الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




منية الطالب - تقرير بحث النائيني للخوانساري ج 2

منية الطالب

تقرير بحث النائيني للخوانساري ج 2


[ 1 ]

منية الطالب في شرح المكاسب تأليف الشيخ موسى بن محمد النجفي الخوانساري (قدس سره) المتوفى سنة 1363 ه‍ تقريرات المحقق الميرزا محمد حسين النائيينى (قدس سره) المتوفى سنة 1355 ه‍ الجزء الثاني موسسة النشر الاسلامي التابعة لجماعة المدرسين قم المشرفة

[ 2 ]

شابك 4 - 007 - 470 - 964 4 - 007 - 470 - 964 ISBN منية الطالب (ج 2) تقرير: المحقق الميرزا محمد حسين النائيني (قدس سره) المقرر: الشيخ موسى بن محمد النجفي الخوانساري (قدس سره) تحقيق ونشر: مؤسسة النشر الاسلامي عدد الصفحات: 415 الطبعة: الاولى المطبوع: 1000 نسخة التاريخ: 1418 ه‍. مؤسسة النشر الاسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم [ شروط المتعاقدين ] [ بيع الفضولي ]: قوله (قدس سره): (مسألة: ومن شروط المتعاقدين: أن يكونا مالكين أو مأذونين من المالك أو الشارع.... إلى آخره). لا إشكال في أن العقد بالإذن من المالك أو ممن له حق في العين - كذي الخيار والمرتهن والغرماء وأمثالهم - يخرج من الفضولي، إنما الكلام في خروجه منه بمجرد الرضا الباطني من دون أمارة عليه. اختار المصنف في المقام خروجه منه وعدم التوقف على الإجازة اللاحقة، سواء علم به العاقد أو انكشف له بعد حصول العقد بأنه كان حين البيع راضيا، أم لم ينكشف له أصلا، لأن المناط في الصحة الواقعية هو الرضا واقعا. والحق عدم خروج العقد الصادر من غير من بيده زمام أمر المعقود عليه بمجرد الرضا الباطني من المالك ومن له الحق، مرتهنا كان أو مولى، وذلك لأنه لو كان أمر العقد موقوفا وغير ماض إما لعدم كون العاقد مالكا، أو لعدم كونه مستقلا، فلا يخرج عن التوقيف إلا باستناده إلى المالك أو ذي الحق. والاستناد والتنفيذ من الامور الإنشائية ويكونان كسائر الإيقاعات لابد من إيجادهما إما باللفظ أو بالفعل، فلا الكراهة الباطنية رد، ولا الرضا الباطني إجازة، بل كل منهما يحتاج إلى كاشف.

[ 4 ]

وأما ما اختاره المصنف فمضافا إلى أنه ينافيه استدلاله لصحة عقد المكره مع لحوق الرضا بفحوى الفضولي - لأن الأولوية فرع فقد الفضولي أمرين الاستناد والرضا، وأما لو قلنا بعدم اعتبار الاستناد وكفاية الرضا الباطني من المالك ولو كان المباشر غير المالك فلا أولوية، لأن ملاك الفضولي والمكره في الاحتياج إلى شرط واحد على حد سواء - يرد عليه: أن ما استدل به لا دلالة فيه. أما قوله عز من قائل: * (أوفوا بالعقود) * (1) فلأن مقابلة الجمع بالجمع يقتضي التوزيع، أي كل مكلف يجب عليه الوفاء بعقده، وعقد الفضولي لا يكون عقدا للمالك بمجرد رضائه به، لأن كونه عقدا له يتوقف على مباشرته، أو نيابة الغير عنه بالإذن، أو الإجازة بعد صدور العقد من الفضولي. وفي حكم هذه الآية قوله: * (أحل الله البيع) * (2)، لأن البيع هنا بمعناه المصدري، فيصير معناه: أحل الله إيجاد هذا المعنى، وإيجاد المالك ينفذ إذا صار إيجادا له. وبعبارة اخرى: معناه أحل الله بيوعكم، والبيع يصير بيعا له إذا استند إليه، وإلا فليس بيعا منه. وأما قوله تعالى: * (إلا أن تكون تجارة عن تراض) * (3) فهو أظهر في اعتبار الاستناد إلى المالك، لأن التجارة بمعنى التكسب، ولا يكون التكسب منه إلا بالمباشرة أو الإذن أو الإجازة، والرضا الباطني ليس منها، لأنه لا يصير به التجارة من الغير تجارة منه. وأما قوله (عليه السلام): " لا يحل مال امرى إلا بطيب نفسه " (4) ففيه: أولا: أنه ليس إلا في مقام بيان اعتبار الطيب والرضا، لا في مقام بيان أن مجرد الطيب كاف، فهو نظير قوله (عليه السلام): " لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب " (5)،


(1) المائدة: 1. (2) البقرة: 275. (3) النساء: 29. (4) مسند أحمد بن حنبل: ج 5 ص 72، عوالي اللآلي: ج 1 ص 222 ح 98. (5) عوالي اللآلي: ج 2 ص 218 ح 13.

[ 5 ]

و " لا صلاة إلا بطهور " (1). وثانيا: الحلية في المقام هي الحلية التكليفية، أي أن التصرف بالأكل والشرب ونحوهما في مال الغير لا يجوز إلا برضا مالكه، وكلامنا في نفوذ التصرف الوضعي. وأما قضية " عروة " فلا دلالة فيها أصلا، لاحتمال كونه وكيلا مفوضا. وأما كلمات الأصحاب فالرضا المذكور فيها هو بمعنى الاختيار، لا طيب النفس، فإنه يطلق على الاختيار أيضا، ومن ذلك قول السيد في الدرة: كما ارتضاه المرتضى (2)، وقوله (عليه السلام): " فذلك رضا منه " (3) الوارد في أن إحداث ذي الخيار يوجب سقوط خياره، وقوله (عليه السلام): " ورضيكم خلفاء " (4) وقول العامة: إنما سمي الرضا (عليه السلام) بالرضا، لأن المأمون اختاره ولي العهد. فقولهم: إن الشرائط كلها حاصلة إلا رضا المالك أي إلا اختياره، فلا شبهة أن الاختيار معنى إنشائي لابد من حصوله بكاشف فعلي أو قولي. وأما قولهم: إن الإجازة لا يكفي فيها السكوت لأنه أعم من الرضا فدلالته على ما اعتبرناه أظهر، لأن ظاهره اعتبار الاختيار، وإلا قد يكون السكوت في محل خاص كاشفا عن الرضا والطيب كما في سكوت الباكرة. فالأولى استدلال المصنف بسكوت الباكرة، كما استدل بما دل على أن علم المولى بنكاح العبد وسكوته إقرار منه. والاستدلال بصحيحة محمد بن مسلم والحميري الآتيتين، فإن في الاولى منهما " لا تشترها إلا برضا أهلها " (5). وفي الثانية منهما " الضيعة لا يجوز ابتياعها إلا عن مالكها، أو بأمره، أو رضا


(1) من لا يحضره الفقيه: ج 1 ص 33 ح 67. (2) الدرة النجفية: ص 88. (3) الكافي: ج 5 ص 169 قطعة من ح 2، عنه الوسائل: ب 4 من أبواب الخيار ح 1 ج 12 ص 350. (4) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 97 قطعة من ح 177. (5) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 149 ح 662، عنه الوسائل: ب 1 من أبواب عقد البيع ح 3 ج 12 ص 249.

[ 6 ]

منه " (1). وتقريب الاستدلال واضح، ولكن الأقوى عدم دلالة كل ذلك على مختاره: أما سكوت الباكرة فهو قبل العقد، وكفاية الرضا الباطني للتوكيل غير كفايته بعد العقد، مع أن السكوت في مقام الاستئذان وفي مقام الفسخ والإجازة من الكواشف العرفية عن الإذن أو الإجازة، ولذا في ما كان الخيار فوريا لو سكت ذو الخيار مع علمه بالخيار يستكشف منه الإجازة. ويؤيد ذلك قوله (عليه السلام): " إن سكوتهم إقرار منهم " (2) أي: إثبات للنكاح واختيار له، فتأمل. وأما الخبران فأولا: لا يدلان إلا على اعتبار الرضا، لا على كفايته مطلقا كما في قوله: " لا يحل ". وثانيا: يمكن حملهما على الرضا بمعنى الاختيار. وبالجملة: العناوين المتعلق بها الوضع سواء كانت عقدا أم إيقاعا لا بد لها من كاشف قولي أو فعلي. ولذا لا نلتزم بتأثير الشروط البنائية. نعم، في العقود الإذنية يكفي الرضا الباطني، ولكنها في الحقيقة ليست عقدا. وعلى هذا لا فرق بين تعلق الحق المالكي بعقد الفضولي، أو حق (3) آخر، ماليا كان - كما في الرهن والتفليس ونحو ذلك - أو ولاية، سواء كانت جهة الولاية راجعة إلى المال - كعقد العبد لنفسه أو لغيره - أم لم تكن إلا صرف السلطنة على العقد، كحق العمة والخالة. فتفصيل المصنف بين عقد العبد وغيره لا وجه له، فإن معصيته ليست راجعة الى التكليف حتى تخرج عنها بمجرد رضا المالك باطنا، وإلا لم يكن وجه للتفصيل بين معصية الله ومعصية السيد، لأن معصية السيد معصية الله، بل المعصية هنا بمعنى المخالفة الوضعية، حيث إنه تصرف في سلطان المولى، والخروج عن المخالفة الوضعية يتوقف على كاشف قولي أو فعلي.


(1) الاحتجاج: ص 487، عنه الوسائل: ب 1 من أبواب عقد البيع ح 8 ج 12 ص 250. (2) الكافي: ج 5 ص 478 ح 4، عنه الوسائل: ب 26 من أبواب نكاح العبيد ح 1 ج 14 ص 525 مع اختلاف يسير. (3) في المطبوع: حقا.

[ 7 ]

وبالجملة: هذه المراتب الثلاث - وهي بيع مال الغير، وبيع الراهن ونحوه، ونكاح العبد ونحوه - كلها متوقفة على إذن ذي الحق أو إجازته، والتفصيل بينها لا وجه له، وذلك لأنه ثبت من الأدلة الخارجية عدم استقلال العبد والراهن والباكرة - وكل من كان من قبيل هذه الطوائف الثلاث - في عقودهم، ولا يخرجون عن عدم الاستقلال بمجرد رضا ذي الحق، فإن به لا يسند العقد إليه. وعد سكوته في بعض المقامات إجازة فهو من باب أن من لا يميل الى شئ لا يقدر على إمساك نفسه طبعا، فلو سكت في محل الإمضاء والرد فسكوته كاشف عرفي عنها، ولذا عبر في الأخبار عن الإمضاء بالسكوت الذي هو نظير الأمر الوجودي، لا بمثل عدم الردع ونحوه. والظاهر أن المسألة لا تحتاج إلى أزيد من ذلك فإن بالمراجعة إلى نظائرها يظهر صدق ما ادعيناه، فراجع باب الفسخ والرد والرجوع. قوله (قدس سره): (بعد اتفاقهم على بطلان إيقاعه.... إلى آخره). لا يخفى أنه لم يتحقق الإجماع على بطلانه في جميع الإيقاعات. نعم، الظاهر تحققه في العتق والطلاق، ومع ذلك يمكن أن يكون مدرك المجمعين هو قوله (عليه السلام): " لا عتق إلا في ملك " (1)، وقوله (عليه السلام): " الطلاق بيد من أخذ بالساق " (2). وكيف كان، بناء على ما سيجئ: من أن الفضولي في البيع على مقتضى القاعدة فيلحق به سائر العقود وجميع الإيقاعات، إلا ما خرج كما في الرجوع إلى الزوجية بالفعل فإنه لا يقبل الفضولي. وبالجملة: يجري الفضولي في جميع الإيقاعات بمقتضى القاعدة الأولية. نعم، لا يجري في جملة منها لمانع آخر سنشير إليه في العنوان الآتي. قوله (قدس سره): (فهنا مسائل ثلاث: الاولى: أن يبيع للمالك مع عدم سبق منع من المالك.... إلى آخره). محل الاتفاق من القائلين بصحة الفضولي في مقابل البطلان هذه الصورة.


(1) عوالي اللآلي: ج 2 ص 299 ح 4. (2) سنن ابن ماجة: ج 1 ص 672 ح 2081، عوالي اللآلي: ج 1 ص 234 ح 137.

[ 8 ]

وأما إذا باع للمالك مع سبق المنع منه وما إذا باع لنفسه كالغاصب فهو محل الخلاف حتى بين القائلين بصحته. فالأولى تنقيح أن مقتضى القاعدة هل صحته في جميع الصور، أو بطلانه كذلك، أو التفصيل؟ وعلى أي حال الإيقاعات ملحقة بالعقود. وينبغي أولا تمهيد مقدمة، وهي: أن الأفعال المترتبة عليه الآثار والمصادر الصادرة من الأشخاص على قسمين: قسم يتحقق اسم المصدر فيه بنفس تحقق المصدر ولا ينفك منه إلا بتخلل فاء الترتيب، وهو ما كان من سنخ الخارجيات، كالضرب والغسل والكسر، فإن نتيجتها حاصلة بنفس حصول الفعل، بل لا فرق بين الفعل والانفعال إلا اعتبارا. وقسم لا يتحقق فيه الأثر المرغوب منه بنفس تحقق الفعل، وهو ما كان من قبيل الاعتباريات فإن خارجيته ليس بإيجاد كل موجد وصدوره من كل شخص، بل لابد من تحققه بإيجاد من ينفذ إيجاده، وأما من لم ينفذ إيجاده فهو وإن كان بنظره لا ينفك الوجود عن الإيجاد إلا أنه ليس بنظر العقلاء إيجادا، فمجرد إيجاد العلقة المالكية بقوله: " بعتك السماء " لا يوجب تحققها. وفي كل من القسمين لو لم يعتبر صدور الفعل من مباشر خاص يصح التوكيل والاستنابة فيه، كالأمر بالضرب وإيجاد العقد، ولكنه ليس كل ما يقبل النيابة يقبل الإجازة. فإن القسم الأول مع قبوله النيابة لا يقبل الفضولي، لأن الفعل الخارجي الذي لا ينفك أثره عنه لا يتغير بإجازة عما وقع عليه، ولا يستند الضرب إلى غير الضارب بالإجازة منه، ولا ينافي ذلك ما ورد من " أن الراضي بعمل قوم كالداخل فيهم " (1)، فإنه كالداخل حكما، لا أن الفعل صدر عنه بالرضا اللاحق. فما ينسب إلى كاشف الغطاء: من أن كل ما يقبل النيابة يقبل الفضولي (2) ليس بإطلاقه صحيحا، بل لابد أن يقيد بأنه كل ما يقبل النيابة والتبرع فهو يقبل الفضولي، وهو أيضا منتقض بأداء الدين من الغير تبرعا.


(1) نهج البلاغة: ص 499 باب حكم أمير المؤمنين (عليه السلام) الرقم 154. (2) شرح القواعد (مخطوط): الورقة 60 ص 1.

[ 9 ]

وأما القسم الثاني فحيث إن نفس الإنشاء ليس علة تامة لتحقق المنشأ خارجا - أي في عالم الاعتبار - فبإجازة من له حق الإجازة يتحقق المنشأ ويستند إلى المجيز. والسر فيه: هو أن في الاعتباريات حيث إن المنشأ لم يتحقق بعد فبالإجازة يتحقق. نعم، نفس الإنشاء بما هو لفظ ومعنى أيضا غير قابل للإجازة، ولكن لا يعتبر في تحقق المسبب أن يكون سببه أيضا مستندا إلى من له الحق. ثم إنه كما يعتبر أن يكون ما يقبل الفضولية من الاعتباريات كذلك يعتبر أن لا يكون نفس الإجازة علة تامة لتحقق المنشأ، وإلا يخرج عن عنوان الفضولي، لأنه لو كان إمضاء ذي الحق وإجازته بنفسه إيجادا للمنشأ سواء كان هناك عقد الفضولي أم لم يكن فلا معنى لعده من الفضولي. وبعبارة اخرى: يعتبر في صحة العقد الفضولي بالإجازة أمران: أحدهما: عدم كون الفعل علة تامة لتحقق أثره. وثانيهما: عدم كون إجازة المجيز علة تامة لتحقق أثرها، بل لابد أن تكون الإجازة راجعة الى إنفاذ فعل الفضولي بحيث كان عقده أو إيقاعه معدا وموجبا لقابلية تحقق الإجازة، كبيع الفضولي أو عتقه أو طلاقه، بحيث إنه لو لم يكن عقده أو إيقاعه كان قوله: " أجزت " لغوا. وأما لو كانت الإجازة بنفسها علة تامة فيخرج عن عنوان الفضولي. وبمقتضى الأمر الأول تخرج جملة من الإيقاعات عن عنوان الفضولي، كالقبض والإقباض وإعطاء الدين، بل إعطاء الخمس والزكاة لو قيل بجريان التبرع فيهما. وجامعه ما كان تحققه بالفعل، سواء اعتبر فيه المباشرة أم صح بالوكالة أو النيابة الراجعة إلى فعل الموكل أو المنوب عنه ببدنه التنزيلي، ولم يكن له أثر آخر ممكن الترتب وعدمه، لأن الفعل لا يتغير بالإجازة عما هو عليه. ومقتضى الأمر الثاني يخرج العقود الإذنية، كالوكالة في التصرف والعارية والوديعة، وجملة من الإيقاعات، كالفسخ والإجازة والإبراء والجعالة بناء على

[ 10 ]

كونها منها، لأن وقوع هذه العقود والإيقاعات من الفضولي وعدمه على حد سواء، فإن إجازة هذه بنفسها تكون وكالة وعارية ووديعة وفسخا وإجازة وإبراء وجعلا. إذا عرفت ذلك فاعلم: أن المصنف (قدس سره) حيث لم يعتبر في العقد استناده إلى من بيده أمره وإنما اعتبر الرضا فقط فقد استدل على كون الفضولي مطابقا للقاعدة بالعمومات، لأن المتيقن من تخصيصها فقد الإذن والإجازة معا. ولكنا حيث اعتبرنا الاستناد فينبغي الاستدلال بها لصحته بتقريب آخر، وهو: أنه وإن اعتبر الرضا والاستناد معا في صيرورة العقد عقد المالك إلا أن المتيقن من اعتبارهما إنما هو في ناحية المسببات، وأما صدور الأسباب ممن له حق الإجازة أو نائبه فلا دليل عليه، بل لا إشكال في عدم اعتباره، لأن في جهة الصدور لا فرق بين المالك أو الوكيل والفضولي، فإن كلا منهم ينشئ المقابلة بين العوضين، فيقول: بعت هذا بهذا، لا أن المالك يقول: بعت مالي بمال المشتري، والوكيل يقول: بعت مال الموكل. وبالجملة: فحيث إن جهة الصدور لا تختلف باختلاف المالكية والفضولية فلا وجه لاعتبار استناده إلى المالك، بل المعتبر استناد خصوص المسبب والنتيجة، وهذا يحصل بإجازة المالك. ولو اعتبر استناد نفس الصدور من حيث السبب أيضا إلى المالك فالإجازة لا تغير الفعل عما وقع عليه، ولكن لم يقم دليل على ذلك. ولو شك في اعتباره فالمرجع هو الإطلاقات. وحاصل الكلام: أنه ليس الفضولي فاقدا لخصوص الرضا كما أفاده المصنف (قدس سره) حتى يجعل صحة الفضولي بضميمة الرضا اللاحق مطابقة للقاعدة، بل قد يكون الرضا حاصلا. فالعمدة كونه فاقدا للاستناد، مع أنه لو دل الدليل على اعتبار الإذن فالظاهر منه الإذن السابق، لأنه كسائر الشروط لا بد أن يكون مقارنا للعقد، وإلا يصير كل شرط قابلا لأن يتأخر. وبالجملة: جهة كونه مطابقا للقاعدة أنه لا يعتبر الرضا والاستناد إلا في المسبب، وحيث إنه لم يتحقق بإيجاد الفضولي، بل يتوقف على إجازة المالك فبإجازته يتحقق ويستند إليه.

[ 11 ]

قوله (قدس سره): (واستدل عليه بقضية عروة البارقي (1).... الى آخره). قد ظهر مما ذكرنا في تقريب الاستدلال بالعمومات: أن عقد الفضولي صحيح بمقتضى الأدلة العامة والقواعد الكلية، فالاستدلال لصحته بالأدلة الخاصة إنما هو لمزيد إتقان، فلو نوقش فيها بما ذكر في كلمات الأصحاب (2) - رضوان الله تعالى عليهم - فلا يضر بالقول بالصحة. فمن الأدلة الخاصة قضية عروة، والظاهر أن محل الاستدلال بها إنما هو في بيعه، لا في شرائه، لأنه مسبوق بالإذن الفحوى، حيث إن إذنه (صلى الله عليه وآله) له بشراء شاة بدينار يقتضي إذنه ورضاه بشراء شاتين بهذا المبلغ بطريق أولى. ثم إن دخول بيعه في الفضولي يتوقف على عدم كون عروة وكيلا مفوضا، فإنه لو كان كذلك أو احتمل كونه كذلك بطل الاستدلال بالقضية، فالعمدة هذا الإشكال. وأما المناقشة التي ذكرها المصنف من أن مع علم عروة برضا النبي (صلى الله عليه وآله) يخرج بيعه عن الفضولي، وإلا يلزم أن يكون قبضه وإقباضه حراما. ففيه ما عرفت من أن الرضا الباطني لا يخرج البيع عن الفضولية، ولا تلازم بين كون البيع فضوليا وحرمة التصرف في الثمن أو المثمن، لأن العلم بالرضا الباطني يفيد جواز التصرف التكليفي وإن لم يفد الوضعي. ثم لا وجه لتأييد الخروج عن الفضولية بما ذكره (قدس سره) من أن الظاهر وقوع معاملة عروة على جهة المعاطاة، والمناط فيها هو الرضا، ومجرد وصول كل من العوضين إلى مالك الآخر، وذلك لأنه لا وجه للظهور، مع أن الإنشاء القولي في كمال السهولة. ثم إنه كيف يكفي للملك مجرد وصول العوضين إلى مالك الآخر مع الرضا؟ نعم، بناء على الإباحة يمكن القول بكفايته، ولكن الظاهر من قوله (صلى الله عليه وآله): " بارك الله


(1) سنن الترمذي: ج 3 ص 559 ح 1258، مستدرك الوسائل: ب 18 من أبواب عقد البيع ح 1 ج 13 ص 245. (2) كالأردبيلي في المجمع: ج 8 ص 158، والمحدث البحراني في الحدائق: ج 18 ص 381.

[ 12 ]

في صفقة يمينك " (1) أن المعاملة صدرت من عروة قولا أو فعلا، لا أنه كان آلة للإيصال. قوله (قدس سره): (واستدل له (2) أيضا تبعا للشهيد في الدروس (3) بصحيحة محمد بن قيس.... الى آخره). لا يخفى أن الاستدلال بهذه الصحيحة تارة لحكم الإمام (عليه السلام) بصحة البيع في هذه القضية الشخصية، واخرى لحكمه (عليه السلام) بأن بيع الفضولي لو تعقبه الإجازة يصح. فلو كان على الوجه الثاني فالمناقشة في نفس هذه القضية لا توجب المنع عن الاستدلال بها، لأن الكبرى يستفاد منها على أي تقدير. نعم، لابد من توجيه نفس القضية، لئلا يلزم خروج المورد. ولو كان على الوجه الأول فلا يصح الاستدلال بها، لما يرد عليه من الإشكالات، ولكنها ضعيفة إلا واحد منها، وهو ظهور الرواية في كون الإجازة بعد الرد. فمنها: حكمه (عليه السلام) بأخذ الوليدة قبل سماع دعوى المشتري، فلعله يدعي وكالة ابن السيد. ومنها: عدم استفصاله (عليه السلام) من السيد في الإجازة وعدمها، وحكمه بأخذه الوليدة قبله. ومنها: حكمه (عليه السلام) بأخذ ابنها معها، مع أنه تولد حرا، لعدم علم أبيه بالحال، فكان الوط ء شبهة، وإلا لم يكن وجه لقوله (عليه السلام): " خذ ابنه الذي باعك لينفذ البيع " (4) فإنه لو كان الواطئ عالما بأن الوليدة كانت لغير البائع لم يكن له وطؤها، وكان الولد رقا.


(1) سنن الترمذي: ج 3 ص 559 ح 1258، مستدرك الوسائل: ب 18 من أبواب عقد البيع ح 1 ج 13 ص 245. (2) المستدل صاحب الجواهر في جواهره: ج 22 ص 278. (3) الدروس الشرعية: ج 3 ص 233. (4) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 488 ح 1960، عنه وسائل الشيعة: ب 88 من أبواب نكاح العبيد والإماء ح 1 ج 14 ص 591 مع اختلاف يسير.

[ 13 ]

ومنها: حكمه (عليه السلام) بأخذ ابن السيد، مع أن حبسه لا يجوز. ومنها: تعليمه (عليه السلام) الحيلة، مع أنها ليست من وظيفة الحاكم. ومنها - وهي العمدة -: ظهور كون الإجازة بعد الرد، لوجوه: الأول: أن ظاهر المخاصمة ذلك. الثاني: إطلاق الحكم بتعيين أخذ الجارية، وهو لا يصح إلا بعد رد السيد، وإلا وجب التفصيل. الثالث: تشبث المشتري بالإمام (عليه السلام) للعلاج في فك ولده، ولو لم يرد السيد لم يكن وجه له. الرابع: ظاهر قول المشتري: " لا ارسل ابنك حتى ترسل ابني " فإن كلامه صريح في أن السيد أخذ ابن الوليدة، وظاهر أن أخذه إياه ليس إلا من جهة رده البيع، فأخذه إما لدعواه رقيته فيكون ملكا له، وإما لأخذه قيمته يوم الولادة لكونه من نماء ملكه. ولكنك خبير بأن المناقشات الخمس الاول غير واردة، فإن القضايا التي صدرت من أمير المؤمنين (عليه السلام) المنقولة عن الأئمة الطاهرين ليست منقولة بخصوصياتها الخارجية بين المتخاصمين، فليس غرض أبي جعفر (عليه السلام) من نقل هذه القضية إلا حكم علي (عليه السلام) بأن البيع على مال الغير قابل للإجازة، وليس (عليه السلام) بصدد أن حكم علي (عليه السلام) وقطعه الخصومة على أي طريق كان. فهذه الإشكالات رأسا ساقطة. مع أنه يرد على الأول: بأن المشتري لعله كان معتقدا بأن الابن هو المالك ولم يدع الوكالة. وعلى الثاني: بأن هذا الإيراد لا يجتمع مع الإيراد بأن الصحيحة ظاهرة في الرد، فإنها لو كانت كذلك فلا وقع للاستفصال، ولو لم تكن كذلك فحكمه (عليه السلام) بأخذ الوليدة إنما هو من حيث البيع الفضولي، مع قطع النظر عن طرو الإجازة ولحوقها، فإن المال في طبعه يقتضي أن يكون بيد مالكه حتى يتبين حاله من حيث انتقاله الى الغير، وعدمه.

[ 14 ]

وعلى الثالث: بأن أخذ الولد كان لأخذ قيمته يوم الولادة، فلا ينافي كونه حرا مع جواز أخذه. وعلى الرابع: بأنه لا مانع من حبس الغاصب لاستيفاء المال الذي أخذه بلا حق. وعلى الخامس: بأن تعليم هذه الحيل لا مانع عنه، خصوصا مع علم الحاكم بأن الولد كان في الواقع وكيلا وأنكر الأب ذلك، فالعمدة ظهور الرواية من الوجوه الأربعة بأن الإجازة كانت بعد الرد، ولذا التزم بعض المحشين (1) بأنه لا وجه لعدم تأثير الإجازة بعد الرد، متمسكا بهذه الرواية. ولكنك خبير بأنه لا يمكن الالتزام بما التزم به، فإنه مضافا إلى دعوى الإجماع على عدم تأثيرها بعده أن القاعدة تقتضي أيضا ذلك - كما سيجئ توضيحه في محله - فلا بد من توجيه يرفع استهجان تخصيص المورد. فنقول: لا إشكال في صراحة الصحيحة بأن بيع مال الغير قابل لأن يصح بإجازة مالكه، فإن قول الباقر (عليه السلام) في مقام الحكاية: " فلما رأى ذلك سيد الوليدة أجاز بيع الولد " (2) صريح في أن للمالك أن يجيز العقد الواقع على ملكه، فإذا كانت صريحة في ذلك وقلنا بعدم تأثير الإجازة بعد الرد فلا بد من توجيهها وحملها على معنى ينطبق مع الحكم بصحة عقد الفضولي الذي تعقبه إجازة المالك، وهو: أن مجرد المخاصمة وكذلك إطلاق الحكم بتعين أخذ الجارية ليس كاشفا عن الرد، لأن مخاصمته كانت لاستيفاء حقه، وكذلك الحكم بأخذ الجارية إنما كان لاستيفاء ثمنها. وبالجملة: وإن كان ظاهر الصحيحة كراهة السيد البيع إلا أن مجرد الكراهة ليس ردا، مع أن كراهته أيضا غير معلومة، لأن المردد بين الرد والإجازة أيضا


(1) هو السيد الطباطبائي في حاشيته على المكاسب: كتاب البيع ص 135 س 22. (2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 488 ح 1960، عنه وسائل الشيعة: ب 88 من أبواب نكاح العبيد والإماء ح 1 ج 14 ص 591.

[ 15 ]

يرفع أمره الى الحاكم حتى لا يفوت حقه، ويستوفيه إما بأخذ ماله أو ثمنه. والحكم بحبس الجارية والولد أيضا إنما كان لانكشاف الحال. وأما تشبث المشتري بالإمام (عليه السلام) وقوله: " لا ارسل ابنك حتى ترسل ابني " فليس ظاهرا في رد المالك أصلا، لأن الولد - على أي حال - لا يملكه المالك، فهو كان متشبثا به لئلا يحبس ولده على قيمته يوم الولادة، أي يتشبث بالإمام (عليه السلام) لأن يعلمه طريق عدم رد المالك. وكيف كان، لما كان ظاهر نقل أبي جعفر (عليه السلام) حكم علي (عليه السلام) صحة عقد الفضولي وقابليته للحوق الإجازة به فالاستدلال به خال عن المناقشة وإن نوقش في نفس هذه القضية الشخصية من جهات. قوله (قدس سره): (وربما يستدل أيضا بفحوى صحة عقد النكاح من الفضولي في الحر والعبد.... إلى آخره). يمكن الاستدلال بالروايات الواردة في صحة عقد النكاح الصادر من العبد بلا إذن إذا لحقه إجازة المولى بتقريب آخر غير الأولوية حتى يورد عليها بأنها ظنية، لأن مصالح الأحكام خفية، وهو: أن ظاهر قوله (عليه السلام): " إنه لم يعص الله، إنما عصى سيده " (1) أن المناط في البطلان هو عدم تشريع الله سبحانه المنشأ بالعقد، وأما إذا كان مشروعا من قبله سبحانه ولكنه في عقده تصرف في سلطان الغير فهو منوط بإجازته، فإذا أجاز جاز، فقوله (عليه السلام): " إذا أجاز جاز " (2) بمنزلة كبرى كلية، وخصوصية كون العاقد عبدا وكون ذي الحق سيدا ملغى قطعا، لأنه (عليه السلام) في مقام بيان: أن كل من تصرف في متعلق حق الغير فأمر هذا التصرف راجع إلى ذي الحق، إن شاء أبطله، وإن شاء أجازه. وعلى هذا فلو فرض أن نكاح العبد من قبيل بيع الراهن لا من قبيل بيع مال الغير فلا يضر بالاستدلال، لأن المناط في صحة الفضولي توقف العقد على إجازة الغير، سواء كان جهة الوقوف كون المال مال


(1 و 2) الكافي: ج 5 ص 478 ح 3، عنه وسائل الشيعة: ب 24 من أبواب نكاح العبيد والإماء ح 1 ج 14 ص 523، مع اختلاف يسير.

[ 16 ]

الغير أم كونه متعلقا لحق الغير، كتعلق حق الرهانة، أو حق الغرماء والديان، أو حق السادات والفقراء ونحو ذلك، مع أن كون نكاح العبد من قبيل بيع الراهن لا وجه له، لما عرفت أن نكاحه لنفسه من قبيل بيع الفضولي مال غيره، لأنه تصرف في ملك المولى، لأن نفسه ملك لسيده. نعم، نكاحه للغير وضمانه ونذره وكل ما يتعلق برقبته بعد العتق لا يرجع نتيجته إلى سيده. وعلى هذا فما عن ابن حمزة (1) (قدس سره) من أن نكاح العبد، وكذا نكاح الحر لغيره كنكاح الولي الشرعي والعرفي إنما يصح بالإجازة لخصوصية خاصة في كل مورد، فالتعدي من هذه الموارد إلى مطلق نكاح الفضولي فضلا عن سائر عقوده مشكل، لا وجه له، لأن المناط في الاستدلال إذا كان العلة المنصوصة فيتعدى منها إلى كل مورد توجد فيه العلة. وبالجملة: استفادة حكم غير ما ذكر في النص عما ذكر فيه على أنحاء: منها: ما إذا علم عدم الفرق بين ما ذكر فيه وغيره، كما إذا سئل عن رجل صلى بغير وضوء، فقيل: يعيد. ومنها: ما إذا اشتمل الكلام على عموم يشمل المورد وغيره، كما إذا سئل عن رجل شك في السجود بعدما قام، فقيل: كلما شككت في شئ ودخلت في غيره فشكك ليس بشئ. ومنها: ما إذا كان مشتملا على علة لا يحسن التعليل بها إلا إذا كانت العلة بمنزلة الكبرى الكلية والمورد بمنزلة الصغرى، كما لو قيل: لا تشرب الخمر لأنه مسكر. وأخبار باب نكاح العبد من هذا القبيل، ويمكن أن يكون من قبيل القسم الأول بإلغاء خصوصية السيادة.


(1) الوسيلة: ص 300.

[ 17 ]

وعلى أي حال لا يبتنى الاستدلال على الأولوية، مع أن دعوى كونها قطعية ليست مجازفة. نعم، لا يصح الاستدلال بالأخبار الواردة في نكاح الحر لغيره: كنكاح الأب لابنه، ونكاح الولي العرفي من الأخ والعم والام للأخ وابن الأخ والابن إلا من باب الأولوية، لأن في هذه الأخبار ليس عموم، ولا تعليل موجب للتعدي. وتقريب الأولوية: أن تمليك بضع الغير إذا لزم بالإجازة كان تمليك ماله أولى، لأن النكاح أحرى بشدة الاهتمام به، فإذا صح في الأهم ففي غيره يصح بطريق أولى. ولكن يشكل التمسك بها للرواية الواردة في رد العامة - القائلين بالفرق بين بيع الوكيل المعزول الغير العالم بكونه معزولا ونكاحه، حيث حكموا بالصحة في البيع دون النكاح - وهي قوله (عليه السلام): " ما أجور هذا الحكم وأفسده! إن النكاح أحرى وأجدر (1) أن يحتاط فيه وهو فرج، ومنه يكون الولد... الحديث " (2)، فإن ظاهر هذه الرواية أنه إذا صح بيع الوكيل المعزول فصحة نكاحه أولى، فجعل فيها صحة البيع أصلا، وصحة النكاح فرعا له، فكيف يمكن العكس في الفضولي ويقال: صحة النكاح يستلزم صحة البيع بطريق أولى؟ ولكنك خبير بأن هذه الرواية لا تنافي المقام، بل تؤكده، وذلك لأن من هذه الرواية تستفاد أهمية النكاح، ومقتضى كونه أهم أن يكون كلما هو سبب لتحقق علقة الأهم فلا محالة من أن يكون سببا لغيره، فلو صح نكاح الفضولي صح بيعه أيضا، لأن التوسعة في أسباب الأهم بمعنى عدم توقفه على الإذن السابق تقتضي التوسعة في غيره بالأولوية. وأما نفوذ معاملة الوكيل مع كونه معزولا على موكله بحيث يكون مالكا للمعاملة وينفذ إقراره المتعلق بها من باب أن " من ملك شيئا ملك الإقرار به " فحيث إنه حكم مستلزم للضيق يقتضي أن يكون على عكس


(1) في المصدر: " وأحرى ". (2) من لا يحضره الفقيه: ج 3 ص 84 ح 3383، عنه وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب الوكالة ح 2 ج 13 ص 286 - 287.

[ 18 ]

ما يكون موسعا، أي لو كان ما لا أهمية فيه موجبا لنفوذه على الموكل بمجرد توكيله السابق فنفوذ الأهم عليه أولى. هذا، مع أنه يمكن أن يكون الإمام بصدد رد العامة القائلين بالفرق، ومقصوده: عدم تأثير العزل مطلقا، أو كفاية الوكالة السابقة مطلقا، لتأثير عقد الوكيل واقعا. فإذا احتمل الصحة في البيع فاحتمال الصحة في الواقع في النكاح أولى بالرعاية، فلا يمكن التفكيك بينهما إلا بالطلاق، فتأمل. وبالجملة: يمكن أن يكون الإمام (عليه السلام) بصدد بيان أصل الأهمية، وكون النكاح أولى بأن يحتاط فيه من دون بيان طريق الاحتياط، ومعلوم أن مقتضى الاحتياط أن لا يحكم بالصحة ولا البطلان، بل: إما أن يجدد العقد أو يطلق. ويمكن أن يكون بصدد بيان صحة النكاح، كما حكموا بصحة البيع. وأولوية النكاح عن البيع في هذا الحكم لا ينافي أولوية البيع عن النكاح في الصحة بالإجارة اللاحقة، فإن مسألة الفضولي حيث إنها في مقام بيان الحكم التسهيلي وعدم احتياج صحة العقد إلى الإذن السابق على العقد فما هو الأهم إذا كان من حيث السبب لا يحتاج إلى الإذن فغير الأهم أولى بعدم الاحتياج. وأما في باب الوكالة فحيث إن نفوذ عقد الوكيل على الموكل ضيق على الموكل فإذا نفذ غير الأهم فنفوذ الأهم أولى. ثم إنه يمكن الاستدلال بالروايات الواردة في نكاح الأمة المشتراة من الغنائم، فإن قوله (عليه السلام): " فقد وهبت نصيبي منه لكل من ملك شيئا من ذلك من شيعتي، لتحل لهم منافعهم من مأكل ومشرب، ولتطيب مواليدهم.... إلى آخره " (1) يدل إما على إجازة النكاح، أو على إجازة الشراء، فإن هذه الهبة من علي (عليه السلام) بعد قوله: " فيستولي على خمسي من السبي والغنائم ويبيعونه فلا يحل لمشتريه، لأن نصيبي فيه " يدل على أن الإجازة اللاحقة تؤثر.


(1) تفسير الإمام العسكري (عليه السلام): ص 86 - 87، عنه وسائل الشيعة: ب 4 من أبواب الأنفال ح 20 ج 6 ص 385.

[ 19 ]

وفي بعض هذه الروايات ما يدل على استرضاء بعضهم من تحليل الفروج من الصادق (عليه السلام)، فقال (عليه السلام): " هذا لشيعتنا حلال " (1) (2). قوله (قدس سره): (ثم إنه ربما يؤيد صحة الفضولي، بل يستدل عليها بروايات كثيرة وردت في مقامات خاصة.... إلى آخره). لا يخفى أن هذه الروايات التي استدل المصنف (قدس سره) بها أو جعلها مؤيدة لا تدل على المطلوب، ولا مؤيدة له. أما أخبار باب المضاربة فهي على قسمين: قسم تعلق النهي فيه بسفر العامل دون أصل المعاملة، كخبر أبي بصير عن الصادق (عليه السلام) في الرجل يعطي مالا مضاربة وينهاه أن يخرج به إلى أرض اخرى فعصاه، قال (عليه السلام): " هو ضامن له، والربح بينهما إذا خالف شرطه وعصاه " (3). ونحوه غيره (4) مما يدل على أنه لو هلك المال فهو له ضامن، وإن خسر فيه فالوضيعة عليه، وإن ربح فالربح بينهما. وقسم تعلق النهي فيه بنفس المعاملة، كخبر أبي الصباح عن أبي عبد الله (عليه السلام)


(1) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 137 ح 384، عنه وسائل الشيعة: ب 4 من أبواب الأنفال ح 4 ج 6 ص 379. (2) ولا يخفى أن هذه الروايات من القضايا الحقيقية، ولا يمكن أن تكون ناظرة إلى الإجازة المتعلقة بالعقد الواقع في الخارج، وإباحة الإمام (عليه السلام) المناكح والمساكن موجبة لخروج التصرف عن التصرف في ملك الغير. نعم، يدل على صحة الفضولي رواية علباء الأسدي قال: دخلت على أبي جعفر (عليه السلام) فقلت له: إني وليت البحرين فأصبت بها مالا كثيرا واشتريت متاعا واشتريت رقيقا واشتريت امهات أولاد وولد لي وأنفقت، وهذا خمس ذلك المال، وهؤلاء امهات أولادي ونسائي قد أتيتك به، فقال: أما إنه كله لنا وقد قبلت ما جئت به، وقد حللتك من امهات أولادك ونسائك " [ تهذيب الأحكام: ج 4 ص 137 ح 385 ] فإنها ظاهرة في إنشاء الإباحة فعلا. (منه عفي عنه). (3) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 187 ح 827، عنه وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب أحكام المضاربة ح 10 ج 13 ص 182. (4) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 191 ح 846، عنه وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب أحكام المضاربة ح 11 ج 13 ص 183.

[ 20 ]

في الرجل يعمل بالمال مضاربة، قال (عليه السلام): " له الربح، وليس له من الوضيعة شئ إلا أن يخالف عن شئ مما أمر به صاحب المال " (1). وفي معناه روايات اخر، كصحيح الحلبي (2) وغيره (3) مما هو مذكور في المتن. أما القسم الأول فمرجع النهي فيه إلى النهي عن المعاملة التي فيها خسران. وأما المعاملة التي فيها ربح فغير منهي عنها، وذلك لأن النهي عن السفر ليس لكراهة نفس السفر، ولا لكراهة المعاملة التي فيها نفع، بل إنما هو لأن السفر مظنة لهلاك المال، أو نقص وصفه أو قيمته، فأصل المضاربة باقية، فتدخل المعاملة التي فيها ربح في عمومها، وإنما تخرج المعاملة التي فيها وضيعة. وأما القسم الثاني فاشتراكهما في الربح ليس للإجازة اللاحقة، بل لصحة المضاربة بنحو الترتب، وذلك لأنه معلوم أن غرض المالك ليس إلا الاسترباح، فينهى عن معاملة خاصة لما يراها بلا منفعة، فكأنه قال: " لا تبع هذا إلا أن تراه ذا ربح " فيخرج المعاملة عن عقد المضاربة في صورة الخسران دون صورة النفع. والقرينة لهذا التفصيل هو العرف والعادة من أن المقصود الأصلي هو الاسترباح. ثم إن كون الوضيعة عليه مع أن في صورة البطلان لا وضيعة محمول على ما إذا لم يمكن استرداد البيع فيتحقق الخسران. ويمكن هذا الحمل في باب التجارة في مال اليتيم أيضا، وسيجئ ذلك. وعلى أي حال كون المقام من الفضولي بعيد غايته. وأما الأخبار الواردة في الاتجار بمال اليتيم فيمكن تخصيصها بما إذا كان المتجر وليا فيخرج عن موضوع البحث. ووجه ضمانه للمال مع كونه وليا: اعتبار


(1) الكافي: ج 5 ص 241 ح 7، عنه وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب أحكام المضاربة ح 3 ج 13 ص 181. (2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 189 ح 835، عنه الوسائل: ب 1 من أبواب المضاربة ح 4 ج 13 ص 181. (3) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 191 ح 843، عنه الوسائل: ب 1 من أبواب المضاربة ح 7 ج 13 ص 182.

[ 21 ]

صحة تصرفه بما إذا كان مليا، فإن الولي الغير الملي حكمه حكم غير الولي في حرمة تصرفه في مال اليتيم. ويستفاد هذا التفصيل من نفس الأخبار. قال (عليه السلام): " إذا كان عندك مال وضمنته فلك الربح وأنت ضامن، وإن كان لا مال لك وعملت به فالربح للغلام وأنت ضامن " (1). وعنه (عليه السلام) في سؤال زرارة (2) في رجل عنده مال اليتيم؟ فقال (عليه السلام): " إن كان محتاجا ليس له مال فلا يمس ماله، وإن هو اتجر به فالربح لليتيم وهو ضامن " (3). ولو اخذ بإطلاق الروايات لا سيما في مثل خبر سعيد: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: " ليس في مال اليتيم زكاة إلا أن يتجر به، فإن اتجر به ففيه الزكاة والربح لليتيم، وإن وضع فعلى الذي يتجر " (4) ففيه: أولا: أنه ليس في هذه الأخبار دلالة على كون هذا العقد مما لحقه الإجازة، بل ولا تعرض فيها لما إذا كان لليتيم ولي. وحمله على إجازة الولي فيما كان له ولي، وإجازة حاكم الشرع فيما لم يكن له ولي في كمال البعد. وثانيا: الجمع بين كون الربح لليتيم والوضيعة على التاجر لا يتصور في بيع الفضولي، لأن الولي لو أمضى هذه المعاملة فالوضيعة على اليتيم، ولو ردها فلا وضيعة حتى تكون على التاجر، فلابد من حمل هذه الأخبار على تجارة الولي فيما لم يكن مليا، فإن الربح لليتيم، ويضمن المال وعليه النقص. وأبعد من ذلك إدخالها في مسألة الفضولي بالإجازة الإلهية، بل لا معنى لذلك أصلا، فإن المتجر لو كان مأذونا من قبل الله سبحانه فليس عقده فضوليا، وإن لم يكن مأذونا فلا يلحقه الإجازة قطعا.


(1) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 29 ح 71، عنه الوسائل: ب 2 من أبواب من تجب عليه الزكاة ح 7 ج 6 ص 58. (2) في المصدر: " ربعي بن عبد الله ". (3) الكافي: ج 5 ص 131 ح 3، عنه الوسائل: ب 75 من أبواب ما يكتسب به ح 3 ج 12 ص 191. (4) الكافي: ج 3 ص 541 ح 6، عنه الوسائل: ب 2 من أبواب من تجب عليه الزكاة ح 2 ج 6 ص 57. مع اختلاف يسير.

[ 22 ]

وأما رواية ابن أشيم التي رواها عن أبي جعفر (عليه السلام) قال له: عبد لقوم مأذون له في التجارة دفع إليه رجل ألف درهم فقال: اشتر بها نسمة وأعتقها عني وحج عني بالباقي، ثم مات صاحب الألف فانطلق العبد فاشترى أباه وأعتقه عن الميت ودفع إليه الباقي ليحج عن الميت، فحج عنه وبلغ ذلك موالي أبيه ومواليه وورثة الميت جميعا فاختصموا جميعا في الألف، فقال موالي العبد المعتق: إنما اشتريت أباك بمالنا وقال الورثة: إنما اشتريت أباك بمالنا، وقال موالي العبد: إنما اشتريت أباك بمالنا، فقال أبو جعفر (عليه السلام): " أما الحجة فقد مضت بما فيها لا ترد، وأما المعتق فهو رد في الرق لموالي أبيه، وأي الفريقين بعد أقاموا البينة على أنه اشترى أباه من أموالهم كان لهم رقا " (1)... إلى آخره. فمضافا إلى ضعف سندها كما قيل (2) وإن سبق على ابن أشيم ابن محبوب، ومضافا إلى مخالفتها للقواعد، وهي: حجية عمل العبد المأذون الظاهر في أنه اشترى أباه بأمر الدافع، دلالتها على الفضولي بأحد التقريبين: الأول: أن يكون فضوليا بالنسبة إلى ورثة الدافع، حيث إنه مات الدافع فبطل وكالة العبد المأذون فاشتراؤه بلا إذن من الورثة أو بالنسبة إلى مولى المأذون بناء على عدم شمول إذنه له في التجارة لشراء العبد، أو بالنسبة إلى مولى الأب لعدم كونه مأذونا أن يشتري عبده بماله، بل لا يصح فاختصموا، لأن كل واحد منهم ادعى أنه اشترى بماله له. والثاني: أن يكون ادعاء كل واحد منهم من حيث إنه اشترى العبد بماله لغيره، فيكون كشراء الغاصب بمال الغير لنفسه. ولا يخفى أن كلا من التقريبين خلاف الظاهر. أما دعوى مولى العبد المعتق فناظرة إلى إبطال الشراء، لدعواه بأن العبد


(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 234 ح 1023، عنه الوسائل: ب 25 من أبواب بيع الحيوان ح 1 ج 13 ص 53. (2) قائله السيد الطباطبائي في حاشيته على المكاسب: كتاب البيع ص 137 س 33.

[ 23 ]

المأذون اشترى عبده من ماله فيكون العقد باطلا، بل لو ادعى أنه اشترى بماله لغيره يكون العقد باطلا أيضا، لأنه لا يمكن أن يتملك عبد نفسه بإجازته الشراء. والمراد من الاختصام في الألف: أن مولى الأب ومولى العبد المأذون كانا ينكران الشراء بالألف، وورثة الدافع كانوا يدعون بأنه اشتراه منه. وأما دعوى الورثة ومولى المأذون فلا تدل على أنه اشترى بمالهم لهم أو لغيرهم بلا إذن منهم حتى تكون مطالبة المبيع من باب إجازة بيع الفضولي، بل ظاهر الاختصام ودعوى كل منهم أنه اشترى بماله أنه كان لكل منهم أموالا عند العبد المأذون وكان هو مأذونا في التجارة لكل منهم حتى لورثة الدافع، وكان يدعي كل منهم أن العبد له لأنه اشتراه بماله، وليس ظاهرا في الإجازة، ولا وجه لحمله على الفضولي. ثم إن الظاهر من الرواية أن الدافع دفع الألف بعنوان الوصية، فورثته يدعون الشراء بالألف ليكون ولاء العتق لهم. ويؤيد ذلك قوله (عليه السلام): " أما الحجة فقد مضت بما فيها لا ترد " فالورثة لا ينكرون الوصية حتى يكون شراء العبد المأذون أباه فضوليا. ولا ينافي ذلك قوله (عليه السلام): " وأي الفريقين بعد أقاموا البينة على انه اشترى أباه من أموالهم كان لهم رقا "، لإمكان حمله على لحاظ حال الانقضاء لا التلبس. وكيف كان فظهور الرواية في مسألة الفضولي ممنوع، فضلا عن الصراحة. نعم، قابل للحمل عليه، فتدبر. وعلى أي حال ما يقال من مخالفتها للقواعد من الوجوه الستة: الأول منها: اشتمالها على صحة تصرف المأذون بالتجارة في غير ما اذن له. الثاني: صحة استئجار أبيه للحج، مع ظهور الأمر في أن يحج عنه بنفسه. الثالث: صحة حج العبد بلا إذن من مولاه. الرابع: تقديم قول مولى الأب من باب الاستصحاب على قول الآخرين، مع أن أصالة الصحة حاكمة عليه. الخامس: عدم تقديم قول مولى المأذون مع كونه ذي اليد.

[ 24 ]

السادس: عود العبد رقا لمولاه مع اعترافه بالبيع وإن ادعي فساده. ففيه ما لا يخفى: أما الأول فلأنه لم يعلم أن العبد تصرف في غير ما اذن له. نعم، بناء على أن يكون دعوى كل واحد من الخصماء هو اشتراء العبد بماله لغيره، وثبوت هذا المعنى واقعا يكون تصرف العبد في غير ما اذن له، وهذا فرض في فرض. وأما الثاني: فأمر الدافع إن كان وصية فظهورها في كون نفس الوصي نائبا عنه في الحج ممنوع. ولو كان استئجار أو استنابة للحج الندبي فكونه بالمباشرة لا وجه له أيضا. وكون الأصل في التكليف الإلهي اعتبار المباشرة لا ربط له بالمقام. وأما الثالث فهو متفرع على الثاني، مع أنه لو كان نفس العبد المأذون مأمورا بالحج فظهور الرواية في كونه مأمورا بأن يحج بلا إذن ممنوع. وأما الرابع فهي وإن كانت مخالفة للقاعدة، لأن الظاهر من القضية أن هذا العبد كان عنده المال من جميع الخصماء، وكان مأذونا في التجارة لمولاه ولمولى أبيه، ومأذونا في اشتراء العبد وعتقه وإعطاء بقية الألف للحج من قبل الدافع فإقراره ماض على كل واحد، لأن من ملك شيئا ملك الإقرار به، والظاهر من عمله الخارجي أنه كان مقرا بأنه اشترى العبد من دراهم الدافع فحجية عمله أو إقراره يقتضي نفوذه على مولى الأب، فعود العبد رقا على خلاف القاعدة، إلا أن كونه مخالفا لأصالة الصحة غير معلوم، لا من باب أن أصالة الصحة في طرف كل واحد من المدعيين للصحة معارضة بأصالة الصحة في الطرف الآخر ويرجع إلى أصالة عدم الانتقال من مولى الأب، بل لأن أصالة الصحة تجري فيما إذا كان الشك راجعا إلى شرائط العقد. وفي المقام قابلية هذا الشراء من حيث العوض غير معلومة، لاحتمال شرائه عبد شخص بمال هذا الشخص. وأما الخامس: فكون مولى المأذون ذايد على عبده غير ملازم لأن يكون ذايد على الألف الذي اختصموا فيه، مع أن المأذون في التجارة عمله مطابق لدعوى ورثة الدافع.

[ 25 ]

وأما السادس: فكونه حرا غير ثابت إلا من باب عمل العبد المأذون، ومن هذه الجهة عوده رقا إلى مولاه مخالف للقاعدة. وأما من غير هذه الجهة فلم يعلم كونه حرا حتى يمتنع عوده رقا. وكيف كان، كون هذه الرواية مطابقة للقاعدة أو غير مطابقة ظهورها في المدعى ممنوع، ومجرد الإشعار أو الاحتمال لا يفيد. وأما صحيحة الحلبي: " عن الرجل يشتري ثوبا ولم يشترط على صاحبه شيئا فكرهه، ثم رده على صاحبه فأبى أن يقبله إلا بوضيعة، قال: لا يصلح له أن يأخذ بوضيعة، فإن جهل فأخذه فباعه بأكثر من ثمنه رد على صاحبه الأول ما زاد " (1) فدلالته على الفضولي موقوفة على أن يكون الثوب ملكا للمشتري ولم يكن البائع مأذونا في البيع. وأما إذا كان مأذونا في البيع - كما هو الظاهر - لجهل كل منهما ببطلان الإقالة فيتخيل المشتري أن الثوب ملك للبائع فيأذن له أن يبيع لنفسه ويرد عليه ثمنه فباعه البائع بتخيل أنه ملكه فيكون عكس من باع مال أبيه بظن حياته فبان موته فاحتياج هذا البيع إلى الإجازة وكونه من الفضولي محل كلام. ويحتمل أن يكون البائع اشتراه من المشتري ثانيا، فيكون رد الزائد استحبابيا. ويشهد لهذا قوله (عليه السلام): " صاحبه الأول " فإن التعبير بصاحبه الأول لا يناسب مع كون الثوب ملكا للمشتري فعلا. وأما موثقة عبد الله (2)، عن أبي عبد الله (عليه السلام): عن السمسار يشتري بالأجر فيدفع إليه الورق فيشترط عليه أنك تأتي بما تشتري فما شئت أخذته وما شئت تركته، فذهب ليشتري المتاع فيقول: خذ ما رضيت ودع ما كرهت، قال: " لا بأس " (3) فالظاهر منها هو الاحتمال الثاني المذكور في المتن، وهو: أن يشتري لصاحب الورق بإذنه مع جعل الخيار له على بائع الأمتعة.


(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 56 ح 242، عنه الوسائل: ب 17 من أبواب أحكام العقود ح 1 ج 12 ص 392. (2) في المصدر: " عبد الرحمن بن أبي عبد الله ". (3) الكافي: ج 5 ص 196 ح 5، عنه الوسائل: ب 20 من أبواب أحكام العقود ح 2 ج 12 ص 394.

[ 26 ]

نعم، التعبير بالفسخ كان أنسب من الترك، ولكن مجرد هذا لا يجعل الرواية ظاهرة في الفضولي. ثم إن هاهنا أخبارا (1) اخر لم يذكرها المصنف، مع أنها أظهر في الدلالة على صحة الفضولي مما ذكره، وحيث أثبتنا صحتها بمقتضى القواعد العامة فلا يهمنا ذكرها وبيان دلالتها. قوله (قدس سره): (واحتج للبطلان بالأدلة الأربعة: أما الكتاب فقوله تعالى: * (إلا أن تكون تجارة عن تراض) * (2).... إلى آخره). تقريب الاستدلال بالآية المباركة من وجهين: الأول: مفهوم الحصر على ما بيناه سابقا، فإن مفاد المستثنى والمستثنى منه هو أن لا تأكلوا أموالكم بينكم بوجه من الوجوه فإنه من الباطل، إلا أن تكون تجارة عن تراض فتدل على بطلان عقد الفضولي، لأنه ليس تجارة عن تراض. والثاني: سياق التحديد، فإن كل وصف ورد في مقام التحديد يدل على اختصاص الحكم بمورد الوصف، وإن قلنا بأن الوصف لا مفهوم له فإن ذاك النزاع إنما هو في غير مورد التحديد، وأما في مقام التحديد فحيث إنه يعتبر في الحد أن يكون جامعا ومانعا يدل على الحصر في مورد الوصف، فمفاد الآية الشريفة: هو أن التجارة لا عن تراض من أقسام الباطل، ولا يخفى أن كلا من الوجهين لا يفيد المستدل، لأن التجارة هي المسبب، واعتبار مقارنة الرضا معه لا إشكال فيه. وأما العقد فلا يطلق عليه التجارة حتى يعتبر صدوره عن رضا المالك، وهذا لا ينافي اللزوم من طرف الأصيل مع عدم تحقق المسبب كما سيأتي، لأن وجوب الوفاء عليه من جهة التزامه العقدي، والتزامه تحقق وإن لم تتحقق الملكية، لتوقفها على رضا الطرف الآخر، بل لو لم يتم العقد أيضا كالإيجاب قبل القبول يمكن أن يقال: ليس للموجب الفسخ قبل تحقق القبول، لأن مقتضى مقابلة الجمع بالجمع في


(1) منها ما في الوسائل: ب 52 من أبواب المستحقين للزكاة ح 3 ج 6 ص 214، ب 10 من أبواب أحكام الوديعة ح 1 ج 13 ص 235. (2) النساء: 29.

[ 27 ]

" أوفوا بالعقود " هو التوزيع، فكل مكلف ملزم بالالتزام الذي التزم لطرفه وإن لم يلتزم الطرف بعد، ولذا نلتزم بوجوب التزام كل منهما بما التزم في باب الصرف والسلم قبل القبض وإن توقفت الملكية على القبض. وبالجملة: وجوب الالتزام على الأصيل من أثر العقد المتحقق بينه وبين الفضولي، لا من أثر تحقق التجارة التي هي المسبب، فتوقف التجارة على رضا المالك لا يلازم بطلان الفضولي. ولا وجه لإنكار الحصر، ولا لدعوى أن القيد وارد مورد الغالب، ولا لإنكار القيد. وجعل قوله عز من قائل: * (عن تراض) * خبرا بعد خبر لتكون، بأن يكون مفاد الآية: لا تأكلوا أموالكم إلا بنحو التجارة، وإلا بنحو الإباحة من المالك ورضاه بالتصرف، لأن مع التقييد والحصر أيضا لا يدل على بطلان الفضولي. قوله (قدس سره): (وأما السنة فهي أخبار، منها: النبوي المستفيض، وهو قوله (صلى الله عليه وآله) لحكيم بن حزام: " لا تبع ما ليس عندك ".... إلى آخره). لا يخفى أن هذه الرواية مروية عن طرقنا (1) وعن طرق العامة، فإن في مسند أحمد بن حنبل (2) ذكر قضايا رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن عبادة بن الصامت، الذي هو من أجلاء الصحابة، ومن أقضيته (صلى الله عليه وآله) قوله لحكيم بن حزام الذي كان دلالا: " لا تبع ما ليس عندك " (3). ويقرب منها قوله (صلى الله عليه وآله): " لا بيع إلا فيما يملك " (4) بناء على أن يكون مفاده: لا بيع فيما لا يملكه البائع. وأما بناء على أن يكون " يملك " مبنيا للمفعول فلا ربط له بما نحن فيه. وهكذا التوقيع المبارك " لا يجوز بيع ما ليس يملك " (5). ولكن جميع ما ورد


(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 230 ح 1005، عنه الوسائل: ب 7 من أبواب أحكام العقود ح 2 ج 12 ص 374. (2) مسند ابن حنبل: ج 5 ص 313 - 330. (3) مسند ابن حنبل: ج 3 ص 402، 434، لكن ليس في السند عبادة بن الصامت. (4) سنن أبي داود: ج 2 ص 258 ح 2190، عوالي اللآلي: ج 2 ص 247 ح 16. (5) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 150 - 151 ح 667، عنه الوسائل: ب 2 من أبواب عقد البيع وشروطه ح 1 ج 12 ص 252.

[ 28 ]

بهذا المضمون ظاهر في النهي عن بيع العين الشخصية التي للغير من المشتري ثم مضى البائع لأن يشتري من صاحبها ويسلمها إلى المشتري، لأن بيع الكلي سلفا أو حالا جائز باتفاق الفريقين مع أن المبيع ليس عنده، فهذا النهي يدل على اعتبار المالكية في ناحية المسبب، وأن المشتري لا يملك ما باعه الدلال من مال غيره، وغير ناظر إلى النهي عن إجراء العقد فلا دلالة فيه على أن الملكية لا تحصل للمشتري بإجازة مالكه بعد إنشاء البيع من حكيم بن حزام وغيره. وأما رواية الحميري فدلالتها على صحة الفضولي أظهر من دلالتها على فساده، فإن مقابلة الرضا بالأمر في قوله - أرواحنا له الفداء -: " إن الضيعة لا يجوز ابتياعها إلا عن مالكها أو بأمره أو رضا منه " (1) ظاهرة في كفاية الإجازة اللاحقة، فإن الرضا المقابل للشراء عن المالك أو بأمره هو الرضا اللاحق الذي هو عبارة عن الإجازة، لا الرضا المقارن فإنه متحقق حين الأمر. فحاصل التوقيع: أن الضياع لا يجوز ابتياعها إلا بمباشرة المالك أو بوكالة منه أو بإجازته بعد ذلك. وأما صحيح محمد بن مسلم (2) فلا يدل إلا على أن في مورد نزاع أهل النيل - التي هي بلدة بالفرات - وأهل الاستان (3) - التي هي بلدة ببغداد - لابد من إحراز مالك الأرض، وأن المعاملة لا تصح إلا إذا اشتريت الأرض من أهلها. وليس في مقام أن إجازة المالك لا تنفع، أو أن الصيغة لابد أن تكون مقرونة برضا المالك. وأما صحيح محمد بن قاسم فهو على صحة الفضولي أدل، فإن الإمام (عليه السلام) قال: " قل: يمنعها أشد المنع " (4) أي لا يقبضها الثمن، ولم يقل بأن البيع لا يصح.


(1) الاحتجاج: ص 487، عنه الوسائل: ب 1 من أبواب عقد البيع وشروطه ح 8 ج 12 ص 250. (2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 149 ح 662، عنه الوسائل: ب 1 من أبواب عقد البيع وشروطه ح 3 ج 12 ص 249. (3) في الوسائل: وأهل الأسنان. والاستان بالضم كما ضبطه في القاموس المحيط - ج 4 ص 233 مادة " الاستن " - أربع كور ببغداد: عالي وأعلى وأوسط وأسفل. (4) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 339 ح 945، عنه الوسائل: ب 1 من أبواب عقد البيع وشروطه ح 2 ج 12 ص 249، مع اختلاف يسير.

[ 29 ]

ثم لا يخفى أنه لو سلم دلالتها فلا يمكن تخصيصها بالأدلة الدالة على صحة الفضولي، لأن تعارضهما ليس بالعموم والخصوص المطلق - بتقريب أن مفاد الأدلة المانعة هو أن بيع مال الغير لا يجوز، سواء قصد لنفسه أم للمالك، وسواء أجاز أم لم يجز. ومفاد الأدلة المجوزة صحة البيع للمالك إذا أجاز لأنه لم يكن البيع لنفسه أو للمالك بلا إجازته محلا لتوهم الصحة حتى يرد المنع بنحو العموم - بل التعارض بينهما بالتباين، فإنه لو سلم إطلاق هذه الروايات وشمولها لما إذا قصد الفضولي البيع للمالك أو لنفسه مع المنع وعدمه فلا إشكال في شمول الروايات الدالة على الصحة لجميع الأقسام. وبتقريب آخر: لو سلم دلالة أدلة المانعين فتسليمها عبارة عن الاعتراف باعتبار الرضا في ناحية الأسباب، لأنه لا معنى لأن ترد هذه الأدلة في مقام بيان اعتبار الرضا في المسببات، فإن اعتباره فيها لم يكن موردا للتوهم، فإذا دلت أدلة المجوزين على عدم اعتبار الرضا إلا في ناحية المسببات فبالالتزام تدل على عدم اعتباره في ناحية الأسباب فيتعارضان على نحو التباين. قوله (قدس سره): (الثالث: الإجماع.... إلى آخره). لا يخفى أن دعوى الإجماع (1) مع مخالفة نفس المدعي أو مخالفة من في عصره أو من كان قبله لا تستقيم، إلا أن يكون المراد منه الإجماع على القاعدة الكلية مع حدس المدعي أولا من أن المورد من صغرياتها، ومخالفة نفسه ثانيا أو غيره في هذا الحدس، أو سائر المحامل التي ذكرها المصنف في فرائده (2)، فمثل هذه الإجماعات لا اعتبار بها. قوله (قدس سره): (الرابع: ما دل من العقل والنقل على عدم جواز التصرف في مال الغير إلا بإذنه.... إلى آخره).


(1) كما عن الشيخ في الخلاف: ج 3 ص 168 م 275، وابن زهرة في الغنية (الجوامع الفقهية): ص 523 س 14. (2) فرائد الاصول: ج 1 ص 89 - 91.

[ 30 ]

ولا يخفى أنه (قدس سره) أورد عليه أولا: بأن مجرد إنشاء العاقد متوقعا لإجازة المالك ليس تصرفا. وتوضيح ذلك: هو أن التصرف في الأموال مختلف عرفا باختلاف الأثر المرغوب منها. فمثل الاستظلال تحت خيمة الغير يعد تصرفا فيها، بخلاف الاستظلال بحائطه، لأن الفائدة المعتدة بها من الفسطاط ليست إلا الاستظلال، بخلاف فائدة الحائط. وإنشاء البيع ليس تصرفا في المبيع، سواء كان بلا إذن كالفضولي، أو معه كالوكيل في إجراء الصيغة، بل التصرف فيه عبارة عن إيجاد ما هو من شؤون المالك إيجاده: كتصرف نفس المالك بالبيع، أو بيع الوكيل المفوض، أو بيع الغاصب فإنه تصرف في المغصوب. وبيع المقامر فيما أخذه بالقمار، فإن الغاصب والمقامر يوجدان البيع حقيقة من قبل أنفسهما، ولا يفرقان بين ما ملكاه بالإرث والغصب أو القمار، فهما متصرفان في المبيع كتصرف المالك والوكيل المفوض، وهذا بخلاف الفضولي فإنه وإن كان قاصدا للبيع - أي ليس غالطا وهازلا - إلا أنه يرى نفسه نائبا عن المالك وهو متوقع لإجازته، لا بمعنى أنه يعلق بيعه على إجازته، بل بمعنى أنه يوجد مادة البيع القابلة للاستناد إلى المالك بإجازته. وأورد عليه ثانيا: بأنه لو قيل بأن هذا تصرف فليس كل تصرف حراما، بل هو من قبيل الاستضاءة والاصطلاء (1) بنور الغير وناره مما استقل العقل بجوازه. ولكن لا يخفى أن هذين لا يعدان تصرفا، بل انتفاعا، وإلا لو كان تصرفا كالاستظلال تحت خيمة الغير فاستقلال العقل بجوازه ممنوع. وأورد عليه ثالثا: بأنه قد يفرض المسألة فيما إذا علم الإذن فيه بشاهد حال أو قرينة مقال بناء على أن ذلك لا يخرجه عن الفضولي.


(1) الاصطلاء: افتعال من صلا النار، واصطلى بها: استدفأ. لاحظ لسان العرب: ج 14 ص 467 " مادة صلا ".

[ 31 ]

وفيه: أن دعوى المستدل بحكم العقل على بطلان الفضولي لا تشمل هذا المورد، فيمكن التزامه بالصحة في هذا المورد، والبطلان في سائر الموارد، إلا أن يقال: إن القائل بالصحة يكفيه الإيجاب الجزئي في مقابل السلب الكلي. وأورد عليه رابعا: بأن التصرف على فرض حرمته لا يوجب الفساد. وفيه: أنه لا يوجب الحرمة الفساد إذا رجع النهي إلى السبب من حيث إنه فعل من أفعال البائع كحرمة البيع وقت النداء، وأما إذا تعلق بالمسبب - كما هو مبنى الإيراد الخامس - فلا ينبغي الإشكال في فساده، كبيع المصحف من الكافر على ما بيناه في الاصول (1). وإجماله: أن ما كان واجبا أو حراما يخرج عن تحت قدرة المكلف، لأن معنى كون الشئ مقدورا: أن يكون كلا طرفي الفعل والترك تحت اختياره، والتصرف في المقام لو قيل بحرمته فالحرمة راجعة إلى التمليك الحاصل من السبب، فالأوجه هو الإيراد الخامس، وهو: أن الفساد من قبل الفضولي لا ينافي الصحة من قبل المالك بإجازته، فإن الفضولي أوجد المادة القابلة لأن تصور بصورة المالكية بإجازة المالك، لأن جميع شروط البيع المالكي موجودة فيه، سوى الرضا والاستناد إليه، فإذا تحققت الإجازة تحققت الشرائط طرا، لأن المفروض أن العقد من حيث الإنشاء تام، وتوهم فساده من حيث عدم قدرة العاقد على التسليم وفقدان قصده ضعيف، فإن من اعتبر قدرته عليه - وهو المالك - قادر، ومن هو عاجز فلا يعتبر قدرته. وأما فقد القصد فقد ظهر ما فيه في عقد المكره، وإجماله: أن ما هو مناط العقدية - وهو كون العاقد قاصدا للفظ والمعنى - موجود في عقد الفضولي، وما هو مفقود في عقد الفضولي والمكره - وهو قصد النتيجة - ليس مناطا في العقدية، حتى في عقد المالك أيضا، فإن تحقق المنشأ في عالم الاعتبار الذي هو من الأحكام الشرعية الإمضائية لا يعتبر قصده من المالك أيضا، بل لا يمكن أن تتعلق


(1) فوائد الاصول: ج 2 ص 471 في النهي عن المعاملة.

[ 32 ]

إرادته به، وإنما هو من دواعي الإنشاء، فلا يمكن إنشاء هذا المعنى من المالك، فضلا عن الفضولي الذي ليس زمام أمره بيده، لأن ما يمكن إنشاؤه وإيجاده هو العلقة بين المال والطرف، وأما تحققه بحيث يكون مما تعلق به الإمضاء الشرعي فهو من أحكام هذا الإنشاء، لا من منشآت المنشئ. وكيف كان فلا يعتبر في صدق العقد سوى قصد اللفظ والمعنى، وهو حاصل من الفضولي كحصوله من الوكيل في إجراء الصيغة، ولا فرق بينه وبين الفضولي، إلا أن الاستناد إلى المالك حاصل حين عقد الوكيل، وأما الفضولي فيحصل بعد عقده. وأما في سائر الآثار: كعدم القدرة على التسليم وعدم التمكن من قصد النتيجة حتى بنحو الداعي فهما مشتركان. قوله (قدس سره): (المسألة الثانية: أن يسبقه منع المالك.... إلى آخره). الكلام في هذه المسألة يقع تارة بناء على صحة الفضولي من حيث القاعدة، واخرى بناء على صحته للأدلة الخاصة. أما على الأول فالأقوى عدم الفرق بين هذه المسألة والمسألة السابقة، لأن منع المالك قبل العقد لا يؤثر إلا في سلب استناد العقد إليه وهو كان حاصلا ولو لم يكن منع كما في الصورة السابقة. ولا يمكن أن يكون ردا للعقد الذي لم يوجد بعد، نعم، قد يتوهم أن بقاء الكراهة المستمرة من زمان المنع إلى بعد العقد ولو آنا ما كاف في رد العقد، ولكنه فاسد، لأن الكراهة الباطنية كالرضا الباطني لا يؤثران في الرد والإجازة، ولا في الفسخ والإمضاء. وفسخ عقد الوكيل لو كان خياريا بحلف الموكل على نفي الإذن في اشتراء الوكيل لو سلم فإنما هو لأمارية الحلف على الفسخ، لا لمجرد كراهة الموكل باطنا، بل لا يبعد أن يكون نفس إنكار الوكالة فسخا، كما أن إنكار الطلاق رجوع. وبالجملة: مجرد الكراهة الباطنية لا يؤثر في رفع أثر العقد، فلا يضر المنع السابق. ويؤيد ذلك صحة عقد المكره إذا لحقه الإجازة.

[ 33 ]

ودعوى كونها للإجماع لا يصغى إليها، للمنع عنه صغرى وكبرى فإنه على فرض تحققه مستند المجمعين معلوم. وأما على الثاني: فشمول الأدلة الخاصة لهذه الصورة مشكل. أما صحيحة محمد بن قيس (1) فعدم الاستفصال فيها إنما هو لظهور القضية في كون ابن مالك الوليدة باع الأمة بلا إذن من أبيه، كما هو صريح قول والده حيث قال: وليدتي باعها ابني بغير إذني. واحتمال كونه مسبوقا بالنهي بعيد، وإلا كان الأنسب في مقام المخاصمة أن يقول: باعها مع النهي، بل مقتضى الطبع أن من يقصد السفر لا ينهى أولاده وأولياءه عن بيع أمواله، فعدم استفصال الإمام (عليه السلام) لا يدل على العموم. وأما أدلة النكاح فقد عرفت أن المعصية المذكورة فيها ليست بمعنى مخالفة النهي، بل التعدي على المولى، والتصرف في سلطانه بلا إذن منه واستيذان عنه. وأما نهي رب المال عن المعاملة الخاصة أو السفر إلى جهة خاصة ونحو ذلك فقد عرفت عدم دلالته على كون معاملة العامل فضوليا، لأن نهيه عنه طريقي ناش عن خوف الخسران، فلا يشمل صورة ظهور الربح. وعلى هذا فحمل أخبار باب المضاربة على التعبد كما في المسالك (2) لا وجه له، مع أن إعمال التعبد في المعاملات بعيد. وعلى أي حال أخبار باب المضاربة ليست دليلا على صحة الفضولي لو سبقه منع المالك. هذا، مضافا إلى عدم التعرض فيها لإجازة رب المال بعد معاملة العامل. وقد ذكرنا: أن الأخبار الواردة في التجارة في مال اليتيم أيضا لا تعرض فيها لإجازة الولي، ودخولها في باب الفضولي ممنوع، فضلا عن أن تكون مؤيدة للصورة الثانية. لكن الذي يسهل الخطب أن الفضولي صحيح على القاعدة، ونهي المالك قبل العقد لا أثر له.


(1) المتقدمة في ص 12. (2) مسالك الأفهام: ج 4 ص 353.

[ 34 ]

قوله (قدس سره): (المسألة الثالثة: أن يبيع الفضولي لنفسه.... إلى آخره). لا يخفى أن الاستدلال لهذه الصورة بالعمومات يتوقف على أمرين: الأول: عدم مانعية قصد الغاصب أو الجاهل البيع لنفسه إما بأن يعلم عدم مانعيته، أو يشك حتى يتمسك بالعموم لرفع الشك، وإلا فلو علم بمانعيته فلا معنى للتمسك بالعموم. وبالجملة: لو لم يكن القصد لنفسه لغوا فلا يفيد إجازة المالك، لأن إجازة العقد الواقع لغيره لا تؤثر في الاستناد إلى المجيز. وعلى هذا فلا معنى للتمسك بفحوى الصحة في النكاح لصحة بيع الفضولي لنفسه، لأن النكاح الذي يتعلق به الإجازة إما نكاح العبد لنفسه، وإما نكاح الفضولي لغيره، وكل منهما لا يرتبطان بالمقام إلا بعد لغوية قصد العقد لنفسه في المقام. أما نكاح العبد فلأن إجازة المولى تتعلق بما هو المنشأ من العبد، وهو العقد لنفس العبد، فصحته لا تلازم صحة البيع الذي تتعلق الإجازة به للمالك. وأما نكاح الفضولي لغيره فهو داخل في إحدى المسألتين السابقتين. الثاني: إمكان تحقق قصد المعاوضة الحقيقية، وهو دخول أحد العوضين في ملك من خرج عن ملكه العوض الآخر، والعمدة رفع هذا الإشكال العويص، فإنه لو ارتفع هذا فقصد الغاصب أو الجاهل البيع لنفسه لغو قطعا. كما أن سائر وجوه المنع - مثل: التمسك بقوله: " لا تبع ما ليس عندك ". ومثل: " أن بيع الغاصب مقارن دائما لمنع المالك " لأن الغصب أمارة عدم الرضا. ومثل: " أن المنشأ غير مجاز والمجاز غير منشأ " فإن المنشأ هو العقد لنفسه، والمجاز وقوع التبديل لغير العاقد - فيها ما لا يخفى. أما قوله: " لا تبع ما ليس عندك " فقد عرفت أنه لا يدل على عدم وقوعه للمالك إذا جاز لو لم نقل بأنه وارد في بيع العين الشخصية قبل اشترائه من مالكه.

[ 35 ]

وأما كون بيع الغاصب مسبوقا بالمنع ففيه أولا: أن محل البحث هو الأعم من الغاصب وغيره، كالجاهل بأنه ملك الغير فيبيعه لنفسه كما في مورد الإقالة بوضيعة. وثانيا: أن المنع متوجه إلى البيع للغاصب، لا إلى البيع مطلقا، لإمكان تحقق الرضا من المالك في أصل البيع. وثالثا: أن مجرد الكراهة لا تؤثر شيئا. وأما كون المنشأ غير المجاز فهذا متفرع على عدم إمكان تحقق قصد المعاوضة الحقيقية، وإلا فالمنشأ هو المجاز كما سيتضح إن شاء الله. فالعمدة رفع هذا الإشكال. ولكن الحق إمكان تحقق قصد المعاوضة الحقيقية من الغاصب فضلا عن الجاهل المعتقد بأنه ملكه. أما إجمالا فلما نرى خارجا من قصد المعاوضة حقيقة من الظلمة والسراق، بل لا يفرقان بين ملكهما الموروثي والملك الذي بيدهما من غيرهما. وأما تفصيلا فلأن صدور المعاملة من الغاصب مبني على تجعل منه في المالكية، بمعنى أنه يغصب الإضافة الحاصلة بين المالك وملكه ويسرقها، وكأنه يقطع حبل الملكية المتصلة بين المالك وملكه ويوصله بنفسه، فبعد سرقة الإضافة يرى السارق نفسه ذا إضافة وذا جدة اعتبارية، فيبيع ما هو ملك له كسائر أمواله التي تحت سلطنته. وبهذا الاعتبار يصدر المعاوضة منه حقيقة، ويوقع التبديل بين ملكي المالكين. ثم لا يخفى أن هذه المقدمة المطوية - أي رؤية نفسه مالكا - لا تضر بالمعاملة، وليس من موانع العقد، كمانعية الفصل بين الإيجاب والقبول ونحو ذلك، فإن هذا البناء والتشريع كالبناء في العبادات الغير المضر بعباديتها. وتوضيح ذلك: أنه لو قصد وصفا مخالفا لما هو وصف المأمور به - كما لو قصد الوجوب في مكان الاستحباب أو القضاء في مكان الأداء أو عكس ذلك - فتارة يكون جاهلا بالوصف الواقعي، واخرى عالما به. وعلى التقديرين: تارة يقيد قصده بهذا الوصف المخالف، واخرى لا يقيده به،

[ 36 ]

بل يقصد الأمر الواقعي، ولكن يطبقه على الذي يقصده جهلا أو تشريعا، فإذا أناط قصده بهذا الوصف المخالف وقيده به بحيث لو لم تكن صلاة الليل - مثلا - واجبة عنده لم يصلها فهذه الصلاة باطلة. وأما لو قصد أمرها الواقعي وأخطأ في التطبيق كالجاهل، أو بنى تشريعا على أنها واجبة فهذا لا يوجب البطلان. ففي مقامنا لو قصد المعاوضة بين ملك نفسه وملك غيره بأن باع مال الغير لنفسه من دون بنائه على ملكية المبيع أو اعتقاده فهذه المعاوضة فاسدة، لأنه قصد تملك الثمن بلا تمليك المثمن من ماله. واخرى يقصد المعاوضة بين ملكي المالكين مع اعتقاده أو بنائه على أنه مالك، فهذا البناء والاعتقاد يلغى ويصح العقد بالإجازة، والمنشأ هو المجاز، لأن الإجازة تعلقت بالتبديل بين ملكي المالكين، لا بالقصد المقارن أو الخطأ في التطبيق. ثم إنه بعد سرقة الإضافة لا يحتاج حين صدور البيع إلى تنزيل نفسه منزلة المالك حتى يقال: لو سلمنا هذا التجعل والبناء من الغاصب غالبا فلا نسلمه دائما، ولو كان الملاك ذلك لزم في الحكم بصحته بالإجازة إحراز هذا البناء.... إلى آخر كلام هذا القائل (1). وذلك لأن التنزيل المصحح لبيع الغاصب الذي جعله المصنف (قدس سره) ملاكا لو كان هو التنزيل حال العقد لكان لهذا الإيراد وقع. وبعبارة اخرى: لو كان مالكية الغاصب من قبيل الداعي وكان غرض المصنف أن تخلف الداعي لا يضر بحقيقة العقد لكان هذا الإيراد واردا، لعدم إحراز هذا الداعي دائما، مع أنه يجب أن يختلف الحكم باختلاف نحوي الإنشاء، لأنه قد يكون داعيه صدور المعاملة منه بما أنه هو المالك، وقد يكون داعيه صدورها بما أن المالك هو المالك. وأما لو كان هو التنزيل حال السرقة، بمعنى جعل نفسه عدوانا هو المالك - كما هو حال من كان شغله السرقة والنهب والغارة - فإنه يبنى على أن إضافة


(1) القائل السيد الطباطبائي في حاشيته على المكاسب: كتاب البيع ص 141 س 30.

[ 37 ]

الملكية والجدة الاعتبارية منسوبة إليه، باعه أو لم يبعه، فإذا باع ما هو ملكه بعد سرقة الإضافة فلا يرد هذا الإيراد أصلا. وبالجملة: فصدور المعاوضة الحقيقية مبني على هذا الجعل، وهو المصحح لقصد البيعية، فينشئ تبديل طرف إضافة بطرف إضافة اخرى، وتتعلق الإجازة بعين ما أنشأه، لأنه لم ينشئ إلا أصل التبديل، كما ينشئ ذلك نفس المالك، لا أنه ينشئ التبديل عن قبل نفسه، فعلى هذا لا يرد أيضا الإشكال بأن المنشأ غير المجاز والمجاز غير منشأ. ثم إنه لا فرق بين أن يكون الغاصب بائعا أو مشتريا، كانت الصيغة " بعت " و " اشتريت " أو كانت " ملكت " و " تملكت "، كان الإيجاب مقدما على القبول أو مؤخرا، فلا وجه لإشكاله (قدس سره) فيما لو كان الفضولي مشتريا لنفسه بمال الغير، لأن كون إنشاء البائع متوجها بالصراحة أو الظهور إلى المشتري لا يقدح في الصحة بعد بناء المشتري على مالكيته للثمن، ثم قبوله تبديل البائع بين المثمن والثمن، أو إنشاؤه التبديل بين الثمن والمبيع، كما لو قدم القبول فإن في جميع الصور لا إشكال فيه، لا من باب أن " كاف " الخطاب وضع للأعم من المالك الحقيقي والجعلي، كما قد يتوهم في الخطاب المتوجه إلى الشخص المردد بين كونه وكيلا أو أصيلا، بل لأن الغاصب بعد سرقته الإضافة يكون هو المالك، وهو المخاطب بهذا الخطاب، كما أن الموكل هو المخاطب في معاملة الوكيل بالبدن النيابي، فإذا أنشأ الملكية بين الشيئين وتعلقت الإجازة بهذا الإنشاء صح من مالك الشيئين. وبالجملة: لو قصد العاقد إدخال الثمن في ملك من لم يخرج عن ملكه المثمن وبالعكس فهذه المعاملة باطلة. ولذا قلنا بالبطلان لو قيل: " اشتر بمالي لنفسك طعاما " إذا لم يقصد من هذا القول تمليك الثمن قبل الشراء، ولا تمليك الطعام بعد الشراء. وأما لو قصد التبديل بين العوضين كما هو المتعارف فتخيله، أو بناؤه بأن واحدا من الثمن والمثمن ملكه مع أنه ليس كذلك لا يضر بالمعاملة.

[ 38 ]

وتوهم أنه لو قال: " تملكت الثوب بهذه الدراهم " فهو من قبيل القسم الأول فاسد، فإنه لم يقصد إدخال الثوب في ملكه وإخراج الثمن عن ملك غيره حتى يكون فاسدا، بل بعد بنائه على أنه مالك للثمن قصد إخراج الثمن عن ملك من يدخل في ملكه الثوب، فلا فرق بين أن يكون الغاصب بائعا أو مشتريا، قدم القبول على الإيجاب أو أخره، كان القبول بلفظ " تملكت " أو " اشتريت ". قوله (قدس سره): (وأما القول بكون الإجازة عقدا مستأنفا فلم يعهد من أحد من العلماء وغيرهم.... إلى آخره). لا يخفى أنه بعد ما عرفت من أن المنشأ هو المجاز، لأن المنشأ هو التبديل بين المالين، وهو الركن في باب العقود المعاوضية من دون دخل كون مالك المالين هو العاقدين أو غيرهما فلا إشكال حتى يدفع بما أجاب به المحقق القمي (1) (قدس سره)، مع أنه لا يسمن ولا يغني، فإنه لو كان مفاد الإجازة تبديل العقد الواقع بين الغاصب وطرفه بالعقد الواقع بين المالك والطرف وكانت الإجازة كبيع التولية لتوقف صحته على قبول الطرف، ولا يعقل أن تكون الإجازة وحدها إيجابا وقبولا. ولو قيل: إن القبول المقدم من الطرف ينضم الى الإجازة التي هي إيجاب من المجيز - كما حكى عن شيخه كاشف الرموز (2) - ففيه: أن هذا لا يمكن على تقرير المحقق القمي من أن الإجازة تبديل عقد بعقد، لا أنها إنفاذ للعقد السابق أو إعادة للإيجاب. وأما تنظير المقام بمسألة " من باع شيئا ثم ملكه " ففيه: أنه لا اشتراك بينهما، فإن في تلك المسألة الإجازة توافق ما قصده المتعاقدان، فإن البائع قصد البيع لنفسه، فإذا صار مالكا وأجازه وقع لنفسه. ومفروض كلام المحقق القمي أن في مسألتنا الإجازة تخالف المنشأ. ولو قيل: إن في تلك المسألة أيضا الإجازة تخالف المنشأ فنقول: إن هذا منشأ


(1) جامع الشتات: ج 1 ص 155 س 11. (2) كشف الرموز: ج 1 ص 445.

[ 39 ]

القول بالبطلان فيها. فالصواب في الجواب: هو ما تقدم من موافقة المجاز للمنشأ. قوله (قدس سره): (هذا، مع أنه ربما يلتزم صحة أن تكون الإجازة لعقد الفضولي موجبة لصيرورة العوض ملكا للفضولي.... إلى آخره). توضيح ذلك: هو أن المصنف (قدس سره) بعد ما أجاب عن المحقق القمي بمنع مغايرة ما وقع لما اجيز اعترف بها فيما لو كان الغاصب مشتريا، لأن ظاهر قوله: " تملكت منك هذا الثوب بهذه الدراهم " إنشاء تملكه للمبيع، فإجازة هذا المنشأ تقتضي تملك الفضولي للمثمن. ثم أجاب عنها أولا: بأن قصد الغاصب التملك لنفسه إنما هو لبنائه على أنه مالك الثمن، فالإجازة تتعلق بالمعاملة الواقعة بين مالك الثمن والمثمن. وأجاب عنها ثانيا بما نقله عن كاشف الغطاء (1)، وحاصله: أن غاية ما يلزم من إشكال مغايرة المجاز للمنشأ أن لا تكون الإجازة موجبة لصحة العقد للمالك. وأما بطلان المعاملة رأسا فلا وجه له، لأنها يمكن أن تكون صحيحة بالإجازة على أن يصير المال للغاصب الفضولي، وهذا على وجهين: الأول: أن تكون الإجازة متضمنة للتمليك الضمني، كتضمن الإذن في الاشتراء للتمليك في قوله: اشتر بمالي لنفسك طعاما، فعلى هذا وقع العقد حقيقة في ملك الغاصب. الثاني: أن تكون الإجازة كالإذن في الاشتراء المصحح لوقوع الطعام في ملك المأذون مع خروج عوضه عن ملك غيره، ولا دليل على اشتراط خروج العوض عن ملك من يدخل في ملكه المعوض، فإن البيع لا يقتضي إلا عدم المجانية فإنه مبادلة بمال، وأما كون أحد المالين لابد أن يكون خارجا عن ملك من يدخل في ملكه المال الآخر فلا دليل عليه. ولا يخفى ما فيهما أما في الثاني فقد عرفت أن العقود المملكة تختلف أفرادها


(1) شرح القواعد (مخطوط): الورقة 60.

[ 40 ]

حقيقة، والهبة غير البيع، وحقيقة البيع أن يتبدل طرف إضافة بطرف إضافة اخرى مع بقاء أصل الإضافة. فخروج الثمن عن ملك زيد يقتضي دخول المثمن في ملكه، فإذا خرج الثمن من ملكه إلى ملك عمرو فلا معنى لدخول المثمن في ملك بكر، وإن هذا إلا هبة من زيد لعمرو، وهبة من عمرو لبكر. والبيع وإن كان مبادلة مال بمال إلا أنه مبادلة بينهما في طرفي الإضافتين، فلا يعقل أن لا يدخل المعوض مكان العوض. وأما الأول ففيه أولا: أن الحكم في المقيس عليه ممنوع، فإن الإذن لا يتضمن التمليك فإنه ليس مشرعا. وقياسه على مسألة " اعتق عبدك عني " و " ألق مالك في البحر وعلي ضمانه " ونحو ذلك قياس مع الفارق. وتقدم صحة مسألة العتق وفساد اقتضاء الإذن التمليك في فروع المعاطاة مفصلا. وثانيا: على فرض اقتضاء الإذن التمليك آنا ما من باب أن من أنحاء سلطنة المالك اقتضاءه له، إلا أن الإجازة لا تقتضي ذلك، للزوم الخلف والمناقضة، لأن اعتبار إجازة المالك والاحتياج إليها إنما هو لو تعلقت بنفس تبديل الملكين للمالك الواقعي منهما، فاقتضاؤها تمليك الفضولي ممتنع، إلا إذا تعلقت بالملكية البنائية من الغاصب، وهذان مما لا يجتمعان. وبعبارة اخرى: لبيع الغاصب اعتباران: اعتبار أن المبيع ملكه، واعتبار إنشائه التبديل بين الملكين لمالكهما الواقعي. وبالاعتبار الأول لا موقع للإجازة، لأن الشخص لو باع مال نفسه فبيعه لا يتوقف على إجازة غيره، فما يتوقف على الإجازة ويصح بها هو الاعتبار الثاني، وهو لا يقتضي تمليك الغاصب، بل يضاده، لأنه يقتضي وقوع البيع في ملك المجيز لا العاقد. وهذا الإشكال لا يرد في الإذن السابق بناء على تأثيره، لأن بعد تحقق الإذن يقع التبديل في ملك المأذون. وبالجملة: قياس الإجازة على الإذن إنما يصح لو وقع تمليك فضولي من الغاصب لنفسه، بأن وهب مال المالك لنفسه فضولا ثم باع الموهوب، وتعلق الإجازة بالهبة.

[ 41 ]

وأما لو لم يقع من الغاصب إلا البيع بعد البناء على كونه مالكا عدوانا فإجازة البناء ليس أمرها بيد المالك حتى يصح بالإجازة، ونفس الإجازة أيضا ليست مشرعة للملك ابتداء من دون أن يقع من الغاصب شئ تتعلق الإجازة به، بل لو قلنا بأن إجازة البناء أيضا بيد المالك فهذه تقتضي فساد المعاملة لا صحتها، لما تقدم أن وجه بطلان بيع الغاصب لنفسه هو قصده مالكية نفسه، فإن هذا القصد يقتضي عدم إمكان قصد المعاوضة الحقيقية، فتصحيح بيع الغاصب لنفسه لا يمكن إلا أن يكون قصد البيع لنفسه من الدواعي وكان المنشأ هو التبديل بين المالين الذي هو القابل لأن يصح بإجازة مالك المال. وحاصل الكلام: أن قياس الإجازة على الإذن لا وجه له في المقام، فإن الإذن إنما يؤثر التمليك الضمني بسبقه لا بما هو إذن حتى يقال: كل ما يؤثر فيه الإذن تؤثر الإجازة فيه. ثم لا يخفى عدم ورود إشكال التناقض بين كلامي المصنف (قدس سره) من قوله: (لأن الإذن في البيع يحتمل أن يوجب الملكية آنا ما اقتضاء) (1)، وقوله: (لأن الإذن في التملك لا يؤثر التملك فكيف إجازته؟) (2)، وذلك للفرق بينهما، إذ يمكن أن يكون الإذن في البيع بمنزلة إيجاب التمليك، ووقوع البيع من المأذون بمنزلة القبول عكس الاستدعاء والإيجاب في " اعتق عبدك عني "، وهذا لا يمكن في الإذن في التملك فإنه ليس إلا هو، ولم يتحقق من المأذون فعل آخر يكون أحد ركني العقد. وعلى هذا فيظهر الفرق بين الإذن والإجازة أيضا بنحو ما ذكر، فإن الإجازة أيضا ليست إيجابا متأخرا إذا فرض عدم وقوع هبة من الغاصب لنفسه فضولا من قبل المالك. ثم إنه كما لا يكون إجازة المالك متضمنا لتمليك الغاصب فيما لو بنى الغاصب أن المغصوب لنفسه ثم أوقع التبديل بين المالين فكذلك لا تؤثر في التمليك لو لم


(1 و 2) المكاسب: كتاب البيع ص 130 س 4 وما بعده.

[ 42 ]

يتحقق منه هذا البناء بأن باع مال غيره لنفسه، أو اشترى بثمن غيره طعاما لنفسه، فإنه مضافا إلى عدم تحقق قصد المعاوضة الحقيقية لا تفيد الإجازة للتمليك، ولا تصحح المعاملة. قوله (قدس سره): (ثم إن مما ذكرنا من أن نسبة ملك العوض حقيقة إنما هو إلى مالك المعوض، لكنه بحسب بناء الطرفين على مالكية الغاصب للعوض يظهر اندفاع إشكال آخر في صحة البيع لنفسه مختص بصورة علم المشتري.... إلى آخره). لا يخفى أن معاملة الأصيل مع علمه بأن الطرف غاصب مستلزم لإشكالين: أحدهما: نظير الإشكال المتقدم في قصد الغاصب، وهو: أن الأصيل كيف يقصد المعاوضة الحقيقية مع علمه بأن الطرف غاصب؟ وثانيهما: أنه مع حكم الأصحاب بأن في صورة رد المالك لا يجوز للأصيل استرداد الثمن من الغاصب كيف تؤثر إجازة البيع من المالك مع أنه بيع بلا ثمن؟ لأن الثمن الذي دفعه الأصيل إلى الغاصب لو كان عوضا عن المبيع لكان اللازم أن يرد إلى الأصيل برد المالك المعاملة الواقعة بينه وبين الغاصب، فعدم وجوب رده كاشف عن عدم جعلهما الثمن بإزاء المبيع. أما الإشكال الأول فقد ظهر جوابه. وأما الثاني فوروده يتوقف على امور ثلاثة: الأول: ثبوت هذا الحكم من الأصحاب، ولم ينقل إلا من بعضهم (1) فإن المسألة ذات أقوال ثلاثة: قول بوجوب رد الثمن أو بدله إلى الأصيل (2)، لأنه سلمه إلى الغاصب وفاء للمعاوضة، فإذا بطلت من جهة رد المالك فيرد عينه إلى الأصيل في صورة بقائه، وبدله في صورة تلفه. وقول بوجوب رده إليه إذا كان باقيا، لا بدله إذا كان تالفا (3).


(1) كالعلامة في قواعد الأحكام: ج 1 ص 208 س 10. (2) جواهر الكلام: ج 37 ص 179. (3) كما هو مختار الفخر في إيضاح الفوائد: ج 2 ص 194.

[ 43 ]

وقول بعدم وجوب رده مطلقا (1)، وهذا القول شاذ. وعلى أي حال لا يبتنى على أساس، لأنه لا يزيد تسليط المالك للغاصب على الهبة المجانية، والهبة عقد جائز للواهب رده إذا لم يتصرف المتهب في العين الموهوبة، ولم يكن ذا رحم. والثاني: كون تسليط الغاصب على الثمن محرزا على كلتا صورتي الإجازة والرد. وأما لو قيل بعدم التسليط في صورة الإجازة فلا يكون البيع بلا ثمن. والثالث: كون الإجازة ناقلة. وأما على الكشف فلا يرد الإشكال، لأن تسليط الأصيل بالدفع إلى الغاصب تسليط على مال غيره، لأن الثمن بمجرد المعاملة يدخل في ملك المالك، فالإجازة لا تتعلق بالبيع بلا ثمن. ثم إن ما ذكره في الرياض (2) من بطلان بيع الفضولي استنادا إلى ما في التذكرة من نسبة القول بعدم الخلاف في البطلان إلى مذهبنا ليس في محله، لأن ما ذكره في التذكرة (3) هو ما إذا باع لنفسه على أن يشتريه من المالك ويسلمه إلى الأصيل، لا ما إذا أجاز المالك على أن يصير البيع له، والفساد في الأول - كما هو ظاهر قوله (صلى الله عليه وآله): " لا تبع ما ليس عندك " - لا يلازم الفساد في الثاني. قوله (قدس سره): (بقي هنا أمران، الأول: أنه لا فرق على القول بصحة بيع الفضولي بين كون مال الغير عينا أو في ذمة الغير.... إلى آخره). لا يخفى أن لبيع ما في الذمة صورتين: الاولى: أن يتعلق العقد الصادر من الفضولي على الثمن أو المثمن الذي يكون في الذمة فعلا كأن يشتري عينا من زيد بدين كان لعمرو في ذمة بكر، أو في ذمة نفسه، أو يبيع الحنطة التي في ذمة زيد لعمرو بدراهم موجودة من بكر. الثانية: أن يجعل الثمن أو المثمن دينا في ذمة غيره، كما إذا اشترى عينا


(1) ذكره في إيضاح الفوائد: ج 1 ص 420 - 421. (2) رياض المسائل: ج 1 ص 512 س 21. (3) تذكرة الفقهاء: ج 1 ص 462 السطر الأخير.

[ 44 ]

وجعل ثمنها في ذمة زيد، أو باع منا من الحنطة سلما في عهدة زيد بدراهم لبكر. وحكم الصورتين حكم ما لو باع العين الخارجية بدراهم خارجية - في أنه لو أجاز مالك الكلي أو من جعل الكلي في ذمته بيع الفضولي يقع للمجيز - لعدم الفرق بين العين الشخصية والكلية. ثم إنك قد عرفت سابقا أن الكلي لا يعد مالا إلا إذا اضيف إلى ذمة شخص، والإضافة تتحقق بأحد من الامور الأربعة: الأول: بأن يقول: " بعت عشرة أمنان من الحنطة لزيد ". الثاني: بأن يقصد كونها من زيد. الثالث: بأن يضيف إلى ذمة زيد. الرابع: بأن يقصد بيعها عن ذمة زيد، فإضافة البيع إلى الغير أو قصد البيع له يوجب صرف الكلي إلى ذمة ذلك. كما أن تعيين ذمته لفظا أو قصد ذمته يوجب وقوع البيع له ولو لم يقل بأنه " بعت الكلي في ذمة زيد لزيد ". فعلى هذا لو أضاف الكلي إلى ذمة الغير، أو قصد هذا المعنى ثم قصد البيع لنفسه، أو تلفظ به كذلك يقع التنافي بينهما ظاهرا، مثلا لو قال: " اشتريت هذا لفلان بدرهم في ذمتي " أو: " اشتريت هذا لنفسي بدرهم في ذمة فلان " يقع التنافي، كما أنه لو قصد الشراء لفلان وأضاف إلى ذمة نفسه، أو قصد الشراء لنفسه وأضاف إلى ذمة غيره يقع التنافي بينهما ظاهرا. وهذا لا إشكال فيه، إنما الإشكال في أنه هل تصح المعاملة مطلقا بإلغاء أحد القيدين، أو تبطل مطلقا، أو يفصل بين الشراء للغير بمال نفسه؟ فيقال بالبطلان مع احتمال الصحة بإلغاء أحد القيدين، وبين الشراء للنفس بمال الغير فيقال بالصحة بإلغاء أحد القيدين من دون احتمال البطلان، لأنه من قبيل بيع العين الشخصية التي هي من الغير للنفس. غاية الفرق بينهما أنه أتى هنا بالمنافي فيحتمل إلغاء كون المبيع لنفسه ووقوعه لفلان بإجازته. ويحتمل إلغاء قوله: " في ذمة فلان " ووقوعه لنفسه.

[ 45 ]

ثم إن دوران الأمر بين إلغاء أحد القيدين إنما هو فيما لو أقر من له العقد بأن الفضولي قصده ثم أجاز، أو أجاز ما إذا قصد الفضولي البيع لنفسه. وأما لو رد المعاملة رأسا فهل يقع العقد للفضولي ظاهرا أو يقع له واقعا؟ وجهان. وهذا النزاع يجري في الوكيل المفوض، كالعامل في باب المضاربة. وحاصل النزاع: أن كل مقام ادعى العاقد وقوع العقد لغيره كما لو ادعى الوكيل قصد الموكل، أو إضافة اللفظ إليه، أو ادعى الفضولي قصد غيره وأنكر الموكل ومن وقع العقد له فقيل (1) بأنه يقع العقد للوكيل أو الفضولي ظاهرا. وقيل (2) بأنه يقع لهما واقعا. ثم إن محل البحث إنما هو لو صدق الأصيل الذي هو طرف الوكيل أو الفضولي الموكل ومن له العقد. وأما لو صدق الفضولي أو الوكيل في أنه قصد غيره فلا وجه لوقوعه للوكيل أو الفضولي، لا ظاهرا ولا واقعا. فهنا مسألتان: الاولى: في حكم ما لو جمع بين المتنافيين وأجاز من قصد، أو اضيف اللفظ إليه، والحق في المثالين هو الصحة ووقوع العقد لنفس العاقد، ولا أثر لإجازة الغير. وتوضيح ذلك يحتاج إلى بيان أمرين: الأول: أن العقد الصادر من شخص يقتضي في طبعه وقوعه لنفس العاقد، أي هو ملتزم بالمنشأ، فلو أوقع العقد على الكلي يقتضي أن يكون الكلي في ذمته، بحيث لو أراد وقوعه للغير وتعلق الكلي في ذمة الغير فلابد من صرفه من نفسه إلى الغير. وبعبارة اخرى: ليس واقع الحال مرددا بين وقوعه لنفسه ووقوعه لغيره،


(1) قائله جماعة كالمحقق في الشرائع: ج 2 ص 138، والفخر في الإيضاح: ج 2 ص 314، والشهيد الثاني في المسالك: ج 1 ص 183 س 11. (2) يظهر من العلامة في القواعد: ج 1 ص 247.

[ 46 ]

لأن وقوعه للغير ليس في عرض وقوعه للنفس، بل وقوعه للغير مترتب على عدم وقوعه للنفس، فإطلاق العقد يقتضي أن يكون الملزم به هو نفس العاقد. الثاني: أن كل قيد وقع بعد تمامية أركان العقد بحيث لم يكن منافيا لمقتضاه وكان منافيا لبعض الخصوصيات الخارجة عن حقيقته فيقع لغوا، ولا يضر بصحة العقد. إذا عرفت ذلك فسواء قال: " اشتريت هذا لنفسي بدرهم في ذمة زيد " أم قال: " اشتريت هذا لفلان بدرهم في ذمتي " يقع الشراء في الصورتين لنفسه، ويقع قيد في ذمة فلان أو لفلان لغوا، لأن وقوع الشراء لفلان إما بإضافة الذمة إليه، أو لقوله: " لفلان " إنما يصح لو لم يعقبه بما ينافيه، أو لم يقدم عليه ما ينافيه، فإذا جمع بين المتنافيين لا يؤثر ما يوجب الصرف، لتعارض القيدين فيتساقطان، فيؤثر إطلاق العقد أثره. وتقدم أحد القيدين لا يوجب تقديم مقتضاه إذا ابتلي بالقيد الآخر الذي ينافيه، والتقييد بالمتنافيين أيضا لا يوجب بطلان العقد من أصله بعد تحققه بجميع أركانه، وعدم كونه من قبيل: " بعتك بلا ثمن "، وذلك لأن العاقد ليس ركنا في المعاوضات، وليس البيع كالنكاح. هذا، مع أنه لا فرق بين قوله: " اشتريت هذا لفلان بدرهم في ذمتي "، وقوله: " اشتريت هذا لنفسي بدرهم في ذمة فلان ". فاحتمال المصنف (قدس سره) البطلان في الأول (1) وعدمه في الثاني لا وجه له، لأنه يمكن تصحيح الصورة الاولى بأخذ كلا القيدين من دون تناف بينهما. وهذا على وجهين: الأول: أن يكون قوله: " بدرهم في ذمتي " متضمنا للهبة، كما يقال ذلك فيما لو قال: اشتر بمالي لنفسك طعاما. الثاني: أن يكون راجعا إلى الضمان، فيكون معنى كلامه: أنه اشتريت لفلان


(1) المكاسب: كتاب البيع ص 131 س 4.

[ 47 ]

بدرهم في ذمته، ولكني تعهدت الدرهم وضمنت واشتغال ذمة فلان وإن لم يتحقق فعلا، إلا أن الضمان حيث وقع مترتبا على سبب الاشتغال فلا محذور فيه، ولذا يصح قوله: " وكلتك في الطلاق ثلاثا "، مع أن الطلاق الثاني لا يصح إلا بعد الرجوع. وهكذا لو قال: " أنت وكيل في تزويج فلانة وطلاقها وشراء رق وعتقه " وهكذا. وبالجملة: بعد إمكان تصحيح المعاملة ورفع التنافي لا وجه للحكم بالبطلان. المسألة الثانية: في وقوع العقد للعاقد واقعا لو رد الموكل أو من ادعى وقوع العقد له. ظاهر كلمات جملة من الأساطين ذلك، ويمكن تطبيقه على القواعد. أما ظهور كلماتهم في ذلك: ففي الشرائع (1) في باب المضاربة فيما لو اشترى الوكيل من ينعتق على الموكل تصريح بذلك. وقال في التذكرة في مقامنا هذا: وإن كان في الذمة لغيره وأطلق اللفظ قال علماؤنا: يقف على الإجازة، فإن أجاز صح ولزمه الثمن، وإن رد نفذ عن المباشر (2). انتهى. ومقصوده: أنه لو اشترى في ذمة نفسه لغيره من دون إضافته في اللفظ إلى الغير مع كون غرضه وقوعه للغير كان من المثال المتقدم. أو مقصوده: أنه اشترى وقصد كون الثمن في ذمة الغير من دون إضافة الذمة الى الغير في اللفظ. وعلى أي حال فمراده أنه لو رد الغير يقع عن المباشر واقعا فيما لم يضفه إلى الغير في اللفظ. وأما تطبيقه على القواعد فلأنه لا إشكال فيه إلا ما استشكل عليه المصنف (قدس سره) على سبيل الترديد. ولنا اختيار كلا شقي الترديد. أما قوله: إن جعل المال في ذمته بالأصالة مع اشترائه للغير فيجب الحكم: إما بالبطلان لو عمل بالنية، وإما بوقوعه لنفس المباشر لو ألغى النية. وعلى أي حال لا معنى لوقوعه للغير لو أجازه. ففيه: أنه لا مانع من ذلك ويكون نظير بيع التولية،


(1) شرائع الإسلام: ج 2 ص 142. (2) تذكرة الفقهاء: ج 1 ص 463 س 3.

[ 48 ]

غاية الأمر أنه يتوقف على إحراز أن قصده للغير من قبيل جعل التولية له وإجازة الغير من قبيل القبول. وأما قوله: وإن جعل المال في ذمته من حيث النيابة فيجب أن يقع العقد فاسدا في صورة رد المنوب عنه لا وقوعه عن المباشر (1) ففيه: أن جعل المال في ذمته نظير الضمان عن الغير بناء على مذهب الجمهور من عدم انتقال الضمان من ذمة المضمون عنه إلى ذمة الضامن، فيكون كل منهما ضامنا بنحو الطولية، ففي المقام يكون المباشر هو المتعهد للمال، وهو الملزم به أولا، ولكن إذا أجاز من قصد العقد له ينصرف عن المباشر إليه، وإذا رد يبقى في ذمته. وكما أن في المضاربة لو لم يضف الوكيل وقوع البيع في اللفظ إلى الموكل بل قصده له ولكنه في اللفظ قال: " اشتريت " يقع له لو أنكر الموكل، فكذلك في الفضولي، فقصد الفضولي وقوع العقد للغير مع إضافة الشراء إلى ذمة نفسه من حيث جعل نفسه نائبا عن الغير لا يوجب عدم وقوع العقد له لو رد من وقع العقد له، وهذا مبني على ما تقدم من أن المعاملة ليست في الواقع مرددة بين المباشر والمنوي، بل متعلقة بنفس المباشر، ولكن إذا أجاز المنوي ينصرف عن المباشر إليه لبناء المباشر على أن يكون ثمن العين في ذمته، وأن يأخذه ممن قصد إجازته، فيتعلق الثمن بذمة المجيز طولا ومترتبا على ذمة المباشر، ولذا لو رد يتعين في ذمة المباشر. وبهذا الملاك حكموا في المضاربة الفاسدة - أنه لو اشترى العامل في الذمة وكان قصده أداء ما في الذمة بعين مال المالك - بأن الربح للمالك إذا أدى ما في الذمة بعين ماله وللعامل اجرة المثل فإن وقوع الربح للمالك ليس إلا من باب أن العامل التزم بأداء الثمن من مال المالك، مع أنه اشترى في ذمة نفسه. وهكذا في التجارة في مال اليتيم فإن كون الربح لليتيم - مع أن المتجر قد يشتري بعين مال اليتيم، وقد يشتري في الذمة ويقصد أداء ما في الذمة من مال


(1) المكاسب: كتاب البيع ص 131 س 12 - 14.

[ 49 ]

اليتيم - لا يتم إلا بأن يكون قصد الأداء من مال اليتيم موجبا لتعلق حق طولي لليتيم في المعاملة. وبهذا الملاك حكموا في باب الوكالة - بأنه لو باع الوكيل وظهر العيب في المبيع ولم يسند المعاملة في اللفظ إلى الموكل - بأن الوكيل هو الملزم بأداء تفاوت الصحيح والمعيب. وهذا ليس إلا من باب أن الملزم بالمعاملة هو نفس المنشئ، ولذا قد يفرق بين علم الطرف بالوكالة وعدمه، بل قد يقال: إن مع العلم أيضا لو لم يسند المعاملة إلى الموكل يكون نفس الوكيل هو الملتزم بعدم العيب. فيستكشف من هذه الأبواب أن المعاملة ليست مرددة في الواقع بين المباشر والمنوي، بل تقع للمباشر، ولكنه لما قصد أداء الثمن من مال غيره فلو أجاز الغير تقع له، وأما لو رد فلا وجه للانصراف فتقع من نفس المنشئ واقعا. وبالجملة: إذا أسند المعاملة إلى الغير لفظا فليس هو ملزما بها، بل تقع للغير إذا أجاز، وتبطل إذا رد. وأما لو قصد الغير من دون إشارة في اللفظ إليه فلو رد الغير تقع للعاقد، ولو أجاز تقع لنفسه. أما وقوعها للعاقد إذا ردها فلامور مسلمة في باب المعاملات: أولها: أن الامور البنائية والأغراض المنوية لا أثر لها ما لم تنشأ بما هو آلة لإنشائها من القول أو الفعل. وثانيها: أن الالتزامات العقدية يملكها كل من المتعاقدين على الآخر، إلا أن يجعل ملك كلا الالتزامين لواحد منهما: إما بجعل شرعي كالخيارات الشرعية، أو بجعل من المتعاقدين فيما لهما حق الجعل، لا في النكاح وأمثاله. وثالثها: عدم اعتبار تعيين المالكين في المعاوضات. ومقتضى هذه الامور أن يكون نفس العاقد هو الملزم بالالتزامات الصريحة والضمنية، وأن طرفه يملك هذه الالتزامات عليه، كما أنه يملك التزامات طرفه، فلا وجه لبطلان المعاملة لورد من قصده العاقد. وأما وقوعها له لو أجاز أو أقر بالوكالة فلأن القصد وإن لم يؤثر في صرف الالتزامات إلى الغير إلا أنه لا ينفك عن أثره التكويني، فيجعل المعاملة كالمادة

[ 50 ]

الهيولائية (1) القابلة لصرفها إلى الغير بإجازته أو إقراره، فيكون القصد كجعل التولية للغير، وتكون الإجازة أو الإقرار بمنزلة قبول التولية. فالقول بأن المعاملة تقع لنفس المباشر واقعا إذا رد من قصدت له منطبق على القواعد وقياسها على ما إذا أسندها إلى الغير لفظا مع الفارق. قوله (قدس سره): (الثاني: الظاهر أنه لا فرق فيما ذكرنا من أقسام بيع الفضولي بين العقدي والمعاطاة.... إلى آخره). لا يخفى أن الكلام في جريان الفضولي في المعاطاة يتوقف على أن يكون التعاطي محققا للبيع وآلة للتمليك والتملك، لا أن يكون السبب المستقل لهما هو تراضي المالكين، وإلا يكون الفضولي دائما واسطة في الإيصال، فيكون كالصبي والحيوان. ولكنا قد بينا في المعاطاة: أن التراضي ليس معاملة، فإذا كان تحقق المعاملة بالفعل فهل يجري الفضولي في المعاطاة مطلقا، أو لا يجري مطلقا، أو فرق بين القول بالإباحة فلا يجري والقول بالملك فيجري، أو فرق بين كون الفضولي على خلاف القاعدة فلا يجري مطلقا، وكونه على طبقها فيجري كذلك؟ وجوه. والأقوى عدم جريان الفضولي فيها، لا للوجوه المذكورة في المتن وغيره - من أن الفعل الذي يحصل به التمليك محرم من الفضولي فلا يوجد المنشأ به، ومن أن المعاطاة منوطة بالتراضي مع قصد التمليك أو الإباحة وكلاهما من وظائف المالك. ومن أن حصول التمليك بالفعل على خلاف القاعدة وإنما ثبت بالسيرة فيختص حصوله به بما قامت السيرة عليه، وهو التمليك الحاصل بفعل المالك - فإن هذه الوجوه فاسدة. أما كون الفعل محرما ففيه: أنه قد لا تتوقف المعاطاة على الإقباض، كما لو اشترى الفضولي لغيره في الذمة بناء على كفاية العطاء من طرف واحد، وقد


(1) منسوبة الى الهيولى وهو مصطلح فلسفي، ومعناه: الموجود بشئ متقوم بنفسه. لاحظ الحكمة المتعالية: ج 1 ص 242.

[ 51 ]

لا يكون الإقباض محرما، كما لو علم برضا المالك بناء على ما هو الأقوى من عدم خروج المعاملة المقرونة بالرضا الباطني من المالك عن الفضولية، مع أن الحرمة الموجبة للفساد من قبل الفضولي لا تنافي الصحة للمالك وإن كانت راجعة إلى المسبب لا السبب، كما هو كذلك في المقام وتقدم توضيحه في أدلة المبطلين للفضولي. وأما كون قصد الإباحة أو التمليك مع الرضا الباطني من وظائف المالك ففيه: أن قصد الإباحة أو التمليك يتمشى من الفضولي أيضا، لا سيما إذا كان غاصبا، فإنه بعد سرقته الإضافة يرى نفسه مالكا، ولذا لا إشكال في الإنشاء القولي من الفضولي، مع أنه يتوقف على القصد. وأما الرضا فالمفروض تحققه من المالك بإجازته. وأما كون المعاطاة على خلاف القاعدة ففيه: أنه لو فرض أن الفعل بعنوانه الثانوي مصداق للبيع فلا فرق بين الفعل الصادر من المالك والفعل الصادر من الفضولي. وأما كون الفضولي على خلاف القاعدة ففيه ما عرفت. فهذه الوجوه المذكورة ليست علة لعدم جريان الفضولي فيها إلا الوجه الثاني بتقريب آخر. بيان ذلك: أما على الإباحة فلأن مجرد قصدها وإن كان بلا مؤنة إلا أن الإباحة المؤثرة هي التسليط المالكي، لا تسليط غيره، وإجازة المالك تسليط الغير هي بنفسها مؤثرة، لا لكونها إجازة لإباحة الغير، لأن العقود الإذنية والامور المتقومة برضا المالك لا تتوقف على سبب خاص، فإجازة الإباحة هي بنفسها إباحة. ومحل النزاع في الفضولي هو ما كانت الإجازة قابلة للنزاع في الكشف والنقل فيها. وأما بناء على الملك فلأن الفعل الواقع من الفضولي لا يعنون إلا بعنوان الإعطاء والتبديل المكاني. وأما تبديل طرف الإضافة فمصداقه إما إيجاد المادة

[ 52 ]

بالهيئة، وإما فعل المالك، فإنه حيث يقع في مقام البيع أو الشراء يعنون بالعنوان الثانوي بتبديل طرف الإضافة. والفرق بينه وبين القول: هو أنه يمكن انفكاك حاصل المصدر من المصدر في الإنشاء القولي، فإذا أجاز المالك وأسنده إلى نفسه وقع له. وأما الفعل فاسم المصدر منه لا ينفك عن مصدره، بمعنى: أنه ليس للإعطاء اسم مصدر غير العطاء، وهذا لا ينفك عنه، وبإجازة المالك لا ينقلب الفعل عما وقع عليه، ونفس الإجازة أيضا ليست مصداقا للتمليك حتى تكون كإجازة الإباحة، ولو كانت كذلك لكانت هي المملكة لا إعطاء الفضولي. وبالجملة: يصح أن يقال: إن التبديل بالفعل والإباحة من وظائف المالك، ولا أثر لفعل الغير وإباحته، فإن فعله الخارجي غير قابل للاستناد إلى غير فاعله بالإجازة، وليس حكم الإجازة حكم التوكيل كما لا يخفى. * * * قوله (قدس سره): (القول في الإجازة والرد.... إلى آخره). نسب (1) إلى المشهور: أن الإجازة كاشفة عن تمامية السبب وهو العقد، واختلفوا في جهة كشفها على أنحاء: فمنها: ما عن المحقق الرشتي (2): من أن الإجازة كاشفة عن الرضا التقديري، بمعنى: أنها تكشف عن رضا المالك لو التفت إلى العقد. والرضا المعتبر في العقد هو الأعم من الحقيقي الفعلي والتقديري. وفيه منع الصغرى والكبرى: أما الصغرى فلأنه قد لا يكون المالك راضيا حين العقد لو التفت إليه لكونه ذا مفسدة عنده في ذاك الزمان مع كونه راضيا حين الإجازة، لانقلابها إلى المصلحة، مع أن لازمه جواز التصرف قبل الإجازة إن علم برضاه لو التفت إليه.


(1) نسبه السيد الطباطبائي في حاشيته على المكاسب: كتاب البيع ص 148 س 19. (2) كما في بدائع الافكار: ص 323 س 13.

[ 53 ]

وأما الكبرى فلأنه لم يقم دليل على كفاية الرضا التقديري. ومنها: ما عن الفصول (1) وأخيه المحقق (2): من أن وصف التعقب بالإجازة شرط في تأثير العقد، وهو حاصل حين العقد، فإنه ينتزع عنوان التعقب والمسبوقية عن نفس العقد، فالعقد الموصوف بهذا الوصف هو المؤثر التام، لا الإجازة بوجودها الخارجي. وفيه: أن أخذ عنوان التعقب أو ضده إنما يصح في مثل أجزاء الصلاة ونحوها من الامور التدريجية الارتباطية، لمساعدة العرف والاعتبار عليهما، بل لا يمكن أن يكون الركوع - مثلا - بوجوده الخارجي شرطا لصحة القراءة، إلا أن في مثل الإجازة لا يساعد العرف والاعتبار على دخل العنوان الانتزاعي، بل ظاهر الأدلة شرطية نفس الرضا بوجوده الخارجي. ومنها: ما عن المحقق والشهيد الثانيين (3): من أن العقد سبب تام في الملك، لعموم قوله تعالى: " أوفوا بالعقود " (4)، وتماميته في الفضولي يعلم بالإجازة، فإذا أجاز المالك تبين كونه سببا تاما، وإلا يلزم أن لا يكون الوفاء بالعقد فقط، بل به مع شئ آخر. وفيه: أن هذا الكلام في بادئ النظر خلف يرد عليه ما أورد عليه المصنف (5) (قدس سره) بما حاصله: أنه لو كان العقد بنفسه سببا تاما فلا مدخلية للإجازة فيه، ويلزم أن يكون اعتبار الرضا بلا موجب، ولو لم يكن بنفسه سببا بل هو مع الرضا فبالإجازة لا يعلم تمام السبب من قبل بل بها يتم السبب. ولكنه يمكن توجيه كلامهما بأنه فرق بين الإجازة وسائر ما يعتبر في العقد، كالقبض في الوقف والصرف والسلم، فإن مثل القبض لا يتصور نزاع الكشف والنقل فيه، بل هو جزء المؤثر، والنقل لا يتم إلا به. وأما الإجازة فهي ليست جزء


(1) الفصول الغروية: ص 80 س 36. (2) هداية المسترشدين: ص 219. (3) جامع المقاصد: ج 4 ص 74 - 75، الروضة البهية: ج 3 ص 229. (4) المائدة: 1. (5) المكاسب: كتاب البيع ص 132 س 8.

[ 54 ]

المؤثر، بل المؤثر هو نفس العقد، ولذا لو أنشأه المالك فالمؤثر للنقل هو ذات عقده، لا بما أنه صادر منه بحيث يكون صدوره منه جزء عقده، فعقد الفضولي بنفسه أيضا تمام السبب، واعتبار الإجازة فيه إنما هو لتصحيح الاستناد إلى المالك لا لمدخليتها في التأثير. وبالجملة: حيث لا يكون عقد الفضولي عقدا للمالك إلا بالإجازة فمنها يعلم بأنه عقد تام منسوب إليه. وبهذا البيان يتم قولهما. فإذا أجاز تبين كونه تاما يوجب ترتب الملك عليه. هذا، ولكنه مع ذلك يرد عليه: أن ذات العقد إنما يكون مؤثرا إذا كان مقارنا لرضا المالك أو ملحوقا به، وإلا يكون عقد المكره تاما وإن لم يلحقه الرضا، فإذا كان الرضا دخيلا ولو من جهة استناد اسم المصدر إلى المالك فكيف يتحقق النقل بلا رضا منه؟ ومنها: ما استدل له الثانيان (قدس سرهما) (1) أيضا، وهو: أن الإجازة متعلقة بالعقد، فهي رضا بمضمونه، وليس إلا نقل العوضين من حينه، أي الإجازة إنفاذ للعقد السابق، والعقد السابق تم حين صدوره من العاقدين من دون دخل نفس هذا الإنفاذ في النقل، نظير ما إذا أنفذ حاكم حكم مجتهد آخر. وفيه أولا: أن مضمون العقد ليس هو النقل من حينه، بل أصل النقل، كما أن الإيجاب ليس الإيجاد من حينه، بل أصل الإيجاد، ولذا يتحقق النقل بعد القبول، مع أنه رضا بالإيجاب. وثانيا: سلمنا كون مضمون العقد هو النقل من حينه، ولكن لا بمعنى أن وقوعه في الحين جزء لمدلوله حتى يقال: ليس معنى " بعت " أوجدت البيع في الحال، بل بمعنى: أن وقوع الإنشاء في الحال يقتضي تحقق منشئه حالا، ولا يمكن أن يتأخر المنشأ عن الإنشاء. ولو كان المنشأ منفعة الدار في السنة الآتية فإن المتأخر هو المملوك لا الملكية، ولكنه مع ذلك لا يقتضي تحقق السبب التام حال العقد،


(1) تقدم في الهامش (1) من الصفحة السابقة.

[ 55 ]

فإن الإجازة وإن كانت إنفاذا لما تقدم إلا أنه من المعلوم أن مع اعتبارها شرعا في تأثير ما تقدم، فقبل تحققها لا يمكن تحقق ما تقدم عليها بصفة التأثير فإن تحقق المنشأ حال الإنشاء حيث إنه من موجداته أو فعله التوليدي لا يتخلف عن إنشائه، كعدم تخلف الانكسار عن الكسر، وكل اسم مصدر عن المصدر، إلا أنه من حيث تحققة في عالم الاعتبار بحيث يرتب عليه الآثار شرعا أو عرفا يمكن تخلفه عن إنشائه إذا كان لتحققه شرط آخر كالقبض أو الإجازة. نعم، يمكن أن يقال بالفرق بين القبض والإجازة، وهو: أن القبض جزء المؤثر، ولكن الإجازة صورة للمادة المتحققة، وإنفاذ من المالك لما سبق، كإنفاذ الحاكم حكم مجتهد آخر. فما يمكن ترتيبه من السابق بإنفاذ المالك يجب ترتيبه. فعلى هذا تكون واسطة بين الكشف الحقيقي والنقل، وهذه عبارة عن الكشف الحكمي، فيكون الكشف الحكمي مطابقا للقاعدة. وتوضيح ذلك: أنه بعد ما ظهر أن الإجازة إنفاذ لما سبق فمن جهة أن السبب التام للنقل لا يتحقق بدونها، فإن إنشاء الفضولي ليس سببا للنقل في عالم الاعتبار، فالإجازة ناقلة. ومن حيث إنها إنفاذ لما تحقق فيجب من حين الإجازة ترتيب الآثار التي لها اعتبار وجود حين الإجازة من حين العقد، فهي كاشفة. فعلى هذا يقع التفكيك بين الملك وآثاره من النماء والمنافع، لأن الملكية لا يمكن تحققها من قبل بعد دخل الإجازة في تحققها، وليس للملكية السابقة اعتبار وجود في الحال، وهذا بخلاف المنافع فإنه يمكن تحقق ملك المنفعة من قبل، لأن لها اعتبار وجود في الحال باعتبار تعلق الضمان بها. فلو أجاز المالك استيفاء المنافع لمستوفي المنفعة تسقط اجرتها وضمانها، ولذا يصح الصلح على المنافع السابقة، ولا يصح على الملك السابق. والسر فيه: أن المنافع باعتبار وجودها في الحال بوجود اجرتها يصح تعلق الإجازة بها التي مرجعها إلى إسقاط الضمان، فبالنقل في الحال يصح تحققها من قبل، كما يصح تحققها بعد ذلك بالنقل في الحال، كما في إجارة الدار المتعلقة بالسنة الآتية.

[ 56 ]

وبعبارة واضحة: كما يمكن اعتبار التأخر في المملوك مع عدم إمكان تأخر الملك كذا يمكن اعتبار التقدم فيه مع عدم إمكانه في الملك، فإذا تحققت الإجازة فالنقل وإن حصل حينها إلا أن المنقول باعتبار آثاره يتحقق من قبل، وهذا هو معنى الكشف الحكمي، فإن النقل من حين الإجازة إذا تعلق بالمنقول السابق فنتيجته الكشف حكما، أي: النقل الحقيقي مع ترتيب الآثار السابقة التي أمكن ترتيبها على العقد بوصف السبق. ومنها: ما عن فخر الدين في الإيضاح: من أنها لو لم تكن كاشفة لزم تأثير المعدوم في الموجود، لأن العقد حالها عدم (1). وحاصل برهانه: أنه لو قلنا بالنقل فلازمه أن لا يتحقق المنشأ بإنشاء المنشئ، بل يتحقق حال الإجازة، وفي هذا الحال الإنشاء معدوم فلازمه أن يؤثر المعدوم في الموجود. وعلى هذا التقريب لا يرد عليه النقض بالامور المتصرمة والأجزاء المتدرجة في الوجود، فإنه لا ينكر إمكان ترتب المعلول على علة ذي أجزاء متقدمة، والمترتب على الامور التدريجية، بل ينكر تخلف اسم المصدر عن المصدر. فالحق في الجواب عنه هو ما تقدم: أن المنشأ بنظر المنشئ لا يتخلف عن إنشائه، وإنما المتخلف هو المنشأ في عالم الاعتبار العقلائي أو الشرعي، وهو إذا كان متوقفا على رضا المالك لا يتحقق بمجرد إنشاء الفضولي. ومنها: أنه يمكن تحقق الملك حين العقد مع كونه مشروطا بالشرط المتأخر، وهو الإجازة التي [ هي ] شرط بوجودها الخارجي، فإنها من قبيل سائر الشروط المتأخرة الواردة في الشريعة، فإذا تحققت في موطنها انكشف بها تحقق المشروط من قبل، وإذا تحقق كذلك يترتب عليه جميع آثاره من حين تحققه. وفيه ما لا يخفى، فإن الشرط المتأخر غير معقول كما أوضحنا ذلك في الاصول (2).


(1) إيضاح الفوائد: ج 1 ص 419. (2) راجع فوائد الاصول: ج 1 ص 280.

[ 57 ]

وملخصه: أنه لا يعقل تحقق المعلول بدون أجزاء علته، فإن حكم العلل التشريعية حكم العلل التكوينية، سواء قلنا بجعل السببية - كما عن المحقق الداماد (1) من قوله: بأن السببية لا يمكن انتزاعها عن الحكم التكليفي، فإن الحكم التكليفي والوضعي مختلفان محمولا وموضوعا، وعلى تعبيره (قدس سره): حاشيتي العقد مختلفان - أم قلنا بجعل الأحكام عند تحقق أسبابها. أما على الأول فلأنها من أفراد العلة التكوينية، فكما لا يمكن تحقق الضوء بلا علته فكذلك لا يمكن تحقق الملك بلا إجازة المالك، لأن الشارع أنشأ السببية للإيجاب والقبول والرضا، فبدون تحقق جميع أجزاء السبب لا يعقل تحقق المسبب. وما يقال (2) من أن الأسباب الشرعية معرفات لا علل لا يستقيم في المقام، لأنها علة كالعلة التكوينية، بل هي هي بناء على قابلية تعلق الجعل بالسببية. نعم، هذا التعبير يصح في علل التشريع. وأما على الثاني فلأن ملاك الامتناع في التشريعيات نظير ملاكه في التكوينيات لا عينه، وذلك لأنه لو أنشأ الحكم على نحو القضية الحقيقية على الموضوعات المقدر وجودها بحيث انحل هذا الحكم إلى أحكام متعددة بحسب تعدد موضوعه كحكمه بوجوب الحج على المستطيع فكيف يعقل تحقق الحكم وفعليته قبل الاستطاعة! وهل هذا إلا الخلف والمناقضة؟ فكون الإجازة بوجودها العيني شرطا لتحقق الملكية ومع ذلك يحصل الملك بالإيجاب والقبول دون الإجازة موجب لتحقق الحكم بلا موضوعه، نظير تحقق المعلول التكويني بلا علته. فعلى هذا كل ما ورد في الشريعة من هذا القبيل ظاهرا فلابد من حمله بدليل الاقتضاء على أن الشرط هو الوصف الانتزاعي كالتعقب.


(1) السبع الشداد: ص 37. (2) قاله السيد الطباطبائي في حاشيته على المكاسب: كتاب البيع ص 149 س 21.

[ 58 ]

ولا يبعد أن يكون نظر صاحب الجواهر (قدس سره) (1) إلى ما ذكرناه، فإن قوله: إن الشروط الشرعية ليست كالعقلية ليس ناظرا إلى أن الشرط في الشرع مع كونه شرطا بوجوده الخارجي يمكن جعله متأخرا عن المشروط، بل غرضه: أن الامور الاعتبارية وجودها على كيفية جعلها، فيمكن أن يكون لحوق الإجازة شرطا لا الإجازة العينية. كما أن ما نسب (2) إلى المصنف (قدس سره) من أن الشرط ليس متأخرا بل المتأخر شرط يرجع إلى وصف اللحوق والتعقب، وإلا لا فرق بين كون الشرط متأخرا وكون المتأخر شرطا. وبالجملة: لا يمكن مع دخل أمر في تحقق شئ تحققه بدون ذاك الأمر، لا في التكوينيات ولا في التشريعيات. وليس ملاك الإشكال إلا تحقق المعلول قبل تحقق علته بناء على جعل السببية، أو فعلية الحكم قبل وجود موضوعه بناء على جعل الحكم عند تحقق موضوعه الذي يعبر عنه بالشرط، أو تحقق الامتثال قبل تحقق ما له ربط فيه، كتحقق امتثال الصوم قبل تحقق الغسل في الليل، مع اعتباره في امتثال الصوم بناء على القول به كما قيل، لاستفادته من الخبر (3) الدال على أن المستحاضة إذا اغتسلت ارتفع بغسلها الحدث السابق على الغسل. وأما على المشهور: من أن بالغسل يرتفع الحدث اللاحق فلا يرد إشكال الشرط المتأخر. كما أنه لو قيل بأن الامتثال يتحقق حين الغسل لا حين الصوم مع دخل الغسل في امتثال الصوم فلا يرد هذا الإشكال أيضا.


(1) جواهر الكلام: ج 22 ص 287 نقلا بالمعنى. (2) يظهر من السيد الطباطبائي في حاشيته على المكاسب: كتاب البيع ص 150 س 18. ولا يخفى أن المصنف رده في المقام، لاحظ المكاسب: كتاب البيع ص 132 س 15. (3) من لا يحضره الفقيه: ج 2 ص 144 - 145 ح 1989، عنه الوسائل: ب 41 من أبواب الحيض ح 7 ج 2 ص 590.

[ 59 ]

نعم، يرد إشكال تأثير المعدوم في الموجود، لكنه ليس بإشكال أصلا، لأن المؤثر في المعلول المترتب على الامور التدريجية كالكون على السطح المترتب على الصعود درجة درجة هو الجزء الأخير، وسائر الامور معدات، وكل منها يؤثر أثر نفسه حين حصوله، وهو القرب إلى السطح بهذا المقدار. فإذا قلنا في المقام بأن العقد يؤثر حين الإجازة فلا يرد إشكال الشرط المتأخر. فما توهم من ورود هذا الإشكال على كل شرط وجزء منصرم ومنقض حين تحقق الشرط أو الجزء الأخير في غير محله. كما أن رفع الإشكال بجعل لحاظ المتأخر أو المتقدم شرطا مما ظهر في الاصول حاله فإنه من الخلط بين علل الجعل والتشريع وشرائط المجعول، فما هو لحاظه شرط للتكليف هو علة الجعل، أي: الموجب لإرادة الفاعل الذي هو عبارة اخرى عن العلة الغائية التي هي مقدمة تصورا ومؤخرة خارجا. ومحل البحث إنما هو في شرائط المجعول وفيما له دخل في تحقق التكليف أو الوضع، كشرطية البلوغ ونحوه للوجوب، وشرطية الإجازة ونحوها للملك، وهذه الشرائط شرائط بوجودها الخارجي. نعم، لو قيل بأن الأحكام الشرعية إخبار عن الإنشاءات فيما سيأتي رجع جميع شرائط المجعول إلى علل الجعل. وقد ذكرنا في مسألة الترتب ومقدمة الواجب والحكم الوضعي ما يوضح ذلك. قوله (قدس سره): (وقد تحصل مما ذكرنا: أن كاشفية الإجازة على وجوه ثلاثة.... إلى آخره). لا يخفى أن كاشفية شئ عن شئ: إما لمناسبة تكوينية بينهما ككاشفية الدخان عن النار، وإما لمناسبة جعلية ككاشفية النصب عن الفرسخ، والألفاظ عن المعاني على وجه، فكاشفية الإجازة عن تحقق السبب التام لا بد أن تكون بأحد الوجهين. ثم إن طريق الاستكشاف فيها يتصور على أنحاء: منها: أن تكون كاشفة عن الرضا التقديري.

[ 60 ]

ومنها: أن تكون كاشفة عن حصول شرط واقعي مقارن للعقد لا نعرفه. ومنها: أن تكون كاشفة عن ثبوت وصف التعقب. ومنها: أن تكون كاشفة عن الموضوع الذي رتب الشارع عليه الأثر، أي: العقد الذي يتعقبه الإجازة صحيح في علم الله من أول الأمر، من دون دخل الرضا أو شئ آخر فيه، والذي لا يتعقبه الإجازة باطل كذلك. وعلى أحد هذه الوجوه لا مدخلية للإجازة في التأثير. وهنا وجهان آخران للكشف الحقيقي مع مدخلية الإجازة: الأول: أن تكون شرطا بوجودها الخارجي الزماني. الثاني: أن تكون شرطا بوجودها الدهري المجتمع مع مشروطها في وعاء الدهر، فإن الطوليات الزمانية عرضيات في عالم الدهر. ولا يخفى ما في هذه الوجوه: أما كاشفيتها عن الرضا التقديري فلا مناسبة بينهما، لا ذاتا ولا جعلا، مع أنه لا دليل على كفاية المنكشف. وأما كاشفيتها عن شرط واقعي لا نعرفه فتتوقف على مناسبة جعلية بعد وضوح عدم مناسبة ذاتية بينهما، والجعل غير معلوم. وأما كاشفيتها عن وصف التعقب فهذا لا إشكال فيه. وتوهم أن التعقب ليس مقارنا للعقد - لأنه منتزع عن أمر متأخر، وما لم يتحقق منشأ انتزاعه كيف يتحقق المنتزع؟ - فاسد، فإن عنوان التعقب والسبق وما يرادفهما في المعنى كاللحوق والقبلية والبعدية من الامور التي تنتزع من نسبة الزماني إلى الزمان. فإذا اجتمع شيئان في زمان واحد ينتزع عن اجتماعهما التقارن، وإذا وقعا في زمانين فتنتزع القبلية من السابق والبعدية من اللاحق. وهكذا تصح هذه العناوين في نفس أجزاء الزمان. فيقال لليوم: إنه بعد الأمس وقبل الغد مع كون الأمس والغد معدومين. وبالجملة: عنوان التعقب صحيح ومقارن مع العقد. إلا أنك قد عرفت أن الدليل لا يساعد على كون هذا العنوان الانتزاعي شرطا.

[ 61 ]

وأما كاشفيتها عن الصحيح في علم الله فتحتاج إلى جعل، وليس. وأما كونها شرطا بوجودها الخارجي مع تحقق المشروط قبله فهذا خلف ومناقضة. وأما كونها شرطا بوجودها الدهري ففيه: أن شرط الزماني لابد من أن يكون زمانيا، فتتميم الكشف الحقيقي على جميع ما قيل أو يقال فيه بالقواعد مشكل. وهنا وجه آخر من وجوه الكشف اصطلحوا عليه بالكشف الحكمي، ولهم في إثبات هذا المعنى مسالك ثلاثة: الأول: ما نقله المصنف (1) عن استاذه شريف العلماء (قدس سرهما)، وهو حكم المشهور تعبدا بإثبات آثار الكشف من أول العقد، ولازم ذلك إثبات الآثار الممكنة من حين العقد، لأن التعبد يصح فيما يمكن التعبد به، فحكم الشارع في المقام نظير حكمه في باب الاستصحاب بإبقاء المتيقن في ظرف الشك عملا. نعم، بينهما فرق، وهو: أن الحكم في باب الاستصحاب ظاهري لأخذ الشك في موضوعه، وفي المقام واقعي. والثاني: ما نقله شيخنا الاستاذ مد ظله، عن شيخه المحقق في عصره، الشيخ محمد باقر الإصبهاني (قدس سره)، نجل صاحب الحاشية، وهو: كون الكشف الحكمي مطابقا للقاعدة، وسريانه في أغلب أبواب الفقه، كباب الخمس والزكاة والركوع ونحو ذلك. وحاصله: أن كل ما يكون موضوعا لحكم من الأحكام بتوسط الأمر المتأخر والعنوان اللاحق بحيث كان الأمر السابق بمنزلة المادة الهيولائية والعنوان المتأخر بمنزلة الصورة النوعية فمقتضى القاعدة ترتيب آثار الموضوع من أول تحققه. مثلا: أخذ عنوان فاضل المؤنة موضوع الخمس، وذاته يتحقق أول زمان ظهور الربح، ولكن اتصافه بعنوان فاضل المؤنة إنما هو بعد انقضاء السنة. وهكذا


(1) المكاسب: كتاب البيع ص 133 س 17.

[ 62 ]

موضوع الزكاة في الغلات هو بلوغ المال بعد انعقاد الحب حد النصاب، ولكنه معنون ببلوغه هذا الحد بعد التصفية، فبعد التصفية لو كان بهذا الحد يكشف عن تعلق الزكاة به حين انعقاد الحب، وثمرة هذا الكشف في باب الخمس والزكاة هي صحة أدائهما قبل تحقق هذا العنوان. ولو أتلفهما من تعلقا بماله يحسبان عليه. وهكذا صحة بيع الزكوي متوقفة على إخراج حق الفقراء، فلو أخرجه الساعي أو الوالي أينما وجده يكشف عن صحة البيع من أول الأمر. وهكذا في مسألة الركوع فإنه بناء على أن يكون من أول التقوس إلى آخر حد الانحناء ركوعا يتوقف اتصاف الجزء الأول بكونه ركوعا على لحوق الجزء الأخير، ولكنه بعد اللحوق يكشف عن كونه ركوعا من أول الأمر (1). وبالجملة: كل أمر متأخر كان بمنزلة الصورة للأمر المتقدم، فالمتقدم يتحقق من أول الأمر، وينكشف بهذا المتأخر وجود المتقدم في ظرف وجوده. وفيه: أنه إذا كان العنوان اللاحق بمنزلة الصورة والسابق بمنزلة المادة فلابد من الالتزام بالنقل، لأن فعلية الشئ إنما هي بالصورة. وبالجملة: مع دخل المتأخر في تحقق اتصاف السابق بوصف الموضوعية يستحيل اتصافه بهذا الوصف قبل تحقق المتأخر ومجردا عنه. والثالث: ما بيناه سابقا في توجيه كلام المحقق وهو يختص بباب الإجازة، وهو: أن كل ما كان إنفاذا للأمر السابق فمقتضى القاعدة أن تكون الآثار التي إنفاذها بيد المجيز مترتبة عليه من أول الأمر. وفيه أولا: أن النزاع في المقام ليس مختصا بما كان ناظرا إلى ما وقع، ك‍ " أجزت " و " أنفذت " و " رضيت " ونحو ذلك، بل يجري فيما إذا أخرج الساعي مقدار الزكاة، وما إذا أبرأ المرتهن الدين، وما إذا فك الراهن الرهانة، ونحو ذلك.


(1) ولا يخفى أن في مثل هذا المثال كون الوصف الانتزاعي شرطا أولى من الكشف الحكمي، فإنه نظير التصوير الذي يتوقف حرمته من أول الشروع على إتمامه (منه مد ظله). (

[ 63 ]

وثانيا: إذا كان الشئ غير نافذ إلا بأمر لاحق فكيف تترتب عليه الآثار من قبل؟ فظهر مما ذكرنا: أن هذه الشروط التي تتعلق بإنفاذ العقد السابق: كإجازة المالك والغرماء والمرتهن والورثة فيما زاد على الثلث، والشروط التي تقتضي صحة العقد السابق: كإبراء المرتهن، وفك الراهن الرهانة، وإخراج الزكاة من المال الزكوي أو من غيره حكمها حكم سائر الشروط التي لا ترجع إلى إنفاذ العقد، بل هي بنفسها من أركان المعاملة، كالقبض في الصرف والسلم في أن مقتضى القاعدة فيهما هو النقل، لا الكشف الحقيقي، ولا الواسطة بينهما. فثبوت الواسطة التي يعبر عنها بالكشف الحكمي تتوقف على دليل، والأدلة التي أقاموها على الكشف الحكمي لا تستقيم، فإنه مضافا إلى أن إعمال التعبد في أبواب المعاملات بعيد - فإن الظاهر أنهم (عليهم السلام) حكموا على طبق ما ارتكز في أذهان العقلاء - دلالتها على الكشف الحقيقي أظهر من دلالتها على الكشف الحكمي. أما صحيحة محمد بن قيس (1) فلأن بيان الإمام (عليه السلام) علاج تخلص الولد بأخذ ابن المالك البائع للوليدة ظاهر في أن إمضاء المالك للبيع إمضاء لما أنشأه ابنه حين الإنشاء، لظهور قوله (عليه السلام): " حتى ينفذ لك البيع في ذلك " وهكذا قوله: " فلما رأى ذلك سيد الوليدة أجاز بيع أبيه "، فظاهر هذين الكلامين أن الإجازة تكشف عن تحقق الملك حين بيع الولد. وأما صحيحة أبي عبيدة الواردة في تزويج الصغيرين فضولا (2) فلأنها ظاهرة في أن المقصود من الإجازة لابد أن يكون نفس الازدواج (3) لا التوارث، ولذا أمر (عليه السلام) بحلف الزوجة على ذلك، فإنها لو كانت دالة على الكشف الحكمي لكانت


(1) تقدمت في ص. (2) الكافي: ج 7 ص 131 - 132 ح 1، عنه الوسائل: ب 11 من أبواب ميراث الأزواج ح 1 ج 17 ص 527. (3) كذا في الأصل.

[ 64 ]

دالة على لزوم ترتيب الآثار الممكنة من الزوجية، وهي ليست إلا الوط ء بعد موت الزوج. إلا أن يقال: لا دلالة فيهما على تحقق نفس الملكية والزوجية من السابق. أما إجازة بيع الولد فلأنها ناظرة إلى الآثار، وهي النماء ونحوه. وقوله (عليه السلام): " حتى ينفذ لك البيع " لا يدل على تحقق البيع سابقا، ومجرد تعلق الإنفاذ بالبيع السابق لا يلازم الكشف الحقيقي، فإن هذا هو مورد البحث في أن الإنفاذ المتأخر يكشف عن تحقق المنفذ سابقا، أو هو بنفسه جزء المؤثر، أو واسطة بينهما. وأما مسألة الحلف فهي تناسب الكشف الحكمي أيضا، فإن ترتيب الآثار من السابق بالإجازة اللاحقة إنما هو بعد فرض تحقق الإجازة من المجيز، والحلف إنما هو لاستكشاف الإجازة وأنها ليست صوريا بحيث يكون المقصود هو الوراثة. نعم، هنا إشكال آخر، وهو: أنه لو قلنا بدلالتهما على الكشف الحكمي فسريان هذا الحكم في غير مورد النص مشكل، إلا بدعوى القطع باتحاد المناط في جميع أبواب العقود. والإنصاف أن المسألة مشكلة جدا، ولذا سلك كل واحد من الأساطين مسلكا، وسد باب إشكال وفتح أبوابا، فانظر ما في حاشية المحقق الخراساني (قدس سره)، فإنه بعد كلام له في تنقيح الشرط المتأخر قال: فلا وجه للقول بالكشف بمعنى تحقق المضمون قبل ذلك لأجل تحقق الإجازة فيما بعد. نعم، بمعنى الحكم بعد الإجازة بتحقق مضمونه حقيقة مما لا محيص عنه بحسب القواعد، فلو أجاز المالك مثل الإجارة الفضولية بعد انقضاء بعض مدتها، أو الزوج أو الزوجة عقد التمتع كذلك فيصح اعتبار الملكية حقيقة للمستأجر، والزوجية لهما في تمام المدة التي قد انقضى بعضها، بل ولو انقضى تمامها لتحقق منشأ انتزاعها. فإن قلت: كيف يصح هذا وكان قبل الإجازة ملكا للمؤجر ولم يكن هناك

[ 65 ]

زوجية إلا أن يكون مساوقا لكون شئ بتمامه ملكا لا ثنين في زمان واحد، واجتماع الزوجية وعدمها كذلك؟ قلت: لا ضير فيه إذا كان زمان اعتبار ملكيته لأحدهما في زمان غير زمان اعتبار الملكية للآخر في ذاك الزمان، لتحقق ما هو منشأ انتزاعها في زمان واحد لكل منهما في زمانين، وكذا الزوجية وعدمها (1).... إلى آخره. فإن ما أفاده من الحكم بعد الإجازة بتحقق مضمون العقد حينه حقيقة لا يختص بالكشف الحكمي، فإن تأثير إجازة المالك في الإجارة قبل زمان الإجارة، وكذا تأثير إجازة الزوج أو الزوجة في عقد التمتع من قبل يلائم مع النقل أيضا، لأن نقل المنافع عبارة عن تأثير الإجازة في نقل المملوك مدة زمان الإجارة، فإن جميع مدة الإجارة بمنزلة عين واحدة خارجية، فكما أنه لو أجاز العقد الواقع على العين الشخصية تنتقل العين بأجمعها إلى الطرف من حين الإجازة كذلك في الإجارة المتعلقة بمدة سنة تنتقل جميع منافع المدة إلى الطرف من حين الإجازة. ولو انقضى بعض المدة أو جميعها فيجب على مالك العين اجرة المثل، لأن منفعة ملكه بإجازة عقد الإجارة انتقلت إلى غيره، ومنفعة ملكه عبارة عن منفعة مدة الإجارة. وبعبارة اخرى: المملوك مقدم في باب الإجارة لا الملك، فإن السنة بمنزلة الكم، ومقدار المنفعة هذا المقدار، فبالإجازة جميع هذا المقدار يصير للمجاز له، انقضى تمامه أو بعضه أو لم ينقض منه شئ. والمتعة بناء على ما هو ظاهر بعض الآيات (2) والأخبار (3) من كونها إجارة فحكمها حكم الإجارة، وأما بناء على ما هو الحق من كونها زوجية فحكمها حكم الدائم، من كونها متحققة حين الإجازة على ما هو مقتضى القواعد الاولية وإن كان مقتضى الصحيحة المتقدمة هو الكشف.


(1) حاشية المكاسب: ص 61. (2) النساء: 24، الممتحنة: 10. (3) وسائل الشيعة: ب 4 من أبواب المتعة ح 2، 4، 14 ج 14 ص 446 - 449.

[ 66 ]

ثم لا يخفى ما في جوابه عن إشكال اجتماع مالكين في ملك واحد، لأن اختلاف زمان اعتبار الملكية للاثنين لا يدفع إشكال اجتماع المالكين في ملك واحد في زمان واحد، فإن اختلاف زمان الاعتبار بمنزلة اختلاف زماني الإخبار بوقوع المتناقضين في زمان واحد، وبمنزلة اختلاف زماني الحكم بحكمين متضادين، فإن حكم الحاكم في يوم الجمعة بكون عين شخصية لزيد في هذا اليوم مع حكمه في يوم السبت بكون شخص هذا العين في يوم الجمعة لبكر متناقض. ونظير ما أفاده (قدس سره) في هذا المقام ما أفاده صاحب الفصول (1) في الخروج عن الدار المغصوبة. وبالجملة: كما أن الكشف بنحو الشرط المتأخر محال، لاستحالة تحقق الحكم أو المعلول قبل تحقق موضوعه أو علته، كذلك يستحيل تحقق الملك حقيقة حين العقد من حين تحقق الإجازة، لأن الشئ إذا لم يتحقق في زمان لعدم تحقق تمام سببه فكيف يتحقق في هذا الزمان بتحقق بعض سببه في زمان آخر؟ ومجرد كون الملك من الامور الاعتبارية لا يوجب صحة اعتباره لاثنين في زمان واحد ولو كان زمان اعتباره كذلك في زمانين. هذا تمام الكلام فيما قيل أو يقال في هذا المقام. ولكن أقوى الوجوه هو الواسطة بين الكشف الحقيقي والنقل التي يعبر عنها بالكشف الحكمي، ولكن لا من باب التعبد الصرف بأن يكون مقتضى القاعدة هو النقل، وإنما ثبت الكشف بالتعبد، بل لأنه هو مقتضى القاعدة، وذلك للفرق بين الامور المتأخرة التي لها دخل في المتقدم، فإنها لا تخلو عن أحد أقسام ثلاثة: الأول: كالقبض في الصرف والسلم، والقبض في الهبة والوقف ونحو ذلك. والثاني: كالإجازة من المالك والمرتهن ونحوهما. والثالث: كإخراج الزكاة بعد بيع الزكوي، وإبراء الدين من المرتهن، وفك الراهن الرهانة، ونحو ذلك.


(1) الفصول الغروية: ص 125.

[ 67 ]

أما القسم الأول: فيتوقف تأثير العقد على وجوده، ولا مجال لتوهم الكشف فيه مطلقا، سواء كان جزء المؤثر - كالقبض في الصرف والسلم - أم كان شرطا للصحة: كالقبض في الرهن والهبة والوقف. وأما الثاني: فحيث إنه ناظر إلى ما وقع وتنفيذ لما سبق فيوجب تأثيره فيما سبق بالنسبة إلى ما يمكن أن يتعلق به الإنفاذ. وأما الثالث: فهو وإن لم يكن في الظهور مثل الثاني إلا أنه في نظر العقلاء حكمه حكم الثاني، فإن العرف والعادة بحسب ما ارتكز في أذهانهم يرون الأمر الذي يصير موضوعا للحكم بتوسط العنوان المتأخر أنه هو الموضوع، فالآثار المترتبة على هذا الموضوع تترتب عليه من أول الأمر، وهذا المتأخر بمنزلة الواسطة في الثبوت. والأدلة الواردة في هذا الباب إمضاء لما ارتكز في أذهان العقلاء، وناظرة إلى ما هم عليه، والجامع بين القسمين الأخيرين: أن موضوع الحكم هو المنفذ، والإنفاذ وما يرجع إليه ناظر إلى المنفذ. نعم، هذا يختص بما إذا كان السابق تمام الموضوع بالنسبة إلى الآثار، كما هو كذلك بالنسبة الى النماء والمنافع، فبالإجازة ينكشف تحقق حرية الولد في مسألة الوليدة من قبل، ولكنه لا ينكشف بها أن وط ء الزوجة التي عقدها الفضولي زنا بذات البعل. كما أنه لا ينكشف بها تحقق أصل الزوجية. والسر في ذلك: هو ما عرفت: أن ترتيب الآثار من قبل إنما هو بالنسبة إلى الآثار التي لها اعتبار بقاء في زمان الإجازة، لا الآثار التي ليست كذلك، ولا تحقق نفس المنشأ من قبل، فتدبر جيدا. * * * قوله (قدس سره): (بقي الكلام في بيان الثمرة بين الكشف باحتمالاته والنقل.... إلى آخره). لا يخفى أن ما ذكره من الثمرة بين الكشف الحقيقي بمعنى كون الإجازة

[ 68 ]

بوجودها المتأخر شرطا، وبينه بمعنى كون الشرط تعقب العقد بها. من عدم جواز تصرف كل منهما فيما انتقل إليه بإنشاء الفضولي وإن علم بإجازة المالك بناء على الأول وجوازه بناء على الثاني، لا وجه له، لأن جواز التصرف من آثار تحقق الملكية حين العقد، والمفروض تحقق الملكية قبل تحقق شرطها بناء على تعقل الشرط المتأخر، فلا مانع من جواز تصرف كل منهما فيما انتقل إليه إذا علم بإجازة المالك. ولابد أن يكون جواز التصرف مطردا على جميع وجوه الكشف الحقيقي. ثم لو سلمنا الفرق فلا وجه للحكم بحلية الوط ء واقعا على جميع أقسام الكشف الحقيقي، وحتى بناء على الشرط المتأخر، بل يجب الفرق بين التعقب والشرط المتأخر، فيقال بالجواز واقعا والحرمة ظاهرا على الأول، والحرمة مطلقا على الثاني، لأن التعقب حاصل حين العقد دون الإجازة الخارجية. وبالجملة: بناء على الكشف الحقيقي لا فرق بين أقسامه، فيجوز له التصرف مطلقا لو علم بالإجازة، ويجوز واقعا مع حرمته ظاهرا لو لم يعلم بها. نعم، على الكشف الحكمي يحرم التصرف واقعا كحرمته ظاهرا، لأن الحرمة لا تنقلب عما هي عليه بالإجازة. وعلى هذا فالحق عدم صيرورة الموطوءة ام ولد بناء على الكشف الحكمي، لأنه إذا حرم عليه الوط ء واقعا لعدم كونها ملكا له فبالإجازة لا يمكن ترتيب هذا الأثر من حين العقد، لأن كون الموطوءة ام ولد مترتب على الملك، لا على ما هو في حكم الملك ولو قلنا بأن الكشف الحكمي مطابق للقاعدة، لأنه ليس للمالك قلب الحرمة إلى الحلية، ولا قلب غير الملك إلى الملك، بل له إنفاذ ما وقع بالنسبة إلى الآثار التي يكون العقد بالنسبة إليها تمام الموضوع. وتقدم أنه لا ينكشف بالإجازة كون الزوجة التي زوجها الفضولي ذات بعل، ولا يكون الزنا بها زنا بذات البعل، لأن كونه كذلك موقوف على الزوجية الواقعية. وهكذا كون وط ء الأمة المشتراة وط ءا في الملك يتوقف على كونها مملوكة حقيقة. وهذا لا ينافي كون ولدها حرا، لأن الولد من النماء.

[ 69 ]

ثم لا يخفى في ما أفاده من الفرق بين الحكمي والحقيقي في الإجازة بعد نقل المالك ما باعه الفضولي، وذلك لأنه لا فرق على المسلكين في أن المالك يجوز له التصرف في متعلق عقد الفضولي ولو كان عالما بصدور العقد منه، فإذا جاز له التصرف نفذ تصرفه، وإذا نفذ فلا يبقى محل للإجازة، لصيرورة المالك أجنبيا. واحتمال بطلان تصرفه لكشف الإجازة عن وقوعه في ملك الغير دور واضح، لأن الإجازة إنما تكشف عن ذلك لو كان المحل محلا للإجازة، وبقاء المحل فرع بطلان التصرف، وبطلانه فرع بقاء المحل للإجازة. وبعبارة اخرى قد ذكرنا أن كاشفية شئ عن شئ إما لمناسبة تكوينية، أو لمناسبة جعلية، والتكوينية مفقودة، والجعلية ثابتة في صورة إجازة المالك لا الأجنبي. والمالك الذي تصرف في متعلق عقد الفضولي صار أجنبيا. نعم، لو لم يكن للإجازة دخل في التأثير أصلا، بل كانت كاشفة عن حكم الشارع بصحة العقد الذي يتعقبه الإجازة في علم الله أمكن أن تؤثر في بطلان النقل، ولكنه مع هذا لا يمكن الالتزام به، لأن إجازة الأجنبي ليست كاشفة عن حكم الشارع. ثم لا وجه لحكمه بصحة النقل على الكشف الحكمي ووجوب القيمة على المجيز، لأنه لو كان النقل صحيحا لم يتحقق حق للمشتري الذي هو طرف الفضولي حتى يعطي القيمة من باب الجمع بين حقه وصحة النقل. وقياس الإجازة على الفسخ الخياري مع انتقال متعلقه بنقل لازم قياس مع الفارق، لأن الفسخ حل العقد، ولا يتعلق حق الخيار بالعين، وإلا لم يكن تصرف من عليه الخيار نافذا، فإذا كان متعلقا بالعقد ولم يكن النقل اللازم ممن عليه الخيار مانعا من إعمال ذي الخيار حقه فمقتضى الجمع بين بقاء الحق وصحة النقل أن يرجع بدل العين إلى الفاسخ، وهذا بخلاف الإجازة فإنها بعد انتقال المبيع بالنقل الصحيح اللازم إلى غير طرف الفضولي لا يبقى محل لها حتى يجمع بين نفوذها وصحة النقل بإعطاء القيمة إلى طرف الفضولي.

[ 70 ]

ثم إن في بعض نسخ المتن سقط لفظ " الام "، والعبارة هكذا: ولو نقل المالك الولد عن ملكه قبل الإجازة فأجاز بطل النقل على الكشف الحقيقي، لانكشاف وقوعه في ملك الغير، مع احتمال كون النقل بمنزلة الرد وبقي صحيحا على الكشف الحكمي، وعلى المجيز قيمته.... إلى آخره. فتوهم أن هذه العبارة لا يرد عليها إشكال، لأن بيع الولد لا يوجب عدم بقاء محل الإجازة بالنسبة إلى الام، فإذا باعه المالك وأجاز عقد الفضولي الواقع على الام فيجمع بين نفوذ البيع وصحة إجازته، فإذا حكم بمقتضى الكشف الحكمي بترتيب الآثار الممكنة من حين العقد فمن الآثار النماء وهو الولد، لأنه تابع للعين، فيصح نقل الولد، ويجب قيمته على المجيز، لأن نقله بمنزلة إتلافه. ولا يخفى أن هذا مضافا إلى مخالفته لسائر النسخ الموجود فيها لفظة " الام " وأن ظاهرها تعلق الإجازة بعين ما تعلق به النقل يرد عليه: أن مثل هذا النماء المنفصل المستقل لا وجه لكونه تبعا للعين، فلو أجاز بيع الام فبناء على الكشف الحقيقي يصح أن يقال: الولد للمجاز له تبعا، لأنه حدث في ملكه. وأما بناء على الكشف الحكمي فالمفروض أنه لم يحدث في ملكه، وإنما يحكم تعبدا أو قاعدة أنه في حكم حدوثه في الملك، وهذا التعبد أو القاعدة إنما يصح إذا كان للإجازة محل، وبعد صحة النقل لا يتعلق للمجاز له حق به حتى يجب على المجيز بدله جمعا بين الحقين. قوله (قدس سره): (وضابط الكشف الحكمي: الحكم بعد الإجازة بترتب آثار ملكية المشتري من حين العقد.... إلى آخره). لا يخفى أنه سواء قلنا بأن الالتزام بالكشف الحكمي من باب التعبد الصرف، أم قلنا بأنه من المرتكزات العقلائية فما لم تتحقق الإجازة لا يؤثر العقد، ولكنه إذا تحققت فتترتب جميع الآثار الممكنة الترتب على نفس السبب وهو العقد في ظرف حصوله. ومن الآثار الممكنة في العقد المعاوضي المنافع أو النماء، فما كانت موجودة

[ 71 ]

حين الإجازة - كالصوف وأثمار الأشجار ونحوهما - يحكم بأنها ملك لطرف الفضولي بجميع مراتب وجودها من حين العقد إلى زمان الإجازة. وما كانت تالفة - كالمنافع المستوفاة أو التالفة من غير استيفاء - فمعنى ترتيبها من حين العقد هو الحكم بضمان المجيز لها للطرف، ولازم الضمان الحكم بملكيتها للطرف، لا الحكم بالملكية أولا ثم الضمان، فإن الملكية لا يعقل تحققها حين العقد مع تأخر الإجازة، لأن جهة الامتناع مشتركة بين العين والنماء. هذا، مع أن ملكية النماء أو المنافع ليس لإنشاء معاملي في عرض العين أو في طولها، بل إنما هي لحكم شرعي أو عقلائي تبعي، والتبعية دائرة مدار المتبوع. وبالجملة: الحكم بملكية النماء أو المنافع إنما هو لاعتبار بقائهما من حين العقد إلى زمان الإجازة، وهو يقتضي الضمان، فبهذا اللحاظ يكونان من الآثار الممكنة الترتب من زمان العقد. ومنها أيضا: الوراثة فإنها قابلة للتحقق من زمان العقد إلى زمان الإجازة، سيما بناء على كون الكشف الحكمي من باب التعبد الشرعي، فإن إعمال التعبد فيها بمكان من الإمكان، وليس موت أحد الزوجين كتلف العين، فإن الزوجين وإن كانا كالعوضين في باب البيع ركنين في النكاح إلا أن عدم قابلية العين التالفة لتعلق الإجازة بها ليس لتلفها حتى يقاس موت الزوج على التلف، بل للغوية الإجازة، فإن المبيع إذا تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه، فلا تؤثر الإجازة في نقل المبيع إلى المشتري، لوقوع التلف في ملك البائع، وهذا بخلاف موت أحد الزوجين فإنه لا يمنع من تعلق الإجازة بعقد النكاح فيرتب عليه الإرث. فتحصل مما ذكرنا امور ينبغي الإشارة إليها: الأول: أن القائل بالكشف الحكمي قد جمع بين الكشف الحقيقي والنقل، فإن القائل بالكشف الحقيقي التزم به من جهة أن الإجازة ليست كسائر الأجزاء والشرائط مما له دخل في السبب الناقل، بل هي راجعة إلى إنفاذ العقد السابق القاصر من حيث السببية، إما بحسب الاقتضاء كعقد الفضولي، وإما لوجود المانع

[ 72 ]

من تأثيره، كعقد الراهن ونحوه مما يتعلق به حق الغير. والقائل بالنقل التزم به من جهة مدخلية الإجازة على أي حال في سببية السبب. والقائل بالكشف الحكمي جمع بين النظرين، فحكم بترتيب الآثار الممكنة الترتب من حين العقد بعد تحقق الإجازة دون ما لا يمكن، للزوم الاستحالة، ومنشأ التزامه به هو كون الإجازة راجعة إلى إنفاد الإنشاء السابق. والإنشاء السابق وإن لم يكن من أجزاء مدلوله وقوع المنشأ حين الإنشاء إلا أنه حيث كان ظرفه قبل ذلك فمقتضاه وقوع منشئه حين الإنشاء. والإنشاء قد يصدر ممن يؤخذ بجميع مدلولات كلامه المطابقية والالتزامية، كالراهن فإن له الالتزام بما أنشأه. وقد يصدر ممن ليس له الالتزام بما أنشأه، لعدم كونه تحت قدرته كالفضولي. فالذي يتوقف على الإجازة في بيع الراهن هو مدلوله المطابقي، وهو إيجاد المادة بالهيئة دون التزامه بما أوجده، وفي الفضولي كلا الالتزامين، فالإجازة من المرتهن تنفيذ للبيع وحده، ومن المالك تنفيذ للبيع والتزام منه أيضا بما أنشأه الفضولي. ولا شبهة أن ما أنشأه الراهن أو الفضولي هو إيجاد البيع، فإجازة المرتهن أو المالك إنفاذ للمدلول المطابقي، أو لكلا المدلولين حين الإيجاب. الثاني: أن الإجازة إنما تؤثر عند بقاء محلها، كما إذا لم يتصرف المالك أصلا، أو تصرف تصرفا غير مناف لها، كما لو آجر الدار التي باعها الفضولي، فيجمع بين صحة الإجازة وترتيب آثار ملكية المشتري بأخذ بدل الاجرة من المالك. وأما لو تصرف بالتصرف المنافي، كالبيع والعتق والوط ء ونحو ذلك، أو أتلفه، أو تلف بنفسه فلا يبقى محل للإجازة، للزوم الدور كما عرفت، من غير فرق بين الجميع. أما في مورد التلف فلانفساخ العقد به قبل القبض الصحيح. وأما في مورد الإتلاف فلعدم قابلية التالف لأن يكون ملكا للمجيز فلا تؤثر إجازته.

[ 73 ]

نعم، لو قيل ببقاء محل الإجازة فالحق الرجوع إلى البدل ولو بالتصرف البيعي فضلا عن العتق، لا بطلان التصرف، لأنه ليس من الآثار الممكنة، فإنه وقع من مالكه في محله، فمقتضى نفوذ تصرفه وإجازته جمعا هو الرجوع إلى البدل. ثم هل يلحق الرهن بالإجازة أو بالبيع؟ وجهان، والأقوى هو الأول، لأن الرهن ليس مفوتا لمحل الإجازة، لأن للراهن البيع، غاية الأمر أن نفوذه موقوف، إما على فك الرهن، وإما على إسقاط المرتهن حقه فله الإجازة أيضا، فحكم الإجازة حكم أصل بيع المال المرهون وبيع المفلس. وبعبارة اخرى: كون المال رهنا لا يوجب عدم مالكية المالك لإنشاء البيع فلا يوجب عدم مالكية لإجازة البيع الذي أوقعه الفضولي. الثالث: قد تبين مما تقدم: أن القائل بالكشف الحكمي له دعويان: اولاهما بمنزلة الكبرى، وهي: أن مفاد الإجازة الالتزام بترتيب الآثار الممكنة من حين العقد. وثانيهما بمنزلة الصغرى، وهي: أن المنافع والنماءات من الآثار الممكنة. وقد ظهر صدق الصغرى باعتبار أن لهما آثارا وجودية بحسب الضمان. فبقي الكلام في تنقيح الكبرى، وهو: أنه هل مفادها ترتيب جميع الآثار حتى تكون بمنزلة الأمارات في إثبات لازمها وملزومها وملازمها بناء على الطريقية بحيث لو وط ء المشتري الجارية قبل الإجازة لسقط عنه الحد بإجازة المالك وكان الولد له لا للمالك وكانت الجارية ام ولد، أو مفادها مفاد الاصول فلا يترتب عليها إلا الآثار الشرعية دون العادية والعقلية ودون ملزوماتها وملازماتها، أو مفادها مفاد الأمارات بناء على السببية التصويبية؟ وجوه. والصواب هو التفصيل، وهو: أنه لو قلنا بأن الكشف الحكمي على طبق القاعدة فلابد من الالتزام بأن مفاد الإجازة مفاد الأمارات على السببية، وذلك لأن الكشف الحكمي في الحقيقة راجع إلى النقل، غاية الأمر حيث إن مفاد الإجازة تنفيذ العقد السابق فيرتب الآثار الممكنة على العقد السابق، ولكن الحكم

[ 74 ]

بترتيبها عليه من حين الإجازة فكأن العقد حقيقة وقع حينها، ولكن المجيز التزم بترتيب الآثار من حين العقد، فليس للآثار قبل الإجازة وجود واقعي تكشف عنها الإجازة حتى تكون الإجازة كالأمارة القائمة على كون الملك ملكا لطرف الفضولي من حين العقد، فيرتب عليه جميع الآثار، أو تكون كالاستصحاب القائم على كون الملك ملكا للطرف من حين العقد، فيرتب عليه الآثار الشرعية المترتبة على المستصحب بلا واسطة، فيحكم بكون الجارية المستولدة ام ولد بناء على أن يكون موضوعه الوط ء في زمان الملك، لا الوط ء حال الملك الذي هو عنوان منتزع من الوط ء الوجداني والملكية المستصحبة، بل الإجازة هي بنفسها علة للحكم بترتيب الآثار، وليس لترتيبها واقع انكشف بالإجازة. فعلى هذا يجب أن تكون الآثار التي تترتب على العقد بسبب الإجازة خصوص الآثار التي التزم بها المتعاقدان مطابقة أو تضمنا وتبعيا، كالمنافع والنماء وإرث الزوجين ونحوها، دون الآثار الشرعية المترتبة على العقد الواقع، كالحكم بحلية الوط ء، وكون الموطوءة ام ولد، لأن جميع الأحكام التكليفية تعبدية شرعية، لا مالكية. وهكذا بعض الأحكام الوضعية، كسقوط الحد، وصيرورة الموطوءة ام ولد، وتغسيل أحد الزوجين للآخر، فإن هذه الأحكام لم يلتزم بها العاقد، لا مطابقة ولا تبعا. نعم، لو كانت الآثار الشرعية من الآثار التي رتبها الشارع على الملك لا تعبدية محضة كالمنافع فتترتب على العقد، فإنها وإن لم تكن مما التزم بها العاقد، بل كان ترتبها على العقد لتعبد شرعي إلا أنها من الآثار المترتبة على الملك، لا التعبدية الصرفة. وأما لو قلنا بأن الكشف الحكمي من باب التعبد فلابد في ترتيب الآثار من النظر إلى مقدار التعبد، وحيث إنه ليس في الأخبار عموم أو إطلاق فيقتصر على القدر المتيقن، وهو الآثار المترتبة على الملك ونحوه، لأن الأخبار الدالة

[ 75 ]

على هذا المعنى كصحيحة محمد بن قيس (1) وخبر نكاح الصغيرين (2) لا يستفاد منها إلا هذا المقدار من الأثر، فإن الثاني لا يدل إلا على الحكم بالإرث، والأول لا يدل إلا على أخذ الوليدة مع ابنها قبل الإجازة، ونفوذ بيع الفضولي بعد الإجازة بالنسبة إلى حرية الولد، وهي من آثار الوط ء في الملك. فعلى هذا، لا فرق بين المسلكين في ترتيب خصوص الآثار التي لها اعتبار وجود في ظرف الإجازة. ثم إن هذه الآثار تترتب على العقد إذا كانت مما التزم به المجيز على نفسه، أي: كانت عليه. وأما إذا كانت مما التزم به الطرف على نفسه فلا دليل على ترتيبها على العقد بالإجازة إلا من باب التزام الطرف بها. فلو وطئ المالك الأمة المبتاعة فضولا قبل إجازته وصارت مستولدة وقع الوط ء في ملكه، فالولد حر وامه ام ولد. فلو كانت ممن لا يجوز بيعها يصير الوط ء كالعتق مفوتا لمحل الإجازة. ولو كانت ممن يجوز بيعها كما في ثمن رقبتها في مورد إعسار المولى فللإجازة محل ولكنها لا تكشف عن وقوع وط ء المجيز في غير ملكه، وأن الوطئ كان حراما، وأن الولد رق للمجاز له، لأن الحكم برقية الحر وحرمة الحلال ليسا من الآثار الممكنة. وأما لو وطئها المشتري قبل إجازة المالك واستولدها ثم أجاز المالك فيمكن الحكم بحرية الولد، لأن صيرورة الرق حرا من الآثار الممكنة، ومن الآثار الثابتة على المجيز، لا الثابتة له. ولو انعكست المسألة بأن كان المالك البائع أصيلا ووطئها قبل إجازة المشتري الذي اشتريت له فضولا فاستولدها ثم أجاز المشتري فالإجازة لا تكشف هنا عن صيرورة الولد رقا، لأن الأمة بناء على النقل والكشف الحكمي قبل إجازة المشتري تكون في ملك البائع الأصيل، فالولد انعقد حرا، فبإجازة المشتري لا تنقلب الحرية إلى الرقية، بل الأمر كذلك ولو قلنا بأن الوط ء من


(1) تقدمت في ص 12. (2) تقدم في ص 63.

[ 76 ]

المالك حرام، لالتزامه بخروج الأمة عن ملكه، وأن الولد رق، لأن الحكم بالرقية ليس من باب الإجازة فإنها من الآثار التي له لا عليه، بل من باب التزام طرفه بكونه له كما في ميراث أحد الزوجين من الآخر بناء على أن يكون الإرث من الآثار التي التزمه الزوجان على أنفسهما، أو من الآثار الشرعية المترتبة على الزوجية فإن الحكم بإرث المجيز المال الذي تركه الآخر الميت ليس لإجازته، بل لحكم الشارع، أو لالتزام الميت به. ثم إن مما ذكرنا ظهر أن النزاع بين الكشف الحقيقي والحكمي ليس علميا صرفا، ومما لا يترتب عليه الأثر، وذلك لاختلاف المسلكين في ترتيب جميع الآثار أو بعضها، فإن القائل بالكشف الحكمي لا يمكنه الالتزام بترتيب جميع الآثار. قوله (قدس سره): (ومنها: أن فسخ الأصيل لإنشائه قبل إجازة الآخر مبطل له على القول بالنقل دون الكشف.... إلى آخره). لا يخفى أن المراد من الكشف هنا: الكشف الحقيقي لا الحكمي، فإنه في هذه الثمرة مثل النقل. ثم لا يخفى ما يرد على كلامه (قدس سره) من المناقشات: منها: أن الفرق بين الكشف والنقل في هذه الثمرة يصح في غير الشرط المتأخر، فإن العقد تام من طرف الأصيل لو كان مقارنا للرضا التقديري، أو مقارنا لوصف التعقب، أو كان هذا النحو من العقد تاما في علم الله. وأما لو كانت الإجازة شرطا متأخرا فالعقد ليس من طرفه أيضا تاما، لأنا وإن قلنا بالمحال - وهو تحقق الملكية قبل تحقق موضوع الملك وشرطه - إلا أنه لم يتحقق نفس العقد أيضا قبل تحقق أركانه التي منها الإجازة. ومنها: أن قوله: " بل قبل تحقق شرط صحة العقد كالقبض في الهبة والوقف والصدقة " (1) لا يصح بإطلاقه، فإن حكم القبض الذي يتوقف صحة العقد عليه


(1) المكاسب: كتاب البيع ص 134 س 8.

[ 77 ]

ليس مطلقا حكم القبول قبل الإيجاب أو الإيجاب قبل القبول في جواز إبطال أحد المتعاقدين إنشاءه قبل إنشاء صاحبه، فإن في الصرف والسلم لا يجوز لكل منهما إبطال ما أنشأه بعد تمامية العقد قبل القبض، مع أن الملكية متوقفة على القبض، بل يجب عليهما الإقباض، لأن كلا منهما ملزم بما التزم على نفسه، وهو التسليم والتسلم، فإنهما من الشروط الضمنية التي ينشئها المتعاقدان. نعم، الظاهر أن جواز الإبطال في الوقف قبل القبض مسلم، ويمكن أن يكون جوازه من جهة إيقاعيته ولذا استشكل في الرهن. ومنها: ما يرد على قوله: " فالأولى في سند المنع.... إلى آخره "، لأن حاصل كلامه: أن إنكار تحقق الثمرة بالمنع من جواز الإبطال على القول بالنقل أيضا لا يستقيم. فالأولى في سند منكر ثبوت الثمرة أن يقال: إطلاقات صحة العقود تدفع احتمال شرطية عدم تخلل الفسخ بين العقد والإجازة. وحاصل الإيراد عليه: أنه ليس الكلام في احتمال شرطية عدم تخلل الفسخ شرعا حتى يتمسك بالإطلاق، بل لو كان شرطا لكان الفسخ مضرا بصدق العقد، وذلك لأن الإجازة بناء على النقل حكمها حكم الإيجاب والقبول في أنها من أركان العقد، فلو فسخ الأصيل بعد الإيجاب والقبول قبل الإجازة فهو كما لو فسخ الموجب بعد الإيجاب قبل القبول، إلا أن يمنع ذلك ويقال بالفرق بين الإجازة والإيجاب والقبول، ولو بناء على النقل كما سيجئ. ثم لو سلمنا أن الإيجاب بدون القبول عقد إلا أنه لو احتمل أن بالفسخ ينهدم عقديته فلا وقع للتمسك بإطلاق * (أوفوا بالعقود) *، ولا يقاس على الفسخ بعد العقد، للشك في عقديته بعد صدور الفسخ في المقام. والإطلاق لا يثبت موضوعه، بخلاف الفسخ بعد تمامية العقد. ولعله (قدس سره) إلى ذلك أشار بقوله: " ولا يخلو عن إشكال ". قوله (قدس سره): (ومنها: جواز تصرف الأصيل فيما انتقل عنه بناء على النقل.... إلى آخره).

[ 78 ]

لا يخفى أنه لو قلنا بأن الفسخ قبل الإجازة بناء على النقل مبطل لإنشاء الأصيل فحكم التصرف حكم الفسخ بالقول، لأنه فسخ فعلي. وأما لو لم نقل بإبطاله فهل يجوز له التصرف فيما انتقل عنه بناء على النقل دون الكشف، أو لا يجوز مطلقا، أو يجوز مطلقا؟ وجوه. والأقوى أنه لا يجوز تصرفه مطلقا، بناء على استفادة الحكم التكليفي من قوله عز من قائل: * (أوفوا بالعقود) * لدلالته على أن كل منشى ومعاهد ملزم بإنشائه وعهده، فإن وجوب الوفاء تكليفا لا معنى له إلا تعلقه بفعل المتعاقدين، أي: يتعلق بالمعنى المصدري، فيجب على كل منهما الالتزام بما ألزم على نفسه، وهو: إيجاده المادة بالهيئة، سواء تحقق الالتزام من الآخر أم لا. نعم، لو كان الوجوب متعلقا بنتيجة المصدر جاز تصرفه على النقل لا الكشف، ولو على نحو الشرط المتأخر، لأنه بناء على النقل لم تحصل الملكية بعد، وبناء على الكشف حاصلة مطلقا، حتى بناء على الشرط المتأخر، سواء كان المتأخر شرطا للسبب الناقل أم كان شرطا لمؤثرية السبب، لأن الملكية على كل تقدير حاصلة، ولذا قلنا باستحالة تحققها مع عدم تحقق سببها الذي منه الإجازة. وعلى الوجه الأخير حمل المصنف الشرط المتأخر الذي التزم المشهور به، كما استفاده من كلام المحقق والشهيد الثانيين من قولهم: إن العقد سبب تام. وبالجملة: لو كان الوفاء متعلقا بنتيجة الفعل يمكن التفصيل بين الكشف والنقل. وأما لو كان متعلقا بنفس الفعل فالالتزام من طرف الأصيل مطلقا حاصل. وعلى أي تقدير فالجواز مطلقا لا وجه له. وتوضيح ذلك مع توضيح هذه الثمرة والثمرة المتقدمة يحتاج إلى تمهيد امور: الأول: في إمكان الفرق بين الفسخ الفعلي والقولي، وعدمه. الثاني: في إمكان وجوب الالتزام على أحد المتعاقدين بما أنشأه، مع عدم حصول الالتزام من الآخر، وعدمه.

[ 79 ]

الثالث: في إمكان الفرق بين البيع والنكاح في وجوب الالتزام على الأصيل، وعدمه. الرابع: في بيان إمكان الفرق بين النقل والكشف، وعدمه، ثم الفرق في أقسام الكشف. أما الأول والثالث: فتنقيحهما يتوقف على الثاني. والحق فيه إمكان التفصيل في وجوب الالتزام بالنسبة إلى أحد المتعاقدين، وذلك لأنه متعلق بما هو فعل العاقد. ولا شبهة أن المعنى المصدري من طرف الأصيل تام، لتحقق أركان العقد من الإيجاب والقبول. وإنما الناقص هو الاستناد إلى المالك. وبعبارة واضحة، تارة أحد المتعاقدين يعطي التزامه الآخر وتنقطع إضافته عن ماله، كما في المقام بالنسبة إلى الأصيل، والصرف والسلم بالنسبة إلى كلا المتعاقدين. واخرى يعطي التزامه الآخر وينشئ البيع، ولكن لا ينقطع ملكه عنه، كما في الإيجاب قبل القبول، فإن في الفضولي التزام الأصيل تام، لتحقق المادة القابلة لفعليتها بإجازة المالك، بخلاف الإيجاب قبل القبول فإنه وقع ما أنشأه الموجب غير تام، ولا متعلق بأحد، بل مراعى بقبول الآخر. ولا يتوقف تحقق الالتزام من طرف على تحقق الملكية وهي اسم المصدر، لأن وجوب الالتزام ليس من آثار تحقق النتيجة، ولذا يجب على المتعاقدين الإقباض في باب الصرف والسلم لو لم يكن لهما خيار المجلس، مع أن الملكية تتوقف على القبض، وذلك لأن الإقباض من آثار المعنى المصدري الذي تحقق بالإيجاب والقبول. وبعبارة اخرى: وجوب الالتزام مقابل لثبوت الخيار، ولا معنى للخيار قبل القبول. وأما بعد القبول ولو قبل حصول الملك فلا مانع من ثبوته، كما في خيار المجلس في بيع الصرف والسلم، لأن الخيار ملك حل العقد وإقراره، فوجوب الالتزام متفرع على تحقق العقد لا الملك. والمفروض في باب الفضولي أن العقد تام ولو لم يكن مؤثرا من باب عدم استناده إلى مالكه. ولا ينافي وجوب الالتزام على شخص عدم وجوبه على آخر

[ 80 ]

وإن كان تملك أحدهما الثمن منوطا بتملك الآخر المثمن، فإن التزام أحدهما لا يناط بالتزام الآخر، لأن نتيجة مقابلة الجمع بالجمع في قوله تعالى: * (أوفوا بالعقود) * التوزيع، فكل واحد ملتزم بالوفاء بالعقد من طرفه، فلا ينافي حرمة التصرف على الأصيل فيما ينتقل عنه عدم جواز تصرفه فيما ينتقل إليه، لأن جواز تصرفه فيه من آثار الملكية، ومن آثار التزام الآخر الذي لم يتحقق في الفضولي قبل الإجازة، فعلى هذا لا يؤثر فسخ الأصيل ويحرم عليه التصرف، ولا ينفك أحدهما عن الآخر. نعم، لو شك في وجوب الالتزام عليه أمكن التفكيك بينهما في الاصول العملية، فإن مقتضى الاستصحاب جواز التصرف، ولا أصل في تأثير الفسخ القولي وعدمه. ومما ذكرنا ظهر أيضا عدم إمكان التفكيك بين أحكام البيع والنكاح، فلو قيل بتأثير عقد النكاح من طرف الأصيل في أحكام المصاهرة - كما هو صريح القواعد (1) - يجب القول بتأثير عقد البيع، لحرمة تصرف الأصيل فيما انتقل عنه، لأن أحكام المصاهرة كما لا تناط بالزوجية بل بالعقد على امرأة فكذلك أحكام البيع لا تناط بالملكية، بل بإنشائها، وذلك ظاهر. وأما الرابع: فتارة يتكلم في الفرق بين أقسام الكشف، واخرى بين النقل والكشف. أما الفرق بين أقسام الكشف فيظهر من المصنف (قدس سره) أنه بناء على وصف التعقب لا مانع من تصرف الأصيل، لأن مجرد احتمال انتقال المال عنه في الواقع لا يقدح في السلطنة الثابتة له. ولا وجه لإلقاء أصالة عدم الإجازة، فإن إلغاءها يدور مدار التعبد، ففي كل مورد ألغاها الشارع - كما في إجازة أحد الصغيرين بعد موت الآخر، ولذا حكم


(1) قواعد الأحكام: ج 2 ص 14.

[ 81 ]

بوجوب عزل الميراث - نقول به. وفي كل مورد لم يقم دليل خاص على إلغائها نتمسك بها. وأما بناء على الشرط المتأخر بأن تكون الإجازة شرطا لمؤثرية العقد فلا يجوز التصرف حتى مع العلم بعدم الإجازة. فعلى هذا لا يفيد إجراء أصالة عدم الإجازة. وفيه: أنه لا وجه للتفكيك بين أقسام الكشف، لأنه لو سلم جواز التصرف بناء على شرطية وصف التعقب من باب الشك في الشرط لجاز بناء على الشرط المتأخر، لأن مدخلية الإجازة في التأثير لا إشكال فيها. فعلى أي حال الشرط مشكوك. نعم، لو قيل بعدم مدخلية الإجازة أصلا وكان وجودها كعدمها لكان للفرق بينهما وجه، والالتزام بهذا ينافي مدخليتها في التأثير. وأما الفرق بين النقل والكشف بجواز التصرف على الأول دون الثاني ففيه: أنه لو قلنا بأن التزام أحد المتعاقدين غير منوط بالتزام الآخر، وأن العقد من طرف الأصيل تام، وقلنا بالفرق بين النذر المشروط والتزام الأصيل - وهو تعليق النذر على حصول الشرط دون الالتزام، فإنه لم يعلق بإجازة الآخر - فلا وجه للفرق بين النقل والكشف، فإن التصرف على أي حال حرام، لأن التزام الأصيل تام مطلقا. تنبيه: قد يستدل بالخبر الوارد في تزويج الصغيرين فضولا (1) على حرمة تصرف الأصيل فيما انتقل عنه، بتقريب أنه لو جاز تصرفه مع احتمال انتقال المال عنه لجاز تصرف الورثة فيما تركه أحد الزوجين قبل إجازة الآخر، فحرمة تصرفهم ووجوب العزل يكشف عن أن الشارع راعى احتمال انتقال المال عن مالكه إلى غيره.


(1) تقدم في ص 63.

[ 82 ]

وفيه: أن مسألة العزل لا دخل لها بالمقام، فإن إجازة أحد الزوجين ليست موجبة لانتقال المال من الورثة إليه. وبعبارة اخرى: مجرد موت المورث غير موجب لانتقال المال إلى الورثة حتى ينتقل المال بسبب الإجازة منهم إلى المجيز، بل مال الميت بمقدار حق الزوج لا ينتقل إلى أحد، ويبقى في حكم ماله حتى يجيز المجيز فيرثه، أو يرد فيرثه الورثة. فبقاء حق الزوج كبقاء حق الحمل وبقاء حق من أسلم قبل القسمة. وبالجملة: ليس حرمة تصرف الورثة من جهة تعلق حق للغير بالمال كتعلق حق المرتهن، ولا لاحتمال خروج المال عنهم بالتزام مورثهم به كالتزام الأصيل بخروج المال عن ملكه، بل لبقائه في حكم مال الميت. إلا أن يقال: وجه بقائه في حكم مال الميت ليس إلا التزام الميت بخروجه الى ملك الزوج. والمفروض أن الوارث بمنزلة مورثه، فيحرم عليه التصرف، لالتزام مورثه بالخروج. نعم، لو قيل بأن العزل حكم تعبدي فلا دخل له بالمقام، والحق: أن الأمر كذلك، ولذا لو قلنا بجواز تصرف الأصيل فيما انتقل عنه ونفوذ فسخه القولي قبل الإجارة لا نقول بجواز ذلك للورثة، وليس إلا لعدم دخول حق الزوج أو الحمل في ملكهم، فحرمة تصرفهم ليست دليلا لحرمة تصرف الأصيل. قوله (قدس سره): (مسألة النذر المشهورة بالإشكال... إلى آخره). لا يخفى أن بيان حكم أقسام النذر وإن كان خارجا عن المقصود إلا أنه لا بأس بالإشارة إلى ما هو الحق فيه إجمالا. فنقول: تارة يتعلق النذر بالنتيجة، واخرى بالفعل. وعلى الثاني قد يكون منجزا، وقد يكون معلقا. وعلى الثاني: تارة تحقق المعلق عليه بعد النذر، واخرى لم يتحقق. وعلى الثاني: قد يعلم بتحققه، وقد يشك. والتعليق تارة على أمر اختياري، واخرى على غيره. وبعض الأساطين وإن جوز تصرف الناذر في أغلب الصور إلا أن الحق في جميع الأقسام عدم جواز التصرف، لا لتعلق حق الفقراء أو غيرهم به ممن يرجع

[ 83 ]

فائدة النذر إليه، لأن ذلك ممنوع، فإن نذر كون الحيوان صدقة لا يوجب ثبوت حق للفقير متعلق بالحيوان، فإن الفقير في النذر هو المصرف، فهو كالأجنبي الذي شرط أحد المتعاقدين على الآخر إعطاءه درهما، فليس للأجنبي إسقاط الشرط، ولا المطالبة به، ولا يرثه وارثه، لأنه ليس هو المشروط له، والفقير أيضا كذلك ليس له ولا لوارثه بعد موته المطالبة بوفاء النذر. وبالجملة: يتعلق لله سبحانه على الناذر حق، ولا يتعلق للغير حق عليه، فليس المنع من جهة تعلق حق الغير به، بل لأن الناذر بسبب النذر سلب عن نفسه حق جميع تصرفاته في المنذور، سوى تصرفه في جهة نذره، فلا يجوز له تصرفه في غيرها، ولا ينفذ منه. قوله (قدس سره): (ثم إن بعض متأخري المتأخرين ذكر ثمرات اخر... الى آخره). لا يخفى أن في الثمرة الاولى لا فرق بين القول بالكشف والقول بالنقل، في أن موت أحد المتعاقدين لا يوجب بطلان العقد وفوات محل الإجازة، لأن المال ينتقل إلى الوارث على نحو كان للمورث، فسواء مات الأصيل أم من له الإجازة يبقى العقد على حاله. وأما سائر الثمرات فيظهر من صاحب الجواهر (1) أنها ليست بثمرة أيضا، لأنه لا فرق بين القولين في فوات محل الإجازة بعروض الارتداد الفطري في مطلق البيع، والارتداد الملي في خصوص بيع المصحف والمسلم، وبعروض تلف أحد العوضين، أو نجاسته، أو فقد شرط حال العقد أو حال الإجازة. وقال (قدس سره) ببطلان محل الإجازة في الثمرة الاولى أيضا. وحاصل ما ذكره وجها لبطلان العقد في مورد انسلاخ أحد المتعاقدين عن قابلية التملك كالموت والكفر، وفي مورد انسلاخ أحد العوضين عن قابلية التملك كالتلف وعروض النجاسة هو ظهور الأدلة في اعتبار استمرار القابلية للمالك والمملوك من حين العقد إلى حين الإجازة. فلو لم يكن أحد المالكين حين


(1) جواهر الكلام: ج 22 ص 290 - 291.

[ 84 ]

الإجازة حيا، أو لم يكن الملك باقيا على ملكهما لا يفيد الإجازة، لا سيما في الثاني، ضرورة كون المعتبر على الكشف والنقل رضا المالك، والمفروض انتفاء مالكيته بانتفاء قابلية العين للتملك، ولا سيما إذا كانت القابلية أو الشرط مفقودا حين العقد وإن تجددا حين الإجازة، كما لو باع الخمر ثم صار خلا، أو باع المجهول ثم تعين. أما على الكشف فواضح. وأما على النقل فلأن الإجازة ليست بنفسها عقدا، بل هي راجعة إلى العقد، فلو لم يكن المبيع حال العقد قابلا للتملك لا يفيد قابليته حال الإجازة. واعترض عليه المصنف (قدس سره) بما حاصله: أنه لا وجه لاعتبار استمرار القابلية، ولا استمرار التملك المكشوف عنه بالإجازة إلى حينها كما لو وقعت بيوع متعددة على ماله، فإنهم صرحوا بأن إجازة الأول توجب صحة الجميع مع عدم بقاء مالكية الأول مستمرا، وكما يشعر به بعض الأخبار، حيث إن ظاهر بعضها وصريح الآخر عدم اعتبار حياة المتعاقدين حال الإجازة، مع أن خبر الصغيرين يدل على عدم اعتبار بقاء الملكية للمال بالملازمة، لأن الزوجين في باب النكاح كالعوضين في باب البيع (1). انتهى. أقول: أما اعتبار الحياة فقد عرفت ما فيه. وأما بقاء القابلية فالنقض بوقوع البيوع المتعددة في غير محله، لأن المالك الأول - أي المشتري من الفضولي - وإن لم يبق ملكه إلى حال الإجازة، سواء أجاز المالك الأصيل أم رد، لأنه بناء على الإجازة يقع للأخير، وبناء على الرد يبقى في ملك الراد، إلا أن عدم بقاء تملكه إنما هو بسبب الإجازة، وإلا فيستمر الملك في ملكه إلى حينها، لأن المالك الأخير يتلقى الملك من المشتري الأول، فملك الأخير من آثار تملك الأول. كما أن تملك الأول من آثار تحقق الإجازة من المالك الأصلي. وبعبارة اخرى: لا شبهة في بقاء مالكية المالك الأصلي إلى حين الإجازة،


(1) لاحظ المكاسب: كتاب البيع ص 135 س 12.

[ 85 ]

والمالك الثاني - أي المشتري من الفضولي - تستمر مالكيته إلى زمان الإجازة أيضا، ولذا برد المالك يبطل الجميع، وبإجازته يصح الجميع، ومعنى صحة الجميع: مالكية الأول حين الإجازة، ثم مالكية الثاني، ثم الثالث إلى آخر البيوع، فإجازة الأول موجبة لأمرين: تملك المشتري الأول، وخروج الملك عن ملكه أيضا، كما في الثاني والثالث إلى أن ينتهي إلى آخر البيوع. فالأولى أن يقال: أما مسألة التلف فمن حيث الملكية لا يتفاوت الأمر بين الكشف والنقل، لأن المبيع لو تلف قبل القبض فهو من مال بائعه مطلقا، سواء قلنا بالكشف أم بالنقل، وحينئذ فعلى النقل فات محل الإجازة، لما ذكرنا سابقا: من اعتبار بقاء المحل للإجازة. وعلى الكشف - يرجع إلى الأصيل بالإجازة - تنكشف صحة البيع، ودخول المبيع آنا ما قبل التلف في ملك البائع. وأما من حيث النماء فلو فرض حصوله من حين العقد إلى زمان التلف ظهرت الثمرة بين القولين. وأما تجدد القابلية بعد العقد قبل الإجازة، أو حصول الشرط بعده قبل الإجازة أو بالعكس فالبحث فيه تارة يقع في شرائط العقد، واخرى في شرائط العوضين، وثالثة في شرائط المالكين. فما كان من الأول كاعتبار البلوغ والعقل في العاقدين فتجدده بعد العقد لا يفيد ولو على النقل، لأن الإجازة تنفيذ للعقد السابق، لا أنها سبب مستقل، فإذا كان الشرط عند العقد مفقودا فلا يفيد تحققه حين الإجازة. وما كان من الثاني والثالث اللذين يرجعان إلى شرط أثر العقد - وهو الملكية - ككون العوضين مما يتمول عرفا وشرعا، وبدو الصلاح في بيع الثمرة، وكون مشتري المسلم مسلما فلو قلنا بظهور الأدلة في اعتبار استمرار هذه الشرائط من حين العقد إلى حين الإجازة - كما اختاره صاحب الجواهر (1) - فلا فرق بين القولين.


(1) جواهر الكلام: ج 22 ص 291.

[ 86 ]

ولو قلنا بما ارتضاه المصنف فبناء على الكشف يشترط تحقق الشرائط عند العقد ولو انعدمت حال الإجازة. وبناء على النقل يشترط تحققها حين الإجازة. فإذا ارتد المسلم بعد شرائه المصحف قبل الإجازة لا يملكه على النقل، ويجبر على البيع على الكشف. ولو انعكس بأن كان المشتري كافرا حين العقد وأسلم حين الإجازة فالأمر بالعكس. ولكن الأقوى هو الفرق بين هذه الشرائط أيضا، فإن المبيع تارة يخرج بعد العقد عن قابلية التملك شرعا، ويعود قبل الإجازة إلى ما كان، كما إذا صار الخل بعد العقد خمرا ثم صار خلا قبل الإجازة فالحق في هذه الصورة تأثير الإجازة، سواء قلنا بالكشف أو النقل. وهكذا لو صار المالك بعد العقد مفلسا ثم صار مليا قبل الإجازة. واخرى يخرج عن ملك المالك بالنقل بعد العقد، ثم يعود إلى ملكه بالاشتراء أو الفسخ أو الإقالة. والأقوى هنا عدم تأثير الإجازة، لأن التصرفات الناقلة تخرج العقد عن قابلية تعلق الإجازة به. وفي إلحاق الرهن بالتصرفات الناقلة أو بمسألة الفلس بعد العقد وجهان، والأقوى هو الثاني، لأنه كما لو صار المالك بعد العقد مفلسا ثم صار مليا قبل الإجازة فأجاز لا يضر عدم استمرار الشرط، لأن نفس المجيز لم يحدث في العين حدثا، وإنما طرأ عليها حق وارتفع، فكذلك في الرهن إذا فكه ثم أجاز لا ينبغي الإشكال في صحة العقد. نعم، لو لم يفكه توقف صحة العقد على إجازة المرتهن، وذلك لأن حكم الإجازة حكم البيع البدوي، ومجرد الرهنية لا يوجب عدم صحة البيع، فلا يضر الرهانة بعد العقد إذا ارتفعت قبل الإجازة في تأثير الإجازة. ومما ذكرنا ظهر أن ما اختاره صاحب الجواهر والمصنف لا يصح بإطلاقه، فتأمل جيدا. قوله (قدس سره): (وربما يقال بظهور الثمرة في تعلق الخيارات.... إلى آخره). لا يخفى أن الأحكام المترتبة على ملكية أحد المتبايعين تختلف على

[ 87 ]

الكشف والنقل، كتعلق الخمس والزكاة والأيمان والنذور المتعلقة بملك أحدهما، وتعلق الخيارات، كخيار الحيوان أو العيب والغبن. نعم، لا يبعد سقوط خيار المجلس في المقام، لأن مجلس العقد لا اعتبار به ولو على الكشف، إلا الكشف بمعنى: عدم دخل الإجازة في التأثير أصلا، كما إذا قلنا بصحة العقد في علم الله لو أجاز المالك، وذلك لاعتبار الإجازة في تأثير العقد على سائر الأقوال. ومجلس الإجازة أيضا لا اعتبار به، لأنه ليس مجلس العقد، فلو بقي المجلس إلى زمان الإجازة فهو، وإلا يصير مجلس العقد كمجلس الوكيلين في إجراء الصيغة. وهكذا يشكل الأمر في مجلس الصرف والسلم، فإن القبض المعتبر فيهما لا يمكن الالتزام باعتباره في مجلس العقد ولو على القول بالكشف، ولا باعتباره في مجلس الإجازة ولو على النقل، والالتزام ببطلان الفضولي فيهما أشكل. وهكذا ثبوت حق الشفعة بمجرد العقد ولو على الكشف مشكل، وبعد الإجازة ولو على النقل أشكل، لا سيما بناء على الفورية. ويظهر ثمرة القولين فيما لو باع الفضولي حصة أحد الشريكين من زيد، وقبل الإجازة باع الشريك الآخر حصته من عمرو ثم أجاز الشريك فعلى الكشف يكون حق الشفعة لزيد، لأنه صار شريكا للبائع الثاني. وعلى النقل يصير لعمرو، لأنه صار شريكا للمجيز، فلزيد الأخذ بالشفعة من عمرو على الكشف، ولعمرو الأخذ بالشفعة من زيد على النقل. وأما ثمرة القولين في ترتب العقود على الثمن أو المثمن فسيأتي الكلام فيها إن شاء الله تعالى. * * * قوله (قدس سره): (وينبغي التنبيه على امور: الأول.... الى آخره). لا ريب في أن النزاع في حكم الإجازة إنما هو بحسب اعتبارها شرعا وعرفا

[ 88 ]

في عقد الفضولي، لا في معناها لغة وعرفا. فالقائل بالكشف يقول: حيث إن المالك يسند إلى نفسه ما وقع من الفضولي في موطنه فيقتضي أن يكون إجازته مؤثرة في الملكية حال العقد. والقائل بالنقل يدعي: أن العقد يتم حين الاستناد، فهما مختلفان في عالم الثبوت في أن * (أوفوا بالعقود) * هل تعلق بالمالك حين العقد أو حين الإجازة؟ فإذا كان الأمر كذلك فلو قصد القائل بالكشف إنشاء الالتزام بمضمون العقد من حين الإجازة، وقصد القائل بالنقل عكس ذلك ففي صحة الإجازة وجهان. ثم إن الكلام في صحتها يقع في مقامين: الأول: صحتها على طبق ما قصد منها. والثاني: أصل صحتها بمعنى الاكتفاء بها، وعدم الافتقار إلى إجازة جديدة على طبق ما اعتقده المجيز من القولين. أما الكلام في المقام الأول: فبعد ما عرفت أن اختلاف القولين إنما هو في اقتضاء عقد الفضولي الذي تعقبه إجازة المالك للكشف أو النقل بحسب الثبوت شرعا فلا يمكن القول بصحة الإجازة ووقوعها على طبق ما قصد، لأن اقتضاءها ذلك ليس من قبيل الاقتضاء بحسب الإطلاق لو خلي وطبعه حتى يمكن تقييده، أي: ليس من قبيل اقتضاء العقد سلامة المبيع حتى يمكن إسقاط خيار العيب بالشرط، فيقال في المقام بأن الإجازة تقتضي الكشف أو النقل إطلاقا، فيمكن تقييده بالنقل ولو على الكشف، وبالكشف ولو على النقل، بل هي بحسب الحكم الشرعي تقتضي تحقق الملكية من حين العقد أو من حينها، فلا يمكن أن تقع على طبق ما قيدها المجيز. وأما الكلام في المقام الثاني: فالحق أن تقييدها بما يضاد مختاره لا يوجب فسادها، لأن غاية الأمر أن يكون من قبيل الشرط المخالف للكتاب والسنة. وسيجئ في محله: أن الشرط الفاسد لا يسري فساده إلى المشروط، سواء كان المشروط عقدا أم إيقاعا، بل الأمر في الإيقاع أظهر، فإن مضمون الإيقاع يحصل

[ 89 ]

بمجرد الإنشاء فيلغو ما ينافيه بعده، وليس الشرط موجبا للتعليق، بل ولو قلنا في العقد بأن التمليك منوط بالشرط ولا تمليك بدونه، إلا أنه ليس حكم الإيقاع حكمه، لأن وقوع الأثر المترتب عليه لا يناط بالشرط، فإن الإيقاعات ليست من باب المعاوضة. وبالجملة: فساد الإجازة يدور مدار القول بفساد العقد والإيقاع بفساد الشرط. وعلى القول به يتوقف عقد الفضولي على إجازة اخرى، لأن فساد الإجازة لا يؤثر في فساد العقد، وليس كالإجازة بعد الرد. قوله (قدس سره): (الثاني: أنه يشترط في الإجازة أن تكون باللفظ.... إلى آخره). الكلام في هذا التنبيه يقع من جهات: الاولى: في كفاية الرضا الباطني وعدمها. الثانية: بعد اعتبار إنشاء الرضا وعدم كفاية الرضا الباطني هل يكفي الفعل، أو يعتبر القول؟ الثالثة: بعد اعتبار القول هل يشترط أن يكون باللفظ الدال على الإجازة بالصراحة العرفية، أو يكفي الكناية؟ والحق في الجهة الثالثة كفاية الكناية وإن لم نقل بها في العقود، لأن المحذور الجاري فيها لا يجري في الإجازة، فإن الكناية عبارة عن استعمال اللفظ في معناه لينتقل ذهن السامع منه إلى لازمه أو ملزومه بحيث يكون الانتقال من دواعي الاستعمال، فإن كان معناه غير المعنى المقصود من العقد فلا يفيد كون الداعي عنوان أحد العقود، لأن الدواعي والأغراض لا اعتبار بها في العقود، وهذا بخلاف الإجازة فإن المقصود بها ليس عنوانا خاصا، بل يكفي فيها كل ما يدل على الرضا، وكل لفظ يوجد به الاستناد، فإذا عد المعنى الكنائي للفظ مصداقا لما ينشأ به الرضا والاختيار كقوله: " بارك الله في صفقة يمينك "، أو " أحسنت وأجملت "، أو " جزاك الله خيرا " ونحو ذلك فلا مانع من إنشاء الرضا به. ولا وجه لا عتبار خصوص لفظ " أجزت " أو " أمضيت ".

[ 90 ]

والحق في الجهة الثانية كفاية الفعل، لأنه كالقول مصداق لإنشاء الرضا وإيجاد الاستناد. فلو سلم المالك المبيع إلى المشتري، أو مكنت الزوجة نفسها من الزوج، أو تصرف المالك في الثمن وهكذا فلا يحتاج إلى إجازة لفظية، وذلك واضح بعد ملاحظة أدلة المعاطاة وباب الخيارات. وأما الكلام في الجهة الاولى فالأقوى عدم كفاية الرضا الباطني واعتبار فعل أو قول ينشأ به الاستناد. وما ذكره المصنف شاهدا لكفايته لا يخلو من منع. أما ما استظهره من النصوص والفتاوى ففيه نظر. أما النصوص: فخبر السكرانة (1) لا يدل إلا على كفاية تمكين الزوجة، لا على عدم اعتبار الإنشاء أصلا. وخبر نكاح العبد فظاهر قوله (عليه السلام): " سكوتهم عنك إقرار منهم بالنكاح " (2) أن السكوت عرفا كسكوت البكر إمضاء. وخبر التوقيع، وهو " لا يحل مال امرى " (3) لا يدل إلا على جواز تصرف الغير مع إذن المالك ورضاه، لا على حصول التمليك والتملك بمجرد الطيب. وأما الفتاوى فلا تدل إلا على عدم اعتبار اللفظ، لا على كفاية كل شئ حتى الرضا الباطني. كما أن مفاد " لا يحل " أيضا ليس إلا اعتبار الرضا، لا عدم اعتبار شئ آخر. والمفروض أن الفضولي فاقد لأمرين: طيب نفس المالك، واستناد العقد إليه، وقد ذكرنا ما يزيد توضيح ذلك في أول بحث الفضولي.


(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 392 ح 1571، عنه الوسائل: ب 14 من أبواب عقد النكاح ح 1 ج 14 ص 221. (2) الكافي: ج 5 ص 478 ح 4، عنه الوسائل: ب 26 من أبواب نكاح العبيد والاماء ح 1 ج 14 ص 525. (3) كمال الدين: ص 521، عنه الوسائل: ب 3 من أبواب الانفال ح 6 ج 6 ص 376 - 377.

[ 91 ]

وبالجملة: التمسك بمثل هذه الأدلة لكفاية الرضا الباطني مع عدم كفاية الكراهة الباطنية للرد في غاية الوهن. وأما التمسك بالعمومات فحاله كذلك، لأن عقد المالك يصير عقدا له لو أنشأ الإمضاء، ومجرد رضاه باطنا لا أثر له، بل يعتبر صدور ما هو مصداق للإمضاء منه: ك‍ " أجزت "، أو " رضيت "، أو التصرف في المنتقل إليه، أو تسليم المنتقل عنه، وهكذا كل قول أو فعل كان مصداقا للرضا والإمضاء. ولا يبعد أن يكون مراد من اكتفى بالرضا هو عدم خصوصية للفظ مخصوص، بل المدار في الإجازة هو اختيار ما أوجده الفضولي وارتضاؤه إياه. وقد تقدم أن الرضا يطلق على معنيين: أحدهما: الاختيار، ويتعدى بالنفس أو بمن. وثانيهما: الطيب المقابل للكراهة، ويتعدى بالياء. هذا، مع أنه لو سلم ظهور الفتاوى في كفاية الرضا الباطني إلا أن الكلام في صحة ما هو ظاهر الفتاوى مع عدم تحقق الإجماع على كفاية مجرد الطيب، ثم بعد اعتبار الاختيار في العقد القاصر من حيث الاقتضاء كعقد الفضولي فهل يلحق به ما هو قاصر من حيث المانع كعقد الراهن ونحوه، أو يكفي مجرد طيب النفس من المرتهن أو الغرماء؟ الأقوى أنه من قبيل القصور في المقتضي، لأن بعد تعلق الحق به يجب إسقاطه بالإجازة وأمثالها، والرضا الباطني ليس إسقاطا. نعم، لو استكشفنا في مورد أن تعلق الحق من باب احترام ذي الحق ورعاية شأنه - كتوقف العقد على بنت الأخ والاخت على إذن العمة والخالة - فالحق كفاية مجرد رضاه، وعليك بالتأمل في أبواب العقود والتتبع في موارد الحقوق. قوله (قدس سره): (الثالث من شروط الإجازة: أن لا يسبقها الرد.... إلى آخره). استدل (قدس سره) على اعتبار عدم تخلل الرد بين العقد والإجازة بامور ثلاثة: الأول: الإجماع. الثاني: أن الرد موجب لانحلال العقد، فهو بمنزلة ما يتخلل بين الإيجاب والقبول ما يوجب خروجهما عن صدق العقد على ما ذكرنا في شروط الصيغة من

[ 92 ]

أن التعاقد والتعاهد بين الموجب والقابل وعد كلاميهما عقدا إنما هو لارتباط كلام كل واحد منهما بالآخر، وإلا كانا إيقاعين، فالرد الواقع بين العقد والإجازة بمنزلة رد الإيجاب الواقع بين الإيجاب والقبول، وبمنزلة فسخ ذي الخيار. كما أن الإجازة بمنزلة إمضاء العقد وإنفاذه. الثالث: أن مقتضى سلطنة المالك على ماله هو تأثير رده في قطع علاقة الطرف الآخر عما انتقل إليه. ولكنك خبير بأن الوجهين الأولين قابلان للمناقشة. أما الإجماع فتحققه ممنوع، بل قد يقال بأنه لا إشعار به في كلمات العلماء إلا كلام الشهيد في القواعد (1). وعلى أي حال، إذا كان مدرك المجمعين الوجهين الأخيرين أو احتمل ذلك فلا اعتبار به. وأما كون الرد بمنزلة ما يتخلل بين الإيجاب والقبول فممنوع أيضا، لأن رد الموجب قبل القبول، وهكذا رد القابل قبل قبوله لو قلنا بأنه في حكم رد الموجب قبل قبول القابل إنما يكون مضرا لكونه إبطالا للعهد والعقد. وأما رد المالك فهو لا يضر بصدق العقد. نعم، العقد لا ينتسب إليه إلا بعد الإجازة، ولا يضر الرد بالانتساب، فأي مورد تحقق الإجازة يتحقق الانتساب ولو بعد الرد. وبالجملة: فرق بين رد الموجب إيجابه قبل القبول، ورد المالك عقد الفضولي قبل الإجازة، فإن الرد في الأول يوجب بطلان العقد، ومعه لا يصدق المعاهدة والمعاقدة، بخلاف الرد في الثاني، فإنه بعد تحقق العقد من الفضولي والأصيل لا يؤثر رد المالك في إبطال العقد إلا أن يضم إلى هذا الوجه الوجه الثالث، ويقال: إن الرد لما كان موجبا لرفع علاقة الطرف كان موجبا لانحلال العقد، وإذا انحل فلا تؤثر الإجازة بعده، فالأولى البحث عن الوجه الثالث.


(1) لم نعثر عليه في القواعد، ونقل عبارته في بغية الطالب: ص 90 س 29. ونسب صاحب الجواهر ذلك الى حواشي الشهيد على القواعد لاحظ جواهر الكلام: ج 22 ص 294. (*

[ 93 ]

فنقول: قد يقال: إنه ليس من أنحاء السلطنة على المال السلطنة على إسقاط عقد الفضولي عن قابلية لحوق الإجازة فإنه السلطنة على الحكم، لا على المال، وليس الرد في المقام كرد أحد المتعاقدين قبل إنشاء الآخر في كونه مبطلا لإنشاء الآخر، لأن العقد في المقام تام من طرف الفضولي، فانتسابه إلى المالك يحتاج الى الإجازة. وأما رده فلا يبطل أثر العقد، فله الإجازة بعد الرد. هذا، مع أنه لا نسلم حصول العلقة للطرف الآخر حتى يكون الرد قاطعا لها، بل المال بعد بيع الفضولي باق بحاله، ولم يتعلق به حق الغير. نعم، للمالك أن ينقله إليه بالإجازة، كما كان له أن ينقله إليه قبل بيع الفضولي. وحاصل الكلام: أن للمالك قبل بيع الفضولي البيع وعدمه، وليس له بعد ذلك إلا الإجازة وعدمها. وأما ثبوت أمر وجودي له، وهو إلغاء بيع الفضولي عن التأثير بحيث لا يقبل الإجازة بعد الرد لا من نفسه ولا من وارثه إذا مات فلا دليل عليه، وعموم السلطنة لا يقتضي إلا أن طرفي النقيض بيده. وأما ثبوت ضدين وجوديين - كما في الخيار الذي هو ملك إقرار العقد وإزالته - فلم يقم عليه دليل، ولم يتصرف الفضولي في ماله حتى يكون له إبطاله، فليس له إلا السلطنة على الإجازة وعدمها، ومثل هذا حكم شرعي، ولا يعد من العلقة. هذا، مع أن قاعدة السلطنة تقتضي تأثير الإجازة بعد الرد أيضا. ثم إن هذا كله بعد تسليم عموم القاعدة، وأما لو قلنا بأنها ليست مشرعة ولا تنفع إلا في نفوذ ما ثبت في الشرع جوازه فالتمسك بها في المقام لا أساس له أصلا، للشك في ثبوت هذه السطنة للمالك. هذا محصل ما أورده الأعلام: الميرزا الرشتي والمحقق الخراساني (1) والسيد الطباطبائي (2) في حواشيهم على المتن.


(1) حاشية المكاسب للآخوند الخراساني: ص 66. (2) حاشية المكاسب للسيد الطباطبائي: كتاب البيع ص 159 س 9 وما بعده.

[ 94 ]

ولكن الإنصاف عدم ورود هذه الإشكالات عليه وإن أشار إليه أو إلى بعضها بقوله (قدس سره): فتأمل. أما مسألة كون إسقاط العقد عن قابلية لحوق الإجازة من الأحكام لا من الحقوق فهذه دعوى لا شاهد لها، بل كونه راجعا إلى الحقوق المالية ظاهر، فإن البيع من الغير من السلطنة المالية، وثبوتها للمالك بأدلة نفوذ البيع أيضا واضح، فرد البيع أيضا من أنحاء السلطنة، وشمول عموم القاعدة لهذا النحو من السلطنة لا ينبغي الإشكال فيه، بل لو لم نقل بأن السلطنة على إسقاط العقد من السلطنة على المال، بل هو من الأحكام الشرعية الثابتة للمالك كثبوت جواز البيع والهبة ونحوهما له، إلا أنه لا شبهة أن هذا الذي ثبت له شرعا إذا تحقق منه ينفذ عليه، ولا يمكنه حله وإيجاد ضده، فرده عقد الفضولي كجواز البيع له، فكما لا يجوز له فسخ البيع بعد صدوره منه فكذلك لا ينفذ منه إبطال رده بعد تحققه منه. وعلى هذا، فمعنى سلطنته أن يكون كلا طرفي الإجازة والرد راجعا إليه، فإذا أعمل أحدهما فلا يبقى محل للآخر. وليست السلطنة عبارة عن ملك الإجازة وعدمها كما أفاده المحشون، بل هي مثل سلطنة ذي الخيار على الفسخ في أن طرفيها وجودي، أي: له إقرار العقد وحله، فلو رده تبطل المعاملة بين المالين، فإن كون طرفي العقد تحت سلطنته يقتضي أن يكون رده كإجازته غير قابل لطرو ضده عليه. وبالجملة: وإن لم يتصرف الفضولي في ملك المالك ولم يتحقق المنشأ بإنشائه في عالم الاعتبار إلا أنه تحقق منه المنشأ بنظره، فإنه أوقع التبديل بين المالين. ومقتضى السلطنة المطلقة الثابتة للمالك بمقتضى " الناس مسلطون على أموالهم " (1) أن يكون له إبطال هذا الإنشاء، وإلا فيكون سلطنته قاصرة، وعلى هذا يؤثر رده كإجازته.


(1) لم نقف على مصدر للحديث سوى ما أرسله في الخلاف: ج 3 ص 176، وعوالي اللآلي: ج 1 ص 222 ح 99.

[ 95 ]

نعم، رد المرتهن بيع الراهن ليس موجبا لزوال أثر عقده، لأن المرتهن ليس له سلطنة على العقد الواقع على المال، وإنما له استيفاء دينه من العين المرهونة، ومجرد العقد عليها لا يكون مزاحما لهذا الحق فيؤثر عقد الراهن لو فك الرهانة، وإن فسخ المرتهن فينحصر بطلان عقده ببيع المرتهن خارجا، لأن به يذهب موضوع عقده. وهكذا الحكم في فسخ ذي الخيار، فإن من عليه الخيار لو باع المال وقلنا بتعلق الحق بالعين فلذي الخيار رد العين إلى ملكه، لا إبطال العقد الواقع ممن عليه الخيار، فلو فسخ عقده لا يؤثر فسخه. نعم، لو فسخ العقد الأول بطل الثاني. وأما قولهم بأنا لا نسلم حصول العلقة للطرف حتى يكون الرد قاطعا ففيه: أنه وإن لم تحصل له العلقة شرعا لكنها حصلت له عرفا فالرد يبطل هذه العلقة. هذا، مع أن تأثير الرد في إبطال أثر العقد لا يتوقف على تحقق العلقة فعلا، بل يكفي شأنية تحققها. ولا شبهة أن عقد الفضول مادة قابلة للحوق الإجازة عليها بحيث لا تحتاج إلى إنشاء جديد، وليست الإجازة عقدا مستأنفا، فالرد مقابل للإجازة، وهو يسقط العقد عن القابلية. وأما دعوى: أن قاعدة السلطنة متعارضة، وكما أنها تقتضي تأثير الرد في إبطال أثر العقد فكذلك تقتضي تأثير الإجازة بعد الرد أيضا ففيه ما لا يخفى، لأن بعد بطلان العقد بالرد وذهاب أثره به ليس هناك موضوع تؤثر الإجازة فيه. وتوهم دلالة الصحيحة الواردة في بيع الوليدة (1) على تأثير الإجازة بعد الرد في غير محله، لما تقدم أنه لم يعلم الرد من مالك الوليدة، ومجرد أخذ المبيع لا يكشف عن الرد، فإن الرد عنوان إنشائي يتوقف تحققه على قول أو فعل كان مصداقا له. وليس أخذ الجارية ردا فعليا، لإمكان أن يكون أخذها من باب التمسك بالملكية الفعلية الثابتة للمالك قبل الإجازة.


(1) تقدمت في ص 12.

[ 96 ]

وقد تقدم أيضا أنه يمكن أن يكون الإمساك لأجل أخذ الثمن، لا لرد بيع ابنه. وبالجملة: مجرد إمساك المبيع ليس ردا من مالكه، فإنه من مقتضى طبعه الأصلي، وهو تصرف كل مال في ملكه، وليس مطلق التصرف ردا فعليا، بل لو سلمنا أن تصرف ذي الخيار فيما انتقل إليه إقرار للعقد، وفيما انتقل عنه فسخ، لكن تصرف المالك في ماله في المقام ليس كاشفا عن رده عقد الفضولي، لعدم كونه كاشفا نوعيا عنه، ولا مصداقا فعليا منه، لأن تصرف ذي الخيار فيما انتقل عنه تشبث بالملكية السابقة فبه يتحقق الفسخ، وإلا يكون تصرفا في مال الغير، ولذا يتحقق بكل فعل ينافي صدوره منه مع كون المال ملكا للغير كالعرض على البيع والعقد الفاسد ونحوهما. وأما تصرف المالك في المقام فحيث إنه في ملكه وبمقتضى طبعه الأصلي فليس مصداقا للرد. قوله (قدس سره): (الرابع: الإجازة أثر من آثار سلطنة المالك على ماله.... إلى آخره). محصل ما أفاده في هذا التنبيه: أن ثبوت الإجازة للمالك وتأثيرها منه ليس من قبيل ثبوت الخيار لذي الخيار من الحقوق القابلة للإسقاط والانتقال إلى الغير بموت ونحوه، بل هو من الأحكام الشرعية الثابتة للمالك، كجواز البيع والهبة والصلح ونحو ذلك له. فكما أن للمالك بيع ماله ابتداء مباشرة أو توكيلا فكذلك له أن يجيز ما وقع عليه فضولا. وعلى هذا فلو مات المالك لم تورث الإجازة، لأنها ليست مما تركه الميت. نعم، لمن انتقل إليه المال إجازة بيع الفضولي بناء على جواز المغايرة بين المالك حال العقد والمالك حال الإجازة، ولكن لا من باب إرث الإجازة، بل من باب إرث المال. وعلى هذا فمن لا ينتقل إليه المال بموت المالك حال العقد ليس له الإجازة. وبالجملة: الفرق بين إرث الإجازة وإرث المال ظاهر، فإنه على الأول يكون كإرث الخيار، فيشترك جميع الورثة فيها حتى من ليس له نصيب من المال،

[ 97 ]

كالزوجة في بعض الموارد على أشهر الأقوال، كما سيجئ إن شاء الله في أحكام الخيار، بخلاف الثاني فإنها ليست للزوجة. قوله (قدس سره): (الخامس: إجازة البيع ليست إجازة لقبض الثمن، ولا لإقباض المثمن.... إلى آخره). البحث في هذا التنبيه يقع من جهات: الاولى: أنه لا ملازمة بين إجازة البيع أو الشراء، وبين إجازة قبض الثمن أو المثمن، ولا لإقباضهما، وذلك لعدم جريان دلالة الاقتضاء في العقود التي لم يكن القبض جزء المؤثر، ولا شرطا لصحتها. نعم، فيما كان كذلك، كباب الصرف والسلم وباب الوقف والرهن والهبة فإجازة العقد إجازة للقبض أيضا. بل يمكن أن يقال باختصاص ذلك بباب الصرف والسلم، فإن حكم القبض فيهما حكم الإيجاب والقبول، ولذا لو أقر بالبيع فإقراره به إقرار بجميع أجزاء العقد، وهذا بخلاف باب الوقف ونحوه، فإنه لو قال: " وقفت الدار " لا يحكم بأنه أقر بإقباضه الدار. نعم، لو أقر بأن هذه الدار وقف يحكم بالقبض أيضا، والفرق واضح. وبالجملة: لا ملازمة بين إجازة البيع وإجازة القبض مطلقا. الثانية: هل القبض أو الإقباض قابل للإجازة أم لا؟ قد يقال بأن الفعل الخارجي لا ينقلب عما هو عليه بالإجازة، ولكنك خبير بأن الفعل لا ينقلب عما هو عليه بالنسبة إلى الآثار الماضية. وأما الآثار الباقية فبالإمضاء والإجازة يمكن أن يؤثر فيها. نعم، لو قيل بأن النزاع في الكشف والنقل لا يجري في إجازة القبض والإقباض، بل لابد من الالتزام بالنقل لكان في محله. فالصواب أن يقال: إن البحث يقع تارة في قابلية القبض والإقباض للإجازة. واخرى في جريان نزاع الكشف والنقل فيها. ثم إن البحث تارة في قبض العين الشخصية واخرى في الكلي. أما الثاني فالحق عدم الفرق فيه بين الكلي والشخصي، لا لعموم أدلة الفضولي

[ 98 ]

حتى يمنع عنه كما في المتن، بل لعموم أدلة الوكالة، فكما أن لنفس المالك تعيين الكلي في الشخص وجعل الشخص مصداقا لما في الذمة فكذلك لوكيله أو المأذون من قبله ذلك، فلو أجاز قبض الكلي أو إقباضه فلا مانع من تأثير الإجازة وصيرورة الكلي مشخصا في المقبوض. وأما البحث الأول: فأصل تأثير الإجازة فيهما لا ينبغي الإشكال فيه، من غير فرق بين وقوع أصل المعاملة بين المالكين أو الفضوليين أو المختلفين. مثلا: لو أجاز المالك الذي بيع ماله فضولا قبض هذا الفضولي أو الفضولي الآخر ثمن ماله كان الفضولي وكيلا في قبض ماله فيكون بمنزلة نفسه في قبض الثمن. ولو أجاز إقباض الفضولي المبيع إلى المشتري كان وكيلا من قبله. وعلى أي حال القبض والإقباض لا يعتبر فيهما المباشرة، فلا مانع من تأثير الإجازة فيهما. نعم، لا يجري فيهما نزاع الكشف والنقل، لأن الإجازة المتعلقة بهما كالإجازة المتعلقة بالعقود الإذنية تؤثر من حينها، فلو وقع التلف بين القبض والإجازة فلا يمكن أن لا يؤثر هذا التلف في الانفساخ، لتعقب القبض بالإجازة، بل لا يبقى محل للإجازة. نعم، لو تلف المبيع بعد الإجازة خرج عن ضمان البائع، لأن بالقبض ينتقل الضمان، وينقلب المعاوضي منه إلى الضمان بالمثل والقيمة كما سيجئ في محله. وبالجملة: لا إشكال في تأثير الإجازة في القبض والإقباض، ويكونان بمنزلة تحققهما من المالك، لا لما أفاده المصنف في وجه ذلك: من أن مرجع إجازة القبض الى إسقاط الضمان عن عهدة المشتري، فإن هذا إنما يصح لو قلنا بأن ضمان المشتري الثمن بمقتضى القاعدة، أي: من باب الشرط الضمني، فيكون إجازة البائع قبضه إسقاطا للشرط. وأما لو قلنا بأنه من باب التعبد الثابت في المثمن وتسريته إلى الثمن من باب جعل المبيع مثالا في قوله (عليه السلام): " كل بيع تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه " (1) فيمكن منع شمول النص لقبض الفضولي، لأنه


(1) عوالي اللآلي: ج 3 ص 212 ح 59.

[ 99 ]

لا أثر لإسقاط الضمان. ولو صرح به المالك فإنه بناء على هذا يكون تلف المبيع على البائع حكما تعبديا غير قابل للإسقاط، بل الوجه فيه هو ما ذكرناه من أن مرجع الإجازة إلى التوكيل. وعلى أي حال فلابد من الالتزام بالنقل، وليست الإجازة في جميع الأبواب قابلة لنزاع الكشف والنقل فيها. ولذا التزم المحقق الثاني (1) مع توغله في الكشف بالنقل في إجازة المرتهن. وما التزم به في مسألة الرهن وإن لم يصح - كما تقدم وجهه، وهو أن الإجازة ترجع إلى العقد، والعقد قابل لأن ينقلب بالإجازة - إلا أنه يصح في مسألة الفعل، فإنه بالإجازة لا ينقلب عما هو عليه. والسر في ذلك: هو ما تقدمت الإشارة إليه سابقا من أن تأثير الإجازة فيما قبلها إنما هو في الامور الاعتبارية، لا الامور التكوينية، فإنها لا تكون مراعاة برضا أحد وإجازته. الثالثة: قد ظهر أنه لو كان القبض جزء المؤثر من العقد فإجازة العقد إجازة له أيضا، ولكن هذا يصح لو كان المجيز عالما بذلك. وأما في صورة الجهل فلا تتم دلالة الاقتضاء. ثم إن تمامية دلالة الاقتضاء في صورة العلم إنما هو فيما لم يعقب إجازة العقد بما ينافي صحته، فلو قال: " أجزت العقد دون القبض " يبطل العقد، ولا وجه لاحتمال لغوية رد القبض، وإلا لجرى ذلك في الشرط المنافي لمقتضى العقد، مع أنهم لا يلتزمون بلغويته، بل يحكمون بأنه مفسد للعقد بلا إشكال، وإنما يكون نزاعهم في الشرط الفاسد من جهة اخرى في أنه هل مفسد للعقد مطلقا، أو لا مطلقا، أو التفصيل بين الموارد؟ والسر في ذلك: هو أن الأخذ بظاهر الكلام إنما هو بعد فراغ المتكلم عن كلامه، وأما ما دام متشاغلا به فله أن يلحق به ما يخرجه عن الظهور التصوري، فإذا عقب العقد بما ينافيه كقوله: " بعتك بلا ثمن "، أو قوله: " أجزت العقد دون


(1) جامع المقاصد: ج 5 ص 75 - 76.

[ 100 ]

القبض " بطل، واحتمال لغوية المنافي لا وجه له، مع أن الكلام تدريجي، وذكر الثمن وتوابع العقد كالشروط ينشأ تدريجا. قوله (قدس سره): (السادس: الإجازة ليست على الفور للعمومات.... إلى آخره). لا يخفى أن الموارد التي يقال فيها بالفورية كخيار الغبن والشفعة ونحوهما إنما يقال بها فيها، لأن الطبع مجبور على دفع ما يكرهه والأخذ بما يحبه، فإذا لم يعمل الخيار مع علمه بثبوته فلا محالة إما مقدم على الضرر، أو مسقط لحقه، وهذا المعنى لا يجري في الفضولي، فلا وجه لأن يكون فوريا، هذا مع دلالة صحيحة محمد بن قيس (1) على جواز التراخي. ثم لو لم يرد ولم يجز فهل للأصيل إلزامه بأحد الأمرين، أو له الخيار بين الفسخ والإمضاء، أو مخير بين الأمرين، أو ليس له حق أصلا؟ وجوه. ثم إن هذه الوجوه هل تجري على القول بالكشف أو مطلقا؟ وجهان. والصواب: ابتناء الجهة الأخيرة على ما اختاره المصنف (قدس سره) وما اخترناه. فعلى ما اختاره (قدس سره) من جواز تصرف الأصيل فيما انتقل عنه بناء على النقل تختص بالكشف، لأنه بناء على النقل لا يتضرر الأصيل. وأما بناء على المختار من عدم جواز تصرف الأصيل لا فيما انتقل عنه ولا فيما انتقل إليه مطلقا ولو بناء على النقل فتجري على كلا المسلكين. وأما الجهة الاولى: فإجبار المالك على أحد الأمرين من الإجازة أو الرد فرع ثبوت حق للأصيل على المالك وثبوت حق له عليه ممنوع، ولا يمكن قياس المقام على الخيارات، فإن في ذاك الباب الالتزام بالمعاوضة يقتضي أن يكون لمن عليه الخيار إلزام ذي الخيار بالفسخ، أو الإجازة لو تضرر بمماطلة من له الخيار، وفي المقام ليس بين المالك والأصيل إلزام والتزام، فلا وجه لثبوت حق الإجبار بين الرد والإجازة للأصيل، فالوجه الأول لا وجه له. وأما الوجه الثاني: فمدركه أن الجزء الأخير من العلة التامة لتضرر الأصيل


(1) تقدمت في ص 12.

[ 101 ]

هو لزوم العقد عليه فإذا انتفى اللزوم يكون له الخيار بين الفسخ والإمضاء، ولكن يشكل هذا في باب النكاح، فإن ثبوت الخيار لأحد الزوجين في غير الموارد المنصوصة مشكل، لما بينا في محله: أن لزوم النكاح حكمي، ولذا لا يصح جعل الخيار فيه، ولا يجري فيه الإقالة. وأما الوجه الثالث - وهو تخيير الأصيل بين إلزام المالك بأحد الأمرين من الإجازة والرد وبين اختيار الفسخ أو الصبر - فلتوهم أن سلطنة المالك على ماله ولزوم العقد كليهما ضرر عليه، فإذا ارتفعا بقاعدة نفي الضرر ثبت التخيير له بين فسخ العقد والصبر وبين إجبار المالك على أحد الأمرين، ولكنه فاسد، لأن نفس سلطنة المالك في حد ذاتها ليست موجبة لضرر الأصيل، وإنما الموجب له والجزء الأخير من العلة التامة له هو لزوم العقد من طرفه، فلابد أن يكون المنفي خصوص اللزوم. وأما الوجه الرابع: فلتوهم إقدام الأصيل على الضرر فلا يكون له حق أصلا، لأنه كان يحتمل أن لا يقدم المالك على الرد أو الإجازة، بل يبقي المعاملة معلقة، ومع احتماله ذلك فالضرر يستند إليه لا إلى لزوم العقد، كما سيجئ في باب خيار الغبن: أن احتمال الغبن موجب لعدم ثبوت الخيار للمغبون. وفيه: أن هذا مختص بالاحتمال العقلائي، وهذا لا يتطرق في باب الفضولي، فإن المالك بحسب طبعه الأصلي أمره دائر بين الإجازة والرد، وأما إبقاء المعاملة معلقة فاحتماله بعيد، فلا وجه لعدم ثبوت الخيار. قوله (قدس سره): (السابع: هل يعتبر في صحة الإجازة مطابقتها للعقد الواقع عموما أو خصوصا، أم لا؟.... إلى آخره). لا يخفى أن ما اختاره (قدس سره) من عدم اعتبار مطابقة الإجازة للعقد الواقع عموما أو خصوصا بحسب الأجزاء هو الحق بحسب القواعد، لأن حكم الإجازة حكم البيع ابتداء، فكما يجوز للمالك بيع بعض ماله ابتداء فكذلك يجوز له إجازة بعضه. وقياس المقام على مسألة الفسخ بالخيار في عدم جواز التبعيض في أعماله إلا في

[ 102 ]

مختلفي الحكم قياس مع الفارق، بل المقام نظير البيع الابتدائي، وذلك لأن في باب الخيار إنما نقول بعدم جواز الفسخ في بعض أجزاء المبيع إذا كانت متفقي الحكم، من جهة أن الحق لا يتبعض إلا إذا كان متعلقه متعددا ابتداء أو طرأ عليه التعدد، كما إذا انتقل إلى الورثة. وأما المبيع الواحد الشخصي كحيوان خاص فليس لذي الخيار إعمال الخيار في بعضه، لأن العقد على الحيوان الشخصي لا ينحل إلى عقود متعددة، ولا يقع نصف الثمن بإزاء نصف المبيع مثلا، فملاك جواز الفسخ بالنسبة إلى البعض هو انحلال العقد الى عقود متعددة من حيث اختلاف أجزاء المبيع في الحكم، كما إذا كان مالكها مختلفا، أو كان بعضها مما لا يقبل التملك، أو كان بعضها حيوانا وبعضها غير حيوان ونحو ذلك. وأما ملاك الإجازة فهو بعينه ملاك البيع الابتدائي، فيجوز للمالك جعل المبيع متعددا بحسب الإجازة، فيجيز في بعضه حتى يصير للمجاز له، ويرد في بعضه حتى يبقى على ملكه فيتعدد مالكه. وبالجملة: لم يقم دليل على المنع من جعل المبيع متعددا من حيث الحكم، وليس جواز الإجازة والرد للمالك كثبوت الخيار له الذي هو من الحقوق، لأنه من الأحكام ومن آثار السلطنة على المال، فيجوز له تنفيذ عقد الفضولي بالنسبة إلى بعض متعلقه، غاية ما في الباب أن الإجازة في البعض تخالف الشرط الضمني، وهو انضمام بعض أجزاء المبيع إلى الآخر. فالصواب: ابتناء مسألة مخالفة الإجازة للعقد بالنسبة إلى بعض المبيع على مخالفتها له من حيث الشرط، فينبغي تحرير حكم الشرط أولا ثم إلحاق الجزء به ثانيا. فنقول: الشرط تارة يقع في ضمن العقد، واخرى في ضمن الإجازة. وعلى الأول: فتارة يكون للمالك على الأصيل، واخرى للأصيل على المالك، فلو كان للمالك فلا إشكال في صحة إجازة العقد بلا شرط على ما هو

[ 103 ]

التحقيق من أن الشرط في ضمن العقد لا يوجب التعليق، بل هو التزام في التزام، فلو أجاز المالك التزام الفضولي بأصل المعاوضة ولم يجز التزام الأصيل بالشرط على نفسه بل تجاوز عنه فلا ينبغي الإشكال في أن له ذلك، لتجاوزه عن حقه الذي التزم به الأصيل على نفسه. وأما لو كان للأصيل على المالك فأجاز العقد بلا شرط فالأقوى صحة العقد وثبوت الخيار للأصل، لأن المقام نظير تعذر الشرط الواقع بين الإيجاب والقبول الذي يكون ضميمة لأحد العوضين، فكما أن تعذره لا يوجب بطلان العقد بل غايته ثبوت الخيار للمشروط له فكذلك المقام، فإنه وإن لم يتعذر خارجا إلا أن امتناع المجيز وعدم قبوله الشرط بمنزلة التعذر، ولا وجه لبطلان العقد إلا على القول بالتقييد والإناطة، والحق عدمه. ولذا نقول بأن الشرط الفاسد غير مفسد للعقد إلا إذا صار موجبا لاختلال أحد أركان العقد. وبالجملة: هنا مسائل ثلاث ينبغي أن يكون حكم الجميع واحدا: الاولى: تعذر الشرط خارجا. الثانية: تعذره شرعا، كالشرط المخالف للكتاب والسنة. والثالثة: مقامنا هذا، وهو: عدم رضا المالك بالشرط، ولا وجه للحكم ببطلان العقد بمجرد عدم مطابقة الإجازة له. هذا إذا كان الشرط في ضمن العقد. وأما إذا كان العقد مجردا وأجاز مع الشرط فالشرط أيضا تارة على المجيز، واخرى على الأصيل، فلو كان على نفسه فلا إشكال في حكمه، وأما لو كان على الأصيل - أي الطرف - فتارة يرضى به، واخرى لا يرضى به، فلو رضي به فلا ينبغي الإشكال أيضا في صحته، لأن الحق بينهما، غاية الأمر أنه من الشروط الابتدائية، لأنه لم يقع في ضمن العقد فيبتنى لزومه على لزومها. وعلى أي حال صحة الإجازة لا إشكال فيها لمطابقتها لأصل الالتزام العقدي، بل قد يقال بأنه إذا رضي الأصيل بالشرط فيخرج عن الشروط الابتدائية، ويدخل في الشروط الواقعة في ضمن العقد، ولكنه غير وجيه، لأن مجرد الرضا لا أثر له، بل لو صرح بقوله: " رضيت بذلك " لا يدخل في الشروط

[ 104 ]

الواقعة في ضمن العقد، لأنها هي التي تقع بين الإيجاب والقبول، لا بعد تمامية العقد، بل لو وقعت بين الإيجاب والقبول ولم تكن ضميمة لأحد العوضين لا تخرج من الشروط الابتدائية. وسيجئ - إن شاء الله - في باب الشروط: أن منشأ عدم لزومها عدم تحقق ملزم لها، لكونها في حكم الهبة الغير المعوضة. وأما لو لم يرض به الطرف فحكمه حكم تعذر الشرط، ولا وجه لبطلان الإجازة. فعلى هذا لا وجه لما أفاده المصنف (قدس سره) من قوله: أقواها الأخير. * * * قوله (قدس سره): (وأما القول في المجيز فاستقصاؤه يتم ببيان امور.... إلى آخره). الكلام في المسائل المتعلقة بشرائط المجيز من جهات: الاولى: أن يكون جائز التصرف حال الإجازة. الثانية: في اعتبار وجود المجيز الفعلي حال العقد وعدمه. الثالثة: لو قيل باعتبار وجوده، فهل يشترط أن يكون جائز التصرف حال العقد أم لا؟ ثم عدم جواز تصرفه إما لتعلق حق الغير بماله، وإما لكونه غير مالك ثم صار مالكا حال الإجازة. أما الجهة الاولى: فاشتراط جواز تصرف المجيز فيما يتعلق إجازته به حال الإجازة من القضايا التي قياساتها معها، لأن حكم الإجازة حكم البيع الابتدائي، فيشترط فيها ما يشترط فيه من البلوغ والعقل والرشد وهكذا، فلو باع الفضولي ما تعلق به حق الغرماء أو المرتهن فإجازة المفلس أو الراهن بنفسها لا تؤثر، سواء قلنا بالكشف أم النقل، وسواء تعلق حق الغير بمال المجيز قبل العقد أم بعده. وتوهم الفرق بين الكشف والنقل فاسد كما تقدم وجهه، وهو: أن تأثير الإجازة مع تصرف المجيز بما ينافي الإجازة دور واضح، فإن بطلان تصرفه يتوقف على تأثيرها، وتأثيرها يتوقف على بطلانه ولا عكس، فإن تصرفه وقع من أهله في محله، فإرهان المالك المبيع قبل الإجازة يوجب عدم تأثير الإجازة، والسر في ذلك: هو ما ذكرناه من أن الإجازة كالبيع الابتدائي، وثبوت الإجازة

[ 105 ]

للمجيز ونفوذها منه إنما هو حكم شرعي من آثار السلطنة على المال، فإذا كان المالك ممنوعا من التصرف في ماله فهو ممنوع من الإجازة أيضا، فلا تقاس مسألة الإجازة على مسألة إعمال الخيار من المفلس والمريض، لأن الخيار حق مستقل في عرض المال، ولا يدور مدار جواز التصرف في المال، فالمنع من التصرف فيه لا يلازم المنع من إعمال الخيار، وهذا بخلاف الإجازة فإنها تابعة للملك، وحكم شرعي يدور مدار السلطنة على المال. وأما الثانية: فالأقوى عدم اعتبار وجود مجيز فعلي نافذ الإجازة حال العقد، فلو بيع مال اليتيم بلا مصلحة له أو زوج مع عدم وجود الأب والجد ولا الوصي من قبلهما فلا مانع من صحة العقد بحيث إذا بلغ أجازه، لأنه لم يقم دليل تعبدي على اعتبار وجود المجيز حال العقد في نكاح الصغير، بل الدليل على خلافه، فإن الأخبار الواردة في تزويج الصغار فضولا لو لم تكن ظاهرة في مورد عدم وجود المجيز على ما هو منصرفها فلا أقل من إطلاقها. ولا تقتضي القاعدة أيضا اعتبار وجود المجيز، لأن أهلية العقد وشأنيته لإلحاق الإجازة به تكفي لصحته. فقول العلامة: بأن صحة العقد والحال هذه ممتنعة، وإذا امتنع في زمان امتنع دائما (1) لا وجه له صغرى وكبرى. أما الصغرى فلأنه لا وجه لامتناعه إلا إذا كان مفاد عقد النكاح أو البيع هو تحقق المنشأ حين الإنشاء. وأما إذا لم يكن مفاد العقد إلا أصل الإنشاء فكل زمان تحققت الإجازة تتم أركانه. وأما الكبرى فلأن وجه امتناعه فعلا ليس من باب اختلال أحد أركان العقد، كشرائط الصيغة والعوضين بحيث إذا امتنع العقد من جهة اختلال شرطه امتنع دائما، بل من جهة عدم وجود المجيز فعلا، فلو وجد بعد ذلك من له أهلية الإجازة وأجاز لصح من حين الإجازة.


(1) لا يخفى أن لفظ العبارة ليس من العلامة (قدس سره) بل من كلام المحقق الكركي استدلالا منه لعبارة العلامة، لاحظ جامع المقاصد: ج 4 ص 72.

[ 106 ]

وأما الثالثة: فتنقيحها في ضمن مسائل، لأن جهة عدم جواز تصرف المجيز حال العقد: إما واقعي، وإما وهمي. والواقعي على قسمين: قسم يكون منشأ عدم جواز تصرفه في متعلق العقد تعلق حق الغير به، كحق المرتهن والديان. وقسم يكون منشؤه عدم كونه مالكا حال العقد مع صيرورته مالكا بعده، إما بإرث أو اشتراء، كمن باع مال أبيه ثم مات أبوه بعد العقد وانتقل المبيع إليه، أو باع مال غيره ثم اشتراه. وأما الوهمي: فهو كما لو باع معتقدا لكونه غير جائز التصرف فبان كونه جائز التصرف إما لملك أو ولاية، كمن باع مال أبيه بزعم كونه حيا فبان كونه حال العقد ميتا، أو مال الصغير مع اعتقاد كونه أجنبيا فبان كونه وليا أو مأذونا. أما المسألة الاولى: فهي التي عنونها المصنف (قدس سره) بقوله: الاولى أن يكون المالك حال العقد هو المالك حال الإجازة، لكن المجيز لم يكن حال العقد جائز التصرف لحجر، والبحث فيها يقع من جهات: الاولى: في أصل صحة بيعه. والثانية: في احتياجه الى الإجازة بعد ارتفاع حجره وعدمه. والثالثة: في جريان نزاع الكشف والنقل في رافع الحجر وعدمه. أما صحة بيع ما تعلق به حق الغير فلا ينبغي الإشكال فيها، سواء باعه نفس المحجور عليه أم باعه غيره فضولا، لما عرفت من عدم اعتبار وجود مجيز حال العقد، فضلا عن المقام الذي له مجيز شأني. ولا يقال: إنه لو وقع البيع عن المحجور عليه لوقع فاسدا لكونه ممنوعا عن التصرف. لأنا نقول: هذا من أحد أدلة القائلين ببطلان الفضولي، وقد عرفت ضعفه صغرى وكبرى. أما الصغرى: فلأن مجرد إجراء العقد على متعلق حق الغير ليس تصرفا. وأما الكبرى فلمنع الملازمة بين حرمة التصرف وفساد البيع، بل يكون البيع

[ 107 ]

مراعى بإجازة من له الحق، كتصرف من عليه الخيار فإن نفوذه يتوقف: إما على انقضاء مدة الخيار، أو إسقاط ذي الخيار خياره. وبالجملة: عقد الراهن والمفلس ليس أسوأ حالا من عقد الفضولي ومن عليه الخيار، فأصل الصحة لا إشكال فيه. والتفصيل الذي اختاره بعض (1) من قارب عصر المصنف بين بيع المرتهن والراهن من الحكم بالصحة في الأول والفساد في الثاني معللا بأن الأول داخل في الفضولي، والثاني في من عصى الله لتصرفه في حق المرتهن لا وجه له. وسيجئ تفصيل ذلك في بيع العين المرهونة. نعم، التفصيل بين البيع والعتق من كونه مراعى بإجازة المرتهن أو فك الرهانة في الأول وملزما على العتق له وجه، فإن العتق لا يمكن أن يكون موقوفا على الإجازة. هذا، مضافا إلى أن الإجازة إنما تؤثر فيما يؤثر الرد فيه، ورد الحر إلى الرق غير ممكن، وتأثير العتق من الراهن حيث إنه مالك للعين لا إشكال فيه خصوصا مع كون العتق مبنيا على التغليب، فلابد إما من لزوم أداء الدين وفك الرهانة على الراهن، وإما من استسعاء العبد في فكاك رقبته بفك الرهانة، وسيجئ في اشتراط كون الملك طلقا الإشكال في جريان نزاع الكشف والنقل في عتق المالك العين المرهونة ووقفها، فإن كونهما معلقا على الإجازة مشكل. والقول بالنقل في خصوصهما أشكل. وصحتهما ونفوذهما بدون إجازة المرتهن بعيد. ورجوع العين عن الحرية وهكذا خروجها عن الوقفية برد المرتهن أبعد. ولكن الذي يهون الخطب: أنه لا مانع من تعليقهما على أمر كما في مسألة الاستيلاد في العتق ومسألة القبض في الوقف. وتمام الكلام في محله. وأما احتياجه إلى إجازة المحجور عليه بعد ارتفاع حجره فالأقوى عدمه، لأنه لم يكن مانع عن الصحة إلا تعلق حق الغير به، فإذا وقع العقد من نفس


(1) هو الشيخ أسد الله التستري في مقابس الأنوار: ص 190.

[ 108 ]

المحجور عليه - والمفروض ارتفاع المانع: إما بأداء الراهن أو المفلس دينه، وإما بإسقاط المرتهن أو الغرماء حقهم، وإما بانقضاء مدة الخيار أو إسقاط ذي الخيار حقة في تصرف من عليه الخيار - فلا موجب لإجازته، لأن بعد رفع الحجر تم أركان العقد. نعم لو وقع العقد من الفضولي فلا شبهة في توقفه على إجازة المالك بعد ارتفاع حجره. وأما جريان نزاع الكشف والنقل في مثل إسقاط المرتهن وذي الخيار حقهما، ومثل فك الرهن وانقضاء مدة الخيار فقد تقدم أن ظاهر المحقق الثاني - مع توغله في الكشف - عدم جريانه في أمثال ذلك، بل لابد من القول بالنقل، فإنه (قدس سره) وإن ذكر ميزانا تاما فيما يجري فيه النزاع وما لا يجري - كما أشرنا إليه - إلا أنه (قدس سره) في مقام الصغرى عد مثل مسألة الفك مما لا يجري فيه النزاع، ولكن الأقوى أن حكم فك الدين حكم الإجازة في أنه ليس مما يعتبر في الانتقال، بل هو متمم للعقد. ولا يقال: إن مفاد " أسقطت الدين " وهكذا لازم أداء الدين ليس إلا سقوط الدين حين الإسقاط أو الأداء لا حين العقد. لأنا نقول: وإن كان الأمر كذلك إلا أن النزاع ليس في مفاد الإسقاط أو لازم الأداء، وإلا لا يجري النزاع في الإجازة، مع أن مفادها ليس الإجازة من حين العقد، بل النزاع إنما هو في أن الإسقاط - مثلا - هل يرجع إلى العقد من حين الإسقاط، أو من حين العقد كالنزاع في الحكم الشرعي في الإجازة من أنها كاشفة لرجوعها إلى تنفيذ ما وقع سابقا، أو ناقلة لتحققها من الحين؟ نعم، لا يبعد أن يكون منشأ قياس سقوط الدين ونحوه على القبض في الصرف والسلم دون الإجازة هو أن الإجازة لا دخل لها في تتميم الملكية، وإنما هي لاستناد المنشأ إلى المالك. وحيث تحقق ما أنشأه الفضولي حين العقد يمكن أن تكون الإجازة كاشفة. وأما إسقاط المرتهن حقه أو فك الراهن ونحوه فليس إلا

[ 109 ]

متمما للمنشأ، لأن المال كأنه بحسب الكيفية والسلطنة مشترك بين الراهن والمرتهن، فيكون كاشتراكه بين الشخصين بحسب الكمية، فكما أنه إذا باع أحد الشريكين حصته في زمان وباع الآخر حصته بعد ذلك انتقل جميع المال إلى المشتري حين بيع الشريك الثاني فكذلك إذا باع الراهن لا ينتقل المال إلى المشتري إلا حين إسقاط المرتهن حقه، لأن إسقاطه ليس تنفيذا لبيع الراهن ولا نظر له إليه، بل مرجعه إلى التجاوز عن حقه المتعلق بالمال بحسب الكيفية. ويتفرع على هذا احتياج عقد الراهن بعد إسقاط المرتهن حقه إلى إجازة الراهن بعده، لأنه من صغريات من باع شيئا ثم ملكه، لأن السلطنة المشتركة بينهما ترجع كلها إلى الراهن بعد السقوط. وحيث ملكها ملكا جديدا يحتاج إلى الإجازة. ولكنك خبير بفساد القياس على القبض، لأن عقد الراهن تام من حيث المنشأ ومسند إلى مالك المال حين الإنشاء. وإنما المانع عن نفوذه تعلق حق الغير به، فإذا سقط حقه انكشف تأثير العقد حين صدوره بناء على القول بالكشف، وليس للمرتهن شركة في المال لا كما ولا كيفا، غير أن المال مخرج لدينه ووثيقة عليه. وهذا غير قابل لأن يملكه الراهن حتى يكون المال من أفراد ما باعه غير مالكه ثم اشتراه فيحتاج إلى الإجازة، لأن هذا المعنى - وهو كون المال مخرجا للدين - معنى لا يمكن أن يقوم بغير صاحب الدين، ويستحيل أن ينتقل إلى شخص الراهن. وبالجملة: النزاع في الكشف والنقل يطرد في هذه الامور، وإنما لا يجري في خصوص ما كان المتأخر جزء المؤثر للعقد، لا فيما يتوقف مؤثريته عليه (1). وسيجئ في بيع العين المرهونة مزيد توضيح لذلك.


(1) ويمكن أن يقال: إذا كان حق المرتهن مانعا عن تأثير عقد الراهن، فحكم الإسقاط ونحوه حكم القبض في باب الصرف والسلم، فإن عدم المانع من أجزاء العلة. فملكية المشتري كما تتوقف على القبض في الصرف والسلم فكذلك تتوقف ملكية مشتري العين المرهونة على خروج العين عن كونها للدين، وخروجها عنها يتحقق في الإسقاط أو الفك، لا زمان العقد، فلا يجري فيه نزاع الكشف والنقل، بل لا محيص عن الالتزام بالنقل. (منه عفي عنه).

[ 110 ]

وأما المسألة الثانية - وهي عدم كون المجيز مالكا حال العقد مع كونه مالكا حال الإجازة إما بالاشتراء ونحوه، وإما بالإرث فالبحث فيها يقع أيضا من جهات: الاولى: هل فرق بين ما إذا قصد البيع لنفسه وما إذا قصده للمالك، أو لا فرق بين الصورتين؟ الثانية: هل يتوقف صحة عقده على إجازته مطلقا، أو لا يتوقف عليها مطلقا، أو تفصيل بين الصورتين؟ الثالثة: في جريان نزاع الكشف والنقل. وأن الكشف في المقام هل هو الكشف في سائر المقامات وهو الكشف عن تحقق الملك حين العقد، أو هو بمعنى آخر؟ وتوضيح جميع الجهات إنما هو في ذيل شرح ما في المتن. قال (قدس سره): (أما المسألة الاولى فقد اختلفوا فيها، فظاهر المحقق في باب الزكاة.... إلى آخره). وحيث إنه لا إشكال ظاهرا في صحة ما إذا قصد البيع للمالك عنون المصنف (قدس سره) ما إذا قصد البيع لنفسه ثم إشتراه من مالكه فأجاز، لأنه إذا صح هذه الصورة فصحة ما إذا قصده للمالك أولى. ويظهر من المحقق في المعتبر (1) صحتها وتوقفها على الإجازة، ومن الشيخ (2) - على ما استظهره المحقق - صحتها وعدم توقفها عليها، لأن المحقق قاس المال الزكوي على مسألة من باع شيئا ثم ملك، واختار أن اغترام المالك حصة الفقراء بمنزلة الملك الجديد فيحتاج إلى الإجازة. ونسب إلى الشيخ (3) عدم توقف صحة بيع المال الزكوي إذا اغترم المالك إلى الإجازة. فلازم كلام المحقق حيث جعل المسألتين من باب واحد أن الشيخ قائل بعدم توقف مسألة من باع شيئا ثم ملك إلى الإجازة.


(1) المعتبر: ج 2 ص 563. (2) المبسوط: ج 1 ص 208. (3) المصدر السابق.

[ 111 ]

ولكنك خبير بأن هذا الاستظهار إنما يتم على بعض الوجوه. وتوضيح ذلك: أنهم اختلفوا في كيفية تعلق الزكاة بالمال الزكوي. فقيل (1): إنه لا يتعلق حق للفقراء بالعين أصلا، وإنما يتعلق النصاب بذمة المالك. وقيل (2): إن الفقير شريك مع المالك في العين. ثم إن القائلين بالشركة اختلفوا بين كونها على الإشاعة، أو على نحو الكلي في المعين. والثمرة بين القولين إنما تظهر في صورة تلف مقدار من المال الزكوي، فعلى الإشاعة التلف يحسب على المالك والفقير كليهما، وعلى الكلي في المعين إنما يحسب على المالك. وقيل بتعلق حق الفقراء بالعين (3). والقائلون به اختلفوا على وجوه ثلاثة: فقيل (4) بأنه من قبيل حق الرهانة. وقيل بأنه من قبيل حق الجناية (5). وقيل (6) بأنه قسم ثالث، ففي بعض الآثار يشبه حق الرهانة وفي بعضها الآخر يشبه حق الجناية، فمن حيث إنه يجوز للمالك إخراج حصة الفقراء من غير المال الزكوي يشبه حق الرهانة لا الجناية، لأنه ليس لمالك الجاني إبقاء الجاني في ملكه فيما إذا لزم القصاص على جنايته. وأما مالك المرهون فله فك الرهانة بأداء الدين. ومن حيث إن الساعي يتبع المال الزكوي أينما وجده ويأخذ الزكاة ممن انتقل إليه يشبه حق الجناية.


(1) حكاه في البيان عن بعض الأصحاب نقلا عن ابن حمزة، لاحظ البيان: ص 186، لكن لا أثر له في الوسيلة، ولعله بالواسطة كما في مفتاح الكرامة: ج 3 ص 109، وحكاه المحقق عن الشافعي وأحمد في أحد قوليهما، لاحظ المعتبر: ج 2 ص 520. (2) نسب ذلك الى اختيار الأصحاب كما في ايضاح الفوائد: ج 1 ص 177. (3) نقل عليه اجماع الامامية في ايضاح الفوائد: ج 1 ص 207. (4) احتمله العلامة في التذكرة: ج 5 ص 199. (5) حكاه عن أبي حنيفة في التذكرة: ج 5 ص 187. (6) أحد الوجهين المذكورين في البيان: ص 187.

[ 112 ]

ثم إن الفرق بين حق الرهانة وحق الجناية: هو أن حق الرهانة لا بد أن يستوفى من ملك الراهن بحيث إذا باع الراهن العين المرهونة فإما أن يبطل الرهن وإما ان يبطل البيع، لأنه إذا صح البيع وانتقلت العين إلى ملك غير الراهن فلا يمكن أن تكون مخرجا للدين، وهذا بخلاف حق الجناية فإنه يجتمع فيه صحة البيع وبقاء الحق، لأن المجني عليه أو وارثه يستوفي حقه من رقبة العبد أينما انتقل، ولا يتوقف استيفاؤه على كون العبد باقيا في ملك المالك حين الجناية. وكيف كان فالأقوال في ما إذا قصد البيع لنفسه ثلاثة: الأول: البطلان. والثاني: الصحة مع اعتبار الإجازة. والثالث: الصحة بدون التوقف عليها. والأول مختار صاحب المقابس (1)، واختار المصنف (2) الثاني، والثالث نسبه المحقق إلى الشيخ (3). ونحن تابعنا المصنف (قدس سره) في الدورة السابقة. ولكن الإنصاف ورود بعض الإشكالات التي اورد على هذا القول، والأولى ذكرها على سبيل الإجمال حتى يتبين الحال، فنقول: الأول: هو الإشكال المتقدم في بيع الغاصب وهو من وجوه: الأول: عدم إمكان قصد المعاوضة. الثاني: مخالفة الإجازة لما قصده المتعاقدان. الثالث: دلالة الأخبار الناهية عن بيع ما ليس عندك على الفساد. ويظهر من المصنف أن الجواب عن الإشكال الأول هو الجواب عن بيع الغاصب. ولكنك خبير بأن مبنى الجواب عن الأول: هو أن الغاصب لما سرق الإضافة ورأى نفسه مالكا فأجرى العقد بين ملكي المالكين.


(1) مقابس الأنوار: ص 132 س 13. (2) المكاسب: كتاب البيع ص 128 س 19. (3) يظهر من المبسوط: ج 1 ص 208، لاحظ المعتبر: ج 2 ص 563.

[ 113 ]

وبعبارة اخرى: كأن مبنى صحته تحليل داعيه إلى أمرين، الأول: وقوع التبديل بين ملكي مالكهما، والثاني: تخيل أن المالك لأحد العوضين هو نفسه، فيلغى هذا الخيال والتطبيق ويؤخذ بقصده المعاوضة بين ملكي المالكين. وهذا الجواب لا يجري في المقام، لأنه لم يسرق الإضافة، ولم يغصب المال، فكيف يقصد المبادلة بين الثمن الذي يقصد تملكه والمثمن الذي هو ملك لغيره؟! مع أنها تقتضي دخول الثمن في ملك من خرج عنه المثمن. إلا أن يقال: إن قصد البيع لنفسه حيث يقع ممن يطمئن بتملك المبيع فكأنه يرى نفسه صاحب المال بالمشارفة فيبيع ما يملكه فعلا بلحاظ ملكه فيما بعد، فتأمل. وأما الإشكال الثاني فغير وارد في بيع الغاصب فضلا عن المقام، لما ذكرنا أن الغاصب يقصد أمرين: الأول: وقوع المبادلة بين ملكي المالكين، والثاني: كون مالك أحد العوضين هو نفسه. والإجازة تتعلق بالأول أو بهما معا، وتعلقها بالثاني لغو لا أثر لها، وبالنسبة إلى الأول تطابق ما قصده الغاصب فتؤثر وتوجب استناد النقل إلى المالك الحقيقي وهو المجيز. وأما الإشكال الثالث فلا يمكن التفصي عنه بمثل ما تفصى به في مسألة الغاصب، لما أجبنا عنها في تلك المسألة: بأنها في مقام بيان عدم وقوع البيع لغير المالك، ونلتزم بمفادها ونقول بعدم وقوع البيع للغاصب، بل يقع للمالك بإجازته، وهذا الجواب لا يجري هنا، لأن الغرض من صحة البيع وقوعه لنفس العاقد إذا ملك المبيع بالاشتراء. بل مصب هذه الأخبار هو النهي عن بيع ما لا يملكه فعلا وإن قصد شراءه. هذا تمام الكلام في الإشكال الأول. وأما الإشكال الثاني فحاصله: أنه يعتبر في العاقد أن يكون راضيا بالعقد، وقادرا على التسليم، ومالكا للمبيع، فإذا كان العاقد هو المالك وقادرا على التسليم ومختارا في البيع فهو، وإلا فنقول بكفاية حصول ذلك للمالك المجيز، لأنه البائع حقيقة، فيعتبر في صحة عقد الفضولي قدرة المالك حين العقد ورضاه به لو

[ 114 ]

اطلع عليه، فلو كان المالك حال العقد هو المجيز فهو، وإلا - كما في مفروض المقام - فمن هو قادر حال العقد لا يجيزه ولا يعتبر إجازته ورضاه، ومن يجيزه لم يكن حين العقد قادرا ولا كان لرضاه أثر. وحاصل جواب المصنف: أما في الرضا فلا يعتبر إلا ممن كان أمر العقد بيده، والمجيز في المقام هو مالك أمر العقد ورضاه حاصل. وأما في القدرة فلا ننكر اعتبارها في المالك حال العقد، فلو فرض أن المالك الأصلي الذي يشتري البائع الفضولي منه غير قادر على التسليم نلتزم بفساد المعاملة، لأن كلامنا في صحة هذا البيع بعد استجماعه لشرائط الصحة. وأما لو كان قادرا حال العقد ولم يكن قادرا حين الإجازة فلا يضر بالصحة، كما أن في الفضولي لو لم يكن قادرا حال العقد وكان قادرا حين الإجازة لا يضر بالصحة. وبالجملة: ما دام المالك الأصلي مالكا يعتبر قدرته، ومفروض كلامنا حصولها، وما دام الفضولي مالكا يعتبر قدرته، والمفروض حصولها. ولا يقتضي اعتبار قدرة المالك حال العقد اتحاد المالك حال العقد والمجيز، فإن هذا شرط آخر لم يقم عليه برهان. وحاصل الكلام: أنه لو عم العمومات هذا البيع وقلنا: إن تبدل المالكين حال العقد وحين الإجازة كقيام الوارث مقام مورثه فلا يرد إشكال اعتبار القدرة والرضا، لأن قدرة من يعتبر قدرته ورضا من يعتبر رضاه موجودان، ولا دليل على اعتبار بقاء قدرة المالك حال العقد إلى حال الإجازة. هذا، مضافا إلى أن اعتبار القدرة حال العقد ممنوع، فإن هذا الشرط يعتبر حين التسليم. ثم لا يخفى أن مما ذكرنا ظهر أن المصنف (قدس سره) لم يلتزم بورود الإشكال، لتصريحه باعتبار القدرة في المالك حال العقد، لا باعتبارها فيمن له العقد حتى يقال: إن من له العقد - وهو المالك - حال الإجازة غير مالك حال العقد فليس قادرا حينه، والمالك حال العقد وإن كان قادرا إلا أنه ليس مجيزا.

[ 115 ]

وأما الإشكال الثالث فحاصله: أنه بناء على الكشف يلزم كون البائع الفضولي مالكا قبل اشترائه المبيع من المالك الأصلي، وإلا لزم خروج المال عن ملكه إلى ملك المشتري قبل دخوله فيه. ثم لا يخفى أن هذا الإشكال والإشكال الرابع والخامس - الذي عده من الأعاجيب - واردة على فرض لزوم الالتزام بتملك المشتري حقيقة من حين العقد بناء على الكشف. وأما لو قلنا بأنه يتلقى الملك من المجيز فهو يملك من حين تملك المجيز فلا يرد إشكال أصلا، وذلك لأن اجتماع المالكين على ملك واحد يتوقف على كون المشتري مالكا حال العقد، فيجتمع ملكه مع ملك المالك الأصيل الذي لابد لنا من الالتزام به حتى يصح اشتراء البائع منه، وهكذا اجتماع الوجود والعدم كليهما في العقد الأول والثاني مبني على هذا المبنى، فإن مالكية المشتري مانع عن شراء البائع من مالك المبيع، وشراء البائع منه متوقف على عدم مالكية المشتري. وهكذا توقف صحة إجازة المجيز على إجازة المشتري للبيع الثاني. وتوقف صحة إجازة المشتري على إجازة البائع لأصل البيع مبني على مالكية المشتري من حين العقد حتى لا يصح الإجازة من البائع إلا بإجازة المشتري، لأن البائع يشتري ملك المشتري فيتوقف إجازته على إجازة المشتري للبيع حتى يملك المبيع فيجيز. وهكذا توقف صحة كل من العقدين على إجازة المشتري: أما العقد الثاني فلأنه واقع في ملكه. وأما العقد الأول فلتوقفه على إجازته بالواسطة، فإنه يتوقف على إجازة البائع المتوقفة على البيع الثاني المتوقف على إجازة المشتري. وهكذا يلزم عدم تملك المالك الأصيل شيئا من الثمن والمثمن: أما الثمن فلأن المبيع ملك للمشتري فالبائع الفضولي يشتري منه حقيقة، فلابد من أن يسلمه إلى المشتري. وأما المثمن فلأنه بالبيع الأول تملكه المشتري. وهكذا يلزم تملك المشتري المبيع بلا ثمن لو اتحد الثمنان، كما لو باعه

[ 116 ]

الفضولي بعشرة ثم اشتراه بهذا المقدار من الأصيل فيجب عليه رده الى المشتري، ويلزم تملكه المقدار من المبيع مجانا لو زاد ثمن الأول، كما لو اشتراه بعشرة واشتراه البائع من الأصيل بخمسة، ويلزم تملكه تمام المبيع مجانا مع الزيادة لو نقص ثمن الأول، كما لو اشتراه بخمسة واشترى البائع من الأصيل بعشرة. وبالجملة: هذه المحاذير إنما تلزم لو قلنا بتملك المشتري حين العقد حقيقة، وهذا يلزم خروج المال عن ملك المالك قبل دخوله في ملكه، وهو محذور لا يمكن الالتزام به، ويلزم اجتماع مالكين في ملك واحد. وهذان الإشكالان هما العمدة. وأما مع الغض عنهما فلا الإجازة تتوقف على الإجازة، ولا العقدين عليها، ولا يلزم مجانية المبيع أو مقدار منه، لأن بيع مال المشتري يتوقف على إجازته إذا كان ذلك المال ماله مع قطع النظر عن هذا البيع، وهكذا ثمن البيع الثاني يكون له إذا كان الملك ملكا له، وأما إذا لم يكن له إلا بلحاظ هذا البيع فلا. هذا، مع أن مقتضى الإيراد الثالث وقوع التزاحم من المالك الأصيل والمشتري على الثمن، فإن صحة البيع الأول بالإجازة تقتضي كون الثمن للمالك الأصيل، لأنه الذي انتقل منه المبيع إلى المشتري، وصحة شراء البائع تقتضي كون الثمن للمشتري، فإن البيع الثاني وقع في ملكه. ثم إن خروج المال عن ملك البائع قبل دخوله فيه يتوقف على القول بالكشف بنحو دخل الإجازة شرطا متأخرا. ومعنى دخلها كذلك توقف الملكية عليها حقيقة الذي قلنا باستحالته، للزوم تقدم المعلول - وهو الملك - على بعض أجزاء علته وهو الإجازة، وإذا التزمنا بهذا المحال فلا يرد إشكال اجتماع ملاك ثلاثة كما ذكره المصنف، لأن المشتري والمالك الأصيل مالكان إلى زمان البيع الثاني، والمشتري والمجيز مالكان بعد البيع الثاني إلى زمان الإجازة، ولا موجب للالتزام بكون المجيز مالكا من حين العقد الأول إلى زمان الإجازة حتى يجتمع ملاك ثلاثة في زمان واحد على مال واحد، لأن المشتري وإن كان يتلقى الملك عن

[ 117 ]

مالكه لا محالة، إلا أنه لا يجب أن يكون هو المجيز بالخصوص، بل إما هو أو الأصيل. فتلخص مما ذكرنا: أن ورود هذه الإشكالات موقوف على اقتضاء الإجازة الكشف عن مالكية المشتري من حين العقد، فلو ادعى المستدل على البطلان اقتضاءها في المقام كاقتضائها في سائر الموارد الكشف من حال العقد فلا يستقيم الجواب عنه بما أفاده المصنف (قدس سره): من أن مقدار الكشف تابع لصحة البيع (1)، لأن للمستدل المنع عن أصل اقتضاء البيع للصحة في المقام، لما مر في الوجه السادس: من أن بيع الأصيل ماله من البائع الفضولي يقتضي بطلان بيع الفضولي، لأن الرد كما يتحقق بالقول يتحقق بالفعل أيضا. ثم لو سلم تحقق المقتضي فله أن يدعي وجود المانع عن الصحة، بدعوى: أنه لا خصوصية للإجازة في المقام تقتضي التأثير من حين اشتراء البائع لا من حين العقد، فإذا امتنع العمل بما تقتضيه في المقام كان اللازم فساد البيع، ولا يمكن تصحيحه بأن مقدار كشف الإجازة تابع لصحة البيع، إلا بعد ورود الدليل على صحة هذا البيع حتى يكون تخصيصا لما اقتضته الإجازة من كشفها عن تحقق الملك حين العقد، وإلا يكفي للبطلان عدم إمكان العمل بما تقتضيه، وصحته تتوقف على أمرين: الأول: عدم اعتبار كون شخص خاص طرفا للمعاوضة لا بمعنى إمكان كونه كليا - فإن هذا غير معقول، لأن الإضافة تتوقف على مضاف إليه معين - بل بمعنى عدم اعتبار خصوص كونه زيدا أو بكرا، فلو اشترى من شخص باعتقاد كونه زيدا فتبين كونه بكرا لا يضر، وليس البيع كالنكاح. الثاني: كون مسألة " من باع شيئا ثم ملك " كمسألة اختلاف المالك حال العقد والإجازة بسبب الموت والوراثة، بأن يكون تبدل الملك كتبدل المالك.


(1) المكاسب: كتاب البيع ص 137 س 33.

[ 118 ]

فإذا تم هذان الأمران فلا محيص عن الالتزام بالصحة في المقام، وإنكار اقتضاء الإجازة كشفها الملك من حين العقد في جميع المقامات. والأمر الأول لا إشكال فيه. وأما الثاني فقد ظهر في أول مباحث البيع الفرق بين الإرث والبيع، وأن في الإرث التغيير والتبديل في المالك، وفي البيع التبديل في الملك. فإذا باع الفضولي ملك المورث ثم انتقل إلى الوارث فحيث إن الملك على حاله، ودل الدليل على قيام الوارث مقام المورث فالوارث يجيز نفس هذا التبديل. وأما لو باع الفضولي مال زيد ثم انتقل إلى نفسه فإجازته لا تتعلق بما وقع أولا، لأن التبديل وقع بين ملك زيد والمشتري، والإجازة تتعلق بملك المشتري والفضولي الذي لم يكن ملكه طرف الإضافة. وبالجملة: كل ما تعلقت الإجازة بما انتقل من المجيز إلى الآخر - ولو في عقود متتابعة - فهي مؤثرة. وأما لو تعلقت بغيره فلا تؤثر وإن كان الملك حين الإجازة ملكا له، لأن الإجازة ليست عقدا ابتدائيا حتى يقع التبديل بها فعلا ولو على النقل فضلا عن الكشف. ولا يمكن قياس مسألتنا هذه على مسألة الإرث، لأنه لو أجاز الوارث العقد الواقع على ملك مورثه تؤثر إجازته بناء على الكشف من حين العقد، ولا يمكن الالتزام بهذا في المقام. وليست جهة الفرق إلا أن تبديل المالك واختلافهما لا يوجب تفاوتا في المملوك، وفي المقام يوجب ذلك، فالمنشأ لا تتعلق به الإجازة، والمجاز ليس هو المنشأ. ثم إنه ينبغي التنبيه على امور: الأول: قد ظهر أنه بعد الالتزام بالكشف من حين العقد وخروج الملك عن ملك المجيز إلى ملك المشتري قبل دخوله في ملك المجيز لا يلزم الالتزام باجتماع ملاك ثلاثة، بل الملك من حين العقد الأول إلى زمان العقد الثاني ملك للمشتري والمالك الأصيل، ومن حين العقد الثاني إلى زمان الإجازة ملك للمالك

[ 119 ]

الفعلي، وهو المجيز والمشتري، لأن المجيز ليس مالكا قبل شرائه، والأصيل ليس مالكا بعد بيعه. الثاني: أنه وإن كان مبنى الإشكالات أمرا واحدا إلا أن كل واحد منها يغاير الآخر، وليس من الإعادة بتقرير آخر. الثالث: أن ما دفع به المستشكل (1) إشكال اجتماع المالكين في ملك واحد في مطلق الفضولي لا يرجع إلى محصل، مضافا إلى ما في تعبيره من الملك الصوري باستصحاب الملك، فإن الاستصحاب المصطلح إنما يجري في مورد الشك في بقاء المتيقن، وذلك لأن الملك لو لم يكن للمجيز بعد العقد فإجازته غير مؤثرة، والمفروض أنها شرط متأخر. فالصواب أن يقال: إنه وإن اجتمع مالكان على ملك واحد في زمان واحد إلا أنه إذا كان ملك أحدهما في طول ملك الآخر فلا دليل على امتناعه، وأدل الدليل على إمكانه وقوعه كما في ملك العبد الذي يملكه المولى، وإنما الممتنع اجتماع مالكين عرضيين. ففي المقام حيث إن ملك المجاز له مترتب على ملك المجيز وقوامه به فاجتماعهما لا يضر. قوله (قدس سره): (والجواب: أن فسخ عقد الفضولي هو إنشاء رده.... إلى آخره). لا يخفى أن مبنى الجواب عن سادس الوجوه هو إمكان اختلاف الملك حين العقد والإجازة، فإذا أمكن ذلك فكل من هو مالك للمبيع فله الإجازة، فإذا أجاز المالك الأول يصير العقد له، وإذا فات محل الإجازة بانتقاله عنه فللمالك الثاني أن يجيز، وهكذا. وهذا إنما يصح لو كان البيع مجرد التبديل بين المالين من دون اعتبار قيام العوض مكان المعوض في طرف الإضافة، أو كانت الإضافة قابلة لتعلقها بالكلي من دون خصوصية مالك أصلا. وأما لو قلنا بأن البيع تبديل طرف إضافة بطرف إضافة اخرى مع اعتبار تعلق الإضافة بشخص خاص وإن لم يعتبر تعيينه حال


(1) المحقق التستري في المقابس: ص 134 س 36.

[ 120 ]

العقد فلا إشكال في أن هذا العقد غير قابل للإجازة، لأن الملك خرج عن ملك المالك الأصيل بسبب بيعه، فلا تؤثر إجازته ورده بعد بيعه. وأما الفضولي الذي اشترى المبيع فلأنه حين العقد لم يكن طرفا لإحدى الإضافتين، ولذا لا يؤثر رده فلا يؤثر إجازته، فالبيع كالنكاح مفوت لمحل الإجازة وإن لم يلتفت المالك إلى عقد الفضولي. فالقول بأن التزويج موجب لفوات محل الإجازة مطلقا حتى فيما لو مات الزوج الثاني، بخلاف البيع فإنه موجب لفواته بالنسبة إلى الأصيل لا يستقيم. وبالجملة: بعد ما تبين أن الإجازة ليست عقدا مستأنفا فلا بد أن تتعلق بالعقد السابق، وإذا بطل العقد السابق لانتقال الملك عن الأصيل إلى غيره، فلا يبقى محل للإجازة. فما ذكره المستدل (1) من أن حكم عقد الفضولي حكم سائر العقود الجائزة - سواء كان الجواز فيها حكميا كالهبة أم حقيا كالبيع الخياري - هو الحق، بل البطلان فيه أولى منها، لأنه قد حصل الملك للمتهب ومن عليه الخيار ولو متزلزلا، بخلاف مسألة الفضولي، فإذا أوجب تصرف الواهب ومن له الخيار بالبيع ونحوه بطلان العقد فكذلك تصرف المالك في المقام، ولذا لو عاد الملك إلى الواهب ومن له الخيار بالملك الجديد لا يرجع عقده الأول إلى ما كان قبل التصرف، فكذلك ملك البائع في المقام ملك حادث وهو غير ما وقع عليه العقد. قوله (قدس سره): (السابع: الأخبار المستفيضة الحاكية لنهي النبي (صلى الله عليه وآله) عن بيع ما ليس عندك... إلى آخره). الإنصاف أن الأخبار العامة والخاصة ظاهرة في فساد بيع من لا يكون المبيع له وإن اشتراه وأجازه، لأن النهي ظاهر في كونه إرشادا إلى اعتبار قيد في المعاملة، فلا يمكن الجواب عن الأخبار العامة، فضلا عن الخاصة الظاهرة في


(1) المحقق التستري في المقابس: ص 135 س 8.

[ 121 ]

المبيع الشخصي بما اجيب عنها في بيع الغاصب، لأن في بيع الغاصب يمكن أن يكون المنع راجعا إلى عدم قدرته على التسليم، كما لو باع لنفسه غير مترقب لإجازة المالك. أو راجعا إلى وقوعه لنفس الغاصب، فلا يدل على الفساد لو أسنده المالك إلى نفسه بإجازته. وفي المقام لا يجري شئ منهما. أما الأول فلأن مورد البيع قبل الشراء مورد يطمئن البائع بأن المالك يبيعه إياه، وإلا لا يقدم أحد مع عدم اطمئنانه بذلك على الإيجاب. وبعبارة اخرى: مورده مورد يصح دعوى المالكية مجازا بقرينة المشارفة (1). وأما الثاني فلأن عدم الملازمة بين فساد البيع للغاصب مع الفساد للمالك، إنما يكون منشؤه أن الخطاب الموجه إلى الغاصب بعدم وقوع العقد له لا إطلاق له بالنسبة إلى المالك، وأما في المقام فلا يمكن إنكار الإطلاق، لأن إجازة البائع وعدمها من حالات بيعه فيشمل النهي بإطلاقه صورة الإجازة أيضا. وبالجملة: لا يخفى ظهور الأخبار في عدم صحة البيع قبل الاشتراء، وأنه يشترط في البيع الثاني عدم سبق إلزام والتزام سابق على هذا البيع من البائع والمشتري، فلو التزم المشتري الثاني في البيع الأول على تسليم المبيع إلى المشتري الأول بحيث لا يستطيع على صرف المبيع عنه لبطل. كما أنه يشترط في البيع الأول عدم التزام المشتري بالشراء، بأن لا يكون هناك إيجاب وقبول بل صرف مقاولة، وأما لو كان ملزما بالشراء فصريح الأخبار بطلانه. والمفروض أن المشتري في مسألة " من باع ثم ملك " ملزم بالشراء على ما تقدم من أنه ليس للأصيل فسخ المعاملة. ولا يمكن الجواب عنه بما أفاده المصنف (قدس سره) من أن ظاهر الأخبار البطلان لو كان كل منهما ملزما بإنشائه دون ما إذا كان أحدهما ملزما به، وذلك لأن ظاهرها الصحة فيما لو كان كل منهما مختارا، فمفهومها البطلان لو لم يكن كذلك.


(1) وفيه: أن مجرد الاطمئنان بشرائه عن المالك لا يقتضي أن يكون قادرا على التسليم، فإن فعل الغير لا يدخل تحت قدرة الفضولي. (منه مد ظله).

[ 122 ]

وأما حمل الأخبار على الكراهة - لورود أكثرها في بيع الكلي الذي استقر مذهب الخاصة على جوازه ولو لم يكن البائع مالكا له - فبعيد جدا. أما أولا فلعدم ظهورها فيه إلا خصوص صحيحة معاوية بن عمار (1) في بيع الحرير. وأما صحيحة ابن مسلم (2) فتنكير المتاع لا يدل على كونه كليا، لوقوعه في كلام السائل، وغرضه السؤال عن كل فرد من أفراد الأمتعة من دون خصوصية قسم خاص، وإلا فيقتضي أن يكون المتاع المبهم من جميع الجهات مفروض سؤال السائل، وهذا لا يقع في الخارج أصلا، لأن الأثمان تقع بإزاء الصور النوعية لا المادة المشتركة، فلا يمكن أن يكون قوله: " سألته عن رجل أتاه رجل فقال له: ابتع لي متاعا " (3) هو طلب شراء المتاع المبهم القابل لانطباقه على كل شئ. هذا، مضافا إلى ظهور قوله: " لعلي اشتريه منك بنقد أو نسيئة " في المبيع الشخصي. وأما ثانيا فظهور أكثرها في الكلي لا يوجب حمل جميعها عليه، فما كان ظاهرا في الكلي يحمل على الكراهة بقرينة أن المذهب استقر على صحة بيعه، وما كان ظاهرا في الشخصي فيحكم بفساده على ما هو ظاهر النهي فإنه كاشف عن اعتبار قيد في المعاملة وهو كون البائع مالكا للمبيع. ثم لا يخفى أنه لو قلنا بصحة هذا البيع فلا تتوقف على الإجازة، لأن الغرض منها إما حصول الرضا من المالك أو الاستناد إليه، وكل منهما حاصلان بصدور البيع عنه لنفسه، فلا يمكن حمل الأخبار على صورة عدم الإجازة، مع أنها مثل صورة الإجازة في الصحة والفساد. هذا كله مع اعترافه (قدس سره) بأن رواية الحسن بن زياد الطائي تدل على ما اختاره صاحب المقابس، والعجب أنه (قدس سره) حمل النهي على ما يترتب بعد البيع من عدم


(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 50 ح 219، عنه الوسائل: ب 8 من أبواب أحكام العقود ج 12 ح 7 ص 377. (2 و 3) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 51 ح 220، عنه الوسائل: ب 8 من أبواب أحكام العقود ج 12 ح 8 ص 377.

[ 123 ]

تسليم المبيع ونحوه (1)، فإن النهي الظاهر في اعتبار قيد في نفس المعاملة كيف يحمل على ما يترتب عليها بعد فرض صحتها؟! والإنصاف أنه لم تكن المناقشة في دلالة الأخبار على الفساد لائقة بمقامه، فتدبر جيدا. قوله (قدس سره): (ثم إن الواجب على كل تقدير هو الاقتصار على مورد الروايات... إلى آخره). لا يخفى أنه لا فرق في البيع الشخصي بين صوره، فإن الأخبار العامة والخاصة يشمل عمومها أو إطلاقها لجميع صور المسألة، فالأقوى هو البطلان، سواء باعه لنفسه أم باعه عن مالكه فصار مالكا بأن انتقل إليه بعد البيع، أم باعه لثالث فاتفق صيرورة الثالث مالكا، أو اتفق صيرورة نفسه مالكا. وعلى التقديرين لا فرق بين تحقق الإجازة وعدمه. وفي جميع صور المسألة لو أجاز المالك الأصيل قبل بيعه من البائع صحت المعاملة، لأنها من أفراد بيع الفضولي، غاية الفرق هو اختلاف كيفية تحقق قصد المعاوضة. وبالجملة: المبحوث عنه في المقام هو وقوعه لمن لم يكن حال العقد مالكا وصار مالكا بعده. واصول أقسامه ثلاثة: البيع لنفسه، وعن مالكه، وعن ثالث أجنبي. فلو باع لنفسه فالأقوى بطلانه سواء باعه بداعي كونه ملزما بالاشتراء عن مالكه وتسليمه الى المشتري - كما في البيع الكلي الذي يجب عليه تحصيله - أم بداعي أنه لو اتفق صيرورته مالكا يسلمه إلى المشتري. ويظهر من المصنف أن مورد الأخبار هو مورد البناء على لزوم التحصيل عليه من غير ترقب لإجازة مجيز أصلا، لا من المالك ولا من البائع إذا ملك. وكذلك الصورة الثانية إذا لم يجز بعد الشراء دون ما إذا باع على أن يكون العقد موقوفا على الإجازة من المالك أو البائع بعد تملكه، واستظهر هذا المعنى من العلامة


(1) المكاسب: كتاب البيع ص 140.

[ 124 ]

أيضا، فإن استدلاله بالغرر وعدم القدرة على التسليم ظاهر في مورد يقع البيع على وجه يلزم على البائع تسليمه. ولكنك خبير بأن الأخبار صريحة في أن البيع قبل تملك البائع لا يصح سواء كان البائع بانيا على لزوم التحصيل أم كان مترقبا للإجازة، تحققت الإجازة أم لا. ومجرد بنائه على لزوم التحصيل عليه لا يؤثر في الفساد. وترقبه للإجازة وتحققها لا يؤثران في الصحة، فإن البناء القلبي لا يؤثر في الفساد والصحة في باب المعاملات. واستدلال العلامة (قدس سره) (1) على الفساد بالغرر والعجز عن التسليم لا يصلح لحصر الفساد في صورة دون اخرى، لأن هذين المحذورين وإن لم يجريا في جميع الصور إلا أن النهي يشمل جميعها. ولو باع عن المالك فاتفق أنه صار مالكا فلو قلنا بالصحة فلا إشكال في توقفها على إجازته، لأن رضاه سابقا لا يفيد لوقوع المعاملة عنه، فصحتها تتوقف على رضاه حين الملك حتى يستند البيع إليه عن طيب. ولكن الكلام في صحته، فإن الأخبار وإن لم تعم هذه الصورة إلا أن بعد ما عرفت من الفرق بين التبديل في المالك والملك فحكم هذا القسم حكم ما لو باع لنفسه، لأن تبديل الملك يوجب اختلاف المنشأ والمجاز، بل الاختلاف فيه أظهر، لأن في القسم الأول باع لنفسه وهو المجيز. وفي القسم الثاني باعه عن مالكه وهو لا يجيز، وإنما يجيزه المالك حال الإجازة، وقياسه على ما إذا باع لنفسه فأجازه المالك لنفسه لا وجه له، لأن صحة هذا القسم إنما هو لإلغاء قصد البيع للنفس كإلغائه في مورد الغاصب، فإذا تحقق قصد المعاوضة والغي قيد لنفسه صح تعلق إجازة المالك بها. وأما قصده للمالك الأصيل فلا يمكن إلغاؤه، فإجازة غيره لا ترتبط بالعقد. ويمكن أن يكون قوله: " فتأمل " إشارة إلى هذا.


(1) تذكرة الفقهاء: ج 1 ص 463 س 5.

[ 125 ]

ولو باعه لثالث فاتفق أن الثالث صار مالكا فحكمه حكم ما لو باع لنفسه ثم ملك سواء أجاز الثالث أم لم يجز. أما في صورة عدم الإجازة فواضح. وأما في صورة الإجازة فلأن النهي التكليفي وإن لم يشمله - كما في الصورة الثانية وهي ما لو باعه عن المالك - إلا أن الوضعي المستفاد من الأخبار - وهو شرطية كون البائع مالكا - يشمل كلتا الصورتين. هذا، مع أن التبديل في الملك الموجب لاختلاف المنشأ والمجاز كاف في الفساد. فظهر مما ذكرنا أن الحكم في جميع الصور هو الفساد. ولا فرق بين أقسام الصورة الاولى، فسواء باعه عن نفسه منجزا أم باعه على أن يكون العقد موقوفا على الإجازة فاتفقت الإجازة منه بعد تملكه، أو تبايعا على أن يكون اللزوم موقوفا على تملك البائع دون إجازته فالحكم في الجميع هو البطلان. ولا وجه لتخصيصه (قدس سره) الفساد بالصورة الاولى والثانية إذا لم تتفق الإجازة، دون ما إذا علق العقد على الإجازة فتحققت، ودون ما إذا علق اللزوم على التملك. مع أنه نقل عن الدروس (1) فساد هذه الصورة الأخيرة. هذا، مع أنه لو كان المراد من التعليق في العقد هو التعليق البنائي فقد تقدم أن البناء القلبي لا أثر له في باب العقود والإيقاعات. ولو كان المراد هو التعليق في ضمن العقد فهذا هو التعليق في المنشأ الذي أجمعوا على بطلانه. ثم إنه ليس لتعليق اللزوم على التملك معنى محصل في المقام، لأنه عبارة عن جعل الخيار، وهو إنما يكون مقابلا للالتزام العقدي من المالك، وليس العقد منسوبا إلى البائع في المقام. والاسم المصدري الغير الحاصل لا معنى لجعل الخيار فيه، فمقصود صاحب الدروس ليس ما هو ظاهر عبارته، بل غرضه تعليق اللزوم على الانتقال على نحو الداعي، ولذا عبر عنه بقوله: " ولو أراد لزوم البيع بالانتقال فهو بيع ما ليس عنده " (2).


(1) الدروس الشرعية: ج 3 ص 193. (2) المصدر السابق.

[ 126 ]

قوله (قدس سره): (ثم إنه قد ظهر مما ذكرنا في المسألة المذكورة حال المسألة الاخرى، وهي ما لو لم يجز البائع بعد تملكه.... إلى آخره). قد تقدم أنه لو قلنا بصحة أصل البيع وعدم ما نعية التبديل في طرف الملك فلا وجه لاعتبار الإجازة أصلا، لأنه لم يقم دليل تعبدي على اعتبارها، وإنما نحتاج إليها في الفضولي، لتحقق الاستناد والرضا، وهما في المقام حاصلان. فالعمدة بيان وجه أصل الصحة. والأولى البحث أولا عن إمكان إدراج هذا البيع في العمومات. ثم البحث ثانيا عن الأدلة المانعة، لأنه لو لم تعمه العمومات فلا موقع للبحث عن الأدلة المانعة. ويظهر منه (قدس سره) شمول " أوفوا بالعقود " له، إلا أنه جعل المقام أولا من موارد الرجوع إلى استصحاب حكم الخاص، لا من موارد الرجوع إلى عموم العام، لأن البائع قبل تملكه لم يكن مأمورا بالوفاء بالعقد فيستصحب. ثم أضاف إليه ثانيا: أن عموم " أوفوا بالعقود " معارض بعموم " الناس مسلطون على أموالهم "، وعدم حلها لغيرهم إلا بطيب النفس فحكم باعتبار الإجازة من باب الناس مسلطون. وفي كلامه ما لا يخفى على المتأمل، كما أمر بالتأمل، لأن مقام الرجوع إلى الاستصحاب أو العام إنما هو في الفرد المعلوم فرديته الخارج عن حكم العام في قطعة من الزمان، والبائع في المقام قبل أن يشتريه لم يكن مأمورا بالوفاء بعقده، وإنما الشك في أنه بعد ما اشتراه هل هو مأمور بالوفاء أو لا فهو قبل أن يشتريه لم يكن مصداقا للعام، وكان كشخص لم يكن عالما في زمان ثم صار عالما؟ فلا يمكن أن يقال: هذا الفرد من العام لم يكن واجب الإكرام فيستصحب حكم المخصص، لأن البائع خارج عن العام تخصصا، مع أنه لو قيل بأن كل من له ربط بالعقد يجب وفاؤه به، إلا أن محل الرجوع إلى حكم العام أو الخاص إنما هو في مورد الشك بالنسبة إلى عمود الزمان، كالشك بعد زمان الأول في البيع الغبني بأنه محكوم بحكم الخيار أو بحكم العام، لا فيما كان المخصص من الزمانيات، كما إذا خصص وجوب الوفاء بالعقود بمورد خاص وشك في أن هذا هو المورد الخاص أو غيره.

[ 127 ]

ثم لا يخفى أنه لو قلنا بأن المقام من موارد الرجوع إلى عموم العام فلا يمكن أن يعارض بدليل السلطنة واعتبار الطيب، لأن معنى وجوب الوفاء بالعقد هو لزومه عليه قهرا، ووجوب الإلتزام بآثاره شرعا. وحاصل الكلام: أنه لا يمكن تصحيح البيع الشخصي لمن لا يملكه، سيما إذا قصد البيع لنفسه، لأنه لو صح له فلا يمكن وقوعه للمالك الأصيل إذا أجاز، مع أنه لا إشكال في وقوعه له إذا أجاز قبل بيعه من البائع، لأن معنى وقوعه للبائع أنه قصد خروج المال عن ملكه بعد فرض نفسه مالكا بالأول والمشارفة، فهو في الحقيقة يوقع المبادلة بين ملكه بما هو ملكه وبين ملك الطرف، فالمالك الأصيل أجنبي عن العقد، ولا يمكن قياسه على الغاصب، لأنه بعد سرقة الإضافة يوقع المبادلة بين ملكي المالكين، ولا يلاحظ شخص نفسه إلا على نحو الداعي، بل المقام نظير البيع الكلي في إجراء البائع المعاملة على ملك شخصه. وبالجملة: الأمر يدور بين أن يجعل البائع أجنبيا أو الأصيل. والمفروض أنه يقع للأصيل إذا أجاز، فلا مناص عن جعل البائع أجنبيا ويكون كمجري الصيغة. وعلى أي حال فقد ظهر مما ذكرنا من صدر المبحث إلى هنا أنه لا فرق بين تحقق الملك للبائع بالشراء وتحققه بالإرث. نعم، هناك فرق بينهما من جهة اخرى، وهي: أن الوارث حيث إنه يقوم مقام مورثه فله الإجازة، لا من باب أنه ملك ما باعه، بل من باب أنه هو المورث، فيكون حكمه حكم المالك الأصيل في نفوذ إجازته قبل بيعه من البائع، وحكمه حكم نفس المورث لو أجاز حال حياته. نعم لو قلنا: بأن في مسألة من باع ثم ملك بالشراء لا يصح الإجازة من المالك الأصيل، لعدم إمكان الجمع بين قابلية انتساب العقد إلى كل من المالك والبائع، فالوارث في المقام أيضا ليس له الإجازة من باب قيامه مقام مورثه، بل هو من أفراد " من باع شيئا ثم ملك " فالفرق بينهما لا وجه له. فتأمل في أطراف الكلام جيدا.

[ 128 ]

قوله (قدس سره): (المسأله الثالثة: ما لو باع معتقدا لكونه غير جائز التصرف فبان كونه جائز التصرف.... إلى آخره). لا يخفى أن ربط هذه المسألة بالمسألتين السابقتين منوط بما ذكرنا في الجهة الثالثة من الجهات الراجعة إلى شرائط المجيز، وهو: أن عدم جواز تصرف المجيز حال العقد إما واقعي وإما خيالي، ونقحنا الواقعي في ضمن مسألتين، فإن عدم جواز التصرف واقعا إما لتعلق حق الغير بالمال، وإما لعدم كونه مالكا. فبقي حكم الخيالي، وهو على صور أربع لأن اعتقاد عدم جواز التصرف المنكشف خلافه إما لعدم الولاية فانكشف كونه وليا، وإما لعدم الملك فانكشف كونه مالكا. وعلى كلا التقديرين: فإما يبيع لنفسه أو عن المالك. فالصورة الاولى: أن يبيع عن المالك فانكشف كونه وليا. والظاهر من المصنف (قدس سره) صحتها من دون توقف على إجازة المالك. ولا يخفى أن الولاية على قسمين: إجبارية واختيارية، والإجبارية: إما بموهبة من الله سبحانه كولاية الأب والجد، وإما بموهبة من المخلوق كولاية العبد المأذون من قبل المولى في التجارة. والاختيارية كولاية القيم على الصغار والوكيل. ثم لا يخفى أن صحة هذه المعاملة وفسادها مبنيان على أن يكون العلم بالولاية أو الالتفات بالوكالة طريقيا أو موضوعيا، فلو قلنا بالطريقية فلا إشكال في الصحة، والأقوى كونه كذلك، لأن الأحكام تدور مدار موضوعاتها واقعا، وكونها منوطة بالعلم بها يتوقف على دليل. نعم، ولاية العبد ليست في الظهور كولاية سائر الأولياء، فإنه بعد ما دل الدليل على حجره وعدم قدرته على شئ يشك في خروجه عن العجز بمجرد إذن المولى واقعا مع عدم علمه به. وكون إعطاء الإذن من آثار سلطنة المولى لا ينافي فساد بيعه، لاعتبار علمه برفع الحجر. وبالجملة: فكما أن العجز في امتثال الخطابين المتزاحمين لا يتحقق إلا مع

[ 129 ]

العلم بهما، فكذلك القدرة لا تتحقق للعبد إلا بوصول الإذن إليه، لعدم صدق كونه قادرا مع عدم العلم بها. ولكن الأقوى عدم الفرق بين القدرة والوكالة والولاية في أن العلم في كل منها طريقي. هذا، مع أن الذي يهون الخطب أن العبد وإن لم يصر قادرا شرعا بالإذن الواقعي إلا أنه ليس كالصبي والمجنون مسلوب العبارة، فيكون بيعه لمولاه من أفراد الفضولي فيتوقف على إجازة المولى. كما أنه لو باع مال غير المولى يتوقف صحة بيعه على إجازة صاحب المال والمولى. كما أنه لو قلنا بموضوعية العلم في جميع أنحاء الولاية فمع عدم العلم بها يدخل البيع في الفضولي، ولكن احتمال موضوعيته في باب ولاية الأب والجد والحاكم الشرعي والقيم ضعيف. فعلى القول ببطلان الفضولي يصح هذا البيع لخروجه عنه بالإذن الشرعي أو المالكي، وفي هذه الصورة لا تتوقف الصحة على الإجازة، لأن الإذن السابق لا يقصر عنها. والصورة الثانية: أن يبيع لنفسه فانكشف كونه وليا، والأقوى صحته وعدم توقفه على الإجازة. أما صحته فلأن قصد بيعه لنفسه لغو بعد أن أوقع التبديل بين طرف الإضافة المالكية والطرف الآخر. وأما عدم توقفه على الإجازة فلأن الإذن السابق لا يقصر عن الإجازة. وبالجملة: لو كان القصد لنفسه منافيا لقصد المعاوضة فلا تنفعه الإجازة اللاحقة، ولو كان لغوا فيكفي لصحته الإذن السابق. والثالثة: أن يبيع عن المالك ثم ينكشف كونه مالكا، وهذا على قسمين: الأول: أن يبيع عن المالك مع اعتقاده أن المالك أبوه بأن يطبق المالك على أبيه. والثاني: أن يبيع عن شخص أبيه. والفرق بينهما كالفرق بين الوصف والإشارة. أما القسم الأول فلا إشكال في صحته، لأنه قصد البيع عن مالك المال فأوقع التبديل بين الملكين. وتطبيق المالك على الأب لا يضر بصحة المعاملة ووقوعها لنفسه، إنما هو لكونه أحد طرفي الإضافتين وهو المالك واقعا.

[ 130 ]

إنما الإشكال في القسم الثاني والصورة الرابعة، وهي: أن يبيع لنفسه وكل منهما يختص بإشكال لا يجري في الآخر، وإن توهم بعض ورود الإشكال المختص بالصورة الرابعة على القسم الثاني أيضا على ما نقله المصنف عن النهاية (1) والإيضاح (2). وحاصل إشكالهم على ما إذا قصد بيع ماله عن أبيه: هو أنه قصد البيع عن أبيه لا عن نفسه، فلو انكشف كون المال لنفسه فكيف يصح المعاملة؟ وتقع له بمجرد كونه في الواقع له، هذا مع أن هذا البيع وإن كان منجزا في الصورة إلا أنه معلق واقعا، والتقدير: إن مات مورثي فقد بعتك. هذا مضافا إلى أنه كالعابث عند مباشرة العقد لاعتقاده أن المبيع لغيره. ولا يخفى أن الإشكال الثاني - مع أنه لا صغرى له ولا كبرى في المقام - لا يجتمع مع الإشكال الأول. أما عدم الصغرى فلأن المفروض أن الوارث يظن حياة أبيه ويبيعه أيضا عن أبيه، فكيف يكون تقدير هذا البيع: إن مات مورثي فقد بعتك؟ بل هذا التعليق المعنوي يجري في خصوص ما إذا باع لنفسه مع ظنه بحياة مورثه. وأما عدم الكبرى فلأن التنجيز صورة كاف في صحة المعاملة وإن كان في الواقع معلقا. وأما عدم اجتماعه مع الإشكال الأول فلأن الإشكال الأول هو أنه مع قصد البيع عن الأب كيف يقع لنفسه؟ فلا يرد إشكال التعليق، وهو إن مات مورثي فقد بعتك، لأن مرجعه إلى أنه قصد البيع لنفسه. وأما الإشكال الثالث فهو الإشكال المعروف الوارد على التشريع، وحاصله في المقام: أنه مع اعتقاده بأن المال لأبيه كيف يقصد المعاوضة الحقيقية؟ وقد أجبنا عنه في بيع الغاصب بأن البناء على أمر يعتقد خلافه بمكان من الإمكان. ثم إن المصنف (قدس سره) أجاب عن الإشكال الأول: بأن قصد نقل الملك عن الأب لا يضر بوقوعه لنفسه، لأنه وإن قصد عن أبيه إلا أنه قصده من حيث كونه مالكا (3)،


(1) نهاية الإحكام: ج 2 ص 476 - 477. (2) ايضاح الفوائد: ج 1 ص 420. (3) المكاسب: كتاب البيع ص 141 س 24.

[ 131 ]

ففي الحقيقة قصد النقل عن المالك - أي الحيثية - في المقام تقييدي والموضوع هو الأب المالك. ولكنك خبير بأن الحيثية التقييدية لا يمكن الالتزام بها في الموضوعات الشخصية، لأن الفرد الخارجي غير قابل للتعدد فتقييده ممتنع، فالأب إذا كان هو الذي بيع عنه فهو ملحوظ بخصوصيته. وتوصيفه بأنه المالك حيثية تعليلية، والحيثية التعليلية لا أثر لها، لاتحاد المنشأ والمجاز. وبالجملة: النزاع في أن الحيثية تقييدية أو تعليلية إنما هو في الأحكام الكلية المتعلقة بالعناوين، كتعلق الأمر بالصلاة والنهي بالغصب، فيقع النزاع في أن متعلق الحكمين هو المعنون والعنوان جهة تعليلية، أو نفس العنوان وتعلقه بالمعنون إنما هو لانطباق العنوان عليه، وأما لو تعلق حكم أو إشارة بشخص خاص مع اتصافه بعنوان، كوجوب إكرام زيد العالم أو الاقتداء بعمرو العادل فلا شبهة في أن الحيثية تعليلية. فإذا قصد نقل المال عن أبيه فلا يمكن أن يقال: إن المقصود هو النقل عن المالك ولو عنون أباه بالمالك. نعم، أصل الإشكال غير وارد، لأن قصد نقل المال عن شخص معين مع إيقاع التبديل بين المعوض والعوض الشخصيين لا يضر بوقوع المعاملة عن مالكيهما، ولذا لو اشترى من شخص بتوهم أنه زيد فبان كونه عمرا تقع المعاملة بينه وبين عمرو. وبالجملة: هذا الإشكال المختص بما إذا باع عن أبيه لا وقع له في العوض والمعوض الشخصيين. وأما الإشكال المختص بما إذا باع لنفسه مع اعتقاده بأنه لغيره فهو التعليق في المعنى. والجواب عنه: أن التعليق الواقعي لا يضر مع التنجيز في الصورة. هذا، مضافا إلى أنه لو كان هناك تعليق فهو في الحكم الشرعي لا في المنشأ، لا صورة - كما هو ظاهر - ولا معنى، لأن المعتقد بحياة أبيه لا يصدر البيع عنه لنفسه، إلا بفرض المال مال نفسه إما بالمشارفة، وإما بالادعاء ونحوه كالغاصب، وإلا يكون سفيها.

[ 132 ]

ثم إنه بعد الفراغ عن صحة الصورتين فهل تصحان مطلقا، أو مع الإجازة، أو تفصيل بينهما؟ والحق هو الأخير. أما الصورة الاولى فتوقفها بقسميها على الإجازة واضح، لأنه باع عن المالك أو عن أبيه فلم يسند المعاملة إلى نفسه، فيتوقف وقوعها عن نفسه على الإجازة، حتى تستند إليه الذي هو المالك حقيقة. ومجرد الرضا بأصل التبديل لا يكفي في الطيب، والرضا المعتبر من المالك بعنوان أنه مالك، وذلك لأن مقتضى قوله عز من قائل: * (إلا أن تكون تجارة عن تراض) *، وقوله (عليه السلام): " لا يحل مال امرى مسلم إلا بطيب نفسه " وإن كان كفاية رضا المالك وطيب نفسه ولو مع اعتقاده بأن المال لغيره، ولكن بمناسبة الحكم والموضوع يستفاد منهما أن ذات الرضا والطيب بما هو ليس موضوعا للحكم، فإن احترام ماله وتوقف التصرف فيه على إذنه يناسب أن يكون إذنه بما أنه مالك دخيلا في جواز التصرف. ومعلوم أن الطيب بأصل التبديل ليس طيبا بالتبديل المالكي، كما أن العمد بأصل التكلم أو العمد بالأكل ليس عمدا بالتكلم في الصلاة أو الأكل في نهار شهر رمضان. فيتوقف شمول الدليل الدال على ما نعية التكلم في الصلاة، أو مفطرية الأكل على العلم بأنه في الصلاة، وبأنه في نهار شهر رمضان، لأن الأحكام المترتبة على الأفعال بعناوينها الخاصة إنما تترتب عليها بعد صدورها مع قصد هذه العناوين، فالإذن في الأكل مع عدم العلم بأنه ماله والإذن في العتق مع عدم العلم بأنه عبده لا يوجب جواز التصرف للمأذون واقعا ونفوذه بحيث لا يتوقف على الإجازة اللاحقة. ومجرد كون المالك هو المباشر للعقد لا يكفي في صحته، فإنه وإن كان مستندا إليه وصادرا منه عن طيب، إلا أنه لا بعنوان كونه مالكا فيعتبر الإجازة اللاحقة حتى يستكشف الرضا المالكي وبما أنه ماله، كما يعتبر الإجازة من المكره حتى يصح ما صدر عنه كرها مع كون الفعل صادرا من نفسه.

[ 133 ]

فالإجازة قد تفيد فائدة الرضا كإجازة المالك في المقام وإجازة المكره، وقد تفيد الرضا والاستناد معا كما في الفضولي، بل من هذا البيان يمكن اعتبار الإجازة في صحة عقد من باع عن المالك وانكشف كونه وليا أو وكيلا، فإنه وإن كان هو المباشر للعقد إلا أن بيعه لم يقع بعنوان الولاية، فلاعتبار نظرة الولي تعتبر الإجازة بعد تبين الحال. وكيف كان فاعتبار الإجازة في المقام إنما هو لما ذكره المصنف (قدس سره)، لا لما يظهر من جامع المقاصد: من أن البائع لم يقصد البيع الناقل للملك فعلا، بل مع إجازة المالك (1)، فإن هذا ممنوع. أما أولا: فلأن البائع لا يقصد إلا أصل البيع، وحصول النقل حينه أو بعد الإجازة من الأحكام الشرعية، لا من منشآت البائع حتى يختلف تحقق المنشأ باختلاف أنحاء قصده. وأما ثانيا: فلأن هذا ينافي مذهب الكشف، فكيف يرضى القائل به أن يقول: البائع لا يقصد نقل المال حين العقد؟! ثم إن مما ذكرنا ظهر مدرك عدم اعتبار الإجازة في الصحة، ومدرك اعتبارها فيها. وحاصل الأول: هو أن المالك حيث إنه المباشر للعقد فلا وجه لاعتبار الإجازة فيما يرجع إلى تصرف نفسه في ماله. واستدلوا له بوجه آخر، وهو: أن قصده إلى نقل مال نفسه إن حصل بمجرد التبديل بين المالين المعينين - وإن لم يعلم بأنه المالك للمبيع - فهو أولى من الإذن لغيره في إيقاع المعاملة، فضلا عن إجازته في ذلك، وإلا فيفسد من أصله. وتقدم الجواب عن الوجه الأول. وأما الثاني ففيه: أنه لا تنافي بين الصحة وتوقفه على الإجازة، لأن في أصل الصحة يكفي قصد التبديل بين المالين، وقصد مال نفسه أو غيره لا ينفع ولا يقدح، ولكنه من جهة الرضا المالكي من حيث إنه ماله يتوقف على الإجازة.


(1) جامع المقاصد: ج 4 ص 76.

[ 134 ]

وحاصل الثاني: أن أدلة اعتبار الرضا وطيب النفس دالة على اعتبار الرضا بنقل ماله من حيث إنه ماله، وهو لما لم يكن عالما بأنه ماله فالرضا بهذا النحو لم يحصل، تتوقف الصحة على الإجازة كتوقف عقد المكره عليها. وهنا قول آخر (1): وهو اعتبار الإجازة في اللزوم دون الصحة. واستدلوا له بقاعدة نفي الضرر. وحاصل تقريبه: أن لزوم هذا النقل على المالك بحيث لا يتوقف على طيب نفسه بما أنه ماله ضرر عليه، فيكون له الخيار في الرد والإجازة. وأجاب عنه المصنف بما لا يخلو عن خفاء وإشكال. وحاصل ما أورده على هذا القول: هو أن التمسك بقاعدة الضرر لإثبات الخيار وتوقف اللزوم على الإجازة إنما هو بعد الفراغ عن صحة العقد، والكلام الآن في صحته، لأن العقد ناقص من حيث الحدوث لا من حيث البقاء. وبعبارة اخرى: الملاك الموجب لاعتبار الإجازة في عقد الفضولي هو الموجب لاعتبارها في عقد من باع ماله باعتقاد أنه لغيره، وهو الأدلة الدالة على اعتبار طيب نفس المالك في نفوذ التصرف في ماله، لا الأدلة الثانوية، كقاعدة الضرر الموجبة لثبوت الخيار للمتضرر: كخيار الغبن والعيب. نعم يصح التمسك بها في المقام أيضا، إلا أن مفادها اعتبار الإجازة في الصحة لا اللزوم، لأن انتقال ماله بدون اعتبار رضاه بما أنه ماله ضرر عليه فيرتفع، لا أن لزومه ضرر عليه بعد الفراغ عن صحته، كما في الضرر المترتب على لزوم البيع لأمر راجع إلى أحد العوضين. ولكنك خبير بأنه لو اكتفى (قدس سره) في الجواب: بأن المقام ليس من مقام التمسك بالقاعدة الثانوية، لأن نفس الأدلة الأولية قاضية باعتبار الإجازة في انتقال المال لكان في محله. ولكنه حيث جعل الضابط في التمسك بقاعدة نفي الضرر كون الضرر مترتبا على لزوم البيع لأمر راجع إلى أحد العوضين - لا لأمر راجع إلى


(1) القول للعلامة في النهاية: ج 2 ص 475، وقواه المحقق التستري في المقابس: ص 137 س 5.

[ 135 ]

نفس العقد أو إلى المتعاقدين، فإنه ليس مقام التمسك بالقاعدة ثم اعترف بصحة التمسك بها لنفي الصحة - فيرد عليه: أولا: أنه يمكن التمسك بها لأمر يرجع إلى المتعاقدين، كاعتبار علمهما بالعوض والمعوض فإن الجهل بهما يوجب الضرر. وثانيا: أن التمسك بها لنفي الصحة لا يستقيم رأسا، لأن الصحة ليست أمرا مجعولا حتى ترتفع بها، بل هي منتزعة من تحقق الشرائط، فلو دل دليل على اعتبار قيد في ناحية الأسباب أو المسببات فنفس هذا الدليل كاف لإثبات هذا القيد، كالدليل الدال على اعتبار رضا المالك بما أنه ماله، والدليل الدال على اعتبار كون المشتري مسلما لو كان المبيع عبدا مسلما أو مصحفا، ولو لم يدل فلا يمكن إثبات قيد بقاعدة الضرر ونحوها، لأنها حاكمة على الأحكام الثابتة، ولا يمكن إثبات حكم بها لولا جعله لزم منه الضرر. وحاصل الكلام: أنه لو استفدنا من قوله (عليه السلام): " لا يحل مال امرى مسلم إلا بطيب نفسه " اعتبار طيب النفس على التصرف بعنوان أنه مال امرى إما للظهور اللفظي أو لمناسبة الحكم والموضوع، فيغنينا عن التمسك بقاعدة نفي الضرر، وإلا فلا يمكن اعتبار قيد " لولاه لزم منه الضرر ". قوله (قدس سره): (ثم إن الحكم بالصحة في هذه الصورة غير متوقف على القول بصحة عقد الفضولي.... إلى آخره). وجهه: أنه ليس من أفراد الفضولي، لأنه وقع ممن أمره بيده فلا تشمله الأدلة الدالة على فساد الفضولي: من الإجماع، والكتاب، والسنة. نعم، لو قلنا بفساد عقد الفضولي من باب حكم العقل بقبح التصرف في مال الغير - المستتبع لحكم شرعي بحرمة التصرف المستلزمة للفساد إذا رجعت إلى المسبب - فيتجه البطلان في المقام. ولكنه لا يخفى أن هذا مبني على أن يكون حكم العقل بقبح التصرف في ما يعلم أنه مال الغير وما لا يعلم أنه مال الغير بمناط

[ 136 ]

واحد، نظير حكمه بقبح التشريع الذي هو عبارة عن الإسناد إلى الشارع ما لم يعلم أنه منه، فيتجه الفساد في المقام. وأما لو قلنا بأن العقل يحكم في صورة العلم بأنه مال الغير وفي صورة الشك وعدم العلم بمناطين - أي في المال الذي هو في الواقع ليس ماله بمناط واقعي، وفي المال الذي هو ماله ولا يعلم بأنه ماله بمناط طريقي كحكمه في الظلم - فلا يستلزم الفساد في الفضولي الفساد في المقام، لأنه وإن قبح التصرف إلا أن حكمه طريقي، فالحكم الشرعي المستفاد منه من باب الملازمة أيضا طريقي فإذا انكشف مخالفة الاعتقاد للواقع فلا يكون إلا تجريا. هذا تمام الكلام في الصورة الاولى. وأما الصورة الثانية - وهي أن يبيع لنفسه باعتقاد أنه لغيره فانكشف أنه له - فوجه عدم توقفها على الإجازة تمامية أركان العقد حتى بيعه بعنوان أنه ماله، لأن البائع بعد فرض نفسه مالكا للمال إما للمشارفة وإما للإستيلاء عليه عدوانا يبيعه بعنوان أنه ماله، واعتقاد أنه لغيره لا يوجب توقف عقده على إجازته. ولكنه يمكن أن يقال بالفرق بين الغاصب وغيره، فإن الغاصب بعدما جعل نفسه مالكا واستولى على المال يبيعه بعنوان أنه ماله. وأما الذي يريد أن يشتري من مالكه ويسلمه إلى المشتري فهو وإن باعه لنفسه إلا أنه لا بعنوان أنه ماله فعلا فيتوقف على الرضا بعد انكشاف الحال، كتوقف عقد المكره عليه، فإن الرضا بأصل التبديل غير الرضا بأنه ماله فعلا، فصحته تتوقف على الإجازة، فتدبر. * * * قوله (قدس سره): (وأما القول في المجاز فاستقصاؤه يكون ببيان امور: الأول: يشترط فيه كونه جامعا لجميع الشروط المعتبرة في تأثيره عدا رضا المالك.... إلى آخره). لا إشكال في أنه يعتبر في عقد الفضولي جميع ما يعتبر في سائر العقود، حتى

[ 137 ]

الشروط المعتبرة في تأثير العقد، مثل القدرة على التسليم فلا خصوصية فيه من بين العقود، إلا أنه يتطرق فيه احتمالات، بل أقوال لا تجري في غيره، وهي: اعتبارها حين العقد، أو حين الإجازة، أو من زمان العقد إلى زمان الإجازة. ولا يبعد أن يكون أقوى الاحتمالات هو الأول من غير فرق بين الكشف والنقل. نعم، من مناسبة الحكم والموضوع يستفاد اعتبار بعض الشرائط حين تسليم المبيع إلى المشتري، كالقدرة على التسليم، وكون مشتري المصحف والعبد المسلم مسلما، فلا تعتبر حال العقد ولا حال الإجازة، إلا أن يكون زمان الإجازة زمان لزوم التسليم. أما عدم اعتبار وجود هذه الشرائط حين العقد فلأن مناط اعتبارها لا يقتضي إلا أن يكون حال لزوم التسليم هذا الشرط موجودا، فلو باع الفضولي سلما فوجود القدرة حال العقد أو حال الإجازة لا أثر له، وهكذا كون المشتري حال العقد كافرا لا يضر بشرائه المصحف، أو المسلم إذا كان مسلما حال وصولهما تحت استيلائه، لأن اعتبار هذا الشرط إنما هو لعدم استيلاء الكافر على المصحف والعبد المسلم. وأما اعتبار وجود سائر الشرائط حال العقد فلأن المفروض أن الإجازة ليست عقدا مستأنفا، بل هي إنفاذ للعقد السابق وإمضاء له فيعتبر فيه ما يعتبر في سائر العقود. أما شرائط نفس العقد فواضح. وأما شرائط المتعاقدين من البلوغ والعقل ونحو ذلك، وشرائط العوضين من كونه معلوما ومملوكا شرعا ونحو ذلك فلأن التبديل والعقد بين الشيئين إنما يصدر من الفضولي وطرفه كصدوره من الوكيل المفوض وطرفه، فكما يشترط أن يكون طرف الفضولي جامعا للشرائط فكذلك الفضولي. ولا يمكن قياس عقد الفضولي على عقد الوكيل في إجراء الصيغة من عدم

[ 138 ]

اعتبار علمه بالعوض وأوصافه، لأن القياس مع الفارق، فإن الوكيل في إجراء الصيغة ليس إلا آلة، وهو بمنزلة لسان الموكل وقلم الكاتب، وهذا بخلاف الفضولي فإنه هو الذي يعقد ويوقع التبديل بين العوضين، فعلم المجيز لا أثر له مع جهل الفضولي. هذا، ولكن التحقيق هو اعتبارها حين العقد والإجازة معا، لأن الإجازة وإن لم تكن عقدا مستأنفا إلا أنها دخيلة في الاستناد إلى المالك، فمع فقد الشرائط حينها لا يمكن أن يستند العقد إليه. نعم، لا يعتبر استمرار جميع الشرائط من زمان العقد إلى زمان الإجازة، فإن بقاء المتعاقدين على شروط الصيغة لا وجه له بلا إشكال. إنما الإشكال في شروط العوضين، فإنه لو كان المبيع حين العقد خلا ثم صار خمرا ثم تبدل وانقلب إلى الخل حين الإجازة فتأثير الإجازة في غاية الإشكال، لأنه يمكن أن يقال: إن الخل بمجرد انقلابه الى الخمر يخرج عن قابلية تعلق الإجازة بالعقد الواقع عليه. وعلى هذا فالوجوه المحتملة خمسة: كفاية وجود الشرائط حين العقد، وكفاية وجودها حين الإجازة، واعتبار وجودها حينهما، واعتبار استمرارها من حين العقد إلى حين الإجازة، والتفصيل بين شروط العوضين وشروط المتعاقدين. وعلى أي حال كفاية وجودها حين الإجازة لا وجه له، فإن المبيع لو كان خمرا حين العقد فهذا غير قابل لأن تتعلق به الإجازة وإن انقلب إلى الخل قبلها. قوله (قدس سره): (الثاني: هل يشترط في المجاز كونه معلوما للمجيز بالتفصيل....؟ إلى آخره). لا يخفى أنه لا يجري في المقام ما يجري في الوكالة فإنها تصح على نحو الإطلاق وإن لم تصح على نحو الإبهام، وأما الإجازة فلا معنى لتعلقها بالعقد على نحو الإطلاق، لأن عقد الفضولي وقع على شئ خاص، وهو لو كان مجهولا عند

[ 139 ]

المجيز فلا تشمله الأدلة الدالة على نفوذ الإجازة، بل حكمها حكم تعلق الوكالة بالأمر المبهم التي لا اعتبار بها عند العقلاء، مع أنها تندرج في عموم نهي النبي (صلى الله عليه وآله) عن الغرر (1). وبالجملة: مقتضى ما ذكرنا - من أن الاستناد يتحقق بالإجازة - عدم صحة تعلقها بالأمر المبهم، وتعلقها بالأمر المشكوك بأن يجيزه على تقدير وقوعه فإنها تقع لغوا وإن انكشف وقوعه، لا لما ذكره المصنف (قدس سره): من أن بالإجازة يخاطب المالك بالوفاء بالعقد فتشبه العقود، فبطلان التعليق فيها مستلزم لبطلانه فيها، فإن مجرد الشباهة لا يوجب الإلحاق في الحكم. بل لما ذكرنا من أن بها يتحقق الاستناد، وهي من الإيقاعات، والإيقاع لا يقبل التعليق. ثم إن هذا كله بناء على بطلان التعليق مطلقا. وأما بناء على صحته إذا كان المعلق عليه حاصلا - كما في المقام - وصحته فيما إذا كان موضوعا، كتعليق الطلاق على الزوجية فلا وجه لاحتمال البطلان. ولعله لهذا أمر (قدس سره) بالتأمل. * * * قوله (قدس سره): (الثالث: المجاز إما العقد الواقع على نفس مال الغير.... إلى آخره). لا يخفى أن محل البحث إنما هو في العقود الطولية من حيث الترتب، لا في العقود العرضية ولو كانت طولية بحسب الزمان. وبعبارة اخرى: موضوع بحث الفقهاء في العقود المترتبة على مال المجيز أو على عوضه إنما هو فيما إذا أوقع المشتري العقد على مال المجيز، كما إذا اشترى كتاب زيد من الفضولي ثم باع المشتري الكتاب من عمرو ثم باعه عمرو، وهكذا في طرف العوض، كما إذا وقعت المعاملة على ثمن الكتاب. وأما إذا وقعت عقود متعددة من فضول واحد أو متعدد في زمان واحد أو أزمنة مختلفة على مال


(1) مسند أحمد بن حنبل: ج 1 ص 302.

[ 140 ]

المالك فهو خارج عن محل الكلام، لأنه ليس للمالك إلا إجازة واحدة منها، فلو بيع كتابه بدرهم ثم بيع هذا الكتاب في زمان البيع الأول أو بعده بدينار ثم بيع هذا ثالثا بثوب فلا يكون الصحيح من هذه العقود إلا ما أجازه المالك. وصحته لا تتوقف على صحة غيره ولا تستلزمه فيقع غير ما أجازه باطلا. نعم، بناء على عدم اعتبار مالكية المجيز حين العقد فللمجاز له إجازة عقد آخر من العقود مطلقا، سابقا كان أو لاحقا بناء على الكشف والنقل، لأن المجاز له بإجازة المالك صار مالكا فله إجازة أي عقد تعلق بماله، سواء وقع من غيره أو منه. ويحتمل أن يصح له ولو بلا إجازة إذا صدر عنه، فإن المقام من صغريات من باع شيئا ثم ملك. وبناء على اعتبار مالكية المجيز حين العقد: فعلى الكشف له إجازة ما وقع بعد عقده دون ما وقع قبله، وعلى النقل ليس له الإجازة مطلقا. وبالجملة: محل البحث إنما هو في العقود المترتبة، وترتبها: إما بوقوع العقود من أشخاص متعددة على نحو تعاقب الأيدي، وإما بوقوعها على أثمان متعددة ولو من شخص واحد. والترتب تارة يقع في أحد العوضين، واخرى في العوض والمعوض. والمصنف إنما عدل عن تعبير الفقهاء: من أن في العقود الواقعة على المثمن يصح المجاز وما بعده، وفي العقود الواقعة على الثمن يصح وما قبله، إلى ما ذكره لإدخال الترتب التركيبي، فإن تعبيرهم مختص بالترتب البسيط، أي الواقع على أحد العوضين. وحيث إن تصوير الصور في غاية الصعوبة وإن كان حكمها في غاية السهولة فلا بأس بذكر جميع الصور التي فرضها المصنف. ثم إن قوله (قدس سره): " وعلى كل منهما: إما أن يكون المجاز أول عقد وقع على المال، أو عوضه، أو آخره، أو وسطه " ليس لبيان التقسيم لكل من القسمين، بل المراد أن المجاز: إما أول عقد وقع على المال، وإما آخره أو وسطه، وهكذا المجاز إما أول عقد وقع على عوضه أو آخره أو وسطه، ثم الوسط إما أن يكون مثل الأول والآخر في وقوعه على ما وقعا، وإما أن

[ 141 ]

يكون غيرهما، فلو كان مثلهما فهذا ترتب بسيط، وهو ما عنونه الفقهاء، كما لو باع الفضولي عبد زيد بدرهم من عمرو فباع عمرو المشتري العبد بدينار من بكر ثم باعه بكر بثوب من خالد، وهكذا... فكل بائع يبيع العبد الذي اشتراه. وأما لو كان واقعا على غير ما وقع الأول والآخر فهذا ترتب تركيبي. وكل وسط من المال أو العوض يتصور على أقسام أربعة فيصير المجموع ثمانية، وبانضمان الأربعة الواقعة على المال أو العوض يصير المجموع اثني عشر، لأن العقد المجاز إما أول عقد واقع على مال المالك، أو آخر عقد، أو وسط واقع بين عقدين واقعين على مال المالك، أو وسط بين عقدين واقعين على عوض مال المالك، أو وسط أوله وقع على المال وآخره على العوض، أو بالعكس. وهكذا لو كان المجاز العقد الواقع على العوض فإنه إما أول عقد وقع على العوض، أو آخر عقد كذلك، أو وسط بين عقدين واقعين على العوض، أو بين عقدين واقعين على المعوض، أو بين عقد وقع على المعوض وعقد وقع على العوض، أو بالعكس. فهذه اثنتا عشرة، ولكل صورة صور كثيرة، لإمكان ترامي العقود بالنسبة إلى كل عوض وعوض عوضه. والأمثلة التي ذكرها المصنف جامعة لجميع الصور الاثنتي عشر. فأول عقد وقع على مال المالك بيع عبده بفرس، ووسطه بيع صاحب الفرس العبد بكتاب، وآخره بيع صاحب الكتاب العبد بدينار. وأول عقد وقع على عوض مال المالك - أي الفرس - هو بيع الفضولي الفرس بدرهم، ووسطه بيع الدرهم - الذي هو عوض عن الفرس - برغيف، وآخره بيع الرغيف بالعسل، فإن الرغيف عوض عن الدرهم، والدرهم عوض عن الفرس، والفرس عوض عن العبد. وقلنا: إن الترامي في العوض إنما هو بتبدل الأثمان، وأما تبديل الثمن الواحد - وهو الفرس - مرارا فهو كبيع مال المالك مرارا. ثم إن الوسط الذي ذكرناه في القسمين هو الوسط الواقع بين عقدين واردين على مورده، عوضا كان أو معوضا.

[ 142 ]

وهذه الأقسام هي التي ذكرها الفقهاء، فبقي ست صور للوسط، ثلاث منها كون الوسط المجاز هو العقد الواقع على مال المالك وكان قبله وبعده واردين على العوض، أو كان قبله مثله دون بعده أو بالعكس. وثلاث منها كون الوسط المجاز هو العقد الواقع على عوض مال المالك وكان قبله وبعده واردين على المعوض، أو كان قبله مثله دون بعده أو بالعكس. فالأول: كبيع العبد بكتاب الواقع بين بيع الفرس بالدرهم وبيع الدينار بجارية. والثاني: كما لو بيع أولا عبدا لمالك بفرس ثم باع العبد صاحب الفرس بدينار ثم بيع الفرس بدرهم. والثالث: كما لو بيع - بعد بيع العبد بفرس - الفرس بالدرهم ثم العبد بالكتاب ثم العبد بالدينار، فإجازة بيع العبد بالكتاب إجازة متعلقة بالعقد على مال المالك الذي هو الوسط بين العقد الواقع على العوض والعقد الواقع على المعوض. نعم، في مثل هذه الصورة لابد من فرض أربعة عقود حتى يكون قبل الثالث العقد واقعا على العوض. والرابع: كبيع العبد أولا بفرس، ثم بيع الفرس بدرهم، ثم بيع العبد بكتاب. والخامس: كبيع الدرهم الذي هو بدل البدل برغيف، والرغيف بعسل، ثم بيع العبد بكتاب. والسادس: كبيع العبد بفرس، ثم العبد بكتاب، ثم الفرس بدرهم، ثم الدرهم برغيف. ولا يخفى أن بيع الدرهم بالرغيف - الذي ذكره المصنف في بدل البدل - من جهة، هو الوسط الذي قبله عقد وارد على مورده وهو بيع الفرس بالدرهم، وبعده كذلك أيضا وهو بيع الدرهم بحمار، ومن جهة هو الوسط الذي قبله عقد وارد على غير مورده، وبعده كذلك أيضا، فإن قبله أولا بيع العبد بالفرس، ثم بيع الفرس بدرهم، فالفرس بدل الدرهم، والعبد بدل الفرس، وبعده أولا بيع الدرهم بحمار، ثم بيع الرغيف بعسل، فالرغيف بدل للدرهم.

[ 143 ]

ثم لا يخفى أن في الصورتين من تعلق إجازة المالك بماله، وفي الصورتين من تعلق إجازته ببدل المال لا محل للترتب الطبعي، وإنما هو ترتب زماني. فلا ترتبط بما هو المهم من محل البحث من أن إجازة البيع الواقع على المال فسخ لما قبله، ومستلزم لصحة ما بعده، وإجازة البيع الواقع على البدل متوقف على إجازة ما قبله وغير متعرض لما بعده، وذلك لأن المجاز لو كان العقد المتعلق بالمال، فلو كان قبله وبعده واردين على مورده أو بعده وحده واردا على غير مورده لكان الأمر كما ذكره المصنف من أن إجازة الوسط إسقاط لما قبله وإجازة لما بعده، وأما لو كان القبل والبعد كلاهما واردين على غير مورده، أو خصوص ما قبله، كبيع الفرس بالدرهم الواقع قبل بيع العبد بالكتاب فإجازة العبد بالكتاب لا تستلزم فسخ بيع الفرس بالدرهم وإن استلزمت فسخ بيع العبد بالفرس، لأن صحة بيع الفرس بالدرهم تدور مدار إجازة مالكه وفسخه. وهكذا لو كان بعد بيع العبد بالكتاب وقع عقد على غير مورد مال المالك، كبيع الدينار بالجارية. هذا حال تعلق الإجازة بمال المالك. وأما لو تعلق ببدل المال فالعقد المجاز لو كان قبله وبعده واردين على مورد البدل، أو كان خصوص قبله كذلك فالأمر كما ذكره المصنف. وأما لو كان كل منهما واردين على غير مورد البدل - أي على بدل البدل - أو خصوص ما قبله فأين التوقف؟ لأن الترتب الطبعي لا يتصور بين بدل البدل ونفس البدل، إلا أن يكون البيع واقعا أولا على البدل ثم على بدله، وأما لو كان واقعا أولا على بدل البدل ثم على البدل فهذا ليس إلا ترتبا زمانيا، كما إذا وقع البيع أولا على الدرهم برغيف ثم بيع الدينار بالجارية. نعم، لو كان المراد من بدل البدل بدل المورد لا مطلق بدل بدل المالك فلا محالة العقد المجاز لو كان واردا على بدل المال فقبله هو الواقع على بدل مال المالك، كما لو أجاز بيع الدرهم بالرغيف الذي قبله بيع العبد بالفرس، والفرس بدل المورد، فإن الدرهم بدل الفرس، وبيع العبد بالفرس لا محالة يقع قبل بيع الدرهم

[ 144 ]

بالرغيف، فإن صحة بيع الدرهم به مترتب طبعا على صحة بيع الفرس بالدرهم. وبالجملة: وإن أجاد المصنف في إدخال الترتب التركيبي في محل البحث إلا أنه لا يدخل في الترتب الطبعي إلا بعض صوره، فلا بد من تقييد قوله بما يقتضيه الترتب كذلك. وتوضيح ذلك: أن كل عقد يتوقف صحته على صحة ما قبله فإجازته إجازة لما قبله، فإجازة بيع الرغيف بالعسل تتوقف على إجازة بيع الدرهم بالرغيف، وهو على بيع الفرس بالدرهم، وهو على بيع العبد بالفرس، وكل عقد يستلزم صحة المجاز صحته فهو يصح أيضا بصحة المجاز، فإجازة بيع الفرس بالدرهم تستلزم صحة كل عقد وقع على العبد من صاحب الفرس الذي ملكه، أي تستلزم صحة بيع العبد بالدينار، وبيع الدينار بالجارية، وهكذا... فعلى هذا تنحصر صحة العقد بالتوقف أو الاستلزام بما إذا وقع في سلسلة المجاز، كما إذا باع بائع الفرس الدرهم بالرغيف فإن صحة بيع الفرس بالدرهم مستلزم لصحة بيع الدرهم بالرغيف. وأما لو وقع في غير هذه السلسلة، كما إذا بيع العبد أولا بفرس، ثم باع فضولي آخر غير مالك الفرس الفرس بدرهم، ثم بيع الدرهم برغيف من غير مالك الدرهم فلا تقتضي صحة بيع الفرس بالدرهم صحة بيع الدرهم بالرغيف، بل يحتاج إلى إجازة مالك العبد الذي صار مالكا للفرس فصار مالكا للدرهم. ثم إن توضيح حكم جميع الصور يتوقف على تمهيد امور قد تقدمت الإشارة إلى بعضها: الأول: أن الترتب في المال منحصر في صدور العقود من أشخاص متعددة، وفي عوضه في صدوره من شخص واحد على أثمان مختلفة. الثاني: أن إجازة الوسط لو تعلقت بالمال تقتضي فسخ ما قبله وتستلزم إجازة ما بعده، ولو تعلقت بالبدل فتتوقف على إجازة ما قبله وساكتة عما بعده. فلو باع الفضولي عبدا لمالك بفرس، ثم المشتري للعبد باعه بكتاب، ثم من

[ 145 ]

اشتراه بالكتاب باعه بدينار فإجازة مالك العبد بيع العبد بالكتاب رد لبيع العبد بالفرس، ومستلزم لصحة بيعه بالدينار. ولو باع الفضولي الفرس الذي كان بدلا للعبد بدرهم، وباع الدرهم برغيف، والرغيف بمقدار من العسل فإجازة صاحب العبد بيع الدرهم بالرغيف تتوقف على إجازة بيع الفرس بالدرهم. وأما بالنسبة إلى الرغيف بالعسل فلا تستلزم صحته، فلمالك الرغيف الذي صار مالكا له بإجازة بيع الدرهم بالرغيف إجازة بيعه بالعسل. الثالث: أن ما ذكر من حكم الرد والاستلزام والتوقف إنما هو بالنسبة إلى سلسلة المعاملات الواقعة على الثمن والمثمن، وأما المعاملة الواقعة على بدلهما في جميع السلسلة فليس كذلك. وحكم الجميع: أنه لو أجاز المالك بيع العبد بالكتاب فإجازته فسخ بالنسبة إلى بيع العبد بالفرس، وأما بالنسبة إلى بيع الفرس بالدرهم فهي غير متعرضة له، فلمالك الفرس إجازته، ولو أجاز المالك بيع الدرهم برغيف فإجازته تتوقف على إجازة بيع الفرس بالدرهم، وهي على إجازة بيع العبد بالفرس، وساكتة عن بيع الرغيف بالعسل، ولكنها مستلزمة لصحة بيع الدرهم بالحمار، لأن الدرهم صار ملكا لصاحب الرغيف، فلو باعه بالحمار صح هذا البيع، وأما بيع صاحب الفرس العبد بالكتاب فإجازة بيع الدرهم بالرغيف لا تتوقف على صحته، بل مستلزم لها. وحاصل الكلام: أن توقف صحة عقد على صحة عقد آخر إنما هو بالنسبة إلى ما كان الثاني مترتبا طبعا عليه، لا بالنسبة إلى غيره. فكلام المصنف (قدس سره) لا يتم بإطلاقه. ثم إن اقتضاء إجازة عقد رد عقد آخر، أو عدم تعرضه له غير موجب لبطلان العقد رأسا، بل قد يرجع أمر المردود أو المسكوت عنه إلى مالك المال، كإجازة بيع الرغيف بالعسل، وقد يرجع أمره إلى الثالث، كبيع الدرهم بحمار، وقد يرجع إلى الطرف، كبيع الفرس بدرهم. الرابع: أن العقود الصحيحة بالاستلزام إنما هو على الكشف دون النقل، وأما

[ 146 ]

بناء عليه فيبتنى على ما تقدم من اعتبار ملكية المجيز حال العقد وعدمه. ثم إن صحتها بالكشف إنما هو بعد إجازة من انتقل إليه المال كشفا، لما تقدم من اعتبار كون البيع بعنوان أنه ماله، فلو علم المشتري بكون البائع فضوليا أو غاصبا فلا يبيع ما اشتراه بعنوان أنه ماله، فبعد تحقق الإجازة من المالك تتوقف صحة بيع المشتري على الإجازة منه. نعم، بناء على كفاية بيع المالك الواقعي في الصحة فبيعه يصح بالاستلزام مطلقا. قوله (قدس سره): (ثم إن هاهنا إشكالا في شمول الحكم لجواز تتبع العقود لصورة علم المشتري بالغصب.... إلى آخره). لا يخفى أن منشأ الإشكال هو فتوى المشهور: بأن الثمن إذا تلف عند البائع الغاصب لا يجوز للمشتري مع علمه بالغصب مطالبة الغاصب بمثله أو قيمته. فينبغي البحث أولا عن المنشأ. وثانيا عما نشأ عنه. أما المنشأ فمقتضى تسليط المشتري الغاصب على الثمن أن لا يكون له المطالبة به. ولا يقال: إنه سلطه عليه بإزاء المثمن، لأن مع علمه بأنه ليس له لا يمكن أن يجعله ضامنا بالضمان المعاوضي بأن يكون الثمن عوضا عن المثمن، والمفروض عدم جريان ضمان اليد منه أيضا لعلم المشتري بكونه غاصبا، ولازمه التسليط المجاني، فيكون من صغريات قاعدة " ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده " التي اسست لتشخيص موارد تخصيص قاعدة اليد. وأما ما نشأ عنه - وهو البحث عن تتبع العقود - فتارة يقرر الإشكال بالنسبة إلى نفس بيع الغاصب حتى يسري منه إلى العقود المترتبة، واخرى بالنسبة إلى العقود المترتبة. وبيانه على الأول يظهر من حواشي (1) الشهيد (قدس سره)، وحاصله: أن تسليط المشتري الغاصب إنما هو بنفس المعاملة معه والاشتراء منه، وهذا على وجهين:


(1) نقل بعضا من عبارته في مفتاح الكرامة: ج 4 ص 192.

[ 147 ]

الأول: أن يكون مرجع الاشتراء من الغاصب إلى هبة وتملك للمبيع مجانا، فكأنه صدر منه إيقاعان: هبة مجانية بالنسبة إلى الغاصب، وتملك كذلك بالنسبة إلى المغصوب منه. والثاني: أن يكون الغرض من اشترائه منه استنقاذ المبيع منه، كاشتراء الحر المسلم من الكافر، وبيع الميتة من مستحليه، ونحو ذلك مما لا يقصد فيه المعاوضة الحقيقية، ومقتضى ذلك دخول الثمن في ملك الغاصب مع عدم دخول المبيع في ملك المشتري. وبيانه على الثاني يظهر من فخر المحققين (1)، وحاصله: أن التسليط إنما هو بدفع الثمن إليه وإقباضه إياه. فعلى الأول لا يصح للمالك إجازة بيع الغاصب أيضا، لأنه لم يجعل بإزاء المبيع ثمن. وعلى الثاني لا يصح إجازة العقود المترتبة على الثمن، لأن الثمن بتسليم المشتري إلى الغاصب وتصرف الغاصب فيه يصير ملكا له، فعقده عليه يكون عقدا في ملكه فليس للمالك إجازته، وهذا بخلاف العقد الأول فإن للمالك إجازته وأخذ ثمنه من المشتري. ولكنه لا يخفى أن تقرير الإشكال على الوجه الأول فاسد، فإن هذا إشكال في أصل بيع الغاصب، وبعد ما عرفت صحته لتحقق قصد المعاوضة منه فيندفع به إشكال قصد المشتري، فإنه لا يقصد بشرائه التسليط المجاني، بل يقصد التبديل بين المالين حقيقة، فإنه يفرض الغاصب مالكا ويعامل معه معاملة المالك مع المالك. فلو قلنا بأنه ليس للمشتري مطالبة الغاصب بالمثل أو القيمة عند التلف فلا يقتضي عدم صحة البيع للمالك إذا أجاز مع بقاء عين ماله عند المشتري، وتصرف الغاصب فيها بنقلها إلى المشتري ليس بحكم التلف حتى لا يقبل لتعلق الإجازة به. وبالجملة: توهم أن المشتري لم يقصد المعاوضة بل قصد الهبة أو التملك أو الاستنقاذ فاسد جدا. فالبيع الأول قابل لتعلق الإجازة به إذا كان الثمن غير تالف بالتلف السماوي، سواء أتلفه بالتلف الخارجي أو الحكمي - كما إذا اشترى


(1) ايضاح الفوائد: ج 1 ص 417 - 418.

[ 148 ]

به الغاصب شيئا - أم كان باقيا عنده، وسواء قلنا بالكشف أم النقل، لأن على جميع هذه التقادير للمغصوب منه إجازة البيع، فيملك الثمن ويرجع إلى الغاصب بناء على أن التمليك بالتسليط الخارجي مقيد بصورة الرد دون الإجازة. وهذا وإن لم يكن في بادئ النظر خاليا عن الإشكال - من حيث إن المالك لم يقيد في مقام التسليم تمليك الغاصب بصورة الرد - إلا أن مقتضى ما ذكرنا من قابلية العقد الأول للإجازة أن يكون التسليم مبنيا على المعاوضة، ومن جهة فرض الغاصب مالكا فله الرجوع إلى الغاصب إذا أجاز مع بقاء الثمن عنده، بل مع التلف الملحق بالبقاء. وعلى أي حال فنفس المعاملة معه لا يقتضي عدم قصد المعاوضة. وأما تقرير الإشكال على الوجه الثاني. ففيه أولا: أن هذا الإشكال مبني على النقل دون الكشف، إلا أن يقال باطراده حتى على الكشف، لأن التسليم إلى الغاصب على هذا المبنى وإن كان تسليما من غير المالك فلا يصير الغاصب مالكا، إلا أنه يشترط في صحة العقد كشفا بقاء قابلية العقد للإجازة إلى زمان الإجازة، وبعد إتلاف المشتري الثمن بتسليمه الى الغاصب، وإتلافه الغاصب بنقله إلى الغير لا يبقى محل للإجازة، فتأمل. وثانيا: لا يثمر هذا التسليط أثرا في المقام، لا لما ذكره فخر المحققين من أن الغاصب يؤخذ بأخس الأحوال والمالك بأجودها (1). فإن هذه الكبرى على فرض تسليمها لا تنطبق على المقام، لأن مقتضاها أن ما يؤخذ منه يؤخذ بأشق الأحوال، وأما إذا فرض أن تسليط المشتري يقتضي تملك الغاصب الثمن فتعلق الحق من المالك بالمال ممنوع، وحق الإجازة ليس من الحقوق، بل هو حكم شرعي معناه: جواز التملك بها في المحل القابل، لأن التسليط المالكي لا يقتضي إلا الإباحة. نعم، مقتضى الإباحة عدم ضمان المباح له عند التلف. وبالجملة: إنما قلنا بجواز التصرفات المتوقفة على الملك في المعاطاة بناء على الإباحة، لقيام السيرة والإجماع عليه، وإلا فمجرد التسليط الخارجي من


(1) إيضاح الفوائد: ج 1 ص 418.

[ 149 ]

دون هبة ولا تضمين معاوضي لا يقتضي الملك. والمفروض عدم كون التسليم هبة وعدم إمكان تضمين الغاصب أيضا حتى يملك المضمون، فإن مع تضمين المغصوب منه الذي هو مقتضى قابلية العقد لإجازته لا يعقل أن يكون في عرض هذا الضمان ضمان آخر، فلا يمكن أن يكون التسليم إلى الغاصب موجبا لتمليكه إلا في صورة الرد، لأنه ليس بإزائه شئ فمرجعه إلى الهبة، فتمليك الغاصب الثمن يتوقف على أمرين: الأول: أن يكون تسليطا من المالك. والثاني: أن يكون مجانيا. فعلى الكشف كلاهما منتفيان، لأن المال ليس له حتى يقتضي تسليطه تمليكا، وعلى النقل ليس تسليطا مجانيا، لأنه دفعه إليه مبنيا على المعاوضة، فالتسليط إنما هو بإزاء ملك المغصوب منه، ولا يمكن قياسه على ما إذا دفع الثمن إلى الأجنبي للفرق بينهما، فإن التسليم إليه ليس مبنيا على المعاوضة فيقتضي أن يكون هبة، وفي المقام مبني على المعاملة فيكون الإقباض فيه كالإقباض في العقود الفاسدة، والمشتري يسلط الغاصب على الثمن بإزاء تسليط الغاصب المثمن له، لبنائهما على مالكية الغاصب فيوقعان التبديل بين ملكي المالكين. إن قلت: فهذا يقتضي أن يكون الغاصب ضامنا في صورة التلف وإن لم يجز المغصوب منه، لأن تسليط الغاصب مبني على كونه مالكا، ففي الحقيقة قصد المشتري تسليط المالك، فلو تلف عند الغاصب ضمنه، لعدم تحقق رافع الضمان. وبعبارة اخرى: إن كان التسليم مبنيا على المعاوضة ويسلمه إليه بما أنه مالك فلم يقصد التسليط المجاني فلا وجه لرفع الضمان عنه عند التلف، فضلا عن الإتلاف أو النقل إلى الغير. وإن لم يكن مبنيا عليها لزم جواز تصرف الغاصب وضعا وتكليفا، فليس للمالك تتبع العقود إذا اشترى به شيئا. قلت: لا إشكال في أن التسليم مبني على المعاوضة، فإنه بعد فرض المشتري الغاصب مالكا يملكه الثمن، إلا أن هذه الجهة التعليلية - وهي كون الغاصب

[ 150 ]

مالكا ادعاء - مصححة للقصد المعاوضي فقط، لا للتسليم الخارجي أيضا، وذلك لأن الجهات والعناوين يمكن أن تكون موضوعات للامور الاعتبارية، كالأحكام الشرعية والإنشاءات المعاملية، فينشئ المشتري مع الغاصب بما أنه مالك. وبهذا اللحاظ تصح إجازة المغصوب منه وتنفذ، إلا أن هذه الجهات لا يمكن أن تكون موضوعات للامور الخارجية فإنها لا تتغير بالقصد والخيال، فلو ضرب أحدا لكونه عدوا وقع الضرب عليه ولو كان صديقا. فتسليم المشتري الثمن إلى الغاصب لكونه مالكا لا يجعل المسلم إليه هو المالك الحقيقي، بل المسلط هو شخص الغاصب، وكونه مالكا جهة تعليلية فلا يمكن تضمين الغاصب بهذا الدفع، لأن المفروض أن الضمان المعاوضي مع المالك، وفي مال واحد لا يمكن جعل ضمانين، فالتسليم إليه كالتسليم إلى الأجنبي، فإذا تلف المال عنده لا يضمن، لأن نفس التسليط الخارجي يرفع ضمان اليد، فلا تنافي بين كون طرف المعاوضة هو الغاصب لكونه مالكا وعدم كونه ضامنا في صورة التلف السماوي. نعم، يضمنه في صورة الإتلاف، لأن التسليم غير موجب لجواز التصرف تكليفا ووضعا، إلا إذا أذن له في الإتلاف. كما لا شبهة في جواز الاسترداد منه إذا كان باقيا عنده، لأن التسليم لا يزيد من الهبة المجانية. فتلخص مما ذكرنا: صحة ما أفتى به المشهور من عدم ضمان الغاصب إذا تلف الثمن عنده بتلف سماوي، وجواز إجازة المغصوب منه أصل البيع وفروعه. وفساد ما ذهب إليه بعض (1) من عدم جواز استرداد الثمن منه ولو كان باقيا عنده. وظهر أيضا: عدم جواز تصرف الغاصب فيه وضعا وتكليفا، وكل ذلك ليس إلا لأن الغاصب من حيث جهة المعاملة بمنزلة المالك، ومن حيث التسليم إليه بمنزلة الأجنبي واسطة في إيصال الثمن إلى المالك، فلو تلف عنده من غير تفريط لا ضمان عليه.


(1) نسبه الى ظاهر كلام الأصحاب في جامع المقاصد: ج 4 ص 77.

[ 151 ]

تذنيب: بعد ما ظهر عدم الفرق في العقود المترتبة بين أن يكون العقد الأول صادرا من الغاصب، وأن يكون صادرا من غيره فيجري فيها لو صدر من الغاصب ما يجري فيها إذا صدر من غيره. وتقدم أن الإجازة المتعلقة بمال المجيز بناء على الكشف الحقيقي مستلزمة لصحة ما بعده مما ورد على مورده وفسخ بالنسبة إلى ما قبله، والإجازة المتعلقة بالعوض متوقفة على صحة ما قبله وساكتة عما بعده. وأما بناء على النقل فيبنى على اعتبار ملك المجيز حين العقد وعدمه، وعلى هذا فيقع البحث في الكشف الحكمي في أن التوقف والاستلزام هل يجري فيه أيضا، أو أنه في هذا الحكم كالنقل؟ والظاهر أنه في مسألة الاستلزام كالكشف الحقيقي، فإن العقود المترتبة على مال المجيز صحتها بإجازة العقد السابق عليها إذا كان من هذه السلسلة من الآثار الممكنة الترتب على الإجازة، لأن من أثر إجازة مالك العبد بيع العبد بالفرس هو أن يصح بيع مشتري العبد العبد بكتاب، وهكذا بيع الثالث العبد بدينار. وأما في مسألة التوقف فيشكل الأمر، لأن توقف صحة العقد المجاز على صحة العقد السابق عليه ليس من المداليل اللفظية حتى يطرد الحكم بناء على الكشف الحكمي، بل مرجعه إلى دلالة الاقتضاء. وحاصلها: أن صحة المعلول تتوقف على صحة ما هو بمنزلة العلة له، وجريان هذه الدلالة الاقتضائية على الكشف الحكمي في غاية الإشكال، سيما بناء على كونه من باب التعبد، فإن الحكم بتحقق علة الأمر المتأخر سابقا ليس من الامور الممكنة الترتب حتى تترتب من حين العقد بسبب تحقق الإجازة بعد ذلك، بل يمكن منع ذلك بالنسبة إلى الكشف الحقيقي أيضا، فإن الالتزام بهذا المحال إنما هو فرع قابلية العقد للإجازة، وقابليته لها إذا توقفت على صحة البيع السابق لا يمكن أن يصحح البيع السابق بهذه الإجازة. وبعبارة اخرى: لو دل دليل على صحة تعلق إجازة المالك بأي عقد من العقود

[ 152 ]

لقلنا صحة إجازة العقد الوسط تقتضي صحة العقد السابق عليه بدلالة الاقتضاء. وأما لو لم يكن هناك دليل خاص فدلالة الاقتضاء غير جارية. * * * قوله (قدس سره): (مسألة في أحكام الرد.... إلى آخره). بعد ما تبين سابقا تأثير رد المالك كإجازته، وأن من شرائط الإجازة أن لا يسبقها الرد، فالكلام يقع في أحكام الرد. فمنها: اعتبار وقوعه إما بالقول الصريح، أو الفعل الذي هو مصداق لهذا العنوان بالحمل الشائع، ولا يتحقق بمجرد الكراهة باطنا ونية الرد قلبا، لما تقدم من أن عناوين العقود والإيقاعات من الإنشائيات فلابد من تحققها بما هو آلة لإنشائها من القول أو الفعل. وعلى هذا فالبحث يقع في مقامين: الأول: في تحققه بالقول، وهذا لاإشكال فيه، لأن الألفاظ الدالة على هذا المعنى آلة لإنشائه فيقع بقوله: " رددت " و " فسخت " ونحوهما. ثم قد تقدم أنه لو وقع الرد بالقول بطل العقد رأسا، وليس قابلا لتعلق الإجازة به، لا من هذا الراد ولا من غيره، فلو انتقل بعد الرد إلى الغير فلا يؤثر إجازة الغير أيضا، وارثا كان أو غيره. الثاني: في تحققه بالفعل، ولا إشكال فيه بحسب الكبرى، فإن الرد من العناوين القابلة لتحققها بالفعل، وليس كالنكاح الذي لا يقبل تحققه بالفعل، فإن الفعل فيه من السفاح الذي هو ضد للنكاح. وإنما الإشكال في الصغرى، فإنا لا نجد فعلا يكون مصداقا للرد بالحمل الشائع الصناعي، ولا يقاس على الخيار في تحقق طرفيه من الفسخ والإمضاء بالفعل، فإن تصرف ذي الخيار فيما انتقل عنه إنما يكون فسخا، لكونه تشبثا بالملكية السابقة، وهو يحصل بكل تصرف حتى بالبيع الفاسد، وعرض المبيع للبيع، بل بإنكار البيع. وأما تصرف المالك في المقام فهو بمقتضى طبعه الأصلي، فكاشفيته النوعية عن الرد في محل المنع ولو مع

[ 153 ]

التفاته إلى عقد الفضولي، فلو قصد الرد بفعل لا يكون مصداقا له بالحمل الشائع دخل في القصد المجرد الذي لا أثر له في العقود والإيقاعات. وبالجملة: الإشكال في الصغرى في محله. نعم، بعض الأفعال مما يوجب فوات محل الإجازة. وتوضيح ذلك: أن تصرفات المالك على أقسام ثلاثة: الأول: أن تكون متلفة للموضوع حقيقة أو حكما، كأكله وحرقه أو عتقه، ووطئه الأمة المزوجة فضولا وتزويجها من الغير. الثاني: إخراجه عن الملك كبيعه وهبته. الثالث: استيفاء منفعته إما بنفسه أو بإجارته من الغير، ويلحق بالإجازة الرهن على إشكال. وفي جميع هذه الأقسام لو قلنا بعدم صحة الإجازة فليست من جهة كونها فسخا فعليا، بل لعدم قابلية العقد للإجازة، ولذا نقول: لو باعه فللمشتري إجازة العقد بناء على عدم اعتبار مالكية المجيز حال العقد، فالبطلان بالنسبة إليه لا يلازم البطلان رأسا، ولكن التحقيق هو الفرق بين هذه الموارد، إذ لا يبقى للإجازة محل في القسم الأول والثاني، من غير فرق بين الكشف والنقل. وتوهم أنه بناء على الكشف تكشف الإجازة عن وقوعه في ملك الغير فقد ظهر سابقا فساده، لأنه وإن قلنا بالكشف الحقيقي إلا أنه لابد من كشف إجازة المالك عن الملك من حين العقد، لا إجازة من هو أجنبي لا علقة له بالمال، فلو فرض صحة التصرف البيعي من المالك قبل الإجازة فهو يصير أجنبيا، فكيف تؤثر إجازته وتكشف عن تحقق الملك لمن اشترى له الفضولي حال العقد. وبعبارة اخرى: كاشفية الإجازة عن الملك ليست أثرا قهريا للفظ " أجزت " حتى تفيد صدورها من كل شخص، بل إنما هي حكم شرعي مترتب على إجازة المالك حال الإجازة، وعلى هذا فالتصرف المتلف للمال حقيقة أو حكما أولى بعدم بقاء محل للإجازة من التصرف الناقل، فإن المال التالف يخرج عن ملكية المجيز فلا يبقى محل للإجازة.

[ 154 ]

نعم، ثبت بالدليل أن موت أحد الزوجين غير مانع من إجازة الآخر، مع أن موت أحدهما كتلف أحد العوضين. وكيف كان ففي القسمين الأولين لا تؤثر الإجازة ولو قلنا بالكشف الحقيقي، وإنما الكلام في القسم الثالث، وهو التصرف الغير المخرج عن الملك، إما باستيفاء منفعته، أو تلفها تحت يده، أو إجارته، أو تزويج الأمة المبيعة، أو جعل حق للغير فيه كالرهن. وقبل بيان حكمه ينبغي التنبيه على أمر، وهو: أن إلحاق مسألة الاستيلاد بهذا القسم لا وجه له، لأن حكمه حكم القسمين الأولين في أنه مفوت لمحل الإجازة، لأن المدار في تأثير إجازة المالك صحة بيعه ابتداء والاستيلاد مانع من البيع. إذا عرفت ذلك فنقول: كما يصح إجازة المالك إذا فاتت منفعة العين تحت يده أو استوفاها بنفسه فكذلك تصح إذا تعلق الإجازة بها، فإن حكمها حكم استيفاء منفعة العين بنفسه، فإنها من أحد مصاديق استيفاء المنفعة، وذلك لأن الإجازة تتعلق بالعين لا بالمنافع، وتملك المشتري المنافع إنما هو لتبعيتها للعين شرعا، فبناء على النقل لا إشكال في أن العين تنتقل من حين الإجازة إلى الطرف، فكل منفعة تلفت تحت يد المالك أو استوفاها فلا ضمان عليه حتى في مورد الإجازة، فإن العين تنتقل إلى الطرف مسلوبة المنفعة في مدة الإجارة، غاية الأمر أن له الخيار لو لم يعلم كونها كذلك. وعلى أي حال لا موجب لعدم تأثير الإجازة ولا لضمان المالك. وأما بناء على الكشف الحقيقي فحيث إن الإجازة تكشف عن وقوع التصرف في ملك الغير فعليه اجرة المثل. ولا إشكال أيضا في صحة الإجازة، وهكذا حكم تزويج الأمة التي بيعت فضولا، فإن تزويجها لا ينافي الإجازة على النقل والكشف وإن أوجب الخيار للمشتري في بعض الصور. وعلى أي حال هذا الترديد والدوران في المتن غير وجيه، لأنه (قدس سره) في رد صاحب المقابس التزم بتأثير الإجازة حين الإمكان، فما ذكر أخيرا وهو إيقاع الإجازة على غير ما تقع في سائر المقامات لا سبيل إلى منعه.

[ 155 ]

وبالجملة: لا ينبغي الإشكال في تأثير الإجازة على النقل، ولا إشكال أيضا على الكشف الحقيقي، لأن تبعية النماء للعين لا تقتضي إلا ضمان المجيز لو استوفاها فلا ينافي صحة استيفائه لها مع إجازة العقد الواقع على العين، غاية الأمر أنه يضمنها، لأن صحة الاستيفاء إنما تنافي الإجازة لو كان العقد واقعا على النماء، كأن آجر الفضولي العين وآجرها المالك بعد ذلك من الغير، وأما بيع الفضولي وإجارة المالك فلا تنافي بينهما، وإنما يتوهم الإشكال على الكشف الحكمي. وحاصل التوهم: هو أن تصرف المالك بالاستيفاء غير موجب للضمان، والإجازة تؤثر في الآثار الممكنة، وضمان ما لا موجب لضمانه ليس من الآثار الممكنة، فالجمع بين عدم ضمان المنافع وكشف العقد عن تبعية النماء للعين تعبدا من حين العقد ممتنع، ولكنه فاسد، لأن تصرفاته بمقتضى إجازته وقعت في حكم التصرف في مال الغير فيضمنها كضمانه لها بناء على الكشف الحقيقي. وبالجملة: إذا أمكن ملكية المجاز له للعين في زمان العقد كما على الكشف الحقيقي - أمكن ملكيته للمنافع من حين العقد بناء على الكشف الحكمي، فالجمع بين جواز تصرفه تكليفا ووضعا وكونه في حكم مال الغير هو ضمانه للمنافع التي استوفاها، فتدبر جيدا. نعم، يقع الإشكال بناء على الكشف الحقيقي والحكمي في المنافع الفائتة تحت اليد، فإن المنافع مطلقا مضمونة بضمان اليد على من انتقل عنه العين قبل القبض، وعلى من انتقل إليه بعده، أي: لو باع للمالك فمنافع المبيع مضمونة عليه قبل تسليمه المبيع إلى المشتري، إلا إذا كان مأذونا من قبل المشتري أو الشارع، فإنه لا يضمن المنافع الفائتة، وبعد القبض يضمنها المشتري، أي: لو طرأ فسخ أو انفساخ فما استوفاها المشتري أو تلف تحت يده يضمنه للبائع، ومقتضى ذلك هو الضمان في المقام، فإن الإجازة تكشف عن كون المبيع ملكا للمشتري حقيقة أو حكما من حين العقد، فمنافعه مضمونة عليه بضمان اليد (1).


(1) لا يخفى أن البائع وإن لم يكن مأذونا من قبل المالك، إلا أن المبيع تحت يده أمانة شرعية، فلا وجه لضمانه المنافع الفائتة، نعم يضمن ما استوفاها لقاعدة الإتلاف (منه عفى عنه).

[ 156 ]

وكيف كان لا منافاة بين الإجازة وتأثير الإجازة، لأن حكمها حكم استيفاء نفس البائع المنفعة. والظاهر أن وجه التأمل في قوله (قدس سره): " فتأمل " (1) هو عدم الفرق. بقي الكلام في حكم الرهن، ونحن في الدورة السابقة قوينا إلحاقه بالإجارة، لأنه ليس من التصرفات الناقلة للعين ولا المتلفة لها فلا يفوت به محل الإجازة. ولكن الأقوى إلحاقه بهما (2) للتنافي بين كون المبيع للمشتري من حين العقد وصحة رهن المجيز، فإن رهن مال غير المديون إنما يصح إذا رهنه نفس المالك بالمباشرة أو بالإذن منه، وأما إذا رهنه غيره: فإما أن يبطل الرهانة وإما الإجازة، والمفروض صحة الرهن فلا محل للإجازة. ولا يقال: لا مانع من تعلق إجازة المجيز بما رهنه، غاية الأمر أنه يصير فضوليا، ويتوقف نفوذه على إجازة المجاز له. لأنا نقول: لا معنى لكون رهن المجيز فضوليا إلا إذا كان المال ملكا للمجاز له من غير جهة إجازة المجيز، وأما لو فرض أنه بالإجازة ينكشف أنه مالك فكاشفيتها تتوقف على عدم تصرفه في المال على نحو يخرجه عن الطلقية. وبعبارة اخرى: كون المجيز هو الراهن ينافي إجازته، ولا شبهة أنه قبل الإجازة كان هو الراهن، فكيف ينقلب الأمر بالإجازة ويصير المجاز له هو الراهن؟ ولو صح ذلك لجرى في البيع ونحوه. وعلى هذا فلا يصح الإجازة من مالك العبد الجاني في بعض فروضه، كما إذا تعلق دية الجناية بذمة المولى، فإنه مع ضمانه لا يمكن أن يكون عبده ملكا لغيره، وأما إذا تعلق القصاص على رقبة العبد فلا مانع من الإجازة. وتمام الكلام في محله. قوله (قدس سره): (بقي الكلام في التصرفات الغير المنافية لملك المشتري من حين العقد، كتعريض المبيع للبيع.... إلى آخره).


(1) المكاسب: كتاب البيع ص 144 س 17. (2) أي التصرفات الناقلة للعين والمتلفة لها.

[ 157 ]

لا يخفى أن التفصيل الذي أفاده في المقام: من كون العرض على البيع ردا لو التفت إلى عقد الفضولي دون ما إذا لم يلتفت به، غير وجيه. والفحوى التي استدل بها غير تامة، فإن الدفع وإن كان أسهل من الرفع في الجملة، ومقتضاه أن يكون ما به يرفع الأمر الثابت يدفع به أثر العقد المتزلزل من حيث (1) الحدوث بطريق أولى، فإذا كان العرض على البيع، بل إنكار البيع فسخا من ذي الخيار، فكونهما ردا للبيع الفضولي أولى، ولكن هذه الأولوية معارضة بأولوية اخرى وهي: أنه إذا لم يكن بيع المالك ردا فعليا فعرضه على البيع أولى بعدم كونه ردا. وبالجملة: قد تقدم منا أن قياس المقام على فسخ ذي الخيار قياس مع الفارق، لأن إجازة ذي الخيار وفسخه ليس إلا لإعمال الحق من إقرار الالتزام أو رفعه، وهما يحصلان بمجرد التشبث بالمنتقل إليه أو المنتقل عنه، لأن العقد لا يقتضي بطبعه التصرف، فإذا تصرف في المعقود عليه فيقتضي أن يكون تصرفه عن حق ولازمه الفسخ أو الإمضاء. وأما تصرف المالك في المقام فليس إلا لاقتضاء طبع الملك ذلك، وليس التصرف ولو مع الالتفات إلى عقد الفضولي ردا، وإلا لزم عدم إمكان الإجازة غالبا، لملازمة غالب ما وقع عليه العقد فضولا مع تصرف مالكه، فينحصر إمكان إجازة عقد الفضولي بما إذا وقعت الإجازة فورا. وحاصل الكلام: أن الفعل في المقام ليس كالقول مسقطا لعقد الفضولي رأسا عن قابلية تعلق الإجازة به، بل إذا باع المالك فللمشتري إجازة عقد الفضولي، فإذا لم يكن البيع فسخا بل كان مفوتا لمحل الإجازة بالنسبة إلى المالك فعدم كون التعريض على البيع فسخا بطريق أولى. وأما ما استدل به (قدس سره) من الأخبار الدالة على حصول الرد بالفعل ففيه نظر! أما ما ورد في نكاح العبد بغير إذن مولاه - كما في موثقة زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام): سألته عن مملوك تزوج بغير إذن سيده، فقال: " ذاك إلى سيده إن شاء


(1) كذا، والظاهر: حين.

[ 158 ]

أجاز وإن شاء فرق بينهما " (1)، وكما في خبره الآخر عنه (عليه السلام): سألته عن رجل تزوج عبده بغير إذنه فدخل بها، ثم اطلع على ذلك مولاه، فقال (عليه السلام): " ذلك إلى مولاه إن شاء فرق بينهما وإن شاء أجاز نكاحهما وللمرأة ما أصدقها.... إلى آخره " (2) - فلا يدل إلا على أن أمر النكاح بيد المولى إن شاء أجاز وإن شاء رد. وأما أن الرد بم يتحقق؟ فلا تعرض له فيه. وأما ما ورد فيمن زوجته امه - كما في خبر محمد بن مسلم عن الباقر (عليه السلام) أنه سأله عن رجل زوجته امه وهو غائب قال (عليه السلام): " النكاح جائز إن شاء المزوج قبل وإن شاء ترك، فإن ترك المزوج تزويجه فالمهر لازم لامه " (3) - فهو في غاية الضعف من الظهور، لأنه يدل على أن الخيار بيد الزوج إن شاء أجاز وإن شاء لم يجز، وعلى فرض حمل الترك على الأمر الوجودي فغايته أنه كخبر تزويج العبد، ودلالته على أنه بالفعل يسقط العقد عن قابلية لحوق الإجازة ممنوعة. ثم لا يخفى أن إلحاق الرد في المقام بالفسخ في العقود الجائزة حكما كالهبة، والجائزة حقا كالبيع الخياري، وبالفسخ في الوكالة والوصاية لا وجه له، لعدم الجامع بينهما. أما فسخ العقود الجائزة فلما عرفت أن المناط في تحقق الفسخ فيها هو التشبث بالملكية السابقة، وهو يحصل بالفعل كحصوله بالقول، وهذا المناط غير موجود في رد عقد الفضولي. وأما العقود الإذنية كالوكالة والعارية ونحوهما فلأن المدار فيها على الإذن، وهو يرتفع بالوكالة الباطنية فضلا عن الفعل المنافي. وأما الوصاية التمليكية والسبق والرماية - بناء على القول بجوازهما -


(1) الكافي: ج 5 ص 478 ح 3، عنه الوسائل: ب 24 من أبواب نكاح العبيد ح 1 ج 14 ص 523. (2) الكافي: ج 5 ص 478 ح 2، عنه الوسائل: ب 24 من أبواب نكاح العبيد ح 2 ج 14 ص 523 - 524. (3) الكافي: ج 5 ص 401 ح 2، عنه الوسائل: ب 7 من أبواب عقد النكاح ح 3 ج 14 ص 211.

[ 159 ]

فالظاهر إلحاقها بالعقود الجائزة في حصول الفسخ بها بكل فعل مناف. وتمام الكلام في هذه الأبواب موكول إلى محله. وكيف كان، الفعل الذي يتحقق به الرد في مقابل الإجازة بحيث يسقط العقد عن القابلية لا وجود له بين الأفعال. * * * قوله (قدس سره): (مسألة: لو لم يجز المالك فإن كان المبيع في يده فهو، وإلا فله انتزاعه ممن وجده في يده مع بقائه.... إلى آخره). تنقيح هذه المسألة يتوقف على البحث من جهات ثلاث: الاولى: في حكم رجوع المالك إلى الغاصب. الثانية: في حكم رجوعه إلى المشتري. الثالثة: في حكم رجوع المشتري إلى الغاصب. أما رجوع المالك إلى الغاصب أو المشتري: فيقع الكلام تارة في صورة الإجازة، واخرى في صورة الرد. أما صورة الإجازة فلو كان الثمن باقيا عند الغاصب أو عند المشتري فله الرجوع إلى كل واحد منهما، ولو كان تالفا فتأثير إجازته يتوقف على عدم انفساخ العقد بتلف الثمن قبل قبضه، كما في صورة إتلاف أحدهما أو الأجنبي، وسيجئ حكمه. وأما صورة الرد فلو كان المبيع في يده فهو، وإلا فمع بقائه فله انتزاعه ممن وجده في يده أو إلزام غيره ممن دخل تحت يده برده، لأن كل من أخذه فهو مأمور بالرد إلا أن يرجع المالك إلى غيره ممن كان العين في يده. وبالجملة: المالك مخير في الرجوع إلى كل من ترتب يده على ماله، وله إلزامه برده وإن كان فيه مؤنة على تفصيل تقدم، ويرجع بمنافعه من المستوفاة وغيرها وبصفاته الفائتة إلى كل من ترتب يده عليه، إلا إذا دخلت العين خالية من الصفات تحت يد أحد مع عدم تجددها بعد ذلك عند من تلقى منه.

[ 160 ]

وبعبارة واضحة: للمالك أن يرجع إلى الضامن الأول بالصفات التي فاتت عند الثاني، سواء كانت هذه الصفات موجودة في العين حين كانت العين في يده، أم تجددت في يد الثاني ثم زالت. نعم، من لم تحصل في يده ولا في يد من تأخر عنه فلا يرجع المالك إليه، لأنه تلقاها من السابق خالية من الصفات ولم تتجدد عنده ولا عند من تأخر عنه أيضا فلا يضمنها. ثم إن قرار الضمان على من تلفت الصفة عنده بمعنى: أنه لو رجع المالك إليه فهو لا يرجع إلى سابقه، إلا إذا كان مغرورا فإنه يرجع إلى من غره. وأما لو رجع المالك إلى السابق فهو يرجع إلى اللاحق الذي تلفت عنده أو عند من تأخر عنه. ووجه جواز رجوع المالك إلى من تلفت الصفة عنده: هو أن مقتضى تعاقب الأيدي الغاصبة كون كل من وقع المال بيده ضامنا للعين بجميع خصوصياتها، من ماليتها ومنافعها وصفاتها، سواء كانت الصفة حاصلة بفعله، كما لو علم العبد المغصوب صنعة فنساها، أو سمنت الدابة فهزلت، أم كانت حاصلة بفعل الله سبحانه، لأن جميع هذه الصفات موهبة من الله سبحانه حصلت في ملك المالك، فهو يستحقها لا غير، فيضمنها كل من وضع يده على هذا المال، إلا من وضع يده عليه بعد تلفها. وأما وجه جواز رجوعه إلى السابق مع أن الصفة لم تتلف عنده، بل لم تكن موجودة كما في بعض الموارد فلأن مقتضى قوله (صلى الله عليه وآله): " على اليد ما أخذت حتى تؤدي " (1) أن يكون ضمان العين مع خصوصياتها من منافعها وصفاتها الموجودة والمتجددة على الآخذ، فالجميع على عهدته ما لم يرد العين، غاية الأمر أنه لو رجع إليه المالك فله الرجوع إلى من تأخر عنه لو لم يكن غارا له، هذا مع بقاء العين وتلف المنافع والصفات. وأما لو تلفت هي أيضا فحكمها حكم المنافع والصفات في استقرار الضمان على من تلفت عنده.


(1) مسند أحمد بن حنبل: ج 5 ص 12، عوالي اللآلي: ج 1 ص 224 ح 106.

[ 161 ]

ثم إنه لو قلنا في القيميات بقيمة يوم التلف فالحكم واضح. وأما لو قلنا بأعلى القيم فمقتضاه أن زيادة القيمة السوقية كنفس القيمة في عهدة الغاصب، وعلى هذا فلو كانت قيمة العين حين ما وقعت في يد الغاصب الأول عشرة وحين ما ترتبت عليها يد الغاصب الثاني اثني عشر، ثم تنزلت قيمته فدخلت بعد ذلك تحت يد الثالث فتلفت عنده، أو عند الرابع من دون ترق فللمالك مطالبة الأعلى من الأول، أو الثاني دون الثالث أو الرابع، لأنها دخلت تحت يد الثالث ومن بعده نازلة القيمة، فلا وجه لضمانها الأعلى، وإنما يضمنان القيمة التي وصلت العين إليها. وهذا هو مقصود المصنف (قدس سره) في قوله: " ولو كان قبل ذلك في ضمان آخر وفرض زيادة القيمة عنده ثم نقصت عند الأخير اختص السابق بالرجوع بالزيادة عليه " (1) أي نقصت قبل دخوله تحت يد الأخير. وبالجملة: حكم تفاوت الرغبات بناء على القول بأعلى القيم في القيميات حكم الصفات التالفة، فمن تلفت عنده أو عند من ترتبت يده عليه فهو ضامن، دون من أخذه في حال النقصان ولم يترق عنده ولا عند من يده مترتبة عليه، وذلك واضح جدا. وأما حكم رجوع المشتري إلى الغاصب - بعد فرض رجوع المالك إليه - فالكلام فيه: تارة في الثمن الذي سلمه إلى الغاصب، واخرى فيما يغرمه للمالك زائدا على الثمن. فهنا مسألتان: الاولى: في أصل الثمن، والكلام فيه: تارة مع بقائه عند الغاصب أو عند من انتقل إليه، واخرى عند تلفه. أما مع بقائه فلا ينبغي الإشكال في جواز رجوعه إليه واسترداده منه، سواء كان عالما بالغصبية أم جاهلا، إلا إذا اعترف بكونه هو المالك. وأما لو لم يقر بكونه مالكا أو أقر ولكن إقراره كان مستندا إلى اليد التي ثبت عدم كونها حقا فله الرجوع إليه. وعلى فرض شمول إطلاق قول المشهور: بعدم جواز الرجوع إليه إذا


(1) المكاسب: كتاب البيع ص 145 س 5.

[ 162 ]

كان عالما بكونه غاصبا لصورة بقاء الثمن، فقد عرفت ضعفه، لأن الدفع إليه لا يزيد عن الهبة، فمع بقاء الثمن يجوز له الرجوع إليه ولو مع العلم بكونه غاصبا، لا لما استدل به المصنف بقوله: " إذ لم يحصل منه ما يوجب انتقاله عنه شرعا، ومجرد تسليطه عليه لو كان موجبا لانتقاله لزم الانتقال في البيع الفاسد، لتسليط كل من المتبائعين صاحبه على ماله، ولأن الحكم بصحة البيع لو أجاز المالك - كما هو المشهور - يستلزم تملك المالك للثمن، فإن تملكه البائع قبله يلزم فوات محل الإجازة " (1) إذ يمكن الخدشة في كلا الوجهين: أما في الأول فلإمكان الفرق بين البيع الفاسد من غير جهة العوض، والفاسد من جهة العوض، كما سيجئ. وأما في الثاني فلأن القائل بانتقال الثمن إلى الغاصب بمجرد التسليط يمكن التزامه بعدم قابلية هذا البيع لإجازة المالك - كما تقدم الإشكال فيه سابقا - أو عدم قابليته لها على النقل. هذا، مع أنه قد تقدم أنه يمكن التفصيل بين الإجازة والرد، فيكون ملكية الغاصب مراعى بعدم الإجازة. وبالجملة: ليس جواز رجوع المشتري إلى الغاصب في صورة بقاء الثمن للوجهين المذكورين في المتن - كما أشار إلى بطلانهما أو بطلان خصوص الأخير بقوله: " فتأمل " - بل لما ذكرنا من أن التسليط لا يزيد على الهبة المجانية، فلا فرق بين صورة العلم والجهل. ثم إنه لا ينبغي الإشكال في حرمة تصرف الغاصب في الثمن وضعا وتكليفا، لأن المشتري دفعه إليه مبنيا على المعاوضة لا مع الغض عنها، فلا ينتقل إليه حتى يجوز تصرفه فيه تكليفا وينفذ وضعا. وهذا هو ظاهر المتن في صدر المسألة فإنه قال: " وهل يجوز للبائع التصرف فيه؟ وجهان، بل قولان: أقواهما العدم، لأنه أكل المال بالباطل " (2). ولكنه يظهر من موضعين من كلامه جواز التصرف:


(1) المكاسب: كتاب البيع ص 145 س 10. (2) المكاسب: كتاب البيع ص 145 س 12.

[ 163 ]

الأول: قوله (قدس سره): " لأن طيب النفس بالتصرف والإتلاف من دون ضمان له بماله حاصل " (1). والثاني: قوله: " وحاصله: أن دفع المال إلى الغاصب ليس إلا كدفعه إلى ثالث يعلم عدم كونه مالكا للمبيع " (2). فإن مقتضى هذين الكلامين جواز التصرف التكليفي أو مطلقا، فإن الإذن في الإتلاف وإن لم يكن مشرعا إلا أنه يوجب جواز التصرف: إما تكليفا، أو مطلقا، بناء على أن التصرفات المتوقفة على الملك نافذة من المباح له ولو في غير المعاطاة. وكيف كان، فالأقوى جواز استرداد الثمن منه إذا كان باقيا. وأما في صورة التلف فالأقوى هو التفصيل بين العلم والجهل، فلو كان عالما فقد ظهر في مبحث ترتب العقود أنه ليس له الرجوع إليه بالمثل أو القيمة، وأما لو كان جاهلا فله الرجوع، كما هو المشهور. وقد يتوهم أن حكمه حكم صورة العلم، وحاصل التوهم: أن التسليم الخارجي كما لا يوجب الضمان على الغاصب في صورة العلم - إذ لا يصح جعل ضمانين لمال واحد عرضا - فكذلك في صورة الجهل، لأن المفروض أن التضمين وقع على ملك غير الغاصب حقيقة، لأن المعاملة وإن كانت واقعة بين الغاصب والمشتري إلا أن الغاصب جعل طرفا بعد البناء على كونه مالكا، ولذا صح تعلق إجازة المالك بهذا العقد، فمع ضمان المالك لا يمكن أن يكون الغاصب ضامنا. وبعبارة اخرى: يجب القول إما بعدم قابلية هذا البيع لإجازة المالك وعدم صحتها - كما في سائر البيوع الفاسدة - وإما بعدم ضمان الغاصب. ولكن التوهم فاسد كما قدمنا وجهه، وتنقيحه توضيحا لما سبق، وتتميما للجواب موقوف على بيان امور:


(1) المكاسب: كتاب البيع ص 145 س 32. (2) المكاسب: كتاب البيع ص 146 س 2.

[ 164 ]

الأول: أن المناط في الضمان المعاوضي عدم إقدام المتعاملين على المجانية. وقد أوضحنا في قاعدة " ما يضمن " أن المقصود من القاعدة أصلا وعكسا إنما هو تمييز مورد الإقدام على المجانية عن عدمه، لأن اليد تقتضي الضمان، فيبحث عن وجود المانع وعدمه، لا في المقتضي وعدمه. الثاني: أنه لا فرق بين العلم والجهل في العقد الفاسد من غير ناحية العوض، فكما أن في البيع الفاسد من جهة شروط الصيغة - مثلا - مع الجهل بالفساد لم يتحقق رافع الضمان فكذلك مع العلم، لأن علمهما بالفساد لا يقتضي المجانية، بل لا شبهة أن كل واحد منهما يضمن صاحبه، غاية الأمر أن الشارع لم يمض تضمينهما، ولذا لا يصير ما جعلاه مضمونا بدلا عند التلف، بل البدل هو المثل أو القيمة. وبالجملة: حكم الشارع بالفساد لا يلازم عدم البناء على الضمان، لأن التضمين العرفي يجتمع مع العلم بأن المبيع لا ينتقل إلى المشتري شرعا. الثالث: أن التسليم في العقود الفاسدة طرا ليس كالتسليم إلى الأجنبي المحض، كالتسليم إلى غير الوكيل، بل هو مبني على المعاوضة، فيسلم المشتري الثمن إلى الغاصب ليتصرف فيه كما كان يتصرف في المثمن ويجعله بدلا له. الرابع: أن حكم التسليم إلى غير المالك مع الجهل حكم التسليم إلى الطرف في سائر المعاوضات الفاسدة بخلافه مع العلم، وذلك لأن مع الجهل لم يتحقق رافع الضمان، لأنه سلم إليه معتقدا بأنه مالك، ومتخيلا أن البدل ينتقل إليه عوضا عما سلمه إليه، فجعل التضمين عليه من ماله لاعتقاده كونه ملكا له، وحيث إن مالكيته ليست ركنا في عقود المعاوضة - بل التبديل واقع بين المالين، وإنما يبنى كونه مالكا لصحة توجيه الخطاب معه - فيلغى اعتقاد كونه مالكا وينتسب العقد إلى المالك الحقيقي لو أجاز فينتقل الضمان إلى ذمته، وأما لو رد وأخذ المبيع من المشتري فيبقى الضمان في عهدة نفس الغاصب، لأن لازم جعل الضمان على عهدته تحققه طولا وقهرا عليه، لأن يده ليست يدا أمانية فلم يتحقق رافع الضمان،

[ 165 ]

وفي صورة العلم أيضا وإن كان التسليم وقع مبنيا على المعاوضة إلا أنه حيث يعلم بأنه ليس مالكا ويسلمه إليه فهو مقدم على المجانية، لما عرفت أن التسليم الخارجي لا يمكن تقييده بالتسليم إلى المالك الحقيقي، لأن البناء والعدوان مصحح للمعاوضة، لا للفعل الخارجي، ولم يجعل ضمانا تقديريا على الغاصب في صورة الرد، فلا يندرج تحت عموم " على اليد " بعد خروج اليد الغير العادية منه، وهذه لو لم تكن أولى في عدم الضمان من الوديعة والعارية والتسليط على العين المستأجرة فلا أقل من كونها مثلها، بل لا يمكن إنكار أولويتها منها، لأن المالك سلطه على التصرف في العين وإتلافها مجانا بلا جعل عوض. إذا عرفت ذلك ظهر وجه صحة تمسك المصنف (قدس سره) بفحوى الأمانات، لأن غرضه بيان رافع الضمان، وهو الإقدام المجاني، وظهر الفرق بين العلم والجهل في المقام دون سائر العقود الفاسدة، وسيجئ توضيحه أيضا. وظهر أيضا أن عدم الضمان عند التلف لا يلازم جواز التصرف تكليفا ووضعا. قوله (قدس سره): (نعم، لو كان فساد العقد لعدم قبول العوض للملك: كالخمر والخنزير والحر قوي اطراد ما ذكرنا فيه من عدم ضمان عوضها المملوك مع علم المالك بالحال.... إلى آخره). لا يخفى أن فساد العقد تارة من غير ناحية العوض، واخرى منها. وظهر أن قاعدة " ما يضمن " أصلا وعكسا اسست لبيان حكم القسم الأول. وعرفت أن الفساد إذا كان لاختلال شرائط هذا القسم، كانتفاء شروط الصيغة أو المتبايعين، أو لزوم الربا، أو الجهل بأحد العوضين ونحو ذلك، فلا فرق بين صورة العلم والجهل في الضمان. كما تقدم أنه أحد الامور المترتبة على المقبوض بالعقد الفاسد. والسر فيه: ما تقدم أن كلا منهما في العقود المعاوضية ضمن الآخر بماله ولو مع العلم بالفساد فلا رافع للضمان. وأما الفساد من جهة العوض فله مراتب: منها: ما كان أحد العوضين مال الغير، كالمعاوضة مع الغاصب، وقد ظهر حكمه.

[ 166 ]

ومنها: البيع بلا ثمن، والإجارة بلا اجرة. ومنها: جعل العوض ما ليس مالا عرفا وشرعا، كالحشرات. ومنها: جعله ما ليس مالا شرعا، كالخمر والخنزير. أما البيع بلا ثمن والإجارة بلا اجرة فقد تقدم حكمه في التنبيه الثاني من تنبيهات قاعدة " ما يضمن "، وقوينا أخيرا عدم الضمان. نعم، لا يبعد القول بالتفصيل بين ما لو قال: " بعتك بلا ثمن " وما لو قال: " بعتك بثمن كذا وأسقطت الثمن " بأن يحكم بالضمان على الأول، وبعدمه في الثاني. وما يقال (1) في توجيه ما اختاره الشهيد من عدم الضمان في الأول أيضا من باب أن ذيل الكلام يصير قرينة على الصدر فيدل المجموع على أن التسليم مجاني ففيه ما لا يخفى، فإن باب القرينة غير باب ما ينافي مقتضى العقد، وإلا يرجع كل شرط مناف لمقتضى العقد إلى القرينة. وحاصل الفرق بينهما: أن القرينة هي التي تنافي الظهور البدوي لذي القرينة، فهي تصرف لفظي في ذيها، وهذا بخلاف تناقض الذيل مع الصدر، فإن المناقضة بينهما في المعنى لا اللفظ، فلا وجه لجعل الذيل قرينة على الصدر، بل لابد إما من الأخذ بما هو مقتضى قاعدة ما يضمن فيحكم بالضمان، وإما من القول بأن البائع لما ناقض صدر كلامه الدال على التضمين بذيله الرافع للضمان فيتساقطان، فالتسليم بعد هذا يكون مجانيا، وهذا لا ربط له بمسألة القرينة وجعل مجموع الكلام إنشاء للهبة المجانية. وأما جعل العوض ما ليس مالا عرفا وشرعا فقد تقدم في التنبية الأول من هذه القاعدة أيضا: أن الأقوى فيها الضمان على ما بيناه من معنى القاعدة، وهو: أن كل عقد لو فرض صحيحا كان موجبا للضمان ففاسده أيضا كذلك، وفرض صحة هذا العقد معناه فرض ما ليس مالا مالا، وإذا فرض كونه مالا فلا محيص عن الضمان.


(1) يظهر هذا التوجيه من المحقق الثاني في جامع المقاصد: ج 4 ص 208.

[ 167 ]

وأما مسألة الحر ونحوه فثبوت الضمان فيه أظهر، لأن عدم كونه مالا شرعا لا يوجب أن يكون العقد واقعا بلا تضمين عرفا. والمدار في الضمان على عدم الإقدام على المجانية. ولكن الإنصاف أن الحكم في جميع ذلك مشكل، لأنه لا فرق بين عدم جعل العوض أصلا كالبيع بلا ثمن، أو جعله ما ليس مالا: إما لقصور في المقتضي، كالحشرات، أو لوجود المانع، كالطير في الهواء والسمك في الماء والظبي في البيداء، أو جعله ما ليس مالا شرعا، كالخمر ونحوه. وعلى أي حال، ليس الحكم في تلف الرشوة كالحكم في تلف المبيع في البيع بلا ثمن، لأن الرشوة ليست من قبيل الثمن، وليس مقصود الراشي شراء الدين، ولا مقصود المرتشي بيعه، فلا يلازم عدم الضمان في مسألة البيع بلا ثمن عدمه في باب الرشوة، بل الأقوى أن جهة الضمان فيها هي جهة الضمان في باب الربا، فكما أن الشارع لم يبح للمالك هذا النحو من السلطنة ولم يسلطه على إعطاء الزيادة في المتجانسين فكذلك لم يبح له الرشوة على الحكم، فعلى هذا لو تلفت عند المرتشي فحيث إن يده يد عدوان يجب عليه المثل أو القيمة. قوله (قدس سره): (ثم إن مقتضى ما ذكرناه في وجه عدم الرجوع بالثمن: ثبوت الرجوع إذا باع البائع الفضولي غير بائع لنفسه، بل باع عن المالك ودفع المشتري الثمن إليه لكونه واسطة في إيصاله إلى المالك فتلف في يده.... إلى آخره). لا يخفى: أن الفضولي وإن لم يكن وكيلا عن المالك إلا أنه لو أقبضه المشتري الثمن لإيصاله إلى مالك المبيع يكون وكيلا عن المشتري، فإذا لم يفرط فيه ولا أتلفه بل تلف بتلف سماوي فلا وجه لضمانه مع كونه أمينا منه. ولولا قوله: " إذ لم يسلطه عليه، ولا أذن له في التصرف فيه فضلا عن إتلافه " (1) لقلنا: إن قوله: " فتلف فيه " من غلط الناسخ، والصواب هو أن يكون " فأتلفه ". وبالجملة: في مورد التلف لا وجه للضمان.


(1) المكاسب: كتاب البيع ص 146 س 15.

[ 168 ]

نعم، يثبت الضمان لو أخذ البائع الثمن من دون إذن المشتري، لأن يده على هذا ليست يدا أمانية، كما أنه يثبت الضمان لو اشترط على البائع الغاصب الرجوع إليه بالثمن لو أخذ العين صاحبها، لأن التسليط ليس مجانيا، فلو تلف أو أتلفه يضمنه بلا إشكال. كما لا فرق في عدم الضمان لو لم يشترط الرجوع إليه بين الثمن الشخصي والكلي فيما إذا كان عالما بالغصبية، كما لا فرق بينهما في الضمان إذا كان جاهلا. هذا كله في بيان حكم الرد. وأما حكم الإجازة فلو لم نقل بانفساخ العقد بالتلف عند الأجنبي فلو أجاز العقد والإقباض أيضا وقلنا بتأثير الإجازة في الفعل الخارجي بلحاظ أثره المترتب عليه - وهو رفع الضمان - فإذا تلف عند البائع بتلف سماوي فليس له الرجوع إلى المشتري، لإجازته إقباضه، ولا إلى الغاصب، لكونه أمينا منه. ولو أتلفه فله الرجوع إليه دون المشتري. وأما لو لم نقل بتأثير الإجازة في القبض فله الرجوع إلى كل منهما مطلقا، كما هو واضح. وأما لو أجاز العقد ولم يجز القبض فإن كان الثمن كليا فليس له الرجوع إلى البائع، لأن المدفوع إليه لم يتعين كونه ثمنا. وأما لو كان شخصيا فله الرجوع إلى كل منهما. ثم إنه لو رجع إلى المشتري فللمشتري الرجوع إلى البائع مطلقا، لأن قابلية العقد للإجازة تقتضي كون الثمن للغاصب على تقدير الرد، لا على جميع التقادير، سواء قيل بالكشف أم النقل. أما على الكشف فلأن المشتري سلطه على مال المجيز. وأما على النقل فلأنه وإن سلطه على مال نفسه إلا أنه لم يسلطه عليه مجانا بل بإزاء المعوض، فإذا انتقل إليه بإجازة المالك فلا محالة ينتقل العوض إلى المالك، لا إلى الغاصب. وبالجملة: معنى تأثير الإجازة أن الثمن عند البائع مراعى فلا ينتقل إليه بالتسليط الخارجي منجزا وملكا مطلقا، والتسليط الخارجي كما لا يرفع الضمان مع الجهل مطلقا كذلك لا يرفعه مع العلم في صورة الإجازة، لأنه لا معنى لأن

[ 169 ]

يكون التسليط مسقطا للضمان الذي لم يتحقق، فإن الضمان الحاصل للبائع إنما هو بعد رد المشتري الثمن إلى المالك، وقبله لا يكون البائع ضامنا حتى يكون التسليط مبرئا له، لأنه ضمان ما لم يجب. بل ولو قيل بصحة إسقاط ضمان ما لم يجب أيضا لا يصح رجوع كل واحد من الغارمين إلى الآخر في خصوص الغرامة الناشئة عن تعاقب الأيدي إلا بعد رجوع ذي الحق إليه، فإن قبله لا غرامة حتى يكون له الرجوع ليكون له الإسقاط. قوله (قدس سره): (المسألة الثانية: أن المشتري إذا اغترم للمالك غير الثمن.... إلى آخره). لا يخفى أن البحث في هذا العنوان إنما هو في مورد الرد دون الإجازة، كما أن مفروض البحث أيضا فيما لو كان المشتري جاهلا، وأما لو كان عالما فليس له الرجوع إلى البائع الغاصب أو الفضولي مطلقا بأي غرامة اغترمها، وذلك واضح. ثم إن الغرامة التي قيل بلزومها عليه على أنحاء أربعة: الأول: ما يكون في مقابل العين: كزيادة القيمة على الثمن الذي اشترى به، كما لو اشترى المبيع بعشرة وأخذ منه المالك عشرين، إما لكونه يسوى عشرين حين البيع أو زادت قيمته بعد ذلك، وعلى أي حال هذه الغرامة إنما تتوجه عليه إذا تلف المبيع، وأما لو كان باقيا فليس للمالك إلا أخذ العين منه دون زيادة القيمة السوقية. نعم، لو سقط عن القيمة بالكلية فهو مطلب آخر تقدم حكمه في مسألة الجمد في الصيف والماء في المفازة. الثاني: قيمة المنافع المستوفاة. الثالث: قيمة المنافع الغير المستوفاة ولم يبين المصنف (قدس سره) حكم هذا القسم، ولعله أحاله إلى ما تقدم منه في المقبوض بالعقد الفاسد، أو أدرجه في القسم الآتي. الرابع: ما اغترمه من جهة حفر أو غرس أو نفقة أو قيمة ولد أو نقص جزء أو وصف مما لا يرجع نفعه إليه، بل ولو رجع إليه، كالولد المنعقد حرا إلا أنه لا يعده العرف أو الشرع منفعة.

[ 170 ]

وكيف كان فلا إشكال في الجملة أن للمالك الرجوع إلى المشتري، وإنما الكلام في رجوع المشتري إلى البائع، وقبل ذكر الأقوال ينبغي بيان ما يمكن به الاستدلال لرجوع المشتري إليه بعد استقرار الضمان عليه بمقتضى تعاقب الأيدي، وهو على ثلاثة وجوه: الأول: قاعدة نفي الضرر. الثاني: قاعدة التسبيب. الثالث: قاعدة الغرور الدال عليها النبوي المعمول بين الفريقين، وهو قوله (صلى الله عليه وآله): " المغرور يرجع إلى من غره " (1). وتقريب الأول: أنه لو لم يجز رجوع المشتري فيما اغترمه إلى البائع لزم الضرر عليه، وحيث إنه منفي في الشريعة فيحكم بضمان البائع له. وبعضهم استشكل في اطراد القاعدة فيما إذا اغترم في مقابل المنافع المستوفاة. وتقريب الثاني: أن البائع هو السبب لفوت المنافع، أو الأجزاء، أو الأوصاف على المالك، لضعف المباشر من جهة جهله كما هو المفروض. وتقريب الثالث واضح، لأن البائع في المقام كمقدم طعام الغير للأكل. ولكنك خبير بما في الاستدلال بالقاعدتين الاوليين. أما قاعدة الضرر فلما بينا (2) في محله أنها حاكمة على الأحكام الثابتة في الشريعة، ولا يمكن إثبات حكم بها لولا تشريعه لزم منه الضرر، فلو لم ينهض دليل


(1) لم نعثر على هذا النص من أحد المعصومين (عليهم السلام) في المجامع الحديثية سوى ما حكي عن حاشية الإرشاد للمحقق الثاني من نسبة ذلك إلى النبي (صلى الله عليه وآله) كما في حاشية الطباطبائي على المكاسب: ص 179 س 1، وتبعه صاحب الجواهر من نسبته إلى المعصوم، لاحظ الجواهر: ج 37 ص 145، والظاهر أنه قاعدة فقهية متصيدة من عدة روايات ورد بعضها في التدليس. لاحظ الوسائل: أحاديث الباب 7 من أبواب العيوب والتدليس ج 14 ص 602، السنن الكبرى: ج 7 ص 219. (2) يأتي منه (قدس سره) في التنبيه الثاني عند بحثه لقاعدة " لا ضرر ".

[ 171 ]

على ضمان البائع ما اغترمه المشتري فكون الغرامة ضررا عليه لا يوجب تعلق الضمان على البائع. وعلى هذا فيسقط ما استشكله بعض: بأن الضرر لا يطرد في جميع الغرامات، لأنه ليس المقام مقام التمسك بقاعدة " نفي الضرر " رأسا، اطردت أو لا تطرد. وحاصل الكلام: أن قاعدة الضرر لو كانت مثبتة للحكم لما استقام حجر على حجر، ولزم تأسيس فقه جديد، ولزم تدارك كل خسارة من بيت المال أو من الأغنياء. وبعض الأعاظم (1) ممن عاصرناهم وإن أفتى بجواز طلاق زوجة الغائب لرفع ضرر الزوجة استنادا إليها ولكن لا يمكنه الالتزام بتشريع الأحكام حتى فيمن تضرر بالمال وخسر في التجارة، مع أن المسألتين من واد واحد، ومن جوز من الأصحاب ذلك فإنما هو للأخبار الواردة في المقام، لا لأن الصبر ضرر عليها. وأما قاعدة التسبيب فالمسلم منها ما لا يتوسط بين فعل الفاعل والأثر المترتب عليه فعل فاعل مختار، أو إذا لم يكن مستندا إليه شرعا لكونه واجبا عليه. فالأول: كمن فتح قفص الطائر فطار، أو فتح فم قربة السمن فأذابته الشمس، فإن فعل الطائر والشمس غير اختياري فالضمان يستند إلى الفاتح. والثاني: كحكم الحاكم بشهادة شهود الزور فإن المال وإن اغترمه المشهود عليه بحكم الحاكم إلا أنه حيث يجب عليه الحكم لعدم علمه بكذب الشهود فهو ليس ضامنا، والضمان على الشهود. وهكذا فعل المكره بإكراه الجائر ونحو ذلك. وبالجملة: قاعدة التسبيب وإن كانت من القواعد المسلمة - ولذا حكموا بضمان من حفر بئرا في طريق المسلمين إذا وقع أحد فيه فمات، وحكموا بضمان من نصب في قعره السكين إذا مات بالسكين، وحكموا بضمان من دفع الواقع في البئر - ولكنه إنما تجري فيما لم يكن هنا واسطة اختيارية بحيث كان عمله


(1) هو السيد الطباطبائي في العروة الوثقى: ج 2 ص 75 م 33.

[ 172 ]

الجزء الأخير للعلة وكان فعل السبب هو المعد، وإلا يحكم بضمان المباشر، كمن باشر بالاختيار أكل طعام الغير ولو لتغرير غيره المقدم إليه، بل ولو قيل بأن الضمان على المقدم هناك إلا أنه لا يصح القول به في المقام، لأن مورد ضمان السبب هو الذي يرجع إليه ابتداء، لا في مثل المقام الذي لا إشكال في جواز رجوع المالك إلى المشتري ابتداء، فلو قيل بضمان البائع فليس مستنده إلا قاعدة الغرور. نعم، هنا كلام آخر به يصح الجمع بين كلامي المصنف في المقام، فإنه بعد منعه من التمسك بقاعدة التسبيب بقوله: وأما قوة السبب على المباشر فليست بنفسها دليلا على رجوع المغرور إلا إذا كان السبب بحيث استند التلف عرفا إليه كما في المكره.... إلى أن قال: والمتجه في مثل ذلك عدم الرجوع إلى المباشر أصلا، قال: فلابد من الرجوع بالأخرة إلى قاعدة الضرر أو الإجماع المدعى في الإيضاح على تقديم السبب إذا كان أقوى، أو بالأخبار الواردة في الموارد المتفرقة (1). فيتوهم التنافي بين الصدر والذيل. ولكنه بالتأمل في ما ذكره (قدس سره) يتضح عدم التنافي. وتوضيح ذلك: أن ما يطلق عليه السبب على أقسام ثلاثة: الأول: ما إذا كان أثر السبب صرف إحداث الداعي للمباشر من دون استناد الفعل الى السبب، كمن أمر غيره بقتل شخص، أو علمه طريق سرقة الأموال فالضمان هنا على المباشر دون السبب. الثاني: ما إذا كان الفعل مستندا إلى السبب دون المباشر، إما لكون المباشر حيوانا أو صبيا، أو كان مختارا خارجا ولكنه كان ملزما شرعا، كالأمثلة المتقدمة وما يحذو حذوها فهنا مورد قاعدة التسبيب، والمتجه في مثل ذلك عدم الرجوع الى المباشر أصلا. فإذا أمر الحاكم الشرعي النافذ حكمه بقتل أحد فلو كان الحاكم جائرا في حكمه واقعا فالضمان عليه دون المباشر للقتل، لوجوبه عليه، فهو في


(1) المكاسب: كتاب البيع ص 147 س 17 وما بعده.

[ 173 ]

حكم غير المختار، وإذا كان مستند حكمه شهادة شهود الزور فالضمان على الشهود دون الحاكم. والثالث: ما إذا كان الفعل مستندا إلى المباشر ولكن كان الضمان المترتب عليه مستندا إلى السبب، إما لكون أمره أمرا بالضمان، كمن أمر غيره بأن يضمن عن دينه، وإما لكونه موقعا له في الضمان، كمن قدم إلى غيره طعاما ليأكله مجانا فتبين عدم كون الطعام له، والمتجه في ذلك تعلق الضمان أولا بالمباشر، ثم بالسبب برجوع المباشر إليه، وعلى هذا القسم تنطبق قاعدة الغرور أيضا، فارتفع التنافي بين كلامي المصنف. نعم، ترد عليه المناقشة في المثال، فإن ضمان ما يؤخذ بشهادة شاهد الزور ليس من قبيل ضمان الغار، فإنه يجب على الحاكم الحكم على طبق الشهادة، فهو مسلوب الاختيار، فيرجع في الضمان إلى الشهود ابتداء. والمثال المطابق للمقام هو ضمان المقدم طعام الغير، فإن الضمان على الآكل ابتداء وهو يرجع إلى المقدم. وبالجملة: إذا كان الفعل مستندا إلى السبب فهو الضامن دون غيره، وإذا كان الفعل مستندا إلى المباشر وكان غير مقدم على ما يترتب عليه من الضمان - كمن أكل طعاما بتغرير غيره أنه له مجانا، أو كان إقدامه على الضمان بإزاء العوض، كمن أمره المديون بأداء دينه بإزاء العوض، أو ضمن دين غيره كذلك - فلا يرجع إلى السبب، إلا بعد أداء المباشر الغرامة. ثم إنك بعد ما عرفت أن النبوي الدال على رجوع المغرور إلى الغار معمول به بين الفريقين، كالنبوي الدال على ضمان اليد، فضعفه بالإرسال لا يضر بالاستدلال، لأن العمل يجبره، مع أن الحكم في الجملة يستفاد من الأدلة الخاصة أيضا: منها: رواية جميل (1) المذكورة في المتن.


(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 82 ح 353.

[ 174 ]

ومنها: الأخبار الكثيرة الواردة في النكاح في باب التدليس (1). وبعضها معللة بعلة مطردة، قال: " قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في امرأة زوجها وليها وهي برصاء، أن لها المهر بما استحل من فرجها، وأن المهر على الذي زوجها، وإنما صار عليه المهر لأنه دلسها " (2). وفي بعضها علل بالتغرير، كما في قوله (عليه السلام): " وعلى الذي زوجه قيمة ثمن الولد يعطيه موالي الوليدة كما غر الرجل وخدعه " (3). إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى الأقوال في المسألة. وقد اختار صاحب الحدائق (4) (رحمه الله) عدم رجوع المشتري إلى البائع في الغرامة التي اغترمها للمالك مع عدم رجوع نفع إليه، ولازم كلامه عدم رجوعه إليه فيما اغترمه في مقابل المنافع التي استوفاها بطريق أولى. ومستنده: سكوت الأخبار الخاصة عن الرجوع إلى البائع، كخبر زريق (5)، ورواية زرارة (6) مع أنها في مقام البيان، ولا يخفى أن إحراز كونها في مقام البيان من جميع الجهات مشكل، بل الظاهر كونها مسوقة لجواز رجوع المالك إلى المشتري، لا رجوع المشتري إلى البائع، فلا تعارض بين هذين الخبرين وبين رواية جميل، مع أنه لو أحرزنا كون هاتين الروايتين في مقام البيان من جميع الجهات فإن رواية جميل تقدم عليهما، لأنهما - غاية الأمر - ظاهرتان في عدم الرجوع الى البائع، وهي نص في الرجوع إليه.


(1) وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب العيوب والتدليس ج 14 ص 595 - 598. (2) وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب العيوب والتدليس ح 2 ج 14 ص 596. (3) وسائل الشيعة: ب 7 من أبواب العيوب ح 1 ج 14 ص 602. (4) الحدائق الناضرة: ج 18 ص 394. (5) أمالي الطوسي: ج 2 ص 309، عنه وسائل الشيعة: ب 3 من أبواب عقد البيع ح 1 ج 12 ص 253. (6) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 83 ح 357، عنه وسائل الشيعة: ب 88 من أبواب نكاح العبيد ح 4 ج 14 ص 592.

[ 175 ]

واختار صاحب الرياض (1) عدم رجوعه إليه فيما اغترمه في مقابل المنافع المستوفاة. ومستنده عدم ورود ضرر عليه لاستيفائه المنافع. وفيه: أن المستند ليس منحصرا في قاعدة الضرر، بل عرفت عدم كونها مستندا هنا أصلا، وإنما المستند للرجوع هو رواية جميل، والأخبار الواردة في باب النكاح وقاعدة الغرور، ولو منعنا عن كون حرية ولد المشتري نفعا عائدا إليه إلا أنه لا ريب في أن الزوج الذي يرجع بالمهر الذي يؤخذ منه إلى المدلس انتفع بالبضع. وبالجملة: يستفاد من الأخبار الخاصة أن المدار في رجوع المغرور إلى الغار هو مجرد ضمانه بما يؤخذ منه بسبب إلقائه الغار في الضمان، سواء انتفع أم لم ينتفع، وسواء كان الضمان هو زيادة القيمة على الثمن أم غيرها مما خسره. فتحصل مما ذكرنا امور ينبغي التنبيه عليها: الأول: أن مورد الرجوع إلى السبب ابتداء غير مورد الرجوع إليه في المرتبة الثانية، فإن مورد تعلق الضمان بالسبب ابتداء لا بالمباشر هو ما إذا لم يكن الفعل مستندا إلى المباشر، إما لكونه غير ذي شعور، كالطائر ونحوه، وإما لكون فعله كالعدم، كالصبي والمجنون، وإما لكونه واجبا عليه كالحاكم ومن كان مأمورا من قبله. ومورد تعلق الضمان ابتداء بالمباشر ثم بالسبب في المرتبة الثانية هو ما إذا كان الفعل صادرا منه بالاختيار من دون إكراه خارجي، ولا لزوم شرعي، غاية الأمر كان غيره ملقيا إليه في الضمان، إما لالتماس الضمان منه، وإما لتغريره له بما يوجب الضمان. الثاني: أن ضمان السبب في القسم الثاني إنما هو بعد أداء المباشر الغرامة، وأما قبله فلا يؤخذ بالضمان، فليس للمغرور مطالبة الغرامة من الغار ابتداء. كما أنه ليس للضامن مطالبة المضمون عن المضمون عنه في الضمان العقدي.


(1) رياض المسائل: ج 2 (الحجري) ص 307 السطر الأخير.

[ 176 ]

وسيجئ في مسألة تعاقب الأيدي: أن ما يظهر من بعض عبائر القواعد (1): من أن للضامن الرجوع إلى المضمون عنه قبل أدائه المضمون إلى الدائن، لا وجه له. وبالجملة: لو لم يرجع ذو الحق إلى المباشر فليس للمباشر الرجوع إلى من ألقاه في الضمان، وهكذا ليس للضامن قبل مطالبة الدائن وأخذ الدين منه الرجوع إلى المديون المضمون عنه. ثم من هذين الأمرين تبين: أن مسألة حكم الحاكم من القسم الأول لا الثاني، وأن قاعدة الغرور من أحد مصاديق القسم الثاني، فإن السبب للضمان لا ينحصر في جهل المباشر، فإن الضمان بالالتماس، والضمان في تعاقب الأيدي من موارد القسم الثاني. الثالث: أن الضمان في القسم الثاني لا ينحصر في موارد الضرر على المباشر، بل يضمن الغار ما اغترمه المغرور، سواء انتفع أم لا، لأن المدار في تحقق الضمان لما يضمنه الغير هو التغرير أينما تحقق، سواء استوفى المغرور نفعا، كأكله الطعام واستيفائه منافع ما اشتراه من الغاصب ونحو ذلك، أو لم يستوف نفعا أصلا. والسر فيه: عدم إقدام المغرور بضمان ما يستوفيه، وإنما ألقاء الغار في الضمان. فعلى هذا يجب على الغار غرامة ما يغرمه المغرور زائدا على القيمة المسماة حال العقد، فإنه وإن أقدم على أن يكون ضمان العين وتلفها منه إلا أنه أقدم على مقدار ما سماه من القيمة لا زائدا عليها. فلو اشترى ما يسوى عشرين بعشرة أو اشترى ما يسوى عشرة بعشرة ولكنه زادت قيمته وتلف فالزائد على العشرة ليس ضمانه مسببا عن الإقدام، بل عن التغرير، فقرار ضمان الزائد على الغار، مع أن مجرد الإقدام لا يوجب الضمان. وإن قيل: بأن المشتري أقدم على أن يكون ضمان العين عليه. كما استند إليه الشيخ (2) في ضمان ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده، وقد ذكرنا ما فيه هناك.


(1) قواعد الأحكام: ج 1 ص 178 س 21. (2) المبسوط: ج 2 ص 149.

[ 177 ]

وبالجملة: جميع ما يغرمه المشتري يرجع به إلى البائع الغار، إلا القيمة التي وقع المبيع بإزائها فإن خسارتها لم تنشأ عن كذب البائع وتغريره، سواء كان في مقابل المنافع المستوفاة، أم غيرها مما فات تحت يده، أو مما صرفها بأمر المالك من بناء أو هدم أو غرس أو قلع، وسواء كان بإزاء الأجزاء التالفة أم الأوصاف كذلك، وسواء كانت الأوصاف موجودة حال العقد وتلفت أم تجددت بعده ثم تلفت، وسواء كان في مقابل زيادة القيمة عن الثمن المسمى حال العقد أم كان في مقابل القيمة التي زادت بعد العقد، بل حال زيادة القيمة المتجددة والصفات الحادثة أولى بوجوب الرجوع فيها إلى الغار، لأنه يمكن أن يقال: إن المشتري أقدم على أن يكون التلف من كيسه إذا كان التالف موجودا حال العقد. ولكنه لا يمكن دعوى الإقدام في الامور المتجددة بعد العقد، مع أن الإقدام على كون التلف من كيسه فيما كان موجودا حال العقد ممنوع أيضا صغرى وكبرى، لأنه لم يقدم إلا على ما يقابل الثمن المسمى، مع أن الإقدام بنفسه غير موجب للضمان، لا سيما إذا كان سببه الغير كما في المقام. وبالجملة: لا ينبغي الإشكال في أن المشتري يرجع في الزيادة التي حصلت بعد العقد واغترمها للمالك إلى البائع، لأنه لم يكن ملتفتا إلى حصولها حتى يقال بأنه أقدم على أن يكون تلفها منه. كما أن الرجوع في زيادة القيمة الواقعية على القيمة المسماة أولى من الرجوع إليه فيما اغترمه بإزاء المنافع المستوفاة، لإمكان أن يقال باختصاص قاعدة الغرور بمورد الضرر، فما اغترمه بإزاء المنافع لا يرجع فيه إلى غيره. ولكنه لا يمكن أن يقال بعدم رجوعه إليه فيما اغترمه بإزاء زيادة القيمة، فإنه وإن لم يخسر واقعا لفرض كون قيمة المبيع زائدا على المسمى فهما مشتركان في عدم الخسارة إلا أن الالتفات إلى حصول المنافع غالبا موجب للإقدام على أن يكون تلفها منه، بخلاف زيادة القيمة على المسمى فإنه لا يقدم عليها. ثم لا يخفى أن المصنف (قدس سره) التزم بالفرق بين وصف الصحة وغيره من

[ 178 ]

الأوصاف، فقال: في الغرامة التي اغترمها بإزاء وصف الصحة لا يرجع بها إلى البائع، لأن هذا الوصف بمنزله الجزء يقسط عليه الثمن فتلفه على المشتري، لأنه أقدم عليه كإقدامه في الجزء. وأما غير وصف الصحة، كالكتابة ونحوها فإذا اغترم لتلفه يرجع به إلى البائع. ولكن الحق: أن الأوصاف مطلقا لا يقسط عليها الثمن كالشروط، ولا ينافي ذلك ما يقال: إن للوصف أو الشرط قسطا من الثمن، لأن معناه: أن قيمة العين تزداد بالوصف أو الشرط، لا أن مقدارا من الثمن في الإنشاء العقدي يقابل الوصف أو الشرط، وهذا لا ينافي ثبوت الخيار بين الرد والأرش في العيب، لما سيجئ في باب العيب: أن الأرش ثابت بالتعبد لا من باب أن الثمن يقسط على الوصف والموصوف، وإلا وجب أن يكون الأرش من نفس الثمن. قوله (قدس سره): (ثم إن ما ذكرنا كله من رجوع المشتري على البائع بما يغرمه إنما هو إذا كان البيع المذكور صحيحا من غير جهة كون البائع غير مالك.... إلى آخره). اختصاص قاعدة الغرور في المقام بالعقد الذي هو قابل للصحة بإجازة المالك واضح، فإنه لو لم تؤثر إجازة المالك بأن كان العقد فاسدا من جهة فقد سائر الشرائط أو وجود الموانع فالضمان الحاصل فيه لا يستند إلى التغرير، فإن الفساد من جهة اخرى هو أسبق العلل، فلا كون البائع غير مالك هو منشأ الفساد، ولا المجموع بالتشريك، لأن العقد الفاسد من جهة كون البائع غير مالك بمنزلة وجود المانع والفاسد من جهة اخرى بمنزلة فقد المقتضي، فلا محالة يستند الفساد إلى عدم المقتضي، لا إلى وجود المانع، لأنه سواء كان البائع صادقا أم كاذبا كان المشتري ضامنا، فلا وجه لرجوعه إلى البائع فيما اغترمه للمالك لو ظهر كذب البائع. وبالجملة: مع فساد العقد من جهة اخرى، فتمام ما يغرمه للمالك بمنزلة ما يغرمه بإزاء الثمن المسمى لو كان الفساد من جهة كون البائع غير مالك، وقد

[ 179 ]

عرفت أن كل ما يخسره على تقديري صدق البائع وكذبه فليس له الرجوع إليه على تقدير كذبه. قوله (قدس سره): (ثم إنه قد ظهر مما ذكرنا: أن كل ما يرجع المشتري به على البائع إذا رجع إليه فلا يرجع البائع به على المشتري إذا رجع إليه.... إلى آخره). لا يخفى عليك: أنه بعد ما ظهر مناط التسبيب بالضمان، وأنه فرق بينه وبين التسبيب بالفعل، وأن سبب الفعل هو الضامن لا غير دون الملقي في الضمان فإن المباشر هو الضامن ابتداء، غاية الأمر أنه يرجع بعد أداء المضمون إلى سبب الضمان فمقتضاه أمران: الأول: أن في سبب الفعل ليس إلا ضامن واحد، وأما في سبب الضمان فهناك ضامنان. والثاني: أنه ليس للمالك ابتداء الرجوع إلى السبب، بل هو يرجع إلى المباشر، ثم يرجع المباشر إلى السبب. فما أفاده (قدس سره): من أنه كل ما يرجع المشتري به إلى البائع إذا رجع المالك إليه فلا يرجع البائع به إلى المشتري إذا رجع المالك عليه منحصر في بعض أقسام التسبيب في الضمان، وهو مورد بيع الغاصب مع جهل المشتري دون سائر أقسام الضمان، فإنه لو ضمن أحد بالتماس المديون دينه فالدائن يرجع إلى الضامن دون المديون، وهكذا في بعض موارد التغرير والتدليس، كما إذا لم يتصرف الغار في المال الذي أتلفه المغرور، أو تلف تحت يده فإن المالك أو الزوجة يرجع ابتداء إلى المغرور دون الغار والمدلس، فهذه الكلية المذكورة في المتن إنما تجري في موضوع البحث. وحاصلها: أنه إذا رجع المالك إلى البائع في الغرامات التي لو رجع فيها إلى المشتري كان هو يرجع فيها إلى البائع لقاعدة الغرور فلا يرجع هو إلى المشتري، لأن المفروض أن قرار الضمان على البائع الغار، فلا وجه لرجوعه إلى المشتري فيما أخذه المالك منه، وأما ما لا يرجع فيه المشتري إلى البائع، كمساوي الثمن

[ 180 ]

المسمى على المختار أو مقابل المنافع على مختار الرياض (1) فإذا رجع المالك إلى البائع فهو يرجع إلى المشتري، لأن قرار الضمان على المشتري لعدم جريان قاعدة الغرور فيه. ومن هنا توجه إشكال أشار إليه المصنف بقوله: إن قلت، وحاصله: أن المفروض أن المبيع كان تحت استيلاء البائع ومنه انتقل إلى المشتري ودخل تحت يده، فإذا تلف فكما يكون المشتري ضامنا له وللمالك الرجوع إليه فكذلك البائع ضامن له أيضا، فإذا رجع المالك إليه فلا وجه لرجوعه إلى المشتري، مع أنه في عرض المشتري من جهة الضمان فإن كلا منهما وضع يده على المال، ومقتضى قوله (صلى الله عليه وآله): " على اليد ما أخذت " أنه كالمشتري يجب عليه رد العين ما دامت باقية، وبدلها لو صارت تالفة. نعم، لو أتلفها المشتري فقرار الضمان من جهة قاعدة الإتلاف عليه. وأشار إلى جوابه بقوله (قدس سره): وتوضيح ذلك يحتاج إلى الكشف عن كيفية اشتغال ذمة كل من اليدين ببدل التالف (2). لا يخفى أن ظاهر تمثيله المقام بباب الضمان على مذهب الجمهور ونحو ذلك: أنه (قدس سره) بصدد توجيه ثبوت ضمان مال واحد على شخصين أو أزيد عرضا. والتحقيق: أنه لا يمكن ثبوتا كون المال الواحد في عهدة شخصين على نحو الاستقلال في عرض واحد بأن يجب تكليفا على كل منهما عينا الخروج عن عهدته، ويتعلق بذمة كل منهما وضعا في عرض واحد، فلو حدث سببان للضمان في زمان واحد فلا بد للقائل بصحته أن يكون الضمان على كل من الضامنين بنحو الاشتراك، أو كون ضمان أحدهما في طول ضمان الآخر. فلو ضمن شخصان في آن واحد عن مديون تمام ما في ذمته للدائن ورضي الدائن بضمانهما دفعة، أو رضي هو بضمان أحدهما ورضي وكيله بضمان الآخر


(1) رياض المسائل: ج 1 ص 513 س 16. (2) المكاسب: كتاب البيع ص 148 س 14.

[ 181 ]

في زمان واحد فعلى القول بالصحة يكون الدين في ذمتهما بالاشتراك، لعدم إمكان تعلق مال واحد بذمة شخصين على أن يكون على كل منهما أداء تمام المال. وتصحيحه بنحو الواجب الكفائي إنما يتم لو قلنا بأن أداء المال إنما هو على نحو الواجب التكليفي، فيخاطب كل منهما: بأن يجب عليك الأداء إن لم يؤده الآخر. وأما لو كان الضمان وضعيا فلا يمكن تضمين كل منهما عرضا ولو بنحو تقييد الإطلاق، بأن يقال: " أنت ضامن لو لم يضمنه الآخر " فإن هذا لا محصل له، لأن نتيجة كون ضمان كل منهما في مورد عدم ضمان الآخر عدم ضمان كل منهما فعلا. وعلى هذا فكلما قيل بأنه من هذا القبيل، كدرك المبيع أو الثمن، أو ضمان الأعيان المضمونة، أو ضمان الضامن والمضمون عنه بناء على مذهب الجمهور من عدم انتقال الدين من ذمة المضمون عنه إلى ذمة الضامن، إما ممنوع صغرى، أي: ليس من هذا القبيل، أو كبرى، أي: ليس بصحيح. أما درك المبيع أو الثمن: فهو عبارة عن ضمان شخص عن البائع للمشتري عهدة الثمن إذا خرج المبيع مستحقا للغير، أو ضمان شخص عن المشتري للبائع عهدة المبيع إذا خرج الثمن مستحقا للغير. ومعنى ضمانه: أنه لو تلف المضمون أو امتنع أخذه من المضمون عنه يكون عوضه على الضامن، ففي مورد التلف أو الامتناع لا تشتغل إلا ذمة الضامن، وفي مورد البقاء وعدم الامتناع ليس المكلف بالرد والضمان إلا المضمون عنه. نعم، لو قيل بأن كلا منهما في مورد البقاء ضامنان فيصير من قبيل اشتغال ذمتين عرضا لمال واحد، وهذا ممنوع جدا، بل غاية ما يمكن أن يقال: إنه يجب على الضامن إلزام المضمون عنه بالرد إلى المالك، لا الضمان الفعلي. وبالجملة: لو قيل بأن المال حين البقاء في عهدة الضامن أيضا فمرجعه: إما إلى لزوم إلزامه المضمون عنه، وإما إلى أن ما للمالك في عهدة المضمون عنه فهو في عهدة الضامن أيضا، وهذا ليس إلا ضمانا طوليا كما سيجئ توضيحه.

[ 182 ]

وأما ضمان الأعيان المضمونة فحكمها حكم درك المبيع أو الثمن، فإن من ضمن عن المستعير في العارية المضمونة، أو ضمن في مورد الغصب أو المقبوض بالعقد الفاسد فليس ضامنا مطلقا، بل عند التلف، وفي هذا الحال لا تشتغل إلا ذمة الضامن. وأما في مورد البقاء فمعنى ضمانها: أن عليه إلزام المضمون عنه بالرد إلى المالك. وأما الضمان على مذهب الجمهور في الديون فالأقوى فساده، لما ذكر في محله: من أنه ينتقل الدين بمجرد الضمان إلى ذمة الضامن. وحاصل الكلام: أنه يمتنع ثبوتا ضمان شخصين لمال واحد في زمان واحد على نحو الاستقلال عرضا. وأما الضمان طولا على أزيد من شخص واحد في زمان واحد فيمكن ثبوتا، ودلت عليه الأدلة إثباتا. أما ثبوتا فلإمكان أن يكون كل واحد من الضمناء ضامنا لما يضمنه الآخر، فتشتغل ذمة أحدهم بما تشتغل ذمة الآخر به، أي: يخرج من كيس أحدهم ما يؤديه الآخر، وهذا النحو من الضمان يمكن أن يكون سببه العقد، أو الإتلاف، أو اليد، فالعقد كالضمان بالالتماس، فإذا التمس المديون من شخص أن يؤدي دينه ورضي الدائن به فالضامن يصير ضامنا للدين، والملتمس يكون ضامنا لما يؤديه الضامن بمقدار ما يؤديه. والإتلاف كضمان الغار ما يغترمه المغرور. واليد كتعاقب الأيدي الغاصبة، فالغاصب الأول ضامن للمالك ما يضمنه الثاني، أي: يجب أن يخرج من كيس الثاني ما يغترمه الأول، فالغاصب الثاني ضامن لما يضمنه الأول. وأما إثباتا فأدلة هذه الأبواب تكفي لإثبات هذا المعنى. أما مسألتا الضمان بالالتماس والغرور فقد اتضحتا في محلهما، وقد أشرنا نحن إلى مدركهما.

[ 183 ]

فالعمدة هي مسألة اليد، وقبل توضيحها لا بأس بالإشارة إلى جهة اشتراك هذه الأبواب الثلاثة وجهة افتراقها. أما الأثر المشترك بينها فهو أن الضامن لما يضمنه الآخر ليس ضمانه فعليا، بل يكون تقديريا، أي: ضامن على تقدير أداء الآخر وبمقدار ما يؤديه، وأشرنا إلى أن ما أفاده العلامة من كونه ضامنا على أي حال لا وجه له إلا بإرجاع كلامه: إلى أن عليه أن يلزم الآخر بالأداء. وكيف كان فالتحقيق: أن المديون لا يضمن للملتمس حقيقة إلا بعد أدائه دينه. وكذلك الغاصب الثاني لا يضمن للغاصب الأول إلا بعد أداء الأول. نعم، هو ضامن فعلا للمالك على ما سيجئ. وهكذا الغار ليس ضامنا للمغرور قبل أدائه المال. والسر في ذلك: هو ما أشرنا إليه، وهو: كونه ضامنا لما يضمنه الآخر، وملتزما بما يؤديه، فما لم يؤد شيئا لا معنى لأن يكون ضامنا. وقد تقدم في أول البيع: أن كل ما كان من قبيل الضمان بالالتماس - وهو استيفاء الأموال أو الأعمال بالأمر المعاملي الغير المبني على التبرع - لا يضمن الآمر ما يأمر به إلا بعد استيفائه العمل، أي: بعد عمل المأمور بأمره. وأما الأثر المختص ففي مورد الضمان العقدي لا يتعدد الضامن للمالك، لأن الدين قبل قبول الملتمس الضمان على عهدة المديون دون غيره، وبعد قبوله فالدين على عهدته لا غير، لخروجه عن ذمة الملتمس. وأما الضمان بالتغرير أو تعاقب الأيدي فكل من الغار إذا كان غاصبا والمغرور وكل واحد من الغاصب الأول والثاني ضامن للمالك بنحو الطولية على ما سيجئ. نعم، بينهما فرق، وهو أن المالك إذا رجع إلى الغار لا يرجع هو إلى المغرور،

[ 184 ]

بخلافه في تعاقب الأيدي، فإن كل سابق يرجع إلى اللاحق بعد رجوع المالك إليه، والسر فيه هو التغرير في الأول دون الثاني. بل قيل (1) بفرق آخر بينهما، وهو أن سبب ضمان الغار للمغرور متحقق وإن كان ضمانه فعلا يتوقف على رجوع المالك إلى المغرور، بخلاف تعاقب الأيدي فإن سبب ضمان الثاني للأول أيضا غير موجود، بل الموجود هو ضمانه للمالك بمقتضى اليد. ولكن الحق: عدم الفرق بينهما من هذه الجهة، لأن الثاني أيضا بالنسبة إلى الأول كالغار بالنسبة إلى المغرور، فإن الثاني يضمن ما ضمنه الأول، والأول حيث إنه ضامن للمالك فعلا والمفروض أن يد الثاني نشأت من يد الأول فسبب ضمان الثاني للأول موجود وإن كان ضمانه الفعلي له يتوقف على أداء الأول بدل مال المالك. إذا عرفت ذلك ظهر أنه يمكن تعدد الضمناء لمال واحد إذا كان ضمان أحدهم في طول ضمان الآخر رتبة، وإن كان في عرض الآخر زمانا، فإن في تعاقب الأيدي اجتمع ضمان كل واحدة من الأيدي للمالك في زمان واحد، وضمان كل لاحق لسابقه. أما ضمان اللاحق للسابق طولا فواضح، لأن كيس اللاحق مخرج لما ضمنه السابق، بمعنى أنه لو أدى السابق بدل مال المالك فاللاحق ضامن له لا مطلقا، بل صح أن يقال: إن الضمان الفعلي على اللاحق بالنسبة إلى السابق متأخر زمانا أيضا. وأما ضمانه للمالك فإنه وإن كان بمقتضى اليد كالسابق ضامن للمالك أيضا - لأنه كما يضمن الغاصب الأول مال المالك وضعا ويجب عليه الأداء تكليفا فكذلك الغاصب الثاني - إلا أنه فرق بينهما، وهو أنه ليس الثاني ضامنا للمال كضمان الأول له، بل ضامن لمال هو في ذمة الأول وعهدته. ونتيجة هذا النحو من


(1) يظهر ذلك من الشهيد في الدروس الشرعية: ج 3 ص 108.

[ 185 ]

الضمان: هو وحدة ما يؤدى عن المضمون ذاتا وحقيقة من دون تقييد إطلاق. وإمكان هذا النحو من الضمان لا إشكال فيه ثبوتا، إنما الكلام في نهوض الدليل عليه إثباتا. فإنه قد يقال: إن عموم " على اليد " بالنسبة إلى جميع الأيدي بنسق واحد فكيف لا يضمن الثاني للمالك على طبق ما ضمنه الأول؟ ولكنك خبير بأن دليل " على اليد " وإن كان عاما - وكما يشمل كل يد عادية بالنسبة إلى كل مال فكذلك يشمل جميع الأيدي المتعاقبة بالنسبة إلى مال واحد - إلا أنه قد يكون بين أفراد العام فرق من غير ناحية شمول العام لهذه الأفراد المختلفة، ومن غير احتياج إلى مؤنة زائدة لشموله لها، كما إذا نشأ الاختلاف من ناحية الأفراد فقد يكون مال زيد في عهدة عمرو، ومال بكر في عهدة خالد وهكذا... وقد يكون مال زيد في عهدة عمرو وأخذه بكر من عمرو وأخذه خالد من بكر وهكذا... فإذا كان من قبيل الأول فمعنى الضمان عند العقلاء والعرف: هو كون المال مجردا عن خصوصيته الشخصية في عهدة الضامن. وبهذا المعنى يصح ضمان الأعيان، فإن الالتزام بأن ضمان الأعيان الخارجية عبارة عن كونها عند التلف على ذمة الضامن بلا موجب، لأن الأعيان وإن لم تكن قابلة - كالديون - قابلة لأن تكون بنفسها في الذمة، كما لا يمكن أن تكون في الحس المشترك، ولا في المتخيلية، ولا في القوة العقلائية إلا أنها حال تجردها عن خصوصيتها الشخصية قابلة لأن تكون في الذمة، أي: العين بماليتها الغير المتقدرة بالقيمة في عهدة الضامن، وهذا اعتبار عقلائي ومال كلي عرفي لا بأس بالتزامه، ولا موجب لأن يقدر الضمان عند التلف. وأما ما كان من قبيل الثاني فاعتبار ضمانه عرفا أن يكون بدل المضمون واحدا ذاتا وفردا حقيقة، لأن الأول ضامن لما يكون مخرجه في ذمة الثاني، والثاني ضامن لما يضمنه الأول، فالثاني وإن كان ضامنا للمالك أيضا بإطلاق

[ 186 ]

الدليل أو عمومه كالأول إلا أن كل واحد ليس ضامنا مطلقا، لأن حقيقة ضمان المال الذي هو في عهدة الآخر وذمته أن لا يكون الضمان مطلقا. وعلى كل تقدير فالضمانان وإن اجتمعا في الزمان بمقتضى عموم " على اليد " إلا أنهما لم يجتمعا في الرتبة، لأن الغاصب الأول ضامن للمالك ما يجب أن يؤخذ من الثاني، وما في عهدة الثاني هو الذي ثبت في عهدة الأول، فلم يجتمع الضمانان عرضا كاجتماعهما على مذهب الجمهور، فإنهم أيضا وإن لم يلتزموا بضمان كل منهما مستقلا بحيث يرجع المالك إلى كليهما إلا أنهم قائلون بضمان كل منهما عرضا. وبالجملة: لتعدد الضمناء طولا آثار: منها: أن لازمه وحدة بدل المضمون خارجا، بل حقيقته تضاد الجمع في الوجود، فلا يرد على أصحابنا بأنهم التزموا بما التزم به الجمهور، مع أنهم يشددون النكير عليهم حتى قال بعضهم (1) باستحالته، للفرق بين المسلكين في الطولية والعرضية. ومنها: أن في باب تعاقب الأيدي إذا لم يكن الثاني مغرورا من الأول إذا رجع المالك إليه لا يرجع هو إلى الأول، لأن لازم ضمان الأول شيئا يجب تداركه على اللاحق، وضمان اللاحق شيئا كان في عهدة السابق هو: أن يرجع السابق إلى اللاحق دون العكس، وهذا عكس قاعدة الغرور. ومنها: أنه لا بأس بالتزام اجتماع الضمانات المتعددة في زمان واحد كما هو مقتضى " على اليد "، فإن في تعاقب الأيدي سواء كان هناك غرور أو لم يكن سبب الضمان للمالك موجود في كل واحد من الضمناء، فإن مقتضى وضع اليد من كل منهم على مال المالك أن يكون ذمته مشغولة بماله. نعم، في الضمان العقدي لا يقتضي ثبوتا وإثباتا اجتماع ضمانين في زمان واحد، فإن المديون الذي هو ضامن للضامن كان أولا هو الضامن للدين، ولم يكن


(1) كصاحب الجواهر في جواهره: ج 26 ص 113.

[ 187 ]

الضامن قبل ضمانه ضامنا وبعده برئ ذمته وصار الضامن ضامنا، لأن حقيقة ضمان شخص ما في ذمة الآخر مع وحدة الدين أن لا يكون للمالك حق على المديون، ولذا لو اشترط بقاء ذمته يكون الشرط منافيا لمقتضى العقد والكتاب والسنة. * * * قوله (قدس سره): (هذا حال المالك بالنسبة إلى ذوي الأيدي، وأما حال بعضهم بالنسبة إلى بعض فلا ريب في أن اللاحق إذا رجع إليه لا يرجع إلى السابق.... إلى آخره). لا يخفى أنه ظهر مما ذكرنا امور أربعة: الأول: جواز رجوع المالك إلى كل من شاء من الأيدي المتعاقبة. ووجهه: هو تحقق سبب الرجوع في الجميع وهو اليد العادية. وإن " على اليد ما أخذت " كما يشمل الأيدي المختلفة على الأموال المختلفة كذلك يشمل الأيدي المختلفة على المال الواحد كما هو شأن كل قضية حقيقية. الثاني: أنه لو رجع إلى أحدهم وأخذ عوض ماله منه ليس له الرجوع إلى الآخر. ووجهه: هو وحدة الحق، وكون ما في ذمة السابق هو ما في ذمة اللاحق، أي: مخرج ما في ذمة الأول ذمة الثاني، فليس هناك ذمتان عرضيتان. الثالث: رجوع السابق إلى اللاحق لو لم يكن غارا له، ولو لم يتلف المال عنده، بل تلف عند غيره. ووجهه: أن ذمة اللاحق مشغولة بما يجب خروجه عن ذمة السابق، أي: ذمته مخرج لما يضمنه الأول، فما يؤديه الأول يؤخذ من الثاني، لاشتغال ذمته للمالك بما له بدل أي عهدة في الأول، فإذا رجع المالك إليه فهو لا يرجع إلى السابق، لعدم كونه مغرورا منه بالفرض. وأما لو رجع المالك إلى السابق فهو يرجع إلى الثاني، لأنه ضمن شيئا له بدل في ذمة السابق، والبدل يجب أن يخرج من الثاني، وهذا هو

[ 188 ]

المراد من البدل في كلام المصنف، أي: ما في ذمة الأول في ذمة الثاني، فيضمن الأول ما يضمنه الثاني، فقد ضمن اللاحق شيئا له بدل أي عهدة، كما أشار إليه بقوله (قدس سره): فما يدفعه الثاني فإنما هو تدارك لما استقر تداركه في ذمة الأول (1). وليس المراد من البدل بدل أصل المال نظير المنافع حتى يقال: إن الثاني وإن ضمن ما له بدل إلا أن الأول كذلك أيضا، لأن كل ما يضمن للمال في السلسلة الطولية من المنافع وعلو القيمة والبدل ثابت على السابق أيضا، فيصدق أن السابق أيضا ضامن لماله بدل، إلى آخر الإيرادات السبعة المذكورة في حاشية (2) السيد الطباطبائي (قدس سره). وبالجملة: غرض المصنف: أن اللاحق ضامن للمالك وللسابق، لأن ذمته مخرج لما يؤخذ من السابق، فهو يضمن على البدل، إما نفس العين بما أنها في ذمة السابق، وإما ما يؤخذ من السابق. فلا يرد عليه أن كلا منهما ضامن للبدل، وذلك لأن الأول ليس ضامنا للثاني فكيف يكون كل منهما ضامنين للبدل؟ وبالجملة: بعد ما عرفت من أن ورود المال من يد السابق إلى يد اللاحق يقتضي أن يكون اللاحق مشغول الذمة بما يؤخذ من الأول فمقتضاه أن يكون اللاحق ضامنا للسابق دون العكس. وحيث إن المحشي (قدس سره) حمل البدل على المثل أو القيمة - الذي يكون كل يد مشغولة له مشروطا بالتلف - أورد ثانيا بقوله: إن ضمان العين التي لها بدل - أي عوض - في ذمة الآخر لا يقتضي ما ذكره من ضمان واحد من البدل والمبدل، كيف والبدل لم يتحقق فيه سبب الضمان؟ إذ لم يثبت تحت يد الضامن، ولا أتلفه، ولا غير ذلك، فلا وجه لكونه مضمونا. ودعوى: كونه من توابع العين كما ترى.... إلى آخره (3).


(1) المكاسب: كتاب البيع ص 148 س 29. (2) حاشية المكاسب: كتاب البيع ص 185 س 3 وما بعده. (3) حاشية المكاسب للسيد الطباطبائي: كتاب البيع ص 185 س 8.

[ 189 ]

وأنت خبير بأن غرض المصنف: إثبات الضمان الطولي، وبيان عدم اجتماع الضمانين عرضا، وأن يد اللاحق ليست كيد السابق ضامنا للمال مجردا عن خصوصية كونه في ذمة غيره. وتوضيح ذلك - مضافا إلى امتناع اجتماع الضمانين عرضا ولو بنحو تقييد الإطلاق والواجب الكفائي، لما عرفت أن التقييد إنما يصح في التكليف دون الوضع، ومضافا إلى ما قيل: وإن كان خلاف المختار أنه لو لم يكن للمال خصوصية عند وضع السابق يده عليه وحدثت عند اللاحق فيضمنها اللاحق دون السابق، وهذا يقتضي الاختلاف في كيفية الضمان -: أن مقتضى عموم " على اليد " وانحلاليته بالنسبة إلى كل يد كما هو شأن كل عام اصولي في القضايا الحقيقية أن يكون يد السابق مشغولة بالمال مجردا عن خصوصية كونه في ذمة أحد. وأما يد اللاحق فلا يمكن أن تكون مشغولة بالمال مجردا، لأن المفروض أن المال وصل إلى اللاحق بعد اشتغال ذمة السابق به، فشمول " على اليد " بالنسبة إلى السابق كشمول دليل حجية الخبر للخبر بلا واسطة بالنسبة إلينا، وشموله بالنسبة إلى اللاحق كشمول دليل الحجية للخبر مع الواسطة، فإنه كما يثبت موضوع بتوسط شمول فرد من الحكم لفرد من الموضوع ولا مانع من شمول فرد آخر من الحكم الانحلالي لهذا الموضوع المتولد فكذا يثبت خصوصية للمال واعتبار عقلائي له بتوسط شمول " على اليد " لليد الاولى، فإذا عم فرد من الحكم اليد الثانية مع الخصوصية التي نشأت من قبل شمول " على اليد " لليد الاولى فمقتضاه: أن لا تكون اليد اللاحقة ضامنة للمال مجردا عن الخصوصية كضمان اليد السابقة، بل هي تضمن العين للمالك بخصوصية كونها في ذمة الاولى. وهذه الخصوصية اعتبار عقلائي لا يمكن أن تجرد اليد اللاحقة عنها إلا بدليل خارجي، وإلا فمقتضى عموم " على اليد ما أخذت " وانحلالية القضية ثبوت هذه الخصوصية في ذمة الثاني، وهذا عين الضمان الطولي. والعجب أن المحقق الخراساني في حاشيته مع تصريحه بهذا المعنى - في

[ 190 ]

قوله: وأما حديث جواز رجوع اليد السابقة إلى اللاحقة لو رجع إليها المالك المستلزم لكون قرار ضمان التالف على من تلف عنده مع المساواة في ما هو سبب الضمان فهو أيضا من آثار حدوث سبب ضمان ما كان في ضمان الآخر لواحد آخر وأحكامه عند العرف.... إلى آخر (1) كلامه (قدس سره) - التزم بالضمان العرضي في أول هذه الحاشية (2) على نحو الواجب الكفائي! وقد عرفت أن تساوي اليدين في سبب الضمان لا وجه له، بل الأول يضمن المال مجردا، والثاني بما أنه في ذمة الآخر، وهذا عبارة اخرى عن ضمان ما كان في ضمان الآخر. وأما الأول فلا يضمن ما في ضمان الآخر، بل يضمن المال مجردا. وبالجملة: تعهد شخصين لمال واحد عرضا بأن تكون ذمة كل منهما ظرفا لمال واحد من المستحيل، فإنه نظير ثبوت شئ واحد في آن واحد في الأمكنة المتعددة، فما يمكن ثبوتا هو التعهدات الطولية والذمم المترتبة، وهذا هو مقصود المصنف، فاندفعت الإيرادات السبعة عنه، لأن مبناها على كون مقصوده من البدل هو العوض، مع أن مقصوده: أن السابق متعهد للمال قبل اللاحق، واللاحق متعهد لما في ذمة الأول وعهدته، فالمال الواحد في ذمم كثيرة بهذا النحو من الظرفية، وهذا منشأ رجوع السابق إلى اللاحق دون العكس. ثم مما ذكرنا من أن ذمة الثاني مخرج لما في ذمة الأول ظهر. الأمر الرابع، وهو: أن السابق ليس له الرجوع إلى اللاحق ما لم يخرج من وظيفته. وقد ذكرنا: أن هذا هو الأثر المشترك في جميع أبواب تعدد الضمناء لمال واحد. وكيف كان فما أفاده في الجواهر في وجه رجوع غير من تلف المال في يده


(1) حاشية المكاسب للمحقق الخراساني: ص 83. (2) المصدر السابق.

[ 191 ]

إلى من تلف في يده: من أن خطاب الثاني بالأداء ذمي، وأما خطاب الأول تكليفي (1) لا نعرف وجهه، مع أن دليل الضمان واحد في الجميع. هذا، مضافا إلى ما أورد عليه المصنف (قدس سره): من أنه لو كان خطاب الأول مجرد التكليف لا الوضع لم يكن وجه لإجباره على دفع بدل المال أو دفع الحاكم عنه وتقديمه على الوصايا ونقل المالك البدل بالمصالحة ونحوها من غيره (2). ثم إنه كيف يملك غير من تلف المال في يده بأدائه بدل المال ما في ذمة من تلف في يده مع أنه لم يقم دليل على المعاوضة الشرعية القهرية؟ بل ولو قلنا بما اختاره صاحب المقابس: بأن من تلف العين في يده يملك العين التالفة حين التلف آنا ما بالملك القهري، إلا أن اطراده في غير مورد التلف لا وجه له، لأنه لم يقم دليل على أن كل غارم يملك العين التي غرمها أو بدلها الذي في ذمة الآخر، فلا معنى للمعاوضة القهرية. وبالجملة: قد تقدم سابقا أن باب الغرامات غير باب المعاوضات، فالغارم لا يملك بغرامته شيئا. وحاصل الكلام: أن عمدة الإشكال في مسألة تعاقب الأيدي: هو رجوع كل سابق إلى لاحقه إذا رجع المالك إليه. وأما سائر الأحكام مثل: أنه لو رجع المالك إلى أحد فليس له الرجوع إلى غيره ثانيا، وعدم ثبوت حق للسابق على اللاحق قبل دفع الغرامة، وعدم ثبوت حق للاحق على السابق إذا رجع المالك إليه فهي من الامور الواضحة، وتقدم وجه الجميع، ووجه رجوع السابق إلى اللاحق أيضا، وهو: أن اللاحق يضمن ما في عهدة السابق، وهذا عبارة اخرى عن كون ذمته مخرجا لذمة السابق. والدليل على ذلك: إطلاق " على اليد " بالنسبة إلى اليد اللاحقة، أي: يشمل إطلاقه ضمان اللاحق قبل خروج السابق عن عهدة مال المالك وبعده.


(1) جواهر الكلام: ج 37 ص 34. (2) المكاسب: كتاب البيع ص 149 س 5.

[ 192 ]

ونتيجته: أنه لو رجع المالك إليه فهو يرجع إلى لاحقه دون سابقه لو كان هناك لاحق، ولو رجع إلى السابق فهو يرجع إليه، لأنه كان ضامنا على أي حال. أما كونه ضامنا للمالك فلدخول المال تحت يده. وأما كونه ضامنا للسابق فلأن شمول " على اليد " لليد الاولى اقتضى كون خصوصية ما في اليد الاولى مضمونا على اليد اللاحقة، فتأمل في أطراف ما ذكرناه، فإن هذا غاية ما يمكن أن يقال في هذا المقام. ثم إن هنا فروعا ينبغي التنبيه عليها: الأول: إذا تلف العين فإذا أبرأ المالك جميعهم فلا إشكال في سقوط حقه، إنما الإشكال في ما لو أبرأ أحدهم فهل يبرأ الجميع، أو خصوص ذلك، أو التفصيل بين السابق عليه فتبرأ ذمته، واللاحق فلا؟ وجوه: وجه الأول: هو وحدة الحق وإن كان سبب الضمان متعددا، والإبراء يرجع إلى المسبب، فإذا أسقطه سقط عن ذمة الجميع، كما لو أخذ بدله من بعض. ووجه الثاني: أن الإبراء يرجع إلى السبب فيسقط عن ذمة خصوص من أبرأ ذمته دون غيره، ولا يخفى ضعف هذا الوجه. ووجه الثالث: هو أن الحق وإن كان واحدا إلا أن السبب متعدد، ومقتضى إبرائه أحدهم أن يبرأ هو ومن لا يمكن مع فراغ ذمته اشتغال ذمته، وليس هو إلا السابق، فإن ذمته كانت مشغولة بما يكون مخرجه من اللاحق، فإذا ابرئ اللاحق فلا يعقل بقاء الاشتغال للسابق، لأن معنى بقائه: أن يكون مخرجه من اللاحق، والمفروض فراغ ذمته بإبراء المالك، إلا أن يلتزم بعدم تأثير إبراء المالك في السلسلة الطولية بالنسبة إلى واحد، وهذا لا يمكن الالتزام به. وأما اللاحق فبراءة ذمة السابق لا تستلزم عقلا براءة ذمته. ونحن اخترنا سابقا هذا التفصيل ووجهناه: بأن الإبراء ليس بمنزلة استيفاء الحق، بل هو بمنزلة إعدام موضوع المطالبة من المبرأ عنه، فإذا استلزم هذا الإعدام إبراء ذمة واحد آخر كالسابق فهو، وإلا لا وجه لسقوط حق المالك عن غير المبرأ عنه، فعلى اللاحق خروجه عن عهدة ما ضمنه للمالك وإن لم يكن ضامنا للسابق.

[ 193 ]

وبالجملة: الإبراء ليس كالهبة والمصالحة، ولذا وقع الخلاف في مسألة إبراء الزوجة الزوج الصداق، في أنه لو طلقها بعد ذلك قبل الدخول فهل له المطالبة منها بنصف المهر أو ليس له؟ ولم يقع الخلاف في جواز المطالبة لو وهبته أو صالحته كذلك، ولا وجه لهذا الفرق إلا من جهة أن الصلح أو الهبة تمليك للزوج ما في ذمته وإن كان أثره الإبراء، لعدم معقولية تملك الإنسان ما في ذمة نفسه، وأما الإبراء فهو إعدام الموضوع، فحكم المبرأ عنه حكم أحد الشخصين في الواجب الكفائي إذا تعذر عليه التكليف، فإن سقوط التكليف عن أحدهم لا يوجب سقوطه عن الآخر. ولكن الحق: أن الإبراء أيضا كاستيفاء الحق في المقام، لأن البرهان الجاري في السابق على المبرأ عنه يجري في اللاحق أيضا، فإنه كما لا يمكن مع فراغ ذمة الوسط اشتغال ذمة السابق عليه فكذلك لا يمكن مع فراغ ذمته اشتغال ذمة اللاحق، لأن اللاحق على ما قدمناه ليس في عرض السابق عليه ضامنا للمالك، بل هو ضامن للمالك ما في ذمة سابقه، أي: ذمته مخرج لذمة السابق، فيستحيل مع فراغ ذمة الوسط اشتغال ذمة اللاحق. وبعبارة اخرى: إذا فرضنا أن اللاحق يضمن ما يضمنه السابق لا غيره فكيف يبرأ ذمة السابق ولا يبرأ اللاحق عليه؟ فالحق أن الإبراء من واحد يوجب فراغ ذمة الجميع. الثاني: لو وهب المالك ما في ذمة أحدهم أجنبيا أو صالحه بعوض أو مجانا فحكم هذا الأجنبي حكم المالك في جواز رجوعه إلى أي واحد من الأيدي، وأما لو وهب أو صالح واحدا من السلسلة فلا إشكال في أن المالك يسقط حقه من الجميع، لأنه مقتضى وحدة الحق، إنما الإشكال في أن المتهب أو المتصالح من هذه السلسلة هل هو كالأجنبي في جواز رجوعه إلى من شاء منهم، أو كما يبرأ ذمته، لأن هذا أثر الهبة والصلح يبرأ ذمة الجميع، أو يبرأ ذمة السابق دون اللاحق؟ وجوه، أقواها الأخير. أما براءة ذمة الجميع فلا وجه له، فإن المالك الأصلي وإن سقط حقه من

[ 194 ]

الجميع لانتقال الملك إلى غيره إلا أنه يقوم هذا المالك الفعلي مقام الأصلي، فله المطالبة من اللاحق، فإن المصالحة أو الهبة لها أثران: إبراء المتهب أو المتصالح وتملكه المال، فيرتب عليها آثار الملكية، فإذا كان اللاحق ضامنا للسابق الذي هو ضامن لسابقه أو للمالك فإذا ملك الضامن السابق فله الرجوع إلى الضامن اللاحق الذي هو ضامن للضامن. وأما براءة ذمة السابق عليه فلأن المتهب أو المتصالح لم يكن حين وصول المال إلى السابق مالكا، فلا وجه لضمان السابق، ومجرد تملكه فعلا لا يقتضي جواز رجوعه إليه، لأن تعاقب الأيدي يقتضي أن يرجع السابق إلى اللاحق لا العكس. وبالجملة: مقتضى تملك واحد من هذه السلسلة ثبوت حق الرجوع له إلى اللاحق، إلا أن يقال: إن مقتضى الملكية وإن كان ذلك إلا أن هذا مختص بما إذا استقر الملك في ملكه، وأما الملك التقديري - كما في المقام - فلا أثر له إلا الإبراء، وإبراء واحد يقتضي إبراء الجميع كما هو المختار، بل مقتضى ما تقدم من أنه لا تشتغل ذمة اللاحق للسابق إلا بعد أدائه الغرامة فالسالبة هنا بانتفاء الموضوع، لأن السابق لم يغترم للمالك شيئا حتى يكون مخرجه ذمة اللاحق. نعم، لو لم تكن المصالحة مجانية بل كانت بعوض فللمتصالح الرجوع إلى اللاحق، لأن المال التالف أو بدله صار ملكا له فله الرجوع إلى اللاحق. الثالث: إذا أقر أحدهم بالغصبية دون غيره فهو الملزم بأداء المال إلى المالك دون غيره، وليس له الرجوع إلى لاحقه، لإنكار اللاحق بأن المال له. ولو أقام مدعي الملك البينة عند الحاكم فحكم به فيرتب على ملكه جميع آثار الملكية، لأن لوازم البينة حجة، فله الرجوع على كل من وضع يده على ملكه، إلا أن يكون واحد منهم غائبا فله الحجة، لإمكان جرحه الشهود. هذا إذا كان وضع اليد على الملك معلوما، وكونه ملكا للمدعي مشكوكا فأثبته عند الحاكم.

[ 195 ]

وأما إذا كان الوضع مشكوكا فلا بد من إثباته أيضا، فيمكن له المرافعة مع غير واحد. ثم إن هذا كله حكم رجوع المالك إلى كل واحد. وأما رجوع السابق إلى اللاحق فلو كذب الشهود وأنكر الحكم وادعى أن المال له فليس له الرجوع إلى اللاحق لو باعه منه أو وهبه إياه ونحو ذلك. ولو رجع المالك إلى اللاحق فلو أنكر الحكم وادعى أن المال للسابق فإذا أعطاه بدله فليس له الرجوع إلى البدل، كما أنه ليس له الرجوع إليه بالنسبة إلى الغرامة التي اغترمها للمالك. هذا إذا ثبت الحق بالإقرار والبينة وحكم الحاكم. وأما إذا وصلت النوبة إلى الحلف فتارة يحلف واحد منهم، واخرى يحلف المدعي برد المنكر أو الحاكم، فإذا حلف واحد منهم فالأقوى سقوط حق المدعي عن الجميع، سواء قلنا بأن الحلف يذهب حق المدعي واقعا، أم قلنا بأنه يذهبه ظاهرا، لأن هذا النزاع لا أثر له في المقام، بل إنما يؤثر في مسألة التقاص وإقرار الحالف على خلاف حلفه ونحو ذلك، لأنه على كلا القولين يرفع الخصومة ويقطع الدعوى، فلا يمكن للمدعي بعد حلف واحد منهم الرجوع إلى غيره، لأنه لو رجع إلى السابق فهو - لا محالة - يرجع إلى الحالف، ومع حلفه لا يمكن اشتغال ذمته، ولو رجع إلى اللاحق فاللاحق لا تشتغل ذمته إلا بما هو في ذمة سابقه، والمفروض براءة ذمة سابقه، فيقتضي براءة ذمة أحد السلسلة براءة الجميع، وليس له الترافع مع غيره. وأما لو حلف المدعي فلا شبهة في ثبوت حقه على الراد، وإنما الإشكال في ثبوت حقه على غيره، فقد تبتنى المسألة على أن حلف المدعي بمنزلة البينة، فله الرجوع إلى كل واحد، أو بمنزلة الإقرار حتى يختص بالراد دون غيره. ولكن الحق أنه أصل برأسه، ولا زم ذلك عدم جواز رجوعه إلى غير الراد، لأن رده اليمين على المدعي لا يلازم ثبوت حق له على غيره. نعم، لو قيل هنا بجواز رجوعه إلى اللاحق دون السابق، وكذا رجوع الراد في

[ 196 ]

الغرامة التي اغترمها إلى اللاحق دون السابق فله وجه، لأن حكم مسألة الإثبات بالحلف عكس حكم مسألة الإسقاط بالإبراء، فلو قلنا بالتفصيل في مسألة الإبراء فالتفصيل جار هنا أيضا، غاية الأمر عكس التفصيل السابق، فراجع، وتمام الكلام موكول إلى مبحث القضاء. الرابع: لو رجع المال من يد اللاحق إلى السابق فتلف في يده فلا شبهة في جواز رجوع المالك إلى كل منهما، إنما الكلام في أنه لو رجع إلى السابق الذي تلف المال في يده فهل له الرجوع إلى اللاحق بمقتضى ما تقدم من أن كل سابق يرجع إلى لاحقه، أم لا؟ الحق هو الأخير، لأن وجه جواز رجوع كل سابق إلى لا حقه هو ما تقدم من أن ما يخسره على اللاحق، وهنا انعكس الأمر، لأن السابق صار لاحقا بأخذه ثانيا، فإنه وإن لم يضمن للمالك ضمانا جديدا إلا أنه صار ضامنا للضامن، فيصير هو محلا للخسارة، فلا يمكن أن يرجع هو إلى غيره، بل لو رجع المالك إلى اللاحق فهو يرجع إلى السابق الذي صار لاحقا، وهذا واضح. * * * قوله (قدس سره): (مسألة: لو باع الفضولي مال غيره مع مال نفسه فعلى القول ببطلان الفضولي فالظاهر أن حكمه حكم ما يقبل الملك مع ما لا يقبله.... إلى آخره). لا إشكال في ما ذكره (قدس سره)، فإنه لو قيل ببطلان الفضولي يكون ضم مال غيره إلى مال نفسه، وبيعهما صفقة حكم ضم الخمر إلى الخل، فإن الإشكالين المذكورين فيه - من أنه من بيع المجهول، ومن عدم وقوع ما قصد وعدم قصد ما وقع - جاريان فيه ودفعهما مشترك، وعلى فرض صحة تلك المعاملة فضم مال غيره إلى مال نفسه أولى بالصحة، لورود النص الصحيح فيه، وهو صحيحة صفار المتقدمة، وقيام الإجماع الصريح على صحته. ولو قيل بصحة الفضولي فلا إشكال في الصحة مع الإجازة، وإنما الكلام في صحته مع الرد.

[ 197 ]

ويظهر من المصنف (قدس سره) أن في صورة الرد لا ملازمة بين هذه المسألة ومسألة بيع ما يقبل التملك وما لا يقبله، لأنه يمكن القول بالصحة في المقام دون تلك المسألة، وذلك لأن الإشكالات الواردة في تلك المسألة ورودها في المقام أضعف، فإن الإشكال فيها منحصر في ثلاثة: الأول: اعتبار وقوع الإنشاء في ما يقبل التملك، أي: يشترط في العقد أن يكون عوضه مما يقبل التمليك والتملك. الثاني: أن التراضي وقع على المجموع الذي لم يمضه الشارع، فما قصد لم يقع، وما أمضاه الشارع لم يقصد. الثالث: ورود الغرر بمعنى الجهل في ثمن المبيع. ولا شبهة أن الإشكال الأول لا يجري هنا، فإن المبيع ملك ويقبل التمليك والتملك، إلا أن يعتبر شرط آخر في الإنشاء، وهو اعتبار وقوعه من المالك أو وكيله دون الفضولي، وهذا يرجع إلى القول ببطلان الفضولي، وكلامنا مبني على الصحة، فبناء عليها لا يرد الإشكال الأول، وكذلك الثاني أيضا، فإن الشارع أمضى التراضي بالمجموع، غاية الأمر جعل اختيار بعض المبيع بيد مالكه فلا إخلال فيه من جهة الإنشاء العقدي. والثالث وروده في المقام أضعف، لأن في تلك المسألة يتوقف التقسيط على فرض مالية للخمر مثلا، بخلاف المقام فإنه مال حقيقة. وبالجملة: بناء على ما سيجئ في محله: من أنه لا إشكال في الصحة في ما لو جمع بين مختلفي الحكم: كالخمر والخل أو الحيوان مع غيره فلا إشكال أيضا في بيع مال الغير مع مال نفسه، لأنه ينحل العقد بالنسبة إلى كل جزء إلى ما يقتضيه حكمه. ولا يرد أيضا إشكال كون البيع أمرا بسيطا فكيف ينحل إلى جزءين؟ لأن بساطة البيع لا تلازم بساطة المبيع، أي: المنشأ به، فإن الانحلال في المقام نظير انحلال التكليف بالمركب الارتباطي بالنسبة إلى أجزائه وشروطه، فرد الغير لا يضر بصحة بيع مال نفسه، غاية الأمر أنه لو لم يعلم المشتري بكون بعض المبيع

[ 198 ]

مال الغير يثبت له الخيار من جهة تخلف الشرط الضمني، وهذا بخلاف ما إذا كان عالما به، فإنه مع علمه لا معنى لأن يشترط على البائع انضمام بعض الأجزاء إلى الآخر، لأنه شرط غير مقدور. وبالجملة: مع العلم لا يصح الشرط فلا خيار، لا أنه يسقطه، وإنما الخيار له مع الجهل بناء على ما سيجئ: من أن تخلف الشروط الضمنية والصريحة موجب للخيار، وعلى هذا فقد يثبت الخيار للبائع أيضا إذا كان جاهلا بأن بعضه مال الغير، أو اعتقد كونه مأذونا من قبله، لتبعض الصفقة عليه، وتخلف الشرط الضمني. ثم إن صحة البيع في مفروض المقام مقيدة بما إذا لم يلزم من التبعيض محذور آخر، كلزوم الربا ونحوه من بيع ما لا يقدر على تسليمه، ومن بيع المجهول، فإذا باع دينارا من ماله مع درهم من غيره بدرهمين ودينارين ورد مالك الدرهم فسدت المعاملة رأسا، لأن ما بإزاء ديناره حين التقسيط أزيد من الدينار والربا يفسد المعاملة ولو في باب الغرامات، فضلا عن مثل المقام الذي يكشف الرد عن وقوع المعاملة الربوية من أول الأمر. وحكم الربا في المعاملات حكم القياس في الأحكام والرياء في العبادات. وإذا باع عبده الآبق مع ضميمة من مال غيره فلو رد الغير يقع العبد مبيعا بلا ضميمة فيفسد. وإذا باع الموصى له العبدين اللذين أوصى الميت بكون أحدهما له بعد الموت فرد الورثة يلزم كون المبيع مبهما. وبالجملة: كل شرط اعتبر في المعاملة استمراره من أول وقوع العقد إلى حين التقسيط لو فقد يوجب بطلان المعاملة، وأما لو لم يعتبر استمراره بل كفى وجوده حين التسليم أو حين العقد فالمدار وجوده على نحو ما اعتبر. ولا ينبغي الإشكال في أن المدار في اعتبار العلم في العوضين كونهما معلومين حين العقد، فلا يضر الجهل حين الرد، فلو باع عبدين فلا فرق في الصحة بين أن يكون عبده معلوما وضمه إلى عبد غيره المعلوم أو المجهول، وأن يكون عبده مجهولا وضمه إلى عبد غيره المعلوم أو المجهول، لأن العبدين معلومان من

[ 199 ]

حيث المعاوضة وإن كان مال نفس البائع مجهولا في مثل الوصية قبل تعيين الموصى به، فإن الجهل بعين المال لا يضر في مقام التقسيط، لأن المشتري يقوم مقام الموصى له، فكما كان له أحد العبدين اللذين يعين أحدهما بالقرعة أو بتعيين الورثة أو غيرهم ممن ينفذ تعيينه كان لمشتري أحدهما ذلك أيضا. وبالجملة: لو كان مدار الصحة على معلومية ما وقع عليه البيع فالمبيع في كلتا الصورتين معلوم، لأن البيع وقع على مجموع العبدين وهما معلومان وثمنهما أيضا معلوم، وحين التوزيع أيضا يعين المبيع ويتبين مقدار ما وقع من الثمن بإزائه، ولا دليل على اعتبار استمرار العلم من حين البيع إلى زمان تسليم المبيع إلى المشتري. وكيف كان، سواء قلنا باعتبار الشروط دائما أم حين البيع أم حين التسليم فليس بيع المال الزكوي قبل إخراج نصابه من مسألة بيع مال نفسه مع مال غيره، ولو قلنا باشتراك الفقراء مع من عليه النصاب في المال الزكوي، لأن ولاية الإخراج على أي حال لمن عليه الزكاة، فرد الفقراء لا يؤثر في البطلان إلا إذا ماطل المالك في إخراجها، فللساعي أن يتبع مقدار الزكاة أينما وجده، فإذا أخذه من المشتري فله استرجاع الثمن بالنسبة. ثم إن مقتضى مقابلة مجموع المبيع بمجموع الثمن أن يفرق الثمن على أجزاء المبيع بقيمتها الواقعية، فيرد على المشتري ما يقابل مال الغير. وطريق التوزيع في القيمي غير طريقه في المثلي، أما في القيمي فيظهر من مجموع الكلمات بأنه على أنحاء ثلاثة: الأول: ما اختاره المصنف (1) تبعا للإرشاد (2)، وهو أن يقوم كل منهما منفردا، فيؤخذ لكل واحد جزء من الثمن نسبته إليه كنسبة قيمته إلى مجموع القيمتين، فإذا باع مجموع المالين بثلاثة دنانير وقوم مال الغير بأربعة دنانير ومال البائع بدينارين فيرجع المشتري بثلثي الثمن.


(1) المكاسب: كتاب البيع ص 149 س 24. (2) إرشاد الأذهان: ج 1 ص 360.

[ 200 ]

الثاني: ما يظهر من الشرائع واللمعة، وهو أن يلاحظ قيمة المجموع ثم يقوم أحدهما، ثم تنسب قيمته إلى قيمة المجموع (1). الثالث: ما اختاره السيد الطباطبائي في حاشيته، وهو أن يقوم كل منهما منفردا، لكن بملاحظة حال الانضمام لا في حال الانفراد، ثم يؤخذ لكل واحد جزء من الثمن نسبته إليه كنسبة قيمته إلى مجموع القيمتين (2). ولا يخفى أن طريق التوزيع في الصور المتعارفة هو ما ذكره المصنف. وتوضيح ذلك: أن هيئة الاجتماع قد لا توجب زيادة في قيمة كل من المالين، ولا نقيصة فيها وهو الأغلب، وعلى هذا ينطبق جميع أنحاء التقويم، لأنه إذا ضم عبد غيره إلى عبده وباعهما باثني عشر دينارا فسواء قوم كل منهما منفردا ونسب إلى مجموع القيمتين واخذ لكل واحد جزء نسبته إلى الثمن كنسبة قيمته إلى مجموع القيمتين، أم لوحظ قيمة المجموع ثم قوم أحدهما، ثم نسب قيمته إلى قيمة المجموع، وسواء على الأول قوم كل منهما منفردا بملاحظة حال الانضمام أو حال الانفراد لا تتفاوت الصور في الأثر، لأن المفروض أن انضمام عبد إلى عبد لا يوجب زيادة ولا نقيصة بالنسبة إلى قيمة كل منهما منفردا. وعلى هذه الصورة المتعارفة يمكن حمل عبارة الشرائع واللمعة ونحوهما، وقد توجب زيادة في قيمة كل منهما، كمصراعي الباب وفردتي الخف، وقد توجب نقصا في كل منهما، كضم جارية مع امها، وهاتان الصورتان أيضا كثيرتان إذا صارت هيئة الاجتماع موجبة للزيادة أو النقصان بالسوية. وهنا صور نادرة، وهي ما إذا صارت هيئة الاجتماع موجبة لزيادة قيمة أحدهما دون الآخر، أو موجبة لزيادة قيمة أحدهما ونقص الآخر. ثم في ما إذا صارت موجبة لزيادة قيمة كل منهما، أو لنقيصة كل منهما قد توجبهما كذلك بالسوية، وقد توجبهما كذلك بالاختلاف.


(1) شرائع الاسلام: ج 2 ص 15، اللمعة الدمشقية: ج 3 ص 239. (2) حاشية المكاسب للسيد الطباطبائي: كتاب البيع ص 189 س 31.

[ 201 ]

وعلى أي حال لا ينطبق كيفية تقسيط ظاهر الشرائع واللمعة إلا على ما لا يوجب الضم نقصا ولا زيادة، ولا ينطبق كيفية تقسيط المصنف إلا على ما يوجب الضم زيادة أو نقيصة في كل منهما بالسوية. وإنما لا ينطبق على صور الاختلاف، ولم يزد قيدا في الكلام حتى يشملها أيضا، لخروجها عن الصور المتعارفة وندرتها جدا، فتدبر جيدا. وأما في المثلي فقوله (قدس سره) في كيفية التقسيط فيه لا يصح بإطلاقه، لا في المشاع ولا في المفروز، لإمكان أن يكون المثلي مشاعا، ومع ذلك تتفاوت قيمة حصة كل منهما بتفاوت الحصتين في المقدار، كأن يكون لأحدهما تسعة أمنان من الحنطة وللآخر من، وليس دائما قيمة من واحد تسعا لتسعة أمنان وإن كان كل منهما في الجودة والرداءة مثل الآخر كما هو المفروض على الإشاعة. ولإمكان أن يكون المثلي مفروزا، ويكون مع ذلك كل من النصيبين من كومة واحدة وصبرة خاصة فيجب أن يقابل كل من حصتي البائع والمشتري بما يخصه من الثمن، فيكون كالمثلي المشاع، لا كالقيمي، ولعل قوله: " فافهم " إشارة إلى ذلك. * * * قوله (قدس سره): (مسألة: لو باع من له نصف الدار نصف ملك (1) الدار... إلى آخره). لا يخفى أن ظاهر العنوان اختصاص مورد البحث بما إذا علم بأن البائع لم يقصد من قوله: " بعتك نصف الدار " إلا مفهوم هذا اللفظ، وأما لو علم بأنه أراد من النصف شيئا معينا من نصفه المختص، أو نصف غيره، أو النصف المشاع في الحصتين واشتبه المراد فخارج عن موضوع البحث، مع أنه لا شبهة في تعميم النزاع، لأنه إذا حمل النصف على الإشاعة أو على النصف المختص في ما إذا علم بأنه لم يقصد من قوله: " بعتك نصف الدار " إلا مفهوم هذا اللفظ إجمالا وهو ما


(1) في بعض نسخ المكاسب: " تلك الدار ".

[ 202 ]

ارتكز في أذهان الناس فليحمل على هذا أو ذاك في ما علم أنه أراد شيئا معينا واشتبه المراد، لأن الظهورات النوعية والمرتكزات الذهنية طرق لإحراز المراد، فلا فرق بين الصورتين. بل يظهر من بعض أن موضوع البحث هو الصورة الثانية، وأما إذا لم يقصد إلا مفهوم هذا اللفظ فيكون باطلا، لعدم تعيين المبيع. ولكنك خبير بأن الجهل هنا لا يتطرق إلى المبيع، بل إلى المالك. وقد تقدم أنه لا يضر الجهل به. وكيف كان، الظاهر تعميم موضوع البحث، والظهورات اللفظية متبعة في كلا المقامين، ولذا يتمسك بظاهر عبائر الأسناد المعمولة للوصية والوقف ونحو ذلك. ثم هل يختص موضوع البحث بما إذا كان نصيبه مشاعا في مجموع الدار، وأما في صورة الإفراز فيحمل النصف على نصف المجموع، أو يعم الصورتين؟ ثم هل يختص النزاع بما إذا كان البائع أجنبيا بالنسبة إلى النصف الآخر بحيث لو تعلق قصد بيعه بنصيب الآخر أو بنصف نصيبه أو حمل اللفظ عليهما في صورة عدم القصد كان البيع فضوليا، أو يعم ما إذا كان وليا أو وكيلا في نصيب الآخر؟ سيجئ في طي المبحث أن بعض الوجوه وإن لم يجر على هذين الفرضين إلا أنه يجري فيهما بعض اخر. فالأقوى تعميم النزاع من الجهات الثلاث. فلو كانت الدار مشاعة وكان البائع أجنبيا فالأقوى في كلا المقامين حمل النصف على نصفه المختص، لا على الإشاعة، ولا على خصوص نصف الشريك. أما عدم حمله على تمام نصيب الشريك فلأنه مفروغ عنه في المقام، لأن قصد الغير يتوقف على مؤنة، وليس هنا ما يدل على نصيب الغير، فيبقى في المقام الوجهان الأولان: أولهما: حمله على نصفه المختص، للوجهين المذكورين في المتن الأول: ظهور الفعل، أي: التصرف في التصرف في ما يملكه ويختص به. والثاني: ظهور إنشاء البيع في البيع لنفسه، فإن مال الغير إذا كان متعينا في الخارج فصحة بيعه

[ 203 ]

لا يتوقف على تعيين مالكه. وأما في المقام وبيع الكلي في الذمة فلو لم يعين الغير حمل على ملك نفس البائع، ولا يعارض هذين الظهورين ظهور لفظ " النصف " في الإشاعة، لأنه ظهور إطلاقي ينشأ من انتفاء ما يوجب التعيين، فإذا قامت قرينة على التعيين - وهي هذان الظهوران - ارتفع موضوعه، كما هو الشأن في ارتفاع موضوع كل محكوم بالدليل الحاكم. هذا هو الوجه الأول. وأما الثاني: فهو حمل النصف على الإشاعة كما أفاده في المتن، ويكون هذا معارضا لظهور الفعل في تمليك مال نفسه وظهور إنشاء البيع في البيع لنفسه، ويقدم عليهما، لقرينيته عليهما، لكون ظهور النصف في الإشاعة من باب ظهور القيد كما سيظهر منه في ما إذا كان البائع وكيلا أو وليا. ولكنك خبير بأن ظهور النصف في الإشاعة ليس إلا من جهة انتفاء ما يوجب التعيين، فيرتفع بأدنى ظهور على خلافه، وهو ظهور مجموع الكلام في النصف المختص. وبالجملة: فالحق أن النصف ليس ظاهرا في الإشاعة، لا من حيث الوضع ولا من حيث الانصراف، وإنما يحمل عليها في باب الإقرار ونحوه من جهة انتفاء ما يوجب التعيين، فإذا وجد قرينة على التعيين فلا موجب للحمل عليها، وليست القرينة كون الفعل - وهو لفظ " بعت " - ظاهرا في البيع لنفسه، بل مجموع الجملة وهو ظهور واحد. فلا يقال: إن ظهور المتعلق - وهو النصف - يصلح قرينة على الفعل، كما أن ظهور " أحد " في قوله: " لا تضرب أحدا " في الأحياء قرينة على أن المراد من الضرب هو الضرب المؤلم. فإن هذا مضافا إلى عدم كونه مطردا - لإمكان أن يكون الفعل قرينة على المتعلق، كما في قوله (عليه السلام): " لا تنقض اليقين بالشك " (1) فإن ظهور النقض في تعلقه


(1) تهذيب الأحكام: ج 1 ص 8 ح 11، عنه الوسائل: ب 1 من أبواب نواقض الوضوء ج 1 ح 1 ص 174.

[ 204 ]

بأمر مبرم، وهو مورد الشك في الرافع، أقوى من ظهور اليقين في الأعم، ولذا لا نقول بحجية الاستصحاب في الشك في المقتضي - يرد عليه: أن القرينة على التعيين مجموع الجملة، لا خصوص الفعل بمعناه اللغوي، ولا إنشاء البيع منضما إليه، وعلى هذا فلا فرق في لزوم العمل على ظهور الجملة بين وجود لفظ " النصف " كما في المقام وعدمه، كما لو قال: " بعت غانما " وكان غانم مشتركا بين عبده وعبد غيره. فقياس فخر المحققين (1) المقام على مسألة العبد في محله، لأن المدعى مشترك مع مسألة العبد من الجهة التي ندعيها، فبناء عليه لو كان البائع أجنبيا وكان نصف كل منهما مفروزا فليحمل على نصفه المختص، لأنه نظير مسألة العبد. ومجرد إمكان انطباق النصف على ملك الأجنبي لا يوجب أن يتردد الأمر بين أحد النصفين، وهذا واضح. وأما لو كان البائع وكيلا أو وليا في النصف الآخر فيظهر من المصنف (قدس سره) أن في كونه كالأجنبي وجهان، ومراده من أحد الوجهين: كون الشريك للموكل أو المولى عليه كالأجنبي في جريان الاحتمالين، وفيه من الآخر تعين الإشاعة، لأنه لو كان المعارض لظهور النصف في الإشاعة ظهور النصف في مقام التصرف في النصف المختص، وظهور البيع من حيث الإنشاء أيضا في النصف المختص، أو كان المعارض خصوص الأخير يكون الولي أو الوكيل كالأجنبي في جريان الاحتمالين فيهما، لأنه وإن كان قد تصرف في ما له الولاية فيه إلا أن ظهور البيع في البيع للنفس يكفي للمعارضة. وأما لو كان المعارض لظهور النصف في الإشاعة خصوص ظهور التصرف في ما له التصرف فيه فيتعين الإشاعة فيهما، لأن الوكيل أو الولي قد تصرف في ما له التصرف فيه.


(1) ايضاح الفوائد: ج 1 ص 421.

[ 205 ]

قوله (قدس سره): (الأقوى هو الأول.... إلى آخره). يعني: الأقوى أن المعارض لظهور النصف في الإشاعة هو الظهور الأول، لا كلاهما ولا الثاني، فيتعين الاشتراك هنا، لأن المعارض الأول لا يعارض في المقام، والمعارض الثاني غير قابل للمعارضة: إما لأن ظهور البيع في البيع للنفس يكون من باب الإطلاق، فيكون ظهور النصف في النصف المشاع مقيدا له وإن كان ظهوره في المشاع أيضا من باب الإطلاق، لحكومة إطلاق النصف في النصف المشاع على إطلاق البيع في البيع للنفس، وليس هنا إطلاق حاكم أو وارد على ظهور النصف في النصف المشاع. وما ذكره الشهيد الثاني من عدم قصد الفضولي مدلول اللفظ (1) وإن كان مرجعه إلى ظهور حاكم على ظهور النصف في النصف المشاع - لأن حاصل كلامه: أنه لو حمل على الإشاعة كان البائع فضوليا، والفضولي غير قاصد للمدلول، وعدم قصد المدلول خلاف ظاهر كلام المتكلم فيحمل على الأصالة، حتى لا يلزم خلاف ظاهر كلام المتكلم - إلا أن كلامه لا يجري في مفروض المقام من كون البائع وليا أو وكيلا، لأن القصد موجود فيهما. وبالجملة: ظهور النصف في الإشاعة يقيد إطلاق البيع، لكونه صالحا للتقييد. وإما لأن ظهور البيع في البيع للنفس من باب ظهور الفعل، وظهور النصف في النصف المشاع من باب ظهور المتعلق، وظهور المتعلق يصلح للقرينية على الفعل. هذا غاية توجيه ما اختاره (قدس سره). وقد ظهر مما تقدم: أن الأمر بالعكس، وأن ظهور البيع في البيع للنفس مقدم على ظهور النصف في النصف المشاع. وقد تقدم أن كلا من الفعل والمتعلق صالحان للقرينية على الآخر، ولم يحرز قرينية المتعلق للفعل كإحراز قرينية " يرمي " للأسد حتى يقال بحكومة أصالة الظهور في طرف القرينة على أصالة الظهور في ذي القرينة.


(1) الروضة البهية: ج 3 ص 226.

[ 206 ]

ثم إن هذا كله مبني على ظهور النصف في النصف المشاع، ولكنه (قدس سره) رجع عنه ثانيا. فقال: إلا أن يمنع ظهور النصف إلا في النصف المشاع في المجموع. وأما ملاحظة حقي المالكين وإرادة الإشاعة في الكل من حيث إنه مجموعهما فغير معلومة.... الى آخره (1). وحاصله: أن النصف وإن كان ظاهرا في الإشاعة إلا أن الإشاعة لا تقتضي الإشاعة في الحصتين حتى يكون المبيع ربعا من حصة نفسه وربعا من غيره، بل مقتضى الإضافة إلى الدار هي الإشاعة بالنسبة إلى المضاف إليه، لأن الإشاعة في المضاف تابعة للمقصود من المضاف إليه، والمفروض أنه لم يعلم قصد البائع، أو لم يقصد إلا مفهوم هذا اللفظ، أي: بعت نصف الدار، فالمضاف إليه هو العين الخارجية، والنصف المشاع منها ينطبق على حصة البائع، لأنه مالك لكل نصف فرض من الدار على ما هو معنى الإشاعة، والمالك للكلي مالك لمصداقه أيضا، فهو كما لو باع منا من الحنطة من دون إضافتها إلى ذمة فإنه يقع في ذمته ولو كان وكيلا في بيع هذا المقدار، فضلا عما لو كان أجنبيا. وتوهم أن معنى الإشاعة: أن يكون كل من الشريكين شريكا في كل جزء جزء - بحيث لو كان كل جزء قابلا لأن يتجزأ إلى ما لا نهاية له لكان كل منهما مالكين له كذلك، فنصف الدار على الإشاعة يقتضي تعلق البيع بكل جزء على الإشاعة - فاسد، مع قطع النظر عن أن قابلية كل جزء للتجزئة إلى ما لا نهاية له يلزم حصر ما لا نهاية له بين حاصرين أن الشركة على نحو الإشاعة ليست إلا بمعنى أن كل نصف فرض من هذه الدار ولو كان بمقدار غير محصور يكون لهذا الشريك، لا أن كلا منهما في الكل شريكان في كل جزء. وسيجئ توضيح ذلك - إن شاء الله تعالى - في بيع الصاع من الصبرة.


(1) المكاسب: كتاب البيع ص 150 س 25.

[ 207 ]

وحاصل الكلام: أنه لا فرق بين كون البائع أجنبيا عن النصف الآخر وكونه وليا أو وكيلا في ظهور مجموع الفعل ومتعلقه في النصف المختص، وظهور النصف في الإشاعة لا ينافي ذلك، فإن الإشاعة في ما اضيف إليه لفظ " النصف " - وهو الدار - قابلة لأن ينطبق عليها النصف المختص، وهذا هو الصحيح، لا ما أفاده المصنف قبل ذلك. والعجب منه (قدس سره) كيف جعل المعارض للإشاعة في مجموع حقي المالكين أحد الظهورين؟! ومن هنا فرق بين كونه أجنبيا وكونه وكيلا أو وليا مع ما فيه: أولا: أن الظهور في الإشاعة لا ينافي الحمل على النصف المختص. وثانيا: إذا كان الظهوران المخالفان لظهور النصف في الإشاعة في مجموع حقي المالكين متوافقين فلا وجه لجعل المعارض له تارة أحدهما واخرى الآخر منهما. ثم إنه لا ينافي الحمل على النصف المختص في المقام الحمل على الإشاعة في الإقرار، فإن باب الإقرار لم يعلم بكون القائل بأن نصف الدار لزيد مقر أو شاهد، فيحمل على مجموع الحصتين لإضافة النصف إلى الدار، وظاهر الإضافة أن زيدا مالك لنصف ما بيد المقر ونصف ما بيد الآخر، لا مجموع ما في يد القائل. ولذا قيل بالفرق بين ما لو قال: " بأني مقر بأن نصف الدار لزيد "، وما لو قال: " بأن نصف الدار لزيد "، فيحمل النصف على الأول على تمام النصف الذي في يد المقر، لظهور لفظ " أنا مقر " في ذلك دونه على الثاني، فإنه يحمل على نصف ما في يده، وهو ربع الدار ونصف ما في يد الآخر. قوله (قدس سره): (ولعله لما ذكرنا ذكر جماعة.... إلى آخره). أي: لما ذكرنا: من عدم التنافي بين ظهور النصف في الإشاعة وانطباق المبيع على نصفه المختص من باب أنه " من ملك كليا ملك مصداقه "، ذكر جماعة: أنه لو أصدق المرأة عينا فوهبت نصفها المشاع من الزوج قبل الطلاق استحق النصف الباقي بالطلاق، لا نصف الباقي وقيمة النصف الموهوب.

[ 208 ]

ولا وجه لهذا الفتوى إلا من جهة صدق النصف على الباقي، فقول الله سبحانه: * (فنصف ما فرضتم) * (1) ينطبق على النصف الباقي، وتمليك الزوجة الزوج نصف الصداق ينطبق على النصف الآخر من العين من باب أنه " من ملك كليا ملك مصداقه "، لأنها مالكة لمصداق النصف. ولا يخفى أن وجه التنظير بباب الطلاق منحصر في هذا الوجه، لا ما ذكر أولا في حاشية السيد (2)، فراجع. قوله (قدس سره): (لكن الظاهر أنهم لم يريدوا هذا الوجه.... إلى آخره). لما احتمل كون الحكم بالنصف الباقي من العين للزوج في باب الطلاق من باب تساوي ربع الباقي للمرأة من الموجود مع الربع التالف، نظير دفع المقترض نفس العين التي اقترضها إلى المقرض، لا من باب أنه " من ملك كليا ملك مصداقه " فأجاب عنه: بأن حكمهم باستحقاق الزوج النصف الباقي ليس نظير دفع المقترض نفس العين المقترضة إلى المقرض مع كونها قيمية من باب تساوي العين القيمية مع قيمتها، وإلا وجب الفتوى بجواز إعطاء المرأة للزوج النصف الباقي، وجواز إعطائها له نصف الباقي ونصف التالف كجواز رد المقترض نفس العين وقيمتها، مع أنهم أفتوا باستحقاقه خصوص النصف الباقي، وعللوا استحقاقه له ببقاء مقدار حقه. قوله (قدس سره): (فلا يخلو عن منافاة لهذا المقام.... إلى آخره). لا يخفى أنه (قدس سره) بعد أن ذكر: أن القائلين باستحقاق الزوج النصف الباقي ما أرادوا هذا التوجيه، وهو قياسه على القرض فيسأل عنه وجه المنافاة، فإن الحكم بالنصف المختص في البيع والصداق من باب واحد، ولا فرق بينهما. إلا أن يكون مراده (قدس سره): أنه بعد إمكان التوجيه في قولهم بالاختصاص بالنصف الباقي في مسألة الصداق يحمل المسألة على مسألة القرض - أي مع كون


(1) البقرة: 237. (2) حاشية المكاسب للسيد الطباطبائي: كتاب البيع ص 193 س 21.

[ 209 ]

ظاهر النصف في هبة الصداق هو النصف المشاع - ومع ذلك أفتوا بالمختص فإنما هو لقياسه على مسألة القرض، لا لظهور نفس النصف في النصف المختص فتصير مسألة هبة الصداق منافيا لما ذكرنا من ظهور النصف في مسألة البيع في النصف المختص، ولذا عبر عن المنافاة بين البابين بقوله: فلا يخلو عن منافاة لهذا المقام (1) الذي يرجع حاصله: إلى أنه مع إمكان هذا التوجيه في باب هبة الصداق وإن كان بعيدا يقع التنافي بينه وبين ما ذكرنا في مسألة البيع من ظهور النصف في النصف المختص. أو يكون مراده: أن الاتفاق في مسألة الطلاق على الحمل على النصف المختص ينافي الاختلاف في مسألة البيع. إلا أنه ينافي هذا الاحتمال قوله (قدس سره): ونظيره في ظهور المنافاة لما هنا ما ذكروه في باب الصلح.... إلى آخره (2)، لأنه لو كان مراده هذا التوجيه الأخير - وهو التنافي بين الاتفاق في مسألة الطلاق مع الاختلاف في مسألة البيع - لم يكن الصلح نظيرا للطلاق، بل كان منافيا له بناء على ما هو ظاهر العبارة: من أن ضمير نظيره يرجع إلى الطلاق، والمشار إليه بقوله: " هنا " هو مسألة الطلاق. نعم، لو رجع ضمير نظيره إلى البيع وكان المشار إليه بقوله: " لما هنا " مسألة الطلاق لم يكن هذا التوجيه منافيا مع هذه العبارة، واستقام المطلب وتم المقصود، لأن مفاد مجموع الكلام يصير هكذا: لكن الظاهر أن الأصحاب لم يريدوا في مسألة الطلاق هذا الوجه، بل أرادوا ظهور النصف في حد ذاته في النصف المختص، فينافي دعوى الظهور في الاختصاص اتفاقا في الصداق مع دعوى بعضهم ظهور النصف في الإشاعة في مسألة البيع. ونظير تنافي الدعويين ظهور الصلح في الإشاعة، أي: كما أن ظهور لفظ " النصف " في الإشاعة في مسألة البيع ينافي دعوى الاختصاص في مسألة الطلاق


(1) المكاسب: كتاب البيع ص 150 س 32. (2) المكاسب: كتاب البيع ص 150 س 32.

[ 210 ]

فكذلك ظهور النصف في الإشاعة في باب الصلح ينافي دعوى الاختصاص في باب الطلاق، إلا أنه خلاف ظاهر العبارة كما لا يخفى. وكيف كان، فلا يخفى أن الحمل على الإشاعة على القول به في باب الصلح ليس لظهور النصف في حد ذاته فيها، بل لأن المدعي الذي صالح مع المنكر الذي أقر له هو يعترف بأن المقر به مشترك بينه وبين المدعي الآخر، فإذا صالح المقر له على ذلك المقر به مع من بيده المقر به الذي هو منكر بالنسبة إلى المدعي الآخر فنفوذ صلحه في جميع المقر به يتوقف على إجازة المدعي الآخر الذي هو باعتراف المقر له شريك معه. ولذا لا نحمل على الإشاعة لو صالح المقر له قبل الإقرار نصفه، أو صالح بعد الإقرار حقه الواقعي، بل ينصرف صلحه إلى نصفه المختص. وبالجملة: الظاهر أن مسألة الصلح، وكذلك مسألة الإقرار بالنسب، وكذلك الإقرار بالدين لا ينزل على الإشاعة، إلا أن يقوم دليل تعبدي أو قرينة خارجية، - كإقرار المقر له - بالشركة. فالأولى في تنقيح المسألة: إذا كانت الدار مشتركة بين الاثنين بنحو الإشاعة أن يقال تارة: يقع الكسر المشاع في كلام أحد المالكين في مقام التصرف، كالبيع والصلح ونحوهما، فيجب أن تحمل على المختص، لأن ظهورها في الإشاعة في مجموع الحصتين على القول به، وعدم ظهورها في الإشاعة في المضاف إليه - القابل لأن ينطبق على حصة المتكلم، لمكان أنه " من ملك كليا ملك مصداقه " - إنما هو لأجل الإطلاق، وعدم ما يوجب تعيينه في المختص أو المشترك، فإذا وجد موجب التعيين، ككون المتكلم في مقام البيع، وسائر أنحاء النقل من الصلح أو الهبة مع فرض كونه مالكا لما باعه فليحمل على ملكه وإن كان وليا أو وكيلا في الكسر المشاع الآخر، فضلا عما كان أجنبيا، لأن وقوعه من الموكل أو المولى عليه يحتاج إلى مؤنة زائدة، وهي قصده عنه، وأما لو علم عدم قصده عنه كما في مفروض المقام، أو احتمل كما لو قصد معنيا واشتبه المراد فليحمل على ما هو ظاهر فعله وهو تصرفه في ملكه عن نفسه.

[ 211 ]

واخرى: يقع الكسر في كلام غير المالكين، كما لو باع الفضولي نصف الدار المشتركة بين الاثنين على نحو الإشاعة، فيجب أن يحمل على الإشاعة، لأنه لا موجب لحمل البيع على تمام حق أحد الشريكين. وثالثة: يقع في مقام الإقرار، كما لو أقر من كان شريكا مع غيره في دار بأن نصف هذه الدار لزيد فليحمل هنا أيضا على الإشاعة، لأن مرجع كلامه إلى أن ربع ما في يدي وربع ما في يد شريكي لزيد، وذلك لعدم ما يوجب صرف لفظ " النصف " عن الإشاعة، وجعل تمام حق زيد ما في يد المقر، لأن إخباره بأن نصف الدار لزيد يتضمن أمران: إقرار على النفس فيسمع، وشهادة على غيره فموقوف على شرائط البينة. نعم، لو وجد ما يوجب التعيين حمل على الاختصاص، كما في كلام كاشف الغطاء على ما حكي عنه: بأنه لو قال: " أنا مقر بأن نصف هذه الدار لزيد " فيحمل على نصفه المختص، بخلاف ما لو قال: " نصف هذا لزيد " فإنه يحمل على الإشاعة (1). فعلى هذا الإقرار الذي لم يتضمن للشهادة محمول على الاختصاص أيضا، كالحمل عليه في البيع والصلح والهبة، وإنما حملوا صلح المقر له مع المقر على الإشاعة، مع أن نفس الصلح لا يقتضي ذلك، لاقتضاء إقرار المقر له بأن المدعي الآخر شريك معه في العين التي بيد المقر، أو لحكم الشارع بأن ما حصل لهما وما توى (2) كذلك، بناء على شمول الرواية للمقام. وبالجملة: مقتضى الصلح هو الاختصاص، كما في الصلح في غير مورد الترافع، وإنما يحمل في مورد الترافع على الإشاعة إما من باب التعبد، أو من باب " أن من بيده العين لا يقر للمقر له إلا ما يدعيه "، وما يدعيه بإقراره مشترك، ففي مقام الصلح كأنه يصالح ربع ماله، لأنه نصف المقر به. ولذا قلنا: إنه يحمل على الاختصاص لو وقع الصلح على حقة الواقعي، أو على نصف الدار قبل الإقرار.


(1) شرح القواعد (مخطوط): الورقة 67، نقلا بالمضمون. (2) التوى وزان الحصى بمعنى الهلاك، لاحظ المصباح المنير: 79 مادة " توى ".

[ 212 ]

فتفصيل صاحب المسالك (1) في غير محله، لأن في مفروض القوم لا يقبل غير الإشاعة، لأنه لا يمكن حمل الصلح على النصف المختص، وإلا يلزم إقرار المقر له بثلاثة أرباع الدار، نصفه من جهة الإقرار، وربعه من جهة الصلح، مع أن المقر لم يعترف له إلا بما يدعيه، ولا يقع عقد الصلح منهما إلا عليه. قوله (قدس سره): (ولذا أفتوا ظاهرا على أنه لو أقر أحد الشريكين الثابت يد كل منهما على نصف العين بأن ثلث العين لفلان حمل على الثلث المشاع في النصيبين.... إلى آخره). لا يخفى أن حمل الثلث على الإشاعة في ما إذا كان كلام من بيده النصف مجردا عن القرينة على الاختصاص أو الإشاعة ينافي قوله: فلو كذبه الشريك الآخر دفع المقر إلى المقر له نصف ما في يده (2)، لأن من بيده العين إذا أقر لشريك ثالث وأن ثلث العين له فمعنى كلامه ليس إلا أن ما زاد عن حقي من العين هو للثالث ولم يقر بأن نصف ما في يده له فإنه خلاف الإشاعة، لأن معنى الإشاعة: أن الثلث الذي هو للشريك الثالث نصفه، وهو السدس على الشريك الآخر والسدس علي. ومسألة: أن كل ما حصل لهما وكل ما توى كذلك لا يرتبط بالمقام، فإن هذه المسألة تعبدية صرفة دلت عليها الأخبار. ففي الوسائل: في كتاب الدين، عن سليمان بن خالد قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجلين كان لهما مال بأيديهما ومنه متفرق عنهما، فاقتسما بالسوية ما كان في أيديهما وما كان غائبا عنهما، فهلك نصيب أحدهما مما كان غائبا واستوفى الآخر، عليه أن يرد على صاحبه؟ قال: " نعم، ما يذهب بماله " (3). وفيه: في كتاب الضمان، عن علي (عليه السلام) في رجلين بينهما مال منه بأيديهما


(1) مسالك الافهام: ج 4 ص 271. (2) المكاسب: كتاب البيع ص 151 س 6. (3) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 207 ح 477، عنه الوسائل: ب 29 من أبواب الدين والقرض ح 1 ج 13 ص 116.

[ 213 ]

ومنه غائب عنهما، فاقتسما الذي بأيديهما واحتال كل واحد منهما بنصيبه، فقبض أحدهما ولم يقبض الآخر، قال: " ما قبض أحدهما فهو بينهما، وما ذهب فهو بينهما " (1). وفيه: في كتاب الشركة، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن رجلين بينهما مال منه دين ومنه عين، فاقتسما العين والدين، فتوى الذي كان لأحدهما من الدين أو بعضه وخرج الذي للآخر، أيرد على صاحبه؟ قال: " نعم، ما يذهب بماله " (2). ولا يخفى أن مفاد هذه الأخبار: أن قسمة الدين لا تصح قبل القبض، وأن نية المديون بكون ما يدفعه إلى أحد الشريكين مختصا به لا تؤثر في الاختصاص، وهذا لا ربط له بالمقام، وعلى فرض التعدي عن مورد الدين إلى العين فإنما يصح التعدي في ما إذا كانت العين المشتركة في يد الثالث وأقر لأحدهما بنصفها وأنكر كون نصفها الآخر للآخر، فحيث إن المدعيين يقران بالشركة فمقتضى الإقرار أن يكون ما حصل لهما وما توى عليهما، وأين هذا مما إذا أقر أحد الشريكين بشريك ثالث وأنكر الآخر؟ فإنه لا وجه لتنصيف المقر نصف العين التي في يده من باب أنه ما توى عليهما. وبالجملة: لولا إقرار كل واحد من الشريكين المدعيين للعين التي بيد الثالث بالشركة لم يقتض إقرار من بيده العين لأحدهما التنصيف بينهما، فلا يمكن قياس ما إذا كانت العين بيد الشريكين وأقر أحدهما لثالث على تلك المسألة، فإن في مسألة المدعيين نفس إقرار المقر له بالشركة تقتضي الاشتراك، لأنه بإقراره بأن المال مشترك يكذب من بيده العين المقر لأحدهما في تمام النصف ويصدقه في نصف النصف، فما يحصل لهما، وما توى عليهما.


(1) من لا يحضره الفقيه: ج 3 ص 97 ح 3406، عنه الوسائل: ب 13 من أبواب أحكام الضمان ح 1 ج 13 ص 159. (2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 186 ح 821، عنه الوسائل: ب 6 من أبواب الشركة ح 2 ج 13 ص 180.

[ 214 ]

وأما في مسألة الإقرار بالثالث فلا تحصيل حتى يكون مورد قوله (عليه السلام): " ما قبض أحدهما فهو بينهما "، لا يكون مورد دليل آخر أيضا، فلا وجه لحصول النقص على المقر والمقر له، لأن إقرار المقر لا يقتضي إلا الإشاعة، ومعناها: أن الزائد عن حقي للثالث، ولا يقر بأن المنكر غاصب لحقنا على السوية حتى يجب عليه دفع نصف ما في يده. ومما ذكرنا: ظهر أن حكم مسألة الإقرار بالنسب حكم مسألة الإقرار بالشركة، من غير جهة الإرث في أن أحد الوارثين لو أقر بوارث آخر يدفع إليه الزائد عما يستحقه، لا نصف ما في يده. وانكشاف الواقع والعلم بصدق المقر لا ينافي ما ذكرنا، بل يؤيده، لأن الواقع مطابق لما ذكرنا: من عدم وجوب دفعه إلى المقر له إلا الزائد عما يستحقه، فإن بانكشاف الواقع يعلم أن الوارث ثلاثة، ويستحق كل واحد منهم ثلث المال، فيجب على المقر دفع السدس، وعلى المنكر دفع السدس الآخر، ويتم بمجموع السدسين حق المقر له وهو الثلث. ولذا لو فرضنا أن الشركاء كانوا أولا ثلاثة وأخرج اثنان منهما واحدا من الدار فكل واحد من الاثنين في الواقع متصرف في نصف الدار على الإشاعة، ويد كل منهما على نصفها، فإذا أقر واحد منهم بأن الدار مشتركة أثلاثا فهو لا يقر إلا بأن ثلث الدار في يد اثنين، ومرجعه إلى أن سدسها تحت تصرفه، ولا وجه لحمل إقراره على نصف ما في يده، ولا يقتضي الإشاعة ذلك. وما ذكرناه لا يتوقف على صحة تقسيم الغاصب مع الشريك كما هو واضح، مع أنه يكفي لصحته تعلق الغصب بالمشاع، وتعلقه به لا إشكال فيه بحيث إنه يتمحض الغصب في حق أحد الشريكين مع إشاعة المال بينهما، وذلك كما إذا استأجر أحد دارا من شريكين وأعطى نصف الاجرة لأحدهما وأنكر أن الدار بينهما نصفان ومنعه من الآخر، فإن المعطى به هنا نصيب للمعطى له. والأخبار الدالة على أن ما توى عليهما وما حصل لهما لا تشمل المقام. وكما إذا أخرج

[ 215 ]

غاصب أحد الشريكين من الدار واستأجر نصفها المشاع من الآخر أو سكن معه فإن المؤجر إذا استوفى الاجرة لا يشترك معه الشريك الآخر، وهكذا لو سكن أحدهما مع الغاصب سكن في نصيبه. نعم، مجرد نية الغاصب بأن ما يأخذه نصيب أحدهما لا تؤثر في تعلق الغصب بحق أحدهما، كما لو غصب صاعا من صبرة مشتركة وقصد كون الصاع من أحدهما فإن الغصب لا محالة يتعلق بحقهما والتالف محسوب عليهما. وكما لو تصرف في بيت من الدار المشاع أو الشرقي منها فإن الغصب يتعلق بكلا الحقين. وكيف كان فالأقوى أنه ولو لم نقل بصحة تقسيم الغاصب إلا أنه لا إشكال في صحة التقسيم مع الغاصب، فإنه لو استدعى أحد الشريكين من الحاكم قسمة الدار وكانت الإشاعة ضررا عليه وجب على الحاكم إفراز حقه وجعل الدار نصفين مفروزين بينه وبين الغاصب. وعلى أي حال سواء قلنا بهذا أم لم نقل به لتوقف التقسيم على رضا الشريك، وليس للغاصب ذلك، ولا للحاكم فمسألتنا هذه لا ربط لها بمسألة تقسيم الغاصب، بل لا ينبغي الإشكال في أن السدس الآخر للمقر له عند المنكر ويختص هو به، ولا يشترك المقر والمقر له في ما عنده، بل لو قلنا بأن الاجرة التي يأخذها أحد الشريكين من الغاصب مشتركة بينه وبين شريكه وما عند الغاصب أيضا مشتركة بينهما إلا أن مقامنا هذا لا يرتبط بهذه، فإن الاشتراك في ما يؤخذ من الغاصب لو قيل به فإنما هو لدعوى شمول الأخبار (1) الواردة في تقسيم الدين له، وإلا فلا شبهة في أن تعيين المديون حق أحد الديان يوجب التعين له، وليس من قبيل العين الخارجية التي ليس لغير الشريكين تقسيمها. وأما في مقامنا فليس إقرار أحد الشريكين بشريك ثالث موجبا لأن يكون ما عند المنكر مشتركا بينه وبين المقر له. ثم إنه كما في العين الخارجية لا تقتضي الشركة على نحو الإشاعة أن يكون


(1) وسائل الشيعة: ب 29 من أبواب الدين والقرض ج 13 ص 116.

[ 216 ]

نصف ما في يد المقر مشتركا بينه وبين المقر له فكذلك في الإقرار بالدين والنسب ونحوهما، فلو أقر أحد الورثة بدين على أبيه فهو ملزم بمقدار حقه من الإرث، وكذا لو أقر بأخ آخر أو اخت له فيلزمه ذلك في حصته، أي: هو مقر بما زاد عن حقه على فرض ثبوت نسب المقر له واقعا. وعلى طبق ما يرتكز في الذهن وتقتضيه قاعدة الإقرار ورد عن أبي جعفر، عن أبيه (عليهما السلام) قال: " قضى علي (عليه السلام) في رجل مات وترك ورثة فأقر أحد الورثة بدين على أبيه أنه يلزمه ذلك في حصته بقدر ما ورث، ولا يكون ذلك في ماله كله، وإن أقر اثنان من الورثة وكانا عدلين اجيز ذلك على الورثة، وإن لم يكونا عدلين الزما ذلك في حصتهما بقدر ما ورثا، وكذلك إن أقر بعض الورثة بأخ أو اخت إنما يلزمه في حصته " (1). ونقل الصدوق بهذا السند ما هو المروي في المتن، ثم قال: وفي خبر آخر: " إن شهد اثنان من الورثة وكانا عدلين اجيز ذلك على الورثة، وإن لم يكونا عدلين الزما ذلك في حصتهما " (2). وفي الوسائل: في كتاب الإقرار، عن أبي عبد الله (عليه السلام) " في رجل مات فأقر بعض ورثته لرجل بدين قال: يلزمه ذلك في حصته " (3). وفيه: في آخر كتاب الميراث، عن منصور بن حازم قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل هلك وترك غلاما مملوكا فشهد بعض الورثة أنه حر فقال: " تجاز شهادته في نصيبه، ويستسعي الغلام في ما كان لغيره من الورثة " (4).


(1) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 198 ح 442، عنه الوسائل: ب 26 من أبواب أحكام الوصايا ح 5 ج 13 ص 402. (2) من لا يحضره الفقيه: ج 4 ص 230 ح 5546، عنه الوسائل: ب 26 من أبواب أحكام الوصايا ح 7 ج 13 ص 402. (3) الوسائل: ب 5 من أبواب الاقرار ح 1 ج 16 ص 111 - 112. (4) الوسائل: ب 52 من أبواب الشهادات ح 1 ج 18 ص 304. ولم نجده في كتاب الإرث من الوسائل.

[ 217 ]

ولا يخفى ظهور هذه الروايات في أن المقر بالدين أو بالأخ أو العتق ملزم بما زاد على نصيبه، لا أن المال يوزع على المقر والمقر له. وبعبارة اخرى: ظاهر قوله (عليه السلام): " يلزمه ذلك في حصته بقدر ما ورث " أن الضرر لا يرد على المقر، وأنه ليس ملزما بما زاد عن حقه. فما أفاده السيد الطباطبائي (قدس سره) في حاشيته: من عدم صراحة الروايات في ذلك وأنها بصدد أن ذلك ليس في تمام المال حتى في حصة من لم يعترف بذلك (1) غير مسموع منه. ثم مما ذكرنا من أول المسألة إلى هنا ظهر أن حكم المفروز حكم المشاع في أنه لو قال: " بعت نصف الدار " يحمل على نصفها المختص به، لا على نصف مجموع الدار، بل الحمل على نصف المختص في المفروز أظهر من الحمل عليه في المشاع، لأنه لو كان مقصوده في المشاع هو الاختصاص كان الأنسب أن يقول: " بعت حقي "، ونحو ذلك. هذا، مضافا إلى أن الإشاعة في المضاف إليه تقتضي أن يكون المبيع نصف مجموع الدار، وأما في المفروز فنفس الإفراز يقتضي الحمل على الاختصاص بلا مؤنة، ولكنه مع هذا الاختصاص أظهر من (2) الإشاعة حتى في المشاع، لأن ظهور مجموع الكلام في مقام التصرف يوجب حمل النصف على الاختصاص، لأنه مالك لمصداق نصف الدار، ونصفه المختص به أحد مصداقيه. * * * قوله (قدس سره): (مسألة: ما لو باع ما يقبل التملك وما لا يقبله: كالخمر والخنزير صفقة.... إلى آخره). لا يخفى أن الأولى تعميم عنوان البحث بالنسبة إلى ما لا يقبل التملك من


(1) حاشية المكاسب للسيد الطباطبائي: كتاب البيع ص 196 س 13. (2) في الأصل المطبوع: " عن ".

[ 218 ]

حيث عدم قابليته له شرعا، كالمثالين مع كونهما مالا عرفا، وعدم قابليته له عرفا أيضا، كالخنفساء ونحوها. وعلى أي حال لا إشكال في فساد البيع بالنسبة إلى ما لا يقبل التملك مطلقا، إنما الكلام في صحته بالنسبة إلى ما يقبله، والأقوى هو الصحة، لوجود المقتضي وعدم المانع. أما وجود المقتضي فلشمول العمومات له، مضافا إلى إطلاق صحيحة صفار (1). أما شمول العمومات فلأن مثل قوله عز من قائل: * (أحل الله البيع) * (2) وقوله: * (أوفوا بالعقود) * (3) وقوله: * (تجارة عن تراض) * (4) كما يشمل ما إذا كان تمام المبيع قابلا للتملك كذلك يشمل ما إذا انضم إليه ما لا يقبل التملك، لأن العقد ينحل بالنسبة إلى جزءي المبيع إلى عقدين أحدهما: صحيح، والآخر: فاسد، نظير انحلال التكليف المتعلق بالمركب المشتمل على الأجزاء. ودعوى انصرافها عن هذا المبيع غير مسموعة، لأنه على فرض التسليم فهو انصراف بدوي، نظير انصراف الماء في أطراف دجلة إلى ماء دجلة، والانصراف المؤثر لعدم تمامية الإطلاق هو الانصراف الناشئ عن التشكيك في الوجود أو الماهية، لا الانصراف البدوي الناشئ عن كثرة الوجود. وأما إطلاق صحيحة الصفار: فلأن توقيع العسكري (عليه السلام) إلى الصفار وإن ورد في من باع قطاع أرضين التي يملكها منضمة إلى ملك الغير فوقع (عليه السلام): " لا يجوز بيع ما ليس يملك، وقد وجب الشراء من البائع على ما يملك " (5) إلا أن المدار على عموم الجواب، وأن قوله (عليه السلام): " وجب الشراء من البائع على ما يملك " يدل


(1) وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب عقد البيع ح 1 ج 12 ص 252. (2) البقرة: 275. (3) المائدة: 1. (4) النساء: 29. (5) وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب عقد البيع ح 1 ج 12 ص 252.

[ 219 ]

على تحليل العقد ونفوذه في ما يملكه وإن اختص قوله (عليه السلام): " لا يجوز بيع ما ليس يملك " بما يقبل التملك، ولم يكن ملكا للبائع بناء على قراءة " يملك " مبنيا للفاعل. وبعبارة اخرى: لا يدور صحة الاستدلال مدار عدم نفوذ البيع بالنسبة إلى الضميمة، بل إنما يدور مدار نفوذ البيع في الجزء الآخر الذي يملكه، والصحيحة تدل بإطلاقها على صحته. وبالجملة: مع قطع النظر عن تنقيح المناط القطعي ندعي شمول التوقيع للمقام وإن كان مورد السؤال غيره، فما ذكرناه سابقا من عدم الشمول لا وجه له. وأما عدم المانع فلأن ما توهم من المانع على وجوه: الأول: أن ما قصد - وهو التراضي على المجموع - لم يقع، وما وقع لم يقصد. الثاني: أن النهي عن الغرر المطلق أو الغرر في البيع يشمله من جهة الجهل بثمن المبيع. الثالث: أن اللفظة الواحدة لا يمكن تبعيضها، والمفروض أن ما لا يقبل التملك لا يمكن الالتزام بصحته من جهة غلبة ما يقبل التملك عليه، فيغلب - لا محالة - الفاسد على الصحيح. الرابع: أن الجمع بين ما يقبل التملك وما لا يقبله نظير الجمع بين الاختين في عقد واحد. ولا يخفى ما في هذه الوجوه: أما الأول منها فلأن بعض المبيع وإن لم يقصد مستقلا ولم ينشأ بصيغة تخصه إلا أنه انشئ ضمنا، فينحل الإنشاء باعتبار تعدد متعلقه إلى إنشاءات متعددة، كانحلال التكليف المتعلق بالمركب إلى تكاليف متعددة بمقدار تعدد قيوده. نعم، تخلف وصف الانضمام يوجب الخيار، لأن منشأ الخيار في تبعض الصفقة مطلقا هو تخلف الشرط الضمني، بل هو المنشأ له في الغبن والعيب أيضا، لا الضرر كما سيجئ توضيحه. وقياس فساد الجزء على فساد الشرط حيث قيل بأنه مفسد للعقد مع الفارق، مضافا إلى عدم تمامية الحكم في المقيس عليه، إلا إذا رجع فساد الشرط إلى اختلال أحد أركان العقد كما سيجئ في محله.

[ 220 ]

وليس منشأ الفرق أن الشرط يوجب تقييد العقد المشروط به بخلاف الجزء، فإن بيع المجموع في قوة شرط انضمام كل جزء إلى آخر، ولذا قلنا بأن تخلفه الذي هو عبارة عن تبعض الصفقة على المشتري يوجب ثبوت الخيار له، بل للفرق بين الشرط الفاسد وشرط انضمام الجزء الفاسد، فإن الشرط الفاسد لا يملكه المشروط له، أي: لا يصير الشارط مالكا لالتزام الطرف، لأن نفس جعل هذا الالتزام على المشروط عليه باطل وفاسد مع قطع النظر عن الملتزم به، وهذا بخلاف شرط الانضمام، فإن نفس جعل هذا الالتزام ليس باطلا، بل الملتزم به لا يصح الالتزام به، لخروجه عن قابلية التملك، فيصير الاشتراط سببا لتملك المشروط له الشرط، ويصير فساد المشروط سببا لتحقق الخيار من باب تعذره شرعا. وبعبارة اخرى: الشرط الضمني في المقام كالشرط المتعذر الذي لا يوجب تعذره إلا الخيار، بخلاف الشرط الفاسد فإنه ليس قابلا للملكية أصلا. وأما الثاني فلأن الجهل بثمن المبيع وإن كان موجبا للفساد - إما للإجماع على اعتبار العلم به، وإما للغرر بمعنى الخطر المنهي عنه في الخبر المتلقى بالقبول بين الفريقين، وهو قوله (عليه السلام): " نهى النبي (صلى الله عليه وآله) عن الغرر " أو " عن بيع الغرر " (1) - إلا أن الثمن في المقام معلوم، فإنه وقع جميع الثمن بإزاء جميع المبيع، وعدم صحة البيع شرعا بالنسبة إلى بعض المبيع لا يقتضي عدم قصد المتعاملين مقابلة المجموع بالمجموع، ولا خطر أيضا لو جعل المجموع بإزاء المجموع، لأن البيع الغرري المنهي عنه هو ما كان في حد ذاته خطريا لا من جهة حكم الشارع بعدم وقوع بعض الثمن بإزاء بعض المبيع، بل قيل (2): بأنه لا يؤثر الغرر حال العقد إذا ارتفع بالتقسيط، أي: المدار في الصحة أن لا يكون البيع غرريا حين التسليم والتسلم، لا حين إنشاء البيع.


(1) مسند أحمد بن حنبل: ج 1 ص 302، عوالي اللآلي: ج 2 ص 248 ح 17. (2) القائل صاحب الجواهر في جواهره: ج 22 ص 310.

[ 221 ]

ولكن الصواب في الجواب: هو ما ذكرناه من أن البيع في نفسه ليس غرريا ابتداء، وإلا لو سلم بكونه غرريا حين البيع فارتفاعه بعد ذلك لا يؤثر في الصحة، وإلا لصح بيع كل مجهول إذا آل إلى العلم بعد ذلك، مع أنه لا إشكال في فساده. وأما الثالث فلأن اللفظة الواحدة إذا انشئ بها امور متعددة فلا مانع من تبعيضها، بل لا محيص عن تبعيضها في ما لو جمع بين مختلفي الحكم، كما لو جمع بين ملكه وملك غيره، أو جمع بين الحيوان وغير الحيوان، فالجمع بين ما يقبل التملك وما لا يقبله أيضا كذلك. وأما الرابع فلأن فساد عقد الاختين جمعا يقتضي فساد عقد إحداهما أيضا، من باب عدم ترجيح إحداهما على الاخرى. وفي المقام: فساد المجموع لا يقتضي فساد عقد ما يقبل التملك، وذلك واضح بعدما ظهر لك من انحلال العقد في المقام إلى عقدين، ولحوق كل جزء حكم ما يقتضيه. هذا كله مضافا إلى النقض بالجمع بين ملكه وملك غيره، فإن هذه الإشكالات ترد عليه أيضا. وبالجملة: ولو قلنا بأن فساد الشرط يوجب فساد العقد المشروط به إلا أنه لا يمكن قياس فساد الجزء عليه، لأن الشرط لا يقع بإزائه شئ من الثمن، بل يوجب زيادة قيمة المشروط، فإذا قيد به وكان فساده موجبا لعدم إمكان تحققه فالعقد المقيد لم يتحقق. وأما الجزء الفاسد فحيث إن الثمن يوزع عليه وعلى الجزء الآخر ففساده لا يقتضي إلا رد الثمن الذي وقع بإزائه، أي: يفسد العقد بالنسبة إليه دون الجزء الآخر الصحيح الغير المقيد بما لا يمكن تحصيله أو تحققه، مع أنه سيجئ: أن الحكم في المقيس عليه أيضا ليس البطلان، فإن تخلف الشرط ليس إلا من قبيل تخلف الداعي، وإنما يوجب الخيار في المقام ولا يوجبه في سائر الموارد، للفرق بينهما، وهو أن المشترط بمقتضى شرطه صريحا أو ضمنا في المقام لم يلتزم بفاقد

[ 222 ]

الشرط، فله الفسخ، وله الالتزام بالفاقد حين العلم بالفقد، وأما تخلف الداعي في ما لم يكن مذكورا صريحا أو ضمنا فإنما لا يوجب الخيار، مع أنه في نفس الأمر غير ملتزم بما كان مخالفا لغرضه، لأجل أن الشروط البنائية لا أثر لها ما لم يجعل في قالب الإنشاء. وبالجملة: تارة يتحقق الخيار بجعل إلهي: كخيار الحيوان ونحوه، أو بجعل من المتعاقدين: كخيار الشرط. واخرى يتحقق من باب عدم الملزم. ففي القسم الأول قد تحقق الالتزام العقدي، ولكن الله سبحانه أو نفس المتعاقدين جعل أمر الالتزام العقدي بيد ذي الخيار نظرة له وإرفاقا. وأما في القسم الثاني فلم يتحقق الالتزام العقدي، فليس المتعاقدان ملزمين بالتبديل والمعاملة الصادرة منهما، فلهما الفسخ أو الالتزام بمضمون المعاملة مجددا. وحيث إن من يتبعض الصفقة عليه لم يلتزم بوقوع بعض المبيع بإزاء بعض الثمن فله الفسخ أو الالتزام مجددا، ولا موجب لبطلان العقد بالنسبة إلى ما يقبل التملك. قوله (قدس سره): (نعم، ربما يقيد الحكم بصورة جهل المشتري.... إلى آخره). لا يخفى أن التفصيل بين صورة الجهل والعلم في غير محله، لأن العلم بأن أحد الجزءين ليس قابلا للتملك لو كان موجبا للجهل بثمن المبيع لوجب تقييد الصحة بما إذا كان البائع أيضا جاهلا، مع أنه لم يفصل بين علمه وجهله، فمنه يستكشف أن العلم لا يضر بالصحة. وسره: أن مقابلة المجموع بالمجموع في الإنشاء المعاملي ليس إلا بقصد تمليك المجموع وتملكه عرفا وإن علم الناقل أو المنقول إليه أن الشارع لم يمض البيع بالنسبة إلى بعض المبيع، والعلم بالحكم الشرعي لا ينافي البناء على خلافه في الإنشاء المعاملي. نعم، يتولد هنا إشكال على القائل بعدم رجوع المشتري العالم بالغصبية إلى

[ 223 ]

الغاصب إذا تلف الثمن، فإنه لو اقتضى العلم بالفساد من جهة الغصب تمليك المشتري للغاصب مجانا لاقتضى التمليك في المقام المجانية أيضا، بل عرفت أن بعضهم عمم عدم الرجوع إلى الغاصب حتى في مورد بقاء العين أيضا، ولكنك عرفت ضعف هذا القول. وعلى أي حال فلو قيل بأن في مورد رد المغصوب منه لا يرجع المشتري العالم إلى الغاصب في مورد تلف الثمن فمقتضاه عدم وقوع بعض الثمن بإزاء غير المملوك في المقام، مع أن ظاهر المشهور هو التقسيط، وعدم التزامهم بوقوع مجموع الثمن مقابل المملوك، أو وقوع ما بإزاء غير المملوك للبائع مجانا. ولكنه يمكن دفع الإشكال بدعوى الفرق بين المقام وبين الفساد من جهة الغصب، وهو أن في الغصب حيث إن المشتري العالم لم يضمن البائع الغاصب إلا بمال الغير، فيقع الثمن للغاصب مجانا إذا رد الغير الذي هو صاحب المبيع، وليس على الغاصب ضمان بالنسبة إلى الثمن إلا إذا كان موجودا فيسترد منه، لأنه في حكم الهبة المجانية. وأما في المقام فبعد جعل بعض الثمن بالإنشاء المعاملي مقابلا لما لا يقبل التملك فلا وجه لأن يكون مجموع الثمن مقابلا لما يقبل التملك، أو يكون ما بإزاء غير المملوك للبائع مجانا. نعم، قياس المقام على باب الغصب إنما يصح في ما إذا كان ما لا يقبل التملك غير مال عرفا أيضا، كالقاذورات والحشرات. وتوضيح ذلك: أن ما لا يقبل التملك على أقسام ثلاثة: قسم لا يقبله شرعا مع قبوله عرفا، كالخمر والخنزير. وقسم لا يقبله شرعا وعرفا، كالحشرات ونحوها. وقسم متوسط بينهما، كالحر، فإن مقتضى التملك فيه موجود، ولكنه لا يقبله شرعا، ولذا يفرض عبدا في الجنايات الواردة عليه الغير المقدرة شرعا، ويؤخذ دية الجناية الواردة على العبد من الجاني، وهكذا يصح استرقاقه في بعض الموارد، بل يصلح أن يصير مالا عند العرف في جميع الموارد.

[ 224 ]

وبعبارة اخرى: الحر وإن لم يكن مالا عند العرف فعلا إلا أنه مال شأنا، لقابليته للاسترقاق عندهم. ففي القسم الأول والمتوسط لا بد من التوزيع، لأنه لم يجعل المشتري مجموع الثمن بإزاء ما يقبل التملك، ولا مقابلا لما لا يقبله للبائع مجانا. وأما في القسم الأخير فحيث إنه يعلم أن بعض المبيع ليس مالا لا شرعا ولا عرفا ولا يقع بإزائه ثمن: فإما يجعل المقابل له للبائع مجانا، وإما يجعل المجموع بإزاء ما يقبل التملك كما صرح به الشهيد في الحواشي المنسوبة إليه، حيث قال: إن هذا الحكم - أي التوزيع - مقيد بجهل المشتري بعين المبيع وحكمه، وإلا كان البذل بإزاء المملوك، ضرورة أن القصد إلى المنع كلا قصد. انتهى (1). فإن كلامه ينزل على ما إذا امتنع القصد بإزاء المجموع عرفا، وإلا فمجرد امتناعه في الشرع لا يجعل القصد إليه كلا قصد، فإن التوزيع من آثار القصد تكوينا، والأثر التكويني للقصد لا يمكن أن ينفك عنه بمجرد الحكم الشرعي بأنه كالعدم. وبالجملة: القصد المعاملي يتمشى حقيقة من العالم بأن الخمر لا يقبل التملك، وإنما لا يتمشى في مورد العلم بأن المبيع لا مالية له، كالخنفساء ونحوها، لأن القصد المعاملي ليس مجرد الخيال، كتصور أنياب الأغوال حتى يمكن تصور المالية للخنفساء ويفرض كونها مالا في عالم الخيال، بل له واقع في عالم الاعتبار، وذلك يتوقف على عد العرف المبيع مالا. قوله (قدس سره): (ويشكل تقويم الخمر والخنزير بقيمتهما إذا باع الخنزير بعنوان أنها شاة والخمر بعنوان أنها خل فبان الخلاف.... إلى آخره). لا إشكال في أنه لو ضم الخمر - مثلا - إلى الخل وباعهما بعنوان أنه خمر فيقوم عند مستحليه. وأما لو باعه بعنوان أنه خل فقد يتوهم أنه لا وجه لملاحظة قيمة الخمر عند مستحليه، بل يقوم بما أنه خل، أي: يفرض كونه خلا على طبق عنوان المبيع فإن له دخلا في القيمة، بل سيجئ: أن مناط مالية الأموال هو


(1) حكاه عنه في مفتاح الكرامة: ج 4 ص 209 السطر الأخير.

[ 225 ]

عناوينها، أي: صورها النوعية، لا المادة الهيولائية، ولذا يكون تخلفها موجبا للفساد وإن جعلها وصفا أو شرطا للمبيع فقال: " بعتك هذا الذي هو عبد، أو بعتك هذا إن كان عبدا " وتبين كونه حمارا، بل وإن تبين كونه أمة، لأن العبد والأمة جنسان عند العرف. وفيه: أن العناوين الجنسية وإن كانت في باب البيع هي مناط مالية الأموال وتخلفها موجبا لفساد البيع دون تخلف الوصف - وإن جعله عنوانا للمبيع وقال: " بعتك الكاتب " - إلا أنها في باب التقويم من الدواعي، وتخلفها لا يوجب تبدل الموضوع، فلو قال: " بعتك هاتين الشاتين " مع كون إحداهما خنزيرا فلا وجه لرد قيمة الشاة بمجرد جعله معنونا بها، مع أنه أشار إلى ما هو في الخارج خنزير، فالإشارة هنا تقدم على العنوان، والعنوان من قبيل الداعي وتخلفه لا يضر بتقويم ما هو المشار إليه واقعا، فلا مناص إلا عن تقويم ما لا يقبل التملك بما يقوم عند مستحليه. وبالجملة: وإن كان مدار الصحة والفساد على مطابقة المعنون لعنوانه ومخالفته له - ولا أثر للبحث من هذه الجهة في المقام، لأنه على أي حال بيع الخنزير باطل باعه بعنوان نفسه أو بعنوان كونه شاة - إلا أن مدار التقويم على واقع الشئ، لا على العنوان، فإن العنوان لا يغير الخنزير عما هو عليه. * * * [ ولاية الأب والجد ] قوله (قدس سره): (مسألة: يجوز للأب والجد أن يتصرفا في مال الطفل بالبيع والشراء.... إلى آخره). هذه المسألة من فروع مسألة شروط المتعاقدين، حيث قال: ومن شروطهما: أن يكونا مالكين، أو المأذونين من المالك أو الشارع، فالمأذون من المالك هو الوكيل، والمأذون من الشارع هو من له الولاية على التصرف في مال الغير، والولاية على أقسام:

[ 226 ]

قسم منها ذاتي، ويعبر عنه بالإجباري، وهو ولاية الأب والجد على اليتيم وماله، وثبوتها لهما في الجملة ضروري يطلع عليه المتتبع في الأبواب المتفرقة. ففي باب الوصية: ينفذ إذن الوالد في المضاربة بمال ولده الصغير بحيث لا ضمان على المأذون. وفي باب الحجر: ولي الطفل قبل البلوغ والمتصرف في ماله هو الأب والجد. وفي باب النكاح: ينفذ عقد الأب والجد على الصغير. وقسم منها مجعول بجعل شرعي تعبدي: كولاية الحاكم. وقسم منها مجعول بجعل خلقي: كولاية القيم من قبل الأب والجد بعد موتهما على الصغير. وبالجملة: ولاية الأب والجد من ضروريات الفقه، ولا شبهة أن تصرفهما نافذ في مال الطفل، وإنما الإشكال في جهات ثلاث: الاولى: في اعتبار عدالتهما أو ثبوتها لهما مطلقا. الثانية: في اعتبار المصلحة، أو كفاية عدم المفسدة، أو جواز التصرف ولو مع المضرة. الثالثة: في اشتراك جد الجد مع الجد أيضا في الولاية، أو الاشتراك يختص بالأب مع الجد وإن علا. وأما مع عدم الأب فالجد القريب هو الولي دون البعيد، لا مستقلا ولا مشتركا مع القريب. أما الجهة الاولى: فالحق عدم اعتبار العدالة، لا لما أفاده المصنف من الأصل، فإن الأصل بالعكس، لأن نفوذ تصرف شخص في مال غيره يتوقف على الدليل، ومع عدمه فالأصل يقتضي عدم نفوذه، بل لإطلاق الأدلة، فإن الأخبار (1) المستفيضة الدالة على نفوذ وصيته في المضاربة بماله، ونفوذ عقد الأب والجد،


(1) وسائل الشيعة: ب 92 من أبواب الوصايا ج 13 ص 478، ب 11 من أبواب عقد النكاح وأولياء العقد ج 14 ص 217.

[ 227 ]

ونفوذ عقد الجد بدون إذن الأب معللا بأن البنت وأباها للجد، والأخبار (1) الدالة على أنه وماله لأبيه إطلاقها شامل لما إذا كان الأب فاسقا. والطائفة الثانية وإن كانت في مقام حكم أخلاقي لا فقهي - لعدم كون الولد ولا ماله مملوكا للأب، وليس حكمه حكم العبد في كون نفسه ملكا لسيده حقيقة وماله مالا له طولا - إلا أن مقتضى تمسك الأئمة (عليهم السلام) بقوله (صلى الله عليه وآله): " أنت ومالك لأبيك " (2) لجواز تصرف الوالد في مال الولد هو ثبوت الولاية له وإن لم يكن عدلا. ففي الوسائل بعدما نقل في كتاب التجارة: عن الشيخ بإسناده، عن محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يحتاج إلى مال ابنه، قال: " يأكل منه ما شاء من غير سرف، قال (3): وقال في كتاب علي (عليه السلام): إن الولد لا يأخذ من مال والده شيئا إلا بإذنه، والوالد يأخذ من مال ابنه ما شاء، وله أن يقع على جارية ابنه إذا لم يكن الابن وقع عليها، وذكر: أن رسول الله قال لرجل: أنت ومالك لأبيك " (4). ثم روي عنه أيضا، عن أبي حمزة الثمالي، عن أبي جعفر (عليه السلام): " أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال لرجل: أنت ومالك لأبيك، ثم قال أبو جعفر (عليه السلام): ما احب أن يأخذ من مال ابنه إلا ما احتاج إليه مما لا بد منه، إن الله لا يحب الفساد " (5). وفي الوسائل أيضا: عن العلل بإسناده إلى محمد بن سنان: أن الرضا (عليه السلام) كتب إليه في ما كتب من جواب مسائله: وعلة تحليل مال الولد لوالده بغير إذنه


(1) وسائل الشيعة: ب 78 من أبواب ما يكتسب به ج 12 ص 194 - 197. (2) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 343 ح 961، عنه الوسائل: ب 78 من أبواب ما يكتب به ح 1 ج 12 ص 194 - 195. (3) ليست في المصدر. (4) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 343 ح 961، عنه الوسائل: ب 78 من أبواب ما يكتسب به ح 1 ج 12 ص 194 - 195. (5) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 343 ح 962، عنه الوسائل: ب 78 من أبواب ما يكتسب به ح 2 ج 12 ص 195.

[ 228 ]

- وليس ذلك للولد - لأن الولد موهوب للوالد في قوله عز وجل: " يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور "، مع أنه المأخوذ بمؤنته صغيرا وكبيرا، والمنسوب إليه والمدعو له لقوله عز وجل: " ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله "، ولقول النبي (صلى الله عليه وآله): أنت ومالك لأبيك.... إلى آخره (1). وفي كتاب الحجر: عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " انقطاع يتم اليتيم بالاحتلام وهو أشده، وإن احتلم ولم يؤنس منه رشده وكان سفيها أو ضعيفا فليمسك عنه وليه ماله " (2). وبالجملة: الأخبار بإطلاقها تدل على ثبوت الولاية للولي وإن لم يكن عدلا، وليس في البين دليل على اعتبار العدالة حتى يقيد ما يكون مطلقا، أو يبين ما يكون مجملا. وما تمسكوا به لاعتبارها مثل قوله عز من قائل: * (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار) * (3) لا يدل على المقصود كما لا يخفى، فإن الظالم هنا هو السلطان الجائر، والركون إليه هو الاعتماد عليه والدعاء له بالبقاء. وهكذا ما قيل: من أنه يستحيل من حكمة الصانع أن يجعل الفاسق أمينا (4)، فإن على ما في الأخبار: من أن الولد وماله لأبيه لم يجعل الفاسق أمينا على مال الغير، بل المال ومالكه له. وعلى هذا يرد أيضا الاستدلال بالآية الشريفة، بناء على كون مطلق الفاسق ظالما، وكون جواز تصرف كل فاسق في كل ما لم يكن له ركونا إليه، لأن المال إذا كان مالا لشخص الظالم فلا يشمله عموم الآية، بل لو قلنا بأن هذه الأدلة في بيان


(1) علل الشرائع: ص 524 ح 1، عنه الوسائل: ب 78 من أبواب ما يكتسب به ح 9 ج 12 ص 197. (2) الكافي: ج 7 ص 68 ح 2، عنه الوسائل: ب 1 من أبواب أحكام الحجر ح 1 ج 13 ص 141. (3) هود: 113. (4) قائله فخر المحققين في الايضاح: ج 2 ص 628.

[ 229 ]

أمر أخلاقي - وهو إثبات الولاية من باب الشفقة والمحبة، أو إثبات مرتبة من الاختصاص والملكية دون الولاية المصطلحة الفقهية - إلا أن كون الولي فاسقا لا يضاد مع حكمة الصانع، لأن الفاسق لو تعدى وفرط في مال الطفل يحجره الحاكم كحجر السفيه في ماله. نعم، لا يمكن عزله، لما ذكرنا: أن هذه موهبة غير قابلة لسلبها عنه، ولذا يسمى بالولي الإجباري. وكيف كان فلا يظهر لاعتبار العدالة ثمرة عملية إلا بناء على اعتبارها موضوعيا، كما في إمام الجماعة والمفتي والقاضي، لأنه لو قلنا في الجهة الثانية باعتبار المصلحة في نفوذ تصرفه فمع عدمها يبطل حتى تصرف العادل. ولو قلنا بكفاية عدم المفسدة من باب أن مجرد الشفقة يكفي لجعل هذه الولاية له فالشفقة حاصلة للفاسق أيضا. ولو قلنا بنفوذه حتى مع المفسدة فعدم اعتبار العدالة بناء عليه أولى. وبالجملة: لا دليل على اعتبار العدالة، فالأقوى ثبوت الولاية للفاسق أيضا. نعم، ثبوتها للكافر إذا كان المولى عليه مسلما، كما إذا كان الجد كافرا وكان الوالد مسلما، أو كانت الام مسلمة لا يخلو عن إشكال، بل الأقوى عدمه، لأن الولد إذا كان مسلما من حيث تبعيته للأب أو الام فلا يمكن أن تكون للجد ولاية عليه، لأنها سبيل، ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا. وتمام الكلام في هذا الشرط وسائر الشرائط - كالحرية والإيمان - موكول إلى محله. وأما الجهة الثانية فالحق ثبوت الولاية له ولو مع المفسدة والمضرة للطفل، وذلك لإطلاق الأدلة. واستدراك المصنف لما أفاده من التمسك بالإطلاق - بقوله: لكن الظاهر منها، أي: من أخبار جواز تقويم جارية الابن على نفسه، تقييدها بصورة حاجة الأب (1)، متمسكا بقول الصادق (عليه السلام) في جواب من سأله عما يحل للرجل من مال


(1) المكاسب: كتاب البيع ص 152 س 17.

[ 230 ]

ولده، وهو قوله (عليه السلام): " قوته بغير سرف إذا اضطر إليه " (1)، وبقول الباقر (عليه السلام): " لا نحب أن يأخذ من مال ابنه إلا ما يحتاج إليه مما لابد منه، إن الله لا يحب الفساد " (2)، وبالآية الشريفة: * (ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن) * (3) ونحو ذلك - لا يضر بالمقصود، لأن المفروض أن من هذه الأدلة يستفاد جواز أخذ الأب من مال الابن ما يحتاج إليه، وهو ضرر على الطفل. إلا أن يقال: إن مسألة نفقة الأب أو الجد من مال الولد - صغيرا كان أو كبيرا - خارجة عن موضوع البحث، وإنما الكلام في جواز تصرف الولي الإجباري في ما يرجع إلى أمر الطفل، وهذه الأدلة ليست ناظرة إلى إثبات الولاية بالمعنى الذي هو موضوع البحث، وهو نفوذ تصرف الولي في مال الطفل بالبيع والشراء والصلح والهبة وأمثال ذلك حتى يتمسك بإطلاقها لجواز تصرفه في ما كان مضرا بالطفل، وإنما هي في مقام جواز أخذ الوالد مال الولد وإن كان كبيرا. نعم، يستفاد من هذه الأخبار: أن للوالد نحو سلطنة على مال الولد ونفسه، لا سيما بضميمة أخبار عقد الجد بدون إذن الوالد، ولا نعني بالولاية إلا هذا المعنى، لأنه لو كان الولد وماله تحت سلطنة الوالد فله التصرف في ماله تصرف الملاك في أملاكهم، ومقتضى مفادها: أن نحو ولاية الأب والجد غير ولاية سائر الامناء والولاة، لأن حكمة جعل الولاية قد تكون المصلحة والغبطة كولاية الحاكم ونحوه، وقد تكون الشفقة والمحبة كولاية الأب والجد. وعلى هذا فكما يجوز تصرف الجد أو الأب في مال نفسه لو لم يكن سفهيا وإن كان ضرريا، فكذا يجوز تصرفه في مال المولى عليه كذلك، إلا أن ينعقد إجماع على خلافه. أو يتمسك بقوله سبحانه: * (ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن) *،


(1) الكافي: ج 5 ص 136 ح 6، عنه الوسائل: ب 78 من أبواب ما يكتسب به ح 8 ج 12 ص 196 - 197. (2) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 343 ح 962، عنه الوسائل: ب 78 من أبواب ما يكتسب به ح 2 ج 12 ص 195، باختلاف يسير. (3) الأنعام: 152.

[ 231 ]

والخطاب فيه وإن لم يشمل الأب لفرض اليتم فيه إلا أنه يشمل الجد، ويتم في الأب بعدم القول بالفصل. أو يقال: بشمول اليتيم لمن ماتت امه ولو كان أبوه حيا، فتأمل، فإن الحكم بالإطلاق لا يخلو عن وجه، وإن اختار شيخنا الاستاذ - مد ظله - في هذه الدورة عدم جواز التصرف مع المفسدة. وأما الجهة الثالثة فلا ينبغي الإشكال في أن الجد وإن علا يشارك الأب في الولاية عرضا، فمع وجود الأب - جد الجد - حكمه حكم الجد في اشتراكه مع الأب، لأن رواية النكاح شاملة للجد العالي. وإنما الإشكال في أن مع فقد الأب هل الحكم بين الأجداد عرضي أو طولي، أي: الأقرب يمنع الأبعد أم لا؟ فقد يتمسك للأول بقوله عز من قائل: * (واولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض...) * (1)، ولكن الظاهر أن الآية واردة لحكم الإرث، ولا تشمل الولاية، وهكذا لا تشمل المقام الأدلة الدالة على أن الأولى بأمر الميت من كان أولى بالميراث، فإنها في مقام بيان الولاية في أمر التجهيز، والمناط في عدم مزاحمة الأب مع الجد في تزويج البنت مشترك بين الأجداد، فإن الطبقات النازلة مملوكة للعالية، فيشترك العالي مع النازل. * * * [ ولاية الفقيه ] قوله (قدس سره): (مسألة: من جملة أولياء التصرف في مال من لا يستقل بالتصرف في ماله: الحاكم.... إلى آخره). لا شبهة في أن للحاكم الذي هو الفقيه الجامع للشرائط التصرف في مال الصغير والغائب في الجملة، وإنما الكلام في أن جواز تصرفه فيه هل هو من جهة


(1) الأحزاب: 6.

[ 232 ]

الولاية العامة الثابتة له على قول، أو لكون هذا التصرف من شؤون القضاء الثابت له بلا خلاف؟ وتوضيح ذلك: أن للولاية مراتب ثلاث: إحداها - وهي المرتبة العليا -: مختصة بالنبي وأوصيائه الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين، وغير قابلة للتفويض إلى أحد، واثنتان منها قابلتان للتفويض. أما غير القابلة: فهي كونهم (عليهم السلام) أولى بالمؤمنين من أنفسهم بمقتضى الآية الشريفة: * (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم) * (1). وهذه المرتبة غير قابلة للسرقة، ولا يمكن أن يتقمص بها من لا يليق بها. وأما القابلة للتفويض: فقسم يرجع إلى الامور السياسية التي ترجع إلى نظم البلاد، وانتظام امور العباد، وسد الثغور، والجهاد مع الأعداء، والدفاع عنهم، ونحو ذلك مما يرجع إلى وظيفة الولاة والامراء. وقسم يرجع إلى الإفتاء والقضاء، وكان هذان المنصبان في عصر النبي والأمير صلوات الله عليهما، بل في عصر الخلفاء الثلاثة لطائفتين، وفي كل بلد أو صقع كان الوالي غير القاضي، فصنف كان منصوبا لخصوص القضاء والإفتاء، وصنف كان منصوبا لإجراء الحدود ونظم البلاد والنظر في مصالح المسلمين. نعم، اتفق إعطاء كلتا الوظيفتين لشخص واحد لأهليته لهما، إلا أن الغالب اختلاف الوالي والقاضي، ولا إشكال في ثبوت منصب القضاء والإفتاء للفقيه في عصر الغيبة، وهكذا ما يكون من توابع القضاء: كأخذ المدعى به من المحكوم عليه، وحبس الغريم المماطل، والتصرف في بعض الامور الحسبية: كحفظ مال الغائب والصغير ونحو ذلك. وإنما الإشكال في ثبوت الولاية العامة، وأظهر مصاديقها: سد الثغور ونظم البلاد والجهاد والدفاع، وهنا مصاديق مشكوكة في أنها من منصب القاضي أو الوالي، كإجراء الحدود، وأخذ الزكاة، وإقامة الجمعة، ولإثبات دخولها في أي


(1) الأحزاب: 6.

[ 233 ]

واحد من المنصبين محل آخر، والمهم إثبات الكبرى، وهي ثبوت الولاية العامة للفقيه في عصر الغيبة، فإنها لو ثبتت بالأدلة المعتبرة فالبحث عن الصغرى لغو، لأنها على أي حال من وظيفة الفقيه. واستدلوا لثبوتها له بالأخبار الواردة في شأن العلماء، وبالتوقيع الشريف المروي في إكمال الدين، وهو: قوله أرواحنا له الفداء: " وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنهم حجتي عليكم، وأنا حجة الله " (1) وبمقبولة عمر بن حنظلة (2)، وبالمشهورة (3) وبروايتي أبي خديجة (4). ولكنك خبير بعدم دلالتها على المدعى. أما قوله (صلى الله عليه وآله): " علماء امتي كأنبياء بني إسرائيل " (5) فلعل التنزيل كان بلحاظ تبليغ الأحكام بين الأنام، كما هو شأن أغلب أنبياء بني إسرائيل، فإنهم (عليهم السلام) كانوا مبلغين لأحكام موسى على نبينا وآله وعليه السلام، وقل من كان منهم واليا وسلطانا، كداود وسليمان (عليهما السلام). وأما قوله (عليه السلام): " مجاري الامور بيد العلماء " (6) وقوله: " العلماء ورثة الأنبياء " (7) ونحو ذلك من الأخبار الواردة في علو شأن العالم، فمن المحتمل قريبا كون العلماء فيها هم الأئمة (عليهم السلام)، كما في الخبر المعروف " مداد العلماء كدماء الشهداء " (8)، ولا سيما الخبر الأول الدال بإطلاقه على الولاية العامة، فإن فيه


(1) كمال الدين: ص 484 ح 4، عنه وسائل الشيعة: ب 11 من أبواب صفات القاضي ح 9 ج 18 ص 101. (2) الكافي: ج 7 ص 412 ح 5، عنه وسائل الشيعة: ب 11 من أبواب صفات القاضي ح 1 ج 18 ص 98 - 99. (3) تأتي في ص. (4) تأتي الإشارة إليها في ص 235. (5) عوالي اللآلي: ج 4 ص 77 ح 67. (6) تحف العقول: ص 238. (7) الكافي: ج 1 ص 34 ح 1، عنه وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب صفات القاضي ح 2 ج 18 ص 53. (8) نقله عن كشف الخفاء وغيره في موسوعة أطراف الحديث: ج 9 ص 382، وبمعناه ما رواه الصدوق في الأمالي: ص 142 - 143 ح 1.

[ 234 ]

قرائن تدل على أن المراد من العلماء فيه: هم الأئمة (عليهم السلام)، فإنهم هم الامناء على حلال الله وحرامه. وأما التوقيع الشريف فغاية تقريبه للمدعى ما أفاده في المتن من الوجوه التي منها: ظهور الحوادث في مطلق الوقائع التي لا بد من الرجوع فيها إلى الإمام (عليه السلام) مع حضوره، من غير فرق بين الأحكام والسياسات: من إجراء الحدود وأخذ الزكوات ونحو ذلك. ومنها: إرجاع نفس الحوادث إلى رواة الأحاديث الذين هم الفقهاء، فتكون ظاهرة في الامور العامة، لا أحكامها حتى تكون ظاهرة في الإفتاء والقضاء. ومنها: التعليل بكونهم حجة من قبله كما أنه (عليه السلام) حجة من قبل الله، فما كان له (عليه السلام) من قبل الله سبحانه وكان قابلا للتفويض فهو للرواة. ومنها: أن مثل إسحاق بن يعقوب أجل شأنا من أن يخفى عليه لزوم الرجوع في المسائل الشرعية إلى الفقهاء، بخلاف الرجوع إليهم في الامور العامة، فإنه يحتمل أن يكون الإمام (عليه السلام) قد جعله لشخص خاص أو أشخاص معينة من ثقات ذاك الزمان فيريد معرفته، فيوقع الإمام - أرواحنا له الفداء - بأن جميع الرواة مراجع لهذه الامور. هذا، ولا يخفى ما في هذه الوجوه من المناقشة: أما الأول: فلأن السؤال غير معلوم، فلعل المراد من الحوادث: هي الحوادث المعهودة بين الإمام (عليه السلام) والسائل، وعلى فرض عمومها فالمتيقن منها هي الفروع المتجددة والامور الراجعة إلى الإفتاء، لا الأعم. وأما الثاني: فلأن أدنى المناسبة بين نفس الحوادث وحكمها كاف للسؤال عن حكمها، فيكون الفقيه هو المرجع في الأحكام، لا في نفس الحوادث. وأما الثالث: فلأن الحجة تناسب المبلغية في الأحكام والرسالة على الأنام أيضا، كما في قوله عز من قائل: * (قل فلله الحجة البالغة) * (1)، وقوله: * (تلك حجتنا


(1) الانعام: 149.

[ 235 ]

آتيناها إبراهيم) * (1)، ونحو ذلك مما ورد بمعنى البرهان الذي به يحتج على الطرف. وبهذا المعنى أيضا ورد قوله (عليه السلام): " إن الأرض لا تخلو من حجة " (2)، لأن به يتم الحجة، ويهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة. ولذا وصفهم برواة الأحاديث الذين شأنهم التبليغ. وأما الرابع: فكون محمد بن إسحاق من أجلاء العلماء لا ينافي سؤاله عن أمر جلي، ولذا يسأل مثل زرارة ومحمد بن مسلم من الإمام ما لا يخفى على أحد. هذا، مع أن سؤاله لا يكون ظاهرا في تكليف المسلمين في الغيبة الكبرى حتى يكون الجواب ظاهرا في عموم الوقائع، بل يسأل عن حالهم في الغيبة الصغرى، فإن العمري الذي بتوسطه سأل محمد بن إسحاق عن حكم الوقائع عن الإمام (عليه السلام) هو محمد بن عثمان العمري، كما يظهر من قوله (عليه السلام) في ذيل الخبر: " وأما محمد بن عثمان العمري فرضي الله عنه وعن أبيه من قبل، فإنه ثقتي وكتابه كتابي " (3)، وهو كان سفيرا من قبله (عليه السلام)، فلعله يسأل بتوسطه عن المرجع في الفروع المتجددة في ذاك العصر، لا عن المرجع في الامور العامة. وأما روايتا أبي خديجة فاختصاصهما بالقضاء واضح، مضافا إلى ضعفهما، لأن له حالة اعوجاج عن طريق الحق، وهي زمان متابعته للخطابية، وحالتي استقامة، وهما: قبل الاعوجاج وبعده، ولم يعلم أنه رواهما في أي الحالات. وكيف كان لا تدلان إلا على نفوذ قضاء المجتهد المطلق أو المتجزى أيضا، دون مطلق الامور العامة. فإن إحداهما قوله (عليه السلام): " اجعلوا بينكم رجلا ممن عرف حلالنا وحرامنا " (4).


(1) الانعام: 83. (2) الكافي: ج 1 ص 179 ح 9. (3) كمال الدين: ص 485، عنه وسائل الشيعة: ب 11 من أبواب صفات القاضي ح 9 ج 18 ص 101. (4) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 303 ح 846، عنه وسائل الشيعة: ب 11 من أبواب صفات القاضي ح 6 ج 18 ص 100.

[ 236 ]

والاخرى قوله (عليه السلام): " انظروا إلى رجل منكم يعلم من قضايانا فاجعلوه بينكم، فإني قد جعلته قاضيا فتحاكموا إليه " (1). وفي سند الكليني إليه بدل قضايانا قوله: " قضائنا " (2). ولا يخفى أن القاضي غير الوالي. وأما المشهورة - وهي قوله: " السلطان ولي من لا ولي له " (3) - فلا تدل أيضا على مرجعية السلطان في الامور العامة، فإنه لو لم نقل بما قيل - من ورودها بالنسبة إلى الميت الذي لا ولي له، بل قلنا بولايته على كل من لا ولي له حتى الموقوف عليهم في الأوقاف العامة فضلا عن مثل الصبي والمجنون والغائب - إلا أنه حيث إن ظاهرها ولاية السلطان على من يحتاج إلى الولي فتختص بالامور الحسبية، فلا تدل على ولايته على إقامة الجمعة، وإجراء الحدود، وأخذ الزكاة جبرا، ونظم البلاد، وما يرجع إلى الامور العامة. نعم، لا بأس بالتمسك بمقبولة عمر بن حنظلة، فإن صدرها ظاهر في ذلك، حيث إن السائل جعل القاضي مقابلا للسلطان، والإمام (عليه السلام) قرره على ذلك، فقال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجلين من أصحابنا تنازعا في دين أو ميراث فتحاكما إلى السلطان أو إلى القضاة، أيحل ذلك؟.... إلى آخره (4). بل يدل عليه ذيلها أيضا، حيث قال (عليه السلام): " ينظر إلى من كان منكم قد روى حديثنا، ونظر في حلالنا وحرامنا، وعرف أحكامنا، فليرضوا به حكما، فإني قد جعلته عليكم حاكما " (5) فإن الحكومة ظاهرة في الولاية العامة، فإن الحاكم


(1) من لا يحضره الفقيه: ج 3 ص 2 ح 3216. وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب صفات القاضي ح 5 ج 18 ص 4. (2) الكافي: ج 7 ص 412 ح 4. وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب صفات القاضي ح 5 ج 18 ص 4. (3) سنن الدارمي: ج 2 ص 137. (4 و 5) الكافي: ج 7 ص 412 ح 5، وسائل الشيعة: ب 11 من أبواب صفات القاضي ح 1 ج 18 ص 98 - 99.

[ 237 ]

هو الذي يحكم بين الناس بالسيف والسوط، وليس ذلك شأن القاضي (1). ثم إن وجوب أداء سهم الإمام - أرواحنا له الفداء - إلى الفقيه ليس إلا من باب أنه أبصر بموارد صرفه، بعد العلم بأنه (عليه السلام) لو كان حاضرا لصرفه. وكيف كان فإثبات الولاية العامة للفقيه بحيث تتعين صلاة الجمعة في يوم الجمعة بقيامه لها أو نصب إمام لها مشكل. قوله (قدس سره): (الولاية تتصور على وجهين: الأول: استقلال الولي بالتصرف، مع قطع النظر عن كون تصرف غيره منوطا بإذنه أو غير منوط به، ومرجع هذا إلى كون نظره سببا في جواز تصرفه. الثاني: عدم استقلال غيره بالتصرف، وكون تصرف الغير منوطا به وإن لم يكن هو مستقلا بالتصرف، ومرجع هذا إلى كون نظره شرطا في جواز تصرف غيره، وبين موارد الوجهين عموم من وجه.... إلى آخره). لا يخفى أن هذين القسمين المتصورين في الولاية لا يوجبان اختلافا في حقيقتها، لأن لنظر الولي جهة موضوعية في كلا القسمين. غاية الأمر أن ما يراه صلاحا تارة: لابد أن يقع عن الفقيه بالمباشرة، كالفتوى والقضاء. واخرى: لابد أن يقع بمباشرة غيره، كما إذا عجز أحد الوصيين اللذين اشترط الموصي اجتماعهما، أو مرض على وجه لا يقدر على القيام بتمام ما أوصى به ولو بالتوكيل أو الاستئجار فإن الحاكم يضم إليه من يقويه ويعينه، فإن في هذا المثال ليس للحاكم المباشرة، مع أن تصرف غير الوصي منوط بإذنه.


(1) ولا يخفى أن المقبولة أيضا ليست ظاهرة في المدعى، لإطلاق الحاكم على القاضي في غير واحد من الأخبار، كما يظهر من الوسائل في كتاب القضاء، وكفى في ذلك تفسير الآية المباركة: " ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام " [ البقرة: 188 ] بما في المكاتبة، فانه (عليه السلام) كتب بخطه: " الحكام: القضاة " [ الوسائل: من أبواب صفات القاضي ح 9 ج 18 ص 5 ]، فالمتيقن هو الرجوع إلى الفقيه في الفتوى وفصل الخصومة بتوابعها، ومن جملتها: التصدي للامور الحسبية. (منه عفي عنه).

[ 238 ]

وثالثة: يمكن أن يقع من الحاكم أو من غيره بإذنه، كوكيله، أو متولي الوقف من قبله، أو المأذون في الصلاة على ميت لا ولي له. وعلى هذا فالمثال الثالث هو مادة الاجتماع. وبالجملة: إن رجع جهة العموم من وجه بين القسمين إلى مباشرة الحاكم والغير فلابد أن يفرض مادة الاجتماع ما يمكن أن يصدر من كليهما. وأما لو رجع إلى غير هذه الجهة فلا نجد بينهما هذه النسبة، إذ لا ينفك توقف التصرف على نظر الفقيه عن استقلاله في التصرف. بل يمكن أن يقال: لا اختلاف في حقيقتهما، بل كل منهما من أفراد الولاية العامة، فإن كون نظر الحاكم شرطا لجواز تصرف الغير أو سببا لجواز تصرف نفسه لا يوجب اختلافا في هويتها، فإن هذه الاختلافات راجعة إلى المشخصات الفردية، وكل من هاتين المرتبتين من شؤون ولاية الفقيه ومن كان واليا من قبل الإمام (عليه السلام) في البلاد، بل لا يمكن صدور جميع الامور من نفس الوالي بالمباشرة كما لا يخفى. قوله (قدس سره): (ثم إن النسبة بين مثل هذا التوقيع وبين العمومات الظاهرة في إذن الشارع في كل معروف لكل أحد مثل قوله (عليه السلام): " كل معروف صدقة " (1)، وقوله (عليه السلام): " عون الضعيف من أفضل الصدقة " (2) وأمثال ذلك وإن كانت عموما من وجه إلا أن الظاهر حكومة هذا التوقيع عليها.... إلى آخره). الظاهر أن مراده من العموم من وجه بين التوقيع والعمومات هو أن الحوادث التي يكون المرجع فيها الفقيه هي الأعم من كونها معروفا أو غير معروف، لأن جميع الوقائع العامة الحادثة يكون المرجع فيها الفقيه، سواء كانت من الامور التي


(1) الكافي: ج 4 ص 26 ح 2، عنه وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب فعل المعروف ح 5 ج 11 ص 522. (2) الكافي: ج 5 ص 55 ح 3، عنه وسائل الشيعة: ب 59 من أبواب جهاد العدو ح 2 ج 11 ص 108. مع اختلاف يسير.

[ 239 ]

علم من الشارع بوجوب وجودها في الخارج أم لم تكن كذلك، كحكمه بثبوت الهلال ونحو ذلك وأما أعمية المعروف فيمكن أن يكون بلحاظ شموله للامور الكلية والجزئية، ويمكن أن يكون بلحاظ شموله للحادث في عصر الغيبة ولما كان في عصر الأئمة. وكيف كان، لو قيل بأن مرجعية الفقيه لا تختص بالقضاء والإفتاء فلا شبهة في حكومة هذا التوقيع على العمومات، لأن مقتضاه: أن صدور كل قضية يجب أن يكون بنظر الفقيه، فكون القضية معروفة لا ينافي كونها مشروطة بإذن الفقيه. قوله (قدس سره): (وعلى أي تقدير فقد ظهر مما ذكرنا أن ما دل عليه هذه الأدلة هو ثبوت الولاية للفقيه في الامور التي يكون مشروعية إيجادها في الخارج مفروغا عنها، بحيث لو فرض عدم الفقيه كان على الناس القيام بها كفاية، وأما ما يشك في مشروعيته، كالحدود لغير الإمام، وتزويج الصغيرة لغير الأب والجد، وولاية المعاملة على مال الغائب بالعقد عليه، وفسخ العقد الخياري عنه وغير ذلك فلا يثبت من تلك الأدلة مشروعيتها للفقيه.... إلى آخره). لا يخفى أنه بعد أن بينا أن للإمام (عليه السلام) مراتب ثلاثا من الولاية، وأن مرتبة منها غير قابلة للتفويض، وهي: كونه (عليه السلام) " أولى بالمؤمنين من أنفسهم "، ومحل الكلام غير هذا القسم - وهو الولاية العامة والقضاء والإفتاء - يظهر ما في كلام المصنف: أما أولا: فلأن بعض الامور خارج عن موضوع البحث، كتزويج الصغيرة لغير الأب والجد فإنه ليس من شؤون القضاء والإفتاء، ولا من الامور التي يتوقف نظم البلاد عليها، ولا من المعروف الذي نعلم بوجوب وجوده في الخارج. وثانيا: من أين ظهر أن ما دل عليه هذه الأدلة هو ثبوت الولاية للفقيه في الامور التي يكون مشروعية إيجادها في الخارج مفروغا عنها؟ فإنه (قدس سره) اعترف بأن النسبة بين التوقيع والعمومات الظاهرة في إذن الشارع في كل معروف لكل أحد هي العموم من وجه، وقد تقدم أن أعمية الحوادث إنما هي باعتبار شمولها للمعروف وغيره، وعلى فرض عدم اعترافه (قدس سره) بذلك فقوله (عليه السلام): " وأما

[ 240 ]

الحوادث " لا يختص بهذه الامور، وكذا قوله (عليه السلام): " مجاري الامور بيد العلماء "، وقوله (عليه السلام): " فإني قد جعلته حاكما ". وبالجملة: حيث إنه (قدس سره) جعل الولاية على قسمين: استقلال الولي بالتصرف، وعدم استقلال غيره بالتصرف نهض لإثبات الثاني بالأدلة الدالة على أن مرجع الامور هو الفقيه، مع أنك قد عرفت أن هذا التقسيم ليس إلا باعتبار تصدي نفس الحاكم أو المأذون من قبله، ومع الغض عن هذا والتسليم بصحة التقسيم على وجه التباين ولو في الجملة فالدليل الدال على الثاني يدل على الأول أيضا. والخبير يعرف مواقع اخر للنظر في كلامه (قدس سره). وبالجملة: المقصود من إثبات الولاية للفقيه: هو إثبات ماكان للأشتر وقيس بن سعد بن عبادة ومحمد بن أبي بكر ونظرائهم رضوان الله تعالى عليهم، ولا إشكال في أنه كان لهم إجراء الحدود وأخذ الزكاة جبرا، والخراج والجزية ونحو ذلك من الامور العامة، فراجع. * * * [ ولاية عدول المؤمنين ] قوله (قدس سره): (مسألة: في ولاية عدول المؤمنين.... إلى آخره). لا يخفى أنه لو ثبت الولاية العامة للفقيه مطلقا إلا ما خرج، كإقامة الجمعة التي قيل (1) باختصاصها بالإمام (عليه السلام) فإذا تعذر الرجوع إليه في الامور التي يتوقف حفظ النظام عليها فلا شبهة في سقوط اعتبار مباشرته أو إذنه، لاستقلال العقل بلزوم القيام بما يحفظ به النظام، غاية الأمر ما دام العادل قادرا على القيام به فهو المتيقن، وإلا فعلى كل من يتمكن منه. وأما الامور التي لا يتوقف حفظ النظام الكلي عليها ولكنها من المعروف أو من قبيل فصل الخصومات أو الإفتاء في


(1) نقله عن غير واحد في الجواهر: ج 11 ص 179.

[ 241 ]

الأحكام الكلية فتارة يعلم من مناسبة الحكم والموضوع أن ولايته إنما هو لنظره واجتهاده، غاية الأمر اعتبر فيه العدالة أيضا موضوعيا. واخرى يعلم بأن ولايته لعدالته أو لرئاسته وحكومته، أي: يعلم بأن الاجتهاد لم يكن دخيلا أصلا، أو لم يكن ركنا في الموضوع. ففي الأول: إذا فقد الفقيه ليس لغيره التصدي له، فلا يجوز للعامي الإفتاء ولا القضاء. وفي الثاني: يقوم عدول المؤمنين به من باب كونه المتيقن، أو مطلق من يوثق به، ولو تعذر فيقوم به سائر المؤمنين. وبالجملة: الامور التي يعلم من الشرع مطلوبيتها في جميع الأزمان ولم يؤخذ في دليلها صدورها من شخص خاص فمع وجود الفقيه هو المتعين للقيام بها: إما لثبوت ولايته عليها بالأدلة العامة، أو لكونه هو المتيقن من بين المسلمين، أو لئلا يلزم الهرج والمرج، فيعتبر قيام الفقيه به مباشرة أو إذنه أو استنابته، ومع تعذره فيقوم به سائر المسلمين. ولما كان العدل أولى بالحفظ والإصلاح فمع وجوده هو المتعين، كما يدل عليه الأدلة التي نشير إليها، أو هو المتيقن، ومع فقده فمطلق الثقة، ومع عدمه فكل من كان صالحا. فكون هذه الامور مطلوبة لا ينافي اعتبار قيام شخص خاص بها على الترتيب، كما لا ينافي مطلوبيتها لزوم تعطيلها إذا قلنا باعتبار قيام خصوص الفقيه بها عند فقده. نعم، لو كانت مطلوبة على كل تقدير ولو مع فقد الفقيه فلا بد من القيام بها على الترتيب المذكور. وقد يستدل لولاية عدول المؤمنين على الصغار الذين لا ولي لهم بما رواه في الكافي: عن محمد بن إسماعيل بن بزيع قال: مات رجل من أصحابنا ولم يوص، فرفع أمره إلى قاضي الكوفة، فصير عبد الحميد القيم بماله، وكان الرجل خلف ورثة صغارا ومتاعا وجواري، فباع عبد الحميد المتاع، فلما أراد بيع الجواري ضعف قلبه في بيعهن، إذ لم يكن الميت صير إليه وصيته، وكان قيامه بهذا بأمر القاضي، لأنهن فروج، فذكرت ذلك لأبي جعفر (عليه السلام)، فقلت له: يموت الرجل من

[ 242 ]

أصحابنا ولم يوص إلى أحد ويخلف الجواري فيقيم القاضي رجلا منا ليبيعهن، أو قال: يقوم بذلك رجل منا فيضعف قلبه لأنهن فروج، فما ترى في ذلك القيم؟ قال: فقال: " إذا كان القيم مثلك أو مثل عبد الحميد فلا بأس " (1). وتقريب دلالته على العدالة أن الوجوه المحتملة للمماثلة أربعة: الأول: المماثلة في التشيع. الثاني: المماثلة في الفقاهة. الثالث: المماثلة في الوثاقة وملاحظة مصلحة اليتيم. الرابع: المماثلة في العدالة. والأول بعيد جدا، وإلا كان المناسب أن يقال: إذا كان من أصحابنا، أو: من أصحابك، أو: من يعرف أمرنا فلا بأس. والثاني أبعد، لأنه لو كان كذلك فمفهوم الشرط: أنه لو لم يكن القيم فقيها ففيه البأس، وهذا ينافي كون التصرف في مال اليتيم والقيام بأمره من الامور التي لا تسقط بتعذر إذن الفقيه، فيدور الأمر بين الاحتمالين الأخيرين. والنسبة بين الوثاقة والعدالة وإن كانت عموما من وجه إلا أنه لا شبهة أن العدل أيضا لا بد من أن يتصرف في ما هو مصلحة اليتيم، فالعدالة في هذا الباب هي الأخص من الوثاقة، وفي الدوران بين الخاص والعام الخاص هو المتيقن. هذا، مضافا إلى اعتبار العدالة صريحا في رواية إسماعيل بن سعد قال: سألت الرضا (عليه السلام) عن رجل يموت بغير وصية وله ولد صغار وكبار، أيحل شراء شئ من خدمه ومتاعه من غير أن يتولى القاضي بيع ذلك؟ فإن تولاه قاض قد تراضوا به ولم يستخلفه الخليفة أيطيب الشراء منه أم لا؟ قال (عليه السلام): " إذا كان الأكابر من ولده معه في البيع فلا بأس إذا رضي الورثة بالبيع وقام عدل في ذلك " (2).


(1) الكافي: ج 5 ص 209 ح 2، عنه وسائل الشيعة: ب 16 من أبواب عقد البيع ح 2 ج 12 ص 270. (2) الكافي: ج 7 ص 66 - 67 ح 1، عنه وسائل الشيعة: ب 16 من أبواب عقد البيع وشروطه ح 1 ج 12 ص 269 - 270.

[ 243 ]

نعم، ظاهر صحيحة علي بن رئاب (1) وموثقة زرعة (2) عن سماعة كفاية الوثاقة، ولكنهما قابلتان للتقييد بالعدالة، فمع وجود العدل لا شبهة أن المتيقن نفوذ خصوص ما يقوم به. نعم، مع تعذره يقوم الفساق من المؤمنين بعد عدم احتمال تعطيله، لكونه ضروريا، ومما يستقل العقل بلزوم وجوده. ثم إنه لا إشكال في أن ثبوت الولاية للعدل أو الثقة ليس كثبوتها للفقيه، فإن الفقيه لو وضع يده على مال اليتيم أو الغائب يخرج المولى عليه عمن لا ولي له، وليس لفقيه آخر مزاحمته، وهذا بخلاف ولاية العدل أو الثقة فإن ولايته عبارة عن أن له أن يفعل في مال المولى عليه ما يراه صلاحا، فما لم يفعل ولم يتصرف في المال يجوز تصرف العدل الآخر. وبعبارة اخرى: حكم ولاية العدل حكم ولاية الأب والجد، فما دام الموضوع باقيا له التصدي. وأما ولاية الفقيه فلا تقبل المزاحمة وإن لم يتصرف بعد، لأنه ولي من لا ولي له، فإذا تحقق الولي فلا ولاية لآخر، كما هو مفاد المشهورة " السلطان ولي من لا ولي له ". ثم لا يخفى أنه يستفاد من مجموع الأدلة: أن ولاية الفقيه والعدل ومطلق المؤمن ليس كولاية الأب والجد حتى يكون لهم التصرف مطلقا، بل الظاهر منها إناطة جواز التصرف بما كان صلاحا لليتيم أو الغائب ونحوهما، لأن مفهوم قوله (عليه السلام) في حسنة الكاهلي: " إن كان في دخولكم عليهم منفعة فلا بأس " (3) أنه لو لم يكن الدخول صلاحا لهم - سواء كان ضرريا أو لا - ففيه البأس، وذكر أحد فردي المفهوم لخصوصية موجبة لذكره في الشرطية الثانية لا يوجب أن تكون


(1) الكافي: ج 7 ص 67 ح 2، عنه وسائل الشيعة: ب 88 من أبواب أحكام الوصايا ح 1 ج 13 ص 474. (2) الكافي: ج 7 ص 67 ح 3، عنه وسائل الشيعة: ب 88 من أبواب أحكام الوصايا ح 2 ج 13 ص 474. (3) الكافي: ج 5 ص 129 ح 4، عنه وسائل الشيعة: ب 71 من أبواب ما يكتسب به ح 1 ج 12 ص 183 - 184.

[ 244 ]

الشرطية الاولى ساكتة عما لم يكن فيه صلاح وفساد، لأن ظاهر الشرط في الثاني أن المدار على الأول، فهو تابع للأول، مع أنه لو كان كذلك فمقتضى الأصل - وهو عدم ولاية أحد على مال غيره - هو اعتبار الصلاح، فلا تعارض بين الصدر والذيل. وترك الاستفصال في رواية مغيرة (1) إنما هو لأن الغالب في الهدايا للأيتام أن تبديلها بالثمن صلاح لهم. * * * قوله (قدس سره): (يشترط في من ينتقل إليه العبد المسلم ثمنا أو مثمنا أن يكون مسلما.... إلى آخره). لا يخفى أن الدليل الدال عليه الخالي عن الإشكال والمناقشة هو النص (2) الوارد في عبد كافر أسلم فإن أمر الأمير - عليه الصلاة والسلام - بالبيع من المسلم ونهيه عن الاستقرار عند الكافر يدل بالملازمة العقلية على عدم تملك الكافر العبد المسلم ملكا مستقرا، فهو نظير ما لو قيل: أزل النجاسة عن المسجد، فكما يفهم منه حرمة إدخال النجس فيه كذلك يستفاد من عدم استقرار ملك الكافر على المسلم عدم حدوث ملكه عليه كذلك. وما أفاده المصنف (3) (قدس سره) من أن عدم الحدوث تابع لعدم الرضا بالبقاء، فكما أن عدم الرضا بالبقاء لا يدل على خروج ملك الكافر عن ملكه بمجرد إسلام عبده، بل هو مجرد تكليف بعدم الإبقاء ولا يستتبع وضعا فكذلك عدم حدوثه أيضا ليس معناه عدم تملكه أصلا، بل مع تملكه له يجب إخراجه عن ملكه.


(1) الكافي: ج 5 ص 129 ح 5، عنه وسائل الشيعة: ب 71 من أبواب ما يكتسب به ح 2 ج 12 ص 184. (2) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 287 ح 795، عنه وسائل الشيعة: ب 73 من أبواب العتق ح 1 ج 16 ص 69. (3) المكاسب: كتاب البيع ص 158 س 27.

[ 245 ]

ففيه: أنه لا إشكال في المتابعة، وأن حكم الحدوث يستفاد من حكم الإبقاء، إلا أن منع استتباع النهي عن الإبقاء للوضع مناقض لما هو المستفاد منه (قدس سره) في الاصول على ما في التقرير: من أن النهي الراجع إلى المسبب يقتضي الفساد (1)، كما هو الحق، فإن النهي إذا تعلق بنتيجة الفعل وقيل بأنه " لا تقروا المسلم تحت يد الكافر " يدل عقلا على أن الكافر مسلوب التصرف، وليس له إبقاء الملك على ملكه، فإذا كان كذلك في مرحلة البقاء يكون كذلك في مرحلة الحدوث، أي: ليس له إحداث الملك المستقر. ولذلك ذهب المشهور إلى أنه لو نذر أن يتصدق فليس له بيع المنذور، لأنه بنذره سلب عن نفسه جميع التصرفات المنافية للصدقة. وهكذا لو اشترط أن يبيع من زيد أو لا يبيع من عمرو فليس له إلا البيع من زيد في الأول، ولا ينفذ بيعه من عمرو في الثاني، وليس ذلك إلا لأن الشرط أو النذر يوجب سلب سلطنة المالك على غير العمل بالنذر أو الشرط. فحاصل الرواية: أنه يجب عليه - وضعا - البيع من المسلمين، ويحرم عليه - وضعا - البقاء عنده، أي: أنه مسلوب التصرف، ولا معنى للفساد إلا عدم سلطنته على التصرف. وهذا نتيجة حكومة الأدلة الدالة على العناوين الثانوية: كالنذر والشرط ونحو ذلك على العمومات الأولية: ك‍ * (أوفوا بالعقود) * (2)، و " الناس مسلطون على أموالهم ". قوله (قدس سره): (وأما الآية فباب الخدشة فيها واسع.... إلى آخره). لا يخفى أنه لو سلم الخدشة الاولى من جهة أن ظاهر كلمة " لن " في قوله عز من قائل: * (لن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا) * (3) أن جعل السبيل للكافر على المؤمن أمر لم يكن، ولا يمكن أن يكون أبدا، وهذا المعنى غير قابل


(1) مطارح الأنظار: ص 163 - 164. (2) المائدة: 1. (3) النساء: 141.

[ 246 ]

للتخصيص، مع أنه لا إشكال في تملك الكافر المؤمن بالإرث إبتداء وتملكه له استدامة، كما لو كانا كافرين وأسلم العبد، أو كانا مسلمين وارتد المولى، فلابد من جعل السبيل المنفي غير الملكية حتى لا يلزم تخصيص، ولم نقل بأن لزوم التخصيص إنما هو لو التزمنا أن السبيل مطلق التملك القهري والاختياري، وأما لو قلنا بأن التملك القهري ليس سبيلا له على المؤمن فلا يلزم تخصيص، إلا أنه لا يرد عليها الخدشة الثانية والثالثة. أما الثانية فلأن تفسيرها في بعض الأخبار (1) بنفي الحجة للكفار على المؤمنين لا ينافي الأخذ بظاهرها، وهو نفي كل ما يعد عرفا سبيلا، ومن أفراده الظاهرة كون العبد المسلم مملوكا له كسائر أملاكه بحيث يكون له جميع أنحاء التصرف من الاستخدام وبيعه من الكافر ونحو ذلك، فإن هذه التفاسير من بطون القرآن ومن المعاني الطولية الغير المستلزمة لاستعمال لفظ واحد في أكثر من معنى واحد فلا تنافي ما هو ظاهره. وأما الثالثة فلأن مجرد كون النسبة بين الآية وأدلة صحة البيع عموما من وجه لا يوجب معاملة التعارض بينهما، لأن حكومتها عليها يرفع التعارض. ولا وجه لما أفاده في قوله: وحكومة الآية عليها غير معلومة (2)، لأن الحكومة لا تحتاج إلا إلى كون أحد الدليلين ناظرا إلى الآخر بأن يتعرض الحاكم إلى عقد وضع المحكوم أو حمله. ومعلوم أن الآية كذلك بالنسبة إلى العمومات لو لم يكن هناك محذور، فالعمدة إباء سياق الآية عن التخصيص. وعلى هذا فتحمل الآية على نفي السلطنة التامة، لا أصل الملكية، ومقتضى نفي التسلط التام أن يكون المالك محجورا عن التصرف - الصادق عليه الاستيلاء والسبيل - ومجبورا على البيع. وبالجملة: مقتضى الرواية الشريفة عدم تملك الكافر المسلم، ومقتضى الآية


(1) عيون أخبار الرضا (عليه السلام): ج 2 ص 203 - 204 ح 5. (2) المكاسب: كتاب البيع ص 159 س 3.

[ 247 ]

المباركة عدم استيلائه عليه. وعلى هذا ففي الموارد التي لا يدخل رقبة المسلم تحت يد الكافر: كملك المنافع إذا صدق الاستيلاء عليه ليس له ذلك أيضا كما سيجئ، إذ فرق بين مفاد الآية المباركة والرواية الشريفة، فإن الآية غير ناظرة إلى أدلة المعاوضات، وإنما هي حاكمة على مثل " الناس مسلطون "، لأن السبيل هو السلطنة التامة دون التملك. وأما الرواية الشريفة فهي حاكمة على أدلة المعاوضات إذا اقتضت الملكية المستقرة، ولا تشمل الملكية الاستطراقية على المسلم، ولا الملكية الحاصلة للكافر قهرا: كالإرث، ونحوه كالوقف عليه، لأن قوله (عليه السلام): " لا تقروه عنده " (1) لا يدل على خروج الملك عن ملك الكافر قهرا، بل على عدم استقراره عنده، فلا يدل على عدم حدوثه عنده، وإنما الملازمة بين البقاء والحدوث تقتضي عدم الحدوث على نحو الاستقرار، فالعقود المقتضية للبقاء، كالبيع ونحوه محكومة بالرواية، لا كلما يوجب الملك ولو آنا ما. قوله (قدس سره): (هذا، مضافا إلى أن استصحاب الصحة في بعض المقامات يقتضي الصحة.... إلى آخره). لا يخفى ما في هذا الكلام من الغرابة، فإن عدم القول بالفصل - مضافا إلى أنه لا أثر له إلا إذا رجع إلى الإجماع على الاتحاد - لا وجه له في باب مجاري الاصول، فإن التفكيك بين اللوازم والملزومات لا محذور فيه، فإذا جرى الأصل في مورد ولم يجر في آخر فلا وجه لإلحاق هذا المورد بمورد جريان الأصل. وبالجملة: محل التمسك بعدم القول بالفصل إنما هو الأحكام الواقعية، لا الأحكام الظاهرية، وفيها أيضا يتوقف على الملازمة القطعية بين الموارد، وأما مجرد عدم القول بالتفكيك فلا أثر له.


(1) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 287 ح 795، عنه وسائل الشيعة: ب 73 من أبواب العتق قطعة من ح 1 ج 16 ص 69.

[ 248 ]

وبعبارة اخرى: استفادة حكم موضوع من موضوع آخر يتوقف على أمرين: الأول: أن يكون التلازم بينهما قطعيا. الثاني: أن يكون حكم الأصل الذي يستفاد منه الفرع ثابتا بالأمارة. وأما إذا لم يكن التلازم قطعيا أو ثبت حكم أحد المتلازمين بالاستصحاب ونحوه فلا يمكن إثبات حكم الملازم الآخر، ولذا يحكم في مقدار خاص من الماء تارة بالقلة إذا كان مسبوقا بها، واخرى بالكثرة إذا كان مسبوقا بها، ويحكم في مكان خاص بوجوب القصر تارة، ووجوب الإتمام اخرى، لاختلاف الحالة السابقة. وأغرب من هذا ما أفاده في قوله (قدس سره): ولا يعارضه أصالة الفساد في غير هذه الموارد، لأن استصحاب الصحه مقدم عليها (1).... إلى آخره. لأنه لو كان المدعى الحكم بالصحة في غير مورد جريان استصحاب الصحة من باب عدم القول بالفصل بين الموردين والحكم بالفساد في غير مورد استصحاب الفساد من باب عدم القول بالفصل بين الموردين فلا يصح الجواب عنه بأن أصالة الفساد محكومة بأصالة الصحة، لأن مورد الحكومة إنما هو لو كان الأصلان واردين في مورد واحد، وأما لو كان مورد أحدهما غير مورد الآخر ولا سببية ومسببية بينهما فلا وجه للحكومة، فالالتزام بملكية الكافر في ما لو كان مسلما وارتد، وما لو كانا كافرين وأسلم العبد، ونحو ذلك، كالإرث لا يلازم الالتزام بتملكه بالشراء ونحوه: كالهبة والصلح، بل الوصية والجعالة. وبالجملة: مقتضى الرواية عدم تملك الكافر للمسلم، واستصحاب صحة تملكه في بعض المقامات لا يقتضي صحته في الموارد الاخر، سيما إذا فرضنا وجود أصل موضوعي يقتضي الفساد. ومقتضى الآية الشريفة نفي استيلاء الكافر على المؤمن وسلطنته عليه، فالرواية خاصة من جهة، لاختصاصها بملك الرقبة،


(1) المكاسب: كتاب البيع ص 159 س 8.

[ 249 ]

ولا تشمل المنافع، والآية خاصة من جهة اخرى ولا تشمل الملكية المسلوبة عنها الآثار. وأما شمولها لملك المنفعة أو الانتفاع - إذا فرضنا اقتضاء تملكه لهما السلطنة على المسلم والاستيلاء عليه، كالإجارة المطلقة المتعلقة بجميع منافع الحر والعبد المسلمين - فلا ينبغي الإشكال فيه. وعلى هذا فالصواب أن يقال: إن كل ما اقتضى استيلاء الكافر على المسلم لا يصح، من غير فرق بين تمليك المنفعة كالإجارة، وتمليك الانتفاع كالعارية. ومن غير فرق بين أن يكون المسلم حرا أو عبدا، وكل ما لم يقتض ذلك فلا مانع منه مطلقا. والتفصيل بين الذمة والعين، أو بين كون المسلم حرا وعبدا، أو بين الكافر مسلطا على استيفاء المنفعة واستيفاء الانتفاع إن رجع إلى البحث عن الصغرى، وأنه هل هذا سبيل أو لا؟ فللبحث عنها مجال. وأما إن رجع إلى البحث عن الكبرى وأنه هل يشمل آية نفي السبيل جميع هذه الأقسام أو لا؟ فلا شبهة أنه لم يقم دليل خاص على خروج بعض الأقسام مع كونه من أفراد العام، ولا على إلحاق بعضها بها مع كونه خارجا عنها. فالصواب: هو تنقيح الصغرى حتى يظهر أن الجواز مطلقا - كما في التذكرة (1) وغيرها - أو المنع مطلقا - كما عن الإيضاح (2) - لا وجه له. فنقول: كما أنه قد تقتضي إجارة الأموال كون العين - كالدار - تحت يد المستأجر، وقد لا تقتضي ذلك، كإجارة الدابة والسفينة للحمل فكذلك في إجارة الأعمال قد تقتضي استيلاء المستأجر على العامل، سواء كان هو المؤجر نفسه كالحر، أو كان غيره كالعبد. وقد لا تقتضي ذلك. فالأول كالإجارة المطلقة المتعلقة بجميع منافع الحر والعبد، ومجرد أن الحر ليس قابلا للتملك والغصبية لا يقتضي


(1) تذكرة الفقهاء: ج 1 ص 463 س 29. (2) إيضاح الفوائد: ج 1 ص 413.

[ 250 ]

سلب سلطنة الكافر، فإذا آجر رقبته بحيث كان جميع منافعه للكافر فهذا سبيل منه عليه، وهكذا الأجير الخاص كما لو استأجر الكافر المسلم في مدة من الزمان لعمل خاص بحيث لم يكن للمؤجر أن يعمل في هذه المدة لغير المستأجر الكافر. وبعبارة اخرى: إذا ملك الكافر عمل المسلم بحيث لم يكن له أن يملك غيره فهذا سبيل منه عليه. والثاني كالإجارة المتعلقة بذمة المسلم، كما لو آجر نفسه لأن يخيط له ثوبا أو آجر عبده كذلك فإن مجرد ذلك ليس سبيلا عليه، فهذه الإجارة نظير الاقتراض من الكافر في أن مجرد مطالبة الدين ليس سبيلا منه عليه. قوله (قدس سره): (وأما الارتهان عند الكافر ففي جوازه مطلقا.... إلى آخره). لا يخفى أنه من أحكام الرهن شرعا عند الإطلاق أن تكون العين المرهونة تحت يد المرتهن، فإذا كان المرتهن كافرا وكانت العين المرهونة عبدا مسلما لا يمكن أن يؤثر عقد الارتهان ما يقتضيه إطلاقه، لأن كون العبد المسلم تحت يد الكافر سبيل منه عليه، فإذا اشترطا أن يكون عند ثالث مسلم فلا إشكال في صحته، لأن مجرد إلزامه المسلم بأداء الدين وفكه الرهانة أو إلزامه ببيع العين المرهونة ليس سبيلا منه عليه، ولا تشمله الرواية الشريفة أيضا كما هو واضح. وأما لو لم يشترطا ذلك فتارة يصرحان بما يقتضي إطلاقه لولا التصريح به أيضا فهذا مخالف للكتاب، لأن مرجعه إلى اشتراط كون الكافر مستوليا على المسلم. وأما لو أطلقا فهل يكون الرهن باطلا، أو أن نفي السبيل بنفسه يوجب التقييد؟ وجهان: من أن الحكم الشرعي بنفي السبيل لا يمكن أن يقيد قصد المتعاقدين، فمع فرض قصدهما الإطلاق فحكمه حكم ما لو صرحا بالإطلاق. ومن أن تأثير الإطلاق إنما هو من باب عدم ما يوجب التقييد، فإذا دل نفي السبيل على عدم صحة كون المسلم تحت يد الكافر لا على فساد الرهن فهذا بنفسه يوجب التقييد، ولا يختص صحته بما لو صرحا بالتقييد، والحكم الشرعي

[ 251 ]

في المقام نظير الحكم الشرعي بحرمة صوم يوم العيد، فكما أن حرمته تقتضي تقييد النذر المتعلق بصوم كل يوم خميس بما عدا العيدين فكذلك الحكم الشرعي في المقام يقتضي التقييد بعدم كون العبد تحت يد المرتهن. ومما ذكرنا من التفصيل في باب الرهن ظهر حكم جميع العقود الأمانية. أما الإجارة فقد تقدم حكمها. وأما العارية فلا تجوز، لأنها تسليط على الانتفاع، فيكون سبيلا. وأما الوديعة فلا مانع منها، لأن حفظ الكافر مسلما ليس سبيلا عليه، وهكذا توكيل الكافر على بيع المسلم فإن مجرد وكالة الكافر على بيع المسلم من قبل المولى المسلم ليس سبيلا واستيلاء منه عليه، وهكذا توكيله في التجارة ومطالبة الدين من المسلم ونحو ذلك. ثم إنه لا فرق في الكافر بين أن يكون كبيرا أو صغيرا، فأطفال الكفار بحكمهم، ولا وجه لإشكال المصنف في الإلحاق. كما أنه لا فرق في المسلم بين أن يكون كبيرا أو صغيرا. وكذلك لا فرق بين أن يكون مؤمنا أو مخالفا، وذلك واضح. قوله (قدس سره): (ثم إنه قد استثنى من عدم جواز تملك الكافر للعبد المسلم مواضع.... إلى آخره). لا يخفى أن السبيل المنفي هو الملك المستقر بحيث يكون للمالك أنحاء التصرف وأنواع السلطنة والاستيلاء. وأما مجرد شراء الكافر من ينعتق عليه أو دخول المسلم في ملكه مقدمة للانعتاق فهذا لا يعد سبيلا وسيادة وعلوا، فالآية (1) الشريفة وحديث " المسلم (2) يعلو ولا يعلى عليه " (3) لا يشملان هذا النحو من التملك، إنما الكلام في صحة تملكه بمقتضى النص المروي عن الأمير (عليه السلام) في بيع


(1) النساء: 141. (2) في المصدر: الاسلام. (3) من لا يحضره الفقيه: ج 4 ص 334 ح 5719، عنه وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب موانع الإرث ح 11 ج 17 ص 376.

[ 252 ]

عبد أسلم، فإن مقتضى كون النهي عن المسبب موجبا لعدم حصوله وضعا هو عدم تملك الكافر بالشراء أصلا، فكيف يترتب عليه العتق؟ ولكن الذي يهون الخطب: أن الانعتاق على المشتري - ولو على القول بالملكية آنا ما - ليس داخلا في مدلول النص، لانصراف قوله (عليه السلام): " ولا تقروه عنده " عن مثل هذا الملك، فإن الملكية بالنسبة إلى أقسامها من الكلي المشكك وهذا الفرد منه ينصرف عنه الكلي. هذا بالنسبة إلى شراء العمودين. وأما بالنسبة إلى شرائه من ينعتق عليه ظاهرا كما لو أقر بحرية مسلم ثم اشتراه فالحق صحة شرائه وانعتاقه عليه أيضا بمقتضى إقراره. والعلم الإجمالي بكونه إما صادقا فلا يصح شراء الحر، وإما كاذبا فكذلك - لعدم صحة شراء الكافر للمسلم فنعلم تفصيلا ببطلان الشراء - غير وجيه، لإمكان اختيار كلا الشقين، والالتزام بصحته على أي حال. أما بناء على صدقه فلإدراجه في المعاملة الاستنقاذية، فإنه بعدما ثبت في الشريعة صحة هذا النحو من المعاملة فليكن هذا من ذاك، كما لو اشترى المسلم مسلما من كافر استرقه فإنه قيل: بأن الثمن يدخل في ملك الكافر بحيث لو حاربه المسلمون وغنموا أمواله التي منها الثمن المعين يدخل الثمن في فئ المسلمين، ولا يرجع إلى المشتري المسلم. وأما بناء على كذبه فلأن الكافر وإن لم يملك المسلم إلا أنه قد ظهر أن الملك الذي يكون مقدمة للانعتاق ليس سبيلا من الكافر على المسلم، ولا يشمله النص أيضا كما تقدم، فيملك واقعا وينعتق عليه ظاهرا، لإقراره بحريته. والتفكيك بين الواقع والظاهر في مورد الإقرار ليس عزيز الوجود. ثم إن إقرار المقر له على خلاف ما أقر به المقر لا يبطل إقرار المقر في المقام، فتصدي المولى لبيع العبد وعدم استنكاف العبد ذلك لا يبطل إقرار الكافر بحريته، ولا يقاس على ما إذا أقر المولى بحرية عبده وأقر العبد بعبوديته له، وذلك للفرق

[ 253 ]

بينهما، فإن إقرار المقر له أو مولاه في المقام بعبودية العبد لا أثر له، لأنه - على أي حال - لا يستقر في ملك الكافر، سواء كان حرا أم عبدا، فيسمع إقرار الكافر بحرية العبد وينعتق عليه ظاهرا، وهذا بخلاف ما إذا أقر المولى بحرية عبده وأقر العبد بعبوديته له. ثم إن مما ذكرنا يظهر أن قوله (قدس سره): " فتأمل " إشارة إلى عدم العلم التفصيلي ببطلان الشراء، لا أن العلم الإجمالي في المقام لا أثر له. وأما الثالث - وهو العتق بأمر الكافر - فأولى بالصحة من القسم الأول، لأن احتمال شمول النص لشراء من ينعتق عليه يجري في القسم الأول دون هذا القسم، وذلك لأن في مورد الشراء قد أنشأ الملكية باللفظ، فيمكن أن يقال: المنشأ إذا كان منهيا عنه فلازمه عدم تحققه، أي: فساد المعاملة، وأما قول الكافر: " أعتق عبدك عني " وقول المأمور: " أعتقته عنك " فليسا إنشاء للملكية صريحا، وإنما قلنا بحصولها آنا ما للجمع بين الأدلة، حيث إنها دلت على صحة استيفاء مال أو عمل محترم بأمر معاملي، ودلت على أنه " لا عتق إلا في ملك " فمقتضاها استطراق الملك من ملك المالك إلى ملك الآمر وخروجه عنه. إلا أن يقال: إنه ليس الغرض من النهي إلا بيان عدم حصول النتيجة للكافر بأي سبب، سواء كان من الأسباب المتعارفة أم غيرها. ولكنه قد ظهر أن النص منصرف عن هذا النحو من الملك. وعلى أي تقدير هذه الأقسام الثلاثة مستثناة من عدم تملك الكافر، كخروج تملكه بالإرث عن مورد النص. أما الآية المباركة فواضح، لأنها تنفي السلطنة لا أصل التملك. وأما الرواية فلأنها تنفي استقرار الملك، ولا تدل على خروجه عن ملكه قهرا حتى يقتضي عدم دخوله فيه رأسا، لا سيما إذا كان استطراقيا كشراء من ينعتق عليه، وأولى من ذلك كله استيفاء مال محترم بأمر معاملي يقتضي دخول المال في ملك المستوفي الكافر وخروجه عنه، فإن الملكية آنا ما للملازمة بين العتق والملك لا يندرج في قوله (عليه السلام): " لا تقروه عنده ".

[ 254 ]

وحاصل الكلام: أنه فرق بين شراء العمودين وعتق المسلم بأمر الكافر، لأنهما لا يدخلان تحت كبرى واحدة، فإن شراءه من ينعتق عليه داخل في الملكية الصريحة، بخلاف العتق، فإنه لم ينشأ الملك إلا ضمنا، فلابد من قيام دليل آخر يدل على المنع عن الملك الضمني. وعلى أي حال لا ينبغي الشبهة في أن شرط البائع على الكافر المشتري عتق العبد المسلم لا يؤثر في الصحة، لأن المبيع قابل لأن يستقر في ملك الكافر بإسقاط المشروط له شرطه، ومجرد تسلط المشروط له على إلزام المشروط عليه لا يقتضي عدم شمول النص لهذا النحو من الشراء، وإلا فإنه مجبور على البيع في غير مورد الشرط أيضا، فيجب أن يقال: بأنه يملكه من دون شرط. قوله (قدس سره): (ثم إن ما ذكرنا كله حكم ابتداء تملك الكافر للمسلم اختيارا، أما التملك القهري فيجوز ابتداء كما لو ورثه الكافر من كافر اجبر على البيع فمات قبله.... إلى آخره). لا يخفى ما في كلامه (قدس سره) في ذيل هذا العنوان. أما أولا: فلما ظهر من أن آية نفي السبيل لا تدل على نفي الملكية، بل هي دالة على نفي السلطنة والاستيلاء، فالملك المسلوب عنه الآثار ليس من مصاديق السبيل، فلو قيل بأن المال ينتقل من المورث الكافر إلى الوارث الكافر بمقتضى أدلة الإرث ثم يحجره الحاكم ويبيعه عليه كحجر المورث لا يرد عليه محذور. والرواية الشريفة أيضا لا تدل على نفي التملك رأسا بحيث ينعتق العبد المسلم على الكافر ويخرج عن ملكه إذا كانا كافرين وأسلم العبد، بل تدل على نفي الاستقرار، فتختص بما إذا حصل له الملك القابل للاستقرار بالأسباب الاختيارية كالبيع ونحوه، لأنه هو الذي يجري فيه النزاع بأن النهي المتعلق بالمسبب هل يقتضي الفساد أم لا؟ وأما في الإرث فليس هناك سبب ومسبب حتى يقال: إن النهي عن المسبب يقتضي الفساد.

[ 255 ]

وبالجملة: بعد الفراغ عن عدم خروج العبد المسلم عن ملك الكافر بمجرد إسلام العبد أو ارتداد المولى، بل يبقى على ملكه ويباع عليه، أو يجبر على البيع، وبعد الفراغ عن أن الإرث ليس كالبيع بحيث يكون التبديل في طرف الملك، بل مع بقاء الملك على ما كان عليه يتبدل المالك فلا إشكال فيه. وعلى هذا لو اجبر الكافر على بيع عبده المسلم ومات قبل البيع يقوم مقامه الوارث، ويكون الملك على ما كان عليه قبل قيام الوارث مقام مورثه. وأما ثانيا: فلأنه لو سلم دلالة آية نفي السبيل على نفي تملك الكافر رأسا حتى بالأسباب القهرية فلا وجه لتوهم معارضتها مع أدلة الإرث وتساقطهما ثم الرجوع إلى استصحاب بقاء العبد على عبوديته، فإن الاستصحاب وإن كان جاريا بعد التساقط إلا أنه لا تصل النوبة إلى التعارض، فإن أدلة نفي السبيل حاكمة على أدلة الإرث، لأنها تثبت الإرث للوارث بالعنوان الأولي، وليست ناظرة إلى اعتبار الخلو عن الموانع وعدمه. فكما أن الدليل الدال على أن القاتل لا يرث حاكم على أدلة الإرث فكذلك الدليل الدال على أن الكفر مانع. فالصواب: هو المنع عن شمول آية نفي السبيل للمقام، لأنه بعد الفراغ عن عدم خروج العبد المسلم عن ملك الكافر قهرا فالوارث حيث إنه ليس كالمشتري الذي يتبدل ملكه بملك الآخر، بل مع بقاء الملك على ما هو عليه يقوم مقام مورثه، وقيامه مقامه ليس سبيلا على المسلم، لأنه لم يوجد في البين سبيل آخر غير ما كان للمورث، بل لو سلمنا عدم تملك الكافر أصلا حتى بالأسباب القهرية إلا أن الإرث خارج عن هذا العنوان رأسا، لأنه لم يملك الوارث الكافر ملكا جديدا بسبب قهري أو اختياري، بل انتقل إليه على ما كان عليه من تملك الكافر له. ولو قيل بأن هذا أيضا سبيل فلابد من الالتزام بخروج العبد المسلم عن ملك المورث، وإلا فلا وجه لعدم قيام الوارث مقامه. وأما ثالثا: فلو سلم المعارضة فلا وجه لرجوع العبد إلى الإمام (عليه السلام)، لأنه (عليه السلام) إنما يكون وارثا لمن علم أنه لا وارث له، وأما لو شك في وراثة غيره لشبهة

[ 256 ]

حكمية كما في المقام ونحوه، أو شبهة موضوعية كما لو احتمل وجوده في البلاد البعيدة فكونه (عليه السلام) وارثا غير معلوم. إلا أن يقال: بمجرد الشك في وراثة الطبقة السابقة يتحقق مورد إرث الطبقة اللاحقة ولو لم يحرز عدم كون السابق وارثا. وفي المقام وإن لم يجر استصحاب عدم كون الكافر وارثا بالعدم النعتي إلا أن العدم المحمولي أيضا كاف، لأن تملك الوارث العبد الباقي على رقيته بالاستصحاب مسبوق بالعدم، فإذا جرى استصحاب عدم ملكيته له ينتقل إلى الإمام. ولذا لو شك في تقدم إسلام الوارث على موت المورث وتأخره عنه ولم يكن أصل يحرز أحدهما كما في مجهولي التأريخ يرث غيره ممن هو في طبقته لو كان، وإلا ترثه الطبقة اللاحقة. ثم إنه بناء على ما اخترناه من عدم شمول آية نفي السبيل لإرث الكافر العبد المسلم من الكافر فلا يمكن أن يقاس عليه سائر الأملاك القهرية، لا من باب قيام الإجماع على ثبوت الإرث كما يظهر من جامع المقاصد (1) وعدم قيامه في غيره، فإن تحقق الإجماع في الإرث أيضا ممنوع، بل لما ذكرنا من أن الإرث ليس تبديلا في الملكية، وهذا بخلاف سائر الأملاك القهرية، سواء كان سببه قهريا - كدخول الكافر في من أوقف عليه العبد المسلم، أو الانتقال إليه بالانفساخ، كما إذا تلف الثمن الشخصي الذي جعل بإزاء العبد قبل القبض - أم كان اختياريا كالملك الحاصل له بفسخ من انتقل إليه العبد المسلم، لأنه ملك جديد نظير الملك الحاصل له بالشراء أو الهبة أو المصالحة، فبناء على دلالة آية نفي السبيل على عدم تملك الكافر لا يصح الفسخ من ذي الخيار، ويبطل الوقف إذا انحصر الموقوف عليه في الكافر، لأن التملك بالوقف الخاص حكمه حكم التملك بالمعاوضة، وليس الموقوف عليه مصرفا (2).


(1) جامع المقاصد: ج 4 ص 63. (2) لا يخفى أن مما ذكرنا من الأمثلة يظهر دفع ما أورده الاشكوري (قدس سره) في حاشيته: من أنه =

[ 257 ]

قوله (قدس سره): (ويحتمل أن يكون ولاية البيع للحاكم.... إلى آخره). هذا هو الأقوى، لأن ظاهر قوله (عليه السلام): " اذهبوا فبيعوه على المسلمين " (1) أن ولاية البيع ليس له، وإلا كان المناسب أن يقول: ألزموه على البيع. وعلى أي حال لا شبهة أن الملك لا يزول عنه بمقتضى النص والفتوى. فما في الإيضاح: من زوال ملك السيد عنه (2) لا وجه له، مع أنه لو زال فاستحقاقه للثمن بلا موجب، لأنه لو قلنا بأنه لو أسلم العبد ينعتق على مولاه ويصير حرا فلاستحقاقه للثمن وجه، فيجب على العبد أن يسعى في قيمته، لتعلق ثمنه برقبته. وأما لو لم نقل بانعتاقه بل قلنا بزوال ملكه عنه فيصير ملكا بلا مالك، أو ملكا للمسلمين. وعلى أي حال لا وجه لأن يباع من المسلمين ويعطى المولى الكافر ثمنه. وبالجملة: الجمع بين زوال ملكه عنه مع بيعه ودفع الثمن إليه لا محصل له.


= لم يعلم المراد من الملك القهري المحتاج إلى السبب الاختياري، لأن المراد: إن كان قهرية النتيجة فقط وإن كان السبب اختياريا فجميع المعاملات كذلك، وإن كان المراد: كون مقدمة من مقدمات السبب لاهتمامه اختياريا بحيث كان حصول الملك محتاجا إلى سبب قهري فلم نجد له مثالا.... إلى آخره [ بغية الطالب: ص 135 س 10 ]. وذلك لأنه فرق بين المعاملات والفسخ، فإن المعاملات اختيارية حتى نتيجة، بل نفس النتيجة هي المنشأ بالمعاملة حقيقة، وهذا بخلاف الفسخ فإنه لو كان ذو الخيار طرف الكافر وتصرف في الثمن الذي اشترى به العبد من الكافر واشترى به من غيره شيئا فالعبد يرجع إلى الكافر بسبب اختياري قهرا، أي: من دون إنشاء الطرف تمليك العبد من الكافر. وبالجملة: فرق بين البيع والفسخ، فإن النتيجة في البيع اختيارية بشراشرها، وهي مقصودة بحيالها، بخلاف الفسخ فإنه قد لا يكون الفاسخ ملتفتا إلى رجوع العبد إلى الكافر، ويلحق بالفسخ ما لو فرض أن المولى الكافر قبل أن يجبر على البيع جعل ضريبة على عبده المسلم واشترى العبد من فاضل الضريبة عبدا مسلما فهذا العبد الذي اشتراه العبد يصير ملكا للمولى قهرا، من باب " أن العبد وما يملكه لمولاه "، مع أن سببه اختياري، فتأمل جيدا. (منه عفي عنه). (1) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 287 ح 795، عنه وسائل الشيعة: ب 73 من أبواب العتق ح 1 ج 16 ص 69. (2) إيضاح الفوائد: ج 1 ص 414.

[ 258 ]

قوله (قدس سره): (وكيف كان، فإذا تولاه المالك بنفسه فالظاهر أنه لا خيار له، ولا عليه.... إلى آخره). لا يخفى أنه لا وجه لجعل موضوع البحث تولي المالك لبيعه الذي قد ظهر عدم ثبوت الولاية له، بل الصواب: أن يجعل موضوع البحث تولي الحاكم أو غيره من المسلمين. فيقال: لو لم يستقر المسلم على ملك الكافر فمقتضاه أن البيع الذي هو مقدمة لسلب ملكية الكافر لا يكون خياريا، لا لمالك العبد، ولا لمن انتقل إليه، من غير فرق بين الخيارات. وعلى أي حال فالمحتملات - التي ذهب إلى كل منها قائل - كثيرة: منها: ما ذكرناه من أن الكافر لا يملك المسلم في غير مورد الإرث، ولو كان منشأ التملك فسخ العقد فلا خيار في هذا العقد مطلقا، لا للكافر، ولا للمشتري. ومنها: مقابل هذا القول، وهو عدم الفرق بين هذا العقد والعقود الاخر، فيجري فيه ما يجري فيها. ومنها: التفصيل بين الخيارات الثابتة بالتعبد الشرعي، كخيار المجلس والحيوان فلا يجري، والثابتة بجعل من المتعاقدين صريحا أو ضمنا، كخيار الشرط وخيار العيب أو الغبن فلا مانع منه. ومنها: التفصيل بين الخيارات الثابتة من غير ناحية الضرر فلا يثبت حتى خيار الشرط، والثابتة من ناحية الضرر، كخيار الغبن والعيب ونحوهما فيثبت. ومنها: التفصيل في الخيارات الناشئة من الضرر بين كون المتضرر مسلما فيثبت، وكونه كافرا فلا. ومنها: ابتناء المسألة على أن الزائل العائد كالذي لم يزل، أو كالذي لم يعد. فلو قلنا بالأول يثبت الخيار، لأن الفسخ يجعل الملكية السابقة كأن لم يزل، والمفروض أن الملكية قبل البيع كانت ثابتة للكافر فلا مانع من تأثير الفسخ وعود الملكية السابقة. ولو قلنا بالثاني فلا يمكن أن يؤثر الفسخ، لأن ما يرجع بالفسخ ملك جديد، والكافر لم يجعل له التملك الجديد.

[ 259 ]

ولا يخفى أن مدارك هذه المحتملات مذكورة في المتن فلا يهمنا بيانه، إنما المهم بيان امور ينبغي التنبيه عليها: الأول: أنه لو منعنا عن جريان خيار العيب في هذا العقد فإنما الممنوع هو التخيير بين الرد والأرش، وأما الأرش فقط فلا مانع منه، كما هو الشأن في كل مورد تعذر أحد فردي التخيير. الثاني: سيجئ في باب الخيارات: أنه لا يمكن أن تكون قاعدة " لا ضرر " منشأ لثبوت الخيار أصلا، بل المنشأ له هو تخلف الشرط الصريح أو الضمني في غير مورد الخيارات المجعولة الشرعية، فإذا تخلف الشرط فحيث إن المشروط له واجد للشرط وبفقده يتضرر فيثبت له الخيار. الثالث: أن هذه القاعدة - وهي: أن الزائل العائد كالذي لم يزل، أو كالذي لم يعد - مضافا إلى ما أورده المصنف (1) عليها من أنها لا تبتنى على أساس ولا كبرى لها، لا عقلا ولا شرعا لا تنطبق على المقام، فإن هذه القاعدة اسست في ما لو رجع ما انتقل عن المشتري إليه بسبب جديد أو بفسخ ونحوه، وكان له أو للبائع الأول الخيار. فلو قيل بأن الزائل عن ملك المشتري العائد إليه بمنزلة غير الزائل - أي كأنه لم يخرج عن ملكه - فالمبيع قائم بعينه، فللبائع الأول أو المشتري الأول الفسخ بالخيار. ولو قيل بأنه كالذي لم يعد - أي كأنه باق في ملك الثالث الذي هو المشتري الثاني - فليس المبيع قائما بعينه، فليس للبائع ولا للمشتري الأول الفسخ، وفي المقام ثبوت الخيار من أصله مشكوك، أي: لم يعلم قابلية المبيع للعود حتى يقال: إن الزائل العائد كالذي لم يزل، أو كالذي لم يعد (2).


(1) المكاسب: كتاب البيع ص 160 س 18. (2) إلا أن يقال: إن هذا المبنى ليس لإثبات أصل حق الخيار، بل لرفع المانع. وأما ثبوت الخيار فإنما هو لإطلاق أدلته، فإحراز العود إنما هو لإطلاق قوله (عليه السلام): " البيعان بالخيار "، =

[ 260 ]

الرابع: أن ما أفاده (قدس سره) - في قوله: ويشكل في الخيارات الناشئة عن الضرر من جهة قوة أدلة نفي الضرر فلا يبعد الحكم بثبوت الخيار للمسلم المتضرر من لزوم المبيع، بخلاف ما لو تضرر الكافر فإن هذا الضرر إنما حصل من كفره.... إلى آخره (1) - من الغرابة بمكان. أما أولا: فمضافا إلى ما أشرنا إليه من أن نفي الضرر بنفسه لا يقتضي الخيار أن أقوائية نفي الضرر من نفي السبيل غير معلومة، لأن كلا منهما حاكم على أدلة الأحكام كقاعدة نفي الحرج، ولا منشأ لأظهرية نفي الضرر من نفي السبيل، بل العكس هو المتعين فإن آية نفي السبيل آبية عن التخصيص، وأما قاعدة لا ضرر فقابلة للتخصيص، بل قيل (2) بوهنها، لكثرة التخصيصات الواردة عليها. وأما ثانيا: فالتفصيل بين المسلم والكافر لا وجه له، لأن الكافر لم يقدم على الضرر وإنما أقدم على الكفر، فكيف لا يثبت له الخيار؟ وبالجملة: الإقدام على نفس الضرر هو الموجب لعدم جريان قاعدة لا ضرر، لا الإقدام على المقدمات الإعدادية لجعل الحكم الضرري. الخامس: ما ذكره جامع المقاصد (3) من أن نفي السبيل لو اقتضى خروج العقد عن مقتضاه - وهو الخيار - لاقتضى خروج العبد ابتداء عن ملك الكافر ففيه: أنه لا ملازمة بينهما، فإن تملك الكافر ابتداء بالإرث ونحوه لا يقتضي تملكه بالفسخ والبيع ونحوهما. السادس: ما يظهر من القواعد (4) من أنه لا مانع من ثبوت الخيار في هذا العقد واسترداد القيمة دون نفس العبد لا وجه له أصلا، سواء قلنا بتعلق الخيار بالعين أم بالعقد، وسواء كان الخيار للمشتري أم للبائع.


= وحيث يتوهم حكومة نفي السبيل على هذا الإطلاق فيبتنى الحكومة على كون الزائل العائد كالذي لم يعد. وأما لو قيل بأنه كالذي لم يزل فلا حكومة (منه عفي عنه). (1) المكاسب: كتاب البيع ص 160 س 19 وما بعده. (2) قاله الشيخ الأنصاري في الرسائل: ج 2 ص 537. (3) جامع المقاصد: ج 4 ص 65. (4) قواعد الأحكام: ج 1 ص 124 س 6.

[ 261 ]

أما بناء على تعلقه بالعين فواضح، لأن حق الفسخ وإن لم يكن دائرا مدار بقاء شخص العين ولذا لا يسقط بتلفها إلا أنه لا بد من تعلقه بالعين أولا حتى يرد مثلها أو قيمتها في مورد تعذر ردها، والمفروض امتناع تعلقه بها، لأن الكافر لا يملك المسلم بأي سبب، سواء كان عقدا كالبيع أم إيقاعا كالفسخ، فإذا امتنع تعلقه بها فلا مقتضي لتعلقه ببدلها. وأما بناء على تعلقه بالعقد فحيث إن تعلقه به ليس إلا طريقا ووسيلة لاسترداد العين فيمتنع تحققه أيضا، لأن إعماله مستلزم لرد العين إلى المالك، إذ لا معنى لأن تكون العين باقية ويتعلق الضمان بالبدل، وفرضها تالفة ورد مثلها أو قيمتها بلا موجب. والجمع بين الحقين هو بنفسه ليس من الأدلة، بل لو اقتضى الدليل رجوع قيمة العبد إلى الكافر فهو، وإلا يسقط الخيار. وسيجئ في خيار المجلس تمام الكلام في شراء من ينعتق على المشتري. ثم إنه لا فرق في ما ذكرنا بين خيار الكافر أو المشتري المسلم، لأن تقدير العبد المسلم في ملك الكافر بمقدار يثبت عليه بدله وإن لم يكن سبيلا له عليه إلا أن التقدير يحتاج إلى الدليل، كما في مسألة " أعتق عبدك عني "، وتلف المبيع قبل القبض على ما تقدم تفصيله والأدلة العامة المثبتة للخيارات غير متكفلة للتقدير، وليست كالأدلة الخاصة حتى نلتزم بالتقدير بدلالة الاقتضاء. فتحصل مما ذكرنا: أن هذا العقد لا يقتضي الخيار، لا للكافر ولو كان إعماله بولاية الحاكم، ولا للمشتري، لأن مقتضى الرواية الشريفة: أن كل سبب يترتب عليه تملك الكافر بالملك المستقر لا يؤثر، سواء كان عقدا كالبيع ونحوه، أو إيقاعا كالفسخ، أو ملحقا بأحدهما كالإقالة، للملازمة التي تستفاد منها، وهي: عدم الفرق قطعا بين البقاء والحدوث. نعم، لا تشمل مثل الإرث ونحوه. * * * قوله (قدس سره): (مسألة: المشهور عدم جواز نقل المصحف إلى الكافر.... إلى آخره).

[ 262 ]

لا يخفى أنه وإن لم يرد النص في المصحف إلا أنه لا يبعد إلحاقه بالعبد المسلم، بل إلحاق كل كلام منقوش محترم من الروايات الواردة في الأحكام أو الأدعية والأذكار به للأولوية القطعية، من غير فرق بين أن تكون من المتواترة أو الآحاد، لأنها بعد حجيتها حكمها حكم المتواتر، إلا أن يمنع القطع بالمناط وإن كان الإلحاق أحوط. ثم إن هاهنا فروعا من حيث الابتداء والاستدامة، ومن حيث شمول الحكم للترجمة وعدمه، ومن حيث الخطوط وغير ذلك مذكورة في كتب القوم فراجعها.

[ 263 ]

قوله (قدس سره): (القول في شرائط العوضين) (يشترط في كل منهما كونه متمولا.... إلى آخره). قد تقدم سابقا أن البحث في شرائط المعاوضات في مقامات ثلاثة، وتقدم شرائط العقد وشرائط المتعاقدين، وبقي شرائط العوضين. فمنها: أن يكون كل منهما متمولا، أي: يبذل بإزائه المال. وتقدم أن مالية الشئ إما باعتبار قابليته للانتفاع به مع بقاء عينه، كالعقارات ونحوها، وإما للخاصية المترتبة عليه، وهو ما يتوقف الانتفاع به على إتلافه، كالحبوبات والفواكه. ثم الشئ الذي له خاصية تارة يكون محل ابتلاء عامة البشر دائما، واخرى لا يبتلى به إلا نادرا. ثم إن القسم الثاني قد يتعارف اقتناؤه لرفع الحاجة الاتفاقية، أو لا يتعارف، فلو كان اقتناؤه متعارفا فلا إشكال في صحة المعاملة عليه، كالأدوية والعقاقير، وأما لو لم يتعارف ذلك، كالخنافس والديدان فيفسد المعاملة عليه وإن اتفق الحاجة إليه، لأن مناط المالية إذا كان بذل المال بإزائه فلا يشمل أمثال ذلك، وعلى هذا فلا تصح المعاملة على حبة الحنطة والماء على الشاطئ، لعدم بذل المال بإزائه، إما لقلته، أو لكثرته وإن قلنا بكونهما مملوكين، ولذا يحرم غصبهما، لأن النسبة بين الملكية والمالية عموم من وجه، فإنه قد يكون الشئ مالا وليس

[ 264 ]

بملك، كالكلي قبل استقراره في الذمة، ولذا يبذل بإزائه المال. وقد يكون ملكا لا مالا كحبة الحنطة. ثم إنه كما يعتبر في العوضين أن يكون مالا عرفا يعتبر أن يكون كذلك شرعا، فلو أسقط الشارع جهة ماليته العرفية - كالخمر والخنزير - لا يصح جعلهما عوضا ولا معوضا. ثم بناء على التباين الجزئي بين الملك والمال فلا يصح الاستدلال لاعتبار المالية العرفية في العوضين بمثل قوله (عليه السلام): " لا بيع إلا في ملك " (1). كما أنه لا يصح في مورد الشك في كون شئ مالا عرفا التمسك بعمومات صحة البيع والتجارة، لأن هذه الأدلة إمضاء لما عليه العرف والعادة، فإذا شك في جريان العادة على المعاملة بشئ فبدليل الإمضاء لا يمكن أن يحكم بصحته. قوله (قدس سره): (ثم إنهم احترزوا باعتبار الملكية في العوضين عن بيع ما يشترك فيه الناس.... إلى آخره). لا يخفى أن ظاهر هذا التفريع تساوي الملكية والمالية، وإلا كان حق العبارة أن يقال: كما يشترط في كل منهما أن يكون متمولا كذلك يشترط أن يكون ملكا فعليا. وعلى أي حال لا إشكال في عدم جواز بيع السمك في الماء والطير في الهواء قبل اصطيادهما. وبعبارة اخرى: كل ما يباح لجميع الناس أو المسلمين لا يجوز بيعه قبل تملكه بالاصطياد أو الاحتطاب أو التحجير ونحو ذلك، فإن بذل المال بإزائه سفهي، فلا يمكن أن يقاس الطير في الهواء على بيع الخمر للتخليل بناء على صحته، لأن الخمر يبقى فيه حق الاختصاص لمن صار خله خمرا فيصح بيعه للتخليل. ثم إنهم كما احترزوا باعتبار الملكية عن المباحات الأصلية كذلك احترزوا


(1) المستدرك: ج 2 ص 17، عوالي اللآلي: ج 2 ص 247 ح 16.

[ 265 ]

بها عن الأراضي المفتوحة عنوة، فإنها وإن كانت ملكا إلا أنها لجميع المسلمين، لا لمن هي في يد من عمرها وأحياها، فلا يجوز بيعها وشراؤها، فهي من جهة كالوقف على الجهة الذي قد يعبر عنه بالوقف العام، كالعلماء والمؤمنين وإن كانت هي بنفسها قسما مستقلا. وتوضيح ذلك: أن الملك باعتبار المالك على أقسام خمسة: الأول: الملك المطلق لكل شخص مشخص: كدار زيد، وبستان عمرو ونحو ذلك من المنقول وغيره. الثاني: ملك الموقوف عليه للعين الموقوفة في الوقف الخاص. الثالث: ملكهم لها في الوقف العام. فالطائفة الاولى يملكون منفعتها على نحو الإشاعة، والثانية يملكون منفعتها لا على نحو الإشاعة، وفي كلا القسمين يمكن أن يعرضهما الطلقية على شرائط ستجئ إن شاء الله تعالى. الرابع: ملك السادات والفقراء للخمس والزكاة فإنهما يملكانهما بالقبض. الخامس: الملك المفتوحة (1) عنوة، فإنه نحو مستقل من الملكية لها أحكام خاصة لا تترتب على غيرها، ومن جملتها: عدم إمكان عروض الطلقية لها، ولا ينافي ذلك صحة بيعها للإمام (عليه السلام) إذا رأى فيه المصلحة، لأنه على فرض تسليم ذلك، فموضوع البحث: هو جواز بيعها مع قطع النظر عن إذن الإمام، أو موضوعه: تعذر إذنه ومباشرته للبيع كما في زمان الغيبة. * * * قوله (قدس سره): (وحيث جرى الكلام في بعض أقسام الأرضين فلا بأس بالإشارة إجمالا إلى جميع أقسام الأرضين.... إلى آخره). حاصل الأقسام: أن الأرض إما موات أو عامرة، وكل منهما إما أن يكون


(1) أي: للأرض المفتوحة.

[ 266 ]

كذلك بالأصل، أو بالعرض، فإذا كانت مواتا بالأصالة - أي لم تكن مسبوقة بالعمارة أصلا - فهي للإمام (عليه السلام). ويدل عليه: الإجماع (1) المنقول، بل المحصل، والأخبار (2) المستفيضة، بل المتواترة، بل يدل عليه الكتاب (3) على ما يستفاد من الأخبار (4) الكثيرة من أنها من الأنفال. ثم لا إشكال في أنه لو أحياها الشيعة يملكها، كما هو صريح قوله (عليه السلام): " ما كان لنا فهو لشيعتنا " (5). وقوله (عليه السلام): " كل ما كان في أيدي شيعتنا من الأرض فهم فيه محللون " (6). إنما الكلام في أن الحلية بالإحياء مختصة بهم، أو تشمل غيرهم من المسلمين، بل كل من أحياها، مسلما كان أو كافرا. ثم هل يملكه المحيي مجانا، أو يجب عليه أداء خراجه إلى الإمام؟ أما الكلام في الجهة الاولى فالحق فيه هو العموم وإن كان ظاهر بعض الأخبار هو الاختصاص. أما شمول الإذن في الإحياء والإباحة والتمليك لمطلق المسلم فللنبويين: أحدهما: قوله (صلى الله عليه وآله): " موتان الأرض لله ولرسوله، ثم هي لكم مني أيها المسلمون " (7). وثانيهما: قوله (صلى الله عليه وآله): " عادي الأرض لله ورسوله، ثم هي لكم مني " (8).


(1) نقله عن غير واحد في الجواهر: ج 38 ص 10 - 11. (2) وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب الأنفال أحاديث الباب ج 6 ص 364 - 372. (3) الأنفال: 8. (4) وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب الأنفال ح 17، 20، 22 ج 6 ص 369 - 371. (5) الكافي: ج 1 ص 409 ح 5، عنه وسائل الشيعة: ب 4 من أبواب الأنفال ح 17 ج 6 ص 384. (6) الكافي: ج 1 ص 408 ح 3، عنه وسائل الشيعة: ب 4 من أبواب الأنفال ح 12 ج 6 ص 382. (7) السنن الكبرى: ج 6 ص 143، عوالي اللآلي: ج 3 ص 480 ح 1. مع اختلاف يسير. (8) نفس المصدرين السابقين.

[ 267 ]

وأما شموله لمطلق من أحياها ولو كان كافرا فلقوله (عليه السلام) في صحيح محمد بن مسلم: " سألته عن الشراء من أرض اليهود والنصارى، فقال: ليس به بأس... إلى أن قال: أيما قوم أحيوا شيئا من الأرض أو عملوه فهم أحق بها وهي لهم " (1). وفي صحيح أبي بصير: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن شراء الأرضين من أهل الذمة فقال: لا بأس بأن يشتري منهم إذا عمروها وأحيوها فهي لهم.... إلى آخر الحديث " (2). ولا ينافي ذلك ما يدل على تخصيص الشيعة بذلك، فإنه يمكن الجمع بين الطائفتين بأن الغرض الأصلي من الإذن هم الشيعة، ولكنه حيث يمتنع تخصيص الإذن بخصوص الشيعة فأذنوا (عليهم السلام) لكل من أحياها، ونظير ذلك مسألة العدة، فإن حكمة تشريعها مختصة بمورد اختلاط المياه، ولكن الحكم عام، وفي المقام أيضا حكمة الإذن مختصة بالشيعة، لتطيب ولادتهم وتحل مساكنهم ومناكحهم، ولكن الحكم عام من حيث توقف الحلية على الشيعة على الحلية لكل من أحياها، وإلا لا يترتب الغرض، فإن الأرض التي لم يحيها الشيعة لو لم تكن ملكا لمحييها لما جاز للشيعة التصرف في غلاتها ومنافعها، فإن جواز التصرف فيها يتوقف على الإحياء، والمفروض عدم إحياء الشيعة لها. وأما الجهة الثانية وهي تعلق الخراج بها فالحق عدمه، والظاهر كون الحكم إجماعيا كما يظهر ذلك بالمراجعة إلى كتاب الخمس وإحياء الموات. وأما إذا كانت عامرة بالأصالة - أي لا من معمر - كأطراف الشطوط وسواحل البحار والآجام والغابات فالكلام فيها أيضا من جهات: الاولى: في كونها من الأنفال التي لا إشكال في أنها للإمام (عليه السلام) وعدمه،


(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 148 ح 655، عنه وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب إحياء الموات ح 1 ج 17 ص 326. (2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 148 ح 657، عنه وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب إحياء الموات ح 1 ج 17 ص 330.

[ 268 ]

والأقوى كونها منها، لقول الباقر والصادق (عليهما السلام) حيث سئلا عن الأنفال، فعدا من جملتها: " وكل أرض لا رب لها " على ما في تفسير علي بن إبراهيم (1). ولما روي على ما في المتن: " أن كل أرض لم يجر عليها ملك مسلم فهو للإمام (عليه السلام) " (2). نعم، ناقش في هذه الأدلة صاحب الجواهر (3)، ويظهر منه تقييد الأرض التي هي من الأنفال بما كانت ميتة، أو كانت عامرة في يد الكفار واخذت منهم من دون خيل ولا ركاب. وأما العامرة التي لا يد لأحد عليها فهي من المباحات الأصلية يملكها كل من حازها، فإن قوله (عليه السلام): " وكل أرض لا رب لها " وإن كان مطلقا إلا أنه يقيده قوله (عليه السلام): " وكل أرض ميتة لا رب لها ". وأجاب عنه المصنف: بأن الوصف المسوق للاحتراز وإن كان له المفهوم إلا أنه لو لم يكن واردا مورد الغالب، والغالب في الأرض التي لا مالك لها كونها مواتا (4). ولكن الحق: أنه وإن لم يكن القيد واردا مورد الغالب فللمنع عن التقييد أيضا مجال، لأن التقييد في المثبتين منوط بما إذا كان المطلوب صرف الوجود، كما في قوله: " أعتق رقبة مؤمنة " المقيد لإطلاق قوله: " أعتق رقبة ". وأما إذا كان المطلوب مطلق الوجود كما في قوله: " أكره هاشميا " فلا موجب لتقييد إطلاقه بقوله: " أكرم هاشميا عالما "، مع أنا نمنع كون قوله: " ميتة " مسوقا لتقييد قوله: " كل أرض "، بل المسوق له هو قوله: " لا رب لها ". فمحصله: أن كل أرض سواء كانت عامرة أم ميتة إذا لم يكن لها رب فهي للإمام، فتخرج ما كان لها رب، فهذا التقييد تقييد لإطلاق ما دل على أن جميع الأراضي للإمام (عليه السلام).


(1) تفسير علي بن ابراهيم: ج 1 ص 254. (2) المكاسب: كتاب البيع ص 161 س 28، ولم نقف على رواية بهذا النص، ولعلها مصطادة من الروايات. (3) جواهر الكلام: كتاب الخمس في الأنفال ج 16 ص 120. (4) المكاسب: كتاب البيع ص 161 س 32.

[ 269 ]

الثانية: في أنه هل تملك هذه بالحيازة أم لا؟ والأقوى أنها في هذا الحكم كالموات بالأصالة تملك بوضع اليد عليها، لا لما استدل به المصنف (قدس سره) من عموم النبوي " من سبق إلى ما لم يسبقه إليه مسلم فهو أحق به " (1) لأن هذا العموم في مقام بيان أحقية السابق وعدم جواز مزاحمته، وهذا يفيد في ما إذا ثبت استحقاق كل أحد في السبق إليه، كالرباطات والخانات والمساجد والمدارس الموقوفة على عموم من يستوفي منافعها، وليس بصدد بيان أن كل شئ يتعلق به حق بالسبق إليه. هذا، مضافا إلى أن الحق ظاهر في غير التملك، بل لما ورد: أنهم (عليهم السلام) أباحوا لشيعتهم ما كان لهم (2). ثم إن أكثر ما ورد في هذا الباب وإن كان مختصا بخصوص الشيعة إلا أنه قد تقدم: أن مقتضى تعليلهم (عليهم السلام) الإباحة بأن تطيب ولادة الشيعة كون التملك بالتصرف عاما لكل أحد. وممن صرح بذلك: الشهيد في حواشيه على القواعد عند قول العلامة: " ولا يجوز التصرف بغير إذنه والفائدة حينئذ له " قال: ولو استولى غيرنا من المخالفين عليها فالأصح أنه يملك لشبهة الاعتقاد كالمقاسمة، وكتملك الذمي الخمر والخنزير، فحينئذ لا يجوز انتزاع ما يأخذه المخالف من ذلك كله، وكذا ما يؤخذ من الآجام ورؤوس الجبال وبطون الأودية لا يحل انتزاعه من آخذه وإن كان كافرا، وهو ملحق بالمباحات المملوكة بالنية لكل متملك، وآخذه غاصب تبطل صلاته في أول وقتها حتى يرده (3). انتهى. الثالثة: أن هذا القسم أيضا كالسابق لا خراج عليه كما يظهر من أخبار التحليل، فراجع.


(1) السنن الكبرى: ج 6 ص 142، عوالي اللآلي: ج 3 ص 480 ح 4. (2) تقدم في ص 266. (3) حكاه عنه في الجواهر: ج 16 ص 141 - 142.

[ 270 ]

وأما إذا كانت مواتا بالعرض: إما لاستيلاء الماء عليها بأن غرقها، وإما بانقطاع الماء عنها، وإما باستئجامها بما لا ينتفع به، أو بنحو ذلك مما تعد ميتة فهي على قسمين: قسم كانت معمورة بالذات، وقبل أن يملكها أحد عرض لها الموت فهذا لا إشكال في كونها للإمام (عليه السلام). وقسم كانت مواتا بالأصل ثم عمرها معمر فماتت، أو كانت عامرة وتملكها أحد ثم ماتت ففيه قولان: أحدهما: بقاؤها على ملك مالكها. وثانيهما: صيرورتها في حكم الموات الأصلية، فيملكها الإمام (عليه السلام)، ثم يملكها كل من عمرها ثانيا. وقد ذكروا قولا ثالثا لم يشر إليه المصنف في المقام، وهو الفرق بين ما إذا ملك المالك لها حال العمارة بالشراء أو العطية أو نحو ذلك، (وبين ما) إذا ملكها بالإحياء، فإذا ملكها بالشراء وما يلحق به لا يزول ملكه بعد موتها، ولا يصح لأحد إحياؤها إلا بإذنه. وأما إذا ملكها بالإحياء وماتت فتملك بالإحياء، وأصل هذا التفصيل من التذكرة. قال: لو لم تكن الأرض التي من بلاد الإسلام معمورة في الحال ولكنها كانت قبل ذلك معمورة وجرى عليها ملك مسلم فلا يخلو إما أن يكون المالك معينا أو غير معين، فإن كان معينا فإما أن ينتقل إليه بالشراء، أو العطية وشبهها، أو بالإحياء. فإن ملكها بالشراء وشبهه لم تملك بالإحياء، بلا خلاف. قال ابن عبد البر: أجمع الفقهاء على أن ما عرف بملك مالك غير منقطع أنه لا يجوز إحياؤه لأحد غير أربابه (1). انتهى.


(1) تذكرة الفقهاء: ج 2 ص 401 س 4.

[ 271 ]

ولا يخفى أن الظاهر من هذا الكلام جريان التفصيل في الملك الذي كان عامرا بالأصل، ثم تملكه أحد، ثم مات الملك بعد انتقاله إلى غير من تملكه بالشراء، لأن التملك بالشراء إذا كان له خصوصية فيجري عليه أحكامه مطلقا. كما أنه لو كان التملك بالإحياء له خصوصية فيجب أن لا يكون فرق بين ما إذا عرض الموت في ملك المحيي، أو في ملك وارثه، أو من انتقل إليه بالشراء. وبالجملة: لم يعلم مورد هذا التفصيل في أنه في ملك المعمور بالأصالة أو المعمور بالإحياء. وعلى أي حال لا نعرف وجها للفرق بين عروض الموت على ملك من كان مالكا له بالشراء ونحوه، أو مالكا له بغيره من الإحياء والتملك بالأخذ والتصرف، وعليك بمراجعة كتاب إحياء الموات. وأما إذا كانت عامرة بالعرض فهي ملك للمحيي بالشروط الخمسة المذكورة في كتاب إحياء الموات. ثم إذا كان محييها مسلما فملكها لا يزول إلا بالنقل إلى غيره، أو بعروض الموت عليها ثانيا بناء على أحد القولين في الصورة السابقة. وأما إذا كان كافرا فبناء على ما اخترناه: من أنه يملكها بالإحياء، سواء كان في بلاد الإسلام أو الكفر، فملكها إذا كان في بلاد الإسلام حكم ملك المسلم، وإذا كان في بلاد الكفر فيمكن أن يزول بالاغتنام أيضا. وأما لو قلنا بأنه لا يملك فهي باقية على ملك الإمام (عليه السلام). قوله (قدس سره): (ثم ما ملكه الكفار من الأرض: إما أن يسلم عليه طوعا.... إلى آخره). لا يخفى أنه (قدس سره) بعد ما بين أقسام الأرضين وحكمها إجمالا أراد أن يبين حكم الأرض المفتوحة عنوة، وهي مبينة بحسب المفهوم، وهي عبارة عن أرض فتحت قهرا بالخيل والركاب، أي: رفعت يد الكافر عنها بغلبة من المسلمين، إلا أنها مجهولة مصداقا، والمسلم منها - على ما يظهر من التواريخ المستفيضة

[ 272 ]

والأخبار المتظافرة - هي أرض العراق المعروفة بأرض السواد، المشهورة ب‍ " ما بين النهرين " على حدودها المعينة، وهي ملك للمسلمين بشروطها المعروفة التي منها: إذن الإمام بالمقاتلة، ولا شبهة في حكمها إذا كانت مشتملة على الشرائط، فإنها لا يجوز بيعها مستقلا على ما يظهر من الأخبار. وما استدل به المصنف من الوجوه وإن لم يخل بعضها عن قصور في الدلالة - كرواية اسماعيل الهاشمي (1) - إلا أن من المجموع يستفاد عدم جواز بيعها على نحو سائر الأراضي. ولكن الذي يهون الخطب أنه لا فائدة في البحث عن حكمها بعد تقييد موضوعها بما إذا كانت عامرة حال الفتح. وأما إذا كانت مواتا فهي للإمام (عليه السلام)، فيملكها كل من أحياها. وعلى هذا فلا مانع من شراء كل ما احتمل كونه مواتا حال الفتح، فإن يد من عليها أمارة على كونها ملكا له، ولا يبعد أن يكون منشأ سيرة الخلف عن السلف على بيع ما يصنع من تراب أرض العراق من الآجر والكوز والأواني والتربة الحسينية - على مشرفها آلاف السلام والتحية - عدم إحراز كون هذه الأراضي معمورة حال الفتح، ومجرد العلم الإجمالي بعمارة أغلب أراضي العراق لا أثر له بعد عدم كون جميعها محلا للابتلاء. نعم، لو احرز عمارة أرض خاصة حال الفتح ولم يحتمل عروض الموت عليها، أو استصحب بقاؤها على عمارتها إلى الآن فيجري فيه الاحتمالات، بل الأقوال الخمسة، وأوفقها بالقواعد: هو توقف التصرف في زمان الغيبة على إذن الفقيه، أو السلطان الجائر الذي حل قبول الخراج والمقاسمة منه، بناء على ما تقدم في كتاب المكاسب: أنه يستفاد من الأئمة (عليهم السلام) الإذن العام للتصرف في ما يأخذه الشيعة بإذن سلطان الجور.


(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 149 - 150 ح 663، عنه وسائل الشيعة: ب 21 من أبواب عقد البيع ح 10 ج 12 ص 275.

[ 273 ]

وبالجملة: مع الشك في كون أرض ميتة أو محياة أو مع العلم بكونها ميتة كأرض الغري - على مشرفها وأولاده الطاهرين آلاف التحية والسلام - فلا مانع من شرائها والتصرف فيها بجيمع أنحاء التصرف. * * * قوله (قدس سره): (واعلم: أنه ذكر الفاضلان (1) وجمع (2) ممن تأخر عنهما في شروط العوضين بعد الملكية: كونه طلقا.... إلى آخره). لا يخفى أن مقصود الأساطين من هذا الشرط: اعتبار أمر آخر في العوضين مضافا إلى أصل الملكية، وهو كون المالك تام السلطنة، وعدم كونه محجورا عن التصرف، إما لقصور في المقتضي، كما إذا كان ملكه محدودا، كالوقف الخاص، فإن الموقوف عليه في هذا الوقف وإن كان مالكا للعين الموقوفة على ما هو الحق كما اختاره المشهور إلا أنه لا يصح بيعه لها، لأن البيع الموقت لا يصح في الشرع. وإما لوجود المانع، كالرهانة والجناية والاستيلاد، فلا يرد عليهم ما أفاده المصنف: من أن مرجع هذا الشرط إلى أنه يشترط في البيع - مثلا - أن يكون متعلقه مما يصح للمالك بيعه مستقلا، وهذا لا محصل له (3)، لأنه عبارة اخرى عن أنه يشترط في المبيع صحة بيعه. ثم إنه (قدس سره) وجه اعتبار هذا الشرط بقوله: فالظاهر أن هذا العنوان ليس في نفسه شرطا ليتفرع عليه عدم جواز بيع الوقف والمرهون وام الولد، بل الشرط في الحقيقة انتفاء كل من تلك الحقوق.... إلى أن قال: فالتعبير بهذا المفهوم المنتزع تمهيد لذكر الحقوق المانعة عن التصرف، لا تأسيسا لشرط ليكون ما بعده فروعا، بل الأمر في الفرعية والأصالة بالعكس.... إلى آخره (4).


(1) المحقق في الشرائع: ج 2 ص 17، والعلامة في القواعد: ج 1 ص 126 س 12 - 13. (2) كالشهيدين في اللمعة وشرحها: ج 3 ص 253، كفاية الأحكام: ص 89 السطر الأخير. (3) المكاسب: كتاب البيع ص 163 س 17. (4) المكاسب: كتاب البيع ص 163 س 20.

[ 274 ]

ولكنك عرفت أن الأمر بالعكس، وأن الطلقية شرط، وعدم جواز بيع الوقف ونحوه فرع له، لأن الطلقية: عبارة عن عدم قصور السلطنة، ويتفرع عليه عدم جواز بيع الوقف ونحوه. وعلى أي حال، الحقوق المانعة عن الاستقلال بالبيع وإن عدت أكثر مما ذكره الأساطين وقد أنهاها صاحب المقابس (1) إلى أزيد من عشرين إلا أن بعضها ليس داخلا في الحقوق المانعة كحق الشفعة، وبعضها يرجع إلى هذه الثلاثة، بل امهات الحقوق اثنان. ولذا يقال في تمييز الحق: إنه هل هو من قبيل حق الجناية، أو من قبيل حق الرهانة؟ نعم، بعضهم جعل تعلق حق السادات والفقراء بالخمس والزكاة حقا برأسه وأصلا مستقلا. * * * قوله (قدس سره): (لا يجوز بيع الوقف إجماعا.... إلى آخره). لا يخفى أن موضع البحث هو الوقف الخاص، وقد استدل على بطلان بيعه بأن حقيقة الوقف تقتضي ذلك، لأن معناه لغة (2): إيقاف الشئ، فإذا أنشأ الواقف هذا المعنى الذي عرف في النبوي المعروف ب‍ " حبس الأصل وسبل الثمرة " (3)، وعرفه الأصحاب بقولهم: تحبيس الأصل وتسبيل الثمرة (4)، فينافي البيع مع مقتضاه. ولكنه لا يخفى أن مجرد كون المنشأ وقف الشئ لا يقتضي لزومه وعدم جواز بيعه من الواقف أو الموقوف عليه، فإن الهبة تمليك من المتهب، مع أنه يجوزون الرجوع فيه.


(1) مقابس الأنوار: ص 139 - 212. (2) جمهرة اللغة: ج 3 ص 156 مادة " الفقو ". (3) السنن الكبرى: ج 6 ص 162. (4) لاحظ المبسوط: ج 3 ص 286، تذكرة الفقهاء: ج 2 ص 426، س 30، مفاتيح الشرائع: ج 3 ص 207.

[ 275 ]

نعم، لو انضم إلى ذلك أمران آخران: أحدهما: بالنسبة إلى الواقف، وهو خروج العين عن ملكه فرجوعها إليه يتوقف على دليل. وثانيهما: بالنسبة إلى الموقوف عليه، وهو أن الوقوف على حسب ما يوقفها أهلها فليس لغيره التبديل، لأن أهله جعله حبسا وموقوفا، فإطلاقه أو تبديله لا بد له من دليل، وعمدة الدليل على عدم نفوذ بيعه هو الأخبار الخاصة المذكورة بعضها في المتن. وأقوى دلالة منها: هو قوله (عليه السلام): " صدقة لا تباع ولا توهب " (1)، فإن الظاهر أن قوله: " لا تباع " صفة لقوله (عليه السلام): " صدقة " التي هي المفعول المطلق النوعي، فمرجع هذا الكلام إلى أن سنخ هذه الصدقة سنخ من صفتها ومن أحكامها شرعا عدم جواز بيعها ولا هبتها. والغرض من هذا التوصيف الإشارة إلى القسم المعروف من الصدقة، وهو الوقف. واحتمال كونها صفة لشخص هذه الصدقة أو ما يرجع إلى ذلك بأن يكون شرطا خارجيا من الواقف لا صفة للنوع بعيد غايته، فإنه بلا قرينة، وهذا بخلاف كونه صفة للنوع، فإنه يكفي في كونه كذلك قوله: " صدقة " التي هي المفعول المطلق النوعي. هذا، مضافا إلى أنه لو كان شرطا لاقتضى تأخره عن ركن العقد، أعني: الموقوف عليهم، مع أن التعبير عن الشرط بمثل هذا الكلام في غاية البعد. وبالجملة: ظاهر ما ورد عنهم في بيان الأوقاف: هو أن الوقف ملازم لعدم الانتقال، فإن من مجموع الروايات يظهر: أن مثل قوله (عليه السلام): " لا تباع ولا توهب "، ومثل قوله (عليه السلام): " لا يحل لمن يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيعها ولا يبتاعها.... إلى آخر الحديث " (2) في مقام بيان ما يقتضيه الوقف بحسب الحكم الشرعي،


(1) تهذيب الأحكام: ج 9 ص 131 - 132 ح 560، عنه وسائل الشيعة: ب 6 من أبواب الوقوف ح 4 ج 13 ص 304. (2) تهذيب الأحكام: ج 9 ص 150 قطعة من ح 610، وسائل الشيعة: ب 10 من أبواب الوقوف ح 5 ج 13 ص 314.

[ 276 ]

لا بيان شرط خارجي، فالعمدة ظهور الروايات في ذلك، لاما أفاده المصنف بقوله: مع أنه لو جاز البيع في بعض الأحيان كان اشتراط عدمه على الإطلاق فاسدا، بل مفسدا، لمخالفته للمشروع (1)، فإنه مضافا إلى ما تنبه عليه - فقال: مع أن هذا التقييد مما لا بد منه، سواء قلنا بأن قوله (عليه السلام): " لا تباع " صفة للنوع أو الشخص - يرد عليه: أن جواز البيع شرعا لا ينافي اشتراط الواقف عدم البيع، فإن الجواز في مورده إنما يكون منافيا لمقتضى قوله (عليه السلام): " الوقوف على حسب ما يوقفها أهلها " (2)، فيخصص بأدلة الجواز، سواء كان عدم البيع وصفا نوعيا أو شرطا خارجيا. وبعبارة اخرى: جواز البيع في بعض الموارد لا ينافي ما أنشأه الواقف، بل ينافي حكمه الذي ثبت بقوله (عليه السلام): " الوقوف على حسب ما يوقفها أهلها "، لأن مرجع هذا الكلام: إلى أن ما أنشأه الواقف ممضى، فيخصص دليل الإمضاء بما دل على جواز البيع في بعض الموارد. كما أنه لو كان قوله (عليه السلام): " لا تباع ولا توهب " وصفا نوعيا لكان دليل الجواز مخصصا له أيضا. وحاصل الكلام: أن شرط الواقف على الموقوف عليه عدم بيع العين الموقوفة ليس منافيا لجواز البيع شرعا في بعض الموارد، لأن الواقف لا يشترط عليه أن لا يكون الحكم الجوازي أصلا، حتى مع طرو المسوغ للبيع، بل يشترط أمرا خارجيا لا يقتضيه حقيقة الوقف، ولا إطلاقه بناء على أن لا يكون عدم البيع وصفا للنوع، والشارع أمضى هذا الشرط بقوله: " الوقوف على حسب ما يوقفها أهلها "، واستثنى منه مورد طرو أحد موجبات جواز البيع. كما أنه لو كان عدم جواز البيع وصفا نوعيا ومن أحكام مطلق الوقف فلا مانع من تخصيصه ببعض الموارد. ومن ذلك يظهر النظر في ما أفاده في بيان لزوم


(1) المكاسب: كتاب البيع ص 164 س 4. (2) الكافي: ج 7 ص 37 ح 34، عنه وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب الوقوف والصدقات ح 2 ج 13 ص 295.

[ 277 ]

التقييد بناء على أن يكون الوصف وصفا للنوع دون ما إذا كان شرطا خارجيا: من أنه لو كان شرطا خارجيا من الإمام (عليه السلام) يستغنى علمه بعدم طرو الامور المبيحة عن تقييد إطلاق عدم البيع بعدم طرو هذه الامور، دون ما إذا كان وصفا للنوع، فإن العلم بعدم طرو هذه الامور في شخص هذا الوقف الصادر منه (عليه السلام) لا يغني عن تقييد إطلاق الوصف في النوع، فإنه بعدما كان دأب الأئمة (عليهم السلام) اتكالهم على القرائن المنفصلة فهذا الوصف وإن كان للنوع إلا أنه لا يلزم أن يكون التقييد بعدم طرو المسوغ متصلا بهذا الكلام. وبالجملة: حكم الشارع بأن الوقف لا يباع ولا يوهب، أو حكمه بأن الوقوف على حسب ما يوقفها أهلها قابل للتقييد. ثم لا يخفى أن دعوى انصراف المطلق إلى البيع لا لعذر وإن كان الشرط شرطا خارجيا لا محصل لها، لأن الشخص الخارجي وإن أمكن تصوير الإطلاق له باعتبار الحالات إلا أن الانصراف إلى بعض الأفراد دون بعض يختص بالكلي المقول بالتشكيك، وأما الشخص فلا يتصور فيه التشكيك في الماهية أو الوجود. نعم، يمكن التفاوت بين الأحوال في غلبة الوجود وعدمها، إلا أن هذا انصراف بدوي لا اعتبار به. قوله (قدس سره): (ومما ذكرنا ظهر: أن المانع عن بيع الوقف امور ثلاثة.... إلى آخره). لا يخفى أن ما أفاده (قدس سره) قد سبق إليه بعض الأعلام أيضا، فقال: في الوقف حقوق ثلاثة: حق الله سبحانه، وحق الواقف، وحق البطون. ونظير ذلك ذكر في العبد المشروط عتقه، فقيل: يتعلق به حقوق ثلاثة: حق الله سبحانه، وحق المشترط، وحق العبد (1). ولكنك خبير بأن تعلق حق من الله بالوقف لا معنى له، إلا بمعنى إطاعة حكمه


(1) قاله في الجواهر: ج 23 ص 209.

[ 278 ]

وامتثال أمره بمقتضى حكمه المستفاد من قول سفرائه: " الوقوف على حسب ما يوقفها أهلها ". وأما تعلق حق إلهي مقابل للحكم كتعلق حقه بالخمس بمقتضى قوله عز من قائل: * (واعلموا أنما غنمتم من شئ فأن لله.... إلى آخره) * (1) فلا دليل عليه. ومجرد أن الواقف يطلب الأجر والثواب وعلى الله سبحانه عوضه لا يوجب أن يثبت حق من الله سبحانه على العين الموقوفة. وأما حق الواقف فبمجرد وقفه تخرج العين الموقوفة عن ملكه، أنشأ التأبيد أم لا، كان الحبس من منشأته أم لا، لأن العين على جميع التقادير ليست متعلقة لحقه. وكون الوقف صدقة جارية ينتفع بها لا يقتضي أن يكون العين متعلقا لحقه وإن توقف انتفاعه بها على بقائها موقوفة، فضلا عما إذا لم يتوقف عليه، فإن الثواب والأجر يمكن أن يترتب على نفس الوقف بقصد البقاء إلى الأبد وإن لم يبق كذلك. وأما حق البطون: فمع عدم وجودهم كيف يتعلق حق لهم بالعين؟ فإن المعدوم قبل وجوده كما لا يكون مالكا كذلك لا يكون ذا حق، مع أنه لو قيل به فإنما يمنع حقهم عن بيع العين وصرف ثمنها إلى الموجودين. وأما لو اشترى به بدلها يتعلق به حقهم على نحو تعلقه بالمبدل فلا مانع منه. فالعمدة من الأدلة المانعة هي الأخبار الدالة على عدم جوازه، لا سيما قوله (عليه السلام): " الوقوف على حسب ما يوقفها أهلها "، فإن الواقف حيث ينشئ الوقف الذي هو عبارة عن حبس المال وإيقافه وقد أمضاه الشارع بقوله: " الوقوف " فلا يجوز تغييره عما جعله وأنشأه. قوله (قدس سره): (ثم إن جواز البيع لا ينافي بقاء الوقف إلى أن يباع، فالوقف يبطل بنفس البيع لا بجوازه.... إلى آخره). لا يخفى أن ما أفاده هو الحق الذي لا محيص عنه.


(1) الأنفال: 41.

[ 279 ]

وما أفاده صاحب الجواهر (1) (قدس سره) تبعا لاستاذه كاشف الغطاء (2) لا يمكن الالتزام به، لأن غاية ما يوجه به كلامهما على ما يظهر من عبارتهما: أنه يشترط في صحة البيع الطلقية، فلا بد أولا من بطلان الوقف لطرو المجوز حتى يصح بيعه، وإلا فبقاء الوقف مع صحة البيع متضادان. وببيان آخر: نفس حقيقة الوقف تقتضي عدم جواز بيعه، فكل مورد قيل بصحة بيعه يجب أن يقال ببطلان الوقف أولا حتى يصح بيعه. ولا يخفى أنه بناء على هذا البيان الأخير لا يرد عليهما النقض بجواز الرجوع في الهبة، للفرق الواضح بين الهبة والوقف، فإن الهبة ليس من مقتضاها إلا تمليك المتهب، لا عدم جواز الرجوع فيه، بخلاف الوقف فإن مقتضاه وقوف العين على حالها فينافيه بيعها. فالصواب أن يقال في ردهما: إنه على فرض أن يكون عدم البيع مأخوذا في قوامه وحقيقته إلا أن هذا المعنى ما لم يمضه الشارع لا أثر له، والحكم الممضى قابل للتخصيص فالأولى هو البيان الأول، وهو اعتبار الطلقية قبل البيع في صحته حتى يرد على المحل القابل. والجواب عنه أولا: عدم إمكان إلزامهم ببطلان الوقف مطلقا بمجرد طرو المسوغ، فإن من موارد جواز بيعه شدة حاجة أربابه. ولا شبهة أنه لو ارتفعت ضرورتهم قبل البيع يبقى الوقف على حاله، ولا يمكن أن يبطل الوقف بطرو الضرورة ويعود بارتفاعها، لأنه لا دليل على عوده بعد بطلانه. وثانيا: أن صحة البيع لا تتوقف على الطلقية قبله، بل يكفي جوازه للبائع وقابلية المبيع له، ولذا يصح لذي الخيار بيع ما انتقل عنه، وبنفس البيع ينفسخ العقد الأول. وبالجملة: لا دليل على المنع عن البيع إلا كون العين موقوفة، وبعد أن ثبت


(1) جواهر الكلام: ج 22 ص 358. (2) شرح القواعد (مخطوط): الورقة 84 ص 2.

[ 280 ]

جواز بيع العين الموقوفة نستكشف منه عدم اعتبار الطلقية قبل البيع، بل قابلية البيع ومالكية البائع وسلطنته عليه يكفي في صحة البيع. فعلى هذا لا الوقف مانع عن البيع، ولا البيع يعتبر في متعلقه أن لا يكون وقفا قبله. نعم، البيع والوقف لا يجتمعان. قوله (قدس سره): (إذا عرفت أن مقتضى العمومات في الوقف عدم جواز البيع فاعلم: أن لأصحابنا في الخروج عن عموم المنع في الجملة أقوالا.... إلى آخره). لا يخفى أن موضوع البحث وإن كان الوقف الخاص إلا أن الأولى ذكر جميع أقسامه على الإجمال وبيان أحكامها على مقتضى الأصل. فنقول: للوقف أقسام خمسة: الأول: وقف المشاعر: كالمسجد والمشهد، ولا يبعد إلحاق الحسينية بهما، وهذا هو الذي يقال: إنه تحرير وفك ملك، أي: إبطال للملكية، وليس تمليكا للمسلمين، فهو بمنزلة عتق العبد. الثاني: ما يلحق بالأول: كوقف الخانات والقناطر وما يشبه ذلك مما يوقف، لانتفاع كل من سبق إليه، فإنه أيضا تحرير. الثالث: ما كان وقفا على الجهة، كالوقف على العلماء، وطلاب المدارس، والزوار، ونحو ذلك. والفرق بينه وبين القسمين الأولين: أن الوقف في هذا القسم ليس تحريرا وإدخالا له في المباحات، بل تمليك للجهة، ولذا لو غصبه غاصب يحكم بضمانه دون الأولين. الرابع: ما كان وقفا خاصا، كالوقف على الذرية في مقابل القسم الثالث الذي يطلق عليه " الوقف العام " أيضا. ثم هذا القسم قد يكون مؤبدا، وقد يكون منقطع الآخر، أي: تارة يجعله بعد فرض انقطاع الذرية لمصرف خاص، وقد لا يجعله كذلك. الخامس: الوقف على الموقوفات: كالحصير على المسجد، أو الفرش على المدارس، والفرق بينه وبين القسم الثالث: أن في القسم الثالث يملك الموقوف عليه المنفعة، ولذا يصح إجارته. أما هذا القسم فمجرد إباحة الانتفاع.

[ 281 ]

إذا عرفت ذلك فاعلم: أن مقتضى الأصل عدم جواز بيع القسم الأول والثاني، لخروجهما عن الملكية وتلف ماليتهما شرعا. ومقتضى الأصل جواز بيع القسم الخامس إذا لم يمكن الانتفاع به، لأن الواقف وإن أوقف عين الرقبات ولكن حيث إنها مما تزول خصوصيتها الشخصية فكأنه وقفها بمراتبها وتعلق نظره أولا بشخصيتها ثم بماليتها، فإذا لم يمكن الانتفاع بشخصيتها الخاصة فيتعلق بماليتها فللحاكم أو المتولي تبديلها، ويصير بدلها وقفا، كما تقدم نظير ذلك في باب اليد فإن العين المضمونة ما دامت موجودة يجب ردها بشخصها، وإذا تلفت أو حيل بينها وبين مالكها يرد ماليتها. وأما القسم الثالث والرابع فالأقوى إلحاقهما بالقسم الخامس، لأنهما ليسا من التحرير وإتلاف المالية، بل الثالث تمليك للجهة، والرابع تمليك لأشخاص خاصة، فإذا توقف انتفاع الجهة أو الأشخاص على تبديله فلا مانع منه، فيكون ثمنه وقفا بعد بيعه، وإذا اشترى به شيئا صار وقفا، من دون توقف على إجراء صيغة الوقف. وعلى هذا فدية العبد الموقوف على الجهة أو على الذرية حكمها حكم العبد في صيرورتها وقفا، بناء على كونها بدلا عن العبد أو عن الجناية الواردة عليه، لا كونها غرامة تعبدية. وحاصل الكلام: أن ما كان تحريرا وفكا للملكية وإتلافا للمالية فليس مالا حتى يصح بيعه أو إجارته أو صلحه أو هبته. وما عن كاشف الغطاء: من أنه لا يصح بيعه، لا لعدم تمامية الملك، بل لعدم أصل الملك، ولكنه يصح إجارته للزراعة مع اليأس عن الانتفاع به في الجهة المقصودة مع مراعاة الآداب اللازمة إذا كان مسجدا (1) - إلى آخر ما أفاده - لا نعرف وجهه، وهو أعرف بمدارك فتاواه. وكل ما لم يخرج عن الملكية، كوقف الدكان على الطلاب، أو وقف الدار على الذرية، أو وقف الحصير على المسجد، أو أجزاء بنيان المسجد، كالجذوع والآجر


(1) شرح القواعد (مخطوط): الورقة 84 ص 2.

[ 282 ]

ونحو ذلك التي هي ملحقة بالحصير الذي يوقف على المسلمين ويوضع في المسجد لانتفاعهم، فحيث إنه ملك غاية الأمر ليس طلقا فلا مانع من بيعه إذا طرأ ما يوجب بيعه ورأى ولي الموقوف عليه المصلحة في ذلك. وعلى هذا فلا يقال: كيف لا يجوز بيع المسجد ويصح بيع جذوعه إذا انكسر؟ وذلك لأن ما وقع عليه التحرير هو نفس الأرض، لا أجزاء بناء المسجد. ومما ذكرنا ظهر الملازمة بين بقاء الملكية وتعلق الضمان به، فلو ثبت في مورد عدم الضمان نستكشف أنه تحرير لا وقف على الجهة. كما أنه لو ثبت في مورد أنه تحرير نثبت به عدم الضمان، والجمع بين كلمات العلماء غير ممكن، واستفادة الاتفاق منهم مطلقا أو في مورد خاص ممتنع. وعليك بمراجعة المتن، فإنه (قدس سره) قد بذل جهده في استقصاء الكلمات شكر الله سعيه. وكيف كان، الفرق بين بناء المسجد ونحوه والعرصة واضح، فإنه لو جعل شخص عرصة مبنية بالأخشاب والآلات مسجدا ووقفها كذلك فالعرصة لا يجوز بيعها. وأما الآلات فيجوز، لأنه لو جعل ما يعرض عليه الخراب والانهدام وقفا يتعلق النظر - لا محالة - بالأعم من نفس العين بخصوصيتها ومن ماليتها، وهذا بخلاف نفس الأرض فإنها قابلة للبقاء فلا يجوز بيعها، ولا ينافي ذلك كون المجموع من الأرض والبناء وقفا بصيغة واحدة، لأن اختلاف أجزاء الموقوفة إنما هو لاختلاف حقيقتها، فيلحق كل جزء حكمه. ثم إنه قبل بيان المسوغات للبيع لا بأس بالتنبيه على فروع: الأول: أنه لو بيع العين واشتري بثمنها عين اخرى فهل حكمها حكم العين الاولى في أنه لا يجوز بيعها إلا بطرو المسوغ، أو يجوز بيعها وتبديلها إذا رأى المتولي المصلحة مطلقا؟ وجهان، والأقوى الثاني، لأن عدم جواز البيع ليس من إنشاء الواقف حتى يقال: إن حكم البدل حكم المبدل، بل هو من أحكام الوقف شرعا، والحكم الشرعي إنما ثبت في نفس العين التي وقفها الواقف، دون العين الاخرى التي اشترى بثمن العين الاولى.

[ 283 ]

وبالجملة: وظيفة الواقف ليس إلا إيقاف العين، وليس حكم الوقف من منشآت الواقف، وليس له إنشاؤه، وليس حكم البدلية إلا تعلق حق البطون اللاحقة في الوقف الخاص، أو تعلق حق الجهة في الوقف العام بالبدل. وتعلق حقهم به لا يقتضي عدم جواز بيعه للمتولي، فله تبديله واشتراء عين اخرى. ثم إن حكم ما يشترى من منافع مثل الدكان الموقوف على المسجد ونحوه حكم العين التي تشترى من ثمن العين الموقوفة، في أنه يجوز للمتولي تبديله بلا طرو أحد مسوغات بيع الوقف إذا رأى فيه المصلحة، وذلك لعدم قيام دليل على تبعية الحصير الذي يشتريه المتولي من منافع الدكان أو العقار لنفس الدكان والعقار، بل نفس وجود المصلحة في التبديل كاف في جواز البيع. نعم، لو اشترى الحصير - مثلا - من غير منافع الموقوفة شخص ثالث ووقفه على المسجد فحكمه حكم الأعيان الموقوفة، فيحتاج جواز بيعه إلى مسوغات البيع، والفرق بين القسمين واضح، فإن الحصير الذي وقفه أجنبي على المسجد هو بنفسه أيضا من أقسام الوقف، وهذا بخلاف ما يشتريه المتولي من منافع الأعيان الموقوفة على المسجد والمدرسة، فإنه ليس من الأعيان الموقوفة، فيجوز تبديله مطلقا مع المصلحة. الثاني: إذا اتجر بثمن العين الموقوفة فهل ربحه - كمنافع العين الموقوفة - للبطن الموجود، أو أنه كالعين في اشتراك البطون فيه؟ وجهان، والأقوى هو الثاني، لأن الثمن كالمبيع، وربحه بمنزلة جزء المبيع، لا بمنزلة منفعته، لأن ربح الثمن بمنزلة ارتفاع القيمة السوقية للمبيع فلا يختص بالبطن الموجود، وليس حكمه حكم منافع العين الموقوفة. الثالث: هل يجب شراء المماثل للوقف مع الإمكان ولو كان غيره أصلح، أم يجب رعاية الأصلح فيه؟ وجهان، والأقوى هو الثاني، لأن غاية ما يوجه به الأول ما أفاده العلامة (1) ومن تبعه (2): من أن المثل أقرب إلى مقصود الواقف، وفيه


(1) تذكرة الفقهاء: ج 2 ص 444 س 33. (2) التنقيح الرائع: ج 2 ص 330.

[ 284 ]

- مضافا إلى أن مقصود الواقف لا يدخل تحت ميزان منضبط - أنه لا دليل على رعاية مقصوده إلا إذا كان من منشأته. فإن الغرض تارة يكون من الدواعي فلا أثر له في شئ من العقود، ولا يوجب تخلفه خيارا ولا بطلانا. واخرى يكون قيدا في ما أنشأه، وهذا في الوقف إنما يتصور بالنسبة إلى المراتب الطولية للمال كما هي كذلك في باب الضمان، دون بدل العين الموقوفة. وتوضيح ذلك: أن مقتضى تعلق الوقف بما يطرؤه الفساد أن يكون متعلق الوقف أولا: هو العين بخصوصيتها الشخصية. وثانيا: بماليتها، ولذا يجوز بيعها إذا لم يمكن الانتفاع بشخصها، فيتعلق الوقف ثانيا بمالية الشئ. ولذا نقول بأنه لا يجب إجراء صيغة الوقف بالنسبة إلى بدل العين، بل نفس شرائه بنفسه يقتضي كونه وقفا. وأما تعلق الوقف بما هو أقرب من العين الموقوفة فهذا ليس من مقتضيات الوقف ومن منشآت الواقف، بل إذا قيل به فلا بد أن يستند إلى حكم شرعي، وحيث لم ينهض عليه دليل فلا وجه لشراء المماثل، بل يجب ملاحظة مصلحة البطون. إلا أن يقال: إن المثل مقدم على المالية بحسب المرتبة، فإنه كنفس العين بعد تعذر العين، فبحسب المراتب الطولية ما دام المثل موجودا لا تصل النوبة إلى غيره، فبعد جواز تبديل العين يقدم شراء المثل على غيره كما في باب الضمان. الرابع: هل المتصدي لبيع العين الموقوفة هو الناظر المنصوب من قبل الواقف لو كان، أو هو وظيفة الحاكم؟ وجهان، والأقوى هو الثاني، لعدم شمول دليل النصب لهذا التصرف، فيرجع إلى الحاكم، وإن كان الأحوط مراعاة نظر كليهما. ثم بناء على هذا فليس له النظارة في بدل العين الموقوفة، بل حكمه حكم الأوقاف التي لا متولي لها. قوله (قدس سره): (فاعلم: أن الكلام في جواز بيع الوقف يقع في صور: الاولى: أن يخرب بحيث لا يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه.... إلى آخره). لا يخفى أن هذه الصورة هي المتيقن في كلام كل من قال بجواز بيع الوقف

[ 285 ]

عند خرابه. وأما إذا سقط عن الانتفاع المعتد به الذي هو الصورة الثانية في المتن فإلحاقها بالصورة الاولى مشكل، فضلا عن الصورة الثالثة، وهي ما إذا قلت منفعته. وبالجملة: لو لم يمكن الانتفاع بالعين الموقوفة أصلا، أو عد الانتفاع المتصور فيه في حكم العدم - كما إذا غرقت الأرض المعدة للزراعة ولم يمكن الانتفاع بها إلا لاصطياد السمك منها الذي هو في حكم العدم - فيجوز بيعها. وأما إذا سقطت عن الانتفاع المعتد به ولكن لم يلحق بالعدم فلا يجوز بيعها، فضلا عما إذا قلت منفعتها. ولو أمكن الانتفاع بها فعلا ولكن يعلم بخرابها بعد ذلك فلو علم بأنه لو لم تبع فعلا فلا يشتريها أحد حين خرابها فلا يبعد أن يكون بيعها جائزا. ثم إن ما ذكرناه من عدم جواز بيع العين الموقوفة إذا لم يلحق قلة الانتفاع بها بالعدم إنما هو إذا بقيت الصورة النوعية للعين الموقوفة. وأما إذا تبدلت بصورة اخرى فيجوز بيعها وإن لم تلحق بالعدم. ولا يبعد أن يكون كلام الشيخ (1) ناظرا إلى هذا المعنى، فإن النخلة الموقوفة إذا قلعت تعد عرفا مباينة للنخلة، لأنها عبارة عن الشجرة، لا المادة المشتركة بينها وبين الجذع والخشب. وبطلان الصورة النوعية عبارة اخرى عن خراب الوقف. وسيجئ - إن شاء الله تعالى - في باب الخيار: أن مناط مالية الأموال إنما هو بالصورة النوعية، لا الماده المشتركة. ثم المدار في الصورة النوعية على الصورة النوعية العرفية لا العقلية، فإذا تبدلت الصورة النوعية التي تعلق الوقف بها يبطل الوقف، ويبقى ذات الجسم فيباع. ولا يقاس انهدام الدار على زوال صورة الشجرة، فإن الدار مركبة من البناء والأرض، وانهدام البناء لا يوجب بطلان الوقف رأسا لبقاء العرصة.


(1) كما في الخلاف: ج 3 ص 551 م 23.

[ 286 ]

وبالجملة: حيث إن قوام الوقف بأمرين: بقاء العين الموقوفة، وكونها ذات منفعة لأنه عبارة عن حبس العين وتسبيل الثمرة، فكما يجوز بيعها إذا لم تكن لها منفعة أصلا فكذلك يجوز بيعها إذا لم تبق صورتها العينية التي هي إحدى ركني الوقف (1). قوله (قدس سره): (الصورة الرابعة: أن يكون بيع الوقف أنفع وأعود للموقوف عليه... إلى آخره). لا يخفى أن هذه الصورة والصورة الخامسة - وهي أن يلحق الموقوف عليه ضرورة شديدة - متحدتان في الحكم، وهو المنع كما أفاده المصنف (2) (قدس سره)، إذ لا دليل على جواز بيع الوقف بمجرد كون بيعه أنفع وبمجرد لحوق الموقوف عليه ضرورة شديدة. ولا ينسب جواز البيع في الصورة الرابعة إلا إلى المفيد (3)، ولم يرض العلامة بصدور هذا الكلام منه، فقال: إن كلامه متأول (4)، ولا دليل عليه إلا رواية ابن


(1) ولا يخفى أنه لو قلنا بأن للوقف ركنين: حبس العين وتسبيل الثمرة وبزوال الصورة النوعية للعين يبطل الوقف فمقتضاه بطلانه إذا لم يمكن الانتفاع بالعين، وهذا هو الذي اختاره صاحب الجواهر [ الجواهر: ج 22 ص 358 ] تبعا لاستاذه كاشف الغطاء [ شرح القواعد (مخطوط): الورقة ح 84 ص 2 ] فما اختاره شيخنا الاستاذ - مد ظله - تبعا للمصنف من أن الوقف لا يبطل إذا بطلت المنفعة، بل يجوز بيعه لا وجه له. وبالجملة: الفرق بين انتفاء هذا الركن والركن الآخر لا وجه له. ثم لا يخفى ما في استدلال المصنف لجواز بيع الوقف إذا طرأ عليه الخراب وتبديله بعين اخرى بما حاصله: أن الأمر دائر بين تعطيله حتى يتلف بنفسه وبين انتفاع البطن الموجود بالإتلاف وبين تبديله بما يبقى، والأول تضييع، والثاني مع منافاته لحق سائر البطون يستلزم جواز بيع البطن الأول، إذ لا فرق بين إتلاف البطن الموجود وبيع البطن الأول، إذ لو لم يجب مراعاة البطون اللاحقة جاز للبطن الأول بيعه، وذلك لمنع الملازمة بين جواز إتلاف البطن الموجود وبيع البطن الأول، لأنا نلتزم بجواز الإتلاف إذا عرض الخراب لا مطلقا، فلو عرض الخراب جاز بيعه للبطن الأول أيضا، ولو لم يطرأ فجواز إتلافه للبطن الموجود أيضا ممنوع. (منه عفي عنه). (2) المكاسب: كتاب البيع ص 170 س 30. (3) المقنعة: ص 652. (4) تحرير الأحكام: ج 1 ص 284 س 30.

[ 287 ]

محبوب (1) ورواية الاحتجاج (2). وعلى فرض دلالتهما وصحة سندهما فحيث أعرض الأصحاب عنهما فلا يمكن التمسك بهما. ثم إنه لا فرق في الأنفعية الملحوظة بين أن تكون للطبقة الموجودة أو لجميع البطون، لأنه على أي حال لا دليل على جواز البيع. وأما الصورة الخامسة فالقائل بجواز البيع فيها جماعة كثيرة، وادعي الإجماع عليه في الانتصار (3) والغنية (4). ولكن حيث إن مصطلحهم في الإجماع غير مصطلح المتأخرين فلا يصح الركون إليه، فلم يبق دليل إلا رواية ابن محبوب، وهي تدل بظاهرها على كفاية أصل الحاجة ولو لم تكن شديدة، وهي بهذا المعنى غير معمول بها. وبالجملة: بعد ما ثبت ضرورة من الشرع أن من أحكام الوقف عدم جواز بيعه فلابد في تخصيصه من مخصص قوي تام الدلالة، وهذان الخبران غير قابلين للتخصيص. هذا، مع أن النسبة بين الجواب المذكور في رواية الاحتجاج والأدلة الدالة على عدم جواز بيع الوقف هي التباين، وإذا قيدت الأدلة المانعة بعدم طرو الخراب واخرج عن إطلاقها صورة الخراب تنقلب النسبة، وتصير الأدلة المانعة أخص مطلقا من دليل الجواز، فيخصص بما إذا طرأ الخراب. وبالجملة: على فرض صحة سند هاتين الروايتين وتمامية دلالتهما فلابد من تقييدهما بمورد لا يمكن الانتفاع بالعين الموقوفة، وإلا فمجرد الأنفعية أو الحاجة لا يوجب جواز بيع العين الموقوفة. قوله (قدس سره): (الصورة السادسة: أن يشترط الواقف بيعه عند الحاجة... إلى آخره).


(1) الكافي: ج 7 ص 35 ح 29، عنه وسائل الشيعة ب 6 من أبواب الوقف والصدقات ح 8 ج 13 ص 306. (2) الاحتجاج: ص 490. (3) الانتصار: ص 226. (4) غنية النزوع (ضمن الجوامع الفقهية): ص 541 س 13.

[ 288 ]

لا يخفى أنه مع قطع النظر عما رواه في الكافي (1) في صدقة أمير المؤمنين - صلوات الله عليه وعلى آله الطاهرين - لا بد من صرف عنان الكلام إلى بيان: أن شرط بيع الوقف هل ينافي مقتضى الوقف حتى تؤول الرواية على فرض دلالتها على صحة الشرط، أو لا ينافيه؟ فنقول: المدار في مخالفة الشرط لمقتضى العقد على أن يكون المنشأ في العقد مضادا للشرط ومناقضا له، كما لو اشترط في البيع أن يكون بلا ثمن، أو اشترط في الإجارة أن تكون بلا اجرة، أو اشترط عدم تصرف المستأجر في الدار المستأجرة أصلا. وأما إذا لم يكن الشرط منافيا لنفس ما انشئ بالعقد بل كان منافيا لإطلاقه فلا مانع منه، كما لو اشترط في البيع أن يكون الثمن مؤجلا، أو أن يكون من غير نقد البلد ونحو ذلك. إذا عرفت ذلك فنقول: لو كان التأبيد من منشآت الواقف فاشتراط بيع الوقف عند الحاجة مناف لمقتضاه، وأما لو كان من مقتضيات الإطلاق فلا مانع منه. ثم إن شرط بيعه عند الحاجة على قسمين، لأنه تارة يشترط بيعه وشراء غيره بثمنه، واخرى يشترط بيعه وإتلاف ثمنه. أما القسم الأول فلا ينبغي الإشكال فيه، لأنه لا ينافي مقتضى العقد على أي حال، فإن عقد الوقف لا يتعلق بنفس الخصوصية العينية، وإلا لما صح بيعها عند طرو الخراب وتبديلها بغيرها، بل يتعلق بالأعم منها ومن ماليتها. نعم، مقتضى الإطلاق أن يتعلق الوقف بعينها، وتعلقه ببدلها في طول تعلقه بعينها فيحتاج إلى مؤنة زائدة. وأما لو اشترط التبديل فمرجعه إلى جعل الوقف متعلقا بالجامع بين المال وبدله. وأما القسم الثاني فيبتنى صحته على صحة الوقف المنقطع الآخر، وكونه وقفا لا حبسا، وحيث إن المختار صحته - لا سيما إذا كان مرددا بين الانقطاع وعدمه - فيصح شرط جواز البيع لبعض البطون، فإن مرجع شرطه إلى أن له أن يجعله


(1) الكافي: ج 7 ص 49 ح 7.

[ 289 ]

منقطعا، وأن يبقيه على حاله، وعلى هذا تنزل الرواية الشريفة الواردة في صدقة أمير المؤمنين (عليه السلام) وتأويلها بتنزيلها على الوصية لا الوقف لا وجه له، لأن العمل بظاهرها لا إشكال فيه. نعم، بناء على ما اختاره صاحب الجواهر تبعا لشيخه من بطلان الوقف في كل مورد جاز بيعه، ولو لم يبع فمرجع الشرط إلى جعله منقطعا. وكيف كان فبناء على ما اخترناه: من أن جواز البيع لا يستلزم البطلان فلا مانع من جعل الواقف الخيار لبعض البطون حتى البطن الأول كما في صدقة أمير المؤمنين صلوات الله عليه وعلى آله الطاهرين. قوله (قدس سره): (الصورة السابعة: أن يؤدي بقاؤه إلى خرابه علما أو ظنا... إلى آخره). لا يخفى أن هذه الصورة ملحقة بالصورة الاولى، وهي خراب الوقف بحيث لا يمكن الانتفاع به، فإن العلم بتأديته إلى الخراب أو الظن به المعبر عنه ب‍ " خوف الخراب " إنما هو من حيث طريقيته إليه. وبعبارة اخرى: إذا احتمل احتمالا عقلائيا تأديته إلى الخراب على نحو لو كان فعلا خرابا لجاز بيعه فحكم الاحتمال حكم نفس الخراب ولكن من حيث كونه طريقا، لأن بعد اعتبار هذا الاحتمال عند العقلاء فكأنه صار خرابا فعلا. وأما الصور الثلاث التي بعد هذه الصورة - وهي وقوع الاختلاف بين الموقوف عليهم بحيث لا يؤمن من تلف المال والنفس، أو أدائه إلى ضرر عظيم، أو استلزامه فسادا يستباح منه الأنفس - فلا دليل على جواز البيع فيها إلا إذا لزم إحدى مجوزات البيع كالخراب ونحوه، وأما مجرد تضرر الموقوف عليهم أو تلف المال أو النفس منهم أو من غيرهم فليس بنفسه من المسوغات. وتوهم أن الباب باب التزاحم فيراعى ما هو الأهم فاسد، لأنه لو قلنا بجواز

[ 290 ]

التصرف في الموقوفة لحفظ الغريق أو إطفاء الحريق فإنما هو في ما لو اتفق ذلك قهرا من دون دخل فاعل مختار. وأما إذا كان تلف الموقوف عليهم نفوسهم أو أموالهم باختيار منهم فبيع المتولي العين الموقوفة وصرف ثمنها لحفظ نفوسهم لا دليل عليه فضلا عن بيعها لحفظ أموالهم. وهكذا لو فرضنا أن الاختلاف صار منشأ لتلف نفس الموقوفة بأن يكون المراد من المال الذي يؤدي الاختلاف إلى تلفه هو نفس الموقوفة فإن بيعه أيضا غير جائز، إلا أن يرجع إلى الصورة الاولى وهي خراب الوقف بحيث لا يمكن الانتفاع به، والظاهر أن المراد منه: خرابه قهرا، لا لاختلاف الموقوف عليهم. وبالجملة: مقتضى قوله (عليه السلام): " لا يجوز شراء الوقف ولا يدخل الغلة في ملكك " (1) عدم جواز البيع إلا إذا ثبت التخصيص أو التخصص بأن يكون المورد خارجا من الإطلاق، كما في صورة الخراب على ما يقال: من أن إطلاق " لا يجوز " منصرف عنه. وأما إذا كان من أفراد المطلق ولم يدل دليل على خروجه فمجرد أن بقاء الوقف يؤدي إلى تلف المال أو النفس أو الضرر العظيم على الموقوف عليهم لا يقتضي جواز بيعه. ثم إنا قد بينا في قاعدة أصالة الصحة أنها لا تجري في مورد الشك في قابلية المال للنقل والانتقال، كالشك في طرو المسوغ لبيع الوقف. وعلى هذا فيرد على ما أفاده في قوله بعد الاستدلال بعموم لا يجوز شراء الوقف - من أن ترك الاستفصال عن علم المشتري بعدم وقوع بيع الوقف على بعض الوجوه المجوزة وعدمه الموجب لحمل فعل البائع على الصحة يدل على أن الوقف ما دام له غلة لا يجوز بيعه.... إلى آخره (2) - أن المورد ليس مورد حمل


(1) الكافي: ج 7 ص 37 ح 35، عنه وسائل الشيعة: ب 17 من أبواب عقد البيع ح 1 ج 12 ص 270 مع اختلاف يسير. (2) المكاسب: كتاب البيع ص 172 السطر الأخير.

[ 291 ]

فعل بائع الوقف على الصحة ولو لم يعلم المشتري بعدم وقوع بيع الوقف على بعض الوجوه المجوزة بل احتمل ذلك. وكيف كان، الاستدلال بمكاتبة ابن مهزيار (1) لجواز بيع الوقف في الصورة السابعة وبعدها من الصور لا وجه له. أما أولا: فلإجمال الرواية من جهتين: الاولى: ظهورها في جواز بيع سهم الإمام (عليه السلام) من دون طرو مسوغ، فلابد: إما من حمله على أن سهمه (عليه السلام) كان من حقه وهو الخمس، أي: اشترى بعض الضيعة من سهم الإمام (عليه السلام) وجعله وقفا، أو حمله على قضية خاصة غير معلومة الوجه. والثانية: عدم دلالتها على تحقق شرط الوقف من القبض، كما لو كان المال بيد المالك وجعله وقفا ثم وقع الاختلاف قبل القبض. وأما ثانيا: فلأن الاستدلال بها للصورة السابعة إنما هو بقوله (عليه السلام): " ربما جاء في الاختلاف تلف الأموال " (2) بناء على أن يكون المراد من الأموال هو العين الموقوفة، وهذا مضافا إلى أنه لا يناسب التعبير عنها بالجمع لا ينطبق على هذه الصورة، لأن القائلين بالجواز فيها إنما يقولون به في مورد العلم بأدائه إلى الخراب أو الظن، ولفظ " ربما " يستعمل لمجرد الاحتمال، وهذا لا يلتزم به أحد. هذا، مع أن الاستدلال بها لهذه الصورة ينافي الاستدلال بها للصورة الثامنة، وهي أن يقع بين الموقوف عليه اختلاف لا يؤمن معه تلف المال أو النفس، لأن الاستدلال بها لها يتوقف على أن يكون المراد من الأموال هي العين الموقوفة، والاستدلال بها للصورة الثامنة يتوقف على أن يكون المراد منها غيرها من سائر الأموال. ثم إن الاستدلال بها على الصوررة التاسعة - وهي: أداء الاختلاف إلى ضرر


(1) تهذيب الأحكام: ج 9 ص 130 ح 557، عنه وسائل الشيعة: ب 6 من أبواب الصدقات ح 6 ج 13 ص 304. (2) المصدرر السابق.

[ 292 ]

عظيم - يتوقف على استفادة العموم من التعليل، وهو قوله (عليه السلام): " فإنه ربما جاء في الاختلاف تلف الأموال والنفوس "، وهذا لا يمكن الالتزام به، وإلا اقتضى جواز بيع الوقف لإصلاح كل فتنة. وأما الاستدلال بها على خصوص الصورة العاشرة - وهي خوف تلف النفس - فيتوقف على إلقاء كفاية تلف المال عن الاعتبار، وجعل ضم تلف النفس إليه كاشفا عن لزوم بلوغ الفتنة إلى هذا الحد دون ما دونه، وهذا خلاف الظاهر منها، فإن الظاهر أن كل واحد من تلف المال والنفس موضوع مستقل كاف لجواز البيع. فتحصل مما ذكرنا كله: أن الجائز من بيع الوقف هو الصورة الاولى، وهي خراب الوقف بحيث لا يمكن الانتفاع به رأسا، وما يلحق به من انتفاء الصورة النوعية. وأما الباقي من الصور فلا دليل معتد به يدل على جواز بيعه إلا الصورة السادسة، وهي صورة شرط الواقف على ما عرفته من التفصيل والصورة السابعة. قوله (قدس سره): (وأما الوقف المنقطع، وهو ما إذا وقف على من ينقرض.... إلى آخره). ينبغي إجمالا بيان حكم الوقف المنقطع أولا، ثم بيان جواز بيعه. فنقول: الوقف المنقطع على قسمين: قسم يجعله موقتا كما لو قال: وقفت هذا عشر سنين، وهذا لا إشكال في بطلانه وقفا إجماعا، لأن التأبيد إما شرط في الوقف، أو مأخوذ في حقيقته، إنما الكلام في أنه بقرينة التوقيت يصير حبسا، أو أنه يدور مدار القصد؟ فلو قصد به الحبس يكون حبسا، ولو قصد به الوقف يكون باطلا، ولو لم يقصد شيئا فلا حبس ولا وقف. وقسم يجعله على من ينقرض غالبا، وفي صحته وقفا أو حبسا قولان، والأقوى وقوعه وقفا، كما هو مدلول كلامه. ويدل عليه - مضافا إلى قوله (عليه السلام): " الوقوف على حسب ما يوقفها أهلها " -

[ 293 ]

الخبران (1) الدالان على أن الوقف الموقت مطلقا صحيح، وغير الموقت باطل. والمراد من الموقت: هو الذي جعله وقفا على أشخاص خاصة، أو مصرف خاص. وغير الموقت ما لا يكون كذلك، كما لو قال: " هذا وقف " فالمنقطع يصح وقفا ما دام الموقوف عليه باقيا، وإذا انقرض يبطل. ولا وجه لاحتمال كونه حبسا إلا توهم اعتبار التأبيد في الوقف، ولكنه فاسد، لأن المراد منه ليس إلا عدم توقيته مدة، لا كونه دائميا بحيث يبقى إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. هذا، مضافا إلى ما يقال: من عدم القول بكونه حبسا، بل قيل (2): بأنه وقف ملحق بالحبس. وعلى أي حال لا وجه لكونه حبسا، بل لابد إما من القول بالبطلان رأسا، وإما بوقوعه وقفا، وذلك لأنه لا نرى الفرق في ما ينشئه الواقف بين قوله: " وقفت على ذريتي " وقوله: " وقفت على ذريتي وإن انقرضوا فللفقراء ". فحمل الأول على الحبس والثاني على الوقف لا وجه له. وبالجملة: للحبس عنوان مستقل، لأنه بمنزلة الإجارة، والوقف بمنزلة الهبة، وكل منهما يحتاج إلى القصد، فلو قصد الوقف وأجرى الصيغة لا يمكن أن يقع حبسا. نعم، لو قيل بأن الوقف المنقطع الآخر باطل رأسا يدخل ما يعلم الواقف بانقراضه في الوقف الموقت، فيقع النزاع في أنه يبطل رأسا أو يقع حبسا؟ وكيف كان، بعد القول بصحته فهل يرجع بعد الانقراض إلى ورثة الواقف، أو ورثة الموقوف عليه، أو يصرف في وجوه البر؟ أقوال، والأقوى هو الثاني، لأن غاية ما يوجه به رجوعه إلى الواقف أو ورثته: هو أن الموقوف عليه لم يخلف مالا حتى يرثه وارثه، لأنه وإن ملكه بتمليك الواقف إلا أنه ملكه ما دام حيا، ولذا لو كان بعده طبقة اخرى يملك تلك الطبقة دون وارث الموقوف عليه، فإذا فرض


(1) تهذيب الأحكام: ج 9 ص 132 ح 561 و 562، عنه وسائل الشيعة: ب 7 من أبواب الوقوف ح 1 و 2 ج 13 ص 307. (2) قاله ابن حمزة في الوسيلة: ص 370.

[ 294 ]

انقطاع الموقوف عليه يصير مصداقا للوقف الغير الموقت الذي ورد في الصحيح: أنه باطل مردود على الورثة (1)، والمراد من الورثة: هي ورثة الواقف. وبالجملة: لو فرض أن نقل الواقف كان بمقدار حياة الموقوف عليه فبعد ذلك يرجع إلى نفسه إن كان حيا، وإلا فإلى ورثته حين الوقف، أو حين الانقراض. وعلى أي حال لا وجه لرجوعه إلى ورثة الموقوف عليه، ولا صرفه في سبيل الله الذي يتوقف على بقاء الوقف على وقفيته وتعذر صرفه في مصرفه الخاص، ولكنه مع هذا كله فمقتضى ما ورد في صدقة أمير المؤمنين (عليه السلام) (2) هو أنه بعد الانقراض ينتقل إلى ورثة الموقوف عليه، وذلك لأنه (عليه السلام) جعل الخيار لأبي محمد الحسن (عليه السلام) في إبطال الوقف وصرف ثمنه لنفسه دون شراء بدله، وذلك يكشف عن تملكه ملكا تاما لا حق للواقف عليه. نعم، لو لم يبعه ينتقل إلى غيره بعد وفاته، فإذا انقرض قهرا وبطل الوقف ينتقل ممن انقرض إلى وارثه، لأنه صار مالكا بالاستقلال، من دون تعلق حق عليه من الواقف، لفرض انتقاله منه إلى الموقوف عليه، ولا من الطبقة الاخرى، لفرض عدمهم، فرجوعه إلى الواقف أو ورثته أو إلى سبيل الله لا وجه له، بل يمكن أن يقال بجواز بيع من في الطبقة الأخيرة بلا مجوز وإن توقف جواز بيع السابق عليه على المسوغ، لأنه يملكه ملكا تاما، واعتبار الواقف بقاءه في يده إلى انقراضه لو كان شرطا خارجيا منه عليه للزم اتباعه. وأما لو كان غرضه من البقاء في يده رعاية حق البطون اللاحقة ومقدمة لا نتفاعهم فمع فرض انتفاء بطن آخر لا مانع من بيعه، ولكن الأقوى عدم جواز بيعه إلا بالشرط، لأن الواقف أوقفه عليه، فإذا لم يجعل الخيار للموقوف عليه فجواز بيعه مناف للوقف. وبالجملة: فالأقوى أنه بعد انقراض الطبقات ينتقل إلى وارث الطبقة الأخيرة، وانقراض الموقوف عليه ليس من مصاديق الوقف الغير الموقت الذي ورد في


(1) تهذيب الأحكام: ج 9 ص 132 ح 261. (2) تقدم في ص 275.

[ 295 ]

الصحيح: أنه باطل مردود إلى الورثة، أي ورثة الواقف، وتمام الكلام موكول إلى محله. * * * قوله (قدس سره): (مسألة: ومن أسباب خروج الملك عن كونه طلقا صيرورة المملوكة ام ولد سيدها.... إلى آخره). هذا هو القسم الثاني من الأملاك الخارجة عن الطلقية، والظاهر كون خروجه عنها من الامور المسلمة بين المسلمين، فلا وقع للبحث عن دلالة الأدلة التي اقيمت عليه، وعدم دلالتها كما في حاشية المحقق الخراساني (قدس سره). كما أنه لا وقع للبحث عن أن خروجها عن الطلقية هل هو لحق من الله سبحانه عليها، أو لحق الولد، أو لحق نفسها؟ لأن هذه كلها من علل التشريع، لا من علة الحكم حتى تكون وظيفة الفقيه تنقيحها فلا يهمنا البحث عنها، إنما المهم امور اخر ينبغي إيضاحها: الأول: هل يختص المنع عن التصرف فيها بخصوص البيع، أو يعم مطلق المعاوضة، أو مطلق النقل ولو لم يكن معاوضة كالهبة؟ وجوه، بل أقوال، والأقوى هو الأخير. وتوضيح ذلك: أن الأحكام المترتبة على العقود تارة يستفاد من نفس أدلتها أو من مناسبة الحكم والموضوع: أنها مختصة بالبيع، ولا تجري في غيره، كخيار المجلس والحيوان. واخرى يستفاد: أنها جارية في مطلق المعاوضة، بيعا كانت أو صلحا أو إجارة، كتلف المبيع قبل قبضه على ما سيجئ: من أن قاعدة الانفساخ قبل التلف تجري في عوض الخلع والمهر ونحو ذلك، لأن المدار فيها على الضمان المعاوضي. وثالثة يستفاد: أنها جارية في مطلق النقل والانتقال ولو لم يكن معاوضة، كالهبة ونقل ام الولد فإنه لا يجوز نقلها عن ملك سيدها ولو بالهبة، فإن من مناسبة الحكم والموضوع يستفاد أن الاستيلاد مانع عن التصرفات الناقلة.

[ 296 ]

بل ادعى بعضهم المنع عن كل تصرف كان في معرض النقل كالرهن. ولكن الحق: أن المنع عن الرهن لو قلنا به فليس من جهة المنع عن مطلق التصرف فيها، فإن التصرفات الغير المزاحمة لعتقها من نصيب ولدها لا دليل على المنع عنها، ولذا لا ينبغي الإشكال في جواز عتقها، بل المنشأ في المنع عن الرهن قصور أدلة الرهن، لأن الغرض منه كون المرهون وثيقة للدين، فيباع ويؤخذ الدين من ثمنه، وحيث إن ام الولد لا يجوز بيعها فلا يجوز رهنها. إلا أن يقال: إن مرجع ذلك إلى امتناع رهنها، لأن الرهن يقتضي - طبعا - أن تكون العين المرهونة مخرجا للدين، وحيث إنها غير قابلة لذلك فلا يصح رهنها، فالمانع ليس مجرد قصور الأدلة، بل لامتناع تحقق حقيقة الرهن في ام الولد. الثاني: أنه لا إشكال في أن عدم جواز التصرفات الناقلة فيها يدور حدوثا وبقاء مدار حياة الولد، فلو مات ولم يخلف ولدا تصير طلقا. إنما الإشكال في أنه لو مات وخلف ولدا فهل تبقى على ما كانت عليه من المنع مطلقا لصدق كونها ام ولد، أو تخرج مطلقا لكون الولد حقيقة في ولد الصلب، ولا أقل من كونه ظاهرا فيه، أو يفصل بين كون ولد الولد وارثا للمولى فتبقى على المنع وعدم كونه وارثا له فتخرج عنه؟ وجوه، والأقوى هو الأخير، لأنها وإن كان يصدق عليها ام الولد إلا أنها إذا لم يكن للولد نصيب منها فلا مانع من جواز بيعها. الثالث: يكفي الحمل في المقام وإن قلنا بأن الولد لا يصدق عليه حقيقة، بل يعتبر فيه الانفصال، وذلك لقوله (عليه السلام): " هي أمته إن شاء باع ما لم يحدث عنده حمل " (1). ثم إنه لا يعتبر في الحمل ولوج الروح، بل يكفي استقرار النطفة في الرحم إذا كان منشأ نشوء الآدمي. ولا يدل على خلاف ذلك قول سيد الساجدين (عليه السلام) في مكاتبة يطؤها مولاها فتحبل حيث قال (عليه السلام): " يرد عليها مهر مثلها، وتسعى في


(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 482 - 483 ح 1940، عنه وسائل الشيعة: ب 4 من أبواب الاستيلاد ح 1 ج 16 ص 105.

[ 297 ]

رقبتها، فإن عجزت فهي من امهات الأولاد " (1)، لعدم الملازمة بين زمان السعي والعجز، وبين ولوج الروح غالبا، فإن السعي في أداء مال الكتابة لا يحتاج إلى زمان طويل، ولا سيما أن الغالب انكشاف الأمر في العجز والقدرة. الرابع: يعتبر في الحمل أن يكون ملحقا بالمولى، فإذا زوج أمتها ثم وطئها زنا واستولدها فهي ليست بام الولد شرعا، لأن للعاهر الحجر، إنما الكلام في أنه هل يعتبر الوط ء من المولى، أو يكفي كون النطفة منه وإن حصل الحمل بالمساحقة مع من وطئها المولى؟ وجهان: من دعوى الانصراف، ومن أن المدار كون الولد ملحقا بالمولى شرعا ولو كان الوط ء محرما كما في حال الحيض، والأقوى هو الأخير، لأنه إذا كان الولد ملحقا به فيصدق عليها كونها ام الولد، ولا وجه للانصراف. قوله (قدس سره): (ثم إن المنع عن بيع ام الولد قاعدة كلية مستفادة من الأخبار.... إلى آخره). لا يخفى أن استفادة القاعدة الكلية من الأخبار أو انعقاد الإجماع عليها لا ينافي وقوع الخلاف في بعض صغرياتها والاتفاق على خروج بعض آخر، لأن جميع القواعد العامة قابلة للتخصيص، ففي الموارد التي انعقد الإجماع على الخروج لا كلام فيها، وأما في مورد الخلاف فيتمسك بعموم القاعدة، ويمنع جواز نقلها، لا من باب قاعدة المقتضي والمانع فإنها لا أساس لها أصلا، مضافا إلى المنع عن وجود المقتضي في المقام، فإن المخالف في بعض الصغريات لا يسلم وجود المقتضي للمنع حتى يرد عليه: أن مع إحراز المقتضي والشك في المانع يجب الحكم بترتب المقتضى - بالفتح - بل من باب أن هذه القاعدة الكلية من قبيل العناوين الأولية التي لا ينافيها طرو عنوان ثانوي، فإذا احرز العنوان الأولي وشك في طرو العنوان الثانوي الرافع لعموم المنع يتمسك بالعموم حتى يثبت التخصيص، كما يتمسك به في الشك في رافعية الموجود لشبهة حكمية أو مفهومية.


(1) الكافي: ج 6 ص 188 ح 16، عنه وسائل الشيعة: ب 14 من أبواب المكاتبة ح 2 ج 16 ص 97، مع اختلاف يسير.

[ 298 ]

وبالجملة: يستفاد من الإجماع والأخبار: أن نفس عنوان كون الأمة ام الولد من العناوين الموجبة لخروج الملك عن الطلقية، فإذا ثبت بدليل قطعي جواز نقلها في مورد فهو، وإلا يحكم بالعدم. ثم إن الموارد التي قيل بالتخصيص فيها صور يجمعها تعلق حق للغير بها، أو تعلق حق تعجيل العتق لها، أو تعلق حق بها سابق على الاستيلاد مانع عن تأثيره، أو انعدام الموضوع كموت الولد. فمن موارد القسم الأول: ما إذا كان على مولاها دين ولم يكن له ما يؤدي هذا الدين به، والمتيقن منه ما إذا كان الدين ثمن رقبتها بعد موت المولى. وأما إذا كان حيا أو كان له مال آخر أو لم يكن الدين في ثمن رقبتها فخروجها عن عموم المنع ممنوع، لا سيما إذا كان له مال آخر، وإن كان الدين مستغرقا فإن صاحب العين وإن كان أحق بماله في الدين المستغرق فيما إذا كان المديون حيا ولا يضرب مع الغرماء إلا أن هذا الحكم مخصوص بالمفلس، وأما الميت الذي لا ذمة له فصاحب العين أيضا كسائر الغرماء، فإذا كان بعض أمواله متعلقا لحق إلهي أو حق آخر لا يمكن تعلق الدين به ككونه ام الولد - مثلا - لا يصح أخذه للدين. وبالجملة: المتيقن من الخروج عن القاعدة هو المشتمل على القيود الثلاثة. ويدل عليه: صحيحة عمر بن يزيد " قلت لأبي إبراهيم: أسألك عن مسألة، قال: سل، قلت: لم باع أمير المؤمنين - صلوات الله وسلامه عليه - امهات الأولاد؟ قال في فكاك رقابهن، قلت: فكيف ذلك؟ قال: أيما رجل اشترى جارية فأولدها ولم يؤد ثمنها ولم يدع من المال ما يؤدى عنه اخذ منه ولدها وبيعت وادي ثمنها. قلت فيبعن في ما سوى ذلك من دين؟ قال: لا " (1).


(1) من لا يحضره الفقيه: ج 3 ص 139 ح 3512، عنه وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب الاستيلاد ح 1 ج 16 ص 104، مع اختلاف يسير.

[ 299 ]

ولا يخفى أن هذه الصحيحة صريحة في القيدين منها، وهما: كون الدين في ثمن رقبتها، وعدم مال آخر لمولاها. وظاهرة في القيد الآخر، وهو: موت المولى، فإن ظاهر سؤاله عن أنه " لم باع أمير المؤمنين " أن البيع وقع منه (عليه السلام) بعد موت المولى، وإلا كان المناسب أن يقول: لم أمر أمير المؤمنين (عليه السلام) ببيع امهات الأولاد. وهكذا ظاهر قوله (عليه السلام): " ولم يدع من المال " أن هذه القضية كانت بعد موت المولى. ولا وجه لدعوى إطلاق صحيحته الاخرى عن أبي الحسن: عن بيع ام الولد تباع في الدين؟ قال: " نعم، في ثمن رقبتها " (1)، فإن هذه أيضا ظاهرة في ما بعد الموت، فإن " تباع " يستعمل في هذا الحال. نعم، هي مطلق من حيث وجود مال آخر وعدمه، ولكن بعد صراحة الصحيحة الاولى في اختصاص الحكم بما إذا لم يدع مال آخر فتقيد هذه بتلك، مع أن مدعى منع الإطلاق لها غير مجازف، فإن قوله (عليه السلام): " نعم، في ثمن رقبتها " لم يعلم كونه واردا في مقام البيان عن جميع الجهات، فلعله كان (عليه السلام) بصدد بيان جواز بيع ام الولد في الجملة، أي: كان في مقام أصل التشريع. وقد ذكرنا في الاصول: أن شرط التمسك بالإطلاق أن لا يكون الحكم في مقام أصل التشريع: كالأوامر الواردة في الكتاب المتعلقة بالماهيات: كقوله عز من قائل: * (اقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) * (2). وأن لا يكون واردا مورد حكم آخر: كقوله سبحانه: * (فكلوا مما أمسكن) * (3)، فإنه مسوق لحلية ما اصطاده الكلب المعلم، فلا يمكن التمسك بإطلاقه للحكم بطهارة محل عضه. نعم، لو اخترنا ما اختاره المشهور قبل السلطان من أن المطلقات موضوعة للماهية اللابشرط القسمي بأن تكون موضوعة للإطلاق لكان للتمسك بإطلاقها ما لم يعلم تقييدها مجال.


(1) الكافي: ج 6 ص 192 ح 2، عنه، وسائل الشيعة: ب 24 من أبواب بيع الحيوان ح 2 ج 13 ص 51. (2) البقرة: 43. (3) المائدة: 4.

[ 300 ]

لا يقال: كون المتكلم في مقام البيان يحرز بالأصل العقلائي وإن قيل بمقالة السلطان من كون المطلق موضوعا للماهية اللابشرط المقسمي، وإذا ثبت الإطلاق فلا يمكن تقييده بالصحيحة الاولى، لأن مورد التقييد إنما هو في العموم البدلي لا الشمولي، لعدم التنافي بين جواز بيعها مع القيود الثلاثة وجوازه مطلقا، غاية الأمر تقع المعارضة بينه وبين صحيحة ابن مارد (1) الدالة على عدم جواز بيعها مطلقا، والنسبة بينهما عموم من وجه، فإن رواية ابن مارد خاصة من جهة، وهي: كون البائع نفس المولى. وعامة من اخرى، وهي عدم الفرق في كون البيع لثمن رقبتها أو لغيره. وهذه الرواية (2) خاصة من جهة، وهي كون البيع لثمن رقبتها، وعامة من اخرى، وهي كون البائع مولاها أو غيره، وشمول هذه الرواية لمادة الاجتماع - وهي كون البائع مولاها في ثمن رقبتها - أظهر من صحيحة ابن مارد، لكون صحيحة ابن مارد بمنزلة الأدلة الواردة للعناوين الأولية، وهذه الرواية بمنزلة العنوان الثانوي الطارئ فهي حاكمة على الصحيحة. لأنا نقول: إنما لا يحمل المطلق على المقيد في العموم الاستغراقي إذا لم يكن المقيد في مقام التحديد والاحتراز، لأنه في غير هذا المورد لا موجب للعمل، لإمكان أن لا يكون السؤال عن تمام موارد جواز بيع ام الولد. فالجواب لا يفيد الحصر، كما هو منشأ نظر المصنف (قدس سره) في قوله: واندفاع التوهم بكلا شقيه واضح. وأما إذا كان في مقام التحديد كما هو ظاهر السؤال في قوله: " فكيف ذلك "؟ فالجواب بما يدل على الحصر بقوله (عليه السلام): " أيما رجل اشترى جارية فأولدها ولم يؤد ثمنها ولم يدع من المال ما يؤدى عنه.... إلى آخره " موجب لتقييد ما يدل بإطلاقه على جواز بيعها في ثمن رقبتها. ودعوى: أظهرية الرواية من صحيحة ابن مارد في مادة الاجتماع إما لما


(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 482 ح 1940، عنه وسائل الشيعة: ب 4 من أبواب الاستيلاد ح 1 ج 16 ص 105. (2) أي رواية عمر بن يزيد المتقدمة.

[ 301 ]

ذكرناه، وإما لما ذكره المصنف (قدس سره) من أن الصحيحة ليست في مقام بيان البيع لثمن رقبتها، لقوله: فتمكث عنده ما شاء الله (1)، فإن من البعيد عدم أداء ثمنها في خلال هذه المدة المديدة، مع أن ظاهره جواز بيعها اقتراحا، لا لاضطرار لقوله: فيبدو له في بيعها غير مسموعة، لأن المدار في التعارض إنما هو على جواب الإمام (عليه السلام)، فإن قوله (عليه السلام): " هي أمته إن شاء باع ما لم يحدث عنده " حمل عام يشمل جميع الموارد، وظاهر في أن الحمل مطلقا موجب لخروج الأمة عن استيلاء المولى. وكيف كان فالحق: أنه لا تصل النوبة إلى تعارض رواية عمر بن يزيد مع صحيحة ابن مارد، لأن الصحيحة الاخرى عن عمر بن يزيد تقيدها بما بعد الموت على فرض ظهورها في العموم، مع أنه ممنوع، فإن قوله: " تباع " ظاهر في أن المولى غير البائع. وعلى أي حال فلو قلنا بجواز البيع أيضا في حال الحياة في ثمن رقبتها فالأقوى اختصاصه بما إذا لم يكن للمولى مال أصلا، لا من المستثنيات، ولا من غيرها. وتوهم أن مستثنيات الدين يزاحم حق الديان فمزاحمتها لحق الاستيلاد الغير المزاحمة لحق الديان أولى فاسد، لأنا لا ندعي وجوب بيع المستثنيات لأداء الدين الذي على المولى في ثمن رقبتها حتى يقال: إن هاهنا حقوقا ثلاثة: حق ام الولد، وحق الديان، وحق المالك في المستثنيات عن الدين، فإذا لم يزاحم الأول الثاني فكيف يزاحمه الثالث؟ بل ندعي أن كلا من المستثنيات والاستيلاد مزاحم لحق الديان، ولا مزاحمة بينهما، لإمكان ورود كل منهما على المال الذي تعلق به الدين، فيكون كل منهما مخصصا لأدلة وجوب أداء الدين، بل يمكن دعوى: أقوائية حق الاستيلاد من


(1) لا يخفى أن السؤال إذا كان في مورد خاص فالجواب لو لم يكن صريحا في اختصاصه بالمورد فلا أقل من ظهوره فيه، فعلى هذا لا يمكن أن يكون معارضا لرواية عمر بن يزيد. نعم، دعوى ضعف الرواية سندا أمر آخر، فتدبر. (منه عفي عنه).

[ 302 ]

حق المالك في المستثنيات، لأن الاستيلاد يخرج الملك عن الطلقية، بخلاف حق المالك فإنه لا شبهة في أنه يجوز له بيعها وأداء الدين منها وإن لم يجب عليه. وبالجملة: لا تزاحم بين الاستيلاد وحق المالك، فالعمدة ملاحظة الدليل الوارد في المقام. فنقول: ظاهر قوله (عليه السلام): " ولم يدع من المال ما يؤدى عنه " بناء على شموله لحال الحياة أنه لم يدع ما يمكن أن يؤدى عنه، ومع وجود المستثنيات يمكن أداء الدين منها وإن لم يجب (1). نعم، لو كان المولى ميتا فمؤنة التجهيز مما لا يمكن أن يؤدى عنه الدين، فتباع ام الولد. ثم هل الثمن الذي يجوز بيعها له مخصوص بما إذا كان الثمن الواقع في عقد المعاوضة بنفسه دينا، أو يشمل جواز البيع لغاية أداء الثمن، سواء كان من قبيل الأول أم استدان الثمن واشترى به الأمة نقدا، بل ولو استدان ثمنا لأداء الثمن الذي في ذمته عوضا عن الأمة؟ وجوه، أقواها الأول. وقد اختار المصنف أولا إلحاق الثاني بالأول، ثم تأمل فيه. ووجه تأمله: أن ظاهر النص والفتاوى اختصاص جواز البيع بما إذا كان عوض الأمة بنفسه في ذمته، لا عوض العوض، فإن قوله (عليه السلام): " ولم يؤد ثمنها " ظاهر في أن الثمن عوض عما يطلبه البائع. وبالجملة: هنا موارد خمسة يحتمل جواز البيع في جميعها: الأول: بيعها في ثمن رقبتها الذي وقع في عقد المعاوضة. الثاني: بيعها في الدين الذي استقرضه المولى واشترى به الأمة. الثالث: بيعها لوفاء الثمن الذي استدانه لوفاء ثمن الرقبة الذي كان في ذمته. الرابع: بيعها لأداء ما اشترط عليه في عقد المعاوضة، كما إذا اشترط البائع


(1) لا يخفى أن ما اختاره المصنف أقوى، لا سيما بضميمة الرواية الاخرى لعمر بن يزيد. (منه عفي عنه).

[ 303 ]

على المشتري أن ينفق عليه مدة ولم يتمكن من الإنفاق إلا ببيع الجارية، أو اشترط عليه أن يخيط له ثوبا، أو يعمل عملا يتوقف الوفاء به على بيع الأمة، فإن بيعها للوفاء بالشرط بمنزلة بيعها لأداء بعض ما عليه من الثمن، لأن للشرط قسطا من الثمن. الخامس: بيعها لأداء قيمتها إذا تعلق بها ضمان اليد، كما إذا كان للبائع حق الفسخ وفسخ بعد الاستيلاد، بناء على جواز تصرف المشتري في زمان خيار البائع، وبناء على أن الاستيلاد اللاحق مانع عن الحق السابق، فحيث لا يمكن رد نفس الرقبة فهي بمنزلة التلف، فلا بد من رد قيمتها، وإذا لم يتمكن منه فتباع لأداء القيمة التي يضمنها للمشتري. ولكن الأقوى عدم جواز البيع إلا في القسم الأول، لأنه هو الذي يصدق عليه أنها تباع في ثمن رقبتها. وأما في سائر الأقسام فبيعها ليس إلا لأمر خارج، لا سيما في الرابع والخامس. أما الرابع فإن قسطا من الثمن وإن كان في اللب واقعا بإزاء الشرط إلا أن في عقد المعاوضة لم يجعل بإزائه شئ فكيف يصدق أنها تباع في ثمن رقبتها؟ وأما الخامس فأمره أوضح، لأنه بمنزلة بيعها في دين آخر، لأن المفروض أنه أدى ثمن رقبتها، والبدل الذي يجب عليه الرد بعد الفسخ لا ربط له بثمن رقبتها، مع أنه لو جاز بيعها لأداء هذا الثمن وصح انتقالها إلى غير المولى المستولد لجاز انتقالها إلى المولى الأصلي الذي باعها. فالأقوى أنه لا يصح بيعها إلا بعد موت المولى في ثمن رقبتها الذي وقع في عقد المعاوضة. هذا كله في ثمن رقبتها، أو ما ينتهي إليه. وأما بيعها في دين آخر فالأقوى عدم جوازه مطلقا، كان المولى حيا أو ميتا، كان الدين مستغرقا أم لا، خلافا للشيخ والشهيدين والفاضل المقداد والشيخ مفلح الصيمري فجوزوا البيع بعد موته إذا كان الدين مستغرقا.

[ 304 ]

ولعل منشأ فتواهم بالجواز في هذه الصورة ما ذكره في الروضة: من أنها إنما تعتق بموت مولاها من نصيب ولدها، ولا نصيب له مع استغراق الدين، فلا تعتق، بل تصرف في الدين. ويؤيده أيضا مقطوعة يونس، فإن قوله: " فإن كان لها ولد وليس على الميت دين فهي للولد " (1) بمفهومه يدل على عدم كونها للولد إن كان على مولاها دين. ومعلوم أنه ليس مطلق الدين مانعا عن الإرث، بل هو الدين المستغرق. ولكنك خبير بأن الرواية مع كونها مقطوعة مطلقة فتقيد بما دل على جواز بيعها في خصوص ما إذا كان الدين ثمن رقبتها. وأما ما اختاره الشيخ ومن تبعه في مسألة الدين المستغرق فالأقوى خلافه، لأن التركة تنتقل إلى الورثة، غاية الأمر لا يجوز لهم التصرف ما لم يؤدوا الدين، فإذا انتقلت إليهم تنعتق الأمة من نصيب ولدها، وهذا هو الذي اختاره الشهيد الثاني في المسالك. نعم، استشكل عليه صاحب المقابس انتصارا للشيخ بامور أربعة: أحدها: أن المستفاد مما دل على أنها تعتق من نصيب ولدها أن ذلك من جهة استحقاقه لذلك النصيب من غير أن تقوم عليه أصلا. وإنما الكلام في باقي الحصص إذا لم يف نصيبه من جميع التركة بقيمة أمة هل تقوم عليه أو تسعى هي في أداء قيمتها. انتهى. وحاصل إيراده: أن أدلة الانعتاق من نصيب ولدها تختص بما إذا انعتقت عليه مجانا من دون أن يكون عليه شئ، وهذا يتم في ما إذا لم يكن الدين مستغرقا، وأما إذا كان مستغرقا فلا تقوم على الولد فلا وجه للانعتاق، فلا مانع من بيعها. وبالجملة: إما لا تنعتق عليه، وإما إذا انعتقت فتنعتق عليه مجانا، فإذا امتنع الأخير تعين الأول.


(1) الكافي: ج 6 ص 193 ح 6، عنه وسائل الشيعة: ب 5 من أبواب الاستيلاد ح 3 ج 16 ص 106.

[ 305 ]

وثانيها: أن النصيب إذا نسب إلى الوارث فلا يراد منه إلا ما يفضل من التركة بعد أداء الدين وسائر ما يخرج من الأصل، والمقصود منه: النصيب المستقر الثابت، لا النصيب الذي يحكم بتملك الوارث له تفصيا من لزوم بقاء الملك بلا مالك. انتهى. وهذا الوجه يرجع إلى الوجه الأول، لأن حاصله: أن أدلة الانعتاق من نصيب الولد لا تشمل هذا الملك الثاني، بل يختص بالنصيب الذي للولد بعد إخراج الدين والحقوق المتعلقة بأصل المال كالحج الميقاتي والخمس والزكاة ونحو ذلك، وهذا إنما يجري في ما إذا بقي للميت مال زائد على الحقوق المتعلقة به، لا ما إذا كان الدين مستغرقا بحيث كان الحكم بانتقال المال إلى الورثة من باب احتياج الملك إلى المالك. وثالثها الذي هو الرابع في كلامه: أن ما ادعاه من الانعتاق على الولد بمثل هذا الملك مما لم ينص عليه الأصحاب، ولا دل عليه دليل معتبر. وما يوهمه الأخبار وكلام الأصحاب من إطلاق الملك فالظاهر أن المراد به غير هذا القسم، ولذا لا يحكم بانعتاق العبد الموقوف على من ينعتق عليه بناء على صحة الوقف وانتقال الموقوف إلى الموقوف عليه. انتهى. ومرجع هذا الوجه أيضا هو الوجه الأول، لأن حاصله: أن أدلة الانعتاق لا تشمل هذا النحو من الملك، والأصحاب أيضا لم يصرحوا بذلك، لأن ظاهرهم اختصاص الانعتاق بالملك المستقر، ولذا لا يلتزمون بانعتاق العمودين على الموقوف عليه إذا وقفهما الواقف عليه، مع أنهم يلتزمون بصحة الوقف وتملك الموقوف عليه العين الموقوفة. ورابعها الذي هو الثالث في كتابه: أنه يلزمه على كلامه: أنه متى كان نصيب الولد من أصل التركة بأجمعها يساوي قيمة أمة تقوم عليه، سواء كان هناك دين مستغرق أم لا، وسواء كان نصيبه الثابت في الباقي بعد الديون ونحوها يساوي قيمتها أم لا. وكذلك لو ساوى نصيبه من الأصل نصفها أو ثلثها أو غير ذلك فإنه

[ 306 ]

يقوم نصيبه عليه كائنا ما كان، ويسقط من القيمة نصيبه الباقي الثابت إن كان له نصيب ويطالب بالباقي، وهذا مما لا يقول به أحد من الأصحاب، وينبغي القطع ببطلانه. وحاصل هذا الوجه: أن كلام المسالك - في قوله: والأقوى انتقال التركة إلى الوارث مطلقا وإن منع من التصرف فيها على تقدير استغراق الدين فيعتق نصيب الولد منها كما لو لم يكن دين، ويلزمه أداء مقدار قيمة النصيب من ماله - لازمه أن يخسر الولد قيمة امه أو بعضها للديان، وأن تنعتق الام عليه أيضا، لأن مقتضى ما ادعاه من انتقال المال إلى الورثة هو انعتاق الام عليه: إما بتمامها لو لم يكن وارث غيره، وإما بمقدار نصيبه من التركة لو كان هناك وارث غيره. ومقتضى قوله: " ويلزمه أداء مقدار قيمة النصيب من ماله " أن يتضرر هذا المقدار للديان أو للورثة، ولازم هذا الكلام هو التزامه بالتقويم عليه في صور ثلاث: الاولى: ما إذا كان نصيب الولد من مجموع التركة يساوي قيمة الام، سواء كان هناك دين مستغرق أم لا، فإذا فرضنا عدم استغراق الدين بأن كان الدين مائة والتركة مائتين وقيمة الأمة مائة وباقي التركة مائة والورثة منحصرة بولد ام الولد وأخ له من غير امه فلو قلنا بانتقال التركة بأجمعها إلى الورثة فتنعتق الام بأجمعها على الولد، لأن نصيبه من التركة بمقدار قيمة الام، فيجب عليه حينئذ خمسون، وعلى أخيه كذلك، فيحصل لأخيه خمسون، وهو تضرر بخمسين ولا شئ له سوى الام. نعم، إذا استغرق الدين يخسر كل منهما ما انتقل إليه. الثانية: ما إذا كان نصيبه الثابت في الباقي بعد الديون ونحوها مما يخرج من المال مساويا لقيمة امه أو أقل، لأن المفروض انتقال ما يساوي قيمتها إليه قبل الدين، فإذا فرضنا أن الورثة كالصورة السابقة والتركة ثلاثمائة وقيمة الام مائة والدين وما يلحق بالدين مائة فنصيب الولد من التركة بعد الدين ونحوه يساوي قيمة امه فالام تنعتق جميعها عليه، ويقوم عليه نصف قيمتها لأخيه، ونصف المائة الباقية له، فيتهاتر النصيبان، فيكون تمام المائة في الحقيقة لأخيه والام بتمامها له.

[ 307 ]

وإذا فرضنا أن الدين ونحوه مائتان فنصيبه منها بعد الدين ونحوه أقل، إلا أن نصيبه من التركة أزيد من قيمة الام، لأن نصيبه مع قطع النظر عن الدين مائة وخمسون، فلابد من أن تنعتق الام بأجمعها عليه، وأن يخسر نصف قيمتها لأخيه، فإن ما بقي من التركة يرد إلى الديان، والأمة مشتركة بين الأخوين، فإذا انعتقت عليه يجب أن يخسر قيمة نصفها لأخيه. الثالثة: ما إذا كان نصيبه من الأصل نصفها أو ثلثها أو غير ذلك فإنه يقوم عليه نصيبه كائنا ما كان، ويسقط من القيمة نصيبه الباقي الثابت إن كان له نصيب ويطالب بالباقي. مثلا: إذا فرضنا أن الدين مستغرق ومجموع التركة يساوي مائة وعشرين وقيمة الام تسعين وباقي التركة ثلاثين والوارث كالسابق فنصيب الولد من التركة النصف، وهو يقابل ثلثين من الام، فينعتق عليه ثلثان منها، وينعتق الباقي بالسراية، فتسعى الام في ثلثها للديان، وعليه ستون، وعلى أخيه ثلاثون. وإذا فرضنا انحصار التركة في هذه الصورة بالام وقيمتها مائة وعشرين فنصيبه منها نصفها، فعليه ستون، وعلى الام ستون. ولو فرض أن التركة كالسابق بأن كان قيمة الام تسعين وباقي التركة ثلاثين والدين مستغرق والورثة ثلاثة فنصيب ولد ام الولد منها ثلثها، ومن باقي التركة أيضا ثلثها، والمجموع أربعون، فتنعتق عليه أربعة أتساع من الام، ويسري العتق في الباقي، فعلى الام خمسون، وعليه أربعون، وباقي التركة أيضا للديان من سهم الأخوين ومن سهم ولد ام الولد. ولو فرض في هذه الصورة أن الدين تسعون فينعتق عليه أيضا أربعة أتساع، إلا أنه يسقط من الأربعين نصيبه الباقي في الثلثين وهو عشرة، فيطالب بالثلثين، فعليه ثلاثون غير هذه العشرة، وعلى أخويه ستون، إلا أن الام تسعى في خمسين من نصيبهما من الدين، ويدفعان إلى الديان أيضا العشرة التي كانت من نصيب ولد ام الولد، فيبقى لهما من التركة عشرون.

[ 308 ]

وحاصل إشكال المقابس على المسالك: أن اللازم من كلامه أن ينعتق نصيب الولد منها، أو ما يساوي نصيبه منها من أصل التركة، ويغرم الولد مع ذلك قيمة ما انعتق منها، وهذا لم يقل به أحد، فإن في مورد الانعتاق القهري لم يقل أحد بالتقويم على من ينعتق عليه إلا الشيخ في الخلاف، ورجع عنه في المبسوط. بل قيل: إن الشيخ أيضا لم يقل بذلك إلا في مورد عدم استغراق الدين للتركة، فقال: يجب على الولد فك الباقي من ماله بعد بذل ما قابل سهمه الذي ورثه من الميت. ووافقه ابن حمزة فقال: بأنه يسعى في الباقي (1)، ومدركه: الخبر المذكور في باب الاستيلاد (2)، فراجع. هذا حاصل ما أورده صاحب المقابس على الشهيد الثاني. وأورده عليه المصنف (قدس سره) بقوله: ويمكن دفع الأول.... إلى آخره. توضيح ما أفاده ردا على إيراداته الأربعة وعلى ما أفاده بقوله: وبالجملة فالجمع بين أدلتهم وفتاويهم مشكل يتوقف على تمهيد مقدمتين: الاولى: يظهر من الفقهاء - قدس الله تعالى أسرارهم - أنه لو انعتق مقدار من الرق على شخص: فتارة يكون المنعتق عليه هو المباشر لعتقه بالاختيار، كعتق أحد الشريكين نصيبه، أو شراء شخص، أو اتهابه مقدارا ممن ينعتق عليه. واخرى يكون العتق بغير اختياره كإرث العمودين مطلقا، وإرث الرجل إحدى المحرمات عليه نسبا، فإذا كان بسبب اختياري فيسري عتق البعض إلى الكل، ويقوم عليه نصيب سائر الشركاء إذا كان موسرا. وأما إذا كان بسبب قهري فقد اختلفوا في وجوب السعي على الرق أو على من انعتق عليه بعد الاتفاق على سراية انعتاق البعض إلى الكل. فالمشهور: أنه على نفس الرق.


(1) الوسيلة: ص 343. (2) الاستبصار: ج 4 ص 14 ح 41.

[ 309 ]

ومختار الشيخ في الخلاف الذي رجع عنه في المبسوط وابن حمزة: أنه على من انعتق عليه، لخبر غير معمول به كما أشرنا إلى ذلك. ثم إن مقدار الانعتاق في الانعتاق القهري في غير ام الولد هو مقدار نصيب الوارث من نفس الرق. وأما في ام الولد فلو لم يكن هناك دين مستغرق للتركة فهو مقدار نصيب الولد من جميع التركة، والفرق بينهما هو النص، ولولا ذلك لكان مقتضى الأصل عدم انعتاقها عليه إلا بمقدار نصيبه من الام. وعلى أي حال لو لم يف نصيبه من التركة بمقدار الام لم يقل أحد بأنه ينعتق عليه من سائر أمواله، لعدم الدليل عليه. وأما إذا كان الدين مستغرقا فلا وجه لا نعتاق نصيبه من جميع المال عليه وإن قلنا بأن التركة تنتقل إلى الورثة حتى مع إحاطة الدين بالتركة، وذلك لأن سائر التركة غير ام الولد قابل لأن يكون مخرجا للدين، سواء كان رقا أو غيره من سائر الأموال. وأما ام الولد فحيث ثبت بالنص أنها لا تباع في غير ثمن رقبتها فهي ليست قابلة لتعلق الدين بعينها، فلا يجوز للورثة أن يدفعها بدلا عنه، ولا للديان أخذها تقاصا لو امتنع الوارث من أداء الدين. وحاصل الفرق بين ام الولد وغيرها من العبيد أمران: الأول: أن ام الولد تنتقل إلى الولد وتنعتق عليه بمقدار نصيبه من التركة، وأما غيرها فينعتق على من ينعتق عليه بمقدار نصيبه منه. الثاني: أن ام الولد لا يتعلق بعينها حق الديان، فلا يمكن أن لا تنعتق على ولدها، وأما غيرها فيتعلق بعينه حق الديان، فمع استغراق الدين لا وجه لانعتاقه وإن قلنا بانتقالها إلى الورثة، لأن موت المولى علة لأمرين: أحدهما: انتقال تركته إلى وارثه. والثاني: تعلق حق الديان بتركته. وهذان المعلولان يوجدان في رتبة واحدة، والانعتاق أمر مترتب على أحد

[ 310 ]

المعلولين، وهو لا يمكن أن يتحقق مع مزاحمة حق الديان مع ما هو علته، وهي تملك الورثة لمن ينعتق عليه، فإذا تعذر انعتاق سائر من ينعتق على الورثة مع إحاطة الدين فكذلك لا يمكن انعتاق ام الولد من جميع نصيب الولد من التركة مع إحاطة الدين، لأن غير ام الولد من سائر الأموال قابل لتعلق الدين بعينه، فلا يرثه الولد بلا مزاحم حتى يدخل في نصيبه ويشمله النصوص (1) الدالة على أن ام الولد تنعتق على ولده بمقدار نصيبه من التركة. الثانية: أن منشأ عدم التزام الفقهاء بأن ام الولد من مستثنيات الدين مع أنهم خصوا جواز بيعها بما إذا كان في ثمن رقبتها: هو أن لازم فتواهم بانعتاقها على الولد بمقدار نصيبه من التركة وسعيه، أو سعيها في مقدار حصة باقي الورثة لو لم يكن على الميت دين: هو أن صفة كون الأمة ام الولد لا تقتضي سقوط حق الديان عنها رأسا بحيث يكون حكمها حكم الكفن، لأن تعلق حق سائر الورثة بها ممن لا تنعتق عليه يقتضي تعلق حق الديان بها، لأن هذا الحق أسبق من حق الورثة، لكون الإرث بعد الوصية والدين. إذا عرفت ذلك ظهر: أن الجمع بين أدلتهم وفتواهم ليس بتلك المثابة من الإشكال كما هو مقتضى المقدمة الثانية. وأما إيراداته على المسالك فالثلاثة الاول غير واردة عليه أصلا إذا كان ضمير " منها " في كلامه راجع إلى الام لا إلى التركة، لما عرفت من أن مقتضى النص على أن ام الولد لا تباع في غير ثمن رقبتها أن لا يكون حق الديان متعلقا بعينها. ومقتضى ما عرفت من أن ام الولد ليست كمؤنة التجهيز بحيث لا يتعلق الدين بها رأسا هو الجمع بين حق ام الولد وحق الديان، ومقتضاه هو انعتاق ام الولد بمقدار نصيبه منها، وسراية العتق إلى البقية بمقتضى أدلة العتق بالسراية، وحيث إن المختار في الانعتاق القهري هو سعاية نفس المعتق - بالفتح - فتسعى الام في


(1) وسائل الشيعة: ب 6 من أبواب الاستيلاد ج 16 ص 107 - 108.

[ 311 ]

الزائد عن نصيب الولد منها، وتقوم على الولد قيمة نصيبه منها وتدفع إلى الديان. نعم، لو رجع ضمير " منها " إلى التركة فلا يصح جزء من كلام المسالك كما سنشير إليه. وبالجملة: لا وجه لدعوى عدم انعتاق ام الولد في الدين المستغرق، سواء قلنا بانتقال التركة إلى الورثة أو قلنا ببقائها على حكم مال الميت، لأن ام الولد ليست من قبيل سائر الأموال القابلة لتعلق حق الديان بعينها، وقياسها على العبد الموقوف على الطبقات مع الفارق، لأن عدم انعتاقه على ولده إذا صار الولد موقوفا عليه ليس من جهة عدم كونه ملكا تاما له، بل لتعلق حق سائر الطبقات به. وأما الديان فلم يتعلق حقهم بعين الرقبة، فلا مانع من انعتاقها على ولدها بمقدار نصيبه منها. وأما الإيراد الرابع فقد أجاب عنه المصنف: بأنه إنما يرد عليه إذا قلنا بأن قيمتها بعد الانعتاق تتعلق بالولد، وأما إذا قلنا باستسعائها فلا يرد عليه شئ. ومبنى هذا الجواب على تسليم الإشكال في جزء من كلام المسالك، وهو التقويم على الولد والدفع عنه في الجزء الآخر، وهو: انتقال التركة إلى الورثة. وحاصل إيراد المصنف على المقابس: أن عدم إمكان التقويم على الولد ليس مانعا من انتقال التركة إلى الورثة، لإمكان الجمع بينه وبين عدم التقويم عليه بأن يجب السعي على الام. ولا يخفى أن الصواب أولا توضيح ما أفاده المقابس ردا على المسالك ثم الدفع عنه. فنقول: قد ظهر مما ذكرنا من تفصيل الصور: أنه لا يندفع إشكال المقابس على المسالك لو كان ضمير " منها " - في قوله: والأقوى انتقال التركة إلى الوارث مطلقا، وإن منع من التصرف فيها على تقدير استغراق الدين فيعتق نصيب الولد منها كما لو لم يكن دين، ويلزمه أداء قيمة مقدار النصيب من ماله.... إلى آخره - راجعا إلى التركة كما هو ظاهر كلامه من قياس صورة استغراق الدين على ما لم يكن دين، لأنه لو لم يكن دين فينعتق على الولد نصيبه من جميع التركة على ما صرح به في كلامه قبل هذا بأسطر، فلو انعتق عليه امه من نصيبه من جميع

[ 312 ]

التركة فالالتزام بوجوب السعي على الام لا يدفع الإشكال، لأن حاصل إشكال المقابس: هو أنه لو قلنا بانعتاق ام الولد في جميع الصور فإنما هو من جهة عدم قابلية ام الولد لأن تكون مخرجا للدين. وأما سائر التركة فلا مانع من أن يكون مخرجا للدين. ومقتضى قول المسالك بأنه يقوم عليه مقدار قيمة النصيب من ماله: أن ام الولد في جميع الصور حتى في غير الدين المستغرق تنعتق بمقدار تمام نصيب الولد من التركة، فلا يكون شئ مما يرثه من التركة مخرجا للدين، بل إنما يقوم عليه بمقدار سهمه من الدين الذي لولا ام الولد لكان للوارث أن يؤديه من عين التركة، ولو امتنع لكان للديان أخذه منها، وهذا مما لا يقول به الأصحاب، ومما ينبغي القطع ببطلانه، سواء أقيل بالتقويم على الولد، أم قيل بسعي الام. وأما لو كان ضمير " منها " راجعا إلى الام فلا يرد عليه إشكال، والظاهر ذلك، لأنه (قدس سره) بصدد بيان أن إحاطة الدين بالتركة غير مانع عن انتقالها إلى الوارث، غاية الأمر يجب عليه دفع ما قابل سهمه ممن ينعتق عليه إلى الديان جمعا بين الحقين، وهذا لا يلازم التقويم عليه في جميع الصور حتى مع الدين الغير المستغرق، ولا يلازم القول بانعتاق الام على الولد بمقدار تمام نصيبه من التركة. ولتوضيح ذلك لا بأس بذكر بعض عبائر القوم وعبارة المسالك في نكاح الإماء. قال في الشرائع في باب الاستيلاد: إذا مات مولاها وولدها حي جعلت في نصيب ولدها وعتقت عليه، ولو لم يكن سواها اعتق نصيب ولدها منها وسعت في الباقي. وقال في نكاح الإماء: فام الولد لا تنعتق إلا بعد وفاة مولاها من نصيب ولدها، ولو عجز النصيب سعت في المتخلف، ولا يلزم ولدها السعي فيه [ أو الفك من ماله ] (1) وقيل: يلزم.


(1) ما بين المعقوفتين ليس من المصدر.

[ 313 ]

ومراده من هذا القائل هو الشيخ في النهاية، حيث قال: يجب السعي على الولد إذا كان ثمنها دينا على مولاها ولم يخلف سواها. وعن الوسيلة: أنه يجب السعي عليه إن كان عليه دين في غير ثمنها. وعنها أيضا: أنه يجوز بيعها في دين مولاها وإن لم يكن ثمنا إذا كان الدين محيطا بالتركة. وقال في المسالك: لا ريب أن مجرد الاستيلاد ليس سببا للعتق. نعم، تتشبث بالحرية، وإنما تعتق بموت المولى، لأن ولدها ينتقل إليه منها شئ، أو ينتقل جميعا إذا كان هو الوارث خاصة فتنعتق عليه ما يرثه منها، لأن الولد لا يملك الام، ولو بقي منها شئ خارج عن ملكه سرى إليه العتق إن كان نصيبه من التركة يفي به، وإلا عتق بقدره. ولو عجز النصيب عن المتخلف منها سعت هي دون الولد، ولا يسري إليه لو كان له مال من غير التركة، لأن السراية مشروطة بالملك الاختياري، والإرث ليس منه، وإنما سرى إليه في باقي نصيبه من التركة، لإطلاق النصوص في أنها تعتق من نصيبه من التركة، وإلا لكان الأصل أن لا ينعتق عليه سوى نصيبه منها. ثم نقل عن النهاية وجوب السعي على الولد.... إلى أن قال: الأقوى انتقال التركة إلى الوارث مطلقا، وإن منع من التصرف فيها على تقدير استغراق الدين فيعتق نصيب الولد منها كما لو لم يكن دين، ويلزمه أداء مقدار قيمة النصيب من ماله. انتهى. وفي الجواهر في كتاب الاستيلاد بعد أن نقل عن الدروس جواز بيعها في الدين المستغرق، لأنه لا نصيب لولدها الذي عتقها بعد الوفاة مستند إليه، قال: وإن كان قد يناقش بأن الأصح انتقال التركة إلى الوارث وإن كان الدين مستغرقا، فيتجه انعتاق نصيبه منه بملكه وإن كان الدين مستغرقا، لكن قد يدفع، لظهور النصوص في انعتاقها من نصيب ولدها الذي لا تعلق حق فيه، والفرض في المقام تعلق حق الدين فيها وإن قلنا بملك الوارث، اللهم إلا أن يكلف الولد بما يخصها من الدين، أو هي بالسعي، وهما لا دليل عليهما، بل ظاهر الأدلة خلافه.

[ 314 ]

ولا يخفى أن هذا الكلام الأخير من الجواهر هو الوجه الأول في كلام المقابس، وهو قوله: إن المستفاد مما دل على أنها تعتق من نصيب ولدها أن ذلك من جهة استحقاقه لذلك النصيب من غير أن تقوم عليه أصلا.... إلى آخره. إذا عرفت ذلك فنقول: على فرض رجوع ضمير " منها " في عبارة المسالك إلى التركة حتى يكون مختاره انعتاق الام على الولد مقدار نصيبه من التركة إلا أن ظاهر كلامه إنما هو في ما لم يكن على الميت دين. وأما إذا كان عليه دين فلم يظهر منه ذلك فيمكن أن يلتزم بانعتاقها عليه بمقدار نصيبه من تمام التركة، أو بمقدار نصيبه من الام. فلو أراد الأول يرد عليه: أنه لا وجه لانعتاق هذا المقدار مع قابلية غير الام لتعلق حق الديان به. ولو أراد الثاني لا يرد عليه إلا ما أفاده صاحب الجواهر: من أن نصوص الانعتاق ظاهرة في النصيب الذي لا يتعلق حق به، وفي مورد الدين المستغرق يتعلق حق الديان به. ولكنك خبير بأن نصوص الانعتاق غير متعرضة لهذه الجهة، ولا يستفاد منها أنه إذا انعتقت الام على الولد لا تتقوم عليه، ولو فرض دلالتها على ذلك يلتزم بوجوب السعي على الام. فدعوى: أن ما أفاده المسالك قطعي البطلان ولم يقل به أحد من أصحابنا مما لا يصغى إليها. وعلى أي حال، سقوط حق الديان عن ام الولد عينا وقيمة بحيث تكون من قبيل مؤنة التجهيز لا وجه له، فإن الانعتاق لا يقتضي ذلك. قوله (قدس سره): (ومنها: تعلق كفن مولاها بها.... إلى آخره). هذه هي الصورة الثانية من موارد القسم الأول الذي قيل بتعلق حق المولى بها على ما حكاه في الروضة، ولكن قيد جواز بيعها لكفنه بما إذا لم يمكن بيع بعضها، وإلا اقتصر عليه، ويلحق بالكفن سائر مؤنة التجهيز فإنها أيضا كالكفن يقدم على الإرث.

[ 315 ]

ثم إن الكلام فيه يقع تارة بناء على عدم جواز بيعها إلا في ثمن رقبتها، واخرى بناء على جوازه في مطلق الدين. أما على الأول فالحق أنها لا تباع لمؤنة التجهيز أيضا. وما يقال: من أن المنع عن بيعها إنما هو لغاية الإرث ومع احتياج الميت إلى التجهيز فلا إرث مدفوع: بأن هذه حكمة لا علة حتى يدور الحكم مدارها. هذا، مضافا إلى أن هذا فرع تقدم حق الميت، ومقتضى ما يستفاد من الرواية المتقدمة: - من أنهن لا يبعن في غير فكاك رقابهن - هو تعلق حق الورثة بها. وأما على الثاني فقد يتوهم أنه لا مانع من بيعها لمؤنة التجهيز، لأنه لا إشكال في أن الإرث واقع في المرتبة الرابعة من مراتب تعلق الحقوق بمال الميت، فإن أول المراتب هو مؤنة التجهيز على ما يستفاد من النصوص من أنه يبدأ بالكفن، والثاني هو الدين، والثالث هو الوصية، والرابع هو الإرث، فإذا كان الكفن مقدما على الدين الذي هو مقدم على الإرث بمرتبتين فتقدمه على الإرث بطريق أولى. ومن هذا البيان يمكن القول بتقديم الكفن على الإرث، بل على الدين الذي في ذمة المولى من ثمن رقبتها، حتى بناء على اختصاص جواز بيعها بذلك. ولكنك خبير بفساد التوهم المذكور، سيما بناء على انحصار جواز بيعها في ثمن رقبتها، فإن الإرث وإن كان في المرتبة الرابعة من الحقوق المتعلقة بمال المورث إلا أن أولوية تعلق حق التجهيز من الاستيلاد ممنوعة، لأنه يمكن أن يقال بتقدم حق الميت على الاستيلاد إذا كان له مال بمقدار التجهيز، فيؤخذ منه الكفن ولا يصرف في ثمن رقبة الأمة فضلا عن سائر الديون، بل تباع الأمة في ثمن رقبتها، ولا يكون هذا التقدم في ما إذا لم يكن له مال غير الأمة، بل يمكن الجمع بين الحقين بأن تنعتق الأمة من نصيب ولدها وتتعلق برقبتها مؤنة التجهيز فتؤجر نفسها لها. وكيف كان فدعوى الأولوية القطعية غير مسموعة، فما يستفاد من المصنف (قدس سره) من أن تقدم حق الميت على حق ام الولد إذا كان له مال بمقدار

[ 316 ]

تجهيزه، حيث إنه يصرف المال في التجهيز، ولا تخلص الأمة من ثمن رقبتها بهذا المال، بل تباع هي لهذا الدين يقتضي ترجيح حقه على حقها في ما إذا لم يكن له مال بهذا المقدار، فلابد أن يصح بيعها لصرف ثمنها في مؤنة التجهيز إذا لم يكن عليه دين. فيه: أنه لا ملازمة بين الصورتين، فلعل بيعها في ثمن رقبتها كان لخصوصية لا تجري في غير هذا المورد. وبالجملة: لما ثبت بالدليل جواز بيعها في ثمن رقبتها فتباع له لو لم يكن للمولى مال آخر، أو كان ولم يمكن أن يصرف في الدين كنفس كفنه أو ثمنه. وأما إذا لم يكن ثمن رقبتها دينا على المولى فلا وجه لأن يتقدم حق المولى على حق الأمة، مع عدم قيام الدليل على جواز بيعها في ثمن كفن المولى مع كون الاستيلاد سابقا، وعدم إحراز أهمية حق المولى حتى لا يكون موقع لترجيح الأسبق زمانا على اللاحق. ثم إنه لو قيل بالجواز فإنما هو في ما لم يكن متبرع لمؤنة التجهيز، بل قيل: إنه لو أمكن استسعاء الأمة لها بأن تؤجر نفسها لها يبقى حق الاستيلاد، لإمكان الجمع بين الحقين، وارتفاع الضرورة، وتغليب جانب الحرية. ثم لا يخفى ما في قوله (قدس سره): ولو فرض تعارض الحقين فالمرجع إلى فساد بيعها قبل الحاجة إلى الكفن، لأنه لو فرض الشك في أهمية حق المولى حتى يقدم على حق الأمة ولو كان سابقا، أو أهمية حق الأمة أو تساوي الحقين حتى يقدم حق الأمة لسبقه فلا يمكن التمسك باستصحاب المنع، لعدم إحراز اتحاد القضية المشكوكة مع المتيقنة، لأن بيعها قبل الموت لم يكن بيعا في الكفن، إلا أن يقال: ليس هذا اختلافا في الموضوع، بل إنما هو من الأحوال العارضة له التي لم تكن في السابق ثم عرضت بعد ذلك، فصارت منشأ للشك في الحكم. قوله (قدس سره): (ومنها: ما إذا جنت على غير مولاها في حال حياته.... إلى آخره). أي من موارد القسم الأول: جناية الأمة على غير مولاها في حياة المولى.

[ 317 ]

وأما بعد موته فهي إما حرة خالصة، أو أمة كذلك، والحكم في كلتا الصورتين واضح. ثم إن جنايتها في حياة المولى إما عمدية، وإما خطئية. أما العمدية فحيث إن الخيار للمجني عليه أو ورثته فلا إشكال في قابليتها لأن تسترق وتصير قنا خالصا وملكا طلقا إما كلا أو بعضا. ولا وجه لتوهم انتقالها إلى المجني عليه أو ورثته على نحو كان ملكا للمولى من التشبث بالحرية، لأنها لم تنتقل إليه بنقل من المولى حتى تكون كما كانت، بل إنما انتقلت قهرا عليه، ومن دون اختيار ومباشرة منه، وإلا كان باطلا، لما تقدم من أن عدم جواز النقل لا يختص بالبيع، بل من مناسبة الحكم والموضوع يستفاد أن ذكر البيع في قوله (عليه السلام): " لا تباع " (1) من باب التنبيه على العام بذكر الخاص، فلا يصح النقل من المولى مطلقا، فالجناية العمدية لا إشكال فيها. وأما الخطئية فالحق أنه لا يجوز للمولى تسليمها إلى المجني عليه أو ورثته، سواء قلنا بأن التخيير بين الفداء والتسليم من التخيير بين الأمرين الوجوديين، أو من التخيير بين الوجودي والعدمي، وهما الفداء والتخلية بينها وبين المجني عليه أو ورثته، لأن ترك الفداء والتسليم أو التخلية يقتضي استحقاق المجني عليه أو ورثته استرقاقها. أما على الأول فواضح، لأن في جميع موارد التخيير بين الوجوديين إذا تعذر أحد فرديه يتعين الآخر، ففي المقام تسليمها من المولى متعذر، لما عرفت من أن كل نقل منه ممتنع، فيتعين عليه الفداء. وأما على الثاني فإن الترك وإن كان عدميا إلا أن المولى صار سببا للاسترقاق والانتقال إلى غيره حقيقة، وفي المعنى هو نقلها من ملكه إلى ملك غيره، فيمتنع عليه أيضا، فينحصر التخلص بالتفدية. قوله (قدس سره): (ومنها: ما إذا جنت على مولاها.... إلى آخره).


(1) الكافي: ج 5 ص 96 ح 3، عنه وسائل الشيعة: ب 11 من أبواب الدين ح 1 ج 13 ص 94.

[ 318 ]

لا يخفى أن جواز بيعها في هذه الصورة وما يتلوها من الصور لا يخلو من الإشكال. أما هذه الصورة فلأن جنايتها على مولاها لا توجب جواز بيعها لمولاها مطلقا بعدما ثبت عدم صحة النقل من مولاها، وإنما أثر جنايتها العمدية هو جواز قتلها، والوجوه التي قيل بها لصحة التصرفات الناقلة من مولاها أو ورثته استحسانية. وأما الصور الاخرى - وهي جناية الحر عليها، واسترقاقها بعد لحوقها بدار الحرب، وخروج مولاها عن الذمة، وقتل مولاها الذمي مسلما - فالمشهور في الاولى والثانية هو عدم دخولهما في المستثنيات، وبين المصنف وجهه في المتن. وأما الثالثة فالمشهور: هو أن الذمي إذا خرق الذمة جرى عليه حكم الحربي، فيلزم استرقاق ام ولده فيحل التصرف فيها. وأما الرابعة فظاهر فتوى الفقهاء في قولهم: " ويدفع هو وماله إلى أولياء المقتول إن شاؤوا قتلوه وإن شاؤوا استرقوه " أن جميع أمواله ينتقل إلى ورثة المقتول حتى ام الولد، إلا أن المسألة لا تخلو عن الإشكال. هذا تمام الكلام في القسم الأول. وأما موارد القسم الثاني: وهو ما إذا عرض لها حق لنفسها أولى بالمراعاة من حق الاستيلاد: فمنها: بيعها على من تنعتق عليه. ومنها: بيعها بشرط العتق. ومنها: بيعها ممن أقر بحريتها. ومنها: بيعها لترث ممن لا وارث له سواها. والحق: صحة البيع في الجميع. أما بيعها على من تنعتق عليه فلأن أدلة المنع عن جواز التصرفات الناقلة من المولى لا تشمل ذلك، فإن ظاهرها المنع عن إخراجها عن ملكه الموجب لتفويت أثر الاستيلاد.

[ 319 ]

وبعبارة اخرى: تنصرف الأدلة إلى الملك المستقر، لا الملك آنا ما والنقل الموجب لانعتاقها فورا على من اشتراها. وأما بيعها بشرط العتق فكذلك أيضا بناء على تأثير الشرط وضعا بحيث لو امتنع المشروط عليه من الوفاء بالشرط أجبره الحاكم عليه، ولو لم يمكن فيعتقها (1) بنفسه. وأما بيعها ممن أقر بحريتها فالإشكال عليه: بأنه لا يجوز بيعها على أي حال، سواء علم المولى بكذبه أو علم بصدقه، لأن الحر لا يجوز بيعه، إنما يتجه لو لم يعلم مناط المنع، وأما لو علم فلا مانع من بيعها، لانصراف أدلة البيع إلى الملك المستقر. وأما بيعها لأن ترث وتنعتق فلأن النقل ليس اختياريا من المولى، لأنه لو امتنع عنه يباع عليه قهرا، وأدلة المنع عن البيع لا تشمل هذا المورد كما لا يخفى. قوله (قدس سره): (ومن القسم الثالث - وهو ما يكون الجواز لحق سابق على الاستيلاد - ما إذا كان علوقها بعد الرهن.... إلى آخره). لا يخفى أن نسبة الرهن إلى الاستيلاد نسبة التزاحم لا التعارض، وذلك لعدم امتناع تشريع الحكمين ثبوتا، وإنما لا يمكن الجمع بينهما في الخارج، لتزاحم الحقين، فهما كتزاحم الحكمين، فإذا كان كذلك فلابد من إعمال مرجحات باب التزاحم. ومن المرجحات: كون أحد الحكمين مشروطا بالقدرة عقلا، والآخر مشروطا بها شرعا، وهذا المرجح مقدم رتبة على الأسبق زمانا، فإنه متأخر عن جميع المرجحات الخمسة المذكورة في التزاحم. ولا شبهة أنه يشترط شرعا في صحة الرهن حدوثا وبقاء قابلية العين المرهونة لأن تكون مخرجا للدين، فمع حدوث حق الاستيلاد ليست الأمة قابلة لأن تكون كذلك.


(1) لا يخفى أنه بناء على ما تقدم في بيع العبد المسلم من الكافر من عدم جوازه ولو بشرط العتق فيجري المنع هنا أيضا، لأن للمشروط له إسقاط الشرط، إلا أن يقال بأنه ليس له ذلك في المقام، وهذا لا دليل عليه. (منه عفي عنه).

[ 320 ]

وأما في طرف الاستيلاد فلم تؤخذ القدرة شرطا شرعا، فمع إمكان تأثير الاستيلاد يتقدم على المزاحم له. هذا، مع أنه يظهر من بعض الأساطين حرمة وط ء الأمة المرهونة على المالك الراهن بدون إذن المرتهن، وعللها بأنه تعريض لإبطال الرهانة، فيستكشف من ذلك: أن بطلان الرهن بالاستيلاد مسلم، وإلا لم يكن وجه لحرمة وط ء الأمة على مالكها، فحرمة وط ء الأمة على المولى الراهن كحرمة وطئها في حال الحيض، والحرمة التكليفية لا توجب رفع أثر الاستيلاد، غاية الأمر حيث إن الراهن أتلف على المرتهن العين المرهونة يجب عليه تبديلها بعين اخرى تكون رهنا كما ذكروا ذلك في مسألة إتلاف الراهن، ولا يمكن قياس الوط ء على البيع، فإن بيع الراهن لو كان محرما لا يؤثر في النقل إلى المشتري، لأنه لا أثر له إلا النقل، وهذا بخلاف الوط ء فإن حرمته لا توجب عدم ترتب الأثر التكويني عليه، ولو يقم دليل على اعتبار حلية الوط ء في تأثير الاستيلاد إلا دعوى انصراف أدلته إلى ذلك، وهو ممنوع، أو شبهة احتمال اعتبار الطلقية ومانعية الرهانة عنه، وهو دور واضح، لأنه لا يمكن أن يحفظ الحكم موضوع نفسه، فإن تأثير الرهن يتوقف على قابلية العين المرهونة لأن تكون مخرجا للدين، وقابليتها تتوقف على عدم مزاحمة الاستيلاد لها، وعدم مزاحمته لها يتوقف على أن يكون الرهن مانعا عن تأثير الاستيلاد، ولا عكس، لأن الاستيلاد لا يتوقف إلا على كون الأمة ملكا للمولى. وأما كون المولى مالكا للوط ء بأن لا يكون عليه محرما فلم يقم عليه دليل، كما قام الدليل على عدم تأثير الاستيلاد في ما إذا كان ثمنها دينا على المولى. ومما ذكرنا ظهر حكم ما إذا كان علوقها بعد اشتراط المولى أداء مال الضمان منها، وما إذا كان علوقها بعد إفلاس المولى والحجر عليه وكانت فاضلة عن مستثنيات الدين. أما مسألة اشتراط أداء مال الضمان منها على فرض صحته - كما هي الأقوى - فلأنها داخلة في باب الرهن، لأن اشتراط الضمان من مال معين مرجعه

[ 321 ]

إلى جعل المال رهنا على دين الغير، فعلى ما اخترناه من تأثير الاستيلاد المتأخر ومانعيته عن كون الأمة مخرجا للدين لا يصح أداء مال الضمان منها. وأما مسألة الحجر فحاله أردأ من الرهن، لأن مجرد حجر الحاكم على أموال المفلس لا يوجب تعلق حق للديان بالأموال، غاية الأمر أنه ممنوع من التصرف، ويحرم عليه وط ء الأمة التي تعلق الحجر بها. ولو ادعي اختصاص تأثير الحجر بقاء بما هو قابل للبيع بنفسه وام الولد ليست كذلك لا يصح الجواب عنه بأن الحجر السابق موجب للقابلية. وبالجملة: كل حق معلق على عدم شئ لا يمكن أن يزاحم مع هذا الشئ، فلا وجه لتأثير الحجر في المقام. لا يقال: مقتضى ما تقدم سابقا من أن أدلة عدم جواز بيع ام الولد لا يتعدى منها إلا إلى كل ناقل اختياري من طرف المالك كالصلح والهبة ونحو ذلك أن تكون النواقل القهرية مانعة عن تأثير الاستيلاد إذا كانت سابقة عليه، ولذا يقدم حق المجني عليه على الاستيلاد إذا كانت الجناية عمدية. لأنا نقول: مناط عدم جواز النقل من طرف المالك هو لزوم بقاء الأمة في ملك المولى لتنعتق من نصيب الولد، فالاستيلاد موجب لتعلق حق من الأمة على المولى، أو على ولدها، أي موجب لتشبثها بالحرية، فالمناط يجري في مطلق النواقل وإن كانت قهرية، إلا إذا كانت رافعة لموضوع الاستيلاد كالجناية العمدية، حيث ثبت أن لورثة المجني عليه قتل الأمة أو الاسترقاق، وأما سائر الحقوق فحيث إنها علقت على إمكان استيفائها من متعلق الحق فحق الاستيلاد رافع لموضوعها. وبالجملة: فرق بين الرهانة وما يحذو حذوها كتعلق الضمان بها، وتعلق حق الغرماء ونحو ذلك، وبين الجناية العمدية، فإن الجناية العمدية ولو كانت متأخرة عن الاستيلاد ترفع موضوع حق الأمة. وأما في الجناية الخطئية ونحوها من الحقوق فالأمر بالعكس ولو كانت سابقة على الاستيلاد، لأنه رافع لموضوعها.

[ 322 ]

ومما ذكرنا ظهر حكم الاستيلاد في زمان خيار بائعها، فإن علوقها في ملك المشتري يمنع من تأثير حق الخيار في استرداد عين الأمة، سواء قلنا بتعلق حق الخيار بالعقد كما هو الأقوى، أو قلنا بتعلقه بالعين. أما على الأول فواضح، لأن الأمة ملك طلق للمشتري، فتصرفه فيها ليس محرما، فضلا عن عدم كونه مؤثرا أثره التكويني. وأما بناء على تعلقه بالعين فغاية الأمر يصير الوط ء محرما عليه كوط ء الأمة المرهونة. وقد عرفت أن في باب التزاحم ليس المدار على تقدم السابق إلا إذا كان المتزاحمان متساويين من جميع الجهات، وإلا كان اللاحق مقدما على السابق. قوله (قدس سره): (ومنها: ما إذا كان علوقها بعد نذر جعلها صدقة.... إلى آخره). لا يخفى أن النذر تارة يكون من نذر النتيجة كنذر كونها صدقة، واخرى يكون من نذر الفعل بأن نذر أن يتصدق بها. وعلى التقديرين: فتارة النذر مطلق، واخرى معلق، والمعلق عليه إما معلوم التحقق أو مشكوك. فإذا نذر كونها صدقة وكان مطلقا فلا إشكال في عدم تأثير العلوق، لخروجها عن ملكه بمجرد النذر. وأما إذا كان معلقا فاستولدها قبل حصول المعلق عليه ففي تأثير النذر أو تأثير الاستيلاد وجهان. وقبل تحقيق الحق ينبغي بيان حكم منذور الصدقة إجمالا. فنقول: بناء على صحة نذر النتيجة - كما هو المشهور - فلو نذر أن تكون الشاة صدقة بلا قيد فبمجرد النذر تخرج عن ملكه، ولا يجوز له التصرف فيها مطلقا، وذلك واضح. وهكذا لو نذر أن يجعلها صدقة فإنه حيث لم يعلق الفعل على شئ يجب عليه الوفاء به تكليفا، ولا ينفذ تصرفاته فيها وضعا. نعم، في خروجها عن ملكه بمجرد النذر خلاف. ويظهر من صاحب المقابس: أنه لو كان النذر بصيغة " لله علي " أو " علي عهد

[ 323 ]

الله أن هذا المال المعين صدقة للفقراء " فبمجرد النذر يخرج المنذور عن ملكه ويبطل جميع تصرفاته، إلا في موردين: أحدهما: ما إذا كان مقصوده كون قيمته صدقة فيصح تصرفه لذلك. وثانيهما: ما إذا نذره لمعين فرده ولم يقبل فينفسخ النذر. وأما في نذر الفعل كنذر الهبة والوقف والإبراء والإعتاق والوصية والتدبير والتصدق والإهداء والتضحية ونحوها ففي الستة الاولى لا يخرج المال عن الملك بالنذر، وفي الأخيرين وجهان. ثم نقل عن العلامة وابن إدريس: أن في نذر الإهداء يخرج عن الملك بمجرد النذر. ثم قال: وعندي أن لهذا النذر معنيين: أحدهما: أن ينذر جعل الغنم هديا أو اضحية. وثانيهما: أن ينذر فعل الإهداء والتضحية. فعلى الأول لا يخرج عن الملك ما لم يقل بعد النذر: " جعلت هذا هديا أو اضحية " على القول بأنه يتعين بالنية، وخروجه بذلك عن الملك على القول الآخر. وعلى الثاني يخرج عن الملك بالنذر، وحمل كلام العلامة وابن إدريس على الثاني. ولكنك خبير بعدم الفرق بين نذر جعل الغنم هديا أو نذر فعل الإهداء، فإنه لو قلنا بخروج المال بمجرد النذر عن الملك في الثاني لكان اللازم أن يكون المال خارجا عن ملكه بالأول أيضا. وعلى أي حال سواء قلنا بخروجه عن ملكه كما في القسم الأول - وهو ما إذا نذر أن تكون الشاة صدقة - أم لم نقل لا يجوز لها التصرفات المنافية، ويجب عليه الوفاء بالنذر بحيث لو امتنع فعلى الحاكم أن يتصدق. بل يظهر من العلامة أن المسألة مسلمة حتى في النذر المشروط الذي حصل شرطه. وكيف كان لا فرق بين نذر النتيجة ونذر الفعل في أنه لا يصح للناذر

[ 324 ]

التصرفات المتلفة إذا كان مطلقا أو مشروطا بشرط حاصل، قلنا بخروجه عن الملك في الصورة الثانية أو لم نقل. وأما النذر المشروط الذي لم يحصل شرطه فهو على قسمين: قسم يعلم بتحقق شرطه، كما إذا علقه على الوقت الذي يعبر عنه بالتعليق على الوصف، أو علقه على الشرط المعلوم تحققه كموت شخص. وقسم لا يعلم تحقق الشرط، وفي كلا القسمين لا يخرج المال عن ملكه بمجرد النذر. إنما الكلام في جواز التصرف المنافي، فالمشهور عدمه لو علم بتحقق الشرط، دون ما لو شك فيه، لأن مع علمه بحصول شرطه يجب عليه إبقاؤه في ملكه ليتمكن من الوفاء بالنذر. ولكن الأقوى: أنه لا يجوز له التصرف المنافي مطلقا، لأن مرجع الشك في تحقق الشرط إلى الشك في القدرة على الامتثال، وكلما كان الشك في ذلك يجب عليه الفحص أو الاحتياط كما بينا ذلك في الاصول. فمنذور الصدقة على جميع الصور والأقسام لا يجوز للناذر التصرف المنافي فيه، إنما الكلام في أن وط ء الأمة التي نذر التصدق بها هل يكون منافيا للنذر، أم لا؟ والأقوى ابتناء جواز الوط ء على عدم تأثير العلوق في انعتاق الأمة على الولد وتأثيره فيه، فلو كان العلوق مؤثرا يحرم عليه التصرف، لأن ام الولد لا يمكن صرفها في النذر، ولو لم يكن مؤثرا فلا مانع من وطئها إذا لم تخرج عن ملكه بمجرد النذر، كما إذا كان النذر مشروطا بشرط غير حاصل، إذ قد تقدم أن في باب تزاحم الحقوق ليس المدار على السبق واللحوق وتقديم السابق مطلقا، بل إذا كان المتزاحمان متساويين من جميع الجهات، فالسابق مقدم على اللاحق. وأما إذا اختلفا بأن كان أحدهما مقيدا بقيد يرفعه اللاحق بوجوده فلا أثر للسبق. ولذا قلنا: إن الاستيلاد مقدم على حق الرهانة وحق الغرماء ونحو ذلك، ومؤخر عن الجناية العمدية وإن سبقها في الزمان. ولا يقال: إن النذر والاستيلاد كليهما حقان واردان على الأمة في رتبة

[ 325 ]

واحدة، وكل واحد قابل لأن يرفع موضوع الآخر، لأن في موضوع النذر اخذت القدرة على العمل به، والاستيلاد مانع عنه، فينحل النذر. وفي موضوع الاستيلاد أيضا اعتبر بقاء الأمة في ملك المالك إلى زمان موته حتى تنعتق من نصيب ولدها. وإذا كان كل منهما قابلا لأن يرفع موضع الآخر فيتزاحمان ويقدم الأسبق زمانا. لأنا نقول: إن النذر المشروط سواء علم بتحقق شرطه كالمعلق على الزمان أو شك فيه لا يمكن أن يزاحم حق الاستيلاد إذا تحقق العلوق قبل الشرط، سواء تحقق الشرط قبل الموت أو بعده. أما إذا تحقق الشرط بعد الموت فواضح، لأن المفروض بقاء الأمة في ملك المولى قبل حصول الشرط، فإذا مات تنتقل الأمة إلى ولدها، فتنعتق عليه قهرا، ولا يمكن بقاؤها في ملك الولد إلى زمان حصول الشرط. وأما إذا تحقق الشرط قبل الموت فلأن القدرة اخذت في موضوع النذر، وأما الاستيلاد فلم يؤخذ في موضعه سوى تحقق العلوق في الملك. وأما كون المال باقيا في ملك المولى إلى زمان موته فهو من أحكام الاستيلاد، وعدم ترتب هذا الحكم عليه فرع تأثير النذر، وتأثيره يتوقف على بقاء موضوعه، والاستيلاد يرفع موضوعه وإن كان متأخرا زمانا. ثم إنه إذا أثر الاستيلاد وقدم على النذر فهل ينحل النذر كما احتمله المصنف (قدس سره) ووجهه بصيرورة النذر مرجوحا، أو يتحقق الحنث ويجب عليه الكفارة ويضمن عوض المنذور؟ وجهان، والأقوى هو الثاني. وتوضيح ذلك أن انحلال النذر مورده: ما إذا كان المنذور راجحا فعله ظاهرا حين النذر وانكشف كونه مرجوحا في ذاته من دون اختيار الناذر، بناء على ما هو الأقوى من أن المدار في الرجحان المعتبر في متعلق النذر إنما هو حين العمل لا حين النذر، لأن النذر حكمه حكم الإيجاب من الشارع، فكما يعتبر شرائط التكليف من القدرة والبلوغ والعقل حين الوجوب لا حين الإيجاب فكذلك يعتبر الرجحان في متعلق النذر حين العمل، فإذا نذر المستطيع قبل الموسم أن يزور

[ 326 ]

الحسين (عليه السلام) في عرفة لا ينعقد نذره، لكونه حين العمل مرجوحا. وإذا نذر غير المستطيع أن يزوره في كل سنة ينحل نذره في سنة الاستطاعة، كما لو نذرت المرأة صوم سنة فحاضت في بعض الشهور. وأما إذا جعله الناذر على نفسه مرجوحا باختيار منه كمسألتنا هذه فإنه وطئ الأمة المنذور التصدق بها وأحبلها فحكمه حكم ما إذا أعدم الموضوع بالاختيار، كما إذا قتلها، فإنه كما يجب عليه الكفارة والعوض لو قتلها فكذلك لو أحبلها. ولا يتوهم أنه لو كان الوط ء حراما لا يؤثر الاستيلاد، لما ذكرناه من أن تأثيره موجب للحرمة، فلا يمكن أن تكون الحرمة علة لعدم تأثير الاستيلاد، نظير ما ذكروه من حرمة السفر بعد ظهر يوم الجمعة، وحرمة السفر على من تضيق عليه وقت قضاء صوم شهر رمضان. وبالجملة: فرق بين وط ء الأمة المزوجة من الغير ووط ء الأمة المنذور التصدق بها، فإن الأول لا يملك وطئها، لكون بضعها حقا للغير، فحكمه حكم وط ء أمة الغير في عدم تأثير الوط ء، وهذا بخلاف وط ء الأمة المنذور التصدق بها، فإن حكمه حكم وط ء أمته في حال الحيض. فالحرمة التكليفية الصرفة غير مؤثرة في رفع أثر العلوق، بل لو لم تؤثر الحرمة في المقام يلزم من وجودها عدمها، وبعد تأثير الوط ء فمقتضاه تحقق الحنث لا الانحلال. ثم إن هذا كله بعد فرض بقاء المنذور التصدق به في ملك الناذر، كما في غير نذر النتيجة إذا كان مطلقا، وإلا لا أثر للعلوق كما لا يخفى. قوله (قدس سره): (ومنها: ما إذا كان علوقها من مكاتب مشروط.... إلى آخره). لا يخفى أن المكاتب المشروط قبل أداء جميع مال الكتابة إذا وطئ الأمة التي اشتراها بناء على أنه في حكم الحر تصير الأمة المستولدة ام الولد فعلا، ولذا لا إشكال في أن ولده منها حر، إلا أنه إذا فسخت كتابته يرجع إلى الرقية، فيجوز لمولاه أن يبيع أمته المستولدة، فيصير المقام من موارد القسم الثالث. قوله (قدس سره): (والقسم الرابع.... إلى آخره).

[ 327 ]

لا يخفى أنه بعدما علم من أن المدار في انعتاق ام الولد إرث الولد منها فإذا حرم من الإرث لأحد موانع الإرث: من القتل أو الارتداد أو لعدم تحقق العلوق على وجه ينسب الولد إلى أحد أبويه فلا مانع من بيعها، لأنه لا أثر لإبقائها في ملكه. هذا تمام الكلام في هذا القسم من الملك الغير الطلق. والإنصاف أن المصنف قد أجاد في تبويب المواضع القابلة للاستثناء، فجزاه الله عن الإسلام وأهله خير الجزاء، ولكن الأسف أن هذه المسألة لا موضوع لها في عصرنا. * * * قوله (قدس سره): (ومن أسباب خروج الملك عن كونه طلقا: كونه مرهونا.... إلى آخره). لا إشكال في أن الرهن يوجب منع المالك عن التصرف في العين المرهونة كمنع المرتهن عن التصرف فيها. ولا إشكال أيضا في أنه لو تصرف المرتهن فيها يتوقف نفوذ تصرفه على إجازة الراهن. إنما الكلام في أن تصرفات الرهن أيضا حكمها حكم تصرف المرتهن في أنها تنفذ بإجازة المرتهن وبفك الرهانة وبإسقاط المرتهن حقه، أو إبرائه الراهن من الدين، أو أنها تقع باطلة لا تصححها الإجازة ولا غيرها؟ قولان. ثم على الصحة هل يجري نزاع الكشف والنقل، أو لابد من القول بالنقل؟ فالبحث فيها من جهات: الاولى: في صحتها بالإجازة، والأقوى هو الصحة، لأن غاية ما استدل به للبطلان هو ما أفاده صاحب المقابس (1): من أن القدر المتيقن من صحة الفضولي هو ما إذا قصد الفضولي البيع من المالك فأجازه المالك، وذلك لا يتصور في بيع الراهن، لأنه هو بنفسه يكون مالكا، فلا يمكن أن يقصد البيع من غيره، ولكنه


(1) مقابس الأنوار: ص 190.

[ 328 ]

ممنوع جدا، لأن التمسك بالقدر المتيقن مبني على كون الفضولي مخالفا للقاعدة. وبعد ما عرفت في بحث الفضولي كونه على طبق القاعدة فلا وقع له أصلا. وإجمال ذلك: أن الأفعال على قسمين: قسم لا يقبل النيابة أصلا، فهذا خارج عن محل بحث الفضولي موضوعا، لأن ما لا يقبل النيابة في أصل صدوره فعدم قبول وقوعه عن الغير بإجازة منه أولى. وقسم يقبل النيابة، وهذا أيضا على قسمين: قسم لا ينفك الفعل عن الأثر المترتب عليه والموجد به كالضرب، وهذا أيضا لا يقبل لأن يستند إلى الغير بإجازة منه، لأن الفعل لا ينقلب عما هو عليه، ولا يتغير بإمضاء الغير عما وقع. ويلحق بهذا القسم مطلق الأفعال التي ليس لها مسبب توليدي كالصلاة والصوم ونحو ذلك فإنها وإن كانت قابلة للنيابة في بعض الموارد إلا أنها ليست قابلة لوقوعها عن غير الفاعل بإجازة منه، لأن الفعل بما هو فعل صادر عن الفاعل لا ينقلب عما هو عليه. وقسم يمكن أن ينفك الأثر عنه، وهذا يمكن أن يستند إلى الغير بإجازة منه، والعقود والإيقاعات من هذا القبيل، غاية الأمر أن بعض الإيقاعات خرج بالإجماع عن باب الفضولي، وقد عرفت أن بعضها لا يمكن أن يكون من مصداق الفضولي. وعلى أي حال لا إشكال في أن العقود لها جهتان: جهة نفس الكلام الصادر عن الفضولي، ومن هذه الجهة: القول غير قابل لأن يستند إلى الغير بالإجازة. وجهة مترتبة عليه، وهو الموجد بهذا الكلام والمنشأ بهذا الإنشاء الذي يعبر عنه بالمسببات المترتبة على الأسباب، وهذا الموجد حيث إنه بمجرد إيجاد آلته لا يتحقق في عالم الاعتبار من كل من أوجده، بل يعتبر أن يكون له الولاية على ذلك، فإذا صدر آلة الإيجاد من الغير فيمكن أن يتعلق الإمضاء به من المالك ومن له الولاية. وحيث إن ما أوجده الفضولي ليس إلا تبديل المالين وتغيير طرفي

[ 329 ]

الإضافتين - وهو الركن في باب العقود - لا قصد كونه لنفسه أو لغيره فإنه لغو، وهذا التبديل لا يتحقق بمجرد بيع الفضولي، بل يقع موقوفا، فبإجازة من له الولاية يستند إليه هذا المنشأ والموجد، ولا يتوقف على دليل خارجي غير عمومات أدلة العقود، مع أن من التعليل الوارد في باب نكاح العبد يستفاد صحة الفضولي في جميع أبواب العقود، فإنه إما من منصوص العلة، أو مستنبط العلة القطعية، فيتعدى منه إلى كل ما هو مشترك معه في العلة. فإن قوله (عليه السلام) معللا صحة نكاح العبد بالإجازة: " بأنه لم يعص الله، إنما عصى سيده " (1) يمكن أن يكون من قبيل قوله (عليه السلام): " الخمر حرام لأنه مسكر " (2) في كونه منصوص العلة، فإن ضابطه أن تكون العلة بمنزلة الكبرى الكلية، والمورد بمنزلة الصغرى لها، وهذا يتوقف على أن لا يكون للمورد خصوصية يحتمل أن تكون العلة مخصوصة به، كما إذا قيل: الخمر حرام لإسكاره، وأن لا يكون الحكم المعلل متخصصا بخصوصية موجبة للفرق بين الموارد المحكومة بهذا الحكم كما في المثال، فإن الحرمة في جميع الموارد على سنخ واحد. وتقريب منصوص العلة في المقام أن يكون قوله: " عصى سيده " بمنزلة عصى غيره بحيث يفهم عرفا عدم مدخلية التصرف في سلطان السيد، بل المدار على التصرف في متعلق حق الغير مطلقا. ويمكن أن يكون من قبيل مستنبط العلة بحيث لم يكن اللفظ بمدلوله شاملا لغير مخالفة العبد سيده، بل يستفاد منه أن المناط فيه هو التصرف في حق الغير، وإذا كان استفادة هذا المعنى قطعيا فيخرج عن القياس، وإلا فلا اعتبار به. ولا شبهة في تنقيح المناط القطعي والجزم بعدم الفرق بين تصرف العبد في سلطان المولى، أو تصرف الراهن في متعلق حق المرتهن، أو تصرف المفلس في


(1) الكافي: ج 5 ص 478 ح 3، عنه وسائل الشيعة: ب 24 نكاح العبيد ح 1 ج 14 ص 523. (2) لم نعثر على النص المذكور لكنه مضمون روايات تحريم الخمر، لاحظ وسائل الشيعة: ب 9 من أبواب الأشربة المحرمة ج 17 ص 237 - 244.

[ 330 ]

متعلق حق الغرماء، أو تزويج الأمة على الحرة، أو تزويج بنت الأخ أو الاخت على العمة أو الخالة، أو بيع من عليه الزكاة المال الزكوي، فإن في جميع موارد تصرف من ليس له السلطنة التامة إما لقصور في المقتضي كبيع مال الغير، أو لوجود المانع كبيع الراهن العين المرهونة إذا أجاز من له الحق ينفذ التصرف، بل لو ارتفع المانع بفك الرهانة أو إبراء المرتهن صح بيع الراهن، لأنه لم يكن فيه جهة نقص إلا كون المبيع متعلقا لحق الغير، فإذا ارتفع حق الغير يرتفع النقص، بل صحة بيع الراهن بإجازة المرتهن ونحوها أولى من صحة بيع الفضولي بإجازة المالك. وبالجملة: ما اعتبره صاحب المقابس في صحة الفضولي من قصد النيابة عن المالك مما لم يقم عليه دليل. هذا، مع أنه لم يعلم أنه (قدس سره) هل اكتفى في صحة هذا القسم بإمكان قصد الفضولي النيابة عن الغير، أو اعتبر فعليته؟ وعلى كلا التقديرين لا وجه له، فإن مجرد الإمكان مع عدم قصده النيابة لا أثر له، ولا يجعل العقد بما هو فعل صادر من الفضولي عقدا للغير بإجازته، ولا يخرجه عن الحرمة على ما ادعاه: من أن العقد أو الإيقاع إن وقع بطريق الاستقلال في الأمر لا على وجه النيابة عن المالك فالظاهر أنه محرم (1). واعتبار الفعلية أيضا لا دليل عليه بعد كون الثمن والمثمن معينين في الخارج، فإن قوام المعاوضة ليس بتعيين المالكين كما تقدم. وما أفاده في قوله: الذي يظهر من تتبع أدلة العقود أنها ما لم تنته إلى المالك فيمكن وقوعها موقوفة على إجازته، وأما إذا انتهت إليه وصدرت منه فإما تقع باطلة أو صحيحة (2) ففيه: أنه لا وجه للفرق بين القسمين، فإنها لو صدرت من المالك أيضا إذا تعلق بمتعلقها حق الغير أمكن وقوعها موقوفة على إجازته. وما أفاده: من أن التعليل المستفاد من الرواية المروية في النكاح - وهو


(1) مقابس الأنوار: ص 190 س 16. (2) المصدر السابق: ص 190 س 24 وما بعده.

[ 331 ]

قوله (عليه السلام): " لم يعص الله، وإنما عصى سيده " - إنما يجري في من لم يكن مالكا كالعبد وأما الراهن فهو عاص لله (1) ففيه ما لا يخفى، فإن المراد من عصيان الله هو مخالفته في ما لم يمضه كالنكاح في العدة، لا مخالفته في التعدي في حق الغير، فإن هذا هو معصية الغير فإذا أجاز جاز. وما أفاده: من أن الحرمة لو لم تكن لأمر خارج عن عنوان المعاملة توجب الفساد (2) ففيه ما تقدم من الأجوبة الخمسة عمن استدل لبطلان الفضولي بحكم العقل والنقل على عدم جواز التصرف في مال الغير إلا بإذنه، وهي منع كون مجرد العقد على متعلق حق الغير تصرفا أولا، ومنع حرمة كل تصرف ثانيا، وإمكان فرض رضا المرتهن ثالثا، ومنع اقتضاء كل حرمة فسادا رابعا، وأن الفساد من قبل الفضولي لا يلازم الفساد المطلق خامسا. هذا، مع أن الحرمة المتصورة في المقام هي تسليم الراهن العين المرهونة إلى المشتري دون مجرد العقد عليها، ولذا اعترف بصحة بيع المرتهن بإجازة الراهن، مع أن كلا منهما ممنوعان من التصرف في العين المرهونة فكيف لا تقتضي حرمة تصرف المرتهن فساد بيعه وتقتضي فساد بيع الراهن؟ ولو أجاب بأن توقع المرتهن إجازة الراهن يخرج تصرفه عن الحرمة ففيه: أنا نفرض الكلام أيضا في ما إذا باع الراهن متوقعا لإجازة المرتهن. نعم، هاهنا إشكالان آخران قد يتوهم اختصاصهما بالمقام دون سائر أقسام الفضولي: أحدهما: أنه بناء على الكشف - كما هو مختار جمع من المحققين (3) - يلزم أن يكون ملك غير الراهن رهنا، لأن الإجازة تكشف عن كون المبيع ملكا للمشتري،


(1) المصدر السابق. (2) المصدر السابق: ص 190 س 13. (3) منهم المحقق الثاني في جامع المقاصد: ج 5 ص 75 - 76، والعاملي في مفتاح الكرامة: ج 5 ص 118 س 22، وصاحب الجواهر في جواهره: ج 25 ص 199.

[ 332 ]

فيلزم أن يكون ملكه من زمان العقد إلى زمان الإجازة وثيقة لدين البائع، فيجب إما الحكم ببطلان البيع، أو ببطلان الرهانة. وفيه: أن القائل بالكشف إذا تخلص من إشكال الشرط المتأخر فهذا الإشكال ونظائره لا تضره، لأنه يلتزم ببطلان الرهانة من حين صدور البيع، ولا يلزم محذور. هذا، مع أن هذا الإشكال بعينه يجري في سائر أقسام الفضولي، فإن في المقام يجري إشكال اجتماع البيع والرهن، وفي ما إذا باع مال الغير يجري إشكال اجتماع مالكين في زمان واحد على شئ واحد.... وهكذا. ثانيهما: أنه يدخل المقام في مسألة " من باع شيئا ثم ملك "، غاية الفرق: أن في تلك المسألة صار البائع الفضولي مالكا للمبيع، وفي المقام صار مالكا للبيع، فإنه قبل إجازة المرتهن لم يكن مالكا للبيع، وبعد الإجازة ينكشف كونه مالكا له، لأن إجازة المرتهن: عبارة عن إسقاط حقه، وإذا أثر إسقاط حقه حين الإجازة في سقوطه من زمان البيع ينكشف كون الراهن مالكا للبيع فيدخل في مسألة " من باع شيئا ثم ملك " التي اخترنا فيها فساد البيع، سواء أجاز أم لا. وفيه أيضا: أن إدخال المقام في مسألة " من باع شيئا ثم ملك " عبارة اخرى عن الإشكال الوارد على الكشف، وهو أنه كيف يكون ما هو جزء العلة لتحقق الملك كاشفا عن تحقق المعلول قبل ذلك؟ ففي المقام أيضا يلزم أن يكون ما هو جزء العلة لسلطنة البائع على البيع - وهو الإجازة - كاشفا عن سلطنته قبل ذلك، ومرجع الإشكال إلى أنه كيف يكون الشئ علة لعدمه؟ وكيف يجتمع حجر الراهن عن البيع مع سلطنته عليه؟ وإلا فغير هذا الإشكال لا يرد على الإجازة، لأن توقف بيع الراهن على إجازة المرتهن كالعكس ليس من صغريات " من باع شيئا ثم ملك "، بل الصغرى لهذه الكبرى: هي أن يتحقق الملك بعد البيع بغير إجازة المالك الأول، وبغير إجازة المرتهن وسائر ذوي الحقوق، وهذا إنما يجري في المقام إذا ارتفع موضوع الرهانة بأداء الدين، أو بإسقاط المرتهن. وسيأتي الكلام فيه.

[ 333 ]

الجهة الثانية: في أن النزاع في الكشف والنقل هل يجري في إجازة المرتهن أم لا؟ قد يتوهم أنه لا موضوع لإجازة المرتهن في المقام حتى يجري فيه نزاع الكشف والنقل، بل يتوقف صحة بيع الراهن إما على إسقاط المرتهن حقه، أو على فك الراهن الرهانة. وأما إجازة المرتهن فلا أثر لها، لأن الإجازة إنما تؤثر في عقد الفضولي من باب أنها توجب استناده إلى المجيز، وبها يصير مخاطبا ب‍ " أوفوا بالعقود " (1)، والمرتهن لا يمكن أن يتوجه إليه خطاب " أوفوا "، فلا أثر لإجازته ولا لرده، لأنه بالنسبة إلى أصل الملك أجنبي، غاية الأمر له حق بالنسبة إلى العين يوجب عدم نفوذ بيع الراهن إلا بزوال هذا الحق إما بإسقاطه، أو بإبرائه من الدين، أو بفك الراهن الرهانة. ولكنه لا يخفى فساد التوهم، فإن خطاب " أوفوا بالعقود " ليس تكليفيا حتى يقال بأنه لا يتوجه إلى المرتهن، بل هو خطاب وضعي، وكناية عن أن العقد نافذ وممضى، فكل من له إضافة الى الملك له إنفاذه. ولا شبهة أن المرتهن له حصة من الإضافة ومرتبة منها بالمقدار الذي نقص من الراهن، ولذا يعبر عن ملكه ب‍ " الملك الغير الطلق "، وعدم طلقيته ليس إلا من جهة واجدية المرتهن مرتبة منه، فله ملك إقرار العقد وإزالته، بل تنفذ إجازة كل من هو نظيره كإجازة الغرماء عقد المفلس، وإجازة الورثة وصية الميت فيما زاد عن الثلث، وإجازة العمة والخالة العقد على بنت الأخ والاخت، وغير ذلك، فإذا كانت الإجازة مؤثرة في هذه الموارد فمقتضاه أمران: أحدهما: أن رد ذي الحق أيضا مؤثر ويوجب إبطال أثر العقد، فإن في جميع هذه الموارد ملك كلا الأمرين من الإقرار والإزالة ثابت لذي الحق، فبعد الرد لا تؤثر الإجازة ثانيا. نعم، إنما يؤثر الرد في المقام في مورد فعلية حق المرتهن، وهو ما إذا حل


(1) المائدة: 1.

[ 334 ]

أجل الدين، وأما لو لم يحل فلا يؤثر، لأن العين إنما تكون مخرجا للدين إذا كان للدائن حق المطالبة وقبل ذلك وإن كان له الإجازة التي أثرها إسقاط حقه الذي يتحقق بعد ذلك. وأما رده فحيث إنه يمكن للراهن فك الرهانة قبل حلول الأجل فلا يؤثر فعلا، فله الإجازة بعد ذلك. وثانيهما: جريان نزاع الكشف والنقل فيها على ما تقدم سابقا من أن أركان العقد ثلاثة: منها: ما به يتحقق عقدية العقد كشرائط الإيجاب والقبول. ومنها: ما هو في عرض أجزاء العقد جزء مؤثر في المنشأ وإن تم العقد بدونه كالقبض في بعض العقود. ومنها: ما يوجب نفوذ العقد كالإجازة، وما لا يجري فيه نزاع الكشف والنقل هو القسمان الأولان. وأما الإجازة: كانت من المالك أو غيره فيجري فيها النزاع، لأن مناط جريانه في إجازة المالك ليس من باب أن المالك يسند عقد الفضولي الى نفسه حتى يقال: إن إجازة المرتهن ليس فيها هذا المناط، بل من باب أن ما أوجده الفضولي إنما وجد في عالم الإنشاء، لا في عالم الاعتبار، وتحققه في عالم الاعتبار إنما هو بإمضاء المالك أو من له الحق، وهذا وإن اقتضى النقل على ما هو الصواب ولكن القائل بالكشف الذي يدعي أن بالإجازة يستكشف تحقق المنشأ في عالم الاعتبار حين الإنشاء يجب أن لا يفرق بين إجازة المالك وإجازة المرتهن، لأن كلا منهما كاشف عن تحقق المنشأ حين الإنشاء، لأن المفروض أن العقد في جهة العقدية تام، ولا يتوقف تحقق المنشأ على أمر آخر كتوقف بعض العقود على القبض، فإذا كان العقد سببا تاما فلا فرق بين الأبواب أصلا. وقد تقدم في الفضولي أنه لا وجه لما عن المحقق الثاني (1) مع توغله في الكشف من اختيار النقل في إجازة المرتهن.


(1) جامع المقاصد: ج 5 ص 75 - 76، وفيه أنه (قدس سره) قرب الكشف في المقام.

[ 335 ]

وبالجملة: بناء على صحة الكشف الحقيقي لا فرق بين الأبواب، إنما الكلام في الكشف الحكمي، ومقتضى ما وجهناه به: من أنه على القاعدة وأنه متوسط بين النقل والكشف الحقيقي لا بد من الاطراد في جميع الأبواب. وأما بناء على أنه ثبت بالتعبد فلو علم اطراد المناط في الأبواب قطعا فهو، وإلا يجب البناء على النقل. الجهة الثالثة: في صحة بيع الراهن بفك الرهانة، أو إسقاط المرتهن حقه، أو إبرائه الراهن من الدين وعدمها، ومنشأ الإشكال توهم دخول بيع الراهن في مسألة " من باع شيئا ثم ملكه ". وحيث إن الأقوى هو البطلان سواء أجاز البائع أم لا فينبغي الحكم بالبطلان في المقام. وحاصل الإشكال: هو الفرق بين إجازة المرتهن وسائر ما يوجب سقوط حقه، فإن مفاد إجازته حيث إنه إنفاذ بيع الراهن وإمضاؤه فيوجب صحته، ويكون أثرها سقوط حقه، لأنه أنفذه وأمضاه في زمان ثبوته، وسقوط حقه مترتبا على إنفاذه يرفع المنع عن صحة بيع الراهن. وأما السقوط بغير جهة الإجازة فحيث إنه لا تعرض فيه للعقد فالعقد باق على حاله، فلا إجازته بعد ذلك مؤثرة لخروج المبيع عن كونه متعلقا لحقه، ولا إجازة الراهن، لأنه باع في زمان لم يملك البيع، ونفس الإجازة ليست عقدا مستأنفا، ولا معنى لتنفيذ ما صدر عن نفسه. وبالجملة: المسألة بعينها داخلة في باب " من باع شيئا ثم ملك "، لأنه لا فرق بين أن لا يملك الفضولي المبيع ثم ملكه، أو لا يملك البيع ثم ملكه. ولكنه لا يخفى عليك فساد هذا التوهم، لأنه لم يكن تمام الملاك في صحة بيع الراهن بإجازة المرتهن كون الإجازة مفادها الإمضاء والإنفاذ حتى لا يجري هذا الملاك في السقوط بنحو آخر، بل مناطها كون الإجازة رفعا للمانع. وبعبارة اخرى: فرق بين العقد الذي صدر ممن لا يملك المبيع، أو ممن لا يملك البيع، فإن الأول عقده موقوف، لقصور في المقتضي، ويشبهه العبد إذا تزوج بغير إذن السيد، والثاني عقده موقوف لوجود المانع، فإذا كان لقصور في المقتضي

[ 336 ]

فلو ملك المبيع لا يمكن أن يصح البيع بالملكية الحاصلة بعد العقد، فإنه حين وقوعه كان موقوفا على إجازة مالكه، ومن كان مالكا لم يجزه حين البيع، ولا مجال لتأثير إجازته بعد ذلك، لصيرورته بالنسبة إلى المبيع أجنبيا، ومن صار مالكا لا يفيد إجازته، لعدم كونه مالكا حين البيع فضلا عما إذا لم يجز. وأما إذا كان لوجود المانع فعقده لا قصور فيه إلا كون المبيع غير طلق ومتعلقا لحق الغير، فإذا تم طلقيته وزال حق الغير فلا مانع من صحته. ثم إن نزاع الكشف والنقل يجري فيه أيضا، لما عرفت من أن المدار ليس على مدلول لفظ " أجزت " حتى يقال: السقوط بنحو آخر غير متعرض للعقد، بل على تمامية العقد، وكشف السقوط عن كونه سببا تاما، فيؤثر من أول الأمر. نعم، القول بالكشف فاسد من أصله، لامتناع الشرط المتأخر، ولكنه على فرض صحته فبرهان الصحة يجري في جميع الأبواب. * * * قوله (قدس سره): (مسألة: إذا جنى العبد عمدا بما يوجب قتله أو استرقاق كله أو بعضه فالأقوى صحة بيعه.... إلى آخره). لا يخفى أن مقتضى ما ذكره الفقهاء في مقام تمييز الحقوق من جعل حق الجناية مقابلا لحق الرهانة: هو صحة بيع العبد الجاني وإن جنى عمدا، فضلا عما إذا جنى خطأ أو شبه العمد، وذلك لأن مقصودهم من قولهم: إن حق الفقراء - مثلا - على المال الزكوي هل هو من قبيل حق الرهانة أو حق الجناية؟ أن الجناية وإن كانت من الحقوق المتعلقة بالعبد الجاني إلا أنها ليست من قبيل الرهانة التي يعتبر فيها أن يكون المال المرهون مخرجا للدين من ملك الراهن، فإذا صح بيعه فلابد من أن يبطل الرهن، وحيث إنه لا وجه لبطلانه مع كونه أسبق من البيع فلا محالة يبطل البيع. وأما حق الجناية فلا يشترط في استيفائه بقاء الجاني في ملك من كان مالكا

[ 337 ]

له حين الجناية، فلا مانع من بيعه، ومجرد تعلق حق المجني عليه أو ورثته به لا يوجب عدم نفوذ بيع مولاه، لعدم كون البيع مانعا من استيفاء الحق، بل يتبعه المجني عليه أو ورثته أينما انتقل. وبالجملة: نفوذ بيع الراهن يتوقف على سقوط حق المرتهن إما بإجازته للبيع، أو إسقاطه حق الرهانة، أو إبرائه الدين. وأما نفوذ بيع مولى الجاني فلا يتوقف على إمضاء المجني عليه أو أوليائه، لا في الجناية العمدية ولا الخطئية. نعم، لو قيل بخروج العبد عن ملك المولى بمجرد جنايته عمدا وانتقاله إلى المجني عليه أو ورثته يدخل بيع المولى في عقد الفضولي. ولكن الظاهر ضعف هذا القول وإن حكي عن الشيخ: أنه استدل بإجماع الفرقة على أنه إذا جنى عمدا ينتقل الى ملك المجني عليه. واستظهر ذلك أيضا من عبارة الإسكافي المحكية عنه في الرهن. واستدل له أيضا بما رواه في الوسائل، عن الشيخ بإسناده، عن علي بن عقبة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن عبد قتل أربعة أحرار واحدا بعد واحد؟ قال: فقال: " هو لأهل الأخير من القتلى، إن شاؤوا قتلوه، وإن شاؤوا استرقوه، لأنه إذا قتل الأول استحق أولياؤه، فإذا قتل الثاني استحق من أولياء الأول فصار لأولياء الثاني، فإذا قتل الثالث استحق من أولياء الثاني فصار لأولياء الثالث، فإذا قتل الرابع استحق من أولياء الثالث فصار لأولياء الرابع، إن شاؤوا قتلوه، وإن شاؤوا استرقوه " (1). وجه الضعف: أن الإجماع المبني على قاعدة اللطف ليس بحجة، ولم ينعقد إجماع في المسألة على مصطلح المتأخرين كما يطلع عليه الفقيه بالمراجعة إلى مصنفات الأصحاب. وعليك بمراجعة المقابس، فإن مصنفه (قدس سره) قد بذل جهده في نقل أقوال القوم، جزاه الله وإياهم عن الإسلام خير الجزاء.


(1) وسائل الشيعة: ب 45 من أبواب القصاص في النفس ح 3 ج 19 ص 77.

[ 338 ]

وأما الرواية فهي وإن كانت دالة عليه صدرا وذيلا إلا أنه يعارضها روايات اخرى. ففي صحيحة زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) في عبد جرح رجلين، قال: " هو بينهما إن كانت جنايته تحيط بقيمته، قيل له: فإن جرح رجلا في أول النهار وجرح آخر في آخر النهار؟ قال: هو بينهما ما لم يحكم الوالي في المجروح الأول فدفعه إليه بجنايته فجنى بعد ذلك... الحديث " (1). فإن ذيلها ظاهر في أن المجني عليه لا يملكه بالجناية، وإلا لكان من الثاني وإن دفعه الحاكم إلى الأول. وعن الكافي بإسناده، عن أبي بصير قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن مدبر قتل رجلا عمدا؟ فقال: يقتل به، قال: قلت: فإن قتل خطأ؟ قال: فقال: يدفع إلى أولياء المقتول فيكون لهم رقا، فإن شاؤوا باعوا، وإن شاؤوا استرقوا، وليس لهم أن يقتلوه (2). فإن الدفع ظاهر في أن القتل بنفسه ليس من أسباب الملك، فتأمل. بل ظاهر ذيل رواية عقبة أيضا ذلك، فإن الاسترقاق في مقابل القتل يقتضي عدم انتقال العبد إلى ملك ورثة المجني عليه بمجرد القتل. وكيف كان، بناء على عدم خروج العبد عن ملك المولى لا مانع من تصرف المولى فيه، من غير فرق بين العتق وغيره، ومن غير فرق في الجناية بين العمدية والخطئية، ومن غير فرق في الخطأ بين كون المولى موسرا أو معسرا، لا لأنه في حكم الأرمد والمريض، فإن الفرق بينهما وبين الجاني في غاية الظهور، فإن الجاني قد تعلق به حق الغير دونهما، بل لأنه ليس كل حق مانعا عن نفوذ التصرف، وإنما المانع هو التصرف الموجب لزوال الحق كتصرف الراهن، فإن نفوذه مع بقاء الرهانة لا يجتمعان، وعلى هذا فلمالك الجاني أن يتصرف في العبد من دون


(1) تهذيب الأحكام: ج 10 ص 195 ح 775، عنه وسائل الشيعة: ب 45 من أبواب القصاص ح 1 ج 19 ص 77. (2) الكافي: ج 7 ص 305 ح 8، عنه وسائل الشيعة: ب 42 من أبواب القصاص ح 1 ج 19 ص 75.

[ 339 ]

مراجعة ذي الحق، ولا يحرم عليه التصرف تكليفا أيضا، وهذا بخلاف مالك المرهون فإنه يحرم عليه التصرف تكليفا: كعدم نفوذه منه وضعا. ثم إنه لا يتوقف صحة بيعه في الجاني خطأ على إفدائه أولا، أو الالتزام بالفداء ثم البيع، بل يصح بيعه من دون ذلك. ولا وجه لما أفاده العلامة من أن البيع بنفسه هو التزام بالفداء، فإن البيع بناء على ما تقدم ليس إتلافا للعبد حتى يكون بيعه التزاما بالفداء، لأن المجني عليه أو وليه يتبع العبد أينما انتقل، غاية الأمر لو كان المشتري جاهلا بذلك فله الخيار. نعم، صحة عتقه تتوقف على ذلك، لأن العتق لا يجتمع مع تعلق حق الغير به إلا أن يكون الحق قصاصا فإنه يجتمع مع الحرية. ولذا قال في الشرائع: إذا قتل العبد حرا عمدا فأعتقه مولاه صح ولم يسقط القود. نعم، لو كان لورثة المجني عليه القصاص أو الاسترقاق فالعتق ينافي حقهم. ولذا قال المحقق بعد الكلام المتقدم ولو قيل: لا يصح لئلا يبطل حق الولي من الاسترقاق كان حسنا، وعليك بمراجعة كتب القوم فإن كلماتهم مضطربة. * * * قوله (قدس سره): (مسألة: الثالث من شروط العوضين: القدرة على التسليم.... إلى آخره). قد يتخيل أن عد هذا الشرط من شروط المتعاقدين أنسب من جعله من شروط العوضين، لأن مرجعه الى مانعية عجز البائع عن صحة العقد. ولكن الأولى هو ما صنعه المصنف (قدس سره) تبعا للأساطين، لأن مناط مالية المال هو كونه بحيث يتسلط مالكه على قلبه وانقلابه بأي نحو من أنحاء التصرف، ومع عدم تمكنه من التصرف فيه بنحو من الأنحاء كالسمك في البحر والطير في الهواء لا يعد من الجدة الاعتبارية، فإن المال وإن لم يكن من الجدة الاصطلاحية إلا أنه مثلها في مقام الاعتبار العقلائي، فلو لم يكن قابلا لتصرف مالكه إلا بنحو العتق الذي لا يعد أثرا لماليته لا يكون مالا اعتبارا بحيث يكون منشأ للآثار عند العقلاء.

[ 340 ]

وبالجملة: مالية الأموال في عالم الاعتبار إنما هي باعتبار كونها منشأ للآثار، وإذا لم يكن كذلك فلا يعده العقلاء مالا وإن ترتب عليه بعض الآثار الجزئية، فهذا الشرط في الحقيقة من شروط العوضين. وكيف كان فينبغي التنبيه على الفرق بين تعذر التسليم الذي هو مانع عن صحة البيع وتعذره الموجب للخيار. فنقول: لو لم يمكن التسليم من المنتقل عنه ولا التسلم من المنتقل إليه فهو مورد عدم صحة البيع، فيرجع شرطية القدرة على التسليم إلى اعتبارها في الجامع بينهما. وأما لو كان المنتقل عنه عاجزا دون المنتقل إليه أو كان المنتقل عنه قادرا ابتداء ثم طرأ العجز فهو مورد الخيار. والسر في ذلك: هو أنه لو لم يمكن التسليم والتسلم فهذا المال لا يعتبره العقلاء مالا. وأما إذا كان المنتقل عنه متمكنا من التسليم في وقت لزومه وماطل حتى طرأ العجز، أو كان من أول الأمر عاجزا ولكن كان المنتقل إليه متمكنا من التسليم فمناط مالية المال موجود فيه، ويتدارك نقصه بالخيار للمنتقل إليه إذا كان جاهلا بعجز المنتقل عنه، لأن منشأ الخيار في غير خيار الحيوان والمجلس هو تخلف الشرط الصريح أو الضمني الذي يتضمنه كل عقد معاوضي التزاما، وهذه الدلالة الالتزامية فرع تمامية العقد من حيث الأركان. وأما إذا كان العقد متعلقا بما كان فاقدا لمناط مالية المال ولا يمكن التبديل والتبدل من حيث المدلول المطابقي فهو موجب للفساد، فالدليل على اعتبار هذا الشرط في صحة العقد هو عدم عد العرف والعقلاء ما لا يمكن تسليمه ولا تسلمه مالا، ولا يرتبون عليه أثرا. ولذا مثل الأساطين لفقد هذا الشرط ببيع السمك في الماء والطير في الهواء، مع عدم اعتياد رجوعهما إلى الحالة التي يمكن إقباضهما وقبضهما. ولا يقال: لو كان في هذا النحو من المال قصور في جهة المالية لزم جريان قاعدة التلف قبل البيع فيه لو فرض كونه حال العقد مثل سائر الأموال ثم قبل التسليم صار كذلك.

[ 341 ]

لأنا نقول: وإن كان هذا المال في عالم الاعتبار قاصرا عما عليه سائر الأموال إلا أنه ليس كالعدم بحيث يعد تالفا، وقاعدة كون التلف قبل القبض من مال بائعه تختص بما إذا تلف حقيقة، ولا تشمل ما إذا نقصت ماليته. ولذا لو باع الجمد في الصيف أو الماء في المفازة ولم يسلمه إلا في مكان نقصت قيمته وضعفت اعتباريته العقلائية لا يلتزمون بانفساخ المعاملة لقاعدة التلف قبل القبض. وكيف كان فهذا المناط أيضا يقتضي فساد الإجارة لو لم يمكن لمالك الدار تسليمها إلى المستأجر، ولا للمستأجر تسلمها، ويقتضي الصحة مع الخيار لو طرأ العجز للمالك، أو كان المستأجر قادرا على الاستيفاء. نعم، استدل العلامة أيضا على ذلك بالنبوي المشهور بين الفريقين، وهو " نهى النبي (صلى الله عليه وآله) عن بيع الغرر " (1)، والظاهر أنه من أقضيته (صلى الله عليه وآله) التي جمعها أحمد بن حنبل في مسنده (2) ورواها عنه (صلى الله عليه وآله) عبادة بن الصامت الذي هو من خيار الصحابة. ولكن أصحابنا - رضوان الله عليهم - فرقوها في الأبواب. وحيث إن الرواية مشهورة وهي مستند الأصحاب في الفتوى فلا يضر إرسالها. وأما دلالتها فأهل اللغة وإن اختلفوا في تفسير الغرر. فبعضهم (3) جعله من الغرة بمعنى: الغفلة. وبعضهم (4) من التغرير بمعنى: الخدعة والإغفال. وبعضهم (5) فسره بالخطر. إلا أن مرجع الكل واحد، غاية الأمر بعضهم أخذ


(1) تذكرة الفقهاء: ج 1 ص 466 س 24. (2) مسند ابن حنبل: ج 5 ص 313 - 330، لكن ليس فيه الحديث المذكور بل رواه في موضع آخر عن ابن عباس، لاحظ مسنده: ج 1 ص 302، وسائل الشيعة: ب 40 من أبواب آداب التجارة ح 3 ج 12 ص 330. (3) كالجوهري في الصحاح: ج 2 ص 768 مادة " غرر ". (4) كالفيروز آبادي في القاموس: ج 2 ص 101 مادة " غره ". (5) كالفيومي في المصباح: ص 445 مادة " غرر ".

[ 342 ]

بالمبادئ، وبعضهم أخذ بالغايات وترك المبادئ، ولذا فسره بالخطر الذي هو نتيجة الغفلة والإغفال. ثم إن كلا من الغرة والغرور والغرر يستلزم الجهل بواقع الأمر، لأنه لو كان الشخص عالما به فإقدامه يوجب سلب هذه العناوين عنه. نعم، قد تكون هذه المعاملة سفهية، وهذا أمر آخر غير عنوان الغرر، فالغرر سواء كان بلحاظ سببه - وهو الغفلة أو الخدعة - أو بلحاظ المسبب - وهو الخطر - يقتضي الجهل بما يغتر به وما يقع في ضرره، سواء كان جهلا بالوجود، أو الحصول، أو بصفات المبيع. ثم إن تقريب الاستدلال بالنبوي على فساد المعاملة إذا كان المبيع مجهول الحصول كما هو مفروض البحث موقوف على ذكر محتملات النبوي الشريف. فنقول: نهيه (صلى الله عليه وآله) عن الغرر يحتمل أن يكون حفظا للنظام وسياسة للعباد، لئلا يقعوا في المشاجرة والتنازع. ويحتمل أن يكون إرشادا لدخل القدرة على التسليم، ولبيان شرطيتها أو مانعية العجز، نظير النواهي الغيرية الواردة في أجزاء المركب العبادي. ويحتمل أن يكون نهيا عن المسبب، كالنهي عن بيع العبد المسلم من الكافر، أو عن بيع المصحف منه، ودلالته على الفساد تتوقف على كونه على أحد الوجهين الأخيرين، والأقوى ذلك، لأن استدلال العامة والخاصة به يكشف عن كونه مسوقا لذلك. والدلالة السياقية وإن كانت موقوفة على كونها قطعية - وفهم العلماء لا يوجب الظهور في اللفظ، ولذا لا نقول بأن العمل يجبر ضعف الدلالة - إلا أنه في المقام خصوصية يمكن استفادة هذه الدلالة منه، وهي: أنه لو لم يكن الكلام الصادر عنه (صلى الله عليه وآله) في مقام بيان الفساد بل كان للنصح والإرشاد إلى ما لا يوقع في النزاع والتشاجر لم يتمسكوا به في باب اعتبار القدرة على التسليم، فمن ذلك يستكشف أن مع نهيه (صلى الله عليه وآله) قرينة على كونه مسوقا للنهي عن المسبب أو شرطية القدرة دون المعنى الأول، فتأمل. ومما استدلوا به على شرطية القدرة أيضا قوله (صلى الله عليه وآله) لحكيم بن حزام الدلال:

[ 343 ]

" لا تبع ما ليس عندك " بتقريب: أنه ليس مرجع النهي إلى اعتبار حضور العين خارجا، وإلا لما جاز بيع الكلي والغائب. ولا إلى اعتبار الملكية، وإلا كان المناسب أن يقال: " لا تبع ما ليس لك " فلابد أن يكون كناية عن المنع عن بيع ما لا يقدر عليه وليس تحت استيلائه، سواء كان منشأ عدم الاستيلاء كونه ملكا للغير، أو كونه غير قادر على تسليمه، فيشمل ما هو مورده، وهو بيع العين الشخصية المملوكة للغير، ثم شراؤها من مالكها وتسليمها بعد الشراء إلى المشتري كما هو ديدن الدلالين، وبيع العين التي لا يقدر على تسليمها فإن المورد لا يوجب التخصيص. ولكنك خبير بما في هذا التقريب، لأن عدم كون المورد مخصصا معناه: أن شخص حكيم بن حزام الذي توجه هذا النهي إليه لا خصوصية فيه، بل النهي يشمل كل من هو يبيع مال غيره ثم يشتريه من مالكه يسلمه إلى المشتري. وأما التعدي عنه إلى المقام فهو فرع عموم للكلام، وهو ممنوع. ثم لا يخفى ما في كلام المصنف في هذا المقام، لأنه على فرض شمول قوله (صلى الله عليه وآله) للمقام بأن يكون ما ليس عندك كناية عن اعتبار أمرين في البيع: أحدهما الملكية، وثانيهما القدرة على التسليم، فإخراج الفضولي عنه بأدلته لا وجه له، لأن من انتقل عنه الملك واجد للأمرين، وعدم مالكية مجري العقد وعدم كون المال تحت يده لا يضر بتحقق المعاملة، لأنه أجنبي عن المبيع، ولا يتوجه إليه قوله (صلى الله عليه وآله): " لا تبع ". وبالجملة: اعتبار الملكية وكون المال تحت اليد إنما هو في ناحية المسبب، لا في السبب. ثم لا وجه لاستدراكه بقوله: نعم يمكن أن يقال: إن غاية ما يدل عليه هذا النبوي، بل النبوي الأول أيضا فساد البيع، بمعنى عدم كونه علة تامة لترتب الأثر

[ 344 ]

المقصود، فلا ينافي وقوعه مراعى بانتفاء صفة الغرر وتحقق كونه عنده (1)، لأن كون البيع مراعى الذي هو عبارة عن كونه مشروطا بالشرط المتأخر على النحو الصحيح - وهو كونه مشروطا بوصف التعقب - يتوقف على دليل عقلي أو نقلي يساعد عليه العرف والعادة، كاشتراط صحة كل جزء من أجزاء المركب التدريجي بالآخر. وأما في المقام فلم يقم دليل على كون البيع مراعى بانتفاء صفة الغرر، فإذا كان العجز عن التسليم موجبا للغرر أو مشمولا لخطاب " لا تبع ما ليس عندك " فلابد من الالتزام بلغوية العقد رأسا. ثم لا وجه لقوله (قدس سره): ولو أبيت إلا عن ظهور النبويين في الفساد بمعنى لغوية العقد رأسا المنافية لوقوعه مراعى دار الأمر بين ارتكاب خلاف هذا الظاهر وبين إخراج بيع الراهن... إلى آخر كلامه (2). أما أولا: فلأن مسألتي الرهن والعبد الجاني لاتندرجان في جامع واحد كما ذكرنا ذلك في بيع العبد الجاني. وأما ثانيا: فما للبائع من الحق في المبيع في هذه الموارد قادر على تسليمه. وتوضيح ذلك: أنه لو كان المال مشتركا بين شخصين فعدم قدرة كل منهما على تسليم جميع المال لا يضر بالبيع بلا إشكال، لأن المناط هو القدرة على مقدار المبيع، لا القدرة على غيره. فلو قيل في باب الرهن: بأن للمرتهن حصة من الإضافة المالكية وللراهن أيضا حصة فبالمقدار الذي للراهن يقدر على تسليمه، وتوقف تسليم المبيع إلى المشتري على إجازة المرتهن أو فك الرهانة ونحوه لا يوجب عجز الراهن عن تسليم مقدار حقه. ولو قيل: إن ملكية المرتهن ملكية طولية لا اشتراكية، بمعنى أن ما يملكه


(1) المكاسب: كتاب البيع ص 186 س 16. (2) المكاسب: كتاب البيع ص 186 س 17.

[ 345 ]

الراهن هو تحت استيلاء المرتهن، فعدم قدرة الراهن على تسليم المبيع ليس إلا لعدم استيلائه على أصل البيع، لأنه لابد من بقاء الملك في ملكه حتى يستوفي المرتهن حقه، ففساد بيع الراهن ليس من جهة عدم القدرة، بل لوجود المانع. وبعبارة اخرى: وإن كان العجز الشرعي كالعجز الخارجي إلا أن محط نظر الأساطين في هذا الشرط هو عدم القدرة خارجا، ولذا يمثلون لما لا يقدر على تسليمه ببيع السمك في الماء والطير في الهواء، وأما عدم القدرة شرعا على تسليمه لتعلق حق الغير به أو لوجه آخر من وجوه فقدان شرائط المعاوضة فهو خارج عن موضوع البحث. ثم على فرض شمول قوله (صلى الله عليه وآله): " لا تبع ما ليس عندك " لمن لا يقدر على تسليم المبيع، إلا أنه لا يوجب إخراج بيع الفضولي بجميع أقسامه عن عمومه. أما بيع من لا يملك المبيع فلأن اعتبار القدرة على التسليم إنما هو في ناحية المسبب، وحيث إنه بإجازة المالك يقع عنه فعدم قدرة موجد السبب لا يضر بالمعاملة أصلا، سواء قصد البيع لنفسه، كالغاصب أو قصده عن المالك، وسواء قلنا بالكشف الحقيقي أو الحكمي، أو قلنا بالنقل. وأما بيع الراهن ومن بحكمه، كالمحجور لسفه أو رق أو فلس فبناء على كون الفضولي بجميع أقسامه على طبق القاعدة، حتى بيع الراهن ونكاح بنت الأخ والاخت على العمة والخالة ونحوهما فالأمر واضح، لأن قوله (صلى الله عليه وآله): " لا تبع ما ليس عندك "، ونهيه (صلى الله عليه وآله) عن بيع الغرر لا يشمله. وأما بناء على التعبد فيمكن دعوى عدم شمول بعض أدلة بيع الفضولي لبيع الراهن بدون الإذن السابق من المرتهن، إلا أنه لا إشكال في أن أدلة صحة نكاح العبد بدون إذن المولى إذا تعقبه الإجازة يشمله إذا أجازه المرتهن. وعليك بمراجعة ما علقناه على مسألة بيع الراهن قبل ذلك.

[ 346 ]

وكيف كان فعدم القدرة على التسليم قبل إجازة المرتهن لا يضر بعقد الراهن ونحوه، لأنه لم يتم سبب النقل قبلها، وإنما يتم بها ويؤثر العقد بتحققها. ومجرد أن العاقد والمجيز في عقد الفضولي شخصان وفي عقد الراهن ونحوه للعقد حالتان لا يوجب فرقا في القدرة على التسليم. ومما استدلوا به على شرطية القدرة: أن لازم العقد وجوب تسليم كل من المتبايعين العوضين إلى صاحبه، فيجب أن يكون مقدورا، لاستحالة التكليف بالممتنع. ولا يخفى أنه إن كان نظر المستدل إلى ما ذكرناه من اعتبار القدرة في حقيقة المعاوضة من باب أن ما لا يمكن فيه التسليم والتسلم قاصر من حيث المالية فهو. وأما لو كان المراد منه الوجوب الشرعي: فلو اريد منه الوجوب التكليفي فلا معنى لتضعيفه بالترديد بين الوجوب المطلق ومطلق وجوبه، ولا للاعتراض عليه بأصالة عدم تقييد الوجوب، ولا لدفع الاعتراض بأصالة عدم تقييد البيع بهذا الشرط، لأن الوجوب التكليفي لا يعقل أن يتعلق بالأعم من المقدور والممتنع. وغرض المستدل من قوله: " فيجب أن يكون مقدورا " هو انحصار صحة البيع بما إذا كان المبيع تحت استيلائه، فلابد أن يقال في جوابه: بأنه لم يقم دليل غير نهي النبي عن بيع الغرر، وقوله (صلى الله عليه وآله): " لا تبع ما ليس عندك " على انحصار صحة البيع بما إذا كان المبيع تحت استيلائه. وبعبارة اخرى: يمكن منع الملازمة بين صحة العقد ووجوب التسليم، لا الوجوب المطلق، ولا مطلق الوجوب، لأن العقد لا يقتضي إلا تحقق مضمونه، وأما وجوب التسليم فهو إما من جهة الدلالة الالتزامية، أو من أحكام حرمة التصرف في مال الغير. وبالجملة: نفس العقد لا يقتضي وجوب التسليم، سواء تمكن منه أم لم يتمكن. وأما لو قلنا باقتضائه له فإنما هو عند التمكن، لاستحالة تعلق التكليف بالممتنع، فلا يمكن أن يقال: الأصل عدم تقييد الوجوب بالتمكن.

[ 347 ]

هذا، مع أنه لا أصل لهذا الأصل، كما أنه لا يمكن دفع هذا الأصل بمعارضته بأصالة عدم تقييد البيع بهذا الشرط، لأن هذا الأصل أيضا لا أصل له إلا أن يرجع إلى الإطلاق، ومرجعه إلى إنكار اقتضاء العقد وجوب التسليم. هذا إذا كان المراد من الوجوب هو التكليفي. وأما لو كان المراد منه الوضعي الذي مرجعه إلى بيان شرطية القدرة في صحة العقد فيمكن تضعيفه بالترديد بين الشرطية المطلقة التي مقتضاها انتفاء المشروط بانتفاء شرطه، والشرطية المقيدة بالتمكن التي مقتضاها عدم اشتراط العقد بلزوم التسليم حين العجز عنه. ومما استدلوا به على اعتبارها أيضا: هو أن الغرض من البيع انتفاع كل منهما بما ينتقل إليه، ولا يتم ذلك إلا بالتسليم. ولا يخفى أنه لو رجع هذا إلى أن ما لا يمكن تسليمه ناقص من حيث المالية فيرجع إلى ما ذكرناه. وأما لو كان المقصود منه: أن الداعي على البيع ذلك فقيه: أن تخلف الداعي لا أثر له، مع أن الداعي قد لا يكون ذلك. كما أنه لا يصح الاستدلال لاعتبارها بأن بيع ما لا يمكن تسليمه سفهي، لأنه غير مطرد. قوله (قدس سره): (قال: وتظهر الثمرة في موضع الشك.... إلى آخره). لا يخفى عليك أن ما دار على الألسن من أنه لو تردد الأمر بين شرطية أحد الضدين ومانعية الآخر فبناء على الشرطية يجب إحراز الشرط عند الشك، وبناء على المانعية تكفي أصالة عدم وجود المانع لا يرجع إلى محصل، وعلى فرض صحة هذا الكلام فهو إنما يصح فيما إذا دار الأمر بينهما في الوجوديين، لا في مثل شرطية القدرة ومانعية العجز الذي يكون التقابل بينهما تقابل العدم والملكة. ونحن وإن أشبعنا الكلام في ذلك في الاصول وفي مسألة اللباس المشكوك فيه إلا أنه لا بأس بالإشارة إليه إجمالا. فنقول: لو دار الأمر بين شرطية الشئ ومانعية ضده كشرطية المأكولية

[ 348 ]

ومانعية غير المأكول في لباس المصلي فتظهر الثمرة بينهما في جريان البراءة، لا أصالة عدم المانع، سواء اريد منها الاستصحاب أو أصلا برأسه، كما صرح به جملة من الأساطين، وذلك لأنه بناء على الشرطية لو شك في اللباس أنه مأخوذ من المأكول أو غيره لشبهة حكمية أو موضوعية لا تصح الصلاة فيه، لأن اشتراط المأكولية معلوم فلا يمكن جريان البراءة في أصل الشرطية. نعم، لو صحت الصلاة فيه فإنما توجب توسعة في ناحية الامتثال، وأصل البراءة لا يجري في مرحلة الامتثال. وأما بناء على المانعية فحيث إن منشأ انتزاع المانعية - وهو النهي عن لبس غير المأكول في الصلاة - ينحل بعدد كل موضوع إلى خطاب مستقل فيتعدد المنتزع عنه بتعدد الموضوع، فيرجع الشك في المانع إلى الشك في زيادة قيد في متعلق التكليف، والمرجع هو البراءة. وأما أصالة العدم فلو كان مفادها غير الاستصحاب فلا دليل على اعتبارها إلا في باب الاصول اللفظية، فإن بناء العقلاء في مورد الشك في التخصيص والتقييد وقرينة المجاز والنقل على العدم. وأما في غير هذا الباب فليس بناؤهم عند الشك فيه على العدم، فأصالة عدم وجود المانع عند الشك فيه مع قطع النظر عن الاستصحاب مما لا أساس له، وإن رجعت إلى الاستصحاب يدور الأمر مدار وجود الحالة السابقة وكون الأثر الشرعي مترتبا على النحو الذي له حالة سابقة. وما يتوهم من أن العدم أولى من الوجود بالنسبة إلى الممكن حيث يقال: إنه من طرف علته " أيس " ومن طرف نفسه وذاته " ليس " ففيه: أنه على فرض صحته وعدم الالتزام بما هو المسلم عند المحققين من الحكماء من تساوي الوجود والعدم بالنسبة إليه فهو إنما يصح بالنسبة الى العدم المحمولي المسبوق به كل ماهية ممكنة، ويغني عنه الاستصحاب، لأن للعدم المحمولي حالة سابقة، فسواء كان أصل العدم حجة مستقلة أم لا يجري في مورده الاستصحاب فلا أثر له إلا في موارد شاذة كتعاقب الحالتين اللتين يتعارض فيه الاستصحابان.

[ 349 ]

وأما العدم النعتي فلا معنى لأن يكون العدم بالنسبة إليه أولى من الوجود، لأن اتصاف الممكن بالعدم النعتي يتوقف على استمرار العدم المحمولي إلى زمان وجود المنعوت، فإذا استمر عدم القيام - مثلا - إلى زمان وجود زيد يتصف زيد بأنه لا قائم، وأما قبل وجود زيد فليس عدم القيام نعتا له فإن النعتية مساوقة لوجود المنعوت، وأما حال عدمه فليس هناك إلا العدم المحمولي. وبالجملة: الاتصاف والنعتية من الامور الوجودية المتوقفة على تحقق موصوف يتصف بالنعت العدمي، وعدم العرض بنفسه ليس مساوقا لكونه نعتا، ولا يمكن قياسه على وجوده، لأن وجوده مساوق لنعتيته، من باب أن وجوده لنفسه عين وجوده لمعروضه، وأما عدمه فلو استمر إلى زمان وجود ما يكون قابلا لأن يستمر هذا العدم فيه وأن يطرأ عليه نقيضه فاتصافه بالنعتية لا إشكال فيه، وأما حين عدم وجود المعروض فلا معنى لأن يكون العدم نعتا للعدم، مع أن الأعدام لا ميز لها، فأصالة العدم النعتي غير الاستصحاب لا أساس لها. وأما الاستصحاب فجريانه أيضا يتوقف على وجود معروض يستمر العدم المحمولي إلى زمان وجوده. فلو شك في أن البائع قادر أو عاجز يستصحب عجزه السابق مثلا، وأما العدم المحمولي الذي يشك في استمراره في أول وجود المعروض - كالقرشية ومخالفة الشرط للكتاب ونحو ذلك - فالاستصحاب أيضا غير جار إلا بمفاد " ليس " التامة، وهو لا أثر له، وإجراؤه لإحراز النعتية مثبت. وعلى أي حال ففي باب تقابل العدم والملكة - الذي هو أحد فردي تقابل الوجود والعدم غاية الأمر هو عدم ما من شأنه أن يتصف بالوجود - لا يجري هذا النزاع، بل لا بد من الالتزام بشرطية القدرة، إذ العجز أمر عدمي غير قابل لأن يكون مانعا، إذ المانع هو الأمر الوجودي الذي يمنع عن تأثير المقتضي. ثم لو سلم إطلاق المانع عليه فلا ثمرة لهذا النزاع، سواء جعل القدرة شرطا أم العجز مانعا، لأن منشأ الشك في القدرة أو العجز تارة هو الشبهة الحكمية أو المفهومية، كالشك في أن الخارج عن عمومات الصحة هو العجز المستمر، أو العجز في الجملة، أو الشك في أن العجز يعم التعسر أو يختص بالتعذر.

[ 350 ]

واخرى هو الشبهة الخارجية، فإذا كان من جهة الشك في الحكم فلا شبهة في أن أصالة العموم متبعة، وإذا كان من جهة الشك في المفهوم - كالمثال الثاني - فحيث إن المخصص المنفصل لا يسري إجماله إلى العام يتمسك بالعام، فلا ثمرة للنزاع بين شرطية القدرة ومانعية العجز. ولو كان من جهة الشبهة الخارجية فإذا كانت الحالة السابقة من العجز أو القدرة معلومة فالمرجع هو الاستصحاب، ولو لم تكن معلومة يجب الفحص أو الاحتياط كما هو الشأن في جميع موارد الشك في القدرة، فلا ثمرة للنزاع أيضا. ولا يمكن أن يقال: الأصل عدم العجز، لأن العجز حيث إنه عدمي فمرجع الأصل إلى أن الأصل عدم القدرة، ولهذا لا أساس له بلا إشكال. قوله (قدس سره): (ثم إن العبرة في الشرط المذكور إنما هو في زمان استحقاق التسليم.... إلى آخره). لا يخفى وضوح ما أفاده (قدس سره)، سواء قلنا بأن التسليم من الشروط الضمنية، أو من باب التعبد إما للإجماع وإما لاستفادته من النبويين (1)، وذلك لأن مناط هذا الشرط هو وصول العين إلى من انتقل إليه حين استحقاقه له، فالقدرة حين العقد لا أثر لها إذا لم تكن المعاملة نقدية وعلم بعدمها حال استحقاق التسليم، كما لا يقدح عدمها حال العقد إذا كانت حاصلة حين لزوم التسليم كما في السلم. وعلى هذا فلا تعتبر أصلا فيما إذا كانت العين في يد المشتري، وفيما لم يعتبر التسليم فيه رأسا، كما لو باع من ينعتق على المشتري، لأنه بعد فرض صحة هذا البيع إجماعا وبعد عدم إمكان الاستيلاء على العمودين فلازم ذلك عدم اعتبار هذا الشرط في هذه المعاملة. فلا يقال: إن انعتاق المبيع من أحكام البيع، ولا تترتب عليه أحكامه إلا إذا كان واجدا لشرائط الصحة، ومنها: القدرة على التسليم، فكيف يسقط ما يعتبر في صحته بما يترتب عليه من الأحكام؟


(1) تقدم أحدهما في ص 341 والآخر في ص 343.

[ 351 ]

وهكذا لا يعتبر القدرة حال العقد فيما إذا لم يستحق التسليم بمجرد العقد: إما لا شتراط تأخيره مدة، وإما لتزلزل العقد، كما إذا اشترى فضولا. وإشكال المصنف (قدس سره) في الفضولي على الكشف غير وارد، لأنه سواء قيل بالكشف أو النقل فما لم تتحقق الإجازة لا يستحق المطالبة وإن كان مالكا حال العقد بناء على الكشف، إذ لا ملازمة بين الملكية واستحقاق التسليم. وبعبارة اخرى: العاقد الفضولي لا يجب عليه التسليم رأسا، ومن يجب عليه هو المالك، وهو ملزم به بعد إجازته الموجبة لاستناد البيع حين صدوره إليه، فما لم يجز لا يكون مخاطبا ب‍ " أوفوا بالعقود "، ولا ملزما بتسليم ما باعه الفضولي، حتى بناء على الكشف، واللزوم من طرف الأصيل لا يختص بباب الكشف، بل قد تقدم منا: أنه ملزم بالعقد حتى بناء على النقل، فإذا استلزم الغرر بالنسبة إليه فلا فرق بين الكشف والنقل، ولا بين الفضولي من طرف واحد أو من الطرفين، لأنه لو سبق إجازة أحدهما على الآخر مدة فبين الإجازتين يقع المجيز الأول في الخطر، ولكن قد عرفت أنه ما لم تتحقق الإجازة لا يستحق التسليم. وبهذا المناط نقول بعدم لزوم التسليم في الخيارات الزمانية كالمجلس والحيوان ونحو ذلك، فإن لزوم التسليم واشتراط القدرة عليه إنما هو بعد تمامية أركان العقد واستحقاق المشتري التسلم. وأما إذا لم تتحقق أركان العقد أو لم يستحق المنتقل إليه التسلم فلا وجه لاعتبار هذا الشرط رأسا. وبالجملة: لو سلم وقوع الأصيل في الخطر فلا فرق بين النقل والكشف، ولا بين الفضولي من طرف واحد ومن الطرفين لو سبق إجازة أحدهما على الآخر مدة معتد بها، إلا أن وقوعه في الخطر ممنوع، لأنه لو وجب عليه التسليم بمجرد إيقاعه العقد مع الفضولي ولم يستحق التسلم يقع في الخطر. وأما إذا كان التسليم والتسلم من أحكام العقد التام وعقد الفضولي لم يكن تاما إلا بعد إجازة المالك ولو على الكشف فكيف يقع في الخطر؟ ومجرد لزوم العقد من طرف الأصيل وعدم جواز تصرفه فيما انتقل عنه بالتصرف المنافي للعقد الواقع مع الفضولي

[ 352 ]

لا يوجب وقوعه في الخطر إذا لم يجب عليه التسليم، وكان منافع ما انتقل عنه له ما لم تتحقق الإجازة. نعم، لو لم يكن للإجازة دخل في تحقق الملك وكانت أمارة صرفة والملك حاصلا من أول الأمر لكان لوقوعه في الخطر وجه. وأما مع مدخليتها في تحقق الملكية فلا وجه له أصلا. وينبغي التنبيه على امور: الأول: أن المصنف جمع في قوله: " ويتفرع على ذلك عدم اعتبارها أصلا إذا كانت العين في يد المشتري، وفيما لم يعتبر التسليم فيه رأسا... إلى آخره " (1) بين ما لا يمكن التسليم فيه خارجا وما لا يمكن شرعا. وجمع أيضا بين ما يكون التسليم فيه من شرائط تأثير العقد كالصرف والسلم والرهن، وما يكون من شرائط تأثيره غير التسليم كإجازة المالك لعقد الفضولي، وإجازة المرتهن لعقد الراهن. وجمع بين ما لا يعتبر فيه التسليم كالمثالين الأولين، وما لا يجب لاشتراط تأخيره مدة، أو لتزلزل العقد، مع أنه لا يجمعها ضابط واحد. أما المثال الأول فعدم اعتبار القدرة فيه ليس لعدم اشتراط هذا العقد بها، بل إنما هو لحصول النتيجة. وأما المثال الثاني فلا يجب فيه التسليم شرعا من باب عدم بقاء الملك لمشتري العبد. وأما مسألة اشتراط التأخير مدة فلا يجب فيه التسليم مع تمامية أركان العقد من باب الاشتراط، فيدخل تحت ضابط الخيارات الزمانية، وهذا بخلاف عقد الفضولي فإنه لا يجب التسليم عليه، لعدم ارتباط العقد به، ولا على المالك، لعدم استناد العقد إليه قبل الإجازة. ثم كان الأولى أن يفرق (قدس سره) بين الفضولي والرهن، بأن يفرض عدم القدرة


(1) المكاسب: كتاب البيع ص 187 ص 3.

[ 353 ]

بالنسبة إلى المالك عدم القدرة الخارجية. وأما في عقد الراهن فعدم قدرته إنما هو للعجز الشرعي. وعلى أي حال لا فرق بين عقد الصرف والسلم والرهن وسائر العقود، فإذا كان العجز عن التسليم مانعا عن تأثير العقد أو موجبا للخيار فكذلك في باب الصرف والسلم والرهن، لأن القبض وإن كان شرطا في هذه العقود الثلاثة دون غيرها إلا أنه ليس جزءا للسبب الناقل، وليس حكمه حكم القبول، وإنما هو شرط للملكية في باب الصرف والسلم. وأما الإلزام والالتزام العقدي فقد تحقق بنفس العقد، ولذا اختار المشهور وجوب التقابض كما سيجئ في خيار المجلس. ويدل عليه قوله (عليه السلام): " فإن نزا حائطا فانز معه " (1) الوارد فيمن تفرق بدون رضا صاحبه، فإذا كان العقد تاما تكون القدرة على التسليم شرطا في الصرف ونحوه، فلو تعذر يفسد العقد كما في سائر العقود. نعم، لو كان القبض جزءا للعقد كما هو المحتمل في عقد الرهن، فحيث لا عقد إذ لا قبض فالعجز عن التسليم لا أثر له، لأنه بعد حصول التسليم لا موضوع لوجوبه، وقبله لا عقد إلا على ما احتمله المصنف (قدس سره): من صدق الغرر عرفا وإن لم يصدق بالدقة العقلية. ولكنه (قدس سره) استشكل فيه بأن صدق الغرر عليه إنما هو بالنظر البدوي، والعرف بعد الاطلاع على الحكم الشرعي - وهو أن أثر المعاملة لا يتحقق إلا بعد التسليم - لا يحكمون بأنه غرري. ثم أمر بالتأمل، ووجهه: أن الحكم الشرعي بلزوم القبض لا يرفع الغرر مع العجز عن تسليم الثمن في بيع السلم. الثاني: لا فرق في جهة الفساد بين ما كان المشتري عالما بعجز البائع وما كان جاهلا، سواء اعتبرنا القدرة على التسليم من باب القاعدة لدخلها في مناط مالية


(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 99 ح 427، عنه وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب الصرف ح 8 ج 12 ص 459، باختلاف في اللفظ.

[ 354 ]

الأموال، أو اعتبرناها لحديث " نفي الغرر "، لأن علم الطرف لا يوجب تحقق ملاك المالية، ولا يرفع الغرر إلا إذا فسر بالخديعة، وهو خلاف الظاهر. الثالث: أن هذا الشرط ليس كسائر الشرائط المعتبرة في العقود في كون المدار على وجودها الواقعي سواء كانت معلومة أو مجهولة، بل يعتبر - مضافا إلى ذلك - علم العاقد به، فلو كان في الواقع قادرا ولكنه اعتقد عجزه لا يمكنه الالتزام العقدي، ولا يرفع الخطر، ومقتضى ذلك فيما لو كان في الواقع عاجزا ولكنه اعتقد قدرته فتبين عجزه في زمان يعتبر فيه التسليم هو البطلان أيضا، لا الصحة وإعطاء بدل الحيلولة، لأنه لم يقم دليل على كون الاعتقاد تمام الموضوع حتى يحكم بصحته، ويتدارك المتعذر تسليمه ببدل الحيلولة، أو إجراء حكم التلف قبل القبض عليه. الرابع: بعدما اعتبرنا القدرة على التسليم حال الاستحقاق فلو تعذر مدة فمقتضاه الفساد، سواء كانت المدة مضبوطة أولا، إلا إذا كانت قليلة جدا بحيث لا يعد التعذر في هذه المدة تعذرا، وإلا فمجرد كون المدة مضبوطة لا يقتضي كون التسليم مقدورا للبائع حال استحقاق المشتري للتسلم. نعم، إذا علم المشتري بعجز البائع في مدة معينة وقدرته بعد ذلك لا يبعد أن يكون شراؤه والحالة هذه متضمنا لاشتراط تأخير التسليم مدة التعذر. الخامس: لو كان المالك عاقدا بالمباشرة فلا إشكال في أن المعتبر قدرة نفسه. وأما لو كان العاقد غيره فلو كان الغير وكيلا في إجراء الصيغة لا غير فلا أثر لقدرته وعجزه، كما لا عبرة بعلمه وجهله بشرائط طلاق زوجة موكله. وأما لو كان وكيلا مفوضا فلا إشكال في كفاية قدرته. وفي كفاية قدرة موكله لو كان عاجزا وجهان، والأقوى كفايته، سواء علم المشتري بذلك أم لا، لأنه إذا كان مناط اعتبار القدرة وصول المال إلى المنتقل إليه حين استحقاقه فلو كان كل من الوكيل أو الموكل قادرا على التسليم يكفي في

[ 355 ]

المناطية، وهذا لا ينافي شرطية القدرة في صحة الالتزام العقدي من الوكيل، وذلك لأنه وإن كان عاجزا عن التسليم إلا أنه من حيث كونه بمنزلة الموكل وكونه بدنا تنزيليا له يكفي قدرة الموكل في صحة التزام التسليم من الوكيل. وبالجملة: ما أفاده المصنف (قدس سره): من أن الطرف إذا اعتقد قدرة الوكيل لا يشترط علمه بقدرة الموكل، وإذا علم بعجزه يعتبر علمه بقدرة الموكل هو الصحيح الذي يبتنى عليه قاعدة الطولية، فإنه لو اعتقد قدرة الوكيل يصح الالتزام العقدي من المشتري، ويتحقق منه الإقدام على الشراء وإن كان الوكيل في الواقع عاجزا، وهذا بخلاف ما إذا كان كل من الوكيل والموكل عاجزا عن التسليم فإن البيع فاسد إذا فرضنا عدم قدرة المشتري أيضا على التسليم، وخياري إذا كان قادرا. وفي الجواهر: أنه ربما قيد الحكم بالكفاية بما إذا رضي المشتري بتسليم الموكل، ورضي الموكل أيضا برجوع المشتري إليه، وبنى عليه بطلان عقد الفضولي، لأنه عاجز عن التسليم، وقدرة المالك إنما تؤثر لو بني العقد عليها وحصل التراضي بها حال البيع، لما عرفت أن في بيع المأذون لا يكفي قدرة الآذن مطلقا، بل مع الشرط المذكور، وهو غير متحقق في الفضولي، والبناء على القدرة الواقعية باطل، إذ القدرة المشروطة هي القدرة المعلومة دون الواقعية، والقدرة الواقعية من الفضولي على التسليم إنما تتحقق بإجازة المالك عقد الفضولي، لا قبلها، والمعتبر هو القدرة حال العقد.... إلى أن قال: ولا يقال: قد يحصل الوثوق للفضولي بإرضاء المالك، فيتحقق له بذلك القدرة على التسليم حال العقد. فأجاب عنه: بأن هذا يخرج الفضولي عن كونه فضوليا، لأنه يدخل بذلك في المأذون بالفحوى وشاهد الحال. ولو سلمنا بقاءه على صفة الفضولي إلا أن القائلين بصحة الفضولي لا يقصرون الحكم على هذا الفرض (1). انتهى ملخصا. والظاهر أن صاحب هذا الكلام هو صاحب المصابيح (قدس سره)، ولا يخفى ما فيه: أما أولا: فلأن أصل تخصيص الحكم بكفاية قدرة الموكل بما إذا رضي


(1) جواهر الكلام: ج 22 ص 392 - 393.

[ 356 ]

المشتري بتسليم الموكل ورضي هو أيضا برجوع المشتري إليه فاسد، لأن المناط في اعتبار القدرة هو وصول المال إلى المنتقل إليه، فيصح أن يلتزم الوكيل بالتسليم من باب كونه بدلا عن المالك وبما أنه مفوض إليه البيع، ولا يشمله حديث " نفي الغرر " أيضا، لأنه مع قدرة الموكل لا غرر على المشتري. وثانيا: الفضولي خارج عن باب العجز عن التسليم تخصصا، وهو أسوء حالا من الوكيل في إجراء العقد الذي لا شبهة في أن قدرته وعجزه لا أثر له، فإنه لا يرتبط به العقد حتى يكون عجزه موجبا لبطلانه. وثالثا: لا وجه لاعتراضه على ذلك بقوله: لا يقال: قد يحصل الوثوق للفضولي بإرضاء المالك (1) حتى يجيب عنه أولا وثانيا، لأنه لو اعتبر قدرة العاقد إلا إذا رضي المشتري بتسليم الموكل فمجرد وثوق الفضولي بإرضاء المالك لا يوجب قدرة الفضولي، وليس في البين رضا من المشتري بتسليم المجيز، ولا رضا من المالك برجوع المشتري إليه، فلا محل لهذا الاعتراض. وبالجملة: لا شبهة في أن مع قدرة كل من الموكل والوكيل في تسليم المبيع يصح البيع. * * * قوله (قدس سره): (مسألة: لا يجوز بيع الآبق منفردا.... إلى آخره). هذا هو التنبيه السادس المتفرع على عدم صحة بيع ما لا يقدر على تسليمه، سواء جعلنا مدرك الفساد وعدم صحة الالتزام العقدي انتفاء مناط مالية المال، أو جعلنا مدركه نفي الغرر المستلزم للجهل بجميع معانيه، ومقتضى ذلك عدم الفرق بين الآبق والمحجور بغير بينة لمالكه، والضال والمغصوب ونحو ذلك، وعدم الفرق بين اليأس عن حصوله ورجائه، لأنه على جميع التقادير لا يصح الالتزام العقدي بالتسليم منجزا، ولا يندفع الغرر بمجرد احتمال الحصول.


(1) جواهر الكلام: ج 22 ص 392.

[ 357 ]

ثم إن موضوع البحث وإن كان المبيع إلا أنه بناء على القاعدة المتقدمة ينبغي أن لا يفرق بينه وبين الثمن. نعم، بناء على النص يمكن الاختصاص بالمبيع لو لم يكن المرسل - وهو " نهي النبي (صلى الله عليه وآله) عن الغرر " - معمولا به على الإطلاق، ولكن الظاهر كونه معمولا به، ولذا يجرون حكم البيع على سائر المعاوضات من الإجارة والمزارعة والمساقاة ونحو ذلك. نعم، الصلح المبني على التسالم والمسامحة لا يجري فيه حكم البيع. وكيف كان فلا يمكن منع الغرر من باب أنه بعد اليأس يكون المبيع في حكم التلف قبل القبض المقتضي لانفساخ البيع، أو من باب أن المشتري ما لم يتسلم المبيع لا يجب عليه تسليم الثمن فلا خطر عليه وإن لم يفسخ المعاملة لرجاء حصول المبيع، لأن هذه الأحكام الشرعية إنما تترتب على العقد الصحيح في حد نفسه، فلا يمكن إثبات الصحة بما يترتب على الصحيح، وإلا لزم أن يكون الحكم حافظا لموضوعه. نعم، في هذه الصورة لو اشترط المشتري الخيار لنفسه بين الفسخ والإمضاء فلا يبعد أن يقال بعدم صدق الغرر. كما أنه لو اشترط البائع الضمان على نفسه فكذلك، وذلك للفرق بين ما يترتب على البيع الصحيح وما اخذ في نفس العقد. فإن الأول لا يرفع الغرر، لأن ترتبه عليه فرع عدم كونه غرريا في نفسه. وأما ما اخذ قيدا في العقد فيلاحظ الغرر فيه بالنسبة إلى المجموع من القيد والمقيد. السابع: مقتضى القاعدة بطلان البيع ولو جعل مجهول الحصول جزء المبيع، لأن جعل جزء من الثمن مقابل المجهول غرري، إلا أنه ثبت بالنص جواز بيع الآبق مع الضميمة. ففي صحيحة رفاعة النخاس: " قلت لأبي الحسن (عليه السلام): أيصلح أن أشتري من القوم الجارية الآبقة واعطيهم الثمن وأطلبها أنا؟ قال: لا يصلح شراؤها إلا أن

[ 358 ]

تشتري منهم ثوبا أو متاعا، فتقول لهم: أشتري منكم جاريتكم فلانة وهذا المتاع بكذا وكذا درهما فإن ذلك جائز " (1). وموثقة سماعة، عن أبي عبد الله (عليه السلام): في الرجل قد يشتري العبد وهو آبق عن أهله، قال: " لا يصلح إلا أن يشتري معه شيئا، فيقول: أشتري منك هذا الشئ وعبدك بكذا وكذا درهما، فإن لم يقدر على العبد كان الذي نقده فيما اشترى معه " (2). والروايتان وردتا بطرق متعددة فلا إشكال في سندهما، بل مقتضى ما ورد في باب ضم الضميمة إلى مجهول الوجود - كاللبن في الضرع وما في البطون من الحمل - هو صحة بيع الآبق مع الشك في حياته، فضلا عن الشك في حصوله. فأصل الحكم في الجملة لا إشكال فيه، إنما الكلام في اختصاص الصحة بما إذا كان الآبق مرجو الحصول أو يصح مطلقا؟ قولان، والأقوى هو الأول، لأن ظاهر الروايتين هو رجاؤه لقوله: " وأطلبها أنا " في الاولى، وقوله في الثانية: " فإن لم يقدر على العبد " الظاهر في أن مفروض السؤال كان مع رجاء القدرة، فالمتعين هو الاقتصار على ظاهر النص. نعم، بناء على صحة الشرط المجهول ففي مورد الشك أيضا يصح على نحو الاشتراط، لا جعله جزءا للمبيع. ثم إن ظاهر الروايتين اعتبار كون الضميمة مما يصح بيعها منفردا، فلا يجوز ضم ما لا يجوز بيعه أصلا كالمنفعة، ولا ما لا يجوز بيعه منفردا وإن صح مع الضميمة. أما الشرط الأول فلأن ظاهرهما أن الضميمة جزء للمبيع، فكأن البيع ينحل


(1) الكافي: ج 5 ص 194 ح 9، عنه وسائل الشيعة: ب 11 من أبواب عقد البيع ح 1 ج 12 ص 262. (2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 124 ح 540، عنه وسائل الشيعة: ب 11 من أبواب عقد البيع ح 2 ج 12 ص 263، وفيه: " فيما اشترى منه ".

[ 359 ]

إلى بيعين، فإن قوله (عليه السلام): " فتقول لهم: أشتري منكم جاريتكم فلانة وهذا المتاع " وقوله: " فيقول: أشتري منك هذا الشئ وعبدك " ظاهر في تعلق الشراء بكل من الضميمة والآبق، فلابد من اشتمالهما على الشرائط، غاية الأمر أن العلم بحصول الآبق غير لازم، إلا أنه يعتبر قابلية الضميمة للشراء، والمنفعة لا يصح شراؤها، وأما اعتبار كونها مما يصح بيعها منفردة فلأنه لو ضم ما يتعذر تسليمه إلى مثله لا يوجب صحة بيع ما يفسد بيعه فعلى فرض إطلاق الروايتين من هذه الجهة، إلا أن مناسبة الحكم والموضوع توجب تقييده. ثم لا يخفى عليك أن مجرد اليأس عن الظفر بالآبق لا يجعله في حكم التلف حتى يقع البحث في أن أحكام التلف قبل القبض يجري في ذلك أولا، فإن موضوع البحث في قاعدة التلف هو التلف الحقيقي، وظاهر المتن أنه لو تلف قبل اليأس ففي تلفه على المشتري وجهان، ولكن الأقوى أنه لا يوزع الثمن على الآبق فلو تلف لا يرجع المشتري إلى البائع، لأنه جعل في الروايتين الثمن بإزاء الضميمة في مورد عدم القدرة على الآبق، ولا فرق في عدم القدرة عليه بين تلفه أو اليأس من حصوله، ومقتضى ذلك أنه لو تلف الضميمة قبل القبض فإن كان قبل حصول الآبق يرد الثمن بأجمعه، ولو كان بعده يوزع الثمن، لأنه ما دام آبقا لا يقابله شئ من الثمن، فإذا انفسخ العقد بالنسبة إلى الضميمة إما لتلفها أو لخيار يختص بها كما إذا كانت حيوانا يبطل بيع الآبق أيضا. ثم إنه لو كانت الضميمة من مالك آخر ففي صحة العقد كلام ولو أجازه. * * * قوله (قدس سره): (مسألة: المعروف أنه يشترط العلم بالثمن قدرا.... إلى آخره). الظاهر أن من شرائط صحة البيع اتفاقا هو العلم بمقدار الثمن، ولعل منشأ الاتفاق هو الحديث المتقدم المشهور بين الفريقين، وهو: نهى النبي (صلى الله عليه وآله) عن بيع

[ 360 ]

الغرر، أو عن الغرر. وقد عرفت أن الغرر بجميع معانيه يستلزم الجهل، فالبيع بحكم أحدهما باطل. ويؤيده التعليل في رواية حماد بن ميسر، عن جعفر، عن أبيه (عليهما السلام): " أنه كره أن يشتري الثوب بدينار غير درهم، لأنه لا يدري كم الدينار من الدرهم؟ " (1)، فإنه إذا كان استثناء الدرهم من الدينار موجبا للجهل بالثمن لعدم العلم بنسبة الدينار من الدرهم فالبيع بحكم أحدهما أولى بأن يكون باطلا، لأن الثمن مجهول رأسا، ولا ينافي ذلك ما في صحيحة رفاعة النخاس (2) الظاهر في صحة البيع بحكم المشتري، لأن الظاهر من هذه القضية أن بائع الجارية وكل المشتري في تعيين القيمة، لا أنه باعها بثمن يعينه بعد المعاملة، مع أنه لا يمكن الأخذ بظاهر هذه الصحيحة، لأنه لو كان البيع بحكم المشتري جائزا لم يكن وجه لقوله (عليه السلام): " أرى أن تقوم الجارية بقيمة عادلة " (3). وبالجملة: لا إشكال في تفاوت مالية الأموال بحسب المقدار والكمية، فلابد من العلم بها، ولا يصح جعل الثمن أو المثمن قابلا للانطباق على القليل والكثير، بل يستفاد من الأخبار الواردة في خصوص المكيل والموزون وجوب الوزن والكيل فيهما، وكذا وجوب العد في المعدود، إلا أن يكون أحد هذه الامور طريقا للآخر كما في صحيحة الحلبي، عن أبي عبد الله (عليه السلام): أنه سئل عن الجوز لا نستطيع أن نعده، فيكال بمكيال ثم يعد ما فيه ثم يكال ما بقي على حساب ذلك العدد، قال: " لا بأس " (4). وعلى هذا فإن كان الشئ مذروعا كالثياب ونحوه فلابد من ذرعه، إلا إذا


(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 116 ح 504، عنه وسائل الشيعة: ب 23 من أبواب أحكام العقود ح 4 ج 12 ص 399. (2 و 3) من لا يحضره الفقيه: ج 3 ص 230 ح 3851، عنه وسائل الشيعة: ب 18 من أبواب عقد البيع ح 1 ج 12 ص 271. (4) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 122، ح 533، عنه وسائل الشيعة: ب 7 من أبواب عقد البيع ح 1 ج 12 ص 258 - 259.

[ 361 ]

كان الوزن طريقا لذرعه كالأقمشة المصنوعة بالمكائن فإنها يعلم مقدار أذرعها بوزنها. ثم إن ظاهر الأخبار (1) الواردة في المكيل والموزون والمعدود وجوب اعتبار الكيل والوزن والعد فيها، سواء كان عدمها غرريا أو لا، فكون الغرر شخصيا أو نوعيا لا دخل له في هذه الأبواب، إلا أن هذا الظهور متبع فيما كان مقدار مالية المال غير محرز إلا بالكيل أو الوزن أو العد، وأما إذا احرز بالمشاهدة ونحوها فيصح بيعه بلا تقديره بهذه الامور. ولذا جرت السيرة على بيع مقدار من الدهن والحبتين والثلاثة من الحنطة وزبرة من الحديد، لخروج هذه الأشياء عن أدلة اعتبار الوزن. وتوضيح ذلك: أن المخصص المنفصل إذا كان مجملا مفهوما يخصص العموم به بالقدر المتيقن منه ويتمسك بالعموم في المشتبه، ففي المقام مقتضى عمومات أدلة البيع عدم اعتبار الكيل والوزن، ولا العد والذرع، إلا أنه ثبت في الجملة اعتبار هذه الامور، ولكن الدليل الدال عليه لا إطلاق له. أما دليل العد فلأنه ليس إلا رواية الجوز (2)، وهي ناظرة إلى جهة اخرى، وهي كفاية الكيل عن العد، ولا تدل على اعتبار العد إلا لاستفادة كونه مفروغا عنه عند السائل. وأما خصوصيات اعتباره فالدليل مجمل بالنسبة إليها. وأما أدلة الكيل والوزن فأظهرها هو ذيل صحيحة الحلبي، وهو قوله (عليه السلام): " وما كان من طعام سميت فيه كيلا فإنه لا يصلح مجازفة، هذا مما يكره من بيع الطعام " (3). وظهورها في اعتبار الكيل في المكيل لا شبهة فيه، إلا أنها تختص بما كان مناط مقدار ماليته الكيل أو الوزن مثلا. وأما لو كان مناطه العدد وإن كان


(1) وسائل الشيعة: ب 4 من أبواب عقد البيع وشروطه ج 12 ص 254 - 255. (2) تقدمت في ص 360. (3) من لا يحضره الفقيه: ج 3 ص 223 ح 3829، عنه وسائل الشيعة: ب 4 من أبواب عقد البيع ح 1 ج 12 ص 254.

[ 362 ]

الوزن فيه ملحوظا أيضا بحيث إنه لو نقص عن هذا الوزن كان معيوبا فلا يضر عدم كيله أو وزنه. وكذلك تختص بما إذا كان عدم كيله مستلزما للجزافية، وأما إذا خرج عنها ولو لكونه مضبوطا في نفس الأمر وإن كان مجهولا عند المشتري بل البائع فلا يضر عدم كيله ووزنه، وبهذا المناط يحكم بصحة المعاملة بالدراهم والدنانير، وإن لم يعلم مقدارهما من حيث الوزن فإن السكة طريق الى مقداره المقرر عند السلطان. وبهذا الوجه فصل الصادق (عليه السلام) بين الدراهم الوضاحية وغيرها (1)، فإن الدراهم الوضاحية هي الدراهم الصحيحة التي لا تنقص عن الوزن شيئا. وأما غيرها فمن جهة نقصانها الموجب للغش نهي عن المعاملة بها إلا بعد بيان مقدار نقصها. وبالجملة: عدم اعتبار الكيل والوزن في الدراهم والدنانير إما لكون مقدار ماليتها بالعدد والوزن بمنزلة وصف الصحة، وإما لأن السكة طريق الى مقدارها، فيخرج عن كونه من بيع الجزاف. وكيف كان فلا شبهة في صحة بيع ما يكال بكيل مجهول عند المشتري - كالغريب الوارد إلى بلد - فإنه وإن لم يعلم غير العراقي بمقدار الحقة ولا العراقي بمقدار المن الشاهي أو التبريزي إلا أن المن أو الحقة حيث إنه مضبوط في الواقع يخرج المعاملة به عن كونها معاملة جزافية. وحاصل الكلام: أنه يستفاد من أدلة اعتبار الكيل والوزن أمران: أحدهما: أن اعتبارهما إنما هو لكونهما طريقا إلى مقدار الشئ وكميته، فلو كان له طريق آخر، كسكة السلطان ونحوها فلا دليل على اعتبارهما. وبهذا المناط يصح شراء المكيل بلا كيل لو أخبر البائع بكيله وكان موثوقا به، ويصح كيل المعدود ووزن المكيل. ثانيهما: كون البيع بدونهما جزافيا فلو لم يكن كذلك يكفي الكيل والوزن وإن


(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 110 - 111 ح 476، عنه وسائل الشيعة: ب 10 من أبواب الصرف ح 7 ج 12 ص 473.

[ 363 ]

لم يعرف المشتري مقدارهما. وبهذا يصح بيع مقدار من الطعام بما يقابله في الميزان من جنسه، أو من غيره المساوي له في القيمة. وعلى أي حال يستفاد من هذه الأدلة: أن الجهل بمقدار المبيع يوجب البطلان، سواء كان غرريا أولا، وفي نفس هذه الأخبار لم يعلل مانعية الجهل بالغرر حتى يبحث في أنه حكمة للتشريع فيكون المدار على النوع، أو علة للمجعول فيكون المدار على الغرر الشخصي؟ وعلى فرض التعليل به فلا شبهة أنه حكمة. وبيان ذلك: أنه قد بينا في قاعدة لا ضرر (1): أنه لو علق الحكم على عنوان كالضرر والحرج ونحوهما يكون ذلك العنوان موضوعا للحكم، ويدور الحكم مداره، وبذلك يكون " لا ضرر " أو " لا حرج " حاكما على أدلة الأحكام، ولا محالة يكون الضرر أو الحرج المنفي شخصيا. وأما لو علق الحكم على عنوان آخر غير عنوان الضرر والحرج وعلل بهما فلا محالة يكونان علة للتشريع، ولا يطرد ولا ينعكس، فيكون نوعيا. والحرج ورد على كلا الوجهين. ففي الحديد يكون الحرج حكمة لرفع نجاسته. وفي مثل: " ما جعل عليكم في الدين من حرج " (2) يكون حاكما على أدلة الأحكام. وأما نفي الضرر فكونه حاكما على أدلة الأحكام لا إشكال فيه كما في قضية سمرة (3). وأما كونه علة للتشريع فيتوقف على ورود هذا اللفظ منه (صلى الله عليه وآله) في ذيل حكمه بالشفعة (4)، أو حكمه بكراهة منع فضل الماء (5).


(1) سيأتي منه (قدس سره) في التنبيه الثاني عند بحثه لقاعدة " لا ضرر ". (2) الحج: 78. (3) الكافي: ج 5 ص 292 ح 2، عنه وسائل الشيعة: ب 12 من أبواب إحياء الموات ح 3 ج 17 ص 341. (4) الكافي: ج 5 ص 280 ح 4، عنه وسائل الشيعة: ب 5 من أبواب الشفعة ح 1 ج 17 ص 319. (5) الكافي: ج 5 ص 293 - 294 ح 6، عنه وسائل الشيعة: ب 7 من أبواب إحياء الموات ح 2 ج 17 ص 333.

[ 364 ]

وأما في المقام فلم يرد منه (صلى الله عليه وآله) إلا النهي عن الغرر إما مطلقا، أو في البيع، من دون تعليله بعلة، فكون الحكم دائرا مدار الغرر الشخصي أو النوعي لا موضوع له، لأن نفس عنوان الغرر إذا كان متعلقا للنهي فلا محالة يدور الحكم مداره. نعم، لهذا البحث مجال إذا استفيد من أدلة اعتبار الكيل أو الوزن كون عدمه غرريا، فحيث إن اعتبارهما وكذا اعتبار العدد إنما هو لرفع الغرر، فلا محالة يكون الحكم ثابتا ولو لم يكن غرر. وأما في الذرع فلا دليل عليه إلا نفي الغرر ونهيه (صلى الله عليه وآله) عنه، فلابد أن يكون المدار على تحقق الغرر. ولكنك خبير بأن التفصيل في الأبواب الأربعة لا يمكن الالتزام به للقطع باتحاد أحكامها، فلابد أن يقال: إذا كان إحراز مقدار مالية المال بالكيل أو الوزن فالجهل به يوجب فساد المعاملة، ولكن ذلك إنما هو بالنظر إلى الأمرين المتقدمين، وهما عدم طريق آخر لإحرازه، وكون البيع بدون العلم بالمقدار جزافيا. وأما لو لم يكن كذلك كبيع مقدار من الطعام بما يقابله من جنسه فلا خصوصية لها أيضا. * * * ومما ذكرنا ظهر ما في: قوله (قدس سره): (مسألة: لو قلنا بأن المناط في اعتبار تقدير المبيع في المكيل والموزون والمعدود بما يتعارف التقدير به هو حصول الغرر الشخصي فلا إشكال في جواز تقدير كل منها بغير ما يتعارف تقديره به إذا انتفى الغرر بذلك.... إلى آخره). وذلك لما عرفت من أنه لم يعلل اعتبار هذه التقديرات بالغرر. نعم، يمكن أن يدعى أن حكمته سد باب الغرر المؤدي إلى التنازع، وعلى هذا فلا يدور الحكم مدار الغرر، بل لابد من التقدير بأحد هذه الامور.

[ 365 ]

إنما الكلام في أنه هل يختص كل واحد منها بما يتعارف التقدير به، أو يجوز التقدير بأحد هذه الامور مطلقا، أو يفصل بين الوزن وغيره فيكتفى به في الجميع دون غيره؟ والأقوى هو الأول. وتوضيح ذلك: أنه لا شبهة أن للوزن دخلا في مالية الأموال غالبا، حتى في المعدود إذا كان مأكولا، فإن الجوز والبيض ونحوهما يختلف قيمته باختلاف وزنه، وقد يتفق مدخلية عدد الشئ أو كيله أو ذرعه في ماليته. وعلى هذا فإذا كان لحجم الشئ دخل في المالية لا يكفي الوزن عن الكيل، كما أنه لو كان للذرع أو العدد دخل في المالية لا يكفي الوزن عنه. نعم، يصح جعل الوزن طريقا إلى الذرع أو العدد أو الكيل إذا ثبت طريقيته لها بالامتحان والتجربة. وعلى هذا فلا نعرف وجها محصلا لما أفاده المصنف (قدس سره) من أن الكلام: تارة في كفاية كل من التقديرين في المقدر بالآخر من حيث جعله دليلا على التقدير المعتبر فيه. واخرى في كفايته فيه أصلا من غير ملاحظة تقديره المتعارف (1)، لأن الكلام: إما فيما لا دخل لغير الوزن في ماليته، وإما فيما له دخل فيها، فإذا كان المناط منحصرا في نفس المقدار لا يجوز تقديره إلا بالوزن، إلا أن يكون غيره طريقا مضبوطا إليه بحيث لا يتخلف عنه أصلا، أو بمقدار يتسامح فيه. وإذا كان للعدد أو الحجم أو الذرع أيضا دخل يجب مضافا إلى الوزن تقدير كل بما له دخل في ماليته، ولا يصح الوزن أو العد بدل الكيل، ولا الكيل أو الوزن بدل العد، إلا أن يكون طريقا مضبوطا إليه بحيث لا يتخلف عنه إلا بمقدار يتسامح فيه. ولا يدل رواية وهب على تقدير ما يكال بالوزن وما يوزن بالكيل، لأن قوله (عليه السلام): " لا بأس بالسلف ما يوزن فيما يكال وما يكال فيما يوزن " (2)


(1) المكاسب: كتاب البيع ص 191 س 16. (2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 44 - 45 ح 192، عنه وسائل الشيعة: ب 7 من أبواب السلف ح 1 ج 13 ص 63.

[ 366 ]

ليس معناه أن كل واحد يصح بدلا عن الآخر، بل معناه: أن ثمن المكيل يمكن أن يكون موزونا، وبالعكس. وبالجملة: احتمال كفاية أحد التقديرين عن الآخر أصالة من غير ملاحظة التقدير الآخر لا وجه له فيما كان لغير المقدار والكم أيضا دخل في مقدار المالية، وعدم كفاية جعل أحدهما طريقا للآخر لا معنى له إذا كان هو في الواقع طريقا معتبرا. وأما إذا لم يكن طريقا مضبوطا إليه بل يتخلف بما لا يتسامح فيه فلا معنى لجواز جعله طريقا والبناء على ذلك المقدار، لأن البناء عليه لا يخرجه عن الجهالة، وإلا لصح بيع الموزون مشاهدة مع البناء على أنه مقدار خاص، ولا يمكن قياسه بإخبار البائع بالكيل فإنه طريق معتبر شرعي. وحاصل الكلام: أن نية كون شئ طريقا أو لحاظ كونه أصلا أو البناء على كونه مقدرا بمقدار خاص ونحو ذلك من الامور البنائية والقلبية لا أساس لها في باب المعاملات. فالعمدة لحاظ الروايات الواردة في هذا الباب، فلو دلت على أن نفس الجهل بالمقدار يوجب فساد المعاملة سواء كان غرريا أو لا يجب رفعه بأحد هذه المقادير، كل منها في مورده، أو بما هو طريق إليه. وعلى هذا فلا وجه للتفصيل بين الوزن والكيل، كما لا وجه لجعل أحد التقديرات دليلا على الآخر لو لم يكن هو بنفسه طريقا له، فإن مجرد لحاظه طريقا لا يرفع الغرر، وإلا لصح بيع الموزون مشاهدة مع البناء على كونه بالوزن الخالص. قوله (قدس سره): (بقي الكلام في تعيين المناط في كون الشئ مكيلا أو موزونا.... إلى آخره). بعد ما ظهر الكبرى وأنه يعتبر الكيل والوزن في المكيل والموزون وكذا العدد والذرع في المعدود والمذروع فيقع البحث في الصغرى، وتعيين ما هو من المكيل أو الموزون أو المعدود أو المذروع وما يصح بيعه مشاهدة. قد يقال باعتبار الوزن أو الكيل فيما بيع بهما في زمان الشارع، وحكم الباقي في البلدان ما هو المتعارف فيها. ونسب صاحب الحدائق (1) ذلك الى الأصحاب.


(1) الحدائق الناضرة: ج 18 ص 472.

[ 367 ]

ومنعه صاحب الجواهر (قدس سره)، وقال: إن لحاظ زمان الشارع يختص بباب الربا، وأما بالنسبة إلى الغرر فلا مدخلية لزمان الشارع فيه (1). وأشكل المصنف عليه بما حاصله: أن الموضوع في كلتا المسألتين شئ واحد، وهو المكيل والموزون، وقد حمل عليه حكمان أحدهما: عدم صحة بيعه جزافا، والآخر: عدم صحة أخذ الزيادة في بيع بعضه ببعض (2). والإنصاف: أن كلمات الأعلام في المقام مضطربة. ودعوى: أن الموضوع في المسألتين شئ واحد لا دليل عليها. فالإيراد الثاني من المصنف عليه غير وارد، كما أنه لا يرد عليه إيراده الأول (3) بمجرد عبارة المبسوط (4) والتذكرة (5). وقوله في المبسوط: بلا خلاف (6) لا يدل على الإجماع المعتبر عندنا، فإن الإجماع وعدم الخلاف في اصطلاح القدماء محمول على أمر آخر غير الاتفاق الكاشف عن رأي المعصوم، فإذا لم يثبت الاتفاق على اعتبار الكيل والوزن فيما كان مكيلا أو موزونا في عصر الشارع فلا بد من التشبث بما تقتضيه القاعدة الكلية حتى يكون المدار عليها، إلا ما ثبت خروجه عنها. فنقول: قوله (عليه السلام): " ما كان من طعام سميت فيه كيلا لا يصلح مجازفة " (7) من القضايا الحقيقية التي انشئ الحكم فيها على الموضوعات المقدر وجودها، فكل مصداق انطبق عليه هذا العنوان يشمله هذا الحكم، سواء كان هذا المصداق مكيلا في عصر الشارع أو لم يكن. وكل ما لم تسم فيه الكيل - أي لم يجعل له الكيل - يصح بيعه بلا كيل، سواء كان هذا الشئ مكيلا سابقا أو في خصوص عصر النبي (صلى الله عليه وآله)، أو لم يكن.


(1) جواهر الكلام: ج 22 ص 427 بتصرف. (2) المكاسب: كتاب البيع ص 192 س 18. (3) المصدر السابق. (4 و 6) المبسوط: ج 2 ص 90. (5) تذكرة الفقهاء: ج 1 ص 483 س 22. (7) تقدم في ص 361.

[ 368 ]

وبالجملة: هذه القضية حقيقية كسائر القضايا الشرعية، وعلى فرض اختصاصها بباب الربا بأن يقال: المدار فيه على المصداق الخارجي من المكيل والموزون، وهو الذي كان معنونا بهذا العنوان في عصر الشارع بحيث إذا كان شئ مكيلا في عصره لا يجوز التفاضل عليه إلى يوم القيامة ولو بيع في العصر السابق على عصره مشاهدة، أو بيع بعد عصره كذلك إلا أنه لم يقم دليل على أن المدار في الغرر على الكيل في زمانه (صلى الله عليه وآله)، بحيث إنه إذا كان شئ مكيلا في المدينة المنورة أو في سائر البلاد في عصره ثم يباع بغير كيل ووزن في الأعصار المتأخرة يبطل بيعه. وما أفاده المصنف (قدس سره) في قوله: ثالثا.... إلى آخره (1) لا يستقيم، لأن حاصل ما ذكره مركب من مقدمتين: اولاهما: أن ما كان ربويا في عصر الشارع ربوي إلى يوم القيامة. وثانيهما: أن من شرط جريان الربا في معاملة كون الكيل والوزن شرطا في صحة بيعه، فضم المقدمة الثانية إلى الاولى ينتج: أن ما كان مكيلا في عصر الشارع لابد أن يكال إلى يوم القيامة، وما كان موزونا لا بد أن يوزن، وما يباع في عصره جزافا يصح بيعه كذلك وإن تعارف وزنه لعزته وقلة وجوده. والسر في استفادة هذه النتيجة ظاهر، لأنه لو قام الإجماع على أن ما كان ربويا في عصره يكون ربويا إلى الأبد، وثبت أن شرط الربا هو أن يكون الكيل أو الوزن شرطا في صحته فيثبت الملازمة بين كون الشئ مكيلا في عصره وكونه مكيلا في الأعصار اللاحقة. ولكنك خبير بما فيه أما أولا: فلمنع المقدمة الاولى، فإن ظاهر أدلة الربا أنه يدور الحكم مدار كون الشئ مكيلا أو موزونا، وهذه قضية حقيقية يدور الحكم مدار تحقق موضوعه في كل عصر، وذلك لا يستلزم النسخ، لأنه رفع الحكم عن موضوعه، لا اختلافه بتبدل موضوعه.


(1) المكاسب: كتاب البيع ص 192 س 20.

[ 369 ]

وثانيا: على فرض تسليم هذه المقدمة والالتزام بأن كل ما كان ربويا في عصر الشارع فهو ربوي إلى يوم القيامة بأن يقيد عنوان المكيل والموزون بما كان مكيلا أو موزونا في عصره، لا مطلقا، إلا أن اشتراط جريان الربا في معاملة بكون الكيل والوزن شرطا في صحة بيعه لا ينتج، إلا أنه من جهة التخلص عن الربا وعدم التفاضل لا بد من الكيل والوزن حتى يباع الشئ متساويا. وأما اعتبار الكيل والوزن من جهة الغرر فلا يستنتج من هذه الشرطية. وبعبارة اخرى: كون جريان الربا في معاملة مشروطا بأن يكون الكيل والوزن شرطا في صحة بيعه بمنزلة شرط الوجوب. وأما كون الربا في عصره مستلزما لجريان الربا إلى الأبد وملازما لاعتبار الكيل أو الوزن في الأعصار اللاحقة فهو بمنزلة شرط الواجب، فيعتبر للتخلص من الربا الكيل أو الوزن. وأما اعتبار أصل الكيل والوزن في صحة المعاملة فلا دليل عليه. وحاصل الكلام: أنه لو سلمنا قيام الإجماع على أن ما كان ربويا في عصر الشارع فهو ربوي دائما، وسلمنا الملازمة بين كون الشئ ربويا وكون الكيل أو الوزن شرطا في صحة بيعه بأن رتبنا القياس الاستثنائي، وهو: أن كل ما كان ربويا يشترط في صحة بيعه الكيل أو الوزن، وهذا ربوي فيشترط في صحة بيعه الكيل أو الوزن، إلا أن هذا الإجماع مع هذا القياس لا ينتج إلا ضد ما قصده المصنف (قدس سره)، لأن توقف جريان الربا في معاملة على كون الكيل أو الوزن شرطا في صحة بيعه لا يخلو إما أن يكون منشؤه هو التخلص من الربا، بحيث إنه لو جعل الأثمان مقابل هذا الشئ لا جنسه يصح بيعه بلا كيل ولا وزن، وإما أن يكون منشؤه أن قوام ماليته بالتقدير لكونه في غاية العزة والغلاء. وعلى كلا التقديرين لا ينتج ما قصده، بل التقدير الأخير مناقض لما قصده. أما على الأول فلأن توقف التخلص من الربا على الكيل أو الوزن لا يلازم كون الشئ مكيلا أو موزونا، لأنه يصح بيعه بعوض من غير جنسه بلا كيل أو وزن.

[ 370 ]

وأما على الثاني فعدم صحة بيع الشئ بلا كيل ولا وزن لتوقف معرفة مقدار ماليته عليهما يقتضي صحة بيعه بدونهما إذا صار الشئ مبذولا بحيث لا يتوقف معرفة مقدار ماليته عليهما، فتوقف جريان الربا في معاملة على كون الشئ مكيلا أو موزونا من باب توقف ماليته على التقدير بهما مناقض لما ادعاه: من اعتبار الكيل والوزن في شئ كان مكيلا أو موزونا في عصر الشارع، فتدبر جيدا. هذا، مع أنه يمكن أن يقال: إن تقييد جريان الربا في معاملة يكون الكيل أو الوزن شرطا في صحة بيعه إنما هو في مرحلة الحدوث دون البقاء، وذلك لما يحكى عن التنقيح: من دعوى الإجماع على أن ما كان مكيلا أو موزونا في عصر النبي (صلى الله عليه وآله) في جميع البلدان أو كل بلد جرى فيه الربا وإن تغير بعد ذلك، وما لم يكن من أحدهما لا يجري فيه الربا وإن تغير بعد ذلك وصار من أحدهما (1)، ولازم ذلك أن جريان الربا في معاملة وإن اعتبر فيه الكيل والوزن إلا أن اعتبارهما إنما هو في عصر الشارع. وأما التغيير بعد ذلك وصيرورة الشئ غير مكيل أو موزون فلا ينافي ثبوت الربا فيه. ومرجع هذا الكلام إلى أن الربوي في عصر الشارع ربوي دائما، ولكن كون الشئ مكيلا أو موزونا يختلف باختلاف الأعصار. وحاصل الكلام: أن ما أسنده صاحب الحدائق إلى الأصحاب: من أن المناط في المكيل والموزون المعتبرين في صحة البيع ما كانا كذلك في زمان الشارع ولو في غير مسألة الربا (2) - وأيده المصنف (3) (قدس سره) - من غرائب الكلام! وأغرب من ذلك تمسكه لذلك بأن المرجع في الألفاظ الواردة في لسان الشارع إلى عرفه (4) (صلى الله عليه وآله)! لأن هذا الكلام إنما يتم في الماهيات المجعولة منه، لا مطلق الألفاظ الواردة والمستعملة في لسانه، فإن مرجعها إلى العرف، وذلك واضح.


(1) التنقيح الرائع: ج 2 ص 91. (2) تقدم في ص 366. (3) المكاسب: كتاب البيع ص 192 س 14. (4) الحدائق الناضرة: ج 18 ص 471.

[ 371 ]

وعلى هذا فلو سلم أن موضوع المسألتين شئ واحد إلا أنه لو شك في شئ كونه مكيلا أو موزونا وكونه يباع مشاهدة أو عددا أو ذرعا في عصر الشارع فمقتضى أصالة البراءة عدم حرمة التفاضل وإن كان من حيث صحة البيع الأصل الفساد إلا أن يقدر على نحو يرتفع به الغرر. وكيف كان فالمسألة في غاية الإشكال من حيث الصغرى، وما هو المناط في الكيل والوزن وإن كان الأقوى هو ما ذكرناه من حيث ظهور القضية في كونها حقيقية فالمدار على تحقق المصداق في أي عصر، ومع اختلاف البلدان فلكل بلد حكم نفسه. ثم إن استفادة كون المدار على العرف العام لو كان، ومع عدمه فلكل بلد حكمه، ومع الاختلاف في البلد الواحد فالتخيير من الأخبار الواردة في المكيل والموزون ليست بهذه المرتبة من الصعوبة والإشكال، لأن الكلي إذا كان ذا مراتب ومقولا بالتشكيك بالنسبة إلى ما يندرج تحته فشموله لجميع المراتب لا إشكال فيه. فقولهم (عليهم السلام): " ما كان مكيلا فلا يباع جزافا، وما كان من طعام سميت فيه كيلا فإنه لا يصلح مجازفة " (1) يشمل جميع هذه المراتب. * * * قوله (قدس سره): (مسألة: إذا أخبر البائع بمقدار المبيع جاز الاعتماد عليه.... إلى آخره). لا يخفى أن توضيح هذا العنوان يتوقف على ذكر امور: الأول: أنه لا ينبغي الإشكال في صحة الاعتماد على إخبار البائع بالكيل والوزن والعد والذرع، لما عرفت من أن اعتبار هذه الامور إنما هو لخروج بيع


(1) تقدم في ص 361.

[ 372 ]

الشئ عن كونه جزافا، والاعتماد على إخباره بها يخرجه عنه. وتدل عليه - مضافا إلى ذلك - الروايات الواردة في هذا الباب. فعن عبد الكريم بن عمرو قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): أشتري الطعام فأكتاله ومعي من قد شهد الكيل، وإنما أكيله لنفسي فيقول: بعنيه، فأبيعه إياه على ذلك الكيل الذي اكتلته، قال: " لا بأس " (1). وعن ابن بكير، عن رجل من أصحابنا قال: سألت أبا عبد الله عن الرجل يشتري الجص فيكيل بعضه ويأخذ البقية بغير كيل، فقال: " إما أن يأخذ كله بتصديقه، وإما أن يكيله كله " (2). وعن محمد بن حمران قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): اشترينا طعاما فزعم صاحبه أنه كاله فصدقناه وأخذناه بكيله، فقال: " لا بأس " (3). وبهذا المضمون أيضا روايات اخرى (4)، ولا يعارضها صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام): أنه قال في رجل اشترى من رجل طعاما عدلا بكيل معلوم، وأن صاحبه قال للمشتري: ابتع مني هذا العدل الآخر بغير كيل فإن فيه مثل ما في الآخر الذي ابتعت، قال: " لا يصلح إلا بكيل، وقال: وما كان من طعام سميت فيه كيلا فإنه لا يصلح مجازفة، هذا مما يكره من بيع الطعام " (5)، لأنها لا تدل على أن البائع أخبر بالكيل عن حس، لأن قوله: " فإن فيه مثل ما في الآخر " ظاهر في أنه يحدس المقدار من غلبة تساوي العدلين فيه.


(1) الكافي: ج 5 ص 179 ح 7، عنه وسائل الشيعة: ب 5 من أبواب عقد البيع ح 2 ج 12 ص 256. (2) الكافي: ج 5 ص 195 ح 13، عنه وسائل الشيعة: ب 5 من أبواب عقد البيع ح 3 ج 12 ص 256. (3) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 37 ح 157، عنه وسائل الشيعة: ب 5 من أبواب عقد البيع ح 4 ج 12 ص 256. (4) وسائل الشيعة: ب 5 من أبواب عقد البيع ح 7 و 8 ج 12 ص 257. (5) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 36 ح 148، عنه وسائل الشيعة: ب 4 من أبواب عقد البيع ح 2 ج 12 ص 254.

[ 373 ]

هذا، مع أنه على فرض الظهور يحمل على الكراهة المصطلحة، لصراحة تلك الأخبار في الرخصة. الثاني: هل إخبار البائع بالمقدار من الأمارات التعبدية حتى لا تدور حجيته مدار الظن الفعلي فضلا عن الاطمئنان، أو من باب كونه طريقا عرفيا إليه، أو لا هذا ولا ذاك، بل يدور مدار كونه رافعا للغرر وعدمه؟ وجوه، والأقوى هو الأخير، لعدم استفادة جعل الطريقية لقول البائع من هذه الأخبار، وليس طريقا عرفيا مضبوطا أيضا، بل يظهر من ذيل رواية أبي العطارد: أن المدار على الوثوق والاطمئنان، فقال (عليه السلام): " إذا ائتمنك فلا بأس " (1). وعلى أي حال فمجرد بناء المتعاملين على مقدار خاص لا يفيد صحة بيع ما يكال بغير الكيل، ولا يقاس على بيع العين الغائبة بأوصاف مذكورة، لأن ذكر الوصف يخرج المبيع عن الجهالة، وعلى هذا فلو قلنا بأن إخبار البائع طريق تعبدي إلى المخبر به يكفي نفس إخباره، لأن بحجيته ترتفع الجهالة. وأما لو قلنا بأنه طريق عرفي لمعرفة مقدار المبيع فإذا لم ترتفع به الجهالة لا تصح المعاملة بمجرد بناء المتعاملين على أنه بمقدار خاص، فتعين أن يكون وجه اعتباره خروج البيع بإخباره عن كونه مجازفة، نظير بيع العين الغائبة بأوصاف مذكورة في العقد، فإن ذكرها يرفع الجهالة والخطر. الثالث: لو تبين الخلاف تخير المشتري بين الفسخ والإمضاء، سواء كان زائدا على ما أخبر به أو ناقصا عنه. أما إذا كان زائدا فلأن الزيادة ملك للبائع، ويصير شريكا على نحو الإشاعة مع المشتري، والشركة عيب يوجب الخيار. وأما إذا كان ناقصا فلتخلف وصف الانضمام الذي اشترط ضمنا. وأما احتمال بطلان أصل المعاملة من باب تخلف عنوان المبيع ففيه: أنه فرق


(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 38 ح 159، عنه وسائل الشيعة: ب 5 من أبواب عقد البيع ح 6 ج 12 ص 257.

[ 374 ]

بين ما إذا باع عينا بعنوان أنها عبد فتبين كونها حمارا أو جارية، وما إذا باع عشرة أمنان من الحنطة وتبين كونها ثمانية، ففيما تبين كونها حمارا تخلف عنوان المبيع عرفا وعقلا، وفيما تبين كونها جارية تخلف عنوان المبيع عرفا لا عقلا. وعلى أي تقدير يبطل البيع، لأن مناط مالية الأموال بصورتها النوعية العرفية، لا بالمادة المشتركة بين جميع الأشياء. ولذا لا فرق في مورد تخلف العنوان بين جعله موضوعا كما لو قيل: " بعتك العبد "، أو جعله وصفا أو شرطا كما لو قيل: " بعتك هذا الذي هو عبد " أو: " بعتك هذا إن كان عبدا ". وأما إذا تخلف مقدار المبيع فلا وجه لبطلان أصل البيع، بل إما يبطل البيع بالنسبة إلى المقدار الناقص، أي: ينحل البيع إلى بيوع متعددة بالنسبة الى كل من، وإما يصح البيع بالنسبة إلى الجميع ويحسب النقصان، كتخلف الوصف الذي لا يوزع الثمن بإزائه. وعلى كلا التقديرين فلا وجه لاحتمال فساد البيع. ولا يقال: حكم تخلف المقدار كتخلف عنوان المبيع، لأن كلا منهما مما يتوقف صحة البيع عليه، فكما أنه لا يصح البيع إذا كان العنوان مجهولا فكذا يفسد إذا كان المقدار مجهولا. وكما أنه لو باعه بعنوان خاص فتخلفه موجب للبطلان فكذلك لو باعه على مقدار خاص فلا بد أن يكون تخلفه موجبا للبطلان رأسا. لأنا نقول: فرق بين مقدار المالية وعنوان المبيع، فإن كلا منهما وإن كان من شرائط صحة البيع إلا أن تخلف العنوان يوجب تغيير ما هو المبيع رأسا، وهذا بخلاف تخلف المقدار، فإن المبيع لم يختلف إلا من حيث انضمام متفقي الحكم والقيمة، فانحلال العقد بالنسبة إلى الثاني هو المتعين دون الأول. وبالجملة: تخلف المقدار ملحق بتخلف الوصف لا بتخلف العنوان. وإن شئت قلت: فرق بين شرائط صحة البيع، فما هو راجع إلى عدم الغرر فتخلفه لا يوجب إلا الخيار، وما هو راجع إلى الصورة النوعية للمبيع فتخلفه يوجب البطلان. وإن شئت قلت: فرق بين الأوصاف المشترطة في البيع صريحا أو ضمنا،

[ 375 ]

فالأوصاف إذا كانت خارجية ككتابة العبد ونحوها بحيث لا يتوقف صحة البيع عليها فتخلفها لا يوجب إلا الخيار بين الفسخ والإمضاء بتمام الثمن. وأما إذا كانت داخلية كمقدار المبيع بحيث يتوقف صحة البيع على العلم بها فتخلفه يوجب الخيار بين الفسخ والإمضاء بمقدار من الثمن، وهذا هو الأقوى، فإنه لا وجه لإلحاق نقص المقدار بتخلف وصف الكتابة، فإن بإزاء وصف الكتابة لا يقع جزء من الثمن، وإنما يصير وجوده منشأ لزيادة قيمة الموصوف به. وأما المقدار فالثمن يوزع عليه، فإذا بيع عشرة أمنان بعشرة دراهم فقد قوبل كل من بدرهم، فإذا تبين نقص المبيع وكونه ثمانية فلا محيص إلا من نقص درهمين، فله الإمضاء مع استرداد التفاوت، وله الفسخ لتخلف وصف الانضمام الذي اشترط ضمنا. وما اختاره شيخنا الاستاذ - مد ظله - في الوسيلة (1): من أنه لو اشترى عشرة أمنان التي هي هذه الصبرة فتخلفه موجب للخيار مع التقسيط. وأما لو اشترى هذه الصبرة الخارجية مقدرة بكونها عشرة أمنان فتخلفه موجب للخيار بلا تقسيط، لأن حكمه حكم تخلف الشرط، والمبيع نفس العين الخارجية. وهكذا الحكم فيما لو كانت الأجزاء مختلفة من حيث الجودة والرداءة، كما لو اشترى عشرة أجرب التي هي هذه الأرض، أو اشترى هذه القطعة المحسوسة مقدرة بكونها عشرة أجرب لم يتضح لنا وجهه. وإن اختلاف التعبير لا يغير الواقع، والمقدار دائما جزء المبيع، سواء كان كيلا أو وزنا أو عددا أو ذرعا. وإن جعل في مقام التعبير شرطا وجعل عنوان المبيع نفس العين الخارجية فالجزء دخيل في قوام المعاملة، والعوض يقع بإزاء كل جزء جزء، فعدم وجود مقدار من المبيع يوجب استرداد مقدار من الثمن.


(1) وسيلة النجاة للمحقق النائيني (قدس سره).

[ 376 ]

وأما الأوصاف الخارجية كالكتابة ونحوها فهي وإن كانت دخيلا في عالم اللب في زيادة الثمن إلا أن العوض لا يقع في مقام الإنشاء المعاملي إلا بإزاء الموصوف. وبالجملة: المقدار متوسط بين الصور النوعية والأوصاف الخارجية، فمن جهة ملحق بالصور النوعية، فيسترد من الثمن بمقدار الناقص. ومن جهة ملحق بالأوصاف، فتخلفه موجب للخيار. وبعبارة اخرى: من جهة داخل في الالتزام الأولي الذي هو نفس المنشأ بالعقد، ومن جهة داخل في الالتزام الثانوي، أي: التزام في التزام، وتخلفه لا يوجب بطلان أصل المعاملة. ثم إنه لا وجه لثبوت الخيار للبائع فيما تبين زيادة المقدار الذي أخبر به، لأنه وإن صار شريكا مع المشتري بنحو الإشاعة إلا أن كل شركة لا تقتضي ثبوت الخيار، فإنها وإن كانت عيبا إلا أنه ما لم يدخل ضده - وهو السلامة عن العيب - تحت الالتزام الضمني، فتحققه لا يوجب الخيار، فالزيادة توجب الخيار للمشتري، لأن المبيع الذي انتقل إليه لو لم يكن مفروزا فهو معيوب، لأنه اشترط ضمنا كونه مفروزا. وأما البائع فيثبت له الخيار لو كان في الثمن شركة. وأما الشركة في المثمن فلا وجه لكونها موجبة للخيار، وهذا من غير فرق بين علم البائع بالزيادة وجهله، لأنه - على أي حال - لم يشترط على المشتري عدم الشركة فلا يملك عليه شيئا. * * * قوله (قدس سره): (مسألة: قال في الشرائع: يجوز بيع الثوب والأرض مع المشاهدة وإن لم يمسحا.... إلى آخره) (1). لا يخفى أن ما يصح بيعه بالمشاهدة على قسمين:


(1) شرائع الإسلام: ج 2 ص 18.

[ 377 ]

قسم لا يعتبر فيه الكيل والوزن والعد والمساحة من جهة مبذوليته وكثرة وجوده بحيث يتسامح فيه قلة وكثرة، ولا يعد بيعه بلا تقدير مجازفة. وقسم تكون المشاهدة طريقا معتبرا لمعرفة مقداره بحيث لا يتخلف عادة إلا بمقدار يتسامح فيه. وأما لو لم يكن من هذين فلا وجه للقول بصحة بيعه كذلك. ومجرد كون المبيع مختلف الأجزاء لا يوجب صحة بيعه بالمشاهدة، لا سيما في مثل قطيع الغنم الذي تتفاوت ماليته قلة وكثرة حسب أفراد القطيع. * * * قوله (قدس سره): (مسألة: بيع بعض من جملة متساوية الأجزاء كصاع من صبرة مجتمعة الصيعان أو متفرقتها، وذراع من كرباس (1)، أو عبد من عبدين وشبه ذلك يتصور على وجوه.... إلى آخره). لا يخفى أن الوجه الأول - وهو بيع الكسر المشاع - لا ينبغي الإشكال في صحته، من غير فرق بين أن تكون الجملة التي يباع بعضها متساوية الأجزاء من حيث الصفة المستلزمة لتساوي قيمتها، وأن تكون مختلفة كأحد العبدين وإحدى الشاتين، فإنهما قيميان لاختلاف أفرادهما غالبا، لأنه كما لو باع صاعا من صبرة مشتملة على عشرة أصوع فقد باع عشرا من الصبرة فكذا لو باع عبدا من العبدين فقد باع النصف من كل منهما، لأن نسبة المبيع إلى الجملة في الأول هي العشر، ونسبته إليها في الثاني النصف. ودعوى: أن ظاهر الثاني هو الوجه الثاني أو الثالث من وجوه بيع البعض من الكل لا الوجه الأول والكسر المشاع لا شاهد لها، لأن غاية ما يدعى من الفرق بين الصبرة والعبدين أمران:


(1) الكرباس - بالكسر - ثوب من القطن الأبيض معرب، فارسيته بالفتح، لاحظ القاموس المحيط: ج 2 ص 245 مادة " الكرباس ".

[ 378 ]

أحدهما: انصراف إطلاق المبيع في قوله: " بعتك عبدا من العبدين " إلى واحد منهما إما على الوجه الثاني أو الثالث، لا إلى النصف من كل منهما. وثانيهما: توقف الحمل على الإشاعة في مورد العبد على تنزيل العبدين منزلة أمر واحد حتى يباع جزء مشاع منه، ولا يتوقف على هذا التنزيل في مثل الصبرة، لأنها بنفسها أمر واحد خارجي. وبعبارة واضحة: الوحدة الحقيقية أو الاعتبارية اللازمة في كل مركب هي موجودة بنفسها في الصبرة، وهذا بخلاف الوحدة في العبدين فإنها لا حقيقية ولا اعتبارية معتبرة من الشارع أو العقلاء، بل إنما تتحقق بنفس اعتبار المتعاقدين، والإنشاء الواحد لا يمكن أن يتكفل أمرين الأول: تنزيل الشيئين منزلة شئ واحد، والثاني: بيع الكسر المشاع في المجموع. ولكنك خبير بأن هذين الفرقين غير فارقين. أما الانصراف فلأنه ليس الكلام في مقام الإثبات حتى يدعى انصراف المطلق إلى بعض أفراده، بل في مقام الأقسام بحسب الثبوت، وأنه لو قصد البائع من قوله: " بعتك عبدا من العبدين " نصفا من كل منهما فما حكمه؟ وبعبارة اخرى: عدم ظهور الكلام في ما قصده المتبايعان لا يوجب الفرق بين المثال وغيره من الأمثلة بحسب التصور. وأما توقف الكسر المشاع في الثاني على التنزيل فهذا لا يضر بصحة بيع الكسر المشاع، فإن اعتباره لا مؤنة له، ولا يلزم أن يتكفله الإنشاء حتى يقال: إنه لا يمكن الجمع بين اللحاظين في إنشاء واحد. وبالجملة: لا فرق بين متفق الأجزاء ومختلفها، هذا كله لا إشكال فيه، وإنما الكلام في تصوير الكسر المشاع، وأن الشركة الحاصلة في المبيع على أي كيفية؟ فنقول: ذهب أكثر المتكلمين (1) وبعض الحكماء قبل ظهور الإسلام: الى أن


(1) راجع كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد: ص 104.

[ 379 ]

مادة الجسم المطلق هي الأجزاء التي لا تقبل القسمة، لا خارجا ولا ذهنا، ويسمى كل جزء من هذه الأجزاء بالجوهر الفرد والجزء الذي لا يتجزأ. وذهب النظام: إلى أن الجسم مؤلف من أجزاء غير متناهية (1). وإختار بعض المحققين من المتكلمين (2) وجمهور الحكماء الى بطلان الجزء الذي لا يتجزأ، وعلى فرض تحققه فليس هو مادة الجسم المطلق. وصار بطلان عدم قابلية الجزء للقسمة من أوضح البديهيات في عصرنا، لأن كل متحيز بالذات - أي كل ما هو قابل للإشارة الحسية إليه - لابد أن يكون ما يحاذي منه جهة الفوق غير ما يحاذي منه جهة التحت، وكذا باقي الجهات الست، فلا محيص من أن يكون منقسما وإن لم يكن فعلا كذلك ولم يكن لنا آلة لتقسيمه. هذا، مضافا إلى ما برهنوا عليه من لزوم تفكك الرحى ونفي الدائرة. وهكذا بطلان مذهب النظام صار بديهيا، لأنه لو كان الجسم مركبا فعلا من أجزاء غير متناهية يلزم امتناع قطع مسافة معينة في مدة متناهية إلا بالطفرة. إذا عرفت ذلك فحيث إن الجزء قابل للقسمة فمعنى الشركة على الإشاعة: أن كل جزء يفرض في الجسم فكل واحد من الشريكين المتساويين مالك لنصف هذا الجزء، لا أن كل واحد مالك في تمام الجزء، ولا أن لكل واحد جزءا خاصا واقعا غير معلوم ظاهرا. نعم، لو انتهى الأمر إلى الالتزام بصحة الجزء الذي لا يتجزأ فلا محيص إلا عن القول بأن كل واحد منهما مالك لجزء معين، أو مالك لتمام هذا الجزء. وعلى هذه المسالك يبتنى القولان في قسمة المشاع: من أنها بيع أو إفراز حق، فإن كونها إفراز حق ملازم لأن يكون كل واحد شريكا مع الآخر في كل جزء بحسب نسبة الملك، بأن يكون نصفه أو ثلثه أو غير ذلك من الكسور لأحد الشريكين والباقي للآخر. وحيث إن النصف من كل جزء أمر كلي قابل للانطباق


(1) نقله عنه في القبسات: ص 184. (2) منهم المحقق الطوسي في تجريد الاعتقاد: ص 145.

[ 380 ]

على النصف من أي طرف من الجسم فبالقسمة يميز ويخرج عن الإبهام والكلية، ويعين في الطرف الشرقي أو الغربي، وكونها بيعا ملازم لأن يبيع كل واحد إضافته بالنسبة الى هذا الجزء بإضافته بالنسبة إلى الجزء الآخر. وبالجملة: من التزم بالجوهر الفرد والجزء الذي لا يتجزأ: فإما أن يلتزم بأن كل جزء له مالكان حتى يمكنه تصوير الإشاعة. وإما أن يلتزم بأن بعض الأجزاء بتمامه ملك لأحد الشريكين واقعا، وبعضه بتمامه ملك للآخر كذلك، إلا أنه غير متميز خارجا. وأما القائل بأن الجزء قابل للقسمة إلى ما لا نهاية له فمعنى الإشاعة على مختاره: عدم تمييز الكسر المشاع وكونه كليا قابلا للانطباق على كل كسر (1).


(1) ولا يخفى أن الجمع بين ما اخترناه من معنى الإشاعة، وهكذا ما اختاره بعض: من أن لكل جزء مالكين على نحو الملك الضعيف، وبين ما اختاره الخاصة: من أن القسمة إفراز حق أو تعيين حق ممتنع، لأنه لو فرضنا عبدين مشتركين بين وارثين فتقسيمهما وجعل أحدهما لأحدهما والآخر للآخر لا يعقل إلا بأن يجعل عوض النصف من هذا العبد النصف من الآخر، أو تبديل الإضافتين الضعيفتين فيهما بإضافة قوية في واحد منهما، وهذا يوافق مذهب الجمهور: من أن القسمة بيع. نعم، لو اخترنا ما يظهر من صاحب الجواهر: من أن المراد من إشاعة الشركة لولا الإجماع: دوران حق الشريك بين مصاديق الكلي، [ جواهر الكلام: ج 26 ص 311 ] وأن كل واحد منهما مالك لجزء خاص واقعا، فكون القسمة إفراز حق وتميز حق وتعيين حق ونحو ذلك من العبارات في كمال الوضوح، وهو اختار هذا المعنى لوجوه يرد على الإشاعة بذلك المعنى الذي اخترناه، وهي: عدم إمكانها في الجزء الذي لا يتجزأ، وفي قسمة الوقف من الطلق، لاستلزامه صيرورة بعض أجزاء الوقف طلقا، وبعض الطلق وقفا، وغير ذلك من المحاذير التي ذكرها في كتاب الشركة [ جواهر الكلام: ج 26 ص 311 - 312 ]. إلا أن يقال: لا ينافي ما ذكرناه من معنى الإشاعة مع ما ذكروه في باب القسمة، لأن غرضهم في باب القسمة: من أنها إفراز حق: أنها ليست بيعا ولا صلحا ولا غيرهما من أنواع المعاوضات، بل هي أمر برأسها لا تجري فيها أحكام العقود، وهذا لا ينافي استلزامها المعاوضة. ومرجع القسمة في الحقيقة إلى إبطال الإشاعة وإحداث نحو آخر من الملك. ولتمام الكلام محل آخر. =

[ 381 ]

وكيف كان فلا إشكال في صحة بيع بعض من جملة متساوية الأجزاء على نحو الإشاعة. وأما الوجه الثاني - وهو أن يبيع صاعا من الصيعان أو واحدا من العبدين - فالمشهور فيه هو البطلان، واستدلوا له بوجوه أربعة: فبعضهم استدل بالجهالة (1) التي يبطل معها البيع إجماعا. وآخر استدل بأن الإبهام في البيع مبطل له (2). وثالث استدل بالغرر (3). ورابع بأن الملك صفة وجودية محتاجة إلى محل تقوم به (4). ولا يخفى أن هذه الوجوه لا تجري في موضوع واحد، فإن الثاني والرابع يجريان على تقدير، والأول والثالث يجريان على تقدير آخر. وتوضيح ذلك: أن البيع تارة يتعلق بأحدهما المفهومي. واخرى بأحدهما المصداقي. أي: تارة متعلق البيع ليس له واقع، بل المبيع قابل لأن يكون هذا العبد أو ذاك، ويعبر عنه ب‍ " الفرد المنتشر "، و " الفرد المردد ". واخرى يكون له واقع معين غير معلوم عند المشتري أو البائع أيضا، ويعبر عنه ب‍ " النكرة ". وبعبارة اخرى: تارة المبيع نظير متعلق التكليف في قوله: " جئني برجل "، واخرى من قبيل: " جاء رجل من أقصى المدينة ". وهذان المعنيان هما محل النزاع في مورد القرعة.


= وعلى أي حال، فالالتزام بأن في إرث العبدين كل واحد من الوارثين يرث نصف المجموع لا نصف كل واحد منهما - كما هو ظاهر صاحب الجواهر - خلاف ظاهر كلمات المشهور في الإشاعة. (منه عفي عنه). (1) كالشيخ الطوسي في الخلاف: ج 3 ص 217 م 38. (2) حكاه الفخر في الايضاح: ج 1 ص 430. (3) المصدر السابق. (4) حكاه في المكاسب: كتاب البيع ص 195 س 15.

[ 382 ]

فقيل: بأنها تختص بما إذا كان له واقع معين ومشتبه عند المكلف كالموطوءة المجهولة في قطيع الغنم. وقيل: بأنها تجري في تعيين المطلقة المجهولة بحسب الواقع، وفي تعيين الزائدة على الأربع إذا أسلم الكافر وكانت زوجاته زائدة عنها، فإذا كان المبيع أحدهما المفهومي الذي ليس له وجود متأصل ولا منشأ انتزاع، أي: ليس له ما بحذاء كالجواهر والأعراض، ولا منشأ انتزاع، لا من الذاتيات كالعلية والمعلولية، ولا من قيام إحدى المقولات بمحالها كالقبلية والبعدية، والتقدم والتأخر، بل كان صرف اعتبار واختراع يجري فيه الوجه الثاني من أن المبيع مبهم. ولذا منع العلامة في التذكرة عن بيع أحد العبدين المشاهدين مع كونهما متساويين في القيمة (1). ويجري فيه أيضا الوجه الرابع، فإن البيع لم يتعلق بمحل معين، وأحدهما على سبيل البدل غير قابل لقيامه به، لأنه أمر انتزاعي صرف، من دون أن يكون له منشأ انتزاع صحيح، لا من الذاتيات، ولا من قيام أحد الأعراض بمحله. وأما لو كان أحدهما المعين وإن كان مجهولا عند أحدهما أو كليهما فيجري فيه الوجه الأول والثالث، نظير ما إذا باع أحدهما بعد تلف الباقي. هذا، ولكنه يمكن أن يقال: إن نظر الأصحاب في هذا الوجه هو خصوص ما إذا لم يكن لمتعلق البيع واقع معين، بل باع صاعا أو عبدا مرددا بين ما يمكن صدقه عليه من الأفراد المتصورة في المجموع. ولا ينافي ذلك استدلالهم على البطلان بالجهالة والغرر لتخيلهم جريانهما في المبهم الغير المعين حتى في الواقع، غاية الأمر: لنا منع كون الواحد على سبيل البدل مجهولا. وعلى فرض صدق الجهالة عليه نمنع كون البيع بهذا النحو من الجهالة باطلا. ثم نمنع كونه غرريا مع فرض تساوي الأفراد في الصفات الموجبة لاختلاف القيمة.


(1) تذكرة الفقهاء: ج 1 ص 500 س 18.

[ 383 ]

وبالجملة: عمدة الوجوه فيما هو محط نظر الأصحاب هو الوجه الثاني، وهو ما إذا لم يكن لمتعلق البيع واقع معين. ومنشأ بطلانه هو أنه وإن لم يقم دليل خاص على أن الإبهام في البيع مبطل له إلا أن توقف البيع على وجود محل يقوم به لا يمكن إنكاره، فإن الملكية وإن لم تكن أمرا خارجيا وصفة وجودية بل من الاعتباريات إلا أن هذا الأمر الاعتباري لا بد له من محل يقوم به، فإن البيع الذي هو تبديل طرف الإضافة لابد له من المضاف إليه، وأحدهما المردد الغير المعين لا يعتبره العقلاء طرفا للإضافة الملكية، ولا يمكن قياس أحدهما المبهم ببيع الكلي في الذمة، فإنه وإن لم يكن موجودا خارجيا فعلا إلا أن الذمة أمر وسيع يعتبره العقلاء ملكا، وهذا بخلاف ما إذا باع أحدهما المردد، فإن المفروض أن هذا المفهوم ليس من المفاهيم المتأصلة كالرجل والمرأة أو البياض والسواد، ولا من المفاهيم الانتزاعية التي لها منشأ انتزاع خارجي كالعلية والمعلولية والتقدم والتأخر، فإنه لو كان كذلك لأمكن أن يتعلق التكليف والوضع به، كما يقال: جئني برجل، أو تقدم إلى كذا. وأما المفهوم الانتزاعي الصرف الذي ليس له وجود خارجي ولا منشأ انتزاع صحيح فمقتضى القاعدة الأولية عدم تعلق البيع به، لأن المفروض أنه لم يتعلق البيع بأحد العبدين الموجودين في الخارج الغير المعلوم عند المشتري أو البائع أو كليهما، بل تعلق بهذا المفهوم الصرف القابل للانطباق على كل واحد على البدل، ولا يمكن قياسه أيضا بالواجب التخييري، فإنه مضافا إلى الإشكال في تصوير تعلق التكليف بأحد الشيئين على البدل من دون إرجاعه إلى الجامع ومن دون جعل الواجب أحدهما ومسقطية الآخر عنه أنه قام الدليل على التخيير كقيام الدليل على صحة بيع أحد العبدين على ما ادعاه الشيخ (1)، وإن كان الحق عدم دلالته على المدعى.


(1) كما في الخلاف: ج 3 ص 38 ح 54.

[ 384 ]

ولذا قال في الوسائل - بعد ما نقل الرواية - أقول: وجهه بعض علمائنا بوقوع البيع على نصف العبدين (1)، ومحل البحث هو الصحة بمقتضى القاعدة، وقد عرفت أنها تقتضي عدم صحة تعلق البيع، ولا سائر العقود والإيقاعات بالامور الانتزاعية الوهمية، لعدم صلاحية الكلي الانتزاعي لقيام البيع والنكاح والطلاق به. والعجب من الشيخ (قدس سره) أنه تعدى عن البيع إلى الطلاق أيضا على ما حكي عنه في مبسوطه (2)، فقال بصحة طلاق إحدى الزوجتين واستخراجها بالقرعة، مع أنه لم يرد فيه نص! وبالجملة: لو قام دليل تعبدي على ذلك نقول بصحته، لأن للشارع الحكم بملكية أحد العبدين، وطلاق إحدى الزوجتين، كحكمه ببينونية الزائد على الأربع في من أسلم على الزيادة. وأما لو لم يقم دليل خاص فالعمومات لا تقتضي صحتها، لأن هذه العناوين لا يمكن أن تقوم بالمبهم، فلا تندرج في مسمى البيع والطلاق والنكاح، فلا يمكن الاستدلال لصحتها بالعمومات والإطلاقات الواردة في هذه الأبواب. وحاصل الكلام: أن الملكية والزوجية والبينونة ونحوها وإن لم تكن من الصفات الخارجية إلا أنها في نظر العقلاء في حكمها، فكما لا يمكن وجود الحموضة في محل مردد، ولا البياض والسواد في محل مبهم، وهكذا سائر الأعراض من الكم والفعل والانفعال والجدة فكذلك الجدة الاعتبارية والزوجية والطلاق، إلا أن يقوم دليل تعبدي على ذلك كالإجماع على وقوع العتق على المبهم، لأنه يمكن أن يرد من الشارع أن أثر قوله: " أعتقت أحد العبدين " انعتاق أحدهما، فيستخرج بالقرعة أو نحوها من الطرق المعتبرة لتعيين المبهم. ثم إن مقتضى ذلك أنه ولو اتفق المتبايعان على الترديد لم يصح البيع. وأما لو اختلفا فادعى المشتري الإشاعة وقال البائع: " أردت معينا أو مبهما " فالقول قول


(1) وسائل الشيعة: ب 16 من أبواب بيع الحيوان ذيل ح 1 ج 13 ص 44 - 45. (2) المبسوط: ج 5 ص 80.

[ 385 ]

مدعي الصحة، إلا أن يكون هناك ظهور لفظي في الإبهام فإن الأصل العملي لا يعارض الظواهر اللفظية، ولا يبعد أن يكون الظهور في مثل العبيد ونحوها من الامور المتباينة وفي مثل الصيعان المتفرقة مع من يدعي البطلان. وأما الوجه الثالث - وهو أن يبيع صاعا كليا - فالأقوى صحته، لأنه وإن أضاف الصاع الى الصبرة ولم يجعله كليا مطلقا إلا أنه مع هذا لم يخرج عن الكلية، لأنه لا فرق بين أن يبيع صاعا في الذمة وأن يبيع صاعا من الصبرة، غاية الفرق: أن الثاني يكون من الكلي في المعين. وأما الفرق بين الكلي في المعين وأحدهما المبهم ففي غاية الوضوح، فإن المبيع في الثاني جزئي خارجي مردد بين هذا الفرد والفرد الآخر. ووجه فساده: إبهام المبيع، لأن ما في الخارج ليس إلا هذا بخصوصيته وذاك بخصوصيته، فكل واحد هو هو بنفسه، لا مرددا بينه وبين غيره، فأحدهما المردد مفهوم انتزاعي وهمي لا من المفاهيم المتأصلة، ولا منتزعة عن منشأ انتزاع صحيح، فلا يصح تعلق البيع به. وأما المبيع في الأول فهو أمر كلي، وهو طبيعي الصاع، غاية الأمر تنحصر مصاديقه في أفراد تلك الجملة. ففي القسم الثالث جميع الخصوصيات الفردية خارجة عن المبيع، وهذا بخلاف القسم الثاني فإنه فرد مردد، ولا محيص إلا عن دخول الخصوصيات في المبيع إذا كان فردا. وبعبارة اخرى: المبيع تارة نفس الطبيعي، واخرى هو الفرد المنتشر في الجنس، وهو يحصل بدخول تنوين التنكير في الجنس. ثم إنه ظهر مما ذكرنا في طي تصوير هذه الوجوه الثلاثة: أن هنا وجها آخر، وهو: بيع أحدهما المعين عند البائع المجهول عند المشتري. ولا ينبغي الإشكال في بطلانه، وأن حكمه حكم الوجه الثاني، وقد ذكرنا: أن هذا الوجه خارج عن محط كلمات الأساطين في بيع بعض من جملة متساوية الأجزاء أو مختلفتها، فانحصر الوجوه في ثلاثة بحسب الثبوت.

[ 386 ]

وأما بحسب ظاهر المعاملة فلو كانت الجملة كالعبيد المتباينة أو الصيعان المتفرقة فظهور الكلام يقتضي الحمل على الوجه الثاني، لا الحمل على الإشاعة، ولا الكلي في المعين فيفسد البيع، لأن مع تفرق الأجزاء يمتنع الحمل على الكلي، لأن الكلي هو الذي لا يمتنع فرض صدقه على كثيرين، فيتوقف صدقه على شئ على خروج الخصوصيات الفردية عن المبيع. ومع تفرق الصيعان فكل صاع لا محالة يشتمل على خصوصية، وفرض إلغاء الخصوصيات وجعل المجموع صبرة واحدة لا يرفع ظهور البيع في تعلقه بالفرد المنتشر. وهكذا يمتنع الحمل على الإشاعة، لأن عنوان المبيع في المشاع أيضا كلي، لأن التسع أو العشر ونحو ذلك ينطبق على التسع أو العشر من هذه الصبرة من طرف الشرق أو الغرب على أحد معاني الكسر المشاع، أو ينطبق على كل جزء من أجزاء الحنطة التي في هذه الصبرة، شرقا أو غربا، يمينا وشمالا، فوقا وتحتا على المعنى الآخر من الكسر المشاع. وعلى أي حال، الكسر المشاع أيضا كلي كالكلي في المعين، بل الصاع من الصبرة على الإشاعة كلي من جهتين إذا لم يكن مقدار الصبرة معلوما: الاولى: قابلية انطباقه على كل كسر. والثانية: انطباق هذا الكسر على كل جهة من الجهات الست في الصبرة أو في الحنطة. وأما الكلي في المعين فكلي من جهة واحدة. وأما لو كانت الجملة مجتمعة فباع صاعا منها فهل ينزل على الإشاعة، أو على الفرد المنتشر، أو على الكلي في المعين؟ وجوه ذكرها المصنف (قدس سره) في المتن. وحاصل الوجه الأول: هو أن مقتضى المعنى العرفي أن يكون قوله: " صاعا " إشارة إلى مقدار من الصبرة مقدرا بصاع، فيلاحظ نسبة الصاع إلى الصبرة، وهذا هو الكسر المشاع، لأن المقدار المذكور من مجموع الصبرة مشاع فيه. وفيه: أنه كما يمكن حمل الصاع على الإشاعة كذلك يمكن حمله على الكلي، بل ظهوره في الكلي هو المتعين، لأن الصاع اسم الجنس، ولحاظ نسبته الى المجموع يتوقف على مؤنة زائدة.

[ 387 ]

وحاصل الوجه الثاني: هو أن تنوين التنكير يقتضي صرف الطبيعي إلى الفرد، فمقتضى الوضع اللغوي هو الفرد المنتشر. وفيه: أن مجرد دخول التنوين على الطبيعي لا يقتضي صرفه إلى الفرد إلا إذا كان هناك قرينة خارجية كقوله: " رأيت رجلا بالباب " فإن التنوين قد يكون للتمكين، وقد يكون للتنكير، فمع ظهور اللفظ في الطبيعي لا وجه لحمله على الفرد. وحاصل الوجه الثالث: أن المتفاهم العرفي من قوله: " بعت صاعا " هو الكلي الطبيعي من الصاع الذي يتعين في الخارج بأول وجود منه، وهذا هو الأقوى، وعليه تحمل الرواية (1) الواردة في اشتراء عشرة آلاف طن من القصب. قوله (قدس سره): (ثم إنه يتفرع على المختار من كون المبيع كليا امور.... إلى آخره). لا يخفى أنه يتوقف توضيح الثمرات المترتبة على الكلي في المعين والإشاعة على بيان الفرق بين الوجهين، وقد أشرنا إليه إجمالا. وحاصله: أن الصاع بناء على الإشاعة وإن كان كليا أيضا من جهة أو من جهتين، إلا أنه فرق بين الكلي في الإشاعة والكلي في المعين، وهو أن كلية الصاع على الإشاعة: عبارة عن قابلية الكسر المبيع لانطباقه على هذا الكسر وذاك إلا أن الخصوصيات الخارجية داخلة في المبيع، فإن النصف من هذه الصبرة القابل لانطباقه على كل واحد من النصفين ملحوظ بمشخصاته الخارجية، غاية الأمر حيث إن النصف كلي فالخصوصية أيضا كلي، أي خصوصية ما داخلة في المبيع، وهذا بخلافه بناء على الكلي في المعين، فإن المبيع نفس الطبيعي مجردا عن جميع الخصوصيات، وهذا لا ينافي استحقاقه لها في مقام التسلم، لأنه فرق بين أن يكون مالكا للخصوصية فعلا وبين استحقاقه لأن يملكها، فعلى الإشاعة مالك لها فعلا. وأما بناء على كون المبيع كليا فالمشتري لا يملكها فعلا. نعم، حيث إن التسليم والتسلم من الشرائط الضمنية فهو مالك لأن يملكها.


(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 126 ح 549، عنه وسائل الشيعة: ب 19 من أبواب عقد البيع ح 1 ج 12 ص 272.

[ 388 ]

إذا عرفت ذلك فمن الثمرات المترتبة على الوجهين: أنه بناء على الكلي فاختيار التعيين بيد البائع، لأن المشتري لا يملك إلا نفس الصاع، دون كونه من هذا الطرف من الكومة أو من ذاك، فحكمه حكم الكلي في الذمة، ولا فرق بينهما إلا من حيث ضيق الدائرة في الكلي في المعين وتوسعتها في الكلي في الذمة، وهذا بخلافه على الإشاعة، فإن الخصوصية داخلة في المبيع، فتعيين أحدها يتوقف على رضا الطرفين. ومنها: أنه بناء على الكلي إذا تلف مجموع الصبرة ما عدا صاع منها يستحقه المشتري، وهذا بخلافه بناء على الإشاعة، فإن التالف يحسب عليهما فيجري فيه حكم تلف بعض المبيع قبل قبضه. وبالجملة: حيث إن المبيع بناء على الكلي ينطبق عليه صرف الوجود من الطبيعي فما دام مقدار حق المشتري باقيا في الصبرة لا موضوع لقاعدة تلف المبيع قبل قبضه. وأما على الإشاعة فالصبرة مشتركة بينهما. ثم إنه يتفرع على هذه الثمرة: أنه لو باع البائع ثانيا صاعا آخر من مشتر آخر فبناء على الكلي لو تلف المجموع ما عدا الصاع ينطبق الباقي على ملك المشتري الأول، ويجري حكم تلف المبيع قبل قبضه بالنسبة إلى صاع المشتري الثاني، لأن الصاع الثاني يسري كليته إلى ما عدا الصاع الأول، لأن الصاع الأول حيث إنه كلي فصرف الوجود من الطبيعي مصداق له، فينحصر ملك البائع في ما عدا صاع من الصبرة. وأما على الإشاعة فالمبيع لا ينحصر في الصاع الباقي، ولا يسري البيع الثاني إلى ما عدا الصاع، بل يسري إما إلى مجموع الصبرة فيصير البيع الثاني فضوليا بالنسبة إلى مقدار من حق المشتري الأول بناء على احتمال تقدم (1) في مسألة: ما لو باع من له نصف الدار نصفها. أو يسري إلى نصفها الباقي الذي هو ملك نفسه بناء على الاحتمال الآخر.


(1) تقدم في ص.

[ 389 ]

وعلى أي حال فحيث إن المبيع مشاع تجري قاعدة تلف المبيع قبل قبضه في حق كل منهما. ثم إنه لا ينافي ما ذكرنا: من اختصاص الصاع الباقي بالمشتري الأول بناء على الكلي كون تعيين الصاع للمشتري الثاني قبل تلف المجموع موكولا إلى نظر البائع، لأن الصبرة إذا بقيت بمقدار حق كلا المشتريين فللمالك تعيين حق كل منهما في أي صاع أراد. وأما إذا لم يبق إلا مقدار حق أحد المشتريين فحيث إن المشتري الأول سابق على الثاني في المعاملة فهو سابق في صرف الطبيعي إلى نفسه، ويزاحم الآخر في صرف الوجود من الطبيعي. وبالجملة: قياس وقوع المعاملتين على نحو الترتب على ما إذا وقعتا دفعة مع الفارق، لأنهما إذا وقعتا دفعة فترجيح إحداهما على الاخرى بلا مرجح، وهذا بخلاف ما إذا وقعتا مترتبة فإن الأول بسبقه يجر الطبيعي إلى ملكه ويجعله منطبقا على الصاع الباقي. ثم إنه بعد ما اخترنا تبعا للمشهور: من أنه لو باع صاعا من صبرة ينزل على الكلي في المعين دون الكسر المشاع يبقى سؤال الفرق بين هذه المسألة ومسألة: ما لو باع ثمرة أشجار واستثنى منها أرطالا معلومة، فإن في مسألة الاستثناء يظهر منهم: أنهم حملوا الأرطال على الإشاعة، ولذا أفتوا: بأنه لو خاست الثمرة أو تلف بعضها سقط من المستثنى بحسابه، ولهم في التفصي عن هذه العويصة وجوه: منها: أن مقتضى ظاهر الكلام في كلتا المسألتين هو الإشاعة، إلا أنهم حملوا بيع الصاع من الصبرة على الكلي في المعين، للنص (1) الوارد في شراء عشرة آلاف طن من القصب، فيبقى مسألة الاستثناء على طبق قاعدة الإشاعة. وفيه أولا: أن ظاهر الكلام هو الكلي، لا الإشاعة، فإنها متوقفة على مؤنة زائدة في مقام الثبوت والإثبات، فالإشاعة على خلاف القاعدة.


(1) تقدم في ص 387.

[ 390 ]

وثانيا: أن النص إن استفيد منه قاعدة كلية فحكم الاستثناء حكم مسألتنا هذه، ومجرد كون مسألة الاستثناء عكس مسألتنا - من حيث إن ملك البائع فيها كلي بخلاف مسألتنا فإن ملك المشتري فيها كلي - لا يوجب فرقا بينهما، وإن استفيد منه التعبد الصرف وأنه على خلاف القاعدة يجب الاقتصار على مورده، وهو شراء القصب، فلا وجه للتعدي إلى شراء صاع من الصبرة ويبقى سؤال وجه الفرق بين مورد التعدي ومورد عدمه. ومنها: أن مقتضى ظاهر اللفظ في البابين هو الحمل على الكلي، إلا أنه قام الإجماع على الحمل على الإشاعة في باب الاستثناء. وفيه: أن الإجماع ليس بنفسه حجة، بل لكونه كاشفا عن دليل معتبر ونحن نقطع بعدم استناد المجمعين إلى دليل معتبر. ومنها: أن وجه حمل الصاع على الكلي في المقام وحمله على الإشاعة في مسألة الاستثناء ونظائرها - كالزكاة التي يحسب التالف على المالك والفقراء - هو أن في المقام حيث يجب الإقباض على البائع من باب الشرط الضمني، فما دام حق المشتري باقيا في الصبرة يجب عليه دفعه إلى المشتري، ولا وجه لأن يحسب التالف عليه أيضا. وفيه - مضافا إلى أن كون الزكاة كالاستثناء في الإشاعة لا دليل عليه، إذ ليس الفقير شريكا مع من عليه الزكاة على نحو الإشاعة، بل يتعلق حق له بماله - أن وجوب الإقباض على البائع فرع كون المبيع كليا. وأما إذا كان على الإشاعة فالتالف يحسب عليهما، وينفسخ البيع بمقدار حق المشتري. وقياس المقام بباب الكلي في الذمة فرع إحراز كون المقام من باب الكلي في المعين. ومنها: ما في مفتاح الكرامة: من أن في باب البيع وقع التلف قبل قبض المشتري المالك للكلي فيجب على البائع إقباضه من الصبرة، وفي الاستثناء وقع التلف بعد قبض المالك للكلي وهو البائع فلا وجه لاحتسابه على مالك المستثنى (1).


(1) مفتاح الكرامة: ج 4 ص 382 س 17 وما بعده، بتصرف.

[ 391 ]

وحاصل ما أفاده من الفرق بعد حمل المبيع والمستثنى في كلا المقامين على الكلي في المعين: أن منشأ جعل التلف على البائع في بيع الصاع من الصبرة وعدم جعل التلف على المشتري في استثناء الأرطال هو أن المشتري في المسألة الاولى يتلقى الملك من البائع، وأما البائع في مسألة الأرطال فلا يتلقى المستثنى من المشتري، لأن الاستثناء ليس معناه أن البائع ملك المشتري جميع ثمرة الأشجار ثم تملك منه المستثنى، بل معناه بقاء المستثنى في ملكه وتمليك ما عداه، فإذا كان المشتري في مسألة بيع الصاع من الصبرة متلقيا من البائع، وفرضنا أنه لا يملك إلا صاعا كليا مجردا عن جميع الخصوصيات الخارجية، فما دام مصداق من الكلي باقيا في ملك البائع ينطبق على المبيع فلم يتلف حتى يحسب على المشتري فيجب على البائع إقباضه بإقباض المصداق كما في الكلي في الذمة. وبعبارة اخرى: المشتري يملك الصاع في طول ملك البائع ويتلقاه منه، فإذا بقي من الصبرة مقدار حقه يجب على البائع إقباضه إياه. وأما البائع في مسألة الاستثناء فهو وإن استثنى مقدارا كليا ولم يعينه في محل خاص إلا أن المستثنى بقي على ملكه مع خصوصياته الخارجية، ونسبة التالف إلى كل من المستثنى والمستثنى منه على حد سواء، لأن كلا منهما يملك مقدارا في عرض الآخر فلا وجه لاحتسابه على المشتري. وعلى هذا فمراده من أن التلف في مسألة الاستثناء وقع بعد القبض، أي: بعد ما كان المستثنى مقبوضا في يد مالكه مع تملكه خصوصياته الخارجية فكونه مقبوضا إنما هو معلول لكونه مالكا لخصوصياته الخارجية، ودخول الخصوصيات في المستثنى لا يوجب خروجه عن الكلية كدخول الخصوصيات في الفرد المنتشر، فإذا كانت الخصوصيات داخلة في ملك البائع وكان المستثنى تحت يده فدخول الجميع من المستثنى والمستثنى منه بعد ذلك تحت يد المشتري لا يقتضي أن يكون التالف على المشتري - إلا إذا فرط وأتلف الجميع - حتى يجب عليه قيمة المستثنى، أو أتلف ما عدا المستثنى حتى يجب عليه دفع الباقي إلى البائع.

[ 392 ]

وأما إذا تلف مقدار منه بتلف سماوي فلا وجه لأن يكون التالف محسوبا على المشتري مع عدم استحقاق مالك المستثنى، الكلي المجرد عن الخصوصيات، ومع عدم تلقيه المستثنى من المشتري. والعجب من المصنف (قدس سره) أنه اعترف في المسألة السابقة (1) بأن المشتري لو قبض المجموع وتلف مقدار منه يحسب التالف على كليهما! واستشكل (2) في ما أفاده صاحب مفتاح الكرامة: بأن قبض البائع في المقام لا يقتضي أن يكون التالف عليهما، مع أن المسألتين من واد واحد، فإن في المسألة السابقة لو كان قبض المجموع موجبا للإشاعة ففي المقام أيضا، حيث إن المجموع قبل قبض المشتري كان في يد البائع يلزمه تحقق الإشاعة، ولازمه احتساب التالف عليهما ولو بعد قبض المشتري. ولو لم يقتض القبض السابق على قبض المشتري في مسألة الاستثناء الإشاعة فلا يقتضيها في المسألة السابقة أيضا. نعم، لو قلنا بأن في مسألة الاستثناء كون المستثنى والمستثنى منه في قبض البائع يقتضي الإشاعة فلازمه أمران لا يلتزم بهما الأصحاب: الأول: عدم جواز تصرف المشتري في الثمرة إلا بإذن البائع. الثاني: أن يكون التفريط في البعض كالتفريط في الكل (3) في وجوب دفع القيمة، لا إعطاء المستثنى من الباقي، فإنه لو كان المال مشاعا بينهما فإتلاف البعض يوجب أن يكون ضامنا للقيمة، لا إعطاء البقية. فالصواب في الجواب: هو الذي أشرنا إليه، وهو أن المبيع في بيع الصاع من الصبرة، والمستثنى في مسألة الاستثناء كل منهما كلي، ولا وجه للإشاعة أصلا، إلا أن المشتري في مسألة بيع الصاع من الصبرة لا يملك إلا الكلي المجرد عن جميع الخصوصيات، فما دام صاع من الصبرة موجودا يستحقه منها، ولا وجه لاحتساب التالف عليه بمقدار نصيبه منها.


(1 و 2) المكاسب: كتاب البيع ص 197 س 11، 30. (3) الكلمة في المطبوع مشتبهة، يمكن أن تقرأ: الكلي.

[ 393 ]

وأما البائع في مسألة الاستثناء فهو يملك الكلي مع الخصوصية، فاحتساب التالف على المشتري لا وجه له، بل يحسب عليهما، ومقتضى استحقاقه الكلي أن يستحق الباقي لو أتلف المشتري مقدارا من الثمرة، لأن حقه لم يكن مشاعا في مال المشتري حتى يستحق القيمة. وعلى هذا، يرتفع إشكال جواز تصرف المشتري في الثمرة بلا رضا من البائع، لأنه لم يكن شريكا معه بعنوان الإشاعة، وعلى فرض حصول الإشاعة بعد العقد من جهة كون الثمرة بأجمعها تحت يد البائع فجواز تصرفه بلا إذن إنما هو لبناء المتعاقدين نوعا في هذه المعاملة على استقلال المشتري في التصرف، فكأنه شرط ضمني نشأ من البناء النوعي. وعلى أي حال، هذا الإشكال لا يختص بالإشاعة، بل بناء على كون المستثنى كليا يجري الإشكال أيضا، فإنه لا وجه لاستقلال المشتري في التصرف مع كون المستثنى منه أيضا كليا، بل يجب إما الالتزام بعدم جواز تصرف كل منهما بلا رضا الآخر، وإما الالتزام باستقلال كل منهما فيه. وكيف كان فإنما يحكم في مورد الإتلاف ببقاء حصة البائع في البقية، لا استحقاقه للمثل أو القيمة، لأجل أن مقتضى البناء المعاملي في هذه المعاملة أن يكون اختيار التصرف بيد المشتري، فكما يجوز له بيع مقدار من الثمرة من ثالث ويسري المستثنى في البقية فكذلك إذا أتلفه ينصرف قهرا حقه إلى التالف ويبقى حق البائع في البقية، وذلك لأنه إذا كان مختارا في التصرف فيه بأي نحو شاء فتصرفه يوجب أن يكون ما تصرف فيه متعينا له. وبهذا الملاك نقول: إن اختيار تعيين المستثنى بيد المشتري. وبالجملة: مقتضى البناء المعاملي أن تكون مسألة الاستثناء عكس مسألة بيع الصاع من الصبرة، فإن اختيار التعيين في تلك المسألة بيد البائع، وفي مسألة الاستثناء بيد المشتري، والتالف في تلك المسألة يحسب على البائع، وفي مسألة الاستثناء على كل واحد بحسابه، وإنما يشتركان في مورد الإتلاف، فإنه يتعين

[ 394 ]

حقهما في كلتا المسألتين في البقية، فافهم واغتنم (1). قوله (قدس سره): (قال في الروضة - تبعا للمحكي عن حواشي الشهيد (2) -: إن أقسام بيع الصبرة عشرة.... إلى آخره) (3). لا يخفى أنه لو كان مقدار الصبرة معلوما فالصحيح من أقسام بيع الصبرة أربعة، وهي بيع جميع الصبرة، وبيع جزء معلوم منها - كالعشر أو التسع ونحو ذلك من الكسور - وبيع صاع أو صيعان مع العلم باشتمالها على هذا المقدار، وبيع الصبرة كل صاع بكذا، ويبطل فيما إذا باع كل صاع منها بكذا. ووجه الصحة في الأقسام الأربعة واضح، لكون المثمن معينا كالثمن. ووجه البطلان في القسم الخامس: عدم العلم بمقدار المبيع لصلاحية انطباق قوله: " كل صاع بكذا " على الواحد والزيادة. نعم، يظهر مما أفاده العلامة في بعض كتبه (4) - من صحة الإجارة لو قال المؤجر: آجرتك الدار كل شهر بكذا في الشهر الأول، لتضمن هذا القول إجارة هذا الشهر يقينا - صحة البيع في المقام بالنسبة إلى صاع واحد. ولكن الأقوى البطلان في كلا المقامين، لأن تردد متعلق العقد بين الأقل والأكثر يقتضي الجهل به. وأما لو كان مقدار الصبرة مجهولا فيبطل جميع أقسام بيع الصبرة، إلا إذا باع


(1) لا يخفى عليك أنا قد أشرنا إلى أن الإشكالين الواردين على الإشاعة يندفعان أيضا بالبناء المعاملي، فبناء على ما يظهر من مفتاح الكرامة من حصول الإشاعة بعد المعاملة لكون كل من المستثنى والمستثنى منه في قبض البائع لا يرد إشكال عدم جواز تصرف المشتري إلا بإذن البائع، ولا كون المشتري ضامنا للقيمة في مورد الإتلاف، لأن استقلال المشتري في التصرف إذا كان للبناء المعاملي، فلا محالة يكون ما تصرف فيه مختصا به قهرا، فلا وجه لأن يكون ضامنا للقيمة. (منه عفي عنه). (2) حكاه عنه في مفتاح الكرامة: ج 4 ص 275 س 29 وما بعده. (3) الروضة البهية: ج 3 ص 268. (4) لا يخفى أن العلامة قرب البطلان في المثال كما في المختلف: ج 6 ص 141 - 142، وتردد فيه كما في الارشاد: ج 1 ص 423، ولم يظهر منه الصحة في باقي كتبه.

[ 395 ]

مقدارا يعلم باشتمال الصبرة عليه، فإنه لو قال: " بعتك صاعين منها " وعلم باشتمال الصبرة عليهما يقينا فلا مانع من صحته، إلا توهم أن الجهل بنسبة الصاعين إليها يوجب الجهل بمقدار المبيع، لأنه لا يعلم بأنه باع أي واحد من الكسور، ولكنه فاسد، لأن المدار في العلم بالمبيع على العلم بنفسه، لا العلم بنسبته إلى أمر آخر أجنبي، فكون الجهل بمقدار الصبرة موجبا للجهل بنسبة الصاعين إليها لا يضر بالمعاملة، بل قد يقال بالصحة ولو لم يعلم باشتمال الصبرة على مقدار المبيع كما هو ظاهر الدروس (1) واللمعة (2)، غاية الأمر لو نقصت يتخير المشتري بين الفسخ والإمضاء بنسبة الثمن. ولكنك خبير بأن الجهل بوجود المبيع غرر عرفا، ولا يرفعه الخيار الذي هو من أحكام العقد الصحيح، للزوم الدور، فإنه يتوقف الخيار على الصحة، وهي على عدم الغرر. * * * قوله (قدس سره): (إذا شاهد عينا في زمان سابق على العقد عليه: فإن اقتضت العادة تغيره عن صفاته السابقة إلى غيرها المجهول عند المتبايعين فلا يصح البيع.... إلى آخره). لا إشكال في أن ما كان قوام ماليته بالأوصاف الخاصة بحيث إنه لو شك في حصولها فيه عد البيع معه غرريا لا يصح بيعه إلا مع توصيف المبيع بها، أو اشتراطها في متن العقد، ونحو ذلك من أنحاء بيع الغائب كإخبار البائع بوجودها فيه. وعلى هذا فلو شاهد عينا في زمان سابق على العقد: فإذا اقتضت العادة بقاءها على ما كانت عليه فلا إشكال في الصحة وإن انكشف عدمه في الواقع، لأن البيع وقع مبنيا عليها. وإن اقتضت العادة تغيرها عما هي عليها لا يصح شراؤها إلا بذكر هذه الصفات في متن العقد، أو بإخبار البائع ببقائها، لأن بهما يرتفع الغرر.


(1) الدروس الشرعية: ج 3 ص 196. (2) اللمعة الدمشقية: ج 3 ص 267.

[ 396 ]

إنما الكلام في اعتبار الاستصحاب في هذه الصورة، والأقوى عدم اعتباره وإن قلنا بحجيته حتى مع الظن بالخلاف، لأن الأثر لم يترتب على الواقع، بل على إحراز الصفات، كانت في الواقع أو لم تكن، فإن ارتفاع الغرر من آثار العلم بوجود هذه الصفات، فاستصحاب بقاء الصفات لا أثر له. وكيف كان، فإذا اشتراها مبنيا على الصفات القديمة فانكشف التغير فلو كان موجبا للزيادة في المالية أو لنقص فيها فالأقوى ثبوت الخيار للبائع على الأول، وللمشتري على الثاني، لأن تخلف الوصف بمنزلة تخلف الشرط إما من طرف البائع أو المشتري. ومراد المصنف (قدس سره) من المغبون في قوله: " تخير المغبون منهما (1) " هو المتخلف شرطه، لا من له خيار الغبن المصطلح، لأنه ينشأ عن نقص القيمة السوقية أو زيادتها، لا عن الزيادة في المالية أو نقصانها. وكيف كان فالأقوى هو الصحة مع الخيار. ولا وجه لدعوى البطلان كما حكي عن العلامة في نهاية الأحكام (2)، معللا بأن ما وقع لم يقصد، وما قصد لم يقع، لأن تخلف الوصف بمنزلة تخلف الشرط، ومرجع كل واحد منهما إلى الآخر. وكما أن تخلف الشرط لا يوجب البطلان في حد نفسه - لأن الشرط ليس قيدا، بل التزام في التزام - فكذلك تخلف الوصف، وقياس تخلف الوصف بتخلف العنوان قياس مع الفارق، لما تقدم من أن العنوان هو ما يقع الثمن بإزائه، وهذا بخلاف الوصف أو الشرط فإن الثمن لا يقع بإزائه، وإنما هو موجب لزيادة قيمة الموصوف أو المشروط. وكذا لا وجه لدعوى اللزوم بلا خيار من باب أن الوصف الغير المذكور في متن العقد لا أثر له، وإن وقع العقد مبنيا عليه فهو كالشروط البنائية التي تخلفها


(1) المكاسب: كتاب البيع ص 198 س 31. (2) نهاية الأحكام: ج 2 ص 501.

[ 397 ]

لا يقتضي الخيار، لأنه فرق بين هذا الوصف وبين الأوصاف الملحقة بالشروط الغير المذكورة في العقد. وتوضيح ذلك أن الشروط أو الأوصاف على أقسام أربعة: قسم يذكر الوصف أو الشرط في متن العقد، وهذا لا إشكال في أن تخلفه يوجب الخيار. وثلاثة أقسام يقع العقد مبنيا عليها. فالأول منها: ما يدل عليه العقد بالدلالة الالتزامية باللازم بالمعنى الأخص، وهو ما يكون بناء العرف والعادة نوعا عليه - كاشتراط تساوي المالين في المالية، واشتراط عدم كونهما معيبا، واشتراط التسليم والتسلم، واشتراط كون المعاملة نقدية، واشتراط كون النقد نقد البلد - ويعبر عنها بالشرط الضمني، ولا إشكال في أن تخلفها أيضا يوجب الخيار. والثاني: ما يتوقف صحة العقد عليه كالوصف الذي لو لا وجوده لزم الغرر، كموضوع البحث في المقام فإنه وإن كان يعتبر في كل مورد لخصوصية فيه إلا أنه يدخل في كبرى الالتزام النوعي، لأنه إذا فرض كونه مما يتوقف عليه صحة المعاملة ومن الشروط الراجعة إلى العوضين، وفرضنا أن المتعاقدين أوقعا العقد مبنيا عليه، فلو لم يكن أولى من الالتزامات النوعية فلا أقل من كونه مساويا لها من حيث دخولها تحت الالتزام، فلا ينافي ذلك كونه بناء شخصيا من المتعاقدين، لأنه في حكم البناء النوعي، ويدخلان تحت جامع واحد، ويفترقان عن: القسم الثالث: وهو الوصف الخارجي الذي لا يعتبر ملاحظته في العقد ككون العبد كاتبا ونحو ذلك من الدواعي الموجبة لإيقاع المعاملة لأجلها، فإنها لا أثر لها إلا إذا ذكرت في متن العقد. وأما مجرد وقوع العقد مبنيا عليه فلا يوجب تخلفه الخيار. وبالجملة: لا ينبغي الإشكال في أن مجرد النية في باب العقود والإيقاعات لا أثر لها، بل لا بد أن ينشأ المقصود بما هو آلة لإيجاده، فإذا كان الوصف الذي وقع العقد مبنيا عليه من الأغراض الشخصية أو من الأوصاف الخارجية ولم يذكر في العقد لا صريحا ولا ضمنا فوجوده كعدمه.

[ 398 ]

وأما إذا كان من الأغراض النوعية - كالقسم الأول - أو من الأوصاف الشخصية المتوقفة صحة العقد عليها - كالثاني - فيخرج عن الشروط البنائية، ويدخل في الالتزام العقدي، ويكون العقد آلة لإنشائه. غاية الأمر لا مدلولا مطابقيا، بل التزاميا نوعيا أو شخصيا، فتخلفه يوجب الخيار. ثم إن الخيار بين الفسخ والإمضاء يختص بما إذا كان المبيع شخصيا. وأما إذا كان كليا موصوفا وأراد البائع أن يسلم مصداقا منه بلا وصف فللمشتري أيضا الخيار، ولكن لا بذلك المعنى، بل بمعنى أن له إسقاط الوصف والرضا بالفاقد في مقام التسلم، وله المطالبة بالوصف. وأما فسخ العقد فلا وجه له، والفرق واضح، فإن المبيع إذا كان شخصيا فليس له فرد آخر حتى يطالب بذلك. وأما إذا كان كليا فلا معنى لانتفاء الوصف فيه إلا إذا فرضنا تعذر الموصوف لفقد جميع مصاديقه. * * * قوله (قدس سره): (فرعان الأول: لو اختلفا في التغيير فادعاه المشتري.... إلى آخره). لا يخفى أن ضابط تشخيص المدعي والمنكر هو مطابقة قول المنكر للأصل المعول عليه في المسألة. ولو كان الأصل الجاري في المرتبة الأخيرة - كالبراءة والاشتغال - فمطابقة قول المنكر للبراءة أيضا كافية لتمييز المنكر عن المدعي بلا إشكال. وإنما الإشكال في تشخيص الصغرى، وأن قول أي منهما مطابق للأصل؟ وقد ذهب جل من الأساطين (1): إلى أن القول قول المشتري، لوجوه: الأول: أن المشتري هو الذي ينتزع منه الثمن، ولا ينتزع منه إلا بإقراره، أو ببينة تقوم عليه.


(1) منهم الشيخ في المبسوط: ج 2 ص 77، والحلي في السرائر: ج 2 ص 243، والمحقق الثاني في جامع المقاصد: ج 4 ص 406.

[ 399 ]

وبعبارة اخرى: يده على الثمن إنما تكون عن استحقاق، وهذا عبارة عن أصالة الصحة في اليد. وأورد عليه المصنف (1): بأن التشبث باليد في المقام لا ينفع المشتري، لاعترافه بتحقق الناقل، غاية الأمر يدعي سلطنته على الفسخ، فيجب عليه الإثبات، وبدونه يجب عليه دفعه إلى البائع. إلا أن يقال: إن وجوب التسليم فرع عدم ثبوت الخيار له، لأن العقد إذا كان خياريا يكون متزلزلا بجميع آثاره، ومنها التسليم، فكون يده يد أمانة مشكوك، لأن الشك في ثبوت الخيار له يوجب الشك في سلطنة البائع على أخذ الثمن. ولكنك خبير بأن مجرد ثبوت الخيار له لا يقتضي استحقاقه حبس الثمن. وتوضيح ذلك أن الخيار على أقسام ثلاثة: الأول: الخيار المجعول شرعا إرفاقا لذي الخيار ونظرة له في المعاملة - كخيار المجلس والحيوان - ويلحقه الخيار المشروط مدة لأحد المتعاقدين، أو لكليهما. وهذا هو الذي قصده العلامة من قوله في التذكرة: لا يجب على البائع تسليم المبيع، ولا على المشتري تسليم الثمن في زمن الخيار (2). والمصنف في أحكام الخيار وإن أورد عليه بقوله: إني لا أجد لهذا الحكم وجها معتمدا، ولم أجد من عنونه وتعرض لوجهه (3). إلا أنه يظهر منه في خيار المجلس كون الحكم مفروغا عنه. فقال ما حاصله: إنه لو قلنا بوجوب التقابض في عقد الصرف والسلم فثمرة الخيار واضحة، وهي عدم وجود التقابض (4).


(1) المكاسب: كتاب البيع ص 199 س 10. (2) تذكرة الفقهاء: ج 1 ص 537 س 30. (3) المكاسب: كتاب البيع ص 246 س 20 بتصرف. (4) المكاسب: كتاب البيع ص 219 س 27.

[ 400 ]

وكيف كان فمقتضى القواعد: عدم وجوب التسليم على ذي الخيار في الخيارات الزمانية، لأنه إذا كان الالتزام العقدي متزلزلا بحكم الشارع أو بجعل المتعاقدين فجميع آثار النقل تحت سلطنة ذي الخيار. الثاني: الخيار الناشئ عن تخلف الشرط الضمني، كخيار الغبن والعيب، ويلحق بهما خيار تخلف الوصف المشترط في المبيع. الثالث: الخيار الناشئ عن تغيير المبيع عن أوصافه المرئية سابقا، وهو المبحوث عنه في المقام الذي قلنا بأنه لو انكشف التغيير تخير المغبون منهما. والحق في القسمين الأخيرين عدم ثبوت حق الحبس لذي الخيار، فضلا عما إذا شك في أصل الخيار، كما لو اختلفا في التغيير فقال المشتري: اشتريت الغنم حال كونه سمينا، وقال البائع: اشتريته مع هذه الحالة التي هي عليها فعلا، وذلك لأن في القسم الأول حيث ما تعلق به العقد قد وصل إلى ذي الخيار فحقيقة الخيار فيه: عبارة عن كون أمر العقد بيد ذي الخيار، فجميع آثاره تحت تصرفه، ومنها التسليم والتسلم، وهذا بخلاف الأخيرين فإن حقيقة الخيار فيهما عبارة عن ثبوت حق استرداد ما لم يصل الى ذي الخيار عوضه، فالخيار ابتداء لا يرجع إلى العقد، بل ثانيا، فقبل الفسخ لم يرد تخصيص على أدلة سلطنة الناس على أموالهم، فيجب على المشتري تسليم الثمن وإن جاز له استرداده بعده. وبعبارة اخرى: الخيار في هذين القسمين معناه أن صاحب الخيار له أن يمضي العقد، أي: يلتزم به فعلا، وأن يفسخه، فمع عدم فسخه ليس له حبس مال غيره، وهذا بخلاف المجعول له إرفاقا إما بجعل شرعي، أو بجعل منهما، فإن حق النظر في العقد يقتضي عدم كونه ملزما بآثاره. الوجه الثاني: ما استدل به العلامة في التذكرة، وهو أن البائع يدعي علم المشتري بهذا الوصف الموجود والرضا به، والمشتري ينكره (1).


(1) تذكرة الفقهاء: ج 1 ص 468 س 2.

[ 401 ]

وأجاب عنه المصنف (1) أولا: بأنه يمكن جعل المشتري مدعيا والبائع منكرا، لأن الأصل عدم علم المشتري بالوصف الآخر الذي يدعيه حتى يثبت له الخيار. وثانيا: أن علمه به أو بغيره مسبب عن وجود هذا الوصف فيه سابقا، وعدمه فمع الأصل السببي لا تصل النوبة إلى الأصل المسببي، والأصل السببي مع البائع، وهو أصالة عدم تغير المبيع عما رآه سابقا. لا يقال: إن أصالة عدم علم المشتري بوصف آخر غير هذا الوصف الموجود لا أثر له، فلا تعارض بينها وبين أصالة عدم علمه بهذا الوصف الموجود، وذلك لأن دعوى البائع في المقام هي تعلق العلم بالوصف الموجود الذي أثره اللزوم، والمشتري ينكر ذلك ويدعي عدم اللزوم، لأصالة عدم تعلق علمه بهذا الوصف (2) الموجود، وهذا الأصل وإن لم يكن بنفسه ذا أثر شرعا - لأن الخيار لم يجعل في دليل من أثر هذا الأصل - إلا أنه يجري بلحاظ رفع موضوع نقيضه الذي له الأثر، فيرفع به اللزوم، وهذا بخلاف أصالة عدم علمه بوصف آخر فإنه لا أثر له أصلا إلا إثبات ضده، وهو علمه بالموجود الذي أثره اللزوم وهو مثبت. فإنه يقال في دفعه: إن المشتري يدعي علمه بالوصف المفقود الذي أثره الخيار، فأصالة عدم علمه به يرفع موضوع نقيضه، فلا إشكال في التعارض، إلا أن ما أفاده المصنف (قدس سره) من السببية والمسببية لا يستقيم، لأنه ليس بين العلم والمعلوم سببية ومسببية، بل لولا تمسك العلامة بهذا الوجه لم يكن ذكر العلم في المقام مناسبا للأعلام، فإن عمدة النزاع هو في تعلق البيع بالوصف الموجود، أو بوصف آخر مفقود، ويتعارض أصالة عدم تعلقه بالموجود مع أصالة عدم تعلقه بالمفقود، فتأمل (3).


(1) المكاسب: كتاب البيع ص 199 س 14. (2) في الأصل المطبوع: " هذا الوصف " والمناسب ما أثبتناه. (3) وسيجئ وجهه، وهو أن أصالة عدم تعلقه بالمفقود لا أثر له إلا إثبات ضده، وهو تعلقه بالموجود، لأن مجرد عدم تعلق العقد بالوصف المفقود لا أثر له شرعا، بل ولا عقلا إلا =

[ 402 ]

الوجه الثالث: ما استدل به المحقق الثاني من أن الأصل عدم وصول حقه إليه (1). ولا يخفى أن مرجع هذه الوجوه الثلاثة إلى مطابقة قول المشتري لأصالة البراءة، لأن استصحاب عدم التغيير لو لم يفد للبائع فليس هناك أصل حاكم على أصالة البراءة، وهذه التعبيرات المختلفة من الأعلام إنما هي لبيان أنه لا أصل للبائع، لا لإثبات الخيار باستصحاب عدم وصول حقه إليه حتى يقال: إنه مثبت. فجواب المصنف (2) عن الوجه الثالث: بأن حق المشتري من نفس العين قد وصل إليه قطعا، وثبوت حق له من حيث الوصف المفقود غير ثابت لا يفيد، إلا إذا جرى أصالة عدم التغيير أو أصالة اللزوم. والحق عدم جريانهما. أما الأول: فلأن استصحاب عدم التغيير لا أثر له شرعا، فهو كاستصحاب عدم وصول حق المشتري إليه، بل الموضوع للأثر هو تعلق البيع بالوصف الموجود أو بغيره حتى يثبت اللزوم على الأول والخيار على الثاني، والاستصحابان بالنسبة إليهما مثبتان. وأما الثاني: فتوضيحه يتوقف على ما أفاده المصنف (قدس سره) في مبنى المسألة. وحاصله: أن كون الأصل مع البائع أو المشتري مبني على أن يكون الوصف الملحوظ في العين المرئية من قبيل الشروط الخارجية حتى يكون النزاع في مفاد " كان " أو " ليس " الناقصتين، وأن يكون من قبيل القيد في المبيع حتى يكون النزاع في مفاد " كان " و " ليس " التامتين. فعلى الأول: الأصل مع البائع، للشك في اشتراط خلاف هذا الوصف الموجود على البائع وعدمه، فيستصحب عدمه، فهو نظير الشك في اشتراط خياطة ثوب المشتري في ضمن البيع على البائع وعدمه، ومعلوم أن الشرط والبيع كلاهما مسبوقان بالعدم، وقد وجد البيع يقينا وشك في الشرط.


= من باب العلم الإجمالي بوقوع العقد والشك في أن متعلقه هو الموصوف بالوصف الموجود أو المفقود. (منه عفي عنه). (1) جامع المقاصد: ج 4 ص 406. (2) المكاسب: ص 224 - 225.

[ 403 ]

وعلى الثاني: فالأصل مع المشتري، لأن مرجع النزاع إلى وقوع العقد على الموصوف بهذا الوصف الموجود وعدمه، والأصل عدم وقوعه عليه. ومعارضته بأصالة عدم وقوعه على الوصف المفقود مدفوعة: بأنه لا أثر لهذا الأصل إلا إثبات ضده، وهو وقوع العقد على الوصف الموجود، وهذا أثر عقلي، لأن الشارع لم يجعل من أحكام عدم وقوع العقد على الوصف المفقود اللزوم، والأقوى كونه من قبيل الشروط من حيث الخيار، أي: التزام في التزام. وأما من حيث واقع البناء فهو قيد ملحوظ في العقد، لأن البيع يقع على الشاة السمينة، لا الشاة بشرط كونها سمينة، فإذا وقع العقد على الشئ المقيد فالأصل مع المشتري. إذا عرفت ذلك ظهر لك ما في دعوى أصالة اللزوم في العقد، فإن الشك في اللزوم والجواز مسبب عن الشك في متعلق العقد، فإذا جرى أصالة عدم تعلق العقد بهذا الوصف الموجود يرتفع اللزوم. وظهر أيضا: أنه لا يعارض هذا الأصل أصالة عدم تعلق العقد بالوصف المفقود، لأنه لا أثر له. نعم، لو جرى أصالة عدم تقييد العقد بهذا الوصف المفقود لكان مفيدا لرفع الخيار، ولكنه ليس له حالة سابقة، لأن العقد حين وقوعه إما مقيد به أو بضده. وبعبارة اخرى: العدم النعتي ليس له حالة سابقة، والعدم المحمولي من طرف البائع لا أثر له، فالمقام نظير الدم المشكوك أنه حيض أو استحاضة. ثم إنه لا يمكن التمسك لطرف البائع بعموم " أوفوا بالعقود " (1)، لأن الشبهة مصداقية، ولا بقوله عز من قائل: " وأحل الله البيع " (2)، لأن الشك ليس في صحة البيع وفساده، بل في كونه خياريا أم لا؟ وبالجملة: العقود الخيارية الزمانية سواء كان جعل الخيار فيها من الشارع أو المتعاقدين خارجة عن العمومات الدالة على اللزوم بالتخصيص، وغير الزمانية


(1) المائدة: 1. (2) البقرة: 275.

[ 404 ]

خارجة بالتخصص، لأن الالتزام العقدي مقيد بما عدا مورد الخيار، ومع الشبهة الموضوعية لا يجوز التمسك بها. وكذا لا يمكن التمسك بالأدلة الدالة على حرمة التصرف في مال الغير مثل قوله تعالى: " ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض " (1)، وقوله (عليه السلام): " لا يحل مال امرئ مسلم " (2)، وقوله (عليه السلام): " الناس مسلطون على أموالهم " (3) ونحو ذلك، للعلم بتخصيصها بالمال الذي لم يدفع عوضه إلى طرفه، فإذا شك في دفعه إليه فالأصل عدمه. نعم، لو كان التخصيص بأمر وجودي وهو وقوع المعاملة على ما لا يطابق المدفوع فالأصل مع البائع، ولكنه حيث إن الأمر بالعكس - لأن منشأ خيار المشتري عدم وصول حقه إليه الذي هو عبارة: عن عدم دفع البائع العوض الذي وقع العقد عليه - فالأصل مع المشتري. وحاصل الكلام: أن الاصول المفيدة للبائع إما أن لا يكون لها حالة سابقة، وإما أن لا يترتب عليها أثر شرعي. فمن الأول: أصالة عدم تقييد متعلق العقد بما يدعيه المشتري الموجب للخيار. ومن الثاني: أصالة عدم وقوع العقد على الموصوف بالوصف المفقود، وأصالة عدم تغيير المبيع. أما الأول فلما ظهر من أن نفس عدم وقوع العقد على المفقود لا يثبت اللزوم إلا من باب العلم بوقوع عقد مردد بين تعلقه بالموجود أو المفقود، فيثبت بعدم تعلقه بالمفقود تعلقه بالموجود الذي أثره اللزوم ورفع الخيار. وأما الثاني - فمضافا إلى أنه قد لا يكون للتغير حالة سابقة كما في الأوصاف المقارنة لوجود الموصوف، وقد يكون التغيير معلوما كما ذكره المصنف (قدس سره) - أن


(1) النساء: 29. (2) عوالي اللآلي: ج 1 ص 222 ح 98. (3) عوالي اللآلي: ج 1 ص 222 ح 99.

[ 405 ]

مجرد عدم تغيير المبيع أيضا لا يثبت اللزوم، بل اللزوم مترتب على تعلق العقد بالوصف الموجود، وأصالة عدم التغيير بالنسبة إلى ما له الأثر مثبت. قوله (قدس سره): (ولم يعلم وجهه.... إلى آخره). لا يخفى أنه وإن كان مقتضى الاصول - التي ذكرنا أنها في طرف المشتري في دعوى النقص - هو مطابقة قول البائع للأصل إذا كان مدعيا للزيادة الموجبة لتضرره إلا أن الغالب أنه يقدم على البيع كائنا ما كان، ولا ينظر إلى الوصف الزائد على ما رآه المشتري سابقا. وعلى هذا فلا مانع من الأخذ بإطلاق ظاهر كلام الشهيد في اللمعة من قوله: ولو اختلفا في التغير قدم قول المشتري بيمينه (1)، حتى فيما إذا ادعى البائع تغيره في جانب الزيادة وأنكر المشتري. ولا وجه لما أفاده الشهيد الثاني: من أن الظاهر تقديم قول البائع لعين ما ذكر في المشتري، وفي تقديم قول المشتري في كلتا صورتي النقيصة والزيادة جمع بين متنافيين مدعى ودليلا.... إلى آخره (2). نعم، ينافي ما ذكرناه: من أن البائع يقدم على بيع المبيع مطلقا قوله بعد ذلك: فإن ظهرت المخالفة تخير المغبون منهما (3). قوله (قدس سره): (الثاني: لو اتفقا على التغيير بعد المشاهدة ووقوع العقد على الوصف المشاهد، واختلفا في تقدم التغيير على البيع ليثبت الخيار وتأخره عنه.... إلى آخره). لا يخفى أنه وإن اختلف هذا الفرع والفرع الأول في كيفية الدعوى إلا أنه في النتيجة لا فرق بينهما، فإن أصالة عدم وصول حق المشتري إليه تقتضي تقديم قوله مطلقا. ثم إنه لا بد أن يكون دعوى البائع في هذا الفرع وقوع التغيير بعد قبض


(1) اللمعة الدمشقية: ج 3 ص 270. (2) الروضة البهية: ج 3 ص 271 - 272. (3) اللمعة الدمشقية: ج 3 ص 269.

[ 406 ]

المشتري، لأن تلف الوصف قبل قبضه ضمانه عليه، لا على المشتري، غاية الأمر: نتيجة كون تلفه عليه هي تخير المشتري بين الفسخ والإمضاء (1). وبالجملة: لو اتفقا على أن الغنم حال المشاهدة كان سمينا، وأن العقد وقع على الوصف المشاهد، وأنه بعد المشاهدة صار مهزولا إلا أن البائع يدعي تحقق الهزال بعد قبض المشتري، والمشتري يدعي تحققه قبل العقد أو قبل القبض فالقول قول المشتري. كما لو اختلفا في أصل التغير فادعى البائع أن الغنم حال المشاهدة كان مهزولا ووقع العقد على الوصف المشاهد وادعى المشتري بأنه كان سمينا ووقع العقد عليه، لأن في الفرع الثاني أيضا تسقط الاصول السببية، سواء كان كل من التغير والعقد مجهول التأريخ، أو كان أحدهما معلوما. غاية الأمر أنه في صورة كونهما مجهولي التأريخ لا يجري الأصلان من جهتين الاولى: تعارضهما، والثانية: كونهما مثبتين، فإن أصالة عدم وقوع الهزال وبقاء السمن إلى زمان القبض لا يثبت وصول السمين إلى المشتري الذي يترتب عليه اللزوم شرعا، كما أن أصالة عدم وقوع البيع أو القبض الى زمان الهزال لا يثبت وقوع العقد أو القبض على المهزول الذي يترتب عليه الجواز شرعا. وأما في صورة الجهل بتأريخ أحدهما فلا يعارض المعلوم المجهول، إلا أنه لا أثر لأصالة تأخر المجهول عن المعلوم. وعلى هذا فلا حاكم على أصالة عدم وصول الحق إلى المشتري في كلا الفرعين، سواء كان الشك في أصل الحق كما في الفرع الأول الذي مرجعه إلى الشك في استحقاقه ما وصل إليه، أو كان الشك في وصول الحق المعلوم كما في الفرع الثاني.


(1) نعم، بناء على أن تلف الوصف بعد العقد ليس حكمه حكم تلف المبيع وتلف جزئه في كون ضمانه على البائع، فيكفي للبائع دعوى التغيير بعد العقد ولو قبل القبض، ولا يبعد أن يكون وجه نظر المصنف في جعل التعارض بين أصالة عدم تقدم البيع وأصالة عدم تقدم التغير، لا بين أصالة عدم تقدم القبض وأصالة عدم تقدم التغير هو الخلاف في كون ضمان تلف الوصف على البائع قبل القبض. (منه عفي عنه).

[ 407 ]

ثم إنه يظهر مما ذكرنا: حكم ما إذا ادعى البائع الزيادة قبل البيع وادعى المشتري تأخرها عنه من أن القول قول البائع إلا على ما احتملناه سابقا من إقدام البائع على البيع كيفما كان المبيع، فتأمل. قوله (قدس سره): (ولو وجد المبيع تالفا بعد القبض فيما يكفي في قبضه التخلية... إلى آخره). إنما قيد وجدانه المبيع تالفا بما بعد القبض، لأنه لو كان تالفا قبل القبض فهو أيضا على البائع، كما أنه لو تلف في زمان خيار المشتري في الخيارات الزمانية فهو على البائع ولو بعد القبض. وعلى هذا فيعتبر في تصوير النزاع بينهما أن يكون القبض مفروغا عنه إما لكفاية التخلية فيه كما في غير المنقول، وإما لتحقق القبض سابقا قبل البيع، كالمنقول الذي كان في يد المشتري أمانة فباعه البائع منه، وادعى المشتري تلفه قبل البيع، وادعى البائع تلفه بعده. وبالجملة: لو وجد المبيع تالفا فحيث إن الأصل الموضوعي الجاري لكل واحد منهما مع كونه مثبتا معارض بالمثل في مجهولي التأريخ والجاري لأحدهما في ما إذا كان إحدى الحالتين بالخصوص مجهولة مثبت فيشك في تأثير البيع، وتصل النوبة إلى الأصل الحكمي، وهو بقاء الثمن في ملك المشتري. وتوهم حكومة أصالة الصحة على الاستصحاب الحكمي فاسد، لأن أصالة الصحة لا تجري في الشك في أركان البيع فضلا عن الشك في أصله، فإنها تجري في مورد دوران الأمر بين الصحة والفساد الراجعين إلى فعل المتعاقدين، لا في دورانه بين الصحة واللغوية كما في المقام ونظائره، كالشك في رجوع المرتهن عن إذنه في البيع قبل بيع الراهن أو بعده، فإنه لا معنى لأصالة صحة رجوعه والحكم بأنه وقع قبل البيع. وبالجملة: قد أوضحنا في الاصول (1): أن المتيقن من قاعدة الصحة هو الشك في الصحة والفساد الناشئين عن إقدام العاقد على بيع ما يجتمع فيه شرائط البيع


(1) فوائد الاصول: ج 4 ص 657.

[ 408 ]

شرعا وعدمه. وأما مصادفة العقد لما هو معتبر شرعا وعدمها فلا تجري فيها القاعدة، فضلا عن الشك في مصادفته لما هو معتبر عقلا أو عرفا وعدمها. فعلى هذا لو سلمنا جريانها عند الشك في البيع بلا ثمن والشك في بيع الخمر والخنزير أو بيع الخل والشاة إلا أنها لا تجري في الشك في وجود المبيع وعدمه، لأنه يرجع إلى الشك في الصحة واللغوية. وأصالة الصحة ليس مفادها أن العاقل لا يصادف عمله مع اللغو، بل معناها أن العاقل لا يقدم عمدا على اللغو والعبث، لأنه يقبح صدوره منه مع علمه بقبحه. ثم إن في بعض هذه الأمثلة يمكن دعوى عدم صحته عقلا وعرفا أيضا: كالبيع بلا ثمن، فإنه ليس تبديلا لطرف إضافة بطرف إضافة اخرى. وقد تقدم الأقوال في هذه المسألة، وفي بعض منها يمكن دعوى صحته شرعا أيضا، كبيع ما أتلفه زيد على عمرو، فضلا عن الصلح عليه بناء على ما تقدم من أن التالف يبقى في ذمة المتلف، ولا يتبدل إلى المثل أو القيمة بمجرد التلف. وعلى هذا يصح بيعه أو الصلح عليه بما شاء من العوض، ولا يلزم الربا، وهذا بخلاف ما إذا انتقل إلى القيمة فإن المعاوضة بينها وبين النقدين لا تصح إلا إذا كانا متساويين. نعم، بناء على عدم جريان الربا في الصلح يصح جعل كل مقدار عوضا عنها. * * * قوله (قدس سره): (لا فرق في عدم جواز بيع المجهول بين ضم معلوم إليه وعدمه... إلى آخره). لا إشكال في أنه بعد ما ثبت عدم جواز بيع المجهول إما للإجماع المحصل، أو المنقول، أو لحديث نفي الغرر، أو للأخبار المحكية عن مستدرك الوسائل (1) فمقتضى القاعدة عدم كفاية ضم المعلوم إليه، وهو المشهور بين العلماء.


(1) مستدرك الوسائل: ب 10 من أبواب عقد البيع ج 13 ص 237 - 241.

[ 409 ]

وقيل: إن المشهور بين القدماء هو الصحة (1). وقيل بالتفصيل: بين ما إذا كان المجهول مقصودا بالاستقلال أو منضما إلى المعلوم، وبين ما إذا كان تابعا فيبطل على الأول ويصح على الثاني (2). والحق هو التفصيل، ولكنه على بعض الوجوه لا مطلقا. وتوضيح ذلك: أنهم اختلفوا في معنى التابع في المقام، فيظهر من العلامة في القواعد (3) والتذكرة (4): أن التابع ما اخذ شرطا في المبيع في مقابل ما جعل جزءا منه، وبناء عليه فلا فرق في الصحة بين أن يكون الشرط أصلا في الغرض أو تابعا. كما لا فرق في البطلان على الجزئية بين الصورتين، لأنه جعل المدار في الصحة والبطلان على التبعية والأصالة في العقد، وإن كانتا متعاكستين في الغرض النوعي أو غرض شخص المتعاقدين. ويرد عليه: ما أورد عليه المحقق الثاني: من أن هذا الفرق ليس بشئ، لأن العبارة لا أثر لها (5). ويظهر من الشهيدين (6) والمحقق الثاني (7): أن المراد من التابع هو ما يعد في العرف تابعا كمفتاح الدار، وحمل الام، والبيض الذي في جوف الدجاجة، واللبن في الضرع، ونحو ذلك مما لا يبعد دعوى الدلالة الالتزامية بدخوله في المبيع لولا شرط خروجه. وعلى هذا أيضا لا نظر إلى الغرض الشخصي ولا النوعي، فإن الحمل في


(1) قاله العاملي في مفتاح الكرامة: ج 4 ص 282 س 26. (2) قاله العلامة الحلي في القواعد: ج 1 ص 127 س 15، بل نسبه الى مشهور المتأخرين في الحدائق الناضرة: ج 18 ص 487. (3) قواعد الأحكام: ج 1 ص 153 س 7 وما بعده. (4) تذكرة الفقهاء: ج 1 ص 493 س 27، 36. (5) جامع المقاصد: ج 4 ص 385. (6) الشهيد الأول في الدروس الشرعية: ج 3 ص 216، الشهيد الثاني في الروضة البهية: ج 3 ص 313. (7) جامع المقاصد: ج 4 ص 389.

[ 410 ]

بعض أفراد الخيل لعله الأصل بالنسبة إلى الغرض الشخصي، بل النوعي، ولكنه بالنسبة إلى الدلالة الالتزامية تابع. ويظهر من العلامة في المختلف (1): أن المراد من التابع ما يكون تابعا بالنسبة إلى الغرض من المعاملة، سواء كان غرضا نوعيا أو شخصيا. ويظهر من المحقق القمي (2) وصاحب الجواهر (3): أن المراد من التابع هو التبعية في الجعل والتباني، بمعنى أن المبيع ولو كان في الواقع هو المجهول ولكن للتخلص عن الغرر يجعل تبعا للمعلوم، كما في مورد التخلص عن الربا في البيع الخياري في كثير من المعاملات، فإن التباني والجعل على البيع والمقصود هو الربا، وهكذا ما يستعمله بعض الناس في التخلص عن المخاصمة بإيقاع العقد على ما هو ماله يقينا، وجعل ما لا يخلو عن مدع تبعا. والأقوى هو الوجه الثاني، بل الأول أيضا، فإن المجهول لو كان تابعا للمبيع أو جعل شرطا لا يضر جهالته، لأن ما وقع في عقد المعاوضة مبيعا ليس مجهولا، وما هو مجهول لم يقع عليه العقد. وما أوردنا على الوجه الأول تبعا للمحقق الثاني غير وارد، لأن الجزء يقسط عليه الثمن، فإذا كان مجهولا يفسد البيع، وهذا بخلاف الشرط فإن الثمن يقع بإزاء المشروط وهو معلوم. ثم بعد ما عرفت ما هو مقتضى القواعد الكلية فلو دلت الروايات الواردة في المقام (4) على خلافها فلابد من الاقتصار على موردها، ولا يمكن التعدي عنه إلى غيره، لعدم استفادة القاعدة الكلية منها بحيث تدل على أن المجهول يصح بيعه منضما إلى المعلوم مطلقا، أصليا كان أو تبعيا، جعل جزءا أو شرطا. * * *


(1) مختلف الشيعة: ج 5 ص 248 و 254. (2) جامع الشتات: ج 1 ص 125 س 30. (3) جواهر الكلام: ج 22 ص 445. (4) وسائل الشيعة: ب 12 من أبواب عقد البيع ج 12 ص 263 - 266.

[ 411 ]

قوله (قدس سره): (مسألة: يجوز أن يندر لظرف ما يوزن مع ظرفه مقدار يحتمل الزيادة والنقيصة على المشهور.... إلى آخره). لا يخفى أن موضوع هذه المسألة غير موضوع المسألة الآتية، وهي بيع المظروف مع ظرفه، فإن هذه المسألة عبارة عن بيع المظروف دون ظرفه، ولذا يتفرع عليه مسألة إندار الظرف. ثم إن الإندار المفروض في المقام: تارة يلاحظ قبل رتبة البيع، واخرى بعدها. والمصنف (قدس سره) استظهر من عبارات القوم: أن مفروض كلامهم هو الثاني، ولكن الحق: أن عباراتهم ولو لم تكن ظاهرة في الأول إلا أنها قابلة للحمل عليه، مع أن صحة الصورة الثانية لا تخلو عن إشكال، فإنه إذا وزن الظرف والمظروف وبيع المظروف قبل الإندار ثم اندر للظرف بعد البيع يكون المبيع مجهولا، ولا يصححه كون هذا العمل متعارفا عند التجار، وإن تحقق التراضي من المتبايعين أيضا، وإلا لصح بيع كل موزون بلا وزن مع تراضيهما. وبالجملة: عنوان هذه المسألة في كلمات الأساطين إنما هو لاستثناء بيع الموزون الذي لم يعلم وزنه تحقيقا، وإنما علم تخمينا وتقريبا. فصورته: أن يوزن الظرف بما فيه، ثم يندر مقدار للظرف مع جريان عادة التجار على الإندار ومع تراضي المتبايعين على المقدار، ثم يباع المبيع، فالإندار يوجب تعيين المبيع والثمن كليهما، وليس مخصوصا لتعيين ما يستحقه البائع من الثمن. ثم إن المقدار المندر: تارة لا يحتمل الزيادة والنقيصة إلا بمقدار يتسامح فيه، واخرى يعلم الزيادة أو النقيصة، وثالثة يحتمل كلاهما. وعلى جميع التقادير يصح البيع مع التعارف والتراضي، غاية الأمر في مورد العلم بزيادته على المقدار أو نقيصته يتضمن البيع هبة من أحدهما، بل مقتضى ما ذكرناه من أن المدار على التعارف والرضا بما يتعارف هو صحة الإندار فيما يباع بلا ظرف، كما هو المتعارف في بيع المخضرات، فيباع من من البطيخ ونحوه، ويندر مقدار منه ويسمى بالترك.

[ 412 ]

وقد يتفق أنه بعد وزن مقدار خاص يوضع مقدار من الرقي أو البطيخ فوق الموزون، لأن هذا مرجعه إلى هبة ذلك المقدار فلا يضر زيادته. وكيف كان ففيما يوزن مع ظرفه ويباع المظروف فالجهل بمقداره لا يضر بصحة المعاملة. وعلى ما ذكرنا يصح الإندار، سواء باع المظروف جملة بكذا، أو باعه كل رطل بدرهم، فإنه بعد ما وزن المجموع وترك للظرف مقدارا وباع المظروف فسواء باعه جملة بعشرة دراهم أو باعه كل رطل بدرهم فقد لوحظ المبيع في الرتبة المتأخرة عن الإندار. ثم لا يخفى أن قوله (قدس سره): بأن يقول: " بعتكه كل رطل بدرهم (1) " هو القسم الصحيح من أقسام العشرة من بيع الصبرة، وهو بيع الجملة كل قفيز بدرهم لا القسم الباطل، وهو بيع كل قفيز منها بدرهم، وعلى هذا فالمبيع في الحقيقة مجموع ما في الظرف، سواء قيل: " بعتكه بكذا وبعتكه كل رطل بكذا " ففي كلا القسمين بالإندار يتعين المبيع وما يستحقه البائع من الثمن. فقوله (قدس سره): وقد علم مما ذكرنا أن الإندار الذي هو عبارة عن تخمين الظرف الخارج عن المبيع بوزن إنما هو لتعيين حق البائع، وليس حقا للمشتري.... إلى آخره (2) لا يستقيم، لما عرفت أن بالإندار يتعين كلا الحقين. والعجب أنه (قدس سره) استظهر (3) من عبارة فخر المحققين: أنه جعل عنوان البحث هو الوجه الثاني، مع أنها لو لم تكن صريحة في أن الإندار في رتبة قبل البيع فلا أقل من ظهورها فيه! ولعل أمره (قدس سره) بالتأمل يرجع إلى ذلك. وكيف كان فالمتيقن من الصحة هو ما اعتاد الإندار فيه بين التجار وتحقق رضا المتبايعين بالمقدار، لأنه ليس في البين دليل يدل بإطلاقه على صحته من دون تراض منهما.


(1) المكاسب: كتاب البيع ص 206 س 12. (2) المصدر السابق: ص 207 س 2. (3) المصدر السابق: ص 206 س 17.

[ 413 ]

أما رواية على ابن أبي حمزة (1) ورواية علي بن جعفر (2) فصريحتان في اعتبار التراضي، فلم يبق إلا موثقة حنان، وهي أيضا ظاهرة في كون المورد مورد الرضا، لقوله: " يحسب لنا النقصان لمكان الزقاق " (3) فإن الحاسب والمحسوب له مختاران في إندار المقدار، فمفروض السؤال هو مورد التراضي، مع أنها على فرض إطلاقها تقيد بالروايتين الصريحتين في اعتبار التراضي منهما. ثم إن المصنف (قدس سره) استظهر من الروايات النقصان والزيادة الفعليتين فوقع في محذور توجيهها، مع أن الظاهر منها هو احتمالها. ثم لا يخفى أن بعد دلالة الأخبار على صحة إندار ما يحتمل الزيادة والنقيصة لا وقع للتمسك لصحته بأصالة عدم زيادة المبيع عليه، وعدم استحقاق البائع أزيد مما يعطيه المشتري من الثمن، فإن الأصل حجة حيث لا دليل. هذا، مع أنه بمفاد " ليس " التامة وإن كان صحيحا إلا أنه لا أثر له. وبمفاد " ليس " الناقصة ليست له حالة سابقة، وإجراء العدم المحمولي لترتيب آثار النعتي مثبت، وعلى هذا فلا يدور صحة الإندار مدار مطابقته للواقع، بل يصح مطلقا، زاد أو نقص. نعم، هذا فيما إذا لم يعلم بالزيادة. وأما لو علم فيحتاج إلى رضا جديد غير الرضا بأصل الإندار، وإلا فلا يجوز كما هو ظاهر ما يستفاد من الرواية الأخيرة، فإن قوله (عليه السلام): " لا بأس " في ذيل الرواية - وهي " ربما يشتري الطعام من أهل السفينة ثم يكيله فيزيد، قال (عليه السلام): ربما نقص، قلت: وربما نقص، قال: فإذا نقص ردوا عليكم؟ قلت: لا، قال: لا بأس " (4) - ظاهر في أنه إذا زاد دائما ففيه بأس، أو يكره كما هو ظاهر موثقة حنان من قوله (عليه السلام): " وإن كان يزيد ولا ينقص


(1) وسائل الشيعة: ب 20 من أبواب عقد البيع ح 1 ج 12 ص 272. (2) وسائل الشيعة: ب 20 من أبواب عقد البيع ح 3 ج 12 ص 273. (3) وسائل الشيعة: ب 20 من أبواب عقد البيع ح 4 ج 12 ص 273. (4) وسائل الشيعة: ب 27 من أبواب أحكام العقود ح 2 ج 12 ص 403، مع اختلاف يسير.

[ 414 ]

فلا تقربه " (1) فإن النهي عن التقريب إلى الزيادة ظاهر في الكراهة. وكيف كان ففي موضوع البحث - وهو احتمال الزيادة والنقصان - لا أثر لانكشاف الخلاف، فإن من هذه الأخبار يستفاد أمران: الأول: صحة بيع المجهول في هذا القسم المتعارف بين التجار. والثاني: عدم استحقاق البائع على المشتري شيئا إذا لم يكن وزن الظرف بالمقدار الذي أندر له، بل كان أقل، وعدم استحقاق المشتري على البائع إذا كان وزن الظرف في الواقع أزيد. فإن خبر علي بن جعفر (عليه السلام) متضمن للسؤال عن صحة هذا البيع وفساده بقرينة قوله: " أيحل ذلك البيع ". وخبر حنان متضمن لاستحقاق كل من البائع والمشتري بما وقع بقرينة قول معمر الزيات: " فيحسب لنا النقصان لمكان الزقاق ". قوله (قدس سره): (ثم الظاهر أن الحكم المذكور غير مختص بظروف السمن.... إلى آخره). قد أشرنا إلى أن الإندار والترك إذا كان متعارفا بين التجار يصح مطلقا، والظاهر أن موارده أربعة: الأول: في ظروف السمن والزيت والدبس والنفط، ونحو ذلك مما يصعب إفراغه وبيع المظروف وحده. الثاني: ظروف المتاع: كالجوالق (2) ونحوها. الثالث: ما يكون مصاحبا للمبيع ويصعب التفريق بينهما: كالشمع في الحلي المصنوعة من الذهب والفضة، والذي يوضع في الجلود لئلا يفسد كالملح


(1) وسائل الشيعة ب 20 من أبواب عقد البيع ح 4 ج 273 12. (2) الجوالق: بضم الجيم مع كسر اللام وفتحها: وعاء من الأوعية معروف معرب، والجمع جوالق بفتح الجيم مع كسر اللام أو جواليق، لاحظ لسان العرب: ج 10 ص 36 مادة " جلق ".

[ 415 ]

في الجلد الذي يراد دبغه فيما يتعارف بيعه بالوزن، وهكذا الدبس الذي يصب في الزقاق ونحو ذلك. الرابع: الترك المتعارف في الخضروات. هذا تمام الكلام في مهمات البيع وأحكامه، ويتلوه - إن شاء الله تعالى - أقسام الخيار وأحكامه. والحمد لله أولا وآخرا، والصلاة والسلام على مؤسس قواعد الدين محمد وآله الطيبين الطاهرين، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين. * * * إلى هنا ينتهي الجزء الثاني حسب تجزئتنا ويليه إن شاء الله الجزء الثالث وأوله: الخيارات (1) وسائل الشيعة ب 20 من أبواب عقد البيع ح 4 ج 273 12. (2) الجوالق: بضم الجيم مع كسر اللام وفتحها: وعاء من الأوعية معروف معرب، والجمع جوالق بفتح الجيم مع كسر اللام أو جواليق، لاحظ لسان العرب: ج 10 ص 36 مادة " جلق ".

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية