذا الباب

[ 68 ]

أيضا كاشفة عما ذكرنا، فإن قوله (عليه السلام) إذا أحدث فيها حدثا فقد وجب الشراء (1). وقوله (عليه السلام): فذلك رضى منه ولا شرط له (2). يدل على أن الرضا بالبيع واختياره هو بنفسه مسقط للخيار. وليس المراد من " الرضا " الطيب، فإنه بهذا المعنى يتعدى بالياء، مع أنه في رواية عبد الله بن الحسن تعدى بالنفس، فيكشف عن أن معناه في سائر الأخبار هو الاختيار. ويؤيد ذلك، بل يدل عليه صحة حمل الرضا على التصرف بلا عناية، فإن قوله (عليه السلام) " فذلك " أي الحدث رضى منه لو كان بمعنى الطيب لاحتاج إلى عناية، إما بحمل المنكشف على الكاشف، أو التنزيل. هذا مع أن جهة كشفه عن الرضا لا أثر له في شئ من العقود والإيقاعات، فإن العقد أو الإيقاع إنشائي لا يوجد إلا بآلة من قول أو فعل، ومجرد الرضا الباطني لا أثر له أصلا. وبالجملة: لما استظهر المصنف من " الرضا " أنه بمعنى طيب النفس وجه أو احتمل وجوها في قوله (عليه السلام): فذلك رضى منه ولا شرط له. وكل ذلك في غير محله، لأنه مبني على أخذ الرضا بمعنى الطيب. ثم إن كون جواب الشرط " فذلك رضى منه " أو قوله (عليه السلام) " ولا شرط له " ويكون فذلك رضى منه توطئة للجزاء - كما تكرر هذا الكلام منه (قدس سره) - لا يرجع إلى فرق حقيقي بين الوجهين، بل لا معنى للتوطئة، فإنه قد يكون الجواب مجموع الكلام من الصغرى والكبرى، وقد يكون خصوص الكبرى. ثم إن المحتملات في الرواية لو كان المراد من الرضا طيب النفس ثلاثة، فإن الاحتمالين الأولين يرجعان إلى أمر واحد، وهو جعل التصرف مسقطا تعبديا ومنزلا منزلة الالتزام بالعقد، فعلى هذا كل حدث وتصرف بمنزلة الالتزام بالعقد في سقوط الخيار به، فيصير مفاد الحديث أنه لو أحدث المشتري حدثا فهو بمنزلة رضائه فلا خيار له. والاحتمال الثالث الذي هو الثاني في الحقيقة يرجع أيضا إلى


(1) الوسائل 12: 351، الباب 4 من أبواب الخيار ح 2. (2) الوسائل 12: 350، الباب 4 من أبواب الخيار ح 1.

[ 69 ]

التعبد، لأنه لو لم يكن للتصرف ظهور فعلي وشخصي في الرضا بل كان كظهور الألفاظ في إرادة معانيها لما كان متبعا في كل مقام، إلا بتعبد من الشرع وبإمضاء ما عليه طريقة العقلاء. فإذا كان تعبديا يدور مدار مقدار التعبد، ولا وجه للتعدي عنه إلى مورد الفسخ. ثم على الوجه الأول يكون حمل الرضا على التصرف نظير حمل الصلاة على الطواف في قوله (عليه السلام): " الطواف في البيت صلاة " وعلى الثاني - أي الثالث في كلامه - يكون من حمل المنكشف على الكاشف. فتحصل مما ذكرنا أنه ليس التصرف في عرض سائر المسقطات مسقطا مستقلا، بل لمكان أنه إجازة والتزام بالعقد وأخذ بأحد طرفي الخيار. ولذا يجب أن يعد التصرف بحسب العرف والعادة مصداقا للإجازة وإن لم يقصد به الإجازة، لأن كل فعل كان مصداقا لعنوان يكفي في تحقق العنوان مجرد القصد إلى الفعل، ولا يشترط قصد العنوان به. ولذا قالوا: إن الوط ء وإنكار الطلاق رجوع وإن لم يقصده بهما. نعم، غير الوط ء من سائر الأفعال يجب أن لا يقصد منه خلاف العنوان، لأن مع قصد الخلاف يخرج الفعل عن المصداقية. كما أنه يشترط أن لا يقع الفعل اشتباها، وأن لا يكون من الأفعال التي تصدر من غير المالك أيضا، كسقي الدابة ونحو ذلك. وبالجملة: التصرف المالكي هو بنفسه إجازة فعلية ولو لم يقصد به عنوان الإجازة، بل لو فعل فعلا لم يصدق التصرف عليه - كالعرض على البيع - فهو أيضا إجازة، لأن قوله (عليه السلام): " فذلك رضى منه " كما يوجب تخصيص التصرف بالتصرف المالكي كذلك يوجب تعميم كل عمل كان مصداقا للاختيار. ومن هنا ظهر أن ما أورده (قدس سره) على من خصص التصرف بالتصرف المالكي غير وارد أصلا، لأن عقد الوضع وإن كان عاما إلا أن عقد الحمل يوجب تقييد الموضوع، وجزاء الشرط في الشرطيات كالمحمول في الحمليات.

[ 70 ]

فقوله (عليه السلام): فذلك رضى منه، يوجب اختصاص التصرف بالتصرف الناشئ عن اختيار والتزام بالعقد. والاختصاص لا يوجب استهجانا سواء قلنا بأن التصرف مسقط تعبدي، أو كاشف نوعي، أو إجازة فعلية. أما على التعبدية فواضح، لأن كل تصرف محرم عليه قبل الشراء فهو مسقط بمنزلة الرضا. نعم، يرد عليه - مضافا إلى أن ظاهر الخبر بيان الأمر الارتكازي لا التعبد - أن جعل الخيار لغو، لأنه لا ينفك المبيع عن التصرف فيه في الثلاثة. وأما على الكشف النوعي - الذي قلنا: إنه راجع إلى التعبد أيضا - فلأن جعل " فذلك رضى " بمنزلة العلة للجزاء، إما راجع إلى علة الجعل، أو المجعول والحكم. أما لو كان علة للحكم فهي موضوع الحكم، وليس من أول الأمر عاما حتى يكون تخصيصه بالفرد النادر مستهجنا. وأما لو كان علة للتشريع - كزوال أرياح الآباط في غسل الجمعة وعدم اختلاط المياه في العدة - فتارة: تكون العلة بمثابة من الأهمية في نظر الشارع بحيث لا يرضى بوجودها ولو في الفرد النادر، فيصح تشريع الحكم على وجه العموم حفظا للحمى. واخرى: لا تكون بتلك المثابة، فلا يصح تشريعه على وجه العموم. هذا، مع ان كل ذلك لم يكن لأنه ليس المراد من الحدث مطلق التصرف حتى يكون تعليل الحكم المطلق بهذه العلة الغير الموجودة إلا في قليل من أفراده مستهجنا، بل المراد منه التصرف المالكي وهو في الغالب لا ينفك عن الرضا وكاشف نوعي عنه. نعم، مطلق التصرف ليس كاشفا نوعيا، ولكن أين الإطلاق؟ وبالجملة: بعد ما ظهر أن الحكم بسقوط الخيار بالتصرف ليس إلا لأنه إجازة فعلية ظهر أن الجمع بين الأخبار في غاية الوضوح، لأنها بأجمعها ناطقة بأن التصرف الذي يحرم على المتصرف لو لم يكن مالكا هو اختيار للعقد وإمضاء له، سواء صدر بعنوان الإجازة، أم بلا التفات إلى العنوان.

[ 71 ]

نعم، لابد من الالتفات إلى الفعل وصدوره عنه بما هو مالك لهذا الذي اشتراه، وسواء صدق عليه التصرف عرفا أم لا - كالعرض على البيع وإنكار البيع - كل ذلك لأن هذه الأفعال بنفسها مصاديق للإجازة. نعم، يجب أن لا يخرجها عن هذا العنوان بقصد الخلاف، فإن الأفعال مختلفة في جهة المصداقية، فبعضها لا اقتضاء صرف وبالقصد يتصف بعنوان، وبعضها يتصف به ما لم يقصد خلافه، وبعضها يتصف به مطلقا، كالوط ء في زمان العدة الرجعية، فإنه وإن قصد به الزنا لا الرجوع، إلا أنه يتحقق الرجوع به. نعم، يعزر لقصده هذا. ويمكن أن يقال بالفرق بين التصرف فيما انتقل إليه والتصرف فيما انتقل عنه، فإن الأول إجازة وإن قصد الخلاف، والثاني مع قصد الخلاف ليس فسخا. ومنشأ الفرق هو أن التصرف فيما انتقل إليه تصرف فيما هو ملكه، فإذا نوى به الغصبية - مثلا - لا يخرج عن كونه تصرفا في الملك. فإذا صدر الفعل عنه بالاختيار مع العلم بموضوع الخيار كالعلم بالغبن - مثلا - أو العيب فنفس صدور هذا التصرف المالكي هو التزام بأحد طرفي الخيار، لأنه التزام بعدم شرط التساوي - مثلا - في المالية الموجب للخيار ولو لم يعلم بأن المغبون ذو خيار شرعا، لأن عدم العلم بالحكم لا يخرج التصرف عن عدم الالتزام بتساوي المالين. نعم، مع الجهل بالغبن ليس مجرد التصرف المالكي مصداقا لإسقاط شرط التساوي، لعدم علمه بعدم التساوي. وأما التصرف فيما انتقل عنه، فلو قصد به التصرف العدواني فهذا ليس أخذا بأحد طرفي الخيار، لإمكان طرو عنوان الغصب عليه، فالفعل يصير ذا وجهين. وليس كمن أكل مال نفسه وقصد الغصب ومن وطئ زوجته وقصد الزنا، فإن هذا القصد لا يغير الفعل عما هو عليه ولو كان القصد حراما. وعلى هذا فالوط ء في زمان الرجوع رجوع وإن قصد الخلاف، لأن المطلقة الرجعية زوجة. ثم إن هذا ما هو التحقيق في المقام، وأما كلمات العلماء فلا يجمعها جامع

[ 72 ]

واحد، بل كل منهم سلك مسلكا فبعضهم أخذ بالتعبدية، وبعضهم بالكاشفية النوعية، وبعضهم اعتبر الكشف الفعلي فراجع. * * * قوله (قدس سره): (الثالث خيار الشرط.... إلى آخره). وقد حكي عن صاحب المستند: أن الأدلة العامة مثل " المؤمنون عند شروطهم " لا تكفي لإثبات صحة اشتراط الخيار، لاستثناء الشرط المخالف للكتاب والسنة، لأن السنة تدل على أن بالافتراق يجب البيع، فاشتراط عدم وجوبه بعد الافتراق مخالف لها. وحيث إنا قد ذكرنا في اشتراط سقوط خيار المجلس في ضمن العقد ضابطا للشرط المخالف والموافق ظهر ما في كلامه. وحاصل الضابط: أن كل حكم تكليفي غير اقتضائي وكل حكم وضعي حقي قابل للاشتراط، فالمهم إثبات الصغرى وأن اللزوم في المقام حقي لا حكمي، وإثباتها وإن تقدم في المعاطاة مفصلا إلا أنه لا بأس بالإشارة إليه إجمالا. فنقول: إن اللزوم في باب النكاح والضمان حكمي لا حقي، والكاشف عنه عدم جريان الإقالة فيهما، كما أن الجواز في الهبة كذلك أيضا، بل الجواز في المعاطاة من جهة أيضا كذلك، لأن الأفعال لا تدل إلا على نفس المنشئات بالعقود، وليست لها دلالة التزامية. وأما اللزوم في البيع وفي كل عقد معاوضي فهو حقي، لأنه حكم شرعي متعلق بما ينشئه المتعاقدان بالدلالة الالتزامية، فإن " بعت " كما يدل على التبديل مطابقة يدل بحسب العرف والعادة على الالتزام بما أنشأه. فالبائع يملك المشتري المبيع ويملكه التزامه بكون المبيع بدلا للثمن، فيملك المشتري المثمن والتزام البائع، كما يملك البائع الثمن والتزام المشتري، فكل منهما يملك التزام صاحبه.

[ 73 ]

و " أوفوا بالعقود " يدل على وجوب الوفاء بهذا الالتزام الذي به سمي العقد عقدا وعهدا مؤكدا، كما أن بالإقالة تنحل هذا الالتزام ويرد كل منهما الالتزام الذي ملكه إلى صاحبه، والخيار ملك كلا الالتزامين، ولذا يثبت في كل ما يجري فيه الإقالة وبالعكس. فإذا كان الالتزام من منشئات المتعاقدين، فلو اشترطا أن لا يكون هذا في مدة معينة لأحدهما فلا يملك المشروط عليه التزام المشروط له، وإذا ارتفع موضوع الحكم فلا حكم، حتى يكون شرط خلافه مخالفا للكتاب. ولو لم يكن الأدلة العامة الواردة في الشروط لكفى " أوفوا بالعقود " لصحة هذا الشرط، لأن وجوب الوفاء بما التزم به كل عاقد على نفسه إنما هو عين وجوب الوفاء بأن لا يكون العقد لزوميا في مدة، كما أن شرط سقوط الخيار كذلك فتأمل. قوله (قدس سره): (مسألة: لا فرق بين كون زمان الخيار متصلا بالعقد أو منفصلا.... إلى آخره). تنقيح ما في هذا العنوان يتوقف على بيان امور: الأول: أنه لا مانع من صيرورة العقد جائزا بعدما كان لازما، لعدم قيام الدليل على امتناع هذه الكبرى، مضافا إلى ثبوت نظيرها في الشرع، كخيار التفليس والتأخير. الثاني: أنه لا تحديد لمدة الخيار في طرف القلة أو الكثرة. نعم، لابد أن تكون المدة مضبوطة، فلو جعلها أبدا أو مدة العمر في طرف الزيادة، أو بمقدار يمكن فيه إعمال الخيار في طرف القلة، فإنما يبطل من جهة الجهل بالمدة، لا من حيث الزيادة والنقيصة. بل يمكن أن يقال: إن جعله أبدا يبطل من جهة اخرى أيضا، وهي منافاته لمقتضى العقد، فإن مقتضاه بمدلوله الالتزامي هو التزام كل من المتبايعين بما أنشأه. فلو لم يلتزم أحدهما به في مقدار من الزمان فهو ينافي إطلاقه، ولا بأس به. وأما لو لم يلتزم به أبدا فهو ينافي مقتضاه، ويفسد. الثالث: أن العقد تارة مبني على المحاباة والتسالم كالصلح المحاباتي،

[ 74 ]

واخرى مبني على الدقة. والأول لا يضر فيه جعل الخيار مدة مجهولة على الأظهر من الأدلة، كما لا يضر فيه الجهل بالعوضين. والثاني يضر فيه الجهالة، كما تضر في نفس العوضين لا لأدلة الغرر، بل لاعتبار العلم بالعوضين بدليل خاص. والدليل وإن كان ناظرا إلى نفس العوضين إلا أن الشرط بمنزلة الجزء فهو راجع إلى ضميمة إلى أحد العوضين، فالجهل به يسري إليهما، لكن اعتبار العلم بهما إنما هو في خصوص البيع. وأما في سائر العقود المعاوضية فاعتباره لابد أن يكون من جهة الغرر والخطر، وأدلة الغرر وإن اختص بعضها بالبيع إلا أن بعضها الآخر عام. ثم إن الغرر فيما اشترط في البيع حيث إنه راجع إلى نفس البيع فالاستدلال بفساده من جهة نفي الغرر العام وإن صح إلا أنه لا موجب له، لما عرفت من سراية الضميمة إلى البيع. والبيع الغرري بنفسه فاسد، للدليل الدال صريحا على أنه لا غرر في البيع. ثم لا فرق في صورة البطلان بين أن لا يذكر مدة أصلا، أو يذكر مدة مجهولة، أو مطلقة. فالأول: كما لو اشترط أن يكون له الخيار. والثاني: كما لو اشترط أن يكون عند قدوم الحاج. والثالث: كما لو اشترط أن يكون مدة، خلافا لجماعة حيث جعلوا مدة الخيار في الصورة الاولى ثلاثة أيام. وفي محكي الخلاف وجود أخبار الفرقة به (1). وفي الجواهر صحة هذه الصورة، لأن الغرر مندفع بتحديد الشرع وإن لم يعلم به المتعاقدان، كخيار الحيوان (2). ولكنه لا يخفى أولا: أن التمسك بالأخبار التي لا نعرفها بعينها لا وجه له، بعد


(1) الخلاف 3: 20، المسألة 25. (2) الجواهر 23: 34.

[ 75 ]

احتمال عدم دلالتها، فإن مجرد جبران قصور إرسالها بذكر الشيخ (قدس سره) لا يوجب صراحتها في المدعى، بل ولا ظهورها فيه. وثانيا: على فرض صحتها سندا وتمامية دلالتها فهي موجبة لتخصيص أدلة الغرر أو الأدلة الدالة على اعتبار العلم بالعوضين ولواحقهما من الشروط، لا التخصص، فإن التحديد بالثلاثة في الشرع لا يخرج الغرر عن الغررية، مع أنه لو سلم ذلك أيضا فلا أثر له، لأن الشرط يخرج عن الغرر لو قصد المشترط إجمالا المدة التي هي محدودة بحد واقعا وإن لم يعرفها تفصيلا، كالوصية بالكثير أو القديم، فإن الموصي يقصد ما هو معنى الكثير واقعا عند الشارع وإن لم يعلمه تفصيلا. وعلى هذا الوجه يمكن تطبيق الصورة الأخيرة، وهي ما لو قال: " بشرط أن يكون لي الخيار مدة " فإنه لو كانت المدة محدودة بالثلاثة والعاقد قصد ما هو معناها واقعا يخرج عن الغرر والجهالة. وأما الصورة المبحوث عنها، وهي ما إذا قال " لي الخيار " ولم يذكر مدة أصلا فليس هنا شئ مبهم حدده الشارع حتى يخرج عن الجهالة بقصد الجاعل لما هو الواقع. هذا، مع أنه إنما يصح ذلك لو علم المشترط بتحديد الشارع، وأما في صورة الجهل بأصل التحديد فكيف يقصد ما هو المحدود واقعا. وبالجملة: خروج هذا الشرط عن الغرر موضوعا مما لا محصل له، مع أن الخروج الموضوعي الذي قصده القائل هو التخصص، والتخصص عبارة عن الخروج التكويني. وفي المقام لو ثبت التحديد الشرعي يخرج عن الغرر بالحكومة. ثم لا وجه لقياس المقام على خيار الحيوان، فإن ثبوته في الحيوان إنما هو لدليل شرعي. ولا يختص بعلم المشتري أو جهله، فإنه من الآثار الشرعية في بيع الحيوان وأين هذا مما هو من مجعولات المتبايعين، فإن جعلهما مدة خاصة - كالثلاثة - يتوقف على بيانهما صراحة، أو بيان ما ينطبق عليه واقعا، وهو منحصر في ما لو علم إجمالا بأنه مبين واقعا وإن لم يعلمه تفصيلا، وأين هذا من الجاهل المطلق.

[ 76 ]

قوله (قدس سره): (مبدأ هذا الخيار من حين العقد.... إلى آخره). قد ذكرنا سابقا في خيار الحيوان أنه لا مانع من اجتماع سببين للخيار، فإنه وإن لم يقبل التعدد ولا التأكد، إلا أنه يمكن اختلافه باختلاف أسبابه، فيؤثر من جهة أحد أسبابه، ويسقط من جهة الآخر. فعلى هذا، لو جعلا مبدءه منفصلا عن العقد فهو. ولو اطلقا فمبدؤه من حين العقد. ثم إنه لو قلنا بأن مبدءه حين فقد سائر الخيارات فلا يرد إشكال المصنف (قدس سره) عليه " بأن الحكم بثبوته من حين التفرق حكم على المتعاقدين بخلاف قصدهما " فإن تبعية العقود للقصود ووجوب عدم تخلفها عنها إنما هو لو قصد عنوانا خاصا وترتب عليه عنوان آخر مضاد له، كما لو قصد البيع وترتب عليه الهبة، أو قصد المتعة وترتب عليه الدوام بناء على كونهما حقيقتين. وأما بيع ما يملك وما لا يملك فحيث إن القصد فيه في الحقيقة ينحل إلى قصدين، فهو ليس من تخلف القصد عن العقد. وفي المقام وإن قصدا كون مبدئه حين العقد، إلا أنهما قصدا من حينه إلى سنة - مثلا - فلو حكم الشارع بأنهما ما داما في المجلس ليس لهما خيار الشرط، فهو ليس من تخلف العقد عن القصد. وبالجملة: كون صحة بيع ما يملك مع ضم ما لا يملك إليه على طبق القواعد ليس إلا لعدم كونه من موارد تخلف العقد عن القصد. وقد ذكرنا في المعاطاة في جواب استبعادات الشيخ الكبير ما يزيد توضيحا للمقام. قوله (قدس سره): (مسألة: يصح جعل الخيار لأجنبي.... إلى آخره). تنقيح هذا العنوان يتوقف على بيان امور: الأول: في تحقيق ما ذكره المصنف من ضعف منع اعتبار كون الفسخ من أحد المتعاقدين فنقول إن ما يتخيل وجها لفساد جعل الخيار للأجنبي أمران: الأول: أن الخيار ليس معنى اسميا وملحوظا استقلاليا وكان مجرد السلطنة

[ 77 ]

على الفسخ والإمضاء، بل هو معنى حرفي، وهو عبارة عن رد كل مال إلى مالكه الأصلي، أو إبقائه وإقراره في ملك مالكه الفعلي. وهذا ينفذ ممن كان زمام المال بيده، وأما الأجنبي فأجنبي عنه. وبعبارة اخرى: وإن كان الأصل في كل حق أن يكون قابلا للإسقاط، لأن هذا هو الفارق التام بينه وبين الحكم، إلا أنه ليس كل حق قابلا للنقل إلى الغير، وعلى فرض كونه قابلا له فليس قابلا للنقل إلى كل أحد، فإن حق القسم قابل للتمليك إلى الزوج والضرة، ولكن لا يقبل التمليك إلى الأجنبي، فالخيار أيضا وإن كان قابلا لتمليك أحدهما إلى طرفه كما ذكرنا في مثل قول أحدهما للآخر " اختر " إلا أنه لا يقبل التمليك إلى الأجنبي. الثاني: معنى الخيار أن الالتزام الذي ملكه أحدهما من صاحبه زمام أمره بيد المملك، وهذا بعد الفراغ عن مالكية التزام الآخر، فهو ملك كلا الالتزامين، والأجنبي لا يملك التزام الطرف الآخر حتى يملك التزام من له الخيار. وقد أجاب المصنف عن هذا: بأنه لا مانع عنه، لأنه نظير إرث الزوجة للخيار مع عدم إرثها من العين كالعقار. وفيه - بعد الغض عما في مسألة إرث الزوجة من الإشكال - أن جعل الخيار للأجنبي لو كان على نحو جعل الملك الحقيقي فلازمه إرث وارث الأجنبي عنه، لأن ما تركه لوارثه. وأما لو كان على نحو التفويض - الراجع إلى أن نظره متبع وأنه مالك لتسليم الالتزام الذي هو تحت يد المالك إلى الطرف أو ابقائه للمالك - فهو كالوكيل في القبض والاقباض فلا مانع عنه، وعلى هذا لا يرثه وارثه، لأنه لا يملك شيئا حتى يرثه وارثه. ويجب عليه أيضا مراعاة مصلحة المالك، لأنه ليس كسائر الملاك يتصرف كيف يشاء. وعلى هذا فثبوت الخيار له متوسط بين الملكية والوكالة، فلا يمكن ترتيب آثار الملك عليه حتى يرث وارثه، ولا ترتيب آثار الوكالة حتى يمكن عزله، بل هو نظير التولية على الوقف، فلابد أن يراعى غبطة من جعل له الخيار. ولا يرد الإشكالان عليه، لأن الخيار عبارة عن حل العقد، ولازمه رجوع كل مال إلى

[ 78 ]

المحل الذي خرج عنه، لا رجوعه إلى ملك من حل العقد، ولا مانع من كون الأجنبي مالكا لكلا الالتزامين من قبل ذي الحق. الأمر الثاني: أنه قد يجعل الخيار لواحد، وقد يجعل لمتعدد. وعلى الثاني قد يجعل خيارا واحدا لهم، وقد يجعل لكل منهم خيارا مستقلا. فلو كان الخيار لواحد فالمتبع فسخه أو إمضاؤه. ولو كان للمتعدد فلو كان ثبوت الخيار لهم من باب أن كل واحد من مصاديق ذي الخيار - كخيار المجلس بناء على ثبوته للموكل والوكيل المفوض، فإن الخيار لكل منهما من باب أن كل واحد من مصاديق البيع، أي الخيار ثابت لجنس البيع لا للعموم - فكل من سبق إلى إعمال الخيار نفذ منه. ففي المقام لو كان جعل الخيار للوكيل أو الأجنبي المتعدد كثبوته للوكلاء طولا فكل من سبق إلى إعماله نفذ منه، وذهب به موضوع حق الآخر، وليس المقام من تقديم الفاسخ على المجيز. ولو كان الخيار للمتعدد بلحاظ وصف اجتماعهم فلا يؤثر إلا اجتماعهم في الفسخ أو الإمضاء دون استقلال كل واحد، ولو كان لكل واحد مستقلا وفي عرض الآخر فيقدم الفاسخ ولو كان متأخرا على المجيز، لأن إجازة المجيز إنما يؤثر من طرف نفسه فيبقى الحق للآخر فلو فسخه ينحل به العقد. الثالث: لو قلنا بأن جعل الخيار للأجنبي تفويض إليه أو توكيل له، فلا شبهة في احتياجه إلى قبوله. وأما لو قلنا بأنه تمليك، فتوقفه على قبوله مبني على انحصار الملك القهري بالارث والوقف على البطون. وأما لو قيل بحصوله من شرط النتيجة ونحو ذلك من دون توقفه على قبول من جعل الملكية له، فنفس الجعل كاف في حصوله. الرابع: في شرح عبارة الوسيلة والدروس. أما الأول فقوله " إذا كان الخيار لهما واجتمعا على فسخ أو إمضاء نفذ، وإن لم يجتمعا بطل " (1).


(1) الوسيلة: 238.

[ 79 ]

يحتمل أن يكون مراده لو جعل المتبايعان الخيار لأنفسهما بوصف الاجتماع، أي على نحو كان بنظرهما فلو اجتمعا فهو، وإن خالف أحدهما الآخر بطل، أي لم ينفذ، لا الفسخ ولا الإجازة. ولكن جعل الخيار كذلك لغو، لأن لهما الإقالة بلا إشكال فلا فائدة لهذا الجعل. ويحتمل أن يكون لهما على نحو الاستقلال فقوله " وإن لم يجتمعا " أي لو فسخ أحدهما وأمضى الآخر بطل البيع، أي يؤثر الفسخ تقدم على الإجازة أو تأخر. وقوله " وإن كان لغيرهما ورضى نفذ البيع، وإن لم يرض كان المبتاع بالخيار بين الفسخ والإمضاء " (1) أي إن رضي الأجنبي وقبل جعل الخيار له نفذ البيع، أي ليس لمشترط الخيار للأجنبي خيار في البيع، والبيع نافذ في حقه من هذه الجهة وإن كان خياريا بالنسبة إلى الأجنبي. وإن لم يرض، أي وإن لم يقبل الأجنبي فالمبتاع بالخيار، لتعذر الشرط، وعلى هذا فقوله " كان المبتاع بالخيار " في غاية الارتباط مع كلامه السابق. وهذا بخلاف ما إذا حمل قوله " وإن رضي نفذ البيع " على أنه لو أمضى العقد، فإنه لا معنى لقوله " وإن لم يرض " أي وإن فسخ كان المبتاع بالخيار. وأما الثاني: فقوله " يجوز اشتراطه لأجنبي منفردا ولا اعتراض عليه، ومعهما أو مع أحدهما، ولو خولف أمكن اعتبار فعله، وإلا لم يكن لذكره فائدة (2). يحتمل أن يراد منه كون الأجنبي منضما مع أحد المتبايعين، أي إعمال الخيار لهما بوصف الاجتماع، ويحتمل أن يكون مستقلا. فعلى الأول يكون قول المصنف مؤيدا له، لأن معنى كلام الدروس أنه " لو خولف " أي لو فسخ الأجنبي وأجاز الأصيل أمكن اعتبار فعله، أي صار الإجازة كالعدم، لأن نظر الأجنبي متبع أيضا. فأيده المصنف بما حاصله: أنه


(1) الوسيلة: 238. (2) الدروس 3: 268.

[ 80 ]

لا شبهة في ذلك، لأنه لو أجاز الأجنبي وفسخ الأصيل لا يؤثر إجازته، فلو لم يعتبر بفسخه وكان وجوده كالعدم بأن يؤثر إجازة الأصيل فلا يكون لذكره فائدة. وعلى الثاني يكون كلام المصنف في مقام الإيراد، لأن ظاهر كلام الدروس أن فعل الأجنبي معتبر مطلقا أجاز أو فسخ، فأورد عليه المصنف: بأن فائدة جعل الخيار له ليس اعتبار فعله مطلقا. نعم، لو لم يمض فسخه مع إجازة الأصيل لكان ذكره بلا فائدة، لأن المفروض عدم مضي إجازته مع فسخ الأصيل، وأما لو أثر فسخه فلا يكون ذكره لغوا. وبالجملة: فحاصل الإيراد أنه لا يعتبر فعل الأجنبي المخالف مطلقا، بل إنما يؤثر فسخه دون إجازته مع فسخ الأصيل. قوله (قدس سره): (مسألة من أفراد خيار الشرط ما يضاف البيع إليه.... إلى آخره). الوجوه المتصورة فيه تنتهي إلى سبعة: الأول: أن يكون الخيار معلقا على الرد في مدة معينة، كسنة مثلا ففي أي زمان رد الثمن في ظرف السنة كان له الخيار. الثاني: أن يكون الخيار معلقا على رد الثمن في خصوص آخر السنة. الثالث: أن يكون الفسخ معلقا على الرد لا الخيار. الرابع: أن يكون الرد فسخا فعليا. الخامس: أن يكون رد الثمن شرطا لوجوب الإقالة على المشتري. السادس: أن يكون شرطا لوجوب بيعه من مالكه الأصلي. السابع: أن يكون قيدا لانفساخ العقد. وكل هذه الوجوه صحيحة إلا السابع. أما الأول والثاني فلا محذور فيهما إلا التعليق، والجهالة في خصوص الأول. أما التعليق فلم ينهض لبطلانه دليل إلا الإجماع، أو معقده العقود لا الشروط في ضمنها. وأما الجهالة فإنما تضر لو لم يعين مدة أصلا، كأن يقول: إذا جئت بالثمن

[ 81 ]

في أي وقت كان لي الخيار، فيصير كما لو قال: بشرط أن يكون لي الخيار إن قدم زيد، وهذا بخلاف ما لو قال: " لي الخيار إذا جئت بالثمن في أي وقت من الأوقات من زمان العقد إلى سنة " فإن الخيار هنا غير مجهول إلا من باب الجهل بالمعلق عليه، وهو يرجع إلى إشكال التعليق لا الجهالة. وأما الثالث والرابع والخامس فلا إشكال فيها أصلا، كما هو واضح. وأما السادس فقد استشكل فيه بالدور، وبالأخبار الواردة في خصوص المقام. وسيجئ في باب الشروط اندفاع الدور، وأن الأخبار ناظرة إلى أن المقصود لو كان هو البيع الحقيقي فلا بأس به، ولو كان هو البيع الصوري وكان المقصود الأصلي الرباء، كأن يشتري نسيئة ويبيعه من البائع نقدا بأقل من قيمة النسيئة على نحو لم يكن للمشتري عدم البيع ولا للبائع عدم الشراء، بل كان كل منهما ملزما بالمعاملة ثانيا يبطل. وأما لو اشترط البائع على المشتري أن يبيعه بعد سنة إذا جاء بمثل الثمن، مع قصدهما البيع الحقيقي فلا يشمله الأخبار. وأما الوجه السابع فيرد عليه أحد المحذورين، وهو إما انفساخ العقد بلا سبب، وإما اقتضاء وجود الشئ عدم نفسه، فإن بيع الدار واشتراطه انفساخه برد مثل الثمن، إما يرجع إلى شرط انفساخ العقد بلا سبب فهو باطل، لأن انتقال الدار من المشتري إلى البائع بلا سبب - أي بلا إنشاء قولي وفعلي - غير ثابت في الشريعة، فيكون شرطا مخالفا للكتاب، وإما يرجع إلى أن نفس اشتراط الانفساخ إنشاء للفسخ، فهو يوجب انفساخ البيع بهذا الشرط، فلا بيع حتى يشترط في ضمنه انفساخه برد مثل الثمن. وبالجملة: يجب أن يكون البيع محققا ثابتا، حتى يشترط في ضمنه شرطا سائغا، كملكية الكتاب - مثلا - بناء على عدم اعتبار حصولها من سبب خاص، بأن لم تكن كالنكاح والطلاق المتوقف حصولهما على أسباب خاصة. وأما إذا كان البيع منفسخا بالشرط الحاصل في ضمنه، فلا يعقل تأثير هذا الشرط في الملكية، ولا يقاس إنشاء انفساخ العقد بهذا الشرط - الذي هو رد الثمن - على اشتراط

[ 82 ]

سقوط الخيار في ضمن العقد، فإن اشتراط سقوطه مؤكد لبقاء العقد، فإن العقد مقتض للخيار، فإسقاطه لا ينافي العقد، وهو أيضا ليس إسقاطا لما لم يجب. وهذا بخلاف إنشاء انفساخه فعلا مشروطا برد الثمن، فإن هذا الإنشاء مناقض للعقد، ولا يمكن تصحيحه بكون ظرف الرد متأخرا، فإن الاشتراط في ضمن العقد فعلي وإن علق على أمر متأخر، بل لو سلم أن إنشاء الفسخ على تقدير غير حاصل لا يلزم من وجوده عدمه، لأن ظرف حصول الانفساخ متأخر، والمقارن للعقد هو ظرف الإنشاء إلا أنه يجب أن يكون الشارط مالكا لهذا الشرط، كالبائع إذا باع وارتهن قبل قبول المشتري، وكمن وكل شخصا في نكاح زوجة وطلاقها ورجوعه إليها ثم طلاقها، فإن في هذه الموارد واقع النكاح مقدم على واقع الطلاق، وإنشاؤه كذلك أيضا، فهو مالك للإنشاء المترتب على إنشاء آخر، فكما أن واقع المترتب في ظرف حصول المترتب عليه متأخر، فكذلك إنشاؤه وهكذا جعل الخيار في ضمن العقد أو شرط السقوط في ضمنه، فإن التزام الموجب حاصل بنفس إيجابه فله إسقاطه، وهذا بخلاف انفساخ العقد، فإنه لا يملكه. نعم، اشتراط انفساخ عقد آخر خياري في ضمن هذا العقد لا مانع عنه بحيث كان نفس هذا الإنشاء فسخا له، وهذا بخلاف أن يقول بعتك بشرط أن يكون منفسخا. ثم إنه بعد ما عرفت من صحة جعل الخيار بأحد الوجوه الستة - بمقتضى القواعد العامة - فتطبيق الأخبار الخاصة على أحد الوجوه لا موجب له، لاسيما حمله على الوجه السابع - الذي هو الرابع في كلام المصنف (قدس سره) - مع أن أكثرها ظاهر في كون الرد فسخا فعليا، أو مقدمة لإنشاء الفسخ أو الإقالة أو التمليك ثانيا، أو كان الشرط سببا لكون المبيع له عند الرد - كما هو ظاهر الغنية - فإن ملكية البائع للمبيع ثانيا بالاشتراط في ضمن العقد بلا إنشاء على حدة من المشتري لا مانع عنه، للفرق بين إنشاء الملكية بالاشتراط وإنشاء الفسخ به، والفارق هو أن الأول لا يستلزم من وجوده، عدمه بخلاف الثاني.

[ 83 ]

قوله (قدس سره): (الأمر الثاني الثمن المشروط رده إما أن يكون في ذمة.... إلى آخره). الثمن إذا كان نقدا قد يكون كليا، وقد يكون شخصيا. فإذا كان كليا واشترط الخيار برده، فلو قبضه فرده يتحقق بمثله أيضا كما يتحقق بنفس المقبوض، لأن كل فرد من مصاديق الكلي، وشرط رد الثمن معناه شرط رد ما كان مصداقه. نعم، لو شرط رد المقبوض فلا يتحقق رده إلا برد عين المقبوض، إلا أن يقال: بعد تعين الكلي بالفرد المقبوض فالثمن هو المقبوض بشخصه، فرد الثمن معناه رد ما هو الثمن فعلا، والمصداق الآخر ليس ثمنا، ولو لم يقبضه فهل له الخيار أو لا؟ وجهان: وجه الثاني أن معنى جعل الخيار بشرط الرد، هو شرط القبض ليتحقق موضوع الرد. ولكن الأقوى هو الأول، لأن الرد اخذ طريقا لوصول الثمن إلى المشتري. نعم، لو علم من الخارج أن الغرض تعلق بالرد بما هو رد، فليس له الخيار. وبالجملة: في مورد الإطلاق ينزل الشرط على ما هو المتعارف نوعا، والعرف والعادة يرون الرد طريقيا. نعم، لو قيده بما هو خارج عن المتعارف وكان اشتراطه عقلائيا جامعا لشرائط الصحة فلا مانع عنه. وإذا كان الثمن شخصيا فتارة يقع الكلام قبل قبضه، واخرى بعده. أما قبل قبضه فحكمه حكم الكلي، بل بمقتضى ما قدمناه من عدم الفرق بين الكلي والفرد في مورد القبض - لأن الكلي يتعين في المقبوض - فالحكم في كلتا الصورتين واحد، فعلى هذا لو قبض الثمن سواء كان كليا أم شخصيا فتارة يشترط رد عينه، واخرى يشترط رد الأعم من البدل ومن العين، وثالثة يطلق. فإذا اشترط رد عينه بشخصه فلا خيار له في مورد التلف، كان التلف سماويا أو بمتلف، أجنبيا كان أو نفس البائع.

[ 84 ]

وإذا جعل الخيار بشرط رد الأعم، فتارة يقيده بمورد التلف، أي يجعل الخيار بشرط رد العين مع وجودها، وبدلها مع تلفها، وقد يطلقه وقد يقيده بصورة بقاء العين. فلو جعل رد البدل في صورة التلف، فلا إشكال في أنه مع بقائها يجب ردها، ومع تلفها يرد بدلها. ولو أطلق فلو قلنا بصحة التقييد بصورة البقاء فلا إشكال، وأما مع فساده فالإطلاق ينزل على مورد التلف. فيجب التكلم في صورة التقييد فنقول: لو جعل الخيار المشروط بالرد مقيدا برد مثل العين ولو مع بقائها، فقد يكون الرد فسخا فعليا - أي قيد الفسخ بالرد لا الخيار - ففي هذه الصورة لا يصح شرط رد البدل مع بقاء العين، لأن حقيقة الفسخ رد كل مال إلى مالكه الأصلي. ورد غير المال المفروض وقوع الفسخ به ليس ردا للمال إلى مالكه. ففي هذه الصورة الشرط فاسد بلا إشكال، إلا أن يقال: مرجع هذا الشرط إلى إسقاط الخصوصية العينية والرضا بالمالية والنوعية، فإن تنزيل إسقاط الخصوصية منزلة إسقاط الأوصاف في من له على ذمة غيره طعام موصوف بوصف خاص بمكان من الأمكن كما سنشير إليه. وعلى هذا ففي غير مورد خيار الشرط، لو فسخ ذو الخيار فمقتضى الفسخ رجوع كل ملك إلى مالكه، فاسقاط الخصوصية ورضا كل منهما ببدلية غير ماله عن ماله مبني على استفادة ذلك من قاعدة على اليد، كما سيظهر الإشارة إليه. وأما في مورد خيار الشرط، فيمكن شرط رد مثل الثمن وشرط رد المثل في القيمي والقيمة في المثلي في نفس هذا العقد المشروط المثبت للخيار، لأنه ينحل إلى شرطين، شرط تحقق الخيار، وشرط مالكية كل منهما لما في يده من مال المالك الآخر. وليس هذا الشرط مخالفا للكتاب، بل مخالف لإطلاق الفسخ، فإن إطلاقه يقتضي رد العين ما دامت موجودة، وبالشرط يقيد الإطلاق فيجعله في حكم صورة التلف. وأما لو كان الرد مقدمة للفسخ أو معلقا عليه الخيار أو مقدمة للاقالة أو البيع فلا محذور فيه، لأن الفسخ لا يتحقق به وإنما يصير المردود في يد المشتري بمنزلة

[ 85 ]

المقبوض بالسوم. فإذا فسخ البائع بعد هذا الرد ينتقل الثمن الموجود إلى المشتري والمردود باق في ملك البائع، فلهما أن يتراضيا على كون كل منهما بدلا عن الآخر نظير أداء القرض بمال آخر، ويصير الشرط سببا لوجوب رضا كل منهما ببدلية ما في يده لمال الآخر. ولكنه لا يخفى أن هذا يصح بناء على ما ذكرنا من معنى ضمان اليد المستفاد من " على اليد ما أخذت " بأن يكون أخذ مال الغير بدون التلف موجبا لصيرورته في ذمة الآخذ بماليته ونوعيته وشخصيته، فلصاحب المال إسقاط كل واحد من هذه الخصوصيات بأن يرضى ببدله. وعلى هذا يصح اشتراط رد القيمة في المثلي وبالعكس، لأن له إسقاط المالية والاكتفاء ببدله من غير هذا الجنس ولو لم يكن بهذا المقدار من القيمة أو إلقاء نوعيته التي بها صارت العين مثلية والاكتفاء ببدلها من حيث المالية. وأما لو قلنا بأن مفاد " على اليد " هو الضمان عند التلف - فما دام العين موجودة لا يمكن أن يكون بدلها منتقلا إلى المشتري إلا بالمبادلة - فلا يصح. وبالجملة: الإشكال مبني على أصل مسألة الضمان وحيث اختار المصنف إن معنى على اليد استقرار الضمان بالتلف - ولذا اختار قيمة يوم التلف في القيمي - فلا يصح اشتراط كون المدفوع إلى المشتري بدلا عن ماله. نعم، نفس شرط رد غير ماله إليه لتحقق الخيار أو الفسخ أو الإقالة لا مانع عنه، إلا أنه لا تصح بدلية المردود عن الثمن الموجود عند البائع من دون مبادلة. هذا كله إذا كان الثمن نقدا. وأما إذا كان في الذمة، فإن كان في ذمة المشتري فحكمه حكم الكلي النقدي قبل القبض وبعده، وإن كان في ذمة البائع فحيث إن الإنسان لا يملك ما في ذمة نفسه فهو بمنزلة التلف، فله رد مثله أو قيمته، بل لا معنى لشرط رد الثمن في هذه الصورة إلا رد مثله أو قيمته. قوله (قدس سره): (الأمر الثالث قيل ظاهر الأصحاب.... إلى آخره).

[ 86 ]

لا يخفى أنه لم يستشكل أحد في صحة انشاء الفسخ بالفعل، ولم يدع مدع اعتبار كونه بالقول، فإن الأصحاب صرحوا بكفاية ما دون مثل رد الثمن في إنشاء الفسخ به، بل نظرهم في المقام إلى العقود المتعارفة بين الناس، والمتعارف عندهم أن الرد مقدمة للخيار أو للفسخ أو للإقالة. فيجب بعده إنشاء الفسخ أو إعمال الخيار أو الإقالة بأمر آخر، غير هذا الرد الذي به يتحقق ملك الخيار أو الفسخ أو الإقالة. قوله (قدس سره): (الأمر الرابع.... إلى آخره). لا يخفى أن إسقاط الخيار بعد العقد وإن صح على الوجه الثاني والثالث في المتن ولا اختصاص له بالوجه الثاني - لأنه لا فرق بين كون الرد فسخا فعليا وكونه مقدمة للفسخ القولي - إلا أن صحتهما إنما هي لكونه مالكا للخيار، وعلى هذا يصح إسقاط الشرط على الوجه الأول والثاني - اللذين ذكرناهما من الوجوه، وهما أن يكون الخيار معلقا على الرد في مجموع المدة، أو في رأس المدة وبعد انتهائها - لأن الخيار وإن لم يتحقق بعد على الوجهين، إلا أن المشترط مالك للشرط، فله إسقاطه. وبالجملة: في خروج إسقاط الشرط أو الخيار عن إسقاط ما لم يجب لا يكفي تحقق سببهما الذي هو العقد بل لابد من تحقق الملكية لمن يسقطهما، وصحة إسقاط خيار المجلس والحيوان في ضمن العقد لم تكن من جهة تحقق سببه من الايجاب، بل لأن إنشاء الإسقاط مترتب على الإيجاب، فإن الموجب مضافا إلى تمليك ماله للمشتري ملكه التزامه. فإذا جعل الشارع أمر الالتزام بيد المملك، فله التجاوز عن حقه وجعل هذا الالتزام لطرفه وفعلى هذا لو كان الخيار ثابتا له وكان الرد فسخا فعليا أو مقدمة للفسخ فله إسقاط الخيار. ولو لم يكن ثابتا - بل كان مقيدا بالرد، أو كان الرد شرطا للإقالة أو البيع ثانيا - فله إسقاط الشرط، لأنه ملك له. قوله (قدس سره): (ولو تبين المردود من غير الجنس فلا رد، ولو ظهر معيبا كفى في الرد.... إلى آخره).

[ 87 ]

تنقيح الفرق بين الصورتين سيجئ مفصلا، ولا بأس بالإشارة إليه إجمالا: وهو أنه لا شبهة في أن قوام مالية المال إنما هو بصورته النوعية العرفية، التي هي أخص من الصورة النوعية باصطلاح أهل المعقول، فإن العبد والجارية في اصطلاحهم نوع واحد، ولكنهما في مقام البيع متغايران. فإذا كان قوامها بالصورة النوعية، فلو باع العبد الحبشي فتبين أنه حمار وحشي بطل البيع، سواء عين النوع بنحو التوصيف أو الشرط. كما أنه في مقام القبض أيضا لو أقبض بدل العبد حمارا بطل القبض، لأن المقبوض غير ما تعلق به البيع، فإن البيع يتعلق بالصورة النوعية لا بالمادة الهيولائية. وأما لو باع عبدا شخصيا موصوفا أو مشروطا بغير صفة الصحة - كالكتابة - أو باع ولو من دون توصيف أو شرط بالنسبة إلى وصف الصحة، فلو رد العبد في الأول وتبين فيه فقد الوصف ولو رده في الثاني وتبين فيه فقد الصحة، فله الخيار بين الرضا بالفاقد أو الأرش. وأما لو كان المبيع كليا فحيث إنه يتنوع بالوصف على نوعين فلو رد غير الموصوف فله التبديل، لا لأن مرجع الموصوف أو المشروط إلى تعدد المطلوب، بل لأن ما يستحقه في عهدة المشروط عليه هو القسم المتصف بالوصف، فله إسقاط ما يستحقه وله مطالبة الوصف. ولما لم يمكن إعطاء الوصف إلا في ضمن العين فيستبدل بعين اخرى. وبالجملة: الكلي الموصوف بغير وصف الصحة يتعين مصداقه بالمتصف، فلو رد من غير الجنس فلا إشكال في أنه خارج عما يستحقه، ولو رد من الجنس فاقدا للوصف المشترط أو للصحة يتحقق به الرد. غاية الأمر له في ذمة المشروط عليه الخصوصية الكذائية، فله التبديل لاستيفائها. قوله (قدس سره): (ويسقط أيضا بالتصرف في الثمن المعين.... إلى آخره). تنقيح ذلك الأمر يتوقف على تمهيد مقدمات: الاولى: أن بين الثمن الشخصي والكلي فرقا في جهة الظهور، فإن شرط رد الثمن في الشخصي ظاهر في رد عين الثمن، وفي الكلي ظاهر في الأعم، لأن الكلي وإن تشخص بالمدفوع إلا أنه بنفسه قابل للانطباق عليه وعلى غيره.

[ 88 ]

نعم، لو شرط في الشخصي رد غيره، أو في الكلي رد شخص المدفوع يتبع شرطه. فعلى هذا لو أطلق في الشخصي والكلي فالإطلاق على الأول ينزل على عين الثمن، وفي الكلي على الأعم. الثانية: أن مسقطية التصرف وكونه فسخا فعليا لأحد الوجوه الثلاثة، لأنه إما للتنافي بين البناء على المالكية والبناء على الفسخ، وإما لظهوره الفعلي في الأخذ بأحد طرفي التخاير، وإما لظهوره النوعي. الثالثة: أن بناء المعاوضة في البيع الخياري غالبا على التصرفات المتلفة في الثمن بحيث عد غيره من الفرد النادر الشاذ. إذا عرفت ذلك نقول: لو شرط رد عين الثمن فلا إشكال في أن التصرفات الناقلة أو المتلفة فيه موجبة لسقوط الخيار لو وقعت في زمان الخيار، بل موجبة لعدم ثبوته، وإطلاق المسقط عليها مسامحة. وأما لو أطلق كأن قال: بشرط أن ترد مالي، كما هو مفاد رواية معاوية بن ميسرة (1). فمقتضى ما ذكرناه عدم سقوط خياره مطلقا، كان الثمن شخصيا أو كليا، فإن الإطلاق وإن انصرف إلى رد العين في الشخصي إلا أنه فيما لم يكن بناء البائع نوعا على الانتفاع بالتصرفات المتلفة، وأما مع بنائه كذلك فيحمل الإطلاق على شرط رد الأعم لو كان الاشتراط صحيحا ولو مع بقاء العين، أو يحمل على الأعم في مورد التلف. وبالجملة: التصرف من البائع إنما ينافي فسخه أو أنه ظاهر نوعي في إجازته أو مصداق فعلي لها في غير المورد الذي بناؤه على التصرف، بل لو قلنا بأن التصرف مسقط تعبدي يخرج مورد البيع الخياري عن دليل التعبد، إما لانصرافه عنه، وإما لكون هذا البناء من البائع بمنزلة الاشتراط الضمني بأن لا يكون هذا التصرف مسقطا، وهذا شرط سائغ، لأنه من حقوق المتبايعين. ولو كان ثبوته من جهة النص والتعبد فإنه لا يشترط عدم الحكم الشرعي في هذا المورد، بل يشترط على المشتري أن لا يكون تصرف البائع موجبا لمالكية المشتري التزام نفسه.


(1) الوسائل 12: 355، الباب 8 من أبواب الخيار ح 3.

[ 89 ]

وعلى هذا فكلام المحقق الأردبيلي (1) ومن وافقه في غاية المتانة. وإيراد المصنف عليه في الحقيقة تأييد له، لأن مرجع كلامه إلى عدم السقوط في غير مورد شرط رد شخص العين. وهو ومن وافقه مورد كلامهم في المتعارف بين الناس، والمتعارف عدم شرط رد خصوص العين، لأن بناءهم كمفاد الأخبار اشتراط رد المال، وهو أعم من العين والمثل، بل لا يمكن شرط رد خصوص العين، مع أن غرضهم الانتفاع بالثمن بالتصرف الناقل. كما أن إيراد المصابيح (2) عليهم غير وارد، فإن حاصل إيراده أن التصرف المسقط في المقام من باب السالبة بانتفاء الموضوع، لأن التصرف مسقط في زمان الخيار والخيار المشروط برد الثمن، يحصل للبائع بعد رده إلى المشتري لا قبله. فلو تصرف بعد الرد إليه يسقط خياره لتحققه، دون ما إذا تصرف فيه قبل الرد، وذلك لأن الخيار وإن علق على الرد إلا أنه يتصور على وجهين، لأنه تارة يتحقق الخيار بانتهاء المدة كيوم بعد السنة، واخرى جميع المدة ظرف للخيار، ففي أي ساعة رده، له الخيار. وفي القسم الأول يرد إشكال المصابيح، وأما في القسم الثاني فلا، كما في سائر الوجوه الأربعة التي تقدم أن الرد ليس قيدا للخيار. أما في سائر الوجوه فواضح، وأما في القسم الثاني من الوجه الأول في كلام المصنف، فلأن الخيار وإن علق على الرد إلا أن التزام البائع حيث إنه تحت يده وإن علقه على الرد فله إسقاطه بالتصرف الذي هو مسقط فعلي، كما له إسقاطه قولا. ومجرد كونه معلقا لا يوجب خروج الالتزام عن سلطنته، لأنه علقه على أمر اختياري، كما لو جعل إعمال خياره في مكان خاص أو عند الحاكم الشرعي. وبالجملة: كان له الرد في طول المدة، لتحقق خياره، فهو مالك له فله إسقاطه قولا وفعلا. وليس من إسقاط ما لم يجب لا لإيجاد سببه بل لكونه ملكا له فعلا.


(1) مجمع الفائدة 8: 402 - 413. (2) راجع المناهل: 341 س 6.

[ 90 ]

ثم إن مما ذكرنا ظهر أن الوجه الأول في كلام المصنف على قسمين، وفي أحدهما يلتزم بإمكان إسقاط الخيار، لا في كليهما، كما هو صريح عبارته في قوله: نعم لو جعل الخيار والرد في جزء معين من المدة كيوم بعد السنة... إلى آخره. فلا تنافي بين كلاميه، فلا يرد عليه ما أورده بعض المحشين. ثم إن محصل كلام الجواهر (1) في الرد على المصابيح امور ثلاثة: الأول: أنه لو قيل بأنه لا خيار قبل الرد يلزم جهالة مبدأ الخيار. الثاني: أنه خلاف ما يستفاد من فهم العرف، فإنهم يفهمون من هذا الشرط جعل الخيار في طول المدة لا بعد الرد. والثالث: أنه خلاف ما هو البناء من الأصحاب من رد الشيخ القائل بتوقف الملك على انقضاء الخيار ببعض هذه الأخبار المستفاد منه أن غلة المبيع للمشتري، لأن حاصل كلامهم أن مجموع المدة ظرف للخيار، مع أن نماء المبيع للمشتري. فلو توقف الملك على انقضاء الخيار لما كانت الغلة للمشتري، فمن رد الأصحاب مقالة الشيخ بهذا الخبر يستفاد ثبوت الخيار مطلقا، وإلا لما كان وجه لاستدلال الأصحاب به على رد الشيخ. ومحصل رد المصنف على الجواهر: أن الجهالة الناشئة عن الرد مع تعيين ظرف الخيار لا تضر. وأما فهم العرف فلا يتبع فيما لو كان المدار على كيفية جعل الخيار. وأما استدلال الأصحاب فلعلهم فهموا من مذهب الشيخ توقف الملك على انقضاء الخيار المنفصل أيضا. ولا يخفى أن الأخير لا يستقيم، لأن الشيخ يقول بالتوقف في نحو خيار المجلس والشرط لا مطلقا، فلو لم يكن الخيار في المقام متصلا وكان بعد الرد لما كان وجه لاستدلالهم بهذه الأخبار على رد الشيخ. وينبغي التنبيه على أمرين: الأول: أن فائدة النزاع في ثبوت الخيار وعدمه قبل الرد مع قابلية إسقاط


(1) الجواهر 23: 40.

[ 91 ]

الشرط مطلقا تظهر في التصرف، فإنه لو كان الخيار ثابتا في طول المدة وكان الفسخ معلقا على الرد لكان التصرف التزاما بالملكية. وأما لو لم يكن الخيار ثابتا فليس التصرف تصرفا في زمان الخيار. وأما الشرط فعلى أي تقدير لا يسقط بالتصرف، لأن الإسقاط من العناوين التي ليست الأفعال مصداقا لها، بل لابد من تحققها بالقول. وبالجملة: وإن كان الشرط قابلا للاسقاط تحقق الخيار أم لا، إلا أن سقوطه منحصر بالقول، بخلاف الخيار، فإنه يسقط مطلقا، لأن التصرف مصداق للالتزام. الثاني: أنه لا ينبغي الإشكال في أن المشروط بالشرط لا يتحقق قبل حصول شرطه، كان المشروط وضعا أو تكليفا، لامتناع الشرط المتأخر. فلا يرد على المصابيح بأنه لو كان الخيار في طول المدة لكان التصرف مسقطا، لأنه تصرف في زمان الخيار. مع أن الخيار على كلا الوجهين معلق على الرد، فقبل الرد لا خيار، وذلك لأن فعلية الخيار وإن كانت متوقفة على الرد مطلقا، إلا أن ملك التزام العقد بيد ذي الخيار الذي هو البائع في المقام فيما إذا كان الخيار في طول المدة، لأنه قادر على إقدار نفسه في جميع الأوقات. فالتصرف في الثمن رد للالتزام العقدي الذي كان زمام أمره بيده إلى المشتري، بخلاف ما إذا كان الخيار منفصلا كيوم بعد السنة، فإن التزام نفسه فعلا بيد المشتري. وبالجملة: لا تنافي بين المشروطية وكون المشروط بيد المشروط له وإن كان شرطه متأخرا، ولذا لو رجع المشترط في باب المسابقة وشك في استحقاق السابق السبق مع رجوع طرفه يستصحب بقاء الحكم المشروط. وهكذا الشك في نسخ الحكم المشروط، بل جريان الاستصحاب التعليقي منحصر في أمثال هذه الموارد، ففي المقام زمام أمر العقد بيد البائع من زمان العقد إلى سنة - مثلا - فلو تصرف ببناء مالكي والتزام عقدي فهذا التصرف مسقط لحقه. ومن هذا البيان قلنا: إنه يسقط بالاسقاط القولي أيضا، لأنه ليس إسقاطا لما لم يجب. قوله (قدس سره): (الأمر الخامس لو تلف المبيع.... إلى آخره).

[ 92 ]

لا يخفى أن تلف المبيع لا يوجب سقوط خيار البائع إلا بناء على أن يكون الخيار مطلقا متعلقا بالعين، أو اشترط الرد والاسترداد الظاهر في رد العين بخصوصيتها، أو قلنا بأن ظاهر الشرط في المقام تعلق الخيار بالعين لخصوصية فيها بنظر المشترط. وجميع الوجوه ضعيفة: أما الأول: فلما سيجئ في أحكام الخيار من تعلق الخيار بالعقد. وأما الثاني: فلأن ظاهر الأخبار الواردة في المقام هو جعل الخيار للمشترط معلقا على الرد، لا جعل الرد له. وأما الثالث: فلأن في البيع الخياري يتعلق النظر بمالية المال غالبا. ومنشأ جعل الخيار فيه بيعه بأقل من ثمن المثل، ولو كان منشأ جعل الخيار فيه الرغبة إلى الخصوصية العينية لباعها بثمن المثل وجعل لنفسه الخيار. والبيع بثمن المثل لا يرغب فيه المشتري مع جعل الخيار للبائع، إلا أن يكون المبيع أمرا يرغب فيه المشتري جدا، بحيث كان احتمال صيرورته له داعيا إلى الشراء بثمن المثل مع جعل الخيار للبائع. ولكن هذا نادر فلا وجه لتنزيل أخبار الباب على الفرد النادر. وبالجملة: تلف المبيع لا يوجب سقوط خيار البائع، كان قبل رد الثمن أو بعده. ويظهر من صاحب الجواهر التفصيل بين بعد الرد وقبله، قال (قدس سره): وكما أن النماء له أي للمشتري فالتلف منه بلا خلاف، للصحيح والموثق، بل هو كذلك وإن كان بعد الرد إلا أنه مضمون عليه، لأنه وقع في زمان خيار البائع، فله حينئذ الفسخ ثم الرجوع إلى المثل أو القيمة، بخلاف التلف قبل الرد الذي ليس زمان الخيار كي يستحق الرجوع عليه، بل المتجه سقوط الخيار (1) انتهى. وقبل بيان ما يرد على كلامه نقول: لا إشكال في ان مقتضى المعاوضة قبل القبض ضمان كل من المتعاقدين لما انتقل عنهما بضمان المسمى. ولازم ذلك أنه لو تلف يتعين المسمى للبدلية، أي ينفسخ العقد ويرجع كل مال إلى مالكه الأصلي.


(1) الجواهر 23: 39.

[ 93 ]

ولا شبهة أن بالقبض ينتقل الضمان، أي يصير المالك ضامنا لما انتقل إليه، ويتبدل الضمان المعاوضي أيضا بضمان اليد، بمعنى أنه لو تلف المبيع مثلا عند المشتري بعد القبض وطرأ عليه الفسخ أو الانفساخ أو الإقالة فالتالف مضمون عليه بالمثل أو القيمة، فيسترجع الباقي عند الطرف ويؤخذ منه المثل أو القيمة. ولا شبهة أيضا في أن انتقال ضمان التالف إلى القابض إنما هو لو لم يكن له الخيار، وأما مع الخيار فالتلف ممن لا خيار له. نعم، في خصوص قاعدة ضمان التالف على من لا خيار له اختلف العلماء في أن الحكم مطلق في جميع الخيارات، أو مختص بخيار الحيوان والشرط، أو هما مع المجلس. وكذلك اختلفوا في اختصاص الحكم بتلف المبيع كتلف الحيوان في يد المشتري مع ثبوت الخيار له، أو يشمل تلف الثمن في يد البائع إذا كان له الخيار. وعلى أي حال، فمعنى قولهم " إن بالقبض ينتقل الضمان إلا أن يكون خيار " أن القبض وجوده كعدمه إذا كان للقابض خيار، فيكون حال المقبوض كحاله قبل القبض، في أن ضمانه على مالكه الأصلي وهو الضمان المعاوضي. فإذا تلف الحيوان في يد المشتري الذي له الخيار ينفسخ البيع، ويرد الثمن الموجود عند البائع إذا لم يكن له الخيار إلى المشتري. إذا عرفت هذا نقول: يرد عليه: أولا: أن مقتضى كلامه في رد المصابيح هو أن مجموع المدة ظرف الخيار لا بعد الرد، فالتفصيل بين قبل الرد وبعده في ثبوت الخيار بعده دون قبله لا وجه له. وثانيا: لا وجه لقوله إذا تلف المبيع بعد رد الثمن يكون تلفه من المشتري، لأنه وقع في زمان خيار البائع، لأن قاعدة التلف في زمان الخيار ممن لا خيار له - كما عرفت - تختص بتلف المقبوض عند ذي الخيار. وبعبارة اخرى: هذه القاعدة مفادها أن القبض كالعدم، فلو كان الخيار للمنتقل إليه فتلفه يحسب من المنتقل عنه. وفي المقام التلف عند القابض كان في زمان

[ 94 ]

خيار المنتقل عنه وهو البائع، وخياره ليس علة لكون تلف المبيع على المشتري، لأن قبضه مع عدم الخيار له صار سببا لأن يكون تلفه عليه. نعم، فائدة هذه القاعدة تظهر في تلف الثمن عند البائع لو قلنا بالتعدي إليه أيضا، كما سنشير إلى وجهه. وثالثا: أن هذا التعليل مشترك بين قبل الرد وبعده على ما اختاره هو (قدس سره) من عدم الفرق في قاعدة التلف في زمان الخيار ممن لا خيار له بين الخيار المتصل والمنفصل، فقبل الرد وإن لم يكن الخيار ثابتا إلا أنه يتحقق بعده. فإذا اقتضت القاعدة كون تلف المبيع على المشتري بعد رد الثمن لوقوعه في زمان خيار البائع، فتقتضي كونه عليه أيضا قبل الرد لتحقق الخيار ولو بعد ذلك. ورابعا: أن مقتضى كون التلف في زمان الخيار ممن لا خيار له انفساخ العقد قهرا، لأن حال المقبوض كحاله قبل القبض فلا معنى لقوله: لأنه وقع في زمن خيار البائع فله حينئذ الفسخ. وخامسا: أنه لا وجه لإطلاق كلامه في ثبوت الخيار بعد الرد، لو فرض أن للبائع نظرا إلى الخصوصية العينية. وبالجملة: لا إشكال في عدم الفرق بين الرد وقبله، فإنه لو كان الغرض متعلقا برد العين فالتلف موجب سقوط الخيار مطلقا، ولو كان النظر إلى ماليتها فلا وجه لسقوطه أصلا. ولا إشكال في أن مقتضى القواعد كون ضمان المقبوض على مالكه - الذي قبضه لو لم يكن له خيار على الطرف - كان لطرفه خيار أم لا، فتلف المبيع على المشتري ليس لثبوت الخيار للبائع، بل لأنه ملك له وقد قبضه وليس له خيار. ومما ذكرنا من أن مرجع قاعدة " كون التلف في زمان الخيار ممن لا خيار له " إلى أن قبض ذي الخيار كعدم القبض يظهر ما في عبارة المصنف أيضا من قوله: " ولو تلف الثمن فإن كان بعد الرد وقبل الفسخ فمقتضى ما سيجئ من أن التلف في زمان الخيار ممن لا خيار له كونه من المشتري وإن كان ملكا للبائع "

[ 95 ]

لما عرفت من أن مورد هذه القاعدة ما إذا تلف المقبوض عند مالكه مع كونه ذا خيار. فهذه القاعدة على فرض تعميمها للثمن موردها ما إذا تلف الثمن في يد البائع، أي صغراها تلف الثمن قبل الرد لا تلفه عند المشتري. فلو قلنا بضمان المشتري بعد قبضه فإنما نقول به لكونه في حكم المقبوض بالسوم - كما سنشير إليه - لا لقاعدة التلف في زمان الخيار ممن لا خيار له. قوله (قدس سره): (إلا أن يمنع شمول تلك القاعدة للثمن ويدعى اختصاصها بالمبيع.... إلى آخره). لا إشكال في أن مورد قاعدة " التلف في زمان الخيار ممن لا خيار له " هو تلف المبيع عند المشتري مع كونه ذا خيار، كما إذا كان المبيع حيوانا. فالتعدي عنه إلى تلف الثمن عند البائع إذا كان ذا خيار - كالمقام - إنما هو للتعليل في ذيل هذه الأخبار، وهو قوله (عليه السلام): حتى ينقضي الشرط ويصير المبيع للمشتري. فإن هذا الكلام بمنزلة ان استقرار الملك يوجب ثبوت التلف على المالك، فما دام الملك متزلزلا وللمالك رده لا يستقر ضمانه عليه، بل ضمانه على صاحبه الأول الذي ليس له خيار. ومن هذا البيان يظهر عدم الفرق في تلف الشئ على من لا خيار له لا على ذي الخيار بين الخيار المتصل أو المنفصل، لأن استقرار الملك رافع للضمان لا أصل الملك. فعلى هذا تلف الثمن يحسب على المشتري إذا كان قبل الرد سواء كان مجموع المدة ظرف الخيار أو كان بعد الرد. نعم، سيجئ إن شاء الله في أحكام الخيار أن هذا يختص بتلف الثمن الشخصي بالتلف السماوي أو ما هو بمنزلته - كما إذا وجب عليه الإتلاف شرعا - وبإتلاف من عليه الخيار أو الأجبني. وأما إتلاف ذي الخيار أو تلف المقبوض من الثمن الكلي فليس ضمانه على من لا خيار له. هذا، مع أنه لو قيل باختصاص قاعدة التلف في زمان الخيار بتلف المبيع

[ 96 ]

عند المشتري لو كان ذا خيار وعدم شمولها لتلف الثمن، إلا أن تلف الثمن بعد الرد إلى المشتري على أي حال ضمانه على المشتري، لأن البائع دفعه إليه ليسترد منه المبيع لا مجانا وبلا عوض، فيصير كالمقبوض بالسوم في أن ضمانه على القابض. نعم، لو تلف قبل الرد إليه فتلفه على البائع بناء على الاختصاص. وبالجملة: مقتضى ذيل الرواية المتقدمة هو أن ضمان تلف الثمن عند البائع على المشتري. والعجب من صاحب الجواهر من عده التعميم من غرائب الكلام ثم رده بخبر معاوية بن ميسرة، مع أن الرواية غير متعرضة لتلف الثمن أصلا، وليس مفادها إلا أن نماء الثمن للبائع وتلف المبيع على المشتري إلا أن ينضم إليها قاعدة الخراج بالضمان، فإن كون نماء الثمن للبائع بمقتضى رواية معاوية وكون المنافع بإزاء الضمان بمقتضى تلك القاعدة ملازم لكون تلف الثمن على من له نماؤه وهو البائع. ولكنه لا يخفى أن " قاعدة الخراج بالضمان " على فرض دلالتها على مدعاه قابلة للتخصيص بقاعدة " التلف في زمان الخيار ممن لا خيار له " وبقاعدة " كل مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه " مع أن دلالتها غير تامة، وأوضحنا مفادها في قاعدة ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده. وملخصه: أن هذه القاعدة سيقت لبيان ما ارتكز عند العقلاء، وهو أن من تعهد شيئا وبذل بإزائه الثمن فمنافعه له بسبب بذل العوض في مقابله، فالضمان فيها بمعناه المصدري. وبعبارة اخرى: بعد عدم إفادة هذه القاعدة ما استظهره أبو حنيفة - من أن الغنم بإزاء الغرم، فلا تشمل ضمان الغاصب - يدور الأمر بين المعنى المصدري أي الضمان الجعلي المالكي واسم المصدر وهو الحاصل من الجعل الشرعي التعبدي كالضمان في القاعدتين والأعم منهما بناء على صحته. والأظهر هو الأول، فإن المرتكز عند العقلاء هو أن التضمين صار سببا لاستيفاء المنافع وبالعكس، أي من ضمن مالا وبذل بإزائه شيئا فخراجه - أي منافعه - له بإزاء ضمانه.

[ 97 ]

إذا عرفت ذلك فمقتضى هذه القاعدة: أن نماء الثمن للبائع ونماء المثمن للمشتري بسبب تعويضهما وتضمينهما، أي حيث بذل البائع المبيع بإزاء الثمن وضمن الثمن فنماؤه له، وحيث بذل المشتري الثمن وعوضه بالمثمن وضمنه فمنافع ما ضمنه وأدخله في ماله له. فينحصر مورده في التضمين الجعلي المالكي الذي أمضاه الشارع. فعلى هذا لا تشمل القاعدة الضمان في قاعدة التلف في زمان الخيار ممن لا خيار له، لأنه ليس بجعل مالكي بل تعبدي محض. وكذلك لا تشمل الضمان في قاعدة كل مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بايعه إذا كان تعبديا محضا، كما ذهب إليه جماعة من العلماء. وأما بناء على المختار: من عدم كون القاعدة تعبدية محضة بل منشأ الحكم بالضمان كونه مقتضى الشرط الضمني الذي يتعهد به كل من المتعاقدين للآخر - من التسليم والتسلم وإن اعمل فيه التعبد في الجملة وهو جعل التالف آنا ما في ملك من انتقل عنه قبل التلف - فقد يتوهم تنافيها مع قاعدة الخراج بالضمان، لأن مقتضاها أن الضمان على من كانت المنافع له، فالمبيع إذا تلف قبل القبض مع أن منافعه للمشتري يكون ضمانه عليه، مع أن قاعدة كل مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه تقتضي أن يكون ضمانه على البائع. ولكن يمكن دفعه: بأن قاعدة الخراج ناظرة إلى التضمين الأولي لا التضمين الثانوي المترتب على الأولي. وتوضيح ذلك: أن في كل معاوضة يتحقق ضمانان بالنسبة إلى كل من البائع والمشتري، فالبائع مثلا ضامن للثمن ابتداء وللمبيع ثانيا، أي ضمن الثمن بإزاء المثمن وأدرجه في ملكه وضمن المثمن أي التزم بأنه لو تلف يكون المسمى بدلا له، أي تعهد بالتسليم إلى المشتري، بحيث لو تلف يكون عوضه المسمى وهو الثمن باقيا على ملك المشتري لانفساخ العقد ولو تعبدا. وقاعدة الخراج بالضمان ناظرة إلى التضمين الأصلي لا التبعي، ولا تشمل الثانوي فلا تخصيص ولا حكومة.

[ 98 ]

هذا، مع أنه لا مانع عن التخصيص والحكومة، فلو كانت قاعدة التلف عامة وشاملة لتلف الثمن كما يستفاد ذلك من ذيل بعض الأخبار الواردة في خيار الحيوان فتقدم على قاعدة الخراج بالضمان، لأن مفاد قاعدة التلف انفساخ المعاملة ورد التالف إلى ملك من لا خيار له. فالعمدة استفادة التعميم من قاعدة التلف وعدمها، لا جعل رواية معاوية بن ميسرة دليلا على ان تلف الثمن بعد الرد من البائع ولو منضما إلى قاعدة الخراج بالضمان. والحق عدم شمول قاعدة التلف لتلف الثمن واختصاصها بتلف المبيع في زمان خيار المشتري بخيار الشرط والحيوان أو المجلس أيضا على خلاف فيه. نعم، لو قلنا بالتعميم فلا فرق بين الخيار المتصل والمنفصل، لما عرفت من أن مناطه تزلزل البيع. وسيجئ تفصيل ذلك إن شاء الله في محله، ويظهر أن الإشكالات الواردة على كلام المصنف في استصحاب الضمان الثابت قبل القبض إلى زمان القبض في مدة الخيار ولو كان الخيار منفصلا غير واردة عليه. ولكن عمدة الإشكال أن مقتضى القواعد: أن تلف كل مال على مالكه، خرج منها تلف المبيع قبل القبض وتلفه بعد القبض في زمان خيار المشتري، فبقي تلف الثمن بعد قبض البائع له على حكم القواعد. وقوله (عليه السلام) " حتى ينقضي الشرط، غاية لثبوت تلف المبيع في زمان خيار الحيوان والشرط على البائع لا علة حتى يعمم إلى تلف الثمن في زمان خيار البائع. هذا مضافا إلى أن التسالم على ثبوت الخيار لو شرط رد مثل الثمن في صورة تلف الثمن وصحة هذا الشرط دليل على أن قاعدة التلف لا تجري في تلف الثمن، لأن مقتضى القاعدة بعد تعميمها للخيار المنفصل أن يكون تلفه على المشتري فينفسخ البيع، وهذا الشرط يقتضي أن يكون تلفه على البائع فيبقى العقد على حاله، وينفسخ أو يفسخ برد المثل. وقاعدة التلف لو قلنا بتعميمها فهي حكم تعبدي شرعي ليس قابلا للتغيير بالشرط المخالف لها،

[ 99 ]

حتى يقال: إن شرط الخيار برد مثل الثمن متضمن لشرطين: أحدهما الخيار، وثانيهما أن تلف الثمن مع أنه في زمان خيار البائع على البائع. فالحق ما اختاره صاحب الجواهر، لكن لا لظهور خبر معاوية بن ميسرة، بل لعدم الدليل على أن تلف الثمن كتلف المبيع. قوله (قدس سره): (الأمر السادس لا إشكال في القدرة على الفسخ.... إلى آخره). لا يخفى أنه لو شرط الرد إلى خصوص المشتري فلا يكفي الرد إلى غيره لو امتنع الرد إليه لغيبة أو جنون أو موت، ولو شرط الرد إلى الأعم منه ومن وكيله أو وليه فيكفي الرد إلى كل واحد منهم، ولو اطلق فالمسألة ذات قولين. ولا يخفى أن نسبة الحدائق إلى المشهور عدم اعتبار حضور المفسوخ عليه في الفسخ لا يلازم عدم اعتبارهم الرد إلى خصوص المشتري، فإنه لا ملازمة بين الفسخ والرد. ويمكن أن لا يكون حضور الطرف معتبرا في الفسخ ويعتبر في الرد - الذي هو الإقباض - قبض خصوص الطرف. وبالجملة: يجب أن يخرج الرد إلى الوارث عن محل الخلاف، لأن الوارث ينتقل إليه المال على نحو تعلق حق المورث البائع إليه، سواء قلنا بأن الخيار والفسخ يتعلق بالعقد أم قلنا بأنه يتعلق بالعين مطلقا أم بالتفصيل بين سائر الخيارات والمقام الذي قلنا بأنه متعلق بالعين. ولذا لا يجوز في المقام لمن عليه الخيار التصرفات المنافية لاسترداد العين، وذلك لأن المال على أي حال ينتقل إلى الوارث على نحو كان لمورثه، فالرد إليه كالرد إلى مورثه. نعم، في مورد التخصيص بخصوص شخص المشتري لا يكفي الرد إلى الوارث، إلا أن في مورد الإطلاق لا يوجب الموت امتناع الرد. فالعمدة هو البحث عن الرد إلى الوكيل المطلق لو كان، أو إلى الحاكم الشرعي. فقد يقال إن الأدلة الدالة على ولاية الحاكم ووكالة الوكيل لا تشمل ما ليس للمولى عليه والموكل مصلحة فيه، فقبضهما ليس قبضا من المشتري حتى يكون المدفوع ملكا للمشتري، فيجب عليهما حفظه ورد المبيع إلى البائع.

[ 100 ]

وفيه: أنه لو فرض إطلاق الوكالة لما له وعليه - كما هو المفروض في المقام - فقبضه قبض الموكل، ولذا لو خاطب أحد المتبايعين الآخر بقوله " بعتك " مع كون المشتري وكيلا لصح الخطاب كذلك، مع أن " الكاف " لم يوضع للخطاب بالأعم، وليس إلا لأن الوكيل هو الموكل تنزيلا. ففي المقام إذا كان قبضه قبض الموكل يشمل الإطلاق الرد إليه، فليس إعمال الخيار ممتنعا. وأما ولاية الحاكم فلا تختص بما للمولى عليه مصلحة، ولذا ينفق على زوجة الغائب من ماله. بل لو قيل باعتبار المصلحة في التصرف إلا أن في المقام حيث إن الفسخ لا يناط بحضور المفسوخ عليه وقبوله فلذي الخيار إعماله. فيبقى مال المشتري بلا ولي، فله رده إلى الحاكم لحفظه، واعتبار الحضور للرد أيضا يكفي فيه حضور من هو قائم مقام المشتري شرعا. ثم إنه لو باع الأب عن ابنه واشترى الجد لطفل آخر فلا إشكال في أن الأب يرد إلى الجد لو شرط الخيار، وهكذا لو تولى أحدهما طرفي العقد يجوز أن ينوي بالقبض الرد إلى المفسوخ عليه، أو يرد إلى الولي الآخر الذي لم يكن متوليا لطرفي العقد. كما أنه لو اشترى الأب للطفل بخيار البائع فللبائع الرد إلى الأب وإلى جد الطفل، لولاية كل منهما على الطفل، فقبض كل منهما قبض الطفل. إنما الإشكال في أنه لو اشترى الحاكم للطفل بخيار البائع، فهل للبائع الرد إلى حاكم آخر - كما كان له الرد إلى الأب والجد - أو لا بل يجب الرد إلى خصوص الحاكم المشتري؟ الأقوى أنه يجب الرد إليه بخصوصه، لأن بتصرف الحاكم في مال اليتيم ووضع اليد عليه يخرج ماله عن المال الذي لا ولي له، فليس لحاكم آخر التصرف في هذا المال. قوله (قدس سره): (ولو شرط البائع الفسخ في كل جزء برد ما يخصه من الثمن جاز.... إلى آخره). قد يقال: إن هذا الشرط مخالف للسنة، لأن السنة جرت في اشتراط الخيار برد الجميع.

[ 101 ]

ولا يخفى ما فيه، لأن جعل المتعاقدين التبعض بالنسبة إلى المبيع أو الثمن ليس محللا للحرام ولا محرما للحلال، ويكفي في صحته عموم المؤمنون عند شروطهم. وتوهم أن الالتزام العقدي أمر بسيط فإما أن يجعل للمشروط له تمام الالتزام وإما يبطل فاسد جدا، لأنه لا ينافي بساطة الالتزام جعل التبعيض في الملتزم، فإن التبعيض قد ينشأ من جعل مختلفي الحكم متعلقا لبيع واحد - كما لو باع الخل والخمر، أو مال نفسه ومال غيره صفقة - وقد ينشأ من جعل البائع أو المشتري بالنسبة إلى الثمن أو المثمن الذي لولا الجعل كان جميع أجزائه متحد الحكم، ففيما لو اطلق اشتراط الفسخ برد الثمن لم يكن له الفسخ إلا برد الجميع. وأما لو شرط الفسخ في كل جزء برد ما يخصه من الثمن، فالبائع بالشرط جعل المبيع للمشتري متبعضا، ولا مانع عنه. ثم إن هذا على أقسام: قسم لا يجعل الخيار إلا في بعض المبيع برد ما يقابله من الثمن، سواء جعل على وجه كان الرد فسخا فعليا، أم مقدمة للفسخ أم الخيار. وهذا لا إشكال في صحته، إذ ليس المشتري إلا كمن اشترى دارا من شريكين جعل أحدهما الخيار لنفسه دون الآخر. وقسم يجعل الخيار في المجموع، ولكن بحيث إنه كل ما يرد مقدارا يثبت له الخيار بهذا المقدار، أو يكون كل مقدار فسخا فعليا بمقدار ما يقابله من المبيع. وهذا أيضا كالسابق في الصحة. ولا إشكال في القسمين بأقسامهما في أنه ليس للمشتري خيار تبعض الصفقة، لأن أصل ثبوت خيار التبعض إنما هو لتخلف شرط ضمني في العقد، وهو كون مجموع المبيع بوصف اجتماعه مقابلا لمجموع الثمن. فلو صرحا بانحلال العقد وإمكان تبعضه فلا شرط ضمنا، بل الشرط على خلافه. نعم، لو شرط فسخ المجموع متدرجا وفسخ في البعض ولم يفسخ في الباقي حتى خرجت المدة بطل الفسخ في البعض نظير المكاتب المشروط.

[ 102 ]

وقسم يشترط فسخ المجموع برد جزء من الثمن، وهذا أيضا لا مانع منه. قوله (قدس سره): (الأمر الثامن.... إلى آخره). حكم شرط المشتري برد المبيع لثبوت الخيار لاسترداد الثمن في جميع الصور السبع، وفي جعل رد المثل في القيمي وبالعكس، وفي جعل رد المثل مع بقاء العين حكم شرط البائع، وقد تقدم حكمه فراجع. قوله (قدس سره): (مسألة: لا إشكال ولا خلاف في عدم اختصاص خيار الشرط بالبيع.... إلى آخره). تنقيح هذا العنوان يتوقف على بيان أقسام العقود. فنقول قد تقدم مرارا أن العقود على قسمين: إذنية وعهدية، والعهدية على قسمين: تعليقية وتنجيزية. فما كان من العقود الإذنية - كالوكالة والوديعة والعارية - لا يجري فيه شرط الخيار، لأن الخيار معناه ملك الالتزام والعقود الإذنية لا التزام فيها، فهي خارجة عما يجب الوفاء به تخصصا، بل إطلاق العقد عليها إنما هو لكونها واقعة بين اثنين، وإلا فنفس حقيقتها متقومة بالإذن المحض والرضا الصرف. وما كان من العهدية، فلو كان اللزوم أو الجواز فيه حكميا لا حقيا لا يجري فيه أيضا شرط الخيار، فالأول كالنكاح والضمان، والثاني كالهبة. أما الأول فلأن شرط الخيار فيه مناف للسنة، فلا يصح الجعل من العاقد على خلاف مقتضاه الذي رتبه الشارع عليه. ولذا لا يصح الإقالة فيه، وسره أن الإقالة رد الالتزام الذي ملكه كل من المتعاقدين إلى صاحبه، وإذا لم يدخل الالتزام تحت الملك لا يقبل الرد، كما أن الخيار ملك التزام نفسه، وهذا لو لم يدخل تحت الملك لا يصح جعله بالشرط. وأما الثاني فلأن العقد لو كان جائزا ذاتا فجعل الخيار فيه لغو رأسا، وليس من قبيل جعله فيما هو جائز عرضا - كجعله فيما فيه خيار الحيوان أو المجلس - لإمكان تأثير الجعل فيه بلحاظ إسقاطه وتقيد المسبب بأسبابه. ولو كان اللزوم فيه حقيا كسائر العقود فسواء كانت تنجيزية - كالبيع والصلح وأمثالهما - أم تعليقية كالجعالة والسبق والرماية يصح فيه شرط الخيار.

[ 103 ]

ومن هذا البيان ظهر عدم جريان خيار الشرط في مطلق الايقاعات، لأنه ليس فيها التزام وعهد من الموقع ولم يلتزم بمنشئه بالتزام عهدي وعقدي. وليس وجه عدم الجريان باعتبار وقوع الشرطين بين اثنين - كما يظهر من بعض الأعلام - حتى يرد عليه بأن كون الإيقاع من طرف واحد لا يقتضي عدم وقوع الشرط في ضمنه لإمكان اشتراط الخيار في ضمنه وقبول الآخر لهذا الشرط، بل لأن حقيقة الشرط هو إناطة المنشأ به بحيث يصير الشرط ضميمة لأحد العوضين، وفي الإيقاعات لا عوض فيها حتى ينضم الشرط إليه. وبعبارة اخرى: ليس الشرط مجرد ذكر شئ منضما إلى آخر - كما لو قيل بعتك الدار وآجرتك البستان - بل يجب أن يناط المنشأ به. وفي الإيقاعات لو انيط أصل المنشأ به بطلت للتعليق، ولو ذكر غير مرتبط بالمنشأ فهو الشرط الابتدائي الذي لا يجب الوفاء به، لكونه حينئذ مجانيا وبلا عوض وغير منضم إلى أحد الطرفين. نعم، بعض الإيقاعات يمكن تقييده بخصوصية خاصة، كعتق العبد وشرط الخدمة عليه، إلا أن هذا النحو من الشرط خارج عما هو محل البحث، فإن موضوع البحث هو الالتزام بالشئ في ضمن الالتزام بشئ آخر لا إنشاء المنشأ بنحو خاص. فالمولى لما كان مالكا لرقبة العبد ومنافعه وأمواله فله تخصيص عتقه ببعض الجهات، وهذا ليس من قبيل الشرط في ضمن العقود. وحاصل الكلام: أن الإيقاع حيث إنه إذا انشأ يوجد المنشأ بنفس الانشاء ولا يتوقف على القبول فالشرط الواقع بعده، إما يرجع إلى الشرط الابتدائي، وإما إلى تعليق المنشأ الذي هو باطل، وإما إلى تخصيص المنشأ بخصوصية خاصة. وعلى أي تقدير هذا خارج عن الالتزام في الالتزام الذي هو محل الكلام. ثم إنه لو رجع الشرط إلى التخصيص لا يتوقف على قبول العبد. نعم، لو شرط على العبد بعد العتق شيئا يتوقف نفوذه على قبوله - كما لو قال: أعتقتك وزوجتك ابنتي، وشرطت عليك إن تزوجت أو تسريت عليها أن تعطيني

[ 104 ]

مائة درهم - واحتياجه هنا إلى القبول إنما هو لعدم تملك العبد لمائة درهم حال العتق فيرجع هذا الشرط إما إلى مال الكتابة أي يرجع الإيقاع إلى العقد ويتوقف صحته على القول بصحة المجاز أو الكناية، وإما إلى الشرط في ضمن التزويج الذي وقع بعد العتق. ويؤيد ما ذكرناه بعض الأخبار الواردة في استثناء الخدمة من أنه يجب استثناؤها قبل العتق، لأنه لو اعتق أولا يصير العبد حرا مالكا لنفسه ومنافعه، فإنه لو كان العتق قابلا للشرط لم يكن وجه لهذا التعليل كما لا يخفى. وبالجملة: جميع الإيقاعات لا يقبل جعل الشرط في ضمنه - سواء كان شرط الخيار أم غيره - ولا يخرج غير شرط الخيار عن الشرط الابتدائي أو التقييد أو التعليق أو عنوان عقدي. فعلى هذا لو أبرأ أو طلق بشرط، فيرجع الأول إلى المعاوضة والصلح عما في الذمة بشئ، والثاني إلى الطلاق بالعوض الذي هو محل الكلام صحة وفسادا. وتقدم أن جميع العقود الإذنية والعقود التي لزومها وجوازها من الأحكام الشرعية لا من حقوق المتعاقدين حكمها حكم الايقاعات، فانحصر صحة الشرط مطلقا أو شرط الخيار في العقود العهدية التي يكون الجواز واللزوم فيها حكما مترتبا على التزام المتعاقدين الذي هو حق من حقوقهما القابل للإرث والانتقال والإسقاط هذا بحسب الثبوت. وأما بحسب الإثبات أما النكاح فلزومه حكمي لا حقي، لتوقف ارتفاعه على الطلاق، فينكشف منه أن اللزوم فيه ناش عن حكم الشارع بلزوم نفس عنوان العقد، لا عن التزام من المتعاقدين. وبعبارة اخرى: كل لزوم نشأ من " أوفوا بالعقود " فهو حقي وكل ما نشأ من لزوم نفس العنوان فهو حكمي. فكون رفع النكاح موقوفا على الطلاق شرعا كاشف عن ان رفعه ليس بيد المتعاقدين. ويدل عليه عدم مشروعية الإقالة فيه، فإنها والخيار توأمان، كما عرفته

[ 105 ]

مرارا. والفسخ في مورد العيوب ليس حقا ثابتا للفاسخ ولذا لا يرثه الوارث - بل إنما هو حكم شرعي مستثنى من الحكم بلزوم النكاح، فإن اللزوم وإن كان حكميا إلا أنه قابل للاستثناء. فكأنه حكم الشارع بأن من مقتضيات عنوان النكاح - الذي هو المنشأ بالصيغة - اللزوم إلا في مورد تخلف الشرط، كشرط البكارة وبنت المهيرة ونحو ذلك وفي العيوب الخاصة. وبالجملة: عدم مشروعية شرط الخيار لعله اجماعي في النكاح كتحققه بالنسبة إلى عدم مشروعية التقايل فيه بلا إشكال، لظهور أن اللزوم مترتب على نفس العنوان لا على عقده. وترتب اللزوم في البيع في بعض الأخبار على نفس العنوان لا على العقد - كقوله (عليه السلام): فإذا افترقا وجب البيع - مع كون اللزوم فيه حقيا بلا إشكال لا يدل على أن اللزوم في النكاح كذلك أيضا، فإن قوله (عليه السلام) " إذا افترقا وجب البيع " بعد قوله " المتبايعان بالخيار " معناه وجوب عقد البيع، لقرينة مقابلته بالخيار الذي هو ملك الالتزام الذي نشأ من العهد. ومما ذكرنا ظهر صحة شرط الخيار في عقد البيع بلا إشكال، فإن لزومه حقي ويدل عليه النصوص بالخصوص. وأما الوقف، فإن قلنا بأنه إيقاع مطلقا فلا يصح شرط الخيار فيه أصلا. وإن قلنا بأنه عقد مطلقا أو عقد في الوقف الخاص فالأظهر من الأدلة عدم دخول شرط الخيار فيه، إما لأنه فك ملك لله بغير عوض فيكون كمطلق الصدقات التي دل الدليل على أنه لا يرجع فيما كان لله. وإما لاعتبار التأبيد فيه الملازم للزوم شرعا. والخبر الذي استدل به في المتن لجواز شرط الخيار فيه لا يدل على المدعى، فإن رجوع الموقوفة إلى الميراث لعله لبطلان الوقف بسبب هذا الشرط، أو لرجوعه إلى الحبس ما دام العمر. مع أنه فرض في الرواية رجوع الوقف إلى الملك بمجرد الاحتياج لا بعد الفسخ، فليس رجوعه إليه من باب شرط الخيار وإلا لتوقف على إعمال الفسخ. فيصير الرواية دالة على صحته حبسا، لأن اشتراط العود إليه مع الحاجة في قوة جعل الوقف ما قبل الحاجة.

[ 106 ]

وأما الهبة، فغير المعوضة منها جوازه حكمي، لترتب إمكان الرجوع للواهب ما دام العين موجودة على نفس العنوان لا على عقدها - كما يدل عليه أخبار الباب - وجعل الخيار في الجواز الحكمي لغو. وأما المعوضة أو ما قصد بها الثواب أو الهبة لذي الرحم وغير ذلك مما طرأ عليه اللزوم - كصورة تلف العين - فاللزوم فيها حكمي، واستثنيت من جواز الرجوع في الهبة شرعا كما يظهر من أدلتها فراجع. وأما الصلح فلو كان في مقام المعاوضة يدخل فيه الخيار، وأما لو كان في مقام الإبراء فلا يدخل فيه، لأنه إيقاع إلا أن يرجع إلى المعاوضة. وهكذا لو كان في مقام قطع الخصومة لا لأن مشروعيته لقطع المنازعة ينافي اشتراط الخيار - لأن هذا حكمة لتشريعه لا علة - بل لأن لزومه رتب شرعا على نفس هذا العنوان لا على العقدي منه. وأما الضمان فكالنكاح لزومه حكمي، لأن من أثره انتقال الدين إلى ذمة الضامن وبراءة المديون، فإرجاعه إلى ما كان لا يمكن إلا بضمان آخر، والتقايل المتصور فيه أيضا هو بهذا المعنى. ويلحقه الحوالة والكفالة، وأما الرهن فلا مانع من دخوله فيه، غاية الأمر يصير الدين بعد الفسخ كالديون التي لم يجعل وثيقة لها. وأما الجعالة والسبق والرماية فالظاهر أنها غير لازمة قبل العمل، وبعده لا يمكن شرط الخيار، لاستحقاق العامل الاجرة. وبالجملة: كل عقد لم يكن لزومه أو جوازه حكميا بل كان من جهة الالتزام العقدي فيدخل فيه الخيار، وما ليس كذلك فلا يدخل فيه. وليس المقام مقام تنقيح المصاديق، وإنما أشرنا إلى بعضها تبعا لما أفاده شيخنا الاستاذ - أدام الله تعالى بقاءه -. * * *

[ 107 ]

قوله (قدس سره): (الرابع خيار الغبن.... إلى آخره). لا يخفى أن ثبوت هذا الخيار في الجملة لا إشكال فيه، وإنما الكلام في مدركه، وأتم المدارك له هو حصوله من جهة تخلف الشرط الضمني، وذلك أنه لما كان تعيش بني آدم موقوفا على تبديل الأموال وبناء المتعاقدين على تساوي العوضين في المالية فيناط التبديل بالتساوي، وحيث كان هذا البناء نوعيا بحسب العرف والعادة جرى نفس إجراء العقد بين العوضين مجرى اشتراط تساويهما في المالية، بحيث لو علم المغبون بالحال لم يرض. فمدرك ثبوت الخيار تباني المتعاقدين على تساوي العوضين في المالية، وهذا بمنزلة الصغرى، والكبرى أن تخلف البناء يوجب عدم التراضي بالمعاملة. ولما ثبت في باب الفضولي والمكره أن الرضاء اللاحق كالسابق فلم يكن تخلف البناء موجبا لفساد البيع رأسا، فله إقرار العقد واختيار نتيجته، وله رده. والمصنف (قدس سره) ناقش في الصغرى والكبرى جميعا مع أخذه بهذا المدرك في باب التسليم والتسلم، وفي اعتبار نقد البلد، بل في خيار العيب وخيار الرؤية. ولا يخفى أن مع تسليمه في بعض الموارد بأن الشرط الضمني كالشرط الصريح يوجب تخلفه الخيار لا وجه لمناقشته في المقام، مع أنها غير تامة. أما في الصغرى، فلأن قوله: الوصف المذكور - أي كون العوضين متساويين في المالية - ليس إلا من قبيل الداعي. ففيه: أن الداعي هو الموجب لإرادة شئ - أي الباعث لها - كمن دعاه إلى بيع داره تزويج امرأة، فإن تخلفه لا يضر بالمعاملة. وأما إذا كان اشتراط التساوي والبناء عليه نوعيا، فيكون من قيود المراد، ويدخل تحت الالتزام. وأما في الكبرى فقوله (قدس سره): مع أن أخذه على وجه التقييد لا يوجب خيارا إذا لم يذكر في متن العقد. فيه: أن التقييد لو لم يذكر في متن العقد أصلا - لا إجمالا ولا تفصيلا - لا يوجب تخلفه خيارا، وأما مع أخذه فيه إجمالا وبالدلالة الالتزامية، فهو بمنزلة

[ 108 ]

أخذه صريحا. وبعدما عرفت أن البناء على التساوي ليس بناء شخصيا حتى يكون من قبيل الداعي بل من المتعارف نوعا، فهو بمنزلة إنشائه في متن العقد صريحا. وبالجملة: لا اعتبار بالقيود البنائية التي لم تذكر في متن العقد أصلا، لأن القصود ما لم ينشأ على طبقها لفظ ولا يوجد بفعل لا اعتبار بها. وهذا يختص بقيد لا يرجع إلى وصف أحد العوضين كاشتراط الخياطة، وأما إذا رجع إليه - ككتابة العبد - فتوجب البناء عليه صرف المعاملة إليه، كما أنه إذا كان التقييد لازما عرفيا فيكون كالمنشأ في العقد، غاية الأمر أنه انشئ به التزاما ولا فرق بين الإنشاء الصريح والضمني. نعم الغبن الذي يتسامح فيه عادة لا يوجب الخيار، لعدم البناء على التقييد بعدمه، كما أن اعتبار معناه اللغوي - وهو الخدعة من طرف الغابن - لا وجه له أصلا، لأن المدار على اشتراط التساوي نوعا، سواء كان الغابن جاهلا أو عالما. نعم، إذا كان المغبون عالما فليس له الخيار، وسيجئ وجهه. وحاصل الكلام: أنه لا فرق في الشروط ضمنية كانت أو صريحة في أن تخلفها يوجب الخيار. إنما الكلام في تقريب الاستدلال بالآية الشريفة، مع أن ظاهر المستثنى اعتبار الرضا في صحة المعاملة، وأما ثبوت الخيار على تقدير تخلفه فغير ناظر إليه. هذا مع أن أصل الرضا حين التجارة والإنشاء موجود، فلو كان هو المعتبر صحت المعاملة أبدا. ولو كان المعتبر الرضا التقديري لا الفعلي - أي الرضا على تقدير التساوي - لبطلت المعاملة رأسا. ثم إن اختلاف الحالتين وصحة المعاملة ولزومها قبل الاطلاع على الغبن وعدم لزومها بعد الاطلاع يحتاج إلى دليل. ولكن يمكن تقريب الاستدلال بالآية الشريفة بمجموع المستثنى والمستثنى منه بناء على كون المستثنى مفرغا، وتقريبه: أن قوله عز اسمه * (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض) * (1) في قوة أن يقال:


(1) النساء: 29.

[ 109 ]

لا تتملكوا أموالكم بينكم بوجه من الوجوه، فإنه باطل إلا على وجه التكسب عن رضا، فالتملك بدون رضا المغبون تملك بالباطل، ومع رضاه تملك صحيح. ثم إن رضاه بالتجارة بمعناها الاسم المصدري هو المعتبر في العقد، ورضاه بها حاصل مع عدم علمه بالغبن، وأما مع علمه به فإذا كان حاصلا دخل في عقد المستثنى، وإلا - أي لو لم يمض وما رضي بالفاقد - دخل في المستثنى منه، ولا نعني بالخيار في المقام إلا ذلك. نعم، لو كان المراد من التجارة معناها المصدري واعتبر الرضاء فيها بهذا المعنى، فمع حصوله حين صدور التجارة لا وجه لاعتباره بعده فلا يتم الخيار، ومع عدم حصوله تبطل رأسا، فلا معنى لصحتها مع إمضائها. ولكن قد عرفت في باب الفضولي أن اسم المصدر في العقود له اعتبار استمرار وبقاء، ومن هذه الجهة يقبل العقد الفضولية وينسب بالرضاء اللاحق إلى الراضي. فالتجارة التي اعتبر الرضاء فيها هي بمعنى اسم المصدر وهي قابلة لأن يلحقها الرضاء بعد العقد، فالمعاملة في المقام حيث كانت مقيدة بقيد غير ركني وهو التساوي بين المالين فتخلفه لا يوجب بطلانها رأسا، بل يوجب إناطتها بالرضاء. فإذا لم يرض المغبون بفاقد القيد يدخل ما أخذه الغابن في أكل المال بالباطل. وإذا رضي به يدخل في التجارة عن تراض، فهو راض بالتجارة ما دام جاهلا بالغبن، ويصح تصرف الغابن والمغبون فيما انتقل إليهما. وإذا علم به فلو رضي بالفاقد فهو، وإذا لم يرض يدخل تحت أكل المال بالباطل. نعم، يمتاز هذا المعنى من الخيار عن سائر الخيارات التي يحتاج الإمضاء والفسخ فيها إلى الإنشاء، فإن الدليل المثبت لهذا الخيار بالتقريب المذكور لا يدل إلا على أن مجرد الرضاء بعد العلم بالغبن يكفي في الصحة، وعدمه يكفي في البطلان، والخيار الاصطلاحي ليس كذلك. وبالجملة: إثبات الخيار - الذي هو عبارة عن ملك الإقرار والإزالة - بمقتضى الأدلة العامة مشكل.

[ 110 ]

نعم، لو صح سند النبوي وهو قوله (صلى الله عليه وآله): " لا يتلقى الجلب فمن تلقاه واشترى منه فإذا أتى السوق فهو بالخيار " (1) ثبت الخيار المصطلح، لأن ظاهر قوله (صلى الله عليه وآله) " فهو بالخيار " هو الخيار المصطلح. ولكن الكلام في أصل ثبوت النبوي مع عدم كونه مرويا بطرق أصحابنا، إلا أن يقال: إن الأصحاب تلقوه بالقبول، ولذا يعدون غبن الركبان من أحد أسباب الخيار. وحاصل الكلام: أنه لو كان مدرك الخيار خصوص الشرط الضمني، فإثباته بالمعنى المصطلح في غاية الإشكال، لأن إناطة العوضين بالشرط أو الوصف صريحا أو ضمنيا لا يفيد إثبات الخيار، لأن غاية التقييد ثبوت حق للمشروط له، فله إسقاط حقه ورضاه بالفاقد، وله عدم إسقاط حقه، وهذا لا يلازم فسخ العقد، فلعله يكون من الحقوق التي تبقى في ذمة من عليه الحق، ولا يمكن استيفاؤه ويكون كسائر الديون. كما أن إثبات الخيار بما قد يقال: من أن التقييد بالوصف أو الشرط من قبيل تعدد المطلوب مشكل. أما أولا: فلأن وحدة المطلوب وتعدده إنما يتصور في الأحكام التكليفية لا الوضعية التي هي المنشئات بالعقود، لأن المنشأ الموصوف أو المشروط أمر واحد لا تعدد فيه. وثانيا: هذا الكلام غير مطرد ولا منعكس، فإنه قد يكون المطلوب متعددا في الصور النوعية التي بها قوام مالية المال مع أن تخلفها يوجب البطلان قطعا - سواء ذكرت وصفا أو شرطا، كما لو اشترى عبدا حبشيا فانكشف كونه حمارا وحشيا، أو اشترى عبدا وانكشف كونه جارية - وقد يكون المطلوب واحدا في الشروط والأوصاف التي لها دخل في زيادة المالية كالكتابة وأمثالها، بحيث لو علم أن العبد ليس كاتبا لم يقدم على شرائه مع أن تخلفها لا يوجب البطلان.


(1) صحيح مسلم 3: 1157 ح 17.

[ 111 ]

وثالثا: كون المقام من قبيل تعدد المطلوب لا يفيد إلا صحة العقد لا الخيار بفقد أحد المطلوبين، فله المطالبة بمطلوبه المفقود، لا رد العقد الواقع على المجموع أو إمضائه. قوله (قدس سره): (وأقوى ما استدل به على ذلك في التذكرة وغيرها قوله (صلى الله عليه وآله): لا ضرر ولا ضرار.... إلى آخره). لا يخفى أنه لو كان اعتبار التساوي بين الأموال من الشروط الضمنية فالاستدلال بلا ضرر في محله، لأن مفاده أن الحكم الذي ينشأ منه الضرر مرفوع. والحكم بلزوم العقد مع عدم التزام المغبون بالغبن ضرري عليه، لأنه وإن جهل بالغبن وأقدم بما فيه الضرر إلا أنه حيث شرط التساوي فهو بالشرط يملك على المشروط عليه حقا، فإذا تخلف الشرط يكون كسائر الشروط المتخلفة التي يوجب تخلفها أو تعذرها الخيار. فلا يقاس الإقدام في المعاملات جهلا بالضرر على الإقدام في العبادات جهلا به الذي اخترنا فيه أن الحكم لا يرتفع في مورد الضرر المجهول، لأن الحكم التكليفي المجهول لا يوجب الضرر، لأنه كان أو لم يكن فحيث إن المكلف لا يرى الضرر في الفعل يقدم على الفعل الضرري، فالحكم الشرعي يصير من قبيل المعد للضرر والجزء الأخير من العلة لوقوعه فيه هو جهله به. مع أن رفع الحكم منه في هذا الحال ليس امتنانا عليه، لاستلزامه بطلان العمل وإعادته، وذلك ينافي الامتنان. وأما مع العلم به فالجزء الأخير من العلة أو تمام العلة هو الحكم الشرعي. وهذا بخلاف المعاملات، فإن الأمر فيها بالعكس، لأن مع العلم بالضرر فالضرر يستند إليه لإقدامه عليه. وأما مع الجهل فالضرر يستند إلى الحكم الشرعي وهو لزوم العقد المغبون فيه. وأما لو كان اعتبار التساوي من الامور البنائية أو الدواعي التي لا إشارة في العقد إليها بنحو من الأنحاء - لا مطابقة ولا التزاما - فلا وجه للاستدلال بلا ضرر

[ 112 ]

لإثبات الخيار، لما عرفت من أن مفاده أن الحكم الذي ينشأ منه الضرر بحيث يكون الضرر عنوانا ثانويا له فهو مرفوع، دون ضرر لا يكون عنوانا للحكم، بل يكون عنوانا لنفس فعل المكلف وبإقدام واختيار صدر الفعل عنه ولو كان جاهلا بالضرر. ومنشأ تضرره في المقام ليس وجوب الوفاء بالعقد، بل تخيله التساوي بين المالين. إلا أن يقال: إن العاقد وإن أقدم على المعاملة الغبنية إلا أن إقدامه عليها وإيجاده لها موجب لتحقق موضوع وجوب الوفاء، وإذا كان موضوعه ضرريا وجب أن يرتفع حكمه ب‍ " لا ضرر ". وبعبارة اخرى: وإن لم يكن اعتبار التساوي من الشروط الضمنية إلا أن حكم الشارع بوجوب الوفاء بالعقد - الذي صدر عن المكلف - حكم في موضوع ضرري فيجب أن يكون مرفوعا، لأن الحكم يصير فعليا بعد تحقق موضوعه. وموضوعه وإن صدر عن العاقد جهلا بالغبن وبتخيل التساوي، إلا أنه بعد تحققه ينسب الضرر الوارد على العاقد - باعتبار بقاء المعاملة - إلى حكم الشارع بالبقاء، لا إلى إقدام المكلف. إن قلت: فعلى هذا لو علم العاقد بالضرر وأقدم عليه لكان اللازم عدم ثبوت وجوب الوفاء، ولا يختص رفع الحكم بالجهل. قلت: في مورد العلم ليس الضرر مستندا إلى الحكم، بل إلى الإقدام، لأنه علم بالضرر وأقدم عليه فلا وجه لرفع حكمه. فالفرق بين بين العلم والجهل، إلا أن الكلام في أصل المدعى، لأن الحكم وإن لم يكن فعليا إلا بعد تحقق موضوعه، ولكن الكلام في أن الضرر مستند إلى الإقدام أو إلى الحكم. فنقول: لو كان الضرر ناشئا عن الحكم - بحيث لو لم يكن الحكم الشرعي لما وقع العاقد في الضرر - لكان هذا الحكم مرفوعا. والمفروض في المقام أن العاقد بتخيله التساوي أقدم على المعاملة من دون أن يكون ملزما بها.

[ 113 ]

وبعبارة اخرى: كل حكم تكليفي أو وضعي كان هو تمام العلة للضرر أو الجزء الأخير منها فهو مرفوع. وأما لو كان الحكم معدا كالوضوء المجهول أنه ضرري، أو لا دخل للحكم أصلا في الضرر كالمقام - لأنه بداعي النفع أقدم على المعاملة - فلا معنى لرفعه. ومجرد صيرورة الفعل ضرريا باعتبار بقائه على حاله بعد صدروه اختيارا لا يوجب أن يرتفع حكمه، وإلا لزم أن يرتفع حكم الضمانات والإتلافات إذا صدر الفعل عن المكلف جهلا بأن المال من غيره، فإن آكل مال الغير بتوهم أنه ماله قد صدر عنه موضوع، إذا حكم الشارع بوجوب الخسارة عليه يكون حكما في موضوع ضرري، مع أنه لا يمكن أن يكون هذا الحكم مرفوعا ولا وجه له، إلا أن الإقدام صار منشأ للضرر لا الحكم. وبالجملة: لو لم يكن اعتبار التساوي من الشروط الضمنية بل كان من الدواعي أو الشروط البنائية فلا وجه لأن يكون تعذرها موجبا للخيار. وعليك بالمراجعة إلى ما كتبناه في قاعدة لا ضرر. قوله (قدس سره): (ولكن يمكن الخدشة في ذلك بأن انتفاء اللزوم وثبوت التزلزل لا يستلزم ثبوت الخيار). محصل مرامه (قدس سره): أن قاعدة الضرر لا تثبت الخيار بين الفسخ والإمضاء بكل الثمن كما عليه بناء الأصحاب، لأن تدارك الضرر يحصل بأحد الامور الثلاثة: الأول: الخيار. والثاني: رد مقدار ما تضرر فيه من عين الثمن أو المثمن، فيكون حال المغبون حال المريض إذا اشترى بأزيد من ثمن المثل، وحاله بعد العلم حال ورثة ذلك المريض في أن لهم استرداد الزيادة من دون رد جزء من العوض. والثالث: رد ما به يتدارك ضرر المغبون ولو من غير جنس الثمن أو المثمن، نظير ما احتمله في القواعد من أنه: إذا ظهر كذب البائع مرابحة في إخباره برأس المال وبذل المقدار الزائد مع ربحه فلا خيار للمشتري، فإذا أمكن تدارك الضرر بأحد الامور الثلاثة فترجيح بعض منها بلا مرجح لا وجه له.

[ 114 ]

وفيه أنه لا يمكن تدارك الضرر في المقام بالأمر الثاني والثالث. أما الثاني: فلأن المعاوضة وقعت بين مجموع مالي الغابن والمغبون، فيجب أن يقال: إما بالبطلان في الجميع، أو بالصحة كذلك. وبالجملة: استرداد جزء من أحد العوضين من دون رد ما يقابله خلاف مقتضى المعاوضة من مقابلة المجموع بالمجموع. واسترداد ورثة المريض لو قلنا به فهو حكم تعبدي، ولذا لا يتعدى إلى ما لو باع بأقل من ثمن المثل. وأما الثالث: فتدارك ما فات من المغبون لا يخرج عن كونه هبة مستقلة، والهبة من الغابن أو غيره لا يخرح المعاملة عما وقعت عليه من الغبن. ومجرد كون داعي الواهب تدارك خسارة المتهب لا يوجب انقلاب الهبة عن حقيقتها. وتسمية هذا الإعطاء غرامة لا تغير الواقع عما هو عليه، لأن الغرامة عبارة عن تدارك ما اشتغلت الذمة به. ومجرد كون الغابن طرفا للمعاملة مع المغبون لا يوجب ضمانه لما تضرر به المغبون، لعدم تحقق موجبات الضمان من اليد والإتلاف، سيما مع جهل الغابن بالغبن. وأما ما احتمله في القواعد من أنه " إذا ظهر كذب البائع مرابحة في إخباره برأس المال وبذل المقدار الزائد مع ربحه فلا خيار للمشتري " فلا ربط له بالمقام. ويمكن تطبيقه على القواعد بأن يقال: إن المعاملة وقعت حقيقة بين رأس المال واقعا وبين المبيع. غاية الأمر طبق البائع كذبا رأس المال على غير ما هو واقعه، فيكون كالخطأ في التطبيق، كما لو اشتبه البائع - مثلا - وأقبض أربعة بدلا عن ثلاثة أمنان، فإنه لا شبهة أنه يرد المن الزائد بدون خيار بين الفسخ والإمضاء، فإن المعاملة لم تقع بإزاء المن الزائد ولم يجعل جزء من الثمن في مقابله. فمسألة كذب البائع كذلك أيضا، أي في عالم اللب والواقع يجعل الثمن بازاء رأس المال الواقعي لا ما أخبر به، فإذا انكشف خطؤه أو كذبه يرد ما هو الزائد على رأس المال مع ربح الزائد، إلا أن يمتنع وهذا بخلاف المقام، فإنه قد جعل تمام الثمن بإزاء تمام المثمن فلا

[ 115 ]

موجب لأخذ المغبون زائدا خارجيا. هذا، مضافا إلى أنه لا يمكن أن يجعل الخيار بين الفسخ والإمضاء في عرض الاحتمالين الأخيرين على فرض صحتهما، لأنه لو كانت المعاملة بالنسبة إلى الزيادة باطلة وبالنسبة إلى غيرها صحيحة - كما هو مقتضى الاحتمال الثاني - أو كان الغابن ضامنا للتفاوت وكان وجوب دفع الزائد عليه من باب الغرامة كما هو مقتضى الاحتمال الثالث فلا وجه لثبوت الخيار للمغبون بين الفسخ والإمضاء في الكل، لأنه لم يتضرر أصلا حتى يثبت له الخيار. فثبوت الخيار له كذلك إنما هو إذا لم يكن الاحتمالان المذكوران، فالخيار بهذا المعنى في طول هذين الاحتمالين لا في عرضهما، كما لا يخفى. وحاصل الكلام: أنه لا يمكن الالتزام باسترداد جزء من العوضين إلا إذا لم تقع المعاملة على هذا الجزء بالخصوص أو إذا ثبت الخيار في هذا الجزء، كما إذا وقع العقد على مختلفي الحكم كالحيوان وغيره. والمفروض في المقام لا هذا ولا ذاك، مع أنه لو كان الفسخ راجعا إلى خصوص الجزء لوجب رد مقابله. فيمتنع أن يكون الخيار بالمعنى المشهور مقابلا لهذا الاحتمال وفي عرضه، بل لا يمكن جمعهما كما لا يخفى. كما أن الوجه الثالث أيضا ليس في عرض الخيار، فإنه لو كان الغابن ضامنا لما فات فليس العقد ضرريا على المغبون. فتأمل جيدا. ثم إن المحقق الخراساني (قدس سره) - بعد ما اختار في الاصول أن مفاد لا ضرر نفي الحكم بلسان نفي الموضوع (1) - قال في حاشيته على المتن في ذيل هذا العنوان: هذا إذا كان المرفوع بحديث " لا ضرر " الحكم الناشئ منه الضرر. وأما إذا كان المرفوع ما كان للضرر من الحكم مع قطع النظر عن هذا الحديث كان المرفوع في المعاملة الغبنية وجوب الوفاء بها، وهو يستلزم جوازها، لا الخيار المصطلح الذي هو من الحقوق، لأن عدم وجوب الوفاء على المغبون لا يقتضي ثبوت حق له القابل للإسقاط والصلح والإرث. انتهى ملخصا (2).


(1) كفاية الاصول: 433. (2) حاشية المكاسب: 183.

[ 116 ]

ثم إنه (قدس سره) في باب المعاطاة جعل الفرق بين الجواز الحقي والحكمي باعتبار اختلاف متعلقه، وقال: لو كان الجواز واللزوم بمعنى جواز فسخ المعاملة وعدمه - كما في باب الخيار - فهما من أحكام الأسباب. وأما لو كانا بمعنى جواز تراد العينين بلا توسط فسخ المعاملة - كما في الهبة - فهما من أحكام الملك (1). فجعل الجواز الحقي بمعنى الخيار والحكمي بمعنى الرد الخارجي الذي لا يمكن إلا مع بقاء العينين. ولا يخفى ما في كلامه في كلا المقامين، أما جعل الجواز الحكمي كما في الهبة بإرجاع العين من دون فسخ المعاملة فهو لا يستقيم، لأن رد العين من دون الفسخ تصرف في مال الغير. فليس الفرق ما ذكره، بل ما ذكرنا في مقامه. من أنه: لو كان الجواز أو اللزوم راجعا إلى نفس المنشأ - أي إلى المدلول المطابقي للعقد - فهو حكمي، كالجواز في الهبة واللزوم في النكاح. ولو كان راجعا إلى الالتزام الذي التزم به كل من المتعاقدين - الذي بهذا الاعتبار تسمى المعاملة عقدا - فهو حقي. وأما ما أفاده " من عدم استلزام الجواز الخيار المصطلح " فقد ظهر ما فيه مما ذكر من الفرق بين الجوازين، لأنه لو كان وجوب الوفاء بالعقد راجعا إلى الالتزام الذي التزم به كل من المتعاقدين بما تضمنه من شرط التساوي فإذا فقد شرط التساوي يرتفع ما التزم به لو كان ضرريا. ولازم ذلك أن يكون التزامه تحت سلطنته وهذا ليس إلا الخيار، فإذا كان مفاد لا ضرر عدم لزوم المعاملة الغبنية لأن من لزومه ينشأ الضرر على المغبون فمعناه عدم كون الغابن مالكا للالتزام الذي ملكه المغبون، بل أمر الالتزام بيد المغبون، وله أن يفوضه ثانيا إلى الغابن أو أن يفسخ. قوله (قدس سره): (مسألة: يشترط في هذا الخيار أمران.... إلى آخره).


(1) حاشية المكاسب: 13.

[ 117 ]

لا إشكال في أنه لو علم المغبون بالقيمة وأقدم على المعاملة فلا خيار له أصلا، سواء قلنا بأن منشأ ثبوته قاعدة لا ضرر أم تخلف الشرط الضمني، لأن مع العلم لا شرط، والضرر لم ينشأ من الحكم باللزوم بل نشأ من إقدامه، وفي حكم العلم الاطمينان. كما أنه لا إشكال في ثبوت الخيار لو كان غافلا عن القيمة بالمرة أو كان ملتفتا ولكن كان معتقدا للتساوي أو مطمئنا به. إنما الإشكال في صورة الشك وما يلحق به من الظن الغير، المعتبر فهل هو ملحق بالعلم بالغبن مطلقا أو ملحق بالعلم بعدمه مطلقا أو تفصيل بين صور الشك؟ ثم الشاك إما عالم بالحكم أو جاهل به. فلو كان عالما وشك في القيمة ولكنه أقدم على المعاملة برجاء أن لا يكون ضرر فهذا ليس مقدما على الضرر عرفا ولا ينسب الضرر إليه. فبناء على كون منشأ الخيار قاعدة لا ضرر فالخيار ثابت له. وأما لو كان منشأه الشرط الضمني ففي ثبوت الخيار له إشكال، لأنه مع الشك في القيمة وإقدامه على المعاملة من دون اتكاله على طريق أو أصل مثبت للتساوي فكأنه أقدم مع العلم بعدمه. فلا يقاس المقام على مورد الشك في الصحة والعيب في أن الخيار لا يسقط إذا ظهر العيب، لأنه في باب العيب كان متكلا على أصالة السلامة في الأشياء وفي المقام لا أصل يثبت أن القيمة الواقعية كذا أو كذا. ومن هنا ظهر حال سائر أقسام الشك، وهو ما إذا أقدم على المعاملة كيف ما كان، فإنه مع هذه الحالة كيف يشترط التساوي. وهذا من غير فرق بين أن يكون عالما بالحكم أو جاهلا، بل لا يجري قاعدة الضرر، وأيضا لأنه قد أقدم على المعاملة من دون رجاء التساوي. بل يمكن أن يقال: إن الشاك ليس له الخيار في جميع الصور المتصورة، لأن مجرد رجاء كون المالين متساويين في القيمة وعدم كونه مغبونا لا يقتضي الإقدام على المعاملة الضررية، لأن رجاء العدم لا يخرج الفعل عن الاختيار، كمن رجا أن لا يكون السبع في الطريق ولكنه احتمله احتمالا عقلائيا فمشى في هذا الطريق فإذا افترسه السبع ينسب الفعل إليه.

[ 118 ]

نعم لو كان متكلا على بينة أو أصل فالافتراس لا يكون عن الإقدام. قوله (قدس سره): (ولو أقدم عالما على غبن يتسامح به فبان.... إلى آخره). لا يخفى أن صور الاقدام أربع: الاولى: أن يقدم على ما يتسامح به فبان أزيد مما لا يتسامح بالمجموع منه ومن المعلوم. الثانية: هذه الصورة مع كون الزائد بنفسه مما لا يتسامح به. وفي هاتين الصورتين لا إشكال في ان الخيار لا يسقط. أما في الثانية فواضح. وأما في الاولى فلأن المجموع من حيث المجموع لم يكن مقدما عليه، والإقدام على القدر المتسامح به لا أثر له، لكونه مقيدا بهذا المقدار وإلا كان راجعا إلى إسقاط خيار الغبن. والثالثة: الإقدام على ما لا يتسامح فبان أزيد بما يتسامح به منفردا. والأقوى في هذه الصورة سقوط الخيار، ولا يقاس على الصورة الاولى، لأن في الصورة الاولى موجب الخيار وهو المجموع لم يقدم عليه وما اقدم عليه لا يكون موجبا للخيار. وفي المقام اقدم على ما يوجبه وما لم يقدم عليه لا يكون موجبا للخيار. الرابعة: الإقدام على ما لا يتسامح فبان أزيد بما لا يتسامح. والأقوى فيها ثبوت الخيار. أما بناء على قاعدة لا ضرر فواضح. وأما بناء على تخلف الشرط، فقد يتوهم أن من أقدم على ما لا يتسامح فكأنه أسقط شرط التساوي فلا موجب آخر للخيار. ولكنه فاسد، لأن مقدار التفاوت له مراتب فقد يسقط المغبون جميعها، وقد يسقط بعضها. فلو أسقط مقدارا خاصا فلا وجه لسقوط الخيار رأسا. قوله (قدس سره): (ثم إن المعتبر القيمة حال العقد.... إلى آخره). الكلام في المقام قد يقع بناء على كون مدرك الخيار قاعدة لا ضرر، أو بناء على كون المدرك تخلف الشرط الضمني.

[ 119 ]

ثم بناء على كونه تخلف الشرط، فقد يتكلم بناء على أن يكون مرجع الاشتراط مطلقا - صريحا كان أو ضمنيا - إلى اشتراط كون المبيع حال العقد متصفا بكذا، أو بناء على أن يكون الاشتراط راجعا إلى اشتراط تسليم ما هو متصف بكذا. فلو كان الشرط في قوة اشتراط كون المبيع حال العقد متصفا بكذا، لو قلنا بصحته وعدم رجوعه إلى اشتراط ما لا يدخل في مقدوره فمقتضى تخلف الشرط حال العقد ثبوت الخيار ولو وجد بعد العقد قبل القبض فضلا عما إذا وجد بعد القبض قبل العلم أو بعد القبض والعلم قبل الرد، لأن الزيادة الحاصلة بعد العقد إنما حصلت في ملك المغبون والمعاملة وقعت على الغبن. ولو كان الشرط راجعا إلى تسليمه مع الوصف فالحق سقوط الخيار مطلقا، كما عليه العلامة (قدس سره) في قوله: مهما زال العيب قبل العلم أو بعده قبل الرد سقط الرد (1). وتوضيح ذلك: أنه لو حصل الشرط بعد العقد، فتارة: يحصل بعد العقد وقبل القبض. واخرى: بعد القبض وقبل العلم. وثالثة: بعد العلم وقبل الرد. ثم إن حصوله قد يكون بفعل المشروط له، وقد يكون بفعل المشروط عليه أو الأجنبي، أو بقدرة الله سبحانه. فلو حصل بفعل المشروط له قبل القبض أو بعده فلا يخرج ذمة المشروط عليه من عهدة الشرط، لأنه قد حصل في ملك المشروط له بفعله فلا وجه لبراءة ذمة المشروط عليه. فالتعليل الذي ذكره المصنف (قدس سره) من قوله " لأن الزيادة إنما حصلت في ملكه " يتم في هذه الصورة. وأما لو حصل بفعل المشروط عليه، أو بفعل الأجنبي المتبرع، أو بقدرة الله سبحانه قبل القبض فلا إشكال في عدم الخيار للمشروط له.


(1) التذكرة 1: 541 س 23.

[ 120 ]

أما لو كان الأثر من فعل المشروط عليه فلأن فعله محترم شرعا فأثر فعله من أملاكه، فليس عليه شئ بعد الوفاء بالشرط. وأما لو كان من قدرة الله سبحانه أو من أجنبي متبرع للمشروط عليه فسقوط الخيار أو عدم ثبوته يتوقف على مقدمتين: الاولى: أن لا يكون معنى الاشتراط إيجاد المشروط عليه هذا الشرط بنفسه، بل يكون مرجعه إلى تسليم المبيع متصفا به. الثانية: أن لا يكون حصوله في ملك المشروط له منافيا لما التزم به المشروط عليه، لأن سمن الدابة - مثلا - وإن كان تابعا لملك الدابة إلا أن تبعيته في الملك إنما هو بعد تحققه، لأن الملكية متأخرة رتبة عن التحقق، والشرط يحصل في رتبة التحقق. وبعبارة اخرى: الوفاء بالشرط إنما يكون بحصوله، فلا ينافي وقوعه في ملك المشروط له حصوله. وأما لو حصل الشرط بعد القبض قبل العلم بتخلف الشرط فحكمه أيضا سقوط الخيار بضم مقدمة ثالثة، وهي أن الاشتراط ليس معناه تسليم الشرط مع العين المشروط فيها، بل معنى الشرط أن يكون المبيع موصوفا بالوصف بحيث لو أمكن إيجاد الوصف بدون وجود الموصوف أصلا برئ ذمة المشروط عليه فالمشروط له يملك على المشروط عليه أمرين المبيع والشرط فلو سلمهما إليه برئ من عهدة ضمانه ولو كان الموجد للشرط هو الله سبحانه، لأن حصوله بإيجاده سبحانه في معنى حصوله قهرا. ومن هنا ظهر حكم الصورة الثالثة، وهي حصول الشرط بعد العلم، سواء قلنا بأن العلم سبب للخيار أو كاشف، وذلك لأن الخيار لا يكون حدوثه كافيا في بقائه دائما، بل تابع حدوثا وبقاء لانتفاء الشرط، فإذا حصل الشرط ارتفع. ثم إن هذا كله لو كان المدرك تخلف الشرط. وأما لو كان قاعدة " لا ضرر " فحكم الصور الثلاث أظهر، كما أشار إليه المصنف بقوله: لأن التدارك حصل قبل

[ 121 ]

الرد فلا يثبت الخيار المشروع لتدارك الضرر، لأنه دائر مدار الضرر فإذا ارتفع قبل الفسخ ارتفع الخيار. قوله (قدس سره): (وأشكل منه ما لو توقف الملك على القبض.... إلى آخره). يعني احتمال عدم الخيار في الصرف والسلم أظهر فيما إذا حصل الشرط بعد العقد وقبل القبض. ولكن قد عرفت أن الحق في جميع المعاملات ارتفاع الخيار بحصول الشرط بعد العقد ولو بعد العلم، فضلا عما قبله، وفضلا عما قبل القبض. وقد عرفت في خيار المجلس أنه لو لم يكن القبض واجبا في البيع الذي تتوقف صحته أو حصول الملكية فيه على القبض لا معنى للخيار أصلا، ولو التفت إلى فقدان الشرط، ففي المقام إذا كان حال العقد مغبونا وارتفع الغبن قبل القبض فبناء على عدم وجوب الإقباض لا موقع للخيار، وبناء على وجوبه كما هو الحق فللخيار وجه. ولكنك قد عرفت أنه إذا ارتفع الغبن قبل القبض ثم أقبض بعد اطلاعه على الغبن يرتفع الخيار. وأما لو ارتفع بعد القبض وقبل العلم أو ارتفع بعد العلم وقبل الرد فحكم هذه المعاملة حكم سائر المعاملات، لأن مدخلية القبض في الصحة أو الملكية وعدم مدخليته لا توجب تفاوتا في الحكم بعد تحقق القبض. ونظر المصنف (قدس سره) أيضا إلى ارتفاع الغبن قبل القبض مع حصول الاطلاع عليه أيضا قبل القبض. وبالجملة: الفرق بين هذه المعاملة وغيرها يظهر في ارتفاع الغبن قبل القبض مع علم المغبون به قبله، لأنه إذا اطلع على الغبن قبل القبض، فلو لم يكن القبض واجبا عليه لم يتحقق له داع إلى الإقباض ولا موضوع للخيار، ولو كان واجبا عليه فحيث إن وجوب إقباض الزائد في مقابلة الناقص ضرر عليه فللخيار محل. فإذا ارتفع الغبن بين العقد والإقباض فسقوط الخيار في هذه المعاملة أظهر من

[ 122 ]

غيرها، لأن الملك قد ا نتقل إليه من دون نقص، بخلاف سائر المعاملات، لأن الملك انتقل فيها إليه مع النقص. وأما ارتفاع الغبن بعد القبض أو قبله مع الاطلاع عليه بعد القبض فلا فرق فيه بين هذه المعاملة وغيرها. قوله (قدس سره): (ولو ثبت الزيادة أو النقيصة بعد العقد فلا عبرة بهما إجماعا.... إلى آخره). يعني أن المدار في الخيار على الغبن الحاصل حال العقد، فلو كان المال مساويا للآخر حاله ثم زاد أو نقص بعده فلا اعتبار به، فالغبن الحاصل بعد العقد ولو حصل قبل القبض لا يوجب خيارا. إن قلت: إذا كان المدار في الخيار على الغبن الحاصل حين العقد فليكن سائر الشرائط كذلك، ولازمه: أنه إذا كان المبيع صحيحا حال العقد وصار معيبا بعده قبل القبض لم يكن موجبا للخيار، ولازمه أيضا: أن حصول الشرط بعد العقد مع عدمه حينه غير موجب لسقوط الخيار، وإلا يلزم أن يكون الغبن قبل القبض ولو بعد العقد موجبا للخيار. قلت: المدار في ثبوت الخيار فقدان الشرط من حين العقد مستمرا إلى زمان إعمال الخيار، فيجب أن يكون الشرط مفقودا من حين العقد. وثبوت الخيار في العيب الحاصل بعد العقد قبل القبض إنما هو لقاعدة تلف المبيع قبل قبضه، فإنها تشمل أيضا تلف الأوصاف، ولا تشمل ارتفاع القيمة السوقية أو نقصانها بعد العقد. وبالجملة: العبرة في شرط التساوي الموجب للخيار هو وجوده حال العقد إلى زمان الفسخ، فلا عبرة بما يحدث بعد العقد. وهذا لا ينافي ما ذكرناه من أن موجب الخيار إذا زال بعد العقد قبل الفسخ يرتفع الخيار. قوله (قدس سره): (ثم إنه لا عبرة بعلم الوكيل في مجرد العقد.... إلى آخره). لا إشكال في أن الوكيل في مجرد العقد لا عبرة بإقدامه على الغبن وعدمه، فضلا عن علمه وجهله.

[ 123 ]

نعم، الوكيل المفوض حتى في المعاملات المحاباتية لو علم بالغبن فلا خيار له، لأنه لا تشمله أدلة الضرر ولا الدليل الدال على ان تخلف الشرط موجب للخيار كما تقدم وجهه. وفي هذه الصورة لا خيار للموكل أيضا ولو كان جاهلا بالغبن، فضلا عما إذا كان عالما، كما أنه لا إشكال في أن مع جهلهما يثبت الخيار. إنما الكلام فيما لو كان الوكيل جاهلا والموكل عالما، وهذا على قسمين: فتارة: مع علمه بالغبن جاهل بأن الوكيل عالم به. واخرى: يعلم بأنه جاهل. ويظهر من المصنف عدم ثبوت الخيار في كلتا الصورتين. مع أن الأقوى في الصورتين خصوصا في الاولى ثبوت الخيار، لأن مجرد علم الموكل بالغبن لا يوجب عدم ثبوت الخيار، لأن العلم إنما اعتبر طريقا وأمارة على الإقدام. ومجرد عدم الردع مع العلم ليس دليلا على الإقدام بالغبن، إذ لعله من جهة ثبوت الخيار للوكيل الجاهل بالغبن لا يردعه عن المعاملة لجهة عقلائية داعية له إلى المعاملة فعلا مع إعمال الخيار بعد ذلك. ثم إنه إذا ثبت الخيار للوكيل، فهل هو للموكل أيضا أو مخصوص بالوكيل؟ وجهان، وقد مر في خيار المجلس تفصيل ذلك. قوله (قدس سره): (لأصالة عدم العلم الحاكمة على أصالة اللزوم.... إلى آخره). لا يخفى أنه لا وجه لإجراء أصالة عدم العلم، لأن العلم بالقيمة وعدمه ليس موضوعا بل الموضوع هو الإقدام وعدمه، فلا مانع من إجراء أصالة عدم الإقدام، مع ان الإقدام بنفسه أمر مسبوق بالعدم وليس نعتا للعقد. هذا مع أن جعل المغبون مدعيا مع مطابقة قوله لأصالة عدم العلم ينافي ما جعلوه ضابطا للمدعي والمنكر. وعلى هذا فلا وجه لإدراجه فيمن يتعسر إقامة البينة عليه، فإنه كان كذلك أو لم يكن، مع مطابقة قوله للأصل لا يطالب بالبينة. وبالجملة: من يقبل قوله بيمينه ولو كان مدعيا هو من ادعى شيئا لا يعلم إلا من قبله، مع كون المدعى به مخالفا للأصل، وأما لو كان مطابقا للأصل فليس من مصاديقه.

[ 124 ]

وعلى أي حال يختص بمن لا يعلم إلا من قبله، لا بمن تعسر عليه إقامة البينة، وإلا يلزم أن من تعسر عليه إقامة البينة يقبل قوله بيمينه، ولم يلتزم به أحد. ومحصل الكلام: أن ظاهر العنوان ان الغابن منكر والمغبون مدع، ولذا قال بأن الجهل يثبت باعتراف الغابن وبالبينة. وواضح أن البينة هنا بينة المدعي لا بينة المنكر، لرفع اليمين على القول به. وجعل المغبون مدعيا ينافي مطابقة قوله للأصل المعول عليه لولا الدعوى. ثم على فرض جعله مدعيا لا معنى لسماع دعواه مع اليمين بمجرد تعسر إقامة البينة عليه، لأن يمين المدعى إنما يعتبر في موارد خاصة - وهو اليمين المردودة والتي تكون جزء البينة ويمين الاستظهار - وأما يمينه مع تعسر إقامة البينة عليه فلا دليل على اعتباره. ثم إنه لا وجه لقبول يمين المدعي بمجرد عدم إمكان حلف المنكر - وهو الغابن - لإمكان فصل الخصومة بالصلح ونحوه. هذا، مع أن بحث القوم وموضوع عنوانهم ما إذا كان الغبن معلوما والغابن يدعي علم المغبون والمغبون ينكره. وعلى هذا، فلا معنى لقوله (قدس سره): ولا يمكن للغابن الحلف على علمه لجهله بالحال، لأن المدعي لابد أن يدعي على خلاف مقتضى الأصل. قوله (قدس سره): (وقد يشكل بأن هذا إنما يوجب عدم.... إلى آخره). لا يخفى ما فيه، أما أولا: فلأن مجرد مخالفة قوله للظاهر لا يوجب أن يجعل مدعيا، إلا إذا كان الظاهر حجة. وأما لو لم يكن حجة فلا اعتبار به أصلا. وثانيا: أنه ليس مقصود جامع المقاصد والمسالك من قولهما " إن المغبون لو كان من أهل الخبرة لا يسمع دعواه " هو جهة مخالفته للظاهر، حتى يشكل عليهما بما اشكله (قدس سره). بل مقصودهما أنه من شرط سماع الدعوى أن يكون الاحتمال الذي يدعيه المدعي - في مقابل الأصل - عقلائيا وعاديا، لا مجرد كونه عقليا مثلا إذا ادعى المعدم الفقير على غني فصا بقيمة عشرة آلاف ليرة لا يسمع دعواه. وثالثا: لو قلنا: إن كل ما لا يعلم إلا من قبل المدعي يقبل مع اليمين، فهذه

[ 125 ]

القاعدة تكون حاكمة على جميع الاصول والظواهر. فمن يدعي ما لا يعلم إلا من قبله يكون منكرا، لأن قوله مطابق لما هو الأصل في المسألة، لا أنه مدع ويقبل قوله. ورابعا: على فرض أن يكون هذا مدعيا لأن قوله يخالف الظاهر الذي هو حجة فلا وجه لقوله " إلا أن يقال: إن معنى تقديم الظاهر جعل مدعيه مقبول القول بيمينه لا جعل مخالفه مدعيا يجري عليه جميع أحكام المدعى الى آخره " لأنه لو كان مدعيا يجري عليه جميع أحكام المدعي كما أن قول من يوافق الظاهر الذي هو حجة يجري عليه جميع آثار المنكر. قوله (قدس سره): (ولو اختلفا في القيمة وقت العقد.... إلى آخره). لا يخفى أن عبارته وإن لم تكن وافية بالمرام إلا أن المقصود واضح، ومحل النزاع ثبوت الغبن وعدمه. ولا شبهة أيضا أن استصحاب اللزوم يجري في جميع الصور، إنما الكلام في جريان الأصل الموضوعي الحاكم على أصالة اللزوم. فنقول تارة: يقع الاختلاف في القيمة حال العقد مع اتفاقهما على قيمته الفعلية، مثلا البائع يدعي أن المبيع حال العقد يسوي عشرة وتنزلت قيمته، فكون قيمته فعلا ثمانية التي تطابق الثمن الذي وقع العقد عليه لا يخرجه عن الغبن، والمشتري يدعي أن قيمته حال العقد ثمانية فلا غبن، فأصالة عدم التغيير - مضافا إلى أن التغيير ليس بنفسه أمرا مسبوقا بالعدم، ومضافا إلى ان الاستصحاب قهقرائي - لا تفيد للمغبون لأنها تنتج عدم الغبن. فلو جرت فهي مطابقة لأصالة اللزوم، ولكن الحق عدم جريانها، لما ظهر في محله ان الاستصحاب القهقرائي ليس بحجة، مع أنه مثبت، لأن الأثر لم يرتب على هذا الأمر الانتزاعي، بل رتب على منشأ انتزاعه وهو عدم التساوي حال العقد. واخرى: يقع الاختلاف في القيمة حال العقد مع اتفاقهما على قيمته سابقا - كما لو كان قيمة المبيع قبل العقد عشرة وبيع بثمانية، فيدعي من يدعي الغبن بأن قيمته حين العقد كانت كقيمته قبله، ومنكر الغبن يدعي التنزل وأن المبيع حين

[ 126 ]

العقد قيمته ثمانية - فأصالة عدم التغيير لو جرت كانت مثبتة للخيار ومخالفة لأصالة اللزوم. وثالثة: يقع الاختلاف في القيمة بعد العقد مع اتفاقهما على موافقة قيمته حال العقد وقيمته الفعلية، فإذا بيع بثمانية ويدعي مدعي الغبن أن قيمته حال العقد عشرة والآن كذلك أيضا والمنكر يدعي أن قيمته فعلا ثمانية فتطابق مع قيمته حال العقد، فالشك هنا ليس في التغيير مع الاختلاف في الغبن وعدمه. إذا عرفت ذلك ظهر ما في كلام المصنف (قدس سره) من جعله أصالة عدم التغيير رديفا لأصالة اللزوم، لأنها لو جرت ففي صورة واحدة تطابق أصالة اللزوم لا مطلقا. قوله (قدس سره): (الأمر الثاني كون التفاوت فاحشا فالواحد.... إلى آخره). لا يخفى أن ما يتسامح فيه في المعاملة قد يكون قليلا جدا بحيث لا يصدق عليه الضرر، وهذا خارج عن موضوع البحث في المقام، لأن الكلام سيق لما إذا كانت المعاملة ضررية، فتارة يكون الضرر مما يتسامح فيه. واخرى ما لا يتسامح. ثم إنه من المعلوم أن المدار في التسامح وعدمه على اختلاف المعاملات فيختلف الضرر أيضا باختلافها، فإذا لم يكن الضرر الخاص مما يتسامح فيه في المعاملة الكذائية فلا إشكال في ثبوت الخيار. وإذا كان مما يتسامح فلا خيار سواء كان مدركه تخلف الشرط الضمني بنفسه - من دون جعل تخلفه مقدمة لقاعدة الضرر أو لكون تخلفه موجبا للضرر - أو لنفس قاعدة الضرر، لأن مع التسامح لا يتحقق الشرط الضمني، ولا تجري قاعدة نفي الضرر أيضا، لكونها واردة في مقام الامتنان، فلا تشمل ما إذا كان بناء المتعاملين على الإقدام على الضرر. وإنما الإشكال في الشك في أنه مما يتسامح أو لا؟ فإذا كان مدرك الخيار نفس قاعدة الضرر فالشك إذا رجع إلى الشك في المصداق لا يمكن التمسك بقاعدة الضرر، لأن التخصيص وإن كان لبيا لا لفظيا إلا أن الخارج لو كان عنوانا كليا - كخروج يد المحسن عن قاعدة على اليد - يكون اللبي كاللفظي في عدم جواز التمسك بعموم العام في الشبهة المصداقية.

[ 127 ]

فلا يقاس على جواز لعن المشكوك إيمانه من بني امية تمسكا بعموم لعن الله بني امية قاطبة، لكون التخصيص فيه أفراديا - كما بينا وجهه في الاصول - ولكن الشك في المقام راجع إلى المفهوم، لأن الشبهة المصداقية ما كان المقدار المتسامح فيه الخارج عن عموم لا ضرر معلوما - كالعشرة - والباقي تحت العموم معلوما - كالخمسة - وشك في أن الغبن في هذه المعاملة عشرة أو خمسة. وفي المقام نفس القدر المتسامح فيه مشكوك مفهوما، لدورانه بين الأقل والأكثر، فالمرجع هو عموم قاعدة لا ضرر. وأما إذا كان مدرك الخيار تخلف الشرط إما بنفسه أو بضميمة لا ضرر، فالمرجع هو قاعدة اللزوم المستفادة من العمومات. قوله (قدس سره): (بقي هنا شئ.... إلى آخره). لا يخفى أن قاعدة لا ضرر ولا حرج في مقام حكومتهما على أدلة الأحكام يراعى فيهما الضرر والحرج الشخصي لا النوعي. نعم، إذا كانا حكمة لتشريع الحكم - كطهارة الحديد وثبوت الشفعة - فالمدار على النوعي، بل على الاتفاقي منهما ولو لم يكن نوعيا، كجعل العدة لعدم اختلاط المياه ولا فرق في رعاية الشخصي منهما بين الحكم التكليفي والوضعي. إذا عرفت ذلك فنقول: شراء ماء الوضوء لمن لا يضر به وعدم شرائه لمن يضر به، تارة يفرض فيما إذا كان قيمة الماء في محل الشراء أضعاف قيمته في غير هذا المحل - كالماء في المفازة في شدة الهجير - واخرى فيما إذا لم يكن قيمته إلا كقيمته في سائر الأزمنة والأمكنة. ففي الأول: نفس المعاملة ليست ضررية، لأن ذلك قيمة الماء، فيجب شراؤه على من يتمكن منه، لأنه واجد للماء ومتمكن عن إيجاده. وإنما لم يجب على من لا يتمكن من شرائه، لأن إيجاب الوضوء على هذا الشخص ضرري لا لزوم المعاملة. ولذا لو اشترى هذا المفلس هذا الماء بهذا المقدار لا خيار له في المعاملة. وفي الثاني: لم يعلم من الأصحاب فتوى بوجوب الشراء ولو للمتمكن، لأن نفس المعاملة ضررية إلا أن يتمسك بدليل النص.

[ 128 ]

وبالجملة: في جميع الأبواب المدار على الضرر الشخصي، والغبن في المعاملة بمقدار الثلث ضرر على كل شخص ولو كان ذا ثروة ومال، وبمقدار نصف العشر ليس ضرريا ولو للمعدم المفلس. وشراء ماء الوضوء لو كان قيمة الماء كثيرة ولم يقع الغبن في المعاملة لا يكون ضرريا، حتى يقال: شخصي أو نوعي. وإذا وقع الغبن فيها فالمدار على أنه مما يتسامح أو لا يتسامح. نعم، قد يكون شراء الماء للمعدم حرجيا ولو لم تكن المعاملة ضررية - كما إذا كان قيمة الماء في المفازة بمقدار ما اشتراه به - فإذا كان حرجيا فإيجاب الوضوء عليه حرجي باعتبار مقدمته. قوله (قدس سره): (مسألة: ظهور الغبن شرط شرعي لحدوث الخيار أو كاشف عقلي.... إلى آخره). لا يخفى أن الخيار حق واقعي، سواء قلنا بأن مدركه تخلف الشرط الضمني مطلقا أو من جهة الضرر، أم قلنا بأن مدركه قاعدة لا ضرر من دون أن يكون التساوي شرطا بل كان داعيا أو شرطا بنائيا غير مذكور في العقد، فلا يدور مدار العلم بالغبن بل العلم به كاشف عقلي، لأن معنى الخيار أن ملك الالتزام بيد نفس الملتزم. فإذا كان منشأ الخيار اشتراط التساوي فتخلفه من حين العقد موجب لعدم التزام المغبون بما التزم به، فيرجع اشتراط التساوي إلى الخيار الجعلي من حين تخلف التساوي. وهكذا إذا كان منشأ الخيار قاعدة لا ضرر، لأنه يرجع مفادها إلى جعل الشارع الخيار للمتضرر. ومعلوم أنه متضرر حين العقد، فلابد أن يكون لزومه مرتفعا من حين وقوعه، لا من حين العلم بالضرر، لما ذكرناه في قاعدة لا ضرر أن الضرر الواقعي رافع للأحكام الوضعية لا المعلوم، لأن الضرر هنا لا يستند إلى الجهل بل إلى اللزوم، لأن الجهل به لا يوجب إلا صدور المعاملة من المغبون. ونفس صدورها ليس ضرريا، بل الضرر يتحقق بعد تحقق المعاملة إذا كانت لازمة. فلا يقاس المقام على الأحكام التكليفية، حيث تقدم أن العلم بالضرر له دخل

[ 129 ]

في رفع الحكم، وهذا بخلاف الوضعيات، فإن الضرر مستند إلى الجعل الشرعي، وهو لزوم العقد، ولا دخل للعلم والجهل فيه. نعم، يكون العلم كاشفا عقليا، وقد يتوقف إعمال الخيار على العلم به، كما إذا قيل: بأن التصرف مسقط للخيار، لكشفه عن الرضا الفعلي لا لكونه مسقطا تعبديا ولا لكونه مصداقا للمسقط بالحمل الشائع الصناعي، فإن كاشفيته عن الرضا الفعلي موقوف على العلم بالخيار. ومما ذكرنا ظهر ما في كلام المصنف من قوله: " وتوضيح ذلك أنه إن اريد بالخيار السلطنة إلى آخره " فإن الخيار كما عرفت هو ملك الالتزام، وهو حق واقعي شرعيا كان أو جعليا، ومن آثاره السلطنة لا أنه نفس السلطنة. وتوقف إعمال الحق في بعض المقامات على العلم به لا يوجب أن يكون الخيار مرددا بين الأمرين. ثم ان الآثار المجعولة للخيار بأجمعها تترتب على نفس الحق الواقعي - لا أن بعضها مترتب على العلم به، وبعضها على واقعه، وبعضها مردد بين الأمرين - لما عرفت من ان تصرف ذي الخيار فيما انتقل إليه إجازة إذا كان كاشفا عن الرضا، ومع عدم العلم بالحق لا يكشف عن الرضا، وهذا بخلاف ما لو قلنا بأنه مسقط تعبدي، فإنه يكون مسقطا ولو لم يعلم بالخيار. قوله (قدس سره): (مسألة: يسقط هذا الخيار بامور.... إلى آخره). لا يخفى أن محل البحث تارة: يقع في إسقاط الخيار بلا عوض بعد العلم بالغبن. واخرى: في المصالحة عنه بالعوض، فلو كان بلا عوض فلو أسقط مرتبة خاصة وظهر الغبن الواقعي مخالفا لما أسقطه فلا وجه لسقوطه، لأن ما هو الواقع لم يقصد وما قصد لم يقع. وأما لو كان مطابقا لما أسقطه فلا إشكال في سقوطه، كما أنه لو كان جاهلا بمرتبته ولكن احتمل بلوغه إلى مائة دينار مثلا فأسقطه بالغا ما بلغ وظهر الغبن بأقل من مائة أو بمقدار مائة فلا إشكال في سقوطه أيضا.

[ 130 ]

وإنما الإشكال في موردين آخرين: أحدهما: ما لو أسقطه بزعم انه عشرة فتبين كونه مائة. والثاني: ما لو أسقطه بالغا ما بلغ ولكن لم يحتمل بلوغه إلى مائة بل تخيل أن غايته خمسين فظهر كونه مائة ففي السقوط وجهان، قد يقال: إن مبنى الوجهين إن اعتقاد مرتبة من الغبن أو احتماله لو كان من قبيل الداعي فتخلفه لا يضر بسقوط خيار الغبن بلغ ما بلغ، وأما لو كان من قبيل التقييد فلا. ولا يخفى أن المقام ليس من موارد دوران الأمر بين الداعي والتقييد كالوجوب أو الأداء مثلا في باب العبادات، لأن المدار في المعاملات صحة وفسادا على تخلف الوصف، أو العنوان - أي الصورة النوعية - فتخلف العنوان يوجب البطلان ولو ذكر بنحو الشرط، كقوله " بعتك هذا إن كان حمارا " وأما تخلف الأوصاف والقيم فلا يوجب الفساد ولو جعلهما عنوانا للمبيع، كقوله: " بعتك هذا الكتاب أو هذا الذي قيمته كذا ". نعم، لو جعلهما قيدا للموضوع بطل العقد من جهة التعليق، لا من جهة تخلف القيد. وبالجملة: الأوصاف أو القيم لا يتردد أمرها بين القيدية والداعوية، بل هي إلى الدواعي أقرب. كما أن العناوين ليست مرددة بينهما، بل هي من قبيل القيدية. إذا عرفت ذلك، فإسقاط ما احتمله أو اعتقده من مرتبة الغبن لو كان موجبا لتقييد الإسقاط بتلك المرتبة نظير تقييد المبيع بالصورة النوعية لكان لعدم سقوط الخيار عند تبين زيادة الغبن عما احتمله أو اعتقده وجه، إلا أنه لا يمكن التقييد في المقام، لأن الخيار أمر واحد بسيط ليس ذا مراتب، ولا يقبل التأكد، وفي المقام لا يقبل التخصص بسبب دون سبب كما في اجتماع خيار المجلس والحيوان - مثلا - لأن التخصص فرع اختلاف الأسباب، وفي المقام للخيار سبب واحد، لأن مائة دينار مرتبة واحدة من الغبن. وليس إسقاط الخيار كإسقاط الدين باعتقاد أنه عشرة فتبين كونه مائة، لأن دوران الدين بين الأقل والأكثر واشتغال الذمة بديون

[ 131 ]

متفاوتة موجب لسقوط ما أسقطه دون الزائد. وهذا بخلاف مرتبة واحدة من الغبن فإن في هذه المعاملة الخاصة ليس سبب الخيار إلا هذه المرتبة التي هي إحدى مراتب الاختلاف، وليست مركبة من مراتب طولية. وبالجملة: إذا لم يكن سبب الخيار إلا أمرا واحدا ولم يكن نفس المسبب إلا أمرا بسيطا فليس اعتقاد مرتبة إلا من قبيل الداعي، بحيث لو قيد الإسقاط بهذه المرتبة لبطل من جهة التعليق في المنشأ، فبدون إرجاعه إلى تقييد المنشأ لا وجه لبطلانه، ومقتضاه سقوط الخيار. هذا كله فيما لو أسقطه بلا عوض. وأما إسقاطه بالعوض - أي المصالحة عنه بالعوض - فحكم الصور الثلاث الاول حكم الإسقاط بلا عوض. وأما الصورتين الأخيرتين - وهما ما لو صالح عنه بزعم أنه عشرة فتبين كونه مائة، وما لو أسقط الغبن بالغا ما بلغ مع اعتقاده بأنه خمسون فتبين كونه مائة - فالمحتملات ثلاثة: صحة الصلح مع الخيار للغبن في المصالحة، والفساد، والصحة بلا خيار. وقد ذكر المصنف وجه الجميع في المتن، ولكنه لا يخفى أنه لو صالح خيار الغبن بالغا ما بلغ يكون الصلح مبنيا على المحاباة، فلا يجري فيه خيار الغبن. قوله (قدس سره): (وأما إسقاط هذا الخيار بعد العقد قبل ظهور الغبن.... إلى آخره). لو قلنا بأن ظهور الغبن كاشف عقلي فلا إشكال في سقوطه على جميع المدارك. وأما لو قلنا بأنه شرط شرعي فبناء على كون المدرك النص الوارد في تلقي الركبان أو الإجماع فتارة: يسقطه على تقدير ظهور الغبن ومعلقا فيكون من التعليق في المنشأ، إلا انه لا إشكال فيه، لما ظهر في محله من أن الشرط لو كان لفرض وجود الموضوع يخرج عن التعليق والتقييد. واخرى: يسقطه فعلا ومنجزا فيكون من إسقاط ما لم يجب. والجواب عنه بأن مع تحقق المقتضي يخرج من إسقاط ما لم يجب غير صحيح، كما بيناه في خيار المجلس ومحصله: أن بطلان إسقاط ما لم يجب حكم

[ 132 ]

عقلي غير قابل للتخصيص، لأنه من مصاديق " وهب الأمير ما لا يملك " وبمجرد حصول المقتضي مع عدم تحقق الجزء الآخر للعلة لا يمكن ترتب المقتضى - بالفتح - عليه. ولا يقاس إسقاطه بعد العقد على إسقاطه في متن العقد، فإنه يرجع إلى الدفع لا الرفع، لأن العقد يقتضي الخيار لو خلي وطبعه، أي إطلاق العقد يقتضي التساوي والسلامة عن العيوب. أما لو التزم بعدم التساوي وبالبراءة عن العيوب فلا مقتضي للخيار أصلا. وأما مسألة إبراء المالك الودعي المفرط عن الضمان فلا ربط له بالمقام، لأن الابراء قبل التفريط يرجع إلى إذن المالك الودعي في وضع المال في غير المخزن، فيرجع إلى الإذن في التفريط، لا إلى إسقاط الضمان بعد التفريط، وإلا لا يسقط كما في المقام. وأما إسقاطه بعد التفريط كما هو ظاهر العبارة فليس إسقاطا لما لم يجب، لأن المال بمجرد التفريط يدخل في ضمان المفرط. واعتبار التلف إنما هو لاعتبار قيمة المال يوم التلف، لا لتحقق الضمان في ذلك الزمان. فتأمل. كما أن البراءة عن العيوب لو تحققت في متن العقد فترجع إلى الدفع، ولو تحققت بعد العقد قبل ظهور العيب مع كون ظهوره شرطا للخيار فالكلام الكلام. وبالجملة: مجرد تحقق المقتضي للخيار لا يخرج إسقاط الخيار عن " إسقاط ما لم يجب " لو كان مدركه النص أو الإجماع. نعم، لو كان مدركه تخلف الشرط أو قاعدة الضرر يمكن إسقاطه ولو كان الخيار متوقفا على العلم بالغبن، لما عرفت في خيار الشرط من أنه لو شرط الخيار بعد سنة بحيث كان مبدؤه رأس السنة فهو قبل تمام السنة وإن لم يكن ذا خيار إلا أنه مالك للشرط فله إسقاط شرطه ويذهب به موضوع الخيار، ففي المقام أيضا له الالتزام بغير المساوي أو الإقدام به. نعم، في متن العقد حكم إسقاطه حكم إسقاط خيار المجلس من أن إسقاط الحق في محل ثبوته ليس من إسقاط ما لم يجب، فيكون الإسقاط راجعا إلى دفع الحق، لأنه قد رضى بعدم التساوي والضرر.

[ 133 ]

وبالجملة: العقود اللفظية متضمنة للالتزام العقدي، ولا شبهة أن محل الالتزام نفس العقد، فلكل من المتعاقدين أن يلتزم بمدلول العقد ويذهب موضوع الخيار، فلا فرق بناء على هذا بين إسقاط الخيار بعد العقد قبل ظهور الغبن وإسقاطه في متن العقد، لأن في الأول من قبيل إسقاط الشرط، وفي الثاني من التزام العاقد بما أنشأه. ولا شبهة أنه لصاحب الالتزام أن يتصرف فعلا فيما هو تحت سلطانه. قوله (قدس سره): (نعم هنا وجه آخر للمنع يختص بهذا الخيار وخيار الرؤية.... إلى آخره). محصل الإشكال: أن إسقاط الخيار في متن العقد يوجب الغرر. أما في خيار الرؤية فلأن بيع العين الغائبة لا يصح إلا بذكر الأوصاف التي بها تختلف مالية المال، ومرجع إسقاط الخيار إلى اشتراء المال بأي وصف كان، وهذا غرري، لأن الأوصاف لها دخل في المالية، فمقدار المالية من هذا المبيع غير معلوم. وأما في خيار الغبن فكذلك، فإن اعتبار ذكر أوصاف المبيع ليس إلا لأجل العلم بمقدار ماليته، فإذا كان الجهل بالمبيع أو بالصفة راجعا إلى الجهل بالمالية فاسقاط خيار الغبن أيضا يرجع إلى الجهل بمقدار مالية المال، فيلزم الغرر. وفيه: أولا النقض بالمعاملة المحاباتية، فإنها تصح بلا شبهة، ولا فرق فيها بين العلم بمقدار المالية والمعاملة بأنقص منها أو أزيد وبين الشك فيه. وبالجملة: لا إشكال في أنه يصح أن يبيع ما لم يعلم قيمته السوقية بمقدار معين من المال. وثانيا: بالحل وهو أن المعاملة مع الجهل بالقيمة السوقية ليست غررية، فإن الغرر يرجع إلى الجهل بالعوضين أو إلى الجهل بصفاتهما الراجعة إلى التفاوت في المالية، للفرق بين عدم العلم بأن المبيع حنطة أو شعير أو أن الحنطة متصفة بكذا أو كذا وبين عدم العلم بأن الحنطة الكذائية بأي مقدار تشترى في السوق. ففي الأولين مالية المال مشكوكة، وفي الأخير ماليته معلومة عند المتبايعين، ومشكوكة في أن غيرهما يشتريه بهذا المقدار أو أزيد أو أنقص.

[ 134 ]

وبالجملة: حكم الغبن حكم العيب، ولا شبهة في صحة البراءة من العيوب، ومنشأ ذلك أن أصالة السلامة أو اشتراط التساوي في المالية ليس مصححا للبيع حتى بإسقاطهما يفسد، بل هما من الشروط الضمنية التي يوجب تخلفهما الخيار. فإذا بنى العاقد على الشراء ولو كان معيبا أو لو لم يسو بما اشتراه فيسقط شرطه. وهذا بخلاف الأوصاف التي بها تختلف القيمة في العين الغائبة، فإن اعتبارها مصحح للبيع فلا يمكن إسقاطها، فإنه يناقض اعتبارها. فلا يصح قياس إسقاط خيار الغبن على خيار الرؤية، بل الصواب فيه أن يقاس على خيار العيب. فكما أن وصف الصحة ليس من الامور التي بسبب اعتبارها يصح العقد ويخرج البيع عن الغرر، لأن البيع ليس غرريا كان الأصل في الأشياء هو السلامة أو العيب. فكذلك البيع بمقدار معين من الثمن ليس غرريا، كان بناء المتعاقدين على اشتراط تساوي العوضين في المالية أو لا. قوله (قدس سره): (الثالث تصرف المغبون.... إلى آخره). قد ذكرنا في خيار الحيوان وجه كون تصرف ذي الخيار فيما انتقل إليه إجازة، بما لا مزيد عليه، فراجع. وظهر مما قدمناه أن التصرف المالكي مسقط للخيار مع العلم بموضوع الخيار. فلو اشتبه عليه الحيوان الذي اشتراه وتصرف فيه بتخيل غيره فهذا التصرف ليس مسقطا، ففي المقام لو لم يعلم بالغبن فالتصرف الواقع منه ليس التزاما بالناقص مقابل الزائد، وهذا واضح. قوله (قدس سره): (فتأمل). لا يخفى أن ما يتخيل كونه منشأ للأمر بالتأمل أحد الوجوه الثلاثة: الأول: المناقشة في الفرق بين الدفع والرفع فيما كان الدليل الدال على حكم المستصحب اجماعا، أي لا فرق بين أن يكون الشك في الدفع أو الرفع فلا يجري الاستصحاب مطلقا، لأن الحكم ثبت بالإجماع لا بالدليل حتى يستصحب في مورد الشك. ولكن لا يمكن أن يكون ذلك وجه نظر المصنف (قدس سره)، لما أوضحه في

[ 135 ]

الاصول من أن الاستصحاب يجري في مورد الشك في الرافع ولو كان الدليل المثبت للحكم إجماعا، وإنما يناقش في خصوص دليل العقل. الثاني: كون الشك في المقتضي لا الرافع، وتقريبه: أن مقدار استعداد بقاء المستصحب مع التصرف غير معلوم. ولكنه أيضا كالسابق ليس منشأ للأمر بالتأمل، لأن المدار في الشك في المقتضي على أن لا يعلم مقدار بقاء المستصحب من حيث الزمان لا بقاؤه من حيث الزماني وبالنسبة إلى كل طار وعارض، وإلا يرجع جميع أقسام الشك في رافعية الموجود إلى الشك في المقتضي، مثلا لو شك في استعداد بقاء الطهارة مع الوذي والمذي فلو لم يجر استصحاب الطهارة - لكونه شكا في المقتضي - فلا مورد لأغلب الاستصحابات كما لا يخفى. والثالث: وهو المتعين أن يكون الشك شكا في الموضوع، لأن موضوع من له الخيار ليس ذات المغبون حتى يستصحب حكمه، وهكذا ليس الموضوع الذي تعلق به الخيار العقد الغبني، بل يحتمل أن يكون لوصف عدم الرضا ولو نوعا دخل في الموضوع - فمن تصرف تصرفا يكشف عن رضاه ليس له الخيار - كاحتمال دخل عدم التصرف في الموضوع الذي تعلق به الخيار. قوله (قدس سره): (الرابع من المسقطات تصرف المشتري المغبون قبل العلم بالغبن.... إلى آخره). لا يخفى أنه لا وجه لسقوط خيار المشتري المغبون قبل العلم بالغبن إلا إذا ثبت إجماعا تعبديا، فيكون كخيار العيب الذي ثبت بالنص سقوط الرد به لو تصرف في العين - ولو قبل العلم بالعيب - تصرفا مغيرا للعين كما سيجئ في محله. وما ذكروه وجها للسقوط ضعيف، كما اعترض عليهم شيخنا الشهيد (قدس سره)، ولا إجماع في المسألة. والقاعدة تقتضي عدم سقوط الخيار إذا كان منشؤه الضرر أو تخلف الشرط إلا في مورد الإقدام على الضرر أو إسقاط الشرط، والمفروض أن مع الجهل بالغبن لا يتحقق الإقدام أو الإسقاط إلا معلقا أو إسقاطه في متن العقد.

[ 136 ]

فمجرد التصرف ليس مسقطا، سواء كان تصرفا ناقلا - كالبيع ونحوه - أو كان فكا للملك - كالوقف والعتق - أو رهنا وإجارة واستيلادا، أو تلفا حقيقيا، أو نقلا جاز للناقل الرد، كالهبة والبيع الخياري. نعم، لو ثبت كون التصرف من المغبون مطلقا أو من خصوص المشتري المغبون مسقطا إجماعا يجب أن يفصل بين التصرفات. ففي مورد التلف الحقيقي أو الحكمي - كالعتق والوقف - ينبغي القول بسقوط الخيار. وأما في مورد النقل فيمتنع الفسخ ما دام العين المغبون فيها خارجة عن ملك المغبون ولو كان النقل جائزا، لأن الفسخ يقتضي رد العين من ملك الفاسخ إلى ملك المفسوخ عليه ورد بدلها من ملك المفسوخ عليه إلى ملك الفاسخ، والعين إذا لم تكن ملكا للفاسخ يمتنع الرد. نعم، له رد العين إلى ملكه، إلا أنه ما لم يردها يمتنع ردها إلى ملك المفسوخ عليه. وأما في مورد التدبير والوصية فلا إشكال في إمكان الفسخ، لأن نفس الفسخ إبطال لهما. وفي مورد الإجارة أيضا كذلك، لأن كون العين تحت يد المستأجر لا يمنع عن رد رقبة الملك إلى الغابن، والفسخ لا يقتضي إلا رد الملك. وأما في مورد الرهن والاستيلاد فيمتنع الرد. أما الرهن فلأن حق الرهانة يقتضي بقاء العين المرهونة في ملك الراهن ليستوفي المرتهن حقه منها، فكون الرقبة ملكا للراهن لا يفيد لصحة الرد، لامتناع إخراج الرهن ما دام رهنا عن ملك الراهن وليس حق الرهانة. كحق الجناية يتبع رقبة العبد أينما كان. وأما الاستيلاد فكذلك أيضا، لأنه لو انعقد الولد في ملك المستولد بلا تعلق حق أحد على الأمة يمتنع إخراجها عن الملك ما دام الولد حيا.

[ 137 ]

قوله (قدس سره): (وربما يبنيان على أن الزائل العائد كالذي لم يزل أو كالذي لم يعد.... إلى آخره). قد يورد على المصنف (قدس سره) بأنه لا وجه لذكر هذه العبارة المنقولة من الشافعية إلا حسنها، ولكنه لا يخفى أن وجه إمكان الرد وعدمه بعد عود الملك إلى ملك المغبون وارتفاع المانع ليس إلا هذين المبنيين. فلو قيل بأن الزائل العائد كالذي لم يزل فله الرد، ولو قيل بأنه كالذي لم يعد فلا. والحق هو التفصيل بين موارد العود. فلو عاد إلى ملك المغبون على الوجه الذي كان ملكه قبل التصرف بحيث كان قوام ملكه بعد العود هو قوامه قبل التصرف فالزائل العائد كأنه لم يزل. فلو باع بالبيع الخياري أو وهبه ثم فسخ البيع أو رجع عن الهبة فالفسخ وإن كان حل العقد من حينه لا من حين العقد إلا أن سبب الملك للمغبون بعد الفسخ أو الرجوع عن الهبة هو السبب الذي كان قبل تصرفه وهو اشتراؤه من الغابن، فإذا رجع العين إلى حالها قبل التصرف فلا مانع من ردها إلى الغابن. ويلحق بالفسخ الإقالة وفك الرهن وموت ولد ام الولد، وكل ما رجع الملك إلى سببه الذي كان بين الغابن والمغبون. وأما لو عاد إلى ملكه على غير ما كان له قبل التصرف كما لو رجع إليه بالاشتراء أو بالإرث ونحو ذلك - بحيث كان سببه بعد العود غير سببه قبل التصرف - فالزائل العائد كالذي لم يعد، لأن هذه الملكية الحاصلة له فعلا غير الملكية الحاصلة له قبل التصرف، فإن سبب ملكه قبل التصرف هو اشتراؤه من الغابن، وسبب ملكه فعلا هو الإرث أو الاشتراء من غير الغابن، فيختلف السببان، فيمتنع الفسخ، لأنه عبارة عن رد كل مال إلى مالكه الأصلي على نحو خرج عن ملكه. والعين بعد رجوعها إلى ملك المغبون بسبب جديد لا يمكن ردها إلى ملك الغابن على نحو خرج عن ملكه ودخل في ملك المغبون. وبعبارة اخرى: الفسخ يتعلق برد الملك أي مبطل لسببه، فالسبب لو كان موجودا أمكن إبطاله، وأما لو انعدم وتبدل بسبب آخر فلا معنى لإبطاله.

[ 138 ]

قوله (قدس سره): (هذا كله في تصرف المغبون وأما تصرف الغابن فالظاهر أنه لا وجه لسقوط خيار المغبون به.... إلى آخره). هذه المسألة من صغريات تصرف من عليه الخيار. والظاهر أنه لا يسقط بتصرفه خيار من له الخيار - سواء تصرف بالنقل اللازم أو ما بحكمه من الإتلاف والهبة لذي الرحم، أم بالنقل الجائز، أم بالتغيير، أو المزج والخلط - لأنه لا موجب لسقوط الخيار ولو قلنا بنفوذ تصرف من عليه الخيار، لعدم الملازمة بين نفوذ تصرفه وسقوط حق ذي الخيار. وهذه المسألة وإن كان محل تنقيحها في أحكام الخيار، إلا انه لا بأس بالتعرض لها إجمالا تبعا لما أفاده شيخنا الاستاذ مد ظله وتوضيحا للفروع الآتية في المتن. فنقول: في نفوذ تصرف من عليه الخيار مطلقا، أو عدم نفوذ تصرفه مطلقا، أو التفصيل بين الموارد أقوال: والظاهر أن محل الخلاف في غير العين التي اشترط ردها برد الثمن، فإن المشتري ليس له التصرفات الناقلة فيها، إلا أن يكون النظر بماليتها. وكيف كان فلو فسخ ذو الخيار ووجد العين خارجة عن ملك من عليه الخيار، فلو قيل بعدم جواز تصرف من عليه الخيار وضعا وتكليفا فخروجها كالعدم، لأن تصرفه باطل رأسا. وأما لو قيل بجواز تصرفه تكليفا، فهل ينفذ منه مطلقا أو في خصوص العتق فلذي الخيار المثل أو القيمة أو يبطل من أصله أو من حين الفسخ؟ وجوه، بل أقوال، منشؤها الاختلاف في متعلق حق الخيار، فقيل بأنه العين، وقيل بأنه العقد بما هو عقد، وقيل بأنه العقد طريقا لاسترجاع العين. فعلى الأول والثالث لا ينفذ تصرفه، لأن العين إذا كانت متعلقة لحق الغير لا ينفذ تصرف مالكها فيها - كما في العين المرهونة - واستشهد لهذا القول بما اختاره الفقهاء: من أن التصرف الناقل إذا وقع بإذن ذي الخيار سقط خياره، فلو لم يكن حقه متعلقا بالعين لم يكن إذنه موجبا لسقوط حقه، وكان له فسخ العقد.

[ 139 ]

وأورد عليه المصنف: بأن سقوط الخيار بالإذن في التصرف إنما هو لدلالة الإذن عرفا على السقوط، لا لتعلق الخيار بالعين. وفيه: أنه لو كان منشأ السقوط دلالة الإذن عليه عرفا لكان اللازم سقوطه مطلقا، سواء تصرف من عليه الخيار أم لم يتصرف، مع أن الأقوى أن السقوط إنما هو بالتصرف المأذون فيه، لا بمجرد الإذن، كما هو الشأن في بيع الراهن بإذن المرتهن، فإنه لا يسقط حق المرتهن أيضا بنفس الإذن. هذا، مع أن دلالة الإذن على الإسقاط ممنوعة، لأنه قد أذن لمن عليه الخيار في التصرف في ماله الذي يقتضيه طبع المعاملة، فلا يدل على الإجازة. ولذا يفصل في العرض على البيع بين عرض المنتقل عنه والمنتقل إليه، فإنه بالنسبة إلى المنتقل عنه فسخ وليس إجازة بالنسبة إلى المنتقل إليه. وبالجملة: لا وجه لسقوط حقه بمجرد إذنه لمن عليه الخيار في التصرف في ماله، ولا ينافي ذلك كون إذنه للأجنبي في بيع المنتقل عنه فسخا، وذلك لاختلاف المقامين في دلالة الإذن على الإجازة أو الفسخ عرفا، كاختلاف العرض على البيع بالنسبة إليهما. نعم، الملازمة بين الفسخ والإجازة إنما تكون في التصرف الناقل من نفس ذي الخيار، فكل مورد كان تصرفه في المنتقل إليه إجازة يكون تصرفه في المنتقل عنه فسخا. فالصواب في الجواب أن يقال: إنه يمكن القول بسقوط الخيار بالتصرف المأذون فيه وإن لم يكن الحق متعلقا بالعين، لأنه بالإذن يرفع موضوع الخيار، فإن إعماله لا يمكن إلا إذا أمكن الفسخ والإمضاء كلاهما. وبعد إذنه في التصرف لو تصرف المأذون لا يمكن أن يكون ضمان العين في عهدته، فإذا امتنع الضمان امتنع الفسخ فامتنع الخيار. ثم إن هذا بناء على سقوط الخيار بالتصرف المأذون فيه لا بنفس الإذن، وأما بناء على صحة ما نسبه شارح الميسية إلى المشهور من سقوط الخيار سواء

[ 140 ]

تصرف المأذون أم لم يتصرف فيصح الاستشهاد به لتعلق حق الخيار بالعين، لأنه لو لم يكن حقه متعلقا بها لكان إذنه كإذن الأجنبي. هذا بناء على الوجه الأول والثالث. وأما لو قيل بتعلق حق الخيار بالعقد بما هو هو، فقد يقال بنفوذ تصرفه مطلقا، وقد يفصل بين الإتلاف والإخراج عن الملك، وعلى أي حال لا ينافي ذلك إعمال الخيار. فلو فسخ يتعلق حقه بالبدل مطلقا، أو في مورد الإتلاف. وأما في التصرف الناقل فيرجع المال عن ملك من انتقل إليه إلى ملك المتصرف وعن ملكه إلى ملك الفاسخ إما من حين الفسخ أو من أصله. ثم إنه استشهد المصنف لنفوذ تصرفه مطلقا وكون الخيار متعلقا بالعقد بمقدمتين: الاولى: أنه لو كان الخيار متعلقا بالعين لزم سقوطه بتلفها. الثانية: أن الفقهاء اتفقوا بأن تلف العين لا يوجب سقوط حق من له الخيار. فتنتج هاتان المقدمتان اللتان إحداهما بمنزلة الصغرى والاخرى بمنزلة الكبرى نفوذ تصرفات من عليه الخيار مطلقا، وأن الخيار متعلق بالعقد لا بالعين. وفيه: منع المقدمة الاولى، فإن سقوط الحق بتلف متعلقه إنما يصح لو لم يكن المتعلق في عهدة من تلف عنده، والغبن في المعاملات مضمونة، إما بالمسمى، أو بالمثل والقيمة. وكيف كان فوجه تعلق حقه بالبدل لو نفذ تصرف من عليه الخيار هو أنه لو جاز التصرف فلا موجب لإهمال ما يقتضيه من ترتيب آثار الملك على ملك المشتري الثاني، فلو فسخ ذو الخيار يتعلق حقه بالبدل جمعا بين الدليلين. وأما وجه انفساخ المعاملة الثانية بفسخ المعاملة الاولى فهو لحديث الفرعية. وحاصله: أن جواز التصرف والانتقال إلى المشتري الثاني نشأ من كون المال ملكا للمشتري الأول، فإذا زال المنشأ بفسخ ذي الخيار ينفسخ العقد الثاني إما من حين الفسخ - كما هو مقتضى تأثير الفسخ في غير المقام - أو من أصله كما هو

[ 141 ]

مقتضى الفرعية، فإن العقد الثاني لو كان متفرعا على الأول، فإذا بطل الأول يبطل الثاني من أصله ويصير كأن لم يوجد. هذا مع أن مقتضى الفسخ تلقي كل من المتعاقدين الملك من الآخر فلابد من انفساخ العقد الثاني من أصله، حتى يتلقى الفاسخ الملك من المفسوخ عليه لا من المشتري الثاني. إذا عرفت مدرك الأقوال إجمالا فلا بأس للإشارة إلى ما هو المختار، فنقول: الأقوى هو تعلق حق الخيار بالعقد طريقيا، فإن المقصود من جعل الخيار لذي الخيار هو تمكنه من استرجاع العين وردها إلى حالها قبل العقد. ويؤيد ذلك تفصيل المشهور في إرث الزوجة الخيار الذي يستحقه الزوج الميت المتعلق بالأرض بين ما كانت الأرض منتقلة عن الزوج فلا ترث وما كانت منتقلة إليه فترث، لأن في الانتقال عنه لا يفيد للزوجة حق الخيار، لأنها لا ترث من العقار، وفي الانتقال إليه ترث الثمن لو فسخت العقد. ولو لم يكن العين متعلقة لحق الخيار بل كان الخيار مجرد السلطنة على حل العقد من دون نظر إلى العين لما كان وجه للتفصيل كما لا يخفى. ويؤيده أيضا عدم ارث وارث الأجنبي الخيار المجعول له، فإنه لو كان الخيار مجرد السلطنة على العقد ولم يكن ماليته من باب استرجاع العين بل كان هو شيئا في حيال ذاته لكان اللازم إرث الوارث له، لأنه مما تركه الميت. وهذا بخلاف ما إذا كان مالية الخيار باسترجاع العين، فحيث إن الوارث ليس له حظ من العين ونفس حل العقد ليس له مالية فلا يرثه الوارث. ويؤيده أيضا عدم صحة نقل الخيار إلى غير من عليه الخيار، فإنه لو لم يكن للخيار مساس بالعين لما كان وجه لعدم الانتقال إلى الأجنبي، فعدم الانتقال إليه يكشف عن تعلق الخيار بالعين. اللهم إلا أن يقال: إن جميع هذه المؤيدات لا تقاوم ما تقدم في بيان حقيقة الخيار من كونه راجعا إلى ملك الالتزام وحل التبديل والتعهد، فإنه تقتضي كونه راجعا إلى العقد من دون مساس له بالعين.

[ 142 ]

هذا مضافا إلى أن نفس حقيقته لا تختلف ببقاء العين وتلفها وفي كلتا الصورتين يعمل الخيار ويفسخ التعهد بغاية واحدة، لا أن مع بقائها يرجع إلى رد شخصها ومع تلفها يرجع إلى ماليتها. فإذا كان إعمال الخيار على وجه واحد في المقامين فلابد من أن يكون متعلقا بنفس العقد والاختلاف ناشئا من اختلاف الموارد، لأن إبطال التبديل بين المالين مع بقاء العين يقتضي قهرا رد العين، ومع تلفها حيث إنها في ضمان الطرف يرجع المثل أو القيمة. وعلى هذا فالحق ما اختاره المصنف (قدس سره). وصحيحة ابن سنان " حتى يصير للمشتري " غير ناظرة إلى تعلق الخيار بالعين أصلا، فإنها في مقام بيان أن تلف العين في ضمان من ليس له الخيار وفي عهدته، إلا إذا انقضى الخيار ويصير الحيوان ملكا مستقرا للمشتري، بحيث لا يقدر أن يخرجه عن ملكه إلا بمعاملة جديدة. وبعبارة واضحة: الفسخ ليس تملكا جديدا حتى يتقوم بالعين ويمنع كونه ملكا لذي الخيار عن تصرفات من عليه الخيار، بل رد للتبديل السابق وحل للتعقيد والتعهد ورجوع العين أو بدلها إلى حالها السابق من لوازم رد التبديل، لا من جهة تعلق الحق بها. ثم إنه لو جاز تصرف من عليه الخيار فلا وجه لبطلان المعاملات الصادرة منه لا من أصلها ولا من حين الفسخ، وحديث الفرعية لا محصل له، كما لا يخفى. وأما لو لم يجز، لتعلق الخيار بالعين، فهل يبطل المعاملات رأسا بمعنى أن من شرائط صحة البيع - مثلا - كون الملك غير متعلق للخيار كما أن من شرائطه عدم الغرر، أو أن معنى عدم جواز تصرفاته أن لزوم العقد يتوقف على عدم تعلق الحق بالعين؟ والحق هو الثاني، إلا على القول ببطلان الفضولي فيما لو كان العين متعلقا لحق الغير - كبيع الراهن - وحيث إن المختار صحته مع إجازة ذي الحق، فيصح في المقام مع إجازة من له الخيار. ثم إن تعلق حقه بالعين هل هو من قبيل تعلق حق الجناية بالعبد الجاني

[ 143 ]

وتعلق حق الشفعة بالدار المشتركة أو من قبيل حق الرهانة؟ وجهان، والحق هو الثاني، لأنه لا يمكن أن يتعلق الحق في المقام بملك الثالث. وعلى هذا، فالتصرفات المتلفة لا تجوز أصلا. وأما التصرفات الناقلة فمراعى بإجازة ذي الخيار، أو انقضاء مدة الخيار. ويجري نزاع الكشف والنقل في الإجازة كما يجري نزاع الفسخ من الحين أو من الأصل في الفسخ بالنسبة إلى العقد الأول. وأما بالنسبة إلى العقد الثاني فبفسخ العقد الأول يبطل الثاني من رأسه، لأنه كبيع الراهن مع فسخ المرتهن. نعم، ليس لذي الخيار إبطال العقد الثاني من دون فسخ العقد الأول، لأن حقه لم يتعلق إلا بالعين، وليس له السلطنة على عقد المالك. وقد أشرنا إليه في باب الفضولي. وأما وط ء الأمة فلو كانت الطلقية من شرائط صيرورة الأمة ام الولد شرعا فالاستيلاد غير مانع عن تعلق حق الخيار بالعين، فلا مانع من الوط ء. وأما لو لم تكن الطلقية شرطا فلا يجوز، لأنه موجب لإتلاف حق ذي الخيار. ولكنه لو استولدها ولو معصية تصير الموطوءة ام الولد فيمتنع ردها بالفسخ وإن كان الخيار مقدما، لأن تقدم الحق إنما يؤثر لو كان الحقان في رتبة واحدة، وأما لو كان أحدهما معدما لموضوع الآخر فلا يلاحظ التقدم. وإذا كان رجوع العين مشروطا بإمكانه عقلا أو شرعا يؤثر الاستيلاد لأنه مانع شرعي. ثم إن مما ذكرنا ظهر مدرك الوجوه التي ذكرها المصنف من تسلط المغبون على إبطال تصرفات الغابن من حين الفسخ أو من الأصل، ومن عدم تسلطه. وظهر أيضا أن بطلان التصرف من حين الفسخ أو من الأصل يمكن على كلا القولين: من عدم تعلق حق الخيار بالعين، ومن تعلقه بها فعلى القول بعدم التعلق فمنشأ البطلان من حينه أو من أصله هو الفرعية، وعلى القول بالتعلق فمنشأ الاحتمالين كون التصرف من قبيل تصرف الراهن فبالفسخ يبطل من أصله،

[ 144 ]

أو كونه من قبيل تصرف من عليه حق الشفعة فيمكن للشفيع إبطال العقد الثاني أو الثالث. ثم لا يخفى أن الحق بناء على جواز التصرف هو عدم الفرق بين العقود الجائزة واللازمة. ولا وجه لما ذكره في المسالك: من كون الغابن ملزما بالفسخ فيما لو باع بخيار أو وهب بغير ذي الرحم، لما عرفت من أن حقيقة الفسخ تقتضي رد التبديل بمجرد الفسخ، وإذا انتقل بدل العين حين الفسخ إلى ملك الفاسخ فلا موجب لإلزام المفسوخ عليه بالفسخ. وليس البدل في المقام كبدل الحيلولة، فإن العين في بدل الحيلولة باقية على ملك مالكها، والبدل غرامة، فلصاحب العين إلزام الضامن بتحصيل العين، بخلاف المقام، فإن حق المغبون بمجرد الفسخ يتعلق بالبدل. ثم بناء على القول بعدم وجوب الفسخ في العقد الجائز، فلو اتفق عود الملك إلى الغابن بالفسخ قبل فسخ المغبون فلا إشكال في أن فسخه يتعلق بالعين، ولو اتفق عوده إليه بسبب جديد فالعائد كأنه لم يعد. وأما لو اتفق عوده بعد فسخ المغبون فلو عاد بسبب جديد فلا إشكال في أنه لا يتعلق حق المغبون به. وأما لو اتفق عوده بالفسخ فلا يبعد أن يقال بتعلق حق المغبون به خلافا للمصنف، لأن البدل في المقام وإن لم يكن من قبيل بدل الحيلولة إلا أن منشأ تعلق الحق به تعذر العين، فلو ارتفع التعذر يرجع البدل. ولذا لو فرض محالا عود العين التالفة فلا إشكال في تعلق حق المغبون بها، فيكون المقام كما لو صار الخل عند الغاصب خمرا فأخذ المالك بدله ثم صار بعده خلا فإنه يرتفع البدلية. وبعبارة اخرى: إذا فسخ الغابن المعاملة الواقعة بينه وبين الثالث ورجع العين إليه فلابد أن لا تبقى في ملكه مع فسخ المغبون، لأن المفروض أن منشأ ملكيته للعين كانت المبادلة بينه وبين المغبون، فإذا ارتفعت المبادلة ولو قبل رجوعه إلى

[ 145 ]

الثالث ترجع العين إلى ملك المغبون وبدلها إليه، حتى بناء على ما اختاره صاحب المقابس: من أن التلف وما بحكمه يوجب المعاوضة القهرية الشرعية، لأنه لا ينافي وقوع المعاوضة قهرا بالتلف وبطلانها برجوع التالف، إلا أن يكون للدليل الدال على وقوع المعاوضة إطلاق بحيث يشمل بعد رجوع التالف إلى حاله السابق، وحيث إنه لا دليل على ذلك من أصله فضلا عن إطلاقه، فلا فرق بين فسخ الغابن قبل فسخ المغبون أو بعده، قبل أخذ البدل أو بعده. قوله (قدس سره): (ولو تصرف الغابن تصرفا مغيرا للعين.... إلى آخره). لا يخفى عدم صحة ما فصله في النقيصة بين أن يكون النقص موجبا للأرش وبين ما لا يوجبه، فإنه مضافا إلى عدم صحته في نفسه يكون مخالفا لما اختاره في الأبواب الاخر من عدم الفرق بين الأوصاف. وبالجملة: لو كان وصف الصحة الذي يوجب فقده الأرش في باب خيار العيب موجبا لكون الغابن ضامنا له لكان وصف الكمال أيضا كذلك، ولو لم يكن فقد وصف الكمال موجبا للضمان فلا يوجب فقد وصف الصحة أيضا، لأن التفرقة بينهما إنما يكون بأحد الوجهين: الأول: كون وصف الصحة بمنزلة الجزء بأن يقع مقدار من الثمن بإزائه دون وصف الكمال، وذلك مما لا يلتزم به المصنف ولا يمكن الالتزام به، لأن الأوصاف وإن كانت موجبة لزيادة مالية المال إلا أنها لا تقع بإزائها في عقد المعاوضة شئ من العوض. وثبوت الأرش في مقابل وصف الصحة إنما هو بالتعبد، لا من جهة وقوع الثمن بازائه، وإلا كان اللازم رد بعض من خصوص الثمن. والثاني: أن يكون زوال وصف الصحة تحت اليد موجبا للضمان دون وصف الكمال، فيقال بأن الضمان المعاوضي وإن تبدل بضمان اليد بعد القبض إلا أن تبدله به إنما هو في خصوص العين ووصف الصحة دون وصف الكمال، وهذا أيضا مما لا يمكن الالتزام به، لأنه لا فرق بين الأوصاف في أنها بأجمعها مضمونة على المفسوخ عليه كما تكون مضمونة على الغاصب، لأن وجه الضمان في البابين هو قاعدة اليد.

[ 146 ]

ولا يمكن أن يقال بأنه لا وجه لضمان المفسوخ عليه النقص الحاصل في ماله، فإنه لو تم ذلك اقتضى أن لا يكون ضامنا لوصف الصحة بل العين أيضا - لأن كلا منهما ملكه وتلف تحت يده - مع أنه ضامن بلا إشكال، بمعنى أنه يجب عليه رد المثل أو القيمة واسترداد ما دفعه إلى طرفه لو لم يكن التلف في زمان خيار الطرف، وإلا يجب عليه رد المثل أو القيمة من دون استرداد ماله أو بدله. ومما ذكرنا ظهر حكم الإجارة، فإنها نقص يجب على المفسوخ عليه تداركه ولا يمكن الفرق بين الفسخ والتفاسخ، ولم يبين المصنف وجه الفرق أصلا. ثم إن مما ذكرنا ظهر ما في حاشية السيد من قوله " ولكن الظاهر ان الفقهاء لا يلتزمون بما ذكرناه " (1) فإن سقوط خيار التفليس بنقصان وصف الصحة وعدم سقوطه بنقصان سائر الأوصاف لو قيل بهما فليس ذلك للفرق بين الأوصاف، بل لاعتبار قيام العين على ما كانت عليه حال البيع في ذاك الباب، ومع تلف وصف الصحة ليس العين قائمة بعينها دون وصف الكمال. ففي تلف وصف الصحة تكون العين كسائر أمواله مما يتعلق بها حق الغرماء دون تلف وصف الكمال، فإن البائع يأخذ نفس العين. وقولهم في باب الفلس بأنه لو رد البائع العين المعيبة ليس له الأرش للنقصان لا يستقيم، ولذا ينقل هو خلافه عن العلامة والشهيد. وبالجملة: معنى الضمان في المعاوضات كالبيع مثلا هو أن البائع ضامن للمبيع قبل القبض - أي عهدة المبيع عليه فإذا تلف ينفسخ البيع ويتعين المسمى للعوضية، أي يرجع نفس الثمن إلى المشتري - وبعد إقباضه ينتقل الضمان - أي عهدة المبيع - إلى المشتري، فإذا تلف وطرأ على العقد فسخ أو إقالة يجب عليه رد المثل أو القيمة، ويسترد ثمنه من البائع لو كان موجودا، ومثله أو قيمته لو كان تالفا. فعلى هذا يكون كل من المتبايعين ضامنا لما انتقل عنه قبل القبض، وضامنا لما انتقل إليه بعد القبض. وضمانه بعده ضمان اليد، فإذا كانت يده يد ضمان يجب


(1) حاشية السيد: ص 44 سطر 22.

[ 147 ]

عليه رد قيمة العين بجميع أوصافها التي تتفاوت بها مالية المال ولو كانت مثل وصف الكمال. وعلى هذا فلا فرق في النقص الحاصل في مال الفاسخ بين أن يكون من جهة إجارة الطرف أو غيرها، فإن إجارته وإن كانت صحيحة بناء على عدم تعلق حق الخيار بالعين في غير المشروط برد مثل الثمن، إلا أنها توجب نقصا في المال، فإن مناط مالية المال منافعه. والمفروض أن ضمان النقص على المفسوخ عليه، فيجب عليه تدارك النقص بتقويم المال غير مسلوب المنفعة وتقويمه مسلوب المنفعة في مدة الإجارة وأخذ التفاوت. وبالجملة: كون المنفعة تابعة للملك لا ينافي ضمان المؤجر للنقص الحاصل بالإجارة. نعم، لا وجه لأن يكون ضامنا لاجرة المثل، لأنه قد تصرف في ملكه من دون تعلق حق به. واجرة المثل إنما تصح في التصرف في مال الغير بدون تعيين العوض، كما أنه لا يكون ضامنا لاجرة المسمى، وذلك واضح. فالفرق بين التفاسخ والفسخ لا يعقل، وكون التفاسخ من الأصل والفسخ من الحين غير فارق، بعد ما ظهر أن المناط في الضمان كون يده يد ضمان. هذا مضافا إلى أنه لا وجه للفرق بين التفاسخ والفسخ، فإن كلا منهما من الحين وحكمهما حكم الاقالة والانفساخ. قوله (قدس سره): (وإن كان التغيير بالزيادة.... إلى آخره). الزيادة قد تكون حكمية محضة - أي ليس لها ما بحذاء خارجي كقصارة الثوب - وقد تكون عينية محضة كالغرس، وقد تكون من كلتا الجهتين - كالصبغ بالنيل، وخياطة الثوب إذا كان الخيط من الخياط - ثم إن الزيادة قد تكون موجبة لزيادة قيمة العين، وقد لا تكون. أما ما لا يوجب زيادة القيمة فالحق عدم ثبوت شئ لمحدثها، لأنه عمل لنفسه في ماله، ولا يمكن أن يكون عمله لنفسه مضمونا على غيره.

[ 148 ]

وأما ما يوجب الزيادة في القيمة فإذا كانت حكمية، فتارة تكون هذه الزيادة بفعل الغابن، واخرى بفعل من الله سبحانه. وما بفعل الله سبحانه قد يكون عمل الغابن معدا له - كتعليف الدابة وسقيها الموجبين للسمن - وقد لا يكون فعل من الغابن أصلا، كما لو صار العبد كاملا بصنع الله تبارك وتعالى. ومعنى كون الزيادة بفعل الغابن أن تكون الزيادة أثرا لفعله، بحيث كان فعله علة تامة لحصول الزيادة كقصارة الثوب. ثم إن في المقام مصاديق مشتبهة في أن الأثر مترتب على الفعل بلا واسطة، أو مترتب عليه مع الواسطة كتعلم العبد، فإنه قد يقال بأن التعليم علة تامة له، وقد يقال بأنه معد له كالعلف للدابة، فإنه معد للسمن. وكيف كان فلو كانت الزيادة بفعل من الله من دون مدخلية للغابن في حدوثها أصلا، أو كان فعل الغابن معدا لها، فإذا فسخ المغبون فليس للغابن شئ بإزائها، لأنها وإن حدثت في ملكه وكان هو مالكها قبل الفسخ، إلا أن منشأ ملكيته لها هو التبعية للعين، فإذا انتقلت العين عنه إلى المغبون تصير تابعة لملك المغبون. وأما لو كانت الزيادة بفعل من الغابن فيصير شريكا مع المغبون، فإن كون الزيادة أثرا لفعله يوجب أن يملكها العامل، ولا ينافي تبعية العمل للعين في الملكية ملكيته الاستقلالية عند خروج العين عن ملكه، فإن هذا العمل له جهتان: جهة منسوبة إلى الفاعل من حيث صدوره عنه، وجهة منسوبة إلى المحل من حيث وقوعه فيه. وجهة الوقوع متأخر رتبة عن جهة الصدور، فيلاحظ في المقام ملكيته من حيث الصدور، فإذا ملكه مستقلا فانتقال العين عنه لا يوجب انتقال هذا الملك منه، فلو لم ينتقل يصير شريكا مع المغبون في المالية لا في العين، فيقوم الثوب مثلا مع القصارة وبدونها ويكون التفاوت بين القيمتين ملكا للغابن. ومن هذا البيان ظهر وجه فرق الأساطين في وجوب تسليم العين الذي عمل فيها المؤجر عملا وعدم وجوبه بين الموارد، فإن المورد الذي له حبس العين هو ما كان العمل ملكا له مستقلا، فكأن المؤجر يبدل عمله بالاجرة، فله حبس عمله

[ 149 ]

حتى يأخذ ثمنه، ولما لم يمكن حبسه إلا بحبس العين فلا يجب عليه تسليمها. والمورد الذي ليس له الحبس ما لم يكن عمله علة تامة لترتب الأثر - كسقي الدابة وعلفها - فليس له الاجرة إلا بعد تسليم العين، لأن المؤجر لا يستحق الاجرة إلا بعد العمل. والمفروض أن عمله ليس موجبا لأن يملك أثره، لعدم كونه علة لتحقق الأثر، فليس له إلا اجرة العمل. هذا كله في الزيادة الحكمية. وأما الزيادة العينية المحضة - كالغرس - فتنقيح البحث فيه يتوقف على بيان أقسام الغرس إجمالا. فنقول: إذا اختلف وتعدد مالك الأرض ومالك الشجر، فتارة يكون تعددهما ابتدائيا، واخرى عارضيا. فالأول كما إذا غرس من استعار الأرض، أو استأجرها إعارة، أو إجارة مطلقة: أو لخصوص الغرس، أو غرس غاصب في أرض الغير، وغرس فيها الجاهل بفساد المغارسة المعمولة في بعض البلدان، وهي أن يغرس في أرض الغير بأن يشتركا في الغرس والأرض. والثاني كمن باع الشجر دون الأرض، أو بالعكس، أو باع الأرض من زيد والشجر من عمرو، أو باع الأرض من زيد فغرس زيد فيها ثم أخذ الأرض منه بالشفعة. وهذا على أقسام ستة غير التعدد بالبيع، قسمين منها تعدد المالك نشأ من جهة الحق الثابت قبل الغرس - كحق الخيار وحق الفسخ - وأربعة منها نشأ الحق بعد الغرس، كالتفاسخ والانفساخ والإقالة وخيار التفليس. أما إذا كان المالك متعددا ابتداء فالحق في جميع الصور أن لمالك الأرض قلع الشجر من دون أرش عليه لصاحبه، أما في مورد الغصب فلأنه ليس لعرق ظالم حق، وأما في البيع الفاسد فلأن الغارس وإن لم يقدم على تلف ماله إلا انه مشترك مع الغاصب في عدم ثبوت حق الإبقاء له، لأن مناط جواز القلع عدم ثبوت حق للغارس لا الإثم والإقدام. ومنه يظهر جواز القلع في موارد العارية والإجارة ولو

[ 150 ]

للغرس فإن بعد انقضاء مدة الإجارة أو بعد رجوع المعير لا حق للغارس في بقاء شجره في أرض الغير. وأما إذا طرأ التعدد فلا شبهة أنه لو تعدد المالك بالبيع فليس لمالك الأرض القلع ولا الاجرة، لأنه ملكها مشغولة بالشجر، والشجر مناط ماليته وصف الشجرية. فيستحق مالكه بقاءه من دون حق عليه لمالك الأرض، ومن هذا القبيل إرث الزوجة للمثبتات، فإنها تستحق قيمتها بما هي مثبتات وأما لو تعدد بالفسخ أو بالشفعة أو بسائر الأسباب من الانفساخ أو التفاسح أو الإقالة أو خيار التفليس، فقد يقال: في جميع هذه الأقسام الستة بعدم جواز قلعه لمالك الأرض مطلقا. وقد يقال بجواز قلعه مع الأرش في جميع الصور أو بجوازه بلا أرش. وقد يفصل بين الفسخ والشفعة وبين سائر الأسباب فيجوز القلع فيهما لا في غيرهما، ومنشأ التفصيل توهم أن الملك في مورد الشفعة والخيار متزلزل، وحق ذي الخيار والشريك متعلق بالأرض قبل الغرس فيجوز لذي الحق قلع الشجر إذا رجع إليه الأرض. ولكن الحق أن الملكية في جميع الموارد غير متزلزل، وجواز الرجوع حكم شرعي، فالأرض لا يتعلق بها الحق في جميع الموارد. ومنشأ جواز القلع مطلقا ان الفسخ أو الانفساخ وما بحكمهما يقتضي رجوع العين على ما هو عليه قبل الغرس. والغرس لو كان موجبا لتلف وصف من الأوصاف حقيقة لكان ضمانه على من تلف الوصف عنده كما لو صارت العين معيبة لا يمكن زوال عيبها، وأما لو لم يوجب تلف الوصف حقيقة لإمكان قلعه فلا وجه لأن يكون باقيا حتى يكون على الغارس اجرة المثل. ومن هذا البيان ظهر وجه جواز القلع مع الأرش على القالع، أما جوازه فلما تقدم، وأما الأرش فللضرر الوارد على مالك الشجر من دون إقدام منه عليه. وبعبارة اخرى: غرسه عمل محترم فلا يمكن ازالته من دون أرش. ومنشأ عدم جواز القلع مطلقا أن الغرس وقع من أهله في محله، فالغارس مالك للغرس بوصف الشجرية.

[ 151 ]

غاية الأمر أن غرسه موجب لتفويت منفعة الأرض على مالكها، فله أرش نقص هذه المنفعة الفائتة. وبالجملة: الغارس استوفى منفعة الأرض ما دام غرسه باقيا فيجب عليه بعد الفسخ أو الانفساخ تدارك ما استوفاه باجرة المثل أو قيمة النقص. ولا يبعد أن يكون هذا القول هو المشهور بين العلماء. ولكنه يرد عليه ان هذا التقريب دور واضح، لأن استحقاق مالك الغرس للبقاء يتوقف على استيفائه منفعة الأرض حتى يكون باستيفائه متلفا منفعة الأرض، وكونه مستوفيا متوقف على عدم جواز قلع مالك الأرض. وأما لو جاز فلم يستوف إلا قبل زمان الفسخ أو الانفساخ، وعدم جوازه يتوقف على استحقاق مالك الغرس للإبقاء. وبالجملة: كما أن مالك الشجر مالك له بوصف الشجرية فكذلك مالك الأرض مالك لجميع منافعها، فتقديم حق أحدهما من دون مرجح ممتنع. إلا أن يقال بالفرق بين الفسخ وما بحكمه وبين الانفساخ وما بحكمه، وهو أن الملك في الأول وإن كان تاما والحق لم يتعلق إلا بالعقد، إلا أن كونه في معرض الزوال يوجب الشك في بقاء احترامه بعد الفسخ، فيجب أن يثبت الاحترام للغرس بعد الفسخ حتى لا يمكن لمالك الأرض قلعه، وإثبات احترامه بعده دوري، وهذا بخلافه في الثاني، فلأنه ليس في معرض الزوال أصلا إلا إذا وقع التفاسخ أو الإقالة على خلاف العادة، فيكفي في ثبوت حق الغارس كون ملكه من حيث السبب والمسبب تاما، فغرسه محترم، لأنه وقع من أهله في محله، فيكون كسائر تصرفاته مثل إجارته وهبته. فإذا كان حين الغرس محترما فيوجب أن يكون القلع ممتنعا شرعا، فيصير كالتلف الخارجي. نعم على الغارس اجرة المثل ما دام شجره باقيا، وعليه ضمان النقص في الملكية أيضا لو كان الغرس موجبا له ولو مع ثبوت الاجرة، فإنها قد لا يتدارك بها النقص الحاصل في المبيع، فإن الأرض المستأجرة مدة مديدة لا يرغب في

[ 152 ]

شرائها ولو أعطى الاجرة للمشتري، لأن نفس كون الأرض في يد المالك بحيث يتصرف فيها ما يشاء له مالية لا تتدارك باجرة الأرض. وعدم تعرض الأساطين لأرش النقص وذكر اجرة المثل وحدها إنما هو لإيكال الأمر إلى محله، وهو ضمان الصفات التي بها تتفاوت المالية. وبالجملة: ولو قلنا باستحقاق مالك الغرس للإبقاء إلا أنه مع ذلك يجب عليه اجرة المثل في ما بعد الانفساخ، لأن عدم جواز القلع لمالك الأرض تكليفي لا ينافي ثبوت الاجرة له، كما في جواز أكل مال الناس في المخمصة، فإنه لا ينافي الضمان، فالضمان يجتمع مع حق البقاء. ثم إنه قد ظهر أن وجه ثبوت حق البقاء له هو حرمة المال، لا الضرر الوارد عليه، لأن الضرر عليه معارض بضرر المالك. ولا يقاس بالضرر الوارد على الجار من جهة تصرف صاحب الدار في أن ضرر صاحب الدار لا يرتفع بقاعدة لا ضرر، لأن الضرر عليه نشأ من قاعدة لا ضرر في حق الجار. فقصر السلطنة الناشئة عن لا ضرر إذا كان ضرريا لا يرتفع بلا ضرر، لأن الموضوع المتولد من الحكم على موضوع لا يشمله هذا الحكم، وهذا بخلاف المقام، فإن كل واحد من ضرر مالك الأرض وضرر صاحب الغرس في عرض واحد، فلا يمكن أن يكون أحدهما مرفوعا بلا ضرر دون الآخر. ثم إنه بناء على أن يكون جواز القلع دائرا مدار الضرر فوجه فتوى المشهور " بأن الزرع ليس حكمه حكم الشجر في جواز قلعه لمالك الأرض " ظاهر، لا لما قيل: من أن للزرع أمدا ينتظر، فإن مجرد ذلك لا يوجب الفرق، بل لأن بقاء الزرع إلى زمان الحصاد ليس ضررا على مالك الأرض، فإن الأرض معدة في طبعها للزراعة واستيفاء منفعتها. فإذا أمكن استيفاؤها بأخذ الاجرة من مالك الزرع لم يتوجه ضرر على مالك الأرض، حتى يتعارض الضرران. وهذا بخلاف بقاء الأرض مشغولة بالشجر مدة مديدة، فإنه ضرر على مالكها ولو استوفى اجرة الأرض. ولذا لو أعطى غاصب الدار اجرتها أزيد مما يعطيه غيره لكان نفس عدم تسلط المالك على داره ضررا عليه.

[ 153 ]

وبالجملة: فرق بين الزرع والغرس في ورود الضرر على مالك الأرض. نعم، غرس شجر التوت لدود القز حكمه حكم الزرع، فالأولى التفصيل بين موارد الغرس، ثم إنه لا يبعد أن يكون وجه التفصيل بين الغرس والزرع - من أن للزرع أمدا ينتظر - راجعا إلى ما ذكرناه من الفرق بينهما في الضرر وعدمه. قوله (قدس سره): (ولو كان التغيير بالامتزاج.... إلى آخره). لا يخفى أن المزج قد يكون اتفاقيا، وقد يكون بفعل شخص. فإذا كان اتفاقيا فلا ضمان على من كان المال عنده وإن أوجب النقص لو لم تكن يده يد ضمان، وأما إذا كانت يده يد الضمان فحكمه حكم المزج عمدا. وأما لو كان بفعل شخص فالنقص عليه لو كانت يده يد الضمان - كالغاصب، ومن بحكمه كما في مورد المعاملة الفاسدة أو المعاملة الصحيحة بعد القبض - لما تقدم سابقا أن كل نقص حصل في يد من عليه الخيار ومن بحكمه ممن يكون ضامنا للمقبوض فضمانه على ذي اليد. ثم إن المزج إما أن يكون بغير الجنس أو بالجنس، والممزوج بغير الجنس قد يعد تالفا عرفا - كمزج ماء الورد بالنفط - وحكمه هو الرجوع إلى المثل أو القيمة، وقد لا يكون تالفا وهو على أقسام، لأنه إما يوجب المزج انقلاب المالين إلى حقيقة اخرى - أي به تتبدل الصورة النوعية للممتزجين إلى صورة اخرى، كما في مزج أجزاء الترياق الفاروق، ومزج الخل بالأنجبين على قول - وإما لا يوجب الانقلاب وهو على قسمين: قسم يرتفع الامتياز بينهما كمزج الخل بالدبس، وقسم لا يرتفع الامتياز، إلا أنه يتعذر أو يتعسر الإفراز بينهما، كمزج الحنطة بالشعير. وحكم الصورة الاولى هو الاشتراك في المالية كما هو مقتضى القاعدة في كل مال اختلط مع الآخر اختلاطا يرفع التمييز، لأن الخصوصية العينية الشخصية لكل من المالين إذا ارتفعت لا يمكن أن يتعلق بهما حكم تكليفا كان أو وضعا، فيتعلق الوضع بأصل المالية، فيشتركان في العين بحسب المالية، أي يقوم الخل منفردا والأنجبين منفردا ويؤخذ لكل من المالكين قيمة الممزوج بالنسبة من نفس العين.

[ 154 ]

فإذا كان قيمة من من الأنجبين دينارا وقيمة منين من الخل دينارا واختلطا وصارت القيمة ثلاثة دنانير فليس الاشتراك هنا أولا في العين بأن يأخذ صاحب الأنجبين منا من المخلوط وصاحب الخل منين، لأن بالخلط تصير قيمة الأنجبين ناقصة وقيمة الخل زائدة، فلابد من أن يشتركا في المالية بأن يأخذ صاحب الأنجبين منا ونصفا وصاحب الخل أيضا كذلك، لأن هذا نسبة قيمة مالهما إلى المجموع، ولا يتوقف التقسيم والإفراز هنا على البيع، كما في قصارة الثوب، لأنه لا يمكن فيها تقسيم الثوب. وأما حكم الصورة الثانية والثالثة فسيجئ. وعلى أي حال المزج في الصور الثلاث لا يوجب سقوط حق الخيار، ولا الرجوع إلى المثل أو القيمة. نعم، لو كان الخيار متوقفا على بقاء العين بعينها سقط من هذه الجهة كخيار التفليس والعيب، كما أنه لو كان الجواز الحكمي أيضا متوقفا على البقاء - كما في الهبة - لا يجوز الرجوع عند الخلط. وأما لو امتزج بالجنس ففي صورة تساوي الجنسين لا شبهة في الاشتراك في المقدار. إنما الكلام في المزج بغير الجنس في الصورتين الأخيرتين، والمزج بالجنس في صورة الخلط بالأردأ والأجود. وتنقيح البحث في جميع صور الامتزاج يتوقف على بيان أمرين: الأول: أن الامتزاج في المائعات يوجب الاشتراك بمقتضى القاعدة الأولية، لما عرفت من أن التالف لا يتعلق به تكليف أو وضع، سواء حصل التلف قهرا أو بالاختيار عدوانا أو بحق. والمفروض أن الامتزاج موجب لتلف الخصوصية الشخصية من كل مال في جميع الصور، فكما لا يمكن أن يتعلق تكليف بإفراز المالين فكذلك الوضع، فمع تلف الشخصية لا يمكن أن يكون مالك المال قبل الامتزاج مالكا لشخص ماله بعد الامتزاج، فيوجب التلف الإشاعة قهرا عكس القسمة. الثاني: أن للاشتراك مراتب ثلاثة، لا تصل النوبة إلى المرتبة اللاحقة إلا بعد تعذر السابقة.

[ 155 ]

الاولى: الاشتراك في الممتزج بنسبة المالين في المقدار، لأنه لو أمكن أخذ كل مالك من عين الممزوج بمقدار حقه قبل المزج فهو المتعين. وهذا في مزج الجنس بالجنس مع تساويهما في الصفات واضح، فإن الفائت ليس إلا الخصوصية الشخصية دون أصل المال ووصفه وماليته، فيأخذ كل منهما بمقدار حقه من العين. الثانية: الشركة في العين بمقدار المالية لا بمقدار الوزن، وهذا كما في مزج الخل بالعسل، لأن الفائت هنا شيئان خصوصية المالين وتلف الصورة ولو عرفا، فإن الخل لم يبق بصورته الاولى ولا العسل، فهما شريكان في قيمة الممزوج، ولكن من نفس الممتزج، فإنه لا وجه لشركتهما في الثمن مع أن مادة مالهما موجودة. الثالثة: الشركة في الثمن كما في قصارة الثوب وصبغه، فإنه لا يمكن الاشتراك في الثوب، فيباع ويقسم الثمن بمقدار المال والعمل، أو بمقدار المالين والعمل. إذا عرفت ذلك ظهر أن الحق في المزج بالجنس مطلقا هو الشركة في المقدار. نعم، لو امتزجه الغابن أو الغاصب بالأردأ فعليه أرش النقص، ولا وجه للشركة في المالية، لأنه إذا أمكن الشركة في المقدار لا تصل النوبة إلى الشركة في القيمة، فإن امتزاج الحنطة الجيدة بالرديئة لا يوجب إلا فوت الخصوصية الشخصية وتلف وصف الجودة. أما فوت الخصوصية فيوجب الشركة، وأما تلف الجودة فيوجب استحقاق الأرش، فلا وجه لأن يقوم المجموع ويأخذ كل منهما منه بمقدار قيمة ماله مع إمكان أخذ مقدار المال مع الأرش. وليس مزج الجيد بالردئ كمزج العسل بالخل في تلف الصورة حتى يقاس عليه، فإن الصورة باقية هنا عرفا. وأما لو امتزجه بالأجود فلا شئ له، أما الغاصب فظاهر. وأما الغابن فلأنه لم يعمل عملا حتى يشترك في الثمن، وليس على أحد ضمان جودة ماله فلا شئ له، وزيادة صفة في مال المغبون رزق رزقه الله تعالى. ثم لا يخفى ما في عبارة المصنف من اختصاص إشكال الربا في الخلط

[ 156 ]

بالأجود، مع أنه لو لزم الربا للزم في الصورتين، لأنه لا فرق بين أن يأخذ الغابن أزيد من مقدار ماله أو المغبون، ولكنه لا يلزم في المقام من أصله، وأنه يجري في المعاوضات وتوابعها وفي الضمانات. وفي المقام إذا اقتضى مزج المالين ذهاب المقدار كما في تبدل الصورة بصورة اخرى تصير العين مشتركة بينهما بحسب المالية وهذا ليس تبديلا حتى يلزم الربا (1). قوله (قدس سره): (بقي الكلام في حكم تلف العوضين.... إلى آخره). لا يخفى أنه ينبغي أن يذكر حكم التلف في أحكام الخيار، وإنما ذكره في المقام لمزيد اختصاص به، وهو أنه قد ادعى الشهرة بل الإجماع على أن تصرف المشتري المغبون قبل العلم بالغبن مسقط لخياره. فقد يتوهم أنه لو كان التصرف مسقطا لكان التلف أولى. فذكروا حكم التلف في المقام لدفع هذا التوهم، وهو أنه لو قلنا بسقوط الخيار بالتصرف فلا يلزمنا القول بسقوطه بالتلف، إلا أن يكون ما علل به في التذكرة للسقوط بالتصرف " وهو عدم إمكان استدراكه مع الخروج عن الملك " هو بنفسه موردا للإجماع، أو يكون مفاد دليل معتبر. والمفروض أنه لا هذا ولا ذاك فلا وجه للسقوط بالتلف، مع أنه قد عرفت أن أصل سقوطه بالتصرف ليس إجماعيا. ثم إنه لا يخفى عدم الفرق بين تلف مال من عليه الخيار وتلف مال من له الخيار، فإن حكم التلف في جميع الصور واحد سواء تلف مال الغابن أو المغبون، كان قبل الفسخ أو بعده، فلا وجه للبحث فيما وصل إلى كل منهما مستقلا. نعم، في خصوص الفسخ قبل التلف فرق العلامة فيما وصل إلى من عليه الخيار، فقال: لو فسخ ذو الخيار وتلف ما وصل إلى من عليه الخيار ليس عليه ضمان، فإن العين في يده أمانة، وأما لو تلف ما وصل إلى من له الخيار بعد الفسخ فيده يد ضمان.


(1) لا يخفى أن الاشتراك بنحو الاشاعة لا يمكن إلا أن يتبدل المفروز بالمشاع. وهذا عبارة اخرى عن المبادلة بين المالين. منه عفي عنه.

[ 157 ]

ولكن أورد عليه شراح هذه العبارة وقالوا بعدم الفرق بين الصورتين وأن يد كل منهما يد ضمان، ومجرد كون الفسخ ناشئا من قبل من له الخيار لا يوجب أن يكون يد من عليه الخيار يد أمانة. فإذا لم يكن فرق بين الصور أصلا فنقول في محل البحث - وهو التلف قبل الفسخ - إن التلف إما أن يكون بآفة سماوية أو بالإتلاف، والمتلف إما من كان المال بيده أو طرفه أو الأجنبي. فإذا كان التلف بآفة أو بإتلاف من كان المال بيده فبالفسخ ينحل العقد ويرجع كل من المالين إلى صاحبه، فلو كان الثمن موجودا عند البائع الغابن وتلف المبيع عند المشتري المغبون بآفة أو بإتلافه يرجع المغبون إلى عين ثمنه، ويضمن قيمة التالف للبائع. ثم إن المدار في القيمة هل على قيمة يوم التلف أو يوم الفسخ أو يوم الأداء أو أعلى القيم؟ وجوه، والأقوى هو الثالث، لأن منشأ القول بأعلى القيم في غير المورد، هو أن تفاوت القيمة السوقية كتلف الأوصاف مضمون على القابض. وفي المقام نفس الأوصاف الحاصلة بين القبض والفسخ ليس ضمانها على الفاسخ فضلا عن ارتفاع القيمة، فإن سمن الدابة المهزولة حين العقد غير مضمون على الفاسخ، فإن ما اخترناه من ضمان الأوصاف هو الأوصاف الموجودة حال العقد التالفة حين الفسخ، لا كل صفة تالفة ولو لم تكن موجودة حال العقد، فيدور الأمر بين الأقوال الثلاثة. والقول بيوم القبض في غير هذا المورد ينطبق على القول بيوم الفسخ في المقام، لأنه يوم يصير المال في عهدة من كان مالكا له قبل الفسخ، وحيث قلنا - في باب الغصب والعقد الفاسد - إن صحيحة أبي ولاد لا تدل على اعتبار يوم الغصب ولا تقتضي القواعد العامة أيضا الانتقال إلى القيمة يوم الغصب فالقول بيوم الفسخ لا وجه له، لأنه وإن كان يوم رد كل مال إلى صاحبه، إلا أن المال لما صار بسبب القبض مضمونا بضمان اليد فمقتضى الضمان أنه لو طرأ الفسخ وكان المال تالفا يجب رده بماليته. وأما رد قيمته يوم الفسخ فلا دليل عليه. فيدور الأمر بين يوم التلف أو يوم الأداء، ومنشأ الوجهين هو ما تقدم في ضمان اليد: من أن التلف هل يقتضي أن تتقدر مالية المال في ذاك اليوم أو لا يقتضي ذلك

[ 158 ]

بل يبقى ماليته في ذمة المتلف أو من تلف عنده إلى يوم الأداء؟ والمختار هو الأخير. وكيف كان فلا يحتمل الضمان في الفسخ بعد التلف إلا قيمة يوم التلف أو يوم الأداء لا سائر الاحتمالات. ثم لا يخفى أنه لو قيل بأن المدار على قيمة يوم التلف فلا وجه لصحة المصالحة على العين التالفة، لأنه لو لم يكن للعين اعتبار البقاء ولو بحسب المالية فلا يصح الصلح إلا على قيمتها، فلو صح على نفس العين يجب أن يكون المدار على يوم الأداء. فالجمع بين جواز الصلح والقول بيوم التلف غير ممكن كما انه لو قيل بأن المدار على يوم التلف فينبغي عدم الفرق بين الإنفساخ والفسخ. فما يظهر من الدروس ومن تبعه: من أنه لو اشترى عينا بعين فقبض إحداهما دون الاخرى فباع المقبوض ثم تلف غير المقبوض أن البيع الأول ينفسخ بتلف متعلقه قبل القبض دون الثاني فيغرم البائع الثاني قيمة ما باعه يوم تلف غير المقبوض لا وجه له، لأن غرامة البائع الثاني - الذي هو المشتري - قيمة ما باعه يوم تلف غير المقبوض ينطبق على القول بأن المدار على يوم الفسخ، وإلا لكان على البائع الثاني قيمة يوم البيع الصادر منه مع المشتري الثاني، فإنه يوم تلف المبيع. وبالجملة: قد ذكرنا مرارا أن مقتضى الضمان المعاوضي كون البائع ضامنا للمبيع والمشتري للثمن قبل القبض، فإذا تلف أحدهما حينئذ يرجع الباقي إلى مالكه الأول، لانفساخ المعاملة بسبب التلف قبل القبض. ثم إذا وقع التقابض يتبدل ضمان البائع للمبيع بضمانه للثمن وضمان المشتري للثمن بضمانه للمبيع وينتقل الضمان المعاوضي بضمان اليد، أي إذا تلف المبيع - مثلا - ثم طرأ الفسخ أو الانفساخ أو الإقالة يرد المشتري إلى البائع قيمة المبيع ويأخذ ثمنه الذي كان بدلا عن المبيع. وإذا تلف كل منهما فيأخذ كل منهما قيمة ماله الذي انتقل إلى الآخر، ففي هذا المثال حيث تلف المبيع أولا لانتقاله إلى الغير

[ 159 ]

ثم طرأ الانفساخ من جهة تلف الثمن الغير المقبوض فالانفساخ يقتضي رجوع كل مال إلى صاحبه الأصلي. وإذا كان كل منهما تالفا أحدهما قبل القبض والآخر بعده فالقاعدة تقتضي في تلف المقبوض الرجوع إلى قيمته يوم التلف بناء على ما اختاروه، ويوم تلف المبيع هو قبل الانفساخ - أي يوم البيع - وفي تلف الثمن حيث إنه قبل القبض يقتضي رجوع المبيع إلى مالكه الأصلي. ولما لم يمكن الرجوع بعينه فيرجع بماليته إما متقدرة أو غير متقدرة، ولا وجه لرجوع قيمته يوم الانفساخ. والفرق بين الفسخ والانفساخ لا وجه له. هذا كله حكم التلف أو الإتلاف من المنتقل إليه. وظهر أنه لا فرق بين تلف ما عند الغابن أو المغبون، فحكم تلف ما عند الغابن بتلف سماوي أو بإتلافه حكم التلف عند المغبون. بقي الكلام في إتلاف كل واحد ما عند الآخر وإتلاف الأجنبي، فلو أتلف الغابن ما عند المغبون فلو لم ينفسخ يأخذ قيمة ماله يوم الإتلاف، وإذا فسخ يأخذ ثمنه، ثم يرد عليه قيمة التالف يوم التلف أو يوم الفسخ أو يوم الأداء ويأخذ منه قيمة التالف يوم الإتلاف، بناء على أن الإتلاف يقتضي اشتغال ذمة المتلف بقيمة ذلك اليوم. فقد يختلف القيمة التي يردها والتي يأخذها. ولو أتلف المغبون ما عند الغابن ثم فسخ يأخذ المغبون قيمة ماله على أحد الوجوه المتقدمة، ولكن يأخذ الغابن من المغبون قيمة يوم الإتلاف، زادت على القيمة التي قيل بها في التلف أو نقصت. وبالجملة: كل مورد وقع تلف أو إتلاف في أحد العوضين دون الآخر فالباقي يرد إلى صاحبه الأصلي بالفسخ أو الانفساخ، وإنما الكلام في التالف في أنه يؤخذ قيمته يوم التلف أو يوم الفسخ أو يوم الأداء، فإذا قلنا بأن الإتلاف يقتضي قيمة التالف يوم الإتلاف، والفسخ يقتضي قيمة التالف يوم الفسخ أو الأداء، فإذا كان قيمة يوم الإتلاف مغايرا لقيمة يوم الفسخ أو الأداء يختلف ما يأخذه الفاسخ مع ما يأخذه المفسوخ عليه. وأما لو كان موافقا فيصير تهاترا قهريا.

[ 160 ]

ولو أتلف الأجنبي، فلو أخذ منه صاحب المال قبل الفسخ قيمة التالف يتعين رجوع الفاسخ إلى المفسوخ عليه وكذا العكس. وأما لو لم يأخذها ففسخ ذو الخيار فلا يتعين على كل منهما الرجوع إلى طرفه، بل يتخير بين الرجوع إلى الطرف والرجوع إلى المتلف، كما هو مقتضى ضمان شخصين لمال واحد على التعاقب. نعم، بناء على الاعتبار بيوم الفسخ يتعين الرجوع إلى الطرف، لأن المال وإن كان في ذمة المتلف أيضا إلا أنه قد أتلف ما ليس للفاسخ قبل الفسخ فهو ضامن لمالكه الفعلي، والمالك الأصلي يطلب مصداق ماليته يوم الفسخ. ومن يشتغل ذمته بمصداق هذا اليوم هو الطرف، لا المتلف، فإنه إنما يضمن لعين المال أو قيمته يوم التلف أو يوم الأداء. وعلى أي حال لا وجه لتعين الرجوع إلى المتلف حتى بناء على اشتغال ذمته بالعين أو بماليتها الغير المتقدرة، لأن المال وإن كان قبل الفسخ ملكا لمن انتقل إليه وبعد الفسخ ملكا لمن انتقل عنه إلا أن مقتضى ضمان الطرف جواز رجوع من انتقل عنه التالف إلى الطرف أيضا، كما في تعاقب الأيدي. ثم إنه لا يخفى أن الإبراء بمنزلة القبض، كما في إبراء الزوجة قبل الدخول مهرها، فلو أتلف الغابن مثلا مال المغبون فأبرأه المغبون ثم فسخ يأخذ ثمنه من الغابن ويرد عليه قيمة ما أبرأه من دون أخذ قيمة التالف، وذلك واضح. قوله (قدس سره): (الظاهر ثبوت خيار الغبن في كل معاوضة مالية.... إلى آخره). لا يخفى أنه لو كان مدرك ثبوت خيار الغبن هو الإجماع لكان اللازم هو الاقتصار على مورده. وأما لو كان هو الشرط الضمني أو نفي الضرر فيجري في كل معاوضة كان بناؤها نوعا على الدقة وعدم المغابنة. ولما اخترنا أن مدركه الشرط الضمني فيتعدى إلى المعاوضات التي مبناها على الدقة، فينبغي بيان بناء المعاوضات طرا. فنقول: منها ما يقتضي البناء النوعي

[ 161 ]

فيه على تساوي المالين، وهو البيع والإجارة والصلح القائم مقامهما، كصلح ما في ذمة شخص بعوض معين. ومنها: عكس ذلك كالصلح الواقع في مقام رفع الخصومة وكالصلح الواقع في مقام إبراء ما في ذمة المصالح له، فإن بناء هذين العقدين نوعا على التسالم والتجاوز عن الحق كائنا ما كان. ومنها: ما لا يقتضي هذا ولا ذاك فيتبع اشتراط شخص العاقد في شخص المعاملة كالجعالة ونحوها. فلو كانت المعاوضة من القسم الأول يجري فيها خيار الغبن، إلا إذا بنى أحد المتعاقدين أو كلاهما على المعاوضة بالغا ما بلغ، فإن مع الإقدام يسقط شرط التساوي ويقدم البناء الشخصي على النوعي. ولو كانت من القسم الثاني لا يجري فيها، لأنه لا اشتراط ولا في رفعه منة. بل يمكن أن يقال: ليس الصلح في مقام رفع الخصومة ولا في مقام الإبراء من المعاوضات، ولذا لا يعتبر فيهما ثبوت حق أصلا. ولو كانت من القسم الثالث فيدور ثبوت الخيار فيه مدار الاشتراط، ويتبع حكم كل معاملة شخص تلك المعاملة. فظهر مما ذكرنا أن التفصيل الذي ذكره عن بعض هو الحق، فإنه لو لم يكن لخصوص معاوضة بناء نوعي يدور ثبوت الخيار فيه مدار الشرط ومع البناء على التسامح لا يجري الخيار، بل قد عرفت أن البناء الشخصي مقدم على البناء النوعي. قوله (قدس سره): (مسألة: اختلف أصحابنا في كون هذا الخيار على الفور أو التراخي.... إلى آخره). لا يخفى أن هذا الاختلاف يجري في كل عقد خياري لم يكن لمدة الخيار تحديد من الشرع، كخيار الرؤية والعيب ونحو ذلك. ومنشأ القول بالفورية هو الرجوع في زمان الشك إلى عموم أوفوا بالعقود، وبالتراخي إلى الاستصحاب.

[ 162 ]

والمصنف (قدس سره) قد ناقش في كليهما، أما الاستصحاب فللشك في موضوعه. ولا يرد عليه أن الموضوع في باب الاستصحاب يؤخذ من العرف فلا وجه للشك فيه، لأن ما يرجع فيه إلى العرف هو حيثية بقاء المستصحب لا حيثية ثبوته، بمعنى أنه لو أحرز الموضوع أولا ثم شك في ارتفاع الحكم عنه لاحتمال مدخلية القيد الزائل في علية ثبوت الحكم مع حكم العرف باتحاد الموضوع في زمان الشك مع الموضوع في زمان المتيقن لعده التبدلات من حالات الموضوع لا من قيوده يجري الاستصحاب. وأما لو لم يحرز الموضوع أولا بل ثبت الحكم في العنب - مثلا - وشك في مدخلية العنبية في موضوع الحكم فلا يمكن إجراء الحكم في الزبيب. وبالجملة: إذا احرز بمناسبة الحكم والموضوع أن الموضوع هو ذات الشئ وشك في علية الوصف للحكم حدوثا أو حدوثا وبقاء فهنا محل الاستصحاب. وأما لو لم يحرز أن الموضوع ذات الشئ أو احرز عدمه وأن الوصف هو تمام الموضوع كالفقر لاستحقاق الزكاة فلا يمكن إجراء الاستصحاب. ومما ذكرنا ظهر ما في كلام الرياض (قدس سره) من التفصيل بين ما إذا كان مدرك الخيار هو الإجماع فيجري الاستصحاب، وما كان مدركه قاعدة الضرر فلا يجري (1). وذلك لأنه لو سلم اتحاد الموضوع في القضية المتيقنة والمشكوكة يجري الاستصحاب، سواء كان دليل المستصحب الإجماع أو قاعدة الضرر، ولأن فائدة الاستصحاب إجراء الحكم الثابت سابقا الساكت عن زمان الشك في مورد الشك. ولو ناقش في الموضوع لا يجري الاستصحاب، كان دليل المستصحب هو الإجماع أو قاعدة الضرر. فالأولى أن يقال: إن الموضوع في المقام غير محرز لا لما أفاده المصنف (قدس سره): من أن الموضوع هو من لم يتمكن من تدارك ضرره بالفسخ، بل لوجه أمتن وأدق،


(1) الرياض 8: 191.

[ 163 ]

وهو أنه فرق بين أن يدل دليل على ان الخيار ثابت للمتضرر وبين أن ينفي اللزوم لحكومة لا ضرر على الحكم الذي ينشأ منه الضرر. فلو كان من قبيل الأول يمكن أن يقال: إن الموضوع هو الشخص المتضرر لا الوصف العنواني، والشخص باق كما في الخيار الثابت للبيع ولصاحب الحيوان ولذا يستصحب. وأما لو كان من قبيل الثاني فلا معنى للاستصحاب، لعدم تحقق أركانه أصلا، لأنه لم يثبت الخيار لشخص المغبون حتى يستصحب الخيار له. بل إنما دل لا ضرر على أن الحكم الضرري منفي، ففي مورد لم يكن الحكم ضرريا فلا حكومة. فالقضية المتيقنة غير المشكوكة بأسرها موضوعا ومحمولا ونسبة، لأن من يتمكن من إعمال الخيار ولو آنا ما فاللزوم ليس ضرريا عليه أصلا. هذا كله في التمسك بالاستصحاب. وأما الرجوع إلى العموم في زمان الشك فتنقيح ما فيه يتوقف على ترتيب امور: الأول: أن الزمان بحسب طبعه الأصلي ظرف للأمر الواقع فيه، وكونه قيدا له يحتاج إلى عناية ومؤنة زائدة. ومنشأ جريان الاستصحاب في الزمانيات هو كون الزمان ظرفا، وإلا يكون من إسراء الحكم من موضوع إلى موضوع آخر. الثاني: أن الزمان قد يكون ظرفا لمتعلق الحكم، وقد يكون ظرفا لنفس الحكم له، قد يقع الزمان تحت دائرة الحكم ويرد الحكم على الزمان كما يرد على الأفراد كما إذا كان إكرام كل عالم في كل زمان واجبا، وقد يقع الحكم تحت الزمان ويرد الزمان على الحكم فيكون الزمان ظرفا لوجوب الإكرام. الثالث: أنه لو كان الزمان ظرفا للمتعلق يمكن استفادة العموم الزماني من الدليل الدال على وجوب المتعلق. وأما لو كان الزمان ظرفا للحكم فلا يمكن استفادته من نفس دليل الحكم، لأن الحكم لا يمكن أن يتعرض لبقاء نفسه. فلابد في ثبوته من التمسك بدليل الحكمة أو دليل آخر، كقوله (عليه السلام): حلال محمد (صلى الله عليه وآله) حلال إلى يوم القيامة، وحرامه حرام إلى يوم القيامة.

[ 164 ]

الرابع: أن ما ذكرناه في الأمر الأول من أن الزمان بمقتضى طبعه الأولي يكون ظرفا وكونه قيدا يحتاج إلى مؤنة زائدة إنما هو بالنسبة إلى الحكم الثابت في الأزمنة المتعددة المتكثرة، فإن الحكم الثابت في زمان إذا كان الزمان قيدا له لا يمكن استصحابه في زمان آخر. وأما متعلق الحكم فلا يجري فيه هذان اللحاظان، لأنه أمر وحداني في جميع الأزمنة ولا يمكن فيه التكثر بلحاظ الأزمنة، لأن المتعلق في زمان ينظر العرف عين المتعلق في زمان آخر. فإذا وجب الجلوس من الزوال إلى الغروب في كل آن وشك في آن أنه من بعد الغروب أو من قبله لا يمكن استصحاب الحكم، وأما لو شك في بقاء الجلوس وارتفاعه أو شك في أنه جلوس نهاري أو ليلي فلا مانع من استصحابه. الخامس: أن العموم على قسمين: مجموعي، واستغراقي، والمراد من المجموعي ما كان الحكم الوارد على الأفراد المتعددة والأزمنة المتكثرة ملحوظا على وجه الارتباطية بين الأفراد أو الأزمان فيكون كل فرد أو كل زمان جزء من الكل، والمراد من الاستغراقي ما كان كل فرد جزئيا. ولا فرق بين الزمان وغيره في صحة انقسامهما إلى المجموعي والاستغراقي وصحة تخصيص كل منهما. وإن التخصيص لا يضر بالمجموعية كما لا يضر بالاستغراقية، لأنه كما يوجب خروج فرد من الاستغراقي كذلك يوجب خروج جزء من المجموعي. وكما أنه إذا خرج فرد عن العموم الاستغراقي يجب امتثال الحكم في سائر الأفراد، فكذلك إذا خرج جزء عن المركب يقع الارتباطية في باقي الأجزاء. ثم إنه كما إذا شك في التخصيص في الاستغراقي يتمسك بالعموم، فكذلك إذا شك في خروج بعض الأجزاء من المجموعي يتمسك بالعموم. وكيف كان، فلا يخفى أنه ليس الارتباطي غير المجموعي، ولا ينقسم العموم إلى أزيد من القسمين. إذا عرفت ذلك ظهر أنه لو كان الزمان ظرفا للمتعلق لكان استفادة العموم

[ 165 ]

الزماني من الدليل الدال على وجوب المتعلق في مقام اللفظ بمكان من الإمكان، فيصح أن يقال: أكرم العلماء دائما، أو في كل زمان، أو مستمرا، وغير ذلك من الألفاظ. وأما إذا لم يكن ظرفا للمتعلق فلا يمكن استفادة العموم واستمرار الحكم إلا من دليل خارجي من حكمة وغيرها، وهذا لا إشكال فيه. إنما الكلام في تمييز الموارد التي يكون الزمان ظرفا للحكم عن غيرها، فنقول: جميع الأحكام الوضعية لابد من أن يكون الزمان فيها ظرفا للحكم - كقوله هذا نجس، وهذا طاهر، وهذا ملك زيد، والعقد لازم، وهكذا - لعدم ثبوت متعلق فيها حتى يردد بين كون الزمان ظرفا له أو للحكم، بل هناك حكم وموضوع، فيجب أن يكون الزمان ظرفا للحكم. فإن قلت: هذا لو قيل بتأصلية الأحكام الوضعية، وأما لو قيل بانتزاعيتها من الأحكام التكليفية فلا محالة كل حكم تكليفي له متعلق، فيمكن أن يكون الزمان ظرفا له لا للحكم. قلت أولا: أنه لا يمكن أن يكون مثل النجاسة والطهارة ولزوم العقد والملكية والزوجية وأمثال هذه الوضعيات منتزعة، لعدم صحة انتزاع النجاسة المترتبة عليها آثار مختلفة - كحرمة شربها، وفساد بيعها، وعدم جواز الصلاة معها - من حكم تكليفي يكون منشأ لانتزاع هذه الأحكام والآثار، لأن قوله: اجتنب عنه، أو لا تشربه، أو غيرهما لا يشمل جميع الآثار الوضعية. وثانيا: أن الحكم التكليفي المنتزع عنه لزوم العقد - كأوفوا بالعقود - ليس له متعلق صادر عن المكلف خارجا، لأن الوفاء ليس من أفعال المكلف حتى يمكن أن يكون دائميا بلحاظ كل آن من الآنات. وحرمة تصرف كل عاقد فيما انتقل عنه ليس من آثار الوفاء ولكون التصرف نقضا له، بل من جهة أن ما انتقل عنه صار مال الغير فيكون تصرفا غصبيا. فهذا الحكم التكليفي لا محالة يرجع إلى أن العقد لازم ولا ينتقض. وليس " أوف بالعقد " ك‍ " أوف بالنذر " حتى يكون وجوب الوفاء به هو العمل به كالعمل بالنذر، وإلا وجب العمل بالعقد بأن يتصرف في ما انتقل إليه.

[ 166 ]

وثالثا: أن الحكم التكليفي المجعول لابد من أن يكون مناسبا للحكم الوضعي، لأن المقصود بالأصالة إذا كان تشريع الوضعي ولم يمكن جعله إلا بجعل منشأ انتزاعه فيجب أن يجعل منشأ الانتزاع على نحو ينتزع عنه الحكم الوضعي. فإذا قيل: يجب الوفاء بالعقد فلابد من إثبات الوجوب في جميع الآنات وبالنسبة إلى كل طار من الفسخ وغيره، وإثبات الوجوب في جميع الآنات لا محالة، إما بدليل خارجي، وإما بدليل الحكمة، وهو لغوية وجوبه في بعض الآنات. فبالأخرة يرجع الزمان إلى الحكم لا إلى المتعلق. وأما إثبات الوفاء بالنسبة إلى كل طار فلا يفيد إلا أن العقد بالفسخ لا ينفسخ، لا أن الوفاء ثابت دائما. وبالجملة: وإن أمكن أخذ الزمان ظرفا للمتعلق فيقال: إن الوفاء في كل آن واجب، إلا أنه لو لم يؤخذ في اللفظ كذلك وعلم من الخارج لغوية تشريع هذا الحكم في بعض الأزمان يقع الزمان فوق دائرة الحكم لا محالة. وأما التكليفيات فالكلام فيها تارة يقع في النواهي، واخرى في الأوامر. أما النواهي فيمكن ثبوتا كلا القسمين فيها، بأن تكون حرمة الخمر - مثلا - دائمية في جميع الأزمنة، أو يكون الشرب محرما دائما. فإذا كان الزمان ظرفا للحكم لا يمكن تشريع الاستمرار ثبوتا بتشريع الحكم، ولا استفادته إثباتا من دليل الحكم، لأن الحكم بمنزلة الموضوع للدوام والاستمرار، فلابد من تشريعه أولا ثم جعله دائميا، وهكذا في مقام الإثبات لابد من استفادة الاستمرار من غير دليل الحكم كدليل الحكمة ونحوه. وإذا كان ظرفا للمتعلق فيمكن تشريعه ثبوتا بتشريع الحكم واستفادته إثباتا منه. وتقدم أن اعتبار ثبوت المتعلق في جميع الآنات لا يختص بلفظ خاص، فينشأ بمثل أبدا أو دائما أو في كل آن، أو يستفاد من دليل التخصيص كما إذا خرج الشرب في زمان خاص من لا تشرب الخمر، فإنه يستكشف منه ان الشرب في جميع الآنات كان متعلقا للحكم. ثم لا يخفى أن لفظ الاستمرار والدوام والأبد مثل لفظ كل آن في أن الظاهر

[ 167 ]

من الجميع هو العموم الاصولي - أي كل آن من الآنات موضوع غير الآن الآخر - لا العموم المجموعي، فعلى هذا كان الزمان ظرفا للحكم أو للمتعلق، لو عصى المكلف في آن وأطاع في الآخر كان كل آن تابعا لنفسه ولا يرتبط طاعة آن بآن آخر. فمحل النزاع في المقام هو العموم الزماني الاصولي كعموم الأفرادي العرضي، كما أن النزاع أيضا يختص بالأحكام الشخصية المتعلقة بالموضوعات الخارجية بعد تحققها. وأما الأحكام الكلية - أي المجعولة على سبيل القضية الحقيقية والمنشأة على الموضوعات المقدر وجوداتها - فالزمان المأخوذ فيها ظرف للحكم، وعموم الحكم معناه عدم نسخه. فما يقال: إن النسخ تخصيص في الأزمان قول صدر على خلاف الاصطلاح، لأن عموم الزمان الذي يرفعه النسخ إنما هو للحكم المجعول على كل موضوع على فرض وجوده، لا للمتعلق أو الموضوع حتى يقبل التخصيص. ثم إنه إذا كان الزمان ظرفا للمتعلق فخروج بعض أفراد المتعلق لا يوجب رفع اليد عن غيره - ففي مورد الشك يرجع إلى العام، لا إلى استصحاب حكم المخصص، ولا يمكن الرجوع إليه ولو لم يكن هناك عام، لأنه من إسراء حكم موضوع إلى موضوع آخر - لما عرفت أن محل البحث إنما هو فيما إذا كان كل آن من الآنات موضوعا مستقلا غير الآن الآخر. وأما إذا كان الزمان ظرفا للحكم فلا يمكن الرجوع إلى العموم، لأن العموم الثابت بدليل الحكمة أو بدليل آخر تابع لوجود موضوعه، أي إذا كان شئ حلالا فحليته تستمر إلى أن يزيلها المزيل. وأما إذا خرج عن الحلية كما لو صارت الشاة جلالة ثم شك بعد خروجها عن الجلل بأنها حلال أو حرام فبقوله (عليه السلام): " حلال محمد حلال إلى يوم القيامة " لا يمكن التمسك لرفع الشك وإثبات الحلية، لأن كل حلال يستمر حليته، وأما إن هذا حلال أو حرام فلا يمكن إثباته بهذا العموم، لأنه كما يدل على استمرار حلية الحلال كذلك يدل على استمرار حرمة الحرام. ومع

[ 168 ]

الشك في الحلية والحرمة لا يمكن إثبات الاستمرار الذي هو تابع لإحراز الموضوع، ولا يعقل أن يكون عموم الحكم محرزا لموضوعه. ففي المقام مرجع الأمر إلى استصحاب حكم المخصص لا إلى عموم العام، بل لو لم يجر الاستصحاب لم يمكن الرجوع إلى العام. فتلخص مما ذكرنا أنه لو كان الزمان ظرفا للمتعلق - أي اخذ كل آن من آنات الشرب موضوعا وتعلق الحكم بجميعها - فإذا شك في أصل التخصيص أو في مقدار المخصص فالمرجع هو عموم العام، لأنه لا فرق في صحة التمسك بالعموم بين الأفراد العرضية للشرب وأفراده الطولية. غاية الفرق بينهما أن أفراده العرضية بنفس تعلق النهي بالطبيعة يندرج كل فرد تحتها ولذا يقال: إن ترك الطبيعة بترك جميع الأفراد، وأما الأفراد الطولية فلابد من لحاظها على حدة غير تعلق الحكم بالطبيعة، لأن ترك الطبيعة بنفسه لا يدل على تركها في جميع الأزمان. ولكنها إذا لوحظت وتعلق الحكم بالطبيعة بهذا اللحاظ فلا يتوقف على عناية زائدة، لأن طواري المتعلق يمكن لحاظها إطلاقا أو تقييدا في مرتبة الجعل، لأن طواريه كطواري الموضوع تكون في المرتبة السابقة على الحكم. وأما لو كان الزمان ظرفا للحكم فبنفس تشريع الحكم لا يمكن لحاظ بقائه في كل آن، بل لابد من تشريعه أولا ثم لحاظه، كذلك لأن بقاء الحكم كالعلم والجهل به من الطواري المتأخرة عن رتبة الجعل. فلابد من ثبوت الموضوع أولا ثم الحكم ببقائه. وإذا جعل الزمان ظرفا له بجعل آخر فلو شك في أصل تخصيصه أو في مقدار المخصص فالمرجع ليس عموم العام، بل استصحاب حكم العام إذا شك في أصل التخصيص، واستصحاب حكم المخصص إذا شك في مقدار المخصص. فتبين مما ذكرنا أن مورد الرجوع إلى العام غير مورد الرجوع إلى الاستصحاب. ولم يفرض المصنف (قدس سره) ظرفية الزمان في مورد واحد على قسمين حتى يورد عليه ما اورد، وتمام الخلط نشأ من هذا التوهم. وبعد وضوح المقصود فلو كان التعبير منه (قدس سره) قاصرا وموهما فالإيراد على التعبير لا وقع له.

[ 169 ]

وعمدة الفرق ما ذكرنا: من أن الزمان قد يؤخذ تحت الحكم، وقد يؤخذ فوقه، والرجوع إلى العموم يصح في الأول دون الثاني، والرجوع إلى الاستصحاب يصح في الثاني دون الأول. وإذا تبين أن النواهي بأسرها قابلة لكلا القسمين، فهل الأصل اللفظي يقتضي أن يكون الزمان ظرفا للحكم أو المتعلق؟ فنقول: إن مقتضى القواعد اللفظية هو الأول، لأن كونه ظرفا للمتعلق لابد من التصريح به في اللفظ بأن يقال: الشرب في كل آن حرام. فإذا لم يؤخذ المتعلق في كل آن متعلقا للحكم، بل ورد النهي على الطبيعة المرسلة أو على النكرة، فتعلق النهي بهما لا يقتضي إلا عموم الطبيعة لجميع أفرادها العرضية دون الطولية، وذلك لأن النهي لم يوضع للدوام والتكرار، ولذا يجري النزاع في دلالة الأمر على الفور وعدمها في النهي. وإلحاق النهي بالأمر في هذا النزاع يكشف عن أن جهة الفرق بينهما تختص بدلالة النهي على ترك الطبيعة بمطلق وجوداتها العرضية دون الأمر فإنه يدل على صرف الوجود، وأما من غير هذه الجهة فهما سيان، فلابد من إثبات الفورية والدوام من دليل خارج. فإذا ورد النهي مجردا عن الدوام كأن قيل " لا تشرب الخمر " فيحتاج في استفادة ترك الطبيعة زائدا عن المقدار المتيقن - وهو آن ما - إلى مقدمات الحكمة. ولا شبهة أن الحكمة تقتضي تعلق الطلب بأزيد من مقدار ما، لأن ترك الشرب آنا ما حاصل، فتشريعه لغو. فإذا استفيد الدوام من مقدمات الحكمة فلا محالة يرجع نتيجة الدوام إلى دوام الحكم لا إلى آنات المتعلق، لأن المتعلق معنى أفرادي وقرينة الحكمة تجري في الجمل، لأنه لا معنى لأن يقال: إن الحكمة تقتضي دوام الخمر أو دوام الشرب، بل الحكمة تقتضي دوام النهي ودوام اللزوم، وهكذا. وظهر مما ذكرناه سر عدم تمسك العلماء لحرمة الخمر في مورد الشك في حليته وحرمته كحال المرض بمثل لا تشرب الخمر، بل يتمسكون لإثبات حرمته بالاستصحاب، لأن التمسك بالخطاب لا يمكن إلا إذا اخذ الزمان ظرفا للشرب. وأخذه كذلك يجب أن يكون بتصريح في اللفظ، وإلا فلا محالة يقع الزمان ظرفا

[ 170 ]

للحكم لما ظهر أن الحكمة لا تجري في ناحية المتعلق، لأنه من دون تعلق حكم به لا معنى لأن يؤخذ دائما أو لا دائما. فدليل الحكمة في ناحية المتعلق يكون من السالبة بانتفاء الموضوع. هذا كله في النواهي. وأما الأوامر، فما كان من الامور الاعتقادية فأخذ الدوام في نفس الحكم بمكان من الإمكان. وبعد ما أسسنا الأصل اللفظي في مورد الشك في أخذ الزمان في الحكم أو في المتعلق فالأصل يقتضي أن يقع الزمان ظرفا للحكم. وما كان من الأعمال الجوارحية كالصوم والصلاة، فما كان للزمان دخل في مصلحته وملاكه كالصوم فأخذ الزمان ظرفا للحكم أيضا لا محذور فيه - بأن يكون وجوب الصوم من أول الطلوع إلى الغروب مستمرا - كما يمكن أن يكون الإمساك المستمر واجبا، أي يمكن أن يجعل الاستمرار ظرفا للطلب كما يمكن أن يجعل ظرفا للمطلوب. فلو لم يكن الزمان في مقام الإثبات ظرفا للمطلوب فلا محالة يرجع إلى الطلب. والثمرة بين الوجهين تظهر في وجوب الإمساك في بعض الآنات مع العلم بعدم تعقب هذا الجزء بالأجزاء اللاحقة، كما إذا علم بأنه يسافر قبل الزوال، أو علمت المرأة بأنها تحيض في أثناء النهار. فلو كان الزمان ظرفا للحكم يجب الإمساك، لأن الطلب باق بمقدار بقاء الشرط. ووجوب الكفارة يستقيم في هذا الفرض أيضا، لأن كل آن تابع لدليل حكمه. ولا يتوقف أيضا على تصوير الشرط المتأخر وجعل الأمر الانتزاعي شرطا، لأن الشرط لوجوب الإمساك في كل آن حاصل. وأما لو كان الزمان ظرفا للمتعلق فلازمه أن يكون الطلب بالنسبة إلى هذا الأمر الممتد فعليا من أول الطلوع ولازم فعليته مع كون المطلوب مستمرا أن يكون تعقب سائر الأجزاء مع شرائطها معتبرا في فعليته فيتوقف الفعلية على الشرط المتأخر بنحو التعقب، ولازمه أيضا أن يكون وجوب الإمساك والكفارة

[ 171 ]

مع العلم بعدم تعقب هذا الجزء بسائر الأجزاء من جهة دليل خارجي، وإلا فلابد من القول بصحة أمر الآمر مع العلم بانتفاء شرطه. وبالجملة: قد ذكرنا في باب الترتب أنه يمكن تصوير الاستمرار في نفس الطلب ويتبعه المطلوب في الاستمرار ويرتفع به الإشكالات الواردة في الصوم، مع الالتزام بقبح أمر الآمر مع العلم بانتفاء شرطه. هذا إذا كان للزمان دخل في المصلحة. وأما إذا لم يكن كذلك وإن كان زمانيا لابد وأن يقع في الزمان - كالصلاة وأمثالها - فقد يتوهم أنه لا يمكن أن يجعل الزمان ظرفا للحكم، لأن لازم استمراره أن يكون المكلف في كل آن مشغولا بالصلاة. ولكنه توهم فاسد، لأن استمرار الحكم تابع لكيفية جعل المتعلق، فإذا وجب الصلاة في أول الظهر ثم بعد العصر ثم بعد الغروب، أو جعل الصلاة واجبة في أول الظهر من اليوم وفي أول الظهر من الغد وهكذا... واخذ الزمان ظرفا للحكم، فمعنى استمرار الحكم أن الوجوب في أول الظهر في جميع الأيام باق وانفصال الامتثال لا يضر بالاتصال. فيمكن أخذ الزمان ظرفا لنفس الحكم في مثل الصلاة ونحوها مما لم يكن للزمان دخل في ملاك الحكم كما يمكن أخذه ظرفا للمتعلق. وتظهر الثمرة بين الوجهين فيما إذا خرج المقيم عن بلد الإقامة من دون إنشاء سفر جديد بل كان قاصدا للرجوع إلى محل الإقامة، أو كان مترددا، بناء على أن تكون الإقامة قاطعة للسفر حكما لا موضوعا، وأما لو قيل أيضا قاطعة موضوعا فلا يترتب على الوجهين ثمرة. وتوضيح ذلك: أنه لو قيل بأن المقيم ليس بمسافر موضوعا كما هو المختار فالحكم واضح، ومعنى كونه غير مسافر موضوعا أن تكون الإقامة عرفا ضدا للسفر، فإن المكث في محل يخرج المسافر عن كونه مسافرا. نعم، خروجه عن هذا العنوان له مراتب متفاوتة في نظر العرف ولكن الشارع حدد الموضوع وعينه في إقامة عشرة أيام، كسائر التحديدات الشرعية كتحديده

[ 172 ]

أصل السفر، فإنه بنظر العرف مختلف ولكن حدده الشارع بثمانية فراسخ، وهكذا الكثرة في الماء الذي لا يستقذر حددها الشارع بمقدار خاص. فلا يقال: إن المقيم لو كان حاضرا موضوعا لكان اللازم عدم الفرق بين عشرة أيام وعشرة أيام إلا ساعة، لأن العرف وإن لم يفرق بينهما إلا أن بعد تحديد الشارع هذا الموضوع العرفي لا يبقى مجال لسؤال الفرق. فإذا كان المقيم غير مسافر موضوعا فيجب على المقيم الخارج عن محل الترخص العازم على العود أو المتردد في السفر التمام، وذلك لأنه يستفاد من الأدلة على أن كل مكلف يجب عليه التمام خرج عنها المسافر. فإذا شك في أن الخارج عن محل الاقامة العازم على العود حكمه حكم حال الإقامة أو حكمه حكم حال السير فمقتضى العموم هو وجوب التمام عليه، سواء كان الزمان في باب السفر مأخوذا في المتعلق، أو في الحكم، لأنه على أي حال خارج عن كونه مسافرا. وأما لو قيل بأن المقيم مسافر ولكنه خارج عنه حكما كالعاصي بسفره فإنه لا إشكال في كونه مسافرا يجب عليه التمام فتظهر الثمرة بين جعل الزمان ظرفا للحكم أو للمتعلق، لأنه لو كان وجوب القصر على المسافر مستمرا فلو رجع العاصي بسفره عن عزمه ولم ينشئ بعد الرجوع سفرا جديدا - أي بمقدار المسافة - وهكذا لو خرج المقيم من دون عزم على السفر الجديد فالمرجع هو استصحاب حكم المخصص، ولو كان الزمان ظرفا للمتعلق بأن كان مفاد الدليل على أن لكل مسافر القصر فخروج بعض أفراد الصلاة لا يمنع عن الرجوع إلى العام في البعض الآخر المشكوك فيجب عليه القصر بعد الخروج، أو بعد الرجوع عن المعصية. فتلخص مما ذكرنا أن الزمان في الوضعيات بأسرها مأخوذ في الحكم. وأما التكليفيات وجوبية كانت أو تحريمية والوجوبية جوانحية كانت أو جوارحية فيمكن بحسب الثبوت أن يكون الزمان ظرفا للمتعلق، وأن يكون ظرفا للحكم. وإذا لم يصرح في اللفظ بكونه ظرفا للمتعلق وعلم بأن ثبوت التكليف في الجملة لغو فلا محالة يقع الزمان ظرفا للحكم، ولازمه أن لا يكون المرجع عموم العام، بل إما استصحاب حكم العام، أو استصحاب حكم المخصص.

[ 173 ]

فتلخص مما ذكرنا أنه لو شك في كون الخيار على الفور أو التراخي ليس المرجع عموم أوفوا بالعقود، بل لابد أن يرجع إلى استصحاب حكم المخصص. إن قلت: يمكن أن يكون المرجع عموم العام بتقريب آخر وهو أنه لا شبهة أن " أوفوا بالعقود " وضعية كانت أو تكليفية حكم على من أنشأ الالتزام العقدي، والمنشئ ينشئ الملكية الدائمة لا الموقتة، فإذا كان وجوب الوفاء بالملكية الدائمة لازما فيرجع في غير القدر المتيقن من زمان ثبوت الخيار - وهو الفور - إلى وجوب الوفاء بالمنشأ. قلت فيه أولا: إن الدوام والتوقيت ليسا من منشئات المتعاقدين، بل إنما هما من الأحكام الشرعية، وليس المنشأ بقوله: " بعت " البيع من زمان الإنشاء إلى آخر الدهر. وبعبارة اخرى: اللزوم والجواز أو التأبيد والتوقيت في البيع من الأحكام الشرعية، لا من منوعات البيع، ولا يختلف حقيقته باختلاف أحكامه. وهكذا في النكاح على المشهور، فإن حقيقة الانقطاع والدوام واحدة، ولذا لو نسي ذكر الأجل يقع دائما بمقتضى القاعدة، لأن الدوام لا يحتاج إلى إشارة إليه في العقد، بل عدم ذكر المدة مع إنشاء علقة الزوجية يقتضي الدوام. نعم، لو كان الدوام والانقطاع حقيقتين مختلفتين فنسيان الأجل يقتضي بطلان النكاح رأسا، لأن ما قصد لم يقع. وثانيا: أن الدوام وإن كان من منشئات المتعاقدين إلا أنه يجب الوفاء به إذا دل عليه لفظ - أي إذا انشأ بما هو آلة لإيجاده - ومجرد قصد العاقد الدوام مع عدم إيجاده بآلة من قول أو فعل لا اعتبار به في العقود، لأنه يكون كالشروط البنائية التي لم تذكر في العقود لا صريحا ولا إشارة. قوله (قدس سره): (وأما استناد القول بالتراخي إلى الاستصحاب فهو حسن على ما اشتهر من المسامحة.... إلى آخره). قد ذكرنا في أول العنوان أن المصنف (قدس سره) ناقش في أدلة الفور والتراخي

[ 174 ]

كليهما، وظهر أن المدرك للخيار لو كان هو قاعدة لا ضرر لا يجري الاستصحاب لوجهين: الأول: أن الموضوع لو كان اشتقاقيا كالمتضرر يمكن أن يكون بحسب الثبوت تمام الموضوع للحكم هو الوصف العنواني، ويمكن أن يكون الموصوف بالوصف ففي مقام الإثبات إذا احرز بمناسبة الحكم والموضوع أن الموضوع أيهما فهو وإلا فلا يجري الاستصحاب للشك في الموضوع، ولو كان جامدا فالموضوع هو ذات الشئ بصورته النوعية لا بالمادة الهيولائية. وحيث إن الموضوع في المقام عنوان اشتقاقي ويشك في أنه الموصوف أو الوصف فلا يجري الاستصحاب. والثاني: أن مقتضى حكومة أدلة لا ضرر ولا حرج على الأحكام الثابتة أن يكون الحكم المعنون بالضرر والحرج مرفوعا. فالعقد اللازم إذا كان لزومه الشرعي ضرريا فلزومه منفي، وأما لو لم يكن كذلك فلا وجه لنفيه ورفعه، ففي غير مورد الضرر لا حكومة أصلا. وأما لو كان المدرك للخيار هو الإجماع، فهذان الإشكالان غير واردين، لأن الإجماع يثبت الخيار للمغبون فالموضوع باق حين الشك، إلا أنه حيث ثبت في محله عدم جريان الاستصحاب مع الشك في المقتضي - أي مع الشك في بقاء المستصحب بحسب طبعه في عمود الزمان مع قطع النظر عن طرو زماني عليه - فلا يفيد الإجماع أيضا لاستصحاب الخيار. ثم إنه لا يخفى أن منشأ الإشكال بحسب كل مدرك غير منشئه بحسب مدرك آخر. وعبارة الكتاب لا يخلو من اضطراب، والخطب هين. هذا تمام الكلام فيما استفدته من شيخنا الاستاد - دام ظله - في الخيارات. ولما فاتني ما أفاده في خيار التأخير وأحكام الشروط فاستنسخته مما كتبه العالم الفاضل ثقة الإسلام المرحوم الشيخ أبو الفضل - طاب ثراه - نجل المرحوم

[ 175 ]

الآخوند ملا محمد علي الواعظ الآبي الاصفهاني النيم آوردي، فخيار التأخير وأحكام الشروط من تقريرات هذا الفاضل المرحوم * * * قال - رحمه الله تعالى - في حاشيته على الكتاب: (القول في خيار التأخير.... إلى آخره). من باع شيئا ولم يسلمه إلى المشتري ولا قبض الثمن لزمه البيع ثلاثة أيام، فإن جاء المشتري بالثمن في الثلاثة فهو أحق بالعين، وإلا يتخير البائع بين الفسخ والصبر والمطالبة بالثمن، هكذا عند الإمامية، كما قال العلامة في التذكرة وعلله: بأن الصبر أبدا مضر بالبائع فينفي بحديث الضرر (1). ولكنه لا يخلو عن المناقشة، حيث إن مجرد الصبر على الثمن لا يعد ضررا. وباعتبار كونه في ضمانه ودركه عليه لو تلف قبل قبضه فهو أيضا لا يصلح لكونه موجبا للخيار فعلا، حيث إنه في معرض الضرر. هذا مضافا إلى أن إناطة الحكم به لا تنطبق على ما بنوا عليه نفيا وإثباتا سعة وضيقا. وربما يعلل بإطلاق العقد بتقريب: أن مقتضاه تسليم المبيع وتسلم الثمن على غير وجه المماطلة والمسامحة عرفا، وحيث إنه لم يكن منضبطا عند العرف فربما يوجب التشاح والتشاجر فحدده الشارع بثلاثة أيام، كما في غيره من التحديدات الشرعية، فمرجعه إلى الشرط الضمني والخيار عند تخلف الشرط. وهذا وإن يساعده الاعتبار وربما يشعر به بعض الأخبار، لكنه إنما يصلح لأن يكون علة لتشريع الحكم، لا أن يناط به الحكم نفيا وإثباتا، وإلا فلا وجه لاختصاصه بالبائع، ولا بصورة عدم قبض الثمن وإقباض المثمن فتأمل جيدا. وكيف كان فالمدرك الصحيح في المسألة الأخبار الخاصة، إلا أن مقتضاها


(1) التذكرة 1: 523 س 15.

[ 176 ]

طرا إبطال البيع وأنه لا بيع بينهما بعد الثلاثة الظاهر في نفي حقيقته وصحته، لا مجرد لزومه. ولذا توقف فيه بعض الأجلة، وجزم به صاحب الحدائق (1) طاعنا على العلامة في المختلف (2)، حيث إنه (قدس سره) اعترف بظهور الأخبار في البطلان، ومع ذلك اختار نفي اللزوم وثبوت الخيار مستدلا بأن الأصل بقاء صحة العقد. هذا، ولكن لا يخفى على المتأمل أن بعد القطع بأن تشريع هذا الخيار لخصوص البائع دون المشتري إنما هو لأجل الإرفاق على البائع، إما لكون المبيع قبل القبض في ضمانه، إما لتوقيف ثمنه وعدم انتفاعه به مع خروج المبيع عن ملكه. وعلى أي حال الإرفاق عليه لا يقتضي أزيد من خياره بل ربما يكون الحكم بالبطلان منافيا له كما لا يخفى. هذا مضافا إلى ظهور قوله (عليه السلام) في غير واحد من الأخبار: " لا بيع له... الخ " في انتفاء البيع من طرف المشتري المنتج لثبوت الخيار في طرف البائع. وبعد اعتضاده بما ذكرنا من الارفاق وبفهم العلماء منها نفي اللزوم لا الصحة بالاتفاق إلا ما شذ وبموافقته مع الأصل المقتضي لبقاء الصحة عند الشك، فلا يعارضه ما في رواية علي بن يقطين: من أنه لا بيع بينهما (3) الظاهر في بطلان البيع وانفساخه من الطرفين رأسا، كما لا يخفى. وكيف كان فالقدر المسلم من هذه الأخبار - في قبال عمومات صحة العقود ولزومها - ثبوت الخيار بالشرائط المذكورة في عنوان المسألة. منها: أن لا يقبض المبيع. والظاهر عدم الخلاف في اشتراطه، كما هو المصرح به في بعض الأخبار، فيقيد به سائر مطلقاتها، كما هو القاعدة في جميع الأبواب. فأصل الاشتراط مما لا إشكال فيه، وإنما الإشكال في أن المراد منه القبض الخارجي - كما هو مقتضى ظهوره الأولي فلو مكنه من المبيع فلم يقبض كان


(1) الحدائق 19: 47. (2) المختلف 5: 71. (3) الوسائل 12: 356، الباب 9 من أبواب الخيار.

[ 177 ]

الخيار باقيا على حاله، لصدق أنه ما قبضه، وفي قباله لو قبضه بدون إذن البائع واطلاعه كان رافعا للخيار، لصدق أنه قد قبضه مطلقا أو مع عدم الاسترداد - أو المراد منه القبض الرافع لضمان البائع الحاصل بالتمكين ولو لم يقبض الغير المتحقق بالعدوان فلو لم يسترد فلا خيار في الفرع الأول لتحقق القبض دون الثاني لعدم تحققه؟ وجهان: من التعبد بظاهر النصوص، ومما ذكرنا من القرينة المقامية المرتكزة من أن جعل الخيار هنا للبائع من جهة الإرفاق عليه وكون المبيع قبل قبضه في ضمانه ودركه على عهدته. فيدور الحكم هنا مدار تلك المسألة، فكل قبض كان مسقطا لضمان البائع ها هنا مسقط لخياره هناك. فلو مكنه من المبيع ولم يقبض لم يكن له خيار، حيث لا يكون له ضمان، وكذلك لو قبضه ثم أودعه عنده. ودعوى إطلاق الأدلة حيث إن قوله (عليه السلام): ثم يدعه عنده (1) أعم من كونه مسبوقا بالتمكين وعدمه مدفوعة، بما استظهرنا من القرينة المقامية والقاعدة الارتكازية، وهي كل مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه، وبها رفعنا اليد عن ظهور الأخبار في نفي الصحة، إذ ليس هذا الظهور بأقوى من ذاك الظهور قطعا، وكذلك ظهور القبض في القبض الخارجي. بل بعد ارتكازية ذاك الحكم واحتفاف الكلام بتلك القرينة لا ينعقد ظهور على خلافها وعلى وجه ينافيها ويعارضها، فتأمل جيدا. ومن هنا يظهر الوجه في الفرع الرابع - الذي ذكروه في هذا المقام - وهو قبض بعض المبيع دون بعض، فعلى البناء على التعبد لا وجه لتبعض الخيار، بل اللازم القول به مطلقا نظرا إلى صدق عدم قبض المبيع - الظاهر في الجميع فقبض البعض كلا قبض - أو القول بعدم الخيار كذلك، بدعوى انصراف الأخبار إلى صورة عدم قبض شئ منه. وعلى البناء على أنه إرفاق للبائع من جهة الضمان فاللازم تبعض الخيار بالنسبة إلى المقبوض وغيره وإن قلنا بأنه خارج عن منصرف الأخبار.


(1) الوسائل 12: 356، الباب 9 من أبواب الخيار ح 1.

[ 178 ]

وبالجملة: فهذه الفروع الأربعة المذكورة في المقام كلها مبنية على الوجهين: من احتمال التعبد فيدور الحكم نفيا وإثباتا مدار الاستفادة من الأخبار، واحتمال كونه إرفاقا للبائع فيدور مدار هذا المعنى كما لا يخفى. والإنصاف أن الالتزام بالتعبد المقتضي للجمود على ألفاظ الروايات في جميع المقامات بعيد جدا، وإلا فاللازم هو القول بنفي الصحة لا اللزوم. وفهم الأصحاب حينئذ لا اعتماد به بعد احتمال استناده إلى تلك القرينة المرتكزة أي كون الحكم من جهة الإرفاق على البائع بمقتضى الضمان قبل القبض، كما أن إناطة الحكم بتلك الجهة أيضا موجبة للخروج عن مورد الأخبار طرا، لوضوح أن قبض الثمن وعدمه غير مرتبط بتلك الجهة، مع أن اشتراط عدمه مجمع عليه ظاهرا نصا وفتوى. وإن كان الإرفاق من جهة تأخير ثمنه لا من جهة كون المبيع في ضمانه كما احتملناه سابقا، فحينئذ فاشتراط عدم قبض المبيع غير موجه، لعدم مدخليته في تلك الجهة. وإن كان كل واحدة من الجهتين مقتضية لتشريع الخيار للبائع فلازمه الاكتفاء بأحد الأمرين، من عدم قبض الثمن أو إقباض المثمن. وبالجملة: فالجهتان كأنهما متدافعتان، وهذا المطلب يعطي التعبدية والاقتصار على ما يستظهر من الأخبار من الخصوصية. اللهم إلا أن يقال: إن كلتا الجهتين كانتا مرعيتين في تشريع هذا الخيار، والشاهد عليه كما يساعده الاعتبار أن مع إقباض المثمن وعدم قبض الثمن يمكن استيفاء حقه بالمقاصة ونحوها، وكذلك مع قبضه الثمن فقط يمكن إقباض المثمن إلى الحاكم وغيره رفعا لضمانه وتخلصا عن دركه. وهذا بخلاف ما إذا لم يقبض الثمن ولم يقبض المثمن، فإن تخلصه من درك هذه المعاملة إنما هو بالخيار بعد الثلاثة وجواز الفسخ واستيفاء حقه من نفس المثمن فتأمل جيدا. وكيف كان فالمعتبر نصا وفتوى اعتبار كلا الأمرين، من عدم إقباض المثمن وعدم قبضه للثمن، كما هو ظاهر النصوص المتقدمة. وقد تقدم الكلام فيما يتعلق بالأول.

[ 179 ]

وأما الثاني فيقع الكلام فيه أيضا في فرعين: الأول: الظاهر أن قبض بعض الثمن هنا أيضا كلا قبض فلا يضر بالخيار كما هو ظاهر الأخبار لصدق أنه ما قبض الثمن. ودعوى انصرافها إلى صورة عدم قبض شئ منه في غاية المنع، كما يشهد عليه فهم أبي بكر بن عياش في رواية ابن الحجاج المتقدمة، وإقناع المتنازعين بما حكى عن الإمام، مع أن الظاهر المحكي عنه (عليه السلام) عدم قبض تمام الثمن. فاستدلال التذكرة بالرواية في محله وإن نظر فيه شيخنا العلامة، ولكن لم يعلم وجه النظر. فتدبر. الثاني: لو قبض الثمن بدون إذن المشتري، فهل هو كعدمه - لظهور الأخبار وانصرافها إلى القبض الصحيح الأعم من أن يكون بإذن المشتري أو قبضه بحق كما إذا كان بعد تمكين المبيع للمشتري وعدم قبضه الموجب لسقوط ضمانه للمبيع وجواز التصرف في الثمن بأي وجه - أو أنه في حكم القبض موجب لسقوط الخيار نظرا إلى إطلاق بعض الأخبار وظاهر عنوانهم للمسألة من اشتراط عدم إقباض المبيع وعدم قبض الثمن الظاهر في معناه الأعم وبه يفرق بين الثمن والمثمن؟ وجهان، أقواهما الأول، لما عرفت من أن الظاهر المتبادر من إطلاق القبض ما هو المتعارف المتداول في المعاملات من وقوعه مع الإذن. والتعبير في العنوان بالإقباض في طرف المبيع والقبض في طرف الثمن إنما هو لاختصاص المسألة بالبائع وثبوت الخيار له، لا لأجل الاكتفاء بقبض الثمن كيف ما اتفق وهذا واضح لا يكاد ينكر، وإلا فما ذكر لا اختصاص له بظاهر العناوين، بل هو الظاهر من رواية علي بن يقطين أيضا. ولكن مع ذلك كله لا دلالة لها على الاكتفاء بالقبض مطلقا لما عرفت من انصرافه في النصوص والفتاوى إلى القبض الصحيح المتعارف في المعاملة. نعم، يمكن المناقشة في ثبوت الخيار حينئذ من جهة اخرى، وهي أن قبض الثمن عدوانا كأنه ارتضاء للبيع فيكون مسقطا للخيار من تلك الجهة، ولعله الوجه لما في عناوين المسألة من التعبير بإقباض المبيع وقبض الثمن.

[ 180 ]

ولعل لبعض ما ذكرنا أمر شيخنا العلامة بالتأمل. فتأمل. وكيف كان فعلى اعتبار الإذن كما هو الأقوى والأظهر فالإجازة اللاحقة أيضا في حكم الإذن وهل هي كاشفة أو ناقلة؟ وجهان، أقواهما الثاني. ويتفرع عليه ما لو قبض قبل الثلاثة فأجاز المشتري بعدها، فعلى النقل لا يمنع من الخيار، لعدم قبض الثمن في الثلاثة، وعلى الكشف لا خيار، حيث إنه قبض الثمن. وربما يتخيل جريان هذا الفرع في قبض المبيع أيضا - فيشكل على الشيخ (قدس سره) من جهة تخصيصه بقبض الثمن - ولكنه توهم فاسد، لوضوح أن إجازة البائع لقبض المبيع ارتضاء منه للبيع وإسقاط لخياره، سواء وقعت قبل الثلاثة أو بعدها، فلا يتفاوت بين كونها كاشفة أو ناقلة فلا تغفل. وكيف كان هل الإجازة هنا كما في باب الفضولي فيجري فيه ما ذكر هناك من الأقوال أو اللازم هنا القول بالنقل وإن كان في الفضولي محلا للإشكال وجهان، أقواهما الثاني كما اختاره شيخنا العلامة، مع أنه قائل بالكشف الحكمي في تلك المسألة. فلا يرد عليه أن هذا مخالف لمبناه. وتوضيح المقام: أن توقف العقد على الإجازة تارة لأجل أن العقد بنفسه وقع صحيحا جامعا لشرائط الصحة، ولكن حيث إنه وقع عن غير المالك فلا يستند إليه لا تسبيبا ولا مباشرة حتى صار العقد عقده فيعمه أدلة لزوم الوفاء بالعقد، فيتوقف على الإجازة ليستند إليه ولو تسبيبا حيث إنه قابل للنيابة وأعم من التسبيب والمباشرة على الفرض. فإذا أجاز واستند إليه العقد فعلا يقع الكلام في أن استناد العقد إلى المالك بالإجازة يوجب صحته من أول الأمر فيترتب عليه آثار الصحة كذلك، أو يتصف بالصحة من حين الإجازة حيث إن في هذا الحين صار العقد عقدا له. وبالجملة: فمحل الكلام في أن الإجازة كاشفة حقيقة أو حكما أو ناقلة من حينها إنما يختص بما إذا كان عدم تمامية العقد من جهة عدم الاستناد إلى المالك فقط، وإلا فجميع جهات العقد - من الإيجاب والقبول، والنقل والانتقال، وكون كل واحد من العوضين مضمونا عليه وغير ذلك - محفوظة كما لا يخفى.

[ 181 ]

وهذا بخلاف ما إذا كان من قبيل جعل الاجرة على الأعمال كما في جميع العقود العهدية - مثل القراض والمضاربة والسبق والرماية والجعالة ونحو ذلك - فإن قوام وقوع العمل محترما مضمونا على الغير بأن يكون بأمر الغير والتماس منه. وبعبارة اخرى: كأن إرادة الفاعل منبعثة عن إرادة الغير، وإلا فلا يقع محترما ومضمونا عليه جدا. وحينئذ لو أجاز مالك الجعل أحد هذه العقود المذكورة، فبالإجازة وإن استند العقد إليه وصار عقدا له ولكن فائدته ان العامل لو لم يأت بالعمل فمن حين الإجازة يصير عمله محترما وواقعا بإذن الغير والتماس منه فيقع مضمونا عليه. وأما الأعمال السابقة فلا يكاد يفيدها الإجازة، لوضوح أن بالإجازة لا يخرج العمل عما وقع عليه من كونه متبرعا غير مضمون على أحد. نعم، لو كان جاهلا بالحال وأقدم بتغرير الفضولي يرجع إليه بمقتضى المغرور يرجع إلى من غره وهذا مطلب آخر. وبالجملة: ففي هذا السنخ من العقود لا سبيل إلى القول بالكشف ولو قلنا به في العقود المعاوضية، كما لا سبيل إليه في العقود الإذنية التي قوام تحققها بالإذن والاستنابة - كالوكالة والوديعة والعارية وأشباه ذلك - فلو وكل شخص أحدا فضولا من الغير فمرجع إجازة الغير إلى إذنه واستنابته فيما وكل له فعلا، ولا معنى لكشفها عن صحة ما وقع فضوليا، لما عرفت أن حقيقة هذه العقود الإذن والاستنابة فيما هو وظيفة للمنوب عنه، فلا يعقل وقوعها بدون الإذن وإن لحقه. ويترتب عليه ضمان الوكيل الفضولي لو تصرف في مال الغير على وجه يوجب الضمان، إلا أن يكون إذنه وإجازته فيما بعد على وجه يستلزم سقوط ضمانه فتأمل جيدا. وأولى بما ذكرنا من عدم قابلية الإجازة للكشف ما إذا كان توقف المعاملة عليها لأجل تعلق حق للمجيز على أحد العوضين على وجه يمنع من تصرف المالك، كما في بيع الراهن العين المرهونة بلا إذن من المرتهن، وكما في بيع ما تعلق به حق الخيار بناء على أنه حق متعلق بالعين.

[ 182 ]

وكيف كان ففي هذه المواضع أيضا لا معنى لكاشفية الإجازة بلا شبهة، لأن البائع إنما باع مال نفسه فلا معنى لتوقفه على إجازة غيره. غاية الأمر حيث إنه مناف لحق المرتهن فلابد من التخلص عنه بوجه، إما بفك الرهن أو باستيذان منه، وإلا فالبائع ما باع مال غيره حتى يتوقف على الإجازة، لا من جهة الاستناد ولا من جهة اخرى كما لا يخفى. وبالجملة: ففي هذه الموارد الثلاثة لا محيص عن القول بأن الإجازة مثبتة، بمعنى أن ما يترتب على الفضولي يثبت بها لا أن يثبت بالعقد ويكون الإجازة كاشفة عنه كما لا يخفى. وما نحن فيه من قبيل القسم الأخير، حيث إن البائع إنما قبض ماله، غايته للمشتري حق الحبس، لعدم أخذه المبيع، فقبضه بدون إذن منه مناف لحقه الثابت فيه، فيكون من قبيل تصرف المالك في العين المرهونة. فتأمل ولا تغفل. قوله (قدس سره): (إلا أن الظاهر من لفظ الشئ الموجود الخارجي.... إلى آخره). وحاصل الاستظهار بنحو أسد وأخصر أن ظاهر لفظ " الشئ " كلفظ المبيع والمتاع أن يكون المبيع معنونا بهذا العنوان قبل البيع، والكلي الثابت في الذمة لا يكون قبل البيع شيئا، بل اعتبار يحدث بالعقد. فرواية أبي بكر بن عياش أيضا منصرفة عنه كسائر الأدلة. قوله (قدس سره): (منها عدم الخيار لأحدهما أو لهما). الوجوه المحتملة ها هنا: أن الخيار تارة في الثلاثة، واخرى بعدها، وثالثة عندها - أي رأس الثلاثة - وعلى التقادير إما لأحدهما أو لكليهما. والذي يمكن استظهاره من الأدلة على ما يشير إليه أن يكون خيار في البين عند الثلاثة الذي هو موقع جعل خيار الشرط، أما بعدها أو قبلها فلا وجه للاشتراط. وعلى هذا فلا ينافي مع خيار الحيوان على ما يتضح لك إن شاء الله. قوله (قدس سره): (وكيف كان فلا أعرف وجها معتمدا في اشتراط هذا الشرط.... إلى آخره).

[ 183 ]

لا يخفى أن ما أفاده أخيرا: من أن ظاهر الأخبار كون عدم مجئ المشتري بالثمن بغير حق التأخير وذو الخيار له حق التأخير مبنيا على ما أفاده في التذكرة في أحكام الخيار - من أنه لا يجب على البائع تسليم المبيع ولا على المشتري تسليم الثمن في زمن الخيار (1) - وجه وجيه لعدم الخيار. ومناقشته فيه بقوله: وفيه بعد تسليم الحكم في الخيار إلى آخره، كما ناقش فيه في أحكام الخيار أيضا مما لا وجه له، مع اعترافه (قدس سره) به في باب القبض وعليه بنى جواز حبس أحد المتبايعين ما انتقل عنه مع امتناع الآخر عن تسليم ما انتقل إليه، وبه يجيب (قدس سره) في ذاك الباب عن إشكال الأردبيلي في المسألة: من أن ظلم أحد المتبايعين ومنع الغير عن حقه لا يوجب جوازه على الآخر. وبالجملة: ما أفاده في التذكرة في غاية المتانة. وتوضيحه: أن بعد ما كان بناء المعاملة وعقد المعاوضة على التسليم والتسلم والتبديل والتبدل، فيصير القبض والإقباض من الشروط الضمنية التي التزم بها المتعاقدان في متن. العقد وهذا هو المراد من قولهم: إن إطلاق العقد يقتضي كذا وكذا. وحينئذ فمرجع كون العقد خياريا إلى أنه بجميع ما تضمنه من الشروط الضمنية أو الصريحة غير واجب الوفاء، فكما لا يجب الوفاء بنفس العقد كذلك لا يجب الوفاء بما في ضمنه من التعهدات الضمنية، وعليه يتفرع أن الشروط الصريحة في ضمن العقد غير واجبة على المشروط عليه إذا كان العقد خياريا. أما إذا كان له الخيار فواضح. وأما إذا كان عليه الخيار ولم يسلم الآخر ما انتقل عنه، فلما عرفت من أن التسليم والتسلم التزام من الطرفين، فإذا لم يف أحدهما به ولو حقا فلا يجب على الآخر أيضا الوفاء به. نعم، لو سلم ذو الخيار فيجب على من عليه الخيار أيضا أن يسلم ما انتقل عنه بجميع ما اشترط عليه في ضمن العقد صريحا أو ضمنا.


(1) التذكرة 1: 537 س 30.

[ 184 ]

وحينئذ ففي المسألة لو فرضنا أن يكون لأحدهما أو كليهما خيار عند الثلاثة - التي هي زمان جعل الخيار - فلا يجب على المشتري بذل الثمن في هذا الحال، أما لو كان له خيار فلما عرفت أن ذلك مقتضى عدم وجوب الوفاء بالعقد بجيمع ما يتضمنه ضمنا أو صريحا ومن جملته تسليم ما انتقل عنه، وأما لو كان للبائع خيار فلأن المفروض أنه لم يسلم المبيع فلا يجب عليه البذل أيضا، لما عرفت من أنه التزام من كلا الطرفين. فإذا لم يكن أحدهما ملزما به بمقتضى خياره فلا يلزم الآخر أيضا بمقتضى التزامه، إلا أن يشترط عليه تعجيل الثمن، وهو خارج عن موضوع المسألة. وحينئذ فبضميمة الاستظهار من الأخبار من كون عدم مجئ المشتري بالثمن بغير حق التأخير يتم المطلب، كما أن حكمة تشريع هذا الخيار وهو كونه قهرا على المشتري المماطل وجبرا على البائع، وملاحظة مناسبة الحكم مع موضوعه أيضا يقتضي أن يكون كذلك. ولكن لا يخفى أن ذلك لا يقتضي أزيد من أن لا يكون التأخير عند الثلاثة بحق وعن مماطلة، وأما في الثلاثة فلا موجب للالتزام به كما أفاده (قدس سره)، فاشكل عليه لزوم اختصاصه بغير الحيوان مع اتفاقهم على ثبوته فيه ظاهرا. بل ربما يستأنس من التحديد بالثلاثة أن يكون الغرض منه مراعاة خيار الحيوان، فجعل الخيار للبائع بعد الثلاثة. وبالجملة: فلا وجه ولا موجب للالتزام بكون تأخير الثمن عن مماطلة في مجموع الثلاثة، بل غاية ما يقتضيه ما تقدم عدم كونه كذلك عند الثلاثة فلا ينافي مع خيار الحيوان بوجه. نعم، ربما ينافي مع ما يدعى ظهور الأخبار في كونه إمهالا على المشتري في الجملة. فتأمل. وكيف كان فلا ينافي هذا الخيار مع خيار المجلس أصلا. والعجب أنه (قدس سره) مع التزامه بذلك وتقوية كون مبدأ هذا الخيار من حين العقد

[ 185 ]

كما يأتي آنفا المستلزم لعدم كون التأخير في بعض الثلاثة بغير حق فمع ذلك يلتزم بأن لا يكون في مجموع الثلاثة كذلك. وعلى أي حال فلا ينافي مع خيار المجلس بلا إشكال إلا ان يتفق بقاء المجلس واصطحابهما إلى الثلاثة. فمقتضى ما ذكرنا أيضا عدم الخيار ولكنه فرض نادر جدا. ومن مطاوي ما ذكرنا ظهر أن مبدءه أيضا من حين العقد كما هو المستظهر من مضامين الأدلة. وأما احتمال كونه من حين التفرق فلا وجه له عدا ما تقدم من الإشكال المعروف في خياري الحيوان والمجلس، مع دعوى امتناع اجتماعهما في زمان، ولكنها باطلة جدا كما هو المحقق في محله. واحتمال كون المبدأ في خصوص المقام بعد التفرق استظهارا من الأخبار فاستظهاره على مدعيه، وإلا فقد عرفت أن ظاهر الأخبار يعطي خلافه. وأما خيار الحيوان الثابت للمشتري فلا يمنع أيضا عن هذا الخيار، بناء على ما حققناه أن غاية ما يمكن أن يلتزم به ويستظهر من الأدلة من مناسبة الحكم وموضوعه أن يكون التأخير عند انقضاء الثلاثة بغير حق. فالواجب أن لا يكون له خيار في هذا الحال، وأما قبله أو بعده فلا وجه للالتزام به بلا إشكال. فلا ينافي اعتبار ذلك مع ما في المختلف من الاتفاق على ثبوته في الحيوان، بل قد عرفت أن الإمهال في الثلاثة لعله لأجل مراعاة خيار الحيوان. نعم، بناء على ما أفاده (قدس سره) واستظهره من الأدلة: من أن لا يكون التأخير بحق في مجموع الثلاثة، فينافي مع خيار الحيوان كما أفاده. لكن الاتفاق المذكور يدفعه، مضافا إلى منافاته مع جعله (قدس سره) المبدأ من حين العقد. فتأمل. وأما سائر الخيارات - مثل خيار العيب والغبن والرؤية المشروطة فعليتها بالعلم بالعيب وظهور الغبن وفقد الوصف وإن كان مبدؤها من حين العقد، فربما يختلف الحال فيها من حيث حدوث العلم في الثلاثة أو بعدها، كما يتفاوت الحكم أيضا من جهة القول بالفورية وعدمها - فالضابط في منعها عن هذا الخيار ما ذكرنا:

[ 186 ]

من أن لا يكون عند انقضاء الثلاثة الذي هو محل خيار الشرط وموقع حلوله خيار، بأن علم به ولم يفسخ وقلنا بسقوط خياره بسبب الفورية. وأما إذا لم يعلم به إلى أن حل الثلاثة فمنعه عن خيار التأخير وعدمه مبني على أن استفادة الحكم يدور مدار واقعه فلم يكن التأخير بغير حق فلا يكون خيار، أو مدار فعلية الخيار فلا يمنع عنه حيث لا خيار بالفعل. ولعل الثاني أظهر، لصدق المماطلة في تأخير الثمن. فتأمل جيدا. ومنه يظهر حال خيار الشرط وأن المعتبر في منعه أن يكون ثابتا موجودا عند انقضاء الثلاثة، إما بأن يكون مبدؤه عند انقضاء الثلاثة، أو من حين العقد إلى التالي كما هو الشائع المتداول في خيار الشرط. ولعله الوجه في تخصيص السرائر الحكم بخيار الشرط. فلا تغفل. قوله (قدس سره): (وفي سقوطه بالاسقاط في الثلاثة وجهان.... إلى آخره). بل لا ينبغي التأمل في سقوطه به وكذلك في إسقاطه في متن العقد - كما في خيار العيب والغبن - فإن فعلية الخيار وإن كانت عند الثلاثة ولكن مبدؤه وهو استحقاق مطالبة الثمن في كل آن موجود من حين العقد، فمرجع إسقاطه إلى اجتيازه عن حقه الثابت بالعقد، كما اعترف به (قدس سره) في خيار الغبن ونحوه، مع أن فعليته أيضا مشروطة بالعلم به. فلا مجال لنظره (قدس سره) والتأمل فيه. هذا إذا أسقطه في الثلاثة. وأما اشتراط اسقاطه في متن العقد فيزيد إشكالا تارة: من جهة الشك في مشروعيته ومنافاته لما هو مقتضى العقد شرعا، فلا يصح التمسك بأدلة الشروط بعد تخصيصها بما لا يكون منافيا للمشروع، فلا دليل على لزوم الوفاء به شرعا. واخرى: من جهة كونه إسقاطا لما يتحقق بالعقد بعد تماميته، فيكون من قبيل إسقاط ما لم يجب. وقد اجيب عن الأول في محله بأن كلما كان من قبيل الحقوق فإسقاطه جائز نافذ، لوضوح ان الحق سلطنة وجدة مجعولة لصاحبه، فمعناه متقوم بجواز رفع اليد

[ 187 ]

عنه وكون زمام اختياره بيده، إلا أن يقوم دليل خاص على أنه نحو سلطنة لا يصح الاجتياز عنه، وإلا فمقتضى طبعه جواز سلبه عنه والتقليب والتقلب فيه. وهذا هو أحد الوجوه الفارقة بين الحق والحكم. نعم إذا كان الحكم الشرعي هو الإباحة فهو أيضا كذلك، حيث إن معناه ترخيص المكلف بالنسبة إليه فعلا وتركا، فيصح التزامه به كذلك بالنذر أو بالاشتراط في ضمن العقد، إلا أن يدل دليل على عدم جوازه كشرط عدم التسري في عقد المزاوجة كما قيل. وأما إذا كان الحكم الشرعي من قبيل الوضع أو الوجوب والتحريم فمعلوم أن الالتزام بخلافه في ضمن العقد أو بالنذر والعهد يكون منافيا للمشروع، إلا إذا دل دليل خاص على جوازه أيضا، كما في نذر الإحرام قبل الميقات أو الصوم في السفر على ما حقق في محله. وعن الثاني: بمنع كونه من قبيل إسقاط ما لم يجب، حيث إنه يشترط الإسقاط في رتبة حصول الملكية، فيكون انشاؤه مترتبا على انشائها كما أن تحققه أيضا مترتب على تحققها، فلم يرد الإسقاط لا في مرحلة الإنشاء ولا مرحلة التحقق إلا على أمر ثابت. واحتياجه إلى أزيد من ذلك ممنوع جدا، ولا موجب له عقلا كما لا يخفى، ونظائره كثيرة في الفقه أيضا. كما صرحوا بصحة أن يقال: بعتك هذا وجعلت ثمنه رهنا عندك، أو اشتريت هذا ورهنته عندك، أو يقال: وكلتك في نكاح فلانة وطلاقها، إلى غير ذلك مما يشبه المقام. والعجب من شيخنا العلامة حيث إنه ملتزم بما ذكرنا كله في محله، ومع ذلك يقول: فإن كان إجماع على السقوط، وإلا فللنظر فيه مجال. مع أن من جهة الإشكال الأول وهو أن الخيار إنما هو مسبب عن التأخير بعد الثلاثة لا العقد وحده فهو مشترك مع خيار الغبن والعيب، بناء على أن فعلية الخيار مسببة عن ظهور العيب والعلم بالغبن، وقد تقدم تفصيه عنه بما ذكرنا من أن الإسقاط راجع إلى ما هو مبدأ الخيار الثابت في حال العقد. ومن جهة الإشكالين الأخيرين مشترك مع خيار المجلس والحيوان أيضا.

[ 188 ]

وقد أجاب عنهما أيضا بما يرجع إلى ما ذكرنا. وكيف كان فليس للنظر فيه مجال، بل يسقط الخيار بجميع أنحاء إسقاطه بلا ريب ولا إشكال. قوله (قدس سره): (ولا يبعد دعوى انصراف الأخبار إلى صورة التضرر فعلا.... إلى آخره). لا يخفى أن بعد دعوى هذا الانصراف لا مجال للتمسك بإطلاق الأدلة على فرض إطلاقها، ولا باستصحاب الخيار الذي استحسنه (قدس سره) أولا على فرض إهمالها، إذ انصراف الأدلة يوجب تخصيصها بخصوص هذه الصورة، وكذلك يوجب تبدل الموضوع المستصحب على ما عرفت في خيار الغبن أيضا. فلا مجال للتمسك بهما إلا أن دعوى هذا الانصراف لا تخلو عن التمحل والاعتساف، مع أنه ليس في الأدلة من الضرر لا عين ولا أثر. ولو سلم دخله فهو من قبيل علل التشريع الغير المقتضية لإناطة الجعل بها نفيا وإثباتا، وحينئذ فمختار التذكرة من القول بالسقوط لا يخلو عن الإشكال فضلا من أن يكون فيه القوة. اللهم إلا أن يدعى أن من ملاحظة مجموع أدلة الباب والتفصيل بين ما يتسارع فيه الفساد وغيره وغير ذلك يشرف الفقيه القطع بإناطة الحكم بالضرر نفيا وإثباتا. وكيف كان فعهدتها على مدعيها. فتأمل ولا تغفل. قوله (قدس سره): (فلو احتمل كون الأخذ بعنوان العارية.... إلى آخره). لا يخفى أن المناط إنما هو بقصد الدافع، فاحتمال الأخذ بعنوان العارية لا ينفع بعد ما كان دفع المشتري ظاهرا في بذل الثمن، فأخذ البائع بلا تصريح بخلافه أيضا يحمل عليه، ويكون رضا فعليا والتزاما بالعقد الموجب لسقوط خياره، كما أفاده (قدس سره). نعم، يمكن المناقشة في أصل كون مجرد الأخذ التزاما كما في سائر أبواب

[ 189 ]

الخيارات، ولكن الفرق بينها وبين خصوص هذا الخيار المسبب عن تأخير الثمن واضح، فلا تغفل. نعم، مطالبة الثمن لا تدل على الالتزام لإمكان أن يكون لأجل أنه لو رآه مماطلا سيفسخ، فيكون استدفاعا للضرر المستقبل كما أفاد قدس الله روحه. قوله (قدس سره): (وقد تقدم ما يصلح أن يستند إليه لكل من القولين.... إلى آخره). إشارة إلى ما أفاده في خيار الغبن من ابتناء الفورية وعدمها على التمسك بعموم " أوفوا بالعقود " أو الاستصحاب، وقد منع في ذاك الباب التمسك بكلا الأمرين، أما العموم فلجعل الدوام والاستمرار ظرفا للحكم لا لمتعلقه بحيث يكون مكثرا لأفراده بحسب الزمان كتكثره بحسب الأفراد، وأما الاستصحاب فلعدم إحراز بقاء الموضوع بعد تمكن المغبون من تدارك الضرر، فالمرجع إلى أصالة عدم تأثير الفسخ وعدم ترتب الأثر عليه. هذا ملخص ما أفاده هناك. أما المقام فمن جهة التمسك بالعموم فالكلام فيه هو الكلام. لكن لا يخفى أن من جهة الضرر فرقا بين المسألتين كما اعترف به (قدس سره)، فإن في مسألة الغبن نفس العقد وقع ضرريا فعدم المبادرة إلى الفسخ مع علمه بالخيار حكما وموضوعا يمكن القول بأنه رضا فعلي بالعقد وإقدام على الضرر، كما لو علم به من حين العقد. فالمسامحة والمماطلة - مع أنها خلاف العادة العقلائية - كاشف نوعي عن ارتضاء العقد واختياره الموجب لسقوط خياره. وهذا بخلاف المقام، فإن الضرر مستند إلى تأخير الثمن المتجدد بدوام التأخير في كل آن، فعدم المبادرة إلى الفسخ غايته الكشف عن الرضا بالضرر الفعلي فلا يوجب سقوط الخيار لسبب الضرر المستقبل. فمقتضى حديث نفي الضرر ثبوت الخيار له في كل آن من غير حاجة إلى الاستصحاب، فلا تغفل. قوله (قدس سره): (وكيف كان فالقول بالتراخي لا يخلو عن قوة، إما لظهور النص وإما للاستصحاب.... إلى آخره). أما ظهور النص ففي محل المنع، إذ ليس لنا لفظ نستظهر منه نفي اللزوم رأسا

[ 190 ]

أو في الجملة، ودعوى النسبية بنفي الحقيقة غير موجهة، إذ ليس في البين عدا الإجماع وبعض القرائن على إرادة نفي اللزوم في الجملة، فالالتزام بإهمال النص أمس بالقواعد اللفظية. وأما استصحاب الخيار فالإشكال فيه من جهة إرجاع الشك إلى المقتضي - على حسب الضابط الذي أفاده في محله - حيث لم يحرز من الأدلة بقاء هذا الخيار إلى ان يعرضه العارض، فأصل المقتضي له لم يحرز إلا في الجملة. فالمرجع إلى ما ذكرنا من التمسك بنفس أدلة الضرر فتدبر. قوله (قدس سره): (لكن النبوي أخص من القاعدة الاولى.... إلى آخره). المراد من القاعدة ما يستفاد من الحديث النبوي المعروف المتلقى بالقبول وهو قوله (صلى الله عليه وآله) " الخراج بالضمان " (1) والمراد بالخراج ما يستخرج من الشئ من الزيادات والمنافع، فيوهم أن منافع الشئ وزياداته في مقابل دركه وخسارته، فكل من يستوفي المنافع كانت العين مضمونة عليه. ولذا حكم الشيخ (قدس سره) في المبسوط بأن نماء المبيع المردود بخيار العيب قبل القبض للبائع، بمقتضى ضمانه. ولكنه مبني على الأصل الذي هو المختار عنده: من عدم حصول النقل والانتقال التام قبل انقضاء الخيار. وأما على الأصل الذي هو المشهور بل أرسلوه من المسلمات: من حصول الملكية التامة بالعقد وجميع المنافع والزيادات لمالكه - أي المشتري - فربما يوهم التعارض بين تلك القاعدة والقاعدة الاخرى مسلمة أيضا، وهي أن كل مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بايعه. ولكن لا يخفى أن معنى الحديث " الخراج بالضمان " أن الشئ بعد ما ضمنه الإنسان وتضمنه ودخل في ملكه فمع قطع النظر عن عروض العوارض عليه يكون تكفله عليه - من حفظه وإصلاحه والإنفاق عليه لو كان حيوانا - ولو تلف كان من كيسه بإزاء ما يستوفي منه من منافعه وزياداته. وهذا لا ينافي أن يقع في عهدة الغير وضمانه بتلف أو غصب أو عارية مضمونة وغير ذلك، كما لا ينافي أن


(1) عوالي اللآلي 1: 219 ح 89.

[ 191 ]

يكون العين في عهدة مالكه ولكن كان منافعه للغير بسبب آخر. فالمراد بالضمان نفس التعهد الحاصل للمشتري بالعقد ودخول المبيع في ملكه بإزاء ثمنه، كما يشهد بذلك ما في الخبر الوضيعة بعد الضمينة حرام (1) إلى آخره حيث أطلق الضمينة على نفس العقد، بل إطلاق العقد عليه أيضا بتلك الملاحظة، حيث إنه لغة العهد أو العهد المؤكد. وبالجملة: فهذا الضمان لا ينافي مع ما يحصل من سائر الأسباب الاتفاقية - من اليد أو التلف ونحوهما، فلا ينافي مع ضمان البائع قبل القبض تعبدا، بل كلها وارد عليه، فإن شئت عبر عن هذا الضمان بضمان التكفل وعن تلك الضمانات بضمان الغرامة، كما عبر كذلك بعض السادة الأجلة - كما لا ينافي مع القاعدة الاخرى وهي " أن التلف في زمان الخيار ممن لا خيار له " بذاك البيان الذي قلنا، فإن كل ذلك لأجل جهات خارجة عن المعاملة. وكيف كان فالمسألة منقحة خالية عن الشبهة. نعم، الذي يوجب التحير في المقام التفصيل الذي نقل عن بعض الأجلة: من أنه لو تلف المبيع بعد الثلاثة كان من البائع ولو تلف في الثلاثة فمن المشتري، فإنه لا يوجه بوجه من الوجوه. بل يوهم أن يكون التفصيل بالعكس بتوهم المعارضة بين قاعدة " التلف قبل القبض " وقاعدة " التلف في زمان الخيار ممن لا خيار له " وتقديم الثانية. مع أنه أيضا فاسد، حيث ان الثانية مخصوصة ببعض الخيارات أولا، وموردها التلف بعد القبض، فلا يعارض مع هذه أبدا ثانيا. وكيف كان فينبغي التأمل والتتبع لعله وقع اشتباه في النقل. فراجع وتأمل. * * *


(1) الوسائل 12: 334، الباب 44 من أبواب آداب التجارة ح 6.

[ 192 ]

قوله (قدس سره): (الكلام في شروط صحة الشرط) (وهي امور قد وقع الكلام أو الخلاف فيها، أحدها: أن يكون داخلا تحت قدرة المكلف.... إلى آخره). لا يخفى أن اشتراط هذا العنوان يوجب اختصاصه بما إذا كان الشرط من مقولة الأفعال، وأما اشتراط الوصف الحالي في المبيع - مثلا - فلا يتصف بالقدرة وعدمها إلا بإرجاعه إلى التسليم بشرط كذا وكذا، وكذلك اشتراط بعض النتائج الغير المتوقفة على سبب خاص المتحقق بنفس الشرط، فإنه لا إشكال في صحته كما اعترف به مع أنه لا يتصف بالمقدورية. نعم، لو كان مرجع الشرط إلى إيجاد الأسباب فهو كاشتراط الفعل. وحينئذ فالأولى التعبير بكون ما يشترط تحت سلطانه واستيلائه، فيعم الأفعال التوليدية والمباشرية وغيرها من الشروط الجائزة ككون العبد كاتبا، فإنه يسلط على الوصف بسلطنته على العين. وكذلك في الغايات المتوقفة على الأسباب وغيرها غايته مرجعه في الأول إلى اشتراط إيجاد السبب وفي الثاني بنفس الاشتراط. وبالجملة: فالمعتبر أن يكون الشرط مملوكا للمشروط عليه كما اعتبر في باب الإجارة كذلك، فيعم الأعيان والمنافع والأوصاف وغيرها والأفعال بجميع أقسامها. ووجه اعتباره أيضا أوضح من اعتبار القدرة، فإن الشرط اعد لنقل ما يصح نقله بسائر العقود وما لا يصح نقله بها، فلابد كالبيع والإجارة وغيرهما أن يكون مملوكا للشارط، وإلا فهو من قبيل وهب الأمير ما لا يملك.

[ 193 ]

وعلى أي حال ما كان فعلا للشارط فلابد أن يكون تحت قدرته، إما ابتداء كالأفعال المباشرية، أو بتوسيط سببه على وجه لم يكن بين السبب والمسبب امور غير اختيارية الموجبة لحصول الغاية تارة وعدم حصولها اخرى، كاشتراط جعل الزرع سنبلا والبسر رطبا، فإن هذه الامور من أفعال الله تبارك وتعالى بتوسيط امور خفية وغير خفية يكون فعل العبد - وهو الزرع والسقي ونحوهما - مجرد إعداد لها، فلا يصح استناده إلى العبد وعده من أفعاله كما لا يخفى. وأما ما كان من قبيل أوصاف المبيع، فلابد أن يكون حاليا بحيث يقدر الشارط على أن يسلمه تبعا للعين، فإن لم يكن حاليا مثل الأوصاف التي يمكن تحققها كما يجوز عدمه - ككون الزرع سنبلا أيضا بناء على اشتراط اعتباره وصفا للمبيع لا فعلا للشارط، إذ يصح اعتباره بكلا الوجهين، واشتراط القدرة احتراز عنه بكلا وجهيه - فلا يجوز اشتراطه، لما ذكرنا من عدم كون الوصف الغير الفعلي مملوكا له وتحت سلطنته. وما كان من قبيل شرط النتائج مثل كون المال المخصوص لزيد - مثلا - فالقدرة عليه حصوله بنفس الاشتراط من غير حاجة إلى سبب خاص، فاشتراط كون زوجته مطلقة أو أمته حرة وأمثال ذلك باطل جدا. نعم، يصح اشتراط إيجاد السبب مثل أن يعتق عبده - مثلا - فلا مانع منه من تلك الجهة، لكونه تحت سلطنته لو لم يكن فيه محذور من جهة اخرى، فتأمل جيدا. قوله (قدس سره): (الثاني أن يكون الشرط سائغا في نفسه.... إلى آخره). الظاهر أن ذكر هذا الشرط مستدرك، لإرجاعه إلى اشتراط القدرة، فإن الممتنع شرعا كالممتنع عقلا، وكذلك على ما ذكرنا من اعتبار كونه مملوكا له، إذ بالنهي الشرعي يخرج عن تحت سلطنته ومملوكيته، مضافا إلى أن مرجع اشتراط المحرم إلى الاشتراط المخالف للكتاب، فيكون من مصاديق المسألة الآتية، فتأمل ولا تغفل.

[ 194 ]

قوله (قدس سره): (الثالث أن يكون مما فيه غرض معتد به عند العقلاء.... إلى آخره). ولو لم يوجب زيادة في المالية ولم يجعل بإزائه المال أيضا، فإن الشرط على أي حال لا يقع بإزائه الثمن ولا يقصد في العقد أصالة، فلا يلزم أن يكون له المالية. وهذا بخلاف باب الإجارة، فإن تمام الغرض هناك انتقال المنفعة فلابد أن تكون لها مالية وتكون عائدة إلى المستأجر بإزاء ثمنه، ولذا لا يصح إجارة العبادات الغير القابلة للنيابة. وكيف كان حيث إن المدار على كون الغرض معتدا به عند العقلاء، فربما يشك في بعض مصاديقه مثل اشتراط كون العبد كافرا أو جاهلا بالعبادات أو آكلا لأشياء مخصوصة، والضابط عدم اللغوية على وجه يوجب ثبوت حق للمشروط له على الشارط، فتأمل جيدا. قوله (قدس سره): (الرابع أن لا يكون مخالفا للكتاب.... إلى آخره). وهذا هو العمدة في باب الشروط، والدليل عليه الأخبار المتظافرة بين ما هو مضمونه بطلان الشرط المخالف للكتاب، أو بطلان ما ليس في كتاب الله، أو ما كان سوى كتاب الله، أو ما كان مما حرم حلالا أو أحل حراما. وفي صحيحة ابن سنان: من اشترط شرطا مخالفا لكتاب الله عز وجل فلا يجوز على الذي اشترط عليه، والمسلمون عند شروطهم فيما وافق كتاب الله (1). إلى غير ذلك من العناوين. وفي عد اشتراط الولاء لغير المعتق مخالفا للكتاب كما في بعض هذه الأخبار دلالة على أن المراد أعم من الكتاب والسنة، كما صرح به في رواية محمد بن قيس: فيمن تزوج امرأة واشترطت عليه أن بيدها الجماع والطلاق قال (عليه السلام) خالفت السنة ووليت حقا لست أهلا له (2) إلى آخره. فالضابط أن لا يكون مخالفا للمشروع، وعلى هذا فلا فرق بين اعتبار الموافقة أو عدم المخالفة - إذ لو لم يكن مخالفا للمشروع فلا محالة يكون موافقا


(1) الوسائل 12: 353، الباب 6 من أبواب الخيار ح 1. (2) الوسائل 15: 40، الباب 29 من أبواب المهور ح 1.

[ 195 ]

لأحد العمومات والإطلاقات الواردة في الكتاب والسنة، فمرجع جميع هذه العناوين إلى ما ذكرنا من عدم المخالفة للمشروع - كما لا فرق بين كون نفس الشرط أي الملتزم به مخالفا للكتاب أو الالتزام به كاشتراط عدم التسري والتزويج، كما مثل به (قدس سره) بناء على استفادة عدم جوازه من الأخبار. ولكنها لا تخلو عن إشكال، فإنه ورد في روايتين على ما نقل (قدس سره). إحداهما: رواية منصور بن يونس (1). وهي وإن دلت على التوبيخ عليه حيث قال (عليه السلام) بئس ما صنع، لكنها مصرحة بنفوذ الشرط ووجوب الوفاء به مستشهدا بقول رسول الله (صلى الله عليه وآله) المسلمون عند شروطهم. وثانيتهما: رواية محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) (2). وهي وإن كانت ظاهرة في عدم نفوذ الشرط، لكن مفروض السائل تعليق الطلاق وأنه إن تزوج عليها أو هجرها أو أتى عليها سرية فهي طالق، فيمكن أن يكون عدم نفوذه لتعليق الطلاق لا لكون الشرط بنفسه مخالفا للمشروع. اللهم إلا أن يقال: استشهاد الإمام وتعليله (عليه السلام) بمثل * (فانكحوا ما طاب لكم من النساء) * (3) * (واحل لكم ما ملكت أيمانكم) * (4) وقوله تعالى: * (واللآتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع) * (5) يدل على أن عدم النفوذ لأجل مخالفة الاشتراط لتلك العمومات فيتم المدعى، ولعله الوجه لأمره (قدس سره) بالتأمل بعد التفاته إلى ما ذكرنا من الإشكال، فراجع وتأمل. وكيف كان العمدة في المقام تشخيص الضابط لمخالف الكتاب وتمييزه عن غيره، فإنه في غاية الإشكال.


(1) الوسائل 15: 30، الباب 20 من أبواب المهور ح 4. (2) الوسائل 15: 31، الباب 20 من أبواب المهور ح 6. (3) النساء: 3. (4) نص الكتاب: * (أو ما ملكت أيمانكم) * النساء: 3. (5) النساء: 34.

[ 196 ]

وقد أطنب الكلام (قدس سره) في بيان الضابط تارة بما حاصله: أن الحكم الشرعي لو كان ثابتا على موضوعه لو خلى وطبعه مع قطع النظر عن الطواري فاشتراط خلافه ليس مخالفا للكتاب - فإنه من الطواري المغيرة له فلا ينافي كونه لو خلى وطبعه مباحا ولكن صار واجبا بعروض الاشتراط أو النذر والعهد أو بأمر الوالدين وغيرهما ممن يجب إطاعته - وإن كان ثابتا لمتعلقه بجميع حالاته وطواريه فاشتراط الخلاف مخالف للكتاب. واخرى بما حاصله: الفرق بين كون ثبوت الحكم لمتعلقه على وجه العلية أو وجه الاقتضاء فلا ينافيه اشتراط الخلاف، إلى غير ذلك مما يكون من قبيل الإحالة إلى المجهول. والذي ينبغي أن يقال في المقام: إن الشرط أي ما يتعلق به الشرط تارة من الوضعيات الشرعية. واخرى من التكاليف الخمسة التكليفية كاشتراط ترك واجب أو مباح أو فعل محرم أو مكروه ونحو ذلك. أما الوضعيات فتارة من الامور التي جعلها الشارع تحت سلطنة الشارط وأعطاه زمام اختياره، كما في باب الحقوق والأموال. واخرى ليست من هذه الامور مثل كون الولاء لمن أعتق، وولد الحر حرا، والطلاق بيد من أخذ بالساق، وغير ذلك من الامور التي ليست تحت اختيار المكلف بوجه. أما هذا القسم من الوضع فلا ينبغي الشبهة في أن اشتراط خلافها مخالف للمشروع جدا - إلا أن يقوم دليل خاص على جواز تغييره بالشرط أو النذر ونحوهما، ومن هذا القبيل اشتراط إرث المتمتع بها أو رقية من كان أحد أبويه حرا، فإن الإشكال فيها من جهة تعارض النصوص، فمن يدعي جوازه يدعيه لسبب نص خاص وإلا لا يكاد يصح تبدله بالشرط ونحوه كما لا يخفى - كما لا ينبغي الشبهة في التبدل بالشرط فيما إذا كان من قبيل القسم الأول - أي الحقوق والأموال - إذ المفروض سلطنته عليها وكون إختيارها بيده فيتصرف فيها

[ 197 ]

كيف ما شاء. وقد أشرنا سابقا أن الشرط وضع لتملك ما لا يصح تملكه بالبيع والإجارة وغيرها، فيعرض عن حق خياره في المجلس وغيره أو كون مال كذا لزيد أو غير ذلك. وهذا أيضا ليس على وجه العلية، لإمكان قيام دليل خاص على المنع من التصرف الخاص كبيع المصحف من الكافر وما يكون من نظائره. فتأمل جيدا. وأما ما كان من قبيل التكاليف فالظاهر أن الالتزام بترك الواجب أو فعل المحرم نوعا خلاف المشروع، بل لا ينبغي الشبهة فيه، لمكان إطلاق دليلهما الشامل لصورة الالتزام بالخلاف وعدمها، فيكون مخالفا للكتاب ومحللا للحرام، إلا أن يقوم دليل خاص على جواز تغييره بالشرط، كسائر العوارض المجوزة لفعل الحرام وترك الواجب. ودليل وجوب الوفاء بالشرط لا يصلح لذلك، لاشتراطه بعدم كونه مخالفا للكتاب ومحللا للحرام. فلا يقع التعارض بين دليل التكليف وأدلة الشرط أبدا كما توهم، وقيل: بالرجوع إلى المرجحات. وكيف كان فهذا وظيفة دليل آخر غير دليل الشرط، أو كان دليل الواجب أو المحرم مهملا من تلك الجهة - أي لم يكن له إطلاق حتى في صورة اشتراط خلافه - وهذا وإن كان مجرد الفرض إلا أن على تقدير تحققه فالمرجع إلى الأصل الذي ينقح تفصيلا. فهذا أحد موارد الشك التي تحتاج إلى الأصل. وكذلك فيما إذا تعارض الأدلة في جواز تغيير الحكم بالشرط، والشبهة وإن كانت مفهومية بل الشك من جهة الموضوع في أمثال المسألة قليل جدا، ولكن مع ذلك لا مجال للرجوع إلى العام، لكون المخصص متصلا فيوجب إجماله، فراجع وتأمل. وأما المباحات فالالتزام بتركها أو فعلها ليس مخالفا للمشروع، لعدم منافاة وجوبها بالعرض مع إباحتها كما لا يخفى. نعم، قد يقال بأن نفس الالتزام محرم للحلال وإن لم يكن الملتزم به مخالفا للكتاب، لما قيل من عدم المنافاة، بل يلزم ذلك في مثل النذر والعهد وما يشبههما أيضا، حيث ان الالتزام بترك المباح محرم له لا محالة، فيعمه تلك الأدلة مع أن

[ 198 ]

جميع موارد الالتزامات الصحيحة، إما التزام بفعل مباح أو مندوب، أو ترك مباح أو مكروه فكيف التوفيق! ويمكن استفادة ما يذب به عن الإشكال مما ورد في بعض الأخبار من بطلان الحلف على ترك شرب العصير المباح دائما، معللا بأنه ليس لك أن تحرم ما أحل الله. فيمكن أن يقال بأن الالتزام على ترك المباح تارة التزام بترك مصداق منه، أو بتركه مطلقا في برهة من الزمان، وهذا لا بأس به، لعدم مخالفته للكتاب لا من حيث الالتزام، ولا من حيث الملتزم. واخرى التزام بترك نوع مباح دائما - كالحلف على ترك شرب العصير دائما - وحينئذ يكون التزامه محرما لما أحله الله، كما في الرواية. وبالجملة: يمكن الفرق بين الالتزام على ترك مباح نوعا أو بعض مصاديقه وكذلك بين تركه دائما أو في برهة من الزمان، ويكون ذلك توفيقا بين الأدلة، على حسب ما تقتضيه الرواية الواردة في العصير. والإنصاف أنه لو لم تكن تلك الرواية كانت المسألة محل الشبهة. فتأمل جيدا. ثم ان بناء على هذا التفصيل، فالقدر المسلم من صحة الالتزام ما إذا كان على بعض مصاديق المباح أو نوعه في برهة قليلة من الزمان، ومن عدم صحة الالتزام ما إذا كان على نوع المباح دائما. وأما الالتزام على بعض مصاديقه دائما، أو على نوعه في مدة متمادية، فيكون من موارد الشك، فالمرجع إلى الأصل. وكيف كان فالمسألة لا يخلو عن التأمل والإشكال في بعض الموارد وأنحاء الالتزامات. فالأولى تأسيس ما يقتضيه الأصل فيها، حتى يكون هو المرجع في هذه المقامات. والذي أفاده (قدس سره) هنا أن المرجع عند الشك في مشروعية الشرط أصالة عدم مخالفته للكتاب، خلافا لما اختاره في اصوله، وعقد تنبيها خاصا لعدم جريان هذا

[ 199 ]

الأصل في تنبيهات الاستصحاب، لأن المخالفة ليست مسبوقة بالعدم مع فرض وجود موضوعه حتى يحكم باستمرار العدم، إذ الشرط إما وجد مخالفا أو غير مخالف، فلا محالة يكون استصحاب عدم المخالفة بلحاظ العدم السابق على وجود موضوعها من حيث كونها بنفسها من الحوادث المسبوقة بالعدم الازلي لا محالة. وبهذا اللحاظ - أي بلحاظ عدمها النفسي المحمولي - لم يؤخذ موضوعا، بل أخذ بلحاظ عدمها النعتي - أي عدم كون الشرط مخالفا - وبهذا الاعتبار ليس مسبوقا بالحالة السابقة. وحاصل الإشكال على هذا الأصل: أن عنوان المخالفة بوجوده النفسي المحمولي وإن كان مسبوقا بالعدم لا محالة، لكن إثباته لا يكاد يثبت الموضوع الشرعي، ولا يكاد يلتئم به الموضوع المقيد ويحرز بضم الوجدان إلى الأصل حتى يترتب عليه حكمه إلا بنحو من الملازمة العقلية التي لا اعتبار بها في الاصول على ما حقق في محله. وبوجوده النعتي الرابطي إذا استصحب عدمه يلتئم منه الموضوع، ولكنه غير مسبوق بالعدم الكذائي، لوضوح أن العدم لا يكاد يصير نعتا لموضوعه إلا بتحقق الموضوع، غير متصف بالوصف، فيصير عدم الوصف نعتا له. أما قبل وجود الموضوع فليس إلا العدم المحمولي. ولقد أجاد (قدس سره) في تنبيهات الاستصحاب في بيان الضابط بين العدم النفسي والنعتي، وعدم جريان الأصل في الثاني دون الأول، وكأنه عدل عنه وبنى على جريان هذا الأصل. وحيث إنه أصل دائر في كثير من المسائل الفقهية فلا بأس بشطر من الكلام فيه، وبيان ما هو التحقيق فيه في الجملة. فنقول: إذا اخذ قيد في موضوع الحكم الشرعي وجودا أو عدما، فتارة من قبيل العرض ومحله، واخرى من قبيل الجوهرين - مثل كون زيد وعدم كون عمرو معه مثلا - أو عرضين لموضوعين، أو لموضوع واحد خارج عن موضوع الحكم. أما ما لم يكن من قبيل العرض وموضوعه، فجريان الاستصحاب في كل

[ 200 ]

واحد من الجزئين مبني على مسألة معلومي التاريخ، ومجهولي التاريخ فإن كان أحدهما معلوما كموت المورث والآخر مجهولا كإسلام الوارث - مثلا - يستصحب عدمه إلى زمان الآخر، فيلتئم الموضوع بضم الوجدان إلى الأصل ويترتب عليه الحكم الشرعي، أو نقيضه إذا كان المأخوذ في لسان الدليل مجرد كون الحادثين مجتمعين في سلسلة الزمان، أو كان أحدهما قبل الآخر أو بعده كذلك من دون اعتبار عنوان بسيط من العناوين المنتزعة عن ذلك كالتقارن والتقدم والتأخر حتى عنوان الحال وشبهه، وإلا فجريان الأصل لا يكاد يثبت هذا العنوان كما لا يخفى. نعم، لو كان كلاهما مجهولي التاريخ فالأصلان فيهما متعارضان متساقطان، كما شرح في محله. وأما ما كان من قبيل العرض وموضوعه، فتارة يكون العرض نعتا لموضوعه مسبوقا بالوجود أو العدم، مثل أن زيدا كان عادلا فيشك فيستصحب عدالته، أو كان ولم يكن بفاسق فيستصحب عدم فسقه، وهذا مما لا إشكال فيه. وإنما الإشكال في استصحاب عدمه المحمولي، أي بلحاظ عدمه السابق على وجود موضوعه فيما إذا لم يكن بوصفه النعتي مسبوقا بالوجود أو العدم بل موضوعه إما وجد متصفا به أو غير متصف به من أول الأمر، وهذا مبني على إمكان أخذه بهذا اللحاظ في موضوع الدليل ثبوتا وإثباتا، حتى يلتئم الموضوع ببركة الاستصحاب وضم الوجدان إلى الأصل. والأقوى عدم إمكان أخذه كذلك - أي بوجوده النفسي المحمولي أو عدمه كذلك - لا ثبوتا ولا إثباتا. أما من حيث الثبوت فلأن المعروض بالنسبة إلى انقسامه إلى هذا العرض ونقيضه، إما أن يكون مطلقا، فتقيده بعدم كون العرض بوجوده المحمولي مقارنا له يدافع مع هذا الإطلاق، لبداهة أن الملازمة العقلية مرعية بحسب الواقع ونفس الأمر، وإنما لم يعين بها في مقام إجراء الاصول. ووجود العرض بنفسه ولنفسه

[ 201 ]

عين وجوده لموضوعه، فإذا فرضنا أن المعروض من حيث انقساماته الأولية الملحوظة قبل انقساماته من حيث الامور المقارنة له مطلق غير مقيد لا بوجود العرض نعتا له ولا بعدمه فتقيده بعدمه المحمولي يدافع مع هذا الإطلاق لا محالة. وإن كان مقيدا به أو بنقيضه على وجه النعتية، فتقيده به كذلك - أي كونه أمرا مقارنا له - لغو صرف، لأجل الملازمة الواقعية بين نحويه من الوجود مثلا في قولنا " أكرم العالم " إذا كان العالم من حيث انقسامه إلى الفاسق ونقيضه مطلقا غير مقيد لا به ولا بنقيضه، فتقييده بعدم وجود فسقه مقارنا لوجوده يدافع مع هذا الإطلاق ويناقضه لا محالة. وإن كان مقيدا بعدم كونه فاسقا، فتقيده أيضا بعدم وجود الفسق في زمانه تقييد لغو مستهجن. فيتعين أن يكون العرض ملحوظا على وجه النعتية في مقام الإطلاق والتقييد بالنسبة إلى معروضه، ولا تصل النوبة إلى لحاظه عرضا ومحمولا، لما أشرنا إليه من أن لحاظ الموضوع إطلاقا أو تقييدا بالنسبة إلى عوارضه وانقساماته الطارئة عليه أولا مقدم على لحاظه باعتبار مقارناته. فإطلاق الموضوع أو تقييده بالنسبة إلى عوارضه إنما يلاحظ بوجوداتها النعتية، ولا يعقل الإطلاق ولا التقييد بلحاظ وجوداتها النفسية. وبما هي أشياء في حد نفسها مباينة لوجود موضوعاتها فتأمل جيدا. وأما من حيث الإثبات وملاحظة الأدلة، فلأن أخذ القيد في موضوع الحكم تارة بنحو المركب التوصيفي كقولك " أكرم العالم العادل " مثلا واعتباره نعتا لموضوعه بديهي في هذا القسم، واستصحاب وجود العدالة مقارنا للعالم لا يثبت عنوان " العالم العادل " كما هو واضح. واخرى بدليل منفصل كقولك " لا تكرم الفاسق من العالم " بعد الحكم بإكرام العالم مطلقا. وهذا القسم أيضا يكشف الدليل المنفصل عن اعتبار نقيضه العدمي - أي من ليس بفاسق في مصب العموم - ويخرج العام عن كونه تمام الموضوع، فيساوق التوصيف غايته بعنوان عدمي الذي هو نقيض الخارج.

[ 202 ]

وما افيد في المقام من بعض أساتيدنا الأعلام طاب ثراه: من عدم معنونية العام بعنوان النقيض بل هو معنون بكل عنوان - فيعم صورة لحوق العرض عليه بوجوده المحمولي فيستصحب عدمه الأزلي، وببركته يدخل في موضوع العام ويعمه حكمه - مرجعه إلى عدم التخصيص المفروض وجوده، فيلزم الخلف، لبداهة أن بعد خروج عنوان الفاسق مثلا عن تحت العام فلا محالة تضيق موضوع الحكم ومصب العموم، ولا يبقى انقسامه إلى الخارج ونقيضه. ولا نعني بالتقييد إلا هذا. نعم، إطلاقه بالنسبة إلى وجود العرض وعدمه بما هو أمر مقارن له وإن لم ينثلم بالتقييد اللفظي، فإن الخارج إنما هو بعنوانه النعتي ونقيضه الذي يقع في مصب العموم كذلك لا محالة. ولكن قد عرفت ان بعد هذا التقييد لا يكاد يبقى ذاك الإطلاق، وإلا يتدافعان لأجل الملازمة الواقعية. وتوضيح المقام بأزيد من هذا البيان موكول إلى محله. وكيف كان فهذا القسم أيضا - بعد وقوع نقيض الخارج في مصب العموم - مرجعه إلى التقييد بالمتصل. وثالثة يكون بنحو الاستثناء كقولك " أكرم العالم إلا الفاسق منهم " وهذا أيضا كالمنفصل في تضييق مصب العموم وتقييده بنقيض الخارج، بل هو أولى كما لا يخفى على المتأمل. فتأمل. ورابعة يكون بدليل منفصل لكن على نحو يكون التقييد واردا على عنوان الوصف كما هو الشائع المتعارف في ألسنة العلماء، ولا يخلو لسان الأدلة عنه أيضا كقولهم: يشترط في الإمام العدالة والذكورية والحرية مثلا. وهذا القسم مع قطع النظر عما ذكرنا في مرحلة الثبوت يمكن في مقام الإثبات أن يكون اعتبار الوصف في موضوع الحكم بجواز الاقتداء بوجوده النفسي المحمولي، بأن يكون الشرط في جواز الاقتداء مثلا كون العدالة والحرية ونحوهما موجودة في زمان

[ 203 ]

وجود الإمام ومقارنة لوجوده، لا نعتا له، بأن يكون عادلا أو حرا مثلا. وهذا مع قطع النظر عن كونه تقييدا مستهجنا ربما يقطع بعدمه وعدم إرادته لو فرض وقوعه في لسان الأدلة، غايته أنه يوجب الشك في أحد النحوين، وهما كيفيتان متباينتان من التقييد، فلابد من إحراز القيد بكلا الوجهين، فلابد أن يكون الوصف بكلا نحويه مسبوقا بالوجود أو العدم، بل إثبات عدمه نعتا يلازم عدمه مقارنا، ولا عكس. فتأمل جيدا. وبالجملة: فقد ظهر أن بحسب لسان الأدلة إنما اخذ الأوصاف التي نسبتها إلى موضوع الحكم نسبة العرض إلى محله على وجه النعتية والصفتية - لا بوجوداتها النفسية وبما هي ماهيات في حيال ذاتها - فلابد في إحرازها بالاستصحاب أن تكون مسبوقة بالحالة السابقة بما هي نعوت لموضوعاتها. وإحراز عدمها الأزلي بما هي ماهيات في قبال موضوعاتها لا يثبت عنوان نعتيتها، إلا بالملازمة العقلية الغير المرعية في الاصول العملية على ما حقق في محله. وحينئذ فاللازم تنقيح أنها بوجوداتها النعتية مسبوقة بالعدم حتى يستصحب عدمها، أو ليست مسبوقة بالعدم كذلك فلم يكن مجال للاستصحاب. وصحة الاستصحاب هنا مساوقة لما هو المعروف عند المنطقيين من صدق السالبة بانتفاء الموضوع وعليه بنوا الفرق بين السالبة المحصلة والموجبة المعدولة المحمول. ولكن المرضي عند المحققين أنه من الأغلاط، كما صرح به الحكيم السبزواري في حاشيته على الأسفار وإن تبعهم في منظومته في المنطق. وكيف كان توضيح المقام مبني على بيان إجمالي في حقيقة الربط والنسبة في القضية، وأنه من ناحية الماهية، بمعنى أن الماهيات العرضية مع قطع النظر عن وجوداتها لها جهة نفسية، وجهة ربطية بموضوعاتها. فإذا كانت الماهية بكلتا جهتيها مسبوقة بالعدم فنعتيتها لموضوعها تكون مسبوقة بالعدم الأزلي، فيصح استصحاب عدمها بنحو من العناية. أو أن الربط والنسبة بأنفسهما ماهية ثالثة خارجة عن ماهية الموضوع والمحمول، وهي المادة المشتركة التي يرد عليها

[ 204 ]

الإيجاب تارة والسلب اخرى، فيكون عنوان الربط بنفسه كسائر الماهيات مسبوقا بالعدم، فيستصحب استمرار العدم وعدم طرده بالوجود. أو أنه معنى منتزع من ناحية وجود العرض. والماهية بنفسها ليست إلا هي تارة يلحقها الوجود المحمولي الطارد لعدمه كذلك، واخرى باقية على عدمها. فالنعتية والربطية والاتصاف وغيرها - كلما شئت فعبر - عناوين منتزعة عن خصوصية وجود العرض، وأنه إذا وجد وجد في الغير لا محالة. وبعبارة اخرى إذا افيض الوجود إلى العرض ووجد في موضوعه فلوجوده اعتباران، لا أن له وجودين، فإنه من الأغلاط اعتبار كونه بنفسه موجودا من الموجودات في عرض موضوعه، واعتبار كونه حالا فيه وقائما به وفانيا فيه. فمن اعتباره الثاني ينتزع الوجود الربطي النعتي، كما أن من اعتباره الأول ينتزع الوجود النفسي المحمولي. وعلى هذا ليست النعتية مسبوقة بالعدم، بل المسبوق به هو الماهية العرضية التي تنقسم إلى الموجودة تارة وإلى المعدومة اخرى، وهي التي نسبتها إليهما على حد سواء. وأما الوجود فلا يعقل أن يعرضه العدم كما هو واضح لا يخفى. وما قيل: من أن الوجود مسبوق بالعدم. فيه مغالطة، فإن معناه أن وجود الماهية مسبوق بعدمها لا بعدمه، بمعنى أن وجودها يطرد عدمها وينقضه، لا أن الوجود كان معدوما ثم لحقه الوجود أو يشك فيه فيستصحب عدمه، فإن ذلك من الأغلاط الواضحة التي لا يكاد يتفوه به ذو مسكة، فإنهما وصفان متقابلان يعرضان الماهيات، فلا يعقل اتصاف أحدهما بالآخر تارة وبنقيضه اخرى، كما لا يخفى. وبالجملة: الذي يكون مسبوقا بالعدم هو الماهية، وهي القضية المتيقنة في الاستصحاب التي يصح أن يقال: إنها كانت معدومة والآن كما كانت، ولا يصح أن يقال: إن الوجود الربطي كان معدوما والآن كما كان، بالضرورة من العقل والبداهة من الوجدان.

[ 205 ]

فقد ظهر من ذلك كله أن الربطية والنعتية وغيرهما من العناوين منتزعة عن وجود العرض، وتحققه في الخارج قائما بموضوعه وفانيا فيه، فلا يعقل أن يكون مسبوقة بالعدم المحمولي فضلا عن النعتي، وإنما المسبوق به ذات العرض بما هو عرض، لا بما هو عرضي. فافهم واغتنم. وقد ظهر أن هذا مساوق لكذب القضية السالبة بانتفاء الموضوع كما قال به أهل التحقيق. نعم بناء على الوجهين الأولين وهو أن يكون الربطية من قبل ذات الماهية العرضية أو تكون ماهية ثالثة رابطة بين الموضوع والمحمول فإذا كانت الماهية بخصوصياتها مسبوقة بالعدم فيصح أن يقال: خصوصيتها النعتية كذلك مسبوقة بالعدم. وأوضح من ذلك الوجه الثاني، لوضوح أن عنوان الربطية إذا كانت ماهية من الماهيات فمسبوقة بالعدم لا محالة، فيصح الاستصحاب. وكذلك يصح قولهم بصدق السالبة بانتفاء الموضوع، فإن نفي الربط كما يصدق مع وجود الموضوع كذلك يصدق مع عدمه أيضا. ولعله يرجع إلى ما ذكرنا من الوجهين الخلاف المحكي بين القدماء من المنطقيين والجماعة المتأخرة عنهم: من أن مفاد السالبة هو سلب الربط الذي في الموجبة - بمعنى أن الإيجاب في الموجبة عبارة عن نسبة المحمول إلى الموضوع فيرد على مادة المحمول - وفي السالبة يرد السلب على هذه النسبة الإيجابية، ولازمه عدم وجود السلب والايجاب على شئ واحد. وهذا خلاف ما يقضي به الوجدان بداهة أن ما يثبت للموضوع في الموجبة بعينه يسلب وينفى في السالبة. وكذلك لازم هذا القول خلو القضية السالبة عن الربط والنسبة، وهذا أيضا مما لا يساعده الضرورة من الوجدان. ولذا عدل عن ذلك الجماعة المتأخرة، وقالوا بأن مفادها ربط السلب أي السلب والإيجاب يردان على النسبة الخبرية على حذو واحد - وهي المادة المشتركة في كلتا

[ 206 ]

القضيتين الخارجة عن مادتي الموضوع والمحمول - ولازمه القول بتربيع أجزاء القضية كما قالوا. وهذا الوجه وإن كان أصلح من الوجه الأول، إلا أنه أيضا خلاف التحقيق ويصادمه الوجدان الدقيق، إذ من البديهي في استعمالاتنا ومحاوراتنا أن النسبة ليست شيئا برأسها وجزء للقضية بنفسها، إذ لازمه أن يكون من سنخ الماهيات، مع أنها منحصرة في المقولات المعروفة، مضافا إلى أن بناء عليه تحتاج بنفسها إلى ما يربطها بطرفيها. فافهم جيدا. وقد خرجنا عما هو المقصود في المقام. وكيف كان فعلى هذين الوجهين يتم استصحاب الأعراض بوجوداتها النعتية، كما يصح صدق السالبة بانتفاء الموضوع أيضا. ولكن على ما هو تحقيق الحق في المقام كما قال به المتأخرون من أهل الصناعة من أن النسبة في حاق حقيقتها منقسمة إلى ثبوتية وسلبية، وأنها بكلا قسميها واردة على مادة المحمول، فالإيجاب عبارة عن ثبوت المحمول العرضي لموضوعه، كما أن السلب سلب المحمول عن موضوعه، وأنه غير متصف به وغير معنون بعنوانه. ومرجعه إلى ما ذكرناه واخترناه - على ما يساعد عليه الوجدان في الاستعمالات والمحاورات - من أن النسبة الثبوتية أمر منتزع عن نفس وجود العرض في محله وقيامه به وفنائه فيه، كما أن السلبية عبارة عن عدم قيام العرض بمحله، فيصير ذلك وصفا وعنوانا عدميا للموضوع لا محالة. وهذا معنى قولهم النسبة في حاق حقيقتها تنقسم إلى الثبوتية والسلبية. ويشهد لذلك ما بنوا عليه وحققوه: من أن كل واحد من الوجود والعدم ينقسم إلى النفسي المحمولي والرابطي. نعم، قد استشكل صدر المتألهين في العدم الربطي نظرا إلى أن العدم كيف يكون رابطا، مع أنه لا يصلح لأن يكون منشأ لأثر، بل الآثار كلها من قبل الوجود وهو منشؤها ومبدؤها. ولذا قد مال في حقيقة النسبة إلى ما ذهب إليه المتقدمون: من أن النسبة السلبية سلب ما في القضية الإيجابية، غفلة عن تواليه الفاسدة ومحاذيره التي اشير إليها في الجملة، مع مصادمته للضرورة والوجدان.

[ 207 ]

وقد أجاد شيخنا الأنصاري (قدس سره) وكيف أجاد، بل لعله مما أجرى الله تعالى على قلمه من التعبير عن العدم الربطي بالنعتي، وبه يحسم مادة الإشكال، لوضوح صلاحية العدم المضاف أن يصير نعتا لمنعوته وعنوانا له ولو سلم عدم صلاحيته للربط كما توهم. والحاصل: أن الذوات كما تتصف بالأوصاف الوجودية، كذلك تتصف بالأوصاف العدمية، بمعنى ان يكون عدم القيام مثلا عنوانا ووجها لزيد كما ان وجوده ربما يكون كذلك. وقد ظهر أن كلا منهما بذاك الاعتبار ليس مسبوقا بالعدم فلا مجال لاستصحابه بل المسبوق به باعتبار وجود الوصف وعدمه المحمولي، واستصحابه بذاك الاعتبار لا يثبت وجوده وعدمه نعتا وإن يلازمه واقعا، إلا أن بناء الاصول على التفكيك بين اللوازم والملزومات والملازمات، كما لا يخفى. وقد ظهر أيضا أن صدق السالبة بانتفاء الموضوع من الأغلاط الواضحة. وما يتداول في الألسنة بنحو من العناية لا محالة لو كان من الاستعمالات الصحيحة فلا يزاحم مع ما ذكرنا من البيان وإقامة البرهان. نعم، هناك مغالطة قد استدل بها القائلون بالصدق، وهي أنه لو لم يصدق السالبة عند انتفاء الموضوع لصدق نقيضه لا محالة، والتالي باطل بالضرورة، فالمقدم مثله. مثلا لو لم يصدق " زيد ليس بقائم " عند انتفاء الموضوع لصدق نقيضه وهو " زيد قائم " لامتناع ارتفاع النقيضين. وحله: أن العوارض اللاحقة للموضوعات تارة هي نفس الوجود والعدم. واخرى سائر العوارض كالقيام والقعود ونحوهما. أما الوجود والعدم فيلحقان ذات الموضوع بماهيته وحقيقته العارية عن كلا الوصفين، ولذا يكون الحمل في مثل " زيد موجود " مبنيا على العناية والتجريد. وحينئذ فهما وصفان متقابلان تقابل الإيجاب والسلب، بمعنى امتناع ارتفاعهما بالقياس إلى الماهيات كما يمتنع اجتماعهما أيضا، ولا يعقل الواسطة بينهما، إذ معروضهما ذوات الماهيات كما قلنا.

[ 208 ]

وأما سائر العوارض فتلحق الموضوعات المفروضة وجودها، فإنها هي التي تصح قيام العرض بها أو نقيضه وانقسامها إلى القسمين، وأما الماهية بذاتها مع قطع النظر عن كونها موجودة لا تكاد تتصف بالقيام ولا بنقيضه. وكذلك سائر العوارض، فيكون تقابل كل عرض ونقيضه تقابل العدم والملكة، لورودهما على موضوع قابل لأن يتصف بهما، وهو الموضوع المفروض الوجود، فيصح حينئذ ارتفاعهما بانتفاء موضوعه. نعم، بعد فرض وجود الموضوع لا يعقل ارتفاعهما، كما لا يمكن اجتماعهما. ولا يجري ذلك بالنسبة إلى وصفي الوجود والعدم، فإن فرض انتفاء الموضوع مساوق لاتصاف الماهية بالعدم، فلا يعقل تصور خلوها عن الوصفين، كما لا يخفى. وحينئذ نقول: السالبة عند انتفاء الموضوع بنفسها من الأغلاط، لعدم صلاحية الموضوع بعد فرض انتفائه للحوق عدم القيام به، كما لا يصلح للحوق القيام به، فتأمل جيدا. فإن قلت: على هذا فلا فرق بين السالبة المحصلة والموجبة المعدولة المحمول من حيث الصدق، مع أنهم قد فرقوا بينهما باعتبار ثبوت الموضوع في الثانية كما في سائر الموجبات، دون الاولى. قلت: نعم لا فرق بينهما بحسب الصدق، والتفرقة المذكورة عين المدعى، فمصادرة. نعم، فرق بينهما من جهة اخرى، وهو ما أشرنا إليه: من أن الموضوع إذا اتصف بوصف عدمي يصير ذلك العدم المضاف عنوانا له بلحاظ الثانوي. فالفرق بينهما هو الفرق بين العناوين الأولية والثانوية، بمعنى أن زيدا إذا حكم عليه بعدم القيام فينتزع منه عنوان بسيط ثانوي باللحاظ الثانوي، فيتصف بكونه " لا قائم " ولذا لو كان موضوعا لحكم شرعي بهذا العنوان فاستصحاب عدم اتصافه السابق بالعرض لا يثبت ذاك العنوان. فافهم جيدا.

[ 209 ]

وكيف كان، فنتيجة ما ذكرنا من التفصيل والتطويل وإن لم يكن خاليا عن الفائدة والإفادة، لشيوع هذا الاستصحاب في الأبواب كثيرا فلابد من تنقيحه. أن النعوت العدمية التي نسبتها إلى منعوتاتها نسبة العرض إلى موضوعه - مثل عدم كون الشرط مخالفا، أو عدم كون الدم حيضا أو عدم كون الماء كرا، أو عدم كون الامرأة قرشية، إلى غير ذلك من الموارد العديدة التي لا تحصى - لا مجال لاستصحابها بلحاظ عدمها السابق على وجود موضوعاتها، لعدم كونها بهذا اللحاظ مسبوقة بالعدم، وبلحاظ عدمها المحمولي لم تؤخذ موضوعا لحكم، بل قد عرفت امتناعه ثبوتا، وعدم وقوعه إثباتا. وحينئذ لو شك في هذه الموارد مثل ان الشرط مخالف للكتاب أم لا؟ فلا أصل في تلك المرحلة، ولكنه حيث يوجب الشك في نفوذ الشرط فالأصل المسببي - أي أصالة عدم نفوذ الشرط وعدم كون المشروط عليه ملزوما به - هو المحكم. فافهم واغتنم. قوله (قدس سره): (الشرط الخامس أن لا يكون منافيا لمقتضى العقد.... إلى آخره). اعلم أن مقتضيات العقد تارة ما يقتضيه بذاته، بمعنى أن سلب ذاك المقتضى عنه يكون مساوقا لنفيه وإبطاله. واخرى ما يقتضيه بإطلاقه، سواء كان من آثاره المترتبة عليه عرفا - مثل اقتضائه للتسليم والتسلم، وكون الثمن نقدا، وكونه نقد البلد وما يشبه ذلك - أو من الأحكام الثابتة له شرعا مثل ثبوت خيار الحيوان للمشتري وخيار المجلس للمتعاقدين ونحوهما، فإن مرجع الجميع إلى الأحكام الثابتة له شرعا غايته إما تأسيسا أو إمضاء، وإلا فالأثر العرفي لولا الإمضاء الشرعي لا مانع من اشتراط خلافه، لعدم منافاته مع ذات العقد، ولا يندرج تحت عموم الشرط المخالف للكتاب، فلا محذور. وكيف كان، فمن المعلوم أن ما كان منافيا لإطلاقه لا مانع عن اشتراطه، لوضوح أن معنى الإطلاق صلاحيته للتقييد وصحة الاشتراط على خلافه، فالمنع عنه من جهة اخرى لا محالة. فيندرج المسألة من تلك الجهة في المسألة السابقة،

[ 210 ]

من ملاحظة كونه مخالفا للمشروع، أو غير مخالف. فما أفاده (قدس سره) من الوجهين لعدم الصحة لا يجريان في مورد واحد، بل الوجه الأول لما كان منافيا لذات العقد والثاني لما كان منافيا لما جعله الشارع من آثاره فلابد من ملاحظة دليل ذلك الجعل، من أنه جعل اثرا لذات العقد أو لإطلاقه. وعلى أي حال لا دخل له بما يقتضيه العقد من الالتزامات المنشأة به صريحا أو ضمنا، مطابقة أو التزاما، بل من الأحكام الثابتة له بالتعبد، فالمتبع ملاحظة دليله. وكيف كان، فقد اختلط هذه المسألة بالمسألة السابقة، ولعله المنشأ للإشكال وصعوبة الفرق بين الموارد التي يصح الاشتراط عما لا يصح. فكان حق المقام تخصيص البحث هنا بالآثار المترتبة بحسب العرف والعادة على ما ينشأ بالعقد، والبحث عما هو مقتضى ذات العقد بحيث لو لم يكن كان الإنشاء لغوا، وكان اشتراط عدمه مناقضا لما أنشأه بالعقد أولا، وما هو مقتضى إطلاقه فاشتراط عدمه كان رافعا للإطلاق المقتضي له، لا منافيا لما اقتضاه مع حفظ المقتضي، كما لا يخفى على المتدبر، فتدبر. وأما الآثار المجعولة على العقد شرعا - التي لا ربط لها بالإنشاء العقدي وما ينشأ به ويلتزم به المتعاقدان صريحا أو ضمنا - فهي خارجة عن هذه المسألة رأسا، ومندرجة في المسألة السابقة. وقد عرفت أن المتبع ملاحظة دليل الجعل، وحينئذ فتشخيص القسمين - أي ما يقتضيه ذات العقد أو إطلاقه - في غاية الوضوح وكمال السهولة، فإن المنشئات العقدية تارة ينشئها العاقد أولا وبالذات ويدل العقد عليه مطابقة، مثل تمليك الأعيان في البيع والمنافع في الإجارة. واخرى ينشئها تبعا وضمنا بحيث يعد من مداليل العقد التزاما، مثل كون العوض نقد البلد أو كون ما انتقل عنه صحيحا أو غير ذلك من الامور التي يتضمنه العقد، ويدل عليه بالدلالة الالتزامية. فإن كان مرجع الاشتراط إلى ما ينافي الأول - مثل أن يكون مرجعه إلى عدم

[ 211 ]

حصول المبادلة والتمليك والتملك مثلا - فهو مناف لمقتضى العقد لا محالة، للزوم المناقضة الواضحة. ومن هنا يظهر وجه بطلان اشتراط كون البيع بلا عوض والإجارة بلا اجرة، فإن العوض والاجرة في البيع والإجارة من مقوماتهما التي يدل العقد عليه بمدلوله اللفظي المطابقي، لما عرفت من أن حقيقة البيع مبادلة الأعيان بالأموال، والإجارة مبادلة المنافع بها، فاشتراط عدمهما مناف لما أنشأه العاقد ابتداء، كما لا يخفى. وهذا بخلاف اشتراط عدم بيعه أو وقفه أو هبته مطلقا أو بشخص خاص، فإنه لا ينافي مع التمليك والتملك المنشأ بالعقد، بل هو من آثاره ولوازمه المترتبة عليه بحسب العرف والعادة لولا الاشتراط على خلافه. نعم، إذا كان مرجع الاشتراط إلى منع جميع الآثار المترتبة على ما ينشأ بالعقد من الزوجية والملكية ونحوهما فلا يبعد إلحاقه إلى ما ينافي لمقتضى العقد، لأن ما ينشأ به إنما هو طريق للوصلة إلى تلك الآثار، فمع اشتراط عدمها كأنه لم ينشئ بالعقد شيئا، فيلزم المناقضة ولو بنحو من العناية والمسامحة. وكذلك الأثر الظاهر على وجه كان تمام الغرض والغاية للعقد - وكان سائر الآثار بالنسبة إليه من قبيل ضم الحجر إلى جنب الإنسان غير ملحوظة بنظر المتعاقدين، وغير مرغوبة من العقد بحسب العرف والعادة - بحيث كان انتفاؤه بنظرهم مساوقا لانتفاء العقد. ولعل نظر المشهور في عدم صحة اشتراط المنع عن البيع والهبة في ضمن عقد البيع إلى ذلك. ولكنه ليس بجيد، لأن البيع بالنسبة إلى الملكية ليس بهذه المثابة. نعم، ربما يكون كذلك في بعض الأعيان بالنسبة إلى بعض الأشخاص، إلا أن المناط ليس على ملاحظة الأشخاص، بل على ما هو كذلك نوعا بحسب ما يقتضيه العرف والعادة، ومن هذا القبيل اشتراط عدم الوط ء في عقد المزاوجة، فلا مانع عنه كما ورد عليه الرواية.

[ 212 ]

نعم، لا يبعد أن يكون المنع عن مطلق الاستمتاع فيه منافيا لمقتضى العقد بذاك المعنى الذي أشرنا إليه. وإن كان مرجعه إلى نفي الالتزامات الضمنية التبعية التي يتضمنها العقد بحسب العرف والعادة، فقد عرفت أنها من مقتضيات إطلاقه المنصرف إلى ما هو المعمول في نوع المعاملة عرفا، فإذا صرح على خلافه كالبراءة عن العيوب أو كون الثمن مؤجلا ونحو ذلك فلا إطلاق، حتى يكون اشتراط الخلاف منافيا لمقتضاه، فلا محذور. وبالجملة: فرق بين الالتزام المنشأ في متن العقد صريحا ومطابقة، والالتزامات التبعية المتفرعة عليه اللاحقة له عند إطلاقه. فاشتراط الخلاف مناف لمقتضى العقد في القسم الأول، دون الثاني، ويلحق بالقسم الأول اشتراط المنع عن جميع الآثار أو الأثر المطلوب المرغوب من العقد، بحيث يكون سائر الآثار في جنبه وجودها كعدمها، غير مرعية بنظر المتعاقدين، كالملكية في عقد البيع بناء على كونها من لوازم البيع، حيث إن حقيقته مبادلة المال بالمال في الملك، وإن قلنا بأنه تمليك بالعوض فالملكية نفس المنشأ بالعقد. وعلى أي حال اشتراط عدمها مناف لمقتضى العقد، بخلاف مثل الالتزام بوصف الصحة أو عدم تغابن العوضين أو كون الثمن مؤجلا ونحو ذلك، فإنها التزامات تبعية يقتضيها العقد بإطلاقه بحسب العرف والعادة. فبالتصريح على خلافه يرتفع موضوع الإطلاق، من دون انثلام في حقيقة العقد، كما هو واضح. وأما الآثار الشرعية الثابتة للعقد تعبدا فتارة مترتبة على المعقود عليه من دون نظر إلى سببه أصلا، مثل " الناس مسلطون على أموالهم " فإن السلطنة جعلت أثرا للملكية من أي سبب كانت ولو حصلت من الأسباب القهرية كالإرث مثلا، وهذا لامساس له بباب منافيات العقد بوجه، فيتمحض المنع عنها بكونه مخالفا للكتاب، ومن هذا القبيل حق الإسكان الثابت للزوج فلا ربط له بالعقد حتى يكون منعه عنه مناف لمقتضاه، بل الكلام فيه ينبغي أن يقع من حيث كونه حقا قابلا

[ 213 ]

للإسقاط أو حكما تعبديا غير قابل له، لا من حيث منافاته للعقد. وكذلك ما يرجع إلى قصر السلطنة في الأموال، مثل المنع عن البيع وأمثاله. وقد عرفت في المسألة السابقة أن كلما يرجع إلى باب الحقوق يصح إسقاطه بالاشتراط في متن العقد أو بعده، فإنه مقتضى كمال السلطنة وتماميتها، كما لا يخفى. واخرى مترتبة على العقد بما هو عقد خاص كخياري المجلس والحيوان في عقد البيع، وهذا القسم يمكن إدراجه في المسألة بأن المنع عن تلك الآثار مخالف لما يقتضيه العقد شرعا. ولكن مع ذلك حكمه موكول إلى المسألة السابقة من الفرق بين كونها حقا أو حكما، وضعا أو تكليفا، والرجوع إلى دليله، من حيث قابليته للاشتراط على خلافه، وعدمها. وحينئذ فاشتراط عدم الخيارين في البيع مثلا لا محذور فيه إن كان مرجعه إلى إسقاط ما جعله الشارع حقا لهما، لما نقحنا في المباحث السابقة أن حقيقة الحق متقومة بكونه تحت سلطانه وزمامه بيده. نعم، لو كان مرجعه إلى عدم كون العقد خياريا فيرجع إلى التصرف في الحكم الشرعي، فلا ينفذ، ولا يجوز قطعا. فتأمل جيدا. ومما ذكرنا ظهر أن بعض المسائل المبحوث عنها في المقام لا مساس له بالشرط المخالف لمقتضى العقد، مثل اشتراط عدم بيعه أو وقفه أو هبته مطلقا أو من شخص خاص، فلا مانع من الاشتراط، من غير فرق بين العتق وغيره كما قيل، وإلا فبناء العتق على التغليب لا يكاد ينفع، كما لا يخفى. وكذلك اشتراط عدم إخراج الزوجة عن بلدها، لما عرفت من أنه غير مرتبط بالعقد. نعم، ينبغي التكلم في بعض هذه المسائل - مثل الفرق بين الإجارة والعارية، وجواز اشتراط الضمان في الثاني دون الأول، واشتراط توارث الزوجين في عقد المتعة، واشتراط عدم الخسران في عقد الشركة - فإنها لا يخلو عن التأمل والإشكال.

[ 214 ]

فنقول: وعلى الله الاتكال أما الاولى: فالمشهور بينهم عدم جواز اشتراط الضمان في عقد الإجارة دون العارية، معللا بأنه مخالف لمقتضى العقد. وناقش فيه المقدس الأردبيلي (1)، وتبعه شارح الروضة في حاشيته (2) عليها، بمنع كونه منافيا لذات العقد، بل ينافي إطلاقه الغير المنافي مع اشتراط خلافه. وعن بعضهم على ما حكى شيخنا المحقق الاستاذ - دام ظله - التفصيل بين الإجارة على الأموال فلا يجوز، وعلى الأعمال فيجوز، إذ فرق بينهما. ففي إجارة العين يقع مال المؤجر في يد المستأجر، ومعنى ضمانه ضمان المستأجر. وفي الإجارة على الأعمال - كالخياطة والقصارة ونحوهما - يقع مال المستأجر في يد الأجير، والمراد بضمانه ضمان الأجير، لا المستأجر. ثم إن المتسالم بينهم ظاهرا في القسم الثاني عدم استحقاق الأجير للاجرة إلا بمقدار وفائه للعمل، فيستحق الاجرة تدريجا بأداء العمل كذلك. وهذا ينطبق على ما هو المعروف من أن الإجارة عقد على المنافع التدريجية الموجودة جزء فجزء، ولا إشكال فيه - من حيث كونها معدومة فلا يصح تعلق العقد بها وتملكها - بعد ما كان لها نحو وجود اعتبارا عند العقلاء، ويصح بذل المال بإزائها عندهم، وجرت سيرتهم عليه. وأما القسم الأول - أي الإجارة على الأعيان - فالمتسالم عندهم ظاهرا استحقاق المؤجر للاجرة بمجرد تسليم العين، وعدم حق النكول للمستأجر بعد وضع يده عليها، وأن استقرار ملكيته للاجرة يتوقف على انقضاء المدة، فلو تلف العين أو سلب عنها المنفعة تحسب عليه. وانطباق هذا الفتوى على تمليك المنافع لا يخلو عن الإشكال، إذ المنافع تدريجية فلازمها استحقاق الاجرة كذلك. ثم إنه لو استحق الاجرة بتسليم العين فتوقف استقرار ملكيته على انقضاء المدة لا يستقيم بظاهره.


(1) مجمع الفائدة 10: 69. (2) شرح الروضة: 365 س 26.

[ 215 ]

ومن ذلك كله يستكشف أن ما يقع عليه الإجارة ليس صرف المنافع المتدرجة، وإلا فقد عرفت أنه لا وجه لاستحقاق الاجرة بتسليم العين، بل للعين نحو دخل في متعلق الإجارة. ولذا نقل عن بعض أهل النظر من هؤلاء الأواخر أن الإجارة تمليك العين موقتا. ولكن فساده واضح، لعدم معهودية التوقيت في الملكية في الشريعة، إلا أن بناء ذاك القائل مخالفة القوم في هذه المراحل فتأمل. ويظهر من المحقق والعلامة (قدس سرهما) (1) (2) - من تعريفهم لها بأنها عقد ثمرته تمليك المنافع - أن المعقود عليه ليس صرف المنافع، بل المحكي عن التذكرة التصريح بذلك. وهو كذلك عند التحقيق والنظر الدقيق، فإن النقل والانتقال تارة يقع على نفس الأعيان فيتبعه آثار الملكية، وكلما يكون من لوازمها عرفا وشرعا، ومنها كون العين تحت يده الانتفاعية، بمعنى سلطنته عليها على نحو يصح له الانتفاع بها بأنحاء منافعها وإن لم ينتفع بها فعلا. واخرى يقع على نفس المنافع المستوفاة تدريجا، فإنها وإن كانت معدومة ولكن لها نحو وجود باعتبار قابلية العين لها ونحو اعتبار عقلائي يصح بذل المال بإزائها - كما قدمناه - فلا إشكال في تمليكها من تلك الجهة، ولكن لازمه تقسيط الثمن الذي يقابلها وانتقاله إلى من انتقل إليه جزء فجزء، حيث إن استحقاقه للأخذ مشروط بقبض ما انتقل عنه - أي المنافع - والمفروض كون قبضها تدريجيا، فيكون استحقاقه لأخذ الثمن كذلك، فافهم. وثالثة يقع على ذاك الأمر المتوسط الذي أشرنا إليه من أنه من توابع الملكية ولوازمها، أي كون العين تحت يد الانتفاع، وهذا المعنى أيضا اعتبار عقلائي يصح بذل المال بإزائه، بل هو أقوى من المنافع الفعلية، فإنه أمر يتحقق بالعقد، وينشأ بإنشاء تملكه وإن كان بقاؤه منوطا ببقاء العين على قابلية الانتفاع. أما القسم الأول فهو مختص البيع وما هو موضوع لنقل الأعيان من العقود.


(1) الشرائع 2: 179. (2) القواعد 2: 281.

[ 216 ]

وأما القسمان الأخيران فيقع الكلام في أن المعقود عليه في عقد الإجارة أيهما، هل هو نفس المنافع التدريجية أو ذاك المعنى المتوسط الذي تصورناه؟ وعلى الثاني ينحل ذاك الإشكال - الذي أشرنا إليه من تسالمهم على استحقاق الاجرة بتمامها بتسليم العين إلى المستأجر - لما عرفت من أنه أمر متحقق حال العقد وينشأ به آنا لا تدريجا، وقبضه إلى من انتقل إليه أيضا بنفس قبض العين ووضع يده عليها، فيستحق المؤجر العوض - أي الاجرة بتمامها - بنفس تسليم العين، لا أن يكون القبض تدريجا، حتى يكون استحقاق العوض أيضا كذلك. كما يستقيم أيضا تسالمهم على توقف استقرار العوض في ملكه ببقاء العين على قابلية الانتفاع، لما عرفت من أن هذا المعنى وإن كان آني الحصول بالعقد لكن بقاؤه متقوم ببقاء العين أيضا، فبخروج العين عن الانتفاع المقصود بالعقد يخرج عن كونه مقبوضا، ويترتب عليه حكم التلف قبل القبض. فتأمل جيدا. وكيف كان، فلو قلنا بأن المعقود عليه في إجارة الأعيان ذاك المعنى المتوسط المستتبع للمنافع التدريجية - كما هو التحقيق والظاهر من كلمات بعض الأجلة كالمحقق والعلامة بأنها عقد ثمرته تمليك المنافع - فاستحقاق المستأجر لوضع اليد على العين في كمال الوضوح، لما عرفت من أن حقيقة المعقود عليه متقومة بوضع اليد على العين، بل هو هو معنى، كما لا يخفى. وأما على القول بأنه نفس المنافع، فلازم استحقاقها وملكيتها وضع اليد عليها عقلا. وعلى أي حال فنفس الإنشاء العقدي متضمن لكون العين تحت انتفاعه، إما مطابقة على الأول، أو التزاما على الوجه الثاني. فيكون وضع اليد على العين عن حق مالكي منشأ بالعقد مطابقة أو التزاما، فاشتراط ضمانها على المستأجر خلاف الكتاب، كما هو واضح. فكون اليد عن حق مالكي إنما يثبت بالعقد ومن المدلولات الالتزامية لما هو المنشأ به، بل نفس المنشأ على تقدير، وعدم ضمان اليد الثابت عن حق واستحقاق أمر ثابت في الشرع فلا ينفذ اشتراط الضمان.

[ 217 ]

وهذا بخلاف الإجارة على الأعمال، فإن مال المستأجر هنا يقع عليه يد المؤجر، ولا استحقاق له على وضع اليد عليه، لجواز استيفاء العمل مع كون العين في يد مالكها، أو بذل المالك للاجرة بلا استيفاء العمل، فلا يكون يد المؤجر عليها بحق يلزمه العقد بوجه. فلا بأس باشتراط كونها مضمونا عليه، لعدم منافاته لمقتضى العقد، بل هو لا اقتضاء بالنسبة إليه، كما في العارية على ما سنشير إليها إجمالا، ولا يكون مخالفا للمشروع أيضا كما هو واضح. وحينئذ فالتحقيق هو التفصيل بين الإجارة على الأعيان والأموال لما ذكرنا من ان الفرق الواضح بينهما. وعلى هذا فما ورد في بعض الأخبار من جواز شرط الضمان على مثل الملاح والمكاري والجمال خال عن الإشكال، وعلى مقتضى القاعدة، فإنه في إجارة السفينة من الملاح لحمل الطعام واشتراط أنه لو نقص كان عليه فقال (عليه السلام) جائز (1) إلى آخره فيكون من باب الإجارة على العمل، فراجع وتأمل ولا تغفل. وكيف كان، فقد ظهر أن وجه عدم الضمان في الإجارة إنما هو استحقاق المستأجر لوضع اليد على العين الناشئ من قبل نفس العقد مطابقة أو التزاما بأحد الوجهين، وإذا كان يده بحق مالكي - أي يملكه بالعقد - لا مجرد كونه برضا المالك وتسليطه عليه فاشتراط كون اليد يد ضمان خلاف للمشروع، إذ الذي هو محل الكلام هو هذا لا مجرد أنه لو تلف العين يتداركه المستأجر من ماله، فإنه ربما يكون نافذا جائزا، فتأمل جيدا. ومن هذا القبيل يد المرتهن على العين المرهونة، فإنه أيضا بحق مالكي ناش من قبل العقد، فإن كون العين وثيقة عنده - بحيث كان له استيفاء ماله عنها في محله - لا يكاد ينفك عن وضع اليد على العين وكونها تحت سلطنته - فاشتراط الضمان فيه أيضا مناف لمقتضى العقد بالمعنى الذي ذكرناه.


(1) الوسائل 13: 270، الباب 27 من أبواب الإجارة ح 1، وليس فيه: جائز.

[ 218 ]

وأما سائر أبواب الأمانات فما عدا العارية وهو الوكالة والوديعة فكذلك - أي لا يصح شرط الضمان - لكن لا من جهة استحقاقه كون العين في يده، بل من جهة كونهما استنابة عن المالك، فجعل يدهما بمنزلة يده ينافي ضمانه. فحقيقة الاستنابة منافية للضمان، لإرجاعه إلى ضمان نفسه. وعلى هذا فلا فرق في الوكالة بين كونها تبرعا أو بجعل، فإن الجعل لا ينافي الاستنابة. نعم، لو قيل، كما توهم: إن عدم الضمان من جهة إرجاعهما إلى مصلحة المالك فيتفاوت صورة التبرع وغيرها، ولكن مجرد ذلك لا يكاد يكفي في عدم الضمان، إلا بضميمة مثل ما جعل الله على المحسنين سبيلا وأمثال ذلك، حتى يتم وينتج. وعلى أي حال بعد ما عرفت من منافاة الاستنابة مع الضمان وكونهما من هذا الباب فلا نحتاج إلى كبرى اخرى. بقي الكلام من الأمانات الخمس في العارية وقد ظهر أنه لا مانع من اشتراط الضمان فيها، لعدم دخولها في إحدى الكبريات المذكورة - من كون تصرف المستعير عن حق مالكي، أو استنابة، أو كونه مصلحة للمالك وإحسانا عليه - بل مجرد تحليل وإباحة، وهذا غير مقتض لعدم الضمان بوجه. نعم، مقتضى إطلاقها وإرسالها ذلك. وعليه يحمل ما في بعض الأخبار " ليس على المستعير عارية ضمان (1) إلى آخره ". فإن عدم الضمان كما يمكن أن يكون مستندا إلى علة موجبة لذلك، كذلك يمكن أن يكون لعدم المقتضي للضمان. فلا اقتضاء للعقد بحسب ذاته لا له، ولا لعدمه. فيصح اشتراط الضمان، كما يصح اشتراط عدمه. وطريق استكشاف ذلك - أي كونه من باب عدم العلة، أو العلة الموجبة لعدمه - ما في الأخبار العديدة من الضمان عند الاشتراط فراجع. وقد ظهر مما تقدم أن حال الإجارة على الأعمال بعينه حال العارية في عدم دخولها في الكبريات المذكورة المنافية للاشتراط، كما هو واضح.


(1) الوسائل 13: 240، الباب 3 من أبواب العارية ح 3 و 4.

[ 219 ]

الثانية: في اشتراط عدم الخسران في عقد الشركة، فإنه أيضا محل خلاف وإشكال. وعلى جوازه وردت رواية صحيحة عن رفاعة قال: سألت أبا الحسن موسى (عليه السلام) عن رجل شارك رجلا في جارية له، وقال: إن ربحنا فيها فلك نصف الربح، وإن كانت وضيعة فليس عليك شئ، فقال (عليه السلام): لا أرى بهذا بأسا إذا طابت نفس صاحب الجارية إلى آخره (1). ولكن منعه ابن إدريس مطلقا (2)، لمنافاته مع الشركة. والرواية خبر واحد ليس حجة عنده. وعن التنقيح (3): الاقتصار على مورد النص تعبدا. وعن المحقق في الشرائع (4) جوازه في مطلق الحيوان، ولا يعلم له وجه. وعن الدروس كما نقل عنه التعدي إلى مطلق المبيع، معللا بأن تبعية المال من لوازم الشركة المطلقة، لا مطلق الشركة، فلا ينافي اشتراط خلافها. والرواية على القاعدة فيتعدى عن موردها إلى سائر الموارد أيضا. هذا ما أفاده (قدس سره) في بيع الحيوان (5)، وفي الشركة الابتدائية استظهر البطلان (6)، وفي الصلح تسلم الصحة بلا إشكال (7). ولذا أورد عليه صاحب الجواهر (8) بالتهافت بين كلماته. ولكن سيتضح لك عدم التهافت بينها وإن كل واحد وقع في محله. وبالجملة: كلمات الأكابر على ما نقل مختلفة في الأبواب الثلاثة، فالظاهر في باب الصلح تسالمهم على الصحة، لمكان غير واحد من الأخبار. كما أن الظاهر أيضا تسالمهم على البطلان فيما إذا كان الشرط في ضمن عقد الشركة، معللا بعدم وقوع الزيادة لأحدهما في مقابل عوض، ولا وقع اشتراطها في ضمن عقد


(1) الوسائل 13: 42، الباب 14 من أبواب بيع الحيوان ح 1. (2) السرائر 2: 349. (3) التنقيح 2: 120. (4) الشرائع 2: 57. (5) الدروس 3: 244. (6) الدروس 3: 333. (7) الدروس 3: 333. (8) الجواهر 24: 268، 26: 220.

[ 220 ]

معاوضة ليضم إلى أحد العوضين، ولا اقتضى تملكها عقد هبة. والأسباب المقررة للملك معدودة، وليس هذا منها. هكذا أفادوا، ونعم ما أفادوا، فإن حقيقة الشركة إنما تحصل بامتزاج المالين، لا بالعقد. ولذا لو عقدا ولم يحصل الامتزاج لا يتحقق الشركة، كما أنه لو امتزج المالان يتحقق الشركة وإن لم يعقدا. فالشركة من لوازم الامتزاج الواقع في الخارج. ومن الواضح كون النماءآت الحادثة أيضا مشتركة بينهما بنسبة أصلها، كما أن النقص لو ورد يرد على المجموع. وليس لذلك الامتزاج المتحقق في الخارج قهرا أو اختيارا مساس بباب العقد واللفظ والإنشاء ونحو ذلك - حتى يبحث أن التساوي في الربح والخسران هل مقتضى ذات العقد أو مقتضى إطلاقه - كما هو واضح، بل هو مقتضى الشركة الخارجية الحاصلة بالامتزاج. ولكن حيث إن مقتضى الشركة عدم جواز التصرف لكل منهما بدون إذن الآخر، ففائدة العقد هي الإذن في التصرف في مقام التجارة والاسترباح من أحدهما أو كليهما، وكيفية العمل على وجه تعاطيا عليه في عقد الشركة. وحينئذ فاشتراط التفاضل والنقص في الربح والخسران في ضمنه لا يكاد يفيد شيئا، لأنه بمثابة الشروط الابتدائية، حيث لا يرجع إلى خصوصيات الإذن وكيفية العمل، لوضوح أن مجرد اقترانه بالعقد لا يوجب صيرورته شرطا في ضمن العقد، فافهم. وبالجملة: إذا لوحظ هذا الاشتراط إلى الشركة الحاصلة بالامتزاج ولو لم يكن مسبوقا بالعقد فمخالف للمشروع وما يقتضيه الشركة عرفا وشرعا، وهو أن نماء كل مال لصاحبه لا محالة إلا بسبب مملك مفقود في المقام على الفرض. وإذا لوحظ إلى عقد الشركة يكون من قبيل الشروط الابتدائية الغير النافذة - على ما سيأتي توضيحه - لعدم ارتباطه بما هو المنشأ بالعقد من إذن كل واحد منها في التصرف في مال الآخر بأعماله في مقام التكسب والاسترباح. نعم، لو كان الشرط راجعا إلى خصوصيات العمل فكونه في ضمن عقد جائز لا يضر، حيث إن مرجعه إلى تقييد الإذن فبدونه يبطل العقد، لا الشرط.

[ 221 ]

وبعبارة اخرى: المشروط عليه ملزم بالوفاء بالشرط مع التزامه بالشركة، نظير الوجوب الشرطي في المستحبات العبادية. وكيف كان، فقد تحصل أن المتجه بطلان اشتراط التفاوت في الربح والخسران في الشركة الابتدائية، أي ما يكون بالعقد كما أفاد الدروس وغيره. ولكن لا يخفى أن مقتضى تعليلهم: من لزوم انتقال الزيادة في ملك المشروط له بلا عوض وبلا سبب مملك من هبة أو وقوعه في ضمن عقد معاوضة ليضم إلى أحد العوضين، أنه لو كان للمشروط له عمل أو كان الاشتراط في ضمن عقد المعاوضة - كالبيع مثلا كما هو مورد الروايتين الواردتين في الجارية - كان صحيحا نافذا. إذ على الأول يكون الزيادة في مقابل العمل كما في باب القراض، ولذا قالوا بأن الاسترباح إذا كان منوطا بعمل فهو بالقراض أشبه من الشركة. فيصير الشرط هنا من خصوصيات الإذن وكيفية الجعل المنشأ بالعقد. وقد عرفت أن مع فرض بقاء الشركة وحفظها يجب الوفاء بالشرط إذ بدونه لا إذن كما في سائر العقود الإذنية - كالوكالة ونحوها - فيصح الاشتراط سواء كان للآخر أيضا عمل أو اختص بالمشروط له، إذ مرجع الاشتراط إلى تبرع الشارط في عمله، فلا بأس. وأما الثاني - أي ما كان في ضمن عقد معاوضة نشأت منه الشروط - فمقتضى القاعدة والتعليل المذكور أيضا الصحة، لصيرورته ضميمة لأحد العوضين فلا يكون بلا عوض، ولوقوعه في ضمن عقد لازم، فيلزم. نعم، فيه إشكال الغرر والجهالة، وكونه معلقا على أمر غير حاصل، وانحصار الأسباب المملكة بالعقود الخاصة. فإن قلنا بأن الملكية لا تتوقف على سبب خاص - كما يأتي توضيحه إن شاء الله - وأن القدر المسلم من التعليق الممنوع إنما هو في باب العقود والإيقاعات، لأن الدليل الوافي به ليس إلا الاجماع الممكن تخصيصه بالبابين دون باب

[ 222 ]

الشروط - كما يأتي تنقيح ذلك أيضا إن شاء الله - وأن الجهالة حيث يضاف الربح والخسران إلى رأس المال وهو أمر مقدر لا بأس بها، فاشتراط التفاضل لا بأس به، كما هو المنصوص في قضية الجارية. فيكون الروايتان على القاعدة الموجبة لجواز التعدي إلى سائر الموارد، كما أفاد الدروس (قدس سره). وبينه وبين الاشتراط في ضمن عقد الشركة بون بعيد، لا يقاس أحدهما بالآخر. فتدبر. هذا، إذا كان مرجع الاشتراط إلى جبر خسرانه من ماله الذي ينتقل إليه بالمعاملة، فمرجعه إلى تمليك مقدار من حصته على تقدير الخسران فلا محذور فيه، عدا الجهالة والتعليق. وأما إذا كان المرجع عدم انتقال مقدار من الثمن إلى الشارط رأسا، بل ينتقل إلى المشروط له ابتداء فهذا خلاف القاعدة ومخالف للكتاب والسنة بالبداهة، لإرجاعه إلى عدم انتقال العوض إلى من له المعوض، بل إلى غيره. وهذا فاسد جدا. والروايتان، وإن أمكن انطباقهما على الوجهين ولكن لا داعي إلى حملهما على الوجه الثاني بعد صلاحية الحمل على الوجه الأول لو لم تكونا ظاهرتين فيه، لأن ما يتعلق به الغرض غالبا عدم الخسران، وجبر النقصان بأي وجه كان، وأما كونه بوجه خاص فلا يكون ملحوظا للأنظار كما لا يخفى، كما أن صحة الاشتراط أيضا مبني على عدم شمول الخسران لصورة تلف المال رأسا - كما هو الظاهر المتبادر منه عرفا - وأما لو قيل بشموله للتلف أيضا حيث إنه أقوى مصاديق الخسران فلا ينبغي الشبهة في بطلان الشرط، لإرجاعه إلى كون المملوك في عهدة غير مالكه، وأن خسارته ودركه على غيره. وهذا مناف للقاعدة والملازمة بين الضمان والملكية، ولا يقاس على ضمان ما في الذمة، لبداهة الفرق بين المقامين - كما لا يخفى على أهل البصيرة - فإن مرجع الضمان انتقال ما في ذمة المضمون له إلى ذمة الضامن، لا كون العين الموجودة مملوكة لأحد وكون ضمانها على الآخر، فإن حقيقة الملكية كون الدرك والخسارة على المالك. فافهم.

[ 223 ]

ولكن الإنصاف أن المتبادر من الخسران وقوع النقص على المال عند المعاوضة، لا مطلق الدرك حتى عند التلف. نعم، ظاهر ما ورد في باب الصلح من قوله: " وعليك التوى... " (1) شموله لصورة التلف أيضا. ولكن هذه الأخبار كلها محمولة على صورة إرادة فسخ الشركة وتسالم أحد الشريكين على أخذ رأس ماله وتجاوزه عن ربحه وخسرانه. وهذا لا مانع منه بوجه من الوجوه، لا من جهة منافاته مع الشركة لما عرفت من أنه عند إرادة فسخها أو انقضائها، ولا من جهة الربح والخسران لإرجاعه إلى هبة كل واحد منهما ما عنده من الزيادة إلى الآخر إن كان عينا، وإلى إبراء ما في ذمته إن كان دينا. نعم، ربما يلزم في بعض صوره الربا، ولكنه كالغرر والجهالة مغتفر في باب الصلح. وبالجملة: فقد ظهر اختلاف الحكم في الأبواب الثلاثة كما نقل عن الشهيد وتبعه غيره أيضا فلا تناقض بين كلماتهم، كما أورد صاحب الجواهر على الشهيد (قدس سرهما). وقد عرفت كمال الفرق بين الأبواب. والعجب منه (قدس سره) (2) أنه شدد النكير على الشهيد في صحة الاشتراط في ضمن عقد البيع، وفي باب الشركة ظاهره الميل إلى الصحة، مع ما عرفت أن الأمر بالعكس. فراجع وتأمل. وأعجب منه حمله مورد الروايتين في الجارية على بيع الكلي في المعين في مقام تطبيقهما على القاعدة، مع أن تصويره في غاية الإشكال، وعلى فرض التصوير لازمه عدم استحقاق الربح أيضا. نعم، في الأخبار الواردة في باب الصلح يمكن تطبيقها عليها كما تقدم. وكيف كان، فما أفاد الشهيد في باب الصلح، وفي ضمن عقد البيع الموجب


(1) الوسائل 13: 165، الباب 4 من أبواب الصلح ح 1. (2) الجواهر 24: 168، 26: 220.

[ 224 ]

للشركة من صحة الاشتراط، بل وكذلك كل عقد لازم كان موجبا للشركة، وعدم الصحة في عقد الشركة، كلها على القاعدة، ومنطبق على الاصول الكلية، كما اشير إليها في الجملة. بقي الكلام فيما إذا حصل الشركة بسبب آخر قهري - كالإرث ونحوه - أو اختياري كالبيع والحيازة ونحوهما، ثم اشتراط التفاوت في الربح والخسران في ضمن عقد لازم آخر. وبعبارة اخرى: تارة يكون الاشتراط في ضمن عقد هو منشأ الشركة، واخرى في ضمن عقد بعد فرض تحققها بسبب آخر. والفرق أن على الأول يمكن القول بأن الشركة إنما تحققت على هذا الوجه فلا اقتضاء لها حتى ينافيه الاشتراط، بخلاف الثاني، فإن الشركة المتحققة سابقا مقتضية لتساويهما في الربح والخسران. فاشتراط التفاوت مناف لمقتضاها وإن لم يكن فيه محذور من جهة كون التفاضل بلا عوض، أو من جهة عدم السبب المملك، لما عرفت من اندفاعهما إذا كان في ضمن عقد لازم. ولكن قد عرفت أن اشتراط التفاضل يتصور بأحد الوجهين: تارة يكون مرجعه إلى عدم دخول الزيادة في ملك الشارط وانتقاله إلى المشروط له ابتداء، أي عند حصول المعاوضة وظهور الربح. واخرى إلى انتقالها إلى مالكها على القاعدة، ثم انتقاله من ملكه إلى المشروط له. وقد عرفت أن على الأول: لا يجوز الاشتراط في ضمن العقد المنشأ للشركة أيضا، لمنافاته مع ما يقتضيه الملكية، ومخالفته للقواعد المستفادة من الكتاب والسنة. وعلى الثاني لا محذور فيه في كلا المقامين، لعدم منافاته مع ما يقتضيه الشركة، حتى يفرق بين كونها متحققة سابقا أو حاصلة بنفس هذا العقد. نعم، فيه إشكال الغرر والجهالة، وانحصار سبب الملك في العقود المعهودة،

[ 225 ]

وتعليق التمليك على المرابحة وظهور الربح. وقد أشرنا سابقا أن الوجوه الثلاثة قابلة للمنع، كما يأتي توضيحه إن شاء الله. وكيف كان، فقد تلخص من مجموع ما ذكرنا أن اشتراط التفاضل لأحد الشريكين بجميع وجوهه المتصورة - من كون الربح لأحدهما والخسران بينهما، أو الربح بينهما والخسران على أحدهما، أو تفاضل أحدهما في الربح من دون أن يكون له عمل موجب لاستحقاقه لذلك - تارة في ضمن عقد الشركة ابتداء. واخرى في ضمن عقد لازم يحصل منه الشركة، سواء كان العقد بينهما، أو بينهما وبين ثالث يشترط تفاضل أحدهما في الربح على الآخر. وثالثة في ضمن عقد لازم مع تحقق الشركة سابقا بأسبابها القهرية أو الاختيارية. ففي القسم الأول الوجه بطلان الشرط، لمنافاته مع القواعد الكلية، وما يقتضيه عقد المشاركة أيضا. وأما في القسمين الأخيرين فالمتجه النفوذ والجواز إن كان مرجعه إلى ما ذكرنا من أحد الوجهين ولم يمنع الغرر والتعليق وكون الشرط مملكا، وإلا ففي صحته إشكال، بل منع. والله العالم بحقيقة الحال. قوله (قدس سره): (الشرط السادس أن لا يكون الشرط مجهولا.... إلى آخره). وليعلم أولا أن محل الكلام في الشرط الواقع في ضمن العقد الذي لم يكن وضعه على التغابن والمهابات - كالبيع والإجارة ونحوهما - وأما ما بني لذلك ووضع للتمليك والتملك للأشياء المجهولة - كالصلح - فالشرط المجهول في ضمنه لا بأس به، إذ لا معنى لأن يعتبر فيه ما لم يعتبر في نفس العوضين، وأن لا يغتفر فيما هو بمنزلة الضميمة لأحدهما ما اغتفر فيهما من الغرر والجهالة. كما لا محذور فيه من جهة إطلاق النبوي النهي عن الغرر، لخروج الصلح عنه على الفرض، فيكون خارجا بجميع ما يتضمنه من الشروط واللواحق لا محالة. وبالجملة: فهذا القسم من الشرط خارج عن محل الكلام ولا يضر به الجهالة

[ 226 ]

بلا شبهة، كما لا شبهة ظاهرا في بطلان ما يكون راجعا إلى أوصاف العوضين، فإن الظاهر اتفاقهم على بطلانه، كما صرحوا به في مسألة تعيين الأجل للثمن أو المثمن في النسية وبيع السلم، بأن اشتراط الأجل لو لم يكن مضبوطا معينا يوجب بطلان المعاملة، لمكان الغرر والجهالة، فضلا عن الأوصاف الراجعة إلى نفس الثمن والمثمن، كما هو واضح لا يخفى. فمحط الكلام في الشروط الخارجية الغير المرتبطة بهما لولا الشرط، فالكلام في أن باشتراطها في ضمن العقد يرتبط بهما - بحيث تصير ضميمة لهما وجهالته يوجب جهالتهما - أو مجرد التزام تبعي غير مقصود في العقد أصالة، فيكون من قبيل توابع الدار - مثلا - مثل ممره ومفتاحه وأمثال ذلك مما لا يكون جهالته موجبا لجهالته. وهذا هو المراد من الدروس فيما لو جعل الحمل جزء للمبيع، فقال: الأقوى الصحة، لأنه بمنزلة الاشتراط ولا يضر الجهالة، لأنه تابع (1). انتهى. ولكن لا يخفى أن مجرد التبعية ليس من الكبريات التي لا يضر فيها الجهالة، لعدم مساعدة دليل عليه لا عقلا ولا نقلا. واغتفارها بعض التوابع لأجل دليل أو إجماع لا يقتضي استفادة قاعدة كلية في جميع التوابع. فلو سلم كون الشرط تابعا وعدم وقوعه ضميمة لأحد العوضين فلا دليل على اغتفار الجهالة فيه بمجرد ذلك. نعم، تعليله بذلك في العقود التي لا يضر الجهالة فيها بنفسها كالصلح - مثلا - لا بأس به ويتم به المدعى، حيث إن تبعيته تقتضي اغتفار الجهالة فيه أيضا، كما لا يخفى. وأما في غير هذا المقام فاثبات التبعية لا يقتضي عدم المنع من الجهالة. هذا، مضافا إلى إمكان منع التبعية رأسا، مع كون الالتزام العقدي منوطا بالشرط بحيث لو لم يف به كان للمشروط له فك التزامه وفسخه. وكون عدم الوفاء به موجبا للخيار دون البطلان لا يقتضي تبعيته.


(1) الدروس 3: 216.

[ 227 ]

كيف! والحكم في الشروط الراجعة إلى أوصاف العوضين أيضا كذلك، يوجب الخيار، دون الفساد. هذا مضافا إلى ما صرحوا به من أن للشرط قسطا من الثمن، بمعنى أنه يوجب زيادة المالية وبذل الثمن بإزاء ما كان في طرفه - بحيث لو لم يكن هذا الشرط لم يبذل بإزائه هذا المقدار من الثمن أو هذا المثمن - ومع ذلك كيف يصح دعوى أنه غير مقصود في العقد، غير ملحوظ في المعاوضة. وبالجملة: فقد ظهر أن المتجه هو القول بالبطلان، لصيرورته ضميمة لأحد العوضين كالأوصاف، فجهالته توجب جهالتهما لا محالة، مضافا إلى أن إطلاق النبوي يقتضي بطلانه بنفسه، ولا موجب لأن يدعى انصرافه إلى غير الشروط. نعم، ما كان مشتملا على لفظ البيع من الأخبار فيمكن دعوى عدم شموله للشرط المجهول، بناء على كون المراد من " البيع " هو المسبب لا عقد البيع. فتأمل جيدا. وكيف كان، فما أفاده (قدس سره) من الوجهين للبطلان في محله وفي غاية المتانة، إلا أن استداركه في آخر كلامه فيما إذا عد المشروط تابعا غير مقصود بالبيع - كبيض الدجاج - لا يخلو عن الإشكال، إذ لو لم يكن مقصودا فلا موجب للاشتراط. وقد عرفت أن التبعية ليست كبرى كلية حتى في مثل المقام. قوله (قدس سره): (الشرط السابع أن لا يكون مستلزما للمحال.... إلى آخره). وقد مثلوا له بقول البائع " بعتك بشرط أن تبيعه مني " أو " بعتك بشرط أن يكون مبيعا لي " والأول شرط الفعل، والثاني شرط النتيجة فيملك بنفس الشرط لو كان صحيحا، بناء على عدم اختصاصه بسبب خاص وحصوله بالشرط أيضا. وكيف كان فالثاني أولى بالبطلان - كما سيتضح عليك إن شاء الله ولكن محط الكلام والنقض والإبرام هو الأول، والظاهر اتفاقهم على بطلان هذا الشرط. وإنما الكلام في وجه البطلان، فقد علله العلامة في التذكرة بأنه مستلزم للدور، لأن بيعه له يتوقف على ملكيته له المتوقفة على بيعه فيدور. أما لو شرط أن

[ 228 ]

يبيعه على غيره فإنه يصح عندنا، حيث لا منافاة فيه للكتاب والسنة (1) انتهى. وقرره في جامع المقاصد بأن انتقال الملك موقوف على حصول الشرط وحصول الشرط موقوف على الملك (2). وهذا بظاهره واضح الفساد. كما أورد عليه جماعة ممن تأخر عنه، إذ لا يكاد يخفى على فاضل أن حصول الملكية لا يتوقف على تحقق الشرط في الخارج فكيف يخفى على مثل العلامة، مع أن كلماته في التذكرة وغيره مشحونة من أن سبب الملكية هو العقد، وحصول الشرط موجب للزومه. فلا وقع إنصافا للإيراد عليه: بأن صحة العقد لا يتوقف على حصول الشرط فلا دور وإن صدر ذلك عن بعض الأكابر، مثل الشهيد وغيره - كما أنه (قدس سره) متفطن للانتقاضات الواردة عليه - من اشتراط بيعه لغيره، أو وقفه عليه أو على ولده، أو عتقه، أو اشتراط كون المبيع رهنا على الثمن، وغير ذلك من الامور المتوقفة على الملك فإن الملكية لو كانت متوقفة على الشرط أيضا يلزم الدور بالتقريب المتقدم. فتخصيصه للمقام بلزوم الدور يكشف عن أن غرضه بيان مطلب آخر. قال في التذكرة بعد كلامه المتقدم لا يقال: ما التزموه من الدورات هنا أي في اشتراط بيعه على غيره، لأنا نقول: الفرق ظاهر، لجواز أن يكون جاريا على حد التوكيل أو عقد الفضولي، بخلاف ما لو شرط البيع على البائع (3) انتهى. ومنه يعلم أيضا أن جهة الإشكال ليست مجرد توقف صحة الشرط على المالك، بل المحذور شئ آخر، مختص بالاشتراط على البائع، دون غيره. وكيف كان، فالظاهر أن ما اورد عليه كله من سوء التعبير الواقع في كلامه في بيان الدور. والذي يمكن أن يقال - في تقريب الدور وتوجيه الإشكال على وجه يختص بالمقام دون سائر الامور المتوقف على الملك، كما يلوح من كلامه (قدس سره) في مقام


(1) التذكرة 1: 490 س 21. (2) جامع المقاصد 4: 204. (3) التذكرة 1: 490 س 22.

[ 229 ]

آخر من التذكرة - إن الشرط لابد وأن يكون مقدورا ومملوكا للشارط، كما بيناه سابقا بمعنى أن يكون أمرا طرفاه بيده وتحت سلطنته نفيا وإثباتا، وهذا المعنى منتف في المقام، حيث إن ظرف الاشتراط ظرف ملكية البائع وعدم انتقال المبيع بعد إلى المشتري، فاشتراط بيعه على نفسه مرجعه إلى اشتراط بيع المال على مالكه، وهذا أمر غير معقول وتحصيل أمر حاصل. ولذا قد صرح (قدس سره) أنه لو شرطه بعد فرض خروجه عن ملكه وانتقاله إلى المشتري لا محذور فيه. وقد نقل كلامه شيخنا استاد الأساتيد (قدس سرهما) المشعر بذلك، بل المصرح به في باب النقد والنسية، فراجع وتأمل. وبالجملة: فحاصل تقريب الدور أن صحة الشرط يتوقف على صحة العقد، وانتقال المبيع إلى المشتري وخروجه عن ملك الشارط، لئلا يكون من قبيل شرط بيع المال على مالكه، وصحة العقد وكونه موجبا لذلك يتوقف على صحة الشرط، بناء على بطلان العقد المشروط بالشرط الفاسد. وحينئذ فالفرق بين اشتراطه على نفسه أو على غيره أو اشتراط وقفه أو عتقه ونحو ذلك في غاية الوضوح، لعدم إرجاعه إلى اشتراط أمر غير معقول - وهو بيع المال على مالكه - وهذا هو المراد من قوله: لجواز أن يكون بيعه على غيره جاريا على حد التوكيل أو عقد الفضولي، وبيانه يوجب تطويل المقال، ولا يساعده الحال، والله الموفق والمعين في جميع الأحوال. ولكن يرد عليه أن في جميع هذه الموارد بل في كل شرط يرجع إلى التصرف في المبيع، إن كان بعد فرض خروجه عن ملك البائع وانتقاله إلى المشتري فلا محذور في الاشتراط بوجه. وإن كان قبل فرض خروجه عن ملكه يعم المحذور في الجميع أيضا، فإن مرجعه في اشتراط الوقف أو العتق مثلا إلى اشتراط وقف ماله أو عتق عبده على غيره وجعل ماله رهنا عند نفسه في اشتراط الرهن. وقوله: من جواز أن يكون جاريا على حد التوكيل أو عقد الفضولي، لا يكاد ينفع، فإن الغرض من اشتراط الوقف أو العتق وقف المشتري أو عتقه من ماله ومن قبل نفسه، لا من قبل البائع، مع أنه لا يجري في اشتراط الرهن. فتأمل تفهم.

[ 230 ]

وبالجملة: فلزوم المحذور في الجميع على نهج واحد. وحله ما أشرنا إليه: من أن ظرف وقوع الإنشاء ظرف خروج المبيع عن ملك البائع وانتقاله إلى المشتري، فيكون الشرط واردا على المال المفروض انتقاله إلى المشروط عليه إنشاء. وبعبارة اخرى: إنشاء الشرط مترتب على إنشاء البيع وفرض تحققه إنشاء، كما أن تحقق الشرط خارجا بعد تحقق البيع وانتقال المبيع إلى المشتري كذلك، فيكون قادرا عليه ومملوكا له. ونظائره كثيرة في أبواب الفقه، كقوله " أنت وكيل في نكاحها وطلاقها، أو طلقتك ورجعت إليك، أو بعت وارتهنت " بل عليه يحمل ما ورد في الرواية أعتقتها وزوجتها وجعلت عتقها مهرها (1). فإن إسقاط جميع ذلك يصح وينطبق على القاعدة بالبيان الذي تقدم. بل به يمكن حل الإشكال الوارد على إسقاط الخيار في متن العقد وأنه إسقاط لما لم يجب، فإن ظرف إنشاء البيع ظرف تحقق الخيار وإيجابه إنشاء، فيكون الإسقاط بعد فرض الإيجاب انشاء. كما أن حصول الإسقاط خارجا بعد تحقق البيع وإيجاب الخيار كذلك، فلا إشكال. فتأمل جيدا. وكيف كان، فقد ظهر أنه لا محذور في الشرط المبحوث عنه من تلك الجهة، أي من جهة لزوم الدور واستلزامه للمحال. ولذا علل الشهيد (2) البطلان بعدم القصد إلى البيع بعد ما أجاب عن الدور المذكور بما أشرنا إليه، وهذا أيضا مضافا إلى الانتقاضات الواردة عليه من اشتراط البائع وقفه عليه وعلى عقبه ونحو ذلك، مما يوهم كون البيع وسيلة إليه... (3) يدل على المنع كليا، لإمكان تحقق القصد إليه حقيقة هذا أولا. وثانيا كون الداعي على البيع رجوع المبيع إليه ثانيا - بيعا أو وقفا أو هبة - لا ينافي مع القصد الإنشائي لمدلول العقد. فتأمل جيدا.


(1) الوسائل 14: 582، الباب 71 من أبواب نكاح العبيد والاماء ح 1، والوسائل 16: 30، الباب 25 من أبواب كتاب العتق ح 1. (2) الدروس 3: 216. (3) هنا عبارة غير مقروءة.

[ 231 ]

وربما يعلل البطلان ويستدل عليه بأخبار العينة، وهي أن يشتري الإنسان شيئا نسية ثم يبيعه على البائع بأقل من ثمنه نقدا، تخلصا عن الربا، أو لوجه آخر. ففي رواية الحسين بن منذر: بعد ما سئل (عليه السلام) عن صحة هذا البيع، أنه قال (عليه السلام): إن كان هو بالخيار إن شاء باع وإن شاء لم يبع، وكنت أنت بالخيار إن شئت اشتريت وإن شئت لم تشتر إلى آخره (1). ونحوها رواية علي بن جعفر (2). فإنهما تدلان على صحة المعاملة وعدم البأس بها إذا لم يكن كل واحد من المتعاقدين ملزما بالبيع الثاني، بل كان لكل واحد خيار ان شاء يبيع وإن شاء لا يبيع. فيدل بمفهومه على البأس والبطلان إذا كان المشتري ملزما بالبيع ثانيا لأجل الاشتراط، إذ لا موجب لالتزامه به إلا اشتراطه عليه، كما هو محل الكلام. والإنصاف أنه لا مساس لهذه الأخبار بما نحن فيه أبدا، بل هي في مقام بيان مطلب آخر، وهو التفصيل بين كون البيع الثاني عن طيب أو كره، مضافا إلى أن ظاهرها السؤال عن البيع الثاني، والبحث في صحة الاشتراط إنما هو في البيع الأول: فلا مساس لها بالمقام. وكيف كان، فقد ظهر أنه لو كان إجماع على بطلان هذا الشرط كما لا يبعد، فإن بطلانه كأنه مفروغ عنه عندهم فهو، وإلا فلا موجب للبطلان، لعدم مساعدة ما ذكر من الوجوه عليه كما عرفت. نعم، فيما إذا كان مرجع الشرط إلى النتيجة، كأن يقال " بشرط أن يكون مبيعا أو مملوكا لي " يمكن القول بالبطلان، لإرجاعه إلى خلاف ما يقتضيه العقد، فيدخل في تلك المسألة، لا لأجل الوجوه المتقدمة. فتأمل جيدا، فإن المسألة لا تخلو عن الإشكال. قوله (قدس سره): (الشرط الثامن أن يلتزم به في متن العقد.... إلى آخره).


(1) الوسائل 12: 370، الباب 5 من أبواب أحكام العقود ح 4. (2) الوسائل 12: 371، الباب 5 من أبواب أحكام العقود ح 6.

[ 232 ]

والمراد به العقود اللازمة وإن لم يصرح به، لوضوح أن العقد الجائز بنفسه لا يجب الالتزام به، فضلا عن الشرط الذي في ضمنه. نعم، قد أشرنا في الأبحاث السابقة - المتعلقة بالشركة - أن العقود الإذنية، إن كان الشرط فيها راجعا إلى اعتبار خصوصية في الإذن - مثل اشتراط الضمان في العارية، أو كون المال في حرز خاص مثلا في الوديعة، أو كون تصرف أحد الشريكين أو عمله على وجه خاص مثلا - يلزم الوفاء به، لا من باب وجوب الوفاء بالشرط، بل لإناطة الإذن في التصرف به، فبدونه لا إذن. وكيف كان، فالمراد ذكره في عقد المعاوضة حتى يصير بمنزلة الضميمة لأحد العوضين، ويخرج عن كونه مجانا، إذ المستأنس من حكم الشارع بجواز العقود المجانية - مثل الهبة والعارية - أن مطلق التعهدات المجانية لا يجب الوفاء بها. ولعله المستكشف من الإجماع المحقق ظاهرا على عدم لزوم الشروط الابتدائية، وتوقف اللزوم على صيرورتها بمنزلة الجزء لأحد العوضين. فالوجه لعدم لزومها مجانيتها، لا مجرد كونها ابتدائية. ولذا لو التزم بشئ من الأعيان أو المنافع بعوض وقلنا بعدم توقف ملكيتها على لفظ خاص، لا يبعد القول بلزومه وإرجاع الأول إلى البيع، والثاني إلى الإجارة، أو إلى الصلح في كليهما. فتأمل جيدا. وكيف كان فتحقيق الكلام في الشروط بحسب أقسامها: أنها تارة مذكورة في متن عقد المعاوضة، فلا شبهة في لزوم الوفاء به على المشروط عليه كوفائه بأصل المعاوضة - وضعا وتكليفا - على التفصيل الذي يأتي الكلام فيه إن شاء الله. واخرى غير مذكورة في العقد، بل مجرد تعهد والتزام من أحدهما للآخر من غير تعقبه بعقد ومعاوضة أصلا، وهذا هو المراد من الشروط الابتدائية. ولا شبهة في عدم إفادتها اللزوم بوجه. وقد عرفت ثبوت الإجماع على عدم لزومها، وبه يخصص عموم " المؤمنون عند شروطهم " بناء على شموله لمثلها، وعدم اختصاصه بالالتزام في البيع، كما تقدم نقله عن القاموس أو في مطلق العقد، كما ورد الاستشهاد به في كثير من الأبواب في غير واحد من الأخبار.

[ 233 ]

وثالثة تواطئا عليه قبل العقد، من دون ذكرها في متن العقد وإيقاعه في حيز الإنشاء، سواء كان راجعا إلى أوصاف العوضين أو غيرها. وهذا هو المصطلح عندهم بشروط التباني، ووقع في الجملة محل الإشكال، من جهة لزوم الوفاء به وعدمه وإن كان المشهور على عدم اللزوم أيضا، إلا أن ظاهر الخلاف (1) والمختلف (2) يوهم خلافه. وغاية ما قيل أو يقال في توجيه اللزوم من (3) وجوه: أحدها: أنه لا شبهة في أن بعض الامور - مثل التسليم والتسلم، وكون الثمن نقد البلد، ونحو ذلك - بسبب تعاهده عند العرف والعادة يصير مدلولا للعقد التزاما ولو لم يذكر في متن العقد، بل لم يكن العاقد ملتفتا إليه أصلا. وليس ذلك إلا من جهة أن تعاهده عند العرف وتبانيهم عليه وجرى عادتهم على الإلزام والالتزام به يوجب وقوع العقد مبنيا عليه، وكون الالتزام منوطا به على وجه يوجب انتفاؤه الخيار، لا البطلان على ما سيأتي توضيحه. وحينئذ يمكن أن يكون تواطؤ المتعاقدين وتبانيهما على أمر قبل العقد موجبا لصيرورته كذلك ووقوع العقد مبنيا عليه، إذ لا فرق بين كون ذلك بالتعاهد عند العرف، أو بسبب تعاهده عندهما وتبانيهما عليه. غايته أن اللازم هنا التفاتهما إليه وعدم نسيانهما، حتى يقع العقد مبنيا عليه، بخلاف الشروط الضمنية، فإنها لكونها بحسب العرف والعادة فلا يلزم الالتفات إليها، بل العقد يتضمنها ولو كان العاقد جاهلا بها، أو ناسيا لها. وبالجملة: فحال شروط التباني كحال الشروط الضمنية في كون التعاهد في خارج العقد موجبا لتضمنه عليها ووقوعه مبنيا عليه، فتقع تحت الإلزام والالتزام العقدي، ويدل عليه العقد بمدلوله الالتزامي، فيجب الوفاء به كما يجب الوفاء بها. ويوجب تعذره الخيار، كما يوجب ذلك تعذرها. وفيه ما لا يخفى من الفرق بين المقامين، لوضوح أن الشروط الضمنية بسبب


(1) الخلاف 3: 21، المسألة 28. (2) المختلف 5: 63. (3) كذا، والظاهر زيادة: من.

[ 234 ]

تعاهدها عند العرف يصير من المدلولات العرفية للفظ - قصدها المتعاقدان أو لم يقصدا - وهذا بخلاف ما تبانيا عليه، فإنه لا يكاد يصير مدلولا للفظ أبدا، لبداهة أن تباني المتكلم والمخاطب على معنى لا يكاد يوجب الدلالة وصيرورة اللفظ دالا عليه بنحو من الأدلة، بخلاف كون الشئ متفاهما من اللفظ عرفا. فافهم وتأمل جيدا. ثانيها: أنه إذا كان التباني على امور راجعة إلى أوصاف العوضين يوجب انصراف لفظ الثمن أو المثمن إلى ما هو المعهود عندهما، كما هو كذلك في غير المقام. وفيه: أنه لو كان مرجع الاشتراط مطلقا - سواء كان من أوصاف العوضين أو غيرها - إلى تقييد الثمن أو المثمن ببعض الخصوصيات بحيث يوجب انتفاء الخصوصية انتفاءهما كما هو قضية التقييد والانصراف فله وجه، إلا أن مقتضاه بطلان العقد بتخلفه أو تعذره. وليس البناء في الشروط على ذلك، بل الالتزام بها على نحو ينتج الخيار عند تعذرها، وارتباطها بالعقد بهذا المقدار من الارتباط، لا التعليق والتقييد الموجبان لانتفاء المشروط عند انتفائها كما لا يخفى. وهذا المعنى لا يكاد يحصل بالانصراف، بل يحتاج إلى التزام على حدة وإنشائه عند العقد. ولذا قالوا بأن مرجع التوصيف في باب العقود إلى الاشتراط، وسيأتي مزيد توضيح في ذلك إن شاء الله. وثالثها: ما أشار إليه (قدس سره): أن التباني يوجب إناطة التراضي - المعتبر في المعاملة - بوجود الشرط، ولو لم يكن كذلك بحسب اللفظ والإنشاء فيكون العقد بدونه تجارة لا عن تراض الداخل في عنوان أكل المال بالباطل. وفيه: أن التواطؤ على الشرط غايته أن يصير داعيا على إيقاع العقد إنشاء. فتخلفه كتخلف سائر الدواعي لا يكاد يوجب قصورا فيما اعتبر في العقد - من قصد إنشائه وتحقق مدلوله كما في سائر المقامات - كيف! ولو كان القصد منوطا بوجود الشرط فلازمه البطلان عند فقدانه، لا ثبوت الخيار للمشروط له، كما

[ 235 ]

هو المدعى. فلابد من الالتزام بتحقق القصد المعتبر في صحة المعاملة مع فقد الشرط أيضا، فإن قصد مدلول العقد مطلب وكون الغرض الباعث إليه شيئا ربما يترتب عليه وربما لا يترتب عليه مطلب آخر. فتدبر. وكيف كان، فالظاهر من كلماتهم وعدم ترتيبهم أثر اللزوم على الشرط الغير المذكور في العقد - من كون فساده موجبا لفساده، وكون التباني عليه موجبا لبطلان معاوضة أحد المتجانسين بأزيد منه، وغير ذلك مما يوجب الفساد لو كان مذكورا في العقد - التسالم على عدم لزوم هذا القسم من الشرط أيضا، كما في الشرط الابتدائي. وأنت إذا تأملت في الفروع التي ذكروها في أبواب العقود والمعاملات ربما تقطع بصحة هذه الدعوى. فراجع وتأمل. والله هو العالم. قوله (قدس سره): (وقد يتوهم هنا شرط تاسع.... إلى آخره). الظاهر أنه من المحقق الثاني (قدس سره) (1) على ما أفاد استادنا المحقق دام ظله العالي وحاصله اعتبار التنجيز في الشروط، كاعتباره في نفس العقود عدا الوصية والتدبير إجماعا على ما هو الظاهر من كلماتهم. وتوضيح المقام: أن التعليق بمعنى إناطة العقد على تقدير دون تقدير، تارة: يرجع إلى الإنشاء - أي قصد مدلول اللفظ وتحققه به - وهذا أمر غير معقول، إذ مرجعه إلى عدم القصد الذي يتقوم به الإنشاء ولا يكاد يحصل بدونه. واخرى: يرجع إلى المنشأ - بمعنى أن يقصد حصول الملكية على تقدير مجئ زيد مثلا - وهذا في التكوينيات العينية مثل الضرب والقتل مثلا أيضا غير ممكن، بأن يقصد حصول القتل على تقدير كون ما وقع عليه عدوا - مثلا - وإناطته به على وجه لو كان صديقا لم يقع عليه. وهذا واضح، لبداهة وقوع القتل على أي حال، غايته أن الداعي على إيقاعه - وهو قتل العدو - تارة يصادفه، واخرى يتخلف عنه. فإناطة ذات الفعل على تقدير كونه قتل العدو أمر مستحيل غير


(1) لم نعثر عليه.

[ 236 ]

معقول، كما هو واضح. ولكن في الاعتباريات مثل ما ينشأ بالعقود، أو الإيجاب والتحريم في باب التكاليف، فحيث إن أصل وجودها باعتبار المعتبر وعلى نحو اعتباره فيمكن أن يكون اعتباره على تقدير خاص، وإناطته على أمر خارج عن الاختيار من زمان أو زماني ونحو ذلك. فيصح إيجاب الحج على تقدير الاستطاعة، أو إنشاء الملكية على تقدير الموت، كما في الوصية ونحو ذلك. وبالجملة: فالمنشئات بالعقود كالملكية والزوجية وغيرهما وكذلك الإيقاعات وإن أمكن تعليقها على أمر حالي أو استقبالي، إلا أن ظاهرهم الاتفاق والتسالم على بطلان العقد أو الإيقاع به، لا لكونه موجبا للغرر، حتى يختص بما إذا كان معلقا على أمر مشكوك الحصول ويصح فيما اغتفر فيه الغرر - كما في باب الصلح - بل لاتفاقهم على ذلك تعبدا، وإطلاق معاقد إجماعاتهم فيعم التعليق على متيقن الحصول كالزمان أيضا. نعم، فيما إذا كان المعلق عليه أمرا حاليا حاصلا عند العقد، فربما يظهر من بعض الكلمات جوازه، وكذلك فيما إذا كان التعليق من مقتضيات نفس العقد - بمعنى كون العقد متضمنا له ولو لم يصرح به - كقوله " إن كان هذا حمارا فبعته، أو إن كان هذا رقا فأعتقته " وأمثال ذلك. فيبقى التعليق على أمر حالي مشكوك الحصول، أو الاسقبالي سواء كان متيقنا أو مشكوكا حصوله على إشكال في المتيقن منه، وتمام الكلام في محله. ومن هنا ظهر عدم صحة مقايسة المقام كقوله " بعتك هذا بدرهم على أن تخيط لي إن جاء زيد " على قوله " أنت وكيلي في أن تبيع إذا جاء رأس الشهر " نظرا إلى أن التعليق والتقييد راجع إلى متعلق الشرط - وهو الخياطة على تقدير المجئ - كما أن في الثاني راجع إلى متعلق الوكالة، وهو البيع في زمان خاص، فلا يلزم التعليق في نفس الشرط أو الوكالة فلا محذور. وفيه إمكان تصحيح ذلك في المقيس عليه حيث لا محذور فيه إلا التعليق على أمر متيقن الحصول، الممكن إرجاعه إلى ما أفاده (قدس سره). وهذا بخلاف المقيس،

[ 237 ]

لاستلزامه الجهل بالثمن والغرر في المعاملة بناء على كون الشرط بمنزلة جزء من العوضين، فيلزم ان يكون الثمن هو الدرهم على تقدير ومع الضميمة على تقدير آخر، وهذا معنى لزوم أدائه إلى البيع بثمنين كما قيل. وإرجاع التعليق إلى متعلق الشرط - أي الخياطة - لا إلى نفس الشرط لا يدفع هذا المحذور، وهو اختلاف الثمن على التقديرين. وحينئذ فالمتجه في الجواب أن يمنع كون الشرط جزء للثمن حقيقة حتى يختلف الثمن، كيف! ولازمه تبعض المعاملة بتعذر الشرط كما في الأجزاء الحقيقية. بل المراد من كونه بمنزلة الضميمة أن الإلزام والالتزام الواقعين بين العوضين منوطان بالوفاء به، فمع التعذر لا إلزام ولا التزام. وهذا هو حقيقة الخيار كما قدمناه مشروحا. وكيف كان، فلا إشكال فيه من تلك الجهة، ولا من جهة الإجماع على اعتبار التنجيز في العقود، فإن القدر المسلم منه خصوص بابي العقود والإيقاعات باستثناء موارد فيهما أيضا. وعلى أي حال ثبوته في باب الشروط غير معلوم، بل الظاهر من غير واحد من الأجلة نفوذ الشرط مع التعليق - كما صرحوا به في الخيار المشروط برد الثمن - ويدل على نفوذه مضافا إلى ذلك كله ما ورد " في امرأة مكاتبة أعانها ولد زوجها على أداء مال كتابتها مشترطا عليها عدم الخيار على زوجها بعد الانعتاق (1) " من نفوذ الشرط وصحته مستشهدا بعموم " المؤمنون عند شروطهم " فإنه أقوى دليل على المدعى، كما لا يخفى. قوله (قدس سره): (ولا إشكال في أنه لا حكم للقسم الأول إلا الخيار مع تبين فقد الوصف المشترط، إذ لا يعقل تحصيله هنا.... إلى آخره). ينبغي تخصيص ذلك بالأوصاف التي لا يمكن تحصيلها وإحداثها للمشروط عليه قبل تسليم الموصوف إلى مالكه، وإلا كوصف الكتابة للعبد - مثلا - أو إزالة


(1) انظر الوسائل 16: 95، الباب 11 من أبواب المكاتبة ح 1.

[ 238 ]

العيب عنه إذا كان معيبا فاللازم عليه تحصيل الشرط وتسليمه متصفا بالوصف، ولا خيار للمشروط له أيضا، فإن المدار في وجود الوصف وعدمه حال التسليم لا حال وقوع العقد عليه. ولذا حال فقد الوصف كتجدد العيب - مثلا - بعد العقد وقبل القبض حال فقدانه حال العقد في كونه موجبا للخيار، كما تقدم تفصيلا. نعم، إذا كان المناط حال العقد واتصافه بالوصف حين وقوعه عليه فيتجه ما أفاده من عدم الفرق، لعدم إمكان تحصيل الوصف المعتبر وجوده حال العقد، إلا أن ذلك يحتاج إلى قرينة اخرى ومؤنة زائدة على ما يقتضيه الاشتراط، وإلا فما هو المعهود المتعارف من الاشتراط في ضمن العقود من أوصاف العوضين اتصافهما بها حال تسليمهما. وعليه يتفرع ما اختاره في خيار العيب: من أنه لو زال بعد العقد وقبل القبض بل قبل العلم ولو بعد القبض يسقط به الرد، بل نقل عن العلامة التصريح في مواضع من التذكرة بأنه مهما زال العيب قبل العلم أو بعده قبل الرد سقط حق الرد. وكذلك لو زادت القيمة السوقية في خيار الغبن قبل العلم به أو بعده وقبل الفسخ أو بعده وقبل الرد يسقط خياره وإن ناقشناه في بعض فروضه. وعلى أي حال لو زادت القيمة أو زال العيب قبل تسليمه إلى من انتقل إليه فلا ينبغي الإشكال في سقوط الرد، فالمدار على حال القبض لا على حال العقد، كما لا يخفى. ثم ان ما أفاده (قدس سره): من أنه لا حكم لهذا القسم - أي اشتراط الوصف الراجع إلى العوضين - إلا الخيار لعدم أثر آخر له شرعا حتى يترتب عليه بأدلة وجوب الوفاء بالشرط مبني، على ما اختاره في هذا الباب: من أن مفاد أدلة الشرط ووجوب الوفاء به ترتيب ما له من الأثر شرعا، فتكون فقط متكفلة لبيان الحكم التكليفي. وأما اللزوم الوضعي فهو منتزع من التكليف، كما هو مختاره في مطلق الوضعيات على ما يظهر من بعض كلماته وان كان بعضها موهما لخلافه. وكيف كان، فما أفاده هنا - من أنه لا معنى لوجوب الوفاء فيه وعموم المؤمنون مختص بغير هذا القسم - مبني على هذا المسلك، أي انتزاع الوضعيات من التكليف وعدم تأصلها بالجعل.

[ 239 ]

ويرد عليه مضافا إلى بطلان هذا المبنى من أصله - كما حققناه في محله - أن بناء عليه لا موجب للخيار أيضا، ولا دليل على جوازه ونفوذه، إذ المفروض عدم شمول الأدلة للمسألة، لانتفاء الأثر الشرعي. ولا يصح شمولها باعتبار نفس الخيار، لأنه متفرع على نفوذ الشرط ولزومه على المشروط عليه حتى يوجب تعذره أو امتناعه جواز الفسخ للمشروط له، فيلزم أن يكون ثبوت الخيار في المسألة بلا دليل يوجبه، ولا يكاد يصح الالتزام به، لأنه من أظهر موارد ثبوت الخيار لتعذر الشرط وأوضح أقسامه، كما لا يخفى على المتأمل فتأمل. وحينئذ فلا محيص من القول بأن مفاد الأدلة بيان اللزوم الوضعي، ويترتب عليه ما له من الأثر الشرعي لو كان له أثر كما في غير المقام. وهذا هو الظاهر المتبادر من قوله (عليه السلام) " المؤمنون عند شروطهم " فإن الظاهر من موارد استعمالات هذا الظرف الوقوف عند الشئ وعدم امكان المضي عنه. فيكون المعنى والله العالم أنهم واقفون عند شروطهم وملزمون بها، وهذا معنى اللزوم الوضعي، كما لا يخفى. وكذلك وجوب الوفاء بالشرط لو كان في أدلة الشروط ما هو بهذا المضمون - كما في أوفوا بالعقود - كناية عن حصول الشرط وتحققه وثبوته على المشروط عليه وفي ذمته وغير ذلك من التعابير التي نتيجتها مطلوبيته لأدائه، لا مجرد ترتب الآثار، حتى يختص بمورد دون مورد. بل معنى يعم جميع الموارد ويستتبع وجوب معاملة ملك الغير مع المشترط في ماله من الآثار شرعا، فتأمل جيدا. قوله (قدس سره): (وأما الثالث فإن اريد اشتراط الغاية.... إلى آخره). والمراد من الغايات النتائج الحاصلة بالعقود والإيقاعات مثل الملكية والحرية ونحوهما، فالكلام فيها في أنها كما تحصل بأسبابها المعدة لها كذلك تحصل بنفس الاشتراط في ضمن عقد آخر أم لا؟ بل لابد في حصولها من إنشائها مستقلا، ولا يصح جعلها تبعا لأحد العوضين في عقد آخر. ولذا لو كانت بنفسها تبعا لأحد العوضين كالزوائد المتصلة في الحيوان مثل صوفه ووبره - مثلا - فإنه

[ 240 ]

يملك بتبع العين سواء اشترط أو لم يشترط، بل استثناؤه يحتاج إلى الاشتراط. وكذلك ما لم يكن بنفسه تبعا ولكن باشتراطه يصير تابعا حقيقة. وبعبارة اخرى: يصير من لواحق المتبوع وزوائده كبيع الدابة مع الحمل والعبد مع ماله ونحو ذلك، فإن الظاهر عدم الإشكال في صحة الاشتراط في أمثال هذه المقامات، سواء كانت الغاية متوقفا حصولها على سبب خاص أو لم يكن. فلو بيع الدابة مع حملها أو الشجرة مع ثمرتها يصح ولو قلنا بتوقف البيع على سبب خاص، فإن المعاوضة هنا بين المتبوع وعوضه حقيقة وإنشاء. فلا يرد عليه ما يرد على غير هذا المقام، كما يأتي الإشارة إليه إن شاء الله. وحينئذ فدعوى تسويغ هذه الموارد لكونها توابع للمبيع موجهة. وما افيد من عدم صلاحية ذلك للفرق غير مفيد، لوضوح الفرق بين اشتراط حمل الدابة أو ثمرة الشجرة واشتراط كون مال آخر ملكا له بلا عوض. وحينئذ ما يوجه على المحقق الثاني هو جعل الحمل تبعا لدابة اخرى، فإن من المعلوم أنه لا يصير تبعا لها بالجعل كما لا يخفى، لا على أصل التبعية وعدم صلاحيتها للفرق. وكيف كان، فالذي هو محل الإشكال أن لا يكون المشترط بنفسه تبعا لأحد العوضين ولا بالاشتراط يصير كذلك، بل كان تبعا لأحدهما في العقد إنشاء، مع كونه بنفسه شيئا مستقلا في عرضهما يبذل بإزائه المال كالبذل بإزائهما، كأن يقال: بعتك هذا الكتاب بدرهم على أن يكون هذا القميص لي أو لزيد أيضا. وعلى أي حال فقد بناه (قدس سره) على أن يكون الغاية مما ثبت بالدليل اعتبار تحققها بسبب خاص - كما لا يبعد دعواه في جميع الإيقاعات كالطلاق والعتاق - فلا تكاد تحصل بالشرط بل يكون الشرط فاسدا لكونه مخالفا للكتاب، أو كانت مما لا يتوقف تحققه على سبب خاص - كالوكالة والوصاية - فيصح الاشتراط. والذي يشك في أنه من أي القسمين ولم يدل دليل واضح على أحد الوجهين فيبني على نفوذ الشرط وصحة الاشتراط، لا لأجل التمسك بعمومات الشرط فإن

[ 241 ]

الشبهة مصداقية، بل للأصل الذي اسس في مسألة الشك في المخالفة من استصحاب عدم المخالفة للكتاب بالبيان الذي أسلفناه. هذا ملخص ما أفاده (قدس سره) في هذه المرحلة. وحيث أثبتنا سابقا وبينا مشروحا عدم جريان هذا الأصل ونظائره رأسا، فلابد في المقام من الكلام: أولا في أن المانع من نفوذ الاشتراط ما أفاده (قدس سره) من اختصاص الغاية بسبب خاص، أو من جهة اخرى غير تلك الجهة. وثانيا فيما هو المعول عند الشك في النفوذ وعدمه بعد البناء على عدم جريان هذا الأصل. فنقول: الظاهر أن الشك في حصول الملكية لشئ بالشرط - كما في المثال المذكور الذي هو أحد الموارد المشكوكة - ليس من ناحية السبب واحتمال اختصاصه بلفظ البيع أو الهبة مثلا، فإن لازم ذلك عدم جواز وقوع الصلح عليه أيضا، فإن حال الصلح بعينه حال الشرط من هذه الجهة، بناء على كونه عقدا برأسه كما هو التحقيق، لا أن يكون تبعا لسائر العقود كما قيل. وكذلك لازم ذلك التسليم على عدم إفادة المعاطاة للملكية، مع أنها محل كلام وإشكال. بل قد حقق في محله أن العمدة في جهة البحث عنها ليس من جهة اختصاص الملكية بسبب خاص أو عدم اختصاصها به، بل من جهة أن ما وقع في الخارج من الفعل، هل هو مصداق للتمليك - بحيث يصح حمله عليه بالحمل الشائع - أو مصداق لمطلق الإباحة والتسليط الأعم من التمليك وغيره؟ وبالجملة: فالظاهر أنه لا ينبغي الإشكال في عدم اختصاص الملكية بسبب خاص، ولذا يجوز حصولها بالصلح عليها بلا خلاف فيه ظاهرا. وإذا جاز حصولها بالتسالم عليها جاز حصولها بالاشتراط أيضا، فإنهما توأمان يرتضعان من ثدي واحد - كما حقق في محله - وكذلك لو كان الشرط ملكية شئ بعوض خاص غير ما جعل عوضا في عقد المعاوضة مثل أن يقال " بعتك هذا الكتاب بدرهم بشرط أن يكون هذا القميص لك أيضا بدرهم " فالظاهر عدم الإشكال في صحته، مع أنه لو كان مختصا بسبب خاص ينبغي الإشكال في تلك الصورة أيضا.

[ 242 ]

وكيف كان، فالظاهر أن الإشكال في اشتراط الملكية في ضمن العقد ليس من جهة السبب واحتمال اختصاصه بسبب خاص، بل من ناحية المسبب، فإن المعهود من الشريعة في تملك الأعيان كونها إما بعوض مسمى - كما هو مدلول عقد البيع - وإما مجانا بلا عوض وأعد له عقد الهبة. وأما كونه لا بلا عوض ولا مع العوض على مقتضى ظاهر العقد وأن يقع بإزائه بعض الثمن لا محالة بعد ما فرضنا استقلاله وعدم صيرورته تبعا لأحد العوضين بالاشتراط فكأنه غير معهود من الشريعة، فيكون الشرط مخالفا للكتاب والسنة، لا أنه غير مقدور للمشروط عليه - كما أفاده (قدس سره) في مسألة اشتراط القدرة - فإن الغاية وهي تمليك ماله إلى الغير مقدور له وتحت سلطانه. وعدم حصوله بنظر الشارع إلا بأسباب خاصة لا يوجب سلب القدرة عنه. والحاصل: أن التصرف الشرعي تارة في ناحية المسبب كعدم جواز بيع المصحف أو المسلم من الكافر بحيث يكون دليله مخصصا لعموم السلطنة وقاصرا لسلطنته على غير ذلك الوجه، فيصير المسبب غير مقدور له وخارجا عن سلطنته، ولذا يدل النهي عنه على فساده. واخرى يكون في ناحية السبب وأن الغاية الفلانية مثلا لا تحصل إلا بسبب كذا وكذا، وهذا لا يوجب خروجها عن قدرته وقصورا في سلطنته، كما لا يخفى. وتمام التحقيق في ذلك موكول إلى محله فافهم واغتنم. وكيف كان، فالمانع في المقام سواء كان من جهة السبب واحتمال اعتبار الخصوصية فيه - كما أفاده (قدس سره) - أو من جهة المسبب، أي كون المشترط لا مجانية صرفة ولا مع العوض هو احتمال كون الشرط مخالفا للكتاب كما أفاده في المقام، لا كونه غير مقدورا، كما أفاده في ذاك الباب. وحينئذ فلابد من البحث فيه من تلك الجهة وأن المعول في صورة الشك في أحد الوجهين هو عمومات الشرط، أو أصالة عدم تحقق الغاية إلا بما علم كونه سببا لها، بعد ما عرفت من عدم جريان أصالة عدم المخالفة.

[ 243 ]

نعم، على تقدير جريانها تكون حاكمة على الأصل المتقدم، إلا أن صحة جريان سنخ هذا الأصل كلية في محل منع، كما حققناه في محله مشروحا. وحينئذ فإن أمكن الأخذ بعموم المؤمنون عند شروطهم فهو، وإلا فالمرجع هو الأصل المتقدم - أي أصالة عدم تحقق الغاية - والإنصاف أن التمسك بالعموم لا محذور فيه. وإن كون الشبهة مصداقية ممنوع جدا. بل مرجع الشك في جميع ما شك في المخالفة إلا ما شذ إلى الشك في أن الحكم الفلاني مجعول في الشريعة حتى يكون اشتراط خلافه مخالفا للسنة أم لا كما في المقام؟ فإن الشك في أن المستفاد من الأدلة اختصاص انحصار السبب المملك للأعيان بالبيع والهبة أو لا ينحصر بهما كما في تمليك المنافع كالأفعال، فإنها تارة تبرع محض، واخرى بإزاء العوض كذلك، وثالثة باشتراطها في ضمن عقد آخر نتيجته وجوب الوفاء بها، فلا يكون تبرعا محضا، وكون تعذره موجبا للخيار فلا يكون بإزاء الاجرة كذلك، بل واسطة بينهما. فهل يكون الأعيان كذلك أو ينحصر تملكها بأحد الوجهين؟ فيكون الشبهة حكمية لا مصداقية، كما لا يخفى. وكذلك إذا كان الشك من جهة الاختصاص بسبب خاص وعدمه، فإن مرجعه أيضا إلى الاشتباه في الحكم وأن غيره سبب لحصول النقل والانتقال بنظر الشارع أم لا. فلا مساس له بالاشتباه من جهة المصداق أو الشك في أن الحكم المجعول في الشريعة كقوله (عليه السلام): من حدود المتعة أن لا ترث (1) وما يشبه ذلك، هل يعم صورة الاشتراط أم لا؟ فيكون الشبهة مفهومية مرددة بين الأقل والأكثر فيؤخذ بالمتيقن، وفي المشكوك عموم أدلة الشرط هو المحكم. وأوضح من ذلك في التمسك بالعموم ما كان من قبيل القسم الأول - أي يكون الشبهة حكمية - إذ التمسك بالعموم فيها بلا محذور ولا شبهة، كما حقق في محله. نعم، ربما يشكل في التمسك بالعمومات من جهة اخرى، وهي كونها مخصصة بالتخصيص المتصل الموجب لإجمالها وسقوط دلالتها التصديقية على العموم


(1) انظر الوسائل 14: 485، الباب 32 من أبواب المتعة.

[ 244 ]

بالنسبة إلى الموارد المشكوكة كما هو القاعدة في جميع المخصصات المتصلة على ما حقق في محله، ولكن ذلك إنما يختص ببعض العمومات. وأما ما لا يكون مخصصا بالتخصيص المتصل - كما في بعض أخبار الباب مثل الرواية المتقدمة في الامرأة المكاتبة - فدلالته على العموم محفوظة. فيخصص بما علم خروجه عنه بالأدلة المنفصلة وهو ما علم مخالفته، وأما بالنسبة إلى مشكوك المخالفة سواء كان من جهة الشك في الحكم أو من جهة الشبهة في المفهوم فعمومه هو المحكم. وإجمال ما هو المجمل لا يكاد يسري إلى الآخر لو لم يكن الآخر مبينا ورافعا لإجماله فتدبر. وبالجملة: هذه قاعدة كلية تجري في جميع أبواب المخصصات والمقيدات من أنه لو كان في المسألة دليلان أحدهما مخصص بما يوجب إجماله فلا وجه لأن يعامل معاملة المجمل مع الآخر أيضا، مع أن أصالة العموم بالنسبة إليه غير ساقطة. وانقسامه إلى ما يحتمل خروجه ونقيضه محفوظ، مثلا إذا قيل: أكرم العلماء إلا الفساق منهم، وتردد الفسق بين خصوص ارتكاب الكبيرة أو الأعم منه ومن ارتكاب الصغيرة فشمول هذا العام لمرتكب الصغيرة وإن كان غير معلوم لتخصيصه بما عدا ما هو الفاسق واقعا ولكن لو كان في البين عام آخر غير مخصص به كذلك فعمومه بالنسبة إليه محفوظ، ولم يعلم خروجه عنه إلا على تقدير كون الفاسق لغة وعرفا أعم منه ومن غيره. وهذا التقدير ليس من لواحق العام وانقساماته حتى يكون الشك فيه موجبا للشك في عمومه. فالانقسام الذي من لواحقه وطواريه وهو انقسامه إلى مرتكب الصغيرة وغيره محفوظ لم يقع انثلام فيه، وما ليس بمحفوظ شموله له على تقدير شمول الفاسق له بمفهومه، وهذا ليس من لواحق العام وطواريه كما هو واضح. والحاصل: أن التمسك بعمومات الشرط في المقام - التي لم تكن مخصصة بتخصيص متصل - لا مانع فيه ولا محذور فيما إذا كان الاشتباه من جهة الشبهة في المفهوم فضلا عن كونه من جهة الشبهة في أصل الحكم وأن الحكم الفلاني في

[ 245 ]

الشريعة مجعول أو ليس بمجعول، بل يمكن التمسك بالعمومات المخصصة بغير عنوان الموافقة والمخالفة أيضا كقوله (عليه السلام): المؤمنون عند شروطهم إلا شرطا حرم حلالا أو أحل حراما. ونحو ذلك، فيما إذا شك من جهة المخالفة والموافقة، لا من جهة الحلية والحرمة كما في أمثال المقام، فإن إطلاقها من تلك الجهة محفوظ، فيعم موارد الشك، فإن الشك في تحقق الملكية أو الحرية مثلا بالشرط لا ربط له بالحلية والحرمة، بل من جهة كونه مخالفا للكتاب وعدمه. فتلك العمومات أيضا لا مانع من التمسك بها فتأمل جيدا. ولعل هذا هو الوجه فيما هو المرتكز في الذهن من عدم صحة البناء على فساد الشرط بمجرد احتمال مخالفته للكتاب ويأبى عنه الفهم المستقيم. ولذا يرى أن الشيخ (قدس سره) مع إصراره البليغ ومنعه الأكيد لجريان استصحاب العدم النعتي بلحاظ العدم السابق على وجود الموضوع وعقد تنبيه لذلك في تنبيهات الاستصحاب يتشبث بذيل هذا الأصل في هذا الباب ويتم المطلب بذاك المشرب. ولكن التحقيق ما ذكرناه من التمسك بالعمومات. ومنشأ الخلط تخيل أن الشك في هذه الموارد من جهة الشبهة في المصداق لتبين مفهوم المخالفة فمرجعه إلى أنه مخالف أم لا. ولكن قد عرفت أن مفهوم المخالفة عنوان منتزع عن أنواع الالتزامات المنافية للحكم المجعول في الشريعة، فلو كان الشك في أصل جعل الحكم أو في إطلاقه لمورد المشكوك فمستند إلى القصور في البيان الشرعي لا إلى الاشتباه من جهة الأمر الخارجي. نعم، لو شرط في ضمن عقد ثم شك في كيفية شرطه بأنه كان على وجه يخالف الكتاب أو على وجه لا يخالفه فيكون الشبهة مصداقية. ولكنه قليل جدا، بل غالب موارد الشك في المخالفة من إحدى الجهتين اللتين أشرنا إليهما، فلا مساس له بالشبهات المصداقية. فافهم واغتنم، فإن المقام صار مزلة لأقدام الأجلة، فضلا عن أمثالنا من الطلبة. والله الهادي إلى طريق الرشد والهداية.

[ 246 ]

قوله (قدس سره): (وإنما الخلاف والإشكال في القسم الثاني وهو ما تعلق فيه الاشتراط بفعل.... إلى آخره). اعلم أن البحث في المسألة ليس من جهات عديدة - كما أفاده (قدس سره): من جعل الكلام تارة في الحكم التكليفي وجعل المخالف فيه خصوص الشهيد (قدس سره)، واخرى من حيث جواز الإجبار وعدمه عند امتناع المشروط عليه. ثم إرجاع ذلك إلى المسألتين، تارة من حيث الوضع وكون الشرط سببا لثبوت حق لصاحبه على من اشترط عليه كسائر الحقوق من كونه موجبا لاشتغال الذمة ويسقط بإسقاطه وغير ذلك. واخرى من حيث جواز الإجبار وعدمه على كلا الوجهين - بل الظاهر أن مرجع البحث كله إلى أمر واحد، وهو أن مقتضى الاشتراط فقط انقلاب العقد اللازم جائزا كما أفاده الشهيد، أو يكون متضمنا لوضع آخر وهو استحقاق الشرط لمن له الشرط واشتغال ذمة المشروط عليه. فلازمه جواز الإجبار عليه عند امتناعه - كما لو آجر نفسه لفعل وعمل - وكذلك مقتضاه وجوب أداء الحق إلى صاحبه. فمرجع الكلام إلى ما أفاده (قدس سره) في آخر كلامه: من أن المشروط له قد ملك الشرط على المشروط عليه بمقتضى العقد المقرون بالشرط انتهى. وذلك لوضوح أن الحكم التكليفي الساذج بحيث لا يسقط بإسقاط المشروط له ويكون وجوب الوفاء به تكليفا كسائر التكاليف الوجوبية في عرض التكليف بوجوب أداء مال الغير مع مطالبته مما لا ينبغي أن يحتمله أحد، لبداهة سقوطه بإسقاط الشرط. فلا يكون من قبيل حرمة الغيبة والشتم والضرب ونحوها أيضا بأن يكون فيه جهتان: جهة متعلقة بالله تعالى من حيث كون هذه الامور مخالفة وعصيانا له، وجهة متعلقة بالمغتاب والمضروب من حيث كونها إيذاء لهما. ولذا لا يكاد يسقط عصيانه تبارك وتعالى بإسقاط المغتاب حقه، كما لا يكاد يجوز بإذنه في غيبته أو شتمه. وهذا بخلاف المقام، فإنه يسقط الشرط بإسقاط المشروط له، ولا يجب الوفاء به مع إذنه ورضاه بتركه أو بتأخيره. وكيف كان، بعد الاتفاق ظاهرا على سقوط الشرط بإسقاطه من صاحبه فيما

[ 247 ]

عدا شرط العتق، فالتكليف الممحض في كونه حقا لله تبارك وتعالى مما لا يكاد يحتمل، وكذلك المشوب منه ومن حق الناس كما في موارد الغيبة والشتم والقذف ونحوها، لبداهة عدم تسويغها بإذن المشتوم والمقذوف قطعا كما لا يخفى. فالتكليف الذي يتصور في المقام ما يتبعه ملكية الشرط للمشروط له واستحقاقه لأن يطالبه، فيجب أداؤه شرعا أيضا كما في الدين وأشباهه. وحينئذ، فالبحث عنه في قبال الوضع وجعله أمرا مستقلا بنفسه في غير محله، فضلا عن البحث في ظواهر الأدلة من أنها دالة على الوجوب أو الاستحباب كما احتمل، فإنه مبني على حمل ظواهر الأدلة على التكليف الساذج. فيمكن القول بالاستحباب، نظرا إلى ترتب الحكم على عنوان المؤمن، أو لكون مساقها مساق أدلة استحباب الوفاء بالوعد ومكروهية خلفه ونحو ذلك. وأما بعد ما عرفت من عدم احتمال التكليف المحض ودلالة الأدلة على ثبوت الوضع - كما استظهرناه من قوله (عليه السلام): عند شروطهم، أي واقفون عندها ملزومون بها - فلا يبقى مجال الاستحباب بلا ارتياب، بل احتماله من مثل شيخنا استاد الأساتيد بعيد غاية البعد. كما أن مقايسة الشرط بالوعد وأخباره الدالة على حسن الوفاء به في غير محلها، لبداهة أن الوعد ليس متضمنا للإلزام والالتزام بوجه، بل إخبار بأمر ممكن الوقوع وعدمه، غايته يستحب القيام به مع إمكانه. وأنى هذا من الاشتراط والالتزام وإيجاب شئ على نفسه إنشاء لا إخبارا فتأمل جدا. وكيف كان، فالذي ينبغي أن يحرر في المقام أن فائدة الشرط صرف جعل العقد عرضة للزوال وإناطة لزومه العقدي أو الشرعي بحصول الشرط، فمع عدم حصوله ولو بالاختيار ينتفي اللزوم. فلا موجب للقهر والإجبار أو ثبوت حق مالكي لصاحب الشرط على الآخر المستتبع لجواز الفسخ عند تعذر تسليمه كتعذر تسليم العوضين لا مجرد تخلفه، فلو امتنع يجبر على التسليم وأداء الحق إلى مالكه كما لو امتنع من تسليم العوض المنتقل عنه، فإن مجرد ذلك لا يوجب

[ 248 ]

الخيار مع إمكان الأخذ منه ولو بالإجبار، بل يتوقف الخيار وانفساخ العقد على تعذر التسليم كما هو واضح لا يخفى. ومن هنا يظهر أن المخالف في المسألة لا ينحصر بالشهيد (قدس سره)، بل كل من قال بعدم جواز إجباره - كالعلامة في بعض كتبه والشيخ على ما نقل عنه في المبسوط وغيرهما - مرجع كلامه إلى الوجه الأول لا محالة، إذ لا يكاد يستقيم المنع إلا بذلك، أي منع الحق المالكي للمشروط له على الشارط رأسا، أو ثبوته على وجه ينتج التخيير بين الوفاء بالشرط أو فسخ العقد عرضا. وتصويره لا يخلو عن غموض، فتأمل جيدا. وحينئذ، فالتفكيك بين المسألتين - أي من حيث وجوب الوفاء وعدمه، وتخصيص الخلاف فيه إلى الشهيد (قدس سره) من حيث جواز الإجبار وعدمه، ونسبة الخلاف فيه إلى جماعة - في غير محله. نعم، ربما يكون الاختلاف بينهم من جهة المبنى حيث لم يوجه غير الشهيد المنع إلى تعليق العقد وإناطة الالتزام بالشرط فينتفي عند انتفائه، فلعل الوجه عندهم مطلب آخر، كما يدل عليه تصريح العلامة في مواضع من التذكرة ببطلان التعليق في العقد على وجه الإناطة. وأما الشهيد (قدس سره) فصريح كلامه في نكت الإرشاد وغيره: أن الوجه في ذلك هو التعليق وإناطة الالتزام العقدي بحصول الشرط، فإذا لم يحصل فيجوز له الرضا بالفاقد من دون التزام، وهذا معنى الخيار وقلب العقد اللازم جائزا. قال (قدس سره) في مقام التفصيل بين اشتراط الغاية أو الفعل - المعبر عنهما تارة بأمر حالي أو استقبالي، واخرى بما كان العقد كافيا في تحققه وما لم يكن كافيا في تحققه، ومرجعهما إلى اشتراط الغايات أو المبادئ، فلا يكون تفصيلا فيما هو محل الكلام كما توهم -: إن الشرط الواقع في العقد اللازم إن كان العقد كافيا في تحققه ولا يحتاج بعده إلى صيغة فهو لازم لا يجوز الاختلال به كشرط الوكالة، وإن احتاج إلى أمر آخر وراء ذكره في العقد كشرط العتق فليس بلازم، بل ينقلب

[ 249 ]

العقد اللازم جائزا، أو جعل السر فيه أن اشتراط ما يكون العقد كافيا في تحققه كجزء من الإيجاب والقبول فهو تابع لهما في اللزوم والجواز. واشتراط ما سيوجد أمر منفصل عن العقد وقد علق عليه العقد والمعلق على الممكن ممكن وهو معنى قلب اللازم جائزا (1) انتهى. وفيه أولا: أن ظاهر الاشتراط ليس تعليق الالتزام عليه بل التزام بنفس الشرط كما هو محل البحث، وإن قيل: إن مرجعه إلى إناطة الالتزام به وتعليقه عليه فهذا لا يوجب الفرق بين المقامين ففي كليهما يؤول إليه، غايته في اشتراط الغايات إن كانت الغاية مما يمكن إيجادها بسبب كالوكالة يجب تحصيلا للشرط ووفاء بالعقد، وإن كانت مما لا يمكن إيجادها بسبب كاشتراط الخيار أو عدمه يكون فاسدا، لتعليق العقد على أمر غير حاصل لا يمكن تحصيله أيضا بسبب. وإن قيل بأنه لا يؤول إلى التعليق بل التزام به ونفس اشتراطه انشاؤه كما في اشتراط الخيار فنحن نقول به في شرط الفعل أيضا. وعلى أي حال بعد ما كان كيفية العقد والاشتراط بحسب الإنشاء العقدي على نهج واحد، فلا وجه للتفصيل والتفرقة بين اشتراط الفعل والغاية. وثانيا: أن مرجع التعليق إن كان إلى إناطة الإنشاء وإيقاعه على تقدير دون تقدير فهذا أمر مستحيل، كما حققنا في محله: أن المعاني الإيجادية غير قابلة لإناطتها بأمر غير حاصل، فإنها إما توجد بإنشائها أو لا توجد فلا معنى لإيجادها معلقة على غيرها كما لا يخفى، مضافا إلى أنها معان حرفية غير ملحوظة عند الاستعمال غير ملتفت إليها في هذا الحال، فلا يمكن لحاظ الإطلاق أو التقييد فيها. وإن كان المرجع إلى تقييد المنشأ - أي البيع مثلا - بأن ينشأ ملكية خاصة بإرجاع القيد إلى المادة نظير قيد الواجب، وهذا وإن كان في الامور الخارجية - كالضرب والقتل مثلا - أيضا غير متصور، لامتناع إناطة الفعل الصادر على أمر


(1) لم نعثر عليه.

[ 250 ]

خارج عن الاختيار مثل إناطة الضرب على وقوعه على المضروب إن كان عدوا دون ما إذا كان صديقا، بل يكون العنوان من قبيل الدواعي على الفعل تارة يتخلف عنه، واخرى يصادفه كما هو واضح، إلا أنه فيما إذا كان المنشأ من الاعتباريات كالملكية والزوجية فحيث إن وجودها على نحو اعتبارها، فيصح اعتبارها على وجه خاص وإناطتها على تقدير دون تقدير. فيكون التعليق فيها بمكان من الإمكان كما في قيود الواجب، فإنها أيضا من هذا الباب. ولكن ذلك - مضافا إلى كونه مخالفا للإجماع على بطلان التعليق في العقود، واعتبار التنجيز فيها بلا إشكال - لا يكاد ينتج الجواز، بل مقتضاه بطلان العقد رأسا، لأن المفروض عدم انشاء البيع على تقدير انتفاء الشرط. وانتفاء المشروط بانتفاء شرطه حكم عقلي غير قابل للتخصيص، إلا بإرجاع الاشتراط إلى معنى لا ينافي مع بقاء المشروط، كما يأتي تصويره إن شاء الله. نعم، الذي يفيد الخيار وانعقاد العقد جائزا إناطة الالتزام - الذي يدل عليه العقد التزاما ويتضمنه عرفا - على وجود الشرط، فعند انتفائه لا التزام للمشروط له حتى يجب الوفاء به بدليل الإمضاء شرعا فينقلب اللزوم جوازا كما هو مدعاه (قدس سره)، ولكنه مبني على كون الالتزام ملحوظا بنفسه في حال العقد ومنشأ به باستقلاله، مثل أن يصرح به بأن يقول: مثلا بعت هذا بهذا والتزمت به. وليس كذلك بالبداهة، بل مدلول العقد إنشاء البيع على وجه الالتزام فيكون كيفية لإنشائه ونحوا من أنحائه يتبعه قهرا على حسب ما هو المفهوم منه عرفا، وبهذا الاعتبار يسمى عقدا، ولذا نقول بأن المعاطاة بيع لا عقد، فتأمل جيدا. وكيف كان، فقد ظهر بطلان التعليق بجميع أنحائه. وما يتصور فيه التعليق منها لا يكاد يفيد الخيار وينتج الجواز، وما يفيده وينتجه لا يكاد يصح التعليق فيه كما قلنا. هذا إذا كان المراد تعليق الإنشاء والالتزام العقدي على وجود الشرط كما هو صريح كلام الشهيد رفع مقامه وإن قيل توجيها لكلامه ووجها لمن قال بمقالته من الأجلة كما أشرنا إليه من التردد أو الميل إليه من بعض عبارات التذكرة.

[ 251 ]

ونقل عن الشيخ في مبسوطه أيضا وغيرهما: أن المراد إناطة الحكم الشرعي وهو وجوب الوفاء بالعقد بوجود الشرط بعد تسليم أنه بحسب التزامه بالعقد غير منوط بشئ وغير معلق على تقدير دون تقدير ولكن لا شبهة أنه لم يلتزم بالفاقد فلا يعمه دليل وجوب الوفاء بالعقود فيقع جائزا، لعدم الدليل على اللزوم. وفيه أن المشروط له وإن لم يلتزم بالفاقد إلا أن المشروط عليه التزام بإعطاء الشرط وصفا كان أو فعلا فيجب عليه الوفاء على حسب التزامه، بأن يؤدي الشرط إلى من له الشرط أداء الحق إلى صاحبه، فمع امتناعه يجبر عليه كما في سائر الحقوق والأموال. وثانيا أن عدم التزام صاحب الشرط بالفاقد وإن صح إلا أن فيه مغالطة، إذ ليس معناه عدم وجوب وفائه بالعقد، بل معناه الأخذ بالشرط والوفاء بالعقد، بمعنى أنه إما أن يتجاوز عن حقه أو يطالبه، ومع امتناعه يجبره عليه نظير ما يقال في الشك في الأقل والأكثر إن الأقل على تقدير وجوب الأكثر ليس بواجب، فإن معناه وجوب الإتيان به وبالأكثر لا سقوط التكليف عنه، فتدبر. وكيف كان، فما يظهر من هؤلاء الأجلة من عدم جواز الإجبار على الشرط - مع تصريحهم بأنه كالجزء من العوضين بل ان له قسطا من الثمن وثبوت الخيار بمجرد التخلف - لا وجه له. وأضعف من ذلك تفصيلهم في مسألة اشتراط العتق بأنه إن قلنا: إنه حق لله تعالى يجبر عليه لو امتنع، وإن قلنا: إنه حق للبائع لم يجبر، إذ لا معنى لكونه حقا له تبارك وتعالى إلا اعتبار قصد التقرب فيه، ولازمه التعدي إلى كل ما يكون كذلك - كاشتراط الوقف، أو الصدقة، أو بناء قنطرة وغيرها من الوجوه البرية - فلا وجه للاختصاص بالعتق. ولا يقاس بمنذور الصدقة وغيره، لبداهة الفرق بينهما، فإن طرف الالتزام هنا هو الله تعالى دون المشروط له كما لا يخفى. وكيف كان، فقد ظهر من مجموع ما ذكرنا: أن بالشرط يثبت حق مالكي للمشروط له على الشارط الموجب لاشتغال ذمته به كما في سائر الحقوق، ويسقط بالإسقاط كما اتفقوا عليه وتسالمهم ظاهرا في غير اشتراط العتق.

[ 252 ]

وقد عرفت عدم الفرق بينه وبين غيره من الامور القربية وغيرها الراجع انتفاعها إلى من له الحق أو الأجنبي، فيستحق المطالبة والإجبار مع المماطلة، ومع التعذر يوجب الخيار، لعدم التزامه بفاقد الشرط. نعم، توجيه الخيار مع صحة البيع دون البطلان كما يسبق في بادئ النظر مطلب آخر يأتي الكلام في تنقيحه آنفا فتدبر. قوله (قدس سره): (الثالثة في أنه هل للمشروط له الفسخ مع التمكن من الإجبار). لا يخفى أن المسألة بعينها هي المسألة السابقة باختلاف يسير وتفاوت في العبارة ولعله سهو من قلمه فراجع وتدبر. نعم، زيادتها على السابقة أنه لو كان الشرط من قبيل الإنشاء القابل للنيابة فهل يوقعه الحاكم عنه إذا فرض تعذر إجباره أو عند امتناعه مطلقا نظرا إلى عدم تحقق الإنشاء عن طيب ورضاء مع اعتباره فيه فيدور بين سقوط أحد الشرطين من الطيب والرضاء أو المباشرة. وقد استدل على جواز إيقاعه للحاكم بعموم ولاية السلطان على الممتنع، ولكن لا يخفى أن عمومه مع وجود المولى عليه وحضوره وكمال عقله وبلوغه ممنوع، فتأمل جيدا. قوله (قدس سره): (الرابعة (1) لو تعذر الشرط فليس للمشتري إلا الخيار.... إلى آخره). سواء كان الشرط متعذرا حال العقد أو طرأ التعذر عليه، من غير فرق بين ما يرجع إلى العوضين كالأوصاف أو غيره من الامور الخارجية كالأفعال والأعمال. نعم، لو كان الفعل متعذرا ابتداء فيدخل في مسألة العقد المشروط بالشرط الفاسد. وسيأتي أن الحكم فيه أيضا هو الخيار لا الفساد، كما هو مختار جماعة من الأمجاد.


(1) كذا وردت في النسخة، وستأتي عين هذا المتن في ص 258 مصدرا ب‍ (قوله (قدس سره)).

[ 253 ]

وكيف كان تحقيق البحث في المقام يقع في مطالب ثلاثة: الأول: في صحة العقد وعدم بطلانه بتعذر الشرط. الثاني: في جوازه وثبوت الخيار للمشروط له، وكيفية الجمع بين الصحة والجواز على ما يقتضيه القاعدة. نعم، بناء على مسلك شيخنا العلامة (قدس سره) من اقتضاء القاعدة البطلان وإثبات الخيار بالتعبد من الإجماع وقاعدة الضرر فالأمر سهل، ولكن قد أبطلنا هذا المسلك في خيار الغبن وغيره مشروحا، فإن الإجماع في أمثال تلك المسائل العرفية الإمضائية شرعا تحصيله لا يخلو عن تأمل. وأما القاعدة فقد حققنا في محله أنه لو ثبت الخيار بوجه آخر من استناده إلى تعذر الشروط الضمنية أو الصريحة فالتمسك بها في محله، حيث إن الوفاء والرضاء بفاقد الشرط ضرر على المشروط له إلا أنه مستغنى عنه في تلك الصورة، وإن لم يثبت الخيار بوجه آخر فلا موقع للتمسك بأدلة الضرر لإقدام المشروط له على المعاملة بعلم منه واختياره، ومجرد تخلف الشرط لا يكاد يوجب الخيار كتخلف سائر الامور الباعثة على الإقدام على المعاملة فتأمل جيدا. وبالجملة: تتميم المسألة على ما تقتضيه القواعد لا يخلو عن الغموض وتدقيق النظر كما سيتضح عليك إن شاء الله. الثالث: في جواز أخذ الأرش من التفاوت بين واجد الشرط وفاقده بالنسبة إلى الثمن والمثمن كما في خيار العيب، ومبنى المسألة أن ثبوت الأرش فيه على القاعدة أو على خلافها ثبت بالنصوص تعبدا، فها هنا مقامات من الكلام: الأول في إثبات الصحة وعدم بطلان العقد بتعذر الشرط، فنقول: إن الخصوصية الفاقدة تارة تكون ركنا في المعاملة وعنوانا للعوضين - كالصور النوعية التي للأشياء التي يبذل بإزائها الأموال وتقع في العقد بإزائها الثمن - مثل كون المبيع حمارا أو غلاما ونحو ذلك مما يوجب تخلفه اختلالا في أركان العقد على حسب ما قصده المتعاقدان مثل ما إذا باع غلاما حبشيا وظهر حمارا

[ 254 ]

وحشيا، وهذا يوجب بطلان المعاملة بلا شبهة ولو في البيع الشخصي، فإن المبادلة فيه وإن وقعت بين الثمن وهذا الموجود الخارجي كيف ما كان لكن لا بمادته الهيولائية حتى تكون محفوظة في المثال المفروض بل بصورته النوعية المفروض انتفاؤها، لأنها التي يبذل بإزائها المال ويقع في مقابلها الثمن. فما يقال: إن العقود تابعة للقصود محل استعماله في تلك الصورة، حيث إن ما قصده البائع مثلا وبذل بإزائه الثمن منتف وما هو موجود لم يقصده ولم يبذل بإزائه شئ. ولا يصح أن يقال: إنه من قبيل تخلف الدواعي، بمعنى أن اعتقاد كونه غلاما صار داعيا لبذل المال بإزاء الموجود الخارجي، لما عرفت من أن المعنى المحفوظ فيه ولو بانسلاخ ذلك العنوان عنه هو المادة الهيولائية الغير القابلة للمعاوضة لعدم المالية لها، فإن مالية الأشياء بصورها النوعية بل بالصور العرفية التي ربما تكون أخص من الصور النوعية العقلية فتأمل جيدا. وببيان أوضح: الخصوصية الفاقدة تارة توجب أن يعد الموجود الخارجي مباينا لما وقع عليه العقد عرفا فانتقاؤهما يوجب بطلان العقد لا محالة، سواء جعلت عنوانا للمبيع كقوله بعتك العبد الذي هو هذا أو وصفا له كقوله بعتك هذا العبد أو عبر عنه بلسان الاشتراط كقوله بعتك هذا بشرط أن يكون عبدا، فإن انتفاء العبدية في جميع هذه الصور يوجب البطلان، إذ التوصيف أو الاشتراط هنا لا يفيد أزيد مما يعتبر في أصل المعاملة بعد ما عرفت عدم صلاحية بذل المال بإزاء المادة المبهمة الجنسية. واخرى تكون الخصوصية فضلة بمعنى أن انتفاءها لا يوجب اختلالا في مبادلة المالين بحيث يعد الموجود فعلا مباينا للمعقود عليه عقلا أو عرفا، وإن كان الالتزام بكون أحدهما عوضا عن الآخر منوطا بوجود الخصوصية فانتفاؤها في تلك الصورة يوجب انتفاء الالتزام لا انتفاء أصل المبادلة، وذلك كما في اشتراط الامور الراجعة إلى أوصاف العوضين أو الامور الخارجية التي بمؤنة الشرط تصير بمنزلة الوصف والضميمة لهما. وهذا القسم محل الكلام وإن تعذره يوجب الخيار أو لا يوجبه.

[ 255 ]

وأما ما كان من قبيل القسم الأول فهو خارج عن محل البحث رأسا ولا ينبغي عده في عداد الشروط والأوصاف، لما عرفت من أن التعبير عنه وصفا أو شرطا لا يفيد أزيد مما يعتبر في أصل المعاوضة من اعتبار كون العوضين معلوما وعنوانهما محفوظا نظير اشتراط بقاء الموضوع في جريان الاستصحاب. وما اعتبروه في جريان قاعدة الميسور في كون الفاقد يعد ميسورا للواجد لا مباينا له، فإن الخصوصية المنتفية تارة تكون عنوانا للموضوع ومتقومة بها حقيقة الواجب بحيث يكون انتفاؤها موجبا لانتفاء الموضوع وتعذر الواجب رأسا فلا مجال لجريانهما. واخرى ليست كذلك بل عنوان الموضوع - أي ما هو معروض الحكم - بحسب المناسبة التي بين الأحكام وموضوعاتها محفوظ بنظر العرف، وكذلك الواجب لم تتعذر بحقيقته بل ببعض أبعاضه، فيصح جريان القاعدتين وإن لم يشملهما إطلاق دليلهما لأجل انتفاء الخصوصية كما حقق في محله. وبالجملة: صحة المعاملة ووقوع المبادلة مبتنية على حفظ عنوان المتعاوضين أي ما يبذل بازاء الأموال في العرف والعادة، كالصور النوعية التي للأعيان، فإن ماليتها تدور مدارها غالبا لا على المادة الهيولائية ولا على الأوصاف الخارجية وإن كانت موجبة لتفاوت القيمة بسببها. فإن كانت تلك الصورة التي وقعت عليها العقد محفوظة إلى حين القبض بل موجودة في هذا الحال ولو فرض انتفاؤها حال العقد فيصح المعاملة وتقع المبادلة لا محالة، ولا يعقل إناطتها بوجود الوصف أو الشرط، فإنهما من قبيل الدواعي لا يعقل أن يكون وقوع الفعل الخارجي وعدم وقوعه منوطا بهما كما لا يخفى. وإن لم تكن تلك الصور محفوظة إلى حين التسليم وإن كانت موجودة حال العقد كما إذا صار الخل خمرا مثلا فلا مجال للصحة، لذهاب المالية وعدم وقوع المعاوضة بين الثمن والمادة الهيولائية الموجودة في حال خمريته نظير ما ذكر في القاعدتين، أي قاعدة الميسور والاستصحاب كما أشرنا إليه.

[ 256 ]

نعم، ما ذكرنا كله إنما يتم في البيع الشخصي ومبادلة الأعيان الخارجية بالثمن كذلك، وكذلك في الأوصاف التي لا يكون مالية الموصوف متقومة بها كوصف الصحة في الجوز والبيض ونحوهما، وإلا فانتفاء الوصف يوجب فساد المعاملة بذاك المناط الذي نقحناه، فإن الثمن في مثل هذه الأشياء يقع بإزاء وصف صحتها حقيقة فيكون الوصف فيها بمنزلة الصور النوعية في غيرها والموصوف بمنزلة المادة الغير القابلة لوقوع المعاوضة عليها كما قلنا. وكذلك الكلام في البيع الكلي فإن اشتراط الوصف فيه يوجب تقييد المبيع الثابت في الذمة، ففاقد الوصف ليس فردا لما وقع عليه العقد ولازمه الفساد، إلا أن المشهور فيه أيضا الصحة والخيار لكن بتقريب آخر ليس هنا محل ذكره فتدبر. وربما يظهر من بعضهم الحكم بجواز الإبدال أيضا، والفرق بينه وبين الخيار لا يخلو عن التأمل، فتأمل. وكيف كان، فقد ظهر أن تعذر الشرط فيما هو محل البحث - أي الشروط الزائدة عن عنواني العوضين الخارجة عما يقع بينهما المبادلة - لا يكاد ينثلم به صحة العقد ووقوعه على نحو أوقعاه فلا موجب للفساد مع تمامية جهات الصحة. وأما اللزوم فليس كذلك، فإنه ناش عما يتضمنه العقد ويدل عليه بمدلوله الالتزامي العرفي وهو التزام كل من المتعاقدين بما عقد عليه وإعطاء القول من كل واحد لصاحبه وبهذا الاعتبار يسمى عقدا ويعمه عموم أوفوا بالعقود، ولذا قيل: إن المعاطاة بيع لا عقد، ومن المعلوم أن الالتزام بما وقع عليه العقد منوط بوجوده لا الإناطة على وجه التعليق بمعنى الانتفاء عند الانتفاء، بل يكون الشرط من قبيل شرط الواجب بمعنى أنه يجب على المشروط عليه الوفاء بالعقد وتسليم ما انتقل عنه مع الشرط فيجب على المشروط له الوفاء به كذلك، فإذا تعذر الشرط فلا ملزم للعقد، لعدم الالتزام بالفاقد فعلى صاحبه الالتزام به فعلا والرضاء به أو فسخ العقد وحله، وهذا معنى الخيار. فقد ظهر أن العقد الذي شرطه كالمعاطاة على قول فيه بيع لا عقد أما الأول فلوقوع المبادلة بين العوضين.

[ 257 ]

بل قد عرفت عدم صحة إناطتها بوجود الشرط على وجه لا يرجع إلى تعليق الإنشاء الممتنع وقوعه أو تعليق المنشأ المجمع على بطلانه. وأما أنه ليس عقدا فلما عرفت من انتفاء الالتزام بالمبادلة مع فقد الشرط وصفا كان أو غيره، فلا يعمه عموم أوفوا بالعقود، فإنه إمضاء لما التزما به وهو في المقام على الفرض متعذر مفقود. وبالجملة: فقد تلخص مما ذكرنا أن ما أفاده الأصحاب من صحة العقد وثبوت الخيار للمشروط له عند التخلف كما هو مقتضى مختار الشهيد ومن وافقه، أو عند التعذر كما هو مختار المشهور صحيح منطبق على القاعدة وما يقتضيه العقد والاشتراط، فلا وجه للقول بفساد العقد لولا الشرط. وإثبات الخيار بالإجماع وقاعدة الضرر كما يظهر من شيخنا العلامة (قدس سره) في بعض كلماته نظرا إلى إرجاع الشرط إلى تقييد المنشأ فينتفي بانتفائه، لما عرفت من أنه ليس تقييدا للإنشاء ولا للمنشأ بل التزام في التزام. ولنعم ما عبروا عنه بالشرط في ضمن العقد! فهو غير مرتبط بالعقد على وجه يوجب انتفاؤه فساده ومرتبط به بوجه يوجب انتفاؤه الخيار بالتقريب الذي ذكرنا من دخله في الالتزام العقدي لا فيما هو مدلوله المطابقي أي المبادلة بين العوضين فتأمل جيدا. أقول: والإنصاف أن تصوير ذلك على وجه لا يرجع إلى التعليق في الإنشاء ولا إلى تقييد المنشأ الموجب لانتفائه عند انتفائه ولا إلى نظير تعدد المطلوب في الواجبات ولا إلى نظير الواجب في الواجب كما قيل، ومع ذلك كان النتيجة عند انتفائه صحة العقد وثبوت الخيار للمشروط له في غاية الإشكال، وكذلك تصوير ما ذكر من إناطة الالتزام به مع ما عرفت أن الالتزام ليس بنفسه ملحوظا في العقد بل إنما لوحظ حالة وكيفية للإنشاء أي كون الإنشاء على وجه الالتزام. وكيف كان، فتصوير المطلب - أي الجمع بين الصحة والجواز - في غاية الدقة ويحتاج إلى إمعان الفكر وتدقيق النظر، وقد أتعب نفسه شيخنا المحقق واستادنا

[ 258 ]

الماجد في تصوير ذلك وقد أجاد فيما أفاد، ولكن ما قررناه غير واف بمراده وقاصر عن بيانه، ولعلك إذا تأملت فيما ذكرنا في الواجب المشروط من إرجاع الشرط إلى المادة حال الإسناد لا إليها قبل الإسناد والنسبة كما في سائر قيود الواجب المطلق ولا إلى الهيئة، بل عقد جملة بجملة كما هو مفاد أداة الشرط يتضح لك حال المقام وتصوير ما بنى عليه علماؤنا الأعلام. فتأمل جدا، فإن المسألة من مزلة الأقدام. قوله (قدس سره): (الرابعة لو تعذر الشرط فليس للمشتري إلا الخيار لعدم دليل على الأرش.... إلى آخره). هذا هو المطلب الثالث من المطالب التي أردنا تنقيحها. وحاصل الكلام فيه بعد إثبات أن تعذر الشرط لا يوجب فساد العقد بل ينقلب العقد جائزا فللمشروط له الفسخ والرجوع إلى ما انتقل عنه فهل يجوز له أخذ الأرش كما في العيب أو لا يجوز له سوى الفسخ والرد؟ ومبناه ما ذكرنا في مسألة خيار العيب من أن الأرش فيه هل ثبت على القاعدة وحسب ما يقتضيه المعاوضة أو ثبت بالتعبد فيقتصر على مورده. وقد أثبتنا هناك عدم إمكان تطبيقه على القواعد، لأنه إن كان تتميما للناقص وغرامة للعيب فلازمه أخذ قيمته الواقعية دون ما يخصه بالنسبة إلى الثمن، وإن كان تنقيصا للثمن فلازمه رجوع ما يخصه من عين الثمن دون غيره. وكيف كان، فالمتعدي عن مورد العيب يحتاج إلى الدليل المفقود في المقام، بل في سائر الخيارات أيضا، خلافا لما هو ظاهر التذكرة (1) من التعدي إلى المقام، بل إلى غيره مثل خيار الغبن أيضا على ما يخطر بالبال، بل الظاهر منه في المسألة التفصيل بين أقسام الشروط على وجه لا يكاد أن يستقيم ويوجه. وحاصله: أن الشرط تارة من الأوصاف التي لا توجب إلا زيادة الرغبة


(1) انظر التذكرة 1: 491 - 492.

[ 259 ]

في موصوفها من غير أن يوجب وجوده أو عدمه زيادة في قيمة الموصوف بوجه، فقد قال (قدس سره) بتعين الخيار عند تعذره. واخرى من الأوصاف التي توجب زيادة المالية في الموصوف، فقال إذا تعذر يتخير المشروط له بين الفسخ والرجوع بالتفاوت بين قيمته مطلقا وقيمته مع الشرط، وتبعه الصيمري (1) فيما لو شرط تدبير العبد ثم امتنع فيرجع إلى جزء من الثمن نسبته إليه كنسبة التفاوت إلى القيمة لا قيمته الواقعية، كما صرح به في التذكرة وهو المصطلح في الأرش عند إطلاقه. وثالثة من الأفعال التي يقابل بإزائها المال كخياطة الثوب وصباغته فيتخير المشروط له بين الفسخ والمطالبة به أو بعوضه إن فات وقته، وظاهر العوض قيمته الواقعية كما هو واضح، هكذا يستفاد من كلماته على ما نقلها شيخنا العلامة (قدس سرهما). وفيه أولا: أن التفصيل بين الأوصاف ممنوع، لعدم وقوع شئ منها في مقابل الثمن، بل المقابلة عرفا وشرعا بين العوضين وإن كانت مالية المال ربما تزيد وتنقص بوجود الوصف وعدمه، وإلا فاللازم بطلان العقد بالنسبة إلى ما يقابله كما في الجزء. وثانيا: الفرق بين شرط الوصف وغيره أشكل من الأول، لأنه إن كان مضمونا في عقد المعاوضة ويصير ضميمة لأحد العوضين ويقابله شئ من الثمن فلا وجه للرجوع إلى القيمة مع وجود العوض المسمى فإن الضمان إنما يكون بمالية الشئ واقعا إذا لم يلتزم المتعاقدان على الأزيد أو الأنقص منه أو التزما ولم يمضه الشارع كما في المقبوض بالعقد الفاسد، وإن كان مضمونا بضمان اليد فمع وضوح بطلانه لازمه الرجوع إلى القيمة في شرط الوصف أيضا، لبداهة أن دخل الشرط في العقد على نهج واحد لا يكاد يختلف باختلاف المشترط وصفا أو عملا خارجيا. وبالجملة: ما أفاده (قدس سره) غير قابل للتوجيه بوجه، هذا مضافا إلى أن الجمع بين الخيار والأرش مطلقا غير متصور، لأن مالية الشئ دائما محفوظة في العهدة


(1) غاية المرام: 64 س 26 (مخطوط).

[ 260 ]

ولا تكاد تتعذر حتى يوجب الخيار، فإن كان المال مطلقا مضمونا بخصوصيته وبشخصه فتعذره يوجب الخيار ولا موجب للرجوع إلى عوضه لا بما سمي في العقد ولا بقيمته الواقعية، وإن كان مضمونا بماليته المحفوظة في حال التلف وعدمه وحال تعذر أدائه بشخصه وعدم تعذره فلا موجب للخيار، فلو سلم أن الشرط أيضا يبذل بإزائه المال ويقابله شئ من الثمن فحاله كذلك لا محالة فافهم. وكيف كان، فالتحقيق في المقام كما أفاده شيخنا استاد الأساتيد (قدس سره) عدم جواز الرجوع إلى الأرش مطلقا، لعدم وقوع شئ من الثمن بإزاء الشرط كان له مالية لنفسه أو لم يكن، من غير فرق بين الأوصاف ولا بينها وبين غيرها من الشروط الخارجية مثل شرط الخياطة والصباغة، لما عرفت من أن دخلها بالعقد على نهج واحد، ولا ينافي ذلك مع وقوعها تحت الضمان، ولكن بمعنى أن تعذر أدائها يوجب الخيار في المبادلة الواقعة بين العوضين، فيكون ضمانها بهذا المعنى لا بمعنى ثبوتها في ذمة المشروط عليه على نهج سائر الأموال، فإنه فرع قابلية المضمون لذلك ووجود المالية له بنفسه مع لحاظ تلك المالية أيضا في عقد المعاوضة، وهذه كلها في الشروط مفقودة كما بين بما لا مزيد عليه فتأمل. أقول: هكذا أفاد استادنا الماجد أدام الله أيام إفاضاته تبعا لشيخنا العلامة (قدس سره)، ولكن فيما إذا كان الشرط بنفسه له مالية يبذل بإزائه المال - كشرط الخياطة - ولم يكن تبعا لأحد العوضين لا بنفسه كالنماءات المتصلة ولا بالشرط كمال العبد وحمل الدابة ونحوها فما أفاده لا يخلو عن التأمل وللإشكال فيه مجال، لوقوع شئ من الثمن بإزائه واقعا وصيرورته ضميمة لأحد العوضين لا محالة وإن لم يقع بإزائه شئ في متن العقد وكان الالتزام به شرطا لا جزءا. اللهم إلا أن يقال بأن الضمان واشتغال الذمة يدور مدار كيفية العقد واعتبار المضمون وتعهده في العهدة على حسب ما يقتضيه المعاوضة ولا يدور مدار واقعه فتأمل جيدا. قوله (قدس سره): (الخامسة لو تعذر الشرط وقد خرج العين عن سلطنة المشروط عليه.... إلى آخره).

[ 261 ]

لا يخفى أن ظاهره فرض التعذر بعد خروج العين بالتلف أو بالتصرف، فيكون من قبيل الخيارات المنفصلة - كالتأخير والتفليس ونحوهما - وحينئذ يشكل عليه بأن بعض الوجوه المذكورة مثل فسخ العقد المترتب من حينه أو من أصله إنما يجري في الخيار المتصل بحيث يقع التصرف الناقل في زمان الخيار، فعلى القول بتعلق حق الخيار بالعين أو بوجه آخر يوجه القول بفسخ العقد المترتب. وأما في الخيار المنفصل وكون العين طلقا في حال التصرف الناقل فلا موجب لبطلانه مطلقا أو جواز فسخه كذلك، لعدم المانع من التصرف الناقل كغيره من التصرفات، بل يتعين الرجوع إلى المثل أو القيمة كما هو المحقق في محله. ولكنه مندفع بما حققناه في بحث الخيار أن الخيار المنفصل تارة يحدث بعد العقد بمبدئه وفعليته، كما في خيار التفليس والتأخير على وجه وخيار الرؤية والعيب على القول بكونهما صرف التعبد. واخرى يكون مبدؤه موجودا حال العقد وإن كان فعليته منوطا بزمان متأخر كما في الخيار المشروط بالزمان أو بزماني كذلك، كما في خيار الغبن بل العيب والرؤية على ما هو التحقيق فيها من كون الخيار مستندا إلى ما يتضمنه العقد ضمنا من عدم التغابن وكون المبيع صحيحا أو على وفق ما شاهده، فتخلف هذه الامور يوجب الخيار. وحينئذ تكون الخيارات الثلاثة من صغريات مسألتنا هذه - أي خيار تخلف الشرط - غاية الأمر محل البحث هنا في الشرط الصريح وفيها يكون الشرط ضمنيا، ولا فرق بينهما من تلك الجهة فتأمل جيدا. وكيف كان، فالتحقيق في هذا القسم من الخيار المنفصل ترتب آثار الخيار على العقد من حينه، لتحقق مبدئه حال العقد الموجب لتزلزله كنفس الخيار. فلو منعنا عن التصرفات الناقلة في زمان الخيار أو قلنا بتوقفها على الإجازة لقلنا بهما في هذا القسم من المنفصل أيضا، لما عرفت من تزلزل العقد من أول الأمر وكون العين متعلقا لحق الغير على القول به وغير ذلك من الأحكام المترتبة على الخيار.

[ 262 ]

فما أفاده (قدس سره) في غاية المتانة إلا أنه لم يؤد ما هو حق المسألة من التوضيح والتفصيل، بل اكتفى بمجرد عنوان البحث ونقل الأقوال ووجوه الاحتمال من غير تعرض لمداركها، فينبغي تداركه تتميما لمرامه وتوضيحا لكلامه رفع مقامه. فنقول: إن التصرفات الناقلة تارة تنافي مع نفس الاشتراط، مثل أن يشترط عليه أن لا يبيعه من زيد فباعه منه، أو أن يبيعه من عمرو فباعه من غيره ونحو ذلك. واخرى لا منافاة لها مع ما اشترط عليه، مثل أن يشترط عليه عملا فتعذر على المشروط عليه بعد ما خرج العين عن ملكه بأحد أسبابه الموجبة لذلك. أما الثاني فالحكم فيه كما أفاده (قدس سره) من عدم منع التصرف عن الفسخ والرجوع إلى المثل أو القيمة أو فسخ العقود المترتبة من حينه أو من أصله واسترجاع العين بنفسها على الخلاف المتقدم في أحكام الخيار. وقد عرفت أن الشرط بنفسه موجب لثبوت حق للمشروط له على ذمة الشارط، فلا يقال: إن الخيار إنما يحدث بعد التعذر فالتصرف إنما وقع في حال ملكية العين طلقا للمشروط عليه فلا موجب للانفساخ، لما عرفت أن مبدأ الخيار - وهو الشرط - موجود في حال العقد فيكون حاله كالخيار المتصل في تزلزل العقد وعدم استقراره، إما لتعلق حق للمشروط له في العين أو في العقد على الخلاف المتقدم. وكيف كان، فلا إشكال في هذا القسم. وإنما الكلام في القسم الأول - وهو أن يكون التصرف بنفسه منافيا للشرط كما مثلناه - وقد ذكر فيه وجوه ثلاثة: من القول بالصحة مطلقا، أو الفساد كذلك، أو التوقف على إجازة من له الشرط. فلو أجاز ينفذ التصرف ويسقط خياره، لأن إجازته مساوقة لإسقاطه كما قلنا في محله. ولو لم يجز فينفسخ العقود المترتبة ولا خيار له أيضا، لعدم تعذر الشرط بل يجبره على الوفاء به حسب ما له من الحق الثابت بالاشتراط. فانحصر الخيار بالتعذر في الوجه الأول وهو نفوذ التصرفات مطلقا من غير توقف على إجازته

[ 263 ]

بناء على ما تقدم من الشهيد (رحمه الله) ومن تبعه من أن الشرط لا يوجب حقا للمشروط له، بل فائدته انعقاد العقد جائزا، فله الفسخ عند تخلف المشروط عليه ابتداء من غير توقف على التعذر أو أحد الأمرين من ثبوت حق للمشروط له وسلطنته على الفسخ عرضا كما وجهنا به القول بعدم جواز الإجبار ممن تبع الشهيد (قدس سره) في ذلك. وكيف كان، فالتعذر الموجب للخيار مبني على صحة العقد المترتب بوجه، وإلا فلا تعذر لفساد العقد بنفسه أو بفسخ المشروط له، فيجب على المشروط عليه الوفاء بشرطه وإيقاع العقد ثانيا في محله على وفق ما اشترطا عليه، كما يجوز إجباره عليه عند امتناعه حسب ما تقدم تفصيله. والغرض من الإشارة إليه هنا أيضا التنبيه على انحصار وجه القول بالصحة بعدم إفادة الشرط حقا للمشروط له مطلقا - كما هو مقالة الشهيد - أو إفادة أحد الأمرين من حق الشرط أو الفسخ المتحد مع سابقه في عدم جواز الإجبار وثبوت الخيار بمجرد التخلف ولو مع الاختيار. نعم، يمكن توجيه الصحة على وجه لا ينافي مع القول بالإجبار، وهو إرجاع شرط التصرف على وجه خاص إلى ناحية السبب لا المسبب أي إلى شرط الفعل لا النتجية، كما أفاده استادنا المرحوم طاب ثراه في تعليقته المختصرة فراجعها. هذا كله في وجه القول بالصحة. وأما الفساد فربما يوجه بأن مقتضى اشتراط البيع على وجه خاص مثلا ووجوب الوفاء به النهي عن ضده الموجب لقصر سلطنة المالك - أي المشروط عليه - عن سائر أنحاء التصرفات بناء على رجوع النهي إلى المسبب، فإنه الذي يتعلق به الغرض العقلائي أحيانا ويصح جعله ضميمة لأحد العوضين كما هو واضح. وحينئذ، فحال المسألة مثل التصرف في منذور الصدقة والمعاملات المنهية - كبيع المسلم أو المصحف من الكافر ونحو ذلك - فيقع المعاملة باطلة ولو مع إجازة من له الشرط، لتوقف نفوذ التصرف على سلطنة المالك عليه وعدم أخذ الشارع إياها بسبب النهي عنه كما في الأمثلة المذكورة وأشباهها، ويكون العين

[ 264 ]

بنفسها متعلق لحق الغير ومحجورا عليها عن سائر أنحاء التصرفات لا مما يتوقف أداء واجب آخر على صرفه في مصرف خاص حتى يقال بعدم اقتضاء النهي هنا للفساد، كما لو توقف الحج الواجب على صرف مال بالخصوص فتخلف المستطيع وصرفه في وجه آخر كبيعه ونحوه، فإن النهي هنا لا يوجب فساد معاملة، كما حقق في محله. ولذا فرقوا في مسألة اشتراط تمكن المالك من التصرف في النصاب في تمام الحول بين ما لو نذر أن يتصدق ببعض النصاب ولو مشروطا بأمر غير حاصل فإنه يوجب انتفاء الشرط في أثناء الحول لتخلل حجره عن التصرف في المنذور كيف ما شاء وبين ما لو توقف وانحصر أداء واجب كالحج مثلا على صرفه في طريق خاص، فلو عصى وتخلف حتى حل الحول يجب عليه الزكاة، لبقاء تمكنه إلى هذا الحال. والسر فيه ما أشرنا إليه من أن في القسم الأول تعلق النهي برقبة العين فيصير محجورا عن التصرف فيها شرعا، الموجب لقصر سلطنته وخروجه عن عموم الناس مسلطون على أموالهم بسبب المنع الشرعي، الذي هو كالامتناع العقلي المنافي مع بقاء تمكنه من التصرف في تمام السنة. وهذا بخلاف ما إذا كان النهي لأجل مقدميته لواجب آخر، فإن التوقف والمقدمية لا يقتضي أزيد من إيجاب الفعل على المكلف، وأما قصر سلطنة المالك عن ماله وحصرها في مصرف خاص فهو أمر زائد يحتاج إلى مؤنة زائدة، ولا يكفي فيه النهي الناشئ عن المقدمية كما لا يخفى. وبالجملة: بهذا الوجه يمكن توجيه الفساد، ولكن أصل المطلب وإن كان في غاية المتانة، إلا أن جعل المسألة من صغرياته مبني على كون وجوب الوفاء بالشرط كالوفاء بالنذر حقا إلهيا وحكما تكليفيا محضا في عرض ما يقتضيه الشرط من الوضع، كما يظهر من شيخنا العلامة (قدس سره) في بعض كلماته السابقة. ولكن قد ظهر أنه ليس كذلك، وإلا لا يكاد يسقط بإسقاط المشروط له شرطه وتجاوزه عن حقه، مع أن الظاهر تسالمهم على سقوطه بالإسقاط في غير العتق،

[ 265 ]

فلا يكون التكليف فيه كالتكليف بوجوب الوفاء بالنذر، بل تكليف تبعي يتبع الوضع ويدور مداره كما في الدين ونحوه، نظير تصرف العبد في ماله أو في نفسه المتوقف صحته على إجازة مولاه معللا بأنه لم يعص الله وإنما عصى سيده. ومن المعلوم أن هذا النحو من التكليف لا يكاد يصلح لتخصيص أدلة السلطنة، بل إنما يتبع الوضع فإن كان الحق الثابت للمشروط له مانعا عن نفوذ التصرف في العين فهو وإلا فلا موجب للبطلان. وحينئذ الصحة والفساد مبنيان على الخلاف المتقدم بين الشهيد ومن تبعه وبين المشهور من أن الاشتراط يوجب إحداث حق مالي مالكي في ذمة المشروط عليه كسائر الحقوق المالية أو لا يوجب إلا جواز العقد، وبناء على ما حققناه من إفادته الحق لا محالة. ولذا يجوز له إسقاطه فليس من قبيل حق الجناية بمعنى كونه حقا ثابتا على رقبة العين كل ما كان حتى لا ينافي استيفاؤه مع نفوذ التصرفات الناقلة ولو بالعقود المتعددة، بل ثابت في رقبة العين ملكا لمالكها فينافي مع نفوذ التصرفات كما في باب حق الرهانة. وبالجملة: فالمسألة من صغريات ذلك الباب فيجري فيها الخلاف الذي فيه بين الأصحاب من توقف الصحة على إجازة المرتهن - أي صاحب الحق - كما هو المشهور ظاهرا والمعروف من جماعة من الأجلاء أو الفساد مطلقا، كما حكي عن بعض المتأخرين مثل صاحب المقابس وغيره مدعيا لعدم جريان حكم الفضولي في المسألة ونظائرها. وكيف كان، فالقول بالفساد مطلقا مبني على هذا الوجه كما أن القول بتوقفه على الإجازة مبني على إجراء حكم الفضولي عليه، كما هو المحقق المختار في محله. وحينئذ فالمتجه ما أفاده (قدس سره) من أن خير الأقوال أوسطها، وحينئذ لو أجاز صحت العقود المترتبة ويسقط حقه الثابت بالاشتراط، لما ذكرنا من إرجاعها إلى إسقاط الشرط والرضاء بالعقد بدونه، ولو رد العقود اللاحقة تنفسخ كلها ويجب على المشروط عليه الوفاء بالشرط، لعدم تعذره بعد انفساخ العقود المترتبة فلا موجب للخيار كما لا يخفى.

[ 266 ]

وحينئذ فقوله (قدس سره) " فإذا فسخ المشروط له ففي انفساخ العقد من أصله أو من حينه أو الرجوع بالقيمة وجوه، رابعها التفصيل بين التصرف بالعتق فلا يبطل، لبنائه على التغليب فيرجع بالقيمة وبين غيره فيبطل انتهى " مبني على الاستدراك الذي في كلامه من صحة العقد الثاني بناء على عدم جواز الإجبار لا أنه متفرع على ما اختاره أولا، لما عرفت من أن حدوث الخيار بالتعذر مبني على صحة العقود المترتبة وإلا فلا تعذر للشرط أصلا. أما على القول بالفساد فواضح، وكذلك على القول الأوسط مع رد العقود المترتبة، حيث إن العين باقية في ملك المشروط عليه. وأما مع الإجازة فالعقود المترتبة وإن صحت بها ويتعذر الشرط لا محالة إلا أن مرجعها إلى إسقاط حقه رأسا كما قلنا. وبالجملة: فالعبارة لا يخلو عن التعقيد، وعلى أي حال فالتفصيل بين العتق وغيره للمنع عنه مجال، ولازمه القول به بالنسبة إلى جميع الخيارات، بل في العين المرهونة أيضا مع أنه لم يلتزم به أحد. نعم، من بعض كلمات شيخنا العلامة في أحكام الخيار يلوح أن التصرف بالعتق محل الإشكال في جميع أبواب الخيار، لكنه لم يلتزم به في الرهن بلا إشكال. وقد عرفت أن المسألة من هذا الباب، فلا موقع للتفصيل. وكون بناء العتق على التغليب لا يكاد يثبت المدعى، فإن معناه أنه لو انعتق بعض العبد بوجه يلحقه الباقي بالتفصيل الذي ذكر في محله، وهذا لا دخل له بما هو محل البحث في المسألة، كما أن احتياجه إلى القربة لا يوجب كونه من حقوق الله تعالى، وإلا يلزم القول به في سائر الشروط التي من الوجوه القربية - كالوقف والصدقة وتسبيل المنفعة على الوجوه العامة ونحوها - فلا وجه للاختصاص بالعتق، مضافا إلى ما أشرنا إليه سابقا من أن طرف الالتزام في اشتراط العتق ونحوه هو المشروط له. والشارط يلتزم له ويشتغل ذمته له، لا لله تعالى حتى يكون حقا له تبارك وتعالى كما في النذر، فإنه التزام له تعالى كما لا يخفى. فالقياس على النذر وشبهه في غير

[ 267 ]

محله، بل يكون حقا محضا للمشروط له - كاشتراط الوقف والصدقة ونحوهما - فيسقط بإسقاطه لا محالة. ومن هنا ظهر ما هو التحقيق في المسألة الآتية فلا نعيده لضيق المجال وعدم مساعدة الحال، وأسأل الله التوفيق وحسن المآل. قوله (قدس سره): (السابعة قد عرفت أن الشرط من حيث هو لا يقسط عليه الثمن.... إلى آخره). لا يخفى أن المسألة مع إطناب الكلام فيها لم تنقح كما هو حقها مع أنها من أهم المسائل، فينبغي جعلها خاتمة لباب الشروط وبيان أقسامها كما هو حقها وتمييز ما يتقسط بإزائه الثمن عما لا يتقسط بإزائه شئ منه وبيان الضابط في ذلك، فنقول: إن الشرط - أي ما يقع في عقد المعاوضة بصورة الاشتراط - تارة يكون من الامور الخارجية الغير الراجعة إلى العوضين بوجه كاشتراط عمل أو ضميمة شئ خارجي إلى الثمن أو المثمن على وجه الاشتراط من غير أن يوجب حدوث خصوصية فيهما. واخرى من الامور الراجعة إلى العوضين، وهذا أيضا تارة من قبيل الصور الجوهرية التي بها شيئية الأشياء ومالية الأموال وتقع متعلقة للأغراض أولا وبالذات ويبذل بإزائها الأعواض كحمارية الحمار وما يشبه ذلك. واخرى من الأوصاف العرضية لأحد العوضين، مثل كون العبد كاتبا والثمن نقدا غالبا ونحو ذلك. وثالثة من قبيل كمية الأشياء ومقاديرها، كقولك بعتك هذه الصبرة بشرط أن تكون عشرة أصواع أو هذه الأرض بشرط أن تكون عشرة أجرب وغير ذلك وإنما جعل ذلك قسما ثالثا مع أنه أيضا من الأعراض اللاحقة لأحد العوضين من الثمن أو المثمن، لأن فيه جهتين وحيثيتين: جهة الوصفية من حيث إفادته لوصف الاجتماع وكون العين الشخصية متصفة بوصف كونها كذا جزء، وجهة ذاتية جوهرية باعتبار إفادته لتعيين مقدار العوضين الذي به يزيد وينقص ويختلف باختلافه قلة وكثرة.

[ 268 ]

وببيان أوضح: الأوصاف ممحضة لاعتبار خصوصية في الموصوف من غير أن يوجب تغييرا في الموصوف من حيث القلة والكثرة والزيادة والنقيصة، غايته أن الموصوف الخارجي تارة واجد للوصف واخرى فاقد له. وبعبارة اخرى اختلاف فيه من حيث النقص والكمال لا من حيث الزيادة والنقصان في الصورة الجوهرية التي اخذت عنوانا في المعاملة، وهذا بخلاف المقدار فإنه يوجب اختلاف تلك الصورة الجوهرية زيادة ونقيصة، فيشبه من تلك الجهة باشتراط نفس الصورة الجوهرية أي القسم الأول فتأمل جيدا. وبالجملة: هذه أقسام الشروط، ومن الواضح أن القسم الأول أي اشتراط ما هو الخارج عن حقيقة العوضين تعذره أو تخلفه لا يوجب إلا الخيار، فإما أن يفسخ العقد ويرد العوض وإما أن يمضيه بتمام العوض من الثمن أو المثمن، لما حققناه أنه التزام بشئ وراء الالتزام الذي بين العوضين. وبعبارة اخرى التزام في ضمن الالتزام الأول بعد تماميته بتمام جهاته، غايته حيث إنه مرتبط به ومحقق في ضمنه فانتفاؤه يوجب الخيار بالبيان الذي تقدم، وعلى أي حال لا يوجب انتفاؤه تبعضا في الصفقة ولا تقسيطا في الثمن بلا شبهة، لعدم وقوع شئ من الثمن بإزائه على حسب التزام المتعاقدين وما أنشئ بعقد المعاوضة، وما يقال: إن للشرط قسطا من الثمن أي عند التحليل لا بحسب ما يقتضيه العقد فتأمل. ومن هذا القبيل القسم الثالث أي ما كان راجعا إلى اعتبار وصف في العوضين فإن انتفاءه أيضا يوجب الخيار في فسخ العقد بكله أو إمضائه كذلك، لما عرفت من أن المبادلة بين العوضين ولا يقع شئ بإزاء الوصف وإنما يوجب زيادة في الموصوف من حيث المالية، فانتفاؤه لا يوجب انثلام في الالتزام الأول أي في أصل المعاملة وإنما يوجب جوازه، لعدم التزامه بالفاقد وإناطته بوجود الوصف بالتقريب الذي تقدم. ومن هنا يظهر الكلام في القسم الثاني - أي ما كان الشرط من الصور

[ 269 ]

الجوهرية - فإنه لا ينبغي الشبهة في أن تخلفه يوجب بطلان العقد رأسا عكس ما ذكرنا في الأوصاف، فإن حقيقة المعاملة متقومة بها، فمع انتفائها لا معاملة أصلا، وذلك لما أشرنا إليه مرارا أن المواد الهيولائية ليست لها مالية ولا يقع بإزائها شئ من الأموال، بل يقع العوض بإزاء الصورة النوعية العرفية التي ربما تكون أضيق من الصورة العقلية، فإن في مثل العبد الزنجي والرومي يكون الصورة النوعية محفوظة، ولكن العرف يرى كل واحد مباينا للآخر فتأمل. وكيف كان، فانتفاء ما هو من قبيل الصور النوعية للعوضين يوجب بطلان المعاملة وفساد العقد، سواء كان العقد على الكلي أو على الموضوع الخارجي. غاية الأمر في القسم الأول - أي في الكلي - فرض انتفاؤه بتعذر الكلي بجميع أفراده فلا عبرة بتخلف عنوان المقبوض، وسواء جعل العنوان مقدما على الإشارة كقولك بعت الحمار الذي هو هذا أو مؤخرا عنها كما في قولك بعت هذا الحمار أو جعل شرطا كقولك بعت هذا على أن يكون حمارا وغير ذلك من التعبيرات، لما عرفت من أن البحث ليس في مرحلة اللفظ حتى يمكن الاختلاف باختلاف التعبير، بل ما هو المناط في الشرط وهو أن يكون التزاما في ضمن الالتزام المنشأ بالعقد مفقود في مثل تلك الأمثلة - أي في الصور النوعية - فإنها قوام العقد وحقيقة ما ينشأ به لا أن تكون أمرا زائدا عليه كما هو واضح، كما أن ملاك العنوانية هو هذا. فلو جعل الوصف عنوانا كقولك بعتك هذا الكاتب لا يكاد يوجب انتفاؤه بطلان العقد، لأنه بأي لفظ عبر لا يخرج عن كونه التزاما زائدا على العقد متحققا في ضمنه فلا موجب لبطلانه بانتفائه. وبالجملة: فاللازم ملاحظة ما هو المناط في القسمين أي الشرطية والعنوانية لا ملاحظة اختلاف الألفاظ والتعابير، فإن هذه قاعدة جارية سارية في غير واحد من أبواب الفقه كما أشرنا إلى بعضها فيما تقدم. وأما القسم الأخير الذي هو محل البحث وهو أن يكون الشرط من قبيل المقادير فحيثما عرفت أن فيه جهتين وحيثيتين فقد وقع محل الخلاف والإشكال

[ 270 ]

في أنه يعامل معه معاملة العنوانية. فلو تخلف المقدار المشترط يبطل المعاملة بالنسبة إلى المقدار الفائت ويقسط الثمن بنسبته، كما إذا اخذ المقدار عنوانا لا شرطا كقولك: بعتك هذه العشرة أمنان من الحنطة، فإنه لا إشكال ولا خلاف ظاهرا في أن عند التخلف يقسط الثمن بحصته مع ثبوت الخيار للمشتري أيضا لتبعض صفقته، فكذلك إذا أخذ شرطا كقولك: بعتك هذه بشرط أن تكون عشرة أمنان، فظهر أنها خمسة أمنان من غير فرق بين متساوي الأجزاء أي ما كان مثليا كما في المثال وغير متساوي الأجزاء كقولك بعتك هذه الأرض على أن تكون عشرة أجرب فظهر انها خمسة أجرب. ففي كلتا الصورتين يرجع المشتري إلى نصف الثمن وله الخيار بالنسبة إلى الباقي أيضا، كما إذا باع ما يملك مع غيره أو مال نفسه مع مال غيره وعدم إجازة مالكه، فإنه يرجع من الثمن بحصته وللمشتري الخيار لتبعض صفقته، أو يعامل معه معاملة الأوصاف فله الفسخ بكله أو الإمضاء كذلك، نظرا إلى أن المبيع هو الموجود الخارجي كائنا ما كان وهو محفوظ على حاله. غاية الأمر أنه التزم أن يكون بمقدار معين وهو وصف غير موجود في المبيع فأوجب الخيار كالكتابة المفقودة، هكذا أفاد القائلون بهذه المقالة كصريح القواعد ومحكي الإيضاح وقواه في محكي حواشي الشهيد والميسية والكفاية واستوجهه في المسالك ويظهر من جامع المقاصد (1) أيضا لو فرق بين متساوي الأجزاء وغيره. قوله (قدس سره): (الأول أن الشرط الفاسد لا تأمل في عدم وجوب الوفاء به بل هو داخل في الوعد، فإن.... إلى آخره). اعلم أن فساد الشرط لا محالة بانتفاء أحد الامور المذكورة المعتبرة بعضها


(1) القواعد 2: 92، والإيضاح 1: 517، ونقله عن حواشي الشهيد والميسية صاحب مفتاح الكرامة 4: 744 س 22، وكفاية الاحكام: 90 س 33، والمسالك 3: 280، جامع المقاصد 4: 428 - 430.

[ 271 ]

في أصل كونه شرطا مصطلحا وبعضها في صحته من كونه مذكورا في متن العقد، وغير مناف لمقتضاه وغير مخالف للمشروع وكونه مقدورا وغير مستلزم للمحال ولا مجهولا ولا لغوا أي عدم تعلق الغرض المعتد به عند العقلاء به نوعا إلى غير ذلك، ولا إشكال في عدم وجوب الوفاء به. وأما استحبابه في غير ما كان مخالفا للمشروع فقد أفاد (قدس سره) أنه لا تأمل فيه لدخوله في الوفاء بالوعد، وفيه تأمل بل منع، لأن الوعد إخبار فلا ربط له بباب الشروط التي هي من مقولة الإنشاء كما لا يخفى، فلا دليل على استحباب الوفاء به كوجوبه. وعلى أي حال، الكلام في الشرط الفاسد تارة يقع في تحرير محل النزاع وتعيين ما هو محل الخلاف منه، واخرى في أنه هل يوجب فساد العقد أو لا يوجب الفساد بلا خيار أو مع الخيار. فالأقوال في المسألة ثلاثة. وأما سائر التفاصيل ففي الحقيقة راجعة إلى الجهة الاولى لا أن يكون أقوالا في أصل المسألة. وملخص الكلام فيها أن فساد الشرط إن كان موجبا لاختلال أصل العقد - كالشروط المنافية لمقتضاه، أو النافية لجميع آثاره المترتبة عليه أو آثاره المرغوبة منه عرفا، كشرط أن لا يملك في عقد البيع، أو لا يستمتع مطلقا في عقد النكاح إلى غير ذلك - فلا شبهة في أنه فاسد ومفسد للعقد لا محالة، لإرجاعه إلى نقض العقد وإنشائه السابق إما صريحا كما في القسم الأول، أو ضمنا والتزاما كما في الثاني، فهذا القسم خارج عن محل البحث بلا كلام. وكذلك إذا كان فساده موجبا لاختلال شئ من الامور المعتبرة في العوضين من كونهما مالا معلوما مقدورا لكل واحد من المتعاقدين من تسليم ما انتقل عنه إلى ما انتقل إليه، كبيع الخشبة بشرط أن يجعله صنما أو العنب بشرط أن يعمله خمرا، فإن مرجع هذا الشرط إلى سلب المنافع المحللة وحصرها في المحرم، فيوجب خروج العين عن المالية وصيرورتها مسلوبة المنفعة، أما المنافع المحللة فلعدم جواز استيفائها بمقتضى الاشتراط وأما المنفعة المحرمة فلسلبها عنه شرعا، فيخرج المال عن

[ 272 ]

كونه مالا وصالحا لأن يقابل بالعوض، وهذا هو المراد من قوله (قدس سره) " أنه أكل المال بالباطل " فلا تغفل. ومن هذا القبيل الشرط المجهول لكن لا مطلقا، بل إذا كان مرجعه إلى اشتراط إحداث وصف مجهول في أحد العوضين، فإنه يوجب الجهالة فيهما فيوجب البطلان لا محالة. وعليه ينزل كلامه (قدس سره): ولا تأمل أيضا في أن الشرط الفاسد لأجل الجهالة يفسد العقد، لرجوع الجهالة فيه إلى جهالة أحد العوضين، انتهى. وإلا إذا كان الشرط أجنبيا مجهولا بنفسه فلا موجب لإفساده، وكون التراضي منوطا به هو عين دعوى القائلين بالإفساد في محل النزاع، فلا يصلح للتمسك به على الخروج عنه كما لا يخفى، فلا محالة مراده الجهالة الراجعة إلى أوصاف العوضين، كما يظهر من تعليله ومطاوي كلامه فراجع. ومن هذا القبيل الشرط الغير المقدور، فإنه تارة يكون كذلك بنفسه، واخرى يوجب تعذر تسليم ما اشترط فيه، فتارة يقال: بعتك هذا الزرع بشرط أن تجعله سنبلا ففساد الشرط يوجب فساد العقد أيضا، لتعذر تسليمه سنبلا حيث إنه ليس بفعله وتحت قدرته. واخرى بعتك هذا الثوب بشرط أن تجعل زرعي سنبلا بحيث يكون الشرط بنفسه متعذر التسليم، وحينئذ لا موجب لكونه مفسدا إلا من جهة إناطة التراضي وهي في محل المنع كما يأتي. وبالجملة الموارد الخارجة عن محل النزاع صحة وفسادا لابد وأن يكون فساد الشرط من جهة اخرى غير إناطة التراضي به أو كونه ضميمة لأحد العوضين فإنهما عين الدعوى في محل البحث كما لا يخفى. وحينئذ فكلما كان مرجع البحث في إفساده وعدمه إلى هاتين الجهتين فهو محل الخلاف ومحط الأقوال، وما كان جهة البحث فيه إلى جهة اخرى مثل كونه مخلا بالعقد أو بشرائط العوضين كالموارد المشار إليها فهو خارج عن محل البحث ومفسد للعقد بلا إشكال.

[ 273 ]

ومن هنا يظهر أن فساد الشرط لو كان من جهة لغويته وعدم تعلق غرض العقلاء به، فخروجه عن البحث وعدمه مبني على كون نظر القائل بالإفساد إلى أن الشرط ضميمة لأحد العوضين وله قسط من الثمن كما هو الوجه الاول الذي استدلوا به فلا يوجب فساد العقد لعدم ماليته وجريان الدليل المذكور بالنسبة إليه، وإن كان نظرهم إلى الوجه الثاني وهو إناطة التراضي به فلا وجه لإخراجه عن محل النزاع والتسالم على صحة العقد كما قيل فإن إناطة الرضاء لا تدور مدار المالية وعدمها كما لا يخفى. نعم، إذا كان فساد الشرط لعدم ذكره في متن العقد كشروط التباني فلا ينبغي التأمل في عدم فساد العقد به، بل هنا من قبيل السالبة بانتفاء الموضوع، حيث لا شرط اصطلاحا لا أنه شرط فاسد غير مفسد. هذا ملخص ما أفاده أدام الله أيام افاضاته في تحرير الضابط فيما هو محل البحث وما هو خارج عنه صحة وفسادا. وحاصله: أن جهة البحث إن كانت راجعة إلى إناطة الرضاء بالشرط وعدمها فهو محل البحث والخلاف، وإلا فإن كانت راجعة إلى لزوم اختلال في العقد أو شرائط المعقود عليه فهو موجب للفساد بلا إشكال، وإن كان مفاد الشرط من جهة اخرى غير راجعة إلى شئ منهما فهو خارج عن محل البحث أيضا من طرف الفساد. ولقد أجاد - دام ظله - فيما أفاد وأتى بالتحقيق حقه وبتوضيح المراد من كلمات الأصحاب غايته، إلا أنه يختلج ببالي القاصر إشكال في هذا الباب، وهو أن معنى الصحة في الشروط بل في الوضع والإنشاءات من العقود والإيقاعات وغيرهما أن ما أنشأه المنشئ وأوجده بأسبابه وجد وتحقق عند الشارع الذي بيده اعتباره، فبإنشاء المنشئ وإمضاء الشارع صح اعتبار ووجد في ظرف الاعتبار شئ لم يكن بموجود قبل الإنشاء أو بدون الإمضاء هذا معنى الصحة، ومعنى الفساد ما يقابل هذا - أي لم يتحقق بالإنشاء شئ في موطنه وظرف وجوده بل

[ 274 ]

كان مجرد لفظ ولقلقة لسان - وحينئذ فلو قلنا بفساد الشرط فمعناه أنه ولو التزم به إنشاء إلا أنه لم يتحقق التزام ولم يعتبر اعتبار، وحينئذ فكيف يمكن أن يؤثر في فساد العقد، لبداهة أن مجرد اللفظ والإنشاء غير صالح لذلك، بل ما ينشأ ربما يكون منافيا لمقتضى العقد أو مخالفا للكتاب ونحو ذلك. اللهم إلا أن يقال: إن مجرد إنشائه نقض لإنشائه السابق أو محرم شرعا فيفسد، ولكن هذا لا ينحل به الإشكال، ولعله لقصور فهمي وعدم إدراك ما هو حقيقة الوضع والإنشاء وأسأل الله البصيرة في دينه وفقها في حكمه فإنه الموفق. وكيف كان، إذا عرفت محل الخلاف وميزت ما هو قابل للنزاع عن غيره بالضابط الذي أفاده الاستاد دام ظله العالي، فلنشرع في ذكر الأقوال وبيان الاستدلال فنقول: وعلى الله الاتكال أنه قد حكي عن الشيخ والإسكافي وابن البراج وابن سعيد (1) القول بأن فساد الشرط يوجب فساد العقد. وعن جماعة من الأجلة المتأخرة مثل الشهيدين والعلامة والمحقق الثاني (2) وجماعة أن العقد يبقى على الصحة. وهذا أيضا يرجع إلى قولين الصحة مع الخيار أو بلا خيار على التفصيل الذي يأتي الكلام فيه. أما القول بالصحة فيدل عليه العمومات والإطلاقات الدالة على مشروعية المعاملة تأسيسا أو إمضاء، كما هو الغالب في العقود فلا يحتاج إلى دليل آخر ومؤنة اخرى في إثباتها كما لا يخفى، بل القول بالفساد يحتاج إلى إقامة الدليل المخرج للعقد عن هذا الأصل وهو من وجوه: الأول: دعوى أن فساد الشرط يوجب جهالة العوض، لأن له قسطا من الثمن


(1) المحكي عنهم هو القول بالصحة، كما نبه عليه الشهيدي في هداية الطالب: 580 س 10، وكذلك مفتاح الكرامة 4: 732 س 14، انظر المبسوط 2: 149، كما في المختلف 5: 298، لم نعثر عليه في المهذب حكاه عنه في المختلف 5: 298، الجامع للشرائع: 272. (2) المحكي عنهم هو القول بالفساد كما نبه عليه الشهيد في هداية الطالب 580 س 10، وكذلك مفتاح الكرامة 4: 732 س 14، انظر اللمعة والروضة 3: 505، المختلف 5: 298، جامع المقاصد 4: 431.

[ 275 ]

وجهالة العوض يوجب الغرر المبطل للمعاملة كما إذا كان من أول الأمر. وفسادها واضح حلا ونقضا كما أفاده (قدس سره)، لمنع وقوع الثمن بإزاء الشروط والأوصاف، بل إنما توجب زيادة المالية في المثمن الذي يقع العوض بتمامه بإزائه، وعلى فرض تسليم وقوع الثمن بإزائها أيضا لا يكاد يوجب الفساد كما في صور فساد الجزء مثل العقد على ما يملك مع ما لا يملك - كالعبد والخنزير - وما يملك مع ما لا يملك كما في الفضولي. فهذه الجهالة غير مضرة بصحة المعاملة، لمعلومية كل من العوضين حال العقد وإمكان رفعها بتقويم الجزء الصحيح منفردا ومنضما، غايته يوجب الخيار لمكان تبعض الصفقة وتعذر شرط الانضمام المعتبر ضمنا، ونحن نقول به في المقام على ما يأتي الكلام فيه إن شاء الله. والثاني: وهو العمدة دعوى إناطة التراضي الحاصل عند العقد على وجود الشرط فإذا انتفى لفساده ينتفي الرضاء المعتبر في صحة المعاملة عرفا وشرعا. واجيب عنه بالنقض والحل أيضا، أما النقض فبوجوه: منها: النقض بالشروط الفاسدة في النكاح، فإنه لا خلاف نصا وفتوى في عدم فساد النكاح بمجرد فساد شرطه المأخوذ فيه، هكذا أفاد (قدس سره). وليكن المراد كما يظهر من كلامه فيما تقدم الشروط المرتبطة بالمهر أي التي بمنزلة الضميمة له، ففسادها لا يوجب فساد عقد المهر الذي يتضمنه عقد النكاح، فإنه ينحل إلى عقدين: عقد المزواجة - وهو إنشاء العلقة الزوجية بين الزوجين من غير توقفه على ذكر المهر مقدارا وتعيينا، غايته حيث إنه يتضمن التسليط على البضع فلابد من كونه بعوض وبإزائه شئ من المال، ولذا يصح النكاح بلا ذكر المهر فيجب مهر المثل مع الدخول والامتاع على الموسع قدره وعلى المقتر قدره مع عدمه، وكذلك نكاح المفوضة فيجب ما يعينه الزوج ولو بعد العقد وتمام الكلام خارج عن المرام - وعقد المهر، وهو تعيين ذاك الأمر الكلي الثابت على الزوج بإزاء تسليطه على البضع في مقدار معلوم أو في عين معلومة. فما يكون مرتبطا بهذه المرحلة وبمنزلة الضميمة للمهر فساده لا يوجب فساد عقد المهر فيرجع إلى مهر المسمى.

[ 276 ]

وأما ما يكون مرتبطا بأصل النكاح - مثل اشتراط الخيار فيه أو عدم الاستمتاع بالكلية - ففساده لمنافاته مع مقتضى العقد عرفا أو شرعا، يوجب فساد النكاح كما لا يخفى، فراجع وتأمل. ثم إن عدم رجوعهم إلى مهر المثل عند فساد الشرط كما أفاد (قدس سره) بمجرده لا يصير دليلا على المطلب ولا يثبت المدعى، فإن بناءهم في صور فساد المهر تارة الرجوع إلى مهر المثل كما إذا عقدا على عبد فبان حرا، واخرى بالرجوع إلى مثل المسمى أو قيمته كما إذا عقدا على مال فظهر مال الغير، وبعض المقامات صار محل الإشكال - كالعقد على الخمر والخنزير ونحوهما - في بطلان أصل المهر والرجوع إلى مهر المثل أو بطلان تعيينه في ما لا يملك فيرجع إلى قيمته عند مستحليه. والضابط في ذلك أن الفساد تارة يرجع إلى تقديره كما إذا عقدا على شئ لا قيمة له أصلا كالعقد على الحر مثلا، واخرى يرجع إلى بطلان تعيينه كما في مال الغير فيرجع إلى قيمته. ومنه يظهر وجه الإشكال في مثل الخمر والخنزير من حيث إنه لا مالية لهما في الشرع فيرجع الفساد إلى بطلان التقدير، ومن حيث إن لهما تقدير عند مستحليه فيرجع إلى القيمة. وكيف كان، المسألة من قبيل القسم الثاني، فإن فساد الشرط لا يوجب بطلان أصل التقدير، بل غايته بطلان تعيين ما هو بمنزلة الضميمة للمهر، فيقوم ما جعل مهرا مع الشرط تارة ومع عدمه اخرى ويرجع إلى التفاوت. وحينئذ فلو ثبت تسالمهم على عدم الرجوع إلى شئ مطلقا والاقتصار على ما هو المسمى كما هو الظاهر فيدل على المدعى، وإلا فلا دلالة بمجرد عدم الرجوع إلى مهر المثل فاحفظ ما ذكر من الضابط. ومنها: النقض بالجزء الفاسد، فإنه لا يكاد يوجب فساد العقد قطعا، بل يقسط الثمن بنسبته ويصح في الباقي، وللمشتري الخيار، لتبعض الصفقة الراجع إلى انتفاء شرط الانضمام. ومنه يظهر أن مرجعه أيضا إلى انتفاء الشرط لا أن يكون الفرق بينه وبين

[ 277 ]

الشرط عسرا كما أفاده في جامع المقاصد بل هو عينه، فإن فساد الجزء يوجب انتفاء شرط الانضمام المعتبر في العقد ضمنا، فيكون التراضي أيضا منوطا به كما في الشرط الفاسد. وكيف كان، فالتفصيل بين الجزء الفاسد والشرط الفاسد وأن الثاني يوجب فساد العقد دون الأول تحكم صرف، كما هو واضح. ومنها: النقض بصورة تعذر الشرط، فإن التراضي لو كان منوطا به على وجه يوجب انتفاؤه انتفاءه فاللازم القول بالفساد في صورة التعذر أيضا، غايته أن التعذر تارة يكون عقليا واخرى شرعيا، كما في صور فساد الشرط. وهذا ليس بفارق لأن التعذر الشرعي كالتعذر العقلي، كما أن الفرق بأن في صورة التعذر وقع العقد صحيحا على وجه المراضاة ثم طرأ عليه التعذر الموجب لخياره إما برضائه بالفاقد وإما بفسخه للعقد وهذا بخلاف فساد الشرط فإن الرضا من أول الأمر منوط بأمر فاسد فلا يقع العقد من أول الأمر صحيحا أيضا ليس بفارق، لما يأتي الإشارة إليه من أن الرضا غير منوط بالشرط مطلقا على وجه ينتفي بانتفائه بالتعذر الطارئ وغيره. وكيف كان، فمن عدم التزامهم بالفساد هنا يكشف أن الإناطة ليس على وجه يوجب انتفاء الشرط انتفاء التراضي المعتبر في صحة العقد. وحل ذلك ما أشرنا إليه سابقا في توجيه الخيار عند تعذر الشرط ونعيده هنا أيضا توضيحا للمقام وتبعا له (قدس سره) حيث حمل كلامه على خلاف مقصوده فلا بأس بالتنبيه عليه. وحاصله: أولا أن المراد من التراضي المعتبر في العقود ليس ذلك المعنى القلبي المعبر عنه بطيب النفس، فإنه من قبيل الدواعي غالبا وتخلفه لا يوجب بطلان المعاملة، وإلا يلزم بطلان كثير من المعاملات الواقعة لأجل الفقر والحاجة أو لأجل بعض الأغراض التي لو علم عدم حصولها لم يقدم على المعاملة أصلا وغير ذلك من الدواعي التي قد تحصل وقد تتخلف، بل المراد الرضا المعاملي أي في مقام العقد والإنشاء الخارجي إيجابا أو قبولا لا يكون بمكره ولا مجبور كما هو واضح.

[ 278 ]

ثم إن العناوين التي يقع عليها العقد أو القيود المأخوذة فيه وصفا أو شرطا تارة تكون من الصور النوعية لما يقع عليه العقد، واخرى تكون من العوارض الخارجية بالنسبة إليه. والذي يقع عليه المبادلة ويبذل بإزائه العوض هو القسم الأول أي الصورة الجوهرية التي للشئ وبها يكون الشئ شيئا وبها يكون مالية الأشياء، لوضوح أن المادة الهيولائية غير صالحة لأن يبذل بإزائها المال ولا يعد من الأموال، كما أن العوارض أيضا لا يبذل بإزائها شئ من العوض، بل توجب زيادة في المالية وكثرة الرغبة في معروضها. وعلى أي حال، فالمبادلة تقع بين الشئ بصورته النوعية وعوضه كما أن الرضا المعتبر في المعاملة منوط بها، فإذا تخلف الصورة النوعية مثل أنه باع حمارا فبان بغلة أو بقرة فلا شبهة في بطلان العقد رأسا، لأن البغلة أو البقرة لم يقع عليها العقد ولم يكن المواطاة والمراضاة عليها، فيحتاج إلى مبادلة جديدة ورضاء جديد سواء أخذت الصورة النوعية عنوانا للمبيع في لسان العقد كقوله " بعتك هذا الحمار " أو وصفا كقوله " بعتك هذا الذي هو حمار أو الحمار الذي هو هذا " أو شرطا كقوله " بعتك هذا بشرط أن يكون حمارا " إلى غير ذلك من التعبيرات. ففي جميع هذه الصور يفسد المعاملة عند التخلف، لما ذكر من أن ما وقع عليه العقد والمراضاة غير الموجود والموجود لم يقع عليه العقد والمراضاة. وأما العوارض فحيث عرفت عدم وقوع شئ من العوض بإزائها فانتفاؤه لا يوجب خللا في العقد وفيما وقع عليه العقد ولا يكون التراضي بالمعنى الذي قلنا أيضا منوطا به، وإلا فانتفاؤه يوجب البطلان لا الصحة والخيار، بل من قبيل قيود الواجب بمعنى أن المبيع وقع عليه العقد بهذا الوصف فيجب على البائع تسليمه كذلك، لا من قبيل قيد الوجوب بمعنى التعليق في الإنشاء ولا التعليق في المنشأ، فإن جميع ذلك يوجب الفساد عند عدمه، بل التزام زائد في ضمن الالتزام الأول نتيجته وجوب الوفاء به، ومع عدمه عدم لزوم الوفاء به، من غير أن يوجب

[ 279 ]

اختلالا في الالتزام الأول وأركانه. والمراضاة المعتبرة فيه نظير وجوب الأكثر في ضمن الكل في العبادات، فإن انتفاءه لا يوجب انثلام وجوب الأقل كما هو الوجه في جريان البراءة في هذه المسألة، إلا من حيث دخله في الغرض. وهذا ساقط في باب المعاملات، لما عرفت أن صحتها وفسادها لايدوران مدار الدواعي والأغراض. وكيف كان، فقد ظهر أن التراضي المعتبر في المعاملة غير منوط بوجود الشرط وعدمه، وهذا هو مراده (قدس سره) من كون المفقود في المعاملة ركنا أو غير ركن. وضابطه ما ذكرنا من كونه من الصور النوعية أو من الأوصاف والأعراض بالنسبة إلى المتعاوضين، لا أن يكون مراده التفصيل بين ما يكون على نحو وحدة المطلوب أو تعدد المطلوب. فلا يصح توجيه الخيار بأن باب العقود من قبيل الثاني كما قيل وحمل كلام المصنف عليه، فإن ذلك أولا ليس أمرا كليا مضبوطا حتى يمكن دعواه في جميع العقود، بل يختلف باختلاف الموارد والأغراض. وثانيا لا يكاد يوجب التفاوت بين ما هو الركن وغيره، فإن غير الركن أيضا ربما يكون له دخل في أصل المطلوب. وثالثا ليس بناؤهم في الخيار وعدمه على ذلك، لوضوح أنه لو أحرزنا في القسم الأول - أي في مثل بعتك هذا الحمار - أن غرض المشتري ومطلوبه مطلق دابة تحملها وتحمل أثقاله من دون مدخلية للحمارية فيما هو مطلوبه من المعاملة مع ذلك لو بان أنه بقرة أو بغلة يفسد البيع بلا خلاف ولا إشكال، كما أنه لو احرز أن تمام غرضه من شراء العبد أن يكون كاتبا بحيث لو علم بعدم كتابته لا يقدم على المعاملة وشرائه بفلس، ومع ذلك لو اشترى الكاتب ثم تخلف الوصف ليس له إلا الخيار أيضا بلا خلاف ولا إشكال. والسر فيه ما ذكرنا أن باب العقود والمعاملات صحة وفسادا لا يدور مدار الأغراض الباطنية والدواعي الشخصية.

[ 280 ]

وكيف كان، فقد ظهر أن ثبوت الخيار ليس مبنيا على وحدة المطلوب وتعدده بل بمعزل عن هذا الباب غير مرتبط به بلا شك ولا ارتياب، بل مبني على الضابط الذي ذكرناه فاحفظه، فإنه من دقائق الأفكار النفيسة التي استفدناها من شيخنا المحقق واستادنا المدقق أدام الله إفاضاته. وبالجملة: فقد تحصل من مجموع ما ذكر أن مقتضى القواعد في الشرط الفاسد هو الخيار مع صحة العقد، كما عن جماعة من الأجلة واختاره المصنف (قدس سره) بالأخرة أيضا مع اضطراب في قلمه، لمخالفته مثل المحقق والعلامة والشهيدين وغيرهم من الأجلاء الذين ليست مخالفتهم بأمر سهل في أمثال هذه المسائل، مع تفصيله (قدس سره) بين صورة علم المشروط له بالفساد وجهله. والوجه فيه أن بناءه (قدس سره) في خيار تخلف الشرط مطلقا أنه على خلاف القاعدة وثبوته في موارده إنما هو بمثل قاعدة الضرر ونحوها كما لا يخفى على المتتبع في كلامه (قدس سره)، فيختلف الحال من حيث شمول القاعدة وعدمه باختلاف العلم والجهل. وأما على ما اخترناه في جميع الأبواب من أنه على القواعد من غير حاجة إلى دليل آخر فلا يكاد يفرق بين صورتي العلم والجهل أيضا. نعم، الذي يشكل الأمر في المسألة ويصعب المشي على طبق ما ذكرنا من القاعدة أنه ليس من الخيار لا في كلمات القائلين بالفساد أو الصحة ولا في لسان الأخبار والأدلة عين ولا أثر، ولذا صارت المسألة في غاية الإشكال. أقول: ويؤيد ذلك - أي عدم ذكر من الخيار في الأقوال والآثار - ما تقدم من الإشكال في أصل المسألة وأن الشرط بعد فرض فساده كيف يؤثر في العقد، مع أن تأثيره فيه نحو ترتيب أثر عليه المنافي مع فساده، وقد أجاب الاستاد عنه بأن معنى الفساد عدم ترتيب الأثر عليه شرعا. وأما الأثر اللازم لوجوده تكوينا الحاصل بإنشائه لا محالة فلا ينافي مع فساده، مثلا البيع المشترط فيه بما يخالف الكتاب مثل بيع العنب على أن يصنعه خمرا معنى فساده عدم ترتب آثار الصحة عليه وإلغاؤه عند الشارع.

[ 281 ]

وأما كونه التزاما في ضمن العقد عرفا بحيث لو لم يكن المنع الشرعي يصح فهو أمر حاصل بالتزام المتعاقدين، وتأثيره في فساد العقد من تلك الجهة. ولكن لا يخفى أن هذا مبني على كون المجعول الشرعي في العقود هو ترتيب الآثار لا نفس المسببات مثل الملكية والزوجية، بل كانت هي منتزعة عن الآثار وهو خلاف التحقيق. قوله (قدس سره): (الثالث رواية عبد الملك.... إلى آخره). هذا هو الوجه الثالث الذي استدل به القائلون بالفساد، وهو عدة أخبار غير واضحة الدلالة على المدعى. منها: رواية عبد الملك عن الرضا (عليه السلام): عن الرجل ابتاع منه طعاما أو متاعا على أن ليس منه علي وضيعة هل يستقيم ذلك ويأخذ ذلك؟ قال (عليه السلام) لا ينبغي إلى آخره (1). بناء على أن المراد لا ينبغي البيع لاشتماله على شرط عدم الوضيعة المخالف للسنة فيفسد، وإلا فلا موجب للكراهة. وفيه ما لا يخفى، لاحتمال أن يكون المراد كراهة الأخذ بالوضيعة فلا يدل على فساد الشرط، فضلا عن فساد العقد، كما يحتمل إرجاعه إلى الشرط أي لا ينبغي مثل هذا الشرط. وعلى أي حال، غايته الكراهة لا الفساد مع ما فيه من الإجمال والإبهام، كما لا يخفى. ومنها: ما رواه الحسين بن منذر عن أبي عبد الله (عليه السلام) في بيع العينة، والمشهور فيه ما هو المعهود المتداول بين الناس تخلصا عن الربا، وهو أن يشتري السلعة بثمن مؤجل ثم يبيعها من بايعها بأقل من هذا الثمن نقدا متبانيا على ذلك قبل العقد، فقد سأله عن ذلك فقال (عليه السلام): إذا كان هو بالخيار إن شاء باع وان شاء لم يبع وكنت أنت بالخيار إن شئت اشتريت وإن شئت لم تشتر فلا بأس (2) الى آخره. بحمل الخيار على ما يقابل التزامهما بالبيع الثاني، وهو لا يكون إلا باشتراط البيع


(1) الوسائل 12: 409، الباب 35 من أبواب أحكام العقود ح 1. (2) الوسائل 12: 370، الباب 5 من أبواب أحكام العقود ح 4.

[ 282 ]

على بايعه وقد قلنا بفساد هذا الشرط، فيدل على أن مع الاشتراط فيه بأس ولا موجب له إلا فساد الشرط. وفيه تكلف واضح، بل الظاهر أن مراده (عليه السلام) من قوله " إن كان بالخيار وكنت بالخيار " وقوع المعاملة الاولى جدا وحقيقة بحيث لو لم يشأ أحدهما للبيع الثاني كان عليه ذلك في مقابل وقوعها صوريا ووسيلة للعقد الثاني، كما لا يخفى على المتأمل. ومنها: رواية علي بن جعفر (عليه السلام) في بيع العينة أيضا عن أخيه (عليه السلام) قال: سألته عن رجل باع ثوبا بعشرة دراهم إلى أجل ثم اشتراه بخسمة نقدا أيحل؟ قال (عليه السلام) إذا لم يشترطا ورضيا فلا بأس (1) إلى آخره. قال (قدس سره): دلالتها أوضح من الاولى، وهو كما أفاد من حيث التصريح بعدم الاشتراط إلا أن تفسيره بقوله (عليه السلام) " ورضيا " شاهد على ما ذكرنا، أي وقوع البيع الأول عن مراضاة وعن طيب لا صوريا للتوصل إلى الثاني. وكيف كان، فالإنصاف عدم دلالة شئ منها على المدعى، خصوصا في قبال ما ذكر من الأخبار العديدة الواضحة الدلالة في أن الشرط الفاسد كاشتراط كون ولاء العتق على غير المعتق كما في قضية بريدة. واشتراط عدم الإرث في الروايتين الأخيرتين لا يوجب فساد أصل البيع، ودلالتها على ذلك في غاية الظهور ولم نذكرها لوضوحها فراجع. هذا مع أن عمومات مشروعية العقود والمعاملات يكفي للقول بالصحة كما لا يخفى. نعم، قد استدل عليها أيضا بأن صحة الشرط فرع صحة البيع فلو كان صحته أيضا موقوفا على صحة الشرط يدور. ولكنه مدفوع بأن المراد من صحة الشرط إن كان صلاحيته لأن يقع صحيحا وواجب الوفاء فهو لا يتوقف على صحة البيع بل على الشروط المتقدمة، وإن كان المراد وجوب الوفاء به فعلا فهو وإن توقف


(1) الوسائل 12: 371، الباب 5 من أبواب أحكام العقود ح 6.

[ 283 ]

على صحة البيع ووجوب الوفاء به أيضا إلا أن التوقف من الطرفين في مرتبة واحدة كتوقف صحة الإيجاب على القبول والقبول على الإيجاب. وهذا لا محذور فيه ولا يكون مستحيلا كما حقق في محله. قوله (قدس سره): (ثم على تقدير صحة العقد.... إلى آخره). كان الحقيق هنا عقد فروع وجعل ذلك أولها مقابل قوله: الثاني، ولعله غلط من النسخة أو سهو من قلمه. وكيف كان، قد حققنا سابقا أن خيار تخلف الشرط على القاعدة وفساد الشرط أيضا أحد مصاديقه، فإن التعذر الشرعي كالتعذر العقلي في كونه موجبا لتخلف ما التزم عليه المتعاقدان، بمعنى أن صاحب الشرط لم يلتزم بالفاقد فلا ملزم للعقد بالنسبة إليه شرعا، فإن دليل اللزوم مفاده وجوب الوفاء في ما التزما به والمفروض تعذره، وحينئذ فلا فرق بين علم المشروط له أو جهله به. وأما بناء على مختاره (قدس سره) - من أنه على خلاف القاعدة - قد ثبت في بعض الموارد بالإجماع ودليل الضرر ونحوه فالتفصيل في محله، لأن مع علمه بالحال قد أقدم على ضرره فلا يعمه القاعدة، والإجماع أيضا منتف في المقام. بل قد عرفت أن في كلماتهم ليس من الخيار عين ولا أثر، فاللازم الأخذ بالمتيقن. هذا آخر ما استفدناه منه دام ظله في باب الشروط، وأسأل الله أن يجزيه عنا خير الجزاء ووفقنا وإياه لما يحب ويرضى. هذا آخر ما استنسخته من تقريرات العالم الفاضل، المرحوم الميرزا أبي الفضل الإصفهاني طاب ثراه، فلنرجع إلى ما استفدناه منه - دام ظله - في أحكام الخيار. * * *

[ 284 ]

قوله (قدس سره): (الكلام في أحكام الخيار) (الخيار موروث بأنواعه.... إلى آخره). لا يخفى أن توضيح ما أفاده في هذا العنوان يتوقف على التنبيه على امور قد تقدم الإشارة إليها في هذا الكتاب إجمالا: الأول: أن المجعول الشرعي الأعم من التأسيسي والإمضائي على قسمين: تكليف، ووضع. وإنكار الأخير وجعله منتزعا من الأول لا وجه له، فإن بعض أقسامه - كالسببية والجزئية والشرطية والمانعية - وإن لم يكن قابلا للجعل متأصلا إلا أن ما عداه قابل لذلك، لأن المجعول الشرعي التأصلي عبارة عما كان وجوده التكويني عين تشريعه. فإذا تحقق شئ في عالم الاعتبار بنفس إنشائه فهو قابل للجعل، ولا شبهة أن الملكية والولاية والحرية ونحو ذلك تتحقق في عالم الاعتبار خارجا بنفس إنشاء من بيده ذلك، فكما أن التكليفيات سنخ من الاعتباريات إذا اضيفت إلى الجاعل تكون من أفعاله، وإذا اضيفت إلى الأفعال تشبه الكيفيات الخارجية، وإذا اضيفت إلى المكلف تكون من سنخ الانفعال ولها آثار وأحكام من وجوب الطاعة وقبح المعصية، فكذلك الوضعيات، ومنها الملكية التي تسمى بالجدة الاعتبارية والإضافة الخاصة بين المالك والمملوك الحاصلة من أسباب خاصة اختيارية أو قهرية، كالبيع والارث ونحوهما. ثم إن لهذه الإضافة مرتبتين: مرتبة قوية تسمى بالملك، وضعيفة تسمى

[ 285 ]

بالحق، أي لو كانت تامة من حيث نفسها ومن حيث متعلقها تسمى ملكا ولازمه سلطنة المالك عليه المستتبعة لنفوذ أنحاد التصرفات فيه إلا ما خرج، ولو كانت ناقصة من حيث نفسها كالإضافة الحاصلة بين المرتهن والعين المرهونة أو من حيث متعلقها كالحاصلة بين ذي الخيار وما تعلق الخيار به أو الحاصلة بين المالك والشئ الغير المتمول كحبة الحنطة تسمى حقا. الثاني: أن انتقال هذه الإضافة إلى الغير بمعناها الجامع بين الملك والحق تارة بمبادلة المملوك الذي هو أحد طرفي الإضافتين، واخرى بتبدل المالك الذي هو الطرف الآخر، وثالثة بإعطاء نفس الإضافة. والسبب لحصول الأول هو العقود المملكة للعين أو المنفعة مجانا أو بالعوض التي تجمعها العناوين الأربعة، الهبة والعارية والبيع والإجارة وما يحذو حذوها. وللثاني هو الإرث الذي قد بينا في أول الكتاب أنه عبارة عن تبدل المالك مع بقاء الملك والإضافة التي بينه وبين مالكه على حاله. وللثالث هو الهبة المعوضة فإنها على ما احتملناه في المعاطاة عبارة عن إعطاء المالك نفس الإضافة لغيره، بل لا يبعد أن يكون الهبة الغير المعوضة أيضا كذلك، فإنهما لا تختلفان من هذه الجهة. وكيف كان، فلا إشكال في أن الإرث سبب للانتقال إلى الوارث بالتبدل المالكي، والانتقال الحاصل بالوراثة مباين سنخا مع الانتقال الحاصل بالعقود المملكة. الثالث: أن إرث الخيار يتوقف على أمرين: أحدهما: كون الخيار حقا لا حكما شرعيا، كالإجازة للعقد الفضولي وجواز الرجوع في الهبة. الثاني: أن لا يكون من الامور القائمة بشخص مخصوص كحق الحضانة والمضاجعة، لأن تبدل ذي الحق وقيام شخص مقام آخر بمقتضى أدلة الإرث يتوقف على أن يكون الحق مما تركه الميت، فلو لم يكن كذلك إما بأن لا يكون

[ 286 ]

حقا بل يكون حكما أو لا يكون بعد الميت باقيا لكون القائم به هو شخص الميت بحيث يذهب بذهابه فلا معنى للانتقال إلى الغير، وحيث قد تقدم في بحثي المعاطاة والخيار كون الخيار حقا مالكيا لا حكما تعبديا وبينا الفرق بين الجواز الحقي والحكمي فإثبات الأمر الأول لا يتوقف على قيام الإجماع عليه، ولكن إثبات كونه قابلا للانتقال الى الغير بغير الإجماع مشكل، فإن الحقوق بأجمعها وإن كانت قابلة للإسقاط - وهذا هو الضابط التام بين الحق والحكم. وقد أوضحنا في صدر مبحث البيع أنه لا وجه لتقسيم بعض المحشين الحقوق بما يقبل الإسقاط وما لا يقبله كحق الولاية والابوة وحق الاستمتاع للزوج ونحو ذلك لأن هذه من الأحكام وتسميتها حقا إنما هو بعناية ومناسبة - إلا أن إثبات كونها قابلة للانتقال إلى الغير مشكل، لإمكان كونها حقا وإضافة خاصة ولكنها قائمة بشخص خاص. وقد يتوهم إمكان إثبات ذلك من نفس أدلة الخيار، فإن الظاهر منها أن الميت المالك لحق الخيار مورد للحق لا مقوم له، فإذا كان موردا له ينتقل إلى وارثه. وفيه: أنه لو كان موردا له أنتج عكس المقصود، فإن كون الشخص موردا لحق أو مال إنما هو لانطباق عنوان عليه من دون نظر إلى خصوصيته الشخصية كأعلم البلد والفقراء ونحوهما، وهذا العنوان لو انطبق على شخص يكون مصرفا للمال أو الحق، ولو لم ينطبق عليه لا يستحقه. وكون أبيه متصفا بهذا العنوان لا يوجب انتقال ما كان له إلى وارثه، فأصل مورد الإرث مبني على أن لا يكون المورث موردا بل كان ذا حق لخصوصيته الشخصية، فيقع النزاع في أنه هل ينتقل هذا الحق إلى وارثه أو لا؟ وقد يقال: إن الحق لو كان مما يستجلب به المال كحق الخيار والشفعة والتحجير والسبق في المباحات الأصلية أو يستجلب به أمر آخر كالقصاص وحد القذف فهو مما تركه الميت وينتقل إلى وارثه، وأما لو لم يكن كذلك كحق السبق في المشتركات العامة من المدارس والمساجد والخانات فليس مما تركه الميت حتى ينتقل إلى وارثه. وهذا منشأ التفصيل بين جعل الخيار لأحد المتعاقدين

[ 287 ]

فيرثه وارثه وجعله للأجنبي فلا يرثه، لأن الأجنبي لا يستجلب المال لنفسه بإعمال الخيار ولا شيئا آخر، فحق الخيار ليس مما تركه حتى يقوم الوارث مقامه. والسر في ذلك أنه لو كان الحق متعلقا بشئ كالمال أو القصاص فحيث إن غير نفس الإضافة يكون هناك أمر باق فلابد أن ينتقل إلى الوارث، وأما لو لم يكن للمورث إلا نفس السلطنة من دون تعلقه بأمر آخر كالجلوس في المدرسة والمسجد أو التولية والقيمومة من قبل الحاكم فليس غير الاستيلاء شئ باقيا حتى ينتقل إلى الوارث هذا. ولكنك خبير بأن إثبات هذا التفصيل أيضا بغير الإجماع مشكل، فإن تعلق الخيار المجعول لأحد المتعاقدين بالمال وعدم تعلقه به لو كان مجعولا للأجنبي دعوى بلا برهان، وهكذا الفرق بين حق التحجير مثلا وحق الجلوس في المسجد. نعم، لو ثبت التفصيل فلا فرق بين أن يكون متعلق الحق مالا فعليا - كحق السبق في المباحات الأصلية - وأن لا يكون كذلك كالصيد الذي يقع في الشبكة المنصوبة من الميت، بل لا يبعد أن يقال: إن إرث الصيد من إرث الأموال لا الحقوق، لأنه لا فرق في نظر العرف والعقلاء بين الأموال الفعلية وما يؤول إليها. وكيف كان، فما أفاده المصنف (قدس سره) " من أن الاستدلال على إرث الخيار بالكتاب والسنة الواردين في ارث ما ترك الميت يتوقف على كون الخيار حقا لا حكما وأن يكون قابلا للانتقال " مما لا شبهة فيه. وقد عرفت أن إثبات الجزء الثاني بغير الإجماع مشكل. وأما إثبات الجزء الأول فلا يتوقف على الإجماع على نفس الحكم، ولا على الإجماع على سقوطه بالإسقاط، ولا على الخبر الوارد في خيار الحيوان من سقوطه بالتصرف معللا بأنه رضى منه، لما عرفت من أن الخيار حق مالكي لا حكم تعبدي فهو قابل في نفسه لأن ينتقل إلى الوارث. ونحن وإن استوفينا البحث عن ذلك سابقا إلا أنه لا بأس بالإشارة إليه

[ 288 ]

توضيحا لما سبق وتنبيها لما سيأتي، فنقول: إن اللزوم والجواز تارة يلحقان المنشأ بالعقد بمعنى أن ذات المعقود عليه قد يقتضي اللزوم مع قطع النظر عن وقوعه في حيز العقد - كالنكاح والضمان والوقف ونحو ذلك - بحيث إنه لو صح وقوعه بالمعاطاة لكان لازما أيضا، وقد يقتضي الجواز كما في الهبة الغير المعوضة، وهذا القسم من اللزوم أو الجواز يكون حكما تعبديا صرفا، ولذا لا يتغير النكاح ونحوه بالشرط على خلافه ولا يقبل الإقالة، ولا يتغير الهبة أيضا عن مقتضى ذاتها بالشرط على خلافها، ولا يؤثر وقوعها تحت الالتزام العقدي في لزومها، فهي خارجة عن عموم أوفوا بالعقود بالتخصيص. واخرى يلحقان نفس العقد بمعنى أن المنشأ كالبيع مثلا في حد ذاته لا يقتضي الجواز أو اللزوم، ولكنه حيث انشئ بالعقد الذي هو العهد المؤكد فبمدلوله الالتزامي العرفي يدل على التزام كل من المتعاقدين بالمدلول المطابقي وهو المبادلة بين المالين. ومرجع قوله عز من قائل " أوفوا بالعقود " الى تحقق تلك الالتزام وأن البائع لالتزامه بالتبديل ملزم على أن يكون المبيع عوضا عن الثمن، وهذا الالتزام يملكه المشتري والمشتري أيضا ملزم على أن يكون الثمن عوضا عن المبيع والتزامه بذلك يملكه البائع، فكل واحد مالك لالتزام طرفه، وحل هذا الالتزام العقدي إما بالإقالة - أي رد كل منهما إلى طرفه الالتزام الذي ملكه - أو بفسخ أحدهما إذا كان مالكا لكلا الالتزامين الذي يعبر عنه بالخيار، فحقيقة الإقالة هي الفسخ لا البيع ثانيا. غاية الأمر لا يتحقق حل العقد إلا بتجاوز كل منهما عن حقه، لأن كل واحد لا يملك إلا أحد طرفي العقد، وحقيقة الخيار هي ملك كلا الالتزامين، أحدهما: السلطنة على التزام صاحبه الذي ملكه بالعقد الذي به جاز له الإقالة، الثاني: السلطنة على التزام نفسه الذي ثبت له شرعا كخيار المجلس والحيوان، أو بجعل منهما كخيار الشرط، أو بتخلف الشروط الضمنية كخيار الغبن والعيب ونحو ذلك. إذا عرفت ذلك ظهر الفرق بين الخيار والجواز الحكمي واللزوم العقدي

[ 289 ]

والحكمي، فإن الجواز الحكمي مقابل للزوم الحكمي، وأما الخيار فهو مقابل للزوم العقدي الذي هو حق من الحقوق، فإنه عبارة عن سلطنة كل من المتعاقدين على التزام الآخر، فكل منهما مسلط ومسلط عليه. وعلى هذا، فلا شبهة أن الخيار قابل للإسقاط والانتقال إلى غيره بعد ما ثبت إجماعا أنه ليس لنفس ذي الخيار خصوصية بها يقوم به حتى ينتفي بموته أو جنونه. قوله (قدس سره): (بقي الكلام في أن إرث الخيار ليس تابعا لإرث المال.... إلى آخره). لا يخفى أن المسلم من عدم تبعية إرث الخيار لإرث المال إنما هو بالنسبة إلى الدين المستغرق لتركة الميت، فإنه لو قيل بعدم انتقال التركة إلى الوارث فلا تلازم بينه وبين عدم انتقال الخيار إليه. وأما بالنسبة إلى الزوجة المحرومة من العقار وغير الأكبر من الأولاد المحروم من الحبوة فظاهر المشهور هو التلازم. وكيف كان، ففي إرث الوارث للخيار المتعلق بالمال الذي لا يرث منه وجوه، ثالثها: التفصيل بين كون ما يحرم الوارث عنه منتقلا الى الميت أو عنه، فيرث في الأول دون الثاني. ورابعها: عدم الجواز في هذه الصورة والإشكال في غيرها. وقبل بيان مدرك الوجوه ينبغي التنبيه على أمر، وهو أن النزاع في إرث الزوجة الخيار المتعلق بما تحرم عنه وهكذا إرث غير الولد الأكبر الخيار المتعلق بالحبوة إنما هو بعد الفراغ عن أن إرث الخيار ليس كإرث حق الشفعة، فإن أصل ثبوت خيار الشفعة للشريك إنما هو بمعنى ثبوت حق إبطال المعاملة وإرجاعها إلى نفسه بالثمن الذي اشترى المشتري به، فإرثه عبارة عن انتقال هذا الحق إلى الوارث بل يرجع المعاملة إلى نفسه بالثمن من ماله، وأما إرث الخيار فليس عبارة عن حق إرجاع المعاملة إلى نفسه، بل عبارة عن حق حل المعاملة وإرجاع ما انتقل عن الميت إليه ثم إرث الوارث منه، فلا تلازم بين ثبوت حق الشفعة للوارث وثبوت حق الخيار له.

[ 290 ]

وبعبارة اخرى الأقوال الأربعة في إرث الزوجة الخيار مبتنية على أن يكون الفسخ حلا للعقد وأن يكون كالإقالة على مذهب الخاصة، لا أن يكون كالأخذ بالشفعة وكالتملك الجديد. ثم إنه لا تلازم أيضا بين إرث حق الإقالة وحق الخيار، لما عرفت أن الخيار ملك كلا الالتزامين. وأما ما به يقدر على الإقالة فهو ملك التزام الطرف، وهو ليس تابعا لإرث المال وإلا لزم أن يكون الطرف مالكا للفسخ دون الوارث، لأن الطرف مالك لالتزام الميت من دون أن يملك الوارث التزام الطرف. فمن عدم قدرته على الفسخ نستكشف أن الالتزام الذي كان الميت مالكا له يملكه الوارث، وهذا البرهان لا يجري في الخيار، لأن من عليه الخيار لا يملك التزام طرفه. وكيف كان، فالأقوال في المسألة مبتنية على أن يكون الخيار حلا للعقد. إذا عرفت ذلك فنقول: الوجه لعدم إرث الخيار مطلقا هو أن الخيار على ما تقدم ملك كلا الالتزامين، ولا يمكن أن تملك الزوجة مثلا كليهما، لأن الأرض لو انتقلت عن الميت فهي ليست مالكة لالتزام نفسها، ولو انتقلت إليه فهي ليست مالكة لالتزام الطرف، لأن الأرض لغيرها من الورثة، فلو أراد البائع أن يفسخ البيع ويرد الأرض إلى نفسه ليس للزوجة منعه عنه. ووجهه المصنف (قدس سره) بوجه آخر فقال: والخيار حق فيما انتقل عنه بعد إحراز تسلطه على ما وصل بإزائه. ولا يخفى أن هذا نظير ما أفاده في خيار المجلس من عدم ثبوته للوكيل الغير المفوض، وهذا الوجه بظاهره لا يستقيم في كلا المقامين، لوضوح أن الخيار حق متعلق بالعقد لا بما انتقل عنه، ولا يتوقف على السلطنة على المنتقل إليه أيضا، وإلا لم يثبت للأجنبي ولا للورثة مع استغراق الدين. ولكنه يمكن أن يكون مقصوده أن الخيار وإن كان متعلقا بالعقد إلا أنه لا بما هو في حيال نفسه، بل لكونه طريقا لاسترجاع ما انتقل عنه ورد ما انتقل إليه، فإذا كان الوارث محروما عن أحدهما فلا معنى لفسخه.

[ 291 ]

وأما وجه ثبوت الخيار لها مطلقا - كما قواه صاحب الجواهر (1) - فهو أن الخيار ليس إلا السلطنة على الفسخ والإمضاء، وهو متعلق بالعقد على ما عرفت من تعريفه في بحث الخيار من أنه ملك فسخ العقد وإقراره، ولا ربط له بالمنتقل عنه أو إليه حتى تحرم الزوجة عنه، ولذا صح جعله للأجنبي. ولا ينافي ذلك ما قيل من أنه ملك كلا الالتزامين، فإن مالكية الالتزامين لها معنيان، أحدهما: صحيح وثابت في المقام وهو التسلط على الفسخ والإمضاء، فإن هذا اعتبار عقلائي كان للمورث فيرثه وارثه وذلك ليس تابعا للملك، وبهذا المعنى يصح جعله للأجنبي. والثاني: هو الملك المطلق بحيث يكون له السلطنة على طرد غير ذي الخيار ومنعه عن الفسخ، وهذا لا دليل على اعتباره. وأما وجه ثبوت الخيار لها إذا انتقلت الأرض إلى الميت - كما اختاره فخر المحققين (2) وفسر به عبارة والده في القواعد - فلأن به تستجلب الثمن، فإن ملك بائع الأرض للثمن لما كان متزلزلا حين حياة المورث اقتضى بقاء هذا التزلزل بعد موته ثبوت حق للزوجة وإن لم يكن لها تسلط على نفس الأرض، وهذا القول هو الظاهر من القواعد. قال (قدس سره) الخيار موروث بالحصص كالمال في أي أنواعه كان إلا الزوجة غير ذات الولد على إشكال أقربه ذلك إن اشترى بخيار لترث من الثمن (3) انتهى. فإن الظاهر أن المشار إليه في قوله " أقربه ذلك " هو الإرث، كما فسر به الفخر والسيد عميد الدين والشهيد. وأما وجه عدم ثبوت الخيار لها في هذه الصورة، كما اختاره جامع المقاصد وفسر به عبارة القواعد وقال: إن المتبادر أن المشار إليه بقوله " ذلك " هو عدم الإرث الذي سيقت لأجله العبارة فلأنه إذا انتقلت الأرض إلى الميت لا ترث


(1) الجواهر 23: 77. (2) الإيضاح 1: 487. (3) القواعد 2: 68.

[ 292 ]

الزوجة منها بل هي حق لباقي الورثة استحقوها بالموت، فكيف تملك الزوجة إبطال استحقاقهم إلى أن قال: وأيضا فإنها إذا ورثت في هذه الصورة وجب أن ترث فيما إذا باع الميت أرضا بطريق أولى، لأنها ترث حينئذ من الثمن وأقصى ما يلزم من إرثها من الخيار أن يبطل حقها من الثمن وهو أولى من إرثها حق غيرها الذي اختصوا بملكها (1) انتهى. والأقوى من هذه الوجوه هو ما اختاره فخر المحققين، وتوضيحه يتوقف على الإشارة إلى امور تقدم التنبيه عليها: الأول: أن العقد بمدلوله الالتزامي يدل على التزام كل من المتعاقدين بمالكية صاحبه لما انتقل عنه إليه وهذا معنى لزوم العقد، وحله إما برد كل منهما التزام صاحبه الذي هو مقوم مالكيته لما انتقل إليه وإما بالسلطنة على كلا الالتزامين، والأول هو الإقالة والثاني هو الخيار. الثاني: أن اعتبار الحقوق التي هي من الامور الاعتبارية النفس الأمرية، تارة على وجه الموضوعية سواء كانت من الحقوق المتقومة لشخص خاص كحق المضاجعة والحضانة أم لا كحق القصاص وحد القذف، واخرى على وجه الطريقية لاكتساب المال وجلب منافع الأموال كحق الخيار. الثالث: أن ثبوت الخيار للوارث ليس من جهة تبعيته للملك، فإن هذا لا يختص بالحق، بل الحكم أيضا يثبت للوارث إذا انتقل المال إليه كحق إجازة العقد الواقع فضولا في ملك المورث. إذا عرفت ذلك ظهر بطلان القول بإرث الخيار لها مطلقا، لأن هذا الحق حيث اعتبر لجلب المال لا يمكن أن ترثه الزوجة إذا انتقلت الأرض عن الميت. ولا ينافي ذلك كون الخيار عبارة عن التسلط على الفسخ والإمضاء وعدم كونه تابعا لإرث المال، لأن انتقاله إلى الوارث يتوقف على كون الحق متروكا بحيث لو لم


(1) الإيضاح 1: 487، كنز الفوائد 1: 451، حكاه عن الشهيد في مفتاح الكرامة 4: 590 س 13.

[ 293 ]

يملكه الوارث لبقي الحق بلا مستحق، وكونه متروكا يتوقف على إثبات كونه مما يستجلب به شئ إما لنفس ذي الحق أو لغيره كالأجنبي، ولا ندعي امتناع ثبوت الخيار لمن ليس مالكا للمال شرعا أو عقلا حتى ينتقض بثبوته للأجنبي. إن قلت: لا إشكال في بقاء هذا الحق بعد الميت ولذا يرثه سائر الورثة، فلو كان باقيا ولم يكن تابعا للمال بل كان مجرد السلطنة على الفسخ والإمضاء ترثه الزوجة أيضا. قلت: بقاؤه لسائر الورثة لا يلازم إرث الزوجة منه، سواء قيل بأن الوارث يستحق الخيار بالحصة، أو قيل بكونه قائما بالمجموع، أو قيل بأن لكل وارث خيارا مستقلا. أما على الأول فواضح، لأن الزوجة ليست لها حصة. وأما على الأخيرين فلأن اعتبار اجتماعها معهم أو ثبوته لها بالاستقلال أول الكلام، لإمكان كونها كالوارث القاتل أو الكافر، فإثباته لها لبقائه لسائر الورثة لا وجه له. وظهر بطلان القول بعدم الإرث مطلقا، لأن مبناه على أن يكون أدلة الخيار مسوقة لبيان تسلط ذي الخيار على ما انتقل عنه بعد الفراغ عن تسلطه على ما انتقل إليه، ولذا لا يثبت للوكيل في إجراء الصيغة. والمبنى ممنوع، لأنها مسوقة لبيان تسلط ذي الخيار على الفسخ والإمضاء، وهذا التسلط ليس تابعا للتسلط على المال المنتقل عنه وإليه، وعدم تسلط مجري الصيغة على الفسخ والإمضاء إنما هو لاعتبار قيد في الموضوع وهو كونه بيعا الذي هو فاقد له لا لعدم تسلطه على المالين. هذا مع أن المورث في المقام كان مسلطا على ما انتقل إليه وكان الخيار ثابتا له، فإذا كان لأدلة الإرث إطلاق فمقتضاه ثبوته للوارث ولو لم يكن مسلطا على ما انتقل إلى الميت، لما عرفت في الأمر الثالث من أن اثبات الحق للوارث ليس من جهة تبعيته للملك، فإن ذلك لا يختص بالحق بل الحكم أيضا كذلك.

[ 294 ]

وظهر بطلان القول بالإرث إذا انتقلت الأرض عن الميت، لأنها بالفسخ لا تستجلب شيئا، وهذا بخلاف ما إذا انتقلت إليه، فإنها تستجلب الثمن فلا مانع من سلطنتها على التزام الميت بكون الثمن باقيا في ملك الطرف، فإنه بعد أن ثبت أن هذا الالتزام بيد الميت وكونه مالكا له - كملكيته لالتزام الطرف بكون الأرض باقية في ملك الميت - وثبت بأدلة الإرث أن ما كان للميت فهو لوارثه فيثبت لها ملكية هذا الالتزام وإن حرمت عن التزام صاحب الميت للميت، لعدم إمكان توصلها به إلى الأرض المنتقلة إلى الميت، لأن أثر الحرمان عن الأرض الموجب لحرمانها عن مالكية التزام طرف الميت ليس إلا عدم إمكان الإقالة لها. وأما من حيث دخل ذلك الالتزام في حل العقد فيدخل في عموم أدلة الإرث. وبعبارة واضحة، لا شبهة أن التزام الميت فيما انتقل عنه ترثه الزوجة، لأن سلطنتها عليه طريق لاسترجاع الثمن. وأما التزام الطرف بكون الأرض باقية في ملك الميت فله حيثيتان: حيثية كون الأرض متقومة به فهي لسائر الورثة ولهم الاقالة ورد هذا الالتزام دون الزوجة، وحيثية مدخليته في الفسخ وقدرة ذي الخيار عليه، ومن تلك الجهة من لوازم الخيار الذي هو حق مالي تتوصل الزوجة به إلى الثمن فتأمل. ثم إنه قد يجعل مبنى الأقوال الأربعة الاختلاف في حقيقة الخيار. فلو قيل بأنه ملك إقرار العقد وإزالته فترثه مطلقا. ولو قيل بأنه السلطنة على الرد والاسترداد في عرض واحد فلا ترثه مطلقا، لأن الأرض لو كانت منتقلة عن الميت ليس لها السلطنة على الاسترداد، ولو كانت منتقلة إليه ليس لها السلطنة على الرد. ولو قيل بأنه السلطنة على الرد ويتبعه الاسترداد قهرا لا ترثه لو كانت الارض منتقلة إلى الميت، وأما لو كانت منتقلة عنه فترثه، لأن لها السلطنة على رد الثمن. ولو قيل بأنه السلطنة على الاسترداد ويتبعه الرد قهرا فالأمر بالعكس. وفيه: أن الخيار عبارة عن التسلط على الحل والإمضاء، والرد أو الاسترداد خارج عن حقيقته. ومنشأ الأقوال الأربعة مع الاعتراف بأن حقيقة الخيار ذلك

[ 295 ]

إنما هو للنزاع في اعتبار قيد في دليل الإرث وعدمه، وهو كون هذا الحق طريقا لاسترجاع العين أو أنه لوحظ بحيال نفسه. وعلى أي حال كون الخيار عبارة عن الرد وحده لا معنى له، فإن ذلك هبة وكذلك الاسترداد استيهاب، والرد والاسترداد إما هبتان أو تبديل مال بمال. هذا كله لو اريد من الرد والاسترداد الرد إلى الشخص، وأما لو اريد منه الرد إلى الملك فالرد إليه لا يمكن إلا بحل العقد وإبطاله. فمن دون حله كيف يمكن أن يرد العوضان إلى ما كانا قبل العقد، مع أنه لو أمكن ذلك فلا محالة يملك الرد والاسترداد في عرض واحد، لأن الرد إلى الملك عبارة عن إبطال التبديل الواقع أولا. والتبديل ليس تبديلا مكانيا حتى يلاحظ رد أحد العوضين أولا والآخر ثانيا، بل اعتباري ويحصل في كل منهما في رتبة واحدة وفي زمان واحد. قوله (قدس سره): (مسألة في كيفية استحقاق كل من الورثة الخيار مع أنه شئ واحد غير قابل للتجزئة.... إلى آخره). لا يخفى أن الوجه الأول وهو استحقاق كل واحد منهم خيارا مستقلا كمورثه - بحيث يكون له الفسخ في الكل وإن أجاز الباقون بمعنى تقديم الفاسخ على المجيز وإن تأخر فسخه - ممتنع ثبوتا، فإن الملك والحق والاستيلاء وكل ما يتصور من الإضافات والاعتبارات التي وجوداتها العينية هي عين جعلها ممن بيده جعلها وإيجادها لا يعقل أن تكون مع وحدتها مملوكة أو مضافة إلى اثنين بتمام الملكية والإضافة بحيث كان لكل منهما منع الآخر عن التصرف فيها، إذ كما لا يمكن توارد علتين مستقلتين على معلول واحد كذلك لا يمكن أن يكون ملك واحد بتمامه لمالكين وحق واحد بتمامه لمستحقين. وما يقال: من أن الملك حيث كان من الاعتباريات فلا مانع من اعتبار مالكين لملك واحد، فقد ظهر جوابه في عقد الصبي من أن الاعتبار الصحيح هو المدار في الاعتباريات لا التخيلات والفرضيات. ويمتنع أن تكون إضافة واحدة قائمة بإثنين، وما يمكن ثبوته لهما مع فرض وحدته هو حق المطالبة أو حق

[ 296 ]

الاستيفاء، فثبوت حق الخيار للأب والجد إذا جن العاقد أو ثبوته لحاكمين مستقلا ليس من باب قيام إضافة واحدة بشخصين، فإن الحق قائم بنفس المجنون وإنما يكون للولي إعماله. فلا يصح قياس إرث حق الخيار على إرث حق حد القذف، لأن الحق الذي ثبت للمورث في القذف هو حق مطالبة الحد، لا أن له إضافة إلى الحد، فإن الحد جزاء شرع للتشفي فله المطالبة به وله العفو. وبالجملة الذي يمتنع ثبوته لشخصين مستقلا وفي عرض واحد هو ما يكون من قبيل الملك لا ما يكون من قبيل الولاية وحق الاستيفاء أو المطالبة، وحق حد القذف وإن جاز لكل من الورثة إعماله من دون المراجعة إلى غيره إلا أنه نظير حق حد السرقة والزنا لكل فقيه. فلو دل الدليل على أن حد القذف لا يسقط بعفو بعض المستحقين فلا يستكشف عنه أن ملك الخيار أو المال يمكن أن يكون بتمامه لإثنين مستقلا وفي عرض واحد، لإمكان أن يكون هذا الدليل في مقام إثبات السلطنة لهما على المطالبة بحيث لو لم يكن هذا الدليل لقلنا بمقتضى أدلة الإرث أن حق الحد بمقدار حقهم من إرث المال. ولا يقاس إرث الخيار أيضا على إرث الشفعة، لقيام الدليل على أن الشريك المتعدد الطارئ أو الابتدائي كالشريك الواحد إما مطلقا أو إذا كان شريكه الآخر غائبا، فإذا انتقل المال إلى الورثة يصير كل واحد منهم شريكا لانطباق عنوان الشراكة عليه، فلو أراد كل منهم إعمال الحق يقع التزاحم وإذا أسقط أحدهم حقه فللآخر إعماله. وهذا الحكم في ابتداء العقد خلافي إلا أن الظاهر هو الاتفاق في ثبوته للورثة المتعددة، فلا محالة يكون كيفية ثبوته لهم نظير كيفية ثبوته للمتعدد حين العقد لو قيل به، وهذا لا ربط له بإرث الخيار مستقلا، لأن كيفية ثبوته للمتعدد هي الشركة بينهم لو أخذ الكل بالشفعة وإلا يقع بينهم التزاحم. وأما لو أخذ واحد منهم دون غيره فهذا بمنزلة تفويض المسقط حقه إلى غيره. ثم لا يخفى أن حق القصاص أيضا ليس مما يستقل به كل وارث، لأنه لو كان كذلك لم يكن وجه لرد الدية بمقدار حق غير الأخذ بالحق إلى أولياء المقتص منه،

[ 297 ]

فإمكان استيفاء الحق من كل واحد كإمكان الأخذ بالشفعة لكل واحد مع رجوع المال المأخوذ إلى الجميع. وهذا ليس عبارة عن استقلال كل واحد على الأخذ بالحق. وحاصل الكلام: أن استحقاق كل واحد من الورثة خيارا مستقلا في عرض الآخر بحيث ينتج تقديم الفاسخ على المجيز كما في خيار المجلس للمتعاقدين مما لا يمكن ثبوتا. واستحقاق كل واحد منهم على نحو استقلال الوكيل المفوض وموكله بحيث ينتج تقديم السابق مجيزا كان أو فاسخا وإن أمكن ثبوتا إلا أنه لا دليل عليه إثباتا، لأن ظاهر أدلة الوراثة أن الحق كالمال يتحصص، وليس هناك دليل آخر يدل على استحقاق كل منهم مستقلا ولم يقم برهان على أن الشارع جعل لكل منهم ذلك ولا على أن المورث اشترط على صاحبه أن يكون لكل من ورثته الخيار. فالوجه الأول لا أساس له، سواء قيل بأن الحق الواحد الفعلي قائم بالمتعدد أو قيل بأن حق الاستيفاء قائم بهم، إلا أن يقال: إن مقتضى ورود الحكم على العام أو المطلق هو استقلال كل فرد من الأفراد، وهذا المعنى حيث يمتنع بالنسبة إلى المال أو الحق على نحو اجتماع الملاك المتعددة على ملك واحد فيلتزم بتقسيم المال والحق بالحصص. وأما استقلال كل منهم على نحو الوكلاء المتعدد أو المولى والعبد بالنسبة إلى مال العبد ونحو ذلك فيجب الأخذ بظهور العام أو المطلق، لأنه لا دليل على امتناع ثبوت حق واحد في سائر الحقوق للمتعدد، كحق القصاص وحد القذف والشفعة، فإن الأولين عبارتان عن حق الاستيفاء والثالث عبارة عن حق أن يملك كحق الإحياء. وهكذا ثبت حق السبق للمتعدد، وإنما الممتنع إعمال هذا الحق للمتعدد، للتزاحم بينهم، فإذا أسقط بعضهم حقه فللباقي إعماله. وعلى هذا فلو دل دليل الإرث على أن ما تركه الميت فلكل واحد من ورثته، فالأخذ بظهوره وهو ثبوت هذا الحق للمتعدد مستقلا لا مانع منه، هذا تمام الكلام في الوجه الأول. وأما الثاني - أي استحقاق كل منهم خيارا مستقلا في نصيبه - فهو أصح

[ 298 ]

الوجوه كما اختاره العلامة في القواعد، وقال: الخيار موروث بالحصص كالمال (1) لأن ظاهر قوله (عليه السلام): " ما ترك الميت من حق فلوارثه " (2) أن يكون إرث الحق كإرث المال وأن يكون جنس الوارث واحدا كان أو متعددا قائما مقام المورث وأن تكون الإضافة الخاصة به قائمة بهذه الطبيعة بمطلق وجودها، ولازم ذلك استحقاق الفسخ والإجازة لكل واحد في مقدار نصيبه إلا أنه ينافي ذلك تبعض الصفقة على طرف الميت. ومقتضى الشرط الضمني الذي التزم به الميت من عدم تبعض الصفقة عليه عدم نفوذ إعمال الخيار لكل واحد مستقلا، بل لابد من اتفاقهم على الفسخ والإجازة، إلا أن يرضى الطرف بالتبعض أو اشترط عليه المورث أي جعل لنفسه خيار الفسخ في البعض، وإلا فالورثة ملزمون بعدم التشقيص قضية للشرط الضمني المقتضي للنفوذ وضعا. وما أفاده المصنف (قدس سره) من جواز الفسخ لبعض الورثة غايته ثبوت خيار التبعض لمن عليه الخيار مبني على عدم اقتضاء الشرط الوضع والنفوذ، وهو خلاف التحقيق ومناف لمختاره أيضا إلا أن يقال: إن العقد باعتبار تعدد الورثة ينحل إلى عقود والتعدد الطارئ كالتعدد الابتدائي، ولكن سيجئ في آخر البحث فساده. وأما الثالث وهو استحقاق مجموع الورثة لجميع الخيار - بأن لا يتعدد الحق ولا المستحق الذي لازمه عدم جواز الفسخ ولا الإجازة من البعض - فمبني على ما أفاده (قدس سره) من الفرق بين إرث الحق والمال وإن كان دليلهما واحدا، وهو أن المال قابل للتجزئة فيقسم على حسب السهام والحق أمر بسيط غير قابل للتجزئة فيشتركون فيه. وفيه: أن عدم قابليته للتجزئة مبني على أن يكون من الحقوق الموضوعية التي مطلوبيتها عند العقلاء باعتبار أنفسها لا باعتبار كونها طريقا للتوصل إلى المال، وقد تقدم أنه طريق لاستجلاب المال واسترداد المنتقل عنه بالفسخ وإبقاء


(1) القواعد 2: 68. (2) لم نعثر عليه في كتب الحديث، ولكن نقله الشهيد في المسالك 12: 341.

[ 299 ]

المنتقل إليه بالإجازة، فلا مانع من تجزئته بتجزئة الأموال، بل لا محيص عن ذلك، لما عرفت من أن حقيقته هي سلطنة أحد المتعاقدين أو كليهما على التزام نفسه بكون المنتقل عنه في ملك صاحبه والتزام صاحبه بكون المنتقل إليه في ملكه، وأحد الالتزامين يملكه بالعقد والآخر بالجعل الشرعي أو المالكي بحيث لو لم يكن هذا الجعل كان كل واحد من الورثة ملزما بما التزم به المورث، ولا شبهة أن لزوم التزامه بما التزم به المورث إنما هو بمقدار حصته من المال، ولا وجه لأن يلتزم بما في يد سائر الورثة، فإذا كان وجوب التزامه بمقدار نصيبه من المال فكذلك سلطنته على الالتزام أيضا بمقدار نصيبه من المال، وهذا ينتج الوجه الثاني. وأما الوجه الرابع وهو قيام الخيار بالمجموع من حيث تحقق الطبيعة في ضمنه فمبني على أن يكون إرث الخيار ثابتا لصرف الموجود من الوارث لا لمطلق الوجود، وحيث إن صرف الوجود قائم بكل واحد من الورثة فكل من بادر إلى إعمال الحق فسخا كان أو إجازة ينفذ في حق الجميع، ولا عبرة بما يقع متأخرا. وفيه: أن المتبادر من أدلة الإرث كون الحكم شموليا، لأن البدلية وقيام الطبيعة بفرد ما وبصرف الوجود يتوقف على مؤنة زائدة في مقام الثبوت والإثبات، فلو جئ بتنوين التنكير - كما في قوله: جئني برجل - أو تعلق الأمر بالطبيعة كقوله: صل فلازمه كفاية الفرد في مقام الامتثال. أما التنوين فلأنها وضعت لإفادة الفرد المنتشر، وأما الأمر فلأن المادة وإن كانت مجردة عن الطبيعة والفرد إلا أن الهيئة حيث دلت على طلب الطبيعة وطرد العدم فبمجرد وجود الطبيعة وبأول وجودها ينقض العدم، وأما لو جعلت الطبيعة موضوعا للحكم - كما في قوله: لا تشرب الخمر، وما تركه الميت فلوارثه - فظاهر الخطاب يقتضي أن يكون كل فرد من أفراد الطبيعة موضوعا للحكم مستقلا. وبالجملة: ما أفاده (قدس سره) من قيام الخيار بالمجموع من حيث تحقق الطبيعة في ضمنه لا من حيث كونه مجموعا وإن كان تحقيقا دقيقا - ولازمه وحدة الحق والمستحق بقيام الحق الواحد بصرف الوجود من الوارث، وينتج نفوذ إعمال الحق من كل من بادر إليه وصحة قيامه بالمجموع فسخا أو إجازة من حيث كونه مصداقا

[ 300 ]

للقدر الجامع لا بما هم هم، وكونه كالفسخ والإمضاء من ذي الخيار بتصرف واحد لو اختلفوا في الفسخ والإمضاء مقارنا - إلا أنه يرد عليه أولا: أن عنوان الوارث ليس عنوانا واقعيا ثابتا لهم حتى يمكن أن يكون الخيار قائما بصرف الوجود منه بل عنوان انتزاعي من نفس دليل الإرث، فموضوع الحكم ليس إلا الأشخاص وإطلاق الوارث عليهم إنما هو من قبيل من قتل قتيلا فله سلبه. وثانيا: لو كان مراده (قدس سره) من الطبيعة الجامعة هي الإضافة الخاصة التي بينهم وبين المورث التي بها ينتقل ماله إليهم لا إلى غيرهم - لا ما هو ظاهر كلامه من كونها عنوان الوراثة - فظاهر الأدلة لا يساعد على ذلك، لوضوح أن كيفية الاستحقاق بالنسبة إلى الأموال والحقوق على نهج واحد، ولا شبهة أن المال يرثه الأشخاص على سبيل العام الاستغراقي لا المجموعي بكلا معنييه. فالوجه الثالث والرابع مما لا دليل عليه وإن لم يمتنعا ثبوتا، كما اعترف به (قدس سره) بالنسبة إلى الوجه الرابع. وأما الوجه الأول فقد عرفت امتناعه ثبوتا، فانحصر الوجه الصحيح في الوجه الثاني. وقد عرفت أنه يشترك مع الوجه الثالث في أن نفوذ الفسخ والإمضاء يتوقف على اتفاقهم. غاية الفرق بينهما أن عدم نفوذ الفسخ أو الإجازة من البعض في الوجه الثالث إنما هو لعدم المقتضي، وأما في الوجه الثاني فلوجود المانع وهو تبعض الصفقة على طرف الميت. نعم، لو قلنا بأن التعدد الطارئ من قبل الوراثة كالتعدد الابتدائي فلا مانع من إعماله كل منهم حقه مستقلا. فالصواب تنقيح هذا المعنى الذي دار في ألسنة الأعلام، وتنقيحه يتوقف على بيان الفرق بين قولهم في بعض الموارد: إن العقد واحد لا يتبعض وقولهم: إن العقد ينحل إلى عقود متعددة.

[ 301 ]

فنقول: مورد الأول هو العقد الصادر من واحد المتعلق بشئ واحد - كما لو بيع حيوان - أو المتعلق بشيئين متفقي الحكم كما لو بيع حيوانان، فإنه لا يجوز للمشتري الفسخ في البعض والإمضاء في غيره، لأن الالتزام الواحد لا يقبل التبعيض. والتفرقة بين أجزاء المنشأ من النصف والثلث والربع تنافي الشرط الضمني الذي بناء المتعاقدين عليه وهو مقابلة مجموع المبيع لمجموع الثمن، ولذا لو كان المبيع مشتركا بين مالكين ولم يعلم به المشتري لو فسخ أحدهما يثبت خيار تبعض الصفقة للمشتري. ومورد الثاني هو الجمع بين مختلفي الحكم في عقد واحد سواء كان منشأ الاختلاف الاختلاف في المالكين - كما لو جمع بين ملك نفسه وملك غيره في المبيع - أو في اللزوم والجواز كما لو جمع بين الحيوان وغيره، أو في الصحة والفساد - كالجمع بين الشاة والخنزير - فإن الإنشاء وإن كان واحدا في هذه الموارد إلا أنه حيث جمع بين المختلفات فينحل منشؤه والتزامه إلى متعدد، فيتبع كل واحد حكمه إذا كان المشتري عالما بذلك. وذلك واضح، لأنه إذا كان المالك متعددا - مثلا - فلا معنى لالتزام كل منهم بكون المبيع بتمامه باقيا في ملك المشتري، لأنه لا معنى لالتزامه بما هو من وظيفة شريكه إلا إذا كان وكيلا مفوضا عنه. إذا عرفت ذلك فنقول: أصل تعدد الحق بموت المورث لا ينبغي الشبهة فيه، فإنه لا ينافي ذلك كون الحق واحدا في ابتداء العقد، فإن مناط انحلال العقد إلى العقود المتعددة موجود في المقام وهو عدم إمكان التزام كل واحد من الورثة بالنسبة إلى نصيب الآخر. وطرو التعدد على العقد الواحد ليس بعزيز - كما لو تلف بعض المبيع قبل القبض أو في زمان الخيار، أو خرج بعضه عن المالية كما إذا صار الخل خمرا - إلا أن مجرد تعدد العقد وانحلاله إلى العقود لا يؤثر في جواز الفسخ بالنسبة إلى كل واحد من الورثة، لأن مالكية الطرف لالتزام المورث تقتضي عدم تسلط كل منهم بمقدار نصيبه، بل يتوقف فسخهم وإجازتهم على اتفاقهم مثل الوجه الثالث، إلا أن

[ 302 ]

الفرق بينهما أنه على الوجه الثاني يجوز لكل واحد من الورثة الإقالة دون الثالث، لأنها تدور مدار رضا الطرف، فلو رضي بها فقد أسقط حقه وهكذا لو رضي بالتشقيص، يجوز لكل واحد فسخ البيع بالنسبة إلى حقه دون الوجه الثالث، لأنه لو كان الحق قائما بالمجموع فرضا الطرف لا يفيد جواز إعمال الخيار لكل واحد، وأما لو كان الحق لكل واحد منهم مستقلا بمقدار نصيبه فرضا الطرف يؤثر في صحة إعمال الحق لكل واحد. فتحصل مما ذكرنا أن التعدد الطارئ ليس كالتعدد الابتدائي، وهذا النزاع يجري في مثل الرهن والشفعة ونحوهما، وأنه فرق بين ما كان الراهن متعددا ابتداء وبين ما إذا عرض التعدد كما لو تعدد ورثة الراهن أو المرتهن، فإن تعدد الوارث وإن أوجب تعدد الحق بمقدار نصيبه من المال إلا أن إعماله يتوقف على اتفاقهم. هذا تمام الكلام في أصل المسألة، وأما كلمات الأساطين فقابلة للحمل على المختار وعلى ما اختاره المصنف من الوجه الثالث. بل ظاهر عبارة القواعد والدروس والمسالك (1) أن المانع من إعمال الخيار هو تبعض الصفقة على المشتري لا قيام الخيار بالمجموع. نعم، عبارة الإيضاح موهمة لذلك، فإن قوله (قدس سره) في توجيه المنع بأنه " لو لم يكن لمورثهم إلا خيار واحد " (2) ظاهر في أن الخيار الثابت للورثة خيار واحد قائم بالمجموع. ولكنه بعد التأمل في كلامه يظهر أن مقصوده أن التعدد الطارئ ليس كالتعدد الابتدائي. وما ذكره (قدس سره) في توجيه كلام العلامة في اعتبار توافق الورثة في إعمال خيار العيب من قوله: (إن المراد بوجود التوافق وجوبه الشرطي ومعناه عدم نفوذ


(1) القواعد 2: 68، والدروس 3: 285، والمسالك 3: 287. (2) الإيضاح 1: 487.

[ 303 ]

التخالف ولا ريب أن عدم نفوذ التخالف ليس معناه عدم نفوذ الإجازة من أحدهم مع فسخ صاحبه بل المراد عدم نفوذ فسخ صاحبه من دون إجازته وهو المطلوب). لا يخفى ما فيه، فإن عدم نفوذ فسخ صاحبه مع عدم إجازة الشريك الآخر هذا الفسخ مرجعه إلى عدم نفوذ إجازة بعضهم مع فسخ الآخر، لأن مقتضى اعتبار التوافق أن يكون الفسخ والإمضاء كلاهما بالاتفاق، فلا يمكن أن تكون الإجازة من أحدهم نافذة دون فسخه، فمراد العلامة من اعتبار التوافق أنه لولاه لزم التقرير. وكذا ما استظهره من عبارة العلامة " لترث من الثمن " وهو قوله: (إن هذا الكلام قد يدل على أن فسخ الزوجة فقط كاف في استرجاع تمام الثمن.... إلى آخره). لا يخفى ما فيه، فإن قول العلامة: " لترث من الثمن " حيث وقع بعد قوله: " الخيار موروث بالحصص " ظاهر في استقلال كل واحد من الورثة في مقدار حصته من المال لا في استقلال كل واحد في استرجاع تمام الثمن. قوله (قدس سره): (فرع إذا اجتمع الورثة كلهم على الفسخ فيما باعه مورثهم.... إلى آخره). لا يخفى أن ما ذكره من التفصيل بين ما كان للميت مال وما لم يكن وما أفاده من التقابل بين ثبوت حق انحلال العقد للورثة وقيامهم مقام الميت مما ينافي ما اختاره في غير المقام. وتوضيح ذلك: أنه قد تقدم أن حقيقة الإرث هي تبدل المالك أو المستحق لا تبدل الملك أو الحق، ففي إرث الحق تنحل الإضافة التي أحد طرفيها قائمة بالحق وطرفها الآخر بالمستحق من طرف المستحق وتقوم بشخص آخر مع بقاء الحق على حاله، وهكذا في إرث المال وهذا بخلاف البيع، فإن فيه يتبدل الملك لا المالك. فإذا كان ذلك حقيقة الإرث فيتفرع عليه امور: الأول: أنه لابد أن ينتقل إلى الوارث حق حل العقد وإقراره لا التملك

[ 304 ]

والتمليك، فإن حق الخيار المنتقل إلى الوارث بأدلة الإرث لا يمكن أن يتغير عما هو عليه بسبب الإرث، والمفروض أن ما كان للمورث هو حق حل العقد وإقراره لا التملك والتمليك، ولذا صار إرث الزوجة الخيار المتعلق بما تحرم عنه محلا للخلاف. ولو كان الخيار عبارة عن التملك والتمليك لم يكن وجه للإشكال بانتقاله إلى الزوجة، فإن تملك الزوجة الأرض وإعطاء الثمن من مالها غير قابل للمناقشة فيه. الثاني: أنه لابد أن لا يكون حق الخيار للورثة كحق الشفعة لهم بأن يعطوا الثمن من مالهم ويتملكوا المثمن، بل لابد أن ينتقل المثمن بفسخهم إلى المورث ويرد الثمن إلى المفسوخ عليه لو كان باقيا وبدله لو كان تالفا وكان للميت مال ولو لم يكن له مال يبقى في ذمته. وهذا التفصيل إنما يتفرع على كون الخيار ملك إقرار العقد وحله، وأما إن كان عبارة عن التملك والتمليك فلا وجه للفرق بين كون الثمن باقيا في ملك الميت أو تالفا، ولا فرق في صورة التلف بين أن يكون على الميت دين مستغرق أو لا، ولا بين أن يكون للميت مال أو لا، لأن في جميع الصور للورثة أن يعطوا الثمن من مالهم ويتملكوا المثمن كما في الشفعة. الثالث: أنه لا يمكن أن يكون حق الفسخ مقابلا لقيام الورثة مقام الميت، لأن قيامهم مقامه بأدلة الإرث هو الذي اقتضى ثبوت حق الفسخ لهم، وأدلة الإرث لا تجعل طرف الإضافة للورثة إلا على نحو كان المورث عليه، ولا تثبت لهم حقا آخر من غير سنخ الحق الثابت للمورث. وبالجملة: وإن كان بين الورثة والأولياء والوكلاء فرق فإنهما من قبيل النائب عن ذي الحق في الاستيفاء ولا يرجع أثر الاستيفاء إليهما وأما الورثة فهم نفس الميت إلا أن هذا الفرق لا يقتضي جعل ملك الفسخ والإقرار مقابلا لقيام الوارث مقام الميت، فإذا كان ملك الفسخ والإقرار ثابتا للوارث فلو فسخ يرجع كل عوض إلى محله الذي خرج عنه، فيرجع المنتقل عن الميت إليه ولو لم يكن له مال تشتغل ذمته ببدل ما انتقل إليه.

[ 305 ]

نعم، للطرف أن يحبس المال المنتقل إليه حتى يستوفي دينه من الميت، ولو كان عليه دين مستغرق فللطرف حق الأولوية بالنسبة إلى المال المردود من سائر الغرماء، ولو كانت قيمته أزيد عما يستحقه الطرف بعد الفسخ يرد الزائد إلى الغرماء، ولو كانت أنقص يضرب مع الغرماء، ولا وجه لرجوع المال إلى الوارث واشتغال ذمته بعوضه لو لم يكن له مال. وحاصل الكلام: أن الفسخ ضد البيع الواقع أولا وليس بيعا جديدا وتملكا وتمليكا، ولذا وقع النزاع في الإقالة بأنها بيع أو فسخ، فإذا كان ضدا للبيع الواقع أولا فلو ارتفع البيع بالفسخ فلا محالة يرجع كل مال إلى مالكه الأصلي ومنه إلى الورثة، ولا وجه لأن يرجع إلى مالكه الفعلي إلا من حيث كونه قائما مقام المالك الأصلي لا من حيث إنه مالك له فعلا، ولذا لو وقع العقد ثانيا على أحد العوضين أو كليهما ثم طرأ فسخ أو انفساخ لا يرجع العوضان إلى مالكهما الفعلي، بل يرجعان إلى مالكهما الأصلي ويرجع المالك الأصلي إلى الناقل بالمثل أو القيمة. وهكذا لو رجعت الأرض المنتقلة عن الميت بالفسخ لا ترث منها الزوجة، ولو كانت راجعة إلى المالك الفعلي للثمن لكانت الزوجة مثل سائر الورثة، لأن الرجوع إليها كذلك مثل شرائها الارض ممن يملكها. الرابع: لا وجه لانتقال ما يرجع بالفسخ إلى الفاسخ وحده ولو قلنا بجواز إعمال حق الخيار لكل واحد منهم مستقلا، لما عرفت من أن إرث الخيار ليس كإرث حق الشفعة والتملك الجديد فلابد أن يرجع المال إلى جميع الورثة، لأن بفسخ أحدهم يبطل العقد ويرجع من حين الفسخ كل مال إلى مالكه الأصلي. وما أفاده (قدس سره) في قوله (قدس سره): (ومن هنا جرت السيرة بأن ورثة البائع ببيع خيار رد الثمن يردون مثل الثمن من أموالهم.... إلى آخره). لا شهادة فيه على أن بالفسخ ينتقل تمام المال إلى الفاسخ وأن حق حل العقد وإقراره مقابل لقيام الوارث مقام المورث وأن الفسخ يقتضي رجوع المال إلى المالك الفعلي لا الأصلي، لأن وجه جريان السيرة كذلك غير معلوم، فيحتمل أن

[ 306 ]

يكون ردهم مثل الثمن من أموالهم لا لكونهم مالكين فعلا، بل لأن الفسخ يقتضي رجوع المبيع إلى ملك المورث فتشتغل ذمته بالثمن المنتقل إليه، فللورثة بل لكل أحد أداء دينه. نعم، لو جرت السيرة بعدم أداء سائر ديون الميت من المبيع وعدم كونهم ملزمين بذلك لكشف عن عدم انتقال المبيع إلى ملك الميت، بل ينتقل إليهم بما هم مالكون فعلا فيكون نظير حق الشفعة. وقيام السيرة كذلك ممنوع، بل الظاهر عدم التزام أحد بذلك، مع أنه لو ثبت ذلك أيضا بالسيرة، فغاية الأمر أن إرث الخيار المشروط برد مثل الثمن يخرج عن إرث سائر الخيارات ويكون هو بالخصوص عبارة عن ملك أن يملك كالشفعة، ولازم ذلك أنه لو اشترى أحد الورثة سهم البقية ثم طرأ فسخ أو انفساخ أن يرجع جميع ما انتقل عن الميت إلى الوارث المشتري، والظاهر عدم التزام الفقهاء به أيضا. وكيف كان، فقد تقدم من المصنف (قدس سره) في أول الخيار أنه عبارة عن ملك حل العقد وعدمه وليس عبارة عن ملك أن يملك كحق الشفعة. نعم، يمكن أن يكون خصوص الخيار المشروط برد مثل الثمن واسطة بين حق الشفعة وملك الفسخ وإقراره، بأن يكون بالنسبة إلى الرد مثل الشفعة فلا يعتبر فيه إخراج الثمن أو مثله عن ملك الميت - بحيث لو كان ا لثمن موجودا لا يجب على الورثة رد عينه بل لهم أن يردوا مثله من أموالهم - وأن يكون بالنسبة إلى رجوع ما انتقل عن الميت مثل سائر الخيارات فيرجع إلى ملك الميت ويرثه الورثة أو يؤدى منه ديونه لو كان عليه دين. ومنشأ هذا الاحتمال هو ما عرفت أن بناء هذه المعاملة على إتلاف الثمن فلا يشترط رد نفس الثمن، وليس نظر المشتري أيضا إلى الثمن المنتقل عنه بخصوصيته، بل غرضه أن لا يتلف ماله. فإذا اخذ منه المبيع بفسخ أحد الورثة فله مثل الثمن ولو من ملك الفاسخ، نهاية الأمر حيث إن الفاسخ دفعه من ماله فله حبس المثمن ليستوفي ماله من الورثة. وأما انتقال المبيع إلى خصوص الفاسخ فلا وجه له.

[ 307 ]

قوله (قدس سره): (مسألة لو كان الخيار لأجنبي ومات.... إلى آخره). لا يخفى أن مقتضى ما ذكرناه من الضابط بين الحقوق التي يرثها الوارث والتي لا يرثها أن لا يكون الخيار المجعول للأجنبي مما يرثه وارثه، لأنه ليس له غير نفس الإضافة وهي السلطنة على الفسخ والإمضاء من دون أن يستجلب بها نفعا من مال أو حق فبموته يسقط هذا الحق ولا وجه أيضا لأن ينتقل بالوراثة إلى جاعل هذا الحق له، لأنه ليس وارثا للأجنبي. وإرث المال أو الحق لاولي الأرحام لا لغيرهم. نعم، من غير عنوان الإرث يمكن أن يكون له، كما إذا كان الحق لكل منهما مستقلا وإنما فوض أمر إعماله إلى الأجنبي فإذا مات يبقى أصل الحق له. وقد تقدم في خيار المجلس توجيه ما أفاده العلامة من انتقال حق الخيار من الوكيل إلى الموكل. قوله (قدس سره): (ومن أحكام الخيار سقوطه بالتصرف.... إلى آخره). قد تقدم مرارا أن كل فعل خارجي يكون مصداقا لعنوان من عناوين العقود والإيقاعات - بحيث يحمل عليه بالحمل الشائع الصناعي - يوجد به هذا العنوان كما يوجد بالقول، إلا أن يدل دليل تعبدي على اعتبار اللفظ، وقد تقدم في باب المعاطاة أن قوله (عليه السلام) إنما يحلل الكلام ويحرم الكلام ليس ناظرا إلى ذلك ولم ينعقد إجماع عليه أيضا. نعم، أصل الصغرى وأن أي عنوان يكون الفعل مصداقا له وأي عنوان لا يكون مصداقا له مطلب آخر لابد من إحرازه. وقد تقدم أن النكاح والضمان والصلح في العقود والطلاق والعتق في الإيقاعات لا يكون الفعل مصداقا لها. وأما الإجازة والفسخ فلا شبهة في وقوعهما بالفعل، ولذا اشتهر بين الفقهاء أن كل تصرف ورد في المنتقل إليه إجازة وكل تصرف ورد في المنتقل عنه فسخ بقيود ثلاثة: الأول: كونه تصرفا مالكيا.

[ 308 ]

الثاني: أن لا يكون للامتحان والاختبار. الثالث: أن يكون المتصرف ملتفتا إلى كون المتصرف فيه محلا للخيار. ووجه اعتبار هذه القيود واضح، لأنه لو انتفى واحد منها لا يكون التصرف مصداقا للفسخ أو الإجازة. وقد تقدم أيضا أنه لو كان الفعل مصداقا لعنوان فقصد الفعل كاف في تحقق العنوان به وإن لم يقصد بإيجاده ذاك العنوان، بل بعض العناوين يتحقق بنفس قصد الفعل وإن قصد عنوان الخلاف، كالتصرفات المالكية في المنتقل إليه، فإنه لو قصد عنوان الغصب بها تقع إجازة. وإن أبيت عن ذلك فلا شبهة أن وط ء المطلقة الرجعية رجوع وإن قصد الزنا. وعلى أي حال لو قصد الفعل ولم يقصد الخلاف يقع العنوان به، ولا وجه لاعتبار قصد العنوان حتى يحرز تحققه من حمل فعل المسلم على الصحة، مع أن إحرازه بهذه القاعدة في غاية الإشكال، لأنها ليست أمارة على ما هو الحق تبعا لما اختاره المصنف في الاصول. قوله (قدس سره): (مسألة هل الفسخ يحصل بنفس التصرف أو يحصل قبيله.... إلى آخره). لا يخفى أنه لابد أولا من بيان المحذور الذي يرد في تصرف ذي الخيار فيما انتقل عنه ثم الدفع عنه. فنقول: إن المحذور تارة يقرر في الوضعيات، واخرى في التكليفيات أما الوضعيات فحاصله أنه لو باع ذو الخيار ما انتقل عنه فتتوقف صحة بيعه على كونه ملكا له قبل البيع، وكونه ملكا له قبل البيع وكونه مالكا له يتوقف على أن يكون قوله للمشتري " بعتك " فسخا، وكونه فسخا متوقف على كونه بيعا. فالبيع يتوقف على الملك، والملك على الفسخ، والفسخ على البيع. ويلزم أيضا اجتماع العلة والمعلول في رتبة واحدة، لأن البيع معلول للملك، والملك معلول للتصرف فمن التصرف يحصل تملك الفاسخ وتملك المشتري المترتب على ملكية الفاسخ. وأما

[ 309 ]

التكليفيات فلأن البيع والوط ء ونحوه محرم على غير المالك، فبالوط ء مثلا يتحقق الملك والحلية المترتبة عليه في رتبة واحدة. وأما الدفع فمن وجوه أربعة: الأول: أن تكون إرادة التصرف مملكة، وهذا الوجه إن صح يرتفع به جميع الإشكالات حتى في الوط ء، لأنه يقع بعد تحقق الملك، إلا أنه قد تقدم مرارا أن الفسخ والإجازة من الإيقاعات، وهي لا تحصل بمجرد الكراهة الباطنية والرضا القلبي. الثاني: أن الفسخ يحصل بأول جزء من الفعل أو القول ونفوذ التصرف يحصل بباقي الأجزاء، وهذا يتم في البيع لا الوط ء فإن الجزء الأول يقع محرما. الثالث: أن الفسخ والبيع يحصلان معا بنفس التصرف، إلا أن الأول مقدم رتبة على الثاني، وهذا الوجه وإن اختاره جملة من الأساطين إلا أنه لا يخلو من إشكال كما سنشير إليه. الرابع: أن التصرف تارة بالعقد الناقل، واخرى بالمعاطاة، فإذا كان بالعقد فالفسخ يحصل بالإنشاء والبيع بالمنشأ، وإن كان بالمعاطاة فالفسخ يحصل بالأخذ من المنتقل إليه والبيع بالإعطاء للمشتري. نعم، لا يجري هذا التعاطي من طرف واحد، وعلى أي حال فأصح الوجوه في الجواب عن الإشكال في الوضعيات هو الأخير. وتقريبه يظهر مما تقدم في المعاطاة من تقدير الملك آنا ما فيما يقتضي الجمع بين الأدلة ذلك، ففي المقام يقدر الملك آنا ما للفاسخ ثم ينتقل إلى المشتري، وتقدير الملك وإن توقف على الدليل إلا أن دليله في المقام كون الفعل بنفسه مصداقا للفسخ بالحمل الشائع الصناعي، وحيث إن انشاءه القولي فعل من أفعاله فبقوله " بعت " ينفسخ العقد، ويملك ما انتقل عنه من حيث الإنشاء، وينتقل إلى المشتري من حيث أثر القول، ومرتبة الأثر متأخرة عن مرتبة أصل القول. نعم، لو اعتبر في الانتقال إلى الغير كون العقد واقعا في ملك الناقل لزم

[ 310 ]

المحذور، لأن الملكية تحصل بنفس العقد. وأما لو اعتبرت الملكية في المسبب الذي مرتبته متأخرة عن السبب فلا محذور. وبالجملة: بناء على ما هو الحق من اعتبار وقوع المنشأ في الملك لا الإنشاء ولذا لا تعد الملكية من شروط العقد بل تعد من شروط العوضين فالفسخ يحصل بذات الإنشاء، والانتقال إلى المشتري يحصل بأثره. ولذا لو عقد فاسدا يتحقق به الفسخ أيضا، لأنه يحصل بالإنشاء لا بالمنشأ. وأما في التكليفيات فالإشكال أصلا غير وارد، لأن حلية الوط ء مثلا لا تتوقف على ملك الرقبة، بل على سلطنة الواطئ. ولذا يجوز بالتحليل والتزويج، فلو كان لذي الخيار السلطنة عليه بالوط ء حلال له، وبه يفسخ المعاملة من حيث كونه مصداقا للفسخ. نعم، لقائل المنع عن ثبوت هذه السلطنة له في ملك غيره. وأما لو سلم عموم معقد الإجماع بجواز تصرف ذي الخيار فيما انتقل عنه لكل تصرف حتى الوط ء والأكل والشرب والبيع ونحو ذلك من الإتلاف الحقيقي والحكمي فلا وجه لتفصيله بين نفوذه وضعا وحرمته تكليفا، لامتناع كون طرفي الفعل تحت سلطنة الفاعل وضعا وخروج أحد طرفيه عن تحت سلطنته تكليفا. وقد ذكرنا في الإجارة على الواجبات بيان الملازمة، وأوضحنا أن الملازمة ثابتة في العكس أيضا، أي إذا كان الشئ واجبا أو حراما تكليفا لا يمكن أن يكون التصرف فيه نافذا وضعا. ويمكن أن يكون نظر صاحب الجواهر (قدس سره) في قوله " ان الرجوع من حقوق المطلق " إلى ما ذكرناه، أي لا يعتبر في حلية الوط ء أن تكون الموطوءة زوجة قبل الوط ء، لأنه يكفي في سلطنته على الوط ء كونه من حقوق الزوجية. وهذا التوجيه وإن لم يكن له محل في الرجوع في زمان العدة لعدم خروج المطلقة الرجعية عن الزوجية، إلا أنه وجيه بنفسه. ثم إن مما ذكرنا ظهر أن التفصيل بين رهن ذي الخيار وعقد الواهب لا وجه

[ 311 ]

له، فإنه إن تحقق الفسخ بنفس عقد الرهن يتحقق له رجوع الواهب بالعقد على العين الموهوبة أيضا، فإن الحكم في الهبة والخيار واحد. قوله (قدس سره): (وقد أجاب الشهيد عن الثاني بمنع الدور التوقفي وأن الدور معي (1). لا يخفى أن الدور المعي في المقام لا يرجع إلى محصل، لأنه عبارة عما كان الأثر الحاصل مستندا إلى مجموع الشيئين من دون توقف أحدهما على الآخر، كالهيئة الحاصلة من اعتماد لبنة على اخرى. وفي المقام لو كان الفسخ بالفعل متوقفا على الملك قبله مع أن الملك متوقف عليه فالدور توقفي، لتوقف الشئ في الوجود على ما يتوقف عليه. فالصواب في الجواب منع توقف الفسخ على الملك قبله لا بمعنى حصولهما معا وفرض الأول مقدما على الثاني رتبة - فإن التقدم الرتبي إنما يتصور في الشيئين المجتمعين زمانا مع كون أحدهما علة للآخر والإشكال في المقام إنما هو في صحة علة الملك وهي الفسخ - بل لما عرفت من أن الفسخ يحصل بالإنشاء في التصرف القولي، فيملك الفاسخ آنا ما وينتقل عن ملكه إلى الثالث بأثر الإنشاء، وهو متأخر رتبة عن الإنشاء. وأما في التصرف الفعلي كالوط ء ونحوه فالإشكال غير وارد أصلا. وما أفاده المصنف (قدس سره) في قوله: (وتوهم إن الفسخ إذا جاز بحكم الخيار جاز كل ما يحصل به قولا كان أو فعلا فاسدا.... إلى آخره). لا يستقيم، لما عرفت من الملازمة بين الحلية الوضعية والتكليفية، فإذا جاز الفسخ بأدلة الخيار جاز كل ما يحصل به قولا كان أو فعلا، لما ظهر أنه لا تدل أدلة توقف الوط ء والبيع على الملك على اعتبار ملك الرقبة، بل الملك لغة وعرفا هو السلطنة، كما في قوله: عز من قائل * (بملكنا) * (2) ولو سلم فقوله (صلى الله عليه وآله) " لا بيع


(1) لم نعثر عليه، نقله صاحب مفتاح الكرامة 4: 601 س 16. (2) طه: 87.

[ 312 ]

إلا في ملك " (1) قابل للتخصيص، فلا يقتضي الجمع بين أدلة نفوذ التصرف. وهذا الدليل الالتزام بحصول الفسخ قبيل التصرف. نعم، لو قيل بان الجواز الوضعي لا ينافي الحرمة التكليفية تعين الالتزام بحصول الفسخ والإجازة بالكراهة والرضا. قوله (قدس سره): (فرع لو اشترى عبدا بجارية مع الخيار له فقال أعتقتهما.... إلى آخره). لا يخفى أن عتق المشتري العبد والجارية بصيغة واحدة تارة يقع فيما كان الخيار له. واخرى فيما كان للبائع. وثالثة فيما كان لهما. أما الصورة الاولى، فالأقوال فيها ثلاثة: نفوذ عتق الجارية لتقديم الفسخ على الإجازة فيما وقع التزاحم بينهما، ونفوذ عتق العبد لأنه ملكه دون الجارية لأنها ملك البائع وعتقها من المشتري يتوقف على الملك المتوقف على الفسخ وفي رتبة تحقق ملك الجارية ينعتق العبد فلا يبقى مجال لانعتاق الجارية، وعدم نفوذهما أصلا. والأقوى هو الأخير، لأن تقديم الفسخ على الإجازة - الذي هو مدرك القول الأول - مورده ما كان الحق لمتعدد فيؤثر الفسخ وإن كان متأخرا عن الإجازة، لأن أثر الإجازة سقوط الحق من طرف المجيز لا مطلقا، فللآخر إعمال حقه بالفسخ. وأما مدرك القول الثاني. ففيه: ان مقابل عتق الجارية هو عتق العبد لا إجازة ذي الخيار، فإن الإجازة تقابل الفسخ، وكما أن عتق الجارية متوقف على الفسخ فكذلك عتق العبد يتوقف على الإجازة، فإنه وإن كان مملوكا فعلا له إلا أن نفوذ عتقه يتوقف على إمضاء


(1) عوالي اللآلي 2: 247 ح 16، وفيه (لا بيع إلا فيما تملك).

[ 313 ]

العقد، وإمضاؤه يتوقف على عدم كون عتق الجارية فسخا كما في العكس، فإذا كان التوقف من الطرفين فلا ينفذ كلاهما. وأما الثانية: فعتقه العبد يتوقف على نفوذ تصرف من عليه الخيار في متعلق الخيار. وأما عتقه الجارية فلا ينفذ بلا إشكال لا من قبل نفسه، لعدم كونه مالكا لها، ولا من قبل ذي الخيار، لبطلان الفضولي في الإيقاعات. وأما الثالثة: فبناء على نفوذ تصرف من عليه الخيار فحكمها حكم الصورة الاولى فلا ينعتق كلاهما. وأما بناء على عدم نفوذه فيصح عتق الجارية، لكونه فسخا من ذي الخيار، ولا يصح عتق العبد، لأنه يوجب إبطال خيار البائع. قوله (قدس سره): (مسألة من أحكام الخيار عدم جواز تصرف غير ذي الخيار.... إلى آخره). قد تقدم في خيار الغبن في ذيل عنوان تصرف الغابن الأقوال في المسألة ومدركها إجمالا، ولكنه لا بأس بإعادتها تبعا لما أفاده شيخنا الاستاد مد ظله وتوضيحا لما تقدم، فنقول: امهات الأقوال ثلاثة: عدم جواز تصرفه وضعا وتكليفا فلا ينفذ معاملاته ويحرم عليه إتلافه، وجوازه مطلقا بحيث لو فسخ ذو الخيار يرجع إلى المثل أو القيمة، وجوازه مطلقا إلا أنه لو فسخ يبطل إما من حين الفسخ أو من أصله. ولازم القول الأخير التفصيل بين التصرفات المتلفة والناقلة فلا تجوز الاولى وتجوز الثانية. ولازمه أيضا التفصيل في التصرفات الناقلة بين العتق وغيره فلا ينفذ العتق وينفذ غيره، لأن بطلان تصرفه بفسخ ذي الخيار لا يتصور في الإتلاف الخارجي والإتلاف الشرعي، لأن التالف لا يمكن استرجاعه والحر لا يمكن عوده رقا، فلو صح العتق نفذ مطلقا ولو لم ينفذ يجب أن لا يصح رأسا. ثم إنه ربما يتوهم ابتناء المسألة على حصول الملك بنفس العقد أو بانقضاء الخيار، كما أنه ربما يتوهم ابتناؤها على تعلق الخيار بالعقد أو بالعين، فعلى الأول من كل منهما يجوز تصرفاته مطلقا، وعلى الأخير لا يجوز مطلقا.

[ 314 ]

ولكنك خبير بفساد كلا التوهمين. أما الأول: فلأنه لو قيل بما ينسب إلى الشيخ وجماعة من توقف الملك على انقضاء الخيار فلابد من القول بعدم جواز تصرف غير ذي الخيار مطلقا سواء كان منافيا للاسترداد أم لا، وأن يكون تصرفه منوطا بإذن ذي الخيار كما في تصرف الراهن في العين المرهونة، ولابد أن يعلل المنع بقوله (عليه السلام) " لا يحل مال امرء إلا بطيب نفسه " لا بما علل به أكثر المانعين من أن تصرفه ينافي استرداد العين. وأما الثاني: فلأنه وان جعله مبنى القولين أو الأقوال جملة من الأساطين، إلا أنه لا يمكن الالتزام به، فإن تعلق الخيار بالعين ابتداء لا وجه له، لما ظهر سابقا أن الخيار سلطنة لذي الخيار على التزامه العقدي الذي لو لم يكن له الخيار كان ملزما بالتزامه. وبعبارة اخرى الخيار ملك فسخ العقد وإقراره ولا يتعلق بالعين رأسا، ولذا يصح إعماله في صورة بقاء العين وتلفها. فالأولى أن يقال: إن الخيار وإن كان سلطنة على حل العقد وإبقائه إلا أنه يمكن أن يكون هذا المعنى طريقيا أو موضوعيا، وعلى الطريقية يمكن أن يكون الغرض منه استرجاع المال بالأعم من العين أو المثل أو القيمة، وأن يكون الغرض منه استرجاع نفس العين. فلو كان موضوعيا صرفا يجوز تصرف من عليه الخيار بجميع أنحاء التصرفات كما لا يخفى، إلا أن ذلك باطل جدا، لأنه لو كان هذا بنفسه من الاعتبارات العقلائية وجب إما أن ترثه الزوجة مطلقا وأن يرثه وارث الأجنبي، وإما أن لا يرثه الوارث أيضا، لأن الاعتبار العقلائي تارة من قبيل الولاية أو القيمومة - التي هي عبارة عن نفس السلطنة - فهذا لا ينتقل إلى الغير ولو كان وارثا للمال. واخرى اعتباره باعتبار متعلقه، فلابد أن ينتقل إلى وارث ذي الحق ولو لم يكن وارثا للمال. وبالجملة: كون الخيار موضوعيا صرفا لا وجه له، فانحصر في الوجهين على

[ 315 ]

الطريقية. ومبنى الوجهين أنه لو قلنا في باب الضمان بأن المدار فيه على قيمة يوم الأداء إما لبقاء العين التالفة بخصوصيتها الشخصية في عهدة الضامن أو بماليتها الغير المتقدرة بالمقدار فلازمه أن يجب عليه حفظها ليتمكن المضمون له عن استرجاع نفس العين، فلا يجوز له التصرفات المتلفة والناقلة، ويكون حفظها من قبيل المقدمات الوجودية للواجب المطلق. وأما لو قلنا بأن المدار على قيمة يوم التلف فلازمه أن يكون ماليتها المتقدرة في عهدة الضامن فيجوز له إتلافها ونقلها إلى الغير، لأن ما في ذمة الضامن هو القدر المشترك بين العين والمثل أو القيمة، ويكون حفظ العين من المقدمات الوجوبية للواجب، وحيث اخترنا في مسألة الضمان أن المدار على قيمة يوم الأداء فلا يجوز له التصرفات المانعة عن الاسترداد، بل في الخيار المشروط برد مثل الثمن لا شبهة في عدم جواز التصرف المانع وإن قلنا بتعلق الضمان بالأعم، لأن الغرض من جعل الخيار نوعا هو رد نفس المبيع. لا يقال: غاية ما يقتضيه الخيار مطلقا هو طريقيته لجلب المال الذي هو القدر الجامع بين العين وبدلها، ولذا لا يسقط بتلف العين بل ينتقل إلى البدل. لأنا نقول: الذي يمكن أن يكون الخيار وسيلة إلى استرداده هو ما انتقل عن ذي الخيار إلى من لا خيار له وهو نفس العين، ولذا لو طرأ الفسخ أو الانفساخ وكانت العين باقية لا يصح رد المثل أو القيمة، وردهما عند التلف إنما هو لتعذر رد العين وعدم موجب لسقوط الخيار، فلا ملازمة بين الرجوع إلى البدل مع التلف وجواز الإتلاف. ثم بناء على ذلك، هل يبطل التصرفات الناقلة أصلا ولا تصح بالإجازة أو أن حكمها حكم الفضولي؟ وجهان، تقدم مدركهما في عقد الراهن وقلنا: إنه لا فرق في الفضولي بين أن يكون العقد قاصرا من حيث المقتضي أو لوجود المانع. وإذا صح عقد الراهن بإجازة المرتهن صح عقد من عليه الخيار بإجازة ذي الخيار، لأن مرجع إجازته إلى إسقاط حقه.

[ 316 ]

ثم إنه لو وقع عقود مترتبة على المال فليس له استرداد العين إلا بعد فسخ العقد الأول، إلا أن يكون الاسترداد فسخا فعليا للأول. وبالجملة: فرق بين الإجازة والفسخ، فإن الإجازة مرجعها إلى إسقاط الحق فينفذ الجميع، وأما فسخ العقد الثاني مع عدم الفسخ الأول فلا معنى له. ثم إنه قد ظهر في خيار الغبن وجه حرمة الوط ء إذا كان الاستيلاد مانعا عن إعمال الخيار ولو كان سبب الخيار مقدما. وقد ظهر أيضا حكم العقود الجائزة الواقعة من غير ذي الخيار، وتقدم أيضا أن ما أفاده المصنف (قدس سره) من جواز تصرفات من عليه الخيار مطلقا أقوى من المنع. ولكن المسألة مشكلة جدا حيث إن المشهور على المنع وإن كان حقيقة الخيار لا تقتضي ذلك، لما عرفت أنه في صورة تلف العين وبقائها لا تختلف حقيقته، فلابد من أن يكون طريقا لاستجلاب المال الذي هو القدر المشترك بين العين والمثل أو القيمة. قوله (قدس سره): (ثم إن المتيقن من زمان الخيار الممنوع فيه من التصرف على القول به هو زمان تحقق الخيار فعلا.... إلى آخره). توضيح ذلك أن الخيار على أقسام ثلاثة، لأنه تارة: فعلي منجز بلا توقفه على شئ، أي متصل بالعقد بلا شرط متأخر شرعيا كان - كخياري المجلس والحيوان - أو جعليا من المتعاقدين، كشرط الخيار في متن العقد مطلقا لهما أو لأحدهما. واخرى: متأخر بنفسه وبمنشئه كخيار التفليس، وخيار التأخير بناء على كونه تعبديا، وأما بناء على كونه ناشئا عن تخلف الشرط الضمني - وهو التسليم والتسلم الذي بناء المعاملة عليه نوعا وإن اعمل فيه التعبد من حيث تعيين الحد بالثلاثة - فحاله حال الغبن والعيب والرؤية، وسيجئ حكمها. وثالثة: واسطة بين الأولين كالخيار المشروط برد الثمن بعد سنة، فإن شرط الخيار حاصل حين العقد ولكن زمان إعماله متأخر.

[ 317 ]

ثم إنه يظهر من جملة من الأساطين أن خيار العيب والغبن والرؤية كخيار التفليس متأخر عن العقد بنفسها وبمنشئها، لتوهمهم ثبوتها بالتعبد واشتراط تحقق أصل الخيار شرعا بظهور العيب والغبن وتخلف الوصف في مقابل القول بأن العلم بها كاشف عقلي. ولكنك خبير بأن منشأ ثبوتها هو الشرط الضمني خصوصا في خيار الرؤية المسبب عن فقد الوصف المشترط في العقد اعتمادا على الوصف أو المشاهدة السابقة، فإن فقد الوصف الموجب للخيار حاصل حين العقد والعلم به وعدمه ليس له مدخلية في ذلك. فقياس خيار الرؤية على خيار التأخير لا وجه له. بل المصنف (قدس سره) صرح في خيار الغبن بأن ثبوت الحق للمغبون قبل العلم به لا شبهة فيه وإن كان إعماله فعلا مشروطا به، ومع هذا فكيف! ينفي الخلاف ظاهرا في جواز تصرف من عليه الخيار في الثلاثة لتوقف الخيار على أمر متأخر من ظهور العيب أو الغبن أو تخلف الوصف. إذا عرفت ذلك فنقول: أما الخيار المتأخر بنفسه وبسببه فلا ينبغي الإشكال في جواز تصرف من عليه الخيار فيما يتعلق به وضعا وتكليفا قبل تحقق سببه، لكونه مالكا له ملكا طلقا، ومجرد تعلق الحق به بعد ذلك لا يمنع عن تصرفات مالكه، وذلك واضح، كما أفاده (قدس سره) لاستلزام المنع عنه المنع عن التصرف في أحد العوضين قبل قبض الآخر من جهة كون العقد في معرض الانفساخ بتلف ما لم يقبض. كما لا ينبغي الإشكال في المنع عن جواز التصرف بناء على القول به في زمان تحقق الخيار فعلا، كالمجلس والثلاثة في الحيوان والزمان المشروط فيه الخيار. وأما التصرف في زمان الخيار المشروط بأمر متأخر سواء كان وقتا كيوم الجمعة، أو أمرا آخر كرد مثل الثمن، ففيه إشكال وخلاف، والأقوى إلحاقه بالخيار المنجز، فإن المانع عن التصرف على القول به هو تزلزل العقد وفعلية حق

[ 318 ]

ذي الخيار، وهما حاصلان، لأن نفس الشرط الموجود حال العقد حق مالكي يجوز إسقاطه وإبقاؤه، والتصرف المتلف مناف له. وأما الخيارات الثلاثة المسببة عن الشرط الضمني فحيث إن الخيار حاصل حين العقد على ما هو الأقوى ولا مدخلية لظهور الغبن والعيب وتخلف الوصف فإلحاقها بالخيارات الثلاثة - أي المجلس والحيوان والشرط - في غاية الوضوح لولا الإجماع على خلافه، والظاهر عدم تحققه وإن ادعى المصنف (قدس سره) أن هذا النحو من الخيار غير مانع من التصرف بلا خلاف ظاهرا. لأن عدم الخلاف لا يكشف عن الإجماع، أما أولا فلذهاب جملة من الفقهاء [ إلى ] جواز التصرف في متعلق الخيار ولو في خيار المجلس ونحوه. وأما ثانيا فلذهاب جملة منهم إلى عدم تحقق الخيار إلا بعد العلم به وكون العلم شرطا شرعيا له فلم يبق إلا قليل ممن يعترف بثبوت الخيار وكون العلم كاشفا عقليا ويلتزم بعدم جواز التصرف في زمان المجلس ونحوه، ومع ذلك يختار جواز تصرف الغابن ونفوذه قبل ظهور الغبن، وبهذا المقدار لا يتحقق الإجماع. وعلى هذا فإلحاقه بالخيار المنجز فعلا أقوى. ثم إن جماعة من المانعين من جواز التصرف جوزوا وط ء الأمة المتعلقة لحق الخيار مع التزامهم بتقديم حق الاستيلاد وتفويته لحق الخيار وإن كان متأخرا عن سبب الخيار. وما يمكن أن يكون وجها لذلك أمران: الأول: أن المتيقن من المنع هو التصرف المتلف فعلا لحق ذي الخيار، وأما مجرد كونه معرضا للفوات فلا دليل على المنع عنه. الثاني: التمسك باستصحاب عدم العلوق وعدم صيرورة الموطوءة حبلى. ولكن الأقوى هو المنع - كما هو ظاهر المحكي عن التذكرة والدروس - لأن متعلق التكليف فيما كان حصول الأثر متوقفا على أمر خارج عن اختيار المكلف

[ 319 ]

هو نفس فعل المكلف، فما يحرم عليه في المقام هو الوط ء لا حصول العلوق لكون فعل المكلف بالنسبة إليه معدا فلا يصح إناطة التكليف به، فعلى هذا نفس الوط ء تفويت لحق ذي الخيار لا أنه في معرض ذلك. ولا يقاس بالعرض على البيع، فإنه بنفسه ليس تفويتا بل المفوت هو البيع، وهو أمر اختياري يمكن تركه بعد العرض على البيع. وأما الاستصحاب فمضافا إلى كونه استقباليا ليس له حالة سابقة إلا بالعدم المحمولي، والجواز ترتب على عدم كون هذا الوط ء موجبا للحمل، وهذا غير مسبوق بالعدم. قوله (قدس سره): (الثاني أنه هل يجوز إجارة العين في زمان الخيار.... إلى آخره). لا إشكال في أنه لو آجره من ذي الخيار أو بإذنه ففسخ لم تبطل الإجارة، بل يمكن أن يقال: إن استئجار ذي الخيار وإذنه في الإجارة مسقطان لخياره فلا يبقى محل للفسخ. وكيف كان، فلو لم نقل بذلك إلا أنه لا شبهة أن بعد إجارته منه أو من غيره بإذنه إذا فسخ لا تبطل الإجارة وترد العين إليه مسلوب المنفعة وبلا غرامة، لأن الإذن في تفويت المنفعة كالإذن في إتلاف الأوصاف لا تكون عهدتها على المتلف. وبالجملة: بعد الإذن في الإجارة لا وجه لبطلانها بفسخ ذي الخيار، ولا يقاس على إجارة البطن الأول من الموقوف عليه للفرق بينهما، فإن البطن الثاني يتلقى الملك من الواقف لا من البطن الأول، فإذا تلقاه من الواقف فلا محالة ملكية البطن الأول موقتة، إذ لا يعقل أن يملك الواقف كل واحد من البطون ملكية تامة مطلقة قابلة للدوام، فإجارة البطن الأول تبطل بموته إلا أن يكون متوليا أيضا وهو أمر آخر، وأما من عليه الخيار فيملك العين ملكية تامة صالحة للدوام ومن نماء هذا الملك المنفعة الدائمة. غاية الأمر أنه متزلزل من حيث تعلق حق ذي الخيار به، فإذا أذن في

[ 320 ]

الإجارة فإذنه وإن لم يناف فسخه بالنسبة إلى العين إلا أنه ينافي فسخه بالنسبة إلى الإجارة. وأما لو آجره بلا إذن منه فالظاهر عدم الإشكال أيضا في صحة الإجارة إلى زمان الفسخ حتى على القول ببطلان التصرف من حينه بالفسخ، لأنه مختص بالتصرف المنافي لاسترداد العين. وأما بالنسبة إلى ما بعد الفسخ فقولان: بطلان الإجارة، وصحتها مع غرامة المؤجر المنفعة التالفة في مدة الإجارة. واحتمال عود العين مسلوب المنفعة باطل جدا، لأن المنافع المستوفاة في الضمان المعاوضي مضمونة على المستوفي. أما وجه الصحة فهو ما أفاده في المتن من أنه يكفي في ملك المنفعة الدائمة تحقق الملك المستعدة للدوام لولا الرافع آنا ما. هذا مضافا إلى قياسه على التفاسخ بعد الإجارة، فإنه لا يلتزم واحد ببطلان الإجارة. وأما وجه البطلان فلتبعية ملك المنفعة لملك العين، لا بالمعنى الذي علله به المحقق القمي: من أنه علم بالفسخ أن المشتري لم يملك منافع ما بعد الفسخ وأن الإجارة كانت متزلزلة ومراعاة بالنسبة إلى فسخ البيع، فإن هذا يستلزم التوقيت في الملك الذي لم يعهد في الشرع عدا باب الوقف على البطون، بل بمعنى أنه بناء على عدم جواز تصرف غير ذي الخيار تصرفا يمنع عن الرد فتصرفه بالإجارة نظير تصرفه بالنقل إلى الغير حيث إنه لا يمكن مع بقاء العين الحيلولة بينها وبين المالك. فمجرد عود الإضافة المالكية من دون رجوع آثار الملك من قدرة المالك على القلب والانقلاب لا أثر له. وبناء على جواز تصرفه يمكن المنع في المقام أيضا، لمنافاته لتبعية المنافع للعين فإذا رجعت العين لابد أن ترجع منافعها أيضا، ولمنافاته لحقيقة الفسخ أيضا لأنه يقتضي عود الملك إلى ما كان حين العقد والمفروض أنه كان مع المنفعة، ولمنافاته للتسليم والتسلم المشترط ضمنا في متن العقد، لأن العقد كما يقتضي

[ 321 ]

التسليم والتسلم بعد العقد فكذلك يقتضيه بعد الفسخ بعكس ما يقتضيه حين العقد. وصحة الإجارة تستلزم عدم لزوم تسليم العين إلى الفاسخ، لاستحقاق المستأجر أن تكون العين تحت استيلائه فيقتضي أن يستحق المؤجر أخذ ماله دون الفاسخ وقياس الفسخ. على الإقالة إما مع الفارق وإما أن الحكم في المقيس عليه حكم المقيس، لأنهما لو أقالا مع علمهما بالإجارة فالتزما بكون العين في يد المستأجر. وأما لو آجر أحدهما ما انتقل إليه ثم استقال الآخر مع جهله فلا وجه لصحة الإقالة وصبر المقيل إلى انقضاء مدة الإجارة، بل لابد إما من بطلان الإجارة أو الإقالة أو ثبوت الخيار للمقيل الجاهل. فما أفاده المصنف في أول العنوان وجها لبطلان الإجارة من كونها إبطالا لتسلط الفاسخ على أخذ العين هو الصواب، سواء قلنا بنفوذ التصرفات الناقلة من غير ذي الخيار أو لم نقل، لأن العين في المقام باقية في ملك المؤجر فيؤثر فسخ ذي الخيار بالنسبة إليها وإذا عادت إليه فلابد أن يكون مسلطا عليها، وهذا لا يجتمع مع صحة الإجارة المقتضية لاستحقاق المستأجر وضع اليد عليها. قوله (قدس سره): (ثم إنه لا إشكال في نفوذ التصرف بإذن ذي الخيار وأنه يسقط خياره بهذا التصرف.... إلى آخره). لا يخفى أن نفوذ تصرفه بإذن ذي الخيار واضح جدا، لأنه مالك للمال فعلا والمنع كان لتعلق حق ذي الخيار به فإذا أجاز ارتفع المنع، إنما الكلام في سقوط خياره به، مع أنه لا منافاة بين الإذن في التصرف الناقل بل الإتلاف وإرادة الفسخ وأخذ البدل. والمصنف جعل منشأ السقوط أمرين: الأول دلالة الإذن عرفا على الالتزام بالعقد. والثاني أن التصرف المأذون فيه تفويت لمحل هذا الحق. ولكنك خبير بأن الوجه الأول لا يمكن الالتزام به كما أشرنا إليه في خيار الغبن، لأن الإذن لو كان دالا على إسقاط الحق لزم سقوطه ولو لم يتصرف

[ 322 ]

المأذون، مع أنه لا يلتزم به المصنف ولا يمكن الالتزام به، فإنه نظير إذن المرتهن في بيع الرهن من أنه لا يؤثر في السقوط ما لم يقع البيع من الراهن، ويجوز رجوعه عن إذنه. نعم، التفصيل بين إذنه في التصرف للثالث ولمن عليه الخيار في محله، فإن إذنه للثالث كاشف عن الفسخ، لأنه لا معنى لأن يأذن غير المالك في التصرف في المال فيجب حمله على الفسخ. وأما إذنه لمن عليه الخيار في التصرف فيما انتقل عنه إليه فلا يدل عليه أنه إمضاء للعقد، لأنه إذن فيما يقتضيه طبع المعاملة. وبالجملة: كون الإذن بنفسه إسقاطا مستلزم لأن يكون إذن المرتهن أيضا كذلك، مع ان كونه ملحوظا بلحاظ نفسه عرفا ممنوع جدا، بل المتبادر عند العرف كونه ملحوظا باعتبار متعلقه وأنه إذن في المسقط، ولذا أنكر القواعد وجامع المقاصد والمسالك (1) على الميسية (2) الذي نسب إلى المشهور ذلك. وكيف كان، فدلالة الإذن بنفسه على إسقاط الخيار ممنوع. وأما الوجه الثاني فهو الصواب الذي لا محيص عنه وإن كان تعليله بقوله " لأن أخذ البدل بالفسخ فرع تلف العين في حال حلول الحق فيه لا مع سقوطه عنه " قابلا للمناقشة، لأن الانتقال بالبدل ليس فرع كون العين متعلقا للحق، فإن الانتقال إليه في مورد تلف العين مسلم حتى في العقود اللازمة إذا طرأ عليها الفسخ أو الانفساخ كما لو أقالا وكانت العين تالفة. فالأولى أن يعلل بما أشرنا إليه في خيار الغبن، وهو أن التصرف المأذون فيه مفوت لمحل الحق، حيث إن الغرض من الفسخ استرجاع الملك السابق إما بعينه أو ببدله، وكل منهما متعذر، أما العين فلخروجها عن ملك المشتري بالتصرف الناقل أو بالإتلاف، وأما البدل فلأنه فرع كون العين مضمونة عليه. وبعد كونه


(1) القواعد 2: 68، وجامع المقاصد 4: 305 - 311، والمسالك 3: 213. (2) نقله عن الميسية صاحب مفتاح الكرامة 4: 589 س 8.

[ 323 ]

مأذونا في التصرف لا يمكن أن يكون ضمان العين عليه، فلا موضوع لانتقال الضمان إلى بدلها، فإذا امتنع الضمان امتنع الفسخ فامتنع الخيار. قوله (قدس سره): (مسألة المشهور أن المبيع يملك بالعقد وأثر الخيار تزلزل الملك.... إلى آخره). لا يخفى أن هذا العنوان مقدم طبعا على العنوان السابق، فإن جواز تصرف من عليه الخيار فيما انتقل إليه متفرع على تحقق الملك له قبل انقضاء الخيار، فكان الأنسب تقديمه. وكيف كان، فالأقوى ما عليه المشهور من عدم توقف الملك على انقضاء الخيار مطلقا، للأدلة العامة والخاصة. أما العامة فلأن قوله عز من قائل: * (أحل الله البيع) * (1) ظاهر في أن البيع علة تامة لجواز التصرف الذي هو من لوازم الملك، وكذلك قوله * (تجارة عن تراض) * (2) الدال على أن التجارة عن تراض خارجة عن أكل المال بالباطل، وإطلاقهما يشمل البيع الخياري وغيره. وأما الخاصة فمنها: صحيحة يسار بن يسار، عن الرجل يبيع المتاع ويشتريه من صاحبه الذي يبيعه منه، قال: نعم لا بأس به، قلت: أشتري متاعي؟ فقال: ليس هو متاعك ولا بقرك ولا غنمك (3). والاستدلال إنما هو بقوله (عليه السلام) ليس متاعك لا بجواز البيع من البائع، حتى يقال بأن البيع منه جائز ولو لم نقل بحصول الملك قبل انقضاء الخيار. ومنها: ما دل على جواز النظر في الجارية في زمان الخيار إلى ما لا يحل له قبل ذلك. والإشكال عليه بأنه نظير حل وط ء المطلقة الرجعية الذي يحصل به الرجوع غير وارد، لأن التصرف في وط ء المطلقة الرجعية وقع من ذي الحق


(1) البقرة: 275. (2) النساء: 29. (3) الوسائل 12: 370، الباب 5 من أبواب أحكام العقود ح 3، وفيه " بشار " بدل " يسار ".

[ 324 ]

فيتحقق به الرجوع، وفي المقام وقع من غير من له الخيار، فلو لم يكن مالكا لكون العقد خياريا حرم النظر إليه. وبالجملة: لو قيل بأن تصرف من لا خيار له يوجب سقوط خيار ذي الخيار لم يكن جواز تصرفه كاشفا عن كونه مالكا، لإمكان حصول الملكية بنفس التصرف إلا أن هذا لا دليل عليه. وأما لو كان تصرف ذي الخيار فيما انتقل إليه موجبا لسقوط خياره فتحقق الرجوع بالوط ء في المطلقة الرجعية لا ربط له بالمقام. ومنها: ما دل على أن نماء المبيع للمشتري وتلفه منه في الخيار المشروط برد الثمن، ولا شبهة أن تملك المنافع فرع تملك العين. والمناقشة فيه بأنه من قبيل اشتراط انفساخ البيع برد الثمن لا اشتراط الخيار حتى يكون دليلا للمقام لا وجه لها، فإنه خلاف ظاهر الأدلة - كما اعترف به المصنف (قدس سره) - بل قد تقدم في تلك المسألة أن اشتراط الانفساخ بلا سبب باطل، وكون نفس هذا الشرط سببا له يلزم من وجوده عدمه. وبالجملة: دلالة هذه الأخبار على حصول الملك في زمان الخيار في غاية الوضوح، بل جميع الأخبار الواردة في العينة يدل على حصول الملك في زمان الخيار، فإن بيع المشتري المبيع في المجلس من البائع لا يمكن أن يصح إلا أن يكون مالكا له مع ثبوت خيار المجلس له وللبائع. وما عن المصنف (قدس سره) من الإشكال فيه بأن تواطأهما على البيع ثانيا موجب لسقوط خيارهما مستشهدا بتصريح الشيخ بجواز ذلك مع منعه عن بيعه على غير صاحبه في المجلس غير وارد، لأن مجرد التباني والتواطؤ على البيع ثانيا لا يوجب أن يكون العقد لازما، وكما أن التباني على الخيار لا يوجب أن يكون العقد جائزا فكذلك التباني على البيع لا يقتضي أن يصير الجائز لازما. وما صرح به الشيخ لا يدل على أن إسقاط الخيار لا يتوقف على الإنشاء، بل يكفي التباني عليه، لاحتمال كون المنع عن بيعه على غير صاحبه لأجل ما بنى

[ 325 ]

عليه من عدم حصول الملك في زمان الخيار، وجواز البيع على صاحبه لأجل أخبار العينة الدالة عليه بالخصوص تعبدا. وكيف كان، فمجرد التباني لا أثر له، وإسقاط الخيار كسائر الإيقاعات يحتاج إلى الإنشاء. هذا كله مع أن كلمات القائلين بتوقف الملك على انقضاء الخيار مضطربة غاية الاضطراب، ولا ينطبق دليلهم على مدعاهم، فبعضهم يجعل الانقضاء كاشفا، ومنهم من يجعله ناقلا، وبعض محط كلامه الخيار المتصل، وبعض يدعي عدم حصول الملك حتى في الخيار المنفصل، وقد يتفق لشخص واحد قولان مختلفان. فقد يظهر من الشيخ موافقة المشهور، وقد يظهر منه على ما حكاه المحقق توقف الملك على انقضاء الخيار سواء كان الخيار للبائع أو للمشتري أو لهما، وعبارته المحكية عنه في الشفعة صريحة في التفصيل بين ما إذا اختص الخيار بالمشتري فيملك بنفس العقد وبين ما إذا كان للبائع أو لهما فيتوقف على انقضاء الخيار. والظاهر عدم الخصوصية للمشتري، بل كون أحدهما ذا خيار بحيث يقدر على إبطال العقد يوجب أن لا يملك الآخر إلا بعد انقضاء الخيار، فإذا كان الخيار للبائع لا يملك المشتري كالعكس، وإذا كان لهما لا يملك كل منهما. والإشكال عليه بأن حصول الملك لأحدهما دون الآخر يقتضي إما الجمع بين العوض والمعوض أو بقاء الملك بلا مالك وإن كان قابلا للدفع بجعل الانقضاء كاشفا لا ناقلا، إلا أن أصل المدعى لا دليل عليه، لأن غاية ما استدل له امور: الأول: أن الغرض من الملك هو التصرف الممتنع في زمان الخيار. وفيه أولا: أنه مبني على عدم جواز التصرف في زمان الخيار. وثانيا: أن التصرف الممتنع ما كان متلفا أو ناقلا لا كل تصرف. وثالثا: لا ملازمة بين امتناع التصرف وعدم حصول الملك. الثاني: صحيحة ابن سنان، عن الرجل يشتري العبد أو الدابة بشرط إلى يوم أو يومين فيموت العبد أو الدابة أو يحدث فيه حدث على من يكون ضمان ذلك؟

[ 326 ]

فقال: على البائع حتى ينقضي الشرط ثلاثة أيام، ويصير المبيع للمشتري شرط له البائع أو لم يشترط قال: وإن كان بينهما شرط أياما معدودة فهلك في يد المشتري فهو من مال البائع (1) فإن قوله (عليه السلام) " حتى ينقضي الشرط ثلاثة أيام ويصير المبيع للمشتري " ظاهر في توقف الملك على انقضاء الخيار، وأما قبله فلا يصير للمشتري. وفيه: أن ظهوره لا يقاوم صريح قوله (عليه السلام) " ليس متاعك " لقابلية حمله على الاستقرار أو الطلقية، وفي المقام وإن كان الملك للمشتري طلقا إلا أنه ليس مستقرا عليه بحيث لا يقدر على سلبه عن نفسه إلا بأسباب خاصة. وبالجملة: في قوله (عليه السلام) " ويصير المبيع للمشتري " احتمالات ثلاثة: الأول حصول الملك له. الثاني صيرورته طلقا. الثالث صيرورته مستقرا، ولا يتنزل إلى الثاني إلا بعد تعذر الأول، ولا إلى الثالث إلا بعد تعذر الثاني، إلا أنه يتعذر الحمل على أصل الملكية، وكذلك على الطلقية فيتعين الحمل على الاستقرار. الثالث: النبوي المشهور " الخراج بالضمان (2) " فإنه يدل على أن المنافع بإزاء الضمان، وينعكس بعكس النقيض إلى أن من ليس ضامنا ليس الخراج له. وبضميمة قاعدة التلف في زمان الخيار ممن لا خيار له ينتج عدم حصول الملك في زمان الخيار، لأن كون التلف على البائع في زمان خيار المشتري يقتضي أن يكون منافع المبيع للبائع، لأن كون المبيع في زمان خيار المشتري في ضمان البائع يقتضي أن يكون المنافع له، فإذا كانت المنافع له لم يحصل الملك للمشتري وإلا كانت المنافع له لتبعيتها للعين. ولا يخفى أنه قد استدل بالنبوي لقول المشهور أيضا بتقريب أن المبيع في


(1) الوسائل 12: 352، الباب 5 من أبواب الخيار ح 2 و 3 و 355، الباب 8 من أبواب الخيار ح 2. (2) عوالي اللآلي 1: 219 ح 89.

[ 327 ]

زمان الخيار المشترك أو المختص بالبائع في ضمان المشتري وخراجه له، وبقاعدة التلازم بين ملك المنفعة وملك العين يثبت حصول الملك بنفس العقد. ولكنك خبير بعدم دلالته على كلا القولين. أما قول المشهور فلما فيه أولا: أنه لم يعلم من القائلين بتوقف الملك على انقضاء الخيار التزامهم بكون ضمانه على المشتري حتى يكون منافعه له، فيستكشف منه حصول الملك بنفس العقد. وثانيا: أن دلالة النبوي على التلازم بين ضمان العين وملك المنافع هو الذي أفتى به أبو حنيفة في الدابة المستأجرة، وقد أوضحنا ما فيه في المقبوض بالعقد الفاسد، وبينا أن مفاده هو أن الضمان العقدي يقتضي أن يكون المنافع بإزائه، فلا ينافي تملكه لمنفعته كونه في عهدة الغير بأحد موجبات الضمان - مثل الغصب والإتلاف - كما لا ينافي كون ضمانه على مالكه أن يكون منفعته لغيره بسبب آخر كالإجارة والعارية. وأما قول الشيخ ومن تبعه فلأن انضمام النبوي إلى قاعدة التلف في زمان الخيار ممن لا خيار له لا ينتج ما نسب إلى الشيخ من التفصيل، بل يدل على خلافه، فإن الشيخ يعترف بحصول الملك للمشتري مع اختصاص الخيار به، بل انضمامه إليها لا ينتج عدم حصول الملك في زمان الخيار مطلقا، لما ذكرنا من عدم التلازم بين الملك والضمان، لعدم دلالة النبوي على ذلك، بل النبوي لا يدل إلا على ما هو مقتضى المعاوضة من أن التضمين العقدي بإزاء المنافع، لا أن كون الشخص ضامنا بإزاء الخراج. وبالجملة: لو كان النبوي دالا على أن كل من هو ضامن لشئ فمنافعه له حتى الغاصب لتم الاستدلال به على عدم حصول الملك في زمان الخيار. وأما لو كان ناظرا إلى الضمان المعاوضي فلا ربط له بالمقام. وعلى أي حال الاستدلال به منضما إلى قاعدة التلف في زمان الخيار ممن لا خيار له ينتج عدم حصول الملك لذي الخيار، وهذا قول بعض المخالفين للمشهور ومضاد للمحكي عن الشيخ في الخلاف، كما ان الاستدلال بما دل على كون تلف المبيع من مال

[ 328 ]

البائع في زمان الخيار - كصحيحة ابن سنان المتقدمة ونحوها منضما إلى قاعدة الضمان بالخراج - لا يجدي لما نسب إلى الشيخ. نعم، للاستدلال بنفس هذه الأخبار وجه للقول بالتوقف مطلقا، إلا أنه قد ظهر مما تقدم أنه لا ملازمة بين الملك والضمان على سبيل الإطلاق، بل إنما يكون التلازم بينهما فيما لم يكن موجب لضمان غير المالك. وهذه الأخبار تدل على أن البائع ضامن لما انتقل إلى المشتري ما لم ينقض خياره، كما أن مقتضى المعاوضة أن يكون كل من المتعاقدين ضامنا لما انتقل إلى الآخر ما لم يسلمه إليه، فهذه الأخبار مخصصة لما يدل على أن بالتسليم يرتفع الضمان، فتدل على أن القبض في زمان خيار القابض كلا قبض. ولنعم ما عبر به الشهيد (قدس سره) عن مفاد قاعدة المعاوضة وهذه الأخبار بقوله: وبالقبض ينتقل الضمان إذا لم يكن خيار (1). وعلى هذا فما أفاده المصنف (قدس سره) في قوله: (فهذه الأخبار إما أن تجعل مخصصة لأدلة المشهور بضميمة قاعدة تلازم الملك والضمان أو لقاعدة التلازم بضميمة أدلة المسألة.... إلى آخره). تبعيد للمسافة، لما عرفت أن مفاد هذه الأخبار أن قبض ذي الخيار كالعدم، وأن الضمان الثابت قبل القبض باق بعد القبض أيضا إلى أن يرتفع الخيار، هذا مع أن العلم الإجمالي بتخصيص أحد العامين يسقط كليهما عن الحجية، والشهرة لا تنفع في مقام الدلالة. قوله (قدس سره): (ثم إن مقتضى ما تقدم من عبارتي المبسوط والخلاف من كون الخلاف في العقد المتقيد بشرط الخيار عمومه للخيار المنفصل.... إلى آخره). لا يخفى أنه لو قيل بتوقف الملك على انقضاء الخيار لما علل به بعضهم من أن فائدة الملك التصرف الممتنع في زمان الخيار فالتعدي إلى الخيار المنفصل مبني


(1) الدروس 3: 210 - 211.

[ 329 ]

على المسألة السابقة، وهي منع تصرف من عليه الخيار حتى في الخيار المنفصل أو اختصاص المنع بالخيار المتصل. وحيث قد عرفت أن عدم الجواز كان مختصا بالخيار الفعلي، فعدم حصول الملك أيضا مختص به. نعم، كان هناك نزاع آخر في الصغرى، وهو أن خيار العيب والغبن والرؤية كخيار التأخير والتفليس أو أنها كخيار المجلس والحيوان، وظهر أن الأقوى كونها من الخيارات الحاصلة حين العقد وإن توقف إعمال الخيار على العلم بالعيب والغبن وفقد الوصف. وكيف كان، فالتخصيص أو التعميم في المقام مبني على التخصيص أو التعميم في المسألة السابقة. وقد ظهر أن القدر المسلم هو خيار المجلس والحيوان والشرط المطلق. وأما لو قيل بالتوقف للأخبار المتقدمة الدالة على أن التلف في زمان الخيار ممن لا خيار له فالتعدي إلى الخيار المنفصل مبني على المسألة الآتية، وهي أن قاعدة التلف ممن لا خيار له سارية في غير خيار الحيوان والشرط اللذين هما مورد الروايات. وأما لو اختصت بهما وخيار المجلس على إشكال فيه فلا يمكن التعدي إليه. وكيف كان، فالتعدي وعدمه إما مبني على المسألة المتقدمة أو الآتية. نعم، بناء على ما اختاره المصنف في كلتا المسألتين من اختصاص كلا الحكمين بخيار الحيوان والشرط والمجلس فلا فرق بين أن يكون مدرك القول بتوقف الملك على انقضاء الخيار عدم جواز التصرف في زمان الخيار أو الأخبار المتقدمة. قوله (قدس سره): (مسألة من أحكام الخيار كون المبيع في ضمان من ليس له الخيار.... إلى آخره). لا يخفى أن هذه القاعدة أي كون التلف في زمان الخيار ممن لا خيار له في

[ 330 ]

الجملة من القواعد المسلمة بين الفقهاء كقاعدة تلف المبيع قبل قبضه من مال بائعه، ولا إشكال في أنها لا تشمل ما إذا كان الخيار للطرفين، لأنه ليس هناك من لا خيار له حتى يكون التلف منه. وإنما الإشكال من جهات اخرى. الاولى: في شمولها للخيار الثابت للبائع، أو اختصاصها بالمشتري، بأن يكون تلف المبيع في زمان خيار المشتري على البائع، لا تلف الثمن في مدة خيار البائع على المشتري. الثانية: في شمولها لجميع الخيارات، أو اختصاصها بالخيار الزماني كالحيوان والشرط، أو تعمه وما كان متوسطا بين الزماني وغيره كالمجلس، فإنه ليس زمانيا ومضروبا في الزمان حتى يكون كخيار الحيوان والشرط، بل هو معنون بعنوان الاجتماع المنطبق على الزمان. الثالثة: في كونها تعبدية صرفة مستفادة من الأخبار المتقدمة في المسألة السابقة، أو أنها مقتضى قواعد باب المعاوضة أيضا. الرابعة: أن الضمان فيها هل ضمان المعاوضة أي بتلف المبيع يرد الثمن إلى المشتري أو ضمان اليد فيرجع المشتري إلى البائع بالمثل أو القيمة؟ وكل هذه الجهات محل الخلاف بين الأعلام وليس إجماع على إحداها. والمشهور بينهم في الجهة الاولى والثانية هو الاختصاص، فاختاروا اختصاص القاعدة بخيار المشتري في خصوص الحيوان والشرط وصرحوا بأنه إذا مات المعيب لم يكن مضمونا على البائع وإن مات بعد العلم بالعيب. وقيد المحقق الثاني كون الضمان على البائع في الاقتصاص من العبد الجاني بما إذا كان في الخيار المخصوص بالمشتري (1) - أي خيار الحيوان - فيظهر من تقييده أن العبد من جهة العيب ليس في ضمان البائع، مع أن العبد الجاني فيه جهتان من الخيار: كونه معيبا، وكونه حيوانا.


(1) جامع المقاصد 4: 345.

[ 331 ]

ولكن يظهر من جماعة من المحققين التعميم بالنسبة إلى الجهتين. فمنهم الشهيد (قدس سره) حيث قال: وبالقبض ينتقل الضمان إلى القابض إذا لم يكن له خيار (1). ومنهم المحقق جمال الدين في حاشية الروضة (2). ومنهم صاحب الرياض ومفتاح الكرامة (3). وحيث إن المسألة خلافية فلابد أولا من تنقيح الجهة الثالثة. فنقول: العقد المعاوضي متضمن لالتزام كل من المتعاقدين بتسليم ما انتقل عنه إلى طرفه، بحيث إن لكل واحد منهما حق حبسه حتى يسلمه الآخر، ولو سلم أحدهما وامتنع الآخر فله إجباره والترافع عند الحاكم، ومع تعذره فله المقاصة منه بإذن الحاكم أو مطلقا وإن تلف مال كل منهما قبل التسليم على الآخر ولكن هذا إذا لم يكن العقد خياريا. وأما إذا كان خياريا فهو بجميع ما يتضمنه من المدلول المطابقي والالتزامي خياري، لأنه لا يمكن أن يكون لذي الخيار حل العقد وكان ملزما بما التزم به صريحا أو ضمنا، فلا يجب عليه التسليم إلى أن ينقضي خياره، ولو سلم تبرعا فله استرداده، وهذا بخلاف من ليس له الخيار، فإنه ليس له الامتناع من التسليم لو طولب به بمقتضى التزامه في ضمن العقد. نعم، لو امتنع ذو الخيار من التسليم فله المنع أيضا، وله الاسترداد أيضا. ولكن كل ذلك لا يقتضي أن يكون تسليم غير ذي الخيار كالعدم، ويبقى ضمانه الثابت قبل القبض إلى ما بعد القبض قبل انقضاء خيار الطرف، فلابد من قيام دليل تعبدي على بقاء الضمان بعد خروجه عما هو وظيفته من القبض. وعلى هذا فانحصر المدرك في الأخبار المتقدمة، وهي مختصة بخيار الحيوان والشرط، ولا تعم المجلس فضلا عن غيره من الخيارات. فالمرجع هو


(1) الدروس 3: 210 - 211. (2) حاشية الروضة: 364، عند قول (لانتقال المبيع إليه). (3) الرياض 8: 208، ومفتاح الكرامة 4: 599 س 30.

[ 332 ]

القواعد العامة، وهي تقتضي أن يكون ضمان المال بعد القبض على مالكه الفعلي. ولا يقال: إن كون التلف ممن لا خيار له ليس منافيا للقواعد، لأن مرجعه إلى انفساخ العقد، ورجوع كل مال إلى مالكه الأصلي قبل التلف آنا ما ثم التلف منه كما يظهر منه (قدس سره) في المتن. لأنا نقول: وإن اقتضى الانفساخ ذلك إلا أنه بنفسه مخالف للقاعدة، فإن مثل قوله عز من قائل * (أوفوا بالعقود) * يدل على لزوم العقد وعدم انفساخه بلا موجب، وبدون الانفساخ يمتنع أن يكون تلف المقبوض على غير قابضه. وهكذا الأدلة الدالة على أن تلف المبيع في العقد الخياري المشروط برد الثمن على المشتري تدل على أن القبض موجب لأن يكون تلف المال على مالكه، وكذلك الأدلة الدالة على التفصيل بين صورة القبض وعدمه. فلا نحتاج إلى استصحاب عدم الانفساخ حتى يقال: إن أصالة الضمان الثابت قبل القبض حاكم عليه، لأن الشك في الانفساخ مسبب عن الشك في الضمان. هذا مضافا إلى أن الأدلة الاجتهادية على خلاف الاستصحاب، لأن الضمان لو كان جعليا وكان مقتضى الشرط الضمني فالجعل مقيد بعدم التسليم، وأما لو كان شرعيا فقوله (عليه السلام) " حتى يخرجه من بيته " يدل على انتهاء الضمان بالإخراج الذي هو كناية عن التسليم. نعم، لو قلنا بكون الضمان قبل القبض تعبديا مع عدم تعرض دليل التعبد لحكم الضمان بعد القبض كان للاستصحاب مجال. وبالجملة: لو كان الضمان شرعيا صح الاستصحاب لو شك في بقائه بعد القبض، وأما لو كان للشرط الضمني فيرتفع موضوعه بالتسليم، وثبوته بعده إنما هو بسبب آخر مشكوك الحدوث فاستصحابه داخل في القسم الثالث من استصحاب الكلي، إلا أن يقال بحجيته فيما كان المرتفع والمشكوك من سنخ واحد، والتفاوت بينهما إما بالشدة والضعف أو بحسب الدقة العقلية دون المسامحة العرفية كالحركة المتحصلة من امور متبائنة.

[ 333 ]

وبالجملة: مقتضى العمومات ورواية عقبة بن خالد " في رجل اشترى متاعا من رجل وأوجبه غير أنه ترك المتاع عنده ولم يقبضه قال: آتيك غدا إن شاء الله، فسرق المتاع من مال من يكون؟ قال: من مال صاحب المتاع الذي هو في بيته حتى يقبض المال ويخرجه من بيته، فإذا أخرجه من بيته فالمبتاع ضامن لحقه حتى يرد إليه حقه (1) أن المال بعد القبض في عهدة مالكه ولا يضمنه غيره حتى يقال بالانفساخ. فلو نوقش في دلالة الأخبار الواردة في خيار المشروط برد الثمن على كون الضمان بعد القبض على المالك ولو كان ذا خيار - بأن يقال: هذه الأخبار تدل على ضمان المشتري الذي لا خيار له المبيع المنتقل إليه ولا تعرض فيها لضمان البائع الذي هو ذو الخيار الثمن الذي انتقل إليه فلا تنافي قاعدة التلف في زمان الخيار ممن لا خيار له - لكفى العمومات ورواية عقبة. والقدر المسلم من قاعدة التلف في زمان الخيار هو خيار الحيوان والشرط الثابتان للمشتري. ولا وجه للتعدي إلى سائر الخيارات ولا إلى الخيار الثابت للبائع إلا توهم استفادة العلية من قوله " حتى ينقضي الشرط ويصير المبيع للمشتري " بأن يقال: كل من لم يستقر عليه المال لكونه ذا خيار يقدر أن يسلب ملكيته عن نفسه فتلف ماله على غيره، أي بالتلف ينفسخ المعاملة ويصير التالف قبل التلف آنا ما في ملك من لا خيار له ثم يتلف من ماله، وعلى هذا فلا فرق بين الخيار الثابت للبائع أو المشتري، ولا بين خيار الحيوان والشرط وغيرهما من خيار المجلس وخيار تخلف الشروط الضمنية. ولكنه فاسد، لأن كلمة " حتى " قلما تستعمل في العلية، ومعناها غالبا هي الغاية، مع أن استفادة العلية منها تؤثر لو احرز كونها علة للمجعول لا الجعل والتشريع. هذا مضافا إلى أن الظاهر من قوله (عليه السلام) " إن كان بينهما شرط أياما معدودة "


(1) الوسائل 12: 358، الباب 10 من أبواب الخيار ح 1.

[ 334 ]

أن يكون الشرط أمرا مضبوطا له أمد محدود، وأن يكون نفس الخيار مجعولا بينهما بجعل شرعي كخيار الحيوان، أو بجعل منهما كخيار الشرط، لا أن يكون الشرط أمرا آخر يوجب تخلفه الخيار كاشتراط التساوي والصحة والوصف. وعلى هذا فلا يشمل الدليل خيار المجلس وإن كان مجعولا شرعيا، فضلا عن الخيارات الثلاثة. لا سيما لو قلنا بحدوثها بعد العلم بالعيب والغبن وفقد الوصف. أما خيار المجلس فلعدم كونه مضبوطا وليس له أمد محدود، فإن الأيام في قوله (عليه السلام) " أياما معدودة " وإن لم تكن لها خصوصية بل تشمل شرط الخيار الساعة والساعات، إلا أنها لابد أن تكون معدودة محدودة. وأما الخيارات الثلاثة فلأنها ليست شرطا مجعولا ابتداء، وإلغاء جميع الخصوصيات وجعل المناط كون العقد في معرض الزوال ليس قطعيا، بل هو أشبه شئ بالقياس، سيما إذا قلنا بما ينسب إلى المشهور من كون ظهورها موجبا للخيار، فإنه يلزم تبدل الضمان وانتقاله من المغبون مثلا إلى الغابن، وهذا بعيد كما أفاده المصنف (قدس سره) من عدم شمول الرواية التزلزل المسبوق باللزوم. نعم، لو قيل بالتعدي إلى خيار المجلس فله وجه، لأن منتهاه وإن لم يكن مضبوطا إلا أن كونه محدودا بزمان الافتراق مضبوط، فكما يتعدى من الأيام إلى الساعات قطعا يتعدى إلى عدم الافتراق وبقاء المجلس، مع أنه في السنخ متحد مع الخيارين في كونه مجعولا. هذا بالنسبة إلى سائر الخيارات الثابتة للمشتري. وأما التعدي من حيث المثمن إلى الثمن، فدعوى القطع باتحادهما مناطا ليست جزافية - كما أفاده المصنف (قدس سره) - بل دعوى القطع بعدم الخصوصية للمشتري وكون التالف مبيعا مسموعة، إذ لا منافاة بين ذلك وقاعدة كون ضمان المال على مالكه، فإنها ليست تعبدية حتى تصلح للمعارضة مع قاعدة تلف المال ممن لا خيار له، بل هي من الامور الارتكازية المرتفعة بكل ما دل على أن ضمان المال على غير مالكه حتى استصحاب الضمان الثابت قبل القبض. بل ولو قيل

[ 335 ]

بأنها قاعدة تعبدية إلا أنه لا شبهة في كونها مخصصة بقاعدة التلف قبل القبض، فلو شك بعد القبض في بقاء الضمان فالمرجع هو استصحاب حكم الخاص لا عموم القاعدة، كما ظهر وجهه في خيار الغبن. فالعمدة في دفع المنافاة بين القاعدتين ما ذكرناه من تخصيص قاعدة كون تلف المال على مالكه بقاعدة التلف، لا ما أفاده (قدس سره) " من أن المراد من الضمان انفساخ العقد فلا منافاة " لما عرفت من أن الانفساخ بلا موجب هو بنفسه مخالف للقاعدة، والانفساخ قبل القبض إنما هو للشرط الضمني، أو لدليل تعبدي وهو قوله (عليه السلام): كل مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه. وحاصل الكلام: أنه يمكن دعوى القطع باتحاد المناط، وأنه لا خصوصية لتلف المبيع عند المشتري: ولو أنكرنا ذلك فاستصحاب الضمان الثابت قبل القبض كاف في حكومته على قاعدة كون تلف المال على مالكه، وليس تقديريا ولا شكا في المقتضى كما لا يخفى. ولا يعارضه استصحاب عدم الانفساخ، فإن الشك فيه مسبب عن الشك في الضمان، والأصل السببي حاكم على المسببي. قوله (قدس سره): (نعم يبقى هنا أن هذا مقتض لكون تلف الثمن في مدة خيار البيع الخياري من المشتري.... إلى آخره). لا يخفى أن الالتزام بالتعميم لا محذور فيه، فإذا تلف الثمن عند البائع ينفسخ البيع، ويرد المبيع إليه من دون أن يكون ضمان الثمن عليه. وتوهم أن جعل الخيار للبائع بشرط رد الثمن مرجعه إلى أن لا يرد المبيع إليه إلا بعد رد الثمن فكأنه اشترط أن لا يكون ضمان الثمن على المشتري فاسد، لأنه بعد الالتزام بالتعدي من مورد النص إلى تلف الثمن في زمان خيار البائع لتنقيح المناط أو لاستفادته من العلة المنصوصة في الأخبار وهي " حتى ينقضي الشرط ويصير المبيع للمشتري " فشرط عدم كون تلف الثمن في زمان خيار البائع من المشتري مخالف للكتاب، فيكون كما لو اشترطا عدم ضمان كل منهما لما انتقل عنه قبل القبض.

[ 336 ]

بل لو قلنا بأن القاعدة ليست تعبدية وإنما هي من مقتضيات الضمان المعاوضي فشرط عدم كون تلف الثمن من المشتري في زمان خيار البائع فاسد أيضا، لكونه منافيا لمقتضى العقد. وبالجملة: بناء على التعدي إلى الثمن وعدم الفرق بين الخيار المتصل والمنفصل فلا محيص عن الالتزام باطراد القاعدة وشمولها لخيار البائع المشروط برد الثمن كما أفاده (قدس سره) في قوله: (فالأولى الالتزام بجريان هذه القاعدة إذا كان الثمن شخصيا.... إلى آخره). ثم لا يخفى أنه لا فرق في الثمن والمثمن من حيث الكلية والشخصية أيضا، والقاعدة تختص بالشخصي دون الكلي. وتوضيح ذلك: أنه لو كان أحد العوضين أو كل واحد منهما كليا فمقتضى المعاوضة بقاء الكلي في ذمة من انتقل عنه إلى أن يسلم الفرد المنطبق عليه الكلي إلى المنتقل إليه. فلو سلم غير المنطبق عليه عنوانا - كالشعير بدلا عن الحنطة - فهذا التسليم كالعدم، لعدم وقوع العقد على ما ينطبق على المقبوض، فيجب عليه الإبدال، ولا خيار للمنتقل إليه بلا إشكال. وأما لو سلم غير المنطبق عليه وصفا - كالمعيب بدلا عن الصحيح وغير الكاتب بدلا عن الكاتب - فمقتضى القاعدة أيضا الإبدال، لعين ما ذكرناه في تخلف العنوان، إلا أن الظاهر من بعض الفقهاء هو التخيير بين الإبدال والخيار بين الفسخ والإمضاء، بل إذا كان معيوبا فالتخيير بين الرد والإرش والإبدال. والظاهر أن ذلك جمع بين المتناقضين، إذ لو تعين الكلي في الفرد المقبوض فتخلف الوصف لا يقتضي إلا الخيار دون الإبدال، وإن لم يتعين فيه فالمتعين هو الإبدال لا التخيير بينه وبين الخيار إلا أن يقال: إن الجمع بينهما إنما هو للجمع بين القاعدة وأدلة الخيار، فإن القاعدة تقتضي الإبدال، لعدم كون المقبوض مما ينطبق عليه ما وقع العقد عليه. وأدلة الخيار مثل قوله (عليه السلام) " فإن خرج السلعة معيبا وعلم المشتري

[ 337 ]

فالخيار إليه إن شاء رده وإن شاء أخذه أو رد عليه بالقيمة ارش العيب " (1) تقتضي التخيير بين الرد - أي فسخ المعاملة - والإمضاء بلا أرش أو معه فتأمل. وكيف كان، فالخروج عن عهدة الكلي ثمنا كان أو مثمنا إنما هو بأداء الفرد المنطبق عليه عنوانا ووصفا، فإذا أداه كذلك فلا ضمان عليه لولا قاعدة الضمان في زمان الخيار، ولكن حيث قد عرفت أن معنى القاعدة هو انفساخ العقد بالتلف وأن الضمان المعاوضي الثابت قبل القبض باق بعد القبض فلا وجه لشمول القاعدة لتلف الفرد المقبوض من الكلي، لأن تلف الفرد لا يقتضي إلا صيرورة الكلي كغير المقبوض، فلا وجه لانفساخ العقد به، ولا جامع بين صيرورة العقد كالعدم - كما في تلف الشخصي - والقبض كالعدم، والمفروض شمول القاعدة لتلف الشخصي فلا تشمل الكلي. نعم، لو قيل بأن معناها ثبوت الضمان الواقعي لا المسمى فلا مانع من شمولها للكلي، لأن العقد بناء عليه لا ينفسخ حتى يكون الشخصي مبائنا مع تلف الفرد المقبوض من الكلي. وبالجملة: إذا قلنا بأن معنى القاعدة أن الضمان الثابت قبل القبض لا يرتفع بالقبض في زمان الخيار وأن الضمان المعاوضي باق، فالفرق بين تلف الشخصي والفرد من الكلي واضح، فإن تلف المبيع الشخصي إذا كان في زمان خيار المشتري على البائع بمقتضى النصوص يقتضي انفساخ العقد لا محالة ورجوع المبيع إلى ملك البائع آنا ما حتى يكون التلف من ماله، وهذا بخلاف الفرد من الكلي، فإنه يمكن أن يكون من البائع بلا انفساخ المعاملة. ومما ذكرنا ظهر وجه الأمر بالتأمل في قول المصنف، وهو أن انفساخ العقد لا عين له ولا أثر في الأخبار حتى يكون لزومه في الشخصي وعدم لزومه في الكلي منشأ للفرق بينهما، بل كون التلف من ملك البائع بناء على ظهور الخبر


(1) لم نعثر عليه بهذا اللفظ ولكن انظر الوسائل 12: 362، الباب 16 من أبواب الخيار، وص 414 الباب 4 من أبواب أحكام العيوب، وانظر البحار 100: 110 ح 11.

[ 338 ]

في ذلك هو الموجب للفرق بينهما، فإنه في الشخصي لا يستقيم إلا بالانفساخ، وهذا بخلافه في الكلي. ولذا لو قلنا بأنه ليس معنى قوله " من البائع " كون التالف ملكا له، بل معناه أن خسارته عليه فلا حاجة إلى فرض الانفساخ بلا فرق بينهما. قوله (قدس سره): (ثم إن ظاهر كلام الأصحاب وصريح جماعة منهم كالمحقق والشهيد الثانيين أن المراد بضمان من لا خيار له لما انتقل إلى غيره هو بقاء الضمان الثابت قبل قبضه.... إلى آخره). هذه هي الجهة الرابعة التي أردنا تنقيحها، فنقول: الاحتمالات في المراد من الضمان ثلاثة: الأول: هو الضمان المعاوضي كالضمان في قاعدة تلف المبيع قبل قبضه، فمفاد النصوص في المقام أن الضمان الثابت قبل القبض باق بعده، إذا كان للمشتري خيار فالقبض في زمان الخيار كالعدم. وهذا هو الظاهر من الشهيد في الدروس حيث قال: وبالقبض ينتقل الضمان إلا إذا كان خيار (1) فمعنى كون تلف المبيع في زمان خيار المشتري من مال البائع هو انفساخ المعاملة وانتقال المبيع إلى البائع آنا ما قبل التلف. وعلى هذا، لا يمكن أن يقيد الانتقال إليه بما إذا فسخ المشتري، لأن العقد بمجرد التلف ينفسخ قهرا، فيرتفع موضوع حق الفسخ، لأن بقاءه ببقاء العقد. الثاني: هو الضمان الواقعي أي المثل والقيمة المعبر عنه بضمان اليد، فمفاد الروايات أنه لو تلف المبيع في زمان خيار المشتري فغرامته على البائع، سواء فسخ المشتري أم لم يفسخ. غاية الأمر أنه لو فسخ يسترجع الثمن ولا شئ عليه للبائع، ولو لم يفسخ يأخذ المثل أو القيمة. فالفرق بين هذا الاحتمال والاحتمال الأول يظهر في صورة عدم الفسخ، وأما في صورة الفسخ فلا فرق بينه وبين الانفساخ في أنه يسترجع الثمن.


(1) الدروس 3: 211 والعبارة هكذا: وبالقبض ينتقل الضمان إلى القابض إذا لم يكن له خيار.

[ 339 ]

الثالث: هذا الاحتمال مع تقييد الضمان على البائع بما إذا فسخ المشتري، وأما لو لم يفسخ فلا شئ له. ثم لا يخفى أنه بناء على التقييد لا وجه للاحتمالات الثلاثة في قوله (قدس سره): (فيحتمل أنه يتخير بين الرجوع على البائع بالمثل أو القيمة وبين الرجوع بالثمن، ويحتمل تعين الرجوع بالثمن، ويحتمل أن لا يرجع بشئ.... إلى آخره). لأنه إذا قيد التلف على البائع بصورة فسخ المشتري فلا وجه للرجوع إليه في صورة عدم الفسخ. هذا مضافا إلى أنه لا يعقل التخيير بين الرجوع إلى الثمن وإلى المثل أو القيمة، لأن الرجوع إلى الثمن - أي المسمى - إنما هو لانفساخ المعاملة فلا يجتمع مع بقائها. وكيف كان، فأقوى الاحتمالات هو الوجه الأول، لأن الظاهر من النصوص أن الضمان السابق باق بعد القبض في زمان الخيار. نعم، قد يرد عليه إشكالان: الأول: أن في صحيحة ابن سنان فرض الأعم من تلف الوصف أو تلف العين، فقال: فيموت العبد أو الدابة أو يحدث فيه حدث على من يكون ضمان ذلك إلى آخره (1) ولا معنى لأن تكون الأوصاف مضمونة بالمسمى، لعدم وقوع شئ من الثمن بإزائها في عقد المعاوضة، ولا يمكن الجمع بين الضمانين في قوله " على من يكون ضمان ذلك "؟ فيتعين إرادة الضمان بالمثل أو القيمة في تلف العين أو الوصف. وفيه: أن الضمان الواقعي وإن كان هو الظاهر من لفظ الضمان أو منصرفه ولكنه إنما يراد منه لو لم تكن قرينة على خلافه، ومع تعهد الضامن ضمان المسمى وإمضاء الشارع له لا معنى لأن يراد الضمان الواقعي، فينحصر إرادة ذلك فيما إذا لم يكن في البين تسمية كما لو قيل " ألق متاعك في البحر وعلي ضمانه " أو لم


(1) الوسائل 12: 352، الباب 5 من أبواب الخيار ح 2.

[ 340 ]

يمض الشارع المسمى كما في المقبوض بالعقد الفاسد، فإذا فرض أن الروايات دلت على أن القبض كالعدم وأن الضمان السابق باق فلا معنى لأن يراد منها الضمان الواقعي. نعم، لو دلت على ارتفاع الضمان السابق بالقبض وجعل ضمان على حدة بعد القبض كان الظاهر منه أو منصرفه هو الضمان الواقعي، وهذا خلاف ظاهر السؤال أيضا، فإن قوله " على من يكون ضمان ذلك " لا يمكن أن يكون سؤالا عن ضمان اليد، لوضوح أنه على من تلف العين في يده. وأما اتحاد معنى الضمان في تلف الوصف وتلف العين فهو وإن كان كذلك، إلا أن نتيجة كون الوصف في ضمان من ليس له الخيار أن عهدة الوصف عليه أيضا بعد القبض كما يكون عليه عهدة الموصوف، وتلف الموصوف يقتضي الانفساخ. وأما تلف الوصف فلا يقتضي إلا بقاء خيار تخلفه دون الغرامة لا بالضمان الواقعي ولا بالمسمى. وبالجملة: الضمان في كليهما بمعنى واحد، وهو أن عهدة الوصف والموصوف على من لا خيار له، فلو أسقط المشتري خيار الشرط أو انقضى مدته فله إعمال الخيار بالنسبة إلى فقد الوصف. وعلى أي حال لا يقع بإزائه شئ من الثمن فلا يوجب تخلفه الغرامة. نعم، قد ثبت في تخلف وصف الصحة التخيير بين الأرش والخيار تعبدا، لا لكونه مقتضى المعاوضة. الثاني: أن الضمان بالمسمى قد ارتفع بالقبض، لخروج كل واحد من المتعاقدين عن عهدة ما ضمنه، وبالقبض انتقل الضمان بالمثل أو القيمة وانعكس الأمر به أيضا، فصار كل منهما ضامنا لما انتقل إليه، فلو دل دليل على ضمان كل منهما لما انتقل عنه بعد القبض أيضا يؤخذ بظاهره وهو الضمان الواقعي. وفيه: أن مفاد الدليل لو كان عدم تأثير القبض في رفع الضمان لا تشريع ضمان على حدة فلازمه بقاء الضمان السابق وهو المسمى، وهذا هو الظاهر من

[ 341 ]

قوله (عليه السلام) " على البائع حتى ينقضي الشرط ثلاثة أيام ويصير المبيع للمشتري " لأن معناه أن القبض ليس غاية للضمان، بل الغاية انقضاء شرطه واستقرار الملك عليه بحيث لا يقدر أن يسلب الجدة الاعتبارية عن نفسه. وعلى هذا، فتأمل المصنف في عبارة الدروس بقوله: " والعبارة محتاجة إلى التأمل من وجوه عديدة " في محله. وإشكاله تارة يرجع إلى المبنى، واخرى إلى المعنى. أما الأول: فوارد على ما هو ظاهر كلامه في قوله " وبعده لا يبطل الخيار " (1) من أن القبض يرفع الضمان المعاوضي وأن الضمان في مدة الخيار ضمان واقعي، وهو مناف لقوله في مقام آخر " وبالقبض ينتقل الضمان إلا أن يكون خيار " فإن ظاهره أن القبض كالعدم والضمان المعاوضي باق. وأما الثاني: فوارد على جملتين من كلامه: الاولى: قوله " فلو فسخ البائع رجع بالبدل في صورة عدم ضمانه " فإن هذا الكلام تفريع على قوله " وبعده لا يبطل الخيار " أي لو قلنا بأن التلف في زمان الخيار لا يوجب سقوط الخيار - كما هو مسلم في الجملة - فلو كان ذو الخيار هو البائع وتلف المبيع عند المشتري كما هو مورد البحث وفسخ البائع يرجع إلى المشتري ببدل المبيع إذا لم يكن البائع ضامنا، وهذا القيد الأخير لا يستقيم أصلا، لأنه لا يمكن رجوعه إلى المشتري إلا إذا كان الخيار مختصا به ولا يكون مشتركا ولا مختصا بالمشتري. أما في الخيار المختص بالمشتري فبما عرفت أن المشتري يرجع إلى البائع، وأما في الخيار المشترك فلأن ضمان كل منهما لا يمنع أن يرجع كل منهما إلى الآخر، فلو تلف المبيع عند المشتري وفسخ البائع يرجع إلى بدل المبيع مع كونه ضامنا للثمن، بمعنى أنه لو تلف عنده يرجع المشتري إليه ببدله، فلا يختص رجوع


(1) الدروس 3: 271.

[ 342 ]

البائع إليه بالبدل بصورة عدم ضمانه. هذا، مع أن الضمير في قوله " عدم ضمانه " يرجع إلى المبيع لا إلى الثمن، كما هو واضح. وبالجملة: لو كان الخيار مختصا بالبائع فلا يتصور كونه ضامنا حتى يقيد رجوعه بالبدل بصورة عدم ضمانه، ولا يمكن فرض المسألة في تلف الثمن عند البائع مع كونه ذا خيار. أما أولا فلأن ظاهر قوله " لا يبطل الخيار وإن كان التلف من البائع كما إذا اختص الخيار بالمشتري " (1) هو اختصاص القاعدة بتلف المثمن، وإلا كان حق التعبير أن يقال: وإن كان التلف ممن تلف عنده كما لو كان الخيار لطرفه حتى يشمل الثمن أيضا. وأما ثانيا فلأنه لو فرض تلف الثمن عند البائع وقلنا بأن التلف لا يسقط الخيار، فمقتضاه أنه لو فسخ يسترجع المبيع، ولو لم يفسخ يسترجع بدل الثمن. وعلى أي حال ليس هو ضامنا مع اختصاص الخيار به، فلا وجه للتقييد. ولا يمكن فرضها في إتلاف البائع المبيع عند المشتري حتى يتصور ضمانه مع كونه ذا خيار، أما أولا فلأن الإتلاف موجب لسقوط خياره. وأما ثانيا فلأن القاعدة لا تشمل الإتلاف. وأما ثالثا فلأن مفروض الشهيد (قدس سره) هو التلف. الثانية: قوله (قدس سره) " ولو أوجبه المشتري في صورة التلف قبل القبض لم يؤثر في تضمين البائع المثل أو القيمة " (2) فإن إيجاب المشتري إما بعد التلف أو قبله. فإذا كان بعده فلا محل له، لأن خياره سقط بانتفاء الموضوع لارتفاع العقد وانفساخه بالتلف قبل القبض، فلا موقع لقوله " لم يؤثر في تضمين البائع " لأنه لم يكن إيجابه قابلا لأن يؤثر حتى يقال: لم يؤثر. وإذا كان قبله فإيجابه غاية الأمر يجعل العقد غير خياري، ولا أثر لكون العقد


(1 و 2) الدروس 3: 271.

[ 343 ]

لازما لإبطال أثر التلف قبل القبض، فإن العقد سواء كان خياريا أم لم يكن يبطل بالتلف الطارئ قبل القبض، فإذا تلف المبيع يرجع الثمن إلى المشتري قهرا. ولا وجه لأن يكون بدل المبيع من المثل أو القيمة راجعا إليه. وبعبارة اخرى انفساخ العقد بالتلف قبل القبض لا يختص بالبيع الخياري، فسقوط الخيار لا يوجب بقاء العقد حتى يضمن البائع بدل المبيع، فعلى أي تقدير قوله (قدس سره) " لم يؤثر إلى آخره " توضيح الواضح. نعم يمكن توجيهه بأن تكون هذه الجملة توطئة للجملة الأخيرة، وهي قوله " وفي انسحابه فيما لو تلف بيده في خياره نظر " (1) فيكون حاصل الجملتين هو الترديد بين الوجه الثاني والثالث من الوجوه المتقدمة، بأن يكون الضمان واقعيا مطلقا أو مقيدا بصورة الفسخ، فلو لم يفسخ المشتري بل أوجب العقد في زمان الخيار فهل يؤثر في تضمين البائع المثل أو القيمة أو لا يؤثر؟ وجهان، فلو كان مقيدا لا يؤثر - أي لا يوجب تضمينا - ولو كان مطلقا يؤثر. قوله (قدس سره): (ثم إن الظاهر أن حكم تلف البعض حكم تلف الكل.... إلى آخره). لا يخفى أن تلف البعض موجب لانفساخ المعاوضة بالنسبة إليه كتلف الكل، لأن الأبعاض يقسط عليها الثمن، فتلف البعض في زمان الخيار في ضمان من لا خيار له. وأما تلف الوصف فهو وإن كان في ضمانه، بمعنى أنه يوجب الخيار سواء كان قبل القبض أو بعده، إلا أنه لا وجه لانفساخ المعاملة به من غير فرق بين وصف الصحة وغيره، لعدم وقوع شئ من الثمن بإزائه. نعم، بين وصف الصحة وغيره فرق من جهة اخرى، وهو أن في تلف وصف الصحة يتخير المالك بين الرد والأرش دون غيره. وعلى أي حال لا فرق بينهما من جهة الانفساخ، وقد تقدم في خيار الغبن في ذيل عنوان التغيير ما يوضح ذلك فراجع.


(1) الدروس 3: 271.

[ 344 ]

قوله (قدس سره): (وأما إذا كان بإتلاف ذي الخيار سقط به خياره.... إلى آخره). لا يخفى أن مورد القاعدة مثل مورد قاعدة التلف قبل القبض هو التلف السماوي لقوله (عليه السلام) " فهلك في يد المشتري " (1) وأما الإتلاف فله أحكام اخر، وتقدم الإشارة إليها إجمالا في خيار الغبن. فنقول توضيحا لما تقدم وتنبيها على عبارة المتن: إن صور الإتلاف كثيرة، لأنه تارة يكون بفعل البائع، واخرى بفعل المشتري، وثالثة بفعل الأجنبي. وعلى التقادير تارة يكون الثمن تالفا، واخرى المثمن. وعلى التقادير تارة يكون قبل القبض، واخرى بعده. وعلى التقادير تارة يكون الخيار لأحدهما أو كليهما، واخرى لا يكون خيار مطلقا. وهذه الصور تجري في إتلاف البعض أو الوصف والوصف، تارة يكون وصف الصحة، واخرى غيره من الأوصاف. وكيف كان، فلا شبهة في أنه لو أتلف ذو الخيار ما انتقل إليه سقط به خياره، ولو أتلف ما انتقل عنه فإتلافه فسخ للمعاملة، لأن كلا من الإتلاف فيما انتقل إليه وفيما انتقل عنه تصرف منه، وتصرفه فيما انتقل إليه إجازة وفيما انتقل عنه فسخ بالشرائط المتقدمة، بأن لا يكون للاختبار أو الغفلة ونحو ذلك. وأما لو كان للاختبار، أو الغفلة أو الجهل بسبب الخيار - كإتلاف المغبون ما انتقل إليه قبل اطلاعه على الغبن - فليس إجازة كما تقدم في خيار الغبن. وعلى هذا، فلو أتلف ذو الخيار ما انتقل عنه غفلة قبل إقباضه إلى من انتقل إليه لا يكون إتلافه فسخا، بل يكون موجبا للخيار لمن انتقل إليه لتعذر التسليم، كما لو أتلفه الأجنبي قبل القبض. وبالجملة: إتلاف ذي الخيار ما انتقل إليه سواء وقع قبل القبض أو بعده


(1) الوسائل 12: 355، الباب 8 من أبواب الخيار ح 2.

[ 345 ]

استيفاء لماله وإسقاط لخياره بالشرائط المتقدمة، وإتلافه ما انتقل عنه مطلقا فسخ للمعاملة بالشرائط المتقدمة، ومع فقد الشرائط يختلف حكم القبض وبعده، فإنه لو وقع قبله يوجب الخيار للمنتقل إليه، وأما لو وقع بعده فلا يوجب الخيار، هذا حكم إتلاف ذي الخيار. وأما إتلاف غير ذي الخيار والأجنبي فلا يبطل خيار ذي الخيار وتقدم حكمهما في خيار الغبن، فلنرجع إلى العبارة فنقول: مفروض كلامه (قدس سره) هو تلف المبيع في يد المشترى الذي له الخيار وينطبق ما أفاده على الفروض إلى قوله: وإن كان بإتلاف أجنبي. وأما من قوله: (وإن كان بإتلاف أجنبي تخير أيضا بين الإمضاء والفسخ، وهل يرجع حينئذ بالقيمة إلى المتلف أو إلى صاحبه أو يتخير؟ وجوه.... إلى آخره). فكأنه ينعكس الفرض وهو إتلاف الأجنبي ما انتقل عن ذي الخيار وهو الثمن، كما هو ظاهر غير موضع من كلامه. منها: قوله " وهل يرجع حينئذ " فإن الظاهر أن ضمير " يرجع " راجع إلى ذي الخيار، ولو كان المبيع تالفا لا يستقيم، سواء أمضى العقد أو فسخ، لأنه لو أمضاه فليس له الرجوع إلى صاحبه، لاستقرار الثمن في ملك البائع بإمضاء المشتري، ولو فسخه ليس له الرجوع إلى الغاصب، لأن المبيع بمجرد الفسخ ينتقل إلى البائع، فله الرجوع إلى الغاصب، أو إلى ذي الخيار، لا أن ذا الخيار مخير. نعم، لو كان ضمير " يرجع " راجعا إلى المفسوخ عليه ينطبق على فرض المقام وهو تلف المبيع عند المشتري، إلا أنه خلاف الظاهر. وأما لو فرض كون الإتلاف واقعا على الثمن المنتقل إلى البائع ففسخ المشتري فللترديد بين رجوعه إلى المتلف أو إلى صاحبه وجه. ومنها: قوله " ولأن الفسخ موجب لرجوع العين قبل تلفها في ملك الفاسخ إلى آخره " لأن رجوع المبيع التالف في ملك الفاسخ - أي المشتري - لا معنى له، بل فسخ المعاملة يقتضي رجوع الثمن إليه.

[ 346 ]

ومنها قوله: أو لاعتبارها عند الفسخ ملكا تالفا للفاسخ إلى آخره. ومنها قوله: الفاسخ في السطر الأخير من هذا العنوان. ومنها قوله بعد ذلك: ومن كون يد المفسوخ عليه يد ضمان. نعم، ينطبق العبارة على المقام إذا قلنا بأنها غلط من قلم الناسخ، وأن الصحيح هو " المفسوخ عليه " بدل " الفاسخ " في المواضع الثلاثة، و " الفاسخ " بدل " المفسوخ عليه " في قوله: ومن كون يد المفسوخ عليه يد ضمان كما لا يخفى. وهكذا، لابد من التصرف في لفظي الثمن والمثمن، فإن انطباقها على المقام يصح، بأن تكون العبارة هكذا: ومن أنه إذا دخل الثمن في ملك من تلف المثمن في ملكه. وكيف كان، فانطباق العبارة على المقام يحتاج إلى التصرف فيها. وأما لو جعلنا قوله " إن كان بإتلاف أجنبي إلى آخره " إعراضا عنه وبيانا للقاعدة الكلية فإذا أتلف الثمن ولم يفسخ المشتري يرجع البائع إلى المتلف بلا شبهة. وأما لو فسخ فتارة يفسخ بعد رجوعه الى المتلف، واخرى قبله، فإذا فسخ بعد رجوعه إليه فلا إشكال أيضا، لأن الثمن كان ملكا للبائع ورجع مالكه إلى المتلف وبرأ ذمة المتلف، وفسخ المشتري لا يوجب إلا تعلق حقه ببدل الثمن الذي هو في عهدة البائع لا المتلف. وأما لو فسخ قبل رجوع البائع إلى المتلف فهنا محل الوجوه الثلاثة: من تعين الرجوع إلى البائع، أو المتلف، أو التخيير، ومبنى الوجوه قد تقدم في خيار الغبن، وقلنا: إن الأقوى هو التخيير كما هو مقتضى ضمان شخصين لمال واحد، كما في تعاقب الأيدي. وما أفاده المصنف في المقام من أنه " أضعف الوجوه " لا وجه له، بل تعين الرجوع إلى البائع أضعف الوجوه، لأنه متفرع على أن يكون المتلف ضامنا للمالك الفعلي للمال، وهو متفرع على الانتقال إلى القيمة يوم التلف، وقد تقدم في ضمان القيمي أنه أضعف الأقوال سندا.

[ 347 ]

قوله (قدس سره): (ومن أحكام الخيار ما ذكره في التذكرة فقال: لا يجب على البائع تسليم المبيع ولا على المشتري تسليم الثمن في زمان الخيار (1).... إلى آخره). قد عرفت في خيار المجلس أن من أعظم الشروط التي يتضمنها العقد هو التسليم والتسلم، بل هو الغرض الأصلي من المعاوضة، فإذا لم يكن العقد خياريا يجب التسليم على الطرفين ويثبت لكل واحد منهما حق حبس ما انتقل عنه إذا امتنع الآخر من التسليم، لأن ذلك أثر التزام كل منهما على التسليم، فيكون حاكما على قاعدة السلطنة وحرمة التصرف في مال الغير بدون إذن مالكه. وأما لو كان خياريا فحيث إن العقد بجميع مداليله المطابقية والالتزامية تحت يد ذي الخيار لا يجب عليه التسليم، كما لا يجب عليه الوفاء بأصل العقد. فلا يقال: هذا مخالف لقاعدة السلطنة، لأن من لا خيار له لو انتقل إليه المال على نحو كان لمالكه الأصلي التسلط على عدم التسليم لم يثبت له السلطنة المطلقة، وبالجملة قاعدة السلطنة قابلة للتضييق. فما أفاده (قدس سره) من " أنه لم أجد لهذا الحكم وجها معتمدا " ففيه ما لا يخفى، مع أنه (قدس سره) في فروع بيع الصرف وأحكام القبض ملتزم بذلك. وكيف كان، فما أفاده العلامة غير قابل للمناقشة وإن قلنا بتعلق الخيار بالعقد، لأن عدم وجوب التسليم على ذي الخيار ليس لتعلق حقه بالعين كتعلق حق المرتهن بالعين المرهونة حتى يكون قابلا للمنع، بل لما عرفت من أنه لو لم يجب الوفاء بالعقد عليه لا يجب عليه الوفاء بما التزم به في ضمنه، فيجوز له حبس العين وإن جاز للآخر أيضا حبس ما انتقل عنه ولو لم يكن له الخيار، لأن التزامه بالتسليم كان منوطا بتسليم صاحبه. نعم يصح المناقشة فيما أفاده في قوله " ولم يتبرع أحدهما بالتسليم لم يبطل خياره ولا يجبر الآخر على تسليم ما عنده " فإن المتبرع لو كان من عليه الخيار فلمنع ذي الخيار عن التسليم وجه وهو كونه ذا خيار، وأما لو تبرع ذو الخيار فلا وجه لمنع الآخر عن التسليم مع كونه ملتزما به.


(1) التذكرة 1: 537 س 30.

[ 348 ]

غاية الأمر أن التزامه كان منوطا بتسليم ذي الخيار والمفروض تبرعه به وهكذا في قوله " وله استرداد المدفوع قضية للخيار " لأن الدافع وإن كان من له الخيار إلا أن مقتضى خياره هو الامتناع عن التسليم ابتداء، وأما بعده فلا دليل على جواز استرداده إلا إذا كان اتفاقيا كما هو الظاهر، حيث جعل المخالف بعض الشافعية. قوله (قدس سره): (قال في القواعد لا يسقط الخيار بتلف العين.... إلى آخره) (1). لا يخفى أن هذه القاعدة مسلمة في الجملة، ولا تعارضها قاعدة " التلف قبل القبض " وقاعدة " التلف في زمان الخيار " فإن التلف في الموردين وإن أوجب سقوط الخيار إلا أن إيجابه له إنما هو لانفساخ العقد به، ومورد هذه القاعدة إنما هو مع بقاء العقد فلا تزاحم بينهما، ثم إن موردها إنما هو في الخيار الشرعي لا الجعلي، فإنه تابع لكيفية الجعل، فقد يتعلق الخيار بنفس العين بخصوصيتها الشخصية، وقد يتعلق بماليتها. فمن اختلافهما لا يمكن الاستظهار لإثبات القاعدة أو نفيها، كما أنه لا يمكن إحراز الثبوت أو السقوط من كلمات الأعلام، فإنه قد يظهر منهم التأمل في بقائه مع التلف في جملة من الموارد. منها: في المرابحة لو ظهر كذب البائع في رأس المال، فإنه لا شبهة في ثبوت الخيار للمشتري، إما للإجماع، أو لإرجاعه إلى تخلف الشرط الضمني، حيث إن بيعه برأس المال يتضمن اشتراط صدقه في إخباره. ومع ذلك لو تلف المتاع في يد المشتري فقد تردد العلامة في ثبوت الخيار، بل حكى عن المبسوط وبعض آخر الجزم بالعدم، وعلل ذلك بأن الرد إنما يتحقق مع بقاء العين، ولكن قوى في المسالك وجامع المقاصد (2) ثبوته. ومنها: في الغبن فإن المحقق الثاني تردد في سقوط خيار الغبن بتلف المغبون فيه (3)، بل ظاهر العلامة سقوطه في التلف الحكمي، كما إذا نقل المغبون العين عن ملكه معللا بعدم إمكان الاستدراك حينئذ.


(1) القواعد 2: 70، وفيه (لا يبطل). (2) المسالك 3: 310، وجامع المقاصد 4: 263. (3) جامع المقاصد 4: 318.

[ 349 ]

ومنها: خيار الرؤية فإن المحقق الثاني ألحقه بخيار الغبن في سقوطه بتلف العين. وعلى هذا فالصواب تحقيق المسألة على مقتضى القواعد العامة، فنقول بعد ما تقدم مرارا: إن الخيار عبارة عن ملك فسخ العقد وإقراره فتلف العين لا يقتضي سقوطه ولو كان طريقا لاسترجاع العين، لأنه ليس طريقا لاسترجاعها بخصوصيتها الشخصية بل طريق لاسترجاعها بماليتها، وهي محفوظة في كلتا صورتي بقاء العين وتلفها، بل لو لم يرد في الأدلة لفظ الخيار وإنما ورد الرد والاسترداد فتلف العين لا يقتضي امتناعهما، لأنهما ليسا ظاهرين في الرد والاسترداد الخارجيين، بل المقصود منهما الرد والاسترداد في الملك، مع أنه لم يرد في الأدلة لفظ الرد إلا في خصوص خيار العيب. والنزاع في سقوطه بالتلف أو بقائه لغو، لأن إعمال الخيار فيه يتوقف على بقاء العين بحالها، فلو تغيرت عما وقع العقد عليه ولم تكن العين قائمة بعينها سقط الخيار فضلا عما إذا تلفت. هذا، مع أنه لو دل الدليل على ثبوت حق الرد فنقول: إنه إما أمر أجنبي عن الخيار وإنما هو حكم شرعي تعبدي ولا يترتب عليه آثار الخيار من سقوطه ونقله إلى الغير كجواز الرجوع إلى العين الموهوبة أو جواز الرجوع في المعاطاة فإنه لا يصلح للإسقاط ولا المصالحة عليه ولا أن يرثه الوارث، وإما مرجعه إلى ذاك المعنى المتعلق بالعقد الغير المرتبط بشئ من العوضين. وبالجملة: لو استفيد من جواز الرد هذا المعنى القابل للنقل والإسقاط فهو متعلق بالعقد ولا يدور مدار بقاء العين، ولو لم يستفد ذلك فهو حكم شرعي في مقابل الخيار، فليس في المقام معنيان قابلان لأن ينطبق عليهما الخيار وكان أحدهما متوقفا على بقاء العين دون الآخر فلا وقع للترديد. وما أفاده (قدس سره) من " أن إرادة ملك الفسخ من الخيار غير متعينة في كلمات الشارع " فيه ما لا يخفى، فإن حاصل ما أفاده هو أن الرد وإن كان مقابلا للخيار ولزوم بقاء العين فيما إذا ورد في الأدلة لفظ " الرد " لا يقتضي لزوم بقائها إذا ورد

[ 350 ]

فيها لفظ " الخيار " إلا أن لفظ " الخيار " أيضا مردد بين معنيين ولم يعلم ما اريد منه في الأدلة فيحتمل إرادة معنى منه يتوقف على بقاء العين. ولا يخفى أنه ليس معنى الخيار في الأدلة إلا ما هو اصطلاح المتأخرين فيه، فإنهم استفادوا هذا المعنى من الأخبار ومن كلمات القدماء، وهذا المعنى لا يتوقف على بقاء العين، فإنه في مقابل لزوم العقد سواء كان ثابتا بجعل شرعي أم ناشئا من تخلف الشرط الضمني. نعم، الخيار الجعلي المالكي يمكن تقييده بصورة بقاء العين، وأما مع الإطلاق فحكمه حكم القسمين الأولين. أما الخيارات المجعولة شرعا - كما في خيار الحيوان والمجلس والتأخير على وجه - فالظاهر من أدلتها كقوله (عليه السلام) " وافترقا وجب البيع " وقوله (عليه السلام) " فإذا مضت ثلاثة أيام فقد وجب الشراء " وقوله (عليه السلام) " وإلا " أي لو لم يأت بالثمن فلا بيع بينهما كون الخيار في مقابل اللزوم العقدي الذي لا ربط له بالعوضين، مع أنه لو منعنا الظهور في ذلك إلا أنه لا شبهة في أن إطلاق الأدلة يقتضي بقاء الخيار مع التلف أيضا، هذا مع أن الاستصحاب يقتضي بقاءه أيضا، وليس من الشك في المقتضي، لأنه لو لم يحدث الأمر الزماني وهو التلف نقطع ببقائه في عمود الزمان. وأما ما كان مستندا إلى تخلف الشرط كخيار الغبن والعيب والرؤية فتعلقه بالعقد أوضح، فإنه ليس متعلقا به ومجعولا في ضمنه ابتداء، بل المجعول هو الشرط فإذا تخلف فلا التزام حقيقة، ونتيجته صحة العقد، وعدم الالتزام بالفاقد ثبوت الخيار بين الفسخ والإمضاء، وعدم توقفه على بقاء العين واضح. وحاصل الكلام: أنه لا وجه لسقوط الخيار بتلف العين بعد كون يد المتعاقدين يد ضمان. غاية الأمر أن كلا منهما يضمن مال صاحبه قبل القبض، ويضمن ما انتقل إليه بعده، وكون الشخص ضامنا لمال نفسه معناه أنه لو تلف ثم طرأ فسخ أو انفساخ أو إقالة يجب عليه رد المثل أو القيمة ولا ينتقل إليه بدل التالف مجانا، فضمانه

[ 351 ]

يقتضي عدم سقوط حق الخيار بتلف متعلقه، وإنما المانع عن إعماله عدم كون ذي اليد ضامنا كما في الهبة، ولذا يمتنع الرجوع إذا تلف العين الموهوبة. قوله (قدس سره): (مسألة لو فسخ ذو الخيار فالعين في يده مضمونة.... إلى آخره). لا يخفى أنه لا فرق بين يد الفاسخ والمفسوخ عليه، فإن يد كل منهما يد ضمان، ومجرد عدم أخذ الفاسخ ماله من المفسوخ عليه وإبقاؤه عنده لا يقتضي أن تصير يده يد أمانة، إلا أن يجعله وكيلا في الحفظ، وإقدام الفاسخ على الفسخ ليس تسليطا للمفسوخ عليه على ماله، فلا وجه لخروجه عن الضمان. نعم، قد يتوهم الإشكال على أصل الضمان مطلقا. وحاصله: أن الضمان بعد الفسخ إن كان هو الضمان الثابت عليهما قبله - أي الضمان المعاوضي - فالمفروض انتفاء موضوعه، هذا، مع أنه كان بالعوض المسمى وهو ارتفع يقينا فبطل أصل الضمان، لامتناع بقاء الجنس مع ذهاب فصله. وإن كان ضمان اليد فشمول دليل اليد للمقام مشكل، لعدم تجدد اليد والاستيلاء على مال الغير. ولكنك خبير بفساد التوهم، فإن المستفاد من دليل اليد أن كون مال الغير تحت استيلاء شخص يقتضي أن يكون ضمانه عليه إلا أن يتحقق رافعه، ولم يؤخذ مال الغير عنوانا للمأخوذ حتى يقال: إنه حين الأخذ لم يكن مال غيره فلا يشمله قوله (صلى الله عليه وآله) " على اليد ما أخذت " بل اعتبر بالقرينة العقلية في موضوع الحكم بوجوب الأداء، ولا شبهة أنه حين الحكم بوجوب الأداء هذا العنوان موجود، لأنه في هذا الحين مال الغير وإن لم يكن حين الأخذ كذلك. وبالجملة: المال المقبوض إذا طرأ عليه عنوان مال الغير يترتب عليه الضمان، كما أنه لو خرج عن هذا العنوان يرتفع عنه الضمان. ثم إنه لا ينافي ضمان كل منهما لما في يده مع جواز حبسه حتى يسلم الآخر ما في يده، لما تقدم أنه من مقتضيات عقد المعاوضة كاقتضائه التسليم على كل منهما ابتداء. * * *

[ 352 ]

[ القول في القبض ] قوله (قدس سره): (اختلفوا في ماهية القبض في المنقول.... إلى آخره). لا يخفى أن معنى القبض متحد في جميع الموارد وهو الاستقلال والاستيلاء على الشئ، وإنما الاختلاف نشأ مما يتحقق به القبض، ففي غير المنقول هو التخلية، وفي المنقول هو حصوله تحت اليد، ولا فرق بين أفراد المنقول من المكيل والموزون والمعدود وغيرها. واعتبار الكيل والوزن والعد في المكيل والموزون والمعدود ليس لعدم تحقق القبض إلا بها، بل لدليل خارجي. كما أن مجرد الكيل والوزن والعد من دون التسليم إلى من انتقلت هذه الأشياء إليه لا يتحقق بها القبض. فمما ذكرنا ظهر أنه لا وجه لعد الاختلاف في الآثار بين الإقباض والقبض من اختلاف معنى القبض، لما عرفت من أن معناه في جميع الموارد واحد. فالأولى صرف الكلام إلى الأحكام المترتبة على القبض، فنقول: الإقباض والقبض الذي بمعنى الانقباض ليسا كالكسر والانكسار بحيث لا يمكن التفكيك بينهما خارجا، بل هما من قبيل الإيجاب والوجوب، فإن الكسر والانكسار ليس لهما مرتبة إنشائية، بل هما أمران خارجيان لا يتحقق كل منهما بدون الآخر بخلاف الإيجاب والوجوب، فإن لهما مرتبة إنشائية ومرتبة خارجية، والإنشائي من الإيجاب وإن لم ينفك من منشئه في هذه المرتبة ولو صدر ممن ليس له حق الإيجاب إلا أن الخارجي منه والذي يترتب عليه الأثر ينفك عن الإنشائي، لأن

[ 353 ]

السافل وإن أنشأ جدا وحقيقة إلا أنه لا يصير إيجابه منشأ لتحقق الوجوب خارجا. وهذا حال جميع العقود والإيقاعات، فإن تأثيرها خارجا ينفك عن إيجادها - أي إنشاؤها لفظا - وذلك واضح، وحال القبض والإقباض كحال الوجوب والإيجاب لو قلنا بأن الإقباض هو التخلية والانقباض دخوله تحت اليد والاستيلاء، فإنه قد يتحقق التخلية ولا يتحقق تحت الاستيلاء، كما أنه قد يقع دخوله تحت الاستيلاء من دون تسليط من له حق الإقباض. فإذا اختلفا خارجا فلابد من البحث عن أحكام القبض في أنها هل مترتبة على فعل المقبض أو على فعل القابض؟ فنقول: الحكم لو كان تكليفيا - كوجوب الإقباض على الغاصب وعلى المتبايعين فيما يجب عليهما - فلا محالة يترتب على فعل المقبض، لأن التكليف يتعلق بالمقدور، فوجوب الإقباض على الغاصب هو رفع موانع استيلاء المغصوب منه على ماله لا وصوله تحت يده. ولو كان وضعيا فتارة ينشأ من قبل اشتراط أحدهما، واخرى من التعبد، فلو نشأ من الاشتراط فيصير الأمر كالتكليفي، لأن الشرط راجع إلى ما هو تحت قدرة المشروط عليه، فلو شرط البائع على المشتري أن يبيع المبيع من زيد فمرجع الشرط إلى وجوب عرض المشتري المبيع على زيد وإنشاء البيع من المشتري، وأما شراء زيد وقبوله له فهو خارج عن الشرط، فلو قلنا بأن كون تلف المبيع قبل القبض من باب الشرط الضمني فإذا رفع البائع موانع قبض المشتري وخلى بينه وبين المبيع فهو برئ من الضمان وإن لم يتسلمه المشتري. ولو نشأ من دليل التعبد يراعى كيفية الجعل. وظاهر النبوي " كل مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه " (1) أن رفع الضمان بقبض المشتري. وظاهر رواية عقبة بن خالد " حتى يقبض المتاع ويخرجه من بيته " (2) هو أن رفعه بتخلية البائع، فإن ظاهر قوله (عليه السلام) " حتى يقبضه " وإن كان موافقا لظاهر النبوي، لأن الإقباض خارجا بدون القبض لا يتحقق، إلا أن عطف


(1) المستدرك 13: 303، الباب 9 من أبواب الخيار ح 1. (2) الوسائل 12: 358، الباب 10 من أبواب الخيار ح 1.

[ 354 ]

قوله (عليه السلام) " ويخرجه من بيته " على قوله " يقبض المتاع " يوجب صرف ظهور الإقباض عما هو ظاهر فيه ويجعله بمعنى التخلية الصرفة، لأنه ظاهر في كونه تفسيرا له. فلابد من حمل أحد الخبرين على كونه واردا مورد الغالب، وإذا لم يتحقق ترجيح وأمكن حمل كل منهما على الغالب، بأن يحمل رواية عقبة على الغالب من ملازمة الإخراج مع الوصول إلى المشتري فالمدار على الوصول إليه، أو يحمل النبوي على وروده مورد الغالب من ملازمة حصول القبض مع إقباض البائع، فالمدار على فعل البائع فيتساقطان والمرجع هو الاصول. والاستصحاب يقتضي الضمان إلا إذا حصل القبض خارجا من إقباض البائع لو كان منشأ الضمان التعبد، وأما لو كان منشأ الشرط الضمني فلا يجري الاستصحاب، لأن الاشتراط يرجع إلى ما هو فعل المشروط عليه. قوله (قدس سره): (الكلام في أحكام القبض.... إلى آخره). لا يخفى أنه من القواعد المجمع عليها أن تلف المبيع قبل قبضه من مال بائعه، ومع الغض عن الإجماع يدل عليه النبوي ورواية عقبة بن خالد، فأصل الحكم في الجملة مسلم. وإنما الكلام في أنه تعبد صرف، أو من باب اشتراط المتعاقدين. وقبل تنقيح البحث عنه يجب ذكر معاني الألفاظ الواردة في هذا العنوان التي اشير إليها إجمالا في بحث الخيار وأحكامه. أما المبيع فلا يشمل بحسب اللفظ الثمن ولو قيل بشموله له مناطا كما سيجئ إن شاء الله. وأما التلف فهو ظاهر في التلف السماوي، أو ما يلحق به، كما لو كان الإتلاف واجبا شرعا كمورد القصاص والارتداد وصيرورة العبد حرا لا بفعل من مالكه كالمزمن والمقعد، فمثل التنكيل خارج عن هذا الباب، لأنه إتلاف وإن ترتب العتق عليه كترتب المعلول على علته، وكما إذا سرق المتاع ولا يعرف السارق، أو غصبه سلطان لا يرجى عوده. وأما الإتلاف من البائع أو المشتري أو الأجنبي فهو خارج عن هذه القاعدة

[ 355 ]

ولا يشمله النص، سواء قلنا بالتعبدية أو من باب اشتراط التسليم، لأنه على أي حال لا موجب لانفساخ العقد بالإتلاف، كما اشير إليه أيضا في قاعدة التلف في زمان الخيار. وأما القبض فقد عرفت معناه وهو الاستيلاء على الشئ. وأما قوله " فهو من مال بائعه " فظاهره أن التلف يقع في ملك البائع والتالف يصير من أمواله، سواء جعل الظرف لغوا متعلقا بتالف أو مستقرا متعلقا بثابت. وعلى أي حال ليس معناه أن خسارته عليه كما في الغصب، وإلا لكان اللازم التعبير بعلى البائع ونحوه، فلا يمكن جعل الرواية دليلا على ثبوت الضمان الواقعي من المثل أو القيمة. إذا عرفت ذلك فنقول: أما أصل الضمان فمما لا إشكال فيه، لأن المشتري لم يعط الثمن مجانا للبائع ولا البائع المثمن مجانا للمشتري، بل جعل كل منهما ماله بإزاء مال الآخر، وهذا هو معنى الضمان في قاعدة " الخراج بالضمان " وفي قاعدة " كل ما يضمن بصحيحه " فمعناه التعويض. وإنما الكلام في أنه كيف يقتضي التلف انفساخ العقد، لأن كون الثمن عوضا عن المبيع وعدم كونه مجانا معناه عدم هبة المشتري لا وقوع التلف من البائع، لأن المثمن ملك المشتري وتلف في يد غيره من دون تفريط، فنقول: معنى عدم المجانية وإن لم يقتض ذلك، إلا أن المعاوضة تتضمن التزامات مطابقية والتزامات ضمنية. ومن الالتزامات الضمنية تسليم البائع المثمن إلى المشتري خارجا، فإذا لم يمكنه التسليم يبطل العوضية. فإن قلت: تعذر التسليم لا يقتضي البطلان غايته ثبوت خيار تخلف الشرط للمشتري. قلت: لو بقي المال على قابلية التسليم غاية الأمر تعذر لعارض - كالإباق، أو السرقة المرجو عوده، أو امتنع البائع عنه - نلتزم بالخيار. وأما لو لم يبق على صلاحية التسليم - كالتلف وما في حكمه - فلا معنى

[ 356 ]

لخيار تخلف الشرط، لأنه بطل العوضية وامتنع الوفاء بالالتزام الضمني. إن قلت: إمتناعه لا يقتضي أيضا بطلان المعاوضة، غاية الأمر أنه يجب على البائع رد المثل أو القيمة. قلت: لو كان الالتزام الضمني هو البدلية على تقدير البقاء فالأمر كما ذكر، وأما لو اقتضى البدلية على كل تقدير - أي البدلية المطلقة - فحيث خرج المثمن عن كونه قابلا للبدلية فلابد من رجوع الثمن إلى ملك المشتري، لاقتضاء المعاوضة ذلك. وبالجملة: كل من المتعاقدين يجعل المبادلة بين المالين اعتبارا، وكذلك بينهما خارجا - أي يعطي ماله ويأخذ عوضه - وهذا معنى اشتراط التسليم، فمرجع اشتراطه إلى أخذ ما سماه في عقد المعاوضة عوضا لا إلى أخذ البدل الواقعي، فإذا بطل ما سماه في عقد المعاوضة عن العوضية وخرج عن صلاحية البدلية يخرج الآخر عن البدلية، فيرجع قهرا إلى مالكه وهذا معنى الانفساخ. ثم إذا رجع الثمن إلى المشتري فلابد أن يرجع المبيع إلى البائع، ولا يمكن قياسه على الغصب في أنه مع بقاء المغصوب على ملك المغصوب منه يرجع بدله إليه، لأن الغصب لم يكن فيه معاوضة حتى لا يمكن الجمع بين العوض والمعوض، بل وجوب البدل على الغاصب من باب الغرامة وبدل المالية لا بدل العين. وفي المقام حيث إن بدلية المثمن للثمن كانت بالمعاوضة، والمعاوضة إذا اقتضت خروج العوض عن ملك من دخل في ملكه العوض وبالعكس فبطلانها مقتض للعكس، فإذا دخل الثمن في ملك المشتري فلابد أن يخرج المثمن عن ملكه، بل قيل بذلك في الغصب أيضا. وكيف كان، ففي المقام لا إشكال أن الانفساخ كالفسخ، كما أن بالفسخ يرجع كل من العوضين إلى ملك مالكه الأصلي فكذلك في الانفساخ، وهذا مما لا إشكال فيه. إنما الكلام في أن رجوع المبيع إلى ملك البائع قبل التلف آنا ما أيضا على

[ 357 ]

مقتضى القواعد أو تعبد صرف، وإلا فمقتضى القواعد هو انفساخ المعاملة ورجوع المبيع إلى البائع من جهة التلف، فهو معلول للتلف فكيف يتقدم عليه؟ فنقول: هذا أيضا على طبق القواعد، وحقيقة المعاوضة تقتضي ذلك، ويصير التلف كاشفا لا علة. وتوضيح ذلك: أنه لو سلم أن عقد المعاوضة اقتضى ضمان المسمى لا المثل أو القيمة ولازمه انفساخ المعاوضة، وأنه اقتضى رجوع المثمن إلى البائع يجب أن يقال برجوعه إليه آنا ما قبل التلف، لأنه بعد التلف لا يصلح للرجوع ولا قابلية له للعوضية، والمفروض أن بطلان المعاوضة يقتضي دخول ما خرج، فإذا لم يبق ما خرج على صلاحية الدخول اقتضى خلاف ما يقتضيه الانفساخ. ومجرد فرض التالف موجودا لا يخرجه عن المعدومية، فلابد أن يلتزم بما هو صالح للرجوع، والصالح إنما هو قبل التلف. فتحصل: مما ذكرنا أن المحتملات أو الأقوال ثلاثة: الأول: كون تلف المبيع قبل القبض من مال البائع تعبديا صرفا مطلقا. الثاني: كونه مطابقا للقاعدة مطلقا - أي وإن لم يكن نص في المقام - فجميع ما ذكرنا من الانفساخ ورجوع المثمن إلى ملك البائع ورجوعه إليه قبل التلف هو مقتضى قواعد المعاوضات. الثالث: التفصيل بين الجهات بأن يكون أصل الانفساخ على طبق القاعدة، وأما تحققه قبل التلف فبالنص الخاص، وهو الرواية والنبوي. ثم إنه يتفرع على الأول أنه لا يمكن التعدي من تلف المبيع إلى الثمن ولا من البيع إلى غيره، إلا إذا استظهر كون الخصوصية ملغاة، كما في خيار العيب، فإنه يتعدى عن البيع إلى سائر المعاوضات، بل إلى شبه المعاوضات من الخلع ومثله. وأما لو علم دخل الخصوصية أو احتمل كما في خيار المجلس فلا يمكن التعدي. وعلى الثاني والثالث يتعدى إلى الثمن في البيع وإلى المثمن في جميع المعاوضات، لأن أصل الانفساخ على القولين على طبق القواعد. وكونه قبل التلف أو بعده من جهة السريان إلى غير البيع وفيه إلى الثمن لا أثر له، بل على الظاهر لا أثر له أصلا بل هو نزاع علمي، فتدبر.

[ 358 ]

قوله (قدس سره): (مسألة تلف الثمن المعين قبل القبض كتلف المبيع المعين.... إلى آخره). لا يخفى أنه حيث ثبت أن مقتضى المعاوضة مع إمضاء الشارع لها هو انفساخها بتلف كل واحد من العوضين قبل التسليم، فلا فرق بين تلف المثمن أو الثمن، ولا بين البيع وغيره من الصلح والإجارة، بل لو قلنا بالتعبدية فلا فرق أيضا بين تلف المبيع أو الثمن، فإن النبوي وإن اختص بتلف المبيع إلا أن رواية عقبة بن خالد صريح أو ظاهر في سراية هذا الحكم إلى الثمن أيضا، فإن قوله (عليه السلام) " فإذا أخرجه من بيته فالمبتاع ضامن لحقه حتى يرد إليه ماله " صريح في أن المبتاع هو المشتري، والضمان الثابت عليه هو الضمان المعاوضي الثابت على البائع. والضمير في قوله " لحقه " راجع إلى البائع، فيصير مفاده أن المشتري لو قبض المبيع فهو ضامن لحق البائع حتى يرد إليه الثمن، فإذا تلف الثمن قبل أن يرده إليه ينفسخ المعاوضة ويرجع المبيع إلى البائع. واحتمال كون المبتاع هو البائع مساوق لأن لا يكون للشرط جزاء. كما أن احتمال رجوع الضمير إلى المشتري أو كون الضمان عليه هو ضمان اليد لا المعاوضي احتمال لا يعتنى به. مع أن الرواية لو لم تكن صريحة فلا أقل من ظهورها في سراية الحكم إلى الثمن فيكفي للمدعى. نعم، بناء على التعبدية لا يتعدى من البيع إلى غيره من المعاوضات، لأن إلغاء الخصوصية واستظهار أن المناط هو المعاوضة يتوقف على شم الفقاهة خصوصا في تسرية الحكم إلى شبه المعاوضات كعوض الخلع والمهر. ثم إن مما ذكرنا ظهر امور: أحدها: ثبوت أصل الضمان. وثانيها: كون الضمان ضمانا معاوضيا لا ضمانا واقعيا فمقتضاه الانفساخ. وثالثها: أن الانفساخ قبل التلف آنا ما على طبق مقتضى المعاوضة، فعلى هذا يجري هذه الأحكام في سائر المعاوضات. ورابعها: أن الضمان يرتفع بتخلية البائع وإن لم يقبضه المشتري. وبقي هنا أمر آخر يجب التعرض له، وهو أنه هل هذا الضمان قابل للإسقاط

[ 359 ]

أم لا؟ والحق عدم سقوطه بالإسقاط لا لأنه إسقاط لما لم يجب، لأن الضمان فعلي بمقتضى المعاوضة، ولا لأنه مجعول شرعي تعبدي لا يقبل الإسقاط، لأن التعبدي على قسمين: قسم راجع إلى حق خلقي - كخيار الحيوان - وقسم ممحض في كونه حكما شرعيا، كلزوم النكاح وجواز الهبة. فلو كان من قبيل الثاني فلا يقبل الإسقاط مطلقا، لأنه من آثار الحكم وهو المائز بينه وبين الحق. وأما لو كان من قبيل الأول فلو رجع الإسقاط إلى أصل الجعل كما لو جعل العقد غير خياري فهذا راجع إلى الشرط المخالف للكتاب أو لمقتضى العقد، وأما لو رجع إلى إسقاط حقه فلا محذور كما قدمناه في خيار المجلس، بل لأن حكم الضمان المعاوضي حكم ضمان الأعيان، فكما أنه ليس للمغصوب منه إسقاط الضمان عن الغاصب مع بقاء يده على حالها من كونها يد ضمان فكذلك في المقام، لأن المعاوضة إن اقتضت الضمان قبل القبض فقبل رفعها بالإقالة وقبل رفع عدم القبض بهبة أو إباحة لا يمكن أن يرفع مقتضاها. وبالجملة: لابد في رفع الضمان من رفع موضوعه، فمع بقاء الموضوع على حاله لا يمكن رفع أثره، إما لأنه مخالف لأصل الجعل أو مخالف لمقتضى العقد، فليس رفعه تحت استيلائه وسلطنته. قوله (قدس سره): (لو تلف بعض المبيع قبل قبضه.... إلى آخره). لا شبهة في أن تلف بعض المبيع كتلف كله لو كان البعض مما يقسط عليه الثمن في عقد المعاوضة - كتلف أحد العبدين اللذين باعهما صفقة، وتلف من من الحنطة من عشرة أمنان - سواء قلنا بأن القاعدة على القاعدة أو على التعبد. أما بناء على الأول لأن التلف إذا اقتضى انفساخ المعاوضة بالنسبة إلى التالف فيرجع التالف آنا ما إلى ملك البائع. وأما على الثاني فلأن المبيع وإن كان منصرفا عن بعض المبيع وظاهره هو المنتقل إلى المشتري بعقد مستقل لا في ضمن العقد الواقع على المجموع إلا أن هذا الانصراف بدوي، لصدق المبيع على كل جزء مما وقع عليه العقد، ولذا لو لم يكن هذا الجزء موجودا أو مملوكا في حال العقد يبطل البيع بالنسبة إليه ويصح في الباقي.

[ 360 ]

وأما لو لم يكن البعض مما يقسط عليه الثمن - كيد العبد ورجله - فحكمه حكم تلف الوصف، والحق فيه أن تلفه لا يوجب إلا تحقق الخيار للمشتري، سواء كان الوصف مما ثبت فيه الأرش لو كان في أول العقد مفقودا أو لم يكن. وبالجملة: لا فرق بين تلف وصف الصحة وسائر الأوصاف وتعذر الشرط، فإن كلها لو حدث بعد العقد وقبل القبض يكون موجبا للخيار لا الأرش، لأن تعهد البائع بالتسليم موصوفا لا يقتضي انفساخ المعاوضة بالنسبة إليه بعد كونه موصوفا حال العقد. وسره أن في عقود المعاوضة لا يجعل مقدار من الثمن مقابلا للوصف مطلقا، فإن الوصف وإن أوجب تفاوت المبيع في القيمة إلا أن القيمة تجعل بإزاء المبيع ولا تجعل مقدار منها مقابلا للموصوف ومقدار منها بإزاء الوصف، فالانفساخ بلا موجب. غاية الأمر أن الملزم لقبول المشتري لم يتحقق، فله الرد أو الإمضاء مجانا، لأن له الالتزام فعلا بالفاقد. وقد ظهر سابقا أن الارش على خلاف القاعدة فلا يتعدى إلى غير مورده. * * * هذا آخر ما وفقني الله تعالى لضبطه مما استفدت من تحقيقاته - دام ظله - فيما يتعلق بالمكاسب المحرمة وكتاب البيع والخيارات. والحمد لله أولا وآخرا، وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين. ثم لما لبى شيخنا المعظم - قدس الله تعالى سره - داعي الحق وجاور ربه الكريم، طلب مني جماعة من العلماء والأعاظم من إخواني المؤمنين، بل أمروني بطبعه ونشره ليكون تذكرة لاسمه وينتفع به اولو العلم من بعده، فامتثلت أمرهم وأحببت أن الحق به ما استفدته منه في قاعدة الضرر، وزينته تيمنا بثالث، وهو ما صنفه (قدس سره) في حكم اللباس المشكوك فيه، فإنه رسالة شريفة تحتوي على جملة من القواعد الفقهية والمسائل الاصولية والدقائق الحكمية، وتأليف لطيف لم يكتب مثله في الإمامية. فأقول وبالله سبحانه وتعالى أستعين:

[ 361 ]

قاعدة نفي الضرر

[ 363 ]

الحمد لله رب العالمين، وأفضل صلواته وأكمل تحياته على من اصطفاه من الأولين والآخرين محمد وآله الأئمة الطيبين الطاهرين، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين أبد الآبدين. وبعد فيقول موسى بن محمد النجفي الخونساري: لما كانت " قاعدة نفي الضرر " من أهم القواعد الفقهية فينبغي تحريرها على وجه يتبين المراد منها ويظهر كيفية الجمع بينها وبين سائر الأحكام الشرعية والقواعد الكلية. وتنقيح ذلك يتم في ضمن جهات من البحث: الاولى في تشخيص متن الحديث المبارك والمشهور عند الفريقين هو قوله (صلى الله عليه وآله) " لا ضرر ولا ضرار " (1) بلا زيادة كلمتي " في الإسلام " أو " على مؤمن " ولكن في نهاية ابن الأثير: لا ضرر ولا ضرار في الإسلام. والمحكي عن التذكرة أنه أرسله كذلك أيضا. وفي رواية ابن مسكان عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) (2) في ذيل رواية سمرة بن جندب بزيادة " على مؤمن ". والأضبط بل المتعين ما هو المشهور بلا إضافة هاتين الكلمتين، فإنه في مقام


(1) الوسائل 17: 341، الباب 12 من أبواب إحياء الموات الحديث 3. (2) الوسائل 17: 341، الباب 12 من أبواب إحياء الموات الحديث 4.

[ 364 ]

التعارض بين الزيادة والنقيصة كما إذا كانت القضية شخصية وإن كان بناء أهل الحديث والدراية على تقديم أصالة عدم الزيادة على أصالة عدم النقيصة والحكم بثبوتها في نفس الأمر وسقوطها عن الرواية الاخرى الحاكية لتلك القضية بدونها - لأنه بعيد غاية البعد أن يزيد الراوي من عند نفسه على ما سمعه من المعصوم، وهذا بخلاف سقوط هذه الكلمة، فإنه ليس بتلك المثابة من البعد، فلا ينافي ذلك حجية كل واحد من الأصلين من باب أصالة عدم الغفلة - إلا أن في المقام خصوصية بها تقدم أصالة عدم النقيصة على أصالة عدم الزيادة، لأن منشأ حجية هذين الأصلين في حد أنفسهما إذا كان بناء العقلاء، ومنشأ تقديم أصالة عدم الزيادة على أصالة عدم النقيصة إذا كان ما عرفت: من أن توهم أحد الراويين وزيادته على ما سمعه أبعد عن غفلة الآخر عن ضبط ما صدر فيختص بالزيادات البعيدة عن الأذهان دون المعاني المأنوسة والامور المألوفة. فمثل كلمة " في الإسلام " أو " على مؤمن " لا تدخل تحت القاعدة المسلمة عند أهل الحديث والدراية. أما الاولى: فلأنه إذا جاز النقل بالمعنى - كما إذا كان المحكي من الأحكام الشرعية دون الخطب والأدعية - يمكن أن يزيدها الراوي عند حكايته قضايا رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فإن نفي الضرر حيث إنه من المجعولات الشرعية فيتوهم الراوي أنه (صلى الله عليه وآله) نفاه في الإسلام، خصوصا مع ثبوتها في غالب أقضيته (صلى الله عليه وآله) كقوله " لا رهبانية في الإسلام " (1) لا صرورة في الإسلام (2)، لا إخصاء في الإسلام (3)، ونحو ذلك. فيقيس الراوي نفي الضرر على نفي الضرورة مثلا. هذا مضافا إلى أنها لم تثبت في شئ من مسانيد أصحابنا الإمامية، وإنما أثبتها ابن الأثير وهو عامي وأرسلها العلامة في التذكرة التي بناؤه فيها على الاعتماد على طرق العامة فلا يجدي إثباته كلمة غير مثبتة في مسانيد أصحابنا.


(1) كشف الخفاء 2: 528. (2) سنن البيهقي 5: 164. (3) التاريخ الكبير 5: 269، الحديث 869.

[ 365 ]

نعم، في الوسائل في أول باب الميراث وقال الصدوق وقال النبي (صلى الله عليه وآله): الإسلام يزيد ولا ينقص، قال وقال (صلى الله عليه وآله): لا ضرر ولا ضرار في الإسلام، فالإسلام يزيد المسلم خيرا ولا يزيده شرا... إلى آخره (1). ولكن الظاهر من الوسائل أن الصدوق أيضا رواها مرسلا. وكيف كان، فمع عدم وجود هذه الكلمة في جل روايات الأصحاب ومسانيدهم لا عبرة بإثبات ابن الأثير والعلمين من أصحابنا في بعض مصنفاتهما. وعلى هذا فلو لم تكن القضية شخصية وأمكن أن يتعدد المروي تارة مع الزيادة واخرى بدونها كما هي كذلك في المقام - حيث تكرر صدور قوله (صلى الله عليه وآله) لا ضرر ولا ضرار في عدة من الروايات - فلا تنافي بين ما يشتمل عليها وما لا يشتمل، إلا أنها حيث لم تثبت في شئ من مسانيد أصحابنا الإمامية فلا عبرة بها أصلا. وأما الثانية: فلأن الرواية المشتملة عليها وإن كانت من طرقنا ويكفي في ثبوتها وجودها في الكافي إلا أن استفاضة هذا الحديث بدون هذه الزيادة من طرق الفريقين توجب وهنا فيها وإن كانت أصالة عدم الزيادة مقدما على أصالة عدم النقيصة، لأن تقديمها عليها ليس تعبديا صرفا، بل هو من باب بناء العقلاء وأبعدية الغفلة بالنسبة إلى الزيادة عن الغفلة بالنسبة إلى النقيصة. وهذا البناء لا يجري فيما إذا تعدد الراوي من جانب مع وحدة الآخر كما في المقام، لأن غفلة المتعدد عن سماع كلمة " على مؤمن " في غاية البعد، هذا مع أنه يحتمل أن يكون الراوي الواحد زادها من جهة المناسبة بين الحكم والموضوع وأن المؤمن هو الذي يشمله العناية الإلهية ويستحق أن ينفى عنه الضرر امتنانا. وعلى أي حال لا أثر لوجود هاتين الكلمتين، ولا يفرق معنى لا ضرر ولا ضرار بزيادتهما ونقصهما، أما كلمة " في الإسلام " فواضح، لأنها لو لم تكن في ذيل الحديث المبارك لكان المنفي أيضا هو الحكم المجعول في الإسلام.


(1) الوسائل 17: 376، الباب 1 من أبواب موانع الإرث الحديث 9 و 10 و 11.

[ 366 ]

نعم، شيخنا الأنصاري (قدس سره) جعل هذه الكلمة مؤيدة لما استفاده من الحديث المبارك من حكومة القاعدة على الأحكام المجعولة، ومبعدة لإرادة النهي من كلمة " لا ". ولكنك خبير بأن منشأ أختيار الحكومة على المحتملات الاخر الآتية ليس إلا أظهريتها من بين المحتملات لا لوجود هذه الكلمة، فإنها ثابتة في قوله (صلى الله عليه وآله) " لا نجش في الإسلام " (1) مع أن " لا " في هذا المورد لا يناسب النفي، ولا معنى للحكومة، لأن قوله (صلى الله عليه وآله) " لا نجش " أي يحرم تعريف السلعة أو زيادة قيمتها ليرغب إليها المشتري، وأين هذا المعنى من الحكومة ورفع الحكم الثابت وضعا؟ هذا مضافا إلى أن الحكومة مبنية على أن يكون الظرف لغوا ومتعلقا بالضرر المنفي، فيكون معنى الحديث أن الضرر في الإسلام ليس. وأما لو كان الظرف مستقرا - كما في لا نجش في الإسلام، الذي لا شبهة في أن الظرف فيه ظرف للنفي - لا للمنفي فيمكن إرادة النهي منها أيضا. وبالجملة: وجود هذه الكلمة وعدمه سيان في استفادة المعاني المحتملة الآتية من الحديث الشريف. وأما كلمة " على مؤمن " فهي أيضا من جهة الحكومة وسائر المحتملات وجودها وعدمها سيان. نعم، بناء على ثبوتها لا يشمل الحديث الضرر على النفس والضرر على غير المؤمن من الذمي والمعاهد، ولكن بعد ما ثبت من الأدلة الاخرى أن الذمي والمعاهد محقون دمهما ومحترم مالهما وعرضهما وثبت أيضا أن الضرر على النفس محرم كالضرر على الغير فلا فرق بين ثبوتها وعدمها، لإلحاق غير المؤمن بالمؤمن وإلحاق النفس بالغير. بل حرمة الضرر على النفس قد جعلت أصلا في بعض الروايات كما في الوسائل في باب إحياء الموات عن الكليني بسنده إلى أبي


(1) مجمع البحرين 4: 154، وفيه (نهى عن النجش) و (لا تناجشوا ولا تدابروا).

[ 367 ]

عبد الله (عليه السلام) " قال: إن الجار كالنفس غير مضار ولا إثم " (1) مع أن بعض أقسامه يدخل في التهلكة المنهي عن إلقاء النفس فيها. وبالجملة: لا يترتب على وجود هاتين الكلمتين في ذيل الحديث الشريف كثير فائدة. الجهة الثانية في موقع صدوره والظاهر أنه ورد على وجهين: أحدهما: مستقلا من دون كونه ذيلا لقضية، وكبرى لصغرى خارجية. وثانيهما: أنه ورد كبرى لصغرى خارجية، كما في ذيل قضية خاصة. أما الأول: فقد نقله شيخنا مد ظله العالي عن دعائم الإسلام فقال: فيه خبران مرويان عن الصادق (عليه السلام) يتضمن كل منهما حكاية لا ضرر ولا ضرار عن النبي (صلى الله عليه وآله) بلا تعرض لقضية سمرة ونحوها. وفي الوسائل في باب ثبوت خيار الغبن أيضا نقل هاتين الجملتين مع زيادة " على مؤمن " بلا تعرض لقضية اخرى، ولكن حيث إن بناء صاحب الوسائل على تقطيع الأخبار فالظاهر أن ما نقله في هذا الباب هو الذي نقله في ذيل قضية سمرة في كتاب إحياء الموات. وعلى أي حال وروده مستقلا على الظاهر مما لا إشكال فيه، فإن في نهاية ابن الأثير والتذكرة والعبارة التي نقلناها عن الوسائل ناقلا عن الصدوق لم يذكر في ذيل قضية. وأما الثاني: أي وروده كبرى لصغرى خارجية، فقد ورد في ذيل قضية سمرة بن جندب مستفيضا، بل فوق الاستفاضة، فإن هذه القضية مذكورة في كتب


(1) الوسائل 17: 341، الباب 12 من أبواب إحياء الموات الحديث 2.

[ 368 ]

الفريقين بطرق متعددة، ففي مصنفاتنا مروية عن ابن بكير عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام). وعن الصدوق بإسناده عن ابن بكير (1). وعن الشيخ بإسناده عن أحمد بن محمد بن خالد وعن ابن مسكان عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) (2). وفي الجميع ورد قوله (صلى الله عليه وآله): لا ضرر ولا ضرار، بلا زيادة على مؤمن أو معها بعد ذكر قضية سمرة الذي كان يدخل على دار الأنصاري بغير إذنه. وفي ذيل حديث أبي عبيدة الحذاء قال (صلى الله عليه وآله): ما أراك يا سمرة إلا مضارا، إذهب يا فلان فاقطعها واضرب بها وجهه (3). وبالجملة: فورود المتن المذكور ابتداء وفي ذيل قضية سمرة لا إشكال فيه، إنما الكلام في وروده في ذيل قضية اخرى. وقد صرح الأصحاب بوروده في موردين آخرين: أحدهما: في ذيل ثبوت الشفعة، ففي الوسائل محمد بن يعقوب عن محمد بن يحيى عن محمد بن الحسين عن محمد بن عبد الله بن هلال عن عقبة بن خالد عن أبي عبد الله (صلى الله عليه وآله) قال: قضى رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالشفعة بين الشركاء في الأرضين والمساكن، وقال: لا ضرر ولا ضرار (4). وثانيهما: في ذيل كراهة منع فضل ماء البئر ومنع فضل الماء، ففي الوسائل عن محمد بن يحيى عن محمد بن الحسين عن محمد بن عبد الله بن هلال عن عقبة بن خالد عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قضى رسول الله (صلى الله عليه وآله) بين أهل المدينة في مشارب النخل أنه لا يمنع نفع الشئ. وقضى بين أهل البادية أنه لا يمنع فضل ماء ليمنع فضل كلاء فقال لا ضرر ولا ضرار (5). وفي بعض النسخ بدل " نفع الشئ "


(1) الفقيه 3: 233، الحديث 3859. (2) التهذيب 7: 146، الحديث 651، وليس في سنده ابن مسكان. (3) الوسائل 17: 340، الباب 12 من أبواب إحياء الموات الحديث 1. (4) الوسائل 17: 319، الباب 5 من أبواب الشفعة الحديث 1. (5) الوسائل 17: 333، الباب 7 من أبواب إحياء الموات الحديث 2.

[ 369 ]

" نقع البئر " فيظهر من أئمة الحديث أن قوله (صلى الله عليه وآله) لا ضرر ولا ضرار من تتمة قوله (صلى الله عليه وآله) في حكم الشفعة، وهكذا من تتمة نهيه عن منع نقع البئر ومنع فضل الماء. ولكنه يمكن أن يقال: إن لا ضرر ولا ضرار حكم مستقل منه (صلى الله عليه وآله)، وليس من تتمة حكمه في الشفعة وحكمه في منع نقع البئر وفضل الماء وذلك من وجوه: الأول: أن أقضية النبي (صلى الله عليه وآله) مضبوطة عند الإمامية وأهل السنة والجماعة، وبعد اتفاق ما رواه العامة عنه (صلى الله عليه وآله) مع ما رواه أصحابنا عن أبي عبد الله (عليه السلام) وبعد ورود لا ضرر مستقلا في طريقهم إليه (صلى الله عليه وآله) يحدس الفقيه أن ما ورد في طريقنا أيضا كان مستقلا، وكان هو بنفسه من أقضيته (صلى الله عليه وآله) من دون أن يكون تتمة لحديث الشفعة ومنع فضل الماء. وبالجملة: مقتضى ما نقله شيخنا الاستاد مد ظله عن علامة عصره شيخ الشريعة الاصبهاني (قدس سره) أن أكثر أقضية النبي (صلى الله عليه وآله) مروي في مسند أحمد بن حنبل، وأول من رواه عنه (صلى الله عليه وآله) هو عبادة بن الصامت الذي هو من خيار الصحابة، وأن كثيرا منها أو جلها مروية في كتبنا عن الصادق (عليه السلام)، وأول من رواه عنه (عليه السلام) هو عقبة بن خالد. وحيث إن المروي عن عبادة كان لا ضرر ولا ضرار قضاء مستقلا، فإذا عرضنا ما رواه عقبة من تلك الأقضية المتفرقة في كتب أصحابنا على الأبواب على ما رواه ابن حنبل عن عبادة مجتمعة وجدناه موافقا له بألفاظه، سوى أن ما روي عن عقبة جعل لا ضرر في ذيل قضائه (صلى الله عليه وآله) بالشفعة وقضائه بين أهل المدينة ومشارب النخل وقضائه بين أهل البادية وصاحب الماشية. وأما ما روي عن عبادة فهو من الأقضية المستقلة. ومن التوافق بينهما يحدس الفقيه أمرين: أحدهما: أن هذه الأقضية كما كانت مجتمعة في رواية عبادة كانت كذلك أيضا في رواية عقبة، وإنما فرقها أصحاب الحديث على الأبواب على ما هو ديدنهم من ذكر ما يرتبط بذاك الباب دون مجموع الحديث. والثاني: عدم وجود هذا الذيل في حديث الشفعة ومنع فضل الماء في رواية

[ 370 ]

عقبة، بل كان قضاء مستقلا وكان من الجمع في الرواية لا في المروي. وظاهر السياق وإن كان هو الجمع في المروي، إلا أن هذا ظهور لم يخبر به عقبة، وإنما استفاده أئمة الحديث من الجمع في الرواية، وهو يرتفع بأدنى تأمل فيما رووه عن عبادة. بل يشهد اجتماع الأقضية في رواية عقبة أيضا كون الراوي عنه في جميع الأبواب المتفرقة محمد بن عبد الله بن هلال، بل على ما تتبعت يكون الراوي عن محمد بن عبد الله محمد بن الحسين والراوي عن محمد بن الحسين محمد بن يحيى، فراجع. وكيف كان، فهذا الظهور السياقي حجة مع عدم قيام أمارة على خلافه، ويكفي في الأمارة على خلافه تطابق ألفاظ القضايا المروية عن الفريقين، فإن منه يستكشف كون " لا ضرر ولا ضرار " من القضايا المستقلة. الثاني: أنه لو كان من تتمة قضية اخرى في رواية عقبة لزم خلو رواياته الواردة في الأقضية عن هذا القضاء الذي هو من أشهر قضاياه (صلى الله عليه وآله)، لأنه لو كان تتمة لقضية اخرى لا يصح عده من قضاياه (صلى الله عليه وآله) مستقلا. الثالث: أن كلمة " لا ضرار " على ما سيجئ من معناها لا تناسب حديث الشفعة ومنع فضل الماء. الرابع: أنه لا شبهة أن بيع الشريك وكذا منع فضل الماء ليس مما يترتب عليه الضرر، مع أنه من العناوين الثانوية المترتبة على العناوين الأولية، فإن الضرر إما عنوان ثانوي للفعل كما هو كذلك خارجا، أو للحكم الشرعي من حيث كونه كالعلة التكويني له. وبالجملة: ليس الضرر من العناوين الأولية، لعدم وجود مصداق له ابتداء، وإنما يكون دائما معلولا لمصداق كلي طبيعي من العناوين الأولية، فإذا كان كذلك فلابد أن يكون هذا الحكم المعلل به علة خارجية لهذا العنوان الثانوي كالاطلاع على أعراض الناس كما في قضية سمرة ولزوم العقد الغبني ونحو ذلك. ولا إشكال أن بيع الشريك ليس مقتضيا للضرر، فضلا عن أن يكون علة له، مع أنه لو كان علة

[ 371 ]

له فلازمه عدم لزوم البيع لا ثبوت حق الشفعة، وهكذا منع فضل الماء لا يوجب الضرر. نعم، لا ينتفع الممنوع وليس عدم النفع ضررا. وبالجملة: تعليل ثبوت الشفعة وكراهة منع فضل الماء بالضرر لا يستقيم أصلا، فمنه يستكشف عدم كونه من تتمة الحديثين. إن قلت: عدم استقامة كونه علة للحكم لا يكشف عن عدم كونه في ذيل الحديثين، لإمكان أن يكون علة للتشريع. قلت: نعم وإن كان على فرض وروده في ذيلهما لا مناص عن كونه علة التشريع كاختلاط المياه بالنسبة إلى جعل العدة والحرج بالنسبة إلى جعل الطهارة للحديد إلا أن كونه علة للتشريع أيضا بعيد، لأن وقوع الضرر على الشريك والممنوع من فضل الماء اتفافي. وعلة التشريع وإن لم يعتبر كونها دائميا ولكنه يعتبر أن تكون غالبيا أو كثير الاتفاق، فإن الضرر الاتفاقي ليس بتلك المثابة من الأهمية بحيث يجعل له حكم كلي لئلا يقع الناس فيه، إلا أن يقال: إن مناطات الأحكام غير معلومة، فلعل سد باب الضرر ولو في مورد صار منشأ لجعل الحكمين مطلقا. وكيف كان، فعلى فرض اقتران حديثي الشفعة ومنع الفضل بهذا الذيل لابد من جعله حكمة للتشريع، لأنه لو كان هذا الذيل بمساق واحد في موارده الثلاثة وكان كبرى كلية لها وكانت هذه الموارد بأجمعها من صغرياتها لزم إشكالات غير قابلة الدفع، فلا محيص عن الالتزام بالفرق بين الموارد، وهو جعله كبرى كلية في قصة سمرة، وحكمة لتشريع الحكم الإلزامي في باب الشفعة، ولتشريع الحكم الغير الإلزامي في باب منع فضل الماء. توضيح الإشكالات: أنه لو كان كبرى كلية في الموارد الثلاثة لزم أولا: هدم أساس الحكومة وسائر المعاني المذكورة في الحديث المبارك، لأنه لاريب أن منع فضل الماء المملوك ليس إلا على نحو الكراهة دون الحرمة، ولا شبهة أيضا أن

[ 372 ]

الصغرى لابد أن تكون قطعي الاندراج في الكبرى. ولازم هاتين المقدمتين أن يكون لا ضرر مستعملا في القدر المشترك بين الحكم الالزامي وغيره، نظير صيغة الأمر المستعملة في القدر المشترك بين الطلب الالزامي وغيره، فلا يمكن استفادة نفي الحكم بلسان نفي الموضوع، ولا نفي الحكم الضرري، ولا نفي الضرر الغير المتدارك، ولا النهي. وثانيا: يلزم ارتفاع ا لأحكام المجعولة إذا كان جعلها من معدات الضرر ومن المقدمات البعيدة له، فإن الشريك بنفسه ليس ضرريا لا حقيقة ولا عرفا، بل استلزام بيع الشريك الضرر على شريكه، نظير استلزام استخراج الحديد من المعدن قتل المقتول بالسيف واستلزام استخراج الرصاصة منه قتل المقتول بالبندق، في كونه من المعدات للضرر لا العلة له. وبالجملة: قد تقدم أن الضرر من العناوين الثانوية للأفعال، فلابد أن يكون ترتبه على معنونه ترتب المعلول على علته، كترتب الضرر على دخول دار الغير بلا إذن منه، لا كترتب الضرر على الماشية بمنع فضل الماء وترتب الضرر على الشريك ببيع شريكه، وإلا لزم تأسيس فقه جديد. وثالثا: مقتضى كون الموردين متيقن الاندراج تحت الكبرى هو التعدي إلى ما يشاركهما في مناط الاندراج تحتها، لأن بعد الالتزام أن كلما استلزم الضرر ولو بوسائط عديدة فهو مرفوع، فيلحق بمسألة الشفعة سائر صور بيع الشريك بل يلحق بها غير البيع أيضا، ويلحق بالماشية الزرع وغيره، وفي الزرع وإن قيل بالإلحاق بها على ما نقل عن المبسوط إلا أنه لا يمكن إلحاق غيره بها، بأن يقال: كلما يستلزم من منع المالك فضول ماله ضررا على الغير فهو مرفوع، فإن الالتزام به يستلزم فقها جديدا كاستلزامه على الإشكال السابق. والفرق بين هذا المحذور والمحذور السابق، هو أن التعدي إلى سائر الموارد على الوجه السابق إنما هو من طرف الموضوع ومن حيث أخذ الضرر بالعنوان الأعم من العلة والمعد مرفوعا وعلى هذا الوجه من طرف الحكم المستفاد من النفي فتدبر جيدا.

[ 373 ]

وهذه الإشكالات مندفعة بما ذكرنا: من أنه على فرض ورود " لا ضرر " و " لا ضرار " في ذيل حديثي الشفعة ومنع فضل الماء لا محيص عن كون نفي الضرر حكمة للتشريع لا علة للحكم، ولا يلزم محذور ولا توهم إشكال إلا أمران: الأول: أنه كيف يكون عنوان واحد تارة علة للتشريع واخرى بنفسه من المجعولات الشرعية مع ما بينها من التباين والتنافر على ما بينا في مبحث العام والخاص، وإجماله أن علة التشريع ما لا يمكن للمكلف إحرازه وتمييز المورد المشتمل على العلة عما لا يشتمل عليها، ولذا لا يمكن جعله حكما تكليفيا ملقى إلى المكلف، وهذا بخلاف المجعول الشرعي، فإنه هو الذي يلقى إلى المكلف ويكلف بفعله أو تركه، لكونه مقدورا له إما ابتداء أو بالواسطة ويميز مورد تحققه عن غيره. والثاني: أنه لو دار أمر الشئ بين كونه علة للتشريع وكونه مجعولا شرعيا فالأصل هو الثاني، فكيف يترك هذا الأصل في المقام ويحكم بكون لا ضرر علة للتشريع في باب الشفعة ومنع فضل الماء. ولكنك خبير باندفاعهما: أما الأول: فلأن العنوان الواحد لو كان من العناوين الأولية وكان بالنسبة إلى مصاديقه متواطيا لما صح إرادة علة التشريع منه تارة ومجعولا شرعيا اخرى. وأما لو كان من العناوين الثانوية وكان مشككا بالنسبة إلى مراتبه والمصاديق المندرجة تحته - بأن يكون مسببا توليديا ومقدورا بالواسطة تارة وأثرا إعداديا اخرى - فلا مانع من أن يجعل مجعولا شرعيا في مورد وحكمة للتشريع في مورد آخر. ومجرد اتحاد اللفظ لا يمنع عن وروده بكلا اللحاظين، لأنه في أحد الموردين يجعل حكما شرعيا وملقى إلى المكلف ويطلب منه فعله أو تركه لكونه مقدورا له ولو بواسطة أسبابه ومقدماته كما يؤمر بالتطهير والتبريد ونحوهما، وفي المورد الآخر يجعل حكمة للتشريع كما في سائر موارد حكم التشريع وعلله. وضابطه أن يكون هو بالنسبة إلى الأثر المرغوب من المعد دون الجزء الأخير من

[ 374 ]

العلة التامة، بل يكون الجزء الأخير من العلة أمرا غير اختياري يكون هو الواسطة بين الأمر الاختياري والأثر المترتب على مجموع الأجزاء. ثم إنه لو جعل الضرر حكمة للتشريع أمكن اختلاف الحكم الذي شرع لعدم ورود الضرر أحيانا، فقد يكون حكما وضعيا كما في الشفعة، وقد يكون تكليفا غير إلزامي وعلى جهة الرجحان والفضل، كما في النهي عن منع فضل الماء. وعلى هذا فلا يلزم استعمال " لا ضرر " في القدر المشترك بين الحكم الوضعي وغيره نظير الطلب المشترك بين اللزوم وغيره، ولا في القدر المشترك بين كونه مجعولا شرعيا بنفسه وحكمة للتشريع، بل استعمل في كل مورد بمعنى يباين ما استعمل في مورد آخر، ولا محذور فيه، لما ظهر أن مجرد اتحاد التعبير ليس مانعا عن استعماله في المعاني المتباينة، كما هو الشأن في كل مشكك. وأما الثاني: فلأن الأصل فيما ورد من الشارع وإن كان يقتضي أن يكون هو الحكم المجعول لا الحكمة وبيان الخواص والغايات المترتبة على الأفعال، لأن وظيفة الشارع هي التشريع، إلا أن مستند هذا الأصل هو الظهور السياقي وهو يرتفع بأدنى ظهور على خلافه، ولا سيما في مثل المقام الذي يمتنع جعله حكما شرعيا في الموردين ثبوتا وإثباتا. أما ثبوتا فلما هو المشاهد بالعيان أن بيع الشريك ليس علة لترتب الضرر على شريكه ولا منع فضل الماء علة لترتب الضرر على الماشية، بل غاية ما هما عليه أن يكونا من المقدمات الإعدادية للضرر نظير ما ذكرنا من أن استخراج الحديد من المعدن من المقدمات الإعدادية للقتل، فإذا كانا من المعدات فلا يمكن جعل الضرر المترتب عليهما أحيانا من الحكم المجعول بحيث يرد النهي عليه، بل لا محيص عن جعل عدم ترتبه من علل تشريع الشفعة وكراهة منع فضل الماء. وأما إثباتا فلأن ضابط كون العنوان مجعولا شرعيا وكونه بمنزلة الكبرى لمورده لا حكمة للتشريع أن يكون المورد مندرجا فيه موضوعا وحكما. أما موضوعا فبأن يكون مصداقا خارجيا له وفردا تكوينيا منه كقوله

[ 375 ]

" لا تشرب الخمر لأنه مسكر " فإن الخمر من المصاديق الخارجية للمسكر بحيث لو لم يكن هذا التعليل أيضا لكان مندرجا تحته. وأما حكما فهو على أحد وجهين: إما بأن يكون ذكر المورد لمجرد تحقق الموضوع والعام مسوقا لبيان حكمه، كما في أخبار الاستصحاب، فإن قوله " فهل علي أن أغسله؟ " بمنزلة الموضوع وقوله (عليه السلام) " لا، لأنك أعرته إياه وهو طاهر " (1) سيق لبيان حكمه. وهكذا في قضية سمرة ونحو ذلك، من العمومات الواردة بعد تحقق بعض مصاديقها. وإما بأن يكون الحكم الوارد على المورد متعقبا بحكم عام كما في قوله " أكرم زيدا لكونه عالما، ولا تشرب الخمر لكونه مسكرا ". ولا شبهة أن " لا ضرر " على فرض وروده في ذيل حديثي الشفعة ومنع فضل الماء لا يمكن أن يكون بمنزلة الكبرى الكلية للموردين، لخروجهما عنه موضوعا وحكما. أما موضوعا فلعدم كونهما مصداقين خارجيين منه، لما عرفت أنهما من المقدمات البعيدة منه. بل ولو فرض تحقق الضرر دائما من بيع الشريك ومنع فضل الماء إلا أنه من باب الاتفاق أيضا لا العلية، وذلك لوضوح أنه لا مناسبة بين البيع والضرر ولا بين منع فضل الماء والضرر. فلا يمكن أن يكون الضرر عنوانا ثانويا لهما، كما في التطهير والغسل ونحو ذلك من العناوين المترتبة على أسبابها الخارجية والمحصلات التوليدية. وأما حكما فلما عرفت أنه على أحد وجهين، وكل منهما لا يجريان في الضرر في الموردين على أي معنى اريد من لا ضرر، سواء قيل بأنه لبيان حرمة الإضرار، أو أن الضرر الغير المتدارك غير مجعول، أو كان نفي الحكم بلسان نفي الموضوع، أو كان لنفي الحكم الضرري.


(1) الوسائل 2: 1095، الباب 74 من أبواب النجاسات الحديث 1.

[ 376 ]

أما على الأولين فواضح، لأنه لو لم يرد قوله (صلى الله عليه وآله) " لا ضرر ولا ضرار " في ذيل حديثي الشفعة ومنع فاضل الماء بل ورد حكما مستقلا لا يكاد يستفاد منه حكم الشفعة وفاضل الماء، لأنه لا مناسبة بينهما. مع أنهما لو كانا محكومين بهذا الحكم لكان اللازم استفادة حكمهما من مجرد قوله (صلى الله عليه وآله) " لا ضرر " كاستفادة وجوب إكرام " زيد العالم " من أكرم العلماء، وحرمة " شرب الخمر " من لا تشرب المسكر، واستفادة حرمة " نقض اليقين بالطهارة " من قوله: لا تنقض اليقين بالشك. وهذا الإشكال وإن كان في الحقيقة إشكالا في الموضوع، ولكنه على فرض صدق الضرر على الموردين أيضا نقول: لا يمكن استفادة هذين الحكمين من نفس لا ضرر على فرض عدم تصريحه (صلى الله عليه وآله) بثبوت حق الشفعة وكراهة منع فضل الماء، لعدم مناسبة بين حرمة الإضرار أو وجوب تدارك الضرر وثبوت حق الشفعة وكراهة منع فضل الماء وإن سلمنا السببية التامة بين بيع الشريك ومنع فضل الماء ولزوم الضرر على الشريك الآخر والماشية. وأما على الأخيرين اللذين مرجعهما إلى حكومة لا ضرر على الأحكام المجعولة فلعدم المناسبة أيضا بين الحكومة وهذين الحكمين، لأن مقتضى الحكومة في الأول فساد البيع وخروج فاضل الماء عن تحت استيلاء مالكه، لا ثبوت خيار الشفعة للشريك الذي مرجعه إلى إمضاء الضرر الوارد من بيع الشريك مع تداركه بالخيار الذي قد يتدارك به الضرر وقد لا يتدارك كما عند إعسار من له الأخذ بالشفعة. وفي الثاني الحكم بكراهة منع فضل الماء ومرجوحية الإضرار على الماشية الذي مرجعه أيضا إلى إمضاء الضرر من دون تدارك. وبالجملة: على فرض اقتران الحديثين الشريفين عند صدورهما عنه (صلى الله عليه وآله) بهذا الذيل فلابد من حمله على حكمة التشريع، ولا يصح جعله كبرى كلية لمورده، فينحصر مدرك القاعدة على هذا بما هو المستفيض صدوره كبرى كلية منه (صلى الله عليه وآله) في قصة سمرة بن جندب، فإن هذه القضية هي التي تسلم عن جميع

[ 377 ]

المناقشات، لكون المرور على الأنصاري بغير إذن منه الموجب لهتك عرضه من أعظم أفراد الضرر، فيكون صغرى لهذا الكبرى ومندرجا فيها موضوعا وحكما بأي معنى من المعاني الآتية للحديث. الجهة الثالثة في فقه الحديث الشريف وقد اختلفت تعبيرات اللغويين وشراح الحديث في تفسير كل من الضرر والضرار، ففي الصحاح: الضر خلاف النفع، وقد ضره وضاره بمعنى، والاسم الضرر. ثم قال: والضرار المضارة. وعن المصباح: ضره يضره من باب قتل إذا فعل به مكروها، وأضر به يتعدى بنفسه ثلاثيا وبالباء رباعيا والاسم الضرر، وقد يطلق على نقص في الأعيان، وضاره يضاره ضرارا يعني ضره. وفي القاموس: الضرر ضد النفع، وضاره يضاره ضررا، ثم قال: والضرر سوء الحال، ثم قال: والضرار الضيق. وفي نهاية ابن الأثير: في الحديث لا ضرر ولا ضرار في الإسلام الضرر ضد النفع، ضره يضره ضرا وضرارا وأضر به يضره إضرارا فمعنى قوله " لا ضرر " أي لا يضر الرجل أخاه بأن ينقصه شيئا من حقه. والضرار فعال من الضر، أي لا يجازيه على إضراره بإدخال الضرر عليه. والضرر فعل الواحد والضرار فعل الاثنين، والضرر ابتداء الفعل والضرار الجزاء عليه. وقيل الضرر ما يضر صاحبك وتنتفع أنت به، والضرار أن تضره من غير أن تنتفع. وقيل هما بمعنى واحد، والتكرار للتأكيد. وفي مجمع البحرين - الذي هو في مصنفاتنا كنهاية ابن الأثير في مصنفات العامة من كتب التفسير - قال: وفي حديث الشفعة قضى رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالشفعة

[ 378 ]

بين الشركاء في الأرضين والمساكن، وقال: ولا ضرر ولا ضرار في الإسلام. ثم فسر الكلمتين بما فسرهما به ابن الأثير بأدنى تفاوت في العبارة فراجعه. والمتحصل من مجموع هذه الكلمات ومن موارد الاستعمال: أن الضرر عبارة عن فوت ما يجده الإنسان من نفسه وعرضه وماله وجوارحه، فإذا نقص ماله وطرف من أطرافه بالإتلاف أو التلف أو زهق روحه أو هتك عرضه بالاختيار أو بدونه يقال: إنه تضرر به، بل يعد عرفا عدم النفع بعد تمامية المقتضي له من الضرر أيضا. وأما الضرار فهو وإن كان من مصادر باب المفاعلة والأصل فيه أن يكون بين اثنين ولذا فسره ابن الأثير به، إلا أن الظاهر بل المتعين في أغلب موارد استعماله أن يكون بمعنى الضرر، كقوله عز من قائل * (والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين) * (1) وقوله * (وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فامسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا) * (2) وعلى هذا فيمكن أن يكون في المقام للتأكيد. وعلى أي حال، لم يستعمل في المقام على معنى باب المفاعلة ولا بمعنى الجزاء على الضرر، لأنه لم يرد من الأنصاري ضرر على سمرة ولا وقع مضارة بينهما، فتفسير الحديث بفعل الاثنين أو الجزاء على الضرر لا وجه له. ويحتمل قريبا أن يكون استعمال لا ضرار هنا بعناية اخرى، وهي العناية الموجبة لخطابه (صلى الله عليه وآله) بسمرة بقوله (صلى الله عليه وآله) " إنك رجل مضار " وهي عبارة عن إضرار ذلك الشقي بإضراره على الأنصاري على ما يظهر من متن الحديث. فقوله (صلى الله عليه وآله): إنك رجل مضار وإن أمكن أن يكون بمعنى أنك رجل مضر، كما في قوله عز من قائل و * (لا تضار والدة بولدها) * (3) إلا أن إصراره على الإضرار كأنه صار بمنزلة صدور الفعل بين الاثنين منه، وكأنه اتصف بهذا الوصف، فإن أغلب موارد


(1) التوبة: 107. (2) البقرة: 231. (3) البقرة: 233.

[ 379 ]

استعمال اسم الفاعل من باب المفاعلة هو أن يكون صدور المبدأ نعتا للفاعل كما يقال: زيد محارب أو مماطل أو مقاتل، قال الله سبحانه * (وفضل الله المجاهدين على القاعدين) * (1) وقال سبحانه * (ومن يخرج من بيته مهاجرا) * (2) وقال عز اسمه * (أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله) * (3). والجملة: يحتمل قريبا أن يكون لا ضرار لبيان نفي تعمد الضرر والإصرار عليه، ويؤيد ذلك ما رواه هارون بن حمزة الغنوي " عن أبي عبد الله (عليه السلام) في بعير مريض اشتراه رجل بعشرة دراهم وشاركه الآخر بدرهمين بالرأس والجلد، فقضى إن برأ البعير وبلغ ثمنه دنانير، فقال (عليه السلام): لصاحب الدرهمين خمس ما بلغ، فإن قال اريد الرأس والجلد فليس له ذلك، هذا الضرار... إلى آخره (4). فإن ظاهر هذه الرواية أنه استعمل الضرار في التعمد على الضرر والقصد إليه، كما في قضية سمرة. فحاصل الفرق بين الضرر والضرار أنه لو كان حكم أو فعل يلزم منه الضرر من دون تعمد وإصرار عليه فهو الضرر، وأما إن كان عن قصد إلى ورود الضرر وتعمد عليه فهو الضرار. وكيف كان، فليس اختلاف معناهما أو كون الثاني تأكيدا للأول مما يهم الفقيه كثيرا وإنما المهم البحث عن مفاد الجملة التركيبية، فالأولى صرف العنان إليه، فنقول: قد ذكروا فيه وجوها، وقال بكل قائل: الأول: إبقاء النفي على حقيقته وكون المنفي هو الحكم الضرري، ومرجعه إلى نفي الحكم الذي يوجب ثبوته ضررا على العباد، سواء كان الضرر ناشئا من نفس الحكم كما في لزوم العقد وسائر الأحكام الوضعية، أو باعتبار متعلقه كالوضوء


(1) النساء: 95. (2) النساء: 100. (3) التوبة: 19. (4) الوسائل 13: 49، الباب 22 من أبواب بيع الحيوان الحديث 1.

[ 380 ]

الضرري وغيره من الأحكام التكليفية. وقد نسب هذا الوجه إلى فهم الأصحاب، واختاره شيخنا الأنصاري (قدس سره) (1)، وهذا هو المختار كما سنبين وجهه. الثاني: إرادة النهي من النفي، ومرجعه إلى تحريم الإضرار. وهذا هو الذي يظهر من كلمات اللغويين وشراح الحديث كما تقدم عبائرهم. فإن قول ابن الأثير في تفسيره بأن لا يضر الرجل أخاه، وما يقرب من ذلك يرجع إلى النهي عن إضرار الغير. لكن يمكن أن يستظهر منهم حيث أوردوا تفاسيرهم بصيغة المضارع المنفي دون النهي أنهم بصدد تفسير المنفي دون النفي. وكيف كان فقد اختار ذلك صاحب العناوين (2) وأصر عليه شيخ الشريعة الإصفهاني (قدس سرهما) (3)، وبالغ الثاني في استظهار هذا المعنى محتجا بنظائره مما ورد في الكتاب والسنة مدعيا ظهورها في النهي أيضا. ولكنك خبير بأن مجرد دعوى التبادر وظهور هذا المعنى في سائر التراكيب - على فرض تسليمه - لا يثبت المدعى، مع منع إرادة النهي من سائر التراكيب أيضا. نعم، لو لم يمكن إرادة المعنى الأول ولا ما يرجع إليه من المعنى الثالث فيتعين ذلك. الثالث: نفي الحكم بلسان نفي الموضوع، كما في قوله (صلى الله عليه وآله) " لا رهبانية في الإسلام " ونحو ذلك، ومرجع هذا المعنى إلى أن الموضوع الضرري لا حكم له. واختار ذلك المحقق الخراساني (قدس سره) ورتب على هذا آثارا: منها: عدم حكومة لا ضرر على الاحتياط العقلي، فقال في الكفاية في المقدمة الرابعة من الانسداد: وذلك لما حققناه في معنى ما دل على نفي الضرر والعسر من أن التوفيق بين دليليهما ودليل التكليف والوضع المتعلقين بما يعمهما هو نفيهما عنهما بلسان نفيهما، فلا يكون له حكومة على الاحتياط العسر إذا كان


(1) المكاسب 23: 114، الرسائل 2: 534. (2) العناوين 1: 316 - 319. (3) قاعدة لا ضرر: 24 - 25.

[ 381 ]

بحكم العقل، لعدم العسر في متعلق التكليف، وإنما هو في الجمع بين محتملاته احتياطا. نعم، لو كان معناه نفي الحكم الناشئ من قبله العسر - كما قيل - لكانت قاعدة نفيه حاكمة على قاعدة الاحتياط (1). ومنها: ما أفاده في حاشيته على مكاسب الشيخ الأنصاري في شرح قوله " في خيار الغبن بأن انتفاء اللزوم وثبوت التزلزل في العقد لا يستلزم ثبوت الخيار في العقد " فقال: هذا إذا كان المرفوع بحديث لا ضرر الحكم الناشئ منه الضرر، وأما إذا كان المرفوع ما كان للضرر من الحكم مع قطع النظر عن هذا الحديث كان المرفوع في المعاملة الغبنية وجوب الوفاء بها وهو يستلزم جوازها كما لا يخفى. نعم لا يستلزم ثبوت الخيار الحقي (2). وبالجملة: فحاصل ما أفاده (قدس سره) في مقابل استاده شيخنا الأنصاري هو أن الشيخ يعبر عن مفاد لا ضرر بأن الحكم الضرري لا جعل له، وهو يعبر عنه بأن الموضوع الضرري لا حكم له. ونحن بينا في باب الانسداد وفي خيار الغبن بأنه لا فرق بين هذين التعبيرين في الأثر على فرض صحة ما أفاده، وسيجئ في المقام أن نفي الحكم بلسان نفي الموضوع ممتنع في لا ضرر ولا ضرار. الرابع: أن يكون كناية عن لزوم التدارك، أي الضرر المجرد عن التدارك منفي. وهذا المعنى نسبه شيخنا الأنصاري (قدس سره) إلى بعض الفحول، وقال بعد ما اختاره من المعنى: ثم إن أردء الاحتمالات هو الثاني وإن قال به بعض الفحول، لأن الضرر الخارجي لا ينزل منزلة العدم بمجرد حكم الشارع بلزوم تداركه وإنما المنزل منزلته الضرر المتدارك فعلا إلى آخر كلامه (قدس سره) (3). ولا يخفى أن ما أفاده من أن هذا الوجه أردء الاحتمالات هو الحري بالتحقيق، خصوصا لو أراد بعض الفحول من لزوم التدارك - الذي ادعى كونه معنى


(1) الكفاية: 358. (2) حاشية المكاسب: 183. (3) رسالة في قاعدة لا ضرر (رسائل فقهية): 114.

[ 382 ]

كنائيا أو مدلولا التزاميا لنفي الضرر والضرار - مجرد وجوبه تكليفيا على المضر دون اشتغال ذمته به، لأن مجرد حكم الشارع بوجوب تدارك الضرر تكليفا غير موجب لعد الضرر الواقع بمنزلة العدم ويقال لا ضرر ولا ضرار. وعلى فرض استفادة الوضع منه أيضا يكون هذا الوجه أردء الوجوه، لأنه على هذا يكون لا ضرر مدركا لقاعدة فقهية لا عين لها ولا أثر في كلمات الأصحاب، لأنه لم يعهد من واحد منهم عد الضرر من أحد أسباب الغرامة كعدهم الإتلاف والتلف في بعض المقامات منها. وبالجملة: مع ورود صحيحة الكناني ورواية الحلبي الصريحتين في أن " من أضر بشئ من طريق المسلمين فهو له ضامن " لم يعدوا الإضرار من أسباب الضمان، وإنما حكموا بالضمان على من حفر بئرا في طريق المسلمين ونحوه من باب الإتلاف بالتسبيب لاستناد التلف إلى السبب دون المباشر، فراجع باب الضمان. وكيف كان، فأحسن الوجوه وأصحها هو ما أختاره شيخنا الأنصاري - وهو ثالث الوجوه في كلامه - لأن هذا الوجه يصلح لأن يكون مدركا للقاعدة الفقهية المتداولة بين الفقهاء دون الثاني والرابع. أما الثاني فلأنه بناء عليه يكون " لا ضرر " بنفسه حكما فرعيا ودليلا على حرمة الإضرار كسائر أدلة المحرمات. وأما الرابع فلما عرفت من أنه لم يعهد من أحد عد الضرر من أسباب الغرامات، وهذا بخلاف هذا الوجه، فإنه دليل لكثير من الأحكام الشرعية، كخيار الغبن وسقوط النهي عن المنكر وإقامة الحدود ولزوم أداء الشهادة ووجوب الوضوء وغير ذلك من الموارد العديدة المعدودة أغلبها في " العناوين " وكثير مما عده في هذا الكتاب وإن لم يخل عن مناقشة، لعدم انحصار مدركه في قاعدة نفي الضرر، ولكنه على أي حال هي المدرك في كثير من الفروض ويطلع عليه المتتبع المراجع في كتب الأصحاب لا سيما العلامة (قدس سره) في التذكرة.

[ 383 ]

وكيف كان، هذا الوجه هو المتعين بين المحتملات من حيث نفس التركيب وباعتبار وروده في الروايات كبرى كلية، كالرواية الواردة في قضية سمرة والواردة في البعير المريض، وبهذا الوجه يقدم على أدلة الأحكام، فإن هذا هو أساس الحكومة أو ما يرجع إلى ذلك دون المعنيين الآخرين. أما كون هذا المعنى متعينا بين المحتملات فتوضيحه يتوقف على تمهيد امور: الأول: قد ذكرنا في أول البراءة في بيان معنى حديث الرفع: أن وجود هذه المرفوعات في الخارج لا يلازم استعمال الرفع في الحديث المبارك في غير معناه الحقيقي، أو تقدير شئ من المؤاخذة ونحوها حتى يصح استعماله في معناه الحقيقي. بل حيث إن الرفع الوارد في كلام الشارع رفع للتسعة في عالم التشريع فاستعمل في معناه الحقيقي، ويتعلق بما يقبل الرفع بنفسه - كقوله (صلى الله عليه وآله) رفع ما لا يعلمون - وما لا يقبله إلا بأثره كرفع النسيان وأخواته بجامع واحد. نعم يختلف نتيجة الرفع باختلاف المرفوع، فقد يفيد الحكم الظاهري وقد يفيد تخصيص الأحكام الواقعية، وحال " لا ضرر ولا ضرار " بعينه حال " رفع عن امتي تسعة " فكما أن الرفع في هذا الحديث تعلق بما يقبل الرفع بنفسه وما لا يقبله إلا بأثره فكذلك يمكن تعلق نفي الضرر بكلتا الطائفتين من دون لزوم تجوز أو ادعاء ونحوهما من العنايات، لأنه ليس قوله (صلى الله عليه وآله) " رفع " أو " لا ضرر " إخبارا حتى يلزم تجوزا وإضمارا لئلا يلزم الكذب، فإذا لم يكن لا ضرر إلا إنشاء ونفيا له في عالم التشريع فيختلف نتيجته باختلاف المنفي كاختلاف المرفوع. ثم إنه كما يكون النفي الخبري حقيقيا تارة كقوله - لا رجل في الدار - وادعائيا اخرى كقوله (عليه السلام) " يا أشباه الرجال ولا رجال " كذلك النفي التشريعي أيضا ينقسم إلى هذين القسمين كقوله (عليه السلام) " لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب " وقوله (عليه السلام) " لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد " وينتج الفساد في الأول ونفي الكمال في الثاني من دون استعمال النفي في الصحة في الأول والكمال في الثاني، بل لأن نفي الأمر القابل لأن تناله يد الجعل حقيقة مقتضاه نفي المجعول واقعا، وهذا عين الفساد، ونفيه ادعاء مقتضاه نفي الكمال.

[ 384 ]

وكيف كان، النفي باعتبار الأثر أيضا من مراتب النفي في عالم التشريع، كما أوضحنا ذلك في حديث الرفع وقلنا: إنه بجامع واحد يتعلق بما لا يعلمون وبالخطأ والنسيان، وكذلك فيما لا يعلمون يشمل بجامع واحد الشبهة الموضوعية والشبهة الحكمية، وكذلك في قوله (عليه السلام) " كل شئ حلال حتى تعلم أنه حرام " يشمل الحلية بجامع واحد مشتبه الحكم ومشتبه الموضوع. وذكرنا أن ما أفاده المحقق القمي: من أن إرادة الأمرين منه استعمال للفظ واحد في أكثر من معنى غير صحيح، لأن الأمرين كل منهما من مصداقه. وقلنا في باب الاستصحاب أيضا إن قوله (عليه السلام) " لا تنقض اليقين بالشك " يشمل بجامع واحد الشبهة الحكمية والموضوعية، فإشكال استعمال اللفظ فيما اريد رفع الحكم والموضوع في أكثر من معنى واحد في استعمال واحد غير وارد. والتوقف إلى الإضمار أو التجوز فيما لو تعلق الرفع أو النفي بموضوع ذي حكم غير صحيح، بل يصح تعلقهما بالموضوع بلا إشكال. ولكنه مع ذلك لو دار الأمر بين تعلقهما بالحكم وبموضوع ذي أثر فتعلقهما بالموضوع في طول تعلقهما بالحكم. وبالجملة: وإن صح تعلق النفي في مثل " لا ضرر " بالموضوع، لأن النفي بلحاظ الأثر أيضا نفي تشريعي حقيقي، ولكنه لا تصل النوبة إليه إلا بعد تعذر تعلق النفي في مثل " لا ضرر " بالموضوع، لأن النفي بلحاظ الأثر أيضا نفي تشريعي حقيقي ولكنه لا تصل النوبة إليه إلا بعد تعذر تعلق النفي بما هو مجعول بنفسه. وأما لو أمكن ذلك فهو مقدم على النفي بلحاظ الأثر. وضابطه: أن يكون نفس هذا النفي صالحا لأن تناله يد الجعل، إما باعتبار المنفي كما لو قيل لا وجوب ولا لزوم ونحوهما، وإما من حيث نفس النفي كما لو قيل لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب ولا بيع إلا في ملك ونحوهما. وعلى هذا، فلا فرق بين أن يكون المنفي من الأحكام الشرعية الوضعية أو التكليفية، ولا بين أن يرد النفي على الماهيات المخترعة كالصلاة والصوم وأن يرد على الامور الإمضائية كالبيع والرهن، ولا بين أن يرد على العنوان الأولي

[ 385 ]

كالأمثلة المتقدمة أو يرد على العنوان الثانوي أي المسبب التوليدي كالضرر والحرج ونحوهما، ولا فرق أيضا بين أن يكون النفي نفيا بسيطا - أي كان النفي واردا لسلب ذات الشئ - وأن يكون نفيا تركيبيا أي واردا لسلب شئ عن شئ. وتوضيح ذلك: أنه قد تقدم منا مرارا أن الأحكام الشرعية من الامور الاعتبارية النفس الأمرية ووجودها التكويني عين تشريعها، فإذا كانت كذلك فإثباتها أو نفيها راجعة إلى إفاضة حقيقتها وإيجاد هويتها أو إعدامها عن قابلية التحقق، فعلى هذا يكون نفيها من السلب البسيط. وقوله (صلى الله عليه وآله) " لا ضرر ولا ضرار " أيضا من هذا القبيل كما سيجئ توضيحه. وأما الماهيات الاختراعية أو الامور الدائرة بين العقلاء المتعلق بها الإمضاء فحيث إن قابليتها للجعل اختراعا وتأسيسا أو إمضاء وتقريرا عبارة عن تركيب أنفسها أو محصلاتها دون إفاضة هوياتها وإيجاد حقائقها، فلا محيص من أن يكون النفي الوارد عليها من السلب التركيبي، ولا جرم يكون المجعول فيها نفس النفي دون المنفي. وبالجملة: الأحكام الشرعية سواء كانت تكليفية أو وضعية كالوجوب واللزوم فنفيها نفي بسيط، وما تناله يد الجعل هو المنفي، فإنها بشراشر هويتها مما تناله يد الجعل. وأما متعلقات التكليف كالصلاة والصيام ونحوهما والمعاملات من العقود والإيقاعات فنفيها نفي تركيبي، وما تناله يد الجعل هو نفيها دون أنفسها، لأنها من الامور الخارجية. والشارع إما يجعل التركيب بينها كالماهيات المخترعة وإما يمضيها كباب العقود والإيقاعات. ثم إن السلب التركيبي على قسمين: قسم ينفى فيه هذه الماهيات عن شئ كقوله: لا صلاة إلا بطهور، ولا صيام لمن لم يبت الصيام من الليل، ولا عتق إلا في ملك، ولا رهن إلا مقبوضا، ولا سبق إلا في خف أو حافر أو نصل، ونحو ذلك. وقسم عكس ذلك وهو أن ينفى فيه شئ عن هذه الماهيات، كما في مثل

[ 386 ]

" لا شك في المغرب " (1) و * (لا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج) * (2) ونحو ذلك. وفي القسم الأول يفيد النفي الجزئية أو الشرطية. وفي القسم الثاني المانعية، فإن نفي الماهية عن شئ معناه عدم تحقق الماهية بدون ذلك. وأما نفي شئ عن الماهية فمعناه ضدية وجود هذا الشئ فيها، أي الماهية قيدت بعدمها. وكيف كان، فينتج النفي في القسمين الفساد لا لاستعمال النفي في نفي الصحة في هذه الأمثلة وفي نفي الكمال في مثل " لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد " لأن نفي هذه الطبيعة عن شئ حقيقة ونفي شئ عنها كذلك مرجعه إلى نفي هذا التركيب أو هذا المجعول أو ردع ما عند العقلاء، ونفيه تشريعا على نحو الحقيقة ينتج الفساد. واعتبار شئ في الماهية وجودا أو عدما، أو اعتبار قيد في ما بيد العرف والعقلاء كذلك. هذا تمام الكلام في ضابط ما يكون النفي الوارد في هذا التركيب قابلا لأن يتعلق به الجعل من حيث نفس النفي أو المنفي. وأما ضابط ما يكون النفي واردا باعتبار الأثر فهو ما إذا امتنع تعلق الجعل به لا من حيث النفي ولا من حيث المنفي لكونه من الامور الخارجة، ولكنه كان ذا حكم لولا هذا النفي بأحد وجهين: إما بأن يكون بنفس عنوانه موضوعا لحكم عند العرف أو في الشرائع السابقة والنفي واردا لإلغاء ذلك الحكم ونسخه كقوله (صلى الله عليه وآله) " لا رهبانية في الإسلام " وقوله (صلى الله عليه وآله) " لا صرورة في الإسلام " وقوله (صلى الله عليه وآله) " لا إخصاء في الإسلام " ونحو ذلك مما صدر منه (صلى الله عليه وآله) لنسخ الأحكام السابقة وإلغائها من الاعتبار، وإما بأن يكون مندرجا لولا هذا النفي في عموم أو إطلاق وكان النفي واردا لإخراج هذا الفرد عن موضوع العام أو المطلق كقوله (صلى الله عليه وآله) " لا شك لكثير


(1) الوسائل 5: 306، الباب 2 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 13، وفيه (وليس في المغرب سهو). (2) البقرة: 197.

[ 387 ]

الشك " و " لا شك في نافلة " و " لا شك للمأموم مع حفظ الإمام " ونحو ذلك مما ورد لإخراج مصداق عن موضوع العام أو المطلق. وأمثلة هذا القسم كالقسم الأول كثيرة فمن أمثله القسم الثاني قول علي (عليه السلام): لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. ومن أمثلة القسم الأول قوله (صلى الله عليه وآله) " لا حمى إلا ما حمى الله ورسوله " وقوله (صلى الله عليه وآله): لا صمت يوم إلى الليل. وبالجملة: كلما تعلق النفي بالموضوع الخارجي سواء كان بلفظ " لا " كقوله (صلى الله عليه وآله): لا كلام في الصلاة، أو كان بلفظ " ليس " كقوله (عليه السلام): وضع الرجل إحدى يديه على الاخرى في الصلاة عمل وليس في الصلاة عمل (1)، أو كان بلفظ " رفع " كقوله (صلى الله عليه وآله): رفع عن امتي تسعة الخطأ والنسيان... إلى آخره. فغاية ورود النفي فيه إنما هو بلحاظ الأثر فإذا كان النفي نفيا بسيطا فهو الذي يكون من نفي الحكم بلسان نفي الموضوع، وهذا الموضوع لا محالة محكوم اما في الجاهلية وإما في الشرائع السابقة بحكم حتى يكون هذا النفي واردا لنفي حكمه السابق. وأما لو لم يكن له حكم فلا معنى لنفي الحكم بلسان نفي الموضوع، وزيادة كلمة في الإسلام في كثير من هذا القسم إنما بعناية نسخ الحكم السابق في الإسلام. ثم إنه لابد أن يكون عنوانا اختياريا كالرهبانية والخصاء ونحو ذلك حتى يكون نفيه التشريعي موجبا لنفيه التكويني، بل ينحصر حسن التعبير عن نفي الحكم بلسان نفي الموضوع بذلك، ولذا لا يصح ورود النفي على الموضوعات الخارجة عن تحت قدرة المكلف لنفي أحكامها. ولابد أيضا أن يكون الحكم المنفي هو الحكم الجائز قبل ورود النفي. وأما لو كان حكما تحريميا فلا ينتج نفي الحكم بلسان نفي الموضوع نسخه بل يدل على إمضائه، كما لو قيل: لا ختان ولا طلاق ولا تعدد زوجات في الإسلام. فتأمل.


(1) الوسائل 4: 1264، الباب 15 من أبواب قواطع الصلاة الحديث 4.

[ 388 ]

وحاصل الكلام: أن نفي الحكم بلسان نفي الموضوع يصح في النفي البسيط بقيود ثلاثة: وهي كونه ذا حكم، واختياري، وحكم جوازي. وأما إذا كان النفي نفيا تركيبيا فالنفي فيه تخصيص بلسان الحكومة. وبعبارة اخرى: النفي فيه تحديد لما اخذ موضوعا لذلك الحكم المنفي بما عدا مورد النفي، فمثل قوله (عليه السلام) " لا شك لكثير الشك " يدل على اختصاص البناء على الأكثر لغير كثير الشك، وهكذا في نظير ذلك. وهذا عين معنى الحكومة فمثل قوله (صلى الله عليه وآله) " لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق " ورد تحديدا لما ورد من الأمر بإطاعة الوالدين أو الزوج أو المولى، ولا وجه لحمل النفي في هذا المثال ونظيره على النهي، فإنه مضافا إلى كونه خلاف ظاهر النفي ولا تصل النوبة إلى حمله على النهي إلا بعد تعذر حمله على النفي التشريعي يمتنع إرادة النهي في المقام، إذ لا معنى لتحريم معصية الخالق، فإنه من تحصيل الحاصل. نعم، لو ضاق الخناق في مورد فلابد من حمله على الإرشاد إلى ما يستقل به العقل من قبح معصية الله سبحانه، كحمل الأوامر الواردة في قوله عز من قائل * (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول واولي الأمر منكم) * (1) على الإرشاد. الثاني: أن الكلام المشتمل على النسبة التامة منه ما يتمحض للإنشائية كالأمر والنهي، ومنه ما يتمحض للحكاية كالجمل الاسمية التي موضوعها من الجوامد الغير المصدرة ب‍ " لا " و " ليس " و " الإشارة " و " الضمير " مع كون محمولها من غير عنوان الإيقاعات كالطلاق والعتق ونحوهما كزيد قائم وعمرو ضارب ونحو ذلك، ومنه ما يشترك بين الأمرين كالجمل الفعلية الماضوية والمضارعية والاسمية المصدرة ب‍ " لا " و " ليس " و " رفع " ونحو ذلك والاسمية التي محمولها من الإيقاعات مثل " هند طالق " وزيد حر. ثم إنه لا إشكال أن الإنشاء والإخبار من المداليل السياقية لا مما وضع له


(1) النساء: 59.

[ 389 ]

اللفظ، والمدلول السياقي يختلف باختلاف المقامات. فقد يستكشف من قوله " بعت " انشاء البيع، وقد يستكشف منه الحكاية. وعلى هذا، فلو لم يمكن إبقاء النفي على حقيقته، لعدم كون المنفي صالحا لأن تناله يد الجعل لا باعتبار نفس النفي ولا باعتبار المنفي، وعدم كونه ذا حكم لا بنفس عنوانه ولا لكونه مندرجا لولا النفي تحت عمومه أو إطلاق. فإذا كان المنفي عنوانا اختيارا صالحا لتعلق التكليف به تعين بمقتضى السياق حمل الجملة على الجملة الطلبية، وجعل النفي في قوة النهي تارة تحريميا كقوله (صلى الله عليه وآله) " لا غش بين المسلمين " (1) واخرى تنزيهيا كقوله (صلى الله عليه وآله) " لا هجر بين المسلمين فوق ثلاثة أيام " (2) من دون رعاية عناية في اللفظ ولا تقدير في الكلمة، لأن مقام الشارعية يقتضي الحمل على الطلب، فإن حال الجملة المتضمنة لنسبة المصدر أو اسم ا لمصدر إلى الفاعل هو حال فعل المضارع بعينه، وكما أن فعل المضارع يحمل على الطلب إذا لم يرد حكاية عن تلبس الفاعل بمبدأ الاشتقاق فكذلك حال المصدر واسم المصدر من دون مؤنة إضمار ولا تجوز وعناية ونحو ذلك. والسر في ذلك أن مناط تمحض الأمر والنهي للإنشاء هو كونهما موضوعين لإيقاع التلبس بالمبدأ وعدم التلبس به في عالم التشريع على الفاعل، ومعنى " اضرب " أنت متلبس بالضرب تشريعا الذي مفاده كن متلبسا بالضرب. ومن إلقاء المبدأ إلى الفاعل تشريعا وإيقاع التلبس به إليه كذلك لا تكوينا يتحقق مصداق للطلب، وليس معنى " اضرب " أطلب منك الضرب. فإذا كان هذا مناط الإنشاء والطلب في الأمر والنهي، فكل ما يشاركهما في هذا المناط فهو مثلهما في كونه طلبيا. وفعل المضارع كقوله: " يعيد " أو " لا يعيد " أو المصدر كقوله: " لا غش " و " لا هجر " إذا كان لإيقاع التلبس بالمبدأ أو عدم التلبس فيفيد الطلب أمرا أو نهيا


(1) سنن الدارمي 2: 248. (2) العزلة لابي خطاب: 5.

[ 390 ]

فقوله (صلى الله عليه وآله) " لا غش " أي يحرم. وهكذا في غير هذا المثال لو وصلت النوبة إلى هذا المعنى فمعناه التحريم، كقوله عز من قائل * (لا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج) * (1) من دون تجوز ورعاية علاقة. هذا إذا كان المنفي عنوانا اختياريا. وأما إذا لم يكن عنوانا اختياريا إما لذاته واما لأخذه مفروض الوجود في الخارج والنفي قد ورد بعد فرض وجوده، فلا يصح أن يكون النفي الوارد عليه بمعنى النهي إما لخروج متعلقه عن تحت القدرة وإما لكون النهي عنه من الطلب الحاصل، فلا مناص حينئذ عن كونه تنزيلا لوجوده منزلة عدمه. فلو قيل: لا رجل في الدار أو لا ضرر في الإسلام وفرضنا وجود الرجل في الدار ووجود الضرر في الإسلام فلا محالة ينزل وجودهما منزلة العدم، ويستكشف عن هذا التنزيل منشأ التنزيل ويكون هو مدلولا التزاميا للكلام، ويختلف باختلاف مورد التنزيل. ففي مثل " لا رجل " يدور مدار وقوع هذا الكلام في أي مورد صدر، فقد يقع في مقام نفي الشجاعة، وقد يقع مقام نفي الرجولية والآثار الحاصلة منها، وغير ذلك من الامور التي لا تحصى. وأما في مثل " لا ضرر في الإسلام " فينحصر وجه التنزيل إما بالوضع أو التكليف، وهذا مضافا إلى بعده لانحصار هذا المعنى في هذا المثال فقط لا يمكن الالتزام به أيضا لا لما ذكره شيخنا الأنصاري (قدس سره)، فإنه يمكن الجواب عنه إذا وصلت النوبة إليه وضاقت الأرض بما رحبت، بل لأنه لا تصل النوبة إليه، لما ظهر في هذين الأمرين أن مراتب النفي التشريعي أربع: الأول: نفي الحكم الضرري. الثاني: نفي الحكم بلسان نفي الموضوع، أي نفي الأثر. الثالث: إرادة النهي. الرابع: فرض الموجود بلحاظ لزوم تداركه وضعا أو بلحاظ حكمه تكليفا منزلة العدم.


(1) البقرة: 197.

[ 391 ]

وهذه المراتب الأربع طولية لا يتنزل من كل سابق إلى لاحقه إلا بعد تعذر السابق، وأما مع إمكانه كما سيتضح فلا وجه لإرادة هذا المعنى الذي هو أردء الوجوه إلا على توجيه سنذكره. الثالث: قد ذكر الفقهاء في باب الضمان أنه لو تلف العين المضمونة فيجب على الضامن من تداركها، إما بالمثل أو القيمة. وذكروا أن أداء المثل أو القيمة بمنزلة أداء نفس العين التي يجب أداؤها بمقتضى قوله (صلى الله عليه وآله): على اليد ما أخذت حتى تؤدي. ومقتضى ذلك: أنه إذا حكمنا باشتغال ذمة الضار وضعا صح تنزيل الضرر الموجود منزلة المعدوم، كما يصح تنزيل المعدوم منزلة الموجود في العين التالفة. وبالجملة: المعنى الرابع وإن كان متأخرا عن المعاني السابقة عليه ولكنه إذا وصلت النوبة إليه فلابد من الالتزام به وفرض الضرر الموجود منزلة عدمه بلحاظ اشتغال ذمة الضار بلزوم التدارك وضعا، وهذا التنزيل في العرف شائع، ولذا يخسرون الأموال لجلب المنافع وإذا حصل لهم النفع فلا يعدون ما خسروه ضررا. نعم، مجرد وجود التدارك تكليفا لا يقتضي صحة تنزيل الضرر المفروض وجوده منزلة عدمه. وحاصل الفرق: أن مجرد الجعل الشرعي لا يرفع الضرر الخارجي إذا كان تكليفيا محضا. وأما إذا انتقل قيمة العين التي أتلفها المتلف إلى ذمته، فيصح أن يقال: لا ضرر، كما يصح أن يقال: أدى العين إذا أدى مثلها أو قيمتها. فما أفاده شيخنا الأنصاري (قدس سره) في ملحقات المكاسب في تعليل كون هذا الوجه أردء الاحتمالات من قوله: إن الضرر الخارجي لا ينزل منزلة العدم بمجرد حكم الشارع بلزوم تداركه، وإنما المنزل منزلة الضرر المتدارك فعلا إلى آخر كلامه (قدس سره) (1).


(1) رسالة في قاعدة لا ضرر (رسائل فقهية): 114.

[ 392 ]

ففيه: أنه لا وجه لجعل النفي كناية عن وجوب التدارك تكليفا، بل إذا وصل الأمر إلى هذا فيجعل كناية عن اشتغال ذمة الضار وضعا، فينزل منزلة العدم بهذا الاعتبار. فما جعله وجها لكونه أردء الاحتمالات لا يصلح إلا معينا لما يستكشف من هذا التنزيل لا دليلا على الامتناع، فوجه الامتناع أنه لا تصل النوبة إلى فرض الموجود منزلة المعدوم، إذ بعد كون الضرر من العناوين الاختيارية الصالحة لتعلق الأحكام بها فإخراجه عن هذه الصلاحية بفرض وجوده وكذلك إخراج النفي الوارد عليه عن كونه حكما شرعيا بجعله مسوقا لإفادة حكم آخر وهو اشتغال ذمة الضار في غاية البعد ونهاية الغرابة، مع أنك قد عرفت أنه لم يجعل أحد من الفقهاء الضرر من أسباب الضمان إلا إذا دخل تحت عنوان الإتلاف. ويرجع إليه قوله (عليه السلام) في صحيح الكناني ومثله: من أضر بشئ في طريق المسلمين فهو له ضامن. وكيف كان فهذا الوجه أبعد الاحتمالات، فيدور الأمر بين الوجوه الاخر والمتعين هو الوجه الأول، لأن إرادة النهي من النفي بعيد لا يصار إليه إلا بعد تعذر النفي. هذا مضافا إلى أن النص والفتوى يخالف هذا المعنى، فإن في قضية سمرة وكذلك البعير لا يناسب كون لاضرر واردا لمجرد بيان الحرمة. والمراجع إلى كلمات العلماء يعلم بأنهم استدلوا به لنفي الحكم الوضعي وجعلوه حاكما على أدلة الأحكام. وكذلك لا يمكن إرادة نفي الحكم بلسان نفي الموضوع بأن يكون النفي واردا باعتبار الأثر، لما ظهر أن النفي الوارد بلحاظ الأثر على قسمين: قسم منه يمكن أن يكون من قبيل نفي الحكم بلسان نفي الموضوع، وهو السلب البسيط المتعلق بما كان ذا حكم جوازي مع كونه عنوانا اختياريا. وقوله " لا ضرر " وإن كان نفيا بسيطا والضرر وإن كان عنوانا اختياريا إلا أن حكمه السابق حيث لم يكن إباحة كان إما تحريما وإما قبيحا على ما يستقل به العقل فإرادة نفي الحكم بلسان نفي الموضوع ينتج ضد المقصود في بعض المقامات، كما في مورد إتلاف مال الغير فإنه لو ورد في هذا المقام قوله (صلى الله عليه وآله) لا ضرر فمفاده أن

[ 393 ]

هذا الفرد الصادر خارجا من المتلف لا حكم له كما ان هذا مفاد قوله (عليه السلام) لا سهو في سهو أي السهو الصادر من الساهي لا حكم له. وما أفاده المحقق الخراساني في توجيه هذا المعنى في حاشية الرسائل من أن المنفي هو جواز الإضرار بالغير أو وجوب تحمل الضرر عن الغير فإذا لم يكن الإضرار بالغير مشروعا فيبقى هذا الفرد الصادر خارجا من المتلف تحت عموم من أتلف (1) لا يفيد لرفع الإشكال، لأن الإضرار بالغير لم يكن جائزا في الجاهلية أو في الشرائع السابقة حتى يرد لا ضرر لنفيه، كورود لا رهبانية في الإسلام ونحوه لنفي ما كان مشروعا في السابق. وبالجملة: نفي الحكم بلسان نفي الموضوع إنما يصح مع القيود الثلاثة المتقدمة، وفي مثل " لا ضرر " لا يستقيم هذا المعنى، فورود النفي بلحاظ الأثر في هذا القسم وهو السلب البسيط لا يصح. وأما القسم الآخر وهو السلب التركيبي الذي عرفت أن ضابطه إخراج فرد عن عنوان ذي حكم لولاه لكان مندرجا تحت ذلك العنوان كقوله (عليه السلام) " لا شك لكثير الشك " فلا يستقيم في المقام أيضا، لعدم كون السلب سلبا تركيبيا. نعم، لو كان الخبر مثل قوله " لا وضوء ضرريا لا عقد ضرريا " ونحو ذلك لكان من قبيل لا شك لكثير الشك. وعلى هذا فلا سبيل إلى دعوى كون النفي في المقام واردا باعتبار الأثر. وعلى أي حال، ما استنتجه المحقق الخراساني (قدس سره) مما اختاره من نفي الحكم بلسان نفي الموضوع من عدم حكومة لا ضرر على الاحتياط العقلي، ففيه: أنه لا فرق على مسلكه ومسلك شيخنا الأنصاري (قدس سره) كما بينا وجهه في الاصول في مقدمات الانسداد. وهكذا ما أفاده في باب خيار الغبن من الفرق بين المسلكين لا يستقيم أيضا كما لا يخفى.


(1) درر الفوائد: 283.

[ 394 ]

بل يمكن أن يقال: إنه لو كان المراد منه أن الفرد الضرري لا حكم له فمقتضاه بطلان نفس العقد، لأن العقد الغبني لو لم يكن له حكم فرفع خصوص اللزوم لا وجه له. وهذا بخلاف ما إذا كان المراد منه أن الحكم الناشئ منه الضرر ليس بمجعول، لأنه لابد أن يلاحظ أن المجعول الذي ينشأ منه الضرر هل هو الصحة أو اللزوم؟ ولا إشكال أن الجزء الأخير للعلة التامة هو اللزوم لا الصحة فيجب أن يتعلق الرفع به لا بالصحة. وكيف كان، فالمعنى الأول وهو نفي الحكم الضرري أصوب الوجوه وأقوى المحتملات، لأنه هو المعنى الحقيقي للنفي. نعم، قد يتوهم أن الضرر حيث يكون عنوانا ثانويا للأفعال فيختص صحة ورود النفي البسيط عليه بما إذا كان عنوانا ثانويا ومسببا توليديا عن الامور الخارجية التكوينية، دون ما إذا كان عنوانا ثانويا للامور التشريعية كلزوم العقد ووجوب الوضوء، لا سيما في مثل الأخير، فإن إيجاب الوضوء على من يتضرر به ليس علة تامة للزوم الضرر، بل هو من المعدات. فإسناد الضرر إلى الحكم إسناد مجازي. ولكنك خبير بفساد هذا التوهم وأنه لا فرق في الإسناد الحقيقي بين أن يكون الضرر عنوانا ثانويا للامور الخارجية التكوينية وأن يكون عنوانا ثانويا للامور الشرعية، وأنه يصح نفي الضرر حقيقة عن كليهما بجامع واحد. أما إذا كان الحكم الضرري من قبيل لزوم العقد من الوضعيات المترتبة عليها آثارها بنفس تشريعها فواضح، لأن الضرر الناشئ من لزوم العقد كالعقد الغبني مثلا إنما ينشأ من نفس تشريع اللزوم بقوله عز من قائل * (أوفوا بالعقود) * (1) ونحوه، فيكون جعل اللزوم وإنشاؤه تشريعا للضرر وعلة تامة له من دون توسط أمر آخر في البين.


(1) المائدة: 1.

[ 395 ]

وأما إذا كان من التكليفيات كإيجاب الوضوء على من يتضرر به وما كان من قبيل ذلك كجعل السلطنة للمالك أو الشريك على ما يتضرر به الجار أو الشريك، فلأن ترتب الضرر على الإيجاب والجعل وإن كان بتوسط إرادة المكلف واختياره وليس نفس البعث والجعل علة تكوينية للوقوع في الضرر إلا أن إرادة المكلف حيث كانت مقهورة في عالم التشريع لهذا البعث والجعل الشرعي فبالأخرة ينتهي الضرر إلى البعث والجعل كانتهاء المعلول الأخير إلى العلة الاولى، لا كانتهائه إلى المعد، فإنه فرق بين سقي الزارع وحرثه وبين أمر الشارع وجعله، فإن السقي معد لحصول السنبل. والجزء الأخير من العلة التامة وهو النمو وانعقاد الحبة ونحو ذلك من الامور الملكية والملكوتية خارج عن تحت قدرة الزارع. وأما إرادة العبد واختياره ففي عين كونها اختيارية مقهورة لإرادة الله سبحانه، لأن العبد ملزم عقلا ومجبور شرعا بالامتثال. فالعلة التامة لوقوع المتوضئ أو الشريك أو الجار في الضرر هي الجعل الشرعي. وبالجملة: كلما وقع في سلسلة معلولات الحكم الشرعي فلا يخرج الأثر المترتب بتوسطها عن كونه متولدا عن العلة الاولى وعنوانا توليديا لها. نعم، إذا كانت هناك واسطة خارجة عن هذه السلسلة فلا يستند الأثر إلى تلك الواسطة، ولذا حكموا بأنه لو حفر أحد بئرا في الشارع العام ووقع أحد فيه بلا التفات ولا إلقاء من غيره فالضمان يستند إلى الحافر. وأما لو دفعه غير الحافر إلى البئر فالضمان يستند إليه لا إلى الحافر. وحاصل الكلام: أنه لا فرق بين لزوم العقد ووجوب الوضوء في صحة إسناد الضرر إلى الجعل الشرعي على كلا التقديرين، فإن الضرر في القسم الأول يجري مجرى الإحراق من الإلقاء في النار، وفي القسم الثاني مجرى الاحتراق المنتهى بتوسط علله الطولية إلى تأجيج النار. نعم، بينهما فرق من جهة اخرى، وهي أن في القسم الأول لا يصح إسناد الضرر إلا إلى الجعل الشرعي.

[ 396 ]

وفي الثاني يصح إسناده إلى فعل المكلف واختياره أيضا، إلا أن هذا لا يوجب عدم صحة إسناده إلى ذي الواسطة وهو الجعل الشرعي، والشاهد على ذلك قوله عز من قائل * (وما جعل عليكم في الدين من حرج) * (1) فعبر سبحانه وتعالى عن عدم جعل ما يترتب الحرج على امتثاله بنفي جعله، ولا شبهة أن نسبة الضرر والحرج الشرعي نسبة واحدة. فما اريد من الآية الشريفة هو المراد من الحديث الشريف. غاية الأمر أن الآية الشريفة صريحة في أن الحكم الحرجي غير مجعول، والحديث المبارك ظاهر في هذا المعنى، لإمكان جعل الضرر فيه عنوانا ثانويا لأفعال المكلفين، ولكنه لا يصادم هذا الظهور مجرد الاحتمال. هذا مضافا إلى أنه لو جعل عنوانا ثانويا للحكم لكان النفي مستعملا في معناه الحقيقي، وهذا بخلاف ما لو جعل عنوانا ثانويا للفعل، فإنه لابد أن يكون النفي بمعنى النهي كما تقدم وجهه. فالحمل على الحقيقة يقتضي الأخذ بهذا المعنى مضافا إلى اتحاد سياقه وسياق نفي الحرج. ومما ذكرنا ظهر: أن نفي الحكم الضرري الذي قلنا: إنه المراد من قوله (صلى الله عليه وآله): " لا ضرر " لا يستلزم المجازية - بأن يكون من قبيل استعمال المسبب وإرادة سببه كي يرد عليه كما في حاشية المحقق الخراساني (قدس سره) على رسائل شيخنا الأنصاري (قدس سره) بأنه ليس من الشائع المتعارف في المحاورات التعبير عن نفي السبب بنفي مسببه (2) - لما ذكرنا من أن الضرر عنوان ثانوي للحكم ونفي العنوان الثانوي وإرادة العنوان الأولي ليس من باب المجاز، وإنما يستلزم المجاز لو كان الحكم من قبيل المعد للضرر أو إذا كان سببا له كان من قبيل حركة اليد بالنسبة إلى حركة المفتاح في كونهما وجودين مستقلين أحدهما مسبب عن الآخر، وأما مثل القتل أو الإيلام المترتب على الضرب فإطلاق أحدهما على الآخر شائع متعارف. وبالجملة: نفس ورود القضية في مقام التشريع وإنشاء نفي الضرر حقيقة


(1) الحج: 78. (2) درر الفوائد: 282.

[ 397 ]

تقتضي أن يكون المنفي هو الحكم الضرري، لا أنه استعمل الضرر واريد منه الحكم الذي هو سببه. ثم إنه ينبغي التنبيه على امور: - الأول - قد ظهر مما ذكرنا أن عمدة الدليل على هذه القاعدة ما ورد منه (صلى الله عليه وآله) في ذيل قضية سمرة، ولكن أورد عليه شيخنا الأنصاري (قدس سره) إيرادين: الأول: ما أفاده في رسالته المعمولة في هذه المسألة التي طبعت في آخر كتاب مكاسبه فقال (قدس سره): وفي هذه القصة إشكال من حيث حكم النبي (صلى الله عليه وآله) بقلع العذق مع أن القواعد لا تقتضيه ونفي الضرر لا يوجب ذلك، لكن لا يخل بالاستدلال (1). والثاني: ما أفاده في رسالته في هذه المسألة في الرسائل فقال (قدس سره): ثم إنك قد عرفت بما ذكرنا أنه لا قصور في القاعدة المذكورة من حيث مدركها سندا ودلالة، إلا أن الذي يوهن فيها هي كثرة التخصيصات فيها بحيث يكون الخارج منها أضعاف الباقي كما لا يخفى على المتتبع... إلى آخره (2). ولكنك خبير بعدم ورودهما أصلا. أما الأول: ففيه أولا أن قوله (صلى الله عليه وآله) " لا ضرر " ليس علة لقلع العذق، بل علة لوجوب استئذان سمرة وإنما أمر الأنصاري بقلع عذقه، لأنه (صلى الله عليه وآله) بإصرار سمرة على إيقاع الضرر على الأنصاري قد أسقط احترام ماله فأمر (صلى الله عليه وآله) بقلع عذقه من باب الولاية العامة حسما للفساد. وثانيا لو سلمنا كونه علة لقلع العذق إلا أن هذا لا ينافي القواعد، لأن لا ضرر حاكم على قاعدة السلطنة التي من فروعها احترام مال المسلم الذي هو عبارة عن سلطنة المالك على منع غيره عن التصرف في ماله.


(1) المكاسب 23: 111. (2) الرسائل 2: 537.

[ 398 ]

ولا يقال: على فرض أن يكون احترام مال المسلم من فروع سلطنته وعدم كونه قاعدة مستقلة، إلا أن قاعدة السلطنة مركبة من أمر وجودي وهو كون المالك مسلطا على التصرف في ماله بما يشاء، وأمر سلبي وهو سلطنته على منع غيره عن التصرف في ماله. والضرر إنما يرد على الأنصاري من تصرف سمرة في ماله بما يشاء لا من منع الأنصاري عن قلع عذقه، فلا وجه لسقوط احترام ماله رأسا وكونه من قبيل ما لا مالك له، ولذا لا شبهة في سلطنته على بيعه أو هبته من غيره. وبالجملة: لابد أن يلاحظ الجزء الأخير من علة الضرر، وليس هو إلا دخوله على الأنصاري بلا استئذان لا كون ماله محترما. لأنا نقول: جهة السلطنة وإن انحلت إلى جزئين إيجابي وسلبي، إلا أن هذا تحليل عقلي لا أنها مركبة من حكمين، فلا معنى لأن يكون قاعدة لا ضرر حاكمة على أحد جزئي السلطنة دون الآخر. نعم، الجزء الأخير من علة الضرر ابتداء وبلا واسطة هو الدخول بلا استئذان، إلا أنه حيث يكون متفرعا على إبقاء نخلته في البستان فالضرر ينتهي وينشأ بالأخرة من علة العلل فينفي حق الإبقاء. وتوضيح ذلك بعد ظهور القضية في أن سمرة لم يكن مالكا إلا للعذق، وأن البستان المغروس فيها النخيل كان للأنصاري. غاية الأمر أنه كان مستحقا لإبقائها فيها مجانا إما لاستئجاره الأرض للغرس وإما لكون مالكها واحدا ابتداء ثم انتقل الأرض إلى أحد والنخلة إلى آخر. فعلى أي حال كان سمرة مستحقا لإبقائها، فإذا كان كذلك وكان هذا علة لجواز الدخول على الأنصاري بلا استئذان، فلو كان المعلول والفرع مستلزما للضرر فنفي الضرر رافع لأصل العلة والأصل. وبالجملة: الضرر في الحقيقة نشأ من استحقاق سمرة لإبقاء العذق في الأرض، لأن جواز الدخول بلا استئذان من فروع هذا الاستحقاق. فقاعدة لا ضرر يرفع هذا الاستحقاق، لأنها بمنزلة الكبرى الكلية، وقوله (صلى الله عليه وآله) " إنك رجل مضار " صغرى لها وقوله (صلى الله عليه وآله) " إذهب فاقلعها " نتيجة لهاتين المقدمتين. وتفرع جوازا الدخول بلا

[ 399 ]

استئذان على استحقاق إبقاء النخلة نظير تفرع وجوب المقدمة على وجوب ذيها، وكما لا شبهة في أنه لو ارتفع وجوب المقدمة لكونه ضرريا يرتفع وجوب ذي المقدمة إلا إذا دل دليل على سقوط مقدميتها في هذا الحال كالمقدمات الشرعية للصلاة فكذلك إذا ارتفع جواز الدخول بلا استئذان يرتفع استحقاق الإبقاء. ولا يقال: مجرد الفرعية والترتب لا يقتضي ذلك، ولذا في العقد الغبني لا يرتفع الصحة بل يرتفع اللزوم مع كونه مترتبا على الصحة، لأن المدار على الجزء الأخير لعلة الضرر. ولا ريب أنه في المقام هو الدخول بلا استئذان لابقاء استحقاقه. لأنا نقول: فرق بين المقام ومسألة الصحة واللزوم، فإن الصحة وإن كانت متقدمة في الرتبة على اللزوم إلا أن كل واحد منهما حكم مستقل ملاكا ودليلا ولا ربط لأحدهما بالآخر ولا علية بينهما، وهذا بخلاف المقام، فإن جواز الدخول بلا استئذان مع كونه مترتبا على استحقاق إبقاء العذق يكون من آثاره أيضا. فالضرر وإن نشأ من الدخول بلا استئذان إلا أنه معلول من استحقاق الإبقاء نظير ما تقدم من أن الضرر في باب الوضوء وإن نشأ من اختيار المكلف إلا أنه معلول للحكم الشرعي وهو إيجاب الوضوء، وليس الحكم الشرعي في المقامين مقدمة إعدادية بل مقدمة تسبيبية، والضرر عنوان ثانوي للحكم أيضا وإن صح نسبته إلى فعل المكلف على ما تقدم. وبالجملة: فالصواب في الجواب عن هذا الإشكال هو ما ذكرناه، مضافا إلى ما عرفت من أن القلع لعله كان من باب قطع الفساد لكونه (صلى الله عليه وآله) أولى بالمؤمنين من أنفسهم. ومن الغريب ما أفاده شيخنا الأنصاري (قدس سره) من: أن عدم انطباق التعليل على الحكم المعلل لا يخل بالاستدلال، فإن ذلك يرجع إلى أن خروج المورد لا يضر بالعموم فيتمسك به في سائر الموارد (1). مع أنك خبير بأن عدم دخول المورد


(1) لم نعثر عليه.

[ 400 ]

في عموم العلة يكشف عن عدم إرادة ما تكون العلة ظاهرة فيه، وهذا مرجعه إلى الاعتراف بإجمال الدليل فكيف لا يخل بالاستدلال. وأما الثاني: فقد أجاب عنه شيخنا الأنصاري (قدس سره) بما أجيب به عن سائر العمومات المخصصة بالتخصيصات الكثيرة وهو أن الخارج إنما خرج بعنوان واحد ولا استهجان فيه. وأورد عليه المحقق الخراساني (قدس سره) بأنه لا يستهجن خروج الكثير بعنوان واحد إذا كان أفراد العام أنواعا، لأن خروج عنوان واحد من تحت الأنواع الكثيرة لا محذور فيه. وأما إذا كان أفراده أشخاصا فلا يتفاوت في الاستهجان بين تخصيصات كثيرة أو تخصيص واحد بعنوان واحد يندرج تحت هذا العنوان أفراد كثيرة (1). وقبل البحث عن أصل الإشكال وأن التخصيص الوارد على القاعدة هل يكون من تخصيص الأكثر أم لا؟ ينبغي التكلم فيما أفاده العلمان فنقول: إن العمومات على قسمين: قسم يرد على الأفراد الخارجية. وقسم يرد على الأفراد المقدر وجودها الذي يعبر عنه بالقضية الحقيقية. والملاك في الخارجية ورود الحكم على كل شخص شخص من الأفراد ابتداء بلا جامع بينها بحسب الملاك، وإنما الجامع بينها دخولها تحت لفظ واحد وصحة إيرادها في قالب واحد كقوله: قتل من في العسكر، ونهب ما في الدار. والملاك في الحقيقية أن يرد الحكم على الطبيعة وبلحاظ انطباقها على الأفراد يشمل الحكم للأفراد، فلا نظر في الحقيقية إلى الأفراد. ولذا بينا في باب العام والخاص أن إشكال الدور المعروف في الشكل الأول لا يجري في القضايا الحقيقية.


(1) الرسائل 2: 537.

[ 401 ]

ثم إن التخصيص الوارد على القضايا الحقيقية على قسمين: قسم يوجب التصرف في كبرى الحكم. وقسم يوجب التصرف في كلية الكبرى، لأنه قد يرد على المدخول وهو في الحقيقة تقييد وقد يرد على الأداة، وما في القضايا الخارجية فدائما يرد على الأداة. وتفصيل ذلك راجع إلى باب العام والخاص، وإجماله: أن العام من جهة المدخول نظير المطلق أي: توسعة المدخول وتضييقه إنما هما بمقدمات الحكمة، لأن أداة العموم وضعت لكلية الكبرى، وأما الكبرى ما هي؟ فليست الأداة موضوعة لتعيينها، فكل ما اريد من المدخول فالأداة على عمومه. فالعام من هذه الجهة نظير المطلق وإن كان بينهما فرق في إحراز كون المتكلم بصدد البيان، فإنه يحرز في باب المطلق بقرينة الحال، بخلاف باب العام، فإنه يحرز بنفس الأداة. فالتخصيص لو كان من قبيل العناوين فهو موجب لتقييد المدخول، كما لو قيل " أكرم العالم " أو قيل بالدليل المنفصل " لا تكرم فساقهم " فإن موضوع الحكم يصير مقيدا بالعدالة، ويصير عنوان العام أحد جزئي الموضوع والجزء الآخر هو القيد الناشئ من التخصيص. ولذا لا يجوز التمسك بالعام في الشبهة المصداقية، لأن عنوان العام ليس هو تمام الموضوع للحكم. وأما لو كان أفراديا فلو علم أن خروج هذه الأفراد بجامع واحد فهو أيضا موجب للتصرف في الكبرى، ولو لم يعلم فهو موجب للتصرف في الأداة - أي في كلية الكبرى - من دون تصرف في مدخولها، أي في الكبرى هذا في القضايا الحقيقية. وأما في التخصيص الوارد في القضايا الخارجية فحيث إن الأفراد لا جامع بينها فلا كبرى في البين حتى يرد التخصيص عليها، فلا محالة يرجع إلى أداة العموم. فلو خرج أفراد كثيرة من قوله " نهب ما في الدار " يصير التخصيص مستهجنا. وحيث إن قاعدة لا ضرر من قبيل العمومات الواردة على الأفراد الخارجية، فإن المنفي هو الضرر الناشئ من الأحكام المجعولة في الخارج فكثرة الخارج أيضا مستهجن ولو كان الإخراج بعنوان واحد.

[ 402 ]

وبالجملة في القضايا الخارجية لا فرق بين كثرة الإخراج وكثرة الخارج. فما أفاده الشيخ الأنصاري (قدس سره) في المقام لا يرفع الإشكال. ويرد عليه ما أورده المحقق الخراساني (قدس سره). ولكن الصواب في الجواب منع الصغرى، لأن ما توهم خروجه بالتخصيص - الذي هو عبارة عن رفع الحكم عن موضوعه - هو باب الجنايات والحج والجهاد والخمس والزكاة وباب المحرمات ونحو ذلك من الأحكام الوضعية الراجعة إلى باب الغرامات للإتلاف أو التلف تحت اليد العادية ونحوها. والحق أن خروج أكثر هذه الموارد بالتخصص، وذلك لما أشرنا إليه وسيجئ إن شاء الله تعالى أن قاعدة لا ضرر ناظرة إلى الأحكام ومخصصة لها بلسان الحكومة، ولازم الحكومة أن يكون المحكوم بها حكما لم يقتض بطبعه ضررا، لأنه لو اقتضى جعله في طبعه ضررا على العباد لوقع بينهما التعارض. وبعبارة واضحة: قاعدة نفي الضرر يرفع جعل الحكم الذي ينشأ منه الضرر بعد ما لم يكن ضرريا، لا الحكم الذي بنفسه وفي طبع جعله يقتضي الضرر، أي الضرر الطارئ ينفى بقوله (صلى الله عليه وآله): لا ضرر. فمثل وجوب الجهاد والحج والخمس والزكاة مما يقتضي نفس جعله في طبعه ضررا لا يخصص بقاعدة لا ضرر. نعم، لو اقتضى هذه الأحكام ضررا زائدا على ما تقتضيه نفسها لكان قاعدة لا ضرر مخصصا لها أيضا، مثلا لو لم يكن في البلد هاشمي أو فقير واستلزم نقل الخمس أو الزكاة إلى بلد آخر ضررا فهذا يرتفع بلا ضرر دون أداء نفس الخمس والزكاة، وهكذا لو استلزم الحج أو الجهاد ضررا زائدا على ما يقتضيه نفس وجوبهما، فلا محذور في القول بارتفاعهما كما لا يخفى. هذا مضافا إلى منع أصل الصغرى في أغلب الأمثلة، فإن باب الجنايات والإتلاف والخمس والزكاة بل جميع الأحكام الوضعية المجعولة في باب التلف ونحوه ليس جعل الحكم فيها ضرريا، لأن وجوب تدارك ما أتلفه المتلف ووجوب الدية على من جنى أو قتل نفسا ووجوب إخراج حق الفقراء ليس ضررا

[ 403 ]

عرفا على العباد، لأن الضرر في الماليات عبارة عن إحداث نقص في مال الغير، وحق الفقراء مثلا ليس مال الغير لكون الفقير شريكا مع من عليه الخمس والزكاة. وبالجملة: كما أن أداء الدين على من عليه الدين وأداء الشريك حق شريكه ليس ضررا عليه فكذلك أداء الخمس والزكاة وأداء الدية وأداء ما أتلفه المتلف ليس ضررا على من عليه الأداء، سواء قلنا بأن لا ضرار تأكيد للاضرر أو قلنا بأنه في مقام نفي مجازاة الضرر بالضرر، لأن المجازاة المنفي معناه أنه لو أتلف متلف مال الغير فلا يتلف الغير مال المتلف، وليس معناه أنه ليس عليه الغرامة، فإن أخذها ليس مجازاة الضرر بالضرر. ثم إن الضرر الناشئ عن اليد الغير الحقة أيضا لا يرتفع بلا ضرر، لكونه ناشئا من الإقدام كما لا يخفى. وكيف كان فلو سلمنا ورود التخصيصات الكثيرة على القاعدة، فاستقرار سيرة الفريقين على العمل بها في مقابل العمومات لا يفيد في رفع الاستهجان، وليس من قبيل عملهم في باب قاعدة الميسور، فإن قاعدة الميسور متبعة فيما إذا احرز صغراها وأن الباقي ميسور من المركب المتعذر بعض أجزائها. وعمل الأصحاب كاشف عن الصغرى ومبين في أن المتعذر ليس ركنا. وأما عملهم في المقام فليس معينا للباقي تحت هذه القاعدة، لاحتمال استكشافهم معنى من القاعدة بحيث لا يلزم منه تخصيص أصلا فضلا عن التخصيص الكثير. وبالجملة: لو سلمنا كثرة التخصيص فحيث إنها مستهجنة والمستهجن يستحيل صدوره من المعصوم فالعام يصير مجملا. وعمل الأصحاب به لا يرفع إجماله لأن الشهرة العملية لا تكون جابرة لضعف الدلالة، فإن الظن الخارجي لا يوجب الظهور الذي هو المدار في الألفاظ. فالصواب في الجواب هو المنع عن كثرة التخصيص، لأن ما توهم كونه مخصصا للقاعدة إما [ من ] باب الغرامات والديات والخمس والزكاة والحج

[ 404 ]

والجهاد. فقد عرفت عدم كونها كذلك أصلا. واما من قبيل ما ورد من أن من أجنب نفسه متعمدا وجب عليه الغسل وإن كان مستلزما للضرر ففيه: أولا أن هذا الحكم مخصوص بالغسل ولم يتعد أحد إلى غيره. وثانيا لم يعمل بهذا الخبر من يعتنى بشأنه حتى في باب الغسل أيضا. وذكره في الاستبصار لا يدل على عمل الشيخ به، لأن بناءه ليس على العمل بجميع ما تضمنه من الأخبار. فبقي في المقام المحرمات والتزموا برفع حرمة الترافع عند حكام الجور ولم يلتزموا بارتفاع حرمة الأموال المتنجسة ولم يجوزوا بيع المتنجس وأكله وشربه وإن لزم من تركها الضرر، فهي مخصصة لقاعدة لا ضرر ولا محذور. والجواب عنه بأن لا ضرر يختص بالأفعال الوجودية وناظر إلى الأحكام الباعثة على وجود الأفعال كقوله (صلى الله عليه وآله): رفع عن امتي تسعة - فإن النفي أو الرفع إذا تعلق بالامور الوجودية تشريعا فيكون كناية عن نفي حكمها ورفعه تشريعا كما أن نفي أحكامها تشريعا عبارة عن انتفاء تلك الأفعال تشريعا فيناسب تعلقه بالفعل فالمحرمات خارجة تخصصا - مما لا وجه له، فإنه فرق بين الرفع والنفي في المقام، لأن المناسب للرفع أن يكون متعلقا بما كان مفروض الوجود فيرفع تشريعا ولا يصح تعلقه بالترك. وهذا بخلاف النفي في قوله (صلى الله عليه وآله) " لا ضرر " فإنه ناظر إلى نفي العنوان الذي يتولد منه الضرر إما بلا واسطة كلزوم العقد وإما مع الواسطة كوجوب الوضوء. وهذا العنوان على ما نقحناه ليس إلا حكم الشارع وهو أعم من أن يكون وضعيا أو تكليفيا، والتكليفي أعم من أن يكون إيجابيا أو تحريميا. فالصواب هو الالتزام بالتخصيص في الجملة والمنع عن كثرته، بل يمكن أن يقال: إن المحرمات المالية أيضا خارجة عن قاعدة لا ضرر تخصصا، لما عرفت في معنى الضرر أنه في الأموال عبارة عن نقص ما يجده الإنسان، وبعد كون الشئ نجسا يخرج عن المالية ويكون النجس والمتنجس كالخمر والخنزير

[ 405 ]

وإتلافهما ليس ضررا شرعا بل عرفا بعد عدم كونهما مالا فلا تخصيص أيضا فتأمل. نعم، لو كانت قاعدة لا ضرر واردة كبرى كلية لقضية سمرة وكبرى كلية لخيار الشفعة وكراهة منع فضل الماء لورد عليها التخصيصات الكثيرة، وإلا لزم من الالتزام بها تأسيس فقه جديد، لأنه لو كان كل ما كان من المقدمات الإعدادية للضرر مرفوعا ومنفيا بقوله (صلى الله عليه وآله) لا ضرر ولا ضرار لكان أغلب الأحكام الشرعية منفية، لأنه قلما يتفق أن لا يكون حكم شرعي من المقدمات الإعدادية للضرر ولزم أن لا يتسلط إنسان على منع غيره عن التصرف في ماله إذا استلزم تضرر الغير من المنع كما هو مفاد ورودها في مورد منع فضل الماء. ثم إن هاهنا إشكالا آخر من بعض أعاظم عصرنا وهو: قلة الفائدة لهذه القاعدة، لأن غالب مواردها ملازم للحرج. فتأمل. - التنبيه الثاني - في بيان هذه القاعدة مع أدلة الأحكام الدالة بعمومها على تشريع الحكم الضرري، والأقوى هي الحكومة فتقدم عليها وإن كانت النسبة بينهما على العموم من وجه. وهذا هو الذي اختاره شيخنا الأنصاري (قدس سره). وقيل في الجمع بينهما وجوه اخر: الأول: ما أشار إليه شيخنا الأنصاري وتبعه المحقق الخراساني من: أن وقوعها في مقام الامتنان يكفي في تقديمها على العمومات (1). الثاني: ما أشار إليه أيضا من معاملة التعارض بينهما أولا ثم ترجيح هذه القاعدة عليها، إما بعمل الأصحاب وإما بالاصول كالبراءة في مقام التكليف وغيرها في غيره.


(1) الرسائل 2: 535.

[ 406 ]

الثالث: ما اختاره المحقق الخراساني من التوفيق العرفي بينهما، حيث إن العرف يوفق بين أدلة الأحكام ودليل لا ضرر بحمل أدلتها على الحكم الاقتضائي ودليله على الحكم الفعلي (1). الرابع: أخصية دليله من دليل مجموع الأحكام وإن كان بين دليله ودليل كل حكم مستقلا عموم من وجه، إلا أن ورود نفيه على أحكام الإسلام كورود نفي الحرج في الدين يقتضي ملاحظته مع مجموع الأحكام، فيقدم عليها لأخصيته. الخامس: عدم إمكان معاملة العموم من وجه في المقام، لأن نسبته مع جميع الأدلة نسبة واحدة. فلو قدم عليه كل دليل فلا يبقى له مورد، وتقديم البعض ترجيح بلا مرجح. وأما لو قدم هذا على سائر الأدلة فلا يلزم محذور، لبقاء حكمها في غير مورد الضرر. ثم إن المحقق الخراساني (قدس سره) استشكل في الحاشية على مختار الشيخ من الحكومة بقوله: حكومتها يتوقف على أن يكون بصدد التعرض لبيان حال أدلة الأحكام المورثة للضرر بإطلاقها أو عمومها على ما أفاده (قدس سره) (2)، أو حال الأدلة الدالة على جواز الإضرار بالغير أو وجوب تحمل الضرر عنه بالإطلاق أو العموم على ما ذكرنا. وإلا بأن يكون لمجرد بيان ما هو الواقع من نفي الضرر فلا حكومة لها، بل حالها كسائر أدلة الأحكام. ونحن نقول: لا فرق بين القولين في الحكومة، ولا فرق في الحكومة بين أن يكون لمجرد بيان ما هو الواقع من نفي الضرر وأن يكون بصدد التعرض لبيان حال الأحكام، لأنه ليست الحكومة منحصرة في أن يكون الحاكم مفسرا للمحكوم بلفظ " أي " أو " أعني " بل إذا رفع أحد الدليلين ما اخذ موضوعا مثلا في الآخر فهذا أيضا حاكم، كما في مثل " لا شك لكثير الشك " الحاكم على قوله " إذا شككت فابن على الأكثر " فبناء على أن يكون المراد من الحديث نفي الحكم


(1) الكفاية: 433. (2) درر الفوائد: 283.

[ 407 ]

بلسان نفي الموضوع، فهذا الدليل إذا أخرج فردا من موضوع أدلة الأحكام فهو حاكم عليها. ثم إن بيان وجه الحكومة مطلقا في المقام وبيان ضابطها في كل مقام على طريق الإجمال يتوقف على تمهيد مقدمة، وهي أن القرينة تارة تكون قرينة للمجاز، واخرى للتخصيص أو التقييد، بناء على ما هو الحق من أن العام المخصص أو المطلق المقيد ليس بمجاز. والفرق بينهما أن قرينة المجاز قرينة للمراد من اللفظ، فإن " يرمي " في قولك: رأيت أسدا يرمي، قرينة على أن المراد من الأسد في هذا الكلام بالدلالة التصديقية هو الرجل الشجاع. وأما المخصص أو المقيد فليس قرينة للمراد من اللفظ، بل قرينة لموضوع الحكم وأن عنوان العام أو المطلق ليس تمام الموضوع بل جزؤه. وعلى هذا فمراد شيخنا الأنصاري (قدس سره) من: أن الحكومة هي أن يكون أحد الدليلين بمدلوله اللفظي متعرضا لحال دليل آخر (1) ليس خصوص ما كان الحاكم من قبيل قرينة المراد من اللفظ بأن يفسر بكلمة " أي " أو " أعني " وإلا لاختص بالأدلة اللفظية ولا يشمل حكومة بعض الأحكام العقلية على بعض، بل مراده منها الأعم من ذلك، فمن أقسامها ما كان أحد الدليلين ينفي ما هو المفروض موضوعا في الدليل الآخر، أو يثبت موضوعا مثل ما فرض موضوعا في الدليل الآخر، كما إذا قيل " أكرم العلماء " وورد دليل على أن زيدا مع كونه عالما ليس بعالم، أو يدل على أن زيدا مع كونه جاهلا عالم. وبالجملة: غرضه من هذا البيان الفرق بين التخصيص والحكومة، فإن ضابط التخصيص أن لا يكون في اللفظ إشعار أصلا بالحكم الثابت في العام، فإن قوله " لا تكرم زيدا " لا تعرض له بحسب المدلول بالحكم الثابت في جميع أفراد


(1) الرسائل 2: 750.

[ 408 ]

العلماء الشامل لزيد. فكونه بيانا للعام إنما هو بحكم العقل بعد العلم بصدور الخاص والعام من العاقل الملتفت، فإن العقل يحكم بأن الملتفت لا يحكم واقعا بوجوب إكرام جميع الأفراد مع حكمه في فرد منها بخلاف حكمه في سائر الأفراد، وبعد نصوصية الخاص أو أظهريته من العموم في شموله له يحكم بأن المتكلم لم يقصد من العموم هذا الفرد. وضابط الحكومة: أن يكون هذا الوجه من الجمع مدلولا لفظيا ولا تختص الدلالة اللفظية بأن يكون مدلول الحاكم هو " أردت من المحكوم هذا " حتى يكون شارحا بلفظ " أي " و " أعني " ونحوهما، فيكون كقرينة المجاز. بل تشمل ما كان كالمقيد والمخصص بيانا للمراد من الحكم الواقعي كأغلب الحكومات، فإن مثل قوله " لا شك لكثير الشك " يبين بنفس مدلوله اللفظي موضوع قوله " إذا شككت فابن على الأكثر " ويضيق دائرة الموضوع. فالفرق بين التخصيص والحكومة هو أن بيانية الخاص للعام إنما هو بحكم العقل وبيانية الحاكم للمحكوم إنما هو بنفس مدلوله. وفرق آخر بينهما وهو أن الحكومة تتوقف على ورود المحكوم أولا ثم ورود الحاكم، وذلك لأنه مسوق لبيان حكمه ومتفرع عليه بخلاف التخصيص الذي هو أحد أقسام التعارض. وبالجملة: لم يرد حكم من الشارع لا عموما ولا خصوصا، فلا مجال لورود قوله (صلى الله عليه وآله) " لا حرج في الدين " أو " لا ضرر في الإسلام " وهذا بخلاف مثل " لا تكرم زيدا " فإنه غير متفرع على ورود أكرم العلماء. ثم إن الحكومة على أقسام: منها: ما يتعرض لموضوع المحكوم، كما لو قيل بأن زيدا ليس بعالم، بعد قوله: أكرم العلماء. ومنها: ما يتعرض لمتعلق الحكم الثابت في المحكوم، كما لو قيل بأن الإكرام ليس بالضيافة.

[ 409 ]

ومنها: ما يتعرض لنفس الحكم، كما لو قيل بأن وجوب الإكرام ليس في مورد زيد. ثم إن الحكومة كما توجب التضييق فقد توجب التوسعة أيضا، كما إذا أدخل دليل الحاكم فردا خارجيا في موضوع المحكوم أو متعلقه أو في حكمه. ثم إن جهة تقديم الحاكم وعدم ملاحظة مرجحات الدلالة أو السند واضحة. أما الدلالة فلأن المحكوم إنما هو حكم على تقدير والحاكم هادم لذلك التقدير، أي ثبوت وجوب إكرام كل عالم مثلا موقوف على فرض وجود موضوعه خارجا. وعلى فرض التحقق والصدق لمتعلقه تصورا وعلى بقاء أصل الحكم واستمراره مطلقا، فإذا دل دليل على إبطال هذا الفرض وإخراج موضوع عن موضوع المحكوم - مثلا - فلا تعارض بينهما، لأن الحكم على تقدير لا يعقل أن يحفظ تقديره. وهذا هو المناط في صحة الترتب وتقديم الأمارات على الاصول، كما أوضحناه في محله. ثم إن ظاهر أفراد الحكومة هو التعرض لأصل الحكم، لأن هدم الموضوع أو المتعلق يرجع بالواسطة إلى التعرض للحكم. وعلى هذا، فلا فرق بين أن يكون المراد من لا ضرر ما اختاره شيخنا الأنصاري وأن يكون المراد منه ما اختاره المحقق الخراساني، أي سواء قيل بأن الحكم الضرري غير مجعول أو قيل بأن الموضوع الضرري لا حكم له، إذ كلاهما حاكمان على أدلة الأحكام، غاية الفرق أن أدلة لا ضرر على مختار الشيخ شارحة لأصل الحكم، وعلى مختاره فشارحة لموضوعات الأحكام. وأما الحكومة في باب السند فتفصيلها موكول إلى باب التعادل والترجيح. - الثالث - مقتضى كون الألفاظ موضوعة للمعاني الواقعية دون المعلومة أن يكون الضرر المنفي هو الضرر الواقعي، علم به المتضرر أو لم يعلم.

[ 410 ]

ولكن يظهر من شيخنا الأنصاري (قدس سره) في الوضوء: أنه يشترط في جريان أدلة نفي الضرر علم المكلف بكون الوضوء ضرريا. ويظهر من غير واحد في المعاملة الغبنية: أنه يشترط في جريان أدلة نفي الضرر كون المكلف جاهلا بالغبن. وسلكوا في غير هذين البابين غير هذا المسلك، فجعلوا المدار على صدق الضرر واقعا من دون دخل للعلم أو الجهل به - كما هو مقتضى كون الألفاظ موضوعة للمعاني الواقعية - فحكموا بأنه لو كان حفر البئر في الدار موجبا لتضرر الجار فليس للمالك حفره علم الجار بالضرر أو لم يعلم. وحينئذ يقع الإشكال بالنسبة إلى اعتبار العلم في باب الوضوء وما يلحق به كالصوم وإلى اعتبار الجهل في المعاملة الغبنية وما يلحق بها، وعدم اعتبار العلم ولا الجهل في غير هذين البابين كمسألة تضرر الأنصاري وما يلحق بها. ولكنك خبير بحل الإشكال بناء على ما ذكرنا من أن الحكم المنفي هو الذي يكون الجزء الأخير من العلة للضرر لا ما إذا كان من المقدمات الإعدادية له، ففي مثل حفر البئر نفس ثبوت السلطنة للمالك موجب لتضرر الجار ككون ثبوت حق الاستطراق لسمرة بن جندب بلا استئذان موجبا لتضرر الأنصاري، ولا دخل لعلم الطرف ولا جهله في لحوق الضرر به، وكذلك لا دخل لعلم الحافر أو المستطرق ولا جهله في إلقاء الضرر على طرفه، فلابد أن يكون المنفي هو نفس السلطنة المجعولة له واقعا الموجبة لتضرر الجار. وأما مسألة الوضوء والصوم فمضافا إلى أن كون الحديث مسوقا للامتنان يقتضي التقييد بالضرر المعلوم - وإلا يلزم إعادة الوضوء والصوم على من تضرر بهما ولو لم يعلم به وهذا خلاف المنة - أن في مورد الضرر الواقعي ليس الموجب للضرر الحكم الشرعي بوجوب الوضوء والصوم، أي ليس الجزء الأخير من العلة التامة للضرر إطلاق الحكم، ولذا لو فرض انتفاء الحكم في الواقع لوقع هذا المتضرر في الضرر لجهله واعتقاد عدم تضرره، فليس الضرر مستندا إلى تشريع الحكم.

[ 411 ]

وبعبارة اخرى: الحكم الفعلي على المتضرر العالم بالضرر موجب للضرر، وأما الحكم الواقعي - الذي لا يتفاوت وجوده وعدمه في إقدام المكلف على هذا الفرد لأنه كان أو لم يكن لأوجد المكلف هذا الفرد باعتقاد عدم الضرر - فليس هو الجزء الأخير من العلة للضرر. نعم، لو كان المراد من الحديث أن الفرد الضرري لا حكم له، فالتقييد بالضرر المعلوم لم يكن له وجه. وبالجملة: بناء على كون المنفي هو الحكم الضرري فحيث كان هذا الشخص معتقدا بعدم ترتب الضرر على وضوئه مثلا فلا يكون نفي وجوب وضوء الضرري بالنسبة إليه ملازما لنفي الضرر، من باب أن نفي العلة ملازم لنفي المعلول، لأن مع عدم علمه به يقع في الضرر. نعم، لولا الحكم الشرعي بوجوب الوضوء لما حصل له الداعي بالوضوء المضر، ولكن مجرد سببيته للداعي وباعثيته على العمل لا يقتضي أن يكون هو العلة التامة أو الجزء الأخير. غاية الأمر أنه يكون من المقدمات الإعدادية. ثم إن مقتضى ما ذكرنا من اعتبار الأمرين - الضرر الواقعي والعلم به - أنه لو اعتقد الضرر ولم يكن ضرر في الواقع لم يسقط عنه وجوب الوضوء. ولازم ذلك إعادة الصلاة لو تيمم وصلى باعتقاد الضرر. ثم انكشف عدم كونه ضرريا لعدم انتقال الفرض إلى التيمم. وهكذا في الغسل مع أن ظاهر المشهور عدم وجوب الإعادة، فيستكشف من ذلك أن اعتقاد الضرر له موضوعية في البابين. ولكن يمكن رفع الإشكال بأن ظاهر عدم الوجدان في قوله عز من قائل * (فلم (1) تجدوا ماء فتيمموا) * (2) هو الأعم من الواقعي والاعتقادي. واعتقاد الضرر موجب لإدراج الشخص فيمن لم يجد الماء، لأن المراد من عدم الوجدان عدم التمكن من استعمال الماء إما لعدم وجوده وإما لعدم القدرة على استعماله


(1) في النسخة الأصلية " وإن لم " وهو سهو. (2) النساء: 43.

[ 412 ]

لمانع شرعي أو عادي. ولذا لو اعتقد عدم وجود الماء في راحلته وصلى متيمما ثم تبين وجود الماء أفتوا أيضا بصحة الصلاة، وليس ذلك إلا من باب أن عدم الوجدان أعم من عدم الوجود واقعا أو اعتقادا. ثم إنه فيما إذا انقلب التكليف بالطهارة المائية إلى الترابية كما إذا كان الوضوء مضرا وكان عالما به لو توضأ حينئذ بطل وضوؤه، ولا يمكن تصحيحه لا بالملاك ولا بالترتب ولا بما يقال: إن التيمم رخصة لا عزيمة، ولا بما يرجع إلى ذلك مثل ما يقال: إن الضرر يرفع اللزوم لا الجواز، وذلك لأن مقتضى الحكومة خروج الفرد الضرري عن عموم أدلة الوضوء والغسل، وعدم ثبوت الملاك له، لعدم وجود كاشف له. ولا معنى لاحتمال الرخصة في المقام، فإن التخصيص بلسان الحكومة كاشف عن عدم شمول العام للفرد الخارج، ولا معنى لرفع اللزوم دون الجواز، فإن الحكم بسيط لا تركيب فيه حتى يرتفع أحد جزئيه ويبقى الآخر. ولا يقاس باب التكليف على الخيار، فإن العقد يشتمل على الصحة واللزوم معا، كل منهما بخطاب يخصه وملاك يختص به. فالجزء الأخير من العلة للضرر إذا كان لزوم العقد لا وجه لرفع صحته، وهذا بخلاف الوجوب، فإنه إذا ارتفع بكلا جزئي تحليله العقلي. ولولا توهم بعض الأعاظم أنه لو تحمل المشقة وتوضأ أو اغتسل حرجيا لصح وضوؤه وغسله، لورود نفي الحرج في مقام الامتنان فلا يكون الانتقال إلى التيمم عزيمة لما كان البحث عن صحة الوضوء في مورد الضرر مجال. ولكنا تعرضنا لذلك لرفع هذا التوهم وأنه لا فرق بين نفي الحرج ونفي الضرر فإن كلا منهما حاكمان على أدلة الأحكام، ولا فرق بين الحكومة والتخصيص. وكون الامتنان حكمة أو علة لا يقتضي صحة الوضوء والغسل إذا كان حرجيا أو ضرريا. هذا مضافا إلى أنه يلزم أن يكون ما في طول الشئ في عرض الشئ وهذا خلف، لأن التكليف لا ينتقل إلى التيمم إلا إذا امتنع استعمال الماء خارجا أو شرعا. وإذا كان مرخصا شرعا في الطهارة المائية فلا يدخل فيمن لا يجد الماء حتى يشمله قوله عز من قائل * (فتيمموا) * فإقدام المتضرر في باب التكاليف على

[ 413 ]

الضرر لا يكون موجبا لعدم جريان أدلة نفي الضرر بالنسبة إليه لاستناد الضرر فيها ولو مع الإقدام إلى نفس الحكم، لأن الإقدام هنا عبارة عن اختيار الفعل وإرادته. وقد عرفت فيما تقدم أن توسط الإرادة لا يخرج الحكم عن كونه علة للضرر، لأن السلسلة الطولية تنتهي بالأخرة إلى العلة الاولى وهي الحكم. نعم إنما يؤثر الإقدام في عدم شمول لا ضرر في المسألة الاخرى وهي المعاملة الغبنية، حيث إن المغبون إذا كان حين صدور عقد المعاوضة عالما بالغبن والضرر يكون الضرر مستندا إلى إقدامه، وكان حكم الشارع باللزوم من المقدمات الإعدادية للضرر. وتوضيح ذلك: أنك قد عرفت أن هذه القاعدة كما تدل على نفي الأحكام التكليفية إذا نشأ عنها الضرر تدل على نفي الأحكام الوضعية إذا كانت مستلزمة له. بل قد عرفت أن شمولها للأحكام الوضعية أولى، لأنها ابتداء علة له ولكن يستند الضرر إلى الحكم إذا كان الشخص جاهلا بالغبن والضرر. ففي البيع المحاباتي والصلح المجاني كان العقد لازما أو لم يكن كان قاصد العطاء مقدما على الضرر، ولزوم العقد ليس علة لإرادة المكلف واختياره هذا العقد الصوري. وليس كإيجاب الوضوء الذي يسلب قدرة المكلف عن فعله وتركه، فإن المكلف بالوضوء مجبور شرعا به، وهذا بخلاف العاقد. ثم إن منشأ ثبوت الخيار للمغبون هو تخلف الشرط الضمني الذي هو عبارة عن اشتراط تساوي المالين في المالية إلا بمقدار يسير يتسامح فيه. فإذا كان المعاملة غبنية صح الاستدلال على عدم لزومها بأدلة نفي الضرر، لأن فقد الشرط الذي اشترط ضمنا ضرر على من له الشرط، فإن الضرر عبارة عن نقص ما كان المتضرر واجدا له. وعلى هذا فلو أقدم على الغبن فمرجعه إلى عدم اشتراط التساوي في المالية، فإذا لم يكن مشترطا له فلا يكون واجدا لشئ، فلا يكون متضررا بعدمه. بل لو لم يرجع التساوي في المالية إلى الشرط الضمني فمجرد الضرر ولو مع عدم العلم به

[ 414 ]

لا يكون موجبا لرفع اللزوم وثبوت الخيار فضلا عما إذا كان عالما به، لأنه لو لم يشترط التساوي فلا يكون واجدا لشئ حتى يكون فقده ضررا عليه. بل مع عدم الشرط يكون مرجع المعاملة إلى الإقدام بها على أي وجه اتفق. ثم إن هاهنا فروعا قد يتوهم التنافي بينها بأنفسها والتنافي بين بعضها وما ذكرناه من أن الإقدام على الضرر في التكليفيات لا يوجب عدم حكومة القاعدة عليها وفي الوضعيات موجب لذلك. فمنها: ما يقال من أنه لو أقدم على موضوع يترتب عليه حكم ضرري - كمن أجنب نفسه متعمدا مع كون الغسل مضرا له - أن هذا الإقدام لا يوجب عدم جريان قاعدة لا ضرر. وهكذا في نظير ذلك كمن شرب دواء يتضرر بالصوم لأجل شربه. ومنها: ما يقال بعكس ذلك كمن أقدم ونصب اللوح المغصوب في سفينته، فإنه يقال: يجوز لمالك اللوح نزع لوحه وان تضرر مالك السفينة بنزعه بلغ ما بلغ. نعم إذا استلزم تلف نفس محترمة فلا يجوز له. ومنها: ما يقال لو استأجر شخص أرضا إلى مدة وبنى فيها بناءا أو غرس فيها شجرا يبقى بعد انقضاء زمان الإجارة أن لمالك الأرض هدم البناء وقلع الشجر وإن تضرر به المستأجر. وهكذا لو غرس أو بنى من عليه الخيار في الملك الذي تعلق به حق الخيار أن لذي الخيار هدمه أو قلعه إذا فسخ العقد الخياري وإن تضرر به من عليه الخيار، مع أنه لم يقدم على ضرره. ولكنك خبير بعدم تنافي هذه الفروع مع ما تقدم. وإن هنا فرقا بين مسألة من أجنب نفسه متعمدا أو شرب دواء يتضرر لأجل شربه بالصوم ومسألة من نصب لوحا في سفينة أو غرس شجرا في الأرض المستأجرة، فإن المجنب نفسه أو شارب الدواء لم يكن مكلفا بالغسل أو الصوم إلا بعد الجنابة والشرب. ولا شبهة أن التكليف بالغسل والصوم يكون ضرريا، فالضرر مستند إلى الحكم الشرعي. وهذا بخلاف غاصب اللوح، فإنه مأمور قبل النصب بالرد ولم يكن الرد له ضرريا، وإنما أقدم على إتلاف ماله لمخالفته التكليف بالرد. وهكذا مسألة الغرس

[ 415 ]

في الأرض المستأجرة، فإن مع علمه بعدم استحقاقه للبناء أو الغرس إلا في مدة الإجارة فقد أقدم على الضرر. وبالجملة للإقدام صور ثلاث: الاولى إقدامه على موضوع يتعقبه حكم ضرري كمن أجنب نفسه أو شرب دواء. الثانية: أن يكون الإقدام على نفس الضرر كالإقدام على المعاملة الغبنية. الثالثة: إقدامه على أمر يكون مستلزما لتعلق الحكم الضرري عليه، سواء كان الحكم قبل الإقدام فعليا - كما في غاصب اللوح - أو لم يكن كذلك ولكنه يعلم بتحققه بعد ذلك، كمن بنى في الأرض المستأجرة. أما الصورة الثانية فالفرق بينها وبين الصورة الاولى في كمال الوضوح، لأن في الصورة الثانية أقدم على نفس الضرر والحكم ليس إلا مقدمة إعدادية، إذ ليس الضرر إلا هو النقص في المال، وهو بنفسه أقدم عليه، سواء كان العقد لازما أو جائزا، فلم ينشأ الضرر من لزوم العقد، بل لا يصح نسبة الضرر إليه، لأن الضرر الذي أقدم عليه في رتبة الموضوع للزوم فلا يعقل أن يكون مسببا عنه، فلا يمكن أن يرتفع هذا اللزوم بأدلة الضرر. وأما في الصورة الاولى فلم يقدم إلا على أمر مباح خال عن الضرر وإنما ينشأ الضرر من الحكم، فالحكم في هذه الصورة هو الجزء الأخير من العلة، والإقدام على إيجاد موضوعه هو المقدمة الإعدادية عكس الصورة الثانية. وإنما الإشكال في الفرق بين الصورة الاولى والثالثة، لا سيما القسم الأخير منها وهو الغرس في الأرض المستأجرة، فإن الحكم بتخليص الأرض وتفريغها ليس فعليا كالحكم بوجوب الغسل والصوم، وهو أيضا لم يقدم إلا على أمر خال من الضرر فعلا كإقدامه على إجناب نفسه وشرب الدواء. ولكنه بالتأمل فيما ذكر - وهو أن كلما كان الضرر عنوانا ثانويا للحكم فهذا الحكم مرفوع بقاعدة نفي الضرر وكلما كان عنوانا ثانويا لإقدام المكلف وكان

[ 416 ]

الحكم مقدمة إعدادية فهذا الحكم لا يرتفع - يظهر الفرق بين الصورة الثالثة بكلا قسميه والصورة الاولى، فإن حكم الصورة الاولى حكم ما إذا كان الصوم أو الوضوء ضرريا من دون دخل للمكلف فيه أصلا. فكما ان الإقدام على الصوم الضرري لا يوجب عدم شمول القاعدة له إذا كان الصوم ضرريا بنفسه فكذلك إذا نشأ الضرر من شرب الدواء، فإن الصوم بعده ليس إلا من باب وقوعه في طريق الامتثال. ولولا الحكم الشرعي لم يكن الشخص متضررا بشرب الدواء، فالشرب ليس إقداما على الضرر ولا يتعلق به حكم ضرري، وإنما هو علة لتحقق الموضوع الحكم الضرري لا عنوان ثانوي له ولا لحكمه، بل هو عنوان ثانوي لحكم الشارع. وحيث إن تضرره بالصوم سواء كان قهريا أو لشرب دواء إنما ينشأ من طريق امتثال الحكم فالحكم هو علة العلل والامتثال مقدمة إعدادية. وأما حكم الصورة الثالثة فحكم الإقدام على المعاملة الغبنية، سواء كانت من قبيل إدخال خشب الغير في البناء أو نصب لوح الغير في السفينة أم كانت من قبيل غرس الشجر في الأرض التي ينتزع من يده قبل وصول الشجر إلى حد كماله. أما مسألة اللوح والخشب فمضافا - إلى أن الإقدام هو الجزء الأخير من العلة للضرر لا الحكم الشرعي - لا تشملها القاعدة لوجهين آخرين: الأول: أن هدم البناء وكسر السفينة ليس ضررا، لأن مع فرض كون اللوح أو الخشب مغصوبا لم يكن صاحب السفينة مالكا لتركيب السفينة ولا صاحب الدار مالكا لبنائها. فهذه الهيئة الحاصلة إذا لم تكن مملوكة له فرفعها ليس ضررا، لأن الضرر عبارة عن نقص ما كان واجدا له. وبعبارة اخرى: كما أن الغاصب لم يكن مالكا من أول الأمر لإدخال الخشب في البناء ونصب اللوح في السفينة لا يكون مالكا لإبقائهما فيهما، وكما لا ضرر عليه في ردهما إلى مالكهما قبل البناء والنصب فكذلك بعدهما. الثاني: حيث دل الدليل على أنه ليس لعرق ظالم حق فلا حرمة لماله، فلا يشمله القاعدة، لخروج هذا المال عنها تخصصا، كخروجه عنها كذلك بناء

[ 417 ]

على الوجه الأول، لأن القاعدة تنفي الضرر الذي يرد على المال المحترم. نعم، مقتضى هذا الوجه اختصاص جواز الهدم والنزع بمورد علم الباني والناصب بالغصبية دون مورد الجهل. وكيف كان فيكفي في خروج هذه الصورة عن القاعدة من جهة الإقدام خروجا حكميا، وذلك لأن الضرر مع العلم بوجوب الرد فورا إلى مالكه مستند إلى نفس اختياره وفعله. وليس اختياره واقعا في طريق امتثال الحكم حتى ينتهي الضرر بالأخرة إلى الحكم، لأن البناء أو النصب يقع في طريق عصيان الحكم عكس الإقدام على الوضوء الضرري، والحكم إنما يكون من المقدمة الإعدادية للضرر. وأما مسألة الزرع أو الشجر الذي ينقضي زمان استحقاق مالكهما لإبقائهما قبل كمالهما فحالها حال مسألة نصب اللوح، فإن وجوب تخليص أرض الغير وإن لم يكن فعليا إلا أنه مع علمه بانقضاء زمان الاستحقاق قبل كمال الزرع والشجر فهو أقدم على الضرر، فرد الأرض فارغة وإن كان ضررا إلا أنه بنفسه أقدم عليه، وإلا لم يكن رد الأرض الخالية عن الزرع والشجر ضررا، والإقدام على الزرع ليس في طريق امتثال الحكم. فقياسه على من أجنب مع علمه بتضرره بالغسل قياس مع الفارق، لأن الضرر في الغسل ينشأ من الفعل المعلول من الحكم، وهذا بخلاف الضرر في رد الأرض كما هي عليها. وعلى هذا يطرد هذا الحكم في جميع الفروع التي كانت من هذا القبيل، كما إذا علم المفلس بعدم تمكنه من رد ثمن ما اشتراه من الأرض ومع ذلك فقد غرس فيها أشجارا وبنى فيها بناء، فإن الضرر الذي يرد عليه إنما هو من إقدامه على الغرس والبناء. وهكذا من عليه الخيار. وهكذا لو فرض أن الإقدام على المعاملة الغبنية لم يكن إقداما على الضرر حدوثا، إلا أنه إقدام عليه بقاء. فالضرر الوارد عليه من لزوم العقد بحسب البقاء يستند إلى إقدامه لا إلى الحكم الشرعي فتدبر جيدا.

[ 418 ]

- الرابع - مقتضى ما بينا من فقه الحديث أن لا ضرر حاكم على الأحكام الوجودية تكليفية كانت أو وضعية، ونتيجة حكومتها رفع هذه الأحكام. وأما حكومتها على الأحكام العدمية ففيها إشكال، بل لا دليل عليها. فعلى هذا إذا لزم من عدم الحكم في مورد ضرر على شخص لا يمكن نفي هذا العدم بقاعدة لا ضرر، بأن يكون مفادها إثبات الحكم الغير الثابت كما يكون مفادها نفي الحكم الثابت. فلو فتح شخص قفص طائر فطار أو حبس حرا ففات عمله لا يمكن الحكم بالضمان من باب أنه لولا الحكم به يلزم الضرر على صاحب الطير وعلى الحر. وبعبارة اخرى في الموارد التي لا تدخل تحت قاعدة الإتلاف وغيرها من موجبات الضمان كاليد ونحوها لا يمكن للفقيه الحكم بالضمان من جهة أنه لولا الحكم به لزم ضرر على شخص، لأن قاعدة لا ضرر ناظرة إلى نفي ما ثبت بالعمومات من الأحكام الشرعية. ومرجع مفادها إلى أن الأحكام المجعولة إذا نشأ منها الضرر فهي منفية، وعدم الحكم بالضمان ليس من الأحكام المجعولة. ودعوى أن العدم وإن لم يستند بحسب بدوه ومفهومه إلى الشارع لأن العدم الأزلي عبارة عن عدم وجود علة الوجود لا عن وجود علة العدم إلا أنه بحسب البقاء مستند إلى الشارع - لأن ما هو الملاك لتعلق النهي بنفس أن لا تفعل لا الكف هو الملاك لصحة إسناد العدم إلى الشارع - مما لا تنفع في المقام، فإن العدم وإن كان قابلا لأن تناله يد الجعل بحسب البقاء - بأن يرفعه الشارع - أو يبقيه على حاله بأن يحكم بعدم الضمان، إلا أنه لو لم يتعلق به الجعل لا وضعا على حاله ولا رفعا فلا معنى لأن يكون مستندا إلى الشارع. وبعبارة اخرى: لو كان الحكم المجعول هو عدم الضمان فإذا نشأ منه الضرر لقلنا بارتفاعه، وأما إذا لم يكن هناك جعل أصلا فلا يمكن أن تكون قاعدة لا ضرر حاكمة على ما ليس مجعولا، فإن ما ليس مجعولا لا يستند إلى الشارع. ولا يقال: إن ما هو الملاك لجريان الاستصحابات العدمية هو الملاك لصحة

[ 419 ]

إسناد هذا المعدوم إلى الشارع، فإن ملاك جريانها أن الفاعل إذا كان قادرا على الفعل فهو قادر على الترك لا محالة، وإلا لزم أن يكون مضطرا في الفعل كاضطرار المرتعش في الحركة، فيصح أن يسند الترك إلى الفاعل وعدم الحكم إلى الشارع. لأنا نقول مرجع الاستصحابات العدمية إلى حكم الشارع بالعدم، فإن استمراره بمفاد لا تنقض مرجعه إلى وضع العدم على حاله وعدم طرده بإيجاد نقيضه، وأين هذا مما لا يكون هناك حكم أصلا لا نفيا ولا إثباتا. ولو سلمنا صحة إسناد هذا العدم إلى الشارع بالمسامحة والعناية بأن يقال: كان للشارع أن يحكم إما بالضمان أو بعدم الضمان، فإذا لم يحكم فعدم الحكم أيضا من أحكامه، فإذا لزم منه الضرر يرتفع ويحكم بالضمان. ولكنا نقول: إن هذا الضرر لا يمكن أن يكون مرفوعا بقاعدة لا ضرر إلا إذا كان مفاد الحديث أن الضرر الغير المتدارك ليس مجعولا، وهذا المعنى مرجعه إلى الوجه الرابع الذي تقدم في فقه الحديث، وهو الذي ظهر أنه أردء الوجوه ولا تصل النوبة إليه إلا بعد تعذر المحتملات الاخر. وعلى أي حال لو التزمنا بهذا فلا معنى لحكومته على الأحكام الثابتة، لأنه لا جامع بين هذا المعنى والمعنى الأول. ولا يقال: إن ورودها في مورد الشفعة وفي مورد منع فضل الماء بل في قضية سمرة كاشف من حكومتها على الأحكام العدمية، فإن مفادها في هذه الموارد نفي عدم ثبوت حق للشريك، ونفي عدم ثبوت حق لصاحب المواشي، ونفي عدم ثبوت حق للأنصاري، وعدم تسلطه على قلع العذق. لأنا نقول: أما مسألة الشفعة ومسألة منع فضل الماء فليس ثبوت حق الشفعة وكراهة منع الماشية فيهما من باب حكومة لا ضرر على الأحكام العدمية، بل ثبوت هذين الحكمين إنما هو كثبوت الطهارة للحديد للحرج. فكما أن الحرج حكمة لرفع النجاسة عن الحديد، فكذلك الضرر حكمة لجعل الخيار واستحقاق صاحب المواشي للانتفاع بفاضل ماء بئر الغير. ولذا لا يدور الحكم مدار الضرر،

[ 420 ]

فلا يمكن أن يقاس على هذين الحكمين سائر الموارد. وليس للمجتهد أن يحكم بحكم لولاه لزم الضرر، فإن تشريع الأحكام النوعية للمصالح الاتفاقية وظيفة للشارع وهو الذي يليق به أن يشرع العدة لئلا يلزم اختلاط المياه. وأما قضية سمرة فقاعدة لا ضرر تنفي الحكم الثابت - وهو حرمة التصرف في مال الغير - أو تنفي سلطنة المالك، لا أنها مثبت للحكم العدمي وهو عدم تسلط الأنصاري على قلع عذق سمرة. وبالجملة: مفاد الحديث رفع الحكم الثابت، فيجب أن يكون هناك حكم ثابت على وجه العموم وكان بعض مصاديقه ضرريا حتى يرتفع بلا ضرر. وليس مفاده أن الضرر إذا تحقق في الخارج يجب تداركه. وفي الموارد التي ينتج النزاع ثمرة فيها - مثل ما إذا حبس حرا حتى فات عمله أو حبسه حتى أبق عبده - لا يكون هناك حكم حتى يرتفع بلا ضرر. وأما الموارد التي هناك سبب للضمان كالإتلاف أو اليد الغير الحقة فمنشأ الضمان فيها هو نفس أدلتها لا قاعدة الضرر، كما أن ثبوت حق الشفعة أيضا إنما هو لدليل خاص. ثم إن هذا كله مضافا إلى أن الالتزام بهذا مستلزم لتأسيس فقه جديد، لأنه لو وجب تدارك كل ضرر فلو كان هناك إنسان صار سببا له فالضمان عليه وإلا فمن بيت المال. ويلزم كون أمر الطلاق بيد الزوجة لو كان بقاؤها على الزوجية مضرا بها، كما إذا غاب عنها زوجها أو لم ينفق عليها لفقر أو عصيان ونحو ذلك. وبعض الأساطين وإن التزم بهذا المعنى، إلا أنه لعله اعتمد على الأخبار الواردة في هذا المقام الدالة على جواز طلاق الولي والسلطان الإمرأة التي ليس لها من ينفق عليها وغاب عنها زوجها، ولم يعبأ بمعارضتها بمثل النبوي " تصبر امرأة المفقود حتى يأتيها يقين موته أو طلاقه " (1) والعلوي " هذه امرأة ابتليت فلتصبر " (2) ونحو ذلك.


(1) انظر سنن البيهقي 7: 444 - 445، مع اختلاف يسير، وانظر الحدائق الناضرة 25: 486. (2) انظر سنن البيهقي 7: 444، مع اختلاف يسير، وانظر الحدائق الناضرة 25: 486. (

[ 421 ]

نعم تمسك السيد الطباطبائي في ملحقات العروة (1) بقاعدة الحرج والضرر لجواز طلاق الحاكم الشرعي كل امرأة تتضرر ببقائها على الزوجية. مضافا إلى ما في رواية أبي بصير قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول من كانت عنده امرأة فلم يكسها ما يواري عورتها ويطعمها ما يقيم صلبها كان حقا على الإمام أن يفرق بينهما (2). ولكنك خبير بأن هذه الرواية وما يكون بمضمونها غير معمول بها. وأما قاعدة نفي الضرر فلا يمكن إثبات الولاية للحاكم الشرعي بها بمجرد أن عدم ثبوت الولاية له ضرر على الزوجة. هذا مضافا إلى أن قوله (صلى الله عليه وآله) " الطلاق بيد من أخذ بالساق " (3) ظاهر في أن رفع علقة الزوجية منحصر في طلاق الزوج، إلا في بعض الموارد كولي المجنون والمعتوه. وبالجملة: لو كان لقاعدة نفي الضرر مجال في هذا المورد، وكلما كان من هذا القبيل كالعبد الواقع تحت الشدة لكان مقتضاها رفع بقاء علاقة الزوجية وطلاقة الرقية. والمفروض أنهم لا يلتزمون بذلك، بل يجعلون طلاق الحاكم نازلا منزلة طلاق الزوج، وهذا مرجعه إلى إثبات الحكم بقاعدة نفي الضرر. وقد عرفت أن لازمه أن يتدارك ضرر كل متضرر إما من بيت المال أو من مال غيره، وهذا فقه جديد. وبالجملة: ليس الضرر في حد نفسه من موجبات الضمان ولذا لم يعدوه منه، وإنما حكموا بالضمان فيما لو حفر بئرا في داره وسقط جدار جاره لقاعدة التسبيب الراجعة إلى الإتلاف. وقد تقدم منا أن قول الصادق (عليه السلام) في صحيحة الحلبي: كل شئ يضر بطريق


(1) ملحقات العروة 2: 75. (2) الوسائل 15: 223، الباب 1 من أبواب النفقات الحديث 2. (3) عوالي اللئالي 1: 234، الحديث 137.

[ 422 ]

المسلمين فصاحبه ضامن لما يصيبه (1). وقوله في حديث أبي الصباح: كل من أضر بشئ من طريق المسلمين فهو له ضامن (2). يرجع إلى الضمان بالتسبيب. وموضوع البحث ما إذا كان الضمان مسببا عن نفس الإضرار. نعم، قد يتوهم أن بعض الروايات يدل على أن نفس الضرر موجب للضمان، مثل ما ورد في من حول نهره عن رحى الغير أنه يرجعه إلى حاله، ومثل ما ورد فيمن أسقط الشرافة الساترة بينه وبين جاره أنه يعيدها إلى حالها الاولى. وفيه أولا: أن الدليل الدال على الحكم الأول لا يدل على إرجاع النهر إلى حاله، بل بعد ما سئل عن أبي محمد (عليه السلام) عن رجل كانت له رحى على نهر قرية والقرية لرجل فأراد صاحب القرية أن يسوق إلى قريته الماء في غير هذا النهر ويعطل هذه الرحى أله ذلك أم لا؟ فوقع (عليه السلام) يتقي الله ويعمل في ذلك بالمعروف ولا يضر أخاه المؤمن (3). وهكذا ما ورد من الفقيه (عليه السلام) بهذا المضمون. وأما الدليل على الحكم الثاني فلم نجده في مجامع الأخبار. وثانيا: لعل الأمر بالإعادة كان لمعلومية ثبوت الحق لكل من صاحب الطاحونة والجار في بقاء ما امر بإعادته وإن كان ظاهر السؤال أنه لا يعلم بالحال إلا مجرد كون الطاحونة على نهر الغير. وثالثا: لعل الأمر بالإعادة على فرض التسليم كان لعدم سلطنة صاحب النهر على تحويل نهره لا حدوثا ولا بقاء، وهكذا صاحب الستارة لم يكن مسلطا كذلك. وبعبارة اخرى: الذي يتولد منه الضرر ليس مجرد التحويل والتخريب، بل نتيجة ذلك فهي منفية بقاعدة الضرر، ومقتضاها إعادة النهر والشرافة على ما كانتا عليه لئلا تبقى الرحى والدار على هذه الحالة.


(1) الوسائل 19: 181، الباب 9 من أبواب الضمان الحديث 1. (2) الوسائل 19: 181، الباب 9 من أبواب الضمان الحديث 2. (3) الوسائل 17: 343، الباب 15 من أبواب إحياء الموات الحديث 1.

[ 423 ]

وبالجملة: لو لم يدخل الإضرار في أحد موجبات الضمان لا يمكن إثبات حكم لولاه يلزم منه الضرر. - الخامس - هل المدار في الضرر المنفي هو الضرر النوعي أو الشخصي؟ وجهان، والحق هو الثاني، لما قد ظهر من أول المبحث إلى هنا من حكومة أدلة نفي الضرر على الأحكام الثابتة في الشريعة على نحو العموم. ومقتضى الحكومة أن يكون كل حكم نشأ منه الضرر مرفوعا دون ما لم ينشأ منه. نعم، قد يكون الضرر في بعض الموارد منشأ لجعل الحكم مطردا في جميع الموارد. ولكنه تبين أن هذا الجعل وظيفة الشارع كجعله الضرر في بعض الموارد حكمة لتشريع الخيار للشريك، وجعله الحرج في الجملة حكمة لتشريع الطهارة للحديد. وعلى هذا، فلا يمكن القول بأن المدار على الضرر النوعي مع الالتزام بالحكومة، فإن الجمع بينهما ممتنع. ولا يقال: قد تمسك الأصحاب بهذه القاعدة لإثبات الخيار للمغبون ولو فرض عدم تضرره لعدم وجود راغب في المبيع فعلا مع كون بقائه ضررا عليه. لأنا نقول: الجمع بين كونه مغبونا وكونه غير متضرر ممتنع، فإن الغبن عبارة عن الشراء بأزيد من ثمن المثل أو البيع بأقل من ثمن المثل. ولا شبهة أن قيمة الأموال بحسب الأزمان مختلفة، فلو لم يوجد راغب وباعه بأقل مما يباع في غير هذا الزمان فلا يكون مغبونا. وبالجملة: مقتضى الحكومة بل مقتضى كون الحديث واردا في مقام الامتنان أن يكون كل شخص ملحوظا بلحاظ حال نفسه.

[ 424 ]

- السادس - مقتضى ورود الحديث في مقام المنة عدم وجوب تحمل الإنسان الضرر المتوجه إلى الغير لدفعه عنه، ولا وجوب تدارك الضرر الوارد عليه، أي لا يجب رفعه عن الغير كما لا يجب دفعه عنه. وهكذا لا يجوز توجيه الضرر الوارد إليه إلى الغير، فلو توجه السيل إلى داره فله دفعه لا توجيهه إلى دار غيره، وذلك لتعارض الضررين وعدم المرجح في البين. ومقتضى ذلك أنه لو دار الأمر بين حكمين ضرريين بحيث يلزم من الحكم بعدم أحدهما الحكم بثبوت الآخر اختيار أقلهما ضررا سواء كان ذلك بالنسبة إلى شخص واحد أم شخصين، لأن الله سبحانه إذا نفى الحكم الضرري منة على عباده، والمفروض أن نسبة الحكم المنفي بالنسبة إلى كل عبد واحدة، فكما لو توجه أحد الضررين إلى شخص واحد يختار أخفهما وأقلهما، فكذا لو توجه إلى أحد الشخصين. وعلى هذا فلو لم يكن بينهما ترجيح فمقتضى القاعدة هو التخيير لا الرجوع إلى سائر القواعد، لأنه ليس المقام من باب تعارض الدليلين، لأن عدم إمكان الجمع لم ينشأ من عدم إمكان الجمع في الجعل، بل إنما نشأ من تزاحم الحقين كتزاحم الغريقين، فلو كان في البين أهمية كدوران الأمر بين الضرر على العرض والمال فينفي الضرر على العرض ولو لم تكن فالتخيير. اللهم إلا أن يقال: فرق بين دوران الأمر بين أحد الضررين الواردين على شخص واحد ودورانه بين أحد الضررين الواردين على شخصين، فإذا توجه أحدهما على شخص فيختار أخفهما لو كان وإلا فالتخيير. وأما لو دار بين شخصين كالتولي من قبل الجائر الذي تركه ضرر على المتولي وإقدامه ضرر على غيره فلا وجه للتخيير ولا الترجيح، لأنه يدخل فيما تقدم أنه لا يجب تحمل الضرر لدفعه عن غيره.

[ 425 ]

نعم، لو أكرهه الجائر على دفع مال فلا يجوز له نهب مال الناس ودفع ضرر الجائر به عن نفسه، ففرق بين ما إذا أكرهه على أخذ مال الناس له وما إذا أكرهه على دفع أموال نفسه إليه. ومسألة التولية من قبل الجائر تدخل في القسم الأول ولا يلاحظ فيه أقل الضررين، لأنه توجه الضرر أولا إلى الغير فلا يجب تحمل الضررحتى يدفع عن الغير. ومسألة الإجبار على دفع أموال نفسه تدخل فيما تقدم أنه لا يجوز رفع الضرر عن نفسه بإدخال الضرر على الغير. وعلى هذا فما اختاره شيخنا الأنصاري في مسألة التولي من قبل الجائر من الفرق بين المسألتين في كتاب المكاسب (1) هو الصواب، لا ما أختاره في رسالته المعمولة لهذه المسألة من: أن حكم الضرر الوارد على أحد الشخصين حكم أحد الضررين الوارد على شخص واحد من اختيار أقلهما لو كان، وإلا فالرجوع إلى العمومات الاخر ومع عدمها فالقرعة (2). ثم فرع على هذا أنه يلاحظ الضرر الوارد بملاحظة حال الأشخاص فقد يكون ضرر درهم على شخص أعظم من ضرر دينار على آخر، وذلك لما عرفت أنه لو توجه الضرر إلى الغير أولا فلا يجب دفعه عنه بتحمل الضرر ولو كان ضرر الغير أعظم، ولو توجه أولا إلى نفسه فلا يجوز توجيهه إلى الغير ولو كان ضرر الغير أخف. نعم، لو حمل عبارة الرسالة المعمولة على ما إذا ورد ضرر من السماء ودار أمره بين وروده على أحد الشخصين، كما إذا أدخلت الدابة رأسها في القدر من دون تفريط أحد المالكين ودار الأمر بين كسر القدر أو ذبح الدابة، فيمكن هنا القول بنفي الضرر الأعظم واختيار الأقل، لأنه أحد المرجحات وإن كانت كلمات العلماء مضطربة على ما حكاه عنهم قدس الله تعالى أسرارهم.


(1) المكاسب 2: 69 - 94. (2) رسالة في قاعدة لا ضرر (رسائل فقهية): 125.

[ 426 ]

وأما عبارته في الرسائل فلا يمكن حملها على هذا المورد، لأنه مثل بالولاية من قبل الجائر المستلزمة للإضرار على الناس. فالصواب جعل عنوان مسألة تعارض الضررين بالنسبة إلى شخصين ما هو من قبيل مسألة القدر وجعل مسألة الولاية من قبل الجائر عنوانا آخر، كما لا يخفى. - السابع - لا ينبغي الإشكال في أنه كما يكون هذه القاعدة حاكمة على العمومات المثبتة للأحكام التكليفية فكذلك حاكمة على العمومات المثبتة للأحكام الوضعية، سواء كان الحكم الوضعي من قبيل لزوم العقد أم من قبيل قاعدة السلطنة. إنما الإشكال في أن قاعدة السلطنة مطلقا محكومة بقاعدة لا ضرر أو فيما إذا لم يلزم من عدم سلطنة المالك ضرر عليه. وأما إذا لزم فلا تكون محكومة بها بل تكون قاعدة السلطنة هي المرجع، أو أن المسألة مبتنية على الفرع السابق وأنه يلاحظ أعظم الضررين وهو المرفوع لا الأقل؟ يظهر من شيخنا الأنصاري (قدس سره) أن المسألة مبتنية على الفرع السابق، فإنه في الرسائل بعد أن مثل لمورد تعارض الضررين بالتولي من قبل الجائر المستلزم تركه لتضرر الوالي وإقدامه لتضرر الغير قال (قدس سره): ومثله ما إذا كان تصرف المالك في ملكه موجبا لتضرر جاره وتركه موجبا لتضرر نفسه، فإنه يرجع إلى عموم " الناس مسلطون على أموالهم " ولو عد مطلق حجره عن التصرف في ملكه ضررا لم يعتبر في ترجيح المالك ضرر زائد على ترك التصرف فيه، فيرجع إلى عموم التسلط. ويمكن الرجوع إلى قاعدة نفي الحرج، لأن منع المالك لدفع ضرر الغير حرج وضيق عليه، إما لحكومته ابتداء على نفي الضرر وإما لتعارضهما والرجوع إلى الاصول... إلى آخره (1).


(1) الرسائل 2: 538.

[ 427 ]

ونحن قبل التكلم فيما أفاده شيخنا الأنصاري نتعرض للصور التي يلزم من تصرف المالك في ملكه ضرر على جاره، فنقول: تارة يكون المالك محتاجا إلى التصرف في داره بحيث لو لم يحفر فيها بئرا أو بالوعة يتضرر. واخرى لا يتضرر بترك التصرف، بل إنما ينتفع بالتصرف ويفوته النفع لو لم يتصرف. وثالثة لا يتضرر ولا ينتفع بالتصرف بل يكون عبثا ولغوا، وهذا على قسمين، لأنه قد يقصد به تضرر الجار وقد لا يقصد ذلك لكونه غافلا. أما الصورة الاولى فظاهر كلمات الأصحاب رعاية ضرر المالك فيجوز تصرفه وإن كان ضرر الجار أعظم، بل يجعلونه من مصداق ما تقدم من أنه لا يجب تحمل الضرر لدفع الضرر عن الجار. وكفاك شاهدا على ذلك ما نقله شيخنا الأنصاري (قدس سره) عن الأصحاب ولم ينقل عنهم الخلاف إلا عن صاحب الكفاية، بل صاحب الرياض حمل قاعدة لا ضرر على ما إذا لم يكن غرض إلا الإضرار (1). فراجع. وأما الصورة الثانية فظاهر ما نقله الشيخ عن الأصحاب الجواز أيضا، واستدل له أيضا بعموم " الناس مسلطون " بعد تعارض قاعدة نفي الضرر بالنسبة إلى الجار مع قاعدة نفي الحرج بل الضرر بالنسبة إلى المالك. وأما الصورة الثالثة فيظهر منهم عدم جوازها سواء قصد بتصرفه الإضرار أم لا، لأن المفروض عدم ورود ضرر عليه. ولا يلزم من تصرفه جلب نفع حتى يكون تركه حرجيا، فليس هنا إلا عموم السلطنة وهو محكوم بقاعدة لا ضرر. إذا عرفت ذلك فنقول: ما يظهر من شيخنا الأنصاري (قدس سره) - من وقوع التعارض بين الضررين أو بين لا ضرر ولا حرج في الصورتين الاوليين وأنه يراعى جانب ضرر المالك أو جانب لا حرج إما لحكومته على قاعدة لا ضرر وإما لتعارضهما


(1) الرسائل 2: 538 - 539.

[ 428 ]

والرجوع إلى العمومات كقاعدة السلطنة أو إلى الاصول مثل الإباحة - ممنوع صغرى وكبرى. أما الصغرى فلأن الحرج عبارة عن المشقة، ومطلق منع المالك عن التصرف في ملكه لدفع ضرر الغير ليس حرجا عليه. وبعبارة اخرى لا يشمل نفي الحرج المشقة الطارئة على الجوانح كما أنها ليست مرفوعة بلا ضرر أيضا، فترك الولاية من قبل الجائر لو كان موجبا للضرر على الأقرباء أو للضرر المالي ليس حرجا منفيا، وكذلك ترك حفر البئر في الدار وترك مطلق التصرف في الأموال. وبالجملة: لا معنى لتعارض لا ضرر ولا حرج في نحو هذه الأمثلة ولا لتعارض ضرر المالك وضرر الغير، لأنه لا يمكن أن يصدر حكمان متضادان من الشرع. فالحكم المجعول منه إما جواز تصرف المالك في ملكه وإما عدم جوازه، فإذا كان جواز التصرف كما هو مفاد " الناس مسلطون على أموالهم " فلو كان ضرريا على الغير فهو مرفوع بقاعدة لا ضرر ولو استلزم رفع هذا الحكم الضرر على المالك، فإن الضرر الناشئ عن رفع السلطنة من باب حكومة لا ضرر يستحيل أن يدخل في عموم لا ضرر. وإذا كان الصادر منه عدم جواز تصرف المالك فهذا الحكم حيث إنه ضرري على المالك فهو مرتفع، ولو استلزم رفع عدم الجواز الضرر على الجار فضرر المالك بناء على الأول وضرر الجار بناء على الثاني لا يدخل في عموم لا ضرر، لأن الضرر الناشئ عن حكومة لا ضرر على الأحكام الجوازية وهكذا الضرر الناشئ من حكومة لا ضرر على الأحكام التحريمية لا يعقل أن يدخل في عموم لا ضرر وإن قلنا بشمول قوله " كل خبري صادق أو كاذب " مثلا لنفس هذه القضية بتنقيح المناط أو بوجه آخر كما في شمول " صدق العادل " للخبر المتولد من شموله لموضوع وجداني حيث إنه على نحو القضية الحقيقية، وذلك للفرق بين المثالين وبين المقام، فإنه إذا تولد من وجوب تصديق الشيخ أو الكليني موضوع آخر فيمكن أن يشمل هذا الموضوع

[ 429 ]

المتولد وجوب تصديق آخر من سنخ " صدق العادل " الشامل لخبر الشيخ أو الكليني. وأما في المقام فحيث قد عرفت أن قاعدة لا ضرر حاكمة على الأحكام الوجوبية والتحريمية فإذا نشأ ضرر من حكومة لا ضرر فلا يمكن أن يكون لا ضرر ناظرا إلى هذا الضرر، لأن المحكوم لابد أن يكون مقدما في الرتبة على الحاكم حتى يكون الحاكم شارحا له وناظرا إليه. والمفروض أن هذا الضرر الحادث متأخر في الرتبة عن قاعدة لا ضرر فلا يمكن أن يكون محكوما بلا ضرر. نعم، لو قلنا بأن لا ضرر إخبار عن الواقع فيمكن تعارض الضررين، وأما مع الالتزام بالحكومة فلا يعقل التعارض بحيث يدخل كل منهما تحت العموم. فمسألتنا هذه لا تبتني على المسألة السابقة وهي ما إذا دار الأمر بين أحد الضررين على أحد الشخصين كما إذا أدخل الدابة رأسها في القدر، فإنه لابد في المسألة السابقة من ترجيح الضرر الأعظم ورفعه دون الأخف. وفي مورد التساوي لابد من التخيير، لأن ملاحظة صاحب الدابة أو صاحب القدر مطلقا لا وجه له لو فرض أن الضرر جاء من دون تفريط أحد المالكين، وهذا بخلاف المقام، فإنه هنا ليس ضرران خارجيان دار الأمر بين أحدهما. بل المرفوع إما ضرر المالك ليس إلا لو كان الحكم هو تصرف المالك في ملكه مع تضرر جاره، وإما ضرر الجار لو كان المجعول سلطنة المالك مطلقا. وحاصل الكلام: أنه لابد في الضرر المنفي بأدلة نفي الضرر من كونه ناشئا عن الحكم الشرعي الضرري ليكون نفي الضرر نفيا لذلك الحكم المعنون بعنوان الضرر. ومن المعلوم أن الضرر الذي يلحق المالك من ترك التصرف ليس لحكم شرعي يقتضي الضرر إلا إذا كان الحكم هو حرمة التصرف، وأما مع فرض كون الحكم هو عموم السلطنة فالحكم الذي ينشأ منه الضرر ليس إلا نفي الضرر بالنسبة إلى الجار، فضرر المالك في طول نفي الضرر بالنسبة إلى الجار فلا يعقل أن يكون مرفوعا بلا ضرر.

[ 430 ]

وأما الكبرى وهي أنه بعد تعارض الضررين يكون المرجع هو عموم التسلط أو عموم قاعدة نفي الحرج، إما لحكومتها على قاعدة لا ضرر ابتداءا وإما لتعارضهما والرجوع إلى الاصول. ففيها: أما مسألة كون المرجع هو عموم قاعدة السلطنة، فهو إنما يصح فيما إذا تعارض مخصص للعام مع ما هو في عرضه، فبعد تعارضهما وتساقطهما يرجع إلى العموم. وأما لو خصص عموم بالحكومة وتولد فرد آخر من سنخ الحاكم من هذه الحكومة فتعارض هذين الفردين من أفراد الحاكم لا يوجب أن يكون المرجع هو المحكوم. وبعبارة اخرى: كون العام مرجعا إنما هو في مورد تعارض الدليلين اللذين أحدهما مخصص له لا في مورد تعارض فردين من المخصص القطعي. نعم، لو كان هناك حكمان كعموم سلطنة صاحب الدابة وعموم سلطنة صاحب القدر وتعارض ضرر أحدهما مع ضرر الآخر فلا يمكن الحكم بتخصيص أحد العامين دون الآخر إلا إذا كان هناك مرجح، وإلا يلزم الترجيح بلا مرجح. وأين هذا مما إذا كان هناك حكم واحد وبتخصيصه تولد خاص آخر معارض مع الخاص الأول. وأما مسألة حكومة لا حرج على لا ضرر، فهي تتوقف على أمرين: الأول: كون لا حرج مثبتا للحكم أيضا، أي كما أنه حاكم على الأحكام الوجودية يكون حاكما على الأحكام العدمية أيضا، وإلا لا يعقل تعارضه مع لا ضرر واجتماعه معه في مورد واحد حتى يكون حاكما عليه، لأنه لو كان حاكما على خصوص الأحكام الوجودية لا مثبتا لحكم لولاه لزم الحرج. فينحصر الصور المتقدمة في قاعدة لا ضرر لا الحرج، لأن عموم السلطنة مستلزم للضرر فيرفع هذا الحكم الثابت بقاعدة لا ضرر. وعدم السلطنة وإن كان حرجيا إلا أنه لا يجوز إثبات حكم بلا حرج، لأن عدم السلطنة ليس مجعولا حتى يرتفع بلا حرج. فعلى هذا لم يجتمع لا حرج مع لا ضرر في هذا المورد بل المورد مورد لا ضرر.

[ 431 ]

ولو فرض عكس هذه المسألة، كما لو كان تصرف المالك حرجا على الغير وعدمه ضررا على المالك، فيصير الأمر بالعكس أي ينحصر المورد بلا حرج ولا يجري لا ضرر. وإن شئت قلت: إن هذا الشرط يرجع إلى منع الصغرى، وحاصله عدم إمكان تعارض لا ضرر مع لا حرج. الثاني: أن يكون لا حرج ناظرا إلى لا ضرر، ومعنى النظر أن يكون الحكم في طرف المحكوم مفروض التحقق حتى يكون الحاكم ناظرا إلى الحكم الثابت في المحكوم. وأما لو كان كل منهما في عرض الآخر، ولا أولوية لفرض تحقق أحدهما قبل الآخر فلا معنى للحكومة. وبالجملة: لا وجه لجعل " لا حرج " حاكما على " لا ضرر " فلا يمكن علاج التعارض بالحكومة، كما أنه لا يمكن علاجه بتقديم لا ضرر على لا حرج مطلقا من باب أن مورد الضرر أقل من الحرج، لأن كل ضرري حرجي ولا عكس. فإنه أولا: أقلية المورد موجب للترجيح فيما إذا كان المتعارضان متضادين لا مثل المقام الذي يتوافقان غالبا، فإنه لو قدم دليل لا حرج على لا ضرر لا يلزم بقاء لا ضرر بلا مورد، لكفاية المورد فيما كان الأمر ضرريا أيضا كغالب الموارد، بل جميعها سوى مورد الدوران بين الحرج والضرر كالأمثلة المذكورة. وثانيا: بناء على ما عرفت من أن الحرج هو المشقة في الجوارح لا في الروح، فقد يكون الشئ ضرريا كالنقص في المال ولا يكون حرجيا. فقولك: كل ضرري حرجي ولا عكس، غير صحيح. وعلى هذا فيقتضي عدم تسلط المالك في الصورة الثانية أيضا فضلا عن الصورة الثالثة، لما عرفت من أن قاعدة السلطنة من إحدى القواعد العامة محكومة بلا ضرر. ثم إنه لا يمكن إدراج الصورة الاولى فيما يقال: إنه لا يجب تحمل الضرر

[ 432 ]

لدفع الضرر عن الغير، فإن مورد هذا الكلام ما لو توجه بلاء ودار بين أن يرد على الجار وأن يرد على النفس، فيقال: إنه لا يجب توجيهها إلى النفس لئلا تتوجه إلى الغير كما مثلنا في مسألة السيل المتوجه إلى إحدى الدارين. وأما الصورة الاولى فالضرر توجه أولا إلى المالك وهو يريد رفعه عن نفسه المستلزم لتضرر الجار. نعم هنا وجه يمكن أن يوجه به ما ذهب إليه المشهور من: جواز تصرف المالك في الصورتين الاوليين دون الصورة الأخيرة، وهو أنه لا شبهة أنه لولا ورود هذا الحديث المبارك في مقام الامتنان لكان مقتضى الصناعة ما ذكر من حكومة قاعدة لا ضرر على عموم السلطنة، إلا أن وروده في مقام الامتنان يقتضي أن لا يكون رفع الضرر موجبا للوضع. فسلطنة المالك لا ترتفع بضرر الجار إلا إذا لم يكن عدم تسلطه موجبا لتضرره، كما إذا لم يكن حفر البئر في داره موجبا لكمال في الدار ولا تركه موجبا لتضرره، بل يحفره تشهيا، بل قد يقصد به الإضرار. وأما إذا استلزم رفع الضرر وضعه فهذا لا يدخل في عموم لا ضرر، سواء قلنا بأن المدار على الضرر النوعي أو الشخصي، لأنه على أي حال هذا الحكم وهو رفع ضرر الجار بإلقاء الضرر على المالك خلاف الامتنان. فإذا لم يدخل هذه الموارد في عموم قاعدة لا ضرر فيبقى قاعدة السلطنة بلا مخصص. ولا يبعد أن يكون منشأ اتفاقهم على جواز إضرار الغير بما دون القتل لدفع الضرر الناشئ عن توعيد المكره عدم شمول لا ضرر هذا الضرر المتوجه إلى الغير، وإلا فالمسألة مشكلة. وما اختاره شيخنا الأنصاري (قدس سره) في مسألة التولية من قبل الجائر من الفرق بين ما إذا توجه الضرر أولا إلى النفس وأراد رفعه بتوجيهه إلى الغير فلا يجوز وأما إذا توجه أولا إلى الغير وأراد رفعه عنه بتوجيهه إلى النفس فلا يجب، هو الصواب كما تقدمت الإشارة إليه. * * *

[ 433 ]

هذا تمام الكلام فيما أردنا إيراده في المقام، والحمد لله أولا وآخرا، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين. قد وقع الفراغ منه بيد مؤلفه المفتقر إلى رحمة ربه البارئ موسى بن محمد النجفي الخونساري في ليلة النيروز، وهي ليلة الثالث والعشرين من شهر ذي قعدة الحرام من سنة ألف وثلاثمائة وواحد وخمسين من الهجرة المباركة النبوية، على هاجرها وأهل بيته الطاهرين آلاف السلام والتحية. بين ما إذا توجه الضرر أولا إلى النفس وأراد رفعه بتوجيهه إلى الغير فلا يجوز وأما إذا توجه أولا إلى الغير وأراد رفعه عنه بتوجيهه إلى النفس فلا يجب، هو الصواب كما تقدمت الإشارة إليه. * * *

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية